######OpenITI# #META# Author: طنطاوي #META# Title: الوسيط في تفسير القرآن الكريم #META# Date: ت 1431 ه #META# Tafsir_type: تفاسير حديثة #META# Source: altafsir.com #META#Header#End# ### | [1 - سورة الفاتحة] ### || [1.1-7] # { بسم الله الرحمن الرحيم } الاسم اللفظ الذى يدل على ذات أو ~~معنى. وقد اختلف النحويون فى اشتقاقه على وجهين، فقال البصريون هو مشتق ~~من السمو، وهو العلو والرفعة، فقيل اسم، لأن صاحبه بمنزلة المرتفع به. ~~وقال الكوفيون إنه مشتق من السمة وهى العلامة، لأن الاسم علامة لمن وضع ~~له، فأصل اسم على هذا " وسم ". ويرى المحققون أن رأى البصريين أرجح، لأنه ~~يقال فى تصغير " اسم " سمى، وفى جمعه أسماء، والتصغير والجمع يردان ~~الأشياء إلى أصولها. ولو كان أصله وسم - كما قال الكوفيون - لقيل فى جمعه ~~أوسام، وفى تصغيره وسيم. ولفظ الجلالة وهو " الله " علم على ذات الخالق - ~~عز وجل - تفرد به - سبحانه - ولا يطلق على غيره، ولا يشاركه فيه أحد. قال ~~القرطبى قوله " الله " هذا الاسم أكبر أسمائه - سبحانه - وأجمعها حتى قال ~~بعض العلماء إنه اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره، ولذلك لم يثن ولم ~~يجمع فالله اسم للموجود الحق الجامع لصفات الإلهية، المنعوت بنعوت ~~الربوبيه، المنفرد بالوجود الحقيقى، لا إله إلا هو - سبحانه - و { ~~الرحمن الرحيم } صفتان مشتقتان من الرحمة. والرحمة فى أصل ~~اللغة رقة فى القلب تقتضى الإحسان، وهذا المعنى لا يليق أن يكون وصفا ~~لله - تعالى-، ولذا فسرها بعض العلماء بإرادة الإحسان. وفسرها آخرون ~~بالإحسان نفسه. والموافق لمذهب السلف أن يقال هى صفة قائمة بذاته - ~~تعالى - لا نعرف حقيقتها، وإنما نعرف أثرها الذى هو الإحسان. وقد كثرت ~~أقوال المفسرين فى العلاقة بين هاتين الصفتين، فبعضهم يرى أن { ~~الرحمن } هو المنعم على جميع الخلق. وأن { الرحيم } هو المنعم ~~على المؤمنين خاصه. ويرى آخرون أن { الرحمن } هو المنعم بجلائل ~~النعم، وأن { الرحيم } هو المنعم بدقائقها. ويرى فريق ثالث أن ~~الوصفين بمعنى واحد وأن الثانى منهما تأكيد للأول. والذى يراه المحققون ~~من العلماء أن الصفتين ليستا بمعنى واحد، بل روعى فى كل منهما معنى لم ~~يراع فى الآخر، فالرحمن بمعنى عظيم الرحمة، لأن فعلان صيغة مبالغة فى ~~كثرة الشئ وعظمته، ويلزم منه الدوام كغضبان وسكران. ms0001 والرحيم بمعنى دائم ~~الرحمة، لأن صيغته فعيل تستعمل فى الصفات الدائمة ككريم وظريف. فكأنه قيل ~~العظيم الرحمة الدائمة. أو أن { الرحمن } صفة ذاتية هى مبدأ الرحمة ~~والإحسان. و { الرحيم } صفة فعل تدل على وصول الرحمة والإحسان ~~وتعديهما إلى المنعم عليه. ولعل مما يؤيد ذلك أن لفظ الرحمن لم يذكر فى ~~القرآن إلا مجرى عليه الصفات كما هو الشأن فى أسماء الذات. قال - تعالى- # الرحمن علم القرآن # و # الرحمن على العرش استوى # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن # وهكذا... أما لفظ الرحيم فقد كثر فى القرآن استعماله وصفا فعليا، وجاء ~~فى الغالب بأسلوب التعدية والتعلق بالمنعم عليه. قال - تعالى - # إن الله بالناس لرءوف رحيم # وكان بالمؤمنين رحيما # إنه كان بكم رحيما # إلخ. قال بعض العلماء " وهذا الرأى فى نظرنا هو أقوى الآراء، فإن تخصيص ~~أحد الوصفين بدقائق النعم أو ببعض المنعم عليهم لا دليل عليه، كما أنه ~~ليس مستساغا أن يقال فى القرآن إن كلمة ذكرت بعد أخرى لمجرد تأكيد ~~المعنى المستفاد منها ". والجار والمجرور " بسم " متعلق بمحذوف تقديره ~~ابتدئ. والمعنى ابتدئ قراءتى متبركا ومتيمنا باسم الله الذى هو الأول ~~والآخر، والظاهر والباطن، والذى رحمته وسعت كل شئ، وأتبرأ مما كان يفعله ~~المشركون والضالون، من ابتدائهم قراءتهم وأفعالهم باسم اللات أو باسم ~~العزى أو باسم غيرهما من الآلهة الباطلة. هذا وقد أجمع العلماء على أن ~~البسملة جزء آية من سورة النمل فى قوله - تعالى - # إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن ~~الرحيم # ثم اختلفوا بعد ذلك فى كونها آية مستقلة أنزلت للفصل بين السور مرة ~~واحدة، أو هى آية من سورة الفاتحة ومن كل سورة ألخ. فبعضهم يرى أن ~~البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة، ومن حججهم أن السلف قد أثبتوها فى ~~المصحف مع الأمر بتجريد القرآن مما ليس منه، ولذا لم يكتبوا " آمين ". ~~فثبت بهذا أن البسملة جزء من الفاتحة ومن كل سورة. وبهذا الرأى قال ابن ~~عباس وابن عمر وأبو هريرة وسعيد بن جبير والشافعى، وأحمد فى أحد قوليه. ms0002 ~~ويرى آخرون أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، ~~وقالوا إنها آية فذة. من القرآن أنزلت للفصل والتبرك للابتداء بها، ومن ~~حججهم أنها لو كانت آية من الفاتحة ومن كل سورة، لما اختلف الناس فى ذلك، ~~ولما اضطربت أقوالهم فى كونها آية من كل سورة أو من الفاتحة فقط. وكما ~~وقع الخلاف بين العلماء فى كونها آية مستقلة أو آية من كل سورة، فقد وقع ~~الخلاف بينهم - أيضا - فى وجوب قراءتها فى الصلاة، وفى الجهر بها أو ~~الإسرار إذا قرئت. وتحقيق القول فى ذلك مرجعه إلى كتب الفقه، وإلى كتب ~~التفسير التى عنيت بتفسير آيات الأحكام. { الحمد لله رب ~~العالمين الرحمن الرحيم } { الحمد } هو الثناء باللسان ~~على الجميل الصادر عن اختيار من نعمة أو غيرها. { رب العالمين } أى ~~مالكهم، إذ الرب مصدر " ربه يربه " إذا تعاهده بالتربية حتى يبلغ به ~~شيئا فشيئا درجة الكمال. وهو اسم من أسماء الله - تعالى - ولا يطلق على ~~غيره إلا مقيدا فيقال رب الدار، ورب الضيعة أى صاحبها ومالكها. # والعالمين جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله - تعالى - قال القرطبى " وهو ~~مأخوذ من العلم والعلامة لأنه يدل على موجده " وقيل المراد بالعالمين ~~أولو العلم من الإنس والجن والملائكة. وقد افتتحت سورة الفاتحة بهذه ~~الجملة الكريمة { الحمد لله رب العالمين } لأنه سبحانه ~~أول كل شئ وآخر كل شئ، ولكى يعلمنا - سبحانه - أن نبدأ كتبنا وخطبنا ~~بالحمد والثناء عليه، حتى نبدأ ونحن فى صلة بالله تكشف عن النفوس ~~أغشيتها، وتجلو عن القلوب أصداءها. والمعنى - كما قال ابن جرير - " الشكر ~~خالصا لله - جل ثناؤه - دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما برأ من ~~خلقه بما أنعم على عباده من النعم التى لا يحصيها العدد. ولا يحيط بعددها ~~غيره أحد، فى تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء ~~فرائضه، مع ما بسط لهم فى دنياهم من الرزق، وغذاهم به من نعيم العيش، عن ~~غير استحقاق لهم عليه، ومع ما نبههم عليه ودعاهم ms0003 إليه، من الأسباب ~~المؤدية إلى دوام الخلود فى دار المقام فى النعيم المقيم. لربنا الحمد ~~على ذلك كله أولا وآخرا. فالآية الكريمة قد قررت بصراحة ووضوح ثبوت ~~الثناء المطلق الذى لا يحد لله - تعالى - وانه ليس لأحد أن ينازعه إباه - ~~سبحانه - هو رب العالمين. وجملة { الحمد لله } مفيدة لقصر الحمد ~~عليه - سبحانه - نحو قولهم " الكرم فى العرب ". كما أن أل فى " الحمد " ~~للاستغراق. أى أن جميع أجناس الحمد ثابتة لله رب العالمين. وإنما كان ~~الحمد مقصورا فى الحقيقة على الله، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء ~~فهو صادر عنه ومرجعه إليه، إذ هو الخالق لكل شئ، وما يقدم إلى بعض الناس ~~من حمد جزاء إحسانهم، فهو فى الحقيقة حمد لله، لأنه - سبحانه - هو الذى ~~وفقهم لذلك وأعانهم عليه. ولم تفتتح السورة بصيغة الأمر بأن يقال احمدوا ~~الله، وإنما افتتحت بصيغة الخبر { الحمد لله } ، لأن الأمر يقتضى ~~التكليف والتكليف قد تنفر منه النفوس أحيانا، فأراد - سبحانه - وهو ~~يبادئهم بشرعة جديدة وتكاليف لم يعهدوها، أن يؤنس نفوسهم، ويؤلف قلوبهم، ~~فساق لهم الخطاب بصيغة الخبر، ترفقا بهم، حتى يديموا الإصغاء لما سيلقيه ~~عليهم من تكاليف. وقد تكلم بعض المفسرين عن الحكمة فى ابتداء السورة ~~الكريمة بقوله - تعالى - { الحمد لله } ، دون قوله - تعالى - ~~المدح لله، أو الشكر لله. فقال اعلم أن المدح أعم من الحمد، والحمد أعم ~~من الشكر. أما بيان أن المدح أعم من الحمد فلأن المدح يحصل للعاقل وغير ~~العاقل، ألا ترى أنه كما يحسن مدح الرجل العاقل على أنواع فضائله، فكذلك ~~قد يمدح اللؤلؤ لحسن شكله. # أما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من الإنعام ~~والإحسان، فثبت أن المدح أعم من الحمد. وأما بيان أن الحمد أعم من ~~الشكر، فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإنعام. ~~سواء أكان ذلك الإنعام واصلا إليك أم إلى غيرك. وأما الشكر فهو عبارة عن ~~تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك، فثبت بما ذكرنا أن المدح ms0004 أعم من الحمد، وأن ~~الحمد أعم من الشكر. إذا عرفت هذا فنقول إنما لم يقل المدح لله، لأننا ~~بينا أن المدح كما يحصل للفاعل المختار فقد يحصل لغيره. وأما الحمد فإنه ~~لا يحصل إلا للفاعل المختار. فكان قوله " الحمد لله " تصريحا بأن المؤثر ~~فى وجود هذا العالم فاعل مختار خلقه بالقدرة والمشيئة... وإنما لم يقل ~~الشكر لله، لأننا بينا أن الشكر عبارة عن تعظيمه بسبب إنعام صدر منه ووصل ~~إليك، وهذا يشعر بأن العبد إذا ذكر تعظيمه بسبب ما وصل إليه من النعمة. ~~فحينئذ يكون المطلوب الأصلى له وصول النعمة إليه. وهذه درجة حقيرة. فأما ~~إذا قال " الحمد لله " ، فهذا يدل على أن العبد حمده لأجل كونه مستحقا ~~للحمد لا لخصوص أنه - سبحانه - أوصل النعمة إليه، فيكون الإخلاص أكمل، ~~واستغراق القلب فى مشاهدة نور الحق أتم، وانقطاعه عما سوى الحق أقوى ~~وأثبت. وقد أجرى - سبحانه - على لفظ الجلالة نعت الربوبيه للعالمين، ~~ليكون كالاستدلال على استحقاقه - تعالى - للحمد وحده، وفى ذلك إشعار ~~لعباده بأنهم مكرمون من ربهم، إذ الأمر بغير توجيه فيه إيماء إلى إهمال ~~عقولهم، أما إذا كان موجها ومعللا فإنه يكون فيه إشعار لهم برعاية ناحية ~~العقل فيهم، وفى تلك الرعاية تشريف وتكريم لهم. فكأنه - سبحانه - يقول ~~لهم اجعلوا حمدكم وثناءكم لى وحدى. لأنى أنا رب العالمين. وأنا الذى ~~تعهدتكم برعايتى وتربيتى منذ تكوينكم من الطين حتى استويتم عقلاء مفكرين. ~~وقد أتبع - سبحانه - هذا الوصف وهو { رب العالمين } ، بوصف آخر ~~هو { الرحمن الرحيم } لحكم سامية من أبرزها أن وصفه - تعالى - ~~ب { رب العالمين } أى مالكهم، قد يثير فى النفوس شيئا من الخوف ~~أو الرهبة، فإن المربى قد يكون خشنا جبارا متعنتا، وذلك مما يخدش من ~~جميل التربية، وينقص من فضل التعهد. لذا قرن - سبحانه - كونه مربيا، ~~بكونه الرحمن الرحيم، لينفى بذلك هذا الاحتمال، وليفهم عباده بأن ربوبيته ~~لهم مصدرها عموم رحمته وشمول إحسانه، فهم برحمته يوجدون، وبرحمته يتصرفون ~~ويرزقون، وبرحمته يبعثون ويسألون. ولا شك أن فى هذا الإفهام تحريضا ms0005 ~~لهم على حمده وعبادته بقلوب مطمئنة، ونفوس مبتهجة، ودعوة لهم إلى أن ~~يقيموا حياتهم على الرحمة والإحسان، لا على الجبروت والطغيان، فالراحمون ~~يرحمهم الرحمن. # { ملك يوم الدين } بعد أن بين - سبحانه - لعباده موجبات ~~حمده، وأنه الجدير وحده بالحمد، لأنه المربى الرحيم، والمنعم الكريم، ~~أتبع ذلك ببيان أنه - سبحانه - { ملك يوم الدين }. والمالك ~~وصف من الملك - بكسر الميم - بمعنى حيازة الشئ مع القدرة على التصرف فيه. ~~واليوم فى العرف ما يكون من طلوع الشمس إلى غروبها، وليس هذا مرادا هنا، ~~وإنما المراد مطلق الزمن وهو يوم القيامة. والدين الجزاء والحساب، يقال ~~دنته بما صنع، أى جازيته على صنيعه، ومنه قولهم. كما تدين تدان. أى كما ~~تفعل تجازى، وفى الحديث # " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت " # أى حاسب نفسه والمعنى أنه - تعالى - يتصرف فى أمور يوم الدين من حساب ~~وثواب وعقاب، تصرف المالك فيما يملك، كما قال - تعالى - # يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ ~~لله # وهناك قراءة أخرى للآية وهى { ملك يوم الدين } من الملك - ~~بضم الميم - وعليها يكون المعنى أنه - تعالى - هو المدبر لأمور يوم ~~الدين، وأن له على ذلك اليوم هيمنة الملوك وسيطرتهم، فكل شئ فى ذلك اليوم ~~يجرى بأمره، وكل تصرف فيه ينفذ باسمه، كما قال - تعالى - # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # قال الإمام ابن كثير " وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه، ~~لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين، وذلك عام فى الدنيا والآخرة. ~~وإنما أضيف إلى يوم الدين، لأنه لا يدعى أحد هنالك شيئا، ولا يتكلم أحد ~~إلا بإذنه، كما قال - تعالى - # يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون ~~إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا # والملك فى الحقيقة هو الله، قال - تعالى - # هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس ~~السلام # وفى الصحيحين عن أبى هريرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال # " يقبض الله الأرض، ويطوى السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك ~~الأرض؟ أين ms0006 الجبارون، أين المتكبرون " # ثم قال وأما تسمية غيره فى الدنيا بملك فعلى سبيل المجاز كما قال - ~~تعالى - # إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا # وفى هذه الأوصاف التى أجريت على الله تعالى، من كونه ربا للعالمين وملكا ~~للأمر كله يوم الجزاء، بعد الدلالة على اختصاص الحمد به فى قوله { ~~الحمد لله } فى كل ذلك دليل على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد ~~أحق منه للحمد والثناء عليه، بل لا يستحق ذلك على الحقيقة سواه، فإن ترتب ~~الحكم على الوصف مشعر بعليته له ". # والمتدبر لهذه الآية الكريمة يراها خير وسيلة لتربية الإنسان وغرس ~~الإيمان العميق فى قلبه، لأنه إذا آمن بأن هناك يوما يظهر فيه إحسان ~~المحسن وإساءة المسئ، وأن زمام الحكم فى ذلك اليوم لله الواحد القهار، ~~فإنه فى هذه الحالة سيقوى عنده خلق المراقبة لخالقه، ويجتهد فى السير على ~~الطريق المستقيم. { إياك نعبد وإياك نستعين } كانت ~~الآيات الثلاث التى تقدمت هذه الآية تقريرا للحقيقة فى جانب الربوبية ~~وعظمتها وعموم سلطانها وسعة رحمتها تقريرا جمع أمور الدنيا والآخرة ثم ~~جاءت هذه الآية لتقرر أن الذى يجدر بنا أن نعبده وأن نسعتين به إنما هو ~~الله الذى تجلت أوصافه، ووضحت عظمته، وثبتت هيمنته على هذا الكون. ولفظ " ~~إيا " ضمير منفصل، و " الكاف " الملحقة به للخطاب. والعبارة تفيد أن ~~الطاعة البالغة حد النهاية فى الخضوع والخشوع والتعظيم، والعبادة الصحيحة ~~تتأتى للمسلم بتحقق أمرين إخلاصها لله، وموافقتها لما جاء به النبى صلى ~~الله عليه وسلم. قال ابن جرير " لأن العبودية عند جميع العرب أصلها ~~الذلة، وأنها تسمى الطريق المذلل الذى وطئته الأقدام وذللته السابلة ~~معبدا ". والاستعانة طلب المعونة، من أجل الأقتدار على الشئ والتمكن من ~~فعله. والمعنى لك يا ربنا وحدك نخشع ونذل ونستكين، فقد توليتنا برعايتك ~~وغمرتنا برحمتك، فنحن نخصك بطلب الإعانة على طاعتك وعلى أمورنا كلها، ~~ولا نتوجه بهذا الطلب إلى أحد سواك، فأنت المستحق للعبادة، وأنت القدير ~~على كل شئ، والعليم ببواطن الأمور وظواهرها، لا تخفى عليك طوية، ms0007 ولا ~~تتوارى عنك نية. وقدم - سبحانه - المعبود على العبادة فقال { إياك ~~نعبد } ، لإفادة قصر العبادة عليه، وهو ما يقتضيه التوحيد الخالص. ~~وقال { نعبد } بنون الجماعة ولم يقل أعبد، ليدل على أن العبادة أحسن ما ~~تكون فى جماعة المؤمنين، وللإشعار بأن المؤمنين المخلصين يكونون فى ~~اتحادهم وإخائهم بحيث يقوم كل واحد منهم فى الحديث عن شئونهم الظاهرة ~~وغير الظاهرة مقام جميعهم، فهم كما قال النبى صلى الله عليه وسلم # " المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم ". # وقدمت العبادة على الاستعانة، لكون الأولى وسيلة إلى الثانية. وتقديم ~~الوسائل سبب فى تحصيل المطالب، وليدل على أنهم لا يستقلون بإقامة ~~العبادات، بل إن عون الله هو الذى ييسر لهم أداءها. ولم يذكر المستعان ~~عليه من الأعمال، ليشمل الطلب كل ما تتجه إليه نفس الإنسان من الأعمال ~~الصالحة. وجاءت الآية الكريمة بأسلوب الخطاب على طريقة الالتفات، تلوينا ~~لنظم الكلام من أسلوب إلى أسلوب. وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال " ~~فإن قلت لم عدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب؟ قلت هذا يسمى الالتفات فى ~~علم البيان. # وهو قد يكون من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة ~~إلى التكلم... وذلك على عادة العرب فى افتنانهم فى الكلام وتصرفهم فيه. ~~لأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب، كان ذلك أحسن تطرية لنشاط ~~السامع، وإيقاظا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد وقد تختص ~~مواضعه بفوائد. ومما اختص به هذا الموضع أنه لما ذكر الحقيق بالحمد، ~~وأجرى عليه تلك الصفات العظام، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن، حقيق ~~بالثناء وغاية للخضوع والاستعانة فى المهمات، فخوطب ذلك المعلوم المتميز ~~بتلك الصفات فقيل إياك يا من هذه صفاته نخصك بالعبادة والاستعانة، ولا ~~نعبد غيرك ولا نستعينه... ". هذا، وقد جاءت فى فضل هذه الآية الكريمة ~~آثار متعددة، ومن ذلك قول بعض العلماء الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه ~~الكلمة { إياك نعبد وإياك نستعين } فالأول تبرؤ من ~~الشرك، والثانى تبرؤ من الحول والقوة والتفويض إلى ms0008 الله ". ثم بين - ~~سبحانه - أن أفضل شئ يطلبه العبد من ربه، إنما هو هدايته إلى الطريق الذى ~~يوصل إلى أسمى الغايات، وأعظم المقاصد، فقال - تعالى - { اهدنا ~~الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ~~غير المغضوب عليهم ولا الضآلين }. والهداية هى ~~الإرشاد والدلالة بلطف على ما يوصل إلى البغية، وتسند الهداية إلى الله ~~وإلى النبى وإلى القرآن، وقد يراد منها الإيصال إلى ما فيه خير، وهى ~~بهذا المعنى لا تضاف إلى الله - تعالى -. قال أبو حيان فى البحر ما ملخصه ~~وقد تأتى بمعنى التبيين كما فى قوله - تعالى - # وأما ثمود فهديناهم # أى بينا لهم طريق الخير. أو بمعنى الإلهام كما فى قوله تعالى. # قال فمن ربكما يموسى قال ربنا الذي أعطى ~~كل شيء خلقه ثم هدى # قال المفسرون معناه ألهم الحيوانات كلها إلى منافعها، أو بمعنى الدعاء ~~كما فى قوله. تعالى # ولكل قوم هاد # أى داع. والأصل فى هدى أن يصل إلى ثانى معموليه باللام كما فى قوله. ~~تعالى. # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # أو بإلى كما فى قوله تعالى # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم # ثم يتسع فيه فيعدى إليه بنفسه ومنه { اهدنا الصراط ~~المستقيم }. والصراط الجادة والطريق، من سرط الشئ إذا ابتلعه، ~~وسمى الطريق بذلك لأنه يبتلع المارين فيه، وتبدل سينه صاد على لغة قريش. ~~والمستقيم المعتدل الذى لا اعوجاج فيه. وأنعمت عليهم النعمة لين العيش ~~وخفضه، ونعم الله كثيرة لا تحصى. { غير المغضوب عليهم } ~~الغضب هيجان النفس وثورتها، عند الميل إلى الانتقام، وهو ضد الرضا. وإذا ~~أسند إلى الله فسر بمعنى إرادة الانتقام أو بمعنى الانتقام نفسه. ~~والموافق لمذهب السلف أن يقال هو صفة له - تعالى - لائقة بجلاله لا نعلم ~~حقيقتها مجردة عن اللوازم البشرية وإنما نعرف أثرها وهو الانتقام من ~~العصاة، وإنزال العقوبة بهم. # والمعنى اهدنا يا ربنا إلى طريقك المستقيم، الذى يوصلنا إلى سعادة ~~الدنيا والآخرة، ويجعلنا مع الذين أنعمت عليهم من خلقك، وجنبنا يا مولانا ~~طريق الذين غضبت عليهم من الأمم السابقة أو الأجيال اللاحقة ms0009 بسبب سوء ~~أعمالهم وطريق الذين هاموا فى الضلالات، فانحرفوا عن القصد، وحق عليهم ~~العذاب. وفى هذا الدعاء أسمى ألوان الأدب، لأن هذا الدعاء قد تضرع به ~~المؤمنون إلى خالقهم بعد أن اعترفوا له - سبحانه - قبل ذلك بأنه هو ~~المستحق لجميع المحامد، وأنه هو رب العالمين، والمتصرف فى أحوالهم يوم ~~الدين. قال الإمام ابن كثير وهذا أكمل أحوال السائل. أن يمدح مسئوله ثم ~~يسأل حاجته وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله { اهدنا الصراط ~~المستقيم } لأنه أنجح للحاجة، وأنجع للإجابة، ولهذا أرشدنا الله ~~إليه لأنه الأكمل. وقد تكلم المفسرون كلاما كثيرا عن المراد بالصراط ~~المستقيم الذى جعل الله طلب الهداية إليه فى هذا السورة أول دعوة علمها ~~لعباده. والذى نراه أن أجمع الأقوال فى ذلك أن المراد بالصراط المستقيم، ~~هو ما جاء به الإسلام من عقائد وآداب وأحكام، توصل الناس متى اتبعوها ~~إلى سعادة الدنيا والآخرة، فإن طريق السلام هو الطريق الذى ختم الله به ~~الرسالات السماوية، وجعل القرآن دستوره الشامل، ووكل إلى النبى صلى الله ~~عليه وسلم أمر تبليغه وبيانه. وقد ورد فى الأحاديث النبوية ما يؤيد هذا ~~القول، ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد فى مسنده، عن النواس بن سمعان، عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال # " ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتى الصراط سوران فيهما أبواب ~~مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول يا أيها الناس ~~ادخلوا الصراط جميعا ولا تعوجوا، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد ~~الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال له ويحك لا تفتحه، فإنك إن ~~تفتحه تلجه، فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة ~~محارم الله، وذلك الداعى من فوق الصراط واعظ الله فى قلب كل مسلم ". # والمراد بقوله - تعالى - { اهدنا الصراط المستقيم } أى ~~ثبتنا عليه، واجعلنا من المداومين على السير فى سبيله، فإن العبد مفتقر ~~إلى الله فى كل وقت لكى يثبته على الهداية، ويزيده منها، ويعينه عليها. ~~وقد أمر سبحانه المؤمنين أن يقولوا # ربنا لا تزغ ms0010 قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا ~~من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب # وجملة { صراط الذين أنعمت عليهم } بدل من الصراط ~~المستقيم. ولم يقل اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم مستغنيا عن ذكر الصراط ~~المستقيم، ليدل أن صراط هؤلاء المنعم عليهم هو الصراط المستقيم. # وقال { صراط الذين أنعمت عليهم } ولم يقل صراط ~~الأنبياء أو الصالحين، ليدل على أن الدين فى ذاته نعمة عظيمة، ويكفى ~~للدلالة على عظمتها إسنادها إليه - تعالى - فى قوله { أنعمت ~~عليهم } لأن المراد بالإنعام هنا - على الراجح - الإنعام الدينى. ~~فالمنعم عليهم هم من عرفوا الحق فتمسكوا به، وعرفوا الخير فعملوا به. قال ~~بعض العلماء وإنما اختار فى البيان أن يضيف الصراط إلى المنعم عليهم ~~لمعنيين أولهما هو إبراز نفسية المحب المخلص، وأنه يكون شديد الاحتياط ~~دقيق التحرى عن الطريق الموصل إلى ساحة الرضا فى ثقة تملأ نفسه، وتفعم ~~قلبه، ولا يجد فى مثل هذا المقام ما يملأ نفسه ثقة إلا أن يبين الطريق، ~~بأنه الطريق الذى وصل بالسير عليه من قبله الأنبياء والصديقون والشهداء ~~والصالحون. وثانيهما أن من خواطر المؤمل فى نعيم ربه أن يكون تمام أنسه ~~فى رفقة من الناس صالحين، وصحب منهم محسنين. وقوله - تعالى - { غير ~~المغضوب عليهم } بدل من { الذين أنعمت عليهم } ~~وأتى فى وصف الإنعام بالفعل المسند إلى الله - تعالى - فقال { أنعمت ~~عليهم } فى وصف الغضب باسم المفعول فقال { غير المغضوب عليهم ~~} وفى ذلك تعليم لأدب جميل، وهو أن الإنسان يجمل به أن يسند أفعال ~~الإحسان إلى الله، ويتحامى أن يسند إليه أفعال العقاب والابتلاء، وإن ~~كان كل من الإحسان والعقاب صادرا منه، ومن شواهد هذا قوله - تعالى - ~~حكاية عن مؤمنى الجن # وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد ~~بهم ربهم رشدا # وحرف لا فى قوله { ولا الضآلين } جئ به لتأكيد معنى النفى ~~المستفاد من كلمة غير. والمراد بالمغضوب عليهم اليهود. وبالضالين ~~النصارى. وقد ورد هذا التفسير عن النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث رواه ~~الإمام أحمد فى مسنده وابن حبان ms0011 فى صحيحه. ومن المفسرين من قال بأن ~~المراد بالمغضوب عليهم من فسدت إرادتهم حيث علموا الحق ولكنهم تركوه ~~عنادا وجحودا، وأن المراد بالضالين من فقدوا العلم فهم تائهون فى ~~الضلالات دون أن يهتدوا إلى طريق قويم. وقدم المغضوب عليهم على الضالين، ~~لأن معنى المغضوب عليهم كالضد لمعنى المنعم عليهم، ولأن المقابلة بينهما ~~أوضح منها بين المنعم عليهم والضالين، فكان جديرا بأن يوضع فى مقابلته ~~قبل الضالين. قال العلماء ويستحب لمن يقرأ الفاتحة أن يقول بعدها آمين ~~ومعناه اللهم استجب وليس هذا اللفظ من القرآن بدليل أنه لم يثبت فى ~~المصاحف والدليل على استحباب التأمين ما رواه الإمام أحمد وأبو داود ~~والترمذى عن وائل بن حجر قال سمعت النبى صلى الله عليه وسلم قرأ { غير ~~المغضوب عليهم ولا الضآلين } فقال آمين مد بها صوته. وفى ~~الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إذا أمن الإمام فأمنوا، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر الله ~~له ما تقدم من ذنبه ". # هذا، وقد أفاض العلماء فى الحديث عما اشتملت عليه سورة الفاتحة من آداب ~~وعقائد وعبادات وأحكام، ومن ذلك قول ابن كثير. اشتملت هذه السورة ~~الكريمة، وهى سبع آيات - على حمد الله وتمجيده والثناء عليه بذكر أسمائه ~~الحسنى المستلزمة لصفاته العليا، وعلى ذكر المعاد وهو يوم الدين، وعلى ~~إرشاد عبيده إلى سؤاله والتضرع إليه والتبرى من حولهم وقوتهم، إلى إخلاص ~~العبادة له وتوحيده بالألوهية، وتنزيهه عن أن يكون له شريك أو نظير، وإلى ~~سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو الدين القويم وتثبيتهم ~~عليه، واشتملت على الترغيب فى الأعمال الصالحة ليكونوا مع أهلها يوم ~~القيامة، والتحذير من مسالك الباطل لئلا يحشروا مع سالكيها يوم القيامة، ~~وهم المغضوب عليهم والضالون. وقال بعض العلماء سورة الفاتحة مشتملة على ~~أربعة أنواع من العلوم هى مناط الدين. أحدها علم الأصول وإليه الإشارة ~~بقوله { الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم } ~~، ومعرفة النبوات وإليه الاشارة بقوله { أنعمت عليهم } ومعرفة ~~المعاد وإليه الاشارة بقوله { ملك ms0012 يوم الدين }. وثانيها علم ~~الفروع وأعظمه العبادات وإليه الإشارة بقوله { إياك نعبد }. ~~وثالثها علم الأخلاق، وإليه الإشارة بقوله { وإياك نستعين ~~اهدنا الصراط المستقيم }. ورابعها علم القصص والأخبار عن ~~الأمم السابقة السعداء منهم والأشقياء، وهو المراد بقوله { صراط ~~الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضآلين }. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [2 - سورة البقرة] ### || [2.1-5] # سورة البقرة من السور التى ابتدئت ببعض حروف التهجى. وقد وردت هذه ~~الفواتح تارة مفردة بحرف واحد، وتارة مركبة من حرفين أو ثلاثة أو أربعة ~~أو خمسة. فالسور التى بدأت بحرف واحد ثلاثة وهى سور ص، ق، ن. والسور التى ~~بدأت بحرفين تسعة وهى طه، يس، طس، { وحم } فى ست سور هى غافر، فصلت، ~~الزخرف، الدخان، الجاثية، الأحقاف. والسورة التى بدأت بثلاثه أحرف ثلاث ~~عشرة سورة وهى { ألم } فى ست سور البقرة، وآل عمران، العنكبوت، الروم، ~~لقمان، السجدة و { الر } فى خمس سور هى يونس، هود، يوسف، الحجر، إبراهيم ~~و { طسم } فى سورتين هما الشعراء، القصص. وهناك سورتان بدئتا بأربعة أحرف ~~وهما. الرعد، { المر } ، والأعراف، { المص } ، وسورتان - أيضا - بدئتا ~~بخمسة أحرف وهما مريم { كهيعص } ، والشورى { حم عسق }. فيكون مجموع السور ~~التى افتتحت بالحروف المقطعة تسعا وعشرين سورة. هذا، وقد وقع خلاف بين ~~العلماء فى المعنى المقصود بتلك الحروف المقطعة التى افتتحت بها بعض ~~السور القرآنية، ويمكن إجمال خلافهم فى رأيين رئيسين الرأى الأول يرى ~~أصحابه أن المعنى المقصود منها غير معروف، فهى من المتشابه الذى استأثر ~~الله بعلمه. وإلى هذا الرأى ذهب ابن عباس - فى إحدى رواياته - كما ذهب ~~إليه الشعبى، وسفيان الثورى، وغيرهم من العلماء، فقد أخرج ابن المنذر ~~وغيره عن الشعبى أنه سئل عن فواتح السور فقال إن لكل كتاب سرا، وإن سر ~~هذا القرآن فى فواتح السور. ويروى عن ابن عباس أنه قال عجزت العلماء عن ~~إدراكها. وعن على - رضي الله عنه - أنه قال " إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا ~~الكتاب حروف التهجى ". وفى رواية أخرى عن الشعبى أنه ms0013 قال " سر الله فلا ~~تطلبوه ". ومن الاعتراضات التى وجهت إلى هذا الرأى، أنه كان الخطاب بهذه ~~الفواتح غير مفهوم للناس، لأنه من المتشابه، فإنه يترتب على ذلك أنه ~~كالخطاب بالمهمل، أو مثله كمثل المتكلم بلغة أعجمية مع أناس عرب لا ~~يفهمونها.. وقد أجيب عن ذلك بأن هذه الألفاظ لم ينتف الإفهام عنها عند ~~كل الناس، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يفهم المراد منها، وكذلك بعض ~~أصحابه المقربين - ولكن الذى ننفيه أن يكون الناس جميعا فاهمين لمعنى ~~هذه الحروف المقطعة فى أوائل بعض السور. وهناك مناقشات أخرى للعلماء حول ~~هذا الرأى يضيق المجال عن ذكرها. أما الرأى الثانى فيرى أصحابه أن المعنى ~~المقصود منها معلوم، وأنها ليست من المتشابه الذى استأثر الله بعلمه. ~~وأصحاب هذا الرأى قد اختلفوا فيما بينهم فى تعيين هذا المعنى المقصود على ~~أقوال كثيرة، من أهمها ما يأتى 1- أن هذه الحروف أسماء للسور، بدليل قول ~~النبى صلى الله عليه وسلم # " من قرأ حم السجدة حفظ إلى أن يصبح " # وبدليل اشتهار بعض السور بالتسمية بها كسورة ص وسورة يس. ولا يخلو هذا ~~القول من الضعف، لأن كثيرا من السور قد افتتحت بلفظ واحد من هذه ~~الفواتح، والغرض من التسمية رفع الاشتباه. 2- وقيل إن هذه الحروف قد جاءت ~~هكذا فاصلة للدلالة على انقضاء سورة وابتداء أخرى. 3 - وقيل إنها حروف ~~مقطعة، بعضها من أسماء الله - تعالى - وبعضها من صفاته، فمثلا { الم } ~~أصلها أنا الله أعلم. 4 - وقيل إنها اسم الله الأعظم. إلى غير ذلك من ~~الأقوال التى لا تخلو من مقال، والتى أوصلها السيوطى فى " الإتقان " إلى ~~أكثر من عشرين قولا. 5 - ولعل أقرب الآراء إلى الصواب أن يقال إن هذه ~~الحروف المقطعة قد وردت فى افتتاح بعض السور للإشعار بأن هذا القرآن ~~الذى تحدى الله به المشركين هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التى ~~يعرفونها، ويقدرون على تأليف الكلام منها، فإذا عجزوا عن الإتيان بسورة ~~من مثله، فذلك لبلوغه فى الفصاحة والحكمة مرتبة يقف فصحاؤهم ms0014 وبلغاؤهم ~~دونها بمراحل شاسعة، وفضلا عن ذلك فإن تصدير السور بمثل هذه الحروف ~~المقطعة يجذب أنظار المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم إلى ~~الإنصات والتدبر، لأنه يطرق أسماعهم فى أول التلاوة ألفاظ غير مألوفة فى ~~مجارى كلامهم، وذلك مما يلفت أنظارهم ليتبينوا ما يراد منها، فيستمعوا ~~حكما وحججا قد يكون سببا فى هدايتهم واستجابتهم للحق. هذه خلاصة لأراء ~~العلماء فى الحروف المقطعة التى افتتحت بها بعض السور القرآنية، ومن أراد ~~مزيدا لذلك فليرجع - مثلا - إلى كتاب " الإتقان " للسيوطى، وإلى كتاب ~~" البرهان " للزركشى، وإلى تفسير الألوسى. ثم قال - تعالى - { ذلك ~~الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين }. { ذلك } اسم ~~إشارة واللام للبعد حقيقة فى الحس، مجازا فى الرتبة، والكاف للخطاب، ~~والمشار إليه - على الراجح - الكتاب الموعود به صلى الله عليه وسلم فى ~~قوله - تعالى - # إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا # قال صاحب الكشاف فإن قلت أخبرنى عن تأليف { ذلك الكتاب } مع { ~~الم } قلت إن جعلت { الم } اسما للسورة ففى التأليف وجوه. أن يكون { ~~الم } مبتدأ و { ذلك } مبتدأ ثانيا، و { الكتاب } خبره. ~~والجملة خبر المبتدأ الأول. ومعناه أن ذلك الكتاب هو الكتاب الكامل، كأن ~~ما عداه من الكتب فى مقابلته ناقص، وأنه الذى يستأهل أن يسمى كتابا، كما ~~تقول هو الرجل، أي الكامل فى الرجولية، الجامع لما يكون فى الرجال من ~~مرضيات الخصال. وإن جعلت { الم } بمنزلة الصوت، كان " ذلك " مبتدأ خبره ~~" الكتاب " ، أى ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل. # .. اه ملخصا. وقيل المشار إليه { الم } على أنه اسم للسورة والمراد ~~المسمى. و { الكتاب } مصدر كتب كالكتب، وأصل الكتب ضم أديم إلى أديم ~~بالخياطة. واستعمل عرفا فى ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط، وأريد به هنا ~~المنظوم عبارة قبل أن تنظم حروفه التى يتألف منها فى الخط، تسمية للشىء ~~باسم ما يؤول إليه. والريب فى الأصل مصدر رابه الأمر إذا حصل عنده فيه ~~ريبة، وحقيقة الريبة، قلق النفس واضطرابها، ثم استعمل فى معنى الشك ~~مطلقا. وقال ابن الأثير الريب هو الشك مع ms0015 التهمة. وهدى. مصدر هداه هدى ~~وهداية وهدية - بكسرها - فهدى، ومعناه الدلالة الموصلة إلى البغية، وضده ~~الضلال. والمتقون جمع متق، اسم فاعل من اتقى وأصله اوتقى - بوزن افتعل - ~~من وقى الشئ وقاية، أى صانه وحفظه مما يضره ويؤذيه. والمعنى ذلك الكتاب ~~الكامل، وهو القرآن الكريم، ليس محلا لأن يرتاب عاقل أو منصف فى أنه منزل ~~من عند الله، وأنه هداية وإرشاد للمتقين الذين يجتنبون كل مكروه من قول ~~أو فعل، حتى يصونوا أنفسهم عما يضرها ويؤذيها. وكانت الإشارة بصيغة ~~البعيد، لأنه سامى المنزلة أينما توجهت إليه، فإن نظرت إليه من ناحية ~~تراكيبه فهو معجز للبلغاء، وإن نظرت إليه من ناحية معانيه فهو فوق مدارك ~~الحكماء، وإن نظرت إليه من ناحية قصصه وتاريخه فهو أصدق محدث عن الماضين، ~~وأدق محدد لتاريخ السابقين، فلا جرم أن كانت الإشارة فى الآية باستعمال ~~اسم الإشارة للبعيد لإظهار رفعة شأن هذا القرآن، وقد شاع فى كلام ~~البلغاء تمثيل الأمر الشريف بالشىء المرفوع فى عزة المنال، لأن الشىء ~~النفيس عزيز على أهله، فمن العادة أن يجعلوه فى مكان مرتفع بعيد عن ~~الأيدى. وصحت الإشارة إلى الكتاب وهو لم ينزل كله بعد، لأن الإشارة إلى ~~بعضه كالإشارة إلى الكل حيث كان بصدد الإنزال، فهو حاضر فى الأذهان، ~~فشبه بالحاضر فى العيان. ونفى عنه الريب على سبيل الاستغراق مع وقوع ~~الريب فيه من المشركين حيث وصفوه بأنه أساطير الأولين، لأنه لروعة حكمته، ~~وسطوع حجته، لا يرتاب ذو عقل متدبر فى كونه وحيا سماويا، ومصدر هداية ~~وإصلاح. فالجملة الكريمة تنفى الريب فى القرآن عمن شأنهم أن يتدبروه، ~~ويقبلوا على النظر فيه بروية، ومن ارتاب فى القرآن فلأنه لم يقبل عليه ~~بأذن واعية، أو بصيرة نافذة، أو قلب سليم. وقدم جملة { لا ريب فيه } ~~على جملة { هدى للمتقين } لأنه أراد أن ينفى عن ساحة كونه ~~كتابا هاديا غبار الريب، وغيوم الشكوك، حتى يستقر فى النفوس وصفه، ~~وتطمئن القلوب لآثاره ومقاصده وهداياته. وفصل جملة { لا ريب فيه } ~~عما قبلها لكمال الاتصال، حيث ms0016 كانت جملة { ذلك الكتاب } مفيدة ~~لكماله، وجملة { لا ريب فيه } مفيدة لنفى الريب عنه. # والمراد بكونه { هدى للمتقين } مع أنه هداية لهم ولغيرهم، ~~لأنهم هم المنتفعون به دون سواهم. قال تعالى # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ~~ينادون من مكان بعيد # ومعنى كونه هدى لهم أنه يزيدهم هدى على ما لديهم من الهدى كما قال - ~~تعالى - # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # ويصح أن يكون المعنى هدى للناس الذين صاروا متقين بهذه الهداية، كما ~~أقول هديت مهتديا، أو كتبت مكتوبا، على معنى أنى هديت شخصا صار مهديا ~~بهذه الهداية، وكتبت خطابا صار مكتوبا بهذه الكتابة، وهو أسلوب عربى ~~صحيح. كما ورد فى حديث # " من قتل قتيلا فله سلبه ". # قال صاحب الكشاف ومحل { هدى للمتقين } الرفع، لأنه خبر مبتدأ ~~محذوف، أو خبر مع { لا ريب فيه } ل " ذلك "... والذى هو أرسخ عرقا ~~فى البلاعة أن يضرب عن هذه المحال صفحا، وأن يقال إن قوله { الم } ~~جملة برأسها أو طائفة من حروف المعجم مستقلة برأسها. و { ذلك ~~الكتاب } جملة ثانية. و { لا ريب فيه } ثالثة. { هدى ~~للمتقين } رابعة. وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة وموجب حسن ~~النظم، حيث جئ بها متناسقة هكذا من غير نسق، وذلك لمجيئها متآخية آخذا ~~بعضها بعنق بعض. فالثانية متحدة بالأولى معتنقة لها، وهلم جرا إلى ~~الثالثة والرابعة بيان ذلك أنه نبه أولا على أنه الكلام المتحدى به، ثم ~~أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال. فكان تقريرا لجهة التحدى، ~~وشدا من أعضاده ثم نفى عنه أن يتشبث به من طرف الريب، فكان شهادة وتسجيلا ~~بكماله. لأنه لا كمال أكمل من الحق واليقين. ولا نقص أنقص ما للباطل ~~والشبه. وقيل لبعض العلماء فيم لذتك؟ فقال فى حجة تتبختر اتضاحا، وفى ~~شبهة تتضاءل افتضاحا. ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين، فقرر بذلك كونه ~~يقينا لا يحوم الشك حوله، وحقا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه ثم لم ms0017 تخل كل واحدة من الأربع - بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق - ~~من نكتة ذات جزالة. ففى الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه وأرشقه. ~~وفى الثانية ما فى التعريف من الفخامة، وفى الثالثة ما فى تقديم الريب ~~على الظرف، وفى الرابعة الحذف. ثم فصل القرآن بعد ذلك أوصاف المتقين، ~~ومدحهم بجملة من المناقب الحميدة، فقال { الذين يؤمنون ~~بالغيب } أي يصدقون بما غاب عن حواسهم، كالصانع وصفاته، وكاليوم ~~الآخر وما فيه من بعث وحساب وثواب وعقاب. والإيمان لغة التصديق ~~والإذعان، وهو إفعال من الأمن. وشرعا التصديق بما علم بالضرورة أنه من ~~الدين، كالايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. # .. الخ، وعدى { يؤمنون } بالباء لتضمينه معنى أقر واعترف. والغيب ~~مصدر غاب يغيب، وكثيرا ما يستعمل بمعنى الغائب، وهو الظاهر من هذه الآية ~~الكريمة. ومعناه ما لا تدركه الحواس، ولا يعلم ببداهة العقل. قال بعض ~~العلماء وخص بالذكر الإيمان بالغيب دون غيره من متعلقات الإيمان، لأن ~~الإيمان بالغيب هو الأصل فى اعتقاد إمكان ما لا تخبر به الرسل عن وجود ~~الله والعالم العلوى، فإذا آمن به المرء وتصدى لسماع دعوة الرسول وللنظر ~~فيما يبلغه عن الله - تعالى - فسهل عليه إدراك الأدلة، وأما من يعتقد أنه ~~ليس من وراء عالم الماديات عالم آخر، فقد راض نفسه على الإعراض عن ~~الدعوة، كما هو حال الماديين الذين يقولون " ما يهلكنا إلا الدهر ~~والإيمان بالغيب يستلزم التصديق به على وجه الجزم، وهو لا يحصل إلا عن ~~دليل. ولا شك أن قيام البراهين على صدق من أخبر بالغيب يجعل المؤمن بهذا ~~الغيب مصدقا عن دليل، فنحن لا نحتاج فى الإيمان بالملائكه والكتب ~~السماوية السابقة، والرسل الذين أرسلوا من قبل، والبعث وما فيه من ثواب ~~وعقاب، لا نحتاج فى الإيمان بكل ذلك إلى دليل زائد على الأدلة التى قامت ~~على صدق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. والإيمان بالغيب دليل على اتساع ~~العقول، وسلامة القلوب، إذ أن معنى الإيمان بالغيب هو أن عقولهم قد سلم ~~إدراكها، وتقشعت عنها غشاواتها، ms0018 وامتد نظرها فى الكائنات فأدركت أن لها ~~مبدعا حكيما وخالقا قديرا، جعلها تسير بنظام محكم، فهذه كواكب تظهر ~~وتغيب، وسماء مرفوعة بغير عمد، وأرض راسية لا تميد ولا تضطرب... # صنع الله الذي أتقن كل شيء # فكان من ذلك لتلك العقول براهين قاطعة على وجود خالق مدبر، وحكيم قدير، ~~ومبدع لا تأخذه سنة ولا نوم. والإيمان بالغيب الذى أخبر به الصادق ~~المصدوق صلى الله عليه وسلم يقوى ويعظم كلما قوى الإيمان فى القلوب، ~~واستولى الصفاء على النفوس، وقد مدح النبى صلى الله عليه وسلم المؤمنين ~~بالغيب فى أحاديث متعددة، منها ما جاء عن خالد بن دريك، # " عن ابن محيريز قال قلت لابن جمعة حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال نعم أحدثك حديثا. تغدينا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ومعنا أبو عبيدة بن الجراح فقال يا رسول الله، هل أحد خير منا؟ ~~أسلمنا معك وجاهدنا معك. قال نعم، قوم من بعدكم يؤمنون بى ولم يرونى ". # قال ابن كثير فقد مدحهم على ذلك وذكر أنهم أعظم أجرا من هذه الحيثية لا ~~مطلقا. وأخرج ابن أبى حاتم والطبرانى وابن منده وأبو نعيم # " عن بديلة بنت أسلم قالت صليت الظهر أو العصر فى مسجد بنى حارثة، ~~واستقبلنا مسجد إيلياء فصلينا سجدتين، ثم جاء من يخبرنا بأن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قد استقبل البيت، فتحول الرجال مكان النساء، والنساء ~~مكان الرجال، فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن مستقبلون البيت الحرام، ~~فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فقال " أولئك قوم آمنوا بالغيب " ". # تلك أول صفة نتيجة التقوى وهى الإيمان بالغيب، أما الصفة الثانية التى ~~مدح الله بها المتقين فهى قوله - تعالى - { ويقيمون الصلاة }. ~~الصلاة فى اللغة الدعاء، من صلى يصلى إذا دعا، واستعملها الشارع فى ~~العبادة ذات الركوع والسجود لاشتمالها على الدعاء، والإقامة فى الأصل ~~الدوام والثبات، من قولك قام الحق أى ظهر وثبت. ومعنى { ويقيمون ~~الصلاة } يؤدونها فى أوقاتها المقدرة لها، مع تعديل أركانها، وإيقاعها ~~مستوفية لواجباتها وسننها ms0019 وآدابها وخشوعها، فإن الصلاة المقامة بحق هى ~~تلك التى يصحبها الإخلاص، واستحضار جلال الله فى الركوع والسجود، وهى ~~التى تترتب عليها الآثار العظيمة من تزكية النفس، وعفافها، وتركها لكل ~~الشرور والآثام، كما قال - تعالى - # إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر # وقدم الإيمان بالغيب على إقامة الصلاة تعظيما لعمل القلب، واعتدادا ~~بشرطية الإيمان فى صحة أعمال الجوارح. وقدم إقامة الصلاة على الإنفاق، ~~لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولأنها تتكرر فى اليوم خمس مرات، ولأنها ~~صلة بين العبد وربه، والإنفاق صلته بالناس، ولأن مشروعيتها كانت سابقة ~~على مشروعية الزكاة. أما الصفة الثالثة التى مدح الله بها المتقين فهى ~~قوله - تعالى - { ومما رزقناهم ينفقون }. أى ومما أعطيناهم ~~وملكناهم يتصدقون فى وجوه الخير، ويمدون أيديهم بالإحسان إلى الفقير ~~والمسكين. والرزق عند جمهور العلماء ما صلح للانتفاع به حلالا كان أو ~~حراما، خلافا للمعتزلة الذين يرون أن الحرام ليس برزق. والإنفاق إخراج ~~المال وإنفاده وصرفه، يقال نفق - كفرح ونصر - نفد وفنى أو قل. وأنفق ~~ماله أنفده، وأصل المادة يدل على الخروج والذهاب، ومنه نافق فلان، ~~والنافقاء، والنفق. وقال " ينفقون " ولم يقل أنفقوا، ليشعر بأن الإنفاق ~~منهم يتجدد بين وقت وآخر. ولم يحدد وجوه الانفاق بل تركها مطلقة لتشمل ~~الفرض والواجب وغيرهما من وجوه الإحسان. وإيراد " من " فى قوله تعالى - ~~{ ومما رزقناهم } للإشارة إلى أن مواظبتهم على إنفاق أموالهم ~~بين الحين والحين، كفيل بتوصيلهم إلى زمرة المهتدين المفلحين، وللإشعار ~~بأنهم ينفقون بعض أموالهم مبتعدين عن الإسراف والتبذير حتى لا يتركوا ~~ورثتهم عالة يتكففون وجوه الناس. هذا، وقد عنى القرآن الكريم عناية فائقة ~~بالحض على الإنفاق فى وجوه الخير، ومدح الذين يفعلون ذلك مدحا عظيما ~~فى عشرات الآيات، وذلك لأن الأمة التى يكثر فيها المنفقون لأموالهم فى ~~وجوه الخير، لا بد أن تعز كلمتها، وتسلم من كوارث شتى، كالجهل، والفقر، ~~والمرض. # فببذل الماء تسد حاجات البؤساء، وتشاد معاهد التعليم، وتقام وسائل حفظ ~~الصحة، وتنمو المحبة والمودة بين الأغنياء والفقراء. قال تعالى # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل ms0020 الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة ~~حبة والله يضاعف لمن يشآء والله واسع عليم # ثم أضاف القرآن إلى صفات المتقين وصفا رابعا فقال { والذين ~~يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك } ~~والمراد بقوله - تعالى - { بمآ أنزل إليك } القرآن الكريم، ~~وإنما عبر عنه بلفظ الماضى - وإن كان بعضه مترقبا - تغليبا للموجود على ~~ما لم يوجد. والمراد بقوله - تعالى - { ومآ أنزل من قبلك } ، ~~الكتب الإلهية السابقة التى أنزلها الله على أنبيائه كموسى وعيسى وداود. ~~وهذا كقوله - تعالى - # يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ~~والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي ~~أنزل من قبل # والإيمان بما أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم يستلزم الإيمان ~~برسالته، ويستوجب العمل بما تضمنته شريعته. وإيجاب العمل بما تضمنه ~~القرآن الذى أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم باق على إطلاقه. أما ~~الكتب السماوية السابقة فيكفى الإيمان بأنها كانت وحيا وهداية، وقد ~~تضمن القرآن الكريم ما اشتملت عليه هذه الكتب من هدايات وأصبح بنزوله ~~مهيمنا عليها، قال - تعالى - # ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء # وصار من المحتم على كل عاقل أن يعمل بما جاء به القرآن من توجيهات. وقدم ~~الإيمان بما أنزل عليه على الإيمان بما أنزل على الذين من قبله - مع أن ~~الترتيب يقتضى العكس - لأن إيمانهم بمن قبله لا قيمة له إلا إذا آمنوا ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم. ولم يقل ويؤمنون بما أنزل من قبلك بتكرير ~~يؤمنون، للإشعار بأن الإيمان به وبهم واحد، لا تغاير فيه وإن تعدد ~~متعلقه. ويرى بعض العلماء أن المراد من الآية الكريمة، أهل الكتاب الذين ~~آمنوا بالكتب السماوية التى نزلت قبل القرآن، نم لما نزل القرآن على ~~النبى محمد صلى الله عليه وسلم وعرفوا أنه الحق - آمنوا به أيضا -، فصار ~~لهم أجران، كما جاء فى الحديث الشريف، الذى ثبت فى الصحيحين عن أبى موسى ~~الأشعرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين يوم القيامة رجل من أهل ms0021 الكتاب آمن بنبيه ~~وآمن بى، ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورجل أدب جاريته فأحسن ~~تأديبها، ثم أعتقها ". # ثم وصف الله المتقين بوصف خامس فقال { وبالآخرة هم يوقنون } ~~الآخرة تأنيث الآخر. وهذا اللفظ تارة يجىء وصفا ليوم القيامة مع ذكر ~~الموصوف، كما فى قوله - تعالى - # وللدار الآخرة خير للذين يتقون # وتارة بهذا المعنى ولكن بدون ذكر الموصوف، كما فى الآية التى معنا، وكما ~~فى قوله - تعالى - # وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا # وسميت آخرة لأنها تأتى بعد الدنيا التى هى الدار الأولى. و { يوقنون ~~} من الإيقان وهو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، بحيث لا يطرأ عليه ~~شك، ولا تحوم حوله شبهة. يقال يقن الماء إذا سكن وظهر ما تحته، ويقال ~~يقنت - بالكسر - يقنا، وأيقنت، وتيقنت، واستيقنت بمعنى واحد. والمعنى ~~وبالدار الآخرة وما فيها من بعث وحساب وثواب وعقاب هم يوقنون إيقانا ~~قطعيا، لا أثر فيه للادعاءات الكاذبة، والأوهام الباطلة. وفى إيراد " هم ~~" قبل قوله " يوقنون " تعريض، بغيرهم، ممن كان اعتقادهم فى أمر الآخرة ~~غير مطابق للحقيقة أو غير بالغ مرتبة اليقين. ولا شك أن الإيمان باليوم ~~الآخر وما فيه من ثواب وعقاب، له أثر عظيم فى فعل الخيرات، واجتناب ~~المنكرات، لأن من أدرك أن هناك يوما سيحاسب فيه على عمله، فإنه من شأنه ~~أن يسلك الطريق القويم الذي يكسبه رضى الله يوم يلقاه. قال أبو حيان وذكر ~~لفظة { هم } فى قوله { وبالآخرة هم يوقنون } ولم يذكرها فى ~~قوله { ومما رزقناهم ينفقون } لأن وصف إيقانهم بالآخرة ~~أعلى من وصفهم بالإنفاق فاحتاج هذا إلى التوكيد ولم يحتج ذلك إلى تأكيد ~~ولأنه لو ذكر { هم } هناك لكان فيه قلق لفظى، إذ يكون التركيب " ومما ~~رزقناهم هم ينفقون ". ثم بين - سبحانه - بعد ذلك الثمار التى ترتبت على ~~تقواهم فقال { أولئك على هدى من ربهم وأولئك ~~هم المفلحون }. المفلحون من الفلاح وهو الظفر والفوز بدرك ~~البغية، وأصله من الفلح - بسكون اللام - وهو الشق والقطع، ومنه فلاحة ~~الأرض وهو شقها للحرث. وأستعمل منه الفلاح فى الفوز كأن ms0022 الفائز شق طريقه ~~وفلحه للوصول إلى مبتغاه، أو انفتحت له طريق الظفر وانشقت. والمعنى أولئك ~~المتصفون بما تقدم من صفات كريمة، على نور من ربهم، وأولئك هم الفائزون ~~بما طلبوا، الناجون مما منه هربوا، بسبب إيمانهم العميق، وأعمالهم ~~الصالحة. والآية الكريمة كلام مستأنف لبيان أن أولئك المتقين فى المنزلة ~~العليا من الكمال الإنسانى، فقد وصفهم - سبحانه - بأنهم على هدى عظيم، ~~ويدل على عظم هذا الهدى إيراده بصيغة التنكير، إن من المعلوم عند علماء ~~البيان أن التنكير يدل بمعونة المقام على التعظيم. كما يدل - أيضا - على ~~عظم هذا الهدى وصفه بأنه " من ربهم " فهو الذى وفقهم إليه، ويسر لهم ~~أسبابه. وفى قوله - تعالى - { على هدى } إشعار بأنهم تمكنوا منه ~~تمكن من استعلى على الشىء، وصار فى قرار راسخ منه. وجملة { ~~وأولئك هم المفلحون } بيان لما ظفر به المتقون الحائزون ~~لتلك الخصال، من سعادة فى الدنيا والآخرة. # وتعريف الخبر وهو { المفلحون } مع إيراد ضمير الفصل " هم " يفيد ~~أن الفلاح مقصور على أولئك المتقين، فمن لم يؤمن بالغيب، أو أضاع الصلاة، ~~أو بخل بالمال الذى منحه الله إياه فلم يؤده فى وجوهه المشروعة، فإنه لا ~~يكون من المهتدين، ولا من المفلحين الذين سعدوا فى دنياهم وآخرتهم. قال ~~الإمام الرازى " وفى تكرير " { أولئك } تنبيه على أنهم كما ثبت ~~لهم الاختصاص بالهدى، فقد ثبت لهم الاختصاص بالفلاح - أيضا - فقد تميزوا ~~عن غيرهم بهذين الاختصاصين، فإن قيل فلم جىء بالعاطف؟ وما الفرق بينه ~~وبين قوله # أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم ~~الغافلون # قلنا قد اختلف الخبران ههنا فلذلك دخل العاطف، بخلاف الخبرين ثمة فإنهما ~~متفقان، لأن التسجيل عليهم بالغفلة وتشبيههم بالبهائم شىء واحد، وكانت ~~الثانية مقررة لما فى الأولى، فهى من العطف بمعزل ". وقال صاحب الكشاف ~~بعد تفسيره لهذه الآية الكريمة "... فانظر كيف كرر الله التنبيه على ~~اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله أحد على طرق شتى، وهى ذكر اسم الاشارة، ~~وتكريره، وتعريف المفلحين، وتوسيط ضمير الفصل بينه وبين أولئك، ليبصرك ~~مرتباتهم، ويرغبك فى طلب ms0023 ما طلبوا، وينشطك لتقديم ما قدموا، ويثبطك عن ~~الطمع الفارغ والرجاء الكاذب والتمنى على الله ما لا تقتضيه حكمته ولم ~~تسبق به كلمته... ". وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد مدحت القرآن الكريم ~~بما يستحقه، وأثنت على من اهتدوا بهديه، ووصفتهم بالصفات السامية، ~~وبشرتهم بالبشارات الكريمة. وبعد أن انتهى القرآن من بيان شأن الكتاب ~~وأثره فى الهداية والإرشاد، وتصوير حال المتقين الذين اهتدوا به، وما ~~اكتسبوه بالهداية من أوصاف سامية، وما كان لهم على ذلك من خير العاقبة ~~وحسن الجزاء، أقول بعد أن انتهى من بيان كل ذلك شرع فى بيان حال ~~الكافرين، وما هم عليه من سوء الحال وقبيح الأوصاف فقال { إن ~~الذين كفروا سوآء عليهم أأنذرتهم..ولهم ~~عذاب عظيم }. ### || [2.6-7] # ففى هاتين الآيتين بيان لأحوال طائفة ثانية من الناس، على الضد فى ~~طبيعتها وأوصافها ومآلها من الطائفة الأولى التى فازت برضوان الله. ~~والكفر - بالضم - ضد الإيمان. وأصله المأخوذ منه الكفر - بالفتح - وهو ~~ستر الشىء وتغطيته، ومنه سمى الليل كافرا، لأنه يغطى كل شىء بسواده، ~~وسمى السحاب كافرا لستره ضوء الشمس. ثم شاع الكفر فى مجرد ستر النعمة، ~~كأن المنعم عليه قد غطى النعمة بجحوده لها. ويستعمله الشارع فى عدم ~~الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وسمى من لم يؤمن بما ~~يجب الإيمان به بعد الدعوة إليه - كافرا، لأنه صار بجحوده لذلك الحق ~~وعدم الإذعان إليه كالمغطى له. والمراد بالذين كفروا فى الآية التى ~~معنا، طائفة معينة صمت آذانها عن الحق، عنادا وحسدا، وليس عموم ~~الكافرين، لأن منهم من دخل في الإسلام بعد نزول هذه الآية. وسواء اسم ~~مصدر بمعنى الاستواء والمراد به اسم الفاعل أي مستو ولذلك يوصف به كما ~~يوصف بالمصدر، كما فى قوله - تعالى - # قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سوآء ~~بيننا وبينكم # أى مستوية. والإنذار إخبار معه تخويف فى مدة تتسع للتحفظ من المخوف، ~~فإن لم تتسع له فهو إعلام وإشعار لا إنذار، وأكثر ما يستعمل فى القرآن فى ~~التخويف من عذاب الله - تعالى -. والمعنى إن ms0024 الذين كفروا برسالتك يا محمد ~~مستو عندهم إنذارك وعدمه، فهم لا يؤمنون بالحق، ولا يستجيبون لداعى ~~الهدى، لسوء استعدادهم، وفساد فطرهم. وجاءت جملة " إن الذين كفروا ~~مستأنفة ولم تعطف على ما قبلها لاختلاف الغرض الذى سيق له الكلام، إذ فى ~~الجمل السابقة حديث عن الكتاب وآثاره وعظمته، وهنا حديث عن الكافرين ~~وأحوالهم. وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال " فإن قلت لم قطعت قصة ~~الكفار عن قصة المؤمنين ولم تعطف كنحو قوله # إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم # وغيره من الآيات الكثيرة؟ قلت ليس وزان هاتين القصتين وزان ما ذكرت. لأن ~~الأولى فيما نحن فيه مسوقه لذكر الكتاب وأنه هدى المتقين، وسيقت الثانية ~~لأن الكفار من صفتهم كيت وكيت فبين الجملتين تباين فى الغرض والأسلوب، ~~وهما على حد لا مجال فيه للعاطف ". وقوله { سوآء } خبر إن و { ~~عليهم } متعلق به، و { أأنذرتهم } مؤول بمصدر فاعل سواء. أى ~~إن الذين كفروا سواء عندهم إنذارهم وعدم إنذارهم وإنما استوى لديهم ~~الإنذار وعدمه مع أن الإنذار إنما يواجههم به نبى قوى أمين مؤيد من ~~الله - تعالى -، لأنهم لما جحدوا نعم الله، وعموا عن آياته، وحسدوا رسوله ~~على ما آتاه الله من فضله، صاروا بسبب ذلك فى حضيض جمد معه شعورهم، وبرد ~~فيه إحساسهم، فلا تؤثر فيهم موجعات القول، ولا تنفذ إلى قلوبهم بالغات ~~الحجج. # فهم كما قال الشاعر # لقد أسمعت إذ ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادى # ولم يذكر - سبحانه - التبشير مع الإنذار، لأنهم ليسوا أهلا للبشارة، ~~ولأن الإنذار أوقع فى القلوب، والذى لا يتأثر به يكون عدم تأثره بغيره ~~أولى. ولم يقل - سبحانه - سواء عليك أأنذرتهم أم لم تنذرهم.. الخ، لأنه ~~بالنسبة له صلى الله عليه وسلم لا يستوى الأمران، إذ هو فى حالة إنذاره ~~لهم مثاب ومأجور، أما فى حالة عدم إنذاره فهو مؤاخذ من الله - تعالى - ~~لأنه مكلف بتبليغ ما أنزل إليه من ربه. وجملة { لا يؤمنون } مفسرة ~~لمعنى الجملة التى قبلها ومؤكدة لها، لأنه حيث كان ms0025 الإنذار وعدمه سواء، ~~فلا يتوقع منهم الإيمان. ولذلك فصلت. وفى هذه الجملة إخبار بعدم إيمانهم ~~ألبتة، وذلك لأن حرف " لا " إذا دخل على الفعل المضارع - كما هنا - أفاد ~~أن الفعل لا يقع في المستقبل حتى تقوم قرينة تقصر النفى فى المستقبل على ~~وقت محدد. والحكمة في الإخبار بعدم إيمان هذه الطائفة المعينة من ~~الكفار، تسلية النبى صلى الله عليه وسلم حتى لا يكون فى صدره حرج من ~~تمردهم وعدم إيمانهم بعد أن قام بواجب دعوتهم، وفى ذلك تذكرة لكل داع ~~مصلح بأن لا يحترق قلبه أسفا على قوم أعرضوا عن سلوك الصراط المستقيم، ~~بعد أن دعاهم إليه، وبذل قصارى جهده فى تبصيرهم وإرشادهم. ثم بين - ~~سبحانه - بعد ذلك الموانع التى حالت بينهم وبين الاهتداء إلى الحق فى ~~الماضى والمستقبل فقال تعالى { ختم الله على قلوبهم ~~وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة }. والختم الوسم ~~بطابع ونحوه، مأخوذ من وضع الخاتم على الشىء وطبعه فيه للاستيثاق، لكى لا ~~يخرج منه ما هو بداخله، ولا يدخله ما هو خارج عنه. قال القرطبى " والختم ~~مصدر ختمت الشىء ختما فهو مختوم مختم، شدد للمبالغة، ومعناه التغطية على ~~الشىء والاستيثاق منه، وقد يكون محسوسا كما فى ختم الكتاب والباب، وقد ~~يكون معنويا كالختم على القلوب... " والقلوب جمع قلب، وهو المضغة التى ~~توجد بالجانب الأيسر من صدر الإنسان، ويستعمل فى القوة العاقلة التى هى ~~محل الفهم والعلم. والسمع مصدر سمع. ويطلق على الآلة التى يقع بها السمع. ~~ولما كان الختم يمنع من أن يدخل فى المختوم عليه شىء، استعير لإحداث ~~هيئة فى القلب والسمع تمنع من خلوص الحق إليهما. الأبصار جمع بصر، وهو فى ~~الأصل الإدراك بالعين، ويطلق على القوة التى يقع بها الإبصار، وعلى ~~العين نفسها. وهذا المعنى أقرب ما تحمل عليه الأبصار فى الآية. # وهو الأنسب لأن تجعل عليه غشاوة. ومفاد الآية أن تصير أبصارهم بحيث لا ~~تهتدى إلى النظر فى حكمة المخلوقات وعجائب المصنوعات. باعتبار وتدبر وحتى ~~لكأنما جعلت عليها غشاوة. والغشاوة ما يغطى به ms0026 الشىء، من غشاه إذا غطاه. ~~يقال غشيه غشاوة - مثلثة - وغشاية. أى ستره وغطاه. فهذه الآية الكريمة ~~تفيد عن طريق الاستعارة أو التمثيل أن هناك حواجز حصينة، وأقفالا متينة ~~قد ضربت على قلوبهم وعلى أسماعهم، وغشاوات مطبقة على أبصارهم حتى أصبحوا ~~لا يخيفهم نذير ولا يرغبهم بشير. وعبر فى جانب القلب والسمع بالختم، وفى ~~جانب البصر بالغشاوة، لمعنى سام، وحكمة رائعة، ذلك أن آفة البصر معروفة، ~~إذ غشاوة العين معروفة لنا، فالتعبير فى جانب العين بالغشاوة مما يحدد ~~لنا مدى عجزهم عن إدراك آيات الله بتلك الجارحة، وأما القلب والسمع ~~فإنهما لما كانا لا تدرك آفتهما إلا بصعوبة، فقد صور لنا موانعهما عن ~~الاستجابة للحق بصورة الختم. وعبر فى جانب القلب والسمع بجملة فعلية تفيد ~~التجدد والحدوث، وفى جانب البصر بجملة اسمية تفيد الثبات والاستقرار، ~~لأنهم قبل الرسالة ما كانوا يسمعون صوت نذير، ولا يواجهون بحجة، وإنما ~~كان صوت النذير وصياغة البراهين بعد ظهور النبى صلى الله عليه وسلم. وأما ~~ما يدرك بالبصر من دلائل وجود الله وآيات قدرته، فقد كان قائما فى ~~السماوات وفى الأرض وفى الأنفس، ويصح أن يدرك قبل الرسالة النبوية، وأن ~~يستدل به المتبصرون والمتدبرون على وجود ربهم وحكمته، فلم يكن عماهم عن ~~آيات الله القائمة حادثا متجددا، بل هم قد صحبهم العمى من بدء وجودهم، ~~فلما دعوا إلى التبصر والتدبر صمموا على ما كانوا عليه من عمى. وجمع ~~القلوب والأبصار وأفرد السمع، لأن القلوب تختلف باختلاف مقدار ما تفهمه ~~مما يلقى إليها من إنذار أو تبشير، ومن حجة أو دليل، فكان عن ذلك تعدد ~~القلوب بتعدد الناس على حسب استعدادهم، وكذلك شأن الناس فيما تنظره ~~أبصارهم من آيات الله فى كونه، فإن أنظارهم تختلف فى عمق تدبرها وضحولته، ~~فكان من ذلك تعدد المبصرين بتعدد مقادير ما يستطيعون تدبره من آيات الله ~~فى الآفاق. وأما المسموع فهو بالنسبة للناس جميعا شىء واحد هى الحجة ~~يناديهم بها المرسلون، والدليل يوضحه لهم النبيون. لذلك كان الناس جميعا ~~كأنهم على ms0027 سمع واحد، فكان إفراد السمع إيذانا من الله بأن حجته واحدة، ~~ودليله واحد لا يتعدد. ونرى القرآن هنا قدم القلب فى الذكر على السمع، ~~بينما فى سورة الجاثية قدم السمع فى الذكر على القلب فقال # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله ~~على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على ~~بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا ~~تذكرون # وذلك لأنه - سبحانه - في سورة الجاثية قد ذكر الختم معطوفا على قوله " ~~اتخذ إلهه هواه، ومن اتخذ إلهه هواه يكون أول ما يبدو منه للناس ويعرف هو ~~إعراضه عن النصح، ولى رأسه عن استماع الحجة، فكان مظهر عدم السماع منه ~~أول ما يبدو للناظرين، فلذلك قدم السمع على القلب. # وأما آيتنا هذه وهى قوله - تعالى - { ختم الله على قلوبهم ~~وعلى سمعهم } فقد جاءت إثر الآية المختومة بقوله { لا ~~يؤمنون }. والإيمان تصديق يقوم على الحجة والبراهين، وإدراك الحجة ~~والبرهان إنما هو بالقلب فكان التعليل المتصل الواضح لنفى الإيمان أن ~~قلوبهم مغلقة لا تنفذ إليها الحجة، أولا يتسرب إليها نور البرهان لذلك ~~قدم القلب على السمع. هذا وقوله - تعالى - { ختم الله على ~~قلوبهم }..إلخ. لا ينفى عنهم تبعة الكفر، لأنهم هم الذين باشروا من ~~فاسد الأعمال، وذميم الخصال، ومتابعة الهوى، ما نسج على قلوبهم الأغلفة ~~السميكة، وأصم إلى جانب ذلك آذانهم وأعمى أبصارهم، # وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون # ولعلماء الكلام كلام طويل حول هذه المسألة فليرجع إليه من شاء. ثم بين - ~~سبحانه - ما يستحقونه من عذاب بسبب إغراقهم في الكفر. واستحبابهم للمعاصى ~~فقال { ولهم عذاب عظيم }. أى ولهم بسبب سوء أعمالهم عذاب موجع ~~مؤلم لأبدانهم وأجسامهم. وأصل العذاب المنع، يقال عذب الفرس - كضرب - ~~امتنع عن العلف. وعذب الرجل إذا ترك المأكل والنوم، فهو عاذب وعذوب. ثم ~~أطلق على الإيجاع الشديد لما فيه من المنع عن اقتراف الذنب. والعظيم ~~الكبير، من عظم الشىء، وأصله كبر عظمه، ثم استعير لكل كبير محسوسا كان أو ~~معقولا. ووصف العذاب بالعظيم على معنى أن سائر ما يجانسه ms0028 من العذاب يكون ~~بالنسبة إليه حقيرا هنيئا. قال أبو حيان فى البحر وقد ذكروا فى هاتين ~~الآيتين من ضروب الفصاحة أنواعا. الأول الخطاب العام اللفظ، الخاص ~~المعنى. الثانى الاستفهام الذى يراد به تقرير المعنى فى النفس. أى يتقرر ~~أن الانذار وعدمه سواء عندهم. الثالث المجاز ويسمى الاستعارة وهو فى قوله ~~- تعالى - { ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم } ~~وحقيقة الختم وضع محسوس يحدث بينهما رقم يكون علامة للخاتم، والختم هنا ~~معنوى فإن القلب لما لم يقبل الحق مع ظهوره استعير اسم المختوم عليه، ~~فبين أنه من مجاز الاستعارة. الرابع الحذف وهو فى مواضع منها { إن ~~الذين كفروا.. } أى القوم الذين كفروا بالله وبك وبما جئت به، ~~ومنها { لا يؤمنون } أى بالله وبما أخبرتهم به عنه. وإلى هنا يكون ~~القرآن قد حدثنا عن طائفتين من الناس طائفة المتقين ومالها من جميل ~~الصفات، وجزيل الثواب، وطائفة الكافرين ومالها من ذميم النعوت، وشديد ~~العقاب. ثم ابتدأ القرآن بعد ذلك حديثه عن طائفة ثالثة ليس عندها إخلاص ~~المتقين، وليس لديها صراحة الكافرين، وإنما هى طائفة قلقة مذبذبة لا إلى ~~هؤلاء ولا إلى أولئك، تلك الطائفة الثالثة هى طائفة المنافقين الذين ~~فضحهم القرآن. وأماط اللئام عن خفاياهم وخداعهم فقال { ومن الناس ~~من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر...ولهم عذاب ~~أليم بما كانوا يكذبون }. ### || [2.8-10] # قال صاحب الكشاف " افتتح - سبحانه - كتابه بذكر الذين أخلصوا دينهم لله، ~~وواطأت قلوبهم ألسنتهم، ووافق سرهم علنهم، وفعلهم قولهم، ثم ثنى بالذين ~~محضوا الكفر ظاهرا وباطنا، قلوبا وألسنة، ثم ثلث بالذين آمنوا ~~بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وأبطنوا خلاف ما أظهروا. وهم الذين قال فيهم # مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى ~~هؤلاء # وسماهم المنافقين وكانوا أخبث الكفرة وأبغضهم إليه وأمقتهم عنده، لأنهم ~~خلطوا بالكفر تمويها وتدليسا، وبالشرك استهزاء وخداعا، ولذلك أنزل ~~فيهم # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار # ووصف حال الذين كفروا فى آيتين ووصف حال الذين نافقوا فى ثلاث عشرة آية، ~~نعى عليهم فيها خبثهم، ومكرهم، وفضحهم، وسفههم. واستجهلهم، واستهزأ ms0029 بهم، ~~وتهكم بفعلهم، وسجل طغيانهم، ودعاهم صما بكما عميا، وضرب لهم الأمثال ~~الشنيعة. وقصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة الذين كفروا، كما تعطف ~~الجملة على الجملة ". والناس اسم لجماعة الإنس. قال القرطبى " واختلف ~~النحاة فى لفظ الناس فقيل هو من أسماء الجموع، جمع إنسان وإنسانة على غير ~~اللفظ، وتصغيره نويس، فالناس من النوس وهو الحركة، يقال ناس، ينوس أى ~~تحرك. وقيل أصله نسى، فأصل ناس نسى، قلب فصار نيس، تحركت الياء وانفتح ما ~~قبلها فانقلبت ألفا، ثم دخلت الألف واللام فقيل الناس، قال ابن عباس نسى ~~آدم عهد الله فسمى إنسانا. وقيل سمى إنسانا لأنسه بربه، قال الشاعر # وما سمى الإنسان إلا لأنسه ولا القلب إلا أنه يتقلب # واليوم الآخر هو اليوم الذى يبتدئ بالبعث ولا ينقطع أبدا، وقد يراد منه ~~اليوم الذى يبتدئ بالبعث وينتهى باستقرار أهل الجنة فى الجنة. وأهل النار ~~فى النار. وقال القرآن فى شأن المنافقين { ومن الناس } مجردا ~~إياهم من الوصفين السابقين، وصف الإيمان ووصف الكفر، لأنهم لم يكونوا ~~بحسب ظاهر الأمر مع الكافرين، ولا بحسب باطنه مع المؤمنين، لذا عبر عنهم ~~بالناس لينطبق التعبير على ما حاولوه لأنفسهم من أتهم لا هم مؤمنون ولا ~~هم كافرون وفى ذلك مبالغة فى الحط من شأنهم. فهم لم يخرجوا عن كونهم ~~ناسا فقط، دون أن يصلوا بأوصافهم إلى أهل اليمين أو إلى أهل الشمال ~~الصرحاء فى كفرهم، بل بقوا فى منحدر من الأرض، لا يمر بهم سالك الطريق ~~المستقيم ولا سالك المعوج من الطرق. وعبر القرآن بلفظ { يقول آمنا ~~} ليفيد أنه مجرد قول باللسان، لا أثر له فى القلوب، وإنما هم يقولون ~~بأفواههم ما ليس فى قلوبهم. وحكى القرآن عن هؤلاء المنافقين أنهم اقتصروا ~~فى إظهار الإيمان على ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر، ليزيدوا فى ~~التمويه على المؤمنين بإدعاء أنهم أحاطوا بالإيمان من طرفيه، لأن من ~~يؤمن بالله واليوم الآخر، استجابة لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فإن ~~من شأنه أن يكون - أيضا - مؤمنا برسل الله ms0030 وملائكته وكتبه. # وقد كذبهم الله - تعالى - فى دعواهم الإيمان، فقال { وما هم ~~بمؤمنين }. فهذه الجملة الكريمة رد لما ادعوه من الإيمان، ونفى له ~~على أبلغ وجه، إذ جاء النفى مؤكدا بالباء فى قوله { بمؤمنين }. ثم ~~إن الجملة نفت عنهم الإيمان على سبيل الإطلاق، فهم ليسوا بمؤمنين لا ~~بالله ولا باليوم الآخر، ولا بكتب الله ولا برسله ولا بملائكته. ثم بين - ~~سبحانه - الدوافع التى دفعتهم إلى أن يقولوا { آمنا بالله ~~وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين } فقال { يخادعون ~~الله والذين آمنوا }. والخدع فى أصل اللغة الإخفاء والإبهام، ~~يقال خدعه - كمنعه - خدعا، ختله وأراد به مكروها من حيث لا يعلم وأصله من ~~خدع الضب حارسه إذ أظهر الإقبال عليه ثم خرج من باب آخر. وخداعهم لله - ~~تعالى - معناه إظهارهم الإيمان وإبطانهم الكفر ليحقنوا دماءهم وأموالهم، ~~ويفوزوا بسهم من الغنائم، وسمى فعلهم هذا خداعا لله - تعالى - لأن صورته ~~صورة الخداع، فالجملة الكريمة مسوقة على أسلوب المشاكلة، ولا يجوز حملها ~~على الحقيقة، لأنه - سبحانه - لا يخفى عليه صنع المنافقين بل لا يخفى ~~عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء. قال - تعالى - { إن المنافقين ~~يخادعون الله وهو خادعهم }. أما خداعهم للمؤمنين فمن ~~مظاهره إظهارهم لهم أنهم إخوانهم فى العقيدة وأنهم لا يريدون لهم إلا ~~الخير. بينما هم فى الحقيقة يضمرون لهم العداوة ويتربصون بهم الدوائر. ~~وجاءت الآية الكريمة هكذا بدون عطف، لأنها جواب سؤال نشأ من الآية ~~السابقة، إذ أن قول المنافقين " آمنا " وما هم بمؤمنين، يثير فى نفس ~~السامعين استفهاما عما يدعو هؤلاء لمثل تلك الحال المضطربة والحياة ~~القلقة المقامة على الكذب، فكان الجواب إنهم يفعلون ذلك محاولين مخادعة ~~المؤمنين، جهلا منهم بصفات خالقهم. وقال القرآن { يخادعون الله ~~والذين آمنوا }. ولم يذكر مخادعتهم للرسول صلى الله عليه وسلم، ~~ولعل الحكمة فى ذلك أن القرآن يعتبر مخادعة لرسوله، لأنه هو الذى بعثه ~~إليهم، وهو المبلغ عن الله أحكامه وشرائعه. قال - تعالى - # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد ~~الله فوق أيديهم # وقال - تعالى - # من يطع الرسول ms0031 فقد أطاع الله # ثم بين - سبحانه - غفلتهم وغباءهم فقال { وما يخدعون إلا ~~أنفسهم وما يشعرون }. الأنفس جمع نفس بمعنى ذات الشىء ~~وحقيقته. وتطلق على الجوهر اللطيف الذى يكون به الحس والحركة والإدراك. ~~ويشعرون مضارع شعر بالشىء - كنصر وكرم - يقال شعر بالشىء أى فطن له، ومنه ~~الشاعر لفطنته، لأنه يفطن لما لا يفطن له غيره من غريب المعانى ودقائقها. # والشعور العلم الحاصل بالحواس، ومنه مشاعر الإنسان أى حواسه. والمعنى ~~أن هؤلاء المنافقين لم يخادعوا الله لعلمه بما يسرون، ولم يخادعوا ~~المؤمنين لأن الله يدفع عنهم ضرر خداع المنافقين، وإنما يخدعون أنفسهم ~~لأن ضرر المخادعة عائد عليهم، ولكنهم لا يشعرون بذلك. لأن ظلام الغى خالط ~~قلوبهم، فجعلهم عديمى الشعور، فاقدى الحس. وأتى بجملة { وما ~~يخدعون إلا أنفسهم } ، بأسلوب القصر مع أن خداعهم للمؤمنين ~~قد ينالهم بسببه ضرر، لأن أولئك المنافقين سيصيبهم عذاب شديد بسبب ذلك، ~~أما المؤمنون فحتى لو نالهم ضرر فلهم عند الله ثوابه. ونفى عنهم الشعور ~~مع سلامة مشاعرهم، لأنهم لم ينتفعوا من نعمتها، ولم يستعملوها فيما خلقت ~~له، فكانوا كالفاقدين لها. ثم بين - سبحانه - العلة فى خداعهم لله ~~وللمؤمنين فقال { في قلوبهم مرض }. والمرض العلة فى البدن ~~ونقيضه الصحة، وقد يستعمل على وجه الاستعارة فيما يعرض للمرء فيخل بكمال ~~نفسه، كسوء العقيدة والحسد، والبغضاء والنفاق، وهو المراد هنا. وسمى ما ~~هم فيه من نفاق وكفر مرضا، لكونه مانعا لهم من إدراك الفضائل. كما أن مرض ~~الأبدان يمنعها من التصرف الكامل. وجعل القرآن قلوبهم ظرفا للمرض، ~~للإشعار بأنه تمكن منها تمكنا شديدا كما يتمكن الظرف من المظروف فيه. ~~ثم أخبر - سبحانه - بأنهم بسبب سوء أعمالهم قد زادهم الله ضلالا وخسرا ~~فقال { فزادهم الله مرضا }. لأنهم استمروا فى نفاقهم وشكهم، ~~ومن سنة الله أن المريض إذا لم يعالج مرضه زاد لا محالة مرضه، إذ المرض ~~ينشئ المرض، والانحراف يبدأ يسيرا ثم تنفرج الزاوية فى كل خطوة وتزداد. ~~والمعنى أن هؤلاء المنافقين قد زادهم رجسا على رجسهم، ومرضا على مرضهم، ~~وحسدا على ms0032 حسدهم، لأنهم عموا وصموا عن الحق، ولأنهم كانوا يحزنون لأى ~~نعمة تنزل بالمؤمنين. كما قال - تعالى # إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة ~~يفرحوا بها # ثم بين - سبحانه - سوء عاقبتهم فقال { ولهم عذاب أليم بما ~~كانوا يكذبون }. { أليم } أى مؤلم وموجع وجعا شديدا. من ألم ~~- كفرح - فهو ألم، وآلمه يؤلمه إيلاما، أى أوجعه إيجاعا شديدا. والكذب ~~الإخبار عن الشىء بخلاف الواقع. ولقد كان المنافقون كاذبين فى قولهم { ~~آمنا بالله وباليوم الآخر } وهم غير مؤمنين. وجعلت الآية ~~الكريمة العذاب الأليم مرتبا على كذبهم مع أنهم كفرة، والكفر أكبر معصية ~~من الكذب، للإشعار بقبح الكذب، وللتنفير منه بأبلغ وجه، فهؤلاء ~~المنافقون قد جمعوا الخستين، الكفر الذى توعد الله مرتكبه بالعذاب ~~العظيم، والكذب الذى توعد الله مقترفه بالعقاب الأليم. وعبر بقوله { ~~كانوا يكذبون } لإفادة تجدد الكذب وحدوثه منهم حينا بعد حين، وأن ~~هذه الصفة هى أخص صفاتهم، وأبرز جرائمهم. ثم وصفهم الله - تعالى - بعد ~~ذلك بجملة من الرذائل والقبائح مضافة إلى قبائحهم السابقة فقال { وإذا ~~قيل لهم لا تفسدوا فى الأرض قالوا...ولكن لا ~~يعلمون }. ### || [2.11-13] # الفساد خروج الشىء عن حالة الاعتدال والاستقامة، وعن كونه منتفعا به، ~~وضده الصلاح، يقال فسد الشىء فسادا، وأفسده إفسادا. والمراد به هنا ~~كفرهم، ومعاصيهم، ومن كفر بالله وانتهك محارمه فقد أفسد فى الأرض، لأن ~~الأرض لا تصلح إلا بالتوحيد والطاعة. ومن أبرز معاصى هؤلاء المنافقين، ما ~~كانوا يدعون إليه فى السر من تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وإلقاء ~~الشبه فى طريق دعوته، والتحالف مع المشركين ضد المسلمين كلما وجدوا إلى ~~ذلك سبيلا. وسلك القرآن هذا الأسلوب فقال { وإذا قيل لهم } ~~بالبناء للمفعول دون أن يسند الفعل إلى فاعله، لأن مصدر القول المعبر عن ~~النهى عن الإفساد ليس مصدرا واحدا، فقد يصل آذانهم هذا النهى مرة من ~~صريح القول. وأخرى مما كانوا يقابلون به من ناحية الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه من تجهم وإعراض. وعلق بالفعل الذى هو الإفساد قوله { في ~~الأرض } إيذانا بأن الإفساد مهما ضاقت ms0033 حدوده، فإنه لابد يوما أن ~~يتعدى الحدود إلى ما وراء ذلك فقد يعم ويشمل إذا لم يشتد فى الاحتياط له، ~~لذلك جعل ظرف إفسادهم الأرض كلها مع أنهم موجودون فى بقعة محصورة هى ~~المدينة المنورة. ولقد حكى القرآن جوابهم على نصيحة الناصحين وما فيه من ~~تبجح وادعاء فقال { قالوا إنما نحن مصلحون }. فقد بالغوا ~~فى الرد فحصروا أنفسهم أولا فى الإصلاح مبالغة المفجوع الذى أذهلته ~~المفاجأة بكشف أستار حقيقته، فتراهم لم يقتصروا على أن يقولوا { إنا ~~مصلحون } بل قالوا " إنما " ثم أكدوا الجملة بكونها اسمية ليدلوا ~~بذلك على أن شأنهم فى الإصلاح ثابت لازم. قال الراغب صوروا إفسادهم ~~بصورة الإصلاح لما فى قلوبهم من المرض، كما فى قوله - تعالى - # أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا # وقوله # وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون # وقوله # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا # ولقد كذبهم الله - تعالى - تكذيبا مؤكدا فى دعواهم أنهم مصلحون فقال { ~~ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون }. فأنت ~~ترى أن القرآن الكريم قد وضع فى الرد عليهم جملة صدرها بأداة الاستفتاح ~~إيذانا بأن ما قالوه يجب أن يهمل إهمالا، بل يجب أن يكون وصفهم ~~بالإفساد قضية مبتدأة مقررة حتى يتلقاها السامع وهو منتبه النفس، حاصر ~~الذهن. ثم أكد الجملة بعدة تأكيدات منها وصل " ألا " " بإن " الدالة على ~~تأكيد الخبر وتحقيقه، ومنها تأكيد الضمير بضمير منفصل حتى يتم التصاق ~~الخبر بالمبتدأ، ومنها اسمية الجملة، ومنها إفادة قصرهم على الإفساد فى ~~مقابل تأكيدهم أنهم هم المصلحون. # ولما كان هذا الرد المؤكد عليهم يستدعى عجبا، لأنهم زعموا أنهم لا حال ~~لهم إلا الاصلاح، مع أنهم فى الحقيقة لا حال لهم إلا الإفساد، لما كان ~~الأمر كذلك، فقد أزال القرآن هذا العجب بقوله { ولكن لا ~~يشعرون }. أى أنهم ما قالوه إلا عن غباء استولى على إحساسهم، ونفى ~~عنهم الشعور بما يصدر عنهم من الفساد، فأمسوا لا يدركون من شأن أنفسهم ~~شيئا، ومن أسوأ ms0034 ألوان الجهل أن يكون الإنسان مفسدا ولا يشعر بذلك، مع ~~أن أثر فساده ظاهر فى العيان، مرئى لكل ذى حس. فعدم شعورهم بالفساد ~~الواقع منهم منبئ باختلاف آلات إدراكهم، حتى صاروا يحسبون الفساد صلاحا، ~~والشر خيرا. وليس عدم شعورهم رافعا العقاب عنهم، لأن الجاهل لا يعذر ~~بجهله خصوصا إذا كان جهله يزول بأدنى تأمل لوضوح الأدلة، وسطوع ~~البراهين. ثم بين القرآن أن الناصحين قد أمروهم بالمعروف بعد أن نهوهم عن ~~المنكر فقال { وإذا قيل لهم آمنوا كمآ آمن الناس ~~قالوا أنؤمن كمآ آمن السفهآء }. المراد من الناس ~~المؤمنون بالرسول صلى الله عليه وسلم الصادقون فى إيمانهم. السفهاء جمع ~~سفيه، وأصل السفه الخفة والرقة والتحرك والاضطراب يقال ثوب سفيه، إذا كان ~~ردىء النسج خفيفه، أو كان باليا رقيقا. وتسفهت الريح الشجر. أى مالت به. ~~وزمام سفيه كثير الاضطراب، لمنازعة الناقة إياه، وشاع فى خفة العقل وضعف ~~الرأى. وهو المعنى المقصود بالسفهاء فى الآية. فقد كان المنافقون يصفون ~~المسلمين بذلك فيما بينهم. وروى أنهم كانوا يقولون أنؤمن كما آمن سفيه ~~بنى فلان، وسفيه بنى فلان؟! فأوحى الله للنبى صلى الله عليه وسلم بهذا ~~الذى كانوا يقولونه. قال صاحب الكشاف فإن قلت لم وصفوهم بالسفه وهم ~~العقلاء المراجيح؟ قلت لأن المنافقين لجهلهم وإخلالهم بالنظر، اعتقدوا أن ~~ما هم فيه هو الحق، وأن ما عداه باطل، ومن ركب متن الباطل كان سفيها، ~~ولأنهم كانوا فى رياسة من قومهم ويسار، وكان أكثر المؤمنين فقراء ومنهم ~~موال كصهيب وبلال وخباب، فدعوهم سفهاء تحقيرا لشأنهم اه ملخصا. وقد رد ~~الله عليهم بما يكبتهم ويفضحهم فقال { ألا إنهم هم السفهآء ~~ولكن لا يعلمون } لأنهم أعرضوا عن النظر فى الدليل وباعوا ~~آخرتهم بدنياهم، وهذا أقصى ما يبلغه الإنسان من سفه العقل. وقد تضمن هذا ~~الرد تسفيههم وتكذيبهم فى دعوى سفه الصادقين فى إيمانهم، فإن قوله - ~~تعالى - { ألا إنهم هم السفهآء } يفيد أن السفه مقصور ~~عليهم فلا يتجاوزهم إلى المؤمنين، وقد تضمنت هذه الجملة من المؤكدات ما ~~تضمنته الجملة السابقة ms0035 فى قوله تعالى - { ألا إنهم هم ~~المفسدون }. وإنما قال فى الآية السابقة " ولكن لا يشعرون " وقال ~~فى هذه الآية { ولكن لا يعلمون } لأن الآية السابقة وصفتهم ~~بالإفساد، وهو من المحسوسات التى تدرك بأدنى نظر فيناسبه نفى الشعور ~~الذى هو الإدراك بالمشاعر الحواس، أما هذه الآية فقد وصفتهم بالسفه، وهو ~~ضعف الرأى والجهل بالأمور، وهذا لا يدركه الشخص فى نفسه إلا يعد نظر ~~وإمعان فكر. فيناسبه نفى العلم. ثم بين القرآن ماهم عليه من سلوك ذميم، ~~وأنهم يقابلون الناس بوجوه مختلفة فقال { وإذا لقوا الذين ~~آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا...فما ربحت ~~تجارتهم وما كانوا مهتدين }. ### || [2.14-16] # { وإذا لقوا الذين آمنوا } يقال لقيته ولاقيته إذا ~~استقبلته وصادفته وكان قريبا منك. والمصدر اللقاء واللقى واللقية. ~~والمقصود استقبلوهم وكانوا فى مواجهتهم وقريبا منهم. ومرادهم بقولهم " ~~آمنا " أخلصنا الإيمان بقلوبنا لأن الإقرار باللسان معلوم منهم. وإذا ~~خلوا إلى شياطينهم، أى انفردوا مع رؤسائهم وقادتهم المشبهين الشياطين فى ~~تمردهم وعنوهم وصدهم عن سبيل الحق. يقال خلابه وإليه ومعه، خلوا وخلاء ~~وخلوة سأله أن يجتمع به فى خلوة ففعل وأخلاه معه. أو المعنى وإذا مضوا ~~وذهبوا إلى شياطينهم، يقال خلا بمعنى مضى وذهب، ومنه قوله تعالى # قد خلت من قبلكم سنن # أى مضت. وعبر عن حالهم مع المؤمنين بالملاقاة، وعن حالهم مع الشياطين ~~بالخلوة إيذانا بأن هؤلاء المنافقين لا أنس لهم بالمؤمنين، ولا طمأنينة ~~منهم إليهم فهم لا يجالسونهم ولا يسامرونهم، وإنما كل ما هنالك أن يلقوهم ~~فى عرض طريق، أما شأنهم مع شياطينهم فهم إليهم يركنون، وإليهم يتسامرون ~~ويتحادثون، لذلك هم بهم يخلون. والمعية فى قولهم { إنا معكم } ، ~~المراد منها موافقتهم فى دينهم، وأكدوا ما خاطبوا به شياطينهم بحرف ~~التأكيد، إذ قالوا { إنا معكم } ليزيلوا ما قد يجرى فى خراطرهم من ~~أنهم فارقوا دينهم وانقلبوا إلى دين الإسلام بقلوبهم. ولم يؤكدوا ما ~~خاطبوا به المؤمنين، إذ قالوا لهم { آمنا } ولم يقولوا " إنا آمنا " ~~ليوهموهم أنهم بمرتبة لا ينبغى أن يترددوا فى إيمانهم حتى يحتاجوا إلى ~~تأكيد. ms0036 وقوله - تعالى - حكاية عنهم { إنما نحن مستهزئون }. ~~وارد مورد الجواب عما قد يعترض به عليهم شياطينهم إذا قالوا لهم كيف ~~تدعون أنكم معنا مع أنكم توافقون المؤمنين فى عقيدتهم وتشاركونهم فى ~~مظاهر دينهم؟ فكان جوابهم عليهم { إنما نحن مستهزئون } ~~والاستهزاء السخرية والاستخفاف بالغير، يقال هزأ منه وبه - كمنع وسمع - ~~واستهزأ به، أى سخر. والمعنى إننا نظهر للمؤمنين الموافقة على دينهم ~~استخفافا بهم وسخرية منهم، لا أن ذلك صادر منا عن صدق وإخلاص. ثم بين - ~~سبحانه - موقفه منهم فقال { الله يستهزىء بهم }. حمل بعض ~~العلماء استهزاء الله بهم على الحقيقة وإن لم يكن من أسمائه المستهزئ، ~~لأن معناه يحتقرهم على وجه شأنه أن يتعجب منه، وهذا المعنى غير مستحيل ~~على الله، فيصح إسناده إليه - تعالى - على وجه الحقيقة. ويرى جمهور ~~العلماء أن الاستهزاء لا ينفك عن التلبيس كأن يظهر المستهزئ استحسان ~~الشىء وهو فى الواقع غير حسن، أو يقر المستهزأ به على أمر غير صواب، وهذا ~~المعنى لا يليق بجلال الله، فيجب حمل الاستهزاء المسند إليه تعالى على ~~معنى يليق بجلاله، فيحمل على ما يلزم على الاستهزاء من الانتقام والعقوبة ~~والجزاء المقابل لاستهزائهم، وسمى ذلك استهزاء على سبيل المشاكلة كما فى ~~قوله تعالى # وجزآء سيئة سيئة مثلها # وهذا دليل على غيرة الله على عباده المؤمنين، وانتقامه من كل من يستهزئ ~~بهم أو يؤذيهم. وعبر بالمضارع فى قوله { يستهزىء } للإيذان بأن ~~احتقاره لهم، أو مجازاتهم على استهزائهم يتجدد ويقع المرة بعد الأخرى ثم ~~بين - سبحانه - لونا آخر من ألوان غضبه عليهم فقال { ويمدهم في ~~طغيانهم يعمهون }. المد الإمهال والمطاولة والزيادة، من المد ~~بمعنى الإمهال، يقال مده فى غيه - من باب رد - أمهله وطول له، ويقال مد ~~الجيش وأمده إذا ألحق به ما يقويه ويكثره ويزيده، وقيل أكثر ما يستعمل ~~المد فى المكروه، والإمداد فى المحبوب، والطغيان مجاوزة الحد، ومنه طغا ~~الماء، أى ارتفع. ويعمهون يعمون عن الرشد، أو يتحيرون ويترددون بين ~~الإظهار والإخفاء، أو بين البقاء على الكفر وتركه إلى الإيمان. يقال ms0037 ~~عمه - كفرح ومنع - عمها، إذا تردد وتحير، فهو عمه وعامه، وهم عمهون وعمه ~~كركع والمعنى أن الله تعالى يجازى هؤلاء المنافقين على استهزائهم ~~وخداعهم، ويمكنهم من المعاصى أو يملى لهم ليزدادوا إثما. حال كونهم ~~يعمون عن الرشد، فلا يبصرون الحق حقا ولا الباطل باطلا. ثم بين - سبحانه ~~- لونا من ألوان غبائهم وبلادتهم فقال { أولئك الذين ~~اشتروا الضلالة بالهدى }. الاشتراء أخذ السلعة بالثمن. ~~والمراد أنهم استبدلوا ماكره الله من الضلالة بما أحبه من الهدى قال ابن ~~عباس أخذوا الضلالة وتركوا الهدى. والمشار إليه ب " أولئك " هم ~~المنافقون الموصوفون فى الآيات السابقة بالكذب والمخادعة، والإفساد فى ~~الأرض، ورمى المؤمنين بالسفاهة واستهزائهم بهم. والسر فى الإشارة اليهم ~~والتعبير عنهم بأولئك تمييزهم وتوضيحهم بأكمل صورة وأجلى بيان. إذ من ~~المعروف عند علماء البلاغة أن اسم الإشارة إذا أشير به إلى أشخاص وصفوا ~~بصفات يلاحظ فيه تلك الصفات، فهو بمنزلة إعادة ذكرها وإحضارها فى أذهان ~~المخاطبين. فتكون تلك الصفات، وهى هنا الكذب والمخادعة وما عطف عليها، ~~كأنها ذكرت فى هذه الآية مرة أخرى ليعرف بها علة الحكم الوارد بعد اسم ~~الإشارة، وهو هنا اشتراء الضلالة بالهدى. أى اختيارها. واستبدالها به. ~~وعبرت الآية بالاشتراء على سبيل الاستعارة ليتحدد مقدار رغبتهم فى ~~الضلالة، وزهدهم فى الهدى، فإن المشترى فى العادة يكون شديد الرغبة فيما ~~يشترى، رغبة تجعله شديد الزهد فيما يبذله من ثمن. فهم راغبون فى الضلالة، ~~زاهدون فى الهدى. وقوله تعالى { أولئك الذين اشتروا ~~الضلالة بالهدى } لا يقتضى أنهم كانوا على هدى من ربهم فتركوه، ~~بل يكفى فيه أن يجعل تمكنهم من الهدى لقيام أدلته. بمنزلة الهدى الحاصل ~~بالفعل. ثم بين سبحانه نتيجة أخذهم الضلالة وتركهم الهدى فقال { فما ~~ربحت تجارتهم } أى أنهم لم يحصلوا من اشترائهم الضلالة بالهدى ~~على الربح، وإذا كانت التجارة الحقيقة قد يفوت صاحبها الربح، ولكنه لا ~~يقع فى خسارة بأن يبقى له رأس ماله محفوظا، فإن التجارة المقصودة من ~~الآية هى استبدال الضلالة بالهدى، لا يقابل الربح فيها إلا الخسران، فإذا ms0038 ~~نفى عنها الربح فذلك يعنى أنها تجارة خاسرة. # ثم قال - تعالى - { وما كانوا مهتدين } أى وما كانوا مهتدين ~~إلى سبيل الرشاد وما تتجه إليه العقول الراجحة من الدين الحق، وما كانوا ~~مهتدين إلى طرق التجارة الرابحة، فهم أولا لم يربحوا فى تجارتهم بل ~~خسروها، وهم ثانيا ذهب نور الهدى من حولهم فبقوا فى ظلمة الضلال. وما ~~أوجع أن يجتمع على التاجر خسارته وتورطه، وما أوجع أن يجتمع عليه أن ~~ينقطع عن غايته، وأن يكون فى ظلمة تعوقه عن التبصر. وبعد أن وصف الله ~~تعالى حال المنافقين فى الآيات السابقة، ساق مثلين لتوضيح سوء تصرفهم، ~~وشدة حيرتهم واضطرابهم. فقال تعالى { مثلهم كمثل الذي ~~استوقد نارا...يكاد البرق يخطف أبصارهم }. ### || [2.17-20] # قوله تعالى { مثلهم } أى صفتهم، وأصل المثل بمعنى المثل - بكسر ~~الميم وسكون الثاء - والمثل النظير والشبيه، ثم أطلق على القول السائر ~~المعروف لمماثلة مضربه - وهو الذى يضرب فيه - لمورده الذى ورد فيه أولا، ~~ولا يكون إلا فيما فيه غرابة ثم استعير للصفة أو الحال أو القصة إذا كان ~~لها شان عجيب وفيها غرابة، وعلى هذا المعنى يحمل المثل فى هذه الآية. ~~وإنما تضرب الأمثال لإيضاح المعنى الخفى وتقريب المعقول من المحسوس، ~~وعرض الغائب فى صورة الشاهد، فيكون المعنى الذى ضرب له المثل أوقع فى ~~القلوب، وأثبت فى النفوس. واستوقد النار طلب وقودها بسطوع نارها واندلاع ~~لهيبها، أو أوقدها لأن أوقد واستوقد قد يكونان بمعنى واحد كأجاب واستجاب. ~~والنار جوهر لطيف حار محرق من نار ينور إذا نفر لحركتها واضطرابها، ~~وأضاءت ما حوله جعلت ما حوله مضيئا، أو أشرقت فيما حوله. وحول الشىء ما ~~يحيط به من جميع نواحيه، ولذا قيل للعام حول، للفه ودورانه حتى يعود كما ~~كان. والنور الضوء الذى يكون للشىء المضىء، وهو مأخوذ من النار. ومعنى { ~~ذهب الله بنورهم } سلبه منهم، وفى إسناد ذهب إلى الله تعالى - ~~إشعار بأن النور الذى سلب عنهم لن يستطيع أحد أن يرده عليهم، لأن الذى ~~سلبه عنهم إنما هو الله الغالب على أمره. ms0039 وقال { بنورهم } ولم يقل ~~بنارهم، لأن إيقاد النار يكون للإضاءة وللإحراق والمقصود من إيقاد ~~النار الواردة فى المثل إنما هو الإضاءة. وقال { بنورهم } ولم يقل ~~بنوره، مع أن الضمير يعود على { الذي استوقد } وهو بحسب الظاهر ~~مفرد، لأن { الذي } قد يطلق أحيانا بمعنى الذين، كما فى قوله تعالى # وخضتم كالذي خاضوا # أو لأن { الذي } أريد منه جنس المستوقد، لا مستوقد بعينه، فصار فى ~~معنى جماعة من المستوقدين. وصح أن يعود عليه ضمير الجمع فى قوله { ~~بنورهم } لذلك. وأورد الظلمات بصيغة الجمع للمبالغة فى شدتها، ~~فكأنها لشدة كثافتها ظلمات بعضها فوق بعض، وأكد هذا بقوله { لا ~~يبصرون } أى أن هذه الظلمات بالغة فى الشدة حتى أولئك المحاطين بها ~~لا يتأتى لهم أن يبصروا، كما أن الشان كذلك بالنسبة للذين طمس على ~~أعينهم. وعبر - سبحانه - بقوله { وتركهم } ولم يقل ذهب بنورهم ~~وبقوا فى ظلمات، ليدل بذلك على قطع الصلة بينهم وبين ربهم، وأنهم متروكون ~~غضبا عليهم ونكاية بهم. هذا، وللعلماء رأيان فى تطبيق هذا المثل على ~~المنافقين، أما الرأى الأول فيرى أصحابه، أن هذا المثل قد ضرب فى قوم ~~دخلوا فى الإسلام عند وصول النبى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ثم ~~تحولوا بعد ذلك إلى الكفر والنفاق فيقال فى تطبيق هذا المثل عليهم إن قصة ~~هؤلاء المنافقين الذين اكتسبوا بإيمانهم نورا، ثم أبطلوا ذلك بنفاقهم، ~~ووقعوا فى حيرة عظيمة، كقصة من استوقدوا نارا فلما أضاءت ما حولهم، سلب ~~الله منهم الضوء فراحوا فى ظلام لا يهتدون إلى الخروج منه سبيلا. # وأما الرأى الثانى فيرى أصحابه أن هذا المثل إنما ضرب فى قوم لم يسبق ~~لهم إيمان وإنما دخلوا فى الإسلام من أول أمرهم نفاقا، فيقال فى تطبيق ~~هذا المثل عليهم إن قصة هؤلاء الذين دخلوا فى الإسلام نفاقا، فظفروا ~~بحقن دمائهم وبغنائم الجهاد وسائر أحكام المسلمين، وتمتعوا بذلك فى ~~الدنيا قليلا ثم صاروا إلى ظلمات العذاب الدائم فى الآخرة - قصة هؤلاء ~~كقصة من استوقدوا نارا لتضىء لهم وينتفعوا بها، فأضاءت ما ms0040 حولهم قليلا، ~~ثم طفئت وصاروا إلى ظلمة شديدة مطبقة. ثم قال - تعالى - { صم بكم ~~عمي فهم لا يرجعون }. قال القرطبى والصمم فى كلام العرب ~~الانسداد، يقال قناة صماء إذا لم تكن مجوفة، وصممت القارورة إذا سددتها. ~~فالأصم من انسدت خروق مسامعه. والأبكم الذى لا ينطق ولا يفهم، والعمى ~~ذهاب البصر. وليس الغرض مما ذكرناه نفى الإدراكات عن حواسهم جملة، وإنما ~~الغرض نفيها من جهة ما. والآية الكريمة خبر لضمير مقدر يعود على ~~المنافقين، أى هم صم بكم عمى. ووصف المنافقون بهذه الصفات لأنهم وإن كانت ~~لهم آذان تسمع، وألسنة تنطق، وأعين تبصر، إلا أنهم لا يسمعون خيرا. ولا ~~يتكلمون بما ينفعهم ولا يبصرون مسلكا من مسالك الهداية، ومن كان كذلك كان ~~هو ومن فقد حواسه سواء، فقد صرف الله عنهم عنايته ووكلهم إلى أنفسهم. ~~ووردت هذه الصفات مجردة من حرف العطف، فلم يقل صم وبكم وعمى، لما عرف من ~~استعمالات البلغاء. أن تجريد أمثال هذه الأوصاف من حرف العطف يفيد ~~تأكيدها، حيث إن المتكلم قد قصد إلى تقرير كل صفة منها على حدة. ومعنى { ~~فهم لا يرجعون } ، لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو لا ~~يرجعون عن الضلالة بعد أن اشتروها. والفاء فى قوله - تعالى - { فهم } ~~للتفريع أو التسبيب، لأنها توحى بأن عدم رجوعهم عما هم فيه من النفاق ~~متفرع على تلك الآفات، ومسبب عن هذه العاهات. ثم ساق - سبحانه - المثل ~~الثانى فقال { أو كصيب من السمآء فيه ظلمات ورعد ~~وبرق }. " أو " للتسوية بين الشيئين وهى مفيدة أن التمثيل بأيهما أو ~~بمجموعهما يؤدى إلى المقصود، فهى مانعة خلو مجوزة للجمع بينهما. والصيب - ~~كسيد - المطر، من الصوب وهو النزول. يقال صاب صوبا، إذا نزل أو انحدر، ~~سمى به المطر لنزوله، وفى الجملة الكريمة إيجاز بحذف ما دل عليه المقام ~~دلالة واضحة. والتقدير أو كمثل ذوى صيب. # والمعنى أن قصة هؤلاء المنافقين مشبهة بقصة الذى استوقد نارا، أو بقصة ~~ذوى صيب. والسماء كل ما علاك من سقف ونحوه، والمراد بها السحاب. ms0041 والرعد ~~الصوت الذى يسمع بسبب اصطدام سحابتين محملتين بشحنتين كهربيتين أحداهما ~~موجبة والأخرى سالبة. والبرق هو الضوء الذى يحدث بسبب الاصطدام ذاته. ~~وإيراد هذه الألفاظ بصفة التنكير للتهويل، ويكون المعنى أو أن مثل هؤلاء ~~المنافقين كمثل قوم نزل بهم المطر من السماء تصحبه ظلمات كأنها سواد ~~الليل، ورعد يصم الآذان، وبرق يخطف الأبصار وصواعق تحرق ما تصيبه. ثم قال ~~- تعالى - { يجعلون أصابعهم في آذانهم من ~~الصواعق حذر الموت }. الصواعق جمع صاعقة من الصعق وهو شدة ~~الصوت الذى يصحبه - غالبا - قطعة من نار لا تأتى على شىء إلا أهلكته. ~~ومن فى قوله - تعالى - { من الصواعق } للعليل. وإنما كانت ~~الصواعق داعية إلى سدهم آذانهم بأصابعهم، من جهة أنها قد تفضى بصوتها ~~الهائل إلى الموت، وجاء هذا مصرحا به فى قوله - تعالى - { حذر ~~الموت }. والمعنى يسدون آذانهم من أجل الصواعق خوفا من أن تقتلهم ~~بشدة صوتها. ومن المعروف أن الذى يجعل فى الآذان عند الفزع بعض الأصابع ~~لا كلها، إلا أنه عبر بالأصابع مبالغة فى فرط فزعهم وشدة اضطرابهم، ~~ومسايرة للمألوف فى اللغة من نسبة ما يكون لبعض الشىء إلى ذلك الشىء، حيث ~~يكون المراد جليا واضحا. وهو مجاز مرسل من باب إطلاق الكل وإرادة ~~البعض. وقوله { حذر الموت } يدل على أنهم لم يموتوا من تلك ~~المفزعات وهذه المروعات. إمدادا فى عذابهم. ومطاولة فى نكالهم. وقوله - ~~تعالى - { والله محيط بالكافرين } جملة معترضة فى أثناء ضرب ~~المثل بذوى الصيب. وإحاطته - سبحانه - بالكافرين على معنى أنهم لا مهرب ~~لهم منه، فهو محيط بهم إحاطة تامة وهو قادر على النكال بهم متى شاء وكيف ~~شاء. ولم يقل محيط بهم مع تقدم مرجع الضمير وهو أصحاب الصيب، إيذانا ~~بأنهم إنما استحقوا ذلك العذاب بكفرهم. ثم قال - تعالى - { يكاد ~~البرق يخطف أبصارهم }. يكاد من الأفعال التى تدخل على اسم ~~يسند اليه فعل بعده نحو { البرق يخطف }. فتدل على أن المسند إليه ~~وهو البرق قد قارب أن يقع منه الفعل وهو خطف الأبصار. والخطف الأخذ ~~بسرعة. والأبصار جمع بصر، ms0042 وهو قوة مودعة فى العين يدرك بها الألوان ~~والأشكال. والمعنى أن البرق لشدة لمعانه يقرب من أن يخطف أبصارها، وهو ~~تصوير بليغ لشدة ذلك البرق، وترك بيان شدة الرعد اكتفاء بما ذكره فى جانب ~~البرق، ولم يذكر توقيهم للأعين بوضع شىء عليها اكتفاء بما ذكره فى توقى ~~الآذان أو لأنهم شغلوا بالآذان عن الأعين. وقوله - تعالى - { كلما ~~أضآء لهم مشوا فيه وإذآ أظلم عليهم قاموا } ~~وصف رائع لما يصنعه أهل الصيب فى حالتى ظهور البرق واختفائه. # وكل ظرف، وما مصدرية ولا تصالها بكل أفادت الشرط والعامل فيها هو جوابها ~~وهو { مشوا } و { أضآء } بمعنى لمع، و { أظلم } من الإظلام ~~وهو اختفاء النور. و { قاموا } أى وقفوا وثبتوا فى مكانهم. من قام ~~الماء إذا جمد. ويقال قامت الدابة إذا وقفت. والمعنى أنهم إذا صادفوا من ~~البرق وميضا انتهزوا ذلك الوميض فرصة، فخطوا خطوات يسيرة، وإذا خفى ~~لمعانه وقفوا فى مكانهم، فالجملة الكريمة تدل على فرط حرصهم على النجاة ~~من شدة ما هم فيه من أهوال. ثم قال - تعالى - { ولو شآء الله ~~لذهب بسمعهم وأبصارهم }. لو أداة شرط، وشاء بمعنى أراد. ~~أى لو أراد الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لزاد فى قصف الرعد فأصمهم، وفى ~~ضوء البرق فاعماهم. أو يقال إن قصف الرعد ولمعان البرق المذكورين فى ~~المثل سببان كافيان لأن يذهبا بسمع ذوى الصيب وأبصارهم لو شاء الله ذلك. ~~فيكون قوله تعالى { ولو شآء الله لذهب } ، إشعارا بأن تأثير ~~الأسباب فى مسبباتها إنما هو بإرادته - تعالى -. وخص السمع والبصر ~~بالذهاب مع أنها من جملة مشاعرهم، لأهميتها. ولأنها هى التى سبق ذكرها، ~~أو من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى، لأنه إذا كان قادرا على إذهاب ما ~~حافظوا عليه، كان قادرا على غيره من باب أولى. ثم ختم الآية بقوله - ~~تعالى - { إن الله على كل شيء قدير }. الشىء فى أصل ~~اللغة كل ما يصح أن يعلم ويخبر عنه، ويحمل فى هذه الآية على الممكن خاصة ~~موجودا كأن أو معدوما، لأن القدرة إنما تتعلق ms0043 بالممكنات دون الواجب ~~والمستحيل. والقدير الفعال لما يريد، يقال قدره على الشىء أقدره قدرة ~~وقدرا. وهذه الجملة الكريمة بمنزلة الاستدلال على ما تضمنته الجملة ~~السابقة من أن الله تعالى قادر على أن يذهب بأسماع أصحاب الصيب وأبصارهم ~~متى شاء. وتطبيق هذا المثل على المنافقين يقال فيه إن أصحاب الصيب لضعفهم ~~وخورهم لا يطيقون سماع الرعد الهائل، ولا يستطيعون فتح أعينهم فى البرق ~~اللامع، فيجعلون أصابعهم فى آذانهم فزعا من قصف الرعد، وخوفا من صواعق ~~تجلجل فوق رءوسهم فتدعهم حصيدا خامدين، وكذلك حال هؤلاء المنافقين فإنهم ~~لضعف بصائرهم، وانطماس عقولهم، تشتد عليهم زواجر القرآن ووعيده وتهديده ~~وأوامره ونواهيه، فتشمئز قلوبهم ويصرفون عنه أسماعهم خشية أن تتلى عليهم ~~آيات تقع على أسماعهم وقع الصواعق المهلكة. قال ابن كثير " وذهب ابن جرير ~~ومن تبعه من المفسرين إلى أن هذين المثلين مضروبان لصنف واحد من ~~المنافقين، وتكون " أو " فى قوله تعالى { أو كصيب } بمعنى الواو، ~~كقوله تعالى # ولا تطع منهم آثما أو كفورا # أو تكون للتخيير، أى، اضرب لهم مثلا بهذا وإن شئت بهذا، أو للتساوى مثل ~~جالس الحسن أو ابن سيرين. # قلت وهذا يكون باعتبار أجناس المنافقين، فإنهم أصناف ولهم أحوال وصفات ~~كما ذكرها الله تعالى فى سورة براءة بقوله # ومنهم من يقول ائذن لي # ومنهم من عاهد الله # ومنهم من يلمزك في الصدقات # الخ. فجعل هذين المثلين لصنفين منهم أشد مطابقة لأحوالهم وصفاتهم. " ~~هذا، ويرى فضيلة المرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز. أن المثلين لطائفتى ~~الكافرين والمنافقين، فالمثل الأول وهو قوله تعالى { مثلهم كمثل الذي ~~استوقد نارا } ينطبق تمام الانطباق على الأوصاف التى ذكرها الله ~~للكافرين وأن الذى ينطبق على صفات المنافقين إنما هو المثل الثانى وحده ~~وهو قوله تعالى { أو كصيب من السمآء فيه ظلمات ~~ورعد وبرق... } فقد ضرب الله لكلتا الطائفتين مثلا يناسبها. قال ~~فضيلته فضرب مثلا للمصرين المختوم على قلوبهم بقوم كانوا يسيرون فى ظلام ~~الليل فيهم رجل استوقد لهم نارا يهتدون بضوئها، فلما أضاءت ما حوله لم ~~يفتح ms0044 بعض القوم أعينهم لهذا الضوء الباهر، بل لأمر ما سلبوا نور أبصارهم، ~~وتعطلت سائر حواسهم عند هذه المفاجأة، فذلك مثل النور الذى طلع به محمد ~~صلى الله عليه وسلم فى تلك الأمة على فترة من الرسل، فتفتحت له البصائر ~~المستنيرة هنا وهناك، لكنه لم يوافق أهواء المستكبرين الذين ألفوا العيش ~~فى ظلام الجاهلية، فلم يرفعوا له رأسا بل نكسوا على رؤسهم، ولم يفتحو له ~~عينا بل خروا عليه صما وعميانا. وضرب مثلا للمترددين المخادعين بقوم ~~جامتهم السماء بغيث منهمر فى ليلة ذات رعد وبرق، فأما الغيث فلم يلقوا له ~~بالا ولم ينالوا منه نيلا، فلا شربوا منه قطرة، ولا استنبتوا به ثمرة.. ~~وأما تلك التقلبات الجوية من الظلمات والرعد والبرق فكانت هى مثار ~~اهتمامهم، ومناط تفكيرهم، ولذلك جعلوا يترصدونها، ويدبرون أمورهم على ~~وفقها، لابسين لكل حال لبوسها سيرا تارة، ووقوفا تارة، واختفاء تارة ~~أخرى. فكانوا إذا رأوا عرضا قريبا وسفرا قاصدا وبرقت لهم بروق الأمل ~~فى الغنيمة ساروا مع المؤمنين جنبا إلى جنب، وإذا دارت رحا الحرب وانقضت ~~{ صواعقها } منذرة بالموت والهزيمة أخذوا حذرهم وفروا من وجه العدو ~~قائلين " إن بيوتنا عورة " حتى إذا كانت الثالثة فلم يلمحوا من الآمال ~~بارقة ولم يتوقعوا من الآلام صاعقة، بل اشتبهت عليهم الأمور فهناك يقفون ~~متربصين لا يتقدمون ولا يتأخرون، ولكن يلزمون شقة الحياد ريثما تنقشع ~~سحابة الشك # فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن ~~معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم ~~نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين # ذلك دأب المنافقين فى كل أمرهم، إن توقعوا ربحا عاجلا التمسوه فى أى ~~صف وجدوه، وإن توقعوا أذى كذلك تنكروا للفئة التى ينالهم فى سبيلها شىء ~~مكروه وإذا أظلم عليهم الأمر قاموا بعيدا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ~~أما الذى يؤمن بالله واليوم الآخر فإن له قبلة واحدة يولى وجهه شطرها، هى ~~قبلة الحق لا يخشى فيها لومة لائم # وليس يبالى حين يقتل مسلما على أى جنب كان فى الله مصرعه # هذا هو ms0045 رأى فضيلة الدكتور دراز، وهو رأى مستساغ يتمشى مع روح الآيات ~~وأهداف السورة، وأياما كان فالمثلان يصوران أحوال المبطلين بصورة حسية ~~واضحة تتجلى فيها بلاغة القرآن الكريم فى إبراز المعانى المعقولة فى صورة ~~محسة واضحة من شأنها أن تهدى الناس إلى طريق الحق والرشاد. وبعد أن بينت ~~السورة الكريمة أقسام الناس الثلاثة، وعاقبة كل قسم منهم، ساقت لهم نداء ~~عاما دعتهم فيه إلى عبادة الله وحده، قال تعالى { ياأيها الناس ~~اعبدوا...فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ~~}. ### || [2.21-22] # ففى هاتين الآيتين توجيه للناس إلى الأمر الذى خلقوا من أجله وهو عبادة ~~الله دون ما سواه، وبيان البراهين الساطعة التى تدل على وحدانية الله ~~وعظيم قدرته. و " يا " حرف نداء وهو أكثر حروف النداء استعمالا، فهو أصل ~~حروف النداء. و " أى " اسم مبهم لكن يزول إبهامه بالاسم المقصود بالنداء ~~الذى يأتى بعده. و " ها " المتصلة به مؤكدة للتنبيه المستفاد من النداء. ~~و " العبادة " الخضوع البالغ الغاية. وقد كثر النداء فى القرآن الكريم ~~بهذه الطريقة لما فيها من التأكيد الذى كثيرا ما يقتضيه المقام. وفى ~~ذكره تعالى باسم الرب، وإضافته إلى المخاطبين، تقوية لداعية إقبالهم على ~~عبادته. فإن الإنسان إذا اتجه بفكره إلى معنى كون الله مالكا له، أو ~~مربيا له وتذكر ما يحفه به من رفق، وما يجود به عليه من إنعام، لم يلبث ~~أن يخصه بأقصى ما يستطيع من الخضوع والخشوع والإجلال. وإفراد اسم الرب ~~دل على أن المراد رب جميع الخلق وهو الله تعالى، إذ ليس ثمة رب يستحق هذا ~~الاسم بالإفراد والإضافة إلى جميع الناس إلا الله. ثم بين - سبحانه - ~~الموجبات التى من شأنها أن تحملهم على عبادته وحده فقال { الذي ~~خلقكم والذين من قبلكم }. والخلق أصله الإيجاد على ~~تقدير وتسوية، ويطلق فى القرآن وفى عرف الشريعة على إيجاد الأشياء ~~المعدومة، فهو إخراجها من العدم إلى الوجود إخراجا لا صنعة فيه للبشر. ~~والمعنى اجعلوا أيها الناس عبادتكم لله تعالى وحده، لأنه هو الذى أوجدكم ~~فى أحسن تقويم بعد أن ms0046 كنتم فى عدم، كما أوجد الذين تقدموكم. وقدم وصفه ~~بخلق المخاطبين مع أنه متأخر بالزمان عن خلق من تقدموهم، لأن علم ~~الإنسان بأحوال نفسه أظهر من علمه بأحوال غيره. وقوله تعالى { ~~والذين من قبلكم } فيه رد على الدهريين من المخاطبين الذين ~~يزعمون أنهم إنما خلقهم آباؤهم فقالوا ما هى إلا حياتنا الدنيا نموت ~~ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر. فكان قوله { والذين من قبلكم } ~~تذكيرا لهم بأن آباءهم الأولين لابد أن ينتهوا إلى أب أول قد خلقه الله ~~تعالى. وجملة { لعلكم تتقون } تعليل للأمر بالعبادة، ولذلك ~~فصلت. و " لعل " حرف موضوع ليدل على الترجى، وهو توقع حصول الشىء عندما ~~يحصل سيبه وتنتفى موانعه. والشىء المتوقع حصوله فى الآية هو التقوى وسببه ~~العبادة، إذ بالعبادة يستعد الإنسان لأن يبلغ درجة التقوى وهى الفوز ~~بالهدى والفلاح، والترجى قد يكون من جهة المتكلم وهو الشائع وقد تستعمل ~~لعل فى الكلام على أن يكون الترجى مصروفا للمخاطب، فيكون المترجى هو ~~المخاطب لا المتكلم، وعلى هذا الوجه يحمل الترجى فى هذه الآية، لاستحالة ~~توقع حصول الشىء من عالم الغيب والشهادة، لأن توقع الإنسان لحصول الشىء ~~هو أن يكون مترددا بين الوقوع وعدمه مع رجحان الوقوع، وعليه فيكون ~~المعنى اعبدوا ربكم راجين أن تكونوا من المتقين، الذين بلغوا الغاية فى ~~الهدى والفلاح. # ثم أضاف - سبحانه - أسبابا أخرى تحمل الناس على عبادته وطاعته فقال { ~~الذي جعل لكم الأرض فراشا }. الفراش ما يفترشه الإنسان ~~ليستقر عليه بنحو الجلوس أو المنام. أى اجعلوا عبادتكم لله الذى صير ~~الأرض لأجلكم مهادا كالبساط المفروش، فذللها لكم ولم يجعلها صعبة غليظة، ~~لكى يتهيأ لكم الاستقرار عليها. والتقلب فى مناكبها، والانتفاع بما أودع ~~الله فى باطنها من خيرات. وتصوير الأرض بصورة الفراش لا ينافى كونها ~~كروية، لأن الكرة إذا عظمت جدا كانت القطعة منها كالسطح فى إمكان ~~الانتفاع بها. { والسماء بنآء } يقال لسقف البيت بناء أى جعل ~~السماء كالسقف للأرض، لأنها تظهر كالقبة المضروبة فوقها كما قال - تعالى ~~- # وجعلنا السمآء سقفا محفوظا وهم عن ms0047 آياتها ~~معرضون # وقدم خلق الأرض على خلق السماء لأن الأرض أقرب إلى المخاطبين، وانتفاعهم ~~بها أظهر وأكثر من انتفاعهم بالسماء. قال بعض الأدباء " إذا تأملت هذا ~~العالم وجدته كالبيت المعد فيه كل ما يحتاج إليه، فالسماء مرفوعة كالسقف، ~~والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم منورة كالمصابيح، والإنسان كما لك البيت ~~المتصرف فيه وضروب النبات مهيأة لمنافعه، وضروب الحياة مصروفة لمصالحه " ~~فهذه جملة واضحة داله على أن العالم مخلوق بتدبير كامل، وتقدير شامل، ~~وحكمة بالغة، وقدرة غير متناهية ". ثم قال - تعالى - { وأنزل من ~~السمآء مآء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم } ~~السماء السحاب. والثمرات ما ينتجه الشجر. والرزق ما يصلح لأن ينتفع به. ~~والباء فى. به للسببية. أى أنه جعل الماء سببا فى خروج الثمرة، وهو ~~القادر على أن ينشئها بلا سبب كما أنشأ الأسباب. وأورد { مآء } و { ~~رزقا } فى صيغة التنكير التى تستعمل عند إرادة بعض أفراد المعنى الذى ~~وضع له اللفظ لغة، وذلك لأن من الماء ما لم ينزل من السماء، ومن الرزق ما ~~لا يكون من الثمرات. فمعنى الجملة الكريمة أنزل من السماء بعض الماء، ~~فأخرج به من الثمرات بعض ما يكون رزقا لكم. ثم قال - تعالى - { فلا ~~تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون }. الأنداد جمع ند، ~~وهو مثل الشىء الذى يضاده وينافره ويتباعد عنه. وأصله من ند البعير يند ~~ندا وندادا وندا، إذا تفرد وذهب على وجهه شاردا. والمعنى فلا تجعلوا ~~لله أمثالا ونظراء تعبدونها وتسمونها آلهة، وتعتقدون فيها النفع والضر، ~~وتجعلون لها ما لله تعالى وحده، وأنتم تعلمون أنها أشياء لا يصح جعلها ~~أندادا مساوية له تعالى { وأنتم تعلمون } أى وأنتم من ذوى ~~العلم والنظر، فلو تأملتم أدنى تأمل لانصرفتم بقوة إلى عبادة الله وحده. # ولتركتم الإشراك به. وصدرت الجملة الكريمة بالفاء لترتبها على الكلام ~~السابق، المترتب على الأمر بعبادة الله وحده. وسمى القرآن الشركاء ~~المزعومين أندادا تهكما بالعابدين لها، ولأن المشركين لما تركوا عبادة ~~الله إلى عبادة الأوثان، وسموها آلهة شابهت حالهم حال من يعتقد أنها ~~آلهة، قادرة ms0048 على مخالفته ومضادته، وذلك معنى جعلها أندادا الذى هو مصب ~~النهى فى الآية. وجملة { وأنتم تعلمون } ، حالية، ومفعول ~~تعلمون متروك، لأن الفعل لم يقصد تعليقه بمفعول، بل قصد إثباته لفاعله ~~فقد فنزل منزلة اللازم، وفى هذه الجملة مبالغة فى زجرهم عن عبادة الأوثان ~~من دون الله، لأن ارتكاب الباطل من الجاهل قبيح، وهو من العالم ببطلانه ~~أشد قبحا، وأدعى إلى أن يقابل بأغلظ ألوان الإنكار. كما أن فيها إثارة ~~لهممهم ليقلعوا عن عبادة غير الله، فإن من كان من ذوى العلم لا يصح منه ~~أن يفعل أفعال من لا عقل له، وهذا لون جليل من ألوان التربية، فإن من ~~سمات المربى الناجح أن يجمع بين القسوة فى النهى عن القبيح، وبين إثارة ~~همة الموعوظ حتى لا يقتل همته باليأس، لأن الإنسان إذا ساءت ظنونه بنفسه ~~خارت عزيمته، وفترت همته. هذا، وقد استفاضت الأحاديث النبوية التى تدعو ~~إلى توحيد الله، وتنهى عن الإشراك، ومن ذلك ما جاء فى الصحيحين # " عن عبد الله بن مسعود قال قلت يا رسول الله أى الذنب أعظم عند الله؟ " ~~قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك ". # قال الإمام ابن كثير وهذه الآية دالة على توحيده - تعالى - بالعبادة ~~وحده لا شريك له، فإن من تأمل هذه الموجودات السفلية والعلوية واختلاف ~~أشكالها وألوانها وطباعها ومنافعها، علم قدرة خالقها وحكمته وعلمه ~~وإتقانه وعظيم سلطانه، كما قال بعض الأعراب وقد سئل ما الدليل على وجود ~~الله - تعالى -؟ فقال يا سبحان الله!! إن البعير ليدل على البعير وإن أثر ~~القدم يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ~~ألا يدل هذا على وجود اللطيف الخبير. وبعد أن ساق - سبحانه - فى هاتين ~~الآيتين البراهين الساطعة الدالة على وحدانية الله ونفى عقيدة الشرك، ~~أورد بعد ذلك الدلائل الدالة على صدق النبى صلى الله عليه وسلم فيما ~~يبلغه عن ربه، وعلى أن هذا القرآن ليس من صنع بشر، وإنما هو كلام واهب ~~القوى والقدر فقال - تعالى - { وإن كنتم فى ريب ms0049 مما ~~نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من ~~مثله...والحجارة أعدت للكافرين }. ### || [2.23-24] # ففى هاتين الآيتين انتقال لإثبات الجزء الثانى من جزأى الإيمان، وهو ~~صدق النبى - صلى الله عليه وسلم - فى رسالته، بعد أن تم إثبات الجزء ~~الأول من ذلك وهو وحدانية الله - تعالى - وعظيم قدرته. والمعنى إن رتبتم ~~أيها المشركون فى شأن هذا القرآن الذى أنزلناه على عبدنا محمد على مهل ~~وتدريج، فأتوا أنتم بسورة من مثله فى سمو الرتبة، وعلو الطبقة واستعينوا ~~على ذلك بآلهتكم وبكل من تتوقعون منهم العون، ليساعدوكم فى مهمتكم، أو ~~ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بما يماثله، إن كنتم صادقين فى زعمكم أنكم تقدرون ~~على معارضة القرآن الكريم. والمقصود بقوله { وإن كنتم في ريب ~~مما نزلنا على عبدنا... } نفى الريب عن المنزل عليه - ~~وهو محمد صلى الله عليه وسلم - بنفيه عن المنزل وهو القرآن الكريم. ~~والتعبير عن اعتقادهم فى حقه بالريب للإيذان بأن أقصى ما يمكن صدوره ~~عنهم هو الارتياب فى شأنه، أو للتنبيه على أن كلامهم فى شأن القرآن هو ~~بمنزلة الريب الضعيف لكمال وضوح الدلائل الدالة على أن القرآن من عند ~~الله - تعالى -. وعبر بقوله { وإن كنتم فى ريب } ولم يقل وإن ~~ارتبتم فيما نزلنا، للإشارة إلى أن ذات القرآن لا يتطرق إليها ريب، ولا ~~يطير إلى أفقها شرارة من شك، وأنه إن أثير حوله أى شك فمرجعه إلى انطماس ~~بصيرتهم، وضعف تفكيرهم، واستيلاء الحقد والعناد على نفوسهم. وأنى بإن ~~المفيدة للشك مع أن كونهم فى ريب مما نزل على النبى صلى الله عليه وسلم ~~أمر محقق، تنزيلا للمحقق منزلة المشكوك فيه، وتنزيها لساحة القرآن عن أن ~~يتحقق الشك فيه من أى أحد، وتوبيخا لهم على وضعهم الأمور فى غير ~~مواضعها. ووجه الإتيان بفى الدالة على الظرفية، للإشارة إلى أنهم قد ~~امتلكهم الريب وأحاط بهم إحاطة الظرف بالمظروف. وقال { نزلنا } دون ~~أنزلنا، لأن المراد النزول على سبيل التدريج، ومن المعروف أن القرآن قد ~~نزل منجما فى مدة تزيد على عشرين سنة. قال صاحب الكشاف فإن ms0050 قلت لم قيل ~~مما نزلنا على لفظ التنزيل دون الإنزال؟ قلت لأن المراد النزول على سبيل ~~التدريج والتنجيم وذلك أنهم كانوا يقولون لو كان هذا القرآن من عند الله، ~~لم ينزل هكذا نجوما سورة بعد سورة، وآيات عقب آيات، على حسب النوازل، ~~وعلى سنن ما نرى عليه أهل الخطابة والشعر من وجود ما يوجد منهم مفرقا ~~حينا فحينا حسب ما يعن لهم من الأحوال المتجددة... فقيل لهم إن ارتبتم ~~فى هذا الذى وقع إنزاله هكذا على مهل وتدريج، فهاتوا أنتم نوبة واحدة من ~~نوبه، وهاتوا نجما فردا من نجومه سورة من أصغر السور، أو آيات شتى ~~مفترقات، وهذا غاية التبكيت ومنتهى إزاحة العلل اه ملخصا. # والمراد بالعبد فى قوله - تعالى - { على عبدنا } محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - وفى إضافته إلى الله - تعالى - تنبيه على شرف منزلته عنده، ~~واختصاصه به. وفى ذكره صلى الله عليه وسلم باسم العبودية، تذكير لأمته ~~بهذا المعنى، حتى لا يغالوا فى تعظيمه فيدعوا ألوهيته كما غالت بعض الفرق ~~فى تعظيم أنبيائها أو زعمائهم فادعت ألوهيتهم. والسورة الطائفة من القرآن ~~المسماة باسم خاص، والتى أقلها ثلاث آيات، والضمير فى قوله من مثله يعود ~~على المنزل وهو القرآن. والمراد من مثل القرآن ما يشابهه فى حسن النظم، ~~وبراعة الأسلوب وحكمة المعنى. وهذا الوجه من الإعجاز يتحقق فى كل سورة. ~~وقيل إن الضمير فى قوله من مثله يعود على المنزل عليه القرآن، وهو - ~~النبى صلى الله عليه وسلم - ولكن الرأى الأول أرجح. قال الإمام الرازى ~~ما ملخصه وعود الضمير إلى القرآن أرجح لوجوه أحدها أن ذلك مطابق لسائر ~~الآيات الواردة فى باب التحدى لا سيما ما ذكره فى سورة يونس من قوله { ~~فأتوا بسورة من مثله... }. وثانيها أن البحث إنما وقع فى ~~المنزل وهو القرآن، لأنه قال { وإن كنتم فى ريب مما ~~نزلنا... } فوجب صرف الضمير إليه، ألا ترى أن المعنى، وإن ارتبتم فى ~~أن القرآن منزل من عند الله فهاتوا أنتم شيئا مما يماثله، وقضية الترتيب ~~لو كان ms0051 الضمير مردودا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقال وإن ~~ارتبتم فى أن محمدا منزل عليه فهاتوا قرآنا مثله. وثالثها أن الضمير لو ~~كان عائدا إلى القرآن لاقتضى كونهم عاجزين عن الإتيان بمثله سواء ~~اجتمعوا أو انفردوا وسواء كانوا أميين أو عالمين، أما لو كان عائدا إلى ~~محمد صلى الله عليه وسلم فذلك لا يقتضى إلا كون آحادهم من الأميين عاجزين ~~عنه، لأنه لا يكون مثل محمد إلا الشخص الأمى، فأما لو اجتمعوا وكانوا ~~قارئين لم يكونوا مثل محمد، لأن الجماعة لا تماثل الواحد. والقارئ لا ~~يكون مثل الأمى، ولا شك أن الإعجاز على الوجه الأول أقوى. ورابعها أننا ~~لو صرفنا الضمير إلى محمد صلى الله عليه وسلم لكان ذلك يوهم أن صدور مثل ~~القرآن مما لم يكن مثل محمد فى كونه أميا ممكن، ولو صرفناه إلى القرآن ~~لدل ذلك على أن صدور مثله من الأمى ومن غير الأمى ممتنع فكان هذا أولى. ~~وقوله - تعالى - { وادعوا شهدآءكم من دون الله } معطوف ~~على قوله { فأتوا بسورة }. وادعوا من الدعاء، والمراد به هنا طلب ~~حضور المدعو أى نادوهم. وشهداءكم أى آلهتكم، جمع شهيد وهو القائم ~~بالشهادة، فقد كانوا يزعمون أن آلهتهم تشهد لهم يوم القيامة بأنهم على ~~حق. # وقيل الشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أو الناصر أو الإمام، وكأنه سمى به ~~لأنه يحضر المجالس وتبرم بمحضره الأمور. ودون بمعنى غير وتطلق فى أصل ~~اللغة على أدنى مكان من الشىء، ومنه تدوين الكتب لأنه إدناء البعض من ~~البعض، ودونك هذا أى خذه من أدنى مكان منك، ثم استعير للتفاوت فى الرتب ~~فقيل زيد دون عمرو أى فى الشرف، ومنه الشىء الدون، ثم اتسع فيه فاستعمل ~~فى كل تجاوز حد إلى حد، وتخطى أمر إلى أمر. قال الجمل والمعنى وادعوا إلى ~~المعارضة من حضركم أو رجوتم معونته من إنسكم وجنكم وآلهتكم غير الله، ~~فإنه لا يقدر على أن يأتى بمثله إلا الله..، أو ادعوا من دون الله شهداء ~~يشهدون لكم بأن ما ms0052 أتيتم به مثله، ولا تستشهدوا بالله، فإن الاستشهاد به ~~من عادة المبهوت العاجز عن إقامة الحجة، أو شهداءكم الذين اتخذتموهم من ~~دون الله آلهة وزعمتم أنها تشهد لكم يوم القيامة... وفى أمرهم بدعوة ~~أصنامهم وهى جماد، وفى تسميتها شهداء مع إضافتها إليهم مع أنها لا تعقل ~~ولا تنطق، فى كل ذلك أقوى ألوان التهكم، لكى يثير فى نفوسهم من الألم ما ~~قد يكون سببا لتنبيههم إلى جهلهم، وانصرافهم عن ضلالهم. وقوله - تعالى - ~~{ إن كنتم صادقين } جملة معترضة فى آخر الكلام وجواب الشرط ~~محذوف دل عليه الكلام السابق دلالة واضحة حتى صار ذكره فى نظم الكلام مما ~~ينزل به عن مرتبة البلاغة. والمعنى إن كنتم صادقين فى زعمكم أنكم تقدرون ~~على معارضة القرآن فأتوا بسورة من مثله. وادعوا آلهتكم وبلغاءكم وجميع ~~البشر ليعينوكم أو ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بما يماثله فى حكمة معانيه ~~وحسن بيانه. وفى هذه الآية الكريمة إثارة لحماستهم، إذ عرض بعدم صدقهم، ~~فتتوفر دواعيهم على المعارضة التى زعموا أنهم أهل لها. ثم قال - تعالى - ~~{ فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار ~~التي وقودها الناس والحجارة }. المعنى فإن لم تفعلوا أى ~~تعارضوا القرآن، وتبين لكم أن أحدا لا يستطيع معارضته، فخافوا العذاب ~~الذى أعده الله للجاحدين وهو النار التى وقودها الناس والحجارة ". ~~والوقود ما يلقى فى النار لإضرامها كالحطب ونحوه، والحجارة الأصنام التى ~~كانوا يعبدونها من دون الله كما قال - تعالى - # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ~~أنتم لها واردون # واقتران المشركين بما كانوا يعبدون فى النار مبالغة فى إيلامهم وتحسيرهم ~~والاقتصار على ذكر الناس والحجارة لا يؤخذ منه أن ليس فى النار غيرهما ~~بدليل ما ذكر فى مواضع أخرى من القرآن أن الجن والشياطين يدخلونها. قال ~~صاحب الكشاف فإن قلت انتفاء إتيانهم بالسورة واجب فهلا جىء ب " إذا " ~~الذى للوجوب دون " ان " الذى للشك؟ قلت فيه وجهان أحدهما أن يساق القول ~~معهم على حسب حسبانهم وطمعهم، وأن العجز عن المعارضة كان قبل التأمل ~~كالمشكوك فيه لديهم ms0053 لا تكالهم على فصاحتهم واقتدارهم على الكلام. # والثانى أن يتهكم بهم كما يقول الموصوف بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة ~~على من يعاديه إن غلبتك لم أبق عليك وهو يعلم أنه غالبه ويتيقنه تهكما ~~به. وقال فإن لم تفعلوا، ولم يقل فإن لم تأتوا بسورة من مثله، لأن قوله { ~~فإن لم تفعلوا } جار مجرى الكناية التى تعطى اختصارا ووجازة ~~تغنى عن طول المكنى عنه، ولأن الإتيان ما هو إلا فعل من الأفعال، تقول ~~أتيت فلانا. فيقال لك نعم ما فعلت. وجملة { ولن تفعلوا } جملة ~~معترضة بين الشرط والجزاء، جىء بها لتأكيد عجزهم عن معارضته. فإن فى ~~نفيها فى المستقبل بإطلاق تأكيدا لنفيها فى الحال. قال الإمام الرازي ~~فإن قيل فما معنى اشتراطه فى اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله؟ ~~فالجواب أنه إذا ظهر عجزهم عن المعارضة صح عندهم صدق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وإذا صح ذلك ثم لزموا العناد استوجبوا العقاب بالنار، فاتقاء ~~النار يوجب ترك العناد، فأقيم المؤثر مقام الأثر، وجعل قوله { ~~فاتقوا النار } قائما مقام قوله فاتركوا العناد، وهذا هو ~~الإيجاز الذى هو أحد أبواب البلاغة، وفيه تهويل لشأن العناد، لإنابة ~~اتقاء النار منابه متبعا ذلك بتهويل صفة النار. ومعنى { أعدت ~~للكافرين } هيئت لهم، لأنهم الذين يخلدون فيها، أو أنهم خصوا بها ~~وإن كانت معدة للفاسقين - أيضا لأنه يريد بذلك نارا مخصوصة لا يدخلها ~~غيرهم كما قال - تعالى - # إن المنافقين فى الدرك الأسفل من النار # وفى هذه الآية الكريمة معجزة من نوع الإخبار بالغيب، إذ لم تقع ~~المعارضة من أحد فى أيام النبوة وفيما بعدها إلى هذا العصر. قال صاحب ~~الكشاف فإن قلت من أين لك أنه إخبار بالغيب على ما هو عليه حتى يكون ~~معجزة؟ قلت لأنهم لو عارضوه بشىء لم يمتنع أن يتواصفه الناس ويتناقلوه، ~~إذ خفاء مثله فيما عليه مبنى العادة محال، لا سيما والطاعنون فيه أكثف ~~عددا من الذابين عنه، فحين لم ينقل علم أنه إخبار بالغيب على ما هو به، ~~فكان ms0054 معجزة. وقال بعض العلماء هذه الآية الجليلة من جملة الآيات التى ~~صدعت بتحدى الكافرين بالتزيل الكريم. وقد تحداهم الله فى غير موضع منه ~~فقال فى سورة القصص # قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهمآ ~~أتبعه إن كنتم صادقين # وقال فى سورة الإسراء # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا # وقال فى سورة يونس # أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله ~~وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم ~~صادقين # وكل هذه الآيات مكية. ثم تحداهم أيضا فى المدينة بهذه الآية { وإن ~~كنتم فى ريب }..إلخ. فعجزوا عن آخرهم، وهم فرسان الكلام، وأرباب ~~النظام، وقد خصوا من البلاغة والحكم ما لم يخص به غيرهم من الأمم، جعل ~~الله لهم ذلك طبعا وخلقة وفيهم غريزة وقوة. يأتون منه على البديهة ~~بالعجب ويدلون به إلى كل سبب، فيخطبون، ويمدحون، ويقدحون، ويتوسلون، ~~ويتوصلون، ويرفعون، ويضعون، فيأتون بالسحر الحلال... ومع هذا فلم يتصد ~~لمعارضة القرآن منهم أحد، ولم ينهض - لمقدار سورة منه - ناهض من بلغائهم، ~~ولم ينبض منهم عرق العصبية مع اشتهارهم بالإفراط فى المضارة والمضادة. ~~وقد جرد لهم النبى - صلى الله عليه وسلم - الحجة أولا، والسيف آخرا فلم ~~يعارضوا إلا السيف وحده، وما أعرضوا عن معارضة الحجة إلا لعلمهم أنهم ~~أعجز من المعارضة، وبذلك يظهر أن فى قوله - تعالى - { ولن تفعلوا ~~} معجزة أخرى، فإنهم ما فعلوا، وما قدروا... وحيث عجز عرب ذلك العصر فما ~~سواهم أعجز فى هذا الأمر.... فدل على أن القرآن ليس من كلام البشر، بل هو ~~كلام خالق القوى والقدر أنزله تصديقا لرسوله، وتحقيقا لمقوله... وبعد ~~أن ذكر القرآن الكفار ومآلهم، عطف على ذلك ذكر المؤمنين وما يفوزون به من ~~نعيم فى حياتهم الباقية، كما هى سنة القرآن فى الجمع بين الترغيب ~~والترهيب والوعد والوعيد فقال - تعالى - { وبشر الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري... }. ### || [2.25] # البشارة الخبر السار فهو أخص من الخبر، سمى بذلك لأن ms0055 أثره يظهر على ~~البشرة وهى ظاهر جلد الإنسان، والمأمور بالتبشير هو النبى صلى الله عليه ~~وسلم أو كل من يتأتى منه تفخيما لأمره، وتعظيما لشأنه. والصالحات جمع ~~صالحة وهى الفعلة الحسنة، وهى من الصفات التى جرت مجرى الأسماء فى ~~إيلائها العوامل. والجنات جمع جنة، وهى كل بستان ذى شجر متكاثف، ملتف ~~الأغصان، يظل ما تحته ويستره، من الجن وهو ستر الشىء عن الحاسة، ثم صارت ~~الجنة اسما شرعيا لدار النعيم فى الآخرة، وهى سبع درجات جنة الفردوس، ~~وجنة عدن، وجنة النعيم، ودار الخلد، وجنة المأوى، ودار السلام، وعليون... ~~وتتفاوت منازل المؤمنين فى كل درجة بتفاوت الأعمال الصالحة. والأنهار جمع ~~نهر - بفتح الهاء وسكونها والفتح أفصح - وهو الأخدود الذى يجرى فيه الماء ~~على الأرض، وهو مشتق من مادة نهر الدالة على الانشقاق والاتساع، ويكون ~~كبيرا أو صغيرا. وأسند إليه الجرى فى الآية مع أن الذى يجرى فى الحقيقة ~~هو الماء، أخذا بفن معروف بين البلغاء، وهو إسناد الفعل إلى مكانه، ~~توسعا فى أساليب البيان. وقوله " من تحتها " وارد على طريقة الإيجاز ~~بحذف كلمة " أشجار " اعتمادا على تبادرها إلى الذهن، والمعنى تجرى من ~~تحت أشجارها الأنهار. ثم بين - سبحانه - أحوال هؤلاء المؤمنين الصالحين ~~فقال { كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا ~~هذا الذي رزقنا من قبل }. أى إن سكان الجنة كلما رزقوا فى ~~الجنة ثمرة من ثمراتها، وجدوها مثل الذى رزقوه فيها من قبل، فى بلوغه ~~الغاية من حسن المنظر ولذة الطعم. وفى هذا إشارة إلى أن ثمار الجنة ~~متماثلة فى حسن منظرها، ولذة طعمها بحيث لا تفضل ثمرة فى ذلك على أخرى، ~~فجميع ثمرها يسر له القلب، ويستحليه الذوق، وإن اختلفت المناظر والطعوم. ~~ثم قال - تعالى - { وأتوا به متشابها } أى يشبه بعضه بعضا فى ~~الصورة والرائحة، ويختلف فى اللذة والطعم، أو فى المزية والحسن، وعن ابن ~~عباس " ليس فى الدنيا مما فى الجنة إلا الأسامى " وهذه الجملة مؤكدة لما ~~قبلها فى معنى أن كل ثمر يشابه ما قبله فى حسن المنظر ms0056 ولذة الطعم مشابهة ~~لا يفضل فيها ثمر على آخر بخلاف ثمر الدنيا، فإنه يتفاوت فى مناظره ~~حسنا، وفى طعومه لذة. ويرى بعض العلماء حمل قوله - تعالى - { قالوا ~~هذا الذي رزقنا من قبل } على تقدير من قبل دخول الجنة، أى ~~هذا الذى رزقناه فى الدنيا، وإلى هذا الرأى مال صاحب الكشاف فقد قال " ~~فإن قلت كيف قيل. " هذا الذى رزقنا من قبل؟ وكيف تكون ذات الحاضر عندهم ~~فى الجنة هى ذات الذى رزقوه فى الدنيا؟ قلت معناه هذا مثل الذى رزقناه من ~~قبل وشبهه، بدليل قوله { وأتوا به متشابها } فإن قلت إلام ~~يرجع الضمير فى قوله { وأتوا به }؟ قلت إلى المرزوق فى الدنيا ~~والآخرة جميعا، لأن قوله { هذا الذي رزقنا من قبل } ~~انطوى تحته ذكر ما رزقوه فى الدارين. # فإن قلت لأى غرض يتشابه ثمر الدنيا وثمر الجنة؟ قلت لأن الإنسان ~~بالمألوف آنس وإلى المعهود أميل، وإذا رأى ما لم يألفه نفر عن طبعه، ~~وعافته نفسه ". ثم قال - تعالى - { ولهم فيهآ أزواج ~~مطهرة وهم فيها خالدون }. الأزواج جمع زوج وهى المرأة ~~يختص بها الرجل، والضمير فى " فيها " يعود إلى الجنات. والمعنى أن لهؤلاء ~~المؤمنين نساء مختصات بهم، مطهرات غاية التطهير من كل دنس وقذر، حسى ~~ومعنوى، لا كنساء الدنيا، وهم فى هذه الجنات باقون على الدوام، لأن ~~النعيم إنما يتم باطمئنان صاحبه على أنه دائم، أما إذا كان محتملا للزوال ~~فإن صاحبه يبقى منغص البال، إذ سيتذكر أنه سيفقده فى يوم من الأيام، ~~فجملة { وهم فيها خالدون } جىء بها على سبيل الاحتراس من وهم ~~الانقطاع. وبعد هذا البيان الجامع عن أحوال المهتدين بهديه أو الناكبين ~~عن صراطه، وما تخلل ذلك من المواعظ النافعة، والتمثيلات الرائعة، ~~والبشارات الطيبة لمن آمن وعمل صالحا، بعد كل ذلك بين - سبحانه - أنه لا ~~يعبأ أن يضرب مثلا بشىء حقير أو غير حقير، فقال - تعالى - { إن ~~الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها...أولئك هم الخاسرون }. ### || [2.26-27] # روى الواحدى فى أسباب النزول عن ابن عباس ms0057 أن الله - تعالى - لما أنزل ~~قوله - تعالى - # إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ~~ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا ~~يستنقذوه # وقوله - تعالى - # مثل الذين اتخذوا من دون الله أوليآء كمثل ~~العنكبوت اتخذت بيتا # لما نزل قال المشركون أرأيتم أى شىء يصنع بهذا؟! فأنزل الله { إن ~~الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها... }. وروى عن الحسن وقتادة أن الله لما ذكر الذباب والعنكبوت ~~فى كتابه وضرب بهما المثل ضحك اليهود وقالوا ما يشبه أن يكون هذا من كلام ~~الله! فأنزل الله هذه الآية { إن الله لا يستحى }. إلخ. وقال ~~السدى لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين، يعنى قوله تعالى # مثلهم كمثل الذي استوقد نارا... # وقوله تعالى # أو كصيب من السمآء # قال المنافقون الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال! فأنزل الله هذه ~~الآية ويبدو أن الآية الكريمة قد نزلت للرد على جميع تلك الفرق الضالة، ~~فقد قرر العلماء أن لا مانع من تعدد أسباب النزول للآية الواحدة أو ~~للطائفة من الآيات. والاستحياء والحياء واحد، فالسين والتاء فيه للمبالغة ~~مثل استقدم واستأجر واستجاب. وهو فى أصل اللغة انقباض النفس وانكسارها من ~~خوف ما يعاب به ويذم. وهذا المعنى غير لائق بجلال الله، لذا ذهب جمع من ~~المفسرين إلى تأويله بإرادة لازمه، وهو ترك ضرب الأمثال بها. والمعنى إن ~~الله لا يترك أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها، وإطلاق الفعل كالاستحياء ~~على ما يترتب عليه كترك الفعل، مألوف فى الكلام البليغ حيث يكون المراد ~~واضحا. ومذهب السلف إمرار هذا وأمثاله على ما ورد، وتفويض علم كنهه ~~وكيفيته إلى الله - تعالى - مع وجوب تنزيهه عما لا يليق بجلاله من صفات ~~المحدثات. أى ليس الحياء بمانع لله - تعالى - من ضرب الأمثال بهذه ~~المخلوقات الصغيرة فى نظركم كالبعوض والذباب والعنكبوت، فإن فيها من ~~دلائل القدرة، وبدائع الصنعة ما تحار فيه العقول، ويشهد بحكمة الخالق. ~~والمثل فى اللغة الشبيه. وهو فى عرف القرآن الكلام البليغ المشتمل على ms0058 ~~تشبيه بديع، كالمثلين السابقين اللذين ضربهما الله فى حال المنافقين أو ~~وصف غريب نحو قوله تعالى # يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين ~~تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو ~~اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا ~~يستنقذوه # وضرب المثل إيراده، وعبر عن إيراده بالضرب، لشدة ما يحدث عنه من التأثير ~~فى نفس السامع. وما فى قوله { مثلا ما } هى ما الإبهامية، تجىء بعد ~~النكرة فتزيدها شيوعا وعموما، كقولك أعطنى كتابا ما، أى كتاب كان. # والبعوضة واحدة البعوض وهى حشرة صغيرة تطلق على الناموس وهى بدل أو بيان ~~من قوله { مثلا }. وقوله { فما فوقها } عطف على بعوضة، والمراد ~~فما فوقها فى الحجم كالذباب والعنكبوت، والكلب والحمار، أو فما فوقها فى ~~المعنى الذى وقع التمثيل فيه، وهو الصغر والحقارة كجناحها أو كالذرة. قال ~~صاحب الكشاف سيقت هذه الآية لبيان أن ما استنكره الجهلة والسفهاء وأهل ~~العناد والمراء من الكفار واستغربوه من أن تكون المحقرات من الأشياء ~~مضروبا بها المثل، ليس بموضع للاستنكار والاستغراب، من جهة أن التمثيل ~~إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى ورفع الحجاب عن الغرض المطلوب، ~~وإدناء المتوهم من المشاهد.. وأن لله - تعالى - أن يتمثل للأنداد وحقارة ~~شأنها بما لا شىء أصغر منه وأقل، كما لو تمثل بالجزء الذى لا يتجزأ أو ~~بما لا يدركه لتناهيه فى صغره إلا هو وحده.. وقوله { فما فوقها } ~~فيه معنيان أحدهما فما تجاوزهما وزاد عليها فى المعنى الذى ضربت فيه مثلا ~~وهو القلة والحقارة نحو قولك لمن يقول فلان أسفل الناس وأنذلهم، هو فوق ~~ذلك، تريد هو أعرق فيما وصف من السفالة والنذالة. والثانى فيما زاد عليها ~~فى الحجم كأنه قصد بذلك رد ما استنكروه من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت ~~لأنهما أكبر من البعوضة. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك موقف الناس أمام هذه ~~الأمثال فقال { فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه ~~الحق من ربهم }. أما حرف مفيد للشرط والتفصيل والتأكيد، أما ~~الشرط فلوقوع الفاء فى جوابها، وأما التفصيل فلوقوعها بعد ms0059 مجمل مذكور أو ~~مقدر، وأما التأكيد فلأنك إذا قلت زيد ذاهب، ثم قصدت تأكيد ذلك وإفادة أن ~~ذهابه واقع لا محالة قلت أما زيد فذاهب. والضمير فى قوله { أنه } ~~يعود على المثل، أو على ضربه المفهوم من قوله { أن يضرب مثلا }. ~~والحق خلاف الباطن، وهو الثابت الذى لا يسوغ إنكاره. ووجه كون المثل أو ~~ضربه حقا، أنه يوضح المبهم، ويفصل المجمل، فهو وسيلة إلى تقرير الحقائق ~~وبيانها. ووجه تفصيل الناس فى هذه الآية إلى قسمين، أنهم بالنسبة إلى ~~التشريع والتنزيل كذلك، فهم مؤمن أو كافر. والمقصود من ذكر المؤمنين هنا ~~الثناء عليهم بثبات إيمانهم، وتيئيس الذين أرادوا تشكيكهم ببيان أن ~~إيمانهم يحول بينهم وبين الشك. وعبر فى جانب المؤمنين بيعلمون تعريضا ~~بأن الكافرين إنما قالوا ما قالوا عنادا ومكابرة، وأنهم يعلمون أن ذلك ~~تمثيل أصاب المحز. وقال { أنه الحق } معرفا بأل، ولم يقل أنه حق ~~للمبالغة فى حقية المثل. ومن المعروف فى علم البيان أن الخبر قد يؤتى به ~~معرفا بأل، للدلالة على أن المخبر عنه بالغ فى الوصف الذى أخبر به عنه ~~مرتبة الكمال. # وقوله { من ربهم } حال من الحق، ومن ابتدائية، أى إن هذا الكلام ~~وارد من الله، لا كما زعم الذين كفروا أنه مخالف للصواب، فهو مؤذن بأنه ~~من كلام الخالق الذى لا يقع منه الخطأ. ثم بين - سبحانه - موقف الكافرين ~~من هذه الأمثال عندما تتلى عليهم فقال { وأما الذين كفروا ~~فيقولون ماذآ أراد الله بهذا مثلا }. كلمة { ماذآ ~~} مركبة من ما الاستفهامية وذا اسم الإشارة، غير أن العرب توسعوا فيها ~~فاستعملوها اسم استفهام مركبا من كلمتين، وذلك حيث يكون المشار إليه ~~معبرا عنه بلفظ آخر غير الإشارة، حتى تصير الإشارة إليه مع التعبير ~~عنه بلفظ آخر لمجرد التأكيد نحو ماذا التوانى؟ أو حيث لا يكون للإشارة ~~موقع كقوله تعالى # وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر # وقد يتوسعون فيها توسعا أقوى فيجعلون ذا اسم موصول، وذلك حين يكون ~~المسئول عنه معروفا للمخاطب بشىء من أحواله، فلذلك ms0060 يجرون عليه جملة أو ~~نحوها هى صلة ويجعلون ذا موصولا نحو # ماذا أنزل ربكم # ونحو { ماذآ أراد الله بهذا مثلا } ، أى ما الذى أراده ~~الله بهذا المثل. والإرادة فى أصل اللغة نزوع النفس إلى الفعل، وإذا ~~أسندت إلى الله دلت على صفة له تتعلق بالممكنات، فيترجح بها أحد وجهى ~~المقدور، وقد كان جائز الوقوع وعدم الوقوع. وقوله { مثلا } واقع فى ~~موقع التمييز لاسم الإشارة " هذا " كقولك لمن أجاب بجواب غير مقبول. ~~ماذا أردت بهذا جوابا؟ والاستفهام الذى حكاه القرآن على ألسنة هؤلاء ~~الكافرين، المقصود به الإنكار والتحقير لهذه الأمثال، ولأن يكون الله - ~~تعالى - قد ضربها للناس. والمعنى فأما المؤمنون الذين من عادتهم ~~الإنصاف، والنظر فى الأمور بنظر العقل واليقين، فإنهم إذا سمعوا بمثل ~~هذا التمثيل علموا أنه الحق الذى لا تمر الشبهة بساحته، وأما الكافرون ~~فإنهم لانطماس بصيرتهم، وتغلب الأحقاد على قلوبهم فإنهم إذا سمعوا ذلك ~~عاندوا وكابروا وقابلوه بالإنكار. ثم ساق - سبحانه - جملتين بين فيهما ~~الحكمة من ضرب الأمثال فقال { يضل به كثيرا ويهدي به ~~كثيرا }. فقد دلت هاتان الجملتان على أن العلم بكون المثل حقا، مما ~~يزداد به المؤمنون رشدا على رشدهم، وأن إنكاره ضلال يزداد به الكافرون ~~تخبطا فى ظلمات جهلهم. ووصف كلا من فريقى المؤمنين والمنكرين له بالكثرة ~~مع أن المهديين وصفوا بالقلة كثيرا كما فى قوله # وقليل من عبادي الشكور # وذلك لأن أهل الهدى كثيرون فى أنفسهم، وإذا وصفوا بالقلة فبالقياس إلى ~~أهل الضلال، وأيضا فإن القليل من أهل الهدى كثير فى الحقيقة، وإن قلوا ~~فى الصورة، فوصفوا بالكثرة ذهابا إلى هذه الحقيقة. وقدم الإضلال على ~~الهداية، ليكون أول ما يقرع أسماع المبطلين عن الجواب أمرا فظيعا ~~يسوءهم ويفت فى أعضادهم. # ثم ختمت الآية بقوله - تعالى - { وما يضل به إلا ~~الفاسقين }. الفاسقون جمع فاسق، من الفسق، وهو فى أصل اللغة الخروج. ~~يقال فسقت الرطبة من قشرها. أى خرجت منه، وشرعا الخروج عن طاعة الله، ~~فيشمل الخروج من حدود الإيمان، وهو الكفر، ثم ما دون الكفر ms0061 من الكبائر ~~والصغائر، ولكنه اختص فى العرف بارتكاب الكبيرة، ولم يسمع الفسق فى كلام ~~الجاهلية، بمعنى الخروج عن الطاعة فهو بهذا المعنى من الألفاظ ~~الإسلامية. وقصر الإضلال بالمثل على الفاسقين، إيذان بأن الفسق هو الذى ~~أعدهم لأن يضلوا به، حيث إن كفرهم قد صرف أنظارهم عن التدبر فيه حتى ~~أنكروه وقالوا ماذا أراد الله بهذا مثلا. ثم وصف الله - تعالى - هؤلاء ~~الفاسقين بثلاث خصال ذميمة فقال فى بيان الخصلة الأولى { الذين ~~ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه }. والنقض فى اللغة ~~حقيقة فى فسخ وحل ما ركب ووصل، بفعل يعاكس الفعل الذى كان به التركيب مثل ~~نقض الحبل المفتول وقد استعمل هنا مجازا فى إبطال العهد بقرينة إضافته ~~إلى عهد الله. وعبر عن إبطال العهد بالنقض، لأنه أبلغ فى الدلالة على ~~الإبطال من القطع والصرم ونحوهما، لأن فى النقض إفسادا لهيئة الحبل. ~~والعهد اسم للموثق الذى يلزم مراعاته وحفظه، يقال عهد إليه فى كذا، إذا ~~أوصاه به ووثقه عليه. وعهد الله تارة يكون بما ركز فى العقول من الحجة ~~على التوحيد، وتارة يكون بما أوجبه الله على الناس على لسان رسله - صلوات ~~الله عليهم - وتارة بما يلتزمه المؤمن. وليس بلازم له فى أصل الشرع مما ~~ليس بمعصية كالنذور وما يجرى مجراها. والميثاق التوثقة، وهى التقوية ~~والتثبيت، والمراد به ما قوى الله به عهده. وقوله { من بعد ~~ميثاقه } متعلق بينقضون، ومن لابتداء الغاية، وميثاقه الضمير فيه ~~يجوز أن يعود على العهد، وأن يعود على اسم الله - فهو على الأول مصدر ~~مضاف إلى المفعول، وعلى الثانى مضاف للفاعل. أما الصفة الثانية التى ~~وصفهم الله بها فهى قوله { ويقطعون مآ أمر الله به أن ~~يوصل } وهو عام فى كل قطيعة لا يرضاها الله، كقطع الرحم، والإعراض عن ~~موالاة المؤمنين، وترك الجماعات المفروضة، وعدم وصل الأقوال الطيبة ~~بالأعمال الصالحة، وسائر ما فيه رفض خير أو تعاطى شر. وأما الصفة الثالثة ~~التى وصفهم بها فهى قوله - تعالى - { ويفسدون فى الأرض }. ~~والفساد فى الأرض يقع بعبادة غير ms0062 الله، وبالدعاية إلى الكفر به، ~~وبالاستهزاء بالحق، وبالاعتداء على حقوق الغير، وبغير ذلك من الأمور التى ~~حرمها الله - تعالى -. وعبر بقوله { في الأرض } للإشعار بأن فسادهم ~~لا يقتصر عليهم، وإنما هو يتعداهم إلى غيرهم. ثم بين - سبحانه - بعد أن ~~دمغهم بتلك الصفات المرذولة - عاقبة أمرهم فقال { أولئك هم ~~الخاسرون }. # الخاسرون جمع خاسر مأخوذ من الخسر والخسران وهو النقص، ومن نقض عهد ~~الله، وقطع ما أمر الله بوصله، وأفسد فى الأرض، لا شك أنه قد نقص نفسه ~~حظها من الفلاح والفوز، وكانت عاقبته الخزى فى الدنيا والعذاب فى الآخرة. ~~قال ابن جرير " والخاسرون جمع خاسر، وهم الناقصون أنفسهم حظوظهم من رحمة ~~الله بسبب معصيتهم له، كما يخسر الرجل فى تجارته بأن يوضع من رأس ماله فى ~~بيعه، وكذلك المنافق والكافر قد خسرا بحرمان الله لهما من رحمته التى ~~خلقها لعباده... " وبعد أن عدد القرآن مساوئ أولئك الضالين، وبين سوء ~~مصيرهم، ومآلهم، وجه إليهم الإنكار والتوبيخ فخاطبهم بقوله { كيف ~~تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم...وهو ~~بكل شيء عليم }. ### || [2.28-29] # { كيف } اسم استفهام للسؤال عن الأحوال، وليس المراد به هنا استعلام ~~المخاطبين عن حال كفرهم، وإنما المراد منه معنى تكثر تأديته فى صورة ~~الاستفهام وهو الإنكار والتوبيخ، كما تقول لشخص كيف تؤذى أباك وقد رباك؟ ~~لا تقصد إلا أن تنكر عليه أذيته لأبيه وتوبيخه عليها. وفى الآية الكريمة ~~التفات من الغيبة إلى الخطاب لزيادة تقريعهم والتعجب من أحوالهم الغريبة، ~~لأنهم معهم ما يدعو إلى الإيمان ومع ذلك فهم منصرفون إلى الكفر. وقوله { ~~وكنتم أمواتا فأحياكم } جار مجرى التنبيه على أن كفرهم ~~ناشئ عن جهل وعدم تأمل فى أدلة الإيمان القائمة أمام أعينهم. والأموات ~~جمع ميت بمعنى المعدوم. والإحياء بمعنى الخلق. والمعنى كيف تكفرون بالله ~~وحالكم أنكم كنتم معدومين فخلقكم، وأخرجكم إلى الوجود كما قال - تعالى - # هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا ~~مذكورا # ويصح أن يفسر الأموات بمعنى فاقدى الحياة. والإحياء بنفخ الروح فيهم ~~فيكون المعنى وكنتم أمواتا يوم استقراركم نطفا ms0063 فى الأرحام إلى تمام ~~الأطوار بعدها، فنفخ فيكم الأرواح وأصبحتم فى طور إإحساس وحركة وتفكير ~~وبيان. وبعد أن وبخهم على كفرهم بمن أخرجهم من الموت إلى الحياة، أورد ~~جملا لاستيفاء الأطوار التى ينتقل فيها الإنسان من مبدأ الحياة إلى مقره ~~الخالد فى دار نعيم أو عذاب فقال { ثم يميتكم } بقبض أرواحكم عند ~~انقضاء آجالكم { ثم يحييكم } يبعثكم بعد الموت { ثم إليه ~~ترجعون }. أي تصيرون إليه دون سواه، فيجمعكم فى المحشر ويتولى ~~حسابكم، والحكم فى أمركم بمقتضى عدله # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # أما الإماتة فهم يشاهدونها بأعينهم بين الحين والحين، وأما البعث فقد ~~أخبر الله عنه بما يدل على صحته وينفى استبعاده، أو استحالته، بأدلة ~~عقلية ونقلية كثيرة، أما الأدلة العقلية، فمنها أن الذى قدر على إحيائهم ~~من العدم، قادر على إحيائهم وإعادتهم بعد موتهم فإن الإعادة أهون من ~~البدء دائما، وأما الأدلة النقلية، فمنها قوله - تعالى - # ثم إنكم بعد ذلك لميتون. ثم إنكم يوم ~~القيامة تبعثون # وفى قوله - تعالى - { ثم إليه ترجعون } ترهيب لمن ينزع إلى ~~الشر، ويرتكب المعاصى من غير مبالاة، وترغيب لمن يقبل على فعل الخير، ~~ويقدم على الطاعات. قال الجمل " والفاء فى قوله { فأحياكم } على ~~بابها من التعقيب، وثم على بابها من التراخى، لأن المراد بالموت الأول، ~~العدم السابق، وبالحياة الأولى الخلق، وبالموت الثانى الموت المعهود، ~~وبالحياة الثانية الحياة للبعث فجاءت الفاء وثم على بابيهما من التعقيب ~~والتراخى، على هذا التفسير وهو أحسن الأقوال، ويعزى لابن عباس وابن مسعود ~~ومجاهد، والرجوع إلى الجزاء أيضا متراخ عن البعث ". # وبعد أن ذكر - سبحانه - ما يشهد بقدرته ووحدانيته عن طريق الأدلة ~~المتعلقة بذوات المكلفين، أردف ذلك بالكلام عن الأدلة الكونية فقال تعالى ~~{ هو الذي خلق لكم ما فى الأرض جميعا }. أى أنه خلق ~~جميع ما فى الأرض من نحو الحيوان والنبات والمعادن والجبال من أجلكم، فهو ~~المنعم عليكم لتنتفعوا بها فى دنياكم، وتستعينوا بها على طاعته. وقد أخذ ~~العلماء من هذه الآية ms0064 شاهدا على أن الأشياء التى فيها منافع مأذون فيها ~~حتى يقوم دليل على حرمتها. ثم استدل - سبحانه - على مظاهر قدرته بخلق ~~السماوات فقال { ثم استوى إلى السمآء فسواهن سبع ~~سماوات وهو بكل شيء عليم }. استوى إلى السماء أقبل وعمد ~~إليها بإرادته. وتسويتها معناه تعديل خلقها وتقويمه. والسماء ليس المراد ~~منها فردا من أفراد السماوات، وإنما المراد منها الأجرام العلوية الشاملة ~~لجميع السماوات، فصح أن يعود عليها ضمير جمع الإناث فى قوله { ~~فسواهن } ، وكذلك علماء البيان يزيدون أن اللفظ إذا أريد منه جنس ~~ما وضع له صار فى معنى الجمع. فمعنى { ثم استوى إلى السمآء ~~} علا إليها وارتفع، من غير تكييف ولا تحديد ولا تشبيه، مع كمال التنزيه ~~عن سمات المحدثات، وقد سئل الإمام مالك عن الاستواء على العرش فقال ~~الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه ~~بدعة. وقدم الأرض هنا لأنها أدل لشدة الملابسة والمباشرة. وجملة { ثم ~~استوى } معطوفة على جملة { خلق لكم } ، وكان العطف بثم لعظم ~~خلق السماء عن خلق الأرض. وعبر بسواهن للإشعار بأنه - سبحانه - خلقهن فى ~~استقامة، واستقامة الخلق هى انتظامه على وجه لا خلل فيه ولا اضطراب. قال ~~- تعالى - # ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت # وجملة { وهو بكل شيء عليم } مقررة لما ذكر قبلها من خلق ~~السماوات والأرض وما فيهما على هذه الصورة الحكيمة، فقد دلت على أن ترتيب ~~أجزاء تلك المصنوعات وموافقة جميعها للمنافع المقصودة منها، إنما حدث عن ~~عالم بحقائق تلك الأجزاء وخواصها، ولإحاطته بكل شىء علما وضع كل جزء ~~فى موضعه اللائق به. وبعد أن بين سبحانه للناس أنه قد من عليهم بنعمة ~~خلقه ما فى الأرض جميعا، بدأ بعد ذلك يذكرهم بنعمة أخرى هى نعمة خلقه ~~لأبيهم آدم، وخلق آدم مبدأ لخلق ذريته، وتكريمه موصول بتكريمهم فقال ~~تعالى { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في ~~الأرض خليفة...وأعلم ما تبدون وما كنتم ~~تكتمون }. ### || [2.30-33] # ففى هذه الآيات الكريمة عطف - سبحانه - قصة خلق آدم أبى البشر على قصة ~~خلق ms0065 الأنفس وخلق السماوات والأرض انتقالا فى الاستدلال على أن الله واحد، ~~وجمعا بين تعدد الأدلة وبين مختلف الحوادث وأصلها، حتى يكون التدليل ~~أجمع، والإيمان بالله أقوى وأثبت. وإذ وإذا ظرفان للزمان، الأول للماضى ~~والثانى للمستقبل، فإن جاء إذ مع المضارع أفاد الماضى كقوله # وإذ تقول للذي أنعم الله عليه... # وإن جاء إذا مع الماضى أفاد الاستقبال كقوله # إذا جآء نصر الله والفتح # وإذ هنا واقعة موقع المفعول به لعامل مقدر دل عليه المقام. والمعنى ~~واذكر يا محمد وقت أن قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة. وقد جاء ~~هذا المقدر هنا مصرحا به فى آيات أخرى كما قال تعالى # واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد قوم نوح # والملائكة جمع ملك. والتاء لتأنيث الجمع، وأصله ملأك، من ملك، نحو شمال ~~من شمل، والهمزة زائدة وهو مقلوب مالك، وقيل إن ملاك من لأك إذا أرسل، ~~ومنه الألوكة، أى الرسالة. والملائكة، هم جند من خلق الله، ركز الله فيهم ~~العقل والفهم، وفطرهم على الطاعة، وأقدرهم على التشكيل بأشكال مختلفة، ~~وعلى الأعمال العظيمة الشاقة، ووصفهم فى القرآن بأوصاف كثيرة منها أنهم # يسبحون الليل والنهار لا يفترون # وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم # ويفعلون ما يؤمرون # ومنها أنهم رسل الله أرسلهم بأمره " ومنهم رسل الوحى إلى من اصطفاهم من ~~خلقه للنبوة والرسالة. قال تعالى # جاعل الملائكة رسلا # وقال تعالى # الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس # وقال - تعالى - # ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشآء ~~من عباده # والخليفة من يخلف غيره وينوب منابه، فهو فعيل بمعنى فاعل. والتاء فيه ~~للمبالغة، والمراد به آدم - عليه السلام - لأنه كان خليفة من الله فى ~~الأرض، وكذلك سائر الأنبياء استخلفهم الله - تعالى - فى عمارة الأرض، ~~وسياسة الناس، وتكميل نفوسهم، وإجراء أحكامه عليهم، وتنفيذ أوامره فيهم. ~~وقيل آدم وذريته، لأنه يخلف بعضهم بعضا فى عمارة الأرض، واستغنى بذكره ~~عن ذكر ذريته لكونه الأصل. وخطاب الله لملائكته بأنه سيجعل فى الأرض ~~خليفة، ليس المقصود منه المشورة، وإنما خاطبهم بذلك ms0066 من أجل ما ترتب عليه ~~من سؤالهم عن وجه الحكمة من هذه الخلافة، وما أجيبوا به من بعد، أو من ~~أجل تعليم العباد المشاورة فى أمورهم قبل أن يقدموا عليها وعرضها على ~~ثقاتهم ونصائحهم وإن كان هو - سبحانه - بعلمه وحكمته البالغة غنيا عن ~~المشاورة. أو الحكمة تعظيم شأن المجهول، وإظهار فضله، بأن بشر بوجود سكان ~~ملكوته، ونوه بعظيم شأن المجعول بذكره فى الملأ الأعلى قبل إيجاده، ولقبه ~~بالخليفة. # ثم حكى - سبحانه - إجابة الملائكة فقال { قالوا أتجعل فيها ~~من يفسد فيها ويسفك الدمآء ونحن نسبح ~~بحمدك ونقدس لك }. الفساد الخروج عن الاعتدال والاستقامة ~~ويضاده الصلاح. يقال فسد الشىء فسادا وفسودا وأفسده غيره. والسفك الصب ~~والإهراق، يقال سفكت الدم والدمع سفكا - من باب ضرب - صببته. والفاعل ~~سافك وسفاك، والمراد به حصول التقاتل بين أفراد بنى الإنسان ظلما ~~وعدوانا. والتسبيح مشتق من السبح وهو المر السريع فى الماء أو فى ~~الهواء، فالمسبح مسرع فى تنزيه الله وتبرئته من السوء. والتقديس التطهير ~~والتعظيم ووصفه بما يليق به من صفات الكمال. فيكون التسبيح نفى ما لا ~~يليق، والتقديس إثبات ما يليق، وقدم التسبيح على التقديس من باب تقديم ~~التخلية على التحلية. والمعنى أتجعل فى الأرض يا إلهنا من يفسد فيها ~~ويريق الدماء والحال أننا نحن ننزهك عما لا يليق بعظمتك، تنزيها متلبسا ~~بحمدك والثناء عليك، ونطهر ذكرك عما لا يليق بك تعظيما لك وتمجيدا. ~~وقولهم { أتجعل فيها من يفسد فيها... } إلخ إنما صدر منهم ~~على وجه استطلاع الحكمة فى خلق نوع من الكائنات يصدر منه الإفساد فى ~~الأرض وسفك الدماء. وقطعهم بحكمة الله فى كل ما يفعل لا ينافى تعجبهم من ~~بعض أفعاله، لأن التعجب يصدر عن خفاء سبب الفعل، فمن تعجب من فعل شىء ~~وأحب الاطلاع على الحكمة الباعثة على فعله لا يعد منكرا. والملائكة لا ~~يعلمون الغيب، فلابد أن يكونوا قد علموا ماذا سيكون من الفساد فى الأرض ~~وسفك الدماء بوجه من الوجوه التى يطلع الله بها على غيبه بعض المصطفين ~~الأخبار من ms0067 خلقه. قال الإمام ابن كثير فى توضيح هذا المعنى قوله - تعالى ~~- { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء } ~~أرادوا أن من هذا الجنس من يفعل ذلك وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص، أو بما ~~فهموه من الطبيعة البشرية، فإنه أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف من صلصال من ~~حمأ مسنون، أو فهموا من الخليفة أنه الذى يفصل بين الناس ما يقع بينهم من ~~المظالم. ويردعهم عن المحارم والمآثم.. وقول الملائكة هذا ليس على وجه ~~الاعتراض على الله ولا على وجه الحسد لبنى آدم كما قد يتوهمه البعض.. ~~وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة فى ذلك، يقولون يا ربنا ما ~~الحكمة فى خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد فى الأرض، ويسفك الدماء فإن كان ~~المراد عبادتك فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك، ولا يصدر منا شىء من ذلك فهلا ~~وقع الاقتصار علينا؟. وقد رد الله - تعالى - على الملائكة بقوله { قال ~~إني أعلم ما لا تعلمون }. أى إنى أعلم من المصلحة الراجحة ~~فى خلق هذا الصنف على المفاسد التى ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم، فإنى ~~سأجعل فيهم الأنبياء، وأرسل فيهم الرسل ويوجد منهم الصديقون والشهداء ~~والصالحون والعباد والزهاد والأولياء والأبرار والمقربون والعلماء ~~العاملون والمحبون له - تعالى - المتبعون رسله. # فالجملة الكريمة إرشاد لهم إلى الأمر الذى من شأنه أن يقف بهم عند حدود ~~الأدب اللائق بمقام الخالق - عز وجل - وتنبيه إلى أنه - تعالى - عالم بما ~~لا يحيط به علم أحد من خلقه، فله أن يفعل ما يشاء ويأمر بما يشاء. وليس ~~من أدب المؤمنين بأنه العليم الحكيم أن يسألوه حين يأمرهم بشىء، أو ~~يعلمهم بأنه سيفعل شيئا، عن حكمة ما أمر به أو ما سيفعله، بل شأنهم أن ~~يتجهوا إلى استطلاع حكمة الأفعال والأوامر من أنفسهم، فإذا أدركوها فقد ~~ظفروا بأمنيتهم، وان وقفت عقولهم دونها، ففى تسليمهم لقدر الله، ~~وامتثالهم لأوامره الكفاية فى القيام بحق التكليف والفوز برضا الله، الذى ~~هو الغاية من الإيمان به والإقبال على طاعته. قال بعض العلماء " وفى ~~هذه الآية ms0068 الكريمة تسلية للنبى صلى الله عليه وسلم عن تكذيب بعض الناس ~~له، لأنه إذا كان الملأ الأعلى قد مثلوا على أنهم يختصمون ويطلبون البيان ~~والبرهان فيما لا يعلمون، فأجدر بالناس أن يكونوا معذورين - وبالأنبياء ~~أن يعاملوهم كما عامل الله الملائكة المقربين، أى فعليك يا محمد أن تصبر ~~على هؤلاء المكذبين، وترشد المسترشدين، وتأتى أهل الدعوة بسلطان مبين. ثم ~~أخذ - سبحانه - فى بيان جانب من حكمة خلق آدم، وجعله خليفة فى الأرض، بعد ~~أن أجاب الملائكة على سؤالهم بالجواب المناسب الحكيم فقال - تعالى - { ~~وعلم ءادم الأسمآء كلها ثم عرضهم على ~~الملائكة فقال أنبئوني بأسمآء هؤلاء إن ~~كنتم صادقين }. علم من التعليم وهو التعريف بالشىء. وآدم اسم ~~لأبى البشر، قيل إنه عبرانى مشتق من أدمه، وهى لغة عبرانية معناها ~~التراب، كما أن " حواء " كلمة عبرانية معناها " حى " وسميت بذلك لأنها ~~تكون أم الأحياء. و { الأسمآء } جمع اسم، والاسم ما يكون علامة على ~~الشىء، وتأكيد الأسماء بلفظ " كلها " فى أنه علمه أسماء كل ما خلق من ~~المحدثات من إنسان وحيوان ودابة، وطير، وغير ذلك. ويصح حمل الأسماء على ~~خواص الأشياء ومنافعها، فإن الخواص والمنافع علامات على ما تتعلق به من ~~الحقائق. وقوله { ثم عرضهم على الملائكة } عرض الشىء ~~إظهاره وإبانته والضمير فى { عرضهم } يعود على المسميات، وهى مفهومة ~~من قوله { الأسمآء كلها } إذ الأسماء لابد لها من مسميات، فإذا ~~أجرى حديث عن الأسماء حضر فى ذهن السامع ما هو لازم لها، أعنى المسميات. ~~ودل على المسميات بضمير جمع الذكور العقلاء فقال { عرضهم } ولم يقل ~~عرضها، لأن فى جملة هذه المسميات أنواعا من العقلاء كالملائكة، والإنس، ~~ومن الأساليب المعروفة بين فصحاء العرب تغليب الكامل على الناقص، فإذا ~~اشتركا فى نحو الجمع أو التثنية أتى بالجمع أو التثنية على ما يطلق حال ~~الكامل منهما. # والأمر فى قوله { أنبئوني بأسمآء هؤلاء } ، ليس من قبيل ~~الأوامر التى يقصد بها التكليف، أى طلب الإتيان بالمأمور به، وإنما هو ~~وارد على جهة إفحام المخاطب بالحجة. والمعنى أن الله - تعالى ms0069 - ألهم آدم ~~معرفة ذوات الأشياء التى خلقها فى الجنة، ومعرفة أسمائها ومنافعها، ثم ~~عرض هذه المسميات على الملائكة. فقال لهم على سبيل التعجيز { ~~أنبئوني بأسمآء هؤلاء إن كنتم صادقين } فيما ~~اختلج فى خواطركم من أنى لا أخلق خلقا إلا وأنتم أعلم منه وأفضل. قال ~~ابن جرير " وفى هذه الآيات العبرة لمن اعتبر والذكرى لمن ذكر، والبيان ~~لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، عما أودع الله فى هذا القرآن من ~~لطائف الحكم التى تعجز عن أوصافها الألسن، وذلك أن الله - تعالى - احتج ~~فيها لنبيه صلى الله عليه وسلم على من كان بين ظهرانيه من يهود بنى ~~إسرائيل، بإطلاعه إياه من علوم الغيب التى لم يكن - تعالى - أطلع عليها ~~من خلقه إلا خاصا، ولم يكن مدركا علمه إلا بالإنباء والإخبار ليقرر ~~عندهم صدق نبوته، ويعلموا أن ما أتاهم به إنما هو من عند الله ". ثم حكى ~~- سبحانه - ما كان من الملائكة فقال { قالوا سبحانك لا علم ~~لنآ إلا ما علمتنآ إنك أنت العليم الحكيم }. ~~سبحان اسم مصدر بمعنى التسبيح أى التنزيه، وهو منصوب بفعل مضمر لا يكاد ~~يستعمل معه. وهذه الآية الكريمة واقعة موقع الجواب عن سؤال يخطر فى ذهن ~~السامع للجملة السابقة، إذ الشأن أن يقال عند سماعهم قوله - تعالى - { ~~أنبئوني بأسمآء هؤلاء } ، ماذا كان من الملائكة؟ هل ~~أنبأوا بأسماء المسميات المعروضة عليهم؟ فقال - تعالى - { قالوا ~~سبحانك لا علم لنآ } إلخ الآية. ولو قال الملائكة لا علم لنا ~~بأسماء هذه المسميات لكان جوابهم على قدر السؤال، ولكنهم قصدوا الاعتراف ~~بالعجز معرفة أسماء تلك المسميات المعروضة على أبلغ وجه فنفوا عن أنفسهم ~~أن يعلموا شيئا غير ما يعلمهم الله، ودخل فى ضمن هذا النفى العام ~~الاعتراف بالقصور عن معرفة الأسماء المسئول عنها. ومعنى { إنك أنت ~~العليم الحكيم } أى أنت يا ربنا العليم بكل شىء، الحكيم فى خلقك ~~وأمرك وفى تعليمك ما تشاء ومنعك ما تشاء، لك الحكمة فى ذلك، والعدل ~~التام. وقدم الوصف بالعلم على الوصف بالحكمة، ليكون وصفه ms0070 بالعلم متصلا ~~بنفيهم عن أنفسهم فى قولهم { لا علم لنآ إلا ما علمتنآ ~~}. وبعد أن بين القرآن أن الملائكة قد اعترفوا بالعجز عن معرفة ما سئلوا ~~عنه، وجه - سبحانه - الخطاب إلى آدم، يأمره فيه بأن يخبر الملائكة ~~بالأسماء التى سئلوا عنها، ولم يكونوا على علم بها، فقال - تعالى - { ~~قال يآءادم أنبئهم بأسمآئهم فلمآ أنبأهم ~~بأسمآئهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب ~~السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم ~~تكتمون }. # ففى هذه الآية الكريمة أخبرنا الله - تعالى - أنه قد أذن لآدم فى أن ~~يخبر الملائكة بالأسماء التى فاتتهم معرفتها ليظهر لهم فضل آدم، ويزدادوا ~~اطمئنانا إلى أن إسناد الخلافة إليه، إنما هو تدبير قائم على حكمة بالغة. ~~وعلم الغيب يختص به واجب الوجود - سبحانه لأنه هو الذى يعلم المغيبات ~~بذاته، وأما العلم بشىء من المغيبات الحاصل من تعليم الله فلا يقال ~~لصاحبه إنه يعلم الغيب. وقوله - تعالى - { ألم أقل لكم إني ~~أعلم... } إلخ الآية، استحضار وتأكيد لمعنى قوله قبل ذلك، { إني ~~أعلم ما لا تعلمون }. وإعادة له على وجه من التفصيل أفاد أن ~~علمه يشمل ما يظهرونه بأقوالهم أو أفعالهم، وما يضمرونه فى أنفسهم. وفى ~~قوله { ألم أقل لكم... } إلخ تعريض بمعاتبتهم على ترك الأولى، ~~حيث بادروا بالسؤال عن الحكمة، وكان الأولى أن يأخذوا بالأدب المناسب ~~لمقام الألوهية، فيتركوا السؤال عنها إلى أن يستبين لهم أمرها بوجه من ~~وجوه العلم. ومن الفوائد التى تؤخذ من هذه الآيات، أن الله - تعالى - قد ~~أظهر فيها فضل آدم - عليه السلام - من جهة أن علمه مستمد من تعليم الله ~~له، فإن إمداد الله له بالعلم يدل على أنه محاط منه برعاية ضافية، ثم إن ~~العلم الذى يحصل عن طريق النظر والفكر قد يعتريه الخلل، ويحوم حوله ~~الخطأ. فيقع صاحبه فى الإفساد من حيث إنه يريد الإصلاح، بخلاف العلم ~~الذى يتلقاه الإنسان من تعليم الله، فإنه علم مطابق للواقع قطعا، ولا ~~يخشى من صاحبه أن يحيد عن سبيل الإصلاح، وصاحب هذا العلم هو الذى يصلح ms0071 ~~للخلافة فى الأرض، ومن هنا، كانت السياسة الشرعية أرشد من كل سياسة، ~~والأحكام النازلة من السماء أعدل من القوانين الناشئة فى الأرض. وبعد أن ~~بين القرآن فى الآيات السابقة بعض الكرامات التى خص الله بها آدم، انتقل ~~إلى بيان كرامة أخرى أكرم الله بها آدم - عليه السلام - وهى أمره ~~للملائكة بالسجود له، ثم بيان ما حصل بينه وبين إبليس، فقال - تعالى - { ~~وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم...أولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون }. ### || [2.34-39] # قوله - تعالى - { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا ~~لأدم... } إلخ، معطوف على قوله - تعالى قبل ذلك { وإذ قال ~~ربك للملائكة.... } إلخ، من باب عطف القصة على القصة، وإعادة ~~إذ بعد حرف العطف المغنى عن إعادة ظرفه، تنبيه على أن الجملة مقصودة ~~بذاتها، لأنها متميزة بهذه القصة العجيبة فجاءت على أسلوب يؤذن ~~بالاستقلال والاهتمام. والسجود لغة التذلل والخضوع مع انخفاض بانحناء ~~وغيره، وخص فى الشرع بوضع الجبهة على الأرض بقصد العبادة. وللعلماء فى ~~كيفية السجود الذى أمر به الملائكة لآدم أقوال أرجحها أن السجود المأمور ~~به فى الآية يحمل على المعنى المعروف فى اللغة، أى أن الله - تعالى - ~~أمرهم بفعل تجاه آدم يكون مظهرا من مظاهر التواضع والخضوع له تحية ~~وتعظيما، وإقرارا له بالفضل دون وضع الجبهة على الأرض الذى هو عبادة، ~~إذ عبادة غير الله شرك يتنزه الملائكة عنه. وعلى هذا الرأى سار علماء أهل ~~السنة. وقيل إن السجود كان لله، وآدم إنما كان كالقبلة يتوجه إليه ~~الساجدون تحية له، وإلى هذا الرأى اتجه علماء المعتزلة، وقد قالوا ذلك ~~هربا من أن تكون الآية الكريمة حجة عليهم، فإن أهل السنة قالوا إبليس من ~~الملائكة، والصالحون من البشر أفضل من الملائكة، واحتجوا بسجود الملائكة ~~لآدم، وخالفت المعتزلة فى ذلك، وقالت الملائكة أفضل من البشر، وسجود ~~الملائكة لآدم كان كالقبلة. والذى نراه أن ما سار عليه أهل السنة أرجح، ~~لأن ما ذهب إليه المعتزلة يبعده أن المقام مقام لإظهار فضل آدم على ~~الملائكة، وإظهار فضله عليهم لا يتحقق بمجرد كونه قبلة للسجود. ms0072 وأمر ~~الملائكة بالسجود لآدم هو لون من الابتلاء والاختبار، ليميز الله الخبيث ~~من الطيب، وينفذ ما سبق به العلم، واقتضته المشيئة والحكمة ثم بين - ~~سبحانه - ما حدث من الملائكة ومن إبليس فقال { فسجدوا إلا ~~إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين }. إبليس اسم ~~مشتق من الإبلاس، وهو الحزن الناشىء عن شدة اليأس، وفعله أبلس، والراجح ~~أنه اسم أعجمى، ومنعه من الصرف للعلمية والعجمة وهو كائن حى، وقد أخطأ من ~~حمله على معنى داعى الشر الذى يخطر فى النفوس، إذ ليس من المعقول أن يكون ~~كذلك مع أن القرآن أخبرنا بأنه يرى الناس ولا يرونه. قال - تعالى - # إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم # وقوله { أبى واستكبر } الإباء الامتناع عن الفعل أنفة مع ~~التمكن منه. والاستكبار التكبر والتعاظم والغرور، بمعنى أن يرى الشخص فى ~~نفسه علوا على غيره، وهو خلق مذموم. وكان فى قوله { وكان من ~~الكافرين } بمعنى صار. وجاء العطف فى قوله { فسجدوا... } ~~بالفاء المفيدة للتعقيب، للإشارة إلى أن الملائكة قد بادروا بالامتثال ~~بدون تردد، ولم يصدهم ما كان فى نفوسهم من التخوف من أن يكون هذا ~~المخلوق، مظهر فساد وسفك دماء، لأنهم منزهون عن المعاصى. # وللعلماء فى كون إبليس من الملائكة أم لا قولان أحدهما أنه كان منهم ~~لأنه - سبحانه - أمرهم بالسجود لآدم، ولولا أنه كان منهم لما توجه إليه ~~الأمر بالسجود، ولو لم يتوجه إليه الأمر بالسجود لم يكن عاصيا، ولما ~~استحق الخزى والنكال. ولأن الأصل فى المستثنى أن يكون داخلا تحت اسم ~~المستثنى منه حتى يقوم دليل على أنه خارج عنه. وقد اختار هذا الرأى ابن ~~عباس، وابن مسعود وجمهور المفسرين. وقيل إنه ليس منهم لقوله - تعالى - # إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه # فهو أصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس، ولأنه خلق من نار، والملائكة ~~خلقوا من نور، ولأن له ذرية ولا ذرية للملائكة. وقد اختار هذا القول ~~الحسن وقتادة وغيرهما. وقد حاول ابن القيم أن يجمع بين الرأيين فقال ~~والصواب التفصيل فى ms0073 هذه المسألة، وأن القولين فى الحقيقة قول واحد، فإن ~~إبليس كان مع الملائكة بصورته وليس منهم بمادته وأصله. كان من نار وأصل ~~الملائكة من نور، فالنافى كونه من الملائكة. والمثبت لم يتواردا على محل ~~واحد. ولما كان استثناء إبليس من الساجدين لا يدل على أنه ترك السجود ~~عصيانا، إذ قد يكون تركه لعذر، دل بقول { أبى واستكبر } على أنه ~~امتنع من السجود أنفة، وتعاظما، وأردف هذا التعاظم والغرور باعتراضه على ~~الله - تعالى - فى تفضيل آدم، فصار بذلك فى فريق الكافرين، ولذا ختمت ~~الآية بقوله - تعالى - { وكان من الكافرين } أى صار بسبب ~~عصيانه واستكباره من الكافرين بالله، الجاحدين لنعمه، البعيدين عن رحمته ~~ورضوانه. وقوله - تعالى - { وقلنا يآءادم اسكن أنت ~~وزوجك الجنة } معطوف على قوله { وإذ قلنا ~~للملائكة...إلخ } أى بعد أن أمرنا الملائكة بالسجود لآدم، قلنا يا ~~آدم اسكن أنت وزوجك الجنة، فهذه تكرمة أكرمه الله بها بعد أن أكرمه ~~بكرامة الإجلال من تلقاء الملائكة. وقوله { اسكن } أمر من السكنى ~~بمعنى اتخاذ المسكن على وجه الاستقرار. والزوج يطلق على الرجل والمرأة ~~والمراد به هنا حواء، حيث تقول العرب للمرأة زوج، ولا تكاد تقول زوجة. ~~والجنة هى كل بستان ذى شجر متكاثف، ملتف الأغصان، يظلل ما تحته ويستره، ~~من الجن، وهو ستر الشىء عن الحاسة. وجمهور أهل السنة على أن المراد بها ~~هنا دار الثواب. التى أعدها الله للمؤمنين يوم القيامة، لأن هذا هو ~~المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق. ويرى جمهور علماء المعتزلة أن المراد ~~بها هنا بستان بمكان مرتفع من الأرض، خلقه الله لإسكان آدم وزوجه، ~~واختلفوا فى مكانه، فقيل بفلسطين. # وقيل بغيرها. وقد ساق الإمام ابن القيم فى كتابه حادى الأرواح أدلة ~~الفريقين دون أن يرجح شيئا منها. والأحوط والأسلم الكف عن تعيينها وعن ~~القطع به، وإليه ذهب أبو حنيفة وأبو منصور الماتريدى فى التأويلات، إذ ~~ليس لهذه المسألة تأثير فى العقيدة. والمخاطب بالأمر، بسكنى الجنة آدم ~~وحواء، ولكن الأسلوب جاء فى صيغة الخطاب لآدم وعطفت عليه زوجه، لأنه هو ~~المقصود ms0074 بالأمر وزوجه تبع له. ثم بين - سبحانه - أنه قد أباح لهما أن ~~يأكلا من ثمار الجنة أكلا واسعا فقال { وكلا منها رغدا حيث ~~شئتما } أى كلا من مطاعم الجنة وثمارها أكلا هنيئا أو واسعا فى أى ~~مكان من الجنة أردتم. يقال رغد عيش القوم أى اتسع وطاب، وأرغد القوم، أى ~~أخصبوا وصاروا فى رزق واسع. والضمير فى قوله { منها } يعود إلى الجنة، ~~والمراد بالأكل منها الأكل من مطاعمها وثمارها، لأن الجنة تستلزم ثمارا ~~هى المقصودة بالأكل. ثم بين - سبحانه - أنه نهاهم عن الأكل من شجرة معينة ~~فقال { ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من ~~الظالمين }. القرب الدنو، والمنهى عنه هو الأكل من ثمار الشجرة، ~~وتعليق النهى بالقرب منها إذ قال { ولا تقربا } القصد منه المبالغة ~~فى النهى عن الأكل، إذ فى النهى عن القرب من الشىء قطع لوسيلة التلبس به، ~~كما قال تعالى # ولا تقربوا الزنى # فنهى عن القرب من الزنا ليقطع الوسيلة إلى ارتكابه وهى القرب منه. وأكد ~~النبى بأن جعل عدم اجتناب الأكل من الشجرة ظلما فقال { فتكونا من ~~الظالمين } وقد ظلما أنفسهما إذ أكلا منها، فقد ترتب على أكلهما ~~منها أن أخرجا من الجنة التى كانا يعيشان فيها عيشة راضية. وقد تكلم ~~العلماء كثيرا عن اسم هذه الشجرة ونوعها فقيل هى التينة، وقيل هى ~~السنبلة، وقيل هى الكرم.. إلخ. إلا أن القرآن لم يذكر نوعها على عادته فى ~~عدم التعرض لذكر ما لم يدع المقصود من سوق القصة إلى بيانه. وقد أحسن ~~الإمام ابن جرير فى التعبير عن هذا المعنى فقال " والصواب فى ذلك أن ~~يقال إن الله - تعالى - نهى آدم وزوجه عن الأكل من شجرة يعينها من أشجار ~~الجنة دون سائر أشجارها فأكلا منها، ولا علم عندنا بأى شجرة كانت على ~~التعيين، لأن الله لم يضع لعباده دليلا على ذلك فى القرآن ولا من السنة ~~الصحيحة، وقد قيل كانت شجرة البر، وقيل كانت شجرة العنب. وذلك علم إذا ~~علم لم ينفع العالم به علمه، وإن جهله جاهل ms0075 لم يضره جهله به. ثم بين ~~القرآن بعد ذلك ما وقع فيه آدم من خطأ فقال { فأزلهما ~~الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه } أى اذهبهما ~~عن الجنة بكذبه عليهما ومقاسمته أنه لهما من الناصحين. # وأزل من الإزلال وهو الإزلاق زل يزل زلا وزللا، أى زلق فى طين أو ~~منطق، والاسم الزلة. وأزله غيره واستزله أى أزلقه. أطلق وأريد به لازمه ~~وهو الإذهاب. وقرئ { فأزالهما } أى نحاهما من الإزالة، تقول أزلت الشىء ~~عن مكانه إزالة. أى نحيته وأذهيته عنه. ثم استعمل هذا اللفظ فى ارتكاب ~~الخطيئة كما استعمل فى خطأ الرأى مجازا. والضمير فى قوله { عنها } ~~يعود إلى الشجرة، ومعنى أزلهما عن الشجرة أوقعهما فى الزلة بسببها. ~~والتعبير بقوله { فأخرجهما مما كانا فيه } أبلغ فى الدلالة ~~على فخامة الخيرات التى كانا يتقلبان فيها مما لو قيل فأخرجهما من النعيم ~~أو من الجنة لأن من أساليب البلاغة فى الدلالة على عظم الشء أن يعبر عنه ~~بلفظ مبهم كما هنا. لكى تذهب نفس السامع فى تصور عظمته وكماله إلى أقصى ~~ما يمكنها أن تذهب إليه. ونسبة إخراجهما من الجنة إلى الشيطان فى قوله { ~~فأخرجهما } من قبيل نسبة الفعل إلى ما كان سببا فيه، وذلك أن ~~أكلهما من الشجرة الذى ترتب عليه إخراجهما من الجنة إنما وقع بسبب وسوسة ~~الشيطان لهما. وقوله - تعالى - { وقلنا اهبطوا بعضكم ~~لبعض عدو } الخطاب فيه لآدم وحواء، وإبليس، وقيل الخطاب لآدم ~~وحواء ونسلهما. والهبوط النزول من أعلى إلى أسفل ضد الصعود. يقال هبط ~~يهبط ويهبط أى نزل من علو إلى أسفل. والعداوة معناها التناكر والتنافر ~~بالقلوب. أى قلنا لآدم وحواء والشيطان انزلوا إلى الأرض متنافرين ~~متباغضين، يبغى بعضكم على بعض. وعداوة الشيطان لآدم نشأت عن حسد وتكبر ~~منذ أن أمر بالسجود فأبى وامتنع وقال أنا خير منه. وعداوة آدم وذريته ~~للشيطان من جهة أنه يكيد لهم بالوسوسة والإغراء وفى هذه الجملة الكريمة ~~إرشاد لآدم وذريته، ونهى لهم عن اتباع خطوات الشيطان، لأنه عدو لهم، ومن ~~شأن العدو أنه يسعى ms0076 لمضرة عدوه. قال - تعالى - # إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما ~~يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير # ثم ختمت الآية بقوله - تعالى - { ولكم فى الأرض مستقر ~~ومتاع إلى حين }. المستقر موضع الاستقرار والثبات، وهو مقابل ~~القلق والاضطراب، والمتاع اسم لما يستمتع به من مأكل ومشرب وملبس وحياة ~~وأنس وغير ذلك، مأخوذ من متع النهار متوعا إذا ارتفع، ويطلق على ~~الانتفاع الممتد الوقت. والحين الجزء من الزمان غير محدد بحد، والمراد به ~~هنا وقت الموت أو يوم القيامة. والمعنى انزلوا إلى الأرض بعضكم لبعض عدو ~~ولكم فيها منزل وموضع استقرار. وتمتع بالعيش إلى أن يأتيكم الموت. ومن ~~كان على ذكر دائم من أن استقراره فى الأرض وتمتعه بنعيمها سينتهى فى وقت، ~~لا يدرى متى يدركه، فشأنه أن ينتفع بخيراتها ويتمتع بطيب العيش فيها، وهو ~~مقبل على العمل لمرضاة الله ما استطاع، وشاكر لأنعمه بالقلب واللسان، لا ~~يشغله عن الشكر شاغل من ملذات هذه الحياة ومظاهر زينتها. # ثم حكى القرآن أن آدم قد بادر بطلب العفو والمغفرة من ربه فقال { ~~فتلقى ءادم من ربه كلمات فتاب عليه إنه ~~هو التواب الرحيم }. التلقى فى الأصل التعرض للقاء، ثم استعمل ~~بمعنى أخذ الشىء وقبوله، تقول تلقيت رسالة من فلان. أى أخذتها منه ~~وقبلتها. والكلمات جمع كلمة، وهى اللفظة الموضوعة لمعنى، وأرجح ما قيل فى ~~تعيين هذه الكلمات، ما أشار إليه القرآن فى سورة الأعراف بقوله # قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين # والتوبة فى أصل اللغة معناها الرجوع، وإذا عديت بعن كان معناها الرجوع ~~عن المعصية إلى الطاعة، وإذا عديت بعلى - كما فى هذه الآية - كان معناها ~~قبول التوبة، فالعبد يتوب عن المعصية، والله يتوب على العبد أى يقبل ~~توبته. وجملة { إنه هو التواب الرحيم } واردة مورد ~~التعليل لقوله { فتاب عليه }. والتواب وصف له - تعالى - من تاب، ~~أى قبل التوبة، وجاء التعبير بصيغة فعال، للإشعار بأنه كثير القبول ~~للتوبة من عباده، وليدل على أنه يقبل توبة العبد وإن وقعت ms0077 بعد ذنب يرتكبه ~~ويتوب منه ثم يعود إليه بعد التوبة ثم يتوب بعد العودة إليه توبة صادقة ~~نصوحا. وبعد أن أخبر القرآن فى الآيات السابقة أن الله - تعالى - قد أمر ~~آدم وحواء وإبليس بالهبوط من الجنة، نراه بعد ذلك قد أعاد خبر الأمر ~~بالهبوط فقال { قلنا اهبطوا منها جميعا فإما ~~يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون }. وليست هذه الإعادة من قبيل ~~التكرار الذى يقصد منه مجرد التوكيد، بل قص الأمر بالهبوط أولا ليعلق ~~عليه معنى هو كون بعضهم لبعض عدوا. ثم قصة ثانية ليعلق عليه معنى آخر هو ~~ما ترتب على الهبوط من تفصيل لحال المخاطبين، وانقسامهم إلى مهتدين ~~وضالين. والفاء فى قوله { فإما } لإفادة ترتيب انقسام المخاطبين إلى ~~مهتدين وكافرين على الهبوط المفهوم من قوله { اهبطوا }. و { إما } ~~هى إن الشرطية دخلت عليها " ما " لإفادة التوكيد، ويغلب على فعل شرطها ~~أن يكون مؤكدا بالنون وأوجب بعضهم ذلك. والهدى من الله معناه الدلالة ~~على ما هو حق وخير بلسان رسول، أو بآيات كتاب. وقد صرح - سبحانه - بأن ~~الهدى صادر منه بقوله { مني هدى } ثم أضافه إلى نفسه بقوله { ~~هداي } للإيذان بتعظيم أمر الهدى وأنه أحق بأن يتبع، ويتخذ سبيلا ~~لطمأنينة النفس فى الدنيا، والفوز بالسعادة فى الأخرى. والخوف الفزع وهو ~~تألم النفس من مكروه يتوقع حصوله. والحزن الغم الحاصل لوقوع مكروه أو فقد ~~محبوب. ومعنى { لا خوف عليهم } أن نفوسهم آمنة مطمئنة بحيث لا ~~يعتريها فزع، ولا ينتابها ذعر، كما أن قوله { ولا هم يحزنون } ~~ينفى عنهم الاغتمام لفوات مطلوب أو فقد محبوب. # ونفى الخوف والحزن ورد فى الآية على وجه الإطلاق، وظاهره أن المهتدين ~~لا يعتريهم الخوف ولا الحزن فى دنياهم ولا فى آخرتهم، ولكن قوله - تعالى ~~- فيما يقابله من جزاء الكافرين { أولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون } ، يرجح أن يكون المراد نفى الخوف والحزن فى الدار ~~الآخرة. ونفى الخوف والحزن عن المهتدين يوم القيامة كناية عن سلامتهم من ~~العذاب وفوزهم بالنعيم الخالد ms0078 فى الجنة، فتمت المقابلة بين جزاء المهتدين ~~وجزاء الكافرين المشار إليه بقوله - تعالى - { والذين كفروا ~~وكذبوا بآياتنآ أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون }. إذ هذه الآية الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - { فمن ~~تبع هداي }. إلخ، وورادة مورد المقابل له فى تفصيل أحوال من يأتيهم ~~الهدى من الله. ولم يقل والذين لم يتبعوا هداى أولئك أصحاب النار.. وإنما ~~قال { والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ أولئك... } ~~إلخ، وذلك لأن من لم يتبع هدى الله يشمل من لم تبلغه الدعوة، وغير ~~المكلفين مثل الصبيان وفاقدى العقل، وهؤلاء ليسوا من أصحاب النار. فظهر ~~أن قوله { والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ... } جىء به ~~على قدر من يستحقون الحكم عليهم بأنهم من أصحاب النار والمجازاة بالعذاب ~~الخالد الأليم. والآيات جمع آية، وهى فى الأصل العلامة، وتستعمل فى ~~الطائفة من الكتاب المنزل، وفيما يستدل به على وجود الله وتوحيده، من نحو ~~بدائع مصنوعاته ومظاهر عنايته بالإنسان. وأضاف - سبحانه - الآيات إلى ~~نفسه فقال { بآياتنآ } ليكون قبح التكذيب بها أظهر، وأتى بنون العظمة ~~فقال بآياتنا دون أن يقول " بآياتى " لبعث المهابة فى نفوس السامعين، ~~وذلك أدعى إلى تلقى الوعيد باهتمام وخشية. وأصحاب جمع صاحب مأخوذ من ~~الصحبة، وهى الاقتران والملازمة، ودل بقوله { هم فيها خالدون } ~~على أن صحبتهم للنار دائمة، وليست من الصحبة التى تستمر مدة ثم تنقطع. ~~هذا جانب من قصة آدم كما حكاه القرآن فى هذه السورة، ومن الحكم التى تؤخذ ~~منها أن سياسة الأمم على الطريقة المثلى إنما تقوم على أساس راسخ من ~~العلم، وأن فضل العلم النافع فوق فضل العبادة، وأن روح الشر الخبيثة إذا ~~طغت على نفس من النفوس، جعلتها لا ترى البراهين الساطعة، ولا يوجهها إلى ~~الخير وعد، ولا يردعها عن الشر وعيد. كما يستفاد منها كيف أن الرئيس يفسح ~~المجال لمرؤسيه المخلصين، يجادلونه فى أمر يريد قضاءه، ولا يزيد عن أن ~~يبين لهم وجهة نظره فى رفق، وإذا تجاوزوا حدود الأدب اللائق به راعى فى ~~عتابهم ما عرفه فيهم من سلامة القلب، وتلقى أوامره ms0079 بحسن الطاعة. كما يؤخذ ~~منها أن المتقلب فى نعمة يجب أن يحافظ عليها بشكر الله، ولا يعمل عملا ~~فيه مخالفة لأوامر الله لأن مخالفة أوامر الله، كثيرا ما تؤدى إلى زوال ~~النعمة، ومن أراد أن تزداد النعم بين يديه، فعليه أن يلتزم طاعة الله ~~وشكره. # وقال بعض العلماء وقد يتبادر إلى الذهن أن آدم قد ارتكب ما نهى عنه، ~~ارتكاب من يتعمد المخالفة، فيكون أكله من الشجرة معصية، مع أنه من ~~الأنبياء المرسلين، والرسل معصومون من مخالفة أوامر الله. والجواب عن ذلك ~~أن آدم تعمد الأكل من الشجرة، ناسيا النهى عن الأكل منها، وفعل المنهى ~~عنه على وجه النسيان لا يعد من قبيل المعاصى التى يرتكبها الشخص وهو ~~متذكر أنه يرتكب محرما، إذ أن ارتكاب المحرم عن علم وتذكر هو الذى يجعل ~~مرتكبه مستحقا للعقاب، والأنبياء معصومون من ذلك. وإذا عاتب الله بعض ~~الأخيار من عباده عل ما مصدر منهم على وجه النسيان، فلأن علمهم بالنهى ~~يدعوهم إلى أن يقع النهى من نفوسهم موقع الاهتمام، بحيث يستفظعون مخالفته ~~استفظاعا يملأ نفوسهم بالنفور منها، ويجعلهم على حذر من الوقوع فى ~~بلائها. فالذى وقع من آدم - عليه السلام - هو أنه غفل عن الأخذ بالحزم فى ~~استحضار النهى وجعله نصب عينيه حتى أدركه النسيان، ففعل ما نهى عنه غير ~~متعمد للمخالفة، قال - تعالى - # ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد ~~له عزما # هذا، وبعد أن ذكر القرآن الكريم الناس جميعا بنعم الله عليهم، ليحملهم ~~بذلك على إخلاص العبادة له، وتصديق رسوله صلى الله عليه وسلم فيما جاء ~~به، ومن بين هذه النعم خلق آدم وإظهار فضله على الملائكة، بعد كل ذلك ~~اتجه إلى تذكير طائفة خاصة من الكافرين المعاصرين للنبى صلى الله عليه ~~وسلم وهم بنو إسرائيل، استمالة لقلوبهم نحو الإيمان بالله، وكسرا ~~لعنادهم ولجاجتهم، فقال - تعالى - { يابني إسرائيل اذكروا ~~نعمتي التي أنعمت...واركعوا مع الراكعين }. ### || [2.40-43] # إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - عليهم السلام - وفى إضافتهم إلى ~~أبيهم إسرائيل تشريف ms0080 لهم وتكريم، وحث لهم على الامتثال لأوامر الله ~~ونواهيه، فكأنه قيل يا بنى العبد الصالح، والنبى الكريم، كونوا مثل أبيكم ~~فى الطاعة والعبادة. ويستعمل مثل هذا التعبير فى مقام الترغيب والترهيب، ~~بناء على أن الحسنة فى نفسها حسنة وهى من بيت النبوة أحسن، والسيئة فى ~~نفسها سيئة وهى من بيت النبوة أسوأ، ففي هذا النداء. خير داع لذوى الفطر ~~السليمة منهم إلى الإقبال على ما يرد بعده من التذكير بالنعمة، ~~واستعمالها فيما خلقت له. ومعنى { اذكروا نعمتي التي ~~أنعمت عليكم } تنبهوا بعقولكم وقلوبكم لتلك المنافع التى أتتكم ~~على سبيل الإحسان منى، وقوموا بحقوقها وأكثروا من الحديث عنها بألسنتكم، ~~فإن التحدث بنعم الله فيه إغراء بشكرها. والمراد بالنعمة المنعم بها ~~عليهم، وتجمع على نعم، وقد وردت فى القرآن الكريم بمعنى الجمع كما فى ~~قوله تعالى # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها # فإن لفظ العدد والإحصاء قرينة على أن المراد بالنعمة النعم الكثيرة. ~~ويبدوا أن المراد بالنعمة فى الآية التى معنا كذلك النعم المتعددة حيث ~~إنه لم يقم دليل على أن المراد بها نعمة معهودة، وعلماء البيان يعدون ~~استعمال المفرد فى معنى الجمع - اعتمادا على القرينة - من أبلغ الأساليب ~~الكلامية. ثم أمرهم - سبحانه - بالوفاء بما عاهدهم عليه، فقال تعالى { ~~وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم } العهد ما من شأنه أن يراعى ~~ويحفظ، كاليمين والوصية وغيرهما، ويضاف إلى المعاهد والمعاهد جميعا، ~~يقال أوفيت بعهدى، أى بما عاهدت غيرى عليه، وأوفيت بعهدك، أى بما عاهدتنى ~~عليه، وعهد الله أوامره ونواهيه، والوفاء به يتأتى باتباع ما أمر به، ~~واجتناب ما نهى عنه، ويندرج فيه كل ما أخذ على بنى إسرائيل فى التوراة، ~~من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم متى بعث، والإيمان بما جاء به من عند ~~الله وتصديقه فيما يخبر عن ربه. والمعنى وأوفوا بما عاهدتمونى عليه من ~~الإيمان بى، والطاعة لى، والتصديق برسلى، أوف بما عاهدتكم عليه من ~~التمكين فى الأرض فى الدنيا والسعادة فى الآخرة. ثم أمرهم - سبحانه - بأن ~~يجعلوا خوفهم من خالقهم وحده، ms0081 فقال - تعالى - { وإياي فارهبون ~~} أى خافونى ولا تخافوا سواى، ولتكن قلوبكم عامرة بخشيتى وحدى، فإن ذلك ~~يعينكم على طاعتى، ويبعدكم عن معصيتى. وحذف متعلق الرهبة للعموم، أى ~~ارهبونى فى جميع ما تأتون، وما تذرون، حتى لا أنزل بكم من النقم مثل ما ~~أنزلت بمن قبلكم من المسخ وغيره، فالآيات الكريمة قد تضمنت وعدا ووعيدا ~~وترغيبا وترهيبا. { وآمنوا بمآ أنزلت مصدقا لما ~~معكم }. # وبعد أن أمر الله - عز وجل - بنى إسرائيل، أن يوفوا بعهده عموما أتبع ~~ذلك بأمرهم بأن يوفوا بأمر خاص وهو القرآن الكريم، وفى التعبير عنه بذلك ~~تعظيم لشأنه، وتقخيم لأمره. وأفرد - سبحانه - أمرهم بأن يؤمنوا به مع ~~إندراجه فى قوله - تعالى - { وأوفوا بعهدي } للإشارة إلى أن ~~الوفاء بالعهد لا يحصل منهم إلا إذا صدقوا به. والمراد بما معهم التوراة، ~~والتعبير عنها بذلك للإشعار بعلمهم بتصديقه لها. والمعنى آمنوا يا بنى ~~إسرائيل بالكتاب المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن الكريم ~~المصدق لكتابكم التوراة، ومن مظاهر هذا التصديق اشتمال دعوته على ما يحقق ~~دعوتها، من الأمر بتوحيد الله - تعالى - والحث على التمسك بالفضائل، ~~والبعد عن الرذائل، وإخباره بما جاء بها من الإشارة إلى بعثة النبى صلى ~~الله عليه وسلم ومطابقة ما وصفته به مطابقة واضحة جلية وموفقته لها فى ~~أصول الدين الكلية، وهيمنته عليها، ولذا قال - عليه الصلاة والسلام - # " لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعى ". # وفى إخبار بنى إسرائيل بأن القرآن الكريم مصدق لما معهم، إثارة لهممهم ~~لو كانوا يعقلون - للإقبال عليه، متدبرين آياته، حتى تستيقن نفوسهم أنه ~~دعوة الحق والإصلاح المؤدية إلى السعادة فى الدنيا والآخرة وحتى تطمئن ~~قلوبهم إلى أن الإيمان به معناه الإيمان بما معهم، والكفر به، كفر بما ~~بين أيديهم، حيث إن ما بين أيديهم قد بشر ببعثة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - المنزل عليه القرآن الكريم. قال الإمام الرازى وهذه الجملة ~~الكريمة تدل على صدق النبى - صلى الله عليه وسلم - من وجهين أولهما أن ~~الكتب السابقة قد بشرت به، وشهاداتها ms0082 لا تكون إلا حقا. وثانيهما أنه - ~~عليه الصلاة والسلام - قد أخبرهم عما فى كتبهم بدون معرفة سابقة لها، ~~وهذا لا يتأتى إلا عن طريق الوحى. وبعد أن أمرهم - سبحانه - بالإيمان ~~الخالص، عرض بهم لتكذيبهم وجحوهم، فقال - تعالى - { ولا تكونوا ~~أول كافر به } أى لا تكونوا أول فريق من أهل الكتاب يكفر ~~بالقرآن الكريم، فيقتدى بكم أناس آخرون وبهذا تصيرون أئمة للكفر مع أن من ~~الواجب عليكم أن تسارعوا إلى الإيمان به لأنكم أدرى الناس بأنه من عند ~~الله، وأكثرهم علما بأنه الرسول الذى نزل عليه هذا القرآن، وهو الصادق ~~الأمين فيما يبلغه عن ربه. والمقصود من هذه الجملة الكريمة، تبكيتهم على ~~مسارعتهم فى الكفر، واستعظام وقوع الجحود منهم، وتوعدهم عليه بسوء المآل. ~~قال الإمام الرازى هذه الجملة خطاب لبنى إسرائيل قبل غيرهم فكأنه - ~~سبحانه - يقول لهم لا تكفروا بمحمد، فإنه سيكون بعدكم كفرة، فلا تكونوا ~~أنتم أولهم لأن هذه الأولية موجبة لمزيد الإثم، وذلك لأنهم إذا سبقوا ~~إلى الكفر، فإما أن يقتدى بهم غيرهم أولا، فإن اقتدى بهم غيرهم كان عليهم ~~وزره ووزر كل كافر إلى يوم القيامة، وإن لم يقتد بهم غيرهم، اجتمع عليهم ~~أمران السبق إلى الكفر والتفرد به وكلاهما منقصة عظيمة، وتؤدى إلى ~~العاقبة الوبيلة. # ثم نهاهم عن أن يبيعوا دينهم بدنياهم، فقال - تعالى - { ولا ~~تشتروا بآياتي ثمنا قليلا }. والاشتراء هنا استعارة ~~للاستبدال، والذى استبدل به الثمن القليل هو الإيمان بالآيات، والمراد ~~بالآيات البراهين المؤيدة لصدق النبى صلى الله عليه وسلم وفى مقدمتها ~~القرآن الكريم والتوراة. والمراد بالثمن القليل حظوظ الدنيا وشهواتها من ~~نحو الرياسة والمال والجاه، وما إلى ذلك من الأمور التى خافوا ضياعها لو ~~اتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم. والمعنى لا تستبدلوا بالإيمان بما ~~أنزلت مصدقا لما معكم شيئا من حطام الدنيا، ولا تختاروا على ثواب الله ~~بديلا من الأموال، فإنها مما كثرت فهى قليلة مسترذلة بالنسبة لما يناله ~~أولو الإيمان الخالص من رعاية ضافية فى الدنيا، وخيرات حسان فى الأخرى. ~~وليس وصف الثمن ms0083 بالقلة من الأوصاف المخصصة للنكرات، بقل هو من الأوصاف ~~اللازمة للثمن المحصل بالآيات إذ لا يكون إلا قليلا وإن بلغ ما بلغ من ~~أعراض الدنيا بجانب رضا الله - عز وجل -. ونزل تمكينهم من الإيمان ~~بالآيات لوضوحها منزلة حصوله بالفعل، فكأن الإيمان كان فى حوزتهم، ~~ولكنهم خلعوه ونبذوه، مستبدلين الذى هو أدنى بالذى هو خير فباءوا بغضب ~~على غضب لكفرهم بالقرآن الكريم وبتوراتهم التى بشرت بالرسول - عليه ~~الصلاة والسلام -. ثم حذرهم - سبحانه - من التمادى فى الكفر بما أنزل، ~~مصدقا لما معهم، فقال - تعالى - " وإياي فاتقون " الاتقاء معناه الحذر، ~~يقال فلان اتقى الله أى حذر عقابه وبطشه، والحذر من عقاب الله، يستلزم ~~امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فمعنى " وإياى فاتقون " آمنوا بى، ~~واتبعوا الحق وأعرضوا عن الباطل. وبعد أن نهى القرآن الكريم بنى إسرائيل ~~عن الكفر والضلال، عقب ذلك بنهيهم عن أن يعملوا لإضلال غيرهم، فقال - { ~~ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق ~~وأنتم تعلمون }. اللبس - بفتح اللام - الخلط، وفعله ليس، من ~~باب ضرب تقول لبست عليه الأمر، ألبسه إذا مزجت بينه بمشكله، وحقه ~~بباطله. ولدعاة الضلالة طريقتان فى إغواء الناس إحداهما طريقة خلط الحق ~~بالباطل حتى لا يتميز أحدهما عن الآخر وهى المشار إليها بقوله تعالى { ~~ولا تلبسوا الحق بالباطل }. والثانية طريقة جحد الحق ~~وإخفائه حتى لا يظهر، وهى المشار إليها بقوله تعالى { وتكتموا ~~الحق }. وقد استعمل بنو إسرائيل الطريقتين لصرف الناس عن الإسلام، ~~قد كان بعضهم يؤول نصوص كتيهم الدالة على صدق النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- تأويلا فاسدا، يخلطون فيه الحق بالباطل، ليوهموا العامة أنه ليس هو ~~النبى المنتظر، وكان بعضهم يلقى حول الحق الظاهر شبها، ليوقع ضعفاء ~~الإيمان فى حيرة وتردد، وكان بعضهم يخفى أو يحذف النصوص الدالة على صدق ~~النبى صلى الله عليه وسلم، والتى لا توافق أهواءهم وشهواتهم، فنهاهم الله ~~- تعالى - عن هذه التصرفات الخبيثة. # والمعنى ولا تخلطوا الحق الواضح الذى نطقت به الكتب السماوية، وأيدته ~~العقول السليمة، بالباطل الذى تخترعونه من عند أنفسكم، إرضاء لأهوائكم، ~~ولا تكتموا ms0084 الحق الذى تعرفونه، كما تعرفون أبناءكم، بغية انصراف الناس ~~عنه " لأن من جهل شيئا عاداه، فالنهى الأول عن التغيير والخلط، والنهى ~~الثانى عن الكتمان والإخفاء. وقوله تعالى { وأنتم تعلمون } ~~جملة حالية، أى وأنتم من ذوى العلم، ولا يناسب من كان كذلك أن يكتم الحق، ~~أو يلبسه بالباطل، وإذا كان هذا الفعل - وهو لبس الحق بالباطل، أو كتمانه ~~وإظهار الباطل وحده - يعد من كبائر الذنوب، فإن وقعه يكون أقبح، وفساده ~~أكبر، وعاقبته أشأم متى صدر من عالم فاهم، يميز بين الحق والباطل. ففى ~~هذه الجملة الكريمة بيان لحال بنى إسرائيل، المخاطبين بهذا النهى، وتبكيت ~~لهم، لأنهم لم يفعلوا ما فعلوه عن جهالة، وإنما عن علم وإصرار على سلوك ~~هذا الطريق المعوج. قال أبو حيان فى البحر " وهذه الحال، وإن كان ظاهرها ~~أنها قيد فى النهى عن اللبس والكتم، فلا تدل بمفهومها على جواز اللبس ~~والكتم حالة الجهل، إذ الجاهل بحال الشىء لا يدرى كونه حقا أو باطلا، ~~وإنما فائدتها بيان أن الإقدام على الأشياء القبيحة، مع العلم بها، أفحش ~~من الإقدام عليها مع الجهل. وبعد أن أمرهم - سبحانه - بأصل الدين الذى ~~هو الإيمان به وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أردفه بركنين من أركانه ~~العملية، إذا قاموا بهما لانت قلوبهم للحق، وانعطفت نفوسهم نحو خشية الله ~~وحده، فقال تعالى { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~واركعوا مع الراكعين } والمراد بإقامة الصلاة، أداؤها ~~مستوفية لأركانها وشرائطها وآدابها. والمراد بإيتاء الزكاة دفعها ~~لمستحقيها كاملة غير منقوصة. والمعنى عليكم يا معشر اليهود أن تحافظوا ~~على أداء الصلاة، التى هى أعظم العبادات البدنية، وعلى إيتاء الزكاة التى ~~هى أعظم العبادات المالية، وأن تخضعوا لما يلزمكم فى دين الله - تعالى - ~~لأن فى محافظتكم على هذه العبادات تطهيرا لقلوبكم، وتأليفا لنفوسكم، ~~وتزكية لمشاعركم، ولأنكم إن لم تحافظوا عليها كما أمركم الله - تعالى - ~~فسيلحقكم الخزى فى الدنيا، والعذاب فى الأخرى. هذا، ونرى من المناسب أن ~~نختم تفسير هذه الآيات الكريمة، وبيان ما اشتملت عليه من توجيه سليم، ~~وتركيب بليغ، بما ms0085 قاله أبو حيان فى تفسيره، فقال قال - رحمه الله - " وفى ~~هذه الجمل - وإن كانت معطوفات بالواو التى لا تقتضى فى الوضع ترتيبا - ~~ترتيب عجيب من الفصاحة، وبناء الكلام بعضه على بعض، وذلك أنه تعالى ~~أمرهم أولا بذكر النعمة التى أنعمها عليهم، إذ فى ذلك ما يدعو إلى محبة ~~المنعم ووجوب طاعته ثم أمرهم بإيفاء العهد الذى التزموه للمنعم، ثم رغبهم ~~بترتيب إيفائه هو تعالى بعهدهم فى الإيفاء بالعهد، ثم أمرهم بالخوف من ~~نقمه إن لم يوفوا، فاكتنف الأمر بالإيفاء أمر بذكر النعمة والإحسان، ~~وأمر بالخوف من العصيان. # ثم أعقب ذلك بالأمر بإيمان خاص وهو ما أنزل من القرآن، ورغب فى ذلك بأنه ~~مصدق لما معهم، فليس أمرا مخالفا لما فى أيديهم، لأن الانتقال إلى ~~الموافق أقرب من الانتقال إلى المخالف ثم نهاهم عن استبدال الخسيس ~~بالنفيس، ثم أمرهم - تعالى - باتقائه ثم أعقب ذلك بالنهى عن لبس الحق ~~بالباطل، وعن كتم الحق، فكان الأمر بالإيمان أمرا بترك الضلال، والنهى ~~عن لبس الحق بالباطل، وكتمان الحق تركا للإضلال. ولما كان الضلال ~~ناشئا عن أمرين إما تمويه الباطل حقا، إن كانت الدلائل قد بلغت ~~المستمع، وإما عن كتمان الدلائل إن كانت لم تبلغه، أشار إلى الأمرين بلا ~~تلبسوا وتكتموا، ثم قبح عليهم هذين الوصفين مع وجود العلم، ثم أمرهم بعد ~~تحصيل الإيمان، وإظهار الحق بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، لأن الصلاة ~~آكد العبادات البدنية، والزكاة آكد العبادات المالية ثم ختم ذلك بالأمر ~~بالانقياد والخضوع له - تعالى - مع جملة الخاضعين الطائعين. فكان افتتاح ~~هذه الآيات بذكر النعم واختتامها بالانقياد للمنعم، وما بينهما من تكاليف ~~اعتقادية، وأفعال بدنية ومالية، وبنحو ما تضمنته هذه الآيات من الافتتاح ~~والإرداف والاختتام يظهر فضل كلام الله - تعالى - على سائر الكلام، وهذه ~~الأوامر والنواهى، وإن كانت خاصة ببنى إسرائيل فى الصورة، إلا أنها عامة ~~فى المعنى، فيجب على كل مكلف فى كل زمان ومكان أن يعمل بها ". وبعد كل ~~هذه الأوامر والنواهى، وبخهم الله - تعالى - وقرعهم على ارتكابهم لأمور ~~لا تصدر ms0086 عن عاقل. وهى أنهم يأمرون الناس بالخير ولا يفعلونه، فقال تعالى ~~{ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم... }. ### || [2.44] # الأمر طلب إيجاد الفعل. والبر اسم يتناول كل عمل من أعمال الخير. ~~والنسيان ضد الذكر، وهو السهو الحادث بعد حصول العلم. والعقل يطلق على ~~قوة فى النفس، تستعد بها لقبول العلم. وإدراك الشىء. والمعنى كيف يليق ~~بكم يا معشر اليهود، وأنتم تأمرون الناس بأمهات الفضائل، وألوان الخيرات، ~~أن تنسوا أنفسكم، فلا تأتمروا بما تأمرون به غيركم، وأنتم مع ذلك تقرأون ~~توراتكم، وتدركون أى عقوبة أليمة لمن يأمر الناس بالخير وينسى نفسه، أفلا ~~عقل لكم يحبسكم عن هذا السفه الذى ترديتم فيه، ويحذركم من سوء عاقبته؟ ~~قال ابن عباس - رضى الله عنهما - كان يهود المدينة يقول الرجل منهم ~~لصهره، ولذى قرابته، ولمن بينه وبينه صلة من المسلمين أثبت على الذى أنت ~~عليه، وما يأمرك به هذا الرجل يريدون محمدا صلى الله عليه وسلم - فإن ~~أمره حق، فكانوا يأمرون بالناس بذلك ولا يفعلونه. والمراد بالنسيان فى ~~الآية الكريمة، تركهم العمل بما يأمرون به غيرهم، لأن الناسى حقيقة ليس ~~مؤاخذا على ما نسيه، فلا يستحق هذا التوبيخ الشديد الوارد فى الآية ~~الكريمة، وليس التوبيخ متوجها إلى كونهم كانوا يأمرون الناس بالبر، لأنه ~~فعل محمود، وإنما التوبيخ متوجه إلى كونهم تركوا العمل بما يرشدون إليه ~~سواهم، فهم يداوون الناس، وقلوبهم مليئة بالأمراض والعلل. وقوله تعالى { ~~وأنتم تتلون الكتاب } مزيد تقبيح لشأنهم، ذلك أن قراءتهم ~~لكتبهم أبطلت اعتذارهم بالجهل الذى قد يتشبث به بعض الفاسقين على أمر ~~الله عند ما ينكر الناس عليهم فسوقهم. وفى قوله تعالى { أفلا ~~تعقلون } أسمى أنواع الهداية والإرشاد السليم، فإن من ألطف ~~الأساليب فى الخطاب والتوجيه، أن يكون للموجه إليه النصح صفة من شأنها أن ~~تسوقه إلى خير، ولكنه ينساق إلى غيره من أنواع الشرور فيقع فعله من الناس ~~موقع الدهشة والغرابة، فيذكر له مسدى النصح تلك الصفة فى معرض الاستفهام ~~بغية تذكيره بأن ما صدر منه لا يلتقى مع ما عرف عنه. ms0087 وتطبيقا لهذا ~~المبدأ نقول إن المخاطبين بقوله تعالى { أفلا تعقلون } يعقلون ~~ويدركون الأشياء، وبهذا الإدراك توجه إليهم التكليف بالعقائد والشرائع، ~~ولكنهم لم يسيروا على مقتضى ما لديهم من عقول، حيث كانوا يأمرون الناس ~~بالخير، ويصرفون أنفسهم عنه، فكأنه - سبحانه - يقول لهم إن ما أتيتم من ~~أفعال سقيمة. يجعل الناظر إليكم يحكم عليكم بلا أدنى تردد بأنكم لا عقول ~~لكم، ولا فضيلة لديكم، وفى هذا الأسلوب ما فيه من الترغيب فى فعل الخير ~~والترهيب من فعل الشر. ولما كانت الأمور التى كلفهم الله بها قبل ذلك ~~فيها مشقة لا يتحملها كل أحد بسهولة. فقد أرشدهم إلى الوسائل التى تقوى ~~عزائمهم، وتطهر قلوبهم، وتعالج أمراض نفوسهم فقال تعالى { ~~واستعينوا بالصبر والصلاة... }. ### || [2.45-46] # قوله تعالى { واستعينوا بالصبر والصلاة } الاستعانة طلب ~~المعونة، والصبر حبس النفس على ما نكره. يقال صبر على الطاعة. أى حبس ~~نفسه عليها متحملا ما يلاقيه فى أدائها من مشاق وصبر عن المعصية. أى كف ~~نفسه عما تنزع إليه من أهواء. والمعنى واستعينوا على ترك ما تحبون من ~~شهوات الدنيا، والدخول فيما تستثقله نفوسكم من قبول الإسلام، والتقيد ~~بتكاليفه بفضيلة الصبر التى تحجز أنفسكم من غشيان الموبقات، وبفريضة ~~الصلاة التى تنهاكم عن الفحشاء والمنكر. قوله تعالى { وإنها ~~لكبيرة إلا على الخاشعين } كبيرة أى صعبة شاقة. يقال كبر ~~الشىء إذا شق وثقل، ومنه قوله تعالى # كبر على المشركين ما تدعوهم إليه # أى ثقل وصعب - والخاشعين من الخشوع وهو فى الأصل اللين والسهولة " ~~ومعناه فى الآية الكريمة. الخضوع والاستكانة لله تعالى، والضمير فى - ~~إنها - للصلاة لعظيم شأنها واستجماعها لضروب من الصبر، والاستثناء مفرغ. ~~أى كبيرة على كل الناس إلا على الخاشعين. والمعنى إن الصلاة صعبة إلا على ~~الخاضعين المخبتين المتطامنة قلوبهم وجوارحهم لله تعالى لأنهم موقنون ~~أنها من أهم وسائل الفلاح فى الدنيا، والسعادة فى الآخرة، ولأنهم يجدون ~~عند أدائها اغتباطا وسرورا يجعل نفوسهم تنشط إليها كلما حل وقتها بهمة ~~وإخلاص. قال الإمام الرازى " فإن قيل إن كانت ثقيلة على هؤلاء سهلة على ms0088 ~~الخاشعين، فيجب أن يكون ثوابهم أكثر، وثواب الخاشع أقل، وذلك منكر من ~~القول؟ قلنا ليس المراد أن الذى يلحقهم من التعب أكثر مما يلحق الخاشع. ~~وكيف يكون ذلك، والخاشع يستعمل فى الصلاة جوارحه وقلبه، ولا يغفل فيها ~~وإذا كان هذا فعل الخاشع فالثقل عليه يفعل الصلاة أعظم. وإنما المراد ~~بقوله تعالى { وإنها لكبيرة }. أى ثقيلة على غير الخاشع لأنه ~~لا يعتقد فى فعلها ثوابا، ولا فى تركها عقابا، فيصعب عليه فعلها، ~~فالحاصل أن الملحد لاعتقاده عدم المنفعة فى أدائها ثقل عليه فعلها، لأن ~~الاشتغال بما لا فائدة فيه يثقل على الطبع. أما الموحد فلما اعتقد فى ~~فعلها أعظم المنافع، وفى تركها أكبر المضار، لم يثقل عليه أداؤها. بل ~~أداها وهو سعيد بها، ألا ترى إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم # " جعلت قرة عينى فى الصلاة " # وصفها بذلك لأنها كانت لا تثقل عليه. ثم وصف - سبحانه - الخاشعين وصفا ~~يناسب المقام، ويظهر وجه الاستعانة، فقال - تعالى - { الذين ~~يظنون أنهم ملقوا ربهم وأنهم إليه ~~راجعون }. الظن يرد فى أكثر الكلام بعنى الاعتقاد الراجح، وهو ما ~~يتجاوز مرتبة الشك، وقد يقوى حتى يصل إلى مرتبة اليقين والقطع، وهو ~~المراد هنا ومثل ذلك قوله - تعالى - # ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم # أي ألا يعتقد أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم. وقوله تعالى # إني ظننت أني ملاق حسابيه # أى علمت أنى ملاق حسابيه. وملاقاة الخاشعين لربهم معناها الحشر إليه بعد ~~الموت، ومجازاتهم على ما قدموا من عمل. والمعنى إن الصلاة لثقيلة إلا على ~~الخاشعين، الذين يعتقدون لقاء الله - تعالى - يوم الحساب، وأنهم عائدون ~~إليه لينالوا ما يستحقونه من جزاء على حسب أعمالهم. قال ابن جرير - ~~مرجحا أن المراد بالظن هنا العلم واليقين - " إن قال لنا قائل وكيف أخبر ~~الله - تعالى - عمن قد وصفه بالخشوع له بالطاعة أنه يظن أنه ملاقيه، ~~والظن شك، والشاك فى لقاء الله كافر؟ قيل له إن العرب قد تسمى اليقين ~~ظنا والشك ظنا نظير تسميتهم الظلمة سدفة. والضياء سدفة، والمغيث ~~صارخا، ms0089 والمستغيث صارخا، وما أشبه ذلك من الأسماء التى يسمى بها الشىء ~~وضده، ومما يدل على أنه يسمى به اليقين، قول دريد بن الصمة فقلت لهم ظنوا ~~بألفى مدجج.... يعنى بذلك تيقتوا أن ألفى مدجج تأتيكم، ثم قال والشواهد ~~من أشعار العرب وكلامها على أن الظن فى معنى اليقين أكثر من أن تحصى، ~~وفيما ذكرنا لمن وفق فى فهمه كفاية، ومنه قوله تعالى # ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها # وعن مجاهد قال " كل ظن فى القرآن فهو علم ". والذين قالوا إن الظن هنا ~~على معناه الحقيقى، وهو الاعتقاد الراجح، فسروا " ملاقاة الخاشعين لربهم ~~" بمعنى قربهم من رضاه يوم القيامة " ورجوعهم إليه " بمعنى حلولهم بجواره ~~الطيب، واستقرارهم فى جناته، أى وإن الصلاة لكبيرة إلا على الخاشعين ~~الذين يتوقعون قربهم من ربهم، ودخولهم جناته عند رجوعهم إليه. وإلى هذا ~~التفسير ذهب صاحب الكشاف، فقال قال فإن قلت ما لها لم تثقل على الخاشعين ~~والخشوع فى نفسه مما يثقل؟ قلت لأنهم يتوقعون ما ادخر للصابرين على ~~متاعبها فتهون عليهم. ألا ترى إلى قوله تعالى { الذين يظنون ~~أنهم ملقوا ربهم } أى يتوقعون لقاء ثوابه، ونيل ما عنده ~~ويطمعون فيه. وإنما كان شعور الخاشعين بذلك كله ظنا لا يقينا، لأن ~~خواتيم الحياة لا يعلمها كيف تكون سوى علام الغيوب، ففى وصفهم بأنهم { ~~يظنون } إشارة إلى خوفهم، وعدم أمنهم مكر الله - تعالى - وهكذا يكون ~~المؤمن دائما بين الخوف والرجاء. ومن هذا العرض لمعنى الآية الكريمة ~~يتبين لنا، أن من فسر الظن هنا بمعنى اليقين والعلم، يرى أن لقاء ~~الخاشعين لله معناه الحشر بعد الموت، ورجوعهم إليه معناه مجازاتهم على ~~أعمالهم. والحشر والمجازاة يعتقد صحتهما الخاشعون اعتقادا جازما. أما ~~من فسر الظن هنا بمعنى الاعتقاد الراجح، فيرى أن لقاء الخاشعين لله معناه ~~توقعهم لقاء توابه، ورجوعهم إليه معناه ظفرهم بجناته، وتوقع الثواب ~~والظفر بالجنات يرجح الخاشعون حصولهما لأن مرجعهما إلى فضل الله وحده. # والذى نراه أن الرأى الأول أكثر اتساقا مع ظاهر معنى الآية الكريمة وبه ~~قال قدماء ms0090 المفسرين، كمجاهد وأبى العالية وغيرهما. وقد تضمنت هذه الآيات ~~الكريمة توبيخ أحبار اليهود على نصحهم لغيرهم وتركهم لأنفسهم وإرشادهم ~~إلى العلاج الذى يشفيهم من هذا الخلق الذميم، ومن غيره متى استعملوه بصدق ~~وإخلاص، وهذا العلاج يتمثل فى تذرعهم بالصبر. ومداومتهم على الصلاة، ~~وشكرهم لله - تعالى - على نعمه التى فصلت الآيات بعد ذلك الحديث عنها، ~~وها نحن نذكرها مرتبة كما ساقها القرآن الكريم. أولا نعمة تفضيلهم على ~~العالمين قال - تعالى - { يابني إسرائيل اذكروا نعمتي ~~التي أنعمت... } ### || [2.47] # أعاد القرآن الكريم نداءهم، تأكيدا لتذكيرهم بواجب الشكر، واهتماما ~~بمضمون الخطاب وما يشتمل عليه من أوامر ومنهيات، وتفصيلا لما أسبغه الله ~~عليهم من منن بعد أن أجملها فى النداء الأول، ليكون التذكير أتم والتأثير ~~أشد، والشكر عليها أرجى. وقد جرت سنة القرآن الكريم أن يكرر الجمل ~~المشتملة على أمور تستوجب المزيد من العناية كما فى حال ذكر النعم، لأن ~~تكرارها يغرى النفوس الكريمة بطاعة مرسلها، والسير على الطريق القويم. ~~وقوله تعالى { وأني فضلتكم على العالمين } عطف على ~~نعمتى، أى واذكروا تفضيلى إياكم على العالمين، وهذا التفضيل نعمة خاصة، ~~فعطفه على { نعمتي } من عطف الخاص على العام للعناية به، وهو - أى ~~التفضيل مبدأ تفصيل النعم وتعدادها، والمقصود منه الحض على الاتصاف بما ~~يناسب تلك النعم، ويستبقى ذلك الفضل. وقد ذكر الله - تعالى - بنى إسرائيل ~~المعاصرين للعهد النيوى بهذه النعم مع أنها كانت لآبائهم. كما يدل عليه ~~سياق الآيات لأن النعم على الآباء نعم على الأبناء لكونهم منهم، ولأن شرف ~~الأصول يسرى إلى الفروع، فكان التذكير بتلك النعم فيه شرف لهم، وحسن سمعة ~~تعود عليهم، وتغريهم بالإيمان والطاعة - لو كانوا يعقلون -. ومن مظاهر، ~~تفضيل الله لبنى إسرائيل على عالمى زمانهم، جمعه لهم من المحامد قبل بعثة ~~النبى صلى الله عليه وسلم. ما لم يجمع لغيرهم. فقد حياهم بكثير من النعم، ~~وبعث فيهم عددا كبيرا من الأنبياء، ونجاهم من عدوهم، ولم يعجل العقوبة ~~عليهم رغم عصيانهم واعتدائهم، واقترافهم شتى ألوان المنكرات عن تعمد ~~وإصرار، ولم ينزل بهم ms0091 قارعة تستأصلهم بذنوبهم كما استأصل غيرهم كقوم عاد ~~وثمود. ولكن بنى إسرائيل لم يقابلوا نعم الله بالشكر والعرفان. بل ~~قابلوها بالجحود والطغيان فسلبها الله عنهم، ومنحها لقوم آخرين لم يكونوا ~~أمثالهم. ولقد حكى القرآن ألوانا من النعم التى منحها الله لبنى إسرائيل ~~ولكنهم قابلوها بالبطر والكفران فأزالها الله عنهم. من ذلك قوله تعالى # سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن ~~يبدل نعمة الله من بعد ما جآءته فإن الله ~~شديد العقاب # أى سل - يا محمد - بنى إسرائيل المعاصرين لك. سؤال تقريع وتوبيخ. كم ~~آتاهم الله على أيدى أنبيائهم من النعم الجليلة، والمعجزات الباهرة، ~~ولكنهم بعد أن جاءتهم هذه الآيات، وتمكنوا منها وعقلوها قابلوها بالعناد ~~والاستهزاء، وجعلوها من أسباب ضلالهم مع أنها مسوقة لهدايتهم وسعادتهم، ~~فكانت نتيجة ذلك أن ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة فى الدنيا، وتوعدهم ~~بشديد العقاب فى الآخرة. ومن الآيات التى صرحت بأن الله - تعالى - أعطى ~~بنى إسرائيل نعما وفيرة، ولكنهم لم يحمدوه عليها. قوله تعالى # ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين * ~~ولقد اخترناهم على علم على العالمين * ~~وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين # أى ولقد نجينا بفضلنا وكرمنا بنى إسرائيل من العذاب المهين الذى كان ~~ينزله بهم فرعون وجنده، بأن أغرقناه ومن معه أمام أعينهم لأنه كان ظلوما ~~غشوما، وفضلا عن ذلك فقد اصطفينا بنى إسرائيل - على علم منا بما يكون ~~منهم - على عالمى زمانهم وآتيناهم من النعم والمعجزات. ما فيه اختبار ~~لقلوبهم، وامتحان لنفوسهم. فكانت نتيجة هذا الاختبار والامتحان أن كفروا ~~بنعم الله، وكذبوا برسله وقتلوهم. فتوعدهم الله فى الدنيا بأن يسلط عليهم ~~من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة. أما فى الآخرة فمأواهم جهنم وبئس ~~المهاد. - وأيضا - من الآيات التى ساقت أنواعا من نعم الله على بنى ~~إسرائيل ولكنهم لم يشكروه عليها قوله تعالى # ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم ~~والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم ~~على العالمين وآتيناهم بينات من الأمر فما ~~اختلفوا إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا ~~بينهم ms0092 إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما ~~كانوا فيه يختلفون # والمعنى ولقد آتينا بنى إسرائيل التوراة لتكون هداية لهم ومنحناهم ~~الحكمة والفقه فى الدين، وجعلنا النبوة فى عدد كبير منهم، ورزقناهم من ~~طيبات الأغذية والأشربة، وفضلناهم على من عاصرهم من الأمم قيل بعثة النبى ~~صلى الله عليه وسلم وفضلا عن ذلك فقد سقنا لهم على أيدى أنبيائهم الكثير ~~من المعجزات والدلائل التى تقوى إيمانهم، وتهديهم إلى الطريق المستقيم ~~ولكنهم لم ينتفعوا بهذه النعم. بل جعلوا علمهم بالدين الحق سببا للخلاف ~~والشقاق، والسير فى طريق الضلال، وسيعاقبهم الله بما يستحقونه جزاء ~~جحودهم وعنادهم. والعبرة التى نستخلصها من هذه الآيات وأمثالها. أن الله ~~- تعالى - فضل بنى إسرائيل على غيرهم من الأمم السابقة على الأمة ~~الإسلامية. ومنحهم الكثير من النعم، ولكنهم لم يقابلوا ذلك بالشكر. بل ~~قابلوه بالتمرد والحسد والبطر. فسلب الله عنهم ما حباهم من نعم، ووصفهم ~~فى كتابه بأقبح الصفات وأسوأ الطباع. كقسوة القلب، ونقض العهد، والتهالك ~~على شهوات الدنيا، والتعدى على الغير. والتحايل على استحلال محارم الله، ~~ونبذهم للحق واتباعهم الباطل... إلى غير ذلك من الصفات التى توارد ذكرها ~~فى القرآن الكريم. وهذا مصير كل أمة بدلت نعمة الله كفرا لأن الميزان ~~عند الله للتقوى والعمل للصالح، وليس للجنس أو اللون أو النسب. قال ~~الإمام الرازى ما ملخصه فإن قيل إن تفضيلهم على العالمين يقتضي تفضيلهم ~~على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا باطل. فكيف الجواب؟ قلنا الجواب ~~من وجوه أقربها إلى الصواب أن المراد فضلتكم على عالمى زمانكم وذلك لأن ~~الشخص الذى سيوجد بعد ذلك وهو الآن ليس بموجود لم يكن من جملة العالمين ~~حال عدمه، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم ما كانت موجودة فى ذلك الوقت، ~~فلا يلزم من كون بنى إسرائيل أفضل العالمين فى ذلك الوقت. # أنهم أفضل من الأمة المحمدية. وهذا هو الجواب أيضا عن قوله - تعالى - # إذ جعل فيكم أنبيآء وجعلكم ملوكا وآتاكم ~~ما لم يؤت أحدا من العالمين # وعن قوله تعالى # ولقد ms0093 اخترناهم على علم على العالمين # وبهذا يتعين بطلان دعوى اليهود أنهم شعب الله المختار. استنادا إلى هذه ~~الآية الكريمة وأمثالها، لأنها دعوى لا تؤيدها النصوص، ولا يشهد لها ~~العقل السليم. ثم قال تعالى { واتقوا يوما لا تجزي نفس ~~عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة... } ### || [2.48] # بعد أن ذكرهم - سبحانه - فى الآية السابعة بنعمة عظمى من نعمه حذرهم فى ~~هذه الآية الكريمة من التقصير فى العمل الصالح، وذلك لأن وصفهم بالتفضيل ~~على عالمى زمانهم قد يحملهم على الغرور، ويجعلهم يتوهمون أنهم مغفور لهم ~~لو أذنبوا. فجاءت هذه الآية الكريمة لتقتلع من أذهانهم تلك الأوهام بأحكم ~~عبارة وأجمع بيان. والمراد باتقاء اليوم، وهو يوم القيامة، الحذر مما ~~يحدث فيه من أهوال وعذاب، والحذر منه يكون بالتزام حدود الله - تعالى - ~~وعدم تعديها، فهو من إطلاق الزمان على ما يقع فيه كما تقول " مكان مخيف " ~~وتنكير النفس فى الموضعين وهو فى حيز النفى يفيد عموم النفس. أى لا تقضى ~~فيه نفس كائنة من كانت عن نفس أخرى شيئا من الحقوق. ووصف اليوم بهذا ~~الوصف، ولم يقل " يوم القيامة " مثلا، للإشعار بأن التصرف فى ذلك اليوم ~~لله وحده. فليس فيه ما اعتاد الناس فى هذه الدنيا من دفاع بعضهم عن بعض. ~~والمعنى احذروا - يا بنى إسرائيل - يوما عظيما أمامكم، سيحصل فيه من ~~الحساب والجزاء مالا منجاة من هوله إلا بتقوى الله فى جميع الأحوال ~~والإخلاص له فى كل الأعمال، فهو يوم لا تقضى فيه نفس مهما كان قدرها ~~عظيما عن نفس شيئا ما، مهما يكن ذنبا صغيرا. ثم وصف القرآن الكريم ذلك ~~اليوم بوصف آخر يناسب المقام. فقال تعالى { ولا يقبل منها ~~شفاعة } الضمير فى منها يعود إلى النفس المحاسبة فى ذلك اليوم. ~~والشفاعة من الشفع ضد الوتر، وهى انضمام الغير إلى الشخص ليدفع عنه، أى ~~لا يقبل منها أن تأتى يشفيع ليحصل لها نفعا، أو يدفع عنها ضررا. والآية ~~الكريمة قد نفت قبول الشفاعة من أحد نفيا مطلقا، ولكن هنالك آيات كريمة ~~تنفى ms0094 قبول الشفاعة إلا ممن أذن له الرحمن فى ذلك، من هذه الآيات قوله ~~تعالى # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه # وقوله تعالى # يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له ~~الرحمن ورضي له قولا # وللجمع بين هذه الآيات، تحمل الآيات التى تنفى الشفاعة نفيا مطلقا على ~~أنها واردة فى شأن النفوس الكافرة، وتحمل الآيات التى تبيح الشفاعة على ~~أنها واردة فى شأن المؤمنين إذا أذن الله فيها للشافعين، وقد وردت أحاديث ~~صحيحة بلغت مبلغ التواتر المعنوى فى أن النبى صلى الله عليه وسلم ستكون ~~له شفاعة فى دفع العذاب عن أقوام المؤمنين، وتخفيفه عن أهل الكبائر من ~~المسلمين، من ذلك ما أخرجه البخارى عن جابر بن عبد الله - رضى الله عنهما ~~- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " أعطيت خمسا لم يعطهن نبى قبلى نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لى الأرض ~~مسجدا وطهورا وجعلت أمتى خير الأمم، وأعطيت الشفاعة، وكان النبى يبعث ~~إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ". # قال الإمام ابن جرير وهذه الآية وإن كان مخرجها عاما فى التلاوة فإن ~~المراد بها خاص فى التأويل، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. أنه قال شفاعتى لأهل الكبائر من أمتى، وأنه قال ليس من نبى إلا وقد ~~أعطى دعوة، وإنى خبأت دعوتى شفاعة لأمتى، وهى نائلة إن شاء الله منهم من ~~لا يشرك بالله شيئا. فقد تبين بذلك أن الله جل ثناؤه قد يصفح لعباده ~~المؤمنين بشفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لهم عن كثير من عقوبة ~~إجرامهم بينه وبينهم، وأن قوله { ولا يقبل منها شفاعة } ~~إنما هى لمن مات على كفره غير تائب إلى الله - عز وجل - " ه. ثم وصف ~~اليوم بوصف ثالث فقال تعالى { ولا يؤخذ منها عدل }. العدل ~~العوض والفداء. سمى بالمصدر لأن الفادى يعدل المفدى بمثله فى القيمة أو ~~العين. ويسويه به. يقال عدل كذا بكذا أى سواه به. والمعنى لا يؤخذ منها ~~فداء أو بدل فى ذلك اليوم إن ms0095 هى استطاعت إحضاره على سبيل الفرض والتقدير. ~~ثم وصفه بوصف رابع فقال تعالى { ولا هم ينصرون } والنصر هو ~~الإعانة فى الحرب وغيره بقوة الناصر، وقدم المسند إليه لزيادة التأكيد ~~المفيد أن انتفاء نصرهم محقق. فضلا عما استفيد من نفى الفعل وإسناده ~~للمجهول وجاء الضمير فى قوله تعالى { ولا هم ينصرون } جمعا مع ~~أنه عائد على النفس وهو قوله تعالى { لا تجزي نفس } لأن النكرة ~~إذا وقعت فى سياق النفى تناولت كل فرد من أفرادها، وبهذا صارت فى معنى ~~الجمع، وصح أن يعود عليها ضمير الجمع وهو هم. والمعنى. أنهم لا يجدون من ~~يعينهم ويمنعهم من عذاب الله يوم القيامة. ولما كان اليهود يعتقدون أنهم ~~شعب مميز، وأن نسبتهم إلى الأنبياء ستجعلهم فى مأمن من العقاب رغم ~~عصيانهم وفسوقهم، وأن آباءهم سيشفعون لهم... لما كانوا كذلك جاءت هذه ~~الآية الكريمة لتبطل ما اعتقدوه، وتقطع ما أملوه، ولتنقض كل ما يحتمل ~~أن يكون وسيلة للنجاة يوم القيامة سوى الإيمان والعمل الصالح. فقد نفت ~~الآية الكريمة وجود من ينوب عنهم بقولها { لا تجزي نفس عن ~~نفس شيئا }. ونفت انتفاعهم بشفاعة الشافعين يوم الحساب بقولها { ~~ولا يقبل منها شفاعة }. ونفت قبول البدل أو الفداء عما ~~ارتكبوه من خطايا بقولها { ولا يؤخذ منها عدل }. ونفت وجود ~~من ينتصر لهم أو يدافع عنهم بقولها { ولا هم ينصرون }. وهكذا ~~سدت عليهم الآية الكريمة كل منفذ يتوهمون نجاتهم من عذاب الله بسببه، ما ~~داموا مصرين على كفرهم وجحودهم. # هذا، وقد اشتملت هاتان الآيتان على أسلوب حكيم فى التوجيه، وطريقة فريدة ~~فى الإرشاد، جمعت بين الترغيب والترهيب، فإن الآية الأولى ابتدأت ~~بندائهم باسم أبيهم إسرائيل - عليه السلام - الذى هو أصل عزهم، ومنشأ ~~تفضيلهم لتحيى الشعور بالكرامة فى نفوسهم، ولتغرس الإحساس بالشرف فى ~~مشاعرهم، ولتحملهم على الترفع عن الدنايا لأن الذى يشعر أنه من منبت كريم ~~تعاف نفسه الحقد والكذب والصغار، ثم جاءت الآية الثانية فأرشدتهم إلى أن ~~التقوى هى سبب السلامة والفوز، وحذرنهم من أهوال يوم القيامة وأفهمتهم ~~بأن ms0096 انتسابهم إلى أولئك الآباء لن يغنى من الله شيئا يوم الجزاء، وإنما ~~الذى ينفعهم فى ذلك اليوم هو اتباع تعاليم الإسلام، التى أتى بها النبى ~~- عليه الصلاة والسلام - وفى ذلك ما فيه من كبح غرورهم، وإبطال ظنونهم. ~~ثانيا نعمة إنجائهم من عدوهم ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة جليله الشأن، هى ~~نعمة إنجائهم من عدوهم فقال تعالى { وإذ نجيناكم من آل ~~فرعون يسومونكم سوء العذاب... } ### || [2.49] # الآية الكريمة معطوفة على قوله تعالى # اذكروا نعمتي # فى الآية السابقة، من باب عطف المفصل على المجمل أى اذكروا نعمتى، ~~واذكروا إذ نجيناكم من آل فرعون. وإذ بمعنى وقت، وهى مفعول به لفعل ملاحظ ~~فى الكلام وهو اذكروا أى اذكروا وقت أن نجيناكم، والمراد من التذكير ~~بالوقت تذكيرهم بما وقع فيه من أحداث. وآل الرجل أهله وخاصته وأتباعه، ~~ويطلق غالبا على أولى الخطر والشأن من الناس، فلا يقال آل الحجام أو ~~الإسكاف. وفرعون اسم لملك مصر كما يقال لملك الروم قيصر، ولملك اليمن ~~تبع ويسومونكم من سامه خسفا إذا أذله واحتقره وكلفه مالا يطيق. والابتلاء ~~الامتحان والاختبار، ويكون فى الخير والشر، قال - تعالى - # ونبلوكم بالشر والخير فتنة # والمعنى اذكروا يا بنى إسرائيل وقت أن نجيناكم من آل فرعون الذين كانوا ~~يعذبونكم أشق العذاب وأصعبه، ويبغونكم ما فيه إذلال لكم واستئصال ~~لأعقابكم، وامتهان لكرامتكم، حيث كانوا يزهقون أرواح ذكوركم، ويستبقون ~~نفوس نسائكم، وفى ذلكم العذاب، وفى النجاة منه امتحان لكم بالسراء ~~لتشكروا، ولتقلعوا عن السيئات التى تؤدى بكم إلى الإذلال فى الدنيا، ~~والعذاب فى الأخرى. قال الإمام الرازى - رحمه الله - ما ملخصه واعلم أن ~~الفائدة فى ذكر هذه النعمة - أى نعمة إنجائهم من عدوهم - يتأتى من وجوه ~~أهمها 1- أن هذه الأشياء التى ذكرها الله - تعالى - لما كانت من أعظم ما ~~يمتحن به الناس من جهة الملوك والظلمة، صار تخليص الله - عز وجل - لهم من ~~هذه المحن من أعظم النعم، وذلك لأنهم عاينوا هلاك من حاول إهلاكهم، ~~وشاهدوا ذل من بالغ فى إذلالهم، ولا شك فى أن ذلك ms0097 من أعظم النعم، وعظم ~~النعمة يوجب المبالغة فى الطاعة والبعد عن المعصية، لذا ذكر الله هذه ~~النعمة العظيمة ليلزمهم الحجة، وليقطع عذرهم. 2- أنهم لما عرفوا أنهم ~~كانوا فى نهاية الذل. وكان عدوهم فى نهاية العز، إلا أنهم كانوا محقين، ~~وكان خصمهم مبطلا، لا جرم زال ذل المحقين، وبطل عز المبطلين، فكأنه تعالى ~~يقول لهم لا تغتروا بكثرة أموالكم ولا بقوة مركزكم، ولا تستهينوا ~~بالمسلمين لقلة ذات يدهم، فإن الحق إلى جانبهم. ومن كان الحق إلى جانبه، ~~فإن العاقبة لابد أن تكون له اه. وخوطب بهذه النعمة اليهود الذين كانوا ~~فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم ومع أن هذا الاتجاء كان لأسلافهم، لأن ~~فى نجاة أسلافهم نجاة لهم، فإنه لو استمر عذاب فرعون للآباء لأفناهم، ~~ولما بقى هؤلاء الأبناء، فلذلك كانت منه التنجية تحمل فى طياتها منتين، ~~منه على السلف لتخليصهم مما كانوا فيه من عذاب ومنة على الخلف لتمتعهم ~~بالحياة بسببها، فكان من الواجب عليهم جميعا أن يقدروا هذه النعمة ~~قدرها، وأن يخلصوا العبادة لخالقهم الذي أنجاهم من عدوهم. # ولأن الإنعام على أمة يعتبر إنعاما شاملا لأفرادها سواء منهم من ~~أصابه ذلك الإنعام ومن لم يصبه. ولأن الآثار التى تترتب عليه كثيرا ما ~~يرثها الخلف عن السلف، ولأن فى إخبارهم بذلك تصديقا للنبى - عليه الصلاة ~~والسلام - فيما يبلغه عن ربه، فقد أخبرهم بتاريخ من مضى منهم بصدق ~~وأمانة، وفى ذلك دليل على أنه صادق فى نبوته ورسالته. وجعلت النجاة هنا ~~من آل فرعون ولم تجعل منه، مع أنه الآمر بتعذيب بنى إسرائيل، للتنبيه على ~~أن حاشيته وبطانته كانت عونا له فى إذاقتهم سوء العذاب، وإنزال الإذلال ~~والأعناب بهم. وجعلت الآية الكريمة استحياء النساء عقوبة لليهود - وهو فى ~~ظاهرة خير - لأن هذا الإبقاء عليهن، كان المقصود منه الاعتداء على ~~أعراضهن واستعمالهن فى الخدمة بالاسترقاق. فبقاؤهن كذلك بقاء ذليل وعذاب ~~أليم، تأباه النفوس الكريمة، والطباع الطيبة. قال الإمام الرازى ما ~~ملخصه فى ذبح الذكور دون الإناث مضرة من وجوه أحدها أن ms0098 ذبح الأبناء ~~يقتضى فناء الرجال، وذلك يقتضى انقطاع النسل، لأن النساء إذا انفردن فلا ~~تأثير لهن البتة فى ذلك، وهذا يقضى فى نهاية الأمر إلى هلاك الرجال ~~والنساء جميعا. ثانيهما أن هلاك الرجال يقتضى فساد مصالح النساء فى أمر ~~المعيشة، فإن المرأة لتتمنى الموت إذا انقطع عنها تعهد الرجال. لما قد ~~تقع فيه من نكد العيش بالانفراد. فصارت هذه الخطة عظيمة فى المحن، ~~والنجاة منها تكون فى العظم بحسبها. ثالثها أن قتل الولد عقب الحمل ~~الطويل، وتحمل التعب، والرجاء القوى فى الانتفاع به، من أعظم العذاب، ~~فنعمة الله فى تخليصهم من هذه المحنة كبيرة. رابعها أن بقاء النساء بدون ~~الذكران من أقاربهم، يؤدى إلى صيرورتهن مستفرشات الأعداء وذلك نهاية الذل ~~والهوان. وقد رجح كثير من المفسرين أن المراد بالأبناء فى قوله تعالى { ~~يذبحون أبنآءكم } الأطفال دون البالغين، لأن اللفظ من حيث ~~وضعه يفيد ذلك، ولأن قتل جميع الرجال لا يفيدهم حيث أنهم كانوا ~~يستعملونهم فى الأعمال الشافة والحقيرة، ولأنه لو كان المقصود بالذبح ~~الرجال، لما قامت أم موسى بإلقائه فى اليم وهو طفل صغير لتنجيه من الذبح. ~~ويرى بعض المفسرين أن المراد بالأبناء الرجال لا الأطفال، لأن لفظ ~~الأبناء هنا جعل فى مقابلة النساء، والنساء هن البالغات. والذى نرجحه هو ~~القول الأول لما ذكرنا، ولأنه أتم فى إظهار نعمة الإنجاء، حيث كان أهل ~~فرعون يقتلون الصغار قطعا للنسل، ويسترقون الأمهات استعبادا لهن، ويبقون ~~الرجال للخدمة حتى ينقرضوا على سبيل التدرج، وبقاء الرجال على هذه الحالة ~~أشد عليهم من الموت. وقد جاءت جملة { يذبحون أبنآءكم } فى ~~هذه الآية الكريمة بدون عطف وجاءت فى سورة إبراهيم معطوفة بالواو. # لأنها هنا بيان وتفسير لجملة { يسومونكم سوء العذاب } ~~فيكون المراد من سوء العذاب هنا تذبيح الأبناء واستحياء النساء. وأما فى ~~سورة إبراهيم. فقد جاء سياق الآيات لتعداد المحن التى حلت ببنى إسرائيل، ~~فكان المراد بجملة { يسومونكم سوء العذاب } نوعا منه، ~~والمراد بجملة { يذبحون أبنآءكم } نوعا آخر من العذاب، لذا ~~وجب العطف، لأن الجملة الثانية ms0099 ليست مفسرة للأولى وإنما هى تمثل نوعا ~~آخر من المحن التى حلت بهم. هذا، وقد تكرر تذكير بنى إسرائيل بنعمة ~~إنجائهم من عدوهم فى مواضع متعددة من القرآن الكريم، وذلك لجلال شأنها، ~~ولحملهم على الطاعة والشكر. 1- من ذلك قوله تعالى فى سورة الأعراف # وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء ~~العذاب يقتلون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم ~~وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم # 2 - وقوله تعالى فى سورة طه # يبني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم ~~وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم ~~المن والسلوى * كلوا من طيبات ما رزقناكم ~~ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل ~~عليه غضبي فقد هوى * وإني لغفار لمن تاب ~~وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى # فهذه الآيات الكريمة وغيرها مما هى فى معناها فيها تذكير لبنى إسرائيل ~~بنعمة من أجل نعم الله عليهم، حيث أنجاهم - سبحانه - ممن أراد لهم السوء، ~~وعمل على قتلهم وإبادتهم واستئصال شأفتهم، وفى ذلك ما يدعوهم إلى ~~الاجتهاد فى شكر الله - عز وجل - لو كانوا ممن يحسنون شكر النعم. ثالثا ~~نعمة فرق البحر بهم. ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بنعمة ثالثة عظيمة حصل ~~بها تمام الانجاء وتجلى فيها إكرام الله لهم، وهى نعمة فرق البحر بهم ~~فقال تعالى { وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم... } ### || [2.50] # المعنى واذكروا يا بنى إسرائيل من جملة نعمنا عليكم، نعمة فرق البحر ~~بكم، وانفصاله بعد اتصاله، حين ضربه موسى بعصاه، فأصبحت فيه طريق يابسة ~~فولجتموها، وسرتم فيها هربا من فرعون وجنده؟ بذلك تمت لكم النجاة، وحصل ~~الغرق لأعدائكم، وقت أن عبروا وراءكم وقد شاهدتموهم والبحر يلفهم ~~بأمواجه، مشاهدة لا لبس فيها ولا غموض. ولقد كان فيما رأيتم ما يدعو إلى ~~الاتعاظ، ويحمل على الشكر الجزيل لله العزيز الرحيم. فالآية الكريمة تشير ~~إلى قصة نجاة بنى إسرائيل وغرق فرعون وقومه، وملخصها أن الله - عز وجل ~~أوحى إلى نبيه - موسى - عليه السلام - أن يرحل ببنى إسرائيل ليلا من أرض ~~مصر التى طال عذابهم فيها إلى أرض فلسطين، ونفذ موسى - عليه السلام - ما ms0100 ~~أمره به الله - تعالى - وعلم فرعون أن موسى وقومه قد خرجوا إلى أرض ~~الشام، فتبعهم بجيش كبير، وأدركهم مع طلوع الشمس قرب ساحل البحر الأحمر، ~~وأيقن بنو إسرائيل عندما رأوه أنه مهلكهم لا محالة. ولجأوا إلى موسى - ~~عليه السلام - يشكون إليه خوفهم وفزعهم، ولكنه رد عليهم بقوله # إن معي ربي سيهدين # وأوحى الله إليه # أن اضرب بعصاك البحر # فضربه # فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم # وأمر موسى - عليه السلام - بنى إسرائيل أن يعبروا فعبروا بين فرقى الماء ~~دون أن يمسهم أذى. واقتفى فرعون وجنوده أثرهم طمعا فى إدراكهم وعندما عبر ~~بنو إسرائيل البحر ولم يبق منهم أحد بين المياه المنحسرة، كان فرعون ~~وجنده مازالوا بين فرقى البحر، فاطبق عليهم وعاد كما كان أولا، فغرقوا ~~جميعا، وبنو إسرائيل ينظرون إليهم فى دهشة وسرور. وأسند - سبحانه - فرق ~~البحر إلى ذاته الكريمة. ليدل على أن القوم عبروه وقطعوه وهم بعنايته، ~~وقوله تعالى { فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون } بيان ~~للمنة العظمى التى امتن بها عليهم، والتى ترتبت على فرق البحر، لأن فرق ~~البحر لهم ترتب عليه أمران. أولهما نجاتهم. وثانيهما إهلاك عدوهم وكلاهما ~~نعمة عظيمة. والإيمان الصحيح يقضى بأن تفهم واقعة انفصال البحر لموسى ~~وقومه على أنها معجزة كونية له، وقد زعم البعض أنها كانت حادثة طبيعية ~~منشؤها المد والجزر، وهو زعم لا سند له ولا دليل عليه. واقتصرت الآية هنا ~~على ذكر إغراق آل فرعون أى جنده وأنصاره، وصرحت آيات أخرى بغرقه مع آله، ~~من ذلك قوله تعالى # فأغرقناه ومن معه جميعا # وقوله تعالى # فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم # ومن تمام النعمة أن الله - تعالى - أهلك مع فرعون كل مناصر له وقوله ~~تعالى { وأنتم تنظرون } أى أغرقنا آل فرعون وأنتم تشاهدونهم ~~بأعينكم، فكان ذلك أدعى لليقين بهلاك عدوكم، وأبلغ فى الشماتة به، وأرجى ~~لشكر النعمة - ولا شك أن مشاهدة المنعم عليه للنعمة فيها لذة كبرى، ~~ورؤيته لهلاك عدوه فيها عبرة عظمى، ومعاينته لا نفراق البحر فيها تقوية ~~لإيمانه، وتثبيت ليقينه، إذا كانوا ms0101 ممن يحسنون الانتفاع بما يشاهدون. # قال الإمام الرازى ما ملخصه اعلم أن هذه الواقعة - أى واقعة فلق البحر ~~- تضمنت نعما كثيرة على بنى إسرائيل فى الدين والدنيا، أما نعم الدنيا ~~فمن وجوه أولها أنهم لما اقتربوا من البحر أصبحوا فى موقف حرج، لأن فرعون ~~وجنوده من ورائهم والبحر من أمامهم، فإن هم توقفوا أدركهم عدوهم وأهلكهم، ~~وإن هم تقدموا أغرقوا. فحصل لهم خوف عظيم، جاءهم بعده الفرج بانفلاق ~~البحر وهلاك عدوهم. ثانيها أن الله - تعالى - خصهم بهذه النعمة العظيمة ~~والمعجزة الباهرة تكريما ورعاية لهم. ثالثها أنهم بإغراق فرعون وآله ~~تخلصوا من العذاب، وتم لهم الأمن والاطمئنان، وذلك نعمة عظمى، لأنهم لو ~~نجوا دون هلاك فرعون لبقى خوفهم على حاله، فقد يعود لتعذيبهم مستقبلا، ~~لأنهم لا يأمنون شره، فلما تم الغرق تم الأمان والاطمئنان لبنى إسرائيل. ~~أما نعم الدين فمن وجوه أولها أن قوم موسى لما شاهدوا تلك المعجزة ~~الباهرة. زالت عن قلوبهم الشكوك والشبهات، لأن دلالة مثل هذا المعجز على ~~وجود الصانع الحكيم وعلى صدق موسى، تقترب من العلم الضرورى. ثانيها أنهم ~~لما شاهدوا ذلك صار داعيا لهم على الثبات والانقياد لأوامر نبيهم. ~~ثالثها أنهم عرفوا أن الأمور كلها بيد الله، فإنه لا عز فى الدنيا أكمل ~~مما كان لفرعون، ولا ذل أشد مما كان لبنى إسرائيل، ثم إن الله - تعالى - ~~فى لحظة واحدة جعل العزيز ذليلا، والذليل عزيزا، والقوى ضعيفا، والضعيف ~~قويا، وذلك يوجب انقطاع القلب عن علائق الدنيا، والإقبال كلية على ~~اتباع أوامر الخالق - عز وجل -. هذا، ونعمة فرق البحر لبنى إسرائيل، ~~وإنجائهم من عدوهم قد تكرر ذكرها فى القرآن، من ذلك قوله تعالى فى سورة ~~الشعراء # فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا ~~لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين ~~فأوحينآ إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ~~فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وأزلفنا ~~ثم الآخرين وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم ~~أغرقنا الآخرين # وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ذكرت بنى إسرائيل بنعمة من أجل النعم - ~~وهى ms0102 نعمة فرق البحر بهم - لكى يشكروا خالقهم عليها، ويتبعوا نبيه محمدا ~~صلى الله عليه وسلم ولكنهم ما قاموا بواجب الشكر لخالقهم، فحقت عليهم ~~اللعنة فى الدنيا والعقوبة فى الآخرة، جزاء جحودهم وطغيانهم وما ربك ~~بظلام للعبيد. رابعا نعمة عفوه - سبحانه - عنهم بعد عبادتهم للعجل ثم ~~ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بنعمة رابعة وهى عفوه عنهم رغم جحودهم وكفرهم ~~وعبادتهم لغيره، فقال تعالى { وإذ واعدنا موسى أربعين ~~ليلة...لعلكم تشكرون }. ### || [2.51-52] # المواعدة مفاعلة من الجانبين، وهى هنا على غير بابها، لأن المراد بها ~~هنا أمر الله - تعالى - لموسى أن ينقطع لمناجاته أربعين ليلة تمهيدا ~~لإعطائه التوراة، ويؤيد ذلك قراءة أبى عمرو وأبى جعفر وعدنا. وقيل ~~المفاعلة على بابها، على معنى أن الله - تعالى - وعد نبيه موسى - عليه ~~السلام - أن يعطيه التوراة وأمره بالحضور للمناجاة، فوعد موسى ربه ~~بالطاعة والامتثال فكان الوعد حاصلا من الطرفين. وملخص هذه القصة أن قوم ~~موسى بعد أن نجاهم الله، وأغرق عدوهم أمام أعينهم، طلبوا من نبيهم موسى ~~أن يأتيهم بكتاب من عند الله ليعملوا بأحكامه، فوعده - سبحانه - أن يعطيه ~~التوراة بعد أربعين ليلة ينقطع فيها لمناجاته، وبعد انقضاء تلك الفترة ~~وذهاب موسى لتلقى التوراة من ربه اتخذ بنو إسرائيل عجلا جسدا له خوار ~~فعبدوه من دون الله، وأعلم الله موسى بما كان من قومه بعد فراقه، فرجع ~~إليهم غاضبا حزينا، وأعلمهم بأن توبتهم لن تكون مقبولة إلا بقتل ~~أنفسهم، فلما فعلوا ذلك عفا الله عنهم لكى يشكروه، ويلتزموا الصراط ~~المستقيم. ومعنى الآيتين الكريمتين واذكروا يا بنى إسرائيل وقت أن وعدنا ~~موسى أن نؤتيه التوراة بعد انقضاء أربعين ليلة من هذا الوعد، فلما حل ~~الوعد وجاء موسى لميقاتنا عبدتم العجل فى غيبته، ولا شك أنكم ظلمتم ~~أنفسكم بعبادة غير الله، ويوضعكم الأمور فى غير مواضعها، ومع هذا فلم ~~نعاجلكم بالعقوبة، بل قبلنا توبتكم، وعفونا عنكم، لتكونوا من الشاكرين ~~لله تعالى. وهذا التذكير يحمل فى طياته التعجيب من حالهم، لأنهم قابلوا ~~نعم الله بأقبح أنواع الكفر والجهالة، حيث عبدوا فى ms0103 غيبة نبيهم ما هو ~~مثال فى الغباوة والبلادة وهو العجل. وفى اختيار حرف العطف ثم المفيد ~~للتراخى الرتبى فى جملة { اتخذتم العجل } إشعار بأنهم انحدروا ~~إلى دركات سحيفة من الجحود والجهل، وأن ما ارتكبوه هو من عظائم الأمور فى ~~القبح والمعصية وحذف المفعول الثانى لاتخذتم وهو " إلها أو معبودا ~~لشناعة ذكره ولعلمهم بأنهم اتخذوه إلها ". وقوله تعالى { من بعده } ~~معناه من بعد مضيه لميقات ربه إلى الطور وغيابه عنهم. وفى ذلك زيادة ~~تشنيع عليهم، حيث وصفهم - سبحانه - بعدم الوفاء، لأنهم كان من الواجب ~~عليهم - لو كانوا يعقلون - أن يستمروا على توحيد الله فى غيبة نبيهم لا ~~سيما وقد رأوا من المعجزات والنعم، ما يطمئن النفوس، ويقوى الإيمان ~~ويغرس فى القلوب الطاعة لله تعالى. وجملة { وأنتم ظالمون } ~~حالية مقيدة لاتخذتم، ليكون اتخاذهم العجل معبودا، مقرونا بالتعدى ~~والظلم من بدئه إلى نهايته، وللإشعار بانقطاع عذرهم فيما فعلوا. وقوله ~~تعالى { ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم ~~تشكرون } معناه ثم تركنا معاجلتكم بالعقوبة، ومحونا ذنوبكم، لتوبتكم ~~من بعد اتخاذكم العجل معبودا من دون الله، رجاء أن تشكروا خالقكم على ~~عفوه عنكم وتستعملوا نعمه فيما خلقت له وتتبعوا رسوله صلى الله عليه ~~وسلم. # وقد تضمنت هاتان الآيتان الكريمتان، ما يدل على غباء بنى إسرائيل وقصر ~~نظرهم. لأنهم اتخذوا العجل إلها بعد أن شاهدوا البراهين على صدق نبيهم، ~~كما تضمنتا تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما كان يشاهده من اليهود ~~المعاصرين للدعوة الإسلامية، فكأنه سبحانه يقول إن ما قام به بنو ~~إسرائيل المعاصرون لك من أذى وحقد قد فعل ما يشبهه آباؤهم الأقدمون مع ~~نبيهم موسى - عليه السلام - فلقد اتخذوا فى غيبته عجلا جسدا له خوار ~~دون أن يفطنوا إلى أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا، اتخذوه وكانوا ~~ظالمين. خامسا نعمة إيتاء موسى التوراة لهدايتهم. ثم ذكرهم - سبحانه - ~~بنعمة خامسة فيها صلاح أمورهم، وانتظام شئونهم ألا وهى إعطاء نبيهم موسى ~~- عليه السلام - التوارة، فقال تعالى { وإذ آتينا موسى ~~الكتاب... }. ### || [2.53] # معنى الآية الكريمة اذكروا ms0104 بابنى إسرائيل نعمة إعطاء نبيكم موسى - عليه ~~السلام - التوراة، وفيها الشرائع والأحكام، لكى تهتدوا بها إلى طريق ~~الفلاح والرشاد فى الدنيا، وإلى الفوز بالسعادة فى الآخرة. فالمراد ~~بالكتاب التوراة التى أوتيها موسى - عليه السلام - فأل للعهد. والفرقان - ~~بضم الفاء - مأخوذ من الفرق وهو الفصل، استعير لتمييز الحق من الباطل وقد ~~يطلق لفظ الفرقان على الكتاب السماوى المنزل من عند الله كما فى قوله ~~تعالى # تبارك الذي نزل الفرقان على عبده # كما يطلق على المعجزة كما فى قوله تعالى # ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان # أى المعجزات لأن هارون لم يؤت وحيا. والمراد بالفرقان هنا التوراة ~~نفسها ويكون المراد بالعطف التفسير. قال ابن جرير ما ملخصه وأولى الأقوال ~~بتأويل الآية ما روى عن ابن عباس وأبى العالية ومجاهد، من أن الفرقان ~~الذى ذكر الله تعالى أنه آتاه موسى فى هذا الموضع، هو الكتاب الذى فرق به ~~بين الحق والباطل وهو نعت للتوراة وصفة لها، فيكون تأويل الآية حينئذ. ~~وإذ آتينا موسى التوراة التى كتبناها له فى الألواح، وفرقنا بها بين الحق ~~والباطل. فيكون الكتاب نعتا للتوراة، أقيم مقامها استغناء به عن ذكر ~~التوراة ثم عطف عليه بالفرقان، إذ كان من نعتها. وقوله تعالى { ~~لعلكم تهتدون } بيان لثمرة المنة والنعمة بإيتاء التوراة لأن ~~إتيان موسى الكتاب والفرقان، المقصود منه هدايتهم، وإخراجهم من الظلمات ~~إلى النور. ولكن ماذا كان موقف بنى إسرائيل من التوراة التى أنزلها الله ~~لهدايتهم وسعادتهم؟ كان موقفهم منها - كما هى عادتهم - موقف الجاحد لنعم ~~الله فقد امتدت أيديهم الأثيمة إليها فحرفوها كما شاءت لهم أهواؤهم ~~وشهواتهم ولقد وبخهم القرآن الكريم على ذلك، وشبههم فى تركهم العمل بها ~~وعدم انتفاعهم بما فيها، بالحمار الذى يحمل كتب العلم ولكنه لا يدرى ما ~~فيها. فقال تعالى فى سورة الجمعة # مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ~~كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم ~~الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم ~~الظالمين # حملوا التوراة أى علموها وكلفوا العمل بها، ثم لم يحملوها أى ms0105 لم يعملوا ~~بها ولم ينتفعوا بما اشتملت عليه. والأسفار جمع سفر وهو الكتاب الكبير، ~~لأنه يسفر عن المعنى إذا قرئ. ومعنى الآية الكريمة مثل هؤلاء اليهود ~~الذين علموا التوراة وكلفوا العمل بأحكامها ولكنهم لم يعملوا بها، مثلهم ~~كمثل الحمار يحمل الكتب ولكنه لا يدرى ما فيها، ولا يناله من حملها إلا ~~التعب، بئس مثلا مثل هؤلاء اليهود الذين كذبوا بآيات الله التى تشهد بصدق ~~النبى صلى الله عليه وسلم، وتذر صفاته التى لا تنطبق إلا عليه، وقد جرت ~~سنة الله - تعالى - فى خلقه ألا يهدى إلى طريق الحق أمثال هؤلاء القوم ~~الظالمين، لأنهم استحيوا العمى على الهدى، وباعوا دينهم بدنياهم. # قال صاحب الكشاف " شبه الله - تعالى - اليهود فى أنهم حملة التوراة ~~وقراؤها، وحفاظ ما فيها ثم إنهم غير عاملين بها، ولا منتفعين بآياتها ~~وذلك أن فيها نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم والبشارة به، ولم يؤمنوا ~~به - شبههم بالحمار يحمل أسفارا، أى كتبا كبارا من كتب العلم، فهو ~~يمشى بها ولا يدرى منها إلا ما يمر بجنبيه وظهره من الكد والتعب، وكل من ~~علم ولم يعمل، فهذا مثله وبئس المثل ". وقال الإمام ابن القيم " شبه ~~الله - تعالى - من حمله كتابه ليؤمن به ويتدبره ويعمل به ويدعو إليه، ثم ~~خالف ذلك، ولم يحمله إلا على ظهر قلب، فقراءته بغير تدبر ولا تفهم ولا ~~اتباع له، ولا تحكيم لنصوصه - شبهه - بحمار على ظهره زاملة أسفار لا يدرى ~~ما فيها، وحظه منها حملها على ظهره ليس إلا، فحظه من كتاب الله كحظ هذا ~~الحمار من الكتب التى على ظهره، فهذا المثل، وإن كان قد ضرب لليهود، فهو ~~متناول من حيث المعنى، لمن حمل القرآن فترك العمل به ولم يؤد حقه، ولم ~~برعه حق رعايته ". ومن هذا نرى أن اليهود قد أنعم الله عليهم بالتوراة، ~~وجعلها نورا وهدى لهم، ولكنهم تركوها، ولم يعملوا بما فيها، واستحبوا ~~العمى على الهدى، # فبآءو بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين # سادسا نعمة إرشادهم إلى ما به يتخلصون ms0106 من ذنوبهم ثم ذكرهم - سبحانه - ~~بنعمة جليلة، وهى إرشادهم إلى ما به يتخلصون من ذنوبهم، وإخبارهم بقبول ~~توبتهم، فقال تعالى { وإذ قال موسى لقومه ياقوم ~~إنكم ظلمتم أنفسكم... } ### || [2.54] # المعنى واذكروا يا بنى إسرائيل - لتنتفعوا وتعتبروا - وقت أن قال موسى ~~لقومه الذين عبدوا العجل حين كان يناجى ربه بعيدا عنهم يا قوم إنكم ~~ظلمتم أنفسكم وهبطتم بها إلى الحضيض بعبادتكم غير الله - تعالى - فإذا ~~أردتم التكفير عن خطاياكم. فتوبوا إلى ربكم توبة صادقة نصوحا، واقتلوا ~~أنفسكم لتنالوا عفو ربكم، فذلكم خير لكم عند خالقكم من الإقامة على ~~المعصية، ففعلتم ذلك فقبل الله توبتكم لأنه هو الذى يقبل التوبة عن عباده ~~على كثرة ما يصدر عنهم من ذنوب لأنه هو الواسع الرحمة لمن ينيب إليه ~~ويستقيم على صراطه الواضح. وفى نداء موسى - عليه السلام - لهم بقوله " يا ~~قوم " تلطف فى الخطاب ليجذب قلوبهم إلى سماعه، وليحملهم على تلقى أوامره ~~بحسن الطاعة، وليشعرهم بأنهم قومه فهو منهم وهم منه، والشأن فيمن كان ~~كذلك ألا يكذب عليهم أو يخدعهم، وإنما يريد لهم الخير. والبارئ هو الخالق ~~للمخلوقات بدون تفاوت أو اضطراب، فهو أخص من الخالق، ولذا قال تعالى # هو الله الخالق البارىء المصور # وفى هذا التعبير الحكيم، تحريض لهم على التوبة والاستجابة للبارئ الذى ~~أحسن كل شىء خلقه، وفيه أيضا تقريع لهم على غباوتهم، حيث تركوا عبادة ~~بديع السموات والأرض، وعبدوا عجلا ضرب به المثل فى الغباوة فقالوا " أبلد ~~من ثور " فكأنه - سبحانه - يقول لهم لقد اتخذتم هذا العجل إلها لتشابهكم ~~معه فى البلادة وضيق الأفق. قال صاحب الكشاف " فإن قلت من أين اختص هذا ~~الموضع بذكر البارئ؟ قلت البارئ هو الذى خلق الخلق بريئا من التفاوت، # ما ترى فى خلق الرحمن من تفاوت # ومتميزا بعضه عن بعض بالأشكال المختلفة والصور المتباينة، فكان فيه ~~تقريع بما كان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذى برأهم بلطف حكمته ~~على الأشكال المختلفة، أبرياء من التفاوت والتنافر إلى عبادة البقر التى ~~هى مثل فى الغباوة والبلادة، ms0107 حتى عرضوا أنفسهم لسخط الله ونزول أمره بأن ~~يفك ما ركبه من خلقهم، ونثر ما نظم من صورهم وأشكالهم، حين لم يشكروا ~~النعمة فى ذلك، وغمطوها بعبادة ما لا يقدر على شىء منها " ه. وقوله ~~تعالى { فاقتلوا أنفسكم } أمر من موسى - عليه السلام - لهم ~~بقتلهم أنفسهم حتى تكون توبتهم مقبولة، وهذا الأمر بلغه موسى إياهم عن ~~ربه، إذ مثل هذا الأمر لا يصدر إلا عن وحى لأنه تشريع من الله - تعالى -. ~~والمراد بقتلهم أنفسهم أن يقتل من لم يعبد العجل منهم عابديه، فيكون ~~المعنى ليقتل بعضكم بعضا، كما فى قوله تعالى # فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية ~~من عند الله مباركة طيبة # أى فليسلم بعضكم على بعض. وقيل المراد أن يقتل كل من عبد العجل نفسه ~~قتلا حقيقيا حتى يكفر عن ردته بعبادته لغير الله، وقد ورد أنهم فعلوا ~~ذلك، وأن الله - تعالى - رفع عنهم القتل وعفا عمن بقى منهم على قيد ~~الحياة كرما منه وفضلا، وهذا هو معنى التوبة فى قوله تعالى { فتاب ~~عليكم } ، ومعنى العفو فى قوله تعالى فى الآية السابقة # ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون # وقد ساق ابن كثير وغيره من المفسرين كثيرا من الآثار التى تحدثت عن ~~كيفية حصول هذا القتل، من ذلك ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عياس، أنه قال ~~" قال تعالى لموسى إن توبة عبدة العجل أن يقتل كل واحد منهم من لقى من ~~والد وولد فيقتله بالسيف ولا يبالى من قتل فى ذلك الموطن فتاب أولئك ~~الذين كانوا خفى على موسى وهارون، ما اطلع الله على ذنوبهم فاعترفوا بها. ~~وفعلوا ما أمروا به، فغفر الله للقاتل والمقتول ". وأخرج ابن جرير عن ابن ~~شهاب الزهرى أنه قال " لما أمر بنو إسرائيل بقتل أنفسهم برزوا ومعهم ~~موسى، فتضاربوا بالسيوف، وتطاعنوا بالخناجر وموسى رافع يديه، حتى إذا ~~فتروا أتاه بعضهم، فقال له يا نبى الله ادع الله لنا، وأخذوا بعضديه ~~يشدون يديه. فلم يزل أمرهم على ذلك حتى إذا قبل ms0108 الله توبتهم قبض أيدى ~~بعضهم عن بعض، فألقوا السلاح، وحزن موسى وبنو إسرائيل للذى كان من القتل ~~فيهم، فأوحى الله - جل ثناؤه - إلى موسى { لا تحزن } أما من قتل فحى ~~عندى يرزق، وأما من بقى، فقد قبلت توبته، فسر بذلك موسى وبنو إسرائيل ". ~~وجملة { ذلكم خير لكم عند بارئكم } تعليلة، جىء بها ~~لتحريضهم على الامتثال والطاعة لما أمرهم به نبيهم - عليه السلام - واسم ~~الإشارة { ذلكم } يعود إلى التوبة والقتل المفهومين مما تقدم. وقال ~~{ عند بارئكم } ولم يقل عنده، لأن فى هذا التكرير حملا للمخاطبين ~~على التفكير والتذكير والطاعة، وإشعارا لهم بأن عبادة من برأهم وذرأهم ~~وخلقهم فى أحسن تقويم، خير لهم فى دنياهم وأخراهم. وجملة { فتاب ~~عليكم } جواب لشرط محذوف للإيجار، أى فامتثلتم ما أمرتم به، فقيل ~~البارى توبتكم، وهى خطاب من الله - تعالى - لبنى إسرائيل على لسان موسى، ~~فيه تذكير بنعمته، وإرشاد لهم إلى موطن المنة والفضل وهو قبول توبتهم. ~~وعطفت هذه الجملة { فتاب عليكم } بالفاء، لإشعارهم بأنه - ~~سبحانه - لم يتركهم ليستأصلوا أنفسهم جميعا بالقتل، بل تداركهم بلطفه ~~ورحمته، فقبل توبتهم، ورفع عقوبة القتل عمن بقى منهم. وقوله تعالى { ~~إنه هو التواب الرحيم } إخبار وثناء على الله - تعالى - ~~بما هو أهله من عفو ورحمة. # وأكدها - سبحانه - لتنزيلهم منزلة من يشك فى قبول توبته، لعظم جريمتهم ~~وضخامة خطيئتهم وسيرهم إلى أمد بعيد فى طريق الشيطان. وهذه الآية الكريمة ~~قد تضمنت نعمة كبرى على بنى إسرائيل فإن الله - تعالى - لطف بهم، ورحمهم، ~~وقبل توبتهم، وعفا عن قتلهم أنفسهم، بعد أن صدر منهم ما يدل على صدقهم فى ~~توبتهم، كما تضمنت - أيضا - تذكير بنى إسرائيل المعاصرين للعهد النبوى ~~بنعم الله عليهم، لأنه لولا عفوه - سبحانه - عن آبائهم لما وجدوا هم، ~~وفيها - كذلك - إشارة إلى سماحة الشريعة التى أتى بها محمد صلى الله عليه ~~وسلم وإغراء لليهود المعاصرين له بالدخول فى الإسلام لأنه إذا كان ~~آباؤهم لم تقبل توبتهم إلا بقتلهم أنفسهم فإن شريعة الإسلام تقول لهم ~~لقد جاءكم النبى الذى رفع عنكم ms0109 إصركم والأغلال التى كانت على أسلافكم، ~~فآمنوا به واتبعوه لعلكم ترحمون. سابعا نعمة بعثهم من بعد موتهم ثم ~~ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بنعمة جليلة، أسبغها الله عليهم رغم مطالبهم ~~المتعنتة، وهذه النعمة تتجلى فى بعثهم من بعد موتهم، فقال تعالى { وإذ ~~قلتم ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى...لعلكم ~~تشكرون }. ### || [2.55-56] # جهرة فى الأصل مصدر من قولك جهرت بالقراءة والدعاء واستعيرت للمعاينة ~~لما بينهما من الاتحاد فى الوضوح والانكشاف، إلا أن الأول فى المسموعات ~~والثانى فى المبصرات. والصاعقة - كما قال ابن جرير - " كل أمر هائل رآه ~~الرائى أو عاينه أو أصابه، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب ~~وذهاب عقل. صوتا كان ذلك أو نارا أو زلزلة أو رجفة، ومما يدل على أن ~~الشخص قد يكون مصعوقا وهو حى غير ميت، قوله - تعالى - # وخر موسى صعقا # يعنى مغشيا عليه، فقد علم أن موسى لم يكن حين غشى عليه وصعق ميتا، لأن ~~الله أخبر عنه أنه لما أفاق قال # سبحانك تبت إليك... # وأصل البعث فى اللغة إثارة الشىء من محله، وتحريكه بعد سكون ومنه بعث ~~فلان الناقة إذا أثارها من مبركها للسير، ويستعمل بمعنى الإيقاظ، كما ~~ورد فى قصة أهل الكهف # فضربنا على آذانهم فى الكهف سنين عددا. ثم ~~بعثناهم... # أى أيقظناهم. ويستعمل - أيضا - بمعنى الإحياء. وهو المراد فى الآية ~~التى معنا، بدليل قوله تعالى { من بعد موتكم }. ومعنى الآيتين ~~الكريمتين واذكروا يا بنى إسرائيل وقت أن تجاوزتم حدودكم، وتعنتم فى ~~الطلب، فقلتم لنبيكم موسى بجفاء وغلظة لن نؤمن لك، ولن نقر بما جئتنا به، ~~حتى نرى الله عياتا وعلانية، فيأمرنا بالإيمان بك، وبما جئت به، ~~فأخذتكم العقوبة التى صعقتكم - بسبب جهلكم وتطاولكم - وأنتم تشاهدونها ~~بعيونكم، ثم مننا عليكم بلطفنا ورحمتنا فأحييناكم من بعد أن أخذتكم ~~الصاعقة، لكى تشكروا الله على نعمه التى من جملتها إعادتكم إلى الحياة من ~~بعد موتكم. قال الإمام ابن جرير ذكرهم الله - تعالى - بذلك اختلاف ~~آبائهم. وسوء استقامة أسلافهم مع أنبيائهم، مع كثرة معاينتهم من ms0110 آيات ~~الله وعبره ما تثلج بأقلها الصدور، وتطمئن بالتصديق معها النفوس، وذلك مع ~~تتابع الحجج عليهم وسبوغ النعم من الله لديهم، وهم مع ذلك مرة يسألون ~~نبيهم أن يجعل لهم إلها غير الله، ومرة يعبدون العجل من دون الله، ومرة ~~يقولون { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة }. وأخرى ~~يقولون له إذا دعوا إلى القتال # فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون # ومرة يقال لهم # قولوا حطة نغفر لكم خطاياكم # فيقولون حنطة فى شعيرة، ويدخلون الباب من قبل أستاهم، مع غير ذلك من ~~أفعالهم القبيحة التى يكثر إحصاؤها، فأعلم الله - تعالى - الذين خاطبهم ~~بهذه الآيات من يهود بنى إسرائيل الذين كانوا بين ظهرانى مهاجر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنهم لن يعدوا أن يكونوا فى تكذيبهم محمدا صلى الله ~~عليه وسلم وجحودهم نبوته كآبائهم وأسلافهم، الذين فصل عليهم قصصهم فى ~~ارتدادهم عن دينهم مرة بعد أخرى، وتمردهم على نبيه موسى - عليه السلام - ~~تارة بعد أخرى مع ابتلاء الله لهم، وسبوغ آلائه عليهم. # والقائلون لموسى - عليه السلام - { لن نؤمن لك حتى نرى ~~الله جهرة } يرى جمهور المفسرين أنهم هم السبعون الذين اختارهم ~~موسى للذهاب معه إلى ميقات ربه، وقد وردت آثار تؤيد هذا الرأى. من ذلك ما ~~أخرجه ابن جرير عن الربيع بن أنس فى قوله تعالى { فأخذتكم ~~الصاعقة } أنه قال هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه. ~~وقالوا اطلب لنا ربك لنسمع كلامه. قال سمعوا كلاما، فقالوا { لن ~~نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } قال فسمعوا صوتا ~~فصعقوا يقول ماتوا، فذلك قوله { ثم بعثناكم من بعد ~~موتكم } فبعثوا من بعد موتهم، لأن موتهم ذلك عقوبة لهم، فبعثوا ~~لبقية آجالهم. وقال ابن كثير الذين قالوا لموسى # أرنا الله جهرة # المراد بهم السبعون المختارون منهم ولم يحك كثير من المفسرين سواه. وقيل ~~إن الذين طلبوا من موسى رؤية الله جهرة هم عامة بنى إسرائيل بدون تحديد ~~لهؤلاء السبعين، فقد روى عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه قال فى تفسير ms0111 ~~هذه الآية. " قال لهم موسى لما رجع من عند ربه بالألواح قد كتب فيها ~~التوراة، فوجدهم يعبدون العجل. فأمرهم بقتل أنفسهم، ففعلوا، فتاب الله ~~عليهم، فقال لهم موسى إن هذه الألواح فيها كتاب الله فيه أمركم الذى ~~أمركم به، ونهيكم الذى نهاكم عنه، فقالوا ومن يأخذ بقولك أنت؟ لا والله ~~حتى نرى الله جهرة، حتى يطلع الله علينا فيقول هذا كتابى فخذوه، فما له ~~لا يكلمنا كما يكلمك أنت يا موسى؟! وقرأ قول الله تعالى { لن نؤمن ~~لك حتى نرى الله جهرة } قال فجاءت غضبة من الله - تعالى ~~-، فجاءتهم صاعقة بعد التوبة. فصعقتهم فماتوا جميعا. قال ثم أحياهم الله ~~من بعد موتهم، وقرأ قوله تعالى { ثم بعثناكم من بعد ~~موتكم لعلكم تشكرون }. فقال لهم موسى خذوا كتاب الله، ~~فقالوا لا، فقال أى شىء أصابكم؟ فقالوا أصابنا أننا متنا ثم أحيينا. قال ~~خذوا كتاب الله، قالوا لا، فبعث الله ملائكة فنتفت الجبل فوقهم. قال ~~الإمام ابن كثير وهذا السياق يدل على أنهم كلفوا بعدما أحيوا ثم قال وقد ~~حكى الماوردى فى ذلك قولين أحدهما أنهم سقط التكليف لمعاينتهم الأمر جهرة ~~حتى صاروا مضطرين إلى التصديق. والثانى أنهم مكلفون لئلا يخلو عاقل من ~~تكليف. وهذا هو الصحيح لأن معاينتهم للأمور الفظيعة لا تمنع تكليفهم، لأن ~~بنى إسرائيل قد شاهدوا أمورا عظاما من خوارق العادات وهم مع ذلك مكلفون ~~وهذا واضح، والله أعلم. وقال ابن جرير " ولا خبر عندنا بصحة شىء مما قاله ~~من ذكرنا قوله فى سبب قيلهم ذلك لموسى تقوم به حجة، فنسلم لهم، وجائز أن ~~يكون ذلك بعض ما قالوه، فإذا كان لاخبر بذلك تقوم به حجة فالصواب من ~~القول فيه أن يقال إن الله - جل ثناؤه - قد أخبر عن قوم موسى أنهم قالوا ~~له { ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } ~~كما أخبر عنهم أنهم قالوه. # .. " وفى ندائهم لنبيهم باسمه " يا موسى " سوء أدب منهم معه، لأنه كان ~~من الواجب عليهم، أن يقولوا له يا رسول الله أو ms0112 يا نبى الله، من الصفات ~~التى تشعر بصفات التعظيم والتوقير، وقد تكررت مناداتهم باسمه مجردا فى ~~كثير من المواطن. ومن أدب الصحابة مع الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم ~~كانوا يقولون له يا رسول الله، استجابة لأمر الله - تعالى - فى قوله # لا تجعلوا دعآء الرسول بينكم كدعآء بعضكم ~~بعضا # وقولهم { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } دليل على ~~تمردهم وعصيانهم، وقلة اكتراثهم بما أوتوا من نعم، وما شاهدوا من معجزات، ~~إذ أنهم طلبوا منه أن يروا الله عيانا، فإن لم يروه داخلهم الشك فى صدق ~~نبيهم. وعبر عنهم القرآن الكريم بأنهم يريدون الرؤية جهرة لإزالة احتمال ~~أنهم يكتفون بالرؤية المنامية، أو العلم القلبى، فهم لا يعتقدون إلا ~~بالرؤية الحسية، لغلظ قلوبهم، وجفاء طباعهم. وقوله تعالى { ~~فأخذتكم الصاعقة } إشارة إلى أن العقوبة قد فاجأتهم بعد وقت ~~قصير من مطالبهم المتعنتة، لأن الفاء تفيد التعقيب. وجملة { وأنتم ~~تنظرون } تفيد أن العقوبة نزلت عليهم وهم يشاهدونها وفى مشاهدتها رعب ~~وخوف أخذ بمجامع قلوبهم، قبل أن يأخذ العذاب أجسادهم، وإن إصابتهم بهذه ~~العقوبة كان فى حالة إساءتهم وتمردهم وطمعهم فى أن ينالوا ما ليس من ~~حقهم. والآية الكريمة تفيد أن بنى إسرائيل طلبوا من نبيهم رؤية الله جهرة ~~فى الدنيا، وأنهم علقوا إيمانهم عليها، ولم يأبهوا للآيات الدالة على ~~صدق. موسى - عليه السلام - فكان ذلك محض تعنت وعناد منهم، فأخذتهم ~~الصاعقة عقوبة لهم على ذلك، وليس على مجرد سؤالهم رؤية الله - تعالى - ~~ومن هنا يتبين أن الآية لا تدل على استحالة الرؤية كما يقول المعتزلة. ~~وجملة { ثم بعثناكم من بعد موتكم } هى محل النعمة ~~والمنة، وهى معطوفة على قوله { فأخذتكم الصاعقة } ودل العطف ~~بثم على أن بين أخذ الصاعقة والبعث زمانا نتصور فيه المهلة والتأخير. ~~والمراد ببعثهم إحياؤهم من بعد موتهم، وهو معجزة لموسى - عليه السلام - ~~استجابة لدعائه. وقد اشتملت الآيتان الكريمتان على تحذير اليهود ~~المعاصرين للعهد النبوى، من محاربة الدعوة الإسلامية، حتى لا يصابوا بما ~~أصيب به أسلافهم من الصواعق وغيرها وفيهما ms0113 أيضا تسلية للنبى صلى الله ~~عليه وسلم عما لاقاه من اليهود، لأن ما فعلوه معه قد فعل ما يشبهه آباؤهم ~~مع أنبيائهم، وفيها كذلك لون جديد من نعم الله عليهم ما أجدرهم بشكرها لو ~~كانوا يعقلون. ثامنا نعمة تظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم ثم ~~عطف - سبحانه - على نعمة بعثهم من بعد موتهم نعمة أخرى بل نعمتين، وهما ~~تظليلهم بالغمام ومنحهم المن والسلوى، فقال تعالى { وظللنا ~~عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى ~~كلوا من طيبات... }. ### || [2.57] # الغمام جمع غمامة، وهى السحابة، وخصه بعض علماء اللغة بالسحاب الأبيض. ~~والمن اسم جنس لا واحد من لفظه، وهو - على أرجح الأقوال - مادة صمغية ~~تسقط على الشجر تشبه حلاوته حلاوة العسل. والسلوى اسم جنس جمعى، واحدته ~~سلواة، وهر طائر برى لذيذ اللحم، سهل الصيد، يسمى بالسمانى، كانت تسوقه ~~لهم ريح الجنوب كل مساء، فيمسكونه قبضا بدون تعب. وتظليلهم بالغمام ~~وإنزال المن والسلوى عليهم، كان فى مدة تيههم بين مصر والشام المشار إليه ~~بقوله - تعالى # قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون ~~في الأرض # قال السدى " لما دخل بنو إسرائيل التيه، قالوا لموسى - عليه السلام - ~~كيف لنا بما هاهنا، أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المن فكان ينزل على ~~شجرة الزنجبيل، والسلوى وهو طائر يشبه السمانى أكبر منه فكان يأتى أحدهم ~~فينظر إلى الطير فإن كان سمينا ذبحه وإلا أرسله، فإذا سمن أتاه فقالوا ~~هذا الطعام فأين الشراب؟ فأمر الله - تعالى - موسى أن يضرب بعصاه الحجر ~~فضربه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، فشرب كل سبط من عين، فقالوا هذا ~~الشراب فأين الظل؟ فظلل الله عليهم الغمام. قالوا هذا الظل فأين اللباس؟ ~~فكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان ولا يتمزق لهم توب، فذلك قوله ~~تعالى { وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم ~~المن والسلوى... }. ومعنى الآية الكريمة واذكروا يا بنى ~~إسرائيل من بين نعمى عليكم نعمة إظلالكم بالغمام وأنتم فى التيه ليقيكم ~~حر الشمس، وحرارة الجو، ولولا منحى إياكم الطعام اللذيذ المشتهى بدون تعب ~~منكم فى تحصيله لهلكتم، ms0114 وقلنا لكم كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا الذى ~~رزقكم هذه النعم، ولكنكم كفرتم بها، فظلمتم أنفسكم دون أن ينالنا من ذلك ~~شىء، لأن الخلق جميعا لن يبلغوا ضرى فيضرونى ولن يبلغوا نفعى فينفعونى. ~~فالآية الكريمة قد أشارت إلى جحودهم النعمة بقوله تعالى { وما ~~ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون }. وقوله تعالى ~~{ وما ظلمونا } معطوف على محذوف، أى فعصوا ولم يقابلوا النعم ~~بالشكر. ويرى البعض أنه لا حاجة إلى التقدير، وأن جملة { وما ~~ظلمونا } معطوفة على ما قبلها لأنها مثلها فى أنها من أحوال بنى ~~إسرائيل. والتعبير عن ظلمهم لأنفسهم بكلمة { كانوا } والفعل المضارع ~~{ يظلمون } يدل على أن ظلمهم لأنفسهم كان يتكرر منهم، لأنك لا تقول ~~فى ذم إنسان كان يسىء إلى الناس إلا إذا كانت الإساءة تصدر منه المرة ~~تلو الأخرى. قال الإمام ابن جرير - رحمه الله - فى تفسير قوله تعالى { ~~وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } ما ~~ملخصه هذا من الذى استغنى بدلالة ظاهره على ما ترك منه، وذلك أن معنى ~~الكلام كلوا من طيبات ما رزقناكم فخالفوا ما أمرناهم به، وعصوا ربهم، ثم ~~رسولنا إليهم، وما ظلمونا فاكتفى بما ظهر عما ترك، وقوله { وما ~~ظلمونا } أى ما ظلمونا بفعلهم ذلك ومعصيتهم، وما وضعوا فعلهم ذلك ~~وعصيانهم إيانا موضع مضرة علينا ومنقصة لنا، ولكنهم وضعوه من أنفسهم موضع ~~مضرة عليها ومنقصة لها فإن الله - تعالى - لا تضره معصية عاص، ولا يتحيف ~~خزائنه ظلم ظالم، ولا تنفعه طاعة مطيع، ولا يزيد فى ملكه عدل عادل، بل ~~نفسه يظلم الظالم وحظها يبخس العاصى، وإياها ينفع المطيع، وحظها يصيب ~~العادل. # وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ذكرت بنى إسرائيل بنعمة من أعظم النعم وهى ~~تظليلهم بالغمام بإنزال المن والسلوى عليهم، ولكن بنى إسرائيل لم يشكروا ~~الله على نعمه، ولذا أرسل الله عليهم رجزا من السماء بسبب ظلمهم وفسقهم. ~~تاسعا نعمة تمكينهم من دخول بيت المقدس ونكولهم عن ذلك. ثم ذكرهم - ~~سبحانه - بعد ذلك بمنة عظيمة مكنوا منها فما أحسنوا قبولها وما رعوها حق ms0115 ~~رعايتها - وهى تخليصهم من عناء التيه، والإذن لهم فى دخول بلدة يجدون ~~فيها الراحة والهناء، وإرشادهم إلى القول الذى يخلصهم مما استوجبوه من ~~عقوبات ولكنهم خالفوه فقال تعالى { وإذ قلنا ادخلوا هذه ~~القرية فكلوا...بما كانوا يفسقون }. ### || [2.58-59] # القرية هى البلدة المشتملة على مساكن، والمراد بها بيت المقدس على ~~الراجح. والرغد الواسع من العيش الهنىء، الذى لا يتعب صاحبه، يقال أرغد ~~فلان أصاب واسعا من العيش الهنىء. الحطة من حط بمعنى وضع، وهى مصدر مراد ~~به طلب حط الذنوب. قال صاحب الكشاف حطة فعله من الحط كالجلسة. وهى خبر ~~مبتدأ محذوف، أى مسألتنا حطة، والأصل فيها النصب بمعنى حط عنا ذنوبنا ~~حطة، وإنما رفعت لتعطى معنى الثبات... والمعنى اذكروا يا بنى إسرائيل - ~~لتتعظوا وتعتبروا - وقت أن أمرنا أسلافكم بدخول بيت المقدس بعد خروجهم من ~~التية، وأبحنالهم أن يأكلوا من خيراتها أكلا هنيئا ذا سعة وقلنا لهم ~~ادخلوا من بابها راكعين شكرا لله على ما أنعم به عليكم من نعمة فتح ~~الأرض المقدسة متوسلين إليه - سبحانه - بأن يحط عنكم ذنوبكم، فإن فعلتم ~~ذلك العمل اليسير وقلتم هذا القول القليل غفرنا لكم ذنوبكم وكفرنا عنكم ~~سيئاتكم، وزدنا المحسن منهم خيرا جزاء إحسانه، ولكنهم جحدوا نعم الله ~~وخالفوا أوامره، فبدلوا بالقول الذى أمرهم الله به قولا آخر أتوابه به من ~~عند أنفسهم على وجه العناد والاستهزاء، فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من ~~السماء بما كانوا يفسقون. قال الإمام ابن كثير - رحمه الله - وهذا كان ~~لما خرجوا من التيه بعد أربعين سنة مع يوشع. بن نون - عليه السلام - ~~وفتحها الله عليهم عشية جمعة، وقد حبست لهم الشمس يومئذ قليلا حتى أمكن ~~الفتح، ولما فتحوها أمروا أن يدخلوا الباب باب البلد سجدا أى شكرا الله ~~تعالى على ما أنعم به عليهم من الفتح والنصر ورد بلدهم عليهم وإنقاذهم من ~~التيه والضلال. وقوله تعالى { فكلوا منها حيث شئتم رغدا ~~} فيه إشعار بكمال النعمة عليهم واتساعها وكثرتها. حيث أذن لهم فى التمتع ~~بثمرات القرية وأطعمتها من أى مكان ms0116 شاءوا. وقوله تعالى { وادخلوا ~~الباب سجدا وقولوا حطة } إرشاد لهم إلى ما يجب عليهم نحو ~~خالقهم من الشكر والخضوع، وتوجيههم إلى ما يعينهم على بلوغ غاياتهم. ~~بأيسر الطرق وأسهل السبل، فكل ما كلفوا به أن يدخلوا من باب المدينة التى ~~فتحها الله لهم خاضعين مخبتين وأن يضرعوا إليه بأن يحط عنهم آثامهم، ~~ويمحو سيئاتهم. وقوله تعالى { نغفر لكم خطاياكم } بيان ~~للثمرة التى تترتب على طاعتهم وخضوعهم لخالقهم، وإغراء لهم على الامتثال ~~والشكر، - لو كانوا يعقلون - لأن غاية ما يتمناه العقلاء غفران الذنوب. ~~قال الإمام ابن جرير يعنى بقوله تعالى { نغفر لكم خطاياكم ~~} نتغمد لكم بالرحمة خطاياكم، ونسترها عليكم، فلا نفضحكم بالعقوبة عليها. ~~وأصل الغفر التغطية والستر، فكل ساتر شيئا فهو غافر. # . والخطايا جمع خطية - بغير همز - كالمطايا جمع مطية.. وقوله تعالى { ~~وسنزيد المحسنين } وعد بالزيادة من خيرى الدنيا والآخرة لمن ~~أسلم لله وهو محسن، أى من كان منكم محسنا زيد فى إحسانه ومن كان مخطئا ~~نغفر له خطيئاته. وقد أمرهم - سبحانه - أن يدخلوا باب المدينة التى ~~فتحوها خاضعين وأن يلتمسوا منه مغفرة خطاياهم، لأن تغلبهم على أعدائهم، ~~ودخولهم الأرض المقدسة التى كتبها الله لهم، نعمة من أجل النعم، وهى ~~تستدعى منهم أن يشكروا الله عليها بالقول والفعل لكى يزيدهم من فضله، ~~فشأن الأخيار أن يقابلوا نعم الله بالشكر. ولهذا كان النبى صلى الله عليه ~~وسلم يظهر أقصى درجات الخضوع لله تعالى عند النصر والظفر وبلوغ المطلوب، ~~فعندما تم له فتح مكة دخل إليها من الثنية العليا، وإنه لخاضع لربه، حتى ~~إن رأسه الشريف ليكاد يمس عنق ناقته شكرا لله على نعمة الفتح، وبعد ~~دخوله مكة اغتسل وصلى ثمانى ركعات سماها بعض الفقها صلاة الفتح. ومن هنا ~~استحب العلماء للفاتحين من المسلمين إذا فتحوا بلدة أن يصلوا فيها ثمانى ~~ركعات عند دخولها شكرا لله - تعالى - وقد فعل ذلك سعد بن أبى وقاص عندما ~~دخل إيوان كسرى، فقد ثبت أنه صلى بداخله ثمانى ركعات. ولكن، ماذا كان من ~~بنى إسرائيل بعد أن ms0117 أتم الله لهم نعمة الفتح؟ إنهم لم يفعلوا ما أمروا ~~بفعله، ولم يقولوا ما كلفوا بقوله، بل خالفوا ما أمروا به من قول وفعل، ~~ولذا قال تعالى { فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي ~~قيل لهم }. أخرج البخارى عن أبى هريرة - رضى الله عنه - عن النبى ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال # " قيل لبنى إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة فبدلوا ودخلوا يزحفون ~~على أستاهم، وقالوا حبة فى شعيرة ". # قال الإمام ابن كثير وحاصل ما ذكره المفسرون وما دل عليه السياق، أنهم ~~بدلوا أمر الله لهم من الخضوع بالقول والفعل، فأمروا أن يدخلوا الباب ~~سجدا، فدخلوا يزحفون على أستاهم رافعين رؤسهم، وأمروا أن يقولوا حطة، أى ~~احطط عنا ذنوبنا وخطايانا فاستهزءوا وقالوا حنطة فى شعيرة، وهذا فى غاية ~~ما يكون من المخالفة والمعاندة، ولهذا أنزل الله بهم بأسه وعذابه بفسقهم ~~وخروجهم عن طاعته. فقوله تعالى { فبدل الذين ظلموا قولا ~~غير الذي قيل لهم } بيان للسبب الذى من أجله نزل عليهم ~~العذاب، وتوبيخ لهم على مخالفتهم أوامر الله - تعالى -، لأن تبديل الشىء ~~معناه تغييره وإزالته عما كان عليه بإعطائه صورة تخالف التى كان عليها. ~~والفعل بدل يقتضى بدلا ومبدلا منه، إلا أن مقام الإيجاز فى الآية استدعى ~~الاكتفاء بذكر البدل - وهو القول الذى لم يقل لهم - دون ذكر المبدل منه - ~~وهو القول الذى قيل لهم - والتقدير فاختار الذين ظلموا بالقول الذى أمرهم ~~الله به، قولا آخر اخترعوه من عند أنفسهم على وجه المخالفة والعصيان. # قال صاحب الكشاف { فبدل الذين ظلموا قولا غير ~~الذي قيل لهم } أى وضعوا مكان { حطة } قولا غيرها، يعنى أنهم ~~أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما ~~أمروا به، ولم يمتثلوا أمر الله، وليس الغرض أنهم أمروا بلفظ بعينه. وهو ~~لفظ الحطة فجاءوا بلفظ آخر، لأنهم لو جاءوا بلفظ آخر مستقل، بمعنى ما ~~أمروا به لم يؤاخذوا به كما لو قالوا مكان حطة نستغفرك ونتوب إليك. أو ~~اللهم أعف عنا وما أشبه ذلك ". والعبرة ms0118 التى تؤخذ من هذه الجملة الكريمة، ~~أن من أمره الله - تعالى - بقول أو يفعل، فتركه وأتى بآخر لم يأذن به ~~الله، ودخل فى زمرة الظالمين، وعرض نفسه لسوء المصير. وقوله تعالى { ~~فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السمآء بما ~~كانوا يفسقون } تصريح بأن ما أصابهم من عذاب كان نتيجة عصيانهم ~~وتمردهم وجحودهم لنعم الله - تعالى - والرجز فى لغة العرب هو العذاب سواء ~~أكان بالأمراض المختلفة أو بغيرها. وفى النص على أن الرجز قد أناهم من ~~جهة السماء إشعار بأنه عذاب لم يمكن دفعه وأنه لم يكن له سبب أرضى من ~~عدوى أو نحوها، بل رمتهم به الملائكة من جهة السماء. فأصيب به الذين ~~ظلموا دون غيرهم، ولم يقل القرآن " فأنزلنا عليهم " بالإضمار، وإنما قال ~~{ فأنزلنا على الذين ظلموا } بالإظهار، تأكيدا لوصفهم ~~بأقبح النعوت وهو الظلم، وإشعارا بأن ما نزل عليهم كان سبيه بغيهم ~~وظلمهم. وقد تضمنت الآيتان الكريمتان أن بنى إسرائيل مكنوا من النعمة ~~فنفروا منها، وفتحت لهم أبواب الخير فأبوا دخولها، وأرشدوا إلى القول ~~الذى يكفر سيئاتهم فخالفوا ما أرشدوا إليه مخالفة لا تقبل التأويل، فكانت ~~نتيجة جحودهم ومخالفتهم لأمر الله حرمانهم من تلك النعمة التى حين، ~~ومعاقبتهم لظلمهم بالعذاب الأليم، وفى هذا التذكير امتنان عليهم ببذل ~~النعمة، لأن عدم قبولهم لها لا يمنع كونها نعمة، وفيه إثارة لحسرة اليهود ~~المعاصرين للعهد النبوى على ما ضاع من أسلافهم بسبب مخالفتهم وتمردهم ~~وفيه أيضا تحذير لهم من سلوك طريق آبائهم حتى لا يصيبهم ما أصاب أسلافهم ~~من عذاب أليم. عاشرا نعمة إغاثتهم بالماء بعد أن اشتد بهم العطش. ثم ~~ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بنعمة من أجل نعمه عليهم، وهى إغاثتهم فى التيه ~~بالماء بعد أن اشتد بهم العطش، فقال تعالى { وإذ استسقى موسى ~~لقومه فقلنا اضرب بعصاك... }. ### || [2.60] # الاستسقاء طلب السقيا عند عدم الماء أو حبس المطر، وذلك عن طريق الدعاء ~~لله - تعالى - فى خشوع واستكانة، وقد سأل موسى ربه أن يسقى بنى إسرائيل ~~الماء بعد أن استبد بهم العطش، ms0119 عندما كانوا فى التيه، فعن ابن عباس أنه ~~قال " كان ذلك فى التيه، ضرب لهم موسى الحجر، فصارت منه اثنتا عشرة عينا ~~من ماء، لكل سبط منهم عين يشربون منها. وهذه النعمة كانت نافعة لهم فى ~~دنياهم لأنها أزالت عنهم الحاجة الشديدة إلى الماء ولولاه لهلكوا، وكانت ~~نافعة لهم فى دينهم لأنها من أظهر الأدلة على وجود الله. وعلى قدرته ~~وعلمه، ومن أقوى البراهين على صدق موسى - عليه السلام - فى نبوته. ومعنى ~~الآية الكريمة واذكروا يا بنى إسرائيل وقت أن أصاب آباءكم العطش الشديد ~~وهم فى صحراء مجدبة، فتوسل إلينا نبيهم موسى - عليه السلام - فى خشوع ~~وتضرع أن أمدهم بالماء الذى يكفيهم، فأجبناه إلى ما طلب، إذ أوحينا إليه ~~أن اضرب بعصاك الحجر. ففعل، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا بمقدار عدد ~~الأسباط، وصار لكل سيط منهم مشرب يعرفه ولا يتعداه إلى غيره، وقلنا لهم ~~تمتعوا بما من الله به عليكم من مأكول طيب ومشروب هنىء رزقكم الله إياه ~~من غير تعب ولا مشقة، { ولا تعثوا فى الأرض مفسدين } ~~فتتحول النعم التى بين أيديكم إلى نقم وتصبحوا على ما فعلتم نادمين. ~~وقوله تعالى { وإذ استسقى موسى لقومه } يفيد أن الذى سأل ~~ربه السقيا هو موسى - عليه السلام - وحده، لتظهر كرامته عند ربه لدى ~~قومه، وليشاهدوا بأعينهم إكرام الله - تعالى - له، حيث أجاب سؤاله، وفجر ~~الماء لهم ببركة دعائه. واللام فى قوله تعالى - { لقومه } للسببية، ~~أى لأجل قومه. والفاء فى قوله - تعالى - { فقلنا اضرب بعصاك ~~الحجر } ، عطفت الجملة بعدها على محذوف، والتقدير فأجبناه إلى ما ~~طلب، وقلنا اضرب بعصاك الحجر. وآل فى { الحجر } لتعريف الجنس أى اضرب ~~أى حجر شئت بدون تعيين، وقيل للعهد، ويكون المراد حجرا معينا معروفا ~~لموسى - عليه السلام - بوحى من الله تعالى. وقد أورد المفسرون فى ذلك ~~آثارا حكم المحققون بضعفها ولذلك لم نعتد بها. والذى نرجحه أنها لتعريف ~~الجنس، لأن انفجار الماء من أى حجر بعد ضربه أظهر فى إقامة البرهان على ~~صدق موسى - عليه السلام - وأدعى ms0120 لإيمان بنى إسرائيل وانصياعهم للحق بعد ~~وضوحه، وأبعد عن التشكيك فى إكرام الله لنبيه موسى - عليه السلام - إذ لو ~~كان انفجار الماء من حجر معين لأمكن أن يقولوا إن تفجير الماء كان لمعنى ~~خاص بالحجر لا لكرامة موسى عند ربه - تعالى -. # والفاء فى قوله تعالى { فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ~~} كسابقتها للعطف على محذوف تقديره فضرب فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، ~~وقد حذفت هذه الجملة المقدرة لوضوح المعنى. وكانت العيون اثنتى عشرة ~~عينا لأن بنى إسرائيل كانوا اثنى عشر سبطا، والاسباط فى بنى إسرائيل ~~كالقبائل فى العرب. وهم ذرية أبناء يعقوب - عليه السلام - الاثنى عشر، ~~ففى انفجار الماء من اثنتى عشرة عينا إكمال للنعمة عليهم، حتى لا يقع ~~بينهم تنازع وتشاجر وقال - سبحانه - { فانفجرت }. وقال فى سورة ~~الأعراف { فانبجست } والانبجاس خروج الماء بقلة. والانفجار خروجه ~~بكثرة، ولا تنافى بينهما فى الواقع لأنه ابنجس أولا. ثم انفجر ثانيا، ~~وكذا العيون يظهر الماء منها قليلا ثم يكثر لدوام خروجه. وقوله تعالى { ~~قد علم كل أناس مشربهم } إرشاد وتنبيه إلى حكمة ~~الانقسام إلى اثنتى عشرة عينا أى قد عرف كل سبط من أسباط بنى إسرائيل ~~مكان شربه، فلا يتعداه إلى غيره، وفى ذلك ما فيه من استقرار أمورهم، ~~واطمئنان نفوسهم، وعدم تعدى بعضهم على بعض. وقوله تعالى { كلوا ~~واشربوا من رزق الله } مقول لقول محذوف تقديره وقلنا لهم ~~كلوا واشربوا من رزق الله. وقد جمع - سبحانه - بين الأكل والشرب - وإن ~~كان الحديث عن الشراب - لأنه قد تقدمه إنزال المن والسلوى، وقد قيل هنالك # كلوا من طيبات ما رزقناكم # فلما أتبع ذلك بنعمة تفجير الماء لهم اجتمعت المنتان. وقوله تعالى { ~~ولا تعثوا فى الأرض مفسدين } تحذير لهم من البطر والغرور ~~واستعمال النعمة فى غير ما وضعت له، بعد أن أذن لهم فى التمتع بالطيبات، ~~لأن النعمة عندما تكثر قد تنسى العبد حقوق خالقه فيهجر الشريعة، ويعيث فى ~~الأرض فسادا. قال تعالى # كلا إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى # والمعنى ولا تسعوا فى الأرض مفسدين، ms0121 وتقابلوا النعم بالعصيان فتسلب ~~عنكم. قال ابن جرير - رحمه الله - وأصل العثا شدة الإفساد بل هو أشد ~~الإفساد، يقال منه عثى فلان فى الأرض إذا تجاوز الحد فى الإفساد إلى ~~غايته، يعثى، عثا مقصورا، ويقال للجماعة يعثون... وبذلك تكون الآية ~~الكريمة قد ذكرت بنى إسرائيل بنعمة جليلة، ونصحتهم بأن يعملوا على شكرها ~~وحذرتهم عاقبة الإفساد فى الأرض وجحودهم النعمة واستبدالهم الذى هو أدنى ~~بالذى هو خير ثم ذكرهم - سبحانه - بما كان منهم من جحود النعمة ~~واستخفافهم بها وإيثارهم - بسوء اختيارهم - ما هو أدنى على ما هو خير، ~~فقال تعالى { وإذ قلتم ياموسى لن نصبر على طعام ~~واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض ~~من بقلها وقثآئها وفومها وعدسها وبصلها... }. ### || [2.61] # الصبر حبس النفس على الشىء، بمعنى إلزامها إياه، ومنه الصبر على ~~الطاعات، أو يطلق على حبسها بمعنى كفها. ومنه الصبر عن المعاصى. والطعام ~~ما رزقوه فى التيه من المن والسلوى والبقل ما تنبته الأرض من الخضر مما ~~يأكله الناس والأنعام من نحو النعناع والكراث وغيرهما. والقوم قيل هو ~~الثوم، وقيل هو الحنطة. والقثاء نوع من المأكولات أكبر حجما من الخيار. ~~قال ابن جرير وكان سبب مسألتهم موسى - عليه السلام - ذلك فيما بلغنا عن ~~قتادة أنه قال كان القوم فى البرية قد ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم ~~المن والسلوى فملوا ذلك، وذكروا عيشا كان لهم بمصر، فسألوه موسى، فقال ~~الله تعالى { اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم }. ثم ~~ساق ابن جرير رواية، فيها تصريح بأن سؤالهم لم يكن فى البرية بل كان فى ~~التيه فقال حدثنى يونس بن عبد الأعلى، قال أخبرنا ابن وهب قال أنبأنا ابن ~~زيد قال " كان طعام بنى إسرائيل فى التيه واحدا، وشرابهم واحدا. كان ~~شرابهم عسلا ينزل لهم من السماء يقال له المن، وطعامهم طير يقال له ~~السلوى، يأكلون الطير ويشربون العسل، لم يكونوا يعرفون خبزا ولا غيره، ~~فقالوا يا موسى إنا { لن نصبر على طعام واحد فادع ~~لنا ربك يخرج لنا مما تنبت ms0122 الأرض من بقلها } ~~فقرأ حتى بلغ قوله تعالى { اهبطوا مصرا فإن لكم ما ~~سألتم }. وقد جرى أبو حيان وصاحب الكشاف - فى تفسيريهما - على أن ~~سؤالهم لمرسى - عليه السلام كان فى التيه. قال أبو حيان عند تفسير قوله ~~تعالى { وإذ قلتم ياموسى لن نصبر على طعام ~~واحد } " لما سئموا من الإقامة فى التيه. والمواظبة على مأكول واحد ~~لبعدهم عن الأرض التى ألفوها، وعن العوائد التى عهدوها، أخبروا عما وجدوه ~~من عدم الصبر على ذلك، وتشوقهم إلى ما كانوا يألفون، وسألوا موسى أن يسأل ~~الله لهم ". وقال صاحب الكشاف " كانوا أهل فلاحة فنزعوا إلى عكرهم - ~~فأجموا - أى ملوا وكرهوا - ما كانوا فيه من النعمة وطلبت أنفسهم عدم ~~البقاء { على طعام واحد } أرادوا ما رزقوه فى التيه من المن ~~والسلوى ". ومعنى الآية الكريمة إجمالا واذكروا يا بنى إسرائيل بعد أن ~~أسبغنا عليكم نعمنا ما كان من سوء اختيار أسلافكم، وفساد أذواقكم، ~~وإعناتهم لنبيهم موسى - عليه السلام - حيث قالوا له ببطر وسوء أدب لن ~~نصبر على طعام المن والسلوى فى كل وقت، فسل ربك أن يخرج لنا مما تنبته ~~الأرض من خضرها وفاكهتها وحنطتها وعدسها وبصلها، لأن نفوسنا قد عافت المن ~~والسلوى، فوبخهم نبيهم موسى - عليه السلام - بقوله أتختارون الذى هو أقل ~~فائدة وأدنى لذة، وتتركون المن والسلوى وهو خير مما تطلبون لذة وفائدة؟ ~~انزلوا إلى مصر من الأمصار فإنكم تجدون به ما طلبتموه من البقول ~~وأشباهها. # وأحاطت ببنى إسرائيل المهانة والاستكانة كما تحيط القبة بمن ضربت عليه، ~~وحق عليهم غضب الله. ثم بين الله - تعالى - السبب فى جحودهم للنعم وفى ~~أنه ضرب عليهم الذلة والمسكنة وأنزل عليهم غضبه بقوله { ذلك ~~بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون ~~النبيين بغير الحق } إلخ أى إن الكفر بآيات الله قد تأصل ~~فيهم، وقتل أنبيائهم بغير الحق قد تكرر منهم حتى صار كالطبيعة الثانية ~~والسجية الثابتة، فليس غريبا على هؤلاء أن يقولوا لن نصبر على المن ~~والسلوى وأن ينزل بهم غضب الله ونقمته من أجل جحودهم وكفرهم. وقوله ms0123 تعالى ~~{ وإذ قلتم ياموسى لن نصبر على طعام واحد } ~~تذكير لهم برغبة من رغباتهم الناشئة عن ذوق سقيم. لا يقدر النعمة قدرها، ~~وفيه انتقال من تعداد النعم عليهم إلى بيان موفقهم الجحودى منها، ~~وانسياقهم وراء شهواتهم وأهوائهم وحماقاتهم، وفيه إشعار بسوء أدبهم فى ~~مخاطبتهم لنبيهم موسى - عليه السلام - إذ عبروا عن عدم رغبتهم فى تناول ~~المن والسلوى بحرف { لن } المفيد تأكيد النفى فقالوا { لن نصبر ~~}.. إلخ فكأنهم يقولون له مهددين، ليلجئوه إلى دعاء ربه سريعا إننا ~~ابتداء من هذا الوقت الذى نخاطبك فيه إلى أن نموت، لن نحبس أنفسنا عن ~~كراهية على تناول طعام واحد، لأننا قد سئمناه ومللناه، ولن نعود إليه ~~فالتعبير " بلن " يشعر بشدة ضجرهم، وبلوغ الكراهية لهذا الطعام منهم ~~منتهاها. قال الحسن البصرى - رضى الله عنه - " بطروا طعم المن والسلوى ~~فلم يصبروا عليه، وذكروا عيشهم الذى كانوا فيه، وكانوا قوما أهل أعداس ~~وبصل وبقل وثوم ". ووصفوه بالوحدة مع أن المن والسلوى نوعان، لأنهم ~~أرادوا من الوحدة أنه طعام متكرر فى كل يوم لا يختلف بحسب الأوقات، ~~والعرب تقول لمن يفعل على مائدته فى كل يوم من الطعام أنواعا لا تتغير، ~~إنه يأكل من طعام واحد. وسألوا موسى - عليه السلام - أن يدعو لهم، لأن ~~دعاء الأنبياء أقرب إلى الإجابة من دعاء غيرهم، وكذلك دعاء الصالحين، ~~حيث يصدر من قلوب عامرة بتقوى الله وجلاله، فيلاقى من الإجابة ما لا ~~يلاقيه دعاء نفوس تستهويها الشهوات، وتستولى عليها السيئات. وقولهم { ~~فادع لنا ربك } ولم يقولوا ربنا، لعدم رسوخ الإيمان فى قلوبهم، ~~ولأنه سبحانه - قد اختصه بما لم يعط مثله من مناجاته وتكميله وإيتائه ~~التوراة. وقولهم { يخرج لنا مما تنبت الأرض من ~~بقلها وقثآئها وفومها وعدسها وبصلها } هو مضمون ~~ما طلبوه من موسى - عليه السلام - وهو فى معنى مقول قول محذوف والتقدير ~~أى قل لربك يخرج لنا. # وجاء التعبير بالفعل { يخرج } مجزوما - مع أن مقتضى الظاهر أن يقال ~~" أن يخرج - للإيماء إلى أنهم واثقون بأنه إن دعا ربه أجابه، حتى لكأن ~~إخراج ms0124 ما تنبت الأرض متوقف على مجرد دعاء موسى ربه، وأنه لو لم يدع لهم، ~~لكان شحيحا عليهم بما فيه نفعهم. والجملة الكريمة { أتستبدلون ~~الذي هو أدنى بالذي هو خير } من مقول موسى - عليه ~~السلام - لهم، وفيها توبيخ شديد لهم على سوء اختيارهم، وضعف عقولهم. ~~لإيثارهم الأدنى وهو البقل وما عطف عليه، على ما هو خير منه وهو المن ~~والسلوى. قال ابن جرير عند تفسيره للآية الكريمة " أى قال لهم موسى ~~أتاخذون الذى هو أخس خطرا وقيمة وقدرا من العيش، بدلا بالذى هو خير منه ~~خطرا وقيمة وقدرا، وذلك كان استبدالهم، وأصل الاستبدال هو ترك شىء لآخر ~~غيره مكان المتروك، ومعنى قوله { أدنى } أخس وأضع وأصغر قدرا ~~وخطرا، وأصله من قولهم هذا رجل دنى بين الدناءة، وإنه ليدنى فى الأمور - ~~بغير همز - إذا كان يتتبع خسيسها. ثم قال ولا شك أن من استبدل بالمن ~~والسلوى البقول والقثاء والعدس والبصل والثوم، فقد استبدل الوضيع من ~~العيش بالرفيع منه ". ثم أضاف موسى - عليه السلام - إلى توبيخهم السابق ~~على بطرهم وجحودهم توبيخا آخر فقال لهم { اهبطوا مصرا فإن ~~لكم ما سألتم } أى إذا كان هذا هو مرغوبكم، فاتركوا هذا ~~المكان، وانزلوا إلى مصر من الأمصار، لكى تجدوا ما سألتمونى إياه من ~~البقل والثوم وأشباههما، لأن ما اخترتموه لا يوجد فى المكان الذى حللتم ~~به، وإنما يوجد فى الأمصار والقرى. وقوله تعالى { مصرا }. قال ابن ~~كثير " هكذا هو منون مصروف مكتوب بالألف فى المصاحف الأئمة العثمانية وهو ~~قراءة الجمهور بالصرف ". وقال ابن جرير " فأما القراءة فإنها بالألف ~~والتنوين { اهبطوا مصرا } وهى القراءة التى لا يجوز عندى غيرها، ~~لاجتماع خطوط مصاحف المسلمين واتفاق قراءة القراء على ذلك.. " اه. وقال ~~أبو حيان فى البحر " وقرأ الحسن وطلحة والأعمش وأبان ابن تغلب مصر بغير ~~تنوين، وقد وردت كذلك فى مصحف أبى بن كعب وعبد الله بن مسعود، وبعض مصاحف ~~عثمان - رضى الله عنه " اه. والمعنى على القراءة الأولى اهبطوا مصرا من ~~الأمصار لأنكم فى البدو، والذى طلبتم لا ms0125 يكون فى البوادى والفيافى وإنما ~~يكون فى القرى والأمصار، فإن لكم إذا هبطتموه ما سألتم من العيش. والمعنى ~~على القراءة الثانية اتركوا المكان الذى أنتم فيه، واهبطوا مصر التى كنتم ~~تسامون فيها سوء العذاب فإنكم تجدون فيها ما تبغونه، لأنكم قوم لا تقدرون ~~نعمة الحرية، ولا ترتاحون للفضائل النفسية، بل شأنكم - دائما - أن ~~تستبدلوا الذى هو أدنى بالذى هو خير. # ومن حجة الذين قالوا إن الله أراد بالمصر فى الآية الكريمة، مصر فرعون، ~~قوله تعالى فى سورة الشعراء # فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم ~~كذلك وأورثناها بني إسرائيل # وقوله تعالى فى سورة الدخان # كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ~~ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها ~~قوما آخرين # قالوا فأخبر الله - تعالى - أنه قد ورثهم ذلك، وجعلها لهم، فلم يكونوا ~~يرثونها، ثم لا ينتفعون بها، ولا يكونون منتفعين إلا بمصر بعضهم إليها. ~~قال ابن جرير " ومن حجة من قال إن الله - إنما عنى بقوله { اهبطوا ~~مصرا } أى مصرا من الأمصار دون مصر فرعون بعينها، أن الله - تعالى - ~~جعل أرض الشام لبنى إسرائيل مساكن بعد أن أخرجهم من مصر، وإنما ابتلاهم ~~بالتيه. فامتناعهم عن موسى فى حرب الجبابرة، إذ قال لهم # ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله لكم ~~ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين # إلى قوله تعالى # فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون # فحرم الله - تعالى - على قائل ذلك - فيما ذكر لنا - دخولها حتى هلكوا فى ~~التيه وابتلاهم بالتيهان فى الأرض أربعين سنة. ثم أهبط ذريتهم الشام، ~~فأسكنهم الأرض المقدسة، وجعل هلاك الجبابرة على أيديهم مع " يوشع بن نون ~~" بعد وفاة موسى بن عمران. فرأينا أن الله - تعالى - قد أخبر عنهم أنه ~~كتب لهم الأرض المقدسة، ولم يخبرنا عنهم أنه ردهم إلى مصر بعد إخراجه ~~إياهم منها، فيجوز لنا أن نقرأ { اهبطوا مصرا } ونتأوله أنه ردهم ~~إليها. قالوا فإن احتج محتج بقوله تعالى # فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم ~~كذلك وأورثناها بني إسرائيل # قيل لهم فإن ms0126 الله - تعالى - إنما أورثهم ذلك فملكهم إياها. ولم يردهم ~~إليها وجعل مساكنهم الشام " اه. قال أبو حيان فى البحر ولم يصرح أحد من ~~المفسرين والمؤرخين أنهم هبطوا من التيه إلى مصر اه. ومع أن ابن جرير - ~~رحمه الله - قد رد على من قال، إن المراد بالمصر مصر فرعون استنادا إلى ~~قراءة غير الجمهور، إلا أنه لم يرجح أحد الرأيين فقد قال والذى نقول به ~~فى ذلك، أنه لا دلالة فى كتاب الله - تعالى - على الصواب من هذين ~~التأويلين، ولا خبر به عن الرسول صلى الله عليه وسلم يقطع مجيئه العذر، ~~وأهل التأويل متنازعون تأويله، فأولى الأقوال فى ذلك عندنا بالصواب أن ~~يقال إن موسى سأل ربه أن يعطى قومه ما سألوه من نبات الأرض على ما بينه ~~الله - تعالى - فى كتابه وهم فى الأرض تائهون فاستجاب الله لموسى دعاءه ~~وأمره أن يهبط بمن معه من قومه قرارا من الأرض التى تنبت ما سأل لهم من ~~ذلك، إذا صاروا إليه، وجائز أن يكون ذلك القرار مصر، وجائز أن يكون ~~الشام. # .. ". ومن هذا النص الذى نقلناه عن ابن جرير، نرى أنه لم يقطع برأى فى ~~المكان الذى أمر بنو اسرائيل بالهبوط فيه وأنه يرى أن الله - تعالى - قد ~~استجاب لموسى - عليه السلام - دعاءه، وأن موسى وقومه قد هبطوا - فعلا - ~~إلى قرار من الأرض التى تنبت البقول وأشباهها. وقد عارض الإمام ابن ~~كثير فى تفسيره رأى ابن جرير فقال وهذا الذى قاله - أى ابن جرير - فيه ~~نظر، والحق أن المراد مصر من الأمصار، كما روى عن ابن عباس وغيره والمعنى ~~على ذلك، لأن موسى - عليه السلام - يقول لهم هذا الذى سألتم ليس بأمر ~~عزيز، بل هو كثير فى أى بلد دخلتموها وجدتموه، فليس يساوى مع دناءته ~~وكثرته فى الأمصار أن أسأل الله فيه، ولهذا قال { أتستبدلون ~~الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن ~~لكم ما سألتم } أى ما طلبتم، ولما كان سؤالهم هذا من باب البطر ~~والأشر ولا ضرورة فيه لم ms0127 يجابوا إليه والله أعلم. وبذلك يظهر لنا أن ابن ~~كثير - رحمه الله - يرى أن المراد بالمصر مكان غير معين وأن موسى - عليه ~~السلام - لم يسأل ربه إجابة طلبهم لأنهم كانوا متعنتين. بطرين، والله - ~~تعالى - يكره من كان كذلك، وأن قول موسى - عليه السلام - لهم " اهبطوا ~~مصرا فإن لكم ما سألتم " من باب التوبيخ والتجهيل لهم، إذ ليس حينئذ بلد ~~قريب يستطيعون الوصول إليه. هذا، والذى نرجحه فى هذا المقام هو ما ذهب ~~إليه الإمام ابن كثير لما يأتى أولا أن القراءة بالتنوين متواترة، وابن ~~جرير نفسه لم يجوز القراءة بغيرها، وهذه القراءة المتواترة، نص فى أن ~~المراد من مصر، أى بلد كان، لا مصر فرعون، ثم إذا كان المراد به ذلك فليس ~~لنا أن نقول إنه يصدق على مصر فرعون، وذلك لأن الأمصار التى تنبت ما ~~طلبوا من البقول والخضر أقرب إليهم من مصر، فليس من المعقول أن يؤمروا ~~بالذهاب إلى مصر فرعون وهى بعيدة عن مكانهم بعدا شاسعا، ويتركوا ~~الأمصار الأقرب إليهم وفيها ما يريدون. ثانيا لم ينقل أحد من المؤرخين ~~أنهم رجعوا إلى مصر بعد خروجهم منها كما قال أبو حيان وغيره، بل الثابت ~~أن بنى إسرائيل خرجوا من مصر، وأمروا بعد خروجهم بدخول الأرض المقدسة ~~لقتال الجبارين ولكنهم أبوا طاعة نبيهم - عليه السلام - فعذبوا بالتيه ~~أربعين سنة لتخلفهم عن قتال الجبارين، ولعصيانهم أمر نبيهم وماتوا جميعا ~~فى التيه، وبقى أبناؤهم فامتثلوا أمر الله - تعالى - وهبطوا إلى الشام. # وقاتلوا الجبارين ودخلوا الأرض المقدسة بقيادة يوشع بن نون. ثالثا ليس ~~فى الآية ما يشعر بأن موسى - عليه السلام - طلب من ربه أن يجيبهم إلى ~~رغبتهم فكيف نقول بما لم يدل عليه القرآن الكريم ولو من طريق الإشارة؟ ~~رابعا دخولهم فى التيه كان عقوبة لهم على نكوصهم عن قتال الجبارين، ~~ليدخلوا الأرض المقدسة التى كتبها الله لهم. فالتيه والحالة هذه كان ~~بمثابة سجن لهم يعاقبون فيه، كما يشعر بذلك قوله تعالى # فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون فى ~~الأرض # فكيف ms0128 يخرج السجين من سجنه تلبية لبعض رغباته المنكرة. وبناء على ذلك ~~يكون الأمر فى قول موسى لهم { اهبطوا مصرا فإن لكم ما ~~سألتم } للتهديد والتوبيخ والتجهيل. ثم بين - سبحانه - العقوبات ~~التى حلت بهم جزاء ظلمهم وفجورهم فقال تعالى { وضربت عليهم ~~الذلة والمسكنة وبآءو بغضب من الله } ضرب الذلة ~~والمسكنة عليهم كناية عن لزومهما لهم، وإحاطتهما بهم، كما يحيط السرادق ~~بمن بداخله. قال صاحب الكشاف جعلت الذلة محيطة بهم، مشتملة عليهم، فهم ~~فيها كمن يكون فى القبة من ضربت عليه، أو ألصقت به حتى لزمتهم ضربة لازب ~~كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه، فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة ~~ومدقعة. وأصل الضرب فى كلام العرب يرجع إلى معنى التقاء ظاهر جسم، بظاهر ~~جسم آخر بشدة، يقال ضرب بيده الأرض إذا ألصقها بها، وتفرعت عن هذا معان ~~مجازية ترجع إلى شدة اللصوق. والذلة على وزن فعلة من قول القائل ذل فلان ~~يذل ذلة وذلة، والمراد بها الصغار والهوان والحقارة. والمسكنة، مفعلة من ~~السكون، ومنها أخذ لفظ المسكين، لأن الهم قد أثقلة فجعله قليل الحركة ~~والنهوض، لما به من الفاقه والفقر، والمراد بها فى الآية الضعف النفسى، ~~والفقر القلبى الذى يستولى على الشخص، فيجعله يحس بالهوان، مهما يكن لديه ~~من أسباب القوة. والفرق بينها وبين الذلة. أن الذلة هوان تجىء أسبابه من ~~الخارج، كأن يغلب المرء على أمره نتيجة انتصار عدوه عليه فيذل لهذا ~~العدو. أما المسكنة فهى هوان ينشأ من داخل النفس نتيجة بعدها عن الحق ~~واستيلاء المطامع والشهوات عليها، وتوارث الذلة قرونا طويلة يورث هذه ~~المسكنة، ويجعلها كالطبيعة الثابتة فى الشخص المستذل. ولقد عاش اليهود ~~قرونا وأحقابا مستعبدين لمختلف الأمم، فأكسبهم هذا الاستعباد ضعفا ~~نفسيا جعلهم لا يفرقون بين الحياة الذليلة والكريمة، بل إنهم ليفضلون ~~الأولى على الثانية ما دامت تجلب لهم غرضا من أغراض الدنيا، ومهما كثر ~~المال فى أيديهم، فإنهم لا يتحولون عن فقرهم النفسى وظهورهم أمام الناس ~~بمظهر البائس الفقير. # وقوله تعالى { وبآءو بغضب من الله } بيان لسوء عاقبتهم ms0129 فى ~~الآخرة ومبالغة فى إهانتهم وتحقيرهم، فهم فى الدنيا أذلاء حقراء، وفى ~~الآخرة سيرجعون بغضب من الله بسبب أفعالهم القبيحة. قال ابن جرير - رحمه ~~الله - يعنى بقوله تعالى { وبآءو بغضب من الله } انصرفوا ~~ورجعوا، ولا يقال باءوا إلا موصولا إما بخير وإما بشر يقال منه باء فلان ~~بذنبه يبوء بوأ وبواء، ومنه قوله تعالى # إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك # يعنى تنصرف متحملهما، وترجع بهما قد صارا عليك دونى، فمعنى الكلام إذا. ~~ورجعوا منصرفين متحملين غضب الله، قد صار عليهم من الله غضب، ووجب عليهم ~~منه سخط. وقال صاحب الكشاف { وبآءو بغضب من الله } من قولك ~~باء فلان بفلان، إذا كان حقيقا بأن يقتل به لمساواته له ومكافأته، أى ~~صاروا أحقاء بغضبه. ثم صرح - سبحانه - بعد ذلك بسبب ما أحاط بهم من الذلة ~~والمسكنة واستحقاقهم غضب الله وسخطه، فقال تعالى { ذلك بأنهم ~~كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبيآء ~~بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون }. ~~والجملة الكريمة استئناف بيان جواب عن سؤال تقديره لم فعل بهم كل ذلك؟ ~~فكان الجواب، فعلنا بهم بسبب جحودهم لآيات الله، وبسبب قتلهم لأنبيائه، ~~وخروجهم عن طاعته ومجاوزتهم حدودهم والآيات تطلق ويراد بها الأدلة ~~الشاهدة على وحدانية الله تعالى وربوبيته، وتطلق ويراد بها النصوص التى ~~تشتمل عليها الكتب السماوية، وتطلق ويراد بها الأدلة الشاهدة على صدق ~~الرسل - عليهم الصلاة والسلام - فيما يبلغون عن الله - تعالى - وهى التى ~~يسميها علماء التوحيد المعجزات، وقد كفر اليهود بكل هذه الضروب من ~~الآيات، ومردوا على ذلك كما يفيده التعبير بالفعل المضارع { يكفرون ~~}. وقوله تعالى { ويقتلون النبيين بغير الحق } أى ~~ويقتلون أنبياء الله الذين بعثهم مبشرين ومنذرين، ولقد قتل اليهود - فيمن ~~قتلوا من الأنبياء - زكريا وابنه يحيى - عليهما السلام - لأنهما أبيا ~~الانقياد وراء شهواتهم وأهوائهم. وقال - سبحانه - { بغير الحق } ~~مع أن قتل الأنبياء لا يكون بحق أبدا، لإفادة أن قتلهم لهم كان بغير ~~وجه معتبر فى شريعتهم لأنها تحرمه، # أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى الأرض ~~فكأنما ms0130 قتل الناس جميعا # فهذا القيد المقصود به الاحتجاج عليهم بأصول دينهم وتخليد مذمتهم، ~~وتقبيح إجرامهم، حيث إنهم قتلوا أنبياءهم بدون خطأ فى الفهم، أو تأول فى ~~الحكم، أو شبهة فى الأمر، وإنما فعلوا ما فعلوا وهم عالمون بقبح ما ~~ارتكبوا، وخالفوا شرع الله عن تعمد وإصرار. قال صاحب الكشاف " فإن قلت ~~قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق فما فائدة ذكره؟ قلت معناه أنهم ~~قتلوهم بغير الحق عندهم، لأنهم لم يقتلوا ولا أفسدوا فى الأرض فيقتلوا، ~~وإنما نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم، فلو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم ~~لم يذكروا وجها يستحقون به للقتل عندهم ". # وقال الإمام الرازى " فإن قيل قال هنا { ويقتلون النبيين ~~بغير الحق } وقال فى آل عمران # ويقتلون النبيين بغير الحق # فما الفرق؟ قلت. إن الحق المعلوم فيما بين المسلمين الذى يوجب القتل ~~يتجلى فى حديث # " " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث " كفر بعد إيمان، وزنا بعد ~~إحصان، وقتل نفس بغير حق " # فالحق المذكور هنا بحرف التعريف إشارة إلى هذا وأما الحق المنكر فالمراد ~~به تأكيد العموم، أى لم يكن هناك أى حق يستندون إليه، لا هذا الذى يعرفه ~~المسلمون ولا غيره البتة ". ثم قال تعالى { ذلك بما عصوا ~~وكانوا يعتدون }. العصيان الخروج عن طاعة الله. والاعتداء ~~تجاوز الحد الذى حده الله - تعالى - لعباده إلى غيره. وكل متجاوز حد شىء ~~إلى غيره فقد تعداه إلى ما جاوز إليه. وللمفسرين فى مرجع الإشارة " ذلك ~~" رأيان أحدهما أنه يعود إلى كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء، وعليه ~~يكون المعنى إن هؤلاء اليهود قد مرنوا على عصيانهم لخالقهم، وتعديهم ~~حدوده بجرأة وعدم مبالاة فنشأ عن هذا التمرد والطغيان أن كفروا بآيات ~~الله - تعالى - وامتدت أيديهم الأثيمة إلى قتل الأنبياء بقلوب كالحجارة ~~أو أشد قسوة. والجملة الكريمة على هذا الرأى تفيد أن التردى فى المعاصى ~~وارتكاب المناهى، وتجاوز الحدود المشروعة، يؤدى إلى الانتقال من صغير ~~الذنوب إلى كبيرها، ومن حقيرها إلى عظيمها، لأن هؤلاء اليهود لما ~~استمرأوا المعاصى وداوموا على ms0131 تعدى الحدود، هانت على نفوسهم الفضائل، ~~وانكسرت أمام شهواتهم كل المثل العليا، فكذبوا بآيات الله تكذيبا وقتلوا ~~من جاءهم بالهدى ودين الحق. والثانى يرى أصحابه أن اسم الاشارة الثانى ~~يعود إلى نفس المشار إليه باسم الإشارة الأول، وتكون الحكمة فى تكرار ~~الإشارة هو تمييز المشار إليه حرصا على معرفته ويكون العصيان والاعتداء ~~سببين آخرين لضرب الذلة والمسكنة عليهم، واستحقاقهم لغضب الله - تعالى - ~~كما بينا، والإشارة حينئذ من قبيل التكرير المغنى عن العطف كما فى قوله ~~تعالى # أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم ~~الغافلون # والمعنى أن هؤلاء اليهود قد لزمتهم الذلة والمسكنة، وصاروا أحقاء بسخط ~~الله بسبب كفرهم بآياتنا. وقتلهم أنبياءنا، وخروجهم عن طاعتنا وتعديهم ~~لحدودنا. وعلى هذا الرأى يكون ذكر أسباب العقوبة التى حلت بهم فى الدرجة ~~العليا من حسن الترتيب، فقد بدأ - سبحانه - بما فعلوه فى حقه وهو كفرهم ~~بآياته، ثم ثنى بما يتلوه فى العظم وهو قتلهم لأنبيائهم، ثم وصمهم بعد ~~ذلك بالعصيان والخروج عن طاعته ثم ختم أسباب العقوبة بدمغهم بالاعتداء، ~~وتخطى الحدود، وعدم المبالاة بالعهود، وهذا الترتيب من لطائف أسلوب ~~القرآن الكريم فى سوق الأحكام، مشفوعة بعللها وأسبابها. وبهذا تكون الآية ~~الكريمة قد وصفت بنى إسرائيل بجحود النعم، وسوء الأدب وحمق التفكير، ~~وهوان النفس، وبلادة الطبع، وبطر الحق، والبغى على أنفسهم وعلى غيرهم، ~~وما وصفتهم به أيدته الأيام وصدقته الأحداث فى كل زمان ومكان. وبعد أن ~~بين القرآن الكريم ما حل باليهود من عقوبات بسبب جحودهم لنعم الله، ~~وكفرهم بآياته - أردف بذلك ما وعد الله به المؤمنين من جزيل الثواب. فقال ~~- تعالى { إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى ~~والصابئين... }. ### || [2.62] # ففى هذه الآية الكريمة حدثنا القرآن عن أربع فرق من الناس أما الفرقة ~~الأولى فهى فرقة الذين آمنوا، والمراد بهم الذين آمنوا بالنبى صلى الله ~~عليه وسلم، وصدقوه. وابتدأ القرآن بهم للإشعار بأن دين الإسلام دين ~~قائم على أساس أن الفوز برضا الله لا ينال إلا بالإيمان الصادق والعمل ~~الصالح، ولا فضل لأمة على أمة ms0132 إلا بذلك، كما قال - تعالى - # إن أكرمكم عند الله أتقاكم # وأما الفرقة الثانية فهى فرقة الذين هادوا، أى صاروا يهودا، يقال هاد ~~وتهود، أى دخل فى اليهودية، وسموا يهودا نسبة إلى يهوذا أكبر أولاد ~~يعقوب - بقلب الذال دالا فى التعريب - أو سموا يهودا حين تابوا من عبادة ~~العجل، من هاد يهود هودا بمعنى تاب. ومنه # إنا هدنآ إليك # أى تينا. والفرقة الثالثة هى فرقة النصارى، جمع نصران بمعنى نصرانى، ~~كندامى وندمان والياء فى نصرانى للمبالغة، وهم قوم عيسى - عليه السلام - ~~قيل سموا بذلك لأنهم كانوا أنصارا له، وقيل إن هذا الاسم مأخوذ من ~~الناصرة وهى القرية التى كان عيسى - عليه السلام - قد نزلها. وأما الفرقة ~~الرابعة فهى فرقة الصابئين جمع صابئ، وهو الخارج من دين إلى دين، يقال ~~صبا الظلف والناب والنجم - كمنع وكرم - إذا طلع. والمراد بهم الخارجون ~~من الدين الحق إلى الدين الباطل، وهم قوم يعبدون الكواكب أو الملائكة، ~~ويزعمون أنهم على دين صابئ بن شيث بن آدم. وذكر القرآن الصابئة فى هذا ~~المقام وهم من أبعد الأمم ضلالا. لينبه على أن الإيمان الصحيح والعمل ~~الصالح يرفعان صاحبهما إلى مرتقى الفلاح. حتى ولو سبق له أنه بلغ فى ~~الكفر والفجور أقصى غاياته. والإيمان المشار إليه فى قوله - تعالى - { ~~من آمن بالله واليوم الآخر }. الخ، يفسره بعض العلماء ~~بالنسبة لليهود والنصارى بمعنى صدور الإيمان منهم على النحو الذى قرره ~~الدين الحق، فمن لم تبلغه منهم دعوة الإسلام، وكان ينتمى إلى دين صحيح ~~فى أصله بحيث يؤمن بالله واليوم الآخر ويقدم العمل الصالح على الوجه الذى ~~يرشده إليه دينه، فله أجره على ذلك عند ربه. أما الذين بلغتهم دعوة ~~الإسلام من تلك الفرق ولكنهم لم يقبلوها فإنهم لا يكونون ناجين من عذاب ~~الله مهما ادعوا بأنهم يؤمنون بغيرها، لأن الشريعة الإسلامية قد نسخت ما ~~قبلها والرسول صلى الله عليه وسلم يقول # " لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعى ". # ويفسرونه - أى الإيمان - بالنسبة للمؤمنين المشار إليهم بقوله تعالى { ~~إن الذين ms0133 آمنوا... } على أنه بمعنى الثبات والدوام والإذعان، ~~وبذلك ينتظم عطف قوله - تعالى - { وعمل صالحا } على قوله { آمن ~~} مع مشاركة هؤلاء المؤمنين لتلك الفرق الثلاث فيما يترتب على الإيمان ~~والعمل الصالح من ثواب جزيل، وعاقبة حميدة. # وبعض العلماء يرى أن معنى { من آمن } أى من أحدث من هذه الفرق ~~إيمانا بالنبى صلى الله عليه وسلم وبما جاء من عند ربه، قالوا لأن مقتضى ~~المقام هو الترغيب فى دين الإسلام، وأما بيان من مضى على دين آخر قبل ~~نسخه فلا ملابسة له بالمقام، فضلا عن أن الصابئين ليس لهم دين تجوز ~~رعايته فى وقت من الأوقات. ثم بين - سبحانه - عاقبتهم فقال { فلهم ~~أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون }. الأجر الجزاء على العمل، وسمى الله ما يعطيه للمؤمن ~~العامل أجرا على سبيل التفضل منه. وقال { عند ربهم } ليدل على ~~عظم الثواب، لأن ما يكون عند الله من الجزاء على العمل لا يكون إلا ~~عظيما، ولأن المجازى لهم هو ربهم المنعوت بصفات الكرم والرحمة وسعة ~~العطاء. والمعنى إن هؤلاء الذين آمنوا بالله عن تصديق وإذعان، وقدموا ~~العمل الصالح الذى ينفعهم يوم لقائه، هؤلاء لهم أجرهم العظيم عند ربهم، ~~ولا يفزعون من هول يوم القيامة كما يفزع الكافرون، ولا يفوتهم نعيم، ~~فيحزنون عليه كما يحزن المقصرون. ثم واصل القرآن حديثه مع بنى إسرائيل، ~~فذكرهم بنعمة شمول الله إياهم برحمته وفضله رغم توليهم عن طاعته ونقضهم ~~لميثاقه فقال تعالى { وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا ~~فوقكم...لكنتم من الخاسرين }. ### || [2.63-64] # قال ابن جرير " وكان سبب أخذ الميثاق عليهم فيما ذكره ابن زيد، ما حدثنى ~~به يونس بن عبد الأعلى، قال أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد لما رجع موسى من ~~عند ربه بالألواح قال لقومه بنى إسرائيل إن هذه الألواح فيها كتاب الله، ~~وأمره الذى أمركم به ونهيه الذى نهاكم عنه. فقالوا ومن يأخذ بقولك أنت، ~~لا والله حتى نرى الله جهرة، حتى يطلع الله علينا فيقول " هذا كتابى فخذه ~~" فما له لا يكلمنا كما كلمك ms0134 أنت يا موسى قال فجاءت غضبة من الله، ~~فجاءتهم صاعقة فصعقتهم فماتوا جميعا، قال ثم أحياهم الله بعد موتهم فقال ~~لهم موسى خذوا كتاب الله. فقالوا لا. قال أى شىء أصابكم؟ قالوا متنا ~~جميعا، ثم حيينا قال خذوا كتاب الله. قالوا لا. فبعث الله ملائكة فنتقت ~~الجبل فوقهم، فقيل لهم أتعرفون هذا؟ قالوا نعم، هذا الطور. قال خذوا ~~الكتاب وإلا طرحناه عليكم، قال فأخذوا بالميثاق. قال ولو كانوا أخذوه أول ~~مرة لأخذوه بغير ميثاق ". ومعنى الآيتين الكريمتين واذكروا - يا بنى ~~إسرائيل - لتعتبروا وتنتفعوا وقت أن أخذنا عليكم جميعا العهد بأن تعبدوا ~~الله وحده، وتتبعوا ما جاءكم به رسله، وتعملوا بما فى التوراة، واذكروا ~~كذلك وقت أن رفعنا فوق أسلافكم الطور تهديدا لهم بالعقوبة إذا لم يطيعوا ~~أوامر الله، وليشهدوا آية من آيات الله الدالة على قدرته، وقلنا لكم ~~جميعا. خذوا ما آتيناكم فى كتابكم من تكاليف بجد وعزم واجتهاد، واذكروا ~~ما فيه وتدبروه وسيروا على هديه لتتقوا الهلاك فى الدنيا والعذاب فى ~~الآخرة، ولكن الذى حصل منكم جميعا أنكم أعرضتم عن العمل بما أخذ عليكم، ~~فتركتم تعاليم كتابكم وآذيتم أنبياءكم، ولوا أن الله - تعالى - رأف بكم، ~~ووفقكم للتوبة، وعفا عن زلاتكم، لكنتم من الهالكين فى دنياكم وآخرتكم. ~~وقوله تعالى { وإذ أخذنا ميثاقكم } تذكير لبنى إسرائيل بنعمة ~~من أمثال النعم الواردة فى الآيات السابقة، لأن أخذ الميثاق عليهم ~~ليعملوا بما فى التوراة من الأمور العائد عليهم نفعها. وقوله تعالى { ~~ورفعنا فوقكم الطور } أى أعليناه، وجعلناه فوق رءوسكم ~~كالمظلة. والطور اسم للجبل الذى ناجى عليه موسى ربه - تعالى - كان بنو ~~إسرائيل بأسفله فرفع فوق رءوسهم. وقوله تعالى { خذوا مآ ~~ءاتينكم بقوة } مقول لقول محذوف، دل عليه المعنى، والتقدير ~~وقلنا لهم خذوا ما آتيناكم بقوة، أى تمسكوا به، واعملوا بما فيه يجد ~~ونشاط، وتقبلوه واجتنبوا نواهيه، واعملوا ما جاء به بدون تردد. والمراد " ~~بما آتيناكم " التوراة التى أنزلها الله تعالى على موسى لتكون هدى ونورا ~~لهم. وقوله تعالى { واذكروا ما فيه } أى احفظوه ms0135 وتدبروه ~~وتدارسوه، وامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، واعملوا بكل ما جاء فيه بلا ~~تعطيل لشىء منه. # قال الإمام القرطبى " وهذا هو المقصود من الكتب، العمل بمقتضاها لا ~~تلاوتها باللسان - فحسب -، فقد روى النسائى عن أبى سعيد الخدرى - رضى ~~الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن من الشر الناس رجلا فاسقا يقرأ القرآن، لا يرعوى إلى شىء منه ". # و " لعل " فى قوله تعالى { لعلكم تتقون } إما للتعليل، فيكون ~~المعنى خذوا الكتاب بجد وعزم، واعملوا بما فيه بصدق وطاعة، لتتقوا الهلاك ~~فى عاجلتكم وآجلتكم، وإما للترجى، وهو منصرف إلى المخاطبين، فيكون المعنى ~~خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه ولا تنسوه، وأنتم ترجون أن تكونوا ~~من طائفة المتقين. وقوله تعالى { ثم توليتم من بعد ذلك ~~} بيان لنقضهم وإعراضهم عن العمل بالميثاق الذى أخذ عليهم، ونبذوه خلف ~~ظهورهم. والمشار إليه بقوله تعالى { ذلك } أخذ الميثاق عليهم، وقبول ~~ما أوتوه من الكتاب، والمعنى ثم أعرضتم وانصرفتم عن طاعتى بعد أخذ ~~الميثاق عليكم، ومشاهدتكم للآيات التى تستكين لها القلوب لأن قلوبكم ~~كالحجارة أو أشد قسوة. وقوله تعالى { فلولا فضل الله ~~عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين } تصريح بما ~~حباهم به - سبحانه - من رأفة بهم، وقبول لتوبتهم، وعفو عن خطيئاتهم، ~~فكأنه - سبحانه - يقول لهم إنكم بإعراضكم عن طاعتى، ونقضكم لعهدى، ~~وإهمالكم العمل بكتابى، وعدم تأثركم بآياتى ونذرى، قد استحققتم غضبى ~~وعذابى، ولكن حال دون حلولهما بكم. فضلى الذى تدارككم ورحمتى التى ~~وسعتكم، ولطفى وإمهالى لكم، ولولا ذلك لكنتم من الخاسرين فى دنياكم ~~وآخرتكم، بسبب ما اجترحتم من نقض ميثاقكم. وبذلك تكون الآيتان قد ذكرتا ~~بنى إسرائيل المعاصرين للعهد النبوى بما كان من أسلافهم من جحود النعمة، ~~ونقض للعهد، وفى هذا التذكير تحذير لهم من السير على طريقتهم، ودعوة لهم ~~إلى الدخول فى الإسلام واتباع محمد صلى الله عليه وسلم. ثم ذكرهم - ~~سبحانه - بسوء عاقبة الذين اعتدوا منهم فى السبت، وحذرهم من أن بنهجوا ~~نهجهم فقال - تعالى - { ولقد علمتم الذين اعتدوا ~~منكم...وموعظة للمتقين }. ### || [2.65-66] # الاعتداء ms0136 مجاوزة الحد، يقال اعتدى فلان وتعدى إذا ظلم. والسبت المراد به ~~اليوم المسمى بهذا الاسم، وأصل السبت - كما قال ابن جرير - الهدوء ~~والسكون فى راحة ودعة، ولذلك قيل للنائم مسبوت لهدوئه وسكون جسده ~~واستراحته. كما قال - جل ثناؤه - # وجعلنا نومكم سباتا # أى راحة لأبدانكم، وهو مصدر، من قول القائل سبت فلان يسبت سبتا. ~~وملخص قصة اعتداء بنى إسرائيل فى يوم السبت، أن الله - تعالى - أخذ عليهم ~~عهدا بأن يتفرغوا لعبادته فى ذلك اليوم، وحرم عليهم الاصطياد فيه دون ~~سائر الأيام، وقد أراد - سبحانه - أن يختبر استعدادهم للوفاء بعودهم، ~~فابتلاهم بتكاثر الحيتان فى يوم السبت دون غيره، فكانت تتراءى لهم على ~~الساحل فى ذلك اليوم قريبة المأخذ سهلة الاصطياد فقالوا لو حفرنا إلى ~~جانب ذلك البحر الذى يزخر بالأسماك يوم السبت حياضا تنساب إليها المياه ~~فى ذلك اليوم ثم نصطادها من تلك الحياض فى يوم الأحد وما بعده، وبذلك ~~نجمع بين احترام ما عهد إلينا فى يوم السبت، وبين ما تشتهيه أنفسنا من ~~الحصول على تلك الأسماك، فنصحهم فريق منهم بأن عملهم هذا إنما هو امتثال ~~ظاهرى لأمر الله، ولكنه فى حقيقته خروج عن أمره من ترك الصيد فى يوم ~~السبت، فلم يعبأ أكثرهم بذلك، بل نفذ تلك الحيلة، فغضب الله عليهم ومسخهم ~~قردة، وجعلهم عبرة لمن عاصرهم ولمن أتى بعدهم.. والحديث عن أصحاب السبت ~~قد جاء ذكره مفصلا فى سورة الأعراف كما جاءت الإشارة إليه فى سورتى ~~النحل والنساء. ثم بين - سبحانه - العقوبة التى حلت بهم بسبب اعتدائهم فى ~~يوم السبت، وتحايلهم على استحلال محارم الله فقال - تعالى - { فقلنا ~~لهم كونوا قردة خاسئين }. أى صاغرين مطرودين مبعدين عن ~~الخير أذلاء. والخسوء الطرد والإبعاد. يقال خسأت الكلب خسأ وخسوءا - من ~~باب منع - طردته وزجرته، وذلك إذا قلت له اخسأ. وجمهور المفسرين على أنهم ~~مسخوا على الحقيقة ثم ماتوا بعد ذلك بوقت قصير. ويرى مجاهد أنهم لم تمسخ ~~صورهم ولكن مسخت قلوبهم، أى إنهم مسخوا مسخا نفسيا فصاروا كالقردة فى ~~شرورها وإفسادها ms0137 لما تصل إليه أيديها. وتلك العقوبة كانت بسبب إمعانهم فى ~~المعاصى، وتأبيهم عن قبول النصيحة، وضعف إرادتهم أمام مقاومة أطماعهم، ~~وانتكاسهم إلى عالم الحيوان لتخليهم عن خصائص الإنسان، فكانوا حيث ~~أرادوا لأنفسهم من الصغار والهوان. والضمير فى قوله { فجعلناها } ~~يعود إلى العقوبة التى هى مسخهم قردة و { نكالا } أى عبرة تنكل ~~المعتبر بها بحيث تمنعه وتردعه من ارتكاب الشر. يقال نكل به تنكيلا إذا ~~صنع به صنعا يردعه ويجعل غيره يخاف ويحذر. # والاسم النكال وهو ما نكلت به غيرك، وأصله من النكل - بالكسر - وهو ~~القيد الشديد وجمعه أنكال. وقوله " لما بين يديها وما خلفها. أى للذين ~~كانوا قبل هذه العقوبة وعاشوا حتى شاهدوها، وللذين أتوا بعدها وعرفوا عن ~~يقين خبرها. والمعنى فجعلنا هذه العقوبة عبرة زاجرة لمن كان قبلها وعاش ~~حتى رآها ولمن أتى بعدها وعلم يقينا بحال العادين فى السبت الذين مسخوا ~~بسبب عصيانهم تحذيرا له من أن يعمل عملهم، فيمسخ كما مسخوا، ويحل به ~~العذاب الذى حل بهم. كما جعلناها أيضا { وموعظة للمتقين } ~~الذين يسمعون قصتها فهم الذين من شأنهم أن ينتفعوا بالعظات، ويعتبروا ~~بالمثلات. ثم ساق القرآن بعد ذلك قصة من قصص بنى إسرائيل تدل على تنطعهم ~~فى الدين، ومحاولتهم تضييق ما وسعه الله عليهم، وتهربهم من الانصياع ~~لكلمة الحق، وتشككهم فى صدق أنبيائهم، وتعنتهم فى السؤال. وهذه القصة هى ~~قصة أمرهم على لسان نبيهم موسى - عليه السلام - بذبح بقرة. استمع إلى ~~القرآن الكريم، وهو يحكى هذه القصة بأسلوبه البليغ الحكيم فيقول { وإذ ~~قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا ~~بقرة قالوا أتتخذنا هزوا...وما الله بغافل ~~عما تعملون }. ### || [2.67-74] # روى المفسرون أنه كان فى بنى إسرائيل رجل غنى، وله ابن عم فقير لا وارث ~~له سواه، فلما طال عليه موته قتله ليرثه، وحمله إلى قرية أخرى فالقاه ~~فيها، ثم أصبح يطلب ثأره وجاء بناس إلى نبيهم موسى - عليه السلام - يدعى ~~عليهم القتل، فسألهم موسى - عليه السلام - فجحدوا فسألوه أن يدعو الله ~~ليبين لهم بدعائه القاتل الحقيقى، ms0138 فدعا موسى ربه فأوحى الله - تعالى - ~~إليه أن يطلب منهم أن يذبحوا بقرة، فقال لهم موسى { إن الله ~~يأمركم أن تذبحوا بقرة... }. وقد ساق القرآن الكريم هذه ~~القصة بأسلوبه البديع الذى يأخذ بمجامع القلوب، ويحرك النفوس إلى النظر ~~والاعتبار، فقال تعالى { وإذ قال موسى لقومه إن الله ~~يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا ~~هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين }. ~~ومعنى الآية الكريمة واذكروا يا بنى إسرائيل - لتعتبروا وتتعظوا وقت أن ~~حدث فى أسلافكم قتيل ولم يعرف الجانى. فطلب بعض أهله وغيرهم ممن يهمه ~~الأمر من موسى - عليه السلام - أن يدعو الله - تعالى - ليكشف لهم عن ~~القاتل الحقيقى، فقال لهم { إن الله يأمركم أن تذبحوا ~~بقرة } فدهشوا وقالوا بسفاهة وحماقة { أتتخذنا هزوا } أى ~~أتجعلنا موضع سخريتك؟ { قال أعوذ بالله أن أكون من ~~الجاهلين } الذين يخبرون عنه بما لم يأمر به. والذى عليه جمهور ~~المفسرين أمرهم بذبح البقرة كان بعد تنازعهم فى شأن القاتل من هو؟ وذلك ~~ليعرف القاتل الحقيقى إذا ضرب القتيل ببعضها، كما سيأتى فى قوله تعالى { ~~وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ~~ما كنتم تكتمون }. وقد أمرهم الله - تعالى - بذبح بقرة دون ~~غيرها من الحيوانات لأنها من جنس ما عبدوه وهو العجل، وفى أمرهم بذلك ~~تهوين لشأن هذا الحيوان الذى عظموه وعبدوه وأحبوه فكأنه - سبحانه - يقول ~~لهم إن هذا البقر الذى يضرب به المثل فى البلادة، لا يصلح أن يكون ~~معبودا من دون الله، وإنما يصلح للحرث والسقى والعمل والذبح. وقولهم { ~~أتتخذنا هزوا }؟ يدل على سفههم وسوء ظنهم بنبيهم وعدم توقيرهم ~~له وجهلهم بعظمة الله - تعالى - وما يجب أن يقابل به أمره من الانقياد ~~والامتثال، لأنهم لو كانوا عقلاء لامتثلوا أمر نبيهم، وانتظروا النتيجة ~~بعد ذلك. ولكنهم قوم لا يعقلون. ولما كان قولهم هذا القول يدل على ~~اعتقادهم بأن موسى - عليه السلام - قد أخبر عن الله بما لم يؤمر به، ~~أجابهم موسى بقوله { أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ~~} أى ألتجئ إلى الله وأبرأ إليه من ms0139 أن أكون من السفهاء الذين يروون عنه ~~الكذب والباطل، وفى هذا الجواب تبرؤ وتنزه عن الهزء، وهو المزاح الذى ~~يخالطه احتقاره واستخفاف بالممازح معه - لأنه لا يليق بعقلاء الناس فضلا ~~عن رسل الله - عليهم السلام - كما أن فيه - أيضا - ردا لهم - عن طريق ~~التعريض بهم - إلى جادة الأدب الواجب فى جانب الخالق، حيث بين لهم أن ما ~~ظنوه به لا يليق إلا بمن يجهل عظمة الله - تعالى -. # قال فضيلة المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين عند تفسيره للآية الكريمة وقد ~~نبهت الآية الكريمة، على أن الاستهزاء بأمر من أمور الدين جهل كبير، ومن ~~الجهل ما يلقى صاحبه فى أسوأ العواقب، ويقذف به فى عذاب الحريق، ومن هنا ~~منع المحققون من أهل العلم استعمال الآيات كأمثال يضربونها فى مقام المزح ~~والهزل، وقالوا إنما أنزل القرآن الكريم ليتلى يتدبر وخشوع، وليعمل به ~~بتقبل وخضوع. هذا وما أرشدهم إليه نبيهم - عليه السلام - كان كافيا ~~لحملهم على أن يذبحوا أى بقرة تنفيذا لأمر ربهم، ولكن طبيعتهم الملتوية ~~المعقدة لم تفارقهم، فأخذوا يسألون كما أخبر القرآن عنهم بقوله { ادع ~~لنا ربك يبين لنا ما هي }؟ أى قال بنو إسرائيل لموسى ~~اطلب لنا من ربك أن يبين لنا حالها وصفاتها. وسبب سؤالهم عن صفتها، ~~تعجبهم من بقرة مذبوحة بأيديهم، يضرب ببعضها ميت لتعود إليه الحياة، ~~وكأنهم - لقلة فهمهم - قد توقعوا أن البقرة التى يكون لها أثر فى معرفة ~~قاتل القتيل، لا بد أن تكون لها صفة متميزة عن سائر جنسها. وسؤالهم بهذه ~~الطريقة يوحى بسوء أدبهم مع الله - تعالى - ومع نبيهم موسى - عليه السلام ~~- لأنهم قالوا { ادع لنا ربك } فكأنما هو رب موسى وحده، لا ربهم ~~كذلك، وكأن المسألة لا تعنيهم هم إنما تعنى موسى وربه ومع هذا فقد أجابهم ~~إجابة المربى الحكيم للأنباع السفهاء الذين ابتلى بهم فقال { قال ~~إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان ~~بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون }. أى قال لهم موسى بعد أن ~~أخبره الله بصفتها إنه - تعالى - يقول إن ms0140 البقرة التى آمركم بذبحها لا ~~مسنة ولا صغيرة، بل نصف بينهما، فاتركوا الإلحاح فى الأسئلة، وسارعوا ~~إلى امتثال ما أمرتم به. وقد أكد - سبحانه - جملة { قال إنه ~~يقول إنها بقرة } تنزيلا لهم منزلة المنكرين لتعنتهم فى ~~السؤال ومحاولتهم التنصل مما أمروا به. ولم يقل القرآن الكريم من أول ~~الأمر إنها بقرة عوان بل جاء بالوصفين السابقين { لا فارض ولا ~~بكر } للتعريض بغباوتهم، والتلميح بعدم فهمهم للأساليب الموجزة، لذا ~~لجأ فى جوابهم إلى تكنير التوصيف حتى لا يعودوا إلى تكرار الأسئلة. وقوله ~~تعالى { فافعلوا ما تؤمرون } يقصد به قطع العذر مع الحض على ~~الطاعة والامتثال. # وما موصولة، والعائد محذوف بعد حذف جاره، على طريقة التوسع، أى إذا كان ~~الأمر كذلك، فبادروا إلى تنفيذ ما تؤمرون به، لتصلوا إلى معرفة القاتل ~~الحقيقى بأيسر طريق، ولا تضيقوا على أنفسكم ما وسعه الله لكم، ولا تكثروا ~~من المراجعة، فإنها ليست فى مصلحتكم. ومع ذلك فقد أبوا إلا تنطعا، ~~واستقصاء فى السؤال، فأخذوا يسألون عن لونها بعد أن عرفوا سنها، فقالوا ~~كما حكى القرآن عنهم { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما ~~لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفرآء فاقع ~~لونها تسر الناظرين }. والمعنى قال بنو إسرائيل لنبيهم، ~~مشددين على أنفسهم بعد أن عرفوا صفة البقرة من جهة سنها سل لنا ربك يبين ~~لنا ما لونها، لكى يسهل علينا الحصول عليها، فأجابهم بقوله إنه - تعالى - ~~يقول إن البقرة التى أمرتكم بذبحها صفراء فاقع لونها، تعجب فى هيئتها ~~ومنظرها وحسن شكلها الناظرين إليها.. قال ابن جرير " والفقوع فى الصفرة ~~نظير النصوع فى البياض، وهو شدته وصفاؤه ". وقال صاحب الكشاف " الفقوع ~~أشد ما يكون مع الصفرة، وأنصعه يقال فى التوكيد أصفر فاقع ووارس، كما ~~يقال أسود حالك،.. ثم قال فإن قلت فهلا قيل صفراء فاقعة، وأى فائدة فى ~~ذكر اللون؟ قلت الفائدة فيه التوكيد، لأن اللون اسم للهيئة وهى الصفرة، ~~فكأنه قيل شديد صفرتها فهو من قولك جد جده ". وإلى هنا يكونون قد عرفوا ~~وصف البقرة من ms0141 حيث سنها ووصفها من حيث لونها، فهل أغنتهم هذه الأوصاف؟، ~~كلا! ما أغنتهم. فقد أخذوا يسألون للمرة الثالثة عما هم فى غنى عنه ~~فقالوا كما حكى القرآن عنهم { قالوا ادع لنا ربك يبين ~~لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنآ إن شآء ~~الله لمهتدون قال إنه يقول إنها بقرة لا ~~ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا ~~شية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما ~~كادوا يفعلون }. ومعنى الآيتين الكريمتين قال بنو إسرائيل لموسى ~~بعد أن عرفوا سن البقرة ولونها سل من أجلنا ربك أن يزيدنا إيضاحا لحال ~~البقرة التى أمرنا بذبحها. حيث إن البقر الموصوف بالوصفين السابقين كثير، ~~فاشتبه علينا أيها نذبح، وإنا إن شاء الله بعد هذا البيان منك لمهتدون ~~إليها، ومنفذون لما تكلفنا به، فأجابهم موسى بقوله { إنها بقرة ~~لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا ~~شية فيها } أى قال إنه - سبحانه - يقول أنها بقرة سائمة ليست مذللة ~~بالعمل فى الحراثة ولا فى السقى، وهى بعد ذلك سليمة من كل عيب، ليس فيها ~~لون يخالف لونها الذى هو الصفرة الفاقعة، فلما وجدوا أن جميع مشخصاتها ~~ومميزاتها قد اكتملت { قالوا الآن جئت بالحق } الواضح، ولم ~~يبق إشكال فى أمرها، وبحثوا عنها، وحصلوها { فذبحوها وما كادوا ~~يفعلون } لكثرة أسئلتهم وترددهم. # فقوله - تعالى - { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما ~~هي } حكاية لسؤالهم الثالث الذى وجهوه إلى نبيهم - عليه السلام - ~~ليزدادوا معرفة بحال البقرة وصفتها من حيث نفاستها، بعد أن عرفوا سنها ~~ولونها. فكأنهم يقولون له إن فى أجوبتك السابقة عنها تقصيرا يشق معه ~~تمييزها، فسل من أجلنا ربك ليزيدنا بيانا لحالها، وكأنما أحسوا بأنهم قد ~~أثقلوا عليه وتجاوزوا الحدود المعقولة فى الطلب، فعللوا ذلك بقولهم. { ~~إن البقر تشابه علينا } أى لا تتضايق من كثرة أسئلتنا، فإن ~~لنا عذرنا فى هذا التكرار. لأن البقر الموصوف بالعوان وبالصفرة الفاقعة ~~كثير، فاشتبه علينا أمر تلك البقرة التى تريدنا أن نذبحها. قال الشيخ ~~محمد الطاهر بن عاشور " وإنما لم ms0142 يعتذروا فى المرتين الأوليين واعتذروا ~~فى الثالثة، لأن للثلاثة فى التكرير وقعا من النفس فى التأكيد والسآمة ~~وغير ذلك، ولذا كثر فى أحوال البشر وشرائعهم التوقيت بالثلاثة ". وقولهم ~~{ إن شآء الله لمهتدون } حض لنبيهم موسى - عليه السلام - على ~~الدعاء، ووعد له بالطاعة والامتثال، ودفع للسآمة عن نفسه من كثرة ~~أسئلتهم، وتبرير لمسلكهم فى كثرة المراجعة حتى بتفادوا غضبه، فكأنهم ~~يقولون له اجتهد فى الدعاء من أجل أن يزيدنا ربك إيضاحا، وكشفا لحال ~~تلك البقرة التى تريد منا أن نذبحها، وإنا - إن شاء الله - بسبب هذا ~~الإيضاح سنهتدى إليها، ثم إلى القاتل الحقيقى، وبذلك ندرك الحكمة، التى ~~من أجلها أمرتنا بذبحها. قال ابن جرير وأما قوله تعالى { إن شآء ~~الله لمهتدون } فإنهم عنوا وإنا إن شاء الله لمبين لنا ما التبس ~~علينا وتشابه من أمر البقرة التى أمرنا بذبحها. ومعنى اهتدائهم فى هذا ~~الموضع تبينهم ذلك الذى لزمهم ذبحه مما سواه من أجناس البقر ". وفى قوله ~~تعالى { قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير ~~الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها } ~~إضافة أوصاف جديدة للبقرة المطلوبة، كانوا فى غنى عنها لو أطاعوا نبيهم ~~من أول الأمر، ولكنهم للجاجتهم، وسوء اختيارهم، وبعد أفهامهم عن مقاصد ~~الشريعة، ضيقوا على أنفسهم دائرة الاختيار، فأصبحوا مكلفين بالبحث عن ~~بقرة موصوفة بأنها متوسطة السن، لونها أصفر فاقع، تبهج الناظرين إليها، ~~وهى، بعد ذلك، سائمة نفيسة غير مذللة ولا مدربة على حرث الأرض أو سقى ~~الزرع، سليمة من العيوب، ليس فيها لون يخالف لونها الذى هو فى الصفرة ~~الفاقعة. وقوله تعالى { لا ذلول } صفة لبقرة، يقال بقرة ذلول، أى ~~ريضة زالت صعوبتها، وإثارة الأرض تحريكها وقلبها بالحرث والزراعة والحرث ~~شقها لإلقاء البذور فيها. والمراد نفى التذليل ونفى إثارة الأرض وسقى ~~الزرع عن البقرة المطلوبة. # أى هى بقرة صعبة لم يذللها العمل فى حراثة الأرض، ولا فى سقى الزرع، فهى ~~معفاة من العمل فى هذه الأشياء. و { لا } فى قوله تعالى { لا ذلول ~~} للنفى، وفى قوله ms0143 تعالى { ولا تسقي الحرث } مزيدة لتوكيد ~~الأولى، لأن المعنى لا ذلول تثير وتسقى، وأعيد فى قوله تعالى { ولا ~~تسقي الحرث } مراعاة للاستعمال الفصيح. وقوله - تعالى - { ~~مسلمة لا شية فيها } صفتان للبقرة، ومسلمة مفعلة من ~~السلامة. والشية اللون المخالف لبقية لون الشىء، وأصله من وشى الشىء، وهو ~~تحسين عيوبه التى تكون فيه بضروب مختلفة من ألوان سداه ولحمته. والمعنى ~~إن هذه البقرة سليمة من العيوب المختلفة، وليس فيها لون يخالف لون جلدها ~~من بياض أو سواد أو غيرهما، بل هى صفراء كلها. وأرادوا بالحق فى قوله ~~تعالى { قالوا الآن جئت بالحق } الوصف الواضح الذى لا اشتباه ~~فيه ولا احتمال، فكأنهم يقولون له الآن - فقط - جئتنا بحقيقة وصف البقرة، ~~فقد ميزتها عن جميع ما عداها، من جهة اللون وكونها من السوائم لا ~~العوامل، وبذلك لم يبق لنا فى شأنها اشتباه أصلا. والفاء فى قوله تعالى { ~~فذبحوها وما كادوا يفعلون } قد عطفت ما بعدها على محذوف ~~يدل عليه المقام، والتقدير فظفروا بها فذبحوها، أى فذبح قوم موسى البقرة ~~التى وصفها الله - تعالى - لهم، بعد ما قاربوا أن يتركوا ذبحها، ويدعوا ~~ما أمروا به، لتشككهم فى صحة ما يوجه إليهم من إرشادات ولكثرة مما طلتهم. ~~قال صاحب الكشاف وقوله تعالى { وما كادوا يفعلون } استثقال ~~لاستقصائهم، وأنهم لتطويلهم المفرط. وكثرة استكشافهم، ما كادوا يذبحونهها ~~وما كادت تنتهى سؤالاتهم، وما كاد ينقطع خيط إسهابهم فيها وتعمقهم، وقيل ~~ما كادوا يذبحونها لغلاء ثمنها، وقيل لخوف الفضيحة فى ظهور القاتل ". ثم ~~كشف الله - تعالى - بعد ذلك عن الغاية التى من أجلها أمروا بذبح البقرة ~~فقال تعالى { وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها ~~والله مخرج ما كنتم تكتمون فقلنا اضربوه ~~ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته ~~لعلكم تعقلون }. المعنى واذكروا يا بنى إسرائيل إذ قتلتم ~~نفسا، فاختلفتم وتنازعتم فى قاتلها، ودفع كل واحد منكم التهمة عن نفسه، ~~والله - عز وجل - مخرج لا محالة ما كتمتم من أمر القاتل، فقد بين - ~~سبحانه - الحق فى ذلك فقال على لسان رسوله موسى ms0144 - عليه السلام - اضربوا ~~القتيل بأى جزء من أجزاء البقرة، فضربتموه ببعضها فعادت إليه الحياة - ~~بإذن الله - وأخبر عن قاتله، وبمثل هذا الإحياء لذلك القتيل بعد موته، ~~يحيى الله الموتى للحساب والجزاء يوم القيامة، ويبين لكم الدلائل الدالة ~~على أنه قدير على كل شىء رجاء أن تعقلوا الأمور على وجهها السليم. # وجمهور المفسرين على أن واقعة قتل النفس وتنازعهم فيها، حصلت قبل الأمر ~~بذبح البقرة، إلا أن القرآن الكريم أخرها فى الذكر ليعدد على بنى إسرائيل ~~جناياتهم وليشوق النفوس إلى معرفة الحكمة من وراء الأمر بذبحها، فتتقبلها ~~بشغف واهتمام. قال صاحب الكشاف فإن قلت فما للقصة لم تفص على ترتيبها، ~~وكان حقها أن يقدم ذكر القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها، وأن ~~يقال وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها فقلنا اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها؟ ~~قلت كل ما قص من قصص بنى إسرائيل إنما قص تعديدا لما وجد منهم من ~~الجنايات، وتقريعا لهم عليها، ولما حدد فيهم من الآيات العظام، وهاتان ~~قصتان كل واحدة منهما مستقلة بنوع من التقريع وإن كانتا متصلتين متحدتين. ~~فالأولى لتقريعهم على الاستهزاء وترك المسارعة وإلى الامتثال وما يتبع ~~ذلك. والثانية للتقريع على قتل النفس المحرمة وما تبعه من الآية العظيمة، ~~وإنما قدم قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل، لأنه لو عمل على عكسه ~~لكانت القصة واحدة، ولذهب الغرض من تثنية التقريع، ولقد روعيت نكتة بعد ~~ما استؤنفت الثانية استئناف قصة برأسها، أن وصلت بالأولى، دلالة على ~~اتحادهما، بضمير البقرة لا باسمها الصريح فى قوله { اضربوه ~~ببعضها } حتى تبين أنهما قصتان فيما يرجع إلى التقريع ونيته، بإخراج ~~الثانية مخرج الاستئناف مع تأخيرها، وأنها قصة واحدة بالضمير الراجع إلى ~~البقرة ". وقد أسند القرآن الكريم القتل إلى جميعهم فى قوله تعالى { ~~وإذ قتلتم } مع أن القاتل بعضهم، للإشعار بأن الأمة فى مجموعها ~~وتكافلها كالشخص الواحد. وأسند القتل - أيضا - إلى اليهود المعاصرين ~~للعهد النبوى، لأنهم من سلالات أولئك الذين حدث فيهم القتل، وكثيرا ما ~~يستعمل القرآن الكريم هذا الأسلوب للتنبيه ms0145 على أن الخلف قد سار على طريقة ~~السلف فى الانحراف والضلال. وقوله تعالى { فادارأتم فيها } بيان ~~لما حصل منهم بعد قتل النفس التى ذكرنا قصتها ومعنى ادارأتم فيها اختلفتم ~~وتخاصمتم فى شأنها لأن المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضا أى يدفعه ويزحمه، أى ~~تدافعتم بمعنى طرح قتلها بعضكم على بعض فدفع المطروح عليه الطارح، ليدفع ~~الجناية عن نفسه ويتهم غيره. وقوله تعالى { والله مخرج ما ~~كنتم تكتمون } معناه والله - تعالى - مظهر ومعلن ما كنتم ~~تسترونه من أمر القتيل الذى قتلتموه، ثم تنازعتم فى شأن قاتله، وذلك ~~ليتبين القاتل الحقيقى بدون أن يظلم غيره. وهذه الجملة الكريمة { ~~والله مخرج ما كنتم تكتمون } معترضة بين قوله تعالى { ~~فادارأتم } وبين قوله تعالى { فقلنا اضربوه ببعضها ~~}. وفائدته إشعار المخاطبين قبل أن يسمعوا ما أمروا بفعله، بأن القاتل ~~الحقيقى سنكشف أمره لا محالة. قال صاحب تفسير التحرير والتنوير " وإنما ~~تعلقت إرادة الله بكشف حال من قتل هذا القتيل - مع أنه، ليس أول قتيل طل ~~دمه فى الأمم - إكراما لموسى - عليه السلام - أن يضيع دم فى قومه وهو ~~بين أظهرهم، وبمرأى ومسمع منه، لا سيما وقد قصد القاتلون استغفاله ودبروا ~~المكيدة فى إظهار المطالبة بدمه، فلو لم يظهر الله - تعالى - هذا الدم ~~ويبين سافكه - لضعف يقين القوم برسولهم موسى - عليه السلام - ولكان ذلك ~~مما يزيد شكهم فى صدقه فينقلبوا كافرين، فكان إظهار القاتل الحقيقى ~~إكراما من الله تعالى - لموسى، ورحمة بالقوم لئلا يضلوا ". # وقوله تعالى { فقلنا اضربوه ببعضها } إرشاد لهم إلى ~~الوسيلة التى عن طريقها سيهتدون إلى القاتل الحقيقى، والضمير فى قوله { ~~اضربوه } يعود على النفس، وتذكيره مراعى فيه معناها هو الشخص أو ~~القتيل. وضرب القتيل ببعضها - أيا كان ذلك البعض - دليل على كمال قدرة ~~الله تعالى. وفيه تيسير عليهم. واسم الإشارة فى قوله تعالى { كذلك ~~يحيي الله الموتى } مشار به إلى محذوف دل عليه سياق الكلام. ~~والتقدير فقلنا لقوم موسى الذين تنازعوا فى شأن القتيل اضربوه ببعض ~~البقرة ليحيا، فضربوه فأحياه الله، وأخبر القتيل عن قاتله، وكمثل ms0146 إحيائه ~~يحيى الله الموتى فى الآخرة للثواب والعقاب. وبذلك تكون الآية ظاهرة فى ~~أن الذى ضرب ببعض البقرة قد صار حيا بعد موته. قال الإمام ابن جرير - ~~رحمه الله - فإن قيل وما كان معنى الأمر بضرب القتيل ببعضها؟ قيل ليحيا ~~فينبئ نبى الله والذين ادارءوا فيه عن قاتله. فإن قال وأين الخبر عن أن ~~الله - تعالى - أمرهم بذلك؟ قيل ترك ذلك اكتفاء بدلالة ما ذكر من الكلام ~~الدال عليه، والمعنى فقلنا اضربوه ببعضها ليحيا فضربوه فحيى، يدل على ذلك ~~قوله تعالى { كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته ~~لعلكم تعقلون }. والمقصود بالآيات فى قوله تعالى { ~~ويريكم آياته لعلكم تعقلون } الدلائل الدالة على أن ~~الله على كل شىء قدير والتى منها ما شاهدوه بأعينهم من ترتب الحياة على ~~ضرب القتيل بعضو ميت، وأخباره عن قاتله، واهتدائهم بسبب ذلك إلى القاتل ~~الحقيقى. وذلك لكى تستعملوا عقولكم فى الخير. وتوقنوا بأن من قدر على ~~إحياء نفس، واحدة فهو قادر على إحياء الأنفس جميعا لأنه - سبحانه - لا ~~يصعب عليه شىء. هذا ولصاحب المنار - رحمه الله - رأى فى تفسير الآية ~~الكريمة، فهو يرى أن المراد بالإحياء فى قوله تعالى { كذلك يحيي ~~الله الموتى } حفظ الدماء وأستبقاؤها وليس المراد به عنده ~~الإحياء الحقيقى بعد الموت. فقد قال فى تفسيره وأما قوله تعالى { ~~فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ~~} فهو بيان لإخراج ما يكتمون، ويروون فى هذا الضرب روايات كثيرة. قيل إن ~~المراد اضربوا المقتول بلسانها وقيل بفخذها وقيل بذنبها، وقالوا أنهم ~~ضربوه فعادت إليه الحياة، وقال قتلنى أخى أو ابن فلان، الخ ما قالوه، ~~والآية ليست أيضا نصا فى مجمله فكيف بتفصيله؟ والظاهر مما قدمنا أن ذلك ~~العمل كان وسيلة عندهم للفصل فى الدماء عند التنازع فى القاتل إذا وجد ~~القتيل قرب بلد ولم يعرف قاتله ليعرف الجانى من غيره فمن غسل يده وفعل ما ~~رسم لذلك فى الشريعة برئ من الدم ومن لم يفعل ثبتت عليه الجناية. # ومعنى إحياء الموتى على هذا حفظ الدماء التى ms0147 كانت عرضة لأن تسفك بسبب ~~الخلاف فى قتل تلك النفس، أى يحييها بمثل هذه الأحكام، وهذا الإحياء على ~~حد قوله تعالى # ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا # وقوله تعالى # ولكم فى القصاص حياة # فالإحياء هنا معناه الاستبقاء كما هو المعنى فى الآيتين... والذى نراه ~~أن المراد بالإحياء فى قوله تعالى { كذلك يحيي الله ~~الموتى } الإحياء الحقيقى للميت بعد موته، وأن تفسيره بحفظ الدماء ~~واستبقائها ضعيف لما يأتى أولا مخالفته لما ورد عن السلف فى تفسير الآية ~~الكريمة فقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال " لما ضرب ~~المقتول ببعضها - يعنى ببعض البقرة - جلس حيا، فقيل له من قتلك؟ قال بنو ~~أخى قتلونى ثم قبض. ثانيا ما ذهب إليه صاحب المنار لا يدل عليه القرآن ~~الكريم لا إجمالا ولا تفصيلا، ولا تصريحا ولا تلميحا، لأن قوله تعالى { ~~كذلك يحيي الله الموتى } ظاهر كل الظهور، فى أن المراد ~~بالأحياء رد الحياة إليهم بعد ذهابها عنهم، إذ الموتى هم الذين ماتوا ~~بالفعل، وإحياؤهم رد أرواحهم بعد موتهم وليس هناك نص صحيح يعتمد عليه فى ~~مخالفة هذا الظاهر، ولا توجد أيضا قرينة مانعة من إرادة هذا المعنى ~~المتبادر من الآية بأدنى تأمل وما دام الأمر كذلك فلا يجوز تأويله بما ~~يخالف ما يدل عليه اللفظ دلالة واضحة، ومن التعسف الظاهر أن يراد من ~~الموتى الأحياء من الناس، وبإحياء الموتى تشريع العقوبات صونا لدماء ~~الأحياء منهم والله تعالى حينما أراد أن يدل على هذا المعنى قال # ولكم فى القصاص حياة يأولي الألباب لعلكم ~~تتقون # فهذه الآية الكريمة تدل على أن القصاص من الجناة يحفظ على الناس حياتهم ~~بدون التواء أو تعمية. ثالثا تفسير الإحياء برد الحياة إلى الموتى، كما ~~قال المفسرون، يودى إلى غرس الإيمان بصحة البعث فى القلوب، لأن المعنى ~~عليه، كهذا الإحياء العجيب - وهو إحياء القتيل بضربة ببعض البقرة ليخبر ~~عن قاتله - يحيى الله الموتى بأن يبعثهم من قبورهم يوم القيامة، ليحاسبهم ~~على أعمالهم، فيكون إثباتا للبعث عن طريق المشاهدة ms0148 حتى لا ينكره منكر. ~~رابعا قوله تعالى بعد ذلك { ويريكم آياته لعلكم ~~تعقلون } قرينة قوية على أن المراد بالإحياء، رد الحياة إلى الموتى ~~بعد موتهم لأن المراد ب { آياته } فى هذا الموضع، - كما قال المفسرون ~~- الدلائل الدالة على عظم قدرته - تعالى - وذلك إنما يكون فى خلق الأمور ~~العجيبة الخارقة للعادة والتى ليست فى طاقة البشر، كإحياء الموتى وبعثهم ~~من قبورهم للحساب والجزاء. # ثم بين القرآن الكريم، بعد ذلك أن هذه المعجزات الباهرة التى تزلزل ~~المشاعر، وتهز القلوب، وتبعث فى النفوس الإيمان، لم تؤثر فى قلوب بنى ~~إسرائيل الصلدة لأنه قد طرأ عليهم بعد رؤيتها ما أزال آثارها من قلوبهم، ~~ومحا الاعتبار بها من عقولهم، فقال تعالى { ثم قست قلوبكم ~~من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن ~~من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها ~~لما يشقق فيخرج منه المآء وإن منها لما ~~يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما ~~تعملون }. والمعنى ثم صلبت قلوبكم - يا بنى إسرائيل - وغلظت من بعد ~~أن رأيتم ما رأيتم من معجزات منها إحياء القتيل أمام أعينكم، فهى ~~كالحجارة فى صلابتها وببوستها، بل هى أشد صلابة منها، لأن من الحجارة ما ~~فيه ثقوب متعددة، وخروق متسعة، فتتدفق منه مياه الأنهار التى تعود ~~بالمنافع على المخلوقات، ولأن من بينها ما يتصدع تصدعا قليلا فيخرج منه ~~ماء العيون والآبار ولأن منها ما يتردى من رأس الجبل إلى الأرض والسفح من ~~خوف الله وخشيته، أما أنتم - يا بنى إسرائيل - فإن قلوبكم لا تتأثر ~~بالمواعظ ولا تنقاد للخير، ولا تفعل ما تؤمر به، مهما تعاقبت عليكم النعم ~~والنقم والآيات، وما الله بغافل عما تعملون. وقوله تعالى { ثم قست ~~قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد ~~قسوة } بيان لما طرأ على قلوب بنى إسرائيل من بعد عن الاعتبار، وعدم ~~تأثر بالعظات وإعراض عن الإنابة والإذعان لآيات الله وتحلل من المواثيق ~~التى أقروا بها على أنفسهم. وجىء بثم التى هى للترتيب والتراخى. لاستبعاد ~~استيلاء الغلظة والقسوة على قلوبهم ms0149 بعد أن رأوا الكثير من المعجزات، ~~فكأنه - سبحانه - يقول لهم - بعد أن ساق لهم قصة البقرة وما ترتب عليها ~~من منافع وعبر ومع ذلك كله لم تلن قلوبكم - يا بنى إسرائيل - ولم تفدكم ~~المعجزات فقست قلوبكم وكان من المستبعد أن تقسوا. وقوله تعالى { من ~~بعد ذلك } فيه زيادة تعجيب من إحاطة القساوة بقلوبهم، بعد توالى ~~النعم، وتكاثر المعجزات التى أشار القرآن الكريم إلى بعضها فى الآيات ~~السابقة. واسم الإشارة ذلك مشار به إلى إحياء القتيل بعد ضربه بجزء من ~~البقرة أو إلى جميع النعم والمعجزات الواردة فى الآيات السابقة. و أو فى ~~قوله تعالى { فهي كالحجارة أو أشد قسوة } قيل ~~للتنويع، فإن قلوبهم متفاوتة فى القسوة، فمنها ما هو قاس كالحجارة، ومنها ~~ما هو أشد منها قسوة، أى فبعض قلوبكم كالحجارة فى صلابتها وبعضها أشد من ~~الحجارة فى صلابتها. # وقيل للتشكيك بالنسبة للمخاطبين، لا إلى المتكلم، كأن يقول أحد الناس ~~لآخر، إن هذه القلوب قسوتها تشبه الحجارة أو تزيد عليها. والأظهر أن تكون ~~للإضراب على طريقة المبالغة والمعنى ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهى ~~كالحجارة بل هى أشد منها قسوة، إذ لا شعور فيها يأتى بخير، والحجارة ليست ~~كذلك. وشبه - سبحانه - قلوبهم بالحجارة فى القسوة، لأن صلابة الحجر أعرف ~~للناس وأشهر، حيث إنها محسوسة لديهم ومتعارفة بينهم ولذا جاء التشبيه ~~بها. قال صاحب الكشاف فإن قلت لم قيل أشد قسوة، وفعل القسوة مما يخرج منه ~~أفعل التفضيل وفعل التعجب؟ قلت لكونه أبين وأدل على فرط القسوة، ووجه ~~آخر، وهو أن لا يقصد معنى الأقسى ولكن قصد وصف القسوة بالشدة. كأنه قيل ~~اشتدت قسوة الحجارة، وقلوبهم أشد قسوة ". وقوله تعالى { وإن من ~~الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها ~~لما يشقق فيخرج منه المآء وإن منها لما ~~يهبط من خشية الله } بيان لفضل الحجارة على قلوبهم القاسية، ~~قصد به إظهار زيادة قسوة قلوبهم عن الحجارة، لأن هذا الأمر لغرابته يحتاج ~~إلى بيان سببه. فكأنه - سبحانه - يقول لهم. إن هذه الحجارة ms0150 على صلابتها ~~ويبوستها منها ما تحدث فيه المياه خروقا واسعة تتدفق منها الأنهار ~~الجارية النافعة، ومنها ما تحدث فيه المياه شقوقا مختلفة تنجم عنها ~~العيون النابعة، والآبار الجوفية المفيدة. ومنها ما ينقاد لأوامر الله عن ~~طواعية وامتثال. أما قلوبكم أنتم فلا يصدر عنها نفع، ولا تتأثر بالعظات ~~والعبر، ولا تنقاد للحكم التى من شأنها هداية النفوس. وقوله تعالى { ~~وما الله بغافل عما تعملون } تهديد وتخويف، حيث إنه - ~~سبحانه - سيحاسبهم على أعمالهم، وسيذيقهم ما يستحقونه من عقاب جزاء ~~جحودهم لنعمه، وعصيانهم لأمره. وبذلك تكون الآية الكريمة قد وصفت بنى ~~إسرائيل بما هم أهله. من قساوة القلب وانطماس البصيرة، وعدم التأثر ~~بالعظات مهما كثرت. وبالآيات مهما توالت. ما يؤخذ من هذه القصة من العظات ~~والعبر اشتملت هذه القصة على كثير من العظات والتوجيهات الإلهية من ذلك. ~~1 - دلالتها على ما جبل عليه بنو إسرائيل من فظاظة وغلظة، وسوء أدب مع ~~مرشديهم، وإحفاء فى الأسئلة بلا موجب، وعدم استعداد للتسليم بما يأتيهم ~~به الرسل، ومما طلة فى الانصياع للتكاليف، وانحراف عن الطريق المستقيم. ~~2- دلالتها على صدق النبى صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه، فقد ~~أخبر فى هذه القصة الواقعية التى لم يشهد حوادثها بما أوحاه الله إليه ~~وهذا الإخبار من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم كما أنها تدل على صدق ~~نبوة موسى - عليه السلام - وأنه رسول من رب العالمين. # 3 - دلالتها على أن التنطع فى الدين، والإلحاف فى المسألة يؤديان إلى ~~التشديد فى الأحكام، لأن بنى إسرائيل لو أنهم أول الأمر عمدوا إلى ذبح أى ~~بقرة لأجزأتهم ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم. أخرج ابن جرير - ~~رحمه الله - عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال " لو أن القوم أخذوا ~~أدنى بقرة لأجزأتهم. لكنهم شددوا فشدد الله عليهم ". وقد أدى بهم هذا ~~التنطع والتشديد إلى تضييق دائرة اختيارهم، وتكثير للشروط التى يجب ~~توافرها فى البقرة المطلوبة، وذلك لتأديبهم على مما طلتهم وبلادة عقولهم، ~~وسوء تلقيهم للشريعة بأنواع من التقصير عملا ms0151 وشكرا وفهما، وبذلك يعلم أن ~~ما كلفهم الله به أولا هو ذبح بقرة ما، وأن ما أمروا به بعد ذلك من كونها ~~صفراء سالمة من آثار الخدمة ليس من باب تأخير البيان عن وقت الخطاب، ~~وإنما هو تشريع طارئ قصد منه تأديبهم على تعنتهم ولجاجهم وكثرة أسئلتهم. ~~وقد جاءت تعاليم الإسلام بالنهى عن كثرة السؤال قال تعالى # يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء إن ~~تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل ~~القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور ~~حليم قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها ~~كافرين # وفى الحديث الشريف # " ذرونى ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم ~~على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشىء فأتوه، وإذا نهيتكم عن شىء فانتهوا عنه ~~ما استطعتم ". # قال صاحب المنار " وقد امتثل سلفنا لأمر الله فلم يشددوا على أنفسهم، ~~فكان الدين عندهم فطريا وحنيفيا سمحا، ولكن من خلفهم عمد إلى ما عفا ~~الله عنه فاستخرج له أحكاما استنبطها باجتهاده، حتى صار الدين حملا ~~ثقيلا على الأمة فسئمته وملت وألقته وتخلت ". 4 - قال الإمام ابن القيم ~~- رحمه الله - وفى هذه القصة أنواع من العبر منها. أ أنه لا يجوز مقابلة ~~أمر الله الذى لا يعلم المأمور به وجه الحكمة فيه بالإنكار، فإن القوم ~~لما قال لهم نبيهم { إن الله يأمركم أن تذبحوا ~~بقرة } قابلوا هذا الأمر بقولهم { أتتخذنا هزوا } فلما لم ~~يعلموا وجه الحكمة فى ارتباط هذا الأمر بما سألوا عنه قالوا { ~~أتتخذنا هزوا }. وهذا من غاية جهلهم بالله ورسوله، فإنه أخبرهم ~~عن أمر الله لهم بذلك، ولم يكن هو الآمر به، ولو كان هو الآمر به لم يجز ~~لمن آمن بالرسول أن يقابل أمره بذلك فلما قال لهم { أعوذ بالله ~~أن أكون من الجاهلين } وتيقنوا أن الله - تعالى - أمره بذلك، ~~أخذوا فى التعنت بسؤالهم عن عينها ولونها، فلما أخبروا عن ذلك رجعوا إلى ~~السؤال مرة ثالثة، فلما تعينت لهم ولم يبق إشكال توقفوا فى الامتثال، ولم ~~يكادوا يفعلون. ms0152 # ثم من أقبح جهلهم وظلمهم قولهم لنبيهم { الآن جئت بالحق } فإن ~~أرادوا بذلك أنك لم تأت بالحق قبل ذلك فى أمر البقرة، فتلك ردة وكفر ~~ظاهر، وإن أرادوا أنك الآن بينت لنا البيان التام فى تعيين البقرة ~~المأمور بذبحها فذلك جهل ظاهر، فإن البيان قد حصل بقوله { إن الله ~~يأمركم أن تذبحوا بقرة } فإنه لا إجمال فى الأمر ولا فى ~~الفعل ولا فى المذبوح فقد جاء رسول الله بالحق من أول مرة. قال الإمام ~~بن جرير " وقد كان بعض من سلف يزعم أن القوم ارتدوا عن دينهم وكفروا ~~بقولهم لموسى { الآن جئت بالحق } وزعم أن ذلك نفى منهم أن يكون ~~موسى - عليه السلام - أتاهم بالحق فى أمر البقرة قبل ذلك، وأن ذلك كفر ~~منهم، وليس الأمر كما قال عندنا، لأنهم قد أذعنوا بالطاعة بذبحها، وإن ~~كان قولهم الذى قالوه لموسى يعد من جهالاتهم وهفوة من هفواتهم ". ب ومنها ~~الدلالة على صحة ما اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى خاتمهم من معاد ~~الأبدان، وقيام الموتى من قبورهم. ج ومنها إقامة أنواع الآيات والبراهين ~~والحجج على عباده بالطرق المتنوعات، زيادة فى هداية المهتدى، وأعذارا ~~وإنذارا للضال د - ومنها الإخبار عن قساوة هذه الأمة وغلظها، وعدم تمكن ~~الإيمان فيها. قال عبد الصمد بن معقل عن وهب كان ابن عباس يقول " إن ~~القوم بعد أن أحيا الله - تعالى - الميت فأخبرهم يقاتله، أنكروا قتله، ~~وقالوا والله ما قتلناه بعد أن رأوا الآيات الحق ". ه ومنها مقابلة ~~الظالم الباغى بنقيض قصده شرعا وقدرا، فإن القاتل قصد ميراث المقتول، ~~ودافع القاتل عن نفسه، ففضحة الله - تعالى - وهتكه، وحرمه ميراث المقتول. ~~و ومنها أن بنى إسرائيل فتنوا بالبقرة مرتين من سائر الدواب ففتنوا ~~بعبادة العجل وفتنوا بالأمر بذبح البقرة، والبقرة من أبلد الحيوان حتى ~~ليضرب به المثل فى البلادة. ثم قال الإمام ابن القيم فى ختام حديثه عن ~~هذه القصة والظاهر أن هذه كانت بعد قصة العجل ففى الأمر بذبح البقرة ~~تنبيه على أن هذا النوع من الحيوان ms0153 الذى لا يمتنع من الذبح والحرث ~~والسقى، لا يصلح أن يكون إلها معبودا من دون الله، وأنه إنما يصلح ~~للذبح والحرث والسقى والعمل ". 5 - دلالتها على قدرة الله - تعالى - فإن ~~إحياء الميت عن طريق الضرب بقطعة من جسم بقرة مذبوحة - دليل على قدرة ~~الله - تعالى - على الإحياء والإماتة وما هذا الضرب إلا وسيلة كشفت ~~للناس عن طريق المشاهدة عن آثار قدرته - تعالى - التى لا يدرون كيف تعمل، ~~فهم يرون آثارها الخارقة ولكنهم لا يعرفون كنهها، وصدق الله حيث يقول { ~~فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ~~ويريكم آياته لعلكم تعقلون }. # وإلى هنا تكون هذه القصة قد دمغت بنى إسرائيل برذيلة التنطع فى الدين، ~~والتعنت فى الأسئلة، والإساءة إلى نبيهم - عليه السلام - وعدم اعتبارهم ~~بالعظات والمثلات. لقساوة قلوبهم، وسوء طباعهم، وانطماس بصيرتهم # ومن يضلل الله فما له من هاد # ثم ساق القرآن بعد ذلك لونا آخر من ألوان رذائلهم. ويتمثل هذا اللون فى ~~تحريفهم للكلم عن مواضعه، واشترائهم بآيات الله ثمنا قليلا، وذلك لقسوة ~~قلوبهم، وانطماس بصيرتهم، وبيعهم الدين بالقليل من حطام الدنيا، قال - ~~تعالى -. { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق ~~منهم...وويل لهم مما يكسبون }. ### || [2.75-79] # الآيات الكريمة التى معنا قد افتتحت بتيئيس المؤمنين من دخول اليهود فى ~~الإسلام ولكن هذا التيئيس قد سبق بما يدعمه ويؤيده، فقد بينت الآيات ~~السابقة عليها " موقف اليهود الجحودى من نعم الله - عز وجل - كما بينت ~~تنطعهم فى الدين، وسوءه إدراكهم لمقاصد الشريعة، وقساوة قلوبهم من بعد أن ~~رأوا من الآيات البينات ما رأوا، وبعد هذا البيان الموحى بالقنوط من ~~استجابتهم للحق، خاطب الله المؤمنين بقوله { أفتطمعون أن ~~يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام ~~الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم ~~يعلمون }. ومعنى الآية الكريمة أفتطمعون - أيها المؤمنون - بعد أن ~~وصفت لكم من حال اليهود ما وصفت من جحود ونكران، أن يدخلوا فى الإسلام. ~~والحال أنه كان فريق من علمائهم وأحبارهم يسمعون كلام الله ثم يميلونه عن ~~وجهه الصحيح من بعد ms0154 ما فهموه، وهم يعلمون أنهم كاذبون بهذا التحريف على ~~الله تعالى، أو يعلمون ما يستحقه محرفه من الخزى والعذاب الأليم. فالخطاب ~~فى الآية الكريمة للمؤمنين، والاستفهام يقصد به الإنكار عليهم، إذ طمعوا ~~فى استجابة اليهود لدعوة الحق، بعد أن علموا سوء أحوالهم، وفساد نفوسهم. ~~والنهى عن الطمع فى إيمانهم لا يقتضى عدم دعوتهم إلى الإيمان، فالمؤمنون ~~مأمورون بدعوتهم إليه، لإقامة الحجة عليهم فى الدنيا عند إجراء أحكام ~~الكفر عليهم، ولقطع عذرهم فى الآخرة وقد تصادف الدعوة إلى الإسلام ~~نفوسا منصفة تستجيب لدعوة الحق، وتهتدى إلى الطريق المستقيم، وهذا ما ~~فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم هو وأصحابه من بعده. ولكن اليهود ~~صموا آذانهم عن الحق بعد ما عرفوه فأصبحت دعوتهم إلى الإسلام غير مجدية، ~~وهنا يأتى النهى عن الطمع فى إيمانهم بهذه الآية وأمثالها. وجملة { ~~وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله } حالية، ~~مشتملة على بيان أحد الأسباب الداعية إلى القنوط من إيمانهم، وبذلك يكون ~~التقنيط من إيمانهم قد علل بعلتين إحداهما ما سبق هذه الآية من تصوير ~~لأحوالهم السيئة. والثانية ما تضمنته هذه الجملة الكريمة من تحريفهم ~~لكلام الله عن علم وتعمد. والمراد بالفريق فى قوله تعالى { وقد كان ~~فريق منهم } أحبارهم وعلماؤهم الذين عاصروا الرسل الكرام، فسمعوا ~~منهم، أو الذين أتوا بعدهم فنقلوا عنهم. والتحريف أصله انحراف الشىء عن ~~جهته وميله عنها إلى غيرها. والمراد به هنا إخراج الوحى والشريعة عما ~~جاءت به، بالتغيير والتبديل فى الألفاظ، أو بالكتمان والتأويل الفاسد، ~~والتفسير الباطل. وقوله تعالى { ثم يحرفونه من بعد ما ~~عقلوه وهم يعلمون } زيادة تشنيع عليهم، حيث إنهم حرفوا كلام ~~الله بعد فهمهم له عن تعمد وسوء نية، وارتكبوا هذا الفعل الشنيع، رغم ~~علمهم بما يستحقه مرتكبه من عقوبة دنيوية وأخروية. # ففى هذين القيدين من النعى عليهم مالا مزيد عليه، حيث أيطل بهما عذر ~~الجهل والنسيان، وسجل عليهم تعمد الفسوق والعصيان. وإنما كان قيام الفريق ~~من أحبار اليهود بتحريف الكتاب سببا فى اليأس من إيمان عامتهم، ms0155 لأن ~~هؤلاء العامة المقلدون، قد تلقوا دينهم عن قوم فاسقين، دون أن يلتفتوا ~~إلى الحق، أو يتجهوا إلى النظر فى الأدلة الموصلة إليه، وأمثال هؤلاء ~~الذين شبوا على عماية التقليد، وغواية الشيطان، لا يرجى منهم الوصول إلى ~~نور الحق، وجلال الصدق، ولأن أمة بلغ الحال بعلمائها - وهم مظهر محامدهم ~~- أن يجرؤوا على كلام الله فيحرفوه لا تنتظر من دهمائها أن يكونوا خيرا ~~منهم حالا أو أسعد مآلا. ثم أخبر القرآن الكريم عن بعضهم، بأنهم قد ضموا ~~إلى رذيلة التحريف رذيلة النفاق والتدليس فقال تعالى { وإذا لقوا ~~الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى ~~بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ~~ليحآجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون أولا ~~يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون }. ~~والمعنى وإذا ما تلافى المنافقون من اليهود مع المؤمنين، قالوا لهم ~~نفاقا وخداعا. صدقنا أن ما أنتم عليه هو الحق. وأن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم رسول من عند الله، وإذا ما انفرد بعض اليهود ببعض قال الذين لم ~~ينافقوا لإخوانهم الذين نافقوا معاتبين أتخبرون المؤمنين بما بينه الله ~~لكم فى كتابكم مما يشهد بحقية ما هم عليه، لتكون لهم الحجة عليكم يوم ~~القيامة، أفلا تعقلون أن هذا التحديث يقيم الحجة لهم عليكم؟ فالآية ~~الكريمة فيها بيان لنوع آخر من مساوئ اليهود ومخازيهم التى تدعو إلى ~~اليأس من إيمانهم وتكشف النقاب عما كانوا يضمرونه من تدليس. قال الإمام ~~الرازى " وإنما عذلوهم على ذلك لأن اليهودى إذا اعترف بصحة التوراة، ~~واعترف بشهادتها على صدق النبى صلى الله عليه وسلم كانت الحجة قوية عليه، ~~فلا جرم كان بعضهم يمنع بعضا من الاعتراف بذلك أمام المؤمنين ". ~~والاستفهام فى قوله تعالى { أتحدثونهم بما فتح الله ~~عليكم } للإنكار والتوبيخ والفتح يطلق على القضاء ومنه قوله تعالى # ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق # أى افض بيننا وبين قومنا بالحق. قال ابن جرير " أصل الفتح فى كلام العرب ~~القضاء والحكم والمعنى أتحدثونهم بما حكم الله به عليكم وقضاه فيكم؟ ومن ~~حكمه ms0156 - تعالى - وقضائه فيهم أخذه ميثاقهم بأن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم فقد بشرت به التوراة ". وقوله تعالى { ليحآجوكم به عند ~~ربكم } متعلق بالحديث ومرادهم تأكيد النكير على إخوانهم الذين ~~أظهروا إيمانهم نفاقا، فكأنهم يقولون لهم أتحدثون المؤمنين بما يفضحكم ~~يوم القيامة أمام الخالق - عز وجل - وفى حكمه وقضائه، لأنهم سيقولون لكم. # ألم تحدثونا فى الدنيا بما فى كتابكم من حقيقة ديننا وصدق نبينا؟ فيكون ~~ذلك زائدا فى ظهور فضيحتكم وتوبيخكم على رءوس الخلائق يوم الموقف ~~العظيم، لأنه ليس من اعترف بالحق ثم كتم كمن ثبت على الإنكار. وجملة { ~~أفلا تعقلون } من بقية مقولهم لمن نافق منهم، وقد أتوا بها ~~لزيادة توبيخهم لهم حتى لا يعودوا إلى التحدث مع المؤمنين. والمعنى أليست ~~لكم عقول تحجزكم عن أن تحدثوا المؤمنين بما يقيم لهم الحجة عليكم يوم ~~القيامة؟ ثم وبخهم الله على جهلهم بحقيقة علمه فقال تعالى { أولا ~~يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } ~~أى أيقول الذين لم ينافقوا من اليهود لإخوانهم الذين نافقوا ما قالوا، ~~ويكتمون من صفات النبى صلى الله عليه وسلم ما كتموا، ويحرفون من كتاب ~~الله ما حرفوا، ولا يعلمون أن الله يعلم. ما يخفون من كفر وحقد، وما ~~يظهرون من إيمان وود؟ فالآية الكريمة فيها توبيخ وتجهيل لليهود الذين ~~عاتبوا المنافقين منهم على تحديث المؤمنين بما فى توراتهم مما يؤيد صدق ~~النبى صلى الله عليه وسلم لأنهم لو كانوا مؤمنين إيمانا صادقا بإحاطة ~~علمه بسرهم وعلانيتهم، لما نهوا إخوانهم عن تحديث المؤمنين بما فيها فإن ~~ما فيها من صفات للنبى صلى الله عليه وسلم من الحقائق التى أمرهم الله ~~ببيانها ونهاهم عن كتمانها. ثم بين القرآن الكريم بعد ذلك حال عوام ~~اليهود ومقلديهم، بعد أن بين حال علمائهم ومنافقيهم فقال تعالى { ~~ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ~~وإن هم إلا يظنون } أى ومن اليهود قوم أميون لا يحسنون ~~الكتابة، ولا يعلمون من كتابهم التوراة سوى أكاذيب اختلقها لهم علماؤهم ~~أو أمنيات باطلة يقدرونها فى ms0157 أنفسهم بدون حق، أو قراءات عارية عن التدبر ~~والفهم، وقصارى أمرهم الظن من غير أن يصلوا إلى مرتبة اليقين المبنى على ~~البرهان القاطع والدليل الساطع. فالآية الكريمة فيها زيادة تيئيس ~~للمؤمنين من إيمان كافة اليهود بفرقهم المختلفة. فإنهم قد وصلوا إلى حال ~~من الشناعة لا مطمع معها فى هداية، فعلماؤهم محرفون لكتاب الله على حسب ~~أهوائهم وشهواتهم، وعوامهم لا يعرفون من كتابهم إلا الأكاذيب والأوهام ~~التى وضعها لهم أحبارهم، وأمة هذا شأن علمائها وعوامها لا ينتظر منها أن ~~تستجيب للحق أو أن تقبل على الصراط المستقيم. والأمانى - بالتشديد - جمع ~~أمنية، مأخوذة من تمنى الشىء أى أحب أن يحصل عليه، أو من تمنى إذا كذب، ~~أو من تمنى الكتاب أى قرأه. فإن فسرنا الأمانى بالأول كان قوله تعالى { ~~إلا أماني } معناه إلا ما هم عليه من أمانيهم فى أن الله لا ~~يؤاخذهم بخطاياهم، وأن آياءهم الأنبياء يشفعون لهم، وأن النار لن تمسهم ~~إلا أياما معدودات. # وإن فسرناها بالكذب، كان قوله تعالى { إلا أماني } معناه إلا ~~أكاذيب مختلفة، سمعوها من أحبارهم فقبلوها على التقليد. وإن فسرنا ~~الأمنية بالقراءة كان قوله تعالى { إلا أماني } معناه إلا ما ~~يقرءونه من قراءات خالية من التدبر، وعارية عن الفهم. من قوله تمنى كتاب ~~الله أول ليله... أى قرأ. هذا، وقد رجح ابن جرير تفسير الأمانى بالأكاذيب ~~فقال ما ملخصه " وأولى ما روينا فى تأويل قوله تعالى { إلا أماني ~~} بالصواب، أن هؤلاء الأميين لا يفقهون من الكتاب الذى أنزله الله على ~~موسى شيئا، ولكنهم يتخرصون الكذب، ويتقولون الأباطيل كذبا وزورا، ~~والتمنى فى هذا الموضع هو تخلق الكذب وتخرصه وافتعاله بدليل قوله تعالى ~~بعد { وإن هم إلا يظنون } فأخبر عنهم أنهم يتمنون ما يتمنون ~~من الأكاذيب ظنا منهم لا يقينا ". والذى نراه أن المعانى الثلاثة ~~للأمانى تنطبق على اليهود، وكلها حصلت منهم وما دام يصدق عليهم المعانى ~~الثلاثة لغة فجميعها مرادة من الآية، ولا معنى لأن نشتغل بترجيح بعضها ~~على بعض كما فعل ابن جرير وغيره. وعلى أى ms0158 تفسير من هذه التفاسير للأمانى، ~~فالاستثناء منقطع، لأن أى واحد من هذه المعانى ليس من علم الكتاب الحقيقى ~~فى شىء. وفى قوله تعالى { وإن هم إلا يظنون } زيادة تجهيل ~~لهم، لأن أمنياتهم هذه من باب الأوهام التى لا تستند إلى دليل أو شبه ~~دليل، أو من باب الظن الذى هو ركون النفس إلى وجه من وجهين يحتملهما ~~الأمر دون أن تبلغ فى ذلك مرتبة القطع واليقين. وهذا النوع من العلم لا ~~يكفى فى معرفة أصول الدين التى يقوم عليها الإيمان العميق، فهم ليسوا ~~على علم يقينى من أمور دينهم، وإنما هم يظنونها ظنا بدون استيقان، والظن ~~لا يغنى من الحق شيئا. وبعد أن بين القرآن الكريم فرق اليهود، توعد ~~الذين يحرفون الكلم عن مواضعه بسوء المصير فقال تعالى { فويل ~~للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون ~~هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا ~~فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما ~~يكسبون } والمعنى فهلاك وفضيحة وخزى لأولئك الأحبار من اليهود الذين ~~يكتبون الكتابات المحرفة والتأويلات الفاسدة بأيديهم، بدلا مما اشتملت ~~عليه الكتب من حقائق، ثم يقولون لجهالهم ومقلديهم كذبا وبهتانا هذا من ~~عند الله، ومن نصوص التوراة التى أنزلها الله على موسى، ليأخذوا فى نظير ~~ذلك عرضا يسيرا من حطام الدنيا، فعقوبة عظيمة لهم بسبب ما قاموا به من ~~تحريف وتبديل لكلام الله، وخزى كبير لهم من أجل ما اكتسبوه من أموال بغير ~~حق. فالآية الكريمة فيها تهديد شديد لأحبار اليهود الذين تجرءوا على كتاب ~~الله بالتحريف والتبديل، وباعوا دينهم بدنياهم، وزعموا أن ما كتبوه هو من ~~عند الله. # وصرح - سبحانه - بأن الكتابة ب { أيديهم } ليؤكد أنهم قد باشروها ~~عن تعمد وقصد، وليدفع توهم أنهم أمروا غيرهم بكتابتها، ولتصور حالتهم فى ~~النفوس كما وقعت، حتى ليكاد السامع لذلك أن يكون مشاهدا لهيئتهم. وقوله ~~تعالى { ثم يقولون هذا من عند الله } كشف عن كذبهم ~~وفجورهم، فهم يحرفون الكلم عن مواضعه، ثم يزعمون أنه من عند الله ليتقبله ~~أتباعهم بقوة واطمئنان. ثم ms0159 بين - سبحانه - العلة التى حملنهم على التحريف ~~والكذب فقال تعالى { ليشتروا به ثمنا قليلا } أى كتبوا ~~الكتابة بأيديهم، ونسبوها إلى الله زورا وبهتانا ليحصلوا على عرض قليل ~~من أعراض الدنيا، كاجتلاب الأموال الحرام، وانتحال العلم لأنفسهم والطمع ~~فى الرئاسة والجاه، وإرضاء العامة بما يوافق أهواءهم. وعبر - سبحانه - عن ~~الثمن بأنه قليل، لأنه مهما كثر فهو قليل بالنسبة إلى ما استوجبوه من ~~العذاب، وحرموه من الثواب المقيم. وقوله تعالى { فويل لهم ~~مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون } ~~تهديد لهم مرتب على كتابة الكتاب المحرف، وعلى أكلهم أموال الناس ~~بالباطل، فهو وعيد لهم على الوسيلة - وهى الكتابة - وعلى الغاية - وهى ~~أخذ المال بغير حق -. قال الشيخ القاسمى قال الراغب فإن قيل لم ذكر { ~~يكسبون } بلفظ المستقبل، و { كتبت } بلفظ الماضى؟ قيل تنبيها ~~على ما قاله النبى صلى الله عليه وسلم، # " من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة " # فنبه بالآية إلى أن ما أثبتوه من التأويلات الفاسدة التى يعتمدها الجهلة ~~هو اكتساب وزر يكتسبونه حالا فحالا، وعبر بالكتابة دون القول لأنها ~~متضمنة له وزيادة، فهى كذب باللسان واليد. وكلام اليد يبقى رسمه، أما ~~القول فقد يضمحل أثره ". وبهذا تكون الآيات الكريمة قد دمغت اليهود ~~برذيلة التحريف لكلام الله عن تعمد وإصرار ووصفتهم بالنفاق والخداع، ~~ووبختهم على بلادة أذهانهم وسوء تصورهم لعلم الله - تعالى - وتوعدتهم ~~بسوء المصير جزاء كذبهم على الله. ثم حكى القرآن بعد ذلك لونا من ألوان ~~دعاواهم الباطلة، وأقاويلهم الفاسدة، ورد عليهم بما يخرس ألسنتهم ويقطع ~~حجتهم، فقال تعالى { وقالوا لن تمسنا النار إلا ~~أياما معدودة قل أتخذتم... هم فيها خالدون }. ### || [2.80-82] # روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات آثارا، منها ما روى عن ابن عباس - ~~رضى الله عنهما - قال " إن اليهود كانوا يقولون إن هذه الدنيا سبعة آلاف ~~سنة، وإنما نعذب بكل ألف سنة يوما فى النار، وإنما هى سبعة أيام معدودة ~~" ، فأنزل الله تعالى { وقالوا لن تمسنا النار... } الآيات. ~~وأخرج ابن جرير ms0160 عن ابن زيد قال " حدثنى أبى أن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~قال لليهود أنشدكم بالله وبالتوراة التى أنزلها الله على موسى يوم طور ~~سيناء، من أهل النار الذين أنزلهم الله فى التوراة؟ قالوا إن ربنا غضب ~~علينا غضبة، فنمكث فى النار أربعين ليلة، ثم نخرج فتخلفوننا فيها، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبتم والله لا نخلفكم فيها أبدا، فنزل ~~القرآن تصديقا لقول النبى صلى الله عليه وسلم وتكذيبا لهم - نزل قوله ~~تعالى - { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما ~~معدودة... } إلى قوله تعالى { هم فيها خالدون }. وأخرج ابن ~~جرير - أيضا - عن ابن عباس أنه قال فى قوله تعالى { وقالوا لن ~~تمسنا النار إلا أياما معدودة } ذلك أعداء الله ~~اليهود، قالوا لن يدخلنا الله النار إلا تحلة القسم. الأيام التى أصبنا ~~فيها العجل أربعين يوما، فإذا انقضت عنا تلك الأيام انقطع عنا العذاب ~~والقسم. هذه بعض الآثار التى وردت فى سبب نزول الآيات الكريمة، والمعنى ~~وقالت اليهود - يا محمد - إن النار لن تصيبنا، ولن نذوق حرها، إلا أياما ~~قلائل - قل لهم - يا محمد - ردا على دعواهم الكاذبة هل اتخذتم من الله ~~عهدا بذلك حتى يكون الوفاء به متحققا؟ أم تقولون على الله الباطل جهلا ~~وجراءة عليه؟ ثم أبطل القرآن الكريم دعواهم بأصل عام يشملهم ويشمل غيرهم ~~فقال. ليس الأمر كما تدعون، بل الحق أنه من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ~~ومات عليها دون أن يتوب إلى الله - تعالى - منها { فأولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها ~~خالدون }. وقوله تعالى { وقالوا لن تمسنا النار إلا ~~أياما معدودة } بيان لضرب من ضروب غرورهم وكذبهم، معطوف على ~~رذائلهم السابقة التى حكاها القرآن الكريم، إذ الضمير فى قوله تعالى ~~وقالوا يعود على اليهود الذين مر الحديث عنهم ولما ينته بعد. والمس اتصال ~~أحد الشيئين بآخر على وجه الإحساس والإصابة. والمراد من النار نار ~~الآخرة. والمراد من المعدودة المحصورة القليلة، يقال شىء معدود أى قليل. ~~وشىء ms0161 غير معدود أى كثير فهم يدعون أن النار لن تمسهم إلا مدة يسيرة قد ~~تكون سبعة أيام، وقد تكون أربعين يوما، وبعدها يخرجون إلى الجنة لأن كل ~~معدود منقض. # ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم فيما ~~زعموه فقال تعالى { قل أتخذتم عند الله عهدا فلن ~~يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا ~~تعلمون } أى قل لهم - يا محمد - إن مثل هذا الإخبار الجازم بأن ~~النار لن تمسكم إلا أياما معدودة، لا يكون إلا ممن اتخذ عهدا من الله ~~بذلك، فهل تقدم لكم من الله عهد بأن النار لن تمسكم إلا أياما معدودة، ~~فكان الوفاء متحققا، لأن الله - تعالى - لا يخلف وعده، أم تقولون على ~~الله شيئا لا علم لكم به. فالاستفهام للإنكار، وهو متوجه إلى زعمهم أن ~~النار لن تمسهم إلا أياما معدودة، فكأنه - سبحانه - يقول لهم. إن قولكم ~~هذا يحتمل أمرين لا ثالث لهما إما اتخاذ عهد عند الله به، وإما القول ~~عليه - سبحانه - بدون علم، وما دام قد ثبت أن اتخاذ العهد لم يحصل، إذا ~~أنتم - يا معشر اليهود - كاذبون فيما تدعون من أن النار لن تمسكم إلا ~~أياما معدودة. قال الإمام الرازى قوله تعالى { أتخذتم } ليس ~~باستفهام بل هو إنكار لأنه لا يجوز أن يجعل الله - تعالى - حجة رسوله فى ~~إبطال قولهم أن يستفهمهم بل المراد التنبيه على طريقة الاستدلال، وهى أنه ~~لا سبيل إلى معرفة هذا التقدير إلا بالسمع، فلما لم يوجد الدليل السمعى ~~وجب ألا يجوز الجزم بهذا التقدير. وإنما ساق القرآن الكريم الرد عليهم فى ~~صورة الاستفهام، لما فيه من ظهور القصد إلى تقريرهم بأنهم قالوا على الله ~~ما لا يعلمون، إذ هم لا يستطيعون أن يثبتوا أن الله وعدهم بما ادعوه من ~~أن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة، ولا يوجد عندهم نص صحيح من كتابهم ~~يؤيد مدعاهم. وبذلك تكون الآية الكريمة قد أبطلت مدعاهم إبطالا يحمل طابع ~~الإنكار والتوبيخ. ثم ساق - سبحانه - آية أبطلت ms0162 مدعاهم عن طريق إثبات ما ~~نفوه فقال تعالى { بلى من كسب سيئة وأحاطت به ~~خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ~~}. بلى حرف جواب يجىء لإثبات فعل ورد قبلها منفيا، والفعل المنفى هنا ~~هو قول اليهود { لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ~~} فجاءت " بلى " لإثبات أن النار تمسهم أكثر مما زعموا فهم فيها خالدون ~~جزاء كفرهم وكذبهم. ومعنى الآية الكريمة ليس الأمر كما تدعون أيها ~~اليهود، من أن النار لن تمسكم إلا أياما معدودة، بل الحق أنكم ستخلدون ~~فيها. فكل من كسب شركا مثلكم، واستولت عليه خطاياه، وأحاطت به كما يحيط ~~السرادق بمن فى داخله، ومات على ذلك دون أن يدخل الإيمان قلبه ويتوب إلى ~~ربه فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. # فالآية الكريمة فيها إبطال لمدعاهم، وإثبات لما نفوه، على وجه يشملهم ~~ويشمل جميع من يقول قولهم، ويكفر كفرهم. هذا والمراد بالسيئة هنا الشرك ~~بالله كما قال جمهور المفسرين لورود الآثار عن السلف بذلك، وفائدة ~~الإنيان بقوله تعالى { وأحاطت به خطيئته } بعد ذلك، ~~الإشعار بأن الخطيئة إذا أحاطت بصاحبها أخذت بمجامع قلبه فحرمته ~~الإيمان، وأخذت بلسانه فمنعته عن أن ينطق به. وقوله تعالى { ~~فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } بيان لما ~~أعد لهم من عقوبات جزاء كفرهم وكذبهم على الله، فهم يوم القيامة سيكونون ~~أصحابا للنار ملازمين لها على التأييد لإيثارهم فى الحياة الدنيا ما ~~يوردهم سعيرها، وهو الكفر وسوء الأفعال على ما يدخلهم الجنة وهو الإيمان ~~وصالح الأعمال. وبعد أن ذكر - سبحانه - ما أعد لهؤلاء اليهود وأمثالهم من ~~الكافرين الذين يفترون على الله الكذب، عقب ذلك ببيان ما أعده - سبحانه - ~~لأهل الإيمان والتقوى فقال تعالى { والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ~~} أى والذين آمنوا بالله ورسوله، وأطاعوا الله فأقاموا حدوده، وأدوا ~~فرائضه، واجتنبوا محارمه، فأولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون خلودا ~~أبديا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وبذلك تكون ~~الآيات الكريمة قد ردت على اليهود أبلغ رد. حيث كذبتهم ms0163 فى دعواهم أن ~~النار لن تمسهم إلا أياما معدودة، وأنهم صائرون بعد ذلك إلى الجنة، ~~وأخبرتهم بخلودهم وخلود كل كافر فى النار، وأما الجنة فهى لمن آمن وعمل ~~صالحا واتبع سبيل المرسلين فهؤلاء أصحابها وهم فيها خالدون. ثم تحدث ~~القرآن بعد ذلك عن رذيلة من أبرز الرذائل التى طبع عليها بنو إسرائيل، ~~وهى رذيلة نقضهم للعهود والمواثيق فقال تعالى { وإذ أخذنا ~~ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله ~~وبالوالدين... } ### || [2.83] # معنى الآية إجمالا واذكروا يا بنى إسرائيل لتعتبروا وتستجيبوا للحق - ~~وليذكر معكم كل من ينتفع بالذكرى - وقت أن أخذنا عليكم العهد، وأمرناكم ~~بالعمل به على لسان رسلنا - عليهم السلام - وأمرناكم فيه بألا تعبدوا سوى ~~الله، وأمرناكم فيه كذلك، بأن تحسنوا إلى آبائكم وتقوموا بأداء ما أوجبه ~~الله لهما من حقوق، وأن تصلوا أقرباءكم وتعطفوا على اليتامى الذين فقدوا ~~آباءهم، وعلى المساكين الذين لا يملكون ما يكفيهم فى حياتهم، وأمرناكم ~~فيه - أيضا - بأن تقولوا للناس قولا حسنا فيه صلاحهم ونفعهم، وأن ~~تحافظوا على فريضة الصلاة، وتؤدوا بإخلاص ما أوجبه الله عليكم من زكاة، ~~ولكنكم نقضتم أنتم وأسلافكم الميثاق، وأعرضتم عنه، إلا قليلا منكم ~~استمروا على رعايته والعمل بموجبه. والمراد ببنى إسرائيل فى الآية ~~الكريمة، سلفهم وخلفهم، لأن هذه الأوامر والنواهى التى تناولتها الآية ~~الكريمة، والتى هى مضمون العهد المأخوذ عليهم، قد أخذت عليهم جميعا على ~~لسان أنبيائهم ورسلهم. والدليل على أن المقصود ببنى إسرائيل ما يتناول ~~الخلف المعاصرين منهم للعهد النبوى، قوله تعالى فى ختام هذه الآية { ~~ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون ~~} فإنه قد أسند إليهم فيه أنهم تولوا عن الميثاق معرضين، والاعراض عنه لا ~~يكون إلا بعد أخذه عليهم كما سيأتى. وقوله تعالى { لا تعبدون ~~إلا الله وبالوالدين إحسانا... } إلى قوله تعالى { ~~ثم توليتم... } بيان للميثاق وتفصيل له. وجاء التعبير بقوله ~~تعالى { لا تعبدون إلا الله } فى صورة الخبر المنفى والمراد ~~منه النهى عن عبادة غير الله، لإفادة المبالغة والتأكيد، فكأن الأمر ~~والنهى قد امتثلا فيخبر بوقوعهما، أو ms0164 أنهما لأهميتهما يخبر عنهما بأنهما ~~سيتلقيان بحسن الطاعة حتما، فينزل ما يجب وقوعه منزلة الواقع، ويخبر عن ~~المأمور بأنه فاعل لما أمر به ومجتنب لما نهى عنه فى الحال، وفى ذلك ما ~~فيه من إفادة المبالغة فى وجوب امتثال الأمر والنهى. وقد تضمنت الآية ~~الكريمة لونا فريدا من التوجيه المحكم الذى لو اتبعوه لحسنت صلتهم مع ~~الخالق والمخلوق، لأنها ابتدأت بأمرهم بأعلى الحقوق وأعظمها وهو حق الله ~~- تعالى - عليهم، بأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، ثم ثنت ببيان حقوق ~~الناس فبدأت بأحقهم بالإحسان وهما الوالدان لما لهما من فضل الولادة ~~والعطف والتربية، ثم الأقارب الذين تجمع الناس بهم صلة قرابة من جهة الأب ~~والأم، ورعايتهم تكون بالقيام بما يحتاجون إليه على قدر الاستطاعة، ثم ~~باليتامى لأنهم فى حاجة إلى العون بعد أن فقدوا الأب الحانى، ثم ~~بالمساكين لعجزهم عن كسب ما يكفيهم، ثم بالإحسان إلى سائر الناس عن طريق ~~الكلمة الطيبة، والمعاملة الحسنة، لأن الناس إن لم يكونوا فى حاجة إلى ~~المال، فهم فى حاجة إلى حسن المقال، ثم أرشدتهم إلى العبادات التى تعينهم ~~على إحسان صلتهم بالخالق والمخلوق فأمرتهم بالمداومة على الصلاة بخشوع ~~وإخلاص، وبالمحافظة على أداء الزكاة بسخاء وطيب خاطر، ولعظم شأن هاتين ~~العبادتين البدنية والمالية ذكرتا على وجه خاص بعد الأمر بعبادة الله، ~~تفخيما لشأنهما وتوكيدا لأمرهما، وكان من الواجب على بنى إسرائيل أن ~~ينتفعوا بهذه الأوامر الحكيمة، لكنهم عموا وصموا عنها فوبخهم القرآن ~~الكريم بقوله { ثم توليتم إلا قليلا منكم ~~وأنتم معرضون }. # أى ثم توليتم - أيها اليهود - عن جميع ما أخذ عليكم من مواثيق فأشركتم ~~بالله وعققتم الوالدين، وأسأتم إلى الأقارب واليتامى والمساكين وقلتم ~~للناس أفحش الأقوال، وتركنم الصلاة، ومنعتم الزكاة، وقطعتم ما أمر الله ~~به أن يوصل. وقوله تعالى { إلا قليلا منكم } إنصاف لمن حافظ ~~على العهد منهم، حيث إنه لا تخلو أمة من المخلصين الذين يرعون العهود، ~~ويتبعون الحق، وإرشاد للناس إلى أن وجود عدد قليل من المخلصين فى الأمة، ~~لا يمنع نزول العقاب ms0165 بها متى فشا المنكر فى الأكثرين منها. وقوله تعالى { ~~وأنتم معرضون } جملة حالية تفيد أن الأعراض عن الطاعة، وعدم ~~التقيد بالمواثيق التى أقروا بها، عادة متأصلة فيهم ووصف ثابت لهم، وسجية ~~معروفة منهم. قال صاحب المنار " قد يتولى الإنسان منصرفا عن شىء وهو ~~عازم على أن يعود إليه ويوفيه حقه، فليس كل متول عن شىء معرضا عنه ~~ومهملا له طول الدوام، لذلك كان ذكر هذا القيد " وأنتم معرضون لازما لابد ~~منه، وليس تكرارا كما يتوهم، ثم قال وقد كان سبب ذلك التولى مع الإعراض ~~أن الله أمرهم ألا يأخذوا الدين إلا من كتابه فاتخذوا أحبارهم أربابا من ~~دون الله، يحلون برأيهم ويحرمون، ويبيحون باجتهادهم ويحظرون ويزيدون فى ~~الشرائع والأحكام ويضعون ما شاءوا من الشعائر فصدق عليهم أنهم اتخذوا من ~~دونه شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله، فإن الله هو الذى يضع ~~الدين وحده وإنما العلماء أدلاء يستعان بهم على فهم كتابه، وما شرع على ~~ألسنة رسله... ". وخلاصة الفرق بين التفسير الذى بدأنا به وبين تفسير ~~صاحب المنار، لقوله تعالى { وأنتم معرضون } أن هذه الجملة على ~~التفسير الأول تبين عادة فى القوم تأصلت فيهم حتى كأنها سجية، والمعنى " ~~ثم توليتم، أى أعرضتم، وأنتم قوم عادتكم الإعراض. وعلى تفسير صاحب ~~المنار تكون هذه الجملة مبينة. لنوع التولى ومتممة لمعناه والتفسير الأول ~~- الذى سقناه أدخل فى باب الذم، وأوفى ببيان ما عليه حال اليهود. ثم قال ~~تعالى { وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون ~~دمآءكم...ولا هم ينصرون }. ### || [2.84-86] # بعد أن بين - سبحانه - فى الآية السابقة أن الله - تعالى - قد أخذ على ~~بنى إسرائيل عهدا بأن يعبدوه ويؤدوا فرائض الله، إلا أنهم نقضوا هذا ~~العهد وتولوا عنه سوى قليل منهم بعد ذلك بين فى هذه الآيات الكريمة أنه - ~~سبحانه - أخذ عليهم عهدا آخر ولكنهم نقضوه كما هو دأبهم. وملخص هذا ~~العهد الذى ذكرته الآيات الكريمة، أن الله تعالى أخذ عليهم الميثاق ألا ~~يقتل بعضهم بعضا، وألا يخرج بعضهم بعضا من داره، وأنهم ms0166 إذا وجدوا ~~أسيرا منهم فى يد غيرهم فإن عليهم أن يبذلوا أموالهم لفدائه من الأسر، ~~وتخليصه من أيدى أعدائهم، ثم لما نشبت الحرب بين قبيلتى الأوس والخزرج، ~~انضمت قبيلة بنى قريظة إلى الأوس، وانضمت قبيلة بنى قينقاع وبنى النضير ~~إلى الخزرج، وصارت كل طائفة من طوائف اليهود تقاتل بجانب أبناء ملتهم ~~المنضمين إلى حلفائهم الآخرين فإذا وضعت الحرب أوزارها، بذل جميع اليهود ~~أموالهم لتخليص الأسرى من أعدائهم كما أمرهم - تعالى - وبهذا يكونون قد ~~آمنوا ببعض الكتاب وهو بذل الفداء لتخليص الأسرى، وكفروا ببعضه وهو تحريم ~~سفك دماء إخوانهم وإخراجهم من ديارهم، ويحكى التاريخ أن العرب كانوا ~~يعيرونهم فيقولون لهم كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم بأموالكم؟ فكان اليهود ~~يقولون قد حرم علينا قتالهم ولكنا نستحى أن نخذل حلفاءنا وقد أمرنا أن ~~نفتدى أسرانا. وقد توعدهم - سبحانه - بالخزى فى الدنيا والآخرة، جزاء ~~نقضهم لعهوده، وتفريقهم بين أحكامه. والمعنى الإجمالى للآيات الكريمة ~~واذكروا - أيضا - يا بنى إسرائيل وقت أن أخذنا عليكم العهد، وأوصيناكم ~~فيه بألا يتعرض بعضكم لبعض بالقتل، وبألا يخرج بعضكم بعضا من مساكنهم، ~~ثم أقررتم وأنتم تشهدون على الوفاء بهذا العهد، والالتزام بما جاء فيه، ~~ثم أنتم هؤلاء - يا معشر اليهود - بعد إقراركم بالميثاق، وبعد شهادتكم ~~المؤكدة على أنفسكم بأنكم قد قبلتموه، خرجتم على تعاليم التوراة، فنقضتم ~~عهودكم، وأراق بعضكم دماء بعض، وأخرجتم إخوانكم فى الملة والدم من ديارهم ~~ظلما وعدوانا، وتعاونتم على قتلهم وإخراجهم مع من ليسوا من ملتكم أو ~~قرابتكم، ومع ذلك فإذا وقع إخوانكم الذين قاتلتموهم وأخرجتموهم من ديارهم ~~فى الأسر فاديتموهم، فلم لم تتبعوا حكم التوراة فى النهى عن قتالهم ~~وإخراجهم كما اتبعتم حكمها فى مفاداتهم؟ وكيف تستبيحون القتل والإخراج ~~من الديار، ولا تستبيحون ترك الأسرى فى أيدى عدوهم؟ إن هذا التفريق بين ~~أحكام الله جزاء فاعله الهوان فى الدنيا. والعذاب الدائم فى الأخرى، وما ~~الله بغافل عما تعملون. ولا شك أن أولئك اليهود الذين نقضوا عهودهم، ~~وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، قد باعوا دينهم بدنياهم، ms0167 فلا يخفف عنهم ~~العذاب ولا هم ينصرون. # وقوله تعالى { وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون ~~دمآءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم } معناه ~~اذكروا حين أخذنا العهد عليكم يا بنى إسرائيل ألا يسفك أحد منكم دم غيره، ~~وألا يخرجه من دياره. على حد قوله # فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم # أى فليسلم بعضكم على بعض. وفائدة هذا التعبير، التنبيه إلى أن الأمة ~~المتواصلة بالدين، يجب أن يكون شعورها بالوحدة قويا وعميقا، بحيث يكون ~~قتل الرجل لغيره قتلا لنفسه، وإخراجه له من داره إخراجا لها. قال صاحب ~~المنار وقد أورد - سبحانه - النهى عن سفك بعضهم دم بعض، وإخراج بعضهم ~~بعضا من ديارهم وأوطانهم، بعبارة تؤكد وحدة الأمة، وتحدث فى النفس أثرا ~~شريفا، يبعثها على الامتثال إن كان هناك قلب يشعر، ووجدان يتأثر فقال ~~تعالى { لا تسفكون دمآءكم } فجعل دم كل فرد من أفراد الأمة ~~كأنه دم الآخر عينه حتى إذا سفكه كان كأنه بخع نفسه وانتحر بيده، وقال ~~تعالى { ولا تخرجون أنفسكم من دياركم } على هذا ~~النسق، وهذا التعبير المعجز ببلاغته خاص بالقرآن الكريم. وقوله تعالى { ~~ثم أقررتم وأنتم تشهدون } تسجيل عليهم بأنهم قد قبلوا ~~العمل بالميثاق والتزموا به، إذ المعنى. ثم اعترفتم بهذا الميثاق - أيها ~~اليهود - ولم تنكروه، فكان من الواجب عليكم أن تفوا به، فماذا كان موقفهم ~~بعد هذا الاقرار والإشهاد؟ لقد بين القرآن الكريم بعد ذلك بأنهم نقضوا ~~عهودهم، وارتكبوا ما نهوا عن ارتكابه، فقال تعالى { ثم أنتم ~~هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم ~~من ديارهم... } أى ثم أنتم - يا معشر اليهود - بعد اعترافكم ~~بالميثاق، والتزامكم به، نقضتم عهودكم، وارتكبتم فى حق إخوانكم ما نهيتم ~~عنه، من القتل والإخراج، وفعلتم ما لا يليق بالعقلاء، ومن يحترم ~~المواثيق. ولما كان قتل بعضهم لبعض، وإخراجهم من أماكنهم يحتاج إلى قوة ~~وغلبة، بين - سبحانه - أنهم يرتكبون ذلك وهم متعاونون عليه بالشرور ~~ومجازوة الحدود، فقال تعالى { تظاهرون عليهم بالإثم ~~والعدوان } تظاهرون من التظاهر وهو التعاون، وأصله من الظهر، كأن ~~المتعاونين يسند كل واحد منهم ms0168 ظهره إلى الآخر. والمعنى تتعاونون على قتل ~~إخوانكم وإخراجهم من ديارهم مع من ليسوا من أقاربكم وليسوا من دينكم، ~~وأنتم مرتكبون ذلك الإثم والعدوان. وقوله تعالى { وإن يأتوكم ~~أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم } ~~بيان لتناقضهم وتفريقهم لأحكام الله تعالى. وأسارى جمع أسير بمعنى ~~مأسور، وهو من يؤخذ على سبيل القهر فيشد بالإسار وهو القد - بكسر القاف ~~-، والقد سير يقد من جلد غير مدبوغ. وتفادوهم تنقذوهم من الأسر بالفداء، ~~يقال فاداه وفداه أعطى فداءه فأنقذه. أى أنتم - يا معشر اليهود - إن ~~وجدتم الذين قاتلتموهم وأخرجتموهم من ديارهم أسرى تسعون فى فكاكهم، ~~وتبذلون عرضا لإطلاقهم، والشأن أن قتلهم وإخراجهم محرم عليكم كتركهم ~~أسرى فى أيدى أعدائكم، فلماذا لم تتبعوا حكم التوراة فى النهى عن قتالهم ~~وإخراجهم كما اتبعتم حكمها فى مفاداتهم؟ وصدرت الجملة الكريمة " وهو محرم ~~عليكم إخراجهم " بضمير الشأن للاهتمام بها. # والعناية بشأنها، وإظهار أن هذا التحريم أمر مقرر مشهور لديهم، وليس ~~خافيا عليهم. وقوله تعالى { أفتؤمنون ببعض الكتاب ~~وتكفرون ببعض } توبيخ وتقريع لهم على تفريقهم بين أحكام الله. ~~والمعنى أفتتبعون أحكام كتابكم فى فداء الأسرى، ولا تتبعونها فى نهيكم عن ~~قتال إخوانكم وإخراجهم من ديارهم؟ فالاستفهام للإنكار والتوبيخ على ~~التفريق بين أحكامه - تعالى - بالإيمان ببعضها والكفر بالبعض الآخر. ~~وبعض الكتاب الذى آمنوا به هو ما حرم عليهم من ترك الأسرى فى أيدى عدوهم، ~~وبعضه الذى كفروا به ما حرم عليهم من القتل والإخراج من الديار، ~~فالإنكار منصب على جمعهم بين الكفر والإيمان. قال فضيلة المرحوم للشيخ ~~محمد الخضر حسين " وإنما سمى - سبحانه - عصيانهم بالقتل والإخراج من ~~الديار كفرا لأن من عصى أمر الله - تعالى - بحكم عملى معتقدا أن الحكمة ~~والصلاح فيما فعله، بحيث يتعاطاه دون أن يكون فى قلبه أثر من التحرج، ~~ودون أن يأخذه ندم وحزن من أجل ما ارتكب. فقد خرج بهذه الحالة النفسية عن ~~سبيل المؤمنين، وفى الآية الكريمة دليل واضح على أن الذى يؤمن ببعض ما ~~تقرر فى الدين بالدليل القاطع ويكفر ببعضه، يدخل فى ms0169 زمرة الكافرين لأن ~~الإيمان كل لا يتجزأ ". ثم بين - سبحانه - العقاب الدنيوى والأخروى الذى ~~استحقه أولئك المفرقون لأحكمه فقال تعالى { فما جزآء من يفعل ~~ذلك منكم إلا خزي فى الحياة الدنيا ويوم ~~القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله ~~بغافل عما تعملون }. اسم الإشارة ذلك مشار به إلى القتل ~~والإخراج من الديار، اللذين نقضوا بهما عهد الله بغيا وكفرا والخزى فى ~~الدنيا هو الهوان والمقت والعقوبة ومن مظاهره ما لحق اليهود بعد تلك ~~الحروب من المذلة بإجلاء بنى فينقاع والنضير عن ديارهم، وقتل بنى قريظة ~~وفتح خيبر، وما لحقهم بعد ذلك من هوان وصغار، وتلك سنة الله فى كل أمة لا ~~تتمسك بدينها ولا تربط شئونها بأحكام شريعتها وآدابها. ولما كان البعض قد ~~يتوهم أن خزيهم فى الدنيا قد يكون سببا فى تخفيف العذاب عنهم فى الأخرى، ~~نفى - سبحانه - هذا التوهم، وبين أنهم يوم القيامة سيصيرون إلى ما هو أشد ~~منه. لأن الله - تعالى - ليس ساهيا عن أعمالهم حتى يترك مجازاتهم عليها. ~~فالمراد من نفى الغفلة نفى ما يتسبب عنها من ترك المجازاة لهم على ~~شرورهم. وفى ذلك دليل على أن الله - تعالى - يعاقب الحائدين عن طريقه ~~المستقيم، بعقوبات فى الدنيا، وفى الآخرة، جزاء طغيانهم، وإصرارهم على ~~السيئات. # ثم أكد - سبحانه - هذا الوعيد الشديد وبين علته فقال تعالى { ~~أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ~~فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون }. والمعنى ~~أولئك اليهود الذين فرقوا أحكام الله، وباعوا دينهم بدنياهم، وآثروا متاع ~~الدنيا على نعيم الآخرة قد استحقوا غضب الله فلا يخفف عنهم العذاب يوم ~~القيامة، ولا يجدون من دون الله وليا ولا نصيرا. وبذلك تكون الآيات ~~الكريمة قد دمغت اليهود بنقضهم للعهد، وإيمانهم ببعض الكتاب وكفرهم ببعض، ~~فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين. ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك ~~بلون آخر من ألوان جناياتهم، فقال تعالى { ولقد آتينا موسى ~~الكتاب وقفينا...فقليلا ما يؤمنون }. ### || [2.87-88] # ففى هاتين الآيتين تذكير لبنى إسرائيل بضرب من النعم التى أمدهم الله ~~بها ثم ms0170 قابلوها بالكفر والإجرام. والمراد بالكتاب الذى أعطاه الله لموسى ~~التوراة، فقد أنزلها عليه لهدايتهم ولكنهم حرفوها وبدلوها وخالفوا أوامره ~~وأولوها تأويلا سقيما. ومعنى { وقفينا من بعده بالرسل } ~~أردفنا وأرسلنا من بعد موسى رسلا كثيرين متتابعين، لإرشاد بنى إسرائيل، ~~وإخراجهم من الظلمات إلى النور. يقال قفا أثره يقفوه قفوا وقفوا، إذا ~~تبعه. وقفى على أثره بفلان إذا أتبعه إياه. وقفيته زيدا وبه أتبعته ~~إياه. واشتقاقه من قفوته إذا أتبعت قفاه، والقفا مؤخر العنق، ثم أطلق على ~~كل تابع ولو بعد الزمن بينه وبين متبوعه. والرسل جمع رسول بمعنى مرسل، ~~وقد أرسل الله - تعالى - رسلا بعد موسى - عليه السلام - منهم داود، ~~وسليمان، وإلياس، واليسع، ويونس، وزكريا، ويحيى - عليهم الصلاة والسلام ~~-. فمن مظاهر نعم الله على بنى إسرائيل، أنه لم يكتف بإنزال الكتب ~~لهدايتهم، وإنما أرسل فيهم بجانب ذلك رسلا متعددين، لكى يبشروهم ~~وينذروهم، ولكن بنى إسرائيل قابلوا نعم الله بالجحود والكفران، فقد حرفوا ~~كتب الله، وقتلوا بعض أنبيائه. والمراد بالبينات فى قوله { وآتينا ~~عيسى ابن مريم البينات } الحجج والبراهين والآيات الدالة ~~على صدقه وصحة نبوته، فتشمل كل معجزة أعطاها الله لعيسى كإبراء الأكمه ~~والأبرص، وإحياء الموتى، والإخبار ببعض المغيبات، وغير ذلك من المعجزات ~~التى أيد الله بها عيسى - عليه السلام -. وخص القرآن عيسى بالذكر لكونه ~~صاحب كتاب هو الإنجيل، ولأن شرعه نسخ أحكاما من شريعة موسى - عليه ~~السلام -. وفى إضافة عيسى إلى أمه إبطال لما يزعمه اليهود من أن له أبا ~~من البشر. وقوله { وأيدناه بروح القدس } أى قويناه مأخوذ ~~من الأيد وهو القوة. وروح القدس هو جبريل - عليه السلام -، قال - ~~تعالى - # قل نزله روح القدس من ربك بالحق... # والإضافة فيه من إضافة الموصوف إلى الصفة، أى الروح المقدس. ووصف ~~بالقدس لطهارته وبركته. وسمى روحا لمشابهته الروح الحقيقى فى أن كلا ~~منهما مادة لحياة البشر. فجبريل من حيث ما يحمل من الرسالة الإلهية تحيا ~~به القلوب. والروح تحيا به الأجسام. أى أننا أعطينا عيسى بن مريم الحجج ~~الدالة على صدقه فى نبوته ms0171 وقويناه على ذلك كله بوحينا الذى أوحيناه إليه ~~عن طريق جبريل - عليه السلام -. ثم وبخ الله اليهود على أفعالهم القبيحة ~~فقال { أفكلما جآءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم ~~استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون }. أى ~~أفكلما جاءكم يا بنى إسرائيل رسول بما لا تحبه أنفسكم الشريرة استكبرتم ~~عن اتباعه والإيمان به وأقبلتم على هؤلاء الرسل ففريقا منهم كذبتم، ~~وفريقا آخر منهم تقتلونه غير مكتفين بالتكذيب وتهوى من هوى إذا أحب " ~~والهوى يكون فى الحق ويكون فى الباطل كما فى هذه الآية. # واستكبرتم تكبرتم، والتكبر ينشأ عن الاعجاب بالنفس الذى هو أثر الجهل ~~بها. وهو من الصفات التى متى تمكنت فى النفس أوردتها المهالك، وساقتها ~~إلى سوء المصير. وقدم تكذيبهم للرسل على قتلهم إياهم، لأن التكذيب أول ما ~~يصدر عنهم من الشر. وعبر فى جانب القتل بالفعل المضارع فقال { ~~تقتلون } ولم يقل قتلتم كما قال كذبتم، لأن الفعل المضارع كما هو ~~المألوف فى أساليب البلاغة. يستعمل فى الأفعال الماضيه التى بلغت من ~~الفظاعة مبلغا عظيما. ووجهه أن المتكلم يعمد بذلك الفعل القبيح كقتل ~~الأنبياء، ويعبر عنه بالفعل المضارع الذى يدل بحسب وضعه على الفعل الواقع ~~فى الحال. فكأنه أحضر صورة قتل الأنبياء أمام السامع، وجعله ينظر إليها ~~بعينه، فيكون إنكاره لها أبلغ، واستفظاعه لها أعظم. ثم حكى القرآن بعض ~~الدعاوى الباطلة التى كان يدعيها اليهود فى العصر النبوى ورد عليها بما ~~يدحضها فقال { وقالوا قلوبنا غلف } أى قال اليهود الذين كانوا ~~فى العهد النبوى قلوبنا يا محمد مغطاة بأغطية حسية مانعة من نفوذ ما جئت ~~به فيها. ومقصدهم من ذلك، إقناطه صلى الله عليه وسلم من إجابتهم لدعوته ~~حتى لا يعيد عليهم الدعوة من بعد. والغلف جمع أغلف، وهو الذى جعل له ~~غلاف، ومنه قيل للقلب الذى لا يعى ولا يفهم، قلب أغلف، كأنه حجب عن الفهم ~~بالغلاف. قال ابن كثير وقرأ ابن عباس - بضم اللام - وهو جمع غلاف. أى ~~قلوبنا أوعية لكل علم فلا نحتاج إلى علمك. وقد رد الله - تعالى ms0172 - على ~~كذبهم هذا بما يدحضه ويفضحه فقال { بل لعنهم الله بكفرهم ~~} أى أن قلوبهم ليست غلفا بحيث لا تصل إليها دعوة الحق بل هى متمكنة ~~بأصل فطرتها من قبول الحق، ولكن الله أبعدهم من رحمته بسبب كفرهم ~~بالأنبياء واستحبابهم العمى على الهدى. والفاء فى قوله { فقليلا ما ~~يؤمنون } للدلالة على أن ما بعدها متسبب عما قبلها و { ما } فى ~~قوله { فقليلا ما } لتأكيد معنى الفلة. والمعنى أن الله لعنهم وكان ~~هذا اللعن سببا لقلة إيمانهم فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا، وقلة ~~الإيمان ترجع إلى معنى أنهم لا يؤمنون إلا بقليل مما يجب عليهم الإيمان ~~به. وقد وصفهم الله - تعالى - فيما سبق بأنهم كانوا يؤمنون ببعض الكتاب ~~ويكفرون ببعض. ثم نبه القرآن المؤمنين إلى نوع آخر من رذائل اليهود، ~~ويتجلى هذا النوع فى جحودهم الحق عن معرفة وعناد، وكراهتهم الخير لغيرهم ~~يدافع الأنانية والحسد، وتحولهم إلى أناس يتميزون من الغيظ إذا ما رأوا ~~نعمة تساق لغير أبناء ملتهم. استمع إلى القرآن وهو يصور كل ذلك بأسلوبه ~~البليغ الحكيم فيقول { ولما جآءهم كتاب من عند الله ~~مصدق لما معهم وكانوا...وللكافرين عذاب ~~مهين }. ### || [2.89-90] # روى المفسرون فى سبب نزول الآية الأولى من هاتين الآيتين آثارا متعددة، ~~من ذلك ما جاء عن عاصم بن عمرو بن قتادة الأنصارى عن رجال من قومه قالوا ~~مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله وهداه، أنا كنا نسمع من رجال يهود ~~حين كنا أهل شرك وكانوا أهل كتاب، عندهم علم ليس عندنا، وكانت لا تزال ~~بيننا وبينهم شرور، فكنا إذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا قد تقارب ~~زمان نبى يبعث الآن، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما بعث الله ~~محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا من عند الله أجبنا حين دعانا إلى الله ~~وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به فبادرناهم إليه، فآمنا به وكفروا به، ففينا ~~وفيهم نزل قوله - تعالى - { ولما جآءهم كتاب من عند ~~الله }.... إلخ الآية ". ومعنى الآيتين الكريمتين ولما جاء إلى اليهود ~~محمد ms0173 صلى الله عليه وسلم ومعه القرآن الكريم وهو الكتاب الذى أوحاه الله ~~إليه، مصدقا لما معهم من التوراة فيما يختص ببعثة النبى صلى الله عليه ~~وسلم ونعته، وكانوا قبل ذلك يستنصرون به على أعدائهم، لما جاءهم النبى ~~المرتقب ومعه القرآن الكريم جحدوا نبوته، وكذبوا كتابه { فلعنة ~~الله على الكافرين }. بئس الشىء الذى باعوا به أنفسهم. الكفر ~~بما أنزل الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وكفرهم هذا كان من أجل ~~البغى الذى استولى على نفوسهم، والحسد الذى خالط قلوبهم، وكراهية لأن ~~ينزل الله وحيه على محمد العربى صلى الله عليه وسلم فباءوا بسبب هذا ~~الخلق الذميم، بغضب مترادف متكاثر من الله - تعالى - { وللكافرين ~~عذاب مهين } جزاء كفرهم وحسدهم. والمراد بالكتاب فى قوله تعالى { ~~ولما جآءهم كتاب من عند الله مصدق لما ~~معهم } القرآن الكريم، وفى تنكيره زيادة تعظيم وتشريف له، وفى ~~الأخبار عنه بأنه من عند الله، إشارة إلى أن ما يوحى به - سبحانه - جدير ~~بأن يتلقى بالقبول وحسن الطاعة لأنه صادر من الحكيم الخبير، والذى مع ~~اليهود هو التوراة، ومعنى كون القرآن مصدقا لها، أنه يؤيدها ويوافقها فى ~~أصول الدين، وفيما يختص ببعثة النبى صلى الله عليه وسلم وصفته. وفى وصف ~~القرآن الكريم بأنه مصدق لما معهم، زيادة تسجيل عليهم بالمذمة لأنهم لم ~~يكفروا بشىء يخالف أصول كتابهم وإنما كفروا بالكتاب الذى يصدق كتابهم. ~~وقوله تعالى { وكانوا من قبل يستفتحون على الذين ~~كفروا }. بيان لحالتهم قبل البعثة المحمدية، فإن اليهود كانوا عندما ~~يحصل بينهم وبين أعدائهم نزاع، يستنصرون عليهم بالنبى صلى الله عليه وسلم ~~قبل بعثته فيقولون اللهم انصرنا عليهم بالنبى الذى نجد نعته فى التوراة. # والاستفتاح معناه طلب الفتح وهو الفصل فى الشىء والحكم فيه، كما فى قوله ~~تعالى # ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق # ويستعمل بمعنى النصر لأن فيه فصلا بين الناس قال تعالى # إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح # أى إن تستنصروا فقد جاءكم النصر، فالمراد به الآية الاستنصار. ثم بين - ~~سبحانه - حقيقة حالهم بعد أن ms0174 جاءهم الكتاب والرسول فقال تعالى { فلما ~~جآءهم ما عرفوا كفروا به } أى فلما جاءهم ما كانوا ~~يستفتحون به على أعدائهم ويرتقبونه جحدوه وكفروا به. وقال - سبحانه - { ~~فلما جآءهم ما عرفوا } ولم يقل فلما جاءهم الكتاب أو ~~الرسول، ليكون اللفظ أشمل، فيتناول الكتاب والرسول الذى جاء به لأنه لا ~~يجىء الكتاب إلا عن طريق رسول. ومعرفتهم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وما أنزل عليه حاصلة بانطباق العلامات والصفات الواردة فى التوراة عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم فكان من الواجب عليهم أن يؤيدوا هذه المعرفة ~~بالإيمان به، ولكن خوفهم على زوال رياستهم وأموالهم، وفوات ما كانوا ~~يحرصون عليه من أن يكون النبى المبعوث منهم لا من العرب، ملأ قلوبهم ~~غيظا وحسدا، وأخذ هذا الغيظ والحسد يغالب تلك المعرفة حتى غلبها، وحال ~~بينها وبين أن يكون لها أثر نافع لهم لعدم اقترانها بالقبول والتصديق. ~~ولقد حاول رئيسهم عبد الله بن سلام - رضى الله عنه - أن يصرفهم عن العناد ~~وأقسم لهم بأن ما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم هو الحق المصدق لما ~~معهم أن يتبعوه ولكنهم عموا وصموا وتنقصوه ولذا لعنهم الله تعالى، ~~وأبعدهم عن رحمته كما قال تعالى { فلعنة الله على ~~الكافرين }. وقال - سبحانه - { على الكافرين } ولم يقل ~~عليهم، للإشعار بأن حلول اللعنة عليهم كان بسبب كفرهم. ثم ذكر - سبحانه ~~- أنهم بكفرهم قد باعوا أنفسهم بثمن بخس. فقال تعالى { بئسما ~~اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بمآ أنزل الله } ~~أى بئس الشىء الذى باع به اليهود أنفسهم كفرهم بما أنزل الله بغيا ~~وحسدا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده. وجمهور المفسرين على ~~أن { اشتروا } هنا بمعنى باعوا، لأن أولئك اليهود، لما كانوا ~~متمكنين من الإيمان الذى يفضى بهم إلى السعادة الأبدية بعد أن جاءهم ما ~~عرفوا من الحق فتركوه، واستمروا على كفرهم بغيا وحسدا وحبا فى الرياسة ~~وتعصبا لجنسيتهم لما كانوا كذلك، صار اختيارهم للكفر على الإيمان، ~~بمنزلة اختيار صاحب السلعة ثمنها على سلعته، فكأنهم بذلوا ms0175 أنفسهم التى ~~كان باستطاعتهم الانتفاع بإيمانها، وقبضوا الكفر عوضا عنها فأنفسهم ~~بمنزلة السلعة المبيعة وكفرهم بمنزلة ثمنها المقبوض، فبئس هذا الثمن الذى ~~أوردهم العذاب الأليم. وعبر - سبحانه - عن كفرهم بصيغة المضارع { أن ~~يكفروا } وعن بيعهم لأنفسهم بالماضى، { اشتروا } للدلالة على ~~أنهم صرحوا بكفرهم بالقرآن الكريم من قبل نزول الآية، وإن بيعهم أنفسهم ~~بالكفر طبيعة فيهم مستقرة منذ وقت بعيد، وأنهم ما زالوا مستمرين على تلك ~~الطبيعة المنحرفة. # وقوله تعالى { بغيا أن ينزل الله من فضله على من ~~يشآء من عباده } ، تعليل لكفرهم وبيان للباعث عليه، أى كفروا ~~بما أنزل الله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم بدافع من البغى ~~والحقد، وكراهة أن ينزل الله الوحى من فضله على من يشاء من عباده، فالبغى ~~هنا مصدر بغى يبغى إذا ظلم. والمراد به ظلم خاص هو الحسد، وإنما عد الحسد ~~ظلما، لأن الظلم معناه المعاملة التى تبعد عن الحق وتجافيه والحسد معناه ~~تمنى زوال النعمة عن الغير والظالم والحاسد قد جانب كل منهما الحق فيما ~~صنع، والحاسد لن يناله نفع من زوال نعمة المحسود، كما أنه لن يناله ضر من ~~بقائها، وما دام كذلك فالحاسد ظالم للمحسود بتمنى زوال النعمة وصدق ~~الشاعر فى قوله. وأظلم خلق الله من بات حاسدا - لمن بات فى نعمائه يتقلب ~~-. فاليهود قد كفروا بما أنزل الله، من أجل حسدهم للنبى صلى الله عليه ~~وسلم على النبوة ولأنه لم يكن منهم وكان من العرب، وكراهية لأن ينزل الله ~~الوحى على من يصطفيه للرسالة من غيرهم، فعدم إيمانهم بما عرفوه وارتقبوه ~~سببه أنانيتهم البغيضة، وأثرتهم الذميمة التى حملتهم على أن يحسدوا الناس ~~على ما آتاهم الله من فضله، وأن يتوهموا أن النبوة مقصورة عليهم، فليس ~~لله - تعالى - فى زعمهم - أن ينزعها من ذرية إسحاق ليجعلها فى ذرية ~~إسماعيل عليهما السلام -. ولم يصرح - سبحانه - بأن المحسود هو النبى صلى ~~الله عليه وسلم لعلم ذلك من سياق الآيات الكريمة وللتنبيه على أن الحسد ~~فى ذاته مذموم كيفما كان حال ms0176 المحسود. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما آل ~~إليه أمرهم من خسران مبين فقال تعالى { فبآءو بغضب على غضب ~~وللكافرين عذاب مهين } باء بإثمه يبوء أى رجع أى فرجعوا من ~~أجل كفرهم وحسدهم للنبى صلى الله عليه وسلم بغضب مضموم إلى غضب آخر كانوا ~~قد استحقوه بسبب كفرهم بعيسى - عليه السلام - وبسبب تحريفهم للكلم عن ~~مواضعه، وتضييعهم لأحكام التوراة. فهم بسبب كفرهم المستمر الذى تعددت ~~أسبابه، يصيبهم غضب كثير متعاقب من الله - تعالى -. ويصح أن يكون معنى ~~قوله { فبآءو بغضب على غضب } أنهم رجعوا بغضب شديد مؤكد، ~~لصدوره من الله - تعالى -. والمراد بالكافرين، اليهود الذين تحدث عنهم ~~فيما سبق، فهم الذين عرفوا صدق محمد صلى الله عليه وسلم فى نبوته بما ~~نطقت به التوراة، ومع ذلك كفروا به فاستحبوا العمى على الهدى. # وعبر عنهم بهذا العنوان للتنبيه على أن ما أصابهم من عذاب مذل لهم كان ~~بسبب كفرهم، ويصح أن يراد بالكافرين كل كافروهم يدخلون فيه دخولا أوليا ~~وإنما كان لهم العذاب المهين لأن كفرهم لما كان سببه البغى والحسد ~~والتكبر والأنانية، قوبلوا بالإهانة والصغار. وبذلك تكون الآيتان ~~الكريمتان قد كشفتا عن لون من صفات اليهود الذميمة وهو إعراضهم عن ~~الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم الذى كانوا يستنصرون به على أعدائهم ~~قبل بعثته، وبيعهم الإيمان الذى كان فى مكنتهم الظفر به بالكفر بما أنزل ~~الله من دين قويم، وكتاب كريم إرضاء لغريزة الحقد الذى استحوذ على ~~قلوبهم، وتمشيا مع أثرتهم التى أبت عليهم أن يؤمنوا بنبى ليس من نسل ~~إسرائيل ولو جاءهم بالحق المبين، فحق عليهم قول الله - تعالى - # فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات ~~الله يجحدون # ثم حكى القرآن بعد ذلك بعض المعاذير الكاذبة التى كان اليهود يعتذرون ~~بها عندما يدعون إلى الدخول فى الإسلام، فقد كانوا يقولون إننا مكلفون ~~ألا نؤمن إلا بكتابنا التوراة، فنحن نكتفى بالإيمان به دون غيره. استمع ~~إلى القرآن - وهو يعرض دعاواهم الكاذبة ثم يقذفها بالحق فيدمغها - حيث ~~يقول { وإذا قيل لهم آمنوا ms0177 بما أنزل الله ~~قالوا... إن كنتم مؤمنين }. ### || [2.91-93] # معنى الآيات الكريمة. أن اليهود المعاصرين للعهد النبوى كانوا إذا عرض ~~عليهم الإيمان بما أنزل الله من القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم ~~أجابوا بقولهم نؤمن بما أنزل علينا وهو التوراة التى أنزلها الله - تعالى ~~- على موسى، ويجحدون غيرها وهو القرآن الكريم المصدق لها فى الأمر باتباع ~~محمد صلى الله عليه وسلم ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم ~~أن يكذبهم فى دعواهم الإيمان بما أنزل عليهم فقال { قل فلم ~~تقتلون أنبيآء الله من قبل إن كنتم مؤمنين } ~~بالتوراة فإنها تنهاكم عن قتلهم ثم كذبهم القرآن الكريم مرة أخرى فقال { ~~ولقد جآءكم موسى بالبينات } أى بالآيات الواضحات ~~الدالة على صدقه، ولكنكم { اتخذتم العجل من بعده } أى من ~~بعد ذهابه لميقات ربه { وأنتم ظالمون } لعبادتكم غير الله ~~تعالى. ثم كذبهم القرآن الكريم - فى دعواهم الإيمان بما أنزل عليهم - ~~بصورة أخرى سوى ما سبقها فقال تعالى { وإذ أخذنا ميثاقكم ~~ورفعنا فوقكم الطور } وقلنا لكم { خذوا مآ ~~ءاتينكم - من التوراة - بقوة } أى بجد حزم { واسمعوا } ~~ما أمرتم به فيها سماع تدبر وطاعة. ولكن أسلافكم الذين أنتم على شاكلتهم ~~قالوا لنبيهم { سمعنا } قولك { وعصينا } أمرك. وخالط حب العجل ~~قلوبهم كما يخالط الماء أعماق البدن، وكل هذه الأفاعيل منكم لا تناسب ~~دعواكم الإيمان بما أنزل إليكم، وإذا فبئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم ~~مؤمنين بالتوراة كما تزعمون، فالواقع أن التوراة بريئة من أعمالكم، وأنتم ~~بعيدون عن الإيمان بها. وقوله تعالى { وإذا قيل لهم آمنوا ~~بما أنزل الله قالوا نؤمن بمآ أنزل علينا } ~~تصوير لنوع آخر من قبائح اليهود، وإخبار عن إعراضهم عن الحق بدعوى أنهم ~~مكلفون بعدم الإيمان إلا بما أنزل الله على موسى وهو التوراة. والمقصود ~~{ بما أنزل الله } القرآن الكريم. ولم يذكر المنزل عليه وهو ~~محمد صلى الله عليه وسلم للعلم به أو للتنبيه على أن وجوب الإيمان ~~بالكتاب، يكفى فيه العلم بأنه منزل من عند الله - تعالى - ومتى استقر فى ~~النفس ms0178 أن القرآن الكريم من عند الله، استتبع ذلك استحضار أنه أنزل على ~~محمد صلى الله عليه وسلم. وقولهم { بمآ أنزل علينا } معناه ~~نؤمن بالتوراة التى أنزلها الله على نبينا موسى دون غيرها مما أنزله الله ~~عليك - يا محمد -، وجوابهم هذا يدل على غبائهم وعنادهم. لأن الداعى لهم ~~إلى الإيمان، يطلب منهم أن يؤمنوا بكل ما أنزل الله من الكتب السماوية، ~~ولكنهم قيدوا أنفسهم بالإيمان ببعض ما أنزل الله وهو ما أنزل عليهم، فلم ~~يكن إيمانهم مطابقا لما أمر الله به وهو التصديق بجميع الكتب السماوية، ~~ولا شك أن من آمن ببعض الكتب السماوية وكفر ببعضها يكون كافرا بجميعها. # وقوله تعالى { ويكفرون بما ورآءه } قصد به بيان التصريح ~~بكفرهم بالقرآن الكريم بعد أن لمحوا بذلك فى قولهم { نؤمن بمآ ~~أنزل علينا } والضمير فى { ورآءه } يعود على { بمآ ~~أنزل علينا } المكنى به عن التوراة، أى قالوا نؤمن بما أنزل ~~علينا والحال أنهم يكفرون بما سوى التوراة أو بما بعدها وهو القرآن ~~الكريم. قال ابن جرير - رحمه الله - " وتأويل وراء فى هذا الموضع سوى، ~~كما يقال للرجل المتكلم بالحسن ما وراء هذا الكلام الحسن شىء. يراد به ~~ليس من عند المتكلم به شىء سوى ذلك الكلام، فكذلك معنى قوله تعالى { ~~ويكفرون بما ورآءه } أى بما سوى التوراة، وبما بعده من كتب ~~الله التى أنزلها على رسله ". والضمير " هو " فى قوله تعالى { وهو ~~الحق مصدقا لما معهم } يعود إلى القرآن الكريم المكنى ~~عنه بقوله " بما وراءه ". والحق الحكم المطابق للواقع. ووصف به القرآن ~~الكريم لاشتماله على الأحكام المطابقة للواقع. ومعنى كون القرآن مصدقا ~~لما مع اليهود وهو التوراة، أنه يدل على نبوة النبى صلى الله عليه وسلم. ~~وبهذا كان مؤيدا للتوراة التى بشرت بالنبى صلى الله عليه وسلم وذكرت له ~~نعوتا لا تنطبق إلا عليه، وبذلك يكون اليهود الذين يدعون الإيمان بما ~~أنزل عليهم كاذبين فى دعواهم، لأنهم لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~الذى بشرت به توراتهم وأمرتهم بالأيمان به وأيدها القرآن ms0179 الكريم فى ذلك. ~~قال صاحب الكشاف وفى قوله تعالى { وهو الحق مصدقا لما ~~معهم } رد لمقالتهم { نؤمن بمآ أنزل علينا } لأنهم إذ ~~كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها ". ثم أمر الله - تعالى - رسوله ~~صلى الله عليه وسلم أن يوبخهم ويبطل دعواهم الإيمان بما أنزل عليهم ~~بدليل إلزامى فقال تعالى { فلم تقتلون أنبيآء الله من ~~قبل إن كنتم مؤمنين }. والمعنى قل يا محمد لهؤلاء اليهود ~~الذين إذا دعوتهم إلى الإيمان بك قالوا. { نؤمن بمآ أنزل ~~علينا } قل لهم إن كنتم حقا مؤمنين بما أنزل عليكم وهو التوراة، ~~فلأى شىء تقتلون أنبياء الله مع أن التوراة تحرم عليكم قتلهم، بل هى ~~تأمركم باتباعهم وتصديقهم وطاعتهم لأنه أرسلهم لهدايتكم وسعادتكم. إن ~~قتلكم لهم أكبر دليل على أنكم لم تؤمنوا لا بما أنزل عليكم ولا بغيره ~~وأنكم كاذبون فى مدعاكم لأن جميع ما أنزل الله من وحى يحرم قتل الأنبياء، ~~ويأمر الناس باتباعهم وطاعتهم. ويرجع معنى الآية إلى نفى فعل الشرط وهو ~~كونهم مؤمنين، إذ لا وجه لقتلهم الأنبياء إلا عدم إيمانهم بالتوراة، وهذا ~~كما تريد أن تنفى عن رجل العقل لفعله ما ليس من شأنه أن يصدر من عاقل، ~~فتقول له إن كنت عاقلا فلم فعلت كذا؟ أى أنت لست بعاقل. # والفاء فى قوله تعالى { فلم تقتلون } واقعة فى جواب محذوف دل ~~عليه ما بعده، والتقدير إن كنتم مؤمنين بما أنزل عليكم فلم تقتلون أنبياء ~~الله - تعالى -. والإتيان بالمضارع فى قوله - تعالى - { تقتلون } ~~مع أن القتل للأنبياء وقع من أسلافهم بقرينة قوله تعالى { من قبل } ~~لقصد استحضار تلك الجناية الشنيعة، وللتنبيه على أن ارتكابهم لتلك ~~الجريمة البشعة يتجدد ويقع منهم المرة تلو الأخرى، وللإشعار بأن الخلف ~~يمشون على عماية السلف، فى التعدى والعصيان، فلقد حاول اليهود المعاصرون ~~للعهد النبوى قتل الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن الله - تعالى - عصمه ~~منهم، ونجاه من مكرهم. وأضاف سبحانه - الأنبياء إليه فقال { أنبيآء ~~الله } للتنبيه على شرفهم العظيم، وللدلالة على فظاعة عصيان اليهود ~~واجتراحهم المنكر، إذ ms0180 قابلوا بالقتل من يجب عليهم أن يقابلوهم بالتصديق ~~والتوقير والطاعة. ثم ذكر القرآن الكريم لهم جنايات أخرى تدل على أنهم لم ~~يؤمنوا بما أنزل عليهم كما يدعون. ومن تلك الجنايات عبادتهم العجل، فقال ~~تعالى { ولقد جآءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم ~~العجل من بعده وأنتم ظالمون }. البينات جمع بينة وهى ~~الآيات والمعجزات الدالة على صدقه وحقية نبوته، كانقلاب العصا ثعبانا، ~~وفلق البحر، وانفجار العيون من الحجر... إلخ. وإنما سماها الله بينات، ~~لأنها لما كانت لا يقدر على أن يأتى بها بشر إلا بتسخير الله ذلك له دلت ~~على صدق موسى - عليه السلام - فى نبوته ورسالته. والمعنى ولقد جاءكم - يا ~~بنى إسرائيل - نبينا موسى بالآيات الواضحات الدالة على صدقه، وحقية ~~نبوته، وكان من الواجب عليكم أن تتبعوه وتطيعوه ولكنكم لم تفعلوا فقد ~~اتخذتم العجل إلها من بعد مفارقة نبيكم موسى لكم لمناجاة ربه، ومن بعد ~~مشاهدتكم لتلك المعجزات، التى استبان بها صدقه فيما يبلغكم عن ربه فأنتم ~~ظالمون بذلك، لأنكم تركتم عبادة من يستحق العبادة وهو الله - تعالى - ~~وعبدتم العجل الذى لا يملك ضرا ولا نفعا. فالآية الكريمة فيها أبطال ~~لدعواهم الإيمان بما أنزل عليهم، لأنهم لو كانوا مؤمنين حقا بنبيهم ~~الذى جاءهم بالبينات، لما تركوا ما أمرهم به وهو عبادة الله، وفعلوا ما ~~نهاهم عنه وهو عبادة العجل. ثم ذكر القرآن الكريم جناية أخرى تكذبهم فى ~~دعواهم أنهم يؤمنون بما أنزل عليهم - وهى إباؤهم التوراة عنادا ~~واستكبارا فقال تعالى { وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا ~~فوقكم الطور خذوا مآ ءاتينكم بقوة واسمعوا ~~قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا فى قلوبهم العجل ~~بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن ~~كنتم مؤمنين }. ومعنى الآية الكريمة واذكروا - يا بنى إسرائيل ~~- وقت أن أخذنا الميثاق عليكم بأن تعملوا بما فى التوراة، وتتلقوا ~~أحكامها بالتقبل والطاعة ورفعنا فوقكم الطور لنريكم آية من آياتنا العظمى ~~التى تقوى قلوبكم، وتجعلكم تقبلون على تعاليم التوراة برغبة واستجابة، ~~وقلنا لكم خذوا ما آتيناكم بجد وحزم، واسمعوا ما أمرناكم به سماع تدبر ~~وطاعة، ولكنكم - يا ms0181 بنى إسرائيل - يا من تدعون الإيمان بما أنزل عليكم - ~~أعرضتم عما أمرتم به من قبول التوراة وقلتم لنبيكم سمعنا قولك وعصينا ~~أمرك، وخالط حب عبادة العجل قلوبكم كما يخالط الماء أعماق البدن ولم ~~تأبهوا بما جاءكم فى التوراة من الهدى والنور وبما صحب عرضها عليكم من ~~الآية البينة وهى رفع الجبل فوقكم حتى ظننتم أنه وافع بكم فكفرتم بذلك ~~كله ولا زالت نفوسكم تحن إلى عبادة العجل ولقد سرتم على منهج أسلافكم فى ~~العناد والجحود والإعراض عما ينزله الله من الحق، وإذا كان هذا شأنكم ~~فكيف تدعون الإيمان بما أنزل عليكم؟ ثم أمر الله نبيه صلى الله عليه ~~وسلم أن يوبخهم على تخرصاتهم فقال تعالى { قل بئسما يأمركم ~~به إيمانكم إن كنتم مؤمنين }. # وقوله تعالى { ورفعنا فوقكم الطور } معناه أننا حركناه ~~ونقلناه معلقا فوقكم فى الهواء، لتروا بأعينكم آية كونية من شأنها أنها ~~تحملكم على الإيمان والطاعة إن كانت لكم عقول تعقل. ومعنى قوله تعالى { ~~خذوا مآ ءاتينكم بقوة واسمعوا } قلنا لكم خذوا ما ~~أمرناكم به فى التوراة بجد واجتهاد فى تأديته، واسمعوا ما تؤمرون به سماع ~~طاعة وتفهم. فقوله تعالى { واسمعوا } ليس المراد به مجرد السماع ~~للقول فقط، بل المقصود منه السماع الذى يصحبه التدبر والاستجابة للأمر ~~فهو مؤكد ومقرر لقوله تعالى { خذوا مآ ءاتينكم بقوة }. ثم ~~حكى - سبحانه - جوابهم الذى يدل على عنادهم فقال { قالوا سمعنا ~~وعصينا }. قال صاحب الكشاف فإن قلت كيف طابق قوله جوابهم؟ قلت طابقه ~~من حيث إنه قال لهم اسمعوا وليكن سماعكم تقبل وطاعة، فقالوا سمعنا ولكن ~~لا سماع طاعة. وقد اختلف المفسرون هل صدر متهم هذا اللفظ حقيقة باللسان ~~نطقا أو أنهم فعلوا فعلا مقام القول فيكون مجازا؟ قال الفخر الرازى ~~الأكثرون من المفسرين على أنهم قالوا هذا القول حقيقة. وقال أبو مسلم ~~وجائز أن يكون المعنى سمعوه فتلقوه بالعصيان فعبر عن ذلك بالقول ولم ~~يقولوه، كقوله تعالى # فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ ~~أتينا طآئعين # قال والأول أولى لأن صرف ms0182 الكلام عن ظاهره بغير دليل لا يجوز. وقوله ~~تعالى { وأشربوا فى قلوبهم العجل بكفرهم } عطف على ~~قولهم سمعنا وعصينا والإشراب السقى وجعل الشىء شاربا، واستعمل على وجه ~~التجوز فى خلط لون بأخر كأن أحد اللونين سقى الآخر، يقال بياض مشرب بحمرة ~~أى مختلط، وفلان أشرب قلبه حب كذا بمعنى خالط حبه قلبه. # قال الإمام الرازى قوله تعالى { وأشربوا في قلوبهم ~~العجل } فى وجه هذه الاستعارة وجهان الأول معناه تداخلهم حبه والحرص ~~على عبادته كما يتداخل الصبغ الثوب، وقوله فى قلوبهم بيان لمكان الإشراب ~~كقوله # إنما يأكلون في بطونهم نارا # الثانى كما أن الشرب مادة لحياة ما تخرجه الأرض، فكذا تلك المحبة كانت ~~مادة لجميع ما صدر عنهم من الأفعال. وفى الجملة الكريمة { وأشربوا ~~فى قلوبهم العجل بكفرهم } مضاف محذوف وهو لفظ حب لدلالة ~~المعنى عليه. والمعنى إن هؤلاء اليهود الذين مردوا على العصيان قد خالط ~~حب العجل نفوسهم حتى استقر فى قلوبهم كما يخالط الماء أعماق الجسد. وحذف ~~لفظ الحب من الجملة الكريمة، يشعر بشدة تعلق قلوبهم بالعجل حتى لكأنهم ~~أشروبوا ذاته. والتعبير بقوله { أشربوا } يشير إلى أنه بلغ حبهم ~~العجل مبلغ الأمر الذى لا اختيار لهم فيه كأن غيرهم أشربهم إياه. وقوله ~~تعالى { بكفرهم } دليل على أن محبتهم للعجل ناشئة عن كفر سابق، ~~وجحود متأصل فكفرهم الذى ترتب على عبادتهم للعجل، قد سبقه كفر آخر، فهو ~~كفر على كفر. ثم أمر الله - تعالى - نبيه فى ختام الآية الكريمة بتوبيخهم ~~فقال تعالى { قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن ~~كنتم مؤمنين } أى قل - يا محمد - لهؤلاء اليهود الذين يدعون ~~الإيمان بما أنزل عليهم - قل لهم - بئس الشىء الذى يأمركم به إيمانكم ~~قتل الأنبياء وعبادة العجل والعصيان إن كنتم مصدقين - كما زعمتم - ~~بالتوراة، والحق أن التوراة ما أمرتكم بشىء من ذلك فلما أنتم بمؤمنين بها ~~ولا بغيرها من كتب الله، لأنها لا تأمر بالفحشاء. فالجملة الكريمة خلاصة ~~لإبطال قولهم { نؤمن بمآ أنزل علينا } بعد أن أبطله الله ~~- تعالى - فيما سبق بشواهد متعددة، ms0183 لأنهم لما زعموا ذلك، وكانوا مع هذا ~~يفعلون أفعالا قبيحة تناقض الإيمان بأى كتاب سماوى، أمر الله - تعالى - ~~رسوله صلى الله عليه وسلم أن يذمهم على هذه الأفعال التى تناقض الإيمان ~~بما أنزل عليهم لكى يعلم الناس جميعا أن دعواهم لا أساس لها من الصحة. ~~وأضاف - سبحانه - الإيمان إليهم فقال { إيمانكم } ولم يقل ~~الإيمان، لأنه ليس إيمانا صحيحا وإنما هو إيمان مزعوم، فإضافة ~~الإيمان إليهم من باب التهكم بهم والاستهزاء بعقولهم. وقوله تعالى { ~~إن كنتم مؤمنين } تشكيك فى إيمانهم بالتوراة، وقدح فى صحة ~~دعواهم فإن الإيمان الحق إنما يأمر بعبادة الله وحده، وينهى عن عبادة ~~سواه وعن ارتكاب السوء والفحشاء. فالجملة الكريمة فى معنى النفى لادعائهم ~~الإيمان بالتوراة لأنها ما أمرت بشىء يبغضه الله تعالى. قال الإمام ابن ~~جرير وقوله { إن كنتم مؤمنين } أى إن كنتم مصدقين كما زعمتم ~~بما أنزل الله عليكم. # وإنما كذبهم الله بذلك لأن التوراة تنهى عن ذلك كله، وتأمر بخلافه، ~~فأخبرهم أن تصديقهم بالتوراة إن كان يأمرهم بذلك، فبئس الأمر تأمر به. ~~وإنما ذلك نفى من الله - تعالى - عن التوراة أن تكون تأمر بشىء مما يكرهه ~~الله من أفعالهم وأن يكون التصديق بها يدل على شىء من مخالفة أمر الله، ~~وإعلام منه - جل ثناؤه - أن الذى يأمرهم بذلك أهواؤهم، والذى يحملهم عليه ~~البغى والعدوان ". وبذلك تكون الآيات الكريمة قد أقامت الأدلة المتعددة، ~~والبراهين القاطعة على كذب اليهود فى دعواهم الإيمان بما أنزل عليهم، ~~ووبختهم على مزاعمهم الباطلة، وأقوالهم الفاسدة. هذا، ولفضيلة أستاذنا ~~الدكتور محمد عبد الله دراز كلام رصين عند حديثه عن هذه الآيات، فقد قال ~~- رحمه الله - يقول الله تعالى فى ذكر حجاج اليهود { وإذا قيل ~~لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بمآ ~~أنزل علينا ويكفرون بما ورآءه وهو الحق ~~مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبيآء الله ~~من قبل إن كنتم مؤمنين... }. هذا قطعة من فصل من قصة بنى ~~إسرائيل، والعناصر الأصلية التى تبرزها لنا هذه الكلمات القليلة تتلخص ~~فيما يلي 1 ms0184 - مقالة ينصح بها الناصح لليهود إذ يدعوهم إلى الإيمان ~~بالقرآن. 2 - إجابتهم لهذا الناصح بمقالة تنطوى على مقصدين. 3 - الرد على ~~هذا الجواب بركنيه من عدة وجوه. وأقسم لو أن محاميا بليغا وكلت إليه ~~الخصومة بلسان القرآن فى هذه القضية، ثم هدى إلى استنباط هذه المعانى ~~التى تختلج فى نفس الداعى والمدعو لما وسعه فى أدائها أضعاف أضعاف هذه ~~الكلمات، ولعله بعد ذلك لا يفى بما حولها من إشارات واحتراسات وآداب ~~وأخلاق. قال الناصح لليهود آمنوا بالقرآن كما آمنتم بالتوراة، ألستم قد ~~أمنتم بالتوراة التى جاء بها موسى لأنها أنزلها الله؟ فالقرآن الذى جاء ~~به محمد صلى الله عليه وسلم أنزله الله، فآمنوا به كما آمنتم بها. فانظر ~~كيف جمع القرآن هذا المعنى الكثير فى هذه اللفظ الوجيز { آمنوا بما ~~أنزل }. وسر ذلك أنه عدل بالكلام عن صريح اسم القرآن إلى كنايته. ~~فجعل دعاءهم إلى الإيمان به دعاء إلى الشىء بحجته، وبذلك أخرج الدليل ~~والدعوى فى لفظ واحد. ثم انظر كيف طوى ذكر المنزل عليه فلم يقل آمنوا بما ~~أنزل الله على محمد، مع أن هذا جزء متمم لوصف القرآن المقصود بالدعوة. ~~أتدرى لم ذلك؟ لأنه لو ذكر لكان فى نظر الحكمة البيانية زائدا، وفى نظر ~~الحكمة الإرشادية مفسدا. أما الأول فلأن هذه الخصوصية لا مدخل لها فى ~~الإلزام، فأدير الأمر على القدر المشترك وعلى الحد الأوسط الذى هو عمود ~~الدليل. وأما الثانى فلأن إلقاء هذا الإسم على مسامع الأعداء من شأنه أن ~~يخرج أضغانهم ويثير أحقادهم فيؤدى إلى عكس ما قصده الداعى من التأليف ~~والإصلاح. # .. كان جواب اليهود أن قالوا إن الذى دعانا للإيمان بالتوراة ليس هو ~~كونها أنزلها الله فحسب، بل إننا آمنا بها لأن الله أنزلها علينا. ~~والقرآن لم ينزله علينا، فلكم قرآنكم ولنا توراتنا، ولكل أمة شرعة ~~ومنهاج. هذا هو المعنى الذى أوجزه القرآن فى قوله { نؤمن بمآ ~~أنزل علينا } وهذا هو المقصد الأول، وقد زاد إيجاز هذه العبارة ~~أن حذف منها فاعل الإنزال وهو لفظ ms0185 الجلالة، لأنه تقدم ذكره فى نظيرتها. ~~ومن البين أن اقتصارهم على الإيمان بما أنزل عليهم يومئ إلى كفرانهم بما ~~أنزل على غيرهم، وهذا هو المقصد الثانى، ولكنهم تحاشوا التصريح به لما ~~فيه من شناعة التسجيل على أنفسهم بالكفر، فأراد القرآن أن يبرزه، أنظر ~~كيف أبرزه؟ إنه لم يجعل لازم مذهبهم مذهبا له، ولم يدخل مضمون قولهم فى ~~جملة ما نقله من كلامهم، بل أخرجه فى معرض الشرح والتعليق على مقالتهم ~~فقال { ويكفرون بما ورآءه } أليس ذلك هو غاية الأمانة فى ~~النقل؟.. ثم جاء دور الرد والمناقشة فيما أعلنوه وما أسروه. فتراه لا ~~يبدأ بمحاورتهم فى دعوى إيمانهم بكتابهم، بل يتركها مؤقتا كأنها مسلمة ~~ليس عليهم وجوب الإيمان بغيره من الكتب فيقول كيف يكون الإيمان بكتابهم ~~باعثا على الكفر بما هو حق مثله؟ لا بل هو الحق كله، وهل يعارض الحق ~~الحق حتى يكون الإيمان بأحدهما موجبا للكفر بالآخر؟ ثم يترقى فيقول وليس ~~الأمر بين هذا الكتاب الجديد وبين الكتب السالفة عليه كالأمر بين كل حق ~~وحق، فقد يكون الشىء حقا وغيره حقا فلا يتكاذبان، ولكنهما فى شأنين ~~مختلفين، فلا يشهد بعضها لبعض، أما هذا الكتاب فإنه جاء شاهدا ومصدقا ~~لما بين يديه من الكتب، فكيف يكذب به من يؤمن بها. فانظر إلى الإحكام فى ~~صنعه البيان إنما هى كلمة رفعت وأخرى وضعت فى مكانها عند الحاجة إليها، ~~فكانت هذه الكلمة حسما لكل عذر، وسدا لكل باب من أبواب الهرب، بل كانت ~~هذه الكلمة وحدها بمثابة حركة تطويق للخصم تمت خطوة واحدة، وفى غير ما ~~جلبة ولا طنطنة. ولما قضى وطر النفس من هذا الجانب المطوى الذى ساقه مساق ~~الاعتراض والاستطراد، استوى إلى الرد على المقصد الأصلى الذى تبجحوا ~~بإعلانه والافتخار به، وهو دعواهم الإيمان بما أنزل عليهم، فأوسعهم ~~إكذابا وتفنيدا. وبين أن داء الجحود فيهم داء قديم، قد أشربوه فى ~~قلوبهم ومضت عليه القرون حتى أصبح مرضا مزمنا وأن الذى أتوه اليوم من ~~الكفر بما أنزل على محمد ما هو ms0186 إلا حلقه متصلة بسلسلة كفرهم بما أنزل ~~عليهم، وساق على ذلك الشواهد التاريخية المفظعة التى لا سبيل لإنكارها ~~فى جهلهم بالله، وانتهاكهم لحرمة أنبيائه، وتمردهم على أوامره { قل ~~فلم تقتلون أنبيآء الله من قبل إن كنتم ~~مؤمنين }. # تأمل كيف أن هذا الانتقال كانت النفس قد استعدت له فى آخر المرحلة ~~السابقة، إذ يفهم السامع من تكذيبهم لما يصدق كتابهم أنهم صاروا مكذبين ~~لكتابهم نفسه، وهو الذى يكذب من يصدقك يبقى مصدقا لك؟؟.. ثم انظر بعد أن ~~سجل القرآن على بنى إسرائيل أفحش الفحش وهو وضعهم البقر الذى هو مثل فى ~~البلادة موضع المعبود الأقدس، وبعد أن وصف قسوة قلوبهم فى تأبيهم على ~~أوامر الله مع حملهم عليها بالآيات الرهيبة. بعد كل ذلك تراه لا يزيد على ~~أن يقول فى أول الأمر إن هذا " ظلم " ، وفى الثانية بئسما صنعتم، أذلك كل ~~ما تقابل به هذه الشناعات؟ نعم إنهما كلمتان وافيتان بمقدار الجريمة لو ~~فهمتا على وجههما، ولكن أين حدة الألم وحرارة الاندفاع فى الانتقام؟ بل ~~أين الإقذاع والتشنيع؟ وأين الإسراف والفجور الذى تراه فى كلام الناس، ~~إذا أحفظوا بالنيل من مقامهم. تالله ما أعف هذه الخصومة وما أعز هذا ~~الجناب، وأغناه عن شكر الشاكرين وكفر الكافرين، وتالله إن هذا الكلام لا ~~يصدر عن نفس بشر ". ثم أمر الله - تعالى - نبيه " صلى الله عليه وسلم " ~~أن يرد على اليهود فى دعواهم أن الجنة لن يدخلها إلا من كان على ملتهم ~~فقال - تعالى - { قل إن كانت لكم الدار ~~الآخرة...والله بصير بما يعملون }. ### || [2.94-96] # معنى الآيات الكريمة إجمالا قل - يا محمد - لأولئك اليهود الذين ادعوا ~~أن الجنة لن يدخلها إلا من كان هودا إن كانت الجنة مختصة بكم، وسالمة لكم ~~دون غيركم، وليس لأحد سواكم فيها حق. فتمنوا الموت إن كنتم صادقين فى ~~دعواكم، لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إليها وأحب الوصول إليها. ثم ~~أخبر الله أن هذا التمنى لن يحصل منهم فقال { ولن يتمنوه ~~أبدا } أى الموت { بما قدمت أيديهم ms0187 } أى بسبب ما ارتكبوه ~~من كفر ومعصية { والله عليم بالظالمين } الذين وضعوا الأمور ~~فى غير موضعها، فادعوا ما ليس لهم، ونفوه عمن هو لهم. ثم أخبر القرآن بأن ~~حرصهم على الحياة لا نظير له ولا مثيل فقال { ولتجدنهم أحرص ~~الناس على حياة } متطاولة { ومن الذين أشركوا } أى ~~وأحرص عليها - أيضا - من الذين أشركوا الذين لا يعرفون إلا الحياه ~~الدنيا { يود أحدهم لو يعمر ألف سنة } أى يتمنى ~~الواحد من هؤلاء اليهود أن يعيش السنين الكثيرة ولو تجاوزت الحدود ~~المعقولة لعمر الإنسان والحال أنه ما أحد منهم بمزحزحه ومنجيه تعميره من ~~العذاب { والله بصير بما يعملون } أى لا يخفى عليه أعمالهم، ~~فهو محاسبهم عليها، ومجازيهم بما يستحقونه من عقاب. وقوله تعالى { قل ~~إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من ~~دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } رد ~~على زعمهم الباطل أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا، والمراد بالدار ~~الآخرة الجنة ونعيمها، ومعنى { خالصة } سالمة لكم مختصة بكم، لا ~~يشارككم فيها أحد من الناس. قال الإمام ابن جرير " يقال خلص لى فلان ~~بمعنى صار لى وحدى وصفا لى، ويقال منه خلص هذا الشىء، فهو يخلص خلوصا ~~وخالصة، والخالصة مصدر مثل العافية.. ". وقوله تعالى { فتمنوا ~~الموت } التمنى هو ارتياح النفس ورغبتها القوية فى الشىء. بحيث توده ~~وتحب المصير إليه، وهو يستعمل فى المعنى القائم بالقلب كما بينا، ويستعمل ~~فى اللفظ الدال على هذا المعنى، كأن يقول الإنسان بلسانه، ليتنى أحصل ~~على كذا. والاستعمال الثانى هو المراد بقول تعالى { فتمنوا ~~الموت } أى اذكروا بألسنتكم لفظا يدل على أنكم تحبون الموت وترغبون ~~فيه. وإنما قلنا إن ذلك هو المراد من الآية لأن المعنى الكائن بالقلب لا ~~يعرفه أحد سوى الله - تعالى - والتحدى لا يقع بتحصيل المعانى القائمة ~~بالضمائر والقلوب. ومعنى الآية الكريمة. قل يا محمد لليهود إن كانت الجنة ~~خاصة بكم، ولا منازع لكم فيها ولا مزاحم كما تزعمون، فتمنوا الموت ~~بألسنتكم لكى تظفروا بنعيمها الدائم، إن كنتم صادقين فى دعواكم ms0188 أنها ~~خالصة لكم، وإلا فإنكم لا تكونون صادقين فى دعواكم، إذ لا يعقل أن يرغب ~~الإنسان عن السعادة المحضة الدائمة المضمونة له فى الآخرة، إلى سعادة ~~ممزوجة بالشقاء فى الدنيا. # قال الإمام الرازى وبيان هذه الملازمة أن نعم الدنيا قليلة حقيرة ~~بالقياس إلى نعم الآخرة. ثم إن نعم الدنيا على قلتها كانت منغصة عليهم ~~بسبب ظهور محمد صلى الله عليه وسلم ومنازعته معهم، بالجدال والقتال، ومن ~~كان فى النعم القليلة المنغصة. ثم تيقن أنه بعد الموت لابد أن ينتقل إلى ~~تلك النعم العظيمة، فإنه لابد أن يكون راغبا فى الموت، لأن تلك النعم ~~العظيمة مطلوبة ولا سبيل إليها إلا الموت وحيث كان الموت يتوقف عليه ~~المطلوب وجب أن يكون هذا الإنسان راضيا بالموت متمنيا له، فثبت أن ~~الدار الآخرة لو كانت خالصة لهم، لوجب أن يتمنوا الموت. ثم إن الله - ~~تعالى - أخبر أنهم ما تمنوا الموت، بل لن يتمنوه أبدا، وحينئذ يلزم ~~قطعا بطلان ادعائها فى قولهم " إن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس ~~". وتحديهم بتمنى الموت يكون بأن يقولوا بألسنتهم ليتنا نموت، أو يقولوا ~~ما فى معنى هذه الكلمة كما أشرنا إلى ذلك سابقا، وهذا رأى جمهور ~~المفسرين. وروى عن ابن عباس - رضى الله عنهما - أن ذلك يكون عن طريق ~~المباهلة، بأن يحضروا مع المؤمنين فى صعيد واحد، ثم يدعو الفريقان بالموت ~~على الكاذب منهما. ويبدو لنا أن الرأى الأول أرجح لأنه أقرب إلى موافقة ~~اللفظ الذى نطقت به الآية وأقرب أيضا إلى معناها. إذ ليس فى الآية إشارة ~~ما إلى طلب المباهلة، والقرآن حينما دعا إليها نصارى نجران، جاء اللفظ ~~بها صريحا فى قوله تعالى # فمن حآجك فيه من بعد ما جآءك من العلم فقل ~~تعالوا ندع أبناءنا وأبنآءكم ونسآءنا ~~ونسآءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل ~~لعنت الله على الكاذبين # ثم أخبر - سبحانه - بأن هؤلاء اليهود لن يتمنوا الموت أبدا بسبب ما ~~فعلوا من شرور فقال تعالى { ولن يتمنوه أبدا بما ~~قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين }. أى ms0189 لا يتمنى ~~اليهود الموت أبدا بسبب ما قدمت أيديهم من آثام، والله - عز وجل - لا ~~تخفى عليه خافية من سيئاتهم واعتداءاتهم بل هو سيسجلها عليهم، ويجازيهم ~~عليها الجزاء الذى يستحقونه، والآية الكريمة خبر من الله - تعالى - عن ~~اليهود بأنهم يكرهون الموت، ويمتنعون عن الإجابة إلى ما دعوا إليه من ~~تمنيه، لعلمهم بأنهم إن فعلوا فالموت نازل بهم، وذلك لأن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لم يخبرهم خبرا إلا كان حقا كما أخبر فهم يحذرون أن ~~يتمنوا الموت، خوفا من أن يحل بهم عقاب الله بما كسبت أيديهم من الذنوب. ~~وقد صح من عدة طرق عن ابن عباس أنه قال " لو تمنوا الموت لشرق أحدهم ~~بريقه ". # وقال ابن جرير فى تفسيره " وبلغنا أن النبى صلى الله عليه وسلم قال # " لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج ~~الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون أهلا ولا ~~مالا " # قال حدثنا بذلك أبو كريب، حدثنا زكريا بن عدى، حدثنا عبيد الله بن عمرو، ~~عن عبد الكريم عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال ~~الإمام ابن كثير ورواه الإمام أحمد عن اسماعيل بن يزيد الرقى حدثنا ~~فرات عن عبد الكريم به ". وقال صاحب الكشاف قوله { ولن يتمنوه ~~أبدا } من المعجزات لأنه إخبار بالغيب وكان كما أخبر به، كقوله تعالى # ولن تفعلوا # فإن قلت ما أدراك أنهم لم يتمنوا الموت قلت لو تمنوا لنقل ذلك عنهم كما ~~نقلت سائر الحوادث، ولكان ناقلوه من أهل الكتاب وغيرهم من أولى المطاعن ~~فى الإسلام أكثر من الذر وليس أحد منهم نقل عنه ذلك ". ويكفى فى تحقيق ~~هذه المعجزة، ألا يصدر تمنى الموت عن اليهود الذين تحداهم النبى صلى الله ~~عليه وسلم بذلك، وهم الذين كانوا يضعون العراقيل فى طريق دعوته، ويصرون ~~على جحود نبوته فلا يقدح فى هذه المعجزة أن ينطق يهودى بعد العهد النبوى ~~بتمنى الموت وهو حريص على الحياة، لأن المعنيين بالتحدى هم ms0190 اليهود ~~المعاصرون للعهد النبوى. وقوله تعالى { والله عليم بالظالمين ~~} وارد مورد التهديد والوعيد لهم وكان اليهود ظالمين بسبب ما قدمت أيديهم ~~وبسبب كونهم قد كذبوا على الله فى دعواهم أن الجنة لا يدخلها إلا من كان ~~منهم. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بأن هؤلاء اليهود الذين يزعمون أن الجنة ~~خالصة لهم فى غاية الحرص على الحياة فقال تعالى { ولتجدنهم ~~أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود ~~أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من ~~العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون }. ومعنى ~~الآية الكريمة ولتجدن - يا محمد - أولئك اليهود - الذين يزعمون أن الدار ~~الآخرة خالصة لهم من دون الناس - لتجدنهم أحب الناس للحياة، وأحرصهم ~~عليها، وأشدهم كراهية للموت " وليس ذلك عندما يكونون متمتعين بالطمأنينة ~~والعافية فقط بل هم كذلك حتى ولو زالت عنها كل معانى الراحة والطمأنينة، ~~فهم أحرص عليها حتى من المشركين الذين لا يؤمنون بالبعث، والذين يعتبرون ~~نعيمهم الأكبر هو ما يتمتعون به من اللذائذ فى هذه الدنيا، وهم فى حرصهم ~~على الحياة يتمنون أن تطول أعمارهم دهورا طويلة، لا يصل إليها خيال أحد ~~ممن يحرصون عليها كما قال تعالى { يود أحدهم لو يعمر ~~ألف سنة }. # وبذلك تكون الآية الكريمة قد كذبتهم فى دعواهم أن الدار الآخرة خالصة ~~لهم من دون الناس لأن الأمر لو كان كما يزعمون لرحبوا بالانتقال إليها، ~~ولكنهم لا يحبون الموت ولا يكاد يخطر ببالهم، ويحرصون كل الحرص على ~~البقاء حتى مع سوء الحالة ورذالة العيش، كما يشعر بذلك التنكير فى قوله ~~تعالى { على حياة }. والمراد بالناس جميعهم، وأفعل التفضيل فى { ~~أحرص } على بابه، لأن الحرص على الحياة غريزة فى البشر إلا أنهم ~~متفاوتون فيه قوة وكيفية وأسبابا، كما قال الشاعر # أرى كلنا يهوى الحياة بسعيه حريصا عليها مستهاما بها صبا فحب الجبان ~~النفس أورده التقى وحب الشجاع النفس أورده الحربا # فالناس جميعا وإن كانوا يشتركون مع اليهود فى الحرص على الحياة، إلا أن ~~اليهود يزيدون على سائر الناس أنهم أحرصهم، وأنهم ms0191 من أجل حرصهم عليها ~~يضحون بدينهم وبكرامتهم وبكل شىء. ونكر - سبحانه - الحياة التى يحرصون ~~عليها، زيادة فى تحقيرهم، فكأنه - سبحانه - يقول إنهم شديدو الحرص على ~~الحياة، ولو كانت حياة بؤس وشقاء، وللإشعار بأن ما يهمهم هو مطلق الحياة ~~كيفما كانت، بصرف النظر عن العزة والكرامة، فمن أمثال اليهود المشهورة " ~~الحياة وكفى ". ولا شك أن شدة التهالك على الحياة، تؤدى إلى الجبن، ~~واحتمال الضيم، وتجعل الأمة التى تنتشر فيها هذه الرذيلة لا تفرق بين ~~الحياة الكريمة والحياة الذليلة. وقوله تعالى { ومن الذين ~~أشركوا } عطف على الناس، لأنه لما كان قوله تعالى { أحرص ~~الناس } فى معنى أحرص من جميع الناس صح أن يراعى المعنى، فيكون قوله { ~~ومن الذين أشركوا } معطوف عليه، فيكون المعنى أحرص من جميع ~~الناس، وأحرص من الذين أشركوا على الحياة. والذين أشركوا، هم الذين جعلوا ~~لله شركاء وإنما أقردوا بالذكر مع أنهم من الناس، مبالغة فى توبيخ اليهود ~~وذمهم، لأنهم إذا زاد حرصهم على الحياة - وهم أهل كتاب - على المشركين ~~الذين لا كتاب لهم ولا يدينون ببعث أو نشور كان ذلك دليلا على هوان ~~نفوسهم، وابتذال كرامتهم وعدم اعتدادهم بوصايا كتبهم التى تنهاهم عن ~~الحرص على الحياة الذليلة. قال صاحب الكشاف " وفيه توبيخ عظيم، لأن الذين ~~أشركوا لا يؤمنون بعاقبة ولا يعرفون إلا الحياة الدنيا، فحرصهم عليها لا ~~يستبعد لأنها جنتهم، فإذا زاد عليها فى الحرص من له كتاب وهو مقر ~~بالجزاء، كان حقيقا بأعظم التوبيخ، فإن قلت لم زاد حرصهم على حرص ~~المشركين؟ قلت لأنهم علموا أنهم صائرون إلى النار لا محالة والمشركون لا ~~يعلمون ذلك ". ثم بين - سبحانه - مظهرا من مظاهر حرصهم على الحياة فقال ~~تعالى { يود أحدهم لو يعمر ألف سنة } أى يتمنى ~~الواحد منهم أن يعيش دهورا كثيرة، ليس من عادة الناس أن يحبوا بلوغها، ~~لأنها تؤدى بهم إلى أرذل العمر، وعدم طيب العيش. # فالجملة الكريمة مستأنفة لإظهار مغالاتهم فى التهالك على الدنيا ~~ولتحقيق عموم النوعية فى الحياة المنكرة، ولدفع ما يظنه بعض الناس من ms0192 أن ~~حرصهم على الحياة مهما اشتد فلن يصل بهم إلى تمنى أن يعيش الواحد منهم ~~ألف عام، أو أكثر، فجىء بهذه الجملة الكريمة. لتحقيق أن تعلقهم بالدنيا ~~يشمل حتى هذه السن المتطاولة، التى لا هناء فيها ولا راحة، والتى استعاذ ~~من بلوغها المؤمنون. ثم بين - سبحانه - أن تعميرهم الطويل لن ينجيهم من ~~العقوبة، لأن الموت لا يتركهم مهما طال عمرهم، فقال تعالى { وما هو ~~بمزحزحه من العذاب أن يعمر } أى وما أحد منهم بمبعده ~~تعميره عن العذاب المعد له، ولا بمنجيه منه. والجملة الكريمة فيها بيان ~~مصيرهم المحتوم، وقطع لحبال مطامعهم، لأن الموت سيلحقهم مهما بلغ عمرهم، ~~وسيلقون جزاءهم على سوء صنيعهم. وفى التعبير { بمزحزحه } أشارة ~~إلى أن طول عمرهم، ليس له أى أثر فى تخفيف العذاب عنهم، وقوله { ~~والله بصير بما يعملون } تهديد ووعيد لهم لأنه - سبحانه - ~~عليم بأعمالهم، محيط بما يخفون وما يعلنون، وسيجازيهم على كل ذلك بما ~~يستحقون. ومن هذا العرض للآيات الكريمة نرى أنها قد ردت على اليهود فى ~~دعواهم أن الجنة خالصة لهم، ردا يبطل حجتهم، ويفضح مزاعمهم، ويكبت ~~نفوسهم، ويخرس ألسنتهم، ويعلن أن الجنة إنما هى لمن أسلم وجهه لله وهو ~~محسن، وهم ليسوا من هذا النوع من الناس ولذا حرصوا على الحياة وفزعوا من ~~الموت، لأنهم يعلمون أن من ورائهم النار وبئس القرار بسبب ما ارتكبوا من ~~سيئات، واقترفوا من أكاذيب. ثم ساق القرآن بعد ذلك لونا عجيبا من ألوان ~~اليهود وهو مجاهرتهم بالعداوة لأمين الوحى جبريل - عليه السلام - فقال - ~~تعالى - { قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله... ~~فإن الله عدو للكافرين }. ### || [2.97-98] # فهاتان الآيتان تكشفان عن رذيلة غريبة حقا من رذائل اليهود وهى عداوتهم ~~لملك من ملائكة الله، لا يأكل مما يأكلون، ولا يشرب مما يشربون وإنما هو ~~من الملائكة المقربين، الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ~~وإذا فليس هناك مقتض لعداوته، فلماذا هذا التصريح منهم ببغضه وكراهيته؟ ~~لقد سمعوا أن جبريل - عليه السلام - ينزل بالوحى من عند الله ms0193 على محمد ~~صلى الله عليه وسلم وهم يحسدونه على النبوة، فلج بهم الحقد والغيظ إلى أن ~~أعلنوا عن عدائهم لجبريل - أيضا - وهذه حماقة وجهالة منهم، لأن جبريل - ~~عليه السلام - نزل بالخير لهم فى دينهم وفى دنياهم. ولكن الحقد والحسد ~~إذا استوليا على النفوس جعلاها لا تفرق بين الخير والشر. ومعنى الآيتين ~~الكريمتين، قل - يا محمد - لهؤلاء اليهود الذين أعلنوا عداءهم لجبريل أنه ~~لا وجه لعداوته لأنه لم ينزل بالقرآن من تلقاء نفسه وإنما نزل على قلبك ~~بأمر الله ليكون مؤيدا لما نزل قبله من الكتب السماوية وليكون هداية إلى ~~طريق السعادة وبشارة للمؤمنين بالجنة، وقل لهم كذلك من كان معاديا لله ~~أو لملك من ملائكته أو لرسول من رسله، فقد كفر وباء بغضب من الله، ومن ~~غضب الله عليه، فجزاؤه الخزى وسوء المصير. قال الإمام ابن جرير أجمع أهل ~~العلم بالتأويل جميعا، على أن هذه نزلت جوابا ليهود من بنى إسرائيل، إذ ~~زعموا أن جبريل عدو لهم، وميكائيل ولى لهم. وروى البخارى فى صحيحه - عن ~~أنس بن مالك - رضى الله عنه - قال # " سمع عبد الله بن سلام بقدوم النبى صلى الله عليه وسلم وهو فى أرض ~~يخترف - أى يجنى ثمارها - فأتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال له إنى ~~سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبى، فيم أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام ~~أهل الجنة، وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال أخبرنى بهن جبريل ~~آنفا. قال جبريل؟ قال نعم قال ذلك عدو اليهود من الملائكة - فقرأ النبى ~~صلى الله عليه وسلم هذه الآية { قل من كان عدوا لجبريل ~~فإنه نزله على قلبك... } الآية ثم قال أما أول أشراط ~~الساعة، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب! وأما أول طعام أهل الجنة ~~فزيادة كبد الحوت، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ~~ماء المرأة نزعت فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله. يا ~~رسول الله إن اليهود قوم بهت، وإنهم إن ms0194 يعلموا بإسلامى قبل أن تسألهم ~~يبهتونى، فجاءت اليهود فقال النبى صلى الله عليه وسلم أى رجل فيكم عبد ~~الله؟ قالوا خيرنا وابن حبرنا، وسيدنا وابن سيدنا قال " أرأيتم إن أسلم ~~عبد الله بن سلام؟ فقالوا أعاذه الله من ذلك؟ فخرج عبد الله فقال " أشهد ~~أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " ، فقالوا شرنا وابن شرنا، ~~وانتقصوه، قال فهذا الذى كنت أخاف يا رسول الله ". # وأخرج الإمام أحمد عن ابن عباس " أن اليهود بعد أن سألوا النبى صلى ~~الله عليه وسلم أسئلة أجابهم عنها، قالوا صدقت فحدثنا من وليك من ~~الملائكة فعندها نجامعك أو نفارقك. قال وليى جبريل، لم يبعث الله نبيا ~~قط إلا وهو وليه، قالوا فعندما نفارقك، ولو كان وليك سواه من الملائكة ~~لتابعناك وصدقناك، قال فما يمنعكم أن تصدقوه؟ قالوا إنه عدونا، فأنزل ~~الله - تعالى - قوله { قل من كان عدوا لجبريل فإنه ~~نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين ~~يديه... } الآيات. وفى حديث للإمام أحمد والترمذى والنسائى " قال ~~اليهود للنبى صلى الله عليه وسلم بعد أن سألوه عن أشياء أجابهم عنها إنما ~~بقيت واحدة وهي التى نتابعك إن أخبرتنا بها، إنه ليس من نبى إلا وله ملك ~~يأتيه بالخير، فأخبرنا من صاحبك؟ قال جبريل - عليه السلام - قالوا جبريل ~~ذلك الذى ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا، لو قلت ميكائيل الذى ينزل ~~بالرحمة والقطر والنبات لكان. فأنزل الله - تعالى - { قل من كان ~~عدوا لجبريل } الآية. فيؤخذ من هذه الأحاديث وما فى معناها أن ~~اليهود فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم كانوا يجاهرون بعداوتهم لجبريل - ~~عليه السلام - وأن هذه المجاهرة بالعداوة، قد تكررت منهم فى مواقف متعددة ~~بينهم وبين النبى صلى الله عليه وسلم وأن الذى حملهم على ذلك هو حسدهم ~~له، وغيظهم من جبريل، لأنه ينزل بالوحى عليه. قال الشيخ محمد الطاهر بن ~~عاشور " ومن عجيب تهافت اعتقادهم أنهم يثبتون أنه ملك مرسل من عند الله، ~~ومع ذلك يبغضونه، وهذا أحط درجات الانحطاط فى العقل والعقيدة، ms0195 ولا شك أن ~~اضطراب العقيدة من أكبر مظاهر انحطاط الأمة لأنه ينبئ عن تضافر آرائهم ~~على الخطأ والأوهام ". وفى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بلفظ قل كى يرد ~~على اليهود، تثبيت له، وتطمين لنفسه وتوبيخ لهم على معاداتهم لأمين ~~الوحى، وهو جبريل - عليه السلام -. وقوله تعالى { من كان عدوا ~~لجبريل } ، شرط عام قصد الإتيان به ليعلموا أن الله - تعالى - لا ~~يعبأ بهم ولا بغيرهم ممن يعادى جبريل، إن وجد معاد آخر له سواهم. وقوله ~~تعالى { على قلبك } زيادة تقرير للتنزيل، ببيان محل الوحى، وإشارة ~~إلى أن السبب فى تمكنه صلى الله عليه وسلم من تلاوة القرآن الكريم، ~~وإبلاغه للناس، ثباته فى قلبه. # وقوله تعالى { فإنه نزله على قلبك بإذن الله } ~~معناه فلا موجب لعداوته. لأنه نزل القرآن على قلبك يا محمد بإذن الله ~~وأمره. وإذا فعداوته عداوة لله فى الحقيقة والواقع، ومن هنا يتبين أن ~~هذه الجملة تعليل لجواب الشرط وقائمة مقامه. قال صاحب الكشاف فإن قلت كيف ~~استقام قوله تعالى { فإنه نزله على قلبك } جزاء للشرط؟ ~~قلت فيه وجهان أحدهما إن عادى جبريل أحد من أهل الكتاب فلا وجه لمعاداته، ~~حيث نزل كتابا مصدقا للكتب التى بين يديه، فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له ~~صنيعه فى إنزاله ما ينفعهم ويصحح المنزل عليهم. والثانى إن عاداه أحد ~~فالسبب فى عداوته أنه نزل عليك القرآن مصدقا لكتابهم، وموافقا له، وهم ~~كارهون للقرآن ولموافقته لكتابهم، ولذلك يحرفونه ويجحدون موافقته له. ~~كقولك " إن عاداك فلان فقد آذيته وأسأت إليه ". وقوله - تعالى - { ~~بإذن الله } أى بأمره، وهو توبيخ لهم على عداوتهم لجبريل، الذى ~~أنزل بالقرآن بإذن الله، لا من تلقاء نفسه، وهذه حجة أولى عليهم. وقوله ~~تعالى { مصدقا } حال من الضمير العائد على القرآن الكريم، فى قوله { ~~نزله } أى أنزله حالة كونه مؤيدا للكتب السماوية التى قبله ومن ~~بينها التوراة، وهذه حجة ثانية عليهم. ثم عززهما بثالثة ورابعة - فقال ~~تعالى { وهدى وبشرى للمؤمنين } أى هذا القرآن الذى نزل ~~مصدقا لكتبكم، هو هاد إلى طريق ms0196 الفلاح والنجاح، والعاقل لا يرفض الهداية ~~التى تأتيه وتنقذه مما هو فيه من ضلالات ولو كان الواسطة فى مجيئها عدوا ~~له، وهو - أيضا - مبشر للمؤمنين برضا الله تعالى - عنهم فى الدنيا ~~والآخرة، أما الضالون فقد أنذرهم بسوء العقبى فعليكم أن تتبعوا طريق ~~الإيمان لتكونوا من المفلحين وبذلك يكون القرآن قد أقام حججا متعددة ~~على حماقتهم وعنادهم وجحودهم للحق بعد ما تبين. وتكون الآية الكريمة قد ~~مدحت القرآن بخمس صفات. أولها أنه منزل من عند الله وبإذنه. وثانيها أنه ~~منزل على قلب النبى صلى الله عليه وسلم. وثالثها أنه مصدق لما نزل قبله ~~من الكتب السماوية. ورابعها أنه هاد إلى الخير أبلغ هدى وأقواه. وخامسها ~~أنه بشارة سارة للمؤمنين. ثم بين - تعالى - حقيقة الأمر فيمن يعادى جبريل ~~وأن عداوته عداوة الله - تعالى - فإنه أمين وحيه إلى رسله ليس له فى ذلك ~~شىء إلا أن يبلغ ما أمر به فقال تعالى { من كان عدوا لله ~~وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله ~~عدو للكافرين }. والمعنى أن عداوة جبريل عداوة لله، وأن عداوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم عداوة لله - أيضا - فالإيمان بالله وملائكته ~~ورسله وحدة لا تتجزأ فمن كفر بواحد منهم فهو كافر بالجميع. # ومعنى عداوة العبد لله كفره به ومخالفته لأوامره ونواهيه ومعنى عداوته ~~لملائكته إنكار فضلهم ووصفهم بما ينافى عصمتهم ورفعة منزلتهم. ومعنى ~~عداوته لرسله تكذيبه لهم وتعمده إلحاق الأذى بهم ومعنى عداوة الله لعبده ~~غضبه سبحانه - عليه، ومجازاته له على كفره. وصدر - سبحانه - الكلام باسمه ~~الجليل تفخيما لشأن ملائكته ورسله وإشعارا بأن عداوتهم إنما هى عداوة ~~له - تعالى -. وأفرد - سبحانه - جبريل وميكال بالذكر، مع اندراجهما تحت ~~عموم ملائكته، لتصريح اليهود بعداوة جبريل وتعظيم ميكائيل، فأفردهما ~~بالذكر للتنبيه على أن المعاداة لأحدهما معاداة للجميع، وأن الكفر ~~بأحدهما كفر بالآخر. قال ابن جرير " فإن قال قائل أو ليس جبريل وميكائيل ~~من الملائكة؟ قيل بلى، فإن قال فما معنى تكرير ذكرهما بأسمائهما فى الآية ~~فى جملة أسماء الملائكة؟ قيل معنى إفراد ذكرهما بأسمائهما ms0197 أن اليهود لما ~~قالت جبريل عدونا وميكائيل ولينا، وزعمت أنها كفرت بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم من أجل أن جبريل صاحبه، أعلمهم الله - تعالى - أن من كان لجبريل ~~عدوا فإن الله عدو له وأنه من الكافرين، فنص عليه باسمه وعلى ميكائيل ~~باسمه، لئلا يقول منهم قائل إنما قال الله من كان عدوا لله وملائكته ~~ورسله، ولسنا لله ولا لملائكته، ولا لرسله أعداء، لأن الملائكة اسم عام ~~محتمل خاصا، وجبريل وميكائيل غير داخلين فيه، وكذلك قوله ورسله فلست يا ~~محمد داخلا فيهم، فنص الله - تعالى - على أسماء من زعموا أنهم أعداؤه ~~بأعيانهم ليقلع بذلك تلبيسهم على أهل الضعف منهم، ويحسم تمويهم أمورهم ~~على ضعاف الإيمان ". وقال - سبحانه - فى ختام الآية الكريمة { فإن ~~الله عدو للكافرين } ولم يقل فإن الله عدو له أو لهم، ليدل ~~على أن عداوة كل واحد ممن اشتملت الآية الكريمة على ذكرهم كفر وجحود، ~~وليكون اندراجهم تحت هذا الحكم العام من باب إثبات الحكم بالدليل، ~~وللإشعار بأن عداوة الله - تعالى - لهم سببها كفرهم فإن الله لن يعادى ~~قوما لذواتهم ولا لأنسابهم، وإنما يكره لهم الكفر ويعاقبهم عليه معاقبة ~~العدو للعدو. قال صاحب المنار " فهذه الآية الكريمة وعيد لهم بعد بيان ~~فساد العلة التى جاءوا بها، فهم لم يدعوا عداوة لهؤلاء كلهم، لكنهم كذلك ~~فى نفس الأمر، فأراد أن يبين حقيقة حالهم فى الواقع، وهى أنهم أعداء الحق ~~وأعداء كل من يمثله ويدعو إليه، فالتصريح بعداوة جبريل كالتصريح بعداوة ~~ميكائيل الذى يزعمون أنهم يحبونه. وأنهم كانوا يؤمنون بالنبى صلى الله ~~عليه وسلم لو كان هو الذى ينزل بالوحى عليه، ومعاداة القرآن الكريم ~~كمعاداة سائر الكتب الإلهية لأن المقصود من الجميع واحد فقولهم السابق ~~وحالهم يدلان على معاداة كل من ذكر، وهذا من ضروب إيجاز القرآن الكريم ~~التى انفرد بها ". وبهذا تكون الآيتان الكريمتان قد دمغتا اليهود بالكفر ~~والجهالة، لمعاداتهم لجبريل وتكذيبهم لمحمد صلى الله عليه وسلم وبينتا ما ~~عليه أمرهم من خزى وهوان بسبب هذه العداوة التى لا باعث ms0198 عليها إلا الحسد، ~~وكراهية أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده. ثم أخذ القرآن فى ~~تثبيت فؤاد النبى صلى الله عليه وسلم وتسليته عما يفعله معه اليهود فقال ~~تعالى { ولقد أنزلنآ إليك آيات بينات وما يكفر ~~بهآ...بل أكثرهم لا يؤمنون }. ### || [2.99-100] # أى لقد أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات دالة على معانيها وعلى كونها ~~من عند الله، وبينا لك فيها علوم اليهود، ومكنونات سرائرهم وأخبارهم، وما ~~حرفه أوائلهم وأواخرهم من كتبهم، وما بدلوه من أحكامهم قال تعالى # إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر ~~الذي هم فيه يختلفون # وإن هذه الآيات التى أنزلها الله إليك يا محمد، ما يكفر بها، ويجحد ~~صدقها إلا المتمردون من الكفرة، الخارجون على حدود الله المنتهكون ~~لحرماته. والهمزة فى قوله { أوكلما } للإنكار، والواو للعطف على ~~محذوف يقتضيه المقام أى أكفروا بالآيات البينات، وكلما عاهدوا عهدا نبذه ~~فرق منهم، أى طرحوه ونقضوه من النبذ وهو إلقاء الشئ وطرحه لقلة الاعتداد ~~به ومنه سمى النبيذ وهو التمر والزبيب إذا طرحا فى الماء وهو حقيقة فى ~~الأجرام وإسناده إلى العهد مجاز. والضمير فى قوله { منهم } يعود ~~لليهود الذين اشتهروا بنقض العهود وقوله { بل أكثرهم لا ~~يؤمنون } يفيد الترقى إلى الأغلظ فالأغلظ، أى أن فريقا منهم عرف ~~بنقضه للعهد، وأكثرهم عرف بكفره وجحده للحق. قال صاحب الكشاف، واليهود ~~موسومون بالغدر ونقض العهود، وكم أخذ الله الميثاق منهم ومن آبائهم ~~فنقضوا، وكم عاهدوا رسول الله فلم يفوا # الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل ~~مرة وهم لا يتقون # وقال الرازى " والمقصود من هذا الاستفهام الإنكار وإعظام ما يقدمون ~~عليه لأن مثل ذلك إذا قيل بهذا اللفظ كان أبلغ في التوبيخ والتبكيت. ودل ~~بقوله { أوكلما عاهدوا } على عهد بعد عهد نبذوه ونقضوه، بل يد ~~على أن ذلك كالعادة منهم، فكأنه - تعالى - أراد تسلية النبى صلى الله ~~عليه وسلم عند كفرهم بما أنزل عليه من الآيات، بأن بين له أن ذلك ليس ~~ببدع منهم، بل هو سجيتهم ms0199 وعادتهم وعادة سلفهم... ". ثم تحدث القرآن بعد ~~ذلك عن نبذ اليهود لكتاب الله، واتباعهم للسحر والأوهام، فقال - تعالى - ~~{ ولمآ جآءهم رسول من عند الله مصدق لما ~~معهم نبذ...لو كانوا يعلمون }. ### || [2.101-103] # المعنى وحين جاء اليهود وأحبارهم رسول من عند الله، وهو محمد صلى الله ~~عليه وسلم الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة، طرح فريق كبير منهم ~~تعاليم التوراة التى تشهد بصدقه، وراء ظهورهم، حتى لكأنهم يجهلون أنها من ~~عند الله، واتبعوا ما قصته واختلقته الشياطين من السحر والأوهام ~~والمفتريات على عهد سليمان - عليه السلام - ومن هذه المفتريات والأكاذيب ~~زعمهم أن سليمان - عليه السلام - كان ساحرا، وما تم له ملكه العريض، ولا ~~ظهرت على يديه المعجزات الباهرة من تسخير الجن والريح إلا بهذا. وقد ~~أكذبهم الله - تعالى - فى هذه الزعم بقوله { وما كفر سليمان } ~~أى بتعلم السحر والعمل به، كما يزعم هؤلاء { ولكن الشياطين } ~~هم الذين { كفروا } بتعلم السحر وتعليمه للناس، وتعليمهم - أيضا - ~~ضربا آخر منه وهو { ومآ أنزل على الملكين ببابل ~~هاروت وماروت } من وصف السحر وماهيته وكيفية الاحتيال به، ولقد ~~كان الملكان لا يعلمان أحدا من الناس السحر حتى ينصحاه بقولهما إن السحر ~~الذى نعلمك إياه. القصد منه التمييز بين المطيع والعاصى، وبين السحر ~~والمعجزة، فحذار أن تستعمله فيما نهيت عنه فتكون من الكافرين، بخلاف ~~الشياطين فإنهم تعلموه وعلموه لغيرهم لاستعماله فى الشرور والآثام، ~~ولإحداث التفرقة بين الزوجين، ولكن هذا السحر الذى يتعاطاه الشياطين ~~وأتباعهم لن يضر أحدا بذاته، وإنما ضرره يتأتى إذا أراد الله تعالى - ~~ذلك وشاءه، ولقد علم أولئك النابذون لكتاب الله المؤثرون عليه اتباع ~~السحر، أن من استبدل السحر بكتاب الله، فليس له نصيب من نعيم الجنة، { ~~ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون } ~~علما نافعا. { ولو أنهم آمنوا } بالله ورسوله محمد صلى الله ~~عليه وسلم كما أرشدتهم إليه التوراة، { واتقوا } المعاصى والآثام ~~لأثيبوا مثوبة من عند الله هى خير لهم مما آثروه واختاروه على كتاب الله ~~{ لو كانوا يعلمون }. وقوله تعالى { ولمآ جآءهم ~~رسول ms0200 من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق ~~من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله ورآء ~~ظهورهم }.. إلخ الآية. بيان لما صدر عن اليهود من تكذيب للرسول صلى ~~الله عليه وسلم وطرح لتعاليم كتابهم التى أمرتهم باتباعه. أخرج ابن جرير ~~عن السدى قال فى قوله تعالى { ولمآ جآءهم رسول من عند ~~الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين ~~أوتوا الكتاب كتاب الله ورآء ظهورهم كأنهم ~~لا يعلمون واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ~~ملك سليمان }. أى لما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم عارضوه ~~بالتوراة فخاصموه بها. فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة والقرآن ~~وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت، فذلك قول الله { كأنهم لا ~~يعلمون } أى كأن هؤلاء الذين نبذوا كتاب الله من علماء اليهود، ~~فنقضوا عهد الله، لا يعلمون ما فى التوراة من الأمر باتباع محمد صلى الله ~~عليه وسلم وتصديقه. # وفى وصف الرسول بأنه آت من عند الله تعظيم له، ومبالغة فى انكار عدم ~~إيمانهم به، وإغراء للناس جميعا بالدخول فى دعوته، لأنه ليس رسولا من ~~تلقاء نفسه، وإنما هو رسول من عند الله - تعالى - والمراد { لما ~~معهم } التوراة. وتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم لها، معناه أن ما ~~جاء به من تعاليم موافق لها فى أصول الدين، وأن ما جاءت به من صفات ~~للرسول المنتظر بعد عيسى - عليه السلام - لا تنطبق إلا عليه صلى الله ~~عليه وسلم. وعبر - سبحانه - عن تركهم العمل بالكتاب الذى نزل لهدايتهم ~~بالنبذ، مبالغة فى عدم اعتدادهم، وتناسبهم إياه، لأن أصل النبذ طرح ~~وإلقاء ما لا يعتد به. وفى إسناد النبذ إلى فريق من الذين أوتوا الكتاب، ~~سخرية بهم، واستجهال لهم، لأن الذين أوتوه هم الذين نبذوه، ولو كان ~~النابذون من المشركين لكان لهم بعض العذر لجهلهم، ولكن أن يكون التاركون ~~للنور هم الذين أوتوه وأكرموا به، فذلك هو الضلال المبين. والمراد من { ~~كتاب الله } الذى نبذوه لما جاءهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- التوراة، لأنهم لو كانوا مؤمنين بها حقا، لاتبعوا الرسول صلى ms0201 الله ~~عليه وسلم الذى ذكرت صفاته فيها، والذى وجب عليهم بمقتضى كتابهم التوراة ~~الإيمان به، فهم بجحودهم لنبوته، يكونون جاحدين لتوراتهم التى شهدت له ~~بالصدق. وقيل المراد بكتاب الله الذى نبذوه القرآن، لأنهم لم يؤمنوا به، ~~بل تركوه بعد سماعه، وتناسوا ما اشتمل عليه من هداية وإرشاد، مع أنه كان ~~من المتحتم عليهم أن يتلقوه بالقبول. والذى نراه أن الرأى الأول أرجح، ~~لأن النبذ يقتضى سابقة الأخذ، فى الجملة. وهو متحقق بالنسبة للتوراة، ~~بخلاف القرآن الكريم فإنهم لم يسبق لهم أن تمسكوا به، ولأن مذمتهم تكون ~~أشد وجحودهم أكثر، إذا كان المراد بالكتاب الذى نبذوه، هو عين الكتاب ~~الذى نزل لهدايتهم وآمنوا به وهو التوراة. وقوله تعالى { ورآء ~~ظهورهم } كناية عن إعراضهم الشديد عنه، وتوليهم عن تعاليمه. تقول ~~العرب جعل هذا الأمر وراء ظهره، أى تولى عنه معرضا، لأن ما يجعل وراء ~~الظهر لا ينظر إليه، ففى هذه الجملة الكريمة تصوير صادق لإعراضهم عن ~~كتاب الله - تعالى - حيث شبه - سبحانه - تركهم لكتابه، بحالة شىء يرمى به ~~وراء الظهر استهانة به. وفى إضافة الوراء إلى الظهر، تأكيد لنبذ ما ترك ~~بحيث لا يؤخذ بعد ذلك. قال الأستاذ الإمام ليس المراد بنبذ الكتاب وراء ~~ظهورهم أنهم طرحوه برمته، وتركوا التصديق به فى جملته وتفصيله. وإنما ~~المراد أنهم طرحوا أجزاء منه وهو ما يبشر بالنبى صلى الله عليه وسلم ~~ويبين صفاته ويأمرهم بالإيمان به واتباعه. # فهو تشبيه لتركهم إياه وإنكاره، بمن يلقى الشىء وراء ظهره حتى لا يراه ~~فيتذكره، وترك الجزء منه كتركه كله، لأن ترك البعض يذهب بحرمة الوحى من ~~النفس، ويجرئ على ترك الباقى... وقوله تعالى { كأنهم لا ~~يعلمون } جملة حالية، أى طرحوه، وراء ظهورهم مشبهين بحال من لا يعلم ~~منه شيئا، ومن لا يعرف أنه كتاب الله. وشبههم بمن لا يعلمون مع أنهم فى ~~الواقع يعلمون أنه من عند الله - حق العلم - لأنهم نبذوه مكابرة وعنادا، ~~ولأنهم لم يعملوا بمقتضى علمهم ومن كان هذا شأنه فهو والجاهل سواء، فى ~~جحود ms0202 الحق والانغماس فى الآثام. وقال - سبحانه - { كأنهم لا ~~يعلمون } بنفى الحال والاستقبال للإشعار بأنهم قوم لا أمل فى ~~توبتهم وإنابتهم، بل هم تمر بهم الأيام، وتتوالى عليهم العظات، ومع ذلك ~~لا يتوبون ولا يرجعون إلى الحق، فهم مستمرون على طرح كتاب الله فى كل وقت ~~وآن، ومصممون على ذلك. ثم حكى - سبحانه - لونا آخر من زيغهم وضلالهم ~~واتباعهم للأباطيل بعد أن وبخهم على نبذهم لكتابه فقال تعالى { ~~واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان }. ~~اتبعوا من الاتباع وهو الاقتداء، والضمير فيه يعود على اليهود المعاصرين ~~للنبى صلى الله عليه وسلم. وتتلو من التلاوة بمعنى الاتباع أو القراءة، ~~وقال الراغب تلا عليه كذب عليه. والشياطين جمع شيطان، وهو كائن حى خلق من ~~النار، ويطلق على الممتلئ شرا من الأنس. والمعنى إن هؤلاء اليهود نبذوا ~~كتاب الله، واتبعوا الذى كانت تتلوه وتقصه الشياطين على عهد ملك سليمان، ~~وفى زمانه، من الأكاذيب والكفر ومن ذلك زعمهم أن ملكه قام على أساس ~~السحر، وأنه ارتد فى أواخر حياته، وعبد الأصنام إرضاء لنسائه الوثنيات ~~إلى غير ذلك من الأكاذيب التى ألصقوها به - عليه السلام - وهو برئ منها. ~~قال صاحب الكشاف وقوله تعالى { على ملك سليمان } أى على عهد ~~ملكه وفى زمانه، وذلك أن الشياطين كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما ~~سمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها إلى الكهنة، وقد دونوها فى كتب يقرءونها ~~ويعلمونها للناس، وفشا ذلك فى زمان سليمان - عليه السلام - حتى قالوا إن ~~الجن تعلم الغيب، وكانوا يقولون ما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم وبه ~~يسخر الإنس والجن والريح التى تجرى بأمره. وقوله تعالى { وما كفر ~~سليمان ولكن الشياطين كفروا } معناه وما كفر سليمان ~~ولكن الشياطين هم الذين كفروا إذ تعلموا السحر وعلموه لغيرهم بقصد ~~إضلالهم، وصرفهم عن عبادة - الله - تعالى - إلى عبادة غيره من المخلوقات. ~~ففى الجملة الكريمة تنزيه لسليمان - عليه السلام - عن الردة والشرك ~~وتبرئة له من عمل السحر الذى كان يتعاطاه أولئك الشياطين وينسبونه إليه ~~زورا وبهتانا، ودلالة على أن ms0203 ذلك السحر الذى نسبوه إليه وباشرته ~~الشياطين نوع من الكفر. # وقد كان اليهود يعتقدون كفر سليمان، وأنه ارتد فى آخر عمره، وعبد ~~الأصنام وبنى لها المعابد، وكانوا عندما يذكر النبى صلى الله عليه وسلم ~~سليمان بين الأنبياء يقولون انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل، يذكر ~~سليمان مع الأنبياء، وإنما كان ساحرا يركب الريح. فإن قال قائل ما ~~الحكمة فى نفى الكفر عن سليمان مع أن صدر الآية لا يفيد أن أحدا نسب ~~إليه ذلك. فالجواب أن اليهود الذين نبذوا كتاب الله، واتبعوا ما تلته ~~الشياطين من السحر أضافوا هذا السحر إلى سليمان، وقالوا إنه كان يسخر به ~~الجن والإنس والريح، فأكذبهم الله - تعالى - بقوله { وما كفر ~~سليمان ولكن الشياطين كفروا } كما بينا. والضمير فى ~~قوله تعالى { يعلمون الناس السحر } يعود على الشياطين الذين ~~افتروا الأكاذيب على سليمان - عليه السلام -. ويجوز أن يعود على اليهود ~~الذين نبذوا كتاب الله واتبعوا ما تلته الشياطين على سليمان. قال الأستاذ ~~الإمام فى قوله تعالى { يعلمون الناس السحر } وجهان أحدهما ~~أنه متصل بقوله تعالى { ولكن الشياطين كفروا } أى أن ~~الشياطين هم الذين يعلمون الناس السحر. والثانى وهو الأظهر أنه متصل ~~بالكلام عن اليهود وأن الكلام فى الشياطين قد انتهى عند قوله تعالى { ~~كفروا } وانتحال اليهود لتعليم السحر أمر كان مشهورا فى زمن التنزيل ~~ولا يزالون ينتحلون ذلك إلى اليوم، أى أن فريقا من اليهود نبذوا كتاب ~~الله واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وها هنا يقول القائل ~~بماذا اتبعوا أولئك الشياطين الذين كذبوا على سليمان فى رميه بالكفر ~~وزعمهم أن السحر استخرج من كتبه التى كانت تحت كرسيه؟ فأجاب على طريق ~~الاستئناف البيانى { يعلمون الناس السحر }. ونفى الكفر عن ~~سليمان والصاقه بالشياطين الكاذبين ذكر بطريق الاعتراض، فعلم - أيضا - ~~أنهم اتبعوا الشياطين بهذه القرية، وإنما كان القصد إلى وصف اليهود بتعلم ~~السحر، لأنه من السيئات التى كانوا متلبسين بها، ويضرون بها الناس خداعا ~~وتمويها وتلبسا. وإنما أضاف الله - تعالى - إلى اليهود أنهم اتبعوا ما ~~تتلوا ms0204 الشياطين على ملك سليمان خاصة مع أنه كان معروفا قبل سليمان - ~~عليه السلام - كما أخبر به القرآن عن سحرة فرعون، وإنما أضاف ذلك إليهم، ~~لأن هذا كان هو الواقع منهم، ولأن سحر هؤلاء الشياطين الذين كانوا على ~~عهد سليمان، كان مدونا فى صحف اليهود من قديم، وتوارثه خلفهم عن سلفهم ~~إلى أن وصل إلى من عاصر النبى صلى الله عليه وسلم منهم ولأن سليمان - ~~عليه السلام - أعطاه الله تعالى ملكا واسعا، وسخر له الإنس والجن ~~والريح، فعزت الشياطين ذلك كله إلى تعلمه السحر. # و { مآ } فى قوله تعالى { ومآ أنزل على الملكين ~~ببابل هاروت وماروت } موصولة، وهى معطوفة على السحر فى قوله ~~تعالى { يعلمون الناس السحر } أى يعلمون الناس السحر، ~~ويعلمونهم الذى أنزل على الملكين. والذى أنزل عليهما هو وصف السحر ~~وماهيته وكيفية الاحتيال به. ليعرفاه الناس فيجتنبوه، على حد قول الشاعر # عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه # فالشياطين عرفوه فعملوا به، وعلموه للناس ليستعملوه فى الشرور والمآثم ~~بينما المؤمنون عرفوه واستفادوا من الاطلاع عليه فتجنبوه. هذا، واختصت ~~بابل بالإنزال، لأنها كانت أكثر البلاد عملا بالسحر، وكان سحرتها قد ~~اتخذوا السحر وسيلة لتسخير العامة لهم فى أبدانهم وعقولهم وأموالهم، ثم ~~جروهم إلى عبادة الأصنام والكواكب فحدث فساد عظيم، وعمت الأباطيل فألهم ~~الله - تعالى - هاروت وماروت أن يكشفا للناس حقيقة السحر ودقائقه، حتى ~~يعلموا أن السحرة الذين صرفوهم عن عبادة الله إلى عبادة الكواكب وغيرها ~~قد خدعوهم وأضلوهم، وبذلك يعودون إلى الصراط المستقيم. واللام فى { ~~الملكين } مفتوحة فى القراءات العشر المتواترة، وقرئ شاذا { ~~الملكين } بكسر اللام. قال بعض المفسرين المراد بالملكين - بفتح ~~اللام - رجلان صالحان اطلعا على أسرار السحر التى كانت تفعلها السحرة، ~~فعلماها للناس ليحذراهم من الانقياد لتلبيسات الشياطين، وسميا ملكين مع ~~أنهما من البشر لصلاحهما وتقواهما، ويؤيد هذا الرأى قراءة الملكين - بكسر ~~اللام - وإن كانت شاذة وقال جمهور المفسرين إنهما ملكان على الحقيقة ~~أنزلهما الله - تعالى - ليعلما الناس السحر ابتلاء لهم، ms0205 ليفضحا مزاعم ~~السحرة الذين كانوا يدعون النبوة كذبا، ويسخرون العامة لهم ويخرجونهم إلى ~~عبادة غير الله، وهاروت وماروت اسمان للملكين الذين أنزل عليهما السحر، ~~وهما بدل أو عطف بيان للملكين. وقوله تعالى { وما يعلمان من ~~أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر } بيان ~~لما كان ينصح به الملكان من يريد تعلم السحر منهما. والجملة حالية من ~~هاروت وماروت. والفتنة، المراد هنا الابتلاء والاختبار، تقول فتنت الذهب ~~فى النار، أى اختبرته لتعرف جودته ورداءته. والمعنى أن الملكين لا يعلمان ~~أحدا من الناس السحر إلا وينصحانه بقولهما إن ما نعلمك إياه من فنون ~~السحر الغرض منه الابتلاء والاختبار لتمييز المطيع من العاصى. فمن عمل به ~~ضل وقوى، ومن تركه فهو على هدى ونور من الله، ولإظهار الفرق بين المعجزة ~~والسحر. فحذار أن تستعمل ما تعلمته فيما نهيت عنه فتكون من الكافرين. كما ~~كفر السحرة بنسبتهم التأثيرات إلى الكواكب وغيرها من المخلوقات. فالمقصود ~~من تعليم الملكين للناس السحر، فضح أمر السحرة الذين كثروا فى تلك ~~الأيام، وادعوا ما لم يأذن به الله، وإظهار الفرق بين المعجزة والسحر حتى ~~يعلم الناس أن هؤلاء السحرة الذين قد يزعمون بمرور الأيام أنهم أنبياء ~~ليسوا كذلك، وإنما هم أفاكون، وأخبروا على أنفسهم بطريق القصر بأنهم فتنة ~~للمبالغة فى الإقرار بأنهما لا يملكان نفعا ولا ضرا لأحد، وإنما هما ~~فتنة محضة، وابتلاء من الله لعباده لتمييز المطيع من العاصى. # ثم بين - سبحانه - لونا من السحر البغيض الذى استعمله أولئك السحرة فى ~~الأذى فقال تعالى { فيتعلمون منهما ما يفرقون به ~~بين المرء وزوجه } أى فيتعلم بعض الناس من الملكين ما يحصل ~~به الفراق بين المرء وزوجه. فالجملة الكريمة تفريع عما دل عليه قوله ~~تعالى قبل ذلك { وما يعلمان من أحد حتى يقولا ~~إنما نحن فتنة } لأنه يقتضى أن التعليم حاصل، وأن بعض ~~المتعلمين قد استعملوه فى التفريق بين الزوجين. وخصص سبحانه ها اللون من ~~السحر بالنص عليه للتنبيه على شدة فساده. وعلى شناعة ذنب من يقوم به. ~~لأنه ms0206 تسبب عنه التفريق بين الزوجين اللذين جمعت بينهما أواصر المودة ~~والرحمة. والضمير فى قوله تعالى { فيتعلمون } راجع لأحد، وصح عود ~~ضمير الجمع عليه مع أنه مفرد، لوقوعه فى سياق النفى، والنكرة إذا وردت ~~بعد نفى كانت فى معنى أفراد كثيرة، فصح أن يعود ضمير الجمع إليه كذلك. ثم ~~نفى - سبحانه - أن يكون السحر مؤثرا بذاته فقال تعالى { وما هم ~~بضآرين به من أحد إلا بإذن الله } أى أن أولئك ~~السحرة لن يضروا أو ينفعوا أحدا بسحرهم إلا بإذن الله وقدرته، فالسحر ~~سبب عادى لما ينشأ عنه من الأضرار ويجوز أن يتخلف عنه مسببه إذا أذن الله ~~بذلك. والجملة الكريمة معترضة لدفع توهم أن يكون السحر مضرا بذاته، بحيث ~~لا يتخلف عنه الضرر متى تعاطاه الساحر. والمراد { بإذن الله } ~~هنا. تخليته - سبحانه - بين المسحور وضرر السحر، أى إن شاء حصل الضرر ~~بسبب السحر، وإن شاء منعه فلا يصيب المسحور منه شىء من الأذى. وعبر - ~~سبحانه - عن هذا المعنى بطريق القصر، مبالغة فى نفى أى تأثير للسحر ~~بذاته، وإغراء للناس بتكذيب ما يزعمه السحرة من أن لهم قوى غيبية سوى ~~الأسباب التى ربط الله بها المسببات، وإرشادا لهم إلى حسن الاعتقاد، ~~وسلامة اليقين. ثم بين - سبحانه - أن أولئك المتعلمين السحر للأذى ~~وللتفرقة بين المتحابين يتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، فقال تعالى { ~~ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم } أى أن أولئك الذين ~~تعلموا السحر ليضروا به غيرهم، ولم يتعلموه ليفرقوا به بين الحق والباطل، ~~أو ليدفعوا به الشر عن أنفسهم، قد سلكوا بهذا التعليم الطريق الذى يضرهم ~~ولا ينفعهم، وأصبحوا بذلك عاصين لما نصحهم به الملكان عند تعليم السحر. ~~وفى هذه الجملة الكريمة زيادة تنبيه على تفاهة عقول المشتغلين بالسحر ~~للأذى ومبالغة فى تجهيل المصدقين لهم، لأن الساحر - مهما بلغت براعته - ~~فلن يستطيع أن يمنع شيئا أراده الله، ولا أن يأتى بشىء منعه الله ما دام ~~الأمر كذلك فالمشتغل به، والمصدق له كلاهما وقع فى ضلال مبين. # وقد أفادت الجملة الكريمة يجمعها بين إثبات ms0207 الضر ونفى النفع مفاد الحصر ~~فكأنه - سبحانه - يقول ويتعلمون ما ليس إلا ضررا بحتا. ثم بين - سبحانه ~~- مآل أولئك اليهود التاركين للحق، والمتبعين للباطل فقال تعالى { ~~ولقد علموا لمن اشتراه ما له فى الآخرة من ~~خلاق } أى ولقد علم أولئك اليهود الذين نبذوا تعاليم كتابهم واتبعوا ~~السحر، أن من استبدل السحر بكتاب الله بكتاب الله ليس له من حظ فى الجنة، ~~لأنه قد اختار الضلال وترك الهدى، وعلمهم مرجعه إلى أن التوراة قد حرمت ~~عليهم تعلم السحر أو تعليمه للأذى والضرر، وشددت العقوبة على مرتكبه، ~~وعلى متبع الجن والشياطين والكهان. فالضمير فى { علموا } يعود إلى ~~أولئك اليهود الذى تركوا كتاب الله واستبدلوا به السحر. والاشتراء هو ~~اكتساب شىء ببذل غيره، والمراد أنهم اكتسبوا السحر الذى تتلوه الشياطين ~~بعد أن بذلوا فى سبيل ذلك إيمانهم ونصيبهم من الجنة، وغدوا مفلسين من ~~حظوظ الآخرة، لإقبالهم على التمويه والكذب، واستبدالهم الذى هو أدنى ~~بالذى هو خير. وأكد - سبحانه - علمهم بضرر السحر بقوله { ولقد ~~علموا } للإشارة إلى أن اختيارهم للسحر لم ينشأ عن جهلهم بضرره، ~~وإنما هم الذين اختاروه ومالوا إليه متعمدين وعالمين بعاقبته السيئة. ثم ~~قال تعالى { ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا ~~يعلمون }. شروا بمعنى باعوا، وبيع الأنفس هنا معناه بيع نصيبها من ~~الجنة. ونعيمها. والمعنى ولبئس شيئا باع به أولئك السحرة حظوظ أنفسهم ~~تعلم ما يضر من السحر والعمل به، ولو كانوا ممن ينتفعون بعلمهم لما فعلوا ~~ذلك. وأثبت لهم العلم فى قوله تعالى { ولقد علموا لمن ~~اشتراه } ثم نفاه عنهم فى قوله تعالى { لو كانوا يعلمون } ~~جريا على الأسلوب المعروف فى فنون البلاغة من أن العالم بالشىء إذا لم ~~يعمل بموجب علمه نزل منزلة الجاهل ونفى عنه العلم كما ينفى عن الجاهلين. ~~وإلى هذا المعنى الذى قررناه أشار صاحب الكشاف بقوله. فإن قلت كيف أثبت ~~لهم العلم أولا فى قوله { ولقد علموا لمن اشتراه } على ~~سبيل التوكيد القسمى، ثم نفاه عنهم فى قوله { لو كانوا يعلمون ~~}. قلت معناه لو ms0208 كانوا يعملون بعلمهم. جعلهم حين لم يعملوا به كأنهم ~~منسلخون عنه. ثم بين - سبحانه - المنافع التى تعود عليهم لو اتبعوا الحق، ~~بعد أن بين الأضرار التى ترتبت على اتباعهم للباطل فقال تعالى { ولو ~~أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير ~~لو كانوا يعلمون } أى لو أن أولئك اليهود النابذين لكتاب الله ~~المتبعين للأوهام والأباطيل، آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم أو بالتوارة ~~إيمانا حقا، واتقوا الله، فاجتنبوا ما يؤثمهم ومنه السحر والتمويه، ~~لكانت لهم مثوبة من عند الله، هى خير لهم من السحر وغيره، ولو كانوا من ~~أولى العلم النافع لفهموا ذلك، واستبدلوا بالسحر الإيمان والتقوى، ~~ولكنهم قوم لا يعقلون. # فقوله تعالى { لمثوبة من عند الله خير } جواب للو ~~الشرطية، وأصل التركيب، لأثيبوا مثوبة من عند الله خيرا مما شروا به ~~أنفسهم، فحذف الفعل، وغير السبك إلى ما عليه النظم الكريم، للدلالة على ~~ثبوت المثوبة لهم والجزم بخيريتها. وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف ~~بقوله فإن قلت كيف أو ثرت الجملة الاسمية على الفعلية فى جواب لو؟ قلت ~~لما فى ذلك من الدلالة على ثبات المثوبة واستقرارها، كما عدل عن النصب ~~إلى الرفع فى سلام عليكم لذلك. وقال الإمام الآلوسى المثوبة اسم مصدر ~~أثاب إذا أعطى الثواب، والثواب الجزاء الذى يعطى للغير. ولم يقل - سبحانه ~~- لمثوبة الله مع أنه أخصر، ليشعر التنكير بالتقليل فيفيد أن شيئا قليلا ~~من ثواب الله - تعالى - فى الآخرة الدائمة، خير من متاع كثير فى الدنيا ~~الفانية، فكيف وثواب الله - تعالى - كثير دائم، وفيه من الترغيب والترهيب ~~المناسبين للمقام ما لا يخفى. وقوله تعالى { لو كانوا يعلمون ~~} شرط آخر محذوف الجواب لدلالة ما تقدم عليه، وحذف مفعول { يعلمون } ~~لدلالة { لمثوبة من عند الله خير } عليه. أى لو كانوا ~~يعلمون مثوبة الله لما اشتروا السحر بالإيمان. وبذلك تكون الآيات ~~الكريمة التى سقناها فى هذا المبحث قد دمغت بنى إسرائيل بجحود الحق، ~~ونبذهم لتعاليم كتابهم وإيثارهم عليها الأكاذيب والأباطيل، وسيرهم فى ~~طريق الشر عن تعمد وإصرار، وعدم ms0209 عملهم بما يعلمون لانحراف طباعهم، وحماقة ~~تفكيرهم وسوء تدبيرهم. واستحواذ الشيطان عليهم.. # فبآءو بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين # هذا، ويحسن بنا قبل أن نختم هذا البحث، أن نذكر كلمة موجزة عن السحر ~~فنقول السحر فى أصل اللغة معناه الصرف، ومنه قوله تعالى # فأنى تسحرون # أى فكيف تصرفون عن الحق إلى الباطل. وقد ذكر السحر فى القرآن والسنة، ~~واتفق علماء المسلمين على أن هناك شيئا يسمى سحرا، إلا أنهم اختلفوا فى ~~تصويره. فجمهور أهل السنة ذهب إلى أن للسحر آثارا حقيقية، وأن الساحر قد ~~يأتى بأشياء غير عادية، إلا أن الفاعل الحقيقى فى كل ذلك هو الله - تعالى ~~- واستدلوا على ذلك بأدلة منها. أولا أن الله - تعالى - قد أمر نبيه صلى ~~الله عليه وسلم، أن يستعيذ به # ومن شر النفاثات في العقد # وهم السحرة - على أرجح الأقوال. قال الإمام ابن كثير قوله تعالى # ومن شر النفاثات فى العقد # قال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك، يعنى السواحر قال مجاهد " إذا ~~رقين ونفثن فى العقد ". فالآية الكريمة تدل على أن للسحر آثارا حقيقية، ~~وإلا لما أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ من شرور ~~السحرة. ثانيا قال الإمام البخارى - فى باب هل يستخرج السحر - حدثنى ~~عبد الله بن محمد، قال سمعت سفيان بن عيينة يقول أول من حدثنا به ابن ~~جريج يقول حدثنى آل عروة عن عروة، فسألت هشاما عنه فحدثنا عن أبيه # " عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سحر حتى كان يرى أنه ~~يأتى النساء ولا يأتيهن، قال سفيان وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان ~~كذلك. فقال " يا عائشة أعلمت أن الله قد أفتانى فيما استفتيته فيه؟ أتانى ~~رجلان فقعد أحدهما عند رأسى والآخر عند رجلى، فقال الذى عند رأسى للآخر، ~~ما بال الرجل مطبوب، قال ومن طبه؟ قال لبيد بن الأعصم - رجل من بنى زريق ~~حليف اليهود كان منافقا - قال. وفيم قال فى مشط ومشاطه، قال وأين؟ قال ~~فى جف طلعة ms0210 ذكر تحت راعوفة فى بئر ذروان. قالت فأتى البئر حتى استخرجه، ~~فقال " هذه البئر التى أريتها وكأن نخلها رءوس الشياطين " قال فاستخرج - ~~أى السحر - قالت فقلت أفلا - أى - تنشرت؟ فقالت " إن الله قد شفانى وأكره ~~أن أثير على أحد من الناس شرا ". # فهذا الحديث الصحيح يفيد أن السحر قد أثر فى جسم الرسول صلى الله عليه ~~وسلم بنوع من المرض أو الثقل، دون أن يكون لذلك أدنى تأثير فى عقله. قال ~~الإمام ابن القيم هذا هو الحديث الذى رواه البخارى، وهو ثابت عند أهل ~~العلم بالحديث لا يختلفون فى صحته، وقد اتفق أصحاب الصحيحين على تصحيحه، ~~ولم يتكلم فيه أهل الحديث بكلمة واحدة، والقصة مشهورة عند أهل التفسير ~~والسنن والحديث والتاريخ والفقه، وهؤلاء أعلم بأحوال الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وأيامه. وقال الإمام القرطبى " الأدلة متوفرة على أن للسحر ~~حقيقة، فهو مقطوع به بإخبار الله - تعالى - ورسوله على وجوده ووقوعه، ~~وعلى هذا أهل الحل والعقد الذين ينعقد بهم الإجماع ولا عبرة مع اتفاقهم ~~بحثالة المعتزلة ومخالفتهم أهل الحق، ولقد شاع السحر وذاع فى سابق ~~الزمان، وتكلم الناس فيه، ولم يبد من الصحابة ولا من التابعين إنكار ~~لأصله. وقال الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقى. قال المازرى " مذهب أهل السنة ~~وجمهور علماء الأمة على إثبات السحر وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء ~~الثابتة. خلافا لمن أنكر ذلك ونفى حقيقته وأضاف ما يقع منه إلى خيالات ~~باطلة لا حقائق لها. # وقد ذكره الله - تعالى - فى كتابه وذكر أنه مما يتعلم. وذكر فيه إشارة ~~إلى أنه مما يكفر به. وأنه يفرق بين المرء وزوجه. وهذا كله لا يمكن فيما ~~لا حقيقة له، وهذا الحديث أيضا مصرح بإثباته. وأنه أشياء دفنت وأخرجت ~~ولا يستنكر فى العقل أن الله - سبحانه - يخرق العادة عند النطق بكلام ~~ملفق أو تركيب أجسام، أو المزج بين قوى على ترتيب لا يعرفه إلا الساحر. ~~قال وقد أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث لسبب آخر. فزعم أنه يحط من منصب ~~النبوة ويشكك ms0211 فيها، وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع وهذا الذى ادعاه بعض ~~المبتدعة باطل لأن الدلائل القطعية قد قامت على صدقه وصحته وعصمته فيما ~~يتعلق بالتبليغ والمعجزة شاهدة بذلك. قال القاضى عياض وقد جاءت روايات ~~مبينة أن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه، لا على قوله وقلبه ~~واعتقاده، ويكون معنى قوله فى الحديث " حتى يظن أنه يأتى أهله ولا يأتيهن ~~" أن يظهر من نشاطه ومتقدم عادته القدرة عليهن، فإذا دنا منهن أخذته أخذه ~~السحر فلم يأتهن ولم يتمكن من ذلك كما يعترى المسحور. أما المعتزلة فقد ~~ذهبوا إلى أن السحر لا حقيقة له، وإنما هو تخييل وتمويه كما قال تعالى فى ~~سحرة فرعون # فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم ~~أنها تسعى # فأخبر - سبحانه - أن ما ظنوه سعيا منها لم يكن سعيا على الحقيقة إنما ~~كان تخييلا وتمويها. وقال تعالى فى سحرة فرعون أيضا # فلمآ ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم ~~وجآءوا بسحر عظيم # أى فلما ألقوا عصيهم موهوا على الناس حتى ظنوا أن حبالهم وعصيهم تسعى، ~~وأرهبوهم بما فعلوه، وجاءوا بسحر عظيم فى فنه. والذى نراه أن السحر على ~~أضرب منها أولا ضرب يترتب على مزاولته قلب الحقائق كقلب الإنسان حيوانا ~~وعكسه، وهذا قد منعه المعتزلة بحجة أن الساحر لو أمكنه ذلك لا لتلبس فعله ~~هذا بمعجزات الأنبياء. وأهل السنة أجازوا وقوعه وإن كان لم يقع فعلا. ~~ويفرقون بينه وبين المعجزة إن وقع، بأن المعجزة خارق يظهر على يد من يدعى ~~النبوة على سبيل التحدى والمعارضة، والسحر ليس فيه دعوى نبوة ولا معارضة. ~~هذا، مع ملاحظة أن السحر يمكن تعلمه وتعليمه، ولا يظهر إلا على يد شرير ~~بخلاف المعجزة. قال فضيلة المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين وهذا النوع لم ~~يقع لنا دليل فى الشريعة على وقوعه، وربما كانت الحاجة إلى الفرق بين ~~المعجزة والسحر فرقا واضحا تقتضى عدم وقوعه، فالساحر لا يبلغ أن يقلب ~~العصا ثعبانا، ولا أن يفلق البحر فتمر بين فرقيه الجيوش ولا أن يجعل ~~الماء ينبع بين الأصابع ms0212 فتروى منه العطاش، أعنى أنه لا يجزى على يده من ~~خوارق العادات، مثل ما يجرى على أيدى الأنبياء للإعجاز. # ثانيا أن يزاول بعض أرباب النفوس الخبيثة أفعالا يترتب عيلها الضرر ~~بدون مماسة ولا ملابسة لمن وقع عليه الضرر، وهذا الضرب قد جوز وقوعه أهل ~~السنة ومنعه المعتزلة، ومن أمثلته ما يفعله السحرة للتفريق بين المرء ~~وزوجه والظاهر فى هذا الضرب قول أهل السنة لأن القرآن الكريم قد حكى عن ~~السحرة أنهم يتعلمون من السحر ما يفرقون به بين المرء وزوجه، وقد صح ~~الحديث أن لبيد بن الأعصم اليهودى سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه ~~حينما استخرج السحر خف جسمه صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال. ~~ثالثا مزاولة أسباب يترتب عليها آثار ظاهريه لا حقيقية وهذا الضرب واقع ~~باتفاق بين أهل السنة والمعتزلة، وقد حكاه القرآن الكريم عن سحرة فرعون ~~فى قوله تعالى # فلمآ ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم # وفى قوله تعالى # فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم ~~أنها تسعى # هذا، وقد حذر الإسلام من تعاطى السحر للأذى، وجاءت تعاليمه بذمة ~~وتحريمه، وتوعدت مرتكبه بالعقوبات الأليمة، ففى الحديث الشريف # " حد الساحر ضربه بالسيف ". # وقد أفتى بعض الفقهاء بقتل الساحر لأنه زنديق، وبعضهم أفتى بأن الساحر ~~إذا كان قد أحدث فى المسحور جناية توجب القصاص اقنص منه، وإن كان قد أحدث ~~به ما لا قصاص فيه، حكم عليه بدية مناسبة. وبعد فهذه كلمة ذكرناها عن ~~السحر، لم نقصد بها الخوض فى تفصيلاته. وإنما قصدنا بها إعطاء القارئ ~~فكرة مختصرة عنه بمناسبة حديثنا عن رذائل اليهود التى منها نبذهم لكتاب ~~الله واتباعهم للاوهام والأباطيل والأكاذيب. ثم وجه القرآن نداء إلى ~~المؤمنين نهاهم فيه عن مخاطبة النبى صلى الله عليه وسلم بألفاظ معينة حتى ~~لا يتخذها اليهود ذريعة للإساءة إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال ~~تعالى { ياأيها الذين آمنوا لا تقولوا... } ### || [2.104] # { راعنا } من المراعاة، وهى المبالغة فى الرعى بمعنى حفظ الغير، ~~وإمهاله، وتدبير أموره، وتدارك مصالحه، وكان ms0213 المؤمنون يقولون لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا حدثهم بحديث راعنا يا رسول الله، أى راقبنا ~~وانظرنا حتى نفهم كلامك ونحفظه، فتلقف اليهود هذه الكلمة لموافقتها كلمة ~~سيئة عندهم، وأخذوا يلوون بها ألسنتهم، ويقولون { راعنا } يا أبا ~~القاسم، يظهرون أنهم يريدون طلب المراعاة والإنتظار، وهم يريدون فى ~~الحقيقة الإساءة إليه - صلى الله عليه وسلم إذ أن هذه الكلمة عبرية ~~كانوا يتسابون بها يقصدون جعله راعيا من رعاة الغنم أو من الرعونة التى ~~هى الحمق والخفة، فنهى الله - تعالى - المسلمين عن استعمال هذه الكلمة ~~حتى لا يتخذها اليهود وسيلة إلى إيذاء النبى صلى الله عليه وسلم والتنقيص ~~من شأنه. قال قتادة " كانت اليهود تقول للنبى صلى الله عليه وسلم راعنا ~~سمعك، يستهزئون بذلك وكانت - هذه الكلمة - فى اليهود قبيحة ". وقال ~~الإمام ابن كثير " نهى الله - تعالى - عباده المؤمنين أن يتشبهوا ~~بالكافرين فى مقالهم وفعالهم، وذلك أن اليهود كانوا يعلنون من الكلام ما ~~فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص فإذا أرادوا أن يقولوا اسمع لنا، ~~يقولوا راعنا يورون بالرعونة كما قال تعالى # من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ~~ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع ~~وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا فى الدين ولو ~~أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا ~~لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله ~~بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا # وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار عنهم بأنهم كانوا إذا سلموا، إنما يقولون ~~السام عليكم والسام هو الموت ولهذا أمرنا أن نرد عليهم بقولنا وعليكم، ~~وأنما يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا، والغرض أن الله تعالى نهى ~~المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولا وفعلا ". وقال الإمام ابن تيميه " كان ~~المسلمون يقولون راعنا يا رسول الله وأرعنا سمعك، يعنون المراعاة، وكانت ~~هذه اللفظة سبا قبيحا بلغة اليهود فلما سمعتها اليهود اغتنموهها وقالوا ~~فيما بينهم كنا نسب محمدا سرا فأعلنوا له الآن بالشتم، وكانوا يأتونه ~~ويقولون راعنا يا محمد ويضحكون فيما بينهم، فسمعها " سعد بن معاذ " ففطن ~~لهم، - وكان يعرف لغتهم - فقال لليهود عليكم لعنة ms0214 الله، والذى والذى نفسى ~~بيده يا معشر اليهود لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لأضر بن عنقه، فقالوا أولستم تقولونها، فأنزل الله - تعالى - { ~~ياأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا } لكى لا يتخذ ~~اليهود ذلك سبيلا إلى شتم الرسول صلى الله عليه وسلم. # ثم أرشد الله - تعالى - المؤمنين إلى ما يقولونه بدل هذه الكلمة فقال ~~تعالى { وقولوا انظرنا } أى لا تقولوا تلك الكلمة - وهى { ~~راعنا } أيها المؤمنون لئلا يتخذها اليهود ذريعة لسب نبيكم صلى الله ~~عليه وسلم وقولوا مكانها { انظرنا } أى انتظرنا وتأن معنا حتى نفهم ~~عنك، من نظر بمعنى انتظر تقول نظرت الرجل انظره إذا انتظرته وارتقبته، ~~وبهذا المعنى ورد قوله تعالى # انظرونا نقتبس من نوركم # أى انتظرونا نقتبس من نوركم. فالآية الكريمة تنبيه وإرشاد إلى الأدب ~~الجميل، وهو أن يتجنب الإنسان فى مخاطباته الألفاظ التى توهم جفاء أو ~~تنقيصا فى مقام يقتضى إظهار مودة أو تعظيم. تم بين - سبحانه - مصير ~~اليهود المؤمل جزاء تعديهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال { ~~وللكافرين عذاب أليم } ، أى لهؤلاء اليهود الذين اتخذوا كلمة ~~{ راعنا } وسيلة إلى سب الرسول صلى الله عليه وسلم عذاب أليم جزاء ~~كفرهم وتطاولهم وسفاهتهم. هذا، وقد وردت أحاديث صحيحة صرحت بأن اليهود ~~كانوا يحيون رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلام محرف لا يفطن له أكثر ~~الناس يقصدون به الدعاء عليه بالموت، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يرد ~~عليهم بما يكبتهم ويخزيهم ومن هذه الأحاديث ما أخرجه البخارى عن أنس بن ~~مالك قال # " 1 - مر يهودى برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال السام عليك، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم " وعليك " ، ثم قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لأصحابه - أتدرون ما يقول؟ قالوا لا، قال يقول " السام عليك " ~~قالوا يا رسول الله ألا نقتله. قال " لا، إذا سلم عليكم أهل الكتاب ~~فقولوا وعليكم ". # 2 - وأخرج الشيخان عن عائشة - رضى الله عنها - قالت # " دخل رهط من اليهود على ms0215 رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا السام ~~عليك قالت عائشة ففهمتها، فقلت عليكم السام واللعنة، قالت فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم " مهلا يا عائشة إن الله يحب الرفق فى الأمر كله " ~~فقلت يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا؟ قال " لقد قلت وعليكم ". # 3 - وروى مسلم عن جابر بن عبد الله قال # " سلم ناس من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا السام ~~عليك يا أبا القاسم فقال " وعليكم " فقالت عائشة وغضبت ألم تسمع ما قالوا ~~قال بلى قد سمعت فرددت عليهم، وإنما نجاب ولا يجابون علينا ". # وإذن فالآية الكريمة وهى قوله تعالى { ياأيها الذين آمنوا ~~لا تقولوا راعنا } إلخ، وهذه الأحاديث الشريفة تثبت أن اليهود ~~كانوا يستعملون من بين مسالكهم الخبيثة لكيد الدعوة الإسلامية القول ~~الملتوى القبيح، والخطاب المحرف السىء، ولكن الله - تعالى - أحبط خطتهم، ~~ونهى المؤمنين عن استعمال الألفاظ التى كان يتخذها اليهود ذريعة لبلوغ ~~مآربهم، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يرد عليهم بما يغيظهم ويخزيهم، ~~وبذلك ذهبت مكايد اليهود أدراج الرياح وأيد الله - تعالى - رسوله ~~والمؤمنين بقوته ونصره. ثم نبه القرآن المؤمنين إلى ما يضمره لهم ~~المشركون وأهل الكتاب وعلى رأسهم اليهود - من شرور وأحقاد فقال - تعالى { ~~ما يود الذين كفروا من... }. ### || [2.105] # { ما يود } أى ما يحب، إذ الود محبة الشىء مع تمنيه، يقال ود فلان ~~كذا يوده ودا ومودة بمعنى أحبه وتمناه. قال صاحب الكشاف " ومن الأولى فى ~~الآية للبيان، لأن الذين كفروا جنس تحته نوعان، أهل الكتاب والمشركون، ~~والثانية مزيدة لاستغراق الخير والثالثة لابتداء الغاية ". وقوله - تعالى ~~- { ما يود }.. إلخ الآية بيان لما يبيته الكافرون - خصوصا اليهود ~~- للمسلمين من حقد وكراهية وتحذير لهم من الاطمئنان إليهم، والثقة بهم. ~~وفى التعبير بقوله تعالى { ما يود الذين كفروا من أهل ~~الكتاب } دون ما يود أهل الكتاب تنبيه إلى أنهم قد كفروا بكتبهم، ~~لأنهم لو كانوا مؤمنين بها لصدقوا محمدا صلى الله عليه وسلم الذى أمرتهم ~~كتبهم بتصديقه واتباعه. وعطف عليهم ms0216 المشركين ليدل على أن عبدة الأصنام - ~~أيضا - يضاهون كفرة أهل الكتاب، فى كراهة نزول أى خير على المؤمنين، وأن ~~الجميع يحسدونهم على ما آتاهم الله من فضله عن طريق نبيه صلى الله عليه ~~وسلم من دون قويم، وقرآن كريم، وهداية عظمى، وأخوة شاملة، وأمن بعد خوف، ~~وقوة بعد ضعف. والخير النعمة والفضل، والمراد به فى الآية الكريمة النبوة ~~وما تبعها من الوحى الصادق، والقرآن العظيم المشتمل على الحكمة الرائعة ~~والحجة البالغة والبلاغة الباهرة والتوجيه النافع. وأهل الكتاب قد كرهوا ~~ذلك للمؤمنين لعنادهم وحسدهم، وكراهتهم أن تكون النبوة فى رجل عربى ليس ~~منهم. والمشركون كرهوا ذلك - أيضا - لأن فى انتشار الإسلام، وفى تنزيل ~~الوحى على النبى صلى الله عليه وسلم ما يخيب آمالهم فى إبطال الدعوة ~~الإسلامية، وإضعاف شوكتها والنصر على أتباعها. وقوله تعالى { والله ~~يختص برحمته من يشآء والله ذو الفضل العظيم ~~}. رد عليهم بما يكشف عن جهلهم وجهل جميع الحاسدين، لأن الحاسد لغباوته ~~يسخط على قدر الله، ويعترض عليه لإنعامه - سبحانه - على المحسود والله - ~~تعالى - هو صاحب التصرف المطلق فى الإعطاء والمنع فكان من الواجب على ~~هؤلاء الذين لا يودون أن ينزل أى خير على المؤمنين أن يريحوا أنفسهم من ~~هذا العناء، وأن يتحولوا عن ذلك الغباء، لأن الله - تعالى - يهب خيره لمن ~~يشاء. والاختصاص بالشىء الانفراد به، تقول اختص فلان بكذا أى انفرد به، ~~ويستعمل متعديا إلى المفعول به، فتقول اخصصت فلانا بكذا أى أفردته به ~~وجعلته مقصورا عليه. وعلى هذا الوجه ورد الاختصاص فى الآية الكريمة. ~~وقيد - سبحانه - اختصاص رحمته بمن يشاء ليعلم الناس جميعا، أن إفراد بعض ~~عباده بالرحمة منوط بمشيئته وحدها، وليس لأحد كائنا من كان أى تأثير فى ~~ذلك. # ومفعول المشيئة محذوف كما هو الشأن فيه إذا تقدم عليه كلام أو تأخر عنه. ~~أى يختص برحمته من يشاء اختصاصه بها، وهى تتناول النبوة. والقرآن، ~~والنصر، وكل ذلك مما لا يود الكافرون إنزاله على المؤمنين. وقوله تعالى { ~~والله ذو الفضل العظيم } تذييل لما سبق أى ms0217 كل خير يناله ~~العباد فى دينهم أو دنياهم إنما هو من عنده - تعالى - يتفضل به عليهم، ~~وفى ذلك إشعار للحاسدين بأن يقلعوا عن حسدهم، وتعريض باليهود وغيرهم ممن ~~حسدوا محمدا صلى الله عليه وسلم على أن آتاه الله النبوة، فكأنه - ~~سبحانه - يقول لهم إنى أصطفى للنبوة من أشاء من عبادى وهى لا تدرك ~~بالأمانى، ولكنى أهبها لمن هو أهل لها. وبذلك تكون الآية الكريمة قد حذرت ~~المؤمنين مما يبيته لهم الكافرون من حقد وبغضاء وبشرتهم بأن ما يبيتونه ~~لن يضرهم ما داموا معتصمين بكتاب ربهم، وسنة نبيهم. ثم انتقل القرآن إلى ~~الحديث عن موضوع النسخ الذى أثار اليهود حوله الشبهات، وجادلوا فيه النبى ~~صلى الله عليه وسلم. لقد استنكر اليهود أن يبدل الله آية بآية، أو حكما ~~بحكم، وقالوا ألا ترون إلى محمد صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بأمر ثم ~~ينهاهم عنه ويأمر بخلافه، ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا، ما هذا من ~~شأن الأنبياء وما هذا القرآن إلا من كلام محمد، يقوله من تلقاء نفسه، وهو ~~كلام يناقض بعضه بعضا. ولم يترك القرآن الكريم تلك الشبهات التى أثارها ~~اليهود حول شريعة الإسلام بدون جواب، بل أنزل الله - تعالى - آيات كريمة ~~لدحضها وإزالتها من الصدور، ليزداد المؤمنون إيمانا، وهذه الآيات هى قوله ~~تعالى { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير...فقد ~~ضل سوآء السبيل }. ### || [2.106-108] # النسخ فى اللغة الإبطال والإزالة، يقال. نسخت الشمس الظل تنسخه، إذا ~~أذهبته وأبطلته. وفى عرف الشرع بيان انتهاء مدة الحكم بخطاب لولا هذا ~~الخطاب لاستمر الحكم على مشروعيته، بمقتضى النص الذى تقرر به أولا. ~~وننسها من أنسى الشىء جعله منسيا. فمعنى نسخ الآية فى قوله تعالى { ما ~~ننسخ من آية } رفع حكمها مع بقائها. ومعنى إنسائها فى قوله - ~~تعالى - { ننسها } رفع الآية من نظم القرآن جملة. وسمى رفع الآية من ~~نظم القرآن جملة إنساء، لأن من شأن مالا يبقى فى النظم أن ينساه الناس ~~لقلة جريانه على الألسنة بالتلاوة والاحتجاج به. ويصح إبقاء الإنساء ms0218 على ~~حقيقته، وهو إذهاب الآية من القلوب وإزالتها من الحافظة، بعد أن يقضى ~~الله بنسخها. وإنما قلنا بعد أن يقضى الله بنسخها، لأن إنساء الناس آية ~~لم تنسخ إضاعة لشىء من القرآن، والله يقول # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # ومما يدل على نسخ الآية المنساة، أى انتهاء مدة التكليف بها قوله تعالى ~~{ نأت بخير منها أو مثلها } أى نأت بخير من المنسية ~~المنسوخة أو مثلها، فيكون قوله تعالى { أو ننسها } معبرا عن حالة ~~تعرض فى بعض ما سيرفع من القرآن وهى أن ينساه الناس لذهابه من قلوبهم، ~~بعد أن يقضى الله بنسخه - كما ذكرنا -. ووجه ذكر هذه الحال بوجه خاص، أن ~~ما ينسى لعدم حضوره فى الذهن لا تعرف الآيات التى تقوم مقامه، فربما يقع ~~فى الوهم أنه ذهب من غير أن ينزل من الآيات ما يغنى غناءه. وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو { ننسأها } بالهمزة، من النساء وهو التأخير وعلى هذه القراءة ~~يحمل النسخ فى قوله تعالى { ما ننسخ من آية } على النوعين ~~السابقين وهما نسخ الآية حكما فقط، ونسخها حكما وتلاوة. ومعنى { ننسأها ~~} تؤخر إنزالها إلى وقت ثان فلا ننزلها، وننزل ما يقوم مفامها فى القيام ~~بالمصلحة. والخيرية والمماثلة فى قوله تعالى { نأت بخير منها ~~أو مثلها } ترجع إلى ثواب العمل بها. فقد يكون ثواب العمل بالناسخة ~~أوفر من ثواب العمل بالمنسوخة قبل نسخها، وقد يكون مماثلا له، وإن كانت ~~كل واحدة من الآيتين الناسخة والمنسوخة بالنظر إلى الوقت المقدر للعمل ~~بها، أقوم على المصلحة من الأخرى. وبعد أن أثبت - سبحانه - أن النسخ جائز ~~وواقع بقوله { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير ~~منها أو مثلها } ساق جملة كريمة فى صورة الاستفهام التقريرى، ~~مخاطبا بها الأمة الإسلامية فى شخص نبيها صلى الله عليه وسلم لتكون ~~دليلا على هذا الثبوت، وهذه الجملة هى قوله تعالى { ألم تعلم ~~أن الله على كل شيء قدير } والمعنى أن الله - تعالى - ~~متمكن من أن يفعل ما يشاء على الوجه الذى تقتضيه ms0219 حكمته وإرادته، ومن كان ~~هذا شأنه فله أن يأمر فى وقت بأمر، ثم ينسخه أو يستبدل به آخر لمقتضيات ~~الظروف والأحوال. # ثم أقام - سبحانه - الدليل على كمال قدرته وشمولها لكل شىء فقال { ~~ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض ~~وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير }. والمعنى ~~أنه - سبحانه - مالك لجميع الكائنات العلوية والسفلية، وأنه هو المتصرف ~~كما يشاء فى ذواتها وأحوالها، وأنه يتصرف فى أمورهم ويجريها على حسب ما ~~يصلحهم، وهو أعلم بما يتعبدهم به من ناسخ ومنسوخ وليس للناس من أحد يتولى ~~أمورهم، ويعينهم على أعدائهم سواه، ومن كان الله وليه ونصيره علم يقينا ~~أنه لا يفعل به إلا ما هو خير له فى دنياه وأخراه. وإذن فأنتم - أيها ~~اليهود - ما قدرتم الله حق قدره، لزعمكم أن النسخ محال على الله لأن ~~المالك لكل شىء، من حقه أن يمحو ما يشاء ويثبت ما يريد على حسب ما تقتضيه ~~حكمته ومشيئته. فالآية واقعة موقع الدليل على ما تضمنته الجملة السابقة ~~من إحاطة قدرته - سبحانه - بكل شىء. ثم حذر القرآن الكريم المؤمنين من ~~الاستماع إلى وساوس اليهود، تثبيتا لقلوبهم، وتقوية لإيمانهم، فقال ~~تعالى { أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل ~~موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ~~ضل سوآء السبيل }. والمعنى لا يصح لكم أيها المؤمنون أن ~~تقترحوا على رسولكم محمد صلى الله عليه وسلم مقترحات تتنافى مع الإيمان ~~الحق كأن تسألوه أسئلة لا خير من ورائها لأنكم لو فعلتم ذلك لصرتم كبنى ~~إسرائيل الذين طلبوا من نبيهم موسى - عليه السلام - بعد أن جاءهم ~~بالبينات - مطالب تدل على تعنتهم وجهلهم فقال له # أرنا الله جهرة # وقالوا له # اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة # ولو صرتم مثلهم لكنتم ممن يختار الكفر على الإيمان، ولخرجتم عن الصراط ~~المستقيم الذى يدعوكم إليه نبيكم صلى الله عليه وسلم. والاستفهام فى ~~الآية الكريمة للإنكار، وفى أسلوبها مبالغة فى التحذير من الوقوع فيما ~~وقع فيه اليهود من تعنت مع رسولهم، إذ جعل ms0220 محط الإنكار إرادتهم للسؤال، ~~وفى النهى عن إرادة الشىء، نهى عن فعله بأبلغ عبارة. ثم نبه الله تعالى ~~عباده المؤمنين إلى ما يضمره لهم اليهود من أحقاد وشرور فقال - تعالى - { ~~ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم... } ### || [2.109] # معنى الآية الكريمة أحب وتمنى عدد كثير من اليهود الذين هم أهل كتاب، أن ~~ينقلوكم أيها المؤمنون من الإيمان إلى الكفر، حسدا لكم وبغضا لدينكم، ~~من بعد ما ظهر لهم أنكم على الحق باتباعكم محمدا صلى الله عليه وسلم فلا ~~تهتموا بهم، بل قابلوا أحقادهم وشرورهم بترك عقابهم، والإعراض عن أذاهم، ~~حتى يأذن الله لكم فيهم بما فيه خيركم ونصركم، فإنه - سبحانه - على كل ~~شىء قدير ". وقوله تعالى { ود كثير من أهل الكتاب لو ~~يردونكم من بعد إيمانكم كفارا } بيان للون من ألوان ~~الشرور التى يضمرها أهل الكتاب وعلى رأسهم اليهود، وهو تمنيهم ارتداد ~~المسلمين عن دينهم الحق، إلى الكفر الذى أنقذهم الله - تعالى - منه. ~~وإنما أسند - سبحانه - هذا التمنى الذميم إلى الكثرة منهم، انصافا للقلة ~~المؤمنة التى لم ترتض أن ينتقل المسلمون إلى الكفر بعد أن هداهم الله إلى ~~الإسلام. وقوله تعالى { بعد إيمانكم } مبالغة فى ذمهم بسبب ما ~~تمنوه وأحبوه إذ ودوا - وهم أهل كتاب - أن يحل الكفر محل الإيمان، وفيه ~~إشعار بأن ما تمنوه بعيد الحصول لأن الإيمان متى خالطت بشاشته القلوب، ~~منع صاحبه من الانتقال إلى الكفر. ثم بين - سبحانه - أن الذى حملهم على ~~هذا التمنى الذميم هو الحقد والحسد، فقال تعالى { حسدا من عند ~~أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق } أى أن هذا ~~التمنى لم يكن له من سبب أو علة سوى الحسد الذى استولى على نفوسهم، ~~واستحوذ على قلوبهم فجعلهم يحسدون المؤمنين على نعمة الإيمان ويتمنون ~~التحول عنه إلى الكفر، فالجملة الكريمة علة لما تضمنته الجملة السابقة من ~~محبتهم نقل المؤمنين إلى الكفر. قال فضيلة المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين ~~" والحسد قلق النفس من رؤية نعمة يصيبها إنسان، وينشأ عن هذا القلق تمنى ~~زوال تلك ms0221 النعمة عن الغير وتمنى زوال النعم مذموم بكل لسان، إلا نعمة ~~أصابها فاجر أو جائر يستعين بها على الشر والفساد، فإن تمنى زوالها ~~كراهية للجور والفساد لا يدخل فى قبيل الحسد المذموم فإن لم تتمن زوال ~~النعمة عن شخص وإنما تمنيت لنفسك مثلها فهى الغبطة والمنافسة، وهى محمودة ~~لأنها قد تنتهى بالشخص إلى اكتساب محامد لولا المنافسة لظل فى غفلة عنها، ~~والحسد قد يهجم على الإنسان ولا يكون فى وسعه دفعه لشدة النفرة بينه ~~وبين المحسود، وإنما يؤاخذ الإنسان على رضاه به، وإظهار ما يستدعيه من ~~القدح فى المحسود، والقصد إلى إزالة النعمة عنه ". وقوله تعالى { من ~~عند أنفسهم } إعلام للمؤمنين، بأن هؤلاء اليهود لم يؤمروا بذلك ~~فى كتابهم، بل إن كتابهم لينهاهم عن هذا الخلق الذميم ولكنهم لخبث نفوسهم ~~وسوء طباعهم، رسخ الحسد فى قلوبهم لدرجة يعسر معها صرفه عنهم، أو صرفهم ~~عنه. # والجملة الكريمة { حسدا من عند أنفسهم } تدل على أن ~~أولئك اليهود يعتقدون صحة دين الإسلام، إذ الإنسان لا يحسد غيره على ~~دين إلا إذا عرف فى نفسه صحته، وأنه طريق الفوز والفلاح. وقوله تعالى { ~~من بعد ما تبين لهم الحق } يدل على أن محبة اليهود ~~لتحويل المؤمنين من الكفر إلى الإيمان وقعت، بعد أن ظهر لهم صدق النبى ~~صلى الله عليه وسلم وبعد أن تبين لهم أن الصفات التى وردت فى التوراة ~~بشأن المبشر به، لا تنطبق إلا عليه، وإذا فكفرهم به لم يكن عن جهل وإنما ~~كان عن عناد وجمود على الباطل، وذلك هو شأن أحبارهم الذين كانوا على علم ~~بالتوراة، وبتبشيرها بالنبى صلى الله عليه وسلم. ثم أمر الله تعالى ~~المؤمنين فى ختام الآية أن يقابلوا شرور اليهود بالعفو والصفح، وأن ~~يوادعوهم إلى حين فقال تعالى { فاعفوا واصفحوا حتى يأتي ~~الله بأمره إن الله على كل شيء قدير }. العفو ~~ترك العقاب على الذنب. والصفح ترك المؤاخذة عليه، فكل صفح عفو ولا عكس. ~~والمعنى عليكم أيها المؤمنون أن تتركوا معاقبة أولئك اليهود الحاسدين وأن ~~تعرضوا ms0222 عن رفع السيف فى وجوههم حتى يأذن الله لكم فى أن تشفوا صدوركم ~~منهم، ويبيح قتالهم الذى يترتب عليه نصركم، إذ أن كل شىء داخل تحت سلطان ~~قدرته - تعالى -. فالمراد بالأمر فى قوله تعالى { حتى يأتي ~~الله بأمره } الإذن للمسلمين بقتالهم فى الوقت الذى يختاره الله ~~- تعالى - لهم، عندما تكون لهم القوة التى يتمكنون بها من جهاد أعدائهم. ~~قال صاحب المنار قال الأستاذ الإمام " وفى أمره تعالى لهم بالعفو والصفح ~~إشارة إلى أن المؤمنين على قلتهم هم أصحاب القدرة والشوكة لأن الصفح إنما ~~يطلب من القادر على خلافه كأنه يقول لا يغرنكم أيها المؤمنون كثرة أهل ~~الكتاب مع باطلهم، فإنكم على قلتكم أقوى منهم بما أنتم عليه من الحق، ~~فعاملوهم معاملة القوى العادل، للضعيف الجاهل وفى إنزال المؤمنين على ~~قلتهم منزلة الأقوياء، ووضع أهل الكتاب على كثرتهم موضع الضعفاء، إيذان ~~بأن أهل الحق هم المؤيدون بالعناية الإلهية، وأن العزة لهم ما ثبتوا على ~~حقهم، ومهما يتصارع الحق والباطل فإن الحق هو الذى يصرع الباطل كما قلنا ~~غيره مرة، وإنما بقاء الباطل فى غفلة الحق عنه ". وقد أكد الله - تعالى - ~~وعده بقوله { إن الله على كل شيء قدير } أى أن كل شىء ~~داخل تحت قدرته النافذة التى لا يعجزها شىء. وقد أنجز الله - تعالى - ~~وعده، فأذن للمؤمنين فى الوقت المناسب بقتال اليهود وتأديبهم، وقد ترتب ~~على ذلك النصر للمؤمنين، والطرد والقتل لليهود الحاقدين. وبعد أن أمر ~~القرآن المؤمنين فى الآية السابقة بالعفو والصفح عن أعدائهم لأن الحكمة ~~تجعل العفو والصفح خيرا من العقوبة والتأنيب، انتقل بعد ذلك إلى أمرهم ~~بالمحافظة على الشعائر التى تطهر قلوبهم، وتزكى نفوسهم فقال - تعالى - { ~~وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة... } ### || [2.110] # فقد أمرهم - سبحانه - فى هذه الآية بالمواظبة على عمودى الإسلام وهما ~~العبادة البدنية التى تؤكد حسن صلة العبد بخالقه وهى الصلاة والعبادة ~~المالية التى تؤلف بين قلوب الموسرين والمعسرين وهى الزكاة. وجاءت جملة { ~~وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله } ~~بعد ذلك، لترغبهم فى فعل الخير ms0223 على وجه عام، ولتحثهم على التزود من ~~الأعمال الصالحة سواء أكانت فرضا أم نفلا. وقال { لأنفسكم } ~~للإشعار بأن ما يقدمه المؤمن من خير إنما يعود نفعه إليه، وأنه سيجد عند ~~الله نظير ذلك الثواب الجزيل، والأجر العظيم، وفى قوله، عند الله، إشارة ~~إلى ضخامة الثواب، لأنه صادر من الغنى الحميد. وجاءت جملة { إن ~~الله بما تعملون بصير } لتأكيد ذلك الوعد، فقد دلت على أن ~~الله - تعالى - لا يخفى عليه عمل عامل قليلا كان أو كثيرا. وإذا كان ~~عالما محيطا بكل عمل يصدر من الإنسان، كانت الأعمال محفوظة عنده - ~~تعالى -، فلا يضيع منها عمل دون أن يلقى العامل جزاءه يوم الدين. وفى ~~إعادة ذكر اسم الجلالة فى هذه الجملة مع تقدم ذكره فى قوله { تجدوه ~~عند الله } إشعار باستقلال هذه الجملة، وبشدة الاهتمام بالمعنى الذى ~~تضمنته. كذلك من فوائد إظهار اسم الجلالة فى مقام يجوز فيه الإضمار، أن ~~تكون الجملة كحكمة تقال عند كل مناسبة، بخلاف ما لو أتى بدل الاسم الظاهر ~~بالضمير فإن إلقاءه عند المناسبة يستدعى أن تذكر الجملة السابقة معها حتى ~~يعرف المراد من الضمير. ثم حكى القرآن لونا من ألوان المزاعم الباطلة ~~التى درج عليها أهل الكتاب، ورد عليها بما يبطلها فقال { وأقيموا ~~الصلاة... }. ### || [2.111-112] # الضمير فى { قالوا } يعود على أهل الكتاب من الفريقين. والهود جمع ~~هائد أى متبع اليهودية وقدمهم القرآن الكريم على النصارى لتقدمهم فى ~~الزمان. والمعنى وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، وقالت ~~النصارى لن يدخلها إلا من كان نصرانيا، إلا أن الآية الكريمة سلكت فى ~~طريق الإخبار عما زعموه مسلك الإيجاز، فحكت القولين فى جملة واحدة، ~~وعطفت أحد الفريقين على الآخر بحرف " أو " ثقة بفهم السامع، وأمنا من ~~اللبس، لما عرف من التعادى بين الفريقين، وتضليل كل واحد منهما لصاحبه، ~~ونظير هذه الآية قوله تعالى حكاية عنهم # وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا # أى قالت اليهود كونوا هودا تهتدوا، وقالت النصارى كونوا نصارى تهتدوا. ~~ولذا قال الإمام ابن جرير " فإن ms0224 قال قائل وكيف جمع اليهود والنصارى فى ~~هذا الخبر مع اختلاف مقالة الفريقين، واليهود تدفع النصارى عن أن يكون ~~لها فى ثواب الله نصيب، والنصارى تدفع اليهود عن مثل ذلك؟ قيل إن معنى ~~ذلك بخلاف الذى ذهبت إليه، وإنما عنى به وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا ~~من كان هودا، وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا النصارى، ولكن معنى الكلام ~~لما كان مفهوما عند المخاطبين به جمع الفريقان فى الخبر عنهما فقيل { ~~وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصارى }. وقوله تعالى { تلك أمانيهم } جملة معترضة قصد بها ~~بيان أن ما يدعونه من أن الجنة خاصة بهم، ما هو إلا أمانى منهم يتمنونها ~~على الله بغير حق ولا برهان. سولتها لهم أنفسهم التى استحوذ عليها ~~الشيطان فخدعها بالأباطيل والأكاذيب. واسم الإشارة " تلك " مشار به إلى ~~ما تضمنه قوله تعالى { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من ~~كان هودا أو نصارى } وهو يتضمن أمانى كثيرة منها، أن اليهود ~~أمنيتهم أنه لن يدخل الجنة غيرهم، والنصارى كذلك أمنيتهم أنهم هم وحدهم ~~أصحاب الجنة، وكلا الفريقين يعتقد أن المسلمين ليسوا أهلالها، ولهذا جاء ~~خبر اسم الإشارة جمعا فقال تعالى { تلك أمانيهم }. ويرى صاحب ~~الكشاف أنه المشار إليه أمور قد تعددت لفظا وحكاها القرآن عنهم فى قوله # ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا ~~المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم # وفى قوله # ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ~~إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم # وفى قوله { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ~~أو نصارى } ، وعبارته فإن قلت لم قيل { تلك أمانيهم } ~~وقولهم لن يدخل الجنة أمنية واحدة؟ قلت أشير بها إلى الأمانى المذكورة ~~وهو إمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم، وأمنيتهم أن يردوهم ~~كفارا، وأمنيتهم ألا يدخل الجنة غيرهم. # أى تلك الأمانى الباطلة أمانيهم. ويرى صاحب الانتصاف أن المشار إليه ~~واحد وهو قولهم { لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصارى ms0225 } وجمع لإفادة أن تلك الأمنية قد تمكنت من نفوسهم وأشربتها ~~قلوبهم. فقال والجواب القريب أنهم لشدة تمنيهم لهذه الأمنية، ومعاودتهم ~~لها، وتأكدها فى نفوسهم جمعت ليفيد جمعها أنها متأكدة فى قلوبهم بالغة ~~منهم كل مبلغ، والجمع يفيد ذلك، وإن كان مؤداه واحدا ونظيره قولهم معى ~~جياع، فجمعوا الصفة ومؤداها واحد، لأن موصوفها واحد، تأكيدا لثبوتها ~~وتمكنها، وهذا المعنى أحد ما روى فى قوله تعالى # إن هؤلاء لشرذمة قليلون # فإنه جمع " قليلا " وقد كان الأصل إفراده فيقال " لشرذمة قليلة " كقوله ~~تعالى # كم من فئة قليلة # لولا ما قصد إليه من تأكيد القلة بجمعها، ووجه إفادة الجمع فى مثل هذا ~~التأكيد، أن الجمع يفيد بوضعه الزيادة فى الآحاد فنقل إلى تأكيد الواحد، ~~وإبانته زيادة على نظرائه، نقلا مجازيا بديعا فتدبر هذا الفصل فإنه من ~~نفائس صناعة البيان والله المرفق ". ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى ~~الله عليه وسلم أن يطالبهم بالدليل على صحة ما يدعون، فقال تعالى { قل ~~هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين }. أى قل - يا محمد - ~~لهؤلاء الزاعمين أن الجنة لهم خاصة من دون الناس، هاتوا حجتكم على خلوص ~~الجنة لكم، إن كنتم صادقين فى دعواكم، لأنه لما كانت دعواهم الاختصاص ~~بدخول الجنة لا تثبت إلا بوحى من الله وليس المجرد التمنى، أمر الله - ~~تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يطالبهم بالدليل من كتبهم على صحة ~~دعواهم، وهذه المطالبة من قبيل التعجيز لأن كتبهم خالية مما يدل على ~~صحتها. قال الإمام ابن جرير " وهذا الكلام وإن كان ظاهره دعاء القائلين ~~{ لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } إلى ~~إحضار حجة على دعواهم، فإنه بمعنى التكذيب من الله لهم فى دعواهم وقيلهم، ~~لأنهم ليسوا بقادرين على إحضار برهان على دعواهم تلك أبدا ". هذا، ويؤخذ ~~من الآية الكريمة بطلان التقليد فى أمور الدين، وهو قبول قول الغير ~~مجردا من الدليل، فلا ينبغى للإنسان أن يقرر رأيا فى الدين إلا أن ~~يسنده إلى دليل، كما أنه لا يقبل من غيره قولا ms0226 إلا أن يكون مؤيدا بدليل. ~~أما عدم صحة التقليد فى أصول الدين أى فيما يرجع إلى حقيقة الإيمان ~~فالأمر فيه جلى، لأنه يكتفى فى إيمان الشخص بأى دليل ينشرح به صدره ~~للإسلام، وتحصل له به الطمأنينة، كأن يستمد إيمانه بالله من التنبيه ~~لحكمة الله فى إتقان المخلوقات، أو فى رعاية اللطف والرفق بالإنسان، ~~ويستمد إيمانه بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم من الاستماع إلى القرآن ~~الكريم، أو من سيرته التى لم يظهر بمثلها أو بما يقرب منها بشر غير رسول، ~~والقصد أن لا يكون إسلامه لمجرد أنه فى بيئة إسلامية أو ولد من أب وأم ~~مسلمين. # وأما التقليد فى الفروع أى فى الأحكام العملية، فالناس بالنظر إلى ~~القدرة على تمييز الخطأ من الصواب درجات، فمن له قدرة على فهم الأدلة ~~ومعرفة الراجح من الأحكام، لا يجوز أن يتلقى الحكم من غيره إلا مقرونا ~~بدليل، وإن كان قاصرا عن هذه الدرجة أخذ بما يفتيه به العالم المشهود له ~~بالرسوخ فى علم الشريعة، والمعروف بالمحافظة على لباس التقوى ما استطاع ~~". ثم أبطل القرآن الكريم مدعاهم بطريق آخر وهو إيراد قاعدة كلية رتبت ~~دخول الجنة على الإيمان والعمل الصالح بلا محاباة لأمة أو لجنس أو ~~لطائفة فقال تعالى { بلى من أسلم وجهه لله وهو ~~محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون }. { بلى } حرف يذكر فى الجواب لإثبات المنفى فى ~~كلام سابق، وقد صدرت الآية التى معنا بحرف " بلى " لإثبات ما نفوه وهو ~~دخول غيرهم الجنة ممن لم يكن لا من اليهود ولا من النصارى، ما دام قد ~~أسلم وجهه لله وهو محسن. وقوله تعالى { من أسلم وجهه لله } ~~المراد به اتجه إليه، وأذعن لأمره، وأخلص له العبادة، وأصل معناه ~~الاستسلام والخضوع. وخص الله - تعالى - الوجه دون سائر الجوارح بذلك، ~~لأنه أكرم الأعضاء وأعظمها حرمة، فإذا خضع الوجه الذى هو أكرم أعضاء ~~الجسد فغيره من أجزاء الجسد أكثر خضوعا. وقوله تعالى { وهو محسن ~~} من الإحسان، وهو أداء العمل على وجه ms0227 حسن أى مطابق للصواب وهو ما جاء ~~به الشرع الشريف. والمعنى ليس الحق فيما زعمه كل فريق منكم يا معشر ~~اليهود والنصارى من أن الجنة لكم دون غيركم، وإنما الحق أن كل من أخلص ~~نفسه لله، وأتى بالعمل الصالح على وجه حسن، فإنه يدخل الجنة، كما قال ~~تعالى { فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون }. وقد أفادت الآية الكريمة ما يأتى أ إثبات ما نفوه من ~~دخول غيرهم الجنة. ب بيان أنهم ليسوا من أهل الجنة، إلا إذا أسلموا ~~وجوههم لله، وأحسنوا له العمل فيكون ذلك ترغيبا لهم فى الإسلام، ~~وبيانا لمفارقة حالهم لحال من يدخل الجنة، لكى يقلعوا عما هم عليه، ~~ويعدلوا عن طريقتهم المعوجة. ج بيان أن العمل المقبول عند الله - تعالى ~~- يجب أن يتوفر فيه أمران أولهما أن يكون خالصا لله وحده. ثانيهما أن ~~يكون مطابقا للشريعة التى ارتضاها الله تعالى وهى شريعة الإسلام. قال ~~الإمام ابن كثير " فمتى كان العمل خالصا ولم يكن صوابا لم يتقبل، ~~ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " # فعمل الرهبان ومن شابهم وإن فرض أنهم مخلصون فيه لله فإنه لا يتقبل منهم ~~حتى يكون ذلك متابعا للرسول صلى الله عليه وسلم المبعوث فيهم وإلى الناس ~~كافة، وفى أمثالهم قال الله - تعالى - # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # وأما إن كان العمل موافقا للشريعة فى الصورة الظاهرة، ولكن لم يخلص ~~عامله القصد لله، فهو أيضا مردود على فاعله، وهذا حال المرائين ~~والمنافقين ولهذا قال تعالى # فمن كان يرجوا لقآء ربه فليعمل عملا صالحا ~~ولا يشرك بعبادة ربه أحدا # وبذلك تكون الآيتان الكريمتان قد أبطلتا دعوى اليهود أن الجنة لهم دون ~~غيرهم، وأثبتتا أن مزاعمهم هذه ما هى إلا من قبيل الأمانى والأوهام ~~وكذبتهم فى أن يكون عندهم أى برهان أو دليل على ما يدعون ثم أصدرتا حكما ~~عاما وهو أن الجنة ليست خاصة لطائفة دون أخرى، وإنما ms0228 هى لكل من أسلم وجهه ~~لله وهو محسن. ثم بين القرآن بعد ذلك أن أهل الكتاب قد دأبوا على تضليل ~~بعضهم البعض، وأن الخلاف بينهم قد أدى إلى التنازع والتخاصم فقال { ~~وقالت اليهود ليست النصارى... }. ### || [2.113] # الآية الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك # وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصارى # إلخ، لزيادة بيان طبيعة أهل الكتاب، المعوجة، وأن رمى المخالف لهم بأنه ~~ضال شنشنة فيهم. والشىء يطلق على الموجود، أو ما يصح أن يعلم ويخبر عنه، ~~وقد ينفى مبالغة فى عدم الاعتداد به واليهود كفرت عيسى - عليه السلام - ~~وما زالوا يزعمون أن المسيح المبشر به فى التوارة لم يأت، وسيأتى بعد، ~~فهم يعتقدون أن النصارى باتباعهم له ليسوا على أمر حقيقى من التدين، ~~والنصارى تكفر اليهود لعدم إيمانهم بالمسيح الذى جاء لإتمام شريعتهم، ~~ونشأ عن هذه النزاع عداوة اشتدت بها الأهواء والتعصب حتى صار كل فريق ~~منهم يطعن فى دين الآخر، وينفى عنه أن يكون له أصل من الحق. وجملة { ~~وهم يتلون الكتاب } حالية، والكتاب للجنس. أى قالوا ذلك ~~وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب، إذ اليهود يقرءون التوراة ~~والنصارى يقرءون الإنجيل، وحق من حمل التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب ~~الله وآمن به ألا يكفر بالباقى، لأن كل واحد من الكتابين مصدق للثانى، ~~شاهد بصحته وكذلك كتب الله جميعا متواردة على تصديق بعضها البعض. وقوله ~~{ كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم } معناه ~~كما أن أهل الكتاب قد قال كل فريق منهم فيمن خالفه إنه ليس على شىء من ~~الدين الحق. فكذلك قال الذين لا يعلمون، وهم مشركو العرب، فى شأن ~~المسلمين إنهم ليسوا على شىء من الدين الحق، فتشابهت قلوب هؤلاء وقلوب ~~أولئك فى الزيغ والضلال. والهدف الذى ترمى إليه هذه الجملة، هو أن إنكار ~~اليهود والنصارى لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم لا ينبغى أن يثير شبهة ~~على عدم صحتها، حيث يسبق إلى أذهان الضعفاء من الناس أن تلاوتهم للكتاب ~~تجعهلم أعرف بالنبوة ms0229 الصادقة من غيرها. فكأن القرآن يقول إن تلاوتهم ~~للكتاب وحدها لا ينبغى أن تكون شبهه. ألا ترون اليهود والنصارى وهم يتلون ~~الكتاب كيف أنكر كل فريق منهما أن يكون الآخر على شىء حقيقى من التدين، ~~فسبيلهم فى إنكار دين الإسلام كسبيل المشركين الذين أنكروه عن جهالة به. ~~وفى هذه الجملة توبيخ شديد لأهل الكتاب، حيث نظموا أنفسهم - مع علمهم - ~~فى سلك من لا يعلم. وقوله { فالله يحكم بينهم يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه يختلفون }. صدر بالفاء، لأن ~~التوعد بالحكم بينهم يوم القيامة، وإظهار ما أكنته ضمائرهم من الهوى ~~والضلال، متفرع عن هذه المقالات ومسبب عنها، وهو خبر المقصود منه التوبيخ ~~والوعيد. والضمير المجرور بإضافة بين إليه راجع إلى الفرق الثلاث، وما ~~كانوا فيه يختلفون يعم ما ذكر وغيره وقيل الضمير يعود على اليهود ~~والنصارى. # والاختلاف تقابل رأيين فيما ينبغى انفراد الرأى فيه. ولم تصرح الآية ~~الكريمة بماذا يحكم الله بينهم، لأنه من المعلوم أن من مظاهر حكم الله ~~يوم القيامة إثابة من كان على حق، وعقاب من كان على باطل. وبذلك تكون ~~الآية الكريمة قد فضحت أهل الكتاب، حيث بينت كيف أن كل فريق منهم قد رمى ~~صاحبه بالضلال، وفى هذا تثبيت للمؤمنين ونهى لهم عن أن ينهجوا نهجهم. ثم ~~تحدث القرآن عن سوء عاقبة من يسعى فى خراب بيوت الله، فقال { ومن ~~أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها ~~اسمه... }. ### || [2.114] # يرى بعض المفسرين أن هذه الآية نزلت فى شأن الرومانيين الذين غزوا بيت ~~المقدس وخربوه. ويرى آخرون أنها نزلت فى كفار قريش حين منعوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية. وكيفما كان سبب ~~النزول، فالآية تشمل بذمها ووعيدها، كل من منع مساجد الله أن يذكر فيها ~~اسمه وسعى فى خرابها. ومن أسم استفهام يراد منه النفى، أى لا أظلم. ~~والمساجد جمع مسجد، وهو المكان الخاص للعبادة، مأخوذ من السجود، وهو وضع ~~الجبهة على الأرض خضوعا لله وتعظيما. والظلم الاعتداء على حق ms0230 الغير، ~~بالتصرف فيه بمالا يرضى به، ويطلق على وضع الشىء فى غير ما يستحق أن يوضع ~~فيه، والمعنيان واضحان هنا. وذكر اسم الله كناية عما يؤدى فيها من ~~العبادات، إذ لا تكاد عبادة تخلو من ذكر اسمه - تعالى - والسعى فى الأصل ~~المشى بسرعة فى معنى الطلب والعمل. والخراب ضد التعمير، ويستعمل لمعنى ~~تعطيل المكان وخلوه مما وضع له. قال القرطبى " وخراب المساجد قد يكون ~~حقيقيا، كتخريب بختنصر والرومان لبيت المقدس حيث قذفوا فيه القاذورات ~~وهدموه. ويكون مجازا كمنع المشركين حين صدوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن المسجد الحرام، وعلى الجملة فتعطيل المساجد عن الصلاة وإظهار ~~شعائر الإسلام فيها خراب لها ". والمعنى لا أحد أظلم ممن حال بين ~~المساجد وبين أن يعبد فيها الله، وعمل فى خرابها بالهدم كما فعل الرومان ~~وغيرهم ببيت المقدس. أو بتعطيلها عن العبادة كما فعل كفار قريش، فهو مفرط ~~فى الظلم بالغ فيه أقصى غاية. قال صاحب الكشاف " فإن قلت فكيف قيل مساجد ~~الله، وإنما وقع المنع والتخريب على مسجد واحد هو بيت المقدس أو المسجد ~~الحرام؟ قلت لا بأس أن يجىء الحكم عاما، وإن كان السبب خاصا، كما تقول ~~لمن آذى صالحا واحدا ومن أظلم ممن آذى الصالحين، كما قال - عز وجل - # ويل لكل همزة # والمنزول فيه هو الأخنس بن شريق ". وقوله - تعالى - { أولئك ما ~~كان لهم أن يدخلوهآ إلا خآئفين } معناه ما ينبغى ~~لأولئك الذين يحولون بين المساجد وذكر الله ويسعون فى خرابها أن يدخلوها ~~إلا خائفين من الله - تعالى - لمكانها من الشرف والكرامة بإضافتها إليه - ~~تعالى - أو إلا خائفين من المؤمنين أن يبطشوا بهم، فضلا عن أن يستولوا ~~عليها ويمنعوا المؤمنين منها. قال ابن كثير " وفى هذا بشارة من الله ~~للمسلمين بأنه سيظهرهم على المسجد الحرام، ويذل لهم المشركين حتى لا يدخل ~~المسجد الحرام واحد منهم إلا خائفا يخاف أن يؤخذ فيعاقب، أو يقتل إن لم ~~يسلم، وقد أنجز الله هذا الوعد فمنع المشركين من دخول المسجد الحرام، ~~وذلك أنه بعد ms0231 أن تم فتح مكة للمسلمين أمر النبى صلى الله عليه وسلم من ~~العام القابل مناديا ينادى برحاب منى " ألا يحجن بعد العام مشرك، ولا ~~يطوفن بالبيت عريان، ومن كان له أجل فأجله إلى مدته ". # وعندما حج النبى صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع لم يجترئ. أحد من ~~المشركين أن يحج أو أن يدخل المسجد الحرام. وهذا هو الخزى فى الدنيا لهم، ~~المشار إليه بقوله - تعالى - { لهم فى الدنيا خزي } لأن ~~الجزاء من جنس العمل. ثم ختم الآية الكريمة ببيان عاقبة هؤلاء الساعين فى ~~خراب مساجد الله فقال - تعالى - { لهم فى الدنيا خزي ولهم ~~فى الآخرة عذاب عظيم } أى لهم فى الدنيا هوان وذلة بسبب ظلمهم ~~وبغيهم، ولهم فى الآخرة عذاب عظيم يخلدون معه فى النار. وليس هناك أشقى ~~ممن يعيش دنياه فى هوان وذلة، ثم ينتقل إلى أخراه فيجد مصيره العذاب ~~الأليم الذى لا يموت فيه ولا يحيا. ثم أخذ القرآن فى تسلية المسلمين ~~الذين أخرجوا من مكة وفارقوا المسجد الحرام، مبيينا لهم أن الجهات كلها ~~لله - تعالى - فقال { ولله المشرق والمغرب... }. ### || [2.115] # المشرق والمغرب مكان شروق الشمس وغروبها، والمراد بهما هنا جميع جهات ~~الأرض واللام فى قوله { ولله } تفيد معنى الملك. والتولية التوجه من ~~جهة إلى أخرى. و ثم اسم إشارة للمكان. والوجه الجهة، فوجه الله الجهة ~~التى ارتضاها وأمر بالتوجه إليها وهى القبلة. والمعنى أن جميع الأرض ملك ~~لله وحده، ففى أى مكان من المشرق والمغرب توليتم شطر القبلة التى أمركم ~~الله بها ورضيها لكم، فهناك جهته - سبحانه - التى أمرتم بها، والتى تبرأ ~~ذممكم باستقبالها. ومعنى هذا الإذن بإقامة الصلاة فى أى مكان من الأرض ~~دون أن تختص بها المساجد، ففى الحديث الشريف # " جعلت لى الأرض مسجدا وطهورا ". # وكأن الآية تومى، إلى أن سعى أولئك الظالمين فى منع المساجد من ذكره - ~~تعالى - وتخريبها، لا يمنع من أداء العبادة لله - تعالى - لأن له المشرق ~~والمغرب وما بينهما، فأينما حل الإنسان وتحرى القبلة المأمور بالتوجه ~~إليها فهناك جهة الله ms0232 المطلوب منه استقبالها. وذيلت الآية بقوله { إن ~~الله واسع عليم } لإفادة سعة ملكه أو سعة تيسيره على عباده فى ~~أمر الدين. أى إن الله يسع خلقه جميعا برحمته وتيسيره وجوده وهو عليم ~~بأعمالهم لا يخفى عليه عمل عامل أينما كان وكيفما كان. ثم حكى القرآن بعض ~~الأقاويل الباطلة التى افتراها أصحاب القلوب المريضة فقال - تعالى - { ~~وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه...فإنما يقول ~~له كن فيكون }. ### || [2.116-117] # قوله - تعالى - { وقالوا اتخذ الله ولدا } معطوف على قوله ~~- تعالى - قبل ذلك وقالت اليهود ليست النصارى على شىء إلخ ". واتخذ من ~~الاتخاذ وهو الصنع والجعل والعمل. والولد يطلق على الذكر والأنثى، ~~والواحد والجمع. والذين قالوا اتخذ الله ولدا هم اليهود والنصارى ~~والمشركون، فقد حكى الله عن اليهود أنهم قالوا # عزير ابن الله # وحكى عن النصارى أنهم قالوا # المسيح ابن الله # وحكى عن المشركين أنهم قالوا " الملائكة بنات الله " فيصح أن يكون ~~الضمير فى قالوا عائدا على الفرق الثلاث أو على بعضهم. فمن المعروف أن ~~القرآن يجرى على الأسلوب المعروف فى المخاطبات حيث يسند إلى القوم ما صدر ~~من بعضهم فحين قال # وقالت اليهود عزير ابن الله # أصبح من السائغ فى صحة المعنى أن يكون هذا القول قد صدر من طائفة منهم ~~وقوله { سبحانه } تنزيه له عما هو نقص فى حقه ومحال عليه من اتخاذ ~~الولد، لاقتضاء الوالدية النوعية والجنسية والتناسل والافتقار، والتشبيه ~~والحدوث وفى الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال # " لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا، وهو يرزقهم ~~ويعافيهم ". # وسبحانه مصدر لسبح بمعنى نزه، وهو منصوب بفعل لم يسمع من العرب التصريح ~~به معه، والأصل أسبحه سبحانه، فحذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، وأضيف إلى ~~ضمير المنزه. وقوله { بل له ما فى السماوات والأرض } إضراب ~~عن مقالاتهم التى نسبوا بها إلى الله اتخاذ الولد، وشروع فى الاستدلال ~~على بطلانها. واللام فى قوله { له } للاختصاص الكامل وهو الملك ~~الحقيقى، و ما اسم موصول يراد منه الكائنات ما ms0233 يعقل وما لا يعقل ومن جملة ~~هذه الكائنات من ادعوا أنه ولد لله. والمقصود إثبات أن قولهم { اتخذ ~~الله ولدا } زعم باطل، فإن جميع ما احتوت عليه السماوات والأرض ~~مملوك لله يتصرف فيه كيف يشاء، فلا حاجة إلى اتخاذ الولد، إذ الولد إنما ~~يسعى إليه الوالد، أو يرغب فيه ليعتزبه أو ليحيى ذكره، أو ليستعين به على ~~القيام بأعباء الحياة. والله - تعالى - منزه عن أمثال هذه الأغراض التى ~~لا تليق إلا بمن خلق ضعيفا كالإنسان ثم إن الحكمة من التوالد بقاء ~~النوع محفوظا بتوارد أمثال الوالد حيث لا سبيل إلى بقائه بعينه، أما ~~الخالق - تعالى - فهو الواحد فى ذاته وصفاته، الباقى على الدوام، كما قال ~~تعالى # كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام # وقوله - تعالى - { كل له قانتون }. معناه كل له مطيعون طاعة ~~تسخير وانقياد، خاضعون لا يستعصى منهم شىء على مشيئته وإرادته شاهدون ~~بلسان الحال والمقال على وحدانيته من القنوت وهو لزوم الطاعة مع الخضوع، ~~وإنما جاء { قانتون } بجمع المذكر المختص بالعقلاء، مع أن الخضوع لله ~~يكون من العقلاء وغيرهم تغليبا للعقلاء على غيرهم، لأنهم أهل القنوت عن ~~إرادة وبصيرة، ولأن ظهوره فيهم أكمل من ظهوره فى غيرهم. # وفصلت جملة { كل له قانتون } عن سابقتها، لقصد استقلالها ~~بالاستدلال على نفى أن يكون لله ولد، حتى لا يظن السامع أنها مكملة ~~للدليل المسوق له قوله - تعالى - { له ما فى السماوات ~~والأرض }. ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر قدرته فقال { بديع ~~السماوات والأرض } أى مبدعهما ومنشئهما بلا احتذاء ولا اقتداء. ~~وبلا آلة ولا مادة، وبديع صفة مشبهة من أبدع، والذى ابتدعهما من غير أصل ~~ولا مثال هو الله - تعالى -. وخص السماوات والأرض بالإبداع، لأنهما أعظم ~~ما يشاهد من المخلوقات. قال القرطبى " قوله - تعالى - { بديع ~~السماوات والأرض } فعيل للمبالغة. وارتفع على أنه خبر ابتداء ~~محذوف، واسم الفاعل مبدع كبصير من مبصر. أبدعت الشىء لا عن مثال، فالله - ~~تعالى - بديع السماوات والأرض، أى منشئهما وموجدهما، ومخترعهما، على غير ~~حد ولا مثال، ms0234 وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه قيل له مبدع، ومنه أصحاب البدع ~~وسميت البدعة بدعة لأن قائلها ابتدعها من غير فعل أو مقال إمام... ". ~~وقوله { وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ~~} معناه وإذا أراد - سبحانه - إحداث أمر من الأمور حدث فورا. " وكن ~~فيكون، فعلان من الكون بمعنى الحدوث. ويرى كثير من أهل السنة أن الجملة ~~واردة على وجه التمثيل، لحدوث ما تتعلق به إرادته - سبحانه - بلا مهلة ~~وبلا توقف. وليس المراد أنه إذا أراد إحداث أمر أتى بالكاف والنون، ففى ~~الكلام استعارة تمثيلية. ويرى آخرون أن الأمر يكن محمول على حقيقته، وأنه ~~- تعالى - أجرى سنته فى تكوين الأشياء أن يكونها بكلمة كن أزلا. وبذلك ~~نرى أن الآيتين الكريمتين قد حكتا بعض الشبهات الباطلة التى أوردها ~~الضالون حول وحدانية الله وردت عليها بما يدحضها ويثبت كذبها. ثم أورد ~~القرآن بعد ذلك الشبهات التى أثاروها حول نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~وأجاب عنها بما يبطلها فقال تعالى { وقال الذين لا يعلمون ~~لولا يكلمنا الله أو تأتينآ... }. ### || [2.118] # عن ابن عباس قال قال رافع بن حريملة اليهودى لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يا محمد، إن كنت رسولا من الله كما تقول، فقل لله يكلمنا حتى نسمع ~~كلامه فأنزل الله هذه الآية. فالآية الكريمة معطوفة على قوله # وقالوا اتخذ الله ولدا... # ومعنى الآية الكريمة. { وقال الذين لا يعلمون } علما ~~نافعا أمثال هؤلاء اليهود الذين طالبوك بالمطالب المتعنتة - يا محمد - { ~~لولا يكلمنا الله } إما مشافهة، أو بواسطة الوحى إلينا لا ~~إليك، أو يرينا حجة تقوم على صدق رسالتك، قالوا هذا على وجه العناد ~~والجحود أن تكون الآيات التى أقامها الله على صدق رسالته آيات حقا. وقد ~~رد الله عليهم بقوله { كذلك قال الذين من قبلهم مثل ~~قولهم } أى مثل هذا القول المتعنت، قال الجاحدون من أسلافهم الذين ~~أرسل الله إليهم الرسل ليخرجوهم من الظلمات إلى النور وفى هذه الجملة ~~تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم بأن ما لاقاه من قومه ms0235 مثل ما لقيه الرسل ~~من قبله. { تشابهت قلوبهم } أى تشابهت قلوب هؤلاء وأولئك فى ~~العناد والضلال. { قد بينا الآيات لقوم يوقنون } أى ~~جعلناها بينة واضحة فى ذاتها لمن شأنهم الإخلاص فى طلب الحق أينما كان، ~~فيتجهون إليه عن طريق الأدلة الصحيحة بقلوب نقية من الأهواء موقنة بجلال ~~الحق ووجوب الطاعة. قال الإمام الرازى وتقرير شبهتهم أن الحكيم إذا أراد ~~تحصيل شىء، اختار أقرب الطرق إليه، وبما أن الله قد كلم موسى وكلمك يا ~~محمد فلم لا يكلمنا مشافهة، أو يخصك بمعجزة يتجلى من ورائها صدق نبوتك، ~~وهذا منهم طعن فى أن القرآن معجزة، لأنهم لو أقروا بذلك لاستحال أن ~~يقولوا ما قالوه. فأجابهم الله عن هذه الشبهة بقوله { كذلك قال ~~الذين من قبلهم مثل قولهم } وحاصل هذا الجواب أنا قد ~~أيدنا قول محمود بالمعجزات، وبينا صحة قوله بالقرآن وسائر الحجج، فكان ~~طلب هذه الزوائد من باب التعنت. وعليه فلن تجاب مطالبكم لوجوه منها 1 - ~~لو كان فى معلوم الله أنهم يؤمنون عند إنزال هذه الآيات لفعلها ولكنه علم ~~أنه لو أعطاهم ما سألوه لازدادوا لجاجا. 2 - أن حصول الدلالة الواحدة ~~تمكن المكلف من الوصول إلى المطلوب، فإذا لم يكتف بها، كان طلبه من باب ~~المعاندة. 3 - ربما كانت كثرة المعجزات وتعاقبها تقدح فى كونها معجزة لأن ~~الخوارق متى توالت كان انخراق العادة عادة. فثبت أن عدم إسعافهم بهذه ~~الآيات لا يقدح فى النبوة. هذا، وبعض المفسرين يرى أن المراد ب { ~~الذين لا يعلمون } اليهود، وبعضهم يرى أن المراد بهم مشركو ~~العرب وبعضهم يرى أن المراد بهم النصارى، ونحن نرى أن اللفظ صالح لأن ~~يندرج تحته جميع هذه الطوائف قضاء لحق الموصول المفيد للتعميم، ولكنا ~~نختار أن اليهود هم المقصودون قصدا أوليا من هذه الآية للأسباب الآتية ~~1 - الآية ضمن سلسلة طويلة من الآيات السابقة عليها واللاحقة لها، وكلها ~~تتحدث عن بنى إسرائيل وأحوالهم وأخلاقهم. # 2 - جملة { كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم ~~} قرينة على أن المقصود بالذين لا يعلمون ms0236 هم اليهود المعاصرون للعهد ~~النبوى، حيث كان أجدادهم يطلبون من موسى مثل هذه المطالب، لقد قالوا له # لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة # وقالوا # أرنا الله جهرة # وطلبوا منه كثيرا من المطالب المتعنتة. 3 - الآية مدنية ومن سورة البقرة ~~التى هى من أوائل ما نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ومن ~~المعروف أن حديث القرآن المدنى عن أهل الكتاب بصفة عامة، وعن اليهود بصفة ~~خاصة، أكثر من حديثه عن مشركى العرب، لأن البيئة المدنية صلتها بأهل ~~الكتاب أشد وألصق. 4 - سبب نزول الآية الذى ذكرناه يؤيد أن اليهود ~~مقصودون قصدا أوليا فى هذه الآية. 5 - القائلون بأن المراد بالذين لا ~~يعلمون مشركو العرب، دعموا قولهم بأن آيات القرآن التى تحكى عنهم أمثال ~~هذه المقترحات مستفيضة. وكأنهم يستبعدون أن تصدر مثل هذه الأسئلة عن ~~اليهود. وردنا عليهم أن القرآن الكريم قد حكى عن اليهود أمثال هذه ~~الأسئلة بدليل قوله تعالى # يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من ~~السمآء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا ~~أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ~~ثم اتخذوا العجل من بعد ما جآءتهم البينات ~~فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا # 6 - الإمام ابن جرير رجح أن المراد ب { الذين لا يعلمون } ~~النصارى، مستدلا بأن ذلك فى سياق خبر الله عنهم، فالآية السابقة على هذه ~~الآية تقول. # وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما فى ~~السماوات والأرض كل له قانتون # والنصارى هم الذين قالوا ذلك. وهذا الاستدلال لا نوافقه عليه لما يأتى أ ~~لأن الآية ليست فى سياق خبر الله عن النصارى، وإنما هى فى سياق خبر الله ~~عن اليهود، الذين زخرت سورة البقرة ببيان مواقفهم وحجاجهم وأخلاقهم فى ~~أكثر من مائة آية سابقة ولاحقة من هذه السورة. ب ليس النصارى وحدهم هم ~~الذين قالوا اتخذ الله ولدا وإنما اليهود أيضا قالوا ذلك، قال تعالى # وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى ~~المسيح ابن الله # ج لم يأت الإمام ابن جرير ms0237 بدليل واحد ينقض به رأى القائلين بأن المراد ~~بالذين لا يعلمون اليهود، ولم يتعرض للنص الذى أورده ابن عباس فى سبب ~~نزول الآية بالتضعيف أو الإعلال، مع أنه انتقد رأى القائلين بأن المراد ~~بهم مشركو العرب بأنه قول لا برهان على حقيقته فى ظاهر الكتاب. هذا وبعد ~~ذلك الأدلة على ما ذهبنا إليه نعود فنقول مرة أخرى إننا لا نمانع فى أن ~~يكون المراد بالذين لا يعلمون جميع الطوائف المشركة ولكنا نرجح أن اليهود ~~هم المقصودون قصدا أوليا مهما دخل غيرهم معهم فى السياق، وإن الآية قد ~~نزلت للرد على مطالبهم المتعنتة واقتراحاتهم التى لا خير من ورائها، ~~ومحاولاتهم الطعن فى نبوة النبى صلى الله عليه وسلم. ثم ساق القرآن للنبى ~~صلى الله عليه وسلم ما يسلبه ويثبته فقال { إنا أرسلناك ~~بالحق بشيرا... فأولئك هم الخاسرون }. ### || [2.119-121] # قوله { إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا } معناه ~~إنا أرسلناك يا محمد بالدين الصحيح المشتمل على الأحكام الصادقة، لتبشر ~~بالثواب من آمن وعمل صالحا، وتنذر بالعقاب من كفر وعصى. وصدرت الآية ~~الكريمة بحرف التأكيد، لمزيد الاهتمام بهذا الخبر، وللتنويه بشأن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم. وجىء بالمسند إليه ضمير الجلالة، تشريفا للنبى صلى ~~الله عليه وسلم فكأن الله - تعالى - يشافهه بهذا الكلام بدون واسطة، ولذا ~~لم يقل له إن الله أرسلك. وقوله { بالحق } متعلق بأرسلناك. والحق ~~مأخوذ من حق الشىء، أى وجب وثبت، ويطلق الحق على الحكم الصادق المطابق ~~للواقع، ويسمى الدين الصحيح حقا لاشتماله على الأحكام الصادقة. وقوله { ~~بشيرا ونذيرا } حالان، والبشير المبشر، وهو المخبر بالأمر السار ~~للمخبر به الذى لم يسبق له علم به. والنذير المنذر، وهو المخبر بالأمر ~~المخوف ليحذر منه. وجملة { ولا تسأل عن أصحاب الجحيم } ~~معطوف على جملة { إنا أرسلناك }. والجحيم المتأجج من النار. ~~وأصحابها الملازمون لها. والسؤال كناية عن المؤاخذة واللوم. والمعنى لا ~~تذهب نفسك عليهم حسرات يا محمد، فإن وظيفتك أن تبشر وتنذر ولست بعد ذلك ~~مؤاخذا ببقاء الكافرين على كفرهم، ولست مسئولا عن عدم اهتدائهم # فإنما ms0238 عليك البلاغ وعلينا الحساب # وفى وصفهم بأنهم أصحاب الجحيم، إشعار بأنهم قد طبع على قلوبهم، فصاروا ~~لا يرجى منها الرجوع عن الكفر. وفى هذه الجملة مع قوله { بشيرا ~~ونذيرا } تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم حيث لم يؤمن به أولئك ~~الجاحدون المتعنتون. ثم بين القرآن موقف أهل الكتاب من الدعوة الإسلامية ~~فقال { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى ~~تتبع ملتهم }. الملة الطريقة المسلوكة، ثم جعلت اسما لما شرعه ~~الله لعباده على لسان نبيه ليتوصلوا إلى السعادة الدائمة، وقد تطلق على ~~ما ليس حقا من الأديان المنحرفة أو الباطلة، كما حكى القرآن عن يوسف ~~عليه السلام - أنه قال # إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم ~~بالآخرة هم كافرون # وأفرد القرآن الملة فقال - تعالى - ملتهم - " مع أن لكل من اليهود ~~والنصارى ملة خاصة، لأن الملتين بالنظر إلى مخالفتهما لدين الإسلام وما ~~طرأ عليهما من التحريف بمنزلة واحدة، فاتباع إحداهما كاتباع الأخرى فى ~~قلة الانتفاع به. ومعنى الغاية فى قوله " حتى تتبع ملتهم الكناية عن ~~اليأس من اتباع أهل الكتاب لشريعة الإسلام، لأنهم لما كانوا لا يرضون ~~إلا باتباعه صلى الله عليه وسلم ملتهم وكان اتباع النبى صلى الله عليه ~~وسلم لملتهم مستحيلا، فقد صار رضاهم عنه كذلك مستحيلا، فالجملة الكريمة ~~مبالغة فى الإقناط من إسلامهم، وتنبيه على أنه لا يرضيهم إلا ما لا يجوز ~~وقوعه منه. # ثم لقن الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم الجواب فقال { قل ~~إن هدى الله هو الهدى }. وهدى الله دينه والهدى، بمعنى ~~الهادى إلى طريق الفلاح فى الدنيا والآخرة. أى ما أنت عليه يا محمد من ~~هدى الله الحق الذى يضعه فى قلب من يشاء هو الهدى الحقيقى لا ما يدعيه ~~هؤلاء من الأهواء. وإيراد الهدى معرفا بأل مع اقترانه بضمير الفصل " هو ~~" يفيد قصر الهداية على دين الله، وينفى أن يكون فى دين غير دين الله ~~هدى. وإذا كانت الهداية مقصورة على الدين الذى جاء به محمد صلى الله عليه ~~وسلم فكيف يطمع ms0239 أهل الكتاب فى أن يتبع ملتهم؟ ثم حذر القرآن من اتباع أهل ~~الكتاب فقال { ولئن اتبعت أهوآءهم بعد الذي جآءك ~~من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير }. ~~اللام فى قوله { ولئن } تشعر بأن فى الجملة قسما مقدرا روعى فى ~~صدرها ليفيد تأكيد ما تضمنته من أن متبع أهواء أهل الكتاب لا يجد من الله ~~وليا ولا نصيرا. والأهواء جمع هوى، والمراد بها آراؤهم المنحرفة عن ~~الحق الصادرة من شهوات فى أنفسهم. والعلم الدين وسمى علما لأنه يعلم ~~بالأدلة القاطعة. والولى القريب والحليف. والنضير كل من يعين غيره على من ~~يناوئه ويبسط إليه يده بسوء. والمعنى ولئن اتبعت - يا محمد - آراءهم ~~الزائفة، بعد الذى جاءك من العلم بأن دين الله هو الإسلام، أو من الدين ~~المعلوم صحته بالبراهين الواضحة، مالك من الله من ولى يلى أمرك ولا نصير ~~يدفع عنك عقابه. وإنما أوثر خطابه صلى الله عليه وسلم بذلك ليدخل دخولا ~~أوليا من اتبع أهواءهم بعد الإسلام من المنافقين تمسكا بولايتهم، ~~وطمعا فى نصرتهم. وبعد أن ذكر القرآن فى الآيات السابقة أحوال الكافرين ~~من أهل الكتاب أخذ فى بيان حال المؤمنين، فقال { الذين آتيناهم ~~الكتاب يتلونه حق تلاوته }. أى يقرءونه قراءة حقة، ~~مصحوبة بضبط لفظه، وتدبر معانيه، ولا شك أن ضبط لفظه يقتضى عدم تحريف ما ~~لا يوافق أهواء أهل الكتاب، كالجمل الواردة فى نعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأن تدبره يستدعى اتباعه والعمل به. وجملة { يتلونه حق ~~تلاوته } حال من الضمير هم أو من الكتاب وهذه الحال من قبيل الأحول ~~التى تلابس صاحبها بعد وقوع عاملها، فإنهم إنما يتلون الكتاب بعد أن ~~يؤتوه. وهى التى تسمى بالحال المقدرة أى مقدرا وقوعها بعد وقوع عاملها. ~~والمراد بالذين أوتوا الكتاب، مؤمنو أهل الكتاب. والمراد بالكتاب التوارة ~~والإنجيل. أو هم أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم والكتاب القرآن. وأجاز ~~بعضهم أن تكون الآية سيقت مدحا لمن آمن من أهل الكتاب بالقرآن، فيكون ~~الضمير فى يتلونه القرآن. # وقوله { أولئك ms0240 يؤمنون به } خبر عن قوله { الذين ~~آتيناهم الكتاب }. وفى ذكر الإشارة ووضعه فى صدر الجملة المخبر ~~بها، زيادة تأكيد لإثبات إيمانهم. وفى هذه الجملة تعريض بأولئك ~~المعاندين الذين كانوا يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه، ~~فكأن الآية التى معنا تقول { الذين آتيناهم الكتاب } وكان ~~من حالهم أن قرءوه حق قراءته، يؤمنون به إيمانا لا ريبة فيه، بخلاف ~~المعاندين المحرفين للكلم عن مواضعه. ثم بين - سبحانه - عاقبة الكافرين ~~يكتبه فقال { ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون }. ~~والكفر بالكتاب يتحقق بتحريفه وانكار بعض ما جاء فيه، أى ومن يكفر به ~~فأولئك هم الخاسرون فى الدنيا حيث لا يعيشون فيها عيش المؤمنين وهم ~~الخاسرون فى الآخرة، إذ سيفوتهم ما أعده الله لعباده من نعيم دائم، ومقام ~~كريم. وكما بدأ القرآن حديثه مع اليهود بندائهم بأحب أسمائهم إليهم، فقد ~~اختتمه - أيضا - بهذا النداء فقال { يابني إسرائيل اذكروا ~~نعمتي التي أنعمت...ولا هم ينصرون }. ### || [2.122-123] # ففى هاتين الآيتين تكرير لتذكير بنى إسرائيل بما سبق أن ذكروا به فى صدر ~~الحديث معهم فى هذه السورة، وذلك لأهمية ما ناداهم من أجله وأهمية الشىء ~~تقتضى تكرار الأمر به إبلاغا فى الحجة وتأكيدا للتذكرة. قال القاضى ولما ~~صدر القرآن قصة بنى إسرائيل بذكر النعم والقيام بحقوقها والحذر من ~~إضاعتها، والخوف من الساعة وأهوالها، كرر ذلك وختم به الكلام معهم، ~~مبالغا فى النصح وإيذانا بأنه فذلكة القضية، والمقصود من القصة. هذا ~~وبعد أن ذكر الله - تعالى - فى الآيات السابقة نعمه على بنى إسرائيل، ~~وبين كيف كانوا يقابلون النعم بكفر وعناد، ويأتون منكرات فى الأقوال ~~والأعمال، وختم الحديث معهم بإنذار بالغ، وتذكير بيوم لا يغنى فيه أحد عن ~~أحد شيئا، بعد كل ذلك واصل القرآن حديثه عن قصة إبراهيم - عليه السلام - ~~لأنهم هم والمشركون ينتمون إليه ويقرون بفضله، فقال - تعالى - { وإذ ~~ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني ~~جاعلك... }. ### || [2.124] # الابتلاء الاختبار. أى. اختبره ربه - تعالى - بما كلفه به من الأوامر ~~والنواهى، ومعنى اختبار الله - تعالى - لعبده، أن ms0241 يعامله معاملة المختبر ~~مجازا، إذ حقيقة الاختبار محالة عليه - تعالى - لعلمه المحيط بالأشياء ~~والله - تعالى - تارة يختبر عباده بالضراء ليصبروا. وتارة بالسراء ~~ليشكروا وفى كلتا الحالتين تبدو النفس البشرية على حقيقتها. وفى إسناد ~~الابتلاء إلى الرب إشعار للتالى أو للسامع بأنه ابتلاه بما ابتلاه به ~~تربية له، وتقوية لعزمه، حتى يستطيع النهوض بعظائم الأمور. وقد اختلف ~~المفسرون فى تعيين المراد بالكلمات التى اختبر الله بها نبيه إبراهيم - ~~عليه السلام - على أقوال كثيرة. قال ابن جرير " ولا يجوز الجزم بشىء مما ~~ذكروه منها أنه المراد على التعيين إلا بحديث أو إجماع. قال ولم يصح فى ~~ذلك خبر بنقل الواحد ولا بنقل الجماعة الذى يجب التسليم له، ولعل أرجح ~~الآراء فى المراد بهذه الكلمات، أنها الأوامر التى كلفه الله بها، فأتى ~~بها على أتم وجه ". وقوله { فأتمهن } أى أتى بهن على الوجه ~~الأكمل، وأداهن أداء تاما يليق به - عليه السلام - ولذا مدحه الله بقوله # وإبراهيم الذي وفى # وجىء بالفاء فى { فأتمهن } للدلالة على الفور والامتثال. وذلك ~~من شدة العزم، وقوة اليقين. وفى إجمال القرآن لتلك الكلمات التى امتحن ~~الله بها إبراهيم، وفى وصفه له بأنه أتمهن، إشعار بأنها من الأعمال التى ~~لا ينهض بها الا ذو عزم قوى يتلقى أوامر ربه بحسن الطاعة وسرعة الامتثال. ~~وقدم المفعول وهو لفظ إبراهيم لأن المقصود تشريف إبراهيم بإضافة اسم الرب ~~إلى اسمه مع مراعاة الإيجاز، فلذلك لم يقل وإذ ابتلى الله ابراهيم. ~~وجملة { قال إني جاعلك للناس إماما } مستأنفة لبيان ما ~~من الله به على إبراهيم من الكرامة ورفعة المقام، بعد أن ذكر - سبحانه - ~~أنه عامله معاملة المختبر له، إذ كلفه بأمور شاقة فأحسن القيام بها. ~~جاعلك من جعل يعنى صير. والإمام القدوة الذى يؤتم به فى أقواله وأفعاله. ~~والمراد بالإمامة هنا الرسالة والنبوة، فإنهما أكمل أنواع الإمامة، ~~والرسول أكمل أفراد هذا النوع، وقد كان إبراهيم - عليه السلام - رسولا ~~يقتدى به الناس فى أصول الدين ومكارم الأخلاق. وقال { قال إني ~~جاعلك للناس إماما } ولم يقل ms0242 " إنى جاعلك للناس رسولا، ليكون ~~ذلك دالا على أن رسالته تنفع الأمة المرسل إليها بطريق التبليغ، وتنفع ~~غيرهم من الأمم بطريق الاقتداء، فإن إبراهيم - عليه السلام - قد رحل إلى ~~آفاق كثيرة، فانتقل من بلاد الكلدان إلى العراق، وإلى الشام، وإلى ~~الحجاز، وإلى مصر وكان فى جميع منازله أسوة حسنة لغيره. # وقد مدح القرآن إبراهيم فى كثير من آياته، ومن ذلك قوله تعالى # ثم أوحينآ إليك أن اتبع ملة إبراهيم ~~حنيفا # وجملة { قال ومن ذريتي } واقعة موقع الجواب عما من شأنه أن ~~يخطر فى نفس السامع، فكأنه قال وماذا كان من إبراهيم عندما تلقى من ربه ~~تلك البشارة العظمى؟ فكان الجواب أن إبراهيم قد التمس الإمامة لبعض ~~ذريته أيضا. أى قال إبراهيم واجعل يا رب من ذريتى أئمة يقتدى بهم. وقد ~~رد الله - تعالى - على قول إبراهيم بقوله { قال لا ينال عهدي ~~الظالمين }. وإنما قال إبراهيم ومن ذريتى ولم يقل وذريتى، لأنه يعلم ~~أن حكمة الله من هذا العالم لم تجر بأن يكون جميع نسل أحد ممن يصلحون لأن ~~يقتدى بهم فلم يسأل ما هو غير مألوف عادة، لأن سؤال ذلك ليس من آداب ~~الدعاء. أى قال الله لإبراهيم قد أجبتك وعاهدتك بأن أحسن إلى ذريتك لكن ~~لا يصيب عهدى الذى عهدته إليك بالإمامة الذين ظلموا منهم، فالعهد هنا ~~بمعنى الإمامة المشار إليها فى قوله { جاعلك للناس إماما }. ~~وفى هذه الجملة الكريمة إيجاز بديع، إذ المراد منها إجابة طلب إبراهيم من ~~الإنعام على بعض ذريته بالإمامة كما قال - تعالى - # وجعلنا فى ذريته النبوة والكتاب # ولكنها تدل صراحة على أن الظالمين من ذريته ليسوا أهلا لأن يكونوا أئمة ~~يقتدى بهم، وتشير إلى أن غير الظالمين منه قد تنالهم النبوة، وقد نالت من ~~ذريته إسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وغيرهم من الأنبياء. قال - تعالى - # وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما ~~محسن وظالم لنفسه مبين # ثم تحدث القرآن بعد ذلك عن مكانة البيت الحرام، وعن قصة بنائه، وعن ~~الدعوات الخاشعات التى كان إبراهيم يتضرع بها ms0243 إلى الله عند رفعه البيت ~~فقال { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس...إنك أنت ~~العزيز الحكيم }. ### || [2.125-129] # قوله - تعالى - { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس ~~وأمنا } معطوف على قوله - تعالى - # وإذ ابتلى إبراهيم ربه # وجعلنا بمعنى صرنا. والبيت المقصود به الكعبة، إذ غلب استعمال البيت ~~فيها حتى صار اسما لها. ومثابة للناس مرجعا للناس يرجعون إليه من كل ~~جانب، وهو مصدر ميمى من ثاب القوم إلى المكان رجعوا إليه. فهم يثوبون ~~إليه ثوابا وثوبانا، أو معاذا لهم يلجأون إليه أو موضع ثواب يثابون بحجه ~~واعتماره. والأمن السلامة من الخوف، وأمن المكان اطمئنان أهله به، وعدم ~~خوفهم من أن ينالهم فيه مكروه فالبيت مأمن، أى موضع أمن. وأخبر - سبحانه ~~- بأنه جعله أمنا ليدل على كثرة ما يقع به من الأمن حتى صار كأنه نفس ~~الأمن. وكذلك صار البيت الحرام محفوظا بالأمن من كل ناحية، فقد كان ~~الناس فى الجاهلية يقتتلون ويعتدى بعضهم على بعض من حوله، أما أهله ~~فكانوا فى أمان واطمئنان. قال تعالى # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم # وقال - تعالى - # فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان ~~آمنا # وقد أقرت تعاليم الإسلام هذه الحرمة للبيت الحرام على وجه لا يضيع حقا ~~ولا يعطل حدا، وزادت فى تكريمه وتشريفه بأن جعلت الحج إليه فريضة على كل ~~قادر عليها. قال الإمام ابن كثير " ومضمون ما فسر به العلماء هذه الآية ~~أن الله تعالى يذكر شرف البيت وما جعله موصوفا به شرعا وقدرا من كونه ~~مثابة للناس. أى جعله محلا تشتاق إليه الأرواح وتحن إليه ولا تقضى منه ~~وطرا ولو ترددت إليه فى كل عام استجابة من الله - تعالى - لدعاء خليله ~~إبراهيم فى قوله تعالى # فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم # ويصفه - تعالى - بأنه جعله أمنا من دخله أمن ولو كان قد فعل ما فعل ثم ~~دخله كان آمنا، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم كان الرجل يلقى قاتل أبيه ~~أو أخيه فيه فلا يعرض له { واتخذوا من مقام ms0244 إبراهيم ~~مصلى } الاتخاذ الجعل، تقوم اتخذت فلانا صديقا أى جعلته صديقا. ~~والمقام فى اللغة موضع القدمين من قام يقوم، ومقام إبراهيم هو الحجر الذى ~~كان إبراهيم يقوم عليه عند بناء الكعبة لما ارتفع الجدار، وهو - على ~~المشهور - تحت المصلى المعروف الآن بهذا الاسم. ومعنى اتخاذ مصلى منه ~~القصد إلى الصلاة عنده. فقد ورد فى الحديث الصحيح الذى رواه الإمام مسلم ~~عن جابر بن عبد الله # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت سبعا وصلى خلف المقام ~~ركعتين " ". # ومن العلماء من فسر مقام إبراهيم بالمسجد الحرام، ومنهم من أطلقه على ~~الكعبة لأن إبراهيم كان يقوم عندها لعبادة الله تعالى. قال الإمام ابن ~~كثير " وقد كان هذا المقام - أى الحجر الذى يسمى مقام إبراهيم - ملصقا ~~بجدار الكعبة قديما، ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلى الحجر ~~على يمين الداخل من الباب فى البقعة المستقلة هناك، وكان الخليل - عليه ~~السلام - لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار الكعبة.. ثم قال وإنما ~~أخره عن جدار الكعبة إلى موضعه الآن عمر - رضى الله عنه - ولم ينكر ذلك ~~عليه أحد من الصحابة ثم قال - تعالى - { وعهدنآ إلى إبراهيم ~~وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين ~~والركع السجود }. عهدنا أمرنا وأوحينا، و { أن } مفسرة ~~المأمور به أو الموصى به المشار إليه بقوله { عهدنآ } أى أوحينا إلى ~~إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتى. وأضاف - سبحانه - البيت إليه للتشريف ~~والتكريم ومعنى تطهيره صيانته من كل ما لا يليق ببيوت الله من الأقذار ~~والأرجاس والأوثان وكل ما كان مظنة للشرك، فالمقصود تطهيره من كل رجس حسى ~~ومعنوى. والطائفين جمع طائف من طاف يطوف طوفا وطوافا إذا دار حول الشىء ~~والمراد بهم المتقربون إلى الله بالطواف حول الكعبة. والعاكفين جمع عاكف، ~~من عكف على الشىء عكوفا إذا أقام عليه ملازما له، والمراد بهم المقيمون ~~فى الحرم بقصد العبادة، ويدخل فى العبادة مدارسة العلوم الدينية وما ~~يساعد على فهمها. والركع السجود الركع جمع راكع، والسجود جمع ساجد. ~~والركوع والسجود من ms0245 هيئات الصلاة وأركانها، فمعنى " والركع السجود " ~~المصلون. فالآية الكريمة جمعت أصناف العابدين فى البيت الحرام وهم ~~الطائفون وإن لم يكونوا مقيمين، كمن يأتون لحج أو عمرة ثم ينصرفون. ~~والعاكفون الذين يقيمون فى الحرم بقصد الإكثار من العبادة فى المسجد ~~الحرام. والمصلون يتقربون إلى الله بالصلوات سواء أكانت فرائض أم نوافل. ~~ولم يعطف السجود على الركع، لأن الوصفين متلازمان ولو عطف لتوهم أنهما ~~وصفان مفترقان. ثم ساق القرآن بعد ذلك نماذج من الدعوات التى تضرع بها ~~إبراهيم إلى ربه فقال { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا ~~بلدا آمنا } أى أضرع إليك يا إلهى أن تجعل الموضع الذى فيه بيتك ~~مكانا يأنس إليه الناس، ويأمنون فيه من الخوف، ويجدون فيه كل ما يرجون من ~~أمان واطمئنان. والمشار إليه بقوله { هذا } مكة المكرمة. والبلد كل ~~قطعة من الأرض عامرة أو غامرة. والمقصود بالدعاء إنما هو أمن أهله لأن ~~الأمن والخوف لا يلحقان البلد، وإنما يلحقان أهل البلد. قال الإمام ~~الرازى وإنما قال هنا { بلدا آمنا } على التنكير، وقال فى سورة ~~إبراهيم # رب اجعل هذا البلد ءامنا # على التعريف لوجهين الأول أن الدعوة الأولى وقعت ولم يكن المكان قد جعل ~~بلدا، كأنه قال اجعل هذا الوادى بلدا آمنا. # والدعوة الثانية وقعت وقد جعل بلدا، فكأنه قال اجعل هذا المكان الذى ~~صيرته بلدا ذا أمن وسلامة. الثانى أن تكون الدعوتان وقعتا بعد ما صار ~~المكان بلدا، فقوله { اجعل هذا بلدا آمنا } تقديره أجعل هذا ~~البلد بلدا آمنا كقولك كان اليوم يوما حارا، وهذا إنما تذكره ~~للمبالغة فى وصفة بالحرارة، لأن التنكير يدل على المبالغة فقوله رب اجعل ~~هذا البلد بلدا آمنا معناه اجعله من البلدان الكاملة فى الأمن. وأما قوله ~~{ رب اجعل هذا بلدا آمنا } فليس فيه إلا طلب الأمن لا طلب ~~المبالغة. أما الدعوة الثانية التى توجه بها إبراهيم إلى ربه من أجل أهل ~~مكة فقد حكاها القرآن فى قوله { وارزق أهله من الثمرات ~~من آمن منهم بالله واليوم الآخر }. أى كما أسألك يا ms0246 ~~إلهى أن تجعل هذا لبلد بلدا آمنا. أسألك كذلك أن ترزق المؤمنين من أهله ~~من الثمرات ما يسد حاجاتهم، ويغنيهم من الاحتياج إلى غيرك. وقوله " ارزق ~~" مأخوذ من رزقه يرزقه إذا أعطاه ما ينتفع به من مأكول وغيره. والثمرات ~~جمع ثمرة، وهى ما يحمله شجر أو زرع أو غيره من النبات. وإنما طلب ابراهيم ~~- عليه السلام - من الله أن يجعل مكة بلدا آمنا، وأن يرزق أهلها من ~~الثمرات بما يغنيهم لأن البلد إذا امتدت إليه ظلال الأمن، وكانت مطالب ~~الحياة فيه ميسرة، أقبل أهله على طاعة الله بقلوب مطمئنة وتفرغوا لذلك ~~بنفوس مستقرة. وقال فى دعائه { من آمن منهم بالله ~~واليوم الآخر } لأن أهل مكة قد يكون من بينهم كافرون، فأراد تخصيص ~~المؤمنين منهم بدعائه، لذا أتبع قوله { وارزق أهله } بقوله { ~~من آمن منهم } على وجه البدل فصار المعنى وارزق المؤمنين من أهله ~~على ما تقتضيه القاعدة العربية من أن البدل وهو هنا { من آمن } هو ~~المقصود بطلب الرزق. وخص إبراهيم المؤمنين بطلب الرزق لهم حرصا على شيوع ~~الإيمان بين سكان مكة، لأنهم إذا علموا أن دعوة إبراهيم إنما هى خاصة ~~بالمؤمنين تجنبوا ما يبعدهم عن الإيمان، أو أنه خص المؤمنين بذلك تأدبا ~~مع الله - تعالى - إذ سأله سؤالا أقرب إلى الإجابة، ولعله استشعر من رد ~~الله عليه عموم دعائه السابق إذ قال # ومن ذريتي # فقال # لا ينال عهدي الظالمين # أن غير المؤمنين ليسوا أهلا لإجراء رزق الله عليهم. واقتصر على ذكر ~~الإيمان بالله واليوم الآخر فى التعبير عن المؤمنين لأن الإيمان بالله ~~واليوم الآخر لا يقع على الوجه الحق إلا إذا صاحبه الإيمان بكتب الله ~~ورسله وملائكته. ثم بين - سبحانه - مصير الكافرين فقال { قال ومن ~~كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب ~~النار وبئس المصير }. # الضمير فى { قال } يعود إلى الله - تعالى - ومن فى قوله { ومن ~~كفر } منصوب بفعل مقدر دل عليه " فأمتعه ". والمعنى قال الله وأرزق من ~~كفر وايراد المتكلم قولا من عنده معطوفا على قول متكلم آخر ms0247 مألوف فى ~~اللغة العربية، ويحسن موقعه عندما يقتضى المقام إيجازا فى القول، ولولا ~~هذا العطف لكان المعنى متطلبا لأن يقال قال الله أرزق من آمن ومن كفر. { ~~فأمتعه } من التمتع وهو إعطاء ما ينتفع به. و { قليلا } وصف ~~لمصدر محذوف فى النظم، والمعنى أمتعه تمتيعا قليلا. ووصف التمتع فى ~~الدنيا بالقلة، لأنه صائر إلى نفاد وانقطاع. و { أضطره } أى الجثة ~~وأسوقه بعد متاعه فى الدنيا إلى عذاب لا يمكنه الإنفكاك عنه وجملة " ثم ~~اضطره إلى عذاب النار " احتراس من أن يغتر الكافر بأن تخويله النعم فى ~~الدنيا يؤذن برضا الله فلذلك ذكر العذاب هنا. { وبئس } فعل يستعمل ~~لذم المرفوع بعده، وهو ما يسميه النحاة بالمخصوص بالذم، ووردت هنا لذم ~~النار المقدرة فى الجملة، والمعنى بئس المصير النار. أى أنها مصير سىء ~~كما قال تعالى فى آية أخرى. # إنها سآءت مستقرا ومقاما # وقد أفادت الآية الكريمة أن الله يرزق الكافر فى الدنيا كما يرزق المؤمن ~~وإذا كان إمتاع المؤمن بالرزق لأنه أهل لأن ينعم عليه بكل خير، فإمتاع ~~الكافر بالرزق له حكم منها استدراجه المشار إليه بقوله تعالى # سنستدرجهم من حيث لا يعلمون # ولو خص الله المؤمنين بالتوسعة فى الرزق وحرم منها الكافرين لكان هذا ~~التخصيص سائقا للكافرين إلى الإيمان على وجه يشبه الإلجاء. وقد قضت ~~حكمته - تعالى - أن يكون الإيمان اختياريا حتى ينساق الإنسان من طريق ~~النظر فى أدلة عقلية يبصر بها أقوام ولا يبصر بها آخرون. ثم حكى القرآن ~~دعوة ثالثة تضرع بها إبراهيم إلى ربه فقال { وإذ يرفع ~~إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا ~~تقبل منآ إنك أنت السميع العليم }. القواعد جمع ~~قاعدة، وهى أساس البناء الموالى للأرض، وبها يكون ثبات البناء. ورفعها ~~إبرازها عن الأرض بالبناء عليها. والمراد بالبيت الكعبة. والتقبل القبول، ~~وقبول الله للعمل أن يرضاه أو يثيب عليه. والمعنى واذكر يا محمد ما صدر ~~من الرسولين الكريمين إبراهيم وإسماعيل فقد كانا وهما يقومان يرفع قواعد ~~الكعبة إلى ويقولان يا ربنا تقبل منا أقوالنا وأعمالنا، إنك ms0248 أنت السميع ~~العليم. وتصدير الدعاء بندائه - سبحانه - باسم الرب المضاف إلى ضميرها ~~مظهر من مظاهر خضوعهما، وإجلالهما لمقامه، والخضوع له - سبحانه -، وإجلال ~~مقامه من أسنى الآداب التى تجعل الدعاء بمقربة من الاستجابة. وعبر ~~بالمضارع فقال { وإذ يرفع } مع أن رفع القواعد كان قبل نزول ~~الآية، وذلك ليخرجه فى صورة الحاضر فى الواقع لأهميته. # وختما دعاءهما بذكر اسمين من أسمائه الحسنى، ليؤكدا أن رجاءهما فى ~~استجابة دعائهما وثيق، وأن ما عملاه ابتغاء مرضاته جدير بالقبول. لأن من ~~كان سميعا عليما بنيات الداعين وصدق ضمائرهم، كان تفضله باستجابة دعاء ~~المخلصين فى طاعته غير بعيد. ثم حكى القرآن جملة من الدعوات الخاشعات، ~~التى توجه بها إبراهيم وإسماعيل إلى الله - تعالى - فقال { ربنا ~~واجعلنا مسلمين لك } مسلمين من الإسلام، وهو الخضوع ~~والإذعان، وقد كانا خاضعين لله مذعنين فى كل حال، وإنما طلبا الثبات ~~والدوام على ذلك، والإسلام الذى هو الخضوع لله بحق إنما يتحقق بعقيدة ~~التوحيد، وتحرى ما رسمه الشارع فى العبادات والمعاملات، والإخلاص فى ~~أداء ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه. وقوله { ومن ذريتنآ ~~أمة مسلمة لك } معناه واجعل يا ربنا من ذريتنا أمة مخلصة ~~وجهها إليك، مذعنة لأوامرك ونواهيك. ومن من للتبعيض، أو للتعيين كقوله # وعد الله الذين آمنوا منكم # وإنما خص الذرية بالدعاء لأنهم أحق بالشفقة، ولأنهم إذا صلحوا صلح بهم ~~الأتباع ولأن صلاح الذرية مرغوب فيه طبعا، والدعاء لهم بالصلاح مرغب فيه ~~شرعا، وقد حكى القرآن من دعاء الصالحين قوله - تعالى - # ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة ~~أعين واجعلنا للمتقين إماما # { وأرنا مناسكنا } أى علمنا شرائع ديننا وأعمال حجنا، كالطواف ~~والسعى والوقوف. أو متعبداتنا التى تقام فيها شرائعنا، كمنى، وعرفات، ~~وتحوهما. والمناسك جمع منسك - بفتح السين وكسرها - بمعنى الفعل وبمعنى ~~الموضع من النسك - مثلثة النون وبضمها وضم السين - وهو غاية العبادة ~~والطاعة، وشاعت تسمية أعمال الحج بالمناسك كالطواف والسعى وغيرهما. { ~~وتب علينآ } تسند التوبة إلى العبد فيقال تاب فلان إلى الله ~~ومعناها الندم على ما لابس من الذنب، ms0249 والإقلاع عنه، والعزم على عدم ~~العود إليه، ورد المظالم إن استطاع، أو نية ردها إن لم يستطع وتسند إلى ~~الله فيقال تاب الله على فلان، ومعناها حينئذ توفيقه إلى التوبة، أو ~~قبولها منه. فمعنى { وتب علينآ } وفقنا للتوبة أو تقبلها منا. ~~والتوبة تكون من الكبائر والصغائر، وتكون من ترك ما هو أولى أو من تقصير ~~يؤدى إلى خطأ فى الاجتهاد، وعلى أحد هذين الوجهين، تحمل التوبة التى يسأل ~~الأنبياء والمرسلون ربهم قبولها أو التوفيق لها. { إنك أنت ~~التواب الرحيم } التواب كثير القبول لتوبة المنيبين إليه، وقبول ~~توبتهم يقتضى عدم مؤاخذتهم بما يأتونه من سيئات، ثم بعد تخلصهم من عقوبة ~~الخطيئة أو المعاتبة عليها ينتظرون من رحمة الله أن تحفهم بإحسان. ~~وإبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - قد طلبا قبول توبتهما صراحة فى ~~قولهما { وتب علينآ } ولوحا إلى طلب الرحمة بذكر اسمه الرحيم، إذ ~~الرحمة صفة من أثرها الإحسان، فكأنهما قالا تب علينا وارحمنا، وهذا من ~~أكمل آداب الدعاء وأرجاها للقبول عند الله تعالى. # ثم ختم إبراهيم وإسماعيل دعواتهما بتلك الدعوة التى فيها خيرهم فى ~~الدنيا والآخرة، فقالا - كما حكى القرآن عنهما { ربنا وابعث ~~فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت ~~العزيز الحكيم }. الضمير فى قوله { منهم } يعود إلى الذرية أو ~~الأمة المسلمة فى قوله { ومن ذريتنآ أمة مسلمة لك ~~}. والرسول من أوحى إليه بشرع وأمر بتبليغه وتلاوة الشىء قراءته والمراد ~~بقوله تعالى { يتلوا عليهم آياتك } يقرؤها عليهم قراءة تذكير ~~وفى هذا إيماء إلى أنه يأتيهم بكتاب فيه شرع. والآيات جمع آية، والمراد ~~بها ما يشهد بوحدانية الله، وبصدق رسوله صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه ~~عنه، أو المراد بها آيات القرآن الكريم فهو يتلوها عليهم ليحفظوها ~~بألفاظها كما نزلت، ويتعبدوا بتلاوتها، وليعرفوا من فضل بلاغتها وروعة ~~أساليبها وجها مشرقا من وجوه إعجازها. والكتاب القرآن، وتعلمه يكون ~~ببيان معانيه وحقائقه، ليعرفوا ما أقامه لهم من دلائل التوحيد وما اشتمل ~~عليه من أحكام وحكم ومواعظ وآداب. والحكمة العلم النافع ms0250 المصحوب بالعمل ~~الواقع موقعه اللائق به. ووضعها بجانب الكتاب يرجح أن المراد بها السنة ~~النبوية المطهرة التى تنتظم أقوال النبى صلى الله عليه وسلم وأفعاله، إذ ~~بالكتاب وبالسنة يعرف الناس أصلح الأعمال، وأعدل الأحكام وأسنى الآداب، ~~وتنفتح لهم طرق التفقه فى أسرار الدين ومقاصده. ويزكيهم أى يطهرهم من ~~أرجاس الشرك ومن كل ما لا يليق التلبس به ظاهرا أو باطنا. يقال زكاة ~~الله، أى طهره وأصلحه، ومنه زكاة المال لتطهره بها، وأصل الزكاة - بالمد ~~- النماء والزيادة، يقال. زكا الزرع زكاء وزكوا، أى نما. والمعنى ونسألك ~~يا ربنا أن تبعث فى الأمة المسلمة، أو فى ذريتنا رسولا منهم يقرأ عليهم ~~آياتك الدالة على وحدانيتك، ويعلمهم كتابك بأن يبين لهم معانيه، ويرشدهم ~~إلى ما فيه من حكم ومواعظ وآداب، كما يهديهم إلى الحكمة التى تتمثل فى ~~اتباع سنة نبيك - والتى بها يتم التفقه فى الدين ومعرفة أسراره وحكمه ~~ومقاصده، والتى يكمل بها العلم بالكتاب إنك يا مولانا أنت العزيز الحكيم. ~~أى القادر الذى لا يغلب على أمره، العالم الذى يدبر الأمور على وفق ~~المصلحة، ومن كان قادرا على كل ما يريد، عليما بوجوه المصالح، كانت ~~استجابته قريبة من دعاء الخير الصادر عن إخلاص وابتهال. وقد جاءت ترتيب ~~هذه الجمل فى أسمى درجات البلاغة والحكمة لأن أول تبليغ الرسالة يكون ~~بتلاوة القرآن ثم بتعليم معانيه، ثم بتعليم العلم النافع الذى تحصل به ~~التزكية والتطهير من كل ما لا يليق التلبس به فى الظاهر، أو الباطن. وقد ~~سأل إبراهيم وإسماعيل ربهما أن تكون بعثة الرسول فى ذريتهما فيكون أمر ~~الإيمان قريبا منهم، فإن نشأته بينهم، ومعرفة سيرته قبل الرسالة ~~وشهادتهم له بالصدق والأمانة، وكل ذلك يحمل العقلاء على المبادرة إلى ~~تصديقه فيما يبلغه عن ربه. # ولقد حقق الله تعالى دعوة هذين النبيين الكريمين، فأرسل فى ذريتهما ~~رسولا منهم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم أرسله إلى الناس كافة بشيرا ~~ونذيرا. وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنه دعوة إبراهيم، فقال # " أنا دعوة أبى إبراهيم، ms0251 وبشارة عيسى بى، ورؤيا أمى التى رأت، وكذلك ~~أمهات المؤمنين يرين " # ثم عرض القرآن بعد ذلك بالجاحدين والمعاندين الذين تركوا الحق الواضع ~~الذى هو ملة إبراهيم فقال { ومن يرغب عن ملة إبراهيم ~~إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه...عما كانوا ~~يعملون }. ### || [2.130-134] # قوله تعالى { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من ~~سفه نفسه } معناه لا أحد من الناس يكره ملة إبراهيم وينصرف عنها ~~إلى الشرك بالله، إلا من امتهن نفسه، واستخف بها وظلمها بسوء رأيه حيث ~~ترك طريق الحق إلى طريق الضلالة. يقال رغب فى كذا إذا أراده، ورغب عن كذا ~~إذا كرهه وانصرفت عنه نفسه والملة فى الأصل الطريقة، وغلب إطلاقها على ~~أصول الدين من حيث إن صاحبها يصل عن طريقها إلى دار السلام وسفه نفسه ~~امتهنها واستخف بها. ثم بين الله - تعالى - منزلة نبيه إبراهيم - عليه ~~السلام - وخطأ من يرغب عن طريقته المثلى فقال تعالى { ولقد ~~اصطفيناه فى الدنيا وإنه فى الآخرة لمن ~~الصالحين } أى ولقد اخترناه للرسالة وهداية الناس وإرشادهم فى ~~الدنيا، وإنه فى الآخرة لمن الصالحين المستقيمين على الطريقة المثلى. فمن ~~يرغب عن ملة من هذا شأنه إلى غيرها من طرق الضلال لا يماثله أحد فى سفهه ~~وسوء رأيه. ثم بين الله تعالى كمال استقامة إبراهيم التى رفعته إلى ~~المنازل العليا فقال تعالى { إذ قال له ربه أسلم قال ~~أسلمت لرب العالمين } أى اصطفى الله - تعالى - إبراهيم ~~لأنه أمره بطاعته وإسلام وجهه إليه فى كل حال فبادر إلى الامتثال وقال { ~~أسلمت لرب العالمين } أى أخلصت دينى لله الذى فطر الخلق ~~جميعا. كما حكى عنه القرآن الكريم نحو هذا القول فى قوله تعالى # إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ~~حنيفا ومآ أنا من المشركين # وبعد أن بين الله - تعالى - إن إبراهيم - عليه السلام - كان كاملا فى ~~نفسه، أتبع ذلك ببيان أنه كان - أيضا - يعمل على تكميل غيره، ودعوته إلى ~~توحيد الله تعالى. فقال - سبحانه - { ووصى بهآ إبراهيم ~~بنيه ويعقوب يابني إن الله اصطفى لكم الدين ~~فلا تموتن ms0252 إلا وأنتم مسلمون }. الضمير فى " بها " ~~يعود إلى الملة ذكرت قبل ذلك فى قوله تعالى { ومن يرغب عن ~~ملة إبراهيم } والمعنى ووصى إبراهيم بنيه باتباع ملته ويعقوب ~~كذلك أوصى بنيه باتباعها، فقال كل منهما لأبنائه يا بنى إن الله اصطفى ~~لكم دين الإسلام، الذى لا يقبل الله دينا سواه { فلا تموتن ~~إلا وأنتم مسلمون } أى فاثبتوا على الإسلام. واستقيموا على ~~أمره حتى يدرككم الموت وأنتم مقيمون على هذا الدين الحنيف. ثم أنكر ~~القرآن الكريم على اليهود افتراءهم على يعقوب وزعمهم أنه كان على ~~اليهودية التى أقاموا عليها تاركين دين الإسلام فقال تعالى { أم ~~كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ~~ما تعبدون من بعدي }. روى أن اليهود قالوا للنبى صلى الله عليه ~~وسلم ألست تعلم أن يعقوب أوصى بنيه باليهودية، فنزلت هذه الآية الكريمة. # والمعنى ما كنتم - يا معشر اليهود - حاضرين وقت أن أشرف يعقوب على ~~الموت، ووقت أن قال لبنيه حينئذ { ما تعبدون من بعدي } فكيف ~~تدعون أنه كان على اليهودية التى أنتم عليها وأنه أوصى بها بنيه؟ ومراد ~~يعقوب - عليه السلام - من هذا السؤال أخذ الميثاق عليهم بالثبات على ملة ~~أبيهم إبراهيم من بعده، لكى يسعدوا فى دنياهم وأخراهم، وقد أجابوه بما ~~يدل على رسوخ إيمانهم إذ قالوا { نعبد إلهك وإله ~~آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ~~ونحن له مسلمون }. وهذا الجواب يتضمن أنهم متمسكون بملة ~~إبراهيم - عليه السلام - وهى ملة لا تثليث فيها ولا تشبيه بمخلوق، وإنما ~~هى إفراد الله - تعالى - بالعبودية والاستسلام له بالخضوع والانقياد. ثم ~~حذر الله - تعالى - أهل الكتاب من ترك طاعته اتكالا على انتسابهم لآباء ~~كانوا أنبياء أو صالحين فقال تعالى { تلك أمة قد خلت لها ~~ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا ~~يعملون }. الإشارة ب { تلك } إلى إبراهيم وبنيه، أى أن إبراهيم ~~وذريته، أمة قد مضت وانقرضت، لها جزاء ما كسبت من خير أو شر، ولا تسألون ~~يوم القيامة عن أعمالهم فى الدنيا فلا يقال لكم على وجه ms0253 المحاسبة لم ~~عملوا كذا وإنما ستسألون عن أعمالكم وحدها فأصلحوها وحسنوها، وآمنوا ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم الذى هو دعوة إبراهيم - عليه السلام - وعلى ~~دينه وملته. فالآية الكريمة واردة لتقرير سنة من سنن الله العامة فى خلقه ~~وهى أن لكل نفس وحدها ثواب ما كسبت من خير وعليها وحدها يقع عقاب ما ~~اكتسبت من شر. وبذلك تكون الآيات الكريمة قد بينت بوضوح لبنى إسرائيل ~~وغيرهم أن ملة إبراهيم الإسلام وأنه هو ويعقوب - عليهما السلام - قد ~~أوصيا أبناءهما بأن يثبتوا على هذه الملة حتى الموت، وأن أبناء يعقوب قد ~~عاهدوه عند موته أن يستمروا على ملته وملة إبراهيم عليهما السلام. وهذا ~~الذى بينته الآيات الكريمة يطابق ما دعاهم إليه محمد صلى الله عليه وسلم ~~وهو الإيمان بالله - تعالى - وتصديق رسوله واتباع تعاليم الإسلام. وفى ~~القرآن الكريم آيات أخرى صرحت بأن الإسلام اسم للدين الذى دعا اليه كل ~~الأنبياء، وانتسب إليه أتباعهم، فنوح قال لقومه # وأمرت أن أكون من المسلمين # وموسى قال لقومه # يقوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن ~~كنتم مسلمين # والحواريون قالوا لعيسى - عليه السلام - # آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون # بل إن فريقا من أهل الكتاب حين سمعوا القرآن أشرقت قلوبهم لدعوته وقالوا # آمنا به إنه الحق من ربنآ إنا كنا من قبله ~~مسلمين # وإلى هنا تكون قد ذكرنا بعض الآيات الكريمة التى أرشدت إلى أن ما جاء به ~~محمد صلى الله عليه وسلم يطابق ما جاء به الأنبياء السابقون، فعليهم أن ~~يؤمنوا به ويصدقوا، لأن كفرهم به كفر بجميع الرسل السابقين. وقبل أن نختم ~~هذا الموضوع ننبه إلى مسألة مهمة. وهى أن ما جاء به النبى صلى الله عليه ~~وسلم يطابق - كما قلنا - ما جاء به الأنبياء قبله فى أصول الدين وكلياته ~~كتوحيد الله - تعالى - واختصاصه بالعبادة، وتصديق الأنبياء السابقين فيما ~~أتوا به عن الله - تعالى - والإيمان بالبعث وما يكون فيه من نعيم وعذاب ~~والحض على مكارم الأخلاق، أما ما عدا ذلك مما يتعلق بتفاصيل العبادات ~~وأحكام المعاملات ms0254 فإن الشرائع تختلف فيه بوجه عام حسب ما يتناسب وحالة ~~الأمة التى بعث الله لها رسولا من لدنه كما قال تعالى # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا # ومن هنا جاءت الشريعة الإسلامية بما لم يكن موجودا فى الشرائع ~~السابقة، ومن مظاهر ذلك أن القرآن الكريم أعلن للناس، أن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم من مميزات شريعته أنها أحلت للناس كل الطيبات وحرمت عليهم كل ~~الخبائث ووضعت عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم وشرعت لهم أمورا ~~تتعلق بعباداتهم ومعاملاتهم امتازت باليسر والتخفيف. ويعجبنى فى هذا ~~المقام قول فضيلة أستاذنا المرحوم الشيخ محمد عبد الله دراز يجب أن يفهم ~~- أن تعديل الشريعة المتأخرة للمتقدمة - ليس نفضا لها، وإنما وقوفا بها ~~عند وقتها المناسب وأجلها المقدر. مثل ذلك كمثل ثلاثة من الأطباء جاء ~~أحدهم إلى الطفل فى الطور الأول من حياته، فقصر غذاءه على اللبن، وجاء ~~الثانى من مرحلته التالية فقرر له طعاما لينا، وطعاما نشويا خفيفا، ~~وجاء الثالث فى المرحلة التى بعدها فأمر له بغذاء قوى كامل. لا ريب أن ها ~~هنا اعترافا ضمنيا من كل واحد منهم بأن صاحبه كان موفقا كل التوفيق فى ~~علاج الحالة التى عرضت عليه، نعم إن هناك قواعد صحية عامة فى النظافة ~~والتهوية والتدفئة ونحوها، لا تختلف باختلاف الأسنان فهذه لا تعديل فيها ~~ولا تبديل، ولا يختلف فيها طب الأطفال والناشئين عن طب الكهول الناضجين. ~~هكذا الشرائع السماوية، كلها صدق وعدل فى جملتها وتفصيلها، وكلها يصدق ~~بعضها بعضا من ألفها إلى يائها، ولكن هذا التصديق على ضربين. تصديق ~~للقديم مع الإذن ببقائه واستمراره، وتصديق له مع إبقائه فى حدود ظروفه ~~الماضية، ذلك أن التشريعات السماوية تحتوى على نوعين من التشريعات. ~~تشريعات خالدة لا تتبدل بتبديل الأصقاع والأوضاع كالوصايا التسع ونحوها. ~~وتشريعات موقوتة بآجال طويلة أو قصيرة، فهذه تنتهى بانتهاء وفنها. وتجىء ~~الشريعة التالية بما هو أوفق بالأوضاع الناشئة الطارئة. # فشريعة التوراة - مثلا - عنيت بوضع المبادئ الأولية لقانون السلوك لا ~~تقبل. لا تسرق فطابعها البارز تحديد الحقوق وطلب ms0255 العدل والمساواة. وشريعة ~~الإنجيل تجىء بعدها فتقرر هذه الأمور، ثم تترقى فتزيد آدابا مكملة أحسن ~~إلى من أساء إليك. وأخيرا تجئ شريعة القرآن فتراها تقرر كلا المبدأين فى ~~نسق واحد # إن الله يأمر بالعدل والإحسان # هكذا كانت الشرائع السماوية خطوات متصاعدة، ولبنات متراكمة فى بنيان ~~الدين والأخلاق وسياسة المجتمع. وكانت مهمة اللبنة الأخيرة منها أن أكملت ~~البنيان وملأت ما بقى فيه من فراغ وأنها فى الوقت نفسه كانت بمثابة حجر ~~الزاوية الذى يمسك أركان البناء. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~صور الرسالات السماوية فى جملتها أحسن تصوير فقال # " مثلى ومثل الأنبياء من قبلى كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وجمله إلا موضع ~~لبنة فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة. فأنا ~~اللبنة وأنا خاتم النبيين ". # وبذلك يتبين لنا أن مطابقة الشريعة الإسلامية لغيرها من الشرائع السابقة ~~إنما هى فى الأصول والكليات، لا فى الفروع والجزئيات. ثم حكى القرآن بعد ~~ذلك لونا من ألوان مزاعم أهل الكتاب ورد عليها بما يبطلها فقال { ~~وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ~~ملة إبراهيم...عما كانوا يعملون }. ### || [2.135-141] # عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال " قال عبد الله بن صوريا الأعور ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتبعنا - يا ~~محمد - تهتد، وقالت النصارى مثل ذلك، فأنزل الله - عز وجل - { وقالوا ~~كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة ~~إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين }. ومعنى الآية ~~الكريمة وقالت اليهود للنبى صلى الله عليه وسلم وللمسلمين اتركوا دينكم ~~واتبعوا ديننا تهتدوا وتصيبوا طريق الحق. وقالت النصارى مثل ذلك قل لهم - ~~يا محمد - ليس الهدى فى اتباع ملتكم، بل الحق فى أن نتبع ملة إبراهيم ~~حنيفا وما كان من المشركين، فاتبعوا أنتم - يا معشر أهل الكتاب - ما ~~اتبعناه لتكونوا حقا سالكين ملة إبراهيم الذى لا تنازعون فى هداه. وقوله ~~تعالى { وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا } حكاية ~~لما زعمه كل من فريقى اليهود والنصارى ms0256 من أن الهدى فى اتباع ملتهم. وأو ~~للتنويع، أى قال اليهود لغيرهم لا دين إلا اليهودية ولا يتقبل الله ~~سواها، فاتبعوها تهتدوا. وقال النصارى لغيرهم كونوا نصارى تهتدوا، إلا أن ~~القرآن الكريم ساق هذا المعنى بقوله { وقالوا كونوا هودا أو ~~نصارى تهتدوا } لمعرفة السامع أن كل فريق منهم يكفر الآخر، ويعد ~~ديانته باطلة، كما حكى القرآن عنهم ذلك فى قوله تعالى # وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت ~~النصارى ليست اليهود على شيء # ثم لقن الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم الرد الملزم لهم، فقال ~~تعالى { قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من ~~المشركين }. الملة الدين، والحنيف فى الأصل المائل عن كل دين باطل ~~إلى الدين الحق ووصف به إبراهيم - عليه السلام - لميله عن الأديان ~~الباطلة التى كانت موجودة فى عهده إلى الدين الحق الذى أوحى الله به ~~إليه. وذهب بعض المفسرين إلى أن حنيفا من الحنف وهو الاستقامة. قال ~~الإمام الرازى " لأهل اللغة فى الحنيف قولان الأول أن الحنيف هو ~~المستقيم، ومنه قيل للأعرج أحنف تفاؤلا بالسلامة، كما قالوا للديغ سليم ~~وللمهلكة مفازة، قالوا فكل من أسلم لله ولم ينحرف عنه فى شىء فهو حنيف، ~~وهو مروى عن محمد بن كعب القرظى. الثانى أن الحنيف المائل، لأن الأحنف هو ~~الذى يميل كل واحد من قدميه إلى الأخرى بأصابعها. وتحنف إذا مال، فالمعنى ~~إن إبراهيم - عليه السلام - حنف إلى دين الله، أى مال إليه، فقوله { بل ~~ملة إبراهيم حنيفا } أى مخالفا لليهود والنصارى. والمعنى قل ~~يا محمد لليهود ليس الهدى فى أن نتبع ملتكم، بل الهدى فى أن نتبع ملة ~~إبراهيم المائل عن كل دين باطل إلى الدين الحق، والذى ما كان من المشركين ~~بأى صورة من صور الشرك ". # وقوله تعالى { بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من ~~المشركين } أى بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا. وقد تضمن هذا القول ~~إبطال ما ادعاه كل من اليهود والنصارى، لأن حرف بل يؤتى به فى صدر الكلام ~~لينفى ما تضمنته الجملة ms0257 السابقة، والجملة السابقة هنا هى قول أهل الكتاب ~~{ وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا } فجاءت بل بعد ~~ذلك لتنفى هذا القول، ولتثبت أن الهداية إنما هى فى اتباع ما كان عليه ~~إبراهيم - عليه السلام - وفى اتباع من سار على نهجه وهو محمد صلى الله ~~عليه وسلم. وفى هاتين الجملتين وهما قوله تعالى { بل ملة ~~إبراهيم حنيفا }. { وما كان من المشركين } دعوة ~~لليهود إلى اتباع ملة إبراهيم لاستقامتها، ولبعدها عن الشرك، وفى ذلك ~~تعريض بأن ملتهم ليست مستقيمة، بل هى معوجة، وبأن دعواهم اتباع إبراهيم ~~لا أساس لها من الصحة لأنهم أشركوا مع الله آلهة أخرى، ونسبوا إلى الله ~~تعالى ما لا يليق به. قال الإمام الرازى - ما ملخصه فى الآية الكريمة ~~جواب إلزامى لهم وهو قوله تعالى { بل ملة إبراهيم حنيفا } ~~وتقرير هذا الجواب أنه إن كان طريق الدين التقليد، فالأولى فى ذلك اتباع ~~ملة إبراهيم لأن هؤلاء المختلفين قد اتفقوا على صحة دين إبراهيم، والأخذ ~~بالمتفق عليه، أولى من الأخذ بالمختلف فيه. وإن كان طريقه الاستدلال ~~والنظر. فقد سقنا الكثير من الدلائل على أن ما جاء به محمد صلى الله عليه ~~وسلم هو الموافق لما جاء به إبراهيم - عليه السلام - فى أصول الدين. ثم ~~أرشد الله - تعالى - المؤمنين إلى جواب جامع وكلمة سواء تفيد نبذ التعصب ~~جانبا وتدعو إلى اتباع الوحى الإلهى الذى أرسل الله به الرسل مبشرين ~~ومنذرين بدون تفرقة بين أحد منهم، وهو يتضمن دعوة أهل الكتاب إلى الطريق ~~الحق فقال تعالى { قولوا آمنا بالله ومآ أنزل إلينا ~~ومآ أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط ومآ أوتي موسى وعيسى وما ~~أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد ~~منهم ونحن له مسلمون }. أى قولوا أيها المؤمنون لأولئك ~~اليهود الذين يزعمون أن الهداية فى اتباع ملتهم، قولوا لهم ليست الهداية ~~فى اتباع ملتكم فقد دخلها الشرك والتحريف، وإنما الهداية فى أن نصدق ~~بالله، وبالقرآن الكريم الذى أنزله إلينا { ومآ أنزل إلى ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط } ، ~~وبالتوراة ms0258 التى أنزلها الله على موسى وبالانجيل الذى أنزله الله على ~~عيسى، ونحن فى تصديقنا بالأنبياء لا نفرق بين أحد منهم فنؤمن ببعضهم ~~ونكفر بالبعض الآخر كما فعلتم أنتم يا معشر اليهود وإنما نؤمن بهم جميعا ~~بدون تفرقة بينهم، ونحن لربنا مسلمون خاضعون بالطاعة. # مذعنون له بالعبودية. قال الإمام الرازى " فإن قيل كيف يجوز الإيمان ~~بإبراهيم وموسى وعيسى مع القول بأن شرائعهم منسوخة؟ قلنا نحن نؤمن بأن كل ~~واحد من تلك الشرائع كان حقا فى زمانه، فلا يلزم منا المناقضة، أما ~~اليهود فإنهم لما اعترفوا بنبوة بعض من ظهر المعجز على يديه، وأنكروا ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم مع قيام المعجز على يديه، فحينئذ يلزمهم ~~المناقضة فظهر الفرق. وقوله تعالى { قولوا آمنا بالله } خطاب ~~للمؤمنين. والأسباط جمع سبط، وهو الحفيد، وهم أبناء يعقوب - عليه السلام ~~- سموا بذلك لكونهم حفدة إبراهيم وإسحاق - عليهما السلام - وكانوا اثنى ~~عشر سبطا كما قال تعالى # وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما # والمراد الإيمان بما أنزل الله من الوحى على الأنبياء منهم. قال ~~الإمام القرطبى والأسباط ولقد يعقوب، وهم اثنا عشر ولدا، ولكل واحد من ~~هم أمة من الناس، واحدهم سبط، والسبط فى بنى إسرائيل بمنزلة القبيلة فى ~~ولد إسماعيل، وسموا الأسباط من السبط وهو التتابع، فهم جماعة متتابعون، ~~وقيل أصله من السبط " بالتحريك " وهو الشجر، أى هم فى الكثرة بمنزلة ~~الشجر الواحد سبطة، وبين لك هذا ما روى عن ابن عباس، قال كل الأنبياء من ~~إسرائيل إلا عشرة نوحا وشعيبا، وهودا وصالحا ولوطا وإبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب وإسماعيل ومحمدا - صلوات الله وسلامه عليهم جميعا ". وقوله ~~تعالى { ومآ أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون ~~من ربهم } معناه وآمنا - أيضا - بالتوراة التى أعطاها الله - ~~تعالى - لموسى، وبالإنجيل الذى أعطاه لعيسى، وبكل ما آتاه الله لأنبيائه ~~تصديقا لهم فى نبوتهم. وعطف - سبحانه - عيسى على موسى بدون إعادة الفعل ~~لأن عيسى جاء مصدقا للتوراة، وما نسخ منها إلا أحكاما يسيرة، كما أشار ~~إلى ذلك القرآن الكريم فى قوله حكاية عنه # ومصدقا ms0259 لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم ~~بعض الذي حرم عليكم # وقدم - سبحانه - الإيمان بالله على غيره لأن الإيمان بالأنبياء. وما ~~أنزل إليهم متوقف على الإيمان بالله. وقدم الإيمان بما أنزل إلينا - ~~نحن معشر المسلمين - وهو القرآن الكريم لأن الإيمان به يجب أن يكون على ~~وجهى الإجمال والتفصيل، أما ما أنزل على الأنبياء من قبل كالتوراة ~~والإنجيل، فيكفى الإيمان به على وجه الإجمال. وقوله تعالى { لا ~~نفرق بين أحد منهم } معناه لا نفرق بين جماعة النبيين، ~~فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلتم يا معشر اليهود، إذ كفرتم بعيسى ومحمد ~~صلى الله عليه وسلم وفعلكم هذا فى حقيقته كفر بالأنبياء جميعا لأن من كفر ~~بواحد منهم فقد كفر بالكل، ولذلك فنحن معشر المسلمين نؤمن بجميع الأنبياء ~~بدون تفرقة أو استثناء. # ثم بين - سبحانه - أن أهل الكتاب إن آمنوا بما دعوتموهم إليه معشر ~~المسلمين، فقد أصابوا الهدى، وإن نأوا وأعرضوا فهم معاندون مستكبرون فقال ~~تعالى { فإن آمنوا بمثل مآ آمنتم به فقد اهتدوا ~~وإن تولوا فإنما هم فى شقاق فسيكفيكهم ~~الله وهو السميع العليم }. والفاء التى صدرت بها الآية ~~الكريمة لترتيب ما بعدها على ما قبلها. لأن قول المؤمنين { آمنا ~~بالله ومآ أنزل إلينا ومآ أنزل إلى إبراهيم } ~~إلخ. من شأنه أن يرقق القلوب الجاحدة، ويستميل النفوس الشاردة، لبعده عن ~~التعصب والعناد، لأنه الحق الذى تؤيده العقول السليمة، وإذا لم يؤمنوا به ~~فمرد ذلك إلى شدة عنادهم والتواء أفكارهم. وقوله تعالى { فقد ~~اهتدوا } ترغيب لهم فى اتباع الحق الذى اتبعه المؤمنون، أى فإن آمنوا ~~مثل إيمانكم فقد اهتدوا ورشدوا. وكلمة مثل فى الآية الكريمة معناها، نفس ~~الشىء وحقيقته. المراد فإن آمنوا بنفس ما آمنتم به فقد اهتدوا، ومنه قول ~~العرب " مثلك لا يبخل " والمراد أنت لا تبخل. ويرى بعض المفسرين أن كلمة ~~" مثل " هنا على حقيقتها وهى الشبية والنظير، وأن المماثلة وقعت بين ~~الإيمانيين، وأنها لا تقتضى تعدد ما أمرنا الله أن نؤمن به. قال الإمام ~~القرطبى " المعنى فإن آمنوا مثل إيمانكم، ms0260 وصدقوا مثل تصديقكم فقد اهتدوا ~~". وقال ابن جرير فإن صدقوا مثل تصديقكم بجميع ما أنزل عليكم من كتب الله ~~وأنبيائه، فقد اهتدوا فالتشبيه إنما وقع بين التصديقين والاقرارين اللذين ~~هما إيمان هؤلاء وإيمان هؤلاء، كقول القائل مر عمرو بأخيك مثل ما مررت به ~~يعنى ذلك مر عمرو بأخيك مثل مرورى به والتمثيل إنما دخل تمثيلا بين ~~المرورين لا بين عمرو وبين المتكلم، فكذلك قوله { فإن آمنوا ~~بمثل مآ آمنتم به } إنما وقع التمثيل بين الإيمانين لا بين ~~المؤمن به ". وقوله تعالى { وإن تولوا فإنما هم فى ~~شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم } بيان ~~لحالهم عند إعراضهم عن دعوة الحق، ووعد من الله - تعالى - للنبى صلى الله ~~عليه وسلم والمؤمنين بالنصر عليهم، والعصمة من شرورهم. والشقاق المنازعة ~~والمخالفة وأصله من الشق وهو الجانب فكأن كل واحد من الفريقين فى شق غير ~~شق صاحبه. وقيل إن الشقاق مأخوذ من فعل ما يشق ويصعب فكأن كل واحد من ~~الفريقين يحرص على ما يشق على صاحبه. والمعنى وإن أعرض هؤلاء الذين زعموا ~~أن الهداية ميلهم عن الإيمان الذى تدعوهم إليه - يا محمد - فاعلم أن ~~إعراضهم سببه المخالفة والمعاندة والمعاداة إذ لا حجة أوضح من حجتك، وما ~~داموا هم كذلك فسيقيك الله شرهم، وينصرك عليهم، فهو سميع لما يقولونه ~~فيك، عليم بما يبيتونه لك ولأتباعك من مكر وكيد، وهو الكفيل بكف بأسهم، ~~وقطع دابرهم. # وعبر - سبحانه - عن شدة مخالفتهم بقوله { فإنما هم فى شقاق } ~~مبالغة فى وصفهم بالشقاق حيث جعله مستوليا عليهم استيلاء الظرف على ما ~~يوضع فيه. ورتب قوله { فسيكفيكهم الله } على قوله { ~~فإنما هم فى شقاق } تثبيتا للنبى صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين لأن إعلامهم أن أهل الكتاب فى مخالفة ومعاداة لهم قد يحملهم ~~على الخوف منهم بسبب كثرتهم وقوتهم، فبشر الله - تعالى - نبيه صلى الله ~~عليه وسلم بأنهم مهما بلغت قوتهم فلن يستطيعوا أن يصلوا إليك بأذى. وأنه ~~- سبحانه - سيكفيك شرهم. وقد أوفى الله - تعالى - بوعده، فنصر نبيه صلى ~~الله عليه وسلم ms0261 عليهم وعصمه من كيدهم بإلقاء العداوة بينهم وطرد من يستحق ~~الطرد منهم، وقتل من لا بد من قتله بسبب خيانته وغيدره. فالآية الكريمة ~~قد تضمنت وعدا للمؤمنين بالنصر، ووعيدا لليهود ومن على شاكلتهم ~~بالهزيمة والخيبة. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك - أن دين الله وهو الإسلام ~~أولى بالاتباع فقال تعالى { صبغة الله ومن أحسن من ~~الله صبغة ونحن له عابدون }. الصبغة فعلة من صبغ كالجلسة ~~من جلس وهى فى أصل اللغة. الحالة التى يقع عليها الصبغ وهو تلوين الأشياء ~~- كالثياب وغيرها - بألوان معينة واستعملت الصيغة فى الآية بمعنى ~~الإيمان بما فصلته الآية الكريمة وهى قوله تعالى قبل ذلك { قولوا ~~آمنا بالله ومآ أنزل إلينا ومآ أنزل إلى ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ~~ومآ أوتي موسى وعيسى }. الخ الآية. وإنما أطلقت الصبغة على ~~الإيمان بما ذكرته الآية مفصلا، لأن الإيمان يمتزج بالقلوب امتزاج ~~الصبغ بالمصبوغ، وتبدو آثاره على المؤمنين كما تبدو آثار الصبغ على ~~المصبوغ. ويقال تصبغ فلان فى الدين إذا أحسن دينه وتقيد بتعاليمه تقيدا ~~تاما. وقوله { صبغة الله } هكذا بالنصب على أنه وارد مورد المصدر ~~المؤكد لقولهم آمنا فإنه فى معنى صبغنا الله بالإيمان، وكأنهم قالوا ~~صبغنا الله بالإيمان صبغته. وإيراد المصدر تأكيدا لفعل يوافقه فى المعنى ~~ويخالفه فى اللفظ معهود فى الكلام البليغ. قال القاضى قوله تعالى { ~~صبغة الله } متعلق بقوله { قولوا آمنا بالله } إلى ~~قوله { ونحن له مسلمون } فوصف هذا الإيمان منهم بأنه صيغة ~~الله، ليبين أن المباينة بين هذا الدين الذى اختاره الله وبين الدين الذى ~~اختاره المبطلون ظاهرة جلية، كما تظهر المباينة بين الألوان والأصباغ لذى ~~الحس السليم ". والاستفهام فى قوله تعالى { ومن أحسن من الله ~~صبغة } للإنكار والنفى والمعنى لا أحد أحسن من الله صبغة لأنه هو ~~الذى يصبغ عباده بالإيمان ويطهرهم من أدران الكفر والضلال، فهى صبغة ~~ثابتة لا تزول لأن الإيمان متى خالطت بشاشته القلوب لا يرتد عنه أحد ~~سخطه له. # بخلاف ما يتلقنه أهل الكتاب عن أحبارهم ورهبانهم من الأديان الباطلة فهو ms0262 ~~من الصيغة البشرية، التى تجعل من الدين الواحد أديانا مختلفة ومذاهب ~~متنافرة. وهذا التركيب { ومن أحسن من الله صبغة } يدل ~~بحسب أصل الوضع اللغوى على نفى أن يكون دينا أفضل من دين الله، ويبقى ~~احتمال أن يوجد دين يساويه فى الحسن، وهذا الاحتمال لم ينفه التركيب بحسب ~~أصل الوضع ولكن مثل هذا التركيب صار أسلوبا يفهم منه يمعونة مقام المدح ~~نفى مساواة دين لدين الله فى الحسن، كما يفهم منه نفى أن يكون هناك دين ~~أحسن منه. وأفضلية دين الله من جهة هدايته إلى الاعتقاد الحق، والأخلاق ~~الكريمة، والآداب السمحة والعادات الصحيحة، والسياسة الرشيدة والمعاملات ~~القائمة على رعاية المصالح. وقوله تعالى { ونحن له عابدون } عطف ~~على آمنا بالله فى قوله تعالى { قولوا آمنا بالله } والمعنى ~~قل لهم يا محمد إننا نحن معاشر المسلمين نعبد الله وحده وصبغته هى صبغتنا ~~ولا نعبد غيره فلا نتخذ الأحبار والرهبان أربابا يزيدون فى ديننا ~~وينقصون ويحلون ويحرمون ويمحون من النفوس صبغة التوحيد، ليحلوا محلها ~~بأهوائهم صبغة الشرك والكفر. ثم أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه ~~وسلم أن يزيد فى تذكيرهم ودحض حجتهم فقال تعالى { قل أتحآجوننا ~~في الله وهو ربنا وربكم ولنآ أعمالنا ولكم ~~أعمالكم ونحن له مخلصون أم تقولون إن ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ~~كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ~~ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما ~~الله بغافل عما تعملون تلك أمة قد خلت لها ~~ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما ~~كانوا يعملون }. ومعنى الآية الكريمة قل يا محمد لأهل الكتاب ~~الذين قالوا لك ولأصحابك { كونوا هودا أو نصارى تهتدوا } ~~وزعموا أن دينهم هو المعتبر عند الله دون دينك، قل لهم أتجادلوننا فى دين ~~الله وهو ملة الإسلام التى بعثنى به للعالمين هدى ورحمة، وتزعمون أن ~~الهداية فيما أنتم عليه من اليهودية والنصرانية، وتستبعدون عليه - تعالى ~~- أن ينزل وحيه على من ليس منكم، بدعوى أنكم أقرب إلى الله منا، وأنكم ~~أبناء الله وأحياؤه، ms0263 والحال أنه - سبحانه - هو { ربنا وربكم } ~~أى خالقنا وخالقكم ورازقنا ورازقكم ومحاسبنا ومحاسبكم على ما يصدر منا ~~ومنكم من أعمال. وقوله تعالى { ولنآ أعمالنا ولكم ~~أعمالكم } معناه لكل منا ومنكم أعمال يترتب عليها الثواب والعقاب، ~~فكما أننا نتساوى معكم فى أن الله ربنا وربكم فكذلك نتساوى معكم فى ~~استحقاق الجزاء على الأعمال التى نعملها، فانظروا إلى أعمالنا وأعمالكم ~~تجدوا أعمالنا خيرا من أعمالكم، لأننا نزيد عليكم الإخلاص لله في تلك ~~الأعمال فلا تستبعدوا أن يؤهل أهل إخلاصه بإكرامهم بالنبوة. # فقوله تعالى { وهو ربنا وربكم ولنآ أعمالنا ~~ولكم أعمالكم } حجتان مبطلتان لدعوى أهل الكتاب أنهم أحق لأن ~~تكون النبوة فيهم لأن نسبة العباد إلى الله - تعالى - واحدة هو ربهم وهم ~~عباده، والتفاضل فى المنازل لديه إنما يكون بالأعمال الصالحة والإخلاص ~~لله فيها، وهو أعلم حيث يجعل رسالته، ويختص بوحيه من يراه أهلا لذلك، وقد ~~شاء - سبحانه - أن ينزل وحيه على محمد صلى الله عليه وسلم النبى الأمى ~~العربى، بدين عام خالد فيه الهداية والنور والفلاح فى الدنيا والآخرة. ~~وقوله تعالى { ونحن له مخلصون } بيان لسبب أحقية المسلمين ~~بالهداية والكرامة، والمعنى، ونحن - يا معشر المسلمين - لربنا موحدون، ~~نخلص لله العبادة والعمل، ولا نشرك معه آلهة أخرى، أما أنتم فقد أشركتم ~~وضللتم فقال بعضكم # عزير ابن الله # وقال بعضكم # المسيح ابن الله # فنحن أهدى منكم سبيلا، وأقوم قيلا. ولم يصف المسلمون أعمالهم بالحسن، ~~ولا أعمال المخاطبين بالسوء تجنبا لنفور المخاطبين من سماع خطابهم، بل ~~أوردوا كلامهم مورد قوله تعالى # لكم دينكم ولي دين # كما أنهم لم يقولوا ونحن مخلصون وأنتم مخطئون، بل اقتصروا على نسبة ~~الإخلاص لأنفسهم، وفى ذلك تعريض لطيف بأن المخاطبين غير مخلصين لله، فإن ~~إخبار الإنسان باشتراكه مع جماعة فى أمر أو أمور، وإفراد نفسه بعد ذلك ~~بأمر، يومئ إلى أن هذا الأمر الذى أثبته لنفسه خاصة معدوم فى أولئك ~~الجماعة. فمعنى الجملة ونحن مخلصون فى أعمالنا لله وحده، ولم نخلطها بشىء ~~من الشرك كما فعل غيرنا. وبعد أن أبطل ms0264 القرآن الكريم محاجة أهل الكتاب فى ~~دين الله بغير حق وأنكر عليهم ذلك، عقبه بإبطال دعواهم أن أسلافهم من ~~الأنبياء كانوا هودا أو نصارى فقال تعالى { أم تقولون إن ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ~~كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ~~ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما ~~الله بغافل عما تعملون }. وقوله تعالى { أم تقولون ~~إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط } حرف " أم " فيه معادل للهمزة فى قوله تعالى فى الآية ~~السابقة { أتحآجوننا فى الله } على أحد الوجوه بمعنى أى ~~الأمرين تأتون؟ المحاجة فى حكمة الله أم ادعاء اليهودية والنصرانية على ~~الأنبياء المذكورين فى هذه الآية والمراد من الاستفهام عنهما إنكارهما ~~معا، إنكار حجاجهم فى دين الله، وإنكار قولهم إن إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى. فكأنه - سبحانه - يقول ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم قل لهم لا تجادلوننا فى دين الله بغير حق، ولا ~~تقولوا إن الأنبياء كانوا على دينكم، فإن مجادلتكم وأقوالكم من قبيل ~~المزاعم الباطلة التى لا سند لها من عقل أو نقل. # وقوله تعالى { قل أأنتم أعلم أم الله } معناه قل لهم يا ~~محمد إن زعموا أن الأنبياء المذكورين فى الآية كانوا هودا أو نصارى إن ما ~~زعمتوه من أن إبراهيم واسماعيل وإسحاق ويعقوب كانوا هودا أو نصارى هو على ~~خلاف ما يعلمه الله، لأنه - سبحانه - قد أخبرنا بأنهم كانوا مسلمين ~~مبرئين عن اليهودية والنصرانية، وأن يعقوب - عليه السلام - عندما حضرته ~~الوفاة أوصى بنيه بأن يموتوا على الإسلام، وأن التوراة والانجيل ما ~~أنزلا إلا من بعد أولئك الأنبياء جميعا، هكذا أخبرنا الله فهل أنتم أعلم ~~بديانتهم أم الله ولا شك أنهم لن يستطيعوا أن يقولوا نحن أعلم، وإنما ~~سيقولون الله اعلم، فإذا لزمهم هذا القول قلنا لهم إذا فدعواكم لا أساس ~~لها من الصحة وبذلك تكون الجملة الكريمة قد قطعت حجتهم بأجمع بيان ~~وأحكمه. وقوله تعالى { ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده ~~من الله } معناه لا أحد أشد ظلما ms0265 ممن يكتم شهادة ثبتت عنده عن ~~الله، تخبر بأن هؤلاء الأنبياء كانوا على الإسلام ولم يكونوا هودا أو ~~نصارى. قال فضيلة أستاذنا السيد محمد الخضر حسين - رحمه الله - ما ملخصه ~~ولما أنزل قوله تعالى # الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي ~~يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل ~~يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل ~~لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبآئث... # إلى آخر الآية الكريمة، كان من أهل الكتاب من آمن به وأخبر بما فى كتبهم ~~من ذكره بصفته وعلاماته، وكان منهم من لا ينكر أن يكون قد ذكر فى ~~الكتابين. ولكنه يكابر ويقول المقصود نبى لم يأت بعد وقد تصدى لجمع هذه ~~البشائر من كتابى التوراة والإنجيل طائفة من أهل البحث والعلم فى القديم ~~والحديث، وبينوا وجه انطباقها على حال النبى صلى الله عليه وسلم بحيث لا ~~تأخذ الناظر الطالب للحق ريبة فى أنه الرسول الذى بشرت الأنبياء بمبعثه ~~وعموم رسالته، ومن هذه البشائر ما جاء فى سفر التثنية من التوراة أقيم ~~لهم من وسط إخواتهم مثلك، وأجعل كلامى فى فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به. ~~والنبى المماثل لموسى - عليه السلام - فى الرسالة والشريعة المستأنفة هو ~~النبى محمد صلى الله عليه وسلم وإخوة بنى إسرائيل هم العرب، لأنهما ~~يجتمعان فى إبراهيم - عليه السلام - وقوله " وأجعل كلامى فى فمه، يوافق ~~حال النبى صلى الله عليه وسلم من الأمية وعدم تعاطى الكتابة ". ثم ختمت ~~الآية بالوعيد الشديد لهم على مزاعمهم الباطلة، فقال تعالى { وما ~~الله بغافل عما تعملون }. الغفلة السهو والنسيان، والمراد ~~أنه - سبحانه - محيط بأعمال هؤلاء الذين كتموا الحق، لا تخفى عليه منها ~~خافية وسيحاسبهم عليها حسابا عسيرا، ويعاقبهم على مزاعمهم الباطلة ~~عقابا أليما، فالجملة الكريمة تهديد ووعيد لأهل الكتاب. # ثم حذر الله - تعالى - أهل الكتاب - فى ختام الآيات - من التمادى فى ~~الكفر والمعصية، انكالا على انتسابهم لآباء كانوا من الأنبياء أو من ~~الصالحين، فقال تعالى { تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ~~ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون ~~}. { تلك } إشارة إلى ms0266 أمة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط و ~~الأمة المراد بها هنا الجماعة من الناس الذين يجمعهم أمر واحد وهو هنا ~~الدين قد خلت أى مضت وانقرضت. ومعنى الآية الكريمة قل يا محمد لأهل ~~الكتاب الذين زعموا أن الهداية فى ملتهم وأن إبراهيم وآله كانوا هودا أو ~~نصارى، قل لهم إن إبراهيم وآله يمثلون أمة مضت لسبيلها لها عند الله ما ~~كسبت من خير وعليها ما اكتسبت من شر ولا ينفعها غير صالح أعمالها، ولا ~~يضرها سوى سيئها، وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة لهؤلاء الذين تفتخرون بهم، ~~فمن الأولى أن يكون الأمر كذلك بالنسبة لكم فعليكم أن تسلكوا طريق ~~الايمان والعمل الصالح وأن تتركوا الاتكال على فضائل الآباء والأجداد فإن ~~كل نفس يوم القيامة ستسأل عن أعمالها دون أعمال غيرها، كما بين ذلك قوله ~~تعالى # كل امرىء بما كسب رهين # فالمقصد الأول الذى ترمى إليه الآية الكريمة، هو تحذير المخاطبين من ~~تركهم الإيمان والطاعة اعتمادا منهم على انتسابهم لآباء كانوا أنبياء ~~أو صالحين، فإن هذا الاعتماد إنما هو نوع من الأمانى الكاذبة والأفكار ~~الفاسدة وقد جاء فى الحديث الشريف # " من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه " # وكأن الآية تقول لأهل الكتاب فى تأكيد إن أمامكم دينا دعيتم إلى ~~اتباعه، واقترنت دعوته بالحجة فانظروا فى دلائل صحته، وسمو حكمته، ولا ~~تردوه بمجرد أن الأنبياء كانوا على ما أنتم عليه الآن، فإن دعواكم هذه لا ~~تنفعكم ولو فى حال تسليمها لكم، إذ لا يمنع اختلاف الشرائع باختلاف ~~المصالح، وعلى حسب ما تقتضيه حكمة عالم الغيب والشهادة. وإلى هنا تكون ~~الآيات الكريمة قد دحضت ما ادعاه اليهود من أن الهدى فى إتباع ملتهم، ~~وأقامت الحجج والشواهد على كذبهم وافترائهم وأرشدتهم إلى الدين الحق، ~~ودعتهم إلى الدخول فيه، ووبختهم على المحاجة فى دين الله بغير علم، ~~وحذرتهم من الانحراف عن الصراط المستقيم اعتمادا منهم على آباء لهم ~~كانوا أنبياء أو صالحين، فإنه لن تجزى نفس عن نفس شيئا يوم الدين. ثم ~~تحدث القرآن الكريم ms0267 بعد ذلك عن قصة تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى ~~المسجد الحرام، وأورد الشبهات التى أثارها المشركون وأهل الكتاب - وعلى ~~رأسهم اليهود - حول هذه المسألة، ورد عليها بما يدحضها ويبطلها. ونظرا ~~لأهمية هذا الموضوع فسيكون كلامنا عنه على النحو التالى أولا كيف كان ~~المسلمون يتجهون فى صلاتهم قبل تحويل القبلة إلى المسجد الحرام؟ ثانيا ~~ما الشبهات التى أثارها اليهود بعد تحويل القبلة إلى المسجد الحرام؟ ~~ثالثا كيف مهد القرآن الكريم لهذا التحويل؟ رابعا تفسير الآيات الكريمة ~~التى نزلت بشأن القبلة؟ خامسا لماذا أطال القرآن الكريم حديثه عن تحويل ~~القبلة مع أنها من الأمور الفرعية. # وإليك الإجابة عن كل سؤال من هذه الأسئلة. أولا فرضت الصلاة على النبى ~~صلى الله عليه وسلم فى مكة ليلة الإسراء والمعراج. ويرى بعض العلماء أن ~~النبى صلى الله عليه وسلم كان يستقبل فى صلاته - وهو بمكة - بيت المقدس ~~إلا أنه لم يكن يستدير الكعبة، بل كان يجعلها بينه وبين بيت المقدس، وذلك ~~بأن يقف بين الركنين الأسود واليمانى. ويرى بعضهم أنه كان يستقبل فى ~~صلاته وهو بمكة المسجد الحرام. وهذا الرأى هو الذى نرجحه، لأن المسجد ~~الحرام هو قبلة أبيه إبراهيم، ولأنه صلى الله عليه وسلم عربى، وظهر بين ~~قومه العرب، ولا شك أن اعتزازهم بالمسجد الحرام، أشد من اعتزازهم بأى ~~مسجد آخر، إذن فالمصلحة والحكمة تقضيان بأن يستقبل المسلمون فى صلاتهم ~~بمكة الكعبة المشرفة. ومهما يكن من خلاف بين العلماء فى الجهة التى كان ~~النبى صلى الله عليه وسلم يستقبلها فى صلاته وهو بمكة، فإن الأمر الذى لا ~~خلاف فيه، أنه بعد الهجرة إلى المدينة لم يستقبل فى صلاته سوى بيت المقدس ~~بأمر من الله تعالى - وقد وردت أحاديث صحيحة فى ذلك، منها ما أخرجه ~~البخارى فى صحيحه عن البراء بن عازب - رضى الله عنه - أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبه أن تكون قبلته ms0268 قبل البيت، وأنه ~~صلى أول صلاة صلاها العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان معه فمر على أهل ~~مسجد وهم راكعون فقال أشهد بالله لقد صليت مع النبى صلى الله عليه وسلم ~~جهة مكة فداروا كما هم قبل البيت وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلى قبل ~~بيت المقدس فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك. ومنها ما أخرجه عن ابن ~~عمر - رضى الله عنهما - قال بينما الناس بقباء فى صلاة الصبح، إذ جاءهم ~~آت فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد ~~أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى ~~الكعبة. وبذلك نرى أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يتوجه فى صلاته وهو ~~بالمدينة إلى بيت المقدس، قبل أن يأمره الله - تعالى - بالتحول إلى ~~المسجد الحرام. # ثانيا الشبهات التى أثارها اليهود بعد تحول المسلمين فى صلاتهم إلى ~~المسجد الحرام. قلنا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى ~~المدينة استقبل فى صلاته بيت المقدس بأمر من الله - تعالى - تأليفا ~~لقلوب اليهود لأن بيت المقدس قبلتهم، ورمز وحدتهم، وقد فرحوا لصلاة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين إليه، وكان أمل النبى أن يلبوا ~~دعوته وأن يسارعوا إلى الدخول فى الإسلام، ولكنهم عموا وصموا، وأخذوا ~~يشيعون بين الناس أن النبى صلى الله عليه وسلم قد اتبع قبلتهم وعما قريب ~~سيتبع ملتهم، واعتبروا اتجاه المسلمين فى صلاتهم إلى بيت المقدس نوعا من ~~اقتباس الهدى منهم، فتأثر الرسول صلى الله عليه وسلم من موقفهم الجحودى، ~~وانبثقت فى نفسه أمنية التحول إلى الكعبة، وأكثر من التضرع والابتهال إلى ~~الله كى يوجهه إلى قبلة أبيه إبراهيم. وقد أجاب الله تعالى رجاء نبيه صلى ~~الله عليه وسلم فولاه القبلة التى يرضاها، ففرح المؤمنون لذلك لأن فى ~~توجههم إلى البيت الحرام، تأليفا لقلوبهم، فهو مثابتهم ومركز تجمعهم، ~~وموطن أمنهم ومهوى أفئدتهم، وجامع وحدتهم وقد استقبلوا هذا التحويل ~~بالسمع والطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه ms0269 وسلم. أما اليهود ومن على ~~شاكلتهم ممن فى قلوبهم مرض فقد استقبلوه بالاستهزاء والجحود، وإثارة ~~الشبهات، لبلبلة الأفكار، وتشكيك المسلمين فى عقيدتهم. ومما قاله ~~المشركون فى ذلك إن محمدا صلى الله عليه وسلم قد تحير فى دينه، وبوشك أن ~~يرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا. ومما قاله المنافقون ما بال المسلمين ~~كانوا على قبلة ثم تركوها؟. ومما قاله اليهود - الذين تولوا كبر التشكيك ~~فى صحة التوجه إلى البيت الحرام - إن القبلة الأولى - وهى بيت المقدس - ~~إن كانت على حق فقد تركتم أيها المسلمون الحق وإن كانت على باطل فعبادتكم ~~السابقة باطلة، ولو كان محمد صلى الله عليه وسلم نبيا حقا ما ترك قبلة ~~الأنبياء قبله وتحول إلى غيرها وما فعل اليوم شيئا وخالفه غدا. ومقصدهم ~~الأول من وراء هذه المقالات المرذلة، الطعن فى شريعة الإسلام، وفى نبوة ~~النبى عليه الصلاة والسلام. ثالثا ولكن القرآن الكريم أفسد عليهم خطتهم، ~~وأحبط مكرهم، فأخبر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم بما سيقوله ~~هؤلاء السفهاء جميعا قبل أن يصدر عنهم، ومهد لتحويل القبلة بما يطمئن ~~النفوس ويثبت الإيمان فى القلوب ويهيئ الأفئدة لتقبل هذا الأمر العظيم، ~~فذكر الله فى الآيات السابقة على التحويل أنه إذا نسخ آية أتى بما هو خير ~~منها أو مثلها، لأنه القادر على كل شىء، المالك للسماوات والأرض تصرفا ~~وتدبيرا، وهو أعلم بما يتعبد به عباده وما فيه الخير لهم. ثم ذكر - ~~سبحانه - بعد ذلك أن له المشرق والمغرب. # ففى أى مكان توجه المصلى فثم وجه الله، ثم نبه - رسوله صلى الله عليه ~~وسلم بأنه لن يرضى عنه اليهود ولا النصارى حتى يتبع ملتهم. إشارة إلى أن ~~المصلحة فى التوجه إلى بيت المقدس قد انتهت وان الاستمرار على ذلك لن ~~يكبح جماح نفوس لم تصبغ بهداية الله وتوفيقه. ثم فصل القرآن بعد ذلك ~~الحديث عن البيت الحرام وتعظيمه وشرفه فذكر أن الله - تعالى - قد جعله ~~مثابة ومرجعا للحجاج والعمار. يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه على تعاقب ~~الأعوام من ms0270 جميع الأفطار وكلما ازدادوا له زيارة زاد شوقهم إليه. وجعله - ~~أيضا - حرما آمنا لهم. بينما يتخطف الناس من حولهم. وأخبر - سبحانه - ~~أنه قد عهد فى بنائه إلى نبيين كريمين هما سيدنا إبراهيم وابنه إسماعيل - ~~عليهما السلام - وأمرهما بتطهيره من كل رجس للطائفين والعاكفين والركع ~~السجود. وقد كانت الآيات الواردة فى شأن المسجد الحرام قبيل الأمر بتحويل ~~القبلة كفيلة بإعطاء صورة وافية لكل عاقل، بأن بيتا له هذه القداسة جدير ~~بأن يكون قبله للناس فى صلاتهم، ولكن اليهود ومن فى قلوبهم مرض، لم يكن ~~إعراضهم عن الحق لشبهة فى نفوسهم ينقصها الدليل، وإنما كان إعراضهم مرجعه ~~العناد والمكابرة، وكلاهما يعمى ويصم، فلا غرابة أن نطقوا كفرا، ولاكت ~~ألسنتهم قبحا وسفها. إلا أن ما قالوه من شبهات حول تحويل القبلة، لم ~~يجد آذانا صاغية من المؤمنين، لأن الله - تعالى - قد مهد للتحويل - كما ~~قلنا - بما يطمئن النفوس ولقن نبيه صلى الله عليه وسلم الجواب على ~~شبهاتهم قبل أن ينطقوا بها ليكون ذلك أقطع لحجتهم، كما قالوا فى الأمثال ~~قبل الرمى يراش السهم. رابعا تفسير الآيات الكريمة التى نزلت فى شأن ~~تحويل القبلة إلى البيت الحرام. لقن فيها المؤمنين الإجابة على معارضات ~~اليهود وغيرهم، ونوه فيها بشأن الأمة الإسلامية، وبشرها بإجابة رجاء ~~نبيها صلى الله عليه وسلم إذ ولاه القبلة التى يرضاها، وأراحه من التطلع ~~إلى اهتداء اليهود وغيرهم من الجاحدين. ولو جاءهم بكل آية، لأن إعراضهم ~~عن دعوته ليس عن شبهة يزيلها الدليل، ولكنه إعراض سببه الجحود والحقد، ~~والجاحد والحاقد لا ينفع معهما دليل أو برهان. وقد كرر القرآن الكريم ~~الأمر بالتوجه إلى الكعبة ثلاث مرات فى ثلاث آيات، وعلق بكل أمر فائدة ~~جديدة تناسبه، لأن أهمية هذا الحادث تستلزم تكرارا فى الخطاب ليرسخ فى ~~النفوس، ويستقر فى المشاعر والقلوب. هذا، وبعد تلك المقدمة الموجزة لما ~~اشتملت عليه آيات تحويل القبلة من مقاصد، نحب أن نتعرض لتفسيرها ~~بالتفصيل، فنقول قال الله تعالى { سيقول السفهآء من الناس ~~ما ولاهم عن قبلتهم...بغافل عما يعملون ms0271 }. ### || [2.142-144] # تضمنت هذه الآيات الكريمة إعلام النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن ~~فريقا من الناس الذين خفت أحلامهم وضعفت عقولهم وعدلوا عما ينفعهم إلى ~~ما يضرهم، سيقولون على سبيل الإنكار عند تحويل القبلة إلى المسجد ~~الحرام، ما صرفهم عن القبلة التى كانوا عليها، وهى بيت المقدس. قال صاحب ~~الكشاف " فإن قلت، أى فائدة فى الإخبار بقولهم قبل وقوعه؟ قلت فائدته أن ~~مفاجأة المكروه أشد، والعلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا وقع، لما ~~يتقدمه من توطين النفس، وأن الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم ~~وأرد لشغبه ". والمراد بالسفهاء اليهود الذين استنكروا تحويل القبلة، ومن ~~لف لفهم من المنافقين ومشركى العرب. وإنما سماهم الله - تعالى - سفهاء ~~لأنهم سفهوا الحق، وجحدوه، وأنكروا نبوة النبى صلى الله عليه وسلم مع ~~علمهم بصدقه فى رسالته. وقد صرح البخارى - رحمه الله - بأن المراد ~~بالسفهاءهم اليهود، فقد روى عن البراء بن عازب قال كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يحب أن يتوجه إلى الكعبة، فأنزل الله - تعالى - { قد ~~نرى تقلب وجهك في السمآء } فتوجه نحو الكعبة، وقال ~~السفهاء من الناس - وهم اليهود - ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها. ~~ثم لقن الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم الجواب الذى يخرس به ~~ألسنة المعترضين من اليهود وغيرهم، فقال تعالى { قل لله المشرق ~~والمغرب يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم }. أى قل ~~لهم - يا محمد - إذا اعترضوا على التحويل إن الأمكنة كلها لله ملكا ~~وتصرفا وهى بالنسبة إليه متساوية، وله أن يخص بعضها بحكم دون بعض، فإذا ~~أمرنا باستقبال جهة فى الصلاة فلحكمة اقتضت الأمر وما على الناس إلا أن ~~يمتثلوا أمره، والمؤمنون ما اتخذوا الكعبة قبلة لهم إلا امتثالا لأمر ~~ربهم، لا ترجيحا لبعض الجهات من تلقاء أنفسهم فالله هو الذى يهدى من ~~يشاء هدايته، إلى السبيل الحق، فيوجه إلى بيت المقدس مدة حيث اقتضت حكمته ~~ذلك، ثم إلى الكعبة، حيث يعلم المصلحة فيما أمر به. - ثم وصف الله - ~~تعالى - الأمة الإسلامية، ms0272 بأنها أمة خيرة عادلة مزكاة بالعلم والعمل ~~فقال تعالى { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا ~~شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا }. ~~والمعنى ومثل ما جعلنا قبلتكم - أيها المسلمون - وسطا لأنها البيت ~~الحرام الذى هو المثابة للناس، والأمن لهم، جعلناكم - أيضا - { أمة ~~وسطا } أى خيارا عدولا بين الأمم ليتحقق التناسب بينكم وبين القبلة ~~التى تتوجهون إليها فى صلواتكم، تشهدون على الأمم السابقة بأن أنبياءهم ~~قد بلغوهم الرسالة، ونصحوهم بما ينفعهم، ولكى يشهد الرسول صلى الله عليه ~~وسلم عليكم بأنكم صدقتموه وآمنتم به. # أخرج البخارى # " عن أبى سعيد الخدرى - رضى الله عنه - قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يدعى نوح يوم القيامة فيقول لبيك وسعديك يا رب، فيقال له هل بلغت ما ~~أرسلت به؟ فيقول نعم، فيقال لأمته هل بلغكم. فيقولون ما أتانا من نذير، ~~فيقال له من يشهد لك. فيقول محمد وأمته " # فيشهدون أنه قد بلغ، فذلك قوله - جل ذكره - { وكذلك جعلناكم ~~أمة وسطا لتكونوا شهدآء على الناس ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا }. ثم بين الله - تعالى - الحكمة فى ~~تحويل القبلة إلى الكعبة فقال تعالى { وما جعلنا القبلة ~~التي كنت عليهآ إلا لنعلم من يتبع الرسول ~~ممن ينقلب على عقبيه }. أى وما شرعنا التوجه إلى القبلة ~~التى كنت عليها قبل وقتك هذا وهى بيت المقدس، إلا لنعامل الناس معاملة ~~الممتحن المختبر، فنعلم من يتبع الرسول ويأتمر بأوامره فى كل حال ممن لم ~~يدخل الدين فى قرارة نفسه، وإنما دخل فيه على حرف، بحيث يرتد عنه لأقل ~~شبهة، وأدنى ملابسة كما حصل ذلك من ضعاف الإيمان عند تحويل القبلة إلى ~~الكعبة والله - تعالى - عالم بكل شىء، ولكنه شاء أن يكون معلومه الغيبى ~~مشاهدا فى العيان، إذ تعلق الشىء واقعا فى العيان، هو الذى تقوم عليه ~~الحجة، ويترتب عليه الثواب والعقاب. ولذا قال صاحب الكشاف فإن قلت كيف ~~قال لنعلم ولم يزل عالما بذلك؟ قلت معناه لنلعمه علما يتعلق به الجزاء، ~~وهو أن يعلمه موجودا حاصلا، ونحوه # ولما يعلم الله الذين جاهدوا ms0273 منكم ويعلم ~~الصابرين # وقيل ليعلم رسول الله والمؤمنون، وإنما أسند علمهم إلى ذاته، لأنهم ~~خواصه وأهل الزلفى عنده، وقيل معناه. ليميز التابع من الناكص كما قال - ~~تعالى - # ليميز الله الخبيث من الطيب # فوضع العلم موضع التمييز لأن العلم يقع التمييز به ". ثم بين الله - ~~تعالى - آثار تحويل القبلة فى نفوس المؤمنين وغيرهم فقال تعالى { وإن ~~كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله }. أى إنما ~~شرعنا لك - يا محمد - القبلة أولا إلى بيت المقدس، ثم صرفناك عنها إلى ~~الكمية ليظهر حال من يتبعك ويطيعك فى كل حالة ممن لا يطيعك، وإن كانت هذه ~~الفعلة - وهى تحويلنا لك من بيت المقدس إلى الكعبة - لكبيرة وشاقة، إلا ~~على الذين خلق الله الهداية فى قلوبهم فتلقوا أوامرنا بالخضوع والإذعان، ~~وقالوا سمعنا وأطعنا كل من عند ربنا. وقوله - تعالى - { وما كان ~~الله ليضيع إيمانكم... }. بشارة عظيمة للمؤمنين، وجواب لما ~~جاشت به الصدور، وتكذيب لما ادعاه اليهود من أن عبادة المؤمنين فى الفترة ~~التى سبقت تحويل القبلة إلى الكعبة ضائعة وباطلة. # فقد أخرج البخارى من حديث البراء بن عازب - رضى الله عنه - أنه مات على ~~القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا، فلم ندر ما تقول فيهم، فأنزل الله - ~~تعالى - { وما كان الله ليضيع إيمانكم }. وقال ابن عباس ~~كان رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ماتوا على القبلة ~~الأولى، منهم أسعد بن زرارة، وأبو أمامة... وأناس آخرون فجاءت عشائرهم ~~فقالوا يا رسول الله مات إخواننا وهم يصلون إلى القبلة الأولى وقد صرفك ~~الله إلى قبلة إبراهيم، فكيف بإخواننا، فأنزل الله - تعالى - { وما ~~كان الله ليضيع إيمانكم }. وروى أن حيى بن أخطب وجماعة من ~~اليهود قالوا للمسلمين أخبرونا عن صلاتكم إلى بيت المقدس إن كانت على هدى ~~لقد تحولتم عنه، وإن كانت على ضلالة فقد عبدتم الله بهامدة، ومن مات ~~عليها فقد مات على ضلالة فقال المسلمون إنما الهدى فيما أمر الله - تعالى ~~- والضلالة فيما نهى الله عنه فقالوا فما شهادتكم على من مات ms0274 منكم على ~~قبلتنا؟ - وكان قد مات من المسلمين جماعة قبل تحويل القبلة - فانطلق ~~عشائرهم إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله كيف بإخواننا ~~الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى { وما كان ~~الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف ~~رحيم }. والمعنى - وما كان الله - تعالى - ليذهب صلاتكم وأعمالكم ~~الصالحة التى قمتم بها خلال توجهكم إلى بيت المقدس، لأنه - سبحانه - ~~بعباده رءوف رحيم ولا يضيع أجر من أحسن عملا. ثم خاطب الله - تعالى - ~~نبيه صلى الله عليه وسلم ووعده بأن القبلة التى سيؤمر بالتوجه إليها هى ~~التى يحرص عليها ويرغب فيها. قال الإمام ابن كثير قال على بن أبى طلحة ~~قال ابن عباس كان أول ما نسخ فى القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود فأمره الله ~~تعالى أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود فاستقبله رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بضعة عشر شهرا، وكان يحب قبلة أبيه إبراهيم، فكان يدعو الله، ~~وينظر إلى السماء، فأنزل الله - تعالى - { قد نرى تقلب ~~وجهك في السمآء فلنولينك قبلة ترضاها فول ~~وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم ~~فولوا وجوهكم شطره }. والمعنى قد شاهدنا - يا محمد - ~~وعلمنا تردد وجهك، وتسريح نظرك إلى السماء تطلعا إلى نزول الوحى عليك، ~~وتوقعا لما ألقى فى روعك من تحويل القبلة إلى الكعبة سعيا منك وراء ~~استمالة العرب إلى الدخول فى أحضان الإسلام، ومخالفة اليهود الذين كانوا ~~يقولون إنه يخالفنا فى ديننا ويتبع قبلتنا، وها نحن قد أجبناك إلى ما ~~طلبت وأعطيناك ما سألت، ووجهناك إلى قبلة تحبها وتميل إليها { فول ~~وجهك شطر المسجد الحرام }. # أى فاصرف وجهك وحوله نحو المسجد الحرام وجهته. ثم عمم القرآن الكريم هذا ~~التشريع على الأمة الإسلامية جميعها. فقال تعالى { وحيث ما ~~كنتم فولوا وجوهكم شطره }. أى وحيثما كنتم وأينما ~~وجدتم فى بر أو بحر فولوا وجوهكم تلقاء المسجد الحرام ونحوه. وقد جاءت ~~هذه الجملة موجهة إلى ms0275 الأمة قاطبة لدفع توهم أن يكون الخطاب فى الأول ~~خاصا بالنبى صلى الله عليه وسلم ولأنه لما كان تحويل القبلة أمرا له ~~خطره، خصهم بخطاب مفرد ليكون ذلك آكد وأبلغ. فالآية الكريمة فيها أمر لكل ~~مسلم أن يجعل الكعبة قبلة له، فيتوجه بصدره إلى ناحيتها وجهتها حال ~~تأديته الصلاة لربه، سواء أكان المصلى بالمدينة أم بمكة أو بغيرهما. وفى ~~ذكر المسجد الحرام دون الكعبة، ما يؤذن بكفالة مراعاة جهتها ولذلك لم يقع ~~خلاف بين العلماء فى أن الكعبة قبلة كل أفق. وأن من عاينها فرض عليه ~~استقبالها ومن غاب عنها فعليه أن يستقبل جهتها. فإن خفيت عليه تحرى جهتها ~~ما استطاع. وقد سقنا فى مطلع هذا البحث بعض الأحاديث الصحيحة التى صرحت ~~بأن الصحابة عندما بلغهم أن النبى صلى الله عليه وسلم قد أمر بالتحويل ~~إلى الكعبة استداروا إليها وهم فى صلاتهم فجعلوها قبلتهم. ومما يشهد بقوة ~~إيمانهم وعظيم امتثالهم لشرع الله ما جاء # " عن نويلة بنت مسلم أنها قالت. " صلينا الظهر - أو العصر - فى مسجد بنى ~~حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء - أى بيت المقدس - فصلينا ركعتين، ثم جاء ~~من يحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقبل البيت الحرام فتحول ~~النساء مكان الرجال. والرجال مكان النساء. فصلينا السجدتين الباقيتين ~~ونحن مستقبلون البيت الحرام. فحدثنى رجل من بنى حارثة أن النبى صلى الله ~~عليه وسلم قال " أولئك رجال يؤمنون بالغيب ". # ثم بينت الآية الكريمة أن أهل الكتاب يعلمون أن التحويل إلى الكعبة هو ~~الحق الذى لا ريب فيه فقال تعالى { وإن الذين أوتوا ~~الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله ~~بغافل عما يعملون }. أى وإن اليهود الذين أنكروا استقبالكم ~~الكعبة، وانصرافكم عن بيت المقدس، ليعلمون أن استقبالكم الكعبة حق لأن ~~الذى أخبر به قد قامت الآيات البينات عندهم على أنه رسول من عند الله، أو ~~أنه يصلى إلى القبلتين، وما وقفوا من تحويل القبلة هذا الموقف إلا ~~لعنادهم، وما الله بغافل عن أعمالهم بل هو محيط بها وسيحاسبهم ms0276 عليها يوم ~~القيامة حسابا عسيرا ". - ثم أخبر الله - تعالى - عن كفر اليهود ~~وعنادهم، وأنهم لن يتبعوا الحق ولو جاءهم الرسول صلى الله عليه وسلم بكل ~~آية. فقال تعالى { ولئن أتيت الذين أوتوا ~~الكتاب...ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون ~~}. ### || [2.145-150] # المعنى ولئن جئت - يا محمد - اليهود ومن على طريقتهم فى الكفر بكل برهان ~~وحجة، بأن الحق هو ما جئتهم به، من فرض التحول من قبلة بيت المقدس فى ~~الصلاة إلى قبلة المسجد الحرام، ما صدقوا به، لأن تركهم اتباعك ليس عن ~~شبهة يزيلها الدليل، وإنما هو عن مكابرة وعناد مع علمهم بما فى كتبهم من ~~أنك على الحق المبين. وما أنت - يا محمد - بتابع قبلتهم، لأنك على الهدى ~~وهم على الضلال وفى هذه الجملة الكريمة حسم لأطماعهم، وتقرير لحقية ~~القبلة إلى الكعبة، بعد أن أشاعوا بأن النبى صلى الله عليه وسلم لو ثبت ~~على قبلتهم لكانوا يرجون أنه النبى المنتظر، فقطع القرآن الكريم آمالهم ~~فى رجوع النبى صلى الله عليه وسلم إلى قبلتهم، وأخبر بأنه ليس يتابع لها. ~~ثم ذكر القرآن الكريم اختلاف أهل الكتاب فى القبلة، وأن كل طائفة منهم لا ~~تتبع قبلة الطائفة الأخرى فقال تعالى { وما بعضهم بتابع ~~قبلة بعض } أى ما اليهود بمتبعين لقبلة النصارى ولا النصارى ~~بمتبعين لقبلة اليهود، فهم مع اتفاقهم على مخالفتك، مختلفون فى باطلهم ~~وذلك لأن اليهود تستقبل بيت المقدس، والنصارى تستقبل مطلع الشمس. ثم ساق ~~القرآن الكريم بعد ذلك تحذيرا للأمة كلها من اتباع أهل الكتاب، وجاء هذا ~~التحذير فى شخص النبى صلى الله عليه وسلم فقال تعالى { ولئن ~~اتبعت أهواءهم من بعد ما جآءك من العلم إنك ~~إذا لمن الظالمين }. أى لئن اتبعت - يا محمد - قبلتهم - على ~~سبيل الفرض، والتقدير من بعد وضوح البرهان وإعلامى إياك بإقامتهم على ~~الباطل، إنك إذا لمن الظالمين لأنفسهم، المخالفين لأمرى. فالآية الكريمة ~~وعيد وتحذير للأمة الإسلامية من اتباع آراء اليهود المنبعثه عن الهوى ~~والشهوة، وسيق الوعيد والتحذير فى صورة الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ~~الذى ms0277 لا يتوقع منه أن يتبع أهواء أهل الكتاب، تأكيدا للوعيد والتحذير، ~~فكأنه يقول لو اتبع أهواءهم أفضل الخليقة، وأعلاهم منزلة عندى، لجازيته ~~مجازاة الظالمين، وأحق بهذه المجازاة وأولى من كانوا دونه فى الفضل وعلو ~~المنزلة إن اتبعوا أهواء المبطلين وهم اليهود ومن كان على شاكلتهم من ~~المشركين. قال صاحب الكشاف " فإن قلت كيف قال وما أنت بتابع قبلتهم ولهم ~~قبلتان، لليهود قبلة وللنصارى قبلة؟. قلت كلتا القبلتين باطلة، مخالفة ~~لقبلة الحق، فكانت بحكم الاتحاد فى البطلان قبلة واحدة ". - ثم بين ~~القرآن الكريم أن أهل الكتاب يعرفون صدق الرسول صلى الله عليه وسلم معرفة ~~لا يخالطها شك فقال تعالى { الذين آتيناهم الكتاب ~~يعرفونه كما يعرفون أبناءهم }. أى أن أحبار اليهود ~~وعلماء النصارى يعرفون صدق رسالة النبى صلى الله عليه وسلم ويعرفون أن ~~توجهه إلى البيت الحرام حق، كما يعرفون أبناءهم فهو تشبيه للمعرفة ~~العقلية الحاصلة من مطالعة الكتب السماوية، بالمعرفة الحسية فى أن كلا ~~متهما يقين لا اشتباه فيه. # قال الإمام ابن كثير " يخبر الله أن علماء أهل الكتاب يعرفون صحة ما ~~جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كما يعرف أحدهم ولده، والعرب كانت تضرب ~~المثل فى صحة الشىء بهذا كما جاء فى الحديث # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل معه صبى صغير " إبنك هذا "؟ ~~قال نعم يا رسول الله أشهد به، قال " أما إنه لا يخفى عليك ولا تخفى عليه ~~" # ويروى عن عمر أنه قال " لعبد الله بن سلام " أتعرف محمدا صلى الله عليه ~~وسلم كما تعرف ولدك. قال نعم وأكثر، نزل الأمين من السماء على الأمين فى ~~الأرض بنعته، وإنى لا أدرى ما كان من أم ولدى، فقبل عمر - رضى الله عنه - ~~رأسه ". أى وإن طائفة من أهل الكتاب مع ذلك التحقيق والإيقان العلمى من ~~أنك على حق فى كل شئونك ليتمادون فى إخفائه وجحوده، وهم يعلمون ما يترتب ~~على ذلك الكتمان من سوء المصير لهم فى الدنيا والآخرة - ثم ثبت الله ~~تعالى نبيه صلى ms0278 الله عليه وسلم والمؤمنين، فأخبرهم بأن ما جاء به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم هو الحق الذى لا شك فيه. أى اعلم - يا محمد - أن ما ~~أوحى إليك وأمرت به من التوجه إلى المسجد الحرام. هو الحق الذى جاءك من ~~ربك، وأن ما يقوله اليهود وغيرهم من المشركين هو الباطل الذى لا شك فيه، ~~فلا تكونن من الشاكين فى كتمانهم الحق مع علمهم به، أو فى الحق الذى جاءك ~~من ربك وهو ما أنت عليه فى جميع أحوالك ومن بينها التوجه إلى المسجد ~~الحرام. والشك غير متوقع من الرسول صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال ~~المفسرون إن النهى موجه إلى الأمة فى شخص نبيها صلى الله عليه وسلم إذ ~~كان فيها حديثو عهد بكفر يخشى عليهم أن يفتنوا بزخرف من القول يروج به ~~أهل الكتاب شبها تعلق بأذهان من لم يرسخ الإيمان فى قلوبهم. وقد وضح ~~ابن جرير - رحمه الله - هذا المعنى بقوله فإن قال لنا قائل " أوكان النبى ~~صلى الله عليه وسلم شاكا فى أن الحق من ربه أو فى أن القبلة التى وجهه ~~الله إليها حق من الله - تعالى - حتى نهى عن شك فى ذلك فقيل له { فلا ~~تكونن من الممترين }. قيل ذلك من الكلام الذى تخرجه العرب ~~مخرج الأمر أو النهى للمخاطب به، والمراد به غيره كما قال جل ثناؤه # يأيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين # ثم قال # واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان ~~بما تعملون خبيرا # فخرج الكلام مخرج الأمر للنبى صلى الله عليه وسلم والنهى له. والمراد به ~~أصحابه المؤمنون به. - ثم قال تعالى { ولكل وجهة هو ~~موليها فاستبقوا الخيرات }. أى ولكل أهل ملة قبلة يتجهون ~~إليها فى عباداتهم، فسارعوا أنتم جهدكم إلى ما اختاره الله لكم من ~~الأعمال التى تكسبكم سعادة الدارين، والتى من جملتها التوجه إلى البيت ~~الحرام. ثم ساق الله - تعالى - وعدا لمن يطيع أمره، ووعيدا لمن ينصر عن ~~الخير. فقال - تعالى - { أين ما تكونوا يأت بكم ms0279 الله ~~جميعا }. أى فى أى بقعة يدرككم الأجل، وتموتون فيها، يجمعكم الله - ~~تعالى - يوم القيامة. لتقفوا بين يديه للحساب، لأنه - سبحانه - قادر على ~~جمعكم بعد مماتكم من قبوركم حيث كنتم، وإن تفرقت أجسادكم وأبدانكم، كما ~~أنه - سبحانه - قدير على كل شىء، وما دام الأمر كذلك، فبادروا بالأعمال ~~الصالحة شكرا لربكم، وحافظوا على قبلتكم، حتى لا تضلوا كما ضل اليهود ~~ومن على طريقتهم فى الكفر والعناد. ثم أكد - سبحانه - حكم التحويل، وبين ~~عدم تفاوت الأمر باستقبال المسجد الحرام فى حالتى السفر أو الحضر. فقال - ~~تعالى - { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام }... أى ومن أى موضع خرجت وإلى أم مكان آخر سرت، فول - يا ~~محمد - وجهك عند صلاتك إلى المسجد الحرام، وإن هذا التوجه شطره لهو الحق ~~الذى لا شك فيه عند ربك، فحافظوا على ذلك أيها المؤمنون وأطيعوا الله - ~~تعالى - فى كل ما يأمركم به، ويتهاكم عنه، لأنه - سبحانه - ليس بساه عن ~~أعمالكم، ولا بغافل عنها، ولكنه محصيها عليكم، وسيجازيكم الجزاء الذى ~~تستحقونه عليها يوم القيامة. ثم كرر - سبحانه - الأمر للمؤمنين بأن ~~يتجهوا فى صلاتهم إلى المسجد الحرام فقال { ومن حيث خرجت ~~فول وجهك شطر المسجد الحرام }. أى ومن أى مكان خرجت ~~- يا محمد - فول وجهك تلقاء المسجد الحرام، وأينما كنتم أيها المؤمنون من ~~أرض الله، فولوا وجوهكم فى صلاتكم تجاهه ونحوه. وتلك هى المرة الثالثة ~~التى تكرر فيها الأمر للمؤمنين بالتوجه إلى المسجد الحرام فى صلاتهم، ~~وهذا التكرير لتأكيد أمر القبلة وتشديده لأن تحول القبلة كان أول نسخ فى ~~الإسلام - كما قال كثير من العلماء - فاقتضى الأمر تأكيده فى نفوس ~~المؤمنين حتى يستقر فى مشاعرهم، ويذهب ما يثار حولها من شبهات أدراج ~~الرياح، ولأن الله - تعالى - أناط بكل واحد من هذه الأوامر الثلاثة ~~بالتحول ما لم ينط بالآخر من أحكام فاختلفت فوائدها، فكأنه - سبحانه - ~~يقول لنبيه - صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين. # الزموا هذه القبلة لأنها هى القبلة التى ترضونها وترغبون فيها وطالما ~~تمنيتموها، والزموها - أيضا - لأنها هى القبلة ms0280 التى لن تنسخ بعد ذلك. ~~والزموها - كذلك - لأن لزومكم إياها يقطع حجة اليهود الجاحدين، وغيرهم من ~~المعاندين والخاسرين. وقد اقترن هذا الأمر الثالث بالتوجه إلى المسجد ~~الحرام فى هذا الآية الكريمة بحكم ثلاث. أولها قوله تعالى { لئلا ~~يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا ~~منهم فلا تخشوهم واخشوني } والمراد من الناس اليهود ومن ~~لف لفهم من المناوئين للدعوة الإسلامية. والمعنى عليك - أيها النبى - ~~ومن معك من المؤمنين أن تتجهوا فى صلاتكم إلى الكعبة المشرفة، لكى تقطعوا ~~دابر فتنة اليهود وحجتهم فقد قالوا لكم وقت اتجاهكم إلى بيت المقدس. إذا ~~كان لكم أيها المسلمون دين يخالف ديننا فلماذا تتجهون إلى قبلتنا، إلى ~~غير ذلك من أقوالهم الفاسدة فاتجاهكم إلى المسجد الحرام من شأنه أن يزيل ~~هذه الحجة التى قد تبدو مقبولة فى نظر ضعاف العقول. وقوله تعالى { إلا ~~الذين ظلموا } استثناء من الناس، والمعنى لئلا يكون لأحد من ~~اليهود حجة عليكم، إلا المعاندين منهم القائلين ما ترك قبلتنا إلى الكعبة ~~إلا حبا لدين قومه، واشتياقا لمكة، وهؤلاء لا تخافون مطاعنهم بل اجعلوا ~~خوفكم منى وحدى ولا تقيموا لما يشاغبون به فى أمر القبلة وغيره وزنا، ~~فإنى كفيل أن أرد عنكم كيدهم وأحبط سعيهم، فأنتم، أيها المؤمنون - ما ~~توجهتهم إلى بيت المقدس ثم إلى المسجد الحرام إلا بإذن ربكم وأمره، ففى ~~الحالتين أنتم مطيعون لخالقكم - عز وجل -. وقد أحسن صاحب الكشاف فى شرحه ~~للجملة الكريمة، وصرح بأنه يجوز أن يراد بالناس وبالذين ظلموا مشركو ~~العرب فقال { إلا الذين ظلموا } استثناء من الناس، ومعناه ~~لئلا يكون حجة لأحد من اليهود إلا للمعاندين منهم، القائلين ما ترك ~~قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين قومه وحبا لبلده، ولو كان على الحق ~~للزم قبلة الأنبياء قبله، فإن قلت أى حجة كانت تكون للمنصفين منهم لو لم ~~يحول حتى احترز من تلك الحجة، ولم يبال بحجة المعاندين؟. قلت كانوا ~~يقولون ما له لا يحول إلى قبلة أبيه إبراهيم كما هو مذكور فى نعته فى ~~التوراة؟ فإن ms0281 قلت كيف أطلق اسم الحجة على قول المعاندين؟ قلت لأنهم ~~يسوقونه سياق الحجة، ويجوز أن يكون المعنى لئلا يكون للعرب عليكم حجة ~~واعتراض فى ترككم التوجه إلى الكعبة التى هى قبلة إبراهيم وإسماعيل أبى ~~العرب إلا الذين ظلموا منهم وهم أهل مكة، حين يقولون بداله فرجع إلى قبلة ~~آبائه، ويوشك أن يرجع إلى دينهم ". # وثانيها قوله تعالى { ولأتم نعمتي عليكم } أى ولو وجوهكم ~~شطر المسجد الحرام { لئلا يكون للناس عليكم حجة } ~~ولتكون قبلتكم مستقلة عن قبلة اليهود وغيرهم، فالجملة الكريمة معطوفة على ~~قوله - تعالى - { لئلا يكون للناس عليكم حجة }. ~~وثالثها قوله - تعالى - { ولعلكم تهتدون } أى ولكى ترشدوا ~~للصواب فى كل أموركم فما ضلت عنه الأمم من الحق هديناكم إليه، وخصصناكم ~~به ولهذا كانت أمتكم خير أمة أخرجت للناس. والجملة الكريمة معطوفة على ~~الجملة السابقة وهى قوله تعالى { ولأتم نعمتي عليكم }. ~~وبذلك تكون الآيات الكريمة التى نزلت فى شأن تحويل القبلة إلى المسجد ~~الحرام قد ثبتت المؤمنين، ودحضت كل شبهة أوردها اليهود وغيرهم فى هذه ~~المسألة. خامسا هذا، وفى ختام هذا المبحث نحب أن نجيب على السؤال ~~الخامس، وهو لماذا فصل القرآن الكريم الحديث عن تحويل القبلة فنقول لقد ~~شرع الله - تعالى - تحويل القبلة إلى الكعبة بعد أن صلى المسلمون إلى بيت ~~المقدس فترة من الزمان، وكرر الأمر بتولية الوجوه إلى المسجد الحرام عند ~~الصلاة، وأقام الأدلة الساطعة على أن ذلك التحويل هو الحق، وأتى بألوان ~~من الوعيد لمن لم يتبع أوامره، وساق وجوها من التأكيدات تدل على عناية ~~بالغة بشأنها. والمقتضى لهذه العناية وذلك التفصيل - مع أن التوجه إليها ~~فرع من فروع الدين - هو أن التحويل من بيت المقدس إلى المسجد الحرام. كان ~~أول نسخ فى الإسلام - كما قال بذلك كثير من العلماء - والنسخ من مظان ~~الفتنة والشبهة وتسويل الشيطان، فاقتضى الأمر بسط الحديث فى مسألة القبلة ~~ليزدادوا إيمانا على إيمانهم. ولأن هذا التحويل - أيضا - جاء على خلاف ~~رغبة اليهود، فإنهم كانوا يحرصون على استمرار المسلمين فى التوجه إلى بيت ms0282 ~~المقدس، لأنه قبلتهم، فلما حصل التحويل إلى المسجد الحرام، اتخذوا منه ~~مادة للطعن فى صحة النبوة ليفتنوا ضعفاء العقيدة، وسلكوا لبلبلة أفكار ~~المسلمين كل وسيلة. فزعموا أن نسخ الحكم بعد شرعه مناف للحكمة، ومباين ~~للعقول، فلا يقع فى الشرائع الإلهية، وساقوا من الشبهات والمفتريات ما ~~بينا بعضه عند تفسيرنا للآيات الكريمة. ويبدو أن شغبهم هذا، كان له آثاره ~~عند ذوى النفوس المريضة وضعاف الإيمان فلهذا كله أخذت مسألة القبلة ~~شأنا غير شأن بقية الأحكام الفرعية، فكان مقتضى الحال أن يكون الحديث ~~عنها مستفيضا، ومدعما بالأدلة والبراهين، وهذا ما راعاه القرآن الكريم ~~عند حديثه عن مسألة القبلة، فلقد قرر وكرر، ووعد وتوعد، ووضح وبين، ليدفع ~~كل شبهة، وليجتث كل حجة، ويزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم، وينهض ~~بضعفاء الإيمان إلى منزلة الراسخين فى العلم، ويهوى باليهود ومن حذا ~~حذوهم فى مكان سحيق، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ~~وبعد أن أنهى القرآن حديثه عن نعمة تحويل القبلة أتبعه بالحديث عن نعمة ~~جليلة أخرى وهى نعمة ارسال الرسول فيهم لهدايتهم فقال - تعالى - { كمآ ~~أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم ~~آياتنا...ولا تكفرون }. ### || [2.151-152] # قوله - تعالى - { كمآ أرسلنا فيكم رسولا منكم }.. إلخ ~~متصل بما قبله، والكاف للتشبيه وهى فى موضع نصب على أنها نعت لمصدر محذوف ~~وما مصدرية، والتقدير لقد حولت القبلة إلى شطر المسجد الحرام لأتم نعمتى ~~عليكم إتماما مثل إتمام نعمتى عليكم بإرسال الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فيكم، إجابة لدعوة إبراهيم وإسماعيل إذ قالا # ربنا وابعث فيهم رسولا منهم... # وقيل إن قوله - تعالى - { كمآ أرسلنا }.. إلخ متصل بما بعده، ~~فتكون الكاف للمقابلة، أى كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يعلمكم الدين ~~القويم، والخلق المستقيم ومنحتكم هذه النعمة فلا منى وكرما، فاذكرونى ~~بالشكر عليها أذكركم برحمتى وثوابى. وقوله { فيكم } متعلق " بأرسلنا " ~~وقدم على المفعول تعجيلا بإدخال السرور وقوله { منكم } فى موضع نصب، ~~لأنه صفة لقوله { رسولا } والمخاطبون بهذه الآية الكريمة هم العرب. ~~وفى إرساله الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم وهو ms0283 منهم نعمة تستوجب المزيد ~~من الشكر، لأن إرساله منهم يسبقه معرفتهم لنشأته الطيبة وسيرته العطرة، ~~ومن شأن هذه المعرفة أن تحملهم على المسارعة إلى تصديقه والإيمان به، ~~ولأن فى إرساله فيهم وهو منهم شرف عظيم لهم، ومجد لا يعد له مجد، حيث جعل ~~- سبحانه - خاتم رسله من هذه الأمة، ولأن المشهور من حالهم الأنفة ~~الشديدة من الانقياد، فكون الرسول منهم ادعى إلى إيمانهم به وقبولهم ~~لدعوته. وقوله { يتلوا عليكم آياتنا } صفة ثانية للرسول صلى ~~الله عليه وسلم. والتلاوة ذكر الكلمة بعد الكلمة على نظام متسق، وأصله من ~~الإتباع ومنه تلاه، أى تبعه. والمراد من الآيات آيات القرآن الكريم، ~~وتلاوتها قراءتها، فإن البصير بأساليب البيان العربى يدرك من مجرد تلاوة ~~آيات القرآن كيف ارتفع إلى الذروة التى كان بها معجزة ساطعة. وفى هذه ~~الجملة - كما قال الآلوسى - " إشارة إلى طريق إثبات نبوته - عليه الصلاة ~~والسلام - لأن تلاوة الأمى للآيات الخارجة عن طوق البشر باعتبار بلاغتها ~~واشتمالها على الإخبار بالمغيبات والمصالح التى ينتظم بها أمر المعاد ~~والمعاش أقوى دليل على نبوته " وعبر بقوله { يتلوا } ، لأن نزول ~~القرآن مستمر، وقراءة النبى صلى الله عليه وسلم له متوالية، وفى كل قراءة ~~يحصل علم المعجزات للسامعين. ويجوز أن يراد بالآيات دلائل التوحيد ~~والنبوة والبعث، وبتلاوتها التذكير بها حتى يزداد المؤمنون إيمانا ~~بصدقها. وقوله { ويزكيكم } صفة ثالثة للرسول صلى الله عليه وسلم، ~~أى ويطهركم من الشرك، ومن الأخلاق الذميمة. وإذا أشرقت النفوس بنور الحق، ~~وتحلت بالأخلاق الحميدة، قوبت على تلقى ما يرد عليها من الحقائق السامية. ~~وقوله { ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون } صفة رابعة ~~للرسول صلى الله عليه وسلم. # والمراد بالكتاب القرآن، وتعليمه بيان ما يخفى من معانيه، فهو غير ~~التلاوة، فلا تكرار بين قوله { يتلوا عليكم آياتنا } وبين ~~قوله { ويعلمكم الكتاب }. والحكمة ما يصدر عنه صلى الله عليه ~~وسلم من الأقوال والأفعال التى جعل الله للناس فيها أسوة حسنة. قال بعضهم ~~وقدمت جملة { ويزكيكم } هنا على جملة { ويعلمكم ~~الكتاب والحكمة } عكس ما جاء فى الآية ms0284 السابقة فى حكاية قول ~~إبراهيم # ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم ~~آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم # لأن المقام هنا للامتنان على المسلمين، فقدم ما يفيد معنى المنفعة ~~الحاصلة من تلاوة الآيات عليهم وهى منفعة تزكية نفوسهم اهتماما بها، ~~وبعثا لها بالحرص على تحصيل وسائلها وتعجيلا للبشارة بها. أما فى دعوة ~~إبراهيم فقد رتبت الجمل على حسب ترتيب حصول ما تضمنته فى الخارج، مع ما ~~فى ذلك التخالف من التفنن ". وقوله - تعالى - { ويعلمكم ما لم ~~تكونوا تعلمون } صفة خامسة له صلى الله عليه وسلم. أى " ويعلمكم ~~ما لم تكونوا تعلمونه ممالا طريق إلى معرفته سوى الوحى. ومما لم يكونوا ~~يعملونه وعلمهم إياه صلى الله عليه وسلم وجوه واستنباط الأحكام من النصوص ~~أو الأصول المستمدة منها، وأخبار الأمم الماضية، وقصص الأنبياء، وغير ذلك ~~مما لم تستقل بعلمه عقولهم. وبهذا النوع من التعليم صار الدين كاملا قبل ~~انتهاء عهد النبوة. ولقد كان العرب قبل الإسلام فى حالة شديدة من ظلام ~~العقول وفساد العقائد... فلما أكرمهم الله - تعالى - برسالة رسوله صلى ~~الله عليه وسلم وتلا عليهم الآيات، وعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، خرج منهم ~~رجال صاروا أمثالا عالية فى العقيدة السليمة، والأخلاق القويمة والأحكام ~~العادلة، والسياسة الرشيدة لمختلف البيئات والنزعات. قال الآلوسى وكان ~~الظاهر أن يقول " ويعلمكم الكتاب والحكمة وما لم تكونوا تعلمون " بحذف ~~الفعل " يعلمكم " من الجملة الآخيرة، ليكون الكلام من عطف المفرد على ~~المفرد، إلا أنه - تعالى - كرر الفعل للدلالة على أنه جنس آخر غير مشارك ~~لما قبله أصلا، فهو تخصيص بعد التعميم مبين لكون إرساله صلى الله عليه ~~وسلم نعمة عظيمة، ولولاه لكان الخلق متحيرين فى أمر دينهم لا يدرون ماذا ~~يصنعون ". ثم أمر الله عباده بأن يكثروا من ذكره وشكره على ما أسبغ عليهم ~~من نعم فقال { فاذكروني أذكركم... }. ذكر الشىء التلفظ ~~باسمه، ويطلق بمعنى استحضاره فى الذهن، وهو ضد النسيان وذكر العباد ~~لخالقهم قد يكون باللسان وقد يكون بالقلب وقد يكون بالجوارح. فذكرهم إياه ~~بألسنتهم معناه أن يحمدوه ms0285 ويسبحوه ويمجدوه، ويقرءوا كتابه، مع استحضارهم ~~لعظمته وجلاله. وذكرهم إياه بقلوبهم معناه أن يتفكروا فى الدلائل الدالة ~~على ذاته وصفاته وفى تكاليفه وأحكامه، وأوامره ونواهيه، وأسرار مخلوقاته، ~~لأن هذا التفكر يقوى إيمانهم، ويصفى نفوسهم. # وذكرهم إياه بجوارحهم معناه أن تكون جوارحهم وحواسهم مستغرقة فى الأعمال ~~التى أمروا بها، منصرفة عن الأفعال التى نهوا عنها، ولكون الصلاة مشتملة ~~على هذه الثلاثة سماها الله - تعالى - ذكرا فى قوله # يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع... # وقوله { فاذكروني أذكركم } أمر وجوابه، وفيه معنى المجازاة ~~فلذلك جزم. والمعنى اذكرونى بالطاعة والاستجابة لما أمرتكم به والبعد عما ~~نهيتكم عنه أذكركم بالرعاية، والنصرة، وصلاح الأحوال فى الدنيا، وبالرحمة ~~وجزيل الثواب فى الآخرة. فالذكر فى قوله { أذكركم } مستعمل فيما ~~يترتب على الذكر من المجازاة بما هو أوفى وأبقى، كما أن قوله { ~~فاذكروني } المراد به اذكروا عظمتى وجلالى ونعمى عليكم، لأن هذا ~~التذكر هو الذى يبعث على استفراغ الوسع فى الأقوال والأعمال التى ترضى ~~الله. قال صاحب المنار وقال الأستاذ الإمام هذه الكلمة - وهى قوله - ~~تعالى - { فاذكروني أذكركم } - من الله - تعالى كبيرة جدا، ~~كأنه يقول إننى أعاملكم بما تعاملوننى به وهو الرب ونحن العبيد، وهو ~~الغنى عنا ونحن الفقراء إليه. وهذه أفضل تربية من الله لعباده إذا ذكروه ~~ذكرهم بإدامة النعمة والفضل، وإذا نسوه نسيهم وعاقبهم بمقتضى العدل ". ~~هذا، وقد وردت أحاديث متعددة فى فضل الذكر والذاكرين، ومن ذلك ما رواه ~~الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة قال # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله - تعالى - أنا عند ظن ~~عبدى بى وأنا معه حين يذكرنى، فإن ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى. وإن ~~ذكرتى فى ملأ ذكرته فى ملأ خير منهم. وإن تقرب إلى شبرا تقربت إليه ~~ذراعا. وإن تقرب إلى ذراعا تقربت إليه باعا. وإن أتانى يمشى أتيته ~~هرولة ". # وروى مسلم عن أبى سعيد الخدرى وأبى هريرة أنهما شهدا على النبى صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال # " لا ms0286 يقعد قوم يذكرون الله - تعالى - إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم ~~الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده ". # قال الإمام النووى واعلم أن فضيلة الذكر غير منحصرة فى التسبيح ~~والتهليل والتحميد والتكبير ونحو ذلك، بل كل عامل لله - تعالى - بطاعة ~~فهو ذاكر لله - تعالى -. وقوله - تعالى - { واشكروا لي ولا ~~تكفرون } معطوف على ما قبله. والشكر فى اللغة - كما يقول القرطبى - ~~الظهور، ومنه قولهم دابة شكور إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تعطى من ~~العلف. وحقيقته عرفان الإحسان وإظهاره بالثناء على المحسن، يقال شكره ~~وشكر له كما يقال نصحه ونصح له. وأصل الكفر فى كلام العرب الستر والتغطية ~~والجحود، ويستعمل بمعنى عدم الإيمان فيتعدى بالباء فيقال كفر بالله، ~~ويستعمل بمعنى عدم الشكر - وهو المراد هنا - فيتعدى بنفسه، فيقال كفر ~~النعمة أى جحدها وكفر المنعم أى جحد نعمته ولم يقابلها بالشكر. # والمعنى اشكروا لى ما أنعمت به عليكم من ضروب النعم، بأن تستعملوا النعم ~~فيما خلقت له، وبأن تطيعونى فى السر والعلن، وحذار من أن تجحدوا إحسانى ~~إليكم، ونعمى عليكم فاسلبكم إياها. قال - تعالى - # لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي ~~لشديد # وقدم - سبحانه - الأمر بالذكر على الأمر بالشكر، لأن فى الذكر اشتغالا ~~بذاته - تعالى -، وفى الشكر اشتغالا بنعمته، والاشتغال بذاته أولى ~~بالتقديم من الاشتغال بنعمته. وقوله { ولا تكفرون } تأكيد لقوله { ~~واشكروا لي }. وهذا تحذير لهذه الأمة حتى لا تقع فيما وقع فيه بعض ~~الأمم السابقة التى # فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع ~~والخوف بما كانوا يصنعون # وبعد أن أمر - سبحانه - عباده بذكره وشكره، وجه نداء إليهم بين لهم فيه ~~ما يعينهم على ذلك، كما بين لهم منزلة الشهداء، وعاقبة الصابرين على ~~البلاء فقال - تعالى - { يآأيها الذين آمنوا ~~استعينوا...وأولئك هم المهتدون }. ### || [2.153-157] # الصبر حبس النفس على احتمال المكاره، وتوطينها على تحمل المشاق وتجنب ~~الجزع. والمعنى يامن آمنتم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ~~استعينوا على إقامة دينكم والدفاع عنه، وعلى فعل الطاعات وترك المعاصى، ~~وعلى احتمال المكاره التى تجرى بها الأقدار، ms0287 استعينوا على كل ذلك بالصبر ~~الجميل وبالصلاة المصحوبة بالخشوع والإخلاص والتذلل للخالق - عز وجل - ~~فإن الإيمان الذى خالط قلوبكم يستدعى منكم القيام بالمصاعب، واحتمال ~~المكاره، ولقاء الأذى من عدو أو سفيه، ولن تستطيعوا أن تتغلبوا على كل ~~ذلك إلا بالصبر والصلاة. ولقد استجاب النبى صلى الله عليه وسلم لهذا ~~التوجيه الربانى، وتأسى به أصحابه فى ذلك، فقد أخرج الإمام أحمد - بسنده ~~- عن حذيفة بن اليمان # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر صلى " # أى إذا شق عليه أمر لجأ إلى الصلاة لله رب العالمين. وافتتحت الآية ~~الكريمة بالنداء، لأن فيه إشعارا بخبر مهم عظيم، فإن من شأن الأخبار ~~العظيمة التى تهول المخاطب أن يقدم قبلها ما يهئ النفس لقبولها لتستأنس ~~بها قبل أن تفجأها. ولعل مما يشهد بأفضلية هذه الأمة على غيرها من الأمم، ~~أن الله - تعالى - قد أمر بنى إسرائيل فى السورة نفسها بالاستعانة بالصبر ~~والصلاة فقال { استعينوا بالصبر والصلاة } إلا أنه - ~~سبحانه - قال لهم # وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين # ليشعرهم بضعف عزائمهم عن عظائم الأعمال، ولم يقل - سبحانه - للمؤمنين ~~ذلك فى الآية التى معنا، للإيماء إلى أنهم قد يسر لهم ما يصعب على ~~غيرهم، وأنهم هم الخاشعون الذين استثناهم الله هنالك. وقوله - تعالى - { ~~إن الله مع الصابرين } بيان لحكمة الاستعانة بالصبر وهو ~~الفوز والنصر. أى إن الله مع الصابرين بمعونته ونصره، وتوفيقه وتسديده ~~فهى معية خاصة، وإلا فهو - سبحانه - مع جميع خلقه بعلمه وقدرته. وقال - ~~سبحانه - { إن الله مع الصابرين } ولم يقل " مع المصلين " ~~لأن الصلاة المستوفية لأركانها وسننها وخشوعها لا تتم إلا بالصبر، ~~فالمصلون بحق داخلون فى قوله - تعالى - { إن الله مع ~~الصابرين }. ولم يقل " معكم " ليفيد أن معونته إنما تمدهم إذا صار ~~الصبر وصفا لازما لهم. قال الأستاذ الإمام إن من سنة الله - تعالى - أن ~~الأعمال العظيمة لا تتم ولا ينجح صاحبها إلا بالثبات والاستمرار، وهذا ~~إنما يكون بالصبر، فمن صبر فهو على سنة الله والله معه، لأنه - سبحانه - ~~جعل هذا الصبر ms0288 سببا للظفر، إذ هو يولد الثبات والاستمرار الذى هو شرط ~~النجاح، ومن لم يصبر فليس الله معه، لأنه تنكب سنته، ولن يثبت فيبلغ ~~غايته. # ثم نهى - سبحانه - المؤمنين عن أن يقولوا للشهداء أمواتا فقال { ولا ~~تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله أموات بل أحياء ~~ولكن لا تشعرون }. قال ابن عباس - رضى الله عنهما - نزلت هذه ~~الآية فى قتلى غزوة بدر، قتل من المسلمين فيها أربعة عشر رجلا ست من ~~المهاجرين وثمانية من الأنصار وكان الناس يقولون. مات فلان ومات فلان. ~~فنهى الله - تعالى - أن يقال فيهم إنهم ماتوا. وقيل إن الكفار والمنافقين ~~قالوا إن الناس يقتلون أنفسهم طلبا لمرضاة محمد من غير فائدة، فنزلت هذه ~~الآية. والسبيل الطريق وسبيل الله طريق مرضاته، وإنما قيل للجهاد سبيل ~~الله، لأنه طريق إلى ثواب الله وإعلاء كلمته. و { أموات } مرفوع على ~~أنه خبر لمبتدأ محذوف أى لا تقربوا هم أموات وكذلك قوله { أحياء } ~~خبر لمبتدأ محذوف أى هم أحياء. قال الآلوسى " والجملة معطوفة على { ولا ~~تقولوا } اضراب عنه، وليس من عطف المفرد على المفرد ليكون فى حيز ~~القول ويصير المعنى بل قولوا أحياء، لأن المقصود إثبات الحياة لهم لا ~~أمرهم بأن يقولوا فى شأنهم إنهم أحياء وإن كان ذلك أيضا صحيحا ". أى لا ~~تقولوا أيها المؤمنون لمن يقتل من أجل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه إنهم ~~أموات، بمعنى أنهم تلفت نفوسهم وعدموا الحياة، وتصرمت عنهم اللذات، ~~وأضحوا كالجمادات كما يتبادر من معنى الميت، بل هم أحياء - فى عالم غير ~~عالمكم كما قال - تعالى - # ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بمآ آتاهم ~~الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا ~~بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون. يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن ~~الله لا يضيع أجر المؤمنين # وقوله { ولكن لا تشعرون } أى لا تحسون ولا تدركون حالهم ~~بالمشاعر، لأنها من شئون الغيب التى لا طريق للعلم بها إلا الوحى. قال ~~الآلوسي ما ملخصه ثم ms0289 إن نهى المؤمنين عن أن يقولوا فى شأن الشهداء أموات، ~~إما أن يكون دفعا لإيهام مساواتهم لغيرهم فى ذلك البرزخ... وإما أن ~~يكون صيانة لهم عن النطق بكلمة قالها أعداء الدين والمنافقون فى شأن ~~أولئك الكرام قاصدين بها أنهم حرموا من النعيم ولن يروه أبدا... ثم قال ~~وقد اختلف فى هذه الحياة التى يحياها أولئك الشهداء عند ربهم فذهب كثير ~~من السلف إلى أنها حقيقة بالروح والجسد ولكنها لا ندركها فى هذه النشأة ~~واستدلوا بسياق قوله - تعالى - # عند ربهم يرزقون # وبأن الحياة الروحانية التى ليست بالجسد ليست من خواصهم فلا يكون لهم ~~امتياز بذلك على من عداهم. وذهب البعض إلى أنها روحانية وكونهم يرزقون ~~ولا ينافى ذلك. # . وذهب البلخى إلى نفى الحياة عنهم وقال معنى { بل أحياء } إنهم ~~يحيون يوم القيامة فيجزون أحسن الجزاء. فالآية على حد قوله - تعالى - # إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم # وذهب بعضهم إلى إثبات الحياة الحكمية لهم بسبب ما نالوا من الذكر الجميل ~~والثناء الجليل، كما روى عن على أنه قال " هلك خزان الأموال والعلماء ~~باقون ما بقى الدهر، أعيانهم مفقودة وآثارهم فى القلوب موجودة ". ثم قال ~~" ولا يخفى أن هذه الأقوال - ما عدا الأولين - فى غاية الضعف، بل نهاية ~~البطلان، والمشهور ترجيح القول الأول ". والذى نراه أن الآية الكريمة قد ~~نبهتنا إلى أن للشهداء مزية تجعلهم مفضلين عمن سواهم من كثير من الناس، ~~وهى أنهم فى حياة سارة، ونعيم مقيم عند ربهم، وهذه الحياة الممتازة تسمو ~~بهم عن أن يقال فيهم كما يقال فى غيرهم إنهم أموات وإن كان المعنى اللغوى ~~للموت حاصلا لهم، ونحن نؤمن بهذه الحياة السارة لهم عند ربهم ونعتقد ~~صحتها كما ذكرها الله - تعالى - إلا أننا نفوض كيفيتها وكنهها إليه - ~~سبحانه - إذ لا يمكن إدراكها إلا من طريق الوحى، كما قال - تعالى - { ~~ولكن لا تشعرون } أى لا تشعرون بحياتهم بعد مفارقتهم لهذه ~~الدنيا، لأنها حياة من نوع معين لا يعلمها إلا علام الغيوب. وبعد أن طلب ~~- سبحانه - من ms0290 عباده أن يستعينوا بالصبر والصلاة على احتمال المكاره، ~~أردف ذلك بذكر بعض المواطن التى لا يمر فيها الإنسان بسلامة إلا إذا ~~اعتصم بعرى الصبر فقال - تعالى - { ولنبلونكم بشيء من ~~الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس ~~والثمرات }. وقوله { ولنبلونكم } من البلو والبلاء وهو ~~الامتحان والاختبار، وهو جواب لقسم محذوف والتقدير والله لنبلونكم. وقوله ~~{ ولنبلونكم } عطف على قوله { استعينوا } الخ، عطف ~~المضمون على المضمون، والجامع أن مضمون الأول طلب الصبر، ومضمون الثانية ~~بيان مواطنه، والمراد ولنعاملنكم معاملة المختبر والمبتلى لأحوالكم ~~والتنوين فى قوله { بشيء } للتقليل. أى بقليل من كل واحد من هذه ~~البلايا والمحن وهى الخوف وما عطف عليه. وإنما قلل - كما قال الزمخشرى - ~~ليؤذن أن كل بلاء وإن جل ففوقه ما يقل إليه وليخفف عليهم ويريهم أن رحمته ~~معهم فى كل حال لا تزايلهم، وأنه - سبحانه - يبتليهم من هذه المصائب بقدر ~~ما يمتاز به الصابرون من غير الصابرين. و { الخوف } غم يلحق النفس ~~لتوقع مكروه، ومن أشد ما تضطرب له النفوس من الخوف، خشيتها أن تقع تحت يد ~~عدو لاهم له إلا إيذاؤها بما تكره. و { والجوع } ضد الشبع، والمراد ~~منه القحط، وتعذر تحصيل القوت، والحاجة الملحة إلى طعام. و { الأموال ~~} جمع مال، وهو ما يملك مما له قيمة، وجرى للعرب عرف باستعماله فى النعم ~~خاصة - وهى الإبل والبقر والغنم -. # و { والثمرات } جمع ثمرة وهى حمل الشجر، وقد تطلق على الشجر ~~والنبات نفسه. والمعنى ولنصيبنكم بشىء من الخوف وبشىء من الجوع، وبشىء من ~~النقص فى الأنفس والأموال والثمرات، ليظهر هل تصبرون أو لا تصبرون، فنرتب ~~الثواب على الصبر والثبات على الطاعة، ونرتب العقاب على الجزع وعدم ~~التسليم لأمر الله - تعالى -. ولقد حدث للمسلمين الأولين خوف شديد بسبب ~~تألب أعدائهم عليهم كما حصل فى غزوة الأحزاب. وحدث لهم جوع أليم بسبب ~~هجرتهم من أوطانهم، وقلة ذات يدهم حتى لقد كان النبى صلى الله عليه وسلم ~~يشد الحجر على بطنه. وحدث لهم نقص فى أموالهم بسبب اشتغالهم بإعلاء كلمة ~~الله. وحدث لهم نقص ms0291 فى أنفسهم بسبب قتالهم لأعدائهم. ولكن كل هذه الآلام ~~لم تزدهم إلا إيمانا وتسليما لقضاء الله وقدره، واستمساكا بتعاليم ~~دينهم. وهذا البلاء وتلك الآلام لا بد منها ليؤدى المؤمنون تكاليف ~~العقيدة، كى تعز على نفوسهم بمقدار ما أدوا فى سبيلها من تكاليف، إذ ~~العقائد الرخيصة التى لا يؤدى أصحابها تكاليفها لا يعز عليهم تركها عند ~~الصدمة الأولى، وليعلم من جاء بعدهم من المؤمنين إذا ما أصابهم مثل هذه ~~الأمور أن ما أصابهم ليس لنقصان من درجاتهم، وحط من مراتبهم، فقد أصيب ~~بمثل ذلك أو أكثر من هم أفضل منهم وهم أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم. ~~قال الإمام الرازى وأما الحكمة فى تقديم تعريف هذا الابتلاء. أى ~~الإخبار به قبل وقوعه ففيها وجوه. أحدها ليوطنوا أنفسهم على الصبر عليها ~~إذا وردت فيكون ذلك أبعد لهم عن الجزع وأسهل عليهم بعد الورود. وثانيها ~~أنهم إذا علموا أنه ستصل إليهم تلك المحن اشتد خوفهم، فيصير ذلك الخوف ~~تعجيلا للابتلاء، فيستحقون به مزيد الثواب. وثالثها أن الكفار إذا شاهدوا ~~النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه مقيمين على دينهم مستقرين عليه، مع ما ~~كانوا عليه من نهاية الضر والمحنة والجوع - يعلمون أن القوم إنما اختاروا ~~هذا الدين لقطعهم بصحته فيدعوهم ذلك إلى مزيد التأمل فى دلائله. ومن ~~الملعوم الظاهر أن التبع إذا عرفوا أن المتبوع فى أعظم المحن بسبب المذهب ~~الذى ينصره، ثم رأوه مع ذلك مصرا على ذلك المذهب كان ذلك أدعى لهم إلى ~~اتباعه مما إذا رأوه مرفه الحال لا كلفة عليه فى ذلك المذهب. ورابعها أنه ~~- تعالى - أخبر بوقوع ذلك الابتلاء قبل وقوعه فوجد مخبر ذلك الخبر على ما ~~أخبر عنه. فكان إخبارا عن الغيب فكان معجزا. وخامسها أن من المنافقين ~~من أظهر متابعة الرسول طمعا فى المال وسعة الرزق، فإذا اختبره - سبحانه ~~- بنزول هذه المحن، فعند ذلك يتميز المنافق عن الموافق. # وسادسها أن إخلاص الإنسان حالة البلاء ورجوعه إلى باب الله - تعالى - ~~أكثر من إخلاصه حال إقبال الدنيا عليه. فكانت ms0292 الحكمة فى هذا الابتلاء ~~ذلك. ثم بعد أن بين - سبحانه - مواطن تضطرب فيها النفوس أردف ذلك يذكر ~~عاقبة الصبر، وجزائه الأسنى، فقال { وبشر الصابرين. الذين ~~إذآ أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنآ ~~إليه راجعون }. الخطاب فى قوله { وبشر } للنبى صلى الله عليه ~~وسلم أو لكل من تتأتى منه البشارة. والجملة عطف على { لنبلونكم ~~} عطف المضمون على المضمون أى الابتلاء حاصل لكم وكذا البشارة لكن لمن ~~صبر. و { مصيبة } اسم فاعل من الإصابة، والمرأ بها الآلام الداخلة ~~على النفس بسبب ما ينالها من الشدائد والمحن. و { راجعون } من الرجوع ~~بمعنى مصير الشىء إلى ما كان عليه، يقال رجعت الدار إلى فلان إذا ملكها ~~مرة ثانية، وهو نظير العود والمصير. والمعنى وبشر يا محمد بالرحمة ~~العظيمة والإحسان الجزيل، أولئك الصابرين الذين من صفاتهم أنهم إذا نزلت ~~بهم مصيبة، فى أنفسهم أو أموالهم أو أولادهم، أو غير ذلك، قالوا بألسنتهم ~~وقلوبهم على سبيل التسليم المطلق لقضاء الله والرضا بقدره { إنا ~~لله } أى إنا لله ملكا وعبودية، والمالك يتصرف فى ملكه ويقلبه من حال ~~إلى حال كيف يشاء، { وإنآ إليه راجعون } أى وإنا إليه صائرون ~~يوم القيامة فيجازينا على ما أمرنا به من الصبر والتسليم لقضائه عند نزول ~~الشدائد التى ليس فى استطاعتنا دفعها. فقولهم { إنا لله } إقرار ~~بالعبودية والملكية لله رب العالمين. وقولهم { وإنآ إليه ~~راجعون } إقرار بصحة البعث والحساب والثواب والعقاب يوم القيامة. ~~وليست هذه البشارة موجهة إلى الذين يقولون بألسنتهم هذا القول مع الجزع ~~وعدم الرضا بالقضاء والقدر، وإنما هذه البشارة موجهة إلى الذين يتلقون ~~المصائب بالسكينة والتسليم لقضاء الله لأول حلولها، يشير إلى هذا قوله - ~~تعالى - { الذين إذآ أصابتهم مصيبة قالوا } فإنه يدل ~~على أنهم يقولون ذلك وقت الإصابة " ويصرح بهذا قوله صلى الله عليه وسلم # " الصبر عند الصدمة الأولى ". # وهذه الجملة الكريمة وهى قوله - تعالى - { الذين إذآ أصابتهم ~~}.. إلخ وصف كريم لأولئك الصابرين، لأنها أفادت أن صبرهم أكمل الصبر، إذ ~~هو صبر مقترن ببصيرة مستنيرة جعلتهم يقرون عن عقيدة ms0293 صادقة أنهم ملك لله ~~يتصرف فيهم كيف يشاء، ومن ربط نفسه بعقيدة أنه ملك لله وأن المرجع إليه، ~~يكون بذلك قد هيأها للصبر الجميل عند كل مصيبة تفاجئه. قال القرطبى جعل ~~الله هذه الكلمات وهى قوله - تعالى - { إنا لله وإنآ إليه ~~راجعون } ملجأ لذوى المصائب، وعصمة للممتحنين، لما جمعت من المعانى ~~المياركة، فإن قوله { إنا لله } توحيد واقرار بالعبودية والملك ~~وقوله { وإنآ إليه راجعون } إقرار بالهلك على أنفسنا والبعث ~~من قبورنا، واليقين أن رجوع الأمر كله إليه كما هو له. # قال سعيد بن جبير لم تعط هذه الكلمات نبيا قبل نبينا، ولو عرفها يعقوب ~~لما قال يا أسفى على يوسف ". هذا، ولا يتنافى مع الصبر ما يكون من الحزن ~~عند حصول المصيبة، فقد ورد فى الصحيحين # " أن النبى صلى الله عليه وسلم بكى عند موت ابنه إبراهيم وقال العين ~~تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم ~~لمحزونون ". # وإنما الذى ينافيه ويؤاخذ الإنسان عليه، الجزع المفضى إلى إنكار حكمة ~~الله فيما نزل به من بأساء أو ضراء، أو إلى فعل ما حرمه الإسلام من نحو ~~النياحة وشق الجيوب، ولطم الخدود. ثم بين - سبحانه - ما أعده للصابرين من ~~أجر جزيل فقال { أولئك عليهم صلوات من ربهم ~~ورحمة وأولئك هم المهتدون }. { أولئك } اسم ~~إشارة أتى به - سبحانه - للتنبيه على أن المشار إليه هم الموصوفون بجميع ~~الصفات السابقة على اسم الإشارة، وأن الحكم الذى ورد بعد مترتب على هذه ~~الأوصاف. و { صلوات } جمع صلاة. وصلاة الله على عباده إقباله عليهم. ~~بالثناء والعطف والمغفرة. وجمعت مراعاة لكثرة ما يترتب عليها من أنواع ~~الخيرات فى الدنيا والآخرة. { ورحمة } - كما هو مذهب السلف - صفة ~~قائمة بذانه - تعالى - لا نعرف حقيقتها وإنما نعرف أثرها الذى هو ~~الإحسان. وعطف - سبحانه - الرحمة على الصلوات ليدل على أن بعد ذلك ~~الإقبال منه على عباده إنعاما واسعا، وعطاء جزيلا فى الدنيا والآخرة. ~~وجاءت الرحمة مفردة على أصل المصادر وهو الإفراد، والمقام فى الآية يذهب ~~بذهن السامع ms0294 إلى كثرة الإنعام المترتب على الصبر الجميل. والجملة { ~~أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة } ~~استئنافية جواب عن سؤال تقديره بماذا بشر الله الصابرين؟ فكان الجواب ~~أولئك عليهم صلوات... إلخ. والمعنى أولئك الصابرون المحتسبون الموصوفون ~~بتلك الصفات الكريمة، عليهم مغفرة عظيمة من خالقهم، وإحسان منه - سبحانه ~~- يشملهم فى دنياهم وآخرتهم { وأولئك هم المهتدون } لطريق ~~الصواب بالتسليم وقت صدمة المصيبة دون غيرهم ممن جزعوا عند صدمتها، حتى ~~صدر عنهم ما لم يأذن به الله. هذا، وفى فضل الصبر والصابرين وردت آيات ~~كثيرة، وأحاديث متعددة أما الآيات فيزيد عددها فى القرآن على سبعين آية ~~منها قوله - تعالى - # وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا # وقوله # ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما ~~كانوا يعملون # وقوله # أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا # وقوله # إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب # إلى غير ذلك من الآيات. وأما الأحاديث فمنها ما جاء فى صحيح مسلم عن أم ~~سلمة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أجرنى ~~فى مصيبتى واخلف لى خيرا منها إلا أجره الله فى مصيبته وأخلف له خيرا ~~منها " # قالت فلما توفى أبو سلمة قلت من خير من أبى سلمة صاحب رسول الله؟ ثم عزم ~~الله لي فقلتها قالت فتزوجنى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومنها ما ~~رواه الإمام أحمد بسنده # " عن أبى سنان قال دفنت ابنا لى. وإنى لفى القبر أخذ بيدى أبو طلحة " ~~يعنى الخولانى " فأخرجنى وقال ألا أبشرك؟ قال قلت بلى. قال حدثنى الضحاك ~~بن عبد الرحمن بن عوزب عن أبى موسى الأشعرى قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال الله - تعالى - يا ملك الموت، قبضت ولد عبدى، قبضت قرة ~~عينه وثمرة فؤاده؟ قال نعم. قال فماذا قال؟ قال حمدك واسترجع. قال الله - ~~تعالى - ابنوا له بيتا فى الجنة وسموه بيت الحمد ". # ومنها ما رواه الشيخان عن أبى سعيد وأبى هريرةعن النبى صلى الله عليه ~~وسلم ms0295 قال # " ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى ~~الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ". # إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التى وردت فى ثواب الاسترجاع وفى أجر ~~الصابرين وفضلهم. ثم تحدث - سبحانه - عن شعيرة من شعائر الحج فقال { ~~إن الصفا والمروة من شعآئر... }. ### || [2.158] # قال الآلوسى بعد أن أشار - سبحانه - فيما تقدم إلى الجهاد عقب ذلك ببيان ~~معالج الحج، فكأنه جمع بين الحج والغزو، وفيهما شق الأنفس وتلف الأموال. ~~وقيل لما ذكر الصبر عقبه ببحث الحج لما فيه من الأمور المحتاجة إليه ". و ~~{ الصفا } فى اللغة الحجر الأملس، مأخوذ من صفا يصفو إذا خلص، واحده ~~صفاة فهو مثل حصى وحصاة ونوى ونواة. و { المروة } فى أصل اللغة ~~الحجر الأبيض اللين، وقيل الحصاة الصغيرة. وهما - أى الصفا والمروة - قد ~~جعلا علمين لجبلين معروفين بمكة كانا على بعد ما يقرب من ألف ذراع من ~~المسجد الحرام. والألف واللام فيهما للتعريف لا للجنس. ومع توسعة المسجد ~~الحرام صارا متصلين به. و { شعآئر } جمع شعيرة، من الإشعار بمعنى ~~الإعلام، ومنه قولك شعرت بكذا، أى علمت به. وكون الصفا والمروة من شعائر ~~الله، أى أعلام دينه ومتعبداته. تعبدنا الله بالسعى بينهما فى الحج ~~والعمرة. وشعائر الحج معالمه الظاهرة للحواس، التى جعلها الله أعلاما ~~لطاعته، ومواضع نسكه وعباداته، كالمطاف والمسعى والموقف والمرمى والمنحر. ~~وتطلق الشعائر على العبادات التى تعبدنا الله بها فى هذه المواضع، لكونها ~~علامات على الخضوع والطاعة والتسليم لله - تعالى -. وأكدت الجملة الكريمة ~~بأن لأن بعض المسلمين كانوا مترددين فى كون السعى بين الصفا والمروة من ~~شعائر الله، وكانوا يظنون أن السعى بينهما من أحوال الجاهلية، كما سنبين ~~بعد قليل. وقوله { فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح ~~عليه أن يطوف بهما } تفريع على كونهما من شعائر الله وأن ~~السعى بينهما فى الحج والعمرة من المناسك. والحج لغة القصد مطلقا أو إلى ~~معظم. وشرعا القصد إلى البيت الحرام فى زمان معين بأعمال مخصوصة. ms0296 و { ~~اعتمر } أى زار. والعمرة الزيارة مأخوذة من العمارة كأن الزائر يعمر ~~البيت الحرام بزيارته. وشرعا الزيارة لبيت الله المعظم بأعمال مخصوصة وهى ~~الإحرام والطواف والسعى بين الصفا والمروة. و { جناح } - بضم الجيم - ~~الإثم والحرج مشتق من جنح إذا مال عن القصد، وسمى الإثم به للميل فيه ~~من الحق إلى الباطل. و { يطوف } أصلها يتطوف، فأبدلت التاء طاء، ~~وأدغمت فى الطاء فصارت " يطوف والتطوف بالشىء كالطواف به، ومعناه ~~الإلمام بالشىء والمشى حوله. وقد فسر النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~الطواف بالنسبة للكعبة بالدوران حولها سبعة أشواط. وفسره بالنسبة للصفا ~~والمروة بالسعى بينهما سبعة أشواط كذلك. و " من " فى قوله { فمن حج ~~} شرطية، " وحج " فى محل جزم بالشرط، و { البيت } منصوب على ~~المفعولية، وجملة { فلا جناح عليه أن يطوف بهما } ~~جواب الشرط. والمعنى إن الصفا والمروة من شعائر الله، أى من المواضع التى ~~يقام فيهما أمر من أمور دينه وهو السعى بينهما { فمن حج البيت ~~} أى قصده بالأفعال المعينة التى شرعها الله { أو اعتمر } أى أتى ~~بالعمرة كما بينتها تعاليم الإسلام " فلا جناح عليه أن يطوف بهما " أى ~~فلا إثم ولا حرج ولا مؤاخذة عليه فى الطواف بهما، لأنهما مطلوبان للشارع، ~~ومعدودان من الطاعات. # وهنا قد يقول قائل إن بعض الذين يقرءون هذه الآية قد يشكل عليهم فهمها ~~وذلك لأن قوله - تعالى - { إن الصفا والمروة من شعآئر ~~الله } يدل على أن الطواف بهما مطلوب شرعا طلبا أقل درجاته الندب، ~~وقوله - تعالى - { فلا جناح عليه أن يطوف بهما } ~~يقتضى رفع الأثم عن المتطوف بهما، والتعبير برفع الإثم عن الشىء يأتى فى ~~مقام الدلالة على إباحته، وإذن فما الأمر الداعى إلى أن يقال فى هذه ~~الشعيرة لا إثم على من يفعلها بعد التصريح بأنها من شعائر الله؟ ~~وللإجابة على هذا القول نقول. إن الوقوف على سبب نزول الآية الكريمة ~~يرفع هذا الاستشكال. وقد روى العلماء فى سبب نزولها عدة روايات منها ما ~~رواه البخارى عن عروة بن الزبير قال سألت عائشة - رضى الله ms0297 عنها - قلت ~~لها أرأيت قوله - تعالى - { إن الصفا والمروة من شعآئر ~~الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه ~~أن يطوف بهما... } فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا ~~والمروة؟ قالت بئس ما قلت يا ابن أختى!! إن هذه الآية لو كانت كما أولتها ~~لكانت لا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكن الآية أنزلت فى الأنصار. كانوا ~~قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية، التى كانوا يعبدونها عند المشلل. ~~فكان من أهل يتحرج أن يتطوف بالصفا والمروة. فلما أسلموا سألوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ فقالوا يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف ~~بين الصفا والمروة، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. قالت عائشة وقد سن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف ~~بينهما. وهناك رواية لمسلم عن عروة عن عائشة تشبه ما جاء فى رواية ~~البخارى، وهناك رواية للنسائى عن زيد بن حارثة قال كان على الصفا والمروة ~~صنمان من نحاس يقال لهما " إساف ونائلة " كان المشركون إذا طافوا تمسحوا ~~بهما. وهناك رواية للطبرانى وابن أبى حاتم بإسناد حسن من حديث ابن عباس ~~قال قالت الأنصار إن السعى بن الصفا والمروة من أمر الجاهلية فأنزل الله ~~هذه الآية. فيؤخذ من هذه الروايات أن بعض المسلمين كانوا يتحرجون من ~~السعى بين الصفا والمروة لأسباب من أهمها أن هذا السعى كان من شعائرهم فى ~~الجاهلية فقد كانوا يهلون - أى يحرمون - لمناة، ثم يسعون بينهما ليتمسحوا ~~بصنمين عليهما، وهم لا يريدون أن يعملوا فى الإسلام شيئا مما كان من أمر ~~الجاهلية لأن دين الإسلام الذى خالط أعماق قلوبهم هز أرواحهم هزا قويا ~~وجعلهم ينظرون بجفوة وازدراء واحتراس إلى كل ما كانوا عليه فى الجاهلية ~~من أعمال تتنافى مع تعاليم دينهم الجديد، فنزلت هذه الآية الكريمة لتزيل ~~التحرج الذى كان يتردد فى صدورهم من السعى بين الصفا والمروة. # وهذا يدل على قوة إيمانهم، وصفاء يقينهم، وتحرزهم من كل قول أو عمل ms0298 يشم ~~منه رائحة التعارض مع العقيدة التى جعلتهم يخلصون عبادتهم لله الواحد ~~القهار. وقوله { ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر ~~عليم } تذييل قصد منه الإتيان بحكم كلى فى أفعال الخيرات كلها، وقيل ~~إنه تذييل لما أفادته الآية من الحث على السعى بين الصفا والمروة. و { ~~تطوع } من التطوع وهو فعل الطاعة فريضة كانت أو نافلة، وقيل هو ~~التطوع بالنفل خاصة. { شاكر } من الشكر، والشاكر فى اللغة هو المظهر ~~للإنعام عليه، وذلك محال فى حق الله - تعالى -، إذ هو المنعم على خلقه، ~~فوجب حمل شكر الله لعباده على معنى مجازاتهم على ما يعملون من خيرات، ~~وإثابتهم على ذلك بالثواب الجزيل. قال الإمام الرازى وإنما سمى - سبحانه ~~- المجازاة على الطاعة شكرا لوجوه الأول أن اللفظ خرج مخرج التلطف مع ~~العباد مبالغة فى الإحسان إليهم، كما فى قوله - تعالى - # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # وهو - سبحانه - لا يستقرض من عوز، ولكنه تلطف فى الاستدعاء كأنه قيل من ~~ذا الذى يعمل عمل المقرض. بأن يقدم فيأخذ أضعاف ما قدم. الثانى أن الشكر ~~لما كان مقابلا للإنعام أو الجزاء عليه، سمى كل ما كان جزاء شكرا على ~~سبيل التشبيه. الثالث كأنه يقول أنا وإن كنت غنيا عن طاعتك، إلا أنى ~~أجعل لها من الموقع بحيث لو صح على أن أنتفع بها لما ازداد وقعه على ما ~~حصل. وبالجملة فالمقصود أن طاعة العبد مقبولة عند الله، وواقعة موقع ~~القبول فى أقصى الدرجات. و { ومن } شرطية. و { تطوع } فعل الشرط، ~~و { خيرا } منصوب على نزل الخافض، وأصله بخير لأن تطوع يتعدى بالباء ~~ولا يتعدى بنفسه ثم حذفت الباء فى نظم الكلام نحو تمرون الديار فلم ~~تعوجوا. أو هو منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف أى تطوعا خيرا، وجملة { ~~فإن الله شاكر عليم } دليل على جواب الشرط، إذ التقدير، ومن ~~تطوع خيرا جوزى فإن الله شاكر عليم. والمعنى ومن تطوع بالخيرات وأنواع ~~الطاعات، أو من أتى بالحج أو العمرة طاعة لله، أو من أتى بهما مرة ms0299 بعد ~~مرة زيادة على المقروض أو الواجب عليه، فاز بالثواب الجزيل، والنعيم ~~المقيم لأن من صفاته - سبحانه - مجازاة من يحسنون العمل، وهو عليم بكل ما ~~يصدر عن عباده، ولن يضيع أجر من أحسن عملا. # هذا، وقد اختلفت أقوال الفقهاء فى حكم السعى بين الصفا والمروة. فمنهم ~~من يرى أنه من أركان الحج كالإحرام والطواف والوقوف بعرفة. وإلى هذا ~~الرأى ذهب الشافعى وأحمد بن حنبل ومالك فى أشهر الروايتين عنه ومن حججهم ~~أنه من أفعال الحج، وأن النبى صلى الله عليه وسلم قد اهتم به وبادر إليه، ~~فقد روى الشيخان عن عمرو بن دينار قال سألنا ابن عمر عن رجل طاف بالبيت ~~العمرة، ولم يطف بين الصفا والمروة أيأتى امرأته؟ فقال قدم النبى صلى ~~الله عليه وسلم فطاف بالبيت سبعا وصلى خلف المقام ركعتين، وطاف بين ~~الصفا والمروة. وقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة ". ومنهم من يرى أنه ~~واجب يجبر بالدم، وإلى هذا الرأى ذهب الحنفية ومن حججهم أنه لم يثبت ~~بدليل قطعى فلا يكون ركنا. ومنهم من يرى غير ذلك كما هو موضح فى كتب ~~الفقه. ثم حض - سبحانه - على إظهار الحق وبيانه، وتوعد بالعقاب الشديد من ~~يعمل على إخفائه وكتمانه. فقال - تعالى { إن الذين يكتمون ~~مآ أنزلنا من البينات...ولا هم ينظرون }. ### || [2.159-162] # قال الآلوسى أخرج جماعة عن ابن عباس قال سأل معاذ بن جبل، وسعد بن معاذ، ~~وخارجه بن زيد نفرا من أحبار يهود عما فى التوراة من صفات النبى صلى ~~الله عليه وسلم ومن بعض الأحكام فكتموا، فأنزل الله - تعالى - فيهم هذه ~~الآية { إن الذين يكتمون }... إلخ. والكتم والكتمان إخفاء ~~الشىء قصدا مع مسيس الحاجة إليه وتحقق الداعى إلى إظهاره. وكتم ما أنزل ~~الله يتناول إخفاء ما أنزله، وعدم ذكره للناس وإزالته عن موضعه ووضع شىء ~~آخر موضعه، كما يتناول تحريفه بالتأويل الفاسد عن معناه الصحيح جريا مع ~~الأهواء، وقد فعل أهل الكتاب ولا سيما اليهود - كل ذلك. فقد كانوا يعرفون ~~مما بين أيديهم من آيات ms0300 أن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم حق، ولكنهم ~~كتموا هذه المعرفة حسدا له على ما آتاه الله من فضله، كما أنهم حرفوا ~~كلام الله وأولوه تأويلا فاسدا تبعا لأهوائهم. والمراد " بما أنزلنا " ~~ما اشتملت عليه الكتب السماوية السابقة على القرآن من صفات النبى صلى ~~الله عليه وسلم ومن هداية وأحكام. والمراد بالكتاب جنس الكتب، فيصح حمله ~~على جميع الكتب التى أنزلت على الرسل - عليهم السلام - وقيل المراد به ~~التوراة. و { البينات } جمع بينة، والمراد بها الآيات الدالة على ~~المقاصد الصحيحة بوضوح، وهى ما نزل على الأنبياء من طريق الوحى. والمراد ~~ب { الهدى } ما يهدى إلى الرشد مطلقا فهو أعم من البينات، إذ يشمل ~~المعانى المستمدة من الآيات البينات عن طريق الاستنباط، والاجتهاد القائم ~~على الأصول المحكمة. و " اللعن " الطرد والإبعاد من الرحمة. يقال لعنه، ~~أى طرده وأبعده ساخطا عليه، فهو لعين وملعون. والمعنى إن الذين يخفون عن ~~قصد وتعمد وسوء نية ما أنزل الله على رسله من آيات واضحة دالة على الحق، ~~ومن علم نافع يهدى إلى الرشد، من بعد ما شرحناه وأظهرناه للناس فى كتاب ~~يتلى، أولئك الذين فعلوا ذلك { يلعنهم الله } بأن يبعدهم عن ~~رحمته { ويلعنهم اللاعنون } أى ويلعنهم كل من تتأتى منه ~~اللعنة - كالملائكة والمؤمنين - بالدعاء عليهم بالطرد من رحمة الله ~~لكتمانهم لما أمر الله بإظهاره. وجملة { إن الذين يكتمون... ~~} إلخ، مستأنفة لبيان سوء عاقبة الكاتمين لما أمر الله بإظهاره، وأكدت " ~~بإن " للاهتمام بهذا الخبر الذى ألقى على مسامع الناس. وعبر فى { ~~يكتمون } بالفعل المضارع، للدلالة على أنهم فى الحال كاتمون للبينات ~~والهدى، ولو وقع بلفظ الماضى لتوهم السامع أن المقصود به قوم مضوا، مع أن ~~المقصود إقامة الحجة على الحاضرين. وقوله { من بعد ما بيناه ~~للناس فى الكتاب } متعلق بيكتمون، وقد دلت هذه الجملة الكريمة ~~على أن معصيتهم بالكتمان فى أحط الدركات وأقبحها لأنهم عمدوا إلى ما أنزل ~~الله من هدى، وجعله بينا للناس فى كتاب يقرأ، فكتموه قصدا مع تحقق ~~المقتضى لإظهاره، وإنما يفعل ms0301 ذلك من بلغ الغاية فى سفاهة الرأى، وخبث ~~الطوية. # واللام فى قوله { للناس } للتعليل، أى بيناه فى الكتاب لأجل أن ~~ينتفع به الناس، وفى هذا زيادة تشنيع عليهم فيما أتوه من كتمان، لأن ~~فعلهم هذا مع أنه كتمان للحق، فهو فى الوقت نفسه اعتداء على مستحقه الذى ~~هو فى أشد الحاجة إليه. وقوله { أولئك يلعنهم الله ~~ويلعنهم اللاعنون } يفيد نهاية الغضب عليهم، حتى لكأنهم ~~تحولوا إلى ملعنة ينصب عليها اللعن من كل مصدر، ويتوجه إليها من كل من ~~يستطيع اللعن ويؤديه. والآية الكريمة وإن كانت نزلت فى أهل الكتاب بسبب ~~كتمانهم للحق، إلا أن وعيدها يتناول كل من كتم علما نافعا، أو غير ذلك ~~من الأمور التى يقضى الدين بإظهارها، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص ~~السبب ومن شواهد هذا العموم ما جاء فى صحيح البخارى عن أبى هريرة قال إن ~~الناس يقولون أكثر أبو هريرة ولولا آيتان فى كتاب ما حدثت حديثا ثم تلا ~~قوله - تعالى - { إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من ~~البينات } إلى قوله { الرحيم }. قال ابن كثير وقد ورد فى ~~الحديث المسند من طرائق يشد بعضها بعضا عن أبى هريرة وغيره، أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال # " من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار ". # هذا، وينبغى أن يعلم أن الإسلام وإن كان ينهى نهيا قاطعا عن كتم ~~العلم الذى فيه منفعة للناس، إلا أنه يوجب على أتباعه - وخصوصا العلماء ~~- أن يحسنوا ما ينشرونه على الناس من علم، ففى الحديث الشريف # " حدثوا الناس بما يفهمون أتحبون أن يكذب الله ورسوله ". # كما أنه يوجب عليهم أن يضعوا العلم فى موضعه المناسب لمقتضى حال ~~المخاطبين، فليس كل ما يعلم يقال، بل أحيانا يكون إخفاء بعض الأحكام ~~مناسبا لأن إظهاره قد يستعمله الطغاة والسفهاء فيما يؤذى الناس، وفى ~~صحيح البخارى أن الحجاج قال لأنس بن مالك حدثنى بأشد عقوبة عاقبها النبى ~~صلى الله عليه وسلم فذكر له أنس حديث العرنيين الذين قتلوا الرعاة ~~واستاقوا الإبل، ms0302 حيث قطع النبى صلى الله عليه وسلم أيديهم وأرجلهم وسمل ~~أعينهم وتركهم فى الحرة حتى ماتوا. فلما بلغ الحسن البصرى ذلك قال وددت ~~أنه لم يحدثه؟؟ انهم يتلقفون من ظاهره ما يوافق هواهم فيجعلونه ذريعة لهم ~~فيما يعاملون به الناس من الظلم. ومما يشهد بفقه بعض العلماء وحسن ~~إدراكهم، ووضعهم العلم فى موضعه المناسب ما جاء فى بعض الكتب أن سلطان ~~قرطبة سأل يحيى بن يحيى الليثى عن حكم يوم أفطره فى رمضان عامدا لأن ~~شهوته غلبته على وطء بعض جواريه، فأفتاه بأن من الواجب عليه أن يصوم ستين ~~يوما، وكان بعض الفقهاء جالسا فلم يجترئ على مخالفة يحيى. # فلما انفض المجلس قيل له لم خصصت الحكم بأحد المخيرات وكتمت العتق ~~والإطعام؟ فقال - رحمه الله - لو فتحنا هذا الباب لو طئ كل يوم وأعتق أو ~~أطعم، فحملته على الأصعب لئلا يعود. فالإمام يحيى عند ما كتم عن السلطان ~~الكفارتين الأخريين - وهما الأعتاق والإطعام - لا يعتبر مسيئا لأنه قد ~~أعمل دليل دفع مفسدة الجرأة على حرمة فريضة الصوم. وهكذا نرى أن إظهار ~~العلم عند تحقق المقتضى لإظهاره، ووضعه فى موضعه اللائق به بدون خشية أو ~~تحريف يدل على قوة الإيمان، وحسن الصلة بالله - تعالى - # ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء # وبعد هذا الوعيد الشديد لأولئك الكاتمين لما أمر الله بإظهاره، أورد ~~القرآن فى أعقاب ذلك آية تفتح لهم نافذة الأمل، وتبين لهم أنهم إذا تابوا ~~وأنابوا قبل الله توبتهم ورحمهم، فقال - تعالى - { إلا الذين ~~تابوا } أى رجعوا عن الكتمان وعن سائر ما يجب أن يتاب عنه، وندموا على ~~ما صدر عنهم { وأصلحوا } ما أفسده بالكتمان بكل وسيلة ممكنة { ~~وبينوا } للناس حقيقة ما كتموه { فأولئك أتوب عليهم ~~} أى أقبل توبتهم، وأفيض عليهم من رحمتى ومغفرتى، { وأنا التواب ~~الرحيم } أى المبالغ فى قبول التوبة ونشر الرحمة. فالآية الكريمة قد ~~فتحت للكاتمين لما يجب إظهاره باب التوبة وأمرتهم بولوجه، وأفهمتهم أنهم ~~إذا فعلوا ما ينبغى وتركوا ما لا ينبغى وأخلصوا لله نياتهم، فإنه - ~~سبحانه ms0303 - يقبل توبتهم، ويغسل حويتهم، أما إذا استمروا فى ضلالهم وكفرهم، ~~ومضوا فى هذا الطريق المظلم حتى النهاية بدون أن يحدثوا توبة، فقد بين ~~القرآن مصيرهم بعد ذلك فقال { إن الذين كفروا وماتوا وهم ~~كفار } أى إن الذين كفروا وكتموا ما من شأنه أن يظهر، كإخفائهم ~~النصوص المشتملة على البشارة بالنبى صلى الله عليه وسلم واستمروا على هذا ~~الكفر والإخفاء حتى ماتوا. { أولئك عليهم لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين } أى أولئك الذين وصفوا بما ذكر ~~عليهم اللعنة المستمرة من الله والطرد من رحمته، وعليهم كذلك اللعنة ~~الدائمة من الملائكة والناس أجمعين عن طريق الدعاء عليهم بالإبعاد من ~~رحمة الله. وعبر عن أصحاب ذلك الكتمان بالذين كفروا، ليحضرهم فى الأذهان ~~بأشنع وصف وهو الكفر، وليتناول الوعيد الذى اشتملت عليه الآية الكريمة كل ~~كافر ولو بغير معصية الكتمان. وجملة { وماتوا وهم كفار } ~~حالية، و { أجمعين } تأكيد بالنسبة إلى الكل لا للناس فقط. والمراد ~~بالناس جميعهم مؤمنهم وكافرهم، إذ الكفار يلعن بعضهم بعضا يوم القيامة ~~كما جاء فى قوله - تعالى - # يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن ~~بعضكم بعضا # وقيل المراد بهم المؤمنون خاصة لأنهم هم الذين يعتد بلعنهم. وقوله { ~~خالدين فيها } الخلود البقاء إلى غير نهاية، ويستعمل بمعنى البقاء ~~مدة طويلة. وإذا وصف به عذاب الكافر أريد به المعنى الأول، أى البقاء إلى ~~غير نهاية والظاهر أن الضمير فى قوله { فيها } يعود إلى اللعنة لأنها ~~هى المذكورة فى الجملة. وقيل إنه يعود إلى النار لأن اللعن إبعاد من ~~الرحمة وإيجاب للعقاب والعقاب يكون فى النار. وقوله { لا يخفف ~~عنهم العذاب } أى أن المقدار الذى استحقوه من العذاب لا يتفاوت ~~بحسب الأوقات شدة وضعفا، وإنما هم فى عذاب سرمدى أليم، كما قال - تعالى ~~- # إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون لا يفتر ~~عنهم وهم فيه مبلسون # والزيادة فى قوله - تعالى - # فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا # حملها بعض العلماء على معنى استمرار العذاب، فهى إشارة إلى الخلود فيه ~~لا إلى الزيادة فى شدته. وقوله { خالدين فيها } إشارة ms0304 إلى دوام ~~العذاب وعدم انقطاعه. وقوله { لا يخفف عنهم } إشارة إلى كيفيته ~~وشدته. وقوله { ولا هم ينظرون } أى لا يمهلون ولا يؤخرون من ~~العذاب كما كانوا يمهلون فى الدنيا. من الإنظار بمعنى التأخير ~~والإمهال. أو من النظر بمعنى الانتظار يقال نظرته وانتظرته، أى أخرته ~~وأمهلته ومنه قوله - تعالى - # وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة # أو من النظر بمعنى الرؤية، أى لا ينظر الله إليهم نظر رحمة ورضا ولطف ~~كما ينظر إلى عباده الصالحين، لأنهم بكتمانهم للحق، وكفرهم بالله، ~~استحقوا ما استحقوا من العذاب المهين. # وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون # وبذلك تكون الآيات الكريمة قد حذرت الناس بأسلوب تأديبى حكيم من كتمان ~~الحق، ومن الكفر بالله، وفتحت أمامهم باب التوبة ليدخلوه بصادق النية، ~~وصالح العمل، وتوعدت من يستمر فى ضلاله وطغيانه بأقسى أنواع العذاب، ~~وأغلظ ألوانه. وبعد أن حذر - سبحانه - من كتمان الحق، عقب ذلك ببيان ما ~~يدل على وحدانيته، وعلى أنه هو المستحق للعبادة والخضوع فقال - تعالى - { ~~وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو ~~الرحمن...لآيات لقوم يعقلون }. ### || [2.163-164] # قوله { وإلهكم إله واحد } معطوف على قوله # إن الذين يكتمون مآ أنزلنا # عطف القصة على القصة، والجامع - كما قال الآلوسى - أن الأولى - وهى قوله # إن الذين يكتمون # مسوقة لإثبات نبوة النبى صلى الله عليه وسلم وجملة { وإلهكم ~~إله واحد } لإثبات وحدانية الله - تعالى -. والإله فى كلام ~~العرب هو المعبود مطلقا ولذلك تعددت الآلهة عندهم. والمراد به فى الآية ~~الكريمة المعبود بحق بدليل الإخبار عنه بأنه واحد. والمعنى وإلهكم الذى ~~يستحق العبادة والخضوع إله واحد فرد صمد، فمن عبد شيئا دونه، أو عبد ~~شيئا معه، فعبادته باطلة فاسدة، لأن العبادة الصحيحة هى ما يتجه بها ~~العابد إلى المعبود بحق الذى قامت البراهين الساطعة على وحدانيته وهو ~~الله رب العالمين. قال بعضهم " والإخبار عن إلهكم بإله تكرير ليجرى عليه ~~الوصف بواحد، والمقصود وإلهكم واحد لكنه وسط إله بين المبتدأ والخبر ~~لتقرير معنى الألوهية فى المخبر عنه، كما تقول عالم المدينة عالم فائق، ms0305 ~~وليجيئ ما كان أصله خيرا مجئ النعت فيفيد أنه وصف ثابت للموصوف لأنه صار ~~نعتا، إذ أصل النعت أن يكون وصفا ثابتا، وأصل الخبر أن يكون وصفا ~~حادثا، وهذا استعمال متبع فى فصيح الكلام أن يعاد الاسم أو الفعل بعد ~~ذكره ليبنى عليه وصف أو متعلق كقوله # وإذا مروا باللغو مروا كراما # وجملة { إله واحد لا إله إلا هو } مقررة لما تضمنته ~~الجملة السابقة من أن الله واحد لا شريك له، ونافية عن الله - تعالى - ~~الشريك صراحه، ومثبتة له مع ذلك الإلهية الحقة، ومزيحة لما عسى أن يتوهم ~~من أن فى الوجود إلها سوى الله - تعالى - لكنه لا يستحق العبادة. ~~ومعناها إن الله إله، وليس شىء مما سواه بإله. وهذه الجملة الكريمة خبر ~~ثانى للمبتدأ وهو إلهكم أو صفة أخرى للخبر وهو إله وخبر لا محذوف أى لا ~~إله موجود إلا هو، والضمير هو فى موضع رفع بدل من موضع لامع اسمها. وقوله ~~{ الرحمن الرحيم } خبر مبتدأ محذوف، وقيل غير ذلك من وجوه ~~الإعراب. والمعنى وإلهكم الذى يستحق العبادة إله واحد، لا إله مستحق لها ~~إلا هو، هو الرحمن الرحيم. أى المنعم بجلائل النعم ودقائقها، وهو مصدر ~~الرحمة، ودائم الإحسان. وأتى - سبحانه - بهذين اللفظين فى ختام الآية، ~~لأن ذكر الإلهية والوحدانية يحضر فى ذهن السامع معنى القهر والغلبة وسعة ~~المقدرة وعزة السلطان، وذلك مما يجعل القلب فى هيبة وخشية، فناسب أن يورد ~~عقب ذلك ما يدل على أنه مع هذه العظمة والسلطان، مصدر الإحسان ومولى ~~النعم، فقال { الرحمن الرحيم } وهذه طريقة القرآن فى الترويح ~~على القلوب بالتبشير بعد ما يثير الخشية، حتى لا يعتريها اليأس أو ~~القنوط. # وبعد أن أخبر - سبحانه - بأنه هو الإله الذى لا يستحق العبادة أحد ~~سواه، عقب ذلك بإيراد ثمانية أدلة تشهد بوحدانيته وقدرته، وتشتمل على ~~آيات ساطعات، وبينات واضحات، تهدى أصحاب العقول السليمة إلى عبادة الله ~~وحده، وإلى بطلان ما يفعله كثير من الناس من عبادة مخلوقاته. ويشتمل ~~الدليل الأول والثانى على أنه - سبحانه - هو ms0306 المستحق للعبادة فى قوله - ~~تعالى - { إن في خلق السماوات والأرض }. الخلق هو ~~الإحداث للشىء على غير مثال سابق. وهو هنا بمعنى المخلوق. إذ الآيات ~~التى تشاهد إنما هى فى المخلوق الذى هو السماوات والأرض. والسماوات جمع ~~سماء، وهى كل ما علا كالسقف وغيره، إلا أنها إذا أطلقت لم يفهم منها سوى ~~الأجرام المقابلة للأرض، وهى سبع كما ورد ذلك صريحا فى بعض الآيات التى ~~منها قوله - تعالى - # الله الذي خلق سبع سماوات # وجمعت السماوات لأنها طبقات ممتازة كل واحدة من الأخرى بذاتها الشخصية، ~~كما يدل عليه قوله - تعالى - # فسواهن سبع سماوات # ولأن إفرادها قد يوهم بأنها واحدة مع أن القرآن صريح فى كونها سبعا. ~~وجاءت الأرض مفردة - وهى لم تجئ فى القرآن إلا كذلك - لأن المشاهدة لا ~~تقع إلا على أرض واحدة، ومن هنا حمل بعض أهل العلم تعددها الذى يتبادر من ~~ظاهر قوله - تعالى - # الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن # على معنى أنها طبقات لا ينفصل بعضها عن بعض. ومن الآيات الدالة على ~~وحدانية الله وقدرته فى خلق السماوات وارتفاعها بغير عمد كما يرى ذلك ~~بالمشاهدة، وتزيينها بالمصابيح التى جعلها الله زينة للسماء ورجوما ~~للشياطين، ووجودها بتلك الصورة العجيبة الباهرة التى لا ترى فيها أى ~~تفاوت أو اضطراب ومن الآيات الدالة على وجود الله ووحدانيته وقدرته فى ~~خلق الأرض، فرشها بتلك الطريقة الرائعة التى يتيسر معها للإنسان أن ~~يتقلب فى أرجائها، ويمشى فى مناكبها، وينتفع بما يحتاج إليه منها أينما ~~كان، وتفجيرها بالأنهار، وعمارتها بحدائق ذات ثمار تختلف ألوانها ويتفاضل ~~أكلها. وفى القرآن الكريم عشرات الآيات التى تتحدث عن نعم الله على عبادة ~~فى خلق السماوات والأرض، وعن مظاهر قدرته ووحدانيته فى إيجادهما على تلك ~~الصورة، ومن ذلك قوله - تعالى - # ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ~~والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل ~~لكم الأرض فراشا والسماء بنآء وأنزل من ~~السمآء مآء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم # وقوله - تعالى - # الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ms0307 ~~ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل ~~يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات ~~لعلكم بلقآء ربكم توقنون # وقوله - تعالى - # ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا ~~وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا ~~والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ~~ويخرجكم إخراجا والله جعل لكم الأرض بساطا ~~لتسلكوا منها سبلا فجاجا # إلى غير ذلك من الآيات الكريمة الدالة على وجود الله وقدرته ووحدانيته. ~~ويتمثل الدليل الثالث على قدرته - سبحانه - ووحدانيته فى قوله تعالى { ~~واختلاف الليل والنهار } ، والاختلاف افتعال من الخلف، وهو ~~أن يجئ شىء عوضا عن شىء آخر يخلفه على وجه التعاقب. والمراد أن كلا من ~~الليل والنهار يأتى خلفا من الآخر وفى أعقابه، ويجوز أن يكون المراد ~~باختلافهما، فى أنفسهما بالطول والقصر، واختلافهما فى جنسهما بالسواد ~~والبياض. و { الليل } هو الظلام المعاقب للنهار، واحدته ليلة كتمر ~~وتمرة. و { والنهار } هو الضياء المتسع، وأصله الاتساع، ومنه قول ~~الشاعر # ملكت بها كفى فأنهرت فتقها يرى قائم من دونها ما وراءها # أى أوسعت فتقها. وقد جعل الله الليل للسكون والراحة والعبادة لمن وفقه ~~الله لقضاء جانب منه فى مناجاته - سبحانه - وجعل النهار للعمل وابتغاء ~~الرزق. قال - تعالى - # وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا # وقد أضيف الاختلاف لكل من الليل والنهار، لأن كل واحد منهما يخلف الآخر ~~فتحصل منه فوائد سوى فوائد الآخر، بحيث لو دام أحدهما لانقلب النفع ضرا. ~~قال - تعالى - # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا ~~إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم ~~بضيآء أفلا تسمعون قل أرأيتم إن جعل الله ~~عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من ~~إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا ~~تبصرون ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار ~~لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم ~~تشكرون # ومن العظات التى تؤخذ من هذا الاختلاف أن مدد الليل والنهار تختلف فلكل ~~منهما مدة يستوفيها من السنة بمقتضى نظام دقيق مطرد. قال - تعالى - # لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا الليل ~~سابق ms0308 النهار وكل فى فلك يسبحون # وكون الليل والنهار يسيران على هذا النظام الدقيق المطرد الذى لا ينخرم ~~دليل على أن الاختلاف تدبير من إله قادر حكيم لا يدخل أفعاله تفاوت ولا ~~اختلال. وإذا كان لهذا الاطراد أسباب تحدث عنها العلماء، فإن الذى خلق ~~الأسباب وجعل بينها وبين هذا الاختلاف تلازما إنما هو الإله الواحد ~~القهار. أما المظهر الرابع من المظاهر الدالة فى هذا الكون على قدرته - ~~سبحانه - ووحدانيته وألوهيته، فقد تحدثت عنه الآية فى قوله - تعالى - { ~~والفلك التي تجري فى البحر بما ينفع الناس }. ~~الفلك ما عظم من السفن، ويستعمل لفظ الفلك للواحد والجمع. والظاهر أن ~~المراد به هنا الجمع بدليل قوله - تعالى - { التي تجري فى ~~البحر } ولو كان هذا اللفظ للمفرد لقال الذى يجرى، كما جاء فى قوله - ~~تعالى - # وآية لهم أنا حملنا ذريتهم فى الفلك ~~المشحون # والجملة الكريمة معطوفة على خلق السماوات والأرض. قال صاحب المنار وكان ~~الظاهر أن تأتى هذه الجملة فى آخر الآية ليكون ما للإنسان فيه صنع على ~~حدة وما ليس له فيه صنع على حدة. والنكتة فى ذكرها عقيب آية الليل ~~والنهار، هى أن المسافرين فى البر والبحر هم أشد الناس حاجة إلى تحديد ~~اختلاف الليل والنهار ومراقبته على الوجه الذى ينتفع به، والمسافرون فى ~~البحر أحوج إلى معرفة الأوقات وتحديد الجهات، لأن خطر الجهل عليهم أشد، ~~وفائدة المعرفة لهم أعظم، ولذلك كان من ضروريات ربانى السفن معرفة علم ~~النجوم، وعلم الليل والنهار من فروع هذا العلم. قال - تعالى - # وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها فى ~~ظلمات البر والبحر # فهذا وجه العلاقة بين ذكر الفلك وما قبله. و " ما " فى قوله { بما ~~ينفع الناس } مصدرية، والباء للسببية أى تجرى بسبب نفع الناس ~~ولأجله فى التجارة وغيرها. أو موصولة والباء للحال، أى تجرى مصحوبة ~~بالأعيان التى تنفع الناس. وخص - سبحانه - النفع بالذكر وإن كانت السفن ~~تحمل ما ينفع وما يضر لأن المراد هنا عد النعم، ولأن الذى يحمل فيها ما ~~يضر غيره هو فى ms0309 الوقت نفسه يقصد منفعة نفسه. ومن وجوه الاستدلال بالفلك ~~التى تجرى فى البحر بما ينفع الناس على وجود الله وقدرته، أن هذه الفلك ~~وإن كانت من صنع الناس إلا أن الله - تعالى - هو الذى خلق الآلات ~~والأجزاء التى صارت بها سفنا، وهو الذى سخر لبحر لتجرى فيه مقبلة ومدبرة ~~مع شدة أهواله إذا هاج، وهو الذى جعلها تشق أمواجه شقا حتى تصل إلى بر ~~الأمان، وهو الذى رعاها برعايته وهى كنقطة صغيرة فى ذلك الماء الواسع، ~~ووسط تلك الأمواج المتلاطمة حتى وصلت إلى ساحل السلامة وهى حاملة الكثير ~~مما ينفع الناس من الأطعمة والأشربة والأمتعة المختلفة، فسبحانه من إله ~~قادر حكيم. الدليل الخامس والسادس على أنه - سبحانه - هو المستحق للعبادة ~~يتمثل فى قوله - تعالى - فى هذه الآية { ومآ أنزل الله من ~~السمآء من مآء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث ~~فيها من كل دآبة }. والمراد بالسماء جهة العلو، أى وما أنزل من ~~جهة السماء من ماء، و " من " فى قوله { من السمآء } ابتدائية، وفى ~~قوله { من مآء } بيانية، وهما ومجرورهما متعلقان بأنزل. والمراد ~~بإحياء الأرض تحرك القوى النامية فيها، وإظهار ما أودع الله فيها من نبات ~~وزهور وثمار وغير ذلك. والمراد بموتها خلوها من ذلك باستيلاء اليبوسة ~~والقحط عليها. # قال - تعالى - # وترى الأرض هامدة فإذآ أنزلنا عليها المآء ~~اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج # والبث التفريق والنشر لما كان خافيا، ومنه بث الشكوى أى نشرها وإظهارها، ~~وكل شىء بثثته فقد فرقته ونشرته، والضمير فى قوله " فيها " يعود إلى ~~الأرض. والدابة اسم من الدبيب والمشى ببطء، كل ما يمشى فوق الأرض فهو ~~بحسب الوضع اللغوى يطلق عليه دابة. والظاهر أن المراد بالدابة هنا هذا ~~المعنى العام، لا ما يجرى به العرف الخاص باستعماله فى نوع خاص من ~~الحيوان كذوات الأربع. وجملة { ومآ أنزل الله من السمآء ~~من مآء... } معطوفة على ما قبلها، وجملة { وبث فيها من كل ~~دآبة } معطوفة على قوله { فأحيا به الأرض بعد موتها ~~}. والمعنى وإن فيما أنزله ms0310 الله من جهة السماء من ماء مبارك، عمرت به ~~الأرض بعد خرابها، وانتشرت فيها أنواع الدواب كلها، لدلييل ساطع على قدرة ~~الله ووحدانيته. ذلك لأنه هو وحده الذى أنزل المطر من السماء ولو شاء ~~لأمسكه مع أن الماء من طبعه الانحدار، وهو وحده الذى جعل الأرض التى نعيش ~~عليها تنبت من كل زوج بهيج بسبب ما أنزل عليها من ماء، وهو وحده الذى نشر ~~على هذه الأرض أنواعا من الدواب مختلفة فى طبيعتها وأحجامها، وأشكالها ~~وألوانها، وأصواتها، ومآكلها، وحملها، وتناسلها، ووجوه الانتفاع بها، ~~وغير ذلك من وجوه الاختلاف الكثيرة، مما يشهد بأن خالق هذه الكائنات إله ~~واحد قادر حكيم. أما الدليل السابع والثامن فى هذه الآية على قدرته - ~~سبحانه - ووحدانيته واستحقاقه للعبادة فهما قوله - تعالى - { وتصريف ~~الرياح والسحاب المسخر بين السمآء والأرض }. ~~الرياح جمع ريح وهى نسيم الهواء. وتصريفها تقليبها فى الجهات المختلفة، ~~ونقلها من حال إلى حال، وتوجيهها على حسب إرادته - سبحانه - ووفق حكمته. ~~فتهب تارة صبا، أى من مطلع الشمس، وتارة دبورا، أى من جهة الغرب، ~~وأحيانا من جهة الشمال أو الجنوب وقد يرسلها - سبحانه - عاصفة ولينة، ~~حارة أو باردة، لواقح بالرحمة حينا وبالعذاب آخر. { وتصريف } مصدر ~~صرف مضاف للمفعول والفاعل هو الله، أى وتصريف الله الرياح. أو مضاف ~~للفاعل والمفعول الحساب، أى وتصريف الرياح السحاب. وجاءت هذه الجملة ~~الكريمة بعد إحياء الأرض بالمطر وبث الدواب فيها للتناسب بينهما، ~~وتذكيرا بالسبب إذ بالرياح تكون حياة النبات والحيوان وكل دابة على ~~الأرض، ولو أمسك - سبحانه - الرياح عن التصريف لما عاش كائن على ظهر ~~الأرض. { والسحاب } عطف على ما قبله، وهو اسم جنس واحد سحابة، سمى ~~بذلك لانسحابه فى الجو أو لجر الرياح له. و { المسخر } من التسخير ~~وهو التذليل والتيسير، ومعنى تسخيره - كما قال الآلوسى - أنه لا ينزل ولا ~~يزول مع أن الطبع يقتضى صعوده إن كان لطيفا وهبوطه إن كان كثيفا - و { ~~المسخر } صفة للسحاب باعتبار لفظه، وقد يعتبر معناه فيوصف بالجمع ~~كما فى قوله # سحابا ثقالا # والظرف ms0311 " بين " يجوز أن يكون منصوبا بقوله المسخر فيكون ظرفا للتسخير، ~~ويجوز أن يكون حالا من الضمير المستتر فى اسم المفعول فيتعلق بمحذوف أى ~~كائنا بين السماء والأرض. وجاء ذكر السحاب بعد تصريف الرياح لأنها هى ~~التى تثيره وتجمعه، وهى التى تسوقه إلى حيث ينزل مطرا فى الأماكن التى ~~يريد الله إحياءها. قال - تعالى - # الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه ~~فى السمآء كيف يشآء ويجعله كسفا فترى الودق ~~يخرج من خلاله # ولا شك أن هذا التصريف للرياح مع أنها جسم لطيف لا يمسك ولا يرى، وهى مع ~~ذلك فى غاية القوة بحيث تقلع الأشجار وتخرب الديار، وهذا التسخير للسحاب ~~بحيث يبقى معلقا بين السماء والأرض مع حمله للمياه العظيمة التى تسيل ~~بها الأودية المتسعة... لا شك أن كل ذلك من أعظم الأدلة على أن لهذا ~~الكون مدبرا قادرا حكيما هو الله رب العالمين. وقوله { لآيات ~~لقوم يعقلون } اسم { إن } لقوله - تعالى - فى أول الآية { ~~إن فى خلق السماوات والأرض } ودخلت اللام على الاسم وهو { ~~لآيات } لتأخره عن الخبر والتنكير للتعظيم والتفخيم كما وكيفا. أى إن ~~فيما ذكره الله من مخلوقاته العجيبة، وكائناته الباهرة، لدلائل ساطعة، ~~وآيات واضحة ترشد من يعقلون ويتدبرون فيها، إلى أن لهذا الكون إلها ~~واحدا قادرا حكيما مستحقا للعبادة والخضوع والطاعة. وموقع هذه الآية ~~الكريمة من سابقتها كموقع الحجة من الدعوى، ذلك أن الله - تعالى - أخبر ~~فى الآية السابقة أن الإله واحد لا إله غيره وهى قضية قد تلفاها كثير من ~~الناس بالإنكار، فناسب أن يأتى فى هذه الآية الكريمة بالحجج والبراهين ~~التى لا يسع الناظر فيها بتدبر وتفكير إلا التسليم عن اقتناع بوحدانية ~~الله - تعالى - وقدرته. قال الإمام الرازى واعلم أن النعم على قسمين نعم ~~دنيوية ونعم دينية وهذه الأمور الثمانية، التى عدها الله - تعالى - نعم ~~دنيوية فى الظاهر، فإذا تفكر العاقل فيها، واستدل بها على معرفة الصانع، ~~صارت نعما دينية، لكن الانتفاع بها من حيث إنها نعم دنيوية لا يكمل إلا ~~عند سلامة العقول وانفتاح ms0312 بصر الباطن، فلذلك قال { لآيات لقوم ~~يعقلون }. وقال الآلوسى أخرج ابن أبى الدنيا وابن مردويه عن عائشة - ~~رضى الله عنها - أن النبى صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه الآية قال # " ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها ". # ثم قال الآلوسى ومن تأمل فى تلك المخلوقات التى وردت فى هذه الآية وجد ~~كلا منها مشتملا على وجوه كثيرة من الدلالة على وجوده - تعالى - ~~ووحدانيته وسائر صفاته الموجبة لتخصيص العبادة له، ومجمل القول فى ذلك أن ~~كل واحد من هذه الأمور المعدودة قد وجد على وجه خاص من الوجوه الممكنة ~~دون ما عداه، مستنبعا لآثار معينة، وأحكام مخصوصة. # .. وفى الآية إثبات الاستدلال بالحجج العقلية، وتنبيه على شرف علم ~~الكلام وفضل أهله، وربما أشارت إلى شرف علم الهيئة. والحق أن هذه الآية ~~الكريمة قد اتجهت فى تثبيت عقيدة وحدانية الله وقدرته وألوهيته إلى تنبيه ~~الحواس والمدارك والمشاعر إلى ما فى هذا الكون المشاهد المنظور من آيات ~~ودلائل على حقية الخالق - عز وجل - بالعبادة. وهذه الطريقة من تنبيه ~~الحواس والمدارك جديرة بأن تفتح الأبصار والبصائر على عجائب هذا الكون، ~~تلك العجائب التى أصبحت عند كثير من الناس شيئا مألوفا بسبب عدم تدبرهم ~~لما فيها من عظات وعبر وصدق الله إذ يقول # وكأين من آية فى السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # ورحم الله القائل ألا إن لله كتابين كتابا مخلوقا وهو الكون، وكتابا ~~منزلا وهو القرآن. وإنما يرشدنا هذا إلى طريق بذاك بما أوتينا من العقل. ~~فمن أطاع فهو من الفائزين، ومن أعرض فأولئك هم الخاسرون. وبعد أن ذكر - ~~سبحانه - جانبا من الآيات الدالة على ألوهيته ووحدانيته أردف ذلك ببيان ~~حال المشركين، وما يكون منهم يوم القيامة من تدابر وتقاطع وتحسر على ما ~~فرط منهم فقال - تعالى - { ومن الناس من يتخذ من دون ~~الله أندادا...وما هم بخارجين من النار }. ### || [2.165-167] # { أندادا } جمع ند، وهو مثل الشىء الذى يضاده وينافره ويتباعد عنه. ~~وأصله من ند البعير يند ندا وندادا وندودا، أى نفر وذهب على ms0313 وجهه ~~شاردا. ويرى بعض العلماء أن المراد بالأنداد هنا الأصنام التى اتخذها ~~المشركون آلهة للتقرب بها إلى الله، وقيل المراد بها الرؤساء الذين كانوا ~~يطيعونهم فيما يحلونه لهم ويحرمونه عليهم. والأولى أن يكون المراد بهذه ~~الأنداد كل مخلوق أسند إليه أمر اختص به الله - تعالى - من نحو التحليل، ~~والتحريم وإيصال النفع وغير ذلك من الأمور التى انفرد بها الخالق - عز ~~وجل -. والمعنى أن من الناس من لا يعقل تلك الآيات التى دلت على وحدانية ~~الله وقدرته، وبلغت بهم الجهالة أنهم يخضعون لبعض المخلوقات خضوعهم لله ~~بزعم أنها مشابهة ومماثلة ومناظرة له - سبحانه - فى النفع والضر، ويحبون ~~تعظيم تلك المخلوقات وطاعتها والتقرب إليها والانقياد لها حبا يشابه الحب ~~اللازم عليهم نحو الله - تعالى - أو يشابه حب المؤمنين لله، و { من } ~~فى قوله { ومن الناس } للتبعيض، والجار والمجرور خبر مقدم و { من ~~} فى قوله { من يتخذ } فى محل رفع مبتدأ مؤخر، و " من دون الله، ~~حال من ضمير يتخذ و { أندادا } مفعول به ليتخذ. قال الجمل وجملة { ~~يحبونهم كحب الله } فيها ثلاثة أوجه أحدها أن تكون فى محل ~~رفع صفة لمن فى أحد وجهيها، والضمير المرفوع يعود عليها باعتبار المعنى ~~بعد اعتبار اللفظ فى يتخذ. والثانى أن تكون فى محل نصب صفة لأندادا ~~والضمير المنصوب يعود عليهم والمراد بهم الأصنام، وإنما جمعوا جمع ~~العقلاء لمعاملتهم معاملة العقلاء. أو أن يكون المراد بهم من عبد من دون ~~الله عقلاء وغيرهم ثم غلب العقلاء على غيرهم. الثالث أن تكون فى محل نصب ~~على الحال من الضمير فى يتخذ، والضمير المرفوع عائد على ما عاد عليه ~~الضمير فى يتخذ وجمع حملا على المعنى ". ثم مدح - سبحانه - عبادة ~~المؤمنين فقال { والذين آمنوا أشد حبا لله }. أى ~~والذين آمنوا وأخلصوا لله العبادة أشد حبا له - سبحانه - من كل ما سواه، ~~ومن حب المشركين للأنداد، ذلك لأن حب المؤمنين لله متولد عن أدلة يقينية، ~~وعن علم تام، ببديع حكمته - سبحانه - وبالغ حجته، وسعة رحمته، وعدالة ~~أحكامه، وعزة سلطانه، ms0314 وتفرده بالكمال المطلق، والحب المتولد عن هذا ~~الطريق يكون أشد من حب المشركين لمعبوداتهم لأن حب المشركين لمعبوداتهم ~~متولد عن طريق الظنون والأوهام والتقاليد الباطلة. والتصريح بالأشدية فى ~~قوله { أشد حبا لله } أبلغ من أن يقال أحب لله؟ إذ ليس المراد ~~الزيادة فى أصل الفعل - كما يقول الآلوسى - بل المراد الرسوخ والثبات. # وقيل عدل عن أحب إلى أشد حبا، لأن " أحب " شاع فى الأشد محبوبية فعدل ~~عنه احترازا عن اللبس. ولقد ضرب المؤمنون الصادقون أروع الأمثال فى حبهم ~~لله - تعالى - لأنهم ضحوا فى سبيله بأرواحهم وأموالهم وأبنائهم وأغلى شىء ~~لديهم، ولأنهم لم يعرفوا عملا يرضيه إلا فعلوه، ولم يعرفوا عملا يغضبه ~~إلا اجتبوه. ثم أخبر - سبحانه - عما ينتظر الظالمين من سوء المصير فقال { ~~ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن ~~القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب } " لو ~~" شرطية، وجوابها محذوف لقصد التهويل ولتذهب النفس فى تصويره كل مذهب و { ~~القوة } القدرة والسلطان. والمعنى ولو يرى أولئك المشركون حين ~~يشاهدون العذاب المعد لهم يوم القيامة أن القدرة كلها لله وحده، وأن ~~عذابه الذى يصيب به المتخطبين فى ظلمات الشرك شديد، لو يعلمون ذلك، لرأوا ~~ما لا يوصف من الهول والفظاعة، ولوقعوا فيما لا يكاد يوصف من الحسرة ~~والندامة. وكان الظاهر بمقتضى تقدم ذكرهم أن يقال ولو يرون إذ يرون. ولكن ~~وضع الموصول وصلته موضع الضمير، ليحضر فى ذهن السامع أنهم صاروا باتخاذهم ~~الأنداد من الظالمين، وليشعر بأن سبب رؤيتهم العذاب الشديد هو ذلك الظلم ~~العظيم. وعبر بالماضى فى قوله { إذ يرون العذاب } لتحقق ~~الوقوع، وكل ما كان كذلك فإنه يجرى مجرى ما وقع وحصل. وجملة { أن ~~القوة لله جميعا } سدت مسد مفعولى يرى، وانتصب لفظ { جميعا ~~} على التوكيد للقوة. أى. جميع جنس القوة ثابت لله، وهو مبالغة فى عدم ~~الاعتداد بقوة غيره، فمفاد جميع هنا مفاد لام الاستغراق فى قوله # الحمد لله # وجملة { وأن الله شديد العذاب } معطوفة على ما قبلها، ~~وفائدتها المبالغة فى تفظيع الخطب، وتهويل الأمر، فإن ms0315 اختصاص القوة به - ~~تعالى - لا يوجب شدة العذاب لجواز تركه عفوا مع القدرة عليه. هذا، وقد ~~قرأ نافع وابن عمر " ولو ترى " بالتاء على الخطاب للنبى صلى الله عليه ~~وسلم أو لكل من يتأتى له الخطاب. أى لو ترى ذلك أيها الرسول الكريم أو ~~أيها المخاطب لرأيت أمرا عظيما فى الفظاعة والهول. وقوله - تعالى - { ~~إذ تبرأ الذين اتبعوا... } بدل من قوله { إذ يرون ~~العذاب }. أو مفعولا به بتقدير اذكر. و { تبرأ } من التبرؤ وهو ~~التخلص والتنصل والتباعد، ومنه برئت من الدين أى تخلصت منه، وبرأ المريض ~~من مرضه، أى تخلص من مرضه. والمراد بالذين اتبعوا أئمة الكفر الذين يحلون ~~ويحرمون ما لم يأذن به الله. والمراد بالذين اتبعوا أتباعهم وأشياعهم ~~الذين يتلقون جميع أقوالهم بالطاعة والخضوع بدون تدبر أو تعقل. وجملة { ~~ورأوا العذاب } حال من الأتباع والمتبوعين، والضمير يعود على ~~الفريقين. أى تبرؤا جميعا من بعض فى حال رؤيتهم للعذاب. # وجملة { وتقطعت بهم الأسباب } معطوفة على تبرأ، أورأوا. ~~والباء فى { بهم } للسببية أى وتقطعت بسبب كفرهم الأسباب التى كانوا ~~يرجون من ورائها النجاة، وقيل للملابسة أى تقطعت الأسباب ملتبسة بهم ~~فخابت آمالهم وسقطوا صرعى. و { الأسباب } جمع سبب، وهو فى الأصل ~~الحبل الذى يرتقى به الشجر ونحوه، ثم سمى به كل ما يتوصل به إلى غيره، ~~عينا كان أو معنى. فيقال للطريق سبب، لأنك بسلوكه تصل إلى الموضع الذى ~~تربده، ويقال للمودة سبب لأنك تتواصل بها إلى غيرك، والمراد بالأسباب هنا ~~الوشانج والصلات التى كانت بين الأتباع والمتبوعين فى الدنيا، من ~~القرابات والمودات والأحلاف والاتفاق فى الدين... إلخ. والمعنى واذكر ~~أيها العاقل لتعتبر وتتعظ يوم القيامة، ذلك اليوم الهائل الشديد الذى ~~يتنصل فيه الرؤساء من مرءوسيهم، والاتباع من متبوعيهم حال رؤيتهم جميعا ~~للعذاب وأسبابه ومقدماته وما أعدلهم من شقاء وآلام، وقد ترتب على كل ذلك ~~أن تقطع ما بين الرؤساء والأذناب من روابط كانوا يتواصلون بها فى الدنيا، ~~وصار كل فريق منهم يلعن الآخر ويتبرؤ منه. قال بعض العلماء وفى ms0316 قوله { ~~وتقطعت بهم الأسباب } استعارة تمثيلية إذ شبهت هيئتهم عند ~~خيبة أملهم حين لم يجدوا النعيم الذى تعبوا لأجله مدة حياتهم وقد جاء ~~إبانه فى ظنهم فوجدوا عوضه العذاب، بحال المرتقى إلى النخلة ليجتنى الثمر ~~الذى كد لأجله طول السنة فتقطع به السبب - أى الحبل - عند ارتقائه فسقط ~~هالكا، فكذلك هؤلاء قد علموا جميعا حينئذ أن لانجاة لهم، فحالهم كحال ~~الساقط من علو لا ترجى له سلامة. وهى تمثيلية بديعة تشتمل على سبعة أشياء ~~كل واحد منها يصلح لأن يكون مشبها بواحد من الأشياء التى تشتمل عليها ~~الهيئة المشبهة بها وهى تشبيه المشرك فى عبادته الأصنام بالمرتقى بجامع ~~السعى، وتشبيه العبادة وقبول الآلهة منه بالحبل الموصل، وتشبيه النعيم ~~والثواب بالثمرة فى أعلى النخلة لأنها لا يصل إليها المرء إلا بعد طول ~~وهو مدة العمر، وتشبيه العمر بالنخلة فى الطول، وتشبيه الحرمان من الوصول ~~للنعيم بتقطع الحبل، وتشبيه الخيبة بالبعد عن الثمرة، وتشبيه الوقوع فى ~~العذاب بالسقوط المهلك... ". ثم بين - سبحانه - ما قاله الأتباع على سبيل ~~الحسرة والندم فقال { وقال الذين اتبعوا لو أن لنا ~~كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا }. الكرة ~~الرجعة والعودة. يقال كر يكر كرا أى رجع. و لو للتمنى. وقوله { ~~فنتبرأ منهم } منصوب بعد الفاء بأن مضمرة فى جواب التمنى الذى ~~أشربته لو، والكاف فى قوله { كما تبرءوا منا } فى محل نصب نعت ~~لمصدر محذوف أى تبرأ مثل تبرئهم. والمعنى وقال الذين كانوا تابعين لغيرهم ~~فى الباطل بدون تعقل أو تدبر ليت لنا رجعة إلى الحياة الدنيا فنتبرأ من ~~هؤلاء الذين اتبعناهم وأضلونا السبيل كما تبرءوا منا فى هذا اليوم ~~العصيب، ولنشفى غيظنا منهم لأنهم خذلونا وأوردونا موارد التهلكة والعذاب ~~الأليم. # وقوله - تعالى - { كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات ~~عليهم } تذبيل لتأكيد الوعيد، وبيان لحال المشركين فى الآخرة. قال ~~الآلوسى وقوله { كذلك } فى موضع المفعول المطلق لما بعده، والمشار ~~إليه الإراء المفهوم من قوله { إذ يرون } أى كإراء العذاب المتلبس ~~بظهور أن القوة لله والتبرى وتقطع الأسباب وتمنى ms0317 الرجعة، يريهم الله ~~أعمالهم حسرات عليهم. وجوز أن يكون المشار إليه المصدر المفهوم مما بعد ~~والكاف مقحمة لتأكيد ما أفاده اسم الإشارة من الضخامة. أى مثل ذلك ~~الإراء الفظيع يريهم على حد ما قيل فى قوله - تعالى - # وكذلك جعلناكم أمة وسطا # والمراد بأعمالهم المعاصى التى ارتكبوها وفى مقدمتها اتباعهم لمن ~~أضلوهم. و { حسرات } جمع حسرة، وهى أشد درجات الندم والغم على ما ~~فات. يقال حسر يحسر حسرا فهو حسير، إذا اشتدت ندامته على أمر فاته. قال ~~الرازى وأصل الحسر الكشف. يقال حسر ذراعيه أى كشف والحسرة انكشاف عن حال ~~الندامة. والحسور الإعياء لأنه انكشاف الحال عما أوجبه طول السفر. قال - ~~تعالى - # ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا ~~يستحسرون # والمعنى كما أرى الله - تعالى - المشركين العذاب وما صاحبه من التبرؤ ~~وتقطع الأسباب بينهم، يريهم - سبحانه - أعمالهم السيئة يوم القيامة فتكون ~~حسرات تتردد فى صدورهم كأنها شرر الجحيم. ثم ختم - سبحانه - الآية ببيان ~~عاقبة أمرهم فقال { وما هم بخارجين من النار }. أى وما هم ~~بخارجين من تلك النار التى عوقبوا بها بسبب شركهم، بل هم مستقرون فيها ~~استقرارا أبديا، وقد جاءت الجملة اسمية لتأكيد نفى خروجهم من النار، ~~وبيان أنهم مخلدون فيها كما قال - تعالى - فى آية أخرى # كلمآ أرادوا أن يخرجوا منهآ أعيدوا فيها # وهكذا يسوق لنا القرآن ما يدور بين التابعين والمتبوعين يوم القيامة من ~~تنصل وتحسر وتخاصم بتلك الطريقة المؤثرة، حتى لكأنك أمام مشهد مجسم، ترى ~~فيه الصور الشاخصة حاضرة. وذلك لون من ألوان بلاغة القرآن فى عرضه ~~للحقائق، حتى تأخذ سبيلها إلى النفوس الكريمة، وتؤتى ثمارها الطيبة فى ~~القلوب السليمة. ثم وجه القرآن نداء عاما إلى البشر أمرهم فيه بأن ~~يتمتعوا بما أحله لهم من طيبات، ونهاهم عن اتباع وساوس الشيطان فقال - ~~تعالى - { يأيها الناس كلوا مما فى الأرض حلالا ~~طيبا...على الله ما لا تعلمون }. ### || [2.168-169] # { كلوا } صيغة أمر واردة فى معنى الإباحة. و { حلالا } ما أذن ~~الله فى تناوله من مطعومات أو مشروبات. قال الرازى وأصله ms0318 الذى هو نقيض ~~العقد، ومنه حل بالمكان إذا نزل، لأنه حل شد الارتحال للنزول، وحل الدين ~~إذا وجب لانحلال العقدة بانقضاء المدة، وحل من إحرامه، لأنه حل عقدة ~~الإحرام.. ثم قال واعلم أن الحرام قد يكون حراما لخبثه - فى ذاته - ~~كالميتة والدم ولحم الخنزير، وقد يكون حراما لوصف عارض كملك الغير إذا لم ~~يأذن فى أكله - فحرمته لتعلق حق الغير به - فالحلال هو الخالى عن هذين ~~القيدين. { طيبا } هو المستلذ المستطاب الذى تقبل عليه النفوس ~~الطاهرة وتنبسط لتناوله، وإنما تنبسط النفوس الطاهرة لتناول طعام غير قذر ~~ولا موقع فى تهلكة، إذ القذر ينفر منه الطبع السليم، والموقع فى تهلكة ~~يمجه العقل القويم. و { من } فى قوله { مما فى الأرض } للتبعيض، ~~لأن بعض ما فى الأرض كالحجارة - مثلا - لا يؤكل، ولأنه ليس كل ما يؤكل ~~يجوز أكله فلذلك قال { حلالا طيبا.. }. وقوله { حلالا } مفعول ~~به لقوله " كلوا " أو حال مما فى الأرض، أى كلوه حال كونه حلالا. أو صفة ~~لمصدر محذوف، أى كلوه أكلا حلالا. وقوله { طيبا } صفة مقررة ومؤكدة ~~لمعنى يستفاد من قوله { حلالا } وهو طهارة المأكول وخلوه من القذارة، ~~وعدم إيقاعه فى ضرر. قال الآلوسى " وفائدة وصف الحلال بالطيب تعميم الحكم ~~كما فى قوله - تعالى - # وما من دآبة فى الأرض # ليحصل الرد على من حرم بعض الحلالات فإن النكرة الموصوفة بصفة عامة تعم، ~~بخلاف غير الموصوفة ". والمعنى يأيها الناس لقد أباح الله لكم أن تأكلوا ~~من كل ما تحويه الأرض من المطعومات التى أحلت لكم، والتى تستلذها النفوس ~~الكريمة، والقلوب الطاهرة، فتمتعوا بهذه الطيبات فى غير سرف أو غرور، ~~واشكروا الله - تعالى - على ما رزقكم من نعم. ولقد أمر الله عباده فى ~~كثير من الآيات أن يتمتعوا بما أحله لهم من طيبات ومن ذلك قوله - تعالى - # قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا فى ~~الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل ~~الآيات لقوم يعلمون # وفى صحيح مسلم عن عياض المجاشعى أن ms0319 رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~ذات يوم فى خطبته # " ألا إن ربى أمرنى أن أعلمكم ما جهلتم مما علمنى، يومى هذا. يقول الله ~~- تعالى - كل ما نحلته - أى منحته - عبادى فهو لهم حلال، وإنى خلقت عبادى ~~حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما ~~أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بى ما لم أنزل به سلطانا.. " # وعن ابن عباس قال # " تليت هذه الآية عند النبى صلى الله عليه وسلم { يأيها الناس ~~كلوا مما فى الأرض حلالا طيبا } فقام سعد بن أبى وقاص ~~فقال يا رسول الله، ادع الله أن يجعلنى مستجاب الدعوة، فقال يا سعد! أطب ~~مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده، إن الرجل ليقذف اللقمة ~~الحرام فى جوفه ما يتقبل منه أربعين يوما، وأيما عبد نبت لحمه من السحت ~~والربا فالنار أولى به ". # وليس من الورع ولا الزهد المرضى عنه شرعا ترك بعض المباحاث، فإن الله ~~سوى فى المباح بين الفعل والترك، ومن يجعل ترك المباح من الورع، والورع ~~مندوب، فكأنه يقول إن الترك راجح على الفعل، وهو غير ما حكم الله به. ~~وكان الحسن البصرى - وهو من أجل التابعين - يقوم عوج من يعدون من الزهد ~~المحمود الامتناع عن تناول بعض المباحات كالأطعمة اللذيذة. يحكى عنه أنه ~~شهد يوما وليمة، فرأى رجلا يرفع يده عندما قدمت الحلوى فقال له الحسن كل ~~يا لكع فلنعمة الله عليك فى الماء البارد أعظم من نعمته فى هذه الحلوى. ~~ودخل عليه مرة أحد الزهاد فقال له الحسن أتحب الخبيص - وهو طعام لذيذ - ~~فقال الزاهد لا أحبه ولا أحب من يحبه!! فأقبل الحسن على جلسائه وقال لهم ~~أترونه مجنونا. والخلاصة أنه لا ورع فى ترك المباح الذى أحله الله من حيث ~~فيه متعة للنفس، فذلك هو التنطع فى الدين، وإنما الورع فى ترك الإكثار ~~من تناول تلك المباحات، لأن الإكثار منها قد يؤدى إلى الوقوع فيما نهى ~~الله عنه. هذا، وقد أورد بعض المفسرين آثارا تدل على أن ms0320 هذه الآية نزلت ~~فى قوم معينين. قال الآلوسى نزلت فى المشركين الذين حرموا على أنفسهم ~~البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وقيل نزلت فى قوم من ثقيف وبنى عامر ~~ابن صعصعة وخزاعة وبين مدلج حيث حرموا التمر والاقط على أنفسهم. والذى ~~نراه أن الخطاب فى الآية لجميع المكلفين من البشر، وأنها واردة لتفنيد ~~آراء الذين يحرمون على أنفسهم مطعومات لم يقم دليل من الشارع على ~~تحريمها، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ثم قال - تعالى - { ~~ولا تتبعوا خطوات الشيطان }. الخطوات جمع خطوة كغرفة ~~وقيل جمع خطوة كقبضة، وهى فى الأصل ما بين القدمين عند المشى، وتستعمل ~~على وجه المجاز فى الآثار. أى كلوا أيها الناس من الطيبات التى أحلها ~~الله لكم. ولا تتبعوا آثار الشيطان وزلاته ووساوسه وطرقه التى يحرم بها ~~الحلال ويحلل الحرام والتى يقذفها فى صدور بعض الناس فتجعلهم يتنقلون من ~~الطاعات إلى المعاصى. # وفى الجملة الكريمة استعارة تمثيلية، إذ أن السائر فى طريق إذا رأى آثار ~~خطوات السائرين تتبع ذلك المسلك ظنا منه بأن ما سار فيه السائر قبله إلا ~~لأنه موصل للمطلوب، فشبه المقتدى الذى لا دليل معه سوى المقتدى به وهو ~~يظن مسلكه موصلا، بالذى يتبع خطوات السائرين، وشاعت هذه الاستعارة حتى ~~صاروا يقولون هو يتبع خطا فلان بمعنى يقتدى به. وقوله { إنه لكم ~~عدو مبين } تعليل للنهى عن اتباع الشيطان و " مبين " من أبان ~~بمعنى بان وظهر، وقيل من أبان بمعنى أظهر، أى مظهر للعداوة. والمعنى " ~~ولا تتبعوا خطواته لأن عداوته ظاهرة لكم بحيث لا تخفى على أى عاقل. وقوله ~~- تعالى - { إنما يأمركم بالسوء والفحشآء } استئناف ~~لبيان كيفية عداوته، وتفصيل لأنواع شروره ومفاسده. والسوء فى الأصل مصدر ~~ساءه يسوءه سوءا ومساءة إذا أحزنه، والمراد به هنا، كل ما يغضب الله - ~~تعالى - من المعاصى، لأنها تسوء صاحبها وتحزنه فى الحال أو المآل. ~~والفحشاء والفاحشة والفحش ما عظم قبحه مر الأقوال والأفعال. وروى عن ابن ~~عباس أنه فسر السوء بما لا حد فيه، والفحشاء بما فيه حد. ms0321 والأمر فى الأصل ~~الطلب بالقول، واستعمل فى تزيين الشيطان المعصية، لأن تزيينها فى معنى ~~الدعوة إليها. قال صاحب الكشاف فإن قلت كيف كان الشيطان آمرا مع قوله # ليس لك عليهم سلطان # قلت شبه تزيينه وبعثه على الشر بأمر الآمر، كما تقول أمرتنى نفسى بكذا، ~~وتحته رمز إلى أنكم منه بمنزلة المأمورين لطاعتكم له وقبولكم وساوسه، ~~ولذلك قال # ولأمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولأمرنهم ~~فليغيرن خلق الله # وقال - تعالى - # إن النفس لأمارة بالسوء # لما كان الإنسان يطيعها فيعطيها ما اشتهت ". وقوله { وأن تقولوا ~~على الله ما لا تعلمون } معطوف على ما قبله. أى يأمركم ~~الشيطان بالسوء والفحشاء، ويأمركم أن تقولوا على الله ما لا تعلمون. ~~والقول على الله بغير علم من مظاهره أن يقول قائل لقد أحل الله كذا وحرم ~~كذا بدون دليل شرعى يعتمد عليه. قال الإمام ابن القيم " والقول على الله ~~بغير علم يعم القول عليه - سبحانه - فى أسمائه وصفاته وأفعاله، وفى دينه ~~وشرعه، وقد جعله - سبحانه - من أعظم المحرمات، بل جعله فى المرتبة العليا ~~منها، فقال - تعالى - # قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا ~~بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على ~~الله ما لا تعلمون # وقال - تعالى - # ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا ~~حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب ~~إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ~~متاع قليل ولهم عذاب أليم # فتقدم إليهم - سبحانه - بالوعيد على الكذب عليه فى أحكامه، وقولهم لما ~~لم يحرمه هذا حرام، ولما لم يحله هذا حلال. وهذا بيان منه - سبحانه - أنه ~~لا يجوز للعبد أن يقول هذا حلال وهذا حرام إلا بما علم أنه - سبحانه - ~~أحله وحرمه ". وقال بعض العلماء وقد يخطر على بالك أن تقرير الأئمة ~~المجتهدين لبعض الوقائع أحكاما من طريق الاستنباط، قد يستندون فى ذلك ~~إلى دليل يفيد الظن بالحكم، ولا يصل إلى أن يفيد العلم به، فيكون إفتاؤه ~~من قبيل القول على الله بغير علم، ويزاح ms0322 هذا الخاطر بأنه قد انضم إلى ذلك ~~الدليل الظنى أصل انعقد عليه الإجماع وأصبح مقطوعا به، وهو أن كل مجتهد ~~بحق يكون حكم الشرع فى حقه أو حق من يتابعه هو الحكم الذى أداه إليه ~~اجتهاده، وبمراعاة هذا الأصل المقطوع به لم يكن المجتهد المشهود له ~~بالرسوخ فى العلم قائلا على الله ما لا يعلم ". هذا، ومن الآيات الكثيرة ~~التى وردت فى القرآن الكريم فى التحذير من الشيطان ووساوسه قوله - تعالى ~~- # إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما ~~يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير # وقوله - تعالى - # الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء ~~والله يعدكم مغفرة منه وفضلا # وقوله - تعالى - # يابني ءادم لا يفتننكم الشيطان كمآ أخرج ~~أبويكم من الجنة # وقد أرشدنا النبى صلى الله عليه وسلم إلى أن الإكثار من ذكر الله خير ~~معين للإنسان للتغلب على وساوس الشيطان فقال فى حديثه الطويل الذى رواه ~~الترمذى والنسائى وابن حبان عن الحارث الأشعرى " وآمركم بذكر الله ~~كثيرا، فإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعا فى أثره، فأتى حصنا ~~فأحرز نفسه فيه، وكذلك العبد لا ينجو من الشيطان إلا بذكر الله. وبعد أن ~~نهى - سبحانه - الناس عن إتباع خطوات الشيطان، وبين لهم مظاهر عداوته ~~لهم، أردف ذلك ببيان حال طائفة من الناس لم يستمعوا لهذا النصح، بل ~~اتبعوا خطوات الشيطان فقلدوا آباءهم فى الشرك والجهالة فقال - تعالى - { ~~وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل ~~نتبع مآ ألفينا... }. ### || [2.170] # أى وإذا قيل لأولئك الذين اقتفوا خطوات الشيطان، وقالوا على الله بدون ~~علم ولا برهان، إذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله من قرآن، أعرضوا عن ذلك ~~وقالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا من عبادة الأصنام والخضوع للرؤساء. ~~فالضمير فى قوله - تعالى - { لهم } يعود على طائفة ممن شملهم الخطاب ~~بقوله - تعالى - فى الآية السابقة # يأيها الناس كلوا مما فى الأرض حلالا طيبا ~~ولا تتبعوا خطوات الشيطان # وهم الذين لم يستجيبوا لنداء الله بل ساروا فى ركب الشيطان، واقتفوا ~~آثاره، { وإذا قيل ms0323 لهم اتبعوا مآ أنزل الله }. القائل ~~لهم ذلك هو النبى صلى الله عليه وسلم والمسلمون. والمراد به أنزل الله ~~القرآن الكريم، وما أوحاه الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم من هدايات. ~~وعدل - سبحانه - من خطابهم إلى الغيبة للتنبيه على أنهم لفرط جهلهم ~~وحمقهم صاروا ليسوا أهلا للخطاب، بل ينبغى أن يصرف عنهم إلى من يعقله. و ~~{ بل } فى قوله - تعالى - { بل نتبع } للإضراب الإبطالى، أى ~~أضربوا عن قول الرسول لهم { اتبعوا مآ أنزل } إضراب إعراض بدون ~~حجة، إلا بأنه مخالف لما ألفوا عليه آباءهم من أمور الشرك والضلال. وقوله ~~- تعالى - { أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا ~~يهتدون } رد عليهم، وبيان لبطلان الاعتماد فى الدين على مجرد تقليد ~~الآباء. والهمزة للاستفهام الإنكارى، والواو للحال، والمعنى أيتبعون ما ~~وجدوا عليه آباءهم والحال أن آباءهم لا يعقلون شيئا من أمور الدين ~~الصحيح، ولا يهتدون إلى طريق الصواب. قال الآلوسى وفى الآية دليل على ~~المنع من التقليد لمن قدر على النظر، وأما اتباع الغير فى الدين بعد ~~العلم - بدليل ما - أنه محق فاتباع فى الحقيقة لما أنزل الله - تعالى - ~~وليس من التقليد المذموم فى شىء وقد قال - سبحانه - # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # وبعد أن بين - سبحانه - فساد ما عليه أولئك المشركون المقلدون من غير ~~نظر ولا استدلال، أردف ذلك بضرب مثل لهم زيادة فى قبيح شأنهم والزراية ~~عليهم فقال - تعالى - { ومثل الذين كفروا كمثل الذي ~~ينعق بما لا يسمع... }. ### || [2.171] # { ومثل } الصفة والشأن، وأصل المثل بمعنى المثل النظير والشبيه، ثم ~~أطلق على القول السائر المعروف، لمماثلة مضربه - وهو الذى يضرب فيه - ~~لمورده - وهو الذى ورد فيه أولا - ولا يكون إلا فيما فيه غرابة. ثم ~~استعير للصفة أو الحال أو القصة، إذا كان لها شأن عجيب وفيها غرابة. و { ~~ينعق } من النعيق وهو الصياح. يقال نعق الراعى بالغنم ينعق نعقا ~~ونعاقا ونعقانا، صاح بها وزجرها. والدعاء والنداء قيل بمعنى واحد أى أن ~~ثانيهما تأكيد للأول، وقيل الدعاء للقريب والنداء للبعيد. ms0324 والظاهر أن ~~المراد بهما نوعان من الأصوات. وأولهما وهو الدعاء معناه الصياح بالبهائم ~~لتأتى. وثانيهما وهو النداء معناه الصياح بها لتذهب. قال الإمام الرازى ~~ما ملخصه وللعلماء من أهل التأويل فى هذه الآية طريقان أحدهما تصحيح ~~المعنى بالإضمار فى الآية. والثانى إجراء الآية على ظاهرها من غير ~~إضمار. أما الذين أضمروا فذكروا وجوها الأول كأنه قال ومثل من يدعو الذين ~~كفروا إلى الحق كمثل الذى ينعق، فصار الناعق الذى هو الراعى بمنزلة ~~الداعى إلى الحق. وهو الرسول صلى الله عليه وسلم وسائر الدعاة إلى الحق، ~~وصار الكفار بمنزلة الغنم المنعوق بها، ووجه الشبه أن البهيمة تسمع الصوت ~~ولا تفهم المراد، وهؤلاء الكفار كانوا يسمعون صوت الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وألفاظه، وما كانوا ينتفعون بها وبمعانيها. الثانى ومثل الذين كفروا ~~فى دعائهم آلهتهم من الأوثان كمثل الناعق فى دعائه ما لا يسمع كالغنم وما ~~يجرى مجراها من البهائم. فشبه الأصنام - فى أنها لا تفهم - بهذه البهائم، ~~فإذا كان ولا شك أن من دعا بهيمة عد جاهلا، فمن دعا حجرا أولى بالذم. ~~والفرق بين هذا القول والذى قبله أن ها هنا المحذوف هو المدعو، وفى القول ~~الذى قبله المحذوف هو الداعى. أما إجراء الآية على ظاهرها من غير إضمار ~~فتقديره، ومثل الذين كفروا فى قلة عقولهم فى عبادتهم لهذه الأوثان كمثل ~~الراعى إذا تكلم مع البهائم، فكما أنه يقضى على ذلك الراعى بقلة العقل ~~فكذا ها هنا. ثم قال - رحمه الله - ومثل هذا المثل يزيد السامع معرفة ~~بأحوال الكفار، ويحقر إلى الكافر نفسه إذا سمع ذلك، فيكون كسرا لقلبه، ~~وتضييقا لصدره، حيث صيره كالبهيمة فيكون فى ذلك نهاية الزجر والردع لمن ~~يسمعه عن أن يسلك مثل طريقه فى التقليد ". وقوله - تعالى - { صم ~~بكم عمي } زيادة فى تبكيتهم وتقريعهم، أى صم عن استماع دعوة الحق. ~~بكم عن إجابة الداعى إليها، عمى عن آيات صدقها وصحتها، فهم لإعراضهم عن ~~الهادى لهم إلى ما ينفعهم وينجيهم من العذاب صاروا بمنزلة من فقد حواسه، ~~فأصبح ms0325 لا يسمع ولا ينطق ولا يبصر. # وقوله { فهم لا يعقلون } وارد مورد النتيجة بعد البرهان، بجانب ~~كونه توبيخا لهم، لأنهم بفقدهم أهم طرق الإدراك وهما السمع والبصر، ~~وأهم وسيلة للثقافة وهى استطلاع الحقائق من طريق المحاورة والتكلم، صاروا ~~بعد كل ذلك بمنزلة من فقد عله الاكتسابى، فأصبح لا يفقه شيئا لأن العقل ~~الذى يكتسب به الإنسان المعارف والحقائق يستعين استعانة كبرى بهذه ~~الحواس الثلاث. وبعد هذا البيان البليغ لحال الذين يتخذون من دون الله ~~أندادا، ولحال الكافرين المقلدين لآبائهم فى الضلال بدون تدبر أو تعقل، ~~بعد كل ذلك وجهت السورة الكريمة نداء إلى المؤمنين بينت لهم فيه - وفيما ~~سيأتى بعده من آيات - كثيرا من التشريعات والآداب والأحكام التى هم فى ~~حاجة إليها فقال - تعالى - { يأيها الذين آمنوا كلوا من ~~طيبات ما رزقناكم... إن الله غفور رحيم }. ### || [2.172-173] # الطيبات من الأطعمة المستلذات، ويجوز حملها على ما طاب من الرزق بتحليل ~~الله له. وما رزقناكم ما أوصلناه إليكم من الرزق، - وهو ما ينتفع به. أى ~~يا من آمنتم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر كلوا من ألوان ~~الطيبات التى أحللناها لكم، ولا تتعرضوا لما حرمناه عليكم. وكان الخطاب ~~هنا للمؤمنين خاصة، لأنهم أحق بالفهم، وأجدر بالعلم وأحرى بالاهتداء، ~~وأولى بالتكريم والتشريف. ومفعول { كلوا } محذوف، أى كلوا رزقكم حال ~~كونه بعض طيبات ما رزقناكم. ثم أمرهم - سبحانه - بشكره على هذه الطيبات ~~التى أباحها لهم فقال { واشكروا لله إن كنتم إياه ~~تعبدون }. وهذه الجملة الكريمة معطوفة على جملة { كلوا }. والشكر ~~هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم لموجدها، ووضعها فى الموضع الذى ~~أمر به. أى تمتعوا بنعم الله، واعترفوا له بها على وجه التعظيم، بأن ~~تمتثلوا ما أمر به، وتجتنبوا ما نهى عنه، إن كنتم تخصونه بالعبادة حقا، ~~وتفردونه بالطاعة صدقا. قال الآلوسى وجملة { إن كنتم إياه ~~تعبدون } بمنزلة التعليل لطلب الشكر، كأنه قيل " واشكروا له لأنكم ~~تخصونه بالعبادة، وتخصيصكم إياه بالعبادة، يدل على أنكم تريدون عبادة ~~كاملة تليق بكبريائه، وهى لا تتم إلا ms0326 بالشكر، لأنه من أجل العبادات ". ~~وجواب الشرط محذوف دل عليه المذكور والتقدير إن كنتم إياه تعبدون فكلوا ~~واشكروا لله. ولقد أمر الله - تعالى - عباده أن يشكروه فى آيات كثيرة ومن ~~ذلك قوله - تعالى - # لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي ~~لشديد # وقال - تعالى - # ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ~~الله غني حميد # وفى الحديث الصحيح الذى رواه البخارى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال # " الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر " # وروى الإمام مسلم فى صحيحه عن أنس بن مالك عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال # " إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة ~~فيحمده عليها ". # قال صاحب المنار قال الأستاذ الإمام لا يفهم هذه الآية حق فهمهما إلا ~~من كان عارفا بتاريخ الملل عند ظهور الإسلام وقبله، فإن المشركين وأهل ~~الكتاب كانوا فرقا وأصنافا، منهم من حرم على نفسه أشياء معينة بأجناسها ~~أو أصنافها كالبحيرة والسائبة عند العرب، وكبعض الحيوانات عند غيرهم وكان ~~المذهب الشائع فى النصارى أن أقرب ما يتقرب به إلى الله - تعالى - تعذيب ~~النفس، وحرمانها من الطيبات المستلذة، واحتقار الجسد ولوازمه، واعتقاد ~~أنه لا حياة للروح إلا بذلك... ثم قال وقد تفضل الله على هذه الأمة بأن ~~جعلها أمة وسطا تعطى الجسد حقه والروح حقها، فأحل لنا الطيبات لتتسع ~~دائرة نعمه الجسدية علينا، وأمرنا بالشكر عليها ليكون لنا منها فوائد ~~روحانية عقلية، فلم نكن جسمانيين محضا كالأنعام، ولا روحانيين خلصا ~~كالملائكة، وإنما جعلنا أناسى كملة بهذه الشريعة المعتدلة، فله الحمد ~~والشكر والثناء الحسن ". # وقوله - تعالى - { إنما حرم عليكم الميتة والدم ~~ولحم الخنزير ومآ أهل به لغير الله } بيان لما ~~حرمه الله - تعالى - علينا من المطاعم رعاية لمنفعتنا. و { الميتة } ~~فى عرف الشرع ما مات حتف أنفه، أو قتل على هيئة غير مشروعه، فيدخل فيها ~~المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما عدا عليها السبع، ويدخل فى ~~حكم الميتة ما قطع من جسم الحيوان الحى للحديث الذى أخرجه أبو داود ms0327 ~~والترمذى عن أبى واقد الليثى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " ما قطع من البهيمة وهى حية فهو ميتة ". # وكان الأكل من الميتة محرما، لفساد جسمها بذبول أجزائه وتعفنها، ولأنها ~~أصبحت بحالة تعافها الطباع السليمة لقذارتها وضررها. قال الآلوسى وأضاف - ~~سبحانه - الحرمة إلى العين - مع أن الحرمة من الأحكام الشرعية التى هى ~~صفات فعل المكلف وليست مما تتعلق بالأعيان - إشارة إلى حرمة التصرف فى ~~الميتة من جميع الوجوه بأخصر طريق وأوكده، حيث جعل العين غير قابلة لتعلق ~~فعل المكلف بها إلا ما خصه الدليل كالتصرف بالمدبوغ، وخرج عن حكم الميتة ~~السمك والجراد، للحديث الذى أخرجه ابن ماجه والحاكم من حديث ابن عمر أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال " # وللعرف أيضا، فإنه إذا ما قال القائل أكل فلان الميتة لم يسبق الوهم ~~إليهما نعم حرم بعضهم ميتة السمك الطافى وما مات من الجراد بغير سبب، ~~واستدل بعموم الآية على تحريم الأجنة وتحريم ما لا نفس له سائلة خلافا ~~لمن أباحه ". والدم المحرم ما يسيل من الحيوان الحى كثيرا كان أم قليلا ~~وكذلك يحرم من دم الحيوان ما جرى منه بعد تذكيته، وهو الذى عبر عنه ~~القرآن بالمسفوح فى قوله - تعالى - # قل لا أجد فى مآ أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا... # والدم المسفوح هو الدم الجارى المهراق من البهيمة بعد ذبحها. أما الدم ~~المتبقى فى أجزاء لحم البهيمة بعد تذكيتها فلا شىء فيه. قال القرطبى وأما ~~الدم فمحرم ما لم تعم به البلوى، ومعفو عما تعم به البلوى. والذى تعم به ~~البلوى هو الدم فى اللحم وعروقه... وقد روت عائشة - رضى الله عنها - قالت ~~كنا نطبخ البرمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلوها الصفرة من ~~الدم فنأكل ولا ننكره " لأن التحفظ من هذا إصر وفيه مشقة، والإصر ~~والمشقة فى الدين موضوع. # وهذا أصل فى الشرع ". وقد عرف عن بعض ms0328 العرب فى الجاهلية أنهم كانوا ~~يأخذون الدم من البهائم عند ذبحها، فيضعونه فى أمعائها ثم يشوونها بالنار ~~ويأكلونها ويسمون ذلك بالفصيد. قال بعضهم والحكمة فى تحريم الدم أنه ~~تستقذره النفوس الكريمة، ويفضى شربه أو أكله إلى الإضرار بالنفس، وفضلا ~~عن ذلك فإن تعاطيه يورث ضراوة فى الإنسان، وغلظة فى الطباع فيصير ~~كالحيوان المفترس، وهذا مناف لمقصد الشريعة التى جاءت لإتمام مكارم ~~الأخلاق. وحرمة الخنزير شاملة للحمه وشحمه وجلده. وإنما خص لحمه بالذكر، ~~لأنه الذى يقصد بالأكل، ولأن سائر أجزاء الخنزير كالتابعة للحمه. وبعض ~~الفقهاء يرى أنه لا بأس من الانتفاع بشعر الخنزير فى الخرازة - أى خياطة ~~الجلود وغيرها -، وبعضهم كره ذلك. ومن الحكم فى تحريم لحم الخنزير ~~قذارته، واشتماله على دودة تضر ببدن آكله وقد أثبت ذلك العلم الحديث. وما ~~يقوله قوم من أن وسائل العلم الحديث قد تقدمت، وصار فى الإمكان التغلب ~~على ما فى لحم الخنزير من أضرار هذا القول مردود بأن العلم الحديث قد ~~احتاج إلى ثلاثة عشر قرنا ليكتشف آفة واحدة فى لحم الخنزير، فمن ذا الذى ~~يجزم بأنه ليس هناك آفات أخرى فى هذا اللحم لم يعرفها العلم حتى الآن؟ إن ~~الشريعة التى سبقت العلم الحديث بأكثر من ثلاثة عشر قرنا أولى بالاتباع، ~~وأجدر بالطاعة فيما أحلته وحرمته مما يقوله الناس، لأنها من عند الله ~~العليم بشئون عباده، الخبير بما ينفعهم وبما يضرهم. وقوله { ومآ ~~أهل به لغير الله } معطوف على ما قبله من المحرمات. و { ~~أهل } من الإهلال، وهو رفع الصوت عند رؤية الهلال، ثم استعمل لرفع ~~الصوت مطلقا، ومنه إهلال الصبى، والإهلال بالحج. وكانوا فى الجاهلية ~~إذا أرادوا ذبح ما قربوه إلى آلهتهم سموا عليها أسماءها - كاللات والعزى ~~- ورفعوا بها أصواتهم، وسمى ذلك إهلالا. فالمراد بما أهل به لغير الله ما ~~ذبح للأصنام وغيرها، ومنه ما يذبحه المجوسى للنار. ومنه عند جمهور ~~العلماء ذبائح أهل الكتاب إذا ذكر عليها اسم عزير أو عيسى، لأنها مما أهل ~~به لغير الله. وذهب جماعة من التابعين ms0329 إلى تخصيص الغير بالأصنام، وإلى حل ~~ذبائح أهل الكتاب مطلقا، لعموم قوله - تعالى - فى سورة المائدة وهى من ~~آخر سورة نزولا # وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم # أى ذبائحهم، وهو - سبحانه - يعلم ما يقولون. وروى الحسن عن على - رضى ~~الله عنه - أنه قال إذا ذكر الكتابى اسم غير الله على ذبيحته وأنت تسمع ~~فلا تأكل، فإن غاب عنك فكل، فإن الله قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون. # وقد روى البخارى # " عن عائشه - رضى الله عنها - قالت إن قوما قالوا للنبى صلى الله عليه ~~وسلم إن قوما يأتوننا باللحم لا ندرى أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال ~~سموا عليه أنتم وكلوه. قالت وكانوا حديثى عهد بكفر ". # فكأن المحرم ليس ما لم يعلم أن اسم الله ذكر عليه، بل المحرم ما علم أن ~~غير اسم الله من الأوثان والأنداد ونحو ذلك قد ذكر عليه. فأنت ترى أن ~~تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير كان لاستقذار الأكل من هذه الثلاثة، أى ~~لعلة ذاتية فيها، أما تحريم ما أهل به لغير الله فليس لعلة فيه، ولكن ~~للتوجه به إلى غير الله. وهى علة روحية تنافى سلامة القلب، وطهارة الروح، ~~ووحدة المتجه فما ذكر عليه سوى اسم الله من الذبائح ملحق بالنجاسة ~~المادية والقذارة الحقيقية، وفى ذلك حض للناس على إخلاص العبادة لله - ~~تعالى -، وزجر لهم عن التقرب إلى أحد سواه. وقوله - تعالى - { فمن ~~اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه } بيان لحالات ~~الضرورة التى يباح للإنسان فيها أن يأكل من تلك المحرمات. و { اضطر ~~} من الاضطرار وهو الاحتياج إلى الشىء. يقال اضطره إلى هذا الشىء. أى ~~أحوجه وألجأه إليه مأخوذ من الإضرار، وهو حمل الإنسان على أمر بكرهه، ~~وقهره عليه بقوة يناله بدفعها الهلاك. و { باغ } من البغاء وهو الطلب. ~~تقول بغيته بغاء وبغيا وبغية أى طلبته. و { عاد } اسم فاعل بمعنى متعد، ~~تقول. عدا طوره إذا تجاوز حده وتعداه إلى غير فهو عاد، ومنه قوله - تعالى ~~- فى شأن قوم لوط # بل ms0330 أنتم قوم عادون # و { غير } منصوب على الحال من الضمير المستتر فى { اضطر } وهى ~~هنا بمعنى النفى ولذا عطف عليها لا. والمعنى فمن ألجأته ضرورة إلى أكل ~~شىء من هذه المحرمات حالة كونه غير باغ أى غير طالب للمحرم وهو يجد غيره، ~~أو غير طالب له لإشباع لذته، أو غير طالب له على جهة الاستئثار به على ~~مضطر آخر، أو غير ساع فى فساد { ولا عاد } أى وغير متجاوز ما يسد ~~الجوع، ويحفظ الحياة { فلا إثم عليه } أى فلا إثم عليه فى أكله ~~من هذه المحرمات. وبهذا نرى لونا من ألوان سماحة الإسلام ويسره فى ~~تشريعاته، التى أقامها الله - تعالى - على رفع الحرج، ودفع الضرر، قال - ~~تعالى - # وما جعل عليكم فى الدين من حرج # وقال - تعالى - # يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر # وقوله { إن الله غفور رحيم } تذييل قصد به الامتنان. أى إن ~~الله - تعالى - موصوف بهذين الوصفين الجليلين، ومن كان كذلك كان من شأنه ~~أن يعفو عن الخطايا، ويغفر الذنوب، ويشرع لعباده ما فيه يسر لا ما فيه ~~عسر. # هذا، وظاهر هذه الآية الكريمة يقتضى أنه ليس هناك محرم من المطعومات سوى ~~هذه الأربعة، لكنا نعلم فى الشرع أن هناك مطعومات أخرى قد حرم على المسلم ~~تناولها كلحوم الحمر الأهلية، فعلى هذا تكون لفظة " إنما " متروكة الظاهر ~~فى العمل - كما قال الإمام الرازى - أى أن الحصر فيها غير مقصود وشبيه ~~بهذه الآية قوله - تعالى - فى سورة الأنعام # قل لا أجد فى مآ أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو ~~لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله ~~به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور ~~رحيم # ثم تحدث القرآن عن سوء عاقبة الذين يكتمون ما أمر الله بإظهاره وتوعدهم ~~بأقسى ألوان العذاب فقال - تعالى - { إن الذين يكتمون مآ ~~أنزل...لفي شقاق بعيد }. ### || [2.174-176] # الكتم والكتمان إخفاء الشىء قصدا مع تحقق الداعى إلى إظهاره. وقد تحدث ~~القرآن - قبل هذه ms0331 الآيات بقليل - فى قوله تعالى - # إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من البينات ~~والهدى # عن المصير الأليم الذى توعد الله به أولئك الكاتمين لما أمر الله ~~بإظهاره، وأعاد الحديث عن سوء عاقبتهم هنا لكى ينذرهم مرة بعد أخرى حتى ~~يقلعوا عن هذه الرذيلة التى هى من أبشع الرذائل وأقبحها، ولكى يغرس فى ~~قلوب الناس - وخصوصا العلماء - الشجاعة التى تجعلهم يجهرون بكملة الحق فى ~~وجوه الطغاة لا يخافون لومة لائم، ويبلغون رسالات الله دون أن يخشوا ~~أحدا سواه، ويبينون للناس ما أمرهم الله ببيانه بطريقة سليمة أمينة ~~خالية من التحريف الكاذب، والتأويل الباطل. قال الإمام الرازى قال ابن ~~عباس نزلت هذه الآية فى رؤساء اليهود وأحبارهم. كانوا يأخذون من أتباعهم ~~الهدايا، فلما بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم خافوا انقطاع تلك ~~المنافع فكتموا أمره - عليه السلام - وأمر شرائعه فنزلت هذه الآية. ثم ~~قال الإمام الرازى والآية وإن نزلت فى أهل الكتاب لكنها عامة فى حق كل ~~من كتم شيئا من باب الدين يجب إظهاره، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص ~~السبب ". والمراد بالكتاب، التوراة، أو جنس الكتب السماوية التى بشرت ~~بالنبى صلى الله عليه وسلم. و { من } فى قوله { من الكتاب } ~~بمعنى فى أى يكتمون ما أنزل الله فى كتابه من صفة النبى صلى الله عليه ~~وسلم ونعته ووقت بعثته. وقيل للبيان، وهى حال من العائد على الموصول ~~والتقدير أنزل الله حال كونه من الكتاب والعامل فيه أنزل. وقوله { ~~ويشترون به ثمنا قليلا } معطوف على يكتمون. أى يكتمون ما ~~أنزل الله من الكتاب مما يشهد بصدق النبى صلى الله عليه وسلم ويأخذون من ~~سفلتهم فى مقابل ذلك عرضا قليلا من أعراض الدنيا. والضمير فى قوله { ~~به } يعود إلى ما أنزل الله، أو إلى الكتمان الذى يدل عليه الفعل { ~~يكتمون } أو إلى الكتاب. ووصف هذا الثمن الذى يأخذونه فى مقابل ~~كتمانهم بالقلة، لأن كل ما يؤخذ فى مقابلة إخفاء شىء مما أنزله الله فهو ~~قليل حتى ولو كان ملء الأرض ذهبا. ms0332 وقوله - تعالى - { أولئك ما ~~يأكلون فى بطونهم إلا النار } وما عطف عليه، بيان للعذاب ~~المهين الذى أعدلهم بسبب كتمانهم لما أمر الله بإظهاره وبيعهم دينهم ~~بدنياهم. أى أولئك ما يأكلون فى بطونهم إلا ما يؤدى بهم إلى النار وبئس ~~القرار كما قال - تعالى - فى حق أكله مال اليتامى # إنما يأكلون فى بطونهم نارا وسيصلون سعيرا # وفى هذه الجملة الكريمة تمثيل لحالة أولئك الكفار الحاصلة من أكلهم ذلك ~~الثمن القليل. # المفضى بهم إلى النار، بحالة من يأكل النار نفسها. ووجه الشبه بين ~~الحالتين أنه يترتب على أكل ذلك المال الحرام من تقطيع الأمعاء وشدة ~~الألم، ما يترب على أكل النار ذاتها، إلا أن العذاب الحاصل من أكل النار ~~يقع عندما تمتلئ منها بطونهم، والعذاب الحاصل من أكل المال الحرام يقع ~~عند لقاء جزائه وهو الإحراق بالنار. وجىء باسم الإشارة فى أول هذه ~~الجملة لتمييز أولئك الكاتمين أكمل تمييز حتى لا يخفى أمرهم على أحد، ~~وللتنبيه على أن ما ذكر بعد اسم الإشارة من عقوبات سببه ما فعلوه قبل ~~ذلك من سيئات. وخص - سبحانه - بالذكر الأكل فى بطونهم من بين وجوه ~~انتفاعهم بما يأخذونه من مال حرام، للإشعار بسقوط همتهم ودناءة نفوسهم ~~حتى إنهم ليخفون ما أمر الله بإظهاره من حقائق وهدايات، نظير ملء بطونهم. ~~وقوله { ولا يكلمهم الله يوم القيامة } أى لا يكلمهم ~~كلاما تطمئن به نفوسهم، وتنشرح له صدورهم وإنما يكلمهم بما يخزيهم ~~ويفجعهم بسبب سوء أعمالهم كقوله - لهم # اخسئوا فيها ولا تكلمون # أو أن نفى تكليمه لهم كتابة عن غضبه عليهم، لأن من عادة الملوك أنهم عند ~~الغضب يعرضون عن المغضوب عليه ولا يكلمونه، كما أنهم عند الرضا يقبلون ~~عليه بالوجه والحديث. وقوله { ولا يزكيهم } أى ولا يطهرهم من دنس ~~الكفر والذنوب بالمغفرة، من التزكية بمعنى التطهير. يقال زكاة الله، أى ~~طهره وأصلحه. وتستعمل التزكية بمعنى الثناء، ومنه زكى الرجل صاحبه إذا ~~وصفه بالأوصاف المحمودة وأثنى عليه. فيكون معنى { ولا يزكيهم } ~~لا يثنى عليهم - سبحانه - ومن لا يثنى عليه ms0333 الله فهو معذب. فهؤلاء الذين ~~كتموا الحق نظير شىء قليل من حطام الدنيا، فقدوا رضا الله عنهم وثناءه ~~عليهم وتطهيره لهم. ثم ختم - سبحانه - الآية ببيان سوء منقلبهم، وشدة ألم ~~العذاب الذى ينالهم فقال - تعالى - { ولهم عذاب أليم } أى. ~~موجع مؤلم. قال الآلوسى وقد جاءت هذه الأخبار مرتبة بحسب المعنى، لأنه ~~لما ذكر - سبحانه - اشتراءهم بذلك - الثمن القليل - وكان كناية عن ~~مطاعمهم الخبيثة الفانية، بدأ أولا فى الخبر بقوله { ما يأكلون فى ~~بطونهم إلا النار }. وابتنى على كتمانهم واشترائهم بما أنزل ~~الله ثمنا قليلا، أنهم شهود زور وأحبار سوء، آذوا بهذه الشهادة الباطلة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وألموه فقوبلوا بقوله - سبحانه - { ولا ~~يزكيهم ولهم عذاب أليم }. ثم بين - سبحانه - ما هم عليه ~~من جهل وغباء وسوء عاقبة فقال { أولئك الذين اشتروا ~~الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة }. الاشتراء ~~استبدال السلعة بالثمن. والمعنى أولئك الذين تقدم الحديث عنهم وهم ~~الكاتمون لما أنزل الله قد بلغ بهم الغباء وانطماس البصيرة أنهم باعوا ~~الهدى والإيمان ليأخذوا فى مقابلهما الكفر والضلال، وباعوا ما يوصلهم ~~إلى مغفرة الله ورحمته ليأخذوا فى مقابل ذلك عذابه ونقمته، فما أخسرها من ~~صفقة، وما أغبى هؤلاء الكاتمين الذين فعلوا ذلك نظير عرض من أعراض الدنيا ~~الفانية، فخسروا بما فعلوه دنياهم وآخرتهم. # وقوله - تعالى - { فمآ أصبرهم على النار } معناه فما ~~أدومهم على عمل المعاصى التى تؤدى بهم إلى النار حتى لكأنهم بإصرارهم على ~~عملها يجلبون النار إليهم جلبا. ويقصدون إليها قصدا بدون مبالاة أو ~~تفكر. والمراد من التعجب فى هذه الآية وأشباهها، الإعلام بحالهم وأنه ~~ينبغى أن يتعجب منها كل أحد، وذلك لأن المعنى الظاهر من الجملة التعجب من ~~صبر أولئك الكفارعلى النار، والتعجب انفعال - يحدث فى النفس عند الشعور ~~بأمر يجهل سببه وهو غير جائز فى حقه - تعالى - لأنه لا يخفى عليه شىء، ~~ومن هنا قال العلماء إن فعل التعجب فى كلام الله المراد منه التعجب، أى ~~جعل الغير يتعجب من ذلك الفعل، وهو هنا صبرهم على النار، فيكون ms0334 المقصود ~~تعجيب المؤمنين من جراءة أولئك الكاتمين لما أنزل الله على اقترافهم ما ~~يلقى بهم فى النار، شأن الواثق من صبره على عذابها المقيم. وشبيه بهذا ~~الأسلوب فى التعجب - كما أشار صاحب الكشاف - أن تقول لمن يتعرض لما يوجب ~~غضب السلطان ما أصبرك على القيد والسجن فأنت لا تريد التعجب من صبره، ~~وإنما تريد إفهامه أن التعرض لما يغضبه لا يقع إلا ممن شأنه الصبر على ~~القيد والسجن، والمقصود بذلك تحذيره من التمادى فيما يوجب غضب ذلك ~~السلطان. قال الجمل ما ملخصه وما فى قوله { فمآ أصبرهم } - وفى ~~مثل هذا التركيب - فيها أوجه أحدها وهو قول سيبويه والجمهور أنها نكرة ~~تامة غير موصولة ولا موصوفة وأن معناها التعجب فإذا قلت. ما أحسن زيدا، ~~فمعناه شىء صير زيدا حسنا. والثانى وإليه ذهب الفراء أنها استفهامية ~~صحبها معنى التعجب، نحو # كيف تكفرون بالله # والثالث ويعزى للأخفش أنها موصولة. والرابع ويعزى له أيضا أنها نكرة ~~موصوفة وهى على هذه الأقوال الأربعة فى محل رفع بالابتداء وخبرها على ~~القولين الأولين الجملة الفعلية بعدها، وعلى قولى الأخفش يكون الخبر ~~محذوفا. ثم بين - سبحانه - أن سبب استحقاقهم للعذاب الأليم، هو ارتكابهم ~~لما نهى الله عنه عن قصد وسوء نية فقال { ذلك بأن الله نزل ~~الكتاب بالحق }. أى ذلك العذاب الأليم حل بهم بسبب أن الله أنزل ~~التوراة مصحوبة ببيان الحق الذى من جملته التبشير ببعثة النبى محمد صلى ~~الله عليه وسلم فكتموا هم هذا الحق وامتدت إليه أيديهم الأثيمة بالتحريف ~~والتأويل إيثارا لمطامع دنيوية على هدى الله الذى هو أساس كل سعادة. # فاسم الإشارة { ذلك } يعود على مجموع ما سبق بيانه من أكل النار، ~~وعدم تكليم الله إياهم، وعدم تزكيتهم.. الخ. والباء فى قوله { بأن } ~~للسببية، والمراد بالكتاب التوراة. ثم ختم - سبحانه - الحديث عن هؤلاء ~~الكاتمين للحق بقوله { وإن الذين اختلفوا فى الكتاب ~~لفي شقاق بعيد }. اختلفوا خلف بعضهم بعضا، وأصله من أختلاف ~~الطريق، تقول اختلفوا فى الطريق. أى جاء بعضهم من جهة والبعض الآخر من ms0335 ~~جهة أو جهات أخرى. ثم استعمل فى الاختلاف فى المذاهب والاعتقاد. والكتاب ~~التوراة، أو التوراة والإنجيل، إذ يصح أن يراد جنس الكتاب والمقام يقتضى ~~صرفه إلى هذين الكتابين، وقد أبعد فى التأويل من قال بأن المراد به ~~القرآن لأن الحديث عن أهل الكتاب الذين كتموا ما فى كتبهم من بشارات ~~بالرسول صلى الله عليه وسلم واختلافهم فى الكتاب من مظاهره إيمانهم ببعضه ~~وكفرهم بالبعض الآخر، وتحريفه عن مواضعه وتأويله على غير ما يراد منه. ~~والشقاق الخلاف، كأن كل واحد من المختلفين فى شق غير الشق الذى يكون فيه ~~الآخر، وإذا وصف الخلاف بالبعد فهم منه أنه بعيد عن الحق، يقال قال فلان ~~قولا بعيدا، أى بعيدا من الصواب. والمعنى ذلك العذاب الأليم حل بأولئك ~~الأشقياء بسبب كتمانهم لما أنزله الله فى كتابه من الحق، وإن الذين ~~اختلفوا فى شأن ما أنزله الله فى كتبه فأظهروا منها ما يناسب أهواءهم ~~وأخفوا ما لا يناسبها - لفى بعد شديد عن الحق والصواب وبذلك تكون الآيات ~~الكريمة قد ذكرت ألوانا من العقوبات الأليمة التى توعد الله بها كل من ~~يكتم أمرا نهى الله عن كتمانه، لكى يقلع كل من يتأنى له الخطاب عن هذه ~~الرذيلة وفاء للعهد الذى أخذه الله على الناس بصفة عامة، وعلى أولى العلم ~~بصفة خاصة. ثم ساق القرآن الكريم آية جامعة لأنواع البر، ووجوه الخير، ~~تهدى المتمسك بها إلى السعادة الدنيوية والأخروية فقال - تعالى - { ~~ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق ~~والمغرب ولكن البر... }. ### || [2.177] # { البر } اسم جامع لكل خير، ولكل طاعة وقرية يتقرب بها العبد إلى ~~خالقه - عز وجل -. قال الراغب " البر - بفتح الباء - خلاف البحر، وتصور ~~منه التوسع فاشتق منه البر - بكسر الباء - بمعنى التوسع فى فعل الخير، ~~وينسب ذلك إلى الله - تعالى - تارة نحو # إنه هو البر الرحيم # وإلى العبد تارة فيقال بر العبد ربه، أى توسع فى طاعته فالبر من الله ~~الثواب، ومن العبد الطاعة ". وتولية الوجوه قبل الشىء معناه التوجه إليه ~~بجعل الوجه متجها إلى ms0336 جهته فلفظ " قيل " بمعنى جهة وهو منصوب على الظرفية ~~المكانية. و { المشرق } الجهة التى تشرق منها الشمس، والمغرب الجهة ~~التى تغرب فيها. قال الإمام الرازى اختلف العلماء فى أن هذا الخطاب عام ~~أو خاص. فقال بعضهم أراد بقوله { ليس البر } أهل الكتاب لما ~~شددوا فى الثبات على التوجه بنحو بيت المقدس فقال - تعالى - ليس البر هذه ~~الطريقة ولكن البر من آمن بالله. وقال بعضهم بل المراد مخاطبته المؤمنين ~~لما ظنوا أنهم قد نالوا البغية بالتوجه إلى الكعبة من حيث كانوا يحبون ~~ذلك فخوطبوا بهذا الكلام وقال بعضهم بل هو خطاب للكل، لأن عند نسخ القبلة ~~وتحويلها حصل من المؤمنين الاغتباط بهذه القبلة، وحصل منهم التشدد فى تلك ~~القبلة حتى ظنوا أنه الفرض الأكبر فى الدين، فبعثهم الله - تعالى - بهذا ~~الخطاب على استيفاء جميع العبادات والطاعات، وبين أن البر ليس بأن تولوا ~~وجوهكم شرقا وغربا، وإنما البر. كيت وكيت. وهذا أشبه بالظاهر إذ لا ~~تخصيص فيه، فكأنه - تعالى - قال ليس البر المطلوب هو أمر القبلة، بل البر ~~المطلوب هو هذه الخصال التى عدها ". وهذا القول الثالث - الذى يرى أصحابه ~~أن الخطاب للكل، والذى قال عنه الإمام الرازى هذا أشبه بالظاهر - هذا ~~القول، هو الذى تسكن إليه النفس، لأنه لا يوجد نص صحيح يخصص الخطاب ~~لطائفة معينة من الناس ولأن المقصود من الآية الكريمة إنما هو إفهام ~~الناس فى كل زمان ومكان أن مجرد تولية الوجه إلى قبلة مخصوصة ليس هو البر ~~الكامل الذى يعنيه الإسلام، وإنما البر الكامل يتأنى فى استجابة ~~الإنسان لتلك الخصال الشريفة التى اشتملت عليها الآية، تلك الخصال التى ~~تجعل المستمسكين بها على صلة طيبة بخالقهم وعلى صلة طيبة بغيرهم، - كما ~~سنبين ذلك عند تعليقنا على هذه الآية الكريمة -. والمعنى ليس البر - الذى ~~هو كل طاعة يتقرب بها الإنسان إلى خالقه - فى تولية الوجه عند الصلاة ~~إلى جهة المشرق والمغرب، وإنما البر الذى يجب الاهتمام به لأنه يؤدى إلى ~~السعادة والفلاح - يكون فى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ms0337 واليوم ~~الآخر، وفى انفاق المال فى وجوه الخير، وفى اتباع ما ذكرته الآية الكريمة ~~من خصال جليلة. # هذا وقد قرأ حمزة وحفص عن عاصم { ليس البر } بنصب البر على أنه ~~خبر ليس، واسمها قوله - تعالى - { أن تولوا } أى ليس توليتكم ~~وجوهكم قبل المشرق والمغرب البر كله. وقرأ الباقون { ليس البر } ~~برفع البر على أنه اسم ليس، وخبرها قوله - تعالى - { أن تولوا } أى ~~ليس البر كله توليتكم وجوهكم قبل المشرق والمغرب. قال الطبرسى وكلا ~~المذهبين حسن، لأن كل واحد من اسم ليس وخبرها معرفة، فإذا اجتمعا فى ~~التعريف تكافآ فى كون أحدهما اسما والآخر خبرا كما تتكافأ النكرتان. ~~وقوله - تعالى - { ولكن البر من آمن بالله ~~واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين } ~~إلخ بيان لما هو البر الذى يجب أن تتجه إليه الأفكار، وتستجيب له النفوس. ~~و { ولكن } حرف استدراك، البر اسمها. وقوله { من آمن } وقع فى ~~اللفظ موقع الخبر عن قوله { البر } والخبر فى المعنى لفظ مقدر مضاف ~~إلى من آمن، يفهم من سياق الجملة، والمعنى مع ملاحظة المقدر ولكن البر بر ~~من آمن بالله. وهذا اللون من الإيجاز الذى حذف فيه المضاف معهود فى كلام ~~البلغاء إذ تجدهم يقولون السخاء حاتم، والشعر زهير. أى السخاء سخاء حاتم، ~~والشعر شعر زهير. وقيل إن البر هنا بمعنى البار فجعل المصدر فى موضع اسم ~~الفاعل، كما يقال ماء غور أى غائر، ورجل صوم أى صائم. وقيل إن المحذوف هو ~~لفظ مضاف إلى البر. أى ولكن ذا البر من آمن بالله. وقد ابتدأت الآية ~~حديثها عن خصال البر بالإيمان بالله، لأنه أساس كل بر. وأصل كل خير، ~~والإيمان بالله هو التصديق بأنه هو الواحد الفرد الصمد، الذى لا تعنو ~~الوجوه إلا له، ولا تتجه القلوب بالعبادة إلا إليه، ومتى رسخ هذا ~~الإيمان فى النفوس ارتفع بها إلى مكانة التكريم التى أرادها الله - ~~تعالى - لبنى آدم وصانها عن الذلة والاستكانة وأعطاها نبراس الهداية ~~والسداد فى كل نواحى الحياة. ثم ذكرت الإيمان باليوم الآخر، وهو التصديق ~~بالبعث ms0338 وما يقع بعده من حساب وثواب وعقاب على الوجه الذى وصفته نصوص ~~الشريعة بأجلى بيان. والإيمان باليوم الآخر من ثماره أنه يغرس فى النفوس ~~محبة الخير، والحرص على إسداء المعروف وينفرها من اقتراف الشرور وارتكاب ~~الآثام. ولقد تحدث القرآن عن الإيمان بالله واليوم الآخر فى عشرات ~~الآيات، وأقام الأدلة الساطعة، والبراهين القاطعة على وحدانية الله وعلى ~~أنه هو صاحب الكمال المطلق، كما أقام الحجج والبراهين على أن البعث حق ~~وضرب الأمثال لذلك، وسفه عقول المنكرين له. # ثم ذكرت الإيمان بالملائكة والملائكة أجسام لطيفة نورانية، قادرون على ~~التشكل فى صورة حسنة مختلفة، وصفهم القرآن بأنهم # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # ووجه دخول التصديق بهم فى حقيقة الإيمان، أن الله وسطهم فى إبلاغ وحيه ~~لأنبيائه، وبين ذلك فى كتابه، وتحدث الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ~~عنهم فى كثير من أحاديثه، فمن لم يؤمن بالملائكة على هذا الوجه الذى جاءت ~~به الشريعة فقد انكر الوحى، إذ الإيمان بهم أصل للإيمان بالوحى، فيلزم ~~من إنكارهم إنكار الوحى، وهو يستلزم إنكار النبوة وإنكار الدار الآخرة. ~~ثم ذكرت الآية الإيمان بالكتاب. والمراد به القرآن لأنه المقصود ~~بالدعوة، ولأنه هو الأمين على الكتب قبله، فما وافقه منها كان حقا وما ~~خالفه كان باطلا. والإيمان به يستلزم الإيمان بجميع الكتب المنزلة من ~~عند الله على أنبيائه، لأنه هو الذى أخبرنا بذلك وأمرنا بذلك وأمرنا بأن ~~نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله. ثم ذكرت الإيمان بالنبيين، أى التصديق ~~بأنهم رجال اصطفاهم الله - تعالى - لتلقى هدايته وكتبه وتبليعها للناس ~~بصدق وأمانة وسلامة بصيرة. والنبيون الذين يجب الإيمان بهم كل من ثبتت ~~نبوته عن طريق القرآن الكريم أو الحديث الصحيح، وكل من أنكر نبوة نبى قد ~~ثبتت نبوته فقد خرج عن طريق الإيمان. ولقد قام الدليل القاطع على أن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبيين والمرسلين، وكل من ادعى غير ~~ذلك فهو من الضالين المضلين. وقد جمعت هذه الأمور الخمسة التى ذكرتها ~~الآية كل ما يلزم ms0339 أن يصدق به الإنسان، لكى يكون ذا عقيدة سليمة، تصل به ~~إلى الفلاح والسعادة. ثم ذكرت الآية بعد بيان أصول الإيمان أصول الأعمال ~~الصالحة فقالت. { وآتى المال على حبه ذوي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل والسآئلين وفى ~~الرقاب }. وهذه الجملة معطوفة على قوله - تعالى - { من آمن ~~بالله }. والضمير فى قوله { على حبه } يعود إلى المال، أى ~~أعطى المال وبذله عن طيب خاطره حالة كونه محبا له راغبا فيه. لأن ~~الإعطاء والبذل فى هذه الحالة يدل على قوة الإيمان، وصفاء الوجدان، ~~ويسمو بصاحبه إلى أعلا الدرجات. قال - تعالى - # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون # وقد بين النبى صلى الله عليه وسلم أن أفضل الصدقة ما كان فى حال الصحة، ~~لأن الإنسان فى هذه الحالة يكون مظنة الحاجة إلى المال فقد أخرج البخارى ~~فى صحيحه عن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال جاء رجل إلى النبى صلى الله ~~عليه وسلم قال # " يا رسول الله، أى الصدقة أعظم أجرا؟ قال " أن تصدق وأنت صحيح شحيح، ~~تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ~~وكذا وقد كان لفلان " ". # وقيل الضمير يعود إلى الله - عز وجل - أى يعطون المال على حب الله ~~وطلبا لمرضاته. وقيل يعود إلى الايتاء الذى دل عليه قوله - تعالى - { ~~وآتى المال } فكأنه قال يعطى ويحب الاعطاء رغبة فى ثواب الله. ~~والمراد بذوى القربى أقرباء المعطى للمال والمعنى وأعطى المال مع محبته ~~لهذا المال لأقاربه المحتاجبين لأنهم أولى بالمعروف، ولأن إعطاءهم إحسان ~~وصلة رحم، ولذلك جاء ذكرهم فى الآية مقدما على بقية الأصناف التى تستحق ~~العطف والإحسان. روى الإمام أحمد والترمذى والنسائى وغيرهم عن سليمان ~~بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الصدقة على المسكين صدقة. وعلى ذى الرحم اثنتان صدقة وصلة ". # { واليتامى } جمع يتيم، وهو من فقد أباه بالموت ولم يبلغ الحلم. ~~وهؤلاء اليتامى فى حاجة إلى الإحسان إليهم بعد ذوى القربى متى كانوا ~~محتاجين، لشدة عجزهم عن كسب ما يسد ms0340 حاجتهم. { والمساكين } جمع ~~مسكين، وهو من لا يملك شيئا من المال، أو يملك ما لا يكفى حاجاته وهذا ~~النوع من الناس فى حاجة إلى العناية والرعاية لأنهم فى الغالب يفضلون ~~الاكتفاء بالقليل على إراقة وجوههم بالسؤال. وفى الصحيحين عن أبى هريرة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " ليس المسكين الذى يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان والتمرة ~~والتمرتان. قالوا فما المسكين يا رسول الله؟ قال الذى لا يجد غنى يغنيه ~~ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئا ". # { وابن السبيل } هو المسافر المنقطع عن ماله. وسمى بذلك - كما ~~قال الآلوسى - لملازمته السبيل - أى الطريق - فى السفر، أو لأن الطريق ~~تبرزه فكأنها ولدته وكأن إفراده لانفراده عن أحبابه ووطنه وأصحابه فهو ~~أبدا يتوق إلى الجمع، ويشتاق إلى الربع، والكريم يحن إلى وطنه حنين ~~الشارف إلى عطنه ". وهذا النوع من الناس فى حاجة إلى المساعدة والمعاونة ~~حتى يستطيع الوصول إلى بلده، وفى هذا تنبيه إلى المسلمين وإن اختلفت ~~أوطانهم ينبغى أن يكونوا فى التعاطف والتعاون على متاعب الحياة كالأسرة ~~الواحدة. { والسآئلين } جمع سائل، وهو الطالب للإحسان والمعروف. ~~ويحمل حاله على أنه فى حاجة إلى المعاونة، لأن السؤال علامة الحاجة ~~غالبا. والرقاب جمع رقبة وهى فى الأصل العنق، وتطلق على البدن كله كما ~~تطلق العين على الجاسوس. فصح حمل الرقاب على الأسارى والأرقاء. وقوله { ~~وفى الرقاب } متعلق بآتى، أى آتى المال على حبه فى تخليص الأسرى من ~~أيدى العدو بفدائهم، وتخليص الأرقاء بشرائهم وإعتاقهم. وهذه الأصناف ~~الستة التى ذكرت فى تلك الآية الكريمة { وآتى المال على ~~حبه.. } إلخ. ليس المقصود من ذكرها الاستيعاب والحصر، ولكنها ذكرت ~~كأمثلة وخصت بالذكر لأنها أحوج من غيرها إلى العون والمساعدة. # والذى يراجع القرآن الكريم يجده قد عنى عناية كبرى بالفقراء والمساكين ~~وجميع أصناف المحتاجين حتى لا تكاد سورة من سوره تخلو من الحث على ~~الإنفاق عليهم، وبذل العون فى مساعدتهم - وأيضا - هناك عشرات الأحاديث ~~فى الحض على مد يد العون إلى ذوى القرابة والمعسرين، ms0341 وذلك لأن المجتمعات ~~تحيا وتنهض بالتراحم، وتذل وتشقى بالتقاطع والتدابر بين أبنائها. ثم ذكرت ~~الآية ألوانا أخرى من البر تدل على قوة الإيمان وحسن الخلق فقالت { ~~وأقام الصلاة وآتى الزكاة } وإقامة الصلاة أداؤها فى ~~مواقيتها مستوفية لأركانها وسننها وخشوعها على الوجه الشرعى الذى أمر ~~الله به، والمراد بالزكاة هنا، الزكاة المفروضة على الوجه الذى فصلته ~~السنة المطهرة. وإبتاؤها يكون بإعطائها لمستحقيها من الفقراء والمساكين ~~وغيرهم ممن ذكرهم الله فى قوله - تعالى - # إنما الصدقات للفقرآء والمساكين والعاملين ~~عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين ~~وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله ~~والله عليم حكيم # وفى ذكر الزكاة المفروضة بعد ذكر إيتاء المال على حبه لذوى القربى ~~واليتامى.. إلخ دليل على أن فى الأموال حقوقا لذوى الحاجات سوى الزكاة، ~~وذلك لأنه من المعروف بين أهل العلم أن الحاجة إذا بلغت بطائفة من أبناء ~~الأمة حد الضرورة، يجب على الأغنياء منها أن يسعوا فى سدها ولو مما زاد ~~على قدر الزكاة. والأغنياء الذين يكتفون بدفع الزكاة، ولا يمدون يد ~~المساعدة لسد حاجة المحتاجين، وتفريج كرب المكروبين، ودفع ضرورة ~~البائسين، ليسوا على البر الذى يريده الله من عباده المتقين. ومسألة " هل ~~فى المال حق سوى الزكاة " من المسائل التى تناولها بعض العلماء بالشرح ~~والتفصيل. وقوله { والموفون بعهدهم إذا عاهدوا } معطوف ~~على قوله { من آمن } فإنه فى قوة قولك، ومن أوفوا بعهدهم، وأوثرت ~~صيغة اسم الفاعل للدلالة على وجوب استمرار الوفاء. الوفاء بالعهد يشمل ما ~~عاهد المؤمنون عليه الله من الإذعان لكل ما جاء به الدين، ويشمل ما ~~يعاهد به الناس بعضهم بعضا مما لا يحل حراما ولا يحرم حلالا. والموفون ~~بعهدهم هم الذين إذا وعدوا أنجزوا، وإذا حلفوا بروا فى أيمانهم، وإذا ~~قالوا صدقوا فى قولهم، وإذا ائتمنوا أدوا الأمانة، وقد وعدهم الله على ~~ذلك بأجزل الثواب، وأعلى الدرجات. وفى قوله - تعالى - { إذا عاهدوا ~~} إشارة إلى أن إيفاءهم بالعهد لا يتأخر عن وقت حصول العهد. ثم ختم - ~~سبحانه - خصال البر بقوله { والصابرين فى البأسآء ms0342 ~~والضراء وحين البأس }. البأساء من البؤس، وهى ما يصيب الناس ~~فى الأموال كالفقر والاحتياج. يقال بئس يبأس بؤسا وبأسا أى اشتدت ~~حاجته. والضراء من الضر، وهى ما يصيبهم فى أنفسهم كالأمراض والأسقام يقال ~~ضره وأضره وضاره وضرا، ضد نفع والألف فى البأساء والضراء للتأنيث. # وحين البأس، أى ووقت القتال فى سبيل الله لإعلاء كلمته، يقال بؤس ببؤس ~~بأسا فهو بئيس، أى شجاع شديد. وقوله { والصابرين } معطوف فى المعنى ~~على { من آمن } كقوله { والموفون } إلا أنه جاء منصوبا على ~~المدح بتقدير - أخص أو أمدح - وغير سبكه عما قبله، تنبيها على فضيلة ~~الصبر ومزيته على غيره من الفضائل حتى لكأنه ليس من جنس ما سبقه من ~~فضائل، وهذا الأسلوب يسمى عند علماء اللغة العربية بالقطع، وهو أبلغ من ~~الإتباع. ولا ريب فى أن صفة الصبر على الشدائد والآلام وحين القتال فى ~~سبيل الله، جديرة بأنه ينبه لمزيد فضلها، إذ هى أصل لكثير من المكارم ~~كالعفاف عما فى أيدى الناس، والتسليم للقضاء الذى لا مرد له، والإقدام ~~الذى يحمى به الدين وتسلم به النفوس والأموال والأعراض وليس الصبر هو ~~الخضوع والاستكانة والاستسلام من غير مقاومة ولا عمل وإنما الصبر جهاد ~~ومحاولة للتغلب على المصاعب، ومع الاحتفاظ برباطة الجأش والثقة بحسن ~~العاقبة. وقد خصت الآية ثلاثة حالات بالصبر لأن هذه الحالات هى أبرز ~~الأشياء التى يظهر فيها هلع الهالعين وجزع الجازعين، كما يتميز فيها ~~أصحاب النفوس القوية المطمئنة من غيرهم. وجاءت كلمة " حين " فى قوله { ~~وحين البأس } مشيرة إلى أن مزية الصبر فى القتال إنما تظهر حين ~~يلتقى الجمعان، وتدور رحى الحرب، لأن بعض الناس قد يكون قويا فى بدنه، ~~وقد يحشر نفسه فى زمرة الأبطال المقاتلين، ولكنه عندما يرى الأعناق ~~تتساقط من حوله تخور قواه، ويلوذ بالفرار، أو يستسلم للعدو. وفى هذه ~~الحالة تسلب عنه صفة الصابرين حين البأس. وتحق عليه صفة الضعفاء الجبناء. ~~وقد جاءت أنواع الصبر فى الآية على وجه الترقى من الشديد إلى الأشد، وذلك ~~لأن الصبر على المرض أصعب ms0343 من الصبر على الفقر، والصبر حين البأس أصعب من ~~الصبر على المرض. ثم ختمت الآية حديثها عن هؤلاء الجامعين لهذه الخصال ~~بقوله تعالى { أولئك الذين صدقوا وأولئك هم ~~المتقون }. أولئك اسم إشارة للجمع، وقد أشير به إلى من تقدم ذكرهم ~~من الجامعين لخصال البر. والصدق توصف به الأقوال المطابقة للواقع، وتوصف ~~به الأعمال الواقعة على الوجه الذى يرضى الله - تعالى -. والمتقون من ~~الاتقاء وهو الحذر، ويطلق المتقى فى كلام الشارع على الانسان الذى صان ~~نفسه عن كل ما يغضب الله، وامتثل لأوامره ونواهيه. أى أولئك الذين تقدم ~~ذكرهم من المحرزين لخصال البر هم الصادقون فى إيمانهم وفى كل أحوالهم، ~~وأولئك هم المتقون لعذاب الله - تعالى - بسبب امتثالهم لأوامره، ~~واجتنابهم لما نهى عنه. واسم الإشارة { أولئك } جىء به لإحضارهم ~~فى أذهان المخاطبين وهم متصفون بتلك المناقب الجليلة. وفى تكرير الإشارة ~~زيادة تنويه بشأنهم وفضلهم. # وجاء الإخبار عنهم بأنهم الصادقون المتقون، لتشيرهم بأنهم قد بلغوا ~~بإحرازهم لتلك الخصال السابقة الغاية التى يطمح إليها أرباب البصائر ~~المتنيرة، والنفوس المتقيمة، والقلوب السليمة، وهى مقام الصدق والتقوى ~~الذى يرتفع بصاحبه إلى السعادة فى الدنيا، والنعيم الدائم فى الآخرة. هذا ~~وقد اشتملت هذه الآية الكريمة على خمسة عشر نوعا من أنواع البر الذى ~~يهدى إلى الحياة السعيدة فى الدنيا، وإلى رضا الله - تعالى - فى الآخرة، ~~وذلك لأنها قد أرشدت إلى أن البر أنواع ثلاثة جامعة لكل خير بر فى ~~العقيدة، وبر فى العمل، وبر فى الخلق. أما بر العقيدة فقد بينته أكمل ~~بيان فى قوله - تعالى - { ولكن البر من آمن بالله ~~واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين }. ~~فقد جمعت فى هذه الجملة الكريمة مالا يتم الإيمان إلا بتحققه. وأما بر ~~العمل فقد وضحته أبلغ توضيح فى قوله - تعالى - { وآتى المال على ~~حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل والسآئلين وفي الرقاب }. ولا شك أن إنفاق المال فى ~~تلك الوجوه من شأنه أن يسعد الأفراد والجماعات والأمم، ويكون مظهرا من ~~أفضل مظاهر العمل الصالح الذى يرضى الله - تعالى ms0344 -. وأما بر الخلق فقد ~~ذكرته بأحكم عبارة فى قوله - تعالى - { وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين ~~في البأسآء والضراء وحين البأس }. وذلك لأن التمسك بهذه ~~الفضائل. أداء الصلاة وإيتاء الزكاة. والوفاء بالعهود، والتذرع بالصبر - ~~يدل على صفاء الإيمان وطهارة الوجدان وحسن الخلق وكمال الاستقامة. وهكذا ~~تجمع آية واحدة من كتاب الله بين بر العقيدة وبر العمل وبر الخلق، وتربط ~~بين الجميع برباط واحد لا ينفصم، ونضع على هذا كله عنوانا واحدا " البر ~~" وتمدح من استجمع أنواعه بالصدق والتقوى. فلله هذا الاستقراء البديع، ~~وذلك التوجيه السديد، الذى يشهد أن هذا القرآن من عند الله # ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا # وبعد أن بين - سبحانه - أن البر الجامع لألوان الخير يتجلى فى الإيمان ~~بالله واليوم الآخر.. وفى بذل المال فى وجوه الخير، وفى المحافظة على ~~فرائضه - سبحانه - وفى غير ذلك من أنواع الطاعات التى ذكرتها الآية ~~السابقة بعد كل ذلك شرع - سبحانه - فى بيان بعض الأحكام العملية الجليلة ~~التى لا يستغنى عنها الناس فى حياتهم، وبدأ هذه الأحكام بالحديث عن حفظ ~~الدماء لماله من منزلة ذات شأن فى إصلاح العالم - فقال - تعالى - { ~~يأيها الذين آمنوا كتب عليكم ~~القصاص...لعلكم تتقون }. ### || [2.178-179] # { كتب } من الكتب، وهو فى الأصل ضم أديم إلى أديم بالخياطة. وتعورف ~~فى ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط، وأطلق على المضموم فى اللفظ وإن لم ~~يكتب بالخط، ومنه الكتابة، ويطلق الكتب والكتاب والكتابة على الإيجاب ~~والفرض لأن الشأن فيما وجب ويفرض أن يراد ثم يقال ثم يكتب، ومنه # كتب عليكم الصيام # أى فرض عليكم. { القصاص } العقوبة بالمثل من قتل أو جرح. وهو - كما ~~قال القرطبى - مأخوذ من قص الأثر وهو اتباعه ومنه القاص لأنه يتبع الآثار ~~والأخبار وقص الشعر اتباع أثره، فكأن القاتل سلك طريقا من القتل فقص ~~أثره فيها ومشى على سبيله فى ذلك، ومنه # فارتدا على آثارهما قصصا # وقيل القص القطع. يقال قصصت ما بينهما. ومنه أخذ القصاص لأنه يجرحه مثل ~~جرحه ms0345 أو يقتله به. يقال أقص الحاكم فلانا من فلان به فأمثله فامتثل منه، ~~أى اقتص منه ". فمادة القصاص تدل على التساوى والتماثل والتتبع. والقتلى ~~جمع قتيل، والقتيل من يقتله غيره من الناس. والمعنى يأيها الذين آمنوا ~~فرض عليكم وأوجب القصاص بسبب القتلى. بأن تقتلوا القاتل عقوبة له على ~~جريمته مع مراعاة المساواة التى قررها الشارع الحكيم، فلا يجوز لكم أن ~~تقتلوا غير القاتل، كما لا يجوز لكم أن تسرفوا فى القتل بأن تقتلوا ~~القاتل وغيره من أقاربه. فمعنى القصاص هنا أن يقتل القاتل لأنه فى نظر ~~الشريعة مساو للمقتول فيقتل به. وقد بين العلماء أن القصاص يفرض عند ~~القتل الواقع على وجه التعمد والتعدى، وعند مطالبة أولياء القتيل بالقود ~~- أى القصاص - من القاتل. ولفظ " فى " فى قوله - تعالى - { في ~~القتلى } للسببية، أى فرض عليكم القصاص بسبب القتلى. كما فى قوله صلى ~~الله عليه وسلم # " دخلت امرأة النار فى هرة " # أى بسببها. وصدرت الآية بخطاب { الذين آمنوا } تقوية لداعية ~~إنفاذ حكم القصاص الذى شرعه الخبير بنفوس خلقه، لأن من شأن الإيمان ~~الصادق أن يحمل صاحبه على تنفيذ شريعة الله التى شرعها لإقامة الأمان ~~والاطمئنان بين الناس، ولسد أبواب الفتن التى تحل عرا الألفة والمودة ~~بينهم. وقد وجه - سبحانه - الخطاب إلى المؤمنين كافة مع أن تنفيذ الحدود ~~من حق الحاكم لإشعارهم بأن عليهم جانبا من التبعة إذا أهمل الحكام ~~تنفيذ هذه العقوبات التى شرعها الله. وإذا لم يقيموها بالطريقة التى ~~بينتها شريعته، ولإشعارهم كذلك بأنهم مطالبون بعمل ما يساعد الحكام على ~~تنفيذ الحدود بالعدل. وذلك بتسليم الجانى إلى المكلفين بحفظ الأمن، وأداء ~~الشهادة عليه بالحق والعدل، وغير ذلك من وجوه المساعدة. وقوله - تعالى - ~~{ الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ~~} بيان لمعنى المساواة فى القتل المشار إليها بلفظ القصاص فالجملة تتمة ~~لمعنى الجملة السابقة، ومفادها أنه لا يقتل فى مقابل المقتول سوى قاتله، ~~لأن قتل غير الجانى ليس بقصاص بل هو اعتداء يؤدى إلى فتنة فى الأرض وفساد ~~كبير. # وقد يفهم من مقابلة ms0346 { الحر بالحر والعبد بالعبد ~~والأنثى بالأنثى } أنه لا يقتل صنف بصنف آخر، وهذا الفهم غير ~~مراد على إطلاقه، فقد جرى العمل منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على قتل الرجل بالمرأة. قال القرطبى " أجمع العلماء على قتل الرجل ~~بالمرأة، والمرأة بالرجل ". والخلاف فى قتل الحر بالعبد. فبعض العلماء ~~يرى قتل الحر بالعبد، وبعضهم لا يرى ذلك، ولكل فريق أدلته التى يمكن ~~الرجوع إليها فى كتب الفقه. والغرض الذى سيقت من أجله الآية الكريمة، ~~إنما هو وجوب تنفيذ القصاص بالعدل والمساواة وإبطال ما كان شائعا فى ~~الجاهلية من أن القبيلة القوية كانت إذا قتلت منها القبيلة الضعيفة شخصا ~~لا ترضى حتى تقتل فى مقابلة من الضعيفة أشخاصا. وإذا قتلت منها عبدا ~~تقتل فى مقابله حرا أو أحرارا، وإذا قتلت منها أنثى قتلت فى نظيرها ~~رجلا أو أكثر. فيترتب على ذلك أن ينتشر القتل، ويشيع الفساد، وقد حكى لنا ~~التاريخ كثيرا مما فعله الجاهليون فى هذا الشأن. قال الإمام البيضاوى ~~عند تفسيره لهذه الآية كان فى الجاهلية بين حيين من أحياء العرب دماء ~~وكان لأحدهما طول على الآخر فأقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد، والذكر ~~بالأنثى، فلما جاء الإسلام تحاكموا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فنزلت هذه الآية. وهى لا تدل على أنه لا يقتل الحر بالعبد والذكر ~~بالأنثى، كما لا تدل على عكسه، فإن المفهوم يعتبر حيث لم يظهر للتخصيص ~~غرض سوى اختصاص الحكم. ثم أورد - سبحانه - بعد إيجابه للقصاص العادل - ~~حكما يفتح باب التراضى، بين القاتل وأولياء المقتول، بأن أباح لهم أن ~~يسقطوا عنه القصاص إذا شاؤوا ويأخذوا فى مقابل ذلك الدية، فقال - تعالى - ~~{ فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف ~~وأدآء إليه بإحسان }. عفى من العفو وهو الإسقاط. والعفو ~~عن المعصية، ترك العقاب عليها. والذى عفى له هو القاتل، و { أخيه } ~~الذى عفا هو ولى المقتول. والمراد بلفظ { شيء } القصاص، وهو نائب فاعل ~~{ عفي }. والمعنى أن القاتل عمدا إذا أسقط عنه أخوه ولى دم القتيل ms0347 ~~القصاص، راضيا أن يأخذ منه الدية بدل القصاص، فمن الواجب على ولى الدم أن ~~يتبع طريق العدل فى أخذ الدية من القاتل بحيث لا يطالبه بأكير من حقه، ~~ومن الواجب كذلك على القاتل أن يدفع له الدية بالطريق الحسنى، بحيث لا ~~يماطله ولا يبخسه حقه. فقوله - تعالى - { فاتباع بالمعروف } ~~وصية منه - سبحانه - لولى الدم أن يكون رفيقا فى مطالبته القاتل بدفع ~~الدية. # وقوله { وأدآء إليه بإحسان } وصية منه - سبحانه - للقاتل ~~بأن يدفع الدية لولى الدم بدون تسويف أو مماطلة. وفى هذه الوصايا تحقيق ~~لصفاء القلوب، وشفاء لما فى الصدور من آلام، وتقوية لروابط الأخوة ~~الإنسانية بين البشر. وبعضهم فسر العفو بالعطاء فيكون المعنى فمن أعطى ~~له وهو ولى المقتول من أخيه وهو القاتل شيئا وهو الدية، فعلى ولى ~~المقتول اتباعه بالمعروف، وعلى القاتل أداء إليه بإحسان. وسمى القرآن ~~الكريم القاتل أخا لولى المقتول، تذكيرا بالأخوة الإنسانية والدينية، ~~حتى يهز عطف كل واحد منهما إلى الآخر، فيقع بينهم العفو، والاتباع ~~بالمعروف، والأداء بإحسان. قال صاحب الكشاف فإن قلت عفى بتعدى بعن لا ~~باللام فما وجه قوله { فمن عفي له }؟ قلت يتعدى بعن إلى الجانى ~~وإلى الذنب فيقال عفوت عن فلان وعن ذنبه. قال - تعالى - # عفا الله عنك # وقال # عفا الله عنها # فإذا تعدى إلى الذنب والجانى معا قيل عفوت لفلان عما جنى، كما تقول ~~غفرت له ذنبه وتجاوزت له عنه. وعلى هذا ما فى الآية، كأنه قيل فمن عفى عن ~~جنايته فاستغنى عن ذكر الجناية. وجاء التعبير بلفظ شىء منكرا لإفادة ~~التقليل. أى فمن عفى له من أخيه ما يسمى شيئا من العفو والتجاوز ولو أقل ~~قليل، تم العفو وسقط القصاص، ولم تجب إلا الدية، وذلك بأن يعفو بعض ~~أولياء الدم، لأن القصاص لا يتجزأ. وفى ذلك تحبيب من الشارع الحكيم لولى ~~الدم، فى العفو وفى قبول الدية، إذ العفو أقرب إلى صفاء القلوب، وتجميع ~~النفوس على الإخاء والتعاطف والتسامح. وفيه - أيضا - إبطال لما كان عليه ~~أهل الجاهلية من التعبير من ms0348 قبول أخذ الصلح فى قتل العمد، وعدهم ذلك لونا ~~من بيع دم المقتول بثمن بخس. قال بعضهم يحرض قومه على الثأر. # فلا تأخذوا عقلا من القوم إننى أرى العار يبقى والمعاقل تذهب # وقال شاعر آخر يذكر قوما لم يقبلوا الصلح عن قتيل لهم # فلو أن حيا يقبل المال فدية لسقنا لهم سيبا من المال مفعما ولكن أبى ~~قوم أصيب أخوهم رضا العار فاختاروا على اللبن الدما # ثم بين - سبحانه - أنه يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر فقال { ~~ذلك تخفيف من ربكم ورحمة }. أى ذلك الذى شرعناه لكم ~~من تيسير أمر القصاص بأداء الدية إلى ولى القتيل إذا رضى طائعا مختارا، ~~أردنا منه التخفيف عليكم إذ فى الدية تخفيف على القاتل بإبقاء حياته ~~وإنقاذها من القتل قصاصا، وفيها كذلك نفع لولى القتيل، إذ هذا المال ~~الذى أخذه نظير عفوه يستطيع أن ينتفع به فى كثير من مطالب حياته. وبهذا ~~نرى أن الإسلام قد جمع فى تشريعه الحكيم لعقوبة القتل بين العدل ~~والرحمة. # إذ جعل القصاص حقا لأولياء المقتول إذا طالبوا به لا ينازعهم فى ذلك ~~منازع وهذا عين الإنصاف والعدل. وجعل الدية عوضا عن القصاص إذا رضوا ~~بها باختيارهم، وهذا عين الرحمة واليسر. وبالعدالة والرحمة تسعد الأمم ~~وتطمئن فى حياتها إذ العدالة هى التى تكسر شره النفوس، وتغسل غل الصدور، ~~وتردع الجانى عن التمادى فى الاعتداء، لأنه يعلم علم اليقين أن من وراء ~~الاعتداء قصاصا عادلا. والرحمة هى التى تفتح الطريق أمام القلوب لكى ~~تلتئم بعد التصدع وتتلاقى بعد التفرق، وتتوادد بعد التعادى، وتتسامى عن ~~الانتقام إلى ما هو أعلى منه وهو العفو. فلله هذا التشريع الحكيم الذى ما ~~أحوج العالم إلى الأخذ به، والتمسك بتوجيهاته. ثم ختم - سبحانه - الآية ~~بالوعيد الشديد لمن يتعدى حدوده، ويتجاوز تشريعه الحكيم فقال { فمن ~~اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم }. أى فمن تجاوز حدوده ~~بعد هذا التشريع الحكيم الذى شرعناه بأن قتل القاتل بعد قبول الدية منه، ~~أو بأن قتل غير من يستحق القتل ms0349 فله عذاب شديد الألم من الله - تعالى - ~~لأن الاعتداء بعد التراضى والقبول يدل على نكث العهد، ورقه الدين، ~~وانحطاط الخلق. ثم بين - سبحانه - الحكمة فى مشروعية القصاص توطينا ~~للنفوس على الانقياد له، وتقوية لعزم الحكام على إقامته فقال - تعالى - { ~~ولكم فى القصاص حياة } أى ولكم فى مشروعية القصاص حياة عظيمة، ~~فالتنوين للتعظيم. قال صاحب الكشاف، وذلك أنهم كانوا يقتلون الجماعة ~~بالواحد، وكم قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفنى قبيلة بكر بن وائل. وكان ~~يقتل بالمقتول غير قاتله فتثور الفتنة ويقع بينهم التناحر فلما جاء ~~الإسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة أى حياة، أو نوع من الحياة وهى ~~الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل، ~~لأنه إذا هم بالقتل فعلم أنه يقتص منه ارتدع فسلم صاحبه من القتل وسلم هو ~~من القود فكان القصاص سبب حياة نفسين. هذا وقد نقل عن العرب ما يدل على ~~أنهم تحدثوا عن حكمة القصاص ومن أقوالهم فى هذا الشأن " قتل البعض إحياء ~~للجميع، وأكثروا القتل ليقل القتل " وأجمعوا على أن أبلغ الأقوال التى ~~عبروا بها عن هذا المعنى قولهم " القتل أنفى للقتل " وقد أجمع أولو العلم ~~على أن قوله - تعالى - { ولكم فى القصاص حياة } أبلغ من هذه ~~العبارة التى نطق بها حكماء العرب، بمقدار ما بين كلام الخالق وكلام ~~المخلوق، وذكروا أن الآية تفوق ما نطق به حكماء العرب من وجوه كثيرة من ~~أهمها 1 - أن الآية جعلت سبب الحياة القصاص وهو القتل على وجه التساوى، ~~أما العبارة العربية فقد جعلت سبب الحياة القتل، ومن القتل ما يكون ~~ظلما، فيكون سببا للفناء لا للحياة، وتصحيح هذه العبارة أن يقال القتل ~~قصاصا أنفى للقتل ظلما. # 2 - أن الآية جاءت خالية من التكرار اللفظى، فعبرت عن القتل الذى هو سبب ~~الحياة بالقصاص. والعبارة كرر فيها لفظ القتل فمسها بهذا التكرار من ~~القتل ما سلمت منه الآية. 3 - أن الآية جعلت القصاص سببا للحياة التى ~~تتوجه إليها الرغبة مباشرة، والعبارة العربية جعلت القتل سببا ms0350 لنفى ~~القتل الذى تترتب عليه الحياة. 4 - الآية مبنية على الإثبات والمثل على ~~النفى، والإثبات أشرف لأنه أول والنفى ثان له. 5 - أن تنكير حياة فى ~~الآية يفيد تعظيما، فيدل على أن القصاص حياة متطاولة كما فى قوله - ~~تعالى - # ولتجدنهم أحرص الناس على حياة # ولا كذلك المثل. فإن اللام فيه للجنس، ولذا فسروا الحياة فيها بالبقاء. ~~6 - تعريف { القصاص } بلام الجنس الدالة على حقيقة هذا الحكم ~~المشتملة على الضرب والجرح والقتل - وغير ذلك، والمثل لا يشمل ذلك. 7 - ~~أن الآية مع أفضليتها عن المثل من حيث البلاغة والشمول واللفظ والمعنى ~~أقل حروفا من المثل. هذه بعض وجوه أفضلية الآية على المثل، وهناك وجوه ~~أخرى ذكرها العلماء فى كتبهم. وفى قوله { يأولي الألباب } تنبيه ~~بحرف النداء على التأمل فى حكمة القصاص. و { الألباب } جمع لب وهو ~~العقل الخالص من شوائب الأوهام، أو العقل الذكى الذى يستبين الحقائق ~~بسرعة وفطنة، ويستخرج لطائف المعانى من مكانها ببراعة وحسن تصرف. وخص ~~النداء بأولى الألباب مع أن الخطاب بحكمة القصاص شامل لهم ولغيرهم لأنهم ~~الذين يتدبرون عواقب الأمور، ويعرفون قيمة الحياة ويقدرون حكم التشريع ~~قدرها. وفى هذا النداء تنبيه على أن من ينكرون مصلحة القصاص وأثره النافع ~~فى تثبيت دعائم الأمن، يعيشون بين الناس بعقول غير سليمة، ولا يزال الناس ~~يشاهدون فى كل عصر ما يثيره القتل فى صدور أولياء القتلى من أحقاد طاغية، ~~لولا أن القصاص يخفف من سطوتها لتمادت بهم فى تقاطع وسفك دماء دون الوقوف ~~عند حد. وختمت الآية بهذه الجملة التعليلية { لعلكم تتقون } ~~زيادة فى إقناع نفوسهم بأمر القصاص، أى شرعنا لكم هذه الأحكام الحكيمة ~~لتتقوا القتل حذرا من القصاص، ولتعيشوا آمنين مطمئنين، ومتوادين ~~متحابين. وبهذا البيان الحكيم تكون الآيتان الكريمتان قد أرشدنا إلى ما ~~يحمى النفوس، ويحقن الدماء، ويردع المعتدين عن الاعتداء، ويغرس بين الناس ~~معانى التسامح والإخاء، ويقيم حياتهم على أساس من الرحمة والعدالة وحسن ~~القضاء. وبعد أن بين - سبحانه - ما يتعلق بالقصاص أتبعه بالحديث عن ~~الوصية، ليرشد الناس ms0351 إلى ما ينبغى أن تكون عليه، وليبطل ما كان من عوائد ~~الجاهلية من وصايا جائرة فقال - تعالى - { كتب عليكم إذا ~~حضر أحدكم الموت... إن الله غفور رحيم }. ### || [2.180-182] # قوله - تعالى - { كتب عليكم } قد استفاض فى عرف الشرع بمعنى وجب ~~عليكم. و " حضور الموت " يقع عند معاينة الإنسان للموت ولعجزه فى هذا ~~الوقت عن الإيصاء فسر بحضور أسبابه، وظهور أماراته، من نحو العلل ~~المخوفة والهرم البالغ. وقد شاع عند العرب استعمال السبب كناية عن ~~المسبب، ومن ذلك قول شاعرهم # يأيها الراكب المزجى مطيته سائل بنى أسد ما هذه الصوت وقل لهم بادروا ~~بالعذر والتمسوا قولا يبرئكم إنى أنا الموت # والخير المال، وقالوا إنه هنا مختص بالمال الكثير، لأن مقام الوصية يشعر ~~بذلك، ولم يرد نص من الشارع فى تقدير ما يسمى مالا كثيرا، وإنما وردت ~~آثار من بعض الصحابة والتابعين فى تقديره بحسب اجتهادهم، وبالنظر إلى ما ~~يسمى بحسب العرف مالا كثيرا فقال بعضهم من ألف درهم إلى خمسمائة درهم، ~~وقال بعضهم من ألف درهم إلى ثمانمائة درهم. والحق أن هذا التقدير يختلف ~~باختلاف الأشخاص والأزمان والعرف. ويرى بعض العلماء أن الوصية مشروعة فى ~~المال قليلة وكثيرة. قال القرطبى والوصية عبارة عن كل شىء يؤمر بفعله ~~ويعهد به فى الحياة بعد الموت، وخصها العرف بما يعهد بفعله وتنفيذه بعد ~~الموت والجمع وصايا كالقضايا جمع قضية. والوصى يكون الموصى والموصى إليه. ~~وأصله من وصى مخففا. وتواصى النبت تواصيا إذا اتصل وأرض واصية متصلة ~~النبات. وأوصيت له بشىء. وأوصيت إليه إذا جعلته وصيك. والاسم الوصاية ~~والوصاية - بالفتح وبالكسر - وتواصى القوم أوصى بعضهم بعضا. والمعنى كتب ~~عليكم أيها المؤمنون أنه إذا ظهرت على أحدكم أمارات الموت من مرض ثقيل، ~~أو شيخوخة مضعفة، وكان عنده مال كثير قد جمعه عن طريق حلال، أن يوصى ~~بجانب منه لوالديه وأقاربه رعاية لحقهم وحاجتهم، وأن تكون وصيته لهم ~~بالعدل الذى لا مضارة فيه بين الأقارب، والوصية على هذا الوجه تعتبر حقا ~~واجبا على المتقين الذين اتخذوا التقوى والخشية ms0352 من الله طريفا لهم. ~~فالآية الكريمة استئناف لبيان الوصية بعد الحديث عن القصاص، وفصل القرآن ~~الحديث عن الوصية عن سابقه للإشعار بأنه حكم مستقل جدير بالأهمية. وقد ~~جاء الحديث عن الوصية بتلك الطريقة الحكيمة، لتغيير ما كان من عادات بعض ~~أهل الجاهلية. فإنهم كانوا كثيرا مانعون القريب من الإرث توهما منهم ~~أنه يتمنى موت قريبة ليرثه، وربما فضلوا بعض الأقارب على بعض فيؤدى ذلك ~~إلى التباغض والتحاسد، وربما فضلوا - أيضا - الوصية لغير الأقارب للفخر ~~والتباهى. فشرع الإسلام لأتباعه ما يقوى الروابط ويمنع التحاسد ~~والتعادى. قال الجمل وكتب فعل ماض مبنى للمجهول، وحذف الفاعل للعلم به ~~وهو الله - تعالى - وفى القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه أحدها أن يكون ~~الوصية، أى كتب عليكم الوصية، وجاز تذكير الفعل لكون القائم مقام الفاعل ~~مؤنثا مجازيا ولوجود الفصل بينه وبين مرفوعه. # والثانى أنه الإيصاء المدلول عليه بقوله " الوصية " للوالدين، أى كتب ~~هو، أى الإيصاء. والثالث أنه الجار والمجرور. وهذا يتجه على رأى الأخفش ~~والكوفيين وعليه فيكون قوله { عليكم } فى محل رفع، ويكون فى محل ~~النصب على القولين الأولين وجواب كل من { إذا } و { إن } محذوف. أى ~~كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا فليوص. والباء فى قوله { ~~بالمعروف } للملابسة، والجار والمجرور فى موضع الحال من الوصية. ~~والمراد بالمعروف هنا العدل الذى جاءت به الشريعة، بأن لا يتجاوز بالوصية ~~الثلث، وأن لا يوصى للاغنياء ويترك الفقراء أو يوصى للقريب ويترك الأقرب ~~مع أنه أشد فقرا ومسكنة. وقوله { حقا } مصدر مؤكد للحدث الذى دل عليه ~~{ كتب } وعامله إما { كتب } أو فعل محذوف تقديره حق أى حق ذلك ~~حقا. وقوله { على المتقين } صفة له. أى حقا كائنا على ~~المتقين. وخص هذا الحق بالمتقين ترغيبا فى الرضا به، لأن ما كان من شأن ~~المتقى فهو أمر نفيس جدير أن يتأسى به الناس، ومن أهمله فقد حرم من ~~الدخول فى زمرتهم، وخسر بذلك خسارة عظيمة. قال بعض العلماء وقد وردت هذه ~~الآية فى الوصية للوالدين والأقربين، والمعروف عند ms0353 الأمة منذ عهد السلف ~~أن الوصية لا تصح لوارث، والوالدان لهما نصيب مفروض فى المواريث ومقتضاه ~~عدم صحة الوصية لهما؟ ويريح هذا الاشكال من طريق التفسير أن فريقا من ~~أهل العلم وهم جمهور المفسرين ذهبوا إلى أن الآية قد نسخ منها حكم الوصية ~~للوارث. وإيضاح وجه النسخ أن آية المواريث نزلت بعد آية الوصية فقامت ~~مقامها فى الوصية للوارث ودل على هذا المعنى صراحة الحديث الشريف وهو ~~قوله صلى الله عليه وسلم # " إن الله أعطى كل ذى حق حقه، ألا لا وصية لوارث ". # وهذا الحديث وإن لم يبلغ مبلغ الحديث المتواتر الذى يصح نسخه للقرآن ~~بنفسه، فقد امتاز عن بقية أخبار الآحاد بأن الأمة تلقته بالقبول، وأخذوا ~~فى العمل به من غير مخالف، فأخذ بهذا قوة الحديث المتواتر فى الرواية ~~واعتمدوا عليه فى بيان أن آية المواريث قامت بتقدير الأنصباء فى الميراث ~~مقام آية { إذا حضر أحدكم الموت } فى الوصية للوارث. وروى ~~البخارى فى صحيحه عن ابن عباس - رضى الله عنه - قال كان المال للولد ~~وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ ~~الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس، وجعل للمرأة الثمن والربع، ~~وللزوج الشطر الربع. ومن أهل العلم من لم يستطيعوا أن يهملوا حديث " لا ~~وصية لوارث " لاستفاضته بين الأمة وتلقيهم له بالقبول، فقرروا العمل به ~~وأبطلوا الوصية لوارث ولكنهم ذهبوا مع هذا إلى أن آية الوصية للوالدين ~~محكمة غير منسوخة وتأولوها على وجوه منها أن المراد من قوله { ~~للوالدين } الوالدان اللذان لا يرثان لمانع من الإرث كالكفر ~~والاسترقاق، وقد كانوا حيثى عهد بالإسلام يسلم الرجل ولا يسلم أبواه وقد ~~أوصى الله بالإحسان إليهما ". # ثم توعد - سبحانه - من يبدل الوصية بطريقة لم يأذن بها الله فقال - ~~تعالى - { فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه ~~على الذين يبدلونه }. بدله غيره. وتغيير الوصية يتأتى ~~بالزيادة فى الموصى به أو النقص منه أو كتمانه، أو غير ذلك من وجوه ~~التغيير للموصى به بعد وفاة الموصى. سمعه ms0354 أى علمه وتحققه، وكنى بالسماع ~~عن العلم لأنه طريق حصوله. والضمائر البارزة فى " بدله وسمعه وإثمه ~~ويبدلونه " عائدة على القول أو على الكلام الذى يقوله الموصى والذى دل ~~عليه لفظ الوصية أو على الإيصاء المفهوم من الوصية، وهو الإيصاء أو ~~القول الواقع على الوجه الذى شرعه الله. والمعنى فمن غير الإيصاء الذى ~~أوصى به المتوفى عن وجهه، بعدما علمه وتحققه منه، فإنما إثم ذلك التغيير ~~فى الإيصاء يقع على عاتق هذا المبدل، لأنه بهذا التبديل قد خان الأمانة، ~~وخالف شريعة الله، ولن يلحق الموصى شيئا من الإثم لأنه قد أدى ما عليه ~~بفعله للوصية كما يريدها الله - تعالى -. وقد ختمت الآية بقوله - تعالى - ~~{ إن الله سميع عليم } للإشعار بالوعيد الشديد الذى توعد ~~الله به كل من غير وبدل هذا الحق عن وجهه، لأن الله - تعالى - لا يخفى ~~عليه شىء من حيل الناس الباطلة، فهو - سبحانه سميع لوصية الموصى، عليه ~~بما يقع فيها من تبديل وتحريف. ثم استثنى - سبحانه - حالة يجوز فيها ~~التغيير فقال، { فمن خاف من موص جنفا أو إثما ~~فأصلح بينهم فلا إثم عليه }. خاف من الخوف، وهو فى ~~الأصل حالة تعترى النفس عند الانقباض من شر يتوقع حصوله على سبيل الظن أو ~~على سبيل العلم. والجنف الميل والجور. يقال جنف فى وصيته وأجنف، مال ~~وجار، فهو جنف وأجنف. وقيل أجنف مختص بالوصية وجنف فى مطلق الميل عن ~~الحق. ويقال جنف وجنف عن طريقه جنفا وجنوفا. والإثم العمل الذى يبغضه ~~الله. يقال أثم فهو آثم وأثيم. قال بعضهم والمراد بالجنف هنا الميل عن ~~الحق فى الوصية خطأ، بقرينة مقابلته بالإثم وهو الميل عن الحق فيها ~~عمدا. هذا، ويرى جمهور العلماء أن هذه الآية الكريمة واردة فى الوصى يرى ~~أن الموصى قد حاد فى وصيته عن حدود العدل، فللوصى حينئذ أن يصلح فيها ~~بحيث يجعلها متفقة مع ما شرعه الله، وهو فى هذه الحالة لا إثم عليه لأنه ~~قد غير الباطل بالحق وعلى هذا الرأى يكون المعنى أن الوصى إذا ms0355 رأى فى ~~الوصية ميلا عن الحق خطأ أو عمدا وأصلح بين الموصى لهم يردهم إلى الوجه ~~المشروع فلا إثم عليه فى التغيير فى الوصية. # والضمير فى قوله { بينهم } عائد على الموصى لهم. ويرى آخرون أن ~~هذه الآية واردة فى شأن كل من يبغى الإصلاح من الناس، بأن يرى الموصى ~~يوصى، فظهر له - أى هذا المصلح - أن الموصى قد جانب العدل والصواب فى ~~وصيته، فيأخذ فى الإصلاح، بأن يرشده بأن فعله هذا لا يتفق مع شريعة ~~العدل التى أمر بها الله، ويحاول قدر استطاعته أن يزيل ما حدث من خلاف ~~بين الموصى والموصى لهم. وعلى هذا الرأى يكون المعنى إن خرج الموصى فى ~~وصيته عن حدود العدالة، ورأى أمارات ذلك منه من يريد الإصلاح من الناس، ~~وتوقع أن شرا سيترتب على هذه الوصية التى فيها جور، أو شاهد نزاعا بين ~~الموصى لهم بسبب ذلك، فلا إثم على هذا المصلح فى أن يصلح بين الموصى ~~والموصى لهم، وأن يرشد الموصى إلى سلوك طريق العدل والحق. وعليه فيكون ~~الضمير فى قوله { بينهم } يعود على الموصى والموصى لهم. ويبدو لنا ~~أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب، لأن سياق الآية يؤيده، إذ هى بمنزلة ~~الاستثناء من قوله - تعالى - { فمن بدله بعد ما سمعه }.. ~~وهذا إنما يكون بعد موت الموصى لا فى حياته. وقوله { إن الله ~~غفور رحيم } تذييل أتى به - سبحانه - للوعد بالثواب للمصلح على ~~إصلاحه، فإن من يغفر الذنوب ويرحم المذنبين تكون مغفرته ورحمته أقرب إلى ~~من يقصد بعمله الإصلاح ولو اعتمد على ظن غالب أو أخطأ وجه الصواب فيما ~~أتى من أعمال. وبهذا تكون الآيات الكريمة قد بينت للناس حكما آخر من ~~أحكامها السامية، يتعلق بالوصية فى الأموال، وفى هذا الحكم دعوة إلى ~~التراحم والتكافل، وغرس لأواصر المودة والمحبة بين الأبناء والآباء وبين ~~الأقارب بعضهم مع بعض. وبعد أن تحدثت السورة الكريمة عن القصاص وعن ~~الوصية أتبعتها بالحديث عن عبادة عظيمة من العبادات التى جعلها الله - ~~تعالى - ركنا من أركان الإسلام وهى صوم ms0356 رمضان، فقال - سبحانه - { ~~يأيها الذين آمنوا كتب عليكم ~~الصيام...ولعلكم تشكرون }. ### || [2.183-185] # الصيام مصدر صام كالقيام مصدر قام، وهو فى اللغة الإمساك وترك التنقل ~~من حال إلى حال، فيقال للصمت صوم لأنه إمساك عن الكلام ومنه قوله - تعالى ~~- مخبرا عن مريم # إني نذرت للرحمن صوما # أى سكوتا عن الكلام. وصوم الريح ركودها وإمساكها عن الهبوب وتقول العرب ~~صام النهار وصامت الشمس عند قيام الظهيرة لأنها كالممسكة عن الحركة. أما ~~الصيام فى عرف الشرع فهو - كما يقول الآلوسى - إمساك عن أشياء مخصوصة على ~~وجه مخصوص فى زمان مخصوص ممن هو على صفات مخصوصة. وقد فرض الله - تعالى - ~~على المسلمين صيام شهر رمضان فى شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة، وعده ~~النبى صلى الله عليه وسلم أحد أركان الإسلام الخمسة، فقد روى البخارى - ~~بسنده - عن ابن عمر - رضى الله عنهما - قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول # " بنى الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ~~وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان ". # وأل فى الصيام للعهد الذهنى، فقد كان العرب يعرفون الصوم، فقد جاء فى ~~الصحيحين # " عن عائشة قالت كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش والجاهلية ". # والتشبيه فى قوله - تعالى - { كما كتب على الذين من ~~قبلكم } راجع إلى أصل إيجاب الصوم وفريضته. أى أن عبادة الصوم كانت ~~مكتوبة ومفروضة على الأمم السابقة، ولكن بكيفية لا يعلمها إلا الله، إذ ~~لم يرد نص صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين لنا فيه كيف كان ~~صيام الأمم السابقة على الأمة الإسلامية. وقيل إن التشبيه راجع إلى وقت ~~الصوم وقدره، فقد روى عن مجاهد أنه قال كتب الله - عز وجل - صوم شهر ~~رمضان على كل أمة. وهذا القول ليس له دليل، ولذا قال القاضى أبو بكر بن ~~العربى المقطوع به أن التشبيه فى الفرضية خاصة، وسائر الوجوه مجرد ~~احتمال. ولفظ " كما " فى قوله - تعالى - { كما كتب على الذين ~~من قبلكم } فى موضع نصب على المصدر، ms0357 أى فرض عليكم الصيام فرضا ~~كالذى فرض على الذين من قبلكم. ومن فوائد هذا التشبيه، الاهتمام بهذه ~~العبادة والتنويه بشأنها إذ شرعها - سبحانه - لأتباع النبى صلى الله عليه ~~وسلم ولأتباع الرسل الذين سبقوه فى الدعوة إلى توحيد الله، وهذا مما ~~يقتضى وفرة ثوابها، ودوام صلاحها. كذلك من فوائده تسهيل هذه العبادة على ~~المسلمين لأن الشىء الشاق تخف مشقته على الإنسان عند ما يعلم أن غيره قد ~~أداه من قبله. والفائدة الثالثة من هذا التشبيه إثارة العزائم والهمم ~~للنهوض بهذه العبادة، حتى لا يكونوا مقصرين فى أدائها، بل يجب عليهم أن ~~يؤدوها بقوة تفوق من سبقهم لأن الأمة الإسلامية قد وصفها سبحانه بأنها ~~خير أمة أخرجت للناس وهذه الخيرية تقتضى منهم النشاط فيما كلفهم الله ~~بأدائه من عبادات. # وقوله { لعلكم تتقون } جملة تعليلة جىء بها لبيان حكمة ~~مشروعية الصيام فكأنه - سبحانه - يقول لعباده المؤمنين فرضنا عليكم ~~الصيام كما فرضناه على الذين من قبلكم، لعلكم بأدائكم لهذه الفريضة ~~تنالون درجة التقوى والخشية من الله، وبذلك تكونون ممن رضى الله عنهم ~~ورضوا عنه. ولا شك أن هذه الفريضة ترتفع بصاحبها إلى أعلى عليين متى ~~أداها بآدابها وشروطها، ويكفى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال فى ~~شأن الصوم # " الصوم جنة " # أى وقاية. إذ فى الصوم وقاية من الوقوع فى المعاصى، ووقاية من عذاب ~~الآخرة، ووقاية من العلل والأمراض الناشئة عن الإفراط فى تناول بعض ~~الأطعمة والأشربة. وقوله { أياما معدودات } أى معينات بالعد أو ~~قليلات، لأن القليل يسهل عده فيعد والكثير يؤخذ جزافا. والمراد بهذه ~~الأيام المعدودات شهر رمضان عند جمهور العلماء. قالوا وتقريره أنه - ~~تعالى - قال أولا { كتب عليكم الصيام } وهذا محتمل ليوم ~~ويومين ثم بينه بقوله { أياما معدودات } فزال بعض الاحتمال ثم ~~بينه بقوله { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } ~~فعلى هذا الترتيب يمكن جعل الأيام المعدودات بعينها شهر رمضان، وإذا أمكن ~~ذلك فلا وجه لحمله على غيره. وإنما عبر عن رمضان بأيام وهى جمع قلة ووصف ~~بمعدودات وهى جمع قلة ms0358 - أيضا - تهوينا لأمره على المكلفين، وإشعارا لهم ~~بأن الله - تعالى - ما فرض عليهم إلا ما هو فى وسعهم وقدرتهم. وقيل إن ~~المراد بالأيام المعدودات غير رمضان، وذكروا أن المراد بها ثلاثة أيام من ~~كل شهر وهى الأيام البيض الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر مضافا ~~إليها يوم عاشوراء. ثم نسخ ذلك بوجوب صوم شهر رمضان. والمعتمد بين ~~المحققين من العلماء هو القول الأول، لأنه - كما قال الإمام الرازى - لا ~~وجه لحمله على غيره، والقول بالنسخ زيادة لا دليل عليها. وقوله { ~~أياما } منصوب على الظرفية، أو بفعل مضمر مقدر أى صوموا أياما. ~~وقوله { فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة ~~من أيام أخر } زيادة بيان ليسر شريعة الإسلام بعد أن أخبرهم - ~~سبحانه - بأن الصوم المفروض عليهم إنما هو أيام معدودات، وتعجيل بتطمين ~~نفوس السامعين لئلا يظنوا وجوب الصوم عليهم فى كل حال. والمرض الخروج عن ~~الاعتدال الخاص بالإنسان، بأن يصاب بانحراف فى جسده يجعله فى حالة وجع ~~أو اضطراب بدنى. قال القرطبى وللمريض حالتان إحداهما ألا يطيق الصوم بحال ~~فعليه الفطر واجبا. # الثانية أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة فهذا يستحب له الفطر.. فالفطر ~~مباح فى كل مرض إلا المرض اليسير الذى لا كلفة معه فى الصيام. وقوله { ~~أو على سفر } قال الآلوسى معناه أو راكب سفر مستعل عليه متمكن ~~منه، بأن اشتغل به قبل الفجر، ففيه إيماء إلى أن من سافر فى أثناء اليوم ~~لم يفطر. واستدل بإطلاق السفر على أن السفر القصير وسفر المعصية مرخص ~~للإفطار. وأكثر العلماء على تقييده بالمباح وبما يلزمه العسر غالبا وهو ~~السفر إلى المسافة المقدرة فى الشرع ". والعدة فعلة من العد، وهى بمعنى ~~المعدود، كالطحن بمعنى المطحون ومنه عدة المرأة. والمعنى لقد فرضنا عليكم ~~الصوم أيها المؤمنون، وجعلناه كما هو الشأن من كل ما شرعناه متسما ~~باليسر لا بالعسر، ومن مظاهر ذلك أننا فرضنا عليكم صوم أيام معدودات وهى ~~أيام شهر رمضان، ولم نفرض عليكم صوم الدهر. وأننا شرعنا لمن كان مريضا ~~مرضا ms0359 يضره الصوم أو يعسر معه، أو كان على سفر يشق عليه معه الصوم، شرعنا ~~له أن يفطر وأن يصوم بدل الأيام التى أفطرها أياما آخر مساوية لها فى ~~العدد. قال الإمام الرازى قال القفال أنظروا إلى عجيب ما نبه الله عليه ~~من سعة فضله ورحمته فى هذا التكليف، إذ أنه بين فى أول الآية أن لهذه ~~الأمة فى هذا التكليف أسوة بالأمم المتقدمة، والغرض منه ما ذكرناه من أن ~~الأمور الشاقة إذا عمت خفت. ثم ثانيا بين وجه الحكمة فى إيجاب الصوم وهو ~~أنه سبب الحصول التقوى فلو لم يفرض الصوم لفات هذا المقصود الشريف، ثم ~~بين ثالثا أنه مختص بأيام معدودة فإنه لو جعله أبدا أو أكثر الأوقات ~~لحصلت المشقة العظيمة. ثم بين رابعا أنه خصه من الأوقات بالشهر الذى أنزل ~~فيه القرآن لكونه أشرف الشهور بسبب هذه الفضيلة. ثم بين خامسا إزالة ~~المشقة فى إلزامه فأباح تأخيره لمن شق عليه من المسافرين والمرضى إلى أن ~~يصيروا إلى الرفاهية والسكون. فهو - سبحانه - راعى فى ايجاب الصوم هذه ~~الوجوه من الرحمة فله الحمد على نعمه كثيرا ". هذا، وقد نص الفقهاء على ~~أن الافطار مشروع على سبيل الرخصة للمريض والمسافر، وهما بالخيار فى ذلك ~~إن شاءا أفطرا وإن شاءا صاما، إلا أن أكثر الفقهاء قالوا الصوم أفضل لمن ~~قوى عليه. والذى نراه الله - تعالى - قد أباح الفطر فى رمضان بسبب المرض ~~أو السفر، لأن كلا منهما مظنة المشقة والحرج. والحكم الشرعى يوجد حيث ~~توجد مظنته وينتفى حيث تنتفى. وعلى المسلم أن يقدر حال نفسه، فإذا أيقن ~~أو غلب على ظنه أن مرضه أو سفره ليس فى الصوم معه مشقة أو عسر صام عملا ~~بقوله - تعالى - { وأن تصوموا خير لكم }. # وإذا أيقن أو غلب على ظنه أن مرضه أو سفره يجعل الصوم شاقا عليه أفطر ~~عملا بقوله - تعالى - { يريد الله بكم اليسر ولا يريد ~~بكم العسر } فالمسألة ترجع إلى ضمير الفرد ودينه واستفتاء قلبه. ~~والثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0360 أنه صام فى السفر وأفطر، وخير ~~بعض أصحابه بين الصوم والفطر. فقد روى البخارى ومسلم عن أبى الدرداء - ~~رضى الله عنه - قال خرجنا مع النبى صلى الله عليه وسلم " وفى إحدى روايتى ~~مسلم - فى شهر رمضان -، فى يوم حار، حتى ليضع الرجل يده على رأسه من شدة ~~الحر وما فينا صائم إلا ما كان من النبى صلى الله عليه وسلم وابن رواحه ~~". وروى الإمام مسلم فى صحيحه # " عن قزعة قال أتيت أبا سعيد الخدرى فسألته عن الصوم فى السفر فقال ~~سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونحن صيام، قال فنزلنا ~~منزلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر ~~أقوى لكم، فكانت رخصة. فمنا من صام ومنا من أفطر. ثم نزلنا منزلا آخر ~~فقال إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا. وكانت عزمة فأفطرنا. ثم ~~قال ولقد رأيتنا نصوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك من السفر ~~". # وروى الشيخان عن أنس بن مالك قال كنا نسافر مع النبى صلى الله عليه وسلم ~~فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم. والأحاديث فى هذا ~~المعنى كثيرة. وهناك مسألة أخرى تعرض لها الفقهاء بالحديث وهى مسألة قضاء ~~الأيام التى أفطرها المريض أو المسافر هل يقضيها متتابعة أو متفرقة وهل ~~يقضيها على الفور أو على التراخى؟ وجمهور الفقهاء على أن للمفطر فى رمضان ~~بسبب المرض أو السفر أن يقضى ما أفطره متتابعا أو متفرقا لأن قوله - ~~تعالى - { فعدة من أيام أخر }. دل على وجوب القضاء من غير ~~تعيين لزمان، لأن اللفظ - كما قال القرطبى - مسترسل على الأزمان لا يختص ~~ببعضها دون بعض. وله كذلك أن يقضى ما عليه على الفور أو على التراخى على ~~حسب ما يتيسر له. ففى الصحيحين عن عائشة - رضى الله عنها - قالت يكون ~~على الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا فى شعبان، وذلك لمكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهذا نص وزيادة بيان ms0361 للآية ". ويرى داود الظاهرى ~~أن على المفطر فى رمضان بسبب المرض أو السفر أن يشرع فى قضاء ما أفطره فى ~~اليوم الثانى من شوال المعاقب له، وأن يتابع أيام القضاء. # والمعتمد بين العلماء هو قول الجمهور لقوة أدلته التى سبق بيانها. وقوله ~~- تعالى - { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ~~} بيان لحكم آخر من أحكام الشريعة فيما يتعلق بصوم رمضان يتجلى فيه تيسير ~~الله على عباده فيما شرع لهم من عبادات. ومعنى { يطيقونه } يقدرون ~~عليه ويتحملونه بمشقة وتعب، لأن الطاقة اسم للقدرة على الشىء مع الشدة ~~والمشقة، والوسع اسم للقدرة على الشىء على جهة السهولة. قال الراغب ~~والطاقة اسم لمقدار ما يمكن للإنسان أن يفعله بمشقة، وذلك تشبيه بالطوق ~~المحيط بالشىء، ومنه # ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به # أى ما يصعب علينا مزاولته، وليس معناه " لا تحملنا ما لا قدرة لنا به ". ~~والعرب لا تقول فلان أطاق الشىء إلا إذا كانت قدرته عليه فى نهاية الضعف ~~بحيث يتحمله بمشقة وعسر. فلا يقال - مثلا - فلان يطيق حمل نواة أو ريشة ~~أو عشرة دراهم من حديد، وإنما يقال هو يطيق حمل قنطارين من الحديد أو حمل ~~الأمتعة الثقيلة. وللعلماء أقوال فى المراد بقوله - تعالى - { وعلى ~~الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } أشهرها 1 - إن هذا ~~راجع إلى المقيم الصحيح خيره الله - تعالى - بين الصوم وبين الفداء، وكان ~~ذلك فى بدء الإسلام فرض عليهم الصوم ولم يتعودوه فاشتد عليهم، فرخص لهم ~~فى الإقطار والفدية، ثم نسخ ذلك وأوجب الله عليهم الصوم. ويشهد لهذا ~~القول ما جاء فى الصحيحين عن سلمة بن الأكوع قال لما نزلت هذه الآية { ~~وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } كان من ~~أراد أن يفطر ويفتدى، حتى نزلت الآية بعدها فنسختها. وفى رواية للإمام ~~مسلم من طريق آخر عن سلمة - أيضا - قال كنا فى رمضان على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من شاء أفطر فافتدى بطعام مسكين حتى أنزلت هذه الآية ~~{ فمن شهد منكم الشهر فليصمه }. 2 - ويرى ms0362 بعض العلماء ~~أن قوله - تعالى - { وعلى الذين يطيقونه } إلخ، ليس بمنسوخ ~~بل هو محكم، وأنه نزل فى شأن الشيخ الكبير الهرم، والمرأة العجوز، إذا ~~كانا لا يستطيعان الصيام فعليهما أن يفطرا وأن يطعما عن كل يوم مسكينا. ~~وأصحاب هذا الرأى يستدلون بما رواه البخارى عن ابن عباس أنه قال فى هذه ~~الآية ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن ~~يصوما فعليها أن يطعما مكان كل يوم مسكينا ". 3 - وهناك رأى ثالث لبعض ~~العلماء يرى أصحابه أن قوله - تعالى - { وعلى الذين يطيقونه ~~فدية طعام مسكين } ليس بمنسوخ - أيضا - بل هو محكم، وأن معنى ~~الآية عندهم وعلى الذين يطيقونه، أى يقدرون على الصيام بمشقة شديدة إذا ~~أرادوا أن يفطروا أن يطعموا عن كل يوم يفطرونه مسكينا. # بأن يقدموا له نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير، أو قيمة ذلك. ولم ~~يقصروا ذلك على الرجل الكبير والمرأة العجوز - كما فعل أصحاب الرأى ~~الثانى - وإنما أدخلوا فى حكم الذين يقدرون على الصوم بمشقة وتعب المرضع ~~والحامل إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما ومن فى حكمها ممن يشق عليهم ~~الصوم مشقة كبيرة. وأصحاب هذا الرأى يستدلون على ما ذهبوا إليه بمنطوق ~~الآية، إذا أن الوسع اسم للقدرة على الشىء على جهة السهولة، والطاقة اسم ~~للقدرة عليه مع الشدة والمشقة - كما سبق أن بينا -، كما يستدلون - أيضا ~~- على ما ذهبوا إليه بقراءة { يطيقونه } - بضم الياء الأولى وتشديد ~~الياء الثانية - أى يتجشمونه، ويتكلفونه بمشقة وتعب، وقد انتصر بعض ~~العلماء لهذا الرأى بناء على أن منطوق الآية يؤيده. كما انتصر بعضهم ~~للرأى الأول بناء على أن الاحاديث الصحيحة تسانده وعلى أنه هو الأقرب إلى ~~روح الشريعة الإسلامية فى التدرج فى تشريع التكاليف التى فيها مشقة على ~~الناس، كما انتصر بعضهم للرأى الثانى الذى روى عن ابن عباس. وهناك أقوال ~~أخرى فى الآية رأينا أن نضرب عنها صفحا لضعفها. وقوله { فمن تطوع ~~خيرا فهو خير له } حض من الله - تعالى - لعباده على الإكثار ms0363 ~~من عمل الخير. والتطوع السعى فى أن يكون الإنسان فاعلا للطاعة باختياره ~~بدون إكراه والخير مصدر خار إذا حسن وشرف، وهو منصوب لتضمين تطوع معنى ~~أتى، أو على أنه صفة لمصدر محذوف أى تطوعا خيرا. والمعنى فمن تطوع ~~خيرا بأن زاد على القدر المفروض فى الفدية، أو أطعم أكثر من مسكين، أو ~~جمع بين الإطعام والصوم، فتطوعه سيكون خيرا عند الله - سبحانه - لا ~~يضيع أجر من أحسن عملا. وقوله { وأن تصوموا خير لكم إن ~~كنتم تعلمون } ترغيب فى الصوم وتحبيب فيه. أى وأن تصوموا أيها ~~المطيقون للصوم، أو أيها المكلفون جميعا خير لكم من كل شىء سواه، إن ~~كنتم تعلمون فوائد الصوم فى حياتكم، وحسن جزائه فى آخرتكم. روى النسائى ~~وابن خزيمة عن أبى أمامه رضى الله عنه قال # " قلت يا رسول الله مرنى بعمل قال عليك بالصوم فإنه لا عدل له - أى لا ~~يعادل ثوابه بشىء - فقلت يا رسول الله مرنى بعمل، فقال عليك بالصوم فإنه ~~لا عدل له. فقلت يا رسول الله مرنى بعمل أدخل به الجنة. فقال عليك بالصوم ~~فإنه لا مثل له ". # وقوله { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى ~~للناس وبينات من الهدى والفرقان } كلام مستأنف ~~لبيان تلك الأيام المعدودات التى كتب علينا الصوم فيها وأنها أيام شهر ~~رمضان الذى يستحق كل مدح وثناء لتشرفه بنزول الكتب السماوية فيه. # قال الإمام ابن كثير يمدح - تعالى - شهر الصيام من بين سائر الشهور بأن ~~اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم، فقد ورد فى الحديث بأنه الشهر ~~الذى كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء فعن وائلة بن الأسقع أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " أنزلت صحف إبراهيم فى أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من ~~رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين ~~خلت من رمضان ". # و { الشهر } مأخوذ من الشهرة، يقال شهر الشىء يشهر شهرة وشهرا إذا ~~ظهر بحيث لا يتعذر علمه على أحد، ومنه يقال شهرت السيف إذا ms0364 سللته قال ~~بعضهم وسمى الهلال شهرا لشهرته وبيانه، وبه سمى الشهر شهرا. و { ~~رمضان } اسم لهذا الشهر الذى فرض علينا صيامه، وهو مأخوذ - كما قال ~~القرطبى - من رمض الصائم يرمض إذا حر جوفه من شدة العطش والرمضاء شدة ~~الحر، ومنه الحديث # " صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال " # - أى صلاة الضحى - قيل إن العرب لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة ~~القديمة سموها بالأزمنة التى وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر ~~فسمى بذلك. وقيل إنما سمى رمضان لأنه يرمض الذنوب، أى يحرقها بالأعمال ~~الصالحة ". وقوله { شهر رمضان } خبر لمبتدأ محذوف تقديره هى شهر ~~رمضان أى الأيام المعدودات، وقوله { الذي أنزل فيه القرآن ~~} صفة للشهر. ويجوز أن يكون قوله { شهر } مبتدأ وخبره الموصول بعده، ~~أو خبره قوله { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } وصح وجود ~~الفاء فى الخبر لكون المبتدأ موصوفا بالموصول الذى هو شبه بالشرط. وقرئ ~~بالنصب على أنه مفعول لفعل محذوف. أى صوموا شهر رمضان. و " القرآن " هو ~~كلام الله المعجز المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم المكتوب فى المصاحف ~~المنقول بالتواتر المتعبد بتلاوته. والمراد بإنزال القرآن فى شهر رمضان ~~إبتداء إنزاله فيه، وكان ذلك فى ليلة القدر. بدليل قوله - تعالى - # إنا أنزلناه فى ليلة القدر # أى بدأنا إنزال القرآن فى هذه الليلة المباركة، إذ من المعروف أن القرآن ~~استمر نزوله على النبى صلى الله عليه وسلم ما يقرب من ثلاثة وعشرين سنة. ~~وقيل المراد بذلك، انزل فى فضله القرآن، قالوا ومثله أن يقال أنزل الله ~~فى أبى بكر الصديق كذا آية، يريدون أنزل فى فضله. وقيل المراد أنزل فى ~~إيجاب صومه على الخلق القرآن، كما يقال أنزل الله فى الزكاة كذا وكذا، ~~يريد فى إيجابها وأنزل فى الخمر كذا يريد فى تحريمها. قال الآلوسى وقوله ~~- تعالى - { هدى للناس وبينات من الهدى ~~والفرقان } حالان لازمان من القرآن والعامل فيهما أنزل. # أى أنزل وهو هداية للناس بإعجازه المختص به كما يشعر بذلك التنكير، ~~وآيات واضحات من جملة الكتب الإلهية الهادية إلى ms0365 الحق والفارقة بين الحق ~~والباطل باشتماله على المعارف الإلهية والأحكام العملية، كما يشعر بذلك ~~جعله بينات منها، فهو هاد بواسطة أمرين، مختص وغير مختص، فالهدى ليس ~~مكررا، وقيل مكرر تنويها وتعظيما لأمره وتأكيدا لمعنى الهداية كما ~~تقول عالم نحرير ". وقوله { فمن شهد منكم الشهر فليصمه ~~} يصح أن يكون شهد بمعنى حضر. كما يقال فلان شهد بدرا، وشهد المشاهد ~~كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أى حضرها، فيكون المعنى فمن حضر ~~منكم دخول الشهر أو حلوله بأن كان مقيما وليس عنده ما يمنعه من الصوم ~~كمرض ونحوه، فليصمه لأن صيامه ركن من أركان الدين، وعليه يكون لفظ " ~~الشهر " منصوب على الظرفية. ويصح أن يكون شهد بمعنى علم كقوله - تعالى - # شهد الله أنه لا إله إلا هو # فيكون المعنى فمن علم منكم هلال الشهر وتيقن من ظهوره فليصمه. وعليه ~~يكون لفظ " الشهر " منصوب على أنه مفعول به بتقدير المضاف المحذوف و { ~~من } موصولة أو شرطية وهو الأظهر و { منكم } فى محل نصب على الحال من ~~الضمير فى شهد فيتعلق بمحذوف أى كائنا منكم. والضمير فى " منكم " يعود ~~على الذين آمنوا، أى كل من حضر منكم الشهر فليصمه و أل فى الشهر للعهد. ~~وأعيد ذكر الرخصة فى قوله - تعالى - ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من ~~أيام أخر، لئلا يتوهم من تعظيم أمر الصوم فى نفسه وأنه خير، أنه قد صار ~~متحتما بحيث لا تتناوله الرخصة بوجه من الوجوه أو تتناوله ولكنها ~~مفضولة، وفى ذلك عناية بأمر الرخصة وأنها محبوبة له - تعالى -. وقوله - ~~تعالى - { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر } بيان لحكمة الرخصة. أى شرع لكم - سبحانه - الفطر فى حالتى ~~المرض والسفر، لأنه يريد بكم اليسر والسهولة. ولا يريد بكم العسر ~~والمشقة. قال - تعالى - # يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا # وقال - تعالى - # وما جعل عليكم في الدين من حرج # وفى الصحيحين # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل وأبى موسى الأشعرى ~~حين ms0366 بعثهما إلى اليمن يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا ~~تختلفا ". # وقوله - تعالى - { ولتكملوا العدة ولتكبروا الله ~~على ما هداكم ولعلكم تشكرون } معطوف على قوله { ~~يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } إذ ~~هذه الجمل الأربع تعليل لما قبلها من قوله { فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه } إلى قوله { فعدة من أيام أخر }. # والمعنى شرع لكم - سبحانه - ما شرع من أحكام الصيام، ورخص لكم الفطر فى ~~حالتى المرض والسفر، لأنه يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، ولأنه يريد ~~منكم أن تكملوا عدة الشهر بأن تصوموا أيامه كاملة فتحصلوا خيراته ولا ~~يفوتكم شىء من بركاته، ومن لم يستطع منكم أداء الصوم فى هذا الشهر لعذر ~~فعليه قضاء ما فاته منه فى أيام أخر ويريد منكم أن تكبروه - سبحانه - أى ~~تحدوه وتعظموه، فهو وحده الذى هداكم إلى تلك الأحكام النافعة التى فى ~~صلاحكم وسعادتكم ويريد منكم أن تشكروه بأن تواظبوا على الثناء عليه، وعلى ~~استعمال نعمه فما خلقت له فهو - سبحانه - الرءوف الرحيم بعباده، إذ شرع ~~لهم فيه اليسر لا ما فيه العسر. وقد دلت الآية الكريمة على الأمر ~~بالتكبير إذ جعلته مما يريده الله - تعالى - ولهذا جاءت السنة باستحباب ~~التحميد والتسبيح والتكبير بعد الصلوات المكتوبات، وفى عيدى الفطر ~~والأضحى يكون تكبير الله - تعالى - هو مظهرهما الأعظم. وبذلك تكون الآيات ~~الكريمة قد بينت أكمل بيان وأحكمه فضل الصوم، وحكمة مشروعيته ومظاهر رحمة ~~الله بعباده فى هذه الفريضة، وقد ذكرت أن المسلم له بشأن هذه الفريضة ~~حالة من حالات ثلاث الحالة الأولى إذا كان المسلم فى شهر رمضان كله أو ~~بعضه مريضا بمرض عارض غير مزمن يرجى الشفاء منه، أو مسافرا تتوفر فيه ~~شروط الفطر، فله أن يفطر وأن يقضى بعد رمضان الأيام التى أفطرها بدليل ~~قوله - تعالى - { فمن كان منكم مريضا أو على سفر ~~فعدة من أيام أخر }. الحالة الثانية إذا كان المسلم فى ~~شهر رمضان مريضا بمرض مزمن لا يرجى شفاؤه والصوم فيه مشقة عليه، أو كان ~~شيخا كبيرا ms0367 أو امرأة عجوزا ولا يستطيعان الصوم، فقد أباح الشارع ~~لهؤلاء أن يفطروا وأن يطعموا عن كل يوم مسكينا، لأن هذه الأعذار لا يرجى ~~زوالها، ولا ينتظر أن يكون المبتلى بعذر منها بعد رمضان خيرا منه فى ~~رمضان، لذا أوجب الشارع على هؤلاء الفدية دون القضاء، بدليل قوله - تعالى ~~- { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين }. ~~الحالة الثالثة إذا كان المسلم فى شهر رمضان سليما مقيما وليس عنده عذر ~~يمنعه من الصوم، فقد أوجب الله عليه أداء هذه الفريضة بقوله - تعالى - { ~~فمن شهد منكم الشهر فليصمه } ويحرم عليه أن يفطر، وإن ~~أفطر لغير عذر شرعى كان من الخاسرين فى الدنيا والآخرة، ففى الحديث ~~الشريف الذى رواه الترمذى والنسائى وابن ماجه عن أبى هريرة - رضى الله ~~عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقضه - أى لم يجزه - ~~صوم الدهر كله وإن صامه ". # أى لو حصل منه صوم طول حياته فلن يدرك ثواب ما ضيع بسبب فطره بغير عذر ~~شرعى. والأحاديث فى الترغيب فى صوم شهر رمضان، وفى الترهيب من الفطر فيه ~~كثيرة متنوعة. ثم بين - سبحانه - أن العباد إذا حافظوا على فرائضه، ~~واستجابوا لأوامره، وابتعدوا عن نواهيه، فإنه - عز وجل - لا يرد لهم ~~طلبا ولا يخيب لهم رجاء فقال { وإذا سألك عبادي عني ~~فإني قريب أجيب... }. ### || [2.186] # قال الإمام البيضاوى فى وجه اتصال هذه الآية بما قبلها من آيات الصيام ~~واعلم أنه - تعالى - لما أمرهم بصوم الشهر ومراعاة العدة وحثهم على ~~القيام بوظائف التكبير والشكر عقبه بهذه الآية الدالة على أنه خبير ~~بأحوالهم سميع لأقوالهم، مجيب لدعائهم، مجاز على أعمالهم تأكيدا له ~~وحثا عليه ". وروى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات منها ~~ما أخرجه بن جرير وابن أبى حاتم أن أعرابيا جاء إلى النبى صلى الله عليه ~~وسلم فقال أقريب ربنا فنناجيه - أى ندعوه سرا - أم بعيد فنناديه؟ فسكت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه ms0368 الآية. ومنها ما رواه ابن ~~مردويه - بسنده - عن الحسن قال سأل بعض الصحابة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أين ربنا؟ فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. والمعنى وإذا سألك عبادى ~~يا محمد عن قربى وبعدى فقل لهم إنى قريب منهم بعلمى ورحمتى وقدرتى ~~وإجابتى لسؤالهم. قال - تعالى - # ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ~~ونحن أقرب إليه من حبل الوريد # وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى أنه قال كنا مع النبى صلى الله عليه ~~وسلم فى سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير. فقال النبى صلى الله عليه وسلم ~~ايها الناس اربعوا على أنفسكم - أى أرفقوا بها - فإنكم لا تدعون أصم ولا ~~غائبا، إنكم تدعون سميعا بصيرا وهو معكم، والذى تدعونه أقرب إلى أحدكم ~~من عنق راحلته ". فقوله - تعالى - { فإني قريب } تمثيل لكمال علمه ~~- تعالى - بأفعال عباده وأقوالهم، واطلاعه على سائر أحوالهم بحال من قرب ~~مكانه منهم إذ القرب المكانى محال على الله - تعالى -. وفى الآية الكريمة ~~التفات عن خطاب المؤمنين كافة بأحكام الصيام، إلى خطاب النبى صلى الله ~~عليه وسلم بأن يذكرهم ويعلمهم ما يجب عليهم مراعاته فى سائر عبادتهم من ~~الإخلاص والأدب والتوجه إلى الله وحده بالسؤال. ولم يصدر الجواب بقل أو ~~فقل كما وقع فى أجوبة مسائلهم الواردة فى آيات أخرى، نحو # ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا # بل تولى - سبحانه - جوابهم بنفسه إشعارا بفرط قربه منهم، وحضوره مع كل ~~سائل بحيث لا تتوقف إجابته على وجود واسطة بينه وبين السائلين من ذوى ~~الحاجات. والمراد بالعباد الذين أضيفوا إلى ضمير الجلالة هم المؤمنون لأن ~~الحديث عنهم، ولأن سياق الآيات بيان أحكام الصوم وفضائله وهو خاص ~~بالمؤمنين، وقد أضيفوا إلى ضمير الجلالة لتشريفهم وتكريمهم. وقوله - ~~تعالى - { أجيب دعوة الداع إذا دعان } تقرير للقرب ~~وتحقيق له، ووعد للداعى بالإجابة متى صدر الدعاء من قلب سليم، ونفس ~~صافية، وجوارح خاشعة، ولقد ساق لنا القرآن فى آيات كثيرة أمثلة لعباد ~~الله الذين توجهوا إليه بالسؤال، فأجاب الله سؤالهم، ومن ذلك قوله ms0369 - ~~تعالى - # ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له # وقوله - تعالى - # وزكريآ إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت ~~خير الوارثين. فاستجبنا له ووهبنا له يحيى ~~وأصلحنا له زوجه # وقوله - تعالى - # وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت ~~أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ~~ضر # وورد فى الحديث ما يدل على أن العبد إذا دعا الله - تعالى - بما فيه ~~خير، لم يخب عند الله دعاؤه، ولكن لا يلزم أن يعطيه - سبحانه - نفس ما ~~طلبه، لأنه هو الأعلم بما يصلح عباده. روى الإمام أحمد عن أبى سعيد ~~الخدرى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال # " ما من مسلم يدعو الله - عز وجل - بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم ~~إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال إما أن يعجل إليه دعوته، وإما أن ~~يدخرها له فى الأخرى، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها ". # وقوله - تعالى - { فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي ~~لعلهم يرشدون } توجيه منه - سبحانه - إلى ما يجعل الدعاء مرجو ~~القبول والإجابة. والاستجابة هى الإجابة بعناية واستعداد، والسين ~~والتاء للمبالغة. والرشد الاهتداء إلى الخير وحسن التصرف فى الأمر من دين ~~أو دنيا يقال رشد ورشد يرشد ويرشد رشدا، أى اهتدى. والمعنى لقد وعدتكم ~~يا عبادى بأن أجيب دعاءكم إذا دعوتمونى، وعليكم أنتم أن تستجيبوا لأمرى، ~~وأن تقفوا عند حدودى، وأن تثبتوا على إيمانكم بى، لعلكم بذلك تصلون إلى ~~ما فيه رشدكم وسعادتكم فى الحياتين العاجلة والآجلة. وأمرهم - سبحانه - ~~بالإيمان بعد الأمر بالاستجابة، لأنه أول مراتب الدعوة، وأولى الطاعات ~~بالاستجابة. قال الحافظ ابن كثير وفى ذكره - تعالى - هذه الآية الباعثة ~~على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام إرشاد إلى الاجتهاد فى الدعاء عند ~~إكمال العدة بل وعند كل فطر، كما روى أبو داود الطيالسى فى مسنده عن عبد ~~الله بن عمرو قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول للصائم عند ~~إفطاره دعوة مستجابة فكان عبد الله بن عمرو إذا أفطر جمع أهله وولده ~~ودعا. وروى ابن ماجة عن ms0370 عبد الله بن عمرو قال قال النبى صلى الله عليه ~~وسلم # " إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد " # وكان عبد الله يقول إذا أفطر اللهم إنى أسألك برحمتك التى وسعت كل شىء ~~أن تغفر لى " وروى الإمام أحمد والترمذى والنسائى وابن ماجه عن أبى ~~هريرة قال # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة لا ترد دعوتهم الإمام ~~العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم، يرفعها الله دون الغمام يوم ~~القيامة وتفتح لها أبواب السماء ويقول بعزتى لأنصرنك ولو بعد حين ". # هذا والحديث عن الدعاء وعن فضله وعن آدابه وشروطه وفوائده وجوامعه وغير ~~ذلك مما يتعلق به قد بسطناه فى غير هذا المكان فليرجع إليه من شاء. وبعد ~~هذا الحديث المؤثر عن الدعاء، عاد القرآن إلى الحديث عن أحكام الصيام، ~~وعن مظاهر رحمة الله بعباده فيما شرع لهم فقال - تعالى - { أحل ~~لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم... }. ### || [2.187] # روى بعض المفسرين فى سبب نزول هذه الآية الكريمة أحاديث تفيد أن ~~المسلمين كانوا عند ما فرض صيام شهر رمضان. إذا أفطروا يأكلون ويشربون ~~ويقربون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا حرم عليهم بعد ذلك الطعام ~~والشراب وقربان النساء حتى يفطروا من الغد. ومن الأحاديث التى وردت فى ~~هذا المعنى ما أخرجه الإمام أحمد وابن جرير وابن حاتم عن عبد الله بن ~~كعب بن مالك عن أبيه. قال كان الناس فى رمضان إذا صام الرجل فنام حرم ~~عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد فرجع عمر بن الخطاب - رضى ~~الله عنه - من عند النبى صلى الله عليه وسلم ذات ليلة وقد سمر عنده، ~~فأراد امرأته فقالت إنى قد نمت، فقال ما نمت ثم واقعها، وصنع كعب مثل ~~ذلك. فغدا عمر بن الخطاب إلى النبى صلى الله عليه وسلم فأخبره فنزلت. ~~ومنها ما رواه البخارى عن البراء قال كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا ~~يومه حتى يمسى. وإن ms0371 قيس بن صرمة الأنصارى كان صائما وفى رواية كان يعمل ~~فى النخيل بالنهار وكان صائما. فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها ~~أعندك طعام؟ قالت لا، ولكن أنطلق فأطلب لك وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه ~~فجاءته امرأته فما رأته قالت خيبة لك. فلما انتصف النهار غشى عليه، فذكر ~~ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية { أحل لكم ليلة ~~الصيام الرفث إلى نسآئكم } ففرحوا فرحا شديدا، ونزلت { ~~وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ~~من الخيط الأسود من الفجر }. وجمهور المفسرين - كما يقول ~~الإمام الرازى - على أن هذه الآية من قبيل النسخ، لأنها قد نسخت ماكان ~~حاصلا فى أول فرضية الصيام من أن الصائم إذا نام بعد فطره لا يحل له ~~الأكل أو الشرب أو الجماع إلى أن يفطر من الغد. ويرى بعض العلماء أن ~~الآية ليست من قبيل النسخ وإنما هى إرشاد إلى ما شرعه الله - تعالى - ~~لعباده خلال شهر الصوم من إباحة غشيان أزواجهن ليلا. ومن جواز الأكل ~~والشرب، حتى يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، وكأن ~~الصحابة كانوا يتحرجون عن ذلك ظنا منهم أنه من تتمة الصوم، ورأوا أن لا ~~صبر لأنفسهم عن الأكل والشرب والجماع ليلا، فبين الله لهم أن ذلك حلال لا ~~حرج فيه. وأصحاب هذا الرأى يستشهدون لذلك بما رواه البخارى عن البراء قال ~~لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون ~~أنفسهم فأنزل الله - تعالى - { علم الله أنكم كنتم ~~تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم }. # فالمقصود من الآية الكريمة عند هؤلاء رفع ما توهمه بعض الصحابة من أن ~~الأكل أو الشرب أو الجماع لا يجوز ما داموا قد ناموا بعد فطرهم لأن الله ~~- تعالى - رءوف رحيم بهم، ولم يشرع لهم ما فيه حرج أو مشقة عليهم. وعلى ~~كلا القولين فالآية الكريمة تسوق لنا لونا من ألوان رحمة الله - تعالى - ~~بعباده فيما شرع لهم من فرائض وأحكام. والمراد بليلة الصيام الليلة التى ~~يصبح فيها الإنسان ms0372 صائما دون تحديد ليلة معينة من شهر رمضان، فالإضافة ~~لأدنى ملابسة. قال الجمل وقوله { ليلة الصيام } منصوب على الظرف، ~~وفى الناصب له ثلاثة أقوال أحدها وهو المشهور عند المعربين أنه أحل، وليس ~~بشئ، لأن الإحلال ثابت قبل ذلك الوقت. الثانى أنه مقدر مدلول عليه بلفظ ~~الرفث تقديره أحل لكم أن ترفثوا ليلة الصيام. الثالث أنه متعلق بالرفث ~~وذلك على رأى من يرى الاتساع فى الظرف والمجرورات ". والرفث فى الأصل ~~الفحش من القول، وكلام النساء حين الجماع، كنى به عن المباشرة للزومه لها ~~غالبا. يقال رفث فى كلامه - كنصر وفرح وكرم - وأرفث، إذا أفحش فيه. ~~والمراد به فى الآية الجماع والمباشرة. وعدى بإلى - مع أن المستعمل ~~الشائع أن يقال رفث بالمرأة - لتضمنه معنى الإفضاء كما فى قوله - تعالى ~~- # وقد أفضى بعضكم إلى بعض # والمعنى أحل الله لكم فى ليالى صومكم الإفضاء إلى نسائكم ومباشرتهن ~~وقوله - تعالى - { هن لباس لكم وأنتم لباس لهن } ~~وارد مورد المقتضى لإباحة مباشرة النساء فى ليالى الصيام، ذلك أن كلا مع ~~الزوجين يسكن إلى صاحبه، ويكون من شدة القرب منه كالثوب الملابس له وكانت ~~العرب تسمى المرأة لباسا، وهذه حال تقوى معها الدواعى إلى المباشرة، فمن ~~رفقه - تعالى - بعباده أن أحلها لهم ليلة الصيام. قال الراغب جعل اللباس ~~كناية عن الزوج لكونه سترا لنفسه ولزوجه أن يظهر منهما سوء، كما أن ~~اللباس ستر عنه أن يبدو منه السوء. وقال صاحب الكشاف فإن قلت ما موقع ~~قوله { هن لباس لكم } قلت هو استئناف كالبيان لسبب الإحلال، ~~وهو أنه إذا كانت بينكم وبينهن مثل هذه المخالطة والملابسة قل صبركم عنهن ~~وصعب عليكم اجتنابهن، فلذلك رخص لكم فى مباشرتهن ". وفى هذا التعبير ~~القرآنى ما فيه من اللطافة والأدب وسمو التصوير لما بين الرجل وزوجه من ~~شدة الاتصال والمودة واستتار كل واحد منهما بصاحبه. وقوله - تعالى - { ~~علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب ~~عليكم وعفا عنكم } جملة معترضة بين قوله { أحل لكم ~~ليلة الصيام } وبين قوله { فالآن باشروهن } إلخ. # وقد جىء ms0373 بها لبيان حالهم بالنسبة إلى ما فرط منهم، ولبيان مظهر من مظاهر ~~لطف الله بهم، ورحمته إياهم. وقوله { تختانون } قال الراغب الاختيان ~~مراودة الخيانة، ولم يقل تخونون أنفسكم لأنه لم تكن منهم الخيانة بل كان ~~منهم الاختيان، فإن الاختيان تحرك شهوة الإنسان لتحرى الخيانة وذلك هو ~~المشار إليه بقوله - تعالى - # إن النفس لأمارة بالسوء # والمعنى علم الله - تعالى - أنكم كنتم تراودون أنفسكم على مباشرة نسائكم ~~ليلا، وعلى الأكل بعد النوم، قبل أن يظهر الفجر الصادق، بل إن بعضكم قد ~~فعل ذلك، فكان من رحمة الله بكم أن أباح الأكل والشرب والجماع فى ليالى ~~الصوم، وأن قبل توبتكم وعفا عنكم، أى محا أثر ما فعلتموه من الأكل ~~والجماع قبل أن يأذن لكم بذلك. وجملة { فتاب عليكم } معطوفة على ~~محذوف، والتقدير قتبتم فتاب عليكم. والذين لا يرون أن الآية ناسخة لحكم ~~سابق عبر عن وجهة نظرهم صاحب المنار فقال وقوله - تعالى - { علم ~~الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } أى تتنقصونها بعض ~~ما أحل الله لها من اللذات توهما أن من قبلكم كان كذلك فيكون بمعنى ~~التخون أى النقص من الشىء أو معناه تخونون أنفسكم إذ تعتقدون شيئا ثم لا ~~تلتزمون العمل به فهو مبالغة من الخيانة التى هى مخالفة مقتضى الأدلة ولم ~~يقل تختانون الله كما قال فى آية أخرى # لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم # للإشعار بأن الله - تعالى - لم يحرم عليهم بعد النوم فى الليل ما حرمه ~~على الصائم فى النهار، وإنما ذهب بهم اجتهادهم إلى ذلك فهم قد خانوا ~~أنفسهم فى اعتقادها، فكانوا كمن يتغشى امرأته ظانا أنها أجنبية، فعصيانه ~~بحسب اجتهاده لا بحسب الواقع، فهم على أية حال كانوا عاصين بما فعلوا ~~محتاجين إلى التوبة والعفو ولذلك قال { فتاب عليكم وعفا ~~عنكم }. وقوله - تعالى - { فالآن باشروهن } الأمر فيه ~~للإباحة وهو مرتب على قوله { أحل لكم ليلة الصيام ~~الرفث إلى نسآئكم }. ولفظ { فالآن } يطلق حقيقة على الوقت ~~أنت فيه، وقد يقع على الماضى القريب منك وعلى المستقبل القريب الوقوع ~~تنزيلا ms0374 له منزلة الحاضر وهو المراد هنا. و { باشروهن } من المباشرة ~~وأصلها اتصال البشرة بالبشرة، وكنى بها القرآن عن الجماع الذى يستلزمها. ~~وقوله - تعالى - { وابتغوا ما كتب الله لكم } تأكيد لما ~~قبله. والابتغاء الطلب والمعنى لقد أبحنا لكم الإفضاء إلى نسائكم فى ~~ليالى رمضان بعد أن كان محرما عليكم فضلا منا ورحمة بكم فالآن باشروهن ~~واطلبوا من وراء هذه المباشرة ما كتبه لكم الله من الذرية الصالحة ومن ~~التعفف عن إتيان الحرام. وفى هذا إشعار بأن النكاح شرع ليبتغى به النسل ~~حتى يتحقق ما يريده الله - تعالى - من بقاء النوع الإنسانى، ومن صيانة ~~المرء نفسه عن الوقوع فى فاحشة الزنا. # وقوله - تعالى - { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم ~~الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } معطوف ~~على باشروهن. والمقصود من الخيط الأبيض أول ما يبدو من الفجر الصادق ~~المعترض فى الأفق قبل انتشاره. والمقصود من الخيط الأسود ما يمتد مع بياض ~~الفجر من ظلمة الليل. والمعنى لقد أبحنا لكم مباشرة النساء فى ليالى ~~الصوم، وأبحنا لكم كذلك أن تأكلوا وأن تشربوا فى هذه الليالى حتى يتبين ~~لكم بياض الفجر من سواد الليل. قال الإمام الرازى { الفجر } مصدر ~~قولك فجرت الماء أفجره فجرا، وفجرته تفجيرا، قال الأزهرى الفجر أصله ~~الشق، فعلى هذا الفجر فى آخر الليل هو انشقاق ظلمة الليل بنور الصبح. وقد ~~وردت روايات صحيحة تفيد أن قوله { من الفجر } قد تأخر نزوله عن ~~الجمل السابقة له. ففى الصحيحين عن سهل به سعد قال أنزلت { وكلوا ~~واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود من الفجر } فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط ~~أحدهم فى رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ويأكل حتى يتبين له رؤيتها، ~~فأنزل الله بعده { من الفجر } فعلموا أنه يعنى الليل والنهار. ~~ورويا أيضا عن عدى بن حاتم قال لما نزلت هذه الآية { وكلوا ~~واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود من الفجر } عمدت إلى عقالين لى أسود وأبيض ~~فجعلتهما تحت وسادتى وجعلت أنظر فى الليل إليهما ms0375 فلا يتبين لى، فعمدت إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك فقال # " إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار " # ونزل قوله - تعالى - { من الفجر }. وشبه بياض النهار وسواد الليل ~~بالخيطين الأبيض والأسود لأن أول ما يبدوا من الفجر المعترض فى الأفق وما ~~يمتد معه من غبش الليل يكون كالخيط الممدود. وفى الإتيان بلفظ التفعل فى ~~قوله { حتى يتبين... } إشعار بأنه لا يكفى إلا التبين الواضح ~~لا مجرد التوهم، فقد روى الإمام مسلم فى صحيحه عن سمرة بن جندب قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا يغرنكم نداء بلال ولا هذا البياض حتى يبدو الفجر - أو قال - حتى ~~ينفجر الفجر ". # وقوله { من الفجر } بيان للخيط الأبيض. واكتفى به عن بيان الخيط ~~الأسود، لأن بيان أحدهما بيان للثانى، ويجوز أن تكون " من " للتبعيض، أى ~~من بعض الفجر. وقوله - تعالى - { ثم أتموا الصيام إلى ~~الليل } بيان لإنتهاء وقت الصيام بعد أن بينت الجملة السابقة ~~بدايته. أى ابدءوا صومكم من طلوع الفجر وانتهوا منه بدخول الليل عند غروب ~~الشمس، إذ الليل لبس بوقت الصيام. قال الإمام الرازى كلمة { إلى } ~~لإنتهاء الغاية، فظاهر الآية أن الصوم ينتهى عند دخول الليل، وذلك لأن ~~غاية الشىء مقطعه ومنتهاه وإنما يكون مقطعا ومنتهى إذا لم يبق بعد ذلك. # وقد تجىء هذه الكلمة لا للإنتهاء كما فى قوله - تعالى - # إلى المرافق # إلا أن ذلك على خلاف الدليل، والفرق بين الصورتين أن الليل من جنس ~~النهار فيكون الليل خارجا عن حكم النهار، والمرافق من جنس اليد فيكون ~~داخلا فيه ". وفى الصحيحين عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من هنا وغربت الشمس فقد أفطر ~~الصائم ". # وكان من عادته صلى الله عليه وسلم تعجيل الفطر، فقد روى الشيخان عن سهل ~~بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر ". # وقد أخذ العلماء من هذه ms0376 الآية ومن عمل الرسول صلى الله عليه وسلم وقوله، ~~أن من واصل الإمساك عن المفطرات فى الليل فلا ثواب له على هذا الإمساك، ~~لأنه لم يقع فى الوقت الذى رسمه الشارع لعبادة الصوم، بل يعد هذا المواصل ~~فاعلا لمحظور، فلابد للصائم من تناول شئ من المفطرات بعد غروب الشمس ولو ~~قليلا من الماء. فقد روى الترمذى عن أنس بن مالك قال كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يفطر قبل أن يصلى على رطبات فإن لم تكن رطبات فتميرات، ~~فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء، والوصال - بمعنى أن يصوم الشخص ~~اليوم وما بعده من غير أن يتناول مفطرا فى الليل الفاصل بينهما - وردت ~~فى النهى عنه أحاديث كثيرة، ومن ذلك ما جاء فى الصحيحين عن أنس بن مالك ~~عن النبى صلى الله عليه وسلم قال # " لا تواصلوا، قالوا إنك تواصل يا رسول الله. قال لست كأحد منكم إنى ~~أطعم وأسقى. أو قال إنى أظل يطعمنى ربى ويسقينى ". # وروى الإمام أحمد # " عن ليلى امرأة بشير بن الخصاصية قالت أردت أن أصوم يومين مواصلة ~~فمنعنى بشير وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه وقال يفعل ذلك ~~النصارى ولكن صوموا كما أمركم الله ثم أتموا الصيام إلى الليل، فإذا كان ~~الليل فأفطروا ". # وقوله { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ~~} استثناء عن عموم إباحة المباشرة، وذلك لأنه لما أطلق فى الجملة السابقة ~~الإذن فى مباشرة النساء ليلة الصيام بقوله { فالآن باشروهن } ~~كان هذا الإطلاق مظنة لأن يؤخذ منه أن المعتكف كالصائم فى أنه يجوز له ~~أن يباشر زوجته ليلا لا نهارا، فبين - سبحانه - بهذه الجملة أن المعتكف ~~يحرم عليه أن يباشر النساء فى الليل والنهار. # قال القرطبى والاعتكاف فى اللغة الملازمة، يقال عكف على الشىء إذا لازمه ~~مقبلا عليه. قال الشاعر # وظل بنات الليل حولى عكفا عكوف البواكى بينهن صريع # ولما كان المعتكف ملازما للعمل بطاعة الله مدة اعتكافه لزمه هذا الاسم ~~وهو فى عرف الشرع ملازمة طاعة مخصوصة ms0377 فى وقت مخصوص على شرط مخصوص فى موضع ~~مخصوص. وأجمع العلماء على أنه ليس بواجب وهو قربة من القرب ونافلة من ~~النوافل عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأزواجه، ويلزمه ~~إن ألزمه نفسه، ويكره الدخول فيه لمن يخاف عليه العجز عن الوفاء بحقوقه. ~~وأجمع العلماء على أنه لا يكون إلا فى المسجد واختلفوا فى المراد ~~بالمساجد فى قوله - تعالى - { في المساجد } فذهب قوم إلى أن الآية ~~خرجت على نوع من المساجد وهو ما بناه نبى كالمسجد الحرام والمسجد النبوى ~~وبيت المقدس، وقال آخرون لا اعتكاف إلا فى مسجد تجمع فيه الجمعة، وقال ~~آخرون الاعتكاف فى كل مسجد جائز. والمشار إليه فى قوله - تعالى - { ~~تلك حدود الله فلا تقربوها } الأحكام التى سبق تقريرها ~~من إيجاب وتحريم وإباحة. والحدود جمع حد، وهو فى اللغة الحاجز بين ~~الشيئين المتقابلين ليمنع من دخول أحدهما فى الآخر. ومنه سمى الحديد ~~حديدا لأنه يمنع وصول السلاح إلى البدن. وسميت الأحكام التى شرعها الله ~~حدودا لأنها تحجز بين الحق والباطل. أى تلك الأحكام التى شرعناها لكم من ~~إيجاب الصوم، وتحريم الأكل والشرب والجماع فى نهاره، وإباحة ذلك فى ليله، ~~هى حدود الله التى لا يحل لكم مخالفتها أو مجاوزتها. وعبر - سبحانه - عن ~~النهى عن مخالفة تلك الأحكام بقوله { فلا تقربوها } مبالغة فى ~~التحذير من مخالفتها، لأن النهى عن القرب من الشىء نهى عن إتيانه بالأولى ~~والآية ترشد بقولها { فلا تقربوها } إلى اجتناب ما فيه شبهة كما ~~ترشد إلى ترك الأشياء التى تقضى فى غالب أمرها إلى الوقوع فى حرام. قال ~~صاحب الكشاف فإن قلت كيف قيل { فلا تقربوها } مع قوله # فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله # قلت من كان فى طاعة الله والعمل بشرائعه فهو متصرف فى حيز الحق فنهى أن ~~يتعداه. لأن من تعداه وقع فى حيز الباطل، ثم بولغ فى ذلك فنهى أن يقرب ~~الحد الذى هو الحاجز بين حيزى الحق والباطل لئلا يدانى الباطل، وأن يكون ~~فى الواسطة متباعدا عن الطرف ms0378 فضلا عن أن يتخطاه كما قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " إن لكل ملك حمى، وحمى الله محارمه، فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه ~~" # فالرتع حول الحمى وقربان حيزه واحد. ويجوز أن يريد بحدود الله محارزه ~~ومناهيه خصوصا، لقوله - تعالى - { ولا تباشروهن } وهى حدود لا ~~تقرب ". # ثم ختم - سبحانه - هذه الآية الكريمة بقوله { كذلك يبين ~~الله آياته للناس لعلهم يتقون }. أى مثل ذلك البيان ~~الجامع الذى بين الله به حدوده التى أمركم بالتزامها ونهاكم عن مخالفتها، ~~يبين لكم آياته، أى أدلته وحججه لكى تصونوا أنفسكم عما يؤدى بكم إلى ~~العقوبة، وتكونوا ممن رضى الله عنهم ورضوا عنه. وبذلك تكون الآية الكريمة ~~قد ختمت الحديث عن الصوم، ببيان مظاهر رفق الله بعباده، ورعايته لمصالحهم ~~ومنافعهم بأسلوب بليغ جمع بين الترغيب والترهيب، والإباحة والتحريم، ~~وغير ذلك من أنواع الهداية والإرشاد إلى ما يسعد الناس فى دينهم ~~ودنياهم. وبعد أن أنهى القرآن حديثه عن الصيام، وما يتعلق به من أحكام، ~~أردف ذلك بالنهى عن أكل الحرام، لأنه يؤدى إلى عدم قبول العبادات من صيام ~~واعتكاف ودعاء وغير ذلك فقال - تعالى - { ولا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى ~~الحكام... }. ### || [2.188] # الخطاب فى الآية الكريمة موجه إلى المؤمنين كافة فى كل زمان ومكان. ~~والمراد بالأكل مطلق الأخذ بغير وجه حق، وعبر عنه بالأكل، لأن الأكل أهم ~~وسائل الحياة، وفيه تصرف الأموال غالبا. والباطل فى اللغة الزائل ~~الذاهب، يقال بطل يبطل بطولا وبطلانا. أى ذهب ضياعا وخسرا. وجمع الباطل ~~أباطيل. ويقال بطل الأجير يبطل بطالة إذا تعطل واتبع اللهو. والمراد هنا ~~كل ما لم يبح الشرع فأخذه من المال وإن طابت به النفس، كالربا والميسر ~~وثمن الخمر، والرشوة، وشهاد الزور، والسرقة، والغصب، ونحو ذلك مما حرمه ~~الله - تعالى -. والباء للسببية، والجار والمجرور متعلق بالفعل قبله، ~~وكذلك قوله { بينكم }. والمعنى لا يأخذ بعضكم مال بعض، ويستولى عليه ~~بغير حق، متذرعا بالأسباب الباطلة، والحيل الزائفة، وما إلى ذلك من وجوه ~~التعدى والظلم. وفى قوله ms0379 - تعالى - { أموالكم } - مع أن أكل المال ~~يتناول مال الإنسان ومال غيره - فى هذا القول إشعار بوحدة الأمة ~~وتكافلها، وتنبيه إلى أن احترام مال غيرك وحفظه هو عين الاحترام والحفظ ~~لما لك أنت، ففى هذه الإضافة البليغة تعليل للنهى، وبيان لحكمة الحكم، ~~إذا استحلال الإنسان لمال غيره يجرئ هذا الغير على استحلال مال ذلك ~~الإنسان المتعدى، وإذا فشا هذا السلوك فى أمة من الأمم أدى بها إلى ~~الضعف والتعادى والتباغض. فما أحكم هذا التعبير، وما أجمل هذا التصوير. ~~وقوله { وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا ~~من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون } بيان ~~لصورة أخرى قبيحة من صور أكل أموال الناس بالباطل وقوله { وتدلوا ~~بها إلى الحكام } معطوف على { ولا تأكلوا }. والإدلاء ~~فى الأصل إرسال الدلو فى البئر للاستقاء. ثم جعل كل إلقاء قول أو فعل ~~إدلاء ومنه أدلى فلان بحجته، أى أرسلها ليصل إلى مراده. والمراد ~~بالإدلاء هنا الدفع والإلقاء بالأموال إلى الغير من أجل الوصول إلى أمر ~~معين. والحكام جمع حاكم، وهو الذى يتصدى للفصل بين الناس فى خصوماتهم ~~وقضاياهم. والفريق القطعة المعزولة من جملة الشىء، ومنه قيل للقطعة من ~~الغنم تشذ عن معظمها فريق. والإثم الفعل الذى يستحق صاحبه الذم والعقاب. ~~وجمعه آثام. والمعنى لا يأخذ بعضكم أموال بعض - أيها المسلمون - ولا ~~يستولى عليها بغير حق، ولا تدلوا بها الحكام، أى ولا تلقوا أمرها ~~والتحاكم فيها إلى القضاة لا من أجل الوصول إلى الحق، وإنما من أجل أن ~~تأخذوا عن طريق التحاكم قطعة من أموال غيركم متلبسين بالإثم الذى يؤدى ~~إلى عقابكم، حال كونكم تعلمون أنكم على باطل، ولا شك أن إتيان الباطل مع ~~العلم بأنه باطل أدعى إلى التوبيخ من إتيانه على جهالة به. # فعلى هذا الوجه يكون المراد بالإدلاء بالأموال إلى الحكام طرحها أمامهم ~~ليقضوا فيها، وليتوسل بعض الخصوم عن طريق هذا القضاء إلى أكل الأموال ~~بالباطل حين عجزوا عن أكلها بالمغالبة. وهناك وجه آخر تحتمله الآية ~~احتمالا قريبا، وبه قال كثير من العلماء وهو أن المراد ms0380 بالإدلاء ~~بالأموال إلى الحكام، إلقاؤها إليهم على سبيل الرشوة ليصلوا من وراء ذلك ~~إلى أن يحكموا لصالحهم بالباطل، وعليه يكون المعنى. لا يأخذ بعضكم أموال ~~بعض أيها المسلمون، ولا تلقوا ببعضها إلى حكام السوء على سبيل الرشوة، ~~لتتوصلوا بأحكامهم الجائرة إلى أكل فريق من أموال الناس بغير حق. ولا ~~غرابة فى أن يعنى القرآن فى سياسته الرشيدة بالتحذير من جريمة الرشوة ~~فإنها المعول الذى يهدم صرح العدل من أساسه وبها تفقد مجالس القضاء ~~حرمتها وكرامتها، وتصير تلك المجالس موطنا للظلم لا للعدل. وخص القرآن ~~الكريم هذه الصورة بالنهى - وهى صورة الإدلاء بالأموال إلى الحكام - مع ~~أنه قد ذكر ما يشملها بقوله { ولا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل } لأنها على وجهى تفسيرها شديدة الشناعة، جامعة ~~لمنكرات كثيرة، كالظلم، والتباغض والرشوة، والغصب وغير ذلك. والحق، أن ~~هذه الآية الكريمة أصل من الأصول التى يقوم عليها إصلاح المعاملات، وقد ~~أخذ العلماء منها حرمة أكل أموال الناس بالباطل، وحرمة إرشاء الحكام ~~ليقضوا للراشى بمال غيره، وقد لعن النبى صلى الله عليه وسلم الجميع فى ~~الحديث الذى أخرجه الترمذى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال # " لعن الله الراشى والمرتشى والراءش " # وهو الواسطة الذى يمشى بينهما. كما أخذوا منها أن حكم الحاكم على ما ~~يقتضيه الظاهر من أمر القضية لا يحل فى الواقع حراما، ولا يحرم حلالا، ~~والدليل على ذلك ما أخرجه الشيخان عن أم سلمة - رضى الله عنها - # " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سمع خصومة بباب حجرته، فخرج ~~إليهم فقالإنما أنا بشر. وإنه ليأتينى الخصم. فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من ~~بعض، فأحسب أنه قد صدق، فأقضى له بذلك. فمن قضيت له بحق بحق مسلم فإنما ~~هى قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها ". # قال الإمام ابن كثير فدلت هذه الآية الكريمة هذا الحديث على أن حكم ~~الحاكم لا يغير الشىء فى نفس الأمر، فلا يحل فى نفس الأمر حراما ولا يحرم ~~حلالا، وإنم اهو ملزم فى الظاهر، فإن ms0381 طبق فى نفس الأمر فذاك وإلا فللحاكم ~~أجره وعلى المحتال وزره. ولهذا قال - تعالى - فى آخر الآية { وأنتم ~~تعلمون }. أى تعلمون بطلان ما تدعونه وترجونه فى كلامكم ". وبذلك ~~تكون الآية الكريمة قد رسمت طريق الحق لمن يريد أن يسير فيه # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة وإن الله لسميع عليم # ثم انتقل القرآن إلى الحديث عن الأهلة لما لها من صلة بالصيام وبالقتال ~~فى الأشهر الحرم وبمواقيت الحج فقال - تعالى - { يسألونك عن ~~الأهلة قل هى مواقيت للناس والحج وليس ~~البر... }. ### || [2.189] # ورد فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه ابن أبى حاتم عن أبى ~~العالية قال " بلغنا أن بعض الناس قالوا يا رسول الله، لم خلقت الأهلة ~~فنزلت ". والأهلة جمع الهلال، وهو الكوكب الذى يبزغ فى أول كل شهر، ويسمى ~~هلالا لثلاث ليال أو لسبع ليلا من ظهوره، ثم يسمى بعد ذلك قمرا إلى أن ~~يعود من الشهر الثانى. قال بعضهم وهو مشتق من استهل الصبى إذا بكى وصاح ~~حين يولد، ومنه أهل القوم بالحج إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية، وسمى بذلك ~~لأنه حين يرى يهل الناس بذكره أو بالتكبير، ولهذا يقال أهل الهلال ~~واستهل. والمواقيت جمع ميقات بمعنى الوقت، وهو ما يقدر لعمل من الأعمال ~~وقيل الميقات منتهى الوقت. والمعنى يسألك بعض الناس عن الحكمة من خلق ~~الأهلة، قل لهم - يا محمد - إن الله - تعالى - قد خلقها لتكون معالم يوقت ~~ويحدد بها الناس صومهم، وزكاتهم، وحجهم، وعدة نسائهم، ومدد حملهن، ومدة ~~الرضاع، وغير ذلك مما يتعلق بأمور معاشهم. قال - تعالى - # هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا وقدره ~~منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق ~~الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم ~~يعلمون # وخص الحج بالذكر مع أن الأهلة مواقيت لعبادات أخرى كالصوم والزكاة ~~للتنبيه على أن الحج مقصور وقت أدائه على الزمن الذى عينه الله - تعالى - ~~وأنه لا يجوز نقله إلى وقت آخر كما كانت العرب تفعل، إذ كانوا ينقلون ما ~~شاؤوا من ms0382 الأشهر الحرم الأربعة التى من جملتها ذو الحجة إلى شهر آخر غير ~~حرام، وهو النسىء المشار إليه بقوله - تعالى - # إنما النسيء زيادة فى الكفر # وخص الشارع المواقيت بالأهلة وأشهرها دون الشمس وأشهرها، لأن الأشهر ~~الهلالية تعرف برؤية الهلال ومحاقه، وذلك ما لا يخفى على أحد من الخاصة ~~أو العامة أينما كانوا بخلاف الأشهر الشمسية. فإن معرفتها تنبنى على ~~النظر فى حركات الفلك وهى لا تتيسر ألا للعارفين بدقائق علم الفلك. هذا، ~~ومن الروايات التى وردت فى سبب نزول هذه الآية ما رواه أبو نعيم وابن ~~عساكر عن ابن عباس قال نزلت فى معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم قالا يا رسول ~~الله. ما بال الهلال يبدو - أو يطلع - دقيقا مثل الخيط ثم يزيد حتى يعظم ~~ويستدير، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما كان، لا يكون على حال واحد؟ ~~فنزلت. وعلى هذه الرواية يكون الجواب بقوله - تعالى - { قل هى ~~مواقيت للناس والحج } من قبيل أسلوب الحكيم، وهو إجابة ~~السائل بغير ما يتطلبه سؤاله، بتنزيل سؤاله منزلة غيره، تنبيها له على أن ~~ذلك الغير هو الأولى بالسؤال لأنه هو المهم بالنسبة له. # فأنت ترى هنا أن السائلين قد سألوا عن سبب اختلاف الأهلة بالزيادة ~~والنقصان، فأجيبوا ببيان الحكمة من خلقها، فكأنه - سبحانه - يقول لهم ~~عليكم أن تسألوا عن الحكمة والفائدة من خلق الأهلة لأن هذا هو الأليق ~~بحالكم وهو ما أجبتكم عليه، لا أن تسألوا عن سبب تزايدها فى أول الشهر ~~وتناقصها فى آخره، لأن هذا من اختصاص علماء الهيئة، وأنتم لستم فى حاجة ~~إلى معرفة ذلك فى هذا الوقت. ولعلماء البلاغة كلام جيد فى مزايا ما ~~يسمونه بأسلوب الحكيم، فقد قال السكاكى ما ملخصه " ولهذا النوع - أعنى ~~إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر - أساليب متفننة، ولكل من تلك الأساليب ~~عرق فى البلاغة يتشرب من أفانين سحرها، ولا كأسلوب الحكيم فيها. وهو تلقى ~~المخاطب بغير ما يترقب، أو السائل بغير ما يتطلب، كما قال - تعالى - { ~~يسألونك عن الأهلة } الآية. قالوا ms0383 فى السؤال ما بال الهلال ~~يبدوا دقيقا.. ألخ فأجيبوا بما ترى. وإن هذا الأسلوب الحكيم لربما صادف ~~المقام فحرك من نشاط السامع ما سلبه حكم الوقور، وأبرزه فى معرض المسحور، ~~وهل ألان شكيمة " الحجاج الثقفى " لذلك الرجل الخارجى، وسل سخيمته، حتى ~~آثر أن يحسن على أن يسىء غير أن سحره بهذا الأسلوب؟ إذ توعده الحجاج ~~بالقيد فى قوله " لأحملنك على الأدهم " فقال الخارجى متغابيا مثل الأمير ~~بحمل على الأدهم الأشهب. مبرزا وعيده فى معرض الوعد، متوصلا أن يريه ~~بألطف وجه أن رجلا مثله جدير بأن يعد لا أن يوعد ". وقوله - تعالى - { ~~وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ~~ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من ~~أبوابها } هذا القول الكريم نهى لجماعة المسلمين عن عادة كانوا ~~يفعلونها فى الجاهلية، وهى أنهم كانوا إذا عادوا من حجهم أو أحرموا لا ~~يدخلون من أبواب بيوتهم، بل كانوا يدخلون من نقب ينقبونه فى ظهور بيوتهم. ~~أخرج البخارى عن أبى إسحاق قال سمعت البراء - رضى الله عنه - يقول نزلت ~~هذه الآية فينا. كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا لم يدخلوا من أبواب بيوتهم ~~ولكن من ظهورها فجاء رجل من الأنصار فدخل من قبل بابه فكأنه عير بذلك ~~فنزلت { وليس البر } إلخ. والمعنى وليس من البر ما كنتم تفعلونه ~~فى الجاهلية من دخولكم البيوت من ظهورها عند إحرامكم أو عودتكم من حجكم، ~~ولكن البر الحق الجامع لخصال الخير يكون فى تقوى الله بأن تمتثلوا أوامره ~~وتجتنبوا نواهيه، وإذا ثبت ذلك فعليكم أن تأتوا البيوت من أبوابها عند ~~إحرامكم أو رجوعكم من حجكم. # وفى الأمر بأتيان البيوت من أبوابها إشعار بأن إتيانها من ظهورها باسم ~~الدين غير مأذون فيه، وكل ما يفعل باسم الدين وليس له فى الدين من شاهد ~~فهو بدعة، وكل بدعة ضلالة. وفى الآية الكريمة تعريض بمن يسأل النبى صلى ~~الله عليه وسلم عما هو ليس من العلم المختص بالنبوة، ولا تتوقف معرفته ~~على الوحى، فهذا السائل فى سؤاله مثله كمثل من يدخل البيت من ms0384 ظهره لا من ~~بابه. قال بعضهم وذلك لأن العلم على ضربين علم دنيوى يتعلق بأمر المعاش - ~~كمعرفة الصنائع ومعرفة حركات ومعرفة المعادن والنبات، وقد جعل الله لنا ~~سبيلا إلى معرفة ذلك غير لسان نبيه صلى الله عليه وسلم. وعلم شرعى يتعلق ~~بالعبادات والمعاملات والعقيدة ولا سبيل إلى أخذه إلا من الصادق المصدوق ~~صلى الله عليه وسلم. فلما جاءوا يسألون النبى صلى الله عليه وسلم عما ~~أمكنهم معرفته من غير جهته أجابهم. ثم بين لهم أن البر فى التقوى وذلك ~~يكون بالعلم والعمل المختص بالدين ". قال صاحب الكشاف فإن قلت. ما وجه ~~اتصال قوله - تعالى - { وليس البر } إلخ بما قبله؟ قلت كأنه قيل ~~لهم عند سؤالهم عن الأهلة وعن الحكمة فى نقصانها وتمامها إن كل ما يفعله ~~الله - تعالى - لا يكون إلا عن حكمة ومصلحة لعباده فدعوا السؤال عنه ~~وانظروا فى واحدة تفعلونها أنتم مما ليس من البر فى شىء وأنتم تحسبونها ~~برا. ويجوز أن يكون ذلك على طريق الاستطراد لما ذكر أنها مواقيت للحج، ~~لأنه كان من أفعالهم فى الحج. ويحتمل أن يكون هذا لتعكيسهم فى سؤالهم وأن ~~مثلهم كمثل من يترك باب البيت ويدخله من ظهره. والمعنى ليس البر وما ~~ينبغى أن تكونوا عليه بأن تعكسوا فى مسائلكم، ولكن البر بر من اتقى ذلك ~~وتجنبه ولم يجسر على مثله ثم قال { وأتوا البيوت من ~~أبوابها } أى باشروا الأمور من وجوهها التى يجب أن تباشر عليها ولا ~~تعكسوا، والمراد وجوب توطين النفوس وربط القلوب على أن جميع أفعال الله ~~حكمة وصواب ". وقوله - تعالى - { واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون } أمر بالتقوى التى تتضمن القيام بجميع الواجبات واجتناب ~~البدع والمنكرات. أى افعلوا ما أمركم الله به، واجتنبوا ما نهاكم عنه، ~~لتكونوا من المفلحين، وهم الفائزون بالحياة المطمئنة فى الدنيا والنعيم ~~الخالد فى الآخرة. وبذلك تكون الآية الكريمة قد رددت عقول الناس إلى ~~النظر والتأمل فى سنن الله وفى خلفه على النحو الذى ينشئ التقوى فى ~~النفوس، ويوجه إلى العمل الصالح الذى يرضى الله ms0385 - تعالى -. وبعد أن أمر - ~~سبحانه - المؤمنين بطاعته وتقواه، وحضهم على الجهاد فى سبيله إذ هو من ~~أجل مظاهرها، وبصرهم بحكمته وآدابه فقال - تعالى - { وقاتلوا فى ~~سبيل الله الذين يقاتلونكم...إن الله يحب ~~المحسنين }. ### || [2.190-195] # قال ابن كثير قال أبو جعفر الرازى عن الربيع بن أنس عن أبى العالية فى ~~قوله - تعالى - { وقاتلوا فى سبيل الله الذين ~~يقاتلونكم } قال هذا أول آية نزلت فى القتال بالمدينة فلما نزلت ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل من قاتله ويكف عمن كف عنه حتى ~~نزلت سورة براءة. ويرى بعض العلماء أن هذه الآيات قد وردت فى الأذن ~~بالقتال للمحرمين فى الاشهر الحرم إذا فوجئوا بالقتال بغيا وعدوانا. ~~فهى متصلة بما قبلها أتم الاتصال، لأن الآية السابقة بينت أن الأهلة ~~مواقيت للناس فى عباداتهم ومعاملاتهم عامة وفى الحج خاصة وهو فى أشهر ~~هلالية مخصوصة كان القتال فيها محرما فى الجاهلية. فقد أخرج الواحدى عن ~~ابن عباس أن هذه الآيات نزلت فى صلح الحديبية، وذلك أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم صده المشركون عن البيت الحرام - ثم صالحوه فرضى على أن ~~يرجع عامه القابل ويخلوا له مكة ثلاثة أيام يطوف ويفعل ما يشاء فلما كان ~~العام القابل تجهز هو وأصحابه لعمرة القضاء وخافوا ألا تفى لهم قريش، وأن ~~يصدوهم عن المسجد الحرام بالقوة ويقاتلوهم وكره أصحابه قتالهم فى الحرم ~~والشهر الحرام فأنزل الله - تعالى الآيات. والقتال والمقاتلة محاولة ~~الرجل قتل من يحاول قتله، والتقاتل محاولة كل واحد من المتعاديين قتل ~~الآخر. قال أبو حيان وقوله { في سبيل الله } السبيل هو الطريق. ~~واستعير لدين الله وشرائعه لأن المتبع لذلك يصل به إلى بغيته الدينية ~~والدنيوية، فشبه بالطريق الموصل الإنسان إلى ما يقصده، وهذا من استعارة ~~الأجرام للمعانى ويتعلق { في سبيل الله } بقوله { وقاتلوا } ~~وهو ظرف مجازى، لأنه لما وقع القتال بسبب نصرة الدين صار كأنه وقع فيه، ~~وو على حذف مضاف والتقدير فى نصرة دين الله. والمراد بالقتال فى سبيل ~~الله الجهاد من أجل إعلاء ms0386 كلمته حتى يكون أهل دينه الحق أعزاء لا يسومهم ~~أعداؤه ضيما، وأحرارا فى الدعوة إليه وإقامة شرائعه العادلة فى ظل ~~سلطان مهيب. أى قاتلوا أيها المؤمنون لإعلاء كلمة الله وإعزاز دينه ~~أعداءكم الذين أعدوا أنفسهم لقتالكم ومناجزتكم وتحققتم منهم سوء النية، ~~وفساد الطوية. فالآية الكريمة تهييج للمؤمنين وإغراء لهم على قتال ~~أعدائهم بدون تردد أو تهيب، وإرشاد لهم إلى أن يجعلوا جهادهم من أجل نصرة ~~الحق، لا من أجل المطامع أو الشهوات. فقد روى الشيخان أبو داود والترمذى ~~والنسائى وابن ماجه عن أبى موسى - رضى الله عنه - # " أن أعرابيا أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله الرجل ~~يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه - أى ليتحدث ~~الناس بشجاعته وليظهر بينهم - أى ذلك فى سبيل الله؟ فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم من قاتل لتكون كلمة الله هى العليا فهو فى سبيل الله ". # والأحاديث فى الدعوة إلى أن يكون الجهاد فى سبيل الله من أجل إعلاء ~~كلمته كثيرة متعددة. وقوله { ولا تعتدوا } نهى عن الاعتداء بشتى ~~صوره ويدخل فيه دخولا أولياء الاعتداء فى القتال. والاعتداء مجاوزة الحد ~~فيما أمر الله به أو نهى عنه. أى قاتلوا فى سبيل الله من يناصبكم القتال ~~من المخالفين، ولا تتجاوزوا فى قتالهم إلى من ليس شأنهم قتالكم، كنسائهم، ~~وصبيانهم ورهبانهم، وشيوخهم الطاعنين فى السن إلى حد الهرم، ويلحق بهؤلاء ~~المريض والمقعد والأعمى والمجنون. وقد وردت فى النهى عن قتل هؤلاء ~~الأحاديث النبوية ووصايا الخلفاء الراشدين لقواد جيوشهم، فهؤلاء يتجنب ~~قتالهم إلا من قامت الشواهد على أن له أثرا من رأى أو عمل فى الحرب، ~~يؤازر به المحاربين لينتصروا على المجاهدين. قال ابن كثير ولهذا جاء فى ~~صحيح مسلم عن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول # " أغزوا فى سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، أغزوا ولا تغلو ولا تغدروا ~~ولا تمثلوا ولا تقتلوا الوليد ولا أصحاب الصوامع " # وفى الصحيحين عن ابن عمر قال وجدت امرأة فى ms0387 بعض المغازى مقتولة ~~فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان ". وقوله { ~~إن الله لا يحب المعتدين } كالتعليل لما قبله فى النهى ~~عن مجاوزة ما حده الله - تعالى - فى قتال المخالفين. ومحبة الله لعباده ~~صفة من صفاته - تعالى - من أثرها الرعاية والإنعام. وإذا نفى الله - ~~تعالى - محبته لطائفة من الناس فهو كناية عن بغضه لهم، واستحقاقهم ~~لعقوبته. وقوله { واقتلوهم حيث ثقفتموهم } الضمير المنصوب ~~فيه يعود على قوله { الذين يقاتلونكم } فى الآية السابقة. و { ~~ثقفتموهم } أدركتموهم وظفرتم بهم. يقال ثقف الشىء إذا ظفر به ووجده ~~على جهة الأخذ والغلبة ومنه رجل ثقف إذا كان سريع الأخذ لأقرانه. قال ~~الشاعر # فإما تثقفونى فاقتلونى فمن أثقف فليس إلى خلود # ويقال - أيضا - رجل ثقف إذا كأن محكما لما يتناوله من الأمور. والمعنى ~~عليكم أيها المسلمون أن تقتلوا هؤلاء الذين اذنا لكم بقتالهم حيث ~~وجدتموهم وظفرتم بهم، فأنهم قد بادءوكم بالعدوان، وتمنوا لكم كل شر وسوء. ~~وقوله { وأخرجوهم من حيث أخرجوكم } معطوف على ما ~~قبله. وحيث ظرف مكان. والمكان الذى أخرجوهم منه هو مكة، فإن المشركين من ~~قريش قد أنزلوا بالمسلمين الأولين من صنوف الأذى ما جعلهم يتركون مكة ~~ويهاجرون إلى بلاد الحبشة أولا. ثم إلى المدينة المنورة ثانيا. أى اقتلوا ~~هؤلاء الذين قاتلوكم فى أى مكان لقيتموهم فيه، وأخرجوهم من المكان الذى ~~أخرجوكم منه وهو مكة. # وفى هذا تهديد للمشركين، وإغراء للمسلمين بهم، ووعد بفتح مكة وقد أنجز ~~الله - تعالى - وعده ففتح المسلمون مكة فى السنة الثامنة من الهجرة. ~~وقوله - تعالى - { والفتنة أشد من القتل }. دفع لما قد ~~يقع من بعض المسلمين من استعظام قتل المشركين فى مكة. والفتنة فى الأصل ~~مصدر فتن الصائغ الذهب والفضة إذا أذابهما بالنار ليستخرج الزائف منهم ثم ~~استعملت فى الابتلاء والامتحان والصرف عن الشىء، وأكثر استعمالها فى ~~التضليل والصد عن الدين، ثم على الكفر. ويبدو أن المراد منها هنا ما كان ~~يفعله المشركون مع المسلمين من التعذيب والصد عن الدين، والإخراج من ~~الوطن، وغير ذلك من ms0388 صنوف الأذى. والمعنى لا تقصروا فى قتل المشركين الذين ~~يقاتلونكم، والذين أخرجوكم من دياركم، فإن فتنتهم لكم بالإيذاء والتعذيب ~~والصد عن الدين، أشد ضررا من قتلكم لهم فى أى مكان وجدوا به. وبعضهم فسر ~~الفتنة هنا بالشرك، أو بالرجوع إلى الكفر، أو بعذاب الآخرة، وقد بين ذلك ~~صاحب الكشاف بقوله. وقوله { والفتنة أشد من القتل } أى ~~المحنة والبلاء الذى ينزل بالإنسان يتعذب به أشد عليه من القتل وقيل ~~لبعض الحكماء ما أشد من الموت قال الذى يتمنى فيه الموت، جعل الإخراج من ~~الوطن من الفتن والمحن التى يتمنى عندها الموت، ومنه قول القاتل # القتل بحد السيف أهون موقعا على النفس من قتل بحد فراق # وقيل { والفتنة } عذاب الآخرة قال - تعالى - # ذوقوا فتنتكم # وقيل الشرك أعظم من القتل فى الحرم، وذلك أنهم كانوا يستعظمون القتل فى ~~الحرم ويعيبون به المسلمين. فقيل والشرك الذى هم عليه أشد وأعظم مما ~~يستعظمونه ويجوز أن يراد وفتنتهم إياكم بصدكم عن المسجد الحرام أشد من ~~قتلكم إياهم فى الحرم، أو من قتلهم إياكم إن قتلوكم فلا تبالوا بقتالهم ~~". وإلى هنا تكون الآية الكريمة قد أذنت للمؤمنين فى قتل الذين يناجزونهم ~~القتال دفعا لشرهم أينما وجدوا. ثم ساقت الآية جملة أخرى نهت فيها ~~المؤمنين عن قتال المشركين عند المسجد الحرام مراعاة لحرمته. ما دام ~~المشركون لم يفاتحوهم بالقتال عنده، أما إذا فاتحوهم بالقتال فيه، فقد ~~أصبح من حق المؤمنين أن يدافعوا عن أنفسهم، وأن يقاتلوا أعداءهم. وهذه ~~الجملة هى قوله - تعالى - { ولا تقاتلوهم عند المسجد ~~الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم ~~فاقتلوهم }. أى لا تقاتلوا أيها المؤمنون أعداءكم عند المسجد ~~الحرام احتراما له حتى يبدأ المشركون قتالكم عنده فإن بدءوكم بالقتال ~~فيه فلا حرج عليكم فى قتلهم عنده، لأن المنتهك لحرمة المسجد الحرام إنما ~~هو البادئ بالقتال فيه وهم المشركون، ولستم أنتم أيها المؤمنون لأن ~~موقفكم إنما هو موقف المدافع عن نفسه. فأنت ترى أن الآية الكريمة قد حفظت ~~للمسجد الحرام حرمته وهيبته ومكانته السامية لأن حرمته ms0389 لذاته، وحرمة سائر ~~الحرم من أجله، إلا أنها أذنت للمسلمين أن يدافعوا عن أنفسهم إذا ما ~~هاجمهم المشركون عنده أو فيه. # قال ابن كثير ما ملخصه وقد دلت الآية على الأمر بقتال المشركين فى الحرم ~~إذا بدأوا بالقتال فيه دفعا لصولتهم، كما بايع النبى صلى الله عليه وسلم ~~أصحابه يوم الحديبية تحت الشجرة على القتال، لما تألبت عليه بطون قريش ~~ومن والاهم من أحياء ثقيف والأحابيش عامئذ، ثم كف الله القتال بينهم فقال # وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ~~ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم # وقال صلى الله عليه وسلم لخالد بن الوليد ومن معه يوم الفتح # " إن عرض لكم أحد من قريش فاحصدوهم حصدا حتى توافونى على الصفا " # . فما عرض لهم أحد إلا أناموه وأصيب من المشركين نحو اثنى عشر رجلا ". ~~ولم يقل - سبحانه - فإن قاتلوكم فقاتلوهم، وإنما قال { فإن ~~قاتلوكم فاقتلوهم } تبشيرا للمؤمنين بالغلبة عليهم، وإشعارا ~~بأن هؤلاء المشركين من الخذلان والضعف بحالة أمر الله المؤمنين معها ~~بقتلهم لا بقتالهم فهم لضعفهم لا يحتاجون من المؤمنين إلا إلى القتل. ~~وقوله { كذلك جزآء الكافرين } تذييل لما قبله. واسم الإشارة ~~ذلك يعود إلى قتل المقاتلين أينما وجدوا. والجزاء ما يقع فى مقابلة ~~الإحسان أو الإساءة، فيطلق على ما يثاب به المحسن، وعلى ما يعاقب به ~~المسىء. والمراد به فى الآية العقاب. أى مثل هذا الجزاء العادل من القتل ~~والردع يجازى الله الكافرين الذين قاتلوا المؤمنين وأخرجوهم من ديارهم. ~~ثم فتح القرآن للكافرين الذين قاتلوا المسلمين التوبة فقال { فإن ~~انتهوا فإن الله غفور رحيم }. الانتهاء أصله مطاوع ~~نهى. يقال نهاه فانتهى ثم توسع فيه فأطلق على الكف عن الشىء، لأن النهى ~~هو طلب ترك الشىء. أى فإن انتهوا عن الكفر وعن مقاتلتكم فكفوا عنهم ولا ~~تتعرضوا لهم فإن الله غفور رحيم. وكل من تاب من كفر أو معصية فشأن الله ~~معه أن يغفر له ويرحمه. ونظير هذه الآية قوله - تعالى - # قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ms0390 ~~سلف # وإنما قلنا فإن انتهوا عن الكفر وعن القتال لأن سياق الحديث عن الكافرين ~~المقاتلين للمؤمنين، فيكون حمل الانتهاء على الأمرين معا أولى من حمله ~~على القتال فحسب. وقوله - تعالى - { وقاتلوهم حتى لا تكون ~~فتنة ويكون الدين لله } معطوف على جملة { وقاتلوا فى ~~سبيل الله الذين يقاتلونكم } والضمير " هم " يعود على ~~الذين يقاتلون المسلمين وهم من سبق الحديث عنهم. والمراد من { ~~والفتنة } الشرك وما يتبعه من أذى المشركين للمسلمين واضطهادهم ~~وتعذيبهم. قال الآلوسى ويؤيده أن مشركى العرب ليس فى حقهم إلا الإسلام ~~أو السيف. # لقوله - سبحانه - # تقاتلونهم أو يسلمون # وفى الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم ~~وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله ". # والدين فى اللغة العادة والطاعة ثم استعمل فيما يتعبد به الله - تعالى - ~~سواء أكان ما تعبد به صحيحا أم باطلا. والمراد هنا الدين الصحيح الذى ~~شرعه الله لعباده على لسان نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم ليتوصلوا به ~~إلى الصلاح فى الحال والفلاح فى المآل. والمعنى قاتلوا أولئك المشركين ~~حتى تزيلوا الشرك، وحتى تكسروا شوكتهم ولا يستطيعوا أن يفتنوا طائفة من ~~أهل الدين الحق، وحتى يكون الدين الظاهر فى الأرض هو الدين الذى شرعه ~~الله - تعالى - على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. وقد تحقق ذلك ~~بالقتال الذى دار المسلمين والمشركين فى أكثر من عشرين غزوة قادها النبى ~~صلى الله عليه وسلم وفى أكثر من أربعين سرية بعث فيها أصحابه، وكانت ثمار ~~هذه المعارك أن انتصر الحق وزهق الباطل. وقبل أن يلتحق النبى صلى الله ~~عليه وسلم بالرفيق الأعلى كان الدين الظاهر فى جزية العرب هو دين ~~الإسلام الذى جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. ثم ختم - سبحانه - ~~الآية بقوله { فإن انتهوا فلا عدوان إلا على ~~الظالمين } والعدوان فى أصل اللغة الاعتداء والظلم الذى ms0391 هو من ~~الأفعال المحرمة والمراد به فى الآية القتل حيث يرتكب جزاء للظالمين. ~~والفاء فى قوله { فإن انتهوا } للتعقيب. وقوله { فلا عدوان ~~إلا على الظالمين } قائم مقام جواب الشرط، لأنه علة الجواب ~~المحذوف. والمعنى فإن امتنعوا عن قتالكم ولم يقدموا عليه، وأذعنوا ~~لتعاليم الإسلام، فكفوا عن قتالهم، لأنهم قد انتفى عنهم وصف الظلم، وما ~~دام قد انتفى عنهم هذا الوصف فلا يصح أن تقاتلوهم، إذ القتال إنما يكون ~~للظالمين تأديبا لهم ليرجعوا عن ظلمهم. ففى الجملة الكريمة إيجاز ~~بالحذف، واستغناء عن المحذوف بالتعليل الدال عليه. قال الإمام الرازى ~~أما قوله - تعالى - { فلا عدوان إلا على الظالمين } ففيه ~~وجهان الأول فإن انتهوا فلا عدوان أى فلا قتل إلا على الذين لا ينتهون عن ~~الكفر، فإنهم بإصرارهم على كفرهم ظالمون لأنفسهم قال - تعالى - # إن الشرك لظلم عظيم # فإن قيل لم سمى ذلك القتل عدوانا مع أنه فى نفسه صواب؟ قلنا لأن ذلك ~~القتل جزاء العدوان فصح إطلاق اسم العدوان عليه، كقوله - تعالى - # وجزآء سيئة سيئة مثلها # الثانى إن تعرضتم لهم بعد انتهائهم عن الشرك والقتال كنتم أنتم ظالمين، ~~فتسلط عليكم من يعتدى عليكم. # وقوله - تعالى - { الشهر الحرام بالشهر الحرام } بيان ~~للحكمة فى إباحة القتال فى الأشهر الحرم، وإيذان بأن مراعاة حرمة الشهر ~~الحرام إنما هى واجبة فى حق من يصون حرمته، أمن من هتكها فقد صار بسبب ~~انتهاكه لحرمة الشهر الحرام محلا للقصاص والمعاقبة فى الشهر وفى غيره. ~~وسمى الشهر الحرام لأنه يحرم فيه ما يحل فى غيره من القتال ونحوه، ~~والتعريف فيه - على الراجح - للجنس فهو يشمل الأشهر الحرم جميعها وهى ~~أربعة ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب. قال - تعالى - # إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في ~~كتاب الله يوم خلق السموت والأرض منهآ ~~أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا ~~فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كآفة كما ~~يقاتلونكم كآفة واعلموا أن الله مع ~~المتقين # قال القرطبى نزلت فى عمرة القضاء، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خرج ms0392 معتمرا حتى بلغ الحديبية فى ذى القعدة سنة ست، فصده المشركون كفار ~~قريش عن البيت فانصرف ووعده - سبحانه - أنه سيدخله فدخله فى ذى القعدة ~~سنة سبع وقضى نسكه ونزلت هذه الآية. والمعنى هذا الشهر الحرام الذى تؤدون ~~فيه عمرة القضاء، بذلك الشهر الحرام الذى صدكم المشركون فيه عن دخول ~~المسجد الحرام، فإذا بدءوا بانتهاك حرمته بقتالكم فيه، فلا تبالوا أن ~~تقاتلوهم فيه دفاعا عن أنفسكم، إذ هم البادئون بهتك حرمته. وقوله { ~~والحرمات قصاص } متضمن لإقامة الحجة على الحكم السابق والحرمات ~~جمع حرمة، وهى ما يحفظ ويرعى ولا ينتهك. والقصاص المساواة. أى، وكل حرمة ~~يجرى فيها القصاص. فمن هتك أية حرمة اقتص منه بأن تهتك له حرمة. والمراد ~~أن المشركين إذا أقدموا على مقاتلتكم - أيها المؤمنون - فى الحرم أو فى ~~الشهر الحرام، فقاتلوهم أنتم أيضا على سبيل القصاص والمجازاة بالمثل، ~~حتى لا يتخذوا الأشهر الحرم ذريعة للغدر والإضرار بكم. ثم أكد - سبحانه ~~- هذا المعنى بقوله { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم }. أى فمن اعتدى عليكم وظلمكم فجازوه ~~باعتدائه وقابلوه بمثل ما اعتدى عليكم بدون حيف أو تجاوز للحد الذى أباحه ~~الله لكم. وسمى جزاء الاعتداء اعتداء على سبيل المشاكلة. قال الآلوسى ~~واستدل الشافعى بالآية على أن القاتل يقتل بمثل ما قتل به من محدد أو خنق ~~أو حرق أو تجويع أو تغريق. حتى لو ألقاه فى ماء عذب لم يلق فى ماء ملح. ~~واستدل بها أيضا على أن من غصب شيئا وأتلفه لزمه رد مثله، ثم إن المثل ~~قد يكون من طريق الصورة - كما فى ذوات الأمثال - وقد يكون من طريق المعنى ~~كالقيم فيما لا مثل له. # ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالأمر بالتقوى والخشية منه فقال { ~~واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين }. ~~أى اتقوا الله وراقبوه فى الانتصار لأنفسكم، وترك الاعتداء فيما لا يرخص ~~لكم فيه، واعلموا أن الله مع الذين يمتثلون أمره ويجتنبون نهيه بالنصر ~~والرعاية والتأييد. ثم أمر الله - تعالى - المؤمنين ببذل المال من ms0393 أجل ~~إعلاء كلمته، ونصرة دينه، فقال { وأنفقوا فى سبيل الله ولا ~~تلقوا بأيديكم إلى التهلكة }. قال الإمام الرازى ~~الإنفاق هو صرف المال إلى وجوه المصالح فلذلك لا يقال فى المضيع إنه ~~منفق. فإذا قيد الإنفاق بذكر سبيل الله، فالمراد به طريق الدين، لأن ~~السبيل هو الطريق، وسبيل الله هو دينه، فكل ما أمر الله به فى دينه من ~~الإنفاق فهو داخل فى الآية سواء أكان إنفاقا فى حج أو فى صلة رحم أو ~~غير ذلك، إلا أن الأقرب فى هذه الآية - وقد تقدم ذكر الجهاد - أنه يراد ~~به الإنفاق فى الجهاد، وقوله { في سبيل الله } كالتنبيه على ~~العلة فى وجوب هذا الإنفاق، وذلك لأن المال مال الله فيجب انفاقه فى ~~سبيله، ولأن المؤمن إذا سمع ذكر الله اهتز ونشط فيسهل عليه إنفاق المال. ~~و { تلقوا } من الإلقاء وهو طرح الشىء من اليد. قال الجمل والباء فى ~~قوله { بأيديكم } تحتمل وجهين أحدهما أنها زائدة فى المفعول به لأن ~~ألقى يتعدى بنفسه، قال - تعالى - # فألقى عصاه # والثانى أن يضمن ألقى معنى فعل يتعدى بالباء فيتعدى تعديته فيكون ~~المفعول به فى الحقيقة هو المجرور بالباء تقديره، ولا تفضوا بأيديكم إلى ~~التهلكة كقوله أفضيت بجنبى إلى الأرض أى طرحته على الأرض ". والمراد ~~بالأيدى الأنفس، من باب ذكر الجزء وإرادة الكل، لأن أكثر ظهور أفعال ~~النفس تكون عن طريق اليد. والتهلكة الهلاك والموت. أو كل شىء تصير عاقبته ~~إليه. مصدر هلك يهلك هلكا وهلاكا وتهلكة. والجملة الكريمة معطوفة على ~~جملة { وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم... } ~~ألخ، لأنهم لما أمروا بقتال عدوهم، وكان أوفر منهم عدة وعددا، كلفهم ~~بالاستعداد له عن طريق إنفاق الكثير من أموالهم فى سبيل إعلاء كلمة الله ~~لأن هذا الإنفاق من أقوى الوسائل التى توصل إلى النصر. والمعنى عليكم، ~~أيها المؤمنون - أن تقاتلوا فى سبيل الله من قاتلكم، وأن تنفقوا من أجل ~~إعلاء كلمة الله أموالكم، ولا تلقوا أنفسكم فيما فيه هلاككم فى دين أو ~~دنيا، بسبب ترككم الجهاد وبخلكم عن ms0394 الإنفاق فيه مع القدرة على ذلك. ~~ويشهد لهذا المعنى ما أخرجه الترمذى وغيره عن أبى عمران قال كنا بمدينة ~~الروم القسطنطينية - فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم. فخرج إليهم من ~~المسلمين مثلهم فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح ~~الناس وقالوا سبحان الله يلقى بيديه إلى التهلكة!! فقام أبو أيوب ~~الأنصارى فقال يا أيها الناس إنكم لتؤولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما ~~نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار. # لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سرا - دون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام، ~~وكثر ناصروه، فلو أقمنا فى أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله - ~~تعالى - على نبيه يرد علينا ما قلناه { وأنفقوا فى سبيل الله ~~ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة }. فكانت التهلكة ~~الإقامة على الأموال، وإصلاحها، وتركنا الغزو. قال الراوى فمازال أبو ~~أيوب شاخصا فى سبيل الله حتى دفن بأرض الروم. فالآية الكريمة تأمر ~~المؤمنين بأن يبذلوا أموالهم فى الجهاد فى سبيل الله بصفة خاصة، وفى كل ~~موطن من مواطن الخير بصفة عامة، لأن عدم البذل فى سبيل الخير يؤدى إلى ~~ضعف الأمة واضمحلالها. ثم ختم - سبحانه - الآية بالترغيب فى الإحسان ~~فقال { وأحسنوا إن الله يحب المحسنين } أى أحسنوا ~~كل أعمالكم وأتقنوها، لأنه - سبحانه - يحب المحسنين فى كل شئونهم، ~~ويثيبهم على ذلك بما يسعدهم فى دينهم ودنياهم. هذا، وتأمل معى - أيها ~~القارئ الكريم - فى هذه الآيات تراها قد رسمت أحكم منهاج وأعدله فى شأن ~~الحرب والسلم. إنها تأمر المؤمنين أن يجاهدوا أعداءهم الذين بدأوهم ~~بالقتال، وأن يقتلوهم حيث وجدوهم. ويخرجوهم من حيث أخرجوهم، كما تأمرهم ~~أن يبذلوا أموالهم فى سبيل الله بدون إمساك أو بخل، وهذا من أقوى أنواع ~~الحض على الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله. ولكنها فى الوقت نفسه تنهاهم عن ~~الاعتداء، وتنهاهم عن القتال فى الأشهر الحرام وفى الأماكن المقدسة إلا ~~إذا قاتلهم المشركون فيها، كما تنهاهم عن قتالهم إذا ما ms0395 انتهوا عن ~~عدوانهم وكفرهم، لأن شريعة القرآن تستجيب لداعى السلم متى كف المعتدون عن ~~العدوان، واحترموا كلمة الإسلام. وبذلك نرى أن القتال فى الإسلام ليس ~~من أجل الغنائم، أو الاستغلال أو الاستعباد، أو التباهى.. كلا ليس لأجل ~~شىء من هذا، وإنما هو من أجل الدفاع عن الحق وأهله، حتى تكون كلمته هى ~~العليا وكلمة الباطل هى السفلى، وبهذا تسعد الإنسانية، وتنال ما تصبو ~~إليه من عزة وفلاح. وبعد هذا الحديث المحكم عن القتال فى سبيل الله، ~~وبيان أحكامه بالنسبة للأشهر الحرم وللبيت الحرام، ساق القرآن فى بضع ~~آيات جملة من الأحكام والآداب التى تتعلق بفريضة الحج، إذ القتال جهاد ~~لحماية الأمة الإسلامية من الخارج، والحج جهاد لتذهيب النفس وحماية ~~الأمة من الداخل عن طريق تجميع أبنائها على اختلاف ديارهم فى مكان واحد ~~ليشهدوا منافع لهم، وليتعاونوا على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان. ~~استمع إلى سورة البقرة وهى تحدثك عن بعض أحكام الحج وآدابه فتقول { ~~وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم... }. ### || [2.196] # تعتبر هذه الآية الكريمة من أجمع الآيات التى وردت فى القرآن الكريم ~~مبينة ما يتعلق بأحكام الحج وآدابه، وسنحاول - بعون الله - أن نبين ما ~~اشتملت عليه من آداب سامية، وتوجيهات حكيمة، بأسلوب هو إلى الإيجاز أقرب ~~منه إلى الإسهاب والإطناب، قاصدين عدم التعرض لتفريعات الفقهاء ~~واختلافاتهم إلا بالقدر الذى يقتضيه المقام. والحج فى اللغة القصد يقال ~~حج فلان الشىء إذا قصده مرة بعد أخرى. وفى الشرع القصد لزيارة بيت الله ~~الحرام فى وقت مخصوص بأفعال مخصوصة، وبكيفية مخصوصة، بينتها الشريعة ~~الإسلامية. والعمرة فى اللغة الزيارة، مأخوذة من العمارة التى هى ضد ~~الخراب ثم أطلقت على الزيارة التى يقصد بها عمارة المكان. وفى الشرع ~~زيارة بيت الحرام للتقرب إليه، وقد بين النبى صلى الله عليه وسلم أركانها ~~وشروطها وكيفيتها. وقد كانت شعيرة الحج والعمرة معروفتين عند العرب قبل ~~الإسلام، ولكن بأفعال وبكيفية فيها الكثير من الأباطيل والأوهام، فجاءت ~~شريعة الإسلام فوضعت لهما أفضل الأحكام، وأسمى الآداب، وأمر النبى صلى ms0396 ~~الله عليه وسلم المسلمين أن يسيروا فى أدائها على الطريقة التى سار عليها ~~فقال # " خذوا عنى مناسككم ". # قال ابن كثير " وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر ~~كلها فى ذى القعدة عمرة الحديبية فى ذى القعدة سنة ست، وعمرة القضاء فى ~~ذى القعدة سنة سبع، وعمرة الجعرانة فى ذى القعدة سنة ثمان، وعمرته التى ~~مع حجته أحرم بهما معا فى ذى القعدة سنة عشر. وما اعتمر فى غير ذلك بعد ~~هجرته ". وقد اختلف العلماء فى المقصود من الإتمام فى قوله - تعالى - { ~~وأتموا الحج والعمرة لله } فبعضهم يرى أن المراد ~~بإتمامهما إقامتهما وإيجادهما وإنشاؤهما فيكون المعنى أقيموا الحج ~~والعمرة لله أى أدوهما وائتوا بهما. فالأمر فى " أتموا " منصب على ~~الإنشاء والأداء. فهو كقوله - تعالى - # ثم أتموا الصيام إلى الليل # وأصحاب هذا الرأى يرون أن العمرة واجبة كالحج، لأن الله - تعالى - أمر ~~بهما معا، ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال # " تابعوا بين الحج والعمرة.. ". # وإلى هذا الرأى أتجه سعيد بن جبير، وعطاء، وسفيان الثورى، والشافعية. ~~ويرى كثير من الصحابة والتابعين والفقهاء كالأحناف والمالكية - أن المراد ~~بإتمامهما الإتيان بهما تامين بمناسكهما المشروعة لوجه الله - تعالى - ~~وأن على المسلم إذا شرع فيهما أو فى أحدهما أن يتمه ويأتى به كاملا، كما ~~فعل النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه فى عمرة القضاء. فيكون المعنى ~~ائتوا بالحج والعمرة كاملى الأركان والشروط والآداب خالصين لوجه الله - ~~تعالى -. # فالأمر على هذا الرأى منصب على الإتمام لا على أصل الأداء. وأصحابه ~~يرون أن العمرة ليست واجبة كالحج لعدم قيام الدليل على وجوبها، وليس فى ~~الآية ما يفيد الوجوب، بل فيها ما يفيد وجوب الإتمام إن شرع فيهما أو فى ~~أحدهما. وفرضية الحج إنما ثبتت بقوله - تعالى - # ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا # وأيضا، فإن أركان العمرة وأفعالها تدخل فى ثنايا أفعال الحج وأركانه، ~~ولذلك ورد فى الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " دخلت العمرة فى الحج ms0397 إلى يوم القيامة " # إلى غير ذلك من الأدلة التى ساقها كل فريق لتدعيم رأيه. ومجمل القول أن ~~فرضية الحج مجمع عليها بين العلماء، وأما فرضية العمرة ففيها خلاف، انتصر ~~كثير من العلماء فيه للرأى القائل بأنها ليست فرضا كالحج، بل هى سنة. ~~وقد كانت فرضية الحج فى السنة التاسعة من الهجرة على أرجح الروايات. ويرى ~~بعض العلماء أن الحج قد فرض قبل ذلك، إلا أن تنفيذه لم يتم إلا فى السنة ~~التاسعة عندما أرسل النبى صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميرا على الحج، ~~وكان ذلك تمهيدا لحجه صلى الله عليه وسلم سنة عشر. وقد أمر - سبحانه - ~~بإتمام الحج والعمرة لله دون غيره لأن العرب كانت تقصد الحج للاجتماع ~~والتظاهر، والتفاخر، وقضاء الحوائج، وحضور الأسواق، دون أن يكون لله - ~~تعالى - فيه حظ يقصد، ولا قربة تعتقد، فأمر - سبحانه - المسلمين أن ~~ينزهوا عباداتهم - وخصوصا الحج - عن الأقوال السيئة، والأفعال القبيحة، ~~وأن يقصدوا بأداء ما كلفهم الله به الإخلاص والطاعة له - سبحانه -. وبعد ~~أن أمر الله - تعالى - عباده بأن يتموا الحج والعمرة له، أردف ذلك ببيان ~~ما يجب عليهم عمله فيما لو حال حائل بينهم وبين إتمامهما فقال { فإن ~~أحصرتم فما استيسر من الهدي } والإحصار والحصر فى ~~اللغة بمعنى الحبس والمنع والتضييق سواء أكان بسبب عدو أو مرض أو جور ~~سلطان أو ما يشبه ذلك. قال - تعالى - فى شأن قتال المشركين # فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم # أى ضيقوا عليهم المنافذ. ويقال للذى لا يبوح بسره حصر لأنه حبس نفسه عن ~~البوح بسره. ويرى بعض علماء اللغة أن الإحصار يكون الحبس والمنع فيه من ~~ذات الشخص كالمرض وذهاب النفقة، وأما الحصر فيكون الحبس والمنع فيه لا من ~~ذات الشخص، بل بسبب أمر خارجى كالعدو ونحوه. { الهدي } - بتخفيف ~~الياء وتشديدها - مصدر بمعنى المفعول، أى المهدى والمراد به ما يهدى إلى ~~بيت الله الحرام من الإبل والبقرة والشاة ليذبح تقربا إلى الله - تعالى ~~-. # و { استيسر } هنا بمعنى يسر وتيسر أى ms0398 ما أمكن تحصيله من الهدى بدون ~~مشقة أو تعب. والمعنى أتموا - أيها المؤمنون - الحج والعمرة لله متى ~~قدرتم على ذلك، فإن { أحصرتم } أى منعتم بعد الإحرام من الوصول ~~إلى البيت الحرام بسبب عدو أو مرض أو نحوهما، فعليكم إذا أردتم التحلل من ~~الإحرام أن تذبحوا ما تيسر لكم من الهدى. وبعض العلماء - كالشافعية ~~والمالكية - يرون أن المراد بالإحصار فى الآية ما كان بسبب عدو، كما حدث ~~للمسلمين فى صلح الحديبية، أما إذا كان الإحصار بسبب مرض، فإن الحاج أو ~~المعتمر يبقى على إحرامه حتى يبرأ من مرضه ثم يذهب إلى البيت فيطوف به ~~سبعا، ويسعى بين الصفا والمروة، وبهذا يتحلل من عمرته أو حجه، ولا يتحلل ~~بالذبح، إذ التحلل بالذبح عندهم لا يكون إلا فى حالة الإحصار بسبب ~~العدو. أما الأحناف فيرون أن الإحصار سواء أكان بسبب عدو أو مرض أو ما ~~يشبههما فإنه يسيغ التحلل بالذبح، إذ الآية عندهم تعم كل منع، وعلى من ~~أحصر أن يقضى الحج أو العمرة فيما بعد. وفى هذه الجملة الكريمة تقرير ~~للمبادئ التى جاءت بها شريعة الإسلام تلك المبادئ التى تتوخى فى كل ~~شئونها التيسير لا التعسير، والرفق لا التشديد قال - تعالى - # يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر # وقال - تعالى - # وما جعل عليكم فى الدين من حرج # ثم قال - تعالى - { ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ ~~الهدي محله }. حلق الرأس أو تقصيرها علامة على الانتهاء من ~~الإحرام، كما أن التسليم علامة الانتهاء من الصلاة، أو علامة قطعهما عند ~~الاضطرار إلى ذلك. والحلق بالنسبة للرجال أفضل من التقصير، فقد أخرج ~~الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " اللهم أغفر للمحلقين. قالوا يا رسول الله وللمقصرين. قال اللهم اغفر ~~للمحلقين. قالوا يا رسول الله وللمقصرين. قال وللمقصرين " # أما بالنسبة للنساء فيكفى التقصير. والمحل اسم لزمان الحلول أو مكانه. ~~يقال بلغ الدين محله إذا حل وقت أدائه، كما يقال بلغ الشخص محله إذا وصل ~~إلى المكان الذى ينزل به. قال ms0399 الآلوسى وكون المراد بالمحل هنا المكان هو ~~الظاهر فى الآية. والمعنى أتموا الحج والعمرة لله، فإن منعتم من إتمامهما ~~وأنتم محرمون فعليكم إذا أردتم التحلل أن تذبحوا ما تيسر لكم من الهدى، ~~ولا تتحللوا من إحرامكم بالحلق حتى تعلموا أن الهدى المبعوث قد بلغ مكانه ~~الذى يجب أن يراق فيه دمه، وهو الحرم. وهذا رأى الأحناف، فقد قرروا أن ~~المراد بالمحل البيت الحرام، فهو اسم مكان، لأن الله - تعالى - قد قال فى ~~آية أخرى # ثم محلهآ إلى البيت العتيق # وعليه فلا يجوز للمحصر أن يحلق ويتحلل إلا بعد أن يصل الهدى الذى يرسله ~~إلى البيت الحرام ويذبح. # أما جمهور الفقهاء فيرون أن محل الهدى للمحصر هو المكان الذى حدث فيه ~~الإحصار، ودليلهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نحر هو وأصحابه هديهم ~~بالحديبية وهي ليست من الحرم، وذلك عندما منعه المشركون من دخول مكة. وقد ~~أجاب الأحناف على ذلك بأن محصر رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يقول ~~الآلوسى - كان فى طريق الحديبية بأسفل مكة، والحديبية متصلة بالحرم. وعلى ~~رأى جمهور الفقهاء يكون المعنى ولا تتحللوا من إحرامكم بالحق حتى تذبحوا ~~الهدى فى الموضع الذى أحصرتم فيه، فإذا تم الذبح فاحلقوا وتحللوا. ~~والخطاب على كلا المعنيين يكون للمحصرين، لأنه أقرب مذكور. ويرى المحققون ~~من العلماء أن رأى جمهور الفقهاء أكثر اتفاقا مع السنة النبوية، وفيه ~~تسهيل على المحصرين، والمناسب لهم هو التيسير لا التعسير، ولا شك أن ~~ذبحهم لهديهم فى مكان إحصارهم أيسر لهم، وحملوا قوله - تعالى - { ولا ~~تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله } على أنه ~~خطاب عام لجميع المكلفين لا فرق بين محصر وغير محصر، وأن المقصود من ~~الجملة الكريمة هو البيان العام لمكان التحلل وزمانه، أما مكان الذبح عند ~~الإحصار فقد بينه النبى صلى الله عليه وسلم بذبحه لهديه فى الحديبية وهى ~~ليست من الحرم عند المحققين. قال الإمام الرازى ومنشأ الخلاف البحث فى ~~تفسير هذه الآية، فقال قال الشافعى وغيره المحل فى هذه الآية اسم ms0400 للزمان ~~الذى يحصل فيه التحلل وقال أبو حنيفة إنه اسم للمكان. وبعد أن بين - ~~سبحانه - أن الحلق لا يجوز للمحرم ما دام مستمرا على إحرامه، أردف ذلك ~~ببيان بعض الحالات التى يجوز فيها للمحرم أن يحلق رأسه مع استمراره على ~~إحرامه فقال - تعالى - { فمن كان منكم مريضا أو به أذى ~~من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك }. أى ~~فمن كان منكم - أيها المحرمون - مريضا بمرض يضطر معه إلى الحلق، أو كان ~~به أذى من رأسه كجراحة وحشرات مؤذية، فعليه إن حلق فدية من صيام أو صدقة ~~أو نسك. وقوله { ففدية } مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. أى فعليه ~~فدية، وأيضا ففيه إضمار آخر والتقدير فحلق فعليه فدية. والفدية هى العوض ~~عن الشىء الجليل النفيس. ولا ريب أن محرمات الحج والعمرة أمور لها جلالها ~~وعظمها. وعبر - سبحانه - هنا بالفدية دون الكفارة، لأن الذى به مرض أو ~~أذى من رأسه لم يرتكب ذنبا أو إثما حتى يكفر عنه. قال القرطبى والنسك ~~جمع نسيكه، وهى الذبيحة ينسكها العبد لله - تعالى - وتكون من الإبل ~~والبقر والغنم - ويجمع - أيضا - على نسائك. # والنسك العبادة فى الأصل، ومنه قوله - تعالى - # وأرنا مناسكنا # أى متعبداتنا. وقيل أصل النسك فى اللغة الغسل ومنه نسك ثوبه إذا غسله، ~~فكأن العابد غسل نفسه من أدران الذنوب بالعبادة. وقيل النسك سبائك الفضة ~~التى خلصت من الخبث، كل سبيكة منها نسيكة، فكأن العابد خلص نفسه من دنس ~~الآثام ". وقوله - تعالى - { من صيام أو صدقة أو نسك } ~~بيان لجنس الفدية. وقد بين النبى صلى الله عليه وسلم مقدار هذه الفدية، ~~فقد روى الشيخان # " عن كعب بن عجرة الأنصارى قال حملت إلى النبى صلى الله عليه وسلم ~~والقمل يتناثر على وجهى فقال ما كنت أرى أن الجهد قد بلغ بك هذا... أما ~~تجد شاة؟ قلت لا!! قال صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف ~~صاع من طعام واحلق رأسك " # فنزلت فى خاصة وهى لكم عامة. فقد بين النبى صلى الله ms0401 عليه وسلم مقدار ~~الفدية فى هذا الحديث، وعامة العلماء يرون أن المحرم لعذر كهذا يخير فى ~~هذا المقام، إن شاء صام وإن شاء تصدق وإن شاء ذبح شاة وتصدق بها على ~~المساكين. قال ابن كثير ولما كان لفظ القرآن فى بيان الرخصة جاء بالأسهل ~~فالأسهل، ولما أمر النبى صلى الله عليه وسلم كعب بن عجرة بذلك أرشده أولا ~~إلى الأفضل فقال أما تجد شاه؟ فكل حسن فى مقامه ". وبعد أن بين - سبحانه ~~كيفية التحلل عند الإحصار، وكيفية التحلل الجزئى من بعض المحرمات عند ~~المرض، عقب ذلك ببيان كيفية التحلل فى حالة الأمن فقال { فإذآ ~~أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما ~~استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة ~~أيام فى الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة ~~كاملة }. وقوله { فإذآ أمنتم } الأمن ضد الخوف. أى فإذا زال ~~خوفكم وثبت أمنكم والجملة معطوفة على قوله { أحصرتم } وجىء بإذا ~~لأن فعل الشرط وهو { أمنتم } مرغوب فيه. وقوله { فمن تمتع } ~~جواب إذا. والتمتع فى اللغة - كما قال الإمام الرازى - التلذذ. يقال ~~تمتع بالشىء إذا تلذذ به. والمتاع كل شىء يتمتع به، وأصله من قولهم حبل ~~ماتع، أى طويل. وكل من طالت صحبته مع الشىء فهو متمتع به. والمراد ~~بالتمتع فى الآية المعنى الشرعى بأن يجمع المسلم بين العمرة والحج فى عام ~~واحد فى أشهر الحج، بأن يحرم بالعمرة أولا ثم بالحج. وسمى هذا النوع من ~~الإحرام تمتعا، لأن المحرم به يجمع بين متعة الروح ومتعة الجسد. لأنه ~~يحرم بالعمرة أولا ويقوم بمناسكها وتلك متعة روحية وبعد الانتهاء من ~~أدائها يتحلل فيجوز له أن يقرب النساء ويمس الطيب حتى يحرم بالحج وتلك ~~متعة بدنية. وهناك نوعان آخران من الإحرام. # أحدهما الإفراد ومعناه أن يحرم بالحج فقط ولا يجمع معه العمرة، وإنما ~~يأتى بها فى وقت آخر. وثانيهما القرآن ومعناه أن يجمع بين العمرة والحج ~~فى إحرام واحد، بأن يبقى على إحرامه ويأتى بمناسك الحج والعمرة بالإحرام ~~نفسه. والمعنى فإذا ثبت أمنكم - أيها المسلمون - عند ms0402 أدائكم للحج ~~والعمرة، فمن تمتع منكم بالعمرة إلى الحج، بأن أحرم بها فى أشهر الحج، ثم ~~بعد الانتهاء من أعمالها تحلل بأن حلق رأسه، وباشر أهله إن كانوا معه، ~~وانتظر متحللا وصار من حقه أن يفعل كل ما يفعله من ليس محرما إلى وقت ~~الإحرام بالحج، فعليه فى هذه الحالة أن يذبح ما تيسر له من الهدى من غنم ~~أو بقر أو إبل ليكون هذا الذبح شكرا لله حيث وفقه - سبحانه - للجمع بين ~~النسكين مع التمتع بينهما بأفعال المتحلل، فمن لم يجد ما يذبحه فعليه أن ~~يصوم ثلاثة أيام فى وقت الحج وأن يصوم سبعة أيام بعد فراغه منه. وقوله { ~~فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام... } معطوف على { فمن ~~تمتع بالعمرة... } لأن { فمن تمتع } مع جوابه وهو { ~~فما استيسر... } مقدر فيه معنى تمتع واجدا الهدى، فعطف عليه فمن ~~لم يجد أى الهدى. وقد جعل - سبحانه - الصيام بدلا عن الهدى زيادة الرخصة ~~والرحمة وزيادة فى الرفق والتيسير فقد جعله على مرحلتين إحداهما - وهى ~~الأقل - تكون فى وقت الحج، ويفضل كثير من الفقهاء أن يصوم سادس ذى الحجة ~~وسابعه وثامنه. وثانيتهما - وهى الأكثر - تكون بعد الرجوع إلى أهله حيث ~~يطمئن ويستقر وتذهب مشقة السفر فيصوم سبعة أيام. وبعض الفقهاء يرى جواز ~~الصيام عند الأخذ فى الرجوع بعد الفراغ من أعمال الحج، ويرجح الوجه الأول ~~ما رواه الشيخان من حديث ابن عمر وفيه # " فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله ". # والإشارة فى قوله - تعالى - { تلك عشرة كاملة } إلى الثلاثة ~~والسبعة. ومميز العدد محذوف أى أيام. والجملة مؤكدة لما أفاد قوله { ~~فصيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجعتم } ~~وفائدة هذا التأكيد دفع توهم أن الواو بمعنى أو، أو أن السبعة كناية عن ~~مطلق كثرة العدد، وبذلك يتقرر الحكم نصا، ويتبين أن الذى يحل محل النسك ~~إنما هو العشرة الكاملة وليس بعضها. ووصف العشرة بأنها كاملة، للتنويه ~~بأن هذا الصوم طريق الكمال لأعمال الحج، وأن الحاج إذا ms0403 نسى بعضها لا يكون ~~حجه تاما حتى يصوم ما أمره الله - تعالى - به. وقوله { ذلك لمن ~~لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } الإشارة فيه ~~تعود إلى التمتع المفهوم من قوله - تعالى - { فمن تمتع ~~بالعمرة إلى الحج. # .. } إلخ. أى ذلك التمتع الذى يتمتع فيه المحرم بين النسكين، إنما هو ~~للشخص الذى ليس أهله من المقيمين فى مكة وما حولها، لأن المقيمين فى مكة ~~وما حولها يفردون ولا يجمعون، إذ العمرة فى إمكانهم أن يؤدوها طول أيام ~~السنة. وقد شرع - سبحانه - التمتع ليكون تيسيرا ورفقا للمقيمين بعيدا ~~عن مكة هذا رأى الأحناف. ويرى الشافعية أن أهل مكة وما حولها يقرنون ~~ويتمتعون كغيرهم من أهل الآفاق، وأن اسم الإشارة فى الجملة الكريمة يعود ~~إلى النسك وما يقوم مقامه من الصوم لأنه أقرب مذكور. وعلى رأيهم يكون ~~المعنى ذلك الذبح لما تيسر من الهدى والصيام لمن لم يتيسر له الهدى إنما ~~هو على سكان الآفاق، لا على سكان مكة وما حولها، لأن سكان مكة وما حولها ~~قد أحرموا لتمتعهم من الميقات فلا يجب عليهم شىء. والمراد بحاضرى المسجد ~~الحرام أهل مكة وأهل الحل الذين منازلهم داخل الموقيت عند الحنفية. وقال ~~المالكية هم أهل مكة خاصة. وقال الشافعية هم أهل مكة ومن كان بينه وبين ~~مكة مسافة لا تقصر فيها الصلاة. ولكل أدلته المفصلة فى كتب الفقه. ثم ختم ~~- سبحانه - الآية بالأمر بتقواه وبالتحذير من عقابه فقال { واتقوا ~~الله واعلموا أن الله شديد العقاب }. أى واتقوا ~~الله فى كل ما يأمركم به وينهاكم عنه، واعلموا أن الله شديد العقاب لمن ~~لم يخشه ولم يلتزم حدوده. وفى هذا الأمر بالتقوى فى ختام هذه الآية التى ~~تحدثت عن الحج إشعار بأن هذه الفريضة ليست العبرة فيها بما تعمله الجوارح ~~وإنما العبرة بما تتركه فى القلوب من توبة صادقة، وصيانة للنفس عن اقتراف ~~المحارم. وفى قوله { واعلموا } اهتمام بالخبر، وتحقيق لمضمونه، ~~وترهيب من العقاب مع الترغيب بالثواب، فقد جرت عادة الناس أنهم يصلحون ~~بالثواب والعقاب. هذا، وقد اشتملت ms0404 هذه الآية الكريمة على بعض الأحكام ~~التى تتعلق بالحج والعمرة، والمتدبر فى هذه الأحكام يراها قد امتازت ~~بأحكم ضروب التوجيه، وأيسر أنواع التكليف. ثم بين - سبحانه - وقت الحج ~~وما يجب على المسلم عند أدائه لهذه الفريضة من آداب فقال - تعالى - { ~~الحج أشهر معلومات فمن فرض...واعلموآ أنكم ~~إليه تحشرون }. ### || [2.197-203] # قوله { الحج أشهر معلومات }. أى وقت الحج أشهر معلومات أو ~~أشهر الحج أشهر معلومات فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وجعلت ~~النسبة إلى الحج نفسه لا إلى وقته، للإشعار بأن هذه الأشهر لكونها تؤدى ~~فيها هذه الفريضة قد اكتسبت تقديسا وبركة منها، حتى لكأن هذه الاشهر هى ~~الفريضة نفسها. قال القرطبى ما ملخصه وأشهر الحج هى شوال وذي القعدة ~~والعشرة الأولى من ذى الحجة. وقيل هى شوال وذو القعدة وذو الحجة كله ~~وفائدة الفرق تعلق الدم فمن قال إن ذا الحجة كله من أشهر الحج لم يوجب ~~دما على من أخر طواف الإفاضة إلى آخر ذى الحجة لأنه وقع فى أشهر الحج، ~~ومن قال بأن وقت الحج ينقضى بالعشرة الأولى من ذى الحجة يوجب الدم عليه ~~لتأخيره عن وقته. ولفظ الأشهر قد يقع على شهرين وبعض الثالث، لأن بعض ~~الشهر ينزل منزلة كله، كما يقال رأيتك سنة كذا ولعله إنما رآه فى ساعة ~~منها ". وعبر - سبحانه - عن هذه الأشهر بأنها معلومات، لأن العرب كانوا ~~يعرفون أشهر الحج من كل عام منذ عهد إبراهيم - عليه السلام - وقد جاء ~~الإسلام مقررا لما عرفوه. أو المراد بكونها معلومات أنها مؤقتة بأوقات ~~معينة لا يجوز تقديمها ولا تأخيرها عنها، وهو يتضمن بطلان النسئ الذى كان ~~يفعله الجاهليون تبعا لأهوائهم. وقوله { فمن فرض فيهن الحج ~~فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فى الحج } بيان لما يحب أن ~~يتحلى به المسلم من فضائل عند أدائه لهذه الفريضة. قال الإمام الرازى ~~ومعنى { فرض } فى اللغة ألزم وأوجب. يقال فرضت عليك كذا، أى أوجبته. ~~وأصل معنى الفرض فى اللغة الحز الذى يقع فيه الوتر، ومنه فرض الصلاة ~~وغيرها لأنها ms0405 لازمة للعبد كلزوم الحز للقدح ففرض هنا بمعنى أوجب وألزم... ~~". والرفث فى الأصل الفحش من القول. والمراد به هنا الجماع. أو الكلام ~~المتضمن لما يستقبح ذكره من الجماع ودواعيه. قال القرطبى وأجمع العلماء ~~على أن الجماع قبل الوقوف بعرفة مفسد للحج وعليه حج قابل والهدى. والفسوق ~~الخروج عن طاعة الله بارتكاب المعاصى، ومن ذلك السباب وفعل محظورات ~~الإحرام، وغير ذلك مما نهى الله عنه. والجدال على وزن فعال من المجادلة ~~وهى مشقة من الجدل وهو الفتل ومنه زمام مجدول. وقيل هى مشتقة من الجدالة ~~التى هى الأرض. فكأن كل واحد من الخصمين يقاوم صاحبه حتى يغلبه، فيكون ~~كمن ضرب به الجدالة. والمراد النهى عن المماراة والمنازعة التى تؤدى إلى ~~البغضاء وتغير القلوب. والمعنى أوقات الحج أشهر معلومات فمن نوى وأوجب ~~على نفسه فيهن الحج وأحرم به فعليه أن يجتنب الجماع للنساء ودواعيه وأن ~~يبتعد عن كل قول أو فعل يكون خارجا عن آداب الإسلام، ومؤديا إلى ~~التنازع بين الرفقاء والإخوان، فإن الجميع قد اجتمعوا على مائدة الرحمن، ~~فعليهم أن يجتمعوا على طاعته، وأن يتعاونوا على البر والتقوى لا على ~~الإثم والعدوان. # روى الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ". # قال الآلوسى وقال - سبحانه - { فلا رفث ولا فسوق ولا ~~جدال فى الحج } بالإظهار ولم يقل فيه مع أن المقام يقتضى ~~الإضمار، لإظهار كمال الاعتناء بشأنه، وللإشعار بعلة الحكم، فإن زيارة ~~البيت المعظم والتقرب بها إلى الله - تعالى - من موجبات ترك الأمور ~~المذكورة المدنسة لمن قصد السير والسلوك إلى ملك الملوك. وإيثار النفى ~~للمبالغة فى النهى، والدلالة على أنها حقيقة بأن لا تكون فإن ما كان ~~منكرا مستقبحا فى نفسه منهيا عنه مطلقا فهو للمحرم بأشرف العبادات ~~وأشقها أنكر وأقبح. والضمير فى قوله { فيهن } للأشهر، لأنه جمع لغير ~~العاقل فيجرى على التأنيث. وجملة { فلا رفث.. } إلخ فى محل جزم جواب ~~من الشرطية والرابط بين جملة ms0406 الشرط والجواب ما فى معنى { فلا رفث } ~~من ضمير يعود على " من " ، لأن التقدير فلا يرفث ويجوز أن تكون جملة { ~~فلا رفث.. } وما عطف عليها فى محل رفع خبر لمن على أنها موصولة. وقد ~~أخذ الشافعية من هذه الآية أنه لا يجوز الإحرام بالحج فى غير أشهر الحج ~~لأن الإحرام به فى غير أشهره يكون شروعا فى العبادة فى غير وقتها فلا ~~تصح. ويرى الأحناف والحنابلة، أنه يجوز الإحرام بالحج قبل أشهره ولكنه ~~مع الكراهة والإمام مالك لا يرى كراهة فى ذلك. ويبدو أن رأى الشافعية ~~هنا أرجح، لأن قوله - تعالى - { فمن فرض فيهن الحج... } ~~يشهد لهم، فقد جعل - سبحانه - هذه الأشهر وعاء لهذه الفريضة وظرفا لها. ~~وقوله { وما تفعلوا من خير يعلمه الله } حض على فعل ~~الخير عقيب النهى عن فعل الشر. أى اتركوا الأقوال والأفعال القبيحة، ~~وسارعوا إلى الأعمال الصالحة خصوصا فى تلك الأزمنة والأمكنة المفضلة، ~~والله - تعالى - لا يخفى عليه شىء من أعمالكم، وهو - سبحانه - سيجازيكم ~~على فعل الخير بما تستحقون من جزاء. ثم قال - تعالى - { وتزودوا ~~فإن خير الزاد التقوى }. قال الإمام الرازى فى هذه ~~الجملة الكريمة قولان أحدهما أن المراد وتزودوا من التقوى - أى الأعمال ~~الصالحة - والدليل عليه قوله بعد ذلك { فإن خير الزاد ~~التقوى } وتحقيق الكلام فيه أن الإنسان له سفران سفر فى الدنيا ~~وسفر من الدنيا، فالسفر فى الدنيا لابد له أيضا من زاد وهو الطعام ~~والشراب والمال. # . إلخ. والسفر من الدنيا لابد له أيضا من زاد وهو معرفة الله ومحبته ~~والإعراض عما سواه، وهذا الزاد خير من الزاد الأول لأن زاد الدنيا يخلصك ~~من عذاب منقطع وزاد الآخرة يخلصك من عذاب دائم.. قال الأعشى مقررا هذا ~~المعنى # إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على ~~أن لا تكون كمثله وأنك لم ترصد بما كان أرصدا # والقول الثانى أن هذه الآية نزلت فى أناس من أهل اليمن كانوا يحجون بغير ~~زاد ويقولون إنا متوكلون، ثم كانوا ms0407 يسألون الناس، وربما ظلموا الناس ~~وغصبوهم فأمرهم الله - تعالى - أن يتزودوا بالمال والطعام الذى يغنيهم عن ~~سؤال الناس. والذى نراه أن الجملة الكريمة تسع القولين. فهى تدعو الناس ~~إلى أن يتزودوا بالزاد المعنوى النفسى الذى يسعدهم ألا وهو تقوى الله ~~وامتثال أوامره واجتناب نواهيه والاكثار من العمل الصالح وفى الوقت نفسه ~~هى تأمرهم - أيضا - بأن يتزودوا بالزاد المادى الحقيقى الذى يغنيهم عن ~~سؤال الناس، ويصون لهم ماء وجوههم. وبذلك نكون قد استعملنا اللفظ فى ~~حقيقته ومجازه، وهو استعمال شائع مستساغ عند كثير من العلماء. ثم ختم - ~~سبحانه - الآية بتأكيد أمر التقوى ووجوب الإخلاص فقال { واتقون ~~يأولي الألباب } والألباب جمع لب وهو العقل واللب من كل شىء هو ~~الخالص منه. وسمى به العقل، لأنه اشرف ما فى الإنسان. أى أخلصوا لى يا ~~أصحاب العقول السليمة، والمدارك الواعية، لأنكم لما كنتم كذلك كان وجوبها ~~عليكم أثبت، وأعراضكم عنها أقبح. ورحم الله القائل # ولم أر فى عيوب الناس عيبا كنقص القادرين على التمام # والجملة الكريمة ليست تكرارا لسابقتها، لأن الأولى حث على التقوى وهذه ~~حث على الإخلاص فيها. ثم بين - سبحانه - أن التزود بالزاد الروحى لا ~~يتنافى مع التزود يا لزاد المادى متى توافرت التقوى، فقال - تعالى - { ~~ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم }. ~~الجناح أصله من جنح الشىء إذا مال يقال جنحت السفينة إذا مالت إلى أحد ~~جانبيها والمراد بالجناح هنا الإثم والذنب، لأنه لما كان الإثم يميل ~~بالإنسان عن الحق إلى الباطل سمى جناحا. والابتغاء الطلب بشدة، وجملة { ~~أن تبتغوا } فى موضع جر بتقدير فى. والفضل الزيادة وتكون فى الخير ~~والشر إلا أنه جرى العرف أن يعبر عن الزيادة الحسنة بالفضل وعن الزيادة ~~القبيحة بالفضول. والمراد به هنا المال الحلال المكتسب عن طريق التجارة ~~المشروعة أو غيرها من وجوه الرزق الحلال. أى لا إثم ولا حرج عليكم فى أن ~~تطلبوا رزقا حلالا ومالا طيبا عن طريق التجارة أو غيرها من وسائل الكسب ~~المشروعة فى موسم الحج. وقد ذكر المفسرون أن ms0408 الناس كانوا يتحاشون من ~~التجارة فى الحج، حتى إنهم كانوا يتجنبون البيع والشراء فى العشر الأوائل ~~من ذى الحجة، فنزلت هذه الآية لتخبرهم أنه لا حرج عليهم فى ذلك. # روى البخارى عن ابن عباس قال كان ذو المجاز وعكاظ متجر الناس فى ~~الجاهلية فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت { ليس ~~عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم }. وقال ابن ~~كثير وروى الإمام أحمد عن أبى أمامة التيمى قال قلت لابن عمر إنا ~~نكرى فهل لنا من حج؟ قال أليس تطوفون بالبيت وترمون الجمار وتحلقون ~~رءوسكم وتقضون المناسك قال قلت بلى. فقال ابن عمر جاء رجل إلى النبى صلى ~~الله عليه وسلم فسأله عن الذى سألتنى فلم يجبه حتى نزل عليه جبريل بهذه ~~الآية { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ~~ربكم } فدعاه النبى صلى الله عليه وسلم فقال له " أنتم حجاج ". ~~فالآية الكريمة صريحة فى إباحة طلب الرزق لمن هو فى حاجة إلى ذلك فى موسم ~~الحج، بشرط ألا يشغله عن أداء فرائض الله. ثم قال - تعالى - { فإذآ ~~أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر ~~الحرام }. الفاء فى قوله فإذا لتفصيل بعض ما أجمل من قبل فى قوله { ~~فمن فرض فيهن الحج.. } وأفضتم. اندفعتم بكثرة متزاحمين. ~~وذلك تشبيه لهم بالماء إذا كثر ودفع بعضه بعضا فانتشر وسال من حافتى ~~الوادى والإناء والإفاضة فى الحديث الاندفاع فيه بإكثار وتصرف فى وجوهه ~~ومنه قوله - تعالى - # إذ تفيضون فيه # فأصل هذه الكلمة الدفع للشىء بكثرة حتى يتفرق. والتقدير أفضتم أنفسكم ~~فحذف المفعول للعلم به. والمراد خروجهم من عرفات بشىء، من السرعة فى ~~تكاثر وازدحام متجهين إلى المزدلفة. وعرفات اسم للجبل المعروف، قيل سمى ~~بذلك لأن الناس يتعارفون به فهم يجتمعون عليه فى وقت واحد فيجرى التعارف ~~بينهم. وقد اتفق العلماء على أن الوقوف بعرفات هو ركن الحج الأكبر ففى ~~الحديث الشريف # " الحج عرفة " # ويكون ذلك فى اليوم التاسع من ذى الحجة. قال القرطبى أجمع أهل العلم على ~~أن من وقف بعرفة ms0409 يوم عرفة قبل الزوال ثم أفاض منها قبل الزوال أنه لا ~~يعتد ذلك قبل الزوال. وأجمعوا على تمام حج من وقف بعرفة بعد الزوال وأفاض ~~نهارا قبل الليل إلا مالك بن أنس فإنه قال لابد أن يأخذ من الليل شيئا، ~~وأما من وقف بعرفة بالليل فإنه لا خلاف بين الأمة فى تمام حجه. والحجة ~~للجمهور مطلق قوله { فإذآ أفضتم من عرفات } فإنه لم يختص ~~ليلا من نهار. وحديث عروة بن مضرس قال # " أتيت النبى صلى الله عليه وسلم وهو فى الموقف من جمع - أى من ~~المزدلفة - قلت يا رسول الله، جئتك من جبل طىء أكللت مطيتى وأتعبت نفسى.. ~~فهل لى من حج يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من صلى ~~معنا صلاة الغداة بجمع وقد أتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه ~~". # ومن فى قوله { من عرفات } ابتدائية. أى، فإذا أفضتم خارجين من ~~عرفات إلى المشعر الحرام. والمشعر الحرام هو المزدلفة وقيل هو موضع بها. ~~والمشعر اسم مشتق من الشعور أى العلم، أو من الشعار أى العلامة. ووصف ~~المشعر بوصف الحرام لأنه من أرض الحرم، وهو منسك له حرمة وتقديس. ~~والمزدلفة من الازدلاف وهو القرب وسميت بذلك لأن الحجاج يزدلفون إليها من ~~عرفات ليبيتوا بها قاصدين الاقتراب من منى. وتسمى المزدلفة - أيضا - " ~~جمع " لاجتماع الناس فى هذا المكان أو جمعهم فيه بين صلاتى المغرب ~~والعشاء جمع تأخير. وتسمى كذلك " قزح ". ويرى الحنفية والشافعية أن ~~الوقوف بالمزدلفة واجب وليس بركن، ومن فاته لا يبطل حجه ويجب عليه دم. ~~ويرى أكثر المالكية أن الوقوف بها سنة مؤكدة. ويرى بعض التابعين وبعض ~~الشافعية أن الوقوف بها ركن كالوقوف بعرفات. والمعنى فإذا سرتم - يا معشر ~~الحجاج - من عرفات متدافعين متزاحمين متجهين إلى المزدلفة فأكثروا من ذكر ~~الله - تعالى - بالتلبية والتهليل والدعاء بقلوب مخبتة، ونفوس صافية، لأن ~~ذكر الله - تعالى - فى تلك المواطن المقدسة والأوقات الفاضلة من شأنه أن ~~يرفع الدرجات، ويوصل إلى أعلا المقامات. ثم قال - تعالى ms0410 - { واذكروه ~~كما هداكم } الكاف للتشبيه ومعنى التشبيه فى مثل هذا التركيب ~~المشابهة فى التساوى فى الحسن والكمال. كما تقول اخدمه كما أكرمك تعنى لا ~~تتقاصر خدمتك عن إكرامه. والمعنى اذكروا الله - تعالى - ذكرا حسنا ~~مماثلا لهدايته لكم، وأنتم تعلمون أن هذه الهداية شأنها عظيم فبسببها ~~خرجتم من الظلمات إلى النور، فيجب عليكم أن تكثروا من ذكر الله ومن ~~الثناء عليه. قال الآلوسى و " ما " تحتمل أن تكون مصدرية فمحل { كما ~~هداكم } النصب على المصدرية، بحذف الموصوف. أى ذكرا مماثلا لهداكم.. ~~وتحتمل أن تكون كافة فلا محل لها من الإعراب. والمقصود من الكاف مجرد ~~تشبيه مضمون الجملة بالجملة، لذا لا تطلب عاملا تفضى بمعناه إلى مدخولها. ~~وقيل إن الكاف للتعليل، وما مصدرية. أى، اذكروه وعظموه لأجل هدايته ~~السابقة منه - تعالى - لكم. و { وإن } فى قوله { وإن كنتم من ~~قبله لمن الضآلين } هى المخففة من الثقيلة والضمير فى { من ~~قبله } يعود إلى الهدى المأخوذ من ما المصدرية وما دخلت عليه. ~~والمراد بالضلال هنا الجهل بالإيمان وبالتكاليف التى كلف الله بها ~~عباده. أى اذكروا الله - تعالى - ذكرا مشابها لهدايته لكم، وإنكم لولا ~~هذه الهداية لبقيتم على ضلالكم وجهلكم بالدين الحق، ولكن الله - تعالى - ~~من عليكم بهذه الهداية فأكثروا من ذكره وشكره عليها. # وبعد أن تحدث - سبحانه - عن الإفاضة من عرفة إلى المزدلفة وأمر ~~بالإكثار من ذكره، عقب ذلك ببيان الطريقة المثلى للإفاضة فقال { ثم ~~أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن ~~الله غفور رحيم } أى أفيضوا من عرفة لا من المزدلفة. وهناك ~~قولان فى المخاطب بهذه الآية. أحدهما أن الخطاب فيها لقريش وحلفائها، ~~وذلك لأنهم كانوا يترفعون على الناس، فلا يقفون معهم على عرفات، وإنما ~~يقفون وحدهم بالمزدلفة، وكانوا يقولون نحن قطين الله - أى سكان حرمه ~~فينبغى لنا أن نعظم الحرم - وهو المزدلفة - ولا نعظم شيئا من الحل - وهو ~~عرفات -. روى البخارى عن عائشة - رضى الله عنها - قالت، كانت قريش ومن ~~دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وكان سائر العرب يقفون ms0411 ~~بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتى ~~عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها فذلك قوله { ثم أفيضوا من حيث ~~أفاض الناس }. والمعنى أفيضوا يا معشر قريش من المكان الذى يفيض ~~منه الناس وهو عرفة، واتركوا ما تفعلونه من الإفاضة من المزدلفة، ~~فالمقصود إبطال ما كانت تفعله قريش. والثانى أن الخطاب فى الآية لجميع ~~الناس، أمرهم الله - تعالى - فيه أن يفيضوا من حيث أفاض الناس. والمراد ~~بالناس فى الآية إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام -فإن سنتهما كانت ~~الإفاضة من عرفة لا من المزدلفة. قال بعضهم وإيقاع اسم الجمع على الواحد ~~جائز إذا كان رئيسا يقتدى به كما فى قوله - تعالى - # الذين قال لهم الناس # يعنى " نعيم بن مسعود ". والذى نراه أن القول الثانى أولى بالقبول، لأن ~~المغزى الذى تهدف إليه الآية فى معناها الخاص والعام هو دعوة الناس ~~جميعا إلى التجمع فى مكان واحد ليشعروا بالإخاء والمساواة عند أدائهم ~~لفريضة الحج بدون تفرقة بين كبير وصغير، وغنى وفقير، وقرشى وغير قرشى، ~~ويدخل فى النهى دخولا أوليا تلك الحالة التى كانت عليها قريش. وقد قال ~~العلماء العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. و " ثم " للتفاوت المعنوى ~~بين الإفاضتين - أى الإفاضة من عرفات والإفاضة من مزدلفة - لبيان ~~البعد بينهما، إذ أن إحداهما صواب والأخرى خطأ. أى لا تفيضوا من المزدلفة ~~لأنه خطأ جسيم، واجعلوا أفاضتكم من عرفات لأن هذا العمل هو الصواب الذى ~~يحبه الله ويرضاه. وقوله { واستغفروا الله إن الله ~~غفور رحيم } معطوف على { أفيضوا من حيث أفاض الناس ~~} أى استغفروا الله من ذنوبكم ومما سلف منكم من أخطاء فإن المؤمن كلما ~~قويت روحه، وصفت نفسه أحس بأنه مقصر أمام نعم خالقه التى لا تحصى. # ومن أكثر من التوبة والاستغفار غفر الله له ما فرط منه، لأنه - سبحانه - ~~كثير الغفران، واسع الرحمة. ثم بين - سبحانه - ما يجب عليهم عمله بعد ~~فراغهم من أعمال الحج فقال - تعالى - { فإذا قضيتم ~~مناسككم فاذكروا الله كذكركم آبآءكم أو ~~أشد ذكرا ms0412 }. المناسك جمع منسك مشتق من نسك نسكا من باب نصر إذا ~~تعبد. والمراد هنا العبادات التى تتعلق بالحج. قال ابن كثير عن ابن عباس ~~- رضى الله عنهما - قال كان أهل الجاهلية يقفون الموسم - بين مسجد منى ~~وبين الجبل بعد فراغهم من الحج يذكرون فضائل آبائهم - فيقول الرجل منهم. ~~كان أبى يطعم الطعام ويحمل الديات... ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم فأنزل ~~الله - تعالى - على نبيه صلى الله عليه وسلم هذه الآية ". والمعنى فإذا ~~فرغتم من عباداتكم، وأديتم أعمال حجكم، فتوفروا على ذكر الله وطاعته كما ~~كنتم تتوفرون على ذكر مفاخر آبائكم، بل عليكم أن تجعلوا ذكركم لله - ~~تعالى - أشد وأكثر من ذكركم لمآثر آبائكم، لأن ذكر مفاخر الآباء إن كان ~~كذبا أدى إلى الخزى فى الدنيا والعقوبة فى الآخرة. وإن كان صدقا فإنه فى ~~الغالب يؤدى إلى العجب وكثرة الغرور، أما ذكر الله بإخلاص وخشوع فثوابه ~~عظيم، وأجره كبير. وفضلا عن ذلك فإن المرء إذا كان لا ينسى أباه لأنه سبب ~~وجوده فأولى به ثم أولى ألا ينسى خلق أباه وهو الله رب العالمين. ~~فالمقصود من الآية الكريمة الحث على ذكر الله - تعالى - والنهى عن ~~التفاخر بالأحساب والأنساب. و " أو " هنا فى معنى الإضراب والترقى إلى ~~أعلى، لأنه... سبحانه أمرهم أولا بأن يذكروه ذكرا يماثل ذكرهم لآبائهم ~~ثم ترقى بهم إلى ما هو أعلى من ذلك وأسمى فطالبهم بأن يكون ذكرهم له - ~~سبحانه - أكثر وأعظم من ذكرهم لآبائهم. قال صاحب الكشاف وقوله { أو ~~أشد ذكرا } فى موضع جر عطف على ما أضيف إليه الذكر فى قوله " ~~كذكركم " كما تقول كذكر قريش آباءهم أو قوم أشد منهم ذكرا. أو فى موضع ~~نصب عطف على { آبآءكم } بمعنى، أو أشد ذكرا من آبائكم. وبعد أن أمر ~~- سبحانه - الناس بذكره، بين أنهم بالنسبة لدعائه وسؤاله فريقان، أما ~~الفريق الأول فقد عبر عنه بقوله { فمن الناس من يقول ربنآ ~~آتنا فى الدنيا وما له فى الآخرة من خلاق }. أى من ~~الناس نوع يقول فى دعائه ms0413 يا ربنا آتنا ما نرغبه فى الدنيا فنحن لا نطلب ~~غيرها، وهذا النوع ليس له فى الآخرة من { خلاق } أى نصيب وحظ من ~~الخير. # وهذا النوع من الناس هو الذى استولى عليه حب الدنيا وشهواتها ومتعها ~~فأصبح لا يفكر إلا فيها، ولا يهتم إلا بها، صارفا نظره عن الآخرة وما ~~فيها من ثواب وعقاب. والفاء فى قوله { فمن الناس } للتفصيل، لأن ما ~~بعدها تقسيم للناس إلى فريقين. وحذف مفعول { آتنا } للدلالة على تعميم ~~المطلوب فهم يطلبون كل ما يمكن أن تصل إليه أيديهم من متاع الدنيا بدون ~~تمييز بين حلال أو حرام. وأما الفريق الثانى فقد عبر - سبحانه - عنه ~~بقوله { ومنهم من يقول ربنآ آتنا فى الدنيا حسنة ~~وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار }. أى يقولون يا ربنا ~~أعطنا حسنة فى الدنيا أى حالا حسنة فى الدنيا تكون معها أبداننا سليمة، ~~ونفوسنا آمنة، ومعيشتنا ميسرة بحيث لا نحتاج إلى أحد سواك، ولا نذل إلا ~~لك، وامنحنا حالا حسنة فى الآخرة بأن تجعلنا يوم لقائك ممن رضيت عنهم، ~~ورضوا عنك. وأبعدنا يوم القيامة من عذاب النار. ولم يذكر - سبحانه - قسما ~~ثالثا من الناس وهو الذى يطلب الآخرة فقط، ولا يطلب الدنيا، لأن ~~الإسلام دين لا يرضى لأتباعه أن ينسوا حظوظهم من الدنيا، ولا يقر ~~الانقطاع عن زينتها التى أخرجها الله لهم، وإنما يريد لهم أن يكونوا من ~~العاملين بقوله - تعالى - # وابتغ فيمآ آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس ~~نصيبك من الدنيا # وبين - سبحانه - أن هذا النوع الثانى من الناس قد التمس من خالقه أن ~~يقيه عذاب النار مع أن هذا الدعاء مندرج تحت حسنة الآخرة، وذلك لأن هذا ~~النوع من الناس لقوة إيمانه، وصفاء وجدانه، وشدة خشيته من ربه يغلب الخوف ~~على الرجاء، فهو يستصغر حسناته مهما كثرت بجانب نعم الله وفضله، ويلح فى ~~الدعاء وفى الطلب أملا فى الاستجابة. وقد أجمع العلماء على أن هذه الآية ~~الكريمة من جوامع الدعاء، وورد فى فضل الدعاء بها أحاديث كثيرة منها ما ~~رواه ms0414 البخارى عن أنس بن مالك قال كان النبى صلى الله عليه وسلم يقول # " اللهم ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ". # وروى ابن أبى حاتم عن عبد السلام بن شداد قال كنت عند أنس بن مالك فقال ~~له ثابت إن إخوانك يحبون أن تدعو لهم. فقال " اللهم آتنا فى الدنيا حسنة ~~وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " وتحدثوا حتى إذا أرادوا القيام قام يا ~~أبا حمزة إن إخوانك يريدون القيام فادع الله لهم فقال أتريدون أن أشقق ~~لكم الأمور!! إذا آتاكم الله فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة ووقاكم عذاب ~~النار فقد آتاكم الخير كله. قال الإمام الرازى اعلم أن الله - تعالى - ~~بين أولا تفصيل مناسك الحج، ثم أمر بعدها بالذكر فقال { فإذآ ~~أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر ~~الحرام } ثم بين أن الأولى أن يترك ذكر غيره وأن يقتصر على ذكره - ~~سبحانه - ثم بين بعد ذلك كيفية الدعاء فقال { فمن الناس من ~~يقول. # .. } وما أحسن هذا الترتيب فإنه لا بد من تقديم العبادة لكسر النفس ~~وإزالة ظلماتها ثم بعد العبادة لابد من الاشتغال بذكر الله - تعالى - ~~لتنوير القلب وتجلى نور جلاله. ثم بعد ذلك الذكر يشتغل الرجل بالدعاء، ~~فإن الدعاء إنما يكمل إذا كان مسبوقا بالذكر كما حكى عن إبراهيم - عليه ~~السلام - أنه قدم الذكر فقال # الذي خلقني فهو يهدين # ثم قال # رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين # فقدم الذكر على الدعاء ". ثم بين - سبحانه - جزاء هذا الفريق الثانى ~~فقال { أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع ~~الحساب }. فاسم الإشارة يعود إلى الفريق الثانى باعتبار اتصافهم بما ~~ذكر من النعوت الجميلة وكانت الإشارة للبعيد لبيان علو منزلتهم، وسمو ~~درجاتهم ولم بعطف على ما قبله لأنه كالنتيجة له. وقيل إن الإشارة تعود ~~إلى الفريقين. أى لكل من الفريقين نصيب من عمله على قدر ما نواه. ويضعفه ~~أن الله - تعالى - قد ذكر قبل ذلك عاقبة الفريق الأول بقوله { وما له ~~فى الآخرة من خلاق }. والمعنى أولئك ms0415 الذين جمعوا فى دعائهم بين ~~طلب حسنتى الدنيا والآخرة لهم نصيب جزيل، وحظ عظيم من جنس ما كسبوا من ~~الأعمال الصالحة، أو من أجل ما كسبوا من الفعال الطيبة. فحرف الجر " من " ~~يصح أن يكون للابتداء أو للتبعيض. وفى هذه الجملة الكريمة وعد من الله ~~لعباده أنهم متى تضرعوا إليه بقلب سليم، أجاب لهم دعاءهم، وأعطاهم ~~سؤالهم. قال القرطبى وقوله { والله سريع الحساب } من سرع يسرع ~~- مثل عظم يعظم - فهو سريع. و { الحساب } مصدر كالمحاسبة، وقد يسمى ~~المحسوب حسابا. والحساب العد. ويقال حسب يحسب حسابا وحسابة وحسبانا أى ~~عد. والمعنى فى الآية أن الله - تعالى - سريع الحساب لا يحتاج إلى عد ولا ~~إلى عقد ولا إلى إعمال فكر كما يفعله الحساب، ولهذا قال وقوله الحق # وكفى بنا حاسبين # فالله - تعالى - عالم بما للعباد وما عليهم فلا يحتاج إلى تذكر وتأمل. ~~وقيل سريع المجازاة للعباد بأعمالهم، وقيل لعلى بن أبى طالب كيف يحاسب ~~الله العباد فى يوم؟ قال كما يرزقهم فى يوم. ومعنى الحساب تعريف الله ~~عبادة مقادير الجزاء على أعمالهم وتذكيره إياهم بما قد نسوه. وقيل معنى ~~الآية سريع بمجئ يوم الحساب، فالمقصود بالآية الإنذار بيوم القيامة. ~~وقوله { واذكروا الله في أيام معدودات } معطوف على ~~قوله - تعالى - { فاذكروا الله كذكركم آبآءكم أو ~~أشد ذكرا } وما بينهما اعتراض. # والمراد بالأيام المعدودات أيام التشريق الثلاثة التى بعد يوم النحر. ~~والتشريق تقديد اللحم. قال القرطبى ولا خلاف بين العلماء أن الأيام ~~المعدودات فى هذه الآية هى أيام منى، وهى أيام التشريق، وأن هذه الثلاثة ~~الأسماء واقعة عليها، وهى أيام رمى الجمار ". فالآية الكريمة تأمر الحجاج ~~وغيرهم من المسلمين أن يكثروا من ذكر الله فى هذه الأيام المباركة، لأن ~~أهل الجاهلية كانوا يشغلونها بالتفاخر ومغازلة النساء " ويزعمون أن الحج ~~قد انتهى يوم النحر وهو اليوم العاشر من ذى الحجة. ولقد بين لنا النبى ~~صلى الله عليه وسلم أن هذه الأيام ينبغى أن تعمر بذكر الله وبشكره على ~~نعمه. روى الإمام مسلم عن نبيشة الهذلى ms0416 قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله ". # وروى البخارى عن ابن عمر أنه كان يكبر بمنى تلك الأيام، وخلف الصلوات، ~~وعلى فراشه وفى فسطاطه. وفى مجلسه، وفى ممشاه، فى تلك الأيام جميعا. ومن ~~الذكر فى تلك الأيام التكبير مع كل حصاة من حصى الجمار كل يوم من أيام ~~التشريق. فقد أخرج البخارى عن ابن عمر أن النبى صلى الله عليه وسلم كبر ~~مع كل حصاة. ويرى جمهور الفقهاء أن هذه الأيام يحرم فيها الصيام، لأنها ~~أيام أكل وشرب وذكر لله. والمعنى. اذكروا الله، أى كبروه فى أدبار ~~الصلوات وعند ذبح القرابين، وعند رمى الجمار وغيرها فى تلك الأيام ~~المعدودات التى هى موسم من مواسم العبادة والطاعات، فإن الإكثار من ذكر ~~الله يرفع الدرجات، ويمسح السيئات. ثم قال - تعالى - { فمن تعجل ~~فى يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم ~~عليه لمن اتقى }. تعجل واستعجل يجيئان مطاوعين بمعنى عجل، ~~يقال تعجل الأمر واستعجل. ويأتيان متعديين فيقال تعجل الذهاب واستعجله ~~ويرى الزمخشرى أن المطاوعة أوفق لقوله - تعالى - { ومن تأخر }. ~~وإيضاح ذلك أنه يجب على الحاج المبيت بمنى الليلة الأولى والثانية من ~~ليالى أيام التشريق، ليرمى كل يوم بعد الزوال إحدى وعشرين حصاة يرمى عند ~~كل جمرة سبع حصيات. ثم من رمى فى اليوم الثانى وأراد أن ينفر ويترك ~~المبيت بمنى فى الليلة الثالثة ورمى يومها بعد الزوال - كما يرى الشافعية ~~- وبعده أو قبله - كما يرى الحنفية - فلا إثم عليه فى عدم مبيته بمنى فى ~~الليلة الثالثة. أى فمن تعجل فسافر فى اليومين الأولين فلا إثم عليه فى ~~التعجيل، ومن بقى إلى تمام اليوم الثالث فلا إثم عليه كذلك إذا اتقى كل ~~منهما الله ووقف عند حدوده. فالتقييد بالتقوى للتنبيه إلى أن العبرة فى ~~الأفعال إنما هى بتقوى القلوب وطهارتها وسلامتها. # قال الآلوسى وقوله { لمن اتقى } خبر لمبتدأ محذوف، واللام إما ~~للتعليل أو للاختصاص. أى ذلك التخيير المذكور لأجل المتقى لئلا يتضرر ~~بترك ما يقصده ms0417 من التعجيل والتأخر أو ذلك المذكور من أحكام مطلقا مختصة ~~بالمتقى لأنه هو الحاج على الحقيقة. والمراد من التقوى على التقديرين ~~تجنب ما يؤثم من فعل أو ترك... " ثم ختمت الآية بقوله - تعالى - { ~~واتقوا الله واعلموآ أنكم إليه تحشرون } اتقوا ~~الله فى كل ما تأتون وما تذرون، واعلموا أنكم ستجمعون بعد تفرقكم وتساقون ~~إلى خالقكم يوم القيامة ليجازيكم على أعمالكم. وقد ختمت الآيات التى ~~تحدثت عن فريضة الحج بهذا الختام المكون من عنصرين، أحدهما تقوى الله. ~~والثانى العلم اليقينى بالحشر، للإشعار بأنهما خلاصة التدين، وثمرة ~~العبادات بكل أنواعها وكل طرقها، وإذا خلت أية عبادة من هذين العنصرين ~~كانت صورة لا روح فيها. وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد ساقت لنا بعض ~~أحكام الحج وآدابه ومناسكه بأسلوب يهدى القلوب، ويسعد النفوس، ومن شأن من ~~يعمل بهذه الآيات أن يكون ممن رضى الله عنهم ورضوا عنه. وبعد أن بين - ~~سبحانه - فريضة الحج وما اشتملت عليه من أحكم وآداب، وبين أصناف الناس فى ~~أدعيتهم التى تكشف عن خبايا قلوبهم، ومعادن نفوسهم، بعد أن بين ذلك أعقبه ~~بالحديث عن صنفين من الناس فقال { ومن الناس من يعجبك ~~قوله في...والله رؤوف بالعباد }. ### || [2.204-207] # فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد بينت صنفين من الناس. أولهما يمثل ~~الأشرار. والثانى يمثل الأخيار. أما الصنف الأول فقد وصفه الله - تعالى - ~~بخمس صفات، الصفة الأولى حكاها فى قوله { ومن الناس من يعجبك ~~قوله فى الحياة الدنيا }. يعجبك من الإعجاب بمعنى ~~الاستحسان، تقول. أعجبنى هذا الشىء، أى استحسنته وعظم فى نفسى. و " من " ~~للتبعيض. والمعنى ومن الناس فريق يروقك منطقهم، ويعجبك بيانهم، ويحسن ~~عندك مقالهم. فأنت معجب بكلامهم الحلو الظاهر، المر الباطن، وأنت فى هذه ~~الدنيا لأنك تأخذ الناس بظواهرهم، أما فى الآخرة فلن يعجبك أمرهم لأنهم ~~ستنكشف حقائقهم أمام الله الذى لا تخفى عليه خافية، وسيعاقبهم عقابا ~~أليما لإظهارهم القول الجميل وإخفائهم الفعل القبيح. وعلى هذا التفسير ~~يكون قوله { في الحياة الدنيا } متعلقا بيعجبك. وبعضهم يجعل ~~قوله { في الحياة ms0418 الدنيا } متعلقا بالقول فيكون المعنى عليه ~~ومن الناس فريق يعجبك قولهم إذا ما تكلموا فى شئون الدنيا ومتعها لأنها ~~منتهى آمالهم، ومبلغ علمهم، وأصل حبهم، ومن أحب شيئا أجاد التعبير عنه، ~~أما الآخرة فهم لا يحسنون القول فيها، لأنهم لا يهتمون بها، بل هم غافلون ~~عنها، ومن شأن الغافل عن شىء ألا يحسن القول فيه. ويبدو لنا أن تعلق ~~الجار والمجرور بيعجبك أرجح، لأنه يتفق مع السياق إذ سياق الحديث فى شأن ~~الذين يقولون بأفواههم لما ليس فى قلوبهم، ويخدعون الناس بمعسول بيانهم ~~مع أن نفوسهم مريضة، وليس فى شأن الذين يحسنون الحديث عن شئونها ~~المختلفة، بل إن بعض الذين يحسنون الحديث فى شئون الدنيا لم يضيعوا ~~أخراهم وإنما عمروها بالعمل الصالح، فهم جامعون بين حسنتى الدنيا ~~والآخرة. والصفة الثانية من صفات هذا النوع المنافق من الناس بينه القرآن ~~بقوله { ويشهد الله على ما فى قلبه } أى يقرن معسول ~~قوله، وظاهر تودده، بإشهاد الله على أن ما فى قلبه مطابق لما يجرى على ~~لسانه. وكأن هذا النوع المنافق قد رأى من الناس تشككا فى قوله، لأن من ~~عادة المنافقين أن يبدو من فلتات لسانهم ما يدل على ما هو مخبوء فى ~~نفوسهم فأخذ يوثق قوله بالأيمان الباطلة بأن يقول لمن ارتاب فيه الله ~~يشهد أنى صادق فيما أقول.. إلى غير ذلك من الأقوال التى يقصد بها تأكيد ~~قوله وصدقه فيما يدعيه، فالمراد بإشهاد الله الحلف به أن ما فى قلبه ~~موافق لقوله. وجملة { ويشهد الله } حالية أو مستأنفة أو معطوفة ~~على قوله { يعجبك }. وقوله - تعالى - { وهو ألد الخصام } ~~صفة ثالثة من صفات هذا النوع من الناس. قال القرطبى الألد الشديد الخصومة ~~والعداوة.. ولددته - بفتح الدال - الده - بضمها - إذا جادلته فغلبته. # والألد مشتق من اللديدين وهما صفحتا العنق، أى فى أى جانب أخذ من ~~الخصومة غلب. والخصام فى الآية مصدر خاصم. وقيل جمع خصم كصعب وصعاب. ~~والمعنى، أشد المخاصمين خصومة، وفى صحيح مسلم عن عائشة قالت قال رسول ~~الله صلى الله ms0419 عليه وسلم # " إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم ". # أى إن هذا النوع من الناس يثير الإعجاب بحسن بيانه، ويضللهم بحلاوة ~~لسانه، ويحلف بالأيمان المغلظة أنه لا يقول إلا الصدق، ويجادل عما يقوله ~~بالباطل بقوة وعنف ومغالبة، فهو بعيد عن طباع المؤمنين الذين إذا قالوا ~~صدقوا، وإذا جادلوا اتبعوا أحسن الطرق وأهداها. ثم وصفه الله - تعالى - ~~بصفة رابعة فقال { وإذا تولى سعى فى الأرض ليفسد ~~فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب ~~الفساد }. تولى من التولية بمعنى الإدبار والانصراف، ومتعلق تولى ~~محذوف تقديره تولى عنك. وسعى من السعى وهو المشى السريع وهو مستعار هنا ~~لإيقاع الفتنة والتخريب. والفساد كما قال الراغب - خروج الشىء عن ~~الاعتدال قليلا كان الخروج عنه أو كثيرا، ويضاده الصلاح يقال فسد فسادا ~~وفسودا إذا خرج عن الاستقامة. والحرث مصدر يحرث، أى أثار الأرض لإعدادها ~~للزراعة، ثم أطلق وأريد به المحروث وهو الأرض، ثم أطلق وأريد به ما يترتب ~~على ذلك من الزروع والثمار وهو المراد هنا. والنسل كما يقول القرطبى - ما ~~خرج من كل أنثى من ولد. وأصله الخروج والسقوط، ومنه نسل الشعر ينسل إذا ~~سقط. ومنه # حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ~~ينسلون # أى يخرجون مسرعين. والمعنى وإذا أعرض هذا النوع من الناس وولاك دبره ~~أسرع فى الإفساد بينهم، وتفريق كلمتهم، وإتلاف كل ما يقع تحت يده من ~~الزروع والثمار والحيوان وما به قوام الحياة والأحياء. فإهلاك الحرث ~~والنسل كناية عن إتلافه لما به قوام أحوال الناس ومعيشتهم، وعن إيذائه ~~الشديد لهم. وبعض العلماء يرى أن " تولى " مشتق من الولاية يقال ولى ~~البلد وتولاه، أى صار واليا له، أميرا عليه. والمعنى على هذا الرأى. ~~وإذا صار - هذا النوع من الناس - واليا على قوم اجتذبهم إليه ببريق ~~قوله، وبمعسول لفظه، وبأيمانه الفاجرة، ومجادلته الباطلة، حتى إذا ما ~~التف الناس حوله سعى بينهم بالفساد، وعمل على تقاطعهم وتباغضهم، وحكم ~~فيهم بالباطل، ظنا منه أن هذا الخلق وذلك السلوك سيجعلهم دائما طوع ~~إرادته. قال الإمام ms0420 الرازى والقول الأول أقرب إلى نظم الآية، لأن ~~المقصود بيان نفاق هذا النوع من الناس، وهو أنه عند الحضور يقول الكلام ~~الحسن ويظهر المحبة، وعند الغيبة يسعى فى إيقاع الفتنة والفساد. وقوله { ~~والله لا يحب الفساد } أى لا يرضى عن الذى منه الإفساد فى ~~الأرض، ويظهر للناس الكلام الحسن وهو يبطن لهم الفعل السىء، لأنه - ~~سبحانه - أوجد الناس ليصلحوا فى الأرض لا ليفسدوا فيها. # فالجملة الكريمة تحذير منه - سبحانه - للمفسدين، ووعيد لهم على خروجهم ~~عن طاعته. أما الصفة الخامسة لهذا النوع من الناس فهى قوله - تعالى - { ~~وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم }. ~~أى وإذا قيل لهذا المنافق على سبيل النصح والإرشاد اتق الله واترك ما ~~أنت فيه من نفاق وخداع وخروج عن طاعة الله، استولت عليه العزة - أى حمية ~~الجاهلية - مقترنة بالإثم ومصاحبة له، فهى ليست العزة المحمودة ولكنها ~~الكبرياء المبغوضة. والباء على هذا المعنى للمصاحبة والاقتران. قال ~~الجمل. والباء على هذا تكون فى محل نصب على الحال وفيها حينئذ وجهان ~~أحدهما أن تكون حالا من العزة أى ملتبسة بالإثم. والثانى أن تكون حالا ~~من المفعول. أى أخذته كال كونه ملتبسا بالإثم، وفى قوله العزة بالإثم ~~التتميم وهو نوع من علم البديع، وهو عبارة عن إرداف الكلمة بأخرى ترفع ~~عنها اللبس وتقربها من الفهم، وذلك أن العزة تكون محمودة ومذمومة فمن ~~مجيئها محمودة قوله - تعالى - # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين # فلو أطلقت لتوهم فيها بعض من لا دراية له أنها محمودة، فقيل بالإثم ~~توضيحا للمراد فرفع اللبس، ويجوز أن تكون الباء للتعدية - وهو قول ~~الزمخشرى - فإنه قال أخذته بكذا إذا حملته عليه وألزمته إياه. أى حملته ~~العزة التى فيه وحمية الجاهلية على الإثم الذى ينهى عنه وألزمته ~~ارتكابه، ويجوز أن تكون للسببية بمعنى أن إثمه كان سببا لأخذ العزة له ~~". أى استولت عليه حمية الجاهلية بسبب الإثم الذى استحوذ على قلبه ~~فأنساه كل ما يوصل إلى الصلاح والاستقامة. و " ال " فى العزة للعهد. أى ~~العزة المعهودة المعروفة عند أهل ms0421 الجاهلية التى تمنع صاحبها من قبول ~~النصيحة. قال الأستاذ الإمام محمد عبده مرجحا ما ذهب إليه من أن " تولى ~~" بمعنى الولاية والإمارة " وهذا الوصف ظاهر جدا فى تفسير التولى ~~بالولاية والسلطة، فإن الحاكم الظالم المستبد يكبر عليه أن يرشد إلى ~~مصلحة، أو يحذر من مفسدة، لأنه يرى أن هذا المقام الذى ركبه وعلاه يجعله ~~أعلى الناس رأيا وأرجحهم عقلا، بل الحاكم المستبد الذى لا يخاف الله - ~~تعالى - يرى نفسه فوق الحق كما أنه فوق أهله فى السلطة، فيجب أن يكون أفن ~~رأيه خيرا من جودة آرائهم، وإفساده نافذا مقبولا دون إصلاحهم، فكيف ~~يجوز لأحد منهم أن يقول له اتق الله فى كذا... ". ثم بين - سبحانه - سوء ~~عاقبة من هذه صفاته فقال { فحسبه جهنم ولبئس المهاد ~~}. الفاء هنا للإفصاح، لأنها تفصح عن شرط محذوف تقديره إذا كانت هذه ~~حالة المعرض عن النصح أنفة وتكبرا { فحسبه جهنم } أى كافيه ~~جهنم جزاء له { ولبئس المهاد } أى ولبئس الفراش الذى يستقر عليه ~~بسبب غروره وفجوره. # وقوله { فحسبه جهنم } جملة من مبتدأ وخبر، وقوله { ولبئس ~~المهاد } جواب قسم مقدر. أى والله. والمخصوص بالذم محذوف لظهوره ~~وتعينه وهو جهنم. والمهاد جمع مهد وهو المكان المهيأ للنوم، والتعبير عن ~~جهنم بالهاد من باب التهكم والاستهزاء بهذا النوع المغرور المفسد من ~~الناس. هذا وقد أورد بعض المفسرين فى سبب نزول هذه الآيات منها أنها نزلت ~~فى الأخنس ابن شريق الثقفى أقبل على النبى صلى الله عليه وسلم فأظهر ~~الإسلام وزعم أنه يحبه وأقسم بالله على ذلك، غير أنه كان منافقا خبيث ~~الباطن، فخرج من عند النبى صلى الله عليه وسلم فمر بزرع لقوم من المسلمين ~~فأحرق الزرع وقتل بعض الماشية فنزلت. قال الإمام الرازى ما ملخصه بعد أن ~~ساق هذه الرواية وغيرها واختيار أكثر المحققين من المفسرين أن هذه الآيات ~~عامة فى حق كل من كان موصوفا بهذه الصفات المذكورة... ولا يمتنع أن تنزل ~~الآية فى الرجل ثم تكون عامة فى كل من كان موصوفا بتلك الصفات، ونزولها ms0422 ~~على السبب الذى حكيناه لا يمنع من العموم، بل نقول فيها ما يدل على ~~العموم وهو من وجوه. أحدها أن ترتب الحكم على الوصف المناسب مشعر ~~بالعلية، فلما ذم الله - تعالى - قوما وصفهم بصفات توجب استحقاق الذم، ~~علمنا أن الموجب لتلك المذمة هو تلك الصفات، فيلزم أن كل من كان موصوفا ~~بتلك الصفات أن يكون مستوجبا للذم. وثانيها أن الحمل على العموم أكثر ~~فائدة، وذلك لأنه يكون زجرا لكل المكلفين عن تلك الطريقة المذمومة. ~~وثالثها أن هذا أقرب إلى الاحتياط، لأنا إذا حملنا الآية على العموم دخل ~~فيه ذلك الشخص، وإما إذا خصصناه بذلك الشخص لم يثبت الحكم فى غيره، فثبت ~~بما ذكرنا أن حمل الآية على العموم أولى ". هذا، وفى هذه الآيات الكريمة ~~زجر شديد ووعيد أليم للمنافقين الذين يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم ~~ويفسدون فى الأرض ولا يصلحون، ويكادون يسطون بالذين ينصحونهم ويتلون ~~عليهم آيات الله لأن المنافقين ما كثروا فى أمة إلا وجعلوا بأسها بينها ~~شديدا، روى ابن جرير عن نوف البكالى قال إنى لأجد صفة ناس من هذه الأمة ~~فى كتاب الله المنزل قوم يحتالون على الدنيا بالدين، ألسنتهم أحلى من ~~العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، يلبسون للناس مسوك - أى جلود - الضأن ~~وقلوبهم الذئاب يقول الله - تعالى - فعلى يجترثون وبى يغترون، حلفت بنفسى ~~لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم حيران ". قال ابن كثير قال القرظى الذى ~~روى هذا القول عن نوف تدبرت هذه الصفات فى القرآن فإذا هى فى المنافقين ~~ووجدتها فى قوله - تعالى - { ومن الناس من يعجبك قوله فى ~~الحياة الدنيا }. # والحق أنه ما ابتليت أمة بتفشى هذا النوع من الناس فيها إلا فسد حالها ~~وهان شأنها وكانت عاقبة أمرها خسرا. أما النوع الثانى من الناس وهم ~~الأخيار الصادقون فقد عبر عنهم القرآن بقوله - تعالى - { ومن الناس ~~من يشري نفسه ابتغآء مرضات الله والله رؤوف ~~بالعباد }. { يشري نفسه } أى يبيعها ببذلها فى طاعة الله ~~وإعلاء كلمته، وتحقيقه أن المكلف قد بذل نفسه بمعنى أنه أطاع ms0423 الله - ~~تعالى - وحافظ على فرائضه، وجاهد فى سبيله، من أجل أن ينال ثواب الله ~~ومرضاته، فكان ما بذله من طاعات بمثابة السلعة، وكان هو بمنزلة البائع، ~~وكان قبول الله - تعالى - منه ذلك وإثابته عليه فى معنى الشراء. وقوله { ~~ابتغآء مرضات الله } الابتغاء الطلب الشديد للشىء، والرغبة ~~القوية فى الحصول عليه، وهو فى الآية مفعول لأجله. أى ومن الناس نوع آخر ~~قد باع نفسه وبذلها فى طاعة الله طلبا لرضوانه، وأملا فى مثوبته ~~وغفرانه. فهذاالنوع التقى المخلص من الناس، يقابل النوع المنافق المفسد ~~الذى سبق الحديث عنه. قال بعضهم وكان مقتضى هذه المقابلة أن يوصف هذا ~~الفريق الثانى بالعمل الصالح مع عدم التعويض والتبجح بالقول، أو مع ~~مطابقة قوله لعمله وموافقة لسانه لما فى قلبه. والآية قد تضمنت هذا الوصف ~~وإن لم تنطق به، فإن من يبيع نفسه لله لا يبغى ثمنا لها سوى مرضاته لا ~~يتحرى إلا العمل الصالح وقول الحق مع الإخلاص فى القلب فلا يتكلم ~~بلسانين ولا يقابل الناس بوجهين. ويكون هو المؤمن الذى يعتد القرآن ~~بإيمانه ". وقال أحد العلماء ومرضاة مصدر ميمى بمعنى الرضا. ولا شك أن ~~التعبير بالمصدر الميمى دون المصدر الأصلى له معنى يدركه السامع بذوقه، ~~ولم نجد النحويين ولا البلاغيين تعرضوا لبيان التفرقة بين المصدر الميمى ~~وغيره والذى يتبدى لنا ونظنه تفرقة بينهما، أن المصدر الميمى يصور المعنى ~~المصدرى واقعا قائما متحققا فى الوجود، أما المصدر غير الميمى فيصور ~~المعنى مجردا فإذا كانت كلمة مقال بمعنى القول، فإن التعبير بالقول يصور ~~معنى مجردا من غير نظر إلى كونه تحقق وجوده أولا. أما كلمة مقال فتصور ~~معنى وجد وتحقق، أو فى صورة الموجود المتحقق، وعلى ذلك معنى { ابتغآء ~~مرضات الله والله } أنهم يبيعون أنفسهم طالبين طلبا موثقا ~~رضا الله - سبحانه - حقيقة واقعة مؤكدة، ويتصورون رضاه - سبحانه - حقيقة ~~قائمة قد حلت بهم، فيشتد طلبهم وافتداؤهم للحق بأموالهم وأنفسهم ". ثم ~~ختم - سبحانه - الآية بقوله - { والله رؤوف بالعباد } أى، ~~رفيق رحيم بهم، ومن مظاهر ذلك أنه لم يكلفهم ms0424 بما هو فوق طاقتهم، وإنما ~~كلفهم بما تطيقه نفوسهم، وأنه أسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة فى الدنيا مع ~~تقصيرهم فيما أمرهم به أو نهاهم عنه، وأنه كافأهم بالنعيم المقيم على ~~العمل القليل، وأنه جعل العاقبة للمتقين لا للمفسدين، إلى غير ذلك من ~~مظاهر رأفته التى لا تحصى. # هذا، وقد أورد المفسرون روايات متعددة فى سبب نزول هذه الآية منها أنها ~~نزلت فى صهيب بن سنان الرومى، وذلك لأنه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة منعه ~~المشركون أن يهاجر بماله، وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر أذنوا له، فنخلص ~~منهم وأعطاهم ماله فأنزل الله فيه هذه الآية. فتلقاه عمر بن الخطاب ~~وجماعة إلى طرف الحرة فقالوا له ربح البيع يا صهيب، فقال لهم وأنتم فلا ~~أخسر الله تجارتكم وما ذاك؟ فأخبروه أن الله أنزل فيه هذه الآية. ويروى ~~أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له عندما رآه # " ربح البيع، ربح البيع " # مرتين. وهناك روايات أنها نزلت فيه وفى عمار بن ياسر وفى خباب بن الأرت ~~وفى غيرهم من المؤمنين المجاهدين. والذى نراه - كما سبق أن بينا - أن ~~الآية الكريمة تتناول كل من أطاع الله - تعالى - وبذل نفسه فى سبيل إعلاء ~~كلمته، ويدخل فى ذلك دخولا أوليا من نزلت فيهم الآية، إذ العبرة بعموم ~~اللفظ لا بخصوص السبب كما يرى جمهور العلماء. وبذلك نرى أن الآيات قد ~~بينت لنا نوعين من الناس أحدهما خاسر، والآخر رابح، لكى نتبع طريق ~~الرابحين، ونهجر طريق الخاسرين # ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله ~~المصير # وبعد أن عرض القرآن هذين النوعين اللذين نجدهما فى كل زمان ومكان، وجه ~~نداء إلى المؤمنين دعاهم فيه إلى الاستجابة التامة لخالقهم فقال - تعالى ~~- { يأيها الذين آمنوا ادخلوا...والله يرزق من ~~يشآء بغير حساب }. ### || [2.208-212] # { السلم } - بكسر السين وفتحها مع إسكان اللام - بمعنى واحد، ~~ويطلقان على الإسلام وعلى المسالمة. وبعضهم فرق بين اللفظين فجعل { ~~السلم } بكسر السين - للإسلام، و { السلم } - بفتحها - ~~للمسالمة، وأنكر المبرد هذه التفرقة. قال الفخر الرازى وأصل هذه الكلمة ms0425 ~~من الانقياد. قال - تعالى - # إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب ~~العالمين # والإسلام إنما سمى إسلاما لهذا المعنى. وغلب اسم السلم على الصلح وترك ~~الحرب، وهذا أيضا راجع إلى هذا المعنى. لأن عند الصلح ينقاد كل واحد إلى ~~صاحبه ". و { كآفة } أى جميعا. وهى فى الأصل صفة من كف بمعنى منع، ~~واستعملت بمعنى الجملة والجميع بعلاقة أنها مانعة من التفرق وهى حال من ~~قوله { السلم } أى يأيها المؤمنون ادخلوا فى الإسلام والتزموا بكل ~~تعاليمه، ونفذوا جميع أحكامه وآدابه، واعملوا بكل أوامره ونواهيه، ولا ~~تكونوا ممن يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض. فالمقصود التزام جميع شرائع ~~الإسلام وأحكامه وآدابه. وبعضهم يرى أن قوله { كآفة } حال من فاعل ~~ادخلوا وهو ضمير الجماعة والمعنى عليه ادخلوا فى الإسلام جميعا، ~~وانقادوا لأحكامه مجتمعين غير متفرقين، لأنه الدين الذى ألف الله به بين ~~قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا. وسواء أكان لفظ { كآفة } حالا من { ~~السلم } أو من فاعل { ادخلوا } فالمقصود من الآية دعوة المؤمنين ~~إلى التمسك بجميع شعب الإسلام وشرائعه مع التزامهم برباط الإخاء الذى ~~ربط الله به بين قلوبهم بسبب اتباعهم لهذا الدين الحنيف. وإذا كان المراد ~~بكلمة { السلم } المسالمة والمصالحة كان المعنى يأيها الذين آمنوا إن ~~إيمانكم يوجب عليكم فيما بينكم أن تكونوا متصالحين غير متعادين، متحابين ~~غير متباغضين، متجمعين غير متفرقين، كما أنه يوجب عليكم بالنسبة لغيركم ~~ممن هو ليس على دينكم أن تسالموه متى سالمكم، وأن تحابوه متى اعتدى ~~عليكم، فإن دينكم ما جاء للحرب والخصام وإنما جاء للهداية وللسلام العزيز ~~القوى الذى يرد الاعتداء بمثله. هذا هو المعنى الذى نراه ظاهرا فى ~~الآية، وهو ما سار عليه المحققون من المفسرين. وبعضهم ذكر أن الخطاب فى ~~الآية لمؤمنى أهل الكتاب، لما روى عن ابن عباس أنه قال نزلت فى عبد الله ~~بن سلام وأصحابه، وذلك أنهم حين آمنوا بالنبى صلى الله عليه وسلم وآمنوا ~~بشرائعه وشرائع موسى عليه السلام - فعظموا السبت وكرهوا لحم الإبل ~~وألبانها بعد أن أسلموا، فأنكر عليهم المسلمون فقالوا، ms0426 إنا نقوى على هذا ~~وهذا وقالوا للنبى صلى الله عليه وسلم إن التوراة كتاب الله فدعنا فلنعمل ~~بها فأنزل الله هذه الآية. فالخطاب لمؤمنى أهل الكتاب. وبعضهم ذكر أن ~~المراد بالآية المنافقون والتقدير يأيها الذين آمنوا بألسنتهم ادخلوا ~~بكليتكم فى الإسلام ولا تتبعوا خطوات الشيطان. # وهذان القولان ضعفهما ظاهر، إذ لا سند لهما يعتمد عليه، ولا يؤيدها سياق ~~الآية الكريمة، لأن الآية الكريمة صريحة فى دعوة المؤمنين إلى التمسك ~~بجميع تعاليم الإسلام، وإلى الإخاء الجامع ونبذ التفرق والاختلاف ~~والاعتداء. وقوله { ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه ~~لكم عدو مبين } تحذير لهم مما يصدهم عن الدخول فى السلم. أى ~~أدخلوا فى السلم واحذورا أن تتبعوا مدارج الشيطان وطرقه إنه لكم عدو ظاهر ~~العداوة بحيث لا تخفى عداوته على عاقل. والخطوات. جمع خطوة - بفتح الخاء ~~وضمها - وهى ما بين قدمى من يخطو. وفى قوله { ولا تتبعوا ~~خطوات الشيطان } إشعار بأن الشيطان كثيرا ما يجر الإنسان إلى ~~الشر خطوة فخطوة ودرجة فدرجة حتى يجعله يألفه ويقتحمه بدون تردد، وبذلك ~~يكون ممن استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله. والعاقل من الناس هو ~~الذى يبتعد عن كل ما هو من نزغات الشيطان ووساوسه، فإن صغير الذنوب قد ~~يوصل إلى كبيرها، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. وقوله { إنه ~~لكم عدو مبين } جملة تعليلية، مؤكدة للنهى ومبينة لحكمته. ~~وقوله { فإن زللتم من بعد ما جآءتكم البينات ~~فاعلموا أن الله عزيز حكيم } تفريع على النهى، وترهيب ~~من العقاب الذى سيصيب المتبعين للشيطان. قال القرطبى وأصل الزلل فى ~~القدم، ثم استعمل فى الاعتقادات والآراء وغير ذلك. يقال زل يزل زلا وزللا ~~وزلولا، أى دحضت قدمه. والبينات جمع بينة، وهى الأدلة والمعجزات، ومجيئها ~~ظهورها. والمعنى فإن تنحيتم عن طريق الحق، وعدلتم عنه إلى الباطل، من بعد ~~أن ظهرت لكم الأدلة المفرقة بين الصواب والخطأ، والتى تدعوكم إلى اتباع ~~طريق الحق، فاعلموا أن الله { عزيز } لا يقهر ولا يعجزه الانتقام ممن ~~زل { حكيم } لا يترك ما تقتضيه الحكمة وإنما ms0427 يضع الأمور فى مواضعها. ~~وجىء فى الشرط بإن، لندرة حصول الزلل من المؤمنين، إذ الشأن فيهم ذلك. ~~وقوله { فاعلموا أن الله عزيز حكيم } جواب الشرط. ~~وقوله { من بعد ما جآءتكم البينات } قطع لعذرهم حتى لا ~~يقولوا يوم الحساب إننا زللنا لأننا لا نعرف الحق من الباطل. وفى الآية ~~دليل على أن عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة الجاهل به - كما قال ~~القرطبى -. وقال الفخر الرازى ما ملخصه " وقوله { فاعلموا أن ~~الله عزيز حكيم } نهاية فى الوعيد، لأنه يجمع من ضروب الخوف ~~مالا يجمعه الوعيد بذكر العقاب. وربما قال الوالد لولده إن عصيتنى فأنت ~~عارف بى وأنت تعلم قدرتى عليك وشدة سطوتى. فيكون هذا الكلام فى الزجر ~~أبلغ من ذكر الضرب وغيره. فإن قيل أفهذه الآية مشتملة على الوعد كما أنها ~~مشتملة على الوعيد؟ قلنا نعم من حيث أتبعه بقوله { حكيم } فإن اللائق ~~بالحكمة أن يميز بين المحسن والمسىء، فكما يحسن من الحكيم إيصال العذاب ~~إلى المسىء فكذلك يحسن منه إيصال الثواب إلى المحسن، بل هذا أليق بالحكمة ~~وأقرب للرحمة ". # وبعد أن أمر الله المؤمنين بالدخول فى السلم كافة، ونهاهم عن الزلل عن ~~طريقه المستقيم، عقب ذلك بتهديد الذين امتنعوا عن الدخول فى السلم فقال { ~~هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله فى ظلل... }. ينظرون ~~أى ينتظرون. يقال نظرته وانتظرته بمعنى واحد. وظلل جمع ظلة. كظلم جمع ~~ظلمة - وهى ما أظلك من شعاع الشمس وغيره. والغمام اسم جنس جمعى لغمامة، ~~وهى السحاب الرقيق الأبيض، سمى بذلك لأنه يغم، أى يستر. ولا يكون الغمام ~~ظلة إلا حيث يكون متراكبا والاستفهام للإنكار والتوبيخ. والمعنى ما ~~ينتظر أولئك الذين أبوا الدخول فى الإسلام من بعد ما جاءتهم البينات، ~~إلا أن يأتيهم الله يوم القيامة فى ظل كائنة من الغمام الكثيف العظيم ~~ليحاسبهم على أعمالهم، وتأتيهم ملائكته الذين لا يعلم كثرتهم إلا هو - ~~سبحانه -. وإتيان الله - تعالى - إنما هو بالمعنى اللائق به - سبحانه - ~~مع تنزيهه عن مشابهة الحوادث، وتفويض علم كيفيته إليه - تعالى -. وهذا هو ~~رأى ms0428 علماء السلف. وقوله { وقضي الأمر } معناه على هذا الرأى أتم - ~~سبحانه - أمر العباد وحسابهم فأثيب الطاتع وعوقب العاصى، ولم تعد لدى ~~العصاة فرصة للتوبة أو تدارك ما فاتهم. وقد ارتضى هذا الرأى عدد من ~~المفسرين منهم ابن كثير فقد قال فى معنى الآية يقول الله - تعالى - ~~مهددا للكافرين بمحمد صلى الله عليه وسلم { هل ينظرون إلا أن ~~يأتيهم الله فى ظلل من الغمام والملائكة } ~~يعنى يوم القيامة نفصل القضاء بين الأولين والآخرين، فيجزى كل عامل بعمله ~~إن خيرا فخير وإن شرا فشر!! ولهذا قال - تعالى - { وقضي الأمر ~~وإلى الله ترجع الأمور }. أما علماء الخلف فيؤولون إتيان ~~الله بما يتناسب مع ذاته - سبحانه -، ولذا فسروا إتيانه بأمره أو بأسه فى ~~الدنيا. وقد عبر صاحب الكشاف عن وجهة نظر هؤلاء بقوله " إتيان الله إتيان ~~أمره وبأسه كقوله # أو يأتي أمر ربك # جآءهم بأسنا # ويجوز أن يكون المأتى به محذوفا، بمعنى أن يأتيهم الله ببأسه أو بنقمته ~~للدلالة عليه بقوله - قبل ذلك - { فإن الله عزيز حكيم }. ~~فإن قلت لم يأتيهم العذاب فى الغمام؟ قلت لأن الغمام مظنته الرحمة، فإذا ~~نزل منه العذاب كان الأمر أفظع وأهول لأن الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب ~~كان أغم كما أن الخير إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أسر، فكيف إذا جاء ~~الشر من حيث يحتسب الخير ولذلك كانت الصاعقة من العذاب المستفظع لمجيئها ~~من حيث يتوقع الغيث { وقضي الأمر } أى تم أمر إهلاكهم وتدميرهم ~~وفرغ منه. # وقال الجمل ما ملخصه وقوله { إلا أن يأتيهم الله } استئناف ~~مفرغ من مقدر، أى ليس لهم شىء ينتظرونه إلا إتيان العذاب وهذا مبالغة فى ~~توبيخهم وقوله { والملائكة } بالرفع عطفا على اسم الجلالة أى، ~~وتأتيهم الملائكة فإنهم وسائط فى إتيان أمره - تعالى -، بل هم الآتون ~~ببأسه على الحقيقة. وقرأ الحسن وأبو جعفر والملائكة بالجر عطفا على ظلل، ~~أى إلا أن يأتيهم فى ظلل وفى الملائكة. وقوله { وقضي الأمر } فيه ~~وجهان أحدهما أن يكون معطوفا على يأتيهم داخلا فى حيز ms0429 الانتظار ويكون ~~ذلك من وضع الماضى موضع المستقبل والأصل ويقضى الأمر وإنما جىء به كذلك ~~لأنه محقق كقوله # أتى أمر الله # والثانى أن يكون جملة مستأنفة برأسها أخبر الله - تعالى - بأنه قد فرغ ~~من أمرهم فهو من عطف الجمل وليس داخلا فى حيز الانتظار. ثم ختم - سبحانه ~~- هذه الآية بقوله { وإلى الله ترجع الأمور } أى إليه وحده ~~- سبحانه - لا إلى غيره ولا إلى أحد معه تصير الأمور خيرها وشرها وسيجازى ~~الذين أساءوا بما عملوا وسيجازى الذين أحسنوا بالحسنى. فالجملة الكريمة ~~تذييل قصد به تأكيد قضاء أمره، ونفاذ حكمه، وتمام قدرته. ثم بين - سبحانه ~~- أن كفر الكافرين ليس سيبه نقصان الدليل على صحة إيمان المؤمنين، وإنما ~~سببه الجحود والحسد وإيثار الهوى على الهدى، بدليل أن بنى إسرائيل قد ~~آتاهم الله آيات بينات تهدى إلى الإيمان ومع ذلك كفروا بها. استمع إلى ~~القرآن وهو يصور موقفهم بعد تهديده للكافرين فى الآية السابقة فيقول { ~~سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة... }. ~~قال الفخر الرازى اعلم أنه ليس المقصود سل بنى إسرائيل ليخبروك عن تلك ~~الآيات فتعلمها وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان عالما بتلك ~~الأحوال بإعلام الله - تعالى - إياه، بل المقصود منه المبالغة فى الزجر ~~عن الإعراض عن دلائل الله - تعالى -. أى سل هؤلاء الحاضرين أنا لما ~~آتينا أسلافهم آيات بينات فأنكروها، لا جرم استوجبوا العقاب من الله - ~~تعالى -، وذلك تنبيه لهؤلاء الحاضرين على أنهم لو زلوا عن آيات الله ~~لوقعوا فى العذاب كما وقع أولئك المتقدمون فيه. والمقصود من ذكر هذه ~~الحكاية أن يعتبروا بغيرهم... ". و { سل } فعل أمر من سأل وأصله اسأل ~~فنقلت فتحة الهمزة إلى السين قبلها وصارت ساكنة فحذفت. ولما فتحت السين ~~لم يكن هناك حاجة إلى همزة الوصل فحذفت أيضا. و { كم } إما خبرية ~~والمسئول عنه محذوف، والجملة ابتدائية لا محل لها من الإعراب مبينة ~~لاستحقاقهم التقريع والتوبيخ. كأنه قيل { سل بني إسرائيل } عن ~~طغيانهم وجحودهم للحق بعد وضوحه فقد آتيناهم آيات كثيرة بينة ومع ms0430 ذلك ~~أعرض كثير منهم عنها. # وإما استفهامية والجملة فى موضع المفعول الثانى لقوله { سل } وقيل فى ~~موضع المصدر، أى سلهم هذا السؤال. وقيل فى موضع الحال. أى سلهم قائلا كم ~~آتيناهم. والاستفهام للتقرير بمعنى حمل المخاطب على الإقرار - بأنه قد ~~خالف ما تقتضيه الآيات من الإيمان بالله - تعالى -. فالمراد بهذا السؤال ~~تقريعهم على جحودهم الحق بعد وضوح الآيات لا معرفة إجابتهم كما إذا أراد ~~واحد منا توبيخ أحد فيقول لمن حضره سله كم أنعمت عليه؟ ومن الآيات ~~البينات والمعجزات الواضحات التى أظهرها الله - تعالى - لبنى إسرائيل على ~~أيدى أنبيائهم ليؤمنوا بهم عصا موسى التى ألقاها فإذا هى حية تسعى والتى ~~ألقاها فإذا هى تلقف ما صنعه السحرة، والتى ضرب بها البحر # فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم # إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وحدانية الله وصدق من جرت على يديه ~~هذه الخوارق، ومع ذلك فمنهم من قال لموسى # أرنا الله جهرة # ومنهم من كفر وعبد العجل.. ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الجاحدين لآياته ~~فقال { ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جآءته ~~فإن الله شديد العقاب }. التبديل جعل شىء بدلا عن آخر، ~~ونعمة الله هنا تتناول آياته الدالة على صدق رسله، كما تتناول ما أسبغه ~~الله على عباده من صحة ومال وعقل وغير ذلك من نعمه الظاهرة والباطنة. أى ~~ومن يبدل نعم الله بعد ما وصلت إليه واتضحت له، بأن كفر بها مع أنها تدعو ~~إلى الإيمان، وجحد فضلها مع أنها تستلزم منه الشكر لمسديها من يبدل ذلك ~~التبديل فإن الله سيعاقبه عقابا شديدا. وقوله { من بعد ما ~~جآءته } زيادة توبيخ لهم، وأنهم مستحقون لأشد ألوان العذاب، لأنهم قد ~~كفروا بآيات الله وجحدوا نعمه بعد معرفتها والوقوف على تفاصيلها. فهو ~~كقوله - تعالى - # وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم ~~يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون # فهو تبديل عن معرفة لا عن جهل أو خطأ. وقوله { فإن الله شديد ~~العقاب } تعليل للجواب أقيم مقامه. أى ومن يبدل نعمة ms0431 الله عاقبه أشد ~~عقوبة لأنه شديد العقاب فلا يفلت منه أحد. ويحتمل أن يكون هذه الجملة هى ~~الجواب بتقدير الضمير أى شديد العقاب له. والعقاب هو الجزاء عن جناية ~~وجرم، وهو مأخوذ - كما يقول القرطبى - من العقب، كأن المعاقب يمشى ~~بالمحازاة للجانى فى آثار عقبه، ومنه عقبة الراكب - أى الموضع الذى يركب ~~منه -، فالعقاب والعقوبة يكونان بعقب الذنب وقد عاقبه بذنبه. فالآية ~~الكريمة وعيد شديد لكل من يبدل نعم الله، ويترك شكرها. وبعد أن ذكر ~~القرآن حال من يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته، أتبعه بذكر الأسباب التى ~~حملت أولئك الأشقياء على البقاء فى كفرهم وجحودهم فقال - تعالى - { ~~زين للذين كفروا الحياة الدنيا }. # .. الآية. التزيين جعل الشىء زينا أى، شديد الحسن. والحياة نائب فاعل، ~~زين، ولم تلحق تاء التأنيث بالفعل لأن نائب الفاعل مجازى التأنيث ولوجود ~~الفاصل بين الفعل ونائب الفاعل. والمعنى، أن الحياة الدنيا قد زينت ~~للكافرين فأحبوها وتهافتوا عليها تهافت الفراش على النار، وصارت متعها ~~وشهواتها كل تفكيرهم، أما الآخرة فلم يفكروا فيها، ولم يهيئوا أنفسهم ~~للقائها. قال القرطبى والمزين هو خالقها ومخترعها وخالق الكفر، ويزينها ~~أيضا الشيطان بوسوسته وإغوائه وخص الذين كفروا بالذكر لقبولهم التزيين ~~جملة وإقبالهم على الدنيا وإعراضهم عن الآخرة بسببها. وقد جعل الله ما ~~على الأرض زينة لها ليبلو الخلق أيهم أحسن عملا، فالمؤمنون الذين هم على ~~سنن الشرع لم تفتنهم الزينة، والكفار تملكتهم لأنهم لا يعتقدون غيرها ". ~~وقوله { ويسخرون من الذين } معطوف على جملة { زين ~~للذين كفروا... }. أو خبر لمبتدأ محذوف أى وهم يسخرون وتكون ~~الواو للحال. ويسخرون يضحكون ويهزأون. يقال. سخرت منه وسخرت به وضحكت منه ~~وضحكت به. أى أن الذين كفروا لا يكتفون بحبهم الشديد لزينة الدنيا ~~وشهواتها وإنما هم بجانب ذلك يسخرون من المؤمنين لزهد هم فى متع الحياة، ~~لأن الكفار يعتقدون أن ما يمضى من حياتهم فى غير متعة فهو ضياع منها، ~~وأنهم لن يبعثوا ولن يحاسبوا على ما فعلوه فى دنياهم، أما المؤمنون فهم ~~يتطلعون إلى نعيم ms0432 الآخرة الذى هو أسمى وأبقى من نعيم الدنيا. وجىء بقوله ~~{ زين } ماضيا للدلالة على أنه قد وقع وفرغ منه. وجىء بقوله { ~~ويسخرون } مضارعا للدالة على تجدد سخريتهم من المؤمنين وحدوثها ~~بين وقت آخر. قال - تعالى - # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون. وإذا مروا بهم يتغامزون... # وقد ذكر بعض المفسرين فى سبب نزول هذه الآية روايات منها أنها نزلت فى ~~المنافقين عبد الله بن أبى وحزبه، كانوا يتنعمون فى الدنيا أو يسخرون من ~~ضعفاء المؤمنين وفقراء المهاجرين، ويقولون أنظروا إلى هؤلاء الذين يزعم ~~محمد صلى الله عليه وسلم أنه يغلب بهم. ومنها. أنها نزلت فى أبى جهل ~~ورؤساء قريش كانوا يسخرون من فقراء المسلمين كعمار وخباب وابن مسعود ~~وغيرهم بسبب ما كانوا فيه من الفقر والصبر على البلاء. والحق أنه لا مانع ~~من نزولها فى شأن كل الكافرين الذين يسخرون من المؤمنين. وقوله { ~~والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة } رد منه - سبحانه ~~- على هؤلاء الكفار الذين يسخرون من المؤمنين، والذين يرون أنفسهم أنهم ~~فى زينتهم ولذاتهم أفضل من المؤمنين فى نزاهتهم وصبرهم على بأساء الحياة ~~وضرائها. أى، والذين اتقوا الله - تعالى - وصانوا أنفسهم عن كل سوء فوق ~~أولئك الكافرين مكانة ومكانا يوم القيامة، لأن تقواهم قد رفعتهم إلى أعلى ~~عليين، أما الذين كفروا فإن كفرهم قد هبط بهم إلى النار وبئس القرار. # قال صاحب الكشاف فإن قلت لم قال { من الذين آمنوا } ثم قال { ~~والذين اتقوا }؟ قلت ليريك أنه لا يسعد عنده إلا المؤمن التقى، ~~وليكون بعثا للمؤمنين على التقوى إذا سمعوا ذلك. وقيدت الفوقية بيوم ~~القيامة للننصيص على دوامها، لأن ذلك اليوم هو مبدأ الحياة الأبدية، ~~ولإدخال السرور والتسلية على قلوب المؤمنين حتى لا يتسرب اليأس إلى ~~قلوبهم بسبب إيذاء الكافرين لهم فى الدنيا. وقوله { والله يرزق ~~من يشآء بغير حساب } تذييل قصد به تشريف المؤمنين، وبيان عظم ~~ثوابهم. أى والله يرزق من يشاء بغير حساب من المرزوق. أو بلا حصر وعد لما ~~يعطيه. أو أنه لا يخاف نفاد ms0433 ما فى خزائنه حتى يحتاج إلى حساب لما يخرج ~~منها. فهو - سبحانه - الذى يعطى ويمنع، وليس عطاؤه فى الدنيا دليل رضاه ~~عن المعطى فقد يعطى الكافر وهو غير راض عنه، أما عطاؤه فى الآخرة فهو ~~دليل رضاه عمن أعطاه. قال الأستاذ الإمام إن الرزق بلا حساب ولا سعى فى ~~الدنيا إنما يصح بالنسبة إلى الأفراد، فإنك ترى كثيرا من الأبرار ~~وكثيرا من الفجار أغنياء موسرين متمتعين بسعة الرزق، وكثيرا من ~~الفريقين فقراء معسرين، والمتقى يكون دائما أسعد حالا وأكثر احتمالا، ~~ومحلا لعناية الله به فلا يؤلمه الفقر كما يؤلمه الفاجر لأنه يجد فى ~~التقوى مخرجا من كل ضيق... وأما الأمم فأمرها على غير هذا، فإن الأمة ~~التى ترونها فقيرة ذليلة لا يمكن أن تكون متقية لأسباب نقم الله وسخطه.. ~~وليس من سنة الله أن يرزق الأمة العزة والثروة وهى لا تعمل، وإنما يعطيها ~~بعملها ويسلبها بزللها.. ". ثم بين - سبحانه - أحوال الناس، وأنهم فى ~~حاجة إلى الرسل ليبشروهم وينذروهم ويحكموا بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه ~~فقال - تعالى - { كان الناس أمة واحدة فبعث الله ~~النبيين... }. ### || [2.213] # قال الفخر الرازى اعلم أنه - تعالى - لما بين فى الآية المتقدمة أن سبب ~~إصرار هؤلاء الكفار على كفرهم هو حب الدنيا، بين هذه الآية أن هذا المعنى ~~غير مختص بهذا الزمان، بل كان حاصلا فى الأزمنة المتقادمة، لأن الناس ~~كانوا أمة واحدة قائمة على الحق ثم اختلفوا، وما كان اختلافهم إلا بسبب ~~البغى والتحاسد والتنازع فى طلب الدنيا ". و { أمة } القوم المجتمعون ~~على الشىء الواحد يقتدى بعضهم ببعض مأخوذ من أم بمعنى قصد لأن كل واحد من ~~أفراد القوم يؤم المجموع ويقصده فى مختلف شؤونه. وللعلماء أقوال فى معنى ~~قوله - تعالى - { كان الناس أمة واحدة فبعث الله ~~النبيين مبشرين ومنذرين }. القول الأول الذى عليه جمهور ~~المفسرين أن المعنى كان الناس أمة واحدة متفقين على توحيد الله - تعالى - ~~مقرين له بالعبودية مجتمعين على شريعة الحق ثم اختلفوا ما بين ضال ومهتد، ~~فبعث الله إليهم النبيين ليبشروا من ms0434 اهتدى منهم بجزيل الثواب، ولينذروا ~~من ضل بسوء العذاب، وليحكموا بينهم فيما اختلفوا فيه بالحكم العادل، ~~والقول الفاصل. قال القفال ويشهد لصحة هذا الرأى قوله - تعالى - { ~~فبعث الله النبيين... } فهذا يدل على أن الأنبياء - عليهم ~~السلام - إنما بعثوا حين الاختلاف، ويتأكد هذا بقوله # وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا # ويتأكد أيضا بما نقل عن ابن مسعود أنه قرأ { كان الناس أمة ~~واحدة فبعث الله النبيين.. }. و " كان " على هذا الرأى ~~على بابها من المضى، وعدم استمرار الحكم، وعدم امتداده إلى المستقبل، لأن ~~الناس كانوا مهتدين ثم زالت الهداية عنهم أو عن كثير منهم بسبب اختلافهم ~~فأرسل الله - تعالى - رسله لهدايتهم. القول الثانى يرى أصحابه أن المعنى ~~كان الناس أمة واحدة مجتمعين على الضلال والكفر فبعث الله النبيين ~~لهدايتهم. و " كان " على هذا الرأى - أيضا - على بابها من المضى ~~والانقضاء، ولا تحتاج على هذا الرأى إلى تقدير كلام محذوف، وهو ثم ~~اختلفوا فبعث.. إلخ. ومن العلماء الذين رجحوا القول الأول الإمام ابن ~~كثير فقد قال عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال كان بين نوح وآدم عشرة ~~قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ~~ومنذرين.. وهكذا قال قتادة ومجاهد. وقال العوفى عن ابن عباس { كان ~~الناس أمة واحدة } يقول كانوا كفارا { فبعث الله ~~النبيين } والقول الأول عن ابن عباس وهو أصح سندا ومعنى لأن الناس ~~كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام فبعث الله إليهم نوحا - عليه ~~السلام - فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض. # أما الرأى الثالث فقد قرره الإمام القرطبى بقوله ويحتمل أن تكون " كان ~~" للثبوت، والمراد الإخبار عن الناس الذين هم الجنس كله أنهم أمة واحدة ~~فى خلوهم عن الشرائع، وجهلهم بالحقائق، لولا من الله عليهم وتفضله ~~بالرسل إليهم. فلا يختص " كان " على هذا التأويل بالمضى فقط، بل معناه ~~معنى قوله # وكان الله غفورا رحيما # وهذا الرأى قد اختاروه الأستاذ الإمام محمد عبده تفسيره للآية الكريمة ~~ووافقه عليه بعض العلماء الذين ms0435 كتبوا فى تفسير هذه الآية. قال الأستاذ ~~الإمام ما ملخصه. " خلق الله الإنسان أمة واحدة أى مرتبطا بعضه ببعض ~~فى المعاش لا يسهل على أفراده أن يعيشوا فى هذه الحياة الدنيا إلا ~~مجتمعين يعاون بعضهم بعضا، فكل واحد منهم يعيش ويحيا بشىء من عمله لكن ~~قواه النفسية والبدنية قاصرة فى توفير جميع ما يحتاج إليه، فلا بد من ~~انضمام قوى الآخرين إلى قوته... وهذا معنى قولهم " الإنسان مدنى بطبعه " ~~يريدون بذلك أنه لم يوهب من القوى ما يكفى للوصول إلى جميع حاجاته إلا ~~بالاستعانه بغيره... ولما كان الناس كذلك كان لا بد لهم من الاختلاف ~~بمقتضى فطرهم، وكان من رحمة الله أن يرسل إليهم مبشرين ومنذرين. وترتيب ~~بعثة الرسل على وحدة الأمة فى الآية التى نفسرها يكون على هذا المعنى أن ~~الله قضى أن يكون الناس أمة واحدة يرتبط بعضهم ببعض ولا سبيل لعقولهم ~~وحدها إلى الوصول إلى ما يلزم لهم فى توفير مصالحهم ودفع المضار عنهم، ~~لتفاوت عقولهم، واختلاف فطرهم، وحرمانهم من الإلهام الهادى لكل منهم إلى ~~ما يجب عليه نحو صاحبه، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأيدهم ~~بالدلائل القاطعة على صدقهم، وعلى أن ما يأتون به إنما هو من عند الله - ~~تعالى - القادر على إثابتهم وعقوبتهم... ". وقال فضيلة الأستاذ الشيخ ~~محمد أبو زهرة ما ملخصه وإن هذا الرأى الذى اختاره الأستاذ الإمام هو ~~الذى نختاره، وعلى هذا التأويل لا يكون ثمة حاجة إلى تقدير محذوف، لأن ~~ذات حالهم من كونهم لا علم لهم بالشرائع ولا تهتدى عقولهم إلى الحقائق ~~بنفسها توجب البعث، ولأن تلك الحال التى تكون على الفطرة وحدها توجب ~~الاختلاف فتوجب بعث النبيين.. ثم إن نفس كل إنسان فيها نزوع إلى ~~الاجتماع، وحيث كان الاجتماع فلا بد من نظام يربط، وشرع يحكم. وعلى هذا ~~التأويل أيضا تكون الفاء فى قوله { فبعث... } - وهى التى يقول عنها ~~النحويون إنها للترتيب والتعقيب - فى موضعها من غير حاجة إلى تقدير، لأن ~~كون الناس أمة واحدة اقتضت الرسالة واقتضت الاختلاف. و ms0436 " كان " على هذا ~~التأويل تدل على الاستمرار والثبوت، لأن الناس بمقتضى فطرهم دائما فى ~~حاجة إلى شرع السماء لا يهتدون إلا به. # ثم قال فضيلته وقد يقول قائل إن جعل " كان " للاستمرار يفيد أن وحدة ~~الناس فى الفطرة وتأديها إلى التناحر يقتضى بعث النبيين إلى يوم القيامة، ~~وأنه لا بد من نبى لعصرنا، ونحن نسلم بالاعتراض ولا ندفع إيراده ونقول ~~نعم إنه لا بد من قيام رسالة إلى يوم القيامة وهى رسالة محمد صلى الله ~~عليه وسلم التى جاءت بكتاب تتجدد به الرسالة والبعث إلى أن تفنى الأرض ~~ومن عليها وهذا الكتاب هو القرآن الكريم الذى لا تبلى جدته، والذى تكفل ~~الله بحفظه، وبإعجازه إلى يوم القيامة، والذى من يقرؤه فكأنما يتلقاه عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم ". هذه هى أشهر الأقوال فى معنى قوله - تعالى - ~~{ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين } وهناك أقوال أخرى لم نذكرها لضعفها. وقوله - ~~تعالى - { وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين ~~الناس فيما اختلفوا فيه } معطوف على { فبعث } ، والمراد ~~بالكتاب الجنس. والمعنى وأنزل - سبحانه - مع هؤلاء النبيين الذين بعثهم ~~مبشرين ومنذرين كلامه الملتبس بالحق والجامع لما يحتاجون إليه من أمور ~~الدين والدنيا، لكى يفصلوا بواسطته بين الناس فيما اختلفوا من شئون دينيه ~~ودنيويه. وذكر - سبحانه - الكتاب بصيغة المفرد للإشارة إلى أن كتب ~~النبيين وإن تعددت إلا أنها فى جوهرها كتاب واحد لاشتمالها على شرع واحد ~~فى أصله، وإذا كان هناك خلاف بينها ففى تفاصيل الأحكام وفروعها لا فى ~~جوهرها وأصولها، وقوله { بالحق } متعلق بأنزل، أو حال من الكتاب أى ~~ملتبسا شاهدا به. والضمير فى قوله { ليحكم.. } يجوز أن يعود إلى ~~الله - تعالى - أو إلى النبيين، أو إلى الكتاب. ورجح بعضهم عودته إلى ~~الكتاب لأنه أقرب مذكور. والجملة تعليلية للإنزال المذكور. وفى إسناد ~~الحكم إلى الكتاب تنبيه للناس إلى أن من الواجب عليهم أن يرجعوا إليه عند ~~كل اختلاف. لأن هذا هو المقصد الأساسى من إنزال الكتب السماوية. وللأستاذ ~~الإمام محمد عبده كلام ms0437 نفيس فى هذا المعنى فقد قال - رحمه الله - ما ~~ملخصه " الحكم مسند إلى الكتاب نفسه، فالكتاب ذاته هو الذى يفصل بين ~~الناس فيما اختلفوا فيه، وفيه نداء للحاكمين بالكتاب أن يلزموا حكمه، ~~وألا يعدلوا عنه إلى ما تسوله الأنفس وتزينه الأهواء.. ولو ساغ للناس أن ~~يؤولوا نصا من نصوص الكتب على حسب ما تنزع إليه عقولهم بدون رجوع إلى ~~بقية النصوص، لما كان لإنزال الكتب فائدة، ولما كانت الكتب فى الحقيقة ~~حاكمة، بل كانت متحكمة فيها الأهواء، فنعود المصلحة مفسدة، وينقلب الدواء ~~علة، ولهذا رد الله الحكم إلى الكتاب نفسه لا إلى هوى الحاكم به. # . ونسبة الحكم إلى الكتاب هى كنسبة النطق والهدى والتبشير إليه فى قوله ~~- تعالى - # هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق # وقوله - تعالى - # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر ~~المؤمنين... # ثم بقول - رحمه الله - " يتخذ الواحد منهم كلمة من الكتاب أو أثرا مما ~~جاء به وسيلة إلى تسخير غيره لما يريد، وذلك قطع الكلمة أو الأثر عن بقية ~~ما جاء فى الكتاب والآثار الأخر ولى اللسان أو تأويله بغير ما قصد منه ~~وما هم المؤول أن يعمل بالكتاب وإنما كل ما يقصد هو أن يصل إلى مطلب ~~لشهوته، أو عضد لسطوته، سواء أهدمت أحكام الله أم قامت، واعوجت السبيل أم ~~استقامت، ثم يأتى ضال آخر يريد أن ينال من هذا ما نال غيره، فيحرف ويؤول ~~حتى يجد المخدوعين بقوله، ويتخذهم عونا على الخادع الأول، فيقع الاختلاف ~~والاضطراب، وآلة المختلفين فى ذلك هو الكتاب. ثم بين - سبحانه - الأسباب ~~التى أدت إلى اختلاف الناس فى الكتاب الذى أنزله لهدايتهم فقال { وما ~~اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جآءتهم ~~البينات بغيا بينهم }. والضمير فى قوله { فيه } وفى قوله ~~{ أوتوه } يعود إلى الكتاب، والمعنى عليه وما اختلف فى شأن الكتاب ~~الهادى الذى لا لبس فيه، المنزل لإزالة الاختلاف، إلا الذين أوتوه، أى ~~علموه ووقفوا على تفاصيله، ولم يكن اختلافهم لالتباس عليهم من جهته وإنما ~~كان خلافهم من بعد ms0438 ما ظهرت لهم الدلائل الواضحة الدالة على صدقه، وما ~~حملهم على هذا الاختلاف إلا البغى والظلم والحسد الذى وقع بينهم. والمراد ~~بالذين اختلفوا فيه أهل الكتاب اليهود والنصارى، واختلافهم فى الكتاب ~~يشمل تصديقهم ببعضه وتكذيبهم بالبعض الآخر، كما يشمل اختلافهم فى تفسيره ~~وتأويله وتنفيذ أحكامه وعدم تنفيذها، وذهاب كل فريق منهم مذهبا يخالف ~~مذهب الآخر فى أصول الشرع لا فى فروعه. وعبر عن الإنزال بالإيتاء - كما ~~يقول الآلوسى - للتنبيه من أول الأمر على كمال تمكنهم من الوقوف على ما ~~فيه من الحق، فإن الإنزال لا يفيد ذلك، وقيل عبر به ليختص الموصول ~~بأرباب العلم والدراسة من أولئك المختلفين، وخصهم بالذكر لمزيد شناعة ~~فعلهم ولأن غيرهم تبع لهم ". وقوله { من بعد ما جآءتهم ~~البينات } متعلق باختلف، وفيه زيادة تشنيع عليهم لأنهم قد اختلفوا ~~فيه بعد أن قامت أمامهم الحجج الناصعة الدالة على الحق. وقوله { بغيا ~~} مفعول لأجله لاختلفوا { بينهم } متعلق بمحذوف صفة لقوله { بغيا ~~}. أى لا داعى الاختلاف هو البغى والحسد الذى وقع بينهم، فجعل كل فريق ~~منهم يخطئ الآخر، ويجرح رأيه. وفى هذا التعبير إشارة إلى أن البغى قد باض ~~وفرخ عندهم، فهو يحوم عليهم، ويدور بينهم، ولا طمع له فى غيرهم، ولا ملجأ ~~له سواهم، لأنهم أربابه الذين تمكنوا منه، وتمكن منهم بقوة ورسوخ. # وبعضهم جعل الضمير فى قوله { فيه } يعود إلى الحق، والضمير فى قوله { ~~أوتوه } يعود إلى الكتاب. أى وما اختلف فى الحق إلا الذين أوتوا ~~الكتاب. ويرى بعض العلماء أن عودة الضمير فى كليهما إلى الحق أو إلى ~~الكتاب جائز، وأن المعنى على التقديرين واحد، لأن الكتاب أنزل ملابسا ~~للحق ومصاحبا له، فإذا اختلف فى الكتاب اختلف فى الحق الذى فيه وبالعكس ~~على طريقة قياس المساواة فى المنطق والجملة الكريمة تحذير شديد من الوقوع ~~فيما وقع فيه غيرهم من اختلاف يؤدى إلى البغى والتنازع والإعراض عن ~~الحق. ثم بين - سبحانه - حال المؤمنين بعد بيانه لحال الغاوين فقال - ~~تعالى - { فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه ~~من ms0439 الحق بإذنه }. أى فهدى الله الذين آمنوا وصدقوا رسله إلى ~~الحق الذى اختلف فيه أهل الضلالة، وذلك الهدى بفضل توفيقه لهم وتيسيره ~~لأمرهم. والفاء فى قوله { فهدى } فصيحة لأنها أفصحت عن كلام مقدر وهو ~~المعطوف عليه المحذوف. والتقدير إذا كان هذا شأن الضالين المختلفين فى ~~الحق، فقد هدى الله بفضله الذين آمنوا إلى الصواب. وبين - سبحانه - أن ~~الذين رزقهم الهداية هم الذين آمنوا، للإشعار بأن سبب هدايتهم للحق هو ~~إيمانهم وتقواهم، واستجابتهم للداعى الذى دعاهم إلى الطريق المستقيم. ~~وأسند الهداية إليه - سبحانه - لأنه هو خالقها، ولأن قلوب العباد بيديه ~~فهو يقلبها كيف يشاء، وهذا لا ينافى أن للعبد اختيارا وكسبا فهو إذا ~~سار فى طريق الحق رزقه الله النور المشرق الذى يهديه، وإن سار فى طريق ~~الضلالة واستحب العمى على الهدى سلب الله عنه توفيقه بسبب إيثاره الضلالة ~~على الهداية. وقوله - تعالى - فى ختام هذه الآية { والله يهدي من ~~يشآء إلى صراط مستقيم } تذييل قصد به بيان كمال سلطانه، ~~وتمام قدرته. أى والله وحده هو الهادى من يشاء من عباده إلى طريق الحق ~~الذى لا يضل سالكه، فليس لأحد سلطان بجوار سلطانه، ولو أراد أن يكون ~~الناس جميعا مهديين لكانوا، ولكن حكمته اقتضت أن يختبرهم ليتميز الخبيث ~~من الطيب، فيجازى كل فريق بما يستحقه. قال ابن كثير وفى صحيح البخارى ~~ومسلم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل ~~يصلى يقول # " اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب ~~والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنى لما اختلف ~~فيه من الحق بإذنك إنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم ". # وفى الدعاء المأثور اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل ~~باطلا وارزقنا اجتنابه ولا تجعله ملتبسا علينا فنضل واجعلنا للمتقين ~~إماما. وبذلك نرى أن الآية قد بينت أن الناس لا يستغنون عن الدين الذى ~~شرعه الله لهم على لسان رسله - عليهم الصلاة والسلام -، وأن الأشرار من ~~الناس هم الذين ms0440 يحملهم البغى على الاختلاف فى الحق بعد ظهوره لهم، أما ~~الأخيار منهم فهم الذين اهتدوا بتوفيق الله وتيسيره إلى طريق الخير ~~والصواب { والله يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم }. ~~وبعد أن ذكر - سبحانه - حال الناس، واختلاف سفهائهم على أنبيائهم، ~~واهتداء عقلائهم إلى الحق، عقب ذلك بدعوة المؤمنين إلى الاقتداء بمن ~~سبقهم فى الصبر والثبات. فقال - تعالى - { أم حسبتم أن ~~تدخلوا الجنة... }. ### || [2.214] # قال القرطبى قال قتادة والسدى وأكثر المفسرين نزلت هذه الآية فى غزوة ~~الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدة والحر والبرد وسوء ~~العيش وأنواع الشدائد، وكانوا كما قال - تعالى - # إذ جآءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ ~~زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر # وقيل نزلت فى حرب أحد، ونظيرها - فى آل عمران # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله ~~الذين جاهدوا منكم.. # وقالت فرقة نزلت الآية تسلية للمهاجرين حين تركوا ديارهم وأموالهم بأيدى ~~المشركين، وآثروا رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله، ~~وأسر قوم من الأغنياء النفاق فأنزل اله ذلك تطيبا لقلوبهم ". وما ذكره ~~المفسرون فى سبب نزول هذه الآية الكريمة لا يمنع عمومها، وأنها تدعو ~~المؤمنين فى كل زمان ومكان إلى التذرع بالصبر والثبات تأسيا بمن سبقهم من ~~المتقين حتى يفوزوا برضوان الله - تعالى - ونصره. و { أم } هنا يرى ~~بعضهم أنها للاستفهام الإنكارى، ويرى بعض آخر أنها أم المتصلة، ويرى ~~فريق ثالث أنها أم المنقطعة. قال الجمل وحسب هنا من أخوات ظن تنصب ~~مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، وأن وما بعدها سادة مسد المفعولين عند ~~سيبويه، ومسد الأول عند الأخفش والثانى محذوف، ومضارعها فيه وجهان الفتح ~~وهو القياس والكسر. و { ولما } تدل على النفى مع توقع حصول المنفى ~~بها، كما فى قول النابغة # أزف الترحل غير أن ركابنا لما تزل برحالنا وكأن قد # فنفى بلما ثم قال وكأن قد، أى وكأنه قد زالت. و { البأسآء } ما ~~يصيب الناس فى الأموال كالفقر. والضراء ما يصيبهم فى الأنفس كالمرض ~~مشتقان من البؤس والضر. و { وزلزلوا } من الزلزلة ms0441 وهى شدة التحريك ~~وتكون فى الأشخاص وفى الأحوال. فيقال زلزلت الأرض، أى تحركت واضطربت، ~~ومعنى زلزلوا خوفوا وأزعجوا واضطربوا. والمعنى على أن { أم } للاستفهام ~~الإنكارى أظننتم أيها المؤمنون أنكم تدخلون الجنة بمجرد الإيمان دون أن ~~يصيبكم ما أصاب الذين سبقوكم من شداد فى الأنفس والأموال، ومن مخاوف ~~أزعجتهم وأفزعتهم حتى بلغ الأمر برسولهم وبالمؤمنين معه أن يقولوا وهم فى ~~أقصى ما تحتمله النفوس البشرية من آلام متى نصر الله؟!! لا - أيها ~~المؤمنون - إنى أنهاكم أن تظنوا هذا الظن، وآمركم أن تتيقنوا من أن الظفر ~~بدخول الجنة يستلزم منكم التأسى بمن سبقكم من المتقين فى الصبر والثبات. ~~والمعنى على أن { أم } هنا هى المتصلة - أى المشعرة بمحذوف دل عليه ~~الكلام - قد خلت من قبلكم أمم أوتوا الكتاب واهتدوا إلى الحق فآذاهم ~~الناس أذى شديدا فصبروا على ذلك أفتصبرون مثلهم على المكاره وتثبتون ~~ثباتهم على الشدائد؟ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة دون أن يصيبكم ما أصابهم؟ ~~والمعنى على أن { أم } هنا منقطعة - أى تدل على الإضراب والاستفهام ~~معا - لقد أوذيتم أيها المؤمنون فى سبيل دينكم أذى عظيما، فعليكم أن ~~تصبروا وأن تثبتوا كما فعل الذين من قبلكم، أم حسبتم أن تدخلوا الجنة دون ~~ابتلاء وصبر. # . أى بل أحسبتم.. إن كان هذا هو حسبانكم فهو حسبان باطل لا ينبغى لكم. ~~وقوله - تعالى - { مستهم البأسآء.. } استئناف وقع جوابا عما ~~ينساق إليه الذهن، كأنه قيل كيف مثل أولئك الذين خلوا ومضوا؟ فكان الجواب ~~مستهم البأساء... الخ. ومستهم أى حلت بهم. وعبر بمستهم للإشعار بأن تلك ~~الشدائد قد أصابتهم بالآلام التى اتصلت بحواسهم وأجسادهم ولكنها لم تضعف ~~إيمانهم إذ حقيقية المس اتصال الجسم بجسم آخر. قال صاحب الكشاف وقوله { ~~وزلزلوا } أى أزعجوا إزعاجا شديدا شبيها بالزلزلة بما أصابهم من ~~الأهوال والافزاع " حتى يقول الرسول " أى إلى الغاية التى قال الرسول ومن ~~معه فيها { متى نصر الله } أى بلغ بهم الضجر ولم يبق لهم صبر ~~حتى قالوا ذلك. ومعناه طلب النصر وتمنيه، واستطالة زمان الشدة. وفى هذه ms0442 ~~الغاية دليل على تناهى الأمر فى الشدة وتماديه فى العظم لأن الرسل لا ~~يقادر قدر ثباتهم واصطبارهم وضبطهم لأنفسهم، فإذا لم يبق لهم صبر حتى ~~ضجوا كان ذلك الغاية فى الشدة التى لا مطمع وراءها ". والمراد بالرسول - ~~كما يقول الآلوسى - الجنس لا واحد بعينه. وقيل شعياء، وقيل أشعياء، وقيل ~~اليسع. وعلى التعيين يكون المراد من الذين خلوا قوما بأعيانهم وهم أتباع ~~هؤلاء الرسل ". وقوله - تعالى - { ألا إن نصر الله قريب } ~~استئناف على تقدير القول. أى فقيل لهم حينما التمسوا من الله النصر بعد ~~تلك الشدائد والأهوال التى نزلت بهم ألا إن نصر الله قريب تطييبا ~~لأنفسهم، وبعثا للآمال فى قلوبهم. وفى هذه الجملة الكريمة ألوان من ~~المؤكدات والمبشرات بالنصر القريب، ويشهد لذلك التعبير بالجملة الاسمية ~~بدل الفعلية فلم يقل - مثلا - ستنصرون والتعبير بالجملة الاسمية يدل على ~~التوكيد. ويشهد لذلك أيضا تصدير الجملة بأداة الاستفتاح الدالة على تحقيق ~~مضمونها وتقريره، ووقوع إن المؤكدة بعد أداة الاستفتاح، وإضافة النصر إلى ~~الله القادر على كل شىء والذى وعد عباده المؤمنين بالنصر فقال، إنا لننصر ~~رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ". هذا، والمتأمل ~~فى الآية الكريمة يراها قد بينت للمؤمنين أن طريق الجنة محفوف بالمكاره، ~~وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قوله # " حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات " # وأنهم لكى يصلوا إلى الجنة عليهم أن يتأسوا بالسابقين فى جهادهم وصبرهم ~~على الأذى، فقد اقتضت سنة الله أن يجعل هذه الحياة نزالا موصولا بين ~~الأخيار والأشرار، ونزاعا مستمرا بين الأطهار والفجار، وكثيرا ما يضيق ~~البغاة على المؤمنين، وينزلون بهم ما ينزلون من صفوف الاضطهاد إلا أن ~~الله - تعالى - قد تكفل بأن يجعل العاقبة للمتقين. # ولقد حكى لنا التاريخ أن المؤمنين السابقين قد صبروا أجمل الصبر وأسماه ~~فى سبيل إعلاء كلمة الله. روى البخارى عن خباب بن الأرت - رضى الله عنه - ~~قال # " شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له فى ظل ~~الكعبة فقلنا ألا تستنصر لنا؟ ms0443 ألا تدعو لنا؟ فقال قد كان من قبلكم يؤخذ ~~الرجل فيحفر له الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل ~~نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه. ~~والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا ~~يخاف إلى الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون ". # وبذلك نرى أن السورة الكريمة من قوله - تعالى - # ومن الناس من يعجبك قوله فى الحياة الدنيا # إلى هنا، قد بينت لنا أقسام الناس فى هذه الحياة، ودعت المؤمنين إلى أن ~~يتمسكوا بجميع تعاليم الإسلام، وأن يزهدوا فى زينة الحياة التى شغلت ~~المشركين عن كل شىء سواها، وأن يشكروا الله على هدايته إياهم إلى الحق ~~الذى اختلف غيرهم فيه، وأن يوطنوا أنفسهم على تحمل الآلام لكى يحقق الله ~~لهم الآمال. ثم أرشد الله - تعالى - المؤمنين بعد ذلك إلى أن مما يعينهم ~~على دفع الأذى وعلى دحر أعدائهم أن يبذلوا أموالهم فى طاعة الله، وأن ~~يعدوا أنفسهم للقتال فى سبيله فقال - تعالى - { يسألونك ماذا ~~ينفقون قل مآ..والله غفور رحيم } ### || [2.215-218] # قال الآلوسى عن ابن جريج قال سأل المؤمنون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أين يضعون أموالهم فأنزل الله - تعالى - قوله { يسألونك ماذا ~~ينفقون }. الآية. وعن ابن عباس قال كان عمرو بن الجموع شيخا كبيرا ~~وعنده مال كثير فقال يا رسول الله بماذا نتصدق، وعلى من ننفق؟ فنزلت ~~الآية. والمعنى يسألك أصحابك يا محمد أى شىء ينفقونه من أصناف الأموال؟ ~~قل لهم ما أنفقتم من أموالكم فاجعلوه للوالدين قبل غيرهما ليكون أداء لحق ~~تربيتهما ووفاء لبعض حقوقهما، وللأقربين وفاء لحق القرابة والرحم ~~ولليتامى لأنهم فقدوا الأب الحانى الذى يسد عوزهم، والمساكين لفقرهم ~~واحتياجهم، وابن السبيل لأنه كالفقير لغيبة ماله وانقطاعه عن بلده. قال ~~الإمام الرازى فهذا هو الترتيب الصحيح الذى رتبه الله - تعالى - فى ~~كيفية الإنفاق ثم لما فصل هذا التفصيل الحسن الكامل أردفه بعد ذلك ~~بالإجمال فقال { وما تفعلوا من خير فإن الله به ~~عليم ms0444 } أى وكل ما فعلمتوه من خير إما مع هؤلاء المذكورين وإما مع ~~غيرهم حسبة لله وطلبا لجزيل ثوابه وهربا من أليم عقابه فإن الله به عليم ~~فيجازيكم أحسن الجزاء عليه... ". وظاهر الآية - كما يقول الآلوسى - أن ~~السؤال عن المنفق فأجاب ببيان المصرف صريحا، لأنه أهم لأن اعتداد النفقة ~~باعتباره. وأشار - سبحانه - إجمالا إلى بيان المنفق فإن قوله { من ~~خير } يتضمن كونه حلالا إذ لا يسمى ما عداه خيرا، وإنما تعرض لذلك - ~~أى لبيان المنفق عليه - وليس فى السؤال ما يقتضيه، لأن السؤال للتعلم لا ~~للجدل، وحق المعلم فيه أن يكون كطبيب رفيق يتحرى ما فيه الشفاء، طلبه ~~المريض أم لم يطلبه. ولما كانت حاجتهم إلى من ينفق عليه كحاجتهم إلى ما ~~ينفق بين الأمرين، وهذا كمن به صفراء فاستأذن طبيبا، فى أكل العسل فقال ~~له كله مع الخل. فالكلام إذا من أسلوب الحكيم. ويحتمل أن يكون فى الكلام ~~- أى فى كلام السائلين - ذكر المصرف - أيضا - كما فى سؤال عمرو بن ~~الجموع إلا أنه لم يذكره فى الآية للإيجاز فى النظم تعويلا على الجواب، ~~فتكون الآية جوابا لأمرين مسئول عنهما. والاقتصار فى بيان المنفق على ~~الإجمال من غير تعرض للتفصيل كما فى بيان المصرف للإشارة إلى كون ~~الثانى أهم. وهل تخرج الآية بذلك عن كونها من أسلوب الحكيم أولا؟ قولان ~~أشهرهما الثانى ". ولم يتعرض - سبحانه - هنا لبقية المحتاجين كالسائلين ~~والغارمين إما اكتفاء بذكرهم فى مواضع أخرى، وإما بناء على دخولهم تحت ~~عموم قوله - تعالى - فى آخر الآية { وما تفعلوا من خير ~~فإن الله به عليم } فإنه شامل لكل خير واقع فى أى مصرف كان. # قال الجمل و " ذا " اسم موصول بمعنى الذى والعائد محذوف، و " ما " على ~~أصلها من الاستفهام ولذلك لم يعمل فيها يسألونك، وهى مبتدأ وذا خبره، ~~والجملة محلها النصب بيسألون. والمعنى يسألونك أى الشىء الذى ينفقونه ". ~~وقوله { وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم } ~~تذييل قصد به الحض على فعل الخير، لأن المؤمن عندما يشعر بأن الله ms0445 يرى ~~عمله ويجازيه عليه بما يستحقه، يشجعه ذلك على الاستمرار فى عمل الخير. ~~وإذا كان بعضنا يكثر من عمل الخير عندما يعلم أن شخصا ذا جاه يسره هذا ~~العمل، فكيف يكون الحال عندما يعلم المؤمن التقى أن الذى يرى عمله ~~ويكافئه عليه هو الله الذى لا تخفى عليه خافية، والذى يعطى من يشاء بغير ~~حساب. قال بعض العلماء وقد اختلف فى هذه الآية. فقيل إنها منسوخة بآية ~~الزكاة وهى قوله - تعالى - # إنما الصدقات للفقرآء.. # وقيل - وهو الأولى - إنها غير منسوخة، وهى لبيان صدقة التطوع فإنه متى ~~أمكن الجمع فلا نسخ. وقوله { كتب عليكم القتال وهو كره ~~لكم } حض لهم على بذل النفس فى سبيل إعلاء كلمة الله، بعد أن حضهم فى ~~الآية السابقة على بذل المال. والكره - بضم الكاف - بمعنى الكراهية ~~بدليل قوله - تعالى - { وعسى أن تكرهوا شيئا... } أى أن ~~القتال لشدة ويلاته، وما فيه من إزهاق الأرواح كأنه الكراهة نفسها فهو من ~~وضع المصدر موضع اسم المفعول مبالغة، وقرئ وهو كره لكم - بفتح الكاف - ~~فيكون فيه معنى الإكراه، لأن الكره بالفتح ما أكرهت عليه. وقيل هما ~~لغتان بمعنى واحد وهو الكراهية. ويرى كثير من المفسرين أن القتال إنما ~~كان مكروها للنفوس لما فيه من التعرض للجراح وقطع الأطراف، وإزهاق ~~الأرواح والإنسان ميال بطبعه إلى الحياة، وأيضا لما فيه من إخراج المال ~~ومفارقة الوطن والأهل، والحيلولة بين المقاتل وبين طمأنينته ونومه ~~وطعامه، فهو مهما يكن أمره فيه ويلات وشدائد، ومشتقات تتلوها مشقات، ولكن ~~كون القتال مكروها للنفوس لا ينافى الإيمان ولا يعنى أن المسلمين كرهوا ~~فرضيته، لأن امتثال الأمر قد يتضمن مشقة، ولكن إذا عرف الثواب فى جنبه ~~اقتحام المشقات. ولا شك أن القتال فى سبيل الله - مع ما فيه من صعاب ~~وشدائد - ستكون عاقبته العزة فى الدنيا، والسعادة فى الأخرى. ويرى بعضهم ~~أن كره المسلمين للقتال ليس سببه ما فيه من شدائد ومخاطر وتضحيات بدليل ~~أنهم كانوا يتنافسون خوض غمراته، وإنما السبب فى كراهيتهم له هو أن ~~الإسلام قد ms0446 غرس فى نفوسهم رقة ورحمة وسلاما وحبا، وهذه المعانى جعلتهم ~~يحبون مصابرة المشركين ويكرهون قتالهم أملا فى هدايتهم، ورجاء فى ~~إيمانهم، ولكن الله - تعالى - كتب على المسلمين قتال أعدائهم لأنه يعلم ~~أن المصلحة فى ذلك، فاستجاب المؤمنون بصدق وإخلاص لما فرضه عليهم ربهم. # ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى ظاهر الآية، لأن القتال فريضة شاقة ~~على النفس البشرية، بحسب الطبع والقرآن لا يريد أن ينكر مشقتها، ولا أن ~~يهون من أمرها، ولا أن ينكر على النفس البشرية إحساسها الفطرى بكراهيتها، ~~ولكنه يعالج الأمر من جانب آخر، بأن يقرر أن من الفرائض ما هو شاق ولكن ~~وراءه حكمة تهون مشقته، وتسهل صعوبته، وتحقق به خيرا مخبوءا قد لا يراه ~~النظر الإنسانى القصير. وقد بين القرآن هذه الحكمة فى قوله { وعسى ~~أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا ~~شيئا وهو شر لكم }. أى وعسى أن تكرهوا شيئا كالقتال فى سبيل ~~الله - تعالى - وهو خير لكم إذ فيه إحدى الحسنيين إما الظفر والغنيمة - ~~فى الدنيا مع ادخار الجزاء الأخروى وإما الشهادة والجنة، وعسى أن تحبوا ~~شيئا كالقعود عن الجهاد وهو شر لكم فى الواقع لما فيه من الذل ووقوعكم ~~تحت طائلة الأعداء. قال الفخر الرازى معنى الآية أنه ربما كان الشىء شاقا ~~عليكم فى الحال، وهو سبب للمنافع الجليلة فى المستقبل، ولأجله حسن شرب ~~الدواء فى المر فى الحال لتوقع حصول الصحة فى المستقبل، وترك الجهاد، وإن ~~كان يفيد - أى بحسب ظنكم - فى الحال صون النفس عن خطر القتل وصون المال ~~عن الإنفاق ولكن فيه أنوع من المضار منها أن العدو إذا علم ميلكم إلى ~~الدعة والسكون قصد بلادكم وحاول قتلكم... والحاصل أن القتال فى سبيل الله ~~سبب لحصول الأمن من الأعداء فى الدنيا وسبب لحصول الثواب العظيم للمجاهد ~~فى الآخرة.. ". وقال القرطبى والمعنى عسى أن تكرهوا ما فى الجهاد من ~~المشقة وهو خير لكم فى أنكم تغلبون وتظفرون وتغنمون وتؤجرون ومن مات منكم ~~مات شهيدا، وعسى أن تحبوا الدعة ms0447 وترك القتال وهو شر لكم فى أنكم تغلبون ~~ويذهب أمركم. وهذا صحيح لا غبار عليه، كما اتفق فى بلاد الأندلس، تركوا ~~الجهاد وجبنوا عن القتال وأكثروا من الفرار، فاستولى العدو على البلاد، ~~وأى بلاد؟!! وأسر وقتل وسبى واسترق، فإنا لله وإنا إليه راجعون!! ذلك بما ~~قدمت أيدينا وكسبته!! وقال الحسن فى معنى الآية لا تكرهوا الملمات ~~الواقعة فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك، ولرب أمر تحبه فيه عطبك، وأنشد أبو ~~سعيد الضرير # رب أمر تتقيه جر أمرا ترتضيه خفى المحبوب منه وبدا المكروه فيه # وهذا الكلام الذى كتبه الإمام القرطبى من مئات السنين يثير فى النفس ~~شجونا وآلاما، فإن المسلمين ما هانوا وضعفوا إلا عند ما تركوا الجهاد ~~فى سبيل الله، وتثافلوا إلى الأرض، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، ~~وآثروا متع الدنيا وشهواتها على الحياة العزيزة الكريمة. # وقال الإمام ابن كثير عند تفسيره للآية هذا إيجاب من الله - تعالى - ~~للجهاد على المسلمين وأن يكفوا شر الأعداء من حوزة الإسلام. قال الزهرى ~~الجهاد واجب على كل أحد غزا أو قعد. فالقاعد عليه إذا استعين به أن يعين، ~~وإذا استغيث به أن يغيث، وإذا استنقر أن ينفر، ولهذا ثبت فى الصحيح # " من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات ميتة جاهلية " # ، وقال صلى الله عليه وسلم يوم الفتح # " لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا ". # وقد أجمع العلماء على أنه إذا نزل العدو بساحة البلاد وجب القتال على كل ~~المسملين، كل على حسب قدرته. وقد ختم - سبحانه - هذه الآية الكريمة بقوله ~~{ والله يعلم وأنتم لا تعلمون } أى والله يعلم ما هو ~~خير لكم وما هو شر لكم فى الواقع وأنتم لا تعلمون ذلك، فبادروا إلى ما ~~يأمركم به لأنه لا يأمركم إلا بما علم فيه خيرا لكم، وانتهوا عما نهاكم ~~عنه لأنه لا ينهاكم إلا عما هو شر لكم، ومفعولا يعلم وتعلمون محذوفان دل ~~عليهما ما قبلهما. أى يعلم الخير والشر وأنتم لا تعلمونهما. والمقصود من ~~هذه الجملة الكريمة ms0448 الترغيب فى الجهاد، والامتثال لما شرعه الله - تعالى ~~- سواء أعرفت حكمته أم لم تعرف، لأن العليم بالحكم والمصالح هو الله رب ~~العالمين. وبذلك نرى أن القرآن الكريم لا ينكر على الناس مشاعرهم ~~الطبيعية، وأحاسيسهم الفطرية من كراهية للقتال، ولكنه يربى نفوسهم على ~~الاستجابة لأوامر الله العليم بالغايات المطلع على العواقب، الخبير بما ~~فيه خيرهم ومصلحتهم، وبهذه التربية الحكيمة بذل المؤمنون نفوسهم وأموالهم ~~فى سبيل رضا خالقهم عن طواعية واختيار، لا عن قسر وإجبار. وبعد أن حرض ~~الله - تعالى - المؤمنين على بذل أموالهم وأنفسهم فى سبيله عقب ذلك ببيان ~~حكم القتال فى الأشهر الحرم فقال - تعالى - { يسألونك عن ~~الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير }...إلخ. ~~وقد ذكر كثير من المفسرين ومن أصحاب السير فى سبب نزول هذه الآية قصة ~~ملخصها أن النبى صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش ومعه اثنا عشر ~~رجلا كلهم من المهاجرين، وأعطاء كتابا مختوما وأمره ألا يفتحه إلا بعد أن ~~يسير يومين، ثم ينظر فيه فيمضى لما أمره به ولا يستكره أحدا من أصحابه. ~~فسار عبد الله يومين ثم فتح الكتاب فإذا فيه " إذا نظرت فى كتابى هذا ~~فامض حتى تنزل بنخلة - مكان بين مكة والطائف - فترصد بها عيرا لقريش ~~وتعلم لنا من أخبارهم ". # فقال عبد الله سمعا وطاعة!! وأخبر أصحابه بذلك وأنه لا يستكرههم فمن أحب ~~الشهادة فيلنهض ومن كره الموت فليرجع فأما أنا فناهض! فنهضوا جميعا، ~~فلما كانوا فى أثناء الطريق أضل سعد بن أبى وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا ~~لهما يعتقبانه. فتخلفا فى طلبه، ومضى عبد الله ببقية أصحابه حتى وصلوا ~~نخلة فمرت عير لقريش فى طريقها لمكة وكانت فى حراسة عمرو بن الخضرمى ~~وعثمان بن المغيرة، وأخويه نوفل والحكم به كيسان. فتشاور المسلمون وقالوا ~~نحن فى آخر يوم من رجب. لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن فى الحرم ~~فليمتنعن منكم به، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم فى الشهر الحرام!! فترددوا ~~وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل ms0449 من قدروا ~~عليه منهم، فرمى " واقد بن عبد الله " عمرو بن الحضرمى يسهم فقتله، ~~وأسروا عثمان والحكم، وأفلت منهم نوفل فأعجزهم. وقيل كان ذلك فى أول ليلة ~~من رجب وقد ظنوها آخر ليلة من جمادى. فإقدامهم على ما أقدموا عليه كان ~~على سبيل الخطأ. ثم أقبل عبد الله ومن معه بالعير والأسيرين حتى قدموا ~~على رسول الله وقد عزلوا من ذلك الخمس فأنكر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما فعلوه وقال لهم # " ما أمرتكم بقتال فى الشهر الحرام " # وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا. وقالت قريش قد استحل محمد ~~وأصحابه القتال فى الشهر الحرام، واشتد ذلك على المسلمين، حتى أنزل الله ~~تعالى قوله { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ~~قل قتال فيه كبير... }. والمعنى يسألونك يا محمد عن حكم القتال ~~فى الشهر الحرام، قل لهم. القتال فيه أمر كبير مستنكر، وذنب عظيم مستقبح، ~~لأن فيه اعتداء على الشهر الحرام المقدس، وانتهاك لمحارم الله - تعالى -. ~~والسائلون قيل هم المؤمنون وقد سألوا عن حكم ذلك على سبيل التعليم ~~والتماس المخرج لما حصل منهم. وقيل هم المشركون وسؤالهم على سبيل التعيير ~~للنبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حيث أقدم بعضهم وهو عبد الله ومن معه ~~على القتال فيه فرد الله عليهم بأن القتال فيه كبير ولكن ما فعله هؤلاء ~~المشركون من صد عن سبيل الله وكفر به... الخ أكبر من ذلك بكثير. فالجواب ~~تشريع إن كان السؤال من المسلمين. وتبكيت وتوبيخ إن كان من المشركين، ~~لأنهم توقعوا أن يجيبهم بإباحة القتال فيه فيثيروا الشبهات حول الإسلام ~~والمسلمين، فلما أجابهم بأن القتال فيه كبير وأن ما فعلوه من جرائم فى حق ~~المسلمين أكبر وأعظم كبتوا وألقموا حجرا. والمراد بالشهر الحرام الأشهر ~~الحرم جميعها وهى ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب. وسميت بذلك لحرمة ~~القتال فيها، فأل فى الشهر للجنس. وقيل للعهد والمراد بالشهر الحرام شهر ~~رجب الذى حدثت فيه قصة عبد الله بن جحش وأصحابه. # وقوله " قتال فيه " بدل اشتمال من الشهر الحرام، ms0450 و { قتال } مبتدأ و ~~{ كبير } خبر و { فيه } ظرف صفة لقتال مخصصة له. قال الإمام الرازى ~~فإن قيل لم نكر القتال فى قوله - تعالى - { قتال فيه } ومن حق ~~النكرة إذا تكررت أن تجئ باللام حتى يكون المذكور الثانى هو الأول، لأنه ~~لو لم يكن كذلك كان المذكور الثانى غير الأول كما فى قوله - تعالى - # فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا # قلنا نعم ما ذكرتم من أن اللفظ إذا تكرر وكانا نكرتين كان المراد ~~بالثانى غير الأول. والقوم أرادوا بقولهم { يسألونك عن الشهر ~~الحرام قتال فيه } ذلك القتال المعين الذى أقدم عليه عبد الله ~~وأصحابه فقال - تعالى - { قل قتال فيه كبير }. وفيه تنبيه على ~~أن القتال الذى يكون كبيرا ليس هو القتال الذى سألتم عنه بل هو قتال آخر ~~لأن هذا القتال كان الغرض به نصرة الإسلام وإذلال الكفر فكيف يكون هذا ~~من الكبائر؟ إنما القتال الكبير هو الذى يكون الغرض فيه هدم الإسلام ~~وتقوية الكفر فكان اختيار التنكير فى اللفظين لأجل هذه الدقيقة. ولو أنه ~~وقع التعبير عنهما أو عن أحدهما بلفظ التعريف لبطلت هذه الفائدة. فسبحان ~~من له تحت كل كلمة من كلمات هذا الكتاب - بل تحت كل حرف منه - سر لطيف لا ~~يهتدى إليه إلا أولو الألباب ". ثم أخذ القرآن يعدد على المشركين جرائمهم ~~التى كل جريمة منها أكبر من القتال فى الشهر الحرام الذى فعله المؤمنون ~~لدفع الضرر عن أنفسهم أو لجهلهم بالميقات فقال - تعالى - { وصد عن ~~سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج ~~أهله منه أكبر عند الله }. أى قل يا محمد لهؤلاء ~~المشركين نحن نوافقكم على أن القتال فى الشهر الحرام كبير، ثم قل لهم ~~أيضا على سبيل التوبيخ إن ما فعلتموه أنتم من صرفكم المسلمين عن طاعة ~~الله وعن الوصول إلى حرمه، ومن شرككم بالله فى بيته، ومن إخراجكم لأهله ~~منه أعظم وزرا عند الله من القتال فى الشهر الحرام. فالمقصود من هذه ~~الجملة الكريمة إدخال الطمأنينة على قلوب المؤمنين بسبب ما ms0451 وقع من عبد ~~الله بن جحش ومن معه، وتبكيت المشركين على جرائمهم التى أولها يتمثل فى ~~قوله تعالى - { وصد عن سبيل الله } أى منع من يريد الإسلام ~~من دخوله، وابتدأ - سبحانه - ببيان صدهم عن سبيله للإشارة إلى أنهم ~~يعاندون الحق فى ذاته. وثانيها قوله { وكفر به } أى كفر بالله - ~~تعالى - وهو معطوف على ما قبله. وثالثها قوله { والمسجد الحرام ~~} وهو معطوف على سبيل الله أى وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام بمنعهم ~~المؤمنين من الحج والاعتمار. # ورابعها قوله { وإخراج أهله منه } أى وإخراج النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - وأصحابه من مستقرهم حول المسجد الحرام بمكة وهم ~~القائمون بحقوقه، كل ذلك " أكبر " جرما، وأعظم إثما { عند الله } من ~~القتال فى الشهر الحرام. قال الجمل فقوله " أكبر " خبر عن الثلاثة أعنى ~~صد وكفر وإخراج وفيه حينئذ احتمالان أحدهما أن يكون خبرا عن المجموع. ~~وثانيهما أن يكون خبرا عنهما باعتبار كل واحد كما تقول زيد وبكر وعمرو ~~أفضل من خالد أى كل واحد منهم على انفراده أفضل من خالد، وهذا هو الظاهر. ~~والمفضل عليه محذوف أى أكبر مما فعلته السرية ". ثم أضاف - سبحانه - إلى ~~جرائمهم السابقة جريمة خامسة فقال { والفتنة أكبر من ~~القتل } أى ما فعله المشركون من إنزال الشدائد بالمؤمنين تارة بإلقاء ~~الشبهات وتارة بالتعذيب ليحملوهم على ترك عقيدتهم أكبر إثما من القتل فى ~~الشهر الحرام، لأن الفتنة عن الدين تفضى إلى القتل الكثير فى الدنيا وإلى ~~استحقاق العذاب الدائم فى الآخرة. وقيل المراد بالفتنة هنا الكفر. أى ~~كفركم بالله أكبر من القتل فى الشهر الحرام. وأصل الفتنة عرض الذهب على ~~النار، لاستخلاصه من الغش، ثم استعملت فى الشرك وفى الامتحان بأنواع ~~الأذى والاضطهاد. ويعزى إلى عبد الله بن جحش أنه قال ردا على المشركين ~~عندما قالوا استحل محمد وأصحابه القتال فى الشهر الحرام. # تعدون قتلا فى الحرام عظيمة وأعظم منه لو يرى الرشد راشد صدودكم عما ~~يقول محمد وكفر به، والله راء وشاهد وإخراجكم من مسجد الله أهله لئلا ~~يرى ms0452 لله فى البيت ساجد فإنا وإن عير تمونا بقتله وأرجف بالإسلام باغ ~~وحاسد سقينا من ابن الحضرمى رماحنا بنخلة لما أوقد الحرب واقد دما، ~~وابن عبد الله عثمان بيننا ينازعه غل من القد عاند # وقوله - تعالى - { ولا يزالون يقاتلونكم حتى ~~يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } بيان لشدة عداوة الكفار ~~للمؤمنين ودوامها. أى ولا يزال المشركون يقاتلونكم أيها المؤمنون ويضمرون ~~لكم السوء ويداومون على إيذائكم لكى يرجعوكم عن دين الإسلام إلى الكفر ~~إن استطاعوا ذلك وقدروا عليه. والتعبير بقوله { ولا يزالون } ~~المفيد للدوام والاستمرار للإشعار بأن عداوة المشركين للمسلمين لا ~~تنقطع، وأنهم لن يكفوا عن الإعداد لقتالهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ~~فعلى المؤمنين ألا يغفلوا عن الدفاع عن أنفسهم. و { حتى } للتعليل أى ~~{ ولا يزالون يقاتلونكم } لكى { يردوكم عن دينكم ~~} أو بمعنى إلى، أى إلى أن يردوكم عن دينكم. والرد الصرف عن الشىء ~~والإرجاع إلى ما كان عليه قبل ذلك فغاية المشركين أن يردوا المسلمين بعد ~~إيمانهم كافرين. وقوله { إن استطاعوا } يدل - كما يقول الزمخشرى - ~~على استبعاد استطاعتهم رد المسلمين عن دينهم، وذلك كقول الرجل لعدوه إن ~~ظفرت بى فلا تبق على. # وهو واثق من أنه لن يظفر به. ويشهد لذلك التعبير بإن المفيدة للشك. ~~وفائدة التقييد بالشرط " إن " التنبيه على سخافة عقول المشركين، وكون ~~دوام عداوتهم للمؤمنين لن تؤدى إلى النتيجة التى يتمنونها وهى رد ~~المسلمين عن دينهم، لأن لهذا الدين ربا يحميه، وأتباعه يفضلون الموت على ~~الرجوع عنه. ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة من يرتد عن الإسلام فقال { ~~ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر ~~فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ~~وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }. ويرتدد ~~يفتعل من الرد وهو الرجوع عن دينه إلى الكفر. و { حبطت أعمالهم ~~} أى بطلت وفسدت وأصله من الحبط، بفتح الباء - وهو أن تأكل الدابة أكلا ~~كثيرا تنتفخ معه بطونها فلا تنتفع بما أكلت ويفسد حالها وربما تموت من ~~ذلك. شبه - سبحانه - حال من يعمل الأعمال الصالحة ثم يفسدها بارتداده ms0453 ~~فتكون وبالا عليه، بحال الدابة التى أكلت حتى أصابها الحبط ففسد حالها. ~~والمعنى ومن يرتدد منكم عن دين الإسلام، فيمت وهو كافر دون أن يعود إلى ~~الإيمان، فأولئك الذين ارتدوا وماتوا على الكفر بطلت جميع أعمالهم ~~الصالحة، وصارت غير نافعة لهم لا فى الدنيا بسبب انسلاخهم عن جماعة ~~المسلمين، ولا فى الآخرة بسبب ردتهم وموتهم على الكفر، وأولئك الذين هذا ~~شأنهم أصحاب النار هم فيها خالدون خلودا أبديا كسائر الكفرة، ولا يغنى ~~عنهم إيمانهم السابق على الردة شيئا. وجىء بصيغة الافتعال من الردة وهى ~~مؤذنة بالتكلف، للإشارة إلى أن من باشر الدين الحق وخالطت بشاشته قلبه ~~كان من المستبعد عليه أن يرجع عنه، فهذا المرتد لم يكن مستقرا على هذا ~~الدين الحق وإنما قلقا مضطربا غير مستقر حتى انتهى به الأمر بموته على ~~الكفر لتكلفه الدخول فى الدين الحق دون الثبات عليه. وفى قوله { منكم ~~} إشعار بأنه لا يتصور أن تتحقق بغية المشركين وهى أن يردوا المسلمين ~~جميعا عن دينهم. بل أقصى ما يتصوره العقلاء أن ينالوا ضعيف الإيمان ~~فيردوه إلى دينهم، فيكون الله - تعالى - قد نفى خبثه عن هذا الدين، إذ لا ~~خير فى هؤلاء المشركين ولا فيمن عاد إليهم بعد إيمانه، والكل مأواهم ~~النار وبئس القرار. قال الجمل ومن شرطية فى محل رفع بالابتداء، يرتدد فعل ~~الشرط، ومنكم متعلق بمحذوف لأنه حال من الضمير المستكن فى يرتدد ومن ~~للتبعيض. والتقدير ومن يرتدد فى حال كونه كائنا منكم أى بعضكم، وعن دينه ~~متعلق بيرتدد، وقوله فيمت وهو كافر عطف على الشرط والفاء مؤذنة بالتعقيب، ~~وقوله { وهو كافر } جملة حالية من ضمير يمت. وقوله فأولئك جواب ~~الشرط. وقوله وأولئك أصحاب النار مستأنف لمجرد الإخبار بأنهم أصحاب ~~النار أو معطوف على جواب الشرط. # . ". وفى الإتيان باسم الإشارة " أولئك " فى الموضعين تنبيه إلى أنهم ~~أحرياء بتلك العقوبات الأليمة بسبب ردتهم وموتهم على الكفر. وفى التنصيص ~~على حبوط أعمالهم فى الدنيا والآخرة زيادة مذمة لهم، فهم فى الدنيا - ~~بسبب ردتهم - تسلب عنهم آثار ms0454 كلمة الشهادتين من حرمة الأنفس والأموال ~~والأعراض والصلاة عليهم بعد الموت، والدفن فى مقابر المسلمين، ومن طلاق ~~زوجته المسلمة منه ومن عدم التوارث إلى غير ذلك من حقوق المسلمين، أما فى ~~الآخرة فشأنهم شأن الكافرين فى ملازمتهم للنار. هذا، ومن الأحكام التى ~~أخذها العلماء من من هذه الآية الكريمة. 1 - حرمة القتال فى الشهر ~~الحرام، والجمهور على أن هذا الحكم منسوخ، وأنه لا حرج فى قتال المشركين ~~فى الأشهر الحرم لقوله - تعالى - # فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم # فإن المراد بالأشهر الحرم هنا هى أشهر العهد الأربعة التى أبيح للمشركين ~~السياحة فيها فى الأرض، لا الأشهر الحرم الأربعة المعروفة، فالتقييد بها ~~يفيد أن قتلهم بعد انسلاخها مأمور به فى جميع الأزمنة والأمكنة. وأيضا ~~لأن الرسول صلى الله عليه وسلم غزا هوازن وثقيف وأرسل بعض أصحابه إلى ~~أوطاس ليحارب من فيها من المشركين، وكان ذلك فى بعض الأشهر الحرم، ولو ~~كان القتال فيهن حراما لما فعله النبى صلى الله عليه وسلم. قال الآلوسى ~~وخالف عطاء فى ذلك، فقد روى عنه أنه سئل عن القتال فى الشهر الحرام فحلف ~~بالله - تعالى - ما يحل للناس أن يغزوا فى الحرم ولا فى الشهر الحرام إلا ~~أن يقاتلوا فيه وجعل ذلك حكما مستمرا إلى يوم القيامة، والأمة اليوم على ~~خلافه فى سائر الأمصار ". وقد رجح بعض العلماء ما ذهب إليه عطاء فقال ~~ومهما يكن فإن القتال فى الأشهر الحرم حرام فى حال الاختيار والابتداء ~~فلا يصح البدء بالغزو فيه. ولقد قال جابر كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا يقاتل فى الشهر الحرام إلا أن يغزى أو يغزو حتى إذا حضر ذلك ~~أقام حتى ينسلخ. ولقد قال بعض العلماء إن تحريم القتال فى الشهر الحرام ~~منسوخ بقوله - تعالى - # وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة # وبقتال النبى صلى الله عليه وسلم أهل الطائف فيه. والحقيقة أنه لم يثبت ~~ناسخ صريح فى النسخ فإن قوله - تعالى - # وقاتلوا المشركين كآفة # العموم فيه بالنسبة للمقاتلين لا ms0455 بالنسبة لزمان القتال، وأن النبى صلى ~~الله عليه وسلم لم يبتدئ قتالا فى الشهر الحرام مختارا قط، والتحريم فى ~~الاختيار والابتداء كما بينا لا فى البقاء والاضطرار، لذا قال - سبحانه - # فلا تظلموا فيهن أنفسكم # ولأن الأشهر الحرم نص عليها فى خطبة الوداع وكل ما جاء فيها غير منسوخ ~~". 2 - كذلك من الأحكام التى أخذها العلماء من الآية أن الردة تحبط العمل ~~فى الدنيا سواء أمات المرتد على كفره أم عاد إلى الإسلام قبل موته بدليل ~~قوله - تعالى - فى آية أخرى # لئن أشركت ليحبطن عملك # فقد علق الحبوط بمجرد الشرك، والخطاب وإن كان للنبى صلى الله عليه وسلم ~~فالمراد أمته لاستحالة الشرك عليه. وعلى هذا الرأى سار المالكية ~~والأحناف. ويرى الشافعية أن الردة تحبط العمل فى الدنيا متى مات المرتد ~~كافرا، لأن الآية تقول { ومن يرتدد منكم عن دينه ~~فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم } ويظهر ~~أثر الخلاف فيمن حج مسلما، ثم أرتد ثم أسلم، فالأحناف والمالكية يوجبون ~~عليه إعادة الحج لأن الردة أحبطت حجه. والشافعية يقولون لا حج عليه لأن ~~حجه قد سبق والردة لا تحبط العمل إلا إذا مات الشخص كافرا. ولكل فريق ~~أدلته المبسوطة فى كتب الفقه. وبعد أن بين - سبحانه - عاقبة من يرتد عن ~~دينه أتبع ذلك ببيان عاقبة المؤمنين الصادقين فقال - تعالى - { إن ~~الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا فى سبيل ~~الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور ~~رحيم }. قال الإمام الرازى فى تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان الأول ~~أن عبد الله بن جحش قال يا رسول الله هب أنه لا عقاب علينا فيما فعلنا، ~~فهل نطمع منه أجرا وثوابا؟ فنزلت الآية، لأن عبد الله كان مؤمنا وكان ~~مهاجرا، وكان مجاهدا بسبب هذه المقاتلة. وفى الثانى أنه تعالى لما أوجب ~~الجهاد قبل بقوله { كتب عليكم القتال وهو كره لكم ~~} وبين أن تركه سبب للوعيد أتبع ذلك بذكر من يقوم به وجزاؤه فقال { إن ~~الذين آمنوا والذين هاجروا } ولا يكاد يوجد وعيد إلا ~~ويعقبه وعد ". والمعنى إن ms0456 الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر، واستقاموا على طريق الحق، وأذعنوا لحكمه، واستجابوا لأوامر الله ~~ونواهيه { والذين هاجروا } أى تركوا أموالهم وأوطانهم من أجل ~~نصرة دينهم { وجاهدوا فى سبيل الله } لإعلاء كلمته { ~~أولئك } الموصوفون بتلك الصفات الثلاثة { يرجون رحمت ~~الله }. أى يؤملون تعلق رحمته - تعالى - بهم، أو ثوابه على أعمالهم { ~~والله غفور رحيم } أى واسع المغفرة للتائبين المستغفرين، عظيم ~~الرحمة بالمؤمنين المحسنين. قال القرطبى " والهجرة معناها الانتقال من ~~موضع إلى موضع، والقصد ترك الأول إيثارا للثانى. والهجرة ضد الوصل، ~~والاسم الهجرة. وجاهد مفاعله من جهد إذا استخرج الجهد. والاجتهاد ~~والتجاهد بذل الوسع والمجهود، والجهاد - بالفتح - الأرض الصلبة. وإنما ~~قال { يرجون } وقد مدحهم، لأنه لا يعلم أحد فى هذه الدنيا أنه صائر ~~إلى الجنة ولو بلغ فى طاعة الله كل مبلغ لأمرين أحدهما أنه لا يدرى بماذا ~~ختم له. # والثانى لئلا يتكل على عمله، والرجاء أبدا معه خوف كما أن الخوف معه ~~رجاء ". وجىء بهذه الأوصاف الثلاثة مترتبة على حسب الواقع إذ الإيمان ~~يكون أولا ثم المهاجرة من أرض الظالمين إذا لم يستطع دفع ظلمهم، ثم ~~الجهاد من أجل إعلاء كلمة الحق. وأفرد الإيمان بموصول وحده لأنه أصل ~~الهجرة والجهاد، وجمع الهجرة والجهاد فى موصول واحد لأنهما فرعان عنه. ~~وبذلك نرى أن هذه الآية الكريمة قد دعت المؤمنين إلى بذل أموالهم وأنفسهم ~~فى سبيل نصرة الحق بأحكم أسلوب، وبرأتهم مما أثاره المشركون حولهم من ~~شبهات، وحذرتهم من السير فى طريقهم، وبشرتهم بحسن العاقبة متى استجابوا ~~لتعاليم دينهم، واعتصموا بحبله. وبعد هذا الحديث الجامع عن البذل ~~والتضحية، ساق القرآن فى آيتين ثلاثة أسئلة وأجاب عنها بما يشفى الصدور، ~~ويصلح النفوس. فقال تعالى { يسألونك عن الخمر ~~والميسر...ولو شآء الله لأعنتكم إن الله ~~عزيز حكيم }. ### || [2.219-220] # قوله { يسألونك عن الخمر والميسر }.. السائلون هم ~~المؤمنون وسؤالهم إنما هو عن الحكم الشرعى من حيث الحل والتحريم. لا عن ~~الحقيقة والذات فإنهم يعرفون حقيقة الخمر والميسر وذاتهما. قال القرطبى ~~والخمر مأخوذة من خمر إذا ستر، ms0457 ومنه خمار المرأة لأنه يستر وجهها - وكل ~~شىء غطى شيئا فقد خمره. ومنه " خمروا آنيتكم، فالخمر تخمر العقل، أى ~~تغطيه وتستره.. فلما كانت الخمر تستر العقل وتغطيه سميت بذلك، وقيل إنما ~~سميت الخمر خمرا لأنها تركت حتى أدركت كما يقال قد اختمر العجين، أى بلغ ~~إداركه. وخمر الرأى ترك حتى يتبين فيه الوجه. وقيل إنما سميت خمرا لأنها ~~تخالط العقل من المخامرة وهى المخالطة ومنه قولهم دخلت فى خمار الناس - ~~بفتح الخاء وضمها - أى اختلطت بهم. فالمعانى الثلاثة متقاربة. فالخمر ~~تركت وخمرت حتى أدركت، ثم خالطت العقل. ثم خمرته، والأصل الستر. ويرى ~~كثير من العلماء أن هذه الآية هى أول آية نزلت فى الخمر. ثم نزلت الآية ~~التى فى سورة النساء # يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى حتى تعلموا ما تقولون # ثم نزلت الآية التى فى سورة المائدة # يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه لعلكم تفلحون # والدليل على ذلك ما رواه أبو داود وغيره عن عمر بن الخطاب أنه قال " ~~اللهم بين لنا فى الخمر بيانا شافيا " فنزلت هذه الآية { يسألونك ~~عن الخمر } فدعى عمر فقرئت عليه فقال اللهم بين لنا فى الخمر بيانا ~~شافيا ". فنزلت الآية التى فى النساء # يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى # فكان منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام الصلاة - نادى أن لا ~~يقربن الصلاة سكران. فدعى عمر فقرئت عليه، فقال " اللهم بين لنا فى الخمر ~~بيانا شافيا ". فنزلت الآية التى فى المائدة، فدعى عمر فقرئت عليه، فلما ~~بلغ { فهل أنتم منتهون } قال عمر " انتهينا ". وبهذا الرأى ~~قال ابن عمر والشعبى ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن ~~أسلم. ويرى بعض العلماء أن أول آية نزلت فى الخمر هى قوله - تعالى - فى ~~سورة النحل # ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ~~ورزقا حسنا # وعلى هذا الرأى سار صاحب الكشاف وتبعه بعض العلماء فقد قال نزلت فى ~~الخمر ms0458 أربع آيات، نزل بمكة قوله - تعالى - # ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ~~ورزقا حسنا # فكان المسلمون يشربونها وهى حلال لهم. ثم إن عمر ومعاذا ونفرا من ~~الصحابة قالوا يا رسول الله، أفتنا فى الخمر فإنها مذهبة للعقل مسلبة ~~للمال، فنزلت { فيهمآ إثم كبير ومنافع للناس } فشربها ~~قوم وتركها آخرون. # ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناسا منهم فشربوا وسكروا فقام بعضهم يصلى فقرأ ~~قل يأيها الكافرون أعبدما تعبدون فنزلت { لا تقربوا الصلاة ~~وأنتم سكارى } فقل من يشربها ثم دعا عتبان بن مالك قوما فيهم ~~سعد بن أبى وقاص فلما سكروا افتخروا وتناشدوا شعرا فيه هجاء للأنصار فضرب ~~أحد الأنصار سعدا بلحى بعير فشجه، فشكا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ذلك. فقال عمر اللهم بين لنا فى الخمر بيانا شافيا فنزلت # إنما الخمر والميسر # إلخ الآية ".. فقال عمر انتهينا يا رب ". وأصحاب الرأى الأول يقولون إن ~~آية سورة النحل وهى قوله - تعالى - # ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ~~ورزقا حسنا # ليس لها علاقة بموضوع الخمر، ويفسرون السكر بأنه ما أحله الله مما لا ~~يسكر وأنه هو الرزق الحسن وأن العطف بينهما من باب عطف التفسير. ولقد كان ~~موقف الصحابة من هذا التحريم لما يشتهونه ويحبونه من الخمر والميسر، يمثل ~~أسمى ألوان الطاعة والاستجابة لأوامر الله ونواهيه، فعندما بلغهم تحريم ~~الخمر أراقوا ما عندهم منها فى الطرقات. بل وحطموا الأوانى التى كانت ~~توضع فيها الخمر امتثالا وطاعة لله - تعالى -. وهكذا نرى قوة الإيمان ~~التى غرسها الإسلام فى نفوس أتباعه عن طريق تعاليمه السامية، وتربيته ~~الحكيمة.. تغلبت على ما أحبته النفوس وأزالت من القلوب ما ألفته الطبائع. ~~هذا وجمهور العلماء على أن كلمة " خمر " تشمل كل شراب مسكر سواء أكان من ~~عصير العنب أم من الشعير أم من التمر أم من غير ذلك، وكلها سواء فى ~~التحريم قل المشروب منها أو كثر سكر شاربه أو لم يسكر. ومن أدلتهم ما ~~وراه الإمام مسلم عن ابن عمر - أن رسول الله ms0459 صلى الله عليه وسلم قال # " كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر فى الدنيا ومات وهو يدمنها ~~لم يتب منها لم يشربها فى الآخرة ". # ومن أدلتهم أيضا أصل الاشتقاق اللغوى لكلمة خمر، فقد عرفنا أنها سميت ~~بهذا الاسم لمخامرتها العقل وستره، فكل ما خامر العقل من الأشربة وجب أن ~~يطلق عليه لفظ خمر سواء أكان من العنب أم من غيره. وقال الأحناف ووافقهم ~~بعض العلماء كإبراهيم النخعى وسفيان الثورى وابن أبى ليلى إن كلمة خمر لا ~~تطلق إلا على الشراب المسكر من عصير العنب فقط، أما المسكر من غيره ~~كالشراب من التمر أو الشعير فلا يسمى خمرا بل يسمى نبيذا. وقد بنوا على ~~هذا أن المحرم قليله وكثيره إنما هو الخمر من العنب. # أما الأنبذة فكثيرها حرام وقليلها حلال. وقد رجح العلماء رأى الجمهور ~~وضعفوا ما ذهب إليه الأحناف ومن وافقهم. قال ابن العربى وتعلق أبو حنيفة ~~بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة فلا يلتفت إليها. والصحيح ما روى الأئمة أن ~~أنسا قال " حرمت الخمر يوم حرمت وما بالمدينة خمر الأعناب إلا قليل، ~~وعامة خمرها البسر والتمر ". أخرجه البخارى، واتفق الأئمة على رواية أن ~~الصحابة إذ حرمت الخمر لم يكن عندهم يومئذ خمر عنب، وإنما كانوا يشربون ~~خمر النبيذ فكسروا دنانهم - أى أوانى الخمر - وبادروا إلى الامتثال ~~لاعتقادهم أن ذلك كله خمر " أى وأقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~ذلك. وقال الآلوسى وعندى أن الحق الذى لا ينبغى العدول عنه أن الشراب ~~المتخذ مما عدا العنب كيف كان وبأى اسم سمى متى كان بحيث يسكر من لم ~~يتعوده حرام، وقليله ككثيره، ويحد شاربه ويقع طلاقه ونجاسته غليظة. وفى ~~الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن النقيع - وهو نبيذ العسل - فقال # " كل شراب أسكر فهو حرام " # وروى أبو داود " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر " ~~وصح " ما أسكر كثيره فقليله حرام " والأحاديث متضافرة على ذلك. ولعمرى إن ~~اجتماع الفساق فى زماننا ms0460 على شرب المسكرات مما عدا " الخمر " ورغبتهم ~~فيها، فوق اجتماعهم على شرب " الخمر " ورغبتهم فيه بكثير، وقد وضعوا لها ~~أسماء - كالعنبرية والإكسير - ونحوهما ظنا منهم أن هذه الأسماء تخرجها ~~من الحرمة وتبيح شربها للأمة - وهيهات هيهات - فالأمر وراء ما يظنون وإنا ~~لله وإنا إليه راجعون ". بعد هذه الكلمة التمهيدية عن الآية، وعن مدلول ~~كلمة خمر ننتقل إلى معنى كلمة " الميسر " فنقول الميسر القمار - بكسر ~~القاف - وهو فى الأصل مصدر ميمى من يسر، كالموعد من وعد. وهو مشتق من ~~اليسر بمعنى السهولة، لأن المال يجئ للكاسب من غير جهد، أو هو مشتق من ~~يسر بمعنى جزر. ثم أصبح علما على ما يتقامر عليه كالجزور ونحوه. قال ~~القرطبى نقلا عن الأزهرى الميسر الجزور الذى كانوا يتقامرون عليه، سمى ~~ميسرا لأنه أجزاء، فكأنه موضع التجزئة، وكل شىء جزأته فقد يسرته. ~~والياسر الجازر لأنه يجزئ لحم الجزور.. ويقال للضاربين بالقداح ~~والمتقامرين على الجزور ياسرون، لأنهم جازرون إذ كانوا سببا لذلك. وصفة ~~الميسر الذى كانت تستعمله العرب أنهم كانت لهم عشرة أقداح يقال لها ~~الأزلام أو الأقلام، فكانوا إذا أرادوا أن يقامروا أحضروا بعيرا وقسموه ~~ثمانية وعشرين قسما وتترك ثلاثة من تلك الأقداح غفلا لا علامة عليها ~~وكانت تسمى السفيح، والمنيح، والوغد. ومن طلع له واحد منها لا يأخذ شيئا ~~من الجزور. # أما السبعة الأخرى فهى الرابحة وهى الفذو له سهم واحد، والتوأم وله ~~سهمان، والرقيب وله ثلاثة، والحلس وله أربعة، والنافس وله خمسة والمسبل ~~وله ستة، والمعلى وله سبعة فيكون المجموع ثمانية وعشرين سهما. تلك صورة ~~تقريبية لقمار العرب كما أوردها بعض المفسرين. ولا شك أنه يدخل فى حكمها ~~من حيث الحرمة ما كان مشابها لها فى المخاطرة والرهان وأخذ الأموال بدون ~~مقابل مشروع، أو ضياعها فيما حرمه الله. ومعنى الآية الكريمة يسألك ~~أصحابك يا محمد عن حكم شرب الخمر ولعب الميسر، قل لهم على سبيل الإرشاد ~~والإعلام فى تعاطيهما { إثم كبير } أى ذنب عظيم، وضرر شديد وذلك ~~لما فيهما من القبائح المنافية لمحاسن ms0461 الشرع من الكذب، والأذى، وشيوع ~~العداوة والبغضاء بين الناس، واستلاب أموالهم بغير حق. وقوله { ~~ومنافع للناس } أى وفيهما منافع دنيوية للناس إذ الخمر تدر على ~~المتاجرين فيها أرباحا مالية، والميسر يؤدى إلى إصابة بعض الناس للمال ~~بدون تعب. وأطلق - سبحانه - الإثم وقيد المنافع بأنها للناس، للتنبيه ~~على أن الإثم فى الخمر والميسر ذاتى، فهما فى ذاتهما رجس كبير، وخطر ~~وبيل، وأن ما فيهما من منافع ضئيل ولا يتجاوز بعض الناس، فهى منافع خاصة ~~وليست عامة، ويشهد لهذا قوله - تعالى - بعد ذلك. { وإثمهمآ ~~أكبر من نفعهما } أى أن المفاسد والأضرار التى تترتب على ~~تعاطيهما، أعظم من المنافع التى تنشأ عن تعاطيهما، إذ تعاطيهما يؤدى إلى ~~منفعة بعض الناس، أما مضارهما فكثيرة، من ذلك أن تعاطى الخمر يضعف ~~الضمير، ويفسد الأخلاق، ويميت الحياء، ويفقد الرشد ويتلف المال، ويغرى ~~بالتنازع بين الناس، ويتسبب - كما قال الأطباء الثقاة - فى كثير من ~~الأمراض كأمراض الكبد والرئتين والقلب..إلخ. وإن شئت المزيد من معرفة ~~مضار الخمر فراجع ما كتبه العلماء والمتخصصون فى ذلك. أما تعاطى الميسر ~~فمن مضاره - كما يقول الأستاذ الإمام محمد عبده - إفساد التربية بتعويد ~~النفس الكسل، وانتظار الرزق من الأسباب الوهمية، وإضعاف القوة العقلية، ~~بترك الأعمال المفيدة فى طرق الكسب الطبيعية، وإهمال المقامرين للزراعة ~~والتجارة والصناعة التى هى أركان العمران، وتخريب البيوت فجأة بالانتقال ~~من الغنى إلى الفقر فى ساعة واحدة، فكم من عشيرة كبيرة نشأت فى العز ~~والغنى وانحصرت ثروتها فى رجل أضاعها عليها فى ليلة واحدة فأصبحت غنية ~~وأمست فقيرة ". إذن فالمنافع الدنيوية التى تعود إلى بعض الناس من تعاطى ~~الخمر والميسر لا تساوى شيئا بجانب تلك المضار الجسيمة التى تعود على ~~أفراد الأمة فى دينهم وعقولهم وأجسامهم وأموالهم وترابطهم، وصدق الله إذ ~~يقول # إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضآء فى الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر ~~الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون # ثم يأتى بعد ذلك السؤال الثانى الذى ورد فى هاتين الآيتين وهو قوله - ~~تعالى - { ويسألونك ماذا ينفقون قل ms0462 العفو }. ومناسبة ~~هذا السؤال لما قبله أنهم بعد أن نهوا عن إنفاق أموالهم فى الوجوه ~~المحرمة كتعاطى الخمر والميسر، سألوا عن وجوه الإنفاق الحلال، وعن مقدار ~~ما ينفقون فأجيبوا بهذا الجواب الحكيم. قال الآلوسى أخرج ابن إسحاق عن ~~ابن عباس أن نفرا من الصحابة حين أمروا بالنفقة فى سبيل الله أتوا النبى ~~صلى الله عليه وسلم فقالوا إنا لا ندرى ما هذه النفقة التى أمرنا بها فى ~~أموالنا وما الذى ننفقه منها فأنزل الله - تعالى - { ويسألونك ~~ماذا ينفقون قل العفو } وكان الرجل قبل ذلك ينفق ماله حتى لا ~~يجد ما يتصدق ولا ما يأكل ". وأصل العفو فى اللغة الزيادة. قال - تعالى - # ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا # أى زادوا على ما كانوا عليه من العدد. ويطلق على ما سهل وتيسر مما يكون ~~فاضلا عن الكفاية. يقال خذ ما عفا لك. أى ما تيسر. كما يطلق على الترك ~~قال - تعالى - # عفا الله عما سلف # أى تركه وتجاوز عنه. والمراد به هنا ما يفضل عن الأهل ويزيد عن الحاجة، ~~إذ هذا القدر الذى يتيسر إخراجه ويسهل بذله، ولا يتضرر صاحبه بتركه. ~~والمعنى ويسألونك ما الذى يتصدقون به من أموالهم فى وجوه البر، فقل لهم ~~تصدقوا بما زاد عن حاجتكم، وسهل عليكم إخراجه، ولا يشق عليكم بذله. وفى ~~هذه الجملة الكريمة إرشاد حكيم إلى التعاون والتراحم بين أفراد المجتمع، ~~وتوجيه إلى المنهاج الوسط الذى يأبى التبذير وينفر من التقتير، وفى ~~أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ما يؤيد هذا الإرشاد والتوجيه، ومن ~~ذلك ما أخرجه البخارى عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال # " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول ". # وأخرج مسلم عن جابر أن النبى صلى الله عليه وسلم قال # " إبدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شىء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شىء ~~فلذى قرابتك، فإن فضل عن ذى قرابتك شىء فهكذا وهكذا ". # إلى غير ذلك من الأحاديث التى وردت فى هذا المعنى. وللأستاذ الإمام ms0463 ~~كلام جيد فى هذا المقام، فقد قال - رحمه الله - ما ملخصه إن الأمة ~~المؤلفة من مليون فرد إذا كانت تبذل من فضل مالها فى مصالحها العامة ~~كإعداد القوة وتربية الناشئة.. تكون أعز وأقوى من أمة مؤلفة من مائة ~~مليون فرد لا يبذلون شيئا فى مثل ذلك لأن الواحد من الأمة الأولى يعد ~~بأمة، إذ هو يعتبر نفسه جزءا منها وهى كل له، بينما الأمة الثانية لا ~~تعد بواحد لأن كل فرد من أفرادها يخذل الآخر. # . وفى الحقيقة أن مثل هذا الجمع لا يسمى أمة، لأن كل واحد من أفراده ~~يعيش وحده وإن كان فى جانبه أهل الأرض، فهو لا يتصل بمن معه ليمدهم ~~ويستمد منهم ". ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله { كذلك يبين ~~الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون فى الدنيا ~~والآخرة }. أى مثل هذا البيان الحكيم الذى بينه الله لكم فيما سألتم ~~عنه يبين لكم فى سائر كتابه آياته وأحكامه وحججه لكى تتفكروا وتتدبروا ~~فيما ينفعكم فى دنياكم وآخرتكم، بأن تعملوا فى الدنيا العمل الصالح الذى ~~يجعلكم تظفرون برضا الله فى أخراكم. قال صاحب الكشاف " وقوله { في ~~الدنيا والآخرة } إما أن يتعلق بتتفكرون، فيكون المعنى لعلكم ~~تتفكرون فيما يتعلق بالدارين فتأخذون سبما هو أصلح لكم كما بينت لكم أن ~~العفو أصلح من الجهد فى النفقة وتتفكرون فى الدارين فتؤثرون أبقاهما ~~وأكثرهما منافع. ويجوز أن يكون إشارة إلى قوله { وإثمهمآ أكبر ~~من نفعهما } فيكون المعنى لتفكروا فى عقاب الإثم فى الآخرة ~~والنفع فى الدنيا حتى لا تختاروا النفع العاجل على النجاة من العقاب ~~الأليم. وإما أن يتعلق بيبين على معنى يبين لكم الآيات فى أمر الدارين ~~وفيما يتعلق بهما لعلكم تتفكرون ". أما السؤال الثالث والأخير الذى ورد ~~فى هاتين الآيتين فهو قوله تعالى { ويسألونك عن اليتامى ~~قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم }. ~~أخرج أبو داود والحاكم والنسائى وغيرهم عن ابن عباس قال لما نزل قوله - ~~تعالى - # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن # وقوله - تعالى - # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ms0464 ظلما إنما ~~يأكلون فى بطونهم نارا وسيصلون سعيرا # انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه. وشرابه من شرابه، فجعل ~~يفضل له الشىء من طعامه وشرابه، فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك ~~عليهم فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله - تعالى - { ~~ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن ~~تخالطوهم فإخوانكم } فخلطوا طعامهم وشرابهم بشرابهم. ~~والمعنى ويسألونك يا محمد عن القيام بأمر اليتامى أو التصرف فى أموالهم ~~أو عن أموالهم وكيف يكونون معهم فقل لهم إن المطلوب هو إصلاحهم بالتهذيب ~~والتربية الرشيدة. والمعاملة الحسنة، وإصلاح أموالهم بالمحافظة عليها ~~وعدم إنفاقها إلا فى الوجوه المشروعة فهذا الإصلاح المفيد لهم ولأموالهم ~~خير من مجانبتهم، وتركهم، ولذا قال - تعالى - بعد ذلك { وإن ~~تخالطوهم فإخوانكم } أى وإن تعاشروهم وتضموهم إليكم ~~فاعتبروهم إخوانكم فى العقيدة الإنسانية، وعاملوهم بمقتضى ما تفرضه ~~الأخوة من تراحم وتعاطف ومساواة. والجملة الكريمة معطوفة على ما قبلها. و ~~" إصلاح " مبتدأ وسوغ الابتداء به مع أنه نكرة وصفة بالجار والمجرور " ~~لهم " و " خير " خبره، وقوله { فإخوانكم } الفاء واقعة فى جواب ~~الشرط، وإخوانكم خبر لمبتدأ محذوف والتقدير فهم إخوانكم، والجملة فى محل ~~جزم على أنها جواب الشرط. # وقوله { والله يعلم المفسد من المصلح } وعد ووعيد، ~~وترغيب فى الإصلاح وترهيب من الإفساد، أى والله يعلم المفسد لشئون ~~هؤلاء اليتامى من المصلح لها، كما أنه - سبحانه - لا يخفى عليه شىء فى ~~الأرض ولا فى السماء وسيجازى كل إنسان على حسب عمله، فاحذورا الإفساد ~~ولا تتحروا غير الإصلاح. ثم قال - تعالى - { ولو شآء الله ~~لأعنتكم } العنت الشدة والمشقة والتضييق. يقال أعنته فى كذا يعنته ~~إعناتا، إذا أجهده وألزمه ما يشق عليه. أى ولو شاء الله لضيق عليكم ~~وأحرجكم بتحريم مخالطة هؤلاء اليتامى، وبغير ذلك ما يشرع لكم، ولكنه - ~~سبحانه - وسع عليكم وخفف فأباح لكم مخالطتهم بالتى هى أحسن، فاشكروه على ~~ذلك. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله { إن الله عزيز حكيم } ~~أى إن الله - تعالى - غالب على أمره لا يعجزه أمر ms0465 من الأمور التى من ~~جملتها إعناتكم قادر على أن يعز من أعز اليتامى ويذل من سذلهم، حكيم فى ~~كل تصرفاته وأفعاله، فلا يضع الأشياء إلا فى مواضعها. وقدق استدل العلماء ~~بهذه الآية على جواز التصرف فى أموال اليتامى على وجه الإصلاح، وعلى أن ~~للوالى أن يخالط اليتيم بنفسه فى المصاهرة والمشاركة وغير ذلك مما تقتضيه ~~المصلحة. وقد وردت أحاديث متعددة فى رعاية اليتيم وإصلاح أحواله ومن ذلك ~~ما رواه البخارى عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أنا وكافل اليتيم فى الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرق بينهما ~~". # وروى الطبرانى عن أبى الدرداء. قال # " أتى النبى صلى الله عليه وسلم رجل يشكو قسوة قلبه، فقال له النبى صلى ~~الله عليه وسلم أتحب أن يلين وتدرك حاجتك؟ ارحم اليتيم، وامسح رأسه، ~~وأطعمه من طعامك يلن قلبك وتدرك حاجتك ". # وبذلك نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد اشتملتا على أفضل ألوان ~~الإصلاح للأفراد والجماعات فى مطاعمهم ومشاربهم ونفقتهم وعلاقتهم بغيرهم ~~ولا سيما اليتامى الذين فقدوا الأب الحانى، والقلب الرحيم، ومن شأن الأمة ~~التى تعمل بهذا التوجيه السامى الحكيم أن تنال السعادة فى دنياها. ورضاه ~~الله - فى أخراها. ثم تحدثت السورة بعد ذلك فى اثنتين وعشرين آية عن بعض ~~أحكام وآداب الزواج والمعاشرة، والإيلاء والطلاق، والعدة، والنفقة، ~~والرضاعة، والخطبة، والمتعة، وغير ذلك مما يتعلق بصيانة الأسرة وتقويتها، ~~وبنائها على أفضل الدعائم، وأحكم الروابط، إذ الأسرة هى اللبنة الأساسية ~~فى بناء المجتمع، ومن مجموعها يتكون، فإذا صلحت الوحدات والمكونات صلح ~~البنيان، وإذا تصدعت تصدع. ولقد ابتدأت الآيات التى معنا حديثها عن ~~الأسرة بالحديث عن الزواج لأنه أعمق الروابط وأقواها ومنه تتأتى الذرية، ~~لذا جعل أساس الاختيار فيه هو التدين السليم، والخلق القويم، الذى يسعد ~~ولا يشقى، ويبنى ولا يهدم، ويحفظ ولا يضيع.. ولا يتأتى ذلك إلا باختيار ~~المسلمة الصالحة والإعراض عن المشركة الكافرة. استمع إلى القرآن الكريم ~~وهو يبين ذلك فيقول { ولا تنكحوا المشركات... }. ### || [2.221] # قوله - تعالى { ولا تنكحوا المشركات ms0466 حتى يؤمن } ~~النكاح فى اللغة الضم وتداخل أجزاء الشىء بعضها فى بعض. ثم أطلق على ~~العقد الذى به تكون العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة مشروعة. والمشرك فى ~~لسان الشرع من يدين بتعدد الآلهة مع الله - تعالى - وأصله من الإشراك ~~بمعنى أن تجعل الشىء بينك وبين غيرك شركة، فمن يعبد مع الله - تعالى - ~~إلها آخر يعد مشركا، وهو فى الآخرة من الخاسرين. ويرى كثير من العلماء ~~أن إطلاق كلمة مشرك، ومشركين، ومشركات فى القرآن الكريم تعنى عبدة ~~الأوثان، وأنها صارت فى استعمال القرآن حقيقة عرفية فيهم، ولم يطلقها ~~القرآن على اليهود والنصارى وإنما عبر عنهم بهذا الاسم أو بأهل الكتاب، ~~أو بوصف الكفر دون الشرك كما فى قوله - تعالى - # لعن الذين كفروا من بني إسرائيل # وعليه فالمراد بالمشركات والمشركين فى الآية عبدة الأوثان. وذهب بعضهم ~~إلى أن لفظ المشركات يشمل بمقتضى عمومه المرأة الوثنية، واليهودية، ~~والنصرانية. وقد ترتب على هذا الخلاف فى إطلاق كلمة " مشرك " أن أصحاب ~~الرأى الأول قالوا إن النهى فى الآية إنما هو عن زواج المشركات اللائى ~~يعبدون الأوثان ولا كتاب لهن، وأنه يجوز - مع الكراهة - أن يتزوج المسلم ~~الكتابية، لأن القرآن يقول # اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا ~~الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات ~~من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم # الآية. ولأنه قد جاءت الروايات بأن بعض الصحابة قد تزوج بكتابيات. ~~فعثمان بن عفان تزوج نصرانية ثم أسلمت، وطلحة بن عبيد الله وحذيفة بن ~~اليمان تزوجا يهوديتين. أما من قال بالرأى الثانى فيرى حرمة الزواج ~~بالوثنية واليهودية والنصرانية لأن لفظ المشركات يشملهن جميعا. وأصحاب ~~هذا الرأى - كما يقول الآلوسى - يجعلون آية المائدة وهى قوله - تعالى - # والمحصنات من المؤمنات # منسوخة بالآية التى معنا نسخ الخاص بالعام.. وإلى هذا الرأى ذهب ~~الإمامية وبعض الزيدية. وروى عن عمر وعبد الله ابنه - رضى الله عنهما - ~~أنهما حرما ذلك وفى رواية أنها كرهاه وهى الأصح. قال القرطبى وروى عن عمر ~~أنه فرق بين طلحة بن عبيد الله ms0467 وحذيفة بن اليمان وبين كتابيتين وقالا ~~نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب. فقال لو جاز طلاقكما لجاز نكاحكما ولكن ~~أفرق بينكما صغرة قمأة. قال ابن عطيه وهذا لا يستند جيدا، وأسند منه أن ~~عمر أراد التفريق بينهما فقال له حذيفة أتزعم أنها حرام فأخلى سبيلها يا ~~أمير المؤمنين؟ فقال لا أزعم أنها حرام ولكن أخاف أن تعاطوا المومسات ~~منهن. ثم قال القرطبى وكان ابن عمر إذا سئل عن نكاح الرجل النصرانية أو ~~اليهودية. # قال حرم الله المشركات على المؤمنين ولا أعرف شيئا من الإشراك أعظم من ~~أن تقول المرأة ربها عيسى أو عبد من عباد الله. قال النحاس وهذا قول خارج ~~عن قول الجماعة الذين تقوم بهم الحجة، لأنه قال بتحليل نكاح نساء أهل ~~الكتاب من الصحابة والتابعين جماعة منهم عثمان وطلحة وابن عباس.. ومن ~~التابعين سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد.. وفقهاء الأمصار ~~عليه، وأيضا فيمتنع أن تكون هذه الآية من سورة البقرة ناسخة للآية التى ~~فى سورة المائدة، لأن البقرة من أول ما نزل بالمدينة والمائدة من آخر ما ~~نزل، وإنما الآخر ينسخ الأول - أو يخصصه - وأما قول ابن عمر فلا حجة فيه، ~~لأن ابن عمر - رضى الله عنه - كان متوقفا، فلما سمع الآيتين فى واحدة ~~التحليل وفى أخرى التحريم ولم يبلغه النسخ توقف، ولم يؤخذ عنه ذكر النسخ ~~وإنما تؤول عليه، وليس يؤخذ الناسخ والمنسوخ بالتأويل. والذى نراه أن ~~زواج المسلم بالكتابية جائز لأن القرآن صريح فى ذلك، ولأن عمر - رضى الله ~~عنه - أقر بأنه ليس بحرام، فتكون آية المائدة مخصصة لآية البقرة على فرض ~~عمومها، ومبينة لحكم جديد خاص بالكتابيات، وهو الجواز ولكن هذا الجواز لا ~~يمنع كراهته، لأن الزواج بالكتابية كثيرا ما يؤثر فى إضعاف العاطفة ~~الدينية عند المسلم، وعند الأطفال الذين يكونون ثمرة لهذا الزواج، لأنهم ~~يخرجون إلى الحياة وقد رضعوا الميل إلى دين أمهم، ولأن المرأة الكتابية ~~التى تقبل الزواج بالمسلم كثيرا ما تكون منحرفة فى سلوكها وأن الدافع ~~لها إلى ms0468 هذا الزواج إنما هو المال أو الجمال أو الجاه وليس الدين أو ~~الخلق، لأنه لو كان الدافع ذلك لرضيت بالإسلام دينا، وبآدابه خلقا لها، ~~وما أحكم قول عمر لحذيفة " لا أزعم أنها حرام ولكن أخاف أن تعاطوا ~~المومسات منهن ". هذه خلاصة لاراء العلماء فى هذه المسألة ومن أراد ~~المزيد فليرجع إلى أقوالهم فى مظانها. والمعنى أنها كم أيها المؤمنون أن ~~تتزوجوا بالنساء المشركات حتى يؤمن بالله - تعالى - ويذعن لتعاليم ~~الإسلام وآدابه. وقوله { ولأمة مؤمنة خير من مشركة ~~ولو أعجبتكم } تعليل للنهى، وبيان لفضل المؤمنات على المشركات، ~~ولفضل طهارة النفس على جمال الجسم، والمراد بالأمة هنا الأنثى المملوكة ~~من الرقيق، وبالمشركة الحرة الجميلة بقرينة المقابلة. أى ولأنثى رقيقة ~~مؤمنة مع ما بها من الرق وقلة الجاه والجمال خير فى التزوج بها من امرأة ~~حرة مشركة ولو أعجبتكم بجمالها ونسبها وغير ذلك من منافع دنيوية، لأن ما ~~يتعلق بالمنافع الدينية يجب أن يقدم على المنافع الدنيوية، ولأن الزواج ~~ارتباط روحى بين قلبين، ومن العسير أن يتم هذا الترابط بين قلب يخلص لله ~~فى عبادته، وقلب لا يدين بذلك. # وصدرت الجملة بلام الابتداء الشبيهة بلام القسم فى إفادة التأكيد مبالغة ~~فى الحمل على الانزجار، وقد أمر النبى صلى الله عليه وسلم أتباعه أن ~~يجعلوا الدين أساس رغبتهم فى الزواج، فقد أخرج الشيخان عن أبى هريرة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين ~~تربت يداك ". # وعن عبد الله بن عمرو - رضى الله عنهما - قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " لا تتزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تتزوجوهن ~~لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين، ولأمة سوداء ~~ذات دين أفضل ". # والأحاديث النبوية فى هذا المعنى كثيرة. ثم قال - تعالى - { ولا ~~تنكحوا المشركات حتى يؤمن } أى لا تزوجوا أيها ~~المؤمنون النساء المؤمنات للرجال المشركين حتى يتركوا عليه من شرك ~~ويدخلوا فى دين الإسلام، فإذا فعلوا ذلك حل لكم أن ms0469 تزوجوهم النساء ~~المسلمات، لأنهم بدخولهم فى الإسلام قد اصبحوا إخوانا لكم. والنهى هنا ~~يتناول المشرك الذى يعبد الأوثان ويتناول غيره ممن لا يدين بالإسلام ~~كأهل الكتاب، لأن القرآن قد جعل الإيمان غاية للنهى، فإذا لم يكن هناك ~~إيمان من الرجل لم يكن له أن يتزوج من المرأة المؤمنة، لأن الله - تعالى ~~- يقول فى آية أخرى # يأيها الذين آمنوا إذا جآءكم المؤمنات ~~مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن ~~علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار ~~لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم مآ ~~أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذآ ~~آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر # فهذه الآية صريحة فى أن زواج المسلمة بالكافر لا يجوز، وكلمة كافر تشمل ~~أهل الكتاب بدليل قوله - تعالى - # لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان ~~داوود وعيسى ابن مريم # وقوله تعالى # ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا ~~المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم # قال الفخر الرازى لا خلاف ها هنا فى أن المراد به - أى بلفظ المشركين - ~~الكل، وأن المؤمنة لا يحل تزويجها من الكافر ألبتة على اختلاف أنواع ~~الكفرة. وقوله { ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو ~~أعجبكم } بيان لفضل الإيمان على الشرك، كما فى قوله - تعالى - { ~~ولأمة مؤمنة خير من مشركة } إذ نسبة المؤمن أو ~~المؤمنة إلى هذا الدين الذى ارتضاه الله لعباده أفضل وأجل من الانتساب ~~إلى أى شىء آخر. ثم بين - سبحانه - علة النهى عن الزواج بالمشركين ~~والمشركات فقال - تعالى - { أولئك يدعون إلى النار ~~والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه }. # أى أولئك المذكورون من المشركين والمشركات يدعون من يقارنهم ويعاشرهم ~~إلى الأقوال والأفعال والعقائد التى تفضى بصاحبها إلى دخول النار فى ~~الآخرة والله - تعالى - يدعو عباده على ألسنة رسله إلى الأقوال والأعمال ~~والعقائد التى توصل إلى جنته ومغفرته. فالمراد بالدعاء إلى النار الدعاء ~~إلى أسبابها وإلى ما يوصل إليها، وكان الاقتران بهؤلاء المشركين ~~والمشركات سببا فى الوصول إليها، لأن الزواج من شأنه الألفة والمودة ~~والمحبة وشدة ms0470 الاتصال، وكل ذلك يجعل المسلم أو المسلمة يتقبلان ما عليه ~~المشرك أو المشركة من فسوق وعصيان لله - تعالى - بل ربما بمرور الأيام لا ~~يكتفيان بالتقبل بل يستحسنان فعلهما، وبذلك تنحل عرا الإسلام من نفس ~~المسلم والمسلمة عروة فعروة، حتى لا يبقى منه سوى الاسم، كما نشاهد ذلك ~~فى كثير من المسلمين الذين تزوجوا بغير مسلمات. والمقصود من قوله - تعالى ~~- { والله يدعوا إلى الجنة } إغراء المؤمنين بالتمسك ~~بتعاليم دينهم، وتنفيرهم من الاقتران بغير من يكون على شاكلتهم فى الدين، ~~لأن من يخالفهم فى عقيدتهم طريقة يغاير طريقهم، وهدفه يخالف هدفهم، ~~وعاقبته تباين عاقبتهم. والدعاء إلى الجنة والمغفرة المراد به الدعاء إلى ~~أسبابهما كما فى الجملة السابقة المقابلة وقيد - سبحانه - الدعاء إلى ~~الجنة والمغفرة بقوله { بإذنه } أى بأمره وإرادته وعلمه، لأنه - ~~سبحانه - هو المالك لكل شىء، ولا يقع فى ملكه إلا ما يريده ويقدره. قال ~~بعض العلماء ما ملخصه وقد يقول قائل هذه الدعوة إلى النار قد تكون أيضا ~~فى زواج المسلم بالكتابية، كما هى فى زواج المسلم بالمشركة، وكان مقتضى ~~هذا أن يحرم زواج المسلم بغير المسلمة مطلقا، كما حرم زواج المسلمة بغير ~~المسلم مطلقا، وإن لذلك الكلام موضعه، ولذلك أجمع الفقهاء على كراهة ~~زواج المسلم بالكتابية، بل زعم بعض العلماء أن زواج المسلم من الكتابية ~~محرم كزواجه من المشركة. ولكن الجمهور لا يقطعون بالتحريم أمام النص ~~القاطع بالحل، ولا يعملون العلة ليهمل النص، بل يرون علة التحريم لا ~~تتوافر فى الكتابية توافرها فى المشركة، فإن المشركة لا ترتبط بأى قانون ~~خلقى يعصمها من الزلل.. أما الكتابية فإن مجموع الفضائل الإنسانية.. لا ~~تزال باقية فى تعاليم دينها فيمكن الاحتكام إليها. والقرآن فى جدله مع ~~أهل الكتاب كان يلاحظ إمكان التفاهم معهم على قواعد يمكن حملهم على ~~الإقرار بها كما فى قوله - تعالى - # قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سوآء ~~بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك ~~به شيئا # الآية. وأمرنا أن نجادلهم بالتى هى أحسن فقال # ولا تجادلوا أهل الكتاب ms0471 إلا بالتي هي أحسن ~~إلا الذين ظلموا منهم # الآية. فكان من اطراد تلك المعاملة الحسنة المقربة غير المبعدة، أن أباح ~~الإسلام الزواج من الكتابيات. # بيد أنه يلاحظ فى إباحة الزواج من الكتابيات أمران أولهما أن النص ~~القرآنى المبيح خاص بالمحصنات منهن، إذ قال - سبحانه # والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم # والمحصنات - فى أظهر التفسير - هن العفيفات، فأولئك الذين يعمدون إلى ~~المنحرفات منهن فى أخلاقهن وعقولهن ولا يتخيرون، خارجون عن موضع الإباحة ~~فيما أحسب، لأن الله أحل المحصنات وهم استحلوا المنحرفات. ثانيهما أن ولى ~~الأمر إذا رأى خطرا على الدولة الإسلامية أو على المجتمع الإسلامى له ~~أن يمنع الناس من ذلك الزواج بوضع عقوبات لمن يقدم عليه سدا للذريعة ~~ومنعا للشر، وذلك من باب السياسة الشرعية، لا من باب تحريم ما أحل الله، ~~لأن الحل قائم على أصله، والمنع وارد على الضرر الذى يلحق المسلمين، إذ ~~فى ذلك من الاعتداء على جماعتهم ما فيه، كما أن أصل الأكل حلال، ولكن ~~اغتصاب أموال الناس لنأكلها حرام، ولذلك سارت الدولة على منع بعض رجالها ~~من الزواج بالأجنبيات. وقوله - تعالى - فى ختام الآية { ويبين ~~آياته للناس لعلهم يتذكرون } معطوف على يدعو إلى ~~الجنة. أى أنه - سبحانه - يدعو الناس إلى ما يوصلهم إلى جنته ومغفرته ~~ويبين لهم آياته وأوامره ونواهيه فى شئون الزواج وفى غير ذلك من الأحكام ~~لكى يتعظوا ويعتبروا ويتذكروا ما أمرهم الله به فيعملوه، وما نهاهم عنه ~~فيتركوه. وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد رسمت للناس أقوم السبل، لكى ~~يعيشوا فى ظل أسرة فاضلة، تظلها السعادة، ويسودها الأمان والاطمئنان ~~ويتعاون أفرادها على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان. وبعد أن أمر ~~الله - المسلم بأن يجعل التدين وحسن الخلق محط اختياره فى الزواج، اتبع ~~ذلك بإرشاده إلى بعض الآداب التى يجب عليه أن يسلكها مع زوجه حتى تكون ~~علاقتهما قائمة على ما يقتضيه الطبع السليم والخلق القويم وحتى تكون فى ~~أعلى درجات التطهر والتنزه والعفاف فقال - تعالى - { ويسألونك ~~عن المحيض قل هو ms0472 أذى فاعتزلوا...أنكم ملاقوه ~~وبشر المؤمنين }. ### || [2.222-223] # روى الإمام مسلم فى صحيحه عن أنس بن مالك - رضى الله عنه - أن اليهود ~~كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها فى البيوت أى لا ~~يسكنون معهن - فسأل الصحابة النبى صلى الله عليه وسلم فأنزل الله - تعالى ~~- { ويسألونك عن المحيض قل هو أذى }. الآية فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أصنعوا كل شىء إلا النكاح. فبلغ ذلك اليهود ~~فقالوا ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه. فجاء ~~أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا يارسول الله، إن اليهود تقول كذا وكذا، ~~أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظنا أن قد وجد ~~عليهما - أى غضب - فاستقبلتهما هدية من لبن إلى النبى صلى الله عليه وسلم ~~فأرسل فى آثارهما فسقاهما، فعرفا أن لم يجد عليهما. والمحيض الحيض مصدر ~~حاضت المرأة تحيض حيضا ومحاضا ومحيضا فهى حائض، وأصله السيلان. يقال ~~حاض الوادى إذا سال، ومنه الحوض لسيلان الماء إليه. ثم أطلق الحيض على ما ~~يقذفه رحم المرأة من دم فى أوقات مخصوصة على وجه مخصوص. والأذى الشىء ~~الذى يتأذى منه الإنسان ويصيبه الضرر بسببه. والسؤال كان من بعض ~~الصحابة، لأنه لقوة إيمانهم كانوا يحبون أن يعرفوا حكم الإسلام فى ~~شئونهم الخاصة والعامة، ولأنهم وجدوا أن اليهود وغيرهم يعاملون المرأة فى ~~حال حيضها معاملة غير كريمة فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا ~~الأمر الذى يتصل بأدق العلاقات بين الرجل والمرأة وهو حكم مباشرة النساء ~~فى حال الحيض، فأجابهم الله - تعالى - جوابا شافيا. والمعنى ويسألك ~~أصحابك يا محمد عن حكم مباشرة النساء فى حال الحيض فقل لهم معلما ~~وموجها إن الحيض أى الدم الذى يلفظه رحم المرأة فى وقت معين أذى يتأذى ~~به الإنسان تأذيا حسيما جسيما، فرائحته يتأذى منها من يشمها، وهو فى ~~ذاته شىء متقذر تعافه النفوس، وتنفر منه الطباع. وقوله { فاعتزلوا ~~النسآء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن } ~~بيان للحكم ms0473 المتفرع على تلك الحالة التى يتأذى منها وهى حالة الحيض. ~~والاعتزال التباعد، وهو هنا كناية عن ترك الجماع والمباشرة، كما أن النهى ~~عن قربهن كناية عن النهى عن جماعهن، يقال قرب الرجل امرأته إذا جامعها. و ~~{ يطهرن } من الطهر - بضم الطاء - بمعنى النقاء من الوسخ والقذر -. ~~والمعنى عليكم أيها المؤمنون أن تمتنعوا عن مباشرة النساء فى زمن حيضهن، ~~ولا تجامعوهن حتى يطهرن من ذلك، لأن غشيانهن فى هذه الحالة يؤذيكم بسبب ~~عدم نقاء المحل الذى يكون فيه الغشيان للمرأة، والمرأة أيضا تتأذى من ~~مباشرتها فى زمن الحيض لأنها لا تكون فى حالة تستسيغ معها المباشرة، ~~فجهازها التناسلى فى حالة اضطراب، وهيئتها العامة فى حالة تجعلها من ~~شأنها أن تنفر من الجماع، والولد الذى يأتى عن طريق الجماع فى حالة الحيض ~~- على فرض إتيانه فى هذه الحالة - كثيرا ما يأتى مشوها ضعيفا، لأن ~~النطفة إذا اختلطت بدم الحيض، أخذت البويضات فى التخلق قبل وقت صلاحيتها ~~للتخلق النافع الذى يكون وقته بعد انتهاء فترة الحيض وقد قال بذلك ~~الأطباء الثقاة. # وعرفه العرب القدامى بالتجربة، قال أبو كبير الهزلى. # ومبرأ من كل غبر حيضة وفساد مرضعة وداء معضل # وقد أجمع العلماء - كما بينا - على أن المراد بالاعتزال هو اجتناب ~~المباشرة، إلا أنهم اختلفوا فيما يجب اعتزاله من المرأة بعد ذلك. فبعضهم ~~يرى اعتزال جميع بدن المرأة، وحجتهم أن الله أمر باعتزال النساء ولم يخصص ~~من ذلك شيئا دون شىء. وبعضهم يرى اعتزال موضع الأذى - أى مكان خروج الدم ~~- لقول النبى صلى الله عليه وسلم # " اصنعوا كل شىء إلا النكاح ". # وبعضهم يرى اعتزال ما بين السرة إلى الركبة من المرأة وله ما سوى ذلك، ~~لقول عائشة كانت إحدانا إذا كانت حائضة أمرها النبى صلى الله عليه وسلم ~~أن تأتزر ثم يباشرها. وقوله { ولا تقربوهن حتى يطهرن } ~~تأكيد لحكم الاعتزال وتقرير له، وتنبيه على أن المراد به عدم جماعهن لا ~~عدم القرب منهن أو مخالطتهن أو الأكل معهن كما كان يفعل اليهود وبعض ~~العرب. والدليل ms0474 على ذلك ما جاء فى الصحيحين عن عائشة - رضى الله عنها - ~~قالت " كنت أرجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حائض ". وروى ~~البخارى عن عائشة - أيضا - قالت " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يتكئ فى حجرى وأنا حائض ثم يقرأ القرآن ". وروى مسلم عنها أيضا قالت كنت ~~أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبى صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع ~~فى فيشرب ". وقوله { حتى يطهرن } بيان لغاية الاعتزال. وقرأ ~~حمزة الكسائى { حتى يطهرن } بفتح الطاء والهاء مع التشديد. ~~ومعناه عند جمهور الفقهاء ولا تجامعوهن حتى يغتسلن، لأن القراءتين ~~معناهما واحد، ولأن الله - تعالى - قد علق الإتيان على التطهر فقال { ~~فإذا تطهرن فأتوهن } والتطهر هو الاغتسال. فالمرأة إذا ~~انقطع حيضها لا يحل للزوج مجامعتها إلا بعد الاغتسال. ويرى الأحناف أن ~~معنى { حتى يطهرن } أى حتى ينقطع الدم، لأنه إذا كان سبب الأذى ~~هو الدم فانقطاعه طهور منه، وبناء على ذلك فيجوز للرجل أن يباشر زوجته ~~قبل أن تغتسل متى انقطع دمها لأقصى مدة الحيض، وهو عشرة أيام. # أخذا بالقراءة المشهورة { يطهرن } بالتخفيف. أما إذا انقطع الدم ~~قبل ذلك فلا تحل مباشرتها إلا بالتأكد من زوال الدم بعمل من جانبها وهو ~~الاغتسال الفعلى، لأن قراءة { يطهرن } بالتشديد عندهم معناها ~~يغتسلن. وقال بعض الفقهاء يكفى فى حلها أن تتوضأ عند انقطاع الدم. ولكل ~~فريق أدلته المبسوطة فى كتب الفقه. وفى هاتين الجملتين الكريمتين { ~~فاعتزلوا النسآء فى المحيض ولا تقربوهن حتى ~~يطهرن } من سمو التعبير، وبديع الكناية ما يغرس فى نفس السامع حسن ~~الأدب، ويصون سمعه عن الألفاظ التى يجافى سماعها الأذواق السليمة، وما ~~أحوج المسلمين إلى التأسى بهذا الأدب الذى يحفظ عليهم مروءتهم وكرامتهم. ~~ثم قال - تعالى - { فإذا تطهرن فأتوهن من حيث ~~أمركم الله } أى فإذا تطهرن من المحيض فجامعوهن فى المكان الذى ~~أمركم الله بتجنبه فى الحيض وهو القبل ولا تتعدوه إلى غيره. والأمر فى ~~قوله - تعالى - { فأتوهن } المراد به إباحة المباشرة، لأن من ~~المقرر عند العلماء أن ms0475 الأمر بعد النهى يكون للإباحة، خصوصا إذا كان ~~الموضع موضع حل وإباحة لا موضع تكليف وإلزام، وليس المراد به الحتم ~~واللزوم، لأن الإتيان مبنى على الرغبة والطاقة وشبه بهذا التعبير قوله - ~~تعالى - # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض # وقوله # وإذا حللتم فاصطادوا # قال الجمل ومن فى قوله " من حيث " فيها قولان أحدهما أنها لابتداء ~~الغاية، أى من الجهة التى تنتهى إلى موضع الحيض. والثانى أن تكون بمعنى ~~فى أى المكان الذى نهيتم عنه فى الحيض. ورجح بعضهم هذا بأنه ملائم لقوله ~~{ فاعتزلوا النسآء فى المحيض }. وعلى كلا القولين فالمقصود ~~أن يأتى الرجل زوجته فى المكان الفطرى الطبيعى لتلك العلاقة الجنسية، وهو ~~القبل إذ هو مكان البذر والإنسال، ولا يخرج عن ذلك إلا الذين أصيبوا ~~بشذوذ فى عقولهم، وضعف فى دينهم. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله { إن ~~الله يحب التوابين ويحب المتطهرين }. والتواب ~~صيغة مبالغة من تائب بمعنى راجع إلى ربه إذا زل وهفا. والمتطهر هو ~~الإنسان المتنزه عن الفواحش والأقذار. أى إن الله - تعالى - يحب عباده ~~الذين يكثرون الرجوع إليه إذا ما ظلموا أنفسهم بسيئة من السيئات، والذين ~~يصونون أنفسهم وينزهونها عن المعاصى والآثام، ويرضى عنهم فى الدنيا ~~والآخرة. قال الآلوسى { إن الله يحب التوابين } مما عسى ~~يبدر منهم من ارتكاب بعض الذنوب كالإتيان فى الحيض المستدعى لعقاب الله ~~- تعالى - فقد أخرج الإمام أحمد والترمذى والنسائى عن أبى هريرة عن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم قال # " من أتى حائضا فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم " # وهو جار مجرى الترهيب فلا يعارض ما أخرجه الطبرانى عن ابن عباس قال # " جاء رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله، أصبت امرأتى ~~وهى حائض فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعتق نسمة " # وهذا إذا كان الإتيان فى أول الحيض والدم أحمر، أما إذا كان فى آخره ~~والدم أصفر فينبغى أن يتصدق بنصف دينار كما دلت عليه الآثار ". ثم قال - ~~تعالى - { نسآؤكم حرث لكم فأتوا ms0476 حرثكم أنى ~~شئتم }. روى الشيخان عن جابر قال كانت اليهود تقول إذا أتى الرجل ~~امرأته من دبرها فى قبلها ثم حملت كان ولدها أحول. فأنزل الله - تعالى - ~~قوله { نسآؤكم حرث لكم } الآية. والحرث فى الأصل تهيئة الأرض ~~بالحراثة لإلقاء البذر فيها. وقد تطلق كلمة الحرث على الأرض المزروعة ~~كما فى قوله - تعالى - # أن اغدوا على حرثكم # أى على حديقتكم لجمع ما فيها من ثمار. وشبهت المرأة بالأرض لأن كليهما ~~يمد الوجود الإنسانى بأسباب بقائه، فالزوجة تمده بعناصر تكوينه، والأرض ~~تمده بأسباب حياته. و { أنى شئتم } بمعنى كيف شئتم، أو متى شئتم ~~فى غير وقت الحيض. والمعنى نساؤكم هن مزرع لكم ومنبت للولد، أعدهن الله ~~لذلك كما أعد الأرض للزراعة والإنبات، فأتوهن إذا تطهرن من الحيض فى ~~موضع الحرث كيف شئتم مستلقيات على ظهورهن أو غير ذلك ما دمتم تؤدون ~~شهوتكم فى صمام واحد وهو الفرج. وفى هذه الجملة الكريمة إشعار بأن المقصد ~~الأول من الزواج إنما هو النسل، ويشير إلى ذلك قوله { نسآؤكم حرث ~~لكم } إذ من شأن الحرث الصالح الانتاج وإشعار كذلك بما شرعه الله ~~للزوجين من مؤانسة ومباسطة ويشير إلى ذلك قوله - تعالى - { فأتوا ~~حرثكم أنى شئتم }. ويرى صاحب الكشاف أن التشيبه بين ما يلقى ~~فى الأرحام من النطفة وبين البذر الذى يلقى فى الأرض من حيث إن كلا منهما ~~ينمو فى مستودعه ويكون به البقاء والتوالد، فقد قال - رحمه الله - { ~~نسآؤكم حرث لكم } مواضع الحرث لكم. وهذا مجاز شبهن بالمحارث ~~تشبيها لما يلقى فى أرحامهن من النطف التى منها النسل بالبذور، وقوله { ~~فأتوا حرثكم أنى شئتم } تمثيل، أى فأتوهن كما تأتون ~~أراضيكم التى تحرثونها من أى جهة شئتم، لا تحظر عليكم جهة دون جهة. ~~والمعنى جامعوهن من أى شق أردتم بعد أن يكون المأتى واحدا وهو موضع ~~الحرث. ثم قال وقوله - تعالى - { هو أذى فاعتزلوا النسآء } ~~وقوله { من حيث أمركم الله } وقوله { فأتوا حرثكم ~~أنى شئتم } من الكنايات اللطيفة والتعريضات الحسنة. وهذه ~~وأشباهها فى كلام الله آداب ms0477 حسنة على المؤمنين أن يتعلموها ويتأدبوا بها ~~ويتكلفوا مثلها فى محاروتهم ومكاتبتهم. فإن قلت ما موقع قوله { ~~نسآؤكم حرث لكم } مما قبله؟ قلت موقعه موقع البيان والتوضيح ~~لقوله { فأتوهن من حيث أمركم الله } يعنى أن المأتى ~~الذى أمركم الله به هو مكان الحرث ترجمة له وتفسيرا، أو إزالة للشبهة ~~ودلالة على أن الغرض الأصيل فى الإتيان هو طلب النسل لا قضاء الشهوة فلا ~~تأتوهن إلا من المأتى الذى يتعلق به هذا الغرض ". # ثم ختم الله - تعالى - الآية بقوله { وقدموا لأنفسكم ~~واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر ~~المؤمنين }. أى عليكم أيها المؤمنون أن تقدموا فى حاضركم لمستقبلكم ~~من الأعمال الصالحة ما ينفعكم فى دنياكم وآخرتكم، بأن تختاروا فى زواجكم ~~ذات الدين، وأن تسيروا فى حياتكم الزوجية على الطريقة التى رسمها لكم ~~خالقكم وعليكم كذلك أن تتقوه بأن تصونوا أنفسكم عن كل ما نهاكم عنه، وأن ~~تعلموا علم اليقين أنكم ستلقونه فيحاسبكم على أعمالكم ويجازيكهم عليها ~~بما تستحقون. وقوله { وبشر المؤمنين } بشارة طيبة لمن آمن ~~وعمل صالحا، وتلقى ما كلفه الله - تعالى - بالطاعة والامتثال. وبذلك نرى ~~أن هاتين الآيتين قد أرشدتا المسلم إلى أفضل الوسائل، وأقوى الدعائم التى ~~يقوم عليها صرح الحياة الزوجية السعيدة، والتى عن طريقها تأتى الذرية ~~الصالحة الرشيدة، وأن الإسلام فى تعاليمه لا يحاول أن ينكر أو يحطم ~~غرائز الإنسان وضرورياته، وإنما الإسلام يعترف بغرائز الانسان ~~وضرورياته ثم يعمل على تهذيبها وتقويمها بالطرق التى من شأنه إذا ما ~~اتبعها أن يظفر بالسعادة والطمأنينة فى دنياه وأخراه. وبعد أن بينت لنا ~~السورة الكريمة حكم المباشرة فى فترة الحيض تابعت حديثها عن شئون الأسرة ~~فذكرت حكم الإيلاء أى الحلف بالامتناع عن المباشرة بعد أن قدمت له ~~بالحديث عن الحلف فى ذاته. استمع إلى سورة الكريمة وهى تحكى ذلك فتقول { ~~ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم...فإن الله ~~سميع عليم }. ### || [2.224-227] # العرضة فعلة - بضم الفاء - بمعنى مفعول كالقبضة والغرقة، وهى اسم لكل ما ~~يعترض الشىء فيمنع من الوصول إليه، واشتقاقها من الشىء الذى يوضع ms0478 فى عرض ~~الطريق فيصير مانعا للناس من السلوك والمرور يقال فلان عرضة دون الخير ~~أى حاجز عنه. وتطلق كذلك على النصبة التى تتعرض للسهام وتكون هدفا لها، ~~ومنه قولهم فلان عرضة للناس إذا كانوا يقعون فيه ويعرضون له بالمكروه. ~~قال الشاعر # دعونى أنح وجدا كنوح الحمائم ولا تجعلونى عرضة للوائم # يريد اتركونى أنح من الشوق ولا تجعلونى معرضا للوم اللوائم. والأيمان ~~جمع يمين وتطلق بمعنى الحلف والقسم، واصل ذلك أن العرب كانوا إذا أرادوا ~~توثيق عهودهم بالقسم يقسمونه وضع كل واحد من المتعاهدين يمينه فى يمين ~~صاحبه، و " تبروا " من البر وهو الأمر المستحسن شرعا. والمعنى على الوجه ~~الأول لا تجعلوا الحلف بالله - أيها المؤمنون - حاجزا ومانعا عن البر ~~والتقوى والإصلاح بين الناس، وذلك أن بعض الناس كان إذا دعى إلى فعل ~~الخير وهو لا يريد أن يفعله يقول حلفت بالله ألا أفعله فنهاهم الله - ~~تعالى - عن سلوك هذا الطريق. وهذا المعنى هو الذى رجحه كثير من المفسرين ~~لأنه هو المناسب لما يجئ بعد ذلك من قوله - تعالى - { للذين ~~يؤلون من نسآئهم تربص أربعة أشهر } ووجه ~~المناسبة أن الله - تعالى - يكره للمؤمن أن يجعل الحلف به مانعا من ~~رجوعه إلى أهله ولأن هناك أحاديث كثيرة تحض من حلف على ترك أمر من أمور ~~الخير أن يكفر عن يمينه وأن يأتى الأمر الذى فيه خير، ومن هذه الأحاديث ~~ما جاء فى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " إنى والله إن شاء الله، لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا ~~أتيت الذى هو خير وتحللتها ". # وروى مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى عليه وسلم # " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذى ~~هو خير ". # وشبيه بهذه الآية فى النهى عن الحلف على ترك فعل الخير قوله - تعالى - ~~فى شأن سيدنا أبى بكر عندما أقسم ألا ينفق على قريبه الذى خاض فى شأن ~~ابنته ms0479 عائشة # ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا ~~أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل ~~الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر ~~الله لكم # فالآية على هذا الوجه تنهى المؤمن عن المحافظة على اليمين إذا كانت هذه ~~اليمين مانعة من فعل الخير. واللام فى قوله { لأيمانكم } متعلق ~~بعرضة، وقوله { أن تبروا وتتقوا وتصلحوا } مفعول لأجله ~~أى لا تجعلوا الحلف بالله سببا فى الامتناع عن عمل البر والتقوى ~~والإصلاح بين الناس. # والمعنى على أن عرضة بمعنى النصبة التى تتعرض للسهام لا تجعلوا - أيها ~~المؤمنون - اسم الله - تعالى - هدفا لأيمانكم فتبتذلوه بكثرة الحلف به فى ~~كل حق وباطل، وذلك لأجل البر والتقوى والإصلاح بين الناس، فإن من شأن ~~الذى يكثر الحلف أن تقل ثقة الناس به وبأيمانه، وقد ذم الله - تعالى - من ~~يكثر الحلف بقوله # ولا تطع كل حلاف مهين # وأمر بحفظ الأيمان فقال # واحفظوا أيمانكم # قال الإمام الرازى والحكمة فى الأمر بتقليل الأيمان، أن من حلف فى كل ~~قليل وكثير بالله انطلق لسانه بذلك، ولا يبقى لليمين فى قلبه وقع، فلا ~~يؤمن إقدامه على اليمين الكاذبة، فيختل ما هو الغرض الأصلى فى اليمين، ~~وأيضا كلما كان الإنسان أكثر تعظيما لله. كان أكمل فى العبودية، ومن ~~كمال التعظيم أن يكون ذكر الله - تعالى - أجل وأعلا عنده من أن يستشهد به ~~فى غرض دنيوى، وأما قوله بعد ذلك { أن تبروا } فهو علة لهذا النهى. ~~أى إرادة أن تبروا والمعنى إنما نهيتم عن هذا - أى عن الإكثار من الحلف ~~- لما أن توقى ذلك من البر والتقوى والإصلاح، فتكونون يا معشر المؤمنين ~~بسبب عدم إكثاركم من الأيمان - بررة أتقياء مصلحين ". وهذا الوجه أيضا ~~استحسنه كثير من العلماء، ولا تنافى بينهما لأن الله - تعالى - ينهانا عن ~~أن نجعل القسم به مانعا من فعل الخير، كما ينهانا فى الوقت نفسه عن أن ~~نكثر من الحلف به فى عظيم الأمور وحقيرها. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله ~~{ الله سميع عليم } أى سميع لأقوالكم وأيمانكم عند النطق بها ~~عليم بأحوالكم ms0480 ونياتكم فحافظوا على أمركم به، وانتهوا عما نهاكم لتنالوا ~~رضاه ومثوبته. وقوله - تعالى - { لا يؤاخذكم الله باللغو ~~في أيمانكم } استئناف بيانى، لأن الآية السابقة لما أفادت النهى ~~عن التسرع فى الحلف، أو عن اتخاذ الأيمان حاجزا عن عمل الخير، كانت نفوس ~~السامعين مشوقة إلى حكم اليمين التى تجرى على الألسنة بدون قصد. ~~والمؤاخذة مفاعلة من الأخذ بمعنى المحاسبة أو المعاقبة أو الإلزام ~~بالوفاء بها. واللغو من الكلام الساقط الذى لا يعتد به ولا يصدر عن فكر ~~وروية مصدر لغا يلغو ويلغى. والمعنى لا يعاقبكم الله - تعالى - ولا ~~يلزمكم بكفارة ما صدر عنكم من الأيمان اللاغية فضلا منه - سبحانه - ~~كرما. واليمين اللغو هو التى لا يقصدها الحالف، بل تجرى على لسانه عادة ~~من غير قصد، وقد ذكر العلماء صورا لها منها - كما يقول ابن كثير ما رواه ~~عطاء عن عائشة أنها قالت " اللغو فى اليمين هو كلام الرجل فى بيته كلا ~~والله بلى والله " وفى رواية عن الزهرى عن عروة عنها أنها قالت " اللغو ~~فى اليمين هو ما يكون بين القوم يتدارءون فى الأمر - أى يتناقشون ~~ويتذاكرون فيه - فيقول هذا لا والله وبلى والله وكلا والله لا تعقد عليه ~~قلوبهم " أى تجرى على ألسنتهم ألفاظ اليمين ولكن بدون قصد يمين - ومنها ~~ما جاء عن عروة عنها أنها كانت تتأول هذه الآية يعنى قوله - تعالى - { ~~لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } وتقول هو ~~الشىء يحلف عليه أحدكم لا يريد منه إلا الصدق فيكون على غير ما حلف عليه ~~". # ثم بين - سبحانه - اليمين التى هى موضع المحاسبة والمعاقبة فقال { ~~ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم }. أى لا يؤاخذكم ~~الله فى اليمين التى لم تصدر عن روية ولكن يؤاخذكم أى يعاقبكم فى الآخرة ~~بما قصدته قلوبكم وتعمدتم فيه الكذب فى اليمين، بأن يحلف أحدكم على شىء ~~كذب ليعتقد السامع صدقه، وتلك هى اليمين الغموس - أى التى تغمس صاحبها فى ~~النار - ويدخل فيها الأيمان التى يحلفها شهود الزور والكاذبون عند ~~التقاضى ومن يشابههم فى تعمد الكذب. ms0481 ويرى جمهور العلماء أن هذه اليمين لا ~~كفارة فيها وإنما كفارتها التوبة الصادقة ورد الحقوق إلى أصحابها إن ترتب ~~على اليمين الكاذبة ضياع حق أو حكم بباطل. ويرى الإمام الشافعى أنه يجب ~~فيها فوق ذلك الكفارة. والباء فى قوله { بما } للسببية، وما مصدرية أى، ~~لا يؤاخذكم باللغو ولكن يؤاخذكم بالكسب، أو موصولة والعائد محذوف أى ولكن ~~يؤاخذكم بالذى كسبته قلوبكم. وقوله { والله غفور حليم } تذييل ~~لتأكيد معنى عدم المؤاخذة فى اللغو. أى والله غفور حيث لم يؤاخذكم باللغو ~~حليم حيث لم يعاجل المخطئين بالعقوبة. وبعد بيان هذه الأحكام فى الأيمان ~~العامة، عقب - سبحانه - ذلك ببيان حكم اليمين الخاصة فقال { للذين ~~يؤلون من نسآئهم تربص أربعة أشهر فإن فآءو ~~فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن ~~الله سميع عليم }. و { يؤلون } من الإيلاء مصدر آلى يؤالى ~~ويؤلى إيلاء بمعنى حلف. قال الشاعر # قليل الألايا حافظ ليمينه وإن سبقت منه الألية برت # وقد خص الإيلاء فى الشرع بالحلف على ترك مباشرة الزوجة. وكانوا فى ~~الجاهلية يحلفون ألا يقربوا نساءهم السنة والأكثر إضرارا بهن. و { التربص ~~} التلبث والانتظار والترقب. قال الشاعر # تربص بها ريب المنون لعلها تطلق يوما أو يموت حليلها # و { فآءو } معناه رجعوا. والفىء فى اللغة هو رجوع الشىء إلى ما كان ~~عليه من قبل، ولهذا قيل لما تزيله الشمس من الظل ثم يعود فىء. وقيل لما ~~رده الله على المسلمين من مال المشركين فىء كأنه لهم فرجع إليهم. # ففاءت ولم تقض الذى أقبلت له ومن حاجة الإنسان ما ليس قاضيا # و { عزموا } من العزم وهو عقد القلب على الشىء، والتصميم عليه. يقال ~~عزم على الشىء يعزم عزما وعزيمة.. إذا عقد نيته عليه. و { الطلاق } ~~هو حل عقد النكاح الذى بين الرجل والمرأة، وأصله من الانطلاق، وهو ~~الذهاب. يقال طلقت المرأة تطلق - من باب نصر - طلاقا، إذا أصبحت مخلاة ~~بدون رجل بعد أن كانت فى عصمة رجل معين. قال الفخر الرازى كان الرجل فى ~~الجاهلية لا يريد المرأة ولا يحب ms0482 أن يتزوجها غيره، فيحلف أن لا يقربها، ~~فكان يتركها بذلك لا أيما ولا ذات يعل والغرض منه مضارة المرأة. ثم إن ~~أهل الإسلام كانوا يفعلون ذلك - أيضا - فأزال الله، تعالى - ذلك، وأمهل ~~الزوج مدة حتى يتروى ويتأمل فإن رأى المصلحة فى ترك هذه المضارة فعلها، ~~وإن رأى المصلحة فى المفارقة عن المرأة فارقها ". ومعنى الآيتين ~~الكريمتين أن الله - تعالى - جعل للذين يحلفون على ترك مباشرة أزواجهم ~~مدة يراجعون فيها أنفسهم، وينتظرون فيها ما يستقر عليه أمرهم، وهذه المدة ~~هى أربعة أشهر، فإن رجعوا عما حلفوا عليه من ترك مباشرة الزوجة، ورأوا أن ~~المصلحة فى الرجوع فإن الله - تعالى - يغفر لهم ما فرط منهم. وإن استمروا ~~على ترك مباشرة نسائهم، وأصروا على ذلك بعد انقضائها فإن شرع الله - ~~تعالى يحكم بالتفريق بينهما، لأن الحياة الزوجية لا تقوم على البغض ~~والكراهية والهجران، وإنما تقوم على المحبة والمودة والرحمة وقوله { ~~للذين يؤلون } متعلق بمحذوف خبر مقدم. وتربص مبتدأ مؤخر، وقدم ~~الخبر على المبتدأ للاهتمام بهذه التوسعة التى وسع الله بها عليهم، فهى ~~مدة كافية لأن يراجع المرء فيها نفسه، ويعود إلى معاشرة زوجه خلالها. ~~وعدى فعل الإيلاء بمن مع أن حقه أن يتعدى بعلى، لأنه تضمن هنا معنى ~~البعد كأنه قال للذين يؤلون متباعدين من نسائهم. و { من نسآئهم } ~~على حذف المضاف، أو من إقامة العين مقام الفعل المقصود منه المبالغة أى، ~~للذين يؤلون من مباشرة نسائهم. وأضيف التربص إلى الظرف { أربعة ~~أشهر } على الاتساع إذ الأصل تربصهن فى أربعة أشهر. وقوله { فإن ~~الله غفور رحيم } دليل الجواب. أى فإن فاؤا إلى زوجاتهم وحنثوا ~~فى أيمانهم التى حلفوها بالابتعاد عنهن، بأن كفروا عنها وتابوا إلى ربهم ~~فحنثهم مغفور لهم لأنه - سبحانه - غفور لمن تاب من بعد ظلمه وأصلح، رحيم ~~بعباده فى كل أوامره وتكاليفه. وجواب الشرط فى قوله { وإن عزموا ~~الطلاق } محذوف والتقدير وإن عزموا الطلاق فقد وجب عليهم ما اعتزموه، ~~والطلاق منصوب على نزع الخافض لأن عزم يتعدى بعلى. وفى قوله { فإن ms0483 ~~الله سميع عليم } وعيد شديد لمن يحلف على ترك مباشرة امرأته أو ~~يمسكها بقصد إيذائها ومضارتها. # أى فإن الله - تعالى - سميع لكل ما كان من الزوج الحالف، عليم بما يقع ~~منه من مضار أو غيرها، وسيجزيه يوم القيامة بما يستحقه. قال القرطبى ما ~~ملخصه وقد جعل الله للزوج مدة أربعة أشهر فى تأديب المرأة بالهجر، وقد ~~آلى النبى صلى الله عليه وسلم من أزواجه شهر تأديبا لهن - عندما طالبنه ~~بزيادة النفقة - وقد قيل الأربعة الأشهر هى التى لا تستطيع أن تصبر عنه ~~أكثر منها، وقد روى أن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - سأل بعض النساء عن ~~مقدار صبر المرأة عن زوجها فقلن أربعة أشهر، فجعل عمر مدة الرجل فى الغزو ~~أربعة أشهر، فإذا مضت أر بعة أشهر استرد الغازين ووجه بقوم آخرين، وهذا - ~~والله أعلم - يقوى اختصاص مدة الإيلاء بأربعة أشهر ". وعلى أية حال فإن ~~الطبائع تختلف فى مثل هذه الأمور، والأربعة الأشهر مدة كافية ليختبر ~~الرجل نفسه وميوله، فإما أن يعود إلى معاشرة زوجه بالطريقة التى شرعها ~~الله، وإما أن تعاد إلى الزوجة حريتها بالطلاق، ليبدأ كلاهما حياة زوجية ~~جديدة مع شخص آخر. فذلك أكرم للزوجة وأعف وأصون، وأنفع للرجل كذلك وأشرف. ~~وقد اختار الله هذه المدة وهو الأعلم بحكمة اختياره فعلينا أن نتقبل ما ~~شرعه لنا طائعين خاشعين. هذا وجمهور - العلماء على أن الطلاق لا يقع ~~بانتهاء هذه المدة، وإنما بانتهائها يأمره الحاكم بالفيئة، فإن تقبل أمر ~~الحاكم بالرضا أمهله مدة يمكنه الفيئة فيها، وإن لم يتقبله بالرضا أمره ~~بالطلاق، فإن طلق فبها وإلا طلقها الحاكم منه. وعليه فإن الفاء فى قوله ~~تعالى { فإن فآءو } لترتيب الحكم الذى يحصل بعد مدة التربص. وقال ~~الأحناف إن الطلاق يقع بمجرد انتهاء هذه المدة وهى الأربعة الأشهر، ~~والرجوع إنما يكون خلالها فلا زيادة فوقها، ويكفى فى مراجعته لنفسه تلك ~~المدة، وما دام لم يرجع إلى معاشرة امرأته خلالها فقد آثر فراقها، ولا ~~يصح أن نعطيه أية مهلة من الوقت بعدها. ms0484 وعليه تكون الفاء عندهم للتفصيل، ~~أى تفصيل ما يحصل من الزوج فى هذه المدة. وبذلك نرى أن هذه الآيات ~~الكريمة قد نهت المسلم عن اتخاذ الحلف بالله حاجزا بينه وبين فعل الخير، ~~وأمرته بأن يحفظ لسانه عن الإكثار من الحلف بالله فى الأمور الصغيرة ~~والكبيرة، وحذرته من تعمد الأيمان الكاذبة التى تؤدى إلى غضب الله - ~~تعالى - لأن اليمين الكاذبة الفاجرة من كبائر الذنوب، وحذرته كذلك من أن ~~يهجر زوجته بقصد إيذائها والإضرار بها، لأن الحياة الزوجية يجب أن تقوم ~~على المودة والرحمة، وأرشدته إلى أن أقصى مدة لهجر الزوجة بقصد تأديبها ~~وعلاج أعوجاجها هى أربعة أشهر يراجع فيها نفسه، فإما أن يعود اليها ويكفر ~~عن يمينه، وإما أن يقع بينهما الفراق # وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته # وبهذه الأحكام السامية يكون الإسلام قد شرع للرجل والمرأة ما ينفعهما ~~ويصون كرامتهما، ويحفظ لهما حريتهما وحسن استمتاعهما بالحياة. ثم ساقت ~~السورة فى خمس آيات أحكام الطلاق، وفصلت أحواله، وبينت مراته، وذكرت ما ~~ينبغى أن يكون عليه من عدل وتسامح حتى لا يقع ظلم أو جور على أحد ~~الزوجين. استمع إلى القرآن الكريم وهو يبين ذلك بأسلوبه الحكيم المؤثر ~~فيقول { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة ~~قروء ولا يحل... يعلم وأنتم لا تعلمون }. ### || [2.228-232] # قوله - تعالى - { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ~~ثلاثة قروء } معطوف على ما قبله لشدة المناسبة، وللاتحاد فى ~~الحكم وهو التربص الذى سبقت الإشارة إليه فى قوله # للذين يؤلون من نسآئهم تربص أربعة أشهر # والتربص التأنى والتريث والانتظار. والقروء جمع قرء - بضم القاف وفتحها ~~-. قال الطبرسى وأصله فى اللغة يحتمل وجهين أحدهما الاجتماع ومنه القرآن ~~لاجتماع حروفه.. فعلى هذا يقال أقرأت المرأة فهى مقرئ إذا حاضت، وذلك ~~لاجتماع الدم فى الرحم. والوجه الثانى أن أصل القرء الوقت الجارى فى ~~الفعل على عادة، يقال هذا قارئ الرياح أى وقت هبوبها ". والمعنى أن على ~~المطلقات أن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء بدون نكاح ثم لها ~~أن تتزوج بعد ذلك إن شاءت. والمراد ms0485 بالمطلقات هنا المدخول بهن من ذوات ~~الحيض غير الحوامل، لأن غيرهن قد بين الله - تعالى - عدتهن فى مواضع ~~أخرى. والمتوفى عنها زوجها بين الله عدتها بقوله # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا # ومن لا يحضن ليأس من الحيض، أو لأنهن لم يرين الحيض فقد بين الله - ~~تعالى - عدتهن بقوله # واللائي يئسن من المحيض من نسآئكم إن ~~ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم ~~يحضن # أى واللائى لم يحضن فعدتهن كذلك ثلاثة أشهر. وذوات الحمل بين الله - ~~تعالى - عدتهن بقوله # وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # وغير المدخول بها لا عدة عليها لقوله - تعالى - # يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم ~~عليهن من عدة تعتدونها # وقوله { يتربصن بأنفسهن } جملة خبرية اللفظ إنشائية ~~المعنى أى " ليتربصن " وإخراج الأمر فى صورة الخبر - كما يقول الزمخشرى - ~~" تأكيد للأمر، وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله، ~~فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص. فهو يخبر عنه موجودا. ونحوه قولهم فى ~~الدعاء " رحمك الله " أخرج فى صورة الخبر ثقة بالاستجابة. كأنما وجدت ~~الرحمة فهو يخبر عنها وبناؤه على المبتدأ مما زاده أيضا فضل توكيد. ولو ~~قيل " ويتربص المطلقات " لم يكن بتلك الوكادة ". وفى قوله - تعالى - { ~~والمطلقات يتربصن بأنفسهن } ما فيه من الابداع فى ~~الإشارة والنزاهة فى العبارة والسمو فى المعنى، وذلك لأن المرأة المطلقة ~~كثيرا ما تشعر بعد طلاقها بأنها فى حاجة إلى أن تثبت أن إخفاقها فى ~~حياتها الزوجية السابقة ليس لنقص فيها، أو لعجز عن إنشاء حياة زوجية ~~أخرى، وهذا الشعور قد يدفعها إلى التسرع والاندفاع من أجل إنشاء هذه ~~الحياة، وهنا تبرز طريقة القرآن الحكيمة فى معالجة النفوس، إنه يقول ~~للملطقة إن التطلع إلى إنشاء حياة زوجية أخرى ليس عيبا، ولكن الكرامة ~~توجب عليها الانتظار والتريث، إذ لا يليق بالحرة الكريمة أن تنتقل بين ~~الأزواج تنقلا سريعا. # . وأيضا فإن نداء الفطرة، وتعاليم الشريعة توجبان عليها الانتظار مدة ~~ثلاثة قروء، لكى تستبرئ رحمها، حتى إذا ms0486 كان هناك حمل نسب إلى الأب الشرعى ~~له. وفى قوله - تعالى - { يتربصن بأنفسهن } إشعار بأن هذا ~~التربص يجب أن يكون من ذات أنفسهن وليس من عامل خارجى، فشأن الحرة ~~الكريمة المؤمنة أن تحجز نفسها بنفسها عن كل ما يتنافى مع الكرامة ~~والشرف، فقد تجوع الحرة ولكنها لا تأكل بثديها - كما يقولون -. وقد أشار ~~صاحب الكشاف إلى المعنى بقوله فإن قلت وما معنى ذكر الأنفس - هنا -؟ قلت ~~فى ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص وزيادة بعث، لأن فيه ما يستنكفن منه ~~فيحملهن على أن يتربصن. وذلك أن أنفس النساء طوامح إلى الرجال. فأمرن أن ~~يقمعن أنفسهن، ويغلبنها على الطموح، ويجبرنها على التربص ". وقوله - ~~تعالى - { ثلاثة قروء } نصب ثلاثة على النيابة عن المفعول فيه، ~~لأن الكلام على تقدير مضاف، أى مدة ثلاثة قروء. فلما حذف المضاف خلفه ~~المضاف إليه فى الإعراب. هذا وللعلماء رأيان شهيران فى المراد بقوله - ~~تعالى - { ثلاثة قروء } فالأحناف والحنابلة ومن قبلهم عمر وعلى ~~وابن مسعود وغيرهم يرون أن المراد بالقروء هنا الحيضات والمعنى عندهم أن ~~المطلقات عليهن أن يمكثن بعد طلاقهن من أزواجهن مدة ثلاث حيضات بدون زواج ~~بعد ذلك لهن أن يتزوجن إن شئن. ومن أدلتهم أن النبى صلى الله عليه وسلم ~~قد فسر القرء بمعنى الحيض فقد جاء فى الحديث الذى رواه أبو داود والنسائى ~~عن فاطمة بنت أبى حبيش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها # " دعى الصلاة أيام أقرائك ". # ولا شك أن المراد بالقرء فى هذا الحديث الحيض، لأنه هو الذى لا تصح معه ~~الصلاة. أما المالكية والشافعية ومن قبلهم عائشة وعبد الله بن عمر وزيد ~~بن ثابت والزهرى وغيرهم فيرون أن المراد بالقروء هنا الأطهار، أى الأوقات ~~التى تكون بين الحيضتين للنساء. ومعنى الآية عندهم أن على المطلقات أن ~~يمكثن بعد طلاقهن من أزواجهن ثلاثة أطهار بدون زواج ثم بعد ذلك يتزوجن ~~إذا شئن. ومن أدلتهم أن الله - تعالى - يقول # فطلقوهن لعدتهن # وقد بينت السنة النبوية أن الطلاق لا يكون فى ms0487 الحيض، فلا يتصور أن يكون ~~الطلاق فى العدة إلا إذا فسرنا القرء بالطهر لا بالحيض. وروى عن عائشة ~~أنها قالت هل تدرون الأقراء؟ الأقراء الأطهار. قال صاحب المنار قال ~~الأستاذ الإمام والخطب فى الخلاف سهل، لأن المقصود من هذا التربص العلم ~~ببراءة الرحم من الزوج السابق، وهو يحصل بثلاث حيض كما يحصل بثلاث أطهار. # . ومن النادر أن يستمر الحيض إلى آخر الحمل فكل من القولين موافق لحكمة ~~الشرع فى المسألة. ثم قال - تعالى - { ولا يحل لهن أن ~~يكتمن ما خلق الله في أرحامهن }. أى ولا يحل للنساء ~~المطلقات أن يكتمن أمانة الله التى خلقها فى أرحامهن من ولد لكى ينسبنه ~~إلى غير أبيه، أو من حيض أو طهر لكى تطول العدة، ويمتد الإنفاق من ~~الأزواج عليهن. فإن هذا الكتمان كذب على الله، وخيانة للأمانة التى ~~أودعها الله فى أحشائهن وأمرهن بالوفاء بها، سيحاسب الله من يفعل ذلك ~~منهن حسابا شديدا، ويعاقبه عقابا أليما. وقوله { إن كن يؤمن ~~بالله واليوم الآخر } تحريض لهن على عدم الكتمان وعلى الاخبار ~~الصادق حتى تستقيم الأحكام، وتتقرر الحقوق، وتحذير لهن من الكتمان ومن ~~اتباع الهوى والشيطان أى أن على المطلقات ألا يكتمن ما خلق الله فى ~~أرحامهن إن جرين على ما يقتضيه الإيمان، إذ الإيمان يبعث على الصدق ~~ويدعو إلى المحافظة على الأمانة، فإن لم يفعلن ذلك وكتمن ما خلق الله فى ~~أرحامهن، كن ممن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر إيمانا حقيقيا، لأن من ~~شأن المؤمنات الكاملات فى إيمانهن ألا يفعلن ذلك. قال الإمام الرازى أما ~~قوله { إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر } فليس المراد ~~أن ذلك النهى - عن الكتمان - مشروط بكونها مؤمنة، بل هذا كما تقول للرجل ~~الذى يظلم إن كنت مؤمنا فلا تظلم. تريد إن كنت مؤمنا فينبغى أن يمنعك ~~إيمانك عن ظلمى، ولا شك أن هذا تهديد شديد للنساء.. والآية الدالة على أن ~~كل من جعل أمينا فى شىء فخان فيه فأمره عند الله شديد ". هذا، وقد قرر ~~الفقهاء أن القول ms0488 فيما يتعلق بعدة المرأة ابتداء وانتهاء مرجعه إليها، ~~لأنه أمر يتعلق بها ولا يعلم إلا من جهتها، إلا أنهم مع ذلك قرروا مدة ~~ينتهى قولها عنده، ولا يعمل بقولها إن نقصت عن تلك المدة. فلو ادعت - ~~أنها قد انقضت عدتها بعد شهر من طلاقها لا يقبل قولها. وللفقهاء كلام ~~طويل فى هذه المسألة مبسوط فى كتب الفقه فليرجع إليه من شاء ذلك. ثم قال ~~- تعالى - { وبعولتهن أحق بردهن فى ذلك إن ~~أرادوا إصلاحا }. قال القرطبى البعولة جمع البعل وهو الزوج، سمى ~~بعلا لعلوه على الزوجة بما قد ملكه من زوجيتها، ومنه قوله - تعالى - # أتدعون بعلا # أى ربا، لعلوه فى الربوبية.. والبعولة أيضا مصدر البعل. وبعل الرجل ~~بيعل - كمنع يمنع - أى صار بعلا. والمباعلة والبعال الجماع، ومنه قوله ~~صلى الله عليه وسلم لأيام التشريق # " إنها أيام أكل وشرب وبعال ". # والمعنى وأزواج المطلقات طلاقا رجعيا أحق بردهن ومراجعتهن فى { ذلك ~~} أى فى وقت التربص قبل انقضاء العدة { إن أرادوا إصلاحا } أى ~~إن أرادوا بهذه المراجعة الإصلاح لا الإضرار، كما سيأتى فى قوله - ~~تعالى - { وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن ~~فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا ~~تمسكوهن ضرارا لتعتدوا }. قال القرطبى وأجمع العلماء ~~على أن الحر إذا طلق زوجته الحرة وكانت مدخولا بها تطليقة أو تطليقتين، ~~أنه أحق برجعتها ما لم تنقض عدتها وإن كرهت المرأة، فإن لم يراجعها ~~الملطق حتى انقضت عدتها فهى أحق بنفسها وتصير أجنبية منه، ولا تحل له إلا ~~بخطبة ونكاح مستأنف بولى وإشهاد ليس على صفة المراجعة، وهذا اجماع من ~~العلماء ". وفى هذه الجملة الكريمة بيان لبعض الحكم السامية التى أرادها ~~الله - تعالى - من وراء مشروعية العدة. فالله - تعالى - جعل للمطلق فرصة ~~- هى مدة ثلاثة قروء - لكى يراجع نفسه، ويتدبر أمره، لعله خلال هذه ~~المراجعة وذلك التدبر يرى أن الخير فى بقاء زوجته معه فيراجعها، رعاية ~~لرابطة المودة والرحمة التى جعلها الله - تعالى - بين الزوجين. وقوله - ~~تعالى - { إن أرادوا إصلاحا } شرط المقصود منه حض المطلق على ~~أن ينوى بإرجاعه ms0489 لمطلقته إصلاح أحوالهما، بإرشادها إلى ما من شأنه أن ~~يجعل حياتهما الزوجية مستمرة لا منقطعة، أما إذا راجعها على نية الكيد ~~والأذى والمضارة ففى هذه الحالة يكون آثما وسيعاقبه الله على ذلك بما ~~يستحقه. قال الآلوسى وليس المراد من التعليق اشتراط جواز الرجعة بإرادة ~~الإصلاح حتى لو لم يكن قصده لا تجوز، للإجتماع على جوازها مطلقا، بل ~~المراد تحريضهم على قصد الإصلاح حيث جعل كأنه منوط به ينتفى بانتفائه ". ~~ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله { ولهن مثل الذي عليهن ~~بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز ~~حكيم }. أى وللنساء على الرجال مثل ما للرجال على النساء. فليؤد كل ~~واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه نحوه بالمعروف. والمراد بالمماثلة - ~~كما يقول الآلوسى - المماثلة فى الوجوب لا فى جنس الفعل، فلا يجب عليه ~~إذا غسلت ثيابه أو خبزت له أن يفعل لها مثل ذلك، ولكن يقابله بما يليق ~~بالرجال ". أى أن الحقوق والواجبات بينهما متبادلة، وأنهما متماثلان فى ~~أن كل واحد منهما عليه أن يؤدى نحو صاحبه ما يجب عليه بالمعروف أى بما ~~عرفته الطباع السليمة ولم تنكره، ووافق ما أوجبه الله على كل منهما فى ~~شريعته. فالباء فى قوله { بالمعروف } للملابسة. وقد بين النبى صلى ~~الله عليه وسلم فى أحاديث متعددة حقوق الرجال على النساء، وحقوق النساء ~~على الرجال، ومن ذلك ما أخرجه مسلم فى صحيحه عن جابر بن عبد الله أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال فى خطبته فى حجة الوداع # " اتقوا الله فى النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله. واستحللتم فروجهن ~~بكلمة الله ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه. فإن فعلن ذلك ~~فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف ". # وروى الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا يحل مرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن فى بيته إلا ~~بإذنه ". # وأخرج أبو داود عن معاوية بن حيدة قال # " قلت يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال أن ms0490 تطعمها إذا طعمت، ~~وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا فى البيت ". # ولقد قام السلف الصالح بأداء هذه الحقوق على أحسن وجه فقد روى عن ابن ~~عباس أنه قال إنى لأحب أن أتزين لامرأتى كما تتزين لى لأن الله. تعالى - ~~يقول { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف }. أى أن ~~يحب أن يؤنسها وأن يدخل السرور على قلبها كما أنها هى تحب أن تفعل له ~~ذلك. ولكن لا يفهم أحد أن المراد بهذا المثلية المساواة من كل الوجوه قال ~~- تعالى - { وللرجال عليهن درجة } والرجال جمع رجل. يقال ~~رجل بين الرجلة أى القوة. وهو أرجل الرجلين أى أقواهما. وفرس رجيل أى قوى ~~على المشى. وارتجل الكلام أى قوى عليه من غير حاجة فيه إلى فكرة وروية، ~~وترجل النهار أى قوى ضياؤه. فأصل كلمة الرجل مأخوذة من الرجولية بمعنى ~~القوة. والدرجة فى الأصل ما يرتقى عليه من سلم ونحوه، والمراد بها هنا ~~المزية والزيادة أى لهن عليهم مثل الذى لهم عليهن، وللرجال على النساء ~~مزية وزيادة فى الحق، بسبب حمايتهم لهن، وقيامهم بشئونهن ونفقتهن وغير ~~ذلك من واجبات. قال بعض العلماء وإذا كانت الأسرة لا تتكون إلا من ازدواج ~~هذين العنصرين - الرجل والمرأة - فلابد أن يشرف على تهذيب الأسرة ويقوم ~~على تربية ناشئتها وتوزيع الحقوق والواجبات فيها أحد العنصرين. وقد نظر ~~الإسلام إلى هذا الأمر نظرة عادلة، فوجد أن الرجل أملك لزمام نفسه، ~~وأقدر على ضبط حسه، ووجده الذى أقام البيت بماله وأن انهياره خراب عليه ~~فجعل له الرياسة، ولذا قال - سبحانه - # الرجال قوامون على النسآء بما فضل الله ~~بعضهم على بعض وبمآ أنفقوا من أموالهم... # هذه هى الدرجة التى جعلها الإسلام للرجل، وهى درجة تجعل له حقوقا ~~وتجعل عليه واجبات أكثر، فهى موائمة كل المواءمة لصدر الآية، فإذا كان ~~للرجل فضل درجة فعلية فضل واجب ". وقوله { والله عزيز حكيم } ~~أى غالب فى انتقامه ممن عصاه، حكيم فى أمره وشرعه وسائر ما يكلف به ~~عباده. # فعلى الرجل والمرأة أن يطلبا ms0491 عزهما فيما شرعه الله فهو الملجأ والمعاذ ~~لكل ذى حق مهضوم، وعليهما كذلك أن يتمسكا بما كلفهما به، لأنه ما كلفهما ~~إلا بما تقتضيه الحكمة، ويؤيده العقل السليم. وبعد أن بين - سبحانه - فى ~~هذه الآية شرعية الطلاق ومداه إذا طلق الرجل امرأته المدخول بها طلقة ~~رجعية، ووضع المنهاج العادل الذى يجب أن يتبعه الرجال والنساء.. بعد أن ~~بين ذلك أتبعه ببيان الحد الذى ينتهى عنده ما للرجل من حق المراجعة فقال ~~- تعالى - { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسان }. قال الإمام ابن كثير هذه الآية رافعة لما كان ~~عليه الأمر فى ابتداء الإسلام من أن الرجل كان أحق برجعة امرأته وإن ~~طلقها مائة مرة ما دامت فى العدة، فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات، ~~قصرهم الله - تعالى - على ثلاث طلقات، وأباح الرجعة فى المرة والثنتين، ~~وأبانها بالكلية فى الثالثة فقال الطلاق مرتان... الآية. وروى ابن أبى ~~حاتم عن هشام بن عروة عن أبيه أن رجلا قال لامرأته لا أطلقك أبدا ولا ~~آويك أبدا. قالت وكيف ذلك؟ قال أطلق حتى إذا دنا أجلك - أى قاربت عدتك ~~أن تنتهى - راجعتك - فأتت المرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ~~له ذلك فأنزل الله - تعالى - { الطلاق مرتان } - الآية. والطلاق ~~- كما يقول القرطبى - هو حل العصمة المنعقدة بين الأزواج بألفاظ مخصوصة. ~~وآل فى قوله { الطلاق مرتان } للعهد الذكرى. أى الطلاق الرجعى ~~المشار إليه فى قوله - تعالى - { والمطلقات يتربصن } ~~مرتان، وأمر المطلق بعد آحدى هاتين الطلقتين يدور بين حالتين إما إمساك ~~بمعروف بمعنى أن يراجعها على نية الإبقاء على العلاقة الزوجية، ~~والمعاملة الحسنة وإما تسريح بإحسان بمعنى أن يتركها حتى تنتهى عدتها، ~~ويطلق سراحها بدون ظلم أو إساءة إليها، كما قال - تعالى - # وسرحوهن سراحا جميلا # قال القرطبى والتسريح إرسال الشىء، ومنه تسريح الشعر ليخلص البعض من ~~البعض، وسرح الماشية أرسلها.. ". وعلى هذا التفسير يكون المراد بالطلاق ~~فى الآية الطلاق الرجعى وبالمرتين حقيقة التثنية، ويكون وقت الإمساك أو ~~التسريح هو ما بعد الطلقة الأولى ms0492 أو الثانية بصفة خاصة، وفى كل الأوقات ~~بصفة عامة. وعلى هذا التفسير سار كثير من العلماء. ويرى بعضهم أن المراد ~~بالطلاق فى الطلاق الشرعى، وبالمرتين التكرار لا العدد، وأن المراد من ~~التسريح بالإحسان هو الطلقة الثالثة، أى بعد الطلقتين الأوليين يتروى فى ~~الأمر فيمسك بالمعروف أو يطلق الطلقة الثالثة. وقد ذكر هذا الرأى صاحب ~~الكشاف فقال { الطلاق } بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم، أى ~~التطليق الشرعى تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة ~~واحدة، ولم يرد بالمرتين التثنية ولكن التكرير، كقوله " ثم ارجع البصر ~~كرتين " أى كرة بعد كرة لا كرتين اثنتين، ونحو ذلك من التثانى التى يراد ~~بها التكرير كقولهم لببك وسعديك. # . وقوله { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } تخيير ~~لهم بعد أن علمهم كيف يطلقون بين أن يمسكوا النساء بحسن العشرة وبين أن ~~يسرحوهن السراح الجميل الذى علمهم إياه.. وروى أن سائلا سأل النبى صلى ~~الله عليه وسلم أرأيت قول الله - تعالى - { الطلاق مرتان } فأين ~~الثالثة، فقال صلى الله عليه وسلم # " التسريح بإحسان ". # والفاء فى قوله - تعالى - { فإمساك... } للتفريع، وإمساك خبر ~~لمبتدأ محذوف والتقدير فالشأن أو فالأمر إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. ~~قال الفخر الرازى والحكمة فى إثبات حق الرجعة أن الإنسان ما دام يكون مع ~~صاحبه لا يدرى أنه هل تشق عليه مفارقته أولا؟ فإذا فارقه فعتد ذلك يظهر، ~~فلو جعل الله - تعالى - الطلقة الواحدة مانعة من الرجوع لعظمت المشقة على ~~الإنسان بتقدير أن يظهر المحبة بعد المفارقة، ثم لما كان كمال التجربة ~~لا يحصل بالمرة الواحدة، فلا جرم أثبت - سبحانه - حق المراجعة بعد ~~المفارقة مرتين، وعند ذلك يكون قد جرب الإنسان نفسه فى تلك المفارقة ~~مرتين وعرف حال قلبه فى ذلك الباب. فإن كان الأصلح إمساكها راجعها ~~وأمسكها بالمعروف، وإن كان الأصلح له تسريحها سرحها على أحسن الوجوه، ~~وهذا التدريج والترتيب يدل على كمال رحمته ورأفته بعباده ". هذا، ويرى ~~بعض العلماء كابن تيمية وابن القيم أن الرجل إذا أوقع الطلاق دفعة واحدة، ~~بأن قال لزوجته أنت ms0493 طالق ثلاث مرات، فطلاقه لا يكون إلا طلقة واحدة، لأن ~~اقتران الطلاق بكلمة ثلاثا لا يجعله ثلاث مرات بل هو مرة واحدة كمن يقول ~~أحلف بالله ثلاثا فهو يمين واحدة. ويرى الأئمة الأربعة أن طلاق هذا ~~الرجل فى مثل هذه الصورة يقع ثلاثا، لأنهم يرون أن الطلاق المقترن ~~بالعدد لفظا أو إشارة يكون ثلاثا أو اثنين على حسب ما اقترن به. ولأن ~~عمر - رضى الله عنه - أفتى بذلك. فقد أخرج مسلم وأبو داود والنسائى ~~والحاكم عن ابن عباس قال " كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعلى عهد أبى بكر، وسنتين من خلافة عمر واحدة، فقال عمر إن ~~الناس قد استعجلوا فى أمر لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم ". فأمضاه. ~~وهذه المسألة مبسوطة بأدلتها فى كتب الفقه وبعض كتب التفسير. ثم قال - ~~تعالى - { ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن ~~شيئا إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله فإن ~~خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما ~~فيما افتدت }. # قال الراغب الخوف توقع مكروه عن إمارة مظنونة أو معلومة، كما أن الرجاء ~~والطمع توقع محبوب عن أمارة مظنونة أو معلومة. ويضاد الخوف الأمن.. ". ~~والجناح الإثم من جنح بمعنى مال عن القصد - وسمى الآثم به للميل فيه من ~~الحق إلى الباطل -. يقال جنحت السفينة أى مالت إلى أحد جانبيها. ~~والافتداء تخليص النفس بمال يبذل لتخليصها ودفع الأذى عنها. وأصله من ~~الفدى والفداء بمعنى حفظ الإنسان نفسه عن الشدة بما يبذله من أجل ذلك. ~~والمعنى ولا يجوز لكم أيها المطلقون أن تأخذوا من زوجاتكم فى مقابلة ~~الطلاق شيئا مما أعطيتموهن من صداق أو من غيره من أموال، لأن هذا الأخذ ~~يكون من باب الظلم الذى نهى الله عنه، وليس من باب العدل الذى أمر الله ~~به. ثم استثنى - سبحانه - صورة يجوز فيها الأخذ فقال { إلا أن ~~يخافآ }. إلخ أى لا يجوز لكم أن تأخذوا فى حالة من الأحوال إلا فى ~~حالة أن يخاف الزوجان كلاهما أو أحدهما ألا ms0494 يقيما حدود الله ففى هذه ~~الحالة يجوز الأخذ وحدود الله هى ما أوجبه - سبحانه للرجل على زوجته. ~~ولها عليه. ثم خاطب - سبحانه - الحكام وجماعة المؤمنين المتوسطين ~~للإصلاح بين الزوجين فقال { فإن خفتم ألا يقيما } أى ~~الزوجان { حدود الله } التى حدها لهم وأمرهم باتباعها فى حياتهم ~~الزوجية { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } أى فلا إثم ~~على الزوج فى أخذ ما أعطته له الزوجة من مال مقابل انفصالها عنه، ولا إثم ~~عليها كذلك فى هذا الإعطاء، لأنهما ما داما قد وصلا إلى هذه الحالة من ~~التنافر، وما دامت الزوجة قد أصبحت تفضل أن تعطيه من المال ما تفدى به ~~نفسها من البقاء فى عصمته، ما داما قد أصبحا كذلك. فوقوع الفراق بينهما ~~أولى وأجدى # وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته # قال صاحب الكشاف فإن قلت لمن الخطاب فى قوله { ولا يحل لكم أن ~~تأخذوا } إن قلت إنه للأزواج لم يطابقه قوله { فإن خفتم ~~ألا يقيما حدود الله } وإن قلت إنه للأئمة والحكام فهؤلاء ~~ليسوا بآخذين منهن ولا بمؤتيهن؟ قلت يجوز الأمران جميعا أن يكون أول ~~الخطاب للأزواج وآخره للأئمة والحكام، ونحو ذلك غير عزيز فى القرآن ~~وغيره. ويجوز الخطاب كله للائمة والحكام، لأنهم الذين يأمرون بالأخذ ~~والإيتاء عند الترافع إليهم فكأنهم الآخذون والمؤتون ". والمراد بقوله { ~~ممآ آتيتموهن } أى من المهور وتخصيصها بالذكر وإن شاركها فى ~~الحكم سائر أموالهن إما لرعاية العادة وإما للتنبيه على أنه إذا لم يحل ~~لهم أن يأخذوا مما أعطوهن فى مقابلة البضع عند خروجه عن ملكهم فلأن لا ~~يحل لهم أن يأخذوا مما لا تعلق له بالبضع أولى وأحرى. # وقوله { شيئا } مفعول به لتأخذوا. التنوين للتقليل أى لا يحل لكم أن ~~تأخذوا مما آتيتموهن شيئا ولو كان المأخوذ شيئا غاية فى القلة، لأن هذا ~~الأخذ يجا فى الإحسان الذى أمرتم به. وقريب من هذه الآية فى النهى عن ~~الأخذ قوله - تعالى - # وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم ~~إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ~~أتأخذونه بهتانا ms0495 وإثما مبينا # وأن والفعل فى قوله { إلا أن يخافآ } فى موضع نصب على الحال أى ~~إلا خائفين. وقوله { ألا يقيما } فى موضع نصب على المفعول به ~~ليخافا والتقدير إلا أن يخافا ترك حدود الله. وهذه الآية قد اعتبرها ~~العلماء أصلا فى جواز الخلع. قال ابن كثير وقد ذكر ابن جرير أن هذه الآية ~~نزلت فى شأن ثابت بن قيس، ففى صحيح البخارى عن ابن عباس # " أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبى صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول ~~الله إن زوجى ثابت بن قيس - ما أعيب عليه فى خلق ولا دين، ولكن أكره ~~الكفر فى الإسلام - أى أكره عدم الوفاء بحقه لبغضى له -. فقال لها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أتردين عليه حديقته؟ - وهى المهر الذى أمهرها - ~~قالت نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت اقبل الحديقة وطلقها ~~تطليقة ". # قالوا ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما بطريق الخلع فكان أول ~~خلع فى الإسلام. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله { تلك حدود ~~الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله ~~فأولئك هم الظالمون }. أى تلك الأحكام العظيمة الحكيمة ~~المتقدمة التى بينتها لكم فى شأن الطلاق والرجعة والخلع وغير ذلك حدود ~~الله التى حدها، فلا يجوز لكم أن تخالفوها، ومن يتعد هذه الحدود فأولئك ~~هم الظالمون لأنفسهم بتعريضها لسخط الله وعقابه. وكنت الإشارة للبعيد { ~~تلك } لبيان سمو قدر هذه الأحكام، وعظم منزلتها، وجلال ما فيها من ~~مصالح واضحة لأصحاب العقول السليمة. وسميت هذه الأحكام حدودا للإشارة ~~إلى أنها فواصل بين الحق والباطل، والظلم والعدل والمنفعة والمضرة. إذ ~~الحد هو الحاجز بين الشيئين الذى يمنع اختلاط أحدهما بالآخر. يقال حددت ~~كذا أى جعلت حدا يميزه. وحد الدار ما تتميز به عن غيرها. وفى إضافة هذه ~~الحدود إليه - سبحانه - إشعار بأن مخالفتها إنما هى مخالفة له - سبحانه - ~~وأن هذه الحدود لا يتطرق إليها الريب لأنها صادرة من العليم الخبير الذى ~~أحسن كل شىء خلقه. والفاء فى قوله { فلا تعتدوها } للتفريع ms0496 أى إذا ~~كانت هذه الأحكام حدود الله فلا يصح لكم أن تتجاوزوها لأن تجاوزها يؤدى ~~إلى سوء العقبى. # وعبر فى قوله { فأولئك هم الظالمون } بفاء السببية وباسم ~~الإشارة وبضمير الفصل وبالجملة الاسمية لتأكيد معنى السببية وللإشارة ~~إلى أن الظلم شأن من شئونهم وصفة يتميزون بها عن غيرهم. وقد جاء - سبحانه ~~- بكل هذه المؤكدات فى تلك الجملة الكريمة لكبح جماح غرور الإنسان، ~~وتحذيره من الانقياد لهواه وأوهامه، فكثيرا ما يتوهم بعض الناس أن أحكام ~~الله ليست ملائمة لمتقضى الزمان الذى يعيشون فيه، ويحاولون إخضاع شرع ~~الله - تعالى - لمصالحهم وشهواتهم، أو يتركون ما شرعه الله بتلك الحجة ~~الواهية الساقطة. وأنت ترى هنا أن القرآن قال { تلك حدود الله ~~فلا تعتدوها... } بينما قال هناك فى ختام آية الصوم # تلك حدود الله فلا تقربوها # وذلك لأن الكلام هنا فى شأن الأسرة وما يسودها أحيانا من خلافات، ~~واصطدامات، واضطرابات.. والخشية هنا إنما هى من تعدى هذه الحدود التى ~~حدها الله فى أى مرة من مرات هذا الخلاف.. فجاء التحذير من التعدى لا من ~~المقاربة، بينما هناك كان الحديث عن محظورات مشتهاة مستلذة تريدها النفس ~~لترضى شهوتى البطن والفرج، فجاء التحذير من مجرد الاقتراب من هذه الحدود ~~التى حدها الله إتقاء لضعف الإرادة أمام جاذبيتها. فسبحان من هذا كلامه # ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا # ثم بين - سبحانه - أحكام الطلاق المكمل للثلاث، بعد بيانه لأحكام الطلاق ~~الرجعى وأحكام الخلع فقال - تعالى - { فإن طلقها فلا تحل ~~له من بعد حتى تنكح زوجا غيره }. أى فإن طلق الرجل ~~زوجته طلقة ثالثة بعد الطلقتين اللتين أباح الله له مراجعتها بعد كل ~~منهما فى أثناء العدة، فإنه فى هذه الحالة تكون زوجته محرمة عليه، ولا ~~تحل له حتى تنكح زوجا غيره نكاحا شرعيا صحيحا، بأن يدخل بها، ~~ويباشرها مباشرة شرعية كما يباشر الأزواج زوجاتهم. فالمراد بالنكاح فى ~~قوله تعالى { حتى تنكح زوجا غيره } الزواج بشخص آخر يدخل ~~بها دخولا صحيحا. ويؤيد هذا المعنى ويؤكده ما جاء ms0497 فى الحديث المشهور ~~الذى أخرجه البخارى وغيره # " عن عائشة - رضى الله عنها - قالت جاءت امرأة رفاعة القرظى إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن رفاعة طلقنى فبت طلاقى. ~~وإنى نكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظى، وإن ما معه مثل الهدبة، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلك تريدين أن ترجعى إلى رفاعة؟ لا ~~حتى تذوقى عسيلته ويذوق عسيلتك ". # وواضح من ذوق العسيلة أن يدخل بها ويجامعها. وعلى هذا انعقد إجماع ~~الفقهاء. ولم يلتفتوا إلى ما نسبه بعضهم إلى سعيد بن المسيب من أنه أجاز ~~للمرأة أن تعود إلى زوجها الأول بعد عقد زواجها على الثانى دون أن يدخل ~~بها. # وحملوا هذا المنسوب إلى سعيد بن المسيب على أنه من شواذ الفتيا التى لا ~~وزن لها لمخالفتها لنص حديث صحيح لعله لم يبلغه. ثم قال - تعالى - { ~~فإن طلقها فلا جناح عليهمآ أن يتراجعآ إن ظنآ ~~أن يقيما حدود الله } أى فإن طلق الزوج الثانى تلك المرأة التى ~~سبق طلاقها من الزوج الأول، فلا إثم عليها وعلى زوجها الأول فى أن يرجع ~~كل منهما إلى صاحبه بعقد جديد بعد انقضاء العدة ما داما يغلب على ظنهما ~~أنهما سيقيمان حدود الله، ويؤدى كل واحد منهما ما يجب عليه نحو صاحبه ~~بأمانة وإخلاص. وقوله { أن يتراجعآ } فى موضع جر بإضمار حرف الجر ~~أى فى أن يتراجعا وقوله { أن يقيما } فى موضع نصب على أنه سد مسد ~~مفعولى ظن. قال صاحب الكشاف ولم يقل إن علما أنهما يقيمان حدود الله لأن ~~اليقين مغيب عنهما لا يعلمه إلا الله. ومن فسر الظن ها هنا بالعلم فقدوهم ~~ولأن الإنسان لم يعلم ما فى الغد وإنما يظن ظنا ". ثم ختم - سبحانه - ~~هذه الآية بقوله { وتلك حدود الله يبينها لقوم ~~يعلمون }. أى وتلك الأحكام المذكورة عن الطلاق وعن غيره مما كلف ~~الله به عباده يبينها ويوضحها بتلك الطرق الحكيمة لقوم يعلمون الحق، ~~ويعملون بمقتضى علمهم. وبهذا نرى أن الآية الكريمة قد بينت ms0498 أنه لا يحل ~~للمرأة التى طلقت من زوجها أن تعود إليه بعد الطلقة الثالثة إلا بعد أن ~~تتزوج آخر زواجا صحيحا يدخل بها فيه ويجامعها ثم يطلقها وتنقضى عدتها ~~منه. ومن حكم هذا التشريع الحكيم ردع الأزواج عن الاستخفاف بحقوق ~~زوجاتهم، وزجرهم عن التساهل فى إيقاع الطلاق، فإن الرجل الشريف الطبع، ~~العزيز النفس إذا علم أن زوجته لن تحل له بعد الطلقة الثالثة إلا إذا ~~افترشها شخص آخر توقف عن إيقاع الطلاق، وتباعد عن التسرع والاندفاع وحاول ~~أن يصلح ما بينه وبين أهله بالمعالجة الحكيمة التى تتميز بسعة الصدر وضبط ~~النفس. هذا، وقد ساق الإمام ابن كثير سبعة أحاديث فى النهى عن نكاح ~~المحلل - وهو أن يعقد رجل على امرأة قد طلقت ثلاثا من زوجها بقصد ~~إحلالها لهذا الزوج لا بقصد الزواج الدائم ثم يدخل بها دخولا صوريا وليس ~~شرعيا - ومن هذه الأحاديث ما رواه الإمام أحمد والترمذى والنسائى عن ~~عبد الله بن مسعود قال # " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له، وآكل الربا ~~وموكله ". # وعن عقبة بن عامر قال # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا أخبركم بالتيس المستعار "؟ ~~قالوا بلى يا رسول الله. قال هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له ". # وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن نكاح المحلل فقال # " لا، إلا نكاح رغبة - لا نكاح دلسة أى لا نكاح غش وتدليس - ولا استهزاء ~~بكتاب الله - ثم يذوق عسيلتها.. ". # وجاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثا فتزوجها أخ له من ~~غير مؤامرة منه - أى من غير مشورة ورغبة منه - ليحلها لأخيه فهل تحل ~~للأول؟ فقال لا إلا نكاح رغبة. كنا نعد هذا سفاحا على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. ثم قال ابن كثير والمقصود أن الزوج الثانى يكون راغبا ~~فى المرأة قاصدا لدوام عشرتها كما هو المشروع من التزويج. واشترط ~~الإمام ملاك مع ذلك أن يطأها الثانى وطأ مباحا فلو وطئها وهى ms0499 محرمة أو ~~صائمة أو معتكفة أو حائض.. لم تحل للأول بهذا الوطء والمراد بالعسيلة ~~الجماع لما رواه الإمام أحمد والنسائى عن عائشة أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال # " ألا إن العسيلة الجماع ". # وبعد أن بين - سبحانه - فى الآية السابقة أن الزوج مخير بين الإمساك ~~والتسريح فى مدة العدة، عقب ذلك ببيان أن هذا التخيير من حقه حتى آخر وقت ~~فى العدة، وذلك لتذكيره بأن الإمساك أفضل من التسريح، وأن عليه ألا يلجأ ~~إلى الطلاق إلا إذا سدت طرق الإصلاح والمعالجة، وأنه إذا اختار الطلاق ~~فعليه أن يسلك فيه طريق الحق والعدل لا طريق الباطل والجور. قال - تعالى ~~{ وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن ~~فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا ~~تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ~~ظلم نفسه }. قال الراغب الأجل المدة المضروبة للشىء. قال - تعالى ~~- # ولتبلغوا أجلا مسمى.. # - أى مدة معينة - والبلوغ والبلاغ الانتهاء إلى أقصى المقصد والمنتهى ~~مكانا كان أو زمانا أو أمرا من الأمور المقدرة، وربما يعبر به عن ~~المشارفة عليه وإن لم يننه. فمن الانتهاء قوله - تعالى - # وبلغ أربعين سنة # وأما قوله { فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف } ~~فللمشارفة فإنها إذا انتهت إلى أقصى الأجل لا يصح للزوج مراجعتها ~~وإمساكها ". والمراد بالأجل هنا عدة المرأة. وببلوغها قرب انتهائها. ~~والضرار - كما يقول الرازى - هو المضارة. قال - تعالى - # والذين اتخذوا مسجدا ضرارا # أى اتخذوا المسجد ضررا ليضاروا المؤمنين، ومعناه يرجع إلى إثارة ~~العداوة، وإزالة الألفة، وإيقاع الوحشة، وموجبات النفرة ". والمعنى وإذا ~~طلقتم - أيها المؤمنون - نساءكم طلاقا رجعيا، { فبلغن أجلهن ~~} أى فشارفت عدتهن على الانتهاء، وقاربت الانقضاء، فعليكم أن تتدبروا ~~مليا فى أمركم، فإن رأيتم الأصلح فى بقائهن معكم فنفذوا ذلك وأمسكوهن ~~بمعروف. # أى بما هو المعروف من شرع الله الحكيم، وبما تقره الأخلاق الحسنة ~~والعقول السليمة. وإن رأيتم أنه لا رغبة لكم فى البقاء معهن فسرحوهن ~~بمعروف أى فأمضوا الطلاق، وتفارقوا بالطريقة التى يرضاها الحق - سبحانه - ~~بأن تؤدوا لهن حقوقهن. ولا تذكروهن بسوء بعد انفصالكم عنهن، فهذا شأن ~~الأتقياء ms0500 الصالحين فقد سئل بعضهم، لم طلقت امرأتك؟ فقال إن العاقل لا ~~يذكر ما بينه وبين أهله. قال القرطبى معنى { بلغن } قاربن بإجماع من ~~العلماء، ولأن المعنى يضطر إلى ذلك، لأنه بعد بلوغ الأجل لا خيار له فى ~~الإمساك، وهو فى الآية التى بعدها بمعنى الانتهاء، لأن المعنى يقتضى ~~ذلك، فهو حقيقة فى الثانية، مجاز فى الأولى - أى التى معنا - ". ثم نهى - ~~سبحانه - عن الإمساك الذى يكون معه الضرر فقال. { ولا تمسكوهن ~~ضرارا لتعتدوا } أى لا تراجعوهن إرادة الضرر بهن والإيذاء لهن ~~لتعتدوا عليهن، والجملة الكريمة تأكيد للأمر بالإمساك بمعروف، وتوضيح ~~لمعناه، وزجر صريح عما كان يفعله يعضهم من مراجعته لامرأته قبل انتهاء ~~عدتها لا لقصد الإبقاء على الزوجية وإنما القصد إطالة عدة الزوجة، أو ~~لقصد أن تفتدى نفسها منه بالمال و { ضرارا } منصوب على الحال فى ~~تمسكوهن أو على أنه مفعول لأجله. واللام فى قوله { لتعتدوا } هى ~~لام العاقبة أى لتكون عاقبة أمركم الاعتداء. وحذف متعلق " لتعتدوا " ~~ليتناول الاعتداء عليهن وعلى أحكام الله - تعالى -. وقوله { ومن ~~يفعل ذلك فقد ظلم نفسه } وعيد شديد لمن يقدم على ما نهى ~~الله عنه. أى ومن يراجع مطلقته بقصد الإضرار بها والاعتداء عليها فقد ~~ظلم نفسه ظلما مؤكدا، لأنه سيعرضها لعقاب الله وسخط الناس. وجعل ظلمهم ~~لنسائهم ظلما لأنفسهم، لأن عملهم هذا سيؤدى إلى اختلال المعاشرة الزوجية ~~واضطرابها، وشيوع العداوة والبغضاء بين الزوجين وبين أهلهما. ثم كرر - ~~سبحانه - تحذير المخالفين لشريعته، وذكرهم بألوان نعمه عليهم ليستجيبوا ~~لأمره فقال { ولا تتخذوا آيات الله هزوا واذكروا ~~نعمت الله عليكم ومآ أنزل عليكم من الكتاب ~~والحكمة يعظكم به }. آيات الله أحكامه التى شرعها فى شأن ~~الطلاق وغيره. والهزء - بضمتين - مصدر هزأ به إذا سخر ولعب وهو هنا مصدر ~~بمعنى اسم المفعول أى مهزوءا بها. وقوله { هزوا } مفعول ثان لتتخذوا. ~~والمراد بالحكمة هنا. السنة النبوية المطهرة. والموعظة والعظة النصح ~~والتذكير بالخير. بما يرقق القلوب، ويحذر النفوس مما نهى الله عنه. أى ~~ولا تتخذوا - أيها الناس - آيات الله التى ms0501 شرعها لكم فى شأن الطلاق وغيره ~~مهزوءا بها بأن تعرضوا عنها، وتتهاونوا فى المحافظة عليها، والتمسك ~~بتعاليمها، ومن مظاهر ذلك أن بعض الناس كان يكثر من التلفظ بالطلاق ~~متوهما أن ذلك لا يضر، أو كان يتخذ المراجعة وسيلة لإيذاء المرأة. # قال القرطبى وفى موطأ مالك أنه بلغه أن رجلا قال لابن عباس " إنى طلقت ~~امرأتى مائة مرة فماذا ترى على؟ فقال ابن عباس طلقت منك بثلاث، وسبع ~~وتسعون اتخذت بها آيات الله هزوا ". والجملة الكريمة نهى أريد به الأمر ~~بضده، أى جدوا فى العمل بأوامر الله وآياته، وارعوها حق رعايتها. وقوله { ~~واذكروا نعمت الله عليكم }. إلخ أى تذكروها فى هدايتكم ~~إلى الإسلام، وفى مشروعية الزوجية وفى غير ذلك مما لا يحصى من النعم ~~وتدبروا نعم الله عليكم فقابلوها بالشكر، واستعملوها فيما خلقت له، ~~وتذكروا كذلك ما أنزل الله عليكم بواسطة رسولكم محمد صلى الله عليه وسلم ~~من الكتاب وهو القرآن الذى يهدى للتى هى أقوم، ومن الحكمة وهى السنة ~~النبوية المطهرة، بما جاء فيهما من توجيهات سامية، وآداب عالية. و " ما " ~~فى قوله { ومآ أنزل عليكم } موصولة والعائد محذوف أى ما أنزله ~~و " من " فى قوله { من الكتاب } بيانية، وجملة { يعظكم به ~~} حال من فاعل أنزل أو من مفعوله، والضمير فى { به } يعود على الكتاب ~~والحكمة بعد تأويلهما بالمذكور. وجعل ضميرها واحدا لأنهما فى مؤداهما ~~وغايتهما شىء واحد، فالسنة ليست نابعة إلا من الكتاب ومنه أخذت قوتها ~~وسلطانها. وقوله - سبحانه - فى ختام الآية { واتقوا الله ~~واعلموا أن الله بكل شىء عليم } تذكير لهم بتقوى الله ~~وخشيته ومراقبته، وتحذير لهم من مخالفة أمره. أى صونوا أنفسكم عن كل ما ~~يغضب الله - تعالى - فيما يتعلق بأمور الزوجية وفى غيرها مما شرعه لكم، ~~واعلموا أنه - سبحانه - عليم بكل شىء، عليم بما تسرونه وما تعلنونه، ~~وسيحاسب كل إنسان بما قدمت يداه # يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ ~~لله # ثم بين - سبحانه - ما ينبغى اتباعه عند حصول الطلاق وإمضائه حتى لا يقع ~~ظلم ms0502 أو جور فقال - تعالى - { وإذا طلقتم النسآء فبلغن ~~أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا ~~تراضوا بينهم بالمعروف }. قال القرطبى تعضلوهن معناه ~~تحبسوهن، ودجاجة معضل أى قد احتبس بيضها، وقيل العضل التضييق والمنع وهو ~~راجع إلى معنى الحبس. يقال أعضل الأمر إذا ضاقت عليك فيه الحيل. قال ~~الأزهرى وأصل العضل من قولهم عضلت الناقة إذا نشب ولدها فلم يسهل خروجه. ~~ويقال أعضل الأمر إذا اشتد، وداء عضال أى شديد عسر البرء أعيا الأطباء... ~~". والمعنى وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن أى انقضت عدتهن وخلت الموانع ~~من زواجهن، فلا تمنعوهن من الزواج بمن يردن الزواج به، متى حصل التراضى ~~بين الأزواج والزوجات على ما يحسن فى الدين، وتقره العقول السليمة، ويجرى ~~به العرف الحسن. والمراد ببلوغ الآجل هنا بلوغ أقصى العدة، بخلاف البلوغ ~~فى الآية التى قبل هذه، فإن المراد به المشارفة والمقاربة كما أشرنا من ~~قبل لأن المعنى يحتم ذلك، والخطاب هنا للأزواج وللأولياء ولكل من له ~~تأثير على المرأة المطلقة، وذلك لأن منع الزوجة من الزواج بعد انقضاء ~~عدتها قد يكون من جانب الزوج السابق، لا سيما إذا كان صاحب جاه وسلطان ~~وسطوة، فإنه يعز عليه أن يتزوج مطلقته أحد بعده فيمنعها من الزواج. # وقد يكون المنع من جانب الأولياء، وقد أورد المفسرون آثارا تشهد لذلك ~~منها - كما يقول الآلوسى - ما أخرجه البخارى والترمذى والنسائى وابن ماجه ~~وأبو داود من طرق شتى عن معقل بن يسار قال كانت لى أخت فأتانى ابن عم لى ~~فأنكحتها إياه، فكانت عنده ما كانت ثم طلقها تطليقة، ولم يراجعها حتى ~~انقضت العدة، فهويها وهوته ثم خطبها مع الخطاب. فقلت له أكرمتك بها ~~وزوجتكها فطلقتها ثم جئت تخطبها، والله لا ترجع إليك أبدا، وكان رجلا لا ~~بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فعلم الله - تعالى - حاجته ~~إليها وحاجتها إلى بعلها فأنزل هذه الآية. ففى نزلت فكفرت عن يمينى ~~وأنكحتها إياه.. ". وعبر - سبحانه - عن الرجال الذين هم محل الرضا من ~~النساء بالأزواج فقال { فلا ms0503 تعضلوهن أن ينكحن ~~أزواجهن } مع أن الزواج لم يتحقق بعد، للإشارة إلى الحقيقة ~~المقررة الثابتة، وهى أن من يقع اختيارها عليه، ولم يكن اقترانها به فيه ~~ما يشينها أو يشين أسرتها، فمن الواجب ألا يمانع أحد فى إتمام هذا ~~الزواج، بل على الجميع أن يقروه وينفذوه، لأن شريعة الله والفطرة ~~الإنسانية يقضيان بذلك. وقوله { أن ينكحن } تقديره من أن ينكحن فهو ~~فى محل جر عند الخليل والكسائى وفى محل نصب عند غيرهما، وقوله { إذا ~~تراضوا } ظرف لأن ينكحن أو لقوله { فلا تعضلوهن } ، وقوله ~~{ بالمعروف } متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل تراضوا، أو هو نعت ~~لمصدر محذوف أى تراضيا كائنا بالمعروف أو هو متعلق بتراضوا. أى تراضوا ~~بما يحسن فى الدين والمروءة، وفيه إشعار بأن المنع من التزوج بغير كفء أو ~~بما دون مهر المثل ليس من العضل المنهى عنه. ثم ختم - سبحانه - الآية ~~بقوله { ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله ~~واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله ~~يعلم وأنتم لا تعلمون }. أى ذلك القول الحكيم، والتوجيه ~~الكريم المشتمل على أفضل الأحكام وأسماها يوعظ به، ويستجيب له من كان ~~منكم عميق الإيمان بالله - تعالى - وبثوابه وبعقابه يوم القيامة. ذلكم ~~الذى شرعه الله لكم - أيها المؤمنون - من ترك عضل النساء والإضرار بهن ~~وغير ذلك من الأحكام { أزكى لكم وأطهر } أى أعظم بركة ~~ونفعا، وأكثر تطهيرا من دنس الآثام، فإن المرأة إذا عوملت معاملة ~~كريمة، ولم تظلم فى رغباتها المشروعة، التزمت فى سلوكها العفاف والخلق ~~الشريف، أما إذا شعرت بالظلم والامتهان فإن هذا الشعور قد يدفعها إلى ~~ارتكاب ما نهى الله عنه. # والله تعالى يعلم ما فيه مصلحتكم ومنفعتكم، وأنتم لا تعلمون ذلك، ~~فامتثلوا ما أمركم به واجتنبوا ما نهاكم عنه تفوزوا وتسعدوا. والإشارة ~~بقوله { ذلك } إلى ما فصل من أحكام وما أمر به من أفعال والخطاب لكل ~~من يصلح للخطاب من المكلفين. وخصص الوعظ بالمؤمنين لأنهم هم الذين ~~ينتفعون به، وترق معه قلوبهم وتخشع له نفوسهم. وأتى - سبحانه - بضمير ~~الجمع ms0504 { ذلكم } بعد أن قال فى صدر الجملة { ذلك } للإشارة إلى أن ~~حماية المرأة من الهوان ومنع التضييق عليها فى اختيار زوجها واجب على ~~جميع المؤمنين، وأن فائدة ذلك ستعود عليهم جميعا ما دام هذا الاختيار فى ~~حدود الآداب التى جاء بها الإسلام. وقوله { والله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون } رد على كل معترض على تطبيق شريعة الله، أو ~~متهاون فى ذلك بدعوى أنها ليست صالحة للظروف التى يعيش ذلك المعترض أو ~~هذا المتهاون فيها، لأن شرع الله فيه النفع الدائم والمصلحة الحقيقية، ~~والنتائج المرضية، لأنه شرع من يعلم كل شىء ولا يجهل شيئا، ويعلم ما هو ~~الأنفع والأصلح للناس فى كل زمان ومكان، ولم يشرع لهم - سبحانه - إلا ما ~~فيه مصلحتهم ومنفعتهم، وما دام علم الله - تعالى - هو الكامل، وعلم ~~الإنسان علم قاصر، فعلينا أن نتبع شرع الله فى كل شئوننا، ولنقل لأولئك ~~المعترضين أو المتهاونين سيروا معنا فى طريق الحق فذلكم { أزكى ~~لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون }. ~~وبعد فهذه خمس آيات قد تحدثت عن جملة من الأحكام التى تتعلق بالطلاق، ~~وإذا كان الإسلام قد شرع الطلاق عند الضرورة التى تحتمها مصلحة الزوجين، ~~فإنه فى الوقت نفسه قد وضع كثيرا من التعاليم التى يؤدى اتباعها إلا ~~الإبقاء على الحياة الزوجية، وعلى قيامها على المودة والرحمة، ومن ذلك 1 ~~- أنه أرشد أتباعه إلى أفضل السبل لاختيار الزوج، بأن جعل أساس الاختيار ~~الدين والتقوى والخلق القويم، لأنه متى كان كل من الزوجين متحليا ~~بالإيمان والتقوى، استقرت الحياة الزوجية بينهما، وقامت على المودة ~~والرحمة وحسن المعاشرة. 2 - أنه أمر كلا الزوجين بأن يبذل كل واحد منهما ~~قصارى جهده فى أداء حق صاحبه، وإدخال السرور على نفسه، فإذا ما نجم خلاف ~~بينهما فعليهما أن يعالجاه بالحكمة والعدل، وأن يجعلا الأناة والصبر ~~رائدهما، فإن الحياة الزوجية بحكم استمرارها وتشابك مطالبها لا تخلو من ~~اختلاف بين الزوجين. 3 - دعا الإسلام إلى الإصلاح ما بين الزوجين إن ~~ابتدأت العلاقة تسير فى غير طريق المودة، فقال - تعالى ms0505 - # وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا ~~جناح عليهمآ أن يصلحا بينهما صلحا والصلح ~~خير... # كما دعا أولى الأمر أن يتدخلوا للإصلاح بين الزوجين عند نشوب الشقاق ~~بينهما أو عند خوفه فقال - تعالى - # وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من ~~أهله وحكما من أهلهآ إن يريدآ إصلاحا يوفق ~~الله بينهمآ إن الله كان عليما خبيرا # 4 - نهى الإسلام عن إيقاع الطلاق على الزوجة فى حال حيضها، أو فى حال ~~طهر باشرها فيه، لأن المرأة فى هاتين الحالتين قد تكون على هيئة لا تجعل ~~الرجل مشوقا إليها... وأباح له أن يوقع الطلاق فى طهر لم يجامعها فيه، ~~لأن إيقاعه فى هذه الحالة يكون دليلا على استحكام النفرة بينهما. 5 - نهى ~~الإسلام عن الطلاق البات بالنسبة للمرأة المدخول بها، وأمر الزوج بأن ~~يجعل طلاقه رجعيا، وأعطاه فرصة طويلة تقرب من ثلاثة أشهر ليراجع خلالها ~~نفسه، فإن وجد الخير فى مراجعة زوجته راجعها بقصد الإصلاح واستمرار ~~الحياة الزوجية، وإن وجد الخير فى غير ذلك تركها حتى تنقضى عدتها وفارقها ~~بالمعروف عملا بقوله - تعالى - { فإمساك بمعروف أو تسريح ~~بإحسان }. 6 - جعل الإسلام الطلاق بيد الرجل، لأنه هو الذى وقعت ~~عليه معظم أعباء الزواج، وهو الذى سيتحمل ما سيترتب على الطلاق من ~~تكاليف، ولا شك أنه بمقتضى هذه التكاليف وبمقتضى حرصه على استقرار حياته، ~~سيتأنى ويتروى فلا يوقع الطلاق إلا إذا كان مضطرا إلى ذلك. كما أن ~~الإسلام أباح للمرأة أن تفتدى نفسها من زوجها، أو ترفع أمرها للقاضى ~~ليفرق بينها وبينه إذا تيقنت من استحالة استمرار الحالة الزوجية بينهما ~~لأى سبب من الأسباب. وفى هذه الحالة فللقاضى أن يفرق بينهما إذا رأى أن ~~المصلحة تقتضى ذلك. 7 - أباح الإسلام للرجل الذى طلق امرأته ثلاثا أن ~~يعود إليها من جديد، وذلك بعد طلاقها من رجل آخر يكون قد تزوجها زواجا ~~شرعيا وانقضت عدتها منه، وفى ذلك ما فيه من التأديب لهما، والتهذيب ~~لسلوكهما. 8 - وردت أحاديث متعددة تنهى عن إيقاع الطلاق إلا عند ms0506 الضرورة ~~وتتوعد المرأة التى تطلب من زوجها أن يطلقها بدون سبب معقول بالعذاب ~~الشديد، ومن ذلك ما رواه أبو داود والترمذى عن ثوبان أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال # " أيما امرأة سألت زوجها طلاقها من غير ما بأس - أى من غير عذر شرعى أو ~~سبب قوى - فحرام عليها رائحة الجنة " # وروى أبو داود وغيره عن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال # " أبغض الحلال إلى الله الطلاق ". # هذه بعض التشريعات التى وضعها الإسلام لصيانة الحياة الزوجية من التصدع ~~والانهيار، ومنها نرى أن الإسلام وإن كان قد شرع الطلاق، إلا أنه لا ~~يدعو إليه إلا إذا كانت مصلحة الزوجين أو أحدهما تقتضيه وتستلزمه. وبعد ~~أن بين - سبحانه - حقوق الزوجين فى حالتى اجتماعهما واقترافهما، أردف ذلك ~~ببيان حقوق الأطفال الذين يكونون ثمرة لهذا الزواج. فقال تعالى { ~~والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين... }. ### || [2.233] # المراد بالوالدات الأمهات سواء أكن فى عصمة أزواجهن أم مطلقات لأن اللفظ ~~عام فى الكل ولا يوجد ما يقتضى تخصيصه بنوع من الأمهات. ويرى بعض ~~المفسرين أن المراد بالوالدات هنا خصوص المطلقات لأن سياق الآيات قبل ذلك ~~فى أحكام الطلاق، ولأن المطلقة عرضة لإهمال العناية بالولد وترك إرضاعه. ~~وحولين أى عامين. وأصل الحول - كما يقول الراغب - تغير الشىء وانفصاله عن ~~غيره. والحول السنة اعتبارا بانقلابها ودوران الشمس فى مطالعها ~~ومغاربها. قال - تعالى - { والوالدات يرضعن أولادهن ~~حولين كاملين }. ومنه حالت السنة تحول وحالت الدار تغيرت، ~~وأحال فلان بمكان كذا أى أقام به حولا ". وعبر عن الأمهات بالوالدات، ~~للإشارة إلى أنهن اللائى ولدن أولادهن، وأنهن الوعاء الذى خرجوا منه إلى ~~الحياة، ومنهن يكون الغذاء الطبيعى المناسب لهذا المولود الذى جاء عن ~~طريقهن. وقوله { يرضعن أولادهن } جملة خبرية اللفظ إنشائية ~~المعنى، إذ التقدير ليرضعن. أى عليهن إرضاع أولادهن. وعبر عن الطلب بصيغة ~~الخبر، للإشعار بأن إرضاع الأم لطفلها عمل توجبه الفطرة، وتنادى به ~~طبيعة الأمومة. قال الجمل وهذا الأمر للندب وللوجوب، فهو يكون للندب عند ~~استجماع شروط ثلاثة، قدرة ms0507 الأب على استئجار المرضع، ووجود من يرضعه غير ~~الأم، وقبول الولد للبن الغير. ويكون للوجوب عند فقد أحد هذه الشروط. ~~وليس التحديد بالحولين للوجوب، لأنه يجوز الفطام قبل ذلك، بدليل قوله { ~~لمن أراد أن يتم الرضاعة } وإنما المقصود بهذا التحديد ~~قطع التنازع بين الزوجين إذا تنازعا فى مدة الرضاع، فإذا اتفق الأب والأم ~~على أن يفطما ولدهما قبل تمام الحولين كان لهما ذلك إذا لم يتضرر الولد ~~بهذا الفطام، وإن أراد الأب أن يفطمه قبل الحولين ولم ترض الأم أو العكس ~~لم يكن لأحدهما ذلك. قال القرطبى ما ملخصه وقد انتزع مالك - رحمه الله - ~~ومن تابعه وجماعة من العلماء من هذه الآية أن الرضاعة المحرمة الجارية ~~مجرى النسب إنما هى ما كان فى الحولين، لأنه بانقضاء الحولين تمت ~~الرضاعة، ولا رضاعة بعد الحولين معتبرة.. لقوله - تعالى - { ~~والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } ~~فهذا يدل على ألا حكم لما ارتضع المولود بعد الحولين. وروى سفيان عن عمرو ~~بن دينار عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا رضاع إلا ما كان فى الحولين " # وهذا الخبر مع الآية ينفى رضاعة الكبير وأنه لا حرمة له. وقد روى عن ~~عائشة القول به، وروى عن ابن أبى موسى الأشعرى أنه كان يرى رضاع الكبير. ~~وروى عنه الرجوع عنه. وسيأتى تحقيق هذه المسألة فى سورة النساء ". # وفى وصف الحولين بكاملين، تأكيد لرفع توهم أن يكون المراد حولا وبعض ~~الثانى، لأن إطلاق التثنية والجمع فى الأزمان والأسنان على بعض المدلول ~~إطلاق شائع عند العرب. فيقولون هو ابن سنتين، ويريدون سنة وبعض الثانية. ~~وفى هذه الجملة الكريمة { والوالدات يرضعن أولادهن ~~حولين كاملين } بيان لمظهر من مظاهر رعاية الله - تعالى - ~~للإنسان منذ ولادته، بل منذ تكوينه فى بطن أمه جنينا، فقد أمر - سبحانه ~~- الأمهات أن يقمن بإرضاع أولادهن فى تلك المدة، لأن لبن الأم هو أفضل ~~غذاء لطفلها فى هذه الفترة، وأسلم وسيلة لضمان صحته ونموه، ولصيانته من ~~الأمراض النفسية والعقلية، فقد أثبت الأطباء الثقاة ms0508 أن الطفل كثيرا ما ~~يصاب بأمراض جسمية ونفسية وعقلية نتيجة رضاعته من غير أمه، كما أثبتوا أن ~~عناية الأم بطفلها فى هذه الفترة عن طريق إرضاعه ورعايته، تؤدى إلى تحسن ~~أحواله... وقوله { لمن أراد أن يتم الرضاعة } بيان لمن ~~توجه إليه الحكم. أى هذا الحكم لمن أراد إتمام الرضاع، فإذا أراد الأبوان ~~أن ينقصا مدة الرضاع عن الحولين كان لهما ذلك. فالجملة الكريمة خبر ~~لمبتدأ محذوف أى هذا الحكم لمن أراد أن يتم مدة الرضاعة. وقوله { وعلى ~~المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } بيان ~~لما يجب على الآباء. أى وعلى الآباء أن يقدموا إلى الوالدات ما يلزمهنم ~~من نفقة وكسوة بالمعروف أى بالطريقة التى تعارف عليها العقلاء بدون إسراف ~~أو تقتير. قال صاحب الكشاف فإن قلت لم قيل { المولود له } دون ~~الوالد؟ قلت ليعلم أن الوالدات إنما ولدن لهم، لأن الأولاد للآباء، ولذلك ~~ينسبون إليهم لا إلى الامهات، كما قال المأمون بن الرشيد # فإنما أمهات الناس أوعية مستودعات وللآباء أبناء # فكان عليهم أن يرزقوهن ويكسوهن إذا أرضعن ولدهم كالأظآر ألا ترى أنه ~~ذكره باسم الوالد حيث لم يكن هذا المعنى وهو قوله - تعالى - # يأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا ~~يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده ~~شيئا... # وقوله { لا تكلف نفس إلا وسعها } تعليل لإيجاب المؤن ~~بالمعروف. أو تفسير للمعروف ولهذا فصلت هذه الجملة عن سابقتها، وقوله { ~~وسعها } منصوب على أنه مفعول ثان لتكلف، والاستثناء قبله مفرغ أى أن ~~أبا الولد لا يكلف فى الإنفاق عليه وعلى أمه إلا بالقدر الذى تتسع له ~~مقدرته بدون إرهاق أو مشقة. وتلك هى سنة الإسلام فى جميع تكاليفه، فالله ~~- تعالى - ما كلف عباده إلا بما يستطيعونه ويطيقونه بدون عسر أو عنت قال ~~- تعالى - { لا تكلف نفس إلا وسعها } وقال - تعالى - # يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر # وقوله { لا تضآر والدة بولدها ولا مولود له ~~بولده } تعليل للأحكام السابقة الموزعة بين الأب والأم، والتى ~~أساسها رعاية حق هذا الوليد ms0509 الذى أتى عن طريقهما. # والمضارة مفاعلة من الضرر، والمعنى لا ينبغى أن يقع ضرر على الأم بسبب ~~ولدها، بأن يستغل الأب حنوها على وليدها فيمنعها شيئا من نفقتها، أو ~~يأخذ منها طفلها وهى تريد إرضاعه، أو يكلفها بما ليس فى مقدروها أو ما ~~يخالف وظيفتها، ولا ينبغى كذلك أن يقع ضرر على الأب بسبب ولده، بأن تكلفه ~~الأم بما لا تتسع له قدرته مستغلة محبته لولده وعنايته بتنشئته تنشئة ~~حسنة. قال الجمل و { لا } فى قوله { لا تضآر } يحتمل أن تكون نافية ~~فيكون الفعل مرفوعا، ويحتمل أن تكون ناهية فيكون الفعل مجزوما، وقد قرئ ~~بهما فى السبع، وعلى كل يحتمل أن يكون الفعل مبنيا للفاعل وللمفعول ". ~~والمعنى على الاحتمالين واحد وهو أنه لا يجوز أن يضر كل واحد منهما صاحبه ~~أو يضر من صاحبه بسبب حنوه على ولده واهتمامه بشأنه. وأضاف الولد إلى كل ~~منهما فى الموضعين للاستعطاف، وللتنبيه على أن هذا الولد الذى رزقهما ~~الله إياه جدير بأن يتفقا على رعايته وحمايته من كل ما يؤذيه، ولا يجوز ~~مطلقا أن يكون مصدر قلق لأى واحد منهما. وقدمت الأم فى الجملة الكريمة، ~~لأن الشأن فيها أن يكون حنوها أشد، وعاطفتها أرق، ولأن مظنة إنزال العنف ~~والأذى بها أقرب لضعفها عن الأب. فالجملة الكريمة توجبه سديد، وإرشاد ~~حكيم، للآباء والأمهات إلى أن يقوم كل فريق منهم بواجبه نحو صاحبه ونحو ~~الأولاد الذين هم ثمار لهم. وقوله { وعلى الوارث مثل ذلك } ~~معطوف على قوله { وعلى المولود له رزقهن } الخ. وما ~~بينهما تعليل أو تفسير معترض. أى وعلى وارث الأب أو وارث الصبى - أى من ~~سيرثه بعد موته - عليه مثل ما على الأب من النفقة وترك الإضرار. فهذه ~~الجملة الكريمة سيقت لبيان من تجب عليه نفقة الصبى إذا فقد أباه، أو كان ~~أبوه موجودا ولكنه عاجز عن الإنفاق عليه. قال الآلوسى ما ملخصه والمراد ~~بالوارث وارث الولد فإنه يجب عليه مثل ما وجب على الأب من الرزق والكسوة ~~بالمعروف إن لم يكن للولد ms0510 مال. وهو التفسير المأثور عن عمر وابن عباس ~~وقتادة.. وخلق كثير. وخص الإمام أبو حنيفة هذا الوارث بمن كان ذا رحم ~~محرم من الصبى... وقال الشافعى المراد وارث الأب - يجب عليه عند موت الأب ~~كل ما كان واجبا على الأب - وقيل المراد بالوارث الباقى من الأبوين، وقد ~~جاء الوارث بمعنى الباقى كما فى قوله صلى الله عليه وسلم # " اللهم متعنى بسمعى وبصرى واجعلهما الوارث منى " # وعلى أية حال فالجملة الكريمة تغرس معانى الإخاء والتراحم والتكافل بين ~~أبناء الأسرة الواحدة، فالقادر ينفق على العاجز، والغنى يمد الفقير ~~بحاجته، وبذلك تسعد الأسرة، وتسودها روح المحبة والمودة. # وقوله { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور ~~فلا جناح عليهما } معطوف على قوله { يرضعن أولادهن ~~حولين كاملين } لأنه متفرع عنه. والضمير فى قوله { فإن ~~أرادا } يعود على الوالدين. قال القرطبى والفصال والفصل. الفطام وأصله ~~التفريق، فهو تفريق بين الصبى والثدى. ومنه سمى الفصيل - لولد الضأن - ~~لأنه مفصول عن أمه. والتشاور استخراج الرأى - بما فيه المصلحة - وكذلك ~~المشاورة. من الشور وهو اجتناء العسل. يقال شرت العسل - إذا استخرجته من ~~مواضعه - والشوار متاع البيت لأنه يظهر للناظر. والشارة هيئة الرجل. ~~والإشارة إخراج ما فى نفسك وإظهاره ". والمعنى فإن أراد الأبوان فطاما ~~لولدهما قبل الحولين، وكان هذه الإرادة عن تراض منهما وتشاور فى شأن ~~الصبى وتفحص لأحواله، ورأيا أن هذا الفطام قبل بلوغه الحولين لن يضره فلا ~~إثم عليهما فى ذلك. وقال بعضهم وأيضا لا إثم عليهما إذا فطماه بعد ~~الحولين متى رأيا المصلحة فى ذلك، وقد قيد - سبحانه - هذا الفطام للصبى ~~بكونه عن تراض من الأبوين وتشاور منهما، رعاية لمصلحة هذا الصبى، لأن رضا ~~أحدهما فقد قد يضره، بأن تمل الأم الإرضاع أو يبخل الأب بالإنفاق. ولأن ~~إقدام أحدهما على الفطام بدون التشاور مع صاحبه قد يؤثر فى صحة الصبى ~~تأثيرا سيئا. لذا أوجب - سبحانه - التراضى والتشاور فيما بينهما من أجل ~~مصلحة صبيهما. ثم قال - تعالى - { وإن أردتم أن ~~تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا ~~سلمتم مآ ms0511 آتيتم بالمعروف }. أى وإن أردتم - أيها الآباء ~~- أن تسترضعوا مراضع لأولادكم، ورضى الأمهات بذلك، فلا إثم عليكم فيما ~~تفعلون ما دمتم تقصدون مصلحة أولادكم، وعليكم أن تسلموا هؤلاء المراضع ~~أجرهن بالطريقة التى يقرها الشرع، وتستحسنها العقول السليمة، والأخلاق ~~القويمة. واسترضع - كما يقول الزمخشرى - منقول من أرضع. يقال أرضعت ~~المرأة الصبى، واسترضعتها الصبى فهى متعدية إلى معفولين، والمعنى أن ~~تسترضعوا المراضع أولادكم. فحذف أحد المفعولين للاستغناء عنه. وقوله { ~~مآ آتيتم } حذف مفعولاه أى آتيتموهن إياه. و { بالمعروف } ~~متعلق بسلمتم أى بالقول الجميل، وبالوجه المتعارف المستحسن شرعا. ويجوز ~~أن يتعلق بآتيتم. وأن يكون حالا من فاعل سلمتم أو آتيتم والعامل فيه ~~محذوف أى متلبسين بالمعروف. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله { واتقوا ~~الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير }. أى ~~اتقوا الله فى كل شئونكم والتزموا ما بينه لكم من أحكام، واعلموا أن الله ~~- تعالى - لا تخفى عليه أعمالكم، فهو محصيها عليكم، وسيجزى المحسن ~~إحسانا والمسىء سوءا. ثم بين - سبحانه - عدة المرأة إذا توفى عنها ~~زوجها، وما يجب عليها من آداب فقال - تعالى - { والذين ~~يتوفون منكم ويذرون أزواجا... }. ### || [2.234] # قوله { يتوفون } - بالبناء للمجهول - أى تقبض أرواحهم فإن التوفى ~~هو القبض. يقال توفيت مالى من فلان واستوفيته منه أى قبضته وأخذته. قال - ~~تعالى - # الله يتوفى الأنفس حين موتها # أى يقبض الأنفس ويأخذها إليه بالموت حين انتهاء آجالها. والمعنى والذين ~~يتوفاهم الله - تعالى - منكم - أيها المسلمون - ويتركون من خلفهم ~~أزواجا. فعلى هؤلاء الأزواج اللائى ارتبطن برجالهم ارتباطا قويا ~~متينا ثم فرق الموت بينهم وبينهن، عليهن أن { يتربصن ~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } أى عليهن أن ينتظرن ~~انقضاء عدتهن فيحبسن أنفسهن عن الزواج وعن التزين وعن التعرض للخطاب مدة ~~أربعة أشهر وعشر ليال، وفاء لحق الزوج المتوفى، واستبراء للرحم. قال ~~الإمام ابن كثير ما ملخصه هذا أمر من الله - تعالى - للنساء اللاتى ~~يتوفى عنهن أزواجهن أن يعتددن أربعة أشهر وعشر ليال. وهذا الحكم يشمل ~~الزوجات المدخول بهن وغير المدخول بالإجماع، ومستند هذا الإجماع فى غير ~~المدخول بها ms0512 عموم الآية الكريمة، وهذا الحديث الذى رواه الإمام أحمد ~~وأهل السنن وصححه الترمذى أن ابن مسعود سئل عن رجل تزوج امرأة فمات عنها ~~ولم يدخل بها ولم يفرض لها فقال أقول فيها برأيى فإن يك صوابا فمن الله، ~~وإن يك خطأ فمنى ومن الشيطان. والله - تعالى - ورسوله بريئان منه لها ~~الصداق كاملا. وفى لفظ لها صداق مثلها لا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها ~~الميراث. فقام معقل بن يسار فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى ~~به فى بروع بنت واشق. ففرح عبد الله بذلك فرحا شديدا. لا ويخرج من ~~ذلك إلا المتوفى عنها زوجها وهى حامل فإن عدتها بوضع الحمل لعموم قوله - ~~تعالى - # وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # وكان ابن عباس يرى أن عليها أن تتربص بأبعد الأجلين من الوضع أو أربعة ~~أشهر وعشرة أيام للجمع بين الآيتين ". وقوله { والذين } اسم موصول ~~مبتدأ. و { يتوفون } صلته، و { منكم } فى موضع النصب على الحال ~~من الواو فى { يتوفون } و { يتربصن } وما بعده خبر عن ~~الذين والرابط محذوف والتقدير يتربصن بعدهم أربعة أشهر وعشرا. والتعبير ~~بقوله { يتربصن بأنفسهن } تعبير دقيق حكيم أى عليهن أن ~~يمنعن أنفسهن عن النكاح وعن التزين وعن الخروج من منزل الزوجية - إلا إذا ~~كانت هناك ضرورة لهذا الخروج - مدة أربعة أشهر وعشرة أيام، وذلك لأن ~~المرأة المؤمنة الوفية يأبى عليها دينها ووفاؤها لزوجها المتوفى عنها، أن ~~تعرض نفسها على غيره بعد فترة قصيرة من وفاته، فإن هذا أمر مستهجن فى شرع ~~الله وفى عرف العقلاء من الناس. إذ هذه المدة التى جاءت فى الآية التى ~~حددها الله - تعالى - لمعرفة براءة الرحم من الحمل، وهى التى تخف فيها ~~مرارة الفراق بين زوجين ربط الله بينهما برابطة المودة والرحمة. # ولقد ألغى الإسلام بهذا التشريع عادات جاهلية ظالمة للمرأة فقد كانت ~~المرأة فى الجاهلية إذا توفى عنها زوجها تغلق على نفسها مكانا ضيقا فى ~~بيتها وتقضى فيه عاما كاملا على زوجها فأبطل الإسلام ذلك، ومن الأحاديث ~~التى ms0513 وردت فى هذا المعنى ما ثبت فى الصحيحين عن أم حبيبة وزينب بنت جحش - ~~رضى الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا ~~على زوج أربعة أشهر وعشرا ". # والإحداد هو ترك الزينة، وعدم التعرض للخطاب، وعدم الخروج من منزل ~~الزوجية إلا لضرورة. وفى الصحيحين أيضا عن أم سلمة # " أن امرأة قالت يا رسول الله إن ابنتى توفى عنها زوجها وقد اشتكت عينها ~~أفتكتحل؟ فقال لا - مرتين أو ثلاثا - ثم قال إنما هى أربعة أشهر وعشر ~~وقد كانت إحداكن فى الجاهلية تمكث سنة ". # قال ابن كثير بعد أن ساق هذين الحديثين قالت زينب بنت أم سلمة كانت ~~المرأة إذا توفى عنها زوجها دخلت حفشا - أى مكانا ضيقا من البيت - ~~ولبست شر ثيابها ولم تمس طبيا ولا شيئا حتى تمر سنة ". وقال بعض ~~العلماء وقد حد الشارع للمتوفى عنها زوجها عدة هى فى جملتها أكثر من عدة ~~المطلقات، لأن تلك ثلاثة قروء تجئ عادة فى نحو ثلاثة أشهر. وهنا يرد ~~سؤالان أولهما لماذا كانت العدة فى المتوفى عنها زوجها بالأشهر دون الحيض ~~فلم تجعل أربع حيضات بدل ثلاث؟ ولماذا كانت الزيادة؟ ولم نجد أحدا تصدى ~~لبيان الحكمة فى جعلها بالأشهر، ويبدو لنا أن الحكمة التى تدركها عقولنا ~~- وإن كانت الحكمة السامية قد تعلو على مداركنا - هى أن عدة الوفاة تكون ~~للمدخول بها وغير المدخول بها وللصغيرة والكبيرة، والأساس فيها هو الحداد ~~على الزواج السابق الذى انتهى بوفاة أحد ركنيه، فلزم أن يكون بأمر يشترك ~~فيه الجميع ما دام السبب واحدا فى الجميع. وفوق ذلك أن العدة فى الوفاة ~~لو قدرت بالحيض وهو أمر لا يعلم إلا من جهة المرأة، فربما تدفعها الرغبة ~~فى الزواج إلى الكذب فتدعيه وهو لم يقع، وفى المطلقات العدة حق للمطلق ~~فيستطيع أن ينكر عليها أما فى حال الوفاة فصاحب الحق الأول قد مات وصار ~~الحق لله خالصا. فحد ذلك الحق بالأشهر ms0514 والأيام حتى لا يكون مساغا للكذب ~~وإدعاء ما لم يحصل، لأن الأيام والأشهر تعرف بالكتاب والحساب وليست أمرا ~~يعرف من جهتها فقط. # أما الجواب عن الأمر الثانى وهو لماذا كانت العدة بالوفاة أكثر فى ~~الجملة من العدة الناشئة عن الطلاق؟ فيبدو بادى الرأى من الفرق بين حال ~~الطلاق وحال الوفاة أن الطلاق نتيجة شقاق. فالحداد على الزوج الذى ينشئه ~~ليس قويا، ومعنى براءة الرحم وإعطاء الزوج فرصة للرجعة يكون أوضح فى ~~معنى العدة، ويكفى لذلك نحو ثلاثة أشهر. أما حال الموت فمرارة الفراق ~~فيها أوضح وأشد، ومعنى الحداد فيها يغلب معنى براءة الرحم، ولذا تجب على ~~المدخول بها وغير المدخول بها، وإن الشارع قد جعلها لذلك أطول من عدة ~~الطلاق. وقد يرد سؤال ثالث وهو لماذا حددت العدة بأربعة أشهر وعشر؟ وإن ~~تقدير الأعداد كما يقرر الفقهاء أمر توقيفى خالص لا يجري فيه القياس ولكن ~~ليس معنى ذلك أنه لا حكمة فيه، وأن الحكمة يقررها العلماء فى أمرين ~~أولهما أن الأشهر الأربعة هى التى يظهر فيها الحمل ويستبين، وقد جعلت ~~العشر بعدها للاحتياط. وثانيهما أن مدة أربعة الأشهر هى المدة التى قررها ~~الشارع أقصى مدة للحرمان من الرجال. ولذلك جعل الإيلاء مدته أربعة أشهر. ~~فكان من التنسيق بين الأحكام الشرعية أن تجعل مدة الإحداد على الزواج فى ~~حدود هذه المدة ومقاربة لها فى الجملة ". وقوله { فإذا بلغن ~~أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في ~~أنفسهن بالمعروف } بيان لما يترتب على انتهاء المدة التى ~~حددها الشرع للمرأة التى مات عنها زوجها. أى فإذا انتهت المدة التى حددها ~~الشرع للمرأة التى مات عنها زوجها لتتجنب فيها التزين والتعرض للنكاح. ~~فلا حرج عليكم بعد ذلك أيها المسلمون أو أيها الأولياء - فى ترك هؤلاء ~~الزوجات الأرامل يفعلن فى أنفسهن ما تفعله المرأة الراغبة فى الزواج من ~~التزين والتجمل ولكن بالطريقة التى يقرها الشرع، وترضاها العقول السليمة، ~~والأخلاق المستقيمه. وقوله { بالمعروف } متعلق بفعلن، أو حال من ~~النون أى حالة كونهن متلبسات بالمعروف. ومفهومه أنهن لو ms0515 خرجن عن المعروف ~~شرعا بأن تبرجن وأظهرن ما أمر الله بستره فإنه فى هذه الحالة يجب على ~~أوليائهن أن يمنعوهن من ذلك. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله { والله ~~بما تعملون خبير } أى أنه محيط بدقائق أعمالكم لا يخفى عليه ~~منها شىء فإذا وقفتم أنتم ونساؤكم عند حدوده أسعدكم فى الدنيا وأجزل ~~مثوبتكم فى الآخرة، وإن تجاورتم حدوده عاقبكم بما تستحقون # يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله ~~بقلب سليم # وبذلك نرى الآية الكريمة قد رسمت للناس أفضل وسائل الحياة الشريفة، ~~فأرشدت المرأة التى مات عنها زوجها إلى ما يحفظ لها كرامتها، ويدفع عنها ~~ما يتنافى مع العفة والشرف والوفاء. ثم بين - سبحانه - حكم الخطية للنساء ~~المعتدات بيانا يقوم على أدب النفس، وأدب الاجتماع، ورعاية المشاعر ~~والعواطف مع رعاية المصالح والضرورات فقال - تعالى - { ولا جناح ~~عليكم فيما عرضتم به من خطبة... }. ### || [2.235] # قوله - تعالى - { فيما عرضتم به } أى لو حتم وأشرتم به. من ~~التعريض الذى هو ضد التصريح ومعناه أن يضمن كلامه ما يصلح للدلالة على ~~مقصوده، ويصلح لدلالة على غير مقصوده، إلا أن إشعاره بجانب المقصود أتم ~~وأرجح وأصله من عرض الشىء - بضم العين - أى جانبه ومن أمثلته أن يقول ~~الفقير المحتاج للمحتاج إليه جئتك لأسلم عليك.. وهو يقصد عطاءه. و { ~~خطبة النسآء } مخاطبة المرأة أو أوليائها فى أمر زواجها. والخطبة ~~- بكسر الخاء كالجلسة - مأخوذة من الخطب أى الشأن لأنها شأن من الشئون ~~وقيل من الخطاب لأنها نوع - مخاطبة تجرى بين جانب الرجل وجانب المرأة. ~~والمراد خطبة النساء اللائى فارقهن أزواجهن. و { أكننتم في ~~أنفسكم } أخفيتم وأسررتم من الإكنان وهو الإضمار من غير إعلان. ~~والمعنى ولا حرج ولا إثم عليكم أيها الرجال المبتغون للزواج فى التعريض ~~بخطبة المرأة أثناء عدتها لتتزوجوهن بعد انقضائها، كما أنه لا إثم عليكم ~~كذلك فى الرغبة فى الزواج بهن، مع إخفاء ذلك وستره من غير كشف وإعلان لأن ~~التصريح بالخطبة أثناء العدة عمل يتنافى مع آداب الإسلام، ومع تعاليم ~~شريعته، ومع الأخلاق ms0516 الكريمة، والعقول السليمة، والنفوس الشريفة. قال ~~القرطبى قال ابن عطية أجمعت الأمة على أن الكلام مع المعتدة بما هو نص فى ~~تزوجها وتنبيه عليه لا يجوز، وكذلك أجمعت على أن الكلام معه بما هو رفث ~~وذكر جماع أو تحريض عليه لا يجوز وكذلك ما أشبهه وجوز ما عدا ذلك. ولا ~~يجوز التعريض لخطبة المطلقة طلاقا رجعيا إجماعا لأنها كالزوجة. وأما ~~من كانت فى عدة البينونة فالصحيح جواز التعريض لخطبتها ". والتعريض فى ~~خطبة النساء أساليبه مختلفة، ومما ذكره العلماء فى هذا الشأن أن يقول ~~الرجل للمرأة إنى أرغب فى الزواج أو أن يقول لوليها لا تسبقنى بها إلى ~~غيرى. ومن أساليب التعريض ما فعله النبى - صلى الله عليه وسلم - مع ~~السيدة أم سلمة، فقد دخل عليها وهى متأيمة من زوجها أبى سلمة فقال لها " ~~لقد علمت أنى رسول الله وخيرته وموضعى فى قومى " فكان كلامه خطبة لها ~~بأسلوب التعريض. ومنها ما ذكره صاحب الكشاف عن عبد الله بن سليمان عن ~~خالته - سكينة بنت حنظلة - قالت " دخل على أبو جعفر محمد بن على وأنا فى ~~عدتى فقال قد علمت قرابتى من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقرابتى ~~من جدى على بن أبى طالب، وموضعى فى العرب، وقدمى فى الإسلام. قالت فقلت ~~غفر الله لك يا أبا جعفر! أتخطبنى فى عدتى وأنت يؤخذ عنك؟ فقال أو قد ~~فعلت إنما أخبرتك بقرابتى من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعى. # وقوله - تعالى - { ولا جناح عليكم فيما عرضتم } إلخ ~~معطوف على ما قبله فى الآية السابقة لأن الكلام فى الآيتين فى الأحكام ~~المتعلقة بعدة النساء. و { ما } فى قوله { فيما عرضتم } موصولة. ~~و { من خطبة النسآء } بيان لما، و { آل } فى النساء للعهد ~~والمعهودات هن الزوجات اللائى سبق الحديث عنهن فى الآيات التى قبل هذه. و ~~{ أو } فى قوله { أو أكننتم } للإباحة أو التخيير، ومفعول أكن ~~محذوف يعود إلى ما الموصولة فى قوله { فيما عرضتم } والتقدير أو ~~أكننتموه. و { في أنفسكم } متعلق بأكننتم. وقوله ms0517 - تعالى - { ~~علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا ~~تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا } ~~كالتعليل لما قبله وهو قوله { ولا جناح عليكم فيما ~~عرضتم } إلخ. ونهى عما يردى ويفسد، وإباحة لما لا ضرر فيه. أى علم ~~الله أنكم يا معشر الرجال ستذكرون هؤلاء النسوة المعتدات بما لهن من جمال ~~ومن حسن عشرة ومن غير ذلك من شئونهن وأن تفكروا فيهن وتهفوا إليهن ~~نفوسكم، والله - تعالى - فضلا منه وكرما قد أباح لكم أن تذكروهن ولكنه ~~ينهاكم عن أن تواعدوهن وعدا سريا بأن تقولوا لهم فى السر ما تستحيون من ~~قوله فى العلن لقبحه ومنافاته للشرع. وقوله { إلا أن تقولوا ~~قولا معروفا } استثناء مما يدل عليه النهى لا تواعدوهن مواعدة ما ~~إلا مواعدة معروفة غير منكرة شرعا، وهى ما تكون بطريق التلويح والتعريض. ~~وفى قوله سبحانه { علم الله أنكم ستذكرونهن } بيان ~~لما جبلت عليه النفس البشرية من ميل فطرى بين الرجال والنساء، والإسلام ~~لا ينكر هذا الميل وإنما يهذبه ويقومه ويصقله بآدابه الحميدة، وتعاليمه ~~السامية. وقوله { ولكن لا تواعدوهن سرا } استدراك على ~~محذوف دل عليه { ستذكرونهن } أى فاذكروهن { ولكن لا ~~تواعدوهن سرا }. قال القرطبى ما ملخصه واختلف العلماء فى ~~المراد بالسر فى قوله - تعالى - { ولكن لا تواعدوهن سرا ~~} فقيل معناه نكاحا، أى لا يقل الرجل لهذه المعتدة تزوجينى بل يعرض إن ~~أراد، ولا يأخذ ميثاقها وعهدها ألا تنكح غيره فى استسرار وخفية. هذا قول ~~جمهور أهل العلم. و " سرا " على هذا التأويل نصب على الحال أى مسرين - ~~وسمى النكاح سرا لأن مسببه الذى هو الوطء ما يسر - وقيل السر الزنا، أى ~~لا يكونن من كم مواعدة على الزنا فى العدة ثم التزوج بعدها. أى لا ~~تواعدوهن زنا. واختاره الطبرى. ومنه قول الأعشى # فلا تقربن جارة إن سرها عليك حرام فانكحن أو تأبدا # أى " فتزوجها أو ابتعد عنها. وقيل السر الجماع " والذى تطمئن إليه ~~النفس أن كلمة سرا صفة لموصوف محذوف أى لا تواعدهن وعدا سريا، وأن النهى ~~هنا منصب على كل مواعدة ms0518 سرية، يقال فيها كل ما ينهى عنه أو يستحيا منه فى ~~العلن، لقبحه أو لأن أوانه لم يحن بعد، إذ السرية، أو الخلوة بين الرجل ~~والمرأة لا تؤمن مزالقها. # وفى الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما " # وأن المراد بقوله { إلا أن تقولوا قولا معروفا } هو ~~التعريض بالخطبة، وإظهار المودة بطريقة لا تفضى إلى محرم. قال صاحب ~~الكشاف فى قوله { إلا أن تقولوا قولا معروفا } وهو أن ~~تعرضوا ولا تصرحوا. فإن قلت بم يتعلق حرف الاستثناء؟ قلت بلا تواعدوهن. ~~أى لا تواعدوهن مواعدة قط إلا مواعدة معروفة غير منكرة أى لا تواعدوهن ~~إلا بالتعريض. ثم قال - تعالى - { ولا تعزموا عقدة ~~النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله }. العزم القطع ~~والتصميم، يقال عزم على الشىء إذا صمم وعقد القلب على فعله، وهو يتعدى ~~بعلى وبنفسه فيقال عزم الشىء وعزم عليه. وعقدة النكاح الارتباط الموثق ~~به. وأصل العقد الشد، والعهود والأنكحة تسمى عقودا لأنها تقعد وتوثق كما ~~يوثق بالحبل. والمراد بالكتاب هنا الأمر المكتوب المفروض وهو العدة التى ~~حدد الله لها وقتا معينا. والأجل هو نهاية المدة التى قررها الشرع ~~للعدة. والمعنى لا يسوغ لكم يا معشر الرجال الراغبين فى الزواج من النساء ~~اللائى فارقهن أزواجهن أن تعقدوا العزم نهائيا فى أثناء العدة على أن ~~تتموا الزواج بعدها، بأن تحول الخطبة من التعريض إلى التصريح، أو تبتوا ~~فى أمر الزواج بتا قاطعا بمواعدة أو نحوها، إذ العاقل لا يستعجل أمرا ~~قبل حلول وقته، وإنما الذى يسوغ لكلم أن تتموا عقد الزواج بعد انتهاء ~~العدة وبعد أن يكون جو الأحزان قد فتر وجفت حدته. والنهى عن العزم على ~~عقد النكاح نهى بالأولى عن إبرامه وتنفيذه، لأن العزم على الفعل يتقدمه، ~~فإذا نهى عنه كان الفعل أنهى، فهو كالنهى عن الاقتراب من حدود الله فى ~~قوله # حدود الله فلا تقربوها # وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد أباحت شيئين، ونهت عن شيئين أباحت ~~التعريض بالخطبة للمرأة ms0519 أثناء عدتها، كما أباحت إخفاء هذه الرغبة فى ~~الأنفس وحديثها بها. ويشهد لذلك قوله - تعالى - { ولا جناح ~~عليكم فيما عرضتم به من خطبة النسآء أو ~~أكننتم في أنفسكم } ونهت عن المواعدة سرا إلا أن يقولوا ~~قولا معروفا عن طريق التعريض، أو أن يسار الرجل المرأة بالقول المعروف ~~الذى أباحه الشرع وارتضته العقول السليمة، والأخلاق الفاضلة، بأن يعدها ~~فى السر بالإحسان إليها والاهتمام بشأنها والتكفل بمصالحها حتى يصير ذكر ~~هذه الأشياء الجميلة مؤكدا لذلك التعريض. أما الشىء الثانى الذى نهت عنه ~~فهو العزم على عقدة النكاح قبل انقضاء العدة. # ويشهد لهذا قوله - تعالى - { علم الله أنكم ~~ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن ~~تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح ~~حتى يبلغ الكتاب أجله }. وبعد هذه الأوامر والنواهى ختم ~~الله - تعالى - الآية بقوله { واعلموا أن الله يعلم ما ~~في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور ~~حليم }. أى اعلموا أيها الناس أن الله - تعالى - يعلم ما يجول فى ~~نفوسكم من خير أو شر، وما تهجس به خطرات قلوبكم من مقاصد واتجاهات، ~~فاحذروا أن تقصدوا ما هو شر، أو تفعلوا ما هو منكر، واعلموا أنه - تعالى ~~- غفور لمن تاب وعمل صالحا، حليم لا يعاجل الناس بالعقوبة، ولا يؤاخذهم ~~إلا بما كسبوا. فالجملة الكريمة تحذير وتبشير، وترغيب وترهيب، لكى لا ~~يتجاسر الناس على ارتكاب ما نهى الله عنه، ولا ييأسوا من رحمته متى تابوا ~~وأنابوا. هذا، وقد أجمع العلماء على تحريم نكاح المرأة فى عدتها، وإذا ~~حدث مثل هذا النكاح ودخل بها فرق بينهما وفسخ النكاح. ويرى جمهور العلماء ~~أنها تصير محرمة عليه تحريما مؤبدا، ولا يحل له نكاحها ركلك لأنه استحل ~~ما لا يحل فعوقب بحرمانه، كالقاتل يعاقب بحرمانه من ميراث المقتول. وقيل ~~يفسخ النكاح ويفرق بينهما فإذا انتهت العدة حلت له ولم يتأبد التحريم. ~~ولكل فريق أدلته المبسوطة فى كتب الفقه. وبذلك تكون الآية الكريمة قد ~~أرشدت الناس إلى ما يقره الشرع، ويرتضيه الخلق الكريم، ونهتهم عما يتنافى ~~مع تعاليم الإسلام بأسلوب ms0520 حكيم جمع بين الشدة واللين، والخوف والرجاء، ~~حتى يثوب المخطئون إلى رشدهم ويقلعوا عن خطئهم. ثم بين - سبحانه - فى ~~آيتين كريمتين بعض الأحكام التى تتعلق بالمطلقة قبل الدخول بها، سواء ~~أذكر لها المهر أم لم يذكر، فقال - تعالى - { لا جناح عليكم ~~إن طلقتم النسآء...إن الله بما تعملون بصير ~~}. ### || [2.236-237] # قوله - تعالى - { ما لم تمسوهن } أى ما لم تجامعوهن ولم ~~تدخلوا بهن والمس فى أصل معناه اللمس، ويقال فيما معه إدراك بحاسة اللمس، ~~ثم أطلق على سبيل الكناية على ما يكون بين المرء وزوجه من جماع ومباشرة ~~وعلى غير ذلك مما يكون فيه إصابة حسية أو معنوية. وهذه الكناية من ألطف ~~الكنايات التى تربى فى الإنسان حسن الأدب، وسلامة التعبير، وتجنبه ~~بالنطق بالألفاظ الفاحشة. وقد تكرر هذا التعبير المهذب فى القرآن الكريم ~~ومن ذلك قوله - تعالى - حكاية عن مريم # قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر... # والمراد بالفريضة هنا المهر الذى يفرضه الرجل على نفسه للمرأة قبل ~~الدخول بها. والمعنى لا إثم عليكم أيها الرجال إذا طلقتم النساء لأسباب ~~مشروعة، وبطريقة مرضية، قبل الدخول بهن، وقبل أن تقدروا لهن مهرا ~~معينا. ثم بين - سبحانه - ما للمرأة على الرجل فى هذه الحالة فقال { ~~ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ~~متاعا بالمعروف حقا على المحسنين }.. قوله - تعالى - ~~{ ومتعوهن } أى ملكوهن ما ينتفعن به، ويدخل التسلية والسرور على ~~نفوسهن. وأصل المتعة والمتاع ما ينتفع به الإنسان من مال أو كسوة أو غير ~~ذلك، ثم أطلقت المتعة على ما يعطيه الرجل للمرأة من مال أو غيره عند ~~طلاقها منه لتنتفع به، جبرا لخاطرها، وتعويضا لما نالها بسبب هذا ~~الفراق. و { الموسع } هو الغنى الذي يكون فى سعة من غناه. يقال أوسع ~~الرجل إذ كثر ماله، واتسعت حاله. و { المقتر } هو الفقير الذي يكون ~~فى ضيق من فقره. أقتر الرجل أى افتقر وقل ما فى يده. والمعنى لا حرج ~~عليكم فى طلاقكم للنساء قبل أن تدخلوا بهن وقبل أن تقدروا لهن مهرا ~~معينا، ms0521 وليس من حقهن عليكم فى هذه الحالة أن يطالبنكم بالصداق، وإنما من ~~حقهن عليكم أن تمتعوهن بأن تدفعوا لهن ما ينتفعن به كل على حسب حاله ~~وطاقته، فالأغنياء يدفعون ما يناسب غناهم وسعتهم، والفقراء يدفعون ما ~~يناسب حالهم. وقوله { متاعا بالمعروف } أى أعطوهن ما يتمتعن ~~وينتفعن به بالقدر المتعارف عليه بين العقلاء، فلا يعطى الغنى ما لا ~~يتناسب مع غناه ولا مع حال المرأة التى طلقها، ولا يعطى الفقير شيئا ~~تافها لا يسمى فى عرف العقلاء متاعا كما أنه لا يكلف فوق استطاعته، لأن ~~المتاع ما سمى بهذا الاسم إلا لأنه يتمتع به وينتفع به لفترة من الزمان. ~~وقوله { حقا على المحسنين } تأكيد لهذا التمتيع الذى هو من حق ~~المرأة على الرجل الذي طلقها قبل أن يدخل بها وقيل أن يسمى لها مهرا. أى ~~هذا التمتيع حق ثابت على المحسنين الذين يحسنون إلى أنفسهم بامتثالهم ~~لأوامر الله، وبترضيتهم لنفوس هؤلاء المطلقات اللاتى تأثرن بسبب هذا ~~الفراق. # فالآية الكريمة ترفع الإثم عن الرجال الذين يطلقون النساء قبل الدخول ~~بهن وقبل تسمية المهر لهن، متى كانت المصلحة تستدعى ذلك، وتبين الحقوق ~~التى للمرأة على الرجل فى هذه الحالة. قال القرطبى قوله - تعالى - { لا ~~جناح عليكم إن طلقتم النسآء }. إلخ هذا أيضا من ~~أحكام المطلقات، وهو ابتداء إخبار برفع الحرج عن المطلق قبل البناء ~~والجماع، فرض مهرا أو لم يفرض. أو " لما نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن التزوج لمعنى الذوق وقضاء الشهوة، وأمر بالتزوج لطلب العصمة ~~والتماس ثواب الله وقصد دوام الصحبة وقع فى نفوس المؤمنين أن من طلق قبل ~~البناء قد واقع جزءا من هذا المكروه، فنزلت الآية رافعة للجناح فى ذلك ~~إذا كان أصل النكاح على المقصد الحسن ". وقوله { أو تفرضوا ~~لهن فريضة } معطوف على { تمسوهن } المنفى، أى لا حرج ~~عليكم فى تطليقكم النساء فى حالة عدم الدخول بهن وعدم تقدير مهر معين ~~لهن. وقوله { ومتعوهن على الموسع قدره } إلخ تشريع ~~حكيم وتوجيه سديد، لأن فراق المرأة قبل ms0522 الدخول بها وقبل تقدير مهر لها ~~ينشئ جفوة ممضة بين المرأة وبين مطلقها، وقد يسىء هذا الفراق إليها وإلى ~~أسرتها، فكان هذا الحق الذى جعله الله للمرأة على الرجل هو التمتيع، ~~تسرية لنفسها، وتعويضا عما أصابها بسبب هذا الفراق، وتلطيفا لجو الطلاق ~~وما يصاحبه من جفاء وبغضاء، واستبقاء للمودة الإنسانية بين الطرفين، ~~وإزالة لما عسى أن يقوله البعض من أنه ما طلقها من طلقها إلا لشىء. ولا ~~شك أن إنهاء الحياة الزوجية قبل الدخول فيها، لضرورات اقتضاها هذا ~~الإنهاء، أخف وأيسر من إنهائها بعد الدخول فيها. قال الجمل ما ملخصه ~~وقوله { على الموسع قدره } جملة من مبتدأ وخبر وفيها قولان ~~أحدهما أنها لا محل لها من الإعراب بل هى استئنافية بينت حال المطلق ~~بالنسبة إلى يساره وإقتاره. والثانى فى محل نصب على الحال وصاحب الحال ~~فاعل متعوهن. والرابط بين جملة الحال وصاحبها محذوف والتقدير على الموسع ~~منكم. و { متاعا } منصوب على المصدر و { بالمعروف } جار ومجرور ~~صفة له. و { حقا } صفة ثانية لقوله { متاعا } أو مصدر مؤكد لمضمون ~~الجملة قبله. وعامله محذوف وجوبا والتقدير حق ذلك حقا ". هذا، ويرى بعض ~~العلماء أن المتعة واجبة للمرأة على الرجل فى حال مفارقتها قبل الدخول ~~بها وقبل تسمية المهر، لأن الآية الكريمة قد أكدت ذلك وجعلته حقا ثابتا ~~لا يجوز التحلل منه قال - تعالى - { متاعا بالمعروف حقا ~~على المحسنين }. ويرى بعضهم أنها مستحبة، لأن التعبير بالمحسنين ~~يدل على أن المتعة غير واجبة وقد رجح المحققون من العلماء الرأى الأول ~~وقالوا إن الإحسان لا ينافى الوجوب الذى دل عليه الأمر يؤيد هذا قوله { ~~على الموسع قدره وعلى المقتر قدره } فقد جعل الله ~~المتعة على الفريقين كل فريق على حسب طاقته وقدرته. # والمتعة تختلف باختلاف الأحوال من يسار وإعسار، يقدرها القاضى على الرجل ~~على حسب حالته كما يقدر النفقة. والصالحون من الناس هم الذين يبذلون ~~المتعة للمطلقة بسخاء ومودة، ولقد أثر عن الحسن بن على - رضى الله عنهما ~~- أنه متع امرأة طلقها بعشرة آلاف درهم، ms0523 فلما تسلمت هذا المال الوفير ~~قالت " متاع قليل من حبيب مفارق ". ثم بين - سبحانه - حق المرأة فيما لو ~~طلقت قبل الدخول بها وبعد تسمية مهر لها فقال - تعالى - { وإن ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم ~~لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو ~~يعفوا الذي بيده عقدة النكاح }. أى وإن طلقتم يا ~~معشر الرجال والنساء من قبل أن تدخلوا بهن وتباشروهن، ومن بعد أن قدرتم ~~لهن صداقا معلوما، فالواجب عليكم فى هذه الحالة أن تدفعوا لهن نصف ما ~~قدرتم لهن من صداق، إلا أن تتنازل المرأة عن حقها فتتركه لمطلقها بسماحة ~~نفس، بأن تكون هى الراغبة فى الطلاق، أو يتناول الذي بيده عقدة النكاح ~~وهو الزوج عن حقه بأن يدفع لها المهر كاملا أو ما هو أكثر من النصف لأنه ~~هو الراغب فى الطلاق. وجملة { وقد فرضتم لهن فريضة } فى ~~موضع نصب على الحال من فاعل { طلقتموهن } أو من مفعوله. أى وإن ~~طلقتموهن حالة كونكم فارضين لهن المهر أو حالة كونهن مفروضا لهن المهر. ~~والفاء فى قوله { فنصف ما فرضتم } واقعة فى جواب الشرط، ~~والجملة فى مجل جزم جواب الشرط، و " نصف " مرفوع على أنه خبر لمبتدأ ~~محذوف أى فالواجب نصف، أو هو مبتدأ محذوف الخبر أى فلهن نصف، وقد صرحت ~~الآية الكريمة بوجوب النصف، ولم تصرح بوجوب دفعة، لأنه قد يكون قدم لها ~~المهر كله أو بعضه، فكان التعبير بالوجوب بيانا للحكم حتى يسترد المطلق ~~ما دفعه زيادة عن النصف إن أراد ذلك، أو يكمل لها النصف إن كان قد دفع ~~أقل منه. وقوله { إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده ~~عقدة النكاح } استثناء مفرغ من عموم الأحوال. و { يعفون } ~~فعل مضارع الواو فيه لام الفعل، ونونه ضمير جماعة الإناث فهو هنا مبنى ~~على السكون فى محل نصب بأن. ووزنه يفعلن أى فلهن نصف المهر الذي فرضتموه ~~لهن فى كل حال إلا فى حال عفو المطلقات أى إبرائهن لكم وتنازلهن عن هذا ~~الحق، أو فى حال عفو ms0524 الذى بيده عقدة النكاح، وهو الزوج المطلق - عند ~~الأحناف والشافعية - لأنه هو المالك لعقد النكاح وحله، والمراد بعفوه أن ~~يزيد على نصف المهر المقرر. # ويرى المالكية أن الذى بيده عقدة النكاح هو ولى المرأة، لأنه هو الذى ~~بيده عقدة النكاح ثابتة، وأما الزوج فله ذلك حالة العقد المتقدم فقط. ~~ويكون المعنى على هذا الرأى عليكم يا معشر الرجال أن تدفعوا للنساء نصف ~~المهر إذا طلقتموهن بعد أن قدرتم لهن مهرا وقبل أن تمسوهن إلا أن يتنازل ~~النساء عن هذا الحق، إذا كن يملكن ذلك، أو يتنازل أولياؤهن إن كن لا ~~يملكن حق التنازل، كأن تكون البنت صغيرة، أو غير جائزة التصرف. وقد دل كل ~~فريق على مذهبه بما هو مبسوط فى كتب الفقه. ثم حبب - سبحانه - إلى الناس ~~التسامح والتعاطف فقال { وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا ~~تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير ~~}. أى من حق المرأة المطلقة على مطلقها أن يدفع لها نصف المهر إذا كان ~~الطلاق قبل المباشرة وبعد تحديد المهر، وإذا تنازل أحد الطرفين عن جزء من ~~حقه لصاحبه كان هذا التنازل حسنا. لأن هذا التنازل والتسامح يضفى على جو ~~الطلاق لونا من المودة والتقارب بين النفوس التى آلمها الفراق بتلك ~~الصورة، فاحرصوا - أيها الناس - على هذا العفو بأن يتنازل كل فريق منكم ~~لصاحبه عن شىء من حقه، ويتسامح معه، فإن ذلك أقرب إلى تقوى القلوب، وصفاء ~~النفوس، ولا تتركوا أن يتفضل بعضكم على بعض بالإحسان، وحب الخير، وجميل ~~الذكر، فالله - تعالى - بصير بأعمالكم وسيحاسبكم عليها، وسيجازى كل نفس ~~بما عملت. فالجملة الكريمة توجيه حكيم للناس إلى ما يدفع عنهم التشاحن ~~والتباغض والتخاصم خصوصا فى حالات الطلاق التى هى من أشد الأحوال دفعا ~~إلى هذه الرذائل. ولقد حفظ لنا التاريخ الإسلامى صورا مشرقة لهذا العفو ~~والفضل من ذلك ما ذكره الإمام الزمخشرى من أن جبير بن مطعم دخل على سعد ~~بن أبى وقاص فعرض عليه بنتا له فتزوجها. ثم طلقها قبل أن يدخل بها وبعث ~~لها ms0525 المهر كاملا. فقال له لم تزوجتها؟ فقال عرضها على فكرهت رده. فقيل له ~~فلم بعثت بالصداق كاملا؟ قال فأين الفضل. وروى أن أحد الصحابة تزوج امرأة ~~وطلقها قبل الدخول بها فأعطاها الصداق كاملا، فقيل له فى ذلك فقال أنا ~~أحق بالعفو منها. وهكذا نرى مبلغ استجابة السلف الصالح لتوجيهات القرآن ~~ووصاياه، فأين المسلمون اليوم من هذه الوصايا والأحكام؟ وبعد هذا الحديث ~~المستفيض الذى لم ينته بعد عن الطلاق وأحكامه وآدابه، أورد القرآن آيتين ~~كريمتين تأمران بالمحافظة على الصلاة وبالمداومة على طاعة الله، ~~وبالملازمة لذكره - عز وجل - فقال - تعالى { حافظوا على ~~الصلوات... }. ### || [2.238-239] # لعل السر فى توسط هاتين الآيتين بين آيات الأحكام التى تحدثت عن الطلاق، ~~والعدة والرضاع والخطبة... إلخ، لعل السر فى ذلك أن هذه الأمور كثيرا ما ~~تكون مثار تنازع وتخاصم وتقاطع بين الناس، فأراد القرآن بطريقته الحكيمة، ~~وبأسلوبه المؤثر أن يقول للناس إن محافظتكم على الصلاة، ومداومتكم على ~~طاعة الله وذكره كل ذلك سيعرض فى نفوسكم المراقبة له - سبحانه -، والخشية ~~من عقابه، وسيعينكم على أن تحلوا قضاياكم التى تتعلق بالطلاق وغيره ~~بالعدل والإحسان والتسامح والتعاطف، لأن من حافظ على فرائض الله وأومره، ~~انصرفت نفسه عن ظلم الناس، وعاملهم معاملة كريمة حسنة. وقد بين القرآن فى ~~كثير من آياته أن المحافظة على الصلاة بخشوع وخضوع لله - تعالى - وأن ~~المداومة على ذكره، والملازمة لطاعته كل ذلك من شأنه أن يمنع الإنسان من ~~الوقوع فيما نهى الله عنه، قال - تعالى - # اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن ~~الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر ولذكر الله ~~أكبر # وقال - تعالى - # واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة ~~إلا على الخاشعين # وقال - تعالى - # وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ~~إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى ~~للذاكرين # فكأن الله - تعالى - يقول للناس لقد أمرتكم بالمحافظة على الصلاة، ~~وبالمداومة على طاعتى وذكرى خلال حديثى عن أحكام كثيرا ما تكون هذه ~~الأحكام مثار تنازع بينكم، وذلك لكى تحلوا التسامح والتواصل والتقارب محل ~~التشاحن والتدابر والتجافى، لأن من ms0526 شأن المحافظة على هذه العبادات، أن ~~تهدى الناس إلى أكمل الأخلاق والصفات. فسبحان من هذا كلامه، ومن تلك ~~إرشاداته وتوجيهاته، ووصاياه. وقوله - تعالى - { حافظوا } من الحفظ ~~بمعنى ضبط الشىء، وصيانته عن كل تضييع، وهو خلاف النسيان. والخطاب لجميع ~~المكلفين من أفراد الأمة. والمعنى حافظوا على معشر المسلمين والمسلمات ~~على أداء الصلوات فى أوقاتها بخشوع وخضوع وإخلاص لله رب العالمين، ~~وحافظوا بصفة خاصة على الصلاة الوسطى، لما لها من منزلة سامية، ومكانة ~~عالية. فقد أمر الله - تعالى عباده بالمحافظة على الصلوات بصفة عامة، ~~وأفرد الصلاة الوسطى بالذكر تفخيما لشأنها، وإعلاء لقدرها من بين أفراد ~~جنسها. والمسلم يكون محافظا على الصلاة إذا أداها فى وقتها مستوفية ~~لآدابها وسننها وشرائعها وخشوعها وكل ما يتعلق بها، أما إذا قصر فى شىء ~~من ذلك فإنه لا يكون محافظا عليها تلك المحافظة التامة التى أمر الله ~~بها. وفى قوله - تعالى - { حافظوا } تنبيه إلى أن الصلاة فى ذاتها شىء ~~نفيس ثمين تجب المحافظة عليه، لأن هذه الكلمة تدل على الصيانة والضبط ~~بجانب دلالتها على الأداء والإقامة والمداومة. # قال الإمام الرازى وقوله { حافظوا } بصيغة المفاعلة التى تكون بين ~~اثنين. للدلالة على أن هذه المحافظة تكون بين العبد والرب. فكأنه قيل ~~احفظ الصلاة ليحفظك الإله الذى أمرك بها. وهذا كقوله # فاذكروني أذكركم # وفى الحديث # " احفظ الله يحفظك " # أو أن تكون المحافظة بين المصلى والصلاة. فكأنه قيل " احفظ الصلاة حتى ~~تحفظك الصلاة بمعنى أنها تحفظك من ارتكاب المعاصى، وتشفع لمصليها يوم ~~القيامة ". وللعلماء أقوال فى المراد بالصلاة الوسطى التى أفردها الله - ~~تعالى - من بين الصلوات. فجمهور العلماء يرون أنها واحدة من بين الصلوات ~~الخمس المفروضة، وأن الوسطى مؤنث الأوسط أى الشىء المتوسط بين شيئين، ~~فالصلاة الوسطى هى الصلاة المتوسطة بين صلاتين، إلا أنهم اختلفوا فى ~~تعيينها. فأكثر العلماء على أن الصلاة الوسطى هى صلاة العصر، لأنها تقع ~~فى وسط الصلوات الخمس، إذ قبلها اثنتان وبعدها اثنتان، ولأنها وسط بين ~~صلاتى النهار، وصلاتى الليل، فمعنى التوسط فيها واضح، ولأنها مظنة ~~التقصير ms0527 لمجيئها بعد وقت الظهيرة الذى يكون فى الغالب وقت كسل. وفضلا عن ~~ذلك فقد صرحت بعض الأحاديث بأنها صلاة العصر، وقد ساق الإمام ابن كثير ~~عددا من هذه الأحاديث ومنها ما جاء فى صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد عن ~~على بن أبى طالب قال # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب شغلونا عن الصلاة ~~الوسطى صلاة العصر ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارا، ثم صلاها بين العشاءين ~~المغرب والعشاء " # ، وفى مسند الإمام أحمد عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " الصلاة الوسطى صلاة العصر ". # وقد خصت صلاة العصر بمزيد من التأكيد، وبالأمر بالمحافظة عليها، ~~وبالتحذير من التقصير فيها، مما يشهد بأنها هى الصلاة الوسطى، فقد روى ~~البخارى ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " الذى تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله " # أى سلب من أهله وماله فبقى وحيدا بدونهما. وقال بعضهم المراد بالصلاة ~~الوسطى صلاة الصبح، وقيل صلاة الظهر، وقيل صلاة المغرب، وقيل العشاء، ~~وقيل الجمعة، وقيل غير ذلك من الأقوال التى لا تبلغ فى قوتها مبلغ قول ~~القائلين بأنها صلاة العصر، ولذا قال ابن كثير وكل هذه الأقوال فيها ضعف ~~بالنسبة إلى التى قبلها، ومعترك النزاع فى الصبح والعصر، وقد أثبتت السنة ~~أنها العصر فتعين المصير إليها - أى إلى أن المراد بالصلاة الوسطى صلاة ~~العصر. ومن العلماء من اتجه فى بيان المراد من الصلاة الوسطى اتجاها آخر ~~فهو يرى أن المراد بالصلاة الوسطى الصلوات كلها، وأن الوسطى ليست بمعنى ~~المتوسطة بين صلاتين، وإنما هى بمعنى الفضل لأن وسط الشىء خياره وأعدله ~~وأفضله فالمقصود بها فعلها أو أداؤها بطريقة سليمة كاملة. # والمعنى على هذا الرأى حافظوا يا معشر المسلمين على الصلوات كلها، ~~وحافظوا على أن يكون أداؤكم لها بطريقة وسطى أى فاضلة بأن تأدوها فى ~~أوقاتها كاملة الأركان والسنن والآداب والخشوع. قال ابن كثير " وقيل بل ~~الصلاة الوسطى مجموع الصلوات الخمس رواه ابن أبى حاتم عن ابن عمر وفى ~~صحته ms0528 نظر. والعجب أن هذا القول قد اختاره الشيخ أبو عمر بن عبد البر إمام ~~ما وراء البحر، وإنها لإحدى الكبر، إذ اختار مع إطلاعه وحفظه ما لم يقم ~~عليه دليل من كتاب ولا سنة ولا أثر ". ومن العلماء المحدثين الذين ~~استحسنوا هذا الرأى الشيخ محمد عبده - رحمه الله - فقد قال " ولولا أنهم ~~اتفقوا على أنها - أى الصلاة الوسطى - إحدى الخمس لكان يتبادر إلى فهمى ~~من قوله " الصلاة الوسطى " أن المراد بالصلاة الفعل وبالوسطى الفضلى أى ~~حافظوا على أنواع الصلاة وهى الصلاة التى يحضر فيها القلب وتتوجه بها ~~النفس إلى الله - تعالى - وتخشع لذكره، وتدبر كلامه لا صلاة المرائين ولا ~~الغافلين ". والذى نراه أن ما عليه الجمهور من أن الصلاة الوسطى هى واحدة ~~من بين الصلوات الخمس، وأنها صلاة العصر هو أقوى الآراء، لأنه - أولا - ~~يتفق مع أصحاب الاتجاه الثانى الذين يقولون بأن أداء الصلاة يجب أن يكون ~~بطريقة تامة الأركان والسنن والخشوع وما قال أحد منهم بأن تحديدها بصلاة ~~العصر ينفى أداء بقية الفرائض بكمال واطمئنان. ولأنه - ثانيا - قد امتاز ~~عن رأى أصحاب الاتجاه الثانى بأنه أعمل النص الصحيح الثابت عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بأن الصلاة الوسطى هى صلاة العصر، ولا شك أن إعمال ~~النص أولى من إهماله أو من تأويله تأويلا ضعيفا. وقوله { وقوموا ~~لله قانتين } مؤكدا لما قبله من المحافظة والمداومة على أداء ~~الصلاة. والقنوت لزوم الطاعة مع الخضوع والخشوع. أى قوموا فى الصلاة ~~مطيعين لله - تعالى - مؤيدين لها على وجهها الكامل فى خشوع وخضوع ~~واطمئنان. والفاء فى قوله { فإن خفتم فرجالا أو ركبانا } ~~للتفريع أى حافظوا على الصلاة فى كل وقت، وأدوها بخشوع واطمئنان، فإن كان ~~بكم خوف من عدو فى حال المقاتلة فى الحرب أو من غيره لسبب من الأسباب، ~~فصلوا راجلين أى ماشين على الأقدام، أو راكبين على ركائبكم بإيماء، سواء ~~وليتم وجوهكم شطر القبلة أولا. و رجالا جمع راجل. وهو القوى على المشى ~~برجليه. يقال رجل الإنسان يرجل رجلا إذا لم ms0529 يحد ما يركبه ومشى على ~~قدميه، والركبان جمع راكب للجمل أو الفرس أو غيرهما. وجواب الشرط محذوف ~~والتقدير فإن خفتم فصلوا راجلين أو راكبين، وهذان اللفظان أى - رجالا أو ~~ركبانا - حالان من الضمير فى " فصلوا " المحذوف. # والآية الكريمة تدل على شدة عناية الإسلام بشأن الصلاة، فقد أمر الله - ~~تعالى - عباده بأن يحافظوا عليها فى حالتى الأمن والخوف، والصحة والمرض، ~~والسفر والإقامة. وقد بسط هذا المعنى الأستاذ الإمام محمد عبده فقال ما ~~ملخصه وقوله - تعالى - { فإن خفتم فرجالا أو ركبانا } ~~هذا تأكيد للمحافظة على الصلاة، وبيان أنها لا تسقط بحال، لأن حال الخوف ~~على النفس أو العرض أو المال هو مظنة العذر فى الترك كما يكون السفر ~~عذرا فى ترك الصيام.. والسبب فى عدم سقوط الصلاة عن المكلف بحال أنها ~~عمل قلبى، وإنما فرضت تلك الأعمال الظاهرة لأنها مساعدة على العمل القلبى ~~المقصود بالذات، وهو تذكر سلطان الله - تعالى - المستولى علينا وعلى ~~العالم كله، ومن شأن الإنسان إذا أراد عملا قلبيا يجتمع فيه الذكر أن ~~يستعين على ذلك ببعض ما ينسابه من قول وعمل. ولا ريب أن هذه الهيأة التى ~~اختارها الله - تعالى - للصلاة هى أفضل معين على استحضار سلطانه فإن قولك ~~" الله أكبر " فى فاتحة الصلاة وعند الانتقال فيها من عمل إلى عمل يعطيك ~~من الشعور يكون الله أكبر وأعظم من كل شىء ما يغمر روحك، ويستولى على ~~إرادتك.. وكذلك الشأن فى سائر أعمال الصلاة. فإذا تعذر عليك الإتيان ~~ببعض تلك الأعمال البدنية فإن ذلك لا يسقط عنك هذه العبادة القلبية التى ~~هى روح الصلاة وغيرها، وهى الإقبال على الله - تعالى - واستحضار سلطانه، ~~مع الإشارة إلى تلك الأعمال بقدر الإمكان الذى لا يمنع من مدافعه الخوف ~~الطارئ من سبع مفترس، أو عدو مغتال، أو لص محتال.. فالآية تعلمنا أنه يجب ~~أن لا يذهلنا عن الله شىء فى حال من الأحوال.. ". وقال الإمام ابن ~~العربى قوله - تعالى - { فإن خفتم فرجالا أو ركبانا } ~~أمر الله - تعالى - بالمحافظة على الصلاة فى كل حال ms0530 من صحة ومرض، وحضر ~~وسفر، وقدرة وعجز، وخوف وأمن، لا تسقط عن المكلف بحال، ولا يتطرق إلى ~~فرضيتها اختلال. وقد قال صلى الله عليه وسلم # " صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب ". # والمقصود من ذلك أن تفعل الصلاة كيفما أمكن، لا تسقط بحال حتى لو لم ~~يتفق فعلها إلا بالإشارة بالعين للزم فعلها كذلك إذا لم يقدر على حركة ~~سائر الجوارح، وبهذا المعنى تميزت عن سائر العبادات، فإن العبادات كلها ~~تسقط بالأعذار، ولذلك قال علماؤنا إن تارك الصلاة يقتل، لأنها أشبهت ~~الإيمان الذى لا يسقط بحال، ولا تجوز النيابة فيها ببدن ولا مال ". ثم ~~قال - تعالى - { فإذآ أمنتم فاذكروا الله كما ~~علمكم ما لم تكونوا تعلمون } أى فإذا زال خوفكم وصرتم ~~آمنين مطمئنين، { فاذكروا الله } أى فأدوا الصلاة تامة كاملة مثل ~~ما علمكم إياها ربكم على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم وقد من الله - ~~تعالى - عليكم بهذا التعليم الذى كنتم تجهلونه فضلا منه وكرما. # وعبر - سبحانه - " بإن " المفيدة للشك فى حالة الخوف، وبإذا المفيدة ~~للتحقيق فى حالة الأمن، للإشعار بأن حالة الأمن هى الحالة الكثيرة ~~الثابتة، وأن حالة الخوف هى الحالة القليلة الطارئة، وفى ذلك فضل جزيل من ~~الله - تعالى - على عباده يحملهم على شكره وطاعته، حيث وهبهم الأمان ~~والاطمئنان فى أغلب أوقات حياتهم. وبذلك نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين ~~قد أمرتا المسلم بأن يحافظ على الصلاة محافظة تامة، إذ فى هذه المحافظة ~~سعادة للإنسان، ودافع له على أداء الحقوق لأربابها، وزاجر له عن اقتراف ~~ما نهى الله عنه. ثم ختم السورة الكريمة حديثها عن أحكام الزواج وما ~~يتعلق به من طلاق ووصية وعدة وغير ذلك من أحكام بقوله - تعالى - { ~~والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~وصية...لكم آياته لعلكم تعقلون }. ### || [2.240-242] # الآية الأولى من هذه الآيات تبين بعض الحقوق التى شرعها الله - تعالى - ~~للمرأة التى توفى عنها زوجها. والمعنى لقد شرع الله لكم فيما شرع من ~~أحكام، أن على المسلم قبل أن يحضره الموت أن يوصى ms0531 لزوجته التى على قيد ~~الحياة بما تنتفع به انتفاعا مستمرا لمدة حول من وفاته، ولا يصح أن ~~يخرجها أحد من مسكن الزوجية. وقوله { وصية } فيه قراءتان مشهورتان. ~~القراءة الأولى بالنصب، والتقدير والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~فليوصوا وصية، أو كتب الله عليهم وصية لأزواجهم. والقراءة الثانية بالرفع ~~والتقدير فعليهم وصية لأزواجهم. وعلى قراءة النصب تكون كلمة { وصية ~~} مفعولا مطلقا أو مفعولا به، وعلى قراء الرفع تكون مبتدأ محذوف الخبر. ~~وقوله { لأزواجهم } جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لكلمة { وصية ~~} على القراءتين. أى وصية كائنة لأزواجهم. والمراد بقوله { متاعا } ~~ما تتمتع به الزوجة من السكن والنفقة بعد وفاة زوجها بوصية منه. وهو ~~منصوب على المصدر أى متعوهن متاعا أوم على المفعولية. أى جعل الله لهن ~~ذلك متاعا. وقال - سبحانه - { متاعا إلى الحول } للتنصيص على ~~أن هذه المدة تمتد حولا كاملا منذ وفاة زوجها، إذ كلمة حول تدل على ~~التحول أى حتى تعود الأيام التى حدثت فيها الوفاة. وقوله " غير إخراج " ~~حال من أزواجهم أى غير مخرجات من مسكن الزوجية، فلا يصح لورثة الميت أن ~~يخرجوهن من مسكن الزوجية بغير رضاهن، لأن بقاءهن فى مسكن الزوجية حق شرعه ~~الله لهن، فلا يجوز لأحد أن يسلبه منهن بغير رضاهن. ثم قال - تعالى - { ~~فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في ~~أنفسهن من معروف }. أى { فإن خرجن } من منزل الزوجية ~~برضاهن ورغبتهن { فلا جناح عليكم } أى فلا إثم عليكم أيها ~~المسلمون { في ما فعلن في أنفسهن من معروف } أى ~~فيما فعلن فى أنفسهن من أمور لا ينكرها الشرع كالتزين والتطيب والتزوج ~~بعد انتهاء عدتها وهى أربعة أشهر وعشرة أيام. هذا، وللعلماء فى تفسير هذه ~~الآية اتجاهان مشهوران أما الاتجاه الأول فيرى أصحابه أن هذه الآية ~~منسوخة لأنها توجب على الزوج حين مشارفة الموت أن يوصى لزوجته بالنفقة ~~والسكنى حولا، ويجب عليها الاعتداد حولا، وهى مخيرة بين السكنى فى بيته ~~حولا ولها النفقة، وبين أن تخرج منه ولا نفقة لها، ولم يكن لها ميراث من ms0532 ~~زوجها قالوا وكان هذا الحكم فى ابتداء الإسلام. وقد نسخ وجوب الوصية ~~بالنفقة والسكنى بآية المواريث وبحديث # " ألا لا وصية لوارث " # حيث جعل لها الربع أو الثمن عوضا عن النفقة والسكنى ونسخ وجوب العدة ~~حولا بقوله - تعالى - قبل ذلك # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا # الآية. قالوا ومما يشهد لذلك ما أخرجه أبو داود والنسائى عن ابن عباس ~~أنه قال فى هذه الآية نسخت بآية الميراث بما فرض الله لهن من الربع ~~والثمن " ونسخ أجل الحول بأن جعل أجلها أربعة أشهر وعشرا ". وقد حكى هذا ~~الرأى صاحب الكشاف فقال والمعنى أن حق الذين يتوفون عن أزواجهم أن يوصوا ~~قبل أن يحتضروا بأن تمتع أزواجهم بعدهم حولا كاملا، أى ينفق عليهن من ~~تركته ولا يخرجن من مساكنهن. وكان ذلك فى أول الإسلام ثم نسخت المدة ~~بقوله # أربعة أشهر وعشرا # وقيل نسخ ما زاد منه على هذا المقدار. ونسخت النفقة بالإرث الذى هو ~~الربع والثمن. واختلف فى السكنى فعند أبى حنيفة لا سكنى. ثم قال فإن قلت ~~كيف نسخت الآية المتقدمة المتأخرة؟ قلت قد تكون الآية متقدمة فى التلاوة ~~وهى متأخرة فى التنزيل. كقوله - تعالى - # سيقول السفهآء # مع قوله # قد نرى تقلب وجهك فى السمآء # وعلى هذا الاتجاه سار جمهور المفسرين. أما الاتجاه الثانى فيرى أصحابه ~~أن هذه الآية محكمة وليست منسوخة وممن ذهب إلى هذا الاتجاه مجاهد، فقد ~~قال ما ملخصه دلت الآية الأولى وهى # يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا # على أن هذه عدتها المفروضة تعتدها عند أهل زوجها. ودلت هذه الآية بزيادة ~~سبعة أشهر وعشرين ليلة على العدة السابقة تمام الحول، وأن ذلك من باب ~~الوصية للزوجات أن يمكن من السكنى فى بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولا كاملا ~~ولا يمنعن من ذلك لقوله { غير إخراج } فإذا انقضت عدتهن بالأربعة ~~أشهر والعشر - أو بوضع الحمل - واخترن الخروج والانتقال من ذلك المنزل ~~فإنهن لا يمنعن من ذلك لقوله { فإن خرجن }. ومن المفسرين الذين ~~أيدوا هذا الاتجاه الإمام ابن ms0533 كثير فقد قال - بعد أن ساق قول مجاهد - ~~وهذا القول له اتجاه وفى اللفظ مساعدة له وقد اختاره جماعة منهم الإمام ~~أبو العباس بن تيمية. كما أيده أيضا الإمام الفخر فى تفسيره، فقد قال ~~بعد أن ساق بعض الأدلة التى تثبت ضعف قول من قال بالنسخ " فكان المصير ~~إلى قول مجاهد أولى من التزام النسخ من غير دليل ". والخلاصة أن أصحاب ~~هذا الاتجاه الثانى لا يرون معارضة بين هذه الآية وبين آية # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا # لأن الآية التى معنا لا تتحدث عن عدة المتوفى عنها زوجها وإنما تتحدث عن ~~حقها فى البقاء فى منزل الزوجية بعد وفاة زوجها، وأن هذا الحق ثابت لها ~~فإن شاءت بقيت فيه، وإن شاءت خرجت منه على حسب ما نراه مصلحة لها، ولأنها ~~لا يوجد من ألفاظها أو معانيها ما يلزم المرأة بالتربص والامتناع عن ~~الأزواج مدة معينة. # أما الآية الثانية فنراها واضحة فى الأمر بالتربص أربعة أشهر وعشرا، ~~وهى العدة التى يجب أن تمتنع فيها المرأة التى مات عنها زوجها عن التزين ~~والتعرض للزواج. إذن فلا تعارض بين الآيتين ومتى انتفى التعارض انتفى ~~النسخ. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله { والله عزيز حكيم } أى ~~عزيز فى انتقامه ممن تعدى حدوده، إذ هو القاهر فوق عباده، حكيم فيما شرع ~~لهم من آداب وأحكام فينبغى أن يمتثل الناس أوامره ويجتنبوا ما نهاهم عنه. ~~ثم بين - سبحانه - حق المطلقات فقال { وللمطلقات متاع ~~بالمعروف حقا على المتقين } أى وللمطلقات على أزواجهن ~~الذين طلقوهن متاع بالمعروف أى شىء ينتفع به انتفاعا ممتدا لمدة من ~~الوقت مما تعارف العقلاء عليه وعلى فائدته للمرأة، وهذا المتاع جعله الله ~~حقا على المتقين الذين يصونون أنفسهم عن كل ما يبغضه الله - تعالى -. وقد ~~جعل الله هذا الحق للمطلقة على مطلقها جبرا لوحشة الفراق وإزالة لما قد ~~يكون بين الزوجين من شقاق، وتخفيفا لما قد يحيط بجو الطلاق من تنافر ~~وتخاصم وعدم وفاق. قال ابن كثير وقد استدل ms0534 بهذه الآية من ذهب من العلماء ~~إلى وجوب المتعة لكل مطلقة سواء كانت مفوضة، أو مفروضا لها، أو مطلقة ~~قبل المسيس، أو مدخولا بها. وإليه ذهب سعيد بن جبير وغيره من السلف ~~واختاره ابن جرير، وهو قول عن الشافعى. وعلى هذا التفسير يكون المراد ~~بالمتاع ما يعطيه الرجل لامرأته التى طلقها زيادة عن الحقوق المقررة لها ~~شرعا ليكون التسريح بإحسان. ومن العلماء من يرى أن المراد بالمتاع هنا ~~النفقة التى تكون للمطلقة فى العدة قال الفخر الرازى واعلم أن المراد ~~بالمتاع ها هنا فيه قولان أنه هو المتعة فظاهر هذه الآية يقتضى وجوب هذه ~~المتعة لكل المطلقات.. والقول الثانى أن المراد بهذه المتعة النفقة، ~~والنفقة قد تسمى متاعا، وإذا حملنا هذا المتاع على النفقة اندفع التكرار ~~فكان ذلك أولى ". ويظهر أن مراد الفخر الرازى بقوله " اندفع التكرار " أى ~~ما بين هذه الآية والآية التى سبقت وهى قوله - تعالى - # ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر ~~قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين # ولك أن تقول إنه لا تكرار مع إرادة المتعة التى ليست هى النفقة لأنه فى ~~السابقة بين أنها حق للمرأة حين تطلق ولم يكن قد قدر لها مهر معين، وهنا ~~ذكرت عقب آية الوفاة لدفع ما يتوهم من أن المتوفى عنها زوجها لها حق فى ~~المتعة إذا لم يوص لها زوجها بالنفقة. ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات ~~المتعلقة بأحكام الأسرة بقوله { كذلك يبين الله لكم ~~آياته لعلكم تعقلون }. # أى مثل هذا البيان الحكيم الواضح الذى بين الله لكم به الأحكام السابقة، ~~يبين لكم جميع آياته وأحكامه التى أنتم فى حاجة إليها لكى تفهموا ما فيها ~~وتعقلوه وتعملوا به فتنالوا السعادة فى الدنيا والآخرة. وإلى هنا تكون ~~السورة الكريمة قد بينت لنا فى أكثر من عشرين آية بعض الأحكام التى تتعلق ~~بالأسرة وصيانتها وسعادتها بأسلوب مؤثر حكيم وبطريقة تهدى إلى أفضل ~~الأخلاق، وأقوم العلاقات بين الأفراد والجماعات، وإن المتأمل فى هذه ~~الآيات وما اشتملت عليه من توجيهات سامية ليوقن بأن هذا ms0535 القرآن إنما هو ~~من عند الله، الذى شرع لعباده ما فيه صلاحهم وسعادتهم. وبعد هذا البيان ~~الحكيم عن الأسرة وما يتعلق بها من زواج وطلاق وغير ذلك، ساق القرآن من ~~القصص ما من شأنه أن يدعو إلى التذكر والاعتبار ويحرض على الجهاد فى سبيل ~~الله، ويحمل المتأملين فى توجيهاته على إقامة الأسرة على أقوى الدعائم، ~~وأفضل المبادئ التى بها تنال الأمم عزتها وكرامتها وسعادتها. فقال - ~~تعالى - { ألم تر إلى الذين خرجوا...ويبسط ~~وإليه ترجعون }. ### || [2.243-245] # قال الآلوسى قوله - تعالى - { ألم تر } هذه الكلمة قد تذكر لمن تقدم ~~علمه فتكون للتعجب والتقرير والتذكير لمن علم بما يأتى - كالأحبار وأهل ~~التواريخ - وقد تذكر لمن لا يكون كذلك فتكون لتعريفه وتعجيبه، وقد اشتهرت ~~فى ذلك حتى أجريت مجرى المثل فى هذا الباب، بأن شبه من " لم ير " الشىء ~~بحال من رآه فى أنه لا ينبغى أن يخفى عليه وأنه ينبغى أن يتعجب منه، ثم ~~أجرى الكلام معه كما يجرى مع من رأى، قصدا إلى المبالغة فى شهرته ~~وعراقته فى التعجب. ثم قال والرؤية إما بمعنى الإبصار مجازا عن النظر، ~~وفائدة التجوز الحث على الاعتبار، لأن النظر اختيارى دون الادراك الذى ~~بعده. وإما بمعنى الإدراك القلبى متضمنا معنى الوصول والانتهاء ولهذا ~~تعدت - أى الرؤية - بإلى فى قوله { ألم تر إلى الذين ~~خرجوا.. }. والمعنى قد علمت أيها الرسول الكريم أو أيها الإنسان ~~العاقل - حال أولئك القوم الذين خرجوا من ديارهم التى ألفوها واستوطنوها، ~~وهم ألوف مؤلفة، وكثرة كاثرة، وما كان خروجهم إلا فرارا وخوفا من الموت ~~الذى سيلاقيهم - إن عاجلا أو آجلا -. ومن لم يعلم حالهم فها نحن أولاء ~~نعلمه بها ونحيطه بما جرى لهم عن طريق هذا الكتاب الذى لا يأتيه الباطل ~~من بين يديه ولا من خلفه. والمقصود من هذه الآية الكريمة حض الناس جميعا ~~على الاعتبار والاتعاظ وزجرهم عن الفرار من الموت هلعا وجبنا، وتحريضهم ~~على القتال فى سبيل الله فقد قال - تعالى - بعد ذلك { وقاتلوا فى ~~سبيل الله... } وإفهامهم أن الفرار من ms0536 الموت لن يؤدى إلا إلى ~~الوقوع فيه. وقوله { وهم ألوف } جملة حالية من الضمير فى { ~~خرجوا } و { ألوف } جمع ألف. والتعبير بألوف يفيد أنهم كانوا ~~كثيرى العدد، ومن شأن الكثرة أنها تدعو إلى الشجاعة ولكنهم مع هذه الكثرة ~~قد استولى عليهم الجبن فخرجوا من ديارهم هربا من الموت. وقيل إن معنى { ~~وهم ألوف } أنهم خرجوا مؤتلفى القلوب، ولم يخرجوا عن افتراق كان ~~منهم، ولا عن تباغض حدث بينهم. وألوف على هذا القول جمع آلف مثل قاعد ~~وقعود وشهود. قالوا والوجه الأول أجدر بالاتباع لأن ورود الموت عليهم وهم ~~كثرة عظيمه يفيد مزيد اعتبار بحالهم، ولأنه هو الظاهر من معنى الآية ~~الكريمة. وقوله { حذر الموت } أى خرجوا لحذر الموت وخشيته، فقوله ~~{ حذر } منصوب على أنه مفعول لأجله. الجملة الكريمة تشير إلى أن ~~خروجهم كان الباعث عليه الحرص على مطلق حياة ولو كانت حياة ذل ومهانة، ~~وأنه لم يكن هناك سبب معقول يحملهم على هذا الخروج، ولذا كانت نتيجة ذلك ~~أن عاقبهم الله - تعالى - بالموت الذى هربوا منه فقال { فقال لهم ~~الله موتوا ثم أحياهم } أى فقال لهم الله موتوا فماتوا ثم ~~أحياهم بعد ذلك. # فجملة { ثم أحياهم } معطوفة على مقدر يستدعيه المقام أى، فماتوا ~~ثم أحياهم. وإنما حذف للدلالة على الاستغناء عن ذكره لاستحالة تخلف مراده ~~- تعالى - عن إرادته. قال صاحب الكشاف فإن قلت ما معنى قوله { فقال ~~لهم الله موتوا } قلت معناه فأماتهم وإنما جىء به على هذه ~~الصورة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد بأمر الله ومشيئته، وتلك ~~ميتة خارجة عن العادة، كأنهم أمروا بشىء فامتثلوه امتثالا من غير إباء ~~ولا توقف كقوله - تعالى - # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # وهذا تشجيع للمسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة، وأن الموت إذا لم يكن ~~منه بد، ولم ينفع منه مفر، فأولى أن يكون فى سبيل الله. وقال الجمل " فإن ~~قلت هذا يقتضى أن هؤلاء ماتوا مرتين وهو مناف للمعروف من أن موت الخلق ~~مرة واحدة؟ قلنا ms0537 فى الجواب لا منافاة إذ الموت هنا عقوبة مع بقاء الأجل ~~كما فى قوله فى قصة موسى # ثم بعثناكم من بعد موتكم # وثم موت بانتهاء الأجل، وتلخيصه أنه - سبحانه - أماتهم قبل آجالهم عقوبة ~~لهم ثم بعثهم إلى بقية آجالهم، وميتة العقوبة بعدها حياة - أى فى الدنيا ~~- بخلاف ميتة الأجل - فلا حياة بعدها فى الدنيا -.. " وبعد هذا البيان ~~لمعنى الآية قد يقال من هم أولئك القوم الذين خرجوا من ديارهم فرارا من ~~الموت؟ وهل الإماتة والإحياء بالنسبة لهم كانا على سبيل الحقيقة؟ ~~للإجابة على السؤال الأول نقول لم يرد حديث صحيح عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يبين لنا فيه من هؤلاء القوم وفى أى زمن كانوا، وإنما أورد بعض ~~المفسرين عن بعض الصحابة والتابعين روايات فيها مقال، وفيها تفصيلات نرى ~~من الخير عدم ذكرها لضعفها. ومن هذه الروايات ما جاء عن ابن عباس أنه قال ~~كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطاعون، حتى إذا كانوا بموضع كذا أو ~~كذا ماتوا.. ثم أحياهم الله بدعوة دعاها نبيهم. ومنها أنهم - قوم من بنى ~~إسرائيل - فروا من الجهاد حين أمرهم الله به على لسان نبيهم " حزقيل " ~~وخافوا من الموت فى الجهاد فخرجوا من ديارهم فأماتهم الله ليعرفهم أنه لا ~~ينجيهم من الموت شىء، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد.. ". قال القرطبى بعد أن ~~ساق هذه الرواية وقال ابن عطية وهذا القصص كله لين الأسانيد، وإنما ~~اللازم من الآية أن الله - تعالى - أخبر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ~~إخبارا فى عبارة التنبيه والتوقيف عن قوم من البشر خرجوا من ديارهم ~~فرارا من الموت فأماتهم الله ثم أحياهم ليروا هم وكل من جاء من بعدهم أن ~~الإماتة إنما هى بيد الله لا بيد غيره، فلا معنى لخوف خائف ولا لاغترار ~~مغتر. # وجعل الله هذه الآية مقدمة بين يدى أمر المؤمنين من أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم بالجهاد. وهذا قول الطبرى وهو ظاهر وصف الآية " والذى نراه أن ~~الرواية الثانية التى تقول إنهم قوم من ms0538 بنى إسرائيل فروا من الجهاد حين ~~أمرهم الله به.. معقولة المعنى، ويؤيدها سياق الآيات، لأن الآيات تحض ~~الناس على القتال فى سبيل الله، وتسوق لهم قصة هؤلاء القوم لكى يعتبروا ~~ويتعظوا ولا يتخلفوا عن الجهاد الذى هو باب من أبواب الجنة - كما قال ~~الإمام على بن أبى طالب - ولأن قوله - تعالى - { وهم ألوف } يشعر ~~بأنهم مع كثرة عددهم قد نكصوا على أعقابهم، وفروا من وجوه أعدائهم وهذا ~~شأن بنى إسرائيل فى كثير من أدوار تاريخهم وما قاله ابن عطية يشير إليها ~~فهو يقول وجعل الله هذه الآية مقدمة بين يدى أمر المؤمنين... بالجهاد. ~~إلا أنه آثر وصفهم بأنهم قوم من البشر. وللإجابة على السؤال الثانى وهو ~~- هل الإماتة والإحياء بالنسبة لهم كانا على سبيل الحقيقة - نقول مبلغ ~~علمنا أن المفسرين السابقين مجمعون على أن الموت كان موتا حقيقيا حسيا ~~لهم، وأن إعادتهم إلى الحياة بعد ذلك كانت إعادة حقيقية حسية. وقد خالف ~~الأستاذ الإمام محمد عبده إجماع المفسرين هذا فرأى أن المراد بالموت فى ~~الآية الموت المعنوى بمعنى أن موت الأمم إنما هو فى جبنها وذلتها وأن ~~حياتها إنما تكون فى عزتها وحريتها، فقد قال - رحمه الله - ما ملخصه. ".. ~~والمتبادر من السياق أن أولئك القوم خرجوا من ديارهم بسائق الخوف من عدو ~~مهاجم لا من قلتهم، فقد كانوا ألوفا أى كثيرين، وإنما هو الحذر من الموت ~~الذى يولده الجبن فى أنفس الجبناء، فيريهم أن الفرار من القتال هو الواقى ~~من الموت وما هو إلا سبب الموت بما يمكن الأعداء من رقاب أهله، قال أبو ~~الطيب # يرى الجبناء أن الجبن حزم وتلك خديعة الطبع اللئيم # ثم قال لقد خرجوا فارين { فقال لهم الله موتوا } أى أماتهم ~~بإمكان العدو منهم... فمعنى أولئك القوم هو أن العدو نكل بهم فأفنى قوتهم ~~وأزال استقلال أمتهم حتى صارت لا تعد أمة، بأن تفرق شملها، وذهبت ~~جامعتها، فكل من بقى من أفرادها بقى خاضعا للغالبين ضائعا فيهم، لا ~~وجود له فى نفسه، وإنما وجوده تابع لوجود ms0539 غيره. ومعنى حياتهم هو عود ~~الاستقلال إليهم، ذلك أن من رحمة الله فى البلاء يصيب الناس أنه يكون ~~تأديبا لهم، ومطهرا لنفوسهم مما عرض لها من دنس الأخلاق الذميمة. # أشعر الله أولئك القوم بسوء عاقبة الخوف والجبن والفشل والتخاذل بما ~~أذاقهم من مرارتها، فجمعوا كلمتهم، ووثقوا رابطتهم، حتى عادت لهم وحدتهم، ~~فاعتزوا وكثروا حتى خرجوا من ذل العبودية التى كانوا فيها إلى عز ~~الاستقلال فهذا معنى حياة الأمم وموتها ". فأنت ترى أن الأستاذ الإمام ~~يرى أن الموت والحياة فى الآية معنويان، بمعنى أن موت الأمم فى جبنها ~~وذلتها، وحياتها فى استقلالها وحريتها. ولعله - رحمه الله - قد اتجه هذا ~~الاتجاه لأن الحض على القتال فى سبيل الله واضح فى هذه الآيات، ولأنه يرى ~~أن واقع العالم الإسلامى يومئذ وما أصابه من ظلم واستبداد واستلاب ~~للحرية يدعوه إلى أن يحرض المسلمين على القتال فى سبيل حقهم المسلوب، وأن ~~يحذرهم من سوء عاقبة الجبن والخنوع. ومع أننا لا نشك فى الدوافع الطيبة ~~والبواعث الكريمة التى جعلت الأستاذ الإمام يتجه هذا الاتجاه، إلا أننا ~~لا نتردد فى اختيار ما ذهب إليه المفسرون من أن الموت والحياة فى الآية ~~حسيان حقيقيان، لأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة، ولأنه يتجه ~~اتجاها أعم من اتجاه الإمام محمد عبده، لأن المفسرين يرون أن الآية ~~واضحة فى إثبات قدرة الله وفى صحة البعث، وفى الحض على القتال فى سبيل ~~الله. قال بعض العلماء قوله - تعالى - { ألم تر إلى الذين ~~خرجوا } الآية. كان المشركون يستفتون اليهود فى كثير من الأمور وكانت ~~هذه القصة معلومة لليهود فى أسفارهم وتواريخهم، فنزل القرآن بالإشارة ~~إليها ليرتدع المشركون عما هم فيه من الضلال وإنكار البعث، ويعلموا أن ~~دلائل القدرة على البعث مشهورة، وأن عند اليهود منها ما لو رجعوا إليهم ~~فيه لعلموا أنه حق لا ريب فيه. وفى ذكر هذه القصة مع ذلك تشجيع للمؤمنين ~~على الجهاد والتعرض للشهادة، وتمهيد لما بعد هذه الآية ". ثم ختم - ~~سبحانه - الآية بقوله { إن الله لذو فضل ms0540 على الناس ~~ولكن أكثر الناس لا يشكرون } أى إن الله - تعالى - ~~لصاحب تفضل دائم على الناس حيث أوجدهم بهذه الصورة الحسنة، وخلق لهم ~~عقولا ليهتدوا بها إلى طريق الخير، وسخر لهم الكثير مما فى هذا الكون. ~~فمن الواجب عليهم أن يشكروه وأن يطيعوه، ولكن الذى حدث منهم أن أكثرهم لا ~~يشكرون الله - تعالى - على ما منحهم من نعم. وفى قوله { ولكن ~~أكثر الناس لا يشكرون } إنصاف للقلة الشاكرة منهم، ومديح ~~لهم على استقامتهم وقوة إيمانهم. ثم أمر الله - تعالى - عباده بالجهاد فى ~~سبيله فقال { وقاتلوا فى سبيل الله واعلموا أن ~~الله سميع عليم }. والسبيل الطريق. وسميت المجاهدة سبيلا إلى ~~الله لأن الإنسان يسلكها فيصل إلى ما يرضى الله، ويعلى كلمته. # ويعز دينه. أي، قاتلوا أيها المسلمون فى سبيل إعلاء كلمة الله، والدفاع ~~عن دينه، واعلمو أنه - سبحانه - عليم بكل أقوالكم صالحها وطالحها، عليم ~~بكل ما يدور فى نفوسكم وخواطركم، وسيجازى المحسن بإحسانه، والمسئ ~~بإساءته. فالآية الكريمة تحريض للمؤمنين على القتال من أجل إظهار الدين ~~الحق، وتحذير لهم من القعود عنه، وحث لهم على صدق النية وإخلاص العمل ~~لله، # " فقد سئل النبى صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية، ~~ويقاتل رياء، أى ذلك فى سبيل الله؟ فقال من قاتل لتكون كلمة الله هى ~~العليا فهو فى سبيل الله ". # ثم أمر الله - تعالى - عباده بأن ينفقوا أموالهم فى الأعمال الصالحة ~~التى من أعظمها الجهاد فى سبيله فقال - تعالى - { من ذا الذي ~~يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا ~~كثيرة }. قال القرطبى " القرض اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء. وأقرض ~~فلان فلانا أى أعطاه ما يتجازاه. واستقرضت من فلان أى طلبت منه القرض ~~فأقرضنى. واقترضت منه أى أخذت القرض. وأصل الكلمة القطع ومنه المقراض. ~~وأقرضته أى قطعت له من مالى قطعة يجازى عليها... ثم قال والتعبير بالقرض ~~فى هذه الآية إنما هو تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه، والله هو الغنى ~~الحميد، لكنه - تعالى - شبه عطاء المؤمن فى الدنيا بما يرجو ms0541 به ثوابه فى ~~الآخرة بالقرض كما شبه إعطاء النفوس والأموال فى أخذ الجنة بالبيع ~~والشراء.. ". والمعنى من هذا المؤمن القوى الإيمان الذى يقدم ماله فى ~~الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله، وفى غير ذلك من وجوه الخير كمعاونة ~~المحتاجين، وسد حاجة البائسين، ومساعدة الأمة الإسلامية بما يفيدها ~~ويعلى من شأنها، { فيضاعفه له أضعافا كثيرة } أى فيرد ~~الله - تعالى - إلى هذا الباذل المعطى المقرض بدل ما أعطى وبذل وأقرض ~~أمثالا كثيرة لا يعلم مقدارها إلا الله أكرم الأكرمين. إذ المضاعفة ~~معناها إعطاء الشخص أضعاف أى أمثال ما أعطى وبذل. والاستفهام فى قوله { ~~من ذا الذي يقرض الله... } للحض على البذل والعطاء، ~~وللتهييج على الاتصاف بالصفات الكريمة، حتى لكأن المستفهم لا يدرى من هو ~~الأهل لهذه الصفات ويريد أن يعرف من هو أهل لها. و { من } اسم استفهام ~~مبتدأ، و { ذا } اسم إشارة خبره، والذى وصلته صفة لاسم الإشارة أو بدل ~~منه. وقوله { قرضا حسنا } حث للناس على إخلاص النية، وتحرى الحلال ~~فيما ينفقون، لأن الإنسان إذا تصدق بمال حرام، أو قصد بنفقته الرياء أو ~~المباهاة لا يكون عمله متقبلا عند الله، وإنما يتقبل الله العمل ويضاعفه ~~لمن قصد به وجهه، وكن المتصدق به مالا حلالا خالصا من الشبهات. # فالله - تعالى - طيب لا يقبل إلا ما كان طيبا. ثم ختم - سبحانه - الآية ~~بقوله { والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون }. القبض ~~ضد البسط. يقال قبضه بيده يقبضه أى تناوله. وقبض عليه بيده أى أمسكه. ~~ويقال لإمساك اليد عن البذل قبض ومن ذلك قوله - تعالى - # ويقبضون أيديهم # أي يمتنعون عن الإنفاق. والبسط معناه المد والتوسعة. يقال بسط يده أى ~~مدها. وبسط المكان القوم. وسعهم. والمعنى والله - تعالى - بيده الإعطاء ~~والمنع فهو يسلب تارة ويعطى أخرى، أو يسلب قوما ويعطى آخرين، أو يضيق على ~~بعض ويوسع على بعض حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكمة والمصلحة، وما ~~دام الأمر كذلك فلا تبخلوا بما وسع عليكم كيلا تتبدل أحوالكم من الغنى ~~إلى الفقر، ومن السعة إلى الضيق. وأنتم ms0542 جميعا سترجعون إليه وحده، وسيجازى ~~- سبحانه - الأسخياء بما يستحقون من كريم الثواب والبخلاء بما هم أهله من ~~شديد العقاب. فأنت ترى أن فى هذه الآية الكريمة ألوان من الحض على ~~الإنفاق فى وجوه الخير ومن ذلك التعبير بالاستفهام، لأنه للتنبيه وبعث ~~النفوس إلى التدبر والاستجابة. ومن ذلك - أيضا - التعبير بقوله { من ~~ذا الذي.. } فقد جمع هذا التعبير بين اسم الإشارة والاسم الموصول فى ~~الاستفهام، ولا يستفهم بتلك الطريقة إلا إذا كان المقام ذا شأن وخطر، ~~وكان المخاطب لعظم قدره من شأنه أن يشار إليه وأن يتحدث عنه ومن ذلك ~~تسميته ما يبذل الباذل قرضا، ولمن هذا القرض إنه لله الذى بيده خزائن ~~السماوات والأرض والذى سيرد للباذل أضعاف ما بذل، فكأنه - سبحانه - يقول ~~لنا إن ما تدفعونه لن يضيع عليكم بل هو قرض منكم لى، وسأرده لكم بأضعاف ~~ما دفعتم وأعطيتم. ومن ذلك إخفاء مرات المضاعفة ووصفها بالكثرة فى قوله { ~~فيضاعفه له أضعافا كثيرة } أى لا يعلم مقدارها إلا الله. ~~ومن ذلك التعبير بقوله { والله يقبض ويبسط } لأنه ما دام ~~العطاء والمنع من الله فلماذا يبخل البخلاء ويقتر المقترون؟ إن على الغنى ~~أن يستشعر نعمة الله عليه وأن يتحدث بها بدون رياء وأن ينفق منها فى وجوه ~~الخير حتى يزيده الله من فضله، وإلا ففى قدرة الله أن يسليها منه، ~~ويحاسبه على بخله حسابا عسيرا. هذه بعض وجوه المبالغة التى اشتملت عليها ~~الآية لحض الناس على الإنفاق فى الجهاد وفى وجوه الخير، ولقد استجاب ~~السلف الصالح لهذه التوجيهات، وحكى لنا التاريخ أمثلة كريمة من سخائهم ~~وبذلهم. ومن خير الأمثلة على ذلك ما جاء عن عبد الله بن مسعود قال # " لما نزلت { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } قال ~~أبو الدحداح يا رسول الله أو إن الله - تعالى - يريد منا القرض؟ " قال ~~نعم يا أبا الدحداح " قال أرنى يدك. فناوله النبى صلى الله عليه وسلم ~~يده. فقال أبو الدحداح فإنى أقرضت الله - تعالى - حائطا فيه ستمائة نخلة. ~~ثم جاء يمشى ms0543 حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه وعياله، فناداها يا أم ~~الدحداح، قالت لبيك قال أخرجى قد أقرضت ربى حائطا فيه ستمائة نخلة ". # وفى رواية لزيد بن اسلم # " أن أبا الدحداح قال للنبى صلى الله عليه وسلم إن لى حديقتين إحداهما ~~بالسافلة والأخرى بالعالية والله لا أملك غيرهما قد جعلتهما قرضا لله - ~~تعالى - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اجعل إحداهما والأخرى دعها ~~معيشة لك ولعيالك " قال فأشهدك يا رسول أنى قد جعلت خيرهما لله وهو حائط ~~فيه ستمائة نخلة. قال " إذا يجزيك الله به الجنة، ثم انطلق أبو الدحداح ~~إلى زوجته وهى مع صبيانها فى الحديثة تدور تحت النخل فأخبرها بما فعل. ~~فأقبلت على صبيانها تخرج ما فى أفواههم وتنفض ما فى أكمامهم حتى أفضت إلى ~~الحائط الآخر ". # وبهذا نرى السلف الصالح قد امتثل ما أمره الله به من إنفاق فى سبيله ومن ~~جهاد لإعلاء كلمته فهل آن الأوان للمسلمين أن ينهجوا نهجهم لكى يسعدوا ~~كما سعدوا، وينالوا أشرف حياة وأعزها؟ اللهم خذ بيدنا إلى ما يرضيك. ثم ~~ساق القرآن قصة من قصص بنى إسرائيل مع أنبيائهم، فيها العظات والعبر، ~~وملخص هذه القصة أن قوما من بنى إسرائيل كانوا قد انهزموا أمام أعدائهم ~~هزيمة منكرة جعلتهم يولون الأدبار تاركين ديارهم وأبناءهم، فقالوا لنبى ~~لهم بعد أن ذاقوا مرارة الهزيمة أبعث لنا مالكا يقودنا للقتال فى سبيل ~~الله، ففال لهم نبيهم بعد أن حذرهم من عاقبة الجبن والكذب { إن ~~الله قد بعث لكم طالوت ملكا } فاعترضوا على هذا ~~الاختيار، ونقصوا من شأن من اختاره الله قائدا لهم، ولكن نبيهم ساق لهم ~~من الحجج التى تدل على صلاحية طالوت لهذا المنصب ما أخرس ألسنتهم.. ثم ~~سار طالوت بجنوده لقتال أعدائه، وفى الطريق قال لمن معه # إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس ~~مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف ~~غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم # ثم بعد هذه المخالفة جبن أكثرهم عن قتال أعدائهم وقالوا # لا طاقة ms0544 لنا اليوم بجالوت وجنوده # ولكن الفئة القليلة المؤمنة منهم استطاعت أن تنتصر على كل عقبة فى ~~طريقها، وأن تقاتل أعداءها بشجاعة وصبر واعتماد على الله، فكانت النتيجة ~~أن انتصرت الفئة القليلة المؤمنة بقيادة طالوت على الفئة الكثيرة الكافرة ~~بقيادة جالوت. هذا تلخيص لتلك القصة العامرة بالعظات، ولعل من الخير قبل ~~أن نبدأ فى تفسير آياتها أن نقرأها بتدبر وتأمل كما صورها القرآن بأسلوبة ~~البليغ المؤثر. قال - تعالى - { ألم تر إلى الملإ من بني ~~إسرائيل...يؤتي ملكه من يشآء والله واسع عليم ~~}. ### || [2.246-247] # قوله - تعالى - { ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل ~~من بعد موسى } إلخ استئناف ثان بعد قول قبل ذلك # ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم # وقد سيق هذا الاستئناف مساق الاستدلال لقوله - تعالى - # وقاتلوا فى سبيل الله # حتى تتشجع النفوس على الجهاد، وتهون عليها المصاعب فى سبيل حياة العزة ~~والكرامة. و { الملإ } الأشراف من الناس. وهو اسم للجماعة لا واحد له ~~من لفظه. وإنما سمى الأشراف بذلك لأن هيبتهم تملأ الصدور، أو لأنهم ~~يتمالؤون أى يتعاونون فى شئونهم. وأصل الباب الاجتماع بما لا يحتمل ~~المزيد. والمعنى كما سبق أن بينا فى قوله # ألم تر إلى الذين خرجوا # قد علمت أيها العاقل حال أولئك القوم من بنى إسرائيل الذين كانوا بعد ~~وفاة موسى - عليه السلام - إذ قالوا لنبى لهم أقم لنا أميرا لكى نقاتل ~~معه فى سبيل الله. ومن لم يعلم فها نحن أولاء نعلمه بحالهم فعليه أن ~~يعتبر ويتعظ. فقوله { من بعد موسى } بيان للزمن الذى كان يعيش فيه ~~أولئك الملأ من بنى إسرائيل والمراد بالنبى الذى قالوا له { ابعث ~~لنا ملكا نقاتل فى سبيل الله } على الراجح - " شمويل بن ~~حنة " وكان السبب فى طلبهم هذا من نبيهم أن العمالقة أتباع جالوت كانوا ~~قد أخرجوهم من ديارهم، وأنزلوا بهم هزائم شديدة، فطلبوا من ذلك لكى ~~يستردوا مجدهم الضائع، وعزهم المسلوب، على يد هذا القائد المختار من جهة ~~نبيهم. وفى الإتيان بلفظ هذا النبى بصيغة التنكير إشارة إلى أن ms0545 محل ~~العبرة ليس هو شخص النبى وإنما المقصود معرفة حال أولئك القوم، وما جرى ~~لهم مع نبيهم من أحداث من شأنها أن تدعو إلى الاعتبار والاتعاظ. وهذه ~~طريقة القرآن فى سرد القصص لا يهتم بالأشخاص والأزمان إلا بالقدر الذى ~~يستدعيه المقام. أما الاهتمام الأكبر فيجعله لما اشتملت عليه القصة من ~~وجوه العظات والعبر. ويبدو أنه كان يتوجس منهم خيفة لأنه أعرف بطبيعتهم، ~~فنراه يقول لهم كما حكى القرآن عنه { قال هل عسيتم إن كتب ~~عليكم القتال ألا تقاتلوا }. فالاستفهام للتقرير ~~والتحذير. أى إنى أتوقع عدم قتالكم إذا فرض عليكم القتال، فراجعوا أنفسكم ~~وقوتكم قبل أن تطلبوا هذا الطلب، لأنه إذا فرض عليكم ثم نكصتم على ~~أعقابكم فإن عاقبتكم ستكون شرا لا شك فى ذلك. وعسى هنا بمعنى التوقع ~~والمقاربة، والجملة استئناف بيانى. قال صاحب الكشاف والمعنى هل قاربتم ~~ألا تقاتلوا؟ يعنى هل الأمر كما أتوقعه أنكم لا تقاتلون؟ أراد أن يقول ~~عسيتم ألا تقاتلوا بمعنى أتوقع جبنكم عن القتال فأدخل { هل } مستفهما ~~عما هو متوقع عنده ومظنون وأراد بالاستفهام التقرير وتثبيت أن المتوقع ~~كائن وأنه صائب فى توقعه. # وخبر { عسيتم } " ألا تقاتلوا " والشرط فاصل بينهما ". ثم حكى ~~القرآن ردهم على نبيهم فقال { قالوا وما لنآ ألا نقاتل فى ~~سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنآئنا }. أى ~~قال الملإ من بنى إسرائيل على سبيل الإنكار والتعجب مما قاله نبيهم وأى ~~صارف يصرفنا عن القتال وحالنا كما ترى؟ إننا قد أخرجنا من ديارنا وحيل ~~بيننا وبين أبنائنا وفلذات قلوبنا فكيف لا نقاتل مع أن الدواعى موجودة، ~~والبواعث متوفرة، والأسباب مهيئة؟ فأنت تراهم فى إجابتهم هذه يستنكرون ما ~~توقعه نبيهم منهم، ويجزمون بأن الطريق الوحيد لعزتهم إنما هو القتال وأن ~~هذا الأمر لا مراجعة فيه ولا جدال. وهكذا شأن الجبناء والمغرورين فى كل ~~زمان ومكان يرحبون بالمعارك قبل قدومها فإذا ما جد الجد كذبت أعمالهم ~~أقوالهم، وأعطوا أدبارهم لأعدائهم! ثم حكى القرآن أن نبيهم كان صادقا ~~فيما توقعه منهم من جبن وكذب، وأنهم ms0546 قو م يقولون بأفواههم ما ليس فى ~~قلوبهم فقال - تعالى - { فلما كتب عليهم القتال ~~تولوا إلا قليلا منهم }. أى فحين فرض عليهم القتال بعد ~~أن الحوا فى طلبه، أعرضوا عنه، ونفروا منه إلا عددا قليلا منهم فإنه ثبت ~~على الحق، ووفى بعهده. قال الآلوسى وقوله { إلا قليلا منهم } ~~وهم الذين جاوزوا النهر وكانوا ثلثمائة وثلاثة عشر عدة أهل بدر على ما ~~أخرجه البخارى عن البراء - رضى الله عنه - والقلة إضافية فلا يرد وصف هذا ~~العدد أحيانا بأنه جم غفير. ثم ختم الله - تعالى - الآية بقوله { ~~والله عليم بالظالمين } لإفادة الوعيد الشديد لهؤلاء الذين ~~نقضوا عهودهم، ونكصوا عن القتال عندما فرض عليهم، ولكل من يفعل فعلهم، ~~وسار على طريقهم. أى والله - تعالى - عليم بالظالمين الذين يظلمون أنفسهم ~~وأمتهم بترك الجهاد، وبترك ما أمرهم الله به بعد أن عاهدوه على عدم ~~الترك. ثم بين القرآن ما أخبرهم به نبيهم ليحملهم على الطاعة والامتثال ~~فقال - تعالى - { وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث ~~لكم طالوت ملكا }. أى وقال لهم بعد أو أوحى إليه بما يوحى إن ~~الله - تعالى - وهو العليم الخبير بأحوال عباده قد بعث لكم ومن أجل ~~مصلحتكم طالوت ليكون ملكا عليكم، وقائدا لكم فى قتالكم لأعدائكم، ~~فأطيعوه واتبعوا ما يأمركم به. و { طالوت } اسم أعجمى قيل هو المسمى ~~فى التوراة باسم " شاول " وقيل إن هذا الاسم لقب له من الطول كملكوت من ~~الملك، لأن طالوت كان طويلا جسيما. ولقد كان الذى يقتضيه العقل أن يطيعوا ~~أمر نبيهم، ولكنهم لجوا فى جدالهم وطغيانهم وقالوا لنبيهم معترضين على من ~~اختاره الله قائدا لهم. # { أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق ~~بالملك منه ولم يؤت سعة من المال }. { أنى } ~~أداة استفهام بمعنى كيف، والاستفهام هنا للتعجب من جعل طالوت ملكا ~~عليهم. أى قالوا لنبيهم منكرين ومتعجبين من اختيار طالوت ملكا عليهم كيف ~~يكون له الملك علينا والحال أننا أحق بالملك منه لأننا أشرف منه نسبا، ~~إذ منا من هو نسل الملوك أما طالوت فليس ms0547 من نسلهم، وفضلا عن ذلك فهو لا ~~يملك من المال ما يملكه بعضنا فكيف يكون هذا الشخص ملكا علينا؟ فأنت ~~تراهم لانعدام المقاييس الصحيحة عندهم ظنوا أن المؤهلات الحقيقية ~~لاستحقاق الملك والقيادة إنما تكون بالنسب وكثرة المال أما الكفاءة ~~العقلية، والقوة البدنية، والقدرة الشخصية فلا قيمة لها عندهم لانطماس ~~بصيرتهم، وسوء تفكيرهم. قال بعضهم " وسبب هذا الاستبعاد أن النبوة كانت ~~مخصوصة بسبط معين من أسباط بنى إسرائيل وهو سبط لاوى بن يعقوب. وسبط ~~المملكة. بسبط يهوذا، ولم يكن طالوت من أحد هذين السبطين بل من ولد ~~بنيامين. والواو فى قوله { ونحن أحق } للحال، والواو الثانية فى ~~قوله { ولم يؤت } عاطفة جامعة للجملتين فى الحكم. ثم حكى القرآن ما ~~رد به نبيهم عليهم فقال { قال إن الله اصطفاه عليكم ~~وزاده بسطة فى العلم والجسم والله يؤتي ملكه ~~من يشآء والله واسع عليم }. أى قال لهم نبيهم مدللا على ~~أحقية طالوت بالقيادة إن الله - تعالى - { اصطفاه عليكم } أى ~~اختاره وفضله عليكم واختياره يجب أن يقابل بالإذعان والتسليم. وثانيا { ~~وزاده بسطة فى العلم } أى أن الله - تعالى - منحه سعة فى ~~العلم والمعرفة والعقل والإحكام فى التفكير المستقيم لم يمنحها لكم، ~~وثالثا فى { والجسم } بأن أعطاه جسما قويا ضخما مهيبا. وهذه ~~الصفات ما وجدت فى شخص إلا وكان أهلا للقيادة والريادة وفضلا عن كل ذلك ~~فمالك الملك هو الذى اختاره فكيف تعترضون يامن تدعون أنكم تريدون القتال ~~فى سبيل الله؟ لذا نراه - سبحانه - يضيف الملك الحقيقى إليه فيقول { ~~والله يؤتي ملكه من يشآء } أى يعطى ملكه لمن يشاء من ~~عباده لحكمة يعلمها. فلا يجوز لأحد أن يعترض على اختياره، والله واسع ~~الفضل والعطاء " عليم ". ثم حكى القرآن أن نبيهم لم يكتف بهذه الدلائل ~~الدالة على صلاحية طالوت للقيادة، وإنما ساق لهم بعد ذلك من العلامات ~~التى تشهد بحقيته بهذا المنصب ما يثبت قلوبهم، ويزيل شكهم ويشرح نفوسهم ~~فقال - تعالى - { وقال لهم نبيهم إن آية ملكه ~~أن... بإذن الله والله مع الصابرين }. ### || [2.248-249] # التابوت " يوزن ms0548 فعلوت - من التوب وهو الرجوع، وتاؤه مزيدة لغير التأنيث ~~كجبروت، والمراد به صندوق التوراة وكانوا إذا حاربوا حمله جماعة منهم ~~ويتقدمون به أمام الجيش فيكون ذلك سبب نصرهم. وكان عهدهم به قد طال ~~فذكرهم بمآثره ترغيبا فيه وحملا على الانقياد لطالوت ". والسكينة من ~~السكون وهو ثبوت الشىء بعد التحرك أو من السكن - بالتحريك - وهو كل شىء ~~سكنت إليه النفس وهدأت. والمعنى وقال لهم نبيهم ليقنعهم بأن طالوت جدير ~~بالملك { إن آية ملكه } أى علامة ملكه وأنه من الله - تعالى - { ~~أن يأتيكم التابوت } أى أن يرد عليكم التابوت الذى سلب منكم { ~~فيه سكينة من ربكم } أى فى إتيانه سكون لنفوسكم وطمأنينة ~~لها أو مودع فيه ما تسكنون إليه وهو التوراة { وبقية مما ~~ترك آل موسى وآل هارون } من آثار تعتزون بها، وترون فيها صلة ~~بين ماضيكم وحاضركم وقوله { تحمله الملائكة } حال من التابوت. ~~قال صاحب الكشاف قوله { وبقية مما ترك آل موسى وآل ~~هارون } هى رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشىء من التوراة. وكان رفعه ~~الله - تعالى - بعد موسى - عليه السلام - فنزلت به الملائكة تحمله وهم ~~ينظرون إليه، فكان ذلك آية لاصطفائه لطالوت. فإن قلت من هم آل موسى وآل ~~هارون. قلت الأنبياء من بنى يعقوب بعدهما، ويجوز أن يراد مما تركه موسى ~~وهارون والآل مقحم لتفخيم شأنهما. وقال ابن كثير قال ابن عباس جاءت ~~الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض حتى وضعته بين يدى طالوت والناس ~~ينظرون. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله { إن فى ذلك لآية لكم ~~إن كنتم مؤمنين } أى إن فى ذلك الذى أتاكم به طالوت الآية ~~عظيمة وعلامة ظاهرة لكم تدل على أحقية طالوت بالملك والقيادة إن كنتم ~~مؤمنين بآيات الله وبالحق الذى جاء به أنبياؤه. وبذلك نرى أن القرآن ~~الكريم قد حكى لنا أن هؤلاء القوم من بنى إسرائيل قد جاءهم نبيهم بأنصع ~~الحجج، وأوضح الأدلة، وأثبت البراهين التى تؤيده فيما يدعوهم إليه. ثم ~~بين - سبحانه - ما دار بين طالوت وجنوده فقال { فلما فصل طالوت ~~بالجنود ms0549 قال إن الله مبتليكم بنهر }. { فصل } ~~بمعنى الفصل. قال الزمخشرى " فصل عن موضع كذا إذا انفصل عنه وجاوزه. ~~وأصله فصل نفسه. ثم كثر حذف المفعول حتى صار فى حكم غير المتعدى كانفصل. ~~وقيل فصل عن البلد فصولا. ويجوز أن يكون فصله فصلا، وفصل فصولا كوقف وصد ~~ونحوهما والمعنى انفصل عن بلده. " و النهر بالفتح والسكون - المجرى ~~الواسع الذى يجرى فيه الماء مأخوذ من نهر الأرض بمعنى شقها. # أى فلما انفصل بهم عن المكان الذى كانوا يقيمون فيه، وتوجهوا معه لقتال ~~جالوت وجنوده، قال لهم { إن الله مبتليكم بنهر } أى ~~مختبركم وممتحنكم بنهر، وكان طالوت قد سار بهم فى أرض قفرة فأصابهم عطش ~~شديد. وفى هذا الابتلاء اختبار لعزيمتهم، وامتحان لصبرهم على المتاعب حتى ~~يتميز من يصير على الحرب ممن لا يصبر، ومن شأن القواد الأقوياء العقلاء ~~أنهم يختبرون جنودهم قبل اقتحام المعارك حتى يكونوا على بينة من أمرهم. ~~ثم بين لهم موضع الاختبار فقال. { فمن شرب منه فليس مني ~~ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف ~~غرفة بيده }. { يطعمه } أى يذقه من طعم الشىء يطعمه إذا ~~ذاقه مأكولا أو مشروبا. { غرفة } - بالضم - اسم للشىء المغترف وجمعه ~~غراف. وأما الغرفة - بالفتح - فهى اسم للمرة الواحدة من الغرف وقيل هما ~~لغتان بمعنى واحد. أى قال لهم طالوت من شرب من هذا النهر فليس من شيعتى، ~~فعليه أن يتركنى ولا يصاحبنى فى خوض هذه المعركة لأنه ثبت ضعفه وخوره، ~~ومن لم يذقه أصلا فإنه من شيعتى وحزبى الذى سيكون معى فى هذه المعركة ~~الخطيرة. ثم أباح لهم أن يغترفوا من النهر غرفة يخففون بها من عطشهم فقال ~~{ إلا من اغترف غرفة بيده } فإنه لا يخرج بذل عن كونه ~~منى. وفى هذه الجملة الكريمة قدم - سبحانه - جواب الشرط على الاستثناء من ~~الشرط فقد قال { ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من ~~اغترف غرفة بيده } والتأليف المعهود للناس أن يقال ومن لم ~~يطعمه إلا من اغترف بيده فإنه منى ولكن الآية الكريمة جاءت بتقديم ms0550 الجواب ~~على الاستثناء لحكمة بليغة، وهى المسارعة إلى بيان الحكم، وإثبات أن أساس ~~الصلة التى تربطهم بنبيهم أن يمتثلوا أمره وألا يشربوا من النهر، ثم رخص ~~لهم بعد ذلك فى الاغتراف باليد غرفة واحدة. وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا ~~المعنى فقال فإن قلت مم استثنى قوله { إلا من اغترف } قلت من ~~قوله { فمن شرب منه فليس مني } والجملة الثانية فى حكم ~~المتأخرة إلا أنها قدمت للعناية.. ومعناه الرخصة فى اغتراف الغرفة باليد ~~دون الكروع ". ثم ختم - سبحانه - ما كان من بنى إسرائيل نتيجة لهذا ~~الامتحان فقال { فشربوا منه إلا قليلا منهم }. أى ~~فشربوا من النهر حتى امتلأت بطونهم مخالفين بذلك أمر قائدهم فى وقت تعظم ~~فيه المخالفة لأنه وقت إقدام على الحرب، إلا عددا قليلا منهم فإنهم لم ~~يشربوا إلا كما رخص لهم قائدهم. وعلى هذا التفسير - الذى قال به جمهور ~~المفسرين - يكون جميع الذين مع طالوت قد شربوا من النهر إلا أن كثيرا ~~منهم قد شربوا حتى امتلأت بطونهم مخالفين أمر قائدهم، وقلة منهم شربت ~~غرفة واحدة وهى التى رخص لهم قائدهم فى شربها. # وبعض المفسرين يقسم اتباع طالوت ثلاثة أقسام قسم شرب كثيرا مخالفا أمر ~~طالوت. وقسم شرب غرفة واحدة بيده كما رخص له قائده. وقسم لم يشرب أصلا لا ~~قليلا ولا كثيرا مؤثرا العزيمة على الرخصة وهذا القسم هو الذى اعتمد ~~عليه طالوت اعتمادا كبيرا فى تناوله لأعدائه. وممن ذكر هذا التقسيم من ~~المفسرين الإمام القرطبى فقد قال " قال ابن عباس شربوا على قدر يقينهم، ~~فشرب الكفار شرب الهيم، وبقى بعض المؤمنين لم يشرب شيئا، وأخذ بعضهم ~~الغرفة، فأما من شرب فلم يرو بل برح به العطش، وأما من ترك الماء فحسنت ~~حاله وكان أجلد ممن أخذ الغرفة ". ثم بين - سبحانه - ما كان من أتباع ~~طالوت بعد اجتيازهم للنهر معه فقال { فلما جاوزه هو ~~والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم ~~بجالوت وجنوده }. أى فلما جاوز طالوت ومن معه النهر وتخطوه، ~~وشاهدوا كثرة جند جالوت، ms0551 قال بعض الذين مع طالوت لبعض بقلق ووجل لا قدرة ~~لنا اليوم على محاربة أعدائنا ومقاومتهم فهم أكثر منا عددا، وأوفر ~~عددا. والضمير { هو } فى قوله { هو والذين آمنوا معه } ~~مؤكد للضمير المستكن فى جاوز. والقائلون، هذا القول هم بعض المؤمنين ~~الذين عبروا معه النهر، ولم يقولوا ذلك هروبا أو نكوصا عن القتال، ~~وإنما قالوه كمظهر من مظاهر الوجل الذى يعترى بعض النفوس عند الاستعداد ~~للقتال، لأن الذين عصوا الله وخالفوا طالوت بشربهم من النهر جبنوا عن ~~لقاء العدو ولم يسيروا معه لقتالهم. أما المؤمنون الصادقون الذين اتصلت ~~قلوبهم بالله، والذين أذعنوا أنه لا نصر إلا منه ولا اعتماد إلا عليه، ~~فقد حكى القرآن موقفهم المشرف فقال { قال الذين يظنون ~~أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة ~~كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين }. أى قال ~~الذين يتيقنون أنهم ملاقو الله يوم القيامة فيحاسبهم على أعمالهم. قالوا ~~مشجعين لإخوانهم الذين تهيبوا قتال أعدائهم كم من جماعة قليلة بإيمانها ~~وصبرها تغلبت بإذن الله وتيسيره على جماعة كثيرة بسبب كفرها وجبنها ~~وتفككها، والله - تعالى - بعونه وتأييده مع الصابرين. وعلى هذا التفسير ~~يكون المراد بلقاء الله الحشر إليه بعد الموت، ومجازاة الناس على ما ~~قدموا من عمل، ويكون المراد بالظن اليقين لأن كل مؤمن متيقن بأن البعث ~~حق. ويجوز أن يكون المراد بلقاء الله قربهم من رضاه يوم القيامة، ~~وإثابتهم على جهادهم بالجنة، وعليه يكون الظن على معناه الحقيقى وهو ~~الاعتقاد الراجح، لأن خواتيم الحياة لا يعلمها كيف تكون سوى علام الغيوب. ~~و { كم } فى قولهم { كم من فئة } خبرية للتكثير، وفى هذا التعبير ~~الذى حكاه القرآن عنهم دليل على قوة إيمانهم وصفاء نفوسهم وثقتهم فى نصر ~~الله ثقة لا تحد، لأنهم أتوا بصيغة التكثير حتى لكأنما أن القاعدة العامة ~~هى انتصار الفئة القليلة على الفئة الكثيرة الكافرة. # وفى تعليقهم النصر على إذن الله للإشعار بأنهم لم يعتمدوا على قوتهم ~~وثباتهم وشجاعتهم فحسب وإنما جعلوا اعتمادهم الأكبر على تأييد الله لهم. ~~وهذا ms0552 شأن العقلاء يبذلون أقصى جهدهم فى بلوغ غايتهم مستعينين على ذلك ~~بتأييد الله وتوفيقه. ورحم الله الإمام القرطبى الذى عاصر دول الإسلام ~~فى الأندلس وهى تسير فى طريق الضعف والتدهور فقد قال فى ختام تفسيره لهذه ~~الآية قلت هكذا يجب علينا أن نفعل؟ لكن الأعمال القبيحة والنيات الفاسدة، ~~منعت من ذلك حتى انكسر العدد الكبير منا أمام اليسير من العدو وكما ~~شاهدناه غير مرة، وذلك بما كسبت أيدينا! وفى البخارى وقال أبو الدرداء ~~إنما تقاتلون بأعمالكم. وفى البخارى - أيضا - أن النبى صلى الله عليه ~~وسلم قال # " هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم " # فالأعمال فاسدة والضعفاء مهملون والصبر قليل، والاعتماد ضعيف، والتقوى ~~زائلة!! قال - تعالى - # اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله # وقال # وعلى الله فتوكلوا # وقال # إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون # وقال # ولينصرن الله من ينصره # وقال # إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا ~~لعلكم تفلحون # فهذه أسباب النصر وشروطه وهى معدومة عندنا غير موجودة فينا، فإنا لله ~~وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحل بنا ". ثم حكى القرآن بعد ذلك ما ~~قاله المؤمنون الصادقون عندما برزوا للقاء أعدائهم فقال { ولما ~~برزوا لجالوت وجنوده...وإنك لمن المرسلين }. ### || [2.250-252] # قوله { برزوا } أى صاروا إلى إبراز الأرض وهو ما انكشف منها بحيث ~~يصير كل فريق من المتقاتلين يرى صاحبه، ومنه سميت المبارزة فى الحرب ~~لظهور كل قرن إلى قرنه. أى وحين برز طالوت ومن معه لقتال جالوت وجنوده، ~~وأصبح الفريقان فى مكان متسع من الأرض بحيث يرى كل فريق خصمه اتجه ~~المؤمنون إلى الله - تعالى - بالدعاء قائلين بإخلاص وخشوع { ربنآ ~~أفرغ علينا صبرا } أى أفض علينا صبرا يعمنا، ويملأ قلوبنا ثقة ~~بنصرك، ويحبس نفوسنا على طاعتك. قال الإمام الرازى ما ملخصه، الإفراغ ~~الصب. يقال أفرغت الإناء إذا صببت ما فيه. وقولهم هذا يدل على المبالغة ~~فى طلب الصبر من وجهين أحدهما أنه إذا صب الشىء فى الشىء فقد أثبت فيه ~~بحيث لا يزول عنه وهذا يدل على التأكيد. والثانى " أن افراغ الإناء هو ms0553 ~~إخلاؤه وذلك يكون بصب كل ما فيه، فمعنى أفرغ علينا صبرا، أى أصبب علينا ~~أتم صب وأبلغه - حتى تتحقق فينا صفة الصبر كأحسن ما يكون التحقق ". أما ~~الدعوة الثانية فقد قالوا فيها - كما حكى القرآن عنهم - { وثبت ~~أقدامنا } أى هب لنا من كمال القوة والرسوخ عند القتال ما يجعلنا ~~نثبت أمام أعدائنا، ونتمكن من رقابهم دون أن يتمكنوا منا. فهذا الدعاء ~~كناية عن أن يمنحهم - سبحانه - الثبات عند الزحف، وعدم الفرار عند ~~القتال. وفى قوله { وثبت أقدامنا } تعبير بالجزء عن الكل، لأن ~~الأقدام هى التى يكون بها الفرار، فتثبيتها إبعاد عن الفرار، ومتى حصل ~~الثبات كان النصر متوقعا، والصبر متحققا. ثم ختموا دعاءهم بأن قالوا { ~~وانصرنا على القوم الكافرين } أى اجعل الغلبة لنا عليهم، ~~لأننا مؤمنون بأنك المعبود المستحق للعبادة وهم يكفرون بذلك. والمتأمل فى ~~هذه الدعوات الثلاث يراها قد جمعت أسمى ألوان الأدب وحسن الترتيب، فهم قد ~~صدروا دعاءهم بالتوسل بوصف الربوبية فقالوا { ربنآ } أى يا خالقنا ~~ويا منشئنا ويا مربينا ويا مميتنا، وفى ذلك إشعار أنهم يلجأون إلى من ~~بيده وحده النفع والضر، والنصر والهزيمة. ثم افتتحوا دعاءهم بطلب الصبر ~~عند المخاوف لأنه هو عدة القتال الأولى، وركنه الأعلى، إذ به يكون ضبط ~~النفس فلا تفزع، وبه يسكن القلب فلا يجزع. ثم التمسوا منه - سبحانه - أن ~~يثبت أقدامهم عند اللقاء لأن هذا الثبات هو مظهر الصبر، ووسيلة النصر، ~~وعنوان القوة. ثم ختموا دعاءهم بما هو ثمرة ونتيجة للصبر والثبات وهو ~~النصر على الأعداء. فماذا كانت نتيجة هذا الدعاء الخاشع الخالص؟ كانت ~~نتيجته النصر المؤزر الذى حكاه القرآن فى قوله { فهزموهم بإذن ~~الله }. وأصل الهزم فى اللغة الكسر. # ومنه سقاء منهزم أى انثنى بعضه على بعض مع الجفاف. ويقال للسحاب هزيم، ~~لأنه يتشقق بالمطر. والفاء هنا فصيحة أو سببية أى أنهم بسبب دعائهم ~~المخلص، وإيمانهم القوى، واستجابتهم لما أمرهم الله به، استطاعوا أن ~~يكسروا أعداءهم ويهزموهم، وقوله، { بإذن الله } أى بتوفيقه ~~وتيسيره وتأييده. والباء إما للاستعانة والسببية وإما للمصاحبة. ms0554 ثم قال - ~~تعالى - { وقتل داود جالوت } أى وقتل داود بن إيشا - وكان فى ~~جيش طالوت - جالوت الذى كان يقود جيش الكفر، وبقتله مزق أتباعه شر ممزق، ~~ورزق الله طالوت ومن معه النصر والغلبة. ثم بين - سبحانه - ما منحه لداود ~~من نعم فقال { وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه ~~مما يشآء } والحكمة المراد بها هنا النبوة، ولم يجتمع الملك ~~والنبوة لأحد قبله فى بنى إسرائيل، وورثه فيهما ابنه سليمان - عليه ~~السلام -. أى وأعطى الله - تعالى - عبده داود ملك بنى إسرائيل وأعطاه ~~النبوة التى هى أشرف من الملك زيادة فى ترقيته فى درجات الشرف والكمال، ~~وعلمه - سبحانه - مما يشاء من فنون العلم، ومن أمور الدين والدنيا ~~كمعرفته لغة الطيور، وكلام الدواب، وصناعة آلات الحرب وغير ذلك من ألوان ~~العلوم المختلفة التى لا تحدها إلا مشيئة الله وإرادته. وفى قوله - تعالى ~~- { وعلمه مما يشآء } بعد الإخبار بأنه - سبحانه - آتى داود ~~الحكمة، إشعار بأن الإنسان لا يستغنى عن التعلم سواء أكان نبيا أم لم ~~يكن، لأن داود - عليه السلام - مع حصوله على النبوة لم يستغن عن تعليم ~~الله إياه، وقد أمر الله - تعالى - نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن ~~يلتمس المزيد من العلم فقال # وقل رب زدني علما # ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على عباده فقال { ولولا دفع ~~الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض }. أى ولولا ~~أن الله - تعالى - يدفع أهل الباطل بأهل الحق، لفسدت الأرض، وعمها الخراب ~~لأن أهل الفساد إذا تركوا من غير أن يقاوموا استطارت شرورهم، وتغلبوا على ~~أهل الصلاح والاستقامة، وتعطلت مصالح الناس، وانتشر الفساد فى الأرض. ~~فلولا فى الجملة الكريمة حرف امتناع لوجود. أى امتنع فساد الأرض لأجل ~~وجود دفع الناس بعضهم ببعض. فالجملة الكريمة تأمر الأخيار فى كل زمان ~~ومكان أن يقفوا فى وجوه الأشرار، وأن يقاوموهم بكل وسيلة من شأنها أن ~~تحول بينهم وبين الفساد والطغيان. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله { ~~ولكن الله ذو فضل على العالمين }. أى ولكن الله - ~~تعالى - صاحب فضل عظيم، وإنعام كبير ms0555 على الناس أجمعين، لأنه وضع لهم هذا ~~التنظيم الحكيم الذى أوجب فيه على المصلحين أن يدافعوا المفسدين، وأن ~~يقاوموهم بالطريقة التى تمنع فسادهم حتى ولو أدى ذلك إلى رفع السلاح فى ~~وجوههم، لأن السكوت عن فساد المفسدين سيؤدى إلى العقاب الذى يعمهم ويصيب ~~معهم المصلحين. # ثم ختم - سبحانه - قصة هؤلاء القوم من بنى إسرائيل بقوله { تلك ~~آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن ~~المرسلين }. أى تلك الآيات التى حدثناك فيها عن قصة أولئك القوم ~~وما جرى لهم هى آيات الله التى لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من ~~خلفها، نتلوها عليك يا محمد عن طريق جبريل الأمين تلاوة ملتبسة بالحق ~~الثابت الذى لا يحوم حوله الباطل، وإنك يا محمد { لمن المرسلين ~~} الذين أرسلهم الله - تعالى - # بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ~~ولو كره المشركون # فالإشارة فى قوله { تلك آيات الله } إلى الآيات المتلوة من ~~قوله - تعالى - # ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل # إلى آخر القصة. وقيل إليها وإلى القصة التى قبلها وهى قصة القوم # الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت # وكانت الإشارة للبعيد، لما فى ذلك من معنى الاستقصاء للآيات، ولعلو ~~شأنها، وكمال معانيها، والوفاء فى مقاصدها. وأضيفت الآيات إلى الله لأنها ~~جزء من هذا القرآن الذى أنزله - سبحانه - على نبيه محمد صلى الله عليه ~~وسلم ليكون هداية للناس، وليحملهم على تدبرها والاعتبار بها لأنها من عند ~~الله الذى شرع لهم ما يسعدهم. وجعل - سبحانه - تلاوة جبريل للقرآن تلاوة ~~له فقال { نتلوها عليك بالحق } للإشعار بشرف جبريل، وأنه ~~ما خرج فى تلاوته عما أمره الله به، فهو رسوله الأمين إلى رسله المكرمين. ~~وجملة { نتلوها عليك } فى محل نصب حال من الآيات والعامل فيها ~~معنى الإشارة. وقوله { بالحق } فى موضع نصب حال من مفعول نتلوها أى ~~ملتبسة باليقين الذى لا يرتاب فيه عاقل. أو من فاعله أى نتلوها عليك ~~ملتبسين بالحق والصواب. وأكد - سبحانه - قوله { وإنك لمن ~~المرسلين } بحرف " إن " وباللام فى " لمن " وبالجملة الاسمية، للرد ms0556 ~~على من شكك فى صدق رسالته صلى الله عليه وسلم ولتسليته عما يقوله ~~الجاحدون فى شأنه. وبعد فهذه قصة الملأ من بنى إسرائيل من بعد موسى، وإن ~~فيها لعبرا متعددة، وعظات متنوعة لقوم يعقلون. من العبر التى تؤخذ منها 1 ~~- أن الشعور بالظلم والهوان، والابتلاء بالمحن والهزائم، والوقوع تحت ~~أيدى المعتدى، كل ذلك من شأنه أن يصهر النفوس الحرة الكريمة، وأن يدفعها ~~بقوة إلى الذود عن كرامتها المسلوبة، وعزتها المغصوبة، حتى تنال حقها ممن ~~سلبه منها أو تموت دونه، لأن النفوس الأبية تشعر دائما بأن الموت مع ~~العزة خير من الحياة مع الذلة. يدل على ذلك قوله - تعالى - # قالوا وما لنآ ألا نقاتل فى سبيل الله وقد ~~أخرجنا من ديارنا وأبنآئنا # 2 - أن الناس فى كل زمان ومكان، يلجأون - خصوصا عندما تنزل بهم الشدائد ~~إلى من يتوسمون فيهم الخير والصلاح، لكى يرشدوهم إلى ما يأخذ بيدهم إلى ~~طريق السعادة، ولكى يهدوهم إلى أفضل السبل التى تنقذهم مما هم فيه من ~~بلاء، ولكى يختاروا لهم من يقودهم إلى النصر والفلاح. ألا ترى إلى الملأ ~~من بنى إسرائيل كيف لجأوا إلى نبى لهم ليقولوا له بعد أن أصابهم من الذل ~~ما أصابهم # ابعث لنا ملكا نقاتل فى سبيل الله # إنهم لم يلجأوا إلى زعيم من زعمائهم، أو إلى أمير من امرائهم، وإنما ~~لجأوا إلى نبيهم يبثون إليه شكواهم، ويطلبون منه أن يختار لهم من يقودهم ~~للقتال فى سبيل الله، لأنهم يرون فيه الأمل المرتجى، والعقل السليم، ~~والخلق القويم، والأسوة الحسنة. 3 - أن القائد يجب ن تتوفر فيه صفتان قوة ~~العقل، وقوة الجسم لأنه متى توفرت فيه هاتان الصفتان استطاع أن يقود ~~أتباعه بنجاح، وأنه قبل أن يلتقى بأعدائه يجب عليه أن يختبر جنده ليعرف ~~مبلغ إيمانهم وقوتهم وطاعتهم وثباتهم وألا يكلفهم بما لا يستطيعونه حتى ~~يحارب أعداءه وهو على بينة من أمره. انظر إلى طالوت كيف اختبر جنده قبل ~~أن يخوض المعركة بأن قال لهم # إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه ms0557 فليس ~~مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف ~~غرفة بيده # وهكذا القود العقلاء يقدمون على حرب أعدائهم وهم على بصيرة من أمرهم. 4 ~~- إن الفئة القليلة المؤمنة كثيرا ما تنتصر على الفئة الكثيرة الكافرة ~~لأن المؤمنين الصادقين يحملهم إيمانهم على اليقين بلقاء الله، وعلى ~~التضحية من أجل إعلاء كلمته، وعلى الإقدام الذى يرعب الكافرين، ويخيف ~~الفاسقين، وصدق الله إذ يقول # كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ~~والله مع الصابرين # 5 - أن هزائم الأمم يمكن إزالتها متى توفر لتلك الأمم القادة العقلاء ~~الأقوياء، والجند الأشداء على أعدائهم، الرحماء فيما بينهم، وأن من شأن ~~المؤمنين حقا أنهم مع مباشرتهم للأسباب، وإحكامهم لكل ما يحتاج إليه ~~القتال، وإحسانهم لكل وسيلة تعينهم على النصر، مع كل ذلك لا يغترون ولا ~~يتطاولون بل يعتمدون على - تعالى - اعتمادا تاما، ويتجهون إليه ~~بالضراعة والدعاء ويلتمسون منه النصر على أعدائه وأعدائهم انظر إلى ~~الصفوة المؤمنة من جند طالوت ماذا قالت عندما برزت لجالوت وجنوده، لقد ~~قالت كما حكى القرآن عنها { قالوا ربنآ أفرغ علينا ~~صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم ~~الكافرين فهزموهم بإذن الله }. 6 - أن من سنن الله فى ~~خلقه أنه - سبحانه - جعل الحياة صراعا دائما بين الحق والباطل، ونزاعا ~~موصولا بين الأخيار والأشرار، ولولا أن الله - تعالى - يدفع بعض الناس ~~الفاسقين ببعض الناس الصالحين لفسدت الأرض، لأن الفاسقين لو تركوا من غير ~~أن يدافعوا ويقاوموا لنشروا فسوقهم وفجورهم وطغيانهم فى الأرض، ولكنه - ~~سبحانه - أعطى لعباده الصالحين من القوة والثبات ما جعلهم يقاومون ~~الظالمين ويعملون على نشر الخير والصلاح بين الناس. # 7 - أن القصة الكريمة تصور لنا ما جبل عليه بنو إسرائيل من نقض للعهد ~~وكذب فى القول # فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا ~~منهم # ومن تطاول على أنبيائهم، وعصيان لأوامرهم، واعتراض على توجيهاتهم، ~~وتفضيل للجاه والمال على العقل والعلم # قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق ~~بالملك منه ولم يؤت سعة من المال # ومن خور عند الابتلاء والاختبار، وحماس ms0558 فى ساعة السلم ونكوص فى ساعة ~~الجد، تأمل قوله - تعالى - # فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو ~~والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم ~~بجالوت وجنوده # وبعد هذا الحديث الحكيم عن الملإ من بنى إسرائيل من بعد موسى. وبعد أن ~~شهد الله - تعالى - لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بأنه من المرسلين ~~الذين أرسلوا لينصروا الحق، وليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، بعد كل ~~ذلك بين الله - تعالى أن الرسل وإن كانوا قد بعثوا جميعا لهداية البشر ~~إلا أنهم يتفاضلون فيما بينهم فقال - تعالى - { تلك الرسل ~~فضلنا.... }. ### || [2.253] # الإشارة بتلك فى قوله { تلك الرسل } إلى جماعة الرسل الذين تقدم ~~ذكرهم فى السورة والذين أرسلهم الله - تعالى - لهداية البشر، وأمرنا - ~~سبحانه - بالإيمان بهم. أى أولئك الرسل الذين أرسلناهم لهداية الناس { ~~فضلنا بعضهم على بعض } أى جعلنا لبعضهم مناقب وخصائص ~~ومزايا لم تتوافر للبعض الآخر. و { تلك } مبتدأ و { الرسل } عطف ~~بيان لتلك. وجملة { فضلنا بعضهم على بعض } هى الخبر. ~~وكانت الإشارة باللفظ الدال على البعيد، لبيان سمو مكانة الرسل - عليهم ~~الصلاة والسلام - وأنهم هم المصطفون الأخيار. ثم بين - سبحانه - بعض ~~مظاهر التفضيل فقال { منهم من كلم الله } أى منهم من فضله ~~الله بتكليمه إياه كموسى - عليه السلام - فقد وردت آيات صريحه فى ذلك، ~~منها قوله - تعالى - # وكلم الله موسى تكليما # وقوله - تعالى - # قال يموسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي ~~وبكلامي # وقوله - تعالى - # ولما جآء موسى لميقاتنا وكلمه ربه # ثم قال - سبحانه - { ورفع بعضهم درجات } أى ومنهم من رفعه ~~الله على غيره من الرسل مراتب سامية ومنازل عالية. قيل كإبراهيم الذى ~~اتخذه الله خليلا، وإدريس الذى رفعه الله مكانا عليا، وداود الذى آتاه ~~الله النبوة والملك. والذى عليه المحققون من العلماء والمفسرين أن ~~المقصود بقوله - تعالى - { ورفع بعضهم درجات } هو سيدنا ~~محمد صلى الله عليه وسلم لأنه هو صاحب الدرجات الرفيعة والمعجزة الخالدة ~~الباقية إلى يوم القيامة والرسالة العامة الناسخة لكل الرسالات قبلها. ~~وقد صرح صاحب الكشاف بذلك فقال قوله ms0559 { ورفع بعضهم درجات } ~~أى ومنهم من رفعه الله على سائر الأنبياء، فكان بعد تفاوتهم فى الفضل ~~أفضل منهم درجات كثيرة. الظاهر أنه أراد محمدا صلى الله عليه وسلم لأنه ~~هو المفضل عليهم، حيث أوتى ما لم يؤته أحد من الآيات المتكاثرة المرتقية ~~إلى ألف آية أو أكثر. لو لم يؤت إلا القرآن وحده لكفى به فضلا منيفا على ~~سائر ما أوتى الأنبياء، لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر ~~المعجزات. وفى هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى، لما ~~فيه من الشهادة على أنه العلم الذى لا يشتبه، والمتميز الذى لا يلتبس. ~~ويقال للرجل من فعل هذا؟ فيقول أحدكم أو بعضكم، يريد به الذى تعورف ~~واشتهر بنحوه من الأفعال فيكون أفخم من التصريح، وسئل الخطيئة عن أشعر ~~الناس، فذكر زهيرا والنابغة ثم قال ولو شئت لذكرت الثالث، أراد نفسه، ~~ولو قال ولو شئت لذكرت نفسى أو يفخم أمره. ثم قال - تعالى - { وآتينا ~~عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ~~}. # { البينات } هى المعجزات الظاهرة البينة. وروح القدس هو جبريل - ~~عليه السلام - والروح هنا بمعنى الملك الخاص. القدس أصل معناه الطهارة، ~~وهو يطلق على الطهارة المعنوية وعلى الخلوص والنزاهة. فإضافة روح إلى ~~القدس من إضافة الموصوف إلى الصفة. قيل القدس اسم الله كالقدوس فإضافة ~~روح إضافة للتشريف أى روح من ملائكة الله. والمعنى وأعطينا عيسى بن مريم ~~الآيات الباهرات، والمعجزات الواضحات كإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء ~~الموتى، وإخبار قومه بما يأكلونه ويدخرونه فى بيتهم، وفضلا عن هذا فقد ~~قويناه بجبريل - عليه السلام - لأن عيسى - عليه السلام - قد عاش حياته ~~محاربا من أعدائه الرومان ومن قومه الذين أرسل إليهم وهم بنو إسرائيل ولم ~~يؤذن له بالقتال ليدافع عن نفسه بل تولى الله - تعالى - الدفاع عنه بجنده ~~الذين من بينهم جبريل - عليه السلام -. قال الزمخشرى " فإن قلت لم خص ~~موسى وعيسى من بين الأنبياء بالذكر؟ قلت لما أوتيا من الآيات العظيمة ~~والمعجزات الباهرة ولقد بين الله وجه التفضيل حيث جعل التكليم ms0560 من الفضل ~~وهو آية من الآيات. لما كان هذان النبيان قد أوتيا ما أوتيا من عظام ~~الآيات خصا بالذكر فى باب التفضيل. هذا دليل بين على أن من زيد تفضيلا ~~بالآيات منها فقد فضل على غيره. ولما كا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~هو الذى أوتى منها ما لم يؤت أحد فى كثرتها وعظمها كان هو المشهود له ~~بإحراز قصبات الفضل غير مدافع ". وقال الإمام القرطبى ما ملخصه هذه ~~الآية نثبت التفاضل بين الأنبياء وهناك أحاديث تقول # " لا تخيرونى على موسى " # و # " لا تخيروا بين الأنبياء " # و # " لا تفضلوا بين الأنبياء " # أى لا تقولوا فلان خير من فلان، ولا فلان أفضل من فلان فكيف الجمع؟ ~~فالجواب أن هذا كان قبل أن يوحى إليه بالتفضيل وقبل أن يعلم أنه سيد ولد ~~آدم، وأن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل أو أن قوله هذا من باب الهضم ~~والتواضع. أو المراد النهى عن الخوض فى ذلك لأن الخوض فى ذلك ذريعة إلى ~~الجدال والجدال قد يؤدى إلى أن يذكر بعضهم بما لا ينبغى أن يذكر به، وقد ~~يؤدى إلى قلة احترامهم. ثم قال. وأحسن من هذا القول من قال إن المنع من ~~التفضيل إنما هو من جهة النبوة التى هى خصلة واحدة لا تفاضل فيها، وإنما ~~التفضيل فى زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات، وأما ~~النبوة فى نفسها فلا تتفاضل، وإنما تتفاضل بأمور أخرى زائدة عليها، ولذلك ~~فهم رسل، وأولو عزم، ومنهم من كلمه الله.. فالقول بتفضيل بعضهم على بعض ~~إنما هو بما منح من الفضائل، وأعطى من الوسائل. وبذلك نكون قد جمعنا بين ~~الآية والأحاديث من غير النسخ. # ثم قال - تعالى - { ولو شآء الله ما اقتتل الذين من ~~بعدهم من بعد ما جآءتهم البينات ولكن ~~اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر }. أى ولو ~~شاء الله - تعالى - ألا يقتتل الذين جاؤا بعد كل رسول من الرسول وبعد أن ~~جاءهم الرسل بالبينات الدالة على الحق، لو شاء الله ذلك لفعل، ولكن الله ~~- تعالى ms0561 - لم يشأ ذلك، لأنه خلق الناس مختلفين فى تقبلهم للحق، فترتب على ~~هذا الاختلاف أن آمن بالحق الذى جاءت به الرسل من فتح له قلبه، واتجه ~~إليه اختياره، وأن كفر به من آثر الضلالة على الهداية واستحب العمى على ~~الهدى، وترتب عليه - أيضا أن تقاتل الناس وتحاربوا. ومفعول المشيئة ~~محذوف دل عليه جواب الشرط أى لو شاء الله ألا يقتتل الذين جاءوا من بعد ~~الرسل ما اقتتلوا. وقدم - سبحانه - المسبب وهو الاقتتال على السبب وهو ~~الاختلاف كما يشهد له قوله { ولكن اختلفوا... } للتنبيه على ~~سوء مغبة الاختلاف، وللتحذير من الوقوع فيه، لأن وقوعهم فيه سيؤدى إلى أن ~~يقتل بعضهم بعضا، وللإشارة إلى أنه - سبحانه - قادر على إزالة الاقتتال ~~فى ذاته حتى مع وجود أسبابه، لأنه - تعالى - هو الخالق للأسباب ~~والمسببات. وفى قوله { من بعد ما جآءتهم البينات } ~~إشارة إلى ما جبلت عليه بعض النفوس من العناد الذى يؤدى إلى التنازع ~~والاختلاف والتقاتل حتى بعد ظهور الحق، وانكشاف وجه الصواب، لأن هذه ~~النفوس قد آثرت الهوى على الرشاد، واتخذت طريق الغى طريقا لها. وفى قوله ~~{ ولكن اختلفوا... } إشارة إلى أنه - سبحانه - لم يشأ أن يزيل ~~القتال الذى حدث بين المقاتلين، لأن هذا القتال قد نشأ بينهم بسبب ~~اختلافهم، وسوء اختيارهم، وعدم استجابتهم للهدايات والتوجيهات والبينات ~~التى جاءتهم بها الرسل - عليهم السلام -. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله ~~{ ولو شآء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ~~ما يريد } أى لو شاء الله عدم اقتتالهم لأى سبب من الأسباب لما ~~اقتتلوا، ولكنه - سبحانه - يفعل ما يريد حسب ما تقتضيه حكمته، وترتضيه ~~مشيئته، فهو الكبير المتعال الذى كل شىء عنده بمقدار فالآية الكريمة تبين ~~أن الرسل - عليهم السلام - يتفاضلون فيما بينهم، وتنهى الناس فى كل زمان ~~ومكان عن الاختلاف والتنازع لأنهما يؤديان إلى أوخم العواقب، وأسوأ ~~النتائج. ثم وجه القرآن نداء إلى المؤمنين أمرهم فيه ببذل أموالهم فى ~~سبيل الدفاع عن الحق، حتى يكونوا أهلا لرضا الله ومثوبته. { يأيها ~~الذين... }. ### || [2.254] # الخلة الصداقة والمودة مأخوذة ms0562 من تخلل الأسرار بين الصديقين، وسميت بذلك ~~لأنها تتخلل النفس أى تتوسطها، أو لشدة الحاجة إليها. ومنه سمى الخليل ~~خليلا لاحتياج الإنسان إليه. والشفاعة مأخوذة من الشفع بمعنى الضم، ~~وتطلق على انضمام شخص إلى آخر لنفعه أو نصرته، وأكثر ما تستعمل فى انضمام ~~من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى ما هو دونه. والمعنى عليكم أيها المؤمنون أن ~~تنفقوا فى وجوه الخير كإعانة المجاهدين ومساعدة الفقراء والبائسين من ~~أموالكم التى رزقكم الله إياها بفضله وكرمه، ومن قبل أن يأتى يوم القيامة ~~الذى لا يكون فيه تجارة ولا مبايعة حتى تقدموا عن طريقها ما تفتدون به ~~أنفسكم، ولا يكون فيه صديق يدفع عنكم، ولا شفيع يشفع لكم فيحط من سيئاتكم ~~إلا أن يأذن رب العالمين بالشفاعة تفضلا منه وكرما. فالآية الكريمة تحض ~~المؤمنين على الإنفاق فى سبيل الله، لأنه هو أهم عناصر القوة فى الأمة، ~~وأفضل وسيلة لإقامة المجتمع الصالح المتكافل. والمراد بالإنفاق هنا ما ~~يشمل الفرض والنفل، والأمر المطلق الطلب، إلا أن هذا الطلب قد يصل إلى ~~درجة الوجوب إذا نزلت بالأمة شدة لم تكف الزكاة عن دفعها. وقوله { مما ~~رزقناكم } إشعار بأن هذا المال الذى بين أيدى الأغنياء ما هو إلا ~~رزق رزقهم الله إياه، ونعمة أنعم بها عليهم، فمن الواجب عليهم شكرها بألا ~~يبخلوا بجزء منه على الإنفاق فى وجوه الخير، لأن هذا البخل سيعود عليهم ~~بما يضرهم. وفى قوله { من قبل أن يأتي يوم }.. إلخ حث آخر ~~على التعجيل بالإنفاق، لأنه تذكير للناس بهذا الوقت الذى تنتهى فيه ~~الأعمال، ولا يمكن فيه استدراك ما فاتهم، ولا تعويض ما فقدوه من طاعات. ~~فكأنه - سبحانه - يقول لهم نجوا أنفسكم بالمسارعة إلى الإنفاق من قبل أن ~~يأتى يوم لا منجاة فيه إلا بالعمل الصالح الذى قدمتموه. و { من } فى ~~قوله { مما رزقناكم } للتبعيض. وفى قوله { من قبل } لابتداء ~~الغاية ومفعول أنفقوا محذوف والتقدير أنفقوا شيئا مما رزقناكم. والشفاعة ~~المنفية هنا هى التى لا يقبلها الله - تعالى - وهى التى لا يأذن بها، ms0563 أما ~~شفاعة النبى صلى الله عليه وسلم فقد أذن الله له بها وقبلها منه، وقد ~~وردت أحاديث صحيحة بلغت مبلغ التواتر المعنوى فى أن النبى صلى الله عليه ~~وسلم ستكون له شفاعة فى دفع العذاب عن أقوام من المؤمنين وتخفيفه عن أهل ~~الكبائر من المسلمين، ومن ذلك ما أخرجه البخارى عن جابر بن عبد الله. أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " أعطيت خمسا لم يعطهن نبى قبلى نصرت بالرعب مسيرة شهر. وجعلت لى الأرض ~~مسجدا وطهورا فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لى الغنائم ولم تحل ~~لأحد قبلى وأعطيت الشفاعة، وكان النبى يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى ~~الناس عامة ". # ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله { والكافرون هم الظالمون } ~~أى والكافرون الجاحدون لنعمه هم الظالمون لأنفسهم، لأنهم حالوا بينها ~~وبين الهداية بإيثارهم العاجلة على الآجلة، والغى على الرشد، والشر على ~~الخير، والبخل على السخاء. أما المؤمنون فليسوا كذلك لأنهم سلكوا الطريق ~~المستقيم، وبذلوا الكثير من أموالهم فى سبيل إعلاء كلمة الله، وفى إعانة ~~المحتاجين. وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد حضت المؤمنين على المسارعة فى ~~إنفاق أموالهم فى وجوه الخير من قبل أن يأتى يوم لا ينفع فيه ما كان ~~نافعا فى الدنيا من أقوال وأعمال وأنها قد توعدت من يبخل عن الإنفاق فى ~~سبيل الله بسوء العاقبة، لأنه تشبه بالكافرين فى بخلهم وإمساكهم عن بذل ~~أموالهم فى وجوه الخير. وبعد أن أمر الله المؤمنين بالإنفاق فى وجوه ~~الخير، وذكرهم بأهوال يوم القيامة، أتبع ذلك بآية كريمة اشتملت على ~~تمجيده - سبحانه - فبينت كمال سلطانه، وشمول علمه. وسابغ نعمه على خلقه. ~~استمع إلى القرآن الكريم وهو يصف لك الخالق - عز وجل - بأكمل الصفات ~~وأعظمها فيقول { الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم... }. ### || [2.255] # قال بعضهم هذه آية الكرسى أفضل آية من القرآن. ومعنى الفضل أن الثواب ~~على قراءتها أكثر منه على غيرها من الآيات. هذا هو التحقيق فى تفضيل بعض ~~آيات القرآن على بعض. وإنما كانت أفضل لأنها جمعت من ms0564 أحكام الألوهية ~~وصفات الإله الثبوتية والسلبية ما لم تجمعه آية أخرى. جاء فى الحديث ~~الشريف عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لكل شىء سنام وإن سنام القرآن البقرة، وفيها آية هى سيدة القرآن - أى ~~أفضله - وهى آية الكرسى ". # وقد اشتملت هذه الآية الكريمة على عشر جمل فيها ما فيها من صفات الله ~~الجليلة - ونعوته السامية. أما الجملة الأولى والثانية فتتمثل فى قوله - ~~تعالى - { الله لا إله إلا هو الحي القيوم }. ~~ولفظ الجلالة { الله } يقول العلماء إن أصله إله دخلت عليه أداة ~~التعريف " أل " وحذفت الهمزة فصارت الكلمة الله. قال القرطبى قوله { ~~الله } هذا الاسم أكبر أسمائه - تعالى - وأجمعها، حتى قال بعضهم إنه ~~اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره، ولذلك لم يثن ولم يجمع، فالله اسم ~~الموجود الحق الجامع لصفات الألوهية، المنعوت بنعوت الربوبية المنفرد ~~بالوجود الحقيقى، لا إله إلا هو - سبحانه - ". ولفظ { إله } قالوا ~~إنه من أله فلان يأله أى عبد. فالإله على هذا المعنى هو المعبود، وقيل ~~هو من أله أى تحير.. وذلك أن العبد إذا تفكر فى صفاته - سبحانه - تحير ~~فيها ولذا قيل " تفكروا فى آلاء الله ولا تفكروا فى الله ". و { الحي ~~} أى الباقى الذى له الحياة الدائمة التى لا فناء لها. لم تحدث له الحياة ~~بعد موت، ولا يعتريه الموت بعد الحياة، وسائر الأحياء سواه يعتريهم الموت ~~والفناء. و { القيوم } أى الدائم القيام بتدبير أمر الخلق وحفظهم، ~~والمعطى لهم ما به قوامهم. وهو مبالغة فى القيام. وأصله قيووم - بوزن ~~فيعول - من قام بالأمر إذا حفظه ودبره. والمعنى الله - عز وجل - هو ~~الإله الحق المتفرد بالألوهية التى لا يشاركه فيها سواه، وهو المعبود ~~بحق وكل معبود سواه فهو باطل، وهو ذو الحياة الكاملة، وهو الدائم القيام ~~بتدبير شئون الخلق وحياطتهم ورعايتهم وإحيائهم وإماتتهم. والجملة الثالثة ~~قوله - تعالى - { لا تأخذه سنة ولا نوم } وهى جملة سلبية ~~مؤكدة للوصف الإيجابى السابق، فإن قيامه على كل نفس ما كسبت، وعلى تدبير ~~شئون خلقه يقتضى ms0565 ألا تعرض له غفلة، ولأن السنة والنوم من صفات الحوادث ~~وهو - سبحانه - مخالف لها. والسنة الفتور الذى يكون فى أول النوم مع بقاء ~~الشعور والإدراك. # ويقال له غفوة. يقال وسن الرجل يوسن وسنا وسنة فهو وسن ووسنان إذا نعس ~~والمراد أنه - سبحانه - لا يغفل عن تدبير أمر خلقه أبدا، ولا يحجب علمه ~~شىء حجيا قصيرا أو طويلا، ولا يدركه ما يدرك الأجسام من الفتور أو ~~النعاس، أو النوم. وتقديم السنة على النوم يفيد المبالغة من حيث إن نفى ~~السنة يدل على نفى النوم بالأولى، فنفيه ثانيا صريحا يفيد المبالغة لأن ~~عطف الخاص على العام يفيد المبالغة ولأن عطف الخاص على العام يفيد ~~التوكيد أى لا تأخذه سنة فضلا عن أن يأخذه نوم. وفى قوله { لا ~~تأخذه } دلالة على أن للنوم قوة قاهرة تأخذ الحيوان أخذا وتقهر ~~الكثير من أجناس المخلوقات قهرا، ولكنه - سبحانه - وهو القاهر فوق عباده ~~- منزه عن ذلك، ومبرأ من أن يعتريه ما يعترى الحوادث. وقوله - سبحانه - ~~فى الجملة الرابعة { له ما فى السماوات وما فى الأرض } ~~تقرير لانفراده بالألوهية إذ جميع الموجودات مخلوقاته، وتعليل لا تصافه ~~بالقيومية، لأن من كانت جميع الموجودات ملكا له فهو حقيق بأن يكون قائما ~~بتدبير أمرها. والمراد بما فيهما ما هو أعم من أجزائهما الداخلة فيهما ~~ومن الأمور الخارجة عنهما المتمكنة فيهما من العقلاء وغيرهم. فالجملة ~~الكريمة تفيد الملكية المطلقة لرب العالمين لكل ما فى هذا الوجود من شمس ~~وقمر وحيوان ونبات وجماد وغير ذلك من المخلوقات. وصدرت الجملة بالجار ~~والمجرور " له " لإفادة القصر أى ملك السماوات والأرض له وحده ليس لأحد ~~سواه شىء معه. والاستفهام فى قوله فى الجملة الخامسة { من ذا الذي ~~يشفع عنده إلا بإذنه } للنفى والإنكار أى لا أحد يستطيع ~~أن يشفع عنده - سبحانه - إلا بإذنه ورضاه قال - تعالى - # وكم من ملك فى السماوات لا تغني شفاعتهم ~~شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشآء ~~ويرضى # والمقصود من هذه الجملة - كما يقول الآلوسى - بيان كبرياء شأنه - تعالى ms0566 ~~- وأنه لا أحد يساويه أو يدانيه بحيث يستقل أن يدفع ما يريده دفعا على ~~وجه الشفاعة والاستكانة والخضوع فضلا عن أن يستقل بدفعه عنادا أو مناصبة ~~وعداوة. وفى ذلك تيئيس للكفار حيث زعموا أن آلهتهم شفعاء لهم عند الله ". ~~وقوله - سبحانه فى الجملة السادسة { يعلم ما بين أيديهم ~~وما خلفهم } تأكيد لكمال سلطانه فى هذا الوجود، وبيان لشمول علمه ~~على كل شىء. والضمير فى أيديهم وخلفهم يعود إلى ما فى قوله قبل ذلك { ~~له ما فى السماوات وما فى الأرض } وعبر بضمير الذكور ~~والعقلاء، تغليبا لجانبهم على جانب غير العقلاء. والعلم بما بين أيديهم ~~وما خلفهم كناية عن إحاطة علمه - سبحانه بماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، وما ~~يعرفونه من شئونهم الدنيوية وما لا يعرفونه. # وقوله - تعالى - فى الجملة السابعة { ولا يحيطون بشيء من ~~علمه إلا بما شآء } معطوف على قوله { يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم } لأنه مكمل لمعناه. والمراد بالعلم ~~المعلوم. والإحاطة بالشىء معناهها العلم الكامل به. أى لا يعلمون شيئا ~~من معلوماته - سبحانه - إلا بالقدر الذى أراد أن يعلمهم إياه على ألسنة ~~رسله. فهو كقوله - تعالى - # عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا. إلا من ~~ارتضى من رسول # فالجملة الكريمة بيان لكمال علم الله - تعالى -، ولنقصان علم سواه، إذ ~~أن البشر لم يعظوا من العلم إلا القليل، وهذا القليل ناقص لأنه ليس على ~~إحاطة واستغراق لكل ما تشتمل عليه جزئيات الشىء ووجوده وجنسه وكيفيته ~~وغرضه المقصود به وبإيجاده، إذ العلم الكامل بالشىء لا يكون إلا الله رب ~~العالمين. ثم قال - تعالى - فى الجملة الثامنة { وسع كرسيه ~~السماوات والأرض }. قال الراغب الكرسى فى تعارف العامة اسم ~~للشىء الذى يقعد عليه، وهو فى الأصل منسوب إلى الكرسى أى الشىء المجتمع، ~~ومنه الكراسة لأنها تجمع العلم.. وكل مجتمع من الشىء كرس ". وللعلماء ~~اتجاهان مشهوران فى تفسير معنى الكرسى فى الجملة الكريمة. فالسلف يقولون ~~إن لله - تعالى - كرسيا علينا أن نؤمن بوجوده وإن كنا لا نعرف حقيقته، ~~لأن ذلك ليس فى مقدور البشر. والخلف ms0567 يقولون الكرسى فى الآية كناية عن عظم ~~السلطان، ونفوذ القدرة، وسعة العلم، وكمال الإحاطة. ولصاحب الكشاف تلخيص ~~حسن لأقوال العلماء فى ذلك، فقد قال - رحمه الله - وفى قوله { وسع ~~كرسيه } أربعة أوجه أحدها أن كرسيه لم يضق عن السماوات والأرض ~~لبسطته وسعته وما هو إلا تصوير لعظمته ولا كرسى ثمة ولا قعود ولا قاعد. ~~والثانى وسع علمه، وسمى العلم كرسيا تسمية بمكانه الذى هو كرسى العالم. ~~والثالث وسع ملكه تسمية بمكانه الذى هو كرسى الملك. والرابع ما روى أنه ~~خلق كرسيا هو بين يدى العرش دونه السماوات والأرض وهو إلى العرش كأصغر ~~شىء. وعن الحسن الكرسى هو العرش. هذا وقد روى المفسرون عن ابن عباس أنه ~~قال " كرسيه علمه " ولعل تفسير الكرسى بالعلم كما قال حبر الأمة هو أقرب ~~الأقوال إلى الصواب، لأنه هو المناسب لسياق الآية الكريمة. ثم ختم - ~~سبحانه - الآية الكريمة بالصفتين التاسعة والعاشرة فقال - تعالى - { ~~ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم }. { ~~يؤوده } معناه يثقله ويشق عليه. يقال آدنى الأمر بمعنى أثقلنى وتحملت ~~منه المشقة. و { العلي } هو المتعالى عن الأشياء، والأنداد، ~~والأمثال، والأضداد وعن أمارات النقص ودلالات الحدوث. وقيل هو من العلو ~~الذى هو بمعنى القدرة وعلو الشأن. # والمعنى ولا يثقله ولا يتعبه حفظ السماوات والأرض ورعايتهما، وهو ~~المتعالى عن الأشباه والنظائر، والمسيطر على خلقه، العظيم فى ذاته ~~وصفاته، ففى هاتين الجملتين بيان لعظيم قدرته، وعظيم رعايته لخلقه، ~~وتنزيهه - سبحانه - عن مشابهة الحوادث. وبعد، فهذه آية الكرسى التى ~~اشتملت على عشر جمل، كل جملة منها تشتمل على وصف أو أكثر من صفات الله ~~الجليلة، ونعوته المجيدة، وألوهيته الحقه، وقدرته النافذة، وعلمه المحيط ~~بكل شىء، قد أقامت الأدلة الساطعة على وحدانية الله - تعالى - وجوب ~~إفراده بالعباده. وقد تكلم العلماء طويلا عن تناسق جملها، وبلاغه ~~تراكيبها ووجوه فضلها ومن ذلك قول صاحب الكشاف " فإن قلت لم فضلت هذه ~~الآية على غيرها حتى ورد فى فضلها ما ورد؟ قلت لما فضلت له سورة الإخلاص ~~من اشتمالها على توحيد الله وتعظيمه ms0568 وتمجيده وصفاته العظمى ولا مذكور ~~أعظم من رب العزة. فما كان ذكرا له كان أفضل من سائر الأذكار ". ومن ~~الأحاديث التى ساقها الإمام ابن كثير فى فضلها ما جاء عن أبى بن كعب أن ~~النبى صلى الله عليه وسلم سأله # " أى آية فى كتاب الله أعظم؟ قال الله ورسوله أعلم. فرددها مرارا ثم قال ~~آية الكرسى. فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم ليهنك العلم أبا المنذر ~~". # وأخرج الإمام مسلم فى صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال # " إن أعظم آية فى القرآن هى آية الكرسى ". # وروى أن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - خرج ذات يوم على الناس فقال ~~أيكم يخبرنى بأعظم آية؟ فقال ابن مسعود على الخبير سقطت سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول # " أعظم آية فى القرآن { الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم } " # . الآية. وبعد أن ساق - سبحانه - فى آية الكرسى الأدلة الواضحة على ~~وحدانيته وعظمته وتنزيهه عن صفات الحوادث، عقب ذلك ببيان أن الدين الحق ~~قد ظهر وتجلى لكل ذى عقل سليم، وأنه لا يقسر أحد على الدخول فيه فقال - ~~تعالى - { لا إكراه فى الدين... }. ### || [2.256] # الإكراه معناه حمل الغيرعلى قول أو فعل لا يريده عن طريق التخويف أو ~~التعذيب أو ما يشبه ذلك. والمراد بالدين دين الإسلام والألف واللام فيه ~~للعهد. والرشد الاستقامة على طريق الحق مع تصلبه فيه، مصدر رشد يرشد ~~ويرشد أى اهتدى. والمراد هنا الحق والهدى. والغى ضد الرشد. مصدر من غوى ~~يغوى إذا ضل فى معتقد أو رأى، ويرى بعض العلماء أن نفى الإكراه هنا خبر ~~فى معنى النهى، أى لا تكرهوا أحدا على الدخول فى دين الإسلام فإنه بين ~~واضح فى دلائله وبراهينه، فمن هداه الله له ونور بصيرته دخل فيه على ~~بصيرة، ومن أضله وأعمى قلبه لا يفيده الإكراه على الدخول فيه. وقال بعض ~~العلماء إن الجملة هنا على حالها من الخبرية والمعنى ليس فى الدين - الذى ~~هو تصديق بالقلب، وإذعان فى النفس ms0569 - إكراه وإجبار من الله - تعالى - ~~لأحد، لأن مبنى هذا الدين على التمكين والاختيار، وهو مناط الثواب ~~والعقاب، لولا ذلك لما حصل الابتلاء والاختبار، ولبطل الامتحان. أو ~~المعنى كما يرى بعضهم - إن من الواجب على العاقل بعد ظهور الآيات البينات ~~على أن الإيمان بدين الإسلام حق ورشد. وعلى أن الكفر به غى وضلال، أن ~~يدخل عن طواعية واختيار فى دين الإسلام الذى ارتضاه الله وألا يكره على ~~ذلك بل يختاره بدون قسر أو تردد. فالجملة الأولى وهى قوله - تعالى - { ~~لا إكراه فى الدين } تنفى الإجبار على الدخول فى الدين، لأن هذا ~~الإجبار لا فائدة من ورائه، إذ التدين إذعان قلبى، واتجاه بالنفس ~~والجوارح إلى الله رب العالمين بإرادة حرة مختارة فإذا أكره عليه ~~الإنسان إزداد كرها له ونفورا منه. فالإكراه والتدين نقيضان لا ~~يجتمعان، ولا يمكن أن يكون أحدهما ثمرة للآخر. والجملة الثانية وهى قوله ~~- تعالى - { قد تبين الرشد من الغي } بمثابة العلة لنفى ~~هذا الإكراه على الدخول فى الدين، أى قد ظهر الصبح لذى عينين، وانكشف ~~الحق من الباطل، والهدى من الضلال وقامت الأدلة الساطعة على دين الإسلام ~~هو الدين الحق وغيره من الأديان ضلال وكفران وما دام الأمر كذلك فقد ~~توافرت الأسباب التى تدعو إلى الدخول فى دين الإسلام، ومن كفر به بعد ~~ذلك فليحتمل نتيجة كفره، وسوء عاقبة أمره. ثم قال - تعالى - { فمن ~~يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك ~~بالعروة الوثقى لا انفصام لها }. الطاغوت اسم لكل ما ~~يطغى الإنسان، كالأصنام والأوثان والشيطان وكل رأس فى الضلال وكل ما عبد ~~من دون الله. وهو مأخوذ من طغا يطغى - كسعى يسعى - طغيا وطغيانا، أو من ~~يطغو طغوا طغوانا، إذا جاوز الحد وغلا فى الكفر وأسرف فى المعاصى ~~والفجور. # والعروة فى أصل معناها تطلق على ما يتعلق بالشىء من عراه أى من الجهة ~~التى يجب تعليقه منها، وتجمع على عرى. والعروة من الدلو والكوز مقبضه. ~~ومن الثوب مدخل زره. والوثقى مؤنث الأوثق، وهو الشىء المحكم الموثق. يقال ~~وثق - بالضم - وثاقه ms0570 أى قوى وثبت فهو وثيق أى ثابت محكم. والانفصام. ~~الانكسار، والفصم كسر الشىء وقطعة. والمعنى فمن خلع الأنداد والأوثان وما ~~يدعو إليه الشيطان من عبادة غير الله، وآمن بالله - تعالى - إيمانا ~~خالصا صادقا فقد ثبت أمره واستقام على الطريقة المثلى التى لا انقطاع ~~لها وأمسك من الدين بأقوى سبب وأحكم رباط. والفاء فى قوله { فمن ~~يكفر } للتفريع. والسين والتاء فى استمسك للتأكيد والطلب، وقوله { ~~فقد استمسك بالعروة الوثقى } فيه - كما يقول الزمخشرى ~~- تمثيل للمعلوم بالمنظور والاستدلال بالمشاهد المحسوس حتى بتصوره السامع ~~كأنما ينظر إليه بعينه فيحكم اعتقاده والتيقن به، وجملة { لا انفصام ~~لها } استئناف مقرر لما قبله أو حال من " العروة " والعامل " استمسك ". ~~ثم ختم - سبحانه الآية بقوله { والله سميع عليم } أى سميع ~~الأقوال، وهمسات القلوب، وخلجات النفوس، عليم بما يسره الناس وما ~~يعلنونه، وسيجازيهم بما يستحقون من ثواب أو عقاب. قال القرطبى ما ملخصه ~~قيل إن هذه الآية منسوخة بقوله - تعالى - # يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين # لأن النبى صلى الله عليه وسلم قد أكره العرب على دين الإسلام وقاتلهم ~~ولم يرض منهم إلا الإسلام. وقيل إنها ليست بمنسوخة وإنما نزلت فى أهل ~~الكتاب خاصة، وأنهم لا يكرهون على الإسلام إذا أدوا الجزية.. والحجة ~~لهذا القول ما رواه زيد بن أسلم عن أبيه قال سمعت عمر بن الخطاب يقول ~~لعجوز نصرانية أسلمى أيتها العجوز تسلمى، إن الله بعث محمدا بالحق. قالت ~~أنا عجوز كبيرة والموت إلى قريب. فقال عمر اللهم اشهد وتلا { لا ~~إكراه فى الدين }. والذى تسكن إليه النفس أن هذه الآية محكمة غير ~~منسوخة، لأن التدين لا يكون مع الإكراه - كما أشرنا من قبل - ولأن ~~الجهاد ما شرع فى الإسلام لإجبار الناس على الدخول فى الإسلام إذ لا ~~إسلام مع إجبار، وإنما شرع الجهاد لدفع الظلم ورد العدوان وإعلاء كلمة ~~الله، والرسول صلى الله عليه وسلم ما قاتل العرب ليكرههم على الدخول فى ~~الإسلام وإنما قاتلهم لأنهم بدأوه بالعدواة. ولأن الروايات فى سبب نزول ~~هذه الآية تؤيد أنه ms0571 لا إكراه فى الدين، ومن هذه الروايات ما جاء عن ابن ~~عباس أنه قال نزلت فى رجل من الأنجز من بنى سالم بن عوف يقال له الحصين ~~كان له ابنان نصرانيان وكان هو مسلما، فقال للنبى صلى الله عليه وسلم ألا ~~استكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية فأنزل الله هذه الآية وفى رواية ~~أخرى أنه حاول إكراههما على الدخول فى الإسلام فاختصموا إلى النبى صلى ~~الله عليه وسلم فقال الأنصارى يا رسول الله أيدخل بعض النار وأنا أنظر ~~إليه فنزلة هذه الآية. # ولأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا لم يمكن التوفيق بين الآيتين وهنا يمكن ~~التوفيق بأن نقول إن الآية التى معنا تنفى إكراه الناس على اعتقاد ما لا ~~يريدون وآية # يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين # جاءت لحض النبى صلى الله عليه وسلم وحض أصحابه على قتال الكفار الذين ~~وقفوا فى طريق دعوته، حتى يكفوا عن عدوانهم وتكون كلمة الله هى العليا. ~~ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين، وسوء عاقبة الكافرين فقال - تعالى ~~- { الله ولي الذين... }. ### || [2.257] # { ولي } الناصر والمعين الحليف. مأخوذ من الولاية بمعنى النصرة. ~~والمعنى الله الذى بيده ملكوت كل شىء { ولي الذين آمنوا } أى ~~معينهم وناصرهم ومتولى أمورهم، فهو - سبحانه - الذى يخرجهم من ظلمات ~~الكفر، ومن ضلالات الشرك والفسوق والعصيان إلى نور الحق والهداية والتحرر ~~من الأوهام. أما الذين كفروا فأولياؤهم ونصراؤهم الطاغوت الذى يتمثل فى ~~الشياطين والأصنام والأوهام المورثة والكبرياء والمضلين، وهؤلاء يخرجونهم ~~بسبب انطماس بصيرتهم وانتكاسهم فى المعاصى من نور الإيمان والهداية إلى ~~ظلمات الكفر والضلالة. أولئك الموصوفون بتلك الصفات القبيحة أصحاب النار ~~هم فيها خالدون خلودا مؤبدا. وأفرد - سبحانه - النور وجمع الظلمات، لأن ~~الحق واحد أما الظلمات فقد تعددت فنونها وألوانها وأسبابها. وفى تقديم { ~~والذين كفروا } فى قوله { والذين كفروا ~~أوليآؤهم الطاغوت } إشارة إلى أنهم هم الذين ارتضوا سأن يكون ~~الطغيان مسيطرا على قلوبهم لأن كفرهم بالله - تعالى - هو الذى جعل ~~الشيطان ينفذ إلى أقطار نفوسهم بسهولة ويسر. وقوله { والذين ~~كفروا } مبتدأ { أوليآؤهم ms0572 } مبتدأ ثان، و { الطاغوت } ~~خبره والجملة خبر المبتدأ الأول. ولم يقل - سبحانه - والطاغوت ولى الذين ~~كفروا للاحتراز عن وضع اسم الطاغوت فى مقابل لفظ الجلالة. فإن قيل وهل ~~كان الكافرون فى نور ثم أخرجوا منه؟ فالجواب أن المراد يخرجونهم من النور ~~الفطرى الذى جعل عليه الناس كافة أو من نور الحجج الواضحات التى من شأنها ~~أن تحمل كل عاقل على الدخول فى الإسلام. وقيل المراد بهؤلاء المخرجين من ~~النور إلى الظلمات أولئك الذين آمنوا بالنبى صلى الله عليه وسلم قبل ~~بعثته ثم كفروا به بعدها والإشارة فى قوله { أولئك } تعود إلى ~~الذين كفروا. وفى التعبير " بأصحاب النار " إشعار بأنهم ملازمون لها كما ~~يلازم المالك ما يملكه والرفيق رفيقه. وقوله { هم فيها خالدون } ~~تأكيد لبقائهم فيها واختصاصهم بها. وبذلك تكون الآية الكريمة قد ساقت ~~أحسن البشارات للمؤمنين، وأشد العقوبات للكافرين الذين استحبوا العمى على ~~الهدى. ثم ساق القرآن بعد ذلك بعض الأمثلة للمؤمنين المهتدين وللضالين ~~المغرورين فقال - تعالى - { ألم تر إلى الذي حآج... }. ### || [2.258] # { حآج } أى جادل وخاصم والمحاجة المخاصمة والمغالبة بالقول يقال ~~حاججته فحججته أى خاصمته بالقول فتغلبت عليه وتستعمل المحاجة كثيرا فى ~~المخاصمة بالباطل ومن ذلك قوله - تعالى - # فإن حآجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن # وقوله - تعالى - # وحآجه قومه قال أتحاجوني فى الله وقد هدان # والمعنى لقد علمت أيها العاقل صفة ذلك الكافر المغرور الذى جادل إبراهيم ~~- عليه السلام - فى شأن خالقه عز وجل - ومن لم يعلم قصته فها نحن أولاء ~~نخبره عن طريق هذا الكتاب العزيز الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا ~~من خلفه. والاستفهام للتعجب من شأن هذا الكافر وما صار إليه أمر غروره ~~وبطره والمراد به - كما قال ابن كثير - نمرود بن كنعان بن كوس بن سام ابن ~~نوح ملك بابل، وكان معاصرا لسيدنا إبراهيم - عليه السلام -. وأطلق ~~القرآن على ما دار بين هذا الملك المغرور بين سيدنا إبراهيم أنها حاجة مع ~~أنها مجادلة بالباطل من هذا الملك، أطلق ذلك من باب المماثلة ms0573 اللفظية أو ~~هى محاجة فى نظره السقيم ورأيه الباطل. والضمير فى قوله { في ربه } ~~يعود إلى إبراهيم - عليه السلام - وقيل يعود إلى نمرود لأنه هو المتحدث ~~عنه فالضمير يعود إليه والإضافة - على الرأى الأول - للتشريف، وللإيذان ~~من أول الأمر بأن الله - تعالى - مؤيد وناصر لعبده إبراهيم. وقوله { أن ~~آتاه الله الملك } بيان لسبب إقدام هذا الملك على ما أقدم عليه ~~من ضلال وطغيان. أى سبب هذه المحاجة لأنه أعطاه الله - تعالى - الملك ~~فبطر وتكبر ولم يشكره - سبحانه - على هذه النعمة، بل استعملها فى غير ما ~~خلقت له فقوله { أن آتاه } مفعول لأجله، والكلام على تقدير حذف لام ~~الجر، وهو مطرد الحذف مع أن وأن. وقوله { إذ قال إبراهيم ~~ربي الذي يحيي ويميت } حكاية لما قاله إبراهيم عليه ~~السلام لذلك الملك فى مقام التدليل على وحدانية الله وأنه - سبحانه - هو ~~المستحق للعبادة أى قال له ربى وحده هو الذى ينشئ الحياة ويوجدها، ويميت ~~الأرواح ويفقدها حياتها، ولا يوجد أحد سواه يستطيع أن يفعل ذلك. وقول ~~إبراهيم - كما حكاه القرآن - { ربي الذي يحيي ويميت } ~~مفيد للقصر عن طريق تعريف المبتدأ وهو { ربي } والخبر هو الموصول ~~وصلته. وعبر بالمضارع فى قوله { يحيي ويميت } لإفادة معنى ~~التجدد والحدوث الذى يرى ويحس بين وقت وآخر. أى ربى هو الذى يحيى الناس ~~ويميتهم كما ترى ذلك مشاهدا فى كثير من الأوقات، فمن الواجب عليك أن ~~تخصه بالعبادة والخضوع وأن تقلع عما أنت فيه من كفر وطغيان وضلال. # وقوله { إذ قال إبراهيم } ظرف لقوله { حآج } أو بدل اشتمال ~~منه، وفى هذا القول الذى حكاه القرآن عن إبراهيم - عليه السلام - أوضح ~~حجة وأقواها على وحدانية الله واستحقاقه للعبادة، لأن كل عاقل يدرك أن ~~الحق هو الذى يملك الإحياء والإماتة ويملك بعث الناس يوم القيامة ~~ليحاسبهم على أعمالهم وهو أمر ينكره ذلك الملك الكافر. قال الإمام ~~الرازى ما ملخصه والظاهر أن قول إبراهيم { ربي الذي يحيي ~~ويميت } جواب لسؤال سابق غير مذكور. وذلك أنه من المعلوم أن الأنبياء ~~بعثوا ms0574 للدعوة إلى الله، ومتى ادعى الرسول الرسالة فإن المنكر يطالبه ~~بإثبات أن للعالم إلها. فالظاهر هنا أن إبراهيم ادعى الرسالة فقال له ~~نمرود من ربك؟ فقال إبراهيم ربى الذى يحيى ويميت، إلا أن تلك المقدمة ~~حذفت لأن الواقعة تدل عليها، ودليل إبراهيم فى غاية الصحة لأن الخلق ~~عاجزون عن الإحياء والإماتة وقدم ذكر الحياة على الموت هنا. لأن من شأن ~~الدليل أن يكون فى غاية الوضوح والقوة، ولا شك أن عجائب الخلقة حال ~~الحياة أكثر، واطلاع الإنسان عليها أتم فلا جرم وجب تقديم الحياة ها هنا ~~فى الذكر ". م حكى القرآن جواب نمرود على إبراهيم فقال { قال أنا ~~أحيي وأميت } أى قال ذلك الطاغية إذا كنت يا إبراهيم تدعى أن ربك ~~وحده الذى يحيى ويميت فأنا أعارضك فى ذلك لأنى أنا - أيضا أحيى وأميت ~~وما دام الأمر كذلك فأنا مستحق للربوبية. قالوا ويقصد بقوله هذا أنه ~~يستطيع أن يعفو عمن حكم بقتله، ويقتل من شاء أن يقتله. ولقد كان فى ~~استطاعة إبراهيم - عليه السلام - أن يبطل قوله، بأن يبين له بأن ما يدعيه ~~ليس من الاحياء والإماتة المقصودين بالاحتجاج، لأن ما قصده إبراهيم هو ~~إنشاء الحياة وإنشاء الموت، كان فى استطاعة الخليل - عليه السلام - أن ~~يفعل ذلك، ولكنه آثر ترك فتح باب الجدال والمحاورة، وأتاه بحجة هى غاية ~~فى الإفحام فقال له - كما حكى القرآن { فإن الله يأتي ~~بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب }. أى قال ~~إبراهيم لخصمه المغرور لقد زعمت أنك تملك الإحياء والإماتة كما يملك ~~الله - تعالى - ذلك، ومن شأن هذا الزعم أن يجعلك مشاركا لله - تعالى - ~~فى قدرته فإن كان ذلك صحيحا فأنت ترى وغيرك يرى أن الله - تعالى - يأتى ~~بالشمس من جهة المشرق عند شروقها فأت بها أنت من جهة المغرب فى هذا الوقت ~~فماذا كانت نتيجة هذه الحجة الدامغة التى قذفها إبراهيم - عليه السلام - ~~فى وجه خصمه؟ كانت نتيجتها - كما حكى القرآن - { فبهت الذي كفر ~~} أى غلبت وقهر، وتحير وانقطع عن حجاجه، واضطرب ولم ms0575 يستطع أن يتكلم، لأنه ~~فوجئ بما لا يملك دفعه. # وبهت فعل ماض جاء على صورة الفعل المبنى للمجهول - كزهى وزكم - والمعنى ~~فيه على البناء للفاعل. وقوله { الذي كفر } هو فاعله. والبهت ~~الانقطاع والحيرة، وقرئ بوزن - علم ونصر وكرم. والفاء فى قوله { فإن ~~الله يأتي بالشمس }.. إلخ فصيحة لأنها أفصحت عن جواب لشرط ~~مقدر أى إن كنت كما تزعم أنك تحيى وتميت وأن قدرتك كقدرة الله فإن الله - ~~تعالى - يأتى بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب. وعبر عن هذا البهوت ~~بقوله { الذي كفر } للإشعار بأن سبب حيرته واضطرابه هو كفره ~~وعناده. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله { والله لا يهدي ~~القوم الظالمين } أى لا يهديهم إلى طريق الحق. ولا يلهمهم حجة ~~ولا برهانا. بسبب ظلمهم وطغيانهم وإيثارهم طريق الشيطان على طريق ~~الرحمن. وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد حكت للناس لونا من ألوان رعاية ~~الله لأوليائه وخذلانه لأعدائه لكى يكون فى ذلك عبرة وعظة لقوم يعقلون. ~~ثم ساقت السورة الكريمة قصتين تدلان أبلغ دلالة على قدرة الله - تعالى - ~~وعلى صحة البعث والنشور استمع إلى القرآن وهو يحكى هاتين القصتين بأسلوبه ~~البليغ فيقول { أو كالذي مر على قرية... واعلم أن ~~الله عزيز حكيم }. ### || [2.259-260] # قال الآلوسى ما ملخصه قوله { أو كالذي مر على قرية } ~~معطوف على سابقه - وهو قوله # ألم تر إلى الذي حآج # والكاف اسمية بمعنى مثل معمولة لا رأيت محذوفا. أى أو أرأيت مثل الذى ~~مر على قرية.. وحذف لدلالة { ألم تر } عليه. وقيل إن الكاف زائدة ~~والتقدير ألم تر إلى الذى حاج إبراهيم أو الذى مر على قرية.. وقيل إن ~~العطف هنا محمول على المعنى كأنه قيل أرأيت شيئا عجيبا - كالذى حاج ~~إبراهيم فى ربه، أو كالذى مر على قرية ". والذى { مر على قرية ~~} قيل هو عزير بن شرخيا، وقيل حزقيال بن بوزى وقيل غير ذلك، والقرية قيل ~~المراد بها بيت المقدس وكان قد خربها " بختنصر " البابلى.. والقرآن ~~الكريم لم يهتم بتحديد الأشخاص والأماكن لأنه يقصد العبرة وبيان الحال ms0576 ~~والشأن. وجملة { وهي خاوية على عروشها } فى موضع الحال من ~~الضمير المستتر فى { مر } والواو رابطة بين الجملة الحالية وبين ~~صاحبها والإتيان بها واجب لخلو الجملة من ضمير يعود على صاحبها وقيل هى ~~حال من قرية، وسوغ إتيان الحال منها مع كونها نكرة وقوعها بعد الاستفهام ~~المقدر وهو أرأيت ومعنى { وهي خاوية على عروشها } أن ~~جدرانها ساقطة على سقوفها، أى أن الخراب قد عمها والدمار قد نزل بها، ~~فأصبحت خالية من أهلها وفارغة ممن كان يعمرها وأصل الخواء الخلو. يقال ~~خوت الدار وخربت تخوى خواء إذا سقطت وخلت. والعروش جمع عرش وهو سقف البيت ~~ويسمى العريش، وكل شىء يهيأ ليظل أو يكن فهو عريش وعرش. وقوله - تعالى - ~~{ قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها } حكاية لما ~~قاله ذلك الذى مر على تلك القرية ورأى فيها ما رأى من مظاهر الخراب ~~والدمار والمعنى أو أرأيت مثل الذى مر على قرية وهى ساقطة حيطانها على ~~سقوفها، وفارغة ممن كان يسكنها، فهاله أمرها، وراعه شأنها، وقال على سبيل ~~التعجب كيف يحيى الله هذه القرية بعد موتها، بأن يعيد إليها العمران بعد ~~الخراب، ويجعلها عامرة بسكانها الذى خلت منهم. فقوله { قال أنى ~~يحيي هذه } بمعنى كيف فتكون منصوبة على الحالية من اسم الإشارة ~~ويجوز أن تكون { أنى } هنا بمعنى متى أى متى يحيى الله هذه القرية ~~بعد موتها فتكون منصوبة على الظرفية. وقال القرطبى قوله { قال أنى ~~يحيي هذه الله بعد موتها } معناه من أى طريق وبأى ~~سبب، وظاهر اللفظ السؤال عن إحياء القرية بعمارة وسكان، كما يقال الآن فى ~~المدن الخربة يبعد أن تعمر وتسكن أى أنى تعمر هذه بعد خرابها. فكأن هذا ~~تلهف من الواقف المعتبر على مدينته التى عهد فيها أهله وأحبته ". # وقوله هذا إنما هو تساؤل عن كيفية الإعادة لا عن أصل الإعادة لأنه كان ~~مؤمنا بالبعث والنشور، إلا أنه لما رأى حال القرية على تلك الصورة من ~~الخراب تعجب من قدرة الله على إحيائها، وتشوق إلى عمارتها واعترف بالعجز ms0577 ~~عن معرفة طريق الإحياء. فماذا كانت نتيجة هذا التساؤل؟ كانت نتيجته كما ~~حكاها القرآن { فأماته الله مئة عام ثم بعثه قال ~~كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم }. أى بعد أن ~~قال هذا الذى مر على تلك القرية الخاوية على عروشها ما قال، ألبثه الله - ~~تعالى - فى الموت مائة عام { ثم بعثه } أى أحياه ببعث روحه إلى ~~بدنه { قال كم لبثت } أى كم مدة من الزمان لبثتها على هذه الحال؟ ~~{ قال لبثت يوما أو بعض يوم }. وقال - سبحانه - { ~~فأماته الله مئة عام ثم بعثه } ولم يقل ثم أحياه، ~~للدلالة على أنه عاد كهيئته يوم مات عاقلا فاهما مستعدا للنظر والاستدلال ~~وكان ذلك بعد عمارة القرية وللإشهار بسرعته وسهولة تأتيه على البارى - ~~سبحانه -. قال ابن كثير كان أول شىء أحيا الله فيه عينيه لينظر بهما إلى ~~صنع الله فيه كيف يحيى بدنه فلما استقل سويا قال الله له بواسطة الملك { ~~كم لبثت }؟ { قال لبثت يوما أو بعض يوم } وذلك ~~أنه مات أول النهار ثم بعثه الله فى آخر النهار فلما رأى الشمس باقية ظن ~~أنها شمس ذلك اليوم فقال { أو بعض يوم }. وقوله { قال كم ~~لبثت } استئناف مبنى على سؤال كأنه قيل فماذا قال له بعد بعثه؟ فقيل ~~قال كم لبثت ليظهر له العجز عن الإحاطة بشئون الله - تعالى - على أتم ~~وجه وتنحسم مادة استبعاده بالمرة. وكم منصوبة على الظرفية ومميزها محذوف ~~والتقدير كم يوما أو وقتا والناصب لها قوله { لبثت }. وفى هذه الجملة ~~الكريمة بيان للناس بأن الموت يشبه النوم، وأن البعث يشبه اليقظة بعده ~~وأنه لا شىء محال على الله - تعالى - فهو القائل # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة # وفى الحديث الشريف # " والله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون ولتحاسبن بما تعملون، ~~ولتجزون بالإحسان إحسانا وبالسوء سوءا، وإنها لجنة أبدا، أو لنار أبدا ~~". # وقوله - تعالى - { قال بل لبثت مئة عام } معطوف على مقدر، ~~أى ليس الأمر كما قلت إنك لبثت يوما أو بعض يوم بل إنك لبثت ms0578 مائة عام ثم ~~أرشده - سبحانه - إلى التأمل فى أمور فبها أبلغ دلالة على قدرة الله ~~تعالى وعلى صحة البعث فقال - سبحانه - { فانظر إلى طعامك ~~وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك ~~آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم ~~نكسوها لحما }. # قوله { لم يتسنه } أى لم يتغير بمرور السنين الطويلة ولم تذهب ~~طراوته فكأنه لم تمر عليه السنون ولفظ يتسنه مشتق من السنة، والهاء فيه ~~أصلية إذا قدر لام سنة هام، وأصلها سنهة لتصغيرها على سنيهة وجمعها على ~~سنهات كسجدة وسجدات، ولقولهم سانهته إذا عاملته سنة فسنة، وتسنه عند ~~القوم إذا أقام فيهم سنة. أو الهاء للوقف نحو كتابيه وجزمه بحذف حرف ~~العلة إذا قدر لام سنة واوا، وأصلها سنوه لتصغيرها على سنية وجمعها على ~~سنوات. وقوله { ننشزها } أى نرفعها. يقال أنشز الشىء إذا رفعه من ~~مكانه. وأصله من النشز - بفتحتين وبالسكون - وهو المكان المرتفع. وقرئ { ~~ننشزها } - بضم النون والراء - أى نحييها من أنشر الله الموتى أى ~~أحياهم. والمعنى قال الله - تعالى - لهذا الذى مر على قرية وهى خاوية على ~~عروشها إنك لم تلبث يوما أو بعض يوم فى الموت كما تظن بل لبثت مائة عام ~~فإن كنت فى شك من ذلك فانظر إلى طعامك وشرابك لتشاهد أمرا آخر من دلائل ~~قدرتنا فإن هذا الطعام والشراب كما ترى لم يتغير بمرور السنين وكر ~~الأعوام بل بقى على حالته. وانظر إلى حمارك كيف نخرت عظامه، وتفرقت ~~أوصاله مما يشهد بأنه قد مرت عليه السنوات الطويلة. وقوله { ~~ولنجعلك آية للناس } معطوف على محذوف متعلق بفعل مقدر قبله ~~بطريق الاستئناف مقرر لمضمون ما سبق، والتقدير فعلنا ما فعلنا لترى ~~وتشاهد بنفسك مظاهر قدرة الله، ولنجعلك آية معجزة ودليلا على صحة البعث ~~وقوله { وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها ~~لحما } أى انظر وتأمل فى هذه العظام كيف نركب بعضها فى بعض بعد أن ~~نوجدها. وقيل المعنى وانظر إلى العظام أى عظام حمارك التى تفرقت وتناثرت ~~لتشاهد كيف نرفعها من الأرض فنردها إلى أماكنها ms0579 فى جسده. قال ابن كثير ~~قال السدى وغيره " تفرقت عظام حماره يمينا وشمالا حوله فنظر إليها وهى ~~تلوح من بياضها، فبعث الله ريحا فجمعتها من كل موضع، ثم ركب كل عظم فى ~~موضعه، وذلك كله بمرأى من العزير ". وجاء الضمير فى قوله { لم ~~يتسنه } بالإفراد مع أن المتقدم طعام وشراب، لأنهما متلازمان ~~بمعنى أن أحدهما لا يكتفى به عن الآخر فصارا بمنزلة شىء واحد، فكأنه قال ~~انظر إلى غذائك. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله { فلما تبين ~~له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير } أى ~~فلما تبين له بالأدلة الناصعة، وبالمشاهدة الحسية قدرة الله - تعالى - ~~على الإحياء والإماتة، وعلى البعث والنشور قال أعلم أى أستيقن وأومن ~~وأعتقد أن الله - تعالى - على كل شىء قدير، وأنه - سبحانه - لا يعجزه ~~شىء. # والفاء فى قوله { فلما تبين له... } عاطفة على مقدر يستدعيه ~~المقام فكأنه قيل رفع الله العظام من أماكنها وأكساها لحما فلما تبين له ~~ذلك، وتيقنه قال أعلم أن الله على كل شىء قدير. وفاعل { تبين } مضمر ~~يفسره سياق الكلام والتقدير فلما تبين له كيفية الإحياء أو فلما تبين له ~~ما أشكل عليه من أمر إحياء الموتى قال أعلم أن الله على كل شىء قدير. تلك ~~هى القصة الأولى التى ساقها الله - تعالى كدليل على قدرته وعلى صحة البعث ~~والنشور. أما القصة الثانية التى تؤكد هذا المعنى فقد حكاها القرآن فى ~~قوله { وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي ~~الموتى } أى واذكر أيها العاقل لتعتبر وتتعظ وقت أن قال إبراهيم - ~~عليه السلام - مخاطبا خالقه - سبحانه - رب أرنى بعينى كيف تعيد الحياة ~~إلى الموتى. وفى قوله رب تصريح بكمال أدبه مع خالقه - عز وجل - فهو قبل ~~أن يدعوه يستعطفه ويعترف له بالربوبية الحقة، والألوهية التامة، ويلتمس ~~منه معرفة كيفية إحياء الموتى، فهو لا يشك فى قدرة الله ولا فى صحة البعث ~~- وحاشاه أن يفعل ذلك - فهو رسول من أولى العزم من الرسل، وإنما هو يريد ~~أن ينتقل من مرتبة علم اليقين إلى ms0580 عين اليقين، ومن مرتبة البرهان إلى ~~مرتبة العيان، فإن العيان يغرس فى القلب أسمى وأقوى ألوان المعرفة ~~والاطمئنان. وقد ذكر المفسرون لسؤال إبراهيم - عليه السلام - أسبابا منها ~~أنه لما قال للنمرود # ربي الذي يحيي ويميت # أحب أن يترقى بأن يرى ذلك مشاهدة. وقد أجاب الخالق - عز وجل - على طلب ~~إبراهيم بقوله { أولم تؤمن } أى أتقول ذلك وتطلبه ولم تؤمن بأنى ~~قادر على الإحياء وعلى كل شىء؟ فالجملة الكريمة استئناف مبنى على ~~السؤال، وهى معطوفة على مقدر، والاستفهام للتقرير. وهنا يحكى القرآن جواب ~~إبراهيم على خالقه - عز وجل - فيقول { قال بلى ولكن ~~ليطمئن قلبي }. أى قال إبراهيم فى الرد على سؤال ربه له { ~~أولم تؤمن } بلى يا رب آمنت بك وبقدرتك وبوحدانيتك إيمانا صادقا ~~كاملا، ولكنى سألت هذا السؤال ليزداد قلبى سكونا واطمئنانا وإيمانا لأن ~~من شأن المشاهدة أن تغرس فى القلب سكونا واطمئنانا أشد، وإيمانا أقوى، ~~وأنا فى جميع أحوالى مؤمن كل الإيمان بقدرتك ووحدانيتك يا رب العالمين. ~~قال القرطبى ما ملخصه لم يكن إبراهيم شاكا فى إحياء الله الموتى قط وإنما ~~طلب المعاينة، وذلك أن النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أخبرت به، ولهذا جاء ~~فى الحديث # " ليس الخبر كالمعاينة " # قال الأخفش لم يرد إبراهيم رؤية القلب وإنما أراد رؤية العين. وقال ~~الحسين سأل ليزداد يقينا إلى يقينه. وأما قول الرسول صلى الله عليه وسلم # " نحن أحق بالشك من إبراهيم " # فمعناه أنه لو كان شاكا لكنا نحن أحق بالشك منه، ونحن لا نشك فإبراهيم - ~~عليه السلام - أحرى ألا يشك، فالحديث مبنى على نفى الشك عن إبراهيم.. ~~وإذا تأملت سؤاله - عليه السلام - وسائر الفاظه الآتية لم تعط شكا، وذلك ~~أن الاستفهام بكيف إنما هو سؤال عن حالة شىء موجود متقرر الوجود عند ~~السائل والمسئول، وكيف هنا إنما هى استفهام عن هيئة الإحياء والإحياء ~~متقرر، - فسؤال إبراهيم إنما هو عن الكيفية لا عن أصل القضية... وقال ~~صاحب الكشاف فإن قلت كيف قال له { أولم تؤمن } وقد علم أنه أثبت ~~الناس إيمانا؟ قلت ms0581 ليجيب بما أجاب به لما فيه من الفائدة الجليلة ~~للسامعين. و { بلى } إيجاب لما بعد النفى معناه بلى آمنت. وقوله { ~~ولكن ليطمئن قلبي } أى ليزداد سكونا وطمأنينة بمضامة علم ~~الضرورة - أى علم المشاهدة - إلى علم الاستدلال الذى يجوز معه التشكيك ~~بخلاف العلم الضرورى، فأراد بطمأنينة القلب العلم الذى لا مجال فيه ~~للتشكيك. فإن قلت بم تعلقت اللام فى قوله { ليطمئن } قلت بمحذوف ~~تقديره ولكن سألت ذلك إرادة طمأنينة القلب ". ثم حكى القرآن بعد ذلك ما ~~كان من جواب الخالق - عز وجل - على نبيه إبراهيم فقال { قال فخذ ~~أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على ~~كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا ~~}. قوله { فصرهن إليك } أى فاضممهن إليك - قرئ بضم الصاد ~~وكسرها وتخفيف الراء - يقال صاره يصوره ويصيره، أى أماله وضمه إليه. ~~ويقال - أيضا صار الشىء بمعنى قطعه وفصله والمعنى قال الله - تعالى - ~~لإبراهيم إذا أردت معرفة ما سألت عنه فخذ أربعة من الطير فاضممهن إليك ~~لتتأملهن وتعرف أشكالهن وهيئاتهن كيلا تلتبس عليك بعد الإحياء، ثم ~~اذبحهن وجزئهن أجزاء { ثم اجعل على كل جبل منهن ~~جزءا } أى ثم اجعل على كل مكان مرتفع من الأرض جزءا من كل طائر من تلك ~~الطيور ثم نادهن يأتينك مسرعات إليك. والفاء فى قوله { فخذ } هى التى ~~تسمى بالفاء الفصيحة لأنها تفصح عن شرط مقدر أى إذا أردت ذلك فخذ. وقوله ~~{ من الطير } متعلق بمحذوف صفة لأربعة أى فخذ أربعة كائنة من ~~الطير، أو متعلق بقوله { خذ } أى خذ من الطير. والطير اسم جمع - كركب ~~وسفر - وقل هو جمع طائر مثل تاجر وتجر. قالوا وهذه الطيور الأربعة هى ~~الطاووس والنسر والغراب والديك. ومما قالوه فى اختيار الطير لهذه الحالة ~~أن الطير من صفاته الطيران، وأنه لا يستأنس بالإنسان بل يطير بمجرد ~~رؤيته، ولسهولة تأتى ما يفعل به من التجزئة والتفرقة. وقوله { ثم ~~اجعل على كل جبل منهن جزءا } معطوف على محذوف دل ~~عليه قوله { جزءا } لأن تجزئتهن إنما تقع بعد الذبح والتقدير فاذبحهن ms0582 ~~ثم اجعل. # . إلخ. وقوله { ثم ادعهن } أى قل لهن تعالين بإذن الله. وقوله { ~~يأتينك } جواب الأمر فهو فى محل جزم، { سعيا } منصوب على المصدر ~~النوعى، لأن السعى نوع من الإتيان فكأنه قيل يأتينك إتيانا سريعا قال ~~الفخر الرازى أجمع أهل التفسير على أن المراد بالآية قطعهن، وأن إبراهيم ~~قطع أعضاءها ولحومها وريشها ودماءها وخلط بعضها ببعض - وفعل كما أمره ~~الله، ثم قال لهن تعالين بإذن الله فأقبلن مسرعات إليه بعد أن انضم كل ~~جزء إلى أصله - ثم قال ولكن أبا مسلم أنكر ذلك وقال " إن إبراهيم لما طلب ~~إحياء الميت من الله - تعالى - أراه الله مثالا قرب به الأمر عليه، ~~والمراد بصرهن إليك الإمالة والتمرين على الإجابة. أى فعود الطوير ~~الأربعة أن تصير بحيث إذا دعوتها أجابتك وأتتك، فإذا صارت كذلك فاجعل على ~~كل جبل واحدا حال حياته، ثم ادعهن يأتينك سعيا، والغرض منه ذكر مثال ~~محسوس فى عود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة.. ". والذى يطمئن ~~إليه القلب هو رأى الجمهور لأن الآية مسوقة لتحقيق معجزة تجرى على يد ~~إبراهيم وهى إحياء الموتى بالمشاهدة كما جرى إحياء الرجل الذى أماته الله ~~مائة عام والذى جاء ذكره فى الآية السابقة، ولأن ظاهر الآية صريح فى أنه ~~حصل تقطيع لأجزاء الطير ثم وضع كل جزء منها على مرتفع من الأرض، وما دام ~~الأمر كذلك فلا يجوز حمل المعنى على غير هذا الظاهر، كما لا يجوز تحميل ~~الألفاظ ما لا تحتمله. وما ذهب إليه أبو مسلم هو قول بلا دليل فضلا عن ~~مخالفته لما عليه إجماع المفسرين. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله { ~~واعلم أن الله عزيز حكيم } أى واعلم أن الله - تعالى - ~~غالب على أمره، قاهر فوق عباده، حكيم فى كل شئونه وأفعاله وبذلك نرى أن ~~الآيتين الكريمتين قد ساقتا أبلغ الأدلة والشواهد على قدرة الله - تعالى ~~- وعلى أنه هو المستحق للعبادة والخضوع، وعلى أن ما أخبر به من صحة البعث ~~والنشور حق لا ريب فيه. ثم حض الله - تعالى - عباده على ms0583 الإنفاق فى ~~سبيله، ووعدهم على ذلك بجزيل الثواب، فقال - تعالى - { مثل الذين ~~ينفقون... ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون }. ### || [2.261-262] # ذكر بعض المفسرين أن هاتين الآيتين نزلنا فى صدقة عبد الرحمن بن عوف ~~وعثمان بن عفان، وذلك # " أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما حث الناس حين أراد الخروج إلى غزوة ~~تبوك، جاء عبد الرحمن بأربعة آلاف درهم فقال يا رسول الله كانت لى ثمانية ~~آلاف فأمسكت لنفسى ولعيالى أربعة آلاف، وأربعة آلاف أفرضتها لربى، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم " بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت " # وجاء عثمان بألف دينار فى جيش العسرة فصبها فى حجر الرسول صلى الله عليه ~~وسلم قال عبد الرحمن بن سمرة - راوى الحديث - فرأيته صلى الله عليه وسلم ~~يدخل يده فيها ويقلبها ويقول # " ماضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم اللهم لا تنس هذا اليوم لثعمان " # وقال أبو سعيد الخدرى رأيت النبى صلى الله عليه وسلم رافعا يديه يدعو ~~لعثمان ويقول # " يا رب عثمان إنى رضيت عن عثمان فارض عنه ". # ونزول هاتين الآيتين فى شأن صدقة هذين الصحابيين الجليلين لا يمنع من ~~شمولهما لكل من نهج نهجهما، وبذل من ماله فى سبيل الله. و " المثل " ، ~~الشبه والنظير. ثم أطلق على القول السائر المعروف لمماثلة مضربه لمورده ~~الذى ورد فيه أولا. ثم استعير للصفة أو الحال أو القصة إذا كان لها شأن ~~وفيها غرابة، وعلى هذا المعنى يحمل المثل فى هذه الآية. و " الحبة " كما ~~يقول القرطبى - اسم جنس لكل ما يزدرعه ابن آدم ويقتاته، وأشهر ذلك البر ~~فكثيرا ما يراد بالحب. وسنبلة - بوزن فنعلة - من أسبل الزرع إذا صار فيه ~~السنبل، أى استرسل بالسنبل كما يسترسل الستر بالاسبال. وقيل معنه صار فيه ~~حب مستور كما يستر الشىء بإسبال الستر عليه. والجمع سنابل. والمعنى مثل ~~صدقة الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله، أى فى طاعته، كمثل حبة ألقيت فى ~~أرض طيبة، أصابها الغيث، فخرجت الحبة على هيئة زرع قوى جميل فأنبتت فى ~~الوقت ms0584 المناسب لإنباتها سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة. فأنت ترى أن ~~الخالق - عز وجل - قد شبه حال الصدقة التى ببذلها المؤمن فى سبيل الله ~~فيكافئه الله - تعالى - عليها بالثواب العظيم، بحال الحبة التى تلقى فى ~~الأرض النقية فتخرج عودا مستويا قائما قد تشعب إلى سبع شعب، فى كل شعبة ~~سنبلة، وفى كل سنبلة مائة حبة. وفى هذا التشبيه ما فيه من الحض على ~~الإنفاق فى وجه الخير، ومن الترغيب فى فعل البر ولا سيما النفقة فى ~~الجهاد فى سبيل الله. قال ابن كثير " وهذا المثل أبلغ فى النفوس من ذكر ~~عدد السبعمائة. # فإن هذا فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله - تعالى - ~~لأصحابها كما ينمى الزرع لمن بذره فى الأرض الطيبة ". وقال - سبحانه - { ~~كمثل حبة أنبتت } فأسند الإنبات إلى الحبة، مع أن المنبت فى ~~الحقيقة هو الله، وذلك لأنهاه سبب لوجود تلك السنابل المليئة بالحبات، ~~ولأنها هى الأصل لما تولد عنها. ثم قال - تعالى - { والله يضاعف ~~لمن يشآء } أى والله - تعالى - يضاعف الثواب والجزاء أضعافا كثيرة ~~لمن يشاء من عباده، فيعطى بعضهم سبعمائة ضعف، ويعطى بعضهم أكثر من ذلك، ~~لأن الصدقة يختلف ثوابها باختلاف حال المتصدق، فمتى خرجت منه بنية خالصة، ~~وقلب سليم، ونفس صافية، ومن مال حلال، ووضعت فى موضعها المناسب، متى كانت ~~كذلك كان الجزاء عليها أوفر، والمضاعفة لها تزيد على سبعمائة ضعف. إذ ~~عطاء الله لمن يشاء من عباده ليس له حدود، وثوابه ليس له حساب معدود. ~~ولذا ختم - سبحانه - الآية بقوله { والله واسع عليم } أى والله ~~- تعالى - عطاؤه واسع، وجوده عميم، وفضله كبير، وهو - تعالى - عليم بنيات ~~عباده وبأقوالهم وبأفعالهم وبسائر شئونهم، فيجازى كل إنسان على حسب نيته ~~وعمله. وقوله - تعالى - { الذين ينفقون أموالهم فى ~~سبيل } استئناف جىء به لبيان كيفية الإنفاق الذى يحبه الله، ويجازى ~~عليه المنفقين بالجزاء العظيم. وقوله { ثم لا يتبعون مآ ~~أنفقوا منا ولا أذى } تحذير للمتصدق من هاتين الصفتين ~~الذميمتين لأنهما مبطلتان لثواب الصدقة. والمن معناه أن يتطاول المحسن ms0585 ~~بإحسانه على من أحسن إليه، ويتفاخر عليه بسبب ما أعطاه من عطايا. كأن ~~يقول على سبيل التفاخر والتعبير لقد أحسنت إليك وأنقذتك من الفقر وما ~~يشبه ذلك. قال الإمام الرازى ما ملخصه والمن فى اللغة على وجوه فقد يأتى ~~بمعنى الإنعام. يقال قد من الله على فلان. إذا أنعم عليه بنعمه. وقد ~~يأتى بمعنى النقص من الحق والبخس له. قال - تعالى - # وإن لك لأجرا غير ممنون # أى غير مقطوع وغير ممنوع ومنه سمى الموت منونا لأنه يقطع الأعمار، ومن ~~هذا الباب المنة المذمومة لأنها تنقص النعمة وتكدرها، والعرب يمتدحون ~~بترك المن بالنعمة. والمراد بالمن فى الآية المذموم الذى هو بمعنى " ~~إظهار الاصطناع إليهم ". وقال صاحب الكشاف المن أن يعتد على من أحسن إليه ~~بإحسانه، ويريد أنه اصطنعه وأوجب عليه حقاله، وكانوا يقولون إذا صنعتم ~~صنيعة فانسوها. ولبعضهم. # وإن أمرؤ أسدى إلى صنيعة وذكرنيها إنه للئيم # وفى نوابغ الكلم صنوان من منح سائله ومن، ومن منع نائله وضن " والمراد ~~بالأذى فى الآية أن يقول المعطى لمن أعطاه قولا يؤذيه، أو يفعل معه فعلا ~~يسئ به إليه، وهو أعم من المن، إذ المن نوع من الأذى لكنه نص عليه لكثرة ~~وقوعه. # وجاء العطف بثم فى الجملة الكريمة، لإظهار التفاوت الشديد فى الرتبة ~~بين الإنفاق الذى يحبه الله، وبين الإنفاق الذى يصاحبه المن والأذى، ~~وللإشعار بأن المن والأذى بغيضان عند الإنفاق وبعده، فعلى المنفق أن ~~يستمر فى أدبه وإخلاصه وقت الإنفاق وبعده حتى لا يذهب ثوابه، إذ المن ~~والأذى مبطلان للثواب فى أى وقت يحصلان فيه. قال الشيخ ابن المنير مبينا ~~أن { ثم } هنا تفيد استمرار الفعل بجانب إفادتها للتفاوت فى الرتبة ~~وعندى فيها - أى فى ثم - وجه آخر محتمل فى هذه الآية ونحوها. وهو الدلالة ~~على دوام الفعل المعطوف بها وإرخاء الطول فى استصحابه. فهى على هذا لم ~~تخرج عن الإشعار ببعد الزمن، ولكن معناها الأصلى تراخى زمن وقوع الفعل ~~وحدوثه، ومعناها المستعار إليه دوام وجود الفعل وتراخى زمن بقائه. وعليه ~~حمل ms0586 قوله - # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا # أى داوموا على هذه الاستقامة دواما متراخيا ممتد الامد.. وكذلك قوله هنا ~~{ ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا ولا أذى } أى يدومون ~~على تناسى الإحسان وعلى ترك الاعتداد به والامتنان والأذى.. وكرر - ~~سبحانه - النفى فى قوله { ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا ~~ولا أذى } لتأكيده وشموله لأفراد كل واحد منهما، أى يجب ألا يقع منهم ~~أى نوع من أنواع المن ولا أى نوع من أنواع الأذى. حتى لقد قال بعض ~~الصالحين " لئن ظننت أن سلامك يثقل على من أنفقت عليه بنفقة تبتغى بها ~~وجه الله، فلا تسلم عليه ". ثم ختم - سبحانه - الآية ببيان عاقبة ~~المنفقين بلا من ولا أذى فقال { لهم أجرهم عند ربهم ~~ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } أى لهم جزاؤهم العظيم ~~مكافأة لهم على أدبهم وإخلاصهم، عند مربيهم ومالك أمرهم، ولا خوف عليهم ~~مما سيجدونه فى مستقبلهم، ولا هم يحزنون على ماضيهم، وذلك لأن الله - ~~تعالى - قد أحاطهم برعايته فى دنياهم وأخراهم وعوضهم عما فارقوه خير عوض ~~وأكرمه. ثم كرر - سبحانه - التحذير من المن والأذى، مناديا المؤمنين بأن ~~يجتنبوا فى صدقاتهم هاتين الرذيلتين، مبينا أن الكلمة الطيبة للفقير خير ~~من إعطائه مع إيذائه، استمع إلى القرآن وهو يسوق هذه المعانى وغيرها ~~بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول { قول معروف ومغفرة خير ~~من... والله لا يهدي القوم الكافرين }. ### || [2.263-264] # المعنى { قول معروف } بأن تقول للسائل كلاما جميلا طيبا تجبر به ~~خاطره، ويحفظ له كرامته " ومغفرة " لما وقع منه من إلحاف فى السؤال، وستر ~~لحاله وصفح عنه، { خير من صدقة يتبعهآ أذى } أى خير من ~~صدقة يتبعها المتصدق أذى للمتصدق عليه. لأن الكلمة الطيبة للسائل، والعفو ~~عنه فيما صدر منه، كل ذلك يؤدى إلى رفع الدرجات عند الله، وإلى تهذيب ~~النفوس، وتأليف القلوب وحفظ كرامة أولئك الذين مدوا أيديهم بالسؤال. أما ~~الصدقة التى يتبعها الأذى فإن إيتاءها بتلك الطريقة يؤدى إلى ذهاب ~~ثوابها، وإلى زيادة الآلام عند السائلين ولا سيما الذين يحرصون على ms0587 حفظ ~~كرامتهم، وعلى صيانة ماء وجوههم، فإن ألم الحرمان عند بعض الناس أقل أثرا ~~فى نفوسهم من آلام الصدقة المصحوبة بالأذى، لأن ألم الحرمان يخففه الصبر ~~الذى وراءه الفرج، أما آلام الصدقة المصحوبة بالأذى لهم فإنها تصيب ~~النفوس الكريمة بالجراح التى من العسير التئامها وشفاؤها. قال القرطبى ~~روى مسلم فى صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " الكلمة الطيبة صدقة، وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق " # فعلى المسئول أن يتلقى السائل بالبشر والترحيب، ويقابله بالطلاقة ~~والتقريب ليكون مشكورا إن أعطى ومعذورا إن منع. وقد قال بعض الحكماء الق ~~صاحب الحاجة بالبشر فإن عدمت شكره لم تعدم عذره ". وقوله { قول ~~معروف } مبتدأ وساغ الابتداء بالنكرة لوصفها وللعطف عليها. وقوله { ~~ومغفرة } عطف عليه وسوغ الابتداء بها العطف أو الصفة المقدرة إذ ~~التقدير ومغفرة للسائل أو من الله وقوله { خير } خبر عنهما وقوله { ~~يتبعهآ أذى } فى محل جر صفة لصدقة. ثم ختم الله - تعالى - الآية ~~بقوله { والله غني حليم } أى والله - تعالى - غنى عن إنفاق ~~المنفقين وصدقات المتصدقين. وإنما أمرهم بهما لمصلحة تعود عليهم. أو غنى ~~عن الصدقة المصحوبة بالأذى فلا يقبلها. { حليم } فلا يعجل بالعقوبة على ~~مستحقها، فهو - سبحانه - يمهل ولا يهمل. والجملة الكريمة تذييل لما قبله ~~مشتملة على الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب. وقوله - تعالى - { ~~يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن ~~والأذى } نداء منه - سبحانه - للمؤمنين يكرر فيه نهيهم عن المن ~~والأذى، لأنهما يؤديان إلى ذهاب الأجر من الله - تعالى - وإلى عدم الشكر ~~من الناس ولذا جاء فى الحديث الشريف # " إياكم والامتنان بالمعروف فإنه يبطل الشكر ويحق الأجر ". # ثم أكد - سبحانه - هذا النهى عن المن والأذى بذكر مثلين فقال فى أولهما ~~{ كالذي ينفق ماله رئآء الناس ولا يؤمن بالله ~~واليوم الآخر }. والمعنى يا من آمنتم بالله - تعالى - لا تبطلوا ~~صدقاتكم بأن تحبطوا أجرها، وتمحقوا ثمارها، بسبب المن والأذى، فيكون ~~مثلكم فى هذا الإبطال لصدقاتكم بسبب ما ارتكبتم من آثام، كمثل المنافق ~~الذى ينفق ماله من أجل أن ms0588 يرى الناس منه ذلك ولا يبغى به رضاء الله ولا ~~ثواب الآخرة، لأنه كفر بالله، وكفر بحساب الآخرة. # وفى هذا التشبيه تنفير شديد من المن والأذى لأنه - سبحانه - شبه حال ~~المتصدق المتصف بهما فى إبطال عمله بسببهما بحال هذا المنافق المرائى ~~الذى لا يؤمن بالله واليوم الآخر. وقوله { كالذي } الكاف فى محل نصب ~~على أنها نعت لمصدر محذوف أى لا تبطلوها إبطالا كابطال الذى ينفق ماله ~~رئاء الناس... أو فى محل نصب على الحال من فاعل { تبطلوا } أى لا ~~تبطلوها مشابهين الذى ينفق ماله رئاء الناس. وقوله { رئآء } منصوب على ~~أنه مفعول لأجله أى كالذى ينفق ماله من أجل رئاء الناس. وأما المثال ~~الثانى فقال - سبحانه - { فمثله كمثل صفوان عليه ~~تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على ~~شيء مما كسبوا }. { صفوان } اسم جنس جمعى واحد صفوانه ~~كشجر وشجرة وهو الحجر الكبير الأملس، مأخوذ من الصفاء وهو خلوص الشىء مما ~~يشوبه. يقال يوم صفوان أى صافى الشمس. وقيل هو مفرد كحجر. و { الوابل } ~~المطر الشديد. يقال وبلت السماء تبل وبلا ووبولا. اشتد مطرها و { الصلد } ~~هو الشىء الأجرد النقى من التراب الذى كان عليه. ومنه رأس أصلد إذا كان ~~لا ينبت شعرا، والأصلد الأجرد الذى لا ينبت شيئا مأخوذ من صلد يصلد ~~صلدا فهو صلد. والمعنى يأيها المؤمنون لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ~~فيكون مثلكم كمثل المنافق الذى ينفق ماله من أجل الرياء لا من أجل رضا ~~الله، وإن مثل هذا المنافق فى انكشاف أمره وعدم انتفاعه بما ينفقه رياء ~~وحبا للظهور كمثل حجر أملس لا ينبت شيئا ولكن عليه قليل من التراب ~~الموهم للناظر إليه أنه منتج فنزل المطر الشديد فأزال ما عليه من تراب، ~~فانكشف حقيقته وتبين للناظر إليه أنه حجر أملس صلد لا يصلح لإنبات أى ~~شىء عليه. فالتشبيه فى الجملة الكريمة بين الذى ينفق ماله رياء وبين ~~الحجر الكبير الأملس الذى عليه قد رقيق من التراب ستر حاله، ثم ينزل ~~المطر فيزيل التراب وتنكشف حقيقته ويراه ms0589 الرائى عاريا من أى شىء يستره. ~~وكذلك المنافق المرائى فى إنفاقه يتظاهر بمظهر السخاء أمام الناس ثم لا ~~يلبث أن ينكشف أمره لأن ثوب الرياء يشف دائما عما تحته، وإن لم يكشفه ~~فإن الله كاشفه. ومن المفسرين من يرى أن التشبيه فى الجملة الكريمة بين ~~المنفق الذى يبطل صدقته بالمن والأذى وبين الحجر الأملس، وأن الضمير فى ~~قوله { فمثله كمثل صفوان } يعود إلى هذا المبطل لصدقته ~~بالمن والأذى. # فيكون المعنى لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى فيكون مثلكم كمثل الحجر ~~الأملس الذى عليه تراب كان يرجى أن يكون منبتا للزرع فنزل المطر فأزال ~~التراب فبطل إنتاجه، فالمن والأذى يبطلان الصدقات ويزيلان أثرها النافع، ~~كما يزيل المطر التراب الذى يؤمل منه الإنبات من فوق الحجر الأملس. ~~والذى نراه أن عودة الضمير فى قوله { فمثله } على الذى ينفق ماله ~~رثاء الناس أظهر لأنه أقرب مذكور، ولأن التشبيه فى قوله { فمثله ~~كمثل صفوان } قد جاء بلفظ المفرد وهو المناسب للذى ينفق ماله ~~رئاء الناس لأنه مفرد مثله، بخلاف قوله { لا تبطلوا صدقاتكم ~~بالمن والأذى } فإن الضمير فيه بلفظ الجمع، فمن الأولى أن يعود ~~الضمير فى قوله { فمثله } إلى المرائى لتوافقهما فى الأفراد. ثم قال ~~- تعالى - { لا يقدرون على شيء مما كسبوا } أى أن ~~الذين يبطلون صدقاتهم بالمن والأذى، والذين يتصدقون رياء ومفاخرة لا ~~يقدرون على تحصيل شىء من ثواب ما عملوا لأن ما صاحب أعمالهم من رياء ومن ~~أذى محق بركتها، وأذهب ثمرتها، وأزال ثوابها. أو المعنى أن أولئك ~~المنانين والمرائين ليس عندهم قدرة على شىء من المال الذى بين أيديهم ~~وإنما هذا المال ملك لله وهو - سبحانه - الذى أنعم به عليهم، فعليهم أن ~~يشكروه على هذه النعمة، وأن ينفقوه بدون من أو أذى أو مراءاة، حتى يظفروا ~~بحسن المثوبة منه - سبحانه -. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { ~~والله لا يهدي القوم الكافرين } أى لا يهديهم إلى ما ~~ينفعهم لأنهم آثروا الكفر على الإيمان. والجملة الكريمة تذييل مقرر ~~لمضمون ما قبله، وفيها إشارة إلى ms0590 أن الإنفاق المصحوب بالمن والأذى ~~والرياء ليس من صفات المؤمنين وإنما هو من صفات الكافرين، فعلى المؤمنين ~~أن يجتنبوا هذه الصفات التى لا تليق بهم. والذى ينظر فى هذه الآيات ~~الكريمة يرى أن الله - تعالى - قد حذر المنفقين من المن والأذى فى ثلاث ~~آيات متواليات، كما حذرهم من الرياء، وساق أكثر من تشبيه لتقبيح الصدقات ~~التى لا تكون خالصة لوجه الله فلماذا كل هذا التشديد فى النهى؟ والجواب ~~عن ذلك أن المن والأذى فى الإنفاق كثيرا ما يحصلان بسبب استعلاء كاذب، ~~أو رغبة فى إذلال المحتاج وإظهاره بمظهر الضعيف وكلا الأمرين لا يليق ~~بالنفس المؤمنة المخلصة، ولا يتلاقى مطلقا مع الحكم التى من أجلها شرعت ~~الصدقات بل إنه ليتنافر معها تننافرا تاما لأن الصدقات شرعها الله ~~لتهذيب النفوس وتطهير القلوب ولتربط بين الأغنياء والفقراء برباط المحبة ~~والمودة والإخاء، فإذا ما صاحبها المن والأذى أثمرت نقيض ما شرعت له، ~~لأنها تثير فى نفس المعطى بسبب ذلك الكبر والخيلاء وغير ذلك من الصفات ~~الذميمة، وتثير فى نفس الآخذ شعورا بالحقد والانتقام ممن أعطاه ثم آذاه ~~وبذلك تنقطع الروابط، ويتمزق المجتمع، وتتحول المحبة إلى عداوة. # ولقد تحدث الإمام الرازى عن الآثار السيئة للمن والأذى فقال ما ملخصه ~~وإنما كان المن مذموما لوجوه الأول أن الفقير الآخذ للصدقة منكسر القلب ~~لأجل حاجته إلى صدقة، فإذا أضاف المعطى إلى ذلك إظهار الإنعام زاد ذلك ~~فى انكسار قلبه فيكون فى حكم المضرة بعد المنفعة، وفى حكم المسىء إليه ~~بعد أن أحسن إليه. والثانى أن إظهار المن يبعد أهل الحاجة عن الرغبة فى ~~صدقته إذا اشتهر من طريق ذلك. الثالث أن المعطى يجب أن يعتقد أن هذه ~~النعمة من الله - تعالى - عليه - وأن يعتقد أن لله عليه نعما عظيمة حيث ~~وفقه لهذا العمل ومتى كان الأمر كذلك امتنع عن أن يجعل ما ينفقه منه على ~~الغير. الرابع أن المعطى فى الحقيقة هو الله، ومتى اعتقد العبد ذلك ~~استنار قلبه، أما إذا اعتقد غير ذلك فإنه يكون فى ms0591 درجة البهائم الذين لا ~~يترقى نظرهم عن المحسوس إلى المعقول، وعن الآثار إلى المؤثر... وأما ~~الأذى فيتناول كل ذلك وغيره مما يسئ إلى الفقير بأن يقول له فرج الله عنى ~~منك، وأنت أبدا تأتى بما يؤلم. إلخ. هذا، وقد ساق الإمام ابن كثير عددا ~~من الأحاديث الشريفة التى نهت عن المن والأذى ومن ذلك ما جاء فى صحيح ~~مسلم عن أبى ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم المنان بما أعطى، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب ~~" # وروى النسائى عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال # " لا يدخل الجنة مدمن خمر، ولا عاق لوالديه، ولا منان ". # وبعد أن بين القرآن سوء عاقبة الذين يراءون فى صدقتهم، ويفسدون ثمارها ~~بالمن والأذى، أتبع ذلك ببيان حسن عاقبة الذين ينفقون أموالهم ابتغاء رضا ~~الله، فقال - تعالى { ومثل الذين ينفقون... }. ### || [2.265] # التثبيت تحقيق الشىء وترسيخه. والجنة - كما يقول الراغب - كل بستان ذى ~~شجر يستر بأشجاره الأرض. وأصل الجن ستر الشىء على الحاسة، يقال جنة الليل ~~وأجنه أى ستره. وسميت الجنة بذلك لأنها تظلل ما تحتها وتستره. و { الربوة ~~} - بضم الراء - وفتحها - المكان المرتفع من الأرض. وأصلها من قولهم ربا ~~الشىء يربو إذا ازداد وارتفع ومنه الربا للزيادة المأخوذة على أصل الشىء. ~~والمعنى ومثل الذين ينفقون أموالهم طلبا لرضى الله - تعالى - { ~~وتثبيتا من أنفسهم } أى وتوطينا لأنفسهم على حفظ هذه ~~الطاعة وعلى ترك ما يفسدها كمثل جنة بموضع مرتفع من الأرض نزل بها مطر ~~كثير فأخرجت ثمرها { ضعفينؤ أى ضعفا بعد ضعف فتكون التثنية للتكثير، أو ~~فأعطت صاحبها أو الناس مثلى ما كانت تثمر فى سائر الأوقات بسبب ما أصابها ~~من المطر الغزير. أو فأخرجت ثمرها ضعفين بالنسبة إلى غيرها من الجنان. ~~والمقصود تشبيه نفقة هؤلاء المؤمنين المخلصين فى زكائها ونمائها عند الله ~~بتلك الحديقة اليانعة المرتفعة التى تنزل عليها المطر الغزير فأتت أكلها ~~مضاعفا ms0592 وأخرجت للناس من كل زوج بهيج. وقوله { ابتغآء } مفعول لأجله ~~أى يبذلون نفقتهم من أجل رضا الله - عز وجل - أو حال من فاعل ينفقون. أى ~~ينفقون أموالهم طالبين رضا الله. وقوله { وتثبيتا من ~~أنفسهم } معطوف على سابقه، وقد ذكر صاحب الكشاف أوجها فى معنى هذه ~~الجملة الكريمة فقال قوله { وتثبيتا من أنفسهم } أى ~~وليثبتوا منها ببذل المال الذى هو شقيق الروح على سائر العبادات الشاقة ~~وعلى الإيمان، لأن النفس إذا رضيت بالتحامل عليها وتكليفها، ما يصعب ~~عليها ذلت خاضعة لصاحبها وقل طمعها فى اتباعه لشهواتها وبالعكس، فكان ~~إنفاق المال تثبيتا لها على الإيمان واليقين. و { من } على هذا الوجه ~~للتبعيض، مثلها فى قولهم هز من عطفه وحرك من نشاطه. ويجوز أن يراد من ~~قوله - تعالى - { وتثبيتا من أنفسهم } أى وتصديقا للإسلام ~~وتحقيقا للجزاء من أصل أنفسهم لأنه إذا أنفق المسلم ماله فى سبيل الله، ~~علم أن تصديقه وإيمانه بالثواب من أصل نفسه ومن إخلاص قلبه. و { من } ~~على هذا الوجه لابتداء الغاية، كقوله - تعالى - # حسدا من عند أنفسهم # ويحتمل أن يكون المعنى وتثبيتا من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة ~~الإيمان مخلصة فيه، وتعضد هذا المعنى قراءة مجاهد وتبييتا من أنفسهم فإن ~~قلت فما معنى التبعيض؟ قلت معناه أن من يذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض ~~نفسه، ومن بذل ماله وروحه معا فهو الذى ثبتها كله كما فى قوله - تعالى - # وتجاهدون فى سبيل الله بأموالكم وأنفسكم # وخصص الجنة بأنها بربوة لأن الأشجار فى المكان المرتفع من الأرض تكون ~~عادة أحسن منظرا، وأزكى ثمرا، للطاقة هوائها، فكان من فوائد هذا القيد ~~إعطاء وجه الشبه - وهو تضعيف المنفعة وجمالها قوة ووضوحا، كما أن من ~~فوائده تحسين المشبه به تحسينا يعود أثره إلى المشبه عند السامع. # ثم قال - تعالى - { فإن لم يصبها وابل فطل }. والطل هو ~~المطر القليل وجمعه طلال، وهو مبتدأ محذوف الخبر أى فطل قليل يصيبها ~~يكفيها. والمراد أن هذه الجنة لطيبها وكرم منبتها تزكو وتثمر كثر المطر ~~النازل عليها أو ms0593 قل فكذلك نفقة المؤمنين المخلصين تزكو عند الله وتطيب ~~كثرة أو قلت، لأن إخلاصهم فيها جعلها عند الله - تعالى - مضاعفة نامية. ~~ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله { والله بما تعملون بصير }. ~~أي أنه - سبحانه - عليم بأحوال عباده لا تخفى عليه خافية، وسيجازى ~~المخلصين بما يرضيهم كما سيجازى المنانين والمرائين بما يستحقون. ففى ~~الجملة الكريمة ترغيب وترهيب ووعيد. وبذلك نرى القرآن الكريم قد ساق فى ~~هذه الآية وسابقتها حالتين متقابلتين حالة الذى يبطل صدقته بالمن والأذى ~~والرياء، وكيف تكون عاقبته ونهايته. وحالة الذى ينفق ماله طلبا لرضا ~~الله وتعويدا لنفسه على فعل الطيبات وكيف يكون جزاؤه عند العليم الخبير ~~ولقد صور القرآن هاتين الحالتين تصويرا مؤثرا بديعا، من شأنه أن يهدى ~~العقلاء إلى فعل الخيرات، وإخلاص النيات، واجتناب السيئات. ثم ساق القرآن ~~آية كريمة حذر فيها الناس من ارتكاب ما نهى الله عنه وبين فيها كيف أن ~~المن والأذى والرياء وما يشبه ذلك من رذائل يؤدى إلى ذهاب الشىء النافع ~~من بين يدي صاحبه وهو أحوج ما يكون إليه. استمع إلى القرآن وهو يصور ~~نهاية هذا الإنسان البائس. { أيود أحدكم أن تكون له ~~جنة من نخيل... }. ### || [2.266] # قوله { أيود } هو من الود بمعنى المحبة الكاملة للشىء وتمنى حصوله، ~~والاستفهام فيه للإنكار و { الإعصار } ريح عاصفة تنعكس من الأرض إلى ~~السماء مستديرة كالعمود، وهى التى يسميها بعض الناس زوبعة. وسميت إعصارا ~~لأنها تعصر ما تمر به من الأجسام، أو تلتف كما يلتف الثوب المعصور. ~~والريح مؤنثة وكذا سائر أسمائها إلا الإعصار فإنه مذكر ولذا قيل { فيه ~~نار } أى سموم وصواعق. والمعنى أيحب أحدكم - أيها المنانون المراءون - ~~أن تكون له جنة معظم شجرها { من نخيل وأعناب } تجرى من تحت ~~أشجارها { الأنهار له فيها من كل الثمرات } النافعة، ~~والحال أنه قد أصابه الكبر الذى أقعده عن الكسب من غير تلك الحديقة ~~اليانعة، وله فضلا عن شيخوخته وعجزه ذرية ضعفاء لا يقدرون على العمل، ~~وبينما هو على هذه الحالة إذا بالجنة ينزل عليها إعصار فيه نار ms0594 فيحرقها ~~ويدمرها ففقدها صاحبها وهو أحوج ما يكون إليها وبقى هو وأولاده فى حالة ~~شديدة من البؤس والحيرة والغم والحسرة لحرمانه من تلك الحديقة التى كانت ~~محط آماله. فالآية الكريمة قد اشتملت على مثل آخر لحالة الذين يبطلون ~~أعمالهم وصدقاتهم بالمن والأذى والرياء، وغير ذلك من الأفعال القبيحة ~~والصفات السيئة فقد شبه - سبحانه - حال من يعمل الأعمال الحسنة ثم يضم ~~إليها ما يفسدها فإذا كان يوم القيامة واشتدت حاجته إليها وجدها محبطة ~~ذاهبة، شبه هذ الإنسان فى حسرته وألمه وحزنه بحال ذلك الشيخ الكبير ~~العاجز الذى له ذرية ضعفاء لا يملك سوى حديقة يانعة يعتمد عليها فى معاشه ~~هو وأولاده فنزل عليها إعصار فيه نار فأحرقها ودمرها تدميرا. وحذف - ~~سبحانه - حالة المشبه وهو الذى يبطل صدقته بالمن والأذى والرياء وما يشبه ~~ذلك، لظهورها من المقام. وقد وصف - سبحانه - تلك الجنة بثلاث صفات وصفها ~~أولا بأنها من نخيل وأعناب أى معظمها من هذين الجنسين النفيسين اللذين ~~هما أنفع الفواكه وأجملها منظرا. ووصفها ثانيا بأنها تجرى من تحتها ~~الأنهار، أى تجرى من تحت أشجارها الأنهار التى تسر النفس. وتبهج القلب، ~~وتزيد فى حسن الجنة وبهائها. ووصفها ثالثا بأنها زاخرة بكل أنواع الثمار ~~التى تنفع صاحبها، وتغنيه عن الاحتياج إلى غيره، فهى جنة قد جمعت بين حسن ~~المنظر، وكثرة النفع، وهذا نهاية ما يتمناه كل إنسان لما يملكه. أما ~~صاحبها فقد وصفه - سبحانه - بأنه إنسان قد أصابه الكبر وله ذريه ضعفاء أى ~~أنه فى منتهى الاحتياج إليها لكبر سنه وعجزه عن الاكتساب من غيرها ~~ولمسئوليته عن الإنفاق على أولاد صغار لا يعولهم أحد سواه. تلك هى حالة ~~الجنة وحالة صاحبها فى احتياجه إليها، فمادذا حدث بعد ذلك؟ لقد أصابها { ~~إعصار فيه نار فاحترقت } فماذا يكون حال هذا الإنسان الذى ~~أصابه الكبر وله ذرية ضعفاء وهو يرى جنته ومحط أمله قد احترقت وهو فى أشد ~~الحاجة إلى ظلها وثمارها ومنافعها؟ إن الكلمات لتعجز عن تصوير ما يصيب ~~هذا البائس من غم وهم وحزن وحسرة، ms0595 وهو يرى جنته قد احترقت وهو فى أشد ~~أوقاته حاجة إلى ظلها وثمارها ومنافعها!؟ ولكأن الله - تعالى - يقول ~~للناس بعد هذا التصوير البديع المؤثر احذروا أن تبطلوا أعمالكم الصالحة ~~بإرتكابكم لما نهى الله عنه، فلا تجدون لها نفعا يوم القيامة وأنتم فى ~~أشد الحاجة إليها فى هذا اليوم العصيب، لأنكم إذا فعلتم ذلك كان مثلكم فى ~~التحسر والحزن كمثل هذا الشيخ الكبير الذى احترقت جنته وهو فى أشد الحاجة ~~إليها. # وإنه لتصوير قرآنى فى أسمى درجات البلاغة والتأثير، وفى أعلى ألوان ~~التأديب والتهذيب. قال القرطبى روى البخارى عن عبيد بن عمير قال " قال ~~عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - يوما لأصحاب النبى صلى الله عليه وسلم ~~فيم ترون هذه الآية نزلت وهي قوله - تعالى - { أيود أحدكم أن ~~تكون له جنة } الآية. قالوا الله أعلم. فغضب عمر فقال قولوا ~~نعمل أو لا نعلم فقال ابن عباس فى نفسى منها شىء يا أمير المؤمنين. قال ~~عمر يا ابن أخى قل ولا تحقر نفسك. قال ابن عباس ضربت مثلا لرجل غنى عمل ~~بطاعة الله. ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصى حتى أحرق عمله. وروى ~~ابن أبى مليكه أن عمر تلا هذه الآية وقال هذا مثل ضربه الله للإنسان ~~يعمل عملا صالحا حتى إذا كان عند آخر عمره أحوج ما يكون إليه عمل العمل ~~السىء ". ثم ختم - سبحانه - هذه الآية بقوله { كذلك يبين ~~الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون }. أى كما يبين الله ~~فى هذه الآية ما يهديكم وينفعكم يبين لكم آياته وهداياته فى سائر أمور ~~دينكم لكى تتفكروا فيما يصلحكم، وتعملوا ما يرضى خالقكم. ثم وجه القرآن ~~بعد ذلك نداء إلى المؤمنين أمرهم فيه بأن يتحروا فى نفقتهم الحلال الطيب، ~~بعد أن حضهم على الإنفاق بسخاء وإخلاص. فقال - تعالى - { يأيها ~~الذين آمنوا أنفقوا...إلا أولوا الألباب }. ### || [2.267-269] # قال ابن كثير عن البراء بن عازب - رضى الله عنه - فى قول الله تعالى { ~~يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما ~~كسبتم }.. الآية قال نزلت فى الأنصار ms0596 كانت الأنصار إذا كانت أيام ~~جذاذ النخل أخرجت من نخيلها البسر فعلقوه على حبل بين الاسطوانتين فى ~~مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل فقراء المهاجرين منه، فيعمد ~~الرجل منهم إلى الحشف - أى التمر الردئ - فيدخله مع أفناء البسر يظن أن ~~ذلك جائز فأنزل الله فيمن فعل ذلك الآية ". والمعنى يأيها الذين آمنوا ~~اجعلوا نفقتكم التى تنفقونها فى سبيل الله من أطيب أموالكم التى ~~اكتسبتموها عن طريق التجارة وغيرها. قال ابن عباس أمرهم الله - تعالى - ~~بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه، ونهاهم عن التصدق برذالة المال ~~ودنيئة وخبيثه، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا " قال - تعالى - # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون # وقوله { وممآ أخرجنا لكم من الأرض } معطوف على ما قبله ~~أى أنفقوا من طيبات أموالكم التى اكتسبتموها ومن طيبات ما أخرجنا لكم من ~~الأرض من الحبوب والثمار والزروع وغيرها. وترك - سبحانه - ذكر كلمة ~~الطيبات فى هذه الجملة لسبق ذكرها فى الجملة التى قبلها. فالآية الكريمة ~~تأمر المؤمنين بأن يلتزموا فى نفقتهم المال الطيب فى كل وجه من وجوهه، ~~بأن يكون جيدا نفيسا فى صنفه، وحلالا مشروعا فى أصله. وقد أكد الله - ~~تعالى - هذا الأمر بجملتين كريمتين فقال { ولا تيمموا الخبيث ~~منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ~~}. قوله - تعالى - { ولا تيمموا } أى ولا تقصدوا وتتعمدوا. يقال ~~تيممت الشىء ويممته إذا قصدته. ويقال يممت جهة كذا إذا قصدته. ومنه ~~الإمام لأنه المقصود المعتمد وأصل تيمموا تتيمموا فحذفت إحداهما تخفيفا. ~~والخبيث هو الردئ من كل شىء وخبث الفضة والحديد ما نفاه الكير لأنه ينفى ~~الردئ. ويطلق الخبيث على الشىء الحرام والمستقذر. والإغماض فى اللغة - ~~كما يقول الرازى - غض النظر وإطباق جفن على جفن، وأصله من الغموض وهو ~~الخفاء، والمراد بالإغماض ها هنا المساهلة وذلك لأن الإنسان إذا رأى ما ~~يكره أغمض عنه لئلا يرى ذلك. ثم كثر ذلك حتى جعل كل تجاوز ومساهلة فى ~~البيع وغيره إغماضا ". والمعنى أنفقوا أيها المؤمنون من أطيب أموالكم ~~وأنفسها وأجودها، ms0597 ولا تتحروا وتقصدوا أن يكون إنفاقكم من الخبيث الردىء، ~~والحال أنكم لا تأخذونه إن أعطى لكم هبة أو شراء أو غير ذلك إلا أن ~~تتساهلوا فى قبوله، وتغضوا الطرف عن رداءته، إذا كان هذا شأنكم فى قبول ~~ما هو ردىء فكيف تقدمونه لغيركم؟ إن الله - ينهاكم عن ذلك لأن من شأن ~~المؤمن الصادق فى إيمانه ألا يفعل لغيره إلا ما يجب أن يفعله لنفسه، ولا ~~يعطى من شىء إلا ما يحب أن يعطى إليه، ففى الحديث الشريف # " عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به ". # قال الآلوسى وقوله { منه تنفقون } الضمير المجرور يعود للخبيث، ~~وهو متعلق يتنفقون، والتقديم للتخصيص، والجملة حال مقدرة من فاعل { ~~تيمموا } أى لا تقصدوا الخبيث قاصرين الإنفاق عليه، أو من الخبيث ~~أى مختصا به الإنفاق، وأيا ما كان لا يرد أنه يقتضى أن يكون النهى عن ~~الخبيث الصرف فقط مع أن المخلوط أيضا كذلك لأن التخصيص لتوبيخهم بما ~~كانوا يتعاطون من إنفاق الخبيث خاصة. وقوله { ولستم بآخذيه } ~~حال فى ضمير { تنفقون } أى والحال أنكم لستم بآخذيه فى وقت من ~~الأوقات أو بوجه من الوجوه إلا وقت إغماضكم فيه ". ثم ختم - سبحانه - ~~الآية بقوله { واعلموا أن الله غني حميد } أى واعلموا ~~أن الله - تعالى - غنى عن صدقاتكم وإنما أمركم بها لمنفعتكم، { حميد } ~~يجازى المحسن أفضل الجزاء، وهو - سبحانه - المستحق للحمد الحقيقى دون ~~سواه، فمن الواجب عليكم أن تبذلوا فى سبيله الجيد من أموالكم شكرا له ~~على نعمه حتى يزيدكم من عطائه وآلائه. ثم حذر الله - تعالى - المؤمنين من ~~وساوس الشيطان وخطواته فقال { الشيطان يعدكم الفقر ~~ويأمركم بالفحشآء }. قوله { يعدكم } من الوعد، وهو فى ~~أصل وضعه لغة شائع فى الخير والشر، وأما فى الاستعمال الشائع فالوعد فى ~~الخير والإيعاد فى الشر. وقد استعمل هنا فى الشر نظرا إلى أصل الوضع، ~~لأن الفقر مما يراه الإنسان شرا ولذلك يخوف الشيطان به المنفقين فيقول ~~لهم لا تنفقوا الجيد من أموالكم لأن إنفاقكم هذا يؤدى إلى فقركم ونضوب ما ~~بين أيديكم من ms0598 أموال. والفقر هو ما يصيب الإنسان من سوء فى الحال ومن ~~ضعف بسبب قلة المال، وأصل الفقر فى اللغة كسر فقار الظهر، ثم وصف ~~الإنسان المحتاج الضعيف بأنه فقير تشبيها له بمن كسر فقار ظهره فأصبح ~~عاجزا عن الحركة لأن الظهر هو مجمع الحركات، ومنه تسميتهم المصيبة ~~فاقرة، وقاصمة الظهر. والفحشاء والفحش والفاحشة ما عظم قبحه من الأفعال ~~والأقوال، ويرى كثير من العلماء أن المراد بالفحشاء فى الآية البخل ~~الشديد فإن كلمة الفاحش تطلق فى لغة العرب على البخيل الشديد البخل، ومن ~~ذلك قول طرفة بن العبد. # أرى الموت يعتام الكرام ويصطفى عقيلة مال الفاحش المتشدد # والمعنى الشيطان يوعدكم أذا أنفقتم بالفقر وضياع الأموال ويحذركم من ~~الصدقة بما يوسوس فى نفوسكم من شرور وآثام، ويغريكم بارتكاب المعاصى التى ~~من أقبحها البخل الشديد، والشح المهلك، فعليكم أن تحذروه وأن تنفقوا من ~~أموالكم فى سبيل الله ما يوصلكم إلى رضوانه ورحمته. # قال الجمل وفى هذه الآية لطيفة وهى أن الشيطان يخوف الرجل أولا بالفقر ~~ثم يتوصل بهذا التخويف إلى أن يأمره بالفحشاء وهو البخل، وذلك لأن البخل ~~صفة مذمومة عند كل أحد فلا يستطيع الشيطان أن يحسن له البخل إلا بتلك ~~المقدمة وهى التخويف من الفقر فلهذا قال. { الشيطان يعدكم ~~الفقر ويأمركم بالفحشآء }. وروى الترمذى عن عبد الله بن ~~مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة - أى همة وخطرة تقع فى القلب - ~~فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد ~~بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله، ومن وجد الأخرى ~~فليتعوذ بالله من الشيطان ثم قرأ { الشيطان يعدكم الفقر ~~ويأمركم بالفحشآء } ". # هذا ما يعده الشيطان للإنسان، فما الذى يعده الله - تعالى - لعباده؟ ~~لقد بين - سبحانه - ذلك فقال { والله يعدكم مغفرة منه ~~وفضلا والله واسع عليم }. أى إذا كان الشيطان يعدكم الفقر ~~ويأمركم بالفحشاء، فالله - تعالى - يعدكم مغفرة منه لذنوبكم على ما ~~تنفقونه من أموالكم فى سبيله ففى ms0599 الحديث الشريف # " الصدقة تطفئ الخطيئة " # ويعدكم - أيضا - { وفضلا } أى نماء وزيادة فى أموالكم، فإن الصدقات ~~تزيد البركة فى الرزق فيصير القليل منه فى يد السخى كثيرا بتوفيق الله ~~وتأييده. وصدر له سبحانه - الجملة بلفظ الجلالة، للإشارة إلى أن الوعد ~~الذى وعد به المنفقين وعد حق لا يمكن أن يخالطه شك أو ريب، لأنه وعد من ~~الله الذى لا يخلف وعده، وإذا كان الشيطان يهدد الناس بالفقر عند العطاء، ~~ويأمرهم بالفحشاء، فالله - تعالى - يبشر عباده بمغفرته ورضوانه، بسبب ~~إتفاقهم فى السراء والضراء ويعدهم على ذلك بالرزق الوفير، والفضل الكبير ~~فى الدنيا والآخرة. وقد ختم - سبحانه - الآية بقوله { والله واسع ~~عليم } تأكيدا لوعده الذى وعد به عباده المتقين المتصدقين بأن يزيدهم ~~من فضله، أى والله - تعالى - واسع الجود والعطاء والرحمة، وسيحقق لكم ما ~~وعدكم به من المغفرة وتضعيف ما تنفقونه، وهو مع ذلك عليم بأحوال عباده ~~صغيرها وكبيرها، وسيجازى الذين اتبعوا أوامره بجزيل الثواب، كما سيجازى ~~الذين اتبعوا وسوسة الشيطان بسوء العذاب. ثم قال - تعالى - { يؤتي ~~الحكمة من يشآء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي ~~خيرا كثيرا }. قال الإمام الرازى " اعلم أنه - تعالى - لما ذكر فى ~~الآية المتقدمة أن الشيطان يعد بالفقر ويأمر بالفحشاء، وأن الرحمن يعد ~~بالمغفرة والفضل نبه على أن الأمر الذى أوجب لأجله ترجيح وعد الرحمن على ~~وعد الشيطان هو أن وعد الرحمن ترجحه الحكمة والعقل ووعد الشيطان ترجحه ~~الشهوة والنفس من حيث إنهما يأمران بتحصيل اللذة الحاضرة واتباع أحكام ~~الخايل والوهم. # ولا شك أن حكم الحكمة والعقل هو الحكم الصادق المبرأ عن الزيغ والخلل، ~~وحكم الشهوة والنفس يوقع الإنسان فى البلاء، فكان حكم الحكمة والعقل أولى ~~بالقبول، فهذا هو وجه النظم ". و { الحكمة } مشتقة من حكم بمعنى ~~منع، لأنها تمنع صاحبها من الوقوع فى الخطأ والضلال ومنه سميت الحديدة ~~التى فى اللجام وتجعل فى فم الفرس حكمة لأنها تمنعه من الجموح. أو هى فى ~~الأصل مصدر من الإحكام وهو الإتقان فى علم أو عمل أو قول أو فيها كلها. ms0600 ~~والحكمة بالنسبة للإنسان صفة نفسية هى أساس المعرفة السليمة التى توافق ~~الحق، وتوجه الإنسان نحو عمل الخير، وتمنعه من عمل الشر، فهى فيه مانعة ~~ضابطة تسير به نحو الكمال والاستقامة. وللعلماء فى المراد بها فى الآية ~~الكريمة أقوال كثيرة أرجحها أن المراد بها إصابة الحق فى القول والعمل، ~~أو هى العلم النافع الذى يكون معه العمل به. والمعنى أن الله - تعالى - ~~الفاعل لكل شىء يؤت الحكمة لمن يشاء من عباده { يؤتي الحكمة من ~~يشآء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا } لأن ~~الإنسان إذا أوتى الحكمة يكون قد اهتدى إلى العلم النافع، وإلى العمل ~~الصالح الموافق لما علمه، وإلى الإيمان بالحق وإلى الاستجابة لكل خير ~~والابتعاد عن كل شر، وبذلك يكون سعيدا فى دنياه وأخراه. وفى الصحيحين عن ~~ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا حسد - أى لا غبطة - إلا فى اثنتين رجل اتاه الله مالا فسلطه على ~~هلكته فى الحق، ورجل آتاه الله - تعالى - الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها ". # ثم قال - تعالى - { وما يذكر إلا أولوا الألباب }. ~~والألباب جمع لب وهو فى الأصل خلاصة الشىء وقلبه، وأطلق هنا على عقل ~~الإنسان لأنه أنفع شىء فيه. والمراد بأولى الألباب هنا أصحاب العقول ~~السليمة التى تخلصت من شوائب الهوى، ودوافع الشر، فقد جرت عادة القرآن ~~ألا يستعمل هذا التعبير إلا مع أصحاب العقول المستقيمة. أى وما يتعظ بهذه ~~التوجيهات القرآنية، وينتفع بثمارها إلا أصحاب العقول الراجحة والنفوس ~~الصافية التى اهتدت إلى الحق وعملت به، والتى أنفقت فى سبيل الله أجود ~~الأموال وأطيبها لا أصحاب العقول الفاسدة التى استحوذ عليها الشيطان ~~فأنساها ذكر الله، والتى ترى أن البخل بالمال هو الحكمة، وأن الإنفاق فى ~~سبيل الله هو نوع من الإسراف والتبذير. فالجملة الكريمة تذييل قصد به ~~مدح أولئك المؤمنين الصادقين، الذين استجابوا لتوجيهات دينهم، فأصابوا ~~الحق فى أقوالهم وأعمالهم. ثم بين - سبحانه - أنه عليم بما ينفقه ~~المنفقون من صدقات سواء أكانت سرا أو جهرا وسيجازيهم عليها بما يستحقون ms0601 ~~من ثواب فقال - تعالى - { ومآ أنفقتم من نفقة أو ~~نذرتم...والله بما تعملون خبير }. ### || [2.270-271] # النفقة هى العطاء العاجل فى باب من أبواب الخير. أما النذر فهو التزام ~~قربة من القربات أو صدقة من الصدقات بأن يقول لله على نذر أن أفعل كذا من ~~أنواع البر. أو أن شفى الله مريضى فسأفعل كذا. والمعنى وما أنفقتم - أيها ~~المؤمنون - من نفقة عاجلة قليلة أو كثيرة، أو التزمتم بنفقة مستقبلة ~~وعاهدتم الله - تعالى - على القيام بها، فإنه - سبحانه - يعلم كل شىء، ~~ويعلم ما صاحب نياتكم من إخلاص أو رياء، ويعلم ما أنفقتموه أهو من جيد ~~أموالكم أم من رديئها، وسيجازى المحسن بإحسانه والمسىء بإساءته. فالآية ~~الكريمة بيان لحكم كلى شامل لجميع أفراد النفقات إثر بيان حكم ما كان ~~منها فى سبيل الله - تعالى -. و { مآ } فى قوله { ومآ أنفقتم } ~~شرطية أو موصولة والفاء فى قوله { فإن الله يعلمه } رابطة ~~الجواب الشرط إذا اعتبرنا ما شرطية، ومزيدة فى الخير إذا اعتبرناها ~~موصولة و { من } فى قوله { من نفقة } بيانية أو زائدة. وقوله { ~~فإن الله يعلمه } كناية عن الجزاء عليه، لأن علم الله - ~~تعالى - بالكائنات لا يشك فيه السامعون، فأريد لازم معناه وهو الجزاء. ~~وإنما كان لازما له لأن القادر لا يصده عن الجزاء إلا عدم العلم بما ~~يفعله المحسن أو المسئ. وهذه الجملة الكريمة مع إيجازها قد أفادت الوعد ~~العظيم للمطيعين والوعيد الشديد للمتمردين، لأن الإنسان إذا أيقن أن ~~الله تعالى لا تخفى عليه خافية من شئون خلقه، فإن هذا اليقين سيحمله على ~~الطاعة والإخلاص، وسيحضه على المسارعة فى الخيرات، خصوصا وإن الجملة قد ~~صدرت بإن المؤكدة، وتليت بلفظ الجلالة الدالة على الاستحقاق الكامل ~~للألوهية. قال بعضهم وإنما قال - سبحانه - { فإن الله يعلمه ~~} ولم يقل يعلمها لوجهين الأول أن الضمير عائد إلى الأخير - وهو النذر -، ~~كما فى قوله - تعالى - # ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا # والثانى أن الكناية عادت إلى ما فى قوله { ومآ أنفقتم من ~~نفقة } لأنها اسم كقوله # ومآ ms0602 أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم ~~به # وقوله { وما للظالمين من أنصار } وعيد شديد للخارجين على ~~طاعة الله أى ليس للظالمين أى نصير أو مغيث يمنع عقوبة الله عنهم. ~~والمراد بالظالمين الواضعون للأشياء فى غير موضعها التى يجب أن توضع ~~فيها، والتاركون لما أمرهم الله به، فيندرج فيهم الذين يبطلون صدقاتهم ~~بالمن والأذى والرياء والذين يتصدقون بالردىء من أموالهم، والذين ينفقون ~~أموالهم فى الوجوه التى نهى الله عنها، والذين لم يوفوا بنذورهم التى ~~عاهدوا الله على الوفاء بها كما يندرج فيهم كل من ارتكب ما نهى الله عنه ~~أو أهمل فيما كلفه الله به. # ثم بين - سبحانه - أن الصدقة متى صدرت عن المسلم بالطريقة التى دعت ~~إليها تعاليم الإسلام فإنها تكون مرجوة القبول عند الله - تعالى - سواء ~~أفعلها المسلم أم فى العلن، فقال - تعالى - { إن تبدوا الصدقات ~~فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقرآء فهو خير ~~لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما ~~تعملون خبير }. الصدقات جمع صدقة وهى ما يخرجه المسلم من ماله ~~على جهة القربة، وتشمل الفرض والتطوع، وهى مأخوذة من الصدق بمعنى صدق ~~النية وتخليصها من كل ما نهى الله عنه، وسمى - سبحانه - ما يخرجه المسلم ~~من ماله صدقة لأن المال بها يزكو وينمو ويطهر. والفاء فى قوله { ~~فنعما هي } واقعة فى جواب الشرط، و { نعما } أصلها نعم ما، ~~فأدغمت إحدى الميمين فى الأخرى، ونعم فعل ماض، وما نكرة تامة بمعنى شىء، ~~وهى منصوبة على أنها تمييز، والفاعل ضمير مستتر فى نعم. والمعنى إن تبدوا ~~صدقاتكم - أيها المؤمنون - وتظهروها فنعم شيئا إبداؤها وإعلانها، لأنه ~~يرفع التهمة ويدعو أهل الخير إلى الاقتداء بهذا الفعل الحسن. وجاء ~~التعبير بمدح المعلنين صدقتهم بقوله " فنعما هى " للإشارة إلى أن المسلم ~~متى دفع صدقته لمستحقيها بنية خالصة، فإنه يكون ممدوحا من الله - تعالى ~~- وممدوحا من الناس الذين شاهدوا عمله الصالح. هذه صدقة الجهر إذا خلصت ~~من الرياء أما صدقة السر فقد أثنى الله على فاعلها بقوله { وإن ~~تخفوها وتؤتوها الفقرآء فهو خير لكم ms0603 } أى وإن ~~تخفوا الصدقات وتعطوها للفقراء سرا، دون أن يراكم أحد من الناس، فعملكم ~~هذا خير لكم عند الله لأنكم بإخفائكم للصدقة ودفعها للفقير سرا تكونون ~~قد ابتعدتم عن الرياء، وسترتم حال هذا الفقير المحتاج. وقوله { ~~ويكفر عنكم من سيئاتكم } أى أنه - سبحانه - يستر ~~السيئات التى يرتكبها الشخص، ويخفيها ولا يظهرها عند إثابته إياه على ~~فعله الحسن لأن ما فعله من حسنات مسح ما فعله من سيئات فهو كقوله - تعالى ~~- # وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ~~إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى ~~للذاكرين # و { من } فى قوله { من سيئاتكم } بيانية بمعنى أن الصدقات ~~تكفر السيئات لأن المسلم إذا بذل ماله فى سبيل الله بصدق وإخلاص، كان ~~أهلا لمثوبة الله ومغفرته، ويجوز أن تكون للتبعيض أى يكفر عنكم بعض ~~سيئاتكم بمقدار ما قدمتم من صدقات لأن الصدقات لا تكفر جميع السيئات. ثم ~~ختم - سبحانه - الآية بقوله { والله بما تعملون خبير } أى ~~أن الله - تعالى - عليم علما دقيقا بكل ما تعملونه أيها المؤمنون، ~~فعليكم أن تخلصوا له أعمالكم، وأن تراقبوه فى سركم وجهركم، وأن تسارعوا ~~فى عمل الخيرات التى ترفع درجاتكم عند خالقكم. وبذلك نرى أن الآية ~~الكريمة قد مدحت صدقتى الجهر والسر متى كان المتصدق متبعا آداب الإسلام ~~وتوجيهاته، ومبتعدا عن كل ما يبطل الصدقات، ويحبط الأعمال. ثم ختمت ~~السورة حديثها عن النفقة والمنفقين ببيان حسن عاقبة من يبذل ماله فى سبيل ~~الله، وبيان صفات بعض المستحقين للصدقة، وببيان أن هداية البشر إنما هى ~~بيد الله - تعالى - وحده، فقال - تعالى - { ليس عليك هداهم ~~ولكن... ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون }. ### || [2.272-274] # قال القرطبى ما ملخصه قوله - تعالى - { ليس عليك هداهم } ~~هذا الكلام متصل بذكر الصدقات، فكأنه بين فيه جواز الصدقة على المشركين. ~~روى سعيد بن جبير مرسلا عن النبى صلى الله عليه وسلم فى سبب نزول هذه ~~الآية أن المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة، فلما كثر فقراء ~~المسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا تتصدقوا إلا ms0604 على أهل دينكم " # فنزلت هذه الآية مبيحة للصدقة على من ليس من دين الإسلام. وروى عن ابن ~~عباس أنه قال كان ناس من الأنصار لهم قرابات من بنى قريظة والنضير كانوا ~~لا يتصدقون عليهم رغبة منهم فى أن يسلموا إذا احتاجوا فنزلت الآية بسبب ~~أولئك. ثم قال قال علماؤنا هذه الصدقة التى أبيحت لهم حسب ما تضمنته هذه ~~الآثار هى صدقة التطوع، وأما المفروضة فلا يجزئ دفعها لكافر، لقوله صلى ~~الله عليه وسلم، # " أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها فى فقرائكم ". # والمعنى ليس عليك يا محمد هداية من خالفك فى دينك. ولكن الله - تعالى - ~~يهدى من يشاء هداينه إلى نور الإيمان، وطريق الحق. وما دام الأمر كذلك ~~فعليك وعلى أتباعك أن تعاملوا غيركم بما يوجبه عليكم إيمانكم من سماحة فى ~~الخلق، وعطف على المحتاجين حتى ولو كانوا من المخالفين لكم فى الدين. ~~وعلى هذا المعنى الذى يؤيده سبب النزول يكون الضمير فى قوله { هداهم ~~} يعود على غير المسلمين. ومن المفسرين من يرى أن الضمير فى قوله { ~~هداهم } يعود إلى المسلمين المخاطبين فى الآيات السابقة، فيكون ~~المعنى لا يجب عليك أيها الرسول الكريم أن تجعل المسلمين جميعا مهديين ~~إلى الإتيان بما أمروا به ومنتهين عما نهوا عنه من ترك المن والأذى ~~والرياء فى صدقتهم، ولكن الله وحده هو الذى يهدى من يشاء هدايته إلى ~~الاستجابة لتوجيهات هذا الدين الحنيف. قال الآلوسى وعلى هذا الرأى تكون ~~الجملة معترضة جىء بها على طريق تلوين الخطاب وتوجيهه إلى سيد المخاطبين ~~صلى الله عليه وسلم مع الالتفات إلى الغيبة فيما بين الخطابات المتعلقة ~~بأولئك المكلفين مبالغة فى حملهم على الامتثال.. ثم قال " والذى يستدعيه ~~سبب النزول رجوع ضمير { هداهم } إلى الكفار، وحينئذ لا التفات، وإنما ~~هناك تلوين الخطاب فقط... ". ثم حض - سبحانه - المؤمنين على الإنفاق فى ~~وجوه الخير فقال { وما تنفقوا من خير فلأنفسكم } أى ~~ما تقدمونه من مال فى وجوه البر - أيها المؤمنون - فإن نفعه سيعود عليكم ~~بالسعادة فى الدنيا، وبالثواب الجزيل فى ms0605 الآخرة، فكونوا أسخياء فى ~~الإحسان إلى الفقراء، وابتعدوا عن وسوسة الشيطان الذى # يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء # و " ما " شرطية جازمة لتنفقوا، وهى منتصبة به على المفعوليه، و " من " ~~للتبعيض وهى متعلقة بمحذوف وقع صفة لفعل الشرط والتقدير أى شىء تنفقوا ~~كائنا من المال فهو لأنفسكم لا ينتفع به فى الآخرة غيرها. قال الفخر ~~الرازى ما ملخصه وقوله - تعالى - { وما تنفقون إلا ابتغآء ~~وجه الله } يحتمل وجوها. الأول أن يكون المعنى ولستم فى صدقتكم على ~~أقاربكم من المشركين تقصدون إلا وجه الله، فقد علم الله هذا من قلوبكم، ~~فأنفقوا عليهم إذا كنتم إنما تبغون بذلك وجه الله فى صلة رحم وسد خلة ~~مضطر، وليس عليكم اهتداؤهم حتى يمنعكم ذلك من الإنفاق عليهم. الثانى أن ~~هذا وإن كان ظاهره خبرا إلا أن معناه نهى أى ولا تنفقوا إلا ابتغاء وجه ~~الله. الثالث أن قوله { وما تنفقون } أى ولا تكونوا منفقين ~~مستحقين الاسم الذى يفيد المدح حتى تبتغوا بذلك وجه الله. وفى ذكر الوجه ~~تشريف عظيم لأنك إذا قلت فعلت هذا الشىء لوجه زيد فهو أشرف فى الذكر من ~~قولك فعلته له لأن وجه الشىء أشرف ما فيه، ثم كثر حتى صار يعبر عن الشرف ~~بهذا اللفظ، وأيضا فإن قولك فعلت هذا الفعل لوجهه يدل على أنك فعلت ~~الفعل له فقط وليس لغيره فيه شركة. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله { ~~وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا ~~تظلمون } أى أن ما تنفقونه من خير - أيها المؤمنون ستعود عليكم ~~ثماره ومنافعه فى الدنيا والآخرة، أما فى الدنيا فإنكم بسبب هذا الانفاق ~~تزكو أموالكم، وتحسن سيرتكم بين الناس، وأما فى الآخرة فإنكم تنالون من ~~خالقكم ورازقكم أجزل الثواب، وأفضل الدرجات. وقوله { وأنتم لا ~~تظلمون } أى لا تنقصون شيئا مما وعدكم الله به على نفقتكم فى ~~سبيله. قال الجمل. وهاتان الجملتان أى قوله - تعالى - { وما ~~تنفقوا من خير يوف إليكم } وقوله { وأنتم لا ~~تظلمون } تأكيد للجملة الشرطية الأولى وهى قوله { وما تنفقوا ~~من خير فلأنفسكم ms0606 }. وقوله { وأنتم لا تظلمون } ~~جملة من مبتدأ وخبر فى محل نصب على الحال من الضمير فى { إليكم } ~~فالعامل فيها { يوف } وهى تشبه الحال المؤكدة لأن معناها مفهوم من ~~قوله { يوف إليكم } لأنهم إذا وفقوا حقوقهم لم يظلموا. ويجوز أن ~~تكون مستأنفة لا محل لها من الإعراب أخبرهم فيها أنه لا يقع لهم ظلم ~~فيندرج فيه توفية أجورهم بسبب إنفاقهم فى طاعة الله - تعالى - اندراجا ~~أوليا ". هذا، والذى يتدبر هذه الآية الكريمة يراها من أجمع الآيات التى ~~وردت فى الحض على بذل المال فى وجوه الخير، فقدر كرر فيها فعل { ~~تنفقوا } ثلاث مرات لمزيد الاهتمام بمدلوله، وجىء به مرتين بصيغة ~~الشرط عند قصد بيان الملازمة بين الإنفاق والثواب، وجاءت كل جملة منها ~~مستقلة ببعض الأحكام لكى يسهل حفظها وتأملها فتجرى على الألسنة مجرى ~~الأمثال وتتناقلها الأمم والأجيال. # ثم بعد هذا التحريض الحكيم على بذل الأموال فى وجوه الخير، خص - سبحانه ~~- بالذكر طائفة من المؤمنين هى أولى الناس بالعون والمساعدة، ووصف هذه ~~الطائفة بست صفات من شأنها أن تحمل العقلاء على المسارعة فى اكرام ~~أفرادها وسد حاجتهم. استمع إلى القرآن الكريم وهو يصور حالة هذه الطائفة ~~من المؤمنين تصويرا كريما نبيلا يستجيش المشاعر، ويحرك القلوب لمساعدة ~~هذه الطائفة المتعفقة فيقول { للفقرآء الذين أحصروا فى ~~سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم ~~الجاهل أغنيآء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا ~~يسألون الناس إلحافا }. لقد وصفهم الله - تعالى - أولا ~~بالفقراء، أى الذين هم فى حاجة إلى العون والمساعدة لفقرهم واحتياجهم إلى ~~ضرورات الحياة. وقوله { للفقرآء } متعلق بمحذوف يفهم من الكلام ~~السابق والتقدير اجعلوا نفقتكم وصدقتكم للفقراء لأن الكلام السابق موضوعه ~~للإنقاق فى سبيل الله، وما يتعلق بذلك من آداب وفوائد. والجملة استئناف ~~بيانى، فكأنهم لما أمروا بالصدقات سألوا لمن هى؟ فأجيبوا بأنها لهؤلاء ~~الذين ذكرت الآية صفاتهم. ومن فوائد الحذف هنا للمتعلق تعليم المؤمنين ~~الأدب فى عطائهم للفقراء بأن لا يصرحوا لهم بأن ما يعطونه إياهم هو صدقة ~~حتى لا يشعروهم بالمذلة والضعف، وأيضا ms0607 ففى هذا الحذف لون من الإيجاز ~~البليغ الذى قل فيه اللفظ مع الوفاء بحق المعنى. قال القرطبى " والمراد ~~بهؤلاء الفقراء، فقراء المهاجرين من قريش وغيرهم ثم تتناول الآية كل من ~~دخل تحت صفتهم غابر الدهر. وإنما خص فقراء المهاجرين بالذكر، لأنه لم يكن ~~هناك سواهم، وهم أهل الصفة " وكانوا نحو من أربعمائة رجل، وذلك أنهم ~~كانوا يأتون فقراء وما لهم أهل ولأمال فبنيت لهم صفة فى المسجد النبوى ~~بالمدينة فقيل لهم " أهل الصفة ". أما الصفة الثانية من صفات هؤلاء الذين ~~هم أولى الناس بالعون والمساعدة فهى قوله - تعالى - { الذين ~~أحصروا فى سبيل الله }. والإحصار فى اللغة هو أن يعرض للرجل ~~ما يحول بينه وبين ما يريده بسبب مرض أو شيخوخة أو عدو أو ذهاب نفقة أو ~~ما يجرى مجرى هذه الأشياء. والمعنى اجعلوا الكثير مما تنفقونه - أيها ~~المؤمنون - لهؤلاء الفقراء الذين حصروا أنفسهم ووقفوها على الطاعات ~~المتنوعة التى من أعظمها الجهاد فى سبيل الله، أو الذين منعوا من الكسب ~~بسبب مرضهم أو شيخوختهم، أو غير ذلك من الأسباب التى جعلتهم فى حالة ~~شديدة من الفاقة والاحتياج. وعبر فى الجملة الكريمة " بأحصروا " بالبناء ~~للمجهول، للإشعار بأن فقرهم لم يكن بسبب تكاسلهم وإهمالهم فى مباشرة ~~الأسباب، وإنما كان لأسباب خارجة عن إرادتهم. # وقوله { في سبيل الله } تكريم وتشريف لهم، أى أن ما نزل بهم من ~~فقر واحتياج كان بسبب إيثارهم إعلاء كلمة الله على أى شىء آخر، ففى سبيل ~~الله هاجروا، وفى سبيل الله تركوا أموالهم فصاروا فقراء، وفى سبيل الله ~~وقفوا أنفسهم على الجهاد، وفى سبيل الله أصابهم ما أصابهم وهم يطلبون ~~أداء ما كلفهم - سبحانه - بأدائه. أما الصفة الثالثة من صفاتهم فقال فيها ~~{ لا يستطيعون ضربا فى الأرض } والضرب فى الأرض هو السير ~~فيها للتكسب والتجارة وغيرهما. أى أنهم عاجزون عن السير فى الأرض لتحصيل ~~رزقهم بسبب اشتغالهم بالجهاد، أو بسبب ضعفهم وقلة ذات يدهم. والصفة ~~الرابعة من صفاتهم هى قوله - تعالى - { يحسبهم الجاهل ~~أغنيآء من التعفف }. والتعفف ترك الشىء ms0608 والتنزه عن طلبه، ~~بقهر النفس والتغلب عليها. يقال عف عن الشىء يعف إذا كف عنه. والحسبان ~~بمعنى الظن. أى يظنهم الجاهل بحالهم، أو الذى لا فراسة عنده، يظنهم ~~أغنياء من أجل تجملهم وتعففهم عن السؤال، أما صاحب الفراسة الصادقة، ~~والبصيرة النافذة فإنه يرحمهم ويعطف عليهم لأنه يعرف ما لا يعرفه غيره. و ~~{ من } فى قوله { من التعفف } للتعليل، أو لابتداء الغاية لأن ~~التعفف مبدأ هذا الحسبان. أما الصفة الخامسة من صفاتهم فهى قوله - تعالى ~~- { تعرفهم بسيماهم } والسيما والسيماء العلامة التى يعرف بها ~~الشىء، وأصلها من الوسم بمعنى العلامه. والمعنى تعرف فقرهم وحاجتهم - ~~أيها الرسول الكريم أو أيها المؤمن العاقل - بما ترى فى هيئتهم من آثار ~~تشهد بقلة ذات يدهم. قال الإمام الرازى ما ملخصه قال مجاهد " سيماهم " ~~التخشع والتواضع. أى - تعرفهم بتخشعهم وتواضعهم - وقال السدى - تعرفهم ~~بسيماهم - أى بأثر الجهد من الفقر والحاجة. وقال الضحاك أى بصفرة ألوانهم ~~ورثاثة ثيابهم.. ثم قال - رحمه الله - وعندى أن كل ذلك فيه نظر والمراد ~~شىء آخر هو أن لعباد الله المخلصين هيبة ووقعا فى قلوب الخلق، وكل من ~~رآهم تأثر منهم وتواضع لهم، وذلك له إدراكات روحانية، لا علامات جسمانية. ~~ألا ترى أن الأسد إذا مر هابته سائر السباع بطباعها لا بالتجربة، لأن ~~الظاهر أن تلك التجربة ما وقعت، والبازى إذا طار تهرب به منه الطيور ~~الضعيفة وكل ذلك إدراكات روحانية لا جسمانية فكذا هنا... ". وقد ذكر - ~~سبحانه - فى الجملة السابقة أن الجاهل بحالهم يظنهم أغنياء من أجل تعففهم ~~عن السؤال، وذكر هنا أنهم يعرفون بسيماهم، وذلك للإشعار بأن أنظار الناس ~~تختلف باختلاف فراستهم ونفاذ بصيرتهم. فأصحاب الأنظار التى تأخذ الأمور ~~بمظاهرها يظنونهم أغنياء، أما أصحاب البصيرة المستنيرة، والحس المرهف، ~~والفراسة الصائبة، فإنهم يدركون ما عليه أولئك القوم من احتياج، بسبب ما ~~منحهم الله من فكر صائب ونظر نافذ، وفى الحديث الشريف # " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ". # أما الصفة السادسة من صفاتهم فهى قوله - تعالى - { لا يسألون ~~الناس إلحافا } والإلحاف - كما ms0609 يقول صاحب الكشاف هو الإلحاح بأن ~~لا يفارق - السائل المسئول - إلا بشىء يعطاه. من قولهم لحفنى من فضل ~~لحافه أى أعطانى من فضل ما عنده. ومعناه أنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم ~~يلحفوا. وقيل هو نفى للسؤال والإلحاف ". والذى عليه المحققون من العلماء ~~أن النفى منصب على السؤال وعلى الإلحاف أى أنهم لا يسألون أصلا تعففا ~~منهم، لأنهم لو كانوا يسألون ما ظنهم الجاهل أغنياء من التعفف، ولو كانوا ~~يسألون ما كانوا متعففين، ولو كانوا يسألون ما احتاج صاحب البصيرة ~~النافذة إلى معرفة حالهم عن طريق التفرس فى سماتهم لأن سؤالهم كان يغنيه ~~عن ذلك. وإنما جاء النفى بهذه الطريقة التى يوهم ظاهرها أن النفى متجه ~~إلى الإلحاف وحده، للموازنة بينهم وبين غيرهم، فإن غيرهم إذا كان يسأل ~~الناس إلحافا فهم لا يسألون مطلقا لا بإلحاف ولا بدونه، والنفى بهذه ~~الطريقة فيه تعريض للمحلفين وثناء على المتعففين. ولذا قال بعضهم وإذا ~~علم أنهم لا يسألون البتة فقد علم أنهم لا يسألون الناس إلحافا والمراد ~~النبيه على سوء طريقة من يسأل الناس إلحافا، ومثاله إذا حضر عندك رجلان ~~أحدهما عاقل وقور قليل الكلام، والآخر طياش مهذار سفيه، فإذا أردت أن ~~تمدح أحدهما وتعرض بذم الآخر قلت فلان رجل عاقل وقور لا بخوض فى الترهات ~~ولا يشرع فى السفاهات، ولم يكن غرضك من قولك لا يخوض فى الترهات وصفه ~~بذلك لأن ما تقدم من الأوصاف الحسنة يغنى عن ذلك، بل غرضك التنبيه على ~~مذمة الثانى. فالأمر هنا كذلك لأن قوله { لا يسألون الناس ~~إلحافا } بعد قوله { يحسبهم الجاهل أغنيآء من ~~التعفف } الغرض منه بيان مباينة أحد الجنسين عن الآخر فى استيجاب ~~المدح والتعظيم ". هذا وقد وردت أحاديث متعددة تمدح المتعففين عن السؤال، ~~وتذم الملحفين فيه ومن ذلك ما جاء فى الصحيحين عن أبى هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " ليس المسكين الذى ترده اللقمة واللقمتان ولا التمرة والتمرتان إنما ~~المسكين الذى يتعفف. اقرؤوا إن شئتم { لا يسألون الناس ~~إلحافا ms0610 } ". # وروى مسلم فى صحيحه عن ابن عمر - رضى الله عنهما - أن النبى صلى الله ~~عليه وسلم قال # " لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس فى وجهه مزعة لحم ". # وروى مسلم - أيضا - فى صحيحه عن عوف بن مالك قال كنا تسعة أو ثمانية أو ~~سبعة عند رسول الله فقال # " ألا تبايعون رسول الله؟ فقلنا علام نبايعك؟ قال أن تعبدوا الله ولا ~~تشركوا به شيئا. والصلوات الخمس، وتطيعوا ولا تسألوا الناس. فلقد رأيت ~~بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فلا يسأل أحدا يناوله إياه ". # والخلاصة أن السؤال إنما يجوز عند الضرورة، وأنه لا يصح لمؤمن أن يسأل ~~الناس وعنده ما يكفيه، لأن السؤال ذل يربأ بنفسه عنه كل من يحافظ على ~~مروءته وكرامته وشرفه. وقوله { وما تنفقوا من خير فإن ~~الله به عليم } تحريض للمؤمن على البذل والسخاء، وترقية لنفسه ~~على الشعور بمراقبة الله - تعالى - وعلى محبة فعل الخير. أى وما تنفقوا ~~من خير سواء أكان المنفق قليلا أم كثيرا سرا أم علنا فإن الله يعلمه ~~وسيجازيكم عليه بأجزل الثواب، وأعظم العطاء. ثم ختم - سبحانه - الحديث عن ~~النفقة والمنفقين بقوله { الذين ينفقون أموالهم ~~بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم ~~عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون }. ~~وقوله { الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار ~~سرا وعلانية } استئناف المقصود منه مدح أولئك الذين يعممون ~~صدقاتهم فى كل الأزمان وفى كل الأحوال فهم يتصدقون على المحتاجين فى ~~الليل وفى النهار، فى الغدو وفى الآصال، فى السر وفى العلن، فى كل وقت ~~وفى كل حال، لأنهم لقوة إيمانهم، وصفاء نفوسهم يحرصون كل الحرص على كل ما ~~يرضى الله تعالى. وقال بين الله - تعالى - فى ثلاث جمل حسن عاقبتهم، ~~وعظيم ثوابهم فقال فى الجملة الأولى { فلهم أجرهم عند ~~ربهم } أى فلهم أجرهم الجزيل عند خالقهم ومربيهم ورازقهم. والجملة ~~الكريمة خبر لقوله { الذين ينفقون... } ودخلت الفاء فى الخبر ~~لأن الموصول فى معنى الشرط فتدخل الفاء فى خبره جوازا، وللدلالة على ~~سببية ما قبلها لما بعدها أى أن ms0611 استحقاق الأجر متسبب عن الإنفاق فى سبيل ~~الله. وقال فى الجملة الثانية { ولا خوف عليهم } أى لا خوف ~~عليهم من أى عذاب لأنهم فى مأمن من عذاب الله بسبب ما قدموا من عمل صالح. ~~وقال فى الجملة الثالثة { ولا هم يحزنون } أى لا يصيبهم ما يؤدى ~~بهم إلى الحزن والهم والغم، لأنهم دائما فى اطمئنان يدفع عنهم الهموم ~~والأحزان وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها # " أن على بن أبى طالب كان يملك أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا، وبدرهم ~~نهارا وبدرهم سرا، وبدرهم علانية فقال له النبى صلى الله عليه وسلم " ~~ما حملك على ذلك؟ فقال أريد أن أكون أهلا لما وعدنى ربى. فقال صلى الله ~~عليه وسلم لك ذلك " " # فأنزل الله هذه الآية. والحق أن هذه الرواية وغيرها لا تمنع عمومها، فهى ~~تنطبق على كل من بذل ماله فى سبيل الله فى عموم الأوقات والأحوال. # أما بعد فهذه أربع عشرة آية بدأت من قوله - تعالى - # مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل... # وانتهت بقوله - تعالى - { الذين ينفقون أموالهم ~~بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم ~~عند ربهم... }. والذى يقرأ هذه الآيات الكريمة بتدبر وتعقل يراها ~~قد حضت الناس على الإنفاق فى سبيل الله بأبلغ الأساليب، وأحكم ~~التوجيهات، وأفضل الوسائل، كما يراها بينت أحكام الصدقة وآدابها، والآفات ~~التى تذهب بخيرها وضربت الأمثال لذلك، كما يراها قد بينت أنواعها، وطريقة ~~أدائها، وأولى الناس بها ورسمت صورة كريمة للفقراء المتعففين، وكما بدأت ~~الآيات حديثها بالثناء الجميل على المنفقين فقد ختمته أيضا بالثناء ~~عليهم وبالعاقبة الحسنى التى أعدها الله لهم. ولو أن المسلمين أخذوا ~~بتوجيهات هذه الآيات لعمتهم السعادة فى دنياهم، ولنالوا رضا الله ومثوبته ~~فى أخراهم. وبعد هذه الصورة المشرقة التى ساقها القرآن عن النفقة ~~والمنفقين أتبعها بصورة مضادة لها وهى صورة الربا والمرابين. ومن مظاهر ~~التضاد والتباين بين الصورتين أن الصدقة بذل للمال فى وجوه الخير بدون ~~عوض ينتظره المتصدق، أما الربا فهو إخراج ms0612 المال فى وجوه الاستغلال لحاجة ~~المتحاج مع ضمان استرداده ومعه زيادة محرمة. وأن الصدقة نتيجتها ارخاء ~~والنماء والطهارة للمال، وشيوع روح المحبة والتعامل والتكامل والاطمئنان ~~بين أفراد المجتمع، أما الربا فنتيجته محق البركة من المال، وشيوع روح ~~التقاطع والتحاسد والتباغض والخوف بين الناس. ولقد نفر القرآن الناس من ~~تعاطى الربا تنفيرا شديدا وحذرهم من سوء عاقبته تحذيرا مؤكدا فقال - ~~تعالى - { الذين يأكلون الربا لا يقومون... كل ~~نفس ما كسبت وهم لا يظلمون }. ### || [2.275-281] # قوله - تعالى - { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا ~~كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس... } ~~استئناف قصد به الترهيب من تعاطى الربا، بعد الترغيب فى بذل الصدقة ~~لمستحقيها. ولم يعطف على ما قبله لما بينهما من تضاد، لأن الصدقة - كما ~~يقول الفخر الرازى - عبارة عن تنقيص المال - فى الظاهر - بسبب أمرالله ~~بذلك، والربا عبارة عن طلب الزيادة على المال مع نهى الله عنه فكانا ~~متضادين. والأكل فى الحقيقة. ابتلاع الطعام، ثم أطلق على الانتفاع بالشىء ~~وأخذه بحرص وهو المراد هنا. وعبر عن التعامل بالربا بالأكل، لأن معظم ~~مكاسب الناس تنفق فى الأكل. والربا فى اللغة الزيادة مطلقا، يقال ربا ~~الشىء يربو إذا زاد ونما، ومنه قوله - تعالى - # وترى الأرض هامدة فإذآ أنزلنا عليها المآء ~~اهتزت وربت... # أى زادت. وهو فى الشرع - كما قال الآلوسى - عبارة عن فضل مال لا يقابله ~~عوض فى معاوضة مال بمال. وقوله { يتخبطه } من التخبط بمعنى الخبط ~~وهو الضرب على غير استواء واتساق. يقال خبطته أخبطه خبطا أى ضربته ضربا ~~متواليا على أنحاء مختلفة. ويقال تخبط البعير الأرض إذا ضربها بقوائمه ~~ويقال للذى يتصرف فى أمر ولا يهتدى فيه يخبط خبط عشواء. قال زهير بن أبى ~~سلمى فى معلقته # رأيت المنايا خبط عشواء من تصب تمته ومن تخطى يعمر فيهرم # والمس الخبل والجنون يقال مس الرجل فهو ممسوس إذا أصابه الجنون. وأصل ~~المس اللمس باليد، ثم استعير للجنون، لأن الشيطان يمس الإنسان فيجنه. ~~والمعنى { الذين يأكلون } أى يتعاملون به أخذا وإعطاء { لا ~~يقومون ms0613 } يوم القيامة للقاء الله إلا قياما كقيام المتخبط المصروع ~~المجنون حال صرعه وجنونه، وتخبط الشيطان له، وذلك لأنه قياما منكرا ~~مفزعا بسبب أخذه الربا الذى حرم الله أخذه. فالآية الكريمة تصور المرابى ~~بتلك الصورة المرعبة المفزعة، التى تحمل كل عاقل على الابتعاد عن كل ~~معاملة يشم منها رائحة الربا. وهنا نحب أن نوضح أمرين أما الأمر الأول ~~فهو أن جمهور المفسرين يرون أن هذا القيام المفزع للمرابين يكون يوم ~~القيامة حين يبعثون من قبورهم كما أشرنا إلى ذلك. قال الآلوسى وقيام ~~المرابى يوم القيامة كذلك مما نطقت به الآثار، فقد أخرج الطبرانى عن عوف ~~بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إياك والذنوب التى لا تغفر. الغلول فمن غل شيئا أتى به يوم القيامة، ~~وأكل الربا فمن أكل الربا بعث يوم القيامة مجنونا يتخبط " # ثم قرأ الآية، وهو مما لا يحيله العقل ولا يمنعه، ولعل الله - تعالى - ~~جعل ذلك علامة له يعرف بها يوم الجمع الأعظم عقوبة له. # .. ثم قال. وقال ابن عطية المراد تشبيه المرابى فى حرصه وتحركه فى ~~اكتسابه فى الدنيا بالمتخبط المصروع كما يقال لمن يسرع بحركات مختلفة قد ~~جن، ولا يخفى أنه مصادمة لما عليه سلف الأمة ولما روى عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من غير داع سوى الاستبعاد الذى لا يعتبر فى مثل هذه ~~المقامات ". والذى نراه أنه لا مانع من أن تكون الآية تصور حال المرابين ~~فى الدنيا والآخرة، فهم فى الدنيا فى قلق مستمر، وانزعاج دائم، واضطراب ~~ظاهر بسبب جشعهم وشرههم فى جمع المال، ووساوسهم التى لا تكاد تفارقهم وهم ~~يفكرون فى مصير أموالهم... ومن يتتبع أحوال بعض المتعاملين بالربا يراهم ~~أشبه بالمجانين فى أقوالهم وحركاتهم. أما فى الآخرة فقد توعدهم الله - ~~تعالى - بالعقاب الشديد، والعذاب الأليم. وقد رجح الإمام الرازى أن ~~الآية الكريمة تصور حال المرابى فى الدنيا والآخرة فقال ما ملخصه " إن ~~الشيطان يدعو إلى طلب اللذات والشهوات والاشتغال بغير الله، ومن كان كذلك ~~كان فى ms0614 أمر الدنيا متخبطا... وآكل الربا بلا شك أنه يكون مفرطا فى حب ~~الدنيا متهالكا فيها، فإذا مات على ذلك الحب صار ذلك حجابا بينه وبين ~~الله - تعالى -، فالخبط الذى كان حاصلا له فى الدنيا بسبب حب المال أورثه ~~الخبط فى الآخرة وأوقعه فى ذل الحجاب، وهذا التأويل أقرب عندى من غيره ". ~~وأما الأمر الثانى فهو أن جمهور المفسرين يرون أيضا أن التشبيه فى الآية ~~الكريمة على الحقيقة، بمعنى أن الآية تشبه حال المرابين بحال المجنون ~~الذى مسه الشيطان، لأن الشيطان قد يمس الإنسان فيصيبه بالصرع والجنون. ~~ولكن الزمخشرى ومن تابعه ينكرون ذلك، ويرون أن كون الصرع أو الجنون من ~~الشيطان باطل لأنه لا يقدر على ذلك، فقد قال الزمخشرى فى تفسيره " وتخبط ~~الشيطان من زعمات العرب، يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع. والمس ~~الجنون، ورجل ممسوس - أى مجنون -. وهذا أيضا من زعماتهم، وأن الجنى ~~يممسه فيختلط عقله، وكذلك جن الرجل معناه ضربته الجن، ورأيتهم لهم فى ~~الجن قصص وأخبار وعجائب، وإنكار ذلك عندهم كإنكار المشاهدات ". ومن ~~العلماء الذين تصدون للرد على الزمخشرى ومن تابعه الإمام القرطبى فقد ~~قال " وفى هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصرع من جهة الجن وزعم ~~أنه من فعل الطبائع، وأن الشيطان لا يسلك فى الإنسان ولا يكون منه مس. ~~وقد روى النسائى عن أبى اليسر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ~~فيقول # " اللهم إنى أعوذ بك من التردى والغرق والهدم والحريق، وأعوذ بك من أن ~~يتخبطنى الشيطان عند الموت، وأعوذ بك من أن أموت فى سبيلك مدبرا وأعوذ ~~بك أن أموت لديغا ". # وقال الشيخ أحمد بن المنير ومعنى قول الزمخشرى أن تخبط الشيطان من زعمات ~~العرب، أى من كذباتهم وزخارفهم التى لا حقيقة لها، كما يقال فى الغول ~~والعنقاء ونحو ذلك. وهذا القول من تخبط - الشيطان بالقدرية - أى المعتزلة ~~- فى زعماتهم المردودة بقواطع الشرع، ثم قال واعتقاد السلف وأهل السنة أن ~~هذه أمور على حقائقها واقعة كما أخبر الشارع عنها، ms0615 والقدرية ينكرون ~~كثيرا مما يزعمونه مخالفا لقواعدهم.. من ذلك السحر، وخبطة الشيطان، ~~ومعظم أحوال الجن. وإن اعترفوا بشئ من ذلك فعلى غير الوجه الذى يعترف به ~~أهل السنة وينبئ عنه ظاهر الشرع فى خيط طويل لهم، والذى نراه أن ما عليه ~~جمهور العلماء من أن التشبيه على الحقيقة هو الحق، لأن الشيطان قد يمس ~~الإنسان فيصيبه بالجنون، ولأنه لا يسوغ لنا أن تؤول القرآن بغير ظاهره ~~بسبب اتجاه دليل عليه. وقوله { من المس } متعلق بيقومون أى لا ~~يقومون من المس الذى حل بهم بسبب أكلهم الربا إلا كما المصروع من جنونه. ~~وقوله - تعالى - { ذلك بأنهم قالوا إنما البيع ~~مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا } بيان ~~لزعمهم الباطل الذى سوغ لهم التعامل بالربا، ورد عليه بما يهدمه. واسم ~~الإشارة " ذلك " سيعود إلى الأكل أو إلى العقاب الذى نزل بهم. والمعنى ~~ذلك الأكل الذى استحلوه عن طريق الربا، أو ذلك العذاب الذى حل بهم والذى ~~من مظاهره قيامهم المتخبط، سببه قولهم إن البيع الذى أحله الله يشابه ~~الريا الذى نتعامل به فى أن كلا منهما معاوضة. قال صاحب الكشاف فإن قلت " ~~هلا قيل إنما الربا مثل البيع لأن الكلام فى الربا لا فى البيع، فوجب أن ~~يقال إنهم شبهوا الربا بالبيع فاستحلوه وكانت شبهتهم أنهم قالوا لو اشترى ~~الرجل الشىء الذى لا يساوى إلا درهما بدرهمين جاز، فكذلك إذا باع درهما ~~بدرهمين؟ قلت جىء به على طريق المبالغة. وهو أنه قد بلغ من اعتقادهم فى ~~حل الربا أنهم جعلوه أصلا وقانونا فى الحل حتى شبهوا به البيع ". وقوله ~~{ وأحل الله البيع وحرم الربا } جملة مستأنفة، وهى ~~رد من الله - تعالى - عليهم، وإنكار لتسويتهم الربا بالبيع. قال الآلوسى ~~وحاصل هذا الرد من الله - تعالى - عليهم أن ما ذكرتم - " من أن الربا مثل ~~البيع - قياس فاسد الوضع لأنه معارض للنص فهو من عمل الشيطان، على أن بين ~~البابين فرقا، وهو أن من باع ثوبا يساوى درهما بدرهمين فقد جعل الثوب ~~مقابلا لدرهمين فلا ms0616 شىء منهما إلا وهو فى مقابلة شىء من الثوب. وأما إذا ~~باع درهما بدرهمين فقد أخذ الدرهم الزائد بدون عوض، ولا يمكن جعل ~~الإمهال عوضا إذا الإمهال ليس بمال فى مقابلة المال ". # وقوله { فمن جآءه موعظة من ربه فانتهى فله ~~ما سلف وأمره إلى الله }. تفريع على الوعيد السابق فى قوله ~~{ الذين يأكلون الربا... } إلخ. والمجىء بمعنى العلم ~~والبلاغ، والموعظة ما يعظ الله - تعالى - به عباده عن طريق زجرهم ~~وتخويفهم وتذكيرهم بسوء عاقبة المخالفين لأوامره. أى فمن بلغه نهى الله - ~~تعالى - عن الربا، فامتثل وأطاع وابتعد عما نهاه الله عنه، { فله ما ~~سلف } أى فله ما تقدم قبضه من مال الربا قبل التحريم وليس له ما تقدم ~~الاتفاق عليه ولم يقبضه.. لأن الله - تعالى - يقول بعد ذلك { وإن ~~تبتم فلكم رؤوس أموالكم.. }. وقوله { وأمره إلى ~~الله } أى أمر هذا المرابى الذى تعامل بالربا قبل التحريم واجتنبه ~~بعده، أمره مفوض إلى الله - تعالى - فهو الذى يعامله بما يقتضيه فضله ~~وعفوه وكرمه. قال ابن كثير { فمن جآءه موعظة من ربه ~~}.. إلخ أى ما بلغه نهى الله عن الربا فانتهى حال وصول الشرع إليه فله ما ~~سلف من المعاملة لقوله # عفا الله عما سلف # وكما قال النبى صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة # " وكل ربا فى الجاهلية موضوع تحت قدمى هاتين وأول ربا أضع ربا عمى ~~العباس " # ، ولم يأمرهم برد الزيادات المأخوذة فى حال الجاهلية بل عفا عما سلف كما ~~قال - تعالى - { فله ما سلف وأمره إلى الله } أى فله ما ~~كان قد أكل من الربا قبل التحريم. و " من " فى قوله { فمن جآءه ~~موعظة } شرطية وهو الظاهر، ويحتمل أن تكون موصولة. وعلى التقديرين ~~فهى فى محل رفع بالابتداء، وقوله { فله ما سلف } هو الجزاء أو ~~الخبر، و { موعظة } فاعل جاء، وسقطت التاء من الفعل للفصل بينه وبين ~~الفاعل أو تكون الموعظة هنا بمعنى الوعظ فهى فى معنى المذكر. وقوله { ~~من ربه } جار ومجرور متعلق بجاءه، أو بمحذوف وقع صفة لموعظة. وفى ms0617 ~~قوله { من ربه } تفخيم لشأن الموعظة، وإغراء بالامتثال والطاعة ~~لأنها صادرة من الله - تعالى - المربى لعباده. وفى هذه الجملة الكريمة ~~بيان لمظهر من مظاهر السماحة فيما شرعه الله لعباده، لأنه - سبحانه - لم ~~يعاقب المرابين على ما مضى من أمرهم قبل وجود الأمر والنهى، ولم يجعل ~~تشريعه بأثر رجعى بل جعله للمستقبل، إذ الإسلام يجب ما قبله. فما أكله ~~المرابى قبل تحريم الربا فلا عقاب عليه فيه وهو ملك له، إلا أنه ليس له ~~أن يتعامل به بعد التحريم، وإذا تعامل به فلن تقبل توبته حتى يتخلص من ~~هذا المال الناتج عنه الربا. # ولقد توعد الله - تعالى - من يعود إلى التعامل بالربا بعد أن حرمه الله ~~- تعالى - فقال { ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون }. أى ومن عاد إلى التعامل بالربا بعد أن نهى الله عنه ~~فأولئك العائدون هم أصحاب النار الملازمون لها، والماكثون فيها بسبب ~~تعديهم لما نهى الله عنه. وفى هذه الجملة الكريمة تأكيد للعقاب النازل ~~بأولئك العائدين بوجوه من المؤكدات منها التعبير فيها بأولئك التى تدل ~~على البعيد فهم بعيدون عن رحمة الله، والتعبير بالجملة الاسمية التى تفيد ~~الدوام والاستمرار والتعبير، بكلمة أصحاب الدالة على الملازمة والمصاحبة، ~~وبكلمة { خالدون } التى تدل على طول المكث. ثم بين - سبحانه - سوء ~~عاقبة المرابين، وحسن عاقبة المتصدقين فقال { يمحق الله الربا ~~ويربي الصدقات }. والمحق النقصان والإزالة للشىء حالا بعد حال، ~~ومنه محاق القمر، أى انتقاصه فى الرؤية شيئا فشيئا حتى لا يرى، فكأنه ~~زال وذهب ولم يبق منه شىء. أى أن المال الذى يدخله الربا يمحقه الله، ~~ويذهب بركته، أما المال الذى يبذل منه صاحبه فى سبيل الله فإنه - سبحانه ~~- يباركه وينميه ويزيده لصاحبه. قال الإمام الرازى عند تفسيره لهذه ~~الآية ما ملخصه اعلم أنه لما كان الداعى إلى التعامل بالربا تحصيل المزيد ~~من الخيرات، والصارف عن الصدقات الاحتراز عن نقصان المال، لما كان الأمر ~~كذلك بين - سبحانه - أن الربا، وإن كان زيادة فى الحال إلا أنه نقصان فى ~~الحقيقة، وأن ms0618 الصدقة وإن كانت نقصانا فى الصورة إلا أنها زيادة فى ~~المعنى، واللائق بالعاقل أن لا يلتفت إلى ما يقضى به الطبع والحس ~~والدواعى والصوارف، بل يعول على ما أمر به الشرع. ثم قال واعلم أن محق ~~الربا وإرباء الصدقات يحتمل أن يكون فى الدنيا وأن يكون فى الآخرة. أما ~~محق الربا فى الدنيا فمن وجوه أحدها أن الغالب فى المرابى وإن كثر ماله ~~أن تؤول عاقبته إلى الفقر، وتزول البركة عنه، ففى الحديث # " الربا وإن كثر فإلى قل ". # وثانيها إن لم ينقص ماله فإن عاقبته الذم والنقص وسقوط العدالة وزوال ~~الأمانة. وثالثها إن الفقراء يلعنونه ويبغضونه بسبب أخذه لأموالهم... ~~ورابعها أن الأطماع تتوجه إليه من كل ظالم وطماع بسبب اشتهاره أنه قد جمع ~~ماله من الربا ويقولون إن ذلك المال ليس له فى الحقيقة فلا يترك فى يده. ~~وأما أن الربا مسبب للمحق فى الآخرة فلوجوه منها أن الله - تعالى - لا ~~يقبل منه صدقة ولا جهادا ولا صلة رحم - كما قال ابن عباس -، ومنها أن ~~مال الدنيا لا يبقى عند الموت بل الباقى هو العقاب وذلك هو الخسران ~~الأكبر. وأما إرباء الصدقات فى الدنيا فمن وجوه منها أن من كان لله كان ~~الله له، ومن أحسن إلى عباد الله أحسن الله إليه وزاده من فضله، ومنها أن ~~يزداد كل يوم فى ذكره الجميل وميل القلوب إليه، ومنها أن الفقراء يدعون ~~له بالدعوات الصالحة وتنقطع عنه الأطماع. # وأما إرباؤها فى الآخرة فقد روى مسلم عن أبى هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " إن الله - تعالى - يقبل الصدقات ويأخذها بيمينه فيربيها كما يربى ~~أحدكم مهره، أو فلوه حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد ". # ففى هذه الجملة الكريمة بشارة عظيمة للمتصدقين، وتهديد شديد للمرابين ثم ~~ختم - سبحانه - الآية بقوله { والله لا يحب كل كفار ~~أثيم }. و { كفار } فعيل بمعنى فاعل فهى صيغة مبالغة من آثم، ~~والأثيم هو المكثر من ارتكاب الآثام المبطئ عن فعل الخيرات. أى أن الله - ~~تعالى - لا ms0619 يرضى عن كل من كان شأنه الستر لنعمه والجحود لها، والتمادى فى ~~ارتكاب المنكرات، والابتعاد عن فعل الخيرات. وقد جمع - سبحانه - بين ~~الوصفين للإشارة إلى أن الإيمان المرابين ناقص إن لم يستحلوه وهم كفار ~~إن استحلوه، وهم فى الحالتين آثمون معاقبون، يعيدون عن محبة الله ورضاه. ~~وسيعاقب - سبحانه - الناقصين فى إيمانهم، والكافرين به بما يستحقون من ~~عقوبات. فالجملة الكريمة تهديد شديد لمن استحلوا الربا، أو فعلوه مع عدم ~~استحلالهم له. وبعد هذا التهديد الشديد للمتعاملين بالربا، ساق - سبحانه ~~- آية فيها أحسن البشارات للمؤمنين الصادقين فقال - تعالى - { إن ~~الذين آمنوا } أى إيمانا كاملا بكل ما أمر الله به { وعملوا ~~الصالحات } أى الأعمال الصالحة التى تصلح بها نفوسهم والتى من ~~جملتها الإحسان إلى المحتاجين، والابتعاد عن الربا والمرابين { ~~وأقاموا الصلاة } بالطريقة التى أمر الله بها، بأن يؤدوها فى ~~أوقاتها بخشوع واطمئنان { وآتوا الزكاة } أى أعطوها لمستحقيها ~~بإخلاص وطيب نفس. هؤلاء الذين اتصفوا بكل هذه الصفات الفاضلة { لهم ~~أجرهم عند ربهم } أى لهم ثوابهم الكامل عند خالقهم ورازقهم ~~ومربيهم. { ولا خوف عليهم } يوم الفزع الاكبر { ولا هم ~~يحزنون } لأى سبب من الأسباب، لأن ما هم فيه من أمان واطمئنان ~~ورضوان من الله - تعالى - يجعلهم فى فرح دائم، وفى سرور مقيم. ثم ينتقل ~~القرآن إلى أسلوب الخطاب المباشر للمؤمنين فيأمرهم بتقوى الله، وينهاهم ~~عن التعامل بالربا فيقول { يأيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله } أى اخشوه وصونوا أنفسكم عن الأعمال والأقوال التى تفضى بكم إلى ~~عقابه. وقوله { وذروا ما بقي من الربا } أى اتركوا ما بقى ~~فى ذمم الذين عاملتموهم بالربا ولا تأخذوا منهم إلا رءوس أموالكم فحسب، ~~فهذا مقابل لقوله - تعالى - قبل ذلك { فله ما سلف } أى ما سلف ~~قبضه من الربا قبل نزول الآية فهو لكم، وما لم تقبضوه فأنتم مأمورن ~~بتركه. # وقوله { من الربا } متعلق بمحذوف على أنه حال من فاعل { بقي } ~~أى اتركوا الذى بقى حال كونه بعض الربا، ومن للتعيض. أو متعلق ببقى. و { ~~وذروا } فعل أمر - بوزن علوا - مبنى على ms0620 حذف النون والواو فاعل، ~~وأصله " وذروا " فحذفت فاؤه، والماضى منه " وذر ". وقوله { إن كنتم ~~مؤمنين } حض لهم على ترك الربا أى إن كنتم مؤمنين حق الإيمان ~~فامتثلوا أمر الله وذروا ما بقى من الربا مما زاد على رءوس أموالكم. قال ~~ابن كثير " نزل هذا السياق فى بنى عمرو بن عمير بن ثقيف، وبنى المغيرة من ~~بنى مخزوم كان بينهم ربا فى الجاهلية فلما جاء الإسلام ودخلوا فيه، طلبت ~~ثقيف أن تأخذه منهم فتشاوروا. وقالت بنو المغيرة لا نؤدى فى الإسلام، ~~فكتب فى ذلك عتاب بن أسيد نائب مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - ~~فنزلت هذه الآية، فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه. فقالوا ~~نتوب إلى الله ونذر ما بقى من الربا فتركوه كلهم. وهذا تهديد شديد ووعيد ~~أكيد لكل ما استمر على تعاطى الربا بعد الإنذار " ثم هدد الله - تعالى ~~كل من يتعامل بالربا تهديدا عنيفا فقال { فإن لم تفعلوا ~~فأذنوا بحرب من الله ورسوله }. أى فإن لم تتركوا ~~الربا وأخذتم منه شيئا بعد نهيكم عن ذلك، فكونوا على علم ويقين بحرب ~~كائنة من الله - تعالى - ورسوله، ومن حاربه الله ورسوله لا يفلح أبدا. ~~وقوله { فأذنوا } من أذن بالشىء يأذن إذا علمه. وقرئ { فآذنوا } من ~~آذنه الأمر وآذنه به أعلمه إياه أى أعلموا من لم ينته عن الربا بحرب من ~~الله ورسوله. وتنكير " حرب " للتهويل والتعظيم أى فكونوا على علم ويقين ~~من أن حربا عظيمة ستنزل عليكم من الله ورسوله. قال بعضهم والمراد ~~المبالغة فى التهديد دون نفس الحرب. وقال آخرون المراد نفس الحرب بمعنى ~~أن الإصرار على عمل الربا إن كان من شخص وقدر عليه الإمام قبض عليه ~~وأجرى فيه حكم الله من الحبس والتعزير إلى أن تظهر منه التوبة. وإن وقع ~~ممن يكون له عسر وشوكة، حاربه الإمام كما يحارب الفئة الباغية، وكما ~~حارب أبو بكر الصديق ما نعى الزكا. وقال ابن عباس من تعامل بالربا يستتاب ~~فإن تاب فبها وإلا ضرب عنقه. ms0621 ثم بين - سبحانه - ما يجب عليهم عند توبتهم ~~عن التعامل بالربا فقال { وإن تبتم فلكم رؤوس ~~أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون }. أى وإن تبتم عن ~~التعامل بالربا الذى يوجب الحرب عليكم من الله ورسوله، فلكم رءوس أموالكم ~~أى أصولها بأن تأخوذها ولا تأخذوا سواها، وبذلك لا تكونون ظالمين ~~لغرمائكم، ولا يكونون ظالمين لكم، لأن من أخذ رأس ماله بدون كان مقسطا ~~ومتفضلا، ومن دفع ما عليه بدون إنقاص منه كان صادقا فى معاملته. # ثم أمر الله - تعالى - الدائنين أن يصبروا على المدينين الذين لا يجدون ~~ما يؤدون منه ديونهم فقال - تعالى - { وإن كان ذو عسرة ~~فنظرة إلى ميسرة }. والعسرة اسم من الإعسار وهو تعذر ~~الموجود من المال يقال أعسر الرجل إذا صار إلى حالة العسرة وهى الحالة ~~التى يتعسر فيها وجود المال. والنظرة اسم من الإنظار بمعنى الإمهال. ~~يقال نظرة وانتظره وتنظره، تأنى عليه وأمهله فى الطلب. والميسرة مفعلة من ~~اليسر الذى هو ضد الإعسار. يقال أيسر الرجل فهو موسر إذا اغتنى وكثر ~~ماله وحسنت حاله. والمعنى وإن وجد مدين معسر فأمهلوه فى أداء دينه إلى ~~الوقت الذى يتمكن فيه من سداد ما عليه من ديون، ولا تكونوا كأهل الجاهلية ~~الذين كان الواحد منهم إذا كان له دين على شخص وحل موعد الدين طالبه بشدة ~~وقال له إما أن تقضى وإما أن تربى أى تدفع زيادة على أصل الدين. و { ~~كان } هنا الظاهر أنها تامة بمعنى وجد أو حدث، فتكتفى بفاعلها كسائر ~~الأفعال. وقيل يجوز أن تكون ناقصة واسمها ضمير مستكن فيها يعود إلى ~~المدين وإن لم يذكر وذلك على قراءة { ذا عسرة } بالنصب وقوله { فنظرة } ~~الفاء جواب الشرط. ونظرة خبر لمبتدأ محذوف أى فالأمر أو فالواجب أو مبتدأ ~~محذوف الخبر أى فعليكم نظرة. ثم حبب - سبحانه - إلى عباده التصدق بكل أو ~~ببعض ما لهم من ديون على المدينين المعسرين فقال - تعالى - { وأن ~~تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون }. أى وأن تتركوا ~~للمعسر كل أو بعض ما لكم عليه من ms0622 ديون وتتصدقوا بها عليه، فإن فعلكم هذا ~~يكون أكثر ثوابا لكم من الإنظار. وجواب الشرط فى قوله { إن كنتم ~~تعلمون } محذوف. أى إن كنتم تعلمون أن هذا التصدق خير لكم فلا ~~تتباطؤا فى فعله، بل سارعوا إلى تنفيذه فإن التصدق بالدين على المعسر ~~ثوابه جزيل عند الله - تعالى -. وقد أورد بعض المفسرين جملة من الأحاديث ~~النبوية التى تحض على إمهال المعسر، والتجاوز عما عليه من ديون. ومن ذلك ~~ما أخرجه مسلم فى صحيحه عن أبى قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال # " من نفس عن غريمه أو محا عنه كان فى ظل العرش يوم القيامة ". # وروى الطبرانى عن أسعد بن زرارة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من سره أن يظله الله يوم لا ظل إلا ظله فلييسر مع معسر أو ليضع عنه ". # وروى الإمام أحمد عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من أراد أن تستجاب دعوته وأن تكشف كربته فليفرج عن معسر ". # ثم ساق - سبحانه - فى ختام حديثه على الربا آية كريمة ذكر الناس فيها ~~بزوال الدنيا وفناء ما فيها من أموال، وبالاستعداد للآخرة وما فيها من ~~حساب فقال - تعالى - { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى ~~الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا ~~يظلمون }. أى واحذروا أيها المؤمنون يوما عظيما فى أهواله وشدائده، ~~وهو يوم القيامة الذى تعودون فيه إلى خالقكم فيحاسبكم على أعمالكم، ثم ~~يجازى - سبحانه كل نفس بما كسبت من خير أو شر بمقتضى عدله وفضله، ولا ~~يظلم ربك أحدا. فالآية الكريمة تعقيب حكيم يتناسب كل التناسب مع جو ~~المعاملات والأخذ والعطاء، حتى يبتعد الناس عن كل معاملة لم يأذن بها ~~الله - تعالى -. قال الآلوسى أخرج غير واحد عن ابن عباس أن هذه الآية هى ~~آخر ما نزل على رسول صلى الله عليه وسلم من القرآن. واختلف فى مدة بقائه ~~بعدها. فقيل تسع ليال. وقيل سبعة أيام. وقيل واحد وعشرين يوما. وروى أنه ~~قال اجعلوها بين آيات ms0623 الربا وآية الدين ". هذا، والمتدبر فى هذه الآيات ~~التى وردت فى موضع الربا، يراها قد نفرت منه تنفيرا شديدا، وتوعدت ~~متعاطيه بأشد العقوبات، وشبهت الذين يأكلونه بتشبيهات تفزع منها النفوس، ~~وتشمئز منها القلوب، وحضت المؤمنين على أن يلتزموا فى معاملاتهم ما شرعه ~~الله لهم، وأن يتسامحوا مع المعسرين ويتصدقوا عليهم بما يستطيعون التصدق ~~به. وقد تكلم الفقهاء وبعض المفسرين عن الربا وأقسامه وحكمه تحريمه كلاما ~~مستفيضا، قال بعضهم الربا قسمان ربا النسيئة، وربا الفضل. فربا النسيئة ~~هو الذى كان معروفا بين العرب فى الجاهلية، وهو أنهم كانوا يدفعون المال ~~على أن يأخذوه فى موعد معين، فإذا حل الأجل طولب المدين برأس المال ~~كاملا، فإن تعذر الأداء زادوا فى الحق وفى الأجل. وربا الفضل أن يباع ~~درهم بدرهمين، أو دينار بدينارين، أو رطل من العسل برطلين، أو كيلة من ~~الشعير بكيلتين. وكان ابن عباس فى أول الأمر لا يحرم إلا ربا النسيئة ~~وكان يجوز ربا الفضل اعتمادا على ما روى من أن النبى صلى الله عليه وسلم ~~قال # " إنما الربا فى النسيئة " # ولكن لما تواتر عنده الخبر بأن النبى صلى الله عليه وسلم قال # " الحنطة بالحنطة مثلا بمثل يدا بيد " # رجع عن قوله. لأن قوله صلى الله عليه وسلم # " إنما الربا فى النسيئة " # محمول على اختلاف الجنس فإن النسيئة حينئذ تحرم ويباح التفاضل كبيع ~~الحنطة بالشعير. تحرم فيه النسيئة ويباح التفاضل. ولذلك وقع الاتفاق على ~~تحريم الربا فى القسمين أما ربا النسيئة فقد ثبت تحريمه بالقرآن كما فى ~~قوله - تعالى - { وأحل الله البيع وحرم الربا }. # وأما ربا الفضل فقد ثبت تحريمه بالحديث الصحيح الذى رواه عبادة ابن ~~الصامت أن النبى صلى الله عليه وسلم قال # " الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير والتمر ~~بالتمر. والملح بالملح. مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت ~~هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كانت يدا بيد ". # وقد اشتهرت رواية هذا الحديث حتى صارت مسلمة عند الجميع. وجمهور العلماء ~~على أن الحرمة ليست مقصورة ms0624 على هذه الأشياء الستة، بل تتعداها إلى غيرها ~~مما يتحد معها فى العلة. وقد فسر بعضهم هذه العلة باتحاد الجنس والقدر.. ~~". ومن الحكم التى ذكرت فى أسباب تحريم الربا أنه يقتضى أخذ مال الغير ~~بدون عوض، ويؤدى إلى امتناع أصحاب الأموال عن تحمل المشاق فى الكسب ~~والتجارة والصناعة، وإلى استغلال حاجة المحتاج أسوأ استغلال وكل ذلك يفضى ~~إلى إشاعة روح التباغض والتخاصم والتحاسد بين أفراد المجتمع - كما سبق أن ~~أشرنا -. ومن الأحاديث الشريفة التى وردت فى التحذير من تعاطى الربا ما ~~رواه الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " اجتنبوا السبع الموبقات - أى المهلكات - قالوا يا رسول الله وما هن؟ ~~قال الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق، وأكل ~~الربا، وأكل مال اليتيم، والتولى يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات ~~الغافلات ". # وأخرج مسلم فى صحيحه عن جابر بن عبيد الله قال # " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه ". # وبعد أن أمر - سبحانه - المؤمنين أن يسارعوا فى التصدق على المحتاجين، ~~وأن يجتنبوا الربا والمرابين، وبين لهم أن أموالهم تزكو وتنمو بالإنفاق ~~فى وجوه الخير، وتمحق وتذهب بتعاطى الربا، بعد أن وضح كل ذلك ساق لهم آية ~~جامعة، متى اتبعوا توجيهاتها استطاعوا أن يحفظوا أموالهم بأفضل طريق، ~~وأشرف وسيلة، وأن يصونوها عن الهلاك والضياع عندما يعطى أحدهم أخاه شيئا ~~من المال على سبيل الدين أو القرض الحسن المنزه عن الربا. استمع إلى ~~القرآن وهو يتكلم عن أحكام الدين وعن أحكام بعض المعاملات التجارية ~~الحاضرة فيقول { يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم... }. ### || [2.282] # قال ابن كثير قوله - تعالى - { يأيها الذين آمنوا إذا ~~تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } هذا إرشاد ~~منه - تعالى - لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها ~~ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها وأضبط للشاهد فيها، وقد نبه على ذلك فى ~~آخر الآية حيث قال { ذلكم أقسط عند الله وأقوم ~~للشهادة وأدنى ألا ترتابوا } وروى البخارى عن ابن ~~عباس أنه ms0625 قال أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله وأذن فيه ~~ثم قرأ { يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم }. الآية. ~~وثبت فى الصحيحين # " عن ابن عباس قال قدم النبى صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون فى ~~الثمار السنة والسنتين والثلاث فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من ~~أسلف فليسلف فى كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم ". # ومعنى { تداينتم } تعاملتم بالدين وداين بعضكم بعضا. وحقيقة الدين - ~~كما يقول القرطبى - " عبارة عن كل معاملة كان أحد العوضين فيها نقدا ~~والآخر فى الذمة نسيئة، فإن العين عند العرب ما كان حاضرا، والدين ما كان ~~غائبا ". والأجل فى اللغة هو الوقت المضروب لانقضاء الأمد، وأجل الإنسان ~~هو الوقت المحدد لانقضاء عمره. وأجل الدين هو الوقت المعين لأدائه فى ~~المستقبل. وأصله من التأخير، يقال أجل الشىء يأجل إذا تأخر والآجل نقيض ~~العاجل. والمعنى يأيها الذين آمنوا إذا عامل بعضكم بعضا بالدين إلى وقت ~~معين فاكتبوا هذا الدين، لأن فى هذه الكتابة حفظا له، وضبطا لمقداره، ~~ومنعا للتنازع من أن يقع بينكم. قال صاحب الكشاف فإن قلت هلا قيل إذا ~~تداينتم إلى أجل مسمى، وأى حاجة إلى ذكر الدين؟ قلت ذكر - لفظ الدين - ~~ليرجع الضمير إليه فى قوله { فاكتبوه } إذ لو لم يذكر لوجب أن يقال ~~فاكتبوا الدين، فلم يكن النظم بذلك الحسن، ولأنه أبين لتنويع الدين إلى ~~مؤجل وحال. فإن قلت ما فائدة قوله { مسمى } قلت ليعلم أن من حق ~~الأجل أن يكون معلوما كالتوقيت بالسنة والأشهر والأيام. ولو قال إلى ~~الحصاد أو الدياس أو رجوع الحاج لم يجز لعدم التسمية ". وجمهور العلماء ~~على أن الأمر فى قوله " فاكتبوه " للندب، ولأن الله - تعالى - قد قال بعد ~~ذلك # فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن ~~أمانته # ولأن النبى صلى الله عليه وسلم لم يلزم الدائنين بكتابة ديونهم، ولا ~~المدينين بأن يكتبوها. وقال الظاهرية إن الأمر هنا للوجوب، ومن لم يفعل ~~ذلك كان آتما، لأن الأصل فى الأمر أنه للوجوب.. وقوله { وليكتب ~~بينكم ms0626 كاتب بالعدل } بيان لكيفية الكتابة المأمور بها ~~وتعيين من يتولاها عقب الأمر بها على سبيل الإجمال. # أى عليكم أيها المؤمنون إذا تعاملتم بالدين إلى أجل معين أن تكتبوا هذا ~~الدين، وليتول الكتابة بينكم شخص يجيدها وعنده فقهها وعلمها، بأن يكون ~~على معرفة بشروط العقود وتوثيقها، وما يكون من الشروط موافقا لشريعة ~~الإسلام وما يكون منها غير موافق، وعلى هذا الكاتب أن يلتزم الحق مع ~~الدائن والمدين فى كتابته، لأن الله - تعالى - يقول # ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ~~اعدلوا هو أقرب للتقوى # فالجملة الكريمة تحض المتعاملين بالدين أن يختاروا لكتابته شخصا تتوفر ~~فيه إجادة الكتابة، والخبرة بشروط العقود وتوثيقها، كما تتوفر فيه ~~الاستقامة وتحرى الحق. ومفعول { يكتب } محذوف ثقة بانفهامه أى وليكتب ~~بينكم الكتابة كاتب بالعدل. والتقييد بالظرف بينكم للإيذان بأنه ينبغى ~~للكاتب ألا يسمح لنفسه بأن ينفرد به أحد المتعاقدين، لأن فى هذا الانفراد ~~تهمة يجب أن يربأ بنفسه عنها. والجار والمجرور وهو { بالعدل } متعلق ~~بمحذوف صفة لكاتب أى وليكن المتصدى للكتابة من شأنه أن يكتب بالسوية من ~~غير ميل إلى أحد الجانبين. أو متعلق بالفعل يكتب. أى وليكتب بالحق. ثم ~~نهى الله - تعالى - من كان قادرا على الكتابة عن الامتناع متى دعى إليها ~~فقال { ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله ~~فليكتب }. أى ولا يمتنع كاتب من أن يكتب للمتداينين ديونهما ~~بالطريقة التى علمه الله إياها أن يتحرى العدل والحق فى كتابته، وأن ~~يلتزم فيها ما تقتضيه أحكام الشريعة الإسلامية. فالكاف فى قوله - تعالى ~~- { كما علمه الله } نعت لمصدر محذوف والتقدير فليكتب كتابة ~~مثل ما علمه الله - تعالى - بمعنى أن يلتزم الحق والعدل فيها. ويجوز أن ~~تكون الكاف للتعليل فيكون المعنى لا يمتنع عن الكتابة لأنه كما علمه الله ~~إياها ويسرها له ونفعه بها، فعليه أن ينفع غيره بها، فهو كقوله - تعالى - # وأحسن كمآ أحسن الله إليك # وفى الحديث الشريف # " إن من الصدقة أن تعين صانعا أو تصنع لأخرق " # وفى حديث آخر # " من كتم علما يعلمه ms0627 ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة ". # وقوله { فليكتب } تفريع على قوله " ولا يأب كاتب " أى فليكتب الكتابة ~~التى علمه الله إياها فهو توكيد للأمر المستفاد من قوله { ولا يأب ~~كاتب }. ويجوز أن يكون توكيدا للأمر الصريح فى قوله { وليكتب ~~بينكم كاتب بالعدل }. قال القرطبى واختلف الناس فى وجوب ~~الكتابة على الكاتب والشهادة على الشاهد. فقال الطبرى واجب على الكاتب ~~إذا أمر أن يكتب. وقال الحسن ذلك واجب عليه فى الموضع الذى لا يقدر فيه ~~على كاتب غيره فيضر صاحب الدين إن امتنع، فإن كان كذلك فهو فريضة، وإن ~~قدر على كاتب غيره فهو فى سعة إذا قام بها غيره ". # وإلى هنا تكون الآية الكريمة قد قررت مبدأ الكتابة فى الدين، وبينت ~~كيفية الكتابة، وأشارت إلى إجادة الكاتب لها، ونهته عن الامتناع عنها إذا ~~دعى إليها. ثم انتقلت الآية بعد ذلك إلى بيان من يتولى الإملاء فقال - ~~تعالى - { وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ~~ربه ولا يبخس منه شيئا }. والإملال معناه الإملاء. ~~فهما لغتان معناهما واحد. وقد جاء القرآن باللغتين قال - تعالى - # وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى ~~عليه بكرة وأصيلا # أى وعلى المدين الذى عليه الدين وقد التزم بأدائه أن يمل على الكاتب هذا ~~الدين، وذلك ليكون إملاؤه إقرارا به وبالحقوق التى عليه الوفاء بها. ~~وعليه كذلك أن يراقب الله - تعالى - فى إملائه فلا ينقص من الدين الذى ~~عليه شيئا، لأن هذا الإنقاص ظلم حرمه الله - تعالى -. وقد أمر الله - ~~تعالى - بأن يكون الذى يملى على الكاتب هو المدين لأنه هو المكلف بأداء ~~مضمون الكتابة، ولأنه بإملائه يكون قد أقر على نفسه بما عليه، ولأنه لو ~~أفلس الدائن فربما يزيد فى الدين، أو يملى شيئا ليس محل اتفاق بينه وبين ~~المدين، ولأن المدين فى الغالب فى موقف ضعيف فأعطاه الله - تعالى - حق ~~الإملاء على الكاتب حتى لا يغبن من الدائن. فأنت ترى أن الله - تعالى - ~~قد مكن المدين من الإملاء على الكاتب حتى تكون الكتابة تحت سمعه وبصره ~~وباختياره، ms0628 ولكنه فى الوقت نفسه أوجب عليه أمرين تقوى الله وعدم الانقاص ~~من الدين الذى عليه، وإن ذلك لتشريع عادل حكيم لا ظلم فيه لا للدائن ولا ~~للمدين. ثم بين - سبحانه - الحكم فيما إذا كان الذى عليه الدين لا يحسن ~~الإملاء فقال - تعالى - { فإن كان الذي عليه الحق } وهو ~~المدين { سفيها } أى جاهلا بالإملاء أو ناقص العقل، أو متلافا ~~مبذرا لا يحسن تدبير أمره ". { أو ضعيفا } بأن يكون صبيا أو شيخا ~~تقدمت به الشيخوخة. { أو لا يستطيع أن يمل هو } بأن يكون ~~عييا أو أخرس أو لا خبرة له بإملاء أمثال هذه المكاتبات. { فليملل ~~وليه بالعدل } أى فعلى ولى أمره أو من يهمه شأنه ولا يرضى له ~~أن يضيع حقه أن يتولى الإملاء متحريا الحق والعدل فيما يكلف به. وبعد ~~هذا البيان الحكيم عن الكتابة وأحكامها فى شأن الديون، انتقل القرآن إلى ~~الحديث عن الإشهاد فقال - تعالى - { واستشهدوا شهيدين من ~~رجالكم } أى اطلبوا شاهدين عدلين من الرجال ليشهدوا على ما يجرى ~~بينكم من معاملات مؤجلة، لأن هذا الإشهاد يعطى الديون والكتابة توثيقا ~~وتثبيتا. والسين التاء فى قوله " واستشهدوا " للطلب. # قال الآلوسى " وفى اختيار صيغة المبالغة فى { شهيدين } للإيماء ~~إلى من تكررت منه الشهادة، فهو عالم بها مقتدر على أدائها وكأن فيه رمزا ~~إلى العدالة، لأنه لا يتكرر ذلك من الشخص عند الحكام إلا وهو مقبول عندهم ~~ولعله لم يقل رجلين لذلك. والأمر للندب أو للوجوب على الخلاف على ذلك ". ~~وقوله { من رجالكم } متعلق بقوله { واستشهدوا } ومن ~~لابتداء الغاية ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف صفة لشهيدين ومن للتبعيض، ~~أى من رجالكم المسلمين الأحرار فإن الكلام فى معاملتهم. ثم بين - سبحانه ~~- الحكم إذا لم يتيسر شاهدان من الرجال فقال { فإن لم يكونا ~~رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهدآء ~~}. وقوله { ممن ترضون } متعلق بمحذوف على أنه صفة لرجل وامرأتان. ~~أى فإن لم يتيسر رجلان للشهادة فليشهد رجل وامرأتان كائنون مرضيون عندكم ~~بعدالتهم. وهذا الوصف وإن كان فى جميع الشهود إلا أنه ذكر هنا ms0629 للتشديد فى ~~اعتباره، لأن اتصاف النساء به قد لا يتوفر كثيرا. وقوله { من ~~الشهدآء } متلعق بمحذوف حال من الضمير المفعول المقدر فى { ~~ترضون } العائد إلى الموصول أى فليشهد رجل وامرأتان ممن ترضونهم حال ~~كونهم من بعض الشهداء لعلمكم بعدالتهم، وثقتكم بهم. وقوله - تعالى - { ~~ممن ترضون من الشهدآء } أدق فى الدلالة على صدق الشهادة ~~من العدالة، لأن الإنسان العدل قد يكون مرضيا فى دينه وخلقه ولكنه قد ~~يتأثر بالمشاهد المؤثرة فتخونه ذاكرته فى وقت الحاجة إليها، أو قد يكون ~~ممن يمنعه منصبه وجاهه ومقامه فى الناس من الكذب إلا أنه قد يرتكب بعض ~~المعاصى، فجاء - سبحانه - بهذه الجملة الحكيمة لكى يقول للناس. اختاروا ~~الشهداء من الذين يرتضى قولهم، ويقيمون الشهادة على وجهها الحق بدون ~~التأثر بأى نوع من أنواع المؤثرات. هذا، وشهادة النساء مع الرجال تجوز ~~عند الحنفية فى الأموال والطلاق والنكاح والرجعة وكل شىء إلا الحدود ~~والقصاص. وعند المالكية تجوز فى الأموال وتوابعها خاصة، ولا تقبل فى ~~أحكام الأبدان مثل الحدود والقصاص والنكاح والطلاق والرجعة. ثم بين - ~~سبحانه - العلة فى أن المرأتين تقومان مقام الرجل فى الشهادة فقال { أن ~~تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى }. وقال ~~القرطبى معنى تضل تنسى، والضلال عن الشهادة فإنما هو نسيان جزء منها وذكر ~~جزء، ويبقى المرء حيران بين ذلك ضلالا ". والمعنى جعلنا المرأتين بدل رجل ~~واحد فى الشهادة، خشية أن تنسى إحداهما فتذكر كل واحدة منهما الأخرى إذ ~~المرأة لقوة عاطفتها، وشدة انفعالها بالحوادث، قد تتوهم ما لم تر، فكان ~~من الحكمة أن يكون مع المرأة أخرى فى الشهادة بحيث يتذكران الحق فيما ~~بينهما. والعلة فى الحقيقة هى التذكير، ولكن الضلال لما كان سببا فى ~~التذكير، نزل منزلة العلة. # وذلك كأن تقول أعددت السلاح خشيه أن يجىء العدو فأدفعه، فإن العلة هى ~~الدفاع عن النفس، ولكن لما كان مجئ العدو سببا فيه نزل منزلته. وكما أمر ~~الله - سبحانه - الكتاب فى أول الآية بعدم الامتناع عن الكتابة أمر ~~الشهود أيضا بعدم الامتناع عن الشهادة فقال - تعالى ms0630 - { ولا يأب ~~الشهدآء إذا ما دعوا } أى ولا يمتنع الشهود عن أداء الشهادة ~~وتحملها متى دعوا إليها، لأن الامتناع عن تحمل الشهادة وأدائها قد يؤدى ~~إلى ضياع الحقوق. والله - تعالى - قد شرع الشهادة لإحقاق الحق، ونشر ~~العدل بين الناس، فعلى من اشتهروا بالعدالة ووثق الناس بهم أن يؤدوا ~~الشهادة كما أمرهم الله - تعالى -. ثم أمر - سبحانه - بكتابة الدين سواء ~~أكبر الدين أم صغر فقال { ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا ~~أو كبيرا إلى أجله }. السأم الضجر والملل. يقال سئمت الشىء ~~أسأمه سأما وسآمة أى مللته وضجرته. والمعنى وعليكم أيها المؤمنون أن لا ~~تملوا من كتابة الدين إلى الوقت المحدد له سواء أكان هذا الدين كبيرا أم ~~صغيرا، لأن الكتابة فى الحالتين أدعى إلى حفظ الحقوق وصيانتها، وإلى عدم ~~نشوب التنازع أو التخاصم بينكم، ولأن الدين قد يكون صغيرا فى نظر الغنى ~~الملىء، إلا أنه كبير فى نظر الفقير المعسر، ولأن التهاون فى شأن الدين ~~الصغير قد يؤدى إلى التهاون فى شأن الدين الكبير، لذا وجب عليكم أن ~~تنقادوا لشرع الله وأن تكتبوا ما بينكم من ديون. والضمير فى قوله { أن ~~تكتبوه } يعود إلى الدين أو إلى الحق، وقولهك { صغيرا أو ~~كبيرا } حالان من الضمير. أى لا تسأموا أن تكتبوه على كل حال قليلا أو ~~كثيرا، وقدم الصغير على الكبير اهتماما به وانتقالا من الأدنى إلى ~~الأعلى. ثم بين - سبحانه - ثلاث فوائد تعود عليهم إذا ما امتثلوا ما ~~أمرهم الله - تعالى - به، فقال { ذلكم أقسط عند الله }. ~~واسم الإشارة { ذلكم } يعود إلى كل ما سبق ذكره فى الآية من الكتابة ~~والإشهاد ومن عدم الامتناع عنهما، ومن تحرى الحق والعدل. و { أقسط } ~~بمعنى أعدل. يقال أقسط فلان فى الحكم يقسط إقساطا إذا عدل فهو مقسط. قال ~~- تعالى - # إن الله يحب المقسطين # ويقال هو قاسط إذا جار وظلم. قال - تعالى - # وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا # أى ذلكم الذى شرعناه لكم فى أمر الديون من الكتابة والإشهاد وغيرهما ~~أعدل فى علم الله - تعالى -، وكل ما ms0631 كان كذلك فهو الأعدل والأفضل والأحكم ~~فى ذاته، لأنه - سبحانه - هو الأعلم بما فيه مصلحتكم فاستجيبوا له، وتلك ~~هى الفائدة الأولى. أما الفائدة الثانية فهى قوله - سبحانه - { وأقوم ~~للشهادة } ومعنى { وأقوم } أبلغ فى الاستقامة التى هى ضد ~~الاعوجاج. # أى أثبت لها وأعون على إقامتها وأدائها. وأما الفائدة الثالثة فهى قوله ~~{ وأدنى ألا ترتابوا } أى أقرب إلى زوال الشك والريبة. أى ~~أن الأوامر والنواهى السابقة إذا نفذت على وجهها كان تنفيذها أعدل فى علم ~~الله - تعالى - وأعون على إقامة الشهادة إذ بها يتم الاعتماد على الحفظ، ~~وأقرب إلى عدم الشك فى جنس الدين وقدره وأجله، وإذا توفرت هذه الفوائد ~~الثلاث فى المعاملات ساد الوفاق والتعاون بين الناس، أما إذا فقدت فإن ~~الثقة تزول من بينهم، ويحل محلها النزاع والشقاق. ثم أباح - سبحانه - فى ~~التجارة الحاضرة عدم الكتابة فقال { إلا أن تكون تجارة ~~حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا ~~تكتبوها }. والتجارة الحاضرة التى تدور بين التجار هى التى يجرى ~~فيها التقابض فى المجلس أو التى يتأخر فيها الأداء زمنا يسيرا. وسميت ~~حاضرة، لأن المبيع والثمن كلاهما حاضر. والمعنى أن الله - تعالى - يأمركم ~~بكتابة الديون وبالإشهاد عليها إلا أنه - سبحانه - رحمة بكم أباح لكم ~~عدم الكتابة فى التجارة الحاضرة التى تكثرون إدارتها والتعامل فيها، لأنه ~~لو كلفكم بذلك لشق الأمر عليكم، وهو - سبحانه - # وما جعل عليكم فى الدين من حرج # ولأن أمثال هذه التجارات التى يحصل فيها التقابض ويكثر تكرارها، لا ~~يتوقع فيها التنازع أن أو النسيان. والاستثناء هنا منقطع لأنه ليس هناك ~~دين حتى يكتب، وليست التجارة الحاضرة من جنس التعامل بالديون فكأنه قيل ~~إذا تداينتم فتكاتبوا وأشهدوا لكن التجارة الحاضرة التى يجرى فيها ~~التقابض لا جناح عليكم فى عدم كتابتها. وقيل الاستثناء متصل والجملة ~~المستثناة فى موضع نصب لأنه استثناء من الجنس، لأنه أمر بالكتابة فى كل ~~معاملة واستثنى منها التجارة الحاضرة والتقدير آمركم بالكتابة والإشهاد ~~فى كل معاملة إلا فى حال حضور التجارة فلا بأس من ترك الكتابة. و ms0632 { ~~تجارة } قرأها الجمهور بالرفع على أنها اسم تكون، والخبر جملة { ~~تديرونها بينكم }. أو على أنها فاعل تكون إذا اعتبرناها تامة. ~~وقرأها عاصم بالنصب على أنها خبر تكون واسمها ضمير مستتر فيها يعود على ~~التجارة. أى. إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة. وقوله - تعالى - { ~~وأشهدوا إذا تبايعتم } أمر منه - سبحانه - بالإشهاد عند ~~البيع، وهذا الأمر للإرشاد والتعليم عند جمهور العلماء. ويرى الظاهرية ~~أنه للوجوب. قال صاحب الكشاف هذا أمر بالإشهاد على التبايع مطلقا ناجزا ~~أو كالئا - أى مؤجلا - لأنه أحوط وأبعد مما عسى يقع من الاختلاف. ويجوز ~~أن يراد وأشهدوا إذا تبايعتم هذا التبايع. يعنى التجارة الحاضرة على أن ~~الإشهاد كاف فيه دون الكتابة، وعن الضحاك هى عزيمة من الله ولو على باقة ~~بقل ". # ثم نهى - سبحانه - عن المضارة فقال { ولا يضآر كاتب ولا ~~شهيد }. والمضارة إدخال الضرر. والفعل { يضار } يحتمل أن يكون مبنيا ~~للفاعل، وأن أصله " لا يضارر - بكسر الراء - ويحتمل أن يكون مبنيا ~~للمفعول. وأن أصله لا يضارر بفتح الراء الأولى. والمعنى على الأول نهى ~~الكاتب والشاهد عن أن ينزلا ضررا بأحد المتعاقدين، بأن يبخس الكاتب ~~أحدهما، أو يشهد بغير الحق. والمعنى على الثانى وهو الظاهر - نهى الدائن ~~والمدين عن أن ينزل أحدهما ضررا بالكاتب أو الشاهد لحملهما على كتابة ~~غير الحق أو قول غير الحق، فإنهما أمينان، والإضرار بهما قد يحملهما على ~~الخيانة وفى ذلك ضياع للأمانة وذهاب للثقة. ولذا قال - تعالى - بعد ذلك { ~~وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم }. أى وإن تفعلوا ما نهيتم ~~عنه أو تخالفوا ما أمرتم به، فإنكم بذلك تكونون قد خرجتم عن طاعة الله، ~~وتلبستم بمعصيته، وصرت أهلا لعقوبته، فعليكم أن تقفوا عند حدود الله حتى ~~تتحقق لكم السعادة فى دينكم ودنياكم. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ~~بالأمر بخشيته. وبتذكيرهم بنعمه فقال { واتقوا الله ~~ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم }. أى واتقوا ~~الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، فهو - سبحانه - الذى يعلمكم ما يصلح لكم ~~أمر دنياكم وما يصلح لكم أمر دينكم متى اتقيتموه ms0633 واستجبتم له، وهو - ~~سبحانه - بكل شىء عليم لا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء. وبعد ~~فهذه هى آية الدين التى هى أطول آية فى القرآن، تقرؤها فتراها قد اشتملت ~~على أدق التشريعات، وأحكم التوجيهات، وأنجع الإرشادات التى تهدى إلى حفظ ~~الحقوق وضبطها وتوثيقها بمختلف الوسائل. تقرؤها فترى الدقة العجيبة فى ~~الصياغة بأن وضع كل لفظ فى مكانه المناسب، وترى الطلاوة فى التعبير، ~~والعذوبة فى الألفاظ بحيث لا تطغى دقة الصياغة على جمال العرض. وترى ~~الوفاء الكامل، لكل الجوانب التشريعية والاحتراس التام من كل المؤثرات ~~التى قد تؤثر على سلامة التعاقد، والإرشاد الجامع إلى كل ما يضمن وصول ~~الحق والعدل إلى جميع الأطراف بدون محاباة أو غبن. وترى قبل ذلك وبعد ذلك ~~كيف يسوق القرآن تشريعاته بطريقة تغرس فى النفوس الخوف من الله - تعالى - ~~والمراقبة له، والاستجابة لأوامره، لا كطريقة البشر فى قوانينهم التى ~~صاغوها فى قوالب صماء من الألفاظ لا تشعر معها بتأثير فى النفس، ولا ~~باهتزاز فى القلب. ولو لم يكن فى شريعة الله سوى هذا التأثير الذى تشعر ~~به النفوس النقية الصافية عند تدبرها لكفاها ذلك دليلا على سموها وفضلها ~~وعلى أنها من صنع الله - تعالى - ولو أن المسلمين أخذوا بها وبتوجيهاتها ~~فى سائر شئونهم لظفروا بالسعادتين الدينية والدنيوية. ثم بين - سبحانه - ~~ما يحب على المسلمين فعله إذا لم يتمكنوا من كتابة ديونهم بأن كانوا ~~مسافرين وليس معهم كاتب فقال - تعالى - { وإن كنتم على سفر ~~ولم تجدوا... }. ### || [2.283] # الرهان جمع رهن بمعنى مرهون من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول وقرأ ~~ابن كثير وأبو عمر { فرهن مقبوضة } وأصل الرهن فى كلام العرب ~~يدل على الحبس قال - تعالى - # كل نفس بما كسبت رهينة # ومعنى الرهن أن يوضع شىء يناسب قيمة الدين من متاع المدين بيد الدائن ~~توثقه له فى دينه، ليستطيع أن يستوفى حقه من هذا الشىء المرهون عند تعذر ~~الدفع. والمعنى وإن كنتم. أيها المؤمنون - مسافرين وتداينتم بدين إلى أجل ~~مسمى، ولم تجدوا كاتبا يكتب لكم ms0634 ديونكم، أو لم تتيسر لكم أسباب الكتابة ~~لأى سبب من الأسباب، فإنه فى هذه الحالة يقوم مقام الكتابة رهان مقبوضة ~~صاحب الدين ضمانا لحقه عند تعذر أخذه من الغريم. وفى التعبير بقوله { ~~على سفر } استعارة تبعية حيث شبه تمكنهم فى السفر بتمكن الراكب من ~~مركوبه. وفيه كذلك إشارة إلى اضطراب الحال، لأن حال المسافر يغلب عليها ~~التنقل وعدم الاستقرار. وجملة { ولم تجدوا كاتبا } معطوفة على ~~فعل الشرط، أى وإن كنتم مسافرين ولم تجدوا، كاتبا فتكون فى محل جزم ~~تقديرا. ويجوز أن تكون الواو للحال والجملة بعدها فى محل نصب على الحال. ~~وقوله { فرهان مقبوضة } خبر لمبتدأ محذوف والتقدير فالذى ~~يستوثق به رهان مقبوضة. أو مبتدأ محذوف الخبر والتقدير فعليكم رهان ~~مقبوضة. ومن الأحكام التى أخذها الفقهاء من هذه الآية الكريمة أن تعليق ~~الرهان على السفر ليس لكون السفر شرطا فى صحة الرهان، فإن التعامل ~~بالرهان مشروع فى حالتى السفر والحضر، وإنما علق هنا على السفر لأنه مظنة ~~تعسر الكتابة لما فيه من التنقل وعدم الاستقرار. وقد ثبت فى الصحيحين عن ~~أنس " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفى ودرعه مرهونة عند يهودى على ~~ثلاثين وسقا من شعير رهنها قوتا لأهله ". ومن الواضح أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عندما رهن درعه لليهودى كان مقيما ولم يكن مسافرا. قال ~~القرطبى " ولم يرو عن أحد منع الرهن فى الحضر سوى مجاهد والضحاك وداود ~~متمسكين بالآية، ولا حجة فيها لهم، لأن هذا الكلام وإن خرج مخرج الشرط ~~فالمراد به غالب الأحوال. وليس كون الرهن فى الآية فى السفر مما يحظر فى ~~غيره ". كذلك أخذ بعض الفقهاء من قوله { فرهان مقبوضة } أن ~~الرهن لا يتم إلا بالقبض، فإذا افترق المتعاقدان من غير قبض كان الرهن ~~غير صحيح بنص الآية وهذا مذهب الأحناف والشافعية، ويرى المالكية ~~والحنابلة أن الرهن يتم من غير القبض، لأن القبض حكم من أحكامه، فمن حق ~~الدائن بعد تمام عقد الرهن أن يطالب بقبض العين المرهونة، فالقبض حكم من ms0635 ~~أحكام العقد، وليس ركنا من أركانه ولا شرطا لتمامه. # وقوله { فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن ~~أمانته وليتق الله ربه } تفريع على أحكام الديون ~~السابقة، وحض على أداء الأمانة وعلى حسن المعاملة. أى فإن أمن الدائن ~~المدين واعتمد على ذمته ووفائه ولم يوثق الدين بالكتابة والشهود والرهن، ~~فعلى المدين أن يكون عند حسن ظن الدائن به بأن يؤدى ما عليه من ديون فى ~~الموعد المحدد بدون تسويف أو مماطلة، وعليه كذلك أن يتقى الله ربه فى ~~رعاية حقوق غيره فلا يجحدها ولا يتأخر فى أدائها لأن الله العليم بكل شىء ~~سيحاسب كل إنسان بما قدمت يداه. وعبر - سبحانه - بقوله { فإن أمن } ~~دون أو أودع، للإشارة إلى الجانب الذى اعتمد عليه الدائن فى المدين وهو ~~خلق الأمانة، فهو لا يرى فيه إلا جانبا مأمونا لا يتوقع منه شرا أو ~~خيانة، وللتنبيه إلى أن صفة الأمانة والوفاء من الصفات التى يجب أن يتحلى ~~بها المؤمنون جميعا حتى ينالوا السعادة فى دينهم ودنياهم، عبر بقوله { ~~فليؤد الذي اؤتمن } ولم يقل فليؤد المدين لحضه على الأداء ~~بأحسن أسلوب، لأنه ما دام الدائن قد ائتمنه على ما أعطاه من ديون، فعلى ~~هذا الذى اؤتمن وهو المدين أن يكون عند حسن الظن به وأن يرد إليه حقه فى ~~موعده مع شكره على حسن ظنه به. وقوله { أمانته } أى دينه. والضمير ~~يصح أن يعود إلى الدائن باعتباره مالك الدين، وإلى المدين باعتبار أن ~~الدين عليه، وفى إضافتها - أى الأمانة - إلى المدين إشعار له بأنها عبء ~~فى ذمته يجب أن يؤديه حتى يتخلص من تكاليفه، إذ الأمانة عبء ثقيل عند ~~العقلاء الذين يشعرون بالمسئولية نحو أنفسهم ونحو غيرهم. وجمع - سبحانه - ~~بين صفتى الألوهية والربوبية فى قوله { وليتق الله ربه } ~~للمبالغة فى التحذير من الخيانة والمماطلة فإنهما يغضبان الله - تعالى - ~~الذى خلق الإنسان ورباه وأسبغ عليه نعمه الظاهرة والباطنة، ولإشعار هذا ~~المدين بأن التقوى هى الوثيقة الكبرى التى لا تعدلها وثيقة أخرى فى كتابة ~~أو شهادة أو رهان. ms0636 وبذلك نرى لونا من ألوان التدرج الحكيم فى شريعة الله ~~- تعالى - فأنت ترى أن الله - تعالى - قد بين قبل ذلك أن الكتابة فى ~~الديون والإشهاد عليها مطلوبان، فإن تعذرت الكتابة والشهادة لسبب من ~~الأسباب فإنه يترخص حينئذ بالرهن المقبوض. فإن تعذر على المدين المحتاج ~~أن يدفع للدائن رهنا يكون الاعتماد على الأمانة التى هى صفة من صفات ~~الصادقين. فياله من تشريع حكيم، بين للناس ما يصلح شأنهم فى دينهم وفى ~~دنياهم. ثم أمر الله تعالى - عباده بأن يؤدوا الشهادة على وجهها وألا ~~يكتموها فقال - تعالى - { ولا تكتموا الشهادة ومن ~~يكتمها فإنه آثم قلبه }. # أى وعليكم - أيها المؤمنون - ألا تمتنعوا عن أدائها إذا دعيتم إليها ~~وألا تخفوها فإن الذى يخفيها ويمتنع عن أدائها يكون معاقبا من الله - ~~تعالى - بسبب ارتكابه لما نهى عنه. وقد أسند - سبحانه - الإثم إلى القلب ~~خاصة مع أن الإثم يسند إلى الشخص، لأن الإثم فى كتمان الشهادة عمل ~~القلب لا عمل الجوارح، ولأن القلب أساس كل خير وكل شر، ففى الحديث الشريف # " ألا وإن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد ~~كله ألا وهى القلب ". # قال صاحب الكشاف فإن قلت هلا اقتصر على قوله { فإنه آثم } وما ~~فائدة ذكر القلب والجملة هى الآثمة لا القلب وحده؟ قلت كتمان الشهادة هو ~~أن يضمرها ولا يتكلم بها. فلما كان إثما مقترنا بالقلب أسند إليه لأن ~~إسناد الفعل إلى الجارحة التى يعمل بها أبلغ، ألا تراك تقول إذا أردت ~~التوكيد هذا مما أبصرته عينى، ووعاه قلبى. ولأن القلب هو رئيس الأعضاء ~~فكأنه قيل ومن يكتمها فقد تمكن الإثم من أصل نفسه، وملك أشرف مكان فيه ~~ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام التى تتعلق باللسان فقط. وليعلم أن ~~القلب أصل متعلقه ومعدن اقترافه، واللسان ترجمان عنه. ولأن أفعال القلوب ~~أعظم من أفعال سائر الجوارح، وهى لها كالأصول التى تتشعب عنها. ألا ترى ~~أن أصل الحسنات والسيئات الإيمان والكفر. وهما من أفعال القلوب فإذا جعل ~~كتمان ms0637 الشهادة من آثام القلوب فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب. وقوله { ~~آثم } خبر إن و { قلبه } رفع بآثم على الفاعلية كأنه قيل فإنه يأثم ~~قلبه. ويجوز أن يرتفع قلبه بالابتداء. وآثم خبر مقدم. والجملة خبر إن ~~والضمير للشأن ". ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله { والله بما ~~تعملون عليم } أى والله - تعالى - عليم بكل أعمالكم وأقوالكم ~~وسائر شئونكم وسيجازى المحسنين إحسانا، والمسيئين سوءا فعليكم أيها ~~المؤمنون أن تستجيبوا لأوامر الله، وأن تجتنبوا ما نهاكم عنه حتى تكونوا ~~من السعداء. فالجملة الكريمة تذييل قصد به الوعد الحسن للمؤمنين ~~الصادقين، والوعيد الشديد للعصاة المسيئين، حتى يزداد المؤمنون إيمانا، ~~ويقلع العصاة عن عصيانهم وسيئاتهم. وبعد هذا البيان الجامع الحكيم لطرق ~~التعامل التى أباحها الله - تعالى - لعباده والتى حرمها عليهم، بين ~~سبحانه - أن ما فى السماوات والأرض ملك له، وأنه سيحاسب عباده بما يقتضيه ~~علمه الشامل، وإرادته النافذة فقال - تعالى -. { لله ما فى ~~السماوات وما في... }. ### || [2.284] # ما دام الأمر كذلك فعليكم - أيها المؤمنون - أن تبذلوا نهاية جهدكم فى ~~العمل الصالح الذى بين أيديكم إنما هو عارية مستردة، وأن المالك الحقيقى ~~له إنما هو الله رب العالمين، فأنفقوا من هذا المال - الذى هو أمانة بين ~~أيديكم - فى وجوه الخير واجمعوه من طريق حلال، وكونوا من القوم العقلاء ~~الصالحين الذين لم تشغلهم دنياهم عن أخراهم، بل كانوا كما قالوا # ربنآ آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا ~~عذاب النار # وقوله - سبحانه - # وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم ~~به الله # بيان لشمول علم الله - تعالى - لما أظهره الإنسان أو أخفاه من أقوال ~~وأعمال، وأنه سيحاسبه على ذلك بما يستحقه من خير أو شر. والجملة الكريمة ~~صريحة فى أن الله - تعالى - يحاسب العباد على نياتهم وما تكسبه قلوبهم ~~سواء أأخفوه أم أظهروه. وقد بين المحققون من العلماء أن هذه المحاسبة ~~إنما تكون على ما يعزم عليه الإنسان وينويه ويصر على فعله، سواء أنفذ ما ~~اعتزم عليه أم حالت دونه حوائل خارجة عن إرادته كمن عزم ms0638 على السرقة واتخذ ~~الوسائل لذلك ولكن لم يستطع التنفيذ لأسباب لم يتمكن معها من السرقة التى ~~أصر عليها. أما الخواطر النفسية التى تجول فى النفس، وتعرض للإنسان دون ~~أن يعزم على تنفيذها، فإنها ليست موضع مؤاخذة، بل إن التغلب عليها، وكفها ~~بعد مكافحتها يجعله أهلا للثواب. ففى الصحيحين عن أبى هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " قال الله - تعالى - إذا هم عبدى بسيئة فلا تكتبوها عليه فإن عملها ~~فاكتبوها سيئة، وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإن عملها ~~فاكتبوها عشر ". # وروى الجماعة فى كتبهم عن أبى هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " إن الله تجاوز لى عن أمتى ما وسوست به صدورها ما لم تعمل أو تتكلم ". # قال الفخر الرازى الخواطر الحاصلة فى القلب على قسمين فمنها ما يوطن ~~الإنسان نفسه عليه ويعزم على إدخاله فى الوجود، ومنها مالا يكون كذلك، ~~بل تكون أمورا خاطرة بالبال مع أن الإنسان يكرهها ولكنه لا يمكنه دفعها ~~عن النفس. فالقسم الأول يكون مؤاخذا به. والثانى لا يكون مؤاخذا به، ألا ~~ترى إلى قوله - تعالى - # لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم # وقال الآلوسى المؤاخذة على تصميم العزم على إيقاع المعصية فى الأعيان ~~وهو من الكيفيات النفسانية التى تلحق بالملكات، وليس كذلك سائر ما يحدث ~~فى النفس - أى من خواطر لا تصميم ولا عزم معها - قال بعضهم # مراتب القصد خمس هاجس ذكروا فخاطر فحديث النفس فاستمعا يليه هم فعزم ~~كلها رفعت سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقعا # وقوله - تعالى - { فيغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء } ~~بيان لنتيجة المحابة التى تكون من الخالق - عز وجل - لعباده. أى أنه - ~~سبحانه - بمقتضى علمه الشامل، وإرادته النافذة، يحاسب عباده على ما أسروه ~~وما أعلنوه من أقوال وأعمال، فيغفر بفضله لمن يشاء أو يغفر له، ويعذب ~~بعدله من يشاء أن يعذبه، لا راد لمشيئته ولا معقب لحكمه. وقوله { فيغفر } ~~ويعذب، قرأه عاصم وابن عامر ويعقوب وأبو جعفر برفع ms0639 الراء والباء على ~~الاستئناف أى فهو يغفر. وقرأ الباقون بإسكانهما عطفا على جواب الشرط وهو ~~قوله { يحاسبكم }. وقوله { والله على كل شيء قدير ~~} تذييل مقرر لمضمون ما قبله فإن كمال قدرته - سبحانه - على جميع الأشياء ~~موجب لقدرته على ما سبق ذكره من المحاسبة لعباده، وإثابة من يشاء إثابته ~~وتعذيب من يشاء تعذيبه، فهو القاهر فوق عباده، وهو الحكيم الخبير. ثم ختم ~~- سبحانه - سورة البقرة بآيتين كريمتين فى أولاهما أن رسالة النبى صلى ~~الله عليه وسلم امتداد للرسالات السماوية السابقة وخاتمة لها ومهيمنة ~~عليها، وبين فى الثانية أنه - سبحانه - لم يكلف الناس إلا بما فى قدرتهم، ~~وأنهم سيحاسبون على أعمالهم، وأن من شأن الأخيار أن يكثروا من التضرع ~~إليه بخلاص الدعاء. قال - تعالى - { آمن الرسول بمآ أنزل ~~إليه من ربه... }. ### || [2.285-286] # قوله { آمن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون } استئناف قصد به الإخبار عن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم والمؤمنين بما يشرفهم ويعلى من أقدارهم ومنازلهم. أى صدق الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بما أنزل إليه من ربه فى هذه السورة وغيرها من العقائد ~~والأحكام والسنن والبينات والهدايات تصديق إذعان وإقرار وإطمئنان، وكذلك ~~المؤمنون الذين صدقوه واتبعوه آمنوا بما آمن به رسولهم وداعيهم إلى الحق ~~صلى الله عليه وسلم. وقد قرن - سبحانه - إيمان المؤمنين بإيمان رسولهم ~~صلى الله عليه وسلم تشريفا لهم وللإشارة إلى أنهم متى صدقوا فى إيمانهم ~~كانت منزلتهم عند الله - تعالى - قريبة من منازل الأنبياء - عليهم الصلاة ~~والسلام -. وفى تأخيرهم فى الذكر إشارة إلى تأخر التابع عن المتبوع، ~~وإشارة إلى أن النبى صلى الله عليه وسلم هو أول من آمن بما أوحى إليه من ~~ربه، وهو أقوى الناس إيمانا، وأصدقهم يقينا. وأكثرهم استجابه لأوامر ~~الله. وقوله { كل آمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله } بيان للإيمان الكامل الذى اعتقدوه وصدقوا به. أى كل فريق ~~من هذين الفريقين وهما الرسول والمؤمنون آمن إيمانا تاما بوجود الله - ~~تعالى - ووحدانيته، وكمال صفاته، ووجوب الخضوع والعبادة له، وبوجود ~~الملائكة وأنهم عباد مكرمون # لا ms0640 يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # كما آمنوا بكتب الله التى أنزلها لسعادة البشر، وبرسله الذين أرسلهم ~~لإخراج الناس من الظلمات إلى النور. ثم بين - سبحانه - أن من صفات هؤلاء ~~الأخيار أنهم لا يفرقون بين رسل الله - تعالى - فقال { لا نفرق ~~بين أحد من رسله } أى يقولون لا نفرق فى الإيمان بين رسل ~~الله - تعالى - وإنما نؤمن بهم جميعا، ونصدق برسالة كل رسول أرسله الله ~~- تعالى - ولا نقول كما قال الضالون # نؤمن ببعض ونكفر ببعض # ثم حكى - سبحانه - ما قالوه مما يدل على صدق إيمانهم، ونقاء نفوسهم ~~وطهارة قلوبهم فقالوا { وقالوا سمعنا وأطعنا } أى وقالوا ~~سمعنا قولك وفهمناه، وامتثلنا أمرك - يا الهنا - واستقمنا عليه، وصبرنا ~~على تكاليفه بكل رضا واستسلام. { غفرانك ربنا } أى اغفر لنا ~~غفرانك الذى هو من فضل رحمتك ونعمك فأنت ربنا وخالقنا والعليم بأحوالنا ~~وبضعفنا. فقوله { غفرانك } مصدر منصوب على المفعول المطلق والعامل ~~فيه مقدر أى اغفر غفرانك. وقوله { وإليك المصير } أى وإليك وحدك ~~المرجع والمآب، ومنك وحدك يكون الحساب والثواب والعقاب، # يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله ~~بقلب سليم # وبذلك نرى أن هذه الآية الكريمة قد مدحت الرسول صلى الله عليه وسلم ~~مدحا عظيما، ومدحت أتباعه المؤمنين الصادقين لاستجابتهم لأوامر الله ~~ونواهيه، وتضرعهم إليه بخالص الدعاء أن يغفر لهم ما فرط منهم. # ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر رحمته بعباده فقال { لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها } والوسع - كما يقول الزمخشرى -ما يسع ~~الإنسان، ولا يضيق عليه، ولا يحرج فيه، أى لا يكلفها إلا ما يتسع فيه ~~طوقه، ويتيسر عليه دون مدى الطاقة والمجهود. وهذا إخبار عن عدله. ورحمته ~~كقوله - تعالى - # يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر # لأنه كان فى إمكان الإنسان وطاقته أن يصلى أكثر من الخمس، ويصوم أكثر ~~من الشهر، ويجمع أكثر من حجة. فالجملة الكريمة تحكى لنا بعض مظاهر فضل ~~الله علينا ورحمته بنا، حيث كلفنا بما تسعه قدرتنا، وتستطيعه نفوسنا، وقد ~~حكى القرآن هذا المعنى فى ms0641 آيات كثيرة، منها قوله - تعالى - # وما جعل عليكم فى الدين من حرج # وقوله - تعالى - # يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا # وإذا كانت بعض التكاليف التى كلفنا الله بها فيها مشقة، فإن هذه المشقة ~~محتملة وفى وسع الإنسان وقدرته وطاقته، وسيثيبنا الله - تعالى - عليها ~~ثوابا جزيلا، فهو القائل # إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب # ثم بين - سبحانه - أن كل نفس ستجازى بما عملت فقال { لها ما كسبت ~~وعليها ما اكتسبت } أى لها وحدها ثواب ما كسبت من حسنات بسبب ~~أعمالها الصالحة، وعليها وحدها عقاب ما اكتسبت من سيئات بسبب أعمالها ~~القبيحة. قال صاحب الكشاف فإن قلت لم خص الخير بالكسب، والشر بالاكتساب؟ ~~قلت. فى الاكتساب اعتمال، فلما ان الشر مما تشتهيه النفس وهى منجذبة إليه ~~وأمارة به، كانت فى تحصيلة أعمل وأجد، فجعلت لذلك مكتسبة فيه، ولما لم ~~تكن كذلك فى باب الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال ". وقال ~~الأستاذ الإمام محمد عبده " لا شك أن الميل إلى الخير مما أودع فى نفس ~~الإنسان والإنسان يفعل الخير بطبعه وتكون فيه لذته. ولا يحتاج إلى تكلف ~~فى فعل الخير، لأنه يعلم أن كل أحد يرتاح إليه ويراه بعين الرضا وأما ~~الشر فإنه يعرض للنفس بأسباب ليست من طبيعتها ولا من مقتضى فطرتها ومهما ~~كان الإنسان شريرا فإنه لا يخفى عليه أن الشر ممقوت عند الناس وصاحبه ~~مهين عندهم.. وهكذا شأن الإنسان عند اقتراف كل شر يشعر فى نفسه بقبحه، ~~ويجد من أعمال سريرته هاتفا يقول له لا تفعل، ويحاسبه بعد الفعل ويوبخه ~~إلا فى النادر.. ". وبعد بيان سنة الله - تعالى - فى التكليف وفى الجزاء ~~عليه، ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتلك الدعوات الجامعات للسعادة حتى ~~يكثر المؤمنون من التضرع بها فقال - تعالى - { ربنا لا تؤاخذنا ~~إن نسينآ أو أخطأنا } أى ربنا يا واسع العفو والمغفرة لا ~~تؤاخذنا أى لا تعاقبنا { نسينآ } أمرك ونهيك { أو أخطأنا } ~~ففعلنا خلاف الصواب جهلا منا بوجهه الشرعى. # فأنت ترى أن هؤلاء الذين اتقوا ربهم، ms0642 فصفت نفوسهم، وطهرت قلوبهم، وخشعت ~~جوارحهم، يتضرعون إلى الله أن يغفر لهم ما فرط فمنهم نسيانا أو خطأ، ~~وذلك لأن المؤمن عندما يصل إلى هذه الدرجة من التقوى والصفاء يشعر بأن ~~الله - تعالى - يحاسبه على مالا حساب عليه، ويشعر بأن حسناته - مهما كثرت ~~- فهى قليلة بجانب هفواته وسيئاته، فهو لشدة خشيته من الله يرجح جانب ~~المؤاخذة على جانب العفو فيكثر من الضراعة والدعاء. وقد أشار صاحب الكشاف ~~إلى هذا المعنى بقوله فإن قلت النسيان والخطأ متجاوز عنهما فما معنى ~~الدعاء بترك المؤاخذة بهما؟ قلت... لأنهم كانوا متقين الله حق تقاته، فما ~~كانت تفرط منهم فرطة إلا على وجه النسيان والخطأ. فكأن وصفهم بالدعاء ~~بذلك إيذانا ببراءة ساحتهم عما يؤاخذون به. كأنه قيل إن كان النسيان ~~والخطأ مما يؤاخذ به، فما فيهم سبب مؤاخذة إلا الخطأ والنسيان. ويجوز أن ~~يدعو الإنسان بما علم أنه حاصل له قبل الدعاء من فضل الله لاستدامته ~~والاعتداد بالنعمة فيه ". هذا هو الدعاء الأول الذى حكاه القرآن عن ~~المؤمنين الصادقين. أما الدعاء الثانى فهو قوله - سبحانه - { ربنا ~~ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على الذين من ~~قبلنا }. والإصر فى اللغة الثقل والشدة. مأخوذ من أصر بمعنى حبس، ~~فكأنه يحبس صاحبه فى مكانه فيمنعه من الحركة. والمعنى أن أولئك يضرعون ~~إلى الله - تعالى - ألا يلقى تكاليف وأعباء شديدة، يثقل عليهم حملها ~~ويعجزون عن أدائها، كما كان الحال بالنسبة للذين سبقوهم فقد كلف الله - ~~تعالى - بنى إسرائيل بتكاليف شاقة ثقيلة بسبب تعنتهم وفسوقهم عن أمره، ~~ومن ذلك تكليفهم بقتل أنفسهم إذا أرادوا أن يتوبوا توبة صادقة، وتحريم ~~بعض الطيبات عليهم بسبب ظلمهم قال - تعالى - # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم... # قال الرازى والمؤمنون إنما طلبوا هذا التخفيف لأن التشديد مظنة التقصير. ~~والتقصير موجب للعقوبة، ولا طاقة لهم بعذاب الله - تعالى - فلا جرم ~~التمسوا السهولة فى التكاليف. أما الدعاء الثالث فهو قوله - تعالى - { ~~ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به }. الطاقة - كما يقول ~~الراغب - اسم لمقدار ms0643 ما يمكن للإنسان أن يفعله بمشقة، وذلك تشبيه بالطوق ~~المحيط، فقوله - تعالى - { ولا تحملنا ما لا طاقة لنا ~~به } أى ما يصعب علينا مزاولته، وليس معناه لا تحملنا ما لا قدرة لنا ~~به ". # فالطاقة على هذا تكون فيما فعله بأقصى القدرة والقوة. أى ونسألك يا ربنا ~~ألا تحلمنا ما هو فوق طاقتنا وقدرتنا من المصائب والعقوبات وغير ذلك من ~~الأمور التى لا نستطيعها. وهذا الدعاء هو تدرج مترتب على الدعاء السابق، ~~فهم هنا يلتمسون منه - سبحانه - ألا ينزل بهم ما هو فوق قدرتهم وطاقتهم ~~من بلايا ومحن، بعد أن التمسوا منه ألا يكلفهم بتكاليف شاقة ثقيلة كما ~~كلف الذين من قبلهم. ثم حكى القرآن دعاءهم الرابع والخامس والسادس فقال { ~~واعف عنا واغفر لنا وارحمنآ } أى نسألك يا ربنا أن تعفو ~~عنا بأن تمحو عنا ما ألممنا به من ذنوب وتتجاوز عنها، وأن تغفر لنا ~~سيئاتنا بأن تسترها ولا تفضحنا بإظهارها فأنت وحدك الغفار الستار. وأن ~~ترحمنا برحمتك السابغة التى شملت كل شىء، فإننا مع تقصيرنا فى طاعتك نأمل ~~ألا تحرمنا من رحمتك فأنت تراهم قد تضرعوا إلى ربهم أن يعفو عنهم بأن ~~يسقط عنهم العقاب وأن يغفر لهم بأن يستر عليهم ذنوبهم فلا يفضحهم بها، ~~وأن يشملهم بعطفه ورحمته. وهى دعوات تدل على رقة إحساسهم، ونقاء نفوسهم، ~~وشدة خشيتهم من ربهم، وشعورهم نحوه بالتقصير مهما قدموا من أعمال صالحة. ~~ثم ختموا دعاءهم بقوله - تعالى - { أنت مولانا فانصرنا على ~~القوم الكافرين } أى أنت مولانا وناصرنا وحافظنا ومعيننا وممدنا ~~بالخير والهدى فانصرنا يا ربنا على القوم الكافرين لكى تكون كلمتك هى ~~العليا، وكلمة الذين كفروا هى السفلى. وقولهم { أنت مولانا } يدل ~~على نهاية خضوعهم وتذللهم وطاعتهم لله رب العالمين، لأنهم قد اعترفوا ~~بأنه - سبحانه - هو المتولى لكل نعمة يصلو إليها. قال ابن كثير وقد ورد ~~فى صحيح مسلم عن النبى - صلى الله عليه وسلم - # " أن الله - تعالى - قال عقب كل دعوة من هذه الدعوات قد فعلت ". # وروى البخارى والجماعة عن ابن مسعود ms0644 قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة فى ليلة كفتاه ". # وروى الإمام أحمد عن أبى ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطهن نبى قبلى ". # وبعد فهذه هى سورة البقرة التى اشتملت على ما يشفى الصدور، ويهدى ~~القلوب، ويصلح النفوس من توجيهات سامية، وآداب حميدة، وعقائد، سليمة، ~~وتشريعات حكيمة، وأمثال هادبة، وقصص من شأنه أن يغرس فى النفوس الخلق ~~القويم، وأن يغريها بالاتعاظ والاعتبار حتى تكون ممن رضى الله عنهم ورضوا ~~عنه. ولقد سبق لنا أن تكلمنا قبل البدء فى تفسيرها عن وقت نزولها، وعن ~~فضلها وعن مقاصدها الإجمالية... والله نسأل أن ينفعنا بها وبكتابة ~~الكريم، وأن يجعل أقوالنا وأعمالنا خالصة لوجهه، ونافعة لعباده. اللهم ~~اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور أبصارنا وبصائرنا، وجلاء همنا وحزننا، ~~وأعنا على إتمام ما قصدناه بفضلك ورعايتك يا أكرم الأكرمين. وصلى الله ~~على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن سار على طريقته إلى يوم ~~الدين. ### | [3 - سورة آل عمران] ### || [3.1-6] # افتتحت سورة آل عمران ببعض حروف التهجى وهو قوله - تعالى - { الم }.. ~~ويبلغ عدد السور القرآنية التى افتتحت بالحروف المقطعة تسعا وعشرين سورة. ~~وقد وقع خلاف بين العلماء فى المعنى المقصود من حروف التهجى التى افتتحت ~~بها بعض السور القرآنية ويمكن إجمال اختلافهم فى رأيين رئيسيين الرأى ~~الأول يرى أصحابه أن المعنى المقصود منها غير معروف، فهى من المتشابه ~~الذى استأثر الله بعلمه. وإلى هذا الرأى ذهب ابن عباس - فى إحدى الروايات ~~عنه - كما ذهب إليه الشعبى، وسفيان الثورى وغيرهما من العلماء، فقد أخرج ~~ابن المنذر وغيره عن الشعبى أنه سئل عن فواتح السور فقال " إن لكل كتاب ~~سرا، وإن سر هذا القرآن فواتح السور " وروى عن ابن عباس أنه قال " عجزت ~~العلماء عن إدراكها ". وعن على بن أبى طالب أنه قال " إن لكل كتاب صفوة ~~وصفوة هذا الكتاب حروف التهجى " وفى رواية أخرى للشعبى أنه ms0645 قال " سر الله ~~فلا تطلبوه ". ومن الاعتراضات التى وجهت إلى هذا الرأى أنه إذا كان ~~الخطاب بهذه الفواتح غير مفهوم للناس لأنه من المتشابه فإنه يترتب على ~~ذلك أنه كالخطاب بالمهمل، أو مثله كمثل التكلم بلغة أعجمية مع أناس عرب ~~لا يفهمونها. وقد أجيب عن ذلك بأن هذه الألفاظ لم ينتف الإفهام عنها عند ~~كل الناس. فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يفهم المراد بها، وكذلك بعض ~~الصحابة المقربين، ولكن الذى ننفيه أن يكون الناس جميعا فاهمين لمعنى هذه ~~الحروف المقطعة فى أوائل بعض السور. وهناك مناقشات للعلماء حول هذا الرأى ~~لا مجال لذكرها هنا. أما الرأى الثانى فيرى أصحابه أن المعنى المقصود ~~منها معلوم. وأنها ليست من المتشابه الذى استأثر الله بعلمه. وأصحاب هذا ~~الرأى قد اختلفوا فيما بينهم فى تعيين هذا المعنى المقصود على أقوال ~~كثيرة من أهمها 1- أن هذه الحروف أسماء للسور، بدليل قول النبى صلى الله ~~عليه وسلم # " من قرأ حم السجدة حفظ إلى أن يصبح " # وبدليل اشتهار بعض السورة بالتسمية بها، كسورة " ص " وسورة " يس " وسورة ~~" ق ".. الخ. ولا يخلو هذا القول من ضعف لأنه لا يلزم من التسمية ببعضها ~~أن تكون جميع الحروف المقطعة أسماء للسور التى بدئت بها، ولأن كثيرا من ~~السور قد افتتحت بلفظ واحد من هذه الفواتح، فلو كانت أسماء للسور لم ~~تتكرر لمعان مختلفة لأن الغرض من التسمية رفع الاشتباه. 2- وقيل إن هذه ~~الحروف قد جاءت هكذا فاصلة للدلالة على انقضاء سورة وابتداء أخرى. # 3- وقيل إنها حروف مقطعة بعضها من أسماء الله - تعالى - وبعضها من ~~صفاته، فمثلا { الم } أصلها أنا الله أعلم. 4- وقيل إنها اسم الله ~~الأعظم. إلى غير ذلك من الأقوال التى لا تخلو من مقال، والتى أوصلها ~~السيوطى فى كتابه " الإتقان " إلى أكثر من عشرين قولا. 5- ولعل أقرب ~~الأقوال إلى الصواب أن هذه الحروف المقطعة، قد وردت فى افتتاح بعض سور ~~القرآن على سبيل الإيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن. فكأن الله - ~~تعالى - يقول لأولئك المعارضين فى أن القرآن ms0646 من عند الله هاكم القرآن ~~ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم، ومنظوما من حروف هى ~~من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم، فإن كنتم فى شك من كونه ~~منزلا من عند الله فهاتوا مثله، وادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ~~ذلك. ومما يشهد لصحة هذا الرأى أن الآيات التى تلى هذه الحروف المقطعة ~~تتحدث عن الكتاب المنزل، وعن كونه معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم فى ~~أغلب المواضع. وأنت ترى هذه الآيات كثيرا ما تتصدر صراحة باسم الإشارة ~~الذى يعود إلى القرآن كما فى قوله - تعالى - { الم ذلك الكتاب ~~لا ريب فيه } أو ضمنا كما فى قوله - تعالى - { المص كتاب ~~أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه } وأيضا فإن ~~هذه السور التى افتتحت بالحروف المقطعة إذا ما تأملتها من أولها إلى ~~آخرها ترى من أهدافها الأساسية إثبات صحة الرسالة المحمدية عن طريق هذا ~~الكتاب الذى جعله الله - تعالى - معجزة لنبيه صلى الله عليه وسلم. هذه ~~خلاصة موجزة لآراء العلماء فى المراد بالحروف المقطعة التى افتتحت بها ~~بعض السور القرآنية، ومن أراد مزيدا لذلك فليرجع إلى ما كتبه العلماء فى ~~هذا الموضوع. ثم وصف - سبحانه - ذاته بما يليق به من جلال وكمال فقال { ~~الله لا إله إلا هو الحي القيوم }. ولفظ الجلالة ~~{ الله } يقول بعض العلماء إن أصله إله، دخلت عليه أداة التعريف " ال ~~" وحذفت الهمزة فصارت الكلمة الله. قال القرطبي قوله { الله } هذا ~~الاسم أكبر أسمائه - تعالى - وأجمعها حتى قال بعضهم إنه اسم الله الأعظم، ~~ولم يتسم به غيره، ولذلك لم يثن ولم يجمع، فالله اسم للموجود الحق الجامع ~~لصفات الألوهية، المنعوت بنعوت الربوبية المنفرد بالوجود الحقيقى، لا إله ~~إلا هو سبحانه -. ولفظ " إله " قالوا إنه من أله أى عبد، فالإله على هذا ~~المعنى هو المعبود وقيل هو أله أى تحير.. وذلك لأن العبد إذا تفكر فى ~~صفاته - تعالى - تحير فيها، ولذا قيل تفكروا فى آلاء الله ولا تتفكروا فى ~~الله. ms0647 # و { الحي } أى المتصف بالحياة التى لا بدء ولا فناء لها. و { ~~القيوم } الدائم القيام بتدبير أمر الخلق وحفظهم، والمعطى لهم ما به ~~قوام حياتهم، وهو مبالغة فى القيام وأصله قيووم - بوزن فيعول - من قام ~~بالأمر إذا حفظه ودبره. والمعنى الله - تعالى - هو الإله الحق المتفرد ~~بالألوهية التى لا يشاركه فيها سواه. وهو المعبود الحق وكل معبود سواه ~~فهو باطل، وهو ذو الحياة الكاملة. وهو الدائم القيام بتدبير شئون الخلق ~~وحياطتهم ورعايتهم وإحيائهم وإماتتهم. قال الآلوسى ولفظ الجلالة " الله " ~~مبتدأ وما بعده خبر. والجملة مستأنفة، أى هو المستحق للعبودية لا غيره. و ~~{ الحي القيوم } خبر بعد خبر، أو خبر لمبتدأ محذوف أى هو الحى ~~القيوم.. وأيا ما كان فهو كالدليل على اختصاص استحقاق العبودية به - ~~سبحانه - وقد أخرج الطبرانى وابن مزدويه من حديث أبى أمامة مرفوعا أن اسم ~~الله الأعظم فى ثلاث سور، فى سورة البقرة، وآل عمران، وطه. وقال أبو ~~أمامة فالتمستها فوجدت فى البقرة # الله لا إله إلا هو الحي القيوم # وفى آل عمران { الله لا إله إلا هو الحي القيوم ~~} وفى طه # وعنت الوجوه للحي القيوم # وبعد أن بين - سبحانه - أنه هو وحده المستحق للعبودية، أتبع ذلك ببيان ~~بعض مظاهر فضله ورحمته فقال { نزل عليك الكتاب بالحق ~~مصدقا لما بين يديه } والكتاب - كما يقول الراغب - فى ~~الأصل مصدر، ثم سمى المكتوب فيه كتابا. والكتاب فى الأصل اسم للصحيفة مع ~~المكتوب فيه. والكتب ضم أديم إلى أديم بالخياطة، وفى التعارف ضم الحروف ~~بعضها إلى بعض بالخط. والمراد بالكتاب المنزل القرآن الكريم. وفى التعبير ~~عنه باسم الجنس إيذان بتفوقه على بقية أفراد الكتب المنزلة، فكأنه هو ~~الحقيق بأن يطلق عليه اسم الكتاب دون ما عداه كما يلوح به التصريح باسمى ~~التوراة والإنجيل. وعبر بنزل - بصيغة التضعيف - للإشارة إلى أن نزول ~~القرآن على النبى صلى الله عليه وسلم كان منجما ولم يكن دفعة واحدة ومن ~~المعروف أن القرآن قد نزل على النبى صلى الله عليه وسلم على حسب الوقائع ~~والحوادث ms0648 وغيرها فى مدة تزيد على عشرين سنة. وقد ذكر العلماء حكما كثيرة ~~لنزول القرآن منجما منها تثبيت فؤاد النبى صلى الله عليه وسلم وتقوية ~~قلبه، ومنها التدرج فى تربية قويمة سليمة، ومنها مسايرة الحوادث فى ~~تجددها وتفرقها. ومنها تيسير حفظه وتسهيل فهمه، ومنها تثبيت قلوب ~~المؤمنين وتسليحهم بعزيمة الصبر واليقين ومنها الإجابة على أسئلة ~~السائلين، وبيان حكم الله - تعالى - فيما يحصل من قضايا، ولفت أنظار ~~المخطئين إلى ما وقعوا فيه من أخطاء، وكشف حال الكافرين والمنافقين. منها ~~الإرشاد إلى مصدر القرآن وأنه من عند الله - تعالى - # ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا # فأنت تقرأ ما نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم من قرآن فى مكة. وما ~~نزل عليه فى المدينة، فترى الجميع محكم السرد. دقيق السبك، رصين الأسلوب، ~~بليغ التراكيب، فصيح الألفاظ.. بينما ترى كلام الأدباء والبلغاء يختلف فى ~~جودته من وقت إلى وقت " ومن موضوع إلى موضوع ". وقد بين - سبحانه - أن ~~هذا القرآن قد نزل مقترنا بأمرين متصلا بهما أما أولهما فهو قوله { ~~بالحق }. وأما ثانيهما فهو قوله { مصدقا لما بين ~~يديه } أى أن الله - عز وجل - الذى لا إله إلا هو، والذى هو الحى ~~القيوم، هو الذى نزل عليك يا محمد هذا القرآن تنزيلا ملتبسا بالحق، ~~ومصاحبا له، ومقترنا به، ومشتملا عليه، فكل ما فيه من أوامر، ونواه، ~~وقصص، وأحكام، وعقائد، وآداب، وشرائع وأخبار.. حق لا يحوم حوله باطل، ~~وصدق لا يتطرق إليه كذب. وهو الذى جعل هذا الكتاب المنزل عليك موافقا ~~ومؤيدا لما اشتملت عليه الكتب السابقة من الدعوة إلى وحدانية الله، وإلى ~~مكارم الأخلاق، وإلى الوصايا والشرائع التى تسعد الناس فى كل زمان ومكان. ~~وهذا يدل على أن الشرائع الإلهية واحدة فى جوهرها وأصولها. قال - تعالى ~~- # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه # وقوله { بالحق } متعلق بمحذوف فيكون فى محل نصب على الحال من ~~الكتاب. ms0649 وقوله { مصدقا } حال مؤكدة من الكتاب. أى نزله فى حال ~~تصديقه الكتب. وفائدة تقييد التنزيل بهذه الحال حث أهل الكتاب على ~~الإيمان بالمنزل، وتنبيههم على وجوبه فإن الإيمان بالمصدق يوجب ~~الإيمان بما يصدقه حتما. قال الجمل وقوله { مصدقا لما بين ~~يديه } ، فيه نوع مجاز لأن ما بين يديه هو ما أمامه. فسمى ما مضى بين ~~يديه لغاية ظهوره واشتهاره. واللام فى { لما } لتقوية العامل. نحو ~~قوله - تعالى - # فعال لما يريد # وهذه العبارة أحسن من تعبير بعضهم بالزائدة ". ثم أخبر - سبحانه - عن ~~بعض الكتب الأخرى التى أنزلها فقال { وأنزل التوراة ~~والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان }. ~~والتوراة اسم عبرانى للكتاب الذى أنزله الله - تعالى - على موسى - عليه ~~السلام - ليكون شريعة له ولقومه. قال القرطبى ما ملخصه والتوراة معناها ~~الضياء والنور مشتقة من ورى الزند وورى لغتان إذا خرجت نارة.. وقيل ~~مأخوذة من التورية، وهى التعريض بالشئ والكتمان لغيره، فكان أكثر التوراة ~~معاريض وتلويحات من غير تصريح وإيضاح. والجمهور على القول الأول لقوله - ~~تعالى - # ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضيآء وذكرا ~~للمتقين # يعنى التوراة. والإنجيل كلمة يونانية معناها البشارة وهى اسم للكتاب ~~الذى أنزله الله على عيسى. # قالوا والإنجيل إفعيل من النجل وهو الأصل يقال رحم الله ناجليه أى ~~والديه. وقال قوم الإنجيل مأخوذ من نجلت الشئ إذا استخرجته وأظهرته، ~~ويقال للماء الذى يخرج من البئر نجل وقيل هو من النجل الذى هو سعة فى ~~العين. ومنه طعنة نجلاء أى واسعة. وسمى الإنجيل بذلك لأنه سعة ونور ~~وضياء أخرجه الله - تعالى - لبنى إسرائيل على يد عيسى عليه السلام. وهذا ~~الكلام الذى نقلناه عن القرطبى والفخر الرازى هو قول لبعض العلماء الذين ~~يرون أن لفظى التوراة والإنجيل يدخلهما الاشتقاق والتصريف. وهناك فريق ~~آخر من العلماء يرى أن هذين اللفظين لا يدخلهما الاشتقاق والتصريف لأنهما ~~اسمان أعجميان لهذين الكتابين الشريفين. قال الفخر الرازى بعد أن أورد ~~كلاما طويلا يدل على عدم ارتضائه للمذهب الذى يرى أصحابه أن هذين اللفظين ~~يدخلهما الاشتقاق والتصريف " فالتوراة ms0650 والإنجيل اسمان أعجميان أحدهما ~~بالعبرية، والآخر بالسريانية، فكيف يليق بالعاقل أن يشتغل بتطبيقهما على ~~أوزان لغة العرب، فظهر أن الأولى بالعاقل أن لا يلتفت إلى هذه المباحث ". ~~وقوله { من قبل } متعلق " بأنزل " و " هدى " حال من التوراة ~~والإنجيل، ولم يثن لأنه مصدر. ويجوز أن يكون مفعولا لأجله والعامل فيه ~~أنزل. أى وأنزل التوراة والإنجيل من قبل تنزيل القرآن لأجل هداية الناس ~~الذين أنزلا عليهم إلى الحق الذى من جملته الإيمان بالنبى صلى الله عليه ~~وسلم واتباعه حين يبعث، لأنهما قد اشتملتا على البشارة به والحض على ~~طاعته. قالوا فالمراد بالناس من عمل بالتوراة والإنجيل وهم بنو إسرائيل. ~~ويحتمل أنه عام بحيث يشمل هذه الأمة وإن لم نكن متعبدين أى مكلفين ~~ومأمورين بشرع من قبلنا، والآن فيهما ما يفسد التوحيد وصفات البارى ~~والبشارة بالنبى صلى الله عليه وسلم. قال الآلوسى وعبر فى جانب التوراة ~~والإنجيل بقوله " أنزل " للإشارة إلى أنهما لم يكن لهما سوى نزول واحد، ~~بخلاف القرآن فإن له نزولين نزولا من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من ~~سماء الدنيا جملة واحدة، ونزولا من ذلك إليه صلى الله عليه وسلم منجما فى ~~ثلاث وعشرين سنة على المشهور، ولهذا يقال فيه نزل وأنزل.. ". هذا، وليست ~~التوراة التى بين أيدى اليهود اليوم هى التوراة التى أنزلها الله على ~~موسى، فقد بين القرآن فى أكثر من آية أن بعض أهل الكتاب قد امتدت أيديهم ~~الأثيمة إلى التوراة فحرفوا منها ما حرفوا، ومن ذلك قوله - تعالى - # يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم ~~كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن ~~كثير # وقوله - تعالى - # فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم ~~قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا ~~مما ذكروا به # ومن الأدلة على أن التوراة التى بين أيدى اليهود اليوم ليست هى التى ~~أنزلها الله على موسى انقطاع سندها، واشتمالها على كثير من القصص ~~والعبارات والمتناقضات التى تتنزه الكتب السماوية عن ذكرها. وكذلك الحال ~~بالنسبة للإنجيل إذ ليست هذه الأناجيل التى يقرؤها المسيحيون ms0651 اليوم هى ~~الإنجيل الذى أنزله الله على عيسى وإنما هى مؤلفات ألفت بعد عيسى - عليه ~~السلام - ونسبت إلى بعض الحواريين من أصحابه. أما الإنجيل الذى أنزله ~~الله على عيسى والذى وصفه الله بأنه هداية للناس فهو غير هذه الأناجيل. و ~~{ الفرقان } كل ما فرق به بين الحق والباطل، والحلال والحرام. وهو ~~مصدر فرق يفرق بين الشيئين فرقا وفرقانا. 1- والمراد به عند أكثر ~~المفسرين الكتب السماوية التى سبق ذكرها وهى التوراة والإنجيل والقرآن. ~~أى أنزل بهذه الكتب ما يفرق به بين الحق والباطل، والهدى والضلال. والخير ~~والشر، وبذلك لا يكون لأحد عذر فى جحودها والكفر بها. وأعيد ذكرها بوصف ~~خاص لم يذكر فيما سبق على طريق العطف بتكرير لفظ الإنزال، تنزيلا ~~للتغاير الوصفى منزلة التغاير الذاتى. 2- وقال بعضهم المراد بالفرقان هنا ~~القرآن. وإنما أعاده بهذا العنوان بعد ذكره باسم الجنس تعظيما لشأنه، ~~ورفعا لمكانه، ومدحا له بكونه فارقا بين الحق والباطل، للإشارة إلى ~~الاتصال الكامل بين شرائع الله - تعالى - وأنه تتميم لما سبقه، وأنه كمال ~~الشرائع كلها. 3- وقال بعضهم المراد به جنس الكتب السماوية التى أنزلها ~~الله - تعالى - على رسله لهداية الناس وسعادتهم. وقد عبر عنها بالفرقان ~~ليشمل هذا الوصف ما ذكر منها وما لم يذكر على طريق التتميم بالتعميم، إثر ~~تخصيص مشاهيرها بالذكر. وقد ذكر صاحب الكشاف هذه الأقوال وغيرها فقال " ~~فإن قلت ما المراد بالفرقان؟ قلت جنس الكتب السماوية لأن كلها فرقان يفرق ~~بين الحق والباطل من كتبه، أو من هذه الكتب. أو أراد الكتاب الرابع وهو ~~الزبور. أو كرر ذكر القرآن بما هو نعت له من كونه فارقا بين الحق والباطل ~~". أما الفخر الرازى فإنه لم يرتض كل هذه الأقوال، بل أتى برأى جديد فقال ~~- ما ملخصه 4- " والمختار عندى أن المراد من هذا الفرقان المعجزات التى ~~قرنها الله - تعالى - بإنزال هذه الكتب، وذلك لأنهم لما أتوا بهذه الكتب، ~~وادعوا أنها كتب نازلة عليهم من عند الله، افتقروا فى إثبات هذه الدعوى ~~إلى دليل حتى يحصل الفرق بين دعواهم ms0652 وبين دعوى الكذابين، فلما أظهر الله ~~على وفق دعواهم تلك المعجزات، حصلت المفارقة بين دعوى الصادق وبين دعوى ~~الكاذب. فالمعجزة هى الفرقان. فلما ذكر الله أنه أنزل الكتاب بالحق، وأنه ~~أنزل التوراة والإنجيل من قبل ذلك، بين أنه - تعالى - أنزل معها ما هو ~~الفرقان الحق، وهو المعجز القاهر الذى يدل على صحتها، ويفيد بينها وبين ~~سائر الكتب المختلفة ". # والذى نراه أقرب إلى القبول أن المراد بالفرقان هنا جنس الكتب السماوية ~~لأنها جميعها فارقة بين الحق والباطل فيندرج تحتها القرآن وغيره من الكتب ~~السماوية. ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة المنحرفين عن طريق الحق، الكافرين ~~بآيات الله، فقال { إن الذين كفروا بآيات الله لهم ~~عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام } أى إن الذين كفروا ~~بآيات الله الدالة على وحدانيته وقدرته، وصدق رسله فيما يبلغون عنه، لهم ~~عذاب شديد منه - سبحانه - بسبب كفرهم وجحودهم { والله عزيز } أى ~~منيع الجانب، غالب على أمره يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. وفى قوله { ~~والله عزيز } إشارة إلى القدرة التامة على العاقب، وفى قوله { ذو ~~انتقام } إشارة إلى كونه فاعلا للعقاب، ينزله متى شاء، وكيف شاء، ~~بمقتضى قدرته وحكمته وإرادته، والوصف الأول صفة للذات. والثانى صفة ~~للفعل. ثم أخبر - سبحانه - عن شمول علمه لكل شئ فقال { إن الله لا ~~يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السمآء }. أى أنه ~~سبحانه - هو المطلع على كل صغير وكبير. وجليل وحقير، فى هذا الكون، لأنه ~~هو الخالق له، والمهيمن على شئونه. وصدق - سبحانه - حيث يقول # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # وذكر - سبحانه - السماء والأرض، للإشارة إلى أن علمه وسع كل شئ، وسع ~~السماوات والأرض، وليس الإنسان بالنسبة لهما إلا كائنا صغيرا فكيف لا ~~يعلم - سبحانه - ما يسره هذا الانسان وما يخفيه؟ وفى تكرير حرف النهى " ~~لا " تأكيد لنفى خفاء أى شئ عليه - سبحانه - والآية الكريمة وعيد شديد ~~للكافرين بآياته، لأنه - سبحانه - وهو العليم بما يسرونه وما يعلنونه، ~~سيجازيهم بمقتضى علمه بما يستحقونه. ثم ساق - سبحانه - ما يشهد بشمول ms0653 ~~قدرته وعلمه فقال { هو الذي يصوركم في الأرحام كيف ~~يشآء لا إله إلا هو العزيز الحكيم }. وقوله { ~~يصوركم } من التصوير وهو جعل الشئ على صورة لم يكن عليها. وهو ~~مأخوذ من مادة صار إلى كذا بمعنى تحول إليه. أو من صاره إلى كذا بمعنى ~~أماله وحوله. والله - تعالى - القادر على كل شئ قد حكى لنا أطوار خلق ~~الإنسان فى آيات متعددة منها قوله - تعالى - # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم ~~جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة ~~علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة ~~عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا ~~آخر فتبارك الله أحسن الخالقين # والأرحام جمع رحم، وهو مستودع النطفة فى بطن المرأة، ومكان تربية الجنين ~~ونموه وتكوينه بالطريقة التى يشاؤها الله، حتى يبرزه إلى الوجود بشرا ~~سويا. # والمعنى الله الذى لا إله إلا هو والذى هو الحى القيوم، هو الذى يصوركم ~~فى أرحام أمهاتكم كيف يشاء، بأن جعل بعضكم طويلا وبعضكم قصيرا، وهذا ~~أبيض وذاك أسود، وهذا ذكر وتلك أنثى، فهو وحده القادر على تصوير خلقه ~~بتلك الصور المختلفة المتفاوتة، ومن كان شأنه كذلك. فهو المستحق للعبادة ~~والخضوع، لا إله إلا هو { العزيز } الذى يقهر كل شئ بقوته وقدرته { ~~الحكيم } فى كل شئونه وتصرفاته. وهذه الآية الكريمة فى مقام التعليل ~~للتى قبلها، لأن قبلها بينت أن الله لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى ~~السماء، إذ هو العليم بما يسره الإنسان من كفر أو إيمان أو غيرهما. وهذه ~~الآية تفيد أنه - سبحانه - يعلم أحوال الإنسان لا بعد استوائه بشرا ~~سويا، بل يعلم أحواله وهو نطفة فى الأرحام، بل إنه - سبحانه - ليعلم ~~أحواله قبل أن يكون شيئا مذكورا، فهو - كما يقول القرطبى - العالم بما ~~كان وما يكون ومالا يكون. ومن كان ذلك شأنه فمن الواجب على الذين أوجدهم ~~- سبحانه - فى بطون أمهاتهم، ورباهم ورعاهم وخلقهم خلقا من بعد خلق أن ~~يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. وقوله - تعالى - { كيف يشآء } إخبار ~~منه - سبحانه - بأن هذا التكوين ms0654 والتصوير فى الأرحام تبع لمشيئته وقدرته ~~وليس خاضعا لقانون الأسباب والمسببات، إذ هو الفعال لما يريد. فمن شاء ~~هدايته هداه، ومن شاء إضلاله أضله. و { كيف } فى موضع نصب على أنه ~~حال، وناصبه الفعل الذى بعده وهو { يشآء } ومفعول المشيئة محذوف ~~والتقدير هو الذى يصوركم فى الأرحام كيف يشاء تصويركم، من ذكر وأنثى، ~~وجميل ودميم، وغير ذلك من مظاهر التفاوت والاختلاف فى الصور والأشكال ~~والعقول والميول. وقوله - تعالى - { لا إله إلا هو العزيز ~~الحكيم } تأكيد لما قبله، من انفراده بالألوهية، وحقيقة المعبودية، ~~بعد أن أقام الأدلة الساطعة على ذلك من كونه حيا قيوما، منزلا للكتب ~~الهادية للناس إلى الحق عالما بكل شئ، مصورا لخلقه وهم فى أرحام أمهاتهم ~~كيف يشاء. وكل ذى عقل سليم يتدبر هذه الآيات الكريمة، يقبل على الإيمان ~~بالحق بقوة وإخلاص، ويسارع إلى العمل الصالح بقلب منيب ونية صادقة. هذا، ~~وقد ذكر كثير من المفسرين أن سورة آل عمران من مطلعها إلى بضع وثمانين ~~آية منها قد نزل فى وفد نصارى نجران الذين قدموا على الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فى السنة التاسعة من الهجرة، ليناقشوه فى شأن عيسى - عليه ~~السلام - وقد رد عليهم صلى الله عليه وسلم بما يبطل أقوالهم التى تخالف ~~الحق، وأرشدهم إلى الطريق المستقيم وهو طريق الإسلام الذى ارتضاه الله ~~لعباده دينا. وسنذكر قصة هذا الوفد عند تفسيرنا لآية المباهلة وهى قوله - ~~تعالى - فى هذه السورة { فمن حآجك فيه من بعد ما جآءك ~~من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبنآءكم ~~ونسآءنا ونسآءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم ~~نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين } الآية 61. ~~وبعد أن أقام - سبحانه - الأدلة الواضحة على أنه هو المستحق للعبادة، عقب ~~ذلك ببيان أن القرآن مشتمل على المحكم والمتشابه، وبيان موقف الناس منهما ~~فقال - تعالى - { هو الذي أنزل... }. ### || [3.7] # قوله - تعالى - { محكمات } من الإحكام - بكسر الهمزة - وهذه ~~المادة تستعمل فى اللغة لمعان متعددة، ترجع إلى شئ واحد هو المنع يقال ~~أحكم الأمر أى أتقنه ومنعه عن الفساد ويقال أحكمه عن ms0655 الشئ أى أرجعه عنه ~~ومنعه منه. ويقال حكم نفسه وحكم الناس، أى منع نفسه ومنع الناس عما لا ~~يليق. ويقال أحكم الفرس أى جعل له حكمة تمنعه من الجموح والاضطراب. وقوله ~~{ هن أم الكتاب } أى أصله الذى فيه عماد الدين وفرائضه وحدوده ~~وما يحتاج إليه الناس فى دنياهم وآخرتهم. وأم كل شئ أصله وعماده. قال ابن ~~جرير والعرب تسمى الأمر الجامع لمعظم الشئ أما له. فيسمون راية القوم ~~التى تجمعهم فى العساكر أمهم. ويسمون المدبر لمعظم أمر البلدة والقرية ~~أمها ". وقوله { متشابهات } من التشابه بمعنى أن يكون أحد الشيئين ~~مشابها للآخر ومماثلا ومشاكلا له مشاكلة تؤدى إلى الالتباس غالبا. قال ~~أمور مشتبة ومشبهة - كمعظمة - أى مشكلة. ويقال شبه عليه الأمر تشبيها لبس ~~عليه. ولقد جاء فى القرآن ما يدل على أنه كله محكم كما فى قوله - تعالى - ~~{ كتاب أحكمت آياته } وجاء فيه ما يدل على أنه كله متشابه كما ~~فى قوله - تعالى - # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها # وجاء فيه ما يدل على أن بعضه متشابه كما فى الآية التى نحن بصدد ~~تفسيرها. ولا تعارض بين هذه الإطلاقات الثلاثة، لأن معنى إحكامه كله أنه ~~متقن متين لا يتطرق إليه خلل أو اضطراب. ومعنى كونه كله متشابها أنه يشبه ~~بعضه بعضا فى بلاغته وفصاحته وإعجازه وهدايته، ومعنى أن بعضه محكم وبعضه ~~متشابه، فسنبينه بعد سرد بعض الأقوال التى قالها العلماء فى تحديد معنى ~~كل منهما. فمنهم من يرى أن المحكم هو الواضح الدلالة الذى لا يحتمل ~~النسخ، والمتشابه هو الخفى الذى لا يدرك معناه وهو ما استأثر الله بعلمه ~~كقيام الساعة والروح. ومنهم من يرى أن المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج ~~إلى بيان. والمتشابه هو الذى لا يستقل بنفسه، بل يحتاج إلى بيان، فتارة ~~يبين بكذا، وتارة يبين بكذا، لحصول الاختلاف فى تأويله. ومنهم من يرى أن ~~المحكم هو الذى لا يحتمل فى تأويله إلا وجها واحدا والمتشابه هو الذى ~~يحتمل أوجها. ومنهم من يرى أن المحكم ما كانت دلالته ms0656 راجحة وهو النص ~~والظاهر. أما المتشابه فهو ما كانت دلالته غير راجحة، وهو المجمل والمؤول ~~والمشكل. هذه بعض الأقوال فى تحديد معنى المحكم والمتشابه. وقد اختار ~~كثير من المحققين هذا القول الأخير، ومعنى الآية الكريمة - بعد هذا ~~التمهيد الموجز الله - عز وجل - الذى لا إله إلا هو الحى القيوم، والذى ~~أنزل الكتب السماوية لهداية الناس، والذى صورهم فى الأرحام كيف يشاء، وهو ~~الذى أنزل عليك - يا محمد - هذا الكتاب الكريم المعجز العظيم الشأن، ~~لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، وقد اقتضت حكمة الله - تعالى - أن ~~يجعل هذا الكتاب { منه آيات محكمات } أى واضحات الدلالة، ~~محكمات التراكيب، جليات المعانى، متقنات النظم والتعبير حاويات لكل ما ~~يسعد الناس فى معاشهم ومعادهم، بينات لا التباس فيها ولا اشتباه. # وقوله { هن أم الكتاب } أى هذه الآيات المحكمات الواضحات ~~الدلالة المانعات من الوقوع فى الالتباس لانكشاف معانيها لكل ذى عقل ~~سليم، هن أصل الكتاب الذى يعول عليه فى معرفة الأحكام، ويرجع إليه فى ~~التمييز بين الحلال والحرام، ويرد إليه ما تشابه من آياته، وما استشكل من ~~معانيها. والجار والمجرور { منه } خبر مقدم، و { آيات } مبتدأ مؤخر، ~~و { محكمات } صفة لآيات. وقوله { هن أم الكتاب } صفة ~~ثانية للآيات. قال الجمل وأخبر بلفظ الواحد وهو { أم } عن الجمع وهو { ~~هن } لأن الآيات كلها فى تكاملها واجتماعها كالآية الواحدة، وكلام ~~الله واحد. أو أن كل واحدة منهن أم الكتاب كما قال - تعالى - # وجعلنا ابن مريم وأمه آية # أى كل واحد منهما. أو لأنه مفرد واقع موقع الجمع ". وقوله { وأخر ~~متشابهات } أى ومنه آيات أخر متشابهات وذلك كالآيات التى تتحدث عن ~~صفات الله - تعالى - مثل الاستواء، واليد والغضب، ونحو ذلك من الآيات ~~التى تحدثت عن صفاته - سبحانه - وكالآيات التى تتحدث عن وقت الساعة، وعن ~~الروح وعن حقيقة الجن والملائكة وكالحروف المقطعة فى أوائل السور. قال ~~الشيخ الزرقانى ما ملخصه ومنشأ التشابه إجمالا هو خفاء مراد الشارع من ~~كلامه. أما تفصيلا فنذكر أن منه ما يرجع خفاؤه إلى اللفظ من ms0657 جهة غرابته ~~كلفظ الأب فى قوله تعالى # وفاكهة وأبا # أو من جهة اشتراكه بين معان عدة كما فى قوله - تعالى - # فراغ عليهم ضربا باليمين # أى فأقبل إبراهيم على الأصنام يضربها بيمينه، أو بقوة، أو بسبب اليمين ~~التى حلفها. ومن هذا النوع فواتح السور المبدوءة بحروف التهجى لأن ~~التشابه والخفاء فى المراد منها جاء من ناحية ألفاظها. ومنه ما يرجع ~~خفاؤه إلى المعنى، ومثاله كل ما جاء فى القرآن وصفا لله - تعالى - أو ~~لأهوال القيامة، أو لنعيم الجنة.. فإن العقل البشرى لا يمكن أن يحيط ~~بحقائق صفات الخالق، ولا بأهوال يوم القيامة، ولا بنعيم أهل الجنة وعذاب ~~أهل النار. ثم قال - رحمه الله - ويمكننا أن ننوع المتشابهات ثلاثة أنواع ~~النوع الأول مالا يستطيع البشر جميعا أن يصلوا إليه كالعلم بذات الله ~~وحقائق صفاته، وكالعلم بوقت القيامة ونحوه مما استأثر الله بعلمه. # النوع الثانى ما يستطيع كل إنسان أن يعرفه عن طريق البحث والدرس، ~~كالمتشابهات التى نشأ التشابه فيها من جهة الإجمال والبسط والترتيب. ~~والأمثلة على ذلك كثيرة، فمثال التشابه بسبب الإجمال قوله - تعالى # وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما ~~طاب لكم من النسآء # فإن خفاء المراد فيه جاء من ناحية إيجازه. والأصل { وإن خفتم ~~ألا تقسطوا في اليتامى } لو تزوجتموهن فانكحوا من غيرهن { ~~ما طاب لكم من النسآء }. النوع الثالث ما يعلمه خواص ~~العلماء دون عامتهم ولذلك أمثلة كثيرة من المعانى العالية التى تفيض على ~~قلوب أهل الصفاء والاجتهاد عند تدبرهم لكتاب الله ". ثم بين - سبحانه - ~~موقف الذين فى قلوبهم مرض وانحراف عن الحق من متشابه القرآن فقال { ~~فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه ~~منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله } فالجملة ~~الكريمة تفصيل لإجمال اقتضاه الكلام السابق. والزيغ - كما يقول القرطبى ~~- الميل، ومنه زاغت الشمس، وزاغت الأبصار، ويقال زاغ يزيغ زيغا إذا ترك ~~القصد، ومنه قوله - تعالى - # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # وهذه الآية تعم كل طائفة من كافر وزنديق وجاهل وصاحب بدعة، وإن كانت ~~الإشارة بها فى ms0658 ذلك الوقت إلى نصارى نجران. والابتغاء الاجتهاد فى ~~الطلب. يقال بغيت الشئ وابتغيته، إذا طلبته بجد ونشاط. والفتنة من الفتن ~~وأصل الفتن إدخال الذهب للنار لتظهر جودته من رداءته. والمراد بها هنا ~~الإضلال وإثارة الشكوك حول الحق. والتأويل يطلق بمعنى التفسير والتوضيح ~~والبيان. ويطلق بمعنى حقيقة الشئ وما يؤول إليه أمره، مأخوذ من الأول وهو ~~الرجوع إلى الأصل. يقال آل الأمر إلى كذا يؤول أولا أى رجع. وأولته إليه ~~رجعته. المعنى لقد اقتضت حكمتنا - يا محمد - أن ننزل عليك القرآن مشتملا ~~على آيات محكمات هن أم الكتاب، وعلى أخر متشابهات. فأما الفاسقون الذين ~~فى قلوبهم انحراف عن طلب الحق، وميل عن المنهج القويم، وانصراف عن القصد ~~السوى فيتبعون ما تشابه منه، أى يتعلقون بذلك وحده. ويعكفون على الخوض ~~فيه. ولا تتجه عقولهم إلى المحكم ليردوا المتشابه إليه، وإنما يلازمون ~~الأخذ بالمتشابه كما يلازم التابع متبوعه، لأنه يوافق اعوجاج نفوسهم وسوء ~~نياتهم. وتحكم أهوائهم وشهواتهم. وقد بين - سبحانه - أن اتباع هؤلاء ~~الزائغين للمتشابه إنما يقصدون من ورائه أمرين أولهما { ابتغاء ~~الفتنة } أى طلبا لفتنة المؤمنين فى دينهم. وتشكيكهم فى عقيدتهم، ~~وإثارة الريب فى قلوبهم بأوهام يلقونها حول المتشابه الذى جاء به القرآن، ~~بأن يقولوا - كما حكى القرآن عنهم - # أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد # وبأن يقولوا كيف يكون نعيم الجنة، وما حقيقة الروح ولماذا يعذبنا الله ~~على أعمالنا مع أنه هو الخالق لكل شئ، إلى غير ذلك من الشبهات الزائفة ~~التى يثيرها الذين فى قلوبهم زيغ طلبا لتشكيك المؤمنين فى دينهم. # وثانيهما { وابتغاء تأويله } أى ويتعلقون بالمتشابه ويتبعونه ~~طلبا لتأويل آيات القرآن تأويلا باطلا، وتفسيرها تفسيرا فاسدا بعيدا عن ~~الحق زاعمين أن تفسيرهم هذا هو الحق بعينه، لأنه يتفق مع أهوائهم ~~وشهواتهم وميولهم الأثيمة. وفى جعل قلوبهم مقرا للزيغ مبالغة فى عدولهم ~~عن سنن الرشاد وإصرارهم على الشر والفساد. وفى تعليل الاتباع - كما يقول ~~الآلوسى - " بابتغاء تأويله دون نفس تأويله وتجريد التأويل عن الوصف ~~بالصحة أو الحقيقة. إيذان بأنهم ليسوا ms0659 من أهل التأويل - فى عير ولا نفير ~~ولا قبيل ولا دبير - وأن ما يبتغونه ليس بتأويل أصلا لا أنه تأويل غير ~~صحيح قد يعذر صاحبه ". وقد ذم النبى صلى الله عليه وسلم هؤلاء الذين ~~يتبعون ما تشابه من القرآن طلبا للفتنة والتأويل الباطل، وحذر منهم فى ~~أحاديث كثيرة. ومن ذلك ما رواه البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى عن ~~عائشة - رضى الله عنها - قالت تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه ~~الآية { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات ~~محكمات }.. إلخ الآيات قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم ~~". # وقد استجاب الصحابة - رضى الله عنهم - لوصايا الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فكانوا يتباعدون عن الذين فى قلوبهم زيغ. ويزجرونهم ويكشفون عن أباطيلهم. ~~قال القرطبى " حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضى قال أنبأنا سليمان بن حرب ~~عن حماد بن زيد عن يزيد بن حازم، عن سليمان بن يسار أن صبيغ بن عسل ~~قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن وعن أشياء فبلغ ذلك عمر - رضى ~~الله عنه - فبعث إليه عمر فأحضره وقد أعد له عراجين من عراجين النخل. ~~فلما حضر قال له عمر من أنت؟ قال أنا عبد الله صبيغ. فقال عمر - وانا عبد ~~الله عمر ثم قام إليه فضرب رأسه بعرجون فشجه، ثم تابع ضربه حتى سال دمه ~~على وجهه فقال حسبك يا أمير المؤمنين!! فقد والله ذهب ما كنت أجد فى رأسى ~~". ثم بين - سبحانه - أن تأويل المتشابه مرده إلى الله - تعالى - وأن ~~الراسخين فى العلم يعلمون منه ما يوفقهم الله لمعرفته فقال، { وما ~~يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ~~يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر ~~إلا أولوا الألباب }. وقوله - تعالى - { والراسخون في ~~العلم } من الرسوخ وهو الثبات والتمكن وأصله فى الأجرام، أن يرسخ ~~الجبل والشجر فى الأرض، واستعمل فى المعانى ومنه رسخ الإيمان فى القلب. # أى ثبت واستقر وتمكن. والألباب، جمع لب ms0660 وهو - كما يقول الراغب - العقل ~~الخالص من الشوائب وسمى بذلك لكونه خالص ما فى الإنسان من معانيه، ~~كاللباب واللب من الشئ وقيل هو ما زكا من العقل، فكل لب عقل وليس كل عقل ~~لبا، ولهذا علق الله - تعالى - الأحكام التى لا يدركها إلا العقول الزكية ~~بأولى الألباب ". قال الآلوسى " وقوله { وما يعلم تأويله ~~إلا الله والراسخون في العلم } فى موضع الحال من ضمير ~~يتبعون باعتبار العلة الأخيرة. أى يتبعون المتشابه لابتغاء تأويله - ~~تأويلا فاسدا - والحال أن التأويل المطابق للواقع - كما يشعر به التعبير ~~بالعلم والإضافة إلى الله - تعالى - مخصوص به - سبحانه - وبمن وفقه - عز ~~شأنه - من عباده الراسخين فى العلم. أى الذين ثبتوا وتمكنوا فيه ولم ~~يتزلزلوا فى مزال الأقدام، ومداحض الأفهام، دونهم حيث إنهم بمعزل عن تلك ~~الرتبة، هذا ما يقتضيه الظاهر فى تفسير الراسخين ". وقوله. { يقولون ~~آمنا به كل من عند ربنا } جملة موضحة لحال الراسخين فى ~~العلم، ومبينة لما هم عليهم من قوة الإيمان، وصدق اليقين. أى يقول ~~الراسخون فى العلم عندما يقرءون ما تشابه من آيات القرآن آمنا به وصدقنا ~~وأذعنا فنحن لا نشك فى أن كلا من الآيات المتشابهة والآيات المحكمة من ~~عند الله وحده فهو الذى أنزلها على نبيه صلى الله عليه وسلم بمقتضى حكمته ~~ومشيئته. وقوله { وما يذكر إلا أولوا الألباب } ، ~~معطوف على جملة { يقولون } وقد ختم به - سبحانه - هذه الآية على سبيل ~~المدح لهؤلاء الراسخين فى العلم. أى وما يدرك هذه الحقائق الدينية ويعتبر ~~بها ويتذكر ما اشتمل عليه القرآن من أحكام وآداب وهدايات وتشريعات إلا ~~أصحاب العقول السليمة، والألباب المستنيرة التى لا تتأثر بالأهواء ~~والشهوات، ولا تركن إلى البدع الزائفة والأفكار الفاسدة. قال ابن كثير " ~~وقوله - تعالى - { وما يعلم تأويله إلا الله } اختلف ~~القراء فى الوقف هنا فقيل الوقف على لفظ الجلالة، فقد ورد عن ابن عباس ~~أنه قال " التفسير على أربعة انحاء فتفسير لا يعذر أحد فى فهمه، وتفسير ~~تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه الراسخون فى العلم، وتفسير لا ms0661 يعلمه ~~إلا الله ". وعن أبى مالك الأشعرى أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول # " لا أخاف على أمتى إلا ثلاث خلال أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا ~~فيقتتلوا، وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغى تأويله { وما ~~يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ~~يقولون آمنا به } الآية وأن يزداد علمهم فيضيعوه ولا يسألون عنه ~~". # وحكى ابن جرير أن قراءة عبد الله بن مسعود، إن تأويله إلا عند الله، ~~والراسخون فى العلم يقولون آمنا به. واختار هذا القول ابن جرير - وهو ~~مذهب الأكثرين من الصحابة والتابعين وأتباعهم خصوصا أهل السنة. ومنهم من ~~يقف على قوله { والراسخون في العلم } وتبعهم كثير من المفسرين ~~وأهل الأصول، وقالوا الخطاب بما لا يفهم بعيد. وقد روى عن ابن عباس أنه ~~قال. أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله، وروى عن مجاهد أنه قال ~~والراسخون فى العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به. وفى الحديث أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس فقال # " اللهم فقهه فى الدين وعلمه التأويل ". # والذى نراه أنه إذا فسر المتشابه بما استأثر الله - تعالى - بعلمه كقيام ~~الساعة وحقيقة الروح، كان الوقف على لفظ الجلالة وكانت الواو فى قوله { ~~والراسخون } للاستئناف، والراسخون مبتدأ وجملة " يقولون " خبر عنه. ~~أى والراسخون فى العلم يقولون آمنا به ويفوضون علمه إليه - سبحانه - ولا ~~يقتحمون أسواره، كأهل الزيغ والضلال الذين أولوه تأويلا فاسدا.. وإذا فسر ~~المتشابه بما لا يتبين معناه إلا بعد نظر دقيق بحيث يتناول المجمل ونحوه ~~كان الوقف على لفظ العلم، وكانت الواو فى قوله { والراسخون } ~~للعطف. أى لا يعلم تأويل المتشابه تأويلا حقا سليما إلا الله والراسخون ~~فى العلم أما أولئك الذين فى قلوبهم زيغ فهم أبعد ما يكونون عن ذلك. ~~ويجوز الوقف على هذا الرأى أيضا على لفظ الجلالة لأنه لا يعلم تأويل هذا ~~المتشابه علما كاملا إلا الله. أولا يعلم كنهه وحقيقته أحد سواه. وإذا ~~فسر المتشابه بما قام الدليل القاطع على أن ظاهره غير مراد. مع عدم قيام ms0662 ~~الدليل على تعيينه، كمتشابه الصفات أو ما يسمى بآيات الصفات مثل قوله - ~~تعالى - # الرحمن على العرش استوى # جاز الوقف والعطف عند من يؤولون هذه الصفات تأويلا يليق بذاته - تعالى - ~~وهم جمهور علماء الخلف ووجب الوقف على لفظ الجلالة عند من يفوض معانى هذه ~~المتشابهات إلى الله - تعالى - مع تنزيهه عن ظواهرها المستحيلة وهم جمهور ~~علماء السلف وهذه المسألة من المسائل التى أفاض القول فيها الباحثون فى ~~علم الكلام. هذا وقد ذكر العلماء حكما متعددة لاشتمال القرآن على المحكم ~~والمتشابه، منها الابتلاء والاختبار، لأن الراسخون فى العلم سيؤمنون به ~~وإن لم يعرفوا تأويله، ويخضعون لسلطان الربوبية، ويقرون بالعجز والقصور، ~~وفى ذلك غاية التربية ونهاية المصلحة. وأما الذين فى قلوبهم زيغ فيؤولونه ~~تأويلا باطلا لإضلال الناس وتشكيكهم فى دينهم. ومنها رحمة الله بهذا ~~الإنسان الضعيف الذى لا يطيق معرفة كل شىء. فقد أخفى - سبحانه - على ~~الناس معرفة وقت قيام الساعة لكيلا يتكاسلوا ويقعدوا عن الاستعداد لها، ~~ولكيلا يفتك بهم الخوف فيما لو أدركوا بالتحديد قرب قيامها. # ومنها - كما يقول الفخر الرازى " أنه متى كانت المتشابهات موجودة كان ~~الوصول إلى الحق أصعب وأشق، وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب، ومنها أن ~~القرآن إذا كان مشتملا على المحكم والمتشابه افتقر الناظر فيه إلى ~~الاستعانة بدليل العقل، وحينئذ يتخلص من ظلمة التقليد، ويصل إلى ضياء ~~الاستدلال والبينة، أما لو كان كله محكما لم يفتقر إلى التمسك بالدلائل ~~العقلية، فحينئذ يبقى فى الجهل والتقليد. ومنها أن اشتماله على المحكم ~~والمتشابه يحمل الإنسان على تعلم علوم كثيرة كعلم اللغة والنحو وأصول ~~الفقه وغير ذلك من أنواع العلوم، ومنها أن القرآن كتاب مشتمل على دعوة ~~الخواص والعوام، وطبائع العوام تنبو فى أكثر الأمر عن إدراك الحقائق، فمن ~~سمع من العوام فى أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا بمتحيز ولا مشار ~~إليه، ظن أن هذا عدم ونفى فوقع فى التعطيل، فكان الأصلح أن يخاطبوا ~~بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما يتوهمونه ويتخيلونه، وبذلك يكون مخلوطا ~~بما يدل على ms0663 الحق الصريح. فالقسم الأول وهو الذى يخاطبون به فى أول الأمر ~~يكون من المتشابهات، والقسم الثانى وهو الذى يكشف لهم فى آخر الأمر هو ~~المحكمات ". ومنها - كما يقول الجمل نقلا عن الخازن " فإن قيل القرآن نزل ~~لإرشاد الناس فهلا كان كله محكما؟ فالجواب أنه نزل بألفاظ العرب وعلى ~~أسلوبهم. وكلامهم على ضربين الموجز الذى لا يخفى على سامع هذا هو الضرب ~~الأول، والثانى المجاز والكنايات والإرشادات والتلويحات وهذا هو ~~المستحسن عندهم، فأنزل القرآن على ضربين ليتحقق عجزهم فكأنه قال عارضوه ~~بأي الضربين شئتم، ولو نزل كله محكما لقالوا هلا نزل بالضرب المستحسن ~~عندنا ". قال بعض العلماء والذى يستخلص من مصادر الشريعة ومواردها، أن ~~الآيات المتشابهة لا يمكن أن يكون موضوعها حكما تكليفيا من الأحكام التى ~~كلف عامة المسلمين أن يقوموا بها، وأنه لا يمكن أن تكون آية من آيات ~~الأحكام التكليفية قد انتقل النبى صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ~~دون أن يبينها، ولا تشابه فيها بعد أن بينتها السنة النبوية، لأن الله - ~~تعالى - يقول # وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم # ولا شك من أول بيان ما نزل إليهم بيان الأحكام التكليفية. لذلك نقول ~~جازمين إنه ليس فى آيات الأحكام آية متشابهة، وإن اشتبه فهمها على بعض ~~العقول، لأنه لم يطلع على موضوعها، فليس ذلك لأنها متشابهة فى ذاتها، بل ~~لاشتباه عند من لا يعلم، واشتباه من لا يعلم لا يجعل آية فى القرآن ~~متشابهة ". وبعد أن بين - سبحانه - موقف الناس من محكم القرآن ومتشابهه، ~~شرع فى بيان ما يتضرع به المؤمنون الصادقون الذين يؤمنون بكل ما أنزله ~~الله - تعالى - فقال { ربنا لا تزغ قلوبنا... }. ### || [3.8-9] # اشتملت هاتان الآيتان على دعوات طيبات. ويرى بعض العلماء أن هذه الدعوات ~~من مقول الراسخين فى العلم، فهم يقولون # آمنا به كل من عند ربنا # ويقولون أيضا { ربنا لا تزغ قلوبنا } ويرى بعضهم أن هذا ~~الكلام جديد، وهو تعليم من الله - تعالى - لعباده ليكثروا من التضرع إليه ~~بهذه الدعوات وأمثالها. والزيغ ms0664 - كما أشرنا فى الآية السابقة - الميل عن ~~الاستقامة، والانحراف عن الحق، يقال زاغ يزيغ أى مال ومنه زاغت الشمس إذا ~~مالت. والمعنى نسألك يا ربنا ونضرع إليك ألا تميل قلوبنا عن الهدى بعد إذ ~~ثبتنا عليه ومكنتنا منه. وأن تباعد بيننا وبين الزيغ الذى لا يرضيك. وبين ~~الضلال الذى يفسد القلوب، ويعمى البصائر. { وهب لنا من لدنك ~~رحمة } أى وامنحنا من عندك ومن جهتك إنعاما وإحسانا تشرح بهما ~~صدورنا. وتصلح بهما أحوالنا { إنك أنت الوهاب } لا غيرك، ~~فأنت مالك الملك وأنت القائل # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده # فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد تضمنت سؤال المؤمنين ربهم تثبيت ~~الإيمان فى قلوبهم ومنحهم المزيد من فضله وإنعامه وإحسانه. قال الفخر ~~الرازى - ما ملخصه - وقال - سبحانه - { رحمة } ليكون ذلك شاملا لجميع ~~أنواعها التى تتناول حصول نور الإيمان والتوحيد والمعرفة فى القلب، ~~وحصول الطاعة فى الأعضاء والجوارح، وحصول سهولة أسباب المعيشة والأمن ~~والصحة والكفاية فى الدينا وحصول سهولة سكرات الموت عند حضوره، وحصول ~~سهولة السؤال فى القبر، وغفران السيئات والفوز بالجنات فى الآخرة. وقوله ~~{ من لدنك } يتناول كل هذه الأقسام. لأنه لما ثبت بالبراهين ~~الباهرة أنه لا رحيم إلا هو أكد ذلك بقوله " من لدنك " تنبيها للعقل ~~والقلب والروح على أن هذا المقصود لا يحصل إلا منه - سبحانه - ثم قال { ~~إنك أنت الوهاب } كأن العبد يقول إلهى هذا الذى طلبته منك فى ~~هذا الدعاء عظيم بالنسبة إلى، حقير بالنسبة إلى كمال كرمك، فأنت الوهاب ~~الذى من هبتك حصلت حقائق الأشياء وذواتها وماهياتها ووجوداتها، فكل ما ~~سواك فمن جودك وإحسانك فلا تخيب رجاء هذا المسكين، ولا ترد دعاءه واجعله ~~أهلا لرحمتك ". هذا، وقد ساق الإمام ابن كثير وغيره بعض الأحاديث النبوية ~~عند تفسيرهم لهذه الآية ومن ذلك ما أخرجه أبو داود والنسائى وابن مردويه ~~عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~استيقظ من الليل قال ms0665 " لا إله إلا أنت سبحانك أستغفرك لذنبى وأسألك ~~رحمتك. اللهم زدنى علما، ولا تزغ قلبى بعد إذ هديتنى، وهب لى من لدنك ~~رحمة إنك أنت الوهاب ". # وروى الترمذى عن شهر بن حوشب قال # " قلت لأم سلمة يا أم المؤمنين، ما كان أكثر دعاء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا كان عندك؟ قالت كان أكثر دعائه " يا مقلب القلوب ثبت قلبى ~~على دينك " فقلت يا رسول الله، ما أكثر دعاءك يا مقلب القلوب ثبت قلبى ~~على دينك؟ قال " يا أم سلمة إنه ليس آدمى إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع ~~الله فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ " # فتلا معاذ - أحد رجال سند هذا الحديث - { ربنا لا تزغ ~~قلوبنا بعد إذ هديتنا }. وعن أنس - رضي الله عنه - قال # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يقول " يا مقلب القلوب ثبت ~~قلبى على دينك، قلنا يا رسول الله قد آمنا بك، وصدقنا بما جئت به، أفيخاف ~~علينا؟ قال نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها تبارك - ~~وتعالى - ". # ثم حكى - سبحانه - ضراعة أخرى تضرع بها المؤمنون إلى خالقهم فقال { ~~ربنآ إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه }. أي يا ~~ربنا إنك جامع الناس محسنهم ومسيئهم، مؤمنهم وكافرهم. ليوم لا شك فى ~~وقوعه وحصوله وهو يوم الحساب والجزاء، لتجازى الذين أساءوا بما عملوا ~~وتجازى الذين أحسنوا بالحسنى. فأنت - سبحانك - لم تخلق الخلق عبثا، ولن ~~تتركهم سدى، وإنما خلقتهم لرسالة عظمى هى عبادتك وطاعتك. فمن استجاب لك ~~تفضلت عليه بالثواب العظيم، ومن أعرض عن طاعتك عاقبته بما يستحقه. وقوله ~~{ إن الله لا يخلف الميعاد } تعليل لمضمون الجملة المؤكدة ~~أو لانتفاء الريب فى وقوع يوم القيامة وما فيه من ثواب وعقاب. أى إنك يا ~~مولانا لا تخلف ما أخبرت به عبادك من أن هناك يوما لا شك فى وقوعه، تجازى ~~فيه الناس على أعمالهم بمقتضى إرادتك ومشيئتك. وفى هذه الآية الكريمة ~~إشعار بأن نهاية أمل المؤمنين أن يظفروا بالجزاء الحسن من خالقهم ms0666 يوم ~~القيامة، لأنهم بعد أن سألوه تثبيت الإيمان وسعة الرحمة، توجهوا إليه ~~بالمقصود الأعظم وهو حسن الثواب يوم القيامة. فكأنهم قالوا - كما يقول ~~الرازى - ليس الغرض من تلك الدعوات ما يتعلق بمصالح الدنيا فإنها فانية ~~وإنما الغرض الأعظم منه ما يتعلق بالآخرة فإنا نعلم أنك يا إلهنا جامع ~~الناس للجزاء فى يوم القيامة، ونعلم أن وعدك لا يكون خلفا، وكلامك لا ~~يكون كذبا فمن زاغ قلبه بقى هناك فى العذاب أبد الآباد، ومن أعطيته ~~التوفيق والهداية والرحمة وجعلته من المؤمنين، بقى هناك فى السعادة ~~والكرامة أبد الآبدين فالغرض الأعظم من ذلك الدعاء ما يتعلق بالآخرة ". ~~وبذلك نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد اشتملنا على دعوات كريمات ~~بليغات، من شأنها أن تسعد الناس فى دينهم ودنياهم. والله نسأل أن ينفعنا ~~بها إنه مجيب الدعاء، وأرحم الراحمين. وبعد هذا الدعاء الجامع الحكيم ~~الذى حكاه الله - تعالى - عن عباده المؤمنين عقب ذلك بالحديث عن ~~الكافرين، وعن أسباب كفرهم وغرورهم، وعن سوء عاقبتهم فقال تعالى { إن ~~الذين كفروا لن تغني.... }. ### || [3.10-13] # الوقود - بفتح الواو - هو ما توقد به النار كالحطب وغيره. وأصله من وقدت ~~النار تقد إذا اشتعلت. والوقود - بضم الواو - المصدر عند أكثر اللغويين. ~~والمعنى إن الذين كفروا بالحق لما جاءهم، وعموا وصموا عن الاستجابة له، ~~لن تنفعهم أموالهم ولا أولادهم يوم القيامة، ولن تدفع عنهم شيئا من عذاب ~~الله الذى استحقوه بسبب كفرهم، واغترارهم بكثرة المال، وعزة النفر، وقوة ~~العصبية وقد أكد - سبحانه - هذا الحكم ردا على مزاعمهم الباطلة من أن ذلك ~~سينفعهم فقد حكى القرآن عنهم أنهم قالوا # نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين # فبين - سبحانه - أنه بسبب كفرهم الذى أصروا عليه، لن تنفعهم أموالهم ولا ~~أولادهم أى نفع من وقوع عذاب الله عليهم. ومن فى قوله { من الله } ~~لابتداء الغاية و { شيئا } منصوب على المصدرية. أى شيئا من الاغناء. ~~أو النفع، لأن الذى ينفع الناس يوم القيامة إنما هو إيمانهم وعملهم ~~الصالح. والإشارة فى قوله { وأولئك هم وقود النار ms0667 } ~~لأولئك الكافرين الذين غرهم بالله الغرور. أى وأولئك الكافرون الذين ~~اغتروا بأموالهم وأولادهم ولم يعيروا أسماعهم أى التفات إلى الحق هم وقود ~~النار أى حطبها. أى أن النار يشتد اشتعالها فيهم حتى لكأنهم هم مادتها ~~التى بها تتقد وتشتعل. وجىء بالإشارة فى قوله { وأولئك } ~~لاستحضارهم فى الأذهان حتى لكأنهم بحيث يشار إليهم، وللتنبيه على أنهم ~~أحرياء بما سيأتى من الخبر وهو قوله { هم وقود النار }. وكانت ~~الاشارة للبعيد، للإشعار بغلوهم فى الكفر، وانغماسهم فيه إلى منتهاه، ~~ولذلك كانت العقوبة شديدة. وقوله { وأولئك } مبتدأ، وهم ضمير فصل ~~والخبر قوله { وقود النار } والجملة مستأنفة مقررة لعدم الإغناء. ~~وفى هذا التذييل تهديد شديد للكفار الذين اغتروا بأموالهم وأولادهم ببيان ~~أن ما اغتروا به لن يحول بينهم وبين الخلود فى النار. قال الفخر الرازى ~~ما ملخصه اعلم أن كمال العذاب هو أن يزول عن الإنسان كل ما كان منتفعا ~~به. ثم يجتمع عليه جميع الأسباب المؤلمة. أما الأول فهو المراد بقوله { ~~لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله ~~شيئا } وذلك لأن المرء عند الخطوب والنوائب فى الدنيا يفزع إلى المال ~~والولد. فبين الله - تعالى - أن صفة ذلك اليوم مخالفة لصفة الدنيا. ونظير ~~هذه الآية قوله - تعالى - # يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله ~~بقلب سليم # وأما القسم الثانى من أسباب العذاب فهو أن يجتمع عليه الأسباب المؤلمة، ~~وإليه الإشارة بقوله { وأولئك هم وقود النار } وهذا هو ~~النهاية فى العذاب، فإنه لا عذاب أزيد من أن تشتعل النار فيهم كاشتعالها ~~فى الحطب اليابس. # ثم بين - سبحانه - أن حال الكافرين بالحق الذى جاءهم به النبى صلى الله ~~عليه وسلم كحال الذين سبقوهم فى الجحود والعناد فقال - تعالى - { ~~كدأب آل فرعون والذين من قبلهم }. الدأب أصله ~~الدوام والاستمرار. يقال دأب على كذا يداب دأبا ودأبا ودءوبا، إذا ~~داوم عليه وجد فيه وتعب. ثم غلب استعماله فى الحال والشان والعادة، لأن ~~من يستمر فى عمل أمدا طويلا يصير عادة من عاداته، وحالا من أحواله ms0668 فهو من ~~باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم. وآل فرعون هم أعوانه ونصراؤه وأشياعه ~~الذين استحبوا العمى على الهدى واستمروا على النفاق والضلال حتى صار ~~ديدنا لهم. قال الراغب " والآل مقلوب عن الأهل. ويصغر على أهيل إلا أنه ~~خص بالإضافة إلى أعلام الناطقين دون النكرات ودون الأزمنة والأمكنة. ~~يقال آل فلان ولا يقال آل رجل... ولا يقال آل الخياط بل يضاف إلى الأشرف ~~والأفضل، فيقال آل الله وآل السلطان، والأهل يضاف إلى الكل فيقال أهل ~~الله وأهل الخياط كما يقال أهل زمن كذا ". والمعنى حال هؤلاء الكافرين ~~الذين كرهوا الحق الذى جئت به - يا محمد - ولم يؤمنوا بك حالهم فى ~~استحقاق العذاب، كحال آل فرعون والذين من قبلهم من أهل الزيغ والضلال، ~~كفروا بآيات الله، وكذبوا بما جاءت به من هدايات فكانت نتيجة ذلك أن ~~أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر حيث أهلكهم بسبب ما ارتكبوه من ذنوب، والله - ~~تعالى - شديد العقاب لمن كفر بآياته. والجار والمجرور بقوله { كدأب ~~آل فرعون } فى موضع رفع خبر لمبتدأ محذوف. أى شأن هؤلاء فى تكذيبك ~~يا محمد كشأن آل فرعون والذين من قبلهم فى تكذيبهم لأنبيائهم. والمقصود ~~بآل فرعون أعوانه وبطانته، لأن الآل يطلق على أشد الناس التصاقا واختصاصا ~~بالمضاف إليه، والاختصاص هنا فى المتابعة، والتواطؤ على الكفر، لأنه إذا ~~وجد العناد فى التابع فهو فى الغالب يكون فى المتبوع أشد وأكبر. ولأنهم ~~هم الذين حرضوه على الشرور والآثام والطغيان فلقد حكى القرآن عنهم ذلك فى ~~قوله - تعالى - # وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ~~ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل ~~أبنآءهم ونستحيي نسآءهم وإنا فوقهم ~~قاهرون # وخص القرآن آل فرعون بالذكر من بين الذين سبقوهم فى الكفر، لأن فرعون ~~كان اشد الطغاة طغيانا، وأكبرهم غرورا وبطرا وأكثرهم استهانة بقومه، ~~واحتقارا لعقولهم وكيانهم، ألم يقل لهم - كما حكى القرآن - # أنا ربكم الأعلى # ألم يبلغ به غروره أن يقول لهم # أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من ~~تحتي أفلا تبصرون # ألم يقل لوزيره ms0669 # يهامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب ~~أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني ~~لأظنه كاذبا... # ولقد وصف الله - تعالى - قوم فرعون بهوان الشخصية، وتفاهة العقل، ~~والخروج عن كل مكرمة فقال # فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما ~~فاسقين # لأن الأمة التى تترك الظالم وبطانته يعيثون فى الأرض فسادا لا تستحق ~~الحياة، ولا يكون مصيرها إلا إلى التعاسة والخسران. وجملة { كذبوا ~~بآياتنا } تفسير لصنيعهم الباطل، ودأبهم على الفساد والضلال. والمراد ~~بالآيات ما يعم المتلوة فى كتب الله - تعالى - والبراهين والمعجزات ~~الدالة على صدق الأنبياء فيما يبلغونه عن ربهم. وفى إضافتها إلى الله - ~~تعالى - تعظيم لها وتنبيه على قوة دلالتها على الحق والخير وقوله { ~~فأخذهم الله بذنوبهم } بيان لما أصابهم بسبب كفرهم ~~وتكذيبهم للحق، وفى التعبير بالأخذ إشارة إلى شدة العقوبة، فهو - سبحانه ~~- قد أخذهم كما يؤخذ الأسير الذى لا يستطيع فكاكا من آسره. والباء ~~للسببية أى أخذهم بسبب ما اجترحوه من ذنوب. أو الملابسة والمصاحبة. أى ~~أخذهم وهم متلبسون بذنوبهم دون أن يتوبوا منها أو يقلعوا عنها، والجمل ~~على الوجهين تدل على كمال عدل الله - تعالى - لأنه ما عاقبهم إلا لأنهم ~~استحقوا ذلك. وأصل الذنب الأخذ بذنب الشىء، أى بمؤخرته ثم أطلق على ~~الجريمة لأن مرتكبها يعاقب بعدها. وفى قوله { والله شديد ~~العقاب } إشارة إلى أن شدة العقاب سببها شدة الجريمة وتعليم للناس ~~بأن كل فعل له جزاؤه، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وتقرير وتأكيد لمضمون ~~ما قبلها. ثم أنذر الله - تعالى - الكافرين بسوء المصير، وبشر المؤمنين ~~بحسن العاقبة فقال - تعالى - { قل للذين كفروا ستغلبون ~~وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد }. وقد وردت روايات ~~فى سبب نزول هذه الآية والتى بعدها. من أشهرها ما ذكره ابن إسحاق عن عاصم ~~بن عمرو بن قتادة # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصاب من قريش ما أصاب فى غزوة ~~بدر ورجع إلى المدينة جمع اليهود فى سوق بنى قينقاع وقال " يا معشر ~~اليهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر ms0670 قبل أن ينزل بكم ما نزل ~~بهم، فقد عرفتم أنى نبى مرسل تجدون ذلك فى كتابكم وعهد الله إليكم " ~~فقالوا يا محمد، لا يغرنك أنك قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا لا علم لهم ~~بالحرب فأصبت فيهم فرصة. إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس. ~~فأنزل الله - تعالى - { قل للذين كفروا ستغلبون } إلى ~~قوله - تعالى - { لعبرة لأولي الأبصار } " # والمعنى قل يا محمد لهؤلاء اليهود وأمثالهم من المشركين الذين يدلون ~~بقوتهم، ويغترون بأموالهم وأولادهم وعصبيتهم.. قل لهم ستغلبون وتهزمون فى ~~الدنيا على أيدى المؤمنين وتحشرون يوم القيامة ثم تساقون إلى نار جهنم ~~لتلقوا فيها مصيركم المؤلم، { وبئس المهاد } أى بئس المكان الذى ~~هيأوه لأنفسهم فى الآخرة بسبب سوء فعلهم. # والمهاد المكان الممهد الذى ينام عليه كالفراش. ولقد أمر الله - تعالى - ~~نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتولى الرد عليهم. وأن يواجههم بهذا الخطاب ~~المشتمل على التهديد والوعيد، لأنهم كانوا يتفاخرون عليه بأموالهم ~~وبقوتهم، فكان من المناسب أن يتولى صلى الله عليه وسلم الرد عليهم، وأن ~~يخبرهم بأن النصر سيكون له ولأصحابه، وأن الدائرة ستدور عليهم. وقوله { ~~ستغلبون } إخبار عن أمر يحصل فى المستقبل، وقد وقع كما أخبر به ~~الله - تعالى - فقد دارت الدائرة على اليهود من بنى قينقاع والنضير ~~وقريظة وغيرهم، بعد بضع سنوات من الهجرة، وتم فتح مكة فى السنة الثامنة ~~بعد الهجرة. وقوله { وبئس المهاد } إما من تمام ما يقال لهم، أو ~~استئناف لتهويل شأن جهنم، وتفظيع حال أهلها. ثم ساق القرآن مثلا مشاهدا ~~يدل على نصر الله - تعالى - لأوليائه وخذلانه لأعدائه، فقال { قد كان ~~لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل ~~الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي ~~العين }. والمراد بالآية هنا العلامة والبرهان والشاهد على صدق الشىء ~~المخبر عنه. والفئة - كما يقول القرطبى - الجماعة من الناس، وسميت ~~الجماعة من الناس فئة لأنها يفاء إليها، أى يرجع إليها فى وقت الشدة، ولا ~~خلاف فى أن الإشارة بهاتين الفئتين هى إلى يوم بدر. ثم قال ويحتمل أن ms0671 ~~يكون المخاطب بهذه الآية جميع المؤمنين، ويحتمل أن يخاطب بها جميع ~~الكفار، ويحتمل أن يخاطب بها يهود المدينة، وبكل احتمال منها قد قال قوم. ~~وفائدة الخطاب للمؤمنين تثبيت النفوس وتشجيعها، حتى يقدموا على مثليهم ~~وأمثالهم كما قد وقع. والمعنى قد كان لكم أيها الناس علامة عظيمة، ودلالة ~~واضحة على أن الكافرين سيغلبون والمؤمنين سينصرون بما جرى فى غزوة بدر، ~~فقد رأيتم كيف أن الله - تعالى - قد نصر المؤمنين مع قلة عددهم، وهزم ~~الكافرين مع كثرة عددهم وعددهم. ولقد كان المؤمنون يرون أعداءهم أكثر ~~منهم عددا وعدة ومع ذلك لم يهابوهم ولم يجبنوا عن لقائهم، بل أقدموا على ~~قتالهم بإيمان وشجاعة فرزقهم الله النصر على أعدائهم. ووصف - سبحانه - ~~الفئة المؤمنة بأنها تقاتل فى سبيل الله، على سبيل المدح لها، والإعلاء ~~من شأنها، وبيان الغاية السامية التى من أجلها قاتلت، ومن أجلها تم لها ~~النصر فهي لم تقاتل لأجل عرض من أعراض الدنيا، وإنما قاتلت لإعلاء كلمة ~~الله ونصرة الحق. ووصف الفئة الأخرى بأنها كافرة لأنها لم تؤمن بالحق، ~~ولم تتبع الطريق المستقيم، بل كفرت بكل ما يصلحها فى دينها ودنياها. ولم ~~يصفها بالقتال كما وصف الفئة المؤمنة. إسقاطا لقتال تلك الفئة الكافرة عن ~~درجة الاعتبار، وإيذانا بأن الرعب الذى ألقاه الله فى قلوبهم عند لقائهم ~~للمؤمنين، جعلهم بأنهم ليسوا أهلا لأن يوصفوا بالقتال. # هذا وللعلماء أقوال فى المراد من قوله - تعالى - { يرونهم ~~مثليهم رأي العين } وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذه الأقوال ~~فقال { يرونهم مثليهم } أى يرى المشركون المسلمين مثلى عدد ~~المشركين أى قريبا من ألفين، أو مثلى عدد المسلمين أى ستمائة ونيفا ~~وعشرين. أراهم الله إياهم مع قلتهم أضعافهم ليهابوهم ويجبنوا عن قتالهم. ~~وكان ذلك مددا لهم من الله كما أمدهم بالملائكة. والدليل عليه قراءة ~~نافع " ترونهم " بالتاء، أى ترون يا مشركى قريش المسلمين مثلى فئتكم ~~الكافرة، أو مثلى أنفسهم. فإن قلت فهذا مناقض لقوله فى سورة الأنفال # ويقللكم في أعينهم # قلت قللوا أولا فى أعينهم حتى اجترؤا عليهم فلما ms0672 لاقوهم كثروا فى أعينهم ~~حتى غلبوا، فكان التقليل والتكثير فى حالين مختلفين... وتقليلهم تارة ~~وتكثيرهم تارة أخرى فى أعينهم أبلغ فى القدرة وإظهار الآية. وقيل يرى ~~المسلمون المشركين مثلى المسلمين على ما قرر عليه أمرهم من مقاومة الواحد ~~الاثنين فى قوله # فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين # بعدما كلفوا أن يقاوم الواحد العشرة فى قوله - تعالى - # إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين # والذى نراه أن الرأى الذى عبر عنه صاحب الكشاف بقوله وقيل يرى المسلمون ~~المشركين مثلى المسلمين... إلخ هذا الرأى هو أقرب الأقوال إلى الصواب لأن ~~المسلمين فى غزوة بدر كانوا أقل عددا وعدة من المشركين، ولأن التعبير ~~بقوله - تعالى - { رأي العين } يفيد أن رؤية هذه الكثرة من ~~المشركين كانت رؤية بصرية بالمشاهدة، وليست بالتقدير أو التخيل، وهذا ~~يتحقق فى رؤية المؤمنين للمشركين فإن قيل إن المشركين فى بدر كانوا ثلاثة ~~أمثال المؤمنين تقريبا - كما حكى لنا التاريخ - ولم يكونوا مثليهم أى ~~ضعفهم؟ فالجواب على ذلك أن هذا التقدير للمشركين من جانب المؤمنين كان ~~تقديرا تقريبيا وليس تقديرا عدديا، فثلاثة الأمثال قد ترى رأى العين ~~مثلين أو نقول إن المراد بكلمة مثلين مجرد التكرار وليس المراد بها ~~التثنية على الحقيقة، كما فى قوله - تعالى - # فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر ~~كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير # فالمراد تكرار النظر مرة ومرات وليس المراد التحديد بكرتين. وقد رجح ابن ~~جرير الطبرى هذا الرأى، فقد قال بعد سرده لجملة من أقوال العلماء وأولى ~~هذه القراءات بالصواب قراءة من قرأ { يرونهم } بمعنى وأخرى كافرة ~~يراهم المسلمون مثليهم، يعنى مثلى عدد المسلمين، لتقليل الله إياهم فى ~~أعينهم فى حال. فكان حزرهم إياهم كذلك.. ثم قال وأما قوله { رأي ~~العين } فإنه مصدر رأيته يقال رأيته رأيا ورؤية، ويقال هو منى رأى ~~العين، ورأى العين - بالنصب والرفع - يراد حيث يقع عليه بصرى. # . فمعنى ذلك يرونهم حيث تلحقهم أبصارهم وتراهم عيونهم مثليهم ". وقوله - ~~تعالى - { قد كان لكم آية }.. إلخ من ms0673 تمام القول المأمور به جىء ~~به لتقرير وتحقيق ما قبله. و { كان } هنا ناقصة، و { آية } اسمها، ~~وترك التأنيث فى - كان - لوجود الفاصل بينها وبين اسمها، ولأن المرفوع ~~بها وهو اسمها مجازى التأنيث أو باعتبار أن الآية برهان ودليل. وقوله { ~~لكم } خبر كان. وقوله { فئة } خبر لمبتدأ محذوف أى. إحداهما فئة ~~تقاتل فى سبيل الله. وقوله { وأخرى } نعت لمقدر أى وفئة أخرى كافرة. ~~والجملة مستأنفة لتقرير " ما فى الفئتين من الآية " ثم ختم - سبحانه - ~~الآية الكريمة بقوله { والله يؤيد بنصره من يشآء إن ~~في ذلك لعبرة لأولي الأبصار }. أى والله - تعالى - يؤيد ~~بنصره من يشاء نصره وفوزه، فهو القادر على أن يجعل الفئة القليلة تغلب ~~الفئة الكثيرة، لاراد لمشيئته ولا معقب لحكمه وإن الذين يغترون بقوتهم ~~وحدها، ويغترون بما بين أيديهم من أموال وعتاد ورجال، ولا يعملون حسابا ~~للقدر، الذى يجريه الله على حسب مشيئته وإرادته هؤلاء الذين غرهم بالله ~~الغرور، تداهمهم الهزيمة من حيث لا يحتسبون، وقد يفجؤهم الخسران والخذلان ~~من الطريق الذى توهموا فيه الكسب والانتصار. لذا أمر الله - تعالى - ~~عباده بالاعتبار والاتعاظ فقال { إن فى ذلك لعبرة لأولي ~~الأبصار } واسم الإشارة ذلك يعود إلى المذكور الذى رأوه وشاهدوه وهو ~~أن الفئة القليلة المؤمنة غلبت الفئة الكثيرة الكافرة. والعبرة - ~~الاعتبار والاتعاظ وأصله من العبور وهو النفور من أحد الجانبين إلى ~~الآخر، وسمى الاتعاظ عبرة، لأن المعتبر المتعظ يعبر عن الجهل إلى العلم، ~~ومن الهلاك إلى النجاة. أى إن فى ذلك الذى شاهده الناس وعاينوه من انتصار ~~الفئة القليلة التى تقاتل فى سبيل الله، على الفئة الكثيرة التى تقاتل فى ~~سبيل الطاغوت، لعبرة عظيمة، ودلالة واضحة، لأصحاب المدارك السليمة ~~والعقول الواعية التى تفهم الأمور على حقيقتها، وتؤمن بأن الله - تعالى - ~~قادر على كل شىء، أما أصحاب القلوب المطموسة والنفوس المغرورة بقوتها. ~~فهى عن الاعتبار والاتعاظ بمعزل. قال الفخر الرازى ما ملخصه " واعلم أن ~~العلماء ذكروا فى تفسير كون تلك الواقعة آية بينة وعبرة واضحة - وجوها ~~منها أن المسلمين كان ms0674 قد اجتمع فيهم من أسباب الضعف عن المقاومة أمور ~~منها قلة العدد، وأنهم خرجوا غير قاصدين للحرب فلم يتأهبوا، ومنه قلة ~~السلاح، ومنها أنها كانت ابتداء غارة فى الحرب لأنها أول غزوات الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وكان قد حصل للمشركين أضداد هذه المعانى من الكثرة ~~والتأهب وغير ذلك ومع هذا فقد انتصر المؤمنون، ولما كان ذلك خارجا عن ~~العادة كان معجزا ". # وبذلك تكون الآيات الكريمة قد أنذرت الكافرين بسوء العاقبة إذا ما ~~استمروا على كفرهم، وساقت لهم ما يؤيد ذلك من واقع ما شاهدوه، وبشرت ~~المؤمنين بنصر الله لهم، وحثنهم على الاتعاظ والاعتبار، لأن من شأن ~~المعتبرين أن يكونوا مراقبين لله - تعالى - ومنفذين لأوامره، ومبتعدين عن ~~نواهيه، ومن كان كذلك كان الله معه بنصره وتأييده. ثم بين - سبحانه - أهم ~~الشهوات التى يؤدى الانهماك فى طلبها إلى الانحراف فى التفكير، وإلى عدم ~~التبصر والاعتبار، ودعا الناس إلى التزود من العمل الصالح الذى يفضى بهم ~~إلى رضاه - سبحانه - فقال { زين للناس حب... }. ### || [3.14-17] # فأنت ترى فى هذه الآيات الكريمة بيانا حكيما من الله - تعالى - لأهم متع ~~الحياة الدنيا وشهواتها، ولما هو خير من هذه المتع والشهوات، مما أعده ~~الله لعباده المتقين من جنات وخيرات. وقوله { زين } من التزيين وهو ~~تصيير الشىء زينا أى حسنا. والزينة هى ما فى الشىء من المحاسن التى ترغب ~~الناظرين فى اقتنائه. قال الراغب " والزينة بالقول المجمل ثلاث زينة ~~نفسية كالعلم والاعتقادات الحسنة، وزينة بدنية كالقوة وطول القامة، وزينة ~~خارجية كالمال والجاه.. وقد نسب الله التزيين فى مواضع إلى نفسه كما فى ~~قوله - تعالى - # ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في ~~قلوبكم # ونسبه فى مواضع إلى الشيطان كما فى قوله # وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم # وذكره فى مواضع غير مسمى فاعله كما فى قوله - تعالى - { زين ~~للناس حب الشهوات }. والشهوات جمع شهوة، وهى ثوران النفس ~~وميلها نحو الشئ المشتهى. والمراد بها هنا الأشياء المشتهاة من النساء ~~والبنين... إلخ. وعبر عنها بالشهوات للإشارة - كما يقول الآلوسي - إلى ~~ما ms0675 ركز فى الطباع من محبتها والحرص عليها حتى لكأنهم يشتهون اشتهاءها كما ~~قيل لمريض ما تشتهى؟ فقال أشتهى أن أشتهى. أو تنبيها على خستها لأن ~~الشهوات خسيسة عند الحكماء والعقلاء ففى ذلك تنفير عنها وترغيب فيما عند ~~الله، ثم قال والتزيين للشهوات يطلق ويراد به خلق حبها فى القلوب، وهو ~~بهذا المعنى مضاف إليه - تعالى - حقيقة لأنه لا خالق إلا هو. ويطلق ويراد ~~به الحض على تعاطى الشهوات المحظورة فتزيينها بالمعنى الثانى مضاف إلى ~~الشيطان تنزيلا لوسوسته وتحسينه منزلة الأمر بها والحض على تعاطيها ". ثم ~~بين - سبحانه - أهم المشتهيات التى يحبها الناس، وتهفو إليها قلوبهم، ~~وترغب فيها نفوسهم، فأجملها فى أمور ستة. أما أولها فقد عبر عنه القرآن ~~بقوله " من النساء ولا شك أن المحبة بين الرجال والنساء شىء فطرى فى ~~الطبيعة الإنسانية، ويكفى أن الله - تعالى - قد قال فى العلاقة بين الرجل ~~والمرأة # هن لباس لكم وأنتم لباس لهن # وقال تعالى - فى آية ثانية # ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ~~لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة # وإن بعض الرجال قد يستهين بكل شىء فى سبيل الوصول إلى المرأة التى ~~يهواها ويشتهيها والأمثال على ذلك كثيرة ولا مجال لذكرها هنا وصدق رسول ~~الله حيث يقول # " ما تركت بعدى فتنة أضر على الرجال من النساء " # ، ولذا قدم القرآن اشتهاءهن على كل شهوة. و { من } فى قوله { من ~~النساء والبنين } بيانية، وهى مع مجرورها فى محل نصب على الحال ~~من الشهوات. # واكتفى القرآن بذكر محبة الرجل للمراة مع أن المرأة كذلك تحب الرجل ~~بفطرتها لأن ذكر محبة أحدهما للآخر يغنى عن ذكر الطرفين معا، وما يستفاد ~~بالإشارة يستغنى فيه عن العبارة خصوصا فى هذا المجال الذى يحرص فيه ~~القرآن على تربية الحياء والأدب فى النفوس، ولأن المرأة فى هذا الباب ~~يهمها أن تكون مطلوبة لا طالبة. وحتى لو كانت محبتها للرجل أشد فإنها ~~تحاول أن تثير فيه ما يجعله هو الذى يطلبها لا هى التى تطلبه. وأما ثانى ~~المشتهيات فقد ms0676 عبر عنه القرآن بقوله { والبنين } جمع ابن، وهو معطوف ~~على ما قبله، وقد ذكر حب البنين بعد حب النساء لأن البنين ثمرة حب ~~النساء، واكتفى بذكر البنين، لأنهم موضع الفخر فى العادة وحب الأولاد ~~طبيعة فى النفس البشرية فهم ثمرات القلوب، وقرة الأعين ومهوى الأفئدة، ~~ومطمح الآمال، ولقد تمنى الذرية جميع الناس حتى الأنبياء فهذا سيدنا ~~إبراهيم يقول # رب هب لي من الصالحين # وسيدنا زكريا يقول # رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين # والإنسان فى سبيل حبه لأولاده يضحى براحته، وقد يجمع المال من أجلهم من ~~حلال ومن حرام، وقد يرتكب بعض الأعمال التى لا يريد ارتكابها إرضاء لهم، ~~وقد يمتنع عن فعل أشياء هو يريد فعلها لأن مصلحتهم تقتضى ذلك. وصدق الله ~~إذ يقول # أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة # وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم حيث يقول # " الولد ثمرة القلب، وإنه مجبنة مبخلة محزنة " # أى أن الأبناء يجعلون آباءهم يجبنون خوفا من الموت لئلا يصيب أبناءهم ~~اليتم وآلامه، ويجعلونهم يبخلون فلا ينفقون فيما ينبغى أن ينفق فيه ~~إيثارا لهم بالمال، ويجعلونهم يحزنون عليهم إن أصابهم مرض ونحوه. أما ~~الأمر الثالث من المشتهيات فقد عبر عنه القرآن بقوله { والقناطير ~~المقنطرة من الذهب والفضة } والقناطير جمع قنطار، وهو ~~مأخوذ من عقد الشىء وإحكامه، تقول العرب قنطرت الشىء إذا أحكمته، ومنه ~~سميت القنطرة لإحكامها. قال الفخر الرازى " القنطار مال كثير يتوثق ~~الإنسان به فى دفع أصناف النوائب وحكى أبو عبيدة عن العرب أنهم يقولون ~~إنه وزن لا يحد. واعلم أن هذا هو الصحيح، ومن الناس من حاول تحديده. فعن ~~ابن عباس القنطار ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم وهو مقدار الدية ". ~~ولفط { المقنطرة } مأخوذ من القنطار. ومن عادة العرب أن يصفوا ~~الشىء بما يشتق منه للمبالغة أى والقناطير المضاعفة المتكاثرة المجموعة ~~قنظارا قنطارا كقولهم دراهم مدرهمة وإبل مؤبلة. وقوله { من الذهب ~~والفضة } بيان للقناطير، وهو فى موضع الحال هنا. والمراد أن ~~الإنسان محب للمال حبا شديدا، قال - تعالى - # وإنه لحب الخير لشديد ms0677 # وقال تعالى - # وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا ~~جما # وفى الحديث الشريف الذى رواه الشيخان عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال # " لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا. ولا يملأ جوف ابن آدم ~~إلا التراب. ويتوب الله على من تاب " # والأحاديث فى هذا المعنى كثيرة. وقالت السيدة - عائشة - رضى الله عنها - ~~" رأيت ذا المال مهيبا، ورأيت ذا الفقر مهينا " وقالت " إن أحساب ذوى ~~الدنيا بنيت على المال ". وإنما كان الذهب والفضة مبحوبين، لأنهما - كما ~~يقول الرازى - جعلا ثمنا لجميع الأشياء، فمالكهما كالمالك لجميع الأشياء ~~" وصفة المالكية هى القدرة، والقدرة صفة كمال، والكمال محبوب لذاته، فلما ~~كان الذهب والفضة أكمل الوسائل إلى تحصيل هذا الكمال الذى هو محبوب لذاته ~~- وما لا يوجد المحبوب إلا به فهو محبوب - لا جرم كانا محبوبين ". وأما ~~المشتهيات الرابعة والخامسة والسادسة فتتجلى فى قوله - تعالى - { ~~والخيل المسومة والأنعام والحرث }. ولفظ الخيل يرى ~~سيبويه أنه اسم جمع لا واحد له من لفظه، بل مفرده فرس فهو نظير قوم - ~~ورهط ونساء. ويرى الأخفش أنه جمع تكسير وواحده خائل، فهو نظير راكب، ~~وطائر وطير. وهو مشتق من الخيلاء لأنها تختال فى مشيتها. والمسومة أى ~~الراعية فى المروج والمسارح. يقال سوم ماشيته إذا أرسلها فى المرعى. أو ~~المطهمة الحسان، من السيما بمعنى الحسن أو المعلمة ذات الغرة والتحجيل من ~~السمة بمعنى العلامة. والخيل كانت وما زالت زينة محببة مرغوبة، مهما تفنن ~~البشر فى اختراع صنوف من المراكب برا وبحرا فمع وجود هذه المراكب ~~المتنوعة ما زال للخيل عشاقها الذين يعجبهم ما فيها من جمال وانطلاق ~~وألفة. ويقتنونها للركوب والمسابقات... { والأنعام } جمع نعم، وهى ~~الإبل والبقر والغنم. ولا يقال للجنس الواحد منها نعم إلا للإبل خاصة ~~فإنها غلبت عليها. والأنعام فيها زينة. والإنسان فى حاجة شديدة إليها فى ~~مركبه ومطعمه وغير ذلك. قال - تعالى - # والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها ~~تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين ~~تسرحون وتحمل أثقالكم إلى بلد ms0678 لم تكونوا ~~بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم # و { والحرث } مصدر بمعنى المفعول أى المحروث. والمراد به المزروع ~~سواء أكان حبوبا أم بقلا، أم ثمرا إذ من هذه الأشياء يتخذ الإنسان ~~مطعمه وملبسه وأدوات زينته. تلك هى أهم المشتهيات فى هذه الحياة إلى نفس ~~الإنسان قد جمعها القرآن فى آية واحدة، وقد اختصها - سبحانه - بالذكر ~~لأنها أوضح من غيرها فى الاحتياج إليها والتلذذ بها، ولأن فيها إشارة إلى ~~أنواع المتع كلها سواء أكانت متعة جسدية أم روحية، أم مالية، أم غير ذلك ~~من ألوان المتع، ومن مستلزمات الحياة. # وقد ختم - سبحانه - الآية بقوله { ذلك متاع الحياة الدنيا ~~والله عنده حسن المآب }. واسم الإشارة { ذلك } يعود ~~إلى كل ما تقدم ذكره من الأمور الستة التى سبق الحديث عنها، والمآب مصدر ~~ميمى بوزن مفعل، من آب. كقال - إيابا وأوبا ومآبا، إذا رجع. وأصله ~~مأوب نقلت حركة الواو إلى الهمزة ثم قلبت الواو ألفا مثل مقال. أى ذلك ~~المذكور من النساء والبنين وما عطف عليهما هو موضع الزينة، ومطلب الناس ~~الذى يستمتعون به،......... فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ذكرت المشتهيات ~~التى جبل الإنسان على الميل إليها، وصياغة الفعل للمجهول { زين ~~للناس } للإشارة إلى أن محبة هذه الأشياء واشتهاءها مركوز فى الفطرة ~~الإنسانية منذ أوجد الله الإنسان فى هذه الحياة الدنيا. وهذه المشتهيات ~~ليست خسيسة فى ذاتها، ولا يقصد الإسلام إلى تخسيسها فى ذاتها أو إلى ~~التنفير منها، وإنما الإسلام يريد من أتباعه أن يقتصدوا فى طلبها، وأن ~~يطلبوها من وجوهها المشروعة، وأن يضعوها فى مواضعها المشروعة، وأن يشكروا ~~الله عليها، وألا يجعلوها غاية مقصدهم فى هذه الحياة إن الإسلام لا ~~يحارب الفطرة الإنسانية التى تشتهى هذه الأشياء، وإنما يهذبها ويضبطها ~~ويرشدها إلى أن تضع هذه الاشياء فى موضعها المناسب، بحيث لا تطغى على ~~غيرها ولا تستعمل فى غير ما خلقها الله من أجله، وبذلك يسعد الإنسان فى ~~دينه ودنياه وآخرته. وللإمام ابن كثير كلام حسن عند تفسيره لهذه الآية ~~فقد ms0679 قال ما ملخصه يخبر الله - تعالى - عما زين للناس فى هذه الحياة ~~الدنيا من أنواع الملاذ من النساء والبنين، فبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن ~~أشد.. فأما إذا كان القصد بهن الإعفاف وكثرة الأولاد فهذا مطلوب مرغوب ~~فيه مندوب إليه كما وردت الأحاديث بذلك.. وحب المال كذلك تارة يكون للفخر ~~والخيلاء والتكبر... فيكون مذموما، وتارة يكون للنفقة فى وجوه البر فيكون ~~محمودا.. وحب الخيل على ثلاثة أقسام، تارة يكون ربطها أصحابها معدة ~~لسبيل الله متى احتاجوا إليها غزوا عليها فهؤلاء يثابون. وتارة تربط فخرا ~~ومناوأة لأهل الإسلام فهذه على صاحبها وزر. وتارة تربط للتعفف واقتناء ~~نسلها ولم ينس صاحبها حق الله فيها فهذه لصاحبها ستر. وفى الحديث الشريف ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " خير مال المرء مهرة مأمورة أو سكة مأبورة " # والسكة النخل المصطف، والمأبورة الملقحة،. وفى الصحيحين عن أنس بن مالك ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما من مسلم غرس أو زرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان ~~له به صدقه ". # هذا، وختام الآية الكريمة بقوله { ذلك متاع الحياة الدنيا ~~والله عنده حسن المآب } إشارة إلى أن متع الدنيا مهما ~~كثرت وتنوعت وتلذذ بها الإنسان فهى زوال، وأما اللذائذ الباقية الخالدة ~~فهى التى أعدها الله - تعالى - لعباده المتقين فى الدارة الآخرة، ولذا ~~قال - سبحانه - بعد ذلك { قل أؤنبئكم بخير من ذلكم ~~}. # أى قل يا محمد للناس الذين مالوا إلى شهوات الدنيا من النساء والبنين ~~وغيرهما، قل لهم ألا تحبون أن أخبركم بما هو خير من تلك المشتهيات ~~الدنيوية؟ والاستفهام للتقرير، والمراد به التحقيق والتثبيت فى نفوس ~~المخاطبين، أى تحقيق وتثبيت خيرية ما عند الله وأفضليته على شهوات ~~الدنيا، وحضهم على الاستجابة لما سيلقى عليهم. وافتتح الكلام بكلمة { ~~قل } للاهتمام بالمقول وتنبيه السامعين إلى أن ما سيلقى عليهم أمر ~~يهمهم ومما يقوى هذا التنبيه هنا التعبير بقوله { أؤنبئكم } لأن ~~الإنباء معناه الخبر العظيم الشأن، والتعبير بقوله { ذلكم } ~~لاشتماله على الإشارة التى ms0680 للبعيد الدالة على عظم شأن ما سيخبرهم به، ~~والتعبير بقوله { بخير } الذى يدل على الأفضلية، لأن نعيم الآخرة خير ~~محض ونعيم الدنيا مشوب بالشرور والأضرار. ثم بين - سبحانه - المخبر عنه ~~بعد أن مهد له بتلك التنبيهات التى تشوق إلى سماعه وتغرى بالاستجابة له ~~فقال { للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ~~ورضوان من الله }. هذه هى اللذائذ والمتع التى أعدها الله - ~~تعالى - لمن اتقاه، أى أدى ما أمره به، وابتعد عما نهاه عنه. وأول هذه ~~النعم { جنات تجري من تحتها الأنهار } أى بساتين تجرى من ~~تحت أشجارها الأنهار، وفى هذه الجنات مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا ~~خطر على قلب بشر. وقوله { للذين اتقوا } ، خبر مقدم، وقوله { ~~جنات } مبتدأ مؤخر، وقوله { عند ربهم } فى محل نصب على الحال ~~من جنات. وقوله { تجري من تحتها الأنهار } صفة لجنات. وعلى ~~هذا يكون منتهى الاستفهام عند قوله { من ذلكم } وهذا هو المشهور ~~عند العلماء. ومنهم من يجعل الاستفهام منتهيا عند قوله { للذين ~~اتقوا } ثم يبتدأ فيقال عند ربهم جنات تجرى من تحتها الأنهار. ومنهم ~~من يجعل الاستفهام منتهيا عند قوله - تعالى - { عند ربهم } ثم ~~يبدأ فيقال جنات تجرى من تحتها الأنهار. قال ابن جرير وأولى هذه الأقوال ~~بالصواب قول من جعل الاستفهام منتهيا عند قوله - تعالى - { بخير من ~~ذلكم } والخبر بعده مبتدأ عمن له الجنات بقوله { للذين ~~اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار } ~~فيكون مخرج ذلك مخرج الخير. وهو إبانة عن معنى الخير الذى قال أنبئكم به، ~~فلا يكون بالكلام حينئذ حاجة إلى ضمير ". وثانى هذه النعم عبر عنه - ~~سبحانه - بقوله { خالدين فيها } أى أن هؤلاء الذين اتقوا ربهم ~~خالدين فى تلك الجنات التى فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين خلودا ~~أبديا، بخلاف أولئك المنعمين بنعم الدنيا فإن نعيمهم إلى فناء وزوال. # وثالث هذه النعم قوله - تعالى - { وأزواج مطهرة }. والأزواج ~~جمع زوجة وهى المرأة يختص بها الرجل. أى ولهم فى تلك الجنات أزواج مطهرة ms0681 ~~غاية التطهير من كل دنس وقذر حسى ومعنوى، فقد وصف - سبحانه - هؤلاء ~~الأزواج بصفة واحدة جامعة لكل ما يتمناه الرجل فى المرأة. ورابع هذه ~~النعم قوله - تعالى - { ورضوان من الله } وهذه النعمة هى أعظم ~~النعم وأجلها أى لهم رضا عظيم من خالق الخلق، ومبدع الكون، ومنشىء ~~الوجود. وهو مصدر كالرضا، ولكن يزيد عليه أنه الرضا العظيم، لأن زيادة ~~المبنى تدل على زيادة المعنى، ولأن التنكير قصد به التفخيم والتعظيم. ~~وقوله { من الله } صفة لرضوان مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة. ~~روى الشيخان عن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ~~إن الله - عز وجل - يقول لأهل الجنة يوم القيامة يا أهل الجنة فيقولون ~~لبيك ربنا وسعديك، فيقول هل رضيتم؟ فيقولون وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ~~ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول أنا اعطيكم أفضل من ذلك؟ قالوا يا ربنا ~~وأى شىء أفضل من ذلك؟ فيقول أحل عليكم رضوانى فلا أسخط عليكم بعده أبدا ~~". هذه هى اللذائذ والمتع والنعم التى أعدها الله - تعالى - لعباده ~~المتقين. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله { والله بصير ~~بالعباد } أى أنه - سبحانه - عليم بأحوال عباده، لا تخفى عليه خافية ~~من شئونهم. وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا ~~بالحسنى. ففى هذا التذييل وعد للمتقين ووعيد للمسيئين. ثم حكى - سبحانه - ~~أقوال هؤلاء المتقين ومدحهم على إيمانهم وصلاحهم فقال - تعالى - { ~~الذين يقولون ربنآ إننآ آمنا فاغفر لنا ~~ذنوبنا وقنا عذاب النار } أى أن هذه الجنات وغيرها من أنواع ~~النعم قد أعدها الله - تعالى - لهؤلاء المتقين الذين يضرعون إلى الله ~~ملتمسين منه المغفرة فيقولون يا ربنا إننا آمنا بك وصدقنا رسولك فى كل ما ~~جاء به من عندك، فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا فى أمرنا فأنت الغفار الرحيم، ~~{ وقنا عذاب النار } أى جنبنا هذا العذاب الأليم يا أرحم ~~الراحمين. وفى حكاية هذا القول عنهم بصيغة المضارعة { يقولون } إشعار ~~بأنهم يجددون التوبة إلى الله دائما لقوة إيمانهم، وصفاء نفوسهم، ~~وإحساسهم بأنهم مهما قدموا من طاعات ms0682 فهى قليلة بجانب فضل الله عليهم، ~~ولذلك فهم يلتمسون منه الستر والغفران، والوقاية من النار، وهذا شأن ~~الأخيار من الناس. وقوله - سبحانه - { الذين يقولون } بدل أو عطف ~~بيان من قوله { للذين اتقوا } ويجوز أن يكون فى محل رفع على أنه ~~خبر لمبتدأ محذوف والجملة منهما جواب عن سؤال كأنه قيل من أولئك المتقون؟ ~~فقيل هم الذين يقولون ربنا إننا آمنا. # .. ويجوز أن يكون فى موضع نصب على المدح. ثم وصفهم - سبحانه - بخمس صفات ~~كريمة من شأنها أن تحمل العقلاء على التأسى بهم فقال { الصابرين ~~والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين ~~بالأسحار }. وفى كل صفة من صفاتهم دليل على قوة إيمانهم، وإذعانهم ~~للحق حق الإذعان. فهم صابرون، والصبر فى البأساء والضراء وحين البأس من ~~أكبر البراهين على سلامة اليقين، وقد حث القرآن أتباعه على التحلى بهذه ~~الصفة فى أكثر من سبعين موضعا. وهم صادقون، والصدق من أكمل الصفات ~~الإنسانية وأشرفها، وقد أمر الله عباده أن يتحلوا به فى كثير من آيات ~~كتابه، ومن ذلك قوله - تعالى - # يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع ~~الصادقين # وهم قانتون، والقانت هو المداوم على طاعة الله - تعالى - غير متململ ~~منها ولا متبرم بها، ولا خارج على حدودها. فالقنوت يصور الإذعان المطلق ~~لرب العالمين. وهم منفقون أموالهم فى طاعة الله - تعالى -، وبالطريقة ~~التى شرعها وأمر بها. وهم مستغفرون بالأسحار. أى يسألون الله - تعالى - ~~أن يغفر لهم خطاياهم فى كل وقت، ولا سيما فى الأسحار. والأسحار جمع سحر ~~وهو الوقت الذى يكون قبل الفجر. روى مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال # " ينزل ربنا - عز وجل - إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يمضى ثلث الليل ~~الأول فيقول أنا الملك من ذا الذى يدعونى فأستجيب له، من ذا الذى يسألنى ~~فأعطيه، من ذا الذى يستغفرنى فأغفر له، فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر ". # وخص وقت الأسحار بالذكر لأن النفس تكون فيه أصفى، والقلب فيه أجمع، ~~ولأنه وقت يستلذ فيه الكثيرون النوم فإذا أعرض ms0683 المؤمن عن تلك اللذة وأقبل ~~على ذكر الله كانت الطاعة أكمل وأقرب إلى القبول. وبهذا نرى أن الآيات ~~الكريمة قد كشفت عن المشتهيات التى يميل إليها الناس فى دنياهم بمقتضى ~~فطرتهم، وأرشدتهم إلى ما هو أسمى وأعلى وأبقى من ذلك وبشرتهم برضوان الله ~~وجناته، متى استقاموا على طريقه، واستجابوا لتعاليمه، # والله يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم # وبعد أن بين - سبحانه - ما أعده للمتقين، وذكر صفاتهم عقب ذلك ببيان ~~أساس التقوى وهو عقيدة التوحيد، وببيان أن الإسلام هو الدين الذى ارتضاه ~~الله - تعالى - للناس، وأن من يعارض فى ذلك معارضته داحضة وسيعاقبه الله ~~بما يستحقه. استمع إلى القرآن وهو يحكى ذلك بأسلوبه الحكيم فيقول { ~~شهد الله... }. ### || [3.18-20] # قال القرطبى " لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قدم عليه ~~حبران من أحبار أهل الشام فلما أبصرا المدينة قال أحدهما للآخر ما أشبه ~~هذه المدينة بصفة مدينة النبى الذى يخرج فى آخر الزمان! فلما دخلا على ~~النبى صلى الله عليه وسلم عرفاه بالصفة والنعت فقالا له أنت محمد؟ قال ~~نعم قالا وأنت أحمد؟ قال نعم. قالا نسألك عن شهادة فإن أنت أخبرتنا بها ~~آمنا بك وصدقناك. فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم سلانى. فقالا ~~أخبرنا عن الأعظم شهادة فى كتاب الله. فأنزل الله تعالى - على نبيه صلى ~~الله عليه وسلم { شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~والملائكة وأولوا العلم قآئما بالقسط } فأسلم ~~الرجلان وصدقا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقوله تعالى { شهد ~~الله } أى بين وأعلم كما يقول شهد فلان عند القاضى إذا بين وأعلم لمن ~~الحق أو على من هو قال الزجاج " الشاهد هو الذى يعلم الشىء ويبينه، فقد ~~دلنا الله على وحدانيته بما خلق وبين ". والمعنى أخبر الله - تعالى - ~~عباده وأعلمهم بالآيات القرآنية التى أنزلها على نبيه، وبالآيات الكونية ~~التى لا يقدر على خلقها أحد سواه، وبغير ذلك من الأدلة القاطعة التى تشهد ~~بوحدانيته، وأنه لا معبود بحق سواه، وأنه هو المنفرد بالألوهية لجميع ms0684 ~~الخلائق. وأن الجميع عبيده وفقراء إليه وهو الغنى عن كل ما عداه. وشهد ~~بذلك " الملائكة " بأن اقروا بأنه هو الواحد الأحد الفرد الصمد فعبدوه حق ~~العبادة، وأطاعوه حق الطاعة، وشهد بذلك أيضا " أولو العلم " بأن اعترفوا ~~له - سبحانه - بالوحدانية، وصدقوا بما جاءهم به الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - وبلغوا ذلك لغيرهم. قال الزمخشرى شبهت دلالته على وحدانيته ~~بأفعاله الخاصة التى لا يقدر عليها غيره، وبما أوحى من آياته الناطقة ~~بالتوحيد كسورة الإخلاص وآية الكرسى وغيرهما، بشهادة الشاهد فى البيان ~~والكشف وكذلك إقرار الملائكة وأولى العلم بذلك واحتجاجهم عليه ". وقالوا ~~وفى هذه الآية دليل على فضل العلم وشرف العلماء، فإنه لو كان أحد أشرف ~~العلماء، لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن العلماء. وقال فى شرف ~~العلم لنبيه - صلى الله عليه وسلم - # وقل رب زدني علما # فلو كان شىء أشرف من العلم لأمر الله نبيه أن يسأله المزيد منه كما أمر ~~أن يستزيده من العلم. وقال صلى الله عليه وسلم # " إن العلماء ورثة الأنبياء " # وقال # " العلماء أمناء الله على خلقه " # وهذا شرف للعلماء عظيم ومحل لهم فى الدين خطير. # والمراد بأولى العلم هنا جميع العلماء الذين سخروا ما أعطاهم الله من ~~معارف فى خدمة عقيدتهم، وفيما ينفعهم وينفع غيرهم، وأخلصوا لله فى ~~عبادتهم، وصدقوا فى أقوالهم وأفعالهم. وقدم سبحانه - الملائكة على أولى ~~العلم، لأن فيهم من هو واسطة لتوصيل العلم إلى ذويه، لأن علمهم كله ضرورى ~~بخلاف البشر فإن علمهم منه ما ضرورى، ومنه ما هو اكتسابى. وقوله - تعالى ~~- { قآئما بالقسط } بيان لكماله - سبحانه - فى أفعاله إثر بيان ~~كماله فى ذاته. والقسط العدل. يقال قسط ويقسط قسطا، وأقسط إقساطا فهو ~~مقسط إذا عدل ومنه # إن الله يحب المقسطين # ويطلق القسط على الجور، والفاعل قاسط، ومنه # وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا # أى مقيما للعدل فى تدبير أمر خلقه، وفى أحكامه. وفيما يقسم بينهم من ~~الأرزاق والآجال، وفيما يأمر به وينهى عنه، وفى كل شأن من شئونه. قال ~~الجمل و { قآئما } منصوب على ms0685 أنه حال من الضمير المنفصل الواقع بعد ~~إلا، فتكون الحال أيضا فى حيز الشهادة، فيكون المشهود به أمرين الوحدانية ~~والقيام بالقسط وهذا أحسن من جعله حالا من الاسم الجليل فاعل شهد، لأن ~~عليه يكون المشهود به الوحدانية فقط والحال ليست فى حيز الشهادة. وقوله { ~~لا إله إلا هو العزيز الحكيم } تكرير للمشهود به ~~للتأكيد والتقرير، وفيه إشارة إلى مزيد الاعتناء بمعرفة أدلته لأن تثبيت ~~المدعى إنما يكون بالدليل، والاعتناء به يقتضى الاعتناء بأدلته. { ~~العزيز الحكيم } صفتان مقررتان لما وصف به ذاته من الوحدانية ~~والعدل. أى لا إله فى هذا الوجود يستحق العبادة بحق إلا الله { ~~العزيز } الذى لا يمتنع عليه شىء أراده، وينتصر من كل أحد عاقبه أو ~~انتقم منه { الحكيم } فى تدبيره فلا يدخله خلل. قال ابن جرير " وإنما ~~عنى جل ثناؤه - بهذه الآية نفى ما أضافت النصارى الذين حاجوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فى عيسى من النبوة، وما نسب إليه سائر أهل الشرك من ~~أن له شريكا، واتخاذهم دونه أربابا، فأخبرهم الله عن نفسه، أنه الخالق كل ~~ما سواه، وأنه رب كل ما اتخذه كل كافر وكل مشرك ربا دونه، وأن ذلك مما ~~يشهد به هو وملائكته وأهل العلم به من خلقه. فبدا - جل ثناؤه - بنفسه ~~تعظيما لنفسه، وتنزيها لها عما نسب الذين ذكرنا أمرهم من أهل الشرك به ما ~~نسبوا إليها، كما سن لعباده أن يبدأوا فى أمورهم بذكره قبل ذكر غيره ~~مؤدبا خلقه بذلك ". هذا، ومن الآثار التى وردت فى فضل هذه الآية ما رواه ~~الإمام أحمد عن الزبير بن العوام قال سمعت النبى صلى الله عليه وسلم وهو ~~بعرفة يقرأ هذه الآية { شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~والملائكة وأولوا العلم }. # .. إلى آخر الآية. فقال صلى الله عليه وسلم # " وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب " # وقال غالب القطان أتيت الكوفة فى تجارة لى فنزلت قريبا من الأعمش فكنت ~~اختلف إليه، فقام فى ليلة متهجدا فمر بهذه الآية { شهد الله ~~أنه لا ms0686 إله إلا هو } فقال وأنا أشهد بما شهد الله به، ~~وأستودع الله هذه الشهادة وهى لى وديعة { إن الدين عند الله ~~الإسلام } ، - قالها مرارا - فقلت. لقد سمع فيها شيئا فسألته فى ~~ذلك فقال حدثنى أبو وائل بن عبد الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ~~يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله - تعالى - " عبدى عهد إلى وأنا أحق ~~من وفى العهد ادخلوا عبدى الجنة ". وقوله { إن الدين عند الله ~~الإسلام } جملة مستأنفة مؤكدة للجملة الأولى. وأصل الدين فى اللغة ~~الجزاء والحساب. يقال دنته بما صنع أى جازيته على صنيعه، ومنه قولهم كما ~~تدين تدان أى، كما تفعل تجازى، وفى الحديث # " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت " # والمراد به هنا ما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم من عند ربه من عقائد ~~وتكاليف وتشريعات، فيكون بمعنى الملة والشرع. أى إن الشريعة المرضية عند ~~الله - تعالى - هى الإسلام، والإسلام فى اللغة هو الاستسلام والانقياد ~~يقال أسلم أى انقاد واستسلم. وأسلم أمره لله سلمه إليه والمراد به هنا - ~~كما قال ابن جرير " شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء من عند ~~الله، وهو دين الله الذى شرعه لنفسه وبعث به رسله، ودل عليه أولياءه، لا ~~يقبل غيره ولا يجزى بالإحسان إلا به " وهو الدين الحنيف الذى جاء به ~~محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ابن كثير وقوله - تعالى - { إن ~~الدين عند الله الإسلام } إخبار منه تعالى - بأنه لا دين ~~عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به فى ~~كل حين حتى ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم الذى سد جميع الطرق إليه إلا ~~من جهة محمد صلى الله عليه وسلم، فمن لقى الله تعالى - بعد بعثة محمد صلى ~~الله عليه وسلم بدين على غير شريعته فليس بمتقبل كما قال - تعالى - # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل # الآية. وقال فى هذه الآية مخبرا بانحصار الدين المتقبل عنده فى ~~الإسلام # إن الدين عند الله ms0687 الإسلام # وقوله { عند الله } ظرف العامل فيه لفظ الدين لما تضمنه من معنى ~~الفعل، أى الذى شرع عند الله الإسلام. ويصح أن يكون صفة للدين فيكون ~~متعلقا بمحذوف أى الكائن أو الثابت عند الله الإسلام. # وفى إضافة الدين إلى الله - تعالى - بقوله { عند الله } وباعتبار ~~الإسلام وحده، هو دين الله، كما يدل على ذلك تعريف الطرفين، إشعار بفضل ~~الإسلام، لأن له ذلك الشرف الإضافى إلى خالق هذا الكون ومربيه، فهو دين ~~الله الذى شرعه لخلقه. ثم بين - سبحانه - أن اختلاف أهل الكتاب فى شأن ~~الدين الحق لم يكن عن جهل منهم بالحقائق وإنما كان سببه البغى والحسد ~~وطلب الدنيا فقال - تعالى - { وما اختلف الذين أوتوا ~~الكتاب إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا ~~بينهم }. أى وما كان خلاف الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى ~~فيما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم إلا من بعد أن علموا بأن ما ~~جاءهم به هو الحق الذى لا باطل معه، فخلافهم لم يكن عن جهل منهم بأن ما ~~جاءهم به هو الحق وإنما كان سبه البغى والحسد والظلم فيما بينهم. وفى ~~التعبير عنهم بأنهم { أوتوا الكتاب } زيادة تقبيح لهم فإن ~~الاختلاف بعد إتيان الكتاب أقبح وأفحش، إذ الكتاب ما نزل إلا لهدايتهم، ~~وسعادتهم فإذا تركوا بشاراته وتوجيهاته واتبعوا أهواءهم كان فعلهم هذا ~~أشد قبحا وفحشا. وقوله { إلا من بعد ما جآءهم العلم } ~~زيادة أخرى فى تقبيح أفعالهم، فإن الاختلاف بعد مجىء العلم أزيد فى القبح ~~والعناد. والاستثناء من أعم الأحوال أو الأوقات، أى وما اختلفوا فى حال ~~من الأحوال أو فى وقت من الأوقات إلا بعد أن علموا الحق، والعلم بالحق ~~وحده لا يكفى فى الإيمان به، ولكنه يحتاج إلى جانب ذلك إلى قلب مخلص ~~متفتح لطلبه، وكم من أناس يعرفون الحق معرفة تامة ولكنهم يحاربونه ~~ويحاربون أهله، لأنهم يرون أن هذا الحق يتعارض مع أهوائهم وشهواتهم وصدق ~~الله إذ يقول. # الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق ms0688 وهم ~~يعلمون # فهم قد اختلفوا فى الحق مع عملهم بأنه حق، لأن العلم كالمطر، لا تستفيد ~~منه إلا الأرض الطيبة النقية، وكذلك لا يستفيد من العلم إلا أصحاب النفوس ~~الصافية، والقلوب الواعية، والأفئدة المستقيمة. وقوله { بغيا ~~بينهم } مفعول لأجله، والعامل فيه اختلف أى وما اختلفوا إلا للبغى ~~لا لغيره قال القرطبي " وفى الكلام تقديم وتأخير، والمعنى، وما اختلف ~~الذين أوتوا الكتاب بغيا بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم ". ثم ختم - ~~سبحانه - الآية بهذا التهديد الشديد فقال { ومن يكفر بآيات ~~الله فإن الله سريع الحساب }. أى ومن يكفر بآيات الله ~~الدالة على وحدانيته - سبحانه - فإن الله محص عليه أعماله فى الدنيا ~~وسيعاقبه بما يستحقه فى الآخرة. فقوله { فإن الله سريع ~~الحساب } قائم مقام جواب الشرط وعلة له، أى ومن يكفر بآيات الله فإنه ~~- سبحانه - محاسبه ومعاقبه والله سريع الحساب. # وسرعة الحساب تدل على سرعة العقاب، وعلى العلم الكامل والقدرة التامة ~~فهو - سبحانه - لا يحتاج إلى فحص وبحث، لأنه لا تخفى عليه خافية. ثم لقن ~~الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم ما يرد به على أهل الكتاب إذا ما ~~جادلوه أو خاصموه ليحسم الأمر معهم ومع غيرهم من المشركين وليمضى فى ~~طريقه الواضح المستقيم فقال - تعالى - { فإن حآجوك فقل ~~أسلمت وجهي لله ومن اتبعن }. وقوله { حآجوك } من ~~المحاجة وهى أن يتبادل المتجادلان الحجة، بأن يقدم كل واحد حجته ويطلب من ~~الآخر أن يرد عليها أو يقدم الحجة على ما يدعيه ويزعم أنه الحق الذى لا ~~شك فيه. والمعنى فإن جادلك - يا محمد - أهل الكتاب ومن لف لفهم بالأقاويل ~~المزورة والمغالطات الباطلة بعد أن قامت الحجج على صدقك. فلا تسر معهم فى ~~لجاجتهم، ولا تلتفت إلى أكاذيبهم، بل قل لهم { أسلمت وجهي ~~لله ومن اتبعن } أى أخلصت عبادتى لله وحده، وأطعته وانقدت له، ~~وكذلك من اتبعنى وآمن بى قد أسلم وجهه له وأخلص له العبادة. والمراد ~~بالوجه هنا الذات، وعبر بالوجه عن سائر الذات لأنه أشرف أعضاء الشخص، ~~ولأنه هو الذى ms0689 تكون به المواجهة، وهو مجمع محاسن الجسم فالتعبير به عن ~~الجسم كله تعبير بجزء له شأن خاص وتتم به إرادة الكل. و { من } فى ~~قوله { ومن اتبعن } فى محل رفع عطفا على الضمير المتصل فى { ~~أسلمت } أى أسلمت أنا ومن اتبعنى، وجاء العطف على الضمير المرفوع من ~~غير تأكيد لوجود الفاصل بينهما. وقوله { وقل للذين أوتوا ~~الكتاب والأميين أأسلمتم } عطف على الجملة الشرطية، ~~والمراد بالأميين الذين لا كتاب لهم وهم مشركو العرب. والاستفهام فى قوله ~~{ أأسلمتم } للحض على أن يسلموا وجوههم لله، ويتبعوا الرسول صلى ~~الله عليه وسلم كما اتبعه المسلمون. والمعنى فإن جادلوك فى الدين - يا ~~محمد - بعد أن تبين لكل عاقل صدقك، فقل لهؤلاء المعاندين إني أسلمت وجهى ~~لله وكذلك أتباعى أسلموا وجوههم لله، وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين ~~أسلموا تسلموا فقد تبين لكن أنى على حق، ومن شأن العاقل أنه إذا تبين له ~~الحق أن يدخل فيه وأن يترك العناد والمكابرة. قال صاحب الكشاف وقوله { ~~أأسلمتم } يعنى أنه قد أتاكم من البينات ما يوجب الإسلام ويقتضى ~~حصوله لا محالة فهل أسلمتم أم أنتم بعد على كفركم وهذا كقولك لمن لخصت له ~~المسألة ولم تبق من طرق البيان طريقا إلا سلكته هل فهمتها لا أم لك. ومنه ~~قوله - تعالى - # فهل أنتم منتهون # بعد ما ذكر الصوارف عن الخمر والميسر. وفى هذا الاستفهام استقصار - أى ~~عد المخاطب قاصرا - وتعيير بالمعاندة وقلة الإنصاف، لأن المنصف إذا تجلت ~~له الحجة لم يتوقف فى إذعانه للحق. # ثم بين - سبحانه - ما يترتب على إسلامهم من نتائج، وما يترتب على ~~إعراضهم من شرور تعود عليهم فقال { فإن أسلموا فقد اهتدوا ~~وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير ~~بالعباد }. أى فإن أسلموا وجوههم لله وصدقوا بما جاء به محمد صلى ~~الله عليه وسلم فقد اهتدوا إلى طريق الحق، لأن هذا الإسلام هو الدين ~~الذى ارتضاه الله للناس وإن أعرضوا عن هذا الطريق المستقيم، فإن إعراضهم ~~لن يضرك - أيها الرسول الكريم - لأن الذى عليك إنما هو ms0690 تبليغ الناس ما ~~أمرك الله بتبليغه إياهم. وهو - سبحانه - بصير بخلقه لا تخفى عليه خافية ~~من أقوالهم أو أفعالهم، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه. وعبر بالماضى فى ~~قوله { فقد اهتدوا } مبالغة فى الإخبار بوقوع الهدى لهم وقوله { ~~فإنما عليك البلاغ } قائم مقام جواب الشرط أى وإن تولوا لا ~~يضرك توليهم شيئا إذا ما عليك إلا البلاغ وقد أديته على أكمل وجه ~~وأبلغه. وقوله { والله بصير بالعباد } تذييل فيه عزاء للنبى ~~صلى الله عليه وسلم عن كفرهم، وإشارة إلى أحوالهم، وإنذار بسوء مصيرهم، ~~لأنه - سبحانه - عليم بنفوس الناس جميعا وسيجازى كل إنسان بما يستحقه، ~~وفيه كذلك وعد للمؤمنين بحسن العاقبة، وجزيل الثواب. قال ابن كثير وهذه ~~الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته صلى الله عليه وسلم إلى ~~جميع الخلق كما هو معلوم من دينه ضرورة، وكما دل عليه الكتاب والسنة فى ~~غير ما آية وحديث فمن ذلك قوله - تعالى - # قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا # وقال - تعالى - # تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون ~~للعالمين نذيرا # وفى الصحيحين وغيرهما مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة أنه صلى الله ~~عليه وسلم بعث كتبه يدعو إلى الله ملوك الآفاق وطوائف بنى آدم من عربهم ~~وعجمهم. كتابيهم وأميهم امتثالا لأمر الله له بذلك، فعن أبى هريرة عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال # " والذى نفسى بيده لا يسمع بى أحد من هذه الأمة يهودى ولا نصرانى ومات ~~ولم يؤمن بالذى أرسلت به إلا كان من أهل النار ". # وقال صلى الله عليه وسلم # " بعثت إلى الأحمر والأسود " # وقال # " كان النبى يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة " # وعن أنس - رضى الله عنه - أن غلاما يهوديا كان يضع للنبى صلى الله عليه ~~وسلم وضوءه ويناوله نعليه فمرض. فأتاه النبى صلى الله عليه وسلم فدخل ~~عليه وأبوه قاعد عند رأسه، فقال له النبى صلى الله عليه وسلم # " يا فلان قل لا إله إلا الله، فنظر إلى أبيه فسكت أبوه فأعاد عليه ~~النبى ms0691 صلى الله عليه وسلم القول. فنظر إلى أبيه، فقال له أبوه أطع أبا ~~القاسم. فقال الغلام أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فخرج النبى ~~صلى الله عليه وسلم وهو يقول الحمد لله الذى أخرجه بى من النار " # رواه البخاري فى الصحيح. إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث. وبهذا نرى أن ~~الآيات الكريمة قد بينت للناس فى كل زمان ومكان أن دين الإسلام هو الدين ~~الحق الذى ارتضاه الله لعباده وشهد بذلك خالق هذا الكون - عز وجل - وكفى ~~بشهادته شهادة كما شهد بذلك الملائكة المقربون والعلماء المخلصون. كما ~~بينت أن كثيرا من الذين أوتوا الكتاب يعلمون هذه الحقيقة ولكنهم ~~يكتمونها ظلما وبغيا، كما بينت - أيضا - أن الذين يدخلون فى هذا الدين ~~يكونون بدخولهم قد اهتدوا إلى الطريق القويم، وأن الذين يعرضون عنه ~~سيعاقبون بما يستحقونه بسبب هذا الإعراض عن الحق المبين. ثم انتقل ~~القرآن إلى سرد بعض الرذائل التى عرف بها اليهود وعرف بها أسلافهم، وبين ~~سوء مصيرهم ومصير كل من يفعل فعلهم فقال - تعالى - { إن الذين ~~يكفرون.. }. ### || [3.21-22] # فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هؤلاء المارقين بصفات ينفر منها كل ~~عاقل وصفهم أولا بأنهم { يكفرون بآيات الله } أى لا يكتفون ~~بالكفر بالله - تعالى -، بل يكفرون بالآيات المثبتة لوحدانيته، وبالرسل ~~الذين جاءوهم بالهدى والحق. ووصفهم ثانيا بأنهم { يقتلون ~~النبيين بغير حق } وقتل النبيين بغير حق فعل معروف عن ~~اليهود، فهم الذين قتلوا زكريا - عليه السلام - لأنه حاول أن يخلص ابنه ~~يحيى -عليه السلام - من القتل وقتلوا يحيى لأنه لم يوافقهم فى أهوائهم ~~وحاولوا قتل عيسى - عليه السلام - ولكن الله تعالى نجاه من مكرهم، وقتلوا ~~غيرهم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فإن قيل إن اليهود ما قتلوا كل ~~الأنبياء فلم أخبر القرآن عنهم أنهم يقتلون النبيين ولم يقل يقتلون بعض ~~النبيين؟ فالجواب أنهم بقتلهم لبعض النبيين فقد استهانوا بمقام النبوة، ~~ومن استهان بمقام النبوة بقتله لبعض الأنبياء فكأنه قد قتل الأنبياء ~~جميعا، ونظير هذا قوله - تعالى - # من أجل ms0692 ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من ~~قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما ~~قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا ~~الناس جميعا # وقيد القتل بأنه { بغير حق } مع أن قتل الأنبياء لا يكون بحق ~~أبدا، للتصريح بموضع الاستنكار، لأن موضع الاستنكار هو اعتداؤهم على ~~الحق بقتلهم الأنبياء، وللإشارة إلى أنهم لتوغلهم فى الظلم والعدوان قد ~~صاروا أعداء للحق لا يألفونه ولا تميل إليه نفوسهم، وللتسجيل عليهم أن ~~هذا القتل للأنبياء كان مخالفا لما فى شريعتهم فإنها قد نهتهم عن قتلهم، ~~بل عن مخالفتهم. فهذا القيد من باب الاحتجاج عليهم بما نهت عنه شريعتهم ~~لتخليد مذمتهم فى كل زمان ومكان. وقال - سبحانه - { بغير حق } ~~بصيغة التنكير، لعموم النفى، بحيث يتناول الحق الثابت، والحق المزعوم، أى ~~أنهم لم يكونوا معذروين بأى لون من ألوان العذر فى هذا الاعتداء فقد ~~أقدموا على ما أقدموا عليه وهم يعلمون أنهم على الباطل، فكان فعلهم هذا ~~إجراما فى بواعثه وفى حقيقته، وأفظع أنواع الإجرام فى موضوعه. وقوله { ~~بغير حق } فى موضع الحال المؤكدة لمضمون جملة { يقتلون ~~النبيين } إذ لا يكون قتل النبيين إلا كذلك. ووصفهم ثالثا بأنهم { ~~ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس }. ~~والقسط العدل. يقال قسط يقسط ويقسط قسطا، وأقسط إقساطا إذا عدل. أى ~~لا يكتفون بقتل النبيين الذين جاءوا لهدايتهم وسعادتهم، وإنما يقتلون مع ~~ذلك الذين يأمرونهم بالعدل من مرشديهم ونصحائهم. وفى قوله { من ~~الناس } إشارة إلى أنهم ليسوا بأنبياء، بل من الناس غير المبعوثين. ~~وفى قرنهم بالأنبياء، وإثبات أن الاعتداء عليهم قرين الاعتداء على ~~الأنبياء، إشارة إلى بيان علو منزلتهم، وأنهم ورثتهم الذين يدعون ~~بدعوتهم. # وعبرعن جرائمهم بصيغة الفعل المضارع - يكفرون ويقتلون لاستحضار صورة ~~أفعالهم الشنيعة فى أذهان المخاطبين، ولإفادة أن أفعالهم هذه متجددة ~~كلما استطاعوا إليها سبيلا، وللإشعار بأن اليهود المعاصرين للنبى صلى ~~الله عليه وسلم كانوا راضين بفعل آبائهم وأسلافهم، ولقد حاول اليهود فى ~~العهد النبوى أن يقتلوا النبى صلى الله عليه وسلم ولكن الله - تعالى - ~~نجاه من ms0693 شرورهم. هذا، وقد وردت آثار متعددة تصرح بأن اليهود قد دأبوا على ~~قتل الأنبياء والمصلحين، ومن ذلك ما جاء عن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال # " قلت يا رسول الله أى الناس أشد عذابا يوم القيامة، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم " أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيا، أو قتل من ~~أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { ~~إن الذين يكفرون بآيات الله } الآية. ثم قال يا أبا ~~عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار فى ساعة واحدة، ~~فقام مائة وسبعون رجلا منهم فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر ~~فقتلوهم جميعا من آخر النهار فى ذلك اليوم ". # هذه بعض جرائمهم فماذا كانت نتيجتها؟ كانت نتيجتها العذاب الأليم الذى ~~أخبرهم الله به فى قوله { فبشرهم بعذاب أليم }. والجملة ~~الكريمة خبر إن، وجاز دخول الفاء على خبرها لتضمن اسمها وهو { الذين ~~} معنى الشرط فى العموم. وحقيقة التبشير الإخبار بما يظهر سرور المخبر - ~~بفتح الباء - على بشرة وجهه، وهو هنا مستعمل فى ضد حقيقته على سبيل ~~التهكم بهم، وذلك لأن هؤلاء المعتدين مع أنهم كفروا بآيات الله وقتلوا ~~أنبياءه وأولياءه، وفعلوا ما فعلوا من منكرات، مع كل ذلك زعموا أنهم ~~أبناء الله وأحباؤه، فساق لهم القرآن ما يخبرهم به على سبيل الاستهزاء ~~بعقولهم أن بشارتهم التى يرتقبونها بسبب كفرهم ودعواهم الباطلة هى العذاب ~~الأليم. واستعمال اللفظ فى ضده عند علماء البيان من باب الاستعارة ~~التهكمية، لأن تشبيه الشىء بضده لا يروج فى عقل العقلاء إلا على معنى ~~التهكم والاستهزاء. ثم أخبر - سبحانه - بفساد أعمالهم فى الدنيا والآخرة ~~فقال { أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا ~~والآخرة }. والحبوط - كما يقول الراغب - من الحبط، وهو أن تكثر ~~الدابة الأكل حتى تنتفخ بطنها، وقد يؤدى إلى موتها. والمراد بحبوط ~~أعمالهم إزالة آثارها النافعة من ثواب فى الآخرة وحياة طيبة فى الدنيا، ~~لأنهم عملوا ما عملوا وهم لا يرجون لله وقارا. وجىء باسم الإشارة فى ms0694 ~~صدر الآية، لتمييز أصحاب تلك الأفعال القبيحة أكمل تمييز، وللتنبيه على ~~أنهم أحقاء بما سيخبر به عنهم بعد اسم الإشارة. # وكانت الإشارة للبعيد، للإيذان ببعدهم عن الطريق القويم، والخلق ~~المستقيم، وقوله { أولئك } مبتدأ والموصول وصلته خبره. أى أولئك ~~المتصفون بتلك الصفات القبيحة بطلت أعمالهم فى الدنيا والآخرة، وسقطت عن ~~حيز الاعتبار، وخلت عن الثمرة التى كانوا يؤملونها من ورائها، بسبب ~~إشراكهم بالله واعتدائهم على حرماته. وقوله { وما لهم من ~~ناصرين } نفى لكل ما كانوا يتوهمونه من أسباب النصر، وقد أكد هذا ~~النفى بمن الزائدة. أى ليس لهم من أحد ينصرهم من بأس الله وعقابه، لا فى ~~الدنيا ولا فى الآخرة، لأنهم بسبب كفرهم وأفعالهم القبيحة صاروا مستحقين ~~للعقاب، وليس هناك من يدفعه عنهم. فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصفهم ~~بصفات ثلاث بالكفر وقتل الأنبياء وقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس. ~~وتوعدهم - أيضا - بثلاثة أنواع من العقوبات بالعذاب الأليم، وحبوط ~~أعمالهم فى الدنيا والآخرة، وانتفاء من ينصرهم أو يدافع عنهم. وبذلك نرى ~~الآيتين الكريمتين تسوقان أشد ألوان التهديد والوعيد لهؤلاء المعتدين، ~~بسبب كفرهم وأعمالهم القبيحة. وبعد أن وصف القرآن هؤلاء المعاندين بالكفر ~~وقتل الأنبياء والمصلحين وبين سوء مصيرهم، أتبع ذلك ببيان رذيلة من أفحش ~~رذائلهم وهى أنهم يدعون إلى التحاكم إلى الكتاب الذى يزعمون أنهم يؤمنون ~~به، فيمتنعون عن ذلك غرورا وعنادا، استمع إلى القرآن وهو يصور أحوالهم ~~السيئة فيقول { ألم تر... } ### || [3.23-25] # أورد بعض المفسرين روايات فى سبب نزول هذه الآيات منها، ما رواه البخارى ~~عن عبد الله بن عمر أن اليهود جاءوا إلى النبى صلى الله عليه وسلم برجل ~~منهم وامرأة قد زنيا. فقال لهم " كيف تفعلون بمن زنى منكم؟ قالوا نحممهما ~~- أى نجعل على وجوههما الفحم تنكيلا بهما، ونضربهما. فقال ألا تجدون فى ~~التوراة الرجم؟ فقالوا لا نجد فيها شيئا. فقال لهم عبد الله بن سلام ~~كذبتم. فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين. فوضع مدراسها - الذى ~~يدرسها منهم - كفه على آية الرجم فطفق يقرأ ما دون يده ms0695 وما وراءها، ولا ~~يقرأ آية الرجم فنزع يده عن الرجم. فقال ما هذه؟ - أى أن عبد الله بن ~~سلام رفع يد القارىء عن آية الرجم وقال له ما هذه - فلما رأى اليهود ذلك ~~قالوا هى آية الرجم، فأمر بهما فرجما قريبا من حيث موضع الجنائز عند ~~المسجد ". وقال ابن عباس # " دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدارس على جماعة من يهود - أى ~~دخل عليهم فى المكان الذى يتدارسون فيه علومهم - فدعاهم إلى الله. فقال ~~له بعضهم على أى دين أنت يا محمد؟ فقال إنى على ملة إبراهيم ودينه. ~~فقالوا فإن إبراهيم كان يهوديا، فقال النبى صلى الله عليه وسلم فهلموا ~~إلى التوراة هى بيننا وبينكم فأبوا عليه فأنزل الله هذه الآيات ". # وذكر النقاش أنها نزلت لأن جماعة من اليهود أنكروا نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم فقال لهم # " هلموا إلى التوراة ففيها صفتى " فأبوا ". # قال ابن جرير ما ملخصه وأولى الأقوال فى تأويل ذلك عندى بالصواب أن يقال ~~إن الله - تعالى - قد أخبر عن طائفة من اليهود المعاصرين للنبي صلى الله ~~عليه وسلم أنهم دعوا إلى التوراة للتحاكم إليها فى بعض ما تنازعوا فيه مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبوا. ويجوز أن يكون هذا التنازع فى أمر ~~نبوته، أو فى أمر إبراهيم ودينه، أو فى حد من الحدود فإن كل ذلك مما ~~نازعوا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكأن ابن جرير - رحمه الله - ~~يريد أن يقول إن الآيات الكريمة تتسع لكل ما تنازعوا فيه مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فلما دعاهم إلى أن يحكم التوراة بينه وبينهم فى شأن ~~هذا التنازع أبوا وأعرضوا وهو رأى حسن. والاستفهام فى قوله { ألم تر ~~} للتعجيب من شأنهم ومن سوء صنيعهم حيث دعوا إلى كتابهم ليحكم بينهم ~~فامتنعوا عن ذلك لأنهم كانوا - كما يقول الآلوسى - " إذا عضتهم الحجة ~~فروا إلى الضجة وأعرضوا عن المحجة " ثم قال و " من " إما للتبعيض وإما ~~للبيان، ومعنى " نصيب " هو الكتاب ms0696 أو نصيبا منه، لأن الوصول إلى كنه ~~كلامه - سبحانه - متعذر " فإن جعل بيانا كان المراد إنزال الكتاب عليهم. # وإن جعل تبعيضا كان المراد هدايتهم إلى فهم ما فيه، وعلى التقديرين ~~اللام فى " الكتاب " للعهد والمراد به التوارة ". والمعنى قد علمت أيها ~~العاقل حال أولئك الأحبار من اليهود الذين اعطوا قسطا من معرفة كتابهم ~~والذين دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى التحاكم إلى التوراة التى ~~هى كتابهم فيما حدث بينهم وبينه من نزاع فأبوا أن يستجيبوا لدعوته، ~~وأعرضوا عنها كما هو شأنهم ودأبهم فى الإعراض عن الحق والصواب. وعرف ~~المتحدث عنهم - وهم أحبار اليهود - بطريق الموصولية، لأن فى الصلة ما ~~يزيد التعجيب من حالهم، لأن كونهم على علم من الكتاب قليل أو كثير من ~~شأنه أن يصدهم عما أخبر به عنهم لو كانوا يعقلون. وجملة { يدعون ~~إلى كتاب الله ليحكم بينهم } مستأنفة مبينة لمحل ~~التعجب، أو حال من الذين أوتوا نصيبا من الكتاب. والمراد بكتاب الله ~~التوراة، لأن سبب النزول يؤيد ذلك، لأن التعجيب من حالهم يكون أشد إذا ~~كان إعراضهم إنما هو عن كتابهم. وقيل المراد به القرآن. وقوله { ثم ~~يتولى فريق منهم وهم معرضون } معطوف على قوله { ~~يدعون } وجاء العطف بثم للإشعار بالفارق الشاسع بين ما قاموا به من ~~إعراض عن الحق، وبين كان يجب عليهم أن يفعلوه. فإن علمهم بالكتاب كان ~~يقتضى أن يتبعوه وأن يعملوا بأحكامه، ولكنهم أبوا ذلك لفساد نفوسهم. ~~وقوله { منهم } جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لفريق. وإنما قال { ~~فريق منهم } ليخرج القلة التى أسلمت من علماء اليهود كعبد الله ~~بن سلام، وهذا من إنصاف القرآن فى أحكامه. واحتراسه فى سوق الحقائق، فهو ~~لا يلقى الأحكام على الجميع جزافا، وإنما يحدد هذه الأحكام بحيث يدين ~~المتهم، ويبرىء ساحة البرىء. وقوله { وهم معرضون } حال من فريق، ~~أى ثم يتولى فريق منهم عن سماع الحق، والانقياد لأحكامه، وينفر منها ~~نفورا شديدا، والحال أنهم قوم ديدنهم الإعراض والانصراف عن الحق. ثم ~~بين - سبحانه - الأسباب التى صرفتهم ms0697 عن الحق فقال { ذلك بأنهم ~~قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات }. ~~واسم الإشارة { ذلك } يعود إلى المذكور من توليهم وإعراضهم عن مجلس ~~النبى صلى الله عليه وسلم وعن سماعهم للحق الذى جاء به. والمس اتصال أحد ~~الشيئين بالآخر على وجه الإحساس والإصابة، والمراد من النار نار ~~الآخرة. والمراد من المعدودات المحصورات القليلات يقال شىء معدود أى قليل ~~وشىء غير معدود أى كثير. # فهم يزعمون أن النار لن تمسهم إلا مدة يسيرة قد تكون سبعة أيام، وقد ~~تكون أربعين يوما، وبعدها يخرجون إلى الجنة. عن ابن عباس - رضي الله ~~عنهما - قال إن اليهود كانوا يقولون إن هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما ~~نعذب بكل ألف سنة يوما فى النار، وإنما هى سبعة آيام. وفى رواية عنه أنه ~~قال فى قوله - تعالى - { وقالوا لن تمسنا النار إلا ~~أياما معدودات } ذلك أعداء الله اليهود، قالوا لن يدخلنا الله ~~النار إلا تحلة القسم، الأيام التى أصبنا فيها العجل أربعين يوما، فإذا ~~انقضت عنا تلك الأيام انقطع عنا العذاب والقسم. أى ذلك التولى والإعراض ~~عن الحق الذى صدر عن كثير من أحبار اليهود وعوامهم سببه أنهم سهلوا على ~~أنفسهم أمر العقاب، وتوهموا أنهم لن يعذبوا عذابا طويلا، بل النار ستمسهم ~~أياما قليلة ثم بعد ذلك يخرجون منها، لأنهم أبناء الله واحباؤه، ولأن ~~آباءهم سيشفعون لهم فى زعمهم. ثم قال - تعالى - { وغرهم في ~~دينهم ما كانوا يفترون }. وقوله { وغرهم } من الغرور ~~وهو كل ما يغر الإنسان ويخدعه من مال أو جاه أو شهوة أو غير ذلك من ~~الأشياء التى تغر الإنسان وتخدعه وتجعله غافلا عن اتباع الحق. والمعنى ~~أنهم سهلوا على أنفسهم الخطوب، ولم يبالوا بالمعاصي والذنوب، وأنهم طمعوا ~~فى غير مطمع، وأصاب موضع المغرة والغفلة منهم فى دينهم ما كانوا يفترونه ~~من أن النار لن تمسهم إلا أياما معدودات. والغرور أكبر شىء يبعد الإنسان ~~عن حسن الاستعداد لما يجب عليه نحو دينه ودنياه. ثم حكى القرآن ما سيكون ~~عليه حالهم من عذاب وحسرة بأسلوب ms0698 مؤثر فقال { فكيف إذا ~~جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما ~~كسبت وهم لا يظلمون }. فالاستفهام هنا للاستعظام والتهويل ~~والرد على مزاعمهم الباطلة. وكيف فى موضع نصب على الحال، والعامل فيه ~~محذوف أى فكيف تكون حالهم، أو كيف يصنعون. ويجوز أن تكون خبرا لمبتدأ ~~محذوف أى فكيف حالهم. قال الفخر الرازى أما قوله { فكيف إذا ~~جمعناهم ليوم لا ريب فيه } فالمعنى أنه لما حكى عنهم ~~اغترارهم بما هم عليه من الجهل بين أنه سيجىء يوم يزول فيه ذلك الجهل، ~~وينكشف فيه ذلك الغرور فقال { فكيف إذا جمعناهم } وفى الكلام ~~حذف والتقدير فكيف صورتهم وحالهم، ويحذف الحال كثيرا مع كيف، لدلالتها ~~عليه تقول كنت أكرمه وهو لم يزرنى، فكيف لو زارنى، أى كيف حاله إذا ~~زارنى. وأعلم أن هذا الحذف يوجب مزيد البلاغة لما فيه من تحريك النفس على ~~استحضار كل نوع من أنواع الكرامة فى قول القائل " لو زارنى، وكل نوع من ~~أنواع العذاب فى هذه الآية ". # والمعنى فكيف يكون حالهم إذا جمعناهم لجزاء يوم لا ريب فى مجيئه وحصوله، ~~واضمحلت عنهم تلك الزخارف التى أدعوها فى الدنيا { ووفيت كل ~~نفس ما كسبت } من خير أو شر { وهم لا يظلمون } شيئا، ~~بل يجازى كل إنسان على حسب عمله، لا شك أنهم فى هذا اليوم الهائل الشديد ~~سيفاجأون بذهاب غرورهم، وبفساد تصورهم، وأنهم سيقعون فى العذاب الأليم ~~الذى لا حيلة لهم فى دفعه، ولا مخلص فهم من ذوقه # يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله ~~بقلب سليم # قال الزمخشرى " روى أن أول راية ترفع لأهل الموقف من رايات الكفار راية ~~اليهود، فيفضحهم الله على رءوس الأشهاد، ثم يأمر بهم إلى النار ". وبذلك ~~تكون هذه الآيات الكريمة قد وبخت أحبار اليهود الذين يعرضون عن الحق ~~توبيخا شديدا، وأبطلت أكاذيبهم وغرورهم، وردت عليهم بما يفضحهم ~~ويخزيهم، وصورت حالهم يوم القيامة تصويرا مؤثرا هائلا تهتز له القلوب، ~~وترتجف منه الأفئدة ويحمل العقلاء على التزود من التقوى والعمل الصالح ~~حتى ms0699 يفوزوا برضا الله. من توجيهات القرآن الكريم بعد أن تحدثت سورة آل ~~عمران، عن المعرضين عن الحق. أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم ~~كما أمر كل مؤمن أن يتوجه إليه بالضراعة. فقال تعالى { قل ~~اللهم... }. ### || [3.26-27] # قال القرطبي قال ابن عباس وأنس بن مالك " لما فتح رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مكة، ووعد أمته ملك فارس والروم، قال المنافقون واليهود هيهات ~~هيهات! من أين لمحمد ملك فارس والروم وهم أعز وأمنع من ذلك، ألم يكف ~~محمدا مكة والمدينة حتى طمع فى ملك فارس والروم. فأنزل الله هذه الآية. ~~والأمر بقوله { قل } للنبى صلى الله عليه وسلم ولكل من يتأتى له الخطاب ~~من المؤمنين. وكلمة { اللهم } يرى الخليل وسيبويه أن أصلها يا الله ~~فلما استعملت دون حرف النداء الذى هو " يا " جعلوا هذه الميم المشددة ~~التى فى آخرها عوضا عن حرف النداء، وهذا التعويض من خصائص الاسم الجليل، ~~كما اختص بجواز الجمع فيه بين " يا " و " أل " وبقطع همزته، ودخول تاء ~~القسم عليه. والمعنى. قل أيها المخاطب على سبيل التعظيم لربك، والشكر له، ~~والتوكل عليه والضراعة إليه، قل يا الله يا مالك الملك أنت وحدك صاحب ~~السلطان المطلق فى هذا الوجود، بحيث تتصرف فيه كيف تشاء، إيجادا وإعداما، ~~وإحياء وإماتة، وتعذيبا وإثابة، من غير أن ينازعك فى ذلك أى منازع. فكأن ~~فى هذه الجملة الكريمة { قل اللهم مالك الملك } دعاءين ~~خاشعين أما الدعاء الأول فهو بلفظ الجلالة المعبر عنه بقوله { اللهم ~~} أى يا الله، وفى هذا النداء كل معانى العبودية والتنزيه والتقديس ~~والخضوع. وأما الدعاء الثانى فهو المعبر عنه بقوله { مالك الملك } ~~أى يا مالك الملك، وفى هذا النداء كل معانى الإحساس بالربوبية، والضعف ~~أمام قدرة الله وسلطانه. فقوله { مالك } منصوب بحرف النداء المحذوف. ~~كما فى قوله # قل اللهم فاطر السماوات والأرض # أى يا فاطر السماوات والأرض. ثم فصل - سبحانه - بعض مظاهر خلقه التى تدل ~~على أنه هو مالك الملك على الحقيقة فقال - تعالى - { تؤتي الملك ~~من تشآء ms0700 وتنزع الملك ممن تشآء }. أى أنت وحدك الذى ~~تعطى الملك من تشاء إعطاءه من عبادك، وتنزعه ممن تشاء، نزعه منهم، فأنت ~~المتصرف فى شئون خلقك لا راد لقضائك ولا معقب لحكمك. وعبر بالإيتاء الذى ~~هو مجرد الإعطاء دون التمليك المؤذن بثبوت المالكية، للتنبيه على أن ~~المالكية على الحقيقة إنما هى مختصة بالله رب العالمين، أما ما يعطيه ~~لغيره من ملك فهو عارية مستردة، وهو شىء زائل لا يدوم. والتعبير عن إزالة ~~الملك بقوله { وتنزع الملك ممن تشآء } يشعر بأنه - سبحانه ~~- فى قدرته أن يسلب هذا العطاء من أى مخلوق مهما بلغت سعة ملكه، ومهما ~~اشتدت، قوته، وذلك لأن لفظ النزع يدل على أن المنزوع منه الشىء كان ~~متمسكا به، فسلبه الله منه بمقتضى قدرته وحكمته. # والمراد بالملك هنا السلطان، وقيل النبوة، وقيل غير ذلك. قال الفخر ~~الرازى وقوله { تؤتي الملك من تشآء } محمول على جميع أنواع ~~الملك فيدخل فيه ملك النبوة، وملك العقل، والصحة، والأخلاق الحسنة. وملك ~~النفاذ والقدرة، وملك المحبة، وملك الأموال، وذلك لأن اللفظ عام فالتخصيص ~~من غير دليل لا يجوز ". ومفعول المشيئة فى الجملتين محذوف أى تؤتى الملك ~~من تشاء إيتاءه وتنزعه ممن تشاء نزعه منه. أما الأمر الثانى الذى يدل على ~~أنه - سبحانه - هو مالك الملك على الحقيقة فهو قوله { وتعز من ~~تشآء وتذل من تشآء }. العزة - كما يقول الراغب - حالة مانعة ~~للإنسان من أن يغلب، من قولهم أرض عزاز أى صلبة، وتعزز اللحم اشتد وعز، ~~كأنه حصل فى عزاز يصعب الوصول إليه.... والعزيز الذى يقهر ولا يغلب. ~~وتذل، من الذل، وهو ما كان عن قهر، يقال ذل يذل ذلا إذا قهر وغلب والعزة ~~صفة نفسية يحس بها المؤمن الصادق فى إيمانه، لأنه يشعر دائما بأنه عبد ~~الله وحده وليس عبدا لأحد سواه، قال - تعالى - # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين # فالمؤمنون الصادقون أعزاء ولو كانوا فى المال والجاه فقراء. أما ~~الكافرون فهم أذلاء، لأنهم خضعوا لغير الله الواحد القهار. والمعنى أنت ~~يا الله يا ملك الملك، أنت ms0701 وحدك الذى تؤتى الملك لمن تشاء أن تؤتيه له، ~~وتنزعه ممن تريد نزعه منه، وأنت وحدك الذى تعز من تشاء إعزازه بالنصر ~~والتوفيق، وتذل من تشاء إذلاله بالهزيمة والخذلان، ثم ختم - سبحانه - ~~الآية بهذا التسليم المطلق من المؤمنين لذاته فقال - تعالى - { بيدك ~~الخير إنك على كل شيء قدير }. أى أنت وحدك الذى تملك ~~الخير كله، وتتصرف فيه حسب إرادتك ومشيئتك، لأنك على كل شىء قدير. وأل فى ~~الخير للاستغراق الشامل، إذ كل خير فهو بيده - سبحانه - وقدرته، وتقديم ~~الجار والمجرور { بيدك } لإفادة الاختصاص، أى بيدك وحدك على الحقيقة ~~لا بيد غيرك، وجملة " إنك على كل شىء قدير " تعليلية. قال صاحب الكشاف ~~فإن قلت " كيف قال { بيدك الخير } فذكر الخير دون الشر؟ قلت لأن ~~الكلام إنما وقع فى الخير الذى يسوقه إلى المؤمنين وهو الذى أنكرته ~~الكفرة فقال بيدك الخير، تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك، ولأن أفعال ~~الله - تعالى - من نافع وضار صادر عن الحكمة والمصلحة فهو خير كله كإيتاء ~~الملك ونزعه ". ثم ذكر - سبحانه - مظهرا حسيا من مظاهر قدرته الباهرة ~~فقال { تولج الليل فى النهار وتولج النهار في ~~الليل }. الولوج فى الأصل الدخول، والإيلاج الإدخال. يقال ولج ~~فلان منزله إذا دخله، فهو يلجه ولجا وولوجا. # وأولجته أنا إذا أدخلته، ثم استعير لزيادة زمان النهار فى الليل وعكسه ~~بحسب المطالع والمغارب. أى أنت يا الله يا مالك الملك. أنت الذى بقدرتك ~~تدخل طائفة من الليل فى النهار فيقصر الليل ويزيد النهار وتدخل طائفة من ~~النهار فى الليل فيقصر النهار ويزيد الليل، وأنت وحدك الذى بقدرتك أن ~~تجعلهما متعاقبين بأن تأتى بالليل رويدا رويدا فى أعقاب النهار، وتأتى ~~بالنهار شيئا فشيئا فى أعقاب الليل، وفى كل ذلك دليل على سعة قدرتك، ~~وواسع رحمتك. وتذكير واعتبار لأولى الألباب. ثم ذكر - سبحانه - مظهرا ~~حسيا آخر من مظاهر قدرته فقال { وتخرج الحي من الميت ~~وتخرج الميت من الحي }. قال الفخر الرازى ذكر المفسرون ~~فيه وجوها. أحدها يخرج المؤمن من الكافر كإبراهيم من آزر، والكافر ms0702 من ~~المؤمن مثل كنعان من نوح. والثانى يخرج الحيوان - وهو حى - من النطفة - ~~وهى ميتة -، والدجاجة - وهى حية - من البيضة أو العكس. والثالث يخرج ~~السنبلة من الحبة وبالعكس والنخلة من النواة وبالعكس ثم قال والكلمة ~~محتملة للكل أما الكفر والإيمان فقال - تعالى - # أو من كان ميتا فأحييناه # يريد كان كافرا فهديناه، فجعل الكفر موتا والإيمان حياة، وسمى إخراج ~~النبات من الأرض إحياء وجعل ما قبل ذلك ميتة فقال # ويحيي الأرض بعد موتها # وقال # فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد ~~موتها # وقال # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ~~ثم يميتكم ثم يحييكم # وفى الحق إن المتدبر فى هذا الكون وما يعترى سكانه من موت وحياة ليشهد ~~ويذعن بأن لهذا الكون خالقا قادرا هو الله الواحد القهار. ثم ختم - ~~سبحانه - مظاهر قدرته ورحمته بقوله { وترزق من تشآء بغير ~~حساب } والرزق - كما يقول الراغب - يقال للعطاء الجارى تارة دنيويا ~~كان أو أخرويا. وللنصيب تارة، ولما يصل إلى الجوف ويتغذى به تارة أخرى ~~يقال أعطى السلطان رزق الجند، ورزقت علما، قال - تعالى - # وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي ~~أحدكم الموت... # أى من المال والجاه والعلم ". أى أنت يا الله يا مالك الملك، أنت وحدك ~~الذى ترزق من تشاء أن ترزقه بغير حساب، أى رزقا واسعا عظيما لأنك أنت ~~صاحب الجود والكرم، ولأنك ليس معك شريك فيحاسبك، بل أنت المعطى بدون ~~محاسب، وبدون محاسبة من تعطيه، ولأن خزائن ملكك لا ينقصها العطاء مهما ~~كثر. ومن كانت هذه صفاته، وتلك بعض مظاهر قدرته من إيتاء الملك لمن يشاء ~~ونزعه ممن يشاء وإيلاج الليل فى النهار والنهار فى الليل، وإخراج الحى من ~~الميت والميت من الحى، كان من حقه أن يفرد بالعبادة والخضوع # ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين # قال ابن كثير روى الطبرانى عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال # " اسم الله الأعظم الذى إذا دعى به أجاب فى هذه الآية { قل ~~اللهم مالك الملك تؤتي ms0703 الملك من تشآء وتنزع ~~الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل من تشآء ~~بيدك الخير إنك على كل شىء قدير } ". # وبذلك نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد وصفتا الخالق - عز وجل - بما ~~هو أهله، من قدرة تامة وسلطان نافذ، ورحمة واسعة، وهذا الوصف من شانه أن ~~يحمل كل عاقل على إخلاص العبادة له - سبحانه - وعلى الاستجابة لكل ما أمر ~~به أو نهى عنه رغبة فى ثوابه، ورهبة من عقابه. وبعد أن بين - سبحانه - ~~أنه هو وحده مالك الملك، وأنه على كل شىء قدير، عقب ذلك بنهى المؤمنين عن ~~موالاة أعدائه بسبب قرابة أو صداقة أو نحوهما، فقال - تعالى- { لا ~~يتخذ... }. ### || [3.28] # أورد المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها أن جماعة من اليهود ~~كانوا يصادقون جماعة من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم فقال رفاعة ابن ~~المنذر، وعبد الله بن جبير، وسعيد بن خيشمة لأولئك النفر من الأنصار ~~اجتنبوا هؤلاء اليهود واحذروا ملازمتهم ومباطنتهم لئلا يفتنوكم عن دينكم، ~~فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم وملازمتهم، فأنزل الله - تعالى - هذه ~~الآية ". وقوله { أوليآء } جمع ولى، والولاء والتوالى - كما يقول ~~الراغب أن يحصل شيئان فصاعدا حصولا ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ~~ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النسبة ومن حيث الدين ومن حيث الصداقة ~~والنصرة والاعتقاد. والولاية - بكسر الواو - النصرة والولاية - تولى ~~الأمر، وقيل هما بمعنى واحد ". و " لا " ناهية. والفعل " يتخذ " مجزوم ~~بها، وهو متعد لمفعولين أولهما { الكافرين }. وثانيهما { ~~أوليآء }. والمعنى لا يحل للمؤمنين أن يتخذوا الكافرين أولياء ~~ونصراء، بل عليهم أن يراعوا ما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين، وأن ~~يقدموها على ما بينهم وبين الكفار من قرابة أو صداقة أو غير ذلك من ألوان ~~الصلات لأن فى تقديم مصلحة الكافرين على مصلحة المؤمنين تقديما للكفر على ~~الإيمان ومن شأن المؤمن الصادق فى إيمانه أن لا يصدر منه ذلك. وقد ورد ~~مثل هذا النهى فى كثير من الآيات ومن ذلك قوله - تعالى - # يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ~~أوليآء تلقون إليهم بالمودة ms0704 # وقوله - تعالى - # يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أوليآء بعضهم أوليآء بعض ومن ~~يتولهم منكم فإنه منهم # قال الآلوسي وقوله { من دون المؤمنين } حال من الفاعل، أى ~~متجاوزين المؤمنين إلى الكافرين استقلالا أو اشتراكا، ولا مفهوم لهذا ~~الظرف إما لأنه ورد فى قوم بأعيانهم والوا الكفار دون المؤمنين فهو ~~لبيان الواقع. أو لأن ذكره للإشارة إلى أن الحقيق بالموالاة هم ~~المؤمنون، وفى موالاتهم مندوحة عن موالاة الكفار ". قالوا والموالاة ~~الممنوعة هى التى يكون فيها خذلان للدين أو إيذاء لأهله أو إضاعة ~~لمصالحهم، وأما ما عدا ذلك كالنجارة وغيرها من ضروب المعاملات الدنيوية ~~فلا تدخل فى ذلك النهى، لأنها ليس معاملة فيها أذى للإسلام والمسلمين ". ~~وكرر - سبحانه - لفظ " المؤمنين " بأداة التعريف أل للإشارة إلى أن ~~الثانى هو عين الأول، وفى ذلك إشعار بأن المؤمنين الذين يتخذون الكافرين ~~أولياء ونصراء، يتركون أنفسهم ويهملونها ويتخذون من عدونهم نهاية لها. ثم ~~قال - تعالى - { ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ~~} أى ومن يتخذ الكافرين أولياء وأنصارا من دون المؤمنين، فإنه فى هذه ~~الحالة يكون بعيدا عن ولايته لله، ومنسلخا منها رأسا وليس بينه وبين الله ~~صلة تذكر. # فاسم الإشاراة { ذلك } يعود على الاتخاذ المفهوم من الفعل يتخذ. ~~والتنوين فى { شيء } للتحقير أى ليس فى شىء يصح أن يطلق عليه اسم ~~الولاية، لأن موالاة الولى وموالاة عدوه متنافيان كما قال الشاعر # تود عدوى ثم تزعم أننى صديقك ليس النوك عنك بعازب # و " من " شرطية، و { يفعل } فعل الشرط، وجوابه " فليس من الله فى ~~شىء " واسم ليس ضمير يعود على " من " وقوله { في شيء } خبرها. أى ~~فليس الموالى فى شىء كائن من الله - تعالى - والجملة معترضة بين المستثنى ~~والمستثنى منه. وقال - سبحانه - { فليس من الله } ولم يقل " ~~فليس من ولاية الله " للإشعار بأن من اختار مناصرة المشركين وموالاتهم ~~فقد ترك ذات الله - تعالى - وكان مؤثرا لقوة الكفار على قوة العزيز ~~الجبار، فهو فى هذه الحالة يعاند الله نفسه، ثم استثنى - سبحانه - من ~~أحوال النهى ms0705 حال التقية فقال { إلا أن تتقوا منهم تقاة } ~~وقوله { تتقوا } من الاتقاء بمعنى تجنب المكروه، وعدى بمن لتضمينه ~~معنى تخافوا { تقاة } مصدر تقيته - كرميته - بمعنى اتقيته ووزنه فعلة ~~ويجمع على تقى كرطبة ورطب. وأصل تقاة وقية من الوقاية. فأبدلت الواو ~~المضمومة تاء والياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها. والاستثناء مفرغ من ~~عموم الأحوال، والتقدير لا تتخذوا أيها المؤمنون الكافرين أولياء فى أى ~~حال من الأحوال إلا فى حال اتقائكم منهم أى إلا أن تخافوا منهم مخافة. أو ~~إلا أن تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقاؤه من الضرر فى النفس أو المال أو ~~العرض. كأن يكون الكفار غالبين ظاهرين. أو كنتم فى قوم كفار فيرخص لكم فى ~~مداراتهم باللسان، على ألا تنطوى قلوبكم على شىء من مودتهم، بل تدارونهم ~~وأنتم لهم كارهون. وألا تعملوا ما هو محرم كشرب الخمر، أو إطلاعهم على ~~عورات المسلمين أو الانحياز إليهم فى مجافاة بعض المسلمين، وإذن فلا رخصة ~~إلا فى المداراة باللسان. ثم ختم - سبحانه - الآية بهذا التهديد الشديد ~~حيث قال - تعالى - { ويحذركم الله نفسه وإلى الله ~~المصير }. والتحذير هو التخويف لأجل الحذر واليقظة، من أن يقع ~~الإنسان فى قول أو عمل منهى عنه. ونفسه منصوب على نزع الخافض. والمصير ~~المرجع والمآب. أى ويحذركم الله - تعالى - من نفسه أى من عقابه وانتقامه، ~~وإليه - سبحانه - مرجعكم ومصيركم فيحاسبكم على أعمالكم. وقوله { ~~ويحذركم الله نفسه } فيه ما فيه من التهديد والتخويف من ~~موالاة الكافرين، لأن التحذير من ذات الله، يقتضى الخوف ووقع الرهبة فى ~~النفس من الذات العلية، وذلك كما يقال - والله المثل الأعلى - احذر ~~الأسد، فإن هذا القائل يريد أن ذات الأسد فى كل أحوالها موهوبة، ولأن ~~كلمة " نفس " تقال لتأكيد التعبير عن الذات. # أى أن التحذير قد جاءكم من الله - تعالى - لا من غيره فعليكم أن تمتثلوا ~~أمره، فإن إليه وحده المآل وانتهاء أمر العباد. وسيجازيهم على أعمالهم ~~بما يستحقون فاحذروا التعرض لعقابه، وقوله { وإلي المصير } ~~تذييل مقرر لمضمون ما قبله ومحقق لوقوعه. هذا، ولبعض ms0706 العلماء كلام طويل ~~عن التقية - وهى أن يظهر الإنسان خلاف ما يبطن مخافة الأذى الشديد - فقد ~~قال الآلوسى ما ملخصه " وفي الآية دليل على مشروعية التقية، وعرفوها ~~بالمحافظة على النفس أو العرض من شر الأعداء.. والعدو قسمان الأول من ~~كانت عداوته مبنية على اختلاف الدين كالكافر والمسلم. والثانى من كانت ~~عداوته مبنية على أغراض دنيوية كالمال والمتاع والإمارة، ومن هنا صارت ~~التقية قسمين أما القسم الأول فالحكم الشرعى فيه أن كل مؤمن وقع فى محل ~~لا يمكن له فيه أن يظهر دينه لتعرض المخالفين له بالعداوة فإنه يجب عليه ~~أن يهاجر من ذلك المكان إلى مكان يستطيع فيه أن يظهر دينه، إلا إذا كان ~~ممن لهم عذر شرعى كالنساء والصبيان والعجزة فقد قال تعالى # إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ~~قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض ~~قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ~~فأولئك مأواهم جهنم وسآءت مصيرا إلا ~~المستضعفين من الرجال والنسآء والولدان لا ~~يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى ~~الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا # وإذا كان التخويف بالقتل ونحوه جاز له المكث والموافقة لهم ظاهرا بقدر ~~الضرورة مع السعى فى حيلة للخروج والفرار بدينه. والموافقة لهم حينئذ ~~رخصة، وإظهار ما فى قلبه عزيمة فلو مات مات شهيدا بدليل ما روى من أن ~~مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم فقال لأحدهما # " أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال نعم، نعم، نعم فقال له أتشهد أنى رسول ~~الله؟ قال نعم. ثم دعا الثانى فقال له أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال ~~نعم. فقال له أتشهد أنى رسول الله؟ قال إنى أصم، قالها ثلاثا، فضرب عنقه، ~~فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " أما هذا المقتول فقد مضى ~~على صدقه ويقينه فهنيئا له. وأما الآخر فقد قبل رخصة الله فلا تبعة عليه ~~". # وأما القسم الثانى وهو من كانت عداواته بسبب المال والإمارة وما إلى ~~ذلك، فقد اختلف فى ms0707 وجوب هجرة صاحبه، فقال بعضهم تجب لأن الله قد نهى عن ~~إضاعة المال. وقال آخرون لا تجب، لأنها لمصلحة دنيوية ولا يعود على من ~~تركها نقصان فى الدين. # وعد قوم من باب التقية الجائزة مداراة الكفار والفسقة والظلمة وإلانة ~~الكلام لهم والتبسم فى وجوههم لكف أذاهم وصيانة العرض منهم - بشرط أن لا ~~تكون هذه المدارة مخالفة لأصول الدين وتعاليمه - فإن كانت مخالفة لذلك ~~فلا تجوز. روى البخارى عن عائشة قالت # " استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عنده فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بئس أخو العشيرة، ثم أذن له فألان له القول، ~~فقلت يا رسول الله قلت ما قلت ثم ألنت له القول؟ فقال " يا عائشة إن من ~~شر الناس من يتركه الناس اتقاء فحشه " # إلى غير ذلك من الأحاديث. لكن لا تنبغى المداراة إلى حيث يخدش الدين، ~~ويرتكب المنكر، وتسىء الظنون ". ثم يبين - سبحانه - أنه عليم بالظواهر ~~والبواطن، وأمر بأن يكثروا من العمل الصالح الذى ينفعهم يوم القيامة، وأن ~~يلتزموا طاعة الله ورسوله لكى يسعدوا فى دينهم ودنياهم، وأن يراقبوا الله ~~- تعالى - فى أقوالهم وأعمالهم لأنه - سبحانه - لا تخفى عليه خافية فقال ~~تعالى { قل إن تخفوا... }. ### || [3.29-32] # والمعنى قل يا محمد لهؤلاء الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين، وقل لغيرهم ممن يوجه إليهم الخطاب، قل لهم على سبيل الإرشاد ~~والتحذير { إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه } من ولاية ~~الكفار أو غيرها من الأقوال والأفعال { يعلمه الله } فيجازيكم ~~عليه بما تستحقون. وفى أمر النبى صلى الله عليه وسلم بتوجيه هذا القول ~~إلى المخاطبين ترهيب لهم من الآمر وهو الله - تعالى - لأن هذا التنويع فى ~~الخطاب من شأنه أن يربى المهابة فى القلوب. وذلك - والله المثل الأعلى - ~~كأن يقول الملك للمخالفين من رعيته أحذركم من مخالفتى، ثم يأمر أحد ~~أصفيائه بأن يكرر هذا التحذير وأن يبين لهم سوء عاقبة المخالفين. وقوله { ~~ويعلم ما في السماوات وما في الأرض } جملة مستأنفة ~~وليست معطوفة على جواب ms0708 الشرط وهو { يعلمه الله } ، وذلك لأن علمه ~~- سبحانه - بما فى السماوات والأرض ليس متوقفا على شرط فلذلك جىء به ~~مستأنفا. وهذا من باب ذكر العام بعد الخاص وهو علم ما فى صدوركم تأكيدا ~~له وتقريرا. وقوله { والله على كل شيء قدير } تذييل قصد ~~به الإخبار بأنه مع علمه الواسع المحيط، ذو قدرة نافذة على كل شىء وهذا ~~لون من التهديد والتحذير لأن الذى يتوعد غيره بشىء لا يحول بينه وبين ~~تحقيق هذا الشىء إلا أحد أمرين الجهل بجريمة المجرم، أو العجز عن تنفيذ ~~وعيده، فلما أعلمهم - سبحانه - بأنه محيط بكل شىء وقادر على كل شىء، ثبت ~~أنه - سبحانه - متمكن من تنفيذ وعيده. قال صاحب الكشاف " وقوله { ~~والله على كل شيء قدير } أى هو قادر على عقوبتكم وهذا ~~بيان لقوله { ويحذركم الله نفسه } لأن نفسه وهى ذاته ~~المميزة من سائر الذوات، متصفة بعلم ذاتى لا يختص بمعلوم دون معلوم. فهى ~~متعلقة بالمعلومات كلها وبقدرة ذاتية لا تختص بمقدور دون مقدور، فهى ~~قادرة على المقدورات كلها فكان حقها أن تحذر وتتقى فلا يجسر أحد على قبيح ~~ولا يقصر عن واجب فإنه مطلع عليه لا محالة فلاحق به العقاب. ولو علم بعض ~~عبيد السلطان أنه أراد الاطلاع على أحواله، فوكل همه بما يورد ويصدر، ~~ونصب عليه عيونا، وبث من يتجسس عن بواطن أموره لأخذ حذره وتيقظ فى أمره، ~~واتقى كل ما يتوقع فيه الاسترابة به، فما بال من علم أن العالم بالذات - ~~يعنى أن علمه بذاته لا بعلم زائد عن ذاته كعلم الحوادث وهذا عند المعتزلة ~~- الذى يعلم السر وأخفى مهيمن عليه وهو آمن. اللهم إنا نعوذ بك من ~~اغترارنا بسترك ". ثم كرر - سبحانه - التحذير من الحساب يوم القيامة وما ~~يقع فيه من أهوال ورغب المؤمنين فى العمل الصالح فقال { يوم تجد ~~كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من ~~سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا }. # قال الآلوسى الأمد غاية الشىء ومنتهاه والفرق بينه وبين الأبد أن الأبد ~~مدة ms0709 من الزمان غير محدودة والأمد مدة لها حد مجهول، والمراد هنا الغاية ~~الطويلة، وذهب بعضهم إلى أن المراد بالأمد البعيد المسافة البعيدة، ولعله ~~الأظهر، فالتمنى هنا من قبيل التمنى فى قوله - تعالى - # يليت بيني وبينك بعد المشرقين # والمعنى راقبوا ربكم أيها المؤمنون. وتزودوا من العلم الصالح واذكروا { ~~يوم تجد كل نفس ما عملت } فى الدنيا { من خير } ~~وإن كان مثقال ذرة { محضرا } لديها مشاهدا فى الصحف، حتى لكأنه قد ~~أحضر من الدنيا إلى الآخرة فيرى رأى العين { وما عملت من سوء } ~~تراه أيضا ظاهرا ثابتا مسجلا عليها، وتتمنى لو أن بينها وبين هذا العمل ~~السىء زمنا طويلا، ومسافة بعيدة وذلك لأن الإنسان يتمنى دائما أن يكون ~~بيعدا بعدا شاسعا عن الشىء المخيف المؤلم خصوصا فى هذا اليوم العصيب ~~وهو يوم القيامة. وقوله { يوم } متعلق بمحذوف تقديره اذكروا، وهو ~~مفعول به لهذا المحذوف. و " تجد " يجوز أن يكون متعديا لواحد فيكون بمعنى ~~تصيب وتصادف، ويكون " محضرا " على هذا منصوبا على الحال. قال الجمل وهذا ~~هو الظاهر. ويجوز أن يكون بمعنى تعلم فيتعدى لاثنين أولهما { ما ~~عملت } والثانى { محضرا }. وقوله { وما عملت من سوء } ~~معطوف على قوله { ما عملت من خير }. ويرى بعضهم أن " ما " فى ~~قوله { وما عملت من سوء } متبدأ، وخبرها جملة { تود لو ~~أن بينها وبينه أمدا بعيدا } فيكون المعنى ما عملت من ~~سوء تتمنى كل نفس أن يكون بينها وبينه أمدا بعيدا. أتى - سبحانه - بقوله ~~{ محضرا } فى جانب الخير فقط من أن عمل السوء أيضا يكون محضرا ~~للإشعار يكون عمل الخير هو المراد بالذات. وهو الذى يتمناه الإنسان ~~ويرجو حضوره فى هذا لما يترتب عليه من ثواب وأما عمل الشر فتتمنى كل نفس ~~اقترفته لو بعد عنها ولم تره بسبب ما يترتب عليه من عقاب. وقوله - سبحانه ~~- { ويحذركم الله نفسه } تكرير للتحذير الأول الذى جاء فى ~~قوله - تعالى - # لا يتخذ المؤمنون الكافرين أوليآء من دون ~~المؤمنين # والسر فى هذا التكرير زيادة التحذير من عقاب الله وانتقامه، فإن تكرار ms0710 ~~التحذير من شأنه أن يغرس فى القلوب التذكر والاعتبار والوجل. وقيل إن ~~التحذير الأول ذكر للنهى عن موالاة الكافرين. والذى هنا ذكر للحث على عمل ~~الخير والتنفير من عمل الشر. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله { والله ~~رؤوف بالعباد } ومن مظاهر رأفته ورحمته أنه حذر عباده قبل أن ~~يعاقبهم، وأنه يعفو عن كثير من ذنوب عباده، وأنه فتح لهم باب التوبة حتى ~~يقلعوا عن خطاياهم. # إلى غير ذلك من مظاهر رأفته ورحمته. ثم أمر الله - تعالى - رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يرشد الناس إلى الطريق الذى متى سلكوه كانوا حقا ~~محبين لله، وكانوا ممن يحبهم - سبحانه - فقال تعالى { قل إن كنتم ~~تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر ~~لكم ذنوبكم }. قال بعضهم عن الحسن البصرى قال قال قوم على عهد ~~النبى صلى الله عليه وسلم يا محمد إنا نحب ربنا، فأنزل الله الآية، وروى ~~محمد بن إسحاق عن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير قال " نزلت فى نصارى ~~نجران وذلك أنهم قالوا إنما نعظم المسيح ونعبده حبا لله وتعظيما له فأنزل ~~الله هذه الآية ردا عليهم ". ومحبة العباد لله - كما يقول الزمخشرى - ~~مجاز عن إرادة نفوسهم اختصاصه بالعبادة دون غيره ورغبتهم فيها، ومحبة ~~الله عباده أن يرضى عنهم ويحمد فعلهم. والمعنى قل يا محمد للناس على سبيل ~~الإرشاد والتبيين إن كنتم تحبون الله حقا كما تدعون، فاتبعونى، فإن ~~اتباعكم لى يؤدى إلى محبة الله لكم، وإلى غفرانه لذنوبكم، وذلك لأن محبة ~~الله ليست دعوة باللسان، وإنما محبة الله تتحقق باتباع ما أمر به، ~~واجتناب ما نهى عنه على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم الذى أرسله ~~رحمة للعالمين. قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية " هذه الآية الكريمة ~~حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية، بأنه كاذب ~~فى نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدى، والدين النبوى فى كل أقواله ~~وأعماله كما ثبت فى الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ms0711 # " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ". # وقوله { يحببكم } جواب الأمر، وهو قوله { فاتبعوني }. وهذا ~~رأى الخليل. ويرى أكثر المتأخرين من النحاة أن قوله " يحببكم الله " جواب ~~لشرط مقدر دل عليه المقام والتقدير إن كنتم تحبون الله فاتبعونى، وإن ~~اتبعتمونى يحببكم الله، أى يمنحكم الثواب الجزيل، والأجر العظيم، والرضا ~~الكبير. فأنت ترى أن الآية الكريمة قد بينت أن أول علامات محبة العبد ~~لربه، هى اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم وأن هذا الاتباع يؤدى إلى محبة ~~الله - تعالى - لهذا العبد وإلى مغفرة ذنوبه. ومحبة الله لعبده هى منتهى ~~الأمانى، وغاية الآمال، ولذا قال بعض الحكماء " ليس الشأن أن تحب إنما ~~الشأن أن تحب ". ومحبة الله إنما تتأتى بإخلاص العبادة والوقوف عند ~~حدوده والاستجابة لتعاليم رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وكل من يدعى أنه ~~محب لله وهو معرض عن أوامره ونواهيه فهو كاذب فى دعواه كما قال الشاعر ~~الصوفى # تعصى الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمرى فى القياس بديع لو كان حبك صادقا ~~لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع # ثم ختم - سبحانه - الآية بوصفين جليلين فقال { والله غفور ~~رحيم } أى أنه - سبحانه - كثير الغفران والرحمة لمن تقرب إليه ~~بالطاعة، واتبع رسوله فيما جاء به من عنده. ثم كرر - سبحانه - الأمر ~~لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يحض الناس على اتباع ما يسعدهم فقال له { ~~قل أطيعوا الله والرسول }. أى قل لهم يا محمد أطيعوا الله ~~وأطيعوا رسوله فى جميع الأوامر والنواهى، وإن من يدعى أنه مطيع لله دون ~~أن يتبع رسوله فإنه يكون كاذبا فى دعواه، ولذا لم يقل - سبحانه - أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول، للإشعار بأن الطاعة واحدة وأن طاعة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم طاعة لله تعالى، كما قال سبحانه # من يطع الرسول فقد أطاع الله # ثم ذكر - سبحانه - عاقبة العصاة المعاندين فقال { فإن تولوا ~~فإن الله لا يحب الكافرين } أى فإن أعرضوا عما تأمرهم ~~به يا محمد ولم يستجيبوا لك واستمروا على كفرهم، فإنهم لا ينالون محبة ms0712 ~~الله، لأنهم كافرون. ففى هذه الجملة الكريمة دلالة على أن محبة الله لا ~~ينالها إلا من يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه - سبحانه - نفى حبه ~~عن الكافرين، ومتى نفى حبه عنهم فقد أثبت بغضه، ولأنه عبر عن تركهم اتباع ~~رسوله بالتولى وهو أفحش أنواع الإعراض، ومن أعرض عن طاعة رسول الله كان ~~بعيدا عن محبة الله. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ساقت للناس من ~~التوجيهات السامية، والآداب العالية ما من شأنه أن يغرس فى النفوس إخلاص ~~العبادة لله، والخشية من عقابه، والأمل فى ثوابه، والإكثار من العمل ~~الصالح الذى يؤدى إلى رضا الله ومحبته. وبعد هذا الحديث الحكيم المتنوع - ~~من أول السورة إلى هنا - عن وحدانية الله، وقدرته النافذة وعلمه المحيط، ~~وعن أحقيته للعبادة والخضوع، وعن الكتب السماوية وما اشتملت عليه من ~~هدايات وعن محكم القرآن ومتشابهه، وعن رعاية الله - تعالى - لعباده ~~المؤمنين، وعن تهديد الكافرين بسوء العاقبة إذا ما استمروا على كفرهم، ~~وعن الشهوات التى يميل الإنسان بطبعه إليها وعما هو أفضل منها، وعن دين ~~الإسلام وانه هو الدين الذى ارتضاه الله لعباده، وعن بعض الرذائل التى ~~عرفت عن أكثر أهل الكتاب، وعن حث الناس على مراقبة الله - تعالى - وإخلاص ~~العبادة له حتى يكونوا ممن يحبهم ويحبونه فيسعدوا فى دينهم ودنياهم ~~وآخرتهم... بعد كل ذلك تحدث القرآن - فى أكثر من ثلاثين آية - عمن ~~اصطفاهم الله من عباده، وعن جانب من قصة مريم، وقصة زكريا وابنه يحيى - ~~عليهما السلام - وعن قصة ولادة عيسى - عليه السلام - وما صاحبها من خرق ~~للعادات، وما منحه - سبحانه - من معجزات وعن محاجة الكافرين من أهل ~~الكتاب فى شأنه وكيف رد القرآن عليهم... استمع إلى القرآن الكريم وهو ~~يحكى ذلك بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول { إن الله... }. ### || [3.33-37] # قوله { اصطفى } من الاصطفاء وهو الاختيار والانتقاء وطلب الصفوة من ~~كل شىء. وقوله { وآل إبراهيم } الآل - كما يقول الراغب - مقلوب عن ~~الأهل إلا أنه خص بالإضافة إلى أعلام الناطقين دون النكرات ودون الأزمنة ~~والأمكنة. يقال آل ms0713 فلان ولا يقال آل رجل ولا آل زمان كذا أو موضع كذا... ~~ويضاف إلى الأشرف الأفضل فيقال آل الله وآل السلطان ولا يقال آل ~~الحجام.... ويستعمل الآل فيمن يختص بالإنسان اختصاصا ذاتيا إما بقرابة ~~قريبة أو بموالاة قال - تعالى - { وآل إبراهيم وآل عمران }. ~~والمعنى إن الله - تعالى - قد اختار واصطفى { ءادم } أبا البشر، بأن ~~جعله خليفة فى الأرض، وعلمه الأسماء كلها، وأسجد له ملائكته. واصطفى { ~~نوحا } لأنه - كما يقول الآلوسى - آدم الأصغر، والأب الثانى للبشرية، ~~وليس أحد على وجه البسيطة إلا من نسله لقوله - سبحانه - # وجعلنا ذريته هم الباقين # واصطفى { آل إبراهيم } أى عشيرته وذوى قرباه وهم إسماعيل وإسحاق ~~والأنبياء من أولادهما. واصطفى { آل عمران } إذ جعل فيهم عيسى - ~~عليه السلام - الذى آتاه الله البينات، وأيده بروح القدس. والمراد بعمران ~~هذا والد مريم أم عيسى - عليه سلام - فهو عمران بن ياشم بن ميشا بن ~~حزقيا.... وينتهى نسبه إلى إبراهيم - عليه السلام -. وإن فى ذلك التسلسل ~~دليل على أن الله - تعالى - قد اقتضت حكمته أن يجعل فى الإنسانية من ~~يهديها إلى الصراط المستقيم فقد ابتدأت الهداية بآدم أبى البشر كما قال - ~~تعالى - # ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى # ثم جاء من بعده بقرون لا يعلمها إلا الله نوح - عليه السلام - فمكث يدعو ~~الناس إلى وحدانية الله وإلى مكارم الأخلاق " ألف سنة إلا خمسين عاما " ~~ثم جاء من بعد ذلك إبراهيم - عليه السلام - فدعا الناس إلى عبادة الله ~~وحده، فكان هو وآله صفوة الخلق وفيهم النبوة فمن إسماعيل بن إبراهيم كان ~~محمد صلى الله عليه وسلم الذى ختمت به الرسالات السماوية. ومن إسحاق ~~وبنيه كان عدد من الأنبياء كداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون... ~~ومن فرع إسحاق كان آل عمران وهم ذريته وأقاربه كزكريا ويحيى وعيسى الذى ~~كان آخر نبى من هذا الفرع. وفى التعبير بالاصطفاء تنبيه إلى أن آدم ونوحا ~~وآل إبراهيم وآل عمران صفوة الخلق، إذ أن الرسل والأنبياء جميعا من ~~نسلهم. وقوله { على العالمين } أى على عالمى زمانهم. أى ms0714 أهل زمان ~~كل واحد منهم. ثم صرح - سبحانه - بعد ذلك بتسلسل هذه الصفوة الكريمة ~~بعضها من بعض فقال { ذرية بعضها من بعض } وأصل الذرية - ~~كما يقول القرطبى - فعلية من الذر، لأن الله - تعالى - أخرج الخلق من صلب ~~آدم كالذر حين أشهدهم على أنفسهم - وقيل هو مأخوذ من ذرأ الله الخلق ~~يذرؤهم ذرءا خلقهم، ومنه الذرية وهى نسل الثقلين ". # والمعنى أن أولئك المصطفين الأخيار بعضهم من نسل بعض، فهم متصلو النسب، ~~فنوح من ذرية آدم، وآل إبراهيم من ذرية نوح، وآل عمران من ذرية آل ~~إبراهيم، فهم جميعا سلسلة متصلة الحلقات فى النسب، والخصال الحميدة. ~~وقوله { ذرية } منصوب على الحال من آل إبراهيم وآل عمران. ثم ختم - ~~سبحانه - الآية بقوله { والله سميع عليم } أى هو - سبحانه - ~~سميع لأقوال عباده فى شأن هؤلاء المصطفين الأخيار وفى شأن غيرهم عليم ~~بأحوال خلقه علما تاما بحيث لا تخفى عليه خافية تصدر عنهم. والجملة ~~الكريمة تذييل مقرر لمضمون ما قبلها، ومؤكد له. ثم حكى سبحانه ما قالته ~~امرأة عمران عندما أحست بعلامات الحمل فقال تعالى { إذ قالت ~~امرأت عمران رب إني نذرت لك ما فى بطني ~~محررا فتقبل مني } والظرف " إذا " فى محل النصب على ~~المفعولية بفعل محذوف والتقدير أذكر لهم وقت قولها رب إنى نذرت... ألخ. ~~وقيل هو متعلق بقوله { والله سميع عليم } أى أنه - سبحانه - ~~يعلم علم ما يسمع فى الوقت الذى قالت فيه امرأة عمران ذلك القول. وامرأة ~~عمران هذه هى " حنة " بنت فاقوذا بن قنبل وهى أم مريم وجدة عيسى عليه ~~السلام وعمران هذا هو زوجها، وهو أبو مريم. وقوله { نذرت } من النذر ~~وهو التزام التقرب إلى الله - تعالى - بأمر من جنس العبادات التى شرعها - ~~سبحانه - لعباده ليتقربوا بها إليه. وقوله { محررا } أى عتيقا مخلصا ~~للعبادة متفرغا من شواغل الدنيا لخدمة بيتك المقدس. يقال حررت العبد إذا ~~خلصته من الرق وحررت الكتابة إذا أصلحته ولم تبق فيه شيئا من وجوه ~~الخطأ، ورجل حر إذا كان خالصا لنفسه ليس لأحد عليه سلطان. ms0715 والمعنى اذكر ~~أيها العاقل لتعتبر وتتعظ وقت أن لجأت امرأة عمران إلى ربها تدعوه بضراعة ~~وخشوع فتقول يا رب إنى نذرت لخدمة بيتك هذا الجنين الذى فى بطنى مخلصا ~~لعبادتك متفرغا لطاعتك فتقبل منى هذا النذر الخالص، وتلك النية الصادقة، ~~{ إنك أنت السميع العليم } لقولى ولأقوال خلقك { ~~العليم } بنيتى وبنوايا سائر عبادك. فأنت ترى فى هذا الدعاء الخاشع ~~الذى حكاه القرآن عن امرأة عمران أسمى ألوان الأدب والإخلاص، فقد توجهت ~~إلى ربها بأعز ما تملك وهو الجنين الذى فى بطنها، ملتمسة منه - سبحانه - ~~أن يقبل نذرها الذى وهبته لخدمة بيته، واللام فى قوله " لك " للتعليل أى ~~نذرت لخدمة بيتك. # وقوله { محررا } حال من " ما " والعامل فيه " نذرت ". قال بعضهم " ~~وكان هذا النذر يلزم فى شريعتهم فكان المحرر عندهم إذا حرر جعل فى ~~الكنيسة يخدمها ولا يبرح مقيما فيها حتى يبلغ الحلم، ثم يتخير فإن أحب ~~ذهب حيث شاء، وإن اختار الإقامة لا يجوز له بعد ذلك الخروج. ولم يكن أحد ~~من أنبياء بنى إسرائيل وعلمائهم إلا ومن أولاده من حرر لخدمة بيت المقدس ~~ولم يكن يحرر إلا الغلمان، ولا تصلح الجارية لخدمة بيت المقدس لما يصيبها ~~من الحيض والأذى ". وجملة { إنك أنت السميع العليم } ~~تعليلية لاستدعاء القبول، من حيث أن علمه - سبحانه - بصحة نيتها وإخلاصها ~~مستدع لقبول نذرها تفضلا منه وكرما. ثم حكى - سبحانه - ما قالته بعد أن ~~وضعت ما فى بطنها فقال - تعالى - { فلما وضعتها قالت رب ~~إني وضعتهآ أنثى }. قالوا إن هذا خبر لا يقصد به الإخبار، ~~بل المقصود منه إظهار التحسر والتحزن والاعتذار، فقد كانت امرأة عمران ~~تتوقع أن يكون ما فى بطنها ذكرا، لأنه هو الذى يصلح لخدمة بيت الله ~~والانقطاع للعبادة فيه، لكنها حين وضعت حملها ووجدته أنثى، قالت على سبيل ~~الاعتذار عن الوفاء بنذرها رب إنى وضعتها أنثى، والأنثى لا تصلح للمهمة ~~التى نذرت ما فى بطنى لها وهى خدمة بيتك المقدس، وأنت يا إلهى القدير على ~~كل شىء فبقدرتك أن تخلق الذكر وبقدرتك ms0716 أن تخلق الأنثى. والضمير فى قوله { ~~فلما وضعتها } يعود لما فى بطنها. وتأنيث باعتبار حاله فى ~~الواقع ونفس الأمر وهو أنه أنثى. وقوله { أنثى } منصوب على الحال من ~~الضمير فى وضعتها، وهى حال مؤكدة لأن كونها أنثى مفهوم من تأنيث الضمير ~~فجاءت أنثى مؤكدة. وقوله { والله أعلم بما وضعت } جملة ~~معترضة سيقت للايماء إلى تعظيم المولود الذى وضعته وتفخيم شأنه، ~~وللإشعار بأن الأنثى ستصلح لما يصلح له الذكور من خدمة بيته. أى والله - ~~تعالى - أعلم منها ومن غيرها بما وضعته، لأنه هو الذى خلق هذا المولود ~~وجعله أنثى، وهو العليم بما سيصير إليه أمر هذه الأنثى من فضل، إذ منها ~~سيكون عيسى - عليه السلام - وسيجعلها - سبحانه - آية ظاهرة دالة على كمال ~~قدرته، ونفوذ إرادته. وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ويعقوب { والله ~~أعلم بما وضعت } بضم التاء وعلى هذه القراءة لا تكون الجملة ~~معترضة وإنما هى من تتمة ما قالته، ويكون الكلام التفات من الخطاب إلى ~~الاسم الظاهر وهو لفظ الجلالة إذ لو جرت على مقتضى قولها، { رب إني ~~وضعتهآ أنثى } لقالت وأنت أعلم بما وضعت. ويكون قولها هذا من ~~تتمة الاعتذار إلى الله - تعالى - حيث وضعت مولودا لا يصلح لما نذرته - ~~فى عرف قومها وتسلية لنفسها، أى ولعل لله سرا وحكمة لا يعلمها أحد سواه ~~فى جعل هذا المولود أنثى. # أو لعل هذه الأنثى تكون خيرا من الذكر. وقوله - تعالى - { وليس ~~الذكر كالأنثى } يحتمل أنه من كلامه - سبحانه - وهو الظاهر - ~~فتكون الجملة معترضة كسابقتها، ويكون وليس الذكر الذى طلبته كالأنثى التى ~~ولدتها، بل هذه الأنثى وإن كانت أفضل منه فى العبادة والمكانة إلا أنها ~~لا تصلح عندهم لسدانة بيت الله تعالى، بسبب حرمة اختلاطها بالرجال وما ~~يعتريها من حيض وغير ذلك مما يعترى النساء. ويحتمل أنه من كلامها الذى ~~حكاه الله تعالى عنها فلا تكون الجملة معترضة ويكون المعنى وليس الذكر ~~الذى طلبته كالأنثى التى وضعتها، بل هو خير منها لأنه هو الذى يصلح ~~لسدانة بيتك وخدمته، ومع ms0717 هذا فأنا فى كلتا الحالتين راضية بقضائك مستسلمة ~~لإرادتك. ثم حكى - سبحانك - أيضا بعض ما قالته بعد ولادتها فقال { ~~وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك ~~وذريتها من الشيطان الرجيم }. قالوا إن كلمة مريم ~~معناها فى لغتهم العابدة، فأرادت بهذه التسمية التقرب إلى الله والالتماس ~~منه أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقا لا سمها. ومعنى { أعيذها بك } ~~أمنعها وأجيرها بحفظك. مأخوذ من العوذ، وهو أن تلتجىء إلى غيرك وتتعلق ~~به. يقال عاذ فلان بفلان إذا استجار به، ومنه العوذة وهى التميمة ~~والرقية. والشيطان فى لغة العرب كل متمرد من الجن والإنس والدواب وكل ~~شىء. وهو مشتق من شطن إذا بعد، فهو بعيد بطبعه عن كل خير. والرجيم فعيل ~~بمعنى مفعول. أى أنه مرجوم مطرود من رحمة الله ومن كل خير. وقيل رجيم ~~بمعنى راجم لأنه يرجم الناس بالوساوس والشرور. والمعنى وإنى يا خالقى مع ~~حبى لأن يكون المولود ذكرا لتتهيأ له خدمة بيتك فقد رضيت بما وهبت لى، ~~وإنى قد سميت هذه الأثنى التى أعطيتنى إياها مرم. أى العابدة الخادمة ~~لك، وإنى أحصنها وأجيرها بكفالتك لها ولذريتها من الشيطان الرجيم الذى ~~يزين للناس الشرور والمساوىء. قال القرطبى وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا من نخسة الشيطان، ~~إلا ابن مريم وأمه ". # ثم قال أبو هريرة " اقرءوا إن شئتم وإنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان ~~الرجيم ". قال علماؤنا فأفاد هذا الحديث أن الله - تعالى - استجاب دعاء ~~أم مريم... ولا يلزم من هذا أن نخس الشيطان يلزم منه إضلال المنخوس فإن ~~ذلك ظن فاسد، فكم تعرض الشيطان للأنبياء والأولياء بأنواع الإفساد ~~والإغواء، ومع ذلك عصمهم الله مما يرومه الشيطان كما قال تعالى # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان # وقوله { وإني سميتها مريم } معطوف على { إني ~~وضعتهآ أنثى } وما بينهما اعتراض. وهذا على قراءة الجمهور التي ~~جاءت بتسكين التاء فى { وضعت } فى قوله - تعالى - { والله ~~أعلم بما وضعت ms0718 }. وأما على قراءة غير الجمهور التى جاءت بضم ~~التاء فى قوله { وضعت } فيكون أيضا معطوفا على { إني ~~وضعتهآ أنثى } ويكون هذا القول وما عطف عليه فى محل نصب بالقول، ~~والتقدير قالت إنى وضعتها أنثى، وقالت الله أعلم بما وضعت وقالت ليس ~~الذكر كالأنثى، وقالت إنى سميتها مريم. وأتى فى قوله { وإني ~~أعيذها } بخبر إن فعلا مضارعا للدلالة على طلبها استمرار الاستعاذة ~~دون انقطاعها، بخلاف وضعتها، وسميتها، حيث أتى بالخبرين ماضيين ~~لانقطاعهما. وقوله { وذريتها } معطوف على الضمير المنصوب فى ~~أعيذها. وفى التنصيص على إعاذتها وإعاذة ذريتها من الشيطان الرجيم، رمز ~~إلى طلب بقائها على قيد الحياة حتى تكبر وتكون منها الذرية الصالحة. تلك ~~هى بعض الكلمات الطيبات والدعوات الخاشعات، التى توجهت بها امرأة عمران ~~إلى ربها عندما أحست بالحمل فى بطنها وعندما وضعت حملها حكاها القرآن ~~بأسلوبه البليغ المؤثر، فماذا كانت نتيجتها؟ كانت نتيجتها أن أجاب الله ~~دعاءها وقبل تضرعها، وقد حكى - سبحانه - ذلك بقوله { فتقبلها ~~ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا }. والفاء فى ~~قوله { فتقبلها } تفريع على الدعاء مؤذن بسرعة الإجابة، والضمير ~~يعود إلى مريم. والتقبل - كما يقول الراغب - قبول الشىء على وجه يقتضى ~~ثوابا كالهداية ونحوها. وإنما قال - سبحانه - { فتقبلها ربها ~~بقبول } ولم يقل بتقبل للجمع بين الأمرين التقبل الذى هو الترقى فى ~~القبول، والقبول الذى يقتضى الرضا والإثابة ". والمعنى أن الله - تعالى ~~- تقبل مريم قبولا مباركا وخرق بها عادة قومها، فرضى أن تكون محررة ~~للعبادة وخدمة بيته كالذكور، مع كونها أنثى وفاء بنذر الأم التقية التى ~~قالت { رب إني نذرت لك ما فى بطني محررا }. { ~~وأنبتها نباتا حسنا } أى رباها تربية حسنة، وصانها من كل سوء، ~~فكان حالها كحال النبات الذى ينمو فى الأرض الصالحة حتى يؤتى ثماره ~~الطيبة. وهكذا قيض الله - تعالى - لمريم كل ألوان السعادة الحقيقية، فقد ~~قبلها لخدمة بيته مع أنها أنثى، وأنشأها حسنة بعيدة عن كل نقص خلقى أو ~~خلقى، وهيأ لها وسائل العيش الطيب من حيث لا تحتسب. فقد قال - تعالى - { ~~وكفلها زكريا ms0719 كلما دخل عليها زكريا ~~المحراب وجد عندها رزقا قال يمريم أنى لك ~~هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من ~~يشآء بغير حساب }. قوله { وكفلها زكريا } أى ضمها ~~إلى زكريا، لأن الكفالة فى أصل معناها الضم. # أى ضمها الله - تعالى - إليه وجعله كافلا لها وضامنا لمصالحها. وقرئ { ~~وكفلها } بتخفيف الفاء. وبرفع { زكريا } على أنه فاعل. وعلى ~~هذه القراءة تنطق كلمة زكريا بالمد قبل الهمزة فقط أى " زكرياء ". أما ~~على القراءة الأولى فيجوز فى زكريا المد والقصر. وزكريا هو أحد أنبياء ~~بنى إسرائيل وينتهى نسبة إلى سليمان بن داود - عليهما السلام - وكان ~~متزوجا بخالة مريم، وقيل كان متزوجا بأختها. وكانت كفالته لها نتيجة ~~اقتراع بينه وبين من رغبوا فى كفالتها من سدنة بيت المقدس، يدل على ذلك ~~قوله - تعالى - # ذلك من أنبآء الغيب نوحيه إليك وما كنت ~~لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ~~وما كنت لديهم إذ يختصمون # قال صاحب الكشاف " روى أن " حنة " حين ولدت مريم، لفتها فى خرقة وحملتها ~~إلى المسجد، ووضعتها عند الأحبار وهم فى بيت المقدس، فقالت لهم دونكم هذه ~~النذيرة، فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم ". فقال لهم ~~زكريا أنا أحق بها عندى خالتها فقالوا لا، حتى نقترع عليها، فانطلقوا إلى ~~نهر وألقوا فيه أقلامهم فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم ~~فتكفلها ". وقوله { كلما دخل عليها زكريا المحراب ~~وجد عندها رزقا } بيان لكفالة الله - تعالى - لرزقها ورضاه ~~عنها، ورعايته لها. والمحراب موضع العالى الشريف والمراد به الغرفة التى ~~تتخذها مريم مكانا لعبادتها فى المسجد. سمى بذلك لأنه مكان محاربة ~~الشيطان والهوى. قال الآلوسى ما ملخصه " والمحراب - على ما روى عن ابن ~~عباس - غرقة بنيت لها فى بيت المقدس، وكانت لا يصعد إليها إلا بسلم. وقيل ~~المراد به المسجد إذ قد كانت مساجدهم تسمى المحاريب. وقيل المراد به أشرف ~~مواضع المسجد ومقدمها وهو مقام الإمام من المسجد أصله مفعال صيغة مبالغة ~~- كمطعان - فسمى به المكان، لأن المحاربين نفوسهم كثيرون فيه و ms0720 " كلما " ~~ظرف على أن " ما " مصدرية، والزمان محذوف أو نكرة موصوفة معناها الوقت، ~~والعائد محذوف والعامل فيها جوابها. والمعنى كل زمان دخل عليها أو كل وقت ~~دخل عليها فيه " وجد عندها رزقا " أى أصاب ولقى بحضرتها ذلك أو وجد ذلك ~~كائنا بحضرتها. أخرجه بن جرير عن الربيع قال " أنه كان لا يدخل أحد سوى ~~زكريا فكان يجد عندها فاكهة الصيف فى الشتاء وفاكهة الشتاء فى الصيف " ~~والتنوين فى { رزقا } للتعظيم... وهذا دليل على قدرة الله - سبحانه - ~~على كل شىء، وعلى رعايته لمريم، فقد رزقها - سبحانه - من حين لا تحتسب، ~~ودليل على وقوع الكرامة أوليائه - تعالى -. ولقد كان وجود هذا الرزق عند ~~مريم دون أن يعرف زكريا - عليه السلام - مصدره مع أنه لا يدخل عليها أحد ~~سواه كان ذلك محل عجبه، لذا حكى القرآن عنه { قال يمريم أنى ~~لك هذا } أى من أين لك هذا الرزق العظيم الذى لا أعرف سببه ومصدره. # و { أنى } هنا بمعنى من أين. والجملة الكريمة استئناف مبنى على سؤال ~~مقدر، كأنه قيل فماذا قال زكريا عند مشاهدة هذا الرزق؟ فكان الجواب قال ~~يا مريم من أين لك هذا. ولقد كانت إجابة مريم على زكريا تدل على قوة ~~إيمانها، وصفاء نفسها. فقد أجابته بقولها - كما حكى القرآن عنها - { ~~قالت هو من عند الله } أى قالت له إن هذا الزرق من عند الله ~~- تعالى - فهو الذى رزقنى إياه وسافه إلى بقدرته النافذة. وقوله - تعالى ~~- { إن الله يرزق من يشآء بغير حساب } جملة ~~تعليلية. أى إن الله تعالى، يرزق من يشاء أن يرزقه رزقا واسعا عظيما لا ~~يحده حد، ولا تجرى عليه الأعداد التى تنتهى، فهو - سبحانه - لا يحاسبه ~~محاسب، ولا تنقص خزائنه من أى عطاء مهما كثر وعظم. وهذه الجملة الكريمة ~~يحتمل أنها من كلام الله - تعالى - فتكون مستأنفة، ويحتمل أنها من كلامها ~~الذى حكاه القرآن عنها، فتكون تعليلية فى محل نصب داخلة تحت القول. هذا ~~وفى تلك الآيات التى حكاها القرآن عن مريم وأمها نرى كيف يعمل ms0721 الإيمان ~~عمله فى القلوب فينقيها ويصفيها ويحررها من رق العبودية لغير الله الواحد ~~القهار وكيف أن الله تعالى، يتقبل دعاء عباده الصالحين، وينبتهم نباتا ~~حسنا، ويرعاهم برعايته، يزرقهم من حيث لا يحتسبون. ولقد كان ما رآه زكريا ~~- عليه السلام - من أحوال مريم من الأسباب التى جعلته - وهو الشيخ الهرم ~~- يتضرع إلى الله أن يرزقه الذرية الصالحة، وقد حكى القرآن ذلك بأسلوبه ~~البليغ فقال - تعالى - { هنالك دعا.... } ### || [3.38-41] # قوله - تعالى - { هنالك دعا زكريا ربه } كلام مستأنف، ~~وقصة مستقلة سيقت فى تضاعيف قصة مريم وأمها لما بينهما من قوة الارتباط، ~~وشدة الاشتباك مع ما فى إيرادها من تقرير ما سيقت له قصة مريم وأمها من ~~بيان اصطفاء آل عمران. و " هنا " ظرف يشار به إلى المكان القريب كما فى ~~قوله - تعالى - # إنا هاهنا قاعدون # وتدخل عليه اللام والكاف " هنالك " أو الكاف وحدها " هناك " فيكون ~~للبعيد وقد يشار به للزمان اتساعا. والمعنى فى ذلك المكان الطاهر الذى ~~كان يلتقى فيه زكريا بمريم ويرى من شأنها ما يرى من فضائل وغرائب، تحركت ~~فى نفس زكريا عاطفة الأبوة، وهو الشيخ الكبير الذى وهن عظمه واشتعل رأسه ~~شيبا، وبلغ من الكبر عتيا - فدعا الله تعالى - بقلب سليم، وبنفس صافية ~~وبجوارح خاشعة، أن يرزقه الذرية الصالحة. ولقد حكى القرآن دعاءه بأسلوبه ~~المؤثر فقال { قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة ~~إنك سميع الدعآء }. أى، قال زكريا مناجيا ربه يا رب أنت الذى ~~خلقتنى، وأنت الذى لا يقف أمام قدرتك شىء، وأنت الذى جعلتنى أرى من أحوال ~~مريم ما يشهد بقدرتك النافذة وفضلك العميم فهب لى يا خالقى من عندك ذرية ~~صالحة تقر بها عينى، وتكون خلفا من بعدى { إنك سميع الدعآء } ~~أى إنك عليم بدعائى علم من يسمع، قريب الإجابة لمن يدعوك، فإن أجبت لى ~~سؤالى فبفضلك وإن لم تجبه، فبعدلك وحكمتك. فأنت ترى فى هذا الدعاء الذى ~~صدر عن زكريا - عليه السلام - أسمى ألوان الأدب والخشوع والإنابة. فقد ~~رفع أكف الضراعة فى مكان مقدس طاهر، ms0722 وفى التعبير بقوله { دعا ~~زكريا ربه } إشارة إلى تسليمه لله وإلى شعوره بقدرة الله على كل ~~شىء، فهو الذى خلقه ورباه وتولاه برعايته فى كل أدوار حياته. وفى قوله { ~~هب لي من لدنك } إشعار بأنه يريد من خالقه - عز وجل - أن يعطيه ~~هذه الذرية بلا سبب عادى، ولكن بإرادته وقدرته لأنه لو كان الأمر فى هذا ~~العطاء يعود إلى الأسباب والمسببات العادية لكان الحصول على الذرية ~~مستبعدا إذ هو قد بلغ من الكبر عتيا وزوجته قد تجاوزت السن التى يحصل ~~فيها الانجاب فى العادة. أى هب لى من عندك لا من عندى، لأن الأسباب عندى ~~أصبحت مستبعدة. وفى تقييد الذرية بكونها طيبة، إشارة إلى أن زكريا لقوة ~~إيمانه، ونقاء سريرته، وحسن صلته بربه، لا يريد ذرية فحسب وإنما يريد ~~ذرية صالحة يرجى منها الخير فى الدنيا والآخرة. وجملة { إنك سميع ~~الدعآء } تعليلية، أى إنى ما التجأت إليك يا إلهى إلا لأنك مجيب ~~للدعاء غير مخيب للرجاء. # قال القرطبى ما ملخصه " دلت هذه الآية على طلب الولد وهى سنة المرسلين ~~والصديقين. قال الله - تعالى - # ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم ~~أزواجا وذرية # وقد ترجم البخارى على هذا " باب طلب الولد " وقال النبى صلى الله عليه ~~وسلم لأبى طلحة حين مات ابنه # " " أعرستم الليلة " قال نعم. قال " بارك الله لكما فى غابر ليلتكما " ~~فقال رجل من الأنصار فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرءوا القرآن " # ، والأخبار فى هذا المعنى كثيرة. تحث على طلب الولد لما يرجوه الإنسان ~~من نفعه فى حياته وبعد مماته. قال صلى الله عليه وسلم إذا مات أحدكم ~~انقطع عمله إلا من ثلاث فذكر منها " أو ولد صالح يدعو له " ولو لم يكن ~~إلا هذا الحديث لكان فيه كفاية. هذا، وقد حكى لنا القرآن فى سورة مريم ~~دعاء زكريا بصورة أكثر تفصيلا فقال # ذكر رحمة ربك عبده زكريآ إذ نادى ربه ~~ندآء خفيا قال رب إني وهن العظم مني ~~واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعآئك رب شقيا ~~وإني خفت ms0723 الموالي من ورآئي وكانت امرأتي ~~عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل ~~يعقوب واجعله رب رضيا # هذا هو دعاء زكريا كما حكاه الله - تعالى - فى أكثر من موضع فى كتابه ~~الكريم فماذا كانت نتيجة هذا الدعاء الخاشع، والتضرع الخالص؟ لقد كانت ~~نتيجته الإجابة من الله - تعالى - لعبده زكريا، فقد قال - تعالى - { ~~فنادته الملائكة وهو قائم يصلي فى المحراب ~~أن الله يبشرك بيحيى }. أى فنادت الملائكة زكريا - ~~عليه السلام - وهو قائم يصلي فى المحراب، يناجى ربه. ويسبح بحمده بأن ~~الله قد استجاب دعاءك ويبشرك بغلام اسمه يحيى، لكى تقر به عينك ويسر به ~~قلبك. والتعبير بالفاء فى قوله { فنادته } يشعر بأن الله - تعالى - ~~فضلا منه وكرما قد استجاب لزكريا دعاءه بعد فترة قليلة من هذا الدعاء ~~الخاشع، إذ الفاء تفيد التعقيب. ويرى فريق من المفسرين أن الذى ناداه هو ~~جبريل وحده، ومن الجائز فى العربية أن يخبر عن الواحد بلفظ الجمع. قال ~~ابن جرير كما يقال فى الكلام خرج فلان على بغال البريد وإنما ركب بغلا ~~واحدا وركب السفن وإنما ركب سفينة واحدة وكما يقال ممن سمعت هذا؟ فيقال ~~من الناس، وإنما سمعه من رجل واحد، وقد قيل إن منه قوله - تعالى - # الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم # والقائل كان فيما ذكر واحد. ويرى فريق آخر منهم أن الذى نادى زكريا ~~وبشره بمولوده يحيى، جمع من الملائكة لأن الآية صريحة فى أن هذا النداء ~~قد صدر من جمع لا من واحد، ولأن صدوره من جمع يناسب هذه البشارة العظيمة، ~~فقد جرت العادة فى أمثال هذه البشارات العظيمة أن يقوم بها جمع لا واحد، ~~ولا شك أن حالة زكريا وحالة زوجه تستدعيان عددا من المبشرين لإدخال ~~السرور على هذين الشخصين اللذين كادا يفقدان الأمل فى إنجاب الذرية. # وقد رجح هذا الاتجاه ابن جرير فقال " وأما الصواب من القول فى تأويله ~~فأن يقال إن الله - جل ثناؤه - أخبر أن الملائكة نادته، والظاهر من ذلك ~~أنها جماعة من ms0724 الملائكة دون الواحد، جبريل واحد فلا يجوز أن يحمل تأويل ~~القرآن إلا على الأظهر الأكثر من الكلام المستعمل فى ألسن العرب دون ~~الأقل ما وجدنا إلى ذلك سبيلا، ولم تضطرنا حاجة إلى صرف ذلك إلى أنه ~~بمعنى واحد فيحتاج له إلى طلب المخرج بالخفى من الكلام والمعاني ". وقوله ~~{ وهو قائم } جملة حالية من مفعول النداء، و " يصلى " حال من ~~الضمير المستكن فى قائم أو حال أخرى من مفعول النداء على القول بجواز ~~تعدد الحال، وقوله { في المحراب } متعلق بيصلى. والمراد بالمحراب ~~هنا المسجد، أو المكان الذى يقف فيه الإمام فى مقدمة المسجد. وقرأ جمهور ~~القراء { أن الله يبشرك } بفتح همزة أن - على أنه فى محل جر ~~بباء محذوفه. أى نادته الملائكة بأن الله يبشرك بيحيى. وقرأ ابن عامر ~~وحمزة { إن الله يبشرك } - بكسر الهمزة - على تضمين النداء ~~معنى القول، أى قالت له الملائكة إن الله يبشرك بيحيى. وقوله { ~~بيحيى } متعلق بيبشرك، وفى الكلام مضاف أى يبشرك بولادة يحيى، لأن ~~الذوات ليست متعلقا للبشارة. وفى اقتران التبشير بالتسمية بيحيى، إشعار ~~بأن ذلك المولود سيحيا اسمه وذكره بعد موته، وبذلك تتحقق الإجابة لدعاء ~~زكريا تحققا تاما، فقد حكى القرآن عنه فى سورة مريم أنه قال # يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا # قال الجمل و " يحيى، فيه قولان أحدهما وهو المشهور عند أهل التفسير أنه ~~منقول من الفعل المضارع، وقد سموا بالأفعال كثيرا نحو يعيش ويعمر.. وعلى ~~هذا فهو ممنوع من الصرف للعملية ووزن الفعل، نحو يزيد ويشكر وتغلب. ~~والثانى أنه أعجمى لا اشتقاق له، وهذا هو الظاهر، فامتناعه من الصرف ~~للعلمية والعجمة ". ثم وصف الله - تعالى - يحيى - عليه السلام - بأربع ~~صفات كريمة فقال { مصدقا بكلمة من الله وسيدا ~~وحصورا ونبيا من الصالحين }. فالصفة الأولى من صفات ~~يحيى - عليه السلام - أنه كان { مصدقا بكلمة من الله } ~~وللعلماء فى تفسير هذه الجملة الكريمة اتجاهان أما الاتجاه الأول فيرى ~~أصحابه - وهم جمهور العلماء - أن المراد بكلمة الله هو عيسى - عليه ~~السلام - لأنه كان ms0725 يسمى بذلك أى أن يحيى كان مصدقا بعيسى ومؤمنا بأنه ~~رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. # وقد كان يحيى معاصرا لعيسى. وكانت بينهما قرابة قوية إذ أن والدة يحيى ~~كانت أختا لأم مريم وقيل إن أم يحيى كانت أختا لمريم. وأما الاتجاه ~~الثانى فيرى أصحابه أن المراد بكلمة الله كتابه، أى أن يحيى من صفاته ~~الطيبة أنه كان مصدقا بكتاب الله وبكلامه، وذلك لأن الكلمة قد تطلق ويراد ~~منها الكلام، والعرب تقول أنشد فلان كلمة أى قصيدة، وقال كلمة أى خطبة. ~~ويبدو لنا أن الاتجاه الأول أقرب إلى الصواب، لأن القرآن قد وصف عيسى ~~بأنه كلمة الله فى أكثر من موضع فيه ومن ذلك قوله - تعالى - # يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا ~~على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن ~~مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم ~~وروح منه فآمنوا بالله ورسله # وقوله تعالى - # يمريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه ~~المسيح عيسى ابن مريم # ولأن فى التعبير عن عيسى الذى صدقه يحيى - بأنه كلمة من الله، إشعارا ~~بأن ولادتهما متقاربة من حيث الزمن، وإيماء إلى أن زكريا - عليه السلام - ~~قد أوتى علما بأن المسيح عهده قريب، وأن يحيى - عليه السلام - سيعيش حتى ~~يدرك عيسى. وقوله { مصدقا } منصوب على الحال المقدرة من يحيى، أى ~~على الحال التى سيكون عليها فى المستقبل، والمراد بهذا التصديق الإيمان ~~بعيسى - كما سبق أن أشرنا - قيل هو أول من آمن بعيسى وصدق أنه كلمة الله ~~وروح منه. و " من " فى قوله { من الله } للابتداء. والجار والمجرور ~~متعلق بمحذوف صفة لكلمة، أى مصدقا بكلمة كائنة من الله - تعالى -. ~~والصفة الثانية من صفات يحيى عبر عنها القرآن بقوله " وسيدا " والسيد - ~~كما يقول القرطبى - الذى يسود قومه وينتهى إلى قوله. وأصله سيود يقال ~~فلان أسود من فلان على وزن أفعل من السيادة، ففيه دلالة على تسمية ~~الإنسان سيدا. وفى الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبنى ~~قريظة عندما دخل سعد بن ms0726 معاذ - # " قوموا إلى سيدكم " # وفى الصحيحين أنه قال فى الحسن # " إن ابنى هذا سيد ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ". # والمراد أن يحيى - عليه السلام - من صفاته أنه سيكون سيدا، أى يفوق غيره ~~فى الشرف والتقوى وعفة النفس، بأن يكون مالكا لزمامها، ومسيطرا على ~~أهوائها. والصفة الثالثة من صفاته عبر عنها القرآن بقوله { وحصورا } ~~وأصل الحصر المنع والحبس. # يقال حصرنى الشىء وأحصرنى إذا حبسنى. والمراد أن يحيى - عليه السلام - ~~من صفاته أنه سيكون حابسا نفسه عن الشهوات، حتى لقد قيل عنه إنه امتنع عن ~~الزواج وهو قادر على ذلك - زهادة منه واستعفافا، وليس صحيحا ما قيل من ~~أنه كان لا يأتى النساء لعدم قدرته على ذلك. قال ابن كثير وقد قال القاضى ~~عياض فى كتابه الشفاء اعلم أن ثناء الله على يحيى بأنه كان { وحصورا ~~} معناه أنه معصوم من الذنوب، أى لا يأتيها كأنه حصور عنها. وقيل مانعا ~~نفسه من الشهوات، وقيل ليست له شهوة فى النساء وقد بان لك من هذا أن عدم ~~القدرة على النكاح نقص، وإنما الفضل فى كونها موجودة ثم يمنعها إما ~~بمجاهدة كعيسى أو بكفاية من الله - تعالى - كيحيى - عليه السلام - ثم هى ~~فى حق من قدر عليها وقام بالواجب فيها ولم تشغله عن ربه درجة عليا وهى ~~درجة درجة نبينا صلى الله عليه وسلم الذى لم تشغله كثرتهن عن عبادة ربه، ~~بل زاده ذلك عبادة بتحصينهن وهدايته لهن... والمقصود أن مدح يحيى بأنه ~~حصور ليس معناه أنه لا يأتى النساء، بل معناه أنه معصوم من الفواحش ~~والقاذورات، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال وغشيانهن وإيلادهن بل ~~قد يفهم وجود النسل له من دعاء زكريا المتقدم حيث قال { هب لي من ~~لدنك ذرية } كأنه قال ولدا له ذرية ونسل وعقب. أما الوصف ~~الرابع من أوصاف يحيى - عليه السلام - فهو قوله - تعالى - { ونبيا ~~من الصالحين } وفى هذا الوصف بشارة ثانية لزكريا بأن ابنه سيكون ~~من الأنبياء الذى اصطفاهم الله لتبليغ دعوته إلى ms0727 الناس، وهذه البشارة ~~أسمى وأعلى من الأولى التى أخبره الله فيها بولادة يحيى، لأن النبوة ~~منزلة لا تعدلها منزلة فى الشرف والفضل. ثم حكى القرآن بعد ذلك ما قاله ~~زكريا بعد أن ساقت له الملائكة تلك البشارات السارة فقال - تعالى { قال ~~رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر ~~وامرأتي عاقر } أنى هنا بمعنى كيف. و " عاقر " أى عقيم لا تلد ~~لكبر سنها من العقر وهو العقم. يقال عقرت المرأة تعقر عقرا وعقرا فهى ~~عاقر إذا بلغت سن اليأس من الولادة. أى قال زكريا على سبيل التعجب بعد أن ~~نادته الملائكة وبشرته بما بشرته به يا رب كيف يكون لي غلام والحال أننى ~~قد أدركنى الكبر الكامل الذى أضعفنى، وفوق ذلك فإن امرأتى عاقر أى عقيم ~~لا تلد لشيخوختها وبلوغها العمر الذى ينقطع معه النسل؟ قال بعضهم وإنما ~~قال ذلك استفهاما عن كيفية حدوث الحمل، أو استبعادا من حيث العادة، أو ~~استعظاما وتعجبا من قدرة الله - تعالى - لا استبعادا أو إنكارا فلا يرد ~~كيف قال زكريا ذلك ولم يكن شاكا فى قدرة الله - تعالى -. # والجملة الكريمة استئناف مبنى على سؤال مقدر، كأنه قيل فماذا قال زكريا ~~عندما بشرته الملائكة؟ فكان الجواب قال رب أنى يكون لى غلام. وقد خاطب ~~زكريا ربه مع أن النداء له صدر من الملائكة، للإشعار بالمبالغة فى ~~التضرع وأنه قد طرح الوسائط واتجه إلى خالقه مباشرة يشكره ويظهر التعجب ~~من قدرته لأنه - سبحانه - أعطاه مالم تجر العادة به. قال الآلوسي وقوله { ~~يكون } يجوز أن تكون من كان التامة فيكون فاعلها هو قوله { غلام } ~~ويكون الظرف { أنى } والجار والمجرور { لي } متعلقان بها. ويجوز أن ~~تكون من كان الناقصة و { لي } متعلق بمحذوف وقع حالا لأنه لو تأخر لكان ~~صفة. وفى الخبر حينئذ وجهان أحدهما { أنى } لأنها بمعنى كيف أو من ~~أين والثانى الخبر الجار والمجرور { أنى } منصوب على الظرفية ". ~~وقوله { وقد بلغني الكبر } جملة حالية من ياء المتكلم، أى ~~أصابنى الكبر وأدركنى فأضعفنى وأفقدنى قوتى. والكبر مصدر ms0728 كبر الرجل إذا ~~أسن. وقد قال زكريا { وقد بلغني الكبر } ولم يقل وقد بلغت ~~الكبر للإشارة إلى أن الكبر قد تابعه ولازمه حتى أصابه بالضعف والآلام ~~والأسقام. وقوله { وامرأتي عاقر } جملة حالية أيضا إما من ياء { ~~لي } أو ياء { بلغني }. فأنت ترى أن زكريا - عليه السلام - قد أظهر ~~التعجب عندما بشرته الملائكة بغلامه يحيى لأنه كان شيخا مسنا ولأن امرأته ~~كانت عقيما لا تلد إما لكبر سنها - أيضا وإما لأنها من الأصل كانت على ~~غير استعداد للحمل والإنجاب. قال ابن عباس كان زكريا يوم بشر بيحيى ابن ~~عشرين ومائة سنة وكانت أمرأته بنت ثمان وتسعين سنة ". ثم حكى القرآن أن ~~الله تعالى قد رد على زكريا بما يزيل عجبه ويمنع حيرته فقال تعالى، { ~~قال كذلك الله يفعل ما يشآء }. أى قال - سبحانه - مثل ~~ذلك الفعل العجيب والصنع البديع الذى رأيته من أن يكون لك غلام وأنت شيخ ~~كبير وامرأتك عاقر مثل ذلك الفعل يفعل الله ما يشاء أن يفعله، لأنه - ~~سبحانه - هو خالق الأسباب والمسببات ولا يعجزه شىء فى هذا الكون، وبقدرته ~~أن يغير ما جرت به العادات بين الناس. فالجملة الكريمة بجانب تضمنها ~~إقناع زكريا وإزالة عجبه، تتضمن أيضا تقرير قضية عامة وهى أن الله - ~~تعالى - يفعل ما يشاء أن يفعله بدون تقيد بالأسباب والمسببات والعادات ~~فهو الفعال لما يريد. ثم حكى القرآن أن زكريا - لشدة لهفته على تحقق ~~البشارة - سأل ربه أن يجعل له علامة تكون دليلا على تحقيق الحمل عند ~~زوجته فقال - تعالى { قال رب اجعل لي آية }. # أى قال زكريا مناجيا ربه يا رب إنى أسألك أن تجعل لي { آية } آي علامة ~~تدلنى على حصول الحمل عند زوجتى لأبادر إلى القيام بشكر هذه النعمة شكرا ~~جزيلا ولأقوم بحقها حق القيام. وقد أجابه - سبحانه - إلى طلبه فقال { ~~قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا ~~رمزا }. أى قال الله - تعالى - لعبده زكريا آيتك أى علامتك ألا تقدر ~~على كلام الناس من غير آفة فى لسانك لمدة ثلاثة ms0729 أيام إلا { رمزا } أى ~~إلا عن طريق الإيحاء والإشارة. وأصل الرمز الحركة. يقال ارتمز أى تحرك، ~~ومنه قيل للبحر الراموز وفعله من باب نصر وضرب. ثم أطلق الرمز على ~~الإيماء بالشفتين أو بالحاجبين وعلى الإشارة باليدين وهو المراد هنا. ~~قال صاحب الكشاف قال الله - تعالى - لزكريا آيتك ألا تقدر على تكليم ~~الناس ثلاثة أيام وإنما خص تكليم الناس ليعلمه أنه يحبس لسانه عن القدرة ~~على تكليمهم خاصة مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر الله. ولذلك قال { ~~واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار } يعنى ~~فى أيام عجزك عن تكليم الناس وهى من الآيات الباهرة، فإن قلت لم حبس ~~لسانه عن كلام الناس؟ قلت ليخلص المدة لذكر الله لا يشغل لسانه بغيره، ~~توفرا منه على قضاء حق تلك النعمة الجسيمة وشكرها الذى طلب الآية من ~~أجله، كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر قيل له آيتك أن يحبس لسانك إلا عن ~~الشكر. وأحسن الجواب وأوقعه ما كان مشتقا من السؤال ومنتزعا منه { إلا ~~رمزا } أى إلا إشارة بيد أو رأس أو غيرهما. وعلى رأى صاحب الكشاف يكون ~~احتباس لسان زكريا عن كلام الناس اضطراريا وليس عن اختيار منه. ويمكن أن ~~يقال. إن المراد بقوله - تعالى - { قال آيتك ألا تكلم ~~الناس ثلاثة أيام إلا رمزا }... أن زكريا - عليه السلام ~~- عندما طلب آية يعرف بها أن زوجته قد حملت بهذا الغلام الذى بشره الله ~~به، أخبره - سبحانه - أن العلامة على ذلك أن يوفق إلى خلوص نفسه من شواغل ~~الدنيا حتى أنه ليجد نفسه متجها اتجاها كليا إلى ذكر الله وتمجيده ~~وتسبيحه، دون أن يكون عنده أى دافع إلى كلام الناس أو مخالطتهم مع قدرته ~~على ذلك، وعلى هذا يكون انصراف زكريا - عليه السلام - عن كلام الناس ~~اختياريا وليس اضطراريا كما يرى صاحب الكشاف. ثم أمره الله - تعالى - ~~بالإكثار وتسبيحه فقال { واذكر ربك كثيرا وسبح ~~بالعشي والإبكار }. و { العشي } جمع عشية وقيل هو واحد ~~وذلك من حين تزول الشمس إلى أن تغيب، وأما { الإبكار } فمصدر ms0730 أبكر ~~يبكر إذا خرج للأمر فى أول النهار. # .. ومنه الباكورة لأول الثمرة. والمراد به هنا الوقت الذى يكون من طلوع ~~الفجر إلى الضحى. أى عليك أن تكثر من ذكر الله - تعالى - ومن تسبيحه فى ~~أول النهار وفى آخره وفى كل وقت لا سيما فى تلك الأيام الثلاثة شكرا لله ~~- تعالى - على ما أعطاك من نعم جليلة لا تحصى، فقد وهبك الذرية بعد أن ~~بلغت من الكبر عتيا، وجعل هذا المولود من أنبياء الله الذين اصطفاهم ~~لتبليغ رسالته. وفي هذا الأمر الإلهي لزكريا حصن لكل عاقل على الإكثار ~~من ذكر الله من تسبيحه وتمجيده لأن ذكر الله به تطمئن القلوب. وتسكن ~~النفوس وتغسل الخطايا والذنوب ويكفى للدلالة على فضل الذكر أن الله - ~~تعالى - أمر به حتى فى حالة الحرب فقال # يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا ~~واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون # وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ساقت لنا جانبا من قصد زكريا - عليه ~~السلام - فيه الكثير من العبر والعظات لقوم يعقلون. وبعد أن بين - سبحانه ~~- ما يدل على مظاهر قدرته فى ولادة يحيى - عليه السلام - حيث وهبه ~~لوالديه بعد أن بلغا مبلغا كبيرا من العمر يستبعد معه فى العادة ~~الإنجاب... بعد أن بين كل ذلك ساق قصة أخرى أدل على قدرة الله ونفاذ ~~إرادته من قصة ولادة يحيى، وهذه القصة هى قصة ولادة عيسى - عليه السلام - ~~من غير أب. وقد مهد القرآن لولادة عيسى ببيان أن الله - تعالى - قد اصطفى ~~أمه مريم وطهرها من كل فاحشة، وفضلها على نساء زمانها، وصانها من كل ما ~~يخدش المروءة والشرف. استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى ذلك بأسلوبه ~~البليغ الحكيم فيقول { وإذ قالت.... }. ### || [3.42-47] # وقوله - تعالى - { وإذ قالت الملائكة يمريم.. } إلخ ~~معطوف على قوله # إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في ~~بطني # الخ عطف القصة على القصة، فإن الله - تعالى - بعد أن ذكر ما قالته امرأة ~~عمران عندما أحست بالحمل. وبعد ولادتها لمريم، وما كان من شأنها وتربيتها ~~وكفالتها بعد ms0731 أن ذكر ذلك، بين - سبحانه - ما كان من أمر مريم بعد أن بلغت ~~رشدها واكتمل تكوينها، وجاء بقصة زكريا بين قصة الأم وابنتها لما بينهما ~~من مناسبة إذ أن دعاء زكريا ربه كان سببه ما رآه من إكرام الله - سبحانه ~~- لمريم ولأن الكل لبيان اصطفاء آل عمران. والمعنى، واذكر يا محمد للناس ~~وقت أن قالت الملائكة لمريم - التى تقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا ~~حسنا - يا مريم { إن الله اصطفاك } أى اختارك واجتباك لطاعته، ~~وقبلك لخدمة بيته { وطهرك } من الأدناس والأقذار، ومن كل ما يتنافى ~~مع الخلق الحميد، والطبع السليم { واصطفاك على نسآء ~~العالمين } بأن وهب لك عيسى من غير أب دون أن يمسسك بشر. وجعلك أنت ~~وهو آية للعالمين. فأنت ترى أن الله - تعالى - قد مدح مريم مدحا عظيما ~~بأن شهد لها بالاصطفاء والطهر والمحبة، وأكد هذا الخبر للاعتناء بشأنه، ~~والتنويه بقدره. قال الفخر الرازي ما ملخصه والاصطفاء الأول إشارة إلى ما ~~اتفق لها من الأمور الحسنة فى أول عمرها بأن قبل الله - تعالى - تحريرها ~~أى خدمتها لبيته، مع أنها أنثى ولم يحصل مثل هذا المعنى لغيرها من ~~الإناث، وبأن فرغها لعبادته وخصها فى هذا المعنى بأنواع اللطف والهداية ~~والعصمة، وبأن كفاها أمر معيشتها فكان يأتيها رزقها من عند الله.. وأما ~~الاصطفاء الثانى فالمراد به أنه - تعالى - وهب لها عيسى - عليه السلام من ~~غير أب، وجعلها وابنها آية للعالمين ". ولا شك أن ولادتها لعيسى من غير ~~أب ودون أن يمسها بشر، هو أمر اختصت به مريم ولم تشاركها فيه امرأة قط فى ~~أى زمان أو مكان، فهى أفضل النساء فى هذه الحيثية. أما من حيث قوة ~~الإيمان، وصلاح الأعمال فيجوز أن يحمل اصطفاؤها على نساء العالمين على ~~معنى تفضيلها على عالمى زمانها من النساء وبعضهم يرى أفضليتها على جميع ~~النساء فى سائر الأعصار. هذا وقد أورد ابن كثير عددا من الأحاديث التى ~~وردت فى فضل مريم وفى فضل غيرها من النساء، ومن ذلك ما أخرجه الشيخان عن ~~على بن ms0732 أبى طالب أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد " # وروى الترمذي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت ~~محمد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون " # وأخرج البخارى عن أبى موسى الأشعرى قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون. ومريم ~~بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ". # وقول الملائكة لمريم إن الله اصطفاك وطهرك... إلخ الراجح أنهم قالوه لها ~~مشافهة، لأن هذا ما يدل عليه ظاهر الآية، وإليه ذهب صاحب الكشاف فقد قال ~~روى أنهم كلموها شفاها معجزة لزكريا، أو إرهاصا لنبوة عيسى - عليه السلام ~~-. وقال الجمل قوله { وإذ قالت الملائكة } أى مشافهة لها ~~بالكلام، وهذا من باب التربية الروحية بالتكاليف الشرعية المتعلقة بحال ~~كبرها بعد التربية الجسمانية اللائقة بحال صغرها ". وقيل كأن خطابهم لها ~~بالإلهام أو بالرؤيا الصادقة فى النوم. والأول أولى لأنه هو الظاهر من ~~الآية، ولأنه الموافق لأقوال جمهور المفسرين، ولأنه جاء صريحا فى آيات ~~أخرى أن الملك قد تمثل لها بشرا سويا وكلمها، وذلك فى قوله - تعالى - فى ~~سورة مريم # واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها ~~مكانا شرقيا فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنآ ~~إليهآ روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني ~~أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنمآ أنا ~~رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا # قال الآلوسى " واستدل بهذه الآية من ذهب إلى نبوة مريم لأن تكليم ~~الملائكة يقتضيها ومنعها اللقانى وغيره من العلماء، لأن الملائكة قد ~~كلموا من ليس بنبى إجماعا، فقد جاء فى الحديث الشريف أنهم كلموا رجلا خرج ~~لزيارة أخ له فى الله، وأخبروه بأن الله يحبه كما أحب هو أخاه، ولم يقل ~~أحد بنبوته - فكلام الملائكة لمريم لا يقتضى نبوتها وهو الصحيح ". ثم حكى ~~القرآن ms0733 أن الملائكة أمرت مريم بأن تكثر من عبادة الله - تعالى - ومن ~~المداومة على طاعته شكرا له فقال - تعالى - { يمريم اقنتي ~~لربك واسجدي واركعي مع الراكعين }. القنوت. لزوم ~~الطاعة والاستمرار عليها، مع استشعار الخشوع والخضوع لله رب العالمين. أى ~~قالت الملائكة أيضا لمريم يا مريم أخلصى لله وحده وداومى عليها، وأكثرى ~~من السجود لله ومن الركوع مع الراكعين، فإن ملازمة الطاعات والصلوات من ~~شأنها أن تحفظ النعم وأن تزيد الإنسان قربا وحبا من خالقه - عز وجل -. ~~فالآية الكريمة دعوة قوية من الله - تعالى - لمريم ولعباده جميعا ~~بالمحافظة على العبادات ولا سيما الصلاة فى جماعة. # قال صاحب الكشاف أمرت بالصلاة بذكر القنوت والسجود لكونهما من هيئة ~~الصلاة وأركانها ثم قيل لها { واركعي مع الراكعين } بمعنى ~~ولتكن صلاتك مع المصلين أى فى الجماعة، أو انظمى نفسك فى جملة المصلين ~~وكونى معهم فى عدادهم ولا تكونى فى عداد غيرهم. فأنت ترى فى هاتين ~~الآيتين أسمى ألوان المدح والتكريم والتهذيب لمريم البتول، فلقد أخبر - ~~سبحانه - باصطفائها صغيرة وكبيرة، وبطهرها من كل سوء، والإشارة إلى ~~الطهر هنا إشارة ذات مغزى، وذلك لما لا بس مولد عيسى - عليه السلام - من ~~خوارق، هذه الخوارق جعلت اليهود يفترون الكذب على مريم، ويتهمونها زورا ~~وبهتانا بما هى بريئة منه، ثم بعد ذلك يأمرها - سبحانه - بمداومة الطاعة ~~والعبادة والخضوع لله رب العالمين. وبذلك يتبين لكل ذى عقل سليم أن ~~الإسلام الذى جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو الدين الحق، لأنه قد ~~قال القول الحق فى شأن مريم وابنها عيسى - عليه السلام - أما أهل الكتاب ~~من اليهود والنصارى فقد اختلفوا فى شأنهما اختلافا عظيما أدى بهم إلى ~~الضلال والخسران. ثم بين - سبحانه - أن ما جاء به القرآن فى شأن مريم - ~~بل وفي كل شأن من الشئون - هو الحق الذى لا يحوم حوله باطل، وهو من أنباء ~~الغيب التى لا يعلمها أحد سواه فقال - تعالى - { ذلك من أنبآء ~~الغيب نوحيه إليك }. واسم الإشارة { ذلك } يعود إلى ما ~~تقدم الحديث عنه من ms0734 قصة امرأة عمران وقصة زكريا وغير ذلك من الأخبار ~~البديعة. والأنباء جمع نبأ، وهو الخبر العظيم الشأن. والغيب مصدر غاب، ~~وهو الأمر المغيب المستور الذى لا يعلم إلا من قبل الله - تعالى -. ~~ونوحيه من الإيحاء وهو إلقاء المعنى إلى الغير على وجه خفى، ويكون بمعنى ~~إرسال الملك إلى الأنبياء وبمعنى الإلهام أى ذلك القصص الحكيم الذى ~~قصصناه عليك يا محمد، فيما يتعلق بما قالته امرأة عمران وما قاله زكريا، ~~وما قالته الملائكة لمريم وفيما يتعلق بغير ذلك من شئون ذلك القصص الحكيم ~~هو من أنباء الغيب التى لا يعلمها أحد سوى الله - عز وجل - وقد أخبرناك ~~بها لتكون دليلا على صدقك فيما تبلغه عن ربك ولتكون عبرة وذكرى لقوم ~~يعقلون. وقوله { ذلك } مبتدأ وخبره قوله - تعالى - { من أنبآء ~~الغيب } والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب. وقوله { نوحيه ~~إليك } جملة مستقلة مبينة للأولى. والضمير فى { نوحيه } يعود إلى ~~الغيب أى الأمر والشأن أنا نوحى إليك الغيب ونعلمك به، ونظهرك على قصص من ~~تقدمك مع عدم مدارستك لأهل العلم والأخبار. ولذا قال - تعالى - { وما ~~كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل ~~مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون } والأقلام جمع قلم ~~وهى التى كانوا يكتبون بها التوراة، وقيل المراد بها السهام. # أى وما كنت - يا محمد - لديهم أى عندهم معاينا لفعلهم وما جرى من أمرهم ~~فى شأن مريم، { إذ يلقون أقلامهم } التى جعلوا عليها علامات ~~يعرف بها من يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون فيما بينهم بسببها ~~تنافسا فى كفالتها. وقد سبق أن ذكرنا ما قاله صاحب الكشاف من أن مريم بعد ~~أن ولدتها أمها خرجت بها إلى بيت المقدس فوضعتها عند الأحبار وقالت لهم ~~دونكم هذه النذيرة!! فقالوا هذه ابنة إمامنا عمران - وكان فى حياته يؤمهم ~~فى الصلاة، فقال لهم زكريا أدفعوها إلى فأنا أحق بها منكم فإن خالتها ~~عندى - فقالوا لا حتى نقترع عليها فانطلقوا إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم ~~فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم، فتولى كفالتها ms0735 زكريا - عليه ~~السلام -. فالضمير فى قوله { لديهم } يعود على المتنازعين فى كفالة ~~مريم لأن السياق قد دل عليهم. والمقصود من هذه الجملة الكريمة { وما ~~كنت لديهم إذ يلقون } الخ تحقيق كون الإخبار بما ذكر إنما ~~هو عن وحى من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم لأن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم لم يكن معاصرا لهؤلاء الذين تحدث القرآن عنهم. ولم يقرأ ~~أخبارهم فى كتاب من الكتب، ومع ذلك فقد أخبر النبى صلى الله عليه وسلم ~~أهل الكتاب وغيرهم بالحق الذى لا يستطيعون تكذيبه إلا على سبيل الحسد ~~والجحود، فثبت أن القرآن من عند الله - تعالى - # ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا # ثم حكى - سبحانه - ما قالته الملائكة لمريم على سبيل تبشيرها بعيسى - ~~عليه السلام - فقال - تعالى - { إذ قالت الملائكة يمريم ~~إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ~~ابن مريم }. وهذه الجملة الكريمة بدل اشتمال من جملة { وإذ ~~قالت الملائكة يمريم إن الله اصطفاك }.. الخ ~~قالوا ولا يضر الفصل إذ الجملة الفاصلة بين البدل والمبدل منه اعتراض جىء ~~به تقريرا لما سبق وتنبيها على استقلاله. والظرف { إذ } معمول لمحذوف ~~تقديره اذكر، أى اذكر وقت أن قالت الملائكة لمريم، يا مريم إن الله يبشرك ~~بكلمة منه. وقوله يبشرك { بكلمة منه } أى يبشرك بمولود يحصل ~~بكلمة منه - سبحانه - وسمى هذا المولود كلمة لأنه وجد بكلمة كن فهو من ~~باب إطلاق السبب على المسبب. والمراد أنه وجد من غير واسطة أب، لأن غيره ~~وإن وجد بتلك الكلمة لكنه بواسطة أب، أى أنه - سبحانه - إذا كان قد خلق ~~الناس بطريق التناسل عن ذكر وأنثى وأخرج الأولاد من أصلاب الآباء، فإن ~~عيسى - عليه السلام - لم يكن كذلك، بل خلقه الله - تعالى - خلقا آخر، ~~خلقه { بكلمة منه } وهى " كن " فكان كما أراده الله و " من " فى ~~قوله " منه " لابتداء الغاية والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لكلمة أى ~~بكلمة كائنة منه. # فالمراد بقوله " كلمة " أى يبشر بولد حى يسرى عليه حكم الأحياء ms0736 اسمه ~~المسيح عيسى ابن مريم وعلى هذا التأويل سار كثير من المفسرين. ورجح ابن ~~جرير أن معنى { بكلمة منه } ببشرى منه - سبحانه - فقد قال وقوله ~~" بكلمة منه " يعنى برسالة من الله وخير من عنده وهو من قول القائل ألقى ~~إلى فلان كلمة سرنى بها بمعنى أخبرنى خبرا فرحت به.. فتأويل الكلام وما ~~كنت يا محمد عند القوم إذ قالت الملائكة لمريم إن الله يبشرك ببشرى من ~~عنده، هى ولدك اسمه المسيح عيسى ابن مريم ". وعلى كلا التأويلين ففى ~~التعبير عن عيسى - عليه السلام - بأنه كلمة من الله تكريم له وتشريف، ~~وقوله { اسمه المسيح } مبتدأ وخبر، والجملة نعت. والضمير فى قوله ~~{ اسمه } يعود إلى كلمة. وجاء مذكرا رعاية للمعنى لأننا سبق بينا أن ~~المراد بها عند كثير من المفسرين الولد. والمسيح لقب من الألقاب المشرفة ~~كالصديق والفاروق، وأصله مشيحا بالعبرانية ومعناه المبارك. وقد حكى الله ~~- تعالى - أنه قال عن نفسه # قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا ~~وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة ~~والزكاة ما دمت حيا # وقيل المسيح فعيل بمعنى فاعل، للمبالغة فى مسحه الأرض بالسياحة للعبادة ~~أو مسحه ذا العاهة ليبرأ. أو بمعنى مفعول أى ممسوح لأن الله مسحه بالطهر ~~من الذنوب. وعيسى اسم لهذا الاسم الكريم، وهو اسم ينبىء عن البياض ~~والصفاء والنقاء. قال الراغب عيسى اسم علم، وإذا جعل عربيا أمكن أن يكون ~~من قولهم بعيرا عيسى وناقة عيساء وجمعها عيس وهى أبل بيض يعترى بياضها ~~بعض الظلمة " أى فيها أغبرار قليل يعطى بياضها صفاء ونقاء وجمالا. وابن ~~مريم هو كنيته، وهى للإشارة إلى أن نسبه ثاتب لأمه لا لأحد سواها وليس ~~ابنا لله - تعالى - كما قال الضالون. قال صاحب الكشاف فإن قلت لم قيل ~~عيسى بن مريم والخطاب لمريم؟ قلت لأن الأبناء ينسبون إلى الأباء لا إلى ~~الأمهات، فأعلمت بنسبه إليها أنه يولد من غير أب فلا ينسب إلا إلى أمه. ~~وبذلك فضلت واصطفيت على نساء العالمين فإن قلت لم ذكر ضمير الكلمة. قلت ms0737 ~~لأن المسمى بها مذكر. فإن قلت لم قيل اسمه المسيح عيسى بن مريم وهذه ~~ثلاثة أشياء الاسم منها عيسى وأما المسيح والابن فلقب وصفة؟ قلت الاسم ~~المسمى علامة يعرف بها ويتميز من غيره، فكأنه قيل الذى يعرف به ويتميز ~~ممن سواه مجموع هذه الثلاثة ". # والمعنى الإجمالي للجملة الكريمة اذكر يا محمد وقت أن قالت الملائكة ~~لمريم يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه أى بمولود يحصل بكلمة منه بلا ~~واسطة أب، هذا المولود العجيب اسمه الذى يميزه لقبا المسيح ويميزه علما ~~عيسى ويميزه كنبة ابن مريم. فأنت ترى أنه - سبحانه - قد عرف هذا المولود ~~العظيم بتعريف واحد جمع ثلاثة أمور كل واحد منها يشير إلى معنى كريم قد ~~تحقق فى هذا النبى العظيم ومجموع هذه الأمور لا يشاركه فيها أحد من ~~البشر، ثم بعد ذلك وصفه - سبحانه - بأربعة أوصاف تدل على فضله وعلو ~~منزلته فقال - تعالى - { وجيها في الدنيا والآخرة ومن ~~المقربين ويكلم الناس فى المهد وكهلا ومن ~~الصالحين }. أما الصفة الأولى فهى قوله - تعالى - { وجيها في ~~الدنيا والآخرة } أى ذا جاه وشرف ومنزلة عالية. يقال وجه الرجل ~~يوجه - من باب ظرف - وجاهة فهو وجيه إذا صارت له منزلة رفيعة عند الناس. ~~واشتقاقه من الوجه لأنه أشرف الأعضاء ولأنه هو الذى يواجه الإنسان به ~~غيره. وعيسى عليه السلام، شهد الله تعالى له، - وكفى بالله شهيدا - شهد ~~له بالوجاهة وسمو المنزلة فى الدنيا والآخرة لما له من آثار عظيمة فى ~~هداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور، ودعوتهم إلى وحدانية الله ~~وإلى مكارم الأخلاق، وإقامة التوراة بعد أن اختلفوا فيها. والصفة الثانية ~~من صفاته أنه { المقربين } أى أنه من المقربين عند الله - تعالى - ~~ويالها من صفة عظيمة هى منتهى ما تتطلع إليه النفوس وتهفو القلوب. وأما ~~الصفة الثالثة من صفات عيسى - عليه السلام - فهى قوله - تعالى - { ~~ويكلم الناس في المهد وكهلا } وهذه الجملة معطوفة على ~~قوله { وجيها } وعطف الفعل على الاسم لتأويله به جائز والتقدير وجيها ~~ومكلما، والمهد اسم لمضجع الطفل ms0738 أى المكان الذى يهيأ له وهو فى الرضاعة. ~~والكهل هو الشخص الذى اجتمعت قوته وكمل شبابه. وهو مأخوذ من قول العرب ~~اكتهل النبات إذا قوى وتم. والمراد أن عيسى - عليه السلام - يكلم الناس ~~فى حال كونه صغيرا قبل أوان الكلام، كما يكلمهم فى حال كهولته واكتمال ~~شبابه، فهو - عليه السلام - يكلمهم بكلام الأنبياء من غير تفاوت بين ~~حالتى الطفولة والكهولة، وذلك إحدى معجزاته - عليه السلام - وقد حكى ~~القرآن فى سورة مريم ما تكلم به عيسى - عليه السلام - وهو طفل صغير فقال ~~- تعالى - # فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في ~~المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب ~~وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت ~~وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا ~~بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام ~~علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا # أما الصفة الرابعة من صفاته - عليه السلام - فهى قوله - تعالى - { ~~ومن الصالحين } أى عباد الله الصالحين لحمل رسالته وتبليغها ~~للناس. أو من الذين يصلحون ولا يفسدون ويطيعون الله - تعالى - ولا ~~يعصونه، قالوا ولا رتبة أعظم من كون المرء صالحا لأنه لا يكون كذلك إلا ~~إذا كان فى جميع الأفعال والتروك مواظبا على المنهج الأصلح، وذلك يتناول ~~جميع المقامات فى الدين والدنيا، فى أفعال القلوب وفى أفعال الجوارح، ~~ولذا قال سليمان - عليه السلام - بعد النبوة # رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت ~~علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه ~~وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين # فلما عدد - سبحانه - صفات عيسى أردفها بهذا الوصف الدال على أرفع ~~الدرجات ". تلك هى البشارات التى بشرت بها الملائكة مريم، وتلك هى بعض ~~صفات مولودها فماذا كان موقفها من ذلك؟ لقد حكى القرآن أن موقفها كان يدل ~~على بالغ عجبها، وشدة تأثرها فقال - تعالى - { قالت رب أنى ~~يكون لي ولد ولم يمسسني بشر }. أى قالت مريم على سبيل ~~التعجب والاستغراب يا رب كيف يكون لى ولد والحال أنى لم يمسسنى بشر، أى ~~لست بذات زوج، ولم يحصل منى قط ما يكون ms0739 بين الرجل والمرأة مما يسبب عنه ~~وجود الولد. والجملة الكريمة مستأنفة استئنافا بيانيا كأنه قيل فماذا كان ~~منها بعد أن قالت لها الملائكة ذلك؟ فكان الجواب { قالت رب أنى ~~يكون لي ولد }...ألخ. وصدرت إجابتها بالنداء لله - تعالى - ~~للإشعار بكمال تسليمها للقدرة الإلهة وأن استغرابها وتعجبها إنما هو من ~~الكيفية لا إنكارا لقدرة الله - تعالى - وجملة { ولم يمسسني ~~بشر } حالية محققة لما مر ومقوية له. والمسيس يحتمل أن يكون كناية عن ~~المباشرة التى تقع بين الرجل والمرأة والتى يترتب عليها وجود النسل إذا ~~شاء الله ذلك، ويحتمل أن يكون المراد به حقيقته وهو أنها لم يلمسها رجل، ~~لأنها كانت معتكفة فى بيت الله ومنصرفة لعبادته، ولم يلمس جسمها رجل من ~~غير محارمها قط. وبذلك ينتفى بالأولى ما هو أبلغ من مجرد اللمس، فموضع ~~عجبها واستنكارها إنما هو وجود ولد منها مع أنها لم يمسسها بشر. وهنا ~~يحكى القرآن أن الله - تعالى - قد أزال عجبها واستنكارها بقوله { قال ~~كذلك الله يخلق ما يشآء }. أى قال الله - تعالى - لها بلا ~~واسطة أو بواسطة ملائكته كهذا الخلق الذى تجدينه، بأن يكون لك ولد من غير ~~أن يمسسك بشر وهو إبداع، يخلق الله - تعالى - ويبدع ما يشاء ويريد إبداعه ~~لا راد لمشيئته ولا معقب لحكمه. # وبعضهم يجعل الوقوف على " كذلك " فتكون خبرا لمبتدأ محذوف أى قال - ~~سبحانه - فى إجابته على مريم الأمر كذلك أى يأتى الولد منك على الحالة ~~التى أنت عليها لأن الله - تعالى - يخلق ما يشاء أن يخلقه بدون احتياج ~~إلى وجود الأسباب والمسببات لأنه هو خالقه وخالق كل شىء، ولا يعجزه شىء ~~فى الأرض ولا فى السماء. وصرح ها هنا بقوله { يخلق ما يشآء } ولم ~~يقل " يفعل " كما فى قصة زكريا، لما أن ولادة العذراء من غير أن يمسسها ~~بشر أبدع وأغرب من ولادة عجوز عاقر من شيخ كبير، فكان الخلق المنبىء عن ~~الاختراع أنسب بهذا المقام من مطلق الفعل. ثم أكد - سبحانه - عظيم قدرته ~~ونفاذ إرادته بقوله { إذا قضى أمرا ms0740 فإنما يقول له كن ~~فيكون }. وقضى هنا بمعنى أراد، أى إذا أراد - سبحانه - شيئا، فإنما ~~يقول لهذا الشىء كن فيكون من غير تأخر ومن غير وجود أسباب، فهو كقوله - ~~تعالى - # ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر # أى إنما نأمره مرة واحدة لا تثنية فيها فيكون ذلك الشىء سريعا كلمح ~~البصر. قال الآلوسى وقوله { إذا قضى أمرا فإنما يقول ~~له كن فيكون } هذا عند الأكثرين تمثيل لتأثير قدرته فى مراده ~~بأمر المطاع للمطيع فى حصول المأمور من غير امتناع وتوقف وافتقار إلى ~~مزاولة عمل واستعمال آلة، فالممثل الشىء المكون بسرعة من غير عمل وآلة، ~~والممثل به أمر الآمر المطاع - المأمور المطيع على الفور، وهذا اللفظ ~~مستعار لذلك منه. وأنت تعلم أنه يجوز فيه أن يكون حقيقة، بأن يراد تعلق ~~الكلام النفسى بالشىء الحادث على أن كيفية الخلق على هذا الوجه. وعلى كلا ~~التقديرين فالمراد من هذا الجواب بيان أن الله - تعالى - لا يعجزه أن ~~يخلق ولدا من غير أب، لأنه أمر ممكن فى نفسه فيصح أن يكون متعلق الإرادة ~~والقدرة. وبذلك تكون الآيات الكريمة قد حكت لنا بعض البشارات التى بشرت ~~بها الملائكة مريم وبعض الصفات التى وصف الله - تعالى - بها عيسى، وبينت ~~جانبا من مظاهر قدرة الله - تعالى - ونفاذ إرادته، وفى ذلك ما فيه من ~~العظات والعبر لأولى الألباب. ثم واصل القرآن حديثه عن صفات عيسى - عليه ~~السلام - وعن معجزاته فقال - تعالى { ويعلمه الكتاب... }. ### || [3.48-51] # فأنت ترى فى هذه الآيات الكريمة بيانا حكيما عن طبيعة رسالة عيسى - عليه ~~السلام - وعن معجزاته التى أكرمه الله - تعالى - بها. وقوله - تعالى - { ~~ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل } ~~معطوف على { يبشرك } أى يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه... وإن ~~الله يعلم ذلك المولود - المعبر عنه بالكلمة - الكتاب، وقرأ بعضهم ونعلمه ~~الكتاب.. وعلى هذه القراءة تكون هذه الجملة معمولة لقوله محذوف من كلام ~~الملائكة أى ويقول الله - تعالى - ونعلمه.. وتكون فى المعنى معطوفة على ~~الحال وهى قوله " وجيها " فكأنه قال وجيها ومعلما. وعلى كلتا القراءتين ms0741 ~~يجوز أن تكون الجملة المستأنفة سيقت تطييبا لقلب مريم، وإراحة لما أهمها ~~من خوف الملامة حين علمت أنها تلد من غير أن يمسها بشر. ولقد حكى القرآن ~~عنها فى سورة مريم قولها بتحسر وألم عندما جاءها المخاض # يليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا # والمراد بالكتاب الكتابة والخط، فإن عيسى - عليه السلام - قد بعثه الله ~~- تعالى - فى أمة ارتقت فيها ألوان العلم والمعرفة فأكرمه الله بأن جعله ~~يفوق غيره فى هذه النواحى. وقيل المراد بالكتاب جنس الكتب الإلهية. قال ~~الفخر الرازى " والأقرب عندى أن يقال المراد من الكتاب تعليم الخط ~~والكتابة. ثم المراد بالحكمة تعليم العلوم وتهذيب الأخلاق، لأن كمال ~~الإنسان فى أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به، ومجموعهما هو ~~المسمى بالحكمة، ثم بعد أن صار عالما بالخط والكتابة ومحيطا بالعلوم ~~العقلية والشرعية يعمله التوراة. وإنما أخر تعليم التوراة عن تعليم الخط ~~والحكمة، لأن التوراة كتاب إلهى فيه أسرار عظيمة والإنسان مالم يتعلم ~~العلوم الكثيرة لا يمكنه أن يخوض فى البحث عن أسرار الكتب الإلهية. ثم ~~قال فى المرتبة الرابعة والإنجيل. وإنما أخر ذكر الإنجيل عن التوراة ~~لأن من تعلم الخط، ثم تعلم علوم الحق، ثم أحاط بأسرار الكتاب الذى نزل ~~على من قبله من الأنبياء فقد عظمت درجته فى العلم فإذا أنزل الله عليه ~~بعد ذلك كتابا آخر وأوقفه على أسراره فذلك هو العناية القصوى والمرتبة ~~العليا في العلم والفهم والإحاطة بالأسرار العقلية والشرعية، والاطلاع ~~على الحكم العلوية والسفلية ". وبعد أن أشار - سبحانه - إلى علم الرسالة ~~التى هيأ لها عيسى - عليه السلام - عقب ذلك ببيان القوم الذين أرسل إليهم ~~فقال - تعالى - { ورسولا إلى بني إسرائيل } أى أن الله - ~~تعالى - سيجعل عيسى - عليه السلام - رسولا إلى بنى إسرائيل لكى يهديهم ~~إلى الصراط المستقيم، ولكى يبشرهم برسول يأتى من بعده هو خاتم الأنبياء ~~والمرسلين، ألا وهو محمد صلى الله عليه وسلم. # وخص بنى إسرائيل بالذكر مع أن رسالة عيسى كانت إليهم وإلى من علمها من ~~الرومان لأن بنى إسرائيل ms0742 خرج عيسى من بينهم فهو منهم، ولأنهم هم الذين ~~كانوا يدعون أنهم أولى الناس بعلم الرسائل الإلهية، وكانت دعوته بينهم ~~وانبعثت منهم إلى غيرهم، فكان تخصيصهم بالذكر فيه إشارة إلى حقيقة واقعة ~~وفيه توبيخ لهم، لأنهم أوتوا العلم برسالات الأنبياء ومع ذلك فقد كفر ~~كثير منهم بعيسى وبغيره من رسل الله، بل لم يكتفوا بالكفر وإنما آذوا ~~أولئك الرسل الكرام وقتلوا فريقا منهم. وقوله { ورسولا } منصوب بمضمر ~~يقود إليه المعنى، معطوف على { ويعلمه } أى يعلمه ويجعله رسولا ~~إلى بنى إسرائيل. وقوله { أني قد جئتكم بآية من ~~ربكم } معمول لقوله { رسولا } لما فيه من معنى النطق. كأنه قيل ~~ورسولا ناطقا بأنى قد جئتكم يا بنى إسرائيل بآية من ربكم. والباء ~~للملابسة وهى مع مدخولها فى محل الحال وقوله { من ربكم } متعلق ~~بمحذوف صفة لآية. والمراد بالآية هنا المعجزات التى أكرمه الله بها. أى ~~أن الله - تعالى - قد علم عيسى - عليه السلام - الكتاب والحكمة والتوراة ~~والإنجيل وجعله رسولا إلى بنى إسرائيل مخبرا إياهم بأنى رسول الله ~~إليكم حال كونى ملتبسا مجيئى بالمعجزات الدالة على صدقى، وهذه المعجزات ~~ليست من عندى وإنما هى من عند ربكم. ثم ذكر - سبحانه - خمسة أنواع من ~~معجزات عيسى - عليه السلام - أما المعجزة الأولى فعبر عنها بقوله { ~~أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ ~~فيه فيكون طيرا بإذن الله }. قال الآلوسى " وقوله { ~~أني أخلق لكم }.. ألخ.. بدل من قوله { أني قد جئتكم ~~} أو من { آية } أو منصوب على المفعولية لمحذوف أى أعنى أنى أخلق ~~لكم... أو مرفوع على أنه خبر لمقدر أى أنى قد جئتكم بآية من ربكم هى أنى ~~أخلق لكم. وقرأ نافع بكسر الهمزة على الاستئناف، والمراد بالخلق التصوير ~~والإبراز على مقدار معين لا الايجاد من العدم ". والمعنى أن عيسى - عليه ~~السلام - قد حكى الله - عنه أنه قال لبنى إسرائيل لقد أرسلنى الله إليكم ~~لأبلغكم دعوته، ولآمركم بإخلاص العبادة له، وقد أعطانى - سبحانه - من ~~المعجزات ما يقنعكم بصدقى فيما أبلغه عن ربى، ومن بين هذه ms0743 المعجزات أنى ~~أقدر على أن أصور لكم من الطين شيئا صورته مثل صورة الطير، فأنفخ فى ذلك ~~الشىء المماثل لهيئة الطير فيكون طيرا حقيقا ذا حياة بإذن الله أى بأمره ~~وإرادته. فأنت ترى أن الجملة الكريمة قد اشتملت على ثلاثة أعمال ثنتان ~~منهما لعيسى وهما تصوير الطين كهيئة الطير ثم النفخ فيه. أما الثالث فهو ~~من صنع الله تعالى - وحده ألا وهو خلق الحياة فى هذه الصورة التى صورها ~~عيسى ونفخ فيها. # وهذا يدل دلالة واضحة على أنه ليس فى عيسى ألوهية ولا أى معنى من ~~معانيها. ولذا حكى الله - تعالى - عنه أنه قال { بإذن الله }. أى ~~أنى ما فعلت الذى فعلته إلا بإذن الله وأمره وإرادته وتيسيره، واللام فى ~~قوله { لكم } للتعليل أى أصور لأجل هدايتكم وتصديقكم بى. والكاف فى ~~قوله { كهيئة الطير } بمعنى مثل وهى نعت لمفعول محذوف أى أخلق ~~شيئا مثل هيئة الطير، والهيئة هى الصورة والكيفية. والضمير فى قوله { ~~فأنفخ فيه } يعود إلى هذا المفعول المحذوف. وقوله { بإذن ~~الله } متعلق بيكون، وجئ به لإظهار العبودية، ونفى توهم أن يكون عيسى ~~أو غيره شريكا لله فى خلق الكائنات. وأما النوع الثانى والثالث والرابع ~~من المعجزات فقد حكاه القرآن فى قوله - تعالى - { وأبرىء } أى أشفى، ~~يقال برأ المريض يبرأ أو يبرؤ برءا وبروءا إذا شفى من مرضه. والأكمه هو ~~الذى يولد أعمى. يقال كمه كمها إذا ولد أعمى، فهو أكمه وامرأة كمهاء. ~~والأبرص هو الذى يكون فى جلده بياض مشوب بحمرة وهو مرض من الأمراض ~~المنفرة التى عجز الأطباء عن شفائها. والمعنى أن عيسى - عليه السلام - ~~قال لقومه والمعجزات التى تدل على صدقى أن أشفى وأعيد الإبصار إلى من ~~ولد أعمى، وأعيد الشفاء إلى من أصيب بمرض البرص، وأعيد الحياة إلى من ~~مات. ولا أفعل كل ذلك بقدرتى وعلمى وإنما أفعله بإذن الله وبإرادته ~~وأمره. وخص إبراء الأكمه والأبرص بالذكر لأنهما مرضان عضالان لم يصل الطب ~~إلى الآن إلى طريق للشفاء منهما فإذا أجرى الله - تعالى - على يد ms0744 عيسى ~~الشفاء منهما كان ذلك دليلا على أن من وراء الأسباب والمسببات خالقا ~~مختارا لا يعجزه شىء وعلى أن الأسباب ليست مؤثرة بذاتها فى الإيجاد أو ~~الإعدام وإنما المؤثر هو الله - تعالى - وقوله { وأحي الموتى ~~بإذن الله } فيه تدرج من الصعب إلى الأصعب، لأن مما لا شك فيه أن ~~إحياء الموتى خارق عظيم، يدل دلال قاطعة على أن الأسباب العادية ليست هى ~~المؤثرة وإنما الخالق المكون هو المؤثر وأن الأشياء لم تخلق بالعلية - ~~كما يقول الماديون - وإنما خلقت بالإرادة المختارة والقدرة المبدعة ~~المنشئة المكونة، وهى إرادة خالق الكون وقدرته سبحانه. وقيد ما يقوم به ~~من إبراء وإحياء بأنه بإذن الله للتنبيه على أن ما يفعله من خوراق إنما ~~هو بأمر الله وتيسيره وإرادته. وقد ذكر المفسرون أن إبراء عيسى للأكمه ~~والأبرص وإحياءه للموتى كان عن طريق الدعاء، وكان دعاؤه يا حى يا قيوم، ~~وذكروا من بين من أحياهم سام ابن نوح. # قال ابن كثير بعث الله كل نبى بمعجزة تناسب أهل زمانه، فكان الغالب على ~~زمان موسى السحر وتعظيم السحرة، فبعثه الله بمعجزة بهرت الأبصار وحيرت كل ~~سحار، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار انقادوا للإسلام. وأما ~~عيسى فعبث فى زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة فجاءهم من الآيات بما لا ~~سبيل لأحد إليه إلا أن يكون مؤيدا من الذى شرع الشريعة فمن أين للطبيب ~~قدرة على إحياء الجماد، أو على مداواة الأكمه والأبرص؟ وكذلك محمد صلى ~~الله عليه وسلم بعث في زمان الفصحاء والبلغاء وتجاويد الشعراء فأتاهم ~~بكتاب من الله لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بسورة من مثله ما ~~استطاعوا أبدا، وماذاك إلا أن كلام الرب لا يشبه كلام الخلق ". وأما ~~المعجزة الخامسة فقد حكاها القرآن في قوله - تعالى - { وأنبئكم ~~بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم }. وقوله - تعالى ~~- { وأنبئكم } من الإنباء وهو الإخبار بالخبر العظيم الشأن. ~~وقوله { تدخرون } من الإدخار وهو إعداد الشىء لوقت الحاجة إليه. ~~يقال دخرته وادخرته، إذ أعدته للعقبى. واصله " تذتخرون " بالذال المعجمة ~~- من ms0745 اذتخر الشىء - بوزن افتعل - فأبدلت التاء دالا ثم أبدلت الذال دالا ~~وأدغمت. والمعنى أن عيسى - عليه السلام - قد قال لقومه بنى إسرائيل وإن ~~من معجزاتى التى تدل على صدقى فيما أبلغه عن ربى أنى أخبركم بالشىء الذى ~~تأكلونه وبالشىء الذى تخبئونه فى بيوتكم لوقت حاجتكم إليه. قال القرطبى ~~وذلك أنه لما أحيا لهم الموتى طلبوا منه آية أخرى وقالوا أخبرنا بما نأكل ~~فى بيوتنا وما ندخر للغد، فأخبرهم فقال يا فلان أنت أكلت كذا وكذا، وأنت ~~أكلت كذا وكذا وادخرت كذا وكذا فذلك قوله { وأنبئكم }. و " ما " ~~في الموضعين موصولة، أو نكرة موصوفة والعائد محذوف أى بما تأكلونه ~~وتدخرونه. ولا شك أن إخبار عيسى - عليه السلام - لقومه بالشىء الذى ~~يأكلونه وبالشىء الذي يدخرونه يدل على صدقه، لأن هذا الإخبار الغيبى بما ~~لم يعاينه دليل على أن الله - تعالى - قد أعطاه علم ما أخبر به. ثم ختم ~~الله - تعالى - هذه الآية بقوله { إن في ذلك لآية لكم إن ~~كنتم مؤمنين }. أى إن فى ذلك المذكور من المعجزات التى أجراها ~~الله - تعالى - على يد عيسى - عليه السلام - لدلالة واضحة وعلامة بينة ~~تشهد بصدقه فيما يبلغه عن ربه، إن كنتم يا بنى إسرائيل ممن يصدق بآيات ~~الله ويذعن لها. فاسم الإشارة " ذلك " يعود إلى ما سبق ذكره من معجزات ~~عيسى - عليه السلام - وجواب الشرط محذوف والتقدير إن كنتم مؤمنين انتفعتم ~~بهذه الآيات وأذعنتم للحق الذى جئتكم به نم عند الله. # وبعد أن حكى القرآن المعجزات الباهرة التى أيد الله بها عيسى - عليه ~~السلام - عقب ذلك بالإشارة إلى طبيعة رسالته فقال - تعالى { ~~ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم ~~بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم ~~فاتقوا الله وأطيعون }. وقوله - تعالى - { ومصدقا ~~لما بين يدي من التوراة } عطف على المضمر الذى تعلق به ~~قوله تعالى { بآية } أى قد جئتكم محتجا أو ملتبسا بآية من ربكم، ~~ومصدقا لما بين يدى.. وجوز أن يكون منصوبا بفعل دل عليه " قد جئتكم ".. ~~أى وجئتكم مصدقا لما ms0746 بين يدى من التوراة، ومعنى تصديقه - عليه السلام - ~~للتوراة والإيمان بأن جميع ما فيها حكمة وصواب، وأن كتابه يدعو إلى ~~الإيمان بها. والمعنى أن عيسى - عليه السلام - قال لبنى إسرائيل إن الله ~~- تعالى - قد أرسلنى إليكم لهدايتكم وقد جئتكم بالمعجزات التى تثبت صدقى. ~~وجئتكم مصدقا لما بين يدى من التوراة. أى مقررا لها ومؤمنا بها. ومعنى ~~ما بين يدى ما تقدم قبلى لأن المتقدم السابق يمشى بين يدى الجائى فهو هنا ~~تمثيل لحالة السبق، وإن كان بين عيسى - عليه السلام - وبين نزول التوراة ~~أزمنة طويلة لأنها لما اتصل العمل بها إلى مجيئه فكأنها لم تسبقه بزمن ~~طويل ويستعمل بين يدى كذا فى معنى الحاضر المشاهد كما فى قوله - تعالى - # يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم # وقوله { ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم } معمول ~~لمقدر بعد الواو، أى وجئتكم لأحل لكم بعض الأشياء التى كانت محرمة عليكم ~~فى شريعة موسى - عليه السلام - فهو من عطف الجملة على الجملة. أى أن ~~شريعة عيسى جاءت متممة لشريعة موسى وناسخة لبعض أحكامها، فلقد حرم الله - ~~تعالى - على بنى إسرائيل بعض الطيبات بسبب ظلمهم وبغيهم كما جاء فى قوله ~~- تعالى - # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم # فجاءت شريعة عيسى - عليه السلام - لتحل لهم بعض ما حرمه الله عليهم بسبب ~~ظلمهم وفجورهم. قال ابن كثير فيه دلالة على أن عيسى - عليه السلام - نسخ ~~بعض شريعة التوراة وهو الصحيح من القولين ومن العلماء من قال لم ينسخ ~~منها شيئا، وإنما أحل لهم بعض ما كانوا يتنازعون فيه فأخطأوا فكشف لهم عن ~~خطئهم كما قال فى الآية # ولأبين لكم بعض الذي تختلفون # قالوا. ومن الأطعمة التى أحلها عيسى لبنى إسرائيل بعد أن كانت محرمة ~~عليهم فى شريعة موسى لحوم الإبل والشحوم وبعض الأسماك والطيور. وقوله { ~~وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون ~~} تحريض لهم على الاستجابة لما يدعوهم إليه. # قال الفخر الرازى " وإنما أعاد قوله - تعالى - { وجئتكم بآية ~~من ربكم } لأن إخراج الإنسان عن المألوف ms0747 المعتاد من قديم الزمان ~~عسر، فأعاد ذكر المعجزات ليكون كلامه ناجعا فى قلوبهم ومؤثرا في طباعهم. ~~ثم خوفهم فقال { فاتقوا الله وأطيعون } لأن طاعة الرسول من ~~لوازم تقوى الله فبين أنه إذا لزمكم أن تتقوا الله لزمكم أن تطيعونى فيما ~~آمركم عن ربى ". ثم حكى القرآن أن عيسى - عليه السلام - قد قرر أن هذه ~~المعجزات الباهرة لن تخرجه عن أن يكون عبدا لله مخلوقا له، وأن من ~~الواجب على الناس أن يعبدوا الله وحده ولا يشركوا به شيئا فقال { إن ~~الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم } ~~أى قال عيسى - عليه السلام - داعيا قومه إلى عبادة الله - تعالى - هو ~~الذى خلقنى وخلقكم وهو الذى ربانى ورباكم، ومادام الأمر كذلك فأخلصوا له ~~العبادة فإن عبادته - سبحانه - وطاعته هى الطريق المستقيم الذى لا اعوجاج ~~فيه ولا التباس. وبذلك تكون الآيات الكريمة قد بينت لنا بعض المعجزات ~~التى أكرم الله بها عيسى - عليه السلام - كما حكت لنا بعض التوجيهات ~~القويمة، والإرشادات الحكمية التى نصح بها قومه لكى يسعدوا فى دنياهم ~~وآخرتهم. والآن ينساق الذهن إلى سؤال هو ماذا كان موقف بنى إسرائيل منه ~~بعد أن جاءهم بما جاءهم به من بينات وهدايات؟ لقد حكى القرآن أن موقف ~~أكثرهم منه كان موقف الكافر به الجاحد لرسالته فقال تعالى { فلمآ ~~أحس.... }. ### || [3.52-57] # فقوله - تعالى - { فلمآ أحس عيسى منهم الكفر قال ~~من أنصاري إلى الله } شروع فى بيان مآل أحواله - عليه السلام ~~- وفى بيان موقف قومه منه بعد أن بين - قبل ذلك بعض صفاته ومعجزاته ~~وخصائص رسالته. وأحس بمعنى علم ووجد وعرف. والإحساس الإدراك ببعض ~~الحواس الخمس وهى الذوق والشم واللمس والسمع والبصر. يقال أحس الشىء، ~~علمه بالحس. وأحس بالشىء شعر به بحاسته والمراد أن عيسى عليه السلام، علم ~~من بنى إسرائيل الكفر علما لا شبهة فيه. والأنصار جمع نصير مثل شريف ~~وأشراف. والمعنى أن عيسى - عليه السلام - قد جاء لقومه بالمعجزات ~~الباهرات التى تشهد بصدقه فى دعوته ولكنه لم يجد منهم أذنا واعية، فلما ~~رأى ms0748 تصميمهم على باطلهم، وأحس منهم الكفر أى علمه يقينا وتحققه تحقق ما ~~يدرك بالحواس، قال على سبيل التبليغ وطلب النصرة من أنصارى إلى الله؟ أى ~~من أعوانى فى الدعوة إلى الله والتبشير بدينه حتى أبلغ ما كلفنى بتبليغه. ~~قال ابن كثير وذلك كما كان النبى صلى الله عليه وسلم يقول فى مواسم الحج ~~قبل أن يهاجر # " هل من رجل يؤوينى وينصرنى حتى أبلغ كلام ربى فإن قريشا قد منعوني أن ~~أبلغ كلام ربى " # فقيض الله له الأنصار فآووه ونصروه ومنعوه من الأسود والأحمر ". والفاء ~~فى { فلمآ } تؤذن بالتعقيب على الآيات الباهرة. أى أنهم بعد أن رأوا ~~ما رأوا من معجزات عيسى لم يمتثلوا له ولم يتدبروا عاقبة أمرهم بل كذبوه ~~على الفور، وحاولوا قتله تخلصا منه واستمروا على كفرهم. والتعبير بأحس - ~~كما أشرنا من قبل - يشعر بأنه علم منهم الكفر علما لا شبهة فيه كعلم ما ~~يدرك بالحواس. والمقول لهم { من أنصاري إلى الله } هم ~~الحواريون كما يشير إليه قوله - تعالى - فى سورة الصف # يأيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال ~~عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى ~~الله # وقيل المقول لهم جميع أفراد قومه. وقوله { منهم } متعلق بأحس. ومن ~~لابتداء الغاية أى ابتداء الإحساس من جهتهم. أو متعلق بمحذوف على أنه ~~حال من الكفر أى أحس الكفر حال كونه صادرا منهم. وقوله { إلى الله } ~~متعلق بمحذوف على أنه حال من الياء فى أنصارى. أى من أنصارى حال كونى ~~ذاهبا إلى الله أى ملتجئا إليه وشارعا فى نصرة دينه. وفى قوله { من ~~أنصاري إلى الله } حض لهم على المسارعة إلى نصرة الحق لأنهم لا ~~ينصرونه من أجل متعة زائلة. وإنما هم ينصرونه لأنه يدافع عن دين الله ~~ويبشر به، ومن نصر دين الله، نصره الله تعالى. # والآية الكريمة تشير إلى أن الكافرين كانوا هم الكثرة الكاثرة من بنى ~~إسرائيل، بدليل أنه - سبحانه - نسب الكفر إليهم فى قوله { فلمآ ~~أحس عيسى منهم الكفر } وذلك لا يكون إلا إذا كان الكافرون ms0749 ~~هم الكثرة الظاهرة، والمؤمنون هم القلة غير الظاهرة حتى لكأن عيسى بقوله ~~{ من أنصاري إلى الله } يبحث عنهم من بين تلك الجموع الكثيرة ~~من الكافرين. وهنا يحكى القرآن أن المؤمنين الصادقين - مع قلتهم - لم ~~يتقاعسوا عن تلبية نداء عيسى - عليه السلام - فقال الله - تعالى - { ~~قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله ~~واشهد بأنا مسلمون } والحواريون جمع حوارى وهم أنصار عيسى ~~الذين آمنوا به وصدقوه، وأخلصوا له ولازموه وكانوا عونا له فى الدعوة إلى ~~الحق. يقال فلان حوارى فلان أى خاصه من أصحابه ومنه قول النبى صلى الله ~~عليه وسلم فى الزبير بن العوام # " لكل نبى حوارى وحواريى الزبير ". # وأصل مادة " حور " هى شدة البياض. أو الخالص من البياض، ولذلك قالوا فى ~~خالص لباب الدقيق الحوارى. وقالوا فى النساء البيض الحواريات والحوريات. ~~وقد سمى - تعالى - أصفياء عيسى وأنصاره بالحواريين لأنهم أخلصوا لله - ~~تعالى نياتهم، وطهرت سرائرهم من النفاق والغش فصاروا فى نقائهم وصفائهم ~~كالشىء الأبيض الخالص البياض. والمعنى أن عيسى عليه السلام - لما أحس ~~الكفر من بنى إسرائيل قال لهم من أنصارى إلى الله؟ فأجابه الحواريون ~~الذين آمنوا به وصدقوه وباعوا نفوسهم لله - تعالى - نحن أنصار الله الذين ~~تبحث عنهم، ونحن الذين سنقف إلى جانبك لنصرة الحق، فقد آمنا بالله إيمانا ~~عميقا، ونريدك أن تشهد على إيماننا هذا، وأن تشهد لنا يا عيسى بأنا ~~مسلمون حين تشهد الرسل لأقوامهم وعليهم. فأنت ترى أن الحواريين لقوة ~~إيمانهم وصفاء نفوسهم قد لبوا دعوة عيسى - عليه السلام - فى طلب النصرة ~~دون أن يخشوا أحدا إلا الله. وقولهم - كما حكى القرآن عنهم { نحن ~~أنصار الله } إشعار بأنهم ما وقفوا بجانب عيسى إلا نصرة لدين الله ~~ودفاعا عن الحق الذى أنزله على رسوله عيسى. وقولهم { آمنا بالله } ~~جملة فى معنى العلة للنصرة أى نحن أنصار الله يا عيسى لأننا آمنا بأنه هو ~~الواحد الأحد الفرد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، ~~وأنه هو الخالق لكل شىء والقادر على كل شىء. وقولهم ms0750 { واشهد بأنا ~~مسلمون } معطوف على آمنا والشهادة هنا بمعنى العلم المنبعث من ~~المعاينة والمشاهدة فهم يطلبون من عيسى - عليه السلام - أن يكون شاهدا ~~لهم يوم القيامة بأنهم أسلموا وجوههم لله وأخلصوا له العبادة. وأقوالهم ~~هذه التى حكاها القرآن عنهم تدل على أنهم كانوا فى الدرجة العليا من قوة ~~الإيمان وصدق اليقين، ونقاء السريرة. # ثم حكى القرآن عنهم أنهم قالوا - أيضا - { ربنآ آمنا بمآ ~~أنزلت } على أنبيائك من كتب { واتبعنا الرسول } أى امتثلنا ~~ما أتى به منك إلينا { فاكتبنا مع الشاهدين } أى كتبنا بفضلك ~~ورحمتك مع الشاهدين بوحدانيتك العاملين بشريعتك المستحقين لرضاك ورحمتك. ~~فهم قد صدروا ضراعتهم إلى الله - تعالى - بالاعتراف الكامل بربوبيته ثم ~~أعلنوا إيمانهم به وبما أنزل على أنبيائه، ثم أقروا باتباعهم لرسوله ~~والأخذ بسنته، ثم التمسوا منه - سبحانه - بعد ذلك أن يجعلهم من عباده ~~الذين رضى عنهم وأرضاهم. وهذا يدل على أنهم فى نهاية الأدب مع الله - ~~تعالى - وعلى أنهم فى أسمى مراتب الإيمان قال بعض العلماء وكان عدد ~~هؤلاء الحواريين اثنى عشر رجلا آمنوا بعيسى وصدقوه ولازموه فى دعوته إلى ~~الحق. ثم حكى - سبحانه ما كان من بنى إسرائيل فقال { ومكروا ~~ومكر الله والله خير الماكرين } والمكر التدبير ~~المحكم. أو صرف غيرك عما يريده بحيلة. وهو مذموم إن تحرى به الفاعل الشر ~~والقبيح كما فعل اليهود مع عيسى - عليه السلام - ومحمود إن تحرى به ~~الفاعل الخير والجميل. واملعنى أن أولئك اليهود الذين أحس عيسى منهم ~~الكفر دبروا له القتل غيلة واتخذوا كل الوسائل لتنفيذ مآربهم الذميمة. ~~فأحبط الله - تعالى - مكرهم، وأبطل تدبيرهم بأن نجى نبيه عيسى - عليه ~~السلام - من شرورهم { والله خير الماكرين } أى أقواهم مكرا ~~وأنفذهم كيدا، وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب. ثم حكى - ~~سبحانه - بعض مظاهر قدرته، ورعايته لعبده عيسى - عليه السلام - وخذلانه ~~لأعدائه فقال - تعالى. { إذ قال الله يعيسى إني ~~متوفيك ورافعك إلي }. وللعلماء فى تفسير هذه الآية ~~الكريمة أقوال كثيرة أشهرها قولان أما القول الأول وهو قول جمهور العلماء ~~- فيرى ms0751 أصحابه أن معنى { إني متوفيك ورافعك إلي } أى ~~قابضك من الأرض ورافعك إلى السماء بجسدك وروحك لتستوفى حظك من الحياة ~~هناك. وأصحاب هذا الرأى لا يفسرون التوفى بالموت وإنما يقولون إن التوفى ~~فى اللغة معناه أخذ الشىء تاما وافيا. فمعنى { متوفيك } آخذك وافيا ~~بروحك وجسدك ومعنى { ورافعك إلي } ورافعك إلى محل كرامتى فى ~~السماء فالعطف للتفسير. يقال وفيت فلانا حقه أى أعطيته إياه وافيا ~~فاستوفاه وتوفاه أى أخذه وافيا كاملا. قال القرطبي " قال الحسن وابن جريج ~~معنى متوفيك قابضك ورافعك إلى السماء من غير موت، مثل توفيت مالى من فلان ~~أى قبضته ". أما القول الثانى وهو قول قلة من العلماء - فيرى أصحابه أن ~~معنى { إني متوفيك ورافعك إلي } أى مميتك ورافع منزلتك ~~وروحك إلى محل كرامتى ومقر ملائكتى كما ترفع أرواح الأنبياء إليه - ~~سبحانه -. # فأنت ترى أن أصحاب هذا الرأى يفسرون التوفى بالإماتة، ويقولون إن هذا ~~التفسير هو الظاهر من معنى التوفى ويفسرون { ورافعك إلي } بمعنى ~~رفع الروح إلى السماء أى أن الله - تعالى - قد توفى عيسى كما يتوفى ~~الأنفس كلها، ورفع روحه إليه كما يرفع أرواح النبيين. والذى تسكن إليه ~~النفس هو القول الأول لأمور أولها أن قوله - تعالى - فى سورة النساء # وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه # يفيد أن الرفع كان بجسم عيسى وروحه لأن الإضراب مقابل للقتل والصلب ~~الذى أرادوه وزعموا حصوله، ولا يصح مقابلا لهما رفعه بالروح لأن الرفع ~~بالروح يجوز أن يجتمع معهما ومادام الرفع بالروح لا يصح مقابلا لهما إذن ~~يكون المتعين أن المقابل لهما هو الرفع بالجسد والروح. ثانيها أن هناك ~~أحاديث متعددة، بلغت فى قوتها مبلغ التواتر المعنوى - كما يقول ابن كثير ~~- قد وردت فى شأن نزول عيسى إلى الأرض فى آخر الزمان ليملأها عدلا كما ~~ملئت جوار، وليكون حاكما بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ومن هذه ~~الأحاديث ما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة أنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما ms0752 عدلا، يقتل الدجال ويقتل الخنزير، ~~ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ويفيض المال، وتكون السجدة واحدة لله رب ~~العالمين ". # وظاهر هذا الحديث وما يشابهه من الأحاديث الصحيحة فى شأن نزول عيسى، ~~يفيد أن نزوله يكون بروحه وجسده كما رفعه الله إليه بروحه وجسده. ثالثا ~~أن هذا القول هو قول جمهور العلماء، وهو القول الذى يتناسب مع ما أكرم ~~الله - تعالى - به عيسى - عليه السلام - من كرامات ومعجزات. قال بعض ~~العلماء ما ملخصه وجمهور العلماء على أن عيسى رفع حيا من غير موت ولا ~~غفوة بجسده وروحه إلى السماء. والخصوصية له - عليه السلام - هى فى رفعه ~~بجسده، وبقاؤه فيها إلى الأمد المقدر له ولا يصح أن يحمل التوفى على ~~الإماتة لأن إماتة عيسى فى وقت حصار أعدائه ليس فيها ما يسوغ الامتنان ~~بها ورفعه إلى السماء جثة هامدة سخف من القول. وقد نزه الله السماء أن ~~تكون قبورا لجثث الموتى. وإن كان الرفع بالروح فقط فأى مزية لعيسى فى ذلك ~~على سائر الأنبياء، والسماء مستقر أرواحهم الطاهرة. فالحق أنه - عليه ~~السلام - رفع إلى السماء حيا بجسده. وكما كان - عليه السلام - فى مبدأ ~~خلقه آية للناس ومعجزة ظاهرة، كان فى نهاية أمره آية ومعجزة باهرة ~~والمعجزات بأسرها فوق قدرة البشرة ومدارك العقول، وهى من متعلقات القدرة ~~الإلهية ومن الأدلة على صدق الرسل - عليهم الصلاة والسلام - ". # هذا، وقد ذكر بعض المفسرين أقوالا أخرى للعلماء فى معنى هذه الآية ~~الكريمة نرى من الخير عدم ذكرها لضعفها وخوف الإطالة. ومعنى الآية ~~الكريمة واذكر أيها المخاطب لتعتبر وتتعظ وقت أن قال الله - تعالى - ~~لنبيه عيسى { إني متوفيك } أى آخذك وافيا بروحك وجسدك من الأرض ~~{ ورافعك إلي } أى ورافعك إلى محل كرامتى فى السماء لتستوفى حظك ~~من الحياة هناك إلى أن آذن لك بالنزول إلى الأرض. { ومطهرك من ~~الذين كفروا } بإبعادك عنهم، وبإنجائك مما بيتوه لك من مكر سىء ~~وبتبرئتك مما أشاعوه عنك وعن أمك من أكاذيب وأباطيل. { وجاعل ~~الذين اتبعوك } وهم المسلمون الذين آمنوا بك وصدقوك، وصدقوا بكل ms0753 ~~نبى بعثه الله - تعالى - بدون تفرقة بين أنبيائه ورسله. { فوق ~~الذين كفروا إلى يوم القيامة } أى جاعل هؤلاء ~~المؤمنين فوق الذين كفروا بك وبغيرك من الرسل إلى يوم القيامة. أى فوقهم ~~بحجتهم، وبسلامة اعتقادهم، وبقوتهم المادية والروحية إلى يوم القيامة. ~~فالمراد بأتباع عيسى هم الذين أخلصوا لله - تعالى - عبادتهم، وأقروا ~~بوحدانيته - سبحانه - ونزهوا عيسى عن أن يكون ابن الله أو ثالث ثلاثة أو ~~غير ذلك من الأقاويل الباطلة. والمراد بالفوقية ما يتناول الناحيتين ~~الروحية والمادية، أى هم فوقهم بقوة إيمانهم، وحسن إدراكهم، وسلامة ~~عقولهم، وهم فوقهم كذلك بشجاعتهم وحسن أخذهم للأسباب التى شرعها الله - ~~تعالى - كوسائل للنصر والفوز ولذا قال صاحب الكشاف قوله { فوق ~~الذين كفروا إلى يوم القيامة } أى يعلونهم بالحجة وفى ~~أكثر الأحوال بها وبالسيف ومتبعوه هم المسلمون لأنهم متبعوه فى أصل ~~الإسلام وإن اختلفت الشرائع، دون الذين كذبوه والذين كذبوا عليه من ~~اليهود والنصارى ". ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله { ثم إلي ~~مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ~~}. أى. ثم إلى الله مرجعكم ومصيركم أيها الناس فيتولى - سبحانه - الحكم ~~العادل بينكم فيما كنتم تختلفون فيه فى دنياكم من شئون دينية أو دنيوية، ~~ثم فصل سبحانه - هذا الحكم الذى سيحكم به على عباده يوم القيامة فقال { ~~فأما الذين كفروا } بى وبما يجب الإيمان به { ~~فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة }. أى ~~فأعذبهم عذابا شديدا فى الدنيا بإيقاع العداوة والبغضاء والحروب بينهم، ~~وبما يشبه ذلك من هزائم وأمراض وشقاء نفس لا يعلم مقدار ألمه إلا الله - ~~تعالى - وأما فى الآخرة فيساقون إلى عذاب النار وبئس القرار. وقد أكد - ~~سبحانه - شدة هذا العذاب بعدة تاكيدات منها نسبة العذاب إليه - سبحانه - ~~وهو القوى القهار الغالب على كل شىء، ومنها التأكيد بالمصدر، ومنها الوصف ~~بالشدة، ومنها الإخبار بأنه لا ناصر لهم ينصرهم من هذا العذاب الشديد فى ~~قوله - تعالى - { وما لهم من ناصرين } أى ليس لهم من ناصر ~~أيا كان هذا الناصر، وأيا كانت نصرته ولو كانت نصرة ضئيلة لا وزن لها ms0754 ~~ولا قيمة. # هذا هو جزاء الكافرين وأما جزاء المؤمنين فقد بينه - سبحانه - بقوله { ~~وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم ~~أجورهم }. أى فسيعطيهم - سبحانه - بفضله وإحسانه بسبب إيمانهم ~~وعملهم الصالح، أجورهم كاملة غير منقوصة، من ثواب جزيل، وجنات تجرى من ~~تحتها الأنهار وأزواج مطهرة، ورضوان من الله أكبر من كل ذلك. ففى هذه ~~الجملة الكريمة بشارة عظمى للمؤمنين الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~على طريقه. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله { والله لا يحب ~~الظالمين }. أى أنه - سبحانه - عادل فى أحكامه، ويكره الظلم ~~والظالمين الذين لا يضعون الأمور فى مواضعها. ومن أفحش أنواع الظلم ما ~~يقوله أهل الكتاب على عيسى - عليه السلام - فقد زعم بعضهم أنه ابن الله، ~~وزعم فريق آخر أنه ثالث ثلاثة وافترى عليه اليهود وعلى أمه مريم البتول ~~المفتريات التى برأهما الله - تعالى - منها. أما الذين آمنوا فقد قالوا ~~فى عيسى وأمه قولا كريما، ولذلك كافأهم الله - تعالى - بما يستحقون من ~~ثواب. وبذلك تكون الآيات الكريمة قد حكت لنا جانبا من فضائل عيسى - عليه ~~السلام - وبينت للناس جزاء المؤمنين وجزاء الكافرين حتى يثوبوا إلى رشدهم ~~ويسلكوا الطريق القويم. وبعد أن حكى الله - تعالى - فى الآيات السابقة ~~ولادة عيسى - عليه السلام - وما أجراه على يديه من معجزات، وما أكرمه به ~~من مكرمات، وكيف كان موقف بنى إسرائيل منه، وكيف أبطل الله مكرهم وخيب ~~سعيهم، إذ رفعه إليه وطهره من أقوالهم الباطلة وأفعالهم الأثيمة وتوعد ~~أعداءه بالعذاب الشديد ووعد اتباعه بالثواب الجزيل... بعد أن حكى القرآن ~~كل ذلك ختم حديثه عن عيسى - عليه السلام - ببيان حقيقة تكوينه، وبإزالة ~~وجه الغرابة فى ولادته، وبتلقين النبى صلى الله عليه وسلم الرد الصحيح ~~على كل مجادل فى شأن عيسى - عليه السلام - استمع إلى القرآن وهو يصور كل ~~ذلك بأسلوبه المعجز فيقول { ذلك نتلوه عليك... }. ### || [3.58-63] # وقوله - تعالى - { ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر ~~الحكيم } اسم الإشارة فيه وهو " ذلك " مشار به إلى المذكور من قصى ~~آل عمران وقصة مريم وأمها، وقصة زكريا وندائه ms0755 لربه، وقصة عيسى وما أجراه ~~الله - تعالى - على يديه من معجزات وما خصه به من كرامات. أى ذلك القصص ~~الحكيم الذى قصصناه عليك يا محمد { ذلك نتلوه عليك } أى نقصه ~~عليك متتابعا بعضه تلو بعض من غير أن يكون لك اطلاع سابق عليه. فأنت لم ~~تكن معاصرا لهؤلاء الذين ذكرنا لك قصصهم وأحوالهم وهذا من أكبر الأدلة ~~على صدقك فيما تبلغه عن ربك. وقوله { ذلك } مبتدأ وقوله { نتلوه ~~عليك } خبره. وقوله { من الآيات } حال من الضمير المنصوب فى { ~~نتلوه }. والمراد بالآيات الحجج الدالة على صدق النبى صلى الله عليه ~~وسلم وقوله { والذكر الحكيم } أى والقرآن المحكم الذى لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والمشتمل على الحكم التى من شأنها أن ~~تهدى الناس إلى ما يسعدهم متى اتبعوها وقيل المراد بالذكر الحكيم اللوح ~~المحفوظ الذى نقلت منه جميع الكتب المنزلة على الأنبياء - عليهم الصلاة ~~والسلام-. ثم بين - سبحانه - أن خلق عيسى من غير أب ليس مستبعدا على الله ~~- تعالى - فقد خلق آدم كذلك فقال { إن مثل عيسى عند الله ~~كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ~~}. والمثل هنا بمعنى الصفة والحال والعجيبة الشأن، ومحل التمثيل كون ~~كليهما قد خلق بدون أب، والشىء قد يشبه بالشىء متى اجتمعا ولو فى وصف ~~واحد. والمعنى إن شأن عيسى وحاله الغريبة { عند الله } أى فى تقديره ~~وحكمه { كمثل ءادم } أى كصفته وحاله العجيبة فى أن كليهما قد خلقه ~~الله - تعالى - من غير أب، ويزيد آدم على عيسى أنه خلق بدون أم - أيضا ~~-. فالآية الكريمة ترد ردا منطقيا حكيما يهدم زعم كل من قال بألوهية ~~المسيح أو اعتبره ابن الله. وكأن الآية الكريمة تقول لمن ادعى ألوهية ~~عيسى لأنه خلق من غير أب أنه إذا كان وجود عيسى بدون أب يسوغ لكم أن ~~تجعلوه إلها أو ابن إله فأولى بذلك ثم أولى آدم لأنه خلق من غير أب ولا ~~أم. وما دام لم يدع أحد من الناس ألوهية آدم لهذا ms0756 السبب فبطل حينئذ القول ~~بألوهية عيسى لانهيار الأساس الذى قام عليه وهو خلقه من غير أب. ولأنه ~~إذا كان الله - تعالى - قادرا على أن يخلق إنسانا بدون أب ولا أم. فأولى ~~ثم أولى أن يكون قادرا على خلق إنسان من غير أب فقط. # ومن أم هى مريم التى تولاها - سبحانه - برعايته وصيانته لها من كل سوء ~~وجعلها وعاء لهذا النبى الكريم عيسى - عليه السلام -. قال صاحب الكشاف ~~وقوله { خلقه من تراب } جملة مفسرة لما له شبه عيسى بآدم - أى ~~للأمر الذى لأجله كان ذلك التشبيه - أى خلق آدم من تراب ولم يكن ثمة أب ~~ولا أم وكذلك حال عيسى. فإن قلت كيف شبه به وقد وجد هو من غير أب ووجد ~~آدم ن غير أب وأم؟ قلت هو مثيله فى أحد الطرفين، فلا يمنع اختصاصه دونه ~~بالطرف الآخر من تشبيهه به لأن المماثلة مشاركة فى بعض الأوصاف، ولأنه ~~شبه به لأنه وجد وجودا خارجا عن العادة المستمرة وهما فى ذلك نظيران. ~~ولأن الوجود من غير أب وأم أغرب وأخرق للعادة من الوجود بغير أب، فشبه ~~الغريب بالأغرب، ليكون أقطع للخصم، وأحسن لمادة شبهته إذا نظر فيم هو ~~أغرب مما استغربه ". وقوله { ثم قال له كن فيكون } تصوير ~~لخلق الله - تعالى - آدم من تراب أى أراد - سبحانه - أن يوجد آدم فصوره ~~من طين ثم قال له حين صوره كن بشرا فصار بشرا كاملا روحا وجسدا كما أمر - ~~سبحانه -. فالجملة الكريمة تصور نفاذ قدرة الله، تصويرا بديعا يدل على ~~أنه - سبحانه - لا يعجزه شىء فى هذا الكون. وعبر بصيغة المضارع المقترن ~~بالفاء فى " يكون " دون الماضى بأن يقول " فكان " لأن التعبير بالمضارع ~~فيه تصوير وإحضار للصورة الواقعة كما وقعت، ومن وجهة أخرى فإن صيغة ~~المضارع فى هذا المقام تنبىء عما كان، وتومىء إلى ما يكون بالنسبة لخلق ~~الله - تعالى - المستمر فى المستقبل كما كان فى الماضى. ثم بين - سبحانه ~~- أن ما أخبر به عباده فى شأن عيسى وغيره هو الحق الذى لا ms0757 يحوم حوله باطل ~~فقال - تعالى - { الحق من ربك فلا تكن من ~~الممترين }. والامتراء هو الشك الذى يدفع الإنسان إلى المجادلة ~~المبنية على الأوهام لا على الحقائق. وهو - كما يقول الرازى - مأخوذ من ~~قول العرب مريت الناقة والشاة إذا أردت حلبها فكأن الشاك يجتذب بشكه مراء ~~كاللبن الذى يجتذب عند الحلب. يقال قد مارى فلان فلانا إذا جادله كأنه ~~يستخرج غضبه. والمعنى هذا الذى أخبرناك عنه يا محمد من شأن عيسى ومن شأن ~~غيره هو الحق الثاتب اليقينى الذى لا مجال للشك فيه، وما دام الأمر كذلك ~~فاثبت على ما أنت عليه من حق، ولا تكونن من الشاكين فى أى شىء مما ~~أخبرناك به. وقد أكد - سبحانه - أن ما أوحاه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ~~هو الحق بثلاثة تأكيدات أولها بالتعريف فى كلمة { الحق } أى ما ~~أخبرناك به هو الحق الثابت الذى لا يخالطه باطل. # ثانيها بكونه من عنده - سبحانه - وكل شىء من عنده فهو صدق لا ريب فيه. ~~ثالثها بالنهى عن الامتراء والشك فى ذلك الحق، لأن من شأن الأمور الثابتة ~~أن يتقبلها العقلاء بإذعان وتسليم وبدون جدل أو امتراء. قال الآلوسى ~~وقوله { فلا تكن من الممترين } خطاب له صلى الله عليه وسلم ~~ولا يضر فيه استحالة وقوع الامتراء منه صلى الله عليه وسلم بل ذكروا فى ~~هذا الأسلوب فائدتين إحداهما أنه صلى الله عليه وسلم إذا سمع مثل هذا ~~الخطاب تحركت منه الأريحية فيزداد فى الثبات على اليقين نورا على نور. ~~وثانيتهما أن السامع يتنبه بهذا الخطاب على أمر عظيم فينزع وينزجر عما ~~يورث الامتراء لأنه صلى الله عليه وسلم مع جلالته التى لا تصل إليها ~~الأمانى - إذا خوطب بمثله فما يظن بغيره؟ ففى ذلك ثبات له صلى الله عليه ~~وسلم ولطف بغيره ". لقد لقن الله تعالى، نبيه صلى الله عليه وسلم، الجواب ~~الذى يقطع لسان المجادلين بالباطل فى شأن عيسى عليه السلام، فقال تعالى { ~~فمن حآجك فيه من بعد ما جآءك من العلم }... إلخ. ~~قال الفخر الرازى ms0758 اعلم أنه " سبحانه " بين أول هذه السورة وجوها من ~~الدلائل القاطعة على فساد قول النصارى بالزوجة والولد وأتبعهما بذكر ~~الجواب على جميع شبههم على سبيل الاستقصاء التام وختم الكلام بهذه النكتة ~~القاطعة لفساد كلامهم وهو أنه لما لم يلزم من عدم الأب والأم البشريين ~~لآدم أن يكون ابنا لله فكذلك لا يلزم من عدم الأب البشرى لعيسى أن يكون ~~ابنا لله. ولما لم يبعد خلق آدم من التراب لم يبعد أيضا خلق عيسى من ~~الدم الذى كان يجتمع فى رحم أم عيسى. ومن أنصف وطلب الحق علم أن البيان ~~قد بلغ إلى الغاية القصوى - فعند ذلك - قال سبحانه - { فمن حآجك } ~~بعد هذه الدلائل الواضحة والجوابات اللائحة فاقطع الكلام معهم وعاملهم ~~بما يعامل به المعاند، وهو أن تدعوهم إلى الملاعنة. والفاء فى قوله { ~~فمن حآجك } للتفريع على قوله - تعالى - { الحق من ربك ~~}.. وقوله { من } الراجح فيها أنها شرطية. وقوله { حآجك } من ~~المحاجة وهى تبادل الحجة والمجادلة بين شخص وآخر. والمعنى فمن جادلك ~~وخاصمك " يا محمد " من أهل الكتاب " فيه " أى فى شأن عيسى - عليه السلام ~~- بأن زعموا أنه إله أو ابن إله أو ثالث ثلاثة أو غير ذلك من الأقاويل ~~الكاذبة فى شأنه. وقوله { من بعد ما جآءك من العلم } أى ~~فمن جادلك فى شأن عيسى من بعد الذى أنزلناه إليك وقصصناه عليك فى أمره، ~~فلا تبادله المجادلة، فإنه معاند لا يقنعه الدليل مهما كان واضحا، ولكن ~~قل له ولأمثاله من الضالين { تعالوا ندع أبناءنا ~~وأبنآءكم ونسآءنا ونسآءكم وأنفسنا وأنفسكم ~~ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين }. # وقوله { تعالوا } اسم فعل أمر لطلب القدوم. وهو فى الأصل أمر من ~~تعالى يتعالى " كترامى يترامى " إذا قصد العلو. فكأنهم أرادوا به فى ~~الأصل أمرا بالصعود إلى مكان عال تشريفا للمدعو، ثم شاع حتى صار لمطلق ~~الأمر بالقدوم أو الحضور. وقوله { ثم نبتهل } أى نتباهل ونتلاعن. ~~فالافتعال هنا بمعنى الفاعلة أى بأن نقول بهلة الله على الكاذب منا ~~ومنكم. والبهلة بفتح الباء وضمها اللعنة. ms0759 يقال بهله الله يبهله بهلا لعنه ~~الله وأبعده من رحمته ثم شاعت فى كل دعاء مجتهد فيه وإن لم يكن التعانا. ~~والمعنى فإن جادلك أهل الكتاب فى شأن عيسى من بعد أن أخبرك ربك بما هو ~~الحق من أمره فقل لهم { تعالوا } أى أقبلوا أيها المجادلون إلى أمر ~~يعرف فيه الحق من الباطل، وهو أن ندعو نحن وأنتم الأبناء والنساء ثم ~~نجتمع جميعا فى مكان واحد، ثم نتضرع إلى الله ونبتهل إليه بأن يجعل لعنته ~~على الكاذبين فى دعواهم المنحرفين عن الحق فى اعتقادهم. فأنت ترى أن ~~الآية الكريمة قد لقنت النبى صلى الله عليه وسلم الجواب الحاسم الذى يخرس ~~ألسنة المجادلين فى عيسى، ويتحداهم - إن كانوا صادقين - أن يقبلوا هذه ~~المباهلة، ولكنهم نكصوا على أعقابهم فثبت كذبهم وضلالهم. وهذه الآية ~~الكريمة تسمى بآية المباهلة، وقد ذكر العلماء أنها نزلت للرد على نصارى ~~نجران الذين جادلوا النبى صلى الله عليه وسلم فى شأن عيسى - عليه السلام ~~-. قال ابن كثير ما ملخصه. وكان نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول ~~السورة إلى هنا فى وفد نصارى نجران حين قدموا المدينة فجعلوا يحاجون فى ~~عيسى ويزعمون فيه ما يزعمون من النبوة والألوهية فأنزل صدر هذه السورة ~~ردا عليهم.. وكانوا ستين راكبا منهم ثلاثة إليهم يؤول أمرهم وهم العاقب ~~أميرهم واسمه عبد المسيح، والسيد صاحب رحلهم واسمه الأبهم، وأبو حارث بن ~~علقمة أسقفهم وحبرهم. وفى القصة أن النبى صلى الله عليه وسلم لما أتاه ~~الخبر من الله تعالى، والفصل من القضاء بينه وبينهم، وأمر بما أمر به من ~~ملاعنتهم. دعاهم إلى المباهلة فقالوا يا أبا القاسم دعنا ننظر فى ~~أمرنا... ثم خلوا بالعاقب فقالوا. يا عبد المسيح ماذا ترى؟ فقال والله يا ~~معشر النصارى لقد عرفتم ان محمدا لنبى مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر ~~صاحبكم، ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبيا قط، فبقى كبيرهم ولا نبت ~~صغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم. # . فأتوا النبى صلى الله عليه وسلم. فقالوا يا أبا ms0760 القاسم قد رأينا أن لا ~~نلاعنك وأن نتركك على دينك، ونرجع على ديننا، فلم يلاعنهم صلى الله عليه ~~وسلم وأقرهم على خراج يؤدونه إليه. وروى الحافظ ابن مردويه عن جابر قال ~~قدم على النبى صلى الله عليه وسلم العاقب والطيب فدعاهما إلى الملاعنة ~~فواعداه على أن يلاعناه الغداة، قال فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأخذ بيده على وفاطمة والحسن والحسين ثم أرسل إليهما فأبيا أن يجيبا ~~وأقرا له بالخراج. قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " والذى بعثنى بالحق لو لاعنا لأمطر عليهم الوادى نارا ". # ثم قال وروى البخارى عن حذيفة قال # " جاء العاقب والسيد صاحب نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يريدان أن يلاعناه قال فقال أحدهما لصاحبه لا تفعل، فوالله لئن كان نبيا ~~فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، ثم قالا للنبى صلى الله عليه ~~وسلم إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلا أمينا.. فقال " لأبعثن معكم ~~رجلا أمينا حق أمين ". فاستشرف لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال صلى الله عليه وسلم " قم يا أبا عبيدة بن الجراح ". فلما قام قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم " هذا أمين هذه الأمة ". # وقال صاحب الكشاف إن قلت ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلا ليتبين الكاذب ~~منه ومن خصمه وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه فما معنى ضم الأبناء والنساء؟ ~~قلت ذلك آكد فى الدلالة على ثقته بحاله، واستيقانه بصدقه، حيث استجرأ على ~~تعريض أعزته وأفلاذ كبده وأحب الناس إليه لذلك، ولم يقتصر على تعريض نفسه ~~له. وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال ~~إن تمت المباهلة. وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب، ~~وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل. ومن ثمة كانوا يسوقون مع ~~أنفسهم الظعائن فى الحروب لتمنعهم من الهرب... وفى الآية دليل واضح على ~~صحة نبوة النبى صلى الله عليه وسلم لأنه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف ms0761 ~~أنهم أجابوا إلى ذلك ". ثم أكد - سبحانه - صدق ما أخبر به عن عيسى وغيره ~~فقال { إن هذا لهو القصص الحق وما من إله ~~إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم }. أى إن ~~الذى قصصناه عليك وأخبرناك به يا محمد من شأن عيسى ومن كل شأن من الشئون ~~لهو القصص الثابت الذى لا مجال فيه لإنكار منكر، ولا لتشكيك متشكك. وقد ~~أكد - سبحانه - صدق هذا القصص بحرف إن وباللام فى قوله { لهو } وبضمير ~~الفصل " هو " وبالقصر الذى تضمنه تعريف الطرفين وذلك ليكون الرد حاسما ~~على كل منكر ما أخبر الله به فى شأن عيسى - عليه السلام - وفى كل ما قصه ~~على نبيه صلى الله عليه وسلم. # وقوله { وما من إله إلا الله } نفى قاطع لأن يكون هناك ~~إله سوى الله - تعالى - وإثبات بأن الألوهية الحقة إنما هى لله رب ~~العالمين. وقد أكد - سبحانه - نفى الألوهية عن غيره بكلمة { من } ~~المفيدة لاستغراق النفى استغراقا مستمرا ثابتا مؤكدا. وقوله { وما من ~~إله إلا الله } " ما " نافية، و " إله " فى قوله { من ~~إله } مبتدأ و { من } مزيدة فيه، و { إلا الله } خبره ~~والتقدير وما إله إلا الله، وزيدت من للاستغراق والعموم. وقوله { وإن ~~الله لهو العزيز الحكيم } تذييل قصد به تأكيد قصر الألوهية ~~على الله - تعالى - وحده، أى وإن الله - تعالى - لهو المنفرد بالألوهية ~~وحده لأنه هو الغالب الذى يقهر ولا يقهر، الحكيم فى كل ما يخلقه ويدبره. ~~وفى هذا التذييل أيضا رد على أولئك الضالين الذين يزعمون أن المسيح إله ~~ويعتقدون مع ذلك أنه صلب ولم يستطع أن يدافع عن نفسه. ثم ختم - سبحانه - ~~تلك المحاجة بقوله { فإن تولوا فإن الله عليم ~~بالمفسدين }. أى فإن أعرضوا عن اتباعك وتصديقك بعد هذه الآيات ~~البينات والحجج الواضحات التى اخبرناك بها وقصصناها عليك، فأنذرهم بسوء ~~العاقبة، وأخبرهم أن الله - تعالى - عليم بهم، وبما يقولونه ويفعلونه من ~~فساد فى الأرض. وسيعاقبهم على ذلك العقاب الأليم. فقوله { فإن ~~الله عليم بالمفسدين } قائم مقام جواب الشرط، أى فإن تولوا ms0762 ~~فأخبرهم بأنهم مفسدون وأن لهم سوء العقبى لأن الله عليم بإفسادهم ولن ~~يتركهم بدون عقوبة. وهذه الجملة الكريمة تتضمن فى ذاتها تهديدا شديدا ~~لهؤلاء المجادلين بالباطل فى شأن عيسى - عليه السلام - ولكل من أعرض عن ~~الحق الذى جاء به النبى صلى الله عليه وسلم لأن الله - تعالى - ليس غافلا ~~عن إفساد المفسدين، وإنما يأخذهم أخذ عيز مقتدر. وإلى هنا تكون الآيات ~~الكريمة قد بينت بأسلوب معجز حكيم جانبا من قصة آل عمران فحدثتنا عما كان ~~من امرأته أم مريم، وما قالته عندما حملت بها، وما قالته بعد ولادتها، ~~وما أكرم الله به مريم من رعايتها بالتربية الحسنة وبالرزق الحسن، ثم ما ~~كان من شأن زكريا وتضرعه إلى الله أن يهبه الذرية الصالحة واستجابة الله ~~له وتبشيره بولادة يحيى، ثم ما كان من شأن مريم وتبشيرها باصطفاء الله ~~لها وأمرها بالمداومة على طاعته، ثم تبشيرها بعيسى وتعجبها لذلك والرد ~~عليها بما يزيل هذا العجب، ثم ما كان من شأن عيسى - عليه السلام - وما ~~وصفه به من صفات كريمة، وما منحه من معجزات باهرة تشهد بصدقه فى رسالته، ~~مما جعل الحواريين يؤمنون به، أما الأكثرون من بنى إسرائيل فقد كفروا به ~~ودبروا له المكايد فأنجاه الله من مكرهم ورفعه إليه وطهره منهم. # ثم بين القرآن أن عيسى عبد الله ورسوله، وأن هذا هو الحق، وقد تحدى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم كل من نازعه فى ذلك بالمباهلة ولكن المجادلين ~~نكصوا على أعقابهم، فثبت صدق النبى صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ~~ربه. وبذلك يكون القرآن قد بين الحق فى شأن عيسى - عليه السلام - بيانا ~~يهدى القلوب ويقنع العقول ويحمل النفوس على التدبر والاعتبار، وإخلاص ~~العبادة لله رب العالمين. ثم وجه القرآن بعد ذلك نداء عاما إلى أهل ~~الكتاب دعاهم فيه - فى بضع آيات متوالية - إلى عبادة الله وحده، وإلى ترك ~~المحاجة الباطلة فى شأن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وإلى الإقلاع ~~عن الكفر بآيات الله وعن تلبيس الحق بالباطل، وعن كتمان الحق ms0763 مع علمهم ~~بأنه حق.. استمع إلى القرآن وهو يسوق هذه النداءات داعيا أهل الكتاب إلى ~~كلمة الحق فيقول { قل يأهل... }. ### || [3.64-71] # أنت ترى أن القرآن الكريم قد وجه إلى أهل الكتاب أربع نداءات فى هذه ~~الآيات الكريمة أما النداء الأول فقد طلب منهم فيه أن يثوبوا إلى رشدهم، ~~وأن يخلصوا لله العبادة فقال { قل يأهل الكتاب تعالوا ~~إلى كلمة سوآء بيننا وبينكم }. والسواء العدل ~~والنصفة، أى قل يا محمد لأهل الكتاب هلموا وأقبلوا إلى كلمة ذات عدل ~~وإنصاف بيننا وبينكم. أو السواء مصدر مستوية أى هلموا إلى كلمة لا تختلف ~~فيها الرسل والكتب المنزلة والعقول السليمة، لأنها كلمة عادلة مستقيمة ~~ليس فيها ميل عن الحق. ثم بين - سبحانه - هذه الكلمة العادلة المستقيمة ~~التى هى محل اتفاق بين الأنبياء فقال { ألا نعبد إلا الله } ~~أى نترك نحن وأنتم عبادة غير الله، بأن نفرده وحده بالعبادة والطاعة ~~والإذعان. { ولا نشرك به شيئا } أى ولا نشرك معه أحدا فى ~~العبادة والخضوع، بأن نقول فلان إله، أو فلان ابن إله، أو أن الله ثالث ~~ثلاثة. { ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون ~~الله } أى ولا يطيع بعضنا بعضا فى معصية الله. قال الآلوسى ويؤيده ما ~~أخرجه الترمذى وحسنه من حديث عدى بن حاتم أنه لما نزلت هذه الآية قال ما ~~كنا نعبدهم يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم # " أما كانوا يحلون منكم ويحرمون فتأخذون بقولهم؟ قال نعم. فقال صلى الله ~~عليه وسلم هو ذاك " # قيل وإلى هذا أشار - سبحانه - بقوله # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله والمسيح ابن مريم ومآ أمروا إلا ~~ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو # فالآية الكريمة قد نهت الناس جميعا عن عبادة غير الله، وعن أن يشرك معه ~~فى الألوهية أحد من بشر أو حجر أو غير ذلك، وعن أن يتخذ أحد من البشر فى ~~مقام الرب - عز وجل - بأن يتبع فى تحليل شىء أو تحريمه إلا فيما حلله ~~الله أو حرمه. ولقد كانت رسالة الأنبياء ms0764 جميعا متفقة فى دعوة الناس إلى ~~عبادة الله وحده، وقد حكى القرآن فى كثير من الآيات هذا المعنى ومن ذلك ~~قوله - تعالى - # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله واجتنبوا الطاغوت # وقوله - تعالى - # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون # ثم أرشد الله - تعالى - المؤمنين إلى ما يجب عليهم أن يقولوه إذا مالج ~~الجاحدون فى طغيانهم فقال { فإن تولوا فقولوا اشهدوا ~~بأنا مسلمون }. أى فإن أعرض هؤلاء الكفار عن دعوة الحق، ~~وانصرفوا عن موافقتكم بسبب ما هم عليه من عناد وجحود فلا تجادلوهم ولا ~~تحاجوهم، بل قولوا لهم اشهدوا بأنا مسلمون مذعنون لكلمة الحق، بخلافكم ~~أنتم فقد رضيتم بما أنتم فيه من باطل. # قال صاحب الكشاف وقوله { فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } ~~أى لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا وتسلموا بأنا مسلمون دونكم. وذلك ~~كما يقول الغالب للمغلوب فى جدال وصراع أو غيرهما اعترف بأنى أنا الغالب ~~وسلم لى بالغلبة. ويجوز أن يكون من باب التعريض ومعنا اشهدوا واعترفوا ~~بأنكم كافرون حيث توليتم عن الحق بعد ظهوره ". هذا وتعتبر هذه الآية ~~الكريمة من أجمع الآيات التى تهدى الناس إلى طريق الحق بأسلوب منطقى ~~رصين، ولذا كان النبى صلى الله عليه وسلم يكتبها في بعض رسائله التى ~~أرسلها إلى الملكوك والرؤساء ليدعوهم إلى الإسلام -. فقد جاء فى كتاب ~~النبى صلى الله عليه وسلم إلى هرقل - ملك الروم - # " من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى. أما ~~بعد فإنى أدعوك بدعاية الاسلام. أسلم تسليم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن ~~توليت فإن عليك إثم الأريسيين، { يأهل الكتاب تعالوا إلى ~~كلمة سوآء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ~~ولا نشرك به شيئا } إلخ الآية ". # وأما النداء الثانى الذى اشتملت عليه هذه الآيات فقد تضمن نهى أهل ~~الكتاب عن الجدال بالباطل فى شأن إبراهيم - عليه السلام - قال - تعالى - ~~{ يأهل الكتاب لم تحآجون في إبراهيم ومآ ~~أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده ms0765 أفلا ~~تعقلون }. قال ابن جرير عن ابن عباس قال اجتمعت نصارى نجران وأحبار ~~يهود عند رسول الله فتنازعوا عنده، قالت الأحبار ما كان إبراهم إلا ~~يهوديا وقالت النصارى ما كان إبراهيم إلا نصرانيا، فأنزل الله - تعالى - ~~فيهم { يأهل الكتاب لم تحآجون في إبراهيم }. وقوله ~~{ تحآجون } من المحاجة ومعناها أن يتبادل المتخاصمان الحجة بأن يقدم ~~كل واحد حجة ويطلب من الآخر أن يرد عليها. والمعنى لا يسوغ لكم يا معشر ~~اليهود والنصارى أن تجادلوا فى دين إبراهيم وشريعته فيدعى بعضكم أنه كان ~~على الديانة اليهودية، ويدعى البعض الآخر أنه كان على الديانة النصرانية، ~~فإن التوراة والإنجيل ما نزلا إلا من بعده بأزمان طويلة، فكيف يكون ~~يهوديا يدين بالتوراة مع أنها ما نزلت إلا من بعده، أو كيف يكون نصرانيا ~~يدين بالإنجيل مع أنه ما نزل إلا من بعده، بآلاف السنين؟ إن هذه المحاجة ~~منكم فى شأن إبراهيم ظاهرة البطلان واضحة الفساد. وقوله { أفلا ~~تعقلون } أى أفلا تعقلون يا أهل الكتاب هذا الأمر البدهى وهو أن ~~المتقدم على الشىء لا يمكن أن يكون تابعا للشىء المتأخر عنه؟ فالاستفهام ~~لتوبيخهم وتجهيلهم فى دعواهم أن إبراهيم - عليه السلام - كان يهوديا أو ~~نصرانيا. # ثم بين - سبحانه - مظهرا آخر من مظاهر مخالفة أهل الكتاب لمقتضيات ~~العقول السليمة وهو أنهم يجادلون فى أمر ليس عندهم أسباب العلم به فقال - ~~تعالى - { هأنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم }. ~~والمعنى أنتم يا معشر أهل الكتاب جادلتم وبادلتم الحجة - سواء أكانت ~~صحيحة أم فاسدة فى أمر لكم به علم فى الجملة، كجدالكم فيما وجدتموه فى ~~كتبكم من أمر موسى وعيسى - عليهما السلام - أو كجدالكم فيما جاء فى ~~التوراة والإنجيل من أحكام، ولكن كيف أبحتم لأنفسكم أن تجادلوا فى أمر ~~ليس لكم به علم أصلا، وهو جدالكم فى دين إبراهيم وشريعته؟ لأنه من ~~البديهى أن إبراهيم ما كان يهوديا ولا نصرانيا إذ وجوده سابق على وجودهما ~~بأزمان طويلة. وإذن فجدالكم فى شأن إبراهيم هو لون من ألوان جهلكم ~~ومخالفتكم لكل ما ms0766 تقتضيه العقول السليمة، والنفوس المستقيمة. وقوله - ~~تعالى - { هأنتم هؤلاء حاججتم } ها حرف تنبيه، وأنتم ~~مبتدأ، وهؤلاء منادى بحرف نداء محذوف و { حاججتم } خبر المبتدأ ~~أنتم. والتقدير أنتم يا هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم. ويرى صاحب الكشاف ~~أن قوله { أنتم } مبتدأ و { هؤلاء } خبره. و { حاججتم } ~~جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى. والمعنى أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى ~~وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم جادلتم " فيما لكم به علم " مما نطق به ~~التوراة والإنجيل. { فلم تحآجون فيما ليس لكم به ~~علم } ولا ذكر له. فى كتابيكم من دين إبراهيم... ومعنى الاستفهام ~~التعجب من حماقتهم ". وتكرير هاء التنبيه فى قوله { هأنتم هؤلاء ~~} يشعر بغرابة ما هم عليه من جهل، ومجافاته لكل منطق سليم. قال الرازى ~~وقوله { هأنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم } ~~يحتمل أنه لم يصفهم بالعلم حقيقة وإنما أراد أنكم تستجيزون محاجته فيما ~~تدعون عمله، فكيف تحاجونه فيما لا علم لكم به ألبته ". وقوله - تعالى - { ~~والله يعلم وأنتم لا تعلمون } تذييل قصد به تأكيد علم ~~الله الشامل، ونفى العلم عن أهل الكتاب فى شأن إبراهيم. أى والله - تعالى ~~- يعلم حال إبراهيم ودينه، ويعمل كل شىء فى هذا الوجود، وأنتم لا تعلمون ~~ذلك. ثم صرح - سبحانه - ببراءة إبراهيم من كل دين يخالف دين الإسلام ~~فقال - تعالى - { ما كان إبراهيم يهوديا ولا ~~نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من ~~المشركين }. وقوله { حنيفا } من الحنف وهو ميل عن الضلال إلى ~~الاستقامة، بعكس الجنف فهو ميل عن الاستقامة إلى الضلال ويقال تحنف الرجل ~~أى تحرى طريق الاستقامة. أى ما كان إبراهيم - عليه السلام - فى يوم من ~~الأيام يهوديا كما قال اليهود، ولا نصرانيا كما قال النصارى ولكنه كان ~~حنيفا أى مائلا عن العقائد الزائفة متحريا طريق الاستقامة وكان " مسلما " ~~أى مستسلما لله - تعالى - منقادا له مخلصا له العبادة { وما كان من ~~المشركين } الذين يشركون مع الله آلهة أخرى بأن يقولوا إن الله ~~ثالث ثلاثة، أو يقولوا عزير ابن الله أو المسيح ابن الله أو غير ms0767 ذلك من ~~الأقوال الباطلة والأفعال الفاسدة. # ففى هذه الآية الكريمة تنويه بشأن إبراهيم، وتعريض بأولئك الكافرين من ~~أهل الكتاب الذين ادعوا أن إبراهيم كان يهوديا او نصرانيا بأنهم هم ~~المشركون بخلاف إبراهيم فقد كان مبرأ من ذلك. أخرج الامام مسلم والترمذى ~~وأبو داود عن أنس رضى الله عنه قال # " جاء رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال يا خير البرية. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم " ذاك إبراهيم عليه السلام ". # ثم أصدر - سبحانه - حكمه الحاسم العادل فى هذه القضية التى كثر الجدل ~~فيها فقال { إن أولى الناس بإبراهيم للذين ~~اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ~~ولي المؤمنين }. وقوله - تعالى - { أولى } أفعل تفضيل من ~~الولى وهو القرب. والمعنى إن أقرب الناس من إبراهيم، وأخصهم به، وأحقهم ~~بالانتساب إليه أصناف ثلاثة أولهم بينه الله بقوله { للذين ~~اتبعوه } أى الذين أجابوا دعوته فى حياته واتبعوا دينه وشريعته بعد ~~مماته. وقد أكد الله - تعالى - حكمه هذا بحرف { إن } وبأفعل التفضيل { ~~أولى } وباللام فى قوله { للذين اتبعوه } ليرد على أقاويل ~~أهل الكتاب ومفترياتهم حيث زعموا أنه كان يهوديا أو نصرانيا. وثانى هذه ~~الأصناف بينه - سبحانه - بقوله { وهذا النبي } والمراد به محمد ~~صلى الله عليه وسلم الداعى إلى التوحيد الذى دعا إليه إبراهيم. والجملة ~~الكريمة من عطف الخاص على العام للاهتمام به. وللإشعار بأنه صلى الله ~~عليه وسلم قد تلقى الهداية من السماء كما تلقاها إبراهيم - عليه السلام-. ~~وثالث هذه الأصناف بينه الله - تعالى - بقوله { والذين آمنوا } ~~أى والذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم واتبعوه. وفى هذا تنويه بشأن ~~الأمة الإسلامية، وتقرير بأن أتباع محمد صلى الله عليه وسلم أحق ~~بالانتساب إلى إبراهيم من أهل الكتاب لأن المؤمنين طلبوا الحق وآمنوا به، ~~أما أهل الكتاب فقد باعوا دينهم بدنياهم، وتركوا الحق جريا وراء شهواتهم. ~~وقوله { والله ولي المؤمنين } تذييل مقصود به تبشير ~~المؤمنين بأن الله - تعالى - هو ناصرهم ومتولى أمورهم. قال ابن كثير عند ~~تفسيره لهذه الآية يقول الله - تعالى - إن أحق الناس ms0768 بمتابعة إبراهيم ~~الخليل الذين اتبعوه على دينه، وهذا النبى يعنى محمدا صلى الله عليه وسلم ~~والذين آمنوا من أصحابه المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بعدهم. فعن ابن ~~مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن لكل نبى ولاية من النبيين، وإن وليى منهم أبى خليل ربى عز وجل ~~إبراهيم عليه السلام. ثم قرأ { إن أولى الناس بإبراهيم ~~للذين اتبعوه } الآية ". # ثم حكى - سبحانه - أن بعض أهل الكتاب لا يكتفون بما هم فيه من ضلال، بل ~~يحاولون أن يضلوا غيرهم فقال - تعالى - { ودت طآئفة من أهل ~~الكتاب لو يضلونكم }. وقوله - تعالى - { ودت } من الود ~~وهو محبة الشىء وتمنى حصوله ووقوعه. أى تمنت وأحبت جماعة من أهل الكتاب ~~إضلالكم وإهلاككم عن الحق - أيها المؤمنون - وذلك بأن ترجعوا عن دين ~~الإسلام الذى هداكم الله إليه، إلى دين الكفر الذى يعتنقه أولئك ~~الكافرون من أهل الكتاب. ولم يقف بغى بعض أهل الكتاب وحسدهم عند هذا ~~التمنى، بل تجاوزوه إلى إلقاء الشبهات حول دين الإسلام، وإلى محاولة صرف ~~بعض المسلمين عن دينهم. قال القرطبى نزلت هذه الآية - فى معاذ بن جبل، ~~وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر، حين دعاهم اليهود من بنى النضير وقريظة ~~وبنى قينقاع إلى اليهودية. والمراد بالطائفة رؤساء أهل الكتاب وأحبارهم ~~ومن للتبعيض وهى مع مجرورها فى محل رفع نعت لطائفة. و { لو } فى قوله { ~~لو يضلونكم } مصدرية أى ودت طائفة من أهل الكتاب إضلالكم. وقوله ~~{ وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون } جملة حالية. ~~أى والحال أنهم ما يضلون أى ما يهلكون إلا أنفسهم بسبب غوايتهم واستيلاء ~~الأهواء على قلوبهم، وإبثارهم العمى على الهدى ولكنهم لا يشعرون بذلك ولا ~~يفطنون له، لأنهم قد زين لهم الشيطان سوء عملهم فرأوة حسنا. وأما النداء ~~الثالث الذى اشتملت عليه هذه الآيات فهو قوله { يأهل الكتاب لم ~~تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون }. أى لماذا تكفرون ~~بآيات الله - تعالى - التى يتلوها عليكم نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ~~والحال أنكم تعلمون صدقها وصحتها علما يقينيا كعلم ms0769 المشاهدة والعيان، ~~وتعرفون أنه نبى حقا كما تعرفون أبناءكم. والاستفهام فى قوله { لم ~~تكفرون } لتوبيخهم والتعجيب من شأنهم، وإنكار ما هم عليه من كفر ~~بآيات الله مع علمهم بصدقها. وفى هذا النداء إشارة إلى أن ما أعطوه من ~~علم كان يقتضى منهم أن يسارعوا إلى الإيمان لا أن يكفروا بآيات الله ~~الدالة على صدق نبيه صلى الله عليه وسلم والتى تتناول القرآن الكريم، ~~والحجج والمعجزات التى جاءهم بها صلى الله عليه وسلم. ثم وجه إليهم - ~~سبحانه - نداء رابعا نهاهم فيه عن الخلط بين الحق والباطل وعن كتمان الحق ~~بعد أن نهاهم قبل ذلك عن الكفر بالآيات فقال - تعالى - { يأهل ~~الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون ~~الحق وأنتم تعلمون }. # وقوله { تلبسون } أى تخلطون من اللبس - بفتح اللام - أى الخلط ~~وفعله ليس من باب ضرب. تقول لبست عليه الأمر ألبسه إذا مزجت بينه بمشكلة ~~وحقه بباطله فى ستر وخفاء. أى يا أهل الكتب لماذا تخاطلون الحق الواضح ~~الذى نطقت به الكتب السماوية، وأيدته العقول السليمة، بالباطل الذى ~~تخترعونه من عند أنفسكم إرضاء لأهوائكم؟ ولماذا تكتمون الحق الذى تعرفونه ~~كما تعرفون أبناءكم بغية انصراف الناس عنه، لأن من جهل شيئا عاداه. وفى ~~تكرير النداء والاستفهام زيادة في توبيخهم ولإنكار ما هم عليه، والتعجيب ~~من شأنهم، ذلك لأنهم جمعوا أفحش أنواع الرذائل التى على رأسها كفرهم ~~بآيات الله وخلطهم الحق بالباطل وكتمان الحق عمن يريده. ولدعاة الضلالة ~~طريقتان فى إغواء الناس. إحداهما طريقة خلط الحق بالباطل حتى لا يتميز ~~أحدهما عن الآخر وهى المشار إليها بقوله - تعالى { لم تلبسون ~~الحق بالباطل }. والثانية طريقة جحد الحق وإخفائه حتى لا يظهر، ~~وهى المشار إليها بقوله - تعالى - { وتكتمون الحق }. وقد ~~استعمل أهل الكتاب الطريقتين لصرف الناس عن الإسلام فقد كان بعضهم يؤول ~~نصوص كتبهم الدالة على صدق النبى صلى الله عليه وسلم تأويلا فاسدا يخلط ~~فيه الحق بالباطل ليوهموا العامة أنه ليس هو النبى المنتظر، وكان بعضهم ~~يلقى حول الحق شبها ليوقع ضعفاء الإيمان فى حيرة وتردد، ms0770 وكان بعضهم يخفى ~~أو يحذف النصوص الدالة على صدق النبى صلى الله عليه وسلم أو التى لا ~~توافق أهواءهم. وقوله { وأنتم تعلمون } جملة حالية. أى وأنتم ~~تعلمون أن ما أخفيتموه وما لبستموه هو الحق، أو وأنتم من ذوى العلم ولا ~~يناسب من كان كذلك أن يكتم الحق ويخلطه بالباطل، وإذا كان هذا الفعل يعد ~~من كبائر الذنوب حتى ولو وقع من شخص عادى فإن وقعه يكون أقبح وفساده أكبر ~~وعاقبته أشأم متى صدر من عالم فاهم يميز بين الحق والباطل. قال أبو حيان ~~وهذه الحال وإن كان ظاهرها أنها قيد فى النهى عن اللبس والكتم، إلا أنها ~~لا تدل بمفهومها على جواز اللبس والكتم حالة الجهل إذا الجاهل بحال الشىء ~~لا يدرى كونه حقا أو باطلا. وإنما فائدتها بيان أن الإقدام على الأشياء ~~القبيحة مع العلم بها أفحش من الإقدام عليها مع الجهل. وبعد هذه ~~النداءات المتكررة لأهل الكتاب، والحجج الباهرة التى ساقها لهم على صحة ~~هذا الدين والتوبيخات المتعددة التى وبخهم بها لانصرافهم عن الحق ~~ومحاولتهم صرف غيرهم عنه بعد كل ذلك، أخذ القرآن فى سرد بعض المسالك ~~الخبيثة التى سلكها اليهود لكيد الإسلام والمسلمين فبدأ ببيان مسلك لئيم ~~من مسالكهم الكثيرة، وهو أن بعضهم كان يظهر الإيمان لفترة من الوقت ثم ~~يرجع عنه إلى الكفر، ليوهم ضعاف العقول أنه ما رجع عن الإسلام إلا بعد ~~أن دخله فوجده دينا ليس بشىء - فى زعمه -. استمع إلى القرآن وهو يحكى ذلك ~~لكى يطلع أتباعه على مسالك اليهود ومكرهم حتى يحذروهم، فيقول { وقالت ~~طآئفة... }. ### || [3.72-74] # فأنت إذا تأملت فى هذه الآيات الكريمة تراها قد حكت عن طائفة من أهل ~~الكتاب طريقة ماكرة لئيمة، هى تظاهرهم بالإسلام لفترة من الوقت ليحسن ~~الظن بهم من ليس خبيرا بمكرهم وخداعهم، حتى إذا ما اطمأن الناس إليهم ~~جاهروا بكفرهم ورجعوا إلى ما كانوا عليه، ليوهموا حديثى العهد بالإسلام ~~أو ضعاف الإيمان، أنهم قوم يبحثون عن الحقيقة، وأنهم ليس عندهم أى عداء ~~للنبى صلى الله عليه ms0771 وسلم بل إن الذى حصل منهم هو أنهم بعد دخولهم فى ~~الإسلام وجدوه دينا باطلا وأنهم ما عادوا إلى دينهم القديم إلا بعد ~~الفحص والاختبار وإمعان النظر فى دين الإسلام. ولا شك أن هذه الطريقة ~~التى سلكها بعض اليهود لصرف بعض المسلمين عن الإسلام من أقوى ما تفتق ~~عنه تديبرهم الشيطانى، لأن إعلانهم الكفر بعد الإسلام، وبعد إظهارهم ~~الإيمان به، من شأنه أن يدخل الشك فى القلوب ويوقع ضعاف الإيمان فى ~~حيرة واضطراب، خاصة وأن العرب - فى مجموعهم - قوم أميون ومنهم من كان ~~يعتقد أن اليهود أعرف منهم بمسائل العقيدة والدين. فيظن أنهم ما ارتدوا ~~عن الإسلام إلا بعد اطلاعهم على نقص فى تعاليمه. والمتتبع لمراحل ~~التاريخ قديما وحديثا يرى أن الدهاة فى السياسة والحرب يتخذ هذه الخدعة ~~ذريعة لإشاعة الخلل والاضطراب فى صفوف أعدائه. قال الأستاذ الشيخ محمد ~~عبده - رحمه الله " هذا النوع الذى تحكيه الآيات من صد اليهود عن ~~الإسلام مبنى على قاعدة طبيعية فى البشر، وهى أن من علامة الحق أن لا ~~يرجع عنه من يعرفه. وقد فقه هذا، هرقل، ملك الروم، فكان مما سأل عنه أبا ~~سفيان من شئون النبى صلى الله عليه وسلم أن قال له " هل يرتد أحد من ~~أتباع محمد سخطه لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فقال أبو سفيان لا. وقد أرادت ~~هذه الطائفة أن تغش الناس من هذه الناحية ليقولوا لولا أن ظهر لهؤلاء ~~بطلان الإسلام لما رجعوا عنه بعد أن دخلوا فيه، واطلعوا على بواطنه ~~وخوافيه، إذ لا يعقل أن يترك الإنسان الحق بعد معرفته، ويرغب عنه بعد ~~الرغبة فيه بغير سبب ". هذا، وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات ~~الكريمة روايات متعددة كلها تدور حول المعنى الذى قررناه. ومن هذه ~~الروايات ما أخرجه ابن جرير عن قتادة قال فى قوله - تعالى - { وقالت ~~طآئفة من أهل الكتاب آمنوا }.. ألخ قال بعض أهل الكتاب ~~لبعض " أعطوهم الرضا بدينهم أول النهار، واكفروا آخره فإنه أجدر أن ~~يصدقوكم ويعلموا أنكم قد رأيتم ما ms0772 تكرهونه فى دينهم، وهو أجدر أن يرجعوا ~~عن دينهم ". # وعن السدى كان - هؤلاء - أحبار قرى عربية، اثنى عشر حبرا، فقالوا لبعضهم ~~ادخلوا فى دين محمد أول النهار، وقولوا نشهد أن محمدا حق صادق. فإذا كان ~~آخر النهار فاكفروا وقولوا إنا رجعنا إلى علمائنا وأحبارنا فسألناهم، ~~فحدثونا أن محمدا كاذب، وأنكم لستم على شيء، وقد رجعنا إلى ديننا فهو ~~أعجب إلينا من دينكم، لعلهم يشكون، يقولون هؤلاء كانوا معنا أول النهار ~~فما بالهم؟ فأخبر الله - عز وجل - رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك ". ~~والمعنى { وقالت طآئفة من أهل الكتاب } أى فيما بينهم ~~ليلبسوا على الضعفاء أمر دينهم { آمنوا بالذي أنزل على ~~الذين آمنوا وجه النهار } أى قال بعضهم لبعض نافقوا ~~وأظهروا التصديق بالإسلام ونبيه - صلى الله عليه وسلم - وبما أنزل عليه ~~وعلى أصحابه من قرآن { وجه النهار } أى فى أول النهار. وسمى أول ~~النهار وجها، لأنه أول ما يواجهك منه، وأول وقت ظهوره ووضوحه. وقوله { ~~واكفروا آخره لعلهم يرجعون } معطوف على { آمنوا ~~}. أى آمنوا فى أول النهار واكفروا فى آخره، بأن تعودوا إلى اليهودية، ~~أملا فى أن ينخدع بحيلتكم هذه بعض المسلمين، فيشكوا فى دينهم، ويعودوا ~~إلى الكفر بعد دخولهم فى الإسلام. وقوله { لعلهم يرجعون } ~~كشف عن مقصدهم الخبيث، وهو ابتغاؤهم رجوع بعض المؤمنين عن دينهم الحق إلى ~~ما كانوا عليه من باطل. قال الفخر الرازى " والفائدة فى إخبار الله - ~~تعالى - عن تواضعهم على هذه الحيلة من وجوه الأول أن هذه الحيلة كانت ~~مخفية فيما بينهم، وما أطلعوا عليها أحدا من الأجانب، فلما أخبر الرسول ~~عنها كان ذلك إخبارا عن الغيب فيكون معجزا. الثانى أنه - تعالى - لما ~~أطلع المؤمنين على تواطئهم على هذه الحيلة لم يحصل لهذه الحيلة أثر فى ~~قلوب المؤمنين، ولولا هذا الإعلام لكان ربما أثرت هذه الحيلة فى قلب بعض ~~من كان فى إيمانه ضعف. الثالث أن القوم لما افتضحوا فى هذه الحيلة صار ~~ذلك رادعا لهم عن الإقدام على أمثالها من الحيل والتلبيس ". ثم حكى - ~~سبحانه - لونا ms0773 من عصبيتهم وتعاونهم على الإثم والعدوان فقال تعالى { ~~ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى ~~هدى الله أن يؤتى أحد مثل مآ أوتيتم أو ~~يحآجوكم عند ربكم }. وقوله - سبحانه - حكاية عنهم { ولا ~~تؤمنوا } معطوف على قوله - تعالى - فى الآية السابقة { آمنوا ~~بالذي أنزل }. وقد فسر بعضهم { ولا تؤمنوا } بمعنى ولا ~~تقروا، أو ولا تعترفوا فتكون اللام فى قوله { إلا لمن تبع ~~دينكم } أصلية. وعليه يكون المعنى أن بعض اليهود قد قالوا لبعض ~~أظهروا إسلامكم أول النهار واكفروا آخره، لعل هذا العمل منكم يحمل بعض ~~المسلمين على أن يتركوا دينهم الإسلام، ويعودوا إلى ما كانوا عليه من ~~الكفر ولم يكتفوا بهذا القول بل قالوا أيضا على سبيل المكر والخديعة، ولا ~~تقروا ولا تعترفوا بأن أحدا من المسلمين أو من غيرهم يؤتى مثل ما أوتيتم ~~من الكتاب والنبوة والفضائل، أو بأن أحدا فى قدرته أن يحاججكم أى يبادلكم ~~الحجة عند ربكم يوم القيامة، ولا تقروا ولا تعترفوا بشىء من ذلك " إلا لن ~~تبع دينكم " أى إلا لمن كان على ملتكم اليهودية دون غيرها. # فالمستثنى منه على هذا التفسير محذوف، والتقدير ولا تؤمنوا أى تقروا ~~وتعترفوا لأحد من الناس بأن أحدا يؤتى مثل ما أوتيتم أو بأن أحدا ~~يحاججكم عند ربكم إلا لمن تبع دينكم، لأن إقراركم بذلك أمام المسلمين أو ~~غيرهم ممن هو على غير ملتكم سيؤدى إلى ضعفكم وإلى قوة المسلمين. فهم على ~~هذا التفسير يعلمون ويعتقدون بأن المؤمنين قد أوتوا مثلهم من الدين ~~والفضائل عن طريق محمد صلى الله عليه وسلم الذى أرسله الله رحمة ~~للعالمين، ولكنهم لشدة حسدهم وبغضهم للنبى صلى الله عليه وسلم ولأتباعه، ~~قد تواصوا فيما بينهم بأن يكتموا هذا العلم وتلك المعرفة، ولا يظهروا ذلك ~~إلا فيما بينهم، وصدق الله إذ يقول فى شأنهم # الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم ~~يعلمون # وقد صدر صاحب الكشاف تفسيره للآية بهذا الوجه فقال " قوله { ولا ~~تؤمنوا } متعلق بقوله { أن يؤتى ms0774 } وما بينهما اعتراض، أى ولا ~~تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم. ~~أرادوا أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم، ~~ولا تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتا، ودون ~~المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام { أو يحآجوكم عند ربكم ~~} عطف على أن يؤتى. والضمير فى يحاجوكم لأحد، لأنه فى معنى الجمع، بمعنى ~~ولا تؤمنوا لغير أتباعكم أن المسلمين يحاجونكم يوم القيامة ويغالبونكم ~~عند الله - تعالى بالحجة ". هذا هو الوجه الأول فى تفسير الآية الكريمة. ~~وهناك وجه آخر يرى أصحابه أن قوله تعالى - { ولا تؤمنوا } بمعنى ~~ولا تصدقوا أو ولا تعتقدوا، فتكون اللام فى قوله { لمن تبع ~~دينكم } زائدة للتقوية. فيصير المعنى على هذا الوجه أن بعض اليهود قد ~~قالوا لبعض أظهروا الإسلام أول النهار واكفروا آخره لعل عملكم هذا يجعل ~~بعض المسلمين يترك دينه ويعود إلى الكفر الذى كان عليه، ولا تصدقوا أن ~~أحدا من البشر يؤتى مثل ما أتيتم يا بنى إسرائيل من الكتاب والنبوة، أو ~~أن أحدا فى قدرته أن يحاججكم عند ربكم فأنتم الأعلون فى الدنيا والآخرة ~~وأنتم الذين لا تخرج النبوة من بينكم إلى العرب، وما دام الأمر كذلك فلا ~~تتبعوا إلا نبيا منكم يقرر شرائع التوراة، أما من جاء بتغيير شىء من ~~أحكامها أو كان من غير بنى إسرائيل كمحمد صلى الله عليه وسلم فلا تصدقوه. # فالمستثنى منه على هذا الوجه هو قوله " أحد " المذكور فى الآية، ~~والمستثنى هو قوله { إلا لمن تبع دينكم }. والتقدير ولا ~~تصدقوا أن أحدا يمكن أن يؤتى مثل ما أوتيتم أو يمكنه أن يحاججكم عند ربكم ~~{ إلا لمن تبع دينكم } أى إلا من كان على ملتكم اليهودية، ~~أما أن يكون من غيركم كهذا النبى العربى فلا يمكن أن يؤتى مثل ما أوتيتم ~~من الكتاب والنبوة، لأنهما - فى زعمهم - حكر على بنى إسرائيل. فهم على ~~هذا الوجه من التفسير يزعمون أنهم غير مصدقين ولا معتقدين بأن المسلمين ~~قد ms0775 أوتوا كتابا ودينا وفضائل مثل ما أوتوا هم أى اليهود، ويرون أنفسهم ~~- لغرورهم وانطماس بصيرتهم - أنهم أهدى سبيلا من كل من سواهم من البشر. ~~وعلى كل من الوجهين يكون قوله - تعالى - { أن يؤتى أحد مثل ~~مآ أوتيتم أو يحآجوكم عند ربكم } مفعول به لتؤمنوا. ~~والتقدير ولا تصدقوا أو ولا تقروا لأحد بأن أحدا يؤتى مثل ما أوتيتم أو ~~بأن أحدا يحاججكم عند ربكم. وعلى كل من الوجهين - أيضا - يكون قوله - ~~تعالى - { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } وقوله { ~~أن يؤتى أحد مثل مآ أوتيتم أو يحآجوكم عند ~~ربكم } حكاية من الله - تعالى - لما تواصى به بعض اليهود فيما بينهم ~~من أقوال خبيثة، وأفكار ماكرة. ويكون قوله - تعالى - { قل إن ~~الهدى هدى الله } كلاما معترضا بين أقوالهم ساقه الله - تعالى - ~~للمسارعة بالرد على أقوالهم الذميمة حتى يزداد المؤمنون إيمانا على ~~إيمانهم، ويزدادوا هم رجسا إلى رجسهم، وينكشف ما أضمروه وما بيتوه ~~للمؤمنين من سوء وحقد. أى قل لهم يا محمد إن هداية الله - تعالى - ملك له ~~وحده، وهو الذى يهبها لمن يشاء من عباده، فهى ليست حكرا على أحد، ولا ~~أمرا مقصورا على قوم دون قوم، وإذا كانت النبوة قد ظلت فترة من الزمان فى ~~بنى إسرائيل، فالله - تعالى - قادر على أن يسلبها منهم لأنهم لم يشكروه ~~عليها وأن يجعلها فى محمد العربى صلى الله عليه وسلم لأنه أهل لها وهو - ~~سبحانه - أعلم حيث يجعل رسالته. هذا، ويرى بعض المفسرين أن أقوال اليهود ~~التى حكاها القرآن عنهم قد انتهت بنهاية قوله - تعالى - { ولا ~~تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } وأما قوله - تعالى - { ~~قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل مآ ~~أوتيتم أو يحآجوكم عند ربكم } فهو من كلام الله - ~~تعالى - وقد ساقه - سبحانه - للرد عليهم. # فيكون المعنى عليه أن بعض اليهود قد قال لبعض أظهروا إسلامكم أول النهار ~~واكفروا آخره لعل بعض المسلمين يرجع عن دينه بسبب فعلكم هذا، ولا تعترفوا ~~بفعلكم هذا إلا لأهل دينكم من اليهود حتى يبقى ms0776 عملكم هذا سرا له أثره فى ~~بلبلة أفكار المسلمين ورجوع بعضهم عن الإسلام. وهنا يأمر الله - تعالى - ~~نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بالرد عليهم وبالكشف عن مكرهم فيقول قل ~~لهم يا محمد إن الهدى هدى الله، أى إن هداية الله ملك له وحده فهو الذى ~~يهدى من يشاء وهو الذى يضل من يشاء، وقد هدانا - سبحانه - إلى الإسلام ~~وارتضيناه دينا لنا ولن نرجع عنه. وقل لهم كذلك على سبيل التوبيخ والتهكم ~~بعقولهم أمخافة أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الكتاب والنبوة أو مخافة أن ~~يحاججكم المسلمون عند ربكم يوم القيامة حيث آمنوا بالحق وأنتم كفرتم به، ~~أمخافة ذلك دبرتم ما دبرتم من هذه الأقوال السيئة والأفعال الخبيثة؟ لا ~~شك أنه لم يحملكم على ذلك المنكر السىء إلا الحسد لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم ولقومه وزعمكم أنكم أفضل منهم لأنكم - كما تدعون - أبناء الله ~~وأحباؤه فدفعكم ذلك كله إلى كراهية دينه والكيد لأتباعه. قالوا ويؤيد هذا ~~الوجه من التفسير للآية قراءة ابن كثير " أأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم... ~~" بهمزتين أولاهما للاستفهام الذى قصد به التوبيخ والإنكار، والثانية هى ~~همزة أن المصدرية. وقد أشار إلى هذا الوجه الفخر الرازى فقال ما ملخصه " ~~واعلم أن هذه الآية من المشكلات الصعبة... ويحتمل أن يكون قوله - تعالى - ~~{ أن يؤتى أحد مثل مآ أوتيتم أو يحآجوكم عند ~~ربكم } من كلام الله - تعالى - فقد قرا ابن كثير " آن يؤتى أحد.. " ~~بمد الألف على الاستفهام، ويكون الاستفهام للتوبيخ كقوله - تعالى - { أن ~~كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال ~~أساطير الأولين }. والمعنى أمن أجل أن يؤتى أحد شرائع مثل ما ~~أوتيتم من الشرائع تنكرون اتباعه، ثم حذف الجواب للاختصار، وهذا الحذف ~~كثير. يقول الرجل بعد طول العتاب لصاحبه. وبعد كثرة إحسانه إليه أمن قلة ~~إحسانى إليك؟ والمعنى أمن أجل هذا فعلت ما فعلت ". ثم أمر الله - تعالى - ~~نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم مرة ثانية حتى يبطل مزاعمهم ~~ويفضحهم على رؤس الأشهاد ms0777 فقال { قل إن الفضل بيد الله ~~يؤتيه من يشآء والله واسع عليم } أى قل لهم يا محمد إن ~~الفضل - الذى يتناول النبوة وغيرها من نعم الله على عباده - هذا الفضل ~~وذلك العطاء بيد الله - تعالى- وحده، وهو - سبحانه - المتفضل به على من ~~يشاء التفضل عليه من عباده، وإذا كان - سبحانه - قد جعل النبوة فى بنى ~~إسرائيل لفترة من الزمان، فذلك بفضل منه وبرحمته، وإذا كان قد سلبها عنهم ~~لأنهم لم يرعوها حق رعايتها وجعلها فى هذا النبى العربى فذلك - أيضا - ~~بفضله ورحمته، وهو - سبحانه - أعلم حيث يجعل رسالته، وهو - سبحانه - صاحب ~~الاختيار المطلق فى أن يؤتى فضله لمن يشاء من عباده. # وهو - سبحانه - { واسع } الرحمة والفضل { عليم } بمن يستحقها وبمن ~~لا يستحقها. ثم قال - تعالى - { يختص برحمته من يشآء } أى ~~يختص بالنبوة وما يترتب عليها من الهداية والنعم من يشاء من عباده. وقوله ~~{ والله ذو الفضل العظيم } أى هو - سبحانه - صاحب الجود ~~العميم والفضل العظيم، فلا عظمة تساوى عظمة فضل الله - تعالى - على خلقه، ~~وإنما هو وحده صاحب النعم التى لا تحصى على عباده، فعليهم أن يشكروه وأن ~~يفردوه بالعبادة والخضوع. وبذلك تكون الآيات الكريمة قد كشفت عن مسلك من ~~مسالك اليهود الماكرة التى أرادوا من ورائها كيد الإسلام والمسلمين، وفى ~~هذا الكشف تنبيه للمسلمين إلى ما يبيته لهم هؤلاء الأعداء من شرور وآثام ~~حتى يحذروهم. ثم حكى القرآن لونا آخر من ألوان مزاعم اليهود الباطلة، ~~وأقاويلهم الكاذبة، وهو دعواهم أنهم ليس عليهم فى الأميين سبيل، أى أن كل ~~من كان على غير ملتهم فإنه مهدور الحقوق، ثم رد عليهم بما يدحض مزاعمهم ~~ويثبت أنهم ليسوا أهلا لاختصاصهم بالنبوة والرحمة فقال تعالى { ومن ~~أهل... }. ### || [3.75-76] # قال الإمام الرازى اعلم أن تعلق هذه الآية - وهى قوله - ومن أهل ~~الكتاب... بما قبلها من وجهين الأول أنه - تعالى - حكى عنهم فى الآية ~~المتقدمة أنهم ادعوا أنهم أوتوا من المناصب الدينية ما لم يؤت أحد غيرهم ~~مثله، ثم إنه - تعالى - بين أن الخيانة مستقبحة عند ms0778 جميع أرباب الأديان ~~وهم مصرون عليها فدل هذا على كذبهم. والثانى أنه - تعالى - لما حكى عنهم ~~فى الآية المتقدمة قبائح أحوالهم فيما يتعلق بالأديان وهو أنهم قالوا # ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم # حكى فى هذه الآية بعض قبائح أحوالهم فيما يتعلق بمعاملة الناس، وهو ~~إصرارهم على الخيانة والظلم وأخذ أموال الناس فى القليل والكثير. قال ابن ~~عباس أودع رجل عند عبد الله بن سلام ألفا ومائتى أوقية من ذهب فأداها ~~إليه. وأودع رجل آخر عند فنحاص بن عازوراء اليهودى دينارا فخانه فنزلت ~~الآية. والمعنى إن من أهل الكتاب فريقا أن تأتمنه على الكثير والنفيس من ~~الأموال يؤده إليك عند طلبه كاملا غير منقوص، وإن منهم فريقا آخر إن ~~تأتمنه على القليل والحقير من حطام الدنيا يستحله ويجحده ولا يؤديه إليك ~~إلا إذا داوم صاحب الحق على المطالبة بحقه واستعمل كل الوسائل فى الحصول ~~عليه. فالآية الكريمة قد مدحت من يستحق المدح من أهل الكتاب وهو الفريق ~~الذى استجاب للحق وآمن بالنبى صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سلام ~~وأمثاله من مؤمنى أهل الكتاب. وذمت من يستحق الذم منهم وهو الفريق الذى ~~لا يؤدى الأمانة، ولم يستجب للحق، بل استمر على كفره وجحوده، وهذا القسم ~~يمثل أكثرية أهل الكتاب. والمراد من ذكر القنطار والدينار هنا العدد ~~الكثير والعدد القليل. أى أن منهم من هو فى غاية الأمانة حتى أنه لو ~~اؤتمن على الأموال الكثيرة لأداها، ومنهم من هو فى غاية الخيانة حتى أنه ~~لو اؤتمن على الشىء القليل لجحده. وقوله { إلا ما دمت عليه ~~قآئما } استثناء من أعم الأحوال أو الأوقات. أى لا يؤده إليك فى حال ~~من الأحوال أو فى وقت من الأوقات إلا فى حال أو فى وقت مداومتك على طلبه، ~~والإلحاح فى ذلك، واستعمال كل الوسائل للوصول إلى حقك. قال الجمل و " ~~دمت " هذه هى الناقصة، ترفع وتنصب، وشرط أعمالها أن يتقدمها ما الظرفية ~~كهذه الآية إذ التقدير إلا مدة دوامك. وأصل هذه المادة للدلالة على ms0779 ~~الثبوت والسكون. يقال دام الماء، أى سكن. وفى الحديث # " لا يبولن أحدكم فى الماء الدائم " # أى الذى لا يجرى... ومنه دام الشىء إذا امتد عليه زمان. # ودامت الشمس إذا وقفت فى كبد السماء وقوله { عليه } متعلق بقوله { ~~قآئما } والمراد بالقيام الملازمة، لأن الأغلب أن المطالب يقوم على ~~رأس المطالب، ثم جعل عبارة عن الملازمة وإن لم يكن ثمة قيام. قال ابن ~~جرير فإن قال قائل وما وجه إخبار الله بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم وقد ~~علمت أن الناس لم يزالوا كذلك، منهم المؤدى أمانته ومنهم الخائن لها؟ قيل ~~إنما أراد - عز وجل - بإخباره المؤمنين خبرهم على ما بينه فى كتابه بهذه ~~الآية، تحذير المؤمنين من أن يأتمنوهم على أموالهم، وتخويفهم من الاغترار ~~بهم، لاستحلال كثير منهم أموال المؤمنين. ثم حكى - سبحانه - بعض الأسباب ~~التى جعلتهم يبررون خيانتهم وجحودهم لحقوق غيرهم فقال - تعالى - { ذلك ~~بأنهم قالوا ليس علينا فى الأميين سبيل }. ~~وقوله { ذلك } إشارة إلى ترك الأداء المدلول عليه بقوله - سبحانه - { ~~لا يؤده }. والمراد بالأميين العرب، خصوصا من آمن منهم، وسمى ~~العرب بالأميين نسبة إلى الأم، وذلك لغلبة الأمية عليهم لكأن الواحد منهم ~~قد بقى على الحالة التى ولدتهم عليها أمهاتهم من عدم القراءة والكتابة. ~~والسبيل المراد به، الحجة الملزمة والحرج. وأصله الطريق، ثم أطلق على ~~الحجة باعتبارها طريقا ووسيلة للإلزام وتحمل التبعات. أى ذلك الامتناع ~~عن الوفاء بالعهود، وجحود الأمانات والحقوق من الفريق الخائن. سببه زعمهم ~~الباطل أنهم ليس عليهم حرج أو إثم أو تبعة فى استحلال أموال العرب ~~الأميين واستلابها منهم بأية طريقة، لأن الأميين ليسوا على ملتهم. ~~واليهود يزعمون أن كتابهم يحل لهم قتل من خالفهم، كما يحل لهم أخذ ما له ~~بأى وسيلة. وهذا الخلق الذميم معرق فى اليهود، لأن أنانيتهم جعلتهم ~~يحرفون كتبهم على حسب ما تهوى نفوسهم، فقد كانت التوراة تحرم الربا ~~تحريما مطلقا فتقول " لا تأخذ ربا من أخيك إذا أقرضته " فحرف اليهود هذا ~~النص إذ زادوا فيه كلمة الإسرائيلى فأصبح النص هكذا ms0780 " لا تأخذ ربا من ~~أخيك الإسرائيلى إذا أقرضته " وبذلك أصبحوا يحرمون الربا عند تعاملهم مع ~~أنفسهم ويحلونه عند تعاملهم مع غيرهم، لأنهم لا يشعرون بالأخوة ~~الإنسانية العامة. قال الآلوسى أخرج ابن جرير عن ابن جريج قال بايع ~~اليهود رجال من المسلمين فى الجاهلية فلما أسلموا تقاضوهم عن بيوعهم فقال ~~اليهود ليس علينا أمانة ولا قضاء لكم عندنا، لأنكم تركتم دينكم الذى كنتم ~~عليه، وادعوا أنهم وجدوا ذلك فى كتابهم. وقال الكلبى قالت اليهود " ~~الأموال كلها كانت لنا، فما فى أيدى العرب منها فهو لنا، وأنهم ظلمونا ~~وغصبونا فلا إثم علينا فى أخذ أموالنا منهم ". وقوله - تعالى - { ~~ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون } رد عليهم ~~فيما قالوه من أنهم ليس عليهم فى الأميين سبيل، وتكذيب لهم فيما زعموه، ~~لأن قولهم هذا ما أنزل الله به من سلطان، ولا يؤيده عقل سليم، إذ المبادئ ~~الخلقية الفاضلة يجب أن تطبق على جميع الناس بدون تفرقة بينهم. # والمعنى أن هؤلاء اليهود الذين يجحدون الأمانات متذرعين بقولهم { ليس ~~علينا فى الأميين سبيل } ، يفترون على الله الكذب فى قولهم ~~هذا، وهم يعلمون أنه كاذبون، لأنهم ليس عندهم فى كتبهم نص يبيح لهم ~~استحلال أموال العرب وخيانتهم، وإنما الذى تأمرهم به كتبهم هو أداء ~~الأمانة لمستحقيها بالمعروف. وقوله { وهم يعلمون } جملة حالية من ~~الضمير فى { ويقولون } ومفعول العلم محذوف اقتصارا، أى وهم من ذوى ~~العلم. أو اختصارا، أى يعلمون كذبهم وافتراءهم. ولقد بين النبى صلى الله ~~عليه وسلم فى أحاديث متعددة أن الأمانة يجب أن تؤدى إلى البار والفاجر، ~~ومن ذلك ما أخرجه ابن جرير عن سعيد بن جبير أنه قال لما نزلت { ومن ~~أهل الكتاب من إن تأمنه } الآية. قال النبى صلى الله عليه ~~وسلم # " كذب أعداء الله!! ما من شىء كان فى الجاهلية إلا وهو تحت قدمى، إلا ~~الأمانة فإنها مؤداة إلى البار والفاجر ". # ولقد سار أتباع النبى صلى الله عليه وسلم على مبدأ أداء الأمانة، وعدم ~~أخذ شىء من أموال الغير إلا بوجه مشروع. ms0781 قال ابن كثير " قال عبد الرازق ~~أنبأنا معمر عن أبى إسحاق الهمدانى عن أبى صعصعة بن يزيد. أن رجلا سأل ~~ابن عباس إنا نصيب فى الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة. قال ابن ~~عباس فتقولون ماذا؟ قال نقول ليس علينا بذلك بأس. قال ابن عباس هذا كما ~~قال أهل الكتاب { ليس علينا فى الأميين سبيل } إنهم إذا ~~أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم ". ثم أكد الله - تعالى ~~- كذب هؤلاء اليهود الذين قالوا { ليس علينا فى الأميين ~~سبيل } بجملة أخرى فيها الرد الذى يخرس ألسنتهم، ويدحض مزاعمهم فقال - ~~تعالى - { بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله ~~يحب المتقين }. و { بلى } حرف يذكر فى الجواب لإثبات ~~المنفى فى كلام سابق، ولقد حكى القرآن قبل ذلك أن اليهود قد نفوا أن يكون ~~عليهم فى الأميين سبيل. فجاء - سبحانه - بهذا الرد الذى يثبت ما نفوه. ~~ويبطل ما زعموه. والمعنى ليس الأمر كما زعمتم أيها اليهود من أنه ليس ~~عليكم فى الأميين سبيل، بل الحق أن عليكم فيهم سبيل. وأنكم معذبون بسبب ~~كفركم واستحلالكم لأموالهم بدون حق ومثابون إن آمنتم بالله ورسوله ووفيتم ~~بعهودكم، وصنتم أنفسكم من كل ما يغضب الله - تعالى -. وقد علل - سبحانه - ~~هذا الحكم العادل بجملة مستأنفة عامة فقال { من أوفى بعهده ~~واتقى فإن الله يحب المتقين }. # أى كل من أوفى بعهد الله فآمن بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم واستقام ~~على دينه، واتقى ما نهى الله عنه من ترك الخيانة والغدر وما إلى ذلك من ~~المحرمات، فإن الله يحبه ويرضى عنه، ومن لم يفعل ذلك فإن الله يبغضه ولا ~~يحبه ويعذبه العذاب الأليم. وبذلك تكون الآية الكريمة قد بينت أن محبة ~~الله لعبده تتوفر بأمرين أولهما الوفاء بالعهد. فكل ما يلتزمه الإنسان ~~من عهود فالوفاء بها واجب. وفى مقدمة هذه العهود، العهد الذى أخذه الله ~~على عباده بتوحيده والإيمان برسله وعلى رأسهم محمد صلى الله عليه وسلم. ~~وثانيهما تقوى الله بمعنى أن يجتنب ما نهى الله عنه ms0782 وحرمه عليه، ولا يفعل ~~إلا ما أحله الله وأذن له فيه. وقد خلا اليهود من هذين الأمرين، لأنهم لم ~~يفوا بعهودهم، ولم يتقوا الله، فسلبت عنهم محبته، واستحقوا غضبه - سبحانه ~~- ونقمته. قال صاحب الكشاف قوله - تعالى - { بلى } إثبات لما نفوه من ~~السبيل عليهم فى الأميين، أى بلى عليهم سبيل فيهم. وقوله { من أوفى ~~بعهده واتقى } جملة مستأنفة مقررة للجملة التى سدت { بلى } ~~مسدها. والضمير فى { بعهده } راجع إلى { من أوفى } على أن كل ~~من أوفى بما عاهد عليه واتقى الله بأن ترك الخيانة والغدر فإن الله يحبه. ~~فإن قلت فهذا عام يخيل أنه لو وفى أهل الكتاب بعهودهم وتركوا الخيانة ~~لكسبوا محبة الله. قلت أجل، لأنهم إذا وفوا بالعهود، وفوا أول شىء بالعهد ~~الأعظم وهو ما أخذ عليهم فى كتابهم من الإيمان برسول مصدق لما معهم. ولو ~~اتقوا الله فى ترك الخيانة لاتقوه فى ترك الكذب على الله وتحريف كلمه، ~~ويجوز أن يرجع الضمير فى " بعهده " إلى الله، على أن كل من وفى بعهد الله ~~واتقاه فإن الله يحبه ويدخل فى ذلك الإيمان وغيره من الصالحات، وما وجب ~~اتقاؤه من الكفر وأعمال السوء. فإن قلت فأين الضمير الراجع من الجزاء إلى ~~من؟ قلت عموم المتقين قام مقام رجوع الضمير ". وبهذا يكون القرآن قد كشف ~~عن مكر اليهود وخداعهم، ورد عليهم فيما افتروه من أقوال باطلة، وأثبت ~~أنهم يكذبون فيما يدعون عن تعمد وإصرار، وبين أن أداء الأمانة واجب على ~~كل إنسان، وأن كل من وفى بعهود الله واتقاه فهو أهل لمحبته ورضاه. ثم ~~توعد الله - تعالى - الذين يخونون العهود، ويحلفون كذبا بالعذاب الأليم، ~~ونعى على فريق من اليهود تحريفهم للكلم عن مواضعه، وأنذرهم بسوء المصير ~~فقال - تعالى - { إن الذين يشترون.... }. ### || [3.77-78] # روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { إن الذين يشترون ~~} الآية روايات منها ما أخرجه الشيخان عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال # " من حلف على مال امرىء مسلم بغير حقه لقى الله ms0783 وهو عليه غضبان " # قال عبد الله. ثم قرأ علينا رسول الله مصداقه من كتاب الله، { إن ~~الذين يشترون بعهد الله } إلخ. وفى رواية قال " من حلف ~~على يمين ليقتطع بها مال امرىء مسلم لقى الله وهو عليه غضبان، فأنزل الله ~~- تعالى - تصديق ذلك { إن الذين يشترون بعهد الله }. ~~قال عبد الله فدخل الأشعث بن قيس فقال ما يحدثكم أبو عبد الرحمن قلنا كذا ~~وكذا. فقال صدق. فى نزلت، كان بينى وبين رجل خصومة فى بئر، فاختصمنا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهداك ~~أو يمينه؟ قلت إنه إذا يحلف ولا يبالى فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرىء مسلم هو فيها فاجر لقى الله وهو ~~عليه غضبان " # ، ونزلت { إن الذين يشترون }. وروى البخارى عن عبد الله بن ~~أوفى أن رجلا أقام سلعة فى السوق فحلف بالله لقد أعطى بها ما لم يعطه ~~ليوقع فيها رجلا من المسلمين، فنزلت { إن الذين يشترون }. ~~وقال الفخر الرازى قال عكرمة إنها نزلت فى أحبار اليهود، كتموا ما عهد ~~الله إليهم فى التوراة من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكتبوا بأيديهم ~~غيره، وحلفوا بأنه من عند الله لئلا يفوتهم الرشا ". هذه ثلاث روايات فى ~~سبب نزول تلك الآية الكريمة، وأرجحها رواية الشيخيين، ولذا وجب الأخذ بها ~~إلا أن نزول الآية فى قصة معينة لا يمنع شمول حكمها لكل ما يشبه هذه ~~القصة أو الحادثة، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب - كما يرى جمهور ~~العلماء -. فكل من حلف بالله كاذبا، واشترى بعهده - سبحانه - ثمنا قليلا ~~حقت عليه العقوبة التى بينتها الآية الكريمة. ويدخل تحت هذه العقوبة ~~دخولا أوليا أولئك اليهود الذين خانوا عهد الله بإنكارهم لنبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم مع أنهم يعرفون صدقه معرفة جليلة. والمراد بقوله { ~~يشترون } أى يستبدلون، وذلك لأن المشترى يأخذ شيئا ويعطى شيئا. ~~فكل واحد من المعطى والمأخوذ ثمن للآخر. والمراد { بعهد ms0784 الله } كل ~~ما يجب الوفاء به، فيدخل فيه ما أوجبه الله - تعالى - على عباده من فرائض ~~وتكاليف، ومن إيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، كما يدخل فيه - ~~أيضا - ما أوجبه الله على أهل الكتاب من الإيمان بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم الذى يجدون نعته فى كتبهم، ويعرفون صدقه كما يعرفون أبناءهم. # والباء فى قوله - تعالى - { بعهد الله } داخلة على المتروك الذى ~~تركوه وأخذوا فى مقابله الثمن القليل. وقوله { وأيمانهم } معطوف ~~على عهد الله. والمراد بأيمانهم تلك الأيمان الكاذبة التى يحلفونها ~~ليؤكدوا ما يريدون تأكيده من أقوال أو أفعال. والمراد بالثمن القليل حظوظ ~~الدنيا وشهواتها من نحو المال والمنافع الزائلة، التى أخذوها نظير تركهم ~~لعهود الله، وحلفهم الكاذب. وليس وصف الثمن بالقلة هنا من الأوصاف ~~المخصصة للنكرات، بل هو من الأوصاف اللازمة للثمن المحصل نظير خيانة عهود ~~الله تحقيرا له، إذ أنه لا يكون إلا قليلا وإن بلغ ما بلغ من أغراض ~~الدنيا بجانب رضا الله والوفاء بعهوده. وقوله { أولئك لا خلاق ~~لهم فى الآخرة } أى الذين يخونون عهد الله ويحلفون الأيمان الكاذبة ~~فى مقابل عرض من أعراض الدنيا، لا نصيب لهم ولا حظ من نعيم الآخرة بسبب ~~ما ارتكبوه من غدر وافتراء. وقوله { ولا يكلمهم الله } أى لا ~~يكلمهم بما يسرهم بل يكلمهم بما يسوؤهم ويخزيهم يوم القيامة بسبب أعمالهم ~~السيئة. أو أن عدم كلام الله - تعالى - لهم كناية عن عدم محبته لهم، لأن ~~من عادة المحب أن يقبل على حبيبه ويتحدث إليه، أما المبغض لشىء، فإنه ~~ينصرف عنه. وإلى هذا المعنى ذهب الإمام الرازى فقد قال ما ملخصه " وقوله ~~- تعالى - { ولا يكلمهم الله } فيه سؤال وهو أنه - تعالى - ~~قال # فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون # فكيف الجمع بين الآية التى معنا وبين قوله # لنسألنهم أجمعين # والجواب أن المقصود من كل هذه الكلمات بيان شدة سخط الله عليهم، لأن من ~~منع غيره كلامه، فإنما ذلك بسخط عليه، وإذا سخط إنسان على آخر قال له لا ~~أكلمك، وقد يأمر بحجبه عنه ms0785 ويقول لا أرى وجه فلان، وإذا جرى ذكره لم ~~يذكره بالجميل، فثبت أن الآية كناية عن شدة الغضب نعوذ بالله منه. وهذا ~~هو الجواب الصحيح ". وقوله { ولا ينظر إليهم } أى لا يعطف ~~عليهم ولا يرحمهم ولا يحسن إليهم، وذلك كما يقول القائل لغيره انظر إلى، ~~يريد ارحمنى واعطف على. ويقال فلان لا ينظر إلى فلان، والمراد من ذلك نفى ~~الإحسان إليه وترك الاعتداد به، فقد جرت العادة بأن من اعتد بإنسان وعطف ~~عليه التفت إليه. قالوا فلهذا السبب صار المراد بعدم نظر الله - تعالى - ~~إلى هؤلاء الخائنين عبارة عن ترك العطف عليهم والإحسان إليهم والرحمة ~~بهم. ولا يجوز أن يكون المراد من عدم النظر إليهم، وعدم رؤيتهم، لأنه - ~~سبحانه - يراهم كما يرى غيرهم من خلقه. # وقوله - تعالى - { ولا يزكيهم } أى أنه - سبحانه - لا يطهرهم من ~~دنس ذنوبهم وأوزارهم بالمغفرة، بل يعاقبهم عليها. أو أنه - سبحانه - لا ~~يثنى عليهم كما يثنى على الصالحين من عباده، بل يسخط عليهم وينتقم منهم ~~جزاء غدرهم. ثم ختم - سبحانه - الآية ببيان النتيجة المترتبة على هذا ~~الغضب منه عليهم، فقال { ولهم عذاب أليم }. أى ولهم عذاب مؤلم ~~موجع بسبب ما ارتكبوه من آثام وسيئات. فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ~~توعدت هؤلاء الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا بأنهم لا حظ ~~لهم من نعيم الآخرة، وأنهم ليسوا أهلا لرضا الله ورحمته وإحسانه، وأنهم ~~سينالون العذاب المؤلم الموجع بسبب ما قدمت أيديهم. ثم بين - سبحانه - ~~بعض الرذائل التى صدرت عن فريق من أهل الكتاب فقال - تعالى - { وإن ~~منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب ~~لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب } والضمير فى ~~قوله - تعالى - { منهم } يعود إلى أهل الكتاب الذين ذكر القرآن طرفا ~~من رذائلهم ومسالكهم الخبيثة فيما سبق. قال الفخر الرازى اعلم أن هذه ~~الآية { وإن منهم لفريقا } تدل على أن الآية المتقدمة وهى ~~قوله - تعالى - { إن الذين يشترون } نازلة فى اليهود بلا شك، ~~لأن هذه الآية نازلة فى حق اليهود وهى معطوفة على ما قبلها، ms0786 فهذا يقتضى ~~كون تلك الآية المتقدمة نازلة فى اليهود أيضا ". وقال ابن كثير يخبر - ~~سبحانه - عن اليهود - عليهم لعائن الله - أن منهم فريقا يحرفون الكلم عن ~~مواضعه، ويبدلون كلام الله، ويزيلونه عن المراد ليوهموا الجهلة أنه فى ~~كتاب الله كذلك وينسبونه إلى الله. وهم يعلمون من أنفسهم أنهم قد كذبوا ~~وافتروا فى ذلك كله ". وقوله { يلوون } مأخوذ من اللى. وأصل اللى ~~الميل يقال لوى بيده ولوى برأسه إذا أماله. والتوى الشىء إذا انحرف ومال ~~عن الاستقامة إلى الاعوجاج والمعنى " وإن من هؤلاء اليهود الذين كتموا ~~الحق واشتروا بعهد الله وبأيمانهم ثمنا قليلا. إن منهم لفريقا يلوون ~~ألسنتهم بالكتاب " أي يعمدون إلى كتاب الله فينطقون ببعض ألفاظه نطقا ~~مائلا محرفا يتغير به المعنى من الوجه الصحيح الذى يفيده ظاهر اللفظ إلى ~~معنى آخر سقيم لا يدل عليه اللفظ ولكنه يوافق أهواءهم ونواياهم السيئة، ~~ومقاصدهم الذميمة. وذلك كأن ينطقوا بكلمة { راعنا } نطقا ملتويا يوافق ~~فى لغتهم كلمة قبيحة يقصدون بها الإساءة إلى النبى صلى الله عليه وسلم. ~~وقد نهى الله - تعالى - المؤمنين عن مخاطبة النبى صلى الله عليه وسلم ~~بأمثال هذه الألفاظ حتى لا يتخذها اليهود ذريعة للإساءة إلى النبى صلى ~~الله عليه وسلم فقال - تعالى - # ياأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا ~~انظرنا # وكأن ينطقوا بكلمة " السلام عليكم " بقولهم " السام عليكم " بحذف اللام ~~يعنون الموت عليكم لأن السام معناه الموت. وكأن يغيروا لفظا من كتابهم ~~فيه ما يشهد بصدق النبى صلى الله عليه وسلم بلفظ آخر، أو يؤولوا المعانى ~~تأويلا فاسدا، وقد وبخهم الله - تعالى - على هذا التحريف فى كثير من آيات ~~القرآن الكريم، ومن ذلك قوله - تعالى - # أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم ~~يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما ~~عقلوه وهم يعلمون # وقوله - تعالى - # من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ~~ويقولون سمعنا وعصينا # وقوله - تعالى - { وإن منهم لفريقا } إنصاف منه - سبحانه - ~~للفريق الذى لم يرتكب هذا الفعل الشنيع وهو تحريف كلامه - عز وجل - وتلك ~~عادة ms0787 القرآن فى أحكامه لا يظلم أحدا ولكنه يمدح من يستحق المدح ويذم من ~~يستحق الذم. وقوله { يلوون } صفة لقوله { فريقا }. والباء فى قوله ~~{ بالكتاب } بمعنى " فى " مع حذف المضاف. أى وإن منهم لفريقا يلوون ~~ألسنتهم فى حال قراءتهم للكتاب، إما بحذف حروف يتغير المعنى بحذفها، أو ~~بزيادة تفسد المعنى، أو بغير ذلك من وجوه التغيير والتبديل. وقوله - ~~تعالى - { لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب } ~~بيان للدوافع السيئة التى دفعتهم إلى ارتكاب هذا التحريف الذميم. والضمير ~~المنصوب فى قوله { لتحسبوه } وكذلك ضمير الغائب { هو } يعودان ~~إلى الكلام المحرف الذى لووا به ألسنتهم والمدلول عليه بقوله { يلوون ~~}. أى إن من هؤلاء اليهود فريقا يلوون ألسنتهم فى نطقهم بالكتاب ~~ويحرفونه عن وجهه الصحيح، لتظنوا أيها المسلمون أن هذا المحرف الذى لووا ~~به ألسنتهم من كتاب الله الذى أنزله على أنبيائه، والحق بأن هذا المحرف ~~ليس من كتاب الله فى شىء، وإنما هو من عند أنفسهم نطقوا به زورا وبهتانا ~~إرضاء لأهوائهم. وقوله { من الكتاب } هو المفعول الثانى لقوله { ~~لتحسبوه }. والمخاطب بقوله { لتحسبوه } هم المسلمون وقال { ~~وما هو من الكتاب } بتكرار لفظ الكتاب، ولم يقل وما هو منه، ~~للتنبيه على أن كتاب الله المنزل على موسى وعيسى - عليهما السلام - برىء ~~كل البراءة من تحريفهم وتبديلهم، ومما يزعمونه ويفترونه عليه. ثم بين - ~~سبحانه - أنهم قد بلغت بهم الجرأة فى الكذب والافتراء أنهم نسبوا هذا ~~الذى حرفوه وغيروه من كتبهم إلى الله - تعالى - فقال { ويقولون هو ~~من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على ~~الله الكذب وهم يعلمون }. أى أن هؤلاء الذين يلوون ~~ألسنتهم بالكتاب ليوهموا غيرهم بأن هذا المحرف من الكتاب، لا يكتفون بهذا ~~التحريف، بل يقولون { هو من عند الله } أى هذا المحرف هو نزل من ~~عند الله هكذا، لم ننقص منه حرفا ولم نزد عليه حرفا، والحق أن هذا المحرف ~~ليس من عند الله ولكنهم قوم ضالون يقولون على الله الكذب وهم يعلمون أنهم ~~كاذبون. # ففى هذه الجملة الكريمة بيان ms0788 لإصرارهم على الباطل، ولتعمدهم الكذب على ~~الله، وتوبيخ لهم على هذا الافتراء العجيب. وقد أكد الله جرأتهم فى النطق ~~بالزور والبهتان بمؤكدات منها أن كذبهم لم يكن تعريضا وإنما كان فى غاية ~~الصراحة، فهم يقولون عن المحرف { هو من عند الله وما هو ~~من عند الله }. وأن كذبهم لم يكن على البشر فحسب وإنما على الله ~~الذى خلقهم والذى يعلم ما يسرون وما يعلنون { ويقولون على الله ~~الكذب }. وأن كذبهم لم يكن عن جهل أو عن نسيان وإنما عن علم وإصرار ~~على هذا الكذب، وهذا ما يشهد به قوله - تعالى - { وهم يعلمون }. ~~وهكذا القلوب إذا فسدت، واستولى عليها الحسد والجحود، ارتكبت كل رذيلة ~~ومنكر بدون تفكر فى العواقب، أو تدبر لما جاءت به الشرائع، وأمرت به ~~العقول السليمة. وفى هذه الآية ترى أن لفظ الجلالة { الله } قد تكرر ~~ثلاث مرات، كذلك لفظ { الكتاب } تكرر ثلاث مرات، ولم يكتف بالضمير ~~الذى يدل عليهما، وذلك لقصد الاهتمام باسم الله - تعالى - وباسم كتابه، ~~وبالخبر المتعلق بهما، ولأن من عادة العرب أنهم إذا عظموا شيئا أعادوا ~~ذكره، وقد جاء ذلك كثيرا فى أشعارهم، ومنه قول الشاعر # لا أرى الموت يسبق الموت شىء نغص الموت ذا الغنى والفقيرا # فقصد الشاعر من تكرار لفظ الموت تفخيم شأنه وتهويل أمره. وبذلك نرى أن ~~القرآن الكريم قد توعد الذين يشترون بعهد الله وبأيمانهم ثمنا قليلا بأشد ~~ألوان الوعيد، وكشف عن لون آخر من ألوان مكر بعض اليهود، وعن جرأتهم فى ~~النطق بالكذب عن تعمد وإصرار، حتى يحذرهم المسلمون. ثم نزه الله - تعالى ~~- أنبياءه - عليهم الصلاة والسلام - وعلى رأسهم محمد صلى الله عليه وسلم ~~عن أن يطلبوا من الناس أن يعبدوهم، عقب تنزيهه - سبحانه - لذاته عما ~~تقوله المفترون فقال - تعالى - { ما كان لبشر.... }. ### || [3.79-80] # قال ابن كثير " عن ابن عباس قال # " قال أبو رافع القرظى حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل ~~نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الإسلام أتريد منا ~~يا محمد أن ms0789 نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم؟ فقال رجل نصرانى من أهل ~~نجران يقال له الرئيس أو ذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا؟ - أو كما ~~قال - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " معاذ الله أن نعبد غير الله ~~أو أن نأمر بعبادة غير الله، ما بذلك أمرنى ولا بذلك بعثنى " # - أو كما قال صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله فى ذلك قوله - تعالى - { ~~ما كان لبشر } إلى قوله { بعد إذ أنتم مسلمون }. ~~فقوله - تعالى - { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب ~~والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا ~~لي من دون الله } رد على أولئك الجاهلين الذين زعموا أن بعض ~~النبيين يصح له أن يطلب من الناس أن يعبدوه من دون الله والمعنى لا يصح ~~ولا ينبغى ولا يستقيم عقلا لبشر آتاه الله - تعالى - وأعطاه { الكتاب ~~} الناطق بالحق، الآمر بالتوحيد، الناهى عن الإشراك، وآتاه { الحكم ~~} أى العلم النافع والعمل به. وآتاه { النبوة } أى الرسالة التى ~~يبلغها عنه - سبحانه - إلى الناس، ليدعوهم إلى عبادته وحده، وإلى مكارم ~~الأخلاق، لا يصح له ولا ينبغى بعد كل هذه النعم أن يكفرها { ثم ~~يقول للناس } بعد هذا العطاء العظيم الذى وهبه الله له { كونوا ~~عبادا لي من دون الله } أى لا ينبغى ولا يعقل من بشر آتاه ~~الله كل هذه النعم أن يقول للناس هذا القول الشنيع وهو { كونوا ~~عبادا لي من دون الله } لأن الأنبياء الذين آتاهم الله الكتاب ~~والحكم والنبوة يحجزهم خوفهم من الله، وإخلاصهم له، عن أن يقولوا هذا ~~القول المنكر، كما يحجزهم عنه - أيضا - ما امتازوا به من نفوس طاهرة، ~~وقلوب نقية، وعقول سليمة... لأنهم لو فرض أنهم قالوا ذلك لأخذهم الله - ~~تعالى - أخذ عزيز مقتدر فهو - سبحانه - القائل # ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه ~~باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من ~~أحد عنه حاجزين # والتعبير بقوله - تعالى - { ما كان لبشر } تعبير قرآنى بليغ، إذ ~~يفيد نفى الشأن وعدم اتفاق هذا المعنى مع الحقيقة المفروضة فى ms0790 الرسل ~~الكرام - عليهم الصلاة والسلام - وشبيه بهذا التعبير قوله - تعالى - # ما كان لله أن يتخذ من ولد # و # وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا # وجاء العطف بثم فى قوله { ثم يقول للناس } للإشعار بالتفاوت ~~العظيم بين ما أعطاه الله - تعالى - لأنبيائه من نعم، وبين هذا القول ~~المنكر الذى نفاه - سبحانه - عنهم، وهو أن يقولوا للناس اجعلوا عبادتكم ~~لنا ولا تجعلوها لله - تعالى -. ثم بين - سبحانه - ما يصح للأنبياء أن ~~يقولوه للناس فقال - تعالى - { ولكن كونوا ربانيين بما ~~كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون }. وقوله ~~{ ربانيين } جمع ربانى نسبة إلى الرب - عز وجل - بزيادة الألف ~~والنون سماعا للمبالغة كما يقال فى غليظ الرقبة رقبانى وللعظيم اللحية ~~لحيانى. والمراد بالربانى الإنسان الذى أخلص لله - تعالى - فى عبادته، ~~وراقبه فى كل أقواله وأفعاله، واتقاه حق التقوى، وجمع بين العلم النافع ~~والعمل به، وقضى حياته فى تعليم الناس وإرشادهم إلى ما ينفعهم. والمعنى ~~لا يصح لبشر آتاه الله ما آتاه من النعم أن يقول للناس اعبدونى من دون ~~الله، ولكن الذى يعقل أن يصدر منه هو أن يقول لهم كونوا { ربانيين ~~} أى مقبلين على طاعة الله - تعالى - وعبادته وحده بجد ونشاط وإخلاص، ~~بسبب كونكم تعلمون غيركم الكتاب الذى أنزله الله لهداية الناس وبسبب ~~كونكم دارسين له، أى قارئين له بتمهل وتدبر. وقوله - تعالى - { ولكن ~~كونوا ربانيين } استدراك قصد به إثبات ما ينبغى للرسل أن ~~يقولوه. بعد أن نفى عنهم ما لا ينبغى لهم أن ينطقوا به، أى لا ينبغى لبشر ~~آتاه الله نعما لا تحصى أن يقول للناس كونوا عبادا لى من دون الله، ~~ولكن الذى ينبغى له أن يقوله لهم هو قوله كونوا ربانيين أى مخلصين له - ~~سبحانه - العبادة إخلاصا تاما. ففى الجملة الكريمة إضمار، والتقدير " ~~ولكن يقول لهم كونوا ربانيين " فأضمر القول على حسب مذهب العرب فى جواز ~~الإضمار إذا كان فى الكلام ما يدل عليه، ونظيره قوله - تعالى - # فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم # أى فيقال لهم أكفرتم، والباء فى ms0791 قوله { بما كنتم } للسببية. وما ~~مصدرية أى بسبب كونكم معلمين الكتاب وبسبب كونكم دارسين له. وقرأ أبو ~~عمرو وابن كثير ونافع " تعلمون " بإسكان العين وفتح اللام - من العلم أى ~~بسبب كونكم عالمين بالكتاب ودارسين له. قال الرازى دلت الآية على أن ~~العلم والتعليم والدراسة توجب كون الإنسان ربانيا، فمن اشتغل بذلك لا ~~لهذا المقصد ضاع سعيه وخاب عمله، وكان مثله كمثل من غرس شجرة حسناء مونقة ~~بمنظرها ولا منفعة بثمرها، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم # " نعوذ بالله من علم لا ينفع وقلب لا يخشع ". # وقوله - تعالى - { ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة ~~والنبيين أربابا } تأكيد لنفى أن يقول أحد من البشر الذين ~~آتاهم الله الكتاب والحكم والنبوة للناس اعبدونى من دون الله، وتنزيه ~~لساحتهم عن أن يأمروهم بعبادة غير الله. # وقوله { ولا يأمركم } وردت فيه قراءتان مشهورتان. أما القراءة ~~الأولى فبفتح الراء عطفا على { يقول } فى قوله { ثم يقول } ~~وتكون " لا " مزيدة لتأكيد معنى النفى فى قوله { ما كان لبشر } ~~ويكون فى الآية التفات من الغيبة إلى الخطاب. والمعنى على هذه القراءة ما ~~كان لبشر أن يؤتية الله ما ذكر ثم يأمر الناس بعبادة نفسه، أو يأمرهم ~~باتخاذ الملائكة والنبيين أربابا، وذلك كقولك ما كان لزيد أن أكرمه ثم ~~يهيننى ويستخف بى. وبهذه القراءة قرأ ابن عامر وحمزة وعاصم. وعلى هذه ~~القراءة يكون توسيط الاستدراك بين المعطوف والمعطوف عليه، للمسارعة إلى ~~تحقيق الحق، ولبيان ما يليق بشأنه ويحق صدوره عنه. وأما القراءة الثانية ~~فقد قرأها الباقون برفع الراء فى { يأمركم } فتكون الجملة مستأنفة، ~~والمعنى ولا يأمركم هذا البشر الذى أعطاه الله ما أعطاه من نعمة أن ~~تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا. وخصص الملائكة والنبيين بالذكر لأن ~~عبادتهما قد شاعت عند كثير من الناس، فقد وقع فى عبادة الملائكة " ~~الصابئة " الذين كانوا يقيمون فى بلاد الكلدان، وتبعهم بعض المشركين من ~~العرب. ووقع فى عبادة بعض النبيين كثير من النصارى فقد اتخذوا المسيح ~~إلها يعبد وزعموه ابن الله وكثير من اليهود عبدوا عزيزا ms0792 وزعموه ابن ~~الله. والاستفهام فى قوله { أيأمركم بالكفر بعد إذ ~~أنتم مسلمون } للإنكار الذى بمعنى النفى. أى أن الرسل الكرام ~~لا يمكن أن يأمروا الناس بالكفر بالله بعد أن هداهم الله - تعالى - عن ~~طريق هؤلاء الرسل إلى أن يكونوا مسلمين. فالجملة الكريمة تأكيد بأبلغ وجه ~~لنفى أن يأمر الرسل الناس بعبادة غير الله، وتنزيه لساحتهم عن أن يقولوا ~~قولا أو يأمروا بأمر يخالف ما تلقوه عن الله - تعالى - من إفراده ~~بالعبادة والطاعة والخضوع. قال بعضهم وإذا كان ما ذكر فى الآيتين لا يصلح ~~لنبى ولا لمرسل، فلأن لا يصلح لأحد من الناس غيرهم بطريق الأولى والأحرى، ~~ولهذا قال الحسن البصرى لا ينبغى هذا لمؤمن أن يأمر الناس بعبادته. ثم ~~قال وذلك أن القوم - يعنى أهل الكتاب - كان يعبد بعضهم بعضا كما قال - ~~تعالى - { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من ~~دون الله }. فالجهلة من الأحبار والرهبان يدخلون فى هذا الذم، بخلاف ~~الرسل وأتباعهم من العلماء العاملين، فإنهم إنما يأمرون بما أمر الله به، ~~وينهون عما نهى الله - تعالى - عنه ولذلك سعدوا وفازوا ". وبعد أن نزه - ~~سبحانه - الأنبياء عن أن يقولوا قولا أو يأمروا بأمر لم يأذن به الله، ~~أتبع ذلك ببيان الميثاق الذى أخذه الله - تعالى - عليهم، فقال - سبحانه - ~~{ وإذ أخذ.... }. ### || [3.81-83] # قوله - تعالى - { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين } ~~الظرف " إذ " منصوب بفعل مقدر تقديره اذكر، والخطاب فيه للنبى صلى الله ~~عليه وسلم أو لكل من يصلح للخطاب. والميثاق هو العقد المؤكد بيمين. أى ~~اذكر يا محمد أو أيها المخاطب وقت أن أخذ الله الميثاق من النبيين. ~~وللمفسرين فى تفسير هذه الآية الكريمة أقوال أشهرها قولان أولهما وهو رأى ~~جمهور العلماء - أن المراد أن الله - تعالى - أخذ الميثاق من النبيين. ~~وثانيهما وهو رأى بعض العلماء - أن المراد أن الأنبياء هم الذين أخذوا ~~الميثاق من غيرهم. والمعنى على رأى فريق من أصحاب القول الأول - منهم ~~الحسن والسدى وسعيد بن جبير - أن الله - تعالى - أخذ الميثاق من النبيين ~~أن يصدق بعضهم بعضا، وأخذ العهد ms0793 على كل نبى أن يؤمن بمن يأتى بعده من ~~الأنبياء وينصره إن أدركه فإن لم يدركه يأمر قومه بنصرته إن أدركوه. فأخذ ~~- سبحانه - الميثاق من موسى أن يؤمن بعيسى، ومن عيسى أن يؤمن بمحمد - ~~صلوات الله وسلامه عليهم جميعا - وإذا كان حكم الأنبياء، كانت الأمم بذلك ~~أولى وأحرى. والمعنى على رأى فريق من أصحاب هذا القول منهم على وابن عباس ~~وقتادة أن الله - تعالى - أخذ الميثاق من النبيين أن يؤمنوا بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم إذا أدركوه، وأن يأمروا أقوامهم بالإيمان به. قالوا يؤيد ~~هذا ما أخرجه ابن جرير عن على بن أبى طالب قال لم يبعث الله نبيا آدم ~~فمن بعده إلا أخذ عليه العهد فى محمد صلى الله عليه وسلم لئن بعث وهو حى ~~ليؤمنن به ولينصرنه، ويأمره فيأخذ العهد على قومه. ثم تلا الآية ". فكأن ~~أصحاب هذا القول الأول متفقون فيما بينهم عن أن الميثاق إنما أخذه الله ~~من النبيين إلا أن بعضهم يرى أن هذا الميثاق أخذه الله منهم لكى يصدق ~~بعضهم بعضا والبعض الآخر يرى أن هذا الميثاق أخذه الله منهم فى شأن محمد ~~صلى الله عليه وسلم خاصة. قال ابن كثير ما ملخصه. وما قاله الحسن ومن معه ~~لا يضاد ما قاله على وابن عباس ولا ينفيه، بل يستلزمه ويقتضيه.... وقد ~~روى الإمام أحمد عن عبد الله بن ثابت قال # " جاء عمر إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنى مررت بأخ ~~لى من بنى قريظة، فكتب لى جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟ قال فتغير ~~وجه النبى صلى الله عليه وسلم قال عبد الله بن ثابت فقلت له ألا ترى ما ~~بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر رضيت بالله ربا، وبالإسلام ~~دينا، وبمحمد رسولا. قال فسرى عن النبى صلى الله عليه وسلم وقال " والذى ~~نفسى بيده لو أصبح فيكم موسى - عليه السلام - ثم اتبعتموه وتركتمونى ~~لضللتم، إنكم حظى من الأمم وأنا حظكم من النبيين " ". # وعن جابر قال ms0794 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا تسألوا أهل الكتاب عن شىء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا. وإنكم إما أن ~~تصدقوا بباطل وإما أن تكذبوا بحق، وإنه والله لو كان موسى حيا بين ~~أظهركم ما حل له إلا أن يتبعنى " # وفى بعض الأحاديث # " لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعى ". # فالرسول محمد صلى الله عليه وسلم " هو الإمام الأعظم الذى لو وجد فى أى ~~عصر وجد - كان هو الواجب الطاعة المقدم على الأنبياء كلهم ". هذا هو معنى ~~الجملة الكريمة عند أصحاب الرأى الأول الذين يرون أن الله - تعالى - أخذ ~~الميثاق من النبيين. وأصحاب هذا الرأى كما سبق أن بيناهم جمهور العلماء. ~~أما أصحاب الرأى الثانى الذين يرون أن المراد من الآية أن الأنبياء هم ~~الذين أخذوا الميثاق من غيرهم، فالمعنى عليه. واذكر يا محمد أو أيها ~~المخاطب وقت أن أخذ الأنبياء العهد على أقوامهم بأنه إذا بعث محمد صلى ~~الله عليه وسلم وأدركوه فعليهم أن يؤمنوا به ويصدقوه وينصروه فكأن معنى ~~الآية واذكر وقت أن أخذ الله الميثاق الذى وثق الأنبياء على أقوامهم. ~~هذا، وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذين الرأيين وغيرهما فقال " ميثاق ~~النبيين " فيه غير وجه أحدهما أن يكون على ظاهره من أخذ الميثاق على ~~النبيين بذلك. والثانى أن يضيف الميثاق إلى النبيين إضافته إلى الموثق لا ~~إلى الموثق عليه، كما تقول ميثاق الله وعهد الله كأنه قيل وإذ أخذ الله ~~الميثاق الذى وثقه النبيون على أممهم. والثالث أن يراد ميثاق أولاد ~~النبيين وهم بنو إسرائيل على حذف المضاف. والرابع أن يراد أهل الكتاب وأن ~~يرد زعمهم تهكما بهم لأنهم كانوا يقولون نحن أولى بالنبوة من محمد لأنا ~~أهل الكتاب، ومنا كان النبيون ". والذى تسكن إليه النفس فى معنى الآية. ~~هو الرأى الأول الذى قال به جمهور العلماء، وذلك لأن الآيات الكريمة ~~مسوقة - كما يقول الفخر الرازى لتعديد تقرير الأشياء المعروفة عند أهل ~~الكتاب، مما يدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم قطعا لعذرهم، ms0795 ~~وإظهارا لعنادهم، ومن جملة هذه الأشياء ما ذكره - سبحانه - فى هذه ~~الآية. وهو أنه - تعالى - أخذ الميثاق من الأنبياء بأنهم كلما جاءهم رسول ~~مصدق لما معهم آمنوا به ونصروه، وأخبر أنهم قبلوا ذلك، وحكم - سبحانه - ~~بأنه من رجع عن ذلك كان من الفاسقين. # . فحاصل الكلام أنه - تعالى - أوجب على جميع الأنبياء الإيمان بكل رسول ~~جاء مصدقا لما معهم، ولا شك أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد جاء مصدقا ~~لما معهم فوجب على الجميع أن يؤمنوا به ". ولأن هذا المعنى هو الظاهر من ~~الآية الكريمة. ولا تحتاج إلى تقدير مضاف أو غيره، والأخذ بالمعنى الظاهر ~~الذى لا يحتاج إلى تقدير أولى من الأخذ بغيره. ولأن أخذ العهد على ~~الأنبياء بأن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم أعلى وأشرف لقدره صلى الله ~~عليه وسلم من أخذه على أممهم وأقوامهم. ولأن أخذ العهد على الأنبياء أخذ ~~له على الأمم، إذ كل أمة يجب أن تصدق بما جاءها به نبيها. واللام فى قوله ~~- تعالى - { لمآ آتيتكم من كتاب وحكمة } قرأها الجمهور ~~بالفتح. وقرأها حمزة بالكسر. أما قراءة الفتح فلها وجهان أولهما أن تجعل ~~" ما " اسم موصول مبتدأ، وما بعده صلة له، وخبر قوله { لتؤمنن ~~به }. والتقدير واذكر وقت أن أخذ الله ميثاق النبيين قائلا لهم الذى ~~آتيتكم إياه من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما أوتيتموه لتؤمنن بهذا ~~الرسول ولتنصرنه. وعلى هذا الوجه تكون اللام فى قوله " لما " للابتداء ~~وحسن دخولها هنا لأن قوله { لمآ آتيتكم } فى مقام المقسم عليه، ~~وقوله { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين } فى مقام القسم، ~~إذ هو بمنزلة الاستحلاف تقول أخذت ميثاقك لتفعلن كذا فكأنك قلت استحلفتك ~~لتفعلن كذا.. وثانيهما أن تجعل " ما " ها هنا، اسم شرط جازم فى موضع نصب ~~بآتيتكم. والتقدير ما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم، ~~لتؤمنن به ولتنصرنه. وعلى هذا الوجه يكون فعل الشرط مكونا من جملتين ~~الأولى { آتيتكم }. والثانية { ثم جآءكم } وهما معا فى محل ~~جزم بما الشرطية. ms0796 وقوله { لتؤمنن به } جواب القسم الذى تضمنه ~~قوله { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين } وجواب الشرط ~~محذوف، لأن القاعدة النحوية أنه إذا اجتمع شرط. وقسم فالجواب المذكور ~~للسابق منهما وجواب اللاحق محذوف وهنا السابق هو القسم. قال ابن مالك # واحذف لدى اجتماع شرط وقسم جواب ما أخرت فهو ملتزم # وأما على قراءة الكسر التى قرأها حمزة فتكون اللام للتعليل كأنه قيل ~~اذكر وقت أن أخذ الله ميثاق النبيين، لأن إيتاءهم الكتاب والحكمة، ثم ~~مجىء من يصدقهم يوجب عليهم الإيمان بهذا الرسول المصدق لما معهم ويوجب ~~عليهم نصرته. والمراد بالكتاب ما أنزله الله - تعالى - على هؤلاء النبيين ~~من كتب تنطق بالحق. والمراد بالحكمة الوحى الوارد بالتكاليف المفصلة التى ~~لم يشتمل عليها الكتاب. أو المراد بها العلم النافع الذى أعطاه - سبحانه ~~- لهم، ووفقهم للعمل به. # و { من } فى قوله { من كتاب } للبيان. قال القرطبى والمراد ~~بالرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم واللفظ وإن كان نكرة فالإشارة إلى ~~معين، كقوله - تعالى - # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة # إلى قوله - تعالى - # ولقد جآءهم رسول منهم فكذبوه # فأخذ الله ميثاق النبيين أجمعين أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وينصروه إن أدركوه، وأمرهم أن يأخذوا بذلك الميثاق على أممهم ". ثم حكى - ~~سبحانه - ما قاله لهم بعد أن أمرهم بالإيمان بهذا الرسول وبنصرته فقال { ~~قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري }؟. والإصر ~~العهد. وأصله من الإصار - أى الحبال التى يعقد بها الشىء ويشد - وسمى ~~العهد إصرا لأنه تقوى به الأقوال والعقود. أى - قال الله - تعالى - ~~للنبيين أأقررتم بهذا الذى أمرتكم به وقبلتم عهدى؟ والاستفهام للتقرير ~~والتوكيد عليهم لاستحالة معناه الحقيقى فى حقه - سبحانه -. ثم حكى - ~~سبحانه - ما أجاب به الرسل وما رد به عليهم فقال { قالوا أقررنا ~~قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين }. أى قال ~~الرسل مجيبين لخالقهم - عز وجل - أقررنا يا ربنا وقبلنا عهدك وأطعناه. ~~فرد عليهم - سبحانه - بقوله { فاشهدوا } أى فليشهد بعضكم على بعض ~~بهذا الإقرار، وأنا على إقراركم وإشهاد بعضكم على بعض من ms0797 الشاهدين. وهذا ~~توكيد عليهم، وتحذير من الرجوع. ثم بين - سبحانه - عاقبة الناكثين ~~لعهودهم فقال { فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم ~~الفاسقون } أى فمن أعرض عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وعن ~~نصرته، بعد أخذ الميثاق المؤكد عليه، فأولئك المعرضون " هم الفاسقون " أى ~~الخارجون عن الإيمان إلى أفحش دركات الكفر والخيانة. والفاء فى قوله { ~~فمن تولى } للتفريع، و { من } يجوز أن تكون شرطية ويكون قوله { ~~فأولئك هم الفاسقون } جوابها. ويجوز أن تكون موصولة، ~~ويكون قوله { فأولئك هم الفاسقون } هو الخبر. والضمير فى ~~قوله { تولى } يعود على " من " بالإفراد باعتبار لفظها، ويعود ~~عليها بصيغة الجمع فى قوله " فأولئك " باعتبار معناها. وبعد أن بين - ~~سبحانه - أن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم حق لا ريب فيه، وأنه واجب ~~على جميع من مضى من الأنبياء والأمم، عقب ذلك ببيان أن كل من كره ~~الإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فإنه يكون بعيدا عن الدين ~~الحق، مستحقا للعقاب الأليم فقال - تعالى - { أفغير دين الله ~~يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا ~~وكرها وإليه يرجعون }. والاستفهام للإنكار والتوبيخ، ~~وهمزة الاستفهام داخلة على فعل محذوف، والفاء الداخلة على " غير " عاطفة ~~لجملة { يبغون } على ذلك المحذوف الذى دل عليه الاستفهام وعينه ~~المقام. # والمعنى أيتولون عن الإيمان بعد هذا البيان فيبغون دينا غير دين الله ~~الذى هو الإسلام. ومعنى { يبغون } يطلبون. يقال بغى الأمر يبغيه ~~بغاء - بضم الباء - أى طلبه. وقوله - تعالى - { وله أسلم من في ~~السماوات والأرض طوعا وكرها } جملة حالية. أى أيبغون ~~دينا غير دين الله والحال أن الله - تعالى - استسلم وانقاد وخضع له من فى ~~السماوات والأرض طوعا وكرها. أى طائعين وكارهين فهما مصدران فى موضع ~~الحال. والمراد أن كل من فى السماوات والأرض قد انقادوا وخضعوا لله - ~~تعالى - إما عن طواعية واختيار وهم المؤمنون لأنهم راضون فى كل الأحوال ~~بقضائه وقدره، ومستجيبون له فى المنشط والمكره والعسر واليسر. وإما عن ~~تسخير وقهر وهم الكافرون لأنهم واقعون تحت سلطانه العظيم وقدرته ms0798 النافذة، ~~فهم مع كفرهم لا يستطيعون دفع قضائه - سبحانه - وإذن فهم خاضعون لسلطانه ~~- عز وجل - لأنهم لا سبيل لهم ولا لغيرهم إلى الامتناع عن دفع ما يريده ~~بهم. هذا، وقد ساق الفخر الرازى جملة آراء فى معنى الآية الكريمة ثم ~~اختار أحدها فقال ما ملخصه فى خضوع من فى السماوات والأرض لله وجوه أصحها ~~عندى أن كل ما سوى الله - سبحانه - ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فإنه لا ~~يوجد إلا بإيجاده، ولا يعدم إلا بإعدامه، فإن كل ما سوى الله فهو منقاد ~~خاضع لجلال الله فى طرفى وجوده وعدمه. وهذا هو نهاية الخضوع والانقياد. ~~ثم إن فى هذا الوجه لطيفة آخرى وهى أن قوله { وله أسلم } يفيد ~~الحصر، أى وله كل ما فى السماوات والأرض لا لغيره. فهذه الآية تفيد أن ~~واجب الوجود واحد، وأن كل ما سواه فإنه لا يوجد إلا بتكوينه، ولا يفنى ~~إلا بإفنائه والآيات فى هذا المعنى كثيرة. وقوله { وإليه ~~يرجعون } أى إليه وحده يرجع الخلق فيجازى كل مخلوق بما يستحقه من ~~خير أو شر. ففى الجملة الكريمة تحذير من الإعراض عن دينه، لأنه ما دام ~~مرجع الخلق جميعا إليه - سبحانه - فعلى العاقل أن يسلم نفسه إلى خالقه ~~اختيارا قبل أن يسلمها اضطرارا، وأن يستجيب لأوامره ونواهيه، حتى ينال ~~رضاه. وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة قد أقامت للناس الأدلة على صدق ~~النبى صلى الله عليه وسلم وأمرتهم بالدخول فى دينه، وحذرتهم من الإعراض ~~عنه بأجلى بيان وأقوى برهان. وبعد هذا البيان الواضح والبرهان الساطع على ~~صدق النبى صلى الله عليه وسلم أمر الله - تعالى - نبيه محمدا صلى الله ~~عليه وسلم أن يعلن على الدنيا كلمة الحق التى يؤمن بها، وأن يخبر كل من ~~يتأتى له الخطاب بأن الدين المقبول عند الله هو دين الإسلام وأن كل دين ~~سواه فهو باطل. لأن رسالته صلى الله عليه وسلم هى خاتمة الرسالات ودين ~~الإسلام الذى أتى به ناسخ لكل دين سواه. استمع إلى القرآن وهو يبين ذلك ~~فيقول { قل ms0799 آمنا... }. ### || [3.84-85] # قوله { والأسباط } جمع سبط وهو الحفيد، والمراد بهم أولاد يعقوب - ~~عليه السلام - وكانوا اثنى عشر ولدا قال - تعالى - # وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما # وسموا بذلك لكونهم حفدة إبراهيم وإسحاق - عليهم السلام -. والمعنى { ~~قل } يا محمد لأهل الكتاب الذين جادلوك بالباطل وجحدوا الحق مع علمهم ~~به، قل لهم ولغيرهم { آمنا بالله } أى آمنت أنا وأتباعى بوجود ~~الله ووحدانيته، واستجبنا له فى كل ما أمرنا به، أو نهانا عنه. وآمنا ~~كذلك بما { أنزل علينا } من قرآن يهدى إلى الرشد، ويخرج الناس من ~~الظلمات إلى النور بإذن ربهم. وآمنا أيضا بما أنزله الله - تعالى - من ~~وحى وصحف على { إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط }. وآمنا - أيضا - بما آتاه الله لموسى وعيسى من التوراة ~~والإنجيل وغيرهما من المعجزات، وبما آتاه لسائر أنبيائه من وحى وآيات ~~تدل على صدقهم. { لا نفرق بين أحد منهم } أى لا نفرق ~~بين جماعة الرسل فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعل أهل الكتاب، إذ فرقوا بين ~~أنبياء الله وميزوا بينهم وقالوا - كما حكى القرآن عنهم - # نؤمن ببعض ونكفر ببعض # وهم فى الحقيقة كافرون بهم جميعا، لأن الكفر بواحد من الأنبياء يؤدى ~~إلى الكفر بهم جميعا، ولذا فنحن معاشر المسلمين نؤمن بجميع الأنبياء بلا ~~تفرقة أو استثناء. { ونحن له مسلمون } أى خاضعون له وحده ~~بالطاعة والعبودية. مستجيبون له فى كل ما أمرنا به وما نهانا عنه. فالآية ~~الكريمة تأمر النبى صلى الله عليه وسلم أن يخبر عن نفسه وعمن معه بأنهم ~~آمنوا بالله وبكتبه وبرسله جميعا بدون تفرقة بينهم، لأنها شرائع الله - ~~تعالى - التى أنزلها على أنبيائه، كلها مرتبط بعضها ببعض، وكلها تتفق على ~~كلمة واحدة هى إفراد الله - تعالى - بالعبودية والطاعة. قال صاحب الكشاف ~~فإن قلت لم عدى أنزل فى هذه الآية بحرف الاستعلاء { أنزل علينا } ~~، وفيما تقدم من مثلها - فى سورة البقرة - بحرف الانتهاء؟ # أنزل إلينا # قلت لوجود المعنيين جميعا، لأن الوحى ينزل من فوق وينتهى إلى الرسل، ~~فجاء تارة بأحد المعنيين وأخرى بالآخر. ومن قال إنما قيل ms0800 هنا { علينا ~~} لقوله { قل } وقيل هناك { إلينا } لقوله { قولوا } تفرقة بين ~~الرسل والمؤمنين، لأن الرسول يأتيه الوحى على طريق الاستعلاء، ويأتيهم ~~على وجه الانتهاء، من قال ذلك تعسف. ألا ترى إلى قوله # بمآ أنزل إليك # وإلى قوله # آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا # وخص هؤلاء الأنبياء الذين ذكرتهم الآية بالذكر، لأن أهل الكتاب يزعمون ~~أنهم يؤمنون بهم ويتبعونهم، فأراد القرآن أن يبين لهم أن زعمهم باطل، ~~لأنهم لن يكونوا مؤمنين بهم إلا إذا آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم. # وقوله - تعالى - { لا نفرق بين أحد منهم } بيان لثمرة ~~الإيمان الحق الذى رسخ فى قلوب المؤمنين وعلى رأسهم هاديهم ومرشدهم محمد ~~صلى الله عليه وسلم، لأن هذا الإيمان الحق جعلهم يصدقون بأن رسل الله ~~جميعا قد أرسلهم - سبحانه - بالدعوة إلى توحيده وإخلاص العبادة له، وإذا ~~وجد تفاضل أو اختلاف فهذا التفاضل والاختلاف يكون فى أمور أخرى سوى ~~الإيمان بالله وإفراده بالعبودية، سوى ما اتفقت عليه الشرائع جميعها من ~~الدعوة إلى الحق وإلى مكارم الأخلاق. وقد جاءت رسالة محمد صلى الله عليه ~~وسلم خاتمة للرسالات، وجامعة لكل ما فيها من محاسن فوجب الإيمان بها، ~~وإلا كان الكفر بها كفرا بجميع الرسالات السابقة عليها. وقوله { ~~ونحن له مسلمون } يفيد الحصر، نحن له وحده أسلمنا وجوهنا، ~~وأخلصنا عبادتنا. لا لغيره كائنا من كان هذا الغير. وهذا يدل على أنهم ~~بلغوا أعلى مراتب الإخلاص والطاعة لله رب العالمين. ثم بين - سبحانه - ~~أن كل من يطلب دينا سوى دين الإسلام فهو خاسر فقال - تعالى - { ومن ~~يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه }. أى ومن ~~يطلب دينا سوى دين الإسلام الذى أتى به - عليه الصلاة والسلام - فلن ~~يقبل منه هذا الدين المخالف لدين الإسلام، لأن دين الإسلام الذى جاء به ~~محمد، هو الدين الذى ارتضاه الله لعباده قال - تعالى - # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا # ولأنه هو الدين الذى ختم الله به الديانات، وجمع فيه محاسنها. أما عاقبة ~~هذا الطالب لدين سوى ms0801 دين الإسلام فقد بينها - سبحانه - بقوله { وهو ~~في الآخرة من الخاسرين }. أى وهو فى الآخرة من الذين خسروا ~~أنفسهم بحرمانهم من ثواب الله، واستحقاقهم لعقابه جزاء ما قدمت أيديهم من ~~كفر وضلال. وفى الحديث الشريف # " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " # أى مردود عليه، وغير مقبول منه. وفى الإخبار بالخسران عن الذى يبتغى أى ~~يطلب دينا سوى الإسلام، إشعار بأن من يتبع دينا سوى دين الإسلام يكون ~~أشد خسرانا، وأسوأ حالا، لأن الطلب أقل شرا من الاتباع الفعلى. وبعد أن ~~عظم - سبحانه - شأن الإسلام، وبين أنه هو الدين المقبول عنده، أتبع ذلك ~~ببيان أن سنته جرت فى خلقه بأن يزيد الذين اهتدوا هدى، أما الجاحدون للحق ~~عن علم، والمتبعون لأهوائهم وشهواتهم فهم بعيدون عن هداية الله، ولن ~~يقبلهم - سبحانه - إلا إذا تابوا عن ضلالهم، وأصلحوا ما فسد منهم، استمع ~~إلى القرآن وهو يصور هذا المعنى بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول { كيف ~~يهدي... }. ### || [3.86-89] # روى المفسرون روايات فى سبب نزول هذه الآيات الكريمة منها ما أخرجه ~~النسائى عن ابن عباس قال. إن رجلا من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك ~~ثم ندم فأرسل إلى قومه سلوا لى رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لى من ~~توبة؟ فجاء قومه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا. هل له من ~~توبة؟ فنزلت هذه الآيات، فأرسل إليه قومه فأسلم. وعن مجاهد قال جاء ~~الحارث بن سويد فأسلم مع النبى صلى الله عليه وسلم ثم كفر الحارث فرجع ~~إلى قومه فأنزل الله هذه الآيات. قال فحملها إليه رجل من قومه فقرأها ~~عليه. فقال الحارث إنك والله - ما علمت - لصدوق، وإن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لأصدق منك، وإن الله - عز وجل - لأصدق الثلاثة، قال فرجع ~~الحارث فأسلم فحسن إسلامه وعن الحسن البصرى أنه قال إنهم أهل الكتاب من ~~اليهود والنصارى، رأوا نعت النبى صلى الله عليه وسلم فى كتابهم وأقروا ~~به، وشهدوا أنه حق، فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب على ms0802 ذلك فأنكروه ~~وكفروا بعد إقرارهم حسدا للعرب حين بعث من غيرهم. هذه بعض الروايات التى ~~وردت فى سبب نزول هذه الآيات، ويبدو لنا أن أقربها إلى سياق الآيات هى ~~الرواية التى جاءت عن الحسن البصرى بأن المقصود بالآيات أهل الكتاب، وذلك ~~لأن الحديث معهم من أول السورة ولأن القرآن قد ذكر فى غير موضع أن أهل ~~الكتاب كانوا يعرفون صدق النبى صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم، ~~وأنهم كانوا يستفتحون به # على الذين كفروا فلما جآءهم ما عرفوا كفروا ~~به # ومع هذا فليس هناك ما يمنع من أن يكون حكم هذه الآيات شاملا لكل من ~~ذكرتهم الروايات ولكل من يشابههم، إذ العبرة لعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ~~قال ابن جرير - بعد أن ساق هذه الروايات - ما ملخصه وأشبه هذه الأقوال ~~بظاهر التنزيل ما قاله الحسن من أن هذه الآيات معنى بها أهل الكتاب على ~~ما قال، وجائز أن يكون الله - تعالى - أنزل هذه الآيات بسبب القوم الذين ~~ذكر أنهم كانوا ارتدوا عن الإسلام، فجمع قصتهم وقصة من كان سبيله سبيلهم ~~فى ارتداده عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فى هذه الآيات، ثم عرف ~~عباده سنته فيهم فيكون داخلا فى ذلك كل من كان مؤمنا بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم قبل أن يبعث ثم كفر به بعد أن بعث، وكل من كان كافرا ثم أسلم على ~~عهده صلى الله عليه وسلم ثم ارتد وهو حى عن إسلامه، فيكون معينا بالآيات ~~جميع هذين الصنفين وغيرهما ممن كان بمثل معناهما، بل ذلك كذلك إن شاء ~~الله. # والاستفهام فى قوله - تعالى - { كيف يهدي الله قوما ~~كفروا بعد إيمانهم } للنفى ولاستبعاد هدايتهم إلى الصراط ~~المستقيم وهم على هذا الحال من الارتكاس فى الكفر والضلال، مع علمهم ~~بالحق، وإيمانهم به لفترة من الوقت. والمعنى أن الله - تعالى - جرت سنته ~~فى خلقه ألا يهدى إلى الصراط المستقيم، قوما { كفروا بعد ~~إيمانهم } أى ارتدوا إلى الكفر بعد أن آمنوا، وبعد أن { شهدوا ~~أن الرسول } وهو محمد ms0803 صلى الله عليه وسلم " حق " وأنه صادق فيما ~~يبلغه عن ربه، وبعد أن { جآءهم البينات } أى البراهين والحجج ~~الناطقة بحقيقة ما يدعيه، من قرآن كريم عجز البشر عن الإتيان بسورة من ~~مثله، ومن معجزات باهرة دالة على صدقه صلى الله عليه وسلم. فأنت ترى أن ~~حالهم التى أوجبت هذا النفى والاستبعاد تتمثل فى أنهم كانوا مؤمنين، ~~وكانوا يشهدون بأن الرسول حق، وجاءتهم البينات اليقينية الملزمة التى ~~تؤيد إيمانهم وشهادتهم، ومع كل ذلك استحبوا العمى على الهدى، واختاروا ~~الكفر على الإيمان، واستولى عليهم التعصب بالباطل فأرداهم وحرمهم من ~~هداية الله حتى يغيروا ما بأنفسهم ويتوبوا عن غيهم، ويصلحوا ما أفسدوه، ~~ويخلصوا وينيبوا إلى خالقهم وبارئهم. قال صاحب الكشاف " قوله { كيف ~~يهدي الله قوما } أى كيف يلطف بهم وليسوا من أهل اللطف، لما علم ~~الله من تصميمهم على كفرهم، ودل على تصميمهم بأنهم كفروا بعد إيمانهم، ~~وبعد ما شهدوا بأن الرسول حق وبعد ما جاءتهم الشواهد من القرآن وسائر ~~المعجزات التى تثبت بمثلها النبوة - وهم اليهود - كفروا بالنبى صلى الله ~~عليه وسلم بعد أن كانوا مؤمنين به، وذلك حين عاينوا ما يوجب قوة إيمانهم ~~من البينات. فإن قلت علام عطف قوله { وشهدوا }؟ قلت فيه وجهان أن ~~يعطف على ما فى إيمانهم من معنى الفعل، لأن معناه بعد أن آمنوا. ويجوز أن ~~تكون الواو للحال بإضمار " قد ". بمعنى كفروا وقد شهدوا أن الرسول حق ". ~~وقوله - تعالى - { والله لا يهدي القوم الظالمين } جملة ~~حالية أو معترضة. والمعنى أنه - سبحانه - قد مضت سنته فى خلقه أنه لا ~~يهدى إلى الحق أولئك الذين آثروا الكفر على الإيمان، عن تعمد وإصرار، ~~ووضعوا الشىء فى غير موضعه مع علمهم بسوء صنيعهم. وفى تذييل الآية ~~الكريمة بهذه الجملة مع إطلاق لفظ الظلم، إشعار بأنهم قد ظلموا أنفسهم ~~بإيقاعها فى مهاوى الردى والعذاب وظلموا الرسول الذى شهدوا له بأن ما جاء ~~به هو الحق ثم كفروا به، وظلموا الحقائق والبراهين التى نطقت بأحقية ~~الإيمان وببطلان الكفر ثم تركوا هذه الحقائق ms0804 والبراهين وانقادوا ~~لأهوائهم وشهواتهم ومطامعهم. # وإن الظلم متى سيطر على النفوس أفقدها رشدها وإدراكها للأمور إدراكا ~~سليما، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول # " اتقوا الظلم فإنه ظلمات يوم القيامة ". # ثم بين - سبحانه - عاقبة هؤلاء الظالمين فقال { أولئك ~~جزآؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة ~~والناس أجمعين }. قال الراغب اللعن الطرد والإبعاد على سبيل ~~السخط، وذلك من الله - تعالى - فى الآخرة عقوبة وفى الدنيا انقطاع من ~~قبول رحمته وتوفيقه، ومن الإنسان دعاء على غيره ". والمعنى أولئك ~~المتصفون بتلك الصفات القبيحة { جزآؤهم أن عليهم لعنة ~~الله } أى جزاؤهم أن عليهم غضب الله وسخطه بسبب استحبابهم الكفر على ~~الإيمان { والملائكة والناس أجمعين } أى وعليهم كذلك ~~سخط الملائكة والناس أجمعين وغضبهم، ودعاؤهم عليهم باللعنة والطرد من ~~رحمة الله. وقوله { أولئك } مبتدأ. وقوله { جزآؤهم } مبتدأ ~~ثان، وقوله { أن عليهم لعنة الله } إلخ.. خبر المبتدأ ~~الثانى، وهو وخبره خبر المبتدأ الأول. والآية الكريمة قد بينت أن اللعنة ~~على هؤلاء القوم، صادرة من الله وهى أشد ألوان اللعن، وصادرة من الملائكة ~~الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وصادرة من الناس ~~أجمعين، أى أن الفطر الإنسانية تلعنهم لنبذهم الحق بعد أن عرفوه وشهدوا ~~به، وقامت بين أيديهم الأدلة على أنه حق. قال الفخر الرازى ما ملخصه فإن ~~قيل لم عم جميع الناس مع أن من وافقهم فى كفرهم لا يلعنهم؟ قلنا فيه وجوه ~~منها أنهم فى الآخرة يلعن بعضهم بعضا كما قال - تعالى - # كلما دخلت أمة لعنت أختها # فعلى هذا التقدير يكون اللعن قد حصل للكفار من الكفار. ومنها كأن الناس ~~هم المؤمنون، والكفار ليسوا من الناس، ثم لما ذكر لعن الثلاث قال { ~~أجمعين }. ومنها وهو الأصح عندى أن جميع الخلق يلعنون المبطل ~~والكافر، ولكنه يعتقد فى نفسه أنه ليس بمبطل ولا كافر، فإذا لعن الكافر ~~وكان هو فى علم الله كافرا فقد لعن نفسه وإن كان لا يعلم ذلك ". ثم أكد - ~~سبحانه - تلك العقوبة بعقوبة أخرى لازمة لها ما داموا على تلك ms0805 الحالة ~~الشنيعة فقال - تعالى - { خالدين فيها لا يخفف عنهم ~~العذاب } بسبب إصرارهم على الكفر فى الدنيا، وانغماسهم فيما يغضب ~~الله { ولا هم ينظرون } أى ولا هم يمهلون ولا يؤخر عنهم العذاب ~~بل عذابهم عاجل لا يقبل الإمهال أو التأخير بسبب ما ارتكبوه فى الدنيا ~~من شرور وآثام. ولكن القرآن - مع هذا - يفتح باب التوبة لمن أراد أن ~~يتوب، وينهى الناس عن أن يقنطوا من رحمة الله متى تابوا وأنابوا وأصلحوا ~~فيقول - بعد تلك الحملة المرعبة التى شنها على الكفر والكافرين - { ~~إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله ~~غفور رحيم }. # أى أن اللعنة مستمرة على هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم، وهم خالدون فى ~~العذاب يوم القيامة بدون إمهال أو تأخير، إلا الذين تابوا منهم عن الكفر ~~الذى ارتكبوه، وعن الظلم الذى اقترفوه، وأصلحوا ما أفسدوه بأن قالوا ربنا ~~الله ثم استقاموا على طريق الحق، وحافظوا على أداء الأعمال الصالحة " فإن ~~الله - تعالى - غفور رحيم " أى فإنه سبحانه يغفر لهم ما سلف منهم من كفر ~~وظلم. ففى هذه الآية الكريمة إغراء للكافرين بأن يقلعوا عن كفرهم ~~وللمذنبين بأن يثوبوا إلى رشدهم وبأن يتوبوا إلى ربهم، فإنه - سبحانه - ~~يغفر الذنوب جميعا لمن يتوب ويحسن التوبة، فهو القائل # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ~~ربكم وأسلموا له # أما الذين لا يتوبون ولا يستغفرون ولا يثوبون إلى رشدهم. بل يصرون على ~~الكفر فيزدادون كفرا. والذين يرتكسون فى كفرهم وضلالهم حتى تفلت منهم ~~الفرصة، وينتهى أمد الاختبار، ويأتى دور الجزاء، فهؤلاء لا توبة لهم ولا ~~نجاة، فقد قال - تعالى - بعد هذه الآيات { إن الذين كفروا... ~~}. ### || [3.90-92] # قوله - تعالى - { إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ~~ازدادوا كفرا }. قال قتادة وعطاء نزلت فى اليهود كفروا بعيسى ~~والإنجيل بعد إيمانهم. بموسى والتوراة. ثم ازدادوا كفرا بكفرهم بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم وبالقرآن. وقال أبو العالية والحسن نزلت فى أهل ~~الكتاب جميعا، ms0806 آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه ثم كفروا ~~به بعد مبعثه، ثم ازدادوا كفرا بإصرارهم على ذلك، وطعنهم فى نبوته فى كل ~~وقت، وعداوتهم له، ونقضهم لعهودهم وصدهم الناس عن طريق الحق، وسخريتهم ~~بآيات الله. ويمكن أن يقال إن الآية الكريمة على عمومها فهى تتناول كل من ~~آمن ثم ارتد عن الإيمان إلى الكفر، وازداد كفرا بمقاومته للحق، وإيذائه ~~لأتباعه، وإصراره على كفره وعناده وجحوده. ثم بين - سبحانه - سوء عاقبتهم ~~فقال { لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضآلون }. ~~أى إن هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا وعنادا وجحودا للحق ~~{ لن تقبل توبتهم } أى لن تتوقع منهم توبة حتى تقبل، لأنهم ~~بإصرارهم على كفرهم، ورسوخهم فيه، وتلاعبهم بالإيمان، قد صاروا غير أهل ~~للتوفيق لها، ولأنهم حتى لو تابوا فتوبتهم إنما هى بألسنتهم فحسب، أما ~~قلوبهم فمليئة بالكفر والنفاق ولذا تعتبر توبتهم كلا توبة. وبعضهم حمل ~~عدم قبول توبتهم على أنهم تابوا عند حضور الموت، والتوبة فى هذا الوقت لا ~~قيمة لها. قال القرطبى وهذا قول حسن كما قال - تعالى - # وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى ~~إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن # وبعضهم حمل عدم قبول توبتهم على أنهم ماتوا على الكفر، وإلى هذا المعنى ~~اتجه صاحب الكشاف فقد قال. فإن قلت قد علم أن المرتد كيفما ازداد كفرا ~~فإنه مقبول التوبة إذا تاب فما معنى { لن تقبل توبتهم }؟ قلت ~~جعلت عبارة عن الموت على الكفر، لأن الذى لا تقبل توبته من الكفار هو ~~الذى يموت على الكفر. كأنه قيل إن اليهود أو المرتدين الذين فعلوا ما ~~فعلوا مائتون على الكفر، داخلون فى جملة من لا تقبل توبتهم. فإن قلت فأى ~~فائدة فى هذه الكناية؟ أعنى أن كنى الموت على الكفر بامتناع قبول ~~التوبة؟. قلت الفائدة فيها جليلة وهى التغليظ فى شأن أولئك الفريق من ~~الكفار، وإبراز حالهم فى صورة حالة الآيسين من الرحمة التى هى أغلظ ~~الأحوال وأشدها ألا ترى أن الموت على الكفر إنما ms0807 يخاف من أجل اليأس من ~~الرحمة ". والذى يبدو لنا أن الآية الكريمة أشد ما تكون انطباقا على ~~أولئك الذين تتكرر منهم الردة من الإيمان إلى الكفر فهم لفساد قلوبهم، ~~وانطماس بصيرتهم واستيلاء الأهواء والمطامع على نفوسهم أصبح الإيمان لا ~~استقرار له فى قلوبهم بل يتلاعبون به، ويبيعونه نظير عرض قليل من أعراض ~~الدنيا، وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فى سورة النساء # إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم ~~كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر ~~لهم ولا ليهديهم سبيلا # وقوله { وأولئك هم الضآلون } أى الكاملون فى الضلال، ~~البعيدون عن طريق الحق، المستحقون لسخط الله وعذابه. ثم صرح - سبحانه - ~~ببيان عاقبة الذين يموتون على الكفر فقال - تعالى - { إن الذين ~~كفروا وماتوا وهم كفار }. أى استمروا على كفرهم وضلالهم ~~حتى ماتوا على هذا الكفر والضلال فكأن الآيات الكريمة قد ذكرت لنا ثلاث ~~أصناف من الكافرين قسم كان كافرا ثم تاب عن كفره توبة صادقة بأن آمن وعمل ~~صالحا فقبل الله توبته. وهذا القسم هو الذى استثناه الله بقوله # إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن ~~الله غفور رحيم # وقسم كان كافرا ثم تاب عن كفره توبة ليست صادقة، فلم يقبلها الله - ~~تعالى - منه. وهو الذى قال الله فى شأنه فى الآية السابقة { إن ~~الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن ~~تقبل توبتهم وأولئك هم الضآلون }. وقسم كان ~~كافرا واستمر على كفره حتى مات عليه دون أن تحدث منه أية توبة، وهو الذى ~~أخبر عنه - سبحانه - فى هذه الآية بقوله { إن الذين كفروا ~~وماتوا وهم كفار }. أى ماتوا على كفرهم دون أن يتوبوا منه. ~~وقد بين الله - تعالى - سوء مصيرهم بقوله { فلن يقبل من ~~أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به }. أى أن ~~هؤلاء الذين ماتوا على الكفر دون أن يتوبوا منه. لن يقبل الله - تعالى - ~~من أحدهم ما كان قد أنفقه فى الدنيا ولو كان هذا المنفق ملء الأرض ذهبا، ~~لأن كفره قد أحبط أعماله وأفسدها كما قال ms0808 - تعالى - # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # وكذلك لن يقبل الله - تعالى - عن أحدهم فدية عن عقابه الشديد له بسبب ~~موته على الكفر. ولو كان ما يفتدى به نفسه ملء الأرض ذهبا، لأن الله - ~~تعالى - غنى عنه وعن فديته - مهما عظمت - وسيعاقبه على كفره بما يستحق من ~~عقاب. قال ابن كثير قوله - تعالى - { فلن يقبل من أحدهم ~~ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به }. أى من مات على الكفر ~~فلن يقبل منه خير أبدا ولو كان قد أنفق ملء الأرض ذهبا فيما يراه قربة ~~كما سئل النبى صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن جدعان - وكان يقرى ~~الضيف، ويفك العانى، ويطعم الطعام - هل ينفعه ذلك؟ فقال " لا إنه لم يقل ~~يوما من الدهر رب اغفر لى خطيئتى يوم الدين " وكذلك لو افتدى - نفسه فى ~~الآخرة - بملء الأرض أيضا ذهبا ما قبل منه، كما قال - تعالى - # ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة # وقال - تعالى - # إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض ~~جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم ~~القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم # ثم قال وروى الشيخان والإمام أحمد عن أنس بن مالك أن النبى صلى الله ~~عليه وسلم قال # " يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة أرأيت لو كان لك ما على الأرض من ~~شىء أكنت مفتديا به؟ قال فيقول نعم، فيقول الله له، قد أردت منك أهون من ~~ذلك، قد أخذت عليك فى ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بى شيئا فأبيت إلا أن تشرك ~~". # وفى رواية للإمام أحمد عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول الله له يا ابن آدم كيف وجدت منزلك؟ ~~فيقول أى رب، خير منزل. فيقول الله - تعالى - له سل وتمن، فيقول ما اسأل ~~ولا أتمنى إلا أن تردنى إلى الدنيا فأقتل فى سبيلك عشر مرار - لما يرى من ~~فضل الشهادة - ويؤتى بالرجل من أهل النار فيقول ms0809 له كيف وجدت منزلك؟ فيقول ~~أى رب! شر منزل، فيقول له أتفتدى منه بطلاع الأرض ذهبا؟ فيقول أى رب! نعم ~~فيقول كذبت! قد سألتك أقل من ذلك وأيسر فلم تفعل فيرد إلى النار ". # وقال صاحب الكشاف فإن قلت فلم قيل فى الآية السابقة { لن تقبل ~~توبتهم } بغير فاء. وقيل هنا { فلن يقبل من أحدهم } ~~بوجود الفاء -؟ قلت قد أوذن بالفاء أن الكلام بنى على الشرط والجزاء، وأن ~~سبب امتناع قبول الفدية هو الموت على الكفر، وبترك الفاء أن الكلام متبدأ ~~وخبر ولا دليل فيه على التسبيب، كما تقول الذى جاءنى له درهم، لم تجعل ~~المجىء سببا فى استحقاق الدرهم، بخلاف قولك فله درهم ". وقوله { ذهبا ~~} منصوب على أنه تمييز. وعبر بالذهب لأنه أنفس الأشياء وأعزها على النفس. ~~وقوله { ولو افتدى به } جملة حالية، والواو للحال. أى لا يقبل ~~من الذى مات على كفره هذا الفداء ولو فى حال افتراض تحقق هذا الفداء فى ~~يده وتقديمه إياه لكى يدفعه لخالقه وينجو من العقوبة التى توعده بها. أى ~~أن العذاب الأليم نازل قطعا على هذا الذى مات على كفره، حتى ولو فرضنا ~~أنه تصدق فى الدنيا بملء الأرض ذهبا. وحتى لو فرضنا أنه ملك هذا المقدار ~~النفيس الكثير من الأموال فى الآخرة وقدمه فدية لنفسه من العذاب، فإن كل ~~ذلك غير مقبول منه، ولا بد من نزول العذاب به. # وقد أشار ابن المنير إلى هذا المعنى بقوله " قبول الفدية التى هى ملء ~~الأرض ذهبا يكون على أحوال منها أن يؤخذ منه على وجه القهر فدية من نفسه ~~كما تؤخذ الدية قهرا من مال القاتل على قول. ومنها أن يقول المفتدى فى ~~التقدير أفدى نفسى بكذا وقد لا يفعل. ومنها أن يقول هذا القول وينجز ~~المقدار الذى يفدى به نفسه ويجعله حاضرا عتيدا، وقد يسلمه مثلا لمن يأمن ~~منه قبول فديته. وإذا تعددت الأحوال فالمراد من الآية أبلغ الأحوال ~~وأجدرها بالقبول، وهو أن يفتدى بملء الأرض ذهبا افتداء محققا بأن يقدر ~~على هذا ms0810 الأمر العظيم ويسلمه وينجزه اختيارا ومع ذلك لا يقبل منه، فمجرد ~~قوله أبذل المال وأقدر عليه أو ما يجرى هذا المجرى بطريق الأولى. فيكون ~~دخول الواو والحالة هذه على بابها تنبيها على أن ثم أحوالا أخر لا ينفع ~~فيها القبول بطريق الأولى بالنسبة إلى الحالة المذكورة. وهذا كله تسجيل ~~بأنه لا محيص ولا مخلص لهم من العذاب، وإلا فمن المعلوم أنهم أعجز عن ~~الفلس فى ذلك اليوم، ونظير هذا التقدير من الأمثلة أن يقول القائل لا ~~أبيعك هذا الثوب بألف دينار ولو سلمتها إلى فى يدى هذه ". ثم ختم - ~~سبحانه - الآية بقوله { أولئك لهم عذاب أليم وما ~~لهم من ناصرين }. أى أولئك الذين ماتوا على كفرهم لهم عذاب ~~أليم، وما لهم من ناصرين ينصرونهم بدفع العذاب عنهم، أو تخفيف وقعه ~~عليهم. ومن مزيدة لاستغراق النفى وتأكيده، أى لا يوجد أحد كائنا من كان ~~ينقذهم من عذاب الله، أو يجيرهم من أليم عقابه. وبذلك نرى أن الآيتين ~~الكريمتين قد توعدتا الكافرين بأشد ألوان العذاب، وأقسى أنواع العقاب، ~~حتى يقلعوا عن كفرهم، ويثوبوا إلى رشدهم. وبعد هذا الحديث المشتمل على ~~أشد صنوف الترهيب من الكفر، وعلى بيان سوء عاقبة الكافرين، أتبعه بالحديث ~~عن الطريق الذى يوصل المؤمنين إلى رضا الله وحسن مثوبته فقال - تعالى - { ~~لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما ~~تنفقوا من شيء فإن الله به عليم }. تنالوا من النيل ~~وهو إصابة الشىء والحصول عليه. يقال نال ينال نيلا، إذا أصاب الشىء ووجده ~~وحصل عليه. والبر الإحسان وكمال الخير. وأصله التوسع فى فعل الخير. يقال ~~بر العبد ربه أى توسع فى طاعته. والإنفاق البذل، ومنه إنفاق المال. وعن ~~الحسن كل شىء أنفقه المسلم من ماله يبتغى به وجه الله ويطلب ثوابه حتى ~~التمرة يدخل فى هذه الآية. والمعنى لن تنالوا حقيقة البر، ولن تبلغوا ~~ثوابه الجزيل الذى يوصلكم إلى رضا الله، وإلى جنته التى أعدها لعباده ~~الصالحين، إلا إذا بذلتم مما تحبونه وتؤثرونه من الأموال وغيرها فى سبيل ~~الله، وما ms0811 تنفقوا من شىء - ولو قليلا - فإن الله به عليم، وسيجازيكم عليه ~~بأكثر مما أنفقتم وبذلتم. # ولقد حكى لنا التاريخ كثيرا من صور البذل والإنفاق التى قام بها السلف ~~الصالح من أجل رضا الله وإعلاء كلمته، ومن ذلك ما رواه الشيخان عن أنس بن ~~مالك قال كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا من نخل، وكان أحب ~~أمواله إليه بير حاء - موضع بالمدينة - وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء طيب فيها. قال أنس # " فلما أنزلت هذه الآية لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون...، قام ~~أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله، إن الله - ~~تعالى - يقول فى كتابه { لن تنالوا البر حتى تنفقوا ~~مما تحبون } وإن أحب أموالى إلى بير حاء، وإنها صدقة لله - تعالى ~~- أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بخ بخ - كلمة استحسان ومدح - ذلك مال رابح ~~- أى ذو ربح - ذلك مال رباح. وقد سمعت ما قلت. وإنى أرى أن تجعلها فى ~~الأقربين. قال أبو طلحة أفعل يا رسول الله. فقسمها أبو طلحة فى أقاربه ~~وبنى عمه ". # قال القرطبى # " وكذلك فعل زيد بن حارثة، عمد مما يحب إلى فرس له يقال له " سبل " ~~وقال اللهم إنك تعلم أنه ليس لى مال أحب إلى من فرسى هذه، فجاء بها إلى ~~النبى صلى الله عليه وسلم فقال هذا فى سبيل الله. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لأسامة بن زيد أقبضه، فكأن زيدا وجد من ذلك فى نفسه، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله قد قبلها منك ". # وأعتق عبد الله بن عمر نافعا مولاه، وكان أعطاه فيه عبد الله بن جعفر ~~ألف دينار، قالت صفية بنت أبى عبيد أظنه تأول قول الله - تعالى - { لن ~~تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون }. وقال ~~الحسن البصرى إنكم لن تنالوا ما تحبون إلا بترك ms0812 ما تشتهون، ولا تدركون ما ~~تؤملون إلا بالصبر على ما تكرهون. وهكذا نرى أن السلف الصالح قد قدموا ما ~~يحبون من أموالهم وغيرها تقربا إلى الله - تعالى - وشكرا له على نعمائه ~~وعطائه، فرضى الله عنهم وأرضاهم. ثم عاد القرآن الكريم إلى الرد على ~~اليهود الذين جادلوا النبى صلى الله عليه وسلم فى كثير من القضايا، بعد ~~أن ذكر فى الآيات السابقة طرفا من مسالكهم الخبيثة التى منها تواصيهم ~~فيما بينهم بأن يؤمنوا أول النهار ويكفروا آخره، وقد حكى هنا جدلهم فيما ~~أحله الله وحرمه من الأطعمة فقال - تعالى - { كل الطعام... }. ### || [3.93-95] # ذكر بعض المفسرين أن النبى صلى الله عليه وسلم قال # " لليهود فى معرض مناقشته لهم أنا على ملة إبراهيم. فقال بعض اليهود كيف ~~تدعى ذلك وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها؟ فقال النبى صلى الله عليه ~~وسلم، كان ذلك حلالا لإبراهيم فنحن نحله. فقالوا كل شىء أصبحنا اليوم ~~نحرمه فإنه كان محرما على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا، فأنزل الله هذه ~~الآيات تكذيبا لهم ". # والطعام مصدر بمعنى المطعوم، والمراد به هنا كل ما يطعم ويؤكل. وحلا ~~مصدر أيضا بمعنى حلالا، والمراد الإخبار عن أكل الطعام بكونه حلالا، لا ~~نفس الطعام، لأن الحل كالحرمة مما لا يتعلق بالذوات. وإسرائيل هو يعقوب ~~بن إسحاق بن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام -. والمعنى كل أنواع الأطعمة ~~كانت حلالا لبنى إسرائيل قبل نزول التوراة إلا شيئا واحدا كان محرما ~~عليهم قبل نزولها وهو ما حرمه أبوهم إسرائيل على نفسه، فإنهم حرموه على ~~أنفسهم اقتداء به، فلما أنزل الله التوراة حرم عليهم فيها بعض الطيبات ~~بسبب بغيهم وظلمهم. هذا هو الحق الذى لا شك فيه، فإن جادلوك يا محمد فى ~~هذه المسألة فقل لهم على سبيل التحدى أحضروا التوراة فاقرءوها ليتبين ~~الصادق منا من الكاذب، إن كنتم صادقين فى زعمكم أن ما حرمه الله عليكم ~~فيها كان محرما على نوح وإبراهيم - عليهما الصلاة والسلام -. فالآية ~~الكريمة قد تضمنت أمورا من أهمها أولا إبطال حجتهم فيما يتعلق بقضية ms0813 ~~النسخ، إذ زعموا أن النسخ محال، واتخذوا من كون النسخ مشروعا فى الإسلام ~~ذريعة للطعن فى نبوة النبى صلى الله عليه وسلم فدحض القرآن مدعاهم ~~وألزمهم الحجة عن طريق كتابهم. ولذا قال الإمام ابن كثير الآية مشروع فى ~~الرد على اليهود، وبيان بأن النسخ الذى أنكروا وقوعه وجوازه قد وقع، فإن ~~الله - تعالى - قد نص فى كتابهم التوراة أن نوحا - عليه السلام - لما خرج ~~من السفينة أباح الله له جميع دواب الأرض يأكل منها، ثم بعد هذا حرم ~~إسرائيل على نفسه لحوم الإبل وألبانها فاتبعه بنوه فيما حرم على نفسه، ~~وجاءت التوراة بتحريم ذلك، وبتحريم أشياء زيادة على ذلك - عقوبة لهم بسبب ~~بغيهم وظلمهم. وهذا هو النسخ بعينه ". وقد صرح ابن كثير وغيره من ~~المفسرين أن ما حرمه إسرائيل على نفسه هو لحوم الإبل وألبانها، وبذلك ~~جاءت بعض الروايات عن النبى صلى الله عليه وسلم وكان تحريمه لها تعبدا ~~وزهادة وقهرا للنفس طلبا لمرضاة الله - تعالى -. وقيل إن ما حرمه على ~~نفسه هو العروق. روى ذلك عن ابن عباس والضحاك والسدى موقوفا عليهم. # قالوا كان يعتريه عرق النسا وهو عرق يخرج من الورك فيستبطن الفخذين ~~ويسبب آلاما شديدة - فنذر إن عوفى منه لا يأكل عرقا، فلما شفاه الله ترك ~~كل العروق وفاء بنذره. ثانيا تضمنت أيضا تكذيبهم فى دعواهم أن ما حرم ~~عليهم لم يكن سبب تحريمه ظلمهم أو بغيهم، وإنما كان محرما على غيرهم ممن ~~سبقهم من الأمم. وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال " وهو - أى ما ~~اشتملت عليه الآية - رد على اليهود وتكذيب لهم، حيث أرادوا براءة ساحتهم ~~مما نعى عليهم فى قوله - تعالى - # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم # وحيث أرادوا جحود ما غاظهم بسبب ما نطق به القرآن من أن تحريم الطيبات ~~عليهم كان لأجل بغيهم وظلمهم فقالوا لسنا بأول من حرمت عليه هذه الأشياء، ~~وما هو إلا تحريم قديم، كانت محرمة على نوح وإبراهيم ومن بعده من بنى ~~إسرائيل وهلم جرا، ms0814 إلى أن انتهى التحريم إلينا، فحرمت علينا كما حرمت على ~~من قبلنا. وغرضهم تكذيب شهادة الله عليهم بالبغى والظلم والصد عن سبيل ~~الله وأكل الربا. وما عدد من مساويهم التى كلما ارتكبوا منها كبيرة حرم ~~الله عليهم نوعا من الطيبات عقوبة لهم ". ثالثا تضمنت الآية كذلك أمرا ~~من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يتحداهم بالتوراة ~~ويبكتهم بما نطقت به، وذلك بقوله - تعالى - فى الآية الكريمة { قل ~~فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين }. فكأنه - ~~سبحانه - يقول لهم ما دمتم - يا معشر اليهود - قد زعمتم أن ما حرم عليكم ~~بسبب بغيكم وظلمكم ليس تحريما حادثا، وإنما هو تحريم قديم على الأمم ~~قبلكم، فها هى ذى التوراة قريبة منكم فأحضروها واتلوها بإمعان وتدبر إن ~~كنتم صادقين فى مدعاكم. والتعبير ب " إن " يشير إلى عدم صدقهم، لأنها ~~تدل على الشك فى الشرط. أى هم ليسوا صادقين فيما يزعمون، ولذلك لا يتلون ~~ولا يقرؤون، ولو جاءوا بها لكانت مؤيدة لما أخبر به القرآن الكريم، ولذلك ~~لم يجسروا على إخراج التوراة، وبهتوا وانقلبوا صاغرين. وفى ذلك الحجة ~~البينة على صدق النبى صلى الله عليه وسلم. وقوله { إلا ما حرم ~~إسرائيل على نفسه } مستثنى من اسم كان، والتقدير كل الطعام ~~كان حلالا لبنى إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه فإنه قد حرم عليهم ~~فى التوراة، وليس منه ما زادوه من محرمات وادعوا صحة ذلك. ثم توعدهم - ~~سبحانه - على كذبهم وجحودهم فقال - تعالى { فمن افترى على ~~الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون ~~}. افترى من الافتراء وهو اختلاق الكذب، وأصله من فرى الأديم إذا قطعه ~~لأن الكاذب يقطع القول من غير حقيقة له فى الوجود. # أى فمن تعمد الكذب على الله - تعالى - بأن زعم بأن ما حرمته التوراة على ~~بنى إسرائيل من المطاعم بسبب ظلمهم وبغيهم، كان محرما عليهم وعلى غيرهم ~~قبل نزولها، فأولئك الذين قالوا هذا القول الكاذب هم المتناهون فى الظلم ~~المتجاوزون للحدود التى شرعها الله - تعالى -، وسيعاقبهم - سبحانه - على ~~هذا ms0815 الظلم والافتراء عذابا أليما لا مهرب لهم منه ولا نصير. والفاء فى ~~قوله { فمن افترى } للتفريع، و { من } يحتمل أن تكون شرطية وأن ~~تكون موصولة، وقد روعى فى الآية الكريمة لفظها ومعناها. وقوله { من ~~بعد ذلك } متعلق بافترى، واسم الإشارة ذلك يعود إلى أمرهم بإحضار ~~التوراة وما يترتب عليه من قيام الحجة وظهور البينة. واسم الإشارة " ~~أولئك " يعود إلى " من " وهو عبارة عن هؤلاء اليهود الذين جادلوا النبى ~~صلى الله عليه وسلم بالباطل وافتروا على الله الكذب. ويحتمل أن يكون ~~المشار إليه وهو { من } عاما لكل كاذب ويدخل فيه اليهود دخولا أوليا. ~~وقد أكد الله - تعالى - وصفهم بالظلم بضمير الفصل الدال على أنهم كاملون ~~فيه، وموغلون فى اقترافه والتمسك به. ثم أمر الله - تعالى - نبيه صلى ~~الله عليه وسلم أن يدعوهم إلى اتباع ملة إبراهيم إن كانوا حقا يريدون ~~اتباعها فقال - تعالى - { قل صدق الله فاتبعوا ملة ~~إبراهيم حنيفا } أي قل - يا محمد - لهؤلاء اليهود الذين جادلوك ~~بالباطل ولكل من كان على شاكلتهم فى الكذب والظلم، قل لهم جميعا صدق الله ~~فيما أخبرنا به فى قوله - تعالى - { كل الطعام كان حلا ~~لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ~~} وفى كل ما أخبرنا به فى كتابه وعلى لسان رسوله. وأنتم الكاذبون فى ~~دعواكم. وإذا كنتم تريدون الوصول إلى الطريق القويم حقا { فاتبعوا ~~ملة إبراهيم حنيفا } أى فاتبعوا ملة الإسلام التى عليها ~~محمد صلى الله عليه وسلم وعليها من آمن به، فهم المتبعون حقا لإبراهيم - ~~عليه السلام - وهم أولى الناس به، لأن إبراهيم ما كان يهوديا ولا نصرانيا ~~ولكن كان حنيفا مسلما. أى كان متجها إلى الحق لا ينحرف عنه إلى غيره من ~~الأديان أو الأقوال أو الأفعال الباطلة. وكان مسلما، أى كان مسلما وجهه ~~لله، مفردا إياه بالعبادة والطاعة والخضوع ثم نفى الله - تعالى - عن ~~إبراهيم كل لون من ألوان الشرك بأبلغ وجه فقال { وما كان من ~~المشركين }. أى ما كان إبراهيم فى أى أمر من أموره من الذين يشركون ms0816 ~~مع الله آلهة أخرى، وإنما كان مخلصا عبادته لله وحده. وفى ذلك تعريض بشرك ~~اليهود وغيرهم من أهل الكفر والضلال، وتنبيه إلى أن النبى صلى الله عليه ~~وسلم وأتباعه هم المتبعون حقا لإبراهيم، فقد أمر الله - محمدا صلى الله ~~عليه وسلم أن يسير على طريقة أبيه إبراهيم فقال # ثم أوحينآ إليك أن اتبع ملة إبراهيم ~~حنيفا وما كان من المشركين # وبذلك نرى أن الآيات الكريمة قد حكت قضية من القضايا الكثيرة التى جادل ~~اليهود فيها النبى صلى الله عليه وسلم، وقد لقنت الآيات النبى صلى الله ~~عليه وسلم الجواب الذى يخرس ألسنتهم، ويكشف عن كذبهم وافترائهم وظلمهم، ~~ويرشدهم ويرشد كل من يتأتى له الخطاب إلى الملة القويمة إن كانوا حقا ~~يريدون الاهتداء إلى الصراط المستقيم. ثم أخبر القرآن عن مسألة أخرى جادل ~~اليهود فيها النبى صلى الله عليه وسلم وهى مسألة أفضلية المسجد الحرام ~~على غيره من المساجد، وقد رد القرآن عليهم وعلى أمثالهم فى الكفر والعناد ~~بما يثبت أن المسجد الحرام الذى نازعوا فى أفضليته هو أفضل المساجد على ~~الإطلاق فقال تعالى { إن أول بيت... }. ### || [3.96-97] # قال الفخر الرازى ما ملخصه فى اتصال هاتين الآيتين بما قبلهما وجوه ~~الأول أن المراد منهما الجواب عن شبهة أخرى من شبهات اليهود فى إنكار ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وذلك لأنه لما حولت القبلة إلى الكعبة طعن ~~اليهود فى نبوته وقالوا إن بيت المقدس أفضل من الكعبة وأحق بالاستقبال، ~~وذلك لأنه وضع قبل الكعبة وهو أرض المحشر، وقبلة جملة الأنبياء، وإذا كان ~~كذلك كان تحويل القبلة إلى الكعبة باطلا، فأجاب الله عنه بقوله { إن ~~أول بيت وضع للناس للذي ببكة } فبين - سبحانه - ~~أن الكعبة أفضل من بيت المقدس وأشرف فكان جعلها قبلة أولى ". والمراد ~~بالأولية أنه أول بيت وضعه الله لعبادته فى الأرض، وقيل المراد بها كونه ~~أولا فى الوضع وفى البناء، ورووا فى ذلك آثارا ليس فيها ما يعتمد عليه. ~~وبكة لغة فى مكة عند الأكثرين، والباء والميم تعقب إحداهما ms0817 الأخرى ~~كثيرا، ومنه النميط والنبيط فهما اسم لموضع. وقيل هما متغايران فبكة ~~موضع المسجد ومكة اسم البلد بأسرها. وأصل كلمة بكة من البك وهو الازدحام. ~~يقال تباك القوم إذا تزاحموا، وكأنها سميت بذلك لازدحام الحجيج فيها. ~~والبك أيضا دق العنق، وكأنها سميت بكة لأن الجبابرة تندق أعناقهم إذا ~~أرادوها بسوء. وقيل إنها مأخوذة من بكأت الناقة أو الشاة إذا قل لبنها، ~~وكأنها إنما سميت بذلك لقلة مائها وخصبها. والمعنى إن أول بيت وضعه الله ~~- تعالى - للناس فى الأرض ليكون متعبدا لهم، هو البيت الحرام الذى بمكة، ~~حيث يزدحم الناس أثناء طوافهم حوله، وقد أتوا إليه رجالا وعلى كل ضامر من ~~كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم. روى الشيخان عن أبى ذر قال # " قلت يا رسول الله أى مسجد وضع فى الأرض أول؟ قال المسجد الحرام. قلت ~~ثم آى؟ قال المسجد الأقصى. قلت كم بينهما؟ قال أربعون سنة، ثم قال حيثما ~~أدركتك الصلاة فصل. والأرض لك مسجد ". # قالوا وقد أشكل هذا الحديث على من لم يعرف المراد منه فقال معلوم أن ~~سليمان بن داود هو الذى بنى المسجد الأقصى، والذى بنى المسجد الحرام هو ~~إبراهيم وابنه إسماعيل، وبينهما وبين سليمان أكثر من ألف سنة فيكف قال ~~صلى الله عليه وسلم إن بين بناء المسجدين أربعين سنة! والجواب أن الوضع ~~غير البناء، فالذى أسس المسجد الأقصى ووضعه فى الأرض بأمر الله سيدنا ~~يعقوبن بن إسحاق بن إبراهيم وبين إبراهيم ويعقوب هذه المدة التى جاءت فى ~~الحديث، أما سليمان فلم يكن مؤسسا للمسجد الأقصى أو واضعا له وإنما كان ~~مجددا فلا إشكال ولا منافاة. # وإذن فالبيت الحرام أسبق بناء من المسجد الأقصى، وأجمع منه للديانات ~~السماوية، وهو - أى البيت الحرام - أول بيت جعل الله الحج إليه عبادة ~~مفروضة على كل قادر على الحج، وجعل الطواف حوله عبادة، وتقبيل الحجر ~~الأسود الذى هو ضمن بنائه عبادة... ولا يوجد بيت سواه فى الأرض له من ~~المزايا والخصائص ما لهذا البيت الحرام. وبذلك ثبت كذب اليهود ms0818 فى دعواهم ~~أن المسجد الأقصى أفضل من المسجد الحرام، وأن فى تحول الرسول صلى الله ~~عليه وسلم إلى الكعبة فى صلاته مخالفة للأنبياء قبله. ثم مدح الله - ~~تعالى - بيته بكونه { مباركا } أى كثير الخير دائمه، من البركة وهى ~~النماء والزيادة والدوام. أى أن هذا البيت كثير الخير والنفع لمن حجه أو ~~اعتمره أو اعتكف فيه، أو طاف حوله، بسبب مضاعفة الأجر، وإجابة الدعاء، ~~وتكفير الخطايا لمن قصده بإيمان وإخلاص وطاعة لله رب العالمين. وإن هذا ~~البيت فى الوقت ذاته وفير البركات المادية والمعنوية. فمن بركاته المادية ~~قدوم الناس إليه من مشارق الأرض ومغاربها ومعهم خيرات الأرض، يقدمونها ~~على سبيل تبادل المنفعة تارة وعلى سبيل الصدقة تارة أخرى لمن يسكنون حول ~~هذا البيت الحرام، إجابة لدعوة سيدنا إبراهيم حيث قال # ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ~~عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل ~~أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من ~~الثمرات لعلهم يشكرون # ومن بركاته المعنوية أنه مكان لأكبر عبادة جامعة للمسلمين وهى فريضة ~~الحج، وإليه يتجه المسلمون فى صلاتهم على اختلاف أجناسهم وألوانهم ~~وأماكنهم. وقوله { مباركا } حال من الضمير فى " وضع ". ثم مدحه بأنه ~~{ هدى للعالمين } أى بذاته مصدر هداية للعالمين، لأنه قبلتهم ~~ومتعبدهم، وفى استقباله توجيه للقلوب والعقول إلى الخير وإلى ما يوصلهم ~~إلى رضا الله وجنته. ثم مدحه - ثالثا - بقوله { فيه آيات بينات ~~} أى فيه علامات ظاهرات، ودلائل واضحات تدل على شرف منزلته، وعلو مكانته. ~~وهذه الجملة الكريمة مستأنفة لبيان وتفسير بركته وهداه. ثم بين - سبحانه ~~- بعض هذه الآيات البينات الدالة على عظمه وشرفه فقال { مقام ~~إبراهيم ومن دخله كان آمنا }. فالآية الأولى الدالة على ~~عظم وشرف البيت الحرام { مقام إبراهيم } أى المقام المعروف بهذا ~~الاسم. وهو الموضع الذى كان يقوم فيه إبراهيم تجاه الكعبة لعبادة الله - ~~تعالى - ولإتمام بناء الكعبة ومعنى أن فى البيت مقام إبراهيم أى أنه فى ~~فنائه ومتصل به. قال ابن كثير عن جابر - رضى الله عنه - أن رسول الله صلى ms0819 ~~الله عليه وسلم رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعا حتى إذا فرغ عمد إلى مقام ~~إبراهيم فصلى خلفه ركعتين، ثم قرأ # واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى # فجعل المقام بينه وبين البيت فصلى ركعتين. # والمراد بالمقام إنما هو الحجر الذى كان إبراهيم يقوم عليه لبناء ~~الكعبة، لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل بهذا الحجر ليقوم فوقه ويناوله ~~الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار... ثم قال وقد كان هذا المقام ملصقا ~~بجدار الكعبة قديما. ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلى الحجر ~~يمنة الداخل من الباب في البقعة المستقلة هناك. وإنما أخره عن جدار ~~الكعبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى ناحية المشرق حيث هو الآن. ~~ليتمكن الطائفون من الطواف، وليصلى المصلون عنده دون تشويش عليهم من ~~الطائفين. وقوله { مقام إبراهيم } مبتدأ محذوف الخبر أى مقام ~~إبراهيم منها أى من هذه الآيات البينات. أو خبر لمبتدأ محذوف أى فيه آيات ~~بينات أحدها مقام إبراهيم. وقد رجح ابن جرير أن قوله - تعالى - { ~~مقام إبراهيم } هو بعض الآيات البينات التى فى البيت الحرام ~~فقال وأولى الأقوال فى تأويل ذلك بالصواب قول من قال الآيات البينات منهن ~~مقام إبراهيم. وهو قول قتادة ومجاهد الذى رواه معمر عنهما فيكون الكلام ~~مرادا فيه منهن فترك ذكره اكتفاء بدلالة الكلام عليها. فإن قال قائل فهذا ~~المقام من الآيات البينات فما سائر الآيات التى من أجلها قيل { آيات ~~بينات }؟ قيل منهن المقام، ومنهن الحجر، ومنهن الحطيم ". وقال ابن ~~عطية والراجح عندى أن المقام وآمن الداخلين جعلا مثالا لما فى حرم الله ~~من الآيات، وخصا بالذكر لعظمهما وأنهما تقوم بهما الحجة على الكفار، إذ ~~هم مدركون لهاتين الآيتين بحواسهم. وأما الآية الثانية التى تدل على فضل ~~هذا البيت وشرفه فقد بينها القرآن بقوله { ومن دخله كان آمنا ~~}. أى من التجأ إليه أمن من التعرض له بالأذى أو القتل قال - تعالى - # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم # وفي ذلك إجابة لسيدنا إبراهيم حيث قال - كما حكى القرآن عنه - # رب ms0820 اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن ~~نعبد الأصنام # ولا شك أن فى أمن من دخل هذا البيت أكبر آية على تعظيمه وعلى علو مكانته ~~عند الله لأنه موضع أمان الناس فى بيئة تغرى بالاعتداء لخلوها من الزرع ~~والنبات. وفى الصحيحين - واللفظ لمسلم - عن أبى شريح العدوى أنه قال ~~لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث لمكة - يعنى لقتال عبد الله بن الزبير - ~~ائذن لى أيها الأمير أن أحدثك قولا قال به رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الغد من يوم الفتح، - سمعته أذناى ووعاه قلبى، وأبصرته عيناى - حين تكلم ~~به - إنه حمد لله وأثنى عليه ثم قال إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، ~~فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما أو يعضد بها ~~شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها - أى أخذ ~~فيه بالرخصة - فقولوا له إن الله أذن لنبيه ولم يأذن لكم، وإنما أذن لى ~~فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد ~~الغائب. # فقيل لأبى شريح ما قال لك عمرو؟ فقال أبو شريح قال لى يا أبا شريح أنا ~~أعلم بذلك منك. إن الحرم لا يعيذ عاصيا - أى لا يجيره ولا يعصم دمه - ولا ~~فارا بدم - أى أن الحرم لا يجير إنسانا هاربا إليه لسبب من الأسباب ~~الموجبة للقتل - ولا فارا بخربة - أى بسبب سرقة أو خيانة. ولقد كان أهل ~~الجاهلية يعظمون المسجد الحرام - وخصوصا أهل مكة - فلما جاء الإسلام أقر ~~له هذه الميزة وزكاها، ووضع لها الضوابط والأحكام التى تضمن استعمالها فى ~~الوجوه التى شرعها الله. فقد اتفق الفقهاء على أن من جنى فى الحرم جناية ~~فهو مأخوذ بجنايته سواء أكانت فى النفس أم فيما دونها. واختلفوا فيمن جنى ~~فى غير الحرم ثم لاذ إليه. فقال أبو حنيفة وابن حنبل إذا قتل فى غير ~~الحرم ثم دخل الحرم لا يقتص منه ما دام فيه، ولكن لا يجالس ولا يعامل ولا ~~يؤاكل إلى أن ms0821 يخرج منه فيقتص منه. وإن كانت جنايته فيما دون النفس فى غير ~~الحرم ثم دخل الحرم اقتص منه. وقال مالك والشافعى يقتص منه فى الحرم لذلك ~~كله كما يقتص منه فى الحل. ولكل فريق أدلته المبسوطة فى كتب الفقه. ثم ~~أخبر - سبحانه - عن وجوب الحج على كل قادر عليه فقال { ولله على ~~الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن ~~كفر فإن الله غني عن العالمين }. أى أن الله - تعالى - ~~فرض على الناس أن يحجوا بيته فى أوقات معينة وبكيفية مخصوصة متى كان فى ~~استطاعتهم أداء هذه الفريضة. { ومن كفر } أى من جحد فرضية الحج ~~وأنكرها، ولم يؤدها مع استطاعته وقدرته على أدائها فإن الله غنى عنه وعن ~~حجه وعن الناس جميعا. قال صاحب الكشاف وفى هذا الكلام أنواع من التأكيد ~~والتشديد منها قوله { ولله على الناس حج البيت } يعنى ~~أنه حق واجب لله فى رقاب الناس لا ينفكون عن أدائه والخروج من عهدته. ~~ومنها أنه ذكر الناس ثم أبدل منه من استطاع إليه سبيلا وفيه ضربان من ~~التأكيد أحدهما أن الإبدال تثنية للمراد وتكرير له. والثانى أن ~~الإيضاح بعد الإيهام، والتفصيل بعد الإجمال إيراد له فى صورتين ~~مختلفتين. ومنها قوله { ومن كفر } مكان ومن لم يحج تغليظا على تارك ~~الحج، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم # " من مات ولم يحج فليمت إن شاء الله يهوديا أو نصرانيا " # ومنها ذكر الاستغناء عنه، وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان. ~~ومنها قوله { عن العالمين } ولم يقل عنه، لأن فيه الدلالة على ~~الاستغناء عنه ببرهان، لأنه إذا استغنى عن العالمين تناوله الاستغناء لا ~~محالة ولأنه يدل على الاستغناء الكامل، فكان أدل على عظم السخط. وقوله { ~~ولله } خبر مقدم متعلق بمحذوف أى واجب. { على الناس } متعلق ~~بهذا المحذوف. وقوله { حج البيت } مبتدأ مؤخر. والناس عام مخصوص ~~بالمستطيع، وقد خصص ببدل البعض فى قوله { من استطاع إليه ~~سبيلا } إذ هذه الجملة بدل من الناس بدل البعض من الكل. والضمير فى ~~البدل مقدر أى من ms0822 استطاع منهم إليه سبيلا. و " من " فى قوله { ومن ~~كفر } يحتمل أن تكون شرطية وهو الظاهر، وأن تكون موصولة، وعلى ~~الاحتمالين استغنى فيا بعد الفاء عن الرابط بإقامة الظاهر مقام المضمر إذ ~~الأصل ومن كفر فإن الله غنى عنه فاستغنى بالظاهر عن المضمر. قال ابن كثير ~~والجمهور يرى أن هذه الآية هى آية وجوب الحج. وقيل بل هى آية { ~~وأتموا الحج والعمرة لله } والأول أظهر. وقد وردت ~~الأحاديث المتعددة بأنه أحد أركان الإسلام ودعائمه وقوائمه، وأجمع ~~المسلمون على ذلك إجماعا ضرويا وإنما يجب على المكلف فى العمر مرة واحدة ~~بالنص والإجماع فعن أبى هريرة قال خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فقال # " يا أيها الناس إن الله فرض عليكم الحج فحجوا. فقال رجل أكل عام يا ~~رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو ~~قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال ذرونى ما تركتكم فإنما هلك من كان ~~قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، وإذا أمرتكم بشىء فأتوا منه ~~ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شىء فدعوه ". # وعن ابن عمر - رضى الله عنهما - قال # " قام رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما السبيل يا رسول ~~الله، فقال الزاد والراحلة " # وبذلك تكون هاتان الآيتان والآيات التى قبلهما قد ردت على اليهود فى ~~دعواهم أن ما حرمه الله عليهم من طيبات لم يكن عقوبة لهم بسبب ظلمهم ~~وبغيهم، وكذبتهم فى دعواهم أن بيت المقدس أفضل من المسجد الحرام. وقد ~~اشتمل هذا الرد على ما يثبت افتراءهم من واقع التاريخ، فقد أمر الله - ~~تعالى - النبى صلى الله عليه وسلم أن يطالبهم بإحضار التوراة إن كانوا ~~صادقين فى دعواهم، فبهتوا وانقلبوا صاغرين، وأثبت القرآن أن البيت الحرام ~~أول بيت وضع فى الأرض لعبادة الله، فهو يسبق بيت المقدس فى أولوية الشرف ~~والزمان. وإذن فجدال اليهود للنبى صلى الله عليه وسلم فى هذه الأمور ما ~~هو إلا نوع من عنادهم وجحودهم للحق، والمعاند والجاحد لا ينفع ms0823 معهما دليل ~~أو برهان. وبعد هذا الرد المفحم من القرآن على اليهود فى هاتين القضيتين ~~- قضية ما حرم عليهم من الأطعمة وقضية نزاعهم فى أفضلية البيت الحرام - ~~بعد كل ذلك ساق القرآن طرفا من مسالكهم الخبيثة لكيد الإسلام والمسلمين ~~عن طريق محاولتهم الدس والوقيعة وإثارة الفتنة بين المؤمنين. وقد حذر ~~الله المؤمنين من شرورهم بعد أن وبخ اليهود على مكرهم، وتوعدهم بسوء ~~المصير. استمع إلى القرآن وهو يسوق هذه المعانى بأسلوبه الحكيم فيقول { ~~قل يأهل... }. ### || [3.98-105] # أخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم قال مر شاس بن قيس - وكان شيخا قد عسا فى ~~الجاهلية عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم - مر على ~~نفر من الصحابة من الأوس والخزرج فى مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما ~~رأى من جماعتهم وألفتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذى كان ~~بينهم من العداوة فى الجاهلية. فقال قد اجتمع ملأ بنى قيلة بهذه البلاد، ~~والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار. فأمر شابا من اليهود كان ~~معه فقال له اعمد إليهم فاجلس معهم، وذكرهم يوم بعاث، وما كان قبله ~~وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار - وكان يوم بعاث يوما ~~اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج - ففعل. فتكلم ~~القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب ~~أوس بن قيظى من الأوس، وجبار بن صخر من الخزرج. فتقاولا ثم قال أحدهما ~~لصاحبه إن شئتم والله ردناها الآن جذعة، وغضب الفريقان وقالوا قد فعلنا، ~~السلاح موعدكم الظاهرة - والظاهرة الحرة - فخرجوا إليها وتحاور الناس. ~~فانضمت الأوس بعضها إلى بعض والخزرج بعضها إلى بعض، على دعواهم التى ~~كانوا عليها فى الجاهلية. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج ~~إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم. فقال يا معشر المسلمين ~~الله الله أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم الله إلى ~~الإسلام وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر ms0824 الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر ~~وألف به بينكم، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا فعرف القوم أنها نزغة من ~~الشيطان، وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا، وعانق الرجال من ~~الأوس والخزرج بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس، وما صنع. ~~فأنزل الله فى شاس بن قيس وما صنع { قل يأهل الكتاب لم ~~تكفرون } الآية وأنزل فى أوس بن قيظى وجبار بن صخر ومن كان معهما من ~~قومهما الذين صنعوا ما صنعوا { يأيها الذين آمنوا إن ~~تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب }... إلى قوله ~~{ وأولئك لهم عذاب عظيم } - فما كان يوم أقبح أولا ~~وأحسن آخرا من ذلك اليوم -. وقوله - تعالى - { قل يأهل الكتاب ~~لم تكفرون بآيات الله } أمر من الله - تعالى - لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم بأن يوبخ هؤلاء اليهود ومن لف لفهم على مسالكهم الخبيثة ~~لكيد الدعوة الإسلامية، وإيذاء أتباعها ومحاولتهم صرف الناس عنها. # أى قل يا محمد لهؤلاء اليهود الذين كفروا بالحق بعد أن جاءتهم البينات ~~لم تعاندون الحق وتكفرون بآيات الله السمعية والعقلية الدالة على صدقى ~~فيما أبلغه عن ربى، والحال أن الله مطلع عليكم وعالم علم المعاين المشاهد ~~أعمالكم الظاهرة والخفية، وسيجازيكم عليها بما تستحقونه من عقاب أليم. ~~فالآية الكريمة قد تضمنت تأنيبهم على الكفر، وتهديدهم بالعقاب إذا ~~استمروا فى مسالكهم الأثيمة. ولكى يكون التأنيب أوجع، أمر الله - تعالى - ~~نبيه صلى الله عليه وسلم أن يناديهم بقوله { يأهل الكتاب } ، لأن ~~علمهم بالكتاب يستلزم منهم الإيمان، والإذعان للحق، ولكنهم اتخذوا ~~علمهم وسيلة للشرور والتضليل فكان مسلكهم هذا دليلا على فساد فطرتهم، ~~وخبث طويتهم، وسوء طباعهم. وبعد أن أنبهم القرآن الكريم فى هذه الآية على ~~كفرهم وضلالهم، أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم فى آية ثانية ~~أن يوبخهم على محاولتهم إضلال غيرهم فقال - تعالى - { قل يأهل ~~الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها ~~عوجا وأنتم شهدآء } وقوله ms0825 { تصدون } من الصد وهو صرف ~~الغير عن الشىء ومنعه منه. يقال صد يصد صدودا، وصدا. وقوله { سبيل ~~الله } أى طريقه الموصلة إليه وهى ملة الإسلام. وقوله { تبغونها ~~عوجا } أى تطلبون لها العوج. يقال بغيت له كذا أى طلبته والعوج - بكسر ~~العين - الميل والزبغ فى الدين والقول والعمل وكل ما خرج عن طريق الهدى ~~إلى طريق الضلال فهو عوج. والعوج - بفتح العين - يكون فى المحسوسات ~~كالميل فى الحائط والرمح وكل شىء منتصب قائم أى أن مكسور العين يكون فى ~~المعانى ومفتوحها فى الأعيان. والمعنى قل يا محمد لأهل الكتاب مرة أخرى ~~مبالغة فى تقريعهم وإزاحة لأعذارهم. لأى شىء تصرفون المؤمنين عن الإيمان ~~الحق، وتمنعون من آمن بالنبى صلى الله عليه وسلم عن الاستمرار على ~~اتباعه، وتثيرون الفتنة والوقيعة بين أصحابه. وقوله { تبغونها ~~عوجا } أى تطلبون العوج والميل لسبيل الله الواضحة والميل بها عن ~~القصد والاستقامة، وتريدون أن تكون ملتوية غير واضحة فى أعين المهتدين، ~~كما التوت نفوسكم، وانحرفت عقولكم. قال صاحب الكشاف فإن قلت كيف قال ~~تبغونها عوجا وهو محال؟ قلت فيه معنيان أحدهما أنكم تلبسون على الناس ~~حتى توهموهم أن فيها اعوجاجا بقولكم إن شريعة موسى لا تنسخ، وبتغييركم ~~صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وجهها وغير ذلك. والثانى أنكم ~~تتعبون أنفسكم فى إخفاء الحق ابتغاء ما لا يتأتى لكم من وجود العوج فيما ~~هو أقوم من كل مستقيم ". وقوله { من آمن } مفعول به لتصدون. والضمير ~~المنصوب فى قوله { تبغونها } يعود إلى سبيل الله أى تبغون لها فحذفت ~~اللام كما فى قوله - تعالى - { وإذا كالوهم } أى كالوا لهم. # وقوله { عوجا } مفعول به لتبغون. وبعضهم جعل الضمير المنصوب فى { ~~تبغونها } وهو الهاء هو المفعول. وجعل عوجا حال من سبيل الله. أى ~~تبغونها أن تكون معوجة وتريدونها فى حال عوج واضطراب. وقوله { وأنتم ~~شهدآء } حال من فاعل { تصدون } أو { تبغون }. أى والحال ~~أنكم تعلمون بأن سبيل الإسلام هى السبيل الحق علم من يعاين ويشاهد الشىء ~~على حقيقته فجحودكم عن علم ms0826 وكفركم ليس عن جهل، ولقد كان المتوقع منكم يا ~~من ترون الحق الذى جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فى كتابكم، أن تكونوا ~~أول الساعين إلى الإيمان به، ولكن الحسد والعناد حالا بينكم وبين ~~الانتفاع بالنور الذى جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. وقوله { وما ~~الله بغافل عما تعملون } تهديد لهم ووعيد على ضلالهم ~~ومحاولتهم إضلال غيرهم، لأنه - سبحانه - ليس غافلا عن أعمالهم، بل هو ~~سيجازيهم على هذه المسالك الخبيثة بالفشل والذلة فى الدنيا، وبالعذاب ~~والهوان فى الآخرة ولما كان صدهم المؤمنين بطريق الخفية ختمت الآية ~~الكريمة بما يحسم مادة حياتهم، ببيان أن الله - تعالى - محيط بكل ما يصدر ~~عنهم من أقوال أو أعمال وليس غافلا عنها. بخلاف الآية الأولى فقد كان ~~كفرهم بطريق العلانية إذ ختمت ببيان أن الله مشاهد لما يعملونه ولما ~~يجاهرون به. وبعد أن بين - سبحانه - فى هاتين الآيتين أن اليهود قد جمعوا ~~الخستين ضلال أنفسهم، ثم محاولتهم تضليل غيرهم، تركهم مؤقتا فى طغيانهم ~~يعمهون، ووجه نداء إلى المؤمنين يحذرهم فيه من دسائس اليهود وكيدهم، ~~وينهاهم عن الركون إليهم، والاستماع إلى مكرهم فقال - تعالى - { ~~يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين ~~أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين }. ~~والمعنى إنكم أيها المؤمنون إن استمعتم إلى ما يلقيه بعض أهل الكتاب ~~بينكم من دسائس ولنتم لهم، لا يكتفون بإيقاع العداوة والبغضاء بينكم كما ~~فى الجاهلية، بل يتجاوزون ذلك إلى محاولتهم إعادتكم إلى وثنيتكم القديمة ~~وكفركم بالله بعد إيمانكم. وقد خاطب الله المؤمنين بذاته فى هذه الآية ~~بعد أن أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يخاطب أهل الكتاب فى الآيتين ~~السابقتين، إظهارا لجلالة قدرهم، وأشعارا بأنهم الأحقاء بالمخاطبة من ~~الله - تعالى -. وناداهم بصفة الإيمان لتحريك حرارة العقيدة فى قلوبهم ~~وتوجيه عقولهم إلى ما يستدعيه الإيمان من فطنة ويقظة فالمؤمن ليس خبا ~~ولكن الخب لا يخدعه. وفى التعبير " بأن " فى قوله { إن تطيعوا ~~فريقا } إشارة إلى أن طاعتهم لليهود ليست متوقعة، لأن إيمانهم يمنعهم ~~من ذلك. ms0827 ووصف - سبحانه - الذين يحاولون الوقيعة بين المؤمنين بأنهم فريق ~~من الذين أوتوا الكتاب، إنصافا لمن لم يفعل ذلك منهم. # ونعتهم بأنهم { أوتوا الكتاب } للإشعار بأن تضليلهم، متعمد وبأن ~~تآمرهم على المؤمنين مقصود، فهم أهل كتاب وعلم، ولكنهم استعملوا علمهم فى ~~الشرور والآثام. وقوله { يردوكم } أصل الرد الصرف والإرجاع، إلا ~~أنه هنا مستعار لتغير الحال بعد المخالطة فيفيد معنى التصيير كقول الشاعر # فرد شعورهن السود بيضا ورد وجوههن البيض سودا # أى يصيروكم بعد إيمانكم كافرين والكاف مفعوله الأول وكافرين مفعوله ~~الثانى. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فى آية آخرى # ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ~~إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ~~ما تبين لهم الحق # ثم بين القرآن بعد ذلك أنه ما يسوغ للمؤمنين أن يطيعوا هذا الفريق من ~~الذين أوتوا الكتاب، أو أن يكفروا بعد إيمانهم، أو أن يتفرقوا بعد وحدتهم ~~فقال - تعالى - { وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم ~~آيات الله وفيكم رسوله } ، الاستفهام فى قوله { وكيف ~~تكفرون } للانكار، ولاستبعاد كفرهم فى حال اجتمع لهم فيها كل ~~الأسباب الداعية إلى الإيمان. أى كيف يتصور منكم الكفر، أو يسوغ لكم أن ~~تسيروا فى أسبابه وآيات الله تقرأ على مسامعكم غضة طرية صباح مساء، ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيكم، يردكم إلى الصواب إن أخطأتم، ~~ويزيح شبهكم إن التبس عليكم أمر. وفى هذا ما يومىء إلى إلقاء اليأس فى ~~قلوب هذا الفريق من اليهود من أن يصلوا إلى ما يبغونه بين المؤمنين فى ~~وقت يذكر النبى صلى الله عليه وسلم المؤمنين بما ينفعهم ويحذرهم مما ~~يؤذيهم ويضرهم. وفى توجيه الإنكار والاستبعاد إلى كيفية الكفر مبالغة، ~~لأن كل موجود لا بد أن يكون وجوده على حال من الأحوال، فإذا أنكر ونفى فى ~~جميع الأحوال انتفى وجوده بالكلية بالطريق البرهانى. وقوله { وأنتم ~~تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله } جملتان ~~حاليتان من فاعل { تكفرون } وهو ضمير الجماعة. وهاتان الجملتان هما ~~محط الانكار والاستبعاد. أى أن كلا تلاوة آيات الله ms0828 وإقامة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم فيهم، وازع لهم عن الكفر، ودافع لهم إلى التمسك بعرى ~~الإيمان. ففى الآية الكريمة دلالة على عظمة قدر الصحابة، وأن لهم وازعين ~~عن مواقعة الضلال سماع القرآن، ومشاهدة أنوار الرسول صلى الله عليه وسلم، ~~فإن وجوده عصمة من ضلالهم. قال قتادة أما الرسول صلى الله عليه وسلم فقد ~~مضى إلى رحمة الله، وأما الكتاب فباق على وجه الدهر. ثم أرشد الله - ~~تعالى - المؤمنين إلى الوسيلة التى متى تمسكوا بها عصموا أنفسهم من مكر ~~اليهود فقال - تعالى - { ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى ~~صراط مستقيم }. أى ومن يلتجىء إلى الله فى كل أحواله ويتوكل ~~عليه حق التوكل، ويتمسك بدينه، فقد هدى إلى الطريق الذى لا عوج فيه ولا ~~انحراف. # وفى هذا إشارة إلى أن التمسك بدين الله وبكتابه كفيل بأن يبعد المسلمين ~~الذين لم يشاهدوا الرسول صلى الله عليه وسلم عما يبيته لهم أعداؤهم من ~~مكر وخداع. قال ابن جرير ما ملخصه وأصل العصم المنع، فكل مانع شيئا فهو ~~عاصمه، والممتنع به معتصم به ولذلك قيل للحبل عصام، وللسبب الذى يتسبب به ~~الرجل إلى حاجته عصام، وأفصح اللغتين إدخال الباء كما قال - عز وجل - { ~~واعتصموا بحبل الله جميعا } وقد جاء اعتصمته. ثم أمر ~~الله - تعالى - المؤمنين بمجامع الطاعات ومعاقد الخيرات، فقال - تعالى - ~~{ يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ~~ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون }. وقوله { حق ~~تقاته } التقاة مصدر وهو من باب إضافة الصفة إلى موصوفها إذ الأصل ~~اتقوا الله التقاة الحق. أى الثابتة، كقولك ضربت زيدا أشد الضرب تريد ~~الضرب الشديد وقيل التقاة اسم مصدر من اتقى كالتؤدة من اتأد. والمعنى " ~~بالغو أيها المؤمنون فى التمسك بتقوى الله ومراقبته وخشيته حتى لا تتركوا ~~منها شيئا ولا تكونن على ملة سوى ملة الإسلام إذا أدرككم الموت، وإنما ~~عليكم أن تستمروا على دينكم القويم حتى يأتيكم الأجل الذى لا تستأخرون ~~عنه ساعة ولا تستقدمون. وقد ساق ابن كثير بعض الآثار التى وردت عن بعض ~~السلف فى ms0829 تفسير هذه الآية الكريمة فمن ذلك ما روى عن عبد الله بن مسعود ~~أنه قال فى معنى الآية { اتقوا الله حق تقاته } أن يطاع ~~فلا يعصى. وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر ". وروى عن أنس أنه ~~قال لا يتقى الله العبد حق تقاته حتى يخزن لسانه. وقوله { ولا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون } هو نهى فى الصورة عن موتهم ~~إلا على هذه الحالة والمراد دوامهم على الإسلام وذلك أن الموت لا بد منه ~~فكأنه قيل دوموا على الإسلام إلى أن يدرككم الموت فتموتوا على هذه الملة ~~السمحاء وهى ملة الإسلام، لكى تفوزوا برضا الله وحسن ثوابه. والجملة ~~الكريمة فى محل نصب على الحال من ضمير الجماعة فى { اتقوا }. ~~والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أى لا تموتن على حالة من الأحوال إلى على ~~هذه الحالة الحسنة التى هى حالة المداومة على التمسك بالإسلام وتعاليمه ~~وآدابه. وقال صاحب الكشاف قوله { ولا تموتن } معناه ولا تكونن على ~~حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت، وذلك كأن تقول لمن تستعين به على ~~لقاء العدو لا تأتنى إلا وأنت على حصان، فأنت لاتنهاه عن الإتيان ولكنك ~~تنهاه عن خلاف الحال التى شرطت عليه فى وقت الإتيان ". وبعد أن أمرهم - ~~سبحانه - بمداومة خشيته، والاستمرار على دينه أتبع ذلك بأمرهم بالاعتصام ~~بدينه وبكتابه فقال - تعالى - { واعتصموا بحبل الله ~~جميعا ولا تفرقوا }. # فهذه الآية الكريمة تأكيد لما اشتملت عليه سابقتها من مداومة التقوى ~~والطاعة لله رب العالمين. والاعتصام افتعال من عصم وهو طلب مايعصم أى ~~يمنع من السقوط والوقوع. وأصل الحبل ما يشد به للارتقاء أو التدلى أو ~~للنجاة من غرق أو نحوه، أو للوصول إلى شىء معين. والمراد بحبل الله هنا ~~دينه، أو عهده، أو كتابه، لأن التمسك بهذه الأشياء يوصل إلى النجاة ~~والفلاح. والمعنى كونوا جميعا مستمسكين بكتاب الله وبدينه وبعهوده، ولا ~~تتفرقوا كما كان شأنكم فى الجاهلية بضرب بعضكم رقاب بعض، بل عليكم أن ~~تجتمعوا على طاعة الله وأن تكونوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه ms0830 بعضا. وبذلك ~~تفوزون وتسعدون وتنتصرون على أعدائكم. ففى الجملة الكريمة استعارة ~~تمثيلية حيث شبه - سبحانه - الحالة الحاصلة من تمسك المؤمنين بدينه ~~وبكتابه وبعهوده وبوحدة كلمتهم، بالحالة الحاصلة من تمسك جماعة بحبل وثيق ~~مأمون الانقطاع ألقى إليهم من منقذ لهم من غرق أو سقوط أو نحوهما. وإضافة ~~الحبل إلى الله - تعالى - قرينة على هذا التمثيل. وقوله { جميعا } حال ~~من ضمير الجماعة فى قوله { واعتصموا }. فالجملة الكريمة تأمر ~~المسلمين جميعا أن يعتصموا بعهود الله وبدينه. وبكتابه، وأن يكونوا ~~كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وأن ~~ينبذوا التفرق والاختلاف الذى يؤدى إلى ضعفهم وفشلهم. قال الفخر الرازى ~~عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه واعلم أن كل من يمشى على طريق دقيق يخاف ~~أن ينزلق رجله، فإنه إذا تمسك بحبل مشدود الطرفين بجانبى ذلك الطريق أمن ~~من الخوف. ولا شك أن طريق الحق طريق دقيق، وقد انزلقت أرجل كثيرة من ~~الخلق عنه، فمن اعتصم بدلائل الله وبيناته فإنه يأمن من ذلك الخوف فكان ~~المراد من الحبل هنا كل شىء يمكن التوصل به إلى الحق فى طريق الدين، وهو ~~أنواع كثيرة فمنهم من قال المراد به عهد الله.. ومنهم من قال المراد به ~~القرآن، فقد جاء فى الحديث # " هو حبل الله المتين " # ومنهم من قال المراد به طاعة الله... وهذه الأقوال كلها متقاربة ~~والتحقيق ما ذكرنا من أنه لما كان النازل فى البئر يعتصم بحبل تحرزا من ~~السقوط فيها وكان كتاب الله وعهده ودينه وطاعته وموافقته لجماعة المؤمنين ~~حرزا لصاحبه من السقوط فى جهنم، جعل ذلك حبلا لله وأمروا بالاعتصام به. ~~ثم أمرهم - سبحانه - بتذكر نعم الله عليهم فقال { واذكروا نعمت ~~الله عليكم إذ كنتم أعدآء فألف بين ~~قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على ~~شفا حفرة من النار فأنقذكم منها }. قوله { شفا ~~حفرة } الشفا طرف الشىء وحرفه مثل شفا البئر، وشفا الحفرة ومنه يقال ~~فلان أشفى على الشىء إذا أشرف عليه، كأنه بلغ شفاه أى حده وحرفه. # والمعنى واذكروا ms0831 أيها المؤمنون وتنبهوا بعقولكم وقلوبكم إلى نعمة الله ~~عليكم بتأليف نفوسكم ورأب صدوعكم، فقد كنتم فى الجاهلية أعداء متقاتلين ~~متنازعين، فألف بين قلوبكم بأخوة الإسلام فأصبحتم متحابين متناصحين ~~متوادين وكنتم على وشك الوقوع فى النار بسبب اختلافكم وضلالكم فمن الله ~~عليكم وأنقذكم من التردى فيها بهدايتكم إلى الحق عن طريق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الذى أرسله ربه رحمة للعالمين. إذا فمن الواجب عليكم وفاء ~~لهذه النعم أن تشكروا الله عليها وأن تطيعوا رسولكم صلى الله عليه وسلم ~~وأن تتمسكوا بعرى المحبة والمودة والأخوة فيما بينكم. قال ابن كثير قوله ~~- تعالى - { واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم ~~أعدآء }.. إلخ. هذا السياق فى شأن الأوس والخزرج، فإنه كان بينهم ~~حروب كثيرة فى الجاهلية وعداوة شديدة وضغائن وإحن طال بسببها قتالهم، ~~والوقائع بينهم، فلما جاء الله بالإسلام. فدخل فيه من دخل منهم، صاروا ~~إخوانا متحابين بجلال الله، متواصلين فى ذات الله، متعاونين على البر ~~والتقوى وكانوا على شفا حفرة من النار بسبب كفرهم فأنقذهم الله منها إذ ~~هداهم للإيمان وقد امتن عليهم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~قسم غنائم حنين، فعتب من عتب منهم بما فضل عليهم فى القسمة بما رآه، ~~فخطبهم فقال يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بى، وكنتم ~~متفرقين فألفكم الله بى، وعالة فأغناكم الله بى؟ فكانوا كلما قال شيئا ~~قالوا الله ورسوله أمن ". وفى هذه الآية الكريمة تصوير بديع مؤثر ~~لحالة المسلمين قبل الإسلام وحالتهم بعد الإسلام. فقد صور - سبحانه - ~~حالهم وترديهم فى الكفر والاختلاف والتقاتل قبل أن يدخلوا فى الإسلام ~~بحال من يكون على حافة حفرة من النار يوشك أن يقع فيها. وصور هدايته لهم ~~إلى سبيل الحق والمحبة والإخاء بدخولهم فى الإسلام عن طريق محمد صلى ~~الله عليه وسلم بحالة من يبعد غيره عن التردى فى النار وينقذه من الوقوع ~~فيها. قال صاحب الكشاف " والضمير المجرور فى قوله { فأنقذكم ~~منها } يعود للحفرة أو للنار أو للشفا، وإنما أنث لإضافته إلى ms0832 ~~الحفرة - فاكتسب التأنيث من المضاف إليه - كما قال كما شرقت صدر القناة ~~من الدم... وشفا الحفرة وشفتها حرفها بالتذكير والتأنيث. فإن قلت كيف ~~جعلوا على حرف حفرة من النار؟ قلت لو ماتوا على ماكانوا عليه وقعوا فى ~~النار " فمثلت حياتهم التى يتوقع بعدها الوقوع فى النار بالقعود على ~~حرفها، مشفين - أى مشرفين - على الوقوع فيها ". ثم ختم - سبحانه - الآية ~~بقوله { كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم ~~تهتدون }. أى كهذا البيان الواضح الذى سمعتموه فى هذه الآيات، يبين ~~الله لكم دائما من آياته ودلائله وحججه ما يسعدكم فى الدنيا والآخرة، وما ~~يأخذ بيدكم إلى وسائل الهداية وأسبابها، رجاء أن تكونوا ممن رضى الله ~~عنهم وأرضاهم بسبب اهتدائهم إلى الصراط المستقيم. # وبعد أن أمرهم - سبحانه - بتكميل أنفسهم عن طريق خشيته وتقواه والاعتصام ~~بدينه وبكتابه، عقب ذلك بأمرهم بالعمل على تكميل غيرهم وإصلاح شأنه عن ~~طريق دعوته إلى الخير وإبعاده عن الشر فقال - تعالى - { ولتكن ~~منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر }. الأمة الجماعة التى تؤم ~~وتقصد لأمر ما وتطلق على أتباع الأنبياء كما تقول نحن من أمة محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - وعلى الرجل الجامع للخير الذى يقتدى به كقوله - تعالى - # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا # وعلى الدين والملة كقوله - تعالى - # إنا وجدنآ آبآءنا على أمة # وعلى الحين والزمان كقوله - تعالى - # وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة # والمراد بالأمة هنا الطائفة من الناس التى تصلح لمباشرة الدعوة إلى ~~الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. والمراد بالخير ما فيه صلاح ~~للناس دينى أو دنيوى. والمراد بالمعروف ما حسنه الشرع وتعارف العقلاء على ~~حسنه والمنكر ضد ذلك. والمعنى ولتكن منكم أيها المؤمنون طائفة قوية ~~الإيمان عظيمة الإخلاص، تبذل أقصى طاقتها وجهدها فى الدعوة إلى الخير ~~الذى يصلح من شأن الناس، وفى أمرهم بالتمسك بالتعاليم وبالأخلاق التى ~~توافق الكتاب والسنة والعقول السليمة، وفى نهيهم عن المنكر الذى يأباه ~~شرع الله، وتنفر منه الطباع الحسنة. وقوله { ولتكن } صيغة وجوب من ms0833 ~~الله - تعالى - على كل من يصلح لمهمة الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف ~~والنهى عن المنكر. وتكن إما من كان التامة أى ولتوجد منكم أمة. فيكون ~~قوله { أمة } فاعلا لتكن وجملة { يدعون } صفة لأمة، و { ~~منكم } متعلق بتكن. وإما من كان الناقصة فيكون قوله { أمة } ~~اسمها، وجملة { يدعون } خبرها، وقوله { منكم } متعلق بكان ~~الناقصة، أو بمحذوف وقع حالا من أمة. و { من } فى قوله - تعالى - { ~~ولتكن منكم أمة } يرى أكثر العلماء أنها للتبعيض. أى ليكن ~~بعض منكم أمة أى طائفة تبذل جهدها فى تبليغ رسالات الله وفى دعوة الناس ~~إلى الخير وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر. وفى هذا التبعيض وتنكير أمة ~~تنبيه على قلة العاملين بذلك وأنه لا يخاطب به إلا الخواص. ومن هذا ~~الأسلوب قوله - تعالى - # اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد # فقد وجه الخطاب إلى نفس منكرة تنبيها على قلة الناظر فى معاده. وعلى هذا ~~فكأن الآية الكريمة قد اشتملت على طلبين أحدهما وجه إلى الأمة كلها ~~يطالبها بأن تعد طائفة من بينها لهذه المهمة السامية وهى دعوة الناس إلى ~~الخير وأن تزود هذه الطائفة الصالحة لهذه المهمة بكل ما يمكنها من أداء ~~مهمتها. # وثانيهما موجه إلى تلك الطائفة الصالحة لهذه المهمة، بأن تخلص فيها، ~~وتؤديها على الوجه الأكمل الذى يرضى الله - تعالى - ويرى بعض العلماء أن ~~" من " فى قوله - تعالى - { ولتكن منكم أمة } بيانية. فيكون ~~المعنى أن الأمة كلها عليها واجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لا على ~~سبيل الفرض الكفائى، بل على سبيل الفرض العينى. أى لتكونوا أيها المؤمنون ~~جميعا أمة تدعون إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فمن هنا ليس ~~المراد بها التبعيض على هذا الرأى بل المراد بها البيان، وذلك كقولك ~~لفلان من أولاده جند، وللأمير من غلمانه عسكر، تريد بذلك جميع أولاده ~~وغلمانه. ويبدو لنا أن الرأى الأول وهو أن " من " للتبعيض أقرب إلى ~~الصواب، لأن الأمة كلها برجالها ونسائها وشبابها وشيوخها لا تصلح لهذه ~~المهمة السامية، وإنما يصلح لها من يجيدها ms0834 ويحسنها بأن تكون عنده القدرة ~~العقلية، والعلمية، والنفسية، والخلقية، لأدائها. ولذا قال صاحب الكشاف ~~مرجحا أن " من " للتبعيض قوله { ولتكن منكم أمة } من ~~للتبعيض، لأن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من فروض الكفايات، لأنه لا ~~يصلح له إلا من علم المعروف والمنكر، وعلم كيف يرتب الأمر فى إقامته وكيف ~~يباشره فإن الجاهل ربما نهى عن معروف وأمر بمنكر، وربما عرف الحكم فى ~~مذهبه وجهله فى مذهب صاحبه فنهاه عن غير منكر. وقد يغلظ فى موضع اللين، ~~ويلين فى موضع الغلظة وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تماديا، أو على ~~من الإنكار عليه عبث. وقيل " من " للتبيين، بمعنى وكونوا أمة تأمرون، ~~كقوله - تعالى - # كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر # وقوله - تعالى - { ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر } معطوف على قوله { يدعون إلى الخير } من باب عطف ~~الخاص على العام. وفائدة هذا التخصيص ذكر الدعاء إلى الخير عاما ثم مفصلا ~~على هذين الوجهين وهما الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، لأنهما أشرف ~~ألوان الدعوة إلى الخير. وقوله { يدعون إلى الخير } المفعول ~~فيه محذوف وكذلك فى قوله " يأمرون وينهون " والتقدير يدعون الناس إلى ~~الخير ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر. وحذف المفعول للإيذان ~~بظهوره. أو للقصد إلى إيجاد نفس الفعل. أى يفعلون الدعاء إلى الخير، أو ~~لقصد التعميم أى يدعون كل من تتأتى له الدعوة. وقد ختم - سبحانه - الآية ~~الكريمة بتبشير هؤلاء الداعين إلى الخير بالفلاح فقال { وأولئك ~~هم المفلحون } والفلاح هو الظفر وإدراك البغية. أى وأولئك ~~القائمون بواجب الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هم ~~الكاملون فى الفلاح والنجاح، ولا يمكن أن يفلح سواهم ممن لم يقم بهذا ~~الواجب الذى هو مناط عزة الجماعات والأفراد، وأساس رفعتهم وقوتهم ~~وسعادتهم. # قال بعض العلماء فى الآية دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن ~~المنكر ووجوبه ثابت بالكتاب والسنة، وهو من أعظم واجبات الشريعة المطهرة، ~~وأصل عظيم من أصولها، وركن مشيد من أركانها، وبه يرتفع سنامها ويكمل ~~نظامها. وقال الإمام الغزالى ms0835 فى هذه الآية بيان الإيجاب. فإن قوله { ~~ولتكن } أمر. وظاهر الأمر الإيجاب، وفيها بيان أن الفلاح منوط به. ~~إذ حصر وقال { وأولئك هم المفلحون } وفيها بيان أنه فرض ~~كفاية لا فرض عين وأنه إذا قام به البعض سقط الفرض عن الآخرين، إذ لم يقل ~~كونوا كلكم آمرين بالمعروف، بل قال { ولتكن منكم أمة } وإن ~~تقاعد عنه الخلق جميعا عم الإثم كافة القادرين عليه لا محالة. هذا وقد ~~وردت أحاديث متعددة فى فضل الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهى عن ~~المنكر، وفى بيان العاقبة السيئة التى تترتب على ترك هذا الواجب، ومن ذلك ~~ما رواه مسلم والترمذى وابن ماجة والنسائى عن أبى سعيد الخدرى قال سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطيع ~~فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ". # وروى الترمذى عن جابر بن عبد الله عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال # " سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه ~~فقتله ". # وروى الشيخان عن جرير بن عبد الله قال بايعت النبى صلى الله عليه وسلم ~~على السمع والطاعة فلقننى فيما استطعت والنصح لكل مسلم. وروى أبو داود ~~والترمذى وابن ماجه والنسائى عن أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - قال يا ~~أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية # يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم ~~من ضل إذا اهتديتم # وإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله ~~بعقاب من عنده ". # وبعد أن أمر الله - تعالى - بالمواظبة على الدعوة إلى الخير، عقب ذلك ~~بنهيهم عن التفرق والاختلاف فقال { ولا تكونوا كالذين ~~تفرقوا واختلفوا من بعد ما جآءهم البينات }. ~~أى ولا تكونوا أيها المؤمنون كأولئك اليهود والنصارى وغيرهم من الذين ~~تفرقوا شيعا وأحزابا، وصار # كل حزب بما لديهم فرحون # واختلفوا فيما بينهم اختلافا شنيعا، وقد ترتب على ذلك أن كفر بعضهم ~~بعضا، وقاتل ms0836 بعضهم بعضا، وزعم كل فريق منهم أنه على الحق وغيره على ~~الباطل، وأنه هو وحده الذى يستطيع أن يدرك ما فى الكتب السماوية من ~~حقائق، وهو وحده الذى يستطيع تفسيرها تفسيرا سليما. # ولقد كان تفرقهم هذا واختلافهم { من بعد ما جآءهم ~~البينات } أى الآيات والحجج والبراهين الدالة على الحق، والداعية ~~إلى الاتحاد والوئام لا إلى التفرق والاختلاف. وقوله { ولا تكونوا ~~كالذين تفرقوا } معطوف على قوله { ولتكن منكم ~~أمة يدعون } ويرجع إلى قوله من قبل { واعتصموا بحبل ~~الله جميعا ولا تفرقوا } لما فيه من تمثيل حال التفرق فى ~~أبشع صوره المعروفة لديهم من مطالعة أحوال اليهود وفيه إشارة إلى أن ترك ~~الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر يفضى إلى التفرق والاختلاف إذ يترتب على ~~هذا الترك أن تكثر المنازعات والأهواء والمظالم، وتنشق الأمة بسبب ذلك ~~انشقاقا شديدا. والمقصود بهذا النهى إنما هو التفرق والاختلاف فى أصول ~~الدين وأسسه، أما الفروع التى لا يصادم الخلاف فيها نصا صحيحا من نصوص ~~الدين فلا تندرج تحت هذا النهى، فنحن نرى أن أصحاب النبى صلى الله عليه ~~وسلم والتابعين من بعدهم قد اختلفوا فيما بينهم فى بعض المسائل التى لا ~~تخالف نصا صحيحا من نصوص الشريعة وتأولها كل واحد أو كل فريق منهم على ~~حسب فهمه الذى أداه إليه اجتهاده. ومن الأحاديث التى ذمت الاختلاف فى ~~الدين ما رواه أبو داود والإمام أحمد عن أبى عامر عبد الله بن يحيى قال # " حججنا مع معاوية بن أبى سفيان، فلما قدمنا مكة قام حين صلى الظهر فقال ~~إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن أهل الكتابين افترقوا فى دينهم ~~على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة - يعنى ~~الأهواء - كلها فى النار إلا واحدة - وهى الجماعة - وأنه سيخرج فى أمتى ~~أقوام تجارى بهم تلك الأهواء، كما يتجارى الكلب بصاحبه. لا يبقى منه عرق ~~ولا مفصل إلا دخله، والله يا معشر العرب لئن لم تقوموا بما جاءكم به ~~نبيكم - صلى الله عليه وسلم ms0837 - لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به ". # ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان سوء عاقبة المتفرقين، والمختلفين ~~فى الحق فقال { وأولئك لهم عذاب عظيم } أى وأولئك ~~الموصوفون بتلك الصفات الذميمة لهم عذاب عظيم بسبب تفرقهم واختلافهم ~~الباطل. فأنت ترى أن القرآن الكريم قد نهى المؤمنين عن التفرق والاختلاف ~~بأبلغ تعبير وألطف إشارة، وذلك بأن بين لهم حسن عاقبة المعتصمين بحبل ~~الله دون أن يتفرقوا، وما بشر به - سبحانه - المواظبين على الدعوة إلى ~~الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من أنهم هم المفلحون الفائزون. ~~ثم بين لهم بعد ذلك سوء عاقبة التفرقة والاختلاف الذى وقع فيه من سبقهم ~~من اليهود والنصارى وكيف أنه ترتب على تفرقهم واختلافهم أن كفر بعضهم ~~بعضا. وقاتل بعضهم بعضا، ورمى بعضهم بعضا بالزيغ والضلال. # هذا فى الدنيا، أما فى الآخرة فلهؤلاء المتفرقين والمختلفين العذاب ~~العظيم من الله - تعالى - فالقرآن قد أتى بالأوامر ومعها الأسباب التى ~~تدعو إلى الاستجابة لها، وأتى بالنواهى ومعها كذلك الأسباب التى تحمل على ~~البعد عنها. وبذلك تكون الآيات الكريمة قد بينت مسلكا من مسالك اليهود ~~الخبيثة لكيد الإسلام والمسلمين، ووبختهم على ذلك توبيخا موجعا، وفضحتهم ~~على مر العصور والدهور، وحذرت المؤمنين من شرورهم، وأرشدتهم إلى ما ~~يعصمهم من كيدهم. وذكرتهم بنعم الله الجليلة عليهم، وأمرتهم بالمواظبة ~~على الدعوة إلى الخير. ونهتهم عن التفرق والاختلاف لكى يسعدوا فى دينهم ~~ودنياهم. ثم حذر الله - تعالى - الناس من أهوال يوم القيامة، وأمرهم بأن ~~يتسلحوا بالإيمان وبالعمل الصالح حتى ينجوا من عذابه فقال { يوم ~~تبيض وجوه... }. ### || [3.106-109] # قوله - تعالى - { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } بياض ~~الوجوه وسوادها محمولان على الحقيقة عن جمهور العلماء. وذلك لأن اللفظ ~~حقيقة فيهما، ولا دليل يوجب ترك هذه الحقيقة فوجب الحمل على ذلك. قال ~~الآلوسى قال بعضهم يوسم أهل الحق ببياض الوجه وإشراق البشرة تشريفا لهم ~~وإظهارا لآثار أعمالهم فى ذلك الجمع. ويوسم أهل الباطل بضد ذلك. والظاهر ~~أن الابيضاض والأسوداد يكونان لجميع الجسد إلا أنهما أسندا للوجوه لأن ~~الوجه ms0838 أول ما يلقاك من الشخص وتراه، وهو أشرف أعضائه واختلف فى وقت ذلك ~~فقيل وقت البعث من القبور وقيل وقت قراءة الصحف ". ويرى بعض العلماء أن ~~بياض الوجوه هنا المراد منه لازمه وهو الفرح والسرور، كما أن سوادها ~~المراد منه لازمه أيضا وهو الحزن والغم وعليه يكون التعبير القرآنى ~~محمولا على المجاز لا على الحقيقة. قال الفخر الرازى ما ملخصه وهذا مجاز ~~مشهور قال - تعالى - # وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا ~~وهو كظيم # ويقال لفلان عندى يد بيضاء وتقول العرب لمن نال بغيته وفاز بمطلوبه ابيض ~~وجهه ومعناه الاستبشار والتهلل.. ويقال من وصل إليه مكروه اربد وجهه ~~واغبر لونه وتبدلت صورته... وعلى هذا فمعنى الآية أن المؤمن يرد يوم ~~القيامة على ما قدمت يداه، فإن رأى ما يسره ابيض وجهه بمعنى أنه استبشر ~~بنعم الله وفضله، وعلى ضد ذلك إذا رأى الكافر أعماله القبيحة محصاة عليه ~~اسود وجهه بمعنى أنه يشتد حزنه وغمه ". والظرف " يوم " فى قوله { يوم ~~تبيض } إلخ منصوب على أنه مفعول به بفعل محذوف والتقدير اذكر يوم ~~تبيض وجوه وتسود وجوه والمراد الاعتبار والاتعاظ ويجوز أن يكون العامل ~~فيه قوله { عظيم } فى قوله قبل ذلك { وأولئك لهم عذاب ~~عظيم }. أى أولئك الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات لهم ~~عذاب فى هذا اليوم الهائل الشديد الذي تبيض فيه وجوه المؤمنين وتسود فيه ~~وجوه الكافرين والفاسقين. وفى وصف هذا اليوم بأنه تبيض فيه وجوه وتسود ~~فيه وجوه تهويل لأمره. وتعظيم لشأنه وتشويق لما يرد بعد ذلك من تفصيل ~~أصحاب الوجوه المبيضة وأصحاب الوجوه المسودة، وترغيب للمؤمنين فى ~~الإكثار من التزود بالعمل الصالح وترهيب للكافرين من التمادى فى كفرهم ~~وضلالهم. والتنكير فى قوله { وجوه } للتكثير. أى تبيض وجوه عدد كثير ~~من المؤمنين وتسود وجوه كثيرة للكافرين. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله ~~وجوههم مسودة # وقوله - تعالى - # وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة * ووجوه ~~يومئذ باسرة * تظن أن يفعل بها فاقرة # قال ms0839 صاحب الكشاف " البياض من النور والسواد من الظلمة. # فمن كان من أهل نور الحق وسم ببياض اللون وإسفاره وإشراقه وابيضت ~~صحيفته، واشرقت، وسعى النور بين يديه وبيمينه. ومن كان من أهل ظلمة ~~الباطل وسم بسواد اللون وكسوفه وكمده، واسودت صحيفته وأظلمت وأحاطت به ~~الظلمة من كل جانب. نعوذ بالله وبسعة رحمته من ظلمة الباطل وأهله ". ثم ~~بين - سبحانه - حال الذين اسودت وجوههم وسوء عاقبتهم فقال { فأما ~~الذين اسودت وجوههم } بسبب كفرهم وأعمالهم القبيحة فيقال ~~لهم { أكفرتم بعد إيمانكم } وحذف هذا القول المقدر والذى ~~هو جواب إما لدلالة الكلام عليه، ومثله كثير فى القرآن الكريم، ومن ذلك ~~قوله - تعالى - # ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ~~ربهم ربنآ أبصرنا وسمعنا # أى قائلين ربنا أبصرنا وسمعنا وقوله تعالى - # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليكم # أى قائلين لهم سلام عليكم. والاستفهام فى قوله { أكفرتم } للتوبيخ ~~والتعجب من حالهم. قال الآلوسى والظاهر من السياق أن هؤلاء هم أهل الكتاب ~~وكفرهم بعد إيمانهم، هو كفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ~~الإيمان به قبل مبعثه. وقيل هم جميع الكفار لإعراضهم عما وجب عليهم من ~~الإقرار بالتوحيد حين أشهدهم على أنفسهم # ألست بربكم قالوا بلى # ويحتمل أن يراد بالإيمان الإيمان بالقوة والفطرة، وكفر جميع الكفار ~~كان بعد هذا الإيمان لتمكنهم بالنظر الصحيح والدلائل الواضحة والآيات ~~البينة من الإيمان بالله - تعالى -، وبرسوله صلى الله عليه وسلم ". ~~وقوله { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } أى فادخلوا ~~جهنم وذوقوا مرارة العذاب وآلامه بسبب استمراركم على الكفر وموتكم عليه. ~~والأمر فى قوله { فذوقوا } للإهانة والإذلال، وهو من باب الاستعارة ~~فى { فذوقوا } استعارة تبعية تخييلية. وفى العذاب استعارة مكنية حيث ~~شبه العذاب بشىء يدرك بحاسة الأكل والذوق تصويرا له بصورة ما يذاق، ~~وأثبت له الذوق تخييلا - وهو قرينة المكنية. وأل فى العذاب للعهد أى ~~فذوقوا العذاب المعهود الموصوف بالعظم، والذى سبق أن حذركم الله - تعالى ~~- منه، ولكنكم لم تعيروا التحذير انتباها، بل تماديتم فى كفركم وضلالكم ~~حتى أدرككم الموت ms0840 وأنتم على هذه الحال الشنيعة. ثم بين - سبحانه - حال ~~الذين ابيضت وجوههم وحسن عاقبتهم فقال { وأما الذين ابيضت ~~وجوههم } ببركة إيمانهم وعملهم الصالح { ففي رحمة الله } ~~أى ففى جنته. والتعبير عن الجنة بالرحمة من باب التعبير بالحال عن المحل ~~فتكون الظرفية حقيقة. وإذا أريد برحمة الله ثوابه وجزاؤه تكون الظرفية ~~مجازية. وفى التعبير عن الجنة بالرحمة إشعار بأن دخولها إنما هو بمحض فضل ~~الله - تعالى - فهو - سبحانه - المالك لكل شىء، والخالق لكل شىء. وقوله { ~~هم فيها خالدون } بيان لما خصهم الله - تعالى - من خلود فى هذا ~~النعيم الذى لا يحد بحد، ولا يرسم برسم، ولا تبلغ العقول مداه. # أى هم فى الرحمة باقون دائمون فقد أعطاهم الله - تعالى - عطاء غير ~~مجذوذ. وقد بدأ - سبحانه - كلامه عن الفريقين بالذين ابيضت وجوههم ثم قدم ~~الحديث عن حال الذين اسودت وجوههم على الذين ابيضت وجوههم، ليكون ابتداء ~~الكلام واختتامه عن هؤلاء السعداء بما يسر القلب ويشرح الصدر ويغرى الناس ~~بالتمسك بعرى الإيمان وبالإكثار من العمل الصالح الذى يوصلهم إلى رحمة ~~الله ورضاه. ووصف - سبحانه - الذين ابيضت وجوههم بأنهم خالدون فى رحمته، ~~ولم يصف الذين اسودت وجوههم بالخلود فى العذاب للتصريح فى غير هذا الموضع ~~بخلودهم فى هذا العذاب كما فى قوله - تعالى - # إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في ~~نار جهنم خالدين فيهآ أولئك هم شر البرية # وللإشعار بأن باب رحمته - سبحانه - مفتوح أمام هؤلاء الضالين فعليهم أن ~~يثوبوا إلى رشدهم، وأن يقلعوا عن الكفر إلى الإيمان والعمل الصالح حتى ~~ينجوا من عذاب الله وسخطه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه. وبعد أن أفاض - ~~سبحانه - فى الحديث عن أحوال السعداء وأحوال الأشقياء وعن رذائل الكافرين ~~من أهل الكتاب وغيرهم ممن أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وبعد أن ساق ~~- سبحانه - من التوجيهات الحكيمة، والإرشادات النافعة ما يشفى الصدور ~~ويهدى النفوس، بعد كل ذلك، خاطب - سبحانه - نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بقوله { تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما ~~الله يريد ظلما للعالمين ms0841 }. والمراد بالآيات ما سبق ذكره ~~فى هذه السورة وغيرها من آيات قرآنية تهدى إلى الرشد وتشهد بوحدانية الله ~~- تعالى - وبصدق رسوله صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عنه. وكانت ~~الإشارة بتلك الدالة على البعد للإشعار بعلو شأن هذه الآيات وسمو ~~منزلتها وعظم قدرها. ومعنى { نتلوها } نقرؤها عليك يا محمد شيئا ~~فشيئا قراءة واضحة جلية لتبلغها للناس على مكث وتدبر وروية. وأسند - ~~سبحانه - التلاوة إليه مع أن التالى فى الحقيقة جبريل - عليه السلام - ~~للتنيه على شرف هذه الآيات المتلوة، ولأن تلاوة جبريل إنما هى بأمر منه - ~~سبحانه -. وقال - سبحانه - { تلك آيات الله نتلوها } فأظهر ~~لفظ الجلالة ولم يقل تلك آياتنا نتلوها، ليكون التصريح باسمه - سبحانه - ~~مربيا فى النفوس المهابة والإجلال له، إذ هو المستحق وحده لوصف الألوهية ~~فلا إله سواه ولا معبود بحق غيره، وهو ذو الجلال والإكرام، وهو المنشىء ~~الموجد لهذا الكون وما فيه ومن فيه. فالتصريح باسمه - تعالى - يزيد ~~البيان جلالا ويبعث فى النفوس الخشيية والمراقبة والبعد عما يوجب العقاب ~~والإقبال على ما يوصل إلى الثواب. # وقوله { بالحق } فى موضع الحال المؤكدة من الفاعل أو المفعول. أى ~~نتلوها عليك متلبسة بالحق أو متلبسين بالصدق أو العدل فى كل ما دلت عليه ~~هذه الآيات ونطقت به، مما لا تختلف فيه العقول السليمة، والمدارك القويمة ~~وقوله - تعالى - { وما الله يريد ظلما للعالمين } نفى ~~للظلم بأبلغ وجه فإنه - سبحانه - لم ينف فقط الظلم عن ذاته بل نفى عن ~~ذاته إرادة الظلم إذ هو أمر يليق به - سبحانه - ولا يتصور وقوعه منه. ~~وكيف يريد الظلم من منح هذا العالم كله الوجود، وخلق هذا الكون برحمته ~~وقدرته وعدله؟ والظلم - كما يقول الراغب - وضع الشىء فى غير موضعه ~~المختص به إما بزيادة أو بنقصان وإما بعدول عن وقته ومكانه، ومن هذا يقال ~~ظلمت السقاء إذا تناولته فى غير وقته، وظلمت الأرض إذا حفرتها ولم تكن ~~موضعا للحفر. وقال بعض الحكماء الظلم ثلاثة أنواع الأول ظلم بين ~~الإنسان وبين الله - تعالى - وأعظمه الكفر والشرك والنفاق وإياه ms0842 قصد - ~~سبحانه - بقوله # إن الشرك لظلم عظيم # والثانى ظلم بينه وبين الناس وإياه قصد بقوله # إنما السبيل على الذين يظلمون الناس # والثالث ظلم بينه وبين نفسه وإياه قصد بقوله # فمنهم ظالم لنفسه # والظلم الذى نفى إرادته - سبحانه - عن ذاته عام لا يخص نوعا دون نوع، إذ ~~من المعروف عند علماء اللغة أن النكرة فى سياق النفى تعم، وهنا جاء لفظ ~~الظلم منكرا فى سياق النفى وهو ما. قال الجمل واللام فى قوله { ~~للعالمين } زائدة لا تعلق لها بشىء زيدت فى مفعول المصدر وهو " ~~ظلم " والفاعل محذوف. وهو فى التقدير ضمير البارىء - سبحانه - والمعنى ما ~~الله يريد أن يظلم العالمين، فزيدت اللام تقوية للعامل كقوله # فعال لما يريد # ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أنه هو المالك لكل شىء وأنه هو وحده الذى ~~إليه تصير الأمور فقال { ولله ما في السماوات وما في ~~الأرض } أى له - سبحانه - وحده ما فيهما من المخلوقات ملكا وخلقا ~~وتدبيرا وتصرفا وإحياء وإماتة وإثابة وتعذيبا. { وإلى الله ~~ترجع الأمور } أى إلى حكمه وقضائه تعود أمور الناس وشئونهم فيجازى ~~الذين أساؤوا بما عملوا ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى، لأنه - سبحانه - ~~منه المبدأ وإليه المآب فيجازى كل إنسان على حسب اعتقاده وعمله بدون ظلم ~~أو محاباة. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد حذرت الناس من أهوال يوم ~~القيامة الذى تبيض فيه وجوه وتسود وجوه وبينت الأسباب التى أدت إلى فوز ~~من فاز وإلى شقاء من شقى، ونوهت بشأن الآيات التى أنزلها الله - تعالى - ~~على نبيه صلى الله عليه وسلم لتكون هداية للناس وصرحت بأن الله - تعالى - ~~هو الخالق لكل شىء وإليه مرجع الأمور ومصيرها فيجازى كل إنسان بما يستحقه ~~من ثواب أو عقاب. # وبعد أن أمر الله - تعالى - المؤمنين بالدعوة إلى الخير ونهاهم عن ~~التفرق والاختلاف المفضى إلى العذاب العظيم يوم القيامة، وبين لهم أن ~~مصير الأمور إليه بعد كل ذلك ساق لهم ما يقوى إيمانهم ويثبت يقينهم، بأن ~~بشرهم بحسن العقبى متى استقاموا على أمره، وأمروا بالمعروف ونهوا ms0843 عن ~~المنكر، وأنذر الكافرين من أهل الكتاب بالهزيمة فى الدنيا، وبغضب الله - ~~تعالى - فى الآخرة فقال - تعالى - { كنتم خير أمة... }. ### || [3.110-112] # وقوله - تعالى - { كنتم } يصح أن تكون من كان التامة التى بمعنى وجد ~~وهى لا تحتاج إلى خبر فيكون المعنى وجدتم خير أمة أخرجت للناس، ويكون ~~قوله { خير أمة } بمعنى الحال. وبهذا الرأى قال جمع من المفسرين. ~~ويصح أن تكون من كان الناقصة التى هى - كما يقول الزمخشرى - عبارة عن ~~وجود الشىء فى زمان ماض على سبيل الإبهام وليس فيه دليل على عدم سابق ~~ولا على انقطاع طارىء فيكون المعنى قدرتم فى علم الله - تعالى - خير أمة ~~أخرجت للناس. ويجوز أن تكون بمعنى صار. أى تحولتم يا معشر المؤمنين الذين ~~عاصرتم النبى صلى الله عليه وسلم من جاهليتكم إلى أن صرتم خير أمة. وقيل ~~إن " كان " هنا زائدة، والتقدير أنتم خير أمة. ورد هذا القول بأن كان لا ~~تزاد فى أول الكلام. والظاهر أن الرأى الأول الذى يقول إن { كنتم } ~~هنا من كان التامة هو أقرب الأقوال إلى الصواب " ويليه الرأى الثانى الذى ~~يرى أصحابه أن " كنتم " هنا من " كان " الناقصة إلا أنها هنا تدل على ~~تحقق شىء بصفة فى الزمان الماضى من غير دلالة على عدم سابق أو لاحق. ~~والخطاب فى هذه الآية الكريمة بقوله - تعالى - { كنتم } للمؤمنين ~~الذين عاصروا النبى صلى الله عليه وسلم ولمن أتى بعدهم واتبع تعاليم ~~الإسلام إلى يوم الدين. ولذا قال ابن كثير والصحيح أن هذه الآية عامة فى ~~جميع الأمة. كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثم الذين يلونهم، كما قال - سبحانه - فى الآية الأخرى # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا # وقد وردت أحاديث متعددة فى فضل هذه الأمة الإسلامية، منها ما جاء فى ~~مسند الإمام أحمد وفى سنن الترمذى وابن ماجه من رواية حكيم بن معاوية بن ~~حيدة عن أبيه قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms0844 - # " أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله - تعالى - ". # والمعنى وجدتم يا معشر المسلمين العالمين بتعاليم الإسلام وآدابه وسنته ~~وشريعته خير أمة أخرجت وأظهرت للناس، من أجل إعلاء كلمة الحق وإزهاق كلمة ~~الباطل، ونشر الإصلاح والنفع فى الأرض. وقوله { خير أمة } خبر ~~كنتم على أنها من كان الناقصة. وجملة { أخرجت } صفة لأمة، وقوله { ~~للناس } متعلق بأخرجت، وحذف الفاعل من { أخرجت } للعلم به أى ~~خرجها الله - تعالى - لنفع الناس وهدايتهم إلى الصراط المستقيم. فالجملة ~~الكريمة تنوه بشأن الأمة الإسلامية وتعلى من قدرها، فهل تعى الأمة ~~الإسلامية هذا التنويه من شأنها وذلك الإعلاء من قدرها فتقوم بدورها ~~الذى اختاره الله لها، وهو نشر كلمة التوحيد فى الأرض واحقاق الحق وإبطال ~~الباطل شكرا لله - تعالى - على جعله إياها خير أمة أخرجت للناس؟؟. # إن واقع المسلمين الملىء بالضعف والهوان، والفسوق والعصيان يدمى قلوب ~~المؤمنين الصادقين، ويحملهم على أن يبلغوا رسالات الله دون أن يخشوا أحدا ~~سواه حتى تكون كلمته هى العليا وكلمة الذين كفروا هى السفلى. ثم بين - ~~سبحانه - الأسباب التى جعلت الأمة الإسلامية خير أمة أخرجت للناس فقال { ~~تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون ~~بالله }. والمعروف هو كل قول أو عمل حسنه الشرع، وأيدته العقول ~~السليمة، والمنكر بعكسه. والمعنى وجدتم خير أمة أخرجت للناس، لانكم ~~تأمرون بالمعروف أى بالقول أو الفعل الجميل المستحسن فى الشرائع والعقول. ~~{ وتنهون عن المنكر } أى كل قول أو فعل قبيح تستنكره ~~الشرائع ويأباه أهل الإيمان القويم، والعقل السليم. و { وتؤمنون } ~~بالله أى تصدقون وتذعنون بأنه لا معبود بحق سواه، وتخلصون له العبادة ~~والخضوع، وتطيعونه فى كل ما أمركم به أو نهاكم عنه على لسان رسوله محمد ~~صلى الله عليه وسلم. فأنت ترى أن الخيرية للأمة الإسلامية منوطة بتحقيق ~~أصلين أساسيين أولهما الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لأنهما سياج ~~الدين، ولا يمكن أن يتحقق بنيان أمة على الخير والفضيلة إلا بالقيام ~~بهما، فهما من الأسباب التى استحق بنو إسرائيل اللعنة من أجل تركهما، فقد ~~أخرج أبو داود فى ms0845 سننه عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " إن أول ما دخل النقص على بنى إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول ~~له يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد على ~~حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب ~~الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال صلى الله عليه وسلم { لعن الذين ~~كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ~~ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا ~~لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا ~~يفعلون } ثم قال " كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ~~ولتأخذون على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق اطرا - ولتحملنه على اتباع ~~الحق حملا - أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعنكم كما لعنهم ~~". # وثانيهما الإيمان بالله - تعالى - وبجميع ما أمر الله - تعالى - ~~بالإيمان به. هذان هما الأمران اللذان يجب أن يتحققا لتكون هذه الأمة ~~الإسلامية خير أمة أخرجت للناس لأن الأمة التى تهمل الأمر بالمعروف ~~والنهى عن المنكر ولا تؤمن بالله لا يمكن أن تكون خير أمة بل لا توصف ~~بالخيرية قط، لأنه لا خير إلا فى الفضائل والحق والعدل، ولا تقوم هذه ~~الأمور إلا مع وجود الإيمان بالله وكثرة الدعاة إلى الخير والناهين عن ~~الشر، ويكون لدعوتهم آثارها القوية التى تحيا معها الفضائل وتزول بها ~~الرذائل. # وكأنه - سبحانه - قد أخر " الإيمان بالله " عن " الأمر بالمعروف والنهى ~~عن المنكر " ليكون كالباعث عليهما لأنه لا يصبر على تكاليفهما ومتاعبهما ~~إلا مؤمن يبتغى وجه الله ويركن فى كفاحه إليه. فهذا الإيمان بالله هو ~~الباعث للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، على أن يبلغوا رسالات الله، ~~دون أن يخشوا أحدا سواه. وقيل إنما أخر الإيمان على الأمر بالمعروف ~~والنهى عن المنكر مع تقدمه عليهما وجودا ورتبة كما هو الظاهر، لأن ~~الإيمان مشترك بين جميع الأمم دون الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ~~فهما أظهر فى الدلالة على الخيرية للأمة الإسلامية. ms0846 وجملة { تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر } يجوز أن تكون حالية من ~~ضمير الخطاب فى { كنتم } ويجوز أن تكون مستأنفة للتعليل، وهذا ما ذهب ~~إليه الفخر الرازى، فقد قال " واعلم أن هذا الكلام مستأنف والمقصود منه ~~بيان علة تلك الخيرية، كما تقول زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بما ~~يصلحهم، وتحقيق الكلام أنه ثبت فى أصول الفقه أن ذكر الحكم مقرونا بالوصف ~~المناسب له يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف فها هنا حكم الله - ~~بثبوت وصف الخيرية لهذه الأمة. ثم ذكر عقيب هذا الحكم هذه الطاعات أعنى ~~الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والايمان، فوجب كون تلك الخيرية معللة ~~بهذه العبارات. وقال الإمام ابن كثير - بعد أن ساق بضعة عشر حديثا فى ~~فضل هذه الأمة فهذه الأحاديث فى معنى قوله - تعالى - { كنتم خير ~~أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون ~~عن المنكر وتؤمنون بالله } فمن اتصف من هذه الأمة بهذه ~~الصفات دخل معهم فى هذا المدح، كما قال قتادة، بلغنا أن عمر بن الخطاب ~~رأى من الناس دعة فى حجة حجها فقرأ هذه الآية { كنتم خير أمة ~~أخرجت للناس } ، ثم قال من سره أن يكون من هذه الأمة فليؤد شرط ~~الله فيها " ، رواه ابن جرير ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ~~ذمهم الله بقوله # كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه # الآية. وبعد أن مدح - سبحانه - هذه الأمة على هذه الصفات شرع فى ذم أهل ~~الكتاب وتأنيبهم فقال - تعالى - { ولو آمن أهل الكتاب } أى ~~بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم { لكان خيرا لهم } أى ~~لكان إيمانهم خيرا لهم فى دنياهم وآخرتهم ولنالوا الخيرية التى ظفرت بها ~~الأمة الإسلامية ولكنهم لم يؤمنوا فامتنع الخير فيهم لامتناع الإيمان ~~الصحيح منهم، ولإيثارهم الضلالة على الهداية فهذه الجملة الكريمة معطوفة ~~على قوله - تعالى - { كنتم خير أمة }. # . ومرتبطة بها. ولم يذكر متعلق { آمن } هنا لأن المراد لو اتصفوا ~~بالإيمان الذى هو لقب وشعار للإيمان بدين الإسلام الذى أتى به محمد ~~صلى الله عليه ms0847 وسلم، وهو الذى منه أطلقت صفة الذين آمنوا على المسلمين ~~فصار كالعلم بالغلبة. وقال - سبحانه - { لكان خيرا لهم } أى لو ~~آمنوا لكان إيمانهم خيرا لهم بدون تفصيل لهذه الخيرية لتذهب نفوسهم كل ~~مذهب فى الرجاء والإشفاق. ثم أخبر - سبحانه - بأن قلة من أهل الكتاب ~~اختاروا الإيمان على الكفر فقال - تعالى - { منهم المؤمنون ~~وأكثرهم الفاسقون }. أى من أهل الكتاب أمة آمنت بالله وصدقت ~~رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم واتبعت ما جاء به من الحق وأكثرهم معرضون ~~عن الإيمان بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم وخارجون عن الطريق ~~المستقيم الذى أمرت باتباعه الشرائع والعقول السليمة. فالجملة الكريمة ~~إنصاف للقلة المؤمنة التى آمنت من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وغيره ~~ممن دخل فى الإسلام. وذم لأكثر أهل الكتاب الذين جحدوا الحق. وخرجوا عن ~~الطريق القويم. وقوله { منهم المؤمنون وأكثرهم ~~الفاسقون } جملة مستأنفة استئنافا بيانيا، فهى جواب للجملة الشرطية ~~التى قبلها. فكأنه قيل هل منهم من آمن أو كلهم على الكفر؟ فكان الجواب ~~منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون. وعبر عن كفرهم بالفسق، للإشعار بأنهم ~~قد فسقوا فى دينهم أيضا فهم ليسوا عدولا فيه، وبذلك يكونون قد خرجوا عن ~~الإسلام وعما أوجبته عليهم كتبهم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم. ~~ثم بشر الله - تعالى - المؤمنين، بأن هذه الكثرة الفاسقة من أهل الكتاب ~~التى عتت عن أمر ربها وناصبت المؤمنين العداء، لن تضرهم ضررا بليغا له ~~أثر ما دام أهل الإيمان مستمسكين بدينهم ومنفذين لتعاليمه وآدابه، فقال ~~- سبحانه - { لن يضروكم إلا أذى } أى " لن يضركم أهل الكتاب ~~يا معشر المؤمنين إلا ضررا يسيرا، كأن يؤذوكم بألسنتهم ويلقوا الشبه ~~بينكم ليصدوا من ضعف إيمانه عن الحق، وفى هذا تثبيت للمؤمنين، وطمأنينة ~~لقلوبهم، إذ الضرر الذى يصيب الأمة الاسلامية من أعدائها على قسمين ~~أولهما ضرر يؤدى إلى هدم كيان الأمة، وإضعاف قوتها وإهدار كرامتها وجعل ~~أمورها فى أيدى أعدائها تصرفها كيف تشاء. وثانيهما ضرر لا يؤثر فى كيان ~~الأمة، ولا يؤدى إلى اضمحلال قوتها كالأذى بالقول، ms0848 أو محاولة التأثير فى ~~ضعاف الإيمان. وقد نفى - سبحانه - أن يلحق المؤمنين ضرر يأتى على كيانهم ~~من جهة أهل الكتاب فقال { لن يضروكم إلا أذى } فأوقع الفعل ~~المضارع فى حيز لن المفيدة للنفى - للإشارة إلى أن ذلك لا يكون فى ~~المستقبل. # ولكن هذا النفى لهذا النوع من الضرر مشروط بمحافظة الأمة الإسلامية على ~~الأصلين السابقين وهما " الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والإيمان ~~بالله ". فإذا أرادت أمة الاسلام ألا تصاب من جهة أهل الكتاب بما يأتى ~~على كيانها، فعليها أن تخلص العبادة لربها، وأن تعمل بسنة نبيها، وأن ~~تتقيد بأحكام كتابها، وأن تباشر الأسباب التى شرعها خالقها للنصر على ~~أعدائها. أما إذا تركت أمة الإسلام ما أمرها الله - تعالى - به وتجاوزت ~~ما نهاها عنه فإنها فى هذه الحالة قد تصاب من أعدائها بما يؤثر فى كيانها ~~وتكون هى الجانية على نفسها بمخالفتها لأوامر الله ونواهيه. هذا، وأكثر ~~العلماء على أن الاستثناء فى قوله { لن يضروكم إلا أذى } ~~متصل وأنه استثناء مفرغ من المصدر العام كأنه قيل لن يضروكم ضررا ألبتة ~~إلا ضرر أذى لا يبالى به من كلمة سوء ونحوها. وقيل هو استثناء منقطع لأن ~~الأذى ليس من الضرر أى لن يضروكم بقتال وغلبة لكن بكلمة أذى ونحوها. ورجح ~~الأول، لأن الكلام إذا أمكن حمله على الاستثناء الحقيقى لم يجز صرفه عن ~~ذلك إلى الاستثناء المنقطع وهنا الأذى مهما قل هو نوع من الضرر وإن لم ~~يترك أثرا. ثم بشر الله - تعالى - المؤمنين ببشارة أخرى فقال { وإن ~~يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون }. تولية ~~الأدبار كناية عن الهزيمة لأن المنهزم يحول ظهره ودبره إلى جهة الذى هزمه ~~هربا إلى ملجأ يلجأ إليه ليدفع عن نفسه أو الأسر. والمعنى، إن أهل الكتاب ~~لن يضروكم يا معشر المؤمنين إلا ضررا يسيرا لا يبقى أثره فيكم - ما دمتم ~~مستمسكين بدينكم -، فإن قاتلوكم وأنتم على هذه الحال، أمدكم الله بنصره، ~~وألقى فى قلوبهم الرعب فيولونكم الأدبار انهزاما منكم، ثم لا ينصرون ~~عليكم بل تنصرون أنتم ms0849 عليهم. والتعبير عن الهزيمة بتولية الأدبار، فيه ~~إشارة إلى جبنهم وأنهم يفرون فرارا شديدا بذعر وهلع. وهكذا كان الشأن فى ~~قتال المسلمين الأولين لأعداء الله وأعدائهم، فلقد قاتل المؤمنون اليهود ~~من بنى قينقاع والنضير وقريظة وأهل خيبر فانتصر المسلمون عليهم انتصارا ~~باهرا. وقاتلوا جموع الروم فى بلاد الشام وفى مصر، فكان النصر المؤزر ~~حليفا للمسلمين مع قلتهم وكثرة أعدائهم. وقوله { ثم لا ينصرون } ~~احتراس. أى يولونكم الأدبار تولية المنهزم، لا تولية المتحرف لقتال أو ~~المتحيز إلى فئة أو المتأمل فى الأمر. والتعبير ب { ثم } لإفادة ~~التراخى فى المرتبة لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الإخبار ~~بتوليهم الأدبار. وهذه الجملة خبرية وهى معطوفة على جملتى الشرط وجزائه ~~معا، للإشعار بأن هذا ديدنهم، وأنهم لن ينتصروا على المسلمين لا فى قتال ~~ولا فى غيره، ما دام المسلمون مستقيمين على الطريقة التى رسمها الله - ~~تعالى - لهم. # وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال فإن قلت هلا جزم المعطوف فى قوله { ~~ثم لا ينصرون }؟ قلت عدل به عن حكم الجزاء إلى حكم الاخبار ~~إبتداء كأنه قيل أخبركم أنهم لا ينصرون. فإن قلت فأى فرق بين رفعه وجزمه ~~فى المعنى؟ قلت لو جزم لكان النصر مقيدا بمقاتلتهم كتولية الأدبار وحين ~~رفع كان نفى النصر وعدا مطلقا كأنه قال. ثم شأنهم وقصتهم التى اخبركم ~~عنها وأبشركم بها بعد التولية أنهم مخذولون منتف عنهم النصر والقوة لا ~~ينهضون بعدها بجناح ولا يستقيم لهم أمر، وكان كما أخبر من حال بنى قريظة ~~والنضير وبنى قينقاع ويهود خيبر فإن قلت فما الذى عطف عليه هذا الخبر؟ ~~قلت جملة الشرط والجزاء كأنه قيل أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا، ثم ~~أخبركم أنهم لا ينصرون. فإن قلت فما معنى التراخى فى ثم؟ قلت التراخى فى ~~المرتبة، لأن الاخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الإخبار بتوليتهم ~~الأدبار فإن قلت ما موقع الجملتين، أعنى { منهم المؤمنون } و ~~{ لن يضروكم } قلت هما كلامان واردان على طريق الاستطراد عند ~~إجراء ذكر أهل الكتاب، كما يقول ms0850 القائل وعلى ذكر فلان فإن من شأنه كيت ~~وكيت ولذلك جاءا من غير عطف ". فأنت ترى الآية الكريمة قد بشرت المؤمنين ~~الصادقين ببشارات ثلاث أولها أنهم فى مأمن من الضرر البليغ الذى يؤثر فى ~~كيانهم وعزتهم وكرامتهم من جهة أهل الكتاب. ثانيها أن أهل الكتاب لو ~~قاتلوهم، فإن المؤمنين سيكون لهم النصر عليهم. ثالثها أنهم بعد نصرهم ~~عليهم لن تكون لأهل الكتاب - وعلى رأسهم اليهود - شوكة أو قوة للأخذ ~~بثأرهم بعد ذلك. وقد تحققت هذه البشارات، وكانت كما أخبر الله - تعالى - ~~فإن المسلمين الأولين الذين كانوا متمسكين بتعاليم دينهم نصرهم الله - ~~تعالى - على أهل الكتاب وعلى غيرهم من أعدائهم نصرا مؤزرا - كما سبق أن ~~أشرنا - فإن قال قائل ولكن الذى نراه الآن أن اليهود الذين لا يمارى أحد ~~فى جبنهم وفى حرصهم على الحياة قد انتصروا على المسلمين وأقاموا لهم دولة ~~فى بقعة من أعز بقاع البلاد الإسلامية وهى فلسطين فهل يخلف وعد الله؟ ~~والجواب على ذلك. أن وعد الله - تعالى - لا يخلف ولن يتخلف وقد حققه - ~~سبحانه - لأسلافنا الصالحين الذى آمنوا به حق الإيمان. ولكن المسلمين فى ~~هذا العصر هم الذين تغيرت أحوالهم، فقد فرطوا فى دينهم وأضاعوا الصلاة ~~واتبعوا الشهوات وتفرقوا شيعا وأحزابا وتنكبوا الطريق القويم ولم ~~يباشروا الأسباب التى شرعها الله - تعالى - لبلوغ النصر، ولم يحسنوا ~~الشعور بالمسئولية. فلما فعلوا ذلك تبدل حالهم من الخير إلى الشر، ومن ~~القوة إلى الضعف. # وسلط الله عليهم من لا يخافهم ولا يرحمهم، لأنه - سبحانه - # لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم # وإذا ما عاد المسلمون إلى دينهم فطبقوا أوامره ونواهيه على أنفسهم ~~تطبيقا كاملا، فإن الله - تعالى - سيعيد لهم كرامتهم وعزتهم وقوتهم # ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز # ومن هنا نعلم أن الشرط فى نفى الضرر الذى يؤثر فى الأمة الإسلامية، هو ~~أن تكون مؤمنة بربها حق الإيمان متبعة لهدى رسولها محمد صلى الله عليه ~~وسلم. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بعض العقوبات التى عاقب بها اليهود ms0851 بسبب ~~كفرهم وظلمهم فقال { ضربت عليهم الذلة أين ما ~~ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس }. ~~وأصل الضرب فى كلام العرب يرجع إلى معنى التقاء ظاهر جسم بظاهر جسم آخر ~~بشدة يقال ضرب فلان بيده الأرض إذا ألصقها بها، وتفرعت عن هذا المعنى ~~معان مجازية أخرى ترجع إلى شدة اللصوق. والذلة على وزن فعلة من قول ~~القائل ذل فلان يذل ذلة وذلا. والمراد بها الصغار والهوان والحقارة. فضرب ~~الذلة عليهم كناية عن لزومها لهؤلاء اليهود، وإحاطتها بهم، كما يحيط ~~السرادق بمن يكون فى داخله. قال صاحب الكشاف جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة ~~عليهم، فهم كمن يكون فى القبة من ضربت عليه، أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ~~ضربة لازب كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه. فاليهود صاغرون أذلاء أهل ~~مسكنة ومدقعة ". و { ثقفوا } أى وجدوا، أو ظفر بهم. يقال ثقفه أى ~~صادفه أو ظفر به أو أدركه. وهذه المادة تدل على التمكن من أخذ الشىء ومن ~~التصرف فيه بشدة ومنها سمى الأسير ثقافا. والثقاف آلة تكسر بها أغماد ~~الرماح. والحبل هو ما يربط بين شيئين ويطلق على العهد لأن الناس يرتبطون ~~بالعهود كما يقع الارتباط الحسى بالحبال، وهذا الإطلاق هو المراد هنا. ~~ولذا قال ابن جرير وأما الحبل الذى ذكره الله - تعالى - فى هذا الموضوع، ~~فإنه السبب الذى يأمنون به على أنفسهم من المؤمنين وعلى أموالهم وذراريهم ~~من عهد وأمان تقدم لهم عقده قبل أن يثقفوا فى بلاد الإسلام. والمعنى أن ~~هؤلاء اليهود أحاطت بهم الذلة فى جميع أحوالهم أينما وجدوا وحيثما حلوا ~~إلا فى حال اعتصامهم بعهد من الله أو بعهد من الناس. وقد فسر العلماء عهد ~~الله بعقد الجزية الذى يربط بينهم وبين المسلمين. وإنما كان عقد الجزية ~~عهدا من الله لهم، لأنه - سبحانه - هو الذى شرعه، وما شرعه الله فالوفاء ~~به واجب. وكان عهدا من المسلمين لهم، لأنهم أحد طرفيه، فهم الذين باشروه ~~مع اليهود وبمقتضاه يحفظون حقوقهم ودماءهم وأموالهم ويكون لهم ما ~~للمسلمين وعليهم ما عليهم، ms0852 وعلى المسلمين حمايتهم، وصون أموالهم لقاء ~~مقدار من المال يدفع لهم كل عام وهو المسمى بالجزية. # وأما عهد الناس، فهو العهود التى يعيشون بمقتضاها فى أى أمة من أمم ~~الأرض مسلمة كانت هذه الأمة أو كافرة. فإن كانت العهود صادرة من ~~المسلمين، جاز أن يطلق عليها عهد الله - أيضا - باعتبار أن الله هو الذى ~~شرعها. وإن كانت من غير المسلمين فهى عهود من الناس سواء أوافقت شريعة ~~الله تعالى - أم لا. والمعنى الإجمالى للآية أن اليهود قد ضرب الله - ~~تعالى - عليهم الذلة والمسكنة فى كل زمان ومكان بسبب كفرهم وطغيانهم، ~~وسلب عنهم السلطان والملك، فهم يعيشون فى بقاع الأرض فى حماية غيرهم من ~~الأمم الأخرى، بمقتضى عهود يعقدونها معهم وقد تكون هذه العهود موافقة ~~لشرع الله - تعالى - وقد لا تكون موافقة. فإن قال قائل إنهم الآن أصحاب ~~جاه وسلطان، بعد أن أنشأوا دولتهم بفلسطين!! والجواب أنهم مع قيام هذه ~~الدولة يعيشون تحت حماية غيرهم من دول الكفر الكبرى. فهى التى تحميهم ~~وتمدهم بأسباب الحياة والقوة، فينطبق على هذه الحالة - أيضا - أنها بحبل ~~من الناس. فاليهود لا سلطان لهم، ولا عزة تكمن فى نفوسهم، ولكنهم مأمورون ~~مسخرون أن يعيشوا فى تلك البقعة من الأرض لتكون مركزا لتلك الأمم التى ~~تعهدت بحمايتهم ليقفزوا منها إلى محاربة المسلمين، إذا أتيحت لهم فرصة. ~~ولو أن المسلمين غيروا ما بأنفسهم، وتمسكوا بشريعتهم، واجتمعت قلوبهم، ~~وتوحدت أهدافهم، وأحسنوا الشعور بالمسئولية نحو دينهم وأنفسهم وأوطانهم، ~~وأعدوا ما استطاعوا من قوة لقتال أعداء الله وأعدائهم.. لو أنهم فعلوا ~~ذلك لما كان حالهم كما ترى الآن من ضعف وتخاذل وتفرق والأمل كبير فى أن ~~يتنبه المسلمون إلى ما يحيط بهم من أخطار فيعملوا على دفعها ويعتصموا ~~بحبل الله لتعود لهم قوتهم وهيبتهم. هذا، وقوله { أين ما } اسم شرط، ~~وهو ظرف مكان و " ما " مزيدة فيها للتأكيد. وقوله { ثقفوا } فى محل ~~جزم بها. وجواب الشرك محذوف يدل عليه ما قبله أى أينما ثقفوا غلبوا أو ~~ذلوا. ويجوز أن يكون جواب ms0853 الشرط قوله { ضربت عليهم الذلة } ~~عند من يجوز تقديم جواب الشرط على الشرط. والاستثناء فى قوله { إلا ~~بحبل من الله وحبل من الناس } مفرغ من عموم الأحوال ~~أى ضربت عليهم الذلة فى عامة الأحوال إلا فى حال اعتصامهم بحبل من الله ~~وحبل من الناس. ثم ذكر - سبحانه - عقوبتين أخريين أنزلهما بهم جزاء كفرهم ~~وتعديهم لحدوده فقال تعالى { وبآءوا بغضب من الله ~~وضربت عليهم المسكنة }. قال ابن جرير قوله - تعالى - { ~~وبآءوا بغضب من الله } أى انصرفوا ورجعوا. ولا يقال باؤوا، ~~إلا موصولا إما بخير وإما بشر. # يقال منه باء فلان بذنبه يبوء به بوأ وبواء. ومنه قوله - تعالى - # إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك # يعنى تنصرف متحملهما، وترجع بهما قد صارا عليك دونى. فمعنى الكلام إذا ~~ورجعوا منصرفين متحملين غضب الله، قد صار عليهم من الله غضب، ووجب عليهم ~~منه سخط ". والمسكنة مفعلة من السكون، ومنها أخذ لفظ المسكين. لأن الهم ~~قد أثقله فجعله قليل الحركة والنهوض لما به من الفاقة والفقر. والمراد ~~بها فى الآية الكريمة الضعف النفسى، والفقر القلبى الذى يستولى على الشخص ~~فيجعله يحس بالهوان مهما تكن لديه من أسباب القوة. والفرق بينها وبين ~~الذلة أن الذلة تجىء أسبابها من الخارج. كأن يغلب المرء على أمره نتيجة ~~انتصار عدوه عليه فيذل لهذا العدو. أما المسكنة فهى تنشأ من داخل النفس ~~نتيجة بعدها عن الحق، واستيلاء المطامع والشهوات وحب الدنيا عليها. ~~والمعنى أن هؤلاء اليهود يجانب ضرب الذلة عليهم حينما حلوا، قد صاروا فى ~~غضب من الله، وأصبحوا أحقاء به، وضربت عليهم كذلك المسكنة التى تجعلهم ~~يحسون بالصغار مهما ملكوا من قوة ومال. ثم ذكر - سبحانه - الأسباب التى ~~جعلتهم أحقاء بهذه العقوبات فقال - تعالى - { ذلك بأنهم ~~كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبيآء ~~بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون }. فاسم ~~الإشارة ذلك يعود إلى تلك العقوبات العادلة التى عاقبهم الله بها بسبب ~~كفرهم وفسقهم. والآيات تطلق ويراد بها الأدلة الشاهدة على وحدانية الله - ~~تعالى - وربوبيته وتطلق ويراد بها النصوص ms0854 التى تشتمل عليها الكتب ~~السماوية، وتطلق ويراد بها الأدلة الشاهدة على صدق الرسل - عليهم الصلاة ~~والسلام - فيما يبلغون عن الله - تعالى -، وهى التى يسميها علماء التوحيد ~~بالمعجزات. وقد كفر اليهود بكل هذه الضروب من الآيات ومردوا على ذلك كما ~~يفيده التعبير بالفعل المضارع { يكفرون }. أى ذلك الذى أصابهم من ~~عقوبات رادعة، سببه أنهم كانوا يكفرون بآيات الله وأدلته الدالة على ~~وحدانيته وعلى صدق رسله - عليهم الصلاة والسلام - وتلك هى جريمة بنى ~~إسرائيل الأولى. أما جريمتهم الثانية فقد عبر عنها - سبحانه - بقوله { ~~ويقتلون الأنبيآء بغير حق } أى أنهم لم يكتفوا بالكفر، ~~بل امتدت أيديهم الأثيمة إلى دعاة الحق وهم أنبياء الله - تعالى - الذين ~~أرسلهم لهدايتهم فقتلوهم بدون أدنى شبهة تحمل على الإساءة إليهم فضلا عن ~~قتلهم. وقال - سبحانه - { بغير حق } مع أن قتل الأنبياء لا يكون ~~بحق أبدا. لإفادة أن قتلهم لهم كان بغير وجه معتبر فى شريعتهم لأنها ~~تحرمه. قال - تعالى - # من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من ~~قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما ~~قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا ~~الناس جميعا # فهذا القيد المقصود به الاحتجاج عليهم بأصول دينهم، وتخليد مذمتهم، ~~وتقبيح إجرامهم حيث إنهم قتلوا أنبياءهم بدون خطأ فى الفهم، أو تأول فى ~~الحكم أو شبهة فى الأمر، وإنما فعلوا ما فعلوا وهم عالمون بقبح ما ~~ارتكبوا، ومخالفون لشرع الله عن تعمد وإصرار. ولذا قال صاحب الكشاف فإن ~~قلت قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق، فما فائدة ذكره؟ قلت معناه أنهم ~~قتلوهم بغير الحق عندهم، لأنهم لم يقتلوا ولا أفسدوا فى الأرض فيقتلوا، ~~وإنما نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم. فلو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم ~~لم يذكروا وجها يستحقون به القتل عندهم. وقال الفخر الرازى ما ملخصه فإن ~~قيل قال هنا { ويقتلون الأنبيآء بغير حق } وقال فى ~~سورة البقرة # ويقتلون النبيين بغير الحق # فما الفرق؟ قلت إن الحق المعلوم بين المسلمين الذى يوجب القتل يتجلى فى ~~حديث # " لا يحل دم أمرىء ms0855 مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان ~~وقتل نفس بغير حق " # فالحق المذكور فى سورة البقرة إشارة إلى هذا. وأما الحق المنكر هنا ~~فالمراد به تأكيد العموم أى لم يكن هناك أى حق يستندون إليه، لا هذا الذى ~~يعرفه المسلمون ولا غيره ألبتة. ونسب - سبحانه - القتل إلى أولئك اليهود ~~المعاصرين للعهد النبوى مع أن القتل قد صدر عن أسلافهم، لأن أولئك ~~المعاصرين كانوا راضين بفعل آبائهم وأجدادهم، فصحت نسبة القتل إليهم، ~~ولأن بعض أولئك المعاصرين قد هم بقتل النبى صلى الله عليه وسلم فكف ~~الله - تعالى - أيديهم الأثيمة عنه. ثم سجل الله - تعالى - جريمتهم ~~الثالثة بقوله { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون }. ~~العصيان الخروج عن طاعة الله، والاعتداء تجاوز الحد الذى حده الله - ~~تعالى - لعباده إلى غيره وكل متجاوز حد شىء إلى غيره فقد تعداه إلى ما ~~جاوز إليه. وللمفسرين فى مرجع اسم الإشارة { ذلك } فى قوله { ذلك ~~بما عصوا } رأيان أولهما أنه يعود إلى كفرهم بآيات الله وقتلهم ~~لأنبيائه، وعليه يكون المعنى إن هؤلاء اليهود قد ألفوا العصيان لخالقهم ~~والتعدى لحدوده بجرأة وعدم مبالاة، فنشأ عن هذا التمرد والطغيان أن كفروا ~~بآيات الله وقتلوا أنبياءه، وباشروا تلك الكبائر بقلوب كالحجارة أو أشد ~~قسوة. والجملة الكريمة على هذا الرأى تفيد أن التردى فى المعاصى، وارتكاب ~~ما نهى الله عنه، وتجاوز الحدود المشروعة، يؤدى إلى الانتقال من صغير ~~الذنوب إلى كبيرها ومن حقيرها إلى عظيمها لأن هؤلاء اليهود حين استمرأوا ~~المعاصى، هانت على نفوسهم الفضائل، وانكسرت أمام شهواتهم كل المثل العليا ~~فكذبوا بآيات الله تكذيبا، وقتلوا من جاءهم بالهدى ودين الحق. وثانيهما ~~أن اسم الإشارة { ذلك } فى قوله { ذلك بما عصوا } يعود إلى ~~نفس المشار إليه باسم الإشارة الأول وهو قوله { ذلك بأنهم ~~كانوا يكفرون }. # وتكون الحكمة فى تكرار الإشارة هو تمييز المشار إليه، حرصا على ~~معرفته، ويكون العصيان والاعتداء سببين آخرين لضرب الذلة والمسكنة عليهم ~~واستحقاقهم لغضب الله كما أشرنا من قبل. والإشارة حينئذ من قبيل التكرير ~~المغنى ms0856 عن العطف كما فى قوله - تعالى - # أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم ~~الغافلون # والمعنى أن هؤلاء اليهود قد لزمتهم الذلة والمسكنة، وصاروا أحقاء بسخط ~~الله بسبب كفرهم بآياتنا وقتلهم أنبياءنا وخروجهم عن طاعتنا، وتعديهم ~~حدودنا. وعلى هذا الرأى يكون ذكر أسباب العقوبة التى حلت بهم فى الدرجة ~~العليا من حسن الترتيب فقد بدأ - سبحانه - بما فعلوه فى حقه وهو كفرهم ~~بآياته. ثم ثنى بما يتلوه فى العظم وهو قتلهم لأنبيائه، ثم وصمهم بعد ذلك ~~بالعصيان والخروج عن طاعته، ثم ختم أسباب العقوبة بدمغهم بالاعتداء وتخطى ~~الحدود، وعدم المبالاة بالعهود. وهذا الترتيب من لطائف أسلوب القرآن ~~الكريم فى سوق الأحكام مشفوعة بعللها وأسبابها. وبذلك نرى أن الآيات ~~الكريمة قد بدأت حديثها بمدح الأمة الإسلامية بأنها خير أمة أخرجت ~~للناس، ثم ثنت بدعوة أهل الكتاب إلى الإسلام وبإخبار المؤمنين بأن ~~أعداءهم لن يضروهم ضررا يؤثر فى كيانهم ما داموا معتصمين بتعاليم دينهم، ~~ثم ختمت حديثها ببيان العقوبات التى حلت باليهود بسبب كفرهم وبغيهم. وبعد ~~هذا الحديث الحكم عن أهل الكتاب، وعن العقوبات التى أنزلها - سبحانه - ~~باليهود بسبب فسقهم وظلمهم، بعد كل ذلك ساق - سبحانه - آيات كريمة تمدح ~~من يستحق المدح من أهل الكتاب إنصافا لهم وتكريما لذواتهم فقال - تعالى - ~~{ ليسوا سوآء... }. ### || [3.113-115] # فالضمير فى قوله - تعالى - { ليسوا سوآء } يعود لأهل الكتاب ~~الذين تقدم الحديث عنهم وهو اسم ليس، وخبرها قوله { سوآء } والجملة ~~مستأنفه للثناء على من يستحق الثناء منهم بعد أن وبخ القرآن من يستحق ~~التوبيخ منهم. قال ابن كثير والمشهور عند كثير من المفسرين أن هذه الآيات ~~نزلت فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأسد بن عبيد ~~وثعلبة بن شعبة وغيرهم. أى لا يستوى من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب، ~~وهؤلاء الذين أسلموا، ولهذا قال - تعالى - { ليسوا سوآء } أى ~~ليسوا كلهم على حد سواء بل منهم المؤمن ومنهم المجرم. وقوله - تعالى - { ~~من أهل الكتاب أمة قآئمة } استئناف مبين لكيفية عدم ~~التساوى ومزيل لما فيه من ms0857 إيهام. أى ليس أهل الكتاب متساوين فى الكفر ~~وسوء الأخلاق، بل منهم طائفة قائمة بأمر الله مطيعة لشرعه مستقيمة على ~~طريقته ثابتة على الحق ملازمة له، لم تتركه كما تركه الأكثرون من أهل ~~الكتاب وضيعوه. فمعنى قائمة مستقيمة عادلة من قولك أقمت العود فقام بمعنى ~~استقام. أو معناها ثابتة على التمسك بالدين الحق، ملازمة له غير مضطربة ~~فى التمسك به، كما فى قوله - تعالى - # إلا ما دمت عليه قآئما # أى ملازما لمطالبته بحقك. ومنه قوله - تعالى - # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم قآئما بالقسط # أى ملازما له. والمراد بهذه الطائفة من أهل الكتاب التى وصفها الله - ~~تعالى - بأنها { أمة } قائمة أولئك الذين أسلموا منهم واستقاموا على ~~أمر الله وأطاعوه فى السر والعلن، كعبد الله بن سلام، وأصحابه، والنجاشى ~~ومن آمن معه من النصارى. فهؤلاء قد آمنوا بكل ما يجب الإيمان به، ولم ~~يفرقوا بين أنبياء الله ورسله، فمدحهم الله على ذلك وأثنى عليهم. ثم تابع ~~القرآن حديثه عن أوصافهم الكريمة فقال { يتلون آيات الله آنآء ~~الليل وهم يسجدون }. وقوله { يتلون } من التلاوة وهى ~~القراءة، وأصل الكلمة من الإتباع، فكأن التلاوة هى اتباع اللفظ اللفظ. ~~والمراد بآيات الله هنا ما أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من ~~قرآن. وقوله { آنآء الليل } أى أوقاته وساعاته. والآناء جمع إنى - ~~كمعا وأمعاء - أو جمع أنى - كعصا -، أو جمع أنى وإنى وإنو. فالهمزة ~~فى آناء منقلبة عن ياء كرداء أو عن واو ككساء. والمراد بالسجود فى قوله { ~~وهم يسجدون } الصلاة لأن السجود لا قراءة فيه وإنما فيه التسبيح، ~~فقد روى مسلم فى صحيحه عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ألا إنى نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا فأما الركوع فعظموا فيه ~~الرب، وأما السجود فاجتهدوا فى الدعاء فقمن أن يستجاب لكم ". # والمعنى ليس أهل الكتاب متساوين فى الاتصاف بما ذكر من القبائح، بل منهم ~~قوم سلموا منها، وهم الذين استقاموا على الحق ولزموه، ms0858 وأكثروا من تلاوة ~~آيات الله فى صلاتهم التى يتقربون بها إلى الله - تعالى - آناء الليل ~~وأطراف النهار. قال الآلوسى ما ملخصه. والمراد بصلاتهم هذه التهجد - على ~~ما ذهب إليه البعض -. وعلل هذا بأنه أدخل فى المدح وفيه تتيسر لهم ~~التلاوة، لأنها فى المكتوبة وظيفة الإمام. والذى عليه بعض السلف أنها ~~صلاة العتمة. واستدل عليه بما أخرجه الإمام أحمد والنسائى وابن جرير ~~والطبرانى عن ابن مسعود قال أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة صلاة ~~العشاء ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال # " أما إنه لا يصلى هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب " # وعبر عن الصلاة بالسجود، لأنه أدل على كمال الخضوع والصلاة تسمى سجودا ~~وسجدة، وركوعا وركعة. ثم وصفهم - سبحانه - بصفات أخرى كريمة فقال { ~~يؤمنون بالله } والمراد بهذا الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به ~~على الوجه المقبول الذى نطق به الشرع، وجاء به محمد صلى الله عليه وسلم. ~~{ واليوم الآخر } أى ويؤمنون باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب ~~وجنة ونار وقوله { ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر } إشعار بأنهم لم يكتفوا بتكميل أنفسهم بالفضائل التى من ~~أشرفها الإيمان بالله واليوم الآخر، والإكثار من إقامة الصلاة ومن ~~تلاوة القرآن، بل أضافوا إلى ذلك إرشاد غيرهم إلى الخير الذى أمر الله ~~به، ونهيه عن الباطل الذى يبغضه الله، وتستنكره العقول السليمة. وقوله - ~~تعالى - { ويسارعون في الخيرات } أى يبادرون إلى فعل الخيرات ~~والطاعات التى ترفع درجاتهم عند الله - بدون تردد أو تقصير. وقال - ~~سبحانه - { ويسارعون في الخيرات } ولم يقل إلى الخيرات ~~للإشعار بأنهم مستقرون فى كل أعمالهم فى طريق الخير، فهم ينتقلون من خير ~~إلى خير فى دائرة واحدة هى دائرة الخير، ينتقلون بين زواياها وأقطارها ~~ولا يخرجون منها. فهم لا ينتقلون مسارعين من شر إلى خير. وإنما ينتقلون ~~مسارعين من خير إلى خير وهذا هو سر التعبير بفى المفيدة للظرفية. ~~والمسارعة فى الخير هى فرط الرغبة فيه، لأن من رغب فى الأمر يسارع فى ~~توليه وفى القيام به، واختيار ms0859 صيغة المفاعلة " يسارعون " للمبالغة فى ~~سرعة نهوضهم لهذا العمل الجامع لفنون الخير، وألوان البر. قال صاحب ~~الكشاف. وقوله { يتلون } و { يؤمنون } فى محل الرفع صفتان لأمة. ~~أى قائمة تالون مؤمنون. وصفهم بخصائص ما كانت فى اليهود من تلاوة آيات ~~الله بالليل ساجدين، ومن الإيمان بالله، لأن إيمانهم به كلا إيمان، ~~لاشراكهم به عزيرا، وكفرهم ببعض الكتب والرسل دون بعض ومن الإيمان ~~باليوم الآخر، لأنهم يصفونه بخلاف صفته. # ومن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، لأنهم كانوا مداهنين. ومن ~~المسارعة فى الخيرات، لأنهم كانوا متباطئين عنها غير راغبين فيها ". واسم ~~الإشارة فى قوله { وأولئك من الصالحين } يعود إلى ~~الموصوفين بتلك الصفات السابقة من تلاوة الكتاب ومن إيمان بالله واليوم ~~الآخر.. أى وأولئك الموصوفون بتلك الصفات الجليلة الشأن من جملة الصالحين ~~الذين صلحت أحوالهم عند الله ورضيهم، واستحقوا ثناءه عليهم. وفى التعبير ~~بقوله { من الصالحين } إشارة إلى أنهم بهذه المزايا وتلك الصفات، ~~قد انسلخوا من عداد أهل الكتاب الذين ذمهم الله - تعالى - ووصفهم بأن ~~أكثرهم من الفاسقين. فهم بسبب إيمانهم وأفعالهم الحميدة قد خرجوا من صفوف ~~المذمومين إلى صفوف الممدوحين. قال الفخر الرازى وأعلم أن وصفهم بالصلاح ~~فى غاية المدح، ويدل عليه القرآن والمعقول. أما القرآن، فهو أن الله - ~~تعالى - مدح بهذا الوصف أكابر الأنبياء، فقال بعد ذكر إدريس وإسماعيل وذى ~~الكفل وغيرهم # وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين # وذكر حكاية عن سليمان أنه قال " وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصالحين ". ~~وأما المعقول، فهو أن الصلاح ضد الفساد، وكل ما لا ينبغى أن يكون فهو ~~فساد، سواء كان ذلك فى العقائد أو فى الأعمال، فإذا كان كل ما حصل من باب ~~ما ينبغى أن يكون فقد حصل الصلاح، فكان الصلاح دالا على أكمل الدرجات. ثم ~~بين - سبحانه - أنه لن يضيع شيئا مما قدموه من أعمال صالحة، بل سيكافئهم ~~على ذلك بما هو أفضل وأبقى فقال { وما يفعلوا من خير فلن ~~يكفروه } أى أن هؤلاء الذين وصفهم بتلك الصفات الطيبة لن يضيع الله ~~شيئا مما ms0860 قدموه من عمل صالح، وإنما سيجازيهم بما هم أهله من ثواب جزيل، ~~وأجر كبير بدون أى نقصان أو حرمان. و { ما } فى قوله { وما ~~يفعلوا من خير } شرطية. وفعل الشرط قوله { يفعلوا } ~~وجوابه قوله { فلن يكفروه }. و { من } فى قوله { من خير } ~~لتأكيد العموم أى ما يفعلوا من أى خير سواء أكان قليلا أم كثيرا فلن ~~يحرموا ثوابه. وأصل الكفر الستر والتغطية. وقد صح تعدية الفعل كفر إلى ~~مفعولين لأنه هنا بمعنى حرم. ولذا قال صاحب الكشاف فإن قلت لم عدى إلى ~~مفعولين، وشكر وكفر لا يتعديان إلا إلى واحد تقول شكر النعمة وكفرها؟ قلت ~~ضمن معنى الحرمان فكأنه قيل فلن يحرموه بمعنى فلن يحرموا جزاءه ". وقوله ~~{ والله عليم بالمتقين } تذييل مقرر لمضمون ما قبله. أى هو ~~- سبحانه - عليم بأحوال عباده وسيجازى المتقين بما يستحقون من ثواب، ~~وسيجازى الكافرين بما يستحقون من عقاب. # فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد أنصفت المؤمنين الصادقين من أهل ~~الكتاب، ووصفتهم بجملة من الصفات الطيبة. وصفتهم بأنهم طائفة ثابتة على ~~الحق. وأنهم يتلون آيات آناء الليل وأطراف النهار، وأنهم مكثرون من ~~التضرع إلى الله فى صلواتهم وسجودهم، وأنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~وأنهم يأمرون بالمعروف، وأنهم ينهون عن المنكر. وأنهم يسارعون فى ~~الخيرات، وأنهم من الصالحين. ثم بشرهم - سبحانه - بعد وصفهم بهذه الصفات ~~الكريمة بأن ما يقدموه من خير فلن يحرموا ثوابه، لأنه - سبحانه - عليم ~~بأحوال عباده ولن يضيع أجر من أحسن عملا. الحديث المؤثر عن أحوال ~~المؤمنين من أهل الكتاب وبيان ما أعده الله لهم من......، أتبعه بالحديث ~~عن الكافرين وعن سوء عاقبتهم وعن أهم الأسباب التى أدت إلى كفرهم وفسوقهم ~~فقال - تعالى - { إن الذين كفروا... }. ### || [3.116-117] # والمراد بالذين كفروا فى قوله { إن الذين كفروا } جميع ~~الكفار، لأن اللفظ عام، ولا دليل يقتضى تخصيصه بفريق من الكافرين دون ~~فريق. والمراد من الإغناء فى قوله { لن تغني عنهم ~~أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا } الدفع وسد ~~الحاجة يقال أغنى فلان فلانا عن هذا الأمر، ms0861 إذا كفاه مؤنته، ورفع عنه ما ~~أثقله منه. أى إن الذين كفروا بما يجب الإيمان به، واغتروا بأموالهم ~~وأولادهم فى الدنيا، لن تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم شيئا - ولو يسيرا ~~- من عذاب الله الذى سيحيق بهم يوم القيامة بسبب كفرهم وجحودهم. وقد أكد ~~- سبحانه - عدم إغناء أموالهم ولا أولادهم عنهم شيئا - فى وقت هم فى أشد ~~الحاجة إلى من يعينهم ويدفع عنهم - بحرف " لن " المفيد لتأكيد النفى وخص ~~الأموال والأولاد بالذكر، لأن الكفار كانوا أكثر ما يكونون اغترارا ~~بالأموال والأولاد، وقد حكى القرآن غرورهم هذا بأموالهم وأولادهم فى كثير ~~من الآيات، ومن ذلك قوله - تعالى - # وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن ~~بمعذبين # ولأن من المتعارف عليه بين الناس أن الإنسان يلجأ إلى ماله وولده عند ~~الشدائد، إذ المال يدفع به الإنسان عن نفسه فى الفداء وما يشبهه من ~~المغارم، والأولاد يدافعون عن أبيهم لنصرته ممن يعتدى عليه. وكرر حرف ~~النفى مع المعطوف فى قوله { ولا أولادهم } ، لتأكيد عدم غناء ~~أولادهم عنهم، ولدفع توهم ما هو متعارف من أن الأولاد لا يقعدون عن الذب ~~عن آبائهم. فالمقصود من الجملة الكريمة نفى الانتفاع بالأموال والأولاد ~~فى حالة اجتماعهما، وفى حالة انفراد أحدهما عن الآخر، لأن المال قد يكون ~~أكثر نفعا فى مواضع خاصة، والأولاد قد يكونون أكثر نفعا من المال فى ~~مواطن أخرى، فبتكرار النفى تأكد عدم انتفاع الكفار بهذين النوعين فى أية ~~حال من الأحوال. فإن قيل لقد نص القرآن على أن الكفار لا تغنى عنهم ~~أموالهم ولا أولادهم يوم القيامة، مع أن المؤمنين كذلك لا تغنى عنهم ~~أموالهم ولا أولادهم فلماذا خص الكافرين بالذكر؟. فالجواب أن الكافرين هم ~~الذين اغتروا بأموالهم وأولادهم، وهم الذين اعتقدوا أنهم سينجون من ~~العقاب بسبب ذلك، أما المؤمنون فإنهم لم يعتقدوا هذا الاعتقاد، ولم ~~يغتروا بما منحهم الله من نعم، وإنما اعتقدوا أن الأموال والأولاد فتنة، ~~ولم يعتمدوا فى نجاتهم من عقاب الله يوم القيامة إلى على فضله ورحمته، ~~وعلى إيمانهم الصادق، وعملهم الصالح. ms0862 و { من } فى قوله { من ~~الله } ابتدائية، والجار والمجرور متعلق بتغنى. وقوله { شيئا } ~~منصوب على أنه مفعول مطلق أى لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم شيئا من ~~الاغناء والدفع. # وتنكير { شيئا } للتقليل. وقوله { وأولئك أصحاب النار ~~هم فيها خالدون } تذييل قصد به بيان سوء عاقبتهم، وما أعد لهم من ~~عذاب شديد. أى وأولئك الكافرون المغترون بأموالهم وأولادهم، هم أصحاب ~~النار الذين سيلازمونها ويصلون سعيرها، ولن يصرفهم من عذاب الله أى ناصر ~~من أموال أو أولاد أو غيرهما. وقد أكد - سبحانه - هذا الحكم العادل بعدة ~~مؤكدات منها التعبير باسم الإشارة المتضمن السلب من كل قوة كانوا يعتزون ~~بها، ومنها ذكر مصاحبتهم للنار وخلودهم فيها أى ملازمتهم لها ملازمة ~~أبدية، ومنها ما اشتملت عليه الجملة الكريمة من معنى القصر أى أولئك ~~أصحاب النار الذين يلازمونها ولا يخرجون منها إلى غيرها بل هم خالدون ~~فيها. ثم ضرب - سبحانه - مثلا لبطلان ما كان ينفقه هؤلاء الكافرون من ~~أموال فى الدنيا فقال { مثل ما ينفقون في هذه الحياة ~~الدنيا } أى من أموال فى وجوه الخير المختلفة، كمواساة البائسين، ~~ودفع حاجة المحتاجين. و { ما } موصولة، والعائد محذوف، والتقدير، مثل ما ~~ينفقونه. { كمثل ريح فيها صر } أى كمثل ريح فيها برد شديد ~~قاتل للنبات. وقيل الصر. الحر الشديد، وقيل الصر صوت لهيب النار التى ~~تحرق الثمار. وذكر - سبحانه - الصر على أنه فى الريح، وأنها مشتملة عليه، ~~وهى له ظرف وهو مظروف، للاشعار بأنها ريح لا تحمل عوامل النماء للزرع، ~~وإنما هى تحمل معها ما يهلكه. وقوله { أصابت حرث قوم ~~ظلموا أنفسهم فأهلكته } أى أصابت زرع قوم ظلموا أنفسهم ~~بالكفر وارتكاب المعاصى فدمرته وأهلكت ما فيه من ثمار وهم أحوج ما يكونون ~~إلى هذا الزرع وتلك الثمار. والحرث هنا مصدر بمعنى المحروث، وأصل كلمة ~~حرث فلح الأرض وإلقاء البذر فيها، ثم أطلقت على ما هو نتيجة لذلك وهو ~~الزرع. وفى التعبير بقوله { ظلموا أنفسهم } تذكير للسامعين، ~~وبعث لهم على ترك الظلم، حتى لا يصابوا بمثل ما أصيب به ms0863 أولئك الذين ~~ظلموا أنفسهم من عقوبات رادعة، وأضرار فادحة. ثم ختم - سبحانه - الآية ~~بقوله { وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون } ~~أى أن الله - تعالى - ما ظلمهم حين لم يقبل نفقاتهم، ولكنهم هم الذين ~~ظلموا أنفسهم بإيثارهم الكفر على الإيمان، ومن كان كذلك فلن يقبل الله ~~منه شيئا لأن الله تعالى، إنما يتقبل من المتقين. والضمائر فى هذه ~~الجملة الكريمة تعود على أولئك الكافرين الذين ينفقون أموالهم مقرونة ~~بالوجوه المانعة من قبولها. وفى هذه الآية الكريمة تشبيه بليغ، فقد شبه - ~~سبحانه - حال ما ينفقه الكفار فى الدنيا - على سبيل القربة أو المفاخرة - ~~شبه ذلك فى ضياعه وذهابه وقت الحاجة إليه فى الآخرة من غير أن يعود عليهم ~~بفائدة، بحال زرع لقوم ظالمين، أصابته ريح مهلكة فاستأصلته، ولم ينتفع ~~أصحابه منه بشىء، وهم أحوج ما يكونون إليه. # قال صاحب الانتصاف أصل الكلام - والله أعلم - مثل ما ينفقون فى هذه ~~الحياة الدنيا، كمثل حرث قوم ظلموا أنفسهم، فأصابته ريح فيها صر فأهلكته. ~~ولكن خولف هذا النظم فى المثل المذكور لفائدة جليلة. وهى تقديم ما هو أهم ~~لأن الريح التى هى مثل العذاب، ذكرها فى سياق الوعيد والتهديد أهم من ذكر ~~الحرث. فقدمت عناية بذكرها، واعتمادا على أن الأفهام الصحيحة تستخرج ~~المطابقة برد الكلام إلى أصله على أيسر وجه ومثل هذا فى تحويل النظم لمثل ~~هذه الفائدة قوله - تعالى - # فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهدآء أن ~~تضل إحداهما # ومثله - أيضا -. اعددت هذه الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه. والأصل أن ~~تذكر إحداهما الأخرى وإن ضلت. وأن أدعم بها الحائط إذا مال، وأمثال ذلك ~~كثيرة ". وبعد أن بين - سبحانه - سوء عاقبة الكافرين أكمل بيان وأحكمه، ~~حذر المؤمنين من أهل الكتاب ومن على شاكلتهم ممن لا يريدون للإسلام إلا ~~الشرور والمضار فقال - تعالى - { يأيها الذين آمنوا... }. ### || [3.118-120] # قال الفخر الرازى ما ملخصه اختلفوا فى الذين نهى الله المؤمنين عن ~~مخالطتهم من هم؟ فقيل هم اليهود، لأن بعض المسلمين كانوا يشاورونهم فى ~~أمورهم ويؤانسونهم لما كان فيهم من ms0864 الرضاع والحلف. وقيل هم المنافقون، ~~وذلك لأن بعض المؤمنين كانوا يغترون يظاهر أقوالهم فيفشون إليهم الأسرار ~~والصحيح أن المراد بهم جميع أصناف الكفار، والدليل عليه قوله تعالى { ~~بطانة من دونكم } فمنع المؤمنين أن يتخذوا بطانة من غير ~~المؤمنين، فيكون ذلك نهيا عن جميع الكفار ". والبطانة فى الأصل داخل ~~الثوب، وجمعها بطائن. قال - تعالى - { متكئين على فرش ~~بطآئنها من إستبرق }. وظاهر الثوب يسمى الظهارة، والبطانة - ~~أيضا - الثوب الذى يجعل تحت ثوب آخر ويسمى الشعار، وما فوقه الدثار وفى ~~الحديث # " الأنصار شعار والناس دثار ". # ثم أطلقت البطانة على صديق الرجل وصفيه الذى يطلع على شئونه الخفية ~~تشبيها ببطانة الثياب فى شدة القرب من صاحبها. قال الشاعر # أولئك خلصائى نعم وبطانتى وهم عيبتى من دون كل قريب # وقوله { من دونكم } أى من غير أهل ملتكم. والمعنى لا يجوز لكم - ~~أيها المؤمنون - أن تتخذوا من غير أهل ملتكم أصفياء وأولياء تلقون إليهم ~~بأسراركم التى لا يصح لكم أن تطلعوهم عليها، لأنكم لو فعلتم ذلك لأصابكم ~~الضرر فى دينكم ودنياكم. قال القرطبى " نهى الله المؤمنين بهذه الآية أن ~~يتخذوا من الكفار واليهود وأهل الأهواء دخلاء وولجاء، يفاوضونهم فى ~~الآراء ويسندون إليهم أمورهم. وفى سنن أبى داود عن أبى هريرة عن النبى ~~صلى الله عليه وسلم قال # " المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل " # وقيل لعمر بن الخطاب - رضى الله عنه - إن ها هنا رجلا من نصارى الحيرة ~~لا أحد أكتب منه ولا أخط بقلم، أفلا يكتب عنك؟ فقال لا آخذ بطانة من دون ~~المؤمنين ". ثم قال القرطبى - رحمه الله - قلت وقد انقلبت الأحوال فى هذه ~~الأزمان باتخاذ أهل الكتاب كتبة وأمناء، وتسودوا بذلك عند الجهلة ~~الأغبياء من الولاة والأمراء. روى البخارى عن أبى سعيد الخدرى عن النبى ~~صلى الله عليه وسلم قال # " ما بعث الله من نبى ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان بطانة ~~تأمره بالخير وتحضه عليه. وبطانة تأمره بالشر وتحثه عليه، والمعصوم من ~~عصمه الله ". # وصدر - سبحانه - النداء بوصف الإيمان، ms0865 للإشعار بأن مقتضى الإيمان ~~يوجب عليهم ألا يأمنوا من يخالفهم فى عقيدتهم على أسرارهم، وألا يتخذوا ~~أعداء الله وأعداءهم أولياء يلقون إليهم بالمودة، وألا يطلعوهم على ما ~~يجب إخفاؤه من شئون وأمور خاصة بالمؤمنين وقوله { من دونكم } يجوز ~~أن يكون صفة لبطانة فيكون متعلقا بمحذوف، أى لا تتخذوا بطانة كائنة من ~~غيركم. # ويجوز أن يكون متعلقا بقوله { لا تتخذوا } أى لا تتخذوا من غير ~~أهل ملتكم بطانة تصافونهم وتطلعونهم على أسراركم. ثم ذكر - سبحانه - جملة ~~من الأسباب التى تجعل المؤمنين يمتنعون عن مصافاة هؤلاء الذين يخالفونهم ~~فى عقيدتهم فقال فى بيان أول هذه الأسباب { لا يألونكم خبالا } ~~وأصل " الألو " التقصير. يقال ألا فى الأمر - كغزا - يألو ألوا وألوا، ~~إذا قصر فيه، ومنه قول امرىء القيس # وما المرء ما دامت حشاشة نفسه بمدرك أطراف الخطوب ولا آل # أراد ولا مقصر، وهو - أى الفعل " يألو " من الأفعال اللازمة التى تتعدى ~~إلى المفعول بالحرف، وقد يستعمل متعديا إلى مفعولين كما فى قولهم لا آلوك ~~نصحا، على تضمين الفعل معنى المنع. أى لا أمنعك ذلك. والخبال الشر ~~والفساد. وأصله ما يلحق الحيوان من مرض وفتور فيورثه فسادا واضطرابا. ~~يقال خبله وخبله فهو خابل. والجمع الخبل ورجل مخبل إذا أصيب بمرض أورثه ~~اضطرابا وفسادا فى قواه العقلية والفكرية. والمعنى أنهاكم - أيها ~~المؤمنون - عن أن تتخذوا أولياء وأصفياء لكم من غير إخوانكم المؤمنين، ~~لأن هؤلاء الأولياء من غير إخوانكم المؤمنين، لا يقصرون فى جهد يبذلونه ~~فى إفساد أمركم، وفيما يورثكم شرا وضرا. أو لا يمنعونكم خبالا، أى أنهم ~~يفعلون معكم ما يقدرون عليه من الفساد ولا يبقون شيئا منه عندهم، بل ~~يبذلون قصارى جهدهم فى إلحاق الضرر بكم فى دينكم ودنياكم. وقوله { لا ~~يألونكم خبالا } جملة مستأنفة مبينة لحالهم داعية إلى اجتنابهم. ~~أو صفة لقوله { بطانة }. وقوله { خبالا } منصوب على أنه المفعول ~~الثانى ليألونكم لتضمينه معنى يمنعونكم. ويصح أن يكون منصوبا بنزع الخافض ~~أى لا يقصرون لكم عن جهد فيما يورثكم شرا وفسادا. أما السبب الثانى ms0866 الذى ~~يحمل المؤمنين على اجتناب هؤلاء الضالين فقد بينه - سبحانه - بقوله { ~~ودوا ما عنتم }. وقوله { ودوا } من الود وهو المحبة. يقال ~~وددت كذا أى أحببته. وقوله { عنتم } من العنت وهو شدة الضرر ~~والمشقة. ومنه قوله - تعالى - # ولو شآء الله لأعنتكم # أى لأوقعكم فيما يشق عليكم. و { ما } فى قوله { ما عنتم } هى ما ~~المصدرية. أى أن هؤلاء الذين تصافونهم وتفشون إليهم أسراركم مع أنهم ~~ليسوا على ملتكم، بجانب أنهم لا يألون جهدا فى إفساد أمركم، فإنهم يحبون ~~عنتكم ومشقتكم وشدة ضرركم، وتفريق جمعكم، وذهاب قوتكم. فالجملة الأولى ~~وهى قوله { لا يألونكم خبالا } بمنزلة المظهر والنتيجة، وهذه. ~~أى قوله تعالى { ودوا ما عنتم } بمنزلة الباعث والدافع. فهم لا ~~يودون للمسلمين الخير والاطمئنان والأمان، وأنما يودون لهم الشقاء ~~والشرور والخسران. وليس بعاقل ذلك الذى يطلع من يريد له الشرور على ~~أسراره ودخائله. # وأما السبب الثالث الذى يدعو المؤمنين إلى اجتنابهم فقد بينه الله - ~~تعالى - بقوله { قد بدت البغضآء من أفواههم وما ~~تخفي صدورهم أكبر }. والبغضاء مصدر كالسراء والضراء، وهى ~~البغض الشديد المتمكن فى النفوس، والثابت فى القلوب. أى قد ظهرت أمارات ~~العداوة لكم من فلتات ألسنتهم، وطفح البغض الباطن فى قلوبهم لكم حتى خرج ~~من أفواههم، ولاح على صفحات وجوههم، وقد قيل كوامن النفوس تظهر على صفحات ~~الوجوه وفلتات اللسان. ومع هذا فإن ما تخفيه نفوسهم المريضة لكم من أحقاد ~~وإحن، أكبر مما نطقت به ألسنتهم من بغضاء، إذ أن ما نطقوا به إنما هو ~~بمثابة الرشح الذى ظهر من مسام أجسادهم وقلوبهم، أما ما يبيتونه لكم من ~~شرور وآثام فهو أكبر من ذلك بكثير. وخص الأفواه بالذكر دون الألسنة. ~~للإشارة إلى تشدقهم وثرثرتهم فى أقوالهم الباطلة، فهم أشد جرما من ~~المتستر الذى تبدو البغضاء فى عينيه. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ~~ببيان مظهر من مظاهر فضله على المؤمنين حيث كشف لهم عن أحوال أعدائهم، ~~وعن سوء نواياهم وعن الأسباب التى تدعو إلى الحذر منهم فقال - تعالى - { ~~قد بينا لكم الآيات إن ms0867 كنتم تعقلون }. أى قد بينا ~~لكم العلامات الواضحات، والآيات البينات التى تعرفون بها أعداءكم، ~~وتميزون عن طريقها بين الصديق وبين العدو، إن كنتم من أهل العقل والفهم. ~~والمقصود من الجملة الكريمة حضهم على استعمال عقولهم بتأمل وتدبر فى هذه ~~الآيات التى بينها الله لهم فضلا منه وكرما، وحتى لا يتخذوا بطانة من غير ~~إخوانهم فى العقيدة والدين. وجواب الشرط محذوف لدلالة الكلام عليه، ~~والتقدير إن كنتم تعقلون ذلك فلا تباطنوهم ولا تفشوا لهم أسراركم. ثم ذكر ~~- سبحانه - أمورا أخرى من شأنها أن تجعل المؤمنين يقلعون عن مباطنة ~~ومصافاة أعدائهم فى الدين فقال { هآأنتم أولاء تحبونهم ~~ولا يحبونكم } أى ها أنتم أولاء أيها المؤمنون تحبون هؤلاء ~~الذين يخالفونكم فى عقيدتكم، وتتمنون لهم الهداية والخير، بينما هم لا ~~يحبونكم ولا يريدون لكم إلا الشرور والهزائم والضعف. وفى هذه الجملة ~~الكريمة عتاب ولوم للمؤمنين الذين يلقون إلى أعدائهم بالمودة، ويكشفون ~~لهم عن أسرارهم ودخائلهم. و { هآ } حرف تنبيه، وقوله { أنتم } مبتدأ ~~وقوله { أولاء } خبره، وقوله { تحبونهم ولا يحبونكم ~~} كلام مستأنف لبيان خطئهم فى موالاتهم ومحبتهم لمن يبغضونهم ويخالفونهم ~~فى الدين. وبعضهم جعل { أنتم } مبتدأ، وقوله { أولاء } منادى حذف ~~منه حرف النداء، وقوله { تحبونهم } هو الخبر عن المبتدأ. وبعضهم ~~جعل جملة { تحبونهم } فى موضع نصب على الحال من اسم الإشارة الذى ~~هو الخبر. والمراد بالكتاب فى قوله { وتؤمنون بالكتاب كله ~~} جنس الكتب السماوية التى أنزلها الله على أنبيائه. # أى أنتم أيها المؤمنون تحبونهم وهم لا يحبونكم، وأنتم تؤمنون بجميع ~~الكتب السماوية التى أنزلها الله على أنبيائه وهم لا يؤمنون بشىء من ~~كتابكم الذى أنزله الله على نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم وما دام الأمر ~~كذلك فكيف تتخذونهم بطانة من دون إخوانكم المؤمنين؟ لا شك أن من يفعل ذلك ~~يكون بعيدا عن الطريق القويم، والعقل السليم. ثم بين - سبحانه - سببا ~~ثالثا يدل على قبيح مخالطتهم ومصافاتهم فقال - تعالى - { وإذا ~~لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم ~~الأنامل من الغيظ }. والعض هو الإمساك بالأسنان أى ms0868 تحامل ~~الأسنان بعضها على بعض. يقال عض يعض عضا وعضيضا إذا تحامل بأسنانه على ~~الشىء. والأنامل جمع أنملة، وهى أطراف الأصابع. وقيل هى الأصابع. والغيظ ~~أشد الغضب. وعضهم الأنامل كناية عن شدة غضبهم وتحسرهم وحنقهم على ~~المؤمنين. أى أن هؤلاء الذين يواليهم بعضكم أيها المؤمنون بلغ من نفاقهم ~~وسوء ضمائرهم أنهم إذا لقوكم قالوا آمنا بدينكم وبنبيكم محمد صلى الله ~~عليه وسلم وإذا خلوا، أى خلا بعضهم ببعض أكل الحقد قلوبهم عليكم، وسلقوكم ~~بألسنة حداد، وتمنوا لكم المصائب، وأظهروا فيما بينهم أشد ألوان الغيظ ~~نحوكم بسبب ما يرونه من ائتلافكم، واجتماع كلمتكم، وعجزهم عن أن يجدوا ~~سبيلا إلى التشفى منكم. وإلحاق الأضرار بين صفوفكم. ومن كان كذلك فى كفره ~~ونفاقه، كان من الواجب على كل مؤمن أن يحتقره وأن يبتعد عنه لأنه لا يزيد ~~للمؤمنين إلا شرا. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يكبت هؤلاء ~~المنافقين ويبقى حسرتهم فقال { قل موتوا بغيظكم إن الله ~~عليم بذات الصدور }. والخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم ولكل ~~مؤمن من أتباعه لتحريضه على مقاطعة هؤلاء الذين لا يريدون إلا الشر. أى ~~قل لهم دوموا على غيظكم واستمروا عليه إلى أن تموتوا. فإن قوة الإسلام ~~وعزة أهله التى جعلتكم تبغضون المؤمنين ستبقى وستستمر، وإن أحقادكم على ~~المسلمين لن تنقص من قوتهم وعلو كلمتهم شيئا. فالمراد الدعاء عليهم بأن ~~يزداد غيظهم حتى يهلكوا به، وهذا يستلزم أن يستمر ما يغيظهم ويكبتهم وهو ~~نجاح الإسلام وقوته. والباء فى قوله { بغيظكم } للملابسة، أى ~~موتوا متلبسين بغيظكم وحقدكم. وقوله { إن الله عليم بذات ~~الصدور } أى محيط بما خفى فيها، ومطلع على ما يبيته هؤلاء المنافقون ~~للمسلمين، وسيحاسبهم عليه حسابا عسيرا. ويعذبهم بسبب ذلك عذابا أليما. ~~قال الجمل وهذه الجملة يحتمل أن تكون مستأنفة، أخبر الله - تعالى - بذلك. ~~لأنهم كانوا يخفون غيظهم ما أمكنهم، فذكر ذلك لهم على سبيل الوعيد. ~~ويحتمل أن تكون من جملة المقول، أى قل لهم كذا وكذا فتكون فى محل نصب ~~بالقول، ومعنى قوله { بذات الصدور ms0869 } أى بالمضمرات ذوات الصدور. # فذات هنا تأنيث ذى بمعنى صاحبة الصدور. وجعلت صاحبة للصدور لملازمتها ~~لها وعدم انفكاكها عنها، نحو أصحاب الجنة وأصحاب النار. وفى هذه الجملة ~~الكريمة تطييب لقلب النبى صلى الله عليه وسلم ولقلوب أصحابه. حيث بين - ~~سبحانه - لهم أنه ناصرهم، وأنه كاشف لهم أمر أعدائهم متى أطاعوا أوامره، ~~واجتنبوا نواهيه، ولم يجعلوا من أولئك الأعداء الذين يضمرون لهم كل شر ~~وضغينة بطانة لهم. ثم ذكر - سبحانه - لونا آخر من ألوان بغض هؤلاء ~~الكافرين للمؤمنين فقال - سبحانه - { إن تمسسكم حسنة ~~تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها } والمس أصله ~~الجس باليد. أطلق على كل ما يصل إلى الشىء على سبيل التشبيه، فيقال فلان ~~مسه النصب أو التعب، أى أصابه. والمراد بالحسنة هنا منافع الدنيا على ~~اختلاف ألوانها، كصحة البدن، وحصول النصر، ووجود الألفة والمحبة بين ~~المؤمنين. أى إن تمسسكم - أيها المؤمنون - حسنة كنصركم على أعدائكم. ~~وإصلاح ذات بينكم، { تسؤهم } أى تحزنهم وتملأ قلوبهم غيظا عليكم، { ~~وإن تصبكم سيئة } كنزول مصيبة بكم، يفرحوا بها. أى يبتهجوا ~~بها، وتستطار ألبابهم سرورا وحبورا بسبب ما نزل بكم من مكاره. فالجملة ~~الكريمة بيان لفرط عداوة هؤلاء المنافقين للمؤمنين، حيث يحسدونهم على ما ~~ينالهم من خير، ويشمتون بهم عندما ينزل بهم شر. وعبر فى جانب الحسنة ~~بالمس، وفى جانب السيئة بالإصابة، للإشارة إلى تمكن الأحقاد من قلوبهم، ~~بحيث إن أى حسنة حتى ولو كان مسها للمؤمنين خفيفا وليس غامرا عاما فإن ~~هؤلاء المنافقين يحزنون لذلك، لأنهم يستكثرون كل خير للمؤمنين حتى ولو ~~كان هذا الخير ضئيلا. أما بالنسبة لما يصيب المؤمنين من مكاره، فإن هؤلاء ~~المنافقين لا يفرحون بالمصيبة التى تمس المؤمنين مسا خفيفا، فإنها لا ~~تشفى غيظهم وحقدهم، وإنما يفرحون بالمصائب الشديدة التى تؤذى المؤمنين فى ~~دينهم ودنياهم أذى شديدا ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بإرشاد ~~المؤمنين إلى الدواء الذى يتقون به كيد أعدائهم وأعدائه فقال - تعالى - { ~~وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ~~إن الله بما يعملون محيط }. وقوله { تصبروا } من ~~الصبر ms0870 وهو حبس النفس على ما يقتضيه الشرع والعقل. وقوله { وتتقوا } ~~من التقوى وهى صيانة الإنسان نفسه عن محارم الله. وقوله { كيدهم } ~~من الكيد وهو أن يحتال الشخص ليوقع غيره فى مكروه. والمعنى { وإن ~~تصبروا } أيها المؤمنون على طاعة الله، فتضبطوا أنفسكم ولا تنساقوا ~~فى محبة من لا يستحق المحبة، وتتحملوا بعزيمة صادقة مشاق التكاليف التى ~~كلفكم الله بها، وتقاوموا العداوة بمثلها { وتتقوا } الله - تعالى ~~- فى كل ما نهاكم عنه، وتمتثلوا أمره فى كل ما أمركم به، إن فعلتم ذلك { ~~لا يضركم كيدهم } وتدبيرهم السىء { شيئا } من الضرر ببركة ~~هاتين الفضيلتين الصبر والتقوى، فإنهما جامعتان لمحاسن الطاعات، ومكارم ~~الأخلاق. # وإن لم تفعلوا ذلك أصابكم الضرر، واستمكنوا منكم بكيدهم ومكرهم، قال ~~الجمل ما ملخصه وقوله { لا يضركم } وردت فيه قراءتان سبعيتان ~~إحداهما بضم الضاد وضم الراء مع التسديد - من ضر يضر. والثانية { لا ~~يضركم } بكسر الضاد وسكون الراء - من ضار يضير. والفعل فى كليهما ~~مجزوم جوابا للشرط، وجزمه على القراءة الثانية " يضركم " ظاهر، وعلى ~~القراءة الأولى " يضركم " يكون مجزوما بسكون مقدر على آخره منع من ظهوره ~~اشتغال المحل بحركة الإتباع للتخلص من التقاء الساكنين، وأصل الفعل ~~يضرركم - بوزن ينصركم - نقلت حركة الراء الأولى إلى الضاد ثم أدغمت فى ~~الثانية، وحركت الثانية بالضم إتباعا لحركة الضاد ". وقوله { شيئا } ~~نصب على المصدرية. أى لا يضركم كيدهم شيئا من الضرر لا قليلا ولا كثيرا ~~بسبب اعتصامكم بالصبر والتقوى. وقوله { إن الله بما يعملون ~~محيط } تذييل قصد به إدخال الطمأنينة على قلوب المؤمنين، والرعب فى ~~قلوب أعدائهم.. أى إنه - سبحانه - محيط بأعمالهم وبكل أحوالهم، ولا تخفى ~~عليه خافية منها، وسيجازيهم عليها بما يستحقونه من عذاب أليم بسبب نياتهم ~~الخبيثة، وأقوالهم الذميمة. وأفعالهم القبيحة. وبهذا نرى أن الآيات ~~الكريمة قد نهت المؤمنين بأسلوب بليغ حكيم عن مصافاة من يخالفونهم فى ~~الدين، وذكرت لهم من صفات وأحوال هؤلاء المخالفين ما يحملهم على منابذتهم ~~والحذر منهم والبعد عنهم، وأرشدتهم إلى ما يعينهم على النصر عليهم وعلى ~~التخلص من آثار ms0871 مكرهم وكيدهم. وإنها لوصايا حكيمة وتوجيهات سديدة، ~~وإرشادات عالية، ما أحوج المسلمين فى كل زمان ومكان إلى العمل بها لكى ~~يفلحوا فى دنياهم وآخرتهم. تدبر معى - أخى القارىء - هذه الآيات مرة أخرى ~~فماذا ترى؟ إنك تراها توجه إلى المؤمنين نداء محببا إلى نفوسهم، محركا ~~لحرارة العقيدة فى قلوبهم.. حيث نادتهم بصفة الإيمان، ونهتهم فى هذا ~~النداء عن اتخاذ أولياء وأصفياء لهم من غير إخوانهم المؤمنين. ولكن هل ~~اكتفت بهذا النهى مع أنه كفيل بحجز المؤمنين عما نهتهم عنه؟ كلا، إنها لم ~~تكتف بذلك، بل ساقت لهم صورة كاملة السمات لأحوال أعدائهم، صورة ناطقة ~~بدخائل نفوسهم، وبمشاعرهم الظاهرة والخفية، وبانفعالاتهم القلبية ~~والجسدية، وبحركاتهم الذاهبة والآيبة، صورة ناطقة بحالهم عندما يلتقون ~~بالمؤمنين، وبحالهم عندما يفارقونهم ويخلون بأنفسهم، أو عندما يلتقون ~~بأمثالهم من الضالين. صورة ناطقة بسرورهم عند ما تصيب المسلمين مصيبة، ~~وبحزنهم عندما يرون المؤمنين فى نعمة يسيرة. صورة ناطقة بموقف المؤمنين ~~منهم وبموقفهم هم من المؤمنين ثم بعد رسم هذه الصورة العجيبة المتكاملة ~~لهم، يسوق القرآن للمؤمنين أسمى وأحكم ألوان التوجيه والإرشاد الذى ~~يجعلهم فى مأمن من كيدهم ومكرهم { وإن تصبروا وتتقوا لا ~~يضركم كيدهم شيئا }. أرأيت - يا أخى - كيف ربى القرآن ~~أتباعه أكمل تربية وأحكمها وأسماها؟ إنه نهاهم أولا عن مباطنة أعدائهم، ~~ثم ساق لهم بعد ذلك من أوصافهم وأحوالهم ما يقنعهم ويحملهم على البعد ~~عنهم، ثم أرشدهم إلى الدواء الذى ينجيهم من مكرهم. # فما أحكمه من توجيه. وما أسماه من إرشاد، وإن ذلك ليدل على أن هذا ~~القرآن من عند الله # ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا # وإلى هنا تكون سورة آل عمران قد حدثتنا - من بين ما حدثتنا - فى مائة ~~وعشرون آية منها، عن بعض الأدلة على وحدانية الله - تعالى -، وعن مظاهر ~~قدرته ورحمته، وعن كتبه التى أنزلها على أنبيائه لسعادة الناس وهدايتهم ~~وعن حب الناس للشهوات وعما هو أسمى وأفضل من هذه الشهوات الزائلة، وعن ~~المجادلات التى حدثت بين النبى صلى الله عليه ms0872 وسلم وبين أهل الكتاب فيما ~~يتعلق بوحدانية الله - تعالى - وبصحة دين الإسلام، وعن جوانب من قصة آل ~~عمران وما اشتملت عليه من عظات وعبر، وعن الشبهات التى آثارها اليهود حول ~~الدعوة الإسلامية والمسالك الخبيثة التى سلكوها فى حربهم لها وكيف رد ~~القرآن عليهم بما يفضحهم ويكشف عن كذبهم، ويجعل المؤمنين يزدادون إيمانا ~~على إيمانهم. والخلاصة أن السورة الكريمة من مطلعها إلى هنا قد ساقت - من ~~بين ما ساقت - ألوانا من الحرب النفسية التى شنها أهل الكتاب على الدعوة ~~الإسلامية، وردت عليهم بما يخرس ألسنتهم، ويبصرهم بالحق - إن كانوا طلاب ~~حق - وساقت للمؤمنين من التوجيهات والعظات، ما يهدى قلوبهم، ويصلح بالهم ~~ويكفل لهم النصر على أعدائهم. وبعد هذا السبح الطويل فى الحديث عما دار ~~بين المسلمين وبين أعدائهم من حرب كلامية وفكرية ونفسية... انتقلت السورة ~~الكريمة إلى الحديث عن حروب السيف والسنان، وما صاحبها من أفكار وأقوال ~~وأفعال. فقد حدثتنا السورة الكريمة فى حوالى ستين آية عن جوانب متعددة من ~~غزوة " أحد " تلك الغزوة التى كانت لها آثارها الهامة فى حياة المسلمين ~~وأحوالهم. ولعل من الخير - قبل أن نبدأ فى تفسير الآيات الكريمة التى ~~وردت فى سورة آل عمران بشأن هذه الغزوة - أن نسوق خلاصة تاريخية لهذه ~~الغزوة تعين على فهم الآيات المتعلقة بها، فنقول كانت غزوة بدر من ~~الغزوات المشهورة فى تاريخ الدعوة الإسلامية، فقد انتصر المسلمون فيها ~~انتصارا مؤزرا على كفار قريش. وصمم المشركون على أن يأخذوا بثأرهم من ~~المسلمين، فجمعوا جموعهم، وخرجوا فى جيش كبير، ومعهم بعض نسائهم حتى يكون ~~ذلك أبلغ فى استماتة الرجال فى القتال. ووصل مشركو قريش ومعهم حلفاؤهم ~~إلى أطراف المدينة فى أوائل شوال من السنة الثالثة، وكان عددهم يربو على ~~ثلاثة آلاف رجل. # واستشار النبى صلى الله عليه وسلم أصحابه فى شأن هؤلاء المشركين ~~الزاحفين إلى المدينة. فكان رأى بعضهم - ومعظمهم من الشباب - الخروج ~~لملاقاة المشركين خارج المدينة. وكان من رأى فريق آخر من الصحابة، ~~استدراج المشركين إلى أزقة المدينة ومقاتلتهم بداخلها، وكان ms0873 النبى صلى ~~الله عليه وسلم يميل إلى رأى هذا الفريق، إلا أنه آثر الأخذ برأى الفريق ~~الأول الذى يرى أصحابه الخروج لملاقاة المشركين خارج المدينة، نظرا ~~لكثرة عدد القائلين بذلك. ثم دخل النبى صلى الله عليه وسلم بيته، ثم خرج ~~منه وقد لبس آلة حربه، وشعر بعض المسلمين أنهم قد استكرهوا النبى صلى ~~الله عليه وسلم على القتال، فأظهروا له الرغبة فى النزول على رأيه، إلا ~~أنه لم يستجب لهم، وقال كلمته التى تعلم الناس الحزم وعدم التردد # " ما ينبغى لنبى لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه، لقد ~~دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم إلا الخروج، فعليكم بتقوى الله والصبر عند ~~البأس. وانظروا ما أمركم الله به فافعلوه ". # ثم خرج النبى صلى الله عليه وسلم فى ألف مقاتل من المسلمين حتى نزل ~~قريبا من جبل " أحد " إلا أن " عبد الله بن أبى بن سلول " انسحب فى ~~الطريق بثلث الناس محتجا بأن النبى صلى الله عليه وسلم لم يأخذ برأيه، بل ~~أخذ برأى غيره. وعسكر المسلمون بالشعب من أحد، جاعلين ظهرهم إلى الجبل، ~~ورسم النبى صلى الله عليه وسلم الخطة لكسب المعركة، فجاءت خطة محكمة ~~رائعة. فقد وزع الرماة على أماكنهم - وكانوا خمسين راميا -، وقال لهم # " انضحوا الخيل عنا بالنبل، لا يأتونا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا ~~فالزموا أماكنكم لا نؤتين من قبلكم ". # وفى رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال لهم # " أحموا ظهورنا، وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا. وإن رأيتمونا نغنم فلا ~~تشركونا ". # وأخيرا التقى الجمعان، وأذن النبى صلى الله عليه وسلم لأتباعه أن ~~يجالدوا أعداءهم، وأظهر المسلمون أسمى صور البطولة والإقدام، وكان ~~شعارهم فى هذا الالتحام " أمت أمت ". وما هى إلى جولات فى أوائل المعركة، ~~حتى ولى المشركون المسلمين الأدبار، ولم يغن عن المشركين شيئا ما كانت ~~تقوم به نسوتهم من تحريض واستنهاض للعزائم. قال ابن إسحاق ثم أنزل الله - ~~تعالى - نصره، وصدق وعده، فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن المعكسر، وكانت ~~الهزيمة لا شك ms0874 فيها. ورأى الرماة الهزيمة وهى تحل بقريش، فتطلعت نفوسهم ~~إلى الغنائم، وحاول أميرهم، عبد الله بن جبير أن يمنعهم من ترك أماكنهم ~~عملا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن معظمهم تركوا أماكنهم ~~ونزلوا إلى ساحة المعركة ليشاركوا فى جمع الغنائم والأسلاب. # وأدرك خالد بن الوليد - وكان ما زال مشركا - أن ظهور المسلمين قد انكشفت ~~بترك الرماة لأماكنهم، فاهتبل الفرصة على عجل، واستدار بمن معه من خيل ~~المشركين خلف المسلمين فأحدق بهم، وأخذ فى مهاجمتهم من مكان ما كانوا ~~ليظنوا أنهم سيهاجمون منه، فقد كانوا يعتمدون على الرماة فى حماية ~~ظهورهم. وعاد المشركون المنهزمون إلى مقاتلة المسلمين، بعد أن رأوا ما ~~فعله خالد ومن معه. واضطربت صفوف المسلمين للتحول المفاجىء الذى حدث ~~لهم، إلا أن فريقا منهم أخذ يقاتل ببسالة وصبر. واستشهد عدد كبير منهم ~~وهم يحاولون شق طريقهم. وأصيب النبى صلى الله عليه وسلم خلال ذلك بجروح ~~بالغة، وأشيع أنه قد قتل، إلا أنه صلى الله عليه وسلم جعل يصيح بالمسلمين ~~إلى عباد الله، إلى عباد الله.. فاجتمع إليه نحو ثلاثين رجلا، ودافعوا ~~عنه دفاع الأبطال المخلصين.. ومرت على المسلمين ساعة من أحرج الساعات فى ~~تاريخ الدعوة الإسلامية فقد كان المشركون يهاجمون النبى صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه بعناد وحقد، وكان المسلمون مستميتين فى الدفاع عن رسولهم ~~صلى الله عليه وسلم وعن أنفسهم. وكان لهذه الاستماتة آثارها فى تراجع ~~المشركين، وقد ظنوا أنهم قد أخذوا بثأرهم من المسلمين... وخشى النبى صلى ~~الله عليه وسلم أن يكون تراجع المشركين من أجل مهاجمة المدينة، فقال لعلى ~~بن أبى طالب # " اخرج فى آثار القوم فانظر ماذا يصنعون؟ فإن هم جنبوا الخيل وامتطوا ~~الإبل، فإنهم يريدون مكة. وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل، فهم يريدون ~~المدينة. فوالذى نفسى بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم، ثم لأناجزنهم فيها ~~". # قال على فخرجت فى آثارهم فرأيتهم جنبوا الخيل، وامتطوا الإبل، واتجهوا ~~إلى مكة. وعندما انصرف أبو سفيان نادى إن موعدكم بدر العام المقبل، فقال ~~الرسول صلى ms0875 الله عليه وسلم لرجل من أصحابه قل له نعم بيننا وبينك موعد. ~~وانتهت غزوة أحد باستشهاد حوالى سبعين صحابيا من بينهم حمزة بن عبد ~~المطلب ومصعب بن عمير، وسعد بن الربيع. وغيرهم من الأبطال الذين صدقوا ما ~~عاهدوا الله عليه. وهذه خلاصة لأحداث غزوة أحد كما روتها كتب السيرة. ~~والآن فلنول وجوهنا شطر القرآن الكريم، لنتدبر حديثه الحكيم عن هذه ~~الغزوة، ولنستمع إليه بقلوب واعية، وآذان متفتحة، وهو يبدأ حديثه عنها ~~فيقول { وإذ غدوت... }. ### || [3.121-129] # ففى هذه الآيات الكريمة التى بدأت السورة بها حديثها عن غزوة أحد، تذكير ~~للمؤمنين بما وقع فيها حتى يعتبروا ويعتصموا بحبل الله جميعا ولا ~~يتفرقوا. وقوله - تعالى - { غدوت } من الغدو وهو الخروج فى أول ~~النهار، يقال غدا يغدو من باب سما يسمو. و { من } فى قوله { من ~~أهلك } للابتداء. والمراد بأهله، زوجه عائشة - رضى الله عنها - فقد ~~كان خروجه لغزوة أحد من بيتها. والكلام على حذف مضاف يدل عليه فعل { ~~غدوت } والتقدير من بيت أهلك. وقوله { تبوىء } أصله من التبوء ~~وهو اتخاذ المنزل. يقال بوأته، وبوأت له منزلا، أى أنزلته فيه. والمراد ~~به هنا تنظيم المؤمنين وتسويتهم وتهيئتهم للقتال، حتى يكونوا صفا واحدا ~~كأنهم بنيان مرصوص. والعامل فى { وإذ } فعل مضمر تقديره، واذكر. ~~والمعنى واذكر لهم يا محمد ليعتبروا ويتعظوا وقت خروجك مبكرا من حجرة ~~زوجتك عائشة إلى غزوة أحد. وقوله { تبوىء المؤمنين مقاعد ~~للقتال } أى تنزلهم وتسوى لهم بالتنظيم والترتيب مواطن وأماكن ~~للقتال، بحيث يكونون فى أحسن حال، وأكمل استعداد لملاقاة أعدائهم. قال ~~الجمل " ويستعمل الفعل { غدوت } بمعنى صار عند بعضهم، فيكون ناقصا ~~يرفع الاسم وينصب الخبر... وهذا المعنى ممكن هنا، فالمعنى عليه، وإذ غدوت ~~أى صرت تبوىء المؤمنين أى تنزلهم فى منازل للقتال، وهذا أظهر من الآخر، ~~لأن المذكور فى القصة أنه سار من عند أهله بعد صلاة الجمعة وبات فى شعب ~~أحد، وأصبح ينزل أصحابه فى منازل القتال ويدبر لهم أمر الحرب ". فالجملة ~~الكريمة تشير إلى ما فعله النبى صلى الله عليه ms0876 وسلم مع أصحابه قبل أن ~~تبدأ المعركة، فقد اهتم بتنظيم صفوفهم، وبرسم الخطة الحكيمة التى تكفل ~~لهم النصر، وأمر الجيش كله ألا يتحرك للقتال إلا عندما يأذن له بذلك، ~~ولقد حدث أن بعض المسلمين من الأنصار استشرف للقتال وتمناه عندما رأى ~~قريشا قد سرحت خيولها وإبلها فى زروع المسلمين، وقال للنبى صلى الله عليه ~~وسلم " أترعى زروع بنى قيلة - يعنى الأنصار - ولما تضارب "؟؟ إلا أن ~~النبى صلى الله عليه وسلم نهاهم عن القتال إلا بعد إذنه. وجملة { ~~تبوىء } حال من فاعل " غدوت ". والفعل { تبوىء } يحتاج ~~لمفعولين أولهما قوله { المؤمنين }. وثانيهما قوله { مقاعد } ~~وقوله { للقتال } متعلق بقوله { تبوىء }. والمراد بقوله { ~~مقاعد للقتال } أى مراكز وأماكن ومواقف للقتال بحيث يعرف كل ~~مؤمن مكانه وموقفه فينقض منه على خصمة إلا أن القرآن الكريم عبر عن هذه ~~الأماكن والمراكز والمواقف بالمقاعد. للإشارة إلى وجوب الثبات فيها كما ~~يثبت القاعد فى مكانه، وأن عليهم ألا يبرحوا أماكنهم إلا بإذن قائدهم صلى ~~الله عليه وسلم. # وقد ختم - سبحانه - الآية بقوله { والله سميع عليم } لبيان ~~أنه مطلع على كل شىء، وعلى ما كان يجرى بين النبى صلى الله عليه وسلم ~~وبين أصحابه من مشاورات ومناقشات. فهو - سبحانه - { سميع } لما نطقت ~~به ألسنتهم { عليم } بما تخفيه صدورهم، وسيجازى المؤمنين الصادقين بما ~~يستحقون من ثواب، وسيجازى غيرهم من ضعاف الإيمان والمنافقين بما يستحقون ~~من عقاب. فالمقصود من هذه الجملة الكريمة غرس الرهبة فى قلوب المؤمنين، ~~حتى لا يعودوا إلى مثل ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد. حيث خالفوا وصية ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر - سبحانه - ما راود قلوب بعض ~~المؤمنين من ضعف وفشل، عندما رأوا زعيم المنافقين عبد الله بن أبى ينخذل ~~بثلث الجيش فقال - تعالى - { إذ همت طآئفتان منكم أن ~~تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون }. الهم هو حديث النفس واتجاهها إلى شىء معين دون أن تأخذ ~~فى تنفيذه فإذا أخذت فى تنفيذه صار إرادة وعزما وتصميما. وتفشلا من ~~الفشل والجبن والخور والضعف. ms0877 يقال فشل يفشل فشلا فهو فشل أى جبان ضعيف ~~القلب. أى واذكر لهم وقت أن همت طائفتان منكم يا معشر المؤمنين أن تفشلا ~~وتضعفا وتجبنا عن القتال فى وقت الشديدة والكريهة. وقوله { والله ~~وليهما } أى ناصرهما ويتولى أمرهما. وهاتان الطائفتان هما بنو سلمة ~~من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وكانتا جناحى الجيش فى يوم أحد. روى ~~الشيخان عن جابر - رضى الله عنه - قال فينا نزلت { إذ همت ~~طآئفتان منكم أن تفشلا والله وليهما } قال نحن ~~الطائفتان بنو حارثة وبنو سلمة، وما نحب أنها لم تنزل لقوله - تعالى - { ~~والله وليهما }. أى لفوط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء ~~الله - تعالى - عليهم، وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية. وأن ما ~~حدثوا به أنفسهم لم يخرجهم عن ولايته سبحانه لأنهم لم ينساقوا وراء هذا ~~الهم الباطل، بل سرعان ما عادوا إلى يقينهم وإيمانهم الصادق، وطاعتهم ~~لرسولهم صلى الله عليه وسلم. ولذا قال صاحب الكشاف والطائفتان حيان من ~~الأنصار بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس هموا باتباع عبد الله بن ~~أبى عندما انخذل بثلث الناس وقال يا قوم علام نقتل أنفسنا وأولادنا! ~~فعصمهم الله فمضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن ابن عباس قال ~~أضمروا أن يرجعوا، فعزم الله لهم على الرشد فثبتوا. والظاهر أنها ما كانت ~~إلا همة وحديث نفس. كما لا تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع، ثم يردها ~~صاحبها إلى الثبات والصبر، ويوطنها على احتمال المكروه. لو كانت عزيمة ~~لما ثبتت معها الولاية ". # وقد ختم - سبحانه - الآية بدعوة المؤمنين إلى التوكل عليه وحده فقال { ~~وعلى الله فليتوكل المؤمنون }. والتوكل تفعل من وكل ~~فلان أمره إلى فلان. إذا اعتمد فى كفايته عليه ولم يتوله بنفسه. والتوكل ~~الحقيقى إنما يكون بعد الأخذ بالأسباب التى شرعها الله - تعالى - ثم بعد ~~ذلك يترك الإنسان النتائج للخالق - عز وجل - يسيرها كيف يشاء. والجملة ~~الكريمة أفادت قصر التوكل على الله وحده، كما يؤذن به تقديم الجار ~~والمجرور. أى وعلى الله وحده ms0878 لا على غيره فليكل المؤمنون أمورهم، بعد ~~اتخاذ الأسباب التى أمرهم - سبحانه - باتخاذها، فإنهم متى فعلوا ذلك ~~تولاهم - سبحانه - بتأييده ورعايته. ثم ذكرهم - سبحانه - بفضله عليهم ~~وتأييده لهم يوم غزوة بدر فقال - تعالى - { ولقد نصركم الله ~~ببدر وأنتم أذلة }. وبدر اسم لماء بين مكة والمدينة، التقى ~~عنده المسلمون والمشركون من قريش فى السابع عشر من رمضان من السنة ~~الثانية للهجرة، وكان عدد المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، وكان عدد ~~المشركين قريبا من ألف رجل، ومع ذلك كان النصر حليفا للمسلمين. والأذلة - ~~كما يقول الزمخشرى جمع قلة، وجاء بجمع القلة ليدل على أنهم على ذلتهم ~~كانوا قليلين. وذلتهم ما كان بهم من ضعف الحال، وقلة السلاح والمال ~~والمركوب، وذلك أنهم خرجوا على النواضح يعتقب النفر منهم على البعير ~~الواحد، وما كان معهم إلا فرس واحد. وقلتهم أنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة ~~عشر، وكان عدوهم فى حال كثرة زهاء ألف مقاتل ومعهم مائة فرس، ومعهم الشكة ~~والشوكة - أى السلاح والقوة -. وإذن فليس المراد بكونهم أذلة أنهم كانوا ~~أضعاف النفوس. أو كانوا راضين بالهوان. وإنما المراد أنهم كانوا قليلى ~~العدد والعدد، فقراء فى الأموال وفى وسائل القتال. وفى هذا التذكير لهم ~~بما حدث فى غزوة بدر، تنبيه لهم إلى وجوب تفويض أمورهم إلى خالقهم، وإلى ~~أن القلة المؤمنة التقية الصابرة كثيرا ما تنتصر على الكثرة الفاسقة ~~الظالمة، ولذا فقد ختم - سبحانه - بقوله { فاتقوا الله ~~لعلكم تشكرون }. أى فاتقوا الله بأن تستشعروا هيبته، وتجتنبوا ~~ما نهاكم عنه، وتفعلوا ما أمركم به لعلكم بذلك تكونون قد قمتم بواجب شكر ~~ما أنعم به عليكم من نعم لا تحصى. ثم ذكرهم - سبحانه - بما كان يوجهه ~~إليهم النبى صلى الله عليه وسلم من توجيهات سامية، وإرشادات نافعة فقال - ~~تعالى - { إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن ~~يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة ~~منزلين }. قال ابن كثير اختلف المفسرون فى هذا الوعد هل كان يوم بدر ~~أو يوم أحد على قولين؟ أحدهما أن قوله - تعالى - { إذ تقول ~~للمؤمنين } متعلق بقوله { ولقد ms0879 نصركم الله ببدر } ~~، وهذا عن الحسن والشعبى والربيع بن أنس وغيرهم. # فعن الحسن فى قوله { إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم ~~}... إلخ قال هذا يوم بدر. وعن الشعبى أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز ~~بن جابر يريد أن يمد المشركين - برجال وسلاح - فشق ذلك على المسلمين ~~فأنزل الله - تعالى - { ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم ~~بثلاثة آلاف من الملائكة } إلى قوله { مسومين } ~~قال فبلغت كرزا الهزيمة فلم يمد المشركين. وقال الربيع بن أنس أمد الله ~~المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف. فإن قيل فكيف ~~الجمع بين هذه الآية على هذا القول وبين قوله فى قصة بدر # إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم.. # إلى قوله # إن الله عزيز حكيم # فالجواب أن التنصيص على الألف ها هنا لا ينافى الثلاثة الآلاف فما فوقها ~~لقوله - تعالى - { مردفين } بمعنى غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم. ~~وهذا السياق شبيه بالسياق فى سورة آل عمران، فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر ~~كما هو المعروف من أن قتال الملائكة إنما كان ببدر. والقول الثانى يرى ~~أصحابه أن هذا الوعد متعلق بقوله { وإذ غدوت من أهلك ~~تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال } وذلك يوم أحد. وهو ~~قول مجاهد وعكرمة والضحاك وغيرهم. لكن قالوا لم يحصل الإمداد بالخمسة ~~الآلاف، لأن المسلمين يومئذ فروا. وزاد عكرمة ولا بالثلاثة الآلاف لقوله ~~- تعالى - { بلى إن تصبروا وتتقوا } فلم يصبروا، بل فروا ~~فلم يمدوا بملك واحد. ويبدو من كلام ابن كثير أنه يميل إلى أن هذا الوعد ~~كان يوم بدر، فقد قال فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر.. وهذا ما تسكن إليه ~~النفس لأن الوعد بنصرة الملائكة للمؤمنين كان يوم بدر لا يوم أحد، فقد ~~كانوا فى بدر قليلى العدد والعدد، وكانت غزوة بدر أول معركة حربية كبرى ~~يلتقى فيها المؤمنون بالكافرين، ولأن سياق الآيات يشعر بأن الله - تعالى ~~- قد ساقها ليستحضر فى أذهان المؤمنين مشهد غزوة بدر وما تم فيها من نصر ~~بسبب صدق إيمانهم، وطاعتهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم حتى لا ms0880 يعودوا إلى ~~ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد من مخالفة للرسول صلى الله عليه وسلم. وعلى ~~هذا الرأى يكون قوله - تعالى - { إذ تقول للمؤمنين } متعلقا ~~بقوله { ولقد نصركم } أى اذكروا أيها المؤمنون أن الله - تعالى ~~- قد نصركم ببدر وأنتم قلة فى العدد والعدة، وكان رسولكم صلى الله عليه ~~وسلم فى ذلك الوقت يقول لكم على سبيل التثبيت والتقوية { ألن ~~يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من ~~الملائكة منزلين } أى منزلين من السماء لنصرتكم وتقويتكم ودحر ~~أعدائكم. أما على الرأى القائل بأن هذا الوعد كان غزوة أحد، فيكون قوله - ~~تعالى - { إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم } إلخ. # بدل من قوله - تعالى - قبل ذلك { وإذ غدوت من أهلك ~~تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال }. قال الآلوسى " ~~والهمزة فى قوله { ألن يكفيكم } لإنكار ألا يكفيهم ذلك. وأتى ~~بلن لتأكيد النفى، وفيه إشعار بأنهم كانوا حينئذ كالآيسين من النصر لقلة ~~عددهم وعدتهم. وفى التعبير بعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير ~~المخاطبين ما لا يخفى من اللطف وتقوية الإنكار. وقوله { أن يمدكم ~~} فى تأويل المصدر فاعل { يكفيكم }. و { من الملائكة } ~~بيان أو صفة لآلاف أو لما أضيف إليه. و { منزلين } صفة لثلاثة آلاف، ~~وقيل حال من الملائكة " وقوله - تعالى - { بلى إن تصبروا ~~وتتقوا } إما من تتمة مقوله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين، وإما ~~ابتداء خطاب من الله - تعالى - تأييدا لقول نبيه صلى الله عليه وسلم ~~وزيادة على ما وعدهم تكرما وفضلا. وقوله { بلى } إيجاب لما بعد " لن " ~~أى، بل يكفيكم الإمداد بثلاثة آلاف. ولكنه - سبحانه - يعدكم بأنكم { إن ~~تصبروا } على قتال أعدائكم وعلى كل ما أمركم الله بالصبر عليه، ~~وتتقوا. أى وتتقوا الله وتخشوه وتجتنبوا معاصيه { ويأتوكم من ~~فورهم هذا } أى ويأتوكم المشركون مسرعين ليحاربوكم، وقد أعددتم ~~أنفسكم لقتالهم، إذا فعلتم ذلك. { يمددكم ربكم بخمسة ~~آلاف من الملائكة مسومين } ، أى يمددكم ربكم بفضله ~~ورعايته لكم بخمسة آلاف من الملائكة معلمين أنفسهم أو خيلهم بعلامات ~~مخصوصة. وقرىء { مسومين } - بالفتح - أى معلمين من جهته - تعالى - ~~بعلامات القتال. من التسويم ms0881 وهو إظهار علامة الشىء. قال صاحب الكشاف ~~وقوله { من فورهم هذا } من قولك قفل من غزوته وخرج من فوره ~~إلى غزوة أخرى، وجاء فلان ورجع من فوره. ومنه قول أبى حنيفة - رحمه الله ~~- الأمر على الفور لا على التراخى، وهو مصدر من فارت القدر إذا غلت، ~~فاستعير للسرعة، ثم سميت به الحالة التى لا ريث فيها. فقيل خرج من فوره ~~كما تقول خرج من ساعته. والمعنى أنهم يأتونكم من ساعتهم هذه ". هذا، وقد ~~تكلم العلماء هنا عن أمرين يتعلقان بهذه الآيات. أما الأمر الأول فهو هل ~~أمد الله - تعالى - المؤمنين فى غزوة بدر بهذا العدد الذى ذكر فى هذه ~~الآية؟. والجواب على ذلك أن بعض المفسرين يرى أن الله - تعالى - قد أمد ~~المؤمنين فى بدر بخمسة آلاف من الملائكة، لأنهم صبروا واتقوا وأتاهم ~~المشركون من مكة فورا حين استنفرهم أبو سفيان لإنقاذ العير، فكان المدد ~~خمسة آلاف على سبيل التدريج، أى أمدوا أولا بألف، ثم صاروا ألفين، ثم ~~صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف لا غير، وإلى هذا الرأى ذهب الحسن ~~وقتادة. # وقال الشعبى إن المدد لم يزد على الألف، لأن المسلمين كان قد بلغهم أن ~~كرز بن جابر المحاربى يريد أن يمد المشركين بسلاح وجند، فشق ذلك على ~~المسلمين فأنزل الله - تعالى - { ألن يكفيكم أن يمدكم } ~~إلى قوله { مسومين } فبلغ كرزا الهزيمة فرجع ولم يمدهم، فلم يمد ~~الله المسلمين بخمسة الآلاف أيضا. أما ابن جرير فقد اختار أن المسلمين ~~وعدوا بالمدد بعد الألف، ولا دلالة فى الآية على أنهم أمدوا بما زاد على ~~ذلك، ولا على أنهم لم يمدوا به، ولا يثبت شىء من ذلك إلا بنص. فقد قال - ~~رحمه الله - " وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب أن يقال إن الله أخبر عن ~~نبيه صلى الله عليه وسلم أنه قال للمؤمنين { ألن يكفيكم أن ~~يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة } فوعدهم ~~الله بثلاثة آلاف من الملائكة مددا لهم ثم وعدهم بعد الثلاثة الآلاف خمسة ~~آلاف، إن صبروا لأعدائهم واتقوا ms0882 الله، ولا دلالة فى الآية على أنهم أمدوا ~~بالثلاثة آلاف، ولا بالخمسة الآلاف ولا على أنهم لم يمدوا بهم. وقد يجوز ~~أن يكون الله - تعالى - أمدهم على نحو ما رواه الذين أثبتوا أنه أمدهم، ~~وقد يجوز أن يكون لم يمدهم، على نحو الذى ذكره من أنكر ذلك وغير جائز أن ~~يقال فى ذلك قول إلا بخبر تقوم الحجة به، ولا خبر به كذلك فنسلم لأحد ~~الفريقين قوله. غير أن فى القرآن دلالة على أنهم أمدوا يوم بدر بألف. ~~وذلك قوله - تعالى - # إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم ~~بألف من الملائكة مردفين # أما فى أحد فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبين منها فى أنهم أمدوا، ذلك ~~لأنهم لو أمدوا لم يهزموا ونيل منهم ما نيل منهم ". والذى نراه أن رأى ~~ابن جرير هو أقرب الآراء إلى الصواب. وأما الأمر الثانى فهو إذا كان الله ~~- تعالى - قد أمد المؤمنين بالملائكة فى بدر، فهل كانت وظيفتهم القتال مع ~~المؤمنين أو كانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين فقط؟ والجواب على ذلك أن كثيرا ~~من العلماء يرى أن الملائكة قد قاتلت مع المؤمنين. قال القرطبى تظاهرت ~~الروايات بأن الملائكة حضرت يوم بدر وقاتلت. ومن ذلك قول أبى أسيد مالك ~~بن ربيعة وكان قد شهد بدرا لو كنت معكم الآن ببدر ومعى بصرى لأريتكم ~~الشعب - أى الطريق فى الجبل - الذى خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أمترى ~~". وفى صحيح مسلم عن ابن عباس قال بينما رجل من المسلمين يوم بدر يشتد فى ~~أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول " ~~أقدم حيزوم " فنظر المسلم إلى المشرك أمامه فإذا هو قد خطم أنفه وشق ~~وجهه. # فجاء المسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه بذلك فقال صدقت ذلك ~~من مدد السماء الثالثة. ويرى فريق آخر من العلماء أن الملائكة ما قاتلت ~~مع المسلمين يوم بدر، وإنما أمد الله المؤمنين بالملائكة لتثبيت نفوسهم، ~~وتقوية قلوبهم، ولتخذيل المشركين، وإلقاء الرعب فى قلوبهم، فقد قال ms0883 - ~~تعالى - # إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا ~~الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ~~فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان # ويبدو أن الإمام ابن جرير الطبرى كان يميل إلى هذا الرأى فقد قال عند ~~تفسيره لقوله - تعالى - { فثبتوا الذين آمنوا } أى قووا ~~عزائمهم، وصححوا نياتهم فى قتال عدوهم من المشركين، وقيل كان ذلك ~~بمعونتهم إياهم بقتال أعدائهم ". وقد حكى الألوسى عن أبى بكر الأصم أنه ~~أنكر قتال الملائكة مع المؤمنين فى بدر وأنه قال " إن الملك الواحد يكفى ~~فى إهلاك سائر الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط وأيضا أى فائدة فى ~~إرسال هذا الجمع من الملائكة معه وهو القوى الأمين. وأيضا فإن أكابر ~~الكفار الذين قتلوا فى بدر عرف من قتلهم من المسلمين ". ولم يرتض الآلوسى ~~ما قاله الأصم بل قال فى الرد عليه ولا يخفى أن هذه الشبه لا يليق ~~إيرادها بقوانين الشريعة، ولا بمن يعترف بأنه - سبحانه - قادر على ما ~~يشاء فعال لما يريد، فما كان يليق بالأصم إلا أن يكون أخرس عن ذلك. ثم ~~قال الآلوسى فالواجب التسليم بكل ممكن جاء به النبى صلى الله عليه وسلم ~~وتفويض ذلك وكيفيته إلى الله - تعالى -. ونرى من كلام الآلوسى أنه يرجح ~~الرأى القائل بأن الملائكة قد قاتلت مع المؤمنين فى غزوة بدر. ونحن لا ~~نرى مانعا من اشتراك الملائكة مع المؤمنين فى بدر لأن النصوص الواردة عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم صريحة فى ذلك، ولسنا مع الذين يضعفون من شأن ~~الأحاديث الصحيحة أو يؤولونها تأويلا لا يتفق مع العقل السليم. ولقد سئل ~~الإمام السبكى ما الحكمة فى قتال الملائكة مع أن جبريل قادر على أن يدفع ~~الكفار بريشة من جناحه؟. فأجاب بأن ذلك لإرادة أن يكون الفضل للنبى صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه وتكون الملائكة مددا على عادة مدد الجيوش رعاية ~~لصورة الأسباب التى أجراها - سبحانه - فى عباده. ثم تابع القرآن حديثه عن ~~مظاهر فضل الله عليهم ورعايته لهم فقال - تعالى - { وما جعله ms0884 ~~الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به }. أى ~~وما جعل الله - تعالى - الإمداد الذى أمدكم به إلا بشارة لقلوبكم، ~~وتطمينا لنفوسكم فالضمير فى { جعله } يعود إلى الإمداد المفهوم وهو ~~الفاعل المقدر المدلول عليه بقوله " أن يمدكم " فكأنه قيل ألن يكفيكم ~~إمداد الله تعالى لكم بما ذكر، وما جعل الله - تعالى - ذلك الإمداد إلا ~~بشرى لكم، ولتسكن قلوبكم به فلا تخافوا كثرة العدو، بل تقدمون عليه ~~بعزائم ثابتة، ونفوس قوية. # وقوله { بشرى } مفعول لأجله. والاستثناء مفرغ من أعم العلل، أى ما ~~جعل الله إمدادكم بإنزال الملائكة لشىء من الأشياء إلا للبشارة لكم بأنكم ~~ستنتصرون على أعدائكم. وقوله { ولتطمئن قلوبكم به } معطوف ~~على { بشرى } باعتبار موضعه أى ما جعل إمدادكم إلا للبشرى ~~والطمأنينة. وإنما جر المصدر المؤول من قوله { ولتطمئن } باللام ~~لاختلال شرط من شروط نصبه على أنه مفعول لأجله، وهذا الشرط هو عدم اتحاد ~~الفاعل. فإن فاعل الجعل هو الله - تعالى -، وفاعل الاطمئنان القلوب، ~~فلذلك نصب المعطوف عليه وهو { بشرى } لاستكمال شروطه. وجر المعطوف ~~وهو { ولتطمئن } لاختلال شرط من شروطه. ثم ختم - سبحانه - الآية ~~بقوله { وما النصر إلا من عند الله العزيز ~~الحكيم }. أى ليس النصر إلا من الله وحده فهو العزيز الذى لا يغالب ~~فى أمره. الحكيم الذى يفعل كل ما يريد فعله حسبما تقتضيه إرادته. فالجملة ~~الكريمة المقصود منها غرس الاعتماد على الله فى قلوب المؤمنين وتفويض ~~أمورهم إليه، وبيان أن النصر إنما هو من الله وحده، وليس من الملائكة أو ~~من غيرهم، لأن الملائكة أو غيرهم أسباب عادية بمعزل عن التأثير، إلا إذا ~~أراد الله ذلك. فهو الخالق للأسباب والمسببات. ولقد حرص القرآن فى كثير ~~من آياته على تثبيت هذا المعنى فى قلوب المؤمنين حتى لا يعتمدوا على ~~الأسباب والوسائل التى بين أيديهم، ويغتروا بها، دون أن يلتفتوا إلى قدرة ~~خالق الأسباب والوسائل، فإنهم إذا اغتروا بالأسباب والوسائل، ونسوا ~~خالقها أتاهم الفشل من حيث لم يحتسبوا وكان أمرهم فرطا. والعاقل من ~~الناس هو الذى يباشر الأسباب التى شرعها ms0885 الله - تعالى - بتدبر واعتبار ~~بحيث يوقن أن من ورائها خالقا لها، يجب أن يستجيب له فى كل ما أمر أو ~~نهى، وأن يعتمد عليه فى كل شئونه وأحواله. ثم بين - سبحانه - الحكمة من ~~هذا النصر والثمرات التى ترتبت عليه فقال - تعالى - { ليقطع طرفا ~~من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خآئبين ~~* ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو ~~يعذبهم فإنهم ظالمون }. وقوله { ليقطع طرفا ~~من الذين كفروا أو يكبتهم } متعلق بقوله { ولقد ~~نصركم الله ببدر وأنتم أذلة } وما بينهما تحقيق ~~لحقيته، وبيان لكيفية وقوعه. والقطع - كما يقول الراغب - فصل الشىء مدركا ~~بالبصر كالأجسام، أو مدركا بالبصيرة كالأشياء المعقولة والمراد به هنا ~~الإهلاك والقتل. والطرف - بفتح الراء - جانب الشىء أو الجزء المتطرف منه ~~كاليدين والرجلين والرأس. # والمراد به هنا طائفة من المشركين. والكبت فى اللغة صرع الشىء على وجهه. ~~يقال كبته فانكبت، والمراد به هنا الإخزاء والإذلال وشدة الغيظ بسبب ما ~~أصابهم من هزيمة. وخائبين من الخيبة وهى انقطاع الأمل فى الحصول على ~~الشىء. يقال خاب يخيب إذا لم ينل ما طلب. والمعنى ولقد نصركم الله - ~~تعالى - ببدر وأنتم فى قلة من العدد والعدة { ليقطع طرفا من ~~الذين كفروا } أى ليهلك طائفة من الذين كفروا ويستأصلهم بالقتل. ~~وينقص من أرضهم بالفتح، ومن سلطانهم بالقهر، ومن أموالهم بالغنيمة { أو ~~يكبتهم } أى يذلهم ويخزيهم ويغيظهم غيظا شديدا بسبب ما نزل بهم من ~~هزيمة، حتى يخبو صوت الكفر، ويعلو صوت الإيمان وقوله { فينقلبوا ~~خآئبين } أى فينهزموا ويرتدوا على أدبارهم منقطعى الآمال، غير ظافرين ~~بمبتغاهم. قال الآلوسى " ولم يعبر عن تلك الطائفة بالوسط بل بالطرف فقال ~~{ ليقطع طرفا } لأن أطراف الشىء يتوصل بها إلى توهينه وإزالته. ~~وقيل لأن الطرف أقرب إلى المؤمنين فهو كقوله - تعالى - # يأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من ~~الكفار # وقيل للإشارة إلى أنهم كانوا أشرافا، ومنه قولهم هو من أطراف العرب أى ~~من أشرافهم، ولعل إطلاق الأطراف على الأشراف لتقدمهم فى السير.. فالمعنى ~~ليهلك صناديد الذين كفروا ورؤساءهم المتقدمين فيهم ms0886 بالقتل والأسر. وقد ~~وقع ذلك فى بدر فقد قتل المؤمنون من المشركين سبعين وأسروا سبعين ". و { ~~أو } فى قوله { أو يكبتهم } للتنويع. لأن القطع والكبت قد وقعا ~~للمشركين، فهى مانعة خلو، أى لا يخلو أمر الكافرين من الهلاك والكبت. ~~وعبر عن عودتهم خائبين بقوله { فينقلبوا خآئبين } للإشارة إلى ~~أن مقاصدهم وأهدافهم قد انقلبت، فقد كانوا يقصدون إطفاء نور الإسلام ~~فخاب قصدهم، وطاش سهمهم، وعادوا وقد فقدوا الكثيرين من وجوههم وصناديدهم، ~~وتركوا خلفهم فى الأسر العشرات من رجالهم. أما الإسلام فقد ازداد نوره ~~تألقا، وازداد أتباعه إيمانا على إيمانهم. ورزقهم الله - تعالى - نصره ~~المبين. وقوله { ليس لك من الأمر شيء } أى ليس لك من أمر ~~الناس شىء، وإنما أمرهم إلى الله وحده، أما أنت فوظيفتك التبليغ ~~والإرشاد ثم بعد ذلك من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. وقوله { أو ~~يتوب عليهم }. أى مما هم فيه من الكفر فيهديهم إلى الإسلام بعد ~~كفرهم وظلالهم. وقوله { أو يعذبهم فإنهم ظالمون } أى ~~أو يعذبهم فى الدنيا والآخرة على كفرهم واجتراحهم للسيئات، فإنهم بذلك ~~يكونون مستحقين للعقاب، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، فهم ~~الذين صموا آذانهم عن الحق واستحبوا العمى على الهدى. وعلى هذا يكون قوله ~~- تعالى - { ليس لك من الأمر شيء } جملة معترضة بين ~~المتعاطفات ويكون تقدير الآيتين هكذا ولقد نصركم الله ببدر ليهلك طائفة ~~من الذين كفروا بالقتل والأسر، أو يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة، أو يتوب ~~عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم فى الدنيا والآخرة بسبب ظلمهم، وليس لك من ~~أمرهم شىء، إنما أنت رسول من عند الله - تعالى - مأمور بإنذارهم وجهادهم. # وقد رجح هذا الوجه صاحب الكشاف فقال وقوله { ليس لك من الأمر ~~شيء } اعتراض. والمعنى أن الله مالك أمرهم، فإما أن يهلكهم أو يهزمهم ~~أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا على الكفر، وليس لك من أمرهم ~~شىء إنما أنت عبد مبعوث لإنذارهم ومجاهدتهم.. وقيل إن { أو } بمعنى " ~~إلا أن " كقولك لألزمنك أو تقضينى حقى، على معنى ليس لك من ms0887 أمرهم شىء إلا ~~أن يتوب عليهم فتفرح بحالهم، أو يعذبهم فتتشفى منهم. فأنت ترى أن الآيتين ~~الكريمتين قد بينتا أحوال الكافرين فى غزوة بدر أكمل بيان، لأن فريقا ~~منهم قد قتلوا فقطع بهم طرف من الكافرين، وفريقا كبتوا وذلوا، وفريقا من ~~الله عليهم بالإسلام فأسلموا، وفريقا عذبوا بالموت على الكفر أو عذبوا ~~فى الدنيا بالذل والصغار. و " أو " التى جىء بها بين هذه الجمل للتقسيم. ~~هذا، وقد روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { ليس لك من ~~الأمر شيء } روايات منها ما أخرجه مسلم عن أنس # " أن النبى صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد وشج فى وجهه حتى ~~سال الدم على وجهه فقال كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ~~ربهم - عز وجل - فأنزل الله - تعالى - { ليس لك من الأمر ~~شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ~~ظالمون } ". # ومنها ما أخرجه البخارى عن أبى هريرة # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو ~~يدعو لأحد قنت بعد الركوع فربما قال إذا قال سمع الله لمن حمده " اللهم ~~ربنا ولك الحمد. اللهم أنج الوليد بن الوليد. وسلمة بن هشام، وعياش بن ~~أبى ربيعة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف " ~~يجهر بذلك. وكان يقول فى بعض صلاته فى صلاة الفجر اللهم العن فلانا ~~وفلانا " لأحياء من العرب " حتى أنزل الله - تعالى - { ليس لك من ~~الأمر شيء } ". # ثم ختم - سبحانه - هذا التذكير بما جرى فى غزوة بدر ببيان قدرته ~~الشاملة، وإرادته النافذة فقال - سبحانه - { ولله ما في ~~السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشآء ويعذب ~~من يشآء والله غفور رحيم }. أى لله جميع ما فى السماوات ~~وما فى الأرض ملكا وتصرفا وتدبيرا لا ينازعه فى ذلك منازع ولا يعارضه ~~معارض، وهو - سبحانه - يغفر لمن يشاء أن يغفر له من المؤمنين فلا يعاقبه ~~على ذنبه فضلا منه وكرما، ويعذب من يشاء أن يعذبه عدلا منه { والله ~~غفور } أى كثير ms0888 المغفرة يحبها ويريدها، { رحيم } أى واسع الرحمة ~~بعباده، لا يؤاخذهم بكل ما اكتسبوه من ذنوب بل يعفو عن كثير منها. # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد افتتحت الحديث عن غزوة أحد باستحضار ~~بعض أحداثها، وبتذكير المؤمنين بما هم به بعضهم قبل أن تبدأ المعركة، ثم ~~بتذكيرهم بمعركة بدر وما تم لهم فيها من نصر مؤزر منحه الله لهم مع قلتهم ~~وضعفهم، حتى يعرفوا أن النصر ليس بكثرة العدد والعدد وإنما النصر يتأتى ~~مع صفاء النفوس، ونقاء القلوب، ومضاء العزائم والطاعة التامة لله ولرسوله ~~صلى الله عليه وسلم، وحتى لا يعودوا إلى ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد من ~~مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن طمع فى زينة الحياة الدنيا. ~~وبعد هذا التذكير الحكيم والتوجيه السديد، وجه القرآن نداء إلى المؤمنين ~~نهاهم فيه عن تعاطى الربا، وأمرهم بتقوى الله وبطاعته وطاعة رسوله صلى ~~الله عليه وسلم وبالمسارعة إلى الأعمال الصالحة التى توصلهم إلى مغفرته ~~ورضوانه فقال - تعالى - { يآ أيها الذين آمنوا... }. ### || [3.130-136] # قال الإمام الرازى ما ملخصه اعلم أن من الناس من قال إن الله - تعالى - ~~لما شرح عظيم نعمه على المؤمنين فيما يتعلق بإرشادهم إلى الأصلح لهم فى ~~أمر الدين وفى أمر الجهاد، أتبع ذلك بما يدخل فى الأمر والنهى والترغيب ~~والترهيب فقال { يآ أيها الذين آمنوا لا تأكلوا ~~الربا أضعافا مضاعفة }. وقال القفال يحتمل أن تكون هذه ~~الآية متصلة بما قبلها من جهة أن المشركين فى غزوة أحد أنفقوا على ~~عساكرهم أموالا كثيرة جمعوها من الربا، ولعل ذلك يصير داعيا للمسلمين ~~إلى الإقدام على الربا حتى يجمعوا المال وينفقوه على العسكر، ويتمكنوا ~~من الانتقام منهم، فلا جرم نهاهم الله عن ذلك. وكان الرجل فى الجاهلية ~~إذا كان له على إنسان مائة درهم - مثلا - إلى أجل، فإذا حل الأجل ولم يكن ~~المدين واجدا لذلك المال قال زدنى فى المال حتى أزيد فى الأجل، فربما ~~جعله مائتين، ثم إذا حل الأجل الثانى فعل مثل ذلك ثم إلى ms0889 آجال كثيرة، ~~فيأخذ بسبب تلك المائة أضعافها فهذا هو المراد من قوله { أضعافا ~~مضاعفة }. وقد ابتدأ - سبحانه - الآية بالنداء بقوله { يآ ~~أيها الذين آمنوا } لبيان أن أكل الربا ليس من شأن المؤمنين، ~~وإنما هو من سمات الكافرين والفاسقين. وإذا كان الكافرون يستكثرون من ~~تعاطى الربا فعلى المؤمنين أن يجتنبوا هذا الفعل القبيح، وأن يتحروا ~~الحلال فى كل أمورهم. وخصه بالنهى لأنه كان شائعا فى ذلك الوقت، ولأنه - ~~كما يقول القرطبى - هو الذى أذن فيه بالحرب فى قوله - تعالى - # فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ~~ورسوله # والحرب يؤذن بالقتل، فكأنه يقول لهم إن لم تتقوا الربا هزمتم وقتلتم. ~~والمراد من الأكل الأخذ، وعبر عنه بالأكل لما أنه معظم ما يقصد به، ~~ولشيوعه فى المأكولات مع ما فيه من زيادة التشنيع. والربا معناه الزيادة، ~~والمراد بها هنا تلك الزيادة التى كانت تضاف على الدين. قال الإمام ابن ~~جرير عن عطاء قال كانت ثقيف تداين بنى المغيرة فى الجاهلية، فإذا حل ~~الأجل قالوا نزيدكم وتؤخرون. وقال ابن زيد كان أبى - زيد بن ثابت - يقول ~~إنما كان ربا الجاهلية فى التضعيف. يكون للرجل على الرجل دين فيأتيه إذا ~~حل الأجل فيقول له " تقضينى أو تزيدنى ". وقوله { أضعافا } حال من ~~الربا، وقوله { مضاعفة } صفة له. والأضعاف جمع ضعف. وضعف الشىء ~~مثله، وضعفاه مثلاه، وأضعافه أمثاله. وهذا القيد وهو قوله " أضعافا ~~مضاعفة " ليس لتقييد النهى به، أى ليس النهى عن أكل الربا فى هذه الحالة ~~وإباحته فى غيرها، بل هذا القيد لمراعاة الواقع، ولبيان ما كانوا عليه فى ~~الجاهلية من التعامل الفاسد المؤدى إلى استئصال المال، ولتوبيخ من كان ~~يتعاطى الربا بتلك الصورة البشعة. # وقد حرم الله - تعالى - أصل الربا ومضاعفته، ونفر منه تنفيرا شديدا، ~~فقال - تعالى - # الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم ~~الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم ~~قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله ~~البيع وحرم الربا # وهذا النوع من الربا الذى نهى الله - تعالى - عنه هنا بقوله { يآ ~~أيها ms0890 الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا ~~مضاعفة } هو الذى يسمى عند الصحابة والفقهاء بربا النسيئة، أو ربا ~~الجاهلية وقد حرمه الإسلام تحريما قاطعا. فقد قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فى خطبة الوداع # " ألا إن ربا الجاهلية موضوع - أى مهدر - وأول ربا أبدأ به ربا عمى ~~العباس بن عبد المطلب ". # وقال الإمام أحمد بن حنبل إن ربا النسيئة يكفر من يجحد تحريمه. ويقابل ~~هذا النوع من الربا، ربا البيوع وهو الذى ورد فى حديث النبى صلى الله ~~عليه وسلم الذى يقول فيه # " البر بالبر مثلا بمثل يدا بيد، والذهب بالذهب مثلا بمثل يدا يد والفضة ~~بالفضة مثلا بمثل يدا بيد والشعير بالشعير مثلا بمثل يدا بيد، والتمر ~~بالتمر مثلا بمثلا يدا بيد، والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد، فمن زاد أو ~~استزاد فقد أربى ". # وقد اتفق العلماء على أن بيع هذه الأصناف لا بد أن يكون بغير زيادة إذا ~~كانت بمثلها كقمح بقمح، ولا بد من قبضها. وإذا اختلف الجنس كقمح بشعير ~~جازت الزيادة، ولا بد من القبض فى المجلس، والتأخير يسمى ربا النساء، ~~والزيادة المحرمة تسمى ربا الفضل. وللفقهاء فى هذا الموضوع مباحث طويلة ~~فليرجع إليها من شاء فى مظانها. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بأمر ~~المؤمنين بخشيته وتقواه فقال { واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون }. أى واتقوا الله بأن تجعلوا بينكم وبين محارمه ساترا ~~ووقاية، لعلكم بذلك تنالون الفلاح فى الدنيا والآخرة. ثم حذرهم - سبحانه ~~- من الأعمال التى تفضى بهم إلى النار فقال { واتقوا النار ~~التي أعدت للكافرين }. أى صونوا أنفسكم. واحترزوا من ~~الوقوع فى الأعمال السيئة كتعاطى الربا وما يشابه ذلك، لأن الوقوع فى هذه ~~الأعمال السيئة يؤدى بكم إلى دخول النار التى هيئت للكافرين. وفى التعقيب ~~على النهى عن تعاطى الربا بتقوى الله وباتقاء النار، إشعار بأن الذى يأكل ~~الربا يكون بعيدا عن خشية الله وعن مراقبته، ويكون مستحقا لدخول النار ~~التى أعدها الله - تعالى - للكافرين والفاسقين عن أمره. قال صاحب الكشاف ~~" كان أبو حنيفة - إذا قرأ ms0891 هذه الآية { واتقوا النار التي ~~أعدت للكافرين } يقول هى أخوف آية فى القرآن، حيث أوعد الله ~~المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه فى اجتناب محارمه ". # ثم بعد هذا التحذير الشديد للمؤمنين من ارتكاب ما نهى الله عنه، أمرهم - ~~سبحانه - بطاعته وطاعة رسوله فقال { وأطيعوا الله والرسول ~~لعلكم ترحمون }. أى أطيعوا الله فى كل ما أمركم به ونهاكم ~~عنه، وأطيعوا الرسول الذى أرسله إليكم ربكم لهدايتكم وسعادتكم، لعلكم ~~بهذه الطاعة تكونون فى رحمة من الله، فهو القائل وقوله الحق # إن رحمت الله قريب من المحسنين # وفى ذكر طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم مقترنة بطاعة الله - تعالى - ~~تنبيه إلى أن طاعة الرسول طاعة لله. فقد قال - تعالى - # من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فمآ ~~أرسلناك عليهم حفيظا # ثم أمرهم - سبحانه - بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة التى توصلهم إلى ~~مغفرة الله ورضوانه فقال { وسارعوا إلى مغفرة من ~~ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت ~~للمتقين }. قال الآلوسى وسبب نزول هذه الآية على ما أخرجه عبد بن ~~حميد وغيره عن عطاء بن أبى رباح أن المسلمين قالوا يا رسول الله. بنو ~~إسرائيل كانوا أكرم على الله منا، كانوا إذا أذنب أحدهم ذنبا أصبحت كفارة ~~ذنبه مكتوبة فى عتبة داره أجدع أنفك، أجدع أذنك، افعل كذا وكذا فسكت صلى ~~الله عليه وسلم فنزلت هذه الآيات إلى قوله { والذين إذا فعلوا ~~فاحشة } الآية فقال النبى صلى الله عليه وسلم ألا أخبركم بخير من ~~ذلكم ثم تلاها عليهم ". وقوله { وسارعوا إلى مغفرة من ~~ربكم } من السرعة بمعنى المبادرة إلى الشىء بدون تأخير أو تردد. ~~والكلام على حذف مضاف أى سارعوا وبادروا إلى ما يوصلكم إلى ما به تظفرون ~~بمغفرة ربكم ورحمته ورضوانه وجنته، بأن تقوموا بأداء ما كلفكم به من ~~واجبات، وتنتهوا عما نهاكم عنه من محظورات. ولقد قرأ نافع وابن عامر بغير ~~واو، وهى قراءة أهل المدينة والشام. والباقون بالواو، وهى قراءة أهل مكة ~~والعراق. فمن قرأ بالواو، جعل قوله - تعالى - { وسارعوا } معطوفا ~~على ms0892 قوله { وأطيعوا } أى أطيعوا الله والرسول وسارعوا إلى مغفرة من ~~ربكم. ومن قرأ بغير واو جعل قوله " سارعوا " مستأنفا، إذ هو بمنزلة ~~البيان أو بدل الاشتمال. و { من } فى قوله { من ربكم } ~~ابتدائية، والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة للمغفرة أى مغفرة كائنة من ~~ربكم.. ولقد عظم - سبحانه - بذلك شأن هذه المغفرة التى ينبغى طلبها ~~بإسراع ومبادرة، بأن جاء بها منكرة، وبأن وصفها بأنها كائنة منه - سبحانه ~~- هو الذى خلق الخلق بقدرته، ورباهم برعايته. ووصف - سبحانه - الجنة بأن ~~عرضها السماوات والأرض على طريقة التشبيه البليغ، بدليل التصريح بحرف ~~التشبيه فى قوله - تعالى - # سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها ~~كعرض السمآء والأرض # قال الفخر الرازى ما ملخصه وفى معنى أن عرض الجنة مثل عرض السماوات ~~والأرض وجوه منها أن المراد لو جعلت السماوات والأرضون طبقا طبقا، بحيث ~~تكون كل واحدة من تلك الطبقات سطحا مؤلفا من أجزاء لا تتجزأ، ثم وصل ~~البعض بالبعض طبقا واحدا لكان ذلك مثل عرض الجنة، وهذا غاية فى السعة لا ~~يعلمها إلا الله. ومنها أن المقصود المبالغة فى وصف السعة للجنة، وذلك ~~لأنه لا شىء عندنا أعرض منهما ونظيره قوله # خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض # فإن أطول الأشياء بقاء عندنا هو السماوات والأرض، فخوطبنا على وفق ما ~~عرفناه، فكذا هنا ". وخص - سبحانه - العرض بالذكر، ليكون أبلغ فى الدلالة ~~على عظمها واتساع طولها، لأنه إذا كان عرضها كهذا، فإن العقل يذهب كل ~~مذهب فى تصور طولها " لأن العرض فى العادة أقل من الطول. وذلك كقوله - ~~تعالى - فى صفة فرش الجنة # متكئين على فرش بطآئنها من إستبرق # لأنه إذا كانت بطانة الفرش من الحرير فكيف يكون ما فوق البطانة مما تراه ~~الأعين؟. قال القفال ليس المراد بالعرض ها هنا ما هو خلاف الطول، بل هو ~~عبارة عن السعة كما تقول العرب بلاد عريضة، ويقال هذه دعوى عريضة أى ~~واسعة عظيمة. والأصل فيه أن ما اتسع عرضه لم يضق، وما ضاق عرضه دق، فجعل ~~العرض كناية عن السعة ms0893 ". قال ابن كثير وقد روينا فى مسند الإمام أحمد أن ~~هرقل كتب إلى النبى صلى الله عليه وسلم يقول # " إنك دعوتنى إلى جنة عرضها السماوات والأرض فأين النار؟ فقال النبى صلى ~~الله عليه وسلم سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار ". # وعن أبى هريرة أن رجلا جاء إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال # " أرايت قوله - تعالى - { جنة عرضها السماوات والأرض } ~~فأين النار قال أرأيت الليل إذا جاء لبس كل شىء فأين النهار؟ قال حيث شاء ~~الله قال صلى الله عليه وسلم " وكذلك النار تكون حيث شاء الله ". # وقوله - تعالى - { أعدت للمتقين } أى هيئت للمتقين الذين ~~صانوا أنفسهم عن محارم الله، وجعلوا بينهم وبينها وقاية وساترا، وخافوا ~~مقام ربهم ونهوا أنفسهم عن الهوى. ثم بين - سبحانه - صفات المتقين الذين ~~يصلحون فى الأرض ولا يفسدون، والذين أعد لهم - سبحانه - جنته فقال - ~~تعالى - { الذين ينفقون في السرآء والضرآء } أى ~~الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله فى جميع أحوالهم، فهم يبذلونها ~~ابتغاء وجه ربهم فى حال يسرهم وفى حال عسرهم، وفى حال سرورهم وفى حال ~~حزنهم، وفى حال صحتهم وفى حال مرضهم، لا يصرفهم صارف عن إنفاق أموالهم فى ~~وجوه الخير ما داموا قادرين على ذلك. # وقوله { الذين ينفقون } فى محل جر صفة للمتقين. ويجوز أن يكون ~~فى محل نصب أو رفع على القطع المشعر بالمدح. وقال { ينفقون } بالفعل ~~المضارع، للإشارة بأنهم يتجدد إنفاقهم فى سبيل الله آنا بعد آن بدون ~~انقطاع. وقدم الإنفاق على غيره من صفاتهم لأنه وصف إيجابى يدل على صفاء ~~نفوسهم، وقوة إخلاصهم، فإن المال شقيق الروح، فإذا أنفقوه فى حالتى ~~السراء والضراء كان ذلك دليلا على التزامهم العميق لتعاليم دينهم وطاعة ~~ربهم. وقد مدح الله - تعالى - الذين ينفقون أموالهم فى سبيله فى عشرات ~~الآيات من كتابه، ومن ذلك قوله - تعالى - # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة ~~مئة حبة والله يضاعف لمن يشآء والله واسع ~~عليم # أما الصفتان الثانية والثالثة ms0894 من صفات هؤلاء المتقين فهما قوله تعالى { ~~والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس }. أى سارعوا ~~أيها المؤمنون إلى العمل الصالح الذى يوصلكم إلى جنة عظيمة أعدها الله - ~~تعالى - لمن يبذلون أموالهم فى السراء والضراء، ولمن يمسكون غيظهم، ~~ويمتنعون عن إمضائه مع القدرة عليه، ولمن يغضون عمن أساء إليهم. فالمراد ~~بكظم الغيظ حبسه وإمساكه. يقال كظم فلان غيظه إذا حبسه ولم يظهره مع ~~قدرته على إيقاعه بمن أغضبه. ويقال كظم البعير جرته، إذا ردها وكف عن ~~الاجترار. وكظم القربة إذا ملأها وشد على فمها ما يمنع من خروج ما فيها. ~~وقد ساق ابن كثير جملة من الأحاديث التى وردت فى فضل كظم الغيظ والعفو عن ~~الناس ومن ذلك ما رواه الشيخان عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال # " ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذى يملك نفسه عند الغضب ". # وروى الإمام أحمد - بسنده - عن حارثة بن قدامة السعدى أنه سأل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال # " يا رسول الله قل لى قولا ينفعنى وأقلل على لعلى أعقله فقال له " لا ~~تغضب " فأعاد عليه حتى أعاد عليه مرارا كل ذلك يقول " لا تغضب ". # وعن أبى بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات فليعف عن من ظلمه ويعط من ~~حرمه، ويصل من قطعه ". # وكظم الغيظ والعفو عن الناس هاتان الصفتان إنما تكونان محمودتين عندما ~~تكون الإساءة متعلقة بذات الإنسان، أما إذا كانت الإساءة متعلقة ~~بالدين بأن انتهك إنسان حرمة من حرمات الله ففى هذه الحالة يجب الغضب من ~~أجل حرمات الله، ولا يصح العفو عمن انتهك هذه الحرمة. # فلقد وصفت السيدة عائشة النبى صلى الله عليه وسلم بأنه كان لا يغضب ~~لنفسه فإذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شىء. وقوله { والله ~~يحب المحسنين } تذييل مقرر لمضمون ما قبله. والإحسان معناه ~~الإتقان والإجادة. وأل فى المحسنين إما للجنس أى والله - تعالى - يحب ~~كل محسن فى قوله وعمله، ويكون ms0895 هؤلاء الذين ذكر الله صفاتهم داخلين دخولا ~~أوليا. وإما أن تكون للعهد فيكون المعنى والله - تعالى - يحب هؤلاء ~~المحسنين الذين من صفاتهم أنهم ينفقون أموالهم فى كل حال من أحوالهم، ~~ويكظمون غيظهم، ويعفون عمن ظلمهم. أما الصفة الرابعة من صفات هؤلاء ~~المتقين فقد ذكرها - سبحانه - فى قوله { والذين إذا فعلوا ~~فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله ~~فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا ~~الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون }. ~~والفاحشة من الفحش وهو مجاوزة الحد فى السوء. والمراد بها الفعلة البالغة ~~فى القبح كالزنا والسرقة وما يشبههما من الكبائر. والمعنى سارعوا أيها ~~المؤمنون إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدها خالقكم - عز وجل - للمتقين ~~الذين من صفاتهم أنهم ينفقون أموالهم فى السراء والضراء، ويكظمون غيظهم، ~~ويعفون عن الناس، وأنهم إذا فعلوا فعلة فاحشة متناهية فى القبح، أو ظلموا ~~أنفسهم، بارتكاب أى نوع من أنواع الذنوب " ذكروا الله " أى تذكروا حقه ~~العظيم، وعذابه الشديد، وحسابه العسير للظالمين يوم القيامة " فاستغفروا ~~لذنوبهم " أى طلبوا منه - سبحانه - المغفرة لذنوبهم التى ارتكبوها، ~~وتابوا إليه توبة صادقة نصوحا. وعلى هذا يكون قوله - تعالى - { ~~والذين إذا فعلوا } معطوفا على الصفة الأولى من صفات المتقين، ~~ويكون قوله - تعالى - { والله يحب المحسنين } جملة معترضة ~~بين الصفات المتعاطفة. قال الفخر الرازى واعلم أن وجه النظم من وجهين ~~الأول أنه - تعالى - لما وصف الجنة بأنها معدة للمتقين بين أن المتقين ~~قسمان أحدهما الذين أقبلوا على الطاعات والعبادات، وهم الذين وصفهم ~~بالانفاق فى السراء والضراء، وكظم الغيظ والعفو عن الناس. وثانيهما الذين ~~أذنبوا ثم تابوا وهو المراد بقوله - تعالى - { والذين إذا ~~فعلوا فاحشة } وبين - سبحانه - أن هذه الفرقة كالفرقة الأولى فى ~~كونها متقية. والوجه الثانى أنه فى الآية الأولى ندب إلى الإحسان إلى ~~الغير، وندب فى هذه الآية إلى الإحسان إلى النفس، فإن المذنب إذا تاب ~~كانت توبته إحسانا منه إلى نفسه ". وقوله { أو ظلموا أنفسهم ~~} معطوف على { فعلوا فاحشة } من باب عطف العام على الخاص، وهذا ~~على تفسير الفاحشة بأنها ms0896 كبائر الذنوب، أما ظلم النفس فيتناول كل ذنب ~~سواء أكان صغيرا أم كبيرا. # وبعضهم يرى أن الفاحشة وظلم النفس وجهان للمعصية لا ينفصلان عنها، بمعنى ~~أن كل معصية لا تخلو منهما فهى فاحشة وظلم للنفس، وعلى هذا تكون " أو " ~~بمعنى الواو. ويكون المعنى ومن يرتكب فاحشة ويظلم نفسه، ويتذكر الله عند ~~ارتكابها فيعود إليه تائبا منيبا يكون من المتقين. وفى التعبير بقوله { ~~إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا ~~الله } بصيغة الشرط الجواب، إشعار بوجوب اقتران الجواب بالشرط. أى أن ~~الشخص الذى يدخل فى جملة المتقين هو الذى يعود إلى ربه تائبا فور وقوع ~~المعصية، بحيث لا يسوف ولا يؤخر التوبة حتى إذا حصره الموت. قال إنى تبت ~~الآن. وقوله { ومن يغفر الذنوب إلا الله } جملة معترضة ~~بين قوله { فاستغفروا } وبين قوله { ولم يصروا }. ~~والاستفهام فى قوله { ومن يغفر الذنوب إلا الله } ~~للإنكار والنفى. أى لا أحد يقبل توبة التائبين، ويغفر ذنوب المذنبين، ~~ويمسح خطايا المخطئين، إلا الله العلى الكبير " الذى يبسط يده بالليل ~~ليتوب مسىء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسىء الليل، ويتوب الله على ~~من تاب " - كما جاء فى الحديث الشريف - ولذا قال صاحب الكشاف عند تفسيره ~~لهذه الجملة ما ملخصه فى هذه الجملة وصف لذاته - تعالى - بسعة الرحمة، ~~وقرب المغفرة، وأن التائب من ذنبه كمن لا ذنب له، وأنه لا مفزع للمذنبين ~~إلا فضله وكرمه. وفيها تطييب لنفوس العباد، وتنشيط للتوبة، وبعث عليها، ~~وردع عن اليأس والقنوط، وأن الذنوب وإن جلت فإن عفوه أجل، وكرمه أعظم. ~~والمعنى أنه وحده عنده مصححات المغفرة، وهذه جملة معترضة بين المعطوف، ~~والمعطوف عليه ". وقوله { ولم يصروا على ما فعلوا وهم ~~يعلمون } بيان لشروط الاستغفار المقبول عند الله - تعالى -. أى أن ~~من صفات المتقين أنهم إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم، سارعوا بالتوبة ~~إلى الله - تعالى -، ولم يصروا على الفعل القبيح الذى فعلوه، وهم عالمون ~~بقبحه، بل يندمون على ما فعلوا، ويستغفرون الله - تعالى - مما فعلوا، ~~ويتوبون إليه توبة صادقة. وقوله { ولم ms0897 يصروا } معطوف على قوله { ~~فاستغفروا لذنوبهم }. وقوله { وهم يعلمون } جملة ~~حالية من فاعل " يصروا " أى ولم يصروا على ما فعلوا وهم عالمون بقبحه. ~~ومفعول يعلمون محذوف للعلم به أى يعلمون سوء فعلهم، أو يعلمون أن الله ~~يتوب على من تاب، أو يعلمون عظم غضب الله على المذنبين الذين يداومون على ~~فعل القبائح دون أن يتوبوا إليه. فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد فتحت ~~باب التوبة أمام المذنبين، وحرضتهم على ولوجه بعزيمة صادقة، وقلب سليم، ~~ولم تكتف بذلك بل بشرتهم بأنهم متى أقلعوا عن ذنوبهم، وندموا على ما ~~فعلوا، وعاهدوا الله على عدم العودة على ما ارتكبوه من خطايا، وردوا ~~المظالم إلى أهلها، فإن الله - تعالى - يغفر لهم ما فرط منهم، ويحشرهم فى ~~زمرة عباده المتقين. # إنه - سبحانه - لا يغلق فى وجه عبده الضعيف المخطىء باب التوبة، ولا ~~يلقيه حائرا منبوذا فى ظلام المتاهات، ولا يدعه مطرودا خائفا من المصير، ~~وإنما يطمعه فى مغفرته - سبحانه - ويرشده إلى أسبابها، ويغريه بمباشرة ~~هذه الأسباب حتى ينجو من العقاب. ولقد ساق - سبحانه - فى عشرات الآيات ما ~~يبشر التائبين الصادقين فى توبتهم بمغفرته ورحمته ورضوانه، ومن ذلك قوله ~~- تعالى - # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا ~~يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ~~يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له ~~العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من ~~تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل ~~الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما ~~ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا # وقد وردت أحاديث كثيرة فى هذا المعنى ومن ذلك ما رواه أبو داود والترمذى ~~عن أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما أصر من استغفر وإن عاد فى اليوم سبعين مرة ". # وقال القرطبى وأخرج الشيخان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال # " إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه ". # وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة قال ms0898 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " والذى نفسى بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون ~~ويستغفرون فيغفر لهم ". # ثم قال القرطبى " والذنوب التى يتاب منها إما كفر أو غيره فتوبة الكافر ~~إيمانه مع ندمه على ما سلف من كفره، وغير الكفر إما حق الله - تعالى - ~~وإما حق لغيره فحق الله - تعالى - يكفى فى التوبة منه الترك، غير أن منها ~~ما لم يكتف الشرع فيها بمجرد الترك، بل أضاف إلى ذلك فى بعضها قضاء ~~كالصلاة والصوم. ومنها ما أضاف إليها كفارة كالحنث فى الإيمان والظهار ~~وغير ذلك وأما حقوق الآدميين فلا بد من إيصالها إلى مستحقيها، فإن لم ~~يوجدوا تصدق عنهم، ومن لم يجد السبيل لخروج ما عليه لإعسار فعفو الله ~~مأمول، وفضله مبذول، فكم ضمن من التبعات، وبدل من السيئات بالحسنات ". ثم ~~بين - سبحانه - عاقبة من هذه صفاتهم فقال { أولئك جزآؤهم ~~مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين }. أى ~~أولئك الموصوفون بتلك الصفات السابقة من الإنفاق فى السراء والضراء، ~~وكظم الغيظ، والعفو عن الناس. # . إلخ { أولئك جزآؤهم مغفرة من ربهم } تستر ~~ذنوبهم، وتمسح خطاياهم. وفى الإشارة إليهم بأولئك الدالة على البعد، ~~إشعار بعلو منزلتهم فى الفضل، وسمو مكانتهم عند الله - تعالى -. وقوله { ~~وجنات تجري من تحتها الأنهار } معطوف على { مغفرة ~~} أى لهم بجانب هذه المغفرة جنات تجرى من تحت أشجارها وثمرها الأنهار. ~~وقوله { خالدين فيها } حال مقدرة من الضمير المجرور فى { ~~جزآؤهم } لأنه مفعول به فى المعنى، إذ هو بمعنى أولئك يجزيهم الله - ~~تعالى - جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها. فأنت ترى أن الله - ~~تعالى - قد وعد أصحاب هذه الصفات بأمور ثلاثة وعدهم بغفران ذنوبهم وهذا ~~منتهى الآمانى والآمال. ووعدهم بإدخالهم فى جناته التى يتوفر لهم فيها ما ~~تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. ووعدهم بالخلود فى تلك الجنات حتى يتم لهم ~~السرور والحبور. وقوله - تعالى - { ونعم أجر العاملين } ~~تذييل قصد به مدح ما أعد لهم من جزاء، حتى يرغب فى ms0899 تحصيله العقلاء. ~~والمخصوص بالمدح محذوف أى ونعم أجر العاملين هذا الجزاء الذى وعدهم الله ~~به مغفرة وجنات خالدين فيها. وبذلك نرى السورة الكريمة قبل أن تفصل ~~الحديث عن غزوة أحد، قد ذكرت المؤمنين بطرف مما حدث من بعضهم فيها، ~~وبالنتائج الطيبة التى حصلوا عليها من غزوة بدر، ثم أمرتهم بتقوى الله، ~~وبالمسارعة إلى الأعمال الصالحة التى توصلهم إلى رضاه. ثم أخذت السورة ~~الكريمة بعد ذلك تتحدث عن غزوة أحد وعن آثارها فى نفوس المؤمنين، فبدأت ~~بالإشارة إلى سنن الله فى المكذبين بآياته لتخفف عن المؤمنين مصابهم، ثم ~~أمرتهم بالصبر والثبات ونهتهم عن الوهن والجزع لأنهم هم الأعلون. وإن تكن ~~قد أصابتهم جراح فقد أصيب المشركون بأمثالها، ولله - تعالى - فيما حدث فى ~~غزوة أحد حكم، منها تمييز الخبيث من الطيب، وتمحيص القلوب واتخاذ ~~الشهداء، ومحق الكافرين. استمع إلى القرآن الكريم وهو يسوق تلك المعانى ~~بأسلوبه الذى يبعث الأمل فى قلوب المؤمنين. ويرشدهم إلى ما يقويهم ~~ويثبتهم، ويمسح بتوجيهاته دموعهم، ويخفف عنه آلامهم فيقول { قد خلت ~~من قبلكم... }. ### || [3.137-143] # قال الفخر الرازى ما ملخصه اعلم أن الله - تعالى - لما وعد على الطاعة ~~والتوبة من المعصية، الغفران والجنات، أتبعه بذكر ما يحملهم على فعل ~~الطاعة وعلى التوبة من المعصية. وهو تأمل أحوال القرون الخالية من ~~المطيعين والعاصين فقال { قد خلت من قبلكم سنن }. وأصل ~~الخلو فى اللغة الانفراد. والمكان الخالى هو المنفرد عمن يسكن فيه. ~~ويستعمل أيضا فى الزمان بمعنى المضى لأن ما مضى انفرد عن الوجود وخلا ~~عنه، وكذا الأمم الخالية. والسنن جمع سنة وهى الطريقة المستقيمة والمثال ~~المتبع. وفى اشتقاق هذه اللفظة وجوه منها أنها فعلة من سن الماء يسنه إذا ~~والى صبه. والسن الصب للماء. والعرب شبهت الطريقة المستقيمة بالماء ~~المصبوب، فإنه لتوالى أجزاء الماء فيه على نهج واحد يكون كالشىء الواحد ~~". والمراد بالسنن هنا وقائع فى الأمم المكذبة، أجراها الله - تعالى - ~~على حسب عادته، وهى الإهلاك والدمار بسبب كفرهم وظلمهم وفسوقهم عن أمره. ~~والمعنى إنه قد مضت وتقررت من ms0900 قبلكم - أيها المؤمنون - سنن ثابتة، ونظم ~~محكمة فيما قدره - سبحانه - من نصر وهزيمة، وعزة وذلة، وعقاب فى الدنيا ~~وثواب فيها، فالحق يصارع الباطل، وينتصر أحدهما على الآخر بما سنه - ~~سبحانه - من سنة فى النصر والهزيمة. وقد جرت سننه - سبحانه - فى خلقه أن ~~يجعل العاقبة للمؤمنين الصادقين، وأن يملى للكافرين ثم يأخذهم أخذ عزيز ~~مقتدر. فإن كنتم فى شك من ذلك - أيها المؤمنون - { فسيروا في ~~الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين }. أى ~~فسيروا فى الأرض متأملين متبصرين، فسترون الحال السيئة التى انتهى إليها ~~المكذبون من تخريب ديارهم، وبقايا آثارهم. قالوا وليس المراد بقوله { ~~فسيروا في الأرض فانظروا } الأمر بذلك لا محالة، بل المقصود ~~تعرف أحوالهم، فإن حصلت هذه المعرفة بغير المسير فى الأرض كان المقصود ~~حاصلا، ولا يمتنع أن يقال أيضا إن لمشاهدة آثار المتقدمين أثرا أقوى من ~~أثر السماع كما قال الشاعر # تلك آثارنا تدل علينا فانظروا بعدنا إلى الآثار # والتعبير بلفظ كيف الدال على الاستفهام، المقصود به تصوير حالة هؤلاء ~~المكذبين التى تدعو إلى العجب، وتثير الاستغراب، وتغرس الاعتبار والاتعاظ ~~فى قلوب المؤمنين لأن هؤلاء المكذبين. مكن الله لهم فى الأرض، ومنحهم ~~الكثير من نعمه. ولكنهم لم يشكروه عليها، فأهلكهم بسبب طغيانهم. فهذه ~~الآية وأشباهها من الآيات، تدعو الناس إلى الاعتبار بأحوال من سبقوهم. ~~وإلى الاتعاظ بأيام الله، وبالتاريخ وما فيه من أحداث، وبالآثار التى ~~تركها السابقون، فإنها أصدق من رواية الرواة ومن أخبار المخبرين. ثم قال ~~- تعالى - { هذا بيان للناس وهدى وموعظة ~~للمتقين }. # والبيان هو الدلالة التى تفيد إزالة الشبهة بعد أن كانت حاصلة. والهدى ~~هو الإرشاد إلى ما فيه خير الناس فى الحال والاستقبال. والمواعظة هى ~~الكلام الذى يفيد الزجر عما لا ينبغى من الأمور الدينية أو الدنيوية. ~~قالوا فالحاصل أن البيان جنس تحته نوعان أحدهما الكلام الهادى إلى ما ~~ينبغى فى الدين وهو الهدى. والثانى الكلام الزاجر عما لا ينبغى فى الدين ~~وهو الموعظة. فعطفهما على البيان من عطف الخاص على العام. واسم الإشارة ~~يعود إلى ms0901 ما تقدم هذه الآية الكريمة من أوامر ونواه، ومن وعد ووعيد، ومن ~~حض على السير فى الأرض للاعتبار والاتعاظ. أى هذا الذى ذكرناه لكم من وعد ~~ووعيد، ومن أوامر ونواه، ومن حض على الاعتبار بأحوال المكذبين، { بيان ~~للناس } يكشف لهم الحقائق ويرفع عنهم الالتباس { وهدى } يهديهم ~~إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم { وموعظة } أى تخويف نافع { ~~للمتقين } الذين يعتبرون بالمثلات، وينتفعون بالعظات. وقيل إن ~~اسم الإشارة يعود إلى القرآن. أى هذا القرآن بيان للناس وهدى وموعظة ~~للمتقين. وقد رجح ابن جرير الرأى الأول فقال وأولى القولين فى ذلك عندى ~~بالصواب قول من قال قوله { هذا } إشارة إلى ما تقدم هذه الآية من ~~تذكير الله - عز وجل - المؤمنين، وتعريفهم حدوده، وحضهم على لزوم طاعته، ~~والصبر على جهاد أعدائه، لأن قوله { هذا } إشارة إلى حاضر إما مرئى ~~وإما مسموع وهو فى هذا الموضع إلى حاضر مسموع من الآيات المتقدمة، فمعنى ~~الكلام هذا الذى أوضحت لكم وعرفتكموه بيان للناس ". والمراد بالناس ~~جميعهم، إذ أن ما ساقه الله - تعالى - من دلالات وهدايات وعظات هى للناس ~~كافة، إلا أن الذين ينتفعون بها هم المتقون، لأنهم هم الذين أخلصوا ~~قلوبهم لله، وهم الذين طلبوا الحق وسلكوا طريقه... والكلمة الهادية لا ~~يستفيد بها إلا القلب المؤمن المفتوح للهدى، والعظة البالغة لا ينتفع بها ~~إلا القلب الخاشع المنيب، والناس فى كل زمان ومكان لا ينقصهم - فى الغالب ~~- العلم بالحق وبالباطل، وبالهدى والضلال... وإنما الذى ينقصهم هو القلب ~~السليم الذى يسارع إلى الحق فيعتنقه ويدافع عنه بإخلاص وإصرار، ولذا ~~وجدنا القرآن فى هذه الآية - وفى عشرات الآيات غيرها - يصرح بأن ~~المنتفعين بالتذكير هم المتقون فيقول { هذا بيان للناس ~~وهدى وموعظة للمتقين }. وبعد هذا البيان الحكيم، يتجه ~~القرآن إلى المؤمنين بالتثبيت والتعزية فينهاهم عن أسباب الفشل والضعف، ~~ويأمرهم بالصمود وقوة اليقين. ويبشرهم بأنهم هم الأعلون فيقول { ولا ~~تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم ~~مؤمنين }. وقوله { تهنوا } من الوهن - بسكون الهاء وفتحها - وهو ~~الضعف. وأصله ضعف الذات كما فى قوله - تعالى ms0902 - حكاية عن زكريا # قال رب إني وهن العظم مني # أى ضعف جسمى. # وهو هنا مجاز عن خور العزيمة، وضعف الإرادة، وانقلاب الرجاء يأسا ~~والشجاعة جبنا، واليقين شكا، ولذلك نهوا عنه. وقوله { تحزنوا } من ~~الحزن وهو ألم نفسى يصيب الإنسان عند فقد ما يحب أو عدم إدراكه، أو عند ~~نزول أمر يجعل النفس فى هم وقلق. والمقصود من النهى عن الوهن والحزن، ~~النهى عن سببهما وعن الاسترسال فى الألم مما أصابهم فى غزوة أحد. والمعنى ~~لا تسترسلوا - أيها المؤمنون - فى الهم والألم مما أصابكم فى يوم أحد، ~~ولا تضعفوا عن جهاد أعدائكم فإن الضعف ليس من صفات المؤمنين، ولا تحزنوا ~~على من قتل منكم فإن هؤلاء القتلى من الشهداء الذين لهم منزلتهم السامية ~~عند الله. وقوله { وأنتم الأعلون } جملة حالية من ضمير الجماعة ~~فى ولا تهنوا ولا تحزنوا والمقصود بها بشارتهم وتسليتهم وإدخال الطمأنينة ~~على قلوبهم. أى لا تضعفوا ولا تحزنوا والحال أنكم أنتم الأعلون الغالبون ~~دون عدوكم فأنتم قد أصبتم منهم فى غزوة بدر أكثر مما أصابوا منكم فى غزوة ~~أحد. وأنتم تقاتلون من أجل إعلاء كلمة الله وهم يقاتلون فى سبيل الطاغوت. ~~وأنتم سيكون لكم النصر عليهم فى النهاية، لأن الله - تعالى - قد وعدكم ~~بذلك فهو القائل # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد # وقوله { إن كنتم مؤمنين } جملة شرطية، وجواب الشرط محذوف دل ~~عليه ما قبله. أى إن كنتم مؤمنين حقا فلا تهنوا ولا تحزنوا بل اعتبروا ~~بمن سبقكم ولا تعودوا لما وقعتم فيه من أخطاء فإن الإيمان يوجب قوة ~~القلب، وصدق العزيمة، والصمود فى وجه الأعداء، والإصرار على قتالهم حتى ~~تكون كلمة الله هى العليا. والتعليق بالشرط فى قوله { إن كنتم ~~مؤمنين } المراد منه التهييج لنفوسهم حتى يكون تمسكها بالإيمان ~~أشد وأقوى، إذ قد علم الله - تعالى - أنهم مؤمنون، ولكنهم لما لاح عليهم ~~الوهن والحزن بسبب ما أصابهم فى أحد صاروا بمنزلة من ضعف يقينه، فقيل لهم ~~إن كنتم مؤمنين حقا فاتركوا الوهن ms0903 والحزن وجدوا فى قتال أعدائكم، فإن سنة ~~الله فى خلقه اقتضت أن تصيبوا من أعدائكم وأن تصابوا منهم إلا أن العاقبة ~~ستكون لكم. فالآية الكريمة تحريض للمؤمنين على الجهاد والصبر، وتشجيع على ~~القتال وتسلية لهم عما أصابهم، وبشارة بأن النصر فى النهاية سيكون ~~حليفهم. ثم أضاف - سبحانه - إلى ذلك تسلية جديدة لهم، فأخبرهم بأن ما ~~أصابهم من جراح وآلام قد أصيب أعداؤهم بمثله فقال - تعالى - { إن ~~يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله }. فقال ~~الفخر الرازى واعلم أن هذا من تمام قوله - تعالى - { ولا تهنوا ~~ولا تحزنوا وأنتم الأعلون } فبين - تعالى - أن الذين ~~يصيبهم من القرح لا يصح أن يزيل جدهم واجتهادهم فى جهاد العدو، وذلك لأنه ~~كما أصابهم ذلك فقد أصاب عدوهم مثله قبل ذلك، فإذا كانوا مع باطلهم وسوء ~~عاقبتهم لم يفتروا لأجل ذلك فى الحرب، فبأن لا يلحقكم الفتور مع حسن ~~العاقبة والتمسك بالحق أولى. # والمراد بالمس هنا الإصابة بالجراح ونحوها. والقرح - بفتح القاف - ~~الجرح الذى يصيب الإنسان، والقرح - بضم القاف - الألم الذى يترتب على ~~ذلك وقيل هما لغتان بمعنى واحد وهو الجرح وأثره. والمعنى إن تكونوا - ~~أيها المؤمنون - قد أصابتكم الجراح من المشركين فى غزوة أحد، فأنتم قد ~~أنزلتم بهم من الجراح فى غزوة بدر مثل ما أنزلوا بكم فى أحد، ومع ذلك ~~فإنهم بعد بدر قد عادوا لقتالكم، فأنتم أولى بسبب إيمانكم ويقينكم ألا ~~تهنوا وألا تحزنوا لما أصابكم فى أحد وأن تعقدوا العزم على منازلتهم حتى ~~يظهر أمر الله وهم كارهون. وقيل إن المعنى إن تصبكم الجراح فى أحد فقد ~~أصيب القوم بجراح مثلها فى هذه المعركة ذاتها. وقد ذكر صاحب الكشاف هذين ~~المعنيين فقال والمعنى إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله يوم ~~بدر، ثم لم يضعف ذلك قلوبهم، ولم يثبطهم عن معاودتكم بالقتال فأنتم أولى ~~أن لا تضعفوا. ونحوه # ولا تهنوا في ابتغآء القوم إن تكونوا تألمون ~~فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما ~~لا يرجون # وقيل كان ذلك ms0904 يوم أحد، فقد نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. فإن قلت كيف قيل " قرح مثله " وما كان قرحهم يوم أحد مثل ~~قرح المشركين؟ قلت بلى كان مثله. ولقد قتل يومئذ خلق من الكفار. ألا ترى ~~إلى قوله - تعالى - # ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه ~~حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم ~~من بعد مآ أراكم ما تحبون # ويبدو لنا أن الظاهر هو الرأى الأول، وهو أن الكلام عن غزوتى بدر وأحد، ~~لأن الله - تعالى - قد ساق هذه الآية الكريمة لتسلية المؤمنين بأن ما ~~أصابهم فى أحد من المشركين قد أصيب المشركون بمثله على أيدى المؤمنين فى ~~غزوة بدر، فلماذا يحزنون أو يضعفون؟ ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك { ~~وتلك الأيام نداولها بين الناس } ، يؤيد هذا المعنى - ~~كما سنبينه بعد قليل -. وجواب الشرط فى قوله { إن يمسسكم قرح ~~}... إلخ. محذوف. والتقدير إن يمسسكم قرح فاصبروا عليه واعقدوا عزمكم على ~~قتال أعدائكم، فقد مسهم قرح مثله قبل ذلك. وعبر عما أصاب المسلمين فى أحد ~~بصيغة المضارع { يمسسكم } لقربه من زمن الحال، وعما أصاب المشركون ~~بصيغة الماضى لبعده لأن ما أصابهم كان فى غزوة بدر. وقوله { وتلك ~~الأيام نداولها بين الناس } بيان لسنة الله الجارية فى ~~كونه، وتسلية للمؤمنين عما أصابهم فى أحد. # وقوله { نداولها } من المداولة، وهى نقل الشىء من واحد إلى آخر. ~~يقال هذا الشىء تداولته الأيدى، أى انتقل من واحد إلى آخر. والمعنى لا ~~تجزعوا أيها المؤمنون لما أصابكم من الجراح فى أحد على أيدى المشركين فهم ~~قد أصيبوا منكم بمثل ذلك فى غزوة بدر، وإن أيام الدنيا هى دول بين الناس، ~~لا يدوم سرورها ولا غمها لأحد منهم، فمن سره زمن ساءته أزمان، ومن أمثال ~~العرب. الحرب سجال والأيام دول فهى تارة لهؤلاء وتارة لأولئك، كما قال ~~الشاعر # فلا وأبى الناس لا يعلمون فلا الخير خير ولا الشر شر فيوم علينا، ويوم ~~لنا ويوم نساء ويوم نسر # واسم الإشارة { تلك } مشاربه إلى ما ms0905 بعده، كما فى الضمائر المبهمة ~~التى يفسرها ما بعدها، ومثل هذا التركيب يفيد التفخيم والتعظيم. والمراد ~~بالأيام الأوقات والأزمان المختلفة لا الأيام العرفية التى يتكون الواحد ~~منها من مدة معينة. وقد فسر صاحب الكشاف مداولة الأيام بتبادل النصر، ~~فقال وقوله { وتلك الأيام } ، تلك مبتدأ، والأيام صفته { ~~نداولها } خبره. ويجوز أن يكون { وتلك الأيام } مبتدأ ~~وخبرا، كما تقول هى الأيام تبلى كل جديد. والمراد بالأيام أوقات الظفر ~~والغلبة. ونداولها نصرفها بين الناس، نديل تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء ". ~~وقد تكلم الإمام الرازى عن الحكمة فى مداولة الأيام بين الناس فقال ما ~~ملخصه واعلم أنه ليس المراد من هذه المداولة أن الله - تعالى - ينصر ~~المؤمنين وأخرى ينصر الكافرين، وذلك لأن نصرة الله منصب شريف، وإعزاز ~~عظيم فلا يليق بالكافر، بل المراد من هذه المداولة أنه تارة يشدد المحنة ~~على الكفار وأخرى على المؤمنين والفائدة فيه من وجوه الأول إنه - سبحانه ~~- لو شدد المحنة على الكفار فى جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين فى جميع ~~الأوقات. لحصل العلم الاضطرارى بأن الإيمان حق وما سواه باطل، ولو كان ~~كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب، فلهذا المعنى تارة يسلط الله المحنة ~~على أهل الإيمان وأخرى على أهل الكفر لتكون الشبهات باقية، والمكلف ~~يدفعها بواسطة النظر فى الدلائل الدالة على صحة الإسلام فيعظم ثوابه عند ~~الله. والثانى أن المؤمن قد يقدم على بعض المعاصى، فيكون تشديد المحنة ~~عليه فى الدنيا أدبا، وأما تشديد المحنة على الكافر فإنه يكون غضبا من ~~الله عليه ". ووجه آخر وهو شحذ عزائم المؤمنين فى اتخاذ وسائل النصر فلا ~~يركنوا إلى إيمانهم ويتركوا العمل بالأسباب. ثم كشفت السورة الكريمة عن ~~جوانب من حكمة الله فيما وقع من أحداث فى غزوة أحد، وفيما وراء مداولة ~~الأيام بين الناس فقال - تعالى - { وليعلم الله الذين ~~آمنوا ويتخذ منكم شهدآء }. أى فعلنا ما فعلنا فى أحد، ~~واقتضت حكمتنا أن نداول الأيام بينكم وبين عدوكم، ليظهر أمركم - أيها ~~المؤمنون -، وليتميز قوى الإيمان من ضعيفه. # فمعنى علم الله هو تحقق ما ms0906 قدره فى الأزل فيعلمه الناس، ويعلمه الله - ~~تعالى - واقعا حاضرا، وذلك لأن العلم الغيبى لا يترتب عليه ثواب ولا ~~عقاب، وإنما يترتبان على المعلوم إذا صار مشاهدا واقعا فى الحس. قال ~~صاحب الكشاف وقوله { وليعلم الله الذين آمنوا } فيه ~~وجهان أحدهما أن يكون المعلل محذوفا والمعنى وليتميز الثابتون على ~~الإيمان منكم من الذين على حرف فعلنا ذلك. وهو من باب التمثيل. بمعنى ~~فعلنا ذلك فعل من يريد أن يعلم من الثابت على الإيمان منكم من غير ~~الثابت، وإلا فالله - عز وجل - لم يزل عالما بالأشياء قبل كونها. والثانى ~~أنه تكون العلة محذوفة، وهذا عطف عليه والمعنى وفعلنا ذلك ليكون كيت ~~وليعلم الله. وإنما حذف للإيذان بأن المصلحة فيما فعل ليست بواحدة، ~~ليسليهم عما جرى عليهم، وليبصرهم بأن العبد يسوؤه ما يجرى عليه من ~~المصائب، ولا يشعر أن لله فى ذلك من المصالح ما هو غافل عنه ". وقوله { ~~ويتخذ منكم شهدآء } بيان لحكمة أخرى لما أصاب المسلمين يوم ~~أحد. أى وليكرم ناسا منكم بالشهادة ليكونوا مثالا لغيرهم فى التضحية ~~بالنفس من أجل إعلاء كلمة الله، والدفاع عن الحق. وهو - سبحانه - يحب ~~الشهداء من عباده، ويرفعهم إلى أعلا الدرجات، وأسمى المنازل. قال القرطبى ~~ما ملخصه قوله - تعالى - { ويتخذ منكم شهدآء } أي يكرمكم ~~بالشهادة، أى ليقتل قوم منكم فيكونوا شهداء على الناس بأعمالهم. وقيل ~~لهذا قيل شهيد. وقيل سمى شهيدا لأنه مشهود له بالجنة. وقيل سمى شهيدا، ~~لأن أرواحهم احتضرت دار السلام لأنهم أحياء عند ربهم، فالشهيد بمعنى ~~الشاهد أى الحاضر للجنة. والشهادة فضلها عظيم ويكفيك فى فضلها قوله - ~~تعالى - # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة # الآية. وفى الحديث الشريف # " أن رجلا قال يا رسول الله، ما بال المؤمنين يفتنون فى قبورهم إلا ~~الشهيد؟ فقال صلى الله عليه وسلم " كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة ". # وقوله - تعالى - { والله لا يحب الظالمين } جملة معترضة ~~لتقدير مضمون ما قبلها. أى والله - تعالى - لا يحب الذين ظلموا أنفسهم ~~بسبب كفرهم ونفاقهم وتخاذلهم ms0907 عن نصرة الحق، وإنما يحب المؤمنين الثابتين ~~على الحق، المجاهدين بأنفسهم وأموالهم فى سبيل إعلاء دين الله، ونصرة ~~شريعته. ثم ذكر - سبحانه - حكمتين أخريين لما جرى للمؤمنين فى غزوة أحد ~~فقال { وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق ~~الكافرين }. وقوله { وليمحص } من المحص بمعنى التنقية ~~والتخليص. يقال محصت الذهب بالنار ومحصته إذا أزلت عنه ما يشوبه من خبث. # أو من التمحيص بمعنى الابتلاء والاختبار. وقوله { ويمحق } من المحق ~~وهو محو الشىء والذهاب به، وأصله نقص الشىء قليلا قليلا حتى يفنى. يقال ~~محق فلان هذا الطعام إذا نقصه حتى أفناه ومنه المحاق، لأخر الشهر، لأن ~~الهلال يبلغ أقصى مدى النقصان فيختفى. والمعنى ولقد فعل - سبحانه - ما ~~فعل فى غزوة أحد، لكى يطهر المؤمنين ويصفيهم من الذنوب، ويخلصهم من ~~المنافقين المندسين بينهم، ولكى يهلك الكافرين ويمحقهم بسبب بغيهم ~~وبطرهم. فأنت ترى أن الله - تعالى - قد ذكر اربع حكم لما حدث للمؤمنين فى ~~غزوة أحد وهى تحقق علم الله - تعالى - وإظهاره للمؤمنين، وإكرام بعضهم ~~بالشهادة التى توصل صاحبها إلى أعلى الدرجات، وتطهير المؤمنين وتخليصهم ~~من ذنوبهم ومن المنافقين، ومحق الكافرين واستئصالهم رويدا رويدا. ثم بين ~~- سبحانه - أن طريق الجنة محفوف بالمكاره، وأن الوصول إلى رضا الله - ~~تعالى - يحتاج إلى جهاد عظيم، وصبر طويل فقال - تعالى - { أم ~~حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله ~~الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين } و { أم } هنا ~~يرى كثير من العلماء أنها منقطعة، بمعنى بل الانتقالية، لأن الكلام ~~انتقال من تسليتهم إلى معاتبتهم على ما حدث منهم فى غزوة أحد من مخالفة ~~بعضهم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرارهم عنه فى ساعة الشدة. ~~والهمزة المقدرة معها للإنكار والاستبعاد. وقوله { أم حسبتم } ~~معطوف على جملة { ولا تهنوا } وذلك أنهم لما مسهم القرح فحزنوا ~~واعتراهم شىء من الضعف، بين الله لهم أنه لا وجه لهذا الضعف أو الحزن ~~لأنهم هم الأعلون، والأيام دول، وما أصابهم فقد سبق أن أصيب بمثله ~~أعداؤهم، ثم بين لهم هنا أن دخول الجنة لا يحصل لهم ms0908 إذا لم يبذلوا مهجهم ~~وأرواحهم فى سبيل الله، فإذا ظنوا غير ذلك فقد أخطأوا. والمعنى بل أحسبتم ~~أن تدخلوا الجنة، وتنالوا كرامة ربكم، وشرف المنازل عنده مع أنكم لم ~~تجاهدوا فى سبيل الله جهاد الصابرين على شدائده ومتاعبه ومطالبه، إن كنتم ~~تحسبون هذا الحسبان فهو ظن باطل يجب عليكم الإقلاع عنه. ويحتمل أن تكون ~~{ أم } هنا للمعادلة بمعنى أنها متصلة لا منقطعة " ويكون المعنى عليه ~~أعلمتم أن لله - تعالى - سننا فى النصر والهزيمة، وأن الأيام دول. وأن ~~الوصول إلى السنة يحتاج إلى إيمان وجهاد وصبر، أم حسبتم وظننتم أنكم ~~تدخلون الجنة من غير مجاهدة واستشهاد؟. وقوله { ولما يعلم ~~الله الذين جاهدوا منكم } معناه ولم تجاهدوا جهاد الصابرين ~~فيعلم الله ذلك منكم. قال صاحب الكشاف وقوله { ولما يعلم الله ~~الذين جاهدوا منكم } بمعنى ولما تجاهدوا. لأن العلم متعلق ~~بالمعلوم، فنزل نفى العلم منزلة نفى متعلقه، لأنه منتف بانتفائه. # يقول الرجل ما علم الله من فلان خيرا، يريد ما فيه خير حتى يعلمه، و " ~~لما " بمعنى و { لم } إلا أن فيها ضربا من التوقع، فدل على نفى الجهاد ~~فيما مضى، وعلى توقعه فيما يستقبل. وتقول وعدنى أن يفعل كذا ولما يفعل، ~~تريد وأنا أتوقع فعله ". وجملة { ولما يعلم الله الذين ~~جاهدوا منكم } حالية من ضمير { تدخلوا } مؤكدة للإنكار، فإن ~~رجاء الأجر من غير علم مستبعد عند ذوى العقول السليمة، ولذا قال بعضهم # ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجرى على اليبس # وقال بعض الحكماء " طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب، وانتظار ~~الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور. وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وجهالة ~~". وقوله { ويعلم الصابرين } أى ويتميز الصابرون فى جهادهم عن ~~غيرهم فالآية الكريمة تشير إلى أن الشدائد من شأنها أن تميز المجاهدين ~~الصادقين فى جهادهم، الثابتين فى البأساء والضراء من غيرهم، وأن تميز ~~الصابرين الذين يتحملون مشاق القتال وتبعاته بقلب راسخ، ونفس مطمئنة من ~~الذين يجاهدون ولكنهم تطيش أحلامهم عند الشدائد والأهوال. فالجهاد فى ~~سبيل ms0909 الله يستلزم الصبر، لأن الصبر هو عدة المجاهد وأساس نجاحه، ولقد سئل ~~بعضهم عن الشجاعة فقال الشجاعة صبر ساعة. وقال بعض الشعراء يعتذر عن ~~انتصار أعدائهم عليهم. # سقيناهم كأسا سقونا بمثلها ولكنهم كانوا على الموت أصبرا # ولقد كان عدم صبر الرماة فى غزوة أحد، ومسارعتهم إلى جمع الغنائم، من ~~أهم الأسباب التى أدت إلى هزيمة المسلمين فى تلك المعركة. والآية الكريمة ~~كذلك تشير إلى أن الطريق إلى الجنة ليس سهلا يسلكه كل إنسان وإنما هو ~~طريق محفوف بالمكاره والشدائد. ولا يصل إلى غايته إلا الذين جاهدوا ~~وصبروا وصابروا، ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات ". # ثم ذكرهم - سبحانه - بما كان منهم من تمنى الشهادة فى سبيله فقال { ~~ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه ~~فقد رأيتموه وأنتم تنظرون }. قال ابن جرير ما ملخصه ~~كان قوم من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم ممن لم يشهد بدرا، يتمنون ~~قبل يوم أحد يوما مثل يوم بدر، فيعطون الله من أنفسهم خيرا، وينالون من ~~الأجر مثل ما نال أهل بدر، فلما كان يوم أحد، فر بعضهم وصبر بعضهم، حتى ~~أوفى بما كان عاهد الله عليه قبل ذلك، فعاتب الله من فر منهم بقوله { ~~ولقد كنتم تمنون الموت }... الآية. وعن الحسن قال ~~بلغنى أن رجالا من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون لئن ~~لقينا مع النبى صلى الله عليه وسلم المشركين لنفعلن ولنفعلن، فابتلوا ~~بذلك - فى أحد -، فلا والله ما كلهم صدق، فأنزل الله - تعالى - { ~~ولقد كنتم }. # ... الآية. والخطاب فى الآية الكريمة للمؤمنين الذين لم يفوزوا بالشهادة ~~فى غزوة أحد، وهو خطاب يجمع بين الموعظة والملام. والمراد بالموت هنا ~~الشهادة فى سبيل الله، أو الحرب والقتال لأنهما يؤديان إلى الموت. ~~والمعنى ولقد كنتم - يا معشر المؤمنين - { تمنون الموت } ، أى ~~الحرب أو الشهادة فى سبيل الله { من قبل أن تلقوه } أى تشاهدوه ~~وتعرفوا أهواله { فقد رأيتموه } أى فقد رأيتم ما تتمنونه من ~~الموت بمشاهدة أسبابه ms0910 وهى الحرب وما يترتب عليها من جراح وآلام وقتال { ~~وأنتم تنظرون } أى رأيتموه معاينين مشاهدين له حين قتل بين ~~أيديكم من قتل من إخوانكم وأقاربكم وشارفتم أنتم أيها الأحياء أن تقتلوا. ~~{ من قبل أن تلقوه } متعلق بقوله { تمنون } مبين لسبب ~~إقدامهم على التمنى. أى من قبل أن تشاهدوه وتعرفوا مصاعبه. ففى الجملة ~~الكريمة تعريض بأنهم تمنوا أمرا دون أن يقدروا شدته عليهم، ودون أن ~~يوطنوا أنفسهم على تحمل مشقاته وتبعاته. والفاء فى قوله { فقد ~~رأيتموه } للإفصاح عن شرط مقدر دل عليه صدر الكلام. والتقدير إذا ~~كنتم قد تمنيتم الموت فقد وقع ما تمنيتموه ورأيتموه رأى العين، فأين ~~بلاؤكم وصبركم وثباتكم؟. وقوله { وأنتم تنظرون } جملة حالية من ~~ضمير المخاطبين مؤكدة لمعنى رأيتموه. أى رأيتموه معاينين له، وهذا على حد ~~قولك رأيته وليس فى عينى علة، أى رأيته رؤية حقيقة لا خفاء ولا التباس. ~~والتعبير بالمضارع { تنظرون } يفيد التصوير. وإحضار الصورة الواقعة ~~فى الماضى كأنها واقعة فى الحاضر، فيستحضرها العقل كما وقعت، وكما ظهرت ~~فى الوجود. والنظر الذى قرره الله - تعالى - بقوله { وأنتم ~~تنظرون } يتضمن النظر إلى الموقعة كلها، وكيف كان النصر فى أول الأمر ~~للمسلمين، ثم كيف كانت الهزيمة بعد ذلك بسبب تطلع بعضهم إلى أعراض ~~الدنيا. ثم كيف تفرقت صفوفهم بعد اجتماعها وكيف تضعضعت بعض العزائم بعد ~~مضائها وقوتها. ولقد حكت الآية الكريمة أن المسلمين كانوا يتمنون الموت ~~فى معركة، وليس فى ذلك من بأس، بل إن هذا هو شعار المؤمن الصادق، لأن ~~المؤمن الصادق هو الذى يتمنى الشهادة فى سبيل الله ومن أجل نصرة دينه، ~~ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لوددت أنى اقتل فى سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل ". # وقال عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - " اللهم إنى أسألك شهادة فى سبيلك ~~". ولكن الذى يكرهه الإسلام هو أن يتمنى المسلم الشهادة ثم لا يفى بما ~~تمناه، بمعنى أن يفر من الميدان أو يفعل ما من شأنه أن يتنافى مع الجهاد ~~الحق ms0911 فى سبيل الله. ولذا قال الآلوسى " والمقصود من هذا الكلام عتاب ~~المنهزمين على تمنيهم الشهادة، وهم لم يثبتوا حتى يستشهدوا، أو على ~~تمنيهم الحرب وتسببهم لها ثم جبنهم وانهزامهم لا على تمنى الشهادة نفسها ~~لأن ذلك مما لا عتاب عليه كما وهم ". # فالآية الكريمة تعظ المؤمنين بأن لا يتمنوا أمرا حتى يفكروا فى عواقبه، ~~ويعدوا أنفسهم له، ويلتزموا الوفاء بما تمنوه عند تحققه، ولقد رسم النبى ~~صلى الله عليه وسلم الطريق القويم الذى يجب أن يسلكه المسلم فى حياته ~~فقال فى حديثه الصحيح # " أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية. فإذا لقيتموهم ~~فاصبروا. واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ". # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد أمرت المؤمنين بأن يعتبروا بأحوال ~~من سبقهم، وأن يتجنبوا ما كان عليه المكذبون من ضلال وعصيان وأن يوطنوا ~~أنفسهم على تحمل المصائب والآلام فإن العاقبة لهم، وأن يعلموا أن الحياة ~~لا تخلو من نصر وهزيمة، وسراء وضراء حتى يتميز الخبيث من الطيب، وأن ~~يعرفوا أن الطريق إلى الجنة يحتاج إلى إيمان عميق، وصبر طويل، وجهاد ~~شديد، واستجابة كاملة لتعاليم الإسلام وآدابه. ثم تمضى السورة الكريمة ~~فى حديثها عن غزوة أحد، فتذكر المؤمنين بما كان منهم عندما أشيع بأن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد قتل، وترشدهم إلى أن الآجال بيد الله، وأن ~~المؤمنين الصادقين قاتلوا مع أنبيائهم فى سبيل إعلاء كلمة الله بدون ضعف ~~أو ملل فعليهم أن يتأسوا بهم فى ذلك، وأن الله - تعالى - قد تكفل بان ~~يمنح المؤمنين الصادقين المجاهدين فى سبيله أجرهم الجزيل فى الدنيا ~~والآخرة. استمع إلى القرآن الكريم وهو يسوق هذه المعانى بأسلوبه البليغ ~~الحكيم فيقول { وما محمد... }. ### || [3.144-148] # قال ابن كثير لما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد، وقتل من قتل ~~منهم، نادى الشيطان ألا إن محمدا قد قتل، ورجع ابن قميئة إلى المشركين ~~فقال لهم قتلت محمدا. وإنما قد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فشجه ~~فى رأسه. فوقع ذلك فى قلوب ms0912 كثير من الناس، واعتقدوا أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد قتل، فحصل ضعف ووهن وتأخر - بين المسلمين - عن القتال. ~~ففى ذلك أنزل الله تعالى - { وما محمد إلا رسول قد خلت ~~من قبله الرسل } الآية. وقوله - تعالى - { وما محمد ~~إلا رسول قد خلت من قبله الرسل } تقرير لحقيقة ~~ثابتة، ولأمر مؤكد، وهو أن محمدا صلى الله عليه وسلم واحد من البشر، ~~وأنه سيموت كما يموت جميع البشر، وأنه ليس له صفة تميزه عن سائر البشر ~~سوى الرسالة التى وهبها الله - تعالى - له، ومنحه إياها، وأن هذه الرسالة ~~لا تقتضى بقاءه أو خلوده، إذ الرسل الذين سبقوه قد أدوا رسالتهم فى ~~الحياة كما أمرهم خالقهم ثم ماتوا أو قتلوا. وما دام الأمر كذلك فمحمد ~~صلى الله عليه وسلم سيموت وينتقل إلى الرفيق الأعلى كما مات الذين سبقوه ~~من الأنبياء، وكما سيموت جميع البشر. والقصر فى قوله - تعالى - { وما ~~محمد إلا رسول } من باب قصر الموصوف على الصفة، أى قصر محمد ~~صلى الله عليه وسلم على وصف الرسالة قصرا إضافيا. وفى هذا القصر رد على ~~ما صدر من بعض المسلمين من اضطراب وضعف حين أرجف المنافقون فى غزوة أحد ~~بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قتل. فكأنه - تعالى - يقول لهم إن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم رسول من الرسل الذين أرسلهم الله لإخراج ~~الناس من الظلمات إلى النور، وسيكون مصيره إلى الموت إن عاجلا أو آجلا ~~كما هو شأن سائر البشر الذين اصطفى الله - تعالى - منهم رسله، إلا أن ~~رسالته التى جاء بها من عند الله لن تموت من بعده، بل ستستمر إلى أن يرث ~~الله الأرض ومن عليها، ولا يصح أن يضعف أتباعه فى عقيدتهم أو فى تبليغ ~~رسالته من بعده، بل عليهم أن يستمسكوا بما جاءهم به، وأن يدافعوا عنه ~~بأنفسهم وأموالهم. ولذا فقد وبخ الله - تعالى - بعض المسلمين الذين صدر ~~منهم اضطراب أو ضعف عندما أشاع ضعاف النفوس بأن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم قد قتل فى ms0913 غزوة أحد فقال - تعالى - { أفإن مات أو قتل ~~انقلبتم على أعقابكم }؟ أى إذا مات محمد صلى الله عليه ~~وسلم - أيها المؤمنون - وقد علمتم أن موته حق لا ريب فيه، أو قتل وهو ~~يدافع عن دينه وعقيدته، { انقلبتم على أعقابكم } أى رجعتم ~~إلى ما كنتم عليه من الكفر والضلال. # والانقلاب الرجوع إلى المكان. وهو هنا مجاز فى الرجوع إلى الحال التى ~~كانوا عليها قبل الإسلام. يقال لكل من رجع إلى حاله السىء الأول نكص على ~~عقبيه، وارتد على عقبيه. والعقب مؤخر الرجل. وجمع أعقاب. قال صاحب الكشاف ~~قوله { أفإن مات } الفاء معلقة للجملة الشرطية بالجملة قبلها على ~~معنى التسبب. والهمزة لإنكار أن يجعلوا خلو الرسل قبله سببا لانقلابهم ~~على أعقابهم بعد هلاكه بموت أو قتل، مع علمهم أن خلو الرسل قبله وبقاء ~~دينهم متمسكا به يجب أن يجعل سببا للتمسك بدين محمد صلى الله عليه وسلم ~~لا للانقلاب عنه. قإن قلت لم ذكر القتل وقد علم أنه لا يقتل؟ قلت لكونه ~~مجوزا عند المخاطبين. فإن قلت أما علموه من ناحية قوله # والله يعصمك من الناس # قلت هذا مما يختص بالعلماء منهم وذوى البصيرة ". وفى قوله { ~~انقلبتم على أعقابكم } تنفير شديد من الرجوع إلى الضلال ~~بعد الهدى، وتصوير بليغ لمن ارتد عن الحق بعد أن هداه الله إليه. فقد صور ~~- سبحانه - حالة من ترك الهداية إلى الضلال، بحالة من رجع إلى الوراء ~~وبصره إلى الأمام، وأعقابه هى التى تقوده إلى الخلف، وهو فى حالة انتكاس، ~~بأن جعل رأسه إلى أسفل وعقبه إلى أعلا. ولا شك أن هذا أقبح منظر يكون ~~عليه الإنسان. وقوله { ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر ~~الله شيئا } الغرض منه تأكيد الوعيد، لأن كل عاقل يعلم أن الله - ~~تعالى - لا يضره كفر الكافرين. أى ومن ينقلب على عقبيه بعد وفاة النبى ~~صلى الله عليه وسلم بأن يرجع إلى ما كان عليه من الكفر والضلال، فلن يضر ~~الله شيئا من الضرر وإن قل، إنما يضر نفسه بتعريضها للسخط والعذاب، ~~وبحرمانها ms0914 من الأجر والثواب. ثم أتبع - سبحانه - هذا الوعيد بالوعد فقال ~~{ وسيجزي الله الشاكرين } أى وسيثيب الله - تعالى - ~~الثابتين على الحق والصابرين على الشدائد الشاكرين له نعمه فى السراء ~~والضراء، سيثيبهم على ذلك بالنصر فى الدنيا وبرضوانه فى الآخرة. وعبر هنا ~~بالشاكرين ولم يعبر بالصابرين مع أن الصبر فى هذا الموطن أظهر، وذلك لأن ~~الشكر فى هذا المقام هو أسمى درجات الصبر، لأن هؤلاء المؤمنين الصادقين ~~الذين وقفوا إلى جانب النبى - صلى الله عليه وسلم - فى ساعة العسرة، لم ~~يكتفوا بتحمل البلاء معه فقط، بل تجاوزوا حدود الصبر إلى حدود الشكر على ~~هذه الشدائد التى ميزت الخبيث من الطيب، فالشكر هنا صبر وزيادة، وقليل من ~~الناس هو الذى يكون على هذه الشاكلة، ولذا قال - تعالى - # وقليل من عبادي الشكور # فالآية الكريمة قد تضمنت عتابا وتوبيخا لأولئك المسلمين الذين ضعف ~~يقينهم، وفترت همتهم، عندما أرجف المرجفون فى غزوة أحد بأن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم قد قتل. كما تضمنت الثناء الجزيل على أولئك الثابتين ~~الصابرين الذين لم تؤثر فى قوة إيمانهم تلك الأراجيف الكاذبة، بل مضوا فى ~~جهادهم وثباتهم بدون تردد أو تزعزع ولقد كان الثابتون حول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فى غزوة أحد كثيرين ومن بينهم أنس بن النضر - رضى الله ~~عنه -، فقد روى البخارى عن أنس - رضى الله عنه - قال غاب عمى أنس بن ~~النضر عن قتال بدر، فقال يا رسول الله. غبت عن أول قتال قاتلت فيه ~~المشركين، لئن أشهدنى الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع. فلما كان ~~يوم أحد وانكشف المسلمون. قال اللهم إنى أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعنى ~~المسلمين -. وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعنى المشركين -. ثم تقدم ~~فاستقبله سعد بن معاذ. فقال يا سعد بن معاذ!! الجنة ورب النضر إنى لأجد ~~ريحها من دون أحد. قال سعد فما استطعت يا رسول الله ما صنع. قال أنس ~~فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ~~ووجدناه قد قتل، وقد ms0915 مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه. قال ~~أنس كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفى أشباهه # من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله ~~عليه # كما تضمنت الآية الكريمة التحذير عن الارتداد عن دين الله بعد وفاة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وبيان أنه بشر من البشر، وأنه يموت كما يموت ~~سائر البشر، وأن رسالته هى الخالده الباقية، فمن تمسك بها فقد سعد وفاز. ~~ومن أعرض عنها فلن يضر الله شيئا. ثم بين - سبحانه - أن الآجال بيد الله ~~وحده. وأنه - سبحانه - قد جعل لكل أجل وقتا محددا لا يعدوه فقال - تعالى ~~- { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا ~~مؤجلا }. أى ما كان الموت حاصلا لنفس من النفوس مطلقا، لأى سبب من ~~الأسباب، إلا بمشيئة الله وأمره وإذنه، فهو - سبحانه - الذى كتب لكل نفس ~~عمرها كتابا مؤقتا بوقت معلوم لا يتقدم ولا يتأخر. المراد بالنفس هنا. ~~جنسها. أى كل نفس لا تموت إلا بإذن الله. والمراد بإذنه - أمره ومشيئته، ~~فكل نفس لا تحيا إلا بأمره، ولا تموت إلا بإذنه. و { كان } ناقصة وقوله ~~{ أن تموت } فى محل رفع اسمها وقوله { لنفس } متعلق بمحذوف وقع ~~خبرا لها. والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال والأسباب. # أى ما كان لها أن تموت فى حالة من الأحوال أو لسبب من الأسباب إلا ~~مأذونا لها منه - سبحانه -. والباء فى قوله { إلا بإذن الله } ~~للمصاحبة. وقوله { كتابا } مفعول مطلق مؤكد لمضمون الجملة التى قبله، ~~وعامله مضمر والتقدير كتب الله ذلك كتابا مؤجلا. أى له أجل معلوم لا ~~يتقدم عنه ولا يتأخر، وهو آت لا ريب فيه. وقوله { مؤجلا } صفة ~~لقوله { كتابا }. ثم ذم - سبحانه - الذين يؤثرون متاع الدنيا على ~~الآخرة، فقال { ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها } أى ~~من يرد بعمله ثواب الدنيا أى جزاءها وثمارها كالأموال والغنائم نؤته منها ~~ما نشاء أن نؤتيه، ولا يكون له فى الآخرة من نصيب. وهذا تعريض بمن شغلوا ~~بجمع الغنائم عن الجهاد مع رسول ms0916 الله صلى الله عليه وسلم أو بمن تركوا ~~أماكنهم التى وضعهم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وسارعوا إلى جمع ~~حطام الدنيا، فنتج عن ذلك هزيمة المسلمين فى غزوة أحد. ثم مدح - سبحانه - ~~الذين يبتغون بأعمالهم ثواب الآخرة فقال { ومن يرد ثواب ~~الآخرة نؤته منها }. أى ومن يرد بعمله وجهاده ثواب الآخرة وما ~~ادخره الله فيها لعباده المتقين من أجر جزيل نؤته منها ما نشاء من عطائنا ~~الذين تشتهيه النفوس، وتقر له العيون. وقوله { وسنجزي الشاكرين ~~} تذييل مقرر لمضمون ما قبله، ووعد من عطاء الله لمن شكره على نعمه ويثبت ~~على شرعه. أى وسنجزى الشاكرين فى دنياهم بما يسعدهم ويرضيهم، وسنجزيهم فى ~~الآخرة بما يشرح صدورهم، ويدخل البهجة على نفوسهم. فأنت ترى أن الآية ~~الكريمة قد تضمنت تحريض المؤمنين على القتال. وتحذيرهم من الجبن والفرار، ~~لأن الجبن لا يؤخر الحياة، كما أن الإقدام لا يؤدى إلى الموت قبل حلول ~~وقته، فإن أحدا لا يموت قبل أجله، وإن خاض المهالك واقتحم المعارك. كما ~~تضمنت دعوة المؤمنين إلى الزهد فى متع الحياة الدنيا، وإلى أن يجعلوا ~~مقصدهم الأكبر فى تحصيل ما ينفعهم فى آخرتهم، فإن هذا هو المقصد الأسمى، ~~والمطلب الأعلى قال - تعالى - # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # وإن الذين خالفوا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركوا أماكنهم ~~التى أمرهم بالثبات فيها جريا وراء الغنائم، لم يحصلوا منها شيئا، بل ~~فقدوها وفقدوا أرواحهم وعزتهم وكرامتهم، وكان فعلهم هذا من أسباب هزيمة ~~المسلمين فى غزوة أحد. كما تضمنت وعدا من الله - تعالى - بأن يزيد ~~الشاكرين من فضله وإحسانه، وأن يكافئهم على شكرهم إياه بما هم أهل له من ~~نصر وخير وفير. ثم بين - سبحانه - ما كان عليه أتباع الأنبياء السابقين ~~من إيمان عميق، وعزم وثيق، حتى يتأسى بهم كل ذى عقل سليم، فقال - تعالى - ~~{ وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما ~~وهنوا ms0917 لمآ أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما ~~استكانوا }. # وكلمة { وكأين } مركبة من كاف التشبيه وأى الاستفهامية المنونة، ثم ~~هجر معنى جزأيها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية الدالة على الكثير. ~~ويكنى بها عن عدد مبهم فتفتقر إلى تمييز بعدها وهى مبتدأ وجملة { قاتل ~~معه ربيون } خبرها. والربيون جمع ربى، وهو العالم بربه، الصادق ~~فى إيمانه به، الملخص له فى عبادته نسبة إلى الرب كالربانى. قال القرطبى ~~ما ملخصه والربيون - بكسر الراء - قراءة الجمهور. وقرأها بعضهم بضم الراء ~~وقرأها بعضهم بفتحها والربيون الجماعة الكثيرة نسبة إلى الربة - بكسر ~~الراء وضمها - وهى الجماعة.. ومنه يقال للخرقة التى تجمع فيها القداح ~~ربة. وربة والرباب قبائل تجمعت. وقال ابن عباس ربيون - بفتح الراء - ~~منسوب إلى الرب. وقال الخليل الربى - بكسر الراء - الواحد من العباد ~~الذين صبروا مع الأنبياء، وهم الربانيون نسبوا إلى التأله والعبادة ~~ومعرفة الربوبية لله - تعالى -. وقوله { فما وهنوا } من الوهن وهو ~~اضطراب نفسى، وانزعاج قلبى، يبتدىء من داخل الإنسان، فإذا وصل إلى ~~الخارج كان ضعفا وتخاذلا. والمعنى وكثير من الأنبياء قاتل معهم مؤمنون ~~صادقو الإيمان من أجل إعلاء كلمة الله وإعزاز دينه وأصيبوا وهم يقاتلون ~~بما أصيبوا من جراح وآلام، { فما وهنوا لمآ أصابهم في ~~سبيل الله } أى فما عجزوا أو جبنوا بسبب ما أصابهم من جراح، أو ما ~~أصاب أنبياءهم وإخوانهم من قتل واستشهاد. لأن الذى أصابهم إنما هو فى ~~سبيل الله وطاعته وإقامة دينه، ونصرة رسله. وقوله { وما ضعفوا } أى ~~عن قتال أعدائهم وعن الدفاع عن الذى آمنوا به وقوله { وما ~~استكانوا } أى ما خضعوا وذلوا لأعدائهم. فأنت ترى أن الله - تعالى - ~~قد نفى عن هؤلاء المؤمنين الصادقين ثلاثة أوصاف لا تتفق مع الإيمان. نفى ~~عنهم - أولا - الوهن وهو اضطراب نفسى، وهلع قلبى، يستولى على الإنسان ~~فيفقده ثباته وعزيمته. ونفى عنهم - ثانيا - الضعف الذى هو ضد القوة، وهو ~~ينتج عن الوهن. ونفى عنهم - ثالثا - الاستكانة وهى الرضا بالذل والخضوع ~~للاعداء ليفعلوا بهم ما يريدون. وقد نفى - سبحانه - هذه ms0918 الأوصاف الثلاثة ~~عن هؤلاء المؤمنين الصادقين مع أن واحدا منها يكفى نفيه لنفيها لأنها ~~متلازمة - وذلك لبيان قبح ما يقعون فيه من أضرار فيما لو تمكن واحد من ~~هذه الأوصاف من نفوسهم. وجاء ترتيب هذه الأوصاف فى نهاية الدقة بحسب ~~حصولها فى الخارج، فإن الوهن الذى هو خور فى العزيمة إذا تمكن من النفس ~~أنتج الضعف الذى هو لون من الاستسلام والفشل. # ثم تكون بعدهما الاستكانة التى يكون معها الخضوع لكل مطالب الأعداء وإذا ~~وصل الإنسان إلى هذه المرحلة فى حياته كان الموت أكرم له من هذه الحياة. ~~وقوله { والله يحب الصابرين } تذييل قصد به حض المؤمنين على ~~تحمل المكاره وعلى مقاساة الشدائد ومعاناة المكاره من أجل إعلاء دينهم ~~حتى يفوزوا برضا الله ورعايته كما فاز أولئك الأنقياء الأوفياء. أى والله ~~- تعالى - يحب الصابرين على آلام القتال، ومصاعب الجهاد، ومشاق الطاعات، ~~وتبعات التكاليف التى كلف الله - تعالى - بها عباده. ثم أتبع - سبحانه - ~~محاسنهم الفعلية، ببيان محاسنهم القولية فقال - تعالى - { وما كان ~~قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا ~~وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على ~~القوم الكافرين }. أى أن هؤلاء الأنقياء الأوفياء الصابرين ما ~~كان لهم من قول فى مواطن القتال وفى عموم الأحوال إلا الضراعة إلى الله - ~~بثلاث أمور أولها حكاه القرآن عنهم فى قوله { ربنا اغفر لنا ~~ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا }. أى إنهم يدعون الله - تعالى ~~- بأن يغفر لهم ذنوبهم ما كان صغيرا منها وما كان كبيرا وأن يغفر لهم ~~إسرافهم فى أمرهم أى ما تجاوزوه من الحدود التى حدها لهم وأمرهم بعدم ~~تجاوزها. وثانيها حكاه القرآن عنهم فى قوله { وثبت أقدامنا } ~~اى أجعلنا يا ربنا ممن يثبت لحرب أعدائك وقتالهم ولا تجعلنا ممن يوليهم ~~الأدبار. وثالثها حكاه القرآن عنهم فى قوله { وانصرنا على ~~القوم الكافرين } أى اجعل النصر لنا يا ربنا على أعدائك ~~وأعدائنا الذين جحدوا وحدانيتك، وكذبوا نبيك وضلوا ضلالا بعيدا. وتأمل ~~معى - أخى القارىء- هذه الدعوات الكريمة تراها قد جمعت من صدق اليقين، ~~وحسن الترتيب. ms0919 فهم قد التمسوا - أولا - من خالقهم مغفرة ذنوبهم والتجاوز ~~عما وقعوا فيه من أخطاء وهذا يدل على سلامة قلوبهم وتواضعهم واستصغار ~~أعمالهم مهما عظمت أمام فضل الله ونعمه. ثم التمسوا منه - ثانيا - تثبيت ~~أقدامهم عند لقاء الأعداء حتى لا يفروا من امامهم. ثم التمسوا منه - ~~ثالثا - النصر على الكافرين وهو غاية القتال، لأن الانتصار عليهم يؤدى ~~إلى منع وقوع الفتنة فى الأرض، وإلى إعلاء كلمة الحق. قال صاحب الكشاف ~~قوله { وما كان قولهم } الخ هذا القول وهو إضافة الذنوب ~~والإسراف إلى أنفسهم مع كونهم ربانيين هضما لها واستقصارا. والدعاء ~~بالاستغفار منها مقدما على طلب تثبيت الأقدام فى مواطن الحرب والنصرة على ~~العدو، ليكون طلبهم إلى ربهم عن زكاة وطهارة وخضوع. وهو أقرب إلى ~~الاستجابة ". وكان هنا ناقصة، وقوله { قولهم } بالنصب خبرها واسمها ~~المصدر المتحصل من " أن " وما بعدها فى قوله { إلا أن قالوا } ~~والاستثناء مفرغ. # أى ما كان قولهم فى ذلك المقام وفى غيره من المواطن إلا قولهم هذا ~~الدعاء أى هو دأبهم وديدنهم. ثم بين - سبحانه - الثمار التى ترتبت على ~~هذا الدعاء الخاشع والإيمان الصادق والعمل الخالص لوجهه - سبحانه - فقال ~~{ فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ~~والله يحب المحسنين }. والفاء فى قوله { فآتاهم } ~~لترتيب ما بعدها على ما قبلها. أى أن هؤلاء الذين آمنوا بالله حق ~~الإيمان وجاهدوا فى سبيله حق الجهاد لم يخيب الله - تعالى - سعيهم ولم ~~يقفل بابه عن إجابة دعائهم، وإنما أعطاهم الله - تعالى - ثواب الدنيا من ~~النصر والغنيمة وقهر الأعداء، وصلاح الحال. كما أعطاهم حسن ثواب الآخرة ~~بأن منحهم رضوانه ورحمته ومثوبته وإنما خص ثواب الآخرة بالحسن للتنبيه ~~على عظمته وفضله ومزيته، وأنه هو المعتد به عنده - تعالى - لأنه غير ~~زائل، وغير مشوب بتنغيص أو قلق. وقوله { والله يحب ~~المحسنين } تذييل مقرر لمضمون ما قبله، فإن محبة الله - تعالى - ~~للعبد مبدأ كل خير وسعادة. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد قررت فى ~~مطلعها حقيقة ثابتة. وهى أن محمدا صلى الله عليه وسلم بشر ms0920 من البشر، وأنه ~~يموت كما يموت سائر البشر وأن رسالته لا تموت من بعده بل على أتباعه أن ~~يسيروا على طريقته وأن يحملوا من بعده عبء تبليغ تعاليم الإسلام الذى ~~جاء به ثم قررت بعد ذلك أن الآجال بيد الله وأن الحذر لا يمنع القدر وأن ~~أحدا لن يموت قبل انتهاء أجله، ما دام الأمر كذلك فعلى المؤمنين أن ~~يجاهدوا الكفار والمنافقين وأن يغلظوا عليهم. ثم ذكرت الناس بعد ذلك بما ~~كان من أتباع الرسل السابقين من إيمان عميق وجهاد صادق وثبات فى وجه ~~الباطل ودعاء مخلص خاشع. حتى يتأسى بهم فى أقوالهم وأعمالهم كل ذى عقل ~~سليم. ثم ختمت هذه الآيات ببيان النتائج الطيبة التى منحها الله - تعالى ~~- لعباده المؤمنين الصادقين فى دنياهم وآخرتهم حتى يسارع الناس فى كل ~~زمان ومكان إلى الأعمال الصالحة التى تكون سببا فى سعادتهم وعزتهم ثم وجه ~~القرآن نداء إلى المؤمنين، نهاهم فيه عن طاعة أعداء الله وأعدائهم، ~~وأمرهم بالتمسك بتعاليم دينهم وبشرهم بسوء عاقبة أعدائهم فقال - تعالى - ~~{ يا أيها الذين آمنوا... }. ### || [3.149-151] # قال الآلوسى ما ملخصه قوله { يا أيها الذين آمنوا إن ~~تطيعوا الذين كفروا } شروع فى زجر المؤمنين عن متابعة الكفار ~~ببيان مضارها، إثر ترغيبهم فى الاقتداء بأنصار الأنبياء ببيان فضائله ~~وتصدير الخطاب بالنداء والتنبية لإظهار الاعتناء بما فى حيزه ووصفهم ~~بالايمان لتذكيرهم بحال ينافى تلك الطاعة فيكون الزجر على أكمل وجه. ~~والمراد من الذين كفروا إما المنافقون لأنهم هم الذين قالوا للمؤمنين عند ~~هزيمتهم فى أحد ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا فى دينهم.. وإما أبو سفيان ~~وأصحابه وحينئذ فالمراد بإطاعتهم الاستكانة لهم وطلب الأمان منهم.. وإما ~~اليهود والنصارى لأنهم هم الذين كانوا يلقون الشبه فى الدين ويقولون لو ~~كان محمد نبيا حقا لما غلبه أعداؤه.. وإما سائر الكفار ". فالآية الكريمة ~~تنهى المؤمنين عن طاعة الكفار لأن الكفر والإيمان نقيضان لا يجتمعان. ~~وجاء التعبير " بإن " الشرطية دون " إذا " لأن إذا لتحقق الشرط والجزاء ~~أما إن فإنها لا تفيد التحقق بل تفيد الشك، وهذا ms0921 هو المناسب لحال ~~المؤمنين لأن إيمانهم يحجزهم عن طاعة الذين كفروا ويمنعهم من الوقوع فى ~~ذلك والنداء متوجه ابتداء للمؤمنين المجاهدين الذين حضروا غزوة أحد، ~~وسمعوا ما سمعوا من أراجيف أعدائهم وأكاذيبهم، إلا أنه يندرج تحت مضمونه ~~كل مؤمن فى كل زمان أو مكان لأن الكافرين فى كل العصور لا يريدون ~~بالمؤمنين إلا خبالا، ولا يتمنون لهم إلا الشرور والمصائب. ثم بين - ~~سبحانه - النتيجة - السيئة التى تترتب على طاعة المؤمنين للكافرين فقال { ~~يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين }. أى إن ~~تطيعوهم يرجعوكم إلى ما كنتم عليه قبل الإسلام من ضلال وكفران أو يردوكم ~~إلى الحالة التى كنتم عليها قبل مشروعية الجهاد وهى حالة الضعف والهوان ~~التى رفعها الله عنكم بأن أذن لكم فى مقاتلة أعدائكم الذين أخرجوكم من ~~دياركم بغير حق. وقوله { فتنقلبوا خاسرين } أى فترجعوا خاسرين ~~لخيرى الدنيا والآخرة، أما خسران الدنيا فبسبب انقيادكم لهم، واستسلامكم ~~لمطالبهم.. وأما خسران الآخرة فبسبب ترككم لوصايا دينكم ومخالفتكم لأوامر ~~خالقكم، وتوجيهات نبيكم صلى الله عليه وسلم وكفى بذلك خسارة شنيعة. فأنت ~~ترى أن الآية الكريمة قد نهت المؤمنين عن طاعة الكافرين، ثم بينت لهم ~~نتيجتين سيئتين تترتبان على هذه الطاعة، وهما الرجوع إلى الضلال بعد ~~الهدى، والخسران فى الدنيا والآخرة. والتعبير بقوله { فتنقلبوا } ~~يفيد أن إطاعة الكافرين يؤدى بالمؤمنين إلى انقلاب حالهم وانتكاس أمرهم ~~وجعل أعلاهم أسفلهم... وفى ذلك ما فيه من التنفير عن إطاعة الكافرين ~~والاستماع إلى وساوسهم. ثم أمرهم - سبحانه - بطاعته والاعتماد عليه ~~والاستعانة به وحده فقال { بل الله مولاكم وهو خير ~~الناصرين }. # وحرف " بل " هنا للإضراب الانتقالى، لأنه - سبحانه - بعد أن حذر ~~المؤمنين من إطاعة الكافرين وما يترتب عليها من مضار، انتقل إلى توجيههم ~~إلى ما فيه عزتهم وكرامتهم وسعادتهم. والمولى هنا بمعنى النصير والمعين، ~~وهذا اللفظ لا يدل على النصرة والعون فقط، وإنما يدل على كمال المحبة ~~والمودة والقرب، والنصرة تجىء ملازمة لهذه المعانى، لأنه من كان الله ~~محبا له، كان - سبحانه - ناصرا له لا محالة. والمعنى إنى أنهاكم ms0922 - أيها ~~المؤمنون - عن إطاعة الكافرين، لأنهم ليسوا أولياء لكم فتطيعوهم، بل الله ~~- تعالى - هو وليكم ومعينكم وهو خير الناصرين، لأنه هو الذى لا يعجزه شىء ~~فى الأرض ولا فى السماء فأخلصوا له العبادة والطاعة. ثم بشرهم - سبحانه - ~~بأنه سيلقى الرعب والفزع فى قلوب أعدائهم فقال - تعالى - { سنلقي في ~~قلوب الذين كفروا الرعب بمآ أشركوا بالله ما ~~لم ينزل به سلطانا }. والرعب الخوف والفزع، يقال رعبه يرعبه ~~أى خوفه أصله من الملء يقال سيل راعب، إذا ملأ الأودية. ورعبت الحوض ~~ملأته. والسلطان الحجة والبرهان وسميت الحجة سلطانا لقوتها ونفوذها. أصل ~~المادة يدل على الشدة والقوة ومنها السليط الشديد واللسان الطويل. ~~والمعنى سنملأ قلوب المشركين خوفا وفزعا بسبب إشراكهم مع الله - تعالى - ~~آلهة لم ينزل الله بها حجة والمراد أنه لا حجة لهم حتى ينزلها. قال ~~الآلوسى قوله { ما لم ينزل به } أى بإشراكه أو بعبادته، و " ما ~~" نكره موصوفة أو موصولة اسمية وليست مصدرية و " سلطانا " أى حجة ~~والإتيان بها للإشارة بأن المتبع فى باب التوحيد هو البرهان السماوى ~~دون الآراء والأهواء الباطلة.. وذكر عدم إنزال الحجة مع استحالة تحققها ~~من باب انتفاء المقيد لانتفاء قيده اللازم، أى لا حجة حتى ينزلها، فهو ~~على حد قوله فى وصف مفازة # لا تفزع الأرنب أهوالها ولا ترى الضب بها ينجحر # إذ المراد لا ضب بها حتى ينجحر. فالمراد نفيهما جميعا. فالآية الكريمة ~~قد بشرت المؤمنين بأن الله - تعالى - سيلقى الرعب والفزع فى قلوب أعدائهم ~~حتى لا يتجاسروا عليهم. ومن مظاهر الرعب التى ألقاها الله - تعالى - فى ~~قلوب المشركين أنهم بعد أن انتصروا على المسلمين فى غزوة أحد. كان فى ~~قدرتهم أن يوغلوا فى مهاجمتهم وقتالهم إلا أن الرعب صدهم عن ذلك. ولقد ~~حاولوا وهم فى طريقهم إلى مكة أن يعودوا للقضاء على المسلمين إلا أن ~~الخوف داخل قلوبهم وجعل أحد زعمائهم وهو صفوان بن أمية يقول لهم " يا أهل ~~مكة لا ترجعوا لقتال القوم، فإنى أرى أنه سيكون للقوم قتال غير الذى كان ms0923 ~~". قال الفخر الرازى ما ملخصه قوله { سنلقي في قلوب الذين ~~كفروا الرعب } اختلفوا فى أن هذا الوعد هل هو مختص بيوم أحد، أو ~~هو عام فى جميع الأوقات؟ قال كثير من المفسرين إنه مختص بهذا اليوم، وذلك ~~لأن جميع الآيات المتقدمة إنما وردت فى هذه الواقعة. # ثم القائلون بهذا القول ذكروا فى كيفية إلقاء الرعب فى قلوب المشركين فى ~~هذا اليوم وجهين الأول أن الكفار لما استولوا على المسلمين وهزموهم أوقع ~~الله الرعب فى قلوبهم، فتركوهم وفروا منهم من غير سبب. والثانى أن الكفار ~~لما ذهبوا إلى مكة فلما كانوا فى بعض الطريق قالوا ما صنعنا شيئا قتلنا ~~الأكثرين منهم ثم تركناهم ونحن قاهرون. ارجعوا حتى نستأصلهم بالكلية، ~~فلما عزموا على ذلك ألقى الله الرعب فى قلوبهم. والقول الثانى أن هذا ~~الوعد غير مختص بيوم أحد، بل هو عام، كأنه قيل إنه وإن وقعة لكم هذه ~~الواقعة فى يوم أحد، إلا أن الله - تعالى - سيلقى الرعب منكم بعد ذلك فى ~~قلوب الكافرين حتى يقهر الكفار، ويظهر دينكم على سائر الأديان. وقد فعل ~~الله ذلك حتى صار دين الإسلام قاهرا لجميع الأديان والملل. ونظير هذه ~~الآية قوله صلى الله عليه وسلم # " نصرت بالرعب مسيرة شهر ". # ثم ختم - سبحانه - الآية ببيان سوء عاقبة هؤلاء الكافرين فقال { ~~ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين }. والمأوى اسم ~~مكان من أوى يأوى. وهو المكان الذى يرجع إليه الشخص ويعود إليه. والمثوى ~~اسم مكان - أيضا - يقال ثوى بالمكان وفيه يثوى ثواء وثويا وأثوى به، أى ~~أطال الإقامة والنزول فيه. والمعنى أن هؤلاء الكافرين سيلقى الله - ~~تعالى - الرعب والفزع فى قلوبهم حتى لا يتجاسروا على المؤمنين، هذا فى ~~الدنيا، أما فى الآخرة، فالمكان الذى يأوون إليه ويستقرون فيه هو النار، ~~لا مأوى لهم غيرها، وبئس هذه النار موضع إقامة دائمة لهم. وقد أظهر - ~~سبحانه - الاسم فى موضع الإضمار فلم يقل وبئس النار مثواهم، بل قال { ~~وبئس مثوى الظالمين } للإشارة إلى أن هذا المآل الأليم ~~إنما هو جزاء عادل لهم ms0924 بسبب ظلمهم إذ هم الذين ظلموا أنفسهم فأضلوها ~~وصدوها عن الحق فكانت نهايتهم تلك النهاية المهينة، " وما ظلمهم الله ~~ولكن أنفسهم يظلمون ". وفى جعل هذه النار مثواهم بعد جعلها مأواهم إشارة ~~إلى خلودهم فيها، فإن المثوى مكان الإقامة المنبئة عن المكث، وأما ~~المأوى فهو المكان الذى يأوى إليه الإنسان. وقدم المأوى على المثوى لأن ~~هذا هو الترتيب الوجودى فى الخارج، لأن الإنسان يأوى إلى المكان ثم يثوى ~~فيه. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد نهت المؤمنين عن إطاعة الكافرين ~~وبينت لهم النتائج الوخيمة التى تترتب على إطاعتهم ثم دعتهم إلى الاعتصام ~~بدين الله وبشرتهم بسوء عاقبة أعدائهم فى الدنيا والآخرة. ثم ذكر الله - ~~تعالى - المؤمنين بما حدث لهم فى غزوة أحد، وكيف أنهم انتصروا على ~~أعدائهم فى أول معركة ثم كيف أنهم أصيبوا بالهزيمة بعد ذلك بسبب فشلهم ~~وتنازعهم ومعصيتهم لرسولهم صلى الله عليه وسلم ثم صور - سبحانه - أحوالهم ~~فى هذه المعركة تصويرا بليغا مؤثرا وحكى أقوال ضعاف الإيمان ورد عليها ~~بما يدحضها. استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى كل ذلك فيقول { ولقد ~~صدقكم الله وعده... }. ### || [3.152-155] # قال القرطبى قال محمد بن كعب القرظى لما رجع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى المدينة بعد أحد، وقد أصيبوا قال بعضهم لبعض من اين أصابنا هذا ~~وقد وعدنا الله النصر؟ فنزل قوله - تعالى - { ولقد صدقكم ~~الله وعده إذ تحسونهم بإذنه } الآية. وذلك أنهم ~~قتلوا صاحب لواء المشركين وسبعة نفر منهم بعده على اللواء، وكان الظفر ~~ابتداء للمسلمين، غير أنهم اشتغلوا بالغنيمة وترك بعض الرماة أيضا ~~مراكزهم طلبا للغنيمة فكان ذلك سبب الهزيمة. وقد روى البخارى عن البراء ~~بن عازب قال لما كان يوم أحد ولقينا المشركين أجلس رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أناسا من الرماة وأمر عليهم عبد الله بن جبير وقال لهم # " لا تبرحوا من مكانكم. إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن ~~رأيتموهم قد ظهروا علينا فلا تعينونا ". # قال فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتددن الجبل ms0925 - أى يسرعن الفرار ~~- يرفعن عن سوقهن، قد بدت خلاخلهن. فجعلوا يقولون - أى الرماة - " ~~الغنيمة.. الغنيمة " فقال لهم أميرهم عبد الله بن جبير. أمهلوا. أما عهد ~~إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تبرحوا أماكنكم؟ فأبوا - ~~وانطلقوا لجمع الغنائم - فلما أتوهم صرف الله وجوههم وقتل من المسلمين ~~سبعون رجلا ". وصدق الوعد معناه تحقيقه والوفاء به، الصدق مطابقة الخبر ~~للواقع. والمراد بهذا الوعد، ما وعد الله به المؤمنين من النصر والظفر فى ~~مثل قوله - تعالى - # يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ~~ويثبت أقدامكم # وفى مثل قوله - تعالى - # سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بمآ أشركوا ~~بالله ما لم ينزل به سلطانا # وفى مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم للرماة قبل أن تبدأ المعركة # " لا تبرحوا أماكنكم فلن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم ". # ومعنى " تحسونهم تقتلونهم قتلا شديدا يفقدون معه حسهم وحركتهم. يقال حسه ~~حسا إذا قتله. وحقيقته أصاب حاسته بآفة فأبطلها، يقال كبده وفأده أى أصاب ~~كبده وفؤاده. ومنه جراد محسوس، وهو الذى قتله البرد أو مسته النار ~~فأهلكته. والمعنى ولقد حقق الله - تعالى - لكم - أيها المؤمنون - ما ~~وعدكم به من النصر على أعدائكم إذ إيدكم فى أول معركة أحد بعونه وتأييده ~~فصرتم تقتلون المشركين قتلا ذريعا شديدا بإذنه وتيسيره ورعايته وكان ~~حليفا لكم فى أول المعركة. و " صدق " يتعدى لاثنين أحدهما بنفسه والآخر ~~بحرف الجر تقول صدقت زيدا فى الحديث. وقد يتعدى بنفسه إلى المفعولين كما ~~هنا إذ المفعول الأول ضمير المخاطبين، والثانى قوله { وعده }. # وقوله { إذ تحسونهم } معمول لصدقكم أى صدقكم فى هذا الوقت وهو ~~وقت قتلهم وقوله " بإذنه " متعلق بمحذوف لأنه حال من فاعل " تحسونهم " أى ~~تقتلونهم مأذونا لكم فى ذلك. فالجملة الكريمة تذكر المؤمنين بما كان من ~~نصر الله - تعالى - لهم عندما أقبلوا على معركة أحد بقلوب مخلصة، ونفوس ~~ثابتة وعزيمة صادقة.. ثم بين - سبحانه - أن ما أصابهم من هزيمة بعد ذلك ~~كان بسبب فشلهم وتنازعهم فقال - تعالى - { حتى إذا فشلتم ~~وتنازعتم في الأمر وعصيتم ms0926 من بعد مآ أراكم ~~ما تحبون }. والفشل بمعنى الجبن والضعف، يقال فشل يفشل فهو فشل ~~وفاشل والتنازع التخاصم والتحالف. والمعنى ولقد صدقكم الله وعده فى النصر ~~- أيها المؤمنون - عندما كنتم تقاتلون أعداءكم بإيمان صادق، وإخلاص لله - ~~تعالى - حتى إذا ضعفت نفوسكم وعجزتم عن مقاومة أهوائكم وتنازعتم فيما ~~بينكم أنتبع الغنائم نجمعها أم نبقى فى أماكننا التى حددها الرسول صلى ~~الله عليه وسلم لنا؟ ومال أكثركم إلى طلب الغنائم مخالفا أمر الرسول صلى ~~الله عليه وسلم من بعد ما أراكم الله فى أول المعركة من نصر مؤزر تحبونه ~~وترجونه، ومن مغانم تتطلعون إليها بلهفة وشوق. حتى إذا فعلتم ذلك منع ~~الله - تعالى - عنكم نصره، وتحول نصركم إلى هزيمة وفقدتم أنفسكم وما ~~جمعتموه من غنائم. وهكذا نرى أن ما أصاب المسلمين فى أحد من هزيمة كان ~~بسبب فشل بعضهم وتنازعهم وعصيانهم أمر رسولهم صلى الله عليه وسلم وصدق ~~الله إذ يقول # واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم ~~خآصة # ولقد رتب الله - تعالى - ما حدث من بعض المؤمنين فى غزوة أحد ترتيبا ~~دقيقا، يتفق مع ما حصل منهم وذلك لأنهم حدث منهم - أولا - الفشل بمعنى ~~العجز النفسى عن الثبات والصبر. ثم ترتب على ذلك أن تنازعوا فيما بينهم ~~ونتج عن هذا التنازع أن ترك معظمهم مكانه ونزل إلى ميدان المعركة لجمع ~~المغانم، ثم ترتب على كل ذلك معصيتهم لأمر رسولهم وقائدهم صلى الله عليه ~~وسلم. قال الجمل ما ملخصه وقوله { حتى إذا فشلتم } فى حتى هذه ~~قولان أحدهما أنها حرف جر بمعنى إلى وفى متعلقها حينئذ ثلاثة أوجه. أحدها ~~أنها متعلقة بقوله { تحسونهم } أى تقتلونهم إلى هذا الوقت. ~~والثانى أنها متعلقة " بصدقكم " أى صدقكم الله وعده إلى وقت فشلكم. ~~والثالث أنها متعلقة بمحذوف دل عليه السياق تقديره ودام لكم ذلك إلى وقت ~~فشلكم. والقول الثانى أنها حرف ابتداء داخلة على الجملة الشرطية { إذا ~~} على بابها من كونها شرطية، والصحيح أن جوابها محذوف أى حتى إذا فشلتم ~~وتنازعتم منع الله عنكم نصره ". وقال ms0927 الفخر الرازى فإن قيل ما الفائدة فى ~~قوله { بعد مآ أراكم ما تحبون }؟ فالجواب عنه أن المقصود ~~منه التنبيه على عظم المعصية، لأنهم لما شاهدوا أن الله - تعالى - " ~~أكرمهم بإنجاز الوعد كان من حقهم أن يمتنعوا عن المعصية، لأنهم لما ~~شاهدوا أن الله - تعالى - " أكرمهم بإنجاز الوعد كان من حقهم أن يمتنعوا ~~عن المعصية، فلما أقدموا عليها لا جرم سلبهم الله ذلك الإكرام وأذاقهم ~~وبال أمرهم. # وقوله { منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد ~~الآخرة } تفصيل للتنازع الذى كان بين الرماة، أو بين بعض أفراد ~~المسلمين الذين اشتركوا فى هذه الغزوة. أى منكم - أيها المسلمون - من ~~يريد الدنيا ومغانمها حتى حمله ذلك على ترك مكانه المخصص له مخالفا نصيحة ~~قائده ورسوله صلى الله عليه وسلم ولو أن هذا البعض منكم خالف هواه، وحارب ~~مطامعه، وأطاع أمر رسوله صلى الله عليه وسلم لتم لكم النصر، ولأتتكم ~~الدنيا بغنائمها وهى صاغرة. ومنكم من يريد بجهاده وعمله ثواب الآخرة وهم ~~الذين أطاعوا أمر رسولهم صلى الله عليه وسلم وثبتوا إلى جانبه يدافعون ~~عنه وعن عقيدتهم وعن أنفسهم دفاع الأبطال الصامدين وهؤلاء هم الذين رضى ~~الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم ما يسعدهم فى دنياهم وآخرتهم. قال ابن جرير ~~قال ابن عباس لما هزم الله المشركين يوم أحد، قال الرماة أدركوا الناس لا ~~يسبقوكم إلى الغنائم فتكون لهم دونكم، وقال بعضهم لا نريم حتى يأذن لنا ~~النبى صلى الله عليه وسلم فنزلت { منكم من يريد الدنيا ~~ومنكم من يريد الآخرة }. وقال ابن مسعود ما علمنا أن أحدا من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يريد الدنيا وعرضها حتى كان يوم ~~أحد ". وقوله { ثم صرفكم عنهم ليبتليكم } عطف على ~~جواب " إذا " المقدر، وما بينهما اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه. ~~والتقدير منع الله نصره عنكم بسبب فشلكم وتنازعكم ومعصيتكم لنبيكم ثم ~~ردكم عنهم دون أن تنالوا ما تبتغون { ليبتليكم } أى ليعاملكم ~~الله - تعالى - معاملة من يمتحن غيره، ليتميز قوى الإيمان من ضعيفه ~~وليتبين لكم ms0928 الصابر المخلص من غيره. وجاء العطف بثم فى قوله { ثم ~~صرفكم } للإشعار بالتفاوت الكبير بين المقصد الأصلى الذى خرجوا من ~~أجله وهو النصر والحصول على الغنيمة وبين النتيجة التى انتهوا إليها وهى ~~العودة مقهورين. وكان التعبير بكلمة { صرفكم } دون كلمة " هزمتم " ~~لأن ما حدث فى أحد لم يكن هزيمة وإن لم يكن نصرا. لأن الهزيمة تقتضى أن ~~يولى المسلمون الأدبار وأن يتحكم فيهم أعداؤهم وما حدث فى أحد لم يكن ~~كذلك، وإنما كان زيادة فى عدد الشهداء من المسلمين عن عدد القتلى من ~~المشركين لأن بعض المسلمين خالفوا وصية نبيهم صلى الله عليه وسلم وتطلعوا ~~إلى زهرة الدنيا وزينتها بطريقة تتعارض مع ما يقتضيه الإيمان الصادق ~~فكان من الله - تعالى - التأديب لهم. # . وفى هذا التعبير { ثم صرفكم عنهم } تسلية لهم عما أصابهم، ~~وتخفيف لمصابهم فكأنه - سبحانه - يقول لهم إن ما حدث فى أحد إنما هو نوع ~~من الصرف عن الغاية التى من أجلها خرجتم لحكم من أهمها تمييز الخبيث من ~~الطيب، وتربيتكم على تحمل المصائب والآلام، وتأديبكم بالأدب المناسب حتى ~~لا تعودوا مرة أخرى إلى مخالفة رسولكم صلى الله عليه وسلم. ثم ختم - ~~سبحانه - الآية الكريمة بما يمسح آلامهم ويذهب الحسرة من قلوبهم فقال - ~~تعالى - { ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على ~~المؤمنين }. أى ولقد عفا - سبحانه - عما صدر منكم تفضلا منه وكرما، ~~والله تعالى هو صاحب الفضل المطلق الدائم على المؤمنين. ولقد أكد - ~~سبحانه - هذا العفو باللام وبقد وبالتعبير بالماضى، ليفتح أمامهم طريق ~~الأمل، وليحفزهم على التوبة الصادقة والإيمان العميق، حتى لا ييأسوا من ~~رحمة الله. والتذييل بقوله { ذو فضل على المؤمنين } مؤكد ~~لمضمون ما قبله. قال الآلوسى " إيذان بأن ذلك العفو، ولو كان بعد التوبة، ~~بطريق التفضل لا الوجوب أى شأنه أن يتفضل عليهم بالعفو فى جميع الأحوال ~~أديل لهم أو أديل عليهم، إذ الابتلاء أيضا رحمة ". فأنت ترى أن الآية ~~الكريمة قد ذكرت المؤمنين بأن الله - تعالى - قد حقق وعده معهم فى أول ~~المعركة بأن سلطهم على ms0929 المشركين يقتلونهم بتأييده ورعايته قتلا ذريعا ~~فلما صدر من بعض المؤمنين الفشل والتنازع والعصيان منع الله عنهم عونه ~~وصرفهم عن الغاية التى كانوا يتمنونها ليتميز الخبيث من الطيب ومع ذلك ~~فقد عفا الله عما صدر منهم من أخطاء لأنه هو صاحب الفضل الدائم على ~~المؤمنين. ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بما كان من بعضهم بعد أن اضطربت ~~أحوالهم وجاءهم أعداؤهم من أمامهم ومن خلفهم بسبب ترك معظم الرماة ~~لأماكنهم، فقال - تعالى - { إذ تصعدون ولا تلوون على ~~أحد والرسول يدعوكم في أخراكم }. وقوله { تصعدون ~~} من الإصعاد وهو الذهاب فى صعيد الأرض والإبعاد فيه. يقال أصعد فى ~~الأرض إذا أبعد فى الذهاب وأمعن فيه، فهو الصعد. قال القرطبى الإصعاد ~~السير فى مستو من الأرض وبطون الأودية والشعاب. والصعود الارتفاع على ~~الجبال والدرج. وقوله { إذ تصعدون } متعلق بقوله { صرفكم } ~~أو بقوله { ليبتليكم } أو بمحذوف تقديره اذكروا. أى اذكروا - ~~أيها المؤمنون - وقت أن كنتم مصعدين تهرولون بسرعة فى بطن الوادى بعد أن ~~اختلت صفوفكم - واضطرب جمعكم. وصرتم لا يعرج بعضكم على بعض ولا يتلفت ~~أحدكم إلى غيره من شدة الهرب، والحال أن رسولكم صلى الله عليه وسلم { ~~يدعوكم في أخراكم } أى يناديكم فى أخراكم أو فى جماعتكم ~~الأخرى أو من خلفكم يقال. # جاء فلان فى آخر الناس وأخراهم إذا جاء خلفهم، كما يقال جاء فى أولهم ~~وأولاهم. والمراد أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعو المنهزمين إلى ~~الثبات وإلى ترك الفرار من الأعداء وإلى معاودة الهجوم عليهم وهو ثابت لم ~~يتزعزع ومعه نفر من أصحابه. قال ابن جرير لما اشتد المشركون على المسلمين ~~بأحد فهزموهم، دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة ~~فقاموا عليها، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس " إلى ~~عباد الله "! فذكر الله صعودهم إلى الجبل، ثم ذكر دعاء النبى صلى الله ~~عليه وسلم إياهم فقال { إذ تصعدون ولا تلوون على أحد ~~والرسول يدعوكم في أخراكم }. ففى هذه الجملة الكريمة ~~تصوير بديع معجز لحال المسلمين عندما ms0930 اضطربت صفوفهم فى غزوة أحد، فهى ~~تصور حالهم وهم مصعدون فى الوادى بدون تمهل أو تثبت، وتصور حالهم وقد أخذ ~~منهم الدهش مأخذه بحيث أصبح بعضهم لا يلتفت إلى غيره أو يسمع له نداء، أو ~~يجيب له طلبا وتصور حال النبى صلى الله عليه وسلم وقد ثبت كالطود الأشم ~~بدون اضطراب أو وجل ومعه صفوة من أصحابه وقد أخذ ينادى الفارين بقوله # " إلى عباد الله، إلى عباد الله أنا رسول الله، من يكر فله الجنة ". # وقوله - تعالى - { فأثابكم غما بغم لكيلا ~~تحزنوا على ما فاتكم ولا مآ أصابكم }. بيان للنتيجة ~~التى ترتبت على هذا الاضطراب وهو معطوف على قوله { صرفكم } أو على ~~قوله { تصعدون ولا تلوون } ولا يضر كونهما مضارعين فى اللفظ ~~لأن إذ المضافة إليهما صيرتهما ماضيين فى المعنى. وأصل الإثابة إعطاء ~~الثواب، وهو شىء يكون جزاء على عطاء أو فعل ولفظ الثواب لا يستعمل فى ~~الأعم الأغلب إلا فى الخير، والمراد به هنا العقوبة التى نزلت بهم. وسميت ~~العقوبة التى نزلت بهم ثوابا على سبيل الاستعارة التهكمية كما فى قوله # فبشرهم بعذاب أليم # ويجوز أن يكون اللفظ مستعملا فى حقيقته، لأن لفظ الثواب فى أصل اللغة ~~معناه ما يعود على الفاعل من جزاء فعله، سواء أكان خيرا أو شرا. قال ~~القرطبى قوله - تعالى - { فأثابكم غما بغم } الغم فى اللغة ~~التغطية. يقال غممت الشىء أى غطيته. ويوم غم وليلة غمة إذا كانا مظلمين. ~~قال مجاهد وقتادة وغيرهما، والغم الأول القتل والجراح والغم الثانى ~~الإرجاف بمقتل النبى صلى الله عليه وسلم وقيل الغم الأول ما فاتهم من ~~الظفر والغنيمة والثانى استعلاء المشركين عليهم. وعند ذلك قال النبى صلى ~~الله عليه وسلم # " اللهم لا يعان علينا ". # والباء فى { بغم } على هذا بمعنى على. وقيل هى على بابها والمعنى ~~أنهم غموا النبى صلى الله عليه وسلم بمخالفتهم إياه فأثابهم بذلك غمهم ~~بمن أصيب منهم ". ويجوز أن يكون الكلام لمجرد التكثير أى جازاكم بغموم ~~وأحزان كثيرة متصل بعضها ببعض بأن منع عنكم نصره ms0931 وحرمكم الغنيمة وأصابتكم ~~الجراح الكثيرة وأشيع بينكم أن نبيكم قد قتل.. وكل ذلك بسبب أنكم خالفتم ~~وصية نبيكم صلى الله عليه وسلم وتغلب حب الدنيا وشهواتها على قلوب بعضكم ~~فلم تخلصوا لله الجهاد فأصابكم ما أصابكم. وقوله { لكيلا ~~تحزنوا على ما فاتكم ولا مآ أصابكم } تعليل لقوله { ~~ولقد عفا عنكم } أى ولقد عفا الله - تعالى - عنكم لئلا تحزنوا ~~على ما فاتكم من غنائم ونصر، ولا على ما أصابكم من جراح وآلام، فإن عفو ~~الله - تعالى - يذهب كل حزن ويمسح كل ألم. ويرى صاحب الكشاف أن معنى " ~~لكى لا تحزنوا " لتتمرنوا على تجرع الغموم فلا تحزنوا فيما بعد على فائت ~~من المنافع، ولا على مصيب من المضار. ثم قال ويجوز أن يكون الضمير فى { ~~فأثابكم } للرسول. أى فآساكم فى الاغتمام - أى فصار أسوتكم - لأنه ~~كما غمكم ما نزل به من كسر الرباعية والشجة وغيرها فقد غمه ما نزل بكم. ~~فأثابكم غما اغتمه لأجلكم بسبب غم اغتممتموه لأجله ولم يثربكم على ~~عصيانكم ومخالفتكم لأمره، وإنما فعل ذلك ليسليكم وينفس عنكم لئلا تحزنوا ~~على ما فاتكم من نصر الله ولا على ما أصابكم من غلبة العدو ". ثم ختم - ~~سبحانه - الآية بقوله { والله خبير بما تعملون } أى والله ~~- تعالى - عليم بأعمالكم ونياتكم علما كاملا، وخبير بما انطوت عليه ~~نفوسكم فهو - سبحانه - لا تخفى عليه خافية مهما صغرت، فاتقوه وراقبوه ~~واتبعوا ما كلفكم به لتنالوا الفوز والسعادة. ثم ذكرهم - سبحانه - ببعض ~~مظاهر لطفه بهم ورحمته لهم حيث أنزل على طائفة منهم النعاس الذى أدخل ~~الطمأنينة على قلوبهم وأزال الخوف والفزع من نفوسهم فقال - تعالى - { ~~ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا ~~يغشى طآئفة منكم } والجملة الكريمة معطوفة على قوله { ~~فأثابكم }. والأمنة - بفتحتين - مصدر كالأمن. يقال أمن أمنا ~~وأمانا وأمنة. والنعاس الفتور فى أوائل النوم ومن شأنه أن يزيل عن ~~الإنسان بعض متاعبه ولا يغيب صاحبه فلذلك كان أمنة لهم لأنه لو كان نوما ~~ثقيلا لهاجمهم المشركون. أى ثم أنزل عليكم - أيها المؤمنون - بعد أن ms0932 ~~أصابكم من الهم والغم ما أصابكم، أمنا كان مظهره نعاسا اطمأنت معه نفوسكم ~~واستراحت معه أبدانكم من غير فزع ولا قلق، وكان هذا الأمان والاطمئنان ~~لطائفة معينة منكم أخلصت جهادها لله، وخافت مقام ربها ونهت نفسها عن ~~الهوى. # قال ابن كثير يقول - تعالى - ممتنا على المؤمنين فيما أنزل عليهم من ~~السكينة والأمنة وهو النعاس الذى غشيهم وهم مشتملون السلاح فى حال همهم ~~وغمهم والنعاس فى مثل تلك الحال دليل على الأمان، كما قال فى سورة ~~الأنفال # إذ يغشيكم النعاس أمنة منه # فعن ابن مسعود قال النعاس فى القتال من الله وفى الصلاة من الشيطان ". ~~وروى البخارى عن أبى طلحة قال كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط ~~سيفى من يدى مرارا يسقط وآخذه ويسقط وآخذه ". وقوله { نعاسا } بدل من ~~{ أمنة } أو عطف بيان. قال الفخر الرازى واعلم أن ذلك النعاس فيه ~~فوائد أحدها أنه وقع على كافة المؤمنين لا على الحد المعتاد، فكان ذلك ~~معجزة للنبى صلى الله عليه وسلم ولا شك أن المؤمنين متى شاهدوا تلك ~~المعجزة الجديدة ازدادوا إيمانا مع إيمانهم، ومتى صاروا كذلك ازداد جدهم ~~فى محاربة العدو. ووثوقهم بأن الله منجز وعده. وثانيهما أن الأرق والسهر ~~يوجبان الضعف والكلال والنوم يفيد عود القوة والنشاط واشتداد القوة ~~والقدرة. وثالثها أن الكفار لما اشتغلوا بقتل المسلمين ألقى الله النوم ~~على عين من بقى منهم لئلا يشاهدوا قتل أعزتهم فيشتد خوفهم. ورابعها أن ~~الأعداء كانوا فى غاية الحرص على قتلهم فبقاؤهم فى النوم مع السلامة فى ~~مثل تلك المعركة من أول الدلائل على أن حفظ الله وعصمته معهم وذلك مما ~~يزيل الخوف عن قلوبهم ويورثهم مزيد الوثوق بوعد الله ". هذا جانب مما ~~امتن الله به على المؤمنين من فضل ورعاية، حيث أنزل عليهم النعاس فى ~~أعقاب ما أصابهم من هموم ليكون راحة لأبدانهم، وأمانا لنفوسهم. أما غير ~~المؤمنين الصادقين فلم ينزل عليهم هذا النعاس بل بقوا فى قلقهم وحسرتهم ~~وقد عبر الله - تعالى - عنهم بقوله { وطآئفة قد أهمتهم ms0933 ~~أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن ~~الجاهلية }. وقوله { أهمتهم أنفسهم } حملتهم على ~~الهم، والهم ما يهتم له الإنسان أو ما يحزنه يقال أهمنى الأمر أى أقلقنى ~~وأزعجنى، كما يقال أهمنى الشىء، أى جعلنى مهتما به اهتماما شديدا. ~~والمعنى أن الله - تعالى - أنزل النعاس أمانا واطمئنانا للمؤمنين ~~الصادقين بعد أن أصابتهم الغموم، وهناك طائفة أخرى من الذين اشتركوا فى ~~غزوة أحد لم تكن صادقة فى إيمانها لأنها كانت لا يهمها شأن الإسلام ~~انتصر أو انهزم ولا شأن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وإنما الذى ~~كان يهمها هو شىء واحد وهو أمر نفسها وما يتعلق بذلك من الحصول على ~~الغنائم ومتع الدنيا. أو المعنى أن هذه الطائفة قد أوقعت نفسها فى الهم ~~والحزن بسبب عدم اطمئنانها وعدم صبرها، وجزعها المستمر. # وإلى هذين المعنيين أشار صاحب الكشاف بقوله { قد أهمتهم ~~أنفسهم } أى ما يهم إلا هم أنفسهم، لا هم الدين ولا هم الرسول صلى ~~الله عليه وسلم والمسلمين. وقد أوقعتهم أنفسهم وما حل بهم فى الهموم ~~والأشجان فهم فى التشاكى والتباكى ". والجملة الكريمة مستأنفة مسوقة ~~لبيان حال ضعاف الإيمان بعد أن بين - سبحانه - ما امتن به على أقوياء ~~الإيمان. وقوله { يظنون بالله غير الحق ظن ~~الجاهلية } وصف آخر لسوء أخلاق هذه الطائفة التى ضعف إيمانها، ~~وصارت لا يهمها إلا ما يتعلق بمنافعها الخاصة. أى أن هذه الطائفة لم تكتف ~~بما استولى عليها من طمع وجشع وحب لنفسها بل تجاوزت ذلك إلى سوء الظن ~~بالله بأن توهمت بأن الله - تعالى - لن ينصر رسوله صلى الله عليه وسلم ~~وأن الإسلام ليس دينا حقا وأن المسلمين لن ينتصروا على المشركين بعد ~~معركة أحد... إلى غير ذلك من الظنون الباطلة التى تتولد عند المرء الذى ~~ضعف إيمانه وصار لا يهمه إلا أمر نفسه. وقوله { يظنون بالله } ~~حال من الضمير المنصوب فى { أهمتهم } أو استئناف على وجه البيان ~~لما قبله. وقوله { غير الحق } مفعول مطلق وصف لمصدر محذوف أى ~~يظنون بالله ظنا غير الحق الذى يجب أن ms0934 يتحلى به المؤمنون إذ من شأن ~~المؤمنين الصادقين أن يستسلموا لقدر الله بعد أن يباشروا الأسباب التى ~~شرعها لهم وأن يصبروا على ما أصابهم وأن يوقنوا بأن ما أصابهم هو بتقدير ~~الله وبحكمته وبإرادته # وكل شيء عنده بمقدار # وقوله { ظن الجاهلية } بدل أو عطف بيان مما قبله. أى يظنون ~~بالله شيئا هو من شأن أهل الجاهلية الذين يتوهمون أن الله لا ينصر رسله ~~ولا يؤيد أولياءه ولا يهزم أعداءه. ثم بين - سبحانه - ما صدر عنهم من ~~كلام باطل بسبب ظنونهم السيئة فقال - تعالى - { يقولون هل لنا ~~من الأمر من شيء }. والاستفهام للإنكار بمعنى النفى، وهم ~~يريدون بهذا القول تبرئة نفوسهم من أن يكونوا سببا فيما أصاب المسلمين من ~~آلام يوم أحد، وأن الذين تسببوا فى ذلك هم غيرهم. أى يقول بعضهم لبعض ليس ~~لنا من الأمر شىء أى شىء فلسنا مسئولين عن الهزيمة التى حدثت للمسلمين فى ~~أحد لأننا لم يكن لنا رأى يطاع ولأن الله - تعالى - لو أراد نصر محمد صلى ~~الله عليه وسلم لنصره. وهذا القول قاله عبد الله بن أبى بن سلول حين ~~أخبروه بمن استشهد من قبيلة الخزرج فى غزوة أحد. وذلك أن عبد الله بن أبى ~~لما استشاره النبى صلى الله عليه وسلم فى شأن الخروج لقتال المشركين فى ~~أحد أشار عليه بأن لا يخرج من المدينة، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~خرج لقتال المشركين بناء على إلحاح بعض الصحابة. # فلما أخبر ابن أبى بمن قتل من الخزرج قال هل لنا من الأمر شىء؟ يعنى أن ~~النبى صلى الله عليه وسلم لم يقبل قوله حين أشار عليه بعدم الخروج من ~~المدينة. وقد أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرد على ~~هؤلاء الظانين بالله ظن السوء بقوله { قل إن الأمر كله ~~لله }. أى قل لهم إن تقدير الأمور كلها لله - تعالى - وحده وإن ~~العاقبة ستكون للمتقين، إلا أنه - سبحانه - قد جعل لكل شىء سببا، فمن ~~أخلص لله فى جهاده وباشر الأسباب ms0935 التى شرعها للنصر نصره الله - تعالى - ~~ومن تطلع إلى الدنيا وزينتها وخالف أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أدبه ~~الله - تعالى - بحجب نصره عنه حتى يفىء إلى رشده ويتوب توبة صادقة إلى ~~ربه، ويتخذ الوسائل التى شرعها الله - تعالى - للوصول إلى الفوز والظفر. ~~فالجملة الكريمة معترضة للرد عليهم فيما تقولوه من أباطيل. ثم كشف - ~~سبحانه - عما تخفيه نفوسهم من أمور سيئة فقال { يخفون في ~~أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من ~~الأمر شيء ما قتلنا هاهنا }. أى أن هؤلاء الذين أهمتهم ~~أنفسهم والذين يظنون بالله غير الحق. يخفون فى أنفسهم من الأقوال القبيحة ~~والظنون السيئة أو يقولون فيما بينهم بطريق الخفية ما لا يستطيعون إظهاره ~~أمامك. وهذه الجملة حال من الضمير فى قوله { يقولون هل لنا } ~~السابقة. وقوله { يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ~~ما قتلنا هاهنا } بيان لبعض ما يخفون أو لما يقولونه فيما ~~بينهم. أى يقولون لو كان لنا من الأمر المطاع أو المسموع شىء ما خرجنا من ~~المدينة إلى هذا المكان الذى قتل فيه أقاربنا وعشائرنا. فأنت ترى أن ~~القرآن يحكى عنهم أنهم يريدون تبرئة أنفسهم مما نزل بالمسلمين بأحد، ~~وأنهم لو كان لهم رأى مطاع لبقوا فى المدينة ولم يخرجوا منها لقتال ~~المشركين، وأن التبعة فى كل ما جرى فى غزوة أحد يتحملها النبى صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه الذين ألحوا عليه فى الخروج لقتال المشركين خارج ~~المدينة، وأن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه لو كانوا على الحق ~~لانتصروا. قال ابن جرير وذكر أن ممن قال هذا القول - { لو كان لنا ~~من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا } - معتب بن قشير من بنى ~~عمرو بن عوف. فعن عبد الله بن الزبير عن الزبير قال، والله إنى لأسمع قول ~~معتب بن قشير والنعاس يغشانى ما أسمعه إلا كالحلم حين قال { لو كان ~~لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا }. # وقد أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم بما يدفع ms0936 ~~أقوالهم الباطلة فقال { قل لو كنتم في بيوتكم لبرز ~~الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم }. وقوله { ~~لبرز } من البروز وهو الخروج من المكان الذى يستتر فيه الإنسان و ~~المضاجع جمع مضجع وهو مكان النوم. والمراد به هنا المكان الذى استشهد فيه ~~من استشهد من المسلمين. والمعنى قل يا محمد لهؤلاء الذين يقولون لو كان ~~لنا من الأمر شىء ما قتل أقاربنا فى هذا المكان من جبل أحد. قل لهم لو ~~كنتم فى بيوتكم ومنازلكم بالمدينة ولم تخرجوا للقتال بجملتكم، لخرج لسبب ~~من الأسباب الداعية إلى الخروج الذين كتب عليهم القتل فى اللوح المحفوظ ~~إلى مضاجعهم أى أماكن قتلهم التى قدر الله لهم أن يقتلوا فيها لأنه ما من ~~نفس تموت إلا بإذن الله وبإرادته، ولن يستطيع أحد أن ينجو من قدر الله ~~المحتوم وقضائه النافذ، فإن الحذر لا يدفع القدر، والتدبير لا يقاوم ~~التقدير # وما تدري نفس بأي أرض تموت # وفى هذا الرد مبالغة فى إبطال ما قاله هؤلاء الذين يظنون بالله الظنون ~~السيئة حيث لم يقتصر - سبحانه - على تحقيق القتل نفسه متى قدره بل عين ~~مكانه - أيضا -. ثم بين - سبحانه - بعض الحكم من وراء ما حدث للمسلمين ~~فى أحد فقال { وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ~~ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور }. والابتلاء ~~الاختبار، وهو هنا كناية عن أثره، وهو إظهاره للناس ليتميز قوى الإيمان ~~من ضعيفه. والتمحيص تخليص الشىء مما يخالطه مما فيه عيب له. والجملة ~~معطوفة على كلام سابق يفهم من السياق. والتقدير نزل بكم ما نزل من ~~الشدائد فى أحد لتتعودوا تحمل الشدائد والمحن، وليعاملكم - سبحانه - ~~معاملة المختبر لنفوسكم، فيظهر ما تنطوى عليه من خير أو شر، حتى يتبين ~~الخبيث من الطيب وليخلص ما فى قلوبكم ويزيل ما عساه يعلق بها من أدران، ~~ويطهرها مما يخالطها من ظنون سيئة - فإن القلوب يخالطها بحكم العادة ~~وتزيين الشيطان واستيلاء الغفلة وحب الشهوات. ما يضاد ما أودع الله فيها ~~من إيمان وإسلام وبر وتقوى. فلو تركت فى عافية ms0937 دائمة مستمرة لم تتخلص من ~~هذه المخالطة، ولم تتمحص من الآثام فاقتضت حكمة الله - تعالى - أن ينزل ~~بها من المحن والبلاء ما يكون بالنسبة لها كالدواء الكريه لمن عرض له ~~داء. وقوله { والله عليم بذات الصدور } أى عليم بأسرارها ~~وضمائرها الخفية التى لا تفارقها فهو القائل # إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في ~~السمآء # وهو القائل # وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى # ثم أخبر - سبحانه - عن الذين لم يثبتوا مع النبى صلى الله عليه وسلم يوم ~~أحد، وبين السبب فى ذلك وفتح لهم باب عفوه فقال { إن الذين ~~تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما ~~استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا ~~الله عنهم إن الله غفور حليم }. # وقوله { تولوا } من التولى ويستعمل هذا اللفظ بمعنى الإقبال ~~وبمعنى الإدبار فإن كان متعديا بنفسه كان بمعنى الإقبال كما فى قوله - ~~تعالى - # ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا # وإذا كان متعديا بعن أو غير متعد أصلا كان بمعنى الإعراض كما فى الآية ~~التى معنا. والتولى الذى وقع فيه من ذكرهم الله - تعالى - فى الآية التى ~~معنا يتناول الرماة الذين تركوا أماكنهم التى أمرهم الرسول صلى الله عليه ~~وسلم بالبقاء فيها لحماية ظهور المسلمين كما يتناول الذين لم يثبتوا ~~بجانب النبى صلى الله عليه وسلم بل فروا إلى الجبل أو إلى غيره عندما ~~اضطربت الصفوف. ولقد حكى لنا التاريخ أن هناك جماعة من المسلمين ثبتت إلى ~~جانب النبى صلى الله عليه وسلم بدون وهن أو ضعف وقد أصيب ممن كان حوله ~~أكثر من ثلاثين، وكلهم يفتدى النبى صلى الله عليه وسلم بنفسه ويقول وجهى ~~لوجهك الفداء ونفسى لنفسك الفداء. وعليك السلام غير مودع. ومعنى { ~~استزلهم الشيطان } طلب لهم الزلل والخطيئة، أو حملهم عليها ~~بوسوسته لهم أن يخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم بالثبات فى ~~مواقفهم التى عينها لهم، فكانت مخالفتهم لرسولهم وقائدهم طاعة للشيطان. ~~فحرمهم الله تأييده وتقوية قلوبهم. قال الراغب استزله إذا تحرى زلته، ~~وقوله - تعالى ms0938 - { إنما استزلهم الشيطان ببعض ما ~~كسبوا } أى استجرهم الشيطان حتى زلوا، فإن الخطيئة الصغيرة إذا ترخص ~~الإنسان فيها تصير مسهلة لسبيل الشيطان على نفسه، والزلة فى الأصل ~~استرسال الرجل من غير قصد ". والمراد بالزلة هنا ما حدث منهم من مخالفة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وقد ترتب عليها هزيمتهم. والمعنى إن الذين ~~تولوا منكم - يا معشر المؤمنين - عن القتال أو تركوا أماكنهم فلم يثبتوا ~~فيها طلبا للغنيمة يوم التقيتم بالمشركين فى معركة أحد { إنما ~~استزلهم الشيطان } أى طلب منهم الزلل والمعصية، ودعاهم إليها ~~بمكر منه وكان ذلك { ببعض ما كسبوا } أى بسبب بعض ما اكتسبوه من ~~ذنوب، لأن نفوسهم لم تتجه بكليتها إلى الله فترتب على ذلك أن منعوا النصر ~~والتأييد وقوة القلب والثبات. قال ابن القيم " كانت أعمالهم جندا عليهم ~~ازداد بها عدوهم قوة. فإن الأعمال جند للعبد وجند عليه ولا بد للعبد فى ~~كل وقت من سرية من نفسه تهزمه أو تنصره. فهو يمد عدوه بأعماله من حيث يظن ~~أنه يقاتل بها، ويبعث إليه سرية تغزوه مع عدوه من حيث يظن أنه يغزو عدوه. # فأعمال العبد تسوقه قسرا إلى مقتضاها من الخير والشر والعبد لا يشعر أو ~~يشعر ويتعامى. ففرار الإنسان من عدوه وهو يطيقه إنما هو بجند من عمله ~~بعثه له الشيطان واستزله به ". ثم أخبر - سبحانه - أنه قد عفا عن هؤلاء ~~الزالين، حتى تكون أمامهم الفرصة لتطهير نفوسهم. وبعثها على التوبة ~~الصادقة والإخلاص لله رب العالمين، فقال - تعالى - { ولقد عفا ~~الله عنهم إن الله غفور حليم }. أى ولقد عفا - سبحانه ~~- عنهم لصدق توبتهم وندمهم على ما فرط منهم، لأن فرارهم لم يكن عن نفاق، ~~بل كان عارضا عرض لهم عندما اضطربت الصفوف واختلطت الأصوات ثم عادوا إلى ~~صفوف الثابتين من المؤمنين ليكونوا معهم فى قتال أعدائهم. ولقد أكد الله ~~- تعالى - هذا العفو بلام التأكيد وبقد المفيدة للتحقيق، وبوصفه - سبحانه ~~- لذاته بالمغفرة فإن هذا الوصف يؤكد أن العفو شأن من شئونه، وبوصفه - ~~سبحانه - لذاته بالحلم، فإن هذا ms0939 الوصف يفيد أنه لا يعاجل عباده بالعقاب، ~~بل إن ما أصابهم من مصائب فهو بسبب ما اقترفوه من ذنوب ويعفو - سبحانه - ~~عن كثير. وصدق الله إذ يقول # ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ~~ظهرها من دآبة # وقد أكد - سبحانه - شأن هذا العفو لتذهب عن نفوس هؤلاء الذين استزلهم ~~الشيطان حيرتها ولتتخلع عن الماضى، ولتستقبل الحاضر والمستقبل بقلوب ~~عامرة بالإيمان، وبنفوس متغلبة على أهوائها مطيعة لتعاليم دينها. وبذلك ~~نرى الآية الكريمة قد بينت للمؤمنين بعض الأسباب الظاهرة والخفية لما ~~أصابهم فى أحد، وفتحت لهم باب التوبة لتطهير أنفسهم، وأخبرتهم بعفو الله ~~عنهم، وفى ذلك ما فيه من عظات وعبر لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو ~~شهيد. وبعد هذا الحديث الحكيم عن أحداث معركة أحد، وعما تم للمسلمين فى ~~أولها من نصر، ثم عما جرى لهم بعد ذلك من اضطراب وتفرق بسبب مخالفة بعضهم ~~لوصايا نبيهم صلى الله عليه وسلم. بعد كل ذلك وجه القرآن نداء إلى ~~المؤمنين نهاهم عن التشبه بالكافرين وعن الاستماع إلى أباطيلهم وحضهم فيه ~~على مواصلة الجهاد فى سبيل الله، حتى تكون كلمة الله هى العليا وأخبرهم ~~بأن الآجال بيد الله، وأن موتهم من أجل الدفاع عن الحق أشرف لهم من ~~الحياة الذليلة. استمع إلى القرآن وهو يصور هذه المعانى بأسلوبه البليغ ~~فيقول { يأيها الذين آمنوا... }. ### || [3.156-158] # فقوله { يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين ~~كفروا وقالوا لإخوانهم } الخ كلام مستأنف قصد به تحذير ~~المؤمنين من التشبه بالكافرين ومن الاستماع إلى أقوالهم الذميمة. والمراد ~~بالذين كفروا المنافقون كعبد الله بن أبى بن سلول وأشباهه من المنافقين ~~الذين سبق للقرآن أن حكى عنهم أنهم قالوا # لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا # وإنما ذكرهم بصفة الكفر للتصريح بمباينة حالهم لحال المؤمنين وللتنفير ~~عن مماثلتهم ومسايرتهم. وقيل المراد بهم جميع الكفار. والمراد بإخوانهم ~~إخوانهم فى الكفر والنفاق والمذهب أو فى النسب وقوله { إذا ضربوا ~~في الأرض } أى سافروا فيها للتجارة أو غيرها فماتوا. وأصل ms0940 الضرب ~~إيقاع شىء على شىء ثم استعمل فى السير، لما فيه من ضرب الأرض بالأرجل، ثم ~~صار حقيقة فيه. وقوله { غزى } جمع غاز كراكع وركع، وصائم وصوم، ونائم ~~ونوم. والمعنى يا من آمنتم بالله واليوم الآخر لا تكونوا كالذين كفروا ~~وقالوا بفزع وجزع من أجل إخوانهم الذين فقدوهم بسبب سفرهم للتجارة أو ~~بسبب غزوهم فى سبيل الله. قالوا على سبيل التفجع لو كان هؤلاء الذين ~~ماتوا فى السفر أو الغزو مقيمين معنا، أو ملازمين بيوتهم، ولم يضربوا فى ~~الأرض ولم يغزوا فيها لبقوا أحياء ولما ماتوا أو قتلوا. وقولهم هذا يدل ~~على جبنهم وعجزهم، كما يدل على ضعف عقولهم وعدم إيمانهم بقضاء الله ~~وقدره، إذ لو كانوا مؤمنين بقضاء الله وقدره لعلموا أن كل شىء عنده ~~بمقدار، وأن العاقل هو الذى يعمل ما يجب عليه بجد وإخلاص ثم يترك بعد ذلك ~~النتائج لله يسيرها كيف يشاء. وقولهم هذا بجانب ذلك يدل على سوء نيتهم، ~~وخبث طويتهم، لأنهم قصدوا به تثبيط عزائم المجاهدين عن الجهاد، وعن السعى ~~فى الأرض من أجل طلب الرزق الذى أحله الله. والنهى فى قوله - تعالى { لا ~~تكونوا كالذين كفروا } يشعر بالتفاوت الشديد بين المقامين ~~مقام الإيمان ومقام الكفران، وأنه لا يليق بالمؤمن أن ينحدر إلى المنحدر ~~الدون وهو التشبه بالكافرين، بعد أن رفعه الله بالإيمان إلى أعلى عليين، ~~وفى هذا تقبيح للمنهى عنه بأبلغ وجه وبأدق تصوير. واللام فى قوله { ~~لإخوانهم } يرى صاحب الكشاف أنها للتعليل فقد قال قوله { ~~وقالوا لإخوانهم } أى لأجل إخوانهم، كقوله - تعالى - # وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ~~ما سبقونآ إليه # ويجوز أن تكون اللام للدلالة على موضع الخطاب، ويكون المعنى لا تكونوا ~~أيها المؤمنون كهؤلاء الذين كفروا وقالوا لإخوانهم الأحياء لو كان أولئك ~~الذين فقدناهم ملازمين لبيوتهم ولم يضربوا فى الأرض ولم يغزوا لما أصابهم ~~ما أصابهم من الموت أو القتل. قال الفخر الرازى ما ملخصه فإن قيل إن قوله ~~{ قالوا لإخوانهم } يدل على الماضى، وقوله { إذا ضربوا ~~في ms0941 الأرض } يدل على المستقبل فكيف الجمع بينهما؟ فالجواب من وجوه ~~أولها أن قوله { قالوا } تقديره يقولون، فكأنه قيل لا تكونوا كالذين ~~كفروا ويقولون لإخوانهم كذا وكذا. # .. وإنما عبر عن المستقبل بلفظ الماضى للتأكيد وللإشعار بأن جدهم فى ~~تقرير الشبهة قد بلغ الغاية، وصار بسبب ذلك الجد ينظر إلى هذا المستقبل ~~كالكائن الواقع. وثانيها أن الكلام خرج على سبيل حكاية الحال الماضية. ~~والمعنى أن إخوانهم إذا ضربوا فى الأرض، فالكافرون يقولون لو كانوا عندنا ~~ما ماتوا وما قتلوا، فمن أخبر عنهم بعد ذلك فلا بد أن يقول قالوا. ~~وثالثها قال " قطرب " كلمة " إذ " و " وإذا يجوز إقامة كل واحدة منهما ~~مقام الأخرى وهو حسن لأنا إذا جوزنا إثبات اللغة بشعر مجهول، فلأن يجوز ~~إثباتها بالقرآن العظيم أولى ". وقوله { أو كانوا غزى } معطوف ~~على { ضربوا في الأرض } من عطف الخاص بعد العام، اعتناء به لأن ~~الغزو هو المقصود فى هذا المقام وما قبله توطئة له. قالوا على أنه قد ~~يوجد الغزو بدون الضرب فى الأرض بناء على أن المراد بالضرب فى الأرض ~~السفر البعيد، فيكون على هذا بين الضرب فى الأرض وبين الغزو خصوص وعموم ~~من وجه. وإنما لم يقل أو غزوا للإيذان باستمرار اتصافهم بعنوان كونهم ~~غزاة، أو لا نقضاء ذلك، أى كانوا غزاة فيما مضى. وقوله { لو كانوا ~~عندنا ما ماتوا وما قتلوا } فى محل نصب مقول القول. ثم بين ~~- سبحانه - ما ترتب على أقوالهم من عواقب سيئة فقال { ليجعل الله ~~ذلك حسرة في قلوبهم }. والحسرة - كما يقول الراغب - هى غم ~~الإنسان على ما فاته، والندم عليه كأنه انحسر عنه الجهل الذى حمله على ~~ما ارتكبه، أو انحسرت قواه - أى انسلخت - من فرط الغم، وأدركه إعياء عن ~~تدارك ما فرط ". فالحسرة هى الهم المضنى الذى يلقى على النفس الحزن ~~المستمر والألم الشديد، واللام فى قوله { ليجعل } هى التى تسمى بلام ~~العاقبة، وهى متعلقة بقالوا أى قالوا ما قالوا لغرض من أغراضهم التى ~~يتوهمون من ورائها منفعتهم ومضرة المؤمنين فكان عاقبة ms0942 قولهم ومصيره إلى ~~الحسرة والندامة لأن المؤمنين الصادقين لن يلتفتوا إلى هذا القول. بل ~~سيمضون فى طريق الجهاد الذى كتبه الله عليهم وسيكون النصر الذى وعدهم ~~الله إياه حليفهم وبذلك يزداد الكافرون المنافقون حسرة على حسرتهم. ويجوز ~~أن تكون اللام للتعليل ويكون المعنى ان الله - تعالى - طبع الكفار على ~~هذه الأخلاق السيئة بسبب كفرهم وضلالهم لأجل أن يجعل الحسرة فى قلوبهم ~~والغم فى نفوسهم والضلال بهذه الأقوال والأفعال فى عقولهم. # قال صاحب الكشاف فإن قلت ما متعلق ليجعل؟ قلت قالوا. أى قالوا ذلك ~~واعتقدوه ليكون حسرة فى قلوبهم على أن اللام مثلها فى # ليكون لهم عدوا وحزنا # أو لا تكونوا بمعنى لا تكونوا مثلهم فى النطق بذلك القول واعتقاده ~~ليجعله الله حسرة فى قلوبهم خاصة ويصون منها قلوبكم. فإن قلت ما معنى ~~إسناد الفعل إلى الله؟ قلت معناه أن الله - تعالى - عند اعتقادهم ذلك ~~المعتقد الفاسد يضع الغم والحسرة فى قلوبهم ويضيق صدورهم عقوبة لهم.. كما ~~قال - تعالى - # ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ~~كأنما يصعد في السمآء # ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى ما دل عليه النهى، أى لا تكونوا مثلهم ~~ليجعل الله انتفاء كونكم مثهلم حسرة فى قلوبهم لأن مخالفتهم فيما يقولون ~~ويعتقدون ومضادتهم مما يغمهم ويغيظهم ". والجعل هنا بمعنى التصيير، وقوله ~~{ حسرة } مفعول ثان له، وقوله، { في قلوبهم } متعلق بيجعل. ~~وذكر القلوب مع أن الحسرة لا تكون إلا فيها، لإرادة التمكن، والإيذان ~~بعدم الزوال. وقوله { والله يحيي ويميت والله بما ~~تعملون بصير } رد على قولهم الباطل أثر بيان سوء عاقبته وحض ~~للمؤمنين على الجهاد فى سبيل الله وترغيب لهم فى العمل الصالح، أى أن ~~الأرواح كلها بيد الله يقبضها متى شاء، ويرسلها متى شاء فالقعود فى ~~البيوت لا يطيل الآجال كما أن الخروج للجهاد فى سبيل الله أو للسعى فى ~~طلب الرزق لا ينقصها وما دام الأمر كذلك فعلى العاقل أن يسارع إلى الجهاد ~~من أجل إعلاء كلمة الله، وأن يسعى فى الأرض ذات الطول ms0943 والعرض ليأكل من ~~رزق الله وأن يباشر الأسباب التى شرعها الله بدون عجز أو كسل وليعلم أن ~~الله مطلع على أعمال الناس وأقوالهم وسيجازيهم عليها يوم القيامة بما ~~يستحقون من خير أو شر. ثم رد الله - تعالى - على أولئك الكافرين برد آخر، ~~فيه تثبيت للمؤمنين، وترغيب لهم فى الجهاد فقال { ولئن قتلتم } ~~أيها المؤمنون وأنتم تجاهدون { في سبيل الله أو متم } على ~~فراشكم بدون قتل بعد أن أديتم رسالتكم فى الحياة على أكمل وجه، وأطعتم ~~ربكم فيما أمركم به أو نهاكم عنه لنلتم مغفرة من الله - تعالى - لذنوبكم ~~ولظفرتم برحمته الواسعة التى تسعدكم. وقوله { خير مما يجمعون ~~} أى خير مما يجمعه الكفرة من متع الدنيا وشهواتها الزائلة بخلاف مغفرة ~~الله ورحمته فإنهما باقيتان ولا كدر معهما ولا تعب ولا قلق. واللام فى ~~قوله { ولئن قتلتم } موطئة للقسم، أى والله لئن قتلتم فى سبيل ~~الله أو متم. وقوله { لمغفرة من الله ورحمة } جواب ~~القسم وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه ووفائه بمعناه. ثم بين - ~~سبحانه - أن مصير العباد جميعا إليه وحده فقال. # { ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون }. أى ~~ولئن متم - أيها المؤمنون - وأنتم فى بيوتكم أو فى أى مكان، أو قتلتم ~~بأيدى أعدائكم وأنتم تجاهدون فى سبيل الله، فعلى أى وجه من الوجوه كان ~~انقضاء حياتكم فإنكم إلى الله وحده جميعا تعودون وتحشرون فيجازيكم على ~~أعمالكم. فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد اشتملت على أبلغ ألوان ~~الترغيب فى الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله، لأنها قد بينت أن الحياة ~~والموت بيد الله وحده وأنه سبحانه قد يكتب الحياة للمسافر والغازى مع ~~اقتحامهما لموارد الحتوف، وقد يميت المقيم والقاعد فى بيته مع حيازته ~~لأسباب السلامة. وأن الذين يموتون على الإيمان الحق، أو يقتلون وهم ~~يجاهدون فى سبيل الله فإن لهم من مغفرة الله ورحمته ما هو خير مما يجمعه ~~الكافرون من حطام الدنيا. وأن جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم سيعودون إلى ~~الله ليجازيهم على أعمالهم يوم الدين. قال الفخر ms0944 الرازى واعلم أن فى قوله ~~{ لإلى الله تحشرون } دقائق أحداها أنه لم يقل تحشرون إلى الله، ~~بل قال لإلى الله تحشرون، وهذا يفيد الحصر، وهذا يدل على أنه لا حاكم فى ~~ذلك اليوم ولا نافع ولا ضار إلا هو. وثانيهما أنه ذكر من أسمائه هذا ~~الاسم، وهذا الاسم أعظم الأسماء وهو دال على كمال الرحمة. وكمال القهر، ~~فهو لدلالته على كمال الرحمة أعظم أنواع الوعد، ولدلالته على كمال القهر ~~أشد أنواع الوعيد. وثالثها أن قوله { تحشرون } فعل لم يسم فاعله، مع ~~أن فاعل ذلك الحشر هو الله وإنما لم يقع التصريح به لأنه - تعالى - هو ~~العظيم الكبير الذى شهدت العقول بأنه هو الذى يبدىء ويعيد، ومنه الإنشاء ~~والإعادة فترك التصريح فى مثل هذا الموضع أدل على العظمة. ورابعها أن ~~قوله { تحشرون } خطاب مع الكل فهو يدل على أن جميع العاملين، يحشرون ~~إلى الله فيجتمع المظلوم مع الظالم والمقتول مع القاتل، والله - تعالى - ~~هو الذى يتولى الحكم بينهم. وقبل أن تتم السورة حديثها مع الذين آمنوا عن ~~أحداث غزوة أحد وما دار فيها من نصر وهزيمة، وعن الأسباب الظاهرة والخفية ~~لذلك. أخذت فى بيان حال النبى صلى الله عليه وسلم وما كان عليه من قيادة ~~حكيمة وأخلاق كريمة، وأنه - صلى لله عليه وسلم - لم يقابل مخالفة ~~المخالفين له والفارين عنه بالانتقام منهم وإنزال العقوبات بهم وإنما ~~قابل ذلك بالحلم واللين والسياسة الرشيدة. فقال - تعالى - { فبما ~~رحمة... }. ### || [3.159-164] # الخطاب فى قوله - تعالى - { فبما رحمة من الله لنت ~~لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من ~~حولك }... ألخ للنبى صلى الله عليه وسلم. والفاء لترتيب الكلام على ~~ما ينبىء عنه السياق من استحقاق الفارين والمخالفين للملامة والتعنيف ~~منه. صلى الله عليه وسلم بمقتضى الجبلة البشرية. والباء هنا للسببية، و " ~~ما " مزيدة للتأكيد ولتقوية معنى الرحمة " لنت " من لان يلين لينا وليانا ~~بمعنى الرفق وسعة الخلق و " الفظ " الغليظ الجافى فى المعاشرة قولا ~~وفعلا. وأصل الفظ - كما يقول الراغب - ماء الكرش وهو مكروه شربه ms0945 بمقتضى ~~الطبع ولا يشرب إلا فى أشد حالات الضرورة. وغلظ القلب عبارة عن قسوته ~~وقلة تأثره من الغلظة ضد الرقة، وتنشأ عن هذه الغلظة الفظاظة والجفاء. ~~والمعنى فبسبب رحمة عظيمة فياضة منحك الله إياها يا محمد كنت لينا مع ~~أتباعك فى كل أحوالك، ولكن بدون إفراط أو تفريط، فقد وقفت من أخطائهم ~~التى وقعوا فيها فى غزوة أحد موقف القائد الحكيم الملهم فلم تعنفهم على ~~ما وقع منهم وأنت تراهم قد استغرقهم الحزن والهم.. بل كنت لينا رفيقا ~~معهم. وهكذا القائد الحكيم لا يكثر من لوم جنده على أخطائهم الماضية، لأن ~~كثرة اللوم والتعنيف قد تولد اليأس، وإنما يلتفت إلى الماضى ليأخذ منه ~~العبرة والعظة لحاضره ومستقبله ويغرس فى نفوس الذين معه ما يحفز همتهم ~~ويشحذ عزيمتهم ويجعلهم ينظرون إلى حاضرهم ومستقبلهم بثقة واطمئنان وبصيرة ~~مستنيرة. وإن الشدة فى غير موضعها تفرق ولا تجمع وتضعف ولا تقوى، وذا قال ~~- تعالى - { ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من ~~حولك }. أى ولو كنت - يا محمد - كريه الخلق، حشن الجانب، جافيا فى ~~أقوالك وأفعالك، قاسى القلب لا تتأثر لما يصيب أصحابك... ولو كنت كذلك { ~~لانفضوا من حولك } أى لتفرقوا عنك ونفروا منك ولم يسكنوا ~~إليك. فالجملة الكريمة تنفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون فظا أو ~~غليظا، لأن " لو " تدل على نفى الجواب لنفى الشرط. أى أنك لست - يا محمد ~~- فظا ولا غليظ القلب ولذلك التف أصحابك من حولك يفتدونك بأرواحهم وبكل ~~مرتخص وغال، ويحبونك حبا يفوق حبهم لأنفسهم ولأولادهم ولآبائهم ولأحب ~~الأشياء إليهم. وقال - سبحانه - { ولو كنت فظا غليظ ~~القلب } لينفى عنه صلى الله عليه وسلم القسوة والغلظة فى الظاهر ~~والباطن إذ القسوة الظاهرية تبدو أكثر ما تبدو فى الفظاظة التى هى خشونة ~~الجانب، وجفاء الطبع، والقسوة الباطنية تكون بسبب يبوسة القلب، وغلظ ~~النفس وعدم تأثرها بما يصيب غيرها. # والرسول صلى الله عليه وسلم كان مبرأ من كل ذلك، ويكفى أن الله - تعالى ~~- قد قال فى وصفه # لقد جآءكم رسول ms0946 من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم # وقال عبد الله بن عمرو بن العاص إنى أرى صفة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فى الكتب المتقدمة. إنه ليس بفظ، ولا غليظ ولا صخاب فى الأسواق، ولا ~~يجزى بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح. ولقد كان من أخلاقه صلى الله عليه ~~وسلم مداراة الناس إلا أن يكون فى المداراة حق مضيع فعن عائشة رضى الله ~~عنها، قالت # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أمرنى بمداراة الناس كما ~~أمرنى بإقامة الفرائض ". # ثم أمر الله تعالى، بما يترتب على الرفق والبشاشة فقال { فاعف ~~عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر }. فالفاء هنا ~~تفيد ترتيب ما بعدها على ما قبلها، أى أنه يترتب على لين جانبك مع ~~أصحابك، ورحمتك بهم، أن تعفو عنهم فيما وقعوا فيه من أخطاء تتعلق بشخصك ~~أو ما وقعوا فيه من مخالفات أدت إلى هزيمتهم فى أحد، فقد كانت زلة منهم ~~وقد أدبهم الله عليها. وأن تلتمس من الله تعالى، أن يغفر لهم ما فرط ~~منهم، إذ فى إظهارك ذلك لهم تأكيد لعفوك عنهم، وتشجيع لهم على الطاعة ~~والاستجابة لأمرك. وأن تشاورهم فى الأمر أى فى أمر الحرب ونحوه مما تجرى ~~فيه المشاورة فى العادة من الأمور التى تهم الأمة. وقد جاءت هذه الأوامر ~~للنبى صلى الله عليه وسلم، على أحسن نسق، وأحكم ترتيب، لأن الله تعالى ~~أمره أولا بالعفو عنهم فيما يتعلق بخاصة نفسه، فإذا ما انتهوا إلى هذا ~~المقام، أمره بأن يستغفر لهم ما بينهم وبين الله تعالى، لتنزاح عنهم ~~التبعات، فإذا صاروا إلى هذه الدرجة، أمره بأ يشاورهم فى الأمر لأنهم قد ~~أصبحوا أهلا لهذه المشاورة. ولقد تكلم العلماء كلاما طويلا عن حكم ~~المشورة وعن معناها، وعن فوائدها، فقد قال القرطبى ما ملخصه والاستشارة ~~مأخوذة من قول العرب شرت الدابة وشورتها، إذا علمت خبرها وحالها ~~يجرى أو غيره.. وقد يكون من قولهم شرت العسل واشترته، إذا أخذته من ~~موضعه. ثم قال واختلف ms0947 أهل التأويل فى المعنى الذى أمر الله نبيه صلى الله ~~عليه وسلم أن يشاور فيه أصحابه فقالت طائفة ذلك فى مكائد الحروب، وعند ~~لقاء العدو، تطييبا لنفوسهم ورفعا لأقدارهم وإن كان الله - تعالى - قد ~~أغناه عن رأيهم بوحيه. وقال آخرون ذلك فيما لم يأته فيه وحى. فقد قال ~~الحسن ما أمر الله - تعالى - نبيه بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم، وإنما ~~أراد أن يعلمهم ما فى المشاورة من الفضل وليقتدى به أمته من بعده. # ثم قال والشورى من قواعد الشريعة، وعزائم الأحكام، والذى لا يستشير اهل ~~العلم والدين - والخبرة - فعزله واجب وهذا لا خلاف فيه. وقد استشار النبى ~~صلى الله عليه وسلم أصحابه فى كثير من الأمور، وقال # " المستشار مؤتمن " # وقال # " ما ندم من استشار ولا خاب من استخار " # وقال # " ما شقى قط عبد بمشورة وما سعد باستغناء رأى ". # وقال البخارى " وكانت الأمة بعد النبى صلى الله عليه وسلم يستشيرون ~~الأمناء من أهل العلم فى الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها ". وقال الفخر ~~الرازى ما ملخصه " اتفقوا على أن كل ما نزل فيه وحى من عند الله لم يجز ~~للرسول صلى الله عليه وسلم أن يشاور فيه الأمة، لأنه إذا جاء النص بطل ~~الرأى والقياس، فأما ما لا نص فيه فهل تجوز المشاورة فيه فى جميع الأشياء ~~أولا؟ قال بعضهم هذا الأمر مخصوص بالمشاورة فى الحروب، لأن الألف واللام ~~فى لفظ " الأمر " تعود على المعهود السابق وهو ما يتعلق بالحروب - إذ ~~الكلام فى غزوة أحد -. وقال آخرون اللفظ عام خص منه ما نزل فيه وحى فتبقى ~~حجته فى الباقى وظاهر الأمر فى قوله { وشاورهم } للوجوب وحمله ~~الشافعى على الندب... والحق أن الشورى أصل من أصول الحكم فى الإسلام، ~~وقد استشار النبى صلى الله عليه وسلم أصحابه فى غزوات بدر وأحد والأحزاب ~~وفى غير ذلك من الأمور التى تتعلق بمصالح المسلمين، وسار على هذا المنهج ~~السلف الصالح من هذه الأمة. ولقد كان عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - ~~يكتب لعماله يأمرهم بالتشاور وبتمثل لهم ms0948 فى كتبه بقول الشاعر # خليلى ليس الرأى فى صدر واحد أشيرا على بالذى تريان # وقد تمدح الحكماء والشعراء بفضيلة الشورى وما يترتب عليها من خير ومنفعة ~~ومن ذلك قول بشار بن برد # إذا بلغ الرأى المشورة فاستعن برأى نصيح أو نصيحة حازم ولا تحسب الشورى ~~عليك غضاضة فإن الخوافى قوة للقوادم # والحكام العقلاء المنصفون المتحرون للحق والعدل هم الذين يقيمون حكمهم ~~على مبدأ الشورى ولا يعادى الشورى من الحكام إلا أحد اثنين إما رجل قد ~~أصيب بداء الغرور والتعالى، فهو يتوهم أن قوله هو الحق الذى لا يخالطه ~~باطل، وأنه ليس محتاجا إلى مشورة غيره وإما رجل ظالم مستبد مجانب للحق، ~~فهو ينفذ ما يريده بدون مشورة أحد لأنه يخشى إذا استشار غيره أن يطلع ~~الناس على ظلمه وجوره وفجوره. هذا ومتى تمت المشورة على أحسن الوجوه ~~وأصلحها واستقرت الأمور على وجه معين، فعلى العاقل أن يمضى على ما استقر ~~عليه الرأى بدون تردد أو تخاذل، ولذا قال - سبحانه - { فإذا عزمت ~~فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين }. ~~أى فإذا عقدت نيتك على إتمام الأمر وإمضائه بعد المشاورة السليمة وبعد أن ~~تبين لك وجه السداد فيما يجب أن تسلكه فبادر بتنفيذ ما عقدت العزم على ~~تنفيذه، و { توكل على الله } أى اعتمد عليه فى الوصول إلى ~~غايتك، فإن الله - تعالى - يحب المعتمدين عليه، المفوضين أمورهم إليه مع ~~مباشرة الأسباب التى شرعها لهم لكى يصلوا إلى مطلوبهم. # فالجملة الكريمة تأمر النبى صلى الله عليه وسلم وتأمر كل من يتأتى له ~~الخطاب بأن يبذل أقصى جهده لمعرفة ما هو صواب بأن يستشير أهل الخبرة كل ~~فى مجال تخصصه فإذا ما استقر رأيه على وجهة نظر معينة - بعد أن درسها ~~دراسة فاحصة واستشار العقلاء الأمناء فيها - فعليه أن يبادر إلى تنفيذها ~~بدون تردد فإن التردد يضيع الأوقات والتأخر كثيرا ما يحول الحسنات إلى ~~سيئات وعليه مع حسن الاستعداد أن يكون معتمدا على الله، مظهرا العجز أمام ~~قدرته - سبحانه - لأنه هو الخالق للأسباب والمسببات ms0949 وهو القادر على ~~تغييرها. وكم من أناس اعتمدوا على قوتهم وحدها، أو على مباشرتهم للأسباب ~~وحدها دون أن يجعلوا للاعتماد على الله مكانا فى نفوسهم، فكانت نتيجتهم ~~الفشل والخذلان وكانت الهزيمة المنكرة المرة التى اكتسبوها بسبب غرورهم ~~وفجورهم وفسوقهم عن أمر الله. ورحم الله القائل # إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجنى عليه اجتهاده # ولقد أكد الله - تعالى - وجوب التوكل عليه بعد ذلك فى قوله { إن ~~ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا ~~الذي ينصركم من بعده }؟ والمراد بالنصر هنا العون الذى ~~يسوقه لعباده حتى ينتصروا على أعدائهم. والمراد بالخذلان ترك العون. ~~والمخذول، هو المتروك الذى لا يعبأ به. يقال خذلت الوحشية إذا أقامت على ~~ولدها فى المرعى وتركت صواحباتها. والمعنى إن يرد الله - تعالى - نصركم ~~كما نصركم يوم بدر - { فلا غالب لكم } أى فإنه لا يوجد قوم ~~يستطيعون قهركم، لأن الله معكم، ومن كان الله معه فلن يغلبه أحد من ~~الخلق. وإن يرد أن يخذلكم ويمنع عنكم عونه كما حدث لكم يوم أحد، فلن ~~يستطيع أحد أن ينصركم من بعد خذلانه، لأنه لا يوجد أحد عنده قدرة تقف ~~أمام قدرة الله - تعالى - ومشيئته. والاستفهام هنا إنكارى بمعنى النفى، ~~أى لا أحد يستطيع نصركم إن أراد الله خذلانكم، وهو جواب للشرط الثانى. ~~وفيه لطف بالمؤمنين، حيث صرح لهم بعدم الغلبة فى الأول، ولم يصرح لهم ~~بأنهم لا ناصر لهم فى الثانى، بل أتى به فى صورة الاستفهام وإن كان معناه ~~نفيا ليكون أبلغ، إذ فى مجيئه على هذه الصورة الاستفهامية توجيه لأنظار ~~المخاطبين إلى البحث عن قوى تكون قدرته كافية للوقوف أمام إرادة الله - ~~تعالى - ولا شك أنهم لن يجدوه، وعندئذ سيعتقدون عن يقين بأن الله وحده هو ~~الكبير المتعال، وأنه لا ناصر لهم سواه. # وقوله { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } أى وعلى الله ~~وحده لا على احد سواه. فليجعل المؤمنون اعتمادهم واتكالهم عليه، لأن ~~الذين يعتمدون على أى قوة سوى الله - تعالى - لن يصلوا إلى ms0950 العاقبة ~~الطيبة التى أعدها - سبحانه - لعباده المتقين. فالآية الكريمة كلام ~~مستأنف، وقد سيق بطرق تلوين الخطاب، تشريفا للمؤمنين لايجاب التوكل عليه ~~والترغيب فى طاعته التى تؤدى إلى النصر، وتحذيرا لهم من معصيته التى تفضى ~~إلى الخسران والخذلان. ثم نهى - سبحانه - عن الغلول ونزه النبى صلى الله ~~عليه وسلم عن ذلك فقال - تعالى - { وما كان لنبي أن يغل ~~ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة } وقوله { ~~يغل } من الغلول وهو الأخذ من الغنيمة خفية قبل قسمتها. يقال غل فلان ~~شيئا من المغنم يغل غلولا إذا أخذه خفية. ويقال أغل الجازر أو السالخ ~~إذا أبقى فى الجلد شيئا من اللحم على طريق الخفية. وأصله من الغلل وهو ~~دخول الماء فى خلل الشجر خفية. والغل الحقد الكامن فى الصدر وسميت هذه ~~الخيانة غلولا، لأنها تجرى فى المال على خفاء من وجه لا يحل. والمعنى ما ~~صح ولا استقام لنبى من الأنبياء أن يخون فى المغنم، لأن الخيانة تتنافى ~~مع مقام النبوة الذى هو أشرف المقامات { ومن يغلل } أى ومن يرتكب ~~شيئا من ذلك، { يأت بما غل يوم القيامة } أى يأت بما ~~غله يوم القيامة حاملا إياه ليكون فضيحة له يوم الحشر، ليؤخذ بإثم غلوله ~~وخيانته. وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه ~~أبو داود والترمذى عن ابن عباس قال " نزلت هذه الآية " { وما كان ~~لنبي أن يغل } فى قطيفة حمراء فقدت يوم بدر. فقال بعض الناس ~~لعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذها، وأكثروا فى ذلك فأنزل الله ~~الآية ". وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أيضا أن المنافقين اتهموا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بشىء فقد، فأنزل الله - تعالى - { وما كان ~~لنبي أن يغل }. قال ابن كثير - بعد أن ساق هاتين الروايتين - ~~وهذا تنزيه له صلى الله عليه وسلم من جميع وجوه الخيانة فى أداء الأمانة ~~وقسمة الغنيمة وغير ذلك. وفى ورود هذه الآية الكريمة فى سياق الحديث عن ~~غزوة أحد، حكمة عظيمة، وتأديب من الله ms0951 للمؤمنين، وتحذير لهم من الغلول، ~~ذلك أن الرماة الذين تركوا أماكنهم مخالفين أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قد دفعهم لذلك خشيتهم من أن ينفرد المقاتلون بالغنائم، ففعلوا ما ~~فعلوا، ولقد روى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال للرماة # " أظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم ". # وقد نهى صلى الله عليه وسلم فى كثير من الأحاديث عن الغلول ومن ذلك ما ~~أخرجه الإمام مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة قال # " قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فذكر الغلول فعظمه ~~وعظم أمره، ثم قال لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته بعير له ~~رغاء يقول يا رسول الله أغثنى، فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد ~~أبلغتك، ولا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول ~~يا رسول الله أغثنى فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك، ولا ألفين ~~أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول يا رسول الله أغثنى ~~فأقول لا أملك من الله شيئا قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة ~~على رقبته نفس لها صياح فيقول يا رسول الله أغثنى فأقول لا أملك من الله ~~شيئا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق - ~~أى ثياب - فيقول يا رسول الله أغثنى فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد ~~أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيام على رقبته صامت - أى ذهب وفضة - ~~فيقول يا رسول الله أغثنى فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك ". # هذا، وجمهور العلماء على أن الغال يأتى بما غله يوم القيامة بعينه على ~~سبيل الحقيقة لأن ظواهر النصوص من الكتاب والنسة تؤيد ذلك. ولأنه لا موجب ~~لصرف الألفاظ عن ظواهرها. ومن العلماء من جعل الإتيان بالغلول يوم ~~القيامة مجاز عن الإتيان بإثمه تعبيرا بما غل عما لزمه من الإثم ~~مجازا. قال الفخر الرازى " واعلم أن هذا التأويل - المجازى - يحتمل، إلا ~~أن الأصل ms0952 المعتبر فى علم القرآن أنه يجب إجراء اللفظ على الحقيقة إلا إذا ~~قام دليل يمنع منه. وهنا لا مانع من هذا الظاهر فوجب إثباته ". ومن ~~المفسرين الذين حملوا الإتيان على ظاهره الإمام القرطبى فقد قال عند ~~تفسيره لقوله - تعالى - { ومن يغلل يأت بما غل يوم ~~القيامة } أى يأتى به حاملا له على ظهره ورقبته معذبا بحماه وثقله ~~ومرعوبا بصوته، وموبخا بإظهار خيانته على رءوس الاشهاد. وقال بعد ~~إيراده للحديث السابق الذى رواه مسلم عن أبى هريرة قيل الخبر محمول على ~~شهرة الأمر. أى يأتى يوم القيامة قد شهر الله أمره كما يشهر لو حمل ~~بعيرا له رغاء أو فرسا له حمحمة. قلت وهذا عدول عن الحقيقة إلى المجاز ~~والتشبيه، وإذا دار الكلام بين الحقيقة والمجاز فالحقيقة الأصل - كما فى ~~كتب الأصول - وقد أخبر النبى صلى الله عليه وسلم بالحقيقة ولا عطر بعد ~~عروس ". # ثم نبه - سبحانه - على العقوبة التى ستحل بالخائن، بعد أن بين ما سيناله ~~من فضيحة وخزى فقال { ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم ~~لا يظلمون }. أى ثم تعطى كل نفس يوم القيامة جزاء ما كسبت من خير ~~أو شر وافيا تاما، وهم لا يظلمون شيئا، لأن الحاكم بينهم هو ربك الذى ~~لا يظلم أحدا. وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها وقوله { ومن يغلل ~~} وجاء العطف بثم المفيدة للتراخى، للإشعار بالتفاوت الشديد بين حمله ما ~~غل وبين جزائه وسوء عاقبته يوم القيامة. وقال - سبحانه - { ثم ~~توفى كل نفس }... بصيغة العموم، ولم يقل ثم يوفى الغال مثلا - ~~لأن من فوائد ذكر هذا الجزاء بصيغة العموم، الاعلام والإخبار للغال ~~وغيره من جميع الكاسبين بأن كل إنسان سيجازى على عمله سواء أكان خيرا أو ~~شرا. فيندرج الغال تحت هذا العموم أيضا فكأنه قد ذكر مرتين. وإلى هذا ~~المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله فإن قلت هلا قيل ثم يوفى ما كسب ليتصل به؟ ~~قلت جىء بعام دخل تحته كل كاسب من الغال وغيره فاتصل به من حيث المعنى، ~~وهو أبلغ وأثبت، ms0953 لأنه إذا علم الغال أن كل كاسب خيرا أو شرا مجزى فموفى ~~جزاءه، علم أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب. ثم أكد - سبحانه - ~~نفى الظلم عن ذاته فقال { أفمن اتبع رضوان الله } بأن ~~واظب على ما يرضيه، والتزم طاعته، وترك كل ما نهى عنه من غلول وغيره { ~~كمن بآء بسخط من الله } أى كمن رجع بغضب عظيم عليه من الله ~~بسبب غلوله وخيانته وارتكابه لما نهى الله عنه من أقوال وأفعال؟ فالآية ~~الكريمة تفريع على قوله - تعالى - قبل ذلك { ثم توفى كل ~~نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } وتأكيد لبيان أنه لا ~~يستوى المحسن والمسىء والأمين والخائن. والاستفهام إنكارى بمعنى النفى، ~~أى لا يستوى من اتبع رضوان الله مع من باء بسخط منه. وقد ساق - سبحانه - ~~هذا الكلام الحكيم بصيغة الاستفهام الإنكارى، للتنبيه على أن عدم ~~المساواة بين المسحن والمسىء أمر بدهى واضح لا تختلف فيه العقول ~~والأفهام، وأن أى إنسان عاقل لو سئل عن ذلك لأجاب بأنه لا يستوى من اتبع ~~رضوان الله مع من رجع بسخط عظيم منه بسبب كفره أو فسقه وشبيه بهذه الآية ~~قوله - تعالى - # أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون # وقوله # أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض # والفاء فى قوله { أفمن اتبع } للعطف على محذوف والتقدير، أمن ~~اتقى فاتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله؟ ثم أعقب - سبحانه - ذكر ~~سخطه بذكر عقوبته فقال { ومأواه جهنم وبئس المصير } أى ~~أن هذا الذى رجع بغضب عظيم عليه من الله - تعالى - بسبب كفره أو فسوقه أو ~~خيانته، سيكون مثواه ومصيره إلى النار وبئس ذلك المصير الذى صار إليه ~~وكان له مرجعا ونهاية. # ثم بين - سبحانه - النتيجة التى ترتبت على عدم تساوى المحسن والمسىء ~~فقال { هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون ~~}. والضمير { هم } يعود على { من } فى قوله { أفمن اتبع ~~رضوان الله } وقوله { كمن بآء بسخط من الله } أى ~~على الفريقين. وبعضهم جعل مرجعه إلى الفريق الأول فقط. ms0954 والدرجات جمع درجة ~~وهى الرتبة والمنزلة، ومنه الدرج بمعنى السلم لأنه يصعد عليه درجة بعد ~~درجة. وأكثر ما تستعمل الدرجة فى القرآن فى المنزلة الرفيعة، كما فى قوله ~~- تعالى - # ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات # بخلاف الدركة فإنها تستعمل فى عكس ذلك، كما فى قوله - تعالى - # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار # ولذا قال الراغب " الدرك كالدرج لكن الدرج يقال اعتبارا بالصعود، والدرك ~~اعتبارا بالحدور، ولهذا قيل درجات الجنة ودركات النار ولتصور الحدور فى ~~النار سميت هاوية... ". والمعنى هم أى الأخيار الذين اتبعوا رضوان الله، ~~والأشرار الذين رجعوا بسخط منه متفاوتون فى الثواب والعقاب على حسب ~~أعمالهم كما تتفاوت الدرجات وإطلاق الدرجات على الفريقين من باب التغليب ~~للأخيار على الأشرار والمراد إن الذين اتبعوا رضوان الله يتفاوتون فى ~~الثواب الذى يمنحهم الله إياه على حسب قوة إيمانهم، وحسن أعمالهم. كما أن ~~الذين باءوا بسخط منه يتفاوتون فى العقاب الذى ينزل بهم على حسب ما ~~اقترفوه من شرور وآثام، فمن أوغل فى الشرور والآثام كان عقابه أشد من ~~عقاب من لم يفعل فعله وهكذا. والذين قالوا إن الضمير { هم } يعود على ~~الفريق الأول فقط احتجوا بأن التعبير بالدرجات يستعمل فى الغالب فى ~~الثواب، وبأن الله قد أضاف هذه الدرجات لنفسه فدل ذلك على أن المقصود ~~بقوله هم الذين اتبعوا رضوان الله. وبأن هؤلاء الذين اتبعوا رضوان الله ~~قد فضل الله بعضهم على بعض كما جاء فى بعض الآيات ومنها قوله # انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة ~~أكبر درجات وأكبر تفضيلا # والذى نراه أن عودة الضمير " هم " على الفريقين أقرب إلى الحق، لأن ~~تفاوت الدرجات موجود بين الأخيار كما أن تفاوت العقوبات موجود بين ~~الأشرار، فالذين أدوا جميع ما كلفهم الله به من طاعات ليسوا كالذين ~~اكتفوا بأداء الفرائض. والذين انحدروا فى المعاصى إلى النهاية ليسوا ~~كالذين وقعوا فى بعضها. وقوله { عند الله } أى فى حكمه وعلمه وهو ~~تشريف لهم والظرف متعلق بدرجات على المعنى، أو متعلق بمحذوف وقع صفة لها. ms0955 # أى درجات كائنة عند الله. وقوله { والله بصير بما يعملون } ~~أى مطلع على أعمال العباد صغيرها وكبيرها ظاهرها وخفيها، لا يغيب عنه ~~شىء، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه على حسب عمله، بمقتضى علمه الكامل، ~~وعدله الذى لا ظلم معه. وبعد أن نزه الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه ~~وسلم عن الغلول وعن كل نقص، وبين أن الناس متفاوتون فى الثواب والعقاب ~~على حسب أعمالهم. بعد أن بين ذلك أتبعه ببيان فضله - سبحانه - على عباده ~~فى أن بعث فيهم رسولا منهم ليخرجهم من الظلمات إلى النور فقال - تعالى - ~~{ لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم ~~رسولا من أنفسهم }. قال الرازى قال الواحدى " للمن فى كلام ~~العرب معان أحدها الذى يسقط من السماء، وهو قوله # وأنزلنا عليكم المن والسلوى # وثانيها أن تمن بما أعطيت كما فى قوله # لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى # وثالثها القطع كما فى قوله # وإن لك لأجرا غير ممنون # ورابعها الإنعام والإحسان إلى من لا تطلب الجزاء منه - وهو المراد هنا ~~". والمعنى لقد أنعم الله على المؤمنين، وأحسن إليهم { إذ بعث ~~فيهم رسولا من أنفسهم } أى بعث فيهم رسولا عظيم القدر، هو ~~من العرب أنفسهم، وهم يعرفون حسبه ونسبه وشرفه وأمانته صلى الله عليه ~~وسلم. وعلى هذا المعنى يكون المراد بقوله { من أنفسهم } أى من ~~نفس العرب، ويكون المراد بالمؤمنين مؤمنى العرب، وقد بعثه الله عربيا ~~مثلهم، ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله ومجالسته والانتفاع بتوجيهاته. ويصح ~~أن يكون معنى قوله { من أنفسهم } أنه بشر مثل سائر البشر إلا أن ~~الله - تعالى - وهبه النبوة والرسالة، ليخرج الناس - العربى منهم وغير ~~العربى - من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان، وجعل رسالته عامة فقال # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # وخص الله - تعالى - منته وفضله بالمؤمنين، لأنهم هم الذين انتفعوا بنعمة ~~الإسلام، الذى لن يقبل الله دينا سواه والذى جاء به محمد - عليه الصلاة ~~والسلام. والجملة الكريمة جواب قسم محذوف والتقدير والله { لقد من ~~الله على المؤمنين }. ثم بين - سبحانه - مظاهر هذه المنة ~~والفضل ms0956 ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم فقال { يتلوا عليهم ~~آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة }. ~~والتلاوة هى القراءة المتتابعة المرتلة التى يكون بعضها تلو بعض. ~~والتزكية هى التطهير والتنقية. أى لقد أعطى الله - تعالى - المؤمنين من ~~النعم ما أعطى، لأنه قد بعث فيهم رسولا من جنسهم يقرأ عليهم آيات الله ~~التى أنزلها لهدايتهم وسعادتهم، { ويزكيهم } أى يطهرهم من الكفر ~~والذنوب. أو يدعوهم إلى ما يكونون به زاكين طاهرين مما كانوا عليه من دنس ~~الجاهلية، والاعتقادات الفاسدة. # { ويعلمهم الكتاب } بأن يبين لهم المقاصد التى من أجلها نزل ~~القرآن الكريم، ويشرح لهم أحكامه، ويفسر لهم ما خفى عليهم من ألفاظه ~~ومعانيه التى قد تخفى على مداركهم. فتعليم الكتاب غير تلاوته لأن تلاوته ~~قراءته مرتلا مفهوما أما تعليمه فمعناه بيان أحكامه وما اشتمل عليه من ~~تشريعات وآداب. ويعلمهم كذلك { الحكمة } أى الفقه فى الدين ومعرفة ~~أسراره وحكمه ومقاصده التى يكمل بها العلم بالكتاب. وهذه الآية الكريمة ~~قد اشتملت على عدة صفات من الصفات الجليلة التى منحها الله تعالى - لنبيه ~~محمد صلى الله عليه وسلم. ثم بين - سبحانه - حال الناس قبل بعثة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فقال { وإن كانوا من قبل لفي ضلال ~~مبين }. أى إن حال الناس وخصوصا العرب أنهم كانوا قبل بعثة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم إليهم فى ضلال بين واضح لا يخفى أمره على أحد من ذوى ~~العقول السليمة والأذواق المستقيمة. وحقا لقد كان الناس قبل أن يبزغ نور ~~الإسلام الذى جاء به صلى الله عليه وسلم من عند ربه فى ضلال واضح، وظلام ~~دامس، فهم من ناحية العبادة كانوا يشركون مع الله آلهة أخرى، ومن ناحية ~~الأخلاق تفشت فيهم الرذائل حتى صارت شيئا مألوفا، ومن ناحية المعاملات ~~كانوا لا يلتزمون الحق والعدل فى كثير من شئونهم. والخلاصة أن الضلال ~~والجهل وغير ذلك من الرذائل، كانت قد استشرت فى العالم بصورة لا تخفى على ~~عاقل. فكان من رحمة الله بالناس ومنته عليهم أن أرسل فيهم نبيه محمدا صلى ~~الله عليه ms0957 وسلم لكى يخرجهم من ظلمات الكفر والفسوق والعصيان إلى نور ~~الهداية والاستقامة والإيمان. ثم واصلت السورة الكريمة حديثها عن غزوة ~~أحد فحكت ما قاله ضعاف الإيمان فى أعقابها، وردت عليهم بما يبطل ~~مقالتهم، وبما يزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم فقال - تعالى { أو ~~لما أصابتكم.... }. ### || [3.165-168] # قوله تعالى { أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم ~~مثليها قلتم أنى هذا } الخ مستأنف مسوق لإبطال بعض ما ~~نشأ من الظنون الفاسدة، إثر إبطال بعض آخر تقدم الحديث عنه من فوائد غزوة ~~أحد أنها كشفت عن قوة الإيمان من ضعيفه، ميزت الخبيث من الطيب. وإذا كان ~~انتصار المسلمين فى بدر جعل كثيرا من المنافقين يدخلون فى الإسلام طمعا ~~فى الغنائم.. فإن عدم انتصارهم فى أحد قد أظهر المنافقين على حقيقتهم، ~~ويسر للمؤمنين معرفتهم والحذر منهم. والهمزة فى قوله { أو لما } ~~للاستفهام الإنكارى التعجيبى. و " الواو " للعطف على محذوف و " لما " ~~ظرف بمعنى حين مضافة إلى ما بعدها مستعملة فى الشرط. والمصيبة أصلها فى ~~اللغة الرمية التى تصيب الهدف ولا تخطئه، ثم أطلقت على ما يصيب الإنسان ~~فى نفسه أو أهله أو ماله أو غير ذلك من مضار. وقوله { مثليها } أى ~~ضعفها، فإن مثل الشىء ما يساويه. ومثليه ضعفه. والمعنى أفعلتم ما فعلتم ~~من أخطاء، وحين أصابكم من المشركين يوم أحد نصف ما أصابهم منكم قبل ذلك ~~فى بدر تعجبتم وقلتم { أنى هذا } أى من أين لنا هذا القتل ~~والخذلان ونحن مسلمون نقاتل فى سبيل الله، وفينا رسوله صلى الله عليه ~~وسلم وأعداؤنا الذين قتلوا منا من قتلوا مشركون يقاتلون فى سبيل ~~الطاغوت. فالجملة الكريمة توبيخ لهم على ما قالوه لأنه ما كان ينبغى أن ~~يصدر عنهم. إذ هم قد قتلوا من المشركين فى بدر سبعين من صناديدهم وأسروا ~~منهم قريبا من هذا العدد وفى أحد كذلك كان لهم النصر فى أول المعركة على ~~المشركين، وقتلوا منهم قريبا من عشرين إلا أنهم حين خالفوا وصية رسولهم ~~صلى الله عليه وسلم وتطلعوا إلى الغنائم منع الله عنهم ms0958 نصره، فقتل ~~المشركون منهم قريبا من سبعين. وقوله { قد أصبتم مثليها } ~~فى محل رفع صفة " لمصيبة ". وفائدة هذا القول التنبيه على أن أمور الدنيا ~~لا تبقى على حال واحدة، وإن من شأن الحرب أن تكون سجالا، إلا أن العاقبة ~~جعلها الله للمتقين. وقوله { قلتم أنى هذا } هو موضع التوبيخ ~~والتعجيب من شأنهم، لأن قولهم هذا يدل على أنهم لم يحسنوا وضع الأمور فى ~~نصابها حيث ظنوا أن النصر لا بد أن يكون حليفهم حتى ولو خالفوا أمر ~~قائدهم ورسولهم - صلى الله عليه وسلم - ولذا فقد رد الله - تعالى - عليهم ~~بما من شأنه أن يعيد إليهم صوابهم وبما يعرفهم السبب الحقيقى فى هزيمتهم ~~فقال { قل هو من عند أنفسكم }. أى قل يا محمد لهؤلاء الذين ~~قالوا ما قالوا إن ما أصابكم فى أحد سببه أنتم لا غيركم. # فأنتم الذين أبيتم إلا الخروج من المدينة مع أن النبى صلى الله عليه ~~وسلم أشار عليكم بالبقاء فيها. وأنتم الذين خالفتم وصيته بترككم أماكنكم ~~التى حددها لكم وأمركم بالثبات فيها. وأنتم الذين تطلعت أنفسكم إلى ~~الغنائم فاشتغلتم بها وتركتم النصيحة، وأنتم الذين تفرقتم عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فى ساعة الشدة والعسرة فلهذه المخالفات التى نبعت من ~~أنفسكم أصابكم ما أصابكم فى أحد، وكان الأولى بكم أن تعرفوا ذلك وأن ~~تعتبروا وأن تقلعوا عن هذا القول التى لا يليق بالعقلاء، إذ العاقل هو ~~الذى يحاسب نفسه عندما يفاجئه المكروه ويعمل على تدارك أخطائه ويقبل على ~~حاضره ومستقبله بثبات وصبر مستفيدا بماضيه ومتعظا بما حدث له فيه. وما ~~أحوج الناس فى كل زمان ومكان إلى الأخذ بهذا الدرس فإن كثيرا منهم يقصرون ~~فى حق الله وفى حق أنفسهم وفى حق غيرهم، ولا يباشرون الأسباب التى شرعها ~~الله للوصول إلى النصر.. بل يبنون حياتهم على الغرور والإهمال، فإذا ما ~~أصابتهم الهزيمة مسحوا عيوبهم فى القضاء والقدر، أو فى غيرهم من الناس، ~~أو شدهوا لهول ما أصابهم - بسبب تقصيرهم - ثم قالوا أنى هذا؟ وما دروا ms0959 ~~لجهلهم وغرورهم - أن الله - تعالى - قد جعل لكل شىء سببا. فمن باشر أسباب ~~النجاح وصل إليها بإذن الله ومن أعرض عنها حرمه الله - تعالى - من عونه ~~ورعايته. ولقد أكد - سبحانه قدرته على كل شىء فقال { إن الله ~~على كل شيء قدير } أى إن الله تعالى - قدرته فوق كل شىء فهو ~~القدير على نصركم وعلى خذلانكم وبما أنكم قد خالفتم نبيكم صلى الله عليه ~~وسلم فقد حرمكم الله نصره، وقرر لكم الخذلان، حتى تعتبروا ولا تعودوا إلى ~~ما حدث من بعضكم فى غزوة أحد، ولتذكروا دائما قوله - تعالى - # ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفوا عن كثير # ثم أكد - سبحانه - عموم قدرته وإرادته فقال { ومآ أصابكم يوم ~~التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين ~~}. أى وما أصابكم - أيها المؤمنون - من قتل وجراح وآلام يوم التقى جمعكم ~~وجمع أعدائكم فى أحد، { فبإذن الله } أى فبإرادته وعلمه، إذ ما ~~من شىء يقع فى هذا الكون إلا بتقدير الله وعلمه، فعليكم أن تستسلموا ~~لإرادة الله، وأن تعودوا إلى أنفسكم فتهذبوها وتروضوها على تقوى الله ~~وطاعته، حتى تكونوا أهلا لنصرته وعونه. و " ما " موصولة بمعنى الذى فى ~~محل رفع بالابتداء، وجملة { أصابكم } صلة الموصول، وقوله { ~~فبإذن الله } هو الخبر. ودخلت الفاء فى الخبر لشبه المبتدأ ~~بالشرط. وقوله { وليعلم المؤمنين } بيان لبعض الحكم التى من ~~أجلها حدث ما حدث فى غزوة أحد. # والعلم هنا كناية عن الظهور والتقرر فى الخارج لما قدره - سبحانه - فى ~~الأزل أى أراد الله أن يحدث ما حدث فى غزوة أحد ليظهر للناس ويميز لهم ~~المؤمنين من غيرهم. وقوله { وليعلم الذين نافقوا } حكمة ~~ثانية لما حدث فى غزوة أحد. أى حدث ما حدث فى غزوة أحد ليعلم - سبحانه - ~~المؤمنين من المنافقين علم عيان ورؤية وظهور يتميز معه عند الناس كل فريق ~~عن الآخر تميزا ظاهرا. إذ أن نصر المسملين فى بدر فتح الطريق أمام ~~المنافقين للتظاهر باعتناق الإسلام. وعدم انتصارهم فى أحد، كشف عن هؤلاء ~~المنافقين وأظهرهم على حقيقتهم، فإن من شأن ms0960 الشدائد أنها تكشف عن معادن ~~النفوس، وحنايا القلوب. ثم بين - سبحانه - بعض النصائح التى قيلت لهؤلاء ~~المنافقين حتى يقلعوا عن نفاقهم، وحكى ما رد به المنافقون على الناصحين ~~فقال { وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ~~ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم }. أى ~~فعل - سبحانه - ما فعل فى أحد ليميز المؤمنين من المنافقين الذين قيل لهم ~~من النبى صلى الله عليه وسلم ومن بعض أصحابه تعالوا معنا لتقاتلوا فى ~~سبيل الله، فإن لم تقاتلوا فادفعوا أى فانضموا إلى صفوف المقاتلين، فيكثر ~~عددهم بكم فإن كثرة العدد تزيد من خوف الأعداء. أو المعنى تعالوا معنا ~~لتقاتلوا من أجل إعلاء كلمة الله، فإن لم تفعلوا ذلك لضعف إيمانكم، ~~واستيلاء الشهوات والأهواء على نفوسكم، فلا أقل من أن تقاتلوا لتدفعوا عن ~~أنفسكم وعن مدينتكم عار الهزيمة. أى إن لم تقاتلوا طلبا لمرضاة الله، ~~فقاتلوا دفاعا عن أوطانكم وعزتكم. قال الجمل وهذه الجملة وهى قوله - ~~تعالى - { وقيل لهم تعالوا } تحتمل وجهين أحدهما أن تكون ~~مستأنفة، أخبر الله أنهم مأمورون إما بالقتال وإما بالدفع أى تكثير سواد ~~المسلمين - أى عددهم. والثانى أن تكون معطوفة على { نافقوا } فتكون ~~داخلة فى خبر الموصول. أى وليعلم الذين حصل منهم النفاق والقول المذكور ~~وإنما لم يأت بحرف العطف بين تعالوا وقاتلوا، لأن المقصود أن تكون كل من ~~الجملتين مقصودة بذاتها. وقوله { قالوا لو نعلم قتالا ~~لاتبعناكم } حكاية لردهم القبيح على من نصحهم بالبقاء مع ~~المجاهدين. أى قال المنافقون - وهم عبد الله بن أبى وأتباعه - لو نعلم ~~أنكم تقاتلون حقا لسرنا معكم، ولكن الذى نعلمه هو أنكم ستذهبون إلى أحد ~~ثم تعودون بدون قتال لأى سبب من الأسباب. أو المعنى - كما يقول الزمخشرى ~~- " لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالا { لاتبعناكم } يعنون أن ما ~~أنتم فيه لخطأ رأيكم وزللكم عن الصواب ليس بشىء، ولا يقال لمثله قتال، ~~إنما هو إلقاء بالنفس إلى التهلكة، لأن رأى عبد الله بن أبى كان فى ~~الإقامة بالمدينة وما كان يستصوب الخروج ". # وقال ابن ms0961 جرير " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد فى ألف رجل ~~من أصحابه وحتى إذا كانوا بالشوط بين أحد والمدينة، انخذل عنهم عبد الله ~~بن أبى ابن سلول بثلث الناس وقال. أطاعهم، أى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فخرج وعصانى. والله ما ندرى علام نقتل أنفسنا ها هنا أيها الناس؟ ~~فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه أهل النفاق والريب، فاتبعهم عبد الله بن ~~عمرو بن حرام - أخو بنى سلمة - يقول لهم. يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا ~~نبيكم وقومكم - وقاتلوا فى سبيل الله أو ادفعوا - فقالوا لو نعلم أنكم ~~تقاتلون ما أسلمناكم، ولكننا لا نرى أن يكون قتال. فلما استعصوا عليه، ~~وأبوا إلا الانصراف عن المؤمنين قال لهم. أبعدكم الله يا أعداء الله ~~فسيغنى الله رسوله عنكم، ثم مضى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا هو ~~موقف المنافقين فى غزوة أحد، وهو موقف يدل على فساد قلوبهم، وخبث نفوسهم، ~~وجبنهم عن لقاء الأعداء. ولقد كان المؤمنون الصادقون على نقيض ذلك، فلقد ~~خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبتوا إلى جانبه فكانوا ممن قال ~~الله فيهم # من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله ~~عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ~~وما بدلوا تبديلا # ولقد حكى لنا التاريخ أن بعض المؤمنين الذين كانت لهم أعذارهم التى تسقط ~~عنهم الخروج للجهاد، كانوا يخرجون مع المجاهدين لتكثير عددهم. فعن أنس بن ~~مالك قال " رأيت يوم القادسية - عبد الله بن أم مكتوم - وكان رجلا أعمى - ~~وعليه درع يجر أطرافها وبيده راية سوداء، فقيل له أليس قد أنزل الله ~~عذرك؟ فقال بلى ولكنى أحب أن أكثر المسلمين بنفسى. هذا، وقد أصدر - ~~سبحانه - حكمه العادل على أولئك المنافقين فقال { هم للكفر ~~يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ~~ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون }. أى ~~هم يوم أن قالوا هذا القول الباطل قد بينوا حالهم، وهتكوا أستارهم وكشفوا ~~عن نفاقهم لمن كان يظن أنهم مؤمنون، لأنهم قبل ms0962 أن يقولوا " لو نعلم قتالا ~~لاتبعناكم " كانوا يتظاهرون بالإيمان، وما ظهرت منهم أمارة تؤذن بكفرهم، ~~فلما انخذلوا عن عسكر المؤمنين وقالوا ما قالوا تباعدوا بذلك عن الإيمان ~~المظنون بهم واقتربوا من الكفر. أو المعنى هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم ~~لأهل الإيمان، لأن تقليلهم سواد المسلمين بالانخذال فيه تقوية للمشركين. ~~قال الجمل " وقوله { هم } مبتدأ، وقوله { أقرب } خبره، وقوله { ~~للكفر } وقوله { للإيمان } متعلقان بأقرب، لأن أفعل التفضيل فى ~~قوة عاملين. # فكأنه قيل قربوا من الكفر وقربوا من الإيمان، وقربهم للكفر فى هذا ~~اليوم أشد لوجود العلامة وهى خذلانهم للمؤمنين ". وقوله { يقولون ~~بأفواههم ما ليس في قلوبهم } جملة مستأنفة مبينة لحالهم ~~مطلقا لا فى ذلك اليوم فحسب. أى أن هؤلاء القوم من صفاتهم الذميمة أنهم ~~يقولون بألسنتهم قولا يخالف ما انطوت عليه قلوبهم من كفر، وما امتلأت به ~~نفوسهم من بغضاء لكم - أيها المؤمنون -. قال صاحب الكشاف وذكر الأفواه مع ~~القلوب تصوير لنفاقهم وأن إيمانهم موجود فى أفواههم معدوم فى قلوبهم، ~~بخلاف صفة المؤمنين فى مواطأة قلوبهم لأفواههم ". وقوله { والله ~~أعلم بما يكتمون } تذييل قصد به زجرهم وتوعدهم بسوء المصير ~~بسبب نفاقهم وخداعهم. أى والله - تعالى - أعلم منكم - أيها المؤمنون - ~~بما يضمره هؤلاء المنافقون من كفر ومن كراهية لدينكم، لأنه - سبحانه - ~~يعلم ما ظهر وما خفى من أمورهم، وقد كشف الله لكم أحوالهم لكى تحذروهم، ~~وسيحاسبهم يوم القيامة على أعمالهم، وسينزل بهم ما يستحقونه من عذاب ~~مهين. ثم حكى - سبحانه - لونا آخر من أراجيفهم وأكاذيبهم التى قصدوا من ~~ورائها الإساءة إلى المؤمنين، والتشكيك فى صدق تعاليم الإسلام فقال - ~~تعالى - { الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو ~~أطاعونا ما قتلوا }. أى أن هؤلاء المنافقين لم يكتفوا بما ~~ارتكبوه من جنايات قبيل غزوة أحد وخلالها، بل إنهم بعد انتهاء المعركة ~~قالوا لإخوانهم الذين هم مثلهم فى المشرب والاتجاه، قالوا لهم وقد قعدوا ~~عن القتال لو أن هؤلاء الذين استشهدوا فى أحد أطاعونا وقعدوا معنا فى ~~المدينة لما أصابهم القتل، ولكنهم خالفونا فكان مصيرهم إلى القتل. ms0963 ويجوز ~~أن تكون اللام فى قوله " لإخوانهم " للتعليل فيكون المعنى أنهم قالوا من ~~أجل إخوانهم الذين استشهدوا فى غزوة أحد، لو أن هؤلاء الذين قتلوا ~~أطاعونا ولم يخرجوا لبقوا معنا على قيد الحياة، كما هو حالنا الآن، ~~ولكنهم لم يستمعوا إلى نصحنا وخرجوا للقتال فقتلوا. وعلى كلا التفسيرين ~~فقولهم هذا يدل على خبث نفوسهم، وانطماس بصيرتهم وجهلهم بقدرة الله ونفاذ ~~إرادته، وشماتتهم فيما حل بالمسلمين من قتل وجراح يوم أحد. ولذا فقد رد ~~الله عليهم بما يخرس ألسنتهم، ويدحض قولهم، ويكشف عن جهلهم وسوء تفكيرهم ~~فقال - تعالى - { قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن ~~كنتم صادقين }. أى قل لهم يا محمد على سبيل التوبيخ والتهكم ~~بعقولهم الفارغة إذا كنتم تظنون أنكم دفعتم عن أنفسكم الموت بقعودكم فى ~~بيوتكم، وامتناعكم عن الخروج للقتال، إذا كنتم تظنون ذلك { فادرءوا } ~~أى ادفعوا عن أنفسكم الموت المكتوب عليكم، والذى سيدرككم ولو كنتم فى ~~بروج مشيدة. فالمقصود من هذه الجملة الكريمة الرد عليهم بما يبطل أقوالهم ~~عن طريق الحس والمشاهدة، وذلك ببيان أن القعود عن الجهاد لا يطيل الحياة، ~~كما أن الخروج إلى ساحات القتال لا ينقص شيئا من الآجال، فكم من مجاهد ~~عاد من جهاده سالما، وكم من قاعد أتاه الموت وهو فى عقر داره. # فزعم هؤلاء المنافقين بأن أولئك الذين استشهدوا فى أحد لو أطاعوهم ولم ~~يخرجوا للقتال لما أصابهم القتل زعم باطل، وإلا فإن كانوا صادقين فى هذا ~~الزعم فليدفعوا عن أنفسهم الموت الذى سينزل بهم حتما فى الوقت الذى يشاؤه ~~الله، ولا شك أنهم لن يستطيعوا دفعه فثبت كذبهم وافتراؤهم. وقوله تعالى { ~~الذين قالوا لإخوانهم } فى محل نصب بدل من قوله { الذين ~~نافقوا }. أو فى محل رفع بدل من الضمير فى قوله { يكتمون } ~~فكأنه قيل والله أعلم بما يكتم هؤلاء الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا... ~~وقوله { وقعدوا } حال من الضمير فى { قالوا } بتقدير حرف قد أى ~~قالوا ما قالوا والحال أنهم قد قعدوا عن القتال. وجواب الشرط فى قوله { ~~إن كنتم صادقين } محذوف ms0964 لدلالة ما قبله عليه وهو قوله { قل ~~فادرءوا عن أنفسكم الموت }. والتقدير إن كنتم صادقين فى ~~زعمكم أن الذين قتلوا فى أحد لو أطاعوكم وقعدوا كما قعدتم لما أصابهم ~~القتل، إن كنتم صادقين فى هذا الزعم فادرأوا عن أنفسكم الموت عند حلوله. ~~قال الآلوسى والمراد أن ما ادعيتموه سببا للنجاة ليس بمستقيم، ولو فرض ~~استقامته فليس بمفيد، أما الأول فلأن أسباب النجاة كثيرة. غايته أن ~~القعود والنجاة وجدا معا وهو لا يدل على السببية. وأما الثانى فلأن ~~المهروب عنه بالذات هو الموت الذى القتل أحد أسبابه فإن صح ما ذكرتم ~~فادفعوا سائر أسبابه، فإن أسباب الموت فى إمكان المدافعة بالحيل ~~وامتناعها سواء وأنفسكم أعز عليكم، وأمرها أهم لديكم ". وقال ابن القيم ~~وكان من الحكم التى اشتملت عليها غزوة أحد، أن تكلم المنافقون بما فى ~~نفوسهم، فسمعه المؤمنون، وسمعوا رد الله عليهم، وجوابه لهم، وعرفوا مراد ~~النفاق، وما يؤول إليه، كيف يحرم صاحبه سعادة الدنيا والآخرة. فالله الله ~~كم من حكمة فى ضمن هذه القصة بالغة، ونعمة على المؤمنين سابغة، وكم فيها ~~من تحذير وتخويف وإرشاد وتنبيه، وتعريف بأسباب الخير والشر ومآلهما ~~وعاقبتهما. وبعد هذا الحديث الكاشف عن طبيعة المنافقين وعن أحوالهم، ~~انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن الشهداء وفضلهم وما أعده الله لهم ~~من نعيم مقيم فقال - تعالى - { ولا تحسبن الذين قتلوا.. ~~}. ### || [3.169-175] # فقوله - تعالى - { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل ~~الله أمواتا بل أحياء } كلام مستأنف ساقه الله - تعالى - ~~لبيان أن القتل فى سبيل الله الذى يحذره المنافقون ويحذرون الناس منه ليس ~~مما يحذر، بل هو أجل المطالب وأسناها، إثر بيان أن الحذر لا يدفع القدر، ~~لأن من قدر الله له القتل لا يمكنه الاحتراز عنه. ومن لم يقدر له ذلك لا ~~خوف عليه منه. فهذه الآيات الكريمة رد على شماتة المنافقين إثر الردود ~~السابقة، وتحريض للمؤمنين على القتال، وتقرير لحقيقة إسلامية ثابتة هى أن ~~الاستشهاد فى سبيل الله ليس فناء بل هو بقاء. والخطاب فى قوله " ولا ~~تحسبن ms0965 " للنبى صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتأتى له الخطاب. والحسبان ~~الظن، والنهى بلا هنا منصب على هذا الظن، أى أنهاكم عن أن تظنوا أنهم ~~أموات، ونون التوكيد فى قوله " ولا تحسبن " لتأكيد هذا النهى. أى لا ~~تحسبن أيها الرسول الكريم، أو أيها المؤمن أن الذين قتلوا فى سبيل الله، ~~من أجل إعلان كلمته، لا تحسبنهم أمواتا لا يحسون شيئا ولا يلتذون ولا ~~يتنعمون، بل هم أحياء عند ربهم، يرزقون رزق الأحياء، ويتنعمون بألوان ~~النعم التى أسبغها الله عليهم، جزاء إخلاصهم وجهادهم وبذلهم أنفسهم فى ~~سبيل الله. وقوله { الذين } مفعول أول لقوله { تحسبن } وقوله { ~~أمواتا } مفعوله الثانى وقوله { أحياء } خبر لمبتدأ محذوف أى بل ~~هم أحياء. وقوله { عند ربهم } يصح أن يكون خبرا ثانيا للمبتدأ ~~المقدر أو صفة لأحياء أو ظرفا له لأن المعنى يحيون عند ربهم. والمراد ~~بالعندية هنا المجاز عن القرب والإكرام والتشريف، أى هم أحياء مقربون ~~عنده، فقد خصهم بالمنازل الرفيعة، والدرجات العالية، وليس المراد بها ~~القرب المكانى لاستحالة ذلك فى حق الله - تعالى -. وقوله { يرزقون } ~~صفة لقوله { أحياء } أو حال من الضمير فيه أى يحيون مرزوقين. هذا وقد ~~وردت أحاديث متعددة تصرح بأن هذه الآيات الكريمة قد نزلت فى شهداء أحد، ~~ويدخل فى حكمهم كل شهيد فى سبيل الله، ومن هذه الأحاديث ما أخرجه أبو ~~داود وغيره عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم فى أجواف طير خضر ترد ~~أنهار الجنة تأكل من ثمارها، وتأوى إلى قناديل من ذهب معلقة فى ظل العرش. ~~فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم قالوا من يبلغ إخواننا عنا ~~أننا أحياء فى الجنة نرزق لئلا يزهدوا فى الجهاد، ولا ينكلوا عند الحرب. ~~فقال الله - تعالى - " أنا أبلغهم عنكم. قال فأنزل الله هؤلاء الآيات { ~~ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ~~}... إلخ الآيات ". # وأخرج الترمذى وابن ماجه عن جابر بن عبد الله قال لقينى رسول الله صلى ~~الله ms0966 عليه وسلم فقال # " " يا جابر مالى أراك منكسا مهتما "؟ قلت يا رسول الله استشهد أبى - ~~فى أحد - وترك عيالا وعليه دين. فقال ألا أبشرك بما لقى الله - عز وجل - ~~به أباك؟ قلت بلى يا رسول الله. قال إن الله أحيا أباك وكلمه كفاحا - أى ~~مواجهة ليس بينهما حجاب - وما كلم أحدا قط إلا من وراء حجاب، فقال له يا ~~عبدى تمن أعطك. قال يا رب فردنى إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية. فقال الرب - ~~تعالى - إنه قد سبق منى أنهم إليها لا يرجعون. قال يا رب فأبلغ من ورائى ~~فأنزل الله - تعالى - { ولا تحسبن الذين قتلوا في ~~سبيل الله أمواتا } " # .. الآية. قال القرطبى - بعد أن ساق هذين الحديثين وغيرهما - ما ملخصه " ~~فقد أخبر الله - تعالى - فى هذه الآيات عن الشهداء أنهم أحياء فى الجنة ~~يرزقون. والذى عليه الكثيرون أن حياة الشهداء محققه. ثم منهم من يقول ترد ~~إليهم الأرواح فى قبورهم فينعمون، كما يحيا الكفار فى قبورهم فيعذبون. ~~وصار قوم إلى أن هذا مجاز، والمعنى أنهم فى حكم الله مستحقون للتنعم فى ~~الجنة. وقال آخرون أرواحهم فى أجواف طير خضر وأنهم يزرقون فى الجنة ~~ويأكلون ويتنعمون. وهذا هو الصحيح من الأقوال، لأن ما صح به النقل فهو ~~الواقع. وحديث ابن عباس - الذى سقناه قبل قليل - نص يرفع الخلاف ". والذى ~~تطمئن إليه النفس أن الآية الكريمة تنبه على أن للشهداء مزية خاصة تجعلهم ~~يفضلون الموتى المعروفين لدى الناس، وهى أنهم فى حياة سارة، ونعيم ~~لذيذ، ورزق حسن عند ربهم. وهذه الحياة الممتازة ترفعهم عن أن يقال فيهم ~~كما يقال فى غيرهم أموات، وإن كان المعنى اللغوى للموت - بمعنى مفارقة ~~الروح للجسد فى ظاهر الأمر - حاصلا للشهداء كغيرهم من الموتى. إلا أن ~~الحياة البرزخية التى أخبر الله بها عن الشهداء نؤمن بها كما ذكرها الله ~~- تعالى - ولا ندرك حقيقتها، إذ لا يمكن إدراكها إلا من طريق الوحى، فقد ~~قال - تعالى - فى آية أخرى # ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل ~~أحياء ms0967 ولكن لا تشعرون # أى ولكن لا تحسون وال تدركون حال هؤلاء الذين قتلوا فى سبيل الله ~~بمشاعركم وحواسكم، لأنها من شئون الغيب التى لا طريق للعمل بها إلا ~~بالوحى. ثم بين - سبحانه - ما هم فيه من مسرة وحبور فقال { فرحين ~~بمآ آتاهم الله من فضله } أى فرحين فرحا عظيما بعد انتقالهم ~~من الدنيا، بما أعطاهم الله فى حياتهم الجديدة من ضروب النعم المتعددة ~~التى من بينها الثواب العظيم، والنعيم الدائم، والسعادة التى ليس بعدها ~~سعادة. # وقوله { فرحين } يصح أن يكون حالا من الضمير فى { يرزقون } أو ~~من الضمير فى " أحياء " وقوله { من فضله } متعلق بآتاهم. و { من } ~~يصح أن تكون للسببية أى الذى آتاهم متسبب عن فضله. أو لابتداء الغاية ~~وقوله { ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من ~~خلفهم } معطوف على فرحين لتأويله بيفرحون. أو هو حال من الضمير فى { ~~فرحين } بتقدير وهم يستبشرون... وأصل الاستبشار طلب البشارة وهو ~~الخبر السار الذى تظهر آثاره على البشرة إلا أن المراد هنا السرور ~~استعمالا للفظ فى لازم معناه. أى أن هؤلاء الشهداء فرحين بما آتاهم الله ~~من فضله من شرف الشهادة، ومن الفوز برضا الله، ويسرون بما تبين لهم من ~~حسن مآل إخوانهم الذين تركوهم من خلفهم على قيد الحياة، لأن الأحياء ~~عندما يموتون شهداء مثلهم سينالون رضا الله وكرامته، وسيظفرون بتلك ~~الحياة الأبدية الكريمة كما ظفروا هم بها. فالمراد لم يلحقوا بهم من ~~خلفهم رفقاؤهم الذين كانوا يجاهدون معهم فى الدنيا ولم يظفروا بالشهادة ~~بعد، لأنهم ما زالوا على قيد الحياة. وفى هذا دلالة على أن أرواح هؤلاء ~~الشهداء قد منحها الله - تعالى - من الكشف والصفاء ما جعلها تطلع على ما ~~يسرها من أحوال الذين يهمهم شأنهم فى الدنيا. وقيل إن معنى { لم ~~يلحقوا بهم } لم يدركوا فضلهم ومنزلتهم. وقوله { من خلفهم ~~} متعلق بمحذوف حال من فاعل { يلحقوا } أى لم يلحقوهم متخلفين عنهم ~~باقين بعد فى الدنيا. أو متعلق بقوله { يلحقوا } ذاته على معنى أنهم ~~قد يقوا بعدهم وهؤلاء الشهداء قد تقدموهم. ms0968 وقوله { ألا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون } بدل اشتمال من قوله { الذين ~~لم يلحقوا بهم } مبين لكون استبشارهم بحال إخوانهم لا بذواتهم. ~~والمعنى ويستبشرون بما تبين لهم من حال الذين تركوهم من خلفهم فى الدنيا ~~من رفقائهم المجاهدين، وهو أنهم لا خوف عليهم فى المستقبل ولا هم يحزنون ~~على ما تركوه فى الدنيا، بل هم سيكونون آمنين مطمئنين بعد فراقهم للدنيا ~~وعندما يبعثون يوم القيامة. ونفى عنهم الخوف والحزن، لأن الخوف يكون بسبب ~~توقع المكروه النازل فى المستقبل. والحزن يكون بسبب فوات المنافع إلتى ~~كانت موجودة فى الماضى. فبين - سبحانه - أنه لا خوف عليهم فيما سيأتيهم ~~من أحوال القيامة، ولا حزن لهم فيما فاتهم من متاع الدنيا. وقوله { ~~يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا ~~يضيع أجر المؤمنين } استئناف مبين لما هم عليه من سرور يتعلق ~~بذواتهم. بعد أن بين - سبحانه - سرورهم بحال الذين لم يلحقوا بهم. # والمعنى أن هؤلاء الشهداء يستبشرون بحال إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم من ~~خلفهم. كما أنهم يستبشرون أيضا لأنفسهم بسبب ما أنعم الله به عليهم من ~~نعم جزيلة وبسبب ما تفضل به عليهم من زيادة الكرامة، وسمو المنزلة. وهذا ~~يدل على أن هؤلاء الشهداء لا يهتمون بشأن أنفسهم فقط. وإنما يهتمون أيضا ~~بأحوال إخوانهم الذين تركوهم فى الدنيا، وفى ذلك ما فيه من صفاء نفوسهم، ~~وطهارة قلوبهم، حيث أحبوا الخير لغيرهم كما أحبوه لأنفسهم، بل إن تقديم ~~استبشارهم بحال إخوانهم على استبشارهم بما يتعلق بأنفسهم ليشعر بأن ~~اهتمامهم بحال إخوانهم أشد من اهتمامهم بحال أنفسهم. ويرى بعضهم أن ~~الضمير فى قوله { يستبشرون بنعمة } يعود على الذين لم يلحقوا ~~بهم فتكون جملة { يستبشرون } حالا من الذين لم يلحقوا بهم. وعليه ~~يكون المعنى أن هؤلاء الذين لم يلحقوا بهم لا خوف عليهم ولا حزن، فهم ~~مستبشرون بنعمة من الله وفضل... ". وقوله { وأن الله لا يضيع ~~أجر المؤمنين } معطوف على { نعمة من الله وفضل } ~~، وهذا على قراءة الجمهور بفتح همزة أن على معنى وبأن. والتقدير يستبشرون ms0969 ~~بنعمة من الله وفضل وبأن الله - تعالى - لا يضيع أجر المؤمنين، وإنما ~~سيعطيهم النصر والعزة والكرامة جزاء جهادهم. وقرأ الكسائى " وإن الله لا ~~يضيع أجر المؤمنين " ، بكسر همزة إن على الاستئناف والمقصود من الآية ~~الكريمة بيان أن كل مؤمن يخاف مقام ربه وينهى نفسه عن الهوى، ويجاهد فى ~~سبيل إعلاء كلمة الله فإن الله - تعالى - لا يضيع شيئا من أجره، بل يعطيه ~~من الجزاء الحسن - بفضله وإحسانه - أكثر مما يستحق. ثم مدح - سبحانه - ~~المؤمنين الصادقين الذين لم تمنعهم جراحهم وآلامهم عن الاستجابة لأمر ~~رسولهم - صلى الله عليه وسلم - فقال - تعالى - { الذين استجابوا ~~لله والرسول من بعد مآ أصابهم القرح للذين ~~أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم }. قال الفخر الرازى ما ~~ملخصه اعلم أن الله - تعالى - مدح المؤمنين على غزوتين تعرف إحداهما ~~بغزوة حمراء الأسد، والثانية بغزوة بدر الصغرى. وكلاهما متصلة بغزوة أحد. ~~أما غزوة حمراء الأسد فهى المرادة من هذه الآية، فإن الأصح فى سبب نزولها ~~أن أبا سفيان وأصحابه بعد أن انصرفوا من أحد وبلغوا الروحاء، ندموا ~~وقالوا إنا قتلنا أكثرهم ولم يبق منهم إلا القليل فلم تركناهم؟ بل ~~الواجب أن نرجع ونستأصلهم، فهموا بالرجوع. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فأراد أن يرهب الكفار ويريهم من نفسه ومن أصحابه قوة. فندب ~~أصحابه إلى الخروج فى طلب أبى سفيان وقال لا أريد أن يخرج الآن معى إلا ~~من كان معى فى القتال - فى أحد -. # فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم مع قوم من أصحابه حتى بلغوا حمراء ~~الأسد. وهى مكان على بعد ثمانية أميال من المدينة. فألقى الله الرعب فى ~~قلوب المشركين فانهزموا. وروى أنه كان فيهم من يحمل صاحبه على عنقه ساعة، ~~ثم كان المحمول يحمل الحامل ساعة أخرى. وكان كل ذلك لإثخان الجراح فيهم، ~~وكان فيهم من يتوكأ على صاحبه ساعة ويتوكأ عليه صاحبه ساعة. وقوله { ~~استجابوا } بمعنى أجابوا. وقيل استجابوا، أصلها طلبوا الإجابة لأن ~~الأصل فى الاستفعال طلب الفعل. والقرح الجراح الشديدة. والمعنى أن الله ms0970 - ~~تعالى - لا يضيع أجر هؤلاء المؤمنين الصادقين، الذين أجابوا داعى الله ~~وأطاعوا رسوله، بأن خرجوا للجهاد فى سبيل عقيدتهم بدون وهن أو ضعف أو ~~استكانة مع ما بهم من جراح شديدة، وآلام مبرحة. ثم بين - سبحانه - جزاءهم ~~فقال { للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم } أى ~~للذين أحسنوا منهم بأن أدوا جميع المأمورات، واتقوا الله فى كل أحوالهم ~~بأن صانوا أنفسهم عن جميع المنهيات، لهؤلاء أجر عظيم لا يعلم كنهه إلا ~~الله - تعالى -. وقوله { الذين استجابوا } فى موضع رفع على ~~الابتداء وخبره قوله { للذين أحسنوا } ويجوز أن يكون فى موضع ~~جر على أنه صفة للمؤمنين فى قوله { وأن الله لا يضيع أجر ~~المؤمنين }. قال صاحب الكشاف و " من " فى قوله { للذين ~~أحسنوا منهم } للتبيين مثلها فى قوله - تعالى - # وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم ~~مغفرة وأجرا عظيما # لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا لا بعضهم. ثم ~~مدحهم - سبحانه - على ثباتهم وشجاعتهم وحسن اعتمادهم على خالقهم - عز وجل ~~-، بعد أن مدحهم قبل ذلك على حسن استجابتهم لله ولرسوله فقال - تعالى - { ~~الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ~~ونعم الوكيل }. قال الفخر الرازى ما ملخصه نزلت هذه الآية فى ~~غزوة بدر الصغرى، وذلك أن أبا سفيان لما عزم على الانصراف إلى مكة فى ~~أعقاب غزوة أحد نادى يا محمد موعدنا موسم بدر الصغرى فنقتتل بها إن شئت. ~~فقال النبى صلى الله عليه وسلم لعمر قل له بيننا وبينك ذلك إن شاء الله. ~~فلما حضر الأجل خرج أبو سفيان مع قومه حتى نزل بمر الظهران، فألقى الله ~~الرعب فى قلبه، فبدا له أن يرجع. فلقى نعيم بن مسعود وقد قدم معتمرا فقال ~~له يا نعيم إنى وعدت محمدا أن نلتقى بموسم بدر. وإن هذا عام جدب ولا ~~يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر، ونشرب فيه اللبن. وقد بدا لى أن أرجع. ~~ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاد بذلك جراءة علينا، فاذهب ms0971 إلى المدينة ~~فثبطهم ولك عندى عشرة من الإبل. # فخرج نعيم إلى المدينة فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم ما هذا بالرأى. ~~أتوكم فى دياركم وقتلوا أكثركم فإن ذهبتم إليهم لم يرجع منكم أحد. فوقع ~~هذا الكلام فى قلوب قوم منهم. فلما رأى النبى صلى الله عليه وسلم ذلك قال # " والذى نفسى بيده لأخرجن إليهم ولو وحدى ". # ثم خرج صلى الله عليه وسلم فى جمع من أصحابه، وذهبوا إلى أن وصلوا إلى ~~بدر الصغرى - وهى ماء لبنى كنانة وكانت موضع سوق لهم يجتمعون فيها كل عام ~~ثمانية أيام - ولم يلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحدا من ~~المشركين. ووافقوا السوق وكانت معهم نفقات وتجارات فباعوا واشتروا أدما ~~وزبيبا. وربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين. ~~أما أبو سفيان ومن معه فقد عادوا إلى مكة بعد أن وصلوا إلى مر الظهران... ~~وقيل إن الذين قابلهم أبو سفيان عند خروجه من مكة جماعة من بنى عبد ~~القيس، وقد قال لهم ما قاله لنعيم بن مسعود عندما أزمع العودة إلى مكة ~~بعد أن قذف الله الرعب فى قلبه من لقاء المسلمين. وعلى أية حال ففى سبب ~~نزول هذه الآية والتى قبلها أقوال أخرى للمفسرين اكتفينا بما ذكرناه خشية ~~الإطالة.. وقوله { الذين قال لهم الناس } بدل من قوله { ~~الذين استجابوا لله والرسول } أو صفة له. أو فى محل نصب ~~على المدح أى مدح الذين قال لهم الناس... الخ. والمراد فى الموصول فى ~~الآيتين طائفة واحدة من المؤمنين وهم الذين لم تمنعهم الجراح عن الخروج ~~للقتال، ولم يرهبهم قول من قال لهم بعد ذلك إن الناس قد جمعوا لكم. ~~والمراد من الناس الأول وهو قوله { الذين قال لهم الناس } ~~جماعة بنى عبد القيس أو نعيم بن مسعود. قال صاحب الكشاف فإن قلت كيف قيل ~~" الناس " إن كان نعيم هو المثبط وحده؟ قلت قيل ذلك لأنه من جنس الناس ~~كما يقال فلان يركب الخيل، ويلبس البرد وماله إلا فرس واحد وبرد فرد. أو ~~لأنه حين ms0972 قال ذلك لم يخل من ناس من أهل المدينة يضامونه، ويصلون جناح ~~كلامه، ويثبطون مثل تثبيطه. والمراد من الناس الثانى وهو قوله { إن ~~الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم } أبو سفيان ومن معه. فأل ~~فيهما للعهد، والناس الثانى غير الأول. وقوله - تعالى - حكاية عن هؤلاء ~~المثبطين { إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم } أى إن ~~أعداءكم المشركين قد جمعوا لكم جموعا كثيرة ليستأصلوكم، فاخشوهم ولا ~~تخرجوا لقتالهم. وحذف مفعول { جمعوا } فلم يقل جمعوا جيشا كبيرا أو ~~جمعوا أنفسهم وعددهم وأحلافهم وذلك ليذهب الخيال كل مذهب فى مقدار ما ~~جمعوا من رجال وسلاح وأموال، ولكن هذا القول الذى صدر من هؤلاء المثبطين، ~~لم يلتفت إليه المؤمنون الصادقون المخلصون فى جهادهم وفى اعتمادهم على ~~خالقهم، بل كانوا كما أخبر الله تعالى - عنهم { فزادهم إيمانا ~~وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل }. # أى أن هذا القول الذى قاله المثبطون، زاد المؤمنين إيمانا على إيمانهم، ~~ويقينا على يقينهم، وثباتا على ثباتهم، وجعلهم يقولون للمرجفين بثقة ~~واطمئنان { حسبنا الله } أى كافينا الله أمر أعدائنا { ونعم ~~الوكيل } أى نعم النصير خالقنا - عز وجل - فهو الموكول إليه أمرنا ~~ومصيرنا. وقولهم هذا يدل دلالة واحضة على قوة إيمانهم، وشدة ثقتهم فى نصر ~~الله - تعالى - لهم، مهما كثر عدد أعدائهم، ومهما تعددت مظاهر قوتهم. قال ~~صاحب الكشاف فإن قلت كيف زادهم نعيم أو مقوله إيمانا؟ قلت لما لم يسمعوا ~~قوله وأخلصوا عنده النية والعزم على الجهاد، وأظهروا حمية الإسلام، كان ~~ذلك أثبت ليقينهم، وأقوى لاعتقادهم، كما يزداد الإيقان بتناصر الحجج. ~~ولأن خروجهم على أثر تثبيطه إلى جهة العدو طاعة عظيمة، والطاعات من جملة ~~الإيمان، لأن الإيمان اعتقاد وإقرار وعمل. وعن ابن عمر قلنا يا رسول ~~الله إن الإيمان يزيد وينقص؟ قال " نعم. يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة ~~وينقص حتى يدخل صاحبه النار ". وعن عمر - رضى الله عنه - أنه كان يأخذ ~~بيد الرجل فيقول قم بنا نزداد إيمانا. وعنه " لو وزن إيمان أبى بكر ~~بإيمان هذه الأمة لرجح به ". وقال ابن كثير روى البخارى ms0973 عن ابن عباس قال ~~{ حسبنا الله ونعم الوكيل } قالها إبراهيم - عليه السلام ~~- حين ألقى به فى النار. وقالها محمد - صلى الله عليه وسلم - حين قال لهم ~~الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ". وعن أبى هريرة - رضى الله عنه - ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إذا وقعتم فى الأمر العظيم فقولوا " حسبنا الله ونعم الوكيل ". # ثم حكى - سبحانه - ما تم لهؤلاء المجاهدين الذين خرجوا للقاء أعدائهم من ~~عاقبة حسنة وعود حميد فقال - تعالى - { فانقلبوا بنعمة من ~~الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان ~~الله والله ذو فضل عظيم }. فالفاء فى قوله { ~~فانقلبوا بنعمة من الله وفضل } للتعقيب، وهى معطوفة ~~على مقدر دل عليه السياق. ومعنى { انقلبوا } عادوا ورجعوا. والنعمة ~~هى العطاء الذى ينفع صاحبه. والفضل الزيادة فى العطاء والنعمة. والمعنى ~~أن هؤلاء المجاهدين الصادقين خرجوا للقاء أعدائهم بدون وهن أو ضعف أو ~~استكانة فلم يجدوهم، فرجعوا إلى ديارهم مصحوبين { بنعمة } عظيمة { ~~من الله } - تعالى -، إذ خذل أعداءهم، وسلمهم من شرورهم، ومصحوبين ~~بفضل جليل منه - سبحانه - حيث أغدق عليهم ربحا وفيرا فى تجارتهم، وأجرا ~~جزيلا بسبب قوة إيمانهم، وإخلاصهم فى دينهم. # قال الآلوسى " روى البيهقى عن ابن عباس أن عيرا مرت فى أيام الموسم - ~~أى موسم بدر - فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم فربح مالا فقسمه ~~بين أصحابه فذلك الفضل ". وأخرج ابن جرير عن السدى قال أعطى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حين خرج فى غزوة بدر الصغرى أصحابه دراهم ابتاعوا بها ~~فى الموسم، فأصابوا تجارة - فربحوا بها ". وقوله { بنعمة } فى موضع ~~الحال من الضمير { فانقلبوا } فتكون الباء للملابسة أو للمصاحبة ~~فكأنه قيل فانقلبوا متلبسين بنعمة أو مصاحبين لها. وقوله { من الله ~~} متعلق بمحذوف صفة لنعمة، وهو مؤكد لفخامتها وأنها نعمة جزيلة لا يقدر ~~قدرها. وقوله { لم يمسسهم سوء } أى لم يصبهم أى أذى أو مكروه ~~عند خروجهم وعودتهم. والجملة فى موضع الحال من فاعل { انقلبوا } أى ~~رجعوا منعمين مبرئين من السوء والأذى. وقوله { واتبعوا رضوان ~~الله ms0974 } معطوف على قوله { فانقلبوا }. أى اتبعوا ما يرضى الله ~~ويوصلهم إلى مثوبته ورحمته، باستجابتهم لرسولهم صلى الله عليه وسلم ~~وخروجهم للقاء أعدائهم بإيمان عميق، وعزم وثيق. فأنت ترى أن الله - تعالى ~~- قد أخبر عن هؤلاء المجاهدين المخلصين أنهم قد صحبهم فى عودتهم أمور ~~أربعة أولها النعمة العظيمة. وثانيها الفضل الجزيل. وثالثها السلامة من ~~السوء. ورابعها اتباع رضوان الله. وهذا كله قد منحه الله لهم جزاء ~~إخلاصهم وثباتهم على الحق الذى آمنوا به. ثم ختم - سبحانه - الآية ~~الكريمة بقوله { والله ذو فضل عظيم }. أى والله - تعالى - ~~صاحب الفضل العظيم الذى لا يحده حصر، ولا يحصيه عد، هو الذى تفضل على ~~هؤلاء المؤمنين الصادقين بما تفضل به من عطاء كريم، وثواب جزيل. وفى هذا ~~التذيل زيادة تبشير للمؤمنين برعاية الله لهم، وزيادة تحسير للمتخلفين عن ~~الجهاد فى سبيله - عز وجل -، حيث حرموا أنفسهم مما فاز به المؤمنون ~~الصادقون. ثم أمر الله - تعالى - عباده المؤمنين أن يجعلوا خشيتهم وخوفهم ~~منه وحده، فقال - تعالى - { إنما ذلكم الشيطان يخوف ~~أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ~~}. فالخطاب فى الآية الكريمة للمؤمنين، والإشارة بذلكم إلى المثبط ~~بالذات أو بالواسطة. وقوله { إنما } أداة حصر، و { ذلكم } مبتدأ ~~و { الشيطان } خبره، وقوله { يخوف أولياءه } جملة ~~مستأنفة مبينة لشيطنته. وقيل إن { ذلكم } مبتدأ أول، و { ~~الشيطان } مبتدأ ثان. وقوله { يخوف أولياءه } خبر ~~للمبتدأ الثانى. وهو وخبره خبر للمبتدأ الأول. والمراد بالشيطان إبليس ~~لأنه علم بالغلبة عليه ولأنه هو الذى يخوف بالوسوسة. وقيل المراد به ~~أتباعه الذين دسهم لكى يرهبوا المؤمنين من الكافرين وهم جماعة بنى عبد ~~القيس أو نعيم بن مسعود المجاشعى. # إنما ذلكم المثبط لكم عن لقاء أعدائكم هو الشيطان، الذى يوسوس فى قلوبكم ~~بالشر بذاته، أو بواسطة أتباعه الضالين، ومن شأن المؤمنين الصادقين أنهم ~~لا يتأثرون بهذه الوساوس الكاذبة، وإنما الذين يتأثرون بها هم ضعاف ~~الإيمان. وقوله { يخوف أولياءه } أى يخوف أولياءه المنافقين ~~وضعفاء الإيمان ليقعدوا عن مقاتلة المشركين. أما أنتم أيها المؤمنون ~~الصادقون فإنكم لن يقعدكم ms0975 تخويفه، لأن هذا التخويف لا أثر له فى قلب من ~~آمن بالله حق الإيمان، واتقاه حق تقاته. وقيل إن معنى { يخوف ~~أولياءه } يخوفكم بأوليائه فحذف المفعول وحذف الجار. كما فى قوله # فإذا خفت عليه فألقيه في اليم # أى فإذا خفت عليه فرعون. فحذف المفعول. وكما فى قوله # لينذر يوم التلاق # أى لينذركم يوم التلاقى. وقيل إن المعنى يخوفكم أولياءه فحذف المفعول ~~الأول كما تقول أعطيت الأموال، أى أعطيت القوم الأموال. وقوله { فلا ~~تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين } أى فلا تخافوا ~~أولياء الشيطان، بل اجعلوا خوفكم منى وحدى، إن كنتم مؤمنين حقا. فالمقصود ~~بهذه الجملة الكريمة تشجيعهم، وتقويتهم، وإلهاب شعورهم، إذ الإيمان الحق ~~يستلزم الخوف من الله دون سواه. والمراد بالنهى عن الخوف وهو أمر نفسى ~~النهى عن أسبابه التى من أهمها حب الدنيا وكراهية الموت أى خذوا بأسباب ~~القوة التى من أهمها التمسك بتقوى الله فإن ذلك يزيل الخوف من قلوبكم. ~~وفى المقابلة بين النهى عن الخوف من أولياء الشيطان، وبين الأمر بأن يكون ~~خوفهم من الله وحده، فى هذه المقابلة إرشاد إلى العلاج الذى يزيل الخوف ~~والفزع من نفوسهم. لأن الذى يجعل خشيته وخوفه من الله وحده لن يستطيع ~~الشيطان أو أولياؤه أن يبعدوه عن الطريق القويم وصدق الله إذ يقول # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان # وبذلك ترى أن الآيات الكريمة قد رفعت منازل الشهداء إلى أعلى الدرجات، ~~وصرحت بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون. كما أثنت ثناء مستطابا على الذين ~~لبوا دعوة رسولهم صلى الله عليه وسلم حين دعاهم إلى الجهاد فى سبيل الله، ~~ولم يمنعهم عن إجابة دعوته ما بهم من جراح، أو ما قاله لهم المرجفون من ~~أقوال باطلة، فرضى الله عنهم وأرضاهم. ثم أخذ القرآن فى تسلية النبى صلى ~~الله عليه وسلم عما يراه من كفر الكافرين. وعناد المعاندين، وفى بيان أن ~~كفر الكافر إنما يعود عليه ضرره لا على غيره، وأنه - سبحانه - يملى ~~للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وأن حكمته - سبحانه - تقتضى تمييز ms0976 الخبيث ~~من الطيب. فقال - تعالى - { ولا يحزنك الذين... }. ### || [3.176-180] # الخطاب فى قوله - تعالى - { ولا يحزنك الذين يسارعون في ~~الكفر } للنبى صلى الله عليه وسلم والمقصود منه تسليته وإدخال ~~الطمأنينة على قلبه، حتى لا يتأثر بما يراه من كفر الكافرين، ونفاق ~~المنافقين، وفسق الفاسقين. أى لا يحزنك ولا يثر فى نفسك الحسرات يا ~~محمد، حال أولئك القوم الذين { يسارعون في الكفر } أى يتوغلون ~~فيه، ويتعجلون فى إظهاره وتأييده والعمل به عند سنوح الفرص، ويقعون فيه ~~سريعا من تريث أو تدبر أو تفكير والمقصود بالنهى عن الحزن، النهى عن ~~الاسترسال فيه وفى الأسباب التى تؤدى إليه، كأن يظن صلى الله عليه وسلم ~~أن كثرة الضالين ستؤدى إلى انتصارهم على المؤمنين. وقد أشار إلى ذلك صاحب ~~الكشاف فقال { يسارعون في الكفر } يقعون فيه سريعا، ويرغبون ~~فيه أشد رغبة. وهم الذين نافقوا من المتخلفين. وقيل هم قوم ارتدوا عن ~~الإسلام. فإن قلت فما معنى قوله { ولا يحزنك } ومن حق الرسول أن ~~يحزن لنفاق من نافق وارتداد من ارتد؟ قلت معناه لا يحزنوك لخوف أن يضروك ~~ويعينوا عليك ". ولتضمن المسارعة معنى الوقوع تعدت بحرف " فى " دون حرف " ~~إلى " الشائع تعديتها بها كما فى قوله - تعالى - # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم # وقوله { إنهم لن يضروا الله شيئا } تعليل للنهى عن أن ~~يحزنه تسارعهم فى الكفر أى لا يحزنك يا محمد حال هؤلاء المارقين الذين ~~يسارعون فى الكفر وينتقلون فيه من دركة إلى دركة أقبح من سابقتها، فإنهم ~~مهما تمادوا فى كفرهم وضلالهم ومحاولتهم إضلال غيرهم، فإنهم لن يضروا دين ~~الله أو أولياءه بشىء من الضرر حتى ولو كان ضررا يسيرا. ففى الكلام حذف ~~مضاف والتقدير إنهم لن يضروا أولياء الله شيئا. وفى هذا الحذف تشريف ~~للمؤمنين الصادقين، وإشعار بأن مضارتهم بمنزلة مضارته - سبحانه - وفى ~~الحديث القدسى # " من عادى لى وليا فقد آذنته بحرب ". # ولقد كان النبى صلى الله عليه وسلم بمقتضى طبيعته البشرية، وغيرته على ~~دين الله - تعالى - يحزن لإعراض المعرضين عن الحق الذى جاء به، ms0977 ولقد حكى ~~القرآن ذلك فى كثير من آياته، ومنه قوله - تعالى - # فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم ~~بما يصنعون # وقوله - تعالى - # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # فأراد - سبحانه - فى هذه الآية الكريمة وأمثالها أن يزيل من نفس رسوله ~~صلى الله عليه وسلم هذا الحزن الذى نتج عن كفر الكافرين، وأن يطمئنه إلى ~~أن العاقبة ستكون له ولأتباعه المؤمنين الصادقين. وقوله { يريد ~~الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة } استئناف لبيان ~~جزائهم على كفرهم فى الآخرة، بعد أن بين - سبحانه - عدم إضرارهم لأوليائه ~~فى الدنيا. # أى لا ينبغى لك يا محمد أن تحزن لمسارعة هؤلاء الضالين فى الكفر، فإنهم ~~لن يضروا أوليائى بشىء من الضرر، ولأن كفرهم ليس مراغمة لله حتى تحزن، ~~وإنما هو بإرادته، لأنه أراد ألا يكون لهم حظ أو نصيب من الخير فى الآخرة ~~بسبب استحبابهم العمى على الهدى، ولهم مع هذا الحرمان من الخير فى الآخرة ~~{ عذاب عظيم } لا يعلم مقدار آلامه وشدته إلا الله تعالى. قال صاحب ~~الكشاف " فإن قلت هلا قيل لا يجعل الله لهم حظا فى الآخرة، وأى فائدة فى ~~ذكر الإرادة؟ قلت فائدته الإشعار بأن الداعى إلى حرمانهم وتعذيبهم قد ~~خلص خلوصا لم يبق معه صارف قط حين سارعوا فى الكفر، تنبيها على تماديهم ~~فى الطغيان وبلوغهم الغاية فيه، حتى إن أرحم الراحمين يريد أن لا يرحمهم ~~". ثم أكد - سبحانه - هذا الحكم وقرره فقال { إن الذين ~~اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ~~ولهم عذاب أليم }. والاشتراء فى الآية الكريمة بمعنى الاستبدال ~~على سبيل الاستعارة التمثيلية فقد شبه - سبحانه - الكافر الذى يترك الحق ~~الواضح الذى قامت الأدلة على صحته ويختار بدله الضلال الذى قامت الأدلة ~~على بطلانه، بمن يكون فى يده سلعة ثمينة جيدة فيتركها ويأخذ فى مقابلها ~~سلعة رديئة فاسدة. والمعنى أن الذين استبدلوا الكفر بالإيمان، لن يضروا ~~دين الله ولا رسوله ولا أولياءه بشىء من الضرر، وإنما يضرون بفعلهم هذا ~~أنفسهم ضررا بليغا ms0978 ولهم فى الآخرة عذاب مؤلم شديد الإيلام، بسبب إيثارهم ~~الغى على الرشد، والكفر على الإيمان، والشر على الخير. ثم بين - سبحانه ~~- أن ما يتمتع به الأشرار فى الدنيا من متع إنما هو استدراج لهم، فقال - ~~تعالى - { ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي ~~لهم خير لأنفسهم }. وقوله { نملي لهم } من الإملاء ~~وهو الإمهال والتخلية بين العامل والعمل ليبلغ مداه. يقال أملى فلان ~~لفرسه إذا أرخى له الطول ليرعى كيف شاء. ويطلق الإملاء على طول المدة ~~ورغد العيش. والمعنى { ولا يحسبن الذين كفروا أنما ~~نملي لهم } ، بتطويل أعمارهم، وبإعطائهم الكثير من وسائل العيش ~~الرغيد هو، { خير لأنفسهم } كلا. بل هو سبب للمزيد من عذابهم، ~~لأننا { إنما نملي لهم ليزدادوا إثما } بكثرة ~~ارتكابهم للمعاصى { ولهم } فى الآخرة { عذاب مهين } أى عذاب ~~ينالهم بسببه الذل الذى ليس بعده ذل والهوان الذى يتصاغر معه كل هوان. ~~وقوله { ولا يحسبن } إلخ.. عطف على قوله - تعالى - { ولا ~~يحزنك } ويكون للنهى عن الظن متجها للذين كفروا ليعلموا سوء عاقبتهم. ~~ويكون مفعولا يحسب قد سد مسدهما أن المصدرية وما بعدها و " ما " فى قوله ~~" أنما نملى لهم " يجوز أن تكون مصدرية، وأن تكون موصولة حذف عائدها. # وقد كتبت متصلة بأن مع أن من حقها أن تكتب منفصلة عنها اتباعا للمصحف ~~الإمام أى لا يحسبن الكافرين أن إملاءنا لهم أو أن الذى نمليه لهم من ~~تأخير حياتهم وانتصارهم فى الحروب فى بعض الأحيان، هو خير لهم. وقرأ حمزة ~~" ولا تحسبن الذين كفروا ". فيكون الخطاب بالنهى متجها إلى النبى صلى ~~الله عليه وسلم ويكون المفعول الأول لحسب هو { الذين كفروا } ~~وقوله { أنما نملي لهم خير لأنفسهم } بدل من الذين ~~كفروا سادا مسد المفعول الثانى، أو يكون هو المفعول الثانى. والمعنى لا ~~تحسبن يا محمد ولا يحسبن أحد من أمتك أن إملاءنا للذين كفروا هو خير ~~لأنفسهم، بل هو شر لهم، لأننا ما أعطيناهم الكثير من وسائل العيش الرغيد ~~إلا على سبيل الاستدراج، وسنعاقبهم على ما ارتكبوه من آثام عقابا عسيرا. ~~وقوله ms0979 { إنما نملي لهم ليزدادوا إثما } استئناف ~~واقع موقع التعليل للنهى عن حسبان الإملاء خيرا للكافرين. أى إنما ~~نزيدهم من وسائل العيش الرغيد ليزدادوا آثاما بكثرة ارتكابهم للسيئات. ~~فتكون نتيجة ذلك أن نزيدهم من العذاب المهين الذى لا يستطيعون دفعه أو ~~التهرب منه. و " إنما " فى قوله { إنما نملي لهم } أداة حصر ~~مركبة من " إن " التى هى حرف توكيد ومن " ما " الزائدة الكافة. واللام فى ~~قوله { ليزدادوا إثما } هى التى تسمى بلام العاقبة كما فى قوله ~~- تعالى - # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # أى " إنما نملى لهم فيزدادون إثما، فلما كان ازدياد الإثم ناشئا عن ~~الإملاء كان كالعلة له، وكانت نتيجة هذا الإملاء أن وقعوا فى العذاب ~~المهين. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد ~~الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم ~~وهم كافرون # وقوله - تعالى - # فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم ~~من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين # ثم بين - سبحانه - بعض الحكم التى اشتملت عليها غزوة أحد فقال - تعالى - ~~{ ما كان الله ليذر المؤمنين على مآ أنتم ~~عليه حتى يميز الخبيث من الطيب }. وقوله { ~~ليذر } أى ليترك. والمراد بالمؤمنين المخلصون الذين صدقوا فى إيمانهم ~~والمراد بقوله { على مآ أنتم عليه } أى اختلاط المؤمنين ~~بالمنافقين واستواؤهم فى إجراء الأحكام. ومعنى يميز يفصل. وقرىء يميز أن ~~يحدد ويبين. والمراد بالخبيث المنافق ومن على شاكلته من ضعاف الإيمان. ~~والمراد بالطيب الصادق فى إيمانه. والمعنى ليس من شأن الله - تعالى - ولا ~~من حكمته وسنته فى خلقه أن يترككم أيها المؤمنون على ما أنتم عليه من ~~الالتباس واختلاط المنافقين بكم، بل الذى من شأنه وسنته أن يبتليكم ~~ويمتحنكم بألوان من المصائب والشدائد حتى يتميز المؤمنون من المنافقين، ~~وينفصل الأخيار عن الأشرار. # قال ابن كثير أى لا بد أن يعقد سببا من المحنة، يظهر فيه وليه ويفضح به ~~عدوه، يعرف به المؤمن الصابر والمنافق الفاجر، يعنى بذلك يوم أحد الذى ~~امتحن الله به المؤمنين فظهر به إيمانهم ms0980 وصبرهم وجلدهم وثباتهم وطاعتهم ~~لله لرسوله وهتك به ستار المنافقين، فظهرت مخالفتهم، ونكولهم عن الجهاد، ~~وخيانتهم لله ولرسوله. قال مجاهد ميز بينهم يوم أحد ". وعبر - سبحانه - ~~عن المؤمن بالطيب، وعن المنافق بالخبيث، ليسجل على كل منهما ما يليق به ~~من الأوصاف، وللإشعار بعلة الحكم. وقوله { وما كان الله ~~ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من ~~رسله من يشآء } معطوف على قوله { ما كان الله ليذر ~~}. والغيب ضد المشاهد. وهو كل ما غاب عن الحواس ولا تمكن معرفته إلا عن ~~طريق الوحى من الله - تعالى - على رسوله صلى الله عليه وسلم. واجتبى من ~~الاجتباء بمعنى الاختيار والاصطفاء. أى وما كان الله - تعالى - ليعطى ~~أحدا منكم - معشر المؤمنين - علم الغيوب الذى به تعرفون المؤمن من ~~المنافق، إذ علم ذلك له وحده، ولكنه - سبحانه - يصطفى من رسله من يريد ~~اصطفاءه فيطلعه على بعض الغيوب، وذلك كما حدث لنبيكم صلى الله عليه وسلم ~~فقد أطلعه - سبحانه - على ما دبره له اليهود حين هموا باغتياله، وأطلعه ~~على حال تلك المرأة التى أرسلها حاطب بن أبى بلتعة برسالة إلى قريش ~~لتخبرهم باستعداد الرسول صلى الله عليه وسلم لحربهم. وأطلعه على بعض ~~أحوال المنافقين. قال - تعالى - # عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ~~ارتضى من رسول # وفى قوله - تعالى - { ولكن الله يجتبي من رسله من ~~يشآء } إيذان بأن الوقوف على أمثال تلك الأسرار الغيبية، لا يتأتى إلا ~~ممن رشحه الله - تعالى - لمنصب جليل، تقاصرت عنه همم الأمم، واصطفاه على ~~الناس لإرشادهم. ثم أمر الله - تعالى - عباده أن يثبتوا على الإيمان، ~~وبشرهم بالأجر العظيم إذ هم استمروا على ذلك فقال { فآمنوا بالله ~~ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم }. ~~أى إذا علمتم أيها المؤمنون أن الله لا يطلع على غيبه أحدا إلا من ارتضى ~~من رسول، فإنه يجب عليكم أن تؤمنوا بالله وبرسله حق الإيمان، وإن تؤمنوا ~~بالله - تعالى - وبرسله حق الإيمان، وتتقوا المخالفة فى الأمر والنهى، ~~فلكم فى مقابلة ذلك من الله - تعالى - ما لا ms0981 يقادر قدره من الثواب ~~العظيم، والأجر الجزيل. # ثم بين - سبحانه - بعد ذلك سوء مصير الذين يبخلون بنعم الله، فلا يؤدون ~~حقها. ولا يقومون بشكرها فقال - تعالى - { ولا يحسبن الذين ~~يبخلون بمآ آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم ~~بل هو شر لهم }. وقوله { يبخلون } من البخل وهو ضد الجود ~~والسخاء، ومعناه أن يقبض الإنسان يده عن إعطاء الشىء لغيره، وأن يحرص ~~حرصا شديدا على ما يملكه من مال أو علم أو غير ذلك. ويرى جمهور ~~المفسرين أن المراد بالبخل هنا البخل بالمال، لأنه هو الذى يتفق مع ~~السياق. ويرى بعضهم أن المراد بالبخل هنا البخل بالعلم وكتمانه، وذلك لأن ~~اليهود كتموا صفات النبى صلى الله عليه وسلم التى جاءت بها التوراة. ~~والذى تراه أن ما عليه الجمهور هو الأرجح، لأنه هو المتبادر من معنى ~~الآية، وهو المتفق من سياق الكلام. ولذا قال الآلوسى قوله - تعالى - { ~~ولا يحسبن الذين يبخلون } بيان لحال البخل وسوء عاقبته، ~~وتخطئة لأهله فى دعواهم خيريته عقب بيان حال الإملاء... وقيل وجه ~~الارتباط أنه - تعالى - لما بالغ فى التحريض على بذل الأرواح فى الجهاد ~~وغيره، شرع هنا فى التحريض على بذل المال، وبين الوعيد الشديد لمن يبخل ~~به ". والمعنى ولا يظنن أولئك الذين يبخلون بما أعطاهم الله من نعم ~~وأموال أن بخلهم فيه خير لهم، كلا، بل إن بخلهم هذا فيه شر عظيم لهم. ~~والنهى عن الحسبان بأن البخل فيه خير فى قوله { ولا يحسبن ~~الذين يبخلون } يدل على النفى المؤكد. أى لا يصح لهم أن يظنوا ~~بأية حال من الأحوال أن ذلك البخل فيه خير لهم. بل الحقيقة أن فيه شرا ~~كبيرا لهم. وفى قوله { بمآ آتاهم الله } إشعار بسوء صنيعهم، ~~وخبث نفوسهم، حيث بخلوا بشىء ليس وليد علمهم واجتهادهم، وإنما هذا الشىء ~~منحه الله - تعالى - لهم بفضله وجوده، فكان الأولى لهم أن يشكروه على ما ~~أعطى، وأن يبذلوا مما أعطاهم فى سبيله. والضمير " هو " يعود على البخل ~~المستفاد من قوله { يبخلون }. ويرى الزمخشرى أنه ضمير ms0982 فصل لتأكيد ~~نفى الظن فى الخيرية. وفى إعادة الضمير، وذكر الجملة الإسمية فى قوله { ~~بل هو شر لهم } تأكيد لمعنى الشر فى البخل، وأنه لا خير من ~~ورائه قط، ففى الحديث الشريف الذى رواه الإمام مسلم فى صحيحه عن جابر بن ~~عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " اتقوا الظلم فإن الظلم ~~ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على ~~أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم ". ثم بين - سبحانه - المصير المؤلم ~~لأولئك البخلاء فقال - تعالى - { سيطوقون ما بخلوا به ~~يوم القيامة }. # وقوله { سيطوقون } مشتق من الطوق، وهو ما يلبس من أسفل الرقبة. ~~أى تجعل أموالهم أطواقا حول رقابهم، وأغلالا حول أجسادهم، فيعذبون عذابا ~~أليما بحملها. وجمهور المفسرين على أن الكلام على ظاهره، وأن عذاب هؤلاء ~~البخلاء بنعم الله، سيكون نوعا من العذاب الأخروى المحسوس. وقد أيد ~~القرطبى هذا الاتجاه فقال " وهذه الآية نزلت فى البخل بالمال والإنفاق ~~فى سبيل الله وأداء الزكاة المفروضة، ذهب إلى هذا جماعة من المتأولين، ~~منهم ابن مسعود وابن عباس وأبو وائل. قالوا ومعنى { سيطوقون ما ~~بخلوا به يوم القيامة } هو الذى ورد فى الحديث عن أبى ~~هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال " من أتاه الله مالا فلم يؤد ~~زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم ~~يأخذ بلهزمتيه - أى شدقيه - ثم يقول له. أنا مالك أنا كنزك. ثم تلا هذه ~~الآية { ولا يحسبن الذين يبخلون بمآ آتاهم الله ~~من فضله }. ويرى بعض العلماء أن هذا الوعيد على سبيل التمثيل، وأن ~~الظاهر غير مراد ومعنى قوله { سيطوقون ما بخلوا به } عند ~~هذا البعض سيكلفون أن يأتوا بمثل ما بخلوا به من أموالهم يوم القيامة ~~عقوبة لهم، فلا يأتون لأنهم ليس فى قدرتهم ذلك. أو المعنى سيلزمون وبال ~~ما بخلوا به لزوم الطوق، ويتحملون وزر ذلك يوم القيامة. فالآية الكريمة ~~تدعو المؤمنين إلى الجود والسخاء من أجل إعلاء كلمة الله، وتتوعد البخلاء ~~بأقسى ms0983 ألوان الوعيد وأفظعها. وتبين أن كل ما فى هذا الكون إنما هو ملك ~~لله - تعالى - وحده، فهو المعطى وهو المانع، ولذا قال - تعالى - { ~~ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون ~~خبير }. والميراث مصدر كالميعاد. وأصله موراث فقلبت الواو ياء لانكسار ~~ما قبلها. والمراد به ما يتوارث. والمعنى أن لله - تعالى - وحده لا لأحد ~~غيره ما فى السماوات والأرض مما يتوارثه أهلهما من مال وغيره، فما بال ~~هؤلاء القوم يبخلون عليه بما يملكه، ولا ينفقونه فى سبيله. وعلى هذا يكون ~~الكلام جار على حقيقته ولا مجاز فيه. ويصح أن يكون المعنى أن الله - ~~تعالى - يرث من هؤلاء ما فى أيديهم مما بخلوا به من مال وغيره وينتقل ~~منهم إليه حين يميتهم ويفنيهم، وتبقى الحسرة والندامة عليهم. وعلى هذا ~~يكون الكلام على سبيل المجاز. قال الزجاج أى أن الله - تعالى - يفنى ~~أهلهما. فيفنيان بما فيهما، فليس لأحد فيهما ملك. فخوطبوا بما يعلمون، ~~لأنهم يجعلون ما يرجع إلى الإنسان ميراثا، ملكا له ". وقوله { والله ~~بما تعملون خبير } تذييل قصد به حضهم على الإنفاق، ونهيهم عن ~~البخل، أى أن الله - تعالى - خبير ومطلع على ما يصدر عنكم من سخاء أو بخل ~~أو غيرهما، وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا الحسنى. # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ساقت ألوانا من التسلية للنبى صلى ~~الله عليه وسلم ولأتباعه، وبشرتهم بأن العاقبة ستكون لهم، وفضحت ~~المنافقين وهتكت ما تستروا به من رياء وخداع، وبينت أن من سنن الله فى ~~خلقه أن يبتلى عباده بشتى ألوان البلاء ليتميز الخبيث من الطيب، وأنه - ~~سبحانه - يملى للكافرين ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وأن البخلاء بما آتاهم ~~الله من فضله ستكون عاقبتهم شرا، ومصيرهم إلى العذاب الأليم. ثم أخذت ~~السورة الكريمة - بعد أن فضحت المنافقين - فى الحديث عن بعض رذائل أهل ~~الكتاب، وفى التحذير من شرورهم، وفى بيان طبيعة هذه الحياة وما تحمله من ~~بلاء واختبار فقال - تعالى - { لقد سمع.... }. ### || [3.181-188] # قال ابن كثير عن ابن عباس قال ms0984 لما نزل قوله - تعالى - { من ذا ~~الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا ~~كثيرة } قالت اليهود يا محمد!! افتقر ربك فسأل عباده القرض، فأنزل ~~الله هذه الآية. وروى محمد بن إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس قال # " دخل أبو بكر الصديق بيت المدراس. فوجد من يهود ناسا كثيرة قد اجتمعوا ~~على رجل منهم يقال له " فحناص " وكان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر يقال ~~له " أشيع ". فقال له أبو بكر ويحك يا فنحاص اتق الله وأسلم فوالله إنك ~~لتعلم أن محمدا رسول من عند الله، قد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوبا ~~عندكم في التوراة والإنجيل. فقال فنحاص والله يا أبا بكر ما بنا إلى ~~الله من حاجة من فقر، وإنه إلينا لفقير، ما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، ~~وإنا عنه لأغنياء. ولو كان عنا غنيا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم. ~~ينهاكم عن الربا ويعطينا، ولو كان غنيا ما أعطانا الربا. فغضب أبو بكر ~~وضرب وجه فنحاص ضربا شديدا، وقال والذى نفسى بيده لولا الذى بيننا وبينك ~~من العهد لضربت عنقك يا عدو الله... فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال يا محمد أبصر ما صنع بى صاحبك. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ما حملك على ما صنعت يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر يا رسول الله. ~~إن عدو الله قال قولا عظيما. يزعم أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء. فلما ~~قال ذلك غضبت لله مما قال فضربت وجهه. فجحد فنحاص ذلك وقال ما قلت ذلك. ~~فأنزل الله فيما قال فنحاص { لقد سمع الله قول الذين ~~قالوا... } ". # والمعنى لقد سمع الله - تعالى - قول أولئك اليهود الذين نطقوا بالزور ~~والفحش فزعموا أن الله - تعالى - فقير وهم أغنياء. والمقصود من هذا السمع ~~لازمه وهو العلم والإحاطة بما يقولون من قبائح، ثم محاسبتهم على ما ~~تفوهوا به من أقوال، وما ارتكبوه من أعمال، ومعاقبتهم على جرائمهم ~~بالعقاب المهين الذين يستحقونه. وقوله { سنكتب ما قالوا ~~وقتلهم الأنبياء بغير ms0985 حق } أى سنسجل عليهم فى صحائف ~~أعمالهم قولهم هذا، كما سنسجل عليهم قتلهم أنبياء الله بغير حق، فالاسناد ~~مجازى والكتابة حقيقية. أو المعنى سنحفظه فى علمنا ولا نهمله، وسنعاقبهم ~~بما يستحقونه من عقوبات، فيكون الإسناد حقيقة والكتابة مجازا. والسين ~~للتأكيد، أى لن يفوتنا أبدا تدوينه وإثباته، بل سنسجله عليهم ونعاقبهم ~~عليه عقابا أليما بسبب أقوالهم القبيحة، وأعمالهم المنكرة. وقد قرن - ~~سبحانه - قولهم المنكر هذا، بفعل شنيع من أفعال أسلافهم، وهو قتلهم ~~الأنبياء بغير حق وذلك لإثبات أصالتهم فى الشر، وإستهانتهم بالحقوق ~~الدينية، وللتنبيه على أن قولهم هذا ليس أول جريمة ارتكبوها، ومعصية ~~استباحوها، فقد سبق لأسلافهم أن قتلوا الأنبياء بغير حق، وللإشعار بأن ~~هاتين الجريمتين من نوع واحد، وهو التجرؤ على الله - تعالى -، فقتل ~~الأنبياء هو تعد على أمناء الله فى الأرض الذين اختارهم لتبليغ رسالاته، ~~وقولهم { إن الله فقير } وهو تطاول على ذات الله، وكذب عليه، ~~ووصف له بما لا يليق به - سبحانه - وبهذا كله يكونون قد عتوا عتوا ~~كبيرا، وضلوا ضلالا بعيدا. # وأضاف - سبحانه - القتل إلى المعاصرين للعهد النبوى من اليهود، مع أنه ~~حدث من أسلافهم لأن هؤلاء المعاصرين كانوا راضين بفعل أسلافهم ولم ينكروه ~~وإن لم يكونوا قد باشروه، ومن رضى بجريمة قد فعلها غيره فكأنما قد فعلها ~~هو. وفى الحديث الشريف إذا عملت الخطيئة فى الأرض كان من شهدها فأنكرها ~~كمن غاب عنها. ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها. ووصف - سبحانه - قتلهم ~~للأنبياء بأنه { بغير حق } مع أن هذا الإجرام لا يكون بحق أبدا، ~~للإشارة إلى شناعة أفعالهم، وضخامة شرورهم، وأنهم لخبث نفوسهم، وقسوة ~~قلوبهم لا يبالون أكان فعلهم فى موضعه أم فى غير موضعه. ثم - صرح سبحانه ~~- بالعقوبة بعد أن كنى عنها فقال { ونقول ذوقوا عذاب ~~الحريق } أى سنجازيهم بما فعلوا، ونلقى بهم فى جهنم، مخاطبين إياهم ~~بقولنا ذوقوا عذاب تلك النار المحرقة التى كنتم بها تكذبون. ففى الآية ~~الكريمة إيجاز بالحذف دل عليه سياق الكلام. والذوق حقيقته إدراك ~~المطعومات، والأصل فيه أن يكون ms0986 فى أمر مرغوب فى ذوقه وطلبه، والتعبير به ~~هنا عن ذوق العذاب هو لون من التهكم عليهم، والاستهزاء بهم كما فى قوله - ~~تعالى - # فبشرهم بعذاب أليم # ثم صرح - سبحانه - بأنهم هم الذين جنوا على أنفسهم بوقوعهم فى العذاب ~~المحرق فقال { ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ~~ليس بظلام للعبيد }. أى ذلك العذاب الشديد الذى حاق بكم - ~~أيها اليهود - بسبب ما قدمته أيديكم من عمل سىء، وما نطقت به أفواهكم من ~~قول منكر، فقد اقتضت حكمته وعدالته ألا يعذب إلا من يستحق العذاب، وأنه - ~~سبحانه - لا يظلم عباده مثقال ذرة. واسم الإشارة { ذلك } يعود إلى ~~العذاب المحقق المنزل منزلة المحسوس المشاهد. والمراد بالأيدى الأنفس، ~~والتعبير بالأيدى عن الأنفس من قبيل التعبير بالجزء عن الكل. وخصت الأيدى ~~بالذكر، للدلالة على التمكن من الفعل وإرادته، ولأن أكثر الأفعال يكون عن ~~طريق البطش بالأيدى، ولأن نسبة الفعل إلى اليد تفيد الالتصاق به والاتصال ~~بذاته. قال الآلوسى ما ملخصه وقوله { وأن الله ليس بظلام ~~للعبيد } عطف على قوله { ذلك بما قدمت أيديكم } فهو ~~داخل تحت حكم باء السببية، وسببيته للعذاب من حيث إن نفى الظلم يستلزم ~~العدل المقتضى إثابة المحسن ومعاقبة المسىء. # .. وصيغة المبالغة لتأكيد هذا المعنى بإبراز ما ذكر من التعذيب بغير ذنب ~~فى صورة المبالغة فى الظلم... وقيل إن صيغة " ظلام " للنسب كعطار أى لا ~~ينسب إليه الظلم أصلا ". ثم ذكر - سبحانه - رذيلة أخرى من رذائل اليهود ~~فقال { الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا ~~نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار ~~}. وقوله { الذين قالوا إن }.. إلخ. فى محل نصب بتقدير أعنى. ~~أو فى محل رفع بتقدير هم الذين قالوا. ويجوز أن يكون فى محل جر على ~~البدلية من قوله { الذين قالوا إن الله فقير }. والمراد ~~بالموصول جماعة من اليهود منهم كعب بن الأشرف، وفنحاص بن عازوراء، وحيى ~~بن أخطب.. وغيرهم، فقد ذكر جماعة من المفسرين أنهم أتوا النبى صلى الله ~~عليه وسلم وقالوا له هذا القول وهو { إن الله عهد إلينا ~~}... إلخ. ms0987 و { القربان } هو ما يتقرب به إلى الله من نعم أو غير ذلك من ~~القربات. والمعنى أن عذابنا الأليم سيصيب أولئك اليهود الذين قالوا إن ~~الله فقير ونحن أغنياء، والذين قالوا إن الله أمرنا فى التوراة وأوصانا ~~بأن لا نصدق ونعترف لرسول يدعى الرسالة إلينا من قبل الله - تعالى - حتى ~~يأتينا بقربان يتقرب به إلى الله، فتنزل نار من السماء فتأكل هذا ~~القربان، فإذا فعل ذلك كان صادقا فى رسالته. ومقصدهم من وراء هذا القول ~~الذى حكاه القرآن عنهم، أن يظهروا أمام الناس بمظهر المحافظين على عهود ~~الله. وأنهم ما تركوا الإيمان بالنبى صلى الله عليه وسلم حسدا له، وإنما ~~تركوا الإيمان به، لأنه لم يأت بالمعجزات التى أتى بها الأنبياء ~~السابقون، فهم معذورون إذا لم يؤمنوا به لأنه ليس نبيا صادقا - فى زعمهم ~~-. ولا شك أن قولهم هذا ظاهر البطلان، لأن الإتيان بالقربان إذا كان ~~معجزة لرسول لا يستلزم أن يكون معجزة لكل رسول، إذ أن آيات الله فى إثبات ~~رسالات رسله متعددة النواحى، مختلفة المناهج، وكون هذا الإتيان بالقربان ~~الذى تأكله النار معجزة لبعض الرسل لا يستدعى أن يكون معجزة لجميعهم ولذا ~~فقد أمر الله - تعالى - رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم ~~بما يبطل قولهم فقال { قل قد جآءكم رسل من قبلي ~~بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن ~~كنتم صادقين }. أى قل لهم يا محمد { قل قد جآءكم رسل ~~من قبلي } كثير عددهم " بالبينات " أى بالحجج الواضحة، وبالمعجزات ~~الساطعة الدالة على صدقهم { وبالذي قلتم } أى وجاءكم هؤلاء ~~الرسل بالقربان الذى تأكله النار { فلم قتلتموهم } بعد أن ~~جاءوكم بتلك المعجزات الباهرة { إن كنتم صادقين } فى دعواكم أنكم ~~تتبعون الحق، وتطيعون الرسل متى أتوكم بما يشهد بصدقهم؟. # فالجملة الكريمة ترد على هؤلاء اليهود بأبلغ الوجوه التى تثبت كذبهم ~~فيما يدعون، لأن قتلهم للأنبياء بعد أن جاءوهم بالمعجزات الواضحة الدالة ~~على صدقهم، دليل على أن هؤلاء اليهود قد بلغوا منتهى الجحود والظلم ~~والعدوان، وأن دعواهم أن إيمانهم بمحمد ms0988 صلى الله عليه وسلم متوقف على ~~مجيئه بالقربان الذى تأكله النار دعوة كاذبة، لأن من جاءهم بالقربان كان ~~جزاؤه القتل منهم... قال الفخر الرازى وقد بين الله بهذه الدلائل أنهم ~~يطلبون هذه المعجزة لا على سبيل الاسترشاد وإنما على سبيل التعنت. وذلك ~~لأن أسلافهم طلبوا هذه المعجزة من الأنبياء المتقدمين مثل زكريا ويحيى ~~وعيسى، فلما أظهروا لهم هذا المعجزة سعوا فى قتلهم بعد أن قابلوهم ~~بالتكذيب والمخالفة والمعاندة. وذلك يدل على أن مطالبهم كانت على سبيل ~~التعنت إذ لو لم يكن الأمر كذلك لما سعوا فى قتلهم، ومتأخرو اليهود راضون ~~بفعل متقدميهم. وهذا يقتضى كونهم متعنتين - أيضا - فى مطالبهم. ولهذا لم ~~يجبهم الله فيها ". { فإن كذبوك فقد كذب رسل من ~~قبلك جآءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير ~~}. والبينات جمع بينه وهى الآيات المبينة للحق، والأدلة التى يستشهد بها ~~الرسول على أنه صادق فيما يبلغه عن ربه. والزبر جمع زبور - كالرسول ~~والرسل - وهو الكتاب المقصور على الحكم من زبرته بمعنى حسنته. وخص الزبور ~~بالكتاب الذى أنزله الله على داود - عليه السلام - قال - تعالى - # وآتينا داوود زبورا # وقيل الزبر اسم للمواعظ والزواجر من زبرته إذا زجرته. والمعنى فإن كذبوك ~~هؤلاء اليهود يا محمد بعد أن قام الدليل على صدقك وعلى كذبهم وتعنتهم ~~وجحودهم، فلا تبتئس ولا تحزن، فإن الأنبياء من قبلك قد قوبلوا بالتكذيب ~~من أقوامهم بعد أن جاءوهم بالدلائل الواضحة الدالة على صدقهم وبعد أن ~~جاءوهم { بالزبر } أى بالكتب الموحى بها من الله - تعالى - لوعظ الناس ~~وزجرهم، وبعد أن جاءوهم بالكتاب المنير أى بالكتاب الواضح المستنير ~~المشتمل على سعادة الناس فى دنياهم وآخرتهم. فالآية الكريمة مسوقة على ~~سبيل التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم والتخفيف عنه مما يلقاه من ~~الجاحدين والمكذبين. ثم بين - سبحانه - أن مرد الخلق جميعا إلى الله، وأن ~~كل نفس مهما طال عمرها لا بد أن يصيبها الموت، وأن الدار الباقية إنما هى ~~الدار الآخرة التى سيحاسب الناس فيها على أعمالهم فقال - تعالى - { كل ~~نفس ذآئقة الموت وإنما توفون ms0989 أجوركم يوم ~~القيامة }. قال ابن كثير " يخبر - تعالى - إخبارا عاما يعم جميع ~~الخليقة بأن كل نفس ذائقة الموت، كقوله - تعالى - # كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام # فهو - تعالى - وحده الحى الذى لا يموت والجن والإنس يموتون، وكذلك ~~الملائكة وحملة العرش، وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء ~~فيكون آخرا كما كان أولا، وهذه الآية فيها تعزية لجميع الناس، فإنه لا ~~يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت.. ". وقوله { ذآئقة الموت } من ~~الذوق وحقيقته إدراك الطعوم، والمراد به هنا حدوث الموت لكل نفس. وعبر عن ~~حدوث الموت لكل نفس بذوقه، للإشارة إلى أنه عند ذوق المذاق إما مرا لما ~~يستتبعه من عذاب، وإما حلوا هنيئا بسبب ما يكون بعده من أجر وثواب. وأسند ~~ذوق الموت إلى النفس ولم يسنده إلى الشخص لأن النفس روح، والشخص جزءان ~~جسم ونفس، والنفس هى التى تبقى بعد مفارقتها للجسد، فهى التى تذوق الموت ~~كما ذاقت الحياة الدنيا. وقوله { وإنما توفون أجوركم ~~يوم القيامة } أى وإنما تعطون جزاء أعمالكم وافيا تاما يوم ~~القيامة. يوم يقوم الناس لرب العالمين ليحاسبهم على أعمالهم، فيجازى ~~الذين أساءوا بما عملوا. ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. قال صاحب الكشاف ~~فإن قلت كيف اتصل قوله - تعالى - { وإنما توفون أجوركم ~~يوم القيامة } بما قبله؟ قلت اتصاله به على معنى أن كلكم تموتون، ~~ولا بد لكم من الموت ولا توفون أجوركم على طاعتكم ومعصيتكم عقيب موتكم، ~~وإنما توفونها يوم قيامكم من القبور. فإن قلت فهذا يوهم نفى ما يروى من ~~أن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار؟ قلت كلمة التوفية ~~تزيل هذا الوهم، لأن المعنى أن توفية الأجور وتكميلها يكون فى ذلك اليوم، ~~وما يكون قبل ذلك فهو بعض الأجور ". وقال الفخر الرازى " بين - سبحانه - ~~أن تمام الأجر والثواب لا يصل إلى المكلف إلا يوم القيامة، لأن كل منفعة ~~تصل إلى المكلف فى الدنيا فهى مكدرة بالغموم والهموم وبخوف الانقطاع ~~والزوال، والأجر التام والثواب الكامل إنما يصل إلى ms0990 المكلف يوم القيامة، ~~لأن هناك يحصل السرور بلا غم، والأمن بلا خوف، واللذة بلا ألم، والسعادة ~~بلا خوف الانقطاع. وكذا القول فى العقاب، فإنه لا يحصل فى الدنيا ألم ~~خالص عن شوائب اللذة، بل يمتزج به راحات وتخفيفات، وإنما الألم التام ~~الخالص الباقى هو الذى يكون يوم القيامة ". ثم قال - تعالى - { فمن ~~زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز }. الزحزحة ~~عن النار هى التنحية عنها، وعدم الاقتراب منها والفعل زحزح مضاعف الفعل ~~زحه عن المكان إذا جذبه وأبعده عنه بعجلة وسرعة. والمعنى أن كل نفس ~~سيدركها الموت لا محالة. وأن الناس سيحاسبون على أعمالهم يوم القيامة، ~~فمن كانت نتيجة حسابه الإبعاد عن النار، والنجاة من سعيرها، فقد فاز ~~فوزا عظيما، وأدرك البغية التى ليس بعدها بغية. # والفاء فى قوله { فمن زحزح } للتفريع على قوله { توفون ~~أجوركم }. وجمع - سبحانه - بين { زحزح عن النار وأدخل ~~الجنة } مع أن فى الثانى غنية عن الأول، للإشعار بأن دخول الجنة ~~يشتمل على نعمتين عظيمتين وهما النجاة من النار، والتلذذ بنعيم الجنة. ~~وفى الحديث الشريف عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " موضع سوط فى الجنة خير من الدنيا وما فيها، اقرءوا إن شئتم { فمن ~~زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز } ". # وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله ~~واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه ". # ثم ختم - الآية بقوله { وما الحياة الدنيا إلا متاع ~~الغرور }. والمتاع هو ما يتمتع به الإنسان وينتفع به مما يباع ~~ويشترى. والغرور - بضم الغين - مصدر غره أى خدعه وأطعمه بالباطل. أى ليست ~~هذه الحياة الدنيا التى نعيش فيها. ونستمتع بلذاتها ومنافعها، إلا متاعا ~~يستمتع به المغتر بها، الذى لا يفكر فى أى شىء سواها، ثم يحاسب على ذلك ~~حسابا عسيرا يوم القيامة، أما الذى يأخذ من متاعها بالطريقة التى أمر ~~الله - تعالى ms0991 - بها، فإنه يكون من السعداء فى دنياهم وآخرتهم. قال صاحب ~~الكشاف شبه - سبحانه - الدنيا بالمتاع الذى يدلس به على المستام ويغر حتى ~~يشتريه، ثم يتبين له فساده ورداءته والشيطان هو المدلس الغرور. وعن سعيد ~~بن جبير إنما هذا لمن آثرها على الآخرة، فأما من طلب الآخرة بها فإنها ~~متاع بلاغ ". فالآية الكريمة ترغيب للمؤمنين فى الطاعة، وتحذير للعصاة من ~~المعصية، وتذكير للجميع بأن مرجعهم إلى الله إن عاجلا أو آجلا، وسيلقى كل ~~إنسان جزاءه على عمله، وأن السعادة الحقة لمن نال رضا الله يوم يلقاه. ثم ~~بين - سبحانه - للمؤمنين أنهم سيتعرضون فى المستقبل للمحن والآلام كما ~~تعرضوا لذلك فى أيامهم الماضية، وأن من الواجب عليهم أن يتقبلوا ذلك ~~بعزيمة صادقة، وصبر جميل فقال - تعالى - { لتبلون في ~~أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا ~~}. وقوله { لتبلون } جواب قسم محذوف أى والله لتبلون أى لتختبرن. ~~والمراد لتعاملن معاملة المختبر والممتحن ليظهر ما عندكم من الثبات على ~~الحق، ومن التمسك بمكارم الأخلاق، فإن المصائب محك الرجال. وإنما أخبرهم ~~- سبحانه - بما سيقع لهم من بلاء، ليوطنوا أنفسهم على احتماله عند وقوعه، ~~وليستعدوا لتلقيه من غير فزع أو جزع، فإن الشدة المتوقعة يسهل احتمالها، ~~أما الشدة التى تقع من غير توقع فإنها يصعب احتمالها. # والمعنى لتبلون - أيها المؤمنون - ولتختبرن { في أموالكم } بما ~~يصيبها من الآفات، وبما تطالبون به من إنفاق فى سبيل إعلاء كلمة الله، ~~ولتختبرن أيضا فى { أنفسكم } بسبب ما يصيبكم من جراح وآلام من قبل ~~أعدائكم، وبسبب ما تتعرضون له من حروب ومتاعب وشدائد، وفضلا عن ذلك فإنكم ~~{ لتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } ~~وهم اليهود والنصارى { ومن الذين أشركوا } وهم كفار العرب، ~~لتسمعن من هؤلاء جميعا { أذى كثيرا } كالطعن فى دينكم، والاستهزاء ~~بعقيدتكم، والسخرية من شريعتكم والاستخفاف بالتعاليم التى أتاكم بها ~~نبيكم، والتفنن فيما يضركم. وقد رتب - سبحانه - ما يصيب المؤمنين ترتيبا ~~تدريجيا، فابتدأ بأدتى ألوان البلاء وهو الإصابة فى المال، فإنها مع ~~شدتها ms0992 وقسوتها على الإنسان إلا أنها أهون من الإصابة فى النفس لأنها ~~أغلى من المال، ثم ختم ألوان الابتلاء ببيان الدرجة العليا منه وهى التى ~~تختص بالإصابة فى الدين، وقد عبر عنها بقوله { ولتسمعن من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين ~~أشركوا أذى كثيرا }. وإنما كانت الإصابة فى الدين أعلى أنواع ~~البلاء، لأن المؤمن الصادق يهون عليه ماله، وتهون عليه نفسه، ولكنه لا ~~يهون عليه دينه، ويسهل عليه أن يتحمل الأذى فى ماله ونفسه ولكن ليس من ~~السهل عليه أن يؤذى فى دينه... ولقد كان أبو بكر الصديق مشهورا بلينه ~~ورفقه. ولكنه مع ذلك - لقوة إيمانه - لم يحتمل من " فنحاص " اليهودى أن ~~يصف الخالق - عز وجل - بأنه فقير، فما كان من الصديق إلا أن شج وجه ~~فنحاص عندما قال ذلك القول الباطل. وقد جمع - سبحانه - بين أهل الكتاب ~~وبين المشركين فى عداوتهم وإيذائهم للمؤمنين، للإشعار بأن الكفر ملة ~~واحدة، وأن العالم بالكتاب والجاهل به يستويان فى معاداتهم للحق، لأن ~~العناد إذا استولى على القلوب زاد الجاهلين جهلا وحمقا، وزاد العالمين ~~حقدا وحسدا. ثم أرشد - سبحانه - المؤمنين إلى العلاج الذى يعين على ~~التغلب على هذا البلاء فقال { وإن تصبروا وتتقوا فإن ~~ذلك من عزم الأمور }. أى وإن تصبروا على تلك الشدائد، ~~وتقابلوها يضبط النفس، وقوة الاحتمال. { وتتقوا } الله فى كل ما ~~أمركم به ونهاكم عنه، تنالوا رضاه - سبحانه - وتنجوا من كيد أعدائكم. ~~والإشارة فى قوله { فإن ذلك من عزم الأمور } تعود إلى ~~المذكور ضمنا من الصبر والتقوى، أى فإن صبركم وتقواكم من الأمور التى يجب ~~أن يسير عليها كل عاقل. لأنها تؤدى إلى النجاح والظفر. وقوله { فإن ~~ذلك من عزم الأمور } دليل على جواب الشرط. والتقدير وإن ~~تصبروا وتتقوا تنالوا ثواب أهل العزم فإن ذلك من عزم الأمور. # فالآية الكريمة استئناف مسوق لإيقاظ المؤمنين، وتنبيههم إلى سنة من سنن ~~الحياة، وهى أن أهل الحق لا بد من أن يتعرضوا للابتلاء والامتحان، فعليهم ~~أن يوطنوا أنفسهم على تحمل كل ذلك، لأن ضعفاء ms0993 العزيمة ليسوا أهلا لبلوغ ~~النصر. ولقد بين النبى صلى الله عليه وسلم أن قوة الإيمان وشدة البلاء ~~متلازمان، فقد روى الترمذى عن مصعب بن سعد عن أبيه قال قلت يا رسول الله، ~~أى الناس أشد بلاء؟ قال " الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل. فيبتلى الرجل على ~~حسب دينه. فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان فى دينه رقة ابتلى على ~~حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشى على الأرض ما عليه ~~خطيئة ". ثم حكى - سبحانه - رذيلة أخرى من رذائل أهل الكتاب فقال { ~~وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~لتبيننه للناس ولا تكتمونه }. الميثاق هو العهد ~~الموثق المؤكد. وقد أخذ - سبحانه - العهد على الذين أوتو الكتاب بأمرين ~~أولهما بيان ما فى الكتاب من أحكام وأخبار. وثانيهما عدم كتمان كل شىء ~~مما فى هذا الكتاب. والمعنى واذكر أيها المخاطب وقت أن أخذ الله العهد ~~المؤكد على أهل الكتاب من اليهود والنصارى بأن يبينوا جميع ما فى الكتاب ~~من أحكام وأخبار وبشارات بالنبى صلى الله عليه وسلم وألا يكتموا شيئا من ~~ذلك، لأن كتمانهم للحق سيؤدى إلى سوء عاقبتهم فى الدنيا والآخرة. والضمير ~~فى قوله " لتبيننه " يعود إلى الكتاب المشتمل على الأخبار والشرائع ~~والأحكام والبشارات الخاصة بمبعث النبى صلى الله عليه وسلم. أى لتبينن ما ~~فى هذا الكتاب الذى بين أيديكم من أحكام وشرائع وأخبار وبشارات. وقيل ~~الضمير يعود إلى الميثاق، ويكون المراد من العهد الذى وثقه الله عليهم هو ~~تعاليمه وشرعه ونوره. وقوله { ولا تكتمونه } عطف على " لتبيننه " ~~وإنما لم يؤكد بالنون لكونه منفيا. وجمع - سبحانه - بين أمرهم المؤكد ~~بالبيان وبين نهيهم عن الكتمان مبالغة فى إيجاب ما أمروا به حتى لا ~~يقصروا فى إظهار ما فى الكتاب من حقائق وحتى لا يلجأوا إلى كتمان هذه ~~الحقائق أو تحريفها. ولكن أهل الكتاب - ولا سيما العلماء منهم - نقضوا ~~عهودهم مع الله - تعالى -، وقد حكى - سبحانه - ذلك فى قوله { فنبذوه ~~ورآء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما ~~يشترون }. النبذ الطرح والترك ms0994 والإهمال. أى أن أهل الكتاب الذين ~~أخذ الله عليهم العهود الموثقة بأن يبينوا ما فى الكتاب ولا يكتموا شيئا ~~منه، لم يكونوا أوفياء بعهودهم، بل إنهم نبذوا ما عاهدهم الله عليه، ~~وطرحوه وراء ظهورهم باستهانة وعدم اعتداد. # وأخذوا فى مقابل هذا النبذ والطرح والإهمال شيئا حقيرا من متاع الدنيا ~~وحطامها، فبئس الفعل فعلهم. والتعبير عنهم بقوله { فنبذوه ورآء ~~ظهورهم } كناية عن استهانتهم بالمنبوذ، وإعراضهم عنه بالكلية، ~~وإهمالهم له إهمالا تاما، لأن من شأن الشىء المنبوذ أن يهمل ويترك، كما ~~أن من شأن الشىء الذى هو محل اهتمام أن يحرس ويجعل نصب العين. والضمير فى ~~قوله { فنبذوه } يعود على الميثاق باعتبار أنه موضع الحديث ابتداء. ~~ويصح أن يعود إلى الكتاب، لأن الميثاق هو الشرائع والأحكام، والكتاب ~~وعاؤها، فنبذ الكتاب نبذ للعهد. والمراد " بالثمن القليل " ما أخذوه من ~~أموال ومتاع دنيوى من غيرهم فى مقابل عدم بيانهم لما فى الكتاب من حقائق، ~~وكتمانهم لذلك إرضاء للشهوات وللأهواء الباطلة. وليس وصف الثمن بالقلة من ~~الأوصاف المخصصة للنكرات، بل هو من الأوصاف اللازمة للثمن المحصل فى ~~مقابل نبذهم لكتاب الله وعهوده، إذ لا يكون هذا الثمن المحصل إلا قليلا ~~وإن بلغ ما بلغ من أعراض الدنيا بجانب رضا الله - تعالى -. قوله { ~~فبئس ما يشترون } أى بئس شيئا يشترونه ذلك الثمن. فما نكرة ~~منصوبة مفسرة لفاعل بئس، وجملة يشترونه صفته، والمخصوص بالذم محذوف. وقيل ~~" ما " مصدرية فاعل بئس، والمخصوص بالذم محذوف، أى بئس شراؤهم هذا الشراء ~~لاستحقاقهم به العذاب الأليم. وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة، ~~وجوب إظهار الحق، وتحريم كتمانه. ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند ~~تفسيره لهذه الآية وكفى به دليلا على أنه مأخوذ على العلماء أن يبينوا ~~الحق للناس، وألا يكتموا منه شيئا لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة، وتطييب ~~لنفوسهم، واستجلاب لمسارهم، أو لجر منفعة وحطام دنيا، أو لتقية، أو لبخل ~~بالعلم وغيرة من أن ينسب إلى غيرهم، وعن النبى صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال # " من كتم علما ms0995 عن أهله ألجم بلجام من نار " # وعن على رضى الله عنه، قال " ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى ~~أخذ على أهل العلم أن يعلموا ". وقال ابن كثير عند تفسيره للآية الكريمة ~~هذا توبيخ من الله وتهديد لأهل الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهد على ~~ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن ينوهوا بذكره فى ~~الناس فيكونوا على أهبة من أمره، فإذا أرسله الله تابعوه، فكتموا ذلك ~~وتعوضوا عما وعدوا عليه من الخير فى الدنيا والآخرة بالدون الطفيف، والحظ ~~الدنيوى السخيف، فبئس الصفقة صفقتهم، وبئست البيعة بيعتهم، وفى هذا تحذير ~~للعلماء من أن يسلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم ويسلك بهم مسلكهم، فعلى ~~العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع، ولا يكتموا منه شيئا ". ~~ثم حكى - سبحانه - رذيلة أخرى من رذائل أهل الكتاب المتعددة، وهى أنهم ~~يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، ويفرحون بما أتوا، وبين سوء عاقبتهم بسبب ~~تلك الأخلاق القبيحة فقال { لا تحسبن الذين يفرحون بمآ ~~أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا ~~تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم ~~}. # والخطاب فى قوله { لا تحسبن } موجه إلى النبى صلى الله عليه وسلم ~~أو لكل من يصلح له الخطاب. والنهى موجه إلى حسبان أن يكون فى هؤلاء ~~الأشرار خير. أى أن الله تعالى، ينهى نبيه صلى الله عليه وسلم، نهيا ~~مؤكدا عن أن يظن خيرا فى هؤلاء الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا ~~بما لم يفعلوا. و " المفازة " مصدر ميمى بمعنى الفوز. وقيل هى اسم مكان ~~أى محل فوز ونجاة. والمعنى لا تظن يا محمد أن هؤلاء الأشرار { الذين ~~يفرحون بمآ أتوا } أى يفرحون بما فعلوا من بيعهم الدين ~~بالدنيا واستبدالهم الذى هو أدنى بالذى هو خير، والذين { يحبون أن ~~يحمدوا بما لم يفعلوا } أى يحبون أن يمدحهم الناس على ما ~~لم يفعلوه من الوفاء بالعهود، ومن إظهار الحق وعدم كتمانه، فإنهم فعلوا ~~الشرور والآثام. ثم لم يحاولوا أن يستروا ما اقترفوه ms0996 من آثام، بل يطلبون ~~من الناس أن يمدحوهم على ما ارتكبوه من منكرات، فهم ممن قال الله فيهم # أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا # لا تحسبن هؤلاء الأشرار { بمفازة من العذاب } أى بمنجاة ~~منه، بل لهم عذاب مؤلم أشد الإيلام بسبب ما اجترحوه من سيئات. وقوله { ~~الذين يفرحون } هو المفعول الأول لتحسب، والمفعول الثانى محذوف ~~والتقدير لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ~~موفقين. أو مهتدين، أو صالحين. وحذف هذا المفعول الثانى لدلالة ما بعده ~~عليه وهو قوله { فلا تحسبنهم بمفازة } ولتذهب النفس كل ~~مذهب فيما يتناسب مع الوصف الذى وصفهم به - سبحانه -، وهو أنهم يفعلون ~~القبيح ويحبون أن يحمدهم الناس عليه. وقوله { فلا تحسبنهم ~~بمفازة من العذاب } بيان لسوء عاقبتهم بسبب أفعالهم السيئة ~~وهو تأكيد لقوله { لا تحسبن }. قال الزجاج جرت عادة العرب أنهم ~~إذا طالت القصة أو الكلام أعادوا لفظ حسب وما أشبهه، للإعلام بأن الذى ~~جرى متصل بالكلام الأول والأول متصل به. فتقول. لا تظن زيدا إذا جاءك ~~وكلمك بكذا وكذا فلا تظنه صادقا. فيفيد " لا تظنن " توكيدا وتوضيحا. ~~والتعبير عن النجاة من العذاب الأليم بقوله - تعالى - { بمفازة } ~~للإشعار بأن أقصى ما يكون لهم من فوز أن ينجوا من العذاب الأليم، ولكنهم ~~لن ينجوا منه أبدا، ولذا أكد - سبحانه - عدم نجاتهم بقوله { ولهم ~~عذاب أليم }. فذكر - سبحانه - عذابهم الأليم بالسلب والإيجاب، ~~فنفى أولا أنهم بمنجاة منه، وأخبر ثانيا أنهم واقعون فيه. # هذا، وقد ذكر كثير من العلماء أن هذه الآية الكريمة نزلت فى شأن أحبار ~~اليهود فقد روى الشيخان والترمذى والنسائى، وغيرهم عن حميد بن عبد الرحمن ~~ابن عوف أن مروان قال لبوابه رافع اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل له لئن ~~كان كل امرىء منا فرح بما أوتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل لنعذ بن جميعا. ~~فقال ابن عباس ما لكم وهذه، وإنما نزلت هذه فى أهل الكتاب ثم تلا ابن ~~عباس { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا ms0997 الكتاب } ~~إلى قوله { ولهم عذاب أليم } وقال ابن عباس " سألهم النبى صلى ~~الله عليه وسلم عن شىء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، ثم خرجوا وقد أروه أن ~~قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من ~~كتمانهم إياه ما سألهم عنه ". وذكر بعض العلماء أن هذه الآية نزلت فى شأن ~~المنافقين، فقد روى البخارى عن أبى سعيد الخدرى أن رجالا من المنافقين ~~كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو وتخلفوا عنه، ~~وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا قدم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من الغزو، اعتذروا إليه وحلفوا وأحبو أن يحمدوا بما ~~لم يفعلوا فنزت، { لا تحسبن الذين يفرحون }. قال العلماء ~~ولا منافاة بين الروايتين، لأن الآية عامة فى جميع ما ذكر. وبذلك نرى أن ~~الآيات الكريمة قد حدثتنا عن جملة من رذائل أهل الكتاب، فقد حكت قولهم { ~~إن الله فقير ونحن أغنيآء } وحكت قولهم { ألا ~~نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار ~~} ووصفتهم بكتمان الحق ونبذه وراء ظهورهم، كما وصفتهم بأنهم يفرحون بما ~~أتوا وييحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، وردت على أكاذيبهم بما يدحضها ~~وأنذرتهم بسوء مصيرهم، وساقت للمؤمنين من ألوان التسلية ما يخفف عنهم ~~مصابهم، ويجعلهم يسيرون فى هذه الحياة بعزم ثابت، وهمة عالية، ونفس ~~مطمئنة. ثم ختم - سبحانه - سورة آل عمران بالحديث عن مظاهر قدرته، وأدلة ~~وحدانيته، وبشر أصحاب العقول السليمة - الذين يعتبرون ويتعظون ويتفكرون ~~ويكثرون من ذكره - برضوانه وجنته، وأمر عباده بألا يغتروا بما عليه ~~الكافرون من سلطان وجاه فإنه - سبحانه - قد جعل العاقبة للمتقين، كما ~~أمرهم بالصبر والمصابرة والمرابطة ومداومة خشيته فقال - تعالى - { ~~ولله ملك السماوات... }. ### || [3.189-200] # قوله - تعالى - { ولله ملك السماوات والأرض والله ~~على كل شيء قدير } أى له وحده - سبحانه - ملك السماوات ~~والأرض بما فيهما، فهو وحده صاحب السلطان القاهر فى هذا العالم يتصرف فيه ~~كيفما يشاء ويختار إيجادا وإعداما، وإحياء وإماتة، وتعذيبا وإثابة، وهو - ~~سبحانه - على كل شى قدير، لا ms0998 يعجزه أمر، ولا يدفع عقابه دافع، ولا يمنع ~~عقابه مانع، فعليكم أيها الناس أن تطيعوه وأن تحذروا غضبه ونقمته. وبعد ~~أن بين - سبحانه - أن ملك السماوات والأرض بقبضته، أشار - سبحانه - إلى ~~ما فيهما من عبر وعظات فقال { إن في خلق السماوات والأرض ~~واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب }. ~~أى إن فى إيجاد السماوات والأرض على هذا النحو البديع، وما فيهما من ~~الآيات المشاهدة العظيمة من كواكب وبحار وزروع وأشجار... وفى إيجاد الليل ~~والنهار على تلك الحالة المتعاقبة، وفى اختلافهما طولا وقصرا.. فى كل ذلك ~~لأمارات واضحة، وأدلة ساطعة، لأصحاب العقول السليمة على وحدانية الله - ~~تعالى - وعظيم قدرته، وباهر حكمته. وصدرت الجملة الكريمة بحرف " إن " ~~للاهتمام بالخبر، وللاعتناء بتحقيق مضمون الجملة. أى إن فى إيجاد ~~السماوات والأرض وإنشائهما على ما هما عليه من العجائب، وما اشتملتا عليه ~~من البدائع، وفى اختلاف الليل والنهار... إن فى كل ذلك من العبر والعظات ~~ما يحمل كل عاقل على الاعتراف بوحدانية الله، وكمال قدرته وحكمته. ~~والمراد بأولى الألباب أصحاب العقول السليمة، والأفكار المستقيمة، لأن لب ~~الشىء هو خلاصته وصفوته. ولقد قال الزمخشرى فى صفة أولى الألباب " هم ~~الذين يفتحون بصائرهم للنظر والاستدلال والاعتبار، ولا ينظرون إليها نظر ~~البهائم غافلين عما فيها من عجائب الفطرة. وفى الحكم املأ عينيك من زينة ~~هذه الكواكب، وأجلهما فى جملة هذه العجائب متفكرا فى قدرة مقدرها، متدبرا ~~فى حكمة مدبرها قبل أن يسافر بك القدر، ويحال بينك وبين النظر ". هذا، ~~وقد أورد المفسرون كثيرا من الآثار فى فضل هذه الآيات العشر التى اختتمت ~~بها سورة آل عمران، ومن ذلك قول ابن كثير - رحمه الله - وقد ثبت أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ هذه الآيات العشر من آخر آل عمران إذا ~~قام من الليل لتهجده فقد روى البخارى - رحمه الله - عن ابن عباس - رضى ~~الله عنهما - قال بت عند خالتى ميمونة، فتحدث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مع أهله ساعة ثم رقد فلما كان ثلث الليل الآخر ms0999 قعد فنظر إلى السماء ~~فقال { إن في خلق السماوات والأرض }... الآيات. ثم قام ~~فتوضأ واستن، ثم صلى إحدى عشرة ركعة، ثم أذن بلال فصلى ركعتين ثم خرج ~~فصلى بالناس الصبح. # وروى مسلم وأبو داود والنسائى عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خرج ذات ليلة بعد ما مضى شطر من الليل فنظر إلى السماء وتلا هذه ~~الآية { إن في خلق السماوات والأرض } إلى آخر السورة. ثم ~~قال # " اللهم اجعل فى قلبى نورا، وفى سمعى نورا، وفى بصرى نورا، وعن يمينى ~~نورا، وعن شمالى نورا، ومن بين يدى نورا، ومن خلفى نورا، ومن فوقى ~~نورا، ومن تحتى نورا. وأعظم لى نورا يوم القيامة ". # وروى ابن مردويه عن عطاء قال # " انطلقت أنا وابن عمر وعبيد بن عمير إلى عائشة - رضى الله عنها - ~~فدخلنا عليها وبيننا وبينها حجاب فقال لها ابن عمر أخبرينا بأعجب ما ~~رأيتيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فبكت وقالت كل أمره كان عجبا!! ~~أتانى فى ليلتى حتى مس جلده جلدى ثم قال يا عائشة ذرينى أتعبد لربى - ~~عز وجل - قالت فقلت والله أنى لأحب قربك وإنى أحب أن تعبد ربك. فقام إلى ~~القربة فتوضأ ولم يكثر صب الماء، ثم قام يصلى فبكى حتى بل لحيته، ثم سجد ~~فبكى حتى بل الأرض، ثم اضطجع على جنبه فبكى. حتى إذا أتى بلال يؤذنه ~~بصلاة الصبح قالت فقال يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ~~ذنبك وما تأخر؟ فقال ويحك يا بلال!! وما يمنعنى أن أبكى وقد أنزل الله ~~على هذه الليلة { إن في خلق السماوات والأرض } إلخ ~~الآيات. ثم قال ويل لمن يقرأها ولم يتفكر فيها ". # ثم وصف - سبحانه - أولى الألباب بصفات كريمة فقال { الذين ~~يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم }. فقوله ~~{ الذين يذكرون } إلخ. فى موضع جر على أنه نعت لأولى الألباب. ~~ويجوز أن يكون فى موضع رفع أو نصب على المدح. أى { إن في خلق ~~السماوات والأرض واختلاف الليل ms1000 والنهار } لآيات ~~واضحات على وحدانية الله وقدرته، لأصحاب العقول السليمة، الذين من صفاتهم ~~أنهم { يذكرون الله } أى يستحضرون عظمته فى قلوبهم، ويكثرون من ~~تسبيحه وتمجيده بألسنتهم، ويداومون على ذلك فى جميع أحوالهم. فهم يذكرونه ~~قائمين، ويذكرونه قاعدين. ويذكرونه وهم على جنوبهم فالمراد بقوله { ~~قياما وقعودا وعلى جنوبهم } أن ذكرهم لله - تعالى - ~~بقلوبهم وألسنتهم يستغرق عامة أحوالهم ". وقوله { قياما وقعودا } ~~منصوبان على الحالية من ضمير الفاعل فى قوله { يذكرون }. وقوله { ~~وعلى جنوبهم } متعلق بمحذوف معطوف على الحال أى وكائنين على ~~جنوبهم أى مضطجعين. ثم وصفهم سبحانه وتعالى بوصف آخر فقال { ~~ويتفكرون في خلق السماوات والأرض } أى أن من صفات ~~هؤلاء العباد أصحاب العقول السليمة أنهم يكثرون من ذكر الله - تعالى -، ~~ولا يكتفون بذلك، بل يضيفون إلى هذا الذكر والتدبر والتفكر فى هذا الكون ~~وما فيه من جمال الصنعة، وبديع المخلوقات، ليصلوا من رواء ذلك إلى ~~الإيمان العميق، والإذعان التام، والاعتراف الكامل بواحدانية الله. # وعظيم قدرته... فإن من شأن الأخيار من الناس أنهم يتفكرون فى مخلوقات ~~الله وما فيها من عجائب المصنوعات، وغرائب المبتدعات، ليدلهم ذلك على ~~كمال قدرة الصانع - سبحانه -، فيعلموا أن لهذا الكون قادرا مدبرا ~~حكيما، لأن عظم آثاره وأفعاله، تدل على عظم خالقها. ولقد ذكر العلماء ~~كثيرا من الأقوال التى تحض على التفكير السليم، وعلى التدبر فى عجائب صنع ~~الله، ومن ذلك قول سليمان الدارانى " إنى أخرج من بيتى فما يقع بصرى على ~~شىء إلا رأيت لله على فيه نعمة، ولى فيه عبرة " ، وقال الحسن البصرى " ~~تفكر ساعة خير من قيام ليلة ". وقال الفخر الرازى دلائل التوحيد محصورة ~~فى قسمين دلائل الآفاق، ودلائل الأنفس. ولا شك أن دلائل الآفاق أجل ~~وأعظم، كما قال - تعالى # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس # ولما كان الأمر كذلك لا جرم أنه فى هذه الآية بالفكر فى خلق السماوات ~~والأرض، لأن دلالتها أعجب. وشواهدها أعظم ". وقد وبخ - سبحانه - الذين ~~يرون العبر فلا يعتبرون، وتمر أمامهم العظات فلا يتعظون ولا يتفكرون فقال ~~- تعالى - # وكأين ms1001 من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون وما يؤمن أكثرهم ~~بالله إلا وهم مشركون # ثم حكى - سبحانه - ثمرات ذكرهم لله وتفكرهم فى خلقه فقال { ربنآ ما ~~خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار }. أى أنهم ~~بعد أن أذعنت قلوبهم للحق، ونطقت ألسنتهم بالقول الحسن، وتفكرت عقولهم فى ~~بدائع صنع الله تفكيرا سليما، استشعروا عظمة الله استشعارا ملك عليهم ~~جوارحهم، فرفعوا أكف الضراعة إلى الله بقولهم يا ربنا إنك ما خلقت هذا ~~الخلق البديع العظيم الشأن عبثا، أو عاريا من الحكمة. أو خاليا من ~~المصلحة، { سبحانك } أى ننزهك تنزيها تاما عن كل ما لا يليق بك { ~~فقنا عذاب النار } أى فوفقنا للعمل بما يرضيك، وأبعدنا عن عذاب ~~النار. وقوله { ربنآ ما خلقت هذا باطلا } إلخ جملة واقعة ~~موقع الحال على تقدير قوله أى يتفكرون قائلين ربنا. لأن هذا الكلام أريد ~~به حكاية قولهم بدليل ما بعده من الدعاء. وقوله باطلا صفة لمصدر محذوف أى ~~خلقا باطلا، أو حال من المفعول والمعنى يا ربنا ما خلقت هذا المخلوق ~~العظيم الشأن عاريا عن الحكمة، خاليا من المصلحة، بل خلقته مشتملا على ~~حكم جليلة، منتظما لمصالح عظيمة. وكان نداؤهم لخالقهم - عز وجل - بلفظ { ~~ربنآ } اعترافا منهم بأنه هو مربيهم وخالقهم فمن حقه عليهم أن يفردوه ~~بالعبادة والخضوع. # وسبحان اسم مصدر بمعنى التسبيح أى التنزيه، وهو مفعول بفعل مضمر لا يكاد ~~يستعمل معه أى، تنزهت ذاتك وتقدست عن كل ما لا يليق، وجىء بفاء التعقيب ~~فى حكاية قولهم { فقنا عذاب النار } لأنه ترتب على اعتقادهم ~~بأنه سبحانه - لم يخلق هذا عبثا - أن هناك ثوابا وعقابا، فسألوا الله ~~- تعالى - أن يجعلهم من أهل الجنة لا من أهل النار. وقوله - تعالى - ~~حكاية عنهم { ربنآ إنك من تدخل النار فقد ~~أخزيته } فى مقام التعليل لضراعتهم بأن يبعدهم عن النار. أى أبعدنا ~~يا ربنا عن عذاب النار، فإنك من تدخله النار تكون قد أخزيته أى أهنته ~~وفضحته على رءوس الأشهاد. والخزى مصدر خزى يخزى بمعنى ذل ms1002 وهان بمرأى من ~~الناس. وفى هذا التعليل مبالغة فى تعظيم أمر العقاب بالنار، وإلحاح فى ~~طلب النجاة منها، لأن من سأل ربه حاجة، إذا شرح عظمها وقوتها، كان رجاؤه ~~فى القبول أشد، وإخلاصه أتم، وشعوره بالعطاء أقوى. وقوله { وما ~~للظالمين من أنصار } أى ليس لهم ناصر ينصرهم من عقاب الله - ~~تعالى - أو يخلصهم مما وقعوا فيه من بلاء. و " من " للدلالة على استغراق ~~النفى، أى لا ناصر لهم أيا كان هذا الناصر، وفى ذلك إشارة إلى انفراد ~~الله - تعالى - بالسلطان ونفاذ الإرادة. ثم حكى - سبحانه - لونا آخر من ~~ألوان ضراعتهم يدل على قوة إيمانهم فقال - تعالى - { ربنآ إننآ ~~سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم ~~فآمنا }. أى أنهم يقولون على سبيل الضراعة والخضوع لله رب العالمين ~~يا ربنا إننا سمعنا مناديا ينادى أى داعيا يدعو إلى الإيمان وهو محمد ~~صلى الله عليه وسلم، فاستجبنا لدعوته، وآمنا بما دعانا إليه بدون تردد أو ~~تسويف. وفى وصفه صلى الله عليه وسلم بالمنادى، دلالة على كمال اعتنائه ~~بشأن دعوته التى يدعو إليها، وأنه حريص على تبليغها للناس تبليغا تاما. ~~قال صاحب الكشاف فإن قلت فأى فائدة فى الجمع بين " المنادى " و { ~~ينادي }؟ قلت ذكر النداء مطلقا، ثم مقيدا بالإيمان، تفخيما لشأن ~~المنادى لأنه لا منادى أعظم من مناد ينادى للإيمان. ونحوه قولك مررت ~~بهاد يهدى للإسلام. وذلك أن المنادى إذا أطلق ذهب الوهم إلى مناد للحرب، ~~أو لإغاثة المكروب، أو لكفاية بعض النوازل، أو لبعض المنافع. وكذلك ~~الهادى قد يطلق على من يهدى للطريق ويهدى لسداد الرأى وغير ذلك. فإذا قلت ~~ينادى للإيمان. ويهدى للإسلام، فقد رفعت من شأن المنادى والهادى ~~وفخمته. و " أن " فى قوله { أن آمنوا } تفسيرية لما فى فعل { ~~ينادي } من معنى القول دون حروفه، وجىء بفاء التعقيب فى قوله - تعالى ~~- حكاية عنهم { فآمنا } للدلالة على المبادرة والسبق، إلى الإيمان، ~~وأنهم قد أقبلوا على الداعى إلى الله بسرعة وامتثال، وفى ذلك دلالة على ~~سلامة فطرتهم، وبعدهم عن المكابرة والعناد. # ثم ms1003 حكى - سبحانه - مطلبهم فقال { ربنا فاغفر لنا ذنوبنا ~~وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار }. أى ~~نسألك يا ربنا بعد أن آمنا بنبيك، واستجبنا للحق الذى جاء به، أن تغفر ~~لنا ذنوبنا بأن تسترها وتعفو عنها، وأن تكفر عنا سيئاتنا بأن تزيلها ~~وتمحوها وتحولها إلى حسنات أو بأن تحشرنا مع الأبرار أى مع عبادك ~~الصالحين المستقيمين الأخيار. إذ الأبرار جمع بار وهو الشخص الكثير ~~الطاعة لخالقه - تعالى -. فأنت تراهم قد طلبوا من خالقهم ثلاثة أمور، ~~غفران الذنوب، وتكفير السيئات، والوفاة مع الأبرار الأخيار، وهى مطالب ~~تدل على قوة إيمانهم، وصفاء نفوسهم، وزهدهم فى متع الحياة الدنيا. وقد ~~جمعوا فى طلبهم بين غفران الذنوب وتكفير السيئات، لأن السيئة عصيان فيه ~~إساءة، والذنب عصيان فيه تقصير وتباطؤ عن فعل الخير، والغفران والتكفير ~~كلاهما فيه معنى الستر والتغطية، إلا أن الغفران يضتمن معنى عدم العقاب، ~~والتكفير يتضمن ذهاب أثر السيئة. ومعنى وفاتهم مع الأبرار أن يموتوا على ~~حالة البر والطاعة وأن تلازمهم تلك الحالة إلى الممات، وألا يحصل منهم ~~ارتداد على أدبارهم، بل يستمروا على الطاعة استمرارا تاما. وبذلك يكونون ~~فى صحبة الأبرار وفى جملتهم. ثم حكى القرآن أنهم ترقوا فانتقلوا من طلب ~~الغفران إلى طلب الثواب الجزيل، والعطاء الحسن فقال - تعالى - حكاية عنهم ~~{ ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا ~~يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد }. أى نسألك يا ~~ربنا أن تعطينا وتمنحنا بعد وفاتنا، وحين قيامنا من قبورنا يوم القيامة، ~~ما وعدتنا به من ثواب فى مقابل تصديقنا لرسلك، وطاعتنا لهم، واستجابتنا ~~لأوامرهم ونواهيهم { ولا تخزنا يوم القيامة } أى ولا تذلنا ~~ولا تفضحنا يوم المحشر على رءوس الأشهاد { إنك لا تخلف ~~الميعاد } أى إنك - سبحانك - لا تخلف وعدك الذى وعدته لعبادك ~~الصالحين. فهم قد جعلوا هذا الدعاء وهو طلب الثواب الجزيل يوم القيامة، ~~ختاما لدعواتهم، لشعورهم بهفواتهم وبتقصيرهم أمام فضل الله ونعمه. ~~والمراد بقولهم { ما وعدتنا } الثواب والعطاء الكائن منه - سبحانه ~~- و " ما " موصولة أى آتنا الذى وعدتنا به أو وعدتنا ms1004 إياه. وقوله { ~~على رسلك } فيه مضاف محذوف أى آتنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك من ~~ثواب. أو آتنا ما وعدتنا على تصديق رسلك والإيمان بهم من جزاء حسن. قال ~~صاحب الكشاف فإن قلت كيف دعوا الله بإنجاز ما وعد والله لا يخلف ~~الميعاد؟. قلت معناه طلب التوفيق فيما يحفظ عليهم أسباب إنجاز الميعاد، ~~أو هو من باب الملجأ إلى الله والخضوع له، كما كان الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام، " يستغفرون مع علمهم بأنهم مغفور لهم، يقصدون بذلك التذلل ~~لربهم، والتضرع إليه، والملجأ الذى هو سيما العبودية ". # تلك هى الدعوات الخاشعات التى حكاها - سبحانه - عن أصحاب العقول ~~السليمة، وهم يتضرعون بها إلى خالقهم - عز وجل - فماذا كانت نتيجتها؟ لقد ~~كانت نتيجة دعواتهم، أن أجاب الله لهم سؤالهم وحقق لهم مطلوبهم فقال - ~~تعالى - { فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل ~~عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض }!!. ~~قال الحسن البصرى " ما زالوا يقولون ربنا حتى استجاب لهم ". وقال جعفر ~~الصادق " من حزبه أمر فقال خمس مرات { ربنآ } أنجاه الله مما يخاف، ~~وأعطاه ما أراد، قيل وكيف ذلك؟ قال اقرءوا أن شئتم قوله - تعالى - { ~~الذين يذكرون الله قياما }... إلخ فإن هؤلاء الأخيار قد ~~نادوا ربهم خمس مرات فأجاب الله لهم دعاءهم. ودلت الفاء فى قوله { ~~فاستجاب } على سرعة الإجابة، لأن الفاء للتعقيب، فهم لأنهم دعوا ~~الله بقلب سليم، أجاب الله لهم دعاءهم بدون إبطاء. واستجاب هنا بمعنى ~~أجاب عند جمهور العلماء، إذ السين والتاء للتأكيد، مثل استوقد واستخلص. ~~وقال بعضهم إن استجاب أخص من أجاب، لأن استجاب يقال لمن قبل ما دعى إليه، ~~وأجاب أعم فيقال لمن أجاب بالقبول وبالرد. والمعنى أن الله - تعالى - قد ~~بشر هؤلاء الأخيار برضاه عنهم، بأن أخبرهم بأنه قد أجاب لهم دعاءهم، وأنه ~~- سبحانه - لا يضيع عمل عامل منهم، بل سيجازيهم بالجزاء الأوفى، وسيمنحهم ~~من الثواب. فوق ما عملوا لأنه هو الكريم الوهاب، ولن يفرق فى عطائه بين ~~ذكر وأنثى، لأن الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر ms1005 وقد خلقهم جميعا من نفس ~~واحدة. وفى التعبير باللفظ السامى { ربهم } إشارة إلى أن الذى ~~سيجزيهم هو خالقهم ومربيهم والمنعم عليهم، والرحيم بهم. ومعنى { لا ~~أضيع عمل عامل منكم } لا أزيل ثواب عمل أى عامل منكم، بل ~~أكافئه عليه بما يستحقه، وأعطيه من ثوابى ورحمتى ما يشرح صدره، ويدخل ~~البهجة والسرور على نفسه. وقوله { من ذكر أو أنثى } بيان ~~لعامل، وتأكيد عمومه، أى لا أضيع عمل أى شخص عامل سواء أكان هذا العامل ~~ذكرا أم أنثى. ومعنى { بعضكم من بعض } أن الذكر من الأنثى ~~والأنثى من الذكر، كلكم بنو آدم وهذه جملة معترضة مبينة لسبب شركة النساء ~~مع الرجال فيما وعد الله به عباده من أجر جزاء أعمالهم الصالحة. روى ~~الترمذى عن أم سلمة قالت يا رسول الله، لا أسمع الله - تعالى - ذكر ~~النساء فى الهجرة، فأنزل الله - تعالى - { فاستجاب لهم ربهم ~~أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ~~بعضكم من بعض }. # ثم بين - سبحانه - الأعمال الصالحة التى استحق بها هؤلاء الأبرار حسن ~~الثواب منه - سبحانه - فقال { فالذين هاجروا وأخرجوا من ~~ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا ~~لأكفرن عنهم سيئاتهم }. أى فالذين هاجروا بأن تركوا ~~أوطانهم التى أحبوها إلى أماكن أخرى من أجل إعلاء كلمة الله، وأخرجوا من ~~ديارهم، فرارا بدينهم من ظلم الظالمين، واعتداء المعتدين، { وأوذوا ~~في سبيلي } أى تحملوا الأذى والاضطهاد فى سبيل الحق الذى آمنوا به { ~~وقاتلوا } أعداء الله { وقتلوا } وهم يجاهدون من أجل إحقاق ~~الحق وإبطال الباطل. هؤلاء الذين فعلوا كل ذلك، وعدهم الله - تعالى - ~~بالأجر العظيم فقال { لأكفرن عنهم سيئاتهم } أى لأمحون ~~عنهم ما ارتكبوه من سيئات، ولأسترنها عليهم حتى تعتبر نسيا منسيا { ~~ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار } أى ~~تجرى من تحت قصورها الأنهار التى فيها العسل المصفى، وفيها ما تشتهيه ~~الأنفس وتلذ الأعين. وقوله { ثوابا من عند الله والله ~~عنده حسن الثواب } أى لأثيبنهم ثوابا عظيما من عندى، والله - ~~تعالى - عنده حسن الجزاء لمن آمن وعمل صالحا. فأنت ترى أن ms1006 الله - تعالى - ~~قد منح هؤلاء الأخيار ذلك الأجر الجزيل لأنهم قد هاجروا من الأرض التى ~~أحبوها إلى غيرها من أجل إعلاء كلمة الله، وأخرجوا منها مضطرين لا ~~مختارين فرارا بدينهم، ولقد ذكر المؤرخون أن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~عندما خرج من مكة مهاجرا التفت إليها وقال # " يا مكة والله لأنت أحب بلاد الله إلى ولولا أن قومك أخرجونى ما خرجت ~~". # ولأنهم قد تحملوا ما تحملوا من الأذى فى سبيل الله، ولأنهم قد جاهدوا ~~أعداء الله وأعداءهم حتى استشهدوا وهم يقاتلون من أجل إعلاء كلمة الله. ~~وقوله { الذين هاجروا } مبتدأ، وهو تفصيل لعمل العامل منهم على ~~سبيل التعظيم له، والتفخيم لشأنه. وخبره قوله { لأكفرن عنهم ~~سيئاتهم }. وقوله { وأخرجوا من ديارهم } معطوف على { ~~هاجروا }. وجمع بينهما للإشعار بأنهم قد تركوا أوطانهم تارة ~~باختيارهم ليبحثوا عن مكان أصلح لنماء دعوتهم، وانتشار الحق الذى ~~اعتنقوه، وتارة بغير اختيارهم بل تركوها مجبرين ومضطرين بعد أن ألجأهم ~~أعداؤهم إلى الخروج منها بسبب ما نالهم منهم من ظلم واعتداء. وقوله { ~~وأوذوا في سبيلي } معطوف على ما قبله. والمراد من الإيذاء ما هو ~~أعم من أن يكون بالإخراج من الديار، أو غير ذلك مما كان يصيب المؤمنين ~~من جهة المشركين. وجمع - سبحانه - بين قوله { وقاتلوا وقتلوا } ~~للإشارة إلى أن للقسمين ثوابا وأنهم لن يصيبهم إلا إحدى الحسنيين النصر ~~أو الشهادة، وقوله { لأكفرن عنهم سيئاتهم } جواب قسم ~~محذوف، أى والله لأكفرن عنهم سيئاتهم. # وقدم - سبحانه - تكفير سيئاتهم على إدخالهم الجنة، لأن التخلية - كما ~~يقولون - مقدمة على التحلية، فهو أولا طهرهم من الذنوب والآثام ونقاهم ~~منها، ثم أدخلهم بعد ذلك جنته وأعطاهم فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ~~ولا خطر على قلب بشر. وقوله { ثوابا } مصدر مؤكد لما قبله، لأن المعنى ~~لأثيبنهم على ما عملوه ثوابا عظيما. وقوله { من عند الله } صفة ~~لقوله { ثوابا } وهو وصف مؤكد لأن الثواب لا يكون إلا من عنده - تعالى ~~-، لكنه صرح به - سبحانه - تعظيما للثواب وتفخيما لشأنه. وقوله { ~~والله عنده حسن ms1007 الثواب } تذييل مقرر لمضمون ما قبله. وقد ~~ختم - سبحانه - الآية بهذه الجملة الكريمة لبيان اختصاصه بالثواب الحسن ~~كأن كل جزاء للأعمال فى الدنيا لا يعد حسنا بجوار ما أعده - سبحانه - فى ~~الآخرة لعباده المتقين. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد دعت المؤمنين ~~إلى الإكثار من ذكر الله وإلى التفكر السليم فى عجائب صنعه، وساقت لنا ~~ألوانا من الدعوات الطيبات الخاشعات التى تضرع بها الأخيار إلى خالقهم، ~~وبينت لنا الثواب الجزيل والعطاء العظيم الذى منحه الله لهم فى مقابل ~~إيمانهم الصادق، وعملهم الصالح، فقد جرت سنته - سبحانه - أنه لا يضيع أجر ~~من أحسن عملا، وأنه لا يرد دعاء الأبرار من عباده. وبعد أن بشر - سبحانه ~~- عباده المؤمنين الصادقين بهذا الثواب الحسن، نهاهم عن الاغترار بما ~~عليه الكافرون من قوة وسطوة ومتاع دنيوى فقال - تعالى - { لا ~~يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع ~~قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد }. يغرنك من ~~الغرور وهو الاطماع فى أمر محبوب على نية عدم وقوعه، أو إظهار الأمر ~~المضر فى صورة الأمر النافع، وهو مشتق من الغرة بكسر الغين - وهى الغفلة ~~- ويقال رجل غر إذا كان ينخدع لمن خادعه. والتقلب فى البلاد التصرف فيها ~~على جهة السيطرة والغلبة ونفوذ الإرادة. والمتاع الشىء الذى يتمتع ~~الإنسان به لمدة معينة، والمعنى لا يصح أن يخدع أحد بما عليه الكافرون ~~من تقلب فى البلاد ومن تصرفهم فيها تصرف الحاكم المسيطر عليها، المستغل ~~لثرواتها وخيراتها، فإن تصرفهم هذا لن يستمر طويلا، بل سيبقى مدة قليلة ~~يتمتعون فيها بما بين أيديهم ثم يزول عنهم كل شىء وسوف يعودون إلى خالقهم ~~فيعذبهم العذاب الأكبر على ظلمهم وبغيهم وكفرهم. والخطاب فى قوله { لا ~~يغرنك } للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتأتى له الخطاب، ~~وهو نهى للمؤمنين عن أن يغتروا بما عليه الكافرون من جاه ونفوذ وسلطان ~~وغنى. وليس من مقتضى النهى أن يكون قد وقع المنهى عنه فإن الإنسان قد ~~ينهى عن شىء لم يقع منه لتحذيره من الوقوع فيه ms1008 فى الحال أو المآل. # ولذا روى عن قتادة أنه قال " والله ما غروا نبى الله حتى قبضه الله إليه ~~". ولقد قال صاحب الكشاف فى الجواب على أن النهى موجه إلى النبى صلى الله ~~عليه وسلم فإن قلت كيف جاز أن يغتر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ~~حتى ينهى عن الاغترار به؟ قلت فيه وجهان أحدهما أن عظيم القوم ومتقدمهم ~~يخاطب بشىء فيقوم خطابه مقام خطابهم جميعا فكأنه قيل لا يغرنكم. والثانى ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان غير مغرور بحالهم فأكد ما كان عليه ~~وثبت ما كان على التزامه كقوله # ولا تكونن من المشركين # وقوله { متاع } خبر لمبتدأ محذوف أى هو متاع وقوله { قليل } صفة ~~لمتاع. ووصف بأنه قليل لقصر مدته، ولكونه متعة فانية زائلة بخلاف ما أعده ~~الله للمتقين من نعيم فى الآخرة فإنه دائم لا يزول. وجاء العطف { بثم ~~} فى قوله { ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد } للإشعار ~~بالتفاوت الكبير بين حالهم فى الدنيا وما هم فيه من متاع زائل وبين ما ~~سينالهم فى الآخرة من عذاب دائم لا ينقطع. أى أنهم يتمتعون بهذه المتع ~~العاجلة لفترة قليلة { ثم مأواهم } أى مكانهم الذى يأوون إليه ~~ويستقرون فيه { جهنم } التى لا يحيط الوصف بشدة عذابها { وبئس ~~المهاد } أى بئس ما مهدوا لأنفسهم وفرشوا جهنم. وفيه إشارة إلى أن ~~مصيرهم إلى جهنم هم الذين كانوا سببا فيه بكفرهم واستحبابهم العمى على ~~الهدى. وفى هذا تعزية للمؤمنين وتسلية لهم عما يرونه من غنى وجاه وسلطان ~~للمشركين وتحريض للأخيار على أن يجعلوا همهم الأكبر فى العمل الصالح الذى ~~يوصلهم إلى رضوان الله الباقى، ففى الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال # " والله ما الدنيا فى الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه فى اليم. ~~فلينظر بم يرجع ". # ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين إثر بيانه لسوء عاقبة الكافرين ~~فقال { لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها }. وافتتحت الآية الكريمة ~~بحرف " لكن ms1009 " الذى معناه الاستدراك، لأن مضمونها ضد الكلام الذى قبلها. ~~ولكى تكون هناك مقابلة بين عاقبة المشركين الفجار وبين عاقبة المؤمنين ~~الأخيار. والمعنى هذا هو شأن الكافرين يتقلبون فى البلاد لفترة قصيرة من ~~الزمان هى مدة حياتهم فى هذه الدنيا الفانية ثم يتركون كل شىء عند موتهم ~~ليلاقوا مصيرهم المحتوم وهو عذاب جهنم الذى لا ينقطع... لكن الذين اتقوا ~~ربهم وخافوا مقامه ونهوا أنفسهم عن الهوى ليسوا كذلك فقد أعد الله لهم ~~جنات تجرى من تحت قصورها وأشجارها الأنهار المليئة بأنواع المشارب الطيبة ~~اللذيذة، وهم خالدون فى تلك الجنات خلودا أبديا لا انقطاع له ولا زوال. # .. فأين مصير أولئك الأشرار من مصير هؤلاء الأخيار؟ فالآية الكريمة بيان ~~لكمال حسن حال المؤمنين، إثر بيان سوء عاقبة الكافرين. ثم قال - تعالى - ~~{ نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار ~~}. والنزل ما يعد للنزيل والضيف لإكرامه والحفاوة به من طعام وشراب ~~وغيرهما. وهو منصوب على أنه حال من " جنات " لتخصيصها بالوصف، والعامل ~~فيه ما فى الظرف من معنى الاستقرار. أى لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها حالة كون هذه الجنات منزلا مهيئا لهم من عند الله - تعالى - ~~على سبيل الإكرام لهم، والتشريف لمنزلتهم. وقوله { وما عند الله ~~خير للأبرار } أى ما عند الله من نعيم مقيم لعباده المتقين خير ~~مما يتقلب فيه الكافرون من المتاع القليل الزائل. ثم بين - سبحانه - أن ~~أهل الكتاب ليسوا سواء. بل منهم الأشرار ومنهم الأخيار، وقد بين - سبحانه ~~- هنا صفات الأخيار منهم فقال { وإن من أهل الكتاب لمن ~~يؤمن بالله ومآ أنزل إليكم ومآ أنزل إليهم ~~خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا }. ~~أى { وإن من أهل الكتاب } وهم اليهود والنصارى لفريقا { ~~يؤمن بالله } إيمانا حقا منزها عن الإشراك بكل مظاهره ويؤمن بما ~~{ أنزل إليكم } من القرآن الكريم على لسان نبيكم محمد صلى الله ~~عليه وسلم ويؤمن بحقيقة " ما أنزل إليهم " من التوراة والإنجيل ولا ~~يزالون مع هذا الإيمان العميق { خاشعين لله } أى خاضعين له ms1010 - ~~سبحانه - خائفين من عقابه، طالبين لرضاه { لا يشترون بآيات ~~الله ثمنا قليلا } أى لا يبيعون آيات الله أو حقيقة من حقائق ~~دينهم فى نظير ثمن هو عرض من أعراض الدنيا الفانية، لأن هذا الثمن ~~المأخوذ قليل حتى ولو بلغ القناطير المقنطرة من الذهب والفضة. فأنت ترى ~~أنه - سبحانه - قد وصفهم بخمس صفات كريمة تدل على صفاء نفوسهم وطهارة ~~قلوبهم، وفى هذا إنصاف من القرآن الكريم للمهتدين من أهل الكتاب. وقد ذكر ~~القرآن ما يشبه هذه الآية فى كثير من سوره ومن ذلك قوله - تعالى - # ليسوا سوآء من أهل الكتاب أمة قآئمة يتلون ~~آيات الله آنآء الليل وهم يسجدون # وقوله - تعالى - # منهم أمة مقتصدة وكثير منهم سآء ما ~~يعملون # وقدم - سبحانه - إيمانهم بالقرآن على إيمانهم بما أنزل عليهم لأن القرآن ~~هو المهيمن على الكتب السماوية والأمين عليها، فما وافقه منها فهو حق وما ~~خالفه فهو باطل وقوله { خاشعين لله } حال من فاعل { يؤمن } ~~وجمع حملا على المعنى ثم بين - سبحانه - جزاءهم الطيب بعد بيان صفاتهم ~~الكريمة فقال { أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن ~~الله سريع الحساب }. # أى أولئك الموصفون بتلك الصفات الكريمة لهم أجرهم الجزيل فى مقابل ~~أعمالهم الصالحة وأفعالهم الحميدة. وقوله { إن الله سريع ~~الحساب } كناية عن كمال علمه بمقادير الأجور ومراتب الاستحقاق وأنه ~~يوفيها لكل عامل على ما ينبغى وقدر ما ينبغى. ويجوز أن يكون كناية عن قرب ~~إنجاز ما وعد من الأجر فإن سرعة الحساب تستدعى سرعة الجزاء فكأنه قيل لهم ~~أجرهم عند ربهم عن قريب، لأن الله - تعالى - سريع الحساب والجزاء. ثم ختم ~~- سبحانه - السورة الكريمة بنداء جامع للمؤمنين، دعاهم فيه إلى الصبر ~~والمصابرة والمرابطة والتقوى فقال { يا أيها الذين آمنوا ~~اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون }. والصبر معناه حبس النفس عن أهوائها وشهواتها وترويضها على ~~تحمل المكره وتعويدها على أداء الطاعات. والمصابرة هى المغالبة بالصبر ~~بأن يكون المؤمن أشد صبرا من عدوه. ورابطوا من المرابطة وهى القيام على ~~الثغور الإسلامية لحمايتها من الأعداء، فهى استعداد ms1011 ودفاع وحماية لديار ~~الإسلام من مهاجمة الأعداء. والمعنى { يا أيها الذين آمنوا ~~اصبروا } على طاعة الله وعلى تحمل المكاره والآلام برضا لا سخط معه ~~فإن الصبر جماع الفضائل وأساس النجاح والظفر. { وصابروا } أى قابلوا ~~صبر أعدائكم بصبر أشد منه وأقوى في كل موطن من المواطن التى تستلزم الصبر ~~وتقتضيه. قال صاحب الكشاف { وصابروا } أعداء الله فى الجهاد، أى ~~غالبوهم فى الصبر على شدائد الحرب، ولا تكونوا أقل منهم صبرا وثباتا ~~فالمصابرة باب من الصبر ذكر بعد الصبر على ما يجب الصبر عليه تخصيصا ~~لشدته وصعوبته ". { ورابطوا } أى أقيموا على مرابطة الغزو فى نحر ~~العدو بالترصد له، والاستعداد لمحاربته وكونوا دائما على حذر منه حتى لا ~~يفاجئكم بما تكرهون. ولقد كان كثير من السلف الصالح يرابطون فى سبيل الله ~~نصف العام، ويطلبون قوتهم بالعمل فى النصف الآخر. ولقد ساق الإمام ابن ~~كثير جملة من الأحاديث التى وردت فى فضل المرابطة من أجل حماية ديار ~~الإسلام، ومن ذلك ما رواه البخارى فى صحيحه عن سهل ابن سعد الساعدى أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " رباط يوم فى سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ". # وروى مسلم فى صحيحه عن سلمان الفارسى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال # " رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذى ~~كان يعمله، وأجرى عليه رزقه، وأمن الفتان ". # وبعضهم جعل المراد بالمرابطة انتظار الصلاة بعد الصلاة مستدلا بالحديث ~~الذى رواه مسلم والنسائى عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال # " ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء ~~على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة. فذلكم الرباط ". # قال القرطبى بعد أن ساق هذا الحديث - " والقول الصحيح هو أن الرباط هو ~~الملازمة فى سبيل الله - وأصلها من ربط الخيل، ثم سمى كل ملازم لثغر من ~~ثغور المسلمين مرابطا فارسا كان أو راجلا. واللفظ مأخوذ من الرب. وقول ~~النبى صلى ms1012 الله عليه وسلم " فذلكم الرباط " إنما هو تشبيه بالرباط فى ~~سبيل الله ". ومما يدل على أن المرابطة فى سبيل الله من أجل الديار ~~الإسلامية من أفضل الأعمال وأن الصالحين الأخيار من المسلمين كانوا لا ~~ينقطعون عنها، مما يدل على ذلك ما كتبه عبد الله بن المبارك - وهو يرابط ~~بطرسوس - إلى صديقه الفضيل بن عياض - وكان الفضيل معتكفا بالمسجد الحرام ~~- كتب إليه عبد الله يقول # يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك فى العبادة تلعب من كان يخضب خده ~~بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب أو كان يتعب خيله فى باطل فخيولنا يوم ~~الصبيحة تتعب ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب ~~ولقد أتانا من مقال نبينا قول صحيح صادق لا يكذب لا يستوى غبار خيل الله ~~فى أنف امرىء ودخان نار تلهب هذا كتاب الله ينطق بيننا ليس الشهيد بميت ~~لا يكذب # فلما قرأ الفضيل هذه الأبيات بكى وقال صدق عبد الله. وقوله { ~~واتقوا الله لعلكم تفلحون } أى اتقوا الله بأن تصونوا ~~أنفسكم عن محارمه وعن مخالفة أمره، ورجاء أن يكتب لكم الفوز بالنصر فى ~~الدنيا، والثواب الحسن فى الآخرة. ### | [4 - سورة النساء] ### || [4.1] # افتتحت السورة الكريمة بهذا النداء الشامل لجميع المكلفين من وقت نزولها ~~إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وذلك لأن لفظ الناس لا يختص بقبيل دون ~~قبيل، ولا بقوم دون قوم، وقد دخلته الألف واللام المفيدة للاستغراق ولأن ~~ما في مضمون هذا النداء من إنذار وتبشير وأمر بمراقبة الله وخشيته، ~~يتناول جميع المكلفين لا أهل مكة وحدهم كما ذكره بعضهم لأن تخصيص قوله - ~~تعالى - { يأيها الناس } بأهل مكة تخصيص بغير مخصص. والمراد ~~بالنفس الواحدة هنا آدم - عليه السلام -. وقد جاء الوصف وهو واحدة ~~بالتأنيث باعتبار لفظ النفس فإنها مؤنثة. ومن فى قوله { منها } ~~للتبعيض. والضمير المؤنث " ها " يعود إلى النفس الواحدة. والمراد بقوله - ~~تعالى - { زوجها } حواء فإنها أخرجت من آدم كما يقتضيه ظاهر قوله - ~~تعالى - { منها }. قال الفخر الرازى ما ملخصه " المراد من هذا الزوج ~~هو ms1013 حواء. وفى كون حواء مخلوقة من آدم قولان الأول وهو الذي عليه الأكثرون ~~أنه لما خلق الله - تعالى - آدم ألقى عليه النوم، ثم خلق حواء من ضلع من ~~أضلاعه، فلما استيقظ رآها ومال إليها وألفها، لأنها كانت مخلوقة من جزء ~~من أجزائه. واحتجوا عليه بقول النبى صلى الله عليه وسلم # " إن المرأة خلقت من ضلع أعوج فإن ذهبت تقيمها كسرتها وإن تركتها وفيها ~~عوج استمتعت بها " # والقول الثانى وهو اختيار أبى مسلم الأصفهانى أن المراد من قوله { ~~وخلق منها زوجها } أى من جنسها. وهو كقوله - تعالى - # والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا # وكقوله # إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم # وقوله # لقد جآءكم رسول من أنفسكم # قال القاضى والقول الأول أقوى، لكى يصح قوله { خلقكم من نفس ~~واحدة } ، إذ لو كانت حواء مخلوقة إبتداء لكان الناس مخلوقين من ~~نفسين لا من نفس واحدة. وقد تضمن هذا النداء لجميع المكلفين تنبيهم إلى ~~أمرين أولهما وحدة الاعتقاد بأن ربهم جميعا واحد لا شريك له. فهو الذى ~~خلقهم وهو الذى رزقهم، وهو الذى يميتهم وهو الذى يحييهم، وهو الذى أوجد ~~أبيضهم وأسودهم، وعربيهم وأعجميهم. وثانيهما وحدة النوع والتكوين، إذ ~~الناس جميعا على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وأجناسهم قد انحدروا عن أصل ~~واحد وهو آدم - عليه السلام -. فيجب أن يشعر الجميع بفضل الله عليهم. وأن ~~يخلصوا له العبادة والطاعة، وأن يتعاونوا على البر والتقوى لا على الإثم ~~والعدوان، وأن يوقنوا بأنه لا فضل لجنس على جنس، ولا للون على لون إلا ~~بمقدار حسن صلتهم بربهم وما لكهم ومدبر أمورهم. والمعنى يا أيها الناس ~~اتقوا ربكم بأن تطيعوه فلا تعصوه، وبأن تشكروه فلا تكفروه، فهو وحده الذى ~~أوجدكم من نفس واحدة هى نفس أبيكم آدم، وذلك من أظهر الأدلة على كمال ~~قدرته - سبحانه، ومن أقوى الدواعى إلى اتقاء موجبات نقمته، ومن أشد ~~المقتضيات التى تحملكم على التعاطف والتراحم والتعاون فيما بينكم، إذ ~~أنتم جميعا قد أوجدكم - سبحانه - من نفس واحدة. # وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله ms1014 " فإن قلت الذى يقتضيه سداد نظم ~~الكلام وجزالته، أن يجاء عقيب الأمر بالتقوى بما يوجبها أو يدعو إليها ~~ويحث عليها فكيف كان خلقه إياهم من نفس واحدة على التفصيل الذى ذكره ~~موجبا للتقوى وداعيا إليها؟ قلت لأن ذلك مما يدل على القدرة العظيمة. ومن ~~قدر على نحوه كان قادرا على كل شىء، ولأنه يدل على النعمة السابغة عليهم، ~~فحقهم أن يتقوه فى كفرانها والتفريط فيما يلزمهم من القيام بشكرها. أو ~~أراد بالتقوى تقوى خاصة، وهى أن يتقوه فيما يتصل بحفظ الحقوق بينهم، فلا ~~يقطعوا ما يجب عليهم وصله فقيل اتقوا ربكم الذى وصل بينكم حيث جعلكم ~~صنوانا مفرعة من أرومة واحدة فيما يجب على بعضكم لبعض، فحافظوا عليه ولا ~~تغفلوا عنه وهذا المعنى مطابق لمعانى السورة ". وقوله { وخلق منها ~~زوجها } معطوف على قوله { خلقكم من نفس واحدة }. أو ~~معطوف على محذوف والتقدير خلقكم من نفس واحدة ابتدأها وخلق منها زوجها. ~~ثم بين - سبحانه - ما ترتب على هذا الازدواج من تناسل فقال { وبث ~~منهما رجالا كثيرا ونسآء }. والبث معناه النشر والتفريق. ~~يقال بث الخيل فى الغارة، أى فرقها ونشرها. ويقال يثثت البسط إذا نشرتها. ~~قال - تعالى - # وزرابي مبثوثة # أى منشورة. والمعنى ونشر وفرق من تلك النفس الواحدة وزوجها على وجه ~~التوالد والتناسل، رجالا كثيرا ونساء كثيرة. والتعبير بالبث يفيد أن ~~هؤلاء الذين توالدوا وتناسلوا عن تلك النفس وزوجها، قد تكاثروا وانتشروا ~~فى أقطار الأرض على اختلاف ألوانهم ولغاتهم، وأن من الواجب عليهم مهما ~~تباعدت ديارهم، واختلفت ألسنتهم وأشكالهم أن يدركوا أنهم جميعا ينتمون ~~إلى أصل واحد، وهذا يقتضى تراحمهم وتعاطفهم فيما بينهم. وقوله { كثيرا ~~} صفة لقوله { رجالا } وهو صفة مؤكدة لما إفاده التنكير من معنى ~~الكثرة. وجاء الوصف بصيغة الإفراد، لأن { كثيرا } وإن كان مفردا لفظا ~~إلا أنه دال على معنى الجمع. واستغنى عن وصف النساء بالكثرة، اكتفاء بوصف ~~الرجال بذلك، ولأن الفعل { بث } يقضى الكثرة والانتشار. وقال الفخر ~~الرازى خصص وصف الكثرة بالرجال دون النساء، لأن شهرة الرجال أتم، فكانت ms1015 ~~كثرتهم أظهر، فلا جرم خصوا بوصف الكثرة. وهذا كالتنبيه على أن اللائق ~~بحال الرجال الاشتهار والخروج والبروز. واللائق بحال النساء الاختفاء ~~والخمول ". وقوله { واتقوا الله الذي تسآءلون به ~~والأرحام } تكرير للأمر بالتقوى لتربية المهابة فى النفس وتذكير ~~ببعض آخر من الأمور الموجبة لخشية الله وامتثال أوامره. # وقوله { تسآءلون } أصلها تتساءلون فطرحت إحدى التاءين تخفيفا. وهى ~~قراءة عصام وحمزة الكسائى. وقرأ الباقون " تساءلون " بالتشديد بإدغام تاء ~~التفاعل فى السين لتقاربهما فى الهمس. والأرحام جمع رحم وهى القرابة. ~~مشتقة من الرحمة، لأن ذوى القرابة من شأنهم أن يتراحموا ويعطف بعضهم على ~~بعض. وكلمة { الأرحام } قرأها الجمهور بالنصب عطفا على اسم الله ~~تعالى. والمعنى واتقوا الله الذى يسأل بعضكم بعضا به، بأن يقول له على ~~سبيل الاستعطاف أسألك بالله أن تفعل كذا، أو أن تترك كذا. واتقوا الأرحام ~~أن تقطعوها فلا تصلوها بالبر والإحسان، فإن قطيعتها وعدم صلتها مما يجب ~~أن يتقى ويبعد عنه، وإنما الذى يجب أن يفعل هو صلتها وبرها. وقرأها حمزة ~~بالجر عطفا على الضمير المجرور فى به. أى اتقوا الله الذى تساءلون به ~~وبالأرحام بأن يقول بعضكم لبعض مستعطفا أسألك بالله وبالرحم أن تفعل كذا. ~~وقد كان من عادة العرب أن يقرنوا الأرحام بالله تعالى - فى المناشدة ~~والسؤال فيقولون اسألك بالله وبالرحم. ولم يرتض كثير من النحويين هذه ~~القراءة من حمزة، وقالوا إنها تخالف القواعد النحوية التى تقول إن عطف ~~الاسم الظاهر على الضمير المجرور المتصل بدون إعادة الجار لا يصح، لأن ~~الضمير المجرور المتصل بمنزلة الحرف، والحرف لا يصح عطف الاسم الظاهر ~~عليه، ولأن الضمير المجرور كبعض الكلمة لشدة اتصاله بها، وكما أنه لا ~~يجوز أن يعطف على بعض الكلمة فكذلك لا يجوز أن يعطف عليه. إلى غير ذلك ~~مما قالوه فى تضعيف هذه القراءة. وقد دافع كثير من المفسرين عن هذه ~~القراءة التى قرأها حمزة. وأنكروا على النحويين تشنيعهم عليه. ومما قاله ~~القرطبى فى دفاعه عن صحة هذه القراءة ومثل هذا الكلام - أى من النحويين - ~~مردود عند ms1016 أئمة الدين، لأن القراءات التى قرأ بها أئمة القراء ثبتت عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم تواترا يعرفه أهل الصنعة، وإذا ثبت شىء عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم فمن رد ذلك فقد رد على النبى صلى الله عليه ~~وسلم واسقبح ما قرأ به. وهذا مقام محذور، ولا يقلد فيه أئمة اللغة ~~والنحو، فإن العربية تتلقى من النبى صلى الله عليه وسلم ولا يشك أحد فى ~~فصاحته. ثم قال والكوفى يجيز عطف الظاهر على الضمير المجرور ولا يمنع ~~منه، ومنه قولهم فاذهب فما بك والأيام من عجب ومما قاله الفخر الرازى فى ~~ذلك واعلم أن هذه الوجوه - أى التى احتج بها النحويون في تضعيف قراءة ~~حمزة - ليست وجوها قوية فى رفع الروايات الواردة فى اللغات وذلك لأن حمزة ~~أحد القراء السبعة، ولم يأت بهذه القراءة من عند نفسه، بل رواها عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وذلك يوجب القطع بصحة هذه اللغة، والقياس ~~يتضاءل عند السماع لا سيما بمثل هذه الأقيسة التى هى أوهن من بيت ~~العنكبوت. # وأيضا فلهذه القراءة وجهان أحدهما أنها على تقدير تكرير الجار. كأنه قيل ~~تساءلون به وبالأرحام. وثانيهما أنه ورد ذلك فى الشعر ومنه # نعلق فى مثل السوارى سيوفنا وما بينها والكعب غوط نفائف # ثم قال والعجب من هؤلاء النحاة أنهم يستحسنون إثبات هذه اللغة بمثل هذه ~~الأبيات المجهولة، ولا يستحسنوا إثباتها بقراءة حمزة ومجاهد، مع أنهما ~~كانا من أكابر علماء السلف فى علم القرآن ". هذا، وهناك قراءة بالرفع. ~~قال الآلوسى وقرأ ابن زيد { والأرحام } بالرفع على أنه مبتدأ محذوف ~~الخبر. أى والأرحام كذلك أى مما يتقى لقرينه { واتقوا }. أو مما ~~يتساءل به لقرينة { تسآءلون }. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما ~~يحمل العقلاء على المبالغة فى تقوى الله، وفى صلة الرحم فقال - تعالى { ~~إن الله كان عليكم رقيبا }. أى حافظا يحصى عليكم كل شىء. ~~من رقبه إذا حفظه. أو مطلعا على جميع أحوالكم وأعمالكم، ومنه المرقب ~~للمكان العالى الذى يشرف منه الرقيب ليطلع على ms1017 ما دونه. وقد أكد - سبحانه ~~- رقابته على خلقه، واطلاعه على جميع أحوالهم بأوثق المؤكدات. فقد أكد - ~~سبحانه - الجملة الكريمة بإن، وبتكرار لفظ الجلالة التى يبعث فى النفوس ~~كل معانى الخشية والعبودية له، وبالتعبير بكان الدالة على الدوام ~~والاستمرار، وبذكر الفوقية التى يدل عليها لفظ { عليكم } إذ هو يفيد ~~معنى الاطلاع الدائم مع السيطرة والقهر، وبالإتيان بصيغة المبالغة وهى ~~قوله { رقيبا } أى شديد المراقبة لجميع أقوالكم وأعمالكم فهو يراها ~~ويعلمها وسيحاسبكم عليها يوم القيامة وقد أخذ العلماء من هذه الآية ~~الكريمة وجوب مراقبته - سبحانه - وخشيته وإخلاص العبادة له، لأنه هو الذى ~~أوجدهم من نفس واحدة، وهو الذى أوجد من هذه النفس الموحدة زوجها، وهو ~~الذى أوجد منها عن طريق التناسل الذكور والإناث الذين يملؤون أقطار ~~الأرض على اختلاف صفاتهم وألوانهم ولغاتهم، وهو الذى لا تخفى عليه خافية ~~من أحوالهم، بل هو مطلع عليهم وسيحاسبهم على أعمالهم يوم الدين، ومن كان ~~كذلك فمن حقه أن يتقى ويخشى ويطاع ولا يعصى. كما أخذوا منها جواز المسألة ~~بالله - تعالى - لأنه - سبحانه - قد أقرهم على هذا التساؤل لكونهم ~~يعتقدون عظمته وقدرته. وقد ورد فى هذا الباب أحاديث متعددة منها ما أخرجه ~~الإمام أحمد وأبو داود والنسائى وابن حبان عن ابن عمر قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ~~ومن دعاكم فأجيبوه. ومن أسدى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما ~~تكافئون به فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه ". # نعم من أداه التساؤل باسمه - تعالى - إلى التساهل فى شأنه، وجعله عرضة ~~لعدم إجلاله، فإنه يكون محظورا قطعا. وعليه يحمل ما ورد من أحاديث تصرح ~~بلعن من سأل بوجه الله. ومنها ما رواه الطبرانى عن أبى موسى الأشعرى ~~مرفوعا ملعون من سأل بوجه الله. وملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله ما ~~لم يسأل هجرا. أى ما لم يسأل أمرا قبيحا لا يليق. كما أخذوا منها أيضا ~~وجوب صلة الرحم، فقد جعل - سبحانه - الإحسان إلى الآباء ms1018 وإلى الأقارب فى ~~المنزلتين الثانية والثالثة بعد الأمر بعبادته فقال # واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ~~وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى ~~والمساكين # ومن الأحاديث التى وردت فى وجوب صلة الرحم ما رواه البخارى # " عن أبى هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من سره أن ~~يبسط له فى رزقه، وأن ينسأ له فى أجله، فليصل رحمه " # وأخرج الإمام مسلم فى صحيحه عن عائشة - رضى الله عنها - عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم قال # " الرحم معلقة بالعرش. تقول من وصلنى وصله الله، ومن قطعنى قطعه الله " # وأخرج البخارى عن عبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال # " ليس الواصل بالمكافىء. ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها ". # إلى غير ذلك من الأحاديث التى وردت فى الترغيب فى صلة الرحم والترهيب من ~~قطيعتها. ثم شرع - سبحانه - فى تفصيل موارد الاتقاء ومظانه، فابتدأ بأحق ~~الناس بالرحمة والمودة، وهم اليتامى فقال - تعالى - { وآتوا...ألا ~~تعولوا } ### || [4.2-3] # والأمر فى قوله { وآتوا } يتناول كل من له ولاية أو وصاية أو صله ~~باليتيم، كما يتناول الجماعة الإسلامية بصفة عامة، لكى تتكاتف وتتعاون ~~على تمكين اليتيم من وصول حقه إليه بدون بخس أو مماطلة. و { اليتامى ~~} جمع يتيم وهو الصغير الذى مات أبوه، مأخوذ من اليتم بمعنى الانفراد. ~~ومنه الدرة اليتيمة. قال صاحب الكشاف وحق هذا الاسم أن يقع على الصغار ~~والكبار لبقاء معنى الانفراد عن الآباء، إلا أنه قد غلب ان يسموا به قبل ~~أن يبلغوا مبلغ الرجال، فإذا استغنوا بأنفسهم عن كافل وقائم عليهم، ~~وانتصبوا كفاة يكفلون غيرهم ويقومون عليهم، زال عنهم هذا الاسم. وكانت ~~قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم يتيم أبى طالب إما على القياس، ~~وإما حكاية للحال التى كان عليها صغيرا في حجر عمه. وأما قوله صلى الله ~~عليه وسلم # " لا يتم بعد الحلم " # فهو تعليم شريعة لا لغة. أى أنه إذا احتلم لم تجر عليه أحكام الصغار ". ~~والمراد باليتامى هنا الصغار، والمراد بإيتائهم أموالهم ms1019 حفظها لهم وعدم ~~الطمع فى شىء منها لا من قبل الورثة ولا من قبل الأوصياء ولا من قبل ~~غيرهم وعلى هذا المعنى يكون لفظ الإيتاء قد أول بلازم معناه وهو الحفظ ~~والرعاية لمال اليتامى، لا تسليم المال إليهم لأنه من المعروف شرعا ألا ~~يسلم المال إليهم إلا بعد البلوغ، إذ هم فى حال الصغر لا يصلحون للتصرف. ~~ويكون هذا التعبير من باب الكناية بإطلاق اللازم - وهو الإيتاء، وإرادة ~~الملزوم وهو الحفظ، أو من باب المجاز بالمآل إذ الحفظ يؤول إلى الإيتاء. ~~ويرى بعضهم أن المراد باليتامى هنا الكبار الذين أونس منهم الرشد وأن ~~المراد بالإيتاء دفع أموالهم إليهم على سبيل الحقيقة. ويكون التعبير ~~عنهم باليتامى - مع أنهم كبار - باعتبار ان اسم اليتيم يتناول لغة كل من ~~فقد أباه، أو باعتبار قرب عهدهم بالصغر، أو باعتبار ما كان أى الذين ~~كانوا يتامى. قالوا وفى التعبير عنهم باليتامى مع أنهم كبار، إشارة إلى ~~وجوب المسارعة فى تسليم أموالهم إليهم متى أونس منهم الرشد، حتى لكأن اسم ~~اليتيم ما زال باقيا عليهم، غير منفصل عنهم ويبدو لنا أن الرأى الأول ~~أولى، لأن الأمر بدفع أموال اليتامى إليهم. بعد بلوغهم قد جاء صريحا فى ~~قوله - تعالى - بعد ذلك # وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ~~آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم # فكان حمل الآية التى معنا على أن المراد باليتامى الصغار، وبإيتاء ~~أموالهم حفظها لهم، أولى وأقرب إلى المنطق، لأنه على الرأى الأول يكون ~~الأمر وما يذكر به تأسيسات أحكام، وعلى الرأى الثانى يكون ما فى الآية ~~الثانية مؤكدا لما فى الآية التى معنا. # والتأسيس أولى من التأكيد. ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك فى الآية التى ~~معنا { ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا ~~أموالهم إلى أموالكم } - إنما هو تحذير للأوصياء ~~والأولياء من الطمع فى مال اليتيم أو إضاعته ما دام المال فى أيديهم ~~واليتيم فى حجرهم، وهذا يؤيد هذا الرأى الأول القائل بأن المراد باليتامى ~~الصغار، وبإيتاء أموالهم حفظها ورعايتها حتى تسلم إليهم عند ms1020 بلوغهم كاملة ~~غير منقوصة. وقوله { ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب } ~~معناه لا تجعلوا ردىء المال لهم بدل الجيد، بأن تأخذوا لأنفسكم كرائم ~~الأموال ونفائسها، وتتركوا لهم الخسيس منها. قال القرطبى وكانوا فى ~~الجاهلية لعدم الدين لا يتحرجون عن أموال اليتامى فكانوا يأخذون الطيب من ~~أموال اليتامى ويبدلونه بالردىء من أموالهم ويقولون اسم باسم، ورأس برأس، ~~فنهاهم الله عن ذلك. وهذا قول سعيد بن المسيب والزهرى والسدى والضحاك وهو ~~ظاهر الآية، إذ التبديل جعل شىء بدل شىء ". ويرى صاحب الكشاف أن المراد ~~بالخبث الحرام، وبالطيب الحلال فقد قالوا { ولا تتبدلوا ~~الخبيث بالطيب } أى ولا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى ~~بالحلال وهو مالكم وما ابيح لكم من المكاسب ورزق الله المبثوث فى الأرض ~~فتأكلوه مكانه، أو لا تستبدلوا الأمر الخبيث وهو اختزال أموال اليتامى ~~بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع عنها ". وقوله - تعالى - { ولا ~~تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } نهى آخر عن الاعتداء ~~على أموال اليتامى عن طريق خلط أموال اليتامى بأموال الأوصياء، و المراد ~~من الأكل مطلق الانتفاع والتصرف وخص الأكل بالذكر، لأنه معظم ما يقع ~~لأجله التصرف. والمعنى ولا تضموا أيها الأوصياء أموال اليتامى إلى ~~أموالكم في الإنفاق فتأكلوها مع أموالكم، وتسووا بينهما فى الانتفاع، ~~لأن أموالكم احل الله لكم أكلها، أما أموال اليتامى فقد حرم الله عليكم ~~أكلها. فالآية الكريمة صريحة فى النهى عن خلط مال اليتيم القاصر بمال ~~الوصى عليه بقصد أكله، لأن هذا لون من ألوان الاستيلاء المحرم على أموال ~~اليتامى، كما أنها تتضمن النهى عن خلط مال اليتيم بمال الوصى عليه ولو لم ~~يقصد أكله، لأن هذا الخلط قد يؤدى إلى ضياعه وعدم تميزه فقد يموت الوصى ~~فلا يعرف مال اليتيم من ماله، فيؤدى الأمر إلى أكله وإن لم يكن مقصودا، ~~ولذا قال الفقهاء إذا مات الوصى على اليتيم مجهلا مال اليتيم اعتبر ~~مستهلكا له. والخلاصة أن الآية الكريمة تحرم على الأولياء والأوصياء ~~وغيرهم أن يتصرفوا في أموال اليتامى أى تصرف يؤدى إلى الإضرار بها، بل ~~عليهم أن يحفظوها ms1021 لهم حتى يدفعوها إليهم سالمة عند البلوغ. هذا، وليس قيد ~~" إلى أموالكم " محط النهى، بل النهى واقع على أكل أموال اليتامى مطلقا، ~~سواء أكان للآكل مال يضم إليه مال اليتيم أم لم يكن. # ولكن لما كان الغالب وجود أموال للأوصياء، وأنهم يريدون من أكل أموال ~~اليتامى التكثير أو توفير أموالهم، جىء بهذا القيد رعاية لهذا الغالب، ~~وليكون ذمهم على جشعهم وضعف دينهم أشد وأشنع حيث أكلوا حقوق اليتامى مع ~~أنهم فى غنى عنها بما رزقهم الله من أموال. وإلى هذا المعنى أشار صاحب ~~الكشاف بقوله فإن قلت قد حرم عليهم أكل مال اليتامى وحده ومع أموالهم فلم ~~ورد النهى عن أكله معها؟ قلت لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى ~~بما رزقهم الله من مال حلال - وهم مع ذلك يطمعون فيها - كان القبح أبلغ ~~والذم أحق، ولأنهم كانوا يفعلون ذلك فنعى عليهم فعلهم وسمع بهم ليكون ~~أزجر لهم ". ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله { إنه كان حوبا ~~كبيرا }. والحوب اسم مصدر من حاب يحوب حوبا إذا اكتسب إثما. يقال فلان ~~يتحوب أى يتأثم. والحوباء النفس المرتكبة للإثم. ويقال فى الدعاء اللهم ~~اغفر حوبتى، أى إثمى، وأصله الزجر للإبل، فسمى الإثم حوبا لأنه يزجر عنه ~~وبه. والضمير فى قوله { إنه } يعود إلى أكل مال اليتيم بأى طريق ~~محرم. والمعنى إن أكل مال اليتيم بأى طريقة من الطرق المحرمة كان إثما ~~كبيرا، وذنبا عظيما، لأن هذا الأكل اعتداء على نفس ضعيفة فقدت من يعولها ~~ومن يدافع عنها، ومن اعتدى على نفس ضعيفة، وضيع حقها، وخان الأمانة كان ~~مرتكبا لذنب عظيم يؤدى به إلى العقوبة والعذاب الأليم. والجملة بمنزلة ~~التعليل للنهى عن أكل مال اليتيم، وعن الطمع بدون وجه حق فيها. ثم شرع - ~~سبحانه - فى نهيهم عن منكر آخر كانوا يباشرونه فقال - تعالى. { وإن ~~خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب ~~لكم من النسآء مثنى وثلاث ورباع }. وقوله { وإن ~~خفتم } شرط، وجوابه قوله { فانكحوا }. والمراد من الخوف العلم، ~~وعبر عنه بذلك للأشعار بكون ms1022 المعلوم مخوفا محذورا. ويقوم الظن الغالب ~~مقام العلم. وقوله { تقسطوا } من الإقساط وهو العدل. يقال أقسط ~~الرجل إذا عدل. قال - تعالى - # وأقسطوا إن الله يحب المقسطين # ويقال قسط الرجل إذا جار وظلم صاحبه. قال - تعالى - # وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا # والمراد " باليتامى يتامى النساء. قال الزمخشرى ويقال للاناث اليتامى ~~كما يقال للذكور وهو جمع يتيمة. ومعنى { ما طاب لكم } ما مالت إليه ~~نفوسكم واستطابته من النساء اللائى أحل الله لكم نكاحهن. هذا، وللعلماء ~~أقوال فى تفسير هذه الآية الكريمة منها ما رواه البخارى ومسلم وأبو داود ~~والنسائى وغيرهم عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة - رضى الله عنها - عن ~~هذه الآية فقالت يا ابن أختى هى اليتيمة تكون فى حجر وليها تشركه فى ماله ~~ويعحبه مالها وجمالها. # فيريد وليها أن يتزوجها من غير أن يقسط فى صداقها، فيعطيها مثل ما ~~يعطيها غيره. قال عروة قالت عائشة وإن الناس استفتوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعد هذه الآية، فأنزل الله - تعالى - # ويستفتونك في النسآء قل الله يفتيكم فيهن ~~وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النسآء ~~اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن ~~تنكحوهن # قالت عائشة وقوله الله - تعالى - # وترغبون أن تنكحوهن # رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال. قالت فنهوا عن أن ~~ينكحوا من رغبوا فى مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط، من أجل ~~رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال ". وعلى هذه الرواية التى ساقها ~~أئمة المحدثين عن عائشة فى المراد من الآية الكريمة يكون المعنى وإن ~~علمتم أيها الأولياء على النساء اليتامى أنكم لن تعدلوا فيهن إذا تزوجتم ~~بهن - بأن تسيئوا إليهن فى العشرة، أو بأن تمتنعوا عن إعطائهن الصداق ~~المناسب لهن - إذا علمتم ذلك فانكحوا غيرهن من النساء الحلائل اللائى ~~تميل إليهن نفوسكم ولا تظلموا هؤلاء اليتامى بنكاحهن دون أن تعطوهن ~~حقوقهن فإن الله - تعالى - قد وسع عليكم فى نكاح غيرهن. فالمقصود من ~~الآية الكريمة على هذا المعنى نهى الأولياء عن نكاح ms1023 النساء اليتامى ~~اللائى يلونهن عند خوف عدم العدل فيهن، إلا أنه أوثر التعبير عن ذلك ~~بالأمر بنكاح النساء الأجنبيات، كراهة للنهى الصريح عن نكاح اليتيمات، ~~وتلطفا فى صرف المخاطبين عن نكاح التيامى حال العلم بعدم العدل فيهن. ~~فكأنه - سبحانه - يقول إن علمتم أيها الأولياء الجور والظلم فى نكاح ~~اليتامى اللائى فى ولايتكم فلا تنكحوهن، وانكحوا غيرهن مما طالب لكم من ~~النساء. وعلى هذا القول الذى أورده المحدثون عن عائشة - رضى الله عنها - ~~سار كثير من المفسرين في الآية الكريمة. وبعضهم اقتصر عليه ولم يذكر ~~سواه. قال بعض العلماء وكلامها هذا أحسن تفسير لهذه الآية. وهى وإن لم ~~تسند ما قالته إلى رسول الله، إلا أن سياق كلامها يؤذن بأنه عن توقيف ~~ولذلك أخرجه البخارى فى باب تفسير سورة النساء بسياق الأحاديث المرفوعة، ~~اعتدادا بأنها ما قالت ذلك إلا عن معاينة حال النزول. لا سيما وقد قالت ~~ثم إن الناس استفتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه يكون إيجاز ~~لفظ الآية اعتدادا بما فهمه الناس مما يعلمون من أحوالهم، وتكون قد جمعت ~~إلى جانب حفظ حقوق اليتامى فى أموالهم الموروثة، حفظ حقوقهم فى الأموال ~~التى يستحقها النساء اليتامى كمهور لهن عند الزواج بهن.. ". أما الرأى ~~الثانى فيرى أصحابه أن الآية مسوقة للنهى عن نكاح ما فوق الأربع خوفا على ~~أموال اليتامى أن يتلفها أولياؤهم. # وقد حكى هذا القول الإمام ابن جرير فقال وقال آخرون بل معنى ذلك النهى ~~عن نكاح ما فوق الأربع، حذرا على أموال اليتامى أن يتلفها أولياؤهم وذلك ~~أن قريشا كان الرجل منهم يتزوج العشر من النساء والأكثر والأقل، فإذا صار ~~معدما مال على مال اليتيمة التى فى حجره فأنفقه، أو تزوج به، فنهوا عن ~~ذلك. وقيل لهم إن أنتم خفتم على أموال أيتامكم أن تنفقوها فلا تعدلوا ~~فيها من أجل حاجتكم إليها لما يلزمكم من مؤن نسائكم، - إن خفتم ذلك. فلا ~~تجاوزوا فيما تنكحون من عدد النساء على أربع. وإن خفتم أيضا من الأربع ~~ألا تعدلوا ms1024 فى أموالهم - أى أموال اليتامى -، فاقتصروا على الواحدة أو ~~على ما ملكت أيمانكم - أى إن كان زواجكم بالأربع يؤدى إلى الجور فى أموال ~~اليتامى فاقتصروا على الزواج بامرأة واحدة - ". وقد انتصر ابن جرير لهذا ~~القول وعده أرجح الأقوال، فقال ما ملخصه وإنما قلنا إن ذلك أولى بتأويل ~~الآية لأن الله - تعالى - افتتح الآية التى قبلها بالنهى عن أكل أموال ~~اليتامى بغير حقها. ثم أعلمهم - هنا - المخلص من الجور فى أموال اليتامى ~~فقال انكحوا إن أمنتم الجور فى النساء على أنفسكم ما أبحت لكم منهن ~~وحللته مثنى وثلاث ورباع. فإن خفتم أيضا الجور على أنفسكم فى أمر ~~الواحدة فلا تنكحوها، ولكن تسروا من المماليك، فإنكم أحرى ألا تجوروا ~~عليهن، لأنهن أملاككم وأموال، ولا يلزمكم لهن من الحقوق كالذى يلزمكم ~~للحرائر، فيكون ذلك اقرب لكم إلى السلام من الإثم والجور ". وينسب هذا ~~الرأى إلى ابن عباس وسعيد بن جبير، والسدى، وقتادة، وعكرمة. وقال مجاهد ~~إن الآية الكريمة مسوقة للنهى عن الزنا. وقد حكى هذا الرأى صاحب الكشاف ~~فقال كانوا لا يتحرجون من الزنا. ويتحرجون من ولاية اليتامى. فقيل لهم إن ~~خفتم الجور في حق اليتامى، فخافوا الزنا، فانكحوا ما حل من النساء، ولا ~~تحوموا حول المحرمات ". هذه أشهر الأقوال فى معنى الآية الكريمة، ويبدو ~~لنا أن أرجحها أولها، لأنه هو الظاهر من معنى الآية، ولأن الغالب أن ~~السيدة عائشة - رضى الله عنها - ما فسرت الآية بهذا التفسير الذى قالته ~~لابن أختها عروة إلا عن توقيف ومعاينة لحال النزول، ولأن الملازمة بين ~~الشرط والجزاء فى الآية على هذا الوجه تكون ظاهرة. إذ التقدير وإن خفتم ~~أيها الأولياء الجور والظلم فى نكاح اليتامى اللاتى فى ولايتكم فانكحوا ~~من غيرهن ما طاب لكم من النساء. أما على القول الثانى فمحل الملازمة بين ~~الشرط والجزاء إنما هو فيما تفرع عن الجزاء وهو قوله { فإن خفتم ~~ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم }. # وعلى قول مجاهد تضعف الملازمة بين الشرط والجزاء. هذا، والأمر فى قوله { ~~فانكحوا } - على ms1025 التفسير الأول - للإباحة كما فى قوله - تعالى - # وكلوا واشربوا... # خلافا للظاهرية الذين يرون أنه للوجوب. و { ما } فى قوله - تعالى - { ~~ما طاب لكم } موصولة أو موصوفة. وما بعدها صلتها أو صفتها. وأوثرت ~~على { من } لأنها أريد بها الصفة وهو الطيب من النساء بدون تحديد لذات ~~معينة، ولو قال { فانكحوا ما طاب لكم } لتبادر إلى الذهن أن ~~المراد نسوة طيبات معروفات بينهم. وقوله - تعالى - { مثنى وثلاث ~~ورباع } حال من فاعل { طاب } المستتر أو من مرجعه - وهو { ما } -، ~~أو بدل منه. وهذه الكلمات الثلاث من ألفاظ العدد. وتدل كل واحدة منها على ~~المكرر من نوعها. فمثنى تدل على اثنين اثنين. وثلاث تدل على ثلاثة ثلاثة. ~~ورباع تدل على أربعة أربعة. والمراد منها هنا الإذن لكل من يريد الجمع ~~أن ينكح ما شاء من العدد المذكور متفقين فيه ومختلفين. والمعنى فانكحوا ~~ما طالب لكم من النساء معدودات هذا العدد ثنتين ثنتين. وثلاثا ثلاثا. ~~وأربعا أربعا. حسبما تريدون وتستطيعون. قال صاحب الكشاف فإن قلت الذى ~~أطلق للنكاح فى الجمع أن يجمع بين ثنتين أو ثلاث أو أربع. فما معنى ~~التكرير فى مثنى وثلاث ورباع. قلت الخطاب للجميع. فوجب التكرير ليصيب كل ~~ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد الذى أطلق له. كما تقول للجماعة ~~اقتسموا هذا المال - وهو ألف درهم - درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة. وأربعة ~~أربعة. ولو أفردت لم يكن له معنى. فإن قلت فلم جاء العطف بالواو دون أو؟ ~~قلت كما جاء بالواو فى المثال الذى حذوته لك. ولو ذهبت تقول اقتسموا هذا ~~المال درهمين درهمين أو ثلاثة ثلاثة أو أربعة أربعة علمت أنه لا يسوغ لهم ~~أن يقتسموه إلا على أحد أنواع هذه القسمة. وليس لهم أن يجمعوا بينها. ~~فيجعلوا بعض القسم على تثنية، وبعضا على تثليث، وبعضا على تربيع، وذهب ~~معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذى دلت عليه الواو. وتحريره أن ~~الواو دلت على إطلاق أن يأخذ الناكحون من أرادوا نكاحهن من النساء على ~~طريق الجمع إن شاؤوا مختلفين فى ms1026 تلك الأعداد، وإن شاؤوا متفقين فيها، ~~محظورا عليهم ما وراء ذلك ". ثم بين - سبحانه - لعباده ما ينبغى عليهم ~~فعله فى حال توقعهم عدم العدل بين الزوجات فقال - تعالى { فإن ~~خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت ~~أيمانكم }. فالمراد بالعدل هنا العدل بين الزوجات المتعددات. أى ~~فإن علمتم أنكم لا تعدلون بين الأكثر من الزوجة الواحدة فى القسم والنفقة ~~وحقوق الزوجية بحسب طاقتكم، كما علمتم فى حق اليتامى أنكم لا تعدلون - ~~إذا علمتم ذلك فالزموا زوجة واحدة، أو أى عدد شئتم من السرارى بالغة ما ~~بلغت. # فكأنه - سبحانه - لما وسع عليهم بأن أباح لهم الزواج بالمثنى والثلاث ~~والرباع من النساء، أتبأهم بأنه قد يلزم من هذه التوسعة خوف الميل وعدم ~~العدل. فمن الواجب عليهم حينئذ أن يحترزوا بالتقليل من عدد النساء ~~فيقتصروا على الزوجة الواحدة. ومفهومه إباحة الزيادة على الواحدة إذا أمن ~~الجور بين الزوجات المتعددات. وقوله { فواحدة } منصوب بفعل مضمر ~~والتقدير فالزموا واحدة أو فاختاروا واحدة فإن الأمر كله يدور مع العدل، ~~فأينما وجدتم العدل فعليكم به. وقرىء بالرفع أى فحسبكم واحدة. { أو } ~~للتسوية أى سوى - سبحانه - فى السهولة واليسر بين نكاح الحرة الواحدة ~~وبين السرارى من غير تقييد بعدد، لقلة تبعتهن، ولخفة مؤنتهن، وعدم وجوب ~~القسم فيهن. وقوله { ذلك أدنى ألا تعولوا } جملة مستأنفة ~~بمنزلة التعليل مما قبلها. واسم الإشارة " ذلك " يعود إلى اختيار ~~الواحدة أو التسرى. وقوله { أدنى } هنا بمعنى أقرب. وهو قرب مجازى. ~~أى أحق وأعون أن لا تعولوا. وقوله { تعولوا } مأخوذ من العول وهو فى ~~الأصل الميل المحسوس. يقال. عال الميزان عولا إذا مال. ثم نقل إلى الميل ~~المعنوى وهو الجور والظلم ومنه عال الحاكم إذا جار، والمراد هنا الميل ~~المحظور المقابل للعدل. والمعنى أن ما ذكر من اختيار الزوجة الواحدة ~~والتسرى، أقرب بالنسبة إلى ما عداهما إلى العدل وإلى عدم الميل المحظور، ~~لأن من اختار زوجة واحدة فقد انتفى عنه الميل والجور رأسا لانتفاء محله ~~ومن تسرى فقد انتفى عنه خطر الجور والميل. أما من ms1027 اختار عددا من الحرائر ~~فالميل المحظور متوقع منه لتحقق المحل والخطر. ولأن التعدد فى الزوجات ~~يعرض المكلف غالبا للجور وإن بذل جهده فى العدل. وهذا المعنى على تفسير ~~تعولوا بمعنى تجوروا وتميلوا عن الحق. وهو اختيار أكثر المفسرين. وقيل إن ~~معنى { ألا تعولوا } ألا تكثر عيالكم. يقال عال يعول، إذا كثرت ~~عياله. وقد حكى صاحب الكشاف هذا المعنى عن الإمام الشافعى فقال " والذي ~~يحكى عن الشافعى - رحمه الله - أن فسر { أن لا تعولوا } بأن لا تكثر ~~عيالكم. فوجهه أن يجعل من قولك عال الرجل عياله يعولهم كقولهم ما نهم ~~يمونهم إذا أنفق عليهم. لأن من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفى ذلك ما ~~يصعب عليه المحافظة على حدود الكسب وحدود الورع وكسب الحلال والرزق ~~الطيب. ثم قال وكلام مثله من أعلام العلم، وأئمة الشرع، ورءوس المجتهدين، ~~حقيق بالحمل على الصحة والسداد. وقرأ طاووس أن لا تعيلوا من أعال الرجل ~~إذا كثر عياله. # وهذه القراءة تعضد تفسير الشافعى من حيث المعنى الذى قصده ". هذا، وقد ~~أخذ العلماء من هذه الآية أحكاما منها جواز تعدد الزوجات إلى أربع بحيث ~~لا يجوز الزيادة عليهم مجتمعات، لأن هذا العدد قد ذكر فى مقام التوسعة ~~على المخاطبين، ولو كانت تجوز الزيادة على هذا العدد لذكرها الله - تعالى ~~-. وقد أجمع الفقهاء على أنه لا تجوز الزيادة على الأربع، ولا يقدح فى ~~هذا الإجماع ما ذهب إليه بعض المبتدعة من جواز الجمع بين ما هو أكثر من ~~الأربع الحرائر، لأن ما ذهب إليه هؤلاء، المبتدعة لا يعتد به. إذ ~~الإجماع قد وقع وانقضى عصر المجمعين قبل ظهور هؤلاء المبتدعين المخالين. ~~وقد رد العلماء على هؤلاء المخالفين بما يهدم أقوالهم، ومن العلماء الذين ~~تولوا الرد عليهم الإمام القرطبي فقد قال - ما ملخصه - " أعلم أن هذا ~~العدد مثنى وثلاث ورباع لا يدل على إباحة تسع. كما قاله من بعد فهمه عن ~~الكتاب والسنة، وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة، وزعم أن الواو جامعة، ~~وعضد ذلك بأن النبى صلى ms1028 الله عليه وسلم نكح تسعا، وجمع بينهن فى عصمته. ~~والذى صار إلى هذه الجهالة وقال هذه المقالة الرافضة وبعض أهل الظاهر، ~~جعلوا مثنى مثل اثنين، وكذلك ثلاث ورباع. وهذا كله جهل باللسان والسنة ~~ومخالفة لإجماع الأمة، إذ لا يسمع عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه ~~جمع فى عصمته أكثر من أربع. وأخرج مالك فى الموطأ والنسائى والدارقطنى فى ~~سننهما # " أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لغيلان بن أمية الثقفى وقد أسلم ~~وتحته عشر نسوة " اختر منهن أربعا وفارق سائرهن " # وأما ما أبيح من ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم فذلك من خصوصياته. وأما ~~قولهم إن الواو جامعة. فقد قيل ذلك، ولكن الله - تعالى - خاطب العرب ~~بأفصح اللغات. والعرب لا تدع أن تقول تسعة وتقول اثنين وثلاثة وأربعة. ~~وكذلك تستقبح ممن يقول، أعط فلانا أربعة، ستة، ثمانية، ولا يقول ثمانية ~~عشر. وإنما الواو فى هذه الموضع بدل، أى أنكحوا ثلاث بدلا من مثنى، ورباع ~~بدلا من ثلاث، ولذلك عطف بالواو ولم يعطف بأو. ولو جاء بأو لجاز ألا يكون ~~لصاحب المثنى ثلاث، ولا لصاحب الثلاث رباع. وقد قال مالك والشافعى فى ~~الذى يتزوج خامسة وعنده أربع عليه الحد إن كان عالما. وقال الزهرى يرجم ~~إن كان عالما، وإن كان جاهلا فعليه أدنى الحدين الذى هو الجلد، ولها ~~مهرها، ويفرق بينهما ولا يجتمعان أبدا ". كذلك من الأحكام التى أخذها ~~العلماء من هذه الآية الكريمة أن الله تعالى وإن كان قد أباح التعدد وحدد ~~غايته بأربع بحيث لا يجوز الزيادة عليهن، إلا أنه - سبحانه - قد قيد هذه ~~الإباحة بالعدل بينهم فيما يستطيع الإنسان العدل فيه بحسب طاقته ~~البشرية، بأن يعدل بينهن فى النفقة والكسوة والمعاشرة الزوجية. # فإن عجز عن ذلك لم يبح له التعدد. وللإمام الشيخ محمد عبده كلام حسن فى ~~المعنى، فقد قال - رحمه الله - " قد أباحت الشريعة الإسلامية للرجل ~~الاقتران بأربع من النسوة إن علم من نفسه القدرة على العدل بينهن، وإلا ~~فلا يجوز الاقتران بغير واحدة. قال - تعالى ms1029 { فإن خفتم ألا ~~تعدلوا فواحدة } فإن الرجل إذا لم يستطع إعطاء كل منهن حقها ~~اختل نظام المنزل، وساءت معيشة العائلة إذا العماد القويم لتدبير المنزل ~~هو بقاء الاتحاد والتآلف بين أفراد العائلة.. وقد كان النبى صلى الله ~~عليه وسلم، والخلفاء الراشدون، والعلماء الصالحون من كل قرن إلى هذا ~~العهد يجمعون بين النسوة مع المحافظة على حدود الله فى العدل بينهن. فكان ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه والصالحون من أمته لا يأتون حجرة إحدى ~~الزوجات فى نوبة الأخرى إلا بإذنها. وقد قال صلى الله عليه وسلم # " من كان له امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل " # وكان صلى الله عليه وسلم يعتذر عن ميله القلبى بقوله # " اللهم هذا - أى العدل فى البيات والعطاء - جهدى فيما أملك، ولا طاقة ~~لى فيما تملك ولا أملك - يعنى الميل القلبى " # وكان يقرع بينهم إذا أراد سفرا. ثم قال فى نهاية حديثه فعلى العقلاء أن ~~يتبصروا قبل طلب التعدد فى الزوجات فيما يجب عليهم شرعا من العدل وحفظ ~~الألفة بين الأولاد، وحفظ النساء من الغوائل التى تؤدى بهن إلى الأعمال ~~التى لا تليق بمسلمة. هذا، وقد ذكر العلماء حكما كثيرة لمشروعية تعدد ~~الزوجات، ومن هذه الحكم أن فى هذا التعدد وسيلة إلى تكثير عدد الأمة ~~بازدياد عدد المواليد فيها. ولا شك أن كثيرا من الأمم الإسلامية التى ~~اتسعت أرضها، وتعددت موارد الثروة فيها، فى حاجة إلى تكثير عدد أفرادها ~~حتى تنتفع بما حباها الله من خيرات، وتستيطع الدفاع عن نفسها إذا ما طمع ~~فيها الطامعون، واعتدى عليها المعتدون. ومنها أن التعدد يعين على كفالة ~~النساء وحفظهن وصيانتهن من الوقوع فى الفاحشة، لا سيما فى أعقاب الحروب ~~التى - عادة - تقضى على الكثيرين من الرجال، ويصبح عدد النساء أكبر بكثير ~~من عدد الرجال. ومنها أن الشريعة الإسلامية قد حرمت الزنا تحريما قاطعا، ~~وعاقبت مرتكبه بأقصى أنواعه العقوبات وأزجرها، بسبب ما يجر إليه من فساد ~~فى الأخلاق والأنساب ونظام الأسر، فناسب أن توسع على الناس فى ms1030 تعدد ~~النساء لمن كان من الرجال ميالا للتعدد، مستطيعا لتكاليفه ومطالبه. # ومنها قصد الابتعاد عن الطلاق، فإن المرأة قد لا تكون قادرة على القيام ~~بالمطالب الزوجية التى تحتمها حياتها مع زوجها بسبب مرضها أو عجزها أو ~~عقمها أو غير ذلك من الأسباب، فيلجأ زوجها إلى الزواج بأخرى غيرها مع ~~بقاء الزوجة الأولى فى عصمته بدل أن يطلقها فتفقد حياتها الزوجية، وقد ~~تكون هى فى حاجة إلى هذا الزوج الذى يقوم برعايتها وحمايتها والقيام ~~بشأنها. والخلاصة أن الله - تعالى - قد علم أن مصلحة الرجال والنساء قد ~~تستدعى تعدد الزوجات، - بل قد توجبه فى بعض الحالات - فأباح لهم هذا ~~التعدد، وحدد غايته بأربع بحيث لا يجوز الزيادة عليهن، وقيد - سبحانه - ~~هذه الإباحة بالعدل بينهن فيما يستطيع الإنسان العدل فيه بحسب طاقته ~~البشرية، فإن علم الإنسان من نفسه عدم القدرة على العدل بينهن لم يبح له ~~التعدد. ولو أن المسلمين ساروا على حسب ما شرع الله لهم لسعدوا فى دنياهم ~~وفى آخرتهم لأن الله - تعالى - ما شرع لهم إلا ما فيه منفعتهم وسعادتهم. ~~ثم أمر الله تعالى الرجال أن يعطوا النساء مهورهن كاملة عن رضا وسماحة ~~نفس، وألا يطمعوا فى شيء مما أعطاه الله لهن فقال - تعالى - { وآتوا ~~النسآء... }. ### || [4.4] # وقوله { صدقاتهن } جمع صدقة - بضم الدال - وهى ما يعطى للزوجة من ~~المهر. وقوله { نحلة } أى عطية واجبة وفريضة لازمة. إذ النحلة فى ~~الأصل العطية على سبيل التبرع. يقال نحله كذا نحلة ونحلا، إذا أعطاه إياه ~~عن طيب نفس بلا مقابلة عوض. والمعنى وأعطوا النساء مهورهن عطية عن طيب ~~نفس منكم، لأن هذه المهور قد فرضها الله لهن، فلا يجوز أن يطمع فيها ~~طامع، أويغتالها مغتال، والخطاب للأزواج. قالوا لأن الرجل كان يتزوج ~~المرأة بلا مهر ويقول لها أرثك وترثيننى؟ فتقول نعم. فأمروا أن يسرعوا ~~إلى إعطاء المهور. وقيل الخطاب لأولياء النساء، وذلك لأن العرب فى ~~الجاهلية كانت لا عطى النساء من مهورهن شيئا، ولذلك كانوا يقولون لمن ~~ولدت له بنت هنيئا لك النافجة. ms1031 أى هنيئا لك هذه البنت التى تأخذ مهرها ~~إبلا فتضمها إلى إبلك فتنفج مالك أى تزيده وتكثره. وقد رجح ابن جرير كون ~~الخطاب للأزواج فقال " وذلك لأن الله - تعالى - ابتدأ ذكر هذه الآية ~~بخطاب الناكحين للنساء، ونهاهم عن ظلمهن. ولا دلالة فى الآية على أن ~~الخطاب قد صرف عنهم إلى غيرهم. فإذا كان ذلك كذلك فمعلوم أن الذين قيل ~~لهم # فانكحوا ما طاب لكم من النسآء مثنى وثلاث ~~ورباع # هم الذين قيل لهم { وآتوا النسآء صدقاتهن } وأن معناه ~~وآتوا من نكحتم من النساء صدقاتهم نحلة، لأنه قال فى الأول # فانكحوا ما طاب لكم من النسآء # ولم يقل " فأنحكوا " حتى يكون قوله { وآتوا النسآء ~~صدقاتهن } مصروفا إلى أنه معنى به أولياء النساء دون أزواجهن. ~~وهذا أمر من الله لأزواج النساء المسمى لهن الصداق أن يؤتوهن صدقاتهن " ~~والذي نراه أن الخطاب فى الآية الكريمة يتناول كل من له علاقة بالنساء من ~~الأزواج أو الأولياء وغيرهم من الاحكام الذين اليهم المرجع في رد الحقوق ~~إلى ذويها، والضرب على أيدى المعتدين والطامعين فى حقوق النساء، وذلك لأن ~~الخطاب من أول السورة موجبة إلى الأولياء والأزواج فناسب أن يكون الخطاب ~~هنا شاملا لكليهما فإن أعطوهن عن رضا كان حسنا وإلا أجبرهم الحكام على ~~ذلك. وقوله { نحلة } منصوب على الحالية من قوله { صدقاتهن } ~~أي منحولة معطاة عن طيب نفس. أو منصوب على الحالية من المخاطبين. أي ~~آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبى النفوس بالإعطاء. وفي التعبير عن إيتاء ~~المهور بالنحلة مع كونها واجبة الأداء. لإفادة معنى الإيتاء عن كمال ~~الرضا وطيب الخاطر دون أن يكون لهذه النحلة مقابل. وقوله - تعالى - { ~~فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا } بيان للحكم فيما إذا تنازل النساء عن شيء مما أعطوا عن طيب ~~خاطر منهن أى عليكم أيها الرجال أن تدفعوا للنساء مهورهن مناولة أو ~~التزاما. # فإن حدث وتنازل لكم النساء عن شئ من هذه المهور بسماحة ورضا نفس، فكلوه ~~أكلا سائغا، حميد المغبة، حلال الطعمة، خاليا من شائبة ms1032 الحرام والشبهات ~~والضمير المجرور في قوله { منه } يعود إلى الصدقات أي المهور. وجئ به ~~مفردا مذكرا، لجريانه مجرى اسم الاشارة كأنه قيل فإن طابت أنفسهن لكم عن ~~شئ من ذلك المذكور وهو الصدقات فكلوه. قال صاحب الكشاف وفي الآية دليل ~~على ضيق المسلك في ذلك ووجوب الاحتياط حيث بنى الشرط على طيب النفس فقيل ~~فإن طبن ولم يقل فإن وهبن أو سمحن، إعلاما بأن المراعى هو تجافى نفسها عن ~~الموهوب عن طيب خاطر. والمعنى فإن وهبن لكم شيئا من الصداق، وتجافت عنه ~~نفوسهن طيبات لا لحياء عرض لهن منكم أو من غيركم، ولا لاضطرارهن إلى ~~البذل من شكاسة أخلاقكم، وسوء معاشرتكم فكلوه هنيئا مريئا ". وقوله { ~~نفسا } منصوب على التمييز من الضمير وهو نون النسوة في قوله { طبن ~~}.. وهو محول عن الفاعل والأصل فان طابت أنفسهن عن شئ منه فكلوه. وجئ به ~~مفردا لأن الغرض بيان الجنس والواحد يدل عليه كقولك عندى عشرون درهما. ~~والمراد بالأكل في قوله { فكلوه } مطلق التصرف والانتفاع. وإنما خص ~~الأكل بالذكر، لأنه معظم وجوده التصرفات المالية. وقوله { هنيئا ~~مريئا } حالان من الضمير المنصوب في قوله { فكلوه } أو منصوبان ~~على أنهما نعت لمصدر محذوف. أي فكلوه أكلا هنيئا مريئا. وهما صفتان من ~~هنؤ الطعام ومرؤ. يقال هنؤ الطعام وهنئ هناءة. إذا كان سائغا لاتنغيص ~~فيه. وقيل الهنئ ما أناك بلا مشقة ولا تبعة. ويقال مرأ الطعام - بتثليث ~~الراء - مراءة فهو مرئ، إذا كان حميد المغبة والمراد المبالغة في تحليل ~~ما يأتيهم من نسائهم عن طيب خاطر منهن، فقد كانوا يتأنمون من أخذ شئ من ~~مهور نسائهم، فقال الله - تعالى - لهم إن طابت نفوسهن بالتنازل عن شئ من ~~مهورهن لكم فكلوه هنيئا مريئا، لأنه حلال خالص من الشوائب. هذا، ومن ~~الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة أنه لا بد فى النكاح من ~~صداق يعطى للمرأة سواء أسمى ذلك في العقد أم لم يسم. قال القرطبي وهو ~~مجمع عليه ولا خلاف عليه. ومنها أن هذا الصداق ملك ms1033 لها، ومن حقها أن ~~تتصرف فيه بما شاءت. ولم تفصل الآية بين أن تقبضه أولا. ولذا قال بعض ~~الفقهاء. لها أن تبيع مهرها قبل أن تقبضه لأنه ملك بلا عوض وقال آخرون ~~ليس لها أن تبيعه حتى تقبضه لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع ما لم يقبض. ~~ومنها أنه يجوز للمرأة أن تعطى زوجها - برضاها واختيارها - مهرها أو ~~جزاءا منه سواء أكان مقبوضا معينا أم كان في الذمة. # فشمل ذلك الهبة والإبراء. وأنه ليس من حقها الرجوع فيما أعطت لأنها قد ~~طابت نفسها بذلك. وهذا رأى جمهور العلماء. ويرى بعض العلماء أن من حقها ~~الرجوع فيما أعطت. قال الفخر الرازى قال بعض العلماء إن وهبت ثم طلبت بعد ~~الهبة علم أنها لم تطب عنه نفسا. وعن الشعبى أن أمرأة جاءت مع زوجها الى ~~شريح القاضى فى عطية أعطتها إياه. وهي تطلب الرجوع. فقال شريح رد عليها ~~عطيتها. فقال الرجل أليس قد قال الله - تعالى - { فإن طبن لكم ~~عن شيء منه نفسا فكلوه }؟ فقال شريح لو طابت نفسها لما ~~رجعت فيه. وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه كتب إلى قضاته. أن ~~النساء يعطين رغبة ورهبة. فأيما امرأة اعطت ثم ارادت أن ترجع فذلك لها. ~~ثم نهى - سبحانه - عن إيتاء الأموال للسفهاء، لدفع توهم إيجاب أن يؤتى كل ~~مال لمالكه ولو كان سفيها فقال تعالى { ولا تؤتوا السفهآء... ~~}. ### || [4.5] # والسفهاء جمع سفيه. والسفه - كما يقول الراغب - خفة في البدن، ومنه قيل ~~زمام سفيه أى كثير الأضطراب، وثوب سفيه ردئ النسج، واستعمل في خفة النفس ~~لنقصان العقل، ويكون في الأمور الدنيوية والأخروية، قال - تعالى - في ~~السفه الدنيوي { ولا تؤتوا السفهآء أموالكم } وقال في ~~السفه الأخروي # وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا # والمراد من السفهاء هنا ضعاف العقول والأفكار الذين لا يحسنون التصرف. ~~والمراد من قوله { قياما } ما به القيام والتعيش. يقال فلان قيام أهله ~~أي يقيم شأنهم ويصلهم. وهو المفعول الثانى لجعل. أما المفعول الأول لجعل ~~فمحذوف ويرجع إلى ms1034 ضمير الأموال. وقرأ نافع وابن عامر { التي جعل ~~الله لكم قيما } على أنه مصدر مثل الحول والعوض. وقرأ ابن عمر { ~~قواما } - بكسر القاف وبواو وألف - قال الآلوسي وفيه وجهان الأول أنه ~~مصدر قاومت قواما مثل لاوذت لواذا فصحت الواو في المصدر كما صحت في ~~الفعل. والثاني أنه اسم لما يقوم به الأمر وليس بمصدر ". هذا، وقد اختلف ~~المفسرون في تعيين المخاطبين بقوله - تعالى - { ولا تؤتوا ~~السفهآء أموالكم } كما اختلفوا في المراد من السفهاء على ~~أقوال أشهرها أن المخاطبين بهذه الآية هم أولياء اليتامى، وأن المراد من ~~السفهاء هم اليتامى الذين لم يحسنوا التصرف في أموالهم لصغرهم أو لضعف ~~عقولهم، واضطراب أفكارهم. وأن المراد بالأموال فى قوله { أموالكم } ~~هي أموال هؤلاء اليتامى لا أموال الأولياء. فيكون المقصود من الاية ~~الكريمة نهى الأولياء عن إيتاء السفهاء من اليتامى أموالهم التى جعلها ~~الله مناط تعيشهم، خشية إساءة التصرف فيها لخفة أحلامهم. وإنما أضيفت ~~الأموال فى الآية الكريمة إلى ضمير المخاطبين وهم الأولياء، مع أن هذه ~~الأموال في الحقيقة لليتامى للتنبيه إلى أن أموال اليتامى كأنها عين ~~أموالهم، مبالغة فى حملهم على وجوب حفظها وصيانتها من أى إتلاف أو إضرار ~~بها. قال الفخر الرازى ما ملخصه والدليل على أن الخطاب فى الآية الكريمة ~~للأولياء قوله - تعالى - بعد ذلك { وارزقوهم فيها واكسوهم } ~~وأيضا فعلى هذا القول يحسن تعليق هذه الآية بما قبلها فكأنه - تعالى - ~~يقول إنى وإن كنت أمرتكم بإيتاء اليتامى أموالهم. فإنما قلت ذلك إذا ~~كانوا عاقلين بالغين متمكنين من حفظ أموالهم، فأما إذا كانوا غير بالغين ~~أو غير عقلاء، أو إن كانوا بالغين عقلاء إلا أنهم كانوا سفهاء مسرفين، ~~فلا تدفعوا إليهم أموالهم وأمسكوها لأجلهم إلى أن يزول عنهم السفه. ~~والمقصود من كل ذلك الاحتياط في حفظ أموال الضعفاء والعاجزين ". وقيلإن ~~الخطاب في الآية الكريمة للأباء، والمراد من السفهاء الأولاد الذين لا ~~يستقلون بحفظ المال وإصلاحه، بل إذا أعطى لهم أفسدوه وأتلفوه. # وعلى هذا الرأى تكون إضافة الأموال الى المخاطبين على سبيل الحقيقة. ms1035 ~~ويكون المعنى لا تؤتوا أيها الأباء أموالكم لأولادكم السفهاء لأن فى ~~إعطائكم إياهم لهم إفسادا لهم مع أن فيها قوام حياتكم وصلاح أحوالكم. ~~والذى نراه أن الخطاب في الآية الكريمة لجميع المكلفين حاكمين ومحكومين ~~ليأخذ كل من يصلح لهذا الحكم حظه من الامتثال. وأن المراد بالسفهاء كل من ~~لا يحسن المحافظة على ماله لصغره، أو لضعف عقله، أو لسوء تصرفاته سواء ~~أكان من اليتامى أم من غيرهم لأن التعميم فى الخطاب وفى الألفاظ - عند ~~عدم وجود المخصص - أولى، لأنه أوفر معنى، وأوسع تشريعا. وفي إضافة ~~الأموال إلى جميع المخاطبين المكلفين من المسلمين إشارة بديعة إلى أن ~~المال المتداول بينهم هو حق لمالكية المختصين به في ظاهر الأمر، ولكنه ~~عند التأمل تلوح فيه حقوق الأمة جمعاء لأن وضعه في المواضع التى أمر الله ~~بها منفعة للأمة كلها، وفى وضعه فى المواضع التى نهى الله عنها مضرة ~~بالأمة كلها، وتعاليم الإسلام التى تجعل المسلمين جميعا أمة واحدة ~~متكافلة متراحمة تعتبر مصلحة كل فرد من أفرادها عين مصلحة الآخرين. وبعد ~~أن نهى - سبحانه - عن إيتاء المال للسفهاء، أمر بثلاثة أشياء، أولها ~~وثانيها قوله - تعالى - { وارزقوهم فيها واكسوهم }. أى ~~اجعلوا هذه الأموال مكانا لرزقهم وكسوتهم، بأن تتجروا فيها حتى تكون ~~نفقاتهم من الأرباح لا من أصل المال لئلا يفنيه الإنفاق منه. وإنما قال ~~{ وارزقوهم فيها } ولم يقل " منها " لئلا يكون ذلك أمرا بأن ~~يجعلوا بعض أموالهم رزقا لهم، بل أمرهم أن يجعلوا أموالهم مكانا لرزقهم ~~بأن يتجروا فيها ويستثمروها فيجعلوا أرزاقهم من الأرباح لا من أصول ~~الأموال. أما الأمر الثالث فهو قوله - تعالى - { وقولوا لهم ~~قولا معروفا }. والقول المعروف هو كل ما تسكن إليه النفس ~~لموافقته للشرع والعقول السليمة، كأن يكلموهم كلاما لينا تطيب به نفوسهم، ~~وكأن يعدوهم عدة حسنة بأن يقولوا لهم إذا صلحتم ورشدتم سلمنا إليكم ~~أموالكم. وكأن ينصحوهم بما يصلحهم ويبعدهم عن السفه وسوء التصرف. وفى ~~أمره - سبحانه - للمخاطبين بأن يقولوا لهؤلاء السفهاء قولا معروفا، بعد ~~أمره لهم برزقهم وكسوتهم، إشعار ms1036 بأن من الواجب عليهم أن يقدموا إليهم ~~الرزق والكسوة مصحوبين بوجه طلق، وبقول جميل بعيد عن المن والأذى، فقد ~~جرت عادة من تحت يده المال أن يستثقل إخراجه لمن سأله إياه. هذا، ومن ~~الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة وجوب المحافظة على ~~الأموال وعدمت تضييعها. قال صاحب الكشاف وكان السلف يقولون المال سلاح ~~المؤمن. ولأن أترك مالا يحاسبنى الله عليه، خير من أن أحتاج إلى الناس. # وعن سفيان - وكانت له بضاعة يقلبها - لولاها لتمندل بى بنو العباس - أي ~~لولاها لأتخذوني كالمنديل يسخروننى لمصالحهم - وقيل لأبى الزناد لم تحب ~~الدراهم وهى تدنيك من الدنيا؟ فقال لئن أدنتنى من الدنيا فقد صانتنى ~~عنها. وكانوا يقولون اتجروا واكتسبوا فإنكم فى زمان إذا احتاج أحدكم كان ~~أول ما يأكل دينه. وربما رأوا رجلا فى جنازة، فقالوا له اذهب إلى دكانك ~~". وقال بعض العلماء ولنقف عند قوله - تعالى - { ولا تؤتوا ~~السفهآء أموالكم التي جعل الله لكم قياما } ~~لنعلم ما يوحى به من تكافل الأمة ومسئولية بعضها عن بعض. ومن أن المال ~~الذى فى يد بعض الأفراد " قوام للجميع " ينتفعون به فى المشروعات العامة، ~~ويفرجون به أزماتهم وضائقاتهم الخاصة عن طريق الزكاة، وعن طريق التعاون ~~وتبادل المنافع. وهذا هو الوضع المالى فى نظر الشريعة الإسلامية، فليس ~~لأحد أن يقول مالى مالى. هو مالى وحدى لا ينتفع به سواى، ليس لأحد أن ~~يقول هذا أو ذاك. فالمال مال الجميع، والمال مال الله، ينتفع به الجميع ~~عن الطريق الذى شعره الله فى سد الحاجات ودفع الملمات. وهو ملك لصاحبه ~~يتصرف فيه لا كما يشاء ويهوى بل كما رسم الله وبين فى كتابه، حتى إذا ما ~~أخل بذلك فأسرف وبذر أو ضن وقتر حجر عليه ". كذلك من الأحكام التى أخذها ~~العلماء من هذه الآية الكريمة وجوب الحجر على السفهاء، لأن الله - تعالى ~~- قد أمر بذلك. ووجوب إقامة الوصى والولى والكفيل على الأيتام الصغار ومن ~~فى حكمهم ممن لا يحسنون التصرف. ثم بين - سبحانه - الوقت الذى يتم فيه ms1037 ~~تسليم أموال اليتامى إليهم، وكيف تجب حياطتهم والعناية بهم وبأموالهم ~~فقال - تعالى - { وابتلوا اليتامى... }. ### || [4.6] # وقوله - تعالى - { وابتلوا } من الابتلاء بمعنى الاختبار ~~والامتحان. والخطاب للأولياء والأوصياء وكل من له صلة باليتامى. والمراد ~~ببلوغ النكاح هنا بلوغ الحكم المذكور في قوله - تعالى - # وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا # وقوله { آنستم } أى تبينتم وشاهدتم وأحسستم. قال القرطبى { ~~آنستم } أى أبصرتم ورأيتم ومنه قوله - تعالى - # فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب ~~الطور نارا # أى أبصر ورأى. وتقول العرب اذهب فاستأنس هل ترى أحدا. معناه تبصر. وقيل ~~آنست وأحسست ووجدت بمعنى واحد. والمعنى عليكم أيها الأولياء والأوصياء أن ~~تختبروا اليتامى، وذلك بتتبع أحوالهم في الاهتداء إلى ضبط الأمور، وحسن ~~التصرف فى الأموال وبتمرينهم على ما يليق بأحوالهم حتى لا يجىء وقت ~~بلوغهم إلا وقد صاروا فى قدرتهم أن يصرفوا أموالهم تصريفا حسنا. فإن ~~شاهدتم وأحسستم منهم { رشدا } أى صلاحا في عقولهم، وحفظا لأموالهم، ~~فادفعوها إليهم من غير تأخير أو مماطلة. و { حتى } هنا لغاية، وهى ~~داخلة على الجملة، فهى تبين نهاية الصغر، والجملة التى دخلت عليها ظرفية ~~فى معنى الشرط. قال صاحب الكشاف فإن قلت كيف نظم الكلام؟ قلت ما بعد { ~~حتى } إلى قوله { فادفعوا إليهم أموالهم } جعل غاية ~~للابتلاء، وهى { حتى } التى تقع بعدها الجمل. والجملة الواقعة بعدها ~~جملة شرطية، لأن إذا متضمنة معنى الشرط. وفعل الشرط { بلغوا ~~النكاح } وقوله { فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا ~~إليهم أموالهم } جملة من شرط وجزاء واقعة جوابا للشرط الأول ~~الذى هو إذا بلغوا النكاح. فكأنه قيل وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم، ~~فاستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد منهم. فإن قلت فما معنى ~~تنكير الرشد؟ قلت معناه نوعا من الرشد وهو الرشد فى التصرف والتجارة. أو ~~طرفا من الرشد ومخيلة من مخايلة حتى لا ينتظر به تمام الرشد ". ثم نهى - ~~سبحانه - والأوصياء وغيرهم من الطمع فى شئ من مال اليتامى فقال - تعالى - ~~{ ولا تأكلوهآ إسرافا وبدارا أن يكبروا }. أى ~~ادفعوا أيها الأولياء والأوصياء إلى ms1038 اليتامى أموالهم من غير تأخير عن حد ~~البلوغ، ولا تأكلوها مسرفين فى الأكل ومبادرين بالأخذ خشية أن يكبروا، ~~بأن تفرطوا فى إنفاقها وتقولوا ننفقها كما تريد قبل أن يكبر اليتامى ~~فينتزعوها من أيدينا. والإسراف فى الأصل - كما يقول الآلوسى - تجاوز ~~الحد المباح إلى ما لم يبح. وربما كان ذلك فى الإفراط وربما كان فى ~~التقصير. غير أنه إذا كان فى الإفراط منه يقال أسرف يسرف إسرافا. وإذا ~~كان فى التقصير يقال سرف يسرف سرفا ". وقوله { بدارا } مفاعلة من ~~البدر وهو العجلة الى الشئ والمسارعة إليه. # وهما - أى قوله { إسرافا وبدارا } منصوبان على الحال من الفاعل ~~فى قوله { تأكلوهآ } أى ولا تأكلوها مسرفين ومبادرين كبرهم. أو ~~منصوبان على أنهما مفعول لأجله، أى ولا تأكلوها لإسرافكم ومبادرتكم ~~كبرهم. والمراد من هذه الجملة الكريمة بيان أشنع الأحوال التى تقع من ~~الأوصياء أو الأولياء وهى أن يأكلوا أموال اليتامى بإسراف وتعجل مخافة أن ~~يبلغ الأيتام رشدهم، فتؤخذ من أولئك الأوصياء تلك الأموال لتردإلى ~~أصحابها وهم اليتامى بعد أن يبلغوا سن الرشد. ثم بين - سبحانه - ما ينبغى ~~على الوصى إن كان غنيا وما ينبغى له إن كان فقيرا فقال { ومن كان ~~غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل ~~بالمعروف }. والاستعفاف عن الشئ تركه. يقال عف الرجل عن الشئ ~~واستعف إذا أمسك عنه. والعفة الامتناع عما لا يحل. أى ومن كان من ~~الأولياء أو الأوصياء على أموال اليتامى غنيا فليستعفف أى فليتنزه عن أكل ~~مال اليتيم، وليقنع بما أعطاه الله من رزق وفير إشفاقا على مال اليتيم. ~~ومن كان فقيرا من هؤلاء الأوصياء فليأكل بالمعروف. بأن يأخذ من مال ~~اليتيم على قدر حاجته الضرورية وأجر سعيه وخدمته له. فقد روى أبو داود عن ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده # " أن رجلا أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال إنى فقير ليس لى شئ ولى ~~يتيم. قال فقال له النبى صلى الله عليه وسلم كل من مال يتيمك غير مسرف ~~ولا مبادر ولا متأثل ". أي غير مسرف ms1039 فى الأخذ، ولا مبادر أى متعجل، ولا ~~جامع منه ما يتجاوز حاجتك. " # ثم بين - سبحانه - ما ينبغى على الأوصياء عند انتهاء وصايتهم على ~~اليتامى وعند دفع أموالهم إليهم فقال { فإذا دفعتم إليهم ~~أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا }. ~~أى فإذا أردتم أيها الأولياء أن تدفعوا إلى التيامى أموالهم التى تحت ~~أيديكم بعد البلوغ والرشد، فاشهدوا عليهم عند الدفع بأنهم قبضوها وبرئت ~~عنها ذممكم، لأن هذا الإشهاد أبعد عن التهمة، وأنفى للخصومة، وأدخل فى ~~الأمانة وبراءة الساحة. وقوله - تعالى - { وكفى بالله حسيبا } ~~أى كفى بالله محاسبا لكم على أعمالكم وشاهدا عليكم فى أقوالكم وأفعالكم، ~~ومجازيا إياكم بما تستحقون من خير أو شر، لأنه - سبحانه - لا تخفى عليه ~~خافية فى الأرض ولا فى السماء. وإنكم إن أفلتم من حساب الناس فى الدنيا ~~فلن تفلتوا من حساب الله الذى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ~~فعليكم أن تتحروا الحلال فى كل تصرفاتكم. ففى هذا التذييل وعيد شديد لكل ~~جاحد لحق غيره، ولكل معتد على اموال الناس وحقوقهم، ولا سيما اليتامى ~~الذين فقدوا الناصر والمعين. هذا، وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة ~~جملة من الأحكام منها 1- أن على الأوصياء أن يختبروا اليتامى بتتبع ~~أحوالهم فى الاهتداء إلى ضبط الأموال وحسن التصرف فيها، وأن يمرنوهم على ~~ذلك بحسب ما يليق بأحوالهم. # ويرى جمهور العلماء أن هذا الاختبار يكون قبل البلوغ. ويرى بعضهم أن هذا ~~الاختبار يكون بعد البلوغ. وقد قال القرطبى فى بيان كيفية هذا الاختبار ~~ما ملخصه لا بأس فى أن يدفع الولى إلى اليتيم شيئا من ماله يبيح له ~~التصرف فيه، فإن نماه وحسن النظر فيه فقد وقع الاختبار، ووجب على الوصى ~~تسليم جميع ماله إليه - أى بعد بلوغه - وإن أساء النظر وجب عليه إمساك ~~المال عنه.. وقال جماعة من الفقهاء الصغير لا يخلو من أن يكون غلاما او ~~جارية، فإن كان غلاما رد النظر إليه فى نفقة الدار شهرا، وأعطاه شيئا ~~نزرا ليتصرف فيه ليعرف كيف تدبيره وتصرفه، وهو مع ms1040 ذلك يراعيه لئلا يتلفه، ~~فإذا رآه متوخيا الإصلاح سلم إليه ماله عند البلوغ وأشهد عليه. وإن كان ~~جارية رد إليها ما يرد إلى ربة البيت من تدبير بيتها والنظر فيه فإن رآها ~~رشيدة سلم إليها مالها وأشهد عليها وإلا بقيا تحت الحجر ". وقد بنى ~~الإمام أو بحنيفة على هذا الاخبار أن تصرفات الصبى العاقل المميز بإذن ~~المولى صحيحة، لأن ذلك الاختبار إنما يحصل إذا أذن له الولى فى البيع ~~والشراء - مثلا - وهذا يقتضى صحة تصرفاته. ويرى الإمام الشافعى أن ~~الاختبار لا يقتضى الإذن فى التصرف ولا يتوقف عليه، بل يكون الاختبار ~~بدون التصرف على حسب ما يليق بحال الصبى فابن التاجر - مثلا - يختبر فى ~~البيع والشراء إلى حيث يتوقف الأمر على العقد وحينئذ يعقد الولى إن أراد. ~~2- كذلك أخذ العلماء من هذه الآية أن الأوصياء لا يدفعون أموال اليتامى ~~إليهم إلا بتحقيق أمرين أحدهما بلوغ النكاح. والثانى إيناس الرشد. ~~والمراد ببلوغ النكاح بلوغ وقته وهو التزوج، وهو كناية عن الخروج من حالة ~~الصبا للذكر والأنثى، بأن توجد المظاهر التى تدل على الرجولة فى الغلام، ~~والتى تدل على مبلغ بلوغ النساء فى الفتاة، وذلك يكون بالاحتلام أو ~~بالحيض بالنسبة للفتاة أو بلوغ سن معينة قدرها بعضهم بخمس عشرة سنة ~~بالنسبة للذكر والأنثى على السواء. وقدرها أبو حنيفة بسبع عشرة سنة ~~بالنسبة للفتاة، وبثمانى عشرة سنة بالنسبة للفتى. ومن بلاغة القرآن ~~الكريم أنه عبر عن حالة البلوغ بقوله { حتى إذا بلغوا ~~النكاح } لأن هذا الوقت يختلف باختلاف البلاد فى الحرارة والبرودة، ~~وباختلاف أمزجة أهل البلد الواحد فى القوة والضعف، والصحة والمرض. ~~والمراد بإيناس الرشد أن يتبين الأولياء من اليتامى الصلاح فى العقل ~~والخلق والتصرف فى الأموال. ويرى جمهور العلماء أن اليتيم لا يدفع إليه ~~ماله مهما بلغت سنة ما لم يؤنس منهم الرشد لأن الله - تعالى - يقول # ولا تؤتوا السفهآء أموالكم التي جعل الله ~~لكم قياما # ويقول { فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم ~~أموالهم } ومعنى ذلك أنه إذا لم يؤنس منهم الرشد ms1041 لا تدفع إليهم ~~أموالهم، بل يستمرون تحت ولاية الأولياء عليهم لأنهم ما زالوا سفهاء لم ~~يتبين رشدهم. وقد خالف الإمام أبو حنيفة جمهور الفقهاء فقال. لا يدفع ~~إلى اليتيم ماله إذا بلغ ولم يؤنس منه الرشد حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة، ~~فإذا بلغها عاقلا ولو غير رشيد فليس لأحد عليه سبيل، ويجب أن يدفع الوصى ~~إليه ماله ولو كان فاسقا أو مبذرا. قالوا وإنما اختبار أبو حنيفة هذه ~~السن لأن مدة بلوغ الذكر عنده ثمانى عشر سنة، فإذا زيد عليها سبع سنين - ~~وهى مدة معتبرة فى تغير أحوال الإنسان - فعند ذلك يدفع إليه ماله أونس ~~منه الرشد أو لم يؤنس، لأن اسم الرشد واقع على العقل فى الجملة، والله - ~~تعالى - شرط رشدا منكرا ولم يشترط سائر ضروب الرشد، فاقتضى ظاهر الآية ~~أنه لما حصل العقل فقد حصل ما هو الشرط المذكور فى هذه الآية. 3- كذلك ~~أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة الوصى على اليتيم إذا كان غنيا فعليه ~~أن يتحرى العفاف. وألا يأخذ شيئا من مال اليتيم، لأن أخذه مع غناه يتنافى ~~مع العفاف الذى يجب أن يتحلى به الأوصياء، ويعتبر من باب الطمع فى مال ~~اليتيم. أما إذا كان الوصى فقيرا فقد أذن الله له أن يأكل من مال ~~اليتيم بالمعروف أى بالقدر الذى تقتضيه حاجته الضرورية، ولا يستنكره ~~الشرع ولا العقل. وقد بسط الإمام الرازى القول فى هذه المسألة فقال ما ~~ملخصه العلماء فى أن الوصى هل له أن ينتفع بمال اليتيم أولا؟ فمنهم من ~~يرى أن للوصى أن يأخذ من مال اليتيم بقدر أجر عمله لأن قوله - تعالى - { ~~ولا تأكلوهآ إسرافا } مشعر بأن له أن يأكل بقدر الحاجة. ولأن ~~قوله - تعالى - # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما # يدل على أن مال اليتيم قد يؤكل ظلما وغير ظلم، ولو لم يكن ذلك لم يكن ~~لقوله # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما # فائدة. فهذا يدل على أن للوصى المحتاج أن ياكل من ماله بالمعروف. ولأن ~~الوصى لما تكفل بإصلاح ms1042 مهمات الصبى وجب أن يتمكن من أن يأكل من ماله بقدر ~~عمله قياسا على الساعى فى أخذ الصدقات وجمعها فإن يضرب له فى تلك الصدقات ~~بسهم فكذا ههنا. ومنهم من يرى أن له أن يأخذ بقدر ما يحتاج إليه من مال ~~اليتيم قرضا، ثم إذا أيسر قضاه، وإن مات ولم يقدر على القضاء بأن كان ~~معسرا فلا شئ عليه ". # ويشهد لهذا الرأى قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إنى أنزلت نفسى من ~~هذا المال منزلة والى اليتيم. إن استغنيت استعففت. وإن احتجت استقرضت. ~~فإذا ايسرت فضيت ". 4- كذلك من الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية ~~أن على الأوصياء عندما يدفعون أموال اليتامى إليهم أن يشهدوا على دفعها، ~~منعا للخصومات والمنازعات، وإبراء لذمة الأوصياء، ولكى يكون اليتامى على ~~بينة من أمرهم. وقد اختلف العلماء فى أن الوصى إذا ادعى بعد بلوغ اليتيم ~~أنه قد دفع إليه ماله هل يصدق؟ وكذلك إذا قال أنفقت عليه فى صغره هل ~~يصدق؟ أما الشافعية والمالكية والحنابلة فيرون أنه لا يصدق لأن الآية ~~الكريمة تقول { فإذا دفعتم إليهم أموالهم ~~فأشهدوا عليهم } وقوله { فأشهدوا عليهم } أمر. ~~وظاهر الأمر أنه للوجوب. وليس معنى الوجوب هنا أنه يأثم إذا لم يشهد. بل ~~معناه أن الاشهاد لا بد منه فى براءة ذمته بأن يدفع له ماله أمام رجلين ~~أو رجل وامرأتين حتى إذا دفع المال ولم يشهد ثم طالبه اليتيم فحينئذ يكون ~~القول ما قاله اليتيم بعد أن يقسم على أن الوصى لم يدفع إليه ماله. ويرى ~~الإمام أبو حنيفة أن الأمر فى قوله - قوله - { فأشهدوا عليهم ~~} للندب. وأن الوصى إذا ادعى ذلك يصدق ويكتفى فى تصديقه بيمينه لأنه أمين ~~لم تعرف خيانته، إذ لو عرفت خيانته لعزل. والأمين يصدق باليمين إذا كان ~~هناك خلاف بينه وبين من ائتمنه. ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك { وكفى ~~بالله حسيبا } يؤيد أن البينة ليست لازمة إذ معناه أنه لا شاهد ~~أفضل من الله - تعالى - فيما بينكم وبينهم. ثم شرع - سبحانه - فى بيان ms1043 ~~أحكام المواريث بعد أن بين الأحكام التى تتعلق بأموال اليتامى فساق - ~~قاعدة عامة لأصل التوريث فى الإسلام هى أن الرجال لا يختصون بالميراث، بل ~~للنساء معهم حظ مقسوم، ونصيب مفروض، سواء أكان الشئ الموروث قليلا أم ~~كثيرا فقال تعالى { للرجال نصيب... }. ### || [4.7] # قال القرطبى ما ملخصه نزلت هذه الآية فى أوس بن ثابت الأنصارى. توفى ~~وترك امرأة يقال لها أم كجة وثلاث بنات له منها فقام رجلان هما أبنا عم ~~الميت ووصياه يقال لهما سويد وعرفجة فأخذا ماله ولم يعطيا أمرأته وبناته ~~شيئا. وكانوا فى الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكرا ~~ويقولون لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل، وطاعن بالرمح، وضارب ~~بالسيف، وحاز الغنيمة. فذكرت أم كجة ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~فدعاهما فقالا يا رسول الله، ولدها لا يركب فرسا، ولا يحمل كلا، ولا ينكأ ~~عدوا. فقال صلى الله عليه وسلم " انصرفا حتى أنظر ما يحدث الله لى فيهن، ~~فأنزل الله هذه الآية. ثم قال قال علماؤنا فى هذه الآية فوائد ثلاث ~~إحداها بيان علة الميراث وهى القرابة. الثانية عموم القرابة كيفما تصرفت ~~من قريب أو بعيد. الثالثة إجمال النصيب المفروض. وذلك مبين فى آية ~~المواريث فكأن هذه الآية توطئة للحكم، وإبطال لذلك الرأى الفاسد حتى وقع ~~البيان الشافى ". هذا، ومن العلماء من أبقى هذه الآية الكريمة على ~~ظاهرها، فجعل المراد من الرجال الذكور البالغين. والمراد من الوالدين ~~الأب والأم بلا واسطة المراد من الأقربين الأقارب الأموات الذين يرثهم ~~أقاربهم المستحقون لذلك والمراد من النساء الإناث البالغات. والمعنى على ~~هذا الرأى للذكور البالغين نصيب أى حظ مما ترك آباؤهم وأمهاتهم وأقاربهم ~~كإخوتهم وأخواتهم وأعمالهم وعماتهم وللاناث البالغات كذلك نصيب مما ترك ~~آباؤهن وأمهاتهن وأقاربهن... ألخ. وبهذا تكون الآية الكريمة قد اقتصرت ~~على بيان أن الإرث غير مختص بالرجال كما كان الجاهليون يفعلون، بل هو ~~أمر مشترك بين الرجال والنساء، ثم جاءت آيات المواريث بعد ذلك فبينت نصيب ~~كل وارث. قال الإمام الرازى ms1044 ذكر الله - تعالى - فى هذه الآية هذا القدر، ~~وهو أن الإرث مشترك بين الرجال والنساء - ثم ذكر التفصيل بعد ذلك - فى ~~آيات المواريث -، لأنه - سبحانه - أراد أن ينقلهم عن تلك العادة وهى ~~توريث الرجال دون النساء - قليلا قليلا على التدريج، لأن الانتقال عن ~~العادة شاق ثقيل على الطبع. فإذا كان دفعة عظم وقعه على القلب، وإذا كان ~~على التدريج سهل. فلهذا المعنى ذكر الله - تعالى - هذا المجمل أولا ثم ~~أردفه بالتفصيل " ومن العلماء من يرى أن المراد بالرجال الصغار من الذكور ~~ومن النساء الصغار من الإناث، وعلل مراده هذا بأن فيه عناية بشأن ~~اليتامى، وفيه رد صريح على ما تعوده أهل الجاهلية من توريث الكبار من ~~الرجال دون الصغار سواء أكانوا ذكورا أم إناثا. # ومنهم من عمهم فى الرجال والنساء فجعل المراد من الرجال الذكور مطلقا ~~سواء أكانوا كبارا أم صغارا. وجعل المراد من النساء الإناث مطلقا سواء ~~أكن كبارا أم صغارا. ويكون المعنى للذكور نصيب مما تركه الوالدان ~~والأقربون من متاع، وللإناث كذلك نصيب مما تركه الوالدان والأقربون. ~~وعليه يكون المقصود من الآية الكريمة التسوية بين الذكور والإناث فى أن ~~لكل منهما حقا فيما ترك الوالدان والأقربون. ويبدو لنا أن هذا الرأى ~~الثالث أولى، لأنه أعم من غيره، وأشمل فى الرد على ما كان يفعله أهل ~~الجاهلية من عدم توريثهم للنساء مطلقا ولا للصغار وإن كانوا ذكورا، ~~ولأنه يشمل سبب نزول الآية نصا، فقد ذكرنا فى سبب النزول أنها نزلت فى ~~شأن بنات أوس بن ثابت وزوجته. وقد أكد - سبحانه - حق النساء فى الميراث ~~بأن اختار هذا الأسلوب التفصيلى فقال { للرجال نصيب مما ~~ترك الوالدان والأقربون وللنسآء نصيب } مع أنه ~~كان يكفى أن يقول للرجال والنساء نصيب، مما ترك الوالدان والأقربون، وذلك ~~للإيذان بأصالتهن فى استحقاق الارث، وللإشعار بأنه حق مستقل عن حق ~~الرجال، وأن هذا الحق قد ثبت لهن استقلالا بالقرابة كما ثبت للرجال، حتى ~~لا يتوهم أحد أن حقهن تابع لحقهم بأى نوع من أنواع التبعية. ثم ms1045 أكد - ~~سبحانه - هذا الحق مرة أخرى بقوله { مما قل منه أو كثر } ~~أى أن حق النساء ثابت فيما تركه المتوفى من مال سواء أكان هذا المتروك ~~قليلا أم كثيرا، لأن الذكور والإناث يتساويان فى أن لكل منهما حقا ~~فيما ترك الوالدان والأقربون حتى ولو كان هذا المتروك شيئا قليلا. فقوله ~~{ مما قل منه أو كثر } عطف بيان من قوله { مما ترك ~~الوالدان } لقصد التعميم والتنصيص على أن حق النساء متعلق بكل جزء ~~من المال الذى تركه الوالدان والأقربون ثم أكد - سبحانه - حق النساء فى ~~الميراث مرة ثالثة بقوله { نصيبا مفروضا } لأن قوله { نصيبا } ~~منصوب على الاختصاص والاختصاص يفيد العناية. أى أن لكل من الرجال والنساء ~~نصيبا فيما تركه الوالدان والأقربون، وهذا النصيب قد فرضه الله - تعالى - ~~فلا سبيل إلى التهاون فيه، بل لا بد من إعطائه لمن يستحقه كاملا غير ~~منقوص لأن الله هو الذى شرعه، ومن خالف شرع الله كان أهلا للعقوبة منه - ~~سبحانه -. قال صاحب الكشاف وقوله { نصيبا مفروضا } نصب على ~~الاختصاص بمعنى أعنى نصيبا مفروضا مقطوعا واجبا لا بد لهم من أن يجوزوه ~~ولا يستأثر به بعضهم دون بعض، ويجوز أن ينتصب انتصاب المصدر المؤكد كقوله # فريضة من الله # كأنه قيل قسمة مفروضة ". هذا، وقد استدل الأحناف بهذه الآية على توريث ~~ذوى الأرحام لأن العمات والخالات وأولاد البنات ونحوهن من الأقربين، فوجب ~~دخولهم تحت قوله تعالى { للرجال نصيب مما ترك ~~الوالدان والأقربون وللنسآء نصيب } الآية ". # وثبت كونهم مستحقين لأصل النصيب بهذه الآية، وأما المقدار فمستفاد من ~~آيات أخرى كما هو الشأن فى غيرهم. أما المخالفون للأحناف فيما ذهبوا إليه ~~فيرون أن المراد من الأقربين الوالدان والأولاد ونحوهم وحينئذ لا يدخل ~~فيهم ذوو الأرحام. وعلى رأى هؤلاء المخالفين يكون عطف الأقربين على ~~الوالدين من باب عطف العام على الخاص. كذلك استدل الأحناف بهذه الآية على ~~أن الوارث لو أعرض عن نصيبه - قبل استحقاقه - لم يسقط حقه. ثم أمر الله ~~تعالى عباده بالتعاطف والتراحم، ولا سيما عند تقسيم الميراث، ms1046 وإعطاء كل ~~ذى حق حقه فقال تعالى { وإذا حضر القسمة... }. ### || [4.8] # والمراد بالقسمة التركة التى تقسم بين الورثة. والمراد بذوى القربى هنا ~~- عند جمهور المفسرين - الأقارب الذين لا ميراث لهم فى التركة. والمراد ~~باليتامى والمساكين، الأجنب الذين لا قرابة بينهم وبين الورثة. والمعنى ~~وإذا حضر قسمة التركة ذوو القربى ممن لا نصيب لهم فى الميراث، واليتامى ~~الذين فقدوا العائل والنصير، والمساكين الذين أسكنتهم الحاجة وأذلتهم ~~وصاروا فى حاجة إلى العون والمساعدة { فارزقوهم منه } أى ~~فأعطوهم من الميراث الذى تقتسمونه شيئا يعينهم على سد حاجتهم، وتفريج ~~ضائقتهم { وقولوا لهم قولا معروفا } أى قولوا لهم قولا ~~جميلا يرضاه الشرع، ويستحسنه العقل، بأن تقولوا لهم - مثلا - خذوا هذا ~~الشئ بارك الله لكم فيه، أو بأن تعتذروا لمن لم تعطوه شيئا. والآية ~~الكريمة معطوفة على الآية السابقة عليها وهى قوله - تعالى - # للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون # الخ. وليس المراد من حضور ذوى القربى واليتامى والمساكين أن يكونوا ~~مشاهدين للقسمة، جالسين مع الورثة، لأن قسمة الأموال لا تكون عادة فى ~~حضرة هؤلاء الضعفاء، وإنما المراد من حضورهم العلم بهم من جانب الذين ~~يقتسمون التركة، والدراية بأحوالهم، وأنهم فى حاجة إلى العون والمساعدة. ~~وقدم ذوى القربى على اليتامى والمساكين، لأنهم أولى بالصدقة لقرابتهم، ~~ولأن إعطاءهم بجانب أنه صدقة، فهو صلة للرحم التى أمر الله تعالى بصلتها. ~~وقدم اليتامى على المساكين لأن ضعف اليتامى أكثر، وحاجتهم أشد. والضمير ~~المجرور فى قوله { فارزقوهم منه } يعود إلى ما ترك الوالدان ~~والأقربون. أو إلى القسمة بمعنى المقسوم باعتبار معناها لا باعتبار ~~لفظها. أى ارزقوهم من هذا الميراث أو المال المقسوم. والأمر فى قوله { ~~فارزقوهم } يرى بعض العلماء أنه للوجوب، لأنه هو المستفاد من ظاهر ~~الأمر، وعليه فمن الواجب على الوارث الكبير وعلى ولى الصغير أن يعطيا ~~لذوى القربى واليتامى والمساكين شيئا من المال تطيب به نفوسهم. ومن أصحاب ~~هذا الرأى من قال إن من الواجب على الوارث الكبير أن يعطى هؤلاء ~~المحتاجين شيئا من المال المقسوم. أما إذا كان ms1047 الورثة صغارا فعلى الولى ~~أن يعتذر لهؤلاء المحتاجين، بأن يقول لهم إنى لا أملك هذا المال المقسوم، ~~لأنه لهؤلاء الصغار وعندما يكبرون فسيعرفون لكم حقكم وهذا هو القول ~~المعروف. ويرى كثير من العلماء أن هذا الأمر بالإعطاء للندب لا للوجوب، ~~وأن هذا الندب إنما يحصل إذا كان الورثة كبارا، أما إذا كانوا صغارا فليس ~~على أوليائهم إلا القول المعروف. ومن حجج هؤلاء القائلين بأن هذا الأمر ~~للندب والاستحباب أنه لو كان لأولئك المحتاجين من ذوى القربى واليتامى ~~والمساكين حق معين لبينه الله - تعالى - كما بين سائر الحقوق، وحيث لم ~~يبين علمنا أنه غير واجب. # وأيضا لو كان واجبا لتوفرت الدواعى على نقله لشدة حرص الفقراء والمساكين ~~على تقديره، ولو كان الأمر كذلك لثبت نقله إلينا، ولما لم يكن الأمر كذلك ~~علمنا أنه غير واجب. وقد رجح القرطبى كون الأمر للندب لا للوجوب فقال ~~والصحيح أن هذا على الندب لأنه لو كان فرضا لكان استحقاقا فى التركة ~~ومشاركة فى الميراث، لأحد الجهتين معلوم، وللآخر مجهول. وذلك مناقض ~~للحكمة، وسبب للتنازع والتقاطع. ثم قال وذهبت فرقة إلى أن المخاطب ~~والمراد فى الآية المحتضرون الذين يقسمون أموالهم بالوصية لا الورثة. ~~فإذا أراد المريض أن يفرض ماله بالوصايا وحضره من لا يرث ينبغى له ألا ~~يحرمه، وهذا - والله أعلم - يتنزل حيث كانت الوصية واجبة، ولم تنزل آية ~~الميراث. والصحيح الأول - وهو أن الآية فى قسمة التركة وأن المخاطبين بها ~~هم المقتسمون للتركة - وعليه المعول ". هذا، ومن العلماء من قال إن هذه ~~الآية قد نسخت بآية المواريث التى بعدها وهى قوله تعالى # يوصيكم الله في أولادكم # الخ. وقد حكى هذا القول - أيضا - ورد عليه الإمام القرطبى فقال ما ~~ملخصه بين الله - تعالى - فى هذه الآية أن من لم يستحق شيئا وحضر القسمة ~~وكان من الأقارب أو اليتامى والفقراء الذين لا يرثون أن يكرموا ولا ~~يحرموا إن كان المال كثيرا والاعتذار إليهم إن كان عقارا أو قليلا لا ~~يقبل الرضخ - أى العطاء القليل - فالآية على هذا ms1048 القول محكمة. قاله ابن ~~عباس. وامتثل ذلك جماعة من التابعين عروة بن الزبير وغيره. وأمر به أبو ~~موسى الأشعرى. وروى عن ابن عباس انها منسوخة قوله تعالى # يوصيكم الله في أولادكم # وممن قال إنها منسوخة أبو مالك وعكرمة والضحاك. والأول أصح فإنها مبينة ~~استحقاق الورثة لنصيبهم، واستحباب المشاركة لمن لا نصيب له ممن حضرهم. ~~وفى البخارى عن ابن عباس أنه قال فى هذه الآية هى محكمة وليست بمنسوخة. ~~وفى رواية قال إن ناسا يزعمون أن هذه الآية نسخت، لا والله ما نسخت، ~~ولكنها مما تهاون به الناس ". وقال عبد الرزاق أخبرنا بان جريج أن عبد ~~الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق قسم ميراث أبيه عبد الرحمن، وعائشة ~~حية. فلم يدع فى الدار مسكينا ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه وتلا ~~هذه الآية { وإذا حضر القسمة أولوا القربى }..الخ. ~~والخلاصة، أن الذى تطمئن إليه النفس هو قول من قال إن الآية محكمة ولسيت ~~بمنسوخة، لأنه أثر عن بعض الصحابة والتابعين أنهم كانوا يفعلون ذلك ~~ويأمرون به. ولأن الروايات القائلة بأنها منسوخة روايات مضطربة، بخلاف ~~الروايات القائلة بأنها محكمة فهى ثابتة فى صحيح البخارى ولأن الآية ~~الكريمة لا تتعارض مع آية المواريث لأنها إنما تأمر بما يؤدى إلى التعاطف ~~والتراحم بين الناس، وهذا أمر لا ينسخ، بل هو ثابت فى كل زمان ومكان. ~~ونرى كذلك أن الأمر فى قوله { فارزقوهم منه } على سبيل الندب ~~والاستحباب، لا على سبيل الفرض والإيجاب - كما سبق أن بينا -. ثم أمر ~~الله - تعالى - عباده بتقواه، وبالتمسك بالأقوال السديدة فقال تعالى { ~~وليخش الذين... }. ### || [4.9] # وللمفسرين فى تفسير هذه الآية الكريمة أقوال أولها أن الآية الكريمة أمر ~~للأوصياء بأن يخشوا الله تعالى ويتقوه فى أمر اليتامى، فيفعلوا بهم مثل ~~ما يحبون أن يفعل بذريتهم الضعاف بعد وفاتهم. فقد أخرج ابن جرير عن ابن ~~عباس أنه قال فى قوله تعالى { وليخش الذين لو تركوا }... ~~الخ. يعنى بذلك الرجل يموت وله أولاد صغار ضعاف يخاف عليهم العيلة ms1049 ~~والضيعة، ويخاف بعده ألا يحسن إليهم من يليهم يقول فإن ولى مثل ذريته ~~ضعافا يتامى، فليحسن إليهم ولا يأكل أموالهم إسرافا وبدارا خشية أن ~~يكبروا.. قال الآلوسي والآية الكريمة على هذا الوجه تكون مرتبطة بما ~~قبلها، لأن قوله تعالى # للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون # الخ. فى معنى الأمر للورثة. أى أعطوهم حقهم دفعا لأمر الجاهلية، وليحفظ ~~الأوصياء ما أعطوه ويخافوا عليهم كما يخافون على أولادهم. وعلى هذا الوجه ~~يكون المقصود من الآية الكريمة حض الأوصياء على المحافظة على أموال ~~اليتامى بأبلغ تعبير، لأنه سبحانه قد نبههم بحال أنفسهم وذرياتهم من ~~بعدهم ليتصوروها ويعرفوا مكان العبرة فيها، ولا شك أن ذلك من أقوى ~~الدواعى والبواعث فى هذا المقصود لأنه سبحانه كأنه يقول لهم افعلوا ~~باليتامى الفعل الذى تحبون أن يفعل مع ذرياتكم الضعاف من بعدكم، فجعل - ~~سبحانه - من شعورهم بالحنان على ذرياتهم باعثا لهم على الحنان على ~~أيتامهم. هذا، ومن المفسرين الذين استحسنوا هذا القول الإمام ابن كثير، ~~فقد قال بعد أن حكى هذا القول وهو قول حسن يتأيد بما بعده من التهديد فى ~~أكل أموال اليتامى ظلما. أما القول الثاني فيرى أصحابه أن الآية الكريمة ~~أمر لمن حضر المريض من العواد عند الإيصاء بأن يخشوا ربهم فيوصوا المريض ~~فى أولاده خيرا ويشفقوا عليهم كما يشفقون على أولادهم. وقد وضح هذا ~~القول الإمام الرازي فقال إن هذا خطاب مع الذين يجلسون عند المريض ~~فيقولون له إن ذريتك لا يغنون عنك من الله شيئا، فأوص بمالك لفلان وفلان. ~~ولا يزالون يأمرونه بالوصية إلى الأجانب إلى أن لا يبقى من ماله للورثة ~~شئ أصلا. فقيل لهم كما أنكم تكرهون بقاء أولادكم فى الضعف والجوع من غير ~~مال، فاخشوا الله ولا تحملوا المريض على أن يحرم أولاده الضعفاء من ماله. ~~وحاصل الكلام أنك لا ترضى مثل هذا الفعل لنفسك، فلا ترضه لأخيك المسلم. ~~فعن أنس قال قال النبي صلى الله عليه وسلم # " لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ". # وقد رجح ms1050 هذا الوجه الإمام ابن جرير فقال وأولى التأويلات بالآية قول من ~~قال تأويل ذلك وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم ~~العيلة لو كانوا فرقوا أموالهم فى حياتهم، أوقسموها وصية منهم لأولى ~~قرابتهم، وأهل اليتم والمسكنة فأبقوا أموالهم لولدهم خشية العيلة عليهم ~~من بعدهم، فليأمروا من حضروه - وهو يوصى لذوى قرابته وفى اليتامى ~~والمساكين وفى غير ذلك - بما له بالعدل، وليتقوا الله وليقولوا قولا ~~سديدا، وهو ان يعرفوه ما أباحه الله له من الوصية، وما اختاره المؤمنون ~~من أهل الإيمان بالله وبكتابه وسنته ". # والقول الثالث يرى أصحابه أن الخطاب فى الآية للموصين، وأن الآية تأمرهم ~~بأن يشفقوا على ورثتهم، فلا يسرفوا فى الوصية لغيرهم لأن الإسراف فى ذلك ~~يؤدى إلى ترك الورثة فقراء. ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن ~~أبى وقاص # " إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ". # والذى نراه أن الأمر بالخشية من الله يتناول جميع الأصناف المتقدمة من ~~الأوصياء، وعواد المريض، والموصين وغيرهم من هو أهل لهذا الخطاب لأن ~~هؤلاء جميعا داخلون تحت الأمر بالخشية من الله - تعالى -، وبالقول السديد ~~الذى يحبه سبحانه ويرضاه. وقوله تعالى { وليخش } فعل مضارع مجزوم ~~بلام الأمر. ومفعوله محذوف لتذهب نفس السامع فى تقديره كل مذهب، فينظر كل ~~سامع بحسب الاهم عنده مما يخشى أن يصيب ذريته. والجملة الشرطية وهى قوله ~~تعالى { لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا ~~عليهم } صلة للموصول وهو قوله { الذين } وجملة { خافوا ~~عليهم } جواب { لو }. قال صاحب الكشاف فإن قلت ما معنى وقوع { ~~لو تركوا } وجوابه صلة للذين؟. قلت معناه وليخش الذين صفتهم وحالهم ~~أنهم لو شارفوا أن يتركوا من خلفهم ذرية ضعافا - وذلك عند احتضارهم - ~~خافوا عليهم الضياع بعدهم لذهاب كافلهم وكاسبهم. قال صاحب الانتصاف وإنما ~~لجأ الزمخشري إلى تقدير { تركوا } بقوله شارفوا أن يتركوا لأن جوابه ~~قوله { خافوا عليهم } والخوف عليهم إنما يكون قبل تركهم إياهم. ~~وذلك فى دار الدنيا. فقد دل على أن المراد ms1051 بالترك الإشراف عليه ضرورة، ~~وإلا لزم وقوع الجواب قبل الشرط وهو باطل. ونظيره # فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو ~~فارقوهن بمعروف # أى. شارفن بلوغ الأجل. ثم قال ولهذا المجاز فى التعبير عن المشارفة على ~~الترك بالترك سر بديع. وهو التخويف بالحالة التي لا يبقى معها مطمع فى ~~الحياة، ولا فى الذنب عن الذرية الضعاف. وهى الحالة التى وإن كانت من ~~الدنيا، إلا أنها لقربها من الآخرة، ولصوقها بالمفارقة، صارت من حيزها، ~~ومعبرا عنها بما يعبر به عن الحالة الكائنة بعد المفارقة من الترك. وقوله ~~{ ضعافا } صفة لذرة. وفى وصف الذرية بذلك بعث على الترحم وحض على ~~امتثال ما أمر الله به. والفاء فى قوله { فليتقوا الله ~~وليقولوا قولا سديدا } لترتيب ما بعدها على ما قبلها. # فقد رتب الأمر بالتقوى على الأمر بالخشية وإن كانا أمرين متقاربين لأن ~~الأمر الأول لما عضد بالحجة - وهى الخوف على ذريتهم - اعتبر كالحاصل فصح ~~التفريع عليه. والمعنى فليتقوا الله فى كل شأن من شئونهم وفى أموال ~~اليتامى فلا يعتدوا عليها. وليقولا لغيرهم قولا عادلا قويما مصيبا للحق ~~وبعيدا عن الباطل. قال الآلوسى وقوله { وليقولوا } أى لليتامى أو ~~للمريض أو لحاضرى القسمة، أو ليقولوا فى الوصية { قولا سديدا } ~~فيقول الوصى لليتيم ما يقول لولده من القول الجميل الهادى له إلى حسن ~~الآداب ومحاسن الأفعال. ويقول عائد المريض للمريض ما يذكره بالتوبة وحسن ~~الظن بالله، وما يصده عن الإسراف فى الوصية وتضييع الورثة. ويقول الوارث ~~لحاضر القسمة ما يزيل وحشته أو يزيد مسرته. ويقول الموصى فى إيصائه مالا ~~يؤدى إلى تجاوز الثلث. ثم قال، والسديد المصيب العدل الموافق للشرع. يقال ~~سد قوله يسد - بالكسر - إذا صار سديدا والسداد - بالفتح - الاستقامة ~~والصواب. وأما السداد - بالكسر - فهو ما يسد به الشئ ". قال بعض العلماء ~~وفى الآية الكريمة ما يبعث الناس كلهم على أن يغضبوا للحق من الظلم، وأن ~~يأخذوا على أيدى أولياء السوء، وأن يحرسوا أموال اليتامى، ويبلغوا حقوق ~~الضعفاء إليه، لأنهم إن أضاعوا ذلك يوشك أن يلحق أبناءهم ms1052 وأموالهم مثل ~~ذلك. وأن يأكل قويهم ضعيفهم فإن اعتياد السوء ينسى الناس شناعته، ويكسب ~~النفوس ضراوة على عمله ". ثم توعد سبحانه الذين يعتدون على حقوق اليتامى ~~بأشد أنواع الوعيد فقال تعالى { إن الذين يأكلون... }. ### || [4.10] # وقوله { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } ~~استئناف مسوق لتقرير ما فصل من الأوامر والنواهى السابقة التى تتعلق ~~بحقوق اليتامى. قال الفخر الرازى أعلم أنه - تعالى - أكد الوعد فى أكل ~~مال اليتيم ظلما، وقد كثر الوعيد فى هذه الآيات مرة بعد أخرى على من يفعل ~~ذلك كقوله # وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث ~~بالطيب # وكقوله # وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ~~ضعافا # ثم ذكر بعدها هذه الآية مفردة فى وعيد من يأكل أموالهم، وذلك كله رحمة ~~من الله تعالى باليتامى لأنهم لكمال ضعفهم وعجزهم استحقوا من الله مزيد ~~العناية والكرامة. وما أشد دلالة هذا الوعيد على سعة رحمته وكثرة عفوه ~~وفضله لأن اليتامى لما بلغوا فى الضعف إلى الغاية القصوى، بلغت عناية ~~الله بهم إلى الغاية القصوى ". وقوله { ظلما } أى يأكلونها على وجه ~~الظلم سواء أكان الآكل من الورثة أو من أولياء السوء من غيرهم. وقال ~~سبحانه { ظلما } لكمال التشنيع على الآكلين لأنهم يظلمون اليتامى ~~الضعفاء الذين ليس فى قدرتهم الدفاع عن أنفسهم. أو أنه سبحانه قيد الأكل ~~بحالة الظلم، للدلالة على أن مال اليتيم قد يؤكل ولكن لا على وجه الظلم ~~بل على وجه الاستحقاق كما فى حالة أخذ الولى الفقير أجرته من مال اليتيم ~~أو الاستقراض منه فإن ذلك لا يكن ظلما ولا يسمى الآكل ظالما. قال تعالى # ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا ~~فليأكل بالمعروف # وقوله { ظلما } حال من الضمير فى { يأكلون } أى يأكلونها ~~ظالمين. أو مفعول لأجله. أى يأكلونها لأجل الظلم. قال القرطبى روى أن هذه ~~الآية نزلت فى رجل من غطفان يقال له مرثد بن زيد، ولى مال ابن أخيه وهو ~~يتيم صغير فأكله فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية. ولهذا قال الجمهور إن ~~المراد الأوصياء الذين يأكلون ms1053 ما لم يبح لهم من مال اليتيم ". وقوله { ~~إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا } ~~بيان لسوء مصيرهم، وتصوير لأضرار الأكل عليهم. وللمفسرين فى تفسير قوله - ~~تعالى - { إنما يأكلون في بطونهم نارا } اتجاهان. ~~أولهما أن الآية على ظاهرها، وأن الآكلين لمال اليتامى ظلما سيأكلون ~~النار يوم القيامة حقيقة. وقد استدل أصحاب هذا الاتجاه على صحة ما ذهبوا ~~إليه بآثار منها ما رواه ابن حبان فى صحيحه وابن مردويه وابن أبى حاتمعن ~~أبى برزة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجج أفواههم نارا. قيل يا رسول الله ~~من هم؟ قال صلى الله عليه وسلم ألم تر أن الله قال { إن الذين ~~يأكلون أموال اليتامى ظلما } " # الآية ". وروى ابن أبى حاتم # " عن أبى سعيد الخدرى قال قلنا يا رسول الله ما رأيت ليلة أسرى بك؟ قال ~~انطلق بى إلى خلق من خلق الله كثير. رجال كل رجل منهم له مشفر كمشفر ~~البعير، وهم موكل بهم رجال يفكون لحاء أحدهم، ثم يجاء بصخرة من نار فتقذف ~~فى أفواههم حتى تخرج من أسفلهم ولهم جؤار وصراخ. قلت يا جبريل من هؤلاء؟ ~~قال هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون فى بطونهم نارا ~~وسيصلون سعيرا ". # ثانيهما يرى أصحابه أن الكلام على المجاز لا على الحقيقة وأن المراد ~~إنما يأكلون فى بطونهم المال الحرام الذى يفضى بهم إلى النار. وعليه ~~فكلمة { نارا } مجاز مرسل من باب ذكر المسبب وإرادة السبب. والمراد ~~بالأكل فى قوله { إن الذين يأكلون } مطلق الأخذ على سبيل ~~الظلم والتعدى. وإنما ذكر الأكل وأراد به مطلق الإتلاف على سبيل الظلم ~~لأن الأكل عن طريقه تكون معظم تصرفات الإنسان، ولأن عامة مال اليتامى فى ~~ذلك الوقت هو الأنعام التى تؤكل لحومها وتشرب ألبانها فخرج الكمال على ~~عادتهم، ولأن فى ذكر الأكل تشنيعا على الآكل لمال اليتيم ظلما، إذ هو ~~أبشع الأحوال التى يتناول مال اليتيم فيها ولأن فى ذكر الأكل مناسبة ~~للجزاء المذكور فى قوله ms1054 { إنما يأكلون في بطونهم نارا } ~~حيث يكون الجزاء من جنس العمل. قال { في بطونهم } مع أن الأكل لا ~~يكون إلا فى البطن، إما لأنه قد شاع فى استعمالهم أن يقولوا أكل فلان فى ~~بطنه يريدون ملء بطنه فكأنه قيل إنما يأكلون ملء بطونهم نارا حتى يبشموا ~~بها. ومثله # قد بدت البغضآء من أفواههم # أى شرقوا بها وقالوها بملء أفواههم، ويكون المراد بذكر البطون تصوير ~~الأكل للسامع حتى تتأكد عنده بشاعة هذا الجرم بمزيد تصوير. وإما أن يكون ~~المراد بذكر البطون التأكيد والمبالغة كما فى قوله تعالى # ولا طائر يطير بجناحيه # والطيران لا يكون إلا بالجناح. والغرض من كل ذلك التأكيد والمبالغة. ~~وقوله تعالى { وسيصلون سعيرا } تأكيد لسوء عاقبتهم يوم ~~القيامة. و { يصلون } مضارع صلى كرضى إذا قاسى حر النار بشدة. وقرأ ابن ~~عامر وأبو بكر عن عاصم { وسيصلون } بضم ياء المضارعة والباقون ~~بفتحها. والسعير هو النار المستعرة. يقال سعرت النار أسعرها سعرا فهى ~~مسعورة إذا أوقدتها وألهبتها. وإنما قال { سعيرا } بالتنكير لأن ~~المراد نار من النيران مبهمة لا يعرف غاية شدتها إلا الله تعالى أى ~~وسيدخلون نارا هائلة لا يعلم مقدار شدتها إلا الله عز وجل. أخرج أبو داود ~~والنسائى والحاكم وغيرهم أنه لما نزلت هذه الآية انطلق من كان عنده يتيم ~~فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه. فجعل يفضل له الشئ من طعامه، فيحبس ~~له حتى يأكله أو يفسد فاشتد عليهم ذلك. # فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى # ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير ~~وإن تخالطوهم فإخوانكم # الآية. فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم. قال الفخر الرازى ومن ~~الجهال من قال صارت هذه الآية منسوخة بتلك. وهو بعيد، لأن هذه الآية فى ~~المنع من الظلم. وهذا لا يصير منسوخا. بل المقصود أن مخالطة أموال ~~اليتامى إن كانت على سبيل الظلم فهى من أعظم أبواب الإثم كما فى هذه ~~الآية. وإن كانت على سبيل التربية والإحسان فهى من أعظم أبواب البر كما ~~فى قوله.. ms1055 تعالى - # وإن تخالطوهم فإخوانكم # وبعد فهذه عشر آيات من سورة النساء، تقرؤها فتراها تكرر الأمر صراحة ~~برعاية اليتيم وبالمحافظة على ماله فى خمس آيات منها. فأنت تراها فى ~~الآية الثانية تأمر الأولياء والأوصياء وغيرهم بالمحافظة على أموال ~~اليتامى، وأن يسلموها إليهم عند بلوغهم كاملة غير منقوصة، وتحذرهم من ~~الاحتيال على أكل هذه الأموال عن طريق الخلط فتقول # وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث ~~بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ~~إنه كان حوبا كبيرا # وتراها فى الآية الثالثة تبيح لأولياء النساء اليتامى أن يتزوجوا بغيرهن ~~إذا لم يأمنوا على أنفسهم العدل فى أموال اليتيمات، وحسن معاشرتهن، ~~وتسليمهن حقوقهن كاملة إذا تزوجوهن فتقول # وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما ~~طاب لكم من النسآء مثنى وثلاث ورباع # الآية. وتراها فى الآية السادسة تأمر الأولياء بأن يختبروا تصرفات ~~اليتامى وأن يسلموا إليهم أموالهم عند بلوغهم وإيناس الرشد منهم فتقول # وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ~~آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ~~ولا تأكلوهآ إسرافا وبدارا أن يكبروا # الآية. وتراها فى الآية الثامنة تأمر المتقاسمين للتركة أن يجعلوا شيئا ~~منها للمحتاجين من الأقارب واليتامى والمساكين فتقول # وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى ~~والمساكين فارزقوهم منه # الآية. ثم تراها فى الآية العاشرة تتوعد الذين يأكلون أموال اليتامى ~~ظلما بأشد ألوان الوعيد فتقول { إن الذين يأكلون أموال ~~اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا ~~وسيصلون سعيرا }. وقد أمر القرآن أتباعه فى كثير من آياته ~~بالعطف على اليتيم، وبحسن معاملته، وبالمحافظة على حقوقه، ومن ذلك قوله - ~~تعالى - # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ~~حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد ~~كان مسؤولا # وقوله - تعالى - ممتنا على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم # ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضآلا فهدى ~~ووجدك عآئلا فأغنى فأما اليتيم فلا تقهر # وقوله - تعالى - # ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير ~~وإن تخالطوهم فإخوانكم # وعندما نقرأ أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم نراه فى كثير منها يأمرنا ~~برعاية اليتيم، ms1056 وبالعطف عليه، وبإكرامه وعدم قهره وإذلاله، ويبشر الذين ~~يكرمون اليتيم بأفضل البشارات، فقد روى البخارى وغيرهم عن سهل بن سعد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # " أنا وكافل اليتيم فى الجنة هكذا. وقال باصبعيه السبابة والوسطى " # - أى وأشار وفرج بين إصبعيه السبابة والوسطى -. وإنما اعتنى الإسلام ~~برعاية اليتيم لصغره وعجزه عن القيام بمصالحه، ولأن عدم رعايته سيؤدى إلى ~~شيوع الفاحشة فى الأمة ذلك لأن اليتيم إنسان فقد العائل والنصير منذ ~~صغره، فإذا نشأ فى بيئة ترعاه وتكرمه وتعوضه عما فقده من عطف أبيه، شب ~~محبا لمن حوله وللمجتمع الذى يعيش فيه. وإذا نشأ فى بيئته تقهره وتذله ~~وتظلمه نظر إلى من حوله وإلى المجتمع كله نظرة العدو إلى عدوه، وصار من ~~الذين يفسدون فى الأرض ولا يصلحون لأنه سيقول لنفسه إذا كان الناس لم ~~يحسنوا إلى فلماذا أحسن إليهم؟ وإذا كانوا قد حرمونى حقى الذى منحه الله ~~لى، فلماذا أعطيهم شيئا من خيرى وبرى؟ لهذه الأسباب وغيرها أمر الإسلام ~~أتباعه برعاية اليتيم وإكرامه وصيانة حقوقه من أى اعتداء أو ظلم. وبعد أن ~~يبين - سبحانه - ما يجب على الرجال نحو النساء من إعطائهن حقوقهن، وما ~~يجب على الجميع نحو اليتامى من إكرامهم والمحافظة على أموالهم.... بعد أن ~~بين - سبحانه - ذلك، شرع فى بيان حقوق أكثر الوارثين، بعد أن أجملها فى ~~قوله - تعالى - # للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون # فقال - تعالى { يوصيكم الله....عذاب مهين }. ### || [4.11-14] # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لقوله - تعالى - { يوصيكم الله ~~في أولادكم } الآية " هذه الآية الكريمة والتي بعدها والآية التى ~~هى خاتمة هذه السورة هن آيات علم الفرائض. وهو مستنبط من هذه الآيات ~~الثلاث، ومن الأحاديث الواردة فى ذلك مما هو كالتفسير لذلك. وقد ورد ~~الترغيب فى تعلم الفرائض فقد روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال # " العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل آية محكمة - أى غير منسوخة - أو سنة ~~قائمة - أى ثابتة - أو فريضه ms1057 عادلة - أى عادلة فى قسمتها بين أصحابها - ~~". # وعن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " تعلموا الفرائض وعلموه الناس فإنه نصف العلم. وهو أول شئ ينسى.. وهو ~~أول شئ ينزع من أمتى ". # ثم قال ابن كثير وقال البخارى عن تفسير هذه الآية عن جابر بن عبد الله ~~قال عادنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر فى بنى سلمة ماشيين ~~فوجدنى النبى صلى الله عليه وسلم لا أعقل شيئا. فدعا بماء فتوضأ منه ثم ~~رش على فأفقت. فقلت يا رسول الله ما تأمرنى أن أصنع فى مالى؟ فنزلت { ~~يوصيكم الله في أولادكم } الآية. وفى حديث آخر رواه أبو ~~داود والترمذى وابن ماجه عن جابر قال # " جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالت يا رسول الله!! هاتان ابنتا سعد بن الربيع. قتل أبوهما ~~معك يوم أحد شهيدا. وان عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا. ولا تنكحان ~~إلا ولهما مال. فقال صلى الله عليه وسلم " يقضى الله فى ذلك " فنزلت آية ~~الميراث. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال صلى الله ~~عليه وسلم أعط ابنتى سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقى فهو لك ". # ثم قال ابن كثير والظاهر أن حديث جابر الأول إنما نزل بسببه الآية ~~الأخيرة من هذه السورة كما سيأتى، فإنه إنما كان له إذ ذاك أخوات ولم يكن ~~له بنات، وإنما كان يورث كلالة. والحديث الثانى عن جبار أشبه بنزول هذه ~~الآية. هذا، وقوله - تعالى - { يوصيكم الله في أولادكم ~~للذكر مثل حظ الأنثيين } بيان لما إذا مات الميت وترك ~~أولادا من الذكور والإناث. وقوله { يوصيكم } من الوصية، وهى - كما ~~يقول الراغب - التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنا بوعظ من قولهم أرض ~~واصية أى متصلة البنات ويقال أوصاه ووصاه. # .. ويقال تواصى القوم إذا أوصى بعضهم بعضا... " والمراد بقوله { ~~يوصيكم } أى يأمركم أمرا مؤكدا. والأولاد جمع ولد - بوزن فعل مثل أسد ~~- والولد اسم ms1058 للمولود ذكرا كان أو أنثى والحظ النصيب المقدر. والمعنى ~~يعهد الله إليكم ويأمركم أمرا مؤكدا فى شأن ميراث أولادكم من بعد موتتكم ~~أن يكون نصيب الذكر منهم فى الميراث نصيب الأنثيين. وصدر - سبحانه - هذه ~~الأحكام بقوله { يوصيكم } اهتماما بشأنها، وإيذانا بوجوب سرعة ~~الامتثال لمضمونها، إذ الوصيية من الله - تعالى - إيجاب مؤكد، بدليل قوله ~~- تعالى - # ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ~~ذلكم وصاكم به # أى أوجب عليكم الانقياد لهذا الحكم إيجابا مؤكدا. وحرف { في } هنا ~~للظرفية المجازية، ومجروها محذوف قام المضاف إليه مقامه، لأن ذوات ~~الأولاد لا تصلح ظرفا للوصية، والتقدير يوصيكم الله فى توريث أولادكم أو ~~فى شأنهم. وبدأ - سبحانه - ببيان ميراث الأولاد، لأنهم أقرب الناس إلى ~~الإنسان، ولأن تعلق الإنسان بأولاده أشد من تعلقه بأى إنسان آخر. وقوله ~~{ للذكر مثل حظ الأنثيين } جملة مستأنفة لا محل لها من ~~الإعراب لأنها فى موضع التفصيل والبيان لجملة { يوصيكم الله في ~~أولادكم }. وقد جعل - سبحانه - نصيب الذكر ضعف نصيب الأنثى، لأن ~~التكليفات المالية على الأنثى تقل كثيرا عن التكليفات المالية على ~~الذكر، إذ الرجل مكلف بالنفقة على نفسه وعلى أولاده وعلى زوجته وعلى كل ~~من يعولهم بينما المرأة نصيبها من الميراث لها خاصة لا يشاركها فيه ~~مشارك. وبهذا يتبين أن الإسلام قد أكرم المرأة غاية الإكرام حيث أعطاها ~~هذا النصيب الخاص بها من الميراث بعد أن كانت فى الجاهلية لا ترث شيئا. ~~ولم يقل - سبحانه - للذكر ضعف نصيب الأنثى، لأن الضعف قد يصدق على ~~المثلين فصاعدا، فلا يكون نصا. ولم يقل للأنثيين مثل حظ الذكر ولا للأنثى ~~نصف حظ الذكر، لأن المقصود تقديم الذكر لبيان فضله ومزيته على الأنثى. ~~وعبر بالذكر والأنثى دون الرجال والنساء، للتنصيص على استواء الكبار ~~والصغار من الفريقين فى الاستحقاق من غير دخل للبلوغ والكبر فى ذلك أصلا، ~~كما هو زعم أهل الجاهلية حيث كانوا لا يورثون الأطفال ولا النساء. وبعد ~~أن بين - سبحانه - كيفية قسمة التركة إذا كان الورثة أولادا ذكورا ~~وإناثا، عقب ذلك ببيان ms1059 كيفية تقسيم التركة إذا كان الورثة من الأولاد ~~الإناث فقط فقال - تعالى - { فإن كن نسآء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ~~}. قال الآلوسى الضمير للأولاد مطلقا، ولزوم تغليب الإناث على الذكور لا ~~يضر، لأن ذلك مما صرحوا بجوازه مراعاة للخبر ومشاكلة له. ويجوز أن يعود ~~إلى المولودات أو البنات اللاتى فى ضمن مطلق الأولاد.. والمراد من ~~الفوقية زيادة العدد لا الفوقية الحقيقية. # والمعنى فإن كانت المولودات أو البنات نساء خلصا زائدات على اثنتين ~~بالغات ما بلغن فلهن ثلثا ما ترك المتوفى. وهذه الجملة الكريمة قد بينت ~~بالقول الصريح نصيب الأكثر من البنتين وهو الثلثان إلا أنها لم تبين نصيب ~~البنتين بالقول الصريح. وقد روى عن ابن عباس أنه قال الثلثان فرض الثلاث ~~من البنات فصاعدا وأما فرض البنتين فهو النصف. ودليله صريح منطوق الآية، ~~فقد اشترطت أن أخذ ثلثى التركة للنساء يكون إذا كن فوق اثنتين أى ثلاثا ~~فصاعدا، وذلك ينفى حصول الثلثين للبنتين. وقال جمهور العلماء البنتان ~~لاحقتان بالبنات، فلهما الثلثان إذا انفردتا عن البنين كما أن البنات لهن ~~الثلثان كذلك. وقد بسط الفخر الرازى أدلة الجمهور على أن للبنتين الثلثين ~~كالبنات فقال ما ملخصه وأما سائر الأمة فقد أجمعوا على أن فرض البنتين ~~الثلثان. قالوا وإنما عرفنا ذلك بوجوه أولها من قوله - تعالى - { ~~للذكر مثل حظ الأنثيين } وذلك لأن من مات وترك إبنا ~~وبنتا فههنا يجب أن يكون نصيب الابن الثلثين لقوله - تعالى - { ~~للذكر مثل حظ الأنثيين } ، فإذا كان نصيب الذكر مثل ~~نصيب الأنثيين. ونصيب الذكر ههنا هو الثلثان، وجب لا محالة أن يكون نصيب ~~الابنتين الثلثين. الثانى إذا مات وترك إبنا وبنتا فههنا يكون نصيب البنت ~~الثلث بدليل { للذكر مثل حظ الأنثيين } فإذا كان نصيب ~~البنت مع الولد الذكر هو الثلث فبأن يكون نصيبها مع ولد آخر أنثى هو ~~الثلث أولى، لأن الذكر أقوى من الأنثى وإذا كان للبنت الثلث مع أختها ~~وللأخرى كذلك فقد صار لهما الثلثان. الثالث أن قوله - تعالى - { ~~للذكر مثل حظ الأنثيين } يفيد ms1060 أن حظ الأنثيين أزيد من ~~حظ الأنثى الواحدة، وإلا لزم أن يكون حظ الذكر مثل حظ الأنثى الواحدة ~~وذلك خلاف النص. وإذا ثبت أن حظ الأنثيين أزيد من حظ الواحدة فتقول وجب ~~أن يكون ذلك هو الثلثان، لأنه لا قائل بالفرق. والرابع أنا ذكرنا فى سبب ~~نزول الآية أنه صلى الله عليه وسلم أعطى بنتى سعد بن الربيع الثلثين، ~~وذلك يدل على ما قلناه. الخامس أنه - سبحانه - ذكر فى هذه الآية حكم ~~الواحدة من البنات وحكم الثلاث فما فوقهن ولم يذكر حكم الثنتين وذكر فى ~~شرح ميراث الأخوات - فى آخر السورة # إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك... فإن كانتا اثنتين ~~فلهما الثلثان مما ترك # فهنا ذكر ميراث الأخت الواحدة والأختين دون الأخوات، فصارت كل واحدة من ~~هاتين الآيتين مجملة من وجه ومبينة من وجه فنقول لما كان نصيب الأختين ~~الثلثين كانت البنتان أولى بذلك، لأنهما أقرب إلى الميت من الأختين. ~~والوجوه الثلاثة الأول مستنبطة من الآية. # والرابع مأخوذ من السنة. والخامس من القياس الجلى ". هذا وقد صح عن ابن ~~عباس أنه رجع إلى قول الجمهور فانعقد الإجماع على أن للبنتين الثلثين. ~~ثم بين - سبحانه - الحكم فيما إذا ترك الشخص بنتا واحدة فقال { وإن ~~كانت واحدة فلها النصف }. أى وإن كانت المولودة أنثى واحدة ~~ليس معها أخ ولا أخت فلها النصف أى نصف ما تركه المتوفى. وإلى هنا تكون ~~الآية قد ذكرت ثلاث حالات للأولاد فى الميراث الأولى أن يترك الميت ~~ذكورا وإناثا. وفى هذه الحالة يكون الميراث بينهم للذكر مثل حظ ~~الأنثيين. الثانية أن يترك الميت بنتين فأكثر وليس معهما أخ ذكر وفى هذه ~~الحالة يكون لهما أولهن الثلثان خلافا لابن عباس فى البنتين - كما سبق أن ~~بينا. الثالثة أن يترك الميت بنتا واحدة وليس معها أخر ذكر. وفى هذه ~~الحالة يكون لها النصف. قال بعض العلماء هذا توريث الأولاد. ويلاحظ ما ~~يأتى أولا أن نصيب الأولاد إذا كانوا ذكوروا وإناثا إنما يكون بعد ms1061 أن ~~يأخذ الأبوان والأجداد والجدات وأحد الزوجين أنصبتهم. فإذا كان للمتوفى ~~أب وزوجة وأبناء وبنات، فان القسمة للذكر مثل حظ الأنثيين تكون بعد أخذ ~~الأب والزوجة نصييبهما. ثانيا أن الأولاد يطلقون على كل فروع الشخص من ~~صلبه أى أبناؤه وأبناء أبنائه وبناته وبنات أبنائه. أما أولاد بناته ~~فليسوا من أولاده. وقد خالف فى ذلك الشيعة فلم يفرقوا فى نسبة الأولاد ~~بين من يكون من أولاد الظهور ومن يكون من أولاد البطون. أى لا يفرقون بين ~~من تتوسط بينه وبين المتوفى أنثى ومن لا تتوسط. ثالثا أن أبناء المتوفى ~~وبناته يقدمن على أبناء أبنائه وبنات أبنه. أى أن الطبقة الأولى تمنع من ~~يليها رابعا أن بنات الابن يأخذن البنات تماما إذا لم يكن للشخص أولاد قط ~~لا ذكور ولا إناث ". وبعد أن بين - سبحانه - ميراث الأولاد أعقبه ببيان ~~ميراث الأبوين فقال { ولأبويه لكل واحد منهما ~~السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ~~ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له ~~إخوة فلأمه السدس }. وقد ذكر - سبحانه - هنا ثلاث حالات ~~للأبوين. أما الحالة الأولى فيشترك فيها الأب والأم بأن يأخذ كل واحد ~~منهما السدس إذا كان للميت ولد. وقد عبر - سبحانه - عن هذه الحالة بقوله ~~{ ولأبويه } أى لأبوى الميت ذكرا كان أو أنثى. والضمير فى { أبويه ~~} كناية عن غير مذكور. وجاز ذلك لدلالة الكلام عليه. والمراد بالأبوين ~~الأب والأم. والتثنية على لفظ الأب للتغليب. وقوله { لكل واحد ~~منهما } بدل من قوله { ولأبويه } بتكرير العامل وهو اللام فى ~~قوله { لكل }. وفائدة هذا البدل أنه لو قيل ولأبويه السدس لكان ظاهره ~~اشتراكهما فيه. # وقوله { السدس } بيان للنصيب الذى يستحقه كل واحد من الأبوين. أى أن ~~لكل واحد من أبوى الميت السدس مما ترك من المال { إن كان له ولد ~~} أى إن كان لهذا الميت ولد ذكرا كان أو أنثى واحدا كان أو أكثر. قال ~~القرطبى فرض الله - تعالى - لكل واحد من الأبوين مع الولد السدس، وأبهم ~~الولد فكان الذكر والأنثى ms1062 فيه سواء. فان مات رجل وترك أبناء وابوين ~~فلابويه لكل واحد منهم السدس وما بقى فللابن. فان ترك ابنة وأبوين ~~فللابنة النصف وللأبوين السدسان وما بقى فلأقرب عصبة وهو الأب لقول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " ما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر، فاجتمع للأب الاستحقاق بجهتين ~~التعصيب والفرض ". # والحالة الثانية وهى ما إذا مات وورثه أبواه، وقد بين - سبحانه - حكمها ~~بقوله { فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه ~~فلأمه الثلث }. أى فإن لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن وورثه ~~أبواه فقط، ففى هذه الحالة يكون لأم الميت ثلث التركة، ولأبيه الباقى من ~~التركة وهو الثلثان، إذ لا وارث له سواهما. فاذا كان معهما أحد الزوجين ~~كان للأم ثلث الباقى بعد نصيب الزوج أو الزوجة وثلثاه للأب وهذا رأى ~~جمهور الصحابة وهو الذى اختاره الأئمة الأربعة وأكثر فقهاء الامصار. أما ~~الحالة الثالثة وهى ما إذا مات الميت وترك الأبوين ومعهما إخوة أو أخوات ~~فقد بين - سبحانه - حكمها بقوله " فان كان له إخوة فلأمه السدس أى فان ~~كان للميت إخوة من الأب والأم. أو من الأب فقط، أو من الأم فقط ذكورا ~~كانوا أو أناثا أو مختلطين ففى هذه الحالة يكون لأم الميت سدس التركة ~~والباقى. للأب ولا ميراث للإخوة لحجبهم بالأب وبهذا نرى أن إخوة الميت ~~ينقصون الأم من الثلث إلى السدس وإن كانوا محجوبين بالأب. وإذا شرط الله ~~فى انقاص نصيبها من الثلث إلى السدس الجماعة من الإخوة علم أن الأخ ~~الواحد لا يحجبها عن الثلث بل يبقى لها الثلث. أما الأخوان فيرى جمهور ~~الصحابة والعلماء المجتهدين أنهما ينقصانها من الثلث إلى السدس. لأنه قد ~~ورد فى اللغة اطلاق الجمع على الأثنين كما فى قوله - تعالى - # إن تتوبآ إلى الله فقد صغت قلوبكما # ولأن الشارع قد جعل الأختين كالثلاث فى الميراث. وكذلك جعل البنتين ~~كالثلاث. ولا فرق بين الذكور والاناث. ويروى عن ابن عباس أن الاخوين لا ~~ينقصان الأم من الثلث إلى السدس فشأنهما شأن الأخ الواحد لأن ms1063 الله - ~~تعالى - قال { فإن كان له إخوة } بصيغة الجمع، والجمع أقله ~~ثلاث بخلاف التثنية. والعمل على ما ذهب إليه الجمهور. وإلى هنا تكون ~~الآية الكريمة قد بينت ميراث الأولاد والأبوين. # ثم عقبت ذلك ببيان الوقت الذى تدفع فيه هذه الأموال إلى مستحقيها من ~~الورثة فقالت { من بعد وصية يوصي بهآ أو دين }. أى هذه ~~الفروض المذكورة إنما تقسم للورثة من بعد إنفاذ وصية يوصى بها الميت إلى ~~الثلث. ومن بعد قضاء دين على الميت. فالجملة الكريمة متعلقة بما تقدم ~~قبلها من قسمة المواريث فكأنه قال قسمة هذه الأنصبة من بعد وصية يوصى بها ~~الميت ومن بعد قضاء دين عليه. ثم بين - سبحانه - حكمة هذا التقسيم وأكد ~~وجوب تنفيذه فقال { آبآؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم ~~أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان ~~عليما حكيما }. قال الآلوسى الخطاب للورثة. وقوله { آبآؤكم } ~~مبتدأ، وقوله { وأبناؤكم } معطوف عليه. وقوله { لا تدرون } مع ما فى ~~حيزه خبر له. وأى إما استفهامية مبتدأ. وقوله { أقرب } خبره والفعل ~~معلق عنها فهى سادة مسد المفعولين. واما موصولة، قوله { أقرب } خبر ~~مبتدأ محذوف والجملة صلة الموصول. وأيهم مفعول أول مبنى على الضم ~~لإضافته وحذف صدر صلته. والمفعول الثاني محذوف. وقوله { نفعا } نصب ~~على التمييز وهو منقول من الفاعلية. وجملة { آبآؤكم وأبناؤكم ~~لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا } أعتراضية مؤكدة لوجوب ~~تنفيذ الوصية. والمعنى أن الله - تعالى - قد فرض لكم هذه الفرائض وقسم ~~بينكم الميراث هذا التقسيم العادل فعليكم أن تلتزموا بتنفيذ قسمة الله ~~التى قسمها لكم، ولا يصح لكم أن تحكموا أهواءكم فى أموالكم، فإنكم لا ~~تعلمون من أنفع لكم من أصولكم وفروعكم فى دنياكم وآخرتكم. وقد صدر - ~~سبحانه الجملة الكريمة بذكر الآباء والأبناء لقوة قرابتهم واتحاد ~~اتصالهم، ومع ذلك لا يدرون النافع منهم، لأن الله - تعالى - وحده هو ~~العليم بأحوال عباده، وبما تسره وتعلنه نفوسهم. ثم أكد الله - تعالى - ~~وجوب الانقياد لما شرعه لهم فى شأن المواريث بتأكيدين أولهما قوله - ~~تعالى - { فريضة من الله }. أى فرض ms1064 الله ذلك التقسيم للميراث ~~فريضة، وقدره تقديرا فلا يجوز لكم أن تخالفوه، لأنه تقدير الله وقسمته، ~~وليس لأحد أن يخالف قسمة الله وشرعه. وقوله { فريضة } منصوب على أنه ~~مصدر مؤكد لنفسه، على حد قولهم هذا ابنى حقا، لأنه واقع بعد جملة لا ~~محتمل لها غيره، فيكون فعله الناصب له محذوفا وجوبا. أى فرض ذلك فريضة من ~~الله. وأما التأكيد الثانى فهو قوله - تعالى - { إن الله كان ~~عليما حكيما } أى إن الله - تعالى - كان عليما بما يصلح أمر العباد ~~فى دنياهم وآخرتهم، حكيما فيما قضى وقدر من شئون وتشريعات، فعليكم أن ~~تقفوا عندما قضى وشرع لتفوزوا بمثوبته ورعايته ورضاه. قال الفخر الرازى ~~ما ملخصه ومناسبة هذا الكلام هنا أنه - تعالى - لما ذكر أنصباء الأولاد ~~والأبوين، وكانت تلك الأنصباء مختلفة. # . والإنسان ربما خطر بباله أن القسمة لو وقعت على غير هذا الوجه لكانت ~~أنفع له وأصلح، لا سيما وقد كانت قسمة العرب للمواريث مخالفة لما جاء به ~~الإسلام. لما كان الأمر كذلك أزال الله هذه الشهبة بأن قال إنكم تعلمون ~~أن عقولكم لا تحيط بمصالحكم، فربما اعتقدتم فى شئ أنه صالح لكم وهو عين ~~المضرة، وربما اعتقدتم فيه أنه عين المضرة وهو عين المصلحة، وأما الإله ~~الحكيم الرحيم فهو عالم بمغيبات الأمور وعواقبها، فاتركوا تقدير المواريث ~~بالمقادير التى تستحسنها عقولكم، وكونوا مطيعين لأمر الله فى هذه ~~التقديرات التى قدرها لكم، فقوله { آبآؤكم وأبناؤكم لا ~~تدرون أيهم أقرب لكم نفعا } إشارة إلى ترك ما يميل ~~إليه الطبع من قسمة المواريث على الورثة. وقوله { فريضة من ~~الله } إشارة الى وجوب الانقياد لهذه القسمة التى قدرها الشرع وقضى ~~بها ". وبعد أن بين - سبحانه - ميراث الأولاد والأبوين شرع فى بيان ميراث ~~الأزواج فقال - تعالى - { ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن ~~لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم ~~الربع مما تركن }. أى ولكم أيها الرجال نصف ما ترك أزواجكم من ~~المال إن لم يكن لهؤلاء الزوجات الموروثات ولد ذكرا كان أو أنثى، واحدا ~~كان أو ms1065 متعددا، منكم كان أو من غيركم فإن كان لهن ولد فلكم أيها الازواج ~~الربع مما تركن من المال. وبهذا نرى أن للزوج فى الميراث حالتين حالة ~~يأخذ فيها نصف ما تركته زوجته المتوفاة من مال إن لم تترك خلفها ولدا من ~~بطنها أو من صلب بنيها أو بنى بنيها... إلخ، فإن تركت ولدا على التفصيل ~~السابق كان لزوجها ربع ما تركت من مال وتلك هى الحالة الثانية للزوج، ~~ويكون الباقى فى الصورتين لبقية الورثة. وقوله { من بعد وصية ~~يوصين بهآ أو دين } متعلق بكلتا الصورتين. أى لكم ذلك أيها ~~الرجال من بعد استخراج وصيتهن وقضاء ما عليهن من ديون. ثم بين - سبحانه - ~~نصيب الزوجة فقال { ولهن الربع مما تركتم إن لم ~~يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن ~~مما تركتم }. أى أن للزوجات ربع المال الذى تركه أزواجهن إذا لم ~~يكن لهؤلاء الأزواج الأموات ولد من ظهورهم أو من ظهور بنيهم أو بنى ~~بنيهم.. إلخ فإن ترك الأزواج من خلفهم ولدا فللزوجات ثمن المال الذى تركه ~~أزواجهن ويكون المال الباقى فى الصورتين لبقية الورثة. ونرى من هذا أن ~~الزوجة على النصف فى التقدير من الزوج، وهو قاعدة عامة فى قسمة الميراث ~~بالنسبة للذكر والأنثى، ولم يستثن إلا الإخوة لأم، والأبوين فى بعض ~~الأحوال. وقوله { من بعد وصية توصون بهآ أو دين } ~~متعلق بما قبله. # أى لكن ذلك أيتها الزوجات من بعد استخراج وصيتهم وقضاء ما عليهم من ~~ديون. ثم بين - سبحانه، ميراث الإخوة والأخوات لأم فقال - تعالى - { ~~وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو ~~أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر ~~من ذلك فهم شركآء في الثلث }. والكلالة هم القرابة من ~~غير الأصول والفروع. قال صاحب الكشاف فإن قلت ما الكلالة؟ قلت ينطلق على ~~واحد من ثلاثة على من لم يخلف ولدا ولا والدا " وعلى من ليس بولد ولا ~~والد من المخلفين وعلى القرابة من غير جهة الولد والوالد، ومنه قولهم ما ~~ورث المجد ms1066 عن كلالة. كما تقول ما صمت عن عى، وما كف عن جبن. والكلالة فى ~~الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوة من الإعياء، قال الأعشى # فآليت لا أرثى لها من كلالة # فاستعيرت للقرابة من غير جهة الولد والوالد لأنها بالإضافة إلى قرابتها ~~كالة ضعيفة. عن أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - أنه سئل عن الكلالة ~~فقال الكلالة من لا ولد له ولا والد ". والظاهر أن كلمة " كلالة هنا وصف ~~للميت الموروث، لأنها حال من نائب فاعل قوله { يورث } وهو ضمير الميت ~~الموروث. والتقدير وإن كان رجل موروثا حال كونه كلالة. أى لم يترك ولدا ~~ولا والدا. ويرى بعضهم أن كلمة كلالة هنا وصف للوارث الذى ليس بولد ولا ~~والد للميت. لأن هؤلاء الوارثين يتكللون الميت من جوانبه، وليسوا فى عمود ~~نسبه، كالإكليل يحيط بالرأس، ووسط الرأس منه خال. من تكلله الشئ إذا ~~أحاط به. فسمى هؤلاء الأقارب الذين ليسوا من أصول الميت أو من فروعه ~~كلالة، لأنهم أطافوا به من جوانبه لا من عمود نسبه. وعلى هذا الرأى يكون ~~المعنى وإن كان رجل يورث حال كونه ذا وارث هو كلالة. أى أن وارثه ليس ~~بولد ولا والد له. والمراد بالإخوة والأخوات هنا الإخوة والاخوات لأم، ~~بدليل قراءة سعد بن أبى وقاص " وله أخ أو أخت من أم ". ويدل عليه - أيضا ~~- أن الله - تعالى - ذكر ميراث الإخوة مرتين هنا مرة، ومرة أخرى فى آخر ~~آية من هذه السورة وهى قوله # يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة # وقد جعل - سبحانه - فى الآية التى معنا للواحد السدس وللأكثر الثلث ~~شركة، وجعل فى الآية التى فى آخر السورة للأخت الواحدة النصف، وللأثنتين ~~الثلثين، فوجب أن يكون الإخوة هنا وهناك مختلفين دفعا للتعارض. ولأنه ~~لما كان الإخوة لأب وأم أو لأب فحسب أقرب من الإخوة لأم، وقد أعطى - ~~سبحانه - الأخت والأختين والإخوة فى آخر السورة نصيبا أوفر، فقد وجب حمل ~~الإخوة فى آخر السورة على الأشقاء أو الإخوة لأب. # كما وجب حمل الإخوة والأخوات هنا ms1067 على الإخوة لأم. والمعنى { وإن ~~كان رجل يورث كلالة } أى يورث من غير أصوله أو فروعه { أو ~~امرأة } أى تورث كذلك من غير أصولها أو فروعها. والضمير فى قوله { ~~وله } يعود لذلك الشخص الميت المفهوم من المقام. أو لواحد منهما - أى ~~الرجل والمرأة - والتذكير للتغليب. أو يعود للرجل واكتفى بحكمه عن حكم ~~المرأة لدلالة العطف على تشاركهما فى هذا الحكم. وقوله { أخ أو ~~أخت } أى من الأم فقط { فلكل واحد منهما } أى الأخ ~~والأخت { السدس } مما ترك ذلك المتوفى من غير تفضيل للذكر على ~~الأنثى. لأنهما يتساويان فى الإدلاء إلى الميت بمحض الانوثة. { فإن ~~كانوا } أى الإخوة والأخوات لأم، أكثر من واحد فهم شركاء فى الثلث، ~~يقتسمونه فيما بينهم بالسوية بين ذكورهم وإناثهم، والباقى من المال ~~الموروث يقسم بين أصحاب الفروض والعصبات من الورثة. وبذلك نرى أن الإخوة ~~والأخوات من الأم لهم حالتان إحداهما أن يأخذ الواحد أو الواحدة السدس ~~إذا انفردا. والثانية أن يتعدد الأخ لأم أو الأخت لأم وفى هذه الحالة ~~يكون نصيبهم الثلث يشتركون فيه بالسوية فلا فرق بين الذكر والأنثى. ثم ~~ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { من بعد وصية يوصى ~~بهآ أو دين غير مضآر وصية من الله والله ~~عليم حليم }. أى هذه القسمة التى قسمها الله - تعالى - لكم بالنسبة ~~للإخوة للأم إنما تتم بعد تنفيذ وصية الميت وقضاء ما عليه من ديون، من ~~غير ضرار الورثة بوصيته أو دينه. وفى قوله { يوصى } قراءتان سبعيتان ~~إحداهما بالبناء للمفعول أى { يوصى } - بفتح الصاد - فيكون قوله { ~~غير مضآر } حال من فاعل فعل مضمر يدل عليه المذكور. أى من بعد ~~وصية يوصى بها أو دين حالة كون الموصى به أو الدين غير مضار، أى غير ~~متسبب فى ضرر الورثة. والقراءة الثانية بالبناء للفاعل أى { يوصى } - ~~بكسر الصاد - فيكون قوله { غير مضآر } حال من فاعل الفعل المذكور ~~وهو ضمير { يوصى }. أى يوصى بما ذكر من الوصية والدين حال كونه " غير ~~مضار " أى غير مدخل الضرر على الورثة. وبهذا نرى أن ms1068 مرتبة الورثة فى ~~التقسيم تأتى بعد سداد الديون وبعد تنفيذ الوصايا ولذا ذكر سبحانه هذين ~~الأمرين أربع مرات فى هاتين الآيتين تأكيدا لحق الدائنين والموصى لهم ~~وتبرئة لذمة المتوفى فقد قال بعد بيان ميراث الأولاد والأبوين { من ~~بعد وصية يوصى بهآ أو دين } وقال بعد بيان ميراث الزوج ~~{ من بعد وصية يوصين بهآ أو دين } وقال بعد ميراث ~~الزوجة { من بعد وصية توصون بهآ أو دين } وقال بعد ~~بيان ميراث الإخوة والأخوات لأم { من بعد وصية يوصى بهآ ~~أو دين غير مضآر }. # وقد قدم - سبحانه - الوصية على الدين فى اللفظ مع أنها مؤخرة عن الدين ~~فى السداد، وذلك للتشديد فى تنفيذها، إذ هى مظنه الإهمال، أو مظنة ~~الإخفاء، ولأنها مال يعطى بغير عوض فكان إخراجها شاقا على النفس. فكان ~~من الاسلوب البليغ الحكيم العناية بتنفيذها، وكان من مظاهر هذه العناية ~~تقديمها فى الذكر. وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال فإن قلت لم قدمت ~~الوصية على الدين والدين مقدم عليها فى الشريعة؟ قالت لما كانت الوصية ~~مشبهة للميراث فى كونها مأخوذة من غير عوض، كان إخراجها مما يشق على ~~الورثة ويتعاظمهم ولا تطيب أنفسهم بها، فكان أداؤها مظنة للتفريط، بخلاف ~~الدين فإن نفوسهم مطمئنة إلى أدائه، فلذلك قدمت على الدين بعثا على ~~وجوبها والمسارعة إلى إخراجها مع الدين. فإن قلت ما معنى { أو }؟ قلت ~~معناها الإباحة، وأنه إذا كان أحدهما أو كلاهما، قدم على قسمة الميراث ~~كقولك جالس الحسن أو ابن سيرين. فأو هنا جئ بها للتسوية بينهما فى الوجوب ~~". وقوله - تعالى - { غير مضآر } يفيد النهى للموروث عن إلحاق ~~الضرر بورثته عن طريق الوصية أو بسبب الديون. والضرر بالورثة عن طريق ~~الوصية يتأتى بأن يوصى المورث بأكثر من الثلث، أو به فأقل مع قصده ~~الإضرار بالورثة فقد روى النسائى فى سننه عن ابن عباس أنه قال الضرار فى ~~الوصية من الكبائر ". وقال قتادة كره الله الضرار فى الحياة وعند الممات ~~ونهى عنه. والضرر بالورثة بسبب الدين يتأتى بأن يقر بدين ms1069 لشخص ليس له ~~عليه دين دفعا للميراث عن الورثة، أو يقر بأن الدين الذى كان له على غيره ~~قد استوفاه ووصل إليه، مع أنه لم يحصل شئ من ذلك. وقد ذكر - سبحانه - هذه ~~الجملة وهى قوله { غير مضآر } بعد حديثه عن ميراث الإخوة ~~والأخوات من الأم، تأكيدا لحقوقهم، وتحريضا على أدائها، لأن حقوقهم مظنة ~~الضياع والإهمال. ولا يزال الناس إلى الآن يكادون يهملون نصيب الإخوة ~~لأم. وقوله { وصية من الله } نصبت كلمة { وصية } فيه على ~~أنها مصدر مؤكد أى يوصيكم الله بذلك وصية. والتنوين فيها للتفخيم ~~والتعظيم. والجار والمجرور وهو { من الله } متعلق بمحذوف وقع صفة ~~لوصية أى وصية كائنة من الله فمن خالفها كان مستحقا لعقابه. وقوله { ~~والله عليم حليم } تذييل قصد به تربية المهابة فى القلوب من ~~خالقها العليم بأحوالها. أى والله عليم بما تسرون وما تعلنون، وبما يصلح ~~أحوالكم وبمن يستحق الميراث ومن لا يستحقه وبمن يطيع أوامره ومن يخالفها ~~حليم لا يعجل بالعقوبة على من عصاه، فهو - سبحانه - يمهل ولا يهمل. ~~فعليكم أن تستجيبوا لأحكامه، حتى تكونوا أهلا لمثوبته ورضاه. # ثم أكد - سبحانه - وجوب الانقياد لأحكامه، وبشر المطيعين بحسن الثواب. ~~وأنذر العصاة بسوء العقاب فقال { تلك حدود الله ومن يطع ~~الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم }. واسم ~~الإشارة { تلك } يعود إلى الأحكام المذكورة فى شأن المواريث وغيرها. ~~والمعنى تلك الأحكام التى ذكرها - سبحانه - عن المواريث وغيرها { حدود ~~الله } أى شرائعه وتكاليفه التى شرعها لعباده. والحدود جمع حد. وحد ~~الشئ طرفه الذى يمتاز به عن غيره. ومنه حدود البيت أى أطرافه التى تميزه ~~عن بقية البيوت. والمراد بحدود الله هنا الشرائع التى شرعها - سبحانه - ~~لعباده بحيث لا يجوز لهم تجاوزها ومخالفتها. وقد أطلق - سبحانه - على هذه ~~الشرائع كلمة الحدود على سبيل المجاز لشبهها بها من حيث إن المكلف لا ~~يجوز له أن يتجاوزها إلى غيرها. ثم قال - تعالى - { ومن يطع الله ~~ورسوله } أى فيما أمر به من الأحكام، وفيما شرعه ms1070 من شرائع تتعلق ~~بالمواريث وغيرها. { يدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار } أى تجرى من تحت أشجارها ومساكنها الأنهار { خالدين ~~فيها } أى باقين فيها لا يموتون ولا يفنون ولا يخرجون منها وقوله { ~~وذلك الفوز العظيم } أى وذلك المذكور من دخول الجنة الخالدة ~~الباقية بمن فيها هو الفوز العظيم، والفلاح الذى ليس بعده فلاح. ثم قال - ~~تعالى - { ومن يعص الله ورسوله } أى فيما أمر به من أوامر ~~وفيما نهى عنه من منهيات { ويتعد حدوده } التى تتعلق بالمواريث ~~وغيرها بأن يتجاوزها ويخالف حكم الله فيها. { يدخله نارا خالدا ~~فيها } أى. يدخله نارا هائلة عظيمة خالدا فيها خلودا أبديا إن كان من ~~أهل الكفر والضلال. وخالدا فيها لمدة لا يعلمها إلا الله إن كان من عصاة ~~المؤمنين. وقال هنا { خالدا فيها } بالإفراد، وقال فى شأن المؤمنين ~~{ خالدين فيها } بالجمع، للإيذان بأن أهل الطاعة جديرون بالشفاعة. ~~فإذا شفع أحدهم لغيره وقبل الله شفاعته. دخل ذلك الغير معه فى رضوان ~~الله. أما أهل الكفر والمعاصى فليسوا أهلا للشفاعة، بل يبقون فرادى، تحيط ~~بهم الذلة والمهانة من كل جانب. أو للاشعار بأن الخلود فى دار الثواب ~~يكون على هيئة الاجتماع الذى هو أجلب للأنس والبهجة. وبأن الخلود فى دار ~~العقاب يكون على هيئة الانفراد الذى هو أشد فى استجلاب الوحشة والهم. ~~وقوله { وله عذاب مهين } أى لهذا العاصى لله ولرسوله، والمتعدى ~~للحدود التى رسمها الله، عذاب عظيم من شأنه أن يخزى من ينزل به ويذله # وما ربك بظلام للعبيد # وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد وضحت أحكام المواريث بأبلغ بيان، وأحكم ~~تشريع، وبشرت المستحببين لشرع الله يجزيل الثواب، وأنذرت المعرضين عن ذلك ~~بسوء المصير. # هذا، ومن الأحكام والفوائد التى يمكن أن نستخلصها من هذه الآيات ما يأتى ~~أولا أن ترتيب الورثة قد جاء فى الآيتين الكريمتين على أحسن وجه، وأتم ~~بيان، وأبلغ أسلوب وذلك لأن الوارث - كما يقول الإمام الرازى - إما أن ~~يكون متصلا بالميت بغير واسطة أو بواسطة. فإن اتصل به بغير واسطة فسبب ~~الاتصال إما ms1071 أن يكون هو النسب أو الزوجية، فحصل هنا أقسام ثلاثة أولها ~~أشرفها وأعلاها الاتصال الحاصل ابتداء من جهة النسب، وذلك هو قرابة ~~الأولاد ويدخل فيها الأولاد والوالدان، فالله - تعالى - قدم حكم هذا ~~القسم. وثانيها الاتصال الحاصل ابتداء من جهة الزوجية. وهذا القسم متأخر ~~فى الشرف عن القسم الأول! لأن الأول ذاتى وهذا الثانى عرض، والذاتى أشرف ~~من العرض. وثالثها الاتصال الحاصل بواسطة الغير وهو المسمى بالكلالة. وهو ~~متأخر فى الشرف عن القسمين الأولين، لأنهما لا يعرض لهم السقوط بالكلية ~~وأما الكلالة فقد يعرض لهم السقوط بالكلية، ولأنهم يتصلان بالميت بغير ~~واسطة بخلاف الكلالة. فما أحسن هذا الترتيب، وما أشد انطباقه على قوانين ~~المعقولات ". ثانيا أن الآيتين الكريمتين قد بينتا الوارثين والوارثات ~~ونصيب كل وارث بالأوصاف التى جعلها الله - تعالى - سببا فى استحقاق ~~الإرث كالبنوة والأبوة والزوجية والأخوة. وقد ألغتا بالنسبة إلى اصل ~~الاستحقاق الذكورة والأنوثة والصغر والكبر وجعلتا للكل حقا معينا فى ~~الميراث. وبهذا أبطلتا ما كان عليه الجاهليون من جعل الإرث بالنسب ~~مقصورا على الرجال دون النساء والأطفال، وكانوا يقولون " لا يرث إلا من ~~طاعن بالرماح، وذاد عن الحوزة، وحاز الغنيمة ". ثالثا أن قوله - تعالى - ~~{ يوصيكم الله في أولادكم } إلخ يعم أولاد المسلمين ~~والكافرين والأحرار والأرقاء والقاتلين عمدا وغير القاتلين إلا أن السنة ~~النبوية الشريفة قد خصصت بعض هذا العموم، حيث أخرجت الكافر من هذا العموم ~~لحديث # " لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم " # وعلى هذا سار جمهور العلماء فلم يورثوا مسلما من كافر ولا كافرا من ~~مسلم. وذهب بعضهم إلى أن الكافر لا يرث المسلم ولكن المسلم يرث الكافر. ~~كذلك نص العلماء على أن الحر والعبد لا يتوارثان لأن العبد لا يملك، وعلى ~~أن القاتل عمدا لا يرث من قتله معاملة بنفيس مقصوده. رابعا أن نصيب ~~الأولاد إذا كانوا ذكورا وإناثا يكون بعد أن يأخذ الأبوان والأجداد ~~والجدات وأحد الزوجين أنصبتهم. وأن الأولاد يطلقون على فروع الشخص من ~~صلبه. أى أبنائه وأبناء أبنائه، وبنات أبنائه. وأن أبناء الشخص ms1072 وبناته ~~يقدمن على أبناء أبنائه وبنات أبنائه. أى أن الطبقة الأولى تستوفى حقها ~~فى الميراث قبل من يليها. وأن الأبناء والأبوين والزوجين لا يسقطون من ~~أصل الاستحقاق للميراث بحال، إلا أنهم قد يؤثر عليهم وجود غيرهم فى ~~المقدار المستحق. # وأنه متى أجتمع فى المستحقين للميراث ذكور وإناث من درجة واحدة، أخذ ~~الذكر مثل حظ الأنثيين إلا ما سبق لنا استثناؤه. خامسا لا يجوز للمورث أن ~~يسئ إلى ورثته لا عن طريق الوصية ولا عن طريق الدين ولا عن أى طريق آخر. ~~لأن الله - تعالى - قد نهى عن المضارة فقال { من بعد وصية ~~يوصى بهآ أو دين غير مضآر وصية من الله }. ~~وإن بدء الآيتين الكريمتين بقوله { يوصيكم الله في ~~أولادكم }. وختم أولاهما بقوله { فريضة من الله } وختم ~~ثانيتهما بقوله { وصية من الله } هذا البدء والختام لجديران ~~بأن يغرسا الخشية من الله فى قلوب المؤمنين الذين يخافون مقام ربهم، ~~وينهون أنفسهم عن السير فى طريق الهوى والشيطان. سادسا أنه يجب تقديم ~~حقوق الميت على تقسيم التركة، فقد كرر الله - تعالى - قوله { من بعد ~~وصية يوصى بهآ أو دين } كما سبق أن بينا. قال القرطبى ولا ~~ميراث إلا بعد أداء الدين والوصية فإذا مات المتوفى أخرج من تركته الحقوق ~~المعينات، ثم ما يلزم من تكفينه وتقبيره، ثم الديون على مراتبها، ثم يخرج ~~من الثلث الوصايا، وما كان فى معناها على مراتبها أيضا. ويكون الباقى ~~ميراثا بين الورثة. وجملتهم سبعة عشر. عشرة من الرجال وهم الابن وابن ~~الابن وإن سفل والأب وأب الأب وهو الجد وإن علا. والأخ وابن الأخ. والعم ~~وابن العم. والزوج ومولى النعمة. ويرث من النساء سبع وهن البنت وبنت ~~الابن وإن سفلت، والأم والجدة وإن علت. والأخت والزوجة. ومولاة النعمة ~~وهى المعتقة... ". وبعد أن أمر - سبحانه - بالإحسان إلى النساء. ~~وبمعاشرتهن معاشرة كريمة، وبين حقوقهن فى الميراث، أتبع ذلك ببيان حكمه - ~~سبحانه - فى الرجال والنساء إذا ما ارتكبوا فاحشة الزنا فقال - تعالى - { ~~واللاتي يأتين.....توابا رحيما }. ### || [4.15-16] # وقوله { واللاتي } جمع التى. ms1073 وهى تستعمل فى جمع من يعقل. أما إذا ~~أريد جمع ما لا يعقل من المؤنث فإنه يقال التى. تقول أكرمت النسوة اللاتى ~~حضرن. وتقول نزعت الأثواب التى كنت ألبسها. وهذا هو الرأى المختار. ~~وبعضهم يسوى بينهم فيقول فى الجمع المؤنث لغير العاقل اللاتى. وقوله { ~~يأتين } من الإتيان ويطلق فى الأصل على المجئ إلى شئ. والمراد به ~~هنا الفعل. أى واللاتى يفعلن { الفاحشة من نسآئكم }. ~~والفاحشة هي الفعلة القبيحة. وهى مصدر كالعافية. يقال فحش الرجل يفحش ~~فحشا. وأفحش إذا جاء بالقبح من القول أو الفعل. والمراد بها هنا الزنا. ~~وقوله { من نسآئكم } متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل { يأتين } ~~أى يأتين الفاحشة حال كونهن من نسائكم. والمراد بالنساء فى قوله { من ~~نسآئكم } النساء اللاتى قد أحصن بالزواج سواء أكن مازلن فى عصمة ~~أزواجهن أم لا. وهذا رأى جمهور الفقهاء. وبعضهم يرى أن المراد بالنساء ~~هنا مطلق النساء سواء أكن متزوجات أم أبكارا. والمعنى أن الله - تعالى ~~- يبين لعباده بعض الأحكام المتعلقة بالنساء فيقول أخبركم - أيها ~~المؤمنون - بأن اللاتى يأتين فاحشة الزنا من نسائكم، بأن فعلن هذه ~~الفاحشة المنكرة وهن متزوجات أو سبق لهن الزواج. { فاستشهدوا ~~عليهن أربعة منكم } أى فاطلبوا أن يشهد عليهن بأنهن أتين ~~هذه الفاحشة المنكرة أربعة منكم أى من الرجال المسلمين الأحرار. وقوله { ~~فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى ~~يتوفاهن الموت } أى فإن شهد هؤلاء الأربعة بأن هؤلاء النسوة ~~قد أتين هذه الفاحشة، فعليكم فى هذه الحالة أن تحبسوا هؤلاء النسوة فى ~~البيوت ولا تمكنوهن من الخروج عقوبة لهن، وصيانة لهن عن تكرار الوقوع فى ~~هذه الفاحشة المنكرة، وليستمر الأمر على ذلك { حتى يتوفاهن ~~الموت } أى حتى يقبض أرواحهن الموت. أو حتى يتوفاهن ملك الموت. وقوله ~~{ أو يجعل الله لهن سبيلا } أى أو يجعل الله لهن مخرجا ~~من هذا الإمساك فى البيوت، بأن يشرع لهن حكما آخر. وقوله { واللاتي ~~} فى محل رفع مبتدأ. وجملة { فاستشهدوا عليهن أربعة ~~منكم } خبره. وجاز دخول الفاء الزائدة فى الخبر. لأن المبتدأ أشبه ms1074 ~~الشرط فى كونه موصولا عاما صلته فعل مستقبل. وعبر - سبحانه - عن ارتكاب ~~فاحشة الزنا بقوله { يأتين } لمزيد التقبيح والتشنيع على فاعلها لأن ~~مرتكبها كأنه ذهب إليها عن قصد حتى وصل إليها وباشرها. واشترط - سبحانه - ~~شهادة أربعة من الرجال المسلمين الأحرار لأن الرمى بالزنا من أفحش ما ~~ترمى به المرأة والرجل، فكان من رحمة الله وعدله أن شدد فى إثبات هذه ~~الفاحشة أبلغ ما يكون التشديد، فقرر عدم ثبوت هذه الجريمة إلا بشهادة ~~أربعة من الرجال بحيث لا تقبل فى ذلك شهادة النساء. # قال الزهرى مضت السنة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين ~~من بعده أن لا تقبل شهادة النساء فى الحدود. وقرر أن تكون الشهادة ~~بالمعاينة لا بالسماع، ولذا قال { فإن شهدوا } أى إن ذكروا أنهم ~~عاينوا ارتكاب هذه الجريمة من مرتكبيها. وشهدوا على ما عاينوه وأبصروه { ~~فأمسكوهن في البيوت }. وحتى فى قوله. { حتى ~~يتوفاهن الموت } بمعنى إلى. والفعل بعدها منصوب بإضمار أن ~~وهى متعلقة بقوله { فأمسكوهن } غاية له. والمراد بالتوفى أصل ~~معناه أى الاستيفاء وهو القبض تقول توفيت مالى الذى على فلان واستوفيته ~~إذا قبضته. وإسناده إلى الموت باعتبار تشبيهه بشخص يفعل ذلك. والكلام على ~~حذف مضاف أى حتى يقبض أرواحهن الموت. أو حتى يتوفاهن ملائكة الموت. و " ~~أو " فى قوله { أو يجعل الله لهن سبيلا } ، للعطف، فقد ~~عطفت قوله { يجعل } على قوله { يتوفاهن } فيكون الجعل غاية ~~لإمساكهن أيضا. فيكون المعنى. أمسكوهن فى البيوت إلى أن يتوفاهن الموت، ~~أو إلى أن يجعل الله لهن سبيلا أى مخرجا من هذه العقوبة. وقد جعل الله - ~~تعالى - هذا المخرج بما شرعه بعد ذلك من حدود بأن جعل عقوبة الزانى البكر ~~الجلد. وجعل عقوبة الزانى الثيب الرجم وقد رجم النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - ماعز بن مالك الأسلمى، ورجم الغامدية، وكانا محصنين. قال الإمام ~~ابن كثير ما ملخصه كان الحكم فى ابتداء الإسلام أن المرأة إذا ثبت زناها ~~بالبينة العادلة حبست فى بيت فلا تمكن من الخروج منه إلى أن ms1075 تموت، ولهذا ~~قال - تعالى - { واللاتي يأتين الفاحشة من نسآئكم } ~~الآية. فالسبيل الذى جعله الله هو الناسخ لذلك - أى لإمساكهن فى البيوت ~~حتى يتوفاهن الموت -. قال ابن عباس كان الحكم كذلك حتى أنزل الله سورة ~~النور فنسخه بالجلد أو الرجم. وكذلك روى عن عكرمة وسعيد بن جبير والحسن ~~وعطاء وقتادة وزيد بن أسلم والضحاك أنها منسوخة. وهو أمر متفق عليه. روى ~~الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت قال # " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحى أثر عليه وكرب لذلك ~~وتغير وجهه فأنزل الله عليه ذات يوم فلما سرى عنه قال خذوا عنى خذوا عنى ~~قد جعل الله لهن سبيلا، الثيب بالثيب. والبكر بالبكر. الثيب جلد مائة ~~ورجم بالحجارة. والبكر جلد مائة ونفى سنة ". # وقد رواه مسلم وأصحاب السنن من طرق عبادة بن الصامت ". هذا وما ذكره ابن ~~كثير من أن هذا الحكم كان فى ابتداء الإسلام، ثم نسخ بما جاء فى سورة ~~النور وبما جاء فى حديث عبادة بن الصامت، هو مذهب جمهور العلماء. # وقال صاحب الكشاف ويجوز أن تكون غير منسوخة بأن يترك ذكر الحد لكونه ~~معلوما بالكتاب والسنة، ويوصى بإمساكهن فى البيوت بعد أن يحددن صيانة لهن ~~عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروج من البيوت والتعرض للرجال. { أو ~~يجعل الله لهن سبيلا } هو النكاح الذى يستغنين به عن ~~السفاح وقيل السبيل الحد، لأنه لم يكن مشروعا فى ذلك الوقت ". وقال أبو ~~سليمان الخطابى هذه الآية ليست منسوخة، لأن قوله { فأمسكوهن في ~~البيوت } ألخ، يدل على أن إمساكهن فى البيوت ممتد إلى غاية أن يجعل ~~الله لهن سبيلا، وذلك السبيل كان مجملا، فلما قال النبى صلى الله عليه ~~وسلم خذوا عنى. ألخ، صار هذا الحديث بيانا لتلك الآية لا ناسخا لها ". ثم ~~بين - سبحانه - حكما آخر فقال { واللذان يأتيانها منكم ~~فآذوهما }. أى واللذان يأتيان فاحشة الزنا من رجالكم ونسائكم فآذوهما ~~بالشتم والتوبيخ والزجر الشديد ليندما على ما فعلا وليرتدع سواهما بهما. ~~وقد اختلف العلماء فى المراد ms1076 بقوله { واللذان }. فمنهم من قال ~~المراد بهما الرجل والمرأة البكران اللذان لم يحصنا. ومنهم من قال المراد ~~بهما الرجلان يفعلان اللواط. ومنهم من قال المراد بهما الرجل والمرأة لا ~~فرق بين بكر وثيب. والمختار عند كثير من العلماء هو الرأى الأول، قالوا ~~لأن الله - تعالى - ذكر فى هاتين الآيتين حكمين أحدهما الحبس في البيوت. ~~والثاني الإيذاء، ولا شك أن من حكم عليه بالأول خلاف من حكم عليه ~~بالثانى، والشرع يخفف فى البكر ويشدد على الثيب، ولذلك لما نسخ هذا الحكم ~~جعل للثيب الرجم وللبكر الجلد، فجعلنا الحكم الشديد وهو الحبس على الثيب، ~~والحكم الأخف وهو الإيذاء على البكر. قالوا وقد نسخ حكم هذه الآية بآية ~~النور، حيث جعل حكم الزانيين اللذين لم يحصنا جلد مائة. فقد أخرجه ابن ~~جرير عن الحسن البصرى وعكرمة قالا فى قوله - تعالى - { واللذان ~~يأتيانها منكم فآذوهما } الآية، نسخ ذلك بآية الجلد وهى ~~قوله - تعالى - فى سورة النور # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة ~~جلدة # الآية. ومن العلماء من قال بأن هذه الآية غير منسوخة بآية النور، فإن ~~العقوبة ذكرت هنا مجملة غير واضحة المقدار لأنها مجرد الإيذاء، وذكرت ~~بعد ذلك مفصلة بينة المقدار فى سورة النور. أى أن ما ذكر هنا من قبيل ~~المجمل، وما ذكر فى سورة النور من قبيل المفصل، وأنه لا نسخ بين الآيتين. ~~هذا، ولأبى مسلم الأصفهاني رأى آخر فى تفسير هاتين الآيتين، فهو يرى أن ~~المراد باللاتى فى قوله { واللاتي يأتين الفاحشة من ~~نسآئكم } النساء السحاقات اللاتى يستمتع بعضهن ببعض وحدهن الحبس، ~~والمراد بقوله { واللذان يأتيانها منكم } اللائطون من ~~الرجال وحدهم الإيذاء. وأما حكم الزناة فسيأتى فى سورة النور. # قال الآلوسى وقد زيف هذا القول بأنه لم يقل به أحد، وبأن الصحابة قد ~~اختلفوا فى حكم اللوطى ولم يتمسك أحد منهم بهذه الآية، وعدم تمسكهم بها ~~مع شدة احتياجهم إلى نص يدل على الحكم دليل على أن الآية ليست فى ذلك. ~~وأيضا جعل الحبس فى البيت عقوبة السحاق لا ms1077 معنى له. لأنه مما لا يتوقف ~~على الخروج كالزنا. فلو كان المراد السحاقات لكانت العقوبة لهن عدم ~~اختلاط بعضهن ببعض لا الحبس والمنع من الخروج. وحيث جعل هو عقوبة دل ذلك ~~على أن المراد باللاتى يأتين الفاحشة الزانيات... ". والذى نراه أن هذا ~~الحكم المذكور فى الآيتين منسوخ، بعضه بالكتاب وبعضه بالسنة. أما الكتاب ~~فهو قوله - تعالى - فى سورة النور # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة ~~جلدة # الآية. وأما السنة فحديث عباده بن الصامت الذى سبق ذكره. وإنما قلنا ذلك ~~لأن ظاهر الآيتين يدل على أن ما ذكر فيهما من الحبس والإيذاء هو تمام ~~العقوبة، مع أنه لم يثبت عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه عاقب أحدا ~~من الزناة بالحبس أو بالإيذاء بعد نزول آية سورة النور. بل الثابت عنه ~~أنه كان يجلد البكر من الرجال والنساء، ويرجم المحصن منهما، ولم يضم إلى ~~إحدى هاتين العقوبتين حبسا أو إيذاء، فثبت أن هذا الحكم المذكور فى ~~الآيتين قد نسخ. ثم بين - سبحانه - الحكم فيما إذا أقلع الزانى والزانية ~~عن جريمتهما فقال { فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهمآ ~~إن الله كان توابا رحيما }. أى فإن تابا فعلا من ~~الفاحشة، وأصلحا أعمالهما { فأعرضوا عنهمآ } أى فاصفحوا عنهما ~~وكفوا عن أذاهما { إن الله كان توابا } أى مبالغا فى قبول ~~التوبة ممن تاب توبة صادقة نصوحا { رحيما } أى واسع الرحمة بعباده ~~الذين لا يصرون على معصية بل يتوبون إليه منها توبة صادقة. وبعد أن وصف - ~~سبحانه - ذاته بأنه هو التواب الرحيم عقب ذلك ببيان من تقبل منهم التوبة، ~~ومن لا تقبل منهم فقال { إنما التوبة.....عذابا أليما }. ### || [4.17-18] # والتوبة هى الرجوع إلى الله - تعالى - وإلى تعاليم دينه بعد التقصير ~~فيها مع الندم على هذا التقصير والعزم على عدم العودة إليه. والمراد بها ~~قبولها من العبد. فهى مصدر تاب عليه إذا قبل توبته. والمراد من الجهالة ~~فى قوله { يعملون السوء بجهالة } الجهل والسفه بارتكاب ~~مالا يليق بالعاقل، لا عدم العلم، لأن من لا يعلم لا يحتاج إلى ms1078 التوبة. ~~قال مجاهد كل من عصى الله عمدا أو خطأ فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته. ~~وقال قتادة اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فرأوا أن كل شئ عصى ~~الله به فهو جهالة عما كان أو غيره ". قال - تعالى - حكاية عن يوسف - ~~عليه السلام - # رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ~~وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من ~~الجاهلين # وقال حكاية عن موسى - عليه السلام - # أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين # وقال - سبحانه - مخاطبا نوحا - عليه السلام - # فلا تسئلن ما ليس لك به علم إني أعظك أن ~~تكون من الجاهلين # ووجه تسمية العاصى جاهلا - وإن عصى عن علم - أنه لو استعمل ما معه من ~~العلم بالثواب والعقاب لما عصى ربه، فلما لم يستعمل هذا العلم صار كأنه ~~لا علم له، فسمى العاصى جاهلا لذلك، سواء ارتكب المعصية مع العلم بكونها ~~معصية أم لا. والمعنى إنما قبول التوبة كائن أو مستقر على الله - تعالى - ~~لعباده الذين يعملون السوء، ويقعون فى المعاصى بجهالة أى يعملون السوء ~~جاهلين سفهاء، لأن ارتكاب القبيح مما يدعو إليه السفه والشهوة، لا مما ~~تدعو إليه الحكمة والعقل. وصدر - سبحانه - الآية الكريمة بإنما الدالة ~~على الحصر، للإشعار بأن هؤلاء الذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من ~~قريب، هم الذين يقبل الله توبتهم، ويقيل عثرتهم. وعبر - سبحانه - بلفظ ~~على فقال { إنما التوبة على الله } للدلالة على تحقق ~~الثبوت، حتى لكأن قبول التوبة من هؤلاء الذين { يعملون السوء ~~بجهالة ثم يتوبون من قريب } من الواجبات عليه، لأنه - ~~سبحانه - قد وعد بقبول التوبة وإذا وعد بشئ أنجزه، إذ الخلف ليس من صفاته ~~- تعالى - بل هو محال فى حقه - عز وجل -. ولفظ { التوبة } مبتدأ. ~~وقوله { للذين يعملون السوء بجهالة } متعلق بمحذوف ~~خبر. وقوله { على الله } متعلق بمحذوف صفة للتوبة. أى إنما التوبة ~~الكائنة على الله للذين يعملون السوء بجهالة... وقوله { بجهالة } ~~متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل { يعملون } أى يعملون السوء جاهلين ~~سفهاء. أو متعلق بقوله { يعملون } فتكون الباء للسببية ms1079 أى يعملون ~~السوء بسبب الجهالة. # وقوله { ثم يتوبون من قريب } أى ثم يتوبون فى زمن قريب من ~~وقت عمل السوء، ولا يسترسلون فى الشر استرسالا ويستمرئونه ويتعودون عليه ~~بدون مبالاة بإرتكابه. ولا شك أنه متى جدد الإنسان توبته الصادقة فى ~~أعقاب ارتكاب للمعصية كان ذلك أرجى لقبولها عند الله - تعالى - وهذا ما ~~يفيده ظاهر الآية. ومنهم من فسر قوله { من قريب } بما قبل حضور ~~الموت. وإلى هذا المعنى ذهب صاحب الكشاف فقال قوله { من قريب } أى من ~~زمان قريب. والزمان القريب ما قبل حضرة الموت ألا ترى إلى قوله { حتى ~~إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن }. فبين أن ~~وقت الاحتضار هو الوقت الذى لا تقبل فيه التوبة، فبقى ما وراء ذلك فى حكم ~~القريب. وعن ابن عباس قبل أن ينزل به سلطان الموت. وعن الضحاك كل توبة ~~قبل الموت فهى قريب ". وفى الحديث الشريف # " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " # - أى ما لم تتردد الروح فى الحلق. والذى نراه أن ما ذكره صاحب الكشاف ~~وغيره من أن قوله { من قريب } معناه من قبل حضور الموت، لا يتعارض مع ~~الرأى القائل بأن قوله { من قريب } معناه تم يتوبون فى وقت قريب من ~~وقت عمل السوء، لأن ما ذكره صاحب الكشاف وغيره بيان للوقت الذى تجوز ~~التوبة فيه ولا تنفع بعده، أما الرأى الثانى فهو بيان للزمن الذى يكون ~~أرجى قبولا لها عند الله. والعاقل من الناس هو الذى يبادر بالتوبة ~~الصادقة عقب المعصية بلا تراخ، لأنه لا يدرى متى يفاجئه الموت، ولأن ~~تأخبرها يؤدى إلى قسوة القلب، وضعف النفس، واستسلامها للأهواء والشهوات. ~~وقوله { فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله ~~عليما حكيما } بيان للوعد الحسن الذى وعد الله به عبادة الذين ~~عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من قريب. أى فأولئك المتصفون بما ذكر، يقبل ~~الله توبتهم، ويأخذ بيدهم إلى الهداية والتوفيق، ويطهر نفوسهم من أرجاس ~~الذنوب، وكان الله عليما بأحوال عباده وبما هم عليه من ضعف، حكيما يضع ms1080 ~~الأمور فى مواضعها حسبما تقتضيه مشيئته ورحمته بهم. وقوله { ~~فأولئك } مبتدأ. وقوله { يتوب الله عليهم } خبره. ~~وأشار إليهم بلفظ { أولئك } للإيذان بسمو مرتبتهم، وعلو مكانتهم، ~~وللتنبيه على استحضارهم باعتبار أوصافهم المتقدمة الدالة على خوفهم من من ~~خالقهم عز وجل - وقوله { وكان الله عليما حكيما } جملة ~~معترضة مقررة لمضمون ما قبلها. ثم بين - سبحانه - من لا تقبل توبتهم بعد ~~بيانه لمن تقبل توبتهم فقال { وليست التوبة للذين ~~يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت ~~قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار ~~}. أى وليست التوبة مقبولة عند الله بالنسبة للذين يعملون السيئات، ~~ويقترفون المعاصى، ويستمرون على ذلك { حتى إذا حضر أحدهم ~~الموت }. # بأن شاهد الأحوال التى لا يمكن معها الرجوع إلى الدنيا، وانقطع منه حبل ~~الرجاء فى الحياة { قال إني تبت الآن } أى قال فى هذا الوقت ~~الذى الفائدة من التوبة فيه إنى تبت الآن. وقوله { ولا الذين ~~يموتون وهم كفار } أى وليست التوبة مقبولة أيضا من الذين ~~يموتون وهم على غير دين الإسلام. فالآية الكريمة قد نفت قبول التوبة من ~~فريقين من الناس. أولهما الذين يرتكبون السيئات صغيرها وكبيرها، ويستمرون ~~على ذلك بدون توبة أو ندم حتى إذا حضرهم الموت، ورأوا أهواله، قال قائلهم ~~إنى تبت الآن وقد كرر القرآن هذا المعنى فى كثير من آياته، ومن ذلك قوله ~~- تعالى - # فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا # وقوله - تعالى - حكاية عن فرعون # حتى إذآ أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله ~~إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من ~~المسلمين آلآن وقد عصيت قبل وكنت من ~~المفسدين فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن ~~خلفك آية # وعدم قبول توبة هؤلاء فى هذا الوقت سببه أنهم نطقوا بها فى حالة ~~الاضطرار لا فى حالة الاختيار، ولأنهم نطقوا بها فى غير وقت التكليف. ~~وثانيهما الذين يموتون وهم على غير دين الإسلام، فقد أخرج الامام أحمد ~~عن أبى ذر الغفارى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن يقبل توبة عبده ما لم ms1081 يقع الحجاب. قيل وما الحجاب؟ قال أن تموت ~~النفس وهى مشركة ". # وكثير من العلماء يرى أن المراد بالفريق الثانى الكفار، لأن العطف يقتضى ~~المغايرة. ومنهم من يرى أن الفريق الأول شامل للكفار ولعصاة المؤمنين ~~فيكون عطف قوله { ولا الذين يموتون وهم كفار } من باب ~~عطف الخاص على العام لإفادة التأكيد. و { حتى } فى قوله { حتى ~~إذا حضر } حرف ابتداء.. والجملة الشرطية بعدها غاية لما قبلها. أى ~~ليست التوبة لقوم يعملون السيئات ويستمرون على ذلك فإذا حضر أحدهم الموت ~~قال كيت وكيت. وقوله { ولا الذين يموتون وهم كفار } ~~معطوف على الموصول قبله. أى ليس قبول التوبة لهؤلاء الذين يعملون ~~السيئات... ولا لهؤلاء الذين يموتون وهم كفار. ثم بين - سبحانه - سوء ~~عاقبتهم فقال - تعالى - { أولئك أعتدنا لهم عذابا ~~أليما } أى أولئك الذين تابوا فى غير وقت قبول التوبة هيأنا لهم عذابا ~~مؤلما موجعا بسبب ارتكاسهم فى المعاصى وابتعادهم عن الصراط المستقيم الذى ~~يرضاه - سبحانه - لعباده. ثم وجه القرآن نداء عاما إلى المؤمنين نهاهم ~~فيه عما كان شائعا فى الجاهلية من ظلم للنساء وإهدار لكرامتهن، وأمرهم ~~بحسن معاشرتهن، وبعدم أخذ شئ من حقوقهن فقال - تعالى - { يا أيها ~~الذين..... ميثاقا غليظا }. ### || [4.19-21] # قال القرطبى عند تفسيره للآية الأولى اختلفت الروايات وأقوال المفسرين ~~فى سبب نزولها فروى البخارى عن ابن عباس قال كانوا إذا مات الرجل كان ~~أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا يزوجوها، وإن شاءوا ~~لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية { يا أيها ~~الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النسآء كرها ~~}. وقال الزهرى وأبو مجلز كان من دعاتهم إذا مات الرجل يلقى ابنه من ~~غيرها أو أقرب عصبة ثوبه على المرأة فيصير أحق بها من نفسها ومن ~~أوليائها، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذى أصدقها الميت. وإن ~~شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها ولم يعطها شيئا، وإن شاء عضلها لتفتدى منه ~~بما ورثته من الميت أو تموت فيرثها. فأنزل الله هذه الآية { يا أيها ms1082 ~~الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النسآء كرها ~~}. الآية. وقيل كان يكون عند الرجل عجوز ونفسه تتوق إلى الشابة فيكره ~~فراق العجوز لمالها فيمسكها ولا يقربها حتى تفتدى منه بمالها أو تموت ~~فيرث مالها فنزلت هذه الآية. ثم قال القرطبى والمقصود من الآية إذهاب ما ~~كانوا عليه فى جاهليتهم، وألا تجعل النساء كالمال يورثن عن الرجال كما ~~يورث المال.. وهناك روايات أخرى فى سبب نزول هذه الآية هذه الآية ساقها ~~ابن جرير وابن كثير وغيرهما، وهى قريبة فى معناها، مما أورده القرطبى، ~~لذا اكتفينا بما ساقه القرطبى. وكلمة { كرها } قرأها حمزة والكسائى ~~بضم الكاف. وقرأها الباقون بفتحها قال الكسائى وهما لغتان بمعنى واحد. ~~وقال الفراء الكره - بفتح الكاف - بمعنى الإكراه. وبالضم بمعنى المشقة. ~~فما أكره عليه الإنسان فهو كره - بالفتح - وما كان من جهة نفسه فهو كره ~~- بالضم -. والمعنى يأيها الذين آمنوا وصدقوا بالحق الذى جاءهم من عند ~~الله، لا يحل لكم أن تأخذوا نساء موتاكم بطريق الإرث وهن كارهات لذلك أو ~~مكرهات عليه، لأن هذا الفعل من أفعال الجاهلية التي حرمها الإسلام لما ~~فيها من ظلم للمرأة وإهانة لكرامتها. وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف ~~بقوله " كانوا يبلون النساء بضروب من البلايا، ويظلموهن بأنواع من الظلم، ~~فزجروا عن ذلك. فقيل { لا يحل لكم أن ترثوا النسآء ~~كرها } أى أن تأخذوهن على سبيل الإرث كما تحاز المواريث وهن كارهات ~~لذلك أو مكروهات ". وقد وجه - سبحانه - النداء إلى المؤمنين فقال { ~~أيها الذين آمنوا } ليعم الخطاب جميع الأمة، فيأخذ كل مكلف ~~فيها بحظه منه سواء أكان هذا المكلف من أولياء المرأة أم من الأزواج أم ~~من الحكام من غيرهم. وفى مخاطبتهم بصفة الإيمان تحريك لحرارة العقيدة فى ~~قلوبهم، وتحريض لهم على الاستجابة إلى ما يقتضيه الإيمان من طاعة لشريعة ~~الله - تعالى -. # وصيغة { لا يحل لكم } صيغة تحريم صريح لأن الحل هو الإباحة فى ~~لسان العرب ولسان الشريعة. فنفيه يراجف معنى التحريم. وليس النهى فى قوله ~~{ لا يحل لكم أن ترثوا النسآء ms1083 كرها } منصبا على إرث ~~أموالهن كما هو المعتاد، وإنما النهى منصب على إرث المراة ذاتها كما ~~كانوا يفعلون فى الجاهلية إذ كانوا يجعلون ذات المرأة كالمال فيرثونها من ~~قريبهم كما يرثون ماله. وقوله { كرها } مصدر منصوب على أنه حال من ~~النساء. أى حال كونهن كارهات لذلك أو مكروهات عليه. والتقييد بالكره لا ~~يدل على الجواز عند عدمه، لأن تخصيص الشئ بالذكر لا يدل على نفى ما عداه، ~~كما فى قوله - تعالى - # ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق # وقوله { ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض مآ ~~آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } نهى ~~آخر عن بعض الأعمال السيئة التى كان أهل الجاهلية يعاملون بها المرأة. ~~وهو معطوف على قوله { أن ترثوا... }. وأعيد حرف " لا " للتوكيد. أى ~~لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها، ولا يحل لكم أن تعضلوهن. وأصل العضل ~~التضييق والحبس والمنع. يقال عضلت الناقة بولدها، إذا نشب فى بطنها وتعسر ~~عليه الخروج. وهو أعضل به الأمر، إذا اشتد وتعسر. والمراد به هنا منع ~~المرأة من الزواج والتضييق عليها فى ذلك، سواء أكان هذا المنع والتضييق ~~من الزوج أم من غيره. أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال قوله - تعالى - { ~~ولا تعضلوهن }. يقول ولا تقهروهن لتذهبوا ببعض ما آيتموهن، يعنى ~~الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيؤذيها لتفتدى - ~~أى لتفتدى نفسها منه بأن تترك له مالها عليه من مهر أو مال -. وقيل كان ~~أولياء الميت يمنعون زوجته من التزوج بمن شاءت، ويتركونها على ذلك حتى ~~تدفع لهم ما أخذت من ميراث الميت، أو حتى تموت فيرثوها. والمعنى لا يحل ~~لكم - أيها المؤمنون - أن ترثوا النساء كرها، ولا أن تمنعوهن من الزواج { ~~لتذهبوا ببعض مآ آتيتموهن } من الصداق أو غيره، بأن ~~يدفعن إليكم بعضه اضطرارا فتأخذوه منهن، فإن هذا الفعل يبغضه الله - ~~تعالى -. ويبدو لنا من سياق الآية أن النهى عن عضل المرأة هنا - وإن كان ~~يتناول جميع المكلفين -، إلا أن المعنى به الأزواج ابتداء، لأنهم - فى ~~الغالب - هم الذين ms1084 كانوا يفعلون ذلك. ولذا قال ابن جرير - بعد أن ذكر ~~الأقوال فى المعنى بالخطاب فى قوله { ولا تعضلوهن }. " وأولى ~~الأقوال التى ذكرناها بالصحة فى تأويل قوله { ولا تعضلوهن } قول ~~من قال " نهى الله زوج المرأة عن التضييق عليها، والإضرار بها، وهو ~~لصحبتها كاره ولفراقها محب، لتفتدى منه ببعض ما آتاها من الصداق. # وإنما قلنا ذلك أولى بالصحة، لأنه لا سبيل لأحد إلى عضل المرأة إلا لأحد ~~رجلين إما لزوجها بالتضييق عليها... ليأخذ منها ما آتاها... أو لوليها ~~الذى إليه إنكاحها. ولما كان الولى معلوما أنه ليس ممن آتاها شيئا. كان ~~معلوما أن الذى عنى الله - تعالى - بنهيه عن عضلها هو زوجها الذى له ~~السبيل إلى عضلها ضرارا لتفتدى منه ". والاستثناء فى قوله { إلا أن ~~يأتين بفاحشة مبينة } متصل من أعم العلل والأسباب، أى لا ~~تعضلوهن لعلة من العلل أو لسبب من الأسباب إلا أن يأتين بفاحشة مبينة. ~~لسوء أخلاقهن، وكاشفة عن أحوالهن. كالزنا والنشوز، وسوء الخلق، وإيذاء ~~الزوج وأهله بالبذاء وفحش القول ونحوه، فلكم العذر فى هذه الأحوال فى طلب ~~الخلع منهن، وأخذ ما أتيتموهن من المهر لوجود السبب من جهتهن لا من ~~جهتكم. والأصل فى هذا الحكم قوله - تعالى - # ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا ~~إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ~~ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما ~~افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها # ويرى بعضهم أن الاستثناء هنا منقطع فيكون المعنى ولا تعضلوهن لتذهبوا ~~ببعض ما آتيتموهن لكن إن يأتين بفاحشة مبينة يحل لكم أخذ المهر الذى ~~آتيتموهن إياه أو أخذ بعضه. ثم أمر الله - تعالى - الرجال - وخصوصا ~~الأزواج - بحسن معاشرة النساء فقال { وعاشروهن بالمعروف }. ~~والمعاشرة مفاعلة من العشرة وهى المخالطة والمصاحبة. أى وصاحبوهن ~~وعاملوهن بالمعروف، أى بما حض عليه الشرع وارتضاه العقل من الأفعال ~~الحميدة، والأقوال الحسنة. قال ابن كثير قوله - تعالى - { ~~وعاشروهن بالمعروف } أى طيبوا أقوالاكم لهن، وحسنوا أفعالكم ~~وهيئاتكم بحسب قدرتكم. كما تحب ذلك منها، فافعل أنت مثله. ms1085 كما قال - ~~تعالى - # ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلى " # وكان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه جميل العشرة، دائم البشر، يداعب ~~أهله، ويتلطف بهم، ويضاحك نساءه. حتى أنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين - ~~رضى الله عنها - يتودد إليها بذلك. قالت سابقنى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فسبقته. وذلك قبل أن أحمل اللحم. ثم سابقته بعد ما حملت اللحم ~~فسبقنى. فقال هذه بتلك. وكان صلى الله عليه وسلم يجمع نساءه كل ليلة فى ~~بيت التي يبيت عندها فيأكل معهن العشاء فى بعض الأحيان، ثم تنصرف كل ~~واحدة إلى منزلها. وكان ينام مع المرأة من نسائه فى شعار واحد. يضع عن ~~كتفيه الرداء وينام بالإزار. # وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلا قبل أن ينام. يؤانس ~~بذلك صلى الله عليه وسلم. وقد قال - تعالى - # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة # هذا، وللإمام الغزالى كلام حسن فى كتابه الإحياء عند حديثه عن آداب ~~معاشرة النساء، فقد قال ما ملخصه ومن آداب المعاشرة حسن الخلق معهن، ~~واحتمال الأذى منهن، ترحما عليهن، لقصور عقلهن. قال - تعالى - { ~~وعاشروهن بالمعروف } وقال فى تعظيم حقهن { وأخذن ~~منكم ميثاقا غليظا }. ثم قال واعلم أنه حسن الخلق معها كف الأذى ~~عنها، بل احتمال الأذى منها، والحلم عن طيشها وغضبها، اقتداء برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. فقد كانت أزواجه تراجعنه الكلام. ومن آداب المعاشرة ~~- أيضا - أن يزيد على احتمال الأذى منها بالمداعبة والمزح والملاعبة، ~~فهى التى تطيب قلوب النساء. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح ~~معهن وينزل إلى درجات عقولهن فى الأعمال. وقال عمر - رضى الله عنه - ~~ينبغى للرجل أن يكون فى أهله مثل الصبى. فإذا التمسوا ما معنده وجدوه ~~رجلا. وكان ابن عباس - رضى الله عنه - يقول " إنى - لأتزين لامرأتى كما ~~تتزين لى ". ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان أنه لا يصح للرجال أن ~~يسترسلوا فى كراهية ms1086 النساء إن عرضت لهم أسباب الكراهية، بل عليهم أن ~~يغلبوا النظر إلى المحاسن، ويتغاضوا عن المكاره فقال - تعالى - { فإن ~~كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله ~~فيه خيرا كثيرا }. أى فإن كرهتم صحبتهن وإمساكهن فلا تتعجلوا فى ~~مفارقتهن، فإنه عسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله لكم فى الصبر عليه وعدم ~~إنفاذه خيرا كثيرا فى الدنيا والآخرة. فالآية الكريمة ترشد إلى حكم ~~عظيمة منها أن على العاقل أن ينظر إلى الحياة الزوجية من جميع نواحيها، ~~لا من ناحية واحدة منها وهى ناحية البغض والحب.. وأن ينظر فى العلاقة ~~التى بينه وبين زوجه بعين العقل والمصلحة المشتركة، لا بعين الهوى.. وأن ~~يحكم دينه وضميره قبل أن يحكم عاطفته ووجدانه. فربما كرهت النفس ما هو ~~أصلح فى الدين وأحمد وأدنى إلى الخير، وأحبت ما هو بضد ذلك، وربما يكون ~~الشئ الذى كرهته اليوم ولكنها لم تسترسل فى كراهيته سيجعل الله فيه خيرا ~~كثيرا فى المستقبل. قال - تعالى - # وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن ~~تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم ~~لا تعلمون # قال القرطبى روى الإمام مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضى منها آخر " # أى لا يبغضها بغضا كليا يحمله على فراقها. # أى لا ينبغى له ذلك، بل يغفر سيئتها لحسنتها، ويتغاضى عما يكره لما يحب ~~- والفرك البغض الكلى الذى تنسى مع كل المحاسن -. وقال مكحول سمعت ابن ~~عمر رضى الله عنهما - يقول إن الرجل ليستخير الله - تعالى - فيخار له، ~~فيسخط على ربه - عز وجل - فلا يلبث أن ينظر فى العاقبة فإذا هو قد خير له ~~". وبعد أن بين - سبحانه - أنه يجوز للرجل أن يأخذ من المرأة بعض ما ~~أعاطاها من صداق إذا أتت بفاحشة مبينة.. عقب ذلك ببيان الحكم فيما إذا ~~كان الفراق من جانب الزوج دون أن تكون المرأة قد أتت بفاحشة فقال - تعالى ~~- { وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ms1087 وآتيتم ~~إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا } والاستبدال ~~طلب البدل، بأن يطلق الرجل امرأة ويتزوج بأخرى. والقنطار أصله من قنطرت ~~الشئ إذا رفعته. ومنه القنطرة، لأنها بناء مرتفع مشيد. والمراد به هنا ~~المال الكثير الذى هو أقصى ما يتصور من مهر يدفعه الرجل للمرأة. والمعنى ~~وإن أردتم أيها الأزواج { استبدال زوج } أى تزوج امرأة ترغبون ~~فيها " مكان زوج " أى مكان امرأة لا ترغبون فيها، بل ترغبون فى طلاقها { ~~وآتيتم إحداهن قنطارا } أى أعطى أحدكم إحدى الزوجات التى ~~تريدون طلاقها مالا كثيرا على سبيل الصداق لها { فلا تأخذوا ~~منه شيئا } أى فلا نأخذوا من المال الكثير الذى أعطيتموه لهن شيئا ~~أيا كان هذا الشئ، لأن فراقهن كان بسبب من جانبكم لا من جانبهن. وعبر - ~~سبحانه - ب { إن } التى تفيد الشك فى وقوع الفعل للتنبيه على ان ~~الإرادة قد تكون غير سليمة، وغير مبنية على أسباب قوية، فعلى الزوج أن ~~يتريث ويتثبت ويحسن التدبر فى عواقب الأمور. والمراد بالزوج فى قوله { ~~استبدال زوج مكان زوج } الجنس الذى يصدق على جميع ~~الأزواج. والمراد من الإيتاء فى قوله { وآتيتم } الالتزام والضمان. ~~أى التزمتم وضمنتم أن تؤتوا إحداهن هذا المال الكثير. والجملة حالية ~~بتقدير قد. أى وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج والحال أنكم قد آتيتم التى ~~تريدون أن تطلقوها قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا. والاستفهام فى قوله { ~~أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا } للإنكار والتوبيخ، ~~والبهتان هو الكذب الذى يدهش ويحير لفظاعته. ويطلق على كل أمر كاذب يتحير ~~العقل فى إدراك سببه أو لا يعرف مبررا لوقوعه، كمن يعتدى على الناس ~~ويتقول عليهم الأقاويل، مع أنه ليست هناك عداوة سابقة بينه وبينهم. قال ~~صاحب الكشاف والبهتان أن تستقبل الرجل بأمر قبيح تقذفه به وهو برئ منه ~~ولأنه يبهت عند ذلك. أى يتحير. والإثم هو الذنب العظيم الذى يبعد صاحبه ~~عن رضا الله - تعالى - " والمبين " هو الشئ الواضح الذى يعلن عن نفسه ~~بدون لبس أو خفاء. # وقوله { بهتانا وإثما } مصدران منصوبان على الحالية بتأويل ~~الوصف، أى أتأخذون ms1088 ما تريدون أخذه منهن باهتين، أى فاعلين فعلا تتحير ~~العقول فى سببه، وآثمين بفعله إثما واضحا لا لبس فيه ولا خفاء؟! ويصح أن ~~يكون المصدران مفعولين لأجله، ويكون ذلك أشد فى التوبيخ والإنكار، إذ ~~يكون المعنى عليه أتأخذونه لأجل البهتان والإثم المبين الذى يؤدى إلى ~~غضب الله عليكم؟! إن إيمانكم يمنعكم من إرتكاب هذا الفعل الشنيع فى قبحه. ~~قالوا كان الرجل فى الجاهلية إذا أراد التزوج بأمرأة أخرى، بهت التى تحته ~~- أى رماها بالفاحشة التى هى بريئة منها - حتى يلجئها إلى أن تطلب طلاقها ~~منه فى نظير أن تترك له ما لها عليه من صداق أو غيره، فنهوا عن ذلك. ثم ~~كرر - سبحانه - توبيخه لمن يحاول أخذ شئ من صداق زوجته التى خاطلته فى ~~حياته مدة طويلة فقال { وكيف تأخذونه وقد أفضى ~~بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا }. وأصل ~~أفضى - كما يقول الفخر الرازى - من الفضاء الذى هو السعة يقال فضا يفضو ~~فضوا وفضاء إذا اتسع. ويقال افضى فلان إلى فلان أى وصل إليه وأصله أنه ~~صار فى فرجته وفضائه. المراد بالإفضاء هنا الوصول والمخالطة لأن الوصول ~~إلى الشئ قطع للفضاء الذى يبين المتواصلين. والاستفهام فى قوله { ~~وكيف تأخذونه... } للتعجب من حال من يأخذ شيئا مما أعطاه ~~لزوجته بعد إنكار ذات الأخذ. والمراد بالميثاق الغليظ فى قوله { ~~وأخذن منكم ميثاقا غليظا } هو ما أخذه الله للنساء على ~~الرجال من حسن المعاشرة أو المفارقة بإحسان كما فى قوله - تعالى - # فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان # وليس أخذ شئ مما أعطاه الرجال للنساء من التسريح بإحسان، بل يكون من ~~التسريح الذى صاحبه الظلم والإساءة. والمراد بالميثاق الغليظ الذى أخذ ~~كلمة النكاح المعقود على الصداق، والتى بها تستحل فروج النساء، ففى صحيح ~~مسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال فى خطبة حجة الوداع # " استوصوا بالنساء خيرا فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن ~~بكلمة الله ". # والمعنى بأى وجه من الوجوه تستحلون يا معشر الرجال ان تأخذوا شيئا من ~~الصداق الذى ms1089 أعطيتموه لنسائكم عند مفارقتهن والحال أنكم قد اختلط بعضكم ~~ببعض، وصار كل واحد منكم لباسا لصاحبه، وأخذن منكم عهدا وثيقا مؤكدا مزيد ~~تأكيد لا يحل لكم أن تنقضوه أو تخالفوه!!؟ فأنت ترى أن الله - تعالى - قد ~~منع الرجال من أخذ شئ من الصداق الذى أعطوه لنسائهم لسببين أحدهما ~~الإفضاء وخلوص كل زوج لنفس صاحبه حتى صارا كأنهما نفس واحدة. وثانيهما ~~الميثاق الغليظ الذى أخذ على الرجال بأن يعاملوا النساء معاملة كريمة. # والضمير فى قوله { وأخذن } للنساء. والآخذ فى الحقيقة إنما هو الله ~~- تعالى - إلا أنه سبحانه - نسبه إليهن للمبالغة فى المحافظة على حقوقهن، ~~حتى جعلهن كأنهن الآخذات له. قال بعضهم وهذا الإسناد مجاز عقلى، لأن ~~الآخذ للعهد هو الله. أى وقد أخذ الله عليكم العهد لأجلهن وبسبيهن. فهو ~~مجاز عقلى من الإسناد إلى السبب ". ووصف - سبحانه - الميثاق بالغلظة ~~لقوته وشدته. فقد قالوا صحبة عشرين يوما قرابة. فكيف بما جرى بين الزوجين ~~من الاتحاد والامتزاج؟! هذا، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه ~~الآيات الكريمة ما يأتى 1- تكريم الإسلام للمرأة، فقد كانت فى الجاهلية ~~مهضومة الحق، يعتدى عليها بأنواع من الاعتداء، فرفعها الله - تعالى - بما ~~شرعه من تعاليم إسلامية من تلك الهوة التى كانت فيها، وقرر لها حقوقها، ~~ونهى عن الاعتداء عليها. ومن مظاهر ذلك أنه حرم أن تكون موروثة كما يورث ~~المال. وكذلك حرم عضلها وأخذ شئ من صداقها إلا إذا أتت بفاحشة مبينة. ~~وأمر الرجال بأن يعاشروا النساء بالمعروف، وأن يصبروا على أخطائهن رحمة ~~بهن. 2- جواز الإصداق بالمال الكثير لأن الله - تعالى - قال { ~~وآتيتم إحداهن قنطارا }. والقنطار المال الكثير الذى هو ~~أقصى ما يتصور من مهور. قال القرطبى ما ملخصه قوله - تعالى - { ~~وآتيتم إحداهن قنطارا } دليل على جواز المغالاة فى ~~المهور، لأن الله - تعالى - لا يمثل إلا بمباح. وخطب عمر - رضى الله عنه ~~- فقال ألا لا تغالوا فى صدقات النساء، فإنها لو كانت مكرمة فى الدنيا أو ~~تقوى عند الله، لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1090 ولكن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا من بناته فوق ~~اثنتى عشرة أوقية. فقامت إليه امرأة فقال يا عمر. يعطينا الله وتحرمنا!! ~~أليس الله تعالى - يقول { وآتيتم إحداهن قنطارا فلا ~~تأخذوا منه شيئا }؟ فقال عمر أصابت امرأة وأخطأ عمر.. وفى ~~رواية أنه أطرق ثم قال امرأة أصابت ورجل أخطأ وترك الإنكار. ثم قال ~~القرطبى وقال قوم لا تعطى الآية جواز المغالاة فى المهور، لأن التمثيل ~~بالقنطار إنما هو على جهة المبالغة كأنه قال وآتيتم هذا القدر العظيم ~~الذى لا يؤتيه أحد.. ولقد # " قال النبى صلى الله عليه وسلم لإبن أبى حدرد - وقد جاءه يستعين فى ~~مهره فسأله عنه فقال مائتين، فغضب صلى الله عليه وسلم وقال " كأنكم ~~تقطعون الذهب والفضة من عرض الحرة " " # أى من ذلك المكان الذى به حجارة نخرة سود - فاستقرأ بعض الناس من هذا ~~منع المغالاة فى المهور ". # والذى نراه أن الآية الكريمة وإن كانت تفيد جواز الإصداق بالمال ~~الجزيل، إلا ان الأفضل عدم المغالاة فى ذلك، مع مراعاة أحوال الناس من ~~حيث الغنى والفقر وغيرهما. ولقد ورد ما يفيد الندب إلى التيسير فى ~~المهور. فقد أخرج أبو داود والحاكم من حديث عقبة بن عامر قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " خير الصداق أيسره ". # 3- أن الرجل إذا أراد فراق امرأته. فلا يحل له أن يأخذ منها شيئا ما دام ~~الفراق بسببه ومن جانبه كما أنه لا ينبغى له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاه ~~إياها إذا كان الفراق بسببها ومن جانبها. 4- اتفق العلماء على أن المهر ~~يستقر بالوطء. واختلفوا فى استقراره بالخلوة المجردة. قال القرطبى ~~والصحيح استقراره بالخلوة مطلقا. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه. قالوا إذا ~~خلا بها خلوة صحيحة يجب كمال المهر والعدة. دخل بها أو لم يدخل بها. لما ~~رواه الدارقطنى عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من كشف خمار امرأة ونظر إليها وجب الصداق " # وقال مالك إذا طال مكثه معها السنة ms1091 ونحوها. واتفقا على ألا مسيس. وطلبت ~~المهر كله كان لها. وبعد أن نهى - سبحانه - عن ظلم المرأة فى حال ~~الزوجية. وعن ظلمها بعد وفاة زوجها. وعن ظلمها فى حالة فراقها. وأمر ~~بمعاشرتها بالمعروف بعد كل ذلك بين - سبحانه - من لا يحل الزواج بهن من ~~النساء ومن يحل الزواج بهن حتى تبقى للأسرة فوتها ومودتها فقال - تعالى- ~~{ ولا تنكحوا....عليما حكيما }. ### || [4.22-24] # أورد المفسرون روايات فى سبب نزول قوله - تعالى - { ولا تنكحوا ~~ما نكح آباؤكم من النسآء } الآية. ومن هذه الروايات ما ~~رواه ابن أبى حاتم - بسنده - # " عن رجل من الأنصار قال لما توفى أبو قيس - يعنى ابن الأسلت - وكان من ~~صالحى الأنصار، فخطب ابنه قيس امرأته فقالت إنما أعدك ولدا لى وأنت من ~~صالحى قومك، ولكنى آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستأمره. فأتت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن أبا قيس توفى. فقال " ~~خيرا ". ثم قالت إن ابنه قيسا خطبنى وهو من صالحى قومه، وإنما كنت أعده ~~ولدا لى فماذا ترى؟ فقال لها " ارجعي إلى بيتك " # فنزلت { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النسآء ~~إلا ما قد سلف }. وقال القرطبى قوله - تعالى - { ولا ~~تنكحوا ما نكح آباؤكم من النسآء } يقال كان الناس ~~يتزوجون امرأة الأب برضاها بعد نزول قوله - تعالى - # يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا ~~النسآء كرها # حتى نزلت هذه الآية { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم } فصار ~~حراما فى الأحوال كلها، لأن النكاح يقع على الجماع والتزوج، فإن كان الأب ~~تزوج امرأة وطئها يغير نكاح حرمت على ابنه. ثم قال وقد كان فى العرب ~~قبائل قد اعتادت أن يخلف ابن الرجل على امرأة أبيه. وكانت هذه السيرة فى ~~الأنصار لازمة، وكانت فى قريش مباحة على التراضى، فنهى الله المؤمنين عما ~~كان عليه آباؤهم من هذه السيرة ". وقوله { ولا تنكحوا ما نكح ~~آباؤكم } الخ. معطوف على قوله # لا يحل لكم أن ترثوا النسآء كرها # و { ما } فى قوله { ما نكح آباؤكم } موصول ms1092 اسمى مراد به الجنس. ~~أى لا تنكحوا التى نكح آباؤكم. وقوله { من النسآء } بيان ل { ما ~~} الموصولة. ويرى بعضهم أن " ما " هنا مصدرية فيكون المعنى. ولا تنكحوا ~~نكاحا مثل نكاح آبائكم الفاسد الذى كانوا يفعلونه فى الجاهلية. قال ~~الآلوسى. وإنما خص هذا النكاح بالنهى، ولم ينظم فى سلك نكاح المحرمات ~~الآتية " مبالغة فى الزجر عنه. حيث كان ذلك ديدنا لهم فى الجاهلية ". ~~فالآية الكريمة تحرم على الأبناء أن يتزوجوا من النساء اللائى كن أزواجا ~~لآبائهم. وكلمة { آباؤكم } فى قوله { ولا تنكحوا ما نكح ~~آباؤكم } تشمل كل الأصول من الرجال. أي تشمل الأجداد جميعا سواء ~~أكانوا من جهة الأب أو من جهة الأم والاستثناء فى قوله { إلا ما قد ~~سلف } استثناء منقطع. والمعنى لا تنكحوا أيها المؤمنون ما نكح آباؤكم ~~من النساء. لأنه من أفعال الجاهلية القبيحة، لكن ما قد سلف ومضى منه قبل ~~نزول هذه الآية فلا تؤاخذون عليه، فمن كان متزوجا من امرأة كانت زوجة ~~لأبيه من النسب أو من الرضاع، فإنها تصير حراما عليه من وقت نزول هذه ~~الآية الكريمة، ويجب عليه أن يفارقها أما ما مضى من هذا النكاح القبيح ~~فلا تثريب عليكم فيه، وتثبت به أحكام النكاح من النسب وغيره من الأحكام. # ويرى بعضهم أن الاستثناء هنا متصل مما يستلزمه النهى، ويستوجبه مباشرة ~~المنهى عنه من العقاب. فكأنه قيل ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ~~فإنه قبيح ومعاقب عليه من الله - تعالى -، إلا ما قد سلف ومضى، فإنه معفو ~~عنه. وقد وجه صاحب الكشاف الاستثناء بوجه آخر فقال فإن قلت كيف استثنى ما ~~قد سلف مما نكح آباؤهم؟ قلت كما استثنى " غير أن سيوفهم " من قول الشاعر # " ولا عيب فيهم " غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب # يعنى إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه، فإنه لا يحل لكم غيره، ~~وذلك غير ممكن والغرض المبالغة فى تحريمه، وسد الطريق إلى إباحته كما ~~يعلق بالمحال فى التأييد نحو قولهم حتى يبيض الفأر. وحتى يلج ms1093 الجمل فى سم ~~الخياط. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان أن هذا النوع من النكاح ~~فى نهاية السوء والقبح فقال { إنه كان فاحشة ومقتا وسآء ~~سبيلا }. أى إن هذا النوع من النكاح كان أمرا زائدا فى القبح شرعا ~~وخلقا، لأنه يشبه نكاح الأمهات، ويتنافى مع ما للآباء من وقار واحترام، ~~وما يجب من حسن الصحبة وكان " مقتا " والمقت مصدر بمعنى البغض والكراهية. ~~أى إن هذا النوع من النكاح كان خصلة بالغة الحد فى القبح والفحش، وكان ~~ممقوتا مبغوضا عند الله، وعند ذوى المروءات والعقول السليمة من الناس. ~~قال صاحب الكشاف كانوا ينكحون روابهم - أى زوجات آبائهم جمع رابة وهى ~~امرأة الأب - وكان ناس منهم من ذوى مروءاتهم يمقتونه - لفظاعته وبشاعته - ~~ويسمونه نكاح المقت. وكان المولود عليه يقال له المقتى - أى المبغوض - ~~ومن ثم قيل { ومقتا } كأنه قيل هو فاحشة فى دين الله بالغة فى القبح. ~~قبيح ممقوت فى المروءة. ولا مزيد على ما يجمع القبحين. وقوله { وسآء ~~سبيلا } أى بئس طريقا طريق ذلك النكاح، إذ فيه هتك حرمة الأب. وتقطيع ~~للرحم التى أمر الله بوصلها. وقوله " وساء " هنا بمعنى بئس، وفيه ضمير ~~يفسره ما بعده. والمخصوص بالذم محذوف تقديره ذلك أى ساء سبيلا سبيل ذلك ~~النكاح. قال الفخر الرازى أعلم أنه - سبحانه - قد وصف هذا النكاح بأمور ~~ثلاثة أولها أنه فاحشة لأن زوجة الأب تشبه الأم فمباشرتها من افحش ~~الفواحش. # وثانيها المقت وهو عبارة عن بغض مقرون باستحقار. وثالثها قوله { وسآء ~~سبيلا }. واعلم أن مراتب القبح ثلاثة القبح فى العقول وفى الشرائع وفى ~~العادات. فقوله - تعالى - { إنه كان فاحشة } إشارة الى القبح ~~العقلى. وقوله { ومقتا } إشارة إلى القبح الشرعى. وقوله { وسآء ~~سبيلا } إشارة إلى القبح فى العرف والعادة. ومتى اجتمعت فيه هذه ~~الوجوه فقد بلغ الغاية فى القبح ". وقال الإمام ابن كثير، فمن تعاطى هذا ~~النكاح بعد ذلك - أى استباح تعاطيه - فقد ارتد عن دينه فيقتل ويصير ماله ~~فيئا لبيت المال. لما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من طرق عن ms1094 البراء بن ~~عازب أنه بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم - إلى رجل تزوج امرأة أبيه ~~من بعده، فأمره أن يقتله ويأخذ ماله. وفى رواية عن البراء قال، مر بى ~~عمى الحارث بن عمير ومعه لواء قد عقده له النبى صلى الله عليه وسلم فقلت ~~له، أى عم، أين بعثك النبى صلى الله عليه وسلم فقال، بعثنى إلى رجل تزوج ~~امرأة أبيه فأمرنى أن أضرب عنقه ". ثم بين - سبحانه - بعد ذلك من يحرم ~~نكاحهن من الأقارب فقال تعالى { حرمت عليكم أمهاتكم ~~وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات ~~الأخ وبنات الأخت } وليس المراد بقوله { حرمت } تحريم ~~ذاتهن، لأن الحرمة لا تتعلق بالذوات وإنما تتعلق بأفعال المكلفين. ~~فالكلام على حذف مضاف أى حرم عليكم نكاح أمهاتكم وبناتكم.. الخ وإلى هذا ~~المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله، معنى { حرمت عليكم ~~أمهاتكم } تحريم نكاحهن لقوله. { ولا تنكحوا ما نكح ~~آباؤكم من النسآء } ولأن تحريم نكاحهن هو الذى يفهم من ~~تحريمهن، كما يفهم من تحريم الخمر تحريم شربها. ومن تحريم لحم الخنزير ~~تحريم أكله ". وقد ذكر - سبحانه - فى هذه الحملة الكريمة أربع طوائف من ~~الأقارب يحرم نكاحهن. أما الطائفة الأولى طائفة الأمهات من النسب. أى حرم ~~الله عليكم نكاح أمهاتكم من النسب، ويعم هذا التحريم أيضا الجدات سواء ~~أكن من جهة الأب أم من جهة الأم، لأنه إذا كان يحرم نكاح العمة أو الخالة ~~فمن الأولى أن يكون نكاح الجدة محرما، إذ الأم هى طريق الوصول فى القرابة ~~إلى هؤلاء. وقد أجمع المسلمون على تحريم نكاح الجدات. والطائفة الثانية ~~هى طائفة الفروع من النساء، وقد عبر القرآن عن ذلك بقوله { وبناتكم ~~} بالعطف على أمهاتكم. أى حرم الله عليكم نكاح أمهاتكم ونكاح بناتكم. ~~والبنت هى كل امرأة لك عليها ولادة سواء أكانت بنتا مباشرة أم بواسطة ~~فتشمل حرمة النكاح البنات وبنات الأبناء وبنات البنات وإن نزلن. وقد ~~انعقد الإجمال على تحريم الفروع من النساء مهما تكن طبقتهن. والطائفة ~~الثالثة هى طائفة فروع الأبوين. # وقد عبر القرآن عن ذلك ms1095 بقوله { وأخواتكم } ثم بقوله، { وبنات ~~الأخ وبنات الأخت } بالعطف على { وأمهاتكم }. أى وحرم ~~الله عليكم نكاح أخواتكم سواء أكن شقيقات أم غير شقيقات وحرم عليكم أيضا ~~نكاح بنات إخوانكم وبنات أخواتكم من أى وجه يكن. والطائفة الرابعة هى ~~طائفة العمات والخالات. وقد ثبت تحريم نكاحهن بقوله - تعالى - { ~~وعماتكم وخالاتكم } بالعطف على { أمهاتكم }. أى حرم ~~الله عليكم نكاح عماتكم وخالاتكم كما حرم عليكم نكاح أمهاتكم وبناتكم. ~~والعمة هى كل امرأة شاركت أباك مهما علا فى أصليه أو فى أحدهما. والخالة ~~هى كل امرأة شاركت أمك مهما علت فى أصليها أو فى أحدهما. وإذن فالعمات ~~والخالات يشملن عمات الأب والأم، وخالات الأب والأم، وعمات الجد والجدة، ~~وخالات الجد والجدة، لأن هؤلاء يطلق عليهن عرفا اسم العمة والخالة. تلك ~~هى الطوائف الأربع اللاتى يحرم نكاحهن من الأقارب، وإن هذا التحريم ~~يتناسب مع الفطرة التى فطر الله الناس عليها، ويتفق مع العقول السليمة ~~التى تحب مكارم الأخلاق، وذلك لأن شريعة الإسلام قد نوهت بمنزلة القرابة ~~القريبة للإنسان، وأضفت عليها الكثيرة من ألوان الوقار والاحترام ~~والزواج وما يصاحبه من شهوات ومداعبات ورضا واختلاف يتنافى مع ما أسبغه ~~الله - تعالى - على هذه القوابة القريبة من وقار ومن عواطف شريفه. ولأن ~~التجارب العلمية قد أثبتت أن التلاقح بين سلائل متباعدة الأصول غالبا ما ~~ينتج نسلا قويا، أما التلاقح بين السلائل المتحدة فى أصولها القريبة فإنه ~~غالبا ما ينتج نسلا ضعيفا. ثم بين - سبحانه - النساء اللائى يحرم الزواج ~~بهن لأسباب أخرى سوى القرابة فقال - تعالى - { وأمهاتكم ~~اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة }. أى وحرم ~~الله - عليكم نكاح أمهاتكم اللاتى أرضعنكم، وحرم عليكم - أيضا نكاح ~~أخواتكم من الرضاعة. والأم من الرضاع هى كل امرأة أرضعتك وكذلك كل امرأة ~~انتسبت إلى تلك المرضعة بالأمومة من جهة النسب أو من جهة الرضاع. والأخت ~~من الرضاع هى التى التقيت انت وهى على ثدى واحد. قال القرطبى وهى الأخت ~~لأب وأم. وهى التى أرضعتها أمك بلبان أبيك، سواء أرضعتها معك أو رضعت ~~قبلك أو ms1096 بعدك والأخت من الأب دون الأم، وهى التى أرضعتها زوجة أبيك. ~~والأخت من الأم دون الأب وهى التى أرضعتها أمك بلبان رجل آخر ". هذا، ~~وظاهر قوله - تعالى - { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ~~وأخواتكم من الرضاعة } يقتضى أن مطلق الرضاع محرم للنكاح. ~~وبذلك قال المالكية والأحناف ويرى الشافعية والحنابلة أن الرضاع المحرم ~~هو الذى يبلغ خمس رضعات. واستدلوا بما رواه مسلم وغيره عن عائشة - رضى ~~الله عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا تحرم المصة ولا المصتان " # وفى رواية عنها انه قال # " لا تحرم الرضعة والرضعتان، والمصة والمصتان ". # كذلك ظاهر هذه الجملة الكريمة يقتضى أن الرضاع يحرم النكاح ولو فى سن ~~الكبر، إلا أن جمهور العلماء يرون أن الرضاع المحرم هو ما كان قبل بلوغ ~~الحولين أما ما كان بعد بلوغ الحولين فلا يحرم ولا يكون الرضيع ابنا من ~~الرضاعة وذلك لقوله - تعالى - # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ~~لمن أراد أن يتم الرضاعة # وأخرج الترمذى عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان قبل الفطام ". # قال ابن كثير عند تفسيره لقوله - تعالى - { وأمهاتكم اللاتي ~~أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة }. أى كما يحرم عليك ~~نكاح أمك التى ولدتك كذلك يحرم عليك نكاح أمك التى أرضعتك. ولهذا ثبت فى ~~الصحيحين عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة " # وفى لفظ المسلم # " يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب ". # ومن الحكم التى ذكرها العلماء من وراء تحريم النكاح بسبب الرضاعة أن ~~المولود يتكون جسمه من جسم المرأة التى أرضعته فيكون جزءا منها، كما أنه ~~جزء من أمه التى حملته. وإذا كانت هذه قد غذته بدمها وهو فى بطنها فإن ~~تلك قد غذته بلبانها وهو فى حجرها، فكان من التكريم لهذه الأم من الرضاع ~~أن تعامل معاملة الحقيقة، وأن يعامل كل من التقيا على ثدى امرأة واحدة ~~معاملة الإخوة من حيث التكريم وحرمة النكاح بينهم. ms1097 هذا، ومن أراد المزيد ~~من المعرفة لأحكام الرضاع فليرجع الى كتب الفقه. ثم ذكر - سبحانه - نوعا ~~ثالثا من المحرمات لغير سبب القرابة فقال { وأمهات نسآئكم }. ~~أى وكذلك حرم الله عليكم نكاح أمهات زوجاتكم سواء أكن أمهات مباشرات أم ~~جدات، لأن كلمة الأم تشمل الجدات، ولإجماع الفقهاء على ذلك. قال الآلوسى ~~والمراد بالنساء المعقود عليهن على الإطلاق، سواء أكن مدخولا بهن أم لا. ~~وهو مجمع عليه عند الأئمة الأربعة، لكن يشترط أن يكون النكاح صحيحا. أما ~~إذا كان فاسدا فلا تحرم الأم إلا إذا وطئ ابنتها. فقد أخرج البيهقى فى ~~سننه وغيره من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال # " إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالابنة أو لم ~~يدخل. وإذا تزوج الأم ولم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج الإبنة ". # ثم بين - سبحانه - نوعا رابعا من المحرمات لغير سبب القرابة فقال تعالى ~~- { وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسآئكم ~~اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن ~~فلا جناح عليكم }. # وقوله { وربائبكم } جمع ربيبة. وهى بنت أمرأة الرجل من غيره. ~~وسميت بذلك لأن الزوج فى أغلب الأحوال يربها أى يربيها فى حجره ويعطف ~~عليها. والحجور جمع حجر - بالفتح والكسر مع سكون الجيم - وهو ما يحويه ~~مجتمع الرجلين للجالس المتربع. والمراد به هنا معنى مجازى وهو الحضانة ~~والكفالة والعطف. يقال فلان فى حجر فلان أى فى كنفه ومنعته ورعايته. ~~ومقتضى ظاهر الجملة الكريمة أن الربيبة لا يحرم نكاحها على زوج أمها إلا ~~بشرطين أولهما كونها فى حجره. وثانيهما أن يكون الزوج قد دخل بأمها. أما ~~عن الشرط الأول فلم يأخذ به جمهور العلماء، وقالوا إن هذا الشرط خرج مخرج ~~الغالب والعادة، إذ الغالب كون البنت مع الأم عند الزوج، لا أنه شرط فى ~~التحريم فهم يرون أن نكاح الربيبة حرام على زوج أمها سواء أكانت فى حجره ~~أم لم تكن قالوا وفائدة هذا القيد تقوية علة الحرمة أو ms1098 أنه ذكر للتشنيع ~~عليهم، إذ أن نكاحها محرم عليهم فى جميع الصور إلا أنه يكون أشد قبحا فى ~~حالة وجودها فى حجره هذا رأى عامة الصحابة والفقهاء. ولكنه هناك رواية عن ~~مالك بن أوس عن على بن أبى طالب أنه قال الربيبة لا يحرم نكاحها على زوج ~~الأم إلا إذا كانت فى حجره أخذا بظاهر الآية الكريمة. وقد أخذ بذلك داود ~~الظاهرى وأشياعه. وأصحاب الرأى الأول لم يعثدوا بهذه الرواية المروية عن ~~على - رضى الله عنه - وأما عن الشرط الثانى - وهو أن يكون الزوج قد دخل ~~بأم الربيبة - فقد أخذ به العلماء إلا أنهم اختلفوا فى معنى الدخول فقال ~~بعضهم معناه الوطء والجماع. وقال بعضهم معناه التمتع كاللمس والقبلة، فلو ~~حصل منه مع الأم ما يشبه ذلك حرم عليه نكاح ابنتها من غيره. قال القرطبى ~~ما ملخصه اتفق الفقهاء على أن الربيبة تحرم على زوج أمها إذا دخل بالأم، ~~وإن لم تكن الربيبة فى حجره. وشذ بعض المتقدمين وأهل الظاهر فقالوا لا ~~تحرم عليه الربيبة إلا أن تكون فى حجر المتزوج بأمها. ثم قال وقوله - ~~تعالى - { فإن لم تكونوا دخلتم بهن } يعنى الأمهات { ~~فلا جناح عليكم } يعنى فى نكاح بناتهن إذا طلقتموهن أو متن ~~عنكم. وأجمع العلماء على أن الرجل إذا تزوج المرأة ثم طلقها أو ماتت قبل ~~أن يدخل بها حل له نكاح ابنتها. وإختلفوا فى معنى الدخول بالأمهات الذى ~~يقع به التحريم للربائب. فروى عن ابن عباس أنه قال الدخول الجماع. واتفق ~~مالك والثورى وأبو حنيفة على أنه إذا مسها بشهوة حرمت عليه أمها وابنتها ~~وحرمت على الأب والإبن، وهو أحد قولى الشافعى.... والحكمة فى تحريم ~~الربائب على أزواج أمهاتهن أنهن حينئذ يشبهن البنات الصلبيات بالنسبة ~~لهؤلاء الأزواج، بسبب ما يجدنه منهم من رعاية وتربية فى العادة، ولأنه لو ~~أبيح للرجل أن يتزوج ببنت امرأته التى دخل بها، لأدى ذلك إلى تقطيع ~~الأرحام بين الأمر وابنتها. # ولأدى ذلك أيضا إلى الانصراف عن رعاية هؤلاء الربائب خشية الرغبة فى ms1099 ~~الزواج بواحدة منهن. ثم بين - سبحانه - نوعا خامسا من المحارم فقال. ~~تعالى - { وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم }. ~~والحلائل جمع حليلة وهى الزوجة. وسميت بذلك لحلها للزوج وحل الزوج لها، ~~فكلاهما حلال لصاحبه. ويقال للزوج حليل. أى وحرم الله - تعالى - عليكم ~~نكاح زوجات أبنائكم الذين هم من أصلابكم. أى من ظهوركم. وقال - سبحانه - ~~{ وحلائل أبنائكم } بدون تقييد بالدخول. للاشارة إلى أن حليلة ~~الابن تحرم على الأب بمجرد عقد الابن عليها. قال القرطبى أجمع العلماء ~~على تحريم ما عقد عليه الآباء على الأبناء، وما عقد عليه الأبناء على ~~الآباء سواء أكان مع العقد وطء أو لم يكن لقوله - تعالى - { ولا ~~تنكحوا ما نكح آباؤكم من النسآء } وقوله - تعالى - { ~~وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم }. وقيد الله ~~الأبناء بالذين هم من الأصلاب، ليخرج الابن المتبنى. فهذا تحل زوجته ~~للرجل الذى تبناه. وقد كان العرب يعتبرون الابن بالتبنى كأولادهم من ~~ظهورهم، ويحرمون زوجة الابن بالتبنى على من تبناه. وقد سمى القرآن ~~الأبناء بالتبنى أدعياء فقال - تعالى - # وما جعل أدعيآءكم أبنآءكم ذلكم قولكم ~~بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ~~ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله فإن لم ~~تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم # ثم أبطل القرآن ما كان عليه أهل الجاهلية فى شأن الابن المتبنى، فأباح ~~للرجل أن يتزوج من زوجة الابن الذى تبناه بعد فراقه عنها. وقد أمر الله - ~~تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يتزوج بزينب بنت جحش بعد أن ~~طلقها زوجها زيد بن حارثة، وكان زيد قد تبناه النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال المشركون تزوج محمد امرأة ابنه فأنزل الله - تعالى - # فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا ~~يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيآئهم ~~إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا # فإن قيل إن قيد { من أصلابكم }. يخرج الابن من الرضاع كما أخرج ~~الابن بالتبنى؟ فالجواب على ذلك أن الابن بالرضاع حرمت حليلته على أبيه ~~من الرضاع بقول النبى صلى الله عليه وسلم # " يرحم من الرضاع ما ms1100 يرحم من النسب ". # ثم بين - سبحانه - نوعا سادسا من المحرمات فقال - تعالى - { وأن ~~تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله ~~كان غفورا رحيما }. # قال ابن كثير والمعنى وحرم عليكم الجمع بين الأختين معا فى التزويج إلا ~~ما كان منكم فى جاهليتكم فقد عفونا عنه وغفرناه. فدل على أنه لا مثنوية ~~فيما يستقبل لأنه استثنى مما سلف وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين ~~والأئمة قديما وحديثا على أنه يحرم الجمع بين الأختين فى النكاح. ومن ~~أسلم وتحت أختان خير فيمسك إحداهما ويطلق الأخرى لا محالة، فقد روى ~~الإمام أحمد عن الضحاك بن فيروز عن أبيه قال أسلمت وعندى امرأتان أختان ~~فأمرنى النبى صلى الله عليه وسلم أن أطلق إحداهما ". وكما أنه يحرم الجمع ~~بين الأختين فى عصمة رجل واحد، فكذلك يحرم الجمع بين المرأة وعمتها أو ~~خالتها أو ابنة أخيها أو ابنة أختها لنهى النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~عن ذلك فقد جاء فى صحيح مسلم وفى سنن أبى داود والترمذى والنسائى عن أبى ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، ولا على ابنة أخيها ولا على ~~ابنة أختها ". # وفى رواية الطبرانى أنه قال " فإنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم ". ~~والسر فى تحريم هذا النوع من النكاح أنه يؤدى إلى تقطيع الأرحام - كما ~~جاء فى الحديث الشريف - إذ من شأن الضرائر أن يكون بينهن من الكراهية ~~وتبادل الأذى ما هو مشاهد ومعلوم. فكان من رحمة الله بعباده أن حرم عليهم ~~هذه الأنواع من الأنكحة السابقة صيانة للأسرة من التمزق والتشتت، وحماية ~~لها من الضعف والوهن، وسموا بها عن مواطن الريبة والغيرة والفساد وقد ~~عفا - سبحانه - عما حدث من هذه الأنكحة الفاسدة فى الجاهلية أو قبل نزول ~~هذه الآية الكريمة بتحريمها، لأنه - سبحانه - كان وما زال غفارا للذنوب، ~~ستارا للعيوب، رحيما بعباده، ومن رحمته بهم أنه يعذبهم من غير نذير، ولا ~~يؤاخذهم على ما اكتسبوا إلا بعد بيان واضح. ثم ms1101 بين - سبحانه - نوعا سابعا ~~من المحرمات فقال { والمحصنات من النسآء إلا ما ~~ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم }. وقوله { ~~والمحصنات } من الإحصان وهو فى اللغة بمعنى المنع. يقال هذه درع ~~حصينة، أى مانعة صاحبها من الجراحة. ويقال هذا موضع حصين، أى مانع من ~~يريده بسوء. ويقال امرأة حصينة أى مانعة نفسها من كل فاحشة بسبب عفتها أو ~~حريتها أو زواجها. قال الراغب ويقال حصان للمرأة العفيفة ولذات الحرمة. ~~قال - تعالى - # ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها # وقال - تعالى - # فإذآ أحصن # أى تزوجن. وأحصن زوجن. والحصان فى الجملة المرأة المحصنة إما بعفتها أو ~~بتزوجها أو بمانع من شرفها وحريتها ". والمراد بالمحصنات هنا ذوات ~~الأزواج من النساء. # وقوله { والمحصنات من النسآء } معطوف على قوله { ~~وأمهاتكم } فى قوله - تعالى - فى آية المحرمات السابقة { ~~حرمت عليكم أمهاتكم } إلخ. والمعنى وكما حرم عليكم نكاح ~~أمهاتكم وبناتكم إلخ، فقد حرم عليكم - أيضا - نكاح ذوات الأزواج من ~~النساء قبل مفارقة أزواجهن لهن، لكى لا تختلط المياه فتضيع الأنساب. ~~وقوله { إلا ما ملكت أيمانكم } استثناء من تحريم نكاح ذوات ~~الأزواج. والمراد به النساء المسبيات اللاتى أصابهن السبى ولهن أزواج فى ~~دار الحرب، فانه يحل لمالكهن وطؤهن بعد الاستبراء، لارتفاع النكاح بينهن ~~وبين أزواجهن بمجرد السبى. و بسبيهن وحدهن دون أزواجهن. أى وحرم الله - ~~تعالى - عليكم نكاح ذوات الأزواج من النساء، إلا ما ملكتموهن بسبى ~~فسباؤكم لهن هادم لنكاحهن السابق فى دار الكفر، ومبيح لكم نكاحهن بعد ~~استبرائهن. قال القرطبى ما ملخصه فالمراد بالمحصنات هاهنا ذوات الأزواج. ~~أى هن محرمات إلا ما ملكت اليمين بالسبى من أرض الحرب، فإن تلك حلال للذى ~~تقع فى سهمه وإن كان لها زوج، وهو قول الشافعى فى أن السباء يقطع العصمة. ~~وقاله ابن وهب وابن عبد الحكم وروياه عن مالك، وقال به أشهب يدل عليه ما ~~رواه مسلم فى صحيح عن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعث جيشا يوم حنين إلى أوطاس فلقوا العدو فقاتلوهم وظهروا عليهم وأصابوا ~~لهم ms1102 سبايا. فكان ناس من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم قد تحرجوا من ~~غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين. فأنزل الله - عز وجل - فى ذلك { ~~والمحصنات من النسآء إلا ما ملكت أيمانكم } ~~أى فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن، وهذا نص صحيح صريح فى أن الآية نزلت ~~بسبب تحرج أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم عن وطء المسبيات ذوات الأزواج ~~فأنزل الله فى جوابهم { إلا ما ملكت أيمانكم }. وبه قال ~~مالك وابو حنيفة وأصحابه والشافعى وأحمد وإسحق وأبو ثور، وهو الصحيح - إن ~~شاء الله تعالى - ". وقيل إن المراد بالمحصنات هنا ذوات الأزواج - كما ~~تقدم -، ولما ملكت أيمانكم مطلق ملك اليمين. فكل من انتقل إليه ملك أمة ~~ببيع أو هبة أو سباء أو غير ذلك وكانت متزوجة كان ذلك الانتقال مقتضيا ~~لطلاقها وحلها لمن انتلقت إليه. وهذا القول ضعيف، لأن عائشة - رضى الله ~~عنها - اشترت بريرة وأعتقتها وكانت ذات زوج، ثم خيرها النبى صلى الله ~~عليه وسلم بين فسخ نكاحها من زوجها وبين بقائها على هذا النكاح، فدل ذلك ~~على أن بيع الأمة ليس هادما للعصمة، لأنه لو كان هادما لها ما خير النبى ~~صلى الله عليه وسلم بريرة. أخرج البخارى عن عائشة - # " رضى الله عنها - قالت اشتريت بريرة. فاشترط أهلها ولاءها. فذكرت ذلك ~~للنبى صلى الله عليه وسلم فقال " أعتقيها فإن الولاء لمن أعطى الورق ". ~~قالت فأعتقتها. قالت فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فخيرها فى ~~زوجها، فقالت لو أعطانى كذا وكذا مابت عنده. فاختارت نفسها ". # وقوله - تعالى - { كتاب الله عليكم } ساقه - سبحانه - ~~لتأكيده تحريم نكاح الأنواع التى سبق ذكرها. وقوله { كتاب } مصدر كتب، ~~وهو مصدر مؤكد لعامله أى كتب الله عليكم تحريم هذه الأنواع التى سبق ~~ذكرها كتابا وفرضه فرضا، فليس لكم أن تفعلوا شيئا مما حرمه الله عليكم، ~~وإنما الواجب عليكم أن تقفوا عند حدوده وشرعه. وقيل إن قوله { كتاب } ~~منصوب على الإغراء. أى الزموا كتابا لله الذى هو حجة عليكم إلى يوم ~~القيامة ولا تخالفوا شيئا ms1103 من أوامره أو نواهيه. وعليه فيكون المراد ~~بالكتاب هنا القرآن الكريم الذى شرع الله فيه ما شرع من الأحكام. وإلى ~~هنا تكون هذه الآيات الثلاث قد بينت خمسة عشر نوعا من الأنكحة المحرمة. ~~أما الآية الأولى وهى قوله - تعالى { ولا تنكحوا ما نكح ~~آباؤكم } الخ فقد بينت نوعا واحدا. وأما الآية الثانية وهى قوله - ~~تعالى - { حرمت عليكم أمهاتكم } الخ فقد بينت ثلاثة عشر ~~نوعا. وأما الآية الثانية وهى قوله - تعالى - { والمحصنات من ~~النسآء }. الخ فقد بينت نوعا واحدا. قال الفخر الرازى عند تفسيره ~~لقوله - تعالى { حرمت عليكم أمهاتكم }... الآية اعلم ~~أنه - تعالى - نص على تحريم أربعة عشر صنفا من النساء سبعة منهن من جهة ~~النسب وهن الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخلات وبنات الأخ وبنات ~~الأخت. وسبعة أخرى لا من جهة النسب وهن الأمهات من الرضاعة والأخوات من ~~الرضاعة، وأمهات النساء والربائب بنات النساء بشرط أن يكون قد دخل ~~بالنساء، وأزواج الأبناء والآباء إلا أن أزواج الأبناء مذكورة ها هنا، ~~وأزواج الآباء مذكورة فى الآية المتقدمة، - وهى قوله { ولا تنكحوا ~~ما نكح آباؤكم من النسآء } والجمع بين الاختين. هذا، وبعد ~~أن بين - سبحانه - المحرمات من النساء، عقب ذلك بإيراد جملة كريمة بين ~~فيها ما يحل نكاحه من النساء فقال - تعالى - { وأحل لكم ما ~~وراء ذلكم }. و { ما } هنا المراد بها عموم النساء. وكلمة { ~~وراء } هنا بمعنى غير أو دون كما فى قول بعضهم وليس وراء الله للمرء ~~مذهب. واسم الإشارة { ذلكم } يعود إلى ما تقدم من المحرمات. والجملة ~~الكريمة معطوفة على قوله { حرمت عليكم أمهاتكم } الخ. ~~ومن قرأ { أحل لكم... } ببناء الفعل للفاعل جعلها معطوفة على كتب ~~المقدر فى قوله { كتاب الله عليكم... }. والمعنى حرمت عليكم ~~هؤلاء المذكورات، وأحل لكم نكاح ما سواهن من النساء. # قال القرطبى قوله - تعالى { وأحل لكم ما وراء ذلكم } ~~قرأ حمزة والكسائى وعاصم فى رواية حفص { وأحل لكم } ردا على { ~~حرمت عليكم } وقرأ الباقون بالفتح ردا على قوله - تعالى - { ~~كتاب الله عليكم }. وهذا يقتضى ألا يحرم ms1104 من النساء إلا من ~~ذكر، وليس كذلك فإن الله - تعالى - قدر حرم على لسان نبيه صلى الله عليه ~~وسلم من لم يذكر فى الآية فيضم إليها. قال - تعالى - # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # روى مسلم عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها " # وقد قيل إن تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها متلقى من الآية نفسها ~~لأن الله - تعالى - حرم الجمع بين المرأة وعمتها - أو خالتها - فى معنى ~~الجمع بين الأختين أو لأن الخالة فى معنى الوالدة والعمة فى معنى الوالد ~~والصحيح الأول لأن الكتاب والسنة كالشئ الواحد فكأنه قال " أحللت لكم ما ~~وراء من ذكرنا فى الكتاب وما وراء ما أكملت به البيان على لسان محمد صلى ~~الله عليه وسلم ". ثم رفع - سبحانه - من شأن المرأة وكرمها بأن جعل ~~إيتاءها المهر شرطا لاستحلال نكاحها إعزازا لها فقال - تعالى - { أن ~~تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين }. وقوله ~~{ تبتغوا } من الابتغاء بمعنى الطلب الشديد. وقوله { محصنين } ~~من الإحصان وهو هنا بمعنى العفة وتحصين النفس ومنعها عن الوقوع فيما ~~يغضب الله - تعالى -. وقوله { مسافحين } من السفاح بمعنى الزنا ~~والمسافح هو الزانى. ولفظ السفاح مأخوذ من السفح وهو صب الماء وسيلانه. ~~به الزنا لأن الزانى لا غرض له إلا صب النطفة فقط دون نظر إلى الأهداف ~~الشريفة التى شرعها الله وراء النكاح. وقوله { أن تبتغوا } فى محل ~~نصب بنزع الخافض على أنه مفعول له لما دل عليه الكلام و { محصنين } ~~و { غير مسافحين } حالان من فاعل { تبتغوا }. والمعنى بين ~~لكم - سبحانه - ما حرم عليكم من النساء، وأحل لكم ما وراء ذلكم، من أجل ~~أن تطلبوا الزواج من النساء اللائى أحلهن الله لكم أشد الطلب، عن طريق ما ~~تقدمونه لهن من أموالكم كمهور، وبذلك تكونون قد أحصنتم أنفسكم ومنعتموها ~~عن السفاح والفجور والزنا. قال بعضهم وكان أهل الجاهلية إذا خطب الرجل ~~منهم المرأة قال انكحينى. فإذا أراد الزنا قال سافحينى. ms1105 والمسافحة أن ~~تقيم امرأة مع رجل على الفجور من غير تزويج صحيح. قال الآلوسى وظاهر ~~الآية حجة لمن ذهب إلى أن المهر لا بد وأن يكون مالا وبه قال الأحناف. ~~وقال بعض الشافعية لا حجة فى ذلك، لأن تخصيص المال كونه الأغلب المتعارف، ~~فيجوز النكاح على ما ليس بمال. # ويؤيد ذلك ما رواه الشيخان وغيرهما عن سهل بن سعد # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل رجلا خطب الواهبة نفسها للنبى ~~صلى الله عليه وسلم ماذا معك من القرآن؟ قال معى سورة كذا وكذا وعددهن. ~~قال تقرؤهن على ظهر قلبك؟ قال نعم قال اذهب فقد ملكتكها بما معك من ~~القرآن ". # ووجه التأييد أنه لو كان فى الآية حجة لما خالفها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأجيب بأن كون القرآن معه لا يوجب كونه بدلا، والتعليم ليس له ~~ذكر فى الخبر، فيجوز أن يكون مراده صلى الله عليه وسلم زوجتك تعظيما ~~للقرآن ولأجل ما معك منه ". ثم قال - تعالى - { فما استمتعتم ~~به منهن فآتوهن أجورهن فريضة }. والاستمتاع طلب ~~المتعة والتلذذ بما فيه منفعة ولذة. والمراد بقوله { أجورهن } أى ~~مهورهن لأنها فى مقابلة الاستمتاع فسميت أجرا. و { ما } فى قوله { ~~فما استمتعتم به منهن } واقعة على الاستمتاع والعائد فى ~~الخبر محذوف أى فآتوهن أجورهن عليه. والمعنى فما انتفعتم وتلذذتم به من ~~النساء عن طريق النكاح الصحيح فآتوهن أجورهن عليه. ويصح أن يكون { ما } ~~واقعة على النساء باعتبار الجنس أو الوصف. وأعاد الضمير عليها مفردا فى ~~قوله { به } باعتبار لفظها، وأعاده عليها جمعا فى قوله { منهن } ~~باعتبار معناها. ومن فى قوله { منهن } للتبعيض أو للبيان. والجار ~~والمجرور فى موضع النصب على الحال من ضمير { به } والمعنى فأى فرد أو ~~الفرد الذى تمتعتم به حال كونه من جنس النساء أو بعضهن فأعطوهن أجورهن ~~على ذلك. والمراد من الأجور المهور. وسمى المهر أجرا لأنه بدل عن ~~المنفعة لا عن العين. وقوله { فريضة } مصدر مؤكد لفعل محذوف أى فرض ~~الله عليكم ذلك فريضة. أو ms1106 حال من الأجور بمعنى مفروضة. أى فآتوهن أجورهن ~~حالة كونها مفروضة عليكم. ثم بين - سبحانه - أنه لا حرج فى أن يتنازل أحد ~~الزوجين لصاحبه عن حقه أو عن جزء منه ما دام ذلك حاصلا بالتراضى فقال - ~~تعالى - { ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من ~~بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما }. أى لا إثم ~~ولا حرج عليكم فيما تراضيتم به أنتم وهو من إسقاط شئ من المهر أو ~~الإبراء منه أو الزيادة عليه ما دام ذلك بالتراضى بينكم ومن بعد اتفاقكم ~~على مقدار المهر الذى سميتموه وفرضتموه على أنفسكم. وقد ذيل - سبحانه - ~~الآية الكريمة بقوله { إن الله كان عليما حكيما } لبيان أن ~~ما شرعه هو بمقتضى علمه الذى أحاط بكل شئ، وبمقتضى حكمته التى تضع كل شئ ~~فى موضعه. فأنت ترى ان الآية الكريمة مسوقة لبيان بعض الأنواع من النساء ~~اللاتى حرم الله نكاحهن، ولبيان ما أحله الله منهن بعبارة جامعة، ثم ~~لبيان أن الله - تعالى - قد فرض على الأزواج الذين يبتغون الزوجات عن ~~طريق النكاح الصحيح الشريف أن يعطوهن مهورهن عوضا عن انتفاعهم بهن، وأنه ~~لا حرج فى أن يتنازل أحد الزوجين لصاحبه عن حقه أو عن شئ منه ما دام ذلك ~~بسماحة نفس، ومن بعد تسمية المهر المقدر. # هذا، وقد حمل بعض الناس هذه الآية على أنها واردة فى نكاح المتعة وهو ~~عبارة عن أن يستأجر الرجل المرأة بمال معلوم إلى أجل معين لكى يستمتع ~~بها. قالوا لأن معنى قوله - تعالى - { فما استمتعتم به ~~منهن فآتوهن أجورهن } فمن جامعتموهن ممن نكحتموهن نكاح ~~المتعة فآتوهن أجورهن. ولا شك أن هذا القول بعيد عن الصواب، لأنه من ~~المعلوم أن النكاح الذى يحقق الإحصان والذى لا يكون الزوج به مسافحا. هو ~~النكاح الصحيح الدائم المستوفى شرائطه، والذى وصفه الله بقوله { ~~وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا ~~بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم ~~به منهن فآتوهن أجورهن فريضة }. وإذا فقد بطل حمل ~~الآية على أنها فى نكاح المتعة لأنها تتحدث عن ms1107 النكاح الصحيح الذى يتحقق ~~معه الإحصان، وليس النكاح الذى لا يقصد به إلا سفح الماء وقضاء الشهوة. ~~قال ابن كثير وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة، ولا شك أنه كان ~~مشروعا فى ابتداء الإسلام ثم نسخ بعد ذلك. وقد روى عن ابن عباس وطائفة ~~من الصحابة القول بإباحتها للضرورة. ولكن الجمهور على خلاف ذلك، والعمدة ~~ما ثبت فى الصحيحين عن امير المؤمنين على بن أبى طالب قال نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، وفى ~~صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة الجهنى عن أبيه أنه كان مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال # " يأ أيها الناس إنى كنت أذنت لكم فى الاستمتاع من النساء، وإن الله قد ~~حرم ذلك إلى يوم القيامة. فمن كانت عنده منهن شئ فليخل سبيله، ولا تأخذوا ~~مما آتيتموهن شيئا ". # وقال الآلوسى وقيل الآية فى المتعة، وهى النكاح إلى أجل معلوم من يوم أو ~~أكثر. والمراد، { ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به } ~~من استئناف عقد آخر بعد انقضاء الأجل المضروب فى عقد المتعة، بأن يزيد ~~الرجل فى الأجر وتزيد المرأة فى المدة، وإلى ذلك ذهبت الإمامية - من ~~طائفة الشيعة -. ثم قال ولا نزاع عندنا فى أنها أحلت ثم حرمت، والصواب ~~المختار أن التحريم والإباحة كانا مرتين. فقد كانت حلالا قبل يوم خيبر ~~ثم حرمت يوم خيبر، ثم أبيحت يوم فتح مكة وهو يوم أوطاس لاتصالهما، ثم ~~حرمت يومئذ بعد ثلاث تحريما مؤبدا إلى يوم القيامة. # .. ". وقال بعض العلماء وهذا النص وهو قوله - تعالى - { فما ~~استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة } قد ~~تعلق به بعض المفسدين الذين لم يفهموا معنى العلاقات المحرمة بين الرجل ~~والمرأة، فادعوا أنه يبيح المتعة... والنص بعيد عن هذا المعنى الفاسد بعد ~~من قالوه عن الهداية لأن الكلام كله فى عقد الزواج فسابقه ولاحقه فى عقد ~~الزواج، والمتعة حتى على كلامهم لا يسمى عقد نكاح أبدا. وقد تعلقوا مع ~~هذا بعبارات ms1108 رووها عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه أباح المتعة فى غزوات ~~ثم نسخها، وبأن ابن عباس كان يبيحها فى الغزوات وهذا الاستدلال باطل، لأن ~~النبى صلى الله عليه وسلم نسخها، فكان عليهم عند تعلقهم برواية مسلم أن ~~يأخذوا بها جملة أو يتركوها، وجملتها تؤدى إلى النسخ لا إلى البقاء. وإذا ~~قالوا إننا نتفق معكم على الإباحة ونخالفكم فى النسخ فنأخذ المجمع عليه ~~ونترك غيره قلنا لهم إن النصوص التى أثبتت الإباحة هى التى أثبتت النسخ، ~~وما اتفقنا معكم على الإباحة، لأننا نقرر نسخ الإباحة. على أننا نقول ~~إن ترك النبى صلى الله عليه وسلم المتعة لهم قبل الأمر الجازم بالمنع، ~~ليس من قبيل الإباحة، بل هو من قبيل الترك حتى تستأنس القلوب بالإيمان ~~وتترك عادات الجاهلية، وقد كان شائعا بينهم اتخاذ الأخدان وهو ما نسميه ~~اتخاذ الخلائل. وهذه هى متعتهم، فنهى القرآن الكريم والنبى صلى الله عليه ~~وسلم عنها. وإن الترك مدة لا يسمى إباحة وإنما يسمى عفوا حتى تخرج النفوس ~~من جاهليتها، والذين يستبيحونها باقون على الجاهلية الأولى. وابن عباس - ~~رضى الله عنه - قد رجع عن فتواه بعد أن قال له إمام الهدى على بن أبى ~~طالب إنك امرؤ تائه، لقد نسخها النبى صلى الله عليه وسلم والله لا أوتى ~~بمستمتعين إلا رجمتهما ". وبذلك نرى أن الآية الكريمة واردة فى شأن ~~النكاح الصحيح الذى يحقق الإحصان ولا يكون الزوج به مسافحا. وأن القول ~~بأنها تدل على نكاح المتعة قول بعيد عن الحق والصواب للأسباب التى سبق ~~ذكرها. وبعد أن بين - سبحانه - المحرمات من النساء، وبين من يحل نكاحه ~~منهن، عقب ذلك ببيان ما ينبغى أن يفعله من لا يستطيع نكاح المحصنات ~~المؤمنات فقال - تعالى - { ومن لم يستطع.... }. ### || [4.25] # وقوله { طولا } أى سعة وقدرة وغنى فى المال. قال صاحب الكشاف الطول ~~الفضل. يقال لفلان على فلان طول أى زيادة وفضل. وقد طاله طولا فهو طائل. ~~قال الشاعر # لقد زادنى حبا لنفسى أننى بغيض إلى كل امرئ غير طائل # ومنه ms1109 قولهم ما خلا منه بطائل. أى بشئ يعتد به مما له فضل وخطر. ومنه ~~الطول فى الجسم لأنه زيادة فيه ". والمراد بالمحصنات هنا الحرائر بدليل ~~مقابلتهن بالمملوكات، وعبر عنهن بذلك، لأن حريتهن أحصنتهن عن النقص الذى ~~فى الإماء. والمراد بقوله { من فتياتكم } أى من إمائكم ~~وأرقائكم. والمعنى ومن لم يستطع منكم يا معشر المؤمنين الأحرار أن يحصل ~~زيادة فى المال تمكنه من أن ينكح الحرائر المؤمنات، فله فى هذه الحالة أن ~~ينكح بعض الإماء المؤمنات اللائى هن مملوكات لغيركم. و { من } فى قوله ~~{ ومن لم يستطع } شرطية، وجوابها قوله، فمما ملكت أيمانكم، ~~ويصح أن تكون موصولة ويكون قوله { فمن ما ملكت أيمانكم } ~~هو الخبر. وقوله { منكم } حال من الضمير فى { يستطع } وقوله { ~~طولا } مفعول به ليستطع. هذا، والآية الكريمة تفيد بمضمونها أنه لا ~~يحل الزواج من الإماء إلا إذا كان المسلم الحر ليس فى قدرته أن يتزوج ~~امرأة حرة. ولذا قال بعضهم إن الله - تعالى - شرط فى نكاح الإماء شرائط ~~ثلاثة اثنان منها فى الناكح، والثالث فى المنكوحة. أما اللذان فى الناكح ~~فأحدهما أن يكون غير واجد لما يتزوج به الحرة المؤمنة من الصداق. والثاني ~~هو المذكور فى آخر الآية وهو قوله { ذلك لمن خشي العنت ~~منكم }. وأما الشرط الثالث المعتبر فى المنكوحة فهو أن تكون الأمة ~~مؤمنة لا كافرة... ". وقد خالف الإمام أبو حنيفة هذا الشرط الثالث فأباح ~~للمسلم الزواج من الأمة الكتابية إن لم يكن عنده زوجة حرة فإن كان متزوجا ~~بحرة فإنه لا يجوز له أن يتزوج أمة مطلقا لا مسلمة ولا كتابية، وإن عقد ~~عليها كان عقده باطلا وقد بنى حكمه هذا على أساس تفسيره للطول بأنه ~~الزواج بحرة. أما المالكية والشافعية فقد قالوا الطول السعة والقدرة على ~~المهر والنفقة فمن عجز عن مهر الحرة ونفقتها وهو قادر على الزواج من أمة ~~فإنه يجوز له الزواج بها ولو كانت عنده زوجة حرة. وفى التعبير عن الإماء ~~بقوله { فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم ~~المؤمنات } تكريم لهؤلاء ms1110 الأرقاء، وإعزاز لإنسانيتهن، وتعليم ~~للمسلمين أن يلتزموا الأدب فى مخاطبتهم لأرقائهم ولذا ورد فى الحديث ~~الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا يقولن أحدكم عبدى وأمتى، ولكن ليقل فتاى وفتاتى ". # وقوله - تعالى - { والله أعلم بإيمانكم بعضكم من ~~بعض } جملة معترضة سيقت بين إباحة النكاح من الاماء المؤمنات وبين ~~صورة العقد عليهن تأنيسا للقلوب، وإزالة للنفرة عن نكاح الاماء ببيان أن ~~مناط التفاخر إنما هو الايمان لا التباهى بالأحساب والأنساب. # والمعنى أنه - تعالى - أعلم منكم بمراتب إيمانكم الذى هو مناط التفضيل ~~وأنتم وفتياتكم من أصل واحد فلا ينبغى أن يستعلى حر على عبد، ولا حرة على ~~أمة، فرب إنسان غير حر أفضل عند الله بسبب إيمانه وعمله الصالح من إنسان ~~حر. فالمقصود من هذه الجملة الكريمة إزالة ما كانت تستهجنه العرب من ~~الزواج بالاماء، ونهيهم عما كان متداولا بينهم من احتقارهم لولد الأمة ~~وتسميتهم إياه بالهجين - أى الذى أبوه عربى وأمه أمة. وإلى هذا أشار صاحب ~~الكشاف بقوله فإن قلت فما معنى قوله { والله أعلم بإيمانكم ~~}؟ قلت معناه أن الله أعلم بتفاضل ما بينكم وبين أرقائكم فى الايمان ~~ورجحانه ونقصانه فيهم وفيكم. وربما كان إيمان الأمة أرجح من إيمان الحرة ~~والمرأة أرجح فى الايمان من الرجل. وحق المؤمنين أن لا يعيروا إلا فضل ~~الإيمان لا فضل الأحساب والأنساب. وهذا تأنيس بنكاح الاماء وترك ~~الاستنكاف منه. وقوله { بعضكم من بعض } أى أنتم وأرقاؤكم ~~متناسبون متواصلون لاشتراككم فى الايمان لا يفضل حر عبدا إلا برجحان فيه. ~~ثم بين - سبحانه - كيفية الزواج بهن فقال { فانكحوهن بإذن ~~أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير ~~مسافحات ولا متخذات أخدان } والمراد بأهلهن مواليهن ~~الذين يملكونهن عبر عن المالكين لهن بالأهل، حملا للناس على الأدب فى ~~التعبير، ولأنه يجب أن تكون العلاقة بين العبد ومالكه علاقة أهل لا علاقة ~~استعلاء. والمراد بالأجور هنا المهور التى تدفع لهن فى مقابل نكاحهن. ~~والمراد بالمحصنات هنا العفائف البعيدات عن الفاحشة والريبة. والمرأة ~~المسافحة هى التى تؤاجر نفسها لكل رجل ms1111 أرادها. والتى تتخذ الخدن هى التى ~~تتخذ لها صاحبا معينا. وكان أهل الجاهلية يفصلون بين القسمين فيستقبحون ~~الزنا العلنى ويستحلون السرى، فجاءت شريعة الإسلام بتحريم القسمين. قال ~~- تعالى # ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن # وقال - تعالى # قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن # وقوله { فانكحوهن بإذن أهلهن } مترتب ومتفرع على ما ~~قبله من أحكام. والمعنى إذا عرفتم حكم الله فى شأن فتياتكم المؤمنات ~~فانكحوهن بعد أن يأذن لكم فى ذلك مواليهن ويرضون عن هذا النكاح، وأدوا ~~إليهن مهورهن بالقدر المتعارف عليه شرعا وعادة عن طيب نفس منكم، وبدون ~~مطل أو بخس. فإنه لا يصح أن تتخذوا من كون المنكوحة أمة سبيلا لغمط حقها، ~~وتصغير شأنها. وقد اتفق العلماء على أن نكاح الأمة بغير إذن سيدها غير ~~جائز، عملا بظاهر هذه الآية الكريمة، فان قوله - تعالى - { ~~فانكحوهن بإذن أهلهن } يقتضى كون الإذن شرطا فى جواز ~~النكاح، ولأن منافع الأمة لسيدها وهى ملك له فلا يجوز نكاحها إلا ~~بإذنه. # قال القرطبى قوله - تعالى - { فانكحوهن } أى بولاية أربابهن ~~المالكين وإذنهم. وكذلك العبد لا ينكح إلا بإذن سيده، لأن العبد مملوك لا ~~أمر له، وبدنه كله مستغرق، لكن الفرق بينهما أن العبد إذا تزوج بغير إذن ~~سيده فإن أجازه السيد جاز، هذا مذهب مالك واصحاب الرأى، والأمة إذا تزوجت ~~بغير إذن أهلها فسخ ولم يجز ولو بإجازة السيد. وقوله { وآتوهن ~~أجورهن } صريح فى وجوب دفع مهر فى مقابل نكاح الأمة ولكن من الذى ~~يتسلم هذا المهر؟ يرى كثير من العلماء أن الذى يتسلم المهر هو السيد ~~المالك للأمة. لأن المهر قد وجب عوضا عن منافع بضع المملوكة للسيد، وهو ~~الذى أباحها للزوج فوجب أن يكون هو المستحق لتسلم المهر ولأن العبد وما ~~ملكت يداه لسيده أى آتوا أهلهن أجورهن فالكلام على حذف مضاف. ويرى ~~الإمام مالك أن الآية على ظاهرها، وأن المهر إنما يدفع للأمة لأنها أحق ~~به من سيدها، وأنه ليس للسيد أن يأخذ من أمته ويدعها بلا ms1112 جهاز فالعقد ~~يتولاه السيد أما المهر فيعطى للأمة لتتولى إعداد نفسها للزواج منه. ~~وقوله { محصنات } حال من المفعول فى قوله { فانكحوهن } أى ~~فانحكوهن حال كونهن عفائف عن الفاحشة. وقوله { غير مسافحات } ~~تأكيد له أى غير مجاهرات بالزنا. وقوله { ولا متخذات أخدان } ~~تأكيد آخر لبعدهن عن الريبة. والأخدان جمع خدن وهو الصاحب والصديق. ~~والمراد به هنا من تتخذه المرأة صاحبا لها لارتكاب الفاحشة معه سرا. وقد ~~وصف الله - تعالى - الزوجات الإماء بذلك، لتحريضهن على التمسك بأهداب ~~الفضيلة والشرف، إذ الرق مظنة الانزلاق والوقوع فى الفاحشة لما يصاحبه من ~~هوان وضعف، ولا شئ كالهوان يفتح الباب أمام الرذيلة والفاحشة ومن هنا ~~قالت هند بنت عتبة - باستغراب واستنكار - لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عندما أخذ العهد عليها وعلى المؤمنات بقوله # ولا يزنين # قالت يا رسول الله أو تزنى الحرة؟!! ثم بين - سبحانه - عقوبة الإماء ~~إذا ما ارتكبن الفاحشة فقال - تعالى - { فإذآ أحصن فإن ~~أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات ~~من العذاب }. ومعنى الإحصان هنا الزواج. والمراد بالفاحشة الزنا. ~~والمراد بالعذاب الحد الشرعى أى فإذا أحصن أى بالتزويج، فإن أتين بفاحشة ~~الزنا وثبت ذلك عليهن، ففى هذه الحالة حدهن نصف حد الحرائر من النساء. أى ~~أن الأمة إذا زنت فحدها أن تجلد خمسين جلدة ولا رجم عليها لأنه لا يتنصف ~~فلا يكون مرادا هنا. وظاهر الجملة الكريمة يفيد أن الأمة لا تحد إذا زنت ~~متى كانت غير متزوجة وقد أخذ بهذا الظاهر بعض العلماء. # ولكن جمهور العلماء يرون أن الأمة يقام عليها الحد إذا زنت سواء أكانت ~~متزوجة أم غير متزوجه. فالآية الكريمة صرحت بأن الأمة إذا ارتكبت الفحشاء ~~تكون عقوبتها نصف عقوبة الحرة، لأن الجريمة يضعف أثرها بضعف مرتكبها، ~~ويقوى أثرها بقوة مرتكبها، فكان من العدل أن يعاقب الأرقاء لضعفهم بنصف ~~عقوبة الأحرار الأقوياء. فأين هذا السمو والرحمة والعدالة فى التشريع من ~~مظالم القوانين الوضعية ففى القانون الرومانى كان العبد إذا زنى بحرة ~~قتل، وإذا زنى الشريف حكم عليه بغرامة. ولقد ms1113 حذر النبى صلى الله عليه ~~وسلم من ذلك بقوله # " إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا ~~سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد... ". # ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله { ذلك لمن خشي العنت ~~منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم ~~}. واسم الإشارة " ذلك " يعود إلى نكاح الإماء. والعنت المشقة الشديدة ~~التى يخشى معها التلف أو الوقوع فى الفاحشة التى نهى الله - تعالى - ~~عنها. ولذا قال بعضهم المراد به هنا الزنا. أى ذلك الذى شرعناه لكم من ~~إباحة الزواج بالإماء عند الضرورة يكون بالنسبة لمن خشى على نفسه العزبة ~~التى قد تفضى به إلى الوقوع فى الفاحشة والآثام. { وأن تصبروا } ~~على تحمل المشقة متعففين عن نكاحهن حتى يرزقكم الله الزواج بالحرة، ~~فصبركم هذا خير لكم من نكاح الإماء وإن رخص لكم فيه. وقوله { والله ~~غفور رحيم } أى واسع المغفرة كثيرها، فيغفر لمن لم يصبر عن نكاحن ~~- وفى ذلك تنفير عنه حتى لكأنه ذنب - وهو - سبحانه - واسع الرحمة بعباده ~~حيث شرع لهم ما فيه تيسير عليهم ورأفة بهم. قالوا وإنما كان الصبر عن ~~نكاح الإماء خيرا من نكاحهن، لأن الولد الذى يأتى عن طريقهن يكون معرضا ~~للرق، ولأن الأمة فى الغالب لا تستطيع أن تهيئ البيت الصالح للزوجية من ~~كل الوجوه لانشغالها بخدمة سيدها. وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى ~~بقوله فإن قلت لم كان نكاح الأمة منحطا عن نكاح الحرة؟ قلت لما فيه من ~~اتباع الولد الأم فى الرق. ولثبوت حق المولى فيها وفى استخدامها. ولأنها ~~ولأنها ممتهنة مبتذلة خراجة ولاجة، وذلك كله نقصان راجع إلى الناكح ~~ومهانة. والعزة من صفات المؤمنين. وبذلك نرى أن الآية الكريمة وإن كانت ~~قد رخصت فى زواج الإماء عند الضرورة الشديدة إلا أنها حضت المؤمنين على ~~الصبر عن نكاحهن لما فى نكاحهن من أضرار يأباها الشخص العزيز النفس، ~~الكريم الخلق. والسبيل الأمثل للزواج بهن يكون بعد شرائهن وإعتاقهن، ~~وبذلك يقل الرقيق ويكثر الأحرار ولذا لو جامعها مولاها كان ابنه ms1114 حرا ~~وكان طريقا لحريتها ومنع بيعها. وبعد أن بين - سبحانه - فيما سبق من آيات ~~كثيرا من الأوامر والنواهى والمحرمات والمباحات.. عقب ذلك ببيان جانب من ~~مظهر فضله على عباده ورحمته بهم فقال - تعالى - { يريد ~~الله....ضعيفا }. ### || [4.26-28] # وقوله - تعالى - { يريد الله ليبين لكم } استئناف مقرر ~~لما سبق من الأحكام، وقد ساقه - سبحانه - لإيناس قلوب المؤمنين حتى ~~يمتثلوا عن اقتناع وتسليم لما شرعه الله لهم من أحكام. قال الآلوسى ومثل ~~هذا التركيب - قوله { يريد الله ليبين لكم }. وقع فى كلام ~~العرب قديما وخرجه النحاة على مذاهب فقيل مفعول { يريد } محذوف أى ~~يريد الله تحليل ما أحل وتحريم ما حرم ونحوه. واللام للتعليل... ونسب هذا ~~إلى سيبويه وجمهور البصريين. فتعلق الإرادة غير التبيين، وإنما فعلوه ~~لئلا يتعدى الفعل إلى مفعوله المتأخر عنه باللام وهو ممتنع أو ضعيف. وذهب ~~بعض البصريين إلى أن الفعل مؤول بالمصدر من غير سابك، كما قيل به فى ~~قولهم " تسمع بالمعيدى خير من أن تراه " أى إرادتى كائنة للتبين. وفيه ~~تكلف. وذهب الكوفيون إلى أن اللام هى الناصبة للفعل من غير إضمار أن، وهى ~~وما بعدها مفعول للفعل المقدم أى يريد الله البيان لكم. والمعنى يريد ~~الله - تعالى - بما شرع لكم من أحكام، وبما ذكر من محرمات ومباحات أن ~~يبين لكم ما فيه خيركم وصلاحكم وسعادتكم، وأن يميز لكم بين الحلال ~~والحرام والحسن والقبيح. وقوله { ويهديكم سنن الذين من ~~قبلكم } معطوف على ما قبله. والسنن جمع سنة وهى الطريقة وفى أكثر ~~استعمالها تكون للطريقة المثلى الهادية إلى الحق. أى ويهديكم مناهج ~~وطرائق من تقدمكم من الأنبياء والصالحين، لتقتفوا آثارهم وتسلكوا سبيلهم. ~~وليس المراد أن جميع ما شرعه من حلال أو من حرام كان مشروعا بعينه للأمم ~~السابقة. بل المراد أن الله كما قد شرع للأمم السابقة من الأحكام ما هم ~~فى حاجة إليه وما اقتضته مصالحهم، فكذلك قد شرع لنا ما نحن فى حاجة إليه ~~وما يحقق مصالحنا، فإن الشرائع والتكاليف وإن كانت مختلفة فى ذاتها إلا ~~أنها متفقة ms1115 فى باب المصالح. وقوله { ويتوب عليكم } معطوف على ما ~~قبله. والتوبة معناها ترك الذنب مع الندم عليه والعزم على عدم العود، ~~وذلك مستحيل فى حقه - سبحانه - لذا قالوا المراد بها هنا المغفرة لتسببها ~~عنها. أو المراد بها قبول التوبة. أى ويقبل توبتكم متى رجعتم إليه بصدق ~~وإخلاص، فقد تكفل - سبحانه - لعباده أن يغفر لهم خطاياهم متى تابوا إليه ~~توبة صادقة نصوحا وفى التعبير عن قبول التوبة بقوله { ويتوب ~~عليكم } إشارة إلى ما يتضمنه معنى قبول التوبة من ستر للذنوب، ومنع ~~لكشفها، فهى غطاء على المعاصى يمنعها من الظهور حتى يذهب تأثيرها فى ~~النفس فالآية الكريمة تحريض على التوبة، لأن الوعد بقبولها متى كانت ~~صادقة يغرى الناس. # بطرق بابها وبالإكثار منها.. وقوله { والله عليم حكيم } أى ~~والله - تعالى - ذو علم شامل لجميع الأشياء، فيعلم أن ما شرع لكم من ~~أحكام مناسب لكم، وما سلكه المهتدون من الأمم قبلكم، ومتى تكون توبة ~~أحدكم صادقة ومتى لا تكون كذلك { حكيم } يضع الأمور فى مواضعها. فيبين ~~لمن يشاء، ويهدى من يشاء، ويتوب على من يشاء. فأنت ترى أن هذه الآية قد ~~بينت جانبا من مظاهر فضل الله ورحمته بعباده، حيث كشفت للناس أن الله - ~~تعالى - يريد بإنزاله لهذا القرآن أن يبين لهم التكاليف التى كلفهم بها ~~ليعرفوا الخير من الشر، وأن يرشدهم إلى سبل من تقدمهم من أهل الحق، وأن ~~يغفر لهم ذنوبهم متى أخلصوا له التوبة. ثم أخبر - سبحانه - عما يريده ~~لعباده من خير وصلاح وما يريده لهم الفاسقون من شر وفساد فقال - تعالى - ~~{ والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين ~~يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما }. أى والله ~~- تعالى - يريد منكم أن تفعلوا ما يجعلكم أهلا لمغفرته ورضوانه وما يفضى ~~بكم إلى قبول توبتكم، وارتفاع منزلتكم عنده، بينما يريد الذين يتبعون ~~الشهوات من أهل الكفر والفسوق والعصيان أن تبتعدوا عن الحق والخير ~~ابتعادا عظيما. والميل أصله الانحراف من الوسط إلى جانب من الجوانب ولما ~~كان الاعتدال عبارة عن العدل والتوسط، أطلق الميل ms1116 على الجور والابتعاد عن ~~الحق. ووصف الميل بالعظم للإشعار بأن الذين يتبعون الشهوات لا يكتفون من ~~غيرهم بالميل اليسير عن الحق، وإنما يريدون منهم انحرافا مطلقا عن الطريق ~~المستقيم الذى أمر الله بسلوكه والسير فيه. وهؤلاء الذين وصفهم الله بما ~~وصف موجودون فى كل زمان، وتراهم دائما يحملون لواء الرذيلة والفجور تارة ~~باسم الحرية وتارة باسم المدينة. وقد حذر الله - تعالى - عباده منهم حتى ~~يتأثروا بهم، وحتى يقاوموهم ويكشفوا عن زيفهم وضلالهم # ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره ~~الكافرون # ثم بين - سبحانه - لونا آخر من ألوان رحمته ورأفته بعباده فقال { ~~يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا }. ~~أى يريد الله بما شرعه لكم من أحكام، وبما كلفكم به من تكاليف هى فى ~~قدرتكم واستطاعتكم أن يخفف عنكم فى شرائعه وأوامره ونواهيه، لكى تزدادوا ~~له فى الطاعة والاستجابة والشكر. { وخلق الإنسان ضعيفا } أى لا ~~يصبر على مشاق الطاعات، فكان من رحمة الله - تعالى - به أن خفف عنه فى ~~التكاليف. وهذا السير والتخفيف فى التكاليف من أبرز مميزات الشريعة ~~الإسلامية، وقد بين القرآن الكريم ذلك فى كثير من آياته، ومن ذلك قوله - ~~تعالى - # يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر # وقوله - تعالى - # وما جعل عليكم في الدين من حرج # وقوله - تعالى - # ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين ~~يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا ~~يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي ~~الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم ~~الخبآئث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي ~~كانت عليهم # ولقد كان من هدى النبى صلى الله عليه وسلم التخفيف والتيسير، ففى الحديث ~~الشريف # " إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ". # وكان من وصاياه لمعاذ بن جبل وأبى موسى الأشعرى عندما أرسلهما إلى اليمن # " يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا ". # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد بينت لنا الوانا من مظاهر فضل الله ~~على عباده ورحمته بهم، لكى يزدادوا له ms1117 شكرا وطاعة وخضوعا. ثم وجه القرآن ~~نداء إلى المؤمنيين بين لهم فيه بعض المحرمات المتعلقة بالأنفس والأموال، ~~بعد أن بين لهم قبل ذلك المحرمات من النساء والمحللات منهن ومظاهر فضله - ~~سبحانه - بعباده ورحمته بهم فقال - تعالى - { يا أيها ~~الذين...كريما }. ### || [4.29-31] # والمراد بالأكل فى قوله { لا تأكلوا أموالكم } مطلق الأخذ ~~الذى يشمل سائر التصرفات التى نهى الله عنها. وخص الأكل بالذكر لأن ~~المقصود الأعظم من الأموال هو التصرف فيها بالأكل. والباطل اسم لكل تصرف ~~لا يبيحه الشرع كالربا والقمار والرشوة والغضب والسرقة والخيانة والظلم ~~إلى غير ذلك من التصرفات المحرمة. والمعنى. يأيها المؤمنون لا يحل لكم أن ~~يأكل بعضكم مال غيره بطريقة باطلة لا يقرها الشرع، ولا يرتضيها الدين، ~~كما أنه لا يحل لكم أن تتصرفوا فى الأموال التى تملكونها تصرفا منهيا عنه ~~بأن تنفقوها فى وجوه المعاصى التى نهى الله عنها فإن ذلك يتنافى مع طبيعة ~~هذا الدين الذى آمنتم به. وناداهم - سبحانه - بصفة الإيمان، لتحريك ~~حرارة العقيدة فى قلوبهم وإغرائهم بالاستجابة لما أمروا به أو نهو عنه. ~~وفى قوله { أموالكم } إشارة إلى أن هذه الأموال هى نعمة من الله ~~لنا، وأن على الأمة جميعها أن تصون هذه الأموال عن التصرفات الباطلة التى ~~لا تبيحها شريعة الله. وفى قوله { بينكم } إشارة إلى أن تبادل ~~الأموال بين الأفراد والجماعات يجب أن يكون على أساس من الحق والعدل ولا ~~يكون بالباطل أو بالظلم. والاستثناء فى قوله { إلا أن تكون ~~تجارة عن تراض منكم } استثناء منقطع لأن التجارة ليست من ~~جنس الأموال المأكولة بالباطل. والمعنى لا يحل لكم - أيها المؤمنون - أن ~~تتصرفوا فى أموالكم بالطرق المحرمة، لكن يباح لكم أن تتصرفوا فيها ~~بالتجارة الناشئة عن تراض فيما بينكم لأنه لا يحل لمسلم أن يقتطع مال ~~أخيه المسلم إلا عن طيب نفس منه. والتجارة اسم يقع على عقود المعارضات ~~التى يقصد بها طلب الربح. وخصت بالذكر من بين سائر أسباب الملك لكونها ~~أغلب وقوعا ولأن أسباب الرزق أكثرها متعلق بها. أخرج الأصبهانى عن معاذ ms1118 ~~بن جبل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم ~~يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم ~~يمدحوا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يعسروا ". # وكلمة { تجارة } قرأها عاصم وحمزة والكسائى بالنصب على أنها خبر ~~لكان الناقصة، واسم كان ضمير يعود على الأموال أى إلا أن تكون الأموال ~~المتداولة بينكم تجارة صادرة عن تراض منكم. وقرأها الباقون بالرفع على ~~أنها فاعل لكان التامة أى إلا أن تقع تجارة بينكم عن تراض منكم. وقوله { ~~عن تراض منكم } صفة لقوله { تجارة } ولفظ { عن } للمجاوزة ~~أى إلا أن تكون تجارة صادرة عن تراض كائن منكم. والتراضى هو الرضا من ~~الجانبين بما بدل عليه من لفظ أو عرف، وهو أساس العقود بصفة عامة، وأساس ~~المبادلات المالية بصفة خاصة، فلا بيع ولا شراء ولا إجارة ولا شركة ولا ~~غيرها من عقود التجارة ما لم يتحقق الرضا. # قال بعضهم وحقيقة التراضى لا يعلمها إلى الله - تعالى - والمراد ها هنا ~~أمارته. كالإيجاب والقبول وكالتعاطى عند القائل به. وقد قال - تعالى - { ~~إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } فدل ذلك على أن ~~مجرد التراضى هو المناط. ولا بد من الدلالة عليه بلفظ أو إشارة أو كتابة، ~~بأى لفظ وقع وعلى أى صفة كان، وبأى إشارة مفيدة حصل ". وقال الآلوسى ~~والمراد بالتراضى مراضاة المتبايعين بما تعاقدوا عليه فى حال المبايعة ~~وقت الإيجاب والقبول عندنا. وعند المالكية والشافعية حالة الافتراق عن ~~مجلس العقد وقيل التراضى التخيير بعد البيع... ". هذا، وظاهر قوله - ~~تعالى - { إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } يفيد ~~إباحة جميع أنواع التجارات ما دام قد حصل التراضى بين المتعاقدين، ولكن ~~هذا الظاهر غير مراد لأن الشارع قد حرم المتاجرة فى أشياء معينة حتى ولو ~~تم التراضى بين المتعاقدين فيها، وذلك مثل المتاجرة فى الخمر والميتة ~~ولحم الخنزير، ومثل بيع الغرر والعبد الآبق ونحو ذلك مما نهى عنه الشارع ms1119 ~~من العقود والمعاملات. وقوله { ولا تقتلوا أنفسكم } معطوف ~~على ما قبله. وللعلماء فى تأويله اتجاهات فمنهم من يرى أن معناه ولا يقتل ~~بعضكم بعضا، فإن قتل بعضكم لبعض قتل لأنفسكم. والتعبير عن قتل بعضهم لبعض ~~بقتل أنفسهم للمبالغة فى الزجر عن هذا الفعل، وبتصويره بصورة مالا يكاد ~~يفعله عاقل. وإلى هذا المعنى اتجه الفخر الرازى فقد قال اتفقوا على أن ~~هذا نهى عن أن يقتل بعضهم بعضا. وإنما قال { أنفسكم } لقوله صلى ~~الله عليه وسلم # " المؤمنون كنفس واحدة " # ولأن العرب يقولون قتلنا ورب الكعبة إذا قتل بعضهم لأن قتل بعضهم يجرى ~~مجرى قتلهم ". ومنهم من يرى أن معناه النهى عن قتل الإنسان لنفسه. ومن ~~ذلك ما أخرجه الشيخان عن أبى هريرة # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من تردى من جبل فقتل نفسه فهو فى ~~نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا. ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه فى يده ~~يتحساه فى نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا. ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته ~~فى يده يجأ - أى يطعن - بها فى بطنه فى نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ~~". # وروى مسلم عن جابر بن سمرة قال أتى النبى صلى الله عليه وسلم برجل قتل ~~نفسه بمشاقص - أى سهام عراض واحدها مشقص - فلم يصل عليه. ومنهم من يرى أن ~~معناه لا تقتلوا أنفسكم بأكل بعضكم أموال بعض وبارتكابكم للمعاصى التى ~~نهى الله عنها، فإن ذلك يؤدى إلى إفساد أمركم، وذهاب ريحكم، وتمزق ~~وحدتكم، ولا قتل للأمم والجماعات أشد من فساد أمرها، وذهاب ريحها. # وقد ذهب إلى هذا المعنى الإمام ابن كثير فقد قال وقوله { ولا ~~تقتلوا أنفسكم } أى بارتكاب محارم الله - وتعاطى معاصيه، ~~وأكل أموالكم بينكم بالباطل ". والذى نراه أن الجملة الكريمة تتناول كل ~~هذه الاتجاهات، فهى تنهى المسلم عن أن يقتل نفسه، كما أنها تنهاه عن أن ~~يقتل غيره، وهى أيضا تنهاه عن ارتكاب المعاصى التى تؤدى إلى هلاكه. وقدم ~~- سبحانه - النهى عن أكل الأموال بالباطل على النهى عن قتل ms1120 الأنفس مع أن ~~الثانى أخطر، للإشعار بالتدريج فى النهى من الشديد إلى الأشد ولأن ~~وقوعهم فى أكل الأموال بالباطل كان أكثر منهم وأسهل عليهم من وقوعهم فى ~~القتل. وقد ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { إن الله كان ~~بكم رحيما } لبيان أن ما نهى الله عنه من محرمات، وما أباحه من ~~مباحات، إنما هو من باب الرحمة بالناس، وعدم المشقة عليهم. فالله - ~~تعالى- رءوف بعباده ومن مظاهر ذلك أنه لم يكلفهم إلا بما هو فى قدرتهم ~~واستطاعتهم. وهذه الآية الكريمة أصل عظيم فى حرمة الأموال والأنفس. ولقد ~~أكد النبى صلى الله عليه وسلم هذا المعنى فى خطبته فى حجة الوداع حيث قال # " إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، فى شهركم هذا، فى ~~بلدكم هذا ". # ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة من يفعل ما نها الله عنه فقال { ومن ~~يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ~~ذلك على الله يسيرا }. واسم الإشارة فى قوله { ومن ~~يفعل ذلك } يعود إلى المذكور من أكل الأموال بالباطل ومن القتل. ~~وقيل الإشارة إلى القتل لأنه أقرب مذكور. والعدوان مجاوزة الحد المشروع ~~عن قصد وتعمد. والظلم وضع الشى فى غير موضعه. والمعنى أن من يفعل ذلك ~~المحرم حال كونه ذا عدوان وظلم عاقبه الله على ذلك عقابا شديدا فى ~~الآخرة، بإدخاله نارا هائلة محرقة، وكان عقابه بهذا العذاب الهائل الشديد ~~يسيرا على الله، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شئ. وجمع - سبحانه - بين ~~العدوان والظلم ليشمل العذاب كل أحوال الارتكاب لمحارم الله، وليخرج ما ~~كان غير مقصود من الجرائم، كمن يتلف مال غيره بدون قصد، وكمن يقتل غيره ~~بدون تعمد، فإنه يكون ظالما وعليه دفع عوض معين للمستحق لذلك، إلا أنه لا ~~يكون مستحقا لهذا العذاب الشديد الذى توعد الله به من يرتكب هذه الجنايات ~~عن عدوان وظلم. وبعد هذا الوعيد الشديد لكل معتد وظالم، فتح القرآن ~~الكريم باب الرحمة للناس حتى لا يقنطوا من رحمة الله فقال - تعالى - { ~~إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم ms1121 وندخلكم مدخلا كريما }. # واجتناب الشئ معناه المباعدة عنه وتركه جانبا بحيث تكون أنت فى جانب وهو ~~فى جانب آخر ولا تلاقى بينكما. وكبائر الذنوب ما عظم منها، وعظمت العقوبة ~~عليه. كالشرك، وقتل النفس بغير حق، وأكل مال اليتيم ونحو ذلك من ~~المحرمات. والسيئات جمع سيئة وهى الفعلة القبيحة، وسميت بذلك لأنها تسوء ~~صاحبها عاجلا أو آجلا. والمراد بالسيئات هنا صغائر الذنوب بدليل مقابلتها ~~بالكبائر. والمعنى إن تتركوا - يا معشر المؤمنين - كبائر الذنوب التى ~~نهاكم الشرع عن اقترافها، { نكفر عنكم سيئاتكم } أى ~~نسترها عليكم، ونمحها عنكم حتى تصير بمنزلة ما لم يعمل فضلا من الله ~~عليكم، ورحمة بكم. { وندخلكم مدخلا كريما } أى وندخلكم فى ~~الآخرة مدخلا حسنا وهو الجنة التى وعد الله بها عباده الصالحين. فهى مكان ~~طيب يجد من يحل فيه الكثير من كرم الله ورضاه. والمدخل - بضم الميم - كما ~~قرأه الجمهور مصدر بمعنى الإدخال ومفعول ندخلكم محذوف أى نكفر عنكم ~~سيئاتكم وندخلكم إدخالا كريما. ويصح أن يكون اسم مكان منصوبا على الظرفية ~~عند سيبويه، وعلى المفعولية عند الأخفش. وقرأ نافع { مدخلا } - بفتح ~~الميم - على أنه اسم مكان للدخول، ويجوز أن يكون مصدرا ميما. أى ندخلكم ~~مكانا كريما أو ندخلكم دخولا كريما. هذا، وقد استدل العلماء بهذه الآية ~~على أن صغائر الذنوب يغفرها الله - تعالى - لعباده رحمة منه وكرما متى ~~اجتنبوا كبائر الذنوب، وصدقوا فى توبتهم إليه. كما استدلوا بها على أن ~~الذنوب منها الكبائر ومنها الصغائر لأن هذه الآية قد فصلت بين كبائر ~~الذنوب وبين ما يكفر باجتنابها وهو صغار الذنوب المعبر عنها بقوله - ~~تعالى - { نكفر عنكم سيئاتكم }. ولأن الله - تعالى - ~~يقول فى موضع آخر # ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي ~~الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا ~~بالحسنى الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ~~إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة # قال الآلوسى ما ملخصه واختلفوا فى حد الكبيرة على أقوال منها أنها كل ~~معصية أوجبت الحد. ومنها أنها كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ~~وبضعف ديانته. ms1122 وقال الواحدى الصحيح أن الكبيرة ليس لها حد يعرفها العباد ~~به، وإلا لاقتحم الناس الصغائر واستباحوها. ولكن الله - تعالى - أخفى ذلك ~~عن العباد ليجتهدوا فى اجتناب المنهى عنه رجاء أن تجتنب الكبائر. ونظير ~~ذلك إخفاء الصلاة الوسطى، وليلة القدر. وساعة الإجابة. وذهب جماعة إلى ~~ضبطها بالعد من غير ضبط بحد. فعن ابن عباس وغيره أنها ما ذكره الله - ~~تعالى - من أول هذه السورة إلى هنا. # وقيل هى سبع بدليل ما جاء فى الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال # " اجتنبوا السبع الموبقات قالوا وما هن يا رسول الله؟ قال الشرك بالله - ~~تعالى - والسحر، وقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق، وأكل ما اليتيم، ~~وأكل الربا، والتولى يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ". # فإن قيل جاء فى روايات أخرى أن من الكبائر " اليمين الغموس " و " قول ~~الزور " و " عقوق الوالدين "؟ قلنا فى الجواب إن ذلك محمول على أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - ذكر ما ذكر منها قصدا لبيان المحتاج منها وقت الذكر ~~وليس لحصره الكبائر فيه - فإن النص على هذه السبع بأنهن كبائر لا ينفى ما ~~عداهن ". والذى نراه أن الذنوب منها الكبائر ومنها الصغائر، وأن الصغائر ~~يغفرها الله لعباده متى اجتنبوا الكبائر وأخلصوا دينهم لله، وأن الكبائر ~~هى ما حذر الشرع من ارتكابها تحذيرا شديدا، وتوعد مرتكبها بسوء المصير، ~~كالإشراك بالله، وقتل النفس بغير حق وغير ذلك من الفواحش التى يؤدى ~~ارتكابها إلى إفساد شأن الأفراد والجماعات والتى ورد النهى عنها فى كثير ~~من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. وأن الصغائر، هى الذنوب اليسيرة ~~التى يتركبها الشخص من غير إصرار عليها ولا استهانة بها أو مداومة عليها، ~~بل يعقبها بالتوبة الصادقة والعمل الصالح وصدق الله إذ يقول # وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ~~إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى ~~للذاكرين # ولقد فتح الله - تعالى - لعباده باب التوبة من الذنوب صغيرها وكبيرها ~~حتى لا ييأسوا من رحمته فقال - سبحانه - # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا ~~يقتلون ms1123 النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ~~يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له ~~العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من ~~تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل ~~الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما # ثم نهى - سبحانه - عن التحاسد وعن تمنى ما فضل الله به بعض الناس على ~~بعض من المال ونحوه مما يجرى فيه التنافس، وبين - سبحانه - أنه قد جعل ~~لكل إنسان حقا معينا فيما تركه الوالدان والأقربون فقال - تعالى - { ~~ولا تتمنوا...شهيدا }. ### || [4.32-33] # روى المفسرون فى سبب نزول الآية الأولى روايات منها ما رواه الإمام ~~أحمد والترمذى عن مجاهد قال قالت أم سلمة يا رسول الله يغزو الرجال ولا ~~نغزو، ولنا نصف الميراث فأنزل الله - تعالى - { ولا تتمنوا ما ~~فضل الله به بعضكم على بعض }. وقال قتادة كان أهل ~~الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان، فلما ورثوا وجعل للذكر مثل حظ ~~الأنثيين تمنى النساء أن لو جعل أنصباؤهن كأنصباء الرجال. وقال الرجال ~~إنا لنرجوا أن نفضل على النساء بحسناتنا فى الآخرة كما فضلنا عليهن فى ~~الميراث فنزلت { ولا تتمنوا ما فضل الله به ~~بعضكم على بعض }. والتمنى المنهى عنه هنا هو الذى يتضمن معنى ~~الطمع فيما فى يد الغير، والحسد له على ما أعطاه الله من مال أو جاه أو ~~غير ذلك مما يجرى فيه التنافس بين الناس وذلك لأن التمنى بهذه الصورة ~~يؤدى إلى شقاء النفس، وفساد الخلق والدين، ولأنه أشبه ما يكون بالاعتراض ~~على قسمة الخالق العليم الخبير بأحوال خلقه وبشئون عباده. ولا يدخل فى ~~التمنى المنهى عنه ما يسميه العلماء بالغبطة، وهى أن يتمنى الرجل أن يكون ~~له مثل ما عند غيره من خير دون أن ينقص شئ مما عند ذلك الغير. قال صاحب ~~الكشاف قوله { ولا تتمنوا } نهوا عن التحاسد وعن تمنى ما فضل ~~الله به بعض الناس على بعض من الجاه والمال، لأن ذلك التفضيل قسمة من ~~الله صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد، وبما يصلح المقسوم له من ~~بسط ms1124 فى الرزق أو قبض # ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض # فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم الله له، علما بأن ما قسم له هو مصلحته، ~~ولو كان خلافه لكان مفسدة له، ولا يحسد أخاه على حظه ". وقوله - تعالى - ~~{ للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنسآء نصيب ~~مما اكتسبن } تعليل للنهى السابق. أى لكل من فريقى الرجال ~~والنساء حظ مقدر مما اكتسبوه من أعمال، ونصيب معين فيما ورثوه أو أصابوه ~~من أموال، وإذا كان الأمر كذلك فلا يليق بعاقل أن يتمنى خلاف ما قسم الله ~~له من رزق، بل عليه أن يرضى بما قسم الله له. فالله - تعالى - هو الذى ~~قدر أرزاق الرجال والنساء على حسب ما تقتضيه حكمته وعلمه، وهو الذى كلف ~~كل فريق منهم بواجبات وأعمال تليق باستعداده وتكوينه. وقوله { ~~واسألوا الله من فضله } عطف على النهى. فكأنه قيل لا تتمنوا ~~ولا تتطلعوا إلى ما فى أيدى غيركم، ولا تحسدوه على ما رزقه الله، بل ~~اجعلوا تجاهكم إلى الله وحده، والتمسوا منه ما تشاءوه من نعمه الجليلة، ~~ومن حظوظ الدنيا والآخرة، فهو القائل # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز ~~الحكيم # وحذف المفعول من الجملة الكريمة لإفادة العموم. أى واسألوا الله ما ~~شئتم من إحسانه الزائد، وإنعامه المتكاثر حتى تطمئن نفوسكم، ويبتعد عنها ~~الطمع والقلق والألم. قال ابن كثير قوله { واسألوا الله من ~~فضله } أى لا تتمنوا ما فضلنا به بعضكم على بعض فإن التمنى لا يجدى ~~شيئا، ولكن سلونى من فضلى أعطكم فإنى كريم وهاب. روى أبو نعيم وابن ~~مردويه عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل، وإن أحب عباد الله إلى الله ~~للذى يحب الفرج ". # ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { إن الله كان بكل ~~شيء عليما } أى إن الله - تعالى - كان وما زال عليما بكل شئ من ~~شئون هذا الكون، وقد ms1125 وزع - سبحانه - أرزاقه ومواهبه على عباده بمقتضى ~~علمه وحكمته، فجعل فيهم الغنى والفقير، فيحتاج بعضهم إلى بعض، وليتبادلوا ~~المنافع التى لا غنى لهم عنها، وكلف كل فريق منهم بما يتناسب مع تكونيه ~~واستعداده # صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما ~~تفعلون # ثم قال - تعالى { ولكل جعلنا موالي مما ترك ~~الوالدان والأقربون }. والمضاف إلى كل هنا محذوف عوض عنه ~~التنوين. والتقدير ولكل إنسان أو لكل قوم أو لكل من مات، أو لكل من ~~الرجال والنساء. والموالى جمع مولى. لفظ مشترك بين معان، فيقال للسيد ~~المعتق لعبده مولى، لأنه ولى نعمته فى عتقه له. ويقال للعبد العتيق مولى ~~لاتصال ولاية مولاه فى إنعامه عليه كما يقال لكل من الحليف والنصير ~~والقريب مولى. ويقال لعصبة الشخص موالى. قال الفخر الرازى والمراد ~~بالموالى هنا العصبة. ويؤكد ذلك ما رواه أبو صالح عن أبى هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أنا أولى بالمؤمنين. من مات وترك مالا فماله للموالى العصبة. ومن ترك ~~كلا فأنا وليه " # وقال - عليه الصلاة والسلام - # " اقسموا هذا المال فما أبقت السهام فلأولى عصبة ذكر ". # هذا، وللمفسرين فى تأويل هذه الآية الكريمة أقوال متعددة منها أن المعنى ~~1- ولكل واحد من الرجال والنساء جعلنا ورثة عصبة، يرثون مما تركه ~~الوالدان والأقربون من المال. 2- أو المعنى ولكل من مات من الرجال ~~والنساء جعلنا موالى أى ورثة يقتسمون تركته عن طريق الإرث، ولا حق ~~للحليف فيها لأنه ليس من عصبة هذا الميت. 3- أو المعنى ولكل مال مما تركه ~~الوالدان والأقربون جعلنا موالى أى ورثة يلونه ويجوزونه بعد أن يأخذ ~~أصحاب الفروض نصيبهم. # وعلى هذه الوجوه يكون الوالدان والأقربون هم الذين يرثهم غيرهم من ~~مواليهم أى عصبتهم. 4- قال الفخر الرازى ويمكن أن تفسر الآية بحيث يكون ~~الوالدان والأقربون هم الورثة، فيكون المعنى ولكل واحد جعلنا ورثة فى ~~تركته. ثم كأنه قيل ومن هؤلاء الورثة؟ فقيل. هم الوالدان والأقربون. وعلى ~~هذا الوجه لا بد من الوقف عند قوله { مما ترك } هذا وتفسير ms1126 الآية ~~الكريمة بحيث يكون الوالدان والأقربون هم الذين يرثهم غيرهم من عصبتهم هو ~~الأولى، لأنه هو الظاهر فى معنى الآية، وعليه سار جمهور المفسرين، فقد ~~قال ابن جرير " فالموالى ها هنا الورثة. ويعنى بقوله { مما ترك ~~الوالدان والأقربون } مما تركه والداه وأقرباؤه من الميراث. ~~فتأويل الكلام، ولكل منكم أيها الناس جعلنا عصبة يرثون مما ترك والداه ~~وأقرباؤه من ميراثهم ". وقال صاحب الكشاف قوله { مما ترك } تبين ~~لكل. أى ولكل شئ مما ترك الوالدان والأقربون من المال جعلنا موالى أى ~~ورثة يلونه ويحرزونه، أو ولكل قوم جعلناهم موالى نصيب مما ترك الوالدان ~~والأقربون. على أن { جعلنا موالي } صفة لكل، والضمير الراجع إلى ~~كل محذوف، والكلام مبتدأ أو خبر. كما تقول لكل من خلقه الله إنسانا من ~~رزق الله. أى حظ من رزق الله. وقال القرطبى بين الله - تعالى - أن لكل ~~إنسان ورثة وموالى، فلينتفع كل واحد بما قسم الله له من الميراث ولا يتمن ~~مال غيره. وقوله { والذين عقدت أيمانكم فآتوهم ~~نصيبهم } جملة من مبتدأ وخبر. وجئ بالفاء فى الخبر وهو قوله { ~~فآتوهم } لتضمن المبتدأ معنى الشرط. وقوله { عقدت } من العقد وهو ~~الشد والربط والتوكيد والتغليظ، ومنه قولهم عقد العهد يعقده، أى شدة ~~وأكده. والأيمان جمع يمين والمراد به هنا أيديهم اليمنى، وإسناد العقد ~~إليها على سبيل المجاز، لأنهم كانوا عندما يؤثقون عقدا يضع كل واحد منهم ~~يده فى يد الآخر، ليكون ذلك علامة على انبرام العقد وتأكيده. ومن هنا قيل ~~للعقود الصفقات لأن كل عاقد يصفق بيمنه على يمين الآخر. ويصح أن يكون ~~المراد بالأيمان هنا الأقسام التى كانوا يقسمونها ويحلفونها عند التعاقد ~~على شئ يهمهم أمره. وقد قرأ عصام وحمزة والكسائى { عقدت أيمانكم } وقرأ ~~الباقون { عاقدت أيمانكم } وعلى كلتا القراءتين فالمفعول محذوف أى والذين ~~عقدت حلفهم أيمانكم أو عاقدتهم أيمانكم. وللعلماه فى المرد بقوله { ~~والذين عقدت أيمانكم } أقوال منها 1- أن المراد بهم ~~الحلفاء وهم موالى الموالاة وكان لهم نصيب من الميراث ثم نسخ، وقد ورد فى ~~ذلك آثار منها ms1127 ما أخرجه ابن جرير وغيره من قتادة قال قوله تعالى - { ~~والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم } كان الرجل ~~يعاقد الرجل فى الجاهلية فيقول دمى دمك، وهدمى هدمك.. أى مهدومى مهدومك ~~وترثنى وأرثك، وتلطب بى وأطلب بك، فجعل له السدس من جميع المال في ~~الإسلام، ثم يقسم أهل الميراث ميراثهم. # فنسخ ذلك بعد فى سورة الأنفال فقال الله - تعالى - # وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب ~~الله # 2- ويرى بعضهم أن المراد بهم الأدعياء وهم الأبناء بالتبنى، وكانوا ~~يتوارثون بسبب ذلك، ثم نسخه بآية سورة الأنفال السابقة. 3- ويرى فريق ~~ثالث أن المراد بهم إخوان المؤاخاة، فقد كان النبى صلى الله عليه وسلم ~~يؤاخى بين الرجلين من أصحابه وكانت تلك المؤاخاة سببا فى التوارث ثم نسخ ~~ذلك بآية الآنفال السابقة. 4- وقال أبو مسلم الأصفهانى المراد بهم ~~الأزواج، إذ النكاح يسمى عقدا. والذى نراه أولى هو القول الأول لكثرة ~~الآثار التى تؤيده، ولأنه هو الذى رجحه جمهور المفسرين، وعليه يكون ~~المعنى والذين عقدت حلفهم أيمانكم وهم الذين تحالفتم معهم على التناصير ~~وغيره { فآتوهم نصيبهم } أى فأعطوهم نصيبهم من الميراث وفاء ~~بالعقود والعهود. قال ابن جرير عند تفسيره لهذه الآية الكريمة. وأولى ~~الأقوال بالصواب فى تأويل قوله - تعالى - { والذين عقدت ~~أيمانكم فآتوهم نصيبهم } قول من قال والذين عقدت أيمانكم ~~على المحالفة، وهم الحلفاء، وذلك أنه معلوم عند جميع أهل العلم بأيام ~~العرب وأخبارها أن عقد الحلف بينها كان يكون بالأيمان والعهود والمواثيق ~~على نحو ما قد ذكرنا من الروايات فى ذلك. وقال ابن كثير وقوله { ~~والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم } أى والذين ~~تحالفتم بالأيمان المؤكدة أنتم وهم فآتوهم نصيبهم من الميراث كما ~~وعدتموهم فى الأيمان المغلظة، إن الله شاهد بينكم فى تلك العقود ~~والمعاهدات. وقد كان هذا فى ابتداء الإسلام ثم نسخ بعد ذلك، وأمروا أن ~~يوفوا من عاقدوا ولا ينشئوا بعد نزول هذه الآية معاقدة. ثم ختم - سبحانه ~~- الآية الكريمة بقوله { إن الله كان على كل شيء ~~شهيدا } أى إن الله - تعالى - كان وما زال ms1128 عالما بجميع الأشياء، ~~ومطلعا على جليها وخفيها، وسيجازى الذين يتمسكون بشريعته بما يستحقون من ~~ثواب. وسيجازى الذين ينحرفون عنها بما يستحقون من عقاب. فالجملة الكريمة ~~تذييل قصد به الوعد لمن أطاع الله والوعيد لمن عصاه. ثم بين - سبحانه ~~حقوق الرجال وحقوق النساء، وما يجب لكل فريق نحو الآخر، ودعا أهل الخير ~~إلى محاولة الإصلاح بين الزوجين إذا مادب الخلاف بينهما فقال - تعالى - ~~{ الرجال...خبيرا }. ### || [4.34-35] # روى المفسرون روايات فى سبب نزول قوله - تعالى - { الرجال ~~قوامون على النسآء } الآية. ومن هذه الروايات ما ذكره القرطبى ~~من أنها # " نزلت فى سعد بن الربيع نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن خارجة بن ~~أبى زهير فلطمها فقال أبوها يا رسول الله، أفرشته كريمتى فلطمها. فقال ~~صلى الله عليه وسلم " لتقتص من زوجها ". فانصرفت مع أبيها لتقتص منه. ~~فقال - عليه الصلاة والسلام - " ارجعوا هذا جبريل أتانى " # فأنزل الله هذه الآية. وقوله { قوامون } جمع قوام على وزن فعال ~~للمبالغة من القيام على الشئ وحفظه. يقال قام فلان على الشئ وهو قائم ~~عليه وقوام عليه، إذا كان يرعاه ويحفظه ويتولاه. ويقال هذا قيم المرأة ~~وقوامها للذى يقوم بأمرها ويهتم بحفظها وإصلاحها ورعاية شئونها. أي ~~الرجال يقومون على شئون النساء بالحفظ والرعاية والنفقة والتأديب وغير ~~ذلك مما تقتضيه مصلحتهن. ثم ذكر - سبحانه - سببين لهذه القوامة. أولهما ~~وهبى وقد بينه بقوله { بما فضل الله بعضهم على بعض ~~}. أى أن حكمة الله اقتضت أن يكون الرجال قوامين على النساء بسبب ما فضل ~~الله به الرجال على النساء من قوة فى الجسم، وزيادة فى العلم، وقدرة على ~~تحمل أعباء الحياة وتكاليفها وما يستتبع ذلك من دفاع عنهن إذا ما تعرضن ~~لسوء. قال الفخر الرازى واعلم أن فضل الرجال على النساء حاصل من وجوه ~~كثيرة بعضها صفات حقيقية وبعضها أحكام شرعية. أما الصفات الحقيقة فاعلم ~~أن الفضائل الحقيقية يرجع حاصلها إلى أمرين. إلى العلم وإلى القدرة. ولا ~~شك أن عقول الرجال وعلومهم أكثر. ولا شك أن قدرتهم على الأعمال الشاقة ~~أكمل، فلهذين ms1129 السببين حصلت الفضيلة للرجال على النساء فى العقل والحزم ~~والقوة. وإن منهم الأنبياء والعلماء، وفيهم الإمامة الكبرى والصغرى ~~والجهاد، والأذان، والخطبة، والولاية فى النكاح. فكل ذلك يدل على فضل ~~الرجال على النساء ". والمراد بالتفضيل فى قوله { بما فضل الله ~~بعضهم على بعض } تفضيل الجنس على الجنس لا تفضيل الآحاد على ~~الآحاد. فقد يوجد من النساء من هى أقوى عقلا وأكثر معرفة من بعض الرجال. ~~والباء للسببية، وما مصدرية، والبعض الأول المقصود به الرجال والبعض ~~الثانى المقصود به النساء. والضمير المضاف إليه البعض الأول يقع على ~~مجموع الفريقين على سبيل التغليب. وقال - سبحانه - { بما فضل ~~الله بعضهم على بعض } ولم يقل - مثلا - بما فضلهم الله ~~عليهن، للإشعار بأن الرجال من النساء والنساء من الرجال كما قال فى آية ~~أخرى # بعضكم من بعض # وللإشارة إلى أن هذا التفضيل هو لصالح الفريقين، فعلى كل فريق منهم أن ~~يتفرغ لأداء المهمة التى كلفه الله بها بإخلاص وطاعة حتى يسعد الفريقان. # وأما السبب الثاني فهو كسبى وقد بينه - سبحانه - بقوله { وبمآ ~~أنفقوا من أموالهم }. أى أن الله - تعالى - جعل الرجال ~~قوامين على النساء بسبب ما فضل الله به الرجال على النساء من علم وقدرة. ~~وبسبب ما ألزم به الرجال من إنفاق على النساء ومن تقديم المهور لهن عند ~~الزواج بهن، ومن القيام برعايتهن وصيانتهن. قال الآلوسى واستدل بالآية ~~على أن للزوج تأديب زوجته ومنعها من الخروج. وأن عليها طاعته إلا فى ~~معصية الله - تعالى -. وفى الخبر # " لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها " # واستدل بها أيضا من أجاز فسخ النكاح عند الإعسار عن النفقة والكسوة. وهو ~~مذهب مالك والشافعى، لأنه إذا خرج عن كونه قواما عليها فقد خرج عن الغرض ~~المقصود بالنكاح. وعندنا لا فسخ لقوله - تعالى { وإن كان ذو ~~عسرة فنظرة إلى ميسرة }. واستدل بها أيضا من جعل للزوج ~~الحجر على زوجته فى نفسها وما لها فلا تتصرف فيه إلا بإذنه، لأنه - ~~سبحانه - جعل الرجل قواما بصيغة المبالغة. وهو الناظر ms1130 على الشئ الحافظ له ~~". ثم شرع - سبحانه - فى تفصيل أحوال النساء. وفى بيان كيفية القيام ~~عليهن بحسب اختلاف أحوالهن، فقسمهن إلى قسمين فقال فى شأن القسم الأول { ~~فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ~~}. أى فالصالحات من النساء من صفاتهن أنهن { قانتات } أى مطيعات لله ~~- تعالى ولأزواجهن عن طيب نفس واطمئنان قلب، ومن صفاتهن كذلك أنهن { ~~حافظات للغيب بما حفظ الله }. قال صاحب الكشاف الغيب ~~خلاف الشهادة. أى حافظات لمواجب الغيب. إذا كان الأزواج غير شاهدين لهن، ~~حفظن ما يجب عليهن حفظه فى حال الغيبة من الفروج والأموال والبيوت. وعن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال. # " خير النساء أمرأة إن نظرت إليها سرتك، وأن أمرتها أطاعتك، وإذا غبت ~~عنها حفظتك فى مالها ونفسها " # ، ثم تلا الآية الكريمة. و " ما " فى قوله { بما حفظ الله } ~~يحتمل أن تكون مصدرية فيكون المعنى أن هؤلاء النساء الصالحات المطيعات من ~~صفاتهن أنهن يحفظن فى غيبة أزواجهن ما يجب حفظه بسبب حفظ الله لهن ~~ورعايته إياهن بالتوفيق للعمل الذى يحبه ويرضاه. ويحتمل أن تكون موصولة ~~فيكون المعنى أنهن حافظات لغيبة أزواجهن فى النفس والعرض والمال وكل ما ~~يجب حفظه بسبب الأمر الذى حفظه الله لهن على أزواجهن حيث كلف الأزواج ~~بالانفاق عليهن وبالإحسان إليهن، فعليهن أن يحفظن حقوق أزاوجهن فى ~~مقابلة الذى حفظه الله لهن من حقوق على أزواجهن. فالجملة الكريمة تمدح ~~النساء الصالحات المطيعات الحافظات لأسرار أزواجهن ولكل ما يجب حفظه من ~~عرض أو مال أو غير ذلك مما تقتضيه الحياة الزوجية. # هذا هو القسم الأول من النساء، أما القسم الثانى فقد قال - سبحانه - فى ~~شأنه { واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن ~~واهجروهن في المضاجع واضربوهن } والمراد بقوله { ~~نشوزهن } عصيانهن وخروجهن عما توجيه الحياة الزوجية من طاعة الزوجة ~~لزوجها. يقال نشزت الزوجة نشوزا أى عصت زوجها وامتنعت عليه. وأصل النشوز ~~مأخوذ من النشز بمعنى الارتفاع فى وسط الأرض السهلة المنبسطة ويكون شاذا ~~فيها. فشبهت المرأة المتعالية على طاعة زوجها بالمرتفع من الأرض. والمعنى ~~هذا شأن ms1131 النساء الصالحات القانتات الحافظات للغيب بسبب حفظ الله لهن، أما ~~النساء اللاتى تخافون { نشوزهن } أى عصيانهن لكم، وترفعهن عن ~~مطاوعتكم، وسوء عشرتهن { فعظوهن } بالقول الذى يؤثر فى النفس، ~~ويوجههن نحو الخير والفضيلة، بأن تذكروهن بحسن عاقبة الطاعة للزوج. وسوء ~~عاقبة النشوز والمعصية، وبأن تسوقوا لهن من تعاليم الإسلام وآدابه ~~وتوجيهاته ما من شأنه أن يشفى الصدور، ويهدى النفوس إلى الخير. قال ابن ~~كثير وقوله - تعالى - { واللاتي تخافون نشوزهن } أى النساء ~~تخافون أن ينشزن على أزواجهن فعظوهن. والنشوز هو الارتفاع فالمرأة الناشز ~~هى المرتفعة على زوجها التاركة لأمره، المعرضة عنه المبغضة له، فمتى ظهر ~~له منها أمارات النشوز فليعظها وليخوفها عقاب الله، فإن الله قد أوجب حق ~~الزوج عليها وطاعته، وحرم عليها معصيته لماله عليها من الفضل، وقد قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها من عظم ~~حقه عليها ". # وقوله { واهجروهن في المضاجع } أى وعليكم إذا لم تنفع ~~الموعظة والنصيحة معهن أن تتركوهن منفردات فى أماكن نومهن. فالمضاجع جمع ~~مضجع - وهو مكان النوم والاضطجاع. قال القرطبى والهجر فى المضجع هو أن ~~يضاجعها - أى ينام معها فى فراش واحد - ويوليها ظهره ولا يجامعها. وقال ~~مجاهد { واهجروهن في المضاجع } أى تجنبوا مضاجعهن أى - ~~اهجروا أماكن نومهن بأن تناموا بعيدا عنهن - ". روى أبو داود بسند # " عن معاوية بن حيدة القشيرى أنه قال يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا ~~عليه؟ قال أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه. ولا ~~تقبح. ولا تهجر إلا فى البيت ". # وقوله { واضربوهن } معطوف على ما قبله. أى إن لم ينفع ما فعلتم ~~من العظة والهجران فاضربوهن ضربا غير مبرح - أى غير شديد ولا مشين - فقد ~~ثبت فى صحيح مسلم عن جابر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال فى حجة ~~الوداع # " واتقوا الله فى النساء فانهن عوان عندكم - أى أسيرات عندكم - ولكم ~~عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه. فإن فعلن فاضربوهن ضربا ms1132 غير مبرح ~~". # وقد فسر العلماء الضرب غير المبرح بأنه الذى لا يكسر عظما، ولا يشين ~~جارحة، وأن يتقى الوجه فإنه مجمع المحاسن ولا يلجأ إليه إلا عند فشل ~~العلاجين السابقين. وقد قال - سبحانه - { واللاتي تخافون ~~نشوزهن } ولم يقل واللائى ينشزن، للإشعار بأن يبدأ الزوج بعلاج ~~عيوب زوجته عندما تظهر أمارات هذه العيوب وعلاماتها وأن لا يتركها حتى ~~تشترى وتشتد، بل عليه عندما يخشى النشوز أن يعالجة قبل أن يقع، وأن يكون ~~علاجه بطريقة حكيمة من شأنها أن تقنع وتفيد. وبعضهم فسر الخوف، بالعلم أى ~~واللاتى تعلمون نشوزهن فعظوهن... إلخ. وبعضهم قدر مضافا فى الكلام أى ~~واللاتى تخافون دوام نشوزهن، فعظوهن واهجروهن فى المضاجع.. الخ. وبعضهم ~~قدر معطوفا محذوفا أى واللاتى تخافون نشوزهن ونشزن، فعظوهن واهجروهن فى ~~المضاجع...الخ. وجمهور العلماء على أن من الواجب على الزوج أن يسلك فى ~~معالجته لزوجته تلك الأنواع الثلاثة على الترتيب بأن يبدأ بالوعظ ثم ~~بالهجر ثم بالضرب، لأن الله - تعالى - قد أمر بذلك، ولأنه قد رتب هذه ~~العقوبات بتلك الطريقة الحكيمة التى تبدأ بالعقوبة الخفيفة ثم تتدرج إلى ~~العقوبة الشديدة ثم إلى الأكثر شدة. قال الفخر الرازى وبالجملة فالتخفيف ~~مراعى فى هذا الباب على أبلغ الوجوه. والذى يدل عليه اللفظ أنه - تعالى - ~~ابتدأ بالوعظ. ثم ترقى منه إلى الضرب. وذلك تنبيه يجرى مجرى التصريح فى ~~أنه متى حصل الغرض بالطريق الأخف، وجب الاكتفاء به، ولم يجز الإقدام على ~~الطريق الأشق. وهذه طريقة من قال حكم هذه الآية مشروع على الترتيب. وقال ~~بعض أصحابنا " تحرير المذهب أن له عند خوف النشوز أن يعظها، وهل له أن ~~يهجرها؟ فيه احتمال. وله عند إيداء النشوز من يعظها أو يهجرها، أو يضربها ~~". ثم بين - سبحانه - ما يجب على الرجال نحو النساء إذا ما أطعنهم وتركن ~~النشوز والعصيان فقال - تعالى - { فإن أطعنكم فلا تبغوا ~~عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا }. أى فإن ~~رجعن عن النشوز إلى الطاعة وانقدن لما أوجب الله عليهن نحوكم أيها ~~الرجال، فلا تطلبوا سبيلا وطريقا ms1133 إلى التعدى عليهن، أو فلا تظلموهن بأى ~~طريق من طرق الظلم كأن تؤذوهن بألسنتكم أو بأيدكم أو بغير ذلك، بل اجعلوا ~~ما كان منهن كأنه لم يكن، وحاولوا التقرب إليهن بألوان المودة والرحمة. { ~~إن الله كان عليا كبيرا } فاحذروا مخالفة أمره، فإن قدرته ~~- سبحانه - عليكم أعظم من قدرتكم على نسائكم. فالجملة الكريمة تذييل قصد ~~به حث الأزواج على قبول توبة النساء، وتحذيرهم من ظلمهن إذا ما تركن ~~النشوز، وعدن إلى طريق الطاعة والإنابة. قال بعضهم وذكر هاتين الصفتين ~~فى هذا الموضع فى غاية الحسن، وبيانه من وجوه الأول أن المقصود منه تهديد ~~الأزواج على ظلم النساء. # والمعنى أنهن إن ضعفن عن دفع ظلمكم وعجزن عن الانتصاف منكم، فالله - ~~سبحانه - ينتصف لهن منكم لأنه على قاهر كبير. الثانى لا تبغوا إذا ~~أطعنكم لعلو أيديكم، فإن الله أعلى منكم وأكبر من كل شئ. الثالث أنه - ~~سبحانه - مع علوه وكبريائه لا يكلفكم إلا ما تطيقون، كذلك لا تكلفوهن ~~محبتكم، فإنهن لا يقدرن على ذلك. الرابع أنه مع علوه وكبريائه لا يؤاخذ ~~العاصى إذا تاب، بل يغفر له، فإذا تابت المرأة عن نشوزها فأنتم أولى بأن ~~تتركوا عقوبتها وتقبلوا توبتها. الخامس أنه - تعالى مع علوه وكبريائه ~~اكتفى من العبد بالظواهر ولم يهتك السرائر فأنتم أولى أن تكتفوا بظاهر ~~حال المرأة، وأن تقعوا فى التفتيش عما فى قلبها وضميرها من الحب والبغض ~~". ثم بين - سبحانه - ما يجب عمله إذا ما نشب خلاف بين الزوجين فقال - ~~تعالى - { وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما ~~من أهله وحكما من أهلهآ إن يريدآ إصلاحا ~~يوفق الله بينهمآ إن الله كان عليما خبيرا }. ~~والمراد بالخوف هنا العلم. والخطاب لولاة الأمور وصلحاء الأمة. وقيل لأهل ~~الزوجين. والمراد بالشقاق ما يحصل بين الزوجين من خلاف ومعاداة. وسمى ~~الخلاف شقاقا لأن المخالف يفعل ما يشق على صاحبه، أو لأن كل واحد من ~~الزوجين صار فى شق وجانب غير الذى فيه صاحبه. وقوله { شقاق ~~بينهما } أصله شقاقا بينهما. فأضيف الشقاق إلى الظرف إما على ms1134 إجرائه ~~مجرى لمفعول فيه إتساعا. كقوله - تعالى - # بل مكر الليل والنهار # وأصله بل مكر فى الليل والنهار. وإما على إجرائه مجرى الفاعل بجعل البين ~~مشاقا والليل والنهار ماكرين. كما فى قولك نهارك صائم. والمعنى وإن علمتم ~~أيها المؤمنون أن هناك خلافا بين الزوجين قد يتسبب عنه النفور الشديد، ~~وانقطاع حبال الحياة الزوجية بينهما، ففى هذه الحالة عليكم أن تبعثوا { ~~حكما } أى رجلا صالحا عاقلا أهلا للإصلاح ومنع الظالم من الظلم { ~~من أهله } أى من أهل الزوج وأقاربه { وحكما من أهلهآ } ~~أى من أقارب الزوجة بحيث يكون على صفة الأول لأن الأقارب فى الغالب أعرف ~~ببواطن الأحوال، وأطلب للإصلاح، وتسكن إليهم النفس أكثر من غيرهم. وعلى ~~الحكمين فى هذه الحالة أن يستكشفا حقيقة الخلاف، وان يعرفا هل الإصلاح ~~بين الزوجين ممكن أو أن الفراق خير لهما؟. وظاهر الأمر فى قوله { ~~فابعثوا } أنه للوجوب، لأنه من باب رفع المظالم ورفع المظالم من ~~الأمور الواجبة على الحكام. وظاهر وصف الحكمين بان يكون أحدهما من أهل ~~الزوج والثانى من أهل الزوجة. أن ذلك شرط على سبيل الوجوب، إلا أن كثيرا ~~من العلماء حمله على الاستحباب، وقالا إذا بعث القاضى بحكمين من الأجانب ~~جاز ذلك، لأن فائدة بعث الحكمين استطلاع حقيقة الحال بين الزوجين، وهذا ~~أمر يستطيعه الأقارب وغير الأقارب إلا أنه يستحب الأقارب فيه لأنهم أعرف ~~بأحوال الزوجين، وأشد طلبا للإصلاح، وأبعد عن الظنة والريبة، وأقرب إلى ~~أن تسكن إليهم النفس. # والضمير فى قوله - تعالى - { إن يريدآ إصلاحا } يجوز أن يعود ~~للحكمين ويجوز أن يكون للزوجين. وكذلك الضمير فى قوله { يوفق ~~الله بينهمآ } يحتمل أن يكون للحكمين وأن يكون للزوجين. والأولى ~~جعل الضمير الأول للحكمين والثانى للزوجين فيكون المعنى إن يريدا أى ~~الحكمان إصلاحا بنية صحيحة وعزيمة صادقة، يوفق الله بين الزوجين بإلقاء ~~الألفة والمودة فى نفسيهما، وانتزاع أسباب الخلاف من قلبيهما. هذا، وقد ~~اختلف العلماء فيما يتولاه الحكمان، أيتوليان الجمع والتفريق بين الزوجين ~~بدون. إذنهما أم ليس لهما تنفيذ أمر يتعلق بالزوجين إلا ms1135 بعد استئذانهما؟. ~~يرى بعضهم أن للحكمين أن يلزما الزوجين بما يريانه بدون إذنهما، لأن الله ~~- تعالى - سماهما حكمين، والحكم هو الذى بحسم الخلاف بما تقتضيه المصلحة ~~سواء أرضى المحكوم عليه أم لم يرض ولأن القاضى هو الذى كلفهما بهذه ~~المهمة فلهما أن يتصرفا بما يريانه خيرا بدون إذن الزوجين ولأن عليا - ~~رضى الله عنه - عندما بعث الحكمين لحسم الخلاف الذى نشب بين أخيه عقيل ~~وبين زوجته قال لهما أتدريان ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتم أن تجمعا ~~جمعتما وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما... وإلى هذا الرأى اتجه ابن عباس ~~والشعبى ومالك وأحمد بن حنبل وغيرهم. ويرى الحسن وأبو حنيفة وغيرهما أنه ~~ليس للحكمين أن يفرقا بين الزوجين إلا برضاهما لأنهما وكيلان للزوجين، ~~ولأن الآية الكريمة قد بينت أن عملهما هو الإصلاح فإن عجزا عنه فقد انتهت ~~مهمتهما، ولأن الطلاق من الزوج وحده، ولا يتولاه غيره إلا بالنيابة عنه. ~~ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { إن الله كان عليما ~~خبيرا } أى إنه - سبحانه - عليهم بظواهر الأمور وبواطنها. خبير بأحوال ~~النفوس وطرق علاجها، ولا يخفى عليه شئ من تصرفات الناس وأعمالهم، ~~وسيحاسبهم عليها. فالجملة الكريمة تذييل المقصود منه الوعيد للحكمين إذا ~~ما سلكوا طريقا يخالف الحق والعدل. وبهذا نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين ~~قد بينتا جانبا هاما مما يجب للرجال على النساء، ومما يجب للنساء على ~~الرجال، فقد مدحت أولاهما النساء الصالحات المطيعات الحافظات لحق ~~أزواجهن، ورسمت العلاج الناجع الذى يجب على الرجال أن يستعملوه إذا ما ~~حدث نشوز من زوجاتهم، وحذرت الرجال من البغى على النساء إذا ما تركن ~~النشوز وعدن إلى الطاعة والاستقامة { فإن أطعنكم فلا ~~تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا ~~}. # ثم طلبت الآية الثانية من ولاة الأمور وصلحاء الأمة أن يتدخلوا بين ~~الزوجين إذا ما نشب خلاف بينهما، وأن يكون هذا التدخل عن طريق حكمين ~~عدلين عاقلين يتوليان الإصلاح بينهما، ويقضيان بما فيه مصلحة الزوجين، ~~وقد وعد - سبحانه - بالتوفيق بين الزوجين متى صلحت النيات، وصفت النفوس، ms1136 ~~ومالت القلوب نحو التسامح والتعاطف قال - تعالى - { إن يريدآ ~~إصلاحا يوفق الله بينهمآ إن الله كان عليما ~~خبيرا }. وبهذا التشريع الحكيم تسعد الأمم والأسر، وتنال ما تصبوا ~~إليه من رقى واستقرار. وبعد هذا البيان الحكيم الذى ساقته السورة الكريمة ~~فيما يتعلق بأحكام الأسرة ووسائل استقرارها، وعلاج ما يكون بين الزوجين ~~من أسباب النزاع... بعد هذا البيان الحكيم عن ذلك أخذت السورة الكريمة فى ~~دعوة الناس إلى عبادة الله وحده، وإلى التحلى بمكارم الأخلاق، ونهتهم عن ~~الإشراك بالله - تعالى -، وعن الغرور والبخل والرياء، وغير ذلك من ~~الأعمال التى ترضى الشيطان وتغضب الرحمن فقال - تعالى - { واعبدوا ~~الله...حديثا }. ### || [4.36-42] # قال القرطبى ما ملخصه أجمع العلماء على أن هذه الآية - وهى قوله - تعالى ~~- { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا } - من المحكم ~~المتفق عليه - ليس منها شئ منسوخ. وكذلك هى فى جميع الكتب. ولو لم يكن ~~كذلك لعرف ذلك من جهة العقل وإن لم ينزل به الكتاب. والعبودية هى التذلل ~~والافتقار لمن له الحكم والاختيار. فالآية أصل فى خلوص الأعمال لله ~~وتصفيتها من شوائب الرياء وغيره. وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " قال الله - تعالى - أنا أغنى الشركاء عن الشرك. من عمل عملا أشرك فيه ~~معى غيرى تركته وشركه ". # والمعنى عليكم أيها الناس أن تخلصوا لله - تعالى - العبادة والخضوع، وأن ~~تتجهوا إليه وحده فى كل شئونكم بدون أن تتخذا معه أى شريك لا فى عقيدتكم ~~ولا فى عبادتكم ولا فى أقوالكم ولا فى أعمالكم، كما قال - تعالى - # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين حنفآء # وهذه العبادة الخالصة لله - تعالى - هى حقه - سبحانه - علينا، فهو الذى ~~خلقنا وهو الذى رزقنا وهو المتفضل علينا فى جميع الحالات. روى البخارى # " عن معاذ بن جبل قال كنت ردف النبى - صلى الله عليه وسلم - على حمار ~~يقال له عفيرة. فقال يا معاذ هل تدرى ما حق الله على عباده وما حق العباد ~~على الله؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال فان ms1137 حق الله على العبادة ان يعبدوه ~~ولا يشركوا به شيئا. وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا. ~~فقلت يا رسول الله! أفلا أبشر به الناس؟ قال لا تبشرهم فيتكلوا ". # وقد صدر سبحانه - تلك الوصايا الحكيمة التى اشتملت عليها الآية الكريمة ~~بالأمر بعبادته والنهى عن أن نشرك به شيئا، لأن إخلاص العبادة له أساس ~~الدين، ومداره الأعظم الذى بدونه لا يقبل الله من العبد عملا ما، ولأن فى ~~ذلك إيماء إلى ارتفاع شأن تلك الوصايا التى سيقت بعد ذلك، إذ قرنها ~~بالعبادة والتوحيد يكسبها عظمة وجلالا. وعطف النهى عن الشرك على الأمر ~~بالعبادة لله - تعالى - من باب عطف الخاص على العام، لأن الإشراك ضد ~~التوحيد فيفهم من النهى عن الإشراك الأمر بالتوحيد. ثم أوصى - سبحانه - ~~بالإحسان إلى الوالدين فقال { وبالوالدين إحسانا }. أى ~~عليكم أن تخلصوا لله العبادة ولا تشركوا معه شيئا، وعليكم كذلك أن تحسنوا ~~إلى الوالدين بأن تطيعوهما وتكرموهما وتستجيبوا لمطالبهما التى يرضاها ~~الله، والتى فى استطاعتكم أداؤها. وقد جاء الأمر بالإحسان إلى الوالدين ~~عقب الأمر بتوحيد الله، لأن أحق الناس بالاحترام والطاعة بعد الله - عز ~~وجل - هما الوالدان لأنهما هما السبب المباشر فى وجود الإنسان. # ومن الآيات التى قرنت الأمر بالإحسان إلى الوالدين بالأمر بطاعة الله ~~قوله - تعالى - # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا # وقوله - تعالى - # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا ~~تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا # وقوله - تعالى - # وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا ~~الله وبالوالدين إحسانا # ومن الأحاديث التى أمرت بالإحسان إلى الوالدين ونهت عن الإساءة إليهما ~~ما رواه الترمذى عن عبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال # " رضا الله فى رضا الوالدين وسخط الله فى سخط الوالدين ". # وروى أبو داود والبيهقى عن رجل من بنى سلمة أنه جاء إلى النبى صلى الله ~~عليه وسلم فقال # " يا رسول الله هل بقى على من بر أبوى شئ أبرهما به بعد موتهما؟ قال ms1138 ~~نعم. الصلاة عليهما. والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وإكرام ~~صديقهما، وصلة الرحم التى لا توصل إلا بهما ". # وقد جاءت هذه الجملة وهى قوله تعالى { وبالوالدين إحسانا } ~~فى صورة الخبر إلا أن المراد بها الأمر بالإحسان إليهما، ففى الكلام ~~محذوف والتقدير وأحسنوا بالوالدين إحسانا. فقوله وبالوالدين متعلق بالفعل ~~المقدر. ثم أمر - سبحانه - بالإحسان إلى الأقارب واليتامى والمساكين ~~فقال وبذى القربى واليتامى والمساكين. أى وأحسنوا كذلك إلى أقاربكم الذين ~~جمعت بينكم وبينهم رابطة القرابة والنسب، وإلى اليتامى الذين فقدوا الأب ~~الحانى بأن تعطفوا عليهم، وترحموا ضعفهم، وتحسنوا تربيتهم ورعايتهم. وإلى ~~المساكين الذين هم فى حاجة إلى العون والمساعدة لفقرهم وضعفهم وعدم وجود ~~ما يقوم بكفايتهم. وقد وردت آيات كثيرة فى القرآن الكريم تدعو المسلمين ~~إلى الإحسان إلى الأقارب واليتامى والمساكين، ومن ذلك قوله - تعالى - # وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا ~~الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى ~~والمساكين # وقوله - تعالى - # وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا ~~تبذر تبذيرا # ومن الأحاديث التى وردت فى هذا المعنى ما رواه الشيخان عن أبى هريرة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من سره أن يبسط له فى رزقه وأن ينسأ له فى أثره فليصل رحمه " # ، وروى الشيخان أيضا عن سهل بن سعد عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال # " أنا وكافل اليتيم فى الجنة كهذا وقال بإصبعيه السبابة والوسطى - أى ~~أشار وفرج بين السبابة والوسطى ". # وروى البخارى وغيره عن صفوان بن سليم عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال # " الساعى على الأرملة والمسكين كالمجاهد فى سبيل الله، أو كالذى يصم ~~النهار ويقوم الليل ". # ثم أمر - سبحانه - بالإحسان إلى طائفة أخرى من الناس فقال - تعالى - { ~~والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب ~~بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم }. والجار ~~ذو القربى هو الجار الذى قرب جواره. أو هو الذى له مع الجوار قرب واتصال ~~بنسب أو دين، فإن له مع حق الجوار حق القرابة. والجار الجنب هو الجار ~~الذى بعد ms1139 جواره عن جوارك من الجنابة ضد القرابة. يقال اجتنب فلان فلانا ~~إذا بعد عنه. وقيل هو الجار الذى لا قرابة فى النسب بينه وبين جاره، ~~ويقابله الجار ذو القربى. وقد ساق ابن كثير عند تفسيره لهذه الجملة أكثر ~~من عشرة أحاديث تتعلق بالإحسان إلى الجار ومنها ما رواه الشيخان عن ابن ~~عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " ما زال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ". # وروى الترمذى عن عبد الله بن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال # " خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه. وخير الجيران عند الله خيرهم ~~لجاره ". # والصاحب بالجنب هو الرفيق فى كل أمر حسن كتعليم أو تجارة أو سفر أو غير ~~ذلك. قال صاحب الكشاف " والصاحب بالجنب هو الذى صحبك بأن حصل بجنبك إما ~~رفيقا فى سفر، وإما جارا ملاصقا، وإما شريكا فى تعلم علم أو حرفة، وإما ~~قاعدا إلى جنبك فى مجلس أو مسجد أو غير ذلك فعليك أن ترعى ذلك الحق ولا ~~تنساه وتجعله ذريعة إلى الإحسان. وقيل الصاحب بالجنب المرأة ". وابن ~~السبيل هو المسافر الذى انقطع عن بلده، ونفد ما فى يده من مال يوصله إلى ~~مبتغاه. والسبيل الطريق فنسب المسافر إليه لمروره عليه وملابسته له. ومن ~~الإحسان إليه. إيواؤه وإطعامه ومساعدته بما يوصله إلى موطنه. والمراد ~~بقوله { وما ملكت أيمانكم } العبيد الأرقاء الذين ملكت ~~رقابهم، فصاروا ضعاف الحيلة لامتلاك غيرهم لهم. وقد أوصى النبى صلى الله ~~عليه وسلم بالإحسان إليهم فى كثير من الأحاديث ومن ذلك ما رواه أبو داود ~~وابن ماجه عن على بن أبى طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " جعل يوصى أمته فى مرض موته فيقول الصلاة الصلاة. اتقوا الله فيما ملكت ~~أيمانكم ". # وروى الإمام أحمد والنسائى عن المقدام بن معد يكرب قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة. وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة. وما أطعمت ~~زوجك فهو لك صدقة. وما أطعمت خادمك ms1140 فهو لك صدقة ". # وروى الشيخان عن أبى ذر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال # " هم إخوانكم خولكم. جعلكم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده ~~فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبكم. فإن ~~كلفتموهم فأعينوهم ". # وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد أمرت الناس بإخلاص العبادة لله - تعالى ~~-، كما أمرتهم بالإحسان إلى آبائهم وإلى أقاربهم وإلى البائسين ~~والمحتاجين وغيرهم ممن هم فى حاجة إلى مد يد العون والمساعدة. وبتنفيذ ~~هذه الوصايا السامية تسعد الإنسانية، وتنال ما تصبوا إليه من رقى ~~واستقرار. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { إن الله لا ~~يحب من كان مختالا فخورا }. والمختال هو المتكبر المعجب ~~بنفسه سمى بذلك لأنه يتخيل لنفسه من السجايا والصفات والأفعال ما ليس ~~فيه. فيستعلى على الناس ولا يلتفت إليهم. والفخور هو الشديد الفخر بما ~~يقول أو يفعل، المكثر من ذكر مزاياه ومناقبه، والمحب لأن يحمد بما لم ~~يفعل. أى إن الله لا يحب من كان متكبرا معجبا بنفسه، ومن كان كثير الفخر ~~بما يقول أو يفعل لأن من هذه صفاته لا يقوم برعاية حقوق الناس بل إن ~~غروره ليجعله يستنكف عن الاتصال بهم وإن فخره ليحمله على التطاول عليهم. ~~والجملة الكريمة علة لكلام محذوف والتقدير لا تفتخروا ولا تختالوا فإن ~~الله لا يحب من كان متصفا بهذه الصفات القبيحة. وقوله { الذين ~~يبخلون ويأمرون الناس بالبخل } يدل من قوله { ~~مختالا فخورا } أى أن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ولا يحب ~~الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل. ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر ~~والتقدير الذى يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من ~~فضله مبغضون من الله أو أحقاء لكل ما ينزل بهم من عذاب. وحذف لتذهب نفس ~~السامع فيه كل مذهب. ودل على هذا الخبر المحذوف قوله { وأعتدنا ~~للكافرين عذابا مهينا }. ويجوز أن يكون منصوبا أو مرفوعا ~~على الذم. إلى غير ذلك مما ذكروه فى وجوه إعراب هذه الآية الكريمة. ~~والمعنى أن الله - تعالى - لا يجب ms1141 هؤلاء المختالين والفخورين، ولا يجب ~~كذلك الذين لا يكتفون بالبخل بأموالهم عن إنفاق شئ منها فى وجوه الخير مع ~~أن بخلهم هذا مفسدة عظيمة. بل يأمرون غيرهم بأن يكونوا بخلاء مثلهم، وأن ~~يسلكوا مسلكهم الذميم. قال صاحب الكشاف أى يبخلوا بذات أيديهم وبما فى ~~أيدى غيرهم. فيأمرونهم بأن يبخلوا به مقتا للسخاء ممن وجد منه السخاء. ~~وفى أمثال العرب أبخل من الضنين بنائل غيره. ثم قال ولقد رأيناه ممن بلى ~~بداء البخل، من إذا طرق سمعه أن أحدا جاد على أحد، شخص به، أى قلق وضجر، ~~وحل حبوته واضطرب ودارت عيناه فى رأسه. كأنما نهب رحله، وكسرت خزائنه ~~ضجرا من ذلك وحسرة على وجوده ". وقوله { ويكتمون مآ آتاهم ~~الله من فضله } بيان لرذيلة أخرى من رذائلهم الكثيرة أى أنهم ~~يبخلون بما فى أيديهم ويأمرون غيرهم بذلك، ويكتمون ويخفون نعم الله التى ~~أعطاها لهم فلا يظهورها سواء أكانت هذه النعم نعما مالية أم علمية أم غير ~~ذلك من نعم الله عليهم. # وقوله - تعالى - { وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا } ~~بيان للمصير السئ الذى سيصيرون إليه بسبب أفعالهم القبيحة. أى وهيأنا ~~لهؤلاء الجاحدين لنعم الله الكافرين بوحيه عذابا يهينهم ويذلهم وينسيهم ~~ما كانوا فيه من فخر وخيلاء وغرور. قال الآلوسى ما ملخصه ووضع - سبحانه - ~~المظهر موضع المضمر للإشعار بأن من هذا شأنه فهو كافر لنعم الله، ومن ~~كان كافرا لنعمه فله عذاب يهينه كما أهان النعم بالبخل والإخفاء. وسبب ~~نزول هذه الآية أن جماعة من اليهود كانوا يأتون رجالا من الأنصار فيقولون ~~لهم لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر فى ذهابها، ولا تسارعوا فى ~~النفقة فإنكم لا تدرون ما يكون. فأنزل الله قوله - تعالى - { الذين ~~يبخلون } إلى قوله { وكان الله بهم عليما }. وقيل نزلت ~~فى الذين كتموا صفة النبى صلى الله عليه وسلم وبخلوا بحق الله عليهم وهم ~~أعداء الله - تعالى - أهل الكتاب. وقوله - تعالى { والذين ~~ينفقون أموالهم رئآء الناس ولا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر } معطوف على { الذين ~~يبخلون }. وإنما شاركوهم فى ms1142 الذم وسوء العاقبة لأن البخل بإظهار نعم ~~الله فى مواضع الخير وكتمانها، يستوى مع الإنفاق الذى لا يقصد به وجه ~~الله فى القبح واستجلاب العقاب، إذ أن الذى ينفق ماله على سبيل الرياء ~~والسمعة لا يتوخى به مواقع الحاجة، فقد يعطى الغنى ويمنع الفقير، وقد ~~يبذل الكثير من المال ولكن فى المفاسد والشرور والمظاهر الكاذبة. والمعنى ~~والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس أى قاصدين بإنفاقهم الرياء والسمعة لا ~~وجه الله - تعالى - ولا يؤمنون بالله الذى له الخلق والأمر، ولا باليوم ~~الآخر وما فيه من ثواب وعقاب... هؤلاء الذين يفعلون ذلك ببغضهم الله - ~~تعالى -، ويجازيهم بما يستحقون من عذاب أليم. روى مسلم عن أبى هريرة قال # " سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول قال الله - تبارك وتعالى - أنا ~~أغنى الشركاء عن الشرك. من عمل عملا اشرك معى فيه غيرى تركته وشركه ". # وقوله { ومن يكن الشيطان له قرينا فسآء قرينا } ~~جملة معترضة لبيان أن صحبتهم للشيطان ومطاوعتهم له هى التى دفعتهم إلى ~~البخل وإلى الرياء وإلى عدم الإيمان بالحق الذى آمن به العقلاء من ~~الناس. والمراد بالشيطان هنا كل ما يغرى الإنسان بالشر ويدفعه إليه من ~~الانس أو الجن. والقرين هو المصاحب والملازم للإنسان. فهو فعيل بمعنى ~~مفاعل، كخليط بمعنى المخالط. وساء هنا بمعنى بئس. # وقرينا تمييز مفسر للضمير المستكين فى ساء. والمخصوص بالذم محذوف وهو ~~الشيطان الذى يدفع الإنسان إلى الشرور الآثام. والمعنى ومن يكن الشيطان ~~مقارنا ومصاحبا له فبئس المصاحب وبئس المقارن الشيطان لأنه يدعوه إلى ~~المعاصى التى تفضى به إلى النار. وفى الآية الكريمة إشارة إلى أن قرناء ~~السوء يفسدون الأخلاق لأن عدوى الأخلاق تسرى بالمجاورة، كما تسرى عدوى ~~الأمراض البدنية. والمقصود من الجملة الكريمة نهى الناس عن طاعة شياطين ~~الإنس والجن الذين يحرضون على ارتكاب الفواحش والقبائح، ويزينون ~~لأتباعهم الشرور والآثام. ثم وبخ - سبحانه - هؤلاء الذين يؤثرون رضا ~~الناس على رضا الله، والذين كفروا بالحق بعد إذ جاءهم فقال - { وماذا ~~عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا ~~مما رزقهم ms1143 الله }. والمعنى وأى ضرر على هؤلاء الكافرين ~~البخلاء المرائين لو أنهم آمنا بالله - تعالى - حق الإيمان، وآمنوا ~~باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب، وأنفقوا مما رزقهم الله من فضله ~~ابتغاء وجهه؟. إنه لا ضرر مطلقا من إيمانهم وإنفاقهم واستجابتهم للحق، بل ~~إن الخير كل الخير فى اتباع ذلك، والشر كل الشر فيما هم عليه من كفر وبخل ~~ورياء. فالجملة الكريمة توبيخ لهم على سلوكهم الطريق المعوج وتركهم ~~للطريق المستقيم. وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله قوله { ~~وماذا عليهم }. وأى تبعة عليهم فى الإيمان والإنفاق فى سبيل ~~الله. والمراد الذم والتوبيخ. وإلا فكل منفعة ومفلحة فى ذلك وهذا كما ~~يقال للمنتقم ما ضرك لو عفوت وللعاق ما كان يرزؤك لو كنت بارا. وقد علم ~~أنه لا مضرة ولا مرزأة فى العفو والبر. ولكنه ذم وتجهيل وتوبيخ بمكان ~~المنفعة ". وقوله { وكان الله بهم عليما } تذييل قصد به ~~تهديدهم على إيثارهم طريق الغى على طريق الرشد. أى وكان الله بهم عليما ~~علما بشمل بواطنهم وظواهرهم، وسيجازيهم على ما أسروه وما أعلنوه بالعقاب ~~الذى يستحقونه. ثم بين - سبحانه - أنه منزه عن الظلم بعد أن أقام الحجة ~~على الظالمين، ودعاهم إلى سلوك طريق الخير، فقال { إن الله لا ~~يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت ~~من لدنه أجرا عظيما }. والمثقال مفعال من الثقل. ويطلق على ~~الشئ القليل الذى يحتمل الوزن. والذرة تطلق على النملة، وعلى الغبار الذى ~~يتطاير من التراب عند النفخ. وهذا أحقر ما يقدر به الشئ، فعلم انتفاء ما ~~هو أكثر منه بالأولى. والمراد أن الله - تعالى - لا ينقص أحدا من ثواب ~~عمله شيئا مهما ضؤل هذا الشئ وحقر، فخرج الكلام على أصغر شئ يعرفه الناس. ~~كما قال - تعالى - # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # وكما فى قوله - تعالى - # ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم ~~نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا ~~بها وكفى بنا حاسبين # ومفعول يظلم محذوف والتقدير لا ms1144 يظلم أحدا مثقال ذرة. وقوله { مثقال ~~} منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف أى لا يظلم أحد ظلما وزن ذرة. كما تقول ~~لا أظلم قليلا ولا كثيرا. وقوله { وإن تك حسنة يضاعفها ~~ويؤت من لدنه أجرا عظيما } بيان لسعة جوده - سبحانه - ~~وعظيم رحمته وعفوه. وقد قرأ نافع وابن كثير وأبو جعفر { حسنة } - ~~بالضم - على أن { تك } مضارع كان التامة أى وإن توجد أو تحصل حسنة ~~يضاعفها. وقرأ الباقون { حسنة } - بالنصب - على أنها خبر لقوله { ~~تك } المشتقة من كان النقاصة. وأصل { تك } تكن فحذفت النون من آخر ~~الفعل من غير قياس تشبيها لها بحروف العلة، وتخفيفا لكثرة الاستعمال. ~~والضمير المستتر فى الفعل " تك " يعود إلى المثقال. وجئ به مؤنثا مراعاة ~~للفظ ذرة الذى أضيف إليه لفظ مثقال لأن لفظ مثقال مبهم لا يميزه إلا لفظ ~~ذرة فكان كالمستغنى عنه. وقيل إنما جئ به مؤنثا حملا على المعنى، لأنه ~~بمعنى وإن تك زنة ذرة حسنة يضاعفها. وقيل إنما جئ به كذلك لأن المضاف قد ~~يكتسب التأنيث من المضاف إليه إذا كان جزأه كما فى نحو قولهم كما شرقت ~~صدر القناة من الدم.. والمعنى إن الله - تعالى - بفضله وجوده لا يظلم ~~الناس شيئا، ولا ينقصهم أى نقص من ثواب أعمالهم بل يجازيهم بها ويثيبهم ~~عليها { وإن تك حسنة يضاعفها } أى وإن تك الفعلة الحسنة ~~بالغة فى القلة مثقال ذرة يضاعف ثوابها بكرمه وجوده أضعافا كثيرة. وفوق ~~ذلك فإنه - سبحانه - يعطى من يشاء إعطاءه عطاء عظيما من عنده ولا يعلم ~~مقدار هذا العطاء إلا هو - سبحانه. وفى إضافة هذا العطاء العظيم إلى ذاته ~~- تعالى - فى قوله { من لدنه } تشريف له، وتهويل من شأنه. وسماه ~~أجرا لكونه جزاء على العمل الصالح الذى عمله عباده المؤمنون الصادقون. ~~هذا، وقد أورد الإمام ابن كثير جملة من الأحاديث فى معنى هذه الآية ومن ~~ذلك ما رواه الشيخان عن أبى سعيد الخدرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فى حديث الشفاعة الطويل وفيه فيقول الله - تعالى - لملائكته! ارجعوا. فمن ms1145 ~~وجدتم فى قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجوه من النار، فيخرجون خلقا ~~كثيرا. ثم يقول أبو سعيد اقرؤا إن شئتم قوله - تعالى - { إن الله ~~لا يظلم مثقال ذرة }. وروى أبو دواد الطيالسى فى مسنده عن ~~أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال # " إن الله لا يظلم المؤمن حسنة. يثاب عليها الرزق فى الدنيا. ويجزى بها ~~فى الآخرة. وأما الكافر فيطعم بها فى الدنيا، فإذا كان يوم القيامة لم ~~يكن له حسنة ". # ثم نبه - سبحانه - هؤلاء الكافرين إلى ما سيكونون عليه من حال سيئة يوم ~~القيامة إذا استمروا فى كفرهم فقال { فكيف إذا جئنا من كل ~~أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ~~يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو ~~تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا }. قال ~~الفخر الرازى وجه النظم هو أنه - تعالى - بين أن فى الآخرة لا يجرى على ~~أحد ظلم، وأنه - تعالى - بجازى المحسن على إحسانه ويزيده على قدر حقه. ~~فبين فى هذه الآية - وهو قوله - تعالى - { فكيف إذا جئنا من ~~كل أمة بشهيد } أن ذلك يجرى بشهادة الرسل الذين جعلهم الله ~~الحجة على الخلق لتكون الحجة على المسئ أبلغ. والتبكيت له أعظم. وحسرته ~~أشد. ويكون سرور من قبل من الرسول وأظهر الطاعة أعظم. ويكون هذا وعيدا ~~للكفار الذين قال الله فيهم { إن الله لا يظلم مثقال ~~ذرة } ووعدا للمطيعين الذين قال فيهم { وإن تك حسنة ~~يضاعفها }. والفاء فى قوله " فكيف " للإفصاح عن شرط مقدر نشأ من ~~الكلام السابق وكيف فى محل رفع خبر لمبتدأ محذوف. والتقدير إذا أيقنت بما ~~أخبرناك به أيها الرسول الكريم أو أيها السامع من أن الله لا يظلم مثقال ~~ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما فكيف سيكون حال هؤلاء ~~الكفرة إذا ما جئنا من كل أمة من الأمم السابقة بشهيد يشهد عليهم بما ~~ارتكبوه من سوء الصنيع وقبح الأعمال، وهذا الشهيد هو نبيهم الذى أرسله ~~الله لهدياتهم، وجئنا بك يا محمد شهيدا على هؤلاء الذين ms1146 بعثك الله ~~لإخراجهم من الظلمات إلى النور فكذبوك واستحبوا العمى على الهدى. لا شك ~~أن حالهم سيكون أسوأ حال، ومصيرهم سيكون أقبح مصير، بسبب كفرهم وبخلهم ~~وريائهم واتباعهم للهوى والشيطان. ومن العلماء من يرى أن المراد بقوله - ~~تعالى - { وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } أى جئنا بك يا ~~محمد شهيدا على هؤلاء الأنبياء بأنهم قد بلغوا رسالة الله ولم يقصروا فى ~~نصيحة أقوامهم. والذى نراه أولى هو أن شهادة النبى صلى الله عليه وسلم ~~تشمل كل ذلك أى تشمل شهادته على قومه بأنه قد بلغهم رسالة الله، وشهادته ~~للأنبياء السابقين بأنهم نصحوا لأقوامهم وبلغوا رسالة ربهم، لأن النبى ~~صلى الله عليه وسلم قد أعطاه الله تعالى - من المنزلة العالية ما لم يعط ~~أحدا سواه. روى الشيخان وغيرهما # " عن عبد الله بن مسعود قال قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرأ ~~على شيئا من القرآن. فقلت يا رسول الله أأقرأ عليك وعليك أنزل قال نعم. ~~إنى أحب أن اسمعه من غيرى. فقرأت عليه سورة النساء حتى أتيت إلى هذه ~~الآية { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد }.. الآية " ~~فقال حسبك الآن فإذا عيناه تذرفان ". # وقوله تعالى - { يومئذ يود الذين كفروا وعصوا ~~الرسول } استئناف مبين لحالهم التى أشير إلى شدتها وفظاعتها بقوله { ~~فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا }. والتنوين فى قوله { يومئذ } عوض عن ~~الجملتين السابقتين أى مجئ الشهيد على كل أمة، ومجئ الرسول شهيدا على ~~قومه. أى يوم أن يشهد الرسل على أقوامهم بأنهم قد بلغوهم رسالة الله، ~~ويوم أن تشهد أنت يا محمد على من كذبك من قومك بأنك قد أمرتهم بعبادة ~~الله وحده يومئذ وهو يوم القيامة، يتمنى ويحب الذين كفروا وعصوا الرسول ~~الذى جاء لهدايتهم { لو تسوى بهم الأرض } أى يودون لو انشقت ~~الأرض فبلعتهم لما يرون من هول الموقف ولما سيحل بهم من الخزى والفضيحة ~~والعذاب. أو يودون لو يدفنون فيها فتسوى عليهم كما تسوى على الموتى ~~ويبقون على هذه ms1147 الحال فى باطنها بدون بعث أو نشور، حتى لا يصيبهم ما أعد ~~لهم من عقاب بسبب سوء أعمالهم. والمقصود أنهم لشدة خوفهم وفزعهم يتمنون ~~أن لو أخفتهم الأرض فى باطنها بحيث لا يظهر شئ منهم عليها فى أى وقت من ~~الأوقات. وجملة { لو تسوى بهم الأرض } مفعول { يود } ~~على أن لو مصدرية. أى يودون أن يدفنوا وتسوى الأرض متلبسة بهم حتى لكأنهم ~~جزء منها. وقوله { ولا يكتمون الله حديثا } معطوف على { ~~يود } أى أنهم يومئذ يودون لوتسوى بهم الأرض، ويعترفون لله تعالى ~~بجميع ما فعلوه، لأنهم لو كتموا شيئا بألسنتهم لشهدت عليهم بقية جوارحهم. ~~ويصح أن تكون الواو فى قوله { ولا يكتمون } للحال. أى أنهم يومئذ ~~يودون لوتسوى بهم الأرض والحال أنهم مع ذلك لا يكتمون عن الله - تعالى - ~~حديثا من أحوالهم فى الدنيا أنهم لا يستطيعون هذا الكتمان. والمقصود أنهم ~~مع شدة هلعهم وجزعهم لن يستطيعوا أن يفلتوا من عقاب الله، ولن يستطيعوا ~~أن يكتموا شيئا مما ارتكبوه من جرائم. أخرج ابن جرير عن الضحاك أن نافع ~~بن الأزرق - وكان ممن يسألون عن متشابه القرآن - أنى إلى ابن عباس فقال ~~يا ابن عباس قال الله - تعالى - { ولا يكتمون الله حديثا } ~~وقوله # والله ربنا ما كنا مشركين # - كيف الجمع بينهما -؟ فقال له ابن عباس. إنى أحسبك قمت من عند أصحابك ~~فقلت ألقى على ابن عباس متشابه القرآن. فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله ~~- تعالى - يجمع الناس يوم القيامة فى بقيع واحد. فيقول المشركون إن الله ~~لا يقبل من أحد شيئا إلا من وحده. # فيقولون تعالوا نجحد فيسألهم فيقولون والله ربنا ما كنا مشركين. قال ~~فيختم على أفواههم ويستنطق جوارحهم فتشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا ~~مشركين. فعند ذلك تمنوا لو أن الأرض سويت بهم ولا يكتمون الله حديثا ". ~~وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد أمرت بإخلاص العبادة لله - تعالى - ~~وحده كما أمرت بالإحسان إلى الوالدين والأقربين، واليتامى والمساكين ~~وإلى الجار القريب والبعيد، وإلى الصاحب والمسافر والمملوك، ونهت عن ~~البخل والرياء ms1148 وجحود الحق واتباع الشيطان. وبينت أن الله - تعالى - لا ~~يظلم أحدا مثقال ذرة وأنه - سبحانه - يضاعف ثواب الحسنات، ويعطى المحسن ~~من ألوان الخير مالا يعلمه إلا هو - سبحانه - ونبهت الكافرين إلى سوء ~~مصيرهم حتى يثوبوا إلى رشدهم ويسيروا فى الطريق القويم من قبل أن يأتى ~~يوم تنكشف فيه الحقائق وينالون فيه ما يستحقون من عقاب دون أن ينفعهم ~~الندم أو التمنى. ثم وجه - سبحانه - بعد ذلك نداء إلى المؤمنين بين لهم ~~فيه بعض الأحكام التى تتعلق بالصلاة وأرشدهم إلى ما يجب عليهم عند أدائها ~~من تظهير بدنى وروحى حتى يكونوا أهلا لرضا الله وحسن قبوله، فقال - تعالى ~~- { يا أيها الذين آمنوا... }. ### || [4.43] # روى المفسرون فى سبب نزول الآية الكريمة روايات منها ما رواه أبو داود ~~والنسائى عن على بن أبى طالب أنه كان هو وعبد الرحمن بن عوف ورجل آخر، قد ~~شربوا الخمر. فصلى بهم عبد الرحمن فقرأ قل يا أيها الكافرون. فخلط فيها. ~~فنزلت { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة ~~وأنتم سكارى }. وروى الترمذى وابن أبى حاتم عن على بن أبى طالب ~~قال صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر. فأخذت ~~الخمر منا. وحضرت الصلاة. فقدموا فلانا. قال فقرأ " قل يأيها الكافرون. ~~أعبد ما تعبدون. ونحن نعبد ما تعبدون " فأنزل الله الآية. قال ابن كثير ~~وقد كان هذا النهى قبل تحريم الخمر. كما دل عليه الحديث الذى ذكرناه فى ~~سورة البقرة عند قوله - تعالى - # يسألونك عن الخمر والميسر # الآية " فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلاهما على عمر. فقال اللهم ~~بين لنا فى الخمر بيانا شافيا. فلما نزلت هذه الآية تلاها عليه فقال ~~اللهم بين لنا فى الخمر بيانا شافيا. فكانوا لا يشربون الخمر فى أوقات ~~الصلاة - وفى رواية لأبى داود فكان منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا قامت الصلاة ينادى لا يقربن الصلاة سكران - حتى نزل قوله - تعالى - ~~فى سورة المائدة # إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ~~من عمل الشيطان ms1149 فاجتنبوه # إلى قوله # فهل أنتم منتهون # فقال عمر انتهينا انتهينا. والمراد بالصلاة عند كثير من العلماء الهيئة ~~المخصوصة من قراءة وقيام ركوع وسجود. والمراد بقربها القيام إليها ~~والتلبس بها، إلا أنه - سبحانه - نهى عن القرب منها مبالغة فى النهى عن ~~غشيانها وهم بحالة تتنافى مع جلالها والخشوع فيها. وقوله { سكارى } ~~جمع سكران. وأصل السكر فى اللغة السد. ومنه قولهم سكرت الطريق أى سددته. ~~ومنه قوله - تعالى - حكاية عن الكافرين # ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه ~~يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا # أى انسدت فصارت لا ينفذ إليها النور، ولا ندرك الأشياء على حقيقتها. ~~والمراد بالسكر هنا الحالة التى تحصل لشارب الخمر والتى يفقد معها وعيه، ~~ويسد ما بين المرء وعقله. والجنب من أصابته الجنابة بسبب جماع أو احتلام ~~أو غيرهما. وهذا اللفظ يستوى فيه - على الصحيح - الواحد، والمثنى، ~~والجمع، والمذكر والمؤنث لجريانه مجرى المصدر، واشتقاقه من المجانبة ~~بمعنى المباعدة. وعابر السبيل مجتاز الطريق وهو المسافر. أو من يعبر ~~الطريق من جانب إلى جانب. يقال عبرت هذا الطريق فأنا أعبره عبرا وعبورا. ~~ومنه قيل عبر فلان النهر إذا قطعه وجازه. والمعنى يأيها الذين آمنوا لا ~~يحل لكم أن تؤدوا الصلاة وأنتم فى حالة السكر. # حتى تكونوا بحيث تعلمون ما تقولونه قبل أدائها، ولا فى حال الجنابة حتى ~~تغتسلوا إلا أن تكونوا مسافرين ولم تجدوا ماء فتيمموا لكى تؤدوها. ومن ~~العلماء من يرى أن المراد بالصلاة هنا مواضعها وهى المساجد. فالكلام مجاز ~~مرسل بتقدير مضاف فهو من باب ذكر الحال وإرادة المحل. والمعنى عليه لا ~~تقربوا مواضع الصلاة وهى المساجد وأنتم سكارى، ولا تقربوها وأنتم جنب حتى ~~تغتسلوا إلا أن تكونوا تريدون اجتيازها من باب إلى آخر من غير مكث فيها ~~إنه يجوز لكم ذلك. روى ابن جرير عن الليث قال حدثنا يزيد بن أبى حبيب عن ~~قول الله - تعالى - { ولا جنبا إلا عابري سبيل } أن رجالا ~~من الأنصار كانت أبوابهم فى المسجد تصيبهم جنابة ولا ماء عندهم فيريدون ~~الماء. ولا ms1150 يجدون ممرا إلا فى المسجد. فأنزل الله - تعالى - { ولا ~~جنبا إلا عابري سبيل }. وقال بعض العلماء وبالجملة فالحال ~~الأولى أعنى قوله { وأنتم سكارى } تقوى بقاء الصلاة على معناها ~~الحقيقى، من دون تقدير مضاف وقوله { إلا عابري سبيل } يقوى ~~تقدير المضاف. أى لا تقربوا موضع الصلاة. ويمكن أن يقال إن بعض قيود ~~النهى - وهو قوله { وأنتم سكارى } يدل على أن المراد بالصلاة ~~معناها الحقيقى. وبعض قيود النهى - وهو قوله إلا عابرى سبيل - يدل على أن ~~المراد مواضع الصلاة. ولا مانع من اعتبار كل واحد منهما مع قيده الدال ~~عليه. ويكون ذلك بمنزلة نهيين مقيد كل واحد منهما بقيد. وهما لا تقربوا ~~الصلاة التى هى ذات الأذكار والأركان وأنتم سكارى. ولا تقربوا مواضع ~~الصلاة حال كونكم جنبا إلا حال عبوركم المسجد من جانب إلى جانب. وغاية ما ~~يقال فى هذا إنه من باب الجمع بين الحقيقة والمجاز ". وفى ندائهم بصفة ~~الإيمان، تحريك لحرارة العقيدة فى قلوبهم، وتوجيه لنفوسهم إلى ما يستدعيه ~~الإيمان من طاعة واستجابة لله رب العالمين. وقوله { وأنتم ~~سكارى } جملة حالية. أى لا تقربوها فى حال السكر، لأن ذلك يتنافى مع ~~الإيمان السليم، ومع ما تستحقه الصلاة من خشوع واستحضار للقلب. وإنما ~~الذى يقتضيه إيمانكم وحياؤكم من الله أن تدخلوا فى الصلاة وأنتم بكامل ~~وعيكم، واستحضاركم لما يستلزمها من خشوع وأدب. ولا شك أن هذا كان قبل أن ~~ينزل التحريم القطاع لشرب الخمر فى جمع الأوقات كما سبق أن أشرنا. وقوله ~~{ حتى تعلموا ما تقولون } غاية للنهى وإيماء إلى علته. ~~وحتى هنا حرف جر بمعنى إلى، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة. وما فى قوله { ~~ما تقولون } موصولة بمعنى الذى أو نكرة موصوفة والعائد محذوف أى ~~تقولونه. أى حتى تعلموا ما تقولونه علما يقينيا لا غلط معه ولا تخليط، ~~بأن تعقلوا ما اشتملت عليه الصلاة من تكبير وقراءة وتسبيح ودعاء وغير ذلك ~~مما تقتضيه الصلاة. # قال الآلوسى وقد روى أنهم كانوا بعدما أنزلت الآية لا يشربون الخمر فى ~~أوقات الصلاة، فإذا ms1151 صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم ~~السكر وعلموا ما يقولون ". وقوله { ولا جنبا } معطوف على قوله { ~~وأنتم سكارى } إذ الجملة فى موضع النصب على الحال. والاستثناء ~~فى قوله { إلا عابري سبيل } مفرغ من أعم الأحوال. وقوله { ~~حتى تغتسلوا } بيان لغاية المنع بالنسبة للجنب. والاغتسال ~~تعميم الجسد كله بالماء. وهو بعد الجنابة طهارة حسية وتنشيط للبدن بعد أن ~~أصابه بعض التعب بسبب الأفعال التى أدت إلى الجنابة. وهو كذلك طهارة ~~نفسية، لأنه يبعث فى الإنسان حسن الاستعداد لذكر الله ولأداء الصلاة بعد ~~أن استحكمت الشهوة وسيطرت على صاحبها لفترة من الوقت. فبالاغتسال بعد ~~قضاء الشهوة يتجدد للبدن نشاطه، وللروح صفاؤها وحسن استعدادها لطاعة ~~الله. ثم شرع - سبحانه - فى بيان الأعذار التى تبيح التيمم عند العجز عن ~~الماء فقال { وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جآء ~~أحد منكم من الغآئط أو لامستم النسآء فلم ~~تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا } ~~والمراد بالمرض فى قوله - تعالى - { وإن كنتم مرضى } المرض ~~الذى يمنع من استعمال الماء مطلقا، كأن يكون إستعمال الماء يزيد المرض ~~شدة، أو يبطئ البرء، فإن الله - تعالى - قد أباح للمريض فى هذه الأحوال ~~وأمثالها أن يتيمم بدل الوضوء أو الغسل. كما أباح له - أيضا - أن يتيمم ~~عند فقد الماء أو ما فى حكم ذلك. وقوله { أو على سفر } فى محل ~~نصب عطفا على خبر كان وهو قوله { مرضى }. أى وكذلك أباح الله لكم ~~التيمم عند السفر إذا لم تجدوا ماء، أو كان معكم من الماء ما أنتم فى ~~حاجة شديدة إليه، أو كان هناك ما يمنع من استعمال الماء. وقوله { أو ~~جآء أحد منكم من الغآئط } معطوف على قوله { كنتم }. ~~والغائط من الغيط. وهو المكان المنخفض من الأرض. وهو هنا كناية عن الحدث ~~لأن العادة جرت على أن من يريد الحدث يذهب إلى ذلك المكان المنخفض ~~ليتوارى عن أعين الناس. وفى إسناد المجئ إلى واحد مبهم من المخاطبين، سمو ~~فى ms1152 الخطاب، حيث تحاشى - سبحانه - التصريح بنسبتهم إلى ما يستحيا من ذكره ~~أو ما يستهجن التصريح به. أى وكذلك أباح الله لكم التيمم إن كنتم محدثين ~~ولم تجدوا ماء تتطهرون به من الحدث أو تجدونه ولكن هناك ما يمنعكم من ~~استعماله. والمراد بالملامسة فى قوله { أو لامستم النسآء } ~~الجماع عند بعض الفقهاء قال الآلوسى ما ملخصه قوله - تعالى - { أو ~~لامستم النسآء } يريد - سبحانه - أو جامعتم النساء. # إلا أنه كنى بالملامسة عن الجماع، لأنه مما يستهجن التصريح به أو يستحيى ~~منه. وإليه ذهب ابن عباس والحسن وغيرهما. وعن ابن مسعود أن المراد ~~بالملامسة ما دون الجماع. أى ما سستم بشرتهن ببشرتكم. وبه استدل الشافعى ~~على أن اللمس بنقض الوضوء. وقال مالك إن كان اللمس بشهوة نقض وإلا فلا... ~~وذهب أبو حنيفة إلا أنه لا ينتقض الوضوء بالمس ولو بشهوة... " والفاء فى ~~قوله { فلم تجدوا مآء } عطفت ما بعدها على الشرط السابق وهو ~~قوله { وإن كنتم مرضى }. والضمير فى قوله { تجدوا } يعود ~~لكل من تقدم من مريض ومسافر ومتغوط وملامس. وفيه تغليب للخطاب على ~~الغيبة. وذلك أنه تقدم ضمير الغيبة فى قوله { أو جآء أحد ~~منكم من الغآئط } بينما تقدم ضمير المخاطب فى قوله { كنتم ~~} { لامستم }. والمراد بعدم الوجدان هنا ما هو أعم من الوجود ~~الحسى. أى أن قوله { فلم تجدوا مآء } كناية عن عدم التمكن من ~~استعماله وإن وجد حسا، إذ أن الشئ المتعذر استعماله كالمعدوم. وقوله { ~~فتيمموا صعيدا طيبا } جواب الشرط وهو قوله { وإن ~~كنتم }. والمعنى وإن كنتم أيها المؤمنون فى حالة مرض أو على سفر أو ~~كنتم محدثين أو لامستم النساء فلم تجدوا فى تلك الأحوال ما تستعملونه ~~لطهارتكم، أو وجدتم ماء ولكن منعكم مانع من استعماله، فعليكم أن تتيمموا ~~صعيدا طيبا، بدلا من الماء، فان الله - تعالى - # وما جعل عليكم في الدين من حرج # ومنهم من يرى أن الضمير فى قوله { فلم تجدوا مآء } يعود إلى ~~الجمع ما عدا المرضى، لأن المرضى يباح لهم التيمم مع وجود الماء إذا ms1153 ~~تضرروا من استعماله. وعلى هذا الرأى يكون المراد بعدم الوجدان. عدم ~~الوجدان الحسى. والتيمم لغة القصد. يقال تيممت الشى أى قصدته. ويطلق فى ~~الشرع على القصد إلى التراب لمسح الوجه واليدين به. وأما الصعيد - بوزن ~~فعيل - فيطلق على وجه الأرض البارز، ترابا كان أو غيره. وقيل يطلق على ~~التراب خاصة. والطيب الطاهر الذى لم تلوثه نجاسة ولا قذر. أى إذا لم ~~تجدوا ماء للتطهر به أو وجدتموه ولكنكم عجزتم عن استعماله فاقصدوا ترابا ~~طاهرا بارزا على وجه الأرض لكى تستعملوه فى طهارتكم عوضا عن الماء. ~~وقوله { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم } بيان لكيفية ~~التيمم. أى اقصدوا ترابا على ظاهر الأرض طاهرا فامسحوا منه بوجوهكم ~~وأيديكم. وقوله { إن الله كان عفوا غفورا } تذييل قصد به ~~بيان أنه - سبحانه - متصف بالعفو فلا يختار لعباده إلا السهل اليسير الذى ~~يسهل عليهم اداؤه من غير مشقة مرهقة، وأنه هو الغفار الذى يغفر للمقصرين ~~والمخطئين ذنوبهم متى تابوا إليه واستغفروه مما صدر عنهم من ذنوب. # هذا ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى 1- أن ~~من الواجب على المسلم عندما يتهيأ للصلاة أن يتجنب كل ما يتعارض مع ~~الخشوع فيها، لأن الصلاة مناجاة ووقوف بين يدي الله - تعالى، ومن شأن ~~المناجى لله - تعالى - أن يتفرغ لذلك، وأن يكون على درجة من العلم والفهم ~~تمكنه من الوقوف الخاشع بين يدى الله رب العالمين. 2- أن الصلاة محرمة ~~على السكران حال سكره حتى يصحوا. فإذا أداها حال سكره تكون باطلة، وكذلك ~~الحكم بالنسبة للمحدث أو الجنب حتى يتطهر. 3- استدل بهذه الآية - من قال ~~بأن المراد بالصلاة مواضعها - على أنه يحرم على السكران دخول المسجد، لما ~~يتوقع منه من التلويث وفحش القول، ويقاس عليه كل ذى نجاسة يخشى معها ~~التلويث والسياب ونحوه. 4- استدلوا بقوله - تعالى - { حتى ~~تعلموا ما تقولون } على أن المسلم منهى عن الصلاة حال النعاس ~~أو ما يشبهه، لأنه فى هذه الحالة لا يعلم ما يقول ويؤيد ذلك ما رواه ~~البخارى عن عائشة أن رسول الله ms1154 صلى الله عليه وسلم قال # " إذا نعس أحدكم وهو يصلى فليرقد حتى يذهب عنه النوم. فان أحدكم إذا صلى ~~وهو ناعس لا يدرى لعله يستغفر فيسب نفسه ". # وروى البخارى عن أنس عن النبى صلى الله عليه وسلم قال # " إذا نعس أحدكم فى الصلاة فلينم حتى يعلم ما يقرأ ". # قال الفخر الرازى ما ملخصه ويرى الضحاك أنه ليس المراد من لفظ { ~~سكارى } السكر من الخمر، وإنما المراد منه سكر النوم. لأن لفظ السكر ~~يستعمل فى النوم فكان هذا اللفظ محتملا له.... ثم قال الرازى واعلم أن ~~القول الصحيح هو قول الجمهور هو من الصحابة والتابعين وهو أن المراد من ~~لفظ { سكارى } السكر من الخمر، لأن لفظ السكر حقيقة فى السكر من شرب ~~الخمر، والأصل فى الكلام الحقيقة...، ولأن جميع المفسرين قد اتفقوا على ~~أن هذه الآية إنما نزلت فى شرب الخمر... 5- استدلوا بقوله - تعالى { ~~ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا } على أنه ~~يحرم على الجنب المكث فى المسجد، إلا أنه يجوز له المرور فيه. قال ابن ~~كثير ما ملخصه قال ابن عباس فى قوله { ولا جنبا إلا عابري ~~سبيل } لا تدخلوا المسجد وأنتم جنب إلا عابرى سبيل. أى تمر به مرا ~~ولا تجلس. وروى ابن جرير عن يزيد بن أبى حبيب فى قوله - تعالى - { ولا ~~جنبا إلا عابري سبيل } أن رجالا من الأنصار كانت أبوابهم فى ~~المسجد فكانت تصيبهم الجنابة ولا ماء عندهم فيردون الماء ولا يجدون ~~مرورا إلى فى المسجد. فأنزل الله - تعالى - { ولا جنبا إلا ~~عابري سبيل } ويشهد لصحة ذلك ما ثبت فى صحيح البخارى أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال # " سدوا كل خوخة فى المسجد إلا خوخة أبى بكر... " # وبهذه الآية احتج كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجنب المكث فى ~~المسجد، ويجوز له المرور، وكذا الحائض والنفساء أيضا متى أمنت كل واحدة ~~منهما التلويث فى حال المرور... ثم قال ابن كثير وقوله { حتى ~~تغتسلوا } دليل لما ذهب إليه الأئمة الثلاثة أبو حنيفة ومالك ms1155 ~~والشافعى من أنه يحرم على الجنب المكث فى المسجد حتى يغتسل أو يتيمم إن ~~عدم الماء أو لم يقدر على استعماله. وذهب الإمام أحمد إلى أنه متى توضأ ~~الجنب جاز له المكث فى المسجد، لما روى من أن صحابه كانوا يفعلون ذلك. ~~وعن عطاء بن يسار قال رأيت رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يجلسون فى المسجد وهم مجنبون إذا توضأوا وضوء الصلاة. وهذا إسناد صحيح ~~على شرط مسلم. 6- ظاهر قوله - تعالى - { فلم تجدوا مآء ~~فتيمموا } يفيد أن التيمم لا يصح مع وجود الماء، لأن الآية ~~الكريمة قد رتبت الأمر بالتيمم على نفى وجود الماء. ولكن هذا الظاهر غير ~~مراد، لأنه يقتضى أنه حتى لو وجدنا ماء، وكنا فى حاجة شديدة إليه، أو لا ~~نقدر على استعماله فإنه لا يجوز لنا أن نتيمم، وهذا بتعارض مع سماحه ~~الشريعة الإسلامية ويسرها، قال - تعالى # يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر # وقال - تعالى - # وما جعل عليكم في الدين من حرج # ويتعارض كذلك مع ما شرع من أجله التيمم وهو التيسير على الناس، والتيسير ~~على الناس لا يتأتى بإلزامهم أن يفقدوا ما معهم من الماء فى الطهارة ~~ليقعوا فى العنت بسبب العطش أو الجوع. أو بإلزامهم استعمال الماء فى ~~طهارتهم مع أن فى استعماله مضرة بهم. لهذا قال العلماء إن التيمم مشروع ~~للمسلم عند فقده للماء، أو عند وجود الماء ولكن هناك عارض يمنعه من ~~استعماله كمرض أو نحوه. ولقد ورد فى السنة النبوية الشريفة ما يشهد بأنه ~~يجوز للمسلم أن يتيمم مع وجود الماء متى كان هناك ما يمنع من استعماله. ~~ومن ذلك ما أخرجه أبو داود والدارقطنى عن جابر قال # " خرجنا فى سفر. فأصاب رجلا منا حجر فشجه فى رأسه. ثم احتلم فسأل أصحابه ~~فقال هل تجدون لى رخصة فى التيمم؟ فقالوا ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على ~~الماء. فاغتسل فمات. فلما قدمنا على النبى صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك ~~فقال قتلوه، قتلهم الله، هلا ms1156 سألوا إذا لم يعلموا؟ فإنما شفاء العى ~~السؤال. إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه ثم يمسح عليه ويغسل سائر ~~جسده ". # وروى أبو داود والدارقطنى عن عمرو بن العاص قال # " احتلمت فى ليلة باردة فى غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك. ~~فتيممت. ثم صليت بأصحابى الصبح. فذركوا ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم ~~فقال " يا عمرو صليت باصحابى وأنت جنب "؟ فأخبرته بالذى منعنى من ~~الاغتسال وقلت إنى سمعت الله يقول { ولا تقتلوا أنفسكم ~~إن الله كان بكم رحيما } فضحك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولم يقل شيئا ". # قال القرطبى - بعد أن ساق هذا الحديث والذى قبله - فدل هذا الحديث على ~~إباحة التيمم مع الخوف من المرض - عند استعمال الماء - وفيه إطلاق اسم ~~الجنب على المتيمم، وجواز صلاة المتيمم بالمتوضئين. وهذا أحد القولين ~~عندنا. وهو الصحيح الذى أقره مالك فى موطئه وقرئ عليه إلى أن مات. وقال ~~ابن كثير وقد استنبط كثير من الفقهاء من الآية أنه لا يجوز التيمم لعدم ~~الماء إلا بعد طلب الماء. فمتى طلبه فلم يجده جاز له حينئذ التيمم. وقد ~~ذكروا كيفية الطلب فى كتب الفروع... " 7- أخذ الشافعية والحنابلة من ~~قوله - تعالى - { فتيمموا صعيدا طيبا } أن التيمم لا يجوز ~~إلا بالتراب الطاهر لأنه هو المقصود بالصعيد الطيب " ولأنه ثبت فى صحيح ~~مسلم عن حذيفة بن اليمان قال # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلنا على الناس بثلاث جعلت صفوفنا ~~كصفوف الملائكة. وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا. وجعلت تربتها لنا طهورا إذا ~~لم نجد الماء " # قالوا فخصص الطهور بالتراب فى مقام الامتنان. فلو كان غيره يقوم مقامه ~~لذكره معه. ويرى الإمام أبو حنيفة التيمم يجوز بالتراب وبالحجر وبما ~~ماثله من كل ما كان من جنس الأرض متى كان طاهرا. قالوا لأن الظاهر من لفظ ~~الصعيد وجه الأرض وهذه الصفة لا تختص بالتراب. وتوسع الإمام مالك فذهب ~~إلى أن التيمم يجوز بكل ما سبق وبغيره كالشجرة والحجر والنبات لأن الصعيد ~~عنده كل ما ms1157 صعد على وجه الأرض. قال القرطبى عند حديثه عن اختلاف الفقهاء ~~فى ذلك وإذا تقرر هذا فاعلم أن مكان الإجماع فيما ذكرناه أن يتيمم الرجل ~~على تراب منبت طاهر غير منقول ولا منصوب. ومكان الإجماع فى المنع أن ~~يتيمم الرجل على الذهب الصرف والفضة والياقوت والأطعمة كالخبز واللحم ~~وغيرهما. أو على النجاسات. واختلف فى غير هذا كالمعادن، فأجيز وهو مذهب ~~مالك وغيره. ومنع وهو مذهب الشافعى وغيره.... " 8- أفاد قوله - تعالى - ~~{ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم } أن الواجب فى التيمم هو ~~مسح الوجه واليدين فقط سواء أكان التيمم بدلا عن الوضوء أو عن الغسل. قال ~~القرطبى وروى التيمم إلى المرفقين عن النبى صلى الله عليه وسلم جابر عن ~~عبد الله، وابن عمر وبه كان يقول قال الدارقطنى سئل قتادة عن التيمم فى ~~السفر فقال كان ابن عمر يقول إلى المرفقين. # وكان الحسن وإبراهيم النخعى يقولان إلى المرفقين. ثم قال وقالت طائفة ~~يبلغ به إلى الكوعين وهما الرسغان. روى ذلك عن على بن أبى طالب والأوزاعى ~~وعطاء والشعبى فى رواية. وبه قال أحمد ابن حنبل، والطبرى. وقال مكحول ~~اجتمعت أنا والزهرى فتذاكرنا التيمم فقال الزهرى المسح إلى الآباط. وقال ~~ابن أبى الجهم التيمم بضربة واحدة، وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق وداود ~~والطبرى. 9- ذكر المفسرون فى سبب مشروعية التيمم روايات منها ما أخرجه ~~البخارى عن عائشة - رضى الله عنها - قالت خرجنا ما رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فى بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع ~~عقدلى. فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه وأقام الناس معه. ~~وليسوا على ماء. وليس معهم ماء. فأتى الناس إلى أبى بكر الصديق فقالوا ~~ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقمت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناس ~~وليسوا على ماء وليس معهم ماء. فجاء أبو بكر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم واضع رأسه على فخذى قد نام. فقال حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء. ms1158 قالت عائشة فعاتبنى أبو بكر وقال ~~ما شاء الله أن يقول. فجعل يطعننى بيده فى خاصرتى فلا يمنعنى من التحرك ~~إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذى. فقام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى أصبح على غير ماء. فأنزل الله آية التيمم. فتيمموا. ~~فقال أسيد بن الحضير ما هى بأول بركتكم يا آل أبى بكر. قالت فبعثنا ~~البعير الذى كنت عليه فوجدنا العقد تحته ". قال الحافظ ابن كثير عند ذكره ~~هنا لسبب مشروعية التيمم، وإنما ذكرنا ذلك ههنا، لأن هذه الآية التى فى ~~النساء متقدمة فى النزول على آية سورة المائدة وبيانه أن هذه نزلت قبل ~~تحريم الخمر. والخمر إنما حرم بعد أحد بيسير، فى محاصرة النبى صلى الله ~~عليه وسلم لبنى النضير. وأما المائدة فإنها من آخر ما نزل ولا سيما ~~صدرها. فناسب أن يذكر السبب هنا. 10- تكلم بعض العلماء عن حكمة مشروعية ~~التيمم عروضا عن الطهارة بالماء فقال والتيمم من خصائص شريعة الإسلام كما ~~فى حديث جابر أن النبى صلى الله عليه وسلم قال # " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلى - فذكر منها - وجعلت لى الأرض مسجدا ~~وطهورا ". # والتيمم بدل جعله الشرع عن الطهارة. ولم أر لأحد من العلماء بيانا فى ~~حكمة جعل التيمم عوضا عن الطهارة بالماء، وكان ذلك من همى زمنا طويلا وقت ~~الطلب. # ثم انفتح لى حكمة ذلك. وأحسب أن حكمة تشريعه تقرير لزوم الطهارة فى نفوس ~~المؤمنين. وتقرير حرمة الصلاة وترفيع شأنها فى نفوسهم. فلم تترك لهم حالة ~~يعدون فيها أنفسهم مصلين بدون طهارة تعظيما لمناجاة الله - تعالى - فلذك ~~شرع لهم عملا يشبه الإيماء إلى الطهارة ليستشعروا أنفسهم متطهرين، وجعل ~~ذلك بمباشرة اليدين صعيد الأرض التى هى منبع الماء. ولأن التراب مستعمل ~~فى تطهير الآنية ونحوها، ينظقون به ما علق لهم من الأقذار فى ثيابهم ~~وأبدانهم وما عونهم. وما الاستجمار إلا من ضرب ذلك، مع ما فى ذلك من ~~تجديد طلب الماء لفاقده وتذكيره بأنه مطالب به عند زوال مانعه. وإذ ms1159 قد ~~كان التيمم طهارة رمزية اكتفت الشريعة فيه بالوجه والكفين فى الطهارتين ~~الصغرى والكبرى كما دل عليه حديث عمار بن ياسر فقد ثبت فى الصحيح # " عن عمار بن ياسر قال كنت فى سفر فأجنبت فتمعكت فى التراب " أى تمرغت " ~~وصليت. فأتيت النبى صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال " يكفيك الوجه ~~والكفان " # ويؤيد هذا المقصد أن المسلمين لما عدموا الماء فى غزوة المريسيع صلوا ~~بدون وضوء فنزلت آية التيمم. هذا منتهى ما عرض لى من حكمة مشروعية التيمم ~~بعد طول البحث والتأمل فى حكمة مقنعة فى النظر. وبعد، فهذه بعض الأحكام ~~والآداب التى اشتملت عليها تلك الآية، ومنها نرى كيف وجهت المؤمنين إلى ~~ما يقوى إيمانهم، ويصفى نفوسهم، ويبعدهم عن الأسباب التى تحول بينهم وبين ~~إخلاص المناجاة لله رب العالمين، وإلى ما يجعلهم يتحرزون عن كل ما يدنسهم ~~أو يلهيهم عن طاعة الله. كما ترى كيف استعملت فى خطابها للمؤمنين ألطف ~~الكنايات وأسمى التعبيرات، وأبلغ الإشارات، وفى ذلك ما فيه من تربية ~~سليمة للمؤمنين تجعلهم يسعدون فى دنياهم وآخرتهم. هذا، وأنت إذا تدبرت ~~السورة الكريمة من مطلعها إلى هنا، تراها قد نظمت العلاقات بين أفراد ~~المجتمع الإسلامى تنظيما حكيما، وساقت لهم من التوجيات السامية، والآداب ~~العالية، والتشريعات الجليلة... ما يجعلهم يعيشون فى أمان واطمئنان. ثم ~~أخذت السورة بعد ذلك تسوق لنا فى أكثر من عشر آيات، ألوانا من رذائل أهل ~~الكتاب، ومن مسالكهم الخبيثة لكيد الدعوة الإسلامية، ومن حسدهم للنبى ~~صلى الله عليه وسلم على ما آتاه الله من فضله، وتوعدتهم بسوء المصير على ~~ما اقترفوه من منكرات وآثام... وكأن السورة الكريمة بعد أن نظمت المجتمع ~~الإسلامي هذا التنظيم الداخلى السليم، أخذت فى تحذير المؤمنين من عدوهم ~~الخارجى، وأطلعتهم على ما يضمره لهم أهل الكتاب من كراهية وبغضاء. استمع ~~إلى السورة الكريمة وهى تحكى كل ذلك فتقول { ألم تر....بجهنم ~~سعيرا }. ### || [4.44-55] # قال الآلوسى قوله - تعالى - { ألم تر } هذه الكلمة قد تذكر لمن ~~تقدم علمه فتكون للتعجب والتقدير والتذكير لمن ms1160 علم بما يأتى كالأحبار ~~وأهل التواريخ، وقد تذكر لمن لا يكون كذلك فتكون لتعريفه وتعجيبه. وقد ~~اشتهرت فى ذلك حتى أجريت مجرى المثل فى هذا الباب. بأن شبه حال من لم ير ~~الشئ بحال من رآه فى أنه لا ينبغى أن يخفى عليه وأنه ينبغى أن يتعجب منه ~~ثم أجرى الكلام معه كما يجرى مع من رأى قصدا إلى المبالغة فى شهرته ~~وعراقته فى التعجب - والرؤية إما بمعنى الإبصار - أى ألم تنظر إليهم، ~~وإما بمعنى الإدراك القلبى متضمنا معنى الوصول والانتهاء - أى ألم ينته ~~علمك إليهم ". والمراد ب { الذين } أحبار اليهود. والمراد بالذى ~~أوتوه ما بين لهم فى الكتاب من العلوم والأحكام التى من جملتها ما علموه ~~من نعوت النبى صلى الله عليه وسلم ومن حقية دين الإسلام بالاتباع. ~~والمرد بالكتاب التوراة التى أنزلها الله - تعالى - على موسى عليه السلام ~~- ليكون هداية لبنى إسرائيل، فحرفوها تركوا العمل بها. والمراد بالسبيل ~~الطريق المستقيم وهو طريق الإسلام فأل فيه للعهد. والمعنى ألم ينته علمك ~~إلى حال هؤلاء الأحبار من اليهود الذين أعطوا حظا ومقدارا من علم ~~التوراة؟ إن كنت لم تعلم أحوالهم أو لم تنظر إليهم فهاك خبرهم وتلك هى ~~حقيقتهم، إنهم يشترون الضلالة وهو البقاء على اليهودية بعد وضوح الآيات ~~لهم الدالة على صحة دين الإسلام، وهم لا يكتفون بتلبسهم بالضلال الذى ~~أشربته نفوسهم، بل يرديون لكم يا معشر المسلمين أن تتكروا دين الإسلام ~~الذى هو السبيل الحق، وأن تتبعوهم فى ضلالهم وكفرهم. فالمقصود من الآية ~~الكريمة تعجيب المؤمنين من سوء أحوال أولئك الأحبار، وتحذير لهم من ~~موالاتهم أو من الاستماع إلى أكاذيبهم وشبهاتهم. والخطاب لكل من يصلح له ~~من المؤمنين. وتوجيهه إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - هنا مع توجيهه ~~بعد ذلك إلى الكل - فى قوله { أن تضلوا } - للإيذان بكمال شهرة ~~شناعة حال أولئك اليهود، وأنها بلغت من الظهور إلى حيث يتعجب منها كل من ~~يراها أو يعلمها. وقد وصفهم - سبحانه - بأنهم أوتوا نصيبا من الكتاب، ~~ولم يؤتوا الكتاب كله، ms1161 لأنهم نسوا حظا كبيرا مما ذكروا به، ولم يبق ~~عندهم من علم الكتاب إلا القليل، وهذا القليل لم يعملوا به بل حرفوه ~~وبدلوه وأخضعوا تفسيره لأهوائهم وشهواتهم. وقوله { يشترون ~~الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل } هو موطن التعجب ~~من شأنهم لأنهم لا يطلبون الضلالة بفتور أو تريث وإنما يطلبونها بشراهة ~~ونهم ويدفعون فيها أغلى الأثمان وهو الهدى، ولا يكتفون بذلك بل يبتغون من ~~المؤمنين أن يكونوا مثلهم فى الضلال. # وقريب من معنى هذه الآية قوله تعالى - # ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سوآء # وذكر سبحانه - الشئ الذى اشتروه وهو الضلالة، وطوى ذكر المتروك وهو ~~الهدى، للايذان بغاية ظهوره. وللاشعار بأنهم قوم يطلبون الضلالة فى ~~ذاتها. وأن البعد عن الحق والهدى مطلب من مطالبهم يدفعون فيه الثمن عن ~~رغبة، وذلك لأنهم قوم مردوا على الضلالة فغدوا لا يستمرئون سواها، ولا ~~يركنون إلا إليها. وإن قوما هذا شأنهم لجديرون بالابتعاد عنهم، والتحقير ~~من أمرهم. لأنك - كما يقول الفخر الرازى - لا ترى حالة أسوأ ولا أقبح ممن ~~جمع بين هذهين الأمرين أعنى الضلال والإضلال. قال الآلوسى وقوله { ~~يشترون الضلالة }.. الخ استئناف مبين لمناط التشنيع ومدار ~~التعجب المفهومين من صدر الكلام، مبنى على سؤال نشأ منه كأنه قيل ماذا ~~يصنعون حتى ينظر إليهم؟ فقيل يختارون الضلالة على الهدى أو يستبدلونها ~~بعد تمكنهم منه.... وذهب أبو البقاء إلى أن جملة { يشترون } حالة ~~مقدرة من ضمير { أوتوا } أو حال من { الذين }. وقوله { والله ~~أعلم بأعدائكم } جملة معترضة للتأكيد والتحذير. أى والله - ~~تعالى - أعلم أعدائكم منكم - أيها المؤمنون - وقد أخبركم بأحوالهم وبما ~~يبيتون لكم من شرور فاحذروهم ولا تلتفتوا إلى أقوالهم وأعدوا العدة ~~لتأديبهم دفاعا عن دينكم وعقيدتكم. وقوله { وكفى بالله وليا ~~وكفى بالله نصيرا } تذييل قصد به غرس الطمأنينة فى نفوس ~~المؤمنين بأن العاقبة لهم. أى { وكفى بالله وليا } يتولى ~~أموركم، ويصلح بالكم، { وكفى بالله نصيرا } يدفع عنكم مكرهم ~~وشرورهم وما دام الأمر كذلك فاكتفوا بولايته ونصرته. واعتصموا بحبله، ~~وأطيعوا أمره، ولا تكونوا فى ضيق من مكر ms1162 أعدائكم فإن الله ناصركم عليهم ~~بفضله وإحسانه. وقوله { وكفى } فعل ماض. ولفظ الجلالة فاعل والباء ~~مزيدة فيه لتأكيد الكافية. ووليا ونصيرا منصوبان على التمييز. وقيل على ~~الحال. وكرر - سبحانه - الفعل كفى لإلقاء الطمأنينة فى قلوب المؤمنين، ~~لأن التكرار فى مثل هذا المقام يكون أكثر تأثيرا فى القلب، وأشد مبالغة ~~فيما سيق الكلام من أجله. فكأنه - سبحانه - يقول لهم اكتفوا بولاية الله ~~ونصرته، وكفاكم الله الولاية والنصرة والمعونة. ومن كان الله كافيه نصره ~~على عدوه فاطمئنوا ولا تخافوا. ثم ذكر - سبحانه - ألوانا من الأقوال ~~والأعمال القبيحة التى كان اليهود يقولونها ويفعلونها للإساءة إلى النبى ~~صلى الله عليه وسلم وإلى المسلمين فقال { من الذين هادوا ~~يحرفون الكلم عن مواضعه }. وتحريف الشئ إمالته وتغييره. ~~ومنه قولهم طاعون يحرف القلوب، أى يميلها ويجعلها على حرف، أى جانب وطرف. ~~وأصله من الحرف يقال حرف الشئ عن وجهه، صرفه عنه. والجملة الكريمة بيان ~~للوصول وهو قوله - تعالى - { الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب }. # ويجوز أن يكون قوله { من الذين هادوا } خبر لمبتدأ محذوف. ~~وقوله { يحرفون الكلم عن مواضعه } صفة له. أى من الذين ~~هادوا قوم أو فريق من صفاتهم أنهم يحرفون الكلم من مواضعه أى يميلونه عن ~~مواضعه، ويجعلون مكانه غيره، ويفسرونه تفسيرا سقيما بعيدا عن الحق ~~والصواب. قال الفخر الرازى فى كيفية التحريف وجوه أحدها أنهم كانوا ~~يبدلون اللفظ بلفظ آخر. مثل تحريفهم اسم " ربعة " عن موضعه فى التوراة ~~بوضعهم " آدم طويل " ، وكتحريفهم الرجم بوضعهم الجلد بدله. الثانى أن ~~المراد بالتحريف إلقاء الشبه الباطلة، والتأويلات الفاسدة، وصرف اللفظ من ~~معناه الحق إلى معنى باطل بوجوه من الحيل اللفظية، كما يفعله أهل البدعة ~~فى زماننا هذا بالآيات المخالفة لمذاهبهم. وهذا هو الأصح. الثالث أنهم ~~كانوا يدخلون على النبى صلى الله عليه وسلم ويسألونه عن أمر فيخبرهم ~~ليأخذوا به فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه ". والذى نراه أولى أن تحريف ~~هؤلاء اليهود للكلم عن مواضعه يتناول كل ذلك، لأنهم لم يتركوا وسيلة من ~~وسائل التحريف الباطل إلا فعلوها، ms1163 أملا منهم فى صرف الناس عن الدعوة ~~الإسلامية، ولكن الله - تعالى - خيب آمالهم. قال الزمخشرى فإن قلت كيف ~~قيل ههنا { عن مواضعه } وفى المائدة # من بعد مواضعه # قلت " أما عن مواضعه " فعلى ما فسرنا من إزالته عن مواضعه التى أوجبت ~~حكمة الله وضعه فيها، بما اقتضت شهواتهم من إبدال غيره مكانه. وأما # من بعد مواضعه # فالمعنى أنه كانت له مواضع فمن بأن يكون فيها. فحين حرفوه تركوه كالغريب ~~الذى لا موضع له بعد مواضعه ومقاره. والمعنيان متقاربان ". ثم حكى - ~~سبحانه - لونا ثانيا من ضلالتهم فقال { ويقولون سمعنا ~~وعصينا } أى. ويقولون للنبى صلى الله عليه وسلم إذا ما أمرهم بشئ ~~سمعنا قولك وعصينا أمرك فنحن مع فهمنا لما تقول لا نطيعك لأننا متمسكون ~~باليهودية. ثم حكى - سبحانه - لونا ثالثا من مكرهم فقال { واسمع ~~غير مسمع } وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها وداخلة تحت القول ~~السابق. أى ويقولون ذلك فى أثناء مخاطبتهم للنبى صلى الله عليه وسلم وهو ~~كلام ذو وجهين وجه محتمل للشر. بأن يحمل على معنى " اسمع " حال كونك غير ~~مسمع كلاما ترضاه. ووجه محتمل للخير. بأن يحمل على معنى اسمع منا غير ~~مسمع كلاما تكرهه. فأنت تراهم - لعنهم الله - أنهم كانوا يخاطبون النبى ~~صلى الله عليه وسلم بهذا الكلام المحتمل للشر والخير موهمين غيرهم أنهم ~~يريدون الخير، مع أنهم لا يريدون إلا الشر، بسبب ما طفحت به نفوسهم من ~~حسد للنبى صلى الله عليه وسلم وللمسلمين. # ثم حكى - سبحانه - لونا رابعا من خبثهم فقال { وراعنا ليا ~~بألسنتهم وطعنا في الدين } وهو كلام معطوف على ما قبله ~~وداخل تحت القول السابق. وكلمة { راعنا } كلمة ذات وجهين - أيضا - ~~فهى محتملة للخير بحملها على معنى ارقبنا وأمهلنا أو انتظرنا نكلمك. ~~ومحتملة للشر بحملها على شبه كلمة عبرانية كانوا يتسابون بها. أو على ~~السب بالرعونة أى الحمق. قال الراغب قوله - تعالى - { وراعنا ليا ~~بألسنتهم وطعنا في الدين } كان ذلك قولا يقولونه للنبى ~~صلى الله عليه وسلم على سبيل التهكم يقصدون به رميه بالرعونة، ms1164 ويوهمون ~~أنهم يقولون راعنا أى أحفظنا. من قولهم رعن الرجل يرعن رعنا فهو رعن ". ~~أى أحمق. وأصل كلمة { ليا } لويا لأنه من لويت، فأدغمت الواو فى ~~الياء لسبقها بالسكون. واللى الانحراف والالتفات والانعطاف. والمراد أنهم ~~كانوا يلوون ألسنتهم بالكلمة أو بالكلام ليكون اللفظ فى السمع مشبها لفظا ~~آخر هم يردونه لأنه يدل على معنى ذميم. أى أنهم كانوا يقولون للنبى صلى ~~الله عليه وسلم على سبيل التهكم والاستهزاء { وراعنا } ويقصدون بهذا ~~القول الإساءة إليه صلى الله عليه وسلم وينطقون بهذه الكلمة وما يشابهها ~~نطقا ملتويا منحرفا ليصرفوها عن جانب احتمالها للخير إلى جانب إحتمالها ~~للشر. ولذا فقد نهى الله - تعالى - المؤمنين عن مخاطبة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم بمثل هذه الألفاظ. قال ابن كثير عند تفسيره لقوله - تعالى - # ياأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا ~~انظرنا # نهى الله عباده المؤمنين عن أن يتشبهوا بالكافرين فى مقالهم وفعالهم. ~~وذلك أن اليهود كانوا يعلنون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من ~~التنقيص - عليهم لعائن الله - فإذا أرادوا أن يقولوا اسمع لنا يقولون ~~راعنا، ويورون بالرعونة وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار عنهم بأنهم كانوا ~~إذا سلموا إنما يقولون. السام عليكم. والسام هو الموت. ولهذا أمرنا أن ~~نرد عليهم بوعليكم. وإنما يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا. والغرض ~~أن الله - تعالى - نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولا وفعلا ". وقوله ~~{ وطعنا في الدين } أى يقولون ذلك من أجل القدح فى الدين ~~والاستهزاء بتعاليمه، وبنبيه صلى الله عليه وسلم. ثم بين - سبحانه - ما ~~كان بحب عليهم أن يقولوه لو كانوا يعقلون فقال تعالى - { ولو ~~أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا ~~لكان خيرا لهم وأقوم }. أى ولو أنهم قالوا عند سماعهم لما ~~يدعوهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم من حق وخير، { سمعنا } قولك ~~سماع قبول وإستجابة، وأطعنا أمرك بدل قولهم سمعنا وعصينا. ولو أنهم قالوا ~~عند مخاطبتهم له صلى الله عليه وسلم { واسمع } إجابتنا لدعوه الحق { ~~وانظرنا } حتى نفهم عنك ما تريده منا بدل قولهم ms1165 { واسمع غير ~~مسمع وراعنا ليا بألسنتهم } لو أنهم فعلوا ذلك لكان ~~قولهم هذا خيرا لهم وأعدل من اقوالهم السابقة الباطلة التى حكاها القرآن ~~عنهم. # ولكنهم لسوء طباعهم لم يفعلوا ذلك فحقت عليهم اللعنة فى الدنيا والآخرة ~~وقد صرح القرآن بذلك فقال { ولكن لعنهم الله بكفرهم ~~فلا يؤمنون إلا قليلا }. أى ولكنهم لم يقولوا ما هو خير لهم ~~وأقوم بل قالوا ما هو شر وباطل، فاستحقوا اللعنة من الله بسبب كفرهم وسوء ~~أفعالهم ولفظ { قليلا } فى قوله { فلا يؤمنون إلا قليلا ~~} منصوب على الاستثناء من قوله { لعنهم } أى ولكن لعنهم الله إلا ~~فريقا منهم آمنوا فلم يعلنوا أو منصوب على الوصفية لمصدر محذوف أى ولكن ~~لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا أى ضعيفا ركيكا لا يعبأ ~~به، ولا يغنى عنهم من عذاب الله شيئا لأنه إيمان غير صحيح بسبب تفريقهم ~~بين رسل الله فى التصديق والطاعة. قال - تعالى - { إن الذين ~~يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين ~~الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ~~ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم ~~الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا ~~}. ثم وجه - سبحانه - نداء إلى اليهود أمرهم فيه باتباع طريق الحق، ~~وأنذرهم بسوء المصير إذا لم يستمعوا إلى هذا النداء فقال - تعالى - { يا ~~أيهآ الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا ~~مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها ~~فنردها على أدبارهآ أو نلعنهم كما لعنآ ~~أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا }. أخرج ابن جرير ~~عن ابن عباس قال # " كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود. منهم عبدالله ~~بن صوريا، وكعب بن أسد فقال لهم يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا. فوالله ~~إنكم لتعلمون أن الذى جئتكم به الحق. فقالوا ما نعرف ذلك يا محمد، وجحدوا ~~ما عرفوا وأصروا على الكفر. فأنزل الله فيهم { يا أيهآ الذين ~~أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما ~~معكم } " # الآية. وفى ندائهم بقولهم { يا أيهآ الذين أوتوا الكتاب ~~آمنوا } تحريض لهم على ms1166 الإيمان، لأن اعطاءهم علم الكتاب من شأنه أن ~~يحملهم على المسارعة إلى تلبية دعوة النبى صلى الله عليه وسلم وألا ~~تأخذهم العصبية الدينية كما أخذت أهل مكة العصبية الجاهلية، ولأن هذا ~~الإيمان الذى يدعون إليه هو التصديق بما أنزله الله على نبيه صلى الله ~~عليه وسلم من قرآن، إذ هو يطابق - فى جوهره - ما أنزله سبحانه - على ~~الأنبياء السابقين الذين يزعم أهل الكتاب أنهم يؤمنون بهم. إذا فوحدة ~~المنزل توجب عليهم أن يؤمنوا بجميع ما أنزله الله. ووصفهم هنا بأنهم ~~أوتوا الكتاب، مع أنه وصفهم قبل ذلك بأنهم أوتوا نصيبا من الكتاب، لأن ~~وصفهم هنا بذلك المقصود منه حضهم على الإيمان وترغيبهم فيه واثارة هممهم ~~للانقياد لتعاليم كتابهم الذى بشرهم بمبعث النبى صلى الله عليه وسلم ~~وأمرهم بالإيمان به. # أما وصفهم فيما سبق بأنهم أوتوا نصيبا من الكتاب فالمقصود منه التعجيب ~~من أحوالهم، والتهوين من شأنهم. والمعنى يا معشر اليهود الذين آتاهم الله ~~التوراة لتكون هداية لهم، آمنوا ايمانا حقا { بما نزلنا } من قرآن ~~على محمد صلى الله عليه وسلم فإن هذا القرآن قد نزل { مصدقا لما ~~معكم } وموافقا للتوراة التى بين أيديكم فى الدعوة إلى وحدانيه الله ~~- تعالى - وإلى مكارم الأخلاق، وفى النهى عن الفواحش والمعاصى، ومؤيدا ~~لها فيما ذكرته من صفات تتعلق بمحمد صلى الله عليه وسلم ومن آيات تدعو ~~إلى تصديقه والإيمان به. وعبر عن القرآن بقوله { بما نزلنا } لأن ~~فى هذا التعبير تذكير بعظم شأن القرآن وأنه منزل بأمر الله وحفظه. وعبر ~~عن التوراة بقوله { لما معكم } لأن فى هذا التعبير تسجيلا عليهم ~~بأن التوراة كتاب مستصحب عندهم وقريب من أيديهم، وشهادته بصدق النبى صلى ~~الله عليه وسلم ظاهرة جلية، فإذا ما تركوا شهادته مع وضوحها ومع ~~استصحابهم له كان مثلهم # كمثل الحمار يحمل أسفارا # ثم أنذرهم - سبحانه - بعد ذلك بسوء العاقبة إذا ما أعرضوا عن الإيمان ~~بدعوة الإسلام فقال - تعالى - { من قبل أن نطمس وجوها ~~فنردها على أدبارهآ أو نلعنهم كما لعنآ ~~أصحاب السبت وكان ms1167 أمر الله مفعولا }. والطمس إزالة ~~الأثر بالمحو. قال الله - تعالى - # فإذا النجوم طمست # أى زالت ومحيت. ويقال طمست الريح الأثر إذا محته وأزلته. وللمفسرين فى ~~المراد من معنى الطمس هنا اتجاهان أما الاتجاه الأول فيرى أصحابه حمل ~~اللفظ على حقيقته بمعنى إزالة ما فى الوجه من أعضاء ومحو أثرها. فيكون ~~المعنى { يا أيهآ الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما ~~نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس ~~وجوها } أى نمحو تخطيط صورها من عين وأنف وفم وحاجب { فنردها ~~على أدبارهآ } أى فنجعلها على هيئة أدبارها وهى الأقفاء بحيث ~~تكون الوجوه مطموسة مثل الأقفاء. وإلى هذا المعنى ذهب ابن عباس وقتادة ~~وغيرهما. قال الإمام الرازى وهذا المعنى إنما جعله الله عقوبة لما فيه ~~من التشويه فى الخلقة والمثلة والفضيحة لأن عند ذلك يعظم الغم ~~والحسرة.... ". ومن المفسرين الذين رجحوا حمل اللفظ على حقيقته الإمام ~~ابن جرير لقد قال " وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب " قول من قال معنى قوله ~~{ من قبل أن نطمس وجوها } من قبل أن نطمس أبصارها، ونمحو ~~آثارها، فنسويها كالأقفاء. فنردها على أدبارها، فنجعل أبصارها فى ~~أدبارها، يعنى بذلك فنجعل الوجوه فى أدبار الوجوه. فيكون معناه فنحول ~~الوجوه أقفاء، والأقفاء، وجوها، فيمشوا القهقرى، كما قال ابن عباس ومن ~~قال بذلك ". # وأصحاب هذا الاتجاه منهم من يرى أن هذه العقوبة تكون فى آخر الزمان ~~ومنهم من يرى هذه العقوبة تكون فى الآخرة. ومنهم من قال بأن هذه العقوبة ~~مقيدة بعدم إيمان أحد منهم، وقد آمن بعضهم كعبد الله بن سلام وغيره. وأما ~~الاتجاه الثانى فيرى أصحابه حمل اللفظ على مجازه، بمعنى أن المراد بالطمس ~~الطمس المعنوى. فيكون المعنى آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن ~~تقسوا قلوبكم، ونطبع عليها بسبب تمسكها بالضلال، وتماديها فى العناد. قال ~~ابن كثير مؤيدا هذا الاتجاه هذا مثل ضربه الله لهم فى صرفهم عن الحق ~~وردهم، إلى الباطل، ورجوعهم عن المحجة البيضاء إلى سبيل الضلال يهرعون ~~ويمشون القهقرى على أدبارهم. وهذا كما قال بعضهم ms1168 فى قوله - تعالى - # وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا # أى هذا مثل سوء ضربه الله لهم فى ضلالهم ومنعهم عن الهدى. قال مجاهد من ~~قبل أن نطمس وجوها أى عن صراط الحق فنردها على أدبارها أى فى الضلال. ~~وقال السدى معناه فنعميها عن الحق ونرجعها كفارا... ". وقال الفخرى ~~الرازى - بعد أن بين معنى الآية على القول الأول - أما القول الثانى فهو ~~أن المراد من طمس الوجوه مجازه ثم ذكروا فيه وجوها. الأول قال الحسن ~~نطمسها عن الهدى فنردها على أدبارها أى على ضلالتها والمقصود بيان ~~إلقائها فى أنواع الخذلان وظلمات الضلالات. الثاني يحتمل أن يكون المراد ~~بالطمس القلب والتغيير. وبالوجوه رؤساؤهم ووجهاؤهم. والمعنى من قبل أن ~~نغير أحوال وجهائهم فنسلب منهم الإقبال والوجاهة ونكسوهم الصغار ~~والإدبار والمذلة. الثالث قال عبد الرحمن بن زيد هذا الوعيد قد لحق ~~اليهود ومضى. وتأول ذلك فى إجلاء قريظة والنضير إلى الشام، فرد الله ~~وجوههم على أدبارهم حين عادوا إلى أذرعات وأريحاء من أرض الشام.. فيكون ~~المراد بطمس الوجوه على هذا الرأى إزالة آثارهم عن بلاد العرب ومحو ~~أحوالهم عنها ". وقد مال الفخرى الرازى إلى القول الثانى ووصفه بأنه لا ~~إشكال معه البتة... ". وقال بعض العلماء إن الذى يبدو لنا من ظاهر النص ~~وهو قوله - تعالى - { من قبل أن نطمس وجوها فنردها ~~على أدبارهآ } أنه يراد به سحقهم فى القتال، وحملهم على أن يولوا ~~الأدبار، فتكون وجوههم غير بادية بصورها، بعد أن كانوا مقبلين بها، ~~فأزالها السيف والخوف، وجعل صورتها مختفية، وأقفيتهم هى البادية الواضحة، ~~فكأن صورة الوجوه قد زالت وحلت محلها صورة الأدبار. وعلى ذلك يكون المعنى ~~إنكم استرسلتم فى غيكم وضلالكم. ومع ذلك نطالبكم بالهداية والإيمان قبل ~~أن ينزل بكم غضب الله - تعالى - فى الدنيا وذلك بتسليط المؤمنين بالحق ~~عليكم، فيذيقون بأس القتال فتفرون، وتختفى وجوهكم. # .. ". هذه بعض الوجوه التى قالها من يرى أن المراد بالطمس الطمس المعنوى ~~وأن اللفظ محمول على المجاز، ولعل هذا الاتجاه أقرب إلى الصواب لسلامته ~~من ms1169 الاعتراضات والإشكالات التى أوردها بعض المفسرين - كالرازى والآلوسى ~~- عند تفسيرهما للآية الكريمة. وقوله { أو نلعنهم كما لعنآ ~~أصحاب السبت } بيان لعقوبة أخرى سوى العقوبة السابقة. واللعن هو ~~الطرد من رحمة الله - تعالى -. فالآية دعوة لليهود إلى الإيمان بما جاء ~~به محمد - صلى الله عليه وسلم - من قبل أن يطبع الله - تعالى - على ~~قلوبهم ويذهب بنورها فلا تتجه إلى الحق ولا تميل إليه. أو من قبل أن ~~يلعنهم ويطردهم من رحمته ويجعلهم عبرة للمعتبرين. وأصحاب السبت هم قوم من ~~اليهود حرم الله عليهم الصيد فى يوم السبت، فتحايلوا على استحلال ما حرمه ~~الله بحيل قبيحة، فأنزل الله عليهم عذابه، ومسخهم قردة... وقد ذكر الله ~~قصتهم بشئ من التفصيل فى سورة الأعراف. وكلمة " أو " فى الآية الكريمة ~~لمنع الخلو. فجوز أن يعاقب الله طائفة منهم بعقوبة من هاتين العقوبتين، ~~ويعاقب طائفة أخرى منهم بالعقوبة الثانية إن هم استمروا فى ضلالهم ~~وطغيانهم. والضمير المنصوب فى قوله " نلعنهم " يعود لأصحاب الوجوه. أو ~~للذين أوتوا الكتاب على طريقة الالتفات. وقوله { وكان أمر الله ~~مفعولا } أى كان وما زال جميع ما أمر الله به وقضاه ونافذا لا محالة ~~لأنه - سبحانه - لا يعجزه شئ فى الأرض ولا فى السماء والجملة الكريمة ~~تذييل قصد به تهديد هؤلاء الضالين المعاندين حتى يثوبوا إلى رشدهم، ~~ويدخلوا فى صفوف المؤمنين. وقوله { إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء }. استئناف ~~مسوق لتقرير ما قبله من الوعيد، ولتأكيد وجوب امتثال الأمر بالإيمان، ~~لأنه لا مغفرة إذا انتفى الإيمان. والمراد بالشرك هنا مطلق الكفر فيدخل ~~فيه كفر اليهود دخولا أوليا. والمعنى إن الله لا يغفر لكافر مات على ~~كفره، ويغفر ما دون الكفر من الذنوب والمعاصى لمن يشاء أن يغفر له إذا ~~مات من غير توبة. فمن مات من المسلمين بدون توبة من الذنوب التى اقترفها ~~فأمره مفوض إلى الله، إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه ثم ~~أدخله الجنة. وقوله { ومن يشرك بالله فقد افترى ms1170 إثما ~~عظيما } استئناف مشعر بتعليل عدم غفران الشرك، وزيادة فى تشنيع حال ~~المشرك. أى. ومن يشرك بالله فى عبادته غيره من خلقه، فقد ارتكب من الآثام ~~ما لا تتعلق به المغفرة، لأنه بهذا الإشراك قد افترى الكذب العظيم على ~~الله، واقترف الإفك المبين، فعل أعظم ذنب فى الوجود قال القرطبى قوله - ~~تعالى - { إن الله لا يغفر أن يشرك به } روى # " أن النبى صلى الله عليه وسلم تلا { قل يعبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ~~إن الله يغفر الذنوب جميعا } فقال له رجل يا رسول الله ~~والشرك!! فنزل { إن الله لا يغفر أن يشرك به } " # الآية. وهذا من المحكم المتفق عليه الذى لا اختلاف فيه بين الأمة. وقوله ~~{ ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء } من المتشابه الذى قد تكلم ~~العلماء فيه. فقال ابن جرير الطبرى قد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة ~~فهو فى مشيئة الله إن شاء عفا عنه ذنبه، وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن ~~كبيرته شركا بالله - تعالى - ". وقد أورد ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ~~الكريمة ثلاثة عشر حديثا تتعلق بها. ومن هذه الأحاديث ما رواه الحافظ أبو ~~يعلى فى مسنده عن جابر أن النبى صلى الله عليه وسلم قال # " لا تزال المغفرة على العبد ما لم يقع فى الحجاب قيل يا نبى الله وما ~~الحجاب؟ قال الإشراك بالله. ثم قرأ { إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به } " # الآية. وروى ابن أبى حاتم وابن جرير عن ابن عمر قال كنا معشر أصحاب ~~النبى صلى الله عليه وسلم لا نشك فى قاتل النفس، وآكل مال اليتيم، وشاهد ~~الزور، وقاطع الرحم، حتى نزلت هذه الآية { إن الله لا يغفر ~~أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء } وفى ~~رواية لابن أبى حاتم فلما سمعناها كففنا عن الشهادة وأرجينا الأمور إلى ~~الله - تعالى - ". وقال الآلوسى ثم إن هذه الآية كما يرد بها على ~~المعتزلة - الذين يسوون بين الإشراك بالله وبين ارتكاب الكبيرة بدون ms1171 ~~توبة - يرد بها أيضا - على الخوارج الذين زعموا أن كل ذنب شرك وأن صاحبه ~~مخلد فى النار. وذكر الجلال أن فيها ردا أيضا على المرجئة القائلين إن ~~أصحاب الكبائر من المسلمين لا يعذبون. وأخرج ابن الضريس وابن عدى بسند ~~صحيح عن ابن عمر قال # " كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا صلى الله عليه ~~وسلم قوله - تعالى - { إن الله لا يغفر أن يشرك به } ~~وقال " إنى ادخرت دعوتى وشفاعتى لأهل الكبائر من أمتى فأمسكنا عن كثير ~~مما كان فى أنفسنا ثم نطقنا ورجونا " # وقد استبشر الصحابة بهذه الآية حتى قال على بن أبى طالب أحب آية إلى فى ~~القرآن { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ~~دون ذلك لمن يشآء }. ثم حكى - سبحانه - لونا آخر من قبائح ~~اليهود فقال { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل ~~الله يزكي من يشآء ولا يظلمون فتيلا انظر كيف ~~يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا }. # روى المفسرون فى سبب نزول هاتين الآيتين # " أن رجالا من اليهود أتوا النبى صلى الله عليه وسلم بأطفالهم فقالوا يا ~~محمد هل على هؤلاء ذنب؟ فقال لا. فقالوا والله ما نحن إلا كهيئتهم. ما ~~عملناه بالنهار كفر عنا بالليل، وما عملنا بالليل كفر عنا بالنهار ". # ولقد حكى القرآن عن اليهود أنهم قالوا # لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # وحكى عنهم أنهم كانوا # يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا # وحكى عنهم وعن النصارى أنهم قالوا # نحن أبناء الله وأحباؤه # والاستفهام فى قوله - تعالى - { ألم تر } للتعجب من أحوالهم، ~~والتهوين من شأنهم حيث بالغوا فى مدح أنفسهم مع أنهم كاذبون فى ذلك. ~~وقوله { يزكون أنفسهم } من التزكية بمعنى التطهير والتنزيه عن ~~القبيح. والمراد بهذا التعبير هنا أنهم يصفون أنفسهم بالأفعال الحسنة، ~~ويمدحونها مدحا كثيرا، مع أنهم لا يستحقون إلا الذم بسبب سوء أقوالهم ~~وأفعالهم. والمعنى ألم ينته علمك يا محمد إلى حال هؤلاء اليهود الذين ~~يمدحون أنفسهم ويثنون عليها مختالين متفاخرين مع ما ms1172 هم عليه من الكفر ~~وسوء الأخلاق؟ إن كنت لم تعلم أحوالهم أو لم تنظر إليهم فها نحن نكشف لك ~~عن خباياهم لتتعجب من سوء أعمالهم وليتعجب منهم كل عاقل. وقوله { بل ~~الله يزكي من يشآء } إبطال لمعتقدهم بإثبات ضده، وهو أن ~~التزكية شهادة من الله ولا ينفع أحدا أن يزكى نفسه، وإعلام منه - سبحانه ~~- بأن تزكيته هى التى يعتد بها لا تزكية غيره، فإنه هو العالم بما ينطوى ~~عليه الإنسان من حسن وقبح، وخير وشر. وقوله { ولا يظلمون ~~فتيلا } بيان لكمال عدله - سبحانه - وأنه لا يظلم أحدا من خلقه لا ~~قليلا ولا كثيرا. والفتيل هو الخيط الذى يكون فى شق النواة. وكثيرا ما ~~يضرب به المثل فى القلة والحقارة. أى أن هؤلاء الذين يزكون أنفسهم بغير ~~حق يعاقبون على هذا الكذب بما يستحقون من عقاب عادل لا ظلم معه لأنه - ~~سبحانه - لا يظلم أحدا من عباده شيئا بل يجازى كل إنسان بما هو أهل له من ~~خير أو شر. ثم أكد - سبحانه - التعجب من أحوالهم فقال { انظر كيف ~~يفترون على الله الكذب... }. أى انظر أيها العاقل كيف يفترى ~~هؤلاء اليهود على الله الكذب فى تزكيتهم لأنفسهم مع كفرهم وعنادهم ~~وارتكابهم الأفعال القبيحة التى تجعلهم أهلا لكل مذمة وسوء عاقبة. وقد ~~جعل - سبحانه - افتراءهم الكذب لشدة تحقق وقوعه، كأنه أمر مرئى يراه ~~الناس بأعينهم، ويشاهدونه بأبصارهم. وقوله { وكفى به إثما ~~مبينا } أى وكفى بافترائهم الكذب على الله إثما ظاهرا بينا يستحقون ~~يسيبه أشد العقوبات، وأغلظ الإهانات. # قال القرطى ما ملخصه قوله - تعالى - { ألم تر إلى الذين ~~يزكون أنفسهم } يقتضى الغض من المزكى لنفسه بلسانه، والإعلان ~~بأن الزاكى المزكى من حسنت أفعاله، وزكاه الله - تعالى -، فلا عبرة ~~بتزكية الإنسان نفسه، وإنما العبرة بتزكية الله له. وأما تزكية الغير ~~ومدحه له ففى البخارى من حديث أبى بكرة أن رجلا ذكر عند النبى صلى الله ~~عليه وسلم فأثنى عليه رجل خيرا فقال النبى صلى الله عليه وسلم # " ويحك قطعت عنق صاحبك - يقوله مرارا - إن ms1173 كان أحدكم مادحا لا محالة ~~فليقل أحسب كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك، وحسبه الله ولا يزكى على الله ~~أحدا " # فنهى صلى الله عليه وسلم أن يفرط فى مدح الرجل بما ليس فيه.. فيحمله ذلك ~~على تضييع العمل وترك الازدياد من الفضل ولذلك قال صلى الله عليه وسلم # " ويحك قطعت عنق صاحبك ". # ومدح الرجل بما فيه من الفعل الحسن والأمر المحمود ليكون منه ترغيبا له ~~فى أمثاله، وتحريضا للناس على الاقتداء به فى أشباهه ليس مدحا مذموما. ~~وقد مدح النبى صلى الله عليه وسلم فى الشعر والخطب والمخاطبة. ومدح صلى ~~الله عليه وسلم أصحابه فقال # " إنكم لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع ". # ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك لونا آخر من رذائلهم وقبائحهم التى تدعو إلى ~~مزيد من التعجيب من أحوالهم. والتحقير من شأنهم فقال - تعالى - { ألم ~~تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون ~~بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء ~~أهدى من الذين آمنوا سبيلا }. روى المفسرون فى سبب نزول ~~هذه الآية روايات منها ما جاء عن ابن عباس أن حيى بن أخطب وكعب بن الأشرف ~~خرجا إلى مكة فى جمع من اليهود ليخالفوا قريشا على حرب النبى صلى الله ~~عليه وسلم. فنزل كعب على أبى سفيان فأحسن مثواه. ونزلت اليهود فى دور ~~قريش. فقال أهل مكة لليهود إنكم أهل كتاب ومحمد صلى الله عليه وسلم صاحب ~~كتاب فلا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم. فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا ~~لهذين الصنمين وآمنوا بهما ففعلوا. ثم قال كعب يا أهل مكة ليجئ منا ~~ثلاثون ومنكم ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب البيت على قتال ~~محمد صلى الله عليه وسلم ففعلوا ذلك. فلما فرغوا قال أبو سفيان لكعب إنك ~~امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن أميون لا نعلم فأينا أهدى طريقا وأقرب إلى ~~الحق نحن أم محمد؟ قال كعب اعرضوا على دينكم. فقال أبو سفيان نحن ننحر ~~للحجيج الكرماء، ونسقيهم اللبن، ونقرى الضيف، ونفك العانى، ونصل الرحم، ~~ونعمر بيت ربنا ms1174 ونطوف به، ونحن أهل الحرم، ومحمد صلى الله عليه وسلم فارق ~~دين أبائه وقطع الرحم وفارق الحرم، وديننا القديم ودين محمد الحديث. # فقال كعب أنتم والله أهدى سبيلا مما عليه محمد صلى الله عليه وسلم فأنزل ~~الله الآية. والجبت فى الأصل اسم صنم ثم استعمل فى كل معبود سوى الله - ~~تعالى -. والطاغوت يطلق على كل باطل وعلى كل ما عبد من دون الله، أو كل ~~من دعا إلى ضلالة. أى يصدقون بأنهما آلهة ويشركونهما فى العبادة مع الله ~~- تعالى -. أو يطيعونهما فى الباطل. قال ابن جرير والصواب من القول فى ~~تأويل { يؤمنون بالجبت والطاغوت } أن يقال يصدقون ~~بمعبودين من دون الله، ويتخذونها إلهين، وذلك أن الجبت والطاغوت اسمان ~~لكل معظم بعبادة من دون الله أو طاعة أو خضوع له، كائنا ما كان ذلك ~~المعظم من حجر أو إنسان أو شيطان ". وقوله { ويقولون للذين ~~كفروا } بيان لما نطقوا به من زور وبهتان. أى ويقولون ارضاء للذين ~~كفروا وهم مشركو مكة. هؤلاء فى شركهم وعبادتهم للجبت والطاغوت، { ~~أهدى من الذين آمنوا سبيلا } أى أقوم طريقا، وأحسن دينا ~~من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم. واللام فى قوله { للذين ~~كفروا } لام العلة. أى يقولون لأجل الذين كفروا.. والإشارة بقوله { ~~هؤلاء أهدى } إلى الذين كفروا. وإيراد النبى صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه بعنوان الإيمان، ليس من قبل القائلين، بل من جهة الله تعالى، ~~تعريفا لهم بالوصف الجميل، وتحقيرا لمن رجح عليهم المتصفين بأقبح الصفات. ~~ثم بين - سبحانه - مصيرهم السئ بسبب انحرافهم عن الحق فقال - تعالى - { ~~أولئك الذين لعنهم الله }. أى أولئك الذين استحوذ ~~عليهم الشيطان، فأيدوا المشركين بالقول والعمل وسجدوا لأصنامهم، وزكوا ~~أفعالهم... أولئك الذين هذه صفاتهم { لعنهم الله } أى أبعدهم عن ~~رحمته وطردهم وأخزاهم بسبب كذبهم فى حقدهم وإيثارهم عبادة الشيطان على ~~طاعة الرحمن. { ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا } أى ~~ومن يلعنه الله ويبعده عن رحمته فلن تجد له ناصرا ينصره، أو شفيعا يشفع ~~له. واسم الإشارة { أولئك } مبتدأ. والموصول وصلته ms1175 خبر. والجملة ~~مستأنفة لبيان حالهم. وإظهار سوء مآلهم. والإتيان باسم الإشارة هنا فى ~~نهاية البلاغة، لأن من بلغ وصف حاله هذا المبلغ صار جديرا بأن يشار إليه ~~بكل ازدراء واحتقار. وفى قوله { ومن يلعن الله فلن تجد ~~له نصيرا } بيان لحرمانهم ثمرة استنصارهم بمشركى قريش، وإيماء إلى ~~وعد المؤمنين بأنهم المنصورون، لأنهم هم المقربون عند الله، ومن يقربه ~~الله فلن تجد له خاذلا. هذا، وتحالف أولئك اليهود مع المشركين، وتفضيلهم ~~إياهم على المؤمنين - كما حكته الآية الكريمة - قد شهد بقبحه واحد من ~~اليهود هو الدكتور إسرائيل ولفنسون. # فقد قال فى كتابه " تاريخ اليهود فى جزيرة العرب " معلقا على هذه القصة ~~وكان من واجب هؤلاء اليهود ألا يتورطوا فى هذا الخطأ الفاحش، وألا يصرحوا ~~أمام زعماء قريش بأن عبادة الأصنام أفضل من التوحيد الإسلامى ولو أدى ~~بهم الأمر إلى عدم إجابة مطلبهم، لأن بنى إسرائيل الذين كانوا لمدة قرون ~~حاملى راية التوحيد فى العالم بين الأمم الوثنية باسم الأباء الأقدمين، ~~والذين نكبوا بنكبات لا تحصى من تقتيل واضطهاد بسبب إيمانهم بإله واحد فى ~~عصور شتى من الأدوار التاريخية... كان من واجبهم أن يضحوا بحياتهم وكل ~~عزيز عليهم فى سبيل أن يخذلوا المشركين، هذا فضلا عن أنهم بالتجائهم إلى ~~عبدة الأوثان، إنما كانوا يحاربون أنفسهم، ويناقضون تعاليم التوراة التى ~~توصيهم بالنفور من عبدة الأصنام، والوقوف منهم موقف الخصومة. ثم انتقل - ~~سبحانه - من توبيخهم على تزكيتهم لأنفسهم بالباطل وعلى تفضيلهم عبادة ~~الأوثان على عبادة الرحمن. إلى توبيخهم على البخل والأثرة فقال - تعالى - ~~{ أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس ~~نقيرا }. و { أم } هنا منقطعة بمعنى بل فهى للاضراب والانتقال، ~~والهمزة للاستفهام الإنكارى أى لإنكار أن يكون لهم نصيب من الملك، ~~وإبطال زعمهم من أن الملك يعود إليهم فى آخر الزمان. والفاء فى قوله { ~~فإذا } للسببية الجزائية لشرط محذوف. والنقير النكتة التى تكون فى ظهر ~~النواة ويضرب به المثل فى القلة والحقارة. والمعنى إن هؤلاء اليهود ليس ~~لهم نصيب من الملك ألبتة. ms1176 لأنهم لا يستحقونه، ولأنهم لو أتوا نصيبا منه ~~على سبيل الفرض فإنهم لشدة حرصهم وبخلهم وأثرتهم لا يعطون أحدا غيرهم منه ~~أقل القليل. وقد كنى عن أقل القليل هذا بالنقير. فأنت ترى أن الآية ~~الكريمة ترد على ما يزعمه اليهود من أن الملك لهم، وأنهم لا يليق بهم أن ~~يتبعوا غيرهم، وتصفهم بأنهم أبخل الناس وأبعدهم عن العدل والقسط ومن كان ~~هذه صفاته، فقد اقتضت حكمة الله أن يحرمه نعمة الملك والسلطان. ثم انتقل ~~- سبحانه - من تبكيتهم على البخل وغيره مما سبق إلى تقريعهم على رذيلة ~~الحسد التى استولت عليهم فأضلتهم وجعلتهم يتألمون لما يصيب الناس من خير ~~ويتمنون زواله فقال - تعالى { أم يحسدون الناس على مآ ~~آتاهم الله من فضله }. و { أم } هنا منقطعة أيضا كسابقتها، ~~والاستفهام المقدر بعدها لإنكار الواقع وهو حسدهم لغيرهم. والمراد من ~~الناس النبى صلى الله عليه وسلم أو هو والمؤمنون معه. وقيل المقصود من ~~الناس العرب عامة. قال الفخر الرازى والمراد من الناس - عند الأكثرين - ~~أنه محمد صلى الله عليه وسلم. وإنما جاز أن يقع عليه لفظ الجمع وهو واحد ~~لأنه اجتمع عنده من خصال الخير ما لا يحصل إلا متفرقا فى الجمع العظيم أو ~~المراد بهم الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين لأن لفظ الناس ~~جمع فحمله على الجمع أولى من حمله على المفرد. # وحسن لفظ إطلاق الناس عليهم لأنهم القائمون بالعبودية الحق لله - تعالى ~~- فكأنهم كل الناس... ". والمراد بالفضل فى قوله { على مآ آتاهم ~~الله من فضله } النبوة والهدى والإيمان. والمعنى إن هؤلاء ~~اليهود ليسوا بخلاء فقط بل إن فيهم من الصفات ما هو أقبح من البخل وهو ~~الحسد فقد حسدوا النبى صلى الله عليه وسلم لأن الله منحه النبوة وهو رجل ~~عربى ليس منهم، وحدسوا أتباعه لأنهم آمنوا به وصدقوه والتفوا من حوله ~~يؤازرونه ويفتدونه بأرواحهم وأموالهم. وقوله { فقد آتينآ آل ~~إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما ~~} توبيخ لهم على حسدهم، وإلزام لهم بما هو مسلم عندهم. والمعنى ms1177 إنكم ~~بحسدكم للنبى صلى الله عليه وسلم على ما آتاه الله من فضله، تكونون قد ~~ظللتم وسرتم فى طريق الشيطان، لأنكم لو كنتم عقلاء لما فعلتم ذلك، إذ ~~أنتم تعلمون علم اليقين أن الله - تعالى - قد أعطى { آل إبراهيم } ~~أى قرابته القريبة من ذريته كإسماعيل - وهو جد العرب - وإسحاق ويعقوب ~~وغيرهم.. أعطاهم { الكتاب } أى جنس الكتب السماوية فيشمل ذلك التوارة ~~والإنجيل والزبور وغيرها. وأعطاهم { والحكمة } أى العلم النافع مع ~~العمل به. وأعطاهم { ملكا عظيما } أى سلطانا واسعا وبسطه فى ~~الأرض. ومع ذلك فأنتم لم تحسدوا هؤلاء على ما أعطاهم الله من كتاب وحكمة ~~وملك عظيم، فلماذا تحسدون محمدا صلى الله عليه وسلم على ما أتاه الله من ~~فضله مع أنه من نسل إبراهيم - عليه السلام -؟. فالجملة الكريمة توبيخ لهم ~~على أنانيتهم وحسدهم، وإلزام لهم بما يعرفونه من واقع كتبهم، وكشف للناس ~~عن أن أحقادهم مرجعها إلى انطماس بصيرتهم، وخبث نفوسهم. ثم بين - سبحانه ~~- عاقبة كل من المحسن والمسئ فقال { فمنهم من آمن به ~~ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا }. أى فمن ~~جنس هؤلاء الحاسدين وآبائهم من آمن وصدق بما أعطاه الله لآل إبراهيم من ~~كتاب وحكمه، ومنهم من كفر به وأعرض عنه وسعى فى صد الناس عنه. فالضمير فى ~~{ به } و { عنه } يعود إلى ما أوتى آل إبراهيم. ويرى بعضهم أن ~~الضمير يعود إلى إبراهيم - عليه السلام. فيكون المعنى فمن آل إبراهيم من ~~آمن بإبراهيم ومن أعرض عنه ولم يتبع تعاليمه. وفى هذه الآية الكريمة ~~تسلية للنبى صلى الله عليه وسلم عما لقيه من اليهود من أذى. فكأنه - ~~سبحانه - يقول له إن هؤلاء الحاسدين لك قد اختلفوا على من هم منهم، وأنت ~~يا محمد لست منهم، فكيف تنتظر منهم أن يسالموك أو يتبعوك؟ وقوله { ~~وكفى بجهنم سعيرا } بيان لما أعده - سبحانه - للكافرين من ~~عذاب. # أى وكفى بجهنم نارا مسعرة أى موقدة إيقادا شديدا يعذبون بها على كفرهم ~~وعنادهم وصدودهم عن الحق. يقال سعر النار - كمنع - وسعرها وأسعرها أى ~~أوقدها. ms1178 وكفى فعل ماض. وقوله { بجهنم } فاعله على زيادة الباء فيه. ~~وقوله { سعيرا } تمييز أو حال. وبهذا نرى أن هذه الآيات الكريمة من ~~قوله - تعالى - { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب } إلى قوله { وكفى بجهنم سعيرا } قد وبخت اليهود ~~على بيعهم دينهم بدنياهم، وتحريفهم الكلم عن مواضعه واستهزائهم بدعوة ~~الحق، وتزكيتهم لأنفسهم بالباطل، وافترائهم على الله الكذب، وتفضيلهم ~~عبادة الأوثان على عبادة الله، وعلى بخلهم وحسدهم للنبى صلى الله عليه ~~وسلم على ما آتاه الله من فضله. وقد توعدتهم على هذه الصفات الذميمة، ~~والمسالك الخبيثة بأشد أنواع العذاب، وحذرت المؤمنين من شرورهم ومفاسدهم. ~~ثم بين - سبحانه - بعد ذلك سوء عاقبة كل كافر، وحسن عاقبة كل مؤمن، فقال ~~{ إن الذين....ظليلا }. ### || [4.56-57] # والمراد بالذين كفروا هنا كل كافر سواء أكان من بنى إسرائيل أم من ~~غيرهم. وقوله { نصليهم } من الإصلاء وهو إيقاد النار. والمراد هنا ~~إدخالهم فيها وقوله { نضجت } من النضج وهو بلوغ نهاية الشئ. يقال نضج ~~الثمر واللحم ينضج نضجا إذا أدرك وبلغ نهايته. والمراد هنا احتراق ~~الجلود احتراقا تاما. والمعنى { إن الذين كفروا بآياتنا } ~~الدالة على أن الله وحده هو المستحق للعبادة والخضوع { سوف ~~نصليهم نارا } أى سوف ندخلهم نارا هائلة عظيمة وسوف هنا - كما قال ~~سيبويه - للتهديد وتأكيد العذاب المقبل ولو مع التراخى وتراخى العذاب مع ~~تأكيده يجعل النفس فى فزع دائم، وخوف مستمر حتى يقع. وقوله { كلما ~~نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها } بيان لشدة ~~العذاب ودوامه أى كلما احترقت جلودهم وتلاشت أعطيناهم بدل الجلود ~~المحترقة جلودا غير متحرقة مغايرة للمحترفة. فالتبديل على هذا تبديل ~~حقيقى مادى. بمعنى أن يخلق الله - تعالى - مكان الجلود المحترقة جلودا ~~أخرى جديدة مغايرة للمحترقة. ويرى بعضهم أن الجملة الكريمة كناية عن دوام ~~العذاب لهم. وقد ذكر هذا الرأى الفخر الرازى فقال ويمكن أن يقال هذا ~~استعارة عن الدوام وعدم الانقطاع. كما يقال لمن يراد وصفه بالدوام كلما ~~انتهى فقد ابتدأ. وكلما وصل إلى آخره فقد أبتدأ من أوله. فكذا قوله { ~~كلما نضجت ms1179 جلودهم بدلناهم جلودا غيرها }. ~~يعنى كلما ظنوا أنهم نضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك، أعطيناهم قوة ~~جديدة من الحياة. فيكون المقصود ببيان دام العذاب وعدم انقطاعه. والذى ~~نراه أن حمل التبديل على حقيقته أولى، لأنه ليس لنا أن نعدل فى كلام الله ~~عن الحقيقة إلى المجاز، إلا عند الضرورة. وهنا لا ضرورة لذلك، لأن تبديل ~~الجلود داخل تحت قدرة الله - تعالى - ولأن هذا المعنى الذى ذكره الإمام ~~الرازى يتأتى مع حمل اللفظ على حقيقته إذ كلمة " كل " تدل على دوام ~~العذاب وعدم انقطاعه، ولأن كثيرا من السلف قد فسروا الآية على الوجه ~~الأول، فقد روى عن ابن عمر أنه قال تلا رجل عند عمر هذه الآية قال فقال ~~عمر أعدها على. فأعادها. فقال معاذ بن جبل عندى تفسيرها تبدل جلودها فى ~~كل ساعة مائة مرة. فقال عمر هكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وقوله { ليذوقوا العذاب } جملة تعليلية لقوله { بدلناهم ~~} أى بدلناهم جلودا غيرها ليقاسوا شدة العذاب، وليحسوا به فى كل مرة كما ~~يحس الذائق للشئ الذى يذوقه. وقوله { إن الله كان عزيزا ~~حكيما } تذييل قصد به تأكيد التهديد والوعيد الذى اشتملت عليه الآية ~~الكريمة. أى أن الله - تعالى كان وما زال عزيزا لا يغلبه غالب، ولا يمنع ~~عقابه مانع حكيما فى تدبيره وتقديره وتعذيب من يعذبه وإثابة من يثيبه. # وقوله { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } بيان لحسن ~~الثواب الذى وعد الله به عباده المؤمنين فى مقابلة بيان العقاب الذى أعده ~~للكافرين. وتلك عادة القرآن فى تربية النفوس. إنه يسوق عاقبة الكافرين ثم ~~يتبعها بحسن عاقبة المؤمنين أو العكس، ليحمل العقلاء على الابتعاد عن ~~طريق الكفر والعصيان، وليغريهم بالسير فى طريق الطاعة والإيمان. أى ~~والذين آمنوا إيمانا حقا، وعملوا فى دنياهم الأعمال الطيبات الصالحات { ~~سندخلهم } يوم القيامة { جنات تجري } من تحت شجرها وقصورها ~~{ الأنهار خالدين فيهآ أبدا } أى أكرمناهم إكراما عظيما بأن ~~جعلناهم مقيمين فى الجنة لا يموتون ولا يخرجون منها { لهم فيهآ ~~أزواج مطهرة } أى لهم فيها نساء ms1180 بريئات ومنزهات من جميع ~~الأدناس الحسية والمعنوية. وقوله { وندخلهم ظلا ظليلا } أى ~~ظلا وارفا جميلا لا يصيب صاحبه حر ولا سموم. والظل أثر لما يحجب الشمس ~~وحرارتها. والظليل صفة مشتقة من الظل للتأكيد على حد قولهم ليل أليل أى ~~ظلا بلغ الغاية فى جنسه. ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال { ظليلا } صفة ~~مشتقة من لفظ الظل لتأكيد معناه. كما يقال ليل أليل. ويوم أيوم وما أشبه ~~ذلك. وهو ما كان فيئا - أى طويلا ممتدا - لا حوب فيه - أى لا خرق ولا قطع ~~فيه - ودائما لا تنسخه الشمس. وسجسجا - أى متوسطا - لا حر فيه ولا برد. ~~وليس ذلك إلا ظل الجنة. رزقا الله بتوفيقه لما يزلف إليه التفيؤ تحت ذلك ~~الظل. وبعد هذا الحيث الجامع عن أحوال أهل الكتاب من اليهود، وجه القرآن ~~جملة من الأوامر الحكيمة إلى المؤمنين. فقال - تعالى - { إن الله ~~يأمركم....تأويلا }. ### || [4.58-59] # قال ابن كثير - عند تفسيره للآية الأولى - ذكر كثير من المفسرين # " أن هذه الآية نزلت فى شأن عثمان بن طلحة بن أبى طلحة. وهو ابن عم شيبة ~~بن عثمان بن أبى طلحة الذى صارت الحجابة فى نسله إلى اليوم. وسبب نزولها ~~فيه حين أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة منه يوم الفتح ثم ~~رده عليه. ثم قال قال محمد بن إسحاق حدثنى محمد بن جعفر عن عبيد الله بن ~~أبى ثور عن صفية بنت شيبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بمكة ~~واطمأن الناس، خرج حتى أتى إلى البيت فطاف به سبعا على راحلته يستلم ~~الركن بمحجن فى يده. فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ مفتاح الكعبة ~~منه ففتحت له فدخلها. ثم قام على باب الكعبة فقال لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له. صدق وعده. ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ألا كل مأثرة أو دم ~~أو مال يدعى فهو تحت قدمى هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج. ثم قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أين ms1181 عثمان بن طلحة؟ فدعى له. فقال هاك ~~مفتاحك يا عثمان!! اليوم يوم بر ووفاء ". # هذا ونزول الآية الكريمة فى هذا السبب الخاص لا يمنع عمومها إذا العبرة ~~بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. والأمانات جمع أمانة وهى مصدر سمى به ~~المفعول. فهى بمعنى ما يؤتمن الإنسان عليه. والمعنى إن الله تعالى - ~~يأمركم - أيها المؤمنون - أن تؤدوا ما ائتمنتم عليه من الحقوق سواء أكانت ~~هذه الحقوق لله - تعالى - أم للعباد. وسواء كانت فعلية أم قولية أم ~~اعتقادية. وقد أسند - سبحانه - الأمر إليه تأكيده، اهتماما بالمأمور به، ~~وحضا للناس على أداء ما يؤتمنون عليه من علم ومال، وودائع، وأسرار، وغير ~~ذلك مما يقع فى دائرة الائتمان، وتنبغى المحافظة عليه. ومعنى أدائها إلى ~~أهلها توصيلها إلى أصحابها كما هى من غير بخس أو تطفيف أو تحريف أو غير ~~ذلك مما يتنافى مع أدائها بالطريقة التى ترضى الله - تعالى -. ومن الآيات ~~القرآنية التى نوهت بشأن الأمانة وأمرت بأدائها وحفظها قوله - تعالى - # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان # وقوله - تعالى - # والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين ~~هم بشهاداتهم قائمون والذين هم على صلاتهم ~~يحافظون أولئك في جنات مكرمون # وأما الأحاديث فمنها ما رواه الترمذى والنسائى عن أبى هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال # " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس على ~~دمائهم وأموالهم ". # وروى الترمذى وأبو داود عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال # " أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ". # وقوله { وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا ~~بالعدل } أمر بإيصال الحقوق المتعلقة بذمم الغير إلى أصحابها إثر ~~الأمر بإيصال الحقوق المتعلقة بذممهم. وقوله { حكمتم } من الحكم ~~ومعناه الفصل بين المتنازعين، وإظهار الحق لصاحبه. وقوله { بالعدل } ~~أى بالحق الذى أوجبه الله عليكم. وأصل العدل التسوية. يقال عدل كذا بكذا ~~أى سواه به. قال الجمل وقوله { وإذا حكمتم } إذا معمول لمقدر على ~~مذهب البصريين من أن ms1182 ما بعد أن المصدرية لا يعمل فيما قبلها والتقدير وأن ~~تحكموا بالعدل إذا حكمتم بين الناس. أو معمول للمذكور على مذهب الكوفيين ~~من إجازة عمل ما بعد أن فيما قبلها. والمعنى كما أمركم الله - تعالى - ~~أيها المؤمنون بأداء الأمانات إلى أهلها، فإنه يأمركم - أيضا - إذا حكمتم ~~بين الناس أن تجعلوا حكمكم قائما على الحق والعدل، فإن الله - تعالى - ما ~~أقام ملكه إلا عليهما، ولأن الأحكام إذا صاحبها الجور والظلم أدت إلى ~~شقاء الأفراد والجماعات. قال بعض العلماء يرى بعضهم أن الخطاب فى هذا ~~النص موجه إلى الذين يحكمون، وهم الحكام من ولاة وقضاة وغيرهم ممن يلون ~~الحاكم. ولا مانع عندنا من أن يكون الخطاب موجها إلى الأمة كلها، لأن ~~الأمة العزيزة التى تتولى أمور نفسها من غير تحكم من ملك أو طاغ قاهر، هى ~~محكومة ومحكمة. فهى التى تختار حاكمها وهى فى هذا محكمة، مطلوب منها ~~العدل، فلا تختار لهوى أو لعطاء أو لمصلحة شخصية أيا كان نوعها. وهى ~~محكمة فى حاكمها فلا تقول فيه إلا حقا، ولا تطالبه إلا بما هو حق لا جور ~~فيه، ولا تشتط فى نقده، ولا تسكن عن نصيحته، فإن النبى صلى الله عليه ~~وسلم يقول # " الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ". # وحديث القرآن عن وجوب إقامة العدل ودفع الظلم حديث مستفيض. قال تعالى - # إن الله يأمر بالعدل والإحسان # وقال - تعالى - # يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين ~~الناس بالحق ولا تتبع الهوى # وقال - تعالى - # وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى # وقال - تعالى - # ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ~~اعدلوا هو أقرب للتقوى # وأما حديث السنة النبوة عن ذلك فهو أيضا مستفيض. ومن الأحاديث التى ورت ~~فى هذا المعنى ما رواه الإمام مسلم فى صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن ~~العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن المقسطين عند الله على منابر من نور من يمين الرحمن. وكلتا يديه ~~يمين. الذين يعدلون فى حكمهم وأهليهم وما ولوا ms1183 ". # وقوله { إن الله نعما يعظكم } جملة مستأنفة مقررة لمضمون ~~ما قبلها، متضمنة لمزيد اللطف بالمخاطبين، وحسن استدعائهم إلى الامتثال ~~لما أمروا به. وقوله { نعما } أصله { نعم ما } فركبت نعم ما بعد طرح ~~حركة الميم الأولى وتنزيلها منزلة الكلمة الواحدة ثم أدغمت الميمان وحركت ~~العين الساكنة بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين. و { ما } إما منصوبة ~~موصوفة بقوله { يعظكم } فكأنه قيل نعم شيئا يعظكم به. وإما مرفوعة ~~موصولة فكأنه قيل نعم الشئ الذى يعظكم به. والمخصوص بالمدح محذوف وهو ~~أداء الأمانة إلى أهلها والحكم بين الناس بالعدل. والوعظ التذكير بالخير، ~~والتحذير من الشر، بأسلوب يرق له القلب. والمعنى إن الله - تعالى - قد ~~أمركم - يا معشر المؤمنين - بأداء الأمانة، وبالحكم بالعدل، ولنعماهما ~~شيئا جليلا يذكركم به، ويدعوكم إليه. وقوله - تعالى - { إن الله ~~كان سميعا بصيرا } وعد للطائعين ووعيد للعاصين. أى إن الله - ~~تعالى - كان سميعا لأقوالكم فى الأحكام وفى غيرها. { بصيرا } بكل ~~أحوالكم وتصرفاتكم. وسيجازيكم بما تفعلونه من خير أو شر. وبعد أن أمر - ~~سبحانه بأداء الأمانة وبالحكم بالعدل عقب ذلك بأمر المؤمنين بطاعته وطاعة ~~رسوله وولاة أمورهم فقال - تعالى - { يا أيها الذين آمنوا ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ~~}. وطاعة الله وطاعة رسوله متلازمتان. قال - تعالى - # من يطع الرسول فقد أطاع الله # ومعنى طاعتهما التزام أوامرهما، واجتناب نواهيهما. والمراد بأولى الأمر ~~- على الراجح - الحكام. وطاعتهم إنما تكون فى غير معصية الله، فإذا أمروا ~~بما يتنافى مع تعاليم الدين فلا سمع لهم على الأمة ولا طاعة. وإنما أمرنا ~~الله - تعالى - بطاعتهم فى غير معصية، لأنهم هم المنفذون لتعاليم ~~الشريعة، وهم الذين بيدهم مقاليد الأمة التى يقومون على رعاية مصالحها، ~~ولأن عدم طاعتهم يؤدى إلى اضطراب أحواله الأمة وفسادها. قال صاحب الكشاف ~~والمراد ب { وأولي الأمر منكم } أمراء الحق، لأن - أمراء ~~الجور - الله ورسوله بريئان منهم، فلا يعطفون على الله ورسوله بوجوب ~~الطاعة لهم. وإنما يجمع بين الله ورسوله والأمراء الموافقين لهما فى ~~إيثار العدل واختيار الحق والأمر بهما. والنهى عن أضدادهما كالخلفاء ms1184 ~~والراشدين ومن تبعهم بإحسان. وكان الخلفاء يقولون أطيعونى ما عدلت فيكم. ~~فان خالفت فلا طاعة لى عليكم، وعن أبى حازم أن مسلمة بن عبد الملك قال له ~~ألستم أمرتم بطاعتنا فى قوله { وأولي الأمر منكم } فقال له ~~أليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله { فإن تنازعتم في ~~شيء فردوه إلى الله والرسول }. وقيل هم العلماء ~~الدينيون الذين يعلمون الناس ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر. ~~وأعاد - سبحانه - الفعل { أطيعوا } مع الرسول فقال { أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول } ولم يعده مع أولى الأمر، للإشارة إلى ~~استقلال الرسول صلى الله عليه وسلم بالطاعة حتى ولو كان ما يأمر به ليس ~~منصوصا عليه فى القرآن، لأنه لا ينطق عن الهوى، وللإيذان بأن طاعة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أعلى من طاعة أولى الأمر. # وقوله { منكم } فى محل نصب على الحال من أولى الأمر أى أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولى الأمر حالة كونهم كائنين منكم أى من دينكم وملتكم. ~~وفى ذلك إشارة إلى أنه لا طاعة لمن يتحكمون فى شئون المسلمين ممن ليسوا ~~على ملتهم. وقوله { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى ~~الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم ~~الآخر } بيان لما يجب على المؤمنين أن يفعلوه إذا ما حدث بينهم اختلاف ~~فى أمر من الأمور الدينية. والمراد بالتنازع هنا الاختلاف والجدال مأخوذ ~~من النزع بمعنى الجذب. فكأن كل واحد من المختلفين بجذب من غيره الحجة ~~لدليله.. ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم # " ما لى أنازع القرآن " # أى ينازعنى غيرى ويجاذبنى فى القراءة. وذلك أن بعض المأمومين جهر خلفه ~~فنازعه قراءة فشغله، فنهاه عن الجهر بالقراءة فى الصلاة خلفه. والمعنى ~~فان تنازعتم واختلفتم أيها المؤمنون أنتم وأولوا الأمر منكم فى أمر من ~~أمور الدين { فردوه إلى الله والرسول } أى فردوا ذلك ~~الحكم أو الأمر الذى اختلفتم فيه إلى كتاب الله وإلى رسوله صلى الله عليه ~~وسلم بأن تسألوه عنه فى حياته، وترجعوا إلى سنته بعد مماته. قال القرطبى ~~قوله { فإن تنازعتم في شيء } أى ms1185 تجادلتم واختلفتم فى شئ من ~~أمور دينكم { فردوه إلى الله والرسول } أى ردوا ذلك الحكم ~~إلى كتاب الله أو إلى رسوله بالسؤال فى حياته، أو بالنظر فى سنته بعد ~~وفاته. وهذا قول مجاهد والأعمش وقتادة. وهو الصحيح. ومن لم ير هذا اختل ~~إيمانه، لقوله - تعالى { إن كنتم تؤمنون بالله واليوم ~~الآخر }. وفى قوله { فردوه إلى الله والرسول } دليل على ~~أن سنته صلى الله عليه وسلم يعمل بها ويمتثل ما فيها. قال صلى الله عليه ~~وسلم # " ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم. فإنما ~~أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم " # أخرجه مسلم. وروى أبو داود عن أبى رافع عن النبى صلى الله عليه وسلم قال # " لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه الأمر من أمرى مما أمرت به أو ~~نهيت عنه فيقول لا ندرى ما وجدناه فى كتاب الله اتبعناه ". # وعن العرباض بن سارية أنه حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس ~~وهو يقول # " أيحسب أحدكم متكئا على أريكته قد يظن أن الله لم يحرم شيئا إلا ما فى ~~هذا القرآن ألا وإنى والله قد أمرت ووعظت ونهيت عن اشياء إنها لمثل ~~القرآن أو أكثر ". # وقوله { إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } شرط ~~جوابه محذوف عند جمهور البصريين اكتفاء بدلالة المذكور عليه. أى إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر حق الإيمان فارجعوا فيما تنازعتم فيه من أمور ~~دينية إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. والجملة الكريمة ~~تحريض للمؤمنين على الامثال لتعاليم الإسلام وآدابه، لأن الإيمان الحق ~~يقتضى ذلك. واسم الاشارة فى قوله { ذلك خير وأحسن تأويلا ~~} يعود إلى الرد إلى الكتاب والسنة وقوله { تأويلا } من آل هذا الأمر ~~إلى كذا أى رجع إليه، فيكون المعنى ذلك الذى أمرتكم به من رد ما اختلفتم ~~فيه إلى الكتاب والسنة خير لكم وأحمد مغبة، وأجمل عاقبة. ويجوز أن يكون ~~قوله { تأويلا } بمعنى التفسير والتوضيح فيكون المعنى ذلك أى الرد ~~إلى الكتاب والسنة ms1186 خير لكم وأحسن تأويلا وتفسيرا من تأويلكم أنتم إياه، ~~من غير رد إلى اصل من الكتاب والسنة. والأول أنسب لسياق الآية الكريمة. ~~قال ابن كثير قوله { فإن تنازعتم في شيء فردوه }. الآية ~~هذا أمر من الله - تعالى - بأن كل شئ تنازع فيه الناس من أصول الدين ~~وفروعه، أن يردوا التنازع فى ذلك إلى الكتاب والسنة كما قال - تعالى - # وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله # فما حكم به القرآن والسنة وشهد له بالصحة فهو الحق. ماذا بعد الحق إلا ~~الضلال. ولهذا قال - تعالى - { إن كنتم تؤمنون بالله ~~واليوم الآخر }. أى ردوا الخصومات إلى كتاب الله وسنة رسوله ~~فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر. فدل ~~على أن من لم يتحاكم فى محل النزاع إلى الكتاب والسنة، ولا يرجع إليهما ~~فى ذلك، فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر. وقال بعض العلماء قد يؤخذ من ~~الآية التى معنا أن أدلة الأحكام الشرعية أربعة. وهى الكتاب والسنة ~~والإجماع والقياس.. لأن الأحكام إما منصوبة فى الكتاب أو السنة وذلك ~~قوله { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول }. وإما مجمع عليها ~~من أولى الأمر بعد استنادهم إلى دليل علموه. وذلك قوله { وأولي ~~الأمر منكم } وإما غير منصوصة ولا مجمع عليها. وهذه سبيلها ~~الاجتهاد والرد إلى الله والرسول وذلك هو القياس. فما اثبته الفقهاء ~~والأصوليون غير هذه الأربعة كالاستحسان الذى يراه الأحناف دليلا. وإثبات ~~الأحكام الشرعية تمشيا مع المصالح المرسلة الذى يقول به المالكية، ~~والاستصحاب الذى يقول به الشافعية، كل ذلك إن كان غير هذه الأربعة فمردود ~~بظاهر هذه الآية، وإن كان راجعا إليها فقد ثبت أن الأدلة أربعة. ثم انتقل ~~القرآن بعد ذلك إلى الحديث عن المنافقين فكشف عن أحوالهم الذميمة، ~~وطابعهم القبيحة، ونفوسهم المريضة، وحذر المؤمنين من مكرهم وكذبهم، بعد ~~أن حذرهم قبل ذلك من مكر اليهود وأمرهم بالاعتصام بطاعة الله ورسوله. ~~استمع إلى القرآن الكريم وهو يكشف النقاب عن حال هؤلاء المنافقين فيقول { ~~ألم تر إلى....صراطا مستقيما }. ### || [4.60-68] # روى المفسرون فى ms1187 سبب نزول قوله - تعالى - { ألم تر إلى الذين ~~يزعمون }... إلخ روايات متقاربة فى معناها ومن ذلك ما أخرجه الثعلبى ~~وابن أبى حاتم من طرق عن ابن عباس أن رجلا من المنافقين يقال له بشر خاصم ~~يهوديا، فدعاه اليهودى إلى التحاكم إلى النبى صلى الله عليه وسلم ودعاه ~~المنافق إلى التحاكم إلى كعب بن الأشرف ثم إنهما احتكما إلى النبى صلى ~~الله عليه وسلم فقضى لليهودى، فلم يرض المنافق. وقال تعالى نتحاكم إلى ~~عمر بن الخطاب. فقال اليهودى لعمر قضى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فلم يرض بقضائه. فقال عمر للمنافق أكذلك؟ قال نعم. قال عمر مكانكما حتى ~~أخرج إليكما. فدخل عمر فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب عنق المنافق حتى برد ~~- أى مات -. ثم قال هكذا أقضى لمن لم يرض بقضاء الله - تعالى - وقضاء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت ". والاستفهام فى قوله { ألم تر ~~} للتعجيب من حال أولئك المنافقين، وإنكار ما هم عليه من خلق. ذميم ~~وإعراض عن حكم الله ورسوله إلى حكم غيرهما. وقوله { يزعمون } من ~~الزعم ويستعمل غالبا فى القول الذى لا تحقق معه، كما يستعمل - أيضا - فى ~~الكذب ومنه قوله - تعالى - # وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام ~~نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم # أى بكذبهم. وقد يطلق الزعم على القول الحق. قال الآلوسى وقد أكثر سيبويه ~~فى " الكتاب " من قوله زعم الخليل كذا - فى أشياء يرتضيها. والمراد ~~بالزعم هنا الكذب لأن الآية الكريمة فى المنافقين الذين يظهرون خلاف ما ~~يبطنون. والمعنى ألم ينته علمك يا محمد إلى حال هؤلاء المنافقين الذين ~~يزعمون كذبا وزورا أنهم آمنوا بما أنزل إليك من ربك من قرآن كريم، ومن ~~شريعة عادلة، ويزعمون كذلك أنهم أمنوا بما أنزل على الرسل من قبلك من كتب ~~سماوية؟ إن كنت لم تعلم حالهم أو لم تنظر إليهم فهاك خبرهم لتحذرهم ~~ولتحذر أمتك من شرورهم. فالمقصود من الاستفهام التعجيب من حال هؤلاء ~~المنافقين، وحض النبى صلى الله عليه وسلم وأمته على معرفة ms1188 مسالكهم ~~الخبيثة، حتى يأخذوا حذرهم منهم. وفى وصفهم بادعاء الإيمان بما أنزل على ~~الرسول وبما أنزل على الرسل من قبله تأكيد للتعجيب من أحولاهم، وتشديد ~~للتوبيخ والتقبيح من سلوكهم ببيان كمال المباينة بين دعواهم المقتضية ~~حتما للتحاكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وبين ما صدر عنهم من هرولة ~~إلى التحاكم إلى غيره. وقوله { يريدون أن يتحاكموا إلى ~~الطاغوت } بيان لموطن التعجيب من أحوالهم الغريبة، وصفاتهم السيئة. # والمراد بالطاغوت هنا ما سوى شريعة الإسلام من أحاكم باطلة بعيدة عن ~~الحق يأخذها المنافقون عمن يعظمونهم وقيل المراد به كعب بن الأشرف لأنه ~~هو الذى أراد المنافقون التحاكم إليه، وقد سماه الله بذلك لكثرة طغيانه ~~وعداوته للرسول صلى الله عليه وسلم. والمعنى أن هؤلاء المنافقين يزعمون ~~الإيمان بما أنزل إليك - يا محمد - وبما أنزل من قبلك، ومع هذا فهم ~~يريدون - عن محبة واقتناع - التحاكم إلى الطاغوت أى إلى من يعظمونه، ~~ويصدرون عن قوله، ويرضون بحكمه من دون حكم الله. وقوله { وقد ~~أمروا أن يكفروا به } جملة حالية من ضمير يريدون. أى يريدون ~~التحاكم إلى الطاغوت والحال أن الله - تعالى - قد أمرهم بالكفر به، ~~وبالانقياد للأحكام التى يحكم بها النبى صلى الله عليه وسلم. وقوله { ~~ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا } معطوف على ~~قوله { يريدون } وداخل فى حكم التعجيب، لأن اتباعهم لمن يريد ~~إضلالهم، وإعراضهم عمن يريد هدايتهم أمر يدعو إلى العجب الشديد. والمراد ~~بالضلال البعيد الكفر والبعد عن الحق والهدى. ووصفه بالبعد للمبالغة فى ~~شناعة ضلالهم، بتنزيله على سبيل المجاز منزلة جنس ذى مسافة كان هذا الفرد ~~منه بالغا غاية المسافة. قال ابن كثير هذه الآية إنكار من الله - تعالى - ~~على من يدعى الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء السابقين. ~~وهو مع ذلك، يريد أن يتحاكم فى فصل الخصومات إلى غير كتاب الله، وسنة ~~رسوله. كما ذكر فى سبب نزول هذه الآية أنها فى رجل من الأنصار ورجل من ~~اليهود تخاصما. فجعل اليهودى يقول بينى وبينك محمد. وذاك يقول بينى ms1189 وبينك ~~كعب ابن الأشرف. وقيل فى جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإسلام أرادوا ~~أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. وقيل غير ذلك. والآية أعم من ذلك كله، ~~فإنها ذامة لكل من عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل. ~~وهو المراد بالطاغوت هنا. ثم صور - سبحانه - إعراضهم عن الحق، ونفورهم عن ~~شريعة الله - تعالى - فقال { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ~~مآ أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين ~~يصدون عنك صدودا }. أى وإذا قيل لهؤلاء المنافقين أقبلوا على ~~حكم الله وحكم رسوله، فإن الخير كل الخير فيما شرعه الله وقضاه، إذا ما ~~قيل لهم ذلك { رأيت المنافقين } الذين يزعمون أنهم آمنوا بما ~~أنزل إليك وما أنزل من قبلك، رأيتم لسوء نواياهم، ولؤم طواياهم { ~~يصدون عنك صدودا } أى يعرضون عنك - يا محمد - إعراضا شديدا. ~~وقوله { تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى الرسول } ~~إغراء لهم بتقبل الحق، وحض لهم على الامتثال لشريعة الله لأنها هى ~~الشريعة التى فيها سعادتهم، ولكنهم لمرض قلوبهم ينفرون من الحكم المنزل ~~من السماء إلى حكم الطاغوت الباطل. # وقال - سبحانك - { رأيت المنافقين } ولم يقل رأيتهم بالإضمار ~~لتسجيل النفاق عليهم، وذمهم به، وللإشعار بعلة الحكم اى رأيتهم لنفاقهم ~~يصدون عنك صدودا. وقوله { صدودا } مصدر مؤكد بفعله أى يعرضون عنك ~~إعراضا تاما بحيث لا يريدون أن يسمعوا منك شيئا، لأن حكمك لا يناسب ~~أهواءهم. فذكر المصدر هنا للتأكيد والمبالغة فكأنه قيل صدودا أى صدود. ~~فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ذكرت علامة جلية من علامات المنافقين حتى ~~يأخذ المؤمنون حذرهم منهم، وهى أنهم إذا ما دعوا إلى حكم الله الذى ~~يزعمون أنهم آمنوا به، أعرضوا عن هذا الحكم إعراضا شديدا، وظهر بذلك ~~كذبهم ونفاقهم. ثم يعرض القرآن بعد ذلك مظهرا آخر من مظاهر نفاقهم عند ~~الشدائد والمحن فيقول { فكيف إذآ أصابتهم مصيبة بما ~~قدمت أيديهم ثم جآءوك يحلفون بالله إن ~~أردنآ إلا إحسانا وتوفيقا }. والفاء فى قوله { فكيف ~~} للتفريع. و " كيف " فى محل رفع خبر لمبتدأ محذوف. والمعنى فكيف يكون ms1190 ~~حالهم إذا نزلت بهم النوازل، وأصابتهم المصائب بسبب تركهم حكم الله، ~~واتباعهم حكم الطغيان { ثم جآءوك } معتذرين عما حدث منهم من قبائح، ~~والحال أنهم { يحلفون بالله } كذبا وزورا { إن أردنآ ~~إلا إحسانا وتوفيقا } أى ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك - يا ~~محمد - إلا إحسانا إلى المتخاصمين، وتوفيقا بينهم حتى لا يتسع الخلاف ~~بينهم، ولم نرد بذلك عدم الرضا بحكمك، فلا تؤاخذنا بما فعلنا. والاستفهام ~~بكيف هنا للتهويل. أى أن حالهم عندما تصيبهم المصائب بسبب أفعالهم ~~الخبيثة، ويأتون للرسول صلى الله عليه وسلم معتذرين، ستكون حالا بائسة ~~شنيعة مخزية لأنهم لا يجدون وجها مقبولا للدفاع عما ارتكبوه من قبائح. ~~والباء فى { بما قدمت أيديهم } للسببية. والمراد بما قدمت ~~أيديهم ما اجترحوه من سيئات من أشدها تحكمهم إلى الطاغوت. وعبر عن ذلك ~~بقوله { بما قدمت أيديهم } لأن الأيدى مظهر من مظاهر ~~الإنسان. والتعبير ب " ثم " فى هذا المقام للإشعار بالتباين الشديد ~~بين إعراضهم وصدودهم إذا ما قال لهم قائل تعالوا إلى حكم الله... وبين ~~إقبالهم بعد ذلك معتذرين ومقسمين بالأيمان الكاذبة أنهم ما أرادوا بما ~~فعلوا إلا الإحسان والتوفيق. وإن ما قاله هؤلاء المنافقون من أعذار بعد ~~أن أصابتهم المصائب. وانكشف أمرهم بين المؤمنين، وصاروا محل الازدراء ~~والنبذ لتحاكمهم إلى الطاغوت. ما قاله هؤلاء - كما حكاه القرآن الكريم - ~~ليشبه ما يقوله منافقو اليوم عندما يتهربون من التحاكم إلى شريعة الله ~~إلى التحاكم إلى غيرها من شرائع الناس. فأنت تراهم إذا ما أحيط بهم، ~~وعجزوا عن الدفاع عن أنفسهم، اعتذروا بأنهم ما تركوا الحكم بشريعة الله ~~إلى غيرها لا بقصد الإحسان إلى المتنازعين، والتوفيق بين مختلف الطوائف ~~فى المجتمع حتى لا يغضب من ليسوا مسلمين. # ولا شك أن هذه الأعذار لن تغنى عنهم من عذاب الله شيئا، لأنه لا عذر لمن ~~يهجر شريعة الله، ويهرع إلى التحاكم إلى غيرها. ثم بين - سبحانه - أنه ~~ليس غافلا عن أعمال أولئك المنافقين، وأرشد نبيه صلى الله عليه وسلم إلى ~~وسائل معالجتهم فقال - تعالى - { أولئك الذين يعلم الله ms1191 ~~ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في ~~أنفسهم قولا بليغا }. أى أولئك الذين نافقوا، وأخفوا حقيقة ~~نواياهم السيئة، وتركوا حكم الله إلى حكم الطاغوت... { أولئك ~~الذين يعلم الله ما في قلوبهم } من النفاق والميل إلى ~~الكفر، وإن أظهروا إسلامهم. وقوله { فأعرض عنهم }... الخ بيان ~~لطرق معالجتهم. أى فلا تلتفت إليهم، وغض الطرف عن مسالكهم الخبيثة، ولا ~~تقبل عليهم، لكى يشعروا باستنكارك لأعمالهم. وقوله { وعظهم } الوعظ ~~هو التذكير بفعل الخير وترك الشر بأسلوب يرقق القلوب، ويشتمل على الترغيب ~~والترهيب. أى ذكرهم بما فى أعمالهم القبيحة من سوء العاقبة لهم، وبما فى ~~تركها من خير جزيل يعود عليهم فى دنياهم وآخرتهم، وأخبرهم بأن تحاكمهم ~~إلى غير شريعة الله سيكون فيه هلاكهم. وقوله { وقل لهم في ~~أنفسهم قولا بليغا } أى قل لهم بعد ذلك قولا يبلغ أعماق ~~نفوسهم لقوته وشدة تأثيره. بأن تورد لهم ما تريد أن تخاطبهم به بطريقة ~~تجعلهم يقبلون على قولك. وفى هذه الجملة الكريمة ما فيها من التعبير ~~البليغ المؤثر، حتى لكأنما القول الذى يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم ~~لهم يودع مباشرة فى الأنفس، ويستقر رأسا فى القلوب. وقد وضح هذا المعنى ~~صاحب الكشاف فقال فإن قلت بم تعلق قوله { في أنفسهم } قلت بقوله ~~{ بليغا } أى قل لهم قولا بليغا فى أنفسهم مؤثرا فى قلوبهم يغتمون به ~~اغتماما، ويستشعرون منه الخوف استشعارا، وهو التوعد بالقتل والاستئصال إن ~~نجد منهم النفاق، واطلع قرنه، وأخبرهم أن ما فى نفوسهم من الدغل والنفاق ~~معلوم عند الله، وانه لا فرق بينكم وبين المشركين. وما هذه المكانة إلا ~~لإظهاركم الإيمان وإسراركم الكفر وإضماره. فإن فعلتم ما تكشفون به ~~غطاءكم لم يبق إلا السيف. أو يتعلق بقوله { وقل لهم }. أى قل لهم ~~فى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولا بليغا. وإن الله يعلم ~~ما فى قلوبكم. لا يخفى عليه. فلا يغنى عنكم إبطانه. فأصلحوا أنفسكم ~~وطهروا قلوبكم وداووها من مرض النفاق. وإلا أنزل الله بكم ما أنزل ~~بالمجاهرين بالشرك من انتقامه، ms1192 وشرا من ذلك وأغلظ، أو قل لهم فى أنفسهم ~~خاليا بهم، ليس معهم غيرهم. قولا بليغا يبلغ منهم، ويؤثر فيهم. فأنت ترى ~~أن الآية الكريمة قد أرشدت النبى صلى الله عليه وسلم إلى استعمال ثلاثة ~~طرق لصرف المنافقين عن أفعالهم القبيحة. # وهذه الطرق هى الإعراض عنهم، ووعظم بما يرغبهم فى الخير ويرهبهم من ~~الشر، ومخاطبتهم بالقول البليغ المؤثر الذى يحرك نفوسهم تحريكا قويا، ~~ويجعلهم يقبلون عليه. وهذه الطرق هى أسمى ألوان الدعوة إلى الله. وأنجع ~~الأساليب فى جلب الناس إلى ما يأخذ بيدهم إلى الخير والفلاح. ثم بين - ~~سبحانه - أنه ما أرسل رسله إلا ليطاعوا لا ليخالفوا، وأرشد المخالفين إلى ~~ما يجب عليهم فعله للتكفير عن مخالفتهم فقال تعالى { ومآ أرسلنا ~~من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ~~ظلموا أنفسهم جآءوك فاستغفروا الله ~~واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا ~~رحيما }. و { من } فى قوله { من رسول } زائدة للتأكيد ~~والتعيمم، واللام فى قوله { ليطاع } للتعليل، والاستثناء مفرغ من ~~المفعول لأجله. أى وما أرسلنا رسولا من الرسل لشئ من الأشياء إلا ليطاع ~~فيما أمر ونهى وحكم، لا ليطلب ذلك من غيره. فطاعته فرض على من أرسل ~~إليهم. وإنكار فرضيتها كفر. لأن طاعة الرسول طاعة الله، ومعصيته معصية ~~لله. قال - تعالى - # من يطع الرسول فقد أطاع الله # وقوله { بإذن الله } أى بسبب إذنه - سبحانه - فى طاعة رسوله. ~~لأنه هو الذى أمر بهذه الطاعة لرسله. ويجوز أن يراد بقوله { بإذن ~~الله } أى بتوفيقه - سبحانه - إلى هذه الطاعة من يشاء توفيقه إليها من ~~عباده. وقوله { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جآءوك ~~}.. الخ بيان لما كان يجب عليهم ان يفعلوه بعد وقوعهم فى الخطأ. أى ولو ~~أنهم إذ ظلموا أنفسهم بسبب تحاكمهم إلى الطاغوت، وبخروجهم عن تعاليم ~~الإسلام، لو انهم بسبب ذلك وغيره { جآءوك } تائبين توبة صادقة من هذا ~~النفاق { فاستغفروا الله } مما اجترحوه من ذنوب وسيئات { ~~واستغفر لهم الرسول }. أى. دعوا الله - تعالى - بأن يقبل ~~توبتهم، ويغفر ذنوبهم. لو انهم فعلوا ذلك { لوجدوا ms1193 الله ~~توابا } أى كثير القبول للتوبة من التائبين { رحيما } أى كثير ~~التفضيل على عباده بالرحمة والمغفرة. قال الفخر الرازى لقائل ان يقول ~~أليس لو استغفروا الله وتابوا على وجه صحيح، كانت توبتهم مقبولة؟ فما ~~الفائدة فى ضم استغفار الرسول إلى استغفارهم؟ قلنا الجواب عنه من وجوه ~~الأول أن ذلك التحاكم إلى الطاغوت كان مخالفة لحكم الله. وكان أيضا إساءة ~~إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومن كان ذنبه كذلك وجب عليه الاعتذار عن ~~ذلك الذنب لغيره. فلهذا المعنى وجب عليهم أن يطلبوا من الرسول أن يستغفر ~~لهم. الثاني أن القوم لما لم يرضوا بحكم الرسول، ظهر منهم ذلك التمرد. ~~فاذا تابوا وجب عليهم أن يفعلوا ما يزيل عنهم ذلك التمرد، وما ذاك إلا ~~بأن يذهبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويطلبوا منه الاستغفار. الثالث ~~لعلهم إذا أتوا بالتوبة أتوا بها على وجه الخلل، فاذا انضم إليها استغفار ~~الرسول صارت مستحقة للقبول. # ثم قال وإنما قال - سبحانه - { واستغفر لهم الرسول }. ولم ~~يقل واستغفرت لهم إجلالا للرسول صلى الله عليه وسلم. وأنهم إذا جاءوا من ~~خصه الله برسالته، وأكرمه بوحيه، وجعله سفيرا بينه وبين خلقه، ومن كان ~~كذلك فإن الله لا يرد شفاعته، فكانت الفائدة فى العدول عن لفظ الخطاب إلى ~~لفظ المغايبة. فالآية الكريمة قد فتحت باب التوبة أمام العصاة والمذنبين، ~~وسمت بمكانة الرسول صلى الله عليه وسلم عند ربه سموا عظيما. ورحم الله ~~ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الآية وقوله { ولو أنهم إذ ~~ظلموا أنفسهم جآءوك }. الآية. يرشد - تعالى - العصاة ~~والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فيستغفروا الله عنده، ويسألوه أن يستغفر لهم، فإنهم إذا فعلوا ~~ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم ولهذا قال { لوجدوا الله ~~توابا رحيما }. وقد جاء عن الإمام العتبى أنه قال كنت جالسا عند ~~قبر النبى صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابى فقال السلام عليك يا رسول ~~الله!! سمعت الله يقول { ولو أنهم إذ ms1194 ظلموا أنفسهم ~~جآءوك }. الآية وقد جئتك مستغفرا لذنبى، مستشفعا بك عند ربى. ثم أنشأ ~~يقول # يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسى الفداء ~~لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم # قال العتبى ثم انصرف الأعرابى، فرأيت النبى صلى الله عليه وسلم فى النوم ~~فقال # " يا عتبى الحق الأعرابى فبشره أن الله قد غفر له ". # ثم بين - سبحانه - أن كل من يدعى الإيمان لا يكون إيمانه صادقا إلا إذا ~~تقبل حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إذعان واقتناع فقال { فلا ~~وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما ~~قضيت ويسلموا تسليما }. والفاء فى قوله { فلا } ~~للإفصاح عن شرط مقدر. و { لا } يرى الزمخشرى أنها زائدة لتقوية الكلام ~~وتأكيد معنى القسم، فهى كقوله - تعالى - # فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون # ويرى ابن جرير أنها ليست زائدة، وإنما هى رد على ما تقدم ذكره من ~~تحاكمهم إلى الطاغوت وتركهم حكم شريعة الإسلام فقد قال " يعنى - جل ~~ثناؤه - بقوله فلا أى فليس الأمر كما يزعمون أنهم يؤمنون بما أنزل إليك ~~وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدون عنك إذا دعوا إليك يا محمد. ثم استأنف ~~القسم - جل ذكره - فقال وربك يا محمد لا يؤمنون أى لا يصدقون بى وبك حتى ~~يحكموك فيما شجر بينهم ". وقوله { فيما شجر بينهم } أى فيما ~~اختلف بينهم من الأمور والتبس. يقال شجر بينهم الأمر يشجر شجرا وشجورا ~~إذا تنازعوا فيه. # واصله التداخل والاختلاط. ومنه شجر الكلام، إذ دخل بعضه فى بضع واختلط. ~~ومنه الشجر لتداخل أغصانه. وقيل للمنازعة تشاجر، لأن المتنازعين تختلف ~~أقوالهم، وتتعارض دعاويهم، ويختلط بعضهم ببعض. وقوله { حرجا } أى ضيقا ~~وشكا، وأصل الحرج مجتمع الشئ، ويقال للشجر الملتف الذى لا يكاد يوصل إليه ~~حرج. ثم أطلق على ضيق الصدر لكراهته لشئ معين. والمعنى إذا ثبت ما ~~أخبرناك به يا محمد قبل ذلك، فإن هؤلاء المنافقين وحق ربك " لا يؤمنون " ~~إيمانا حقا يقبله الله - تعالى ms1195 - { حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم } أى حتى يجعلوك حاكما بينهم، ويلجأوا إليك فيما اختلفوا فيه ~~من أمور، والتبس عليهم منها. { ثم لا يجدوا في أنفسهم } ~~بعد ذلك { حرجا مما قضيت } أى ضيقا وشكا فى قضائك بينهم { ~~ويسلموا تسليما } أى ويخضعوا لحكمك خضوعا تام إلا إباء مع ولا ~~ارتياب. وفى إضافة الاسم الجليل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فى قوله - ~~سبحانك - { وربك } تكريم للنبى صلى الله عليه وسلم وتشريف له، ~~وتنويه بمكانته. وقوله { لا يؤمنون } هو جواب القسم. وقوله { ثم ~~لا يجدوا } معطوف على مقدر ينساق إليه الكلام. اى حتى يحكموك فيما ~~شجر بينهم فتحكم بينهم ثم لا يجدوا. وقوله { تسليما } تأكيد للفعل. ~~بمنزلة تكريره. أى تسليما تاما بظاهرهم وباطنهم من غير ممانعة ولا مدافعة ~~ولا منازعة فقد روى الحافظ أبو نعيم والطبرانى عن عبد الله بن عمرو بن ~~العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " والذى نفسى بيده، لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ". # هذا، وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما رواه ~~البخارى عن الزهرى # " عن عروة قال خاصم الزبير رجلا من الأنصار فى شراج الحرة - أى فى مسيل ~~مياه -. فقال النبى صلى الله عليه وسلم اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى ~~جارك. فقال الأنصارى يا رسول الله!! أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه النبى ~~صلى الله عليه وسلم ثم قال اسق يا زبير. ثم أحبس الماء حتى يرجع إلى ~~الجدر " # - والجدر هو ما يدار بالنخل من تراب كالجدار -. ثم أرسل الماء إلى جارك. ~~قال الزبير فما أحسب هذه الآية إلا نزلت فى ذلك { فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم }. وهذا ~~السبب الخاص فى نزول الآية الكريمة لا يمنع عمومها فى وجوب التحاكم إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حياته، وإلى الشريعة التى أتى بها بعد ~~وفاته، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما يرى جمهور العلماء. ~~ويبدو أن ما ذكرناه ms1196 سابقا من تحاكم بعض المنافقين إلى غير رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وما جاء فى البخارى من تخاصم الزبير مع الرجل الأنصارى ~~يبدو أن هذه الحوادث قد حدثت فى زمن متقارب فنزلت الآيات لبيان وجوب ~~التحاكم إلى شريعة الله دون سواها. # والمتأمل فى الآية الكريمة يراها قد بينت أن المؤمن لا يكون إيمانه تاما ~~إلا إذا توفرت فيه صفات ثلاث أولها أن يتحاكم إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فى حياته، وإلى شريعته بعد وفاته. وثانيها أن يتقبل حكم ~~الشريعة الإسلامية التى جاء بها النبى صلى الله عليه وسلم برضا وطيب ~~خاطر، وأن يوقن إيقانا تاما بأن ما يقضى به هو الحق والعدل. قال - تعالى ~~- { ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت }. ~~وثالثها أن يذعن لأحكام شريعة الله إذعانا تاما فى مظهره وحسه. قال - ~~تعالى - { ويسلموا تسليما }. أى يخضوا خضوعا تاما. فقوله - ~~تعالى - { ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما ~~قضيت } يمثل الانقياد الباطنى والنفسى. وقوله - تعالى - { ~~ويسلموا تسليما } يمثل الانقياد الظاهرى والحسى. وهكذا نرى ~~الآية الكريمة تحذر المؤمنين من التحاكم إلى غير شريعة الله بأسلوب يبعث ~~فى النفوس الوجل والخشية، ويحملهم على الإذعان لأحكام الله - تعالى -. ~~ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على الناس، ورحمته بهم. فقال - تعالى - ~~{ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم ~~أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل ~~منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان ~~خيرا لهم وأشد تثبيتا }. والمراد بقوله { كتبنا } ~~فرضنا وأوجبنا. والمراد بقتل النفس تعريضا للهلاك من غير أمل فى النجاة، ~~وقيل المراد به تعريضها للقتل عن طريق الجهاد. والمراد بالخروج من الديار ~~الهجرة فى سبيل الله، والخروج من الأوطان إلى أماكن فيها إستجابة لأمر ~~الله. قال الفخر الرازى الضمير فى قوله { ولو أنا كتبنا ~~عليهم } فيه قولان الأول وهو قول ابن عباس ومجاهد - أنه عائد إلى ~~المنافقين، وذلك لأنه - تعالى - كتب على بنى إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، ~~وكتب على المهاجرين أن يخرجوا من ديارهم. فقال - تعالى ms1197 - ولو أنا كتبنا ~~القتل والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله إلا قليل منهم رياء ~~وسمعة، وحينئذ يصعب الأمر عليهم، وينكشف كفرهم، فإذا لم نفعل ذلك بل ~~كلفناهم بالأشياء السهلة، فليتركوا النفاق، وليقبلوا الإيمان على سبيل ~~الإخلاص. وهذا القول اختيار أبى بكر الأصم والقفال. الثانى أن المراد لو ~~كتب الله على الناس ما ذكر لم يفعله إلا قليل منهم، فلما لم يفعل - ~~سبحانه - ذلك رحمة بعباده، بل اكتفى بتكليفهم بالأمور السهلة، فعليهم أن ~~يقبلوا عليها بإخلاص حتى ينالوا خير الدارين. # وعلى هذا التقدير دخل تحت هذا الكلام المؤمن والمنافق. وأما الضمير فى ~~قوله { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به } فهو مختص ~~بالمنافقين، ولا يبعد أن يكون أول الآية عاما وآخرها خاصا. وعلى هذا ~~التقدير يجب أن يكون المراد بالقليل المؤمنين ". وعلى كلا التقديرين فإن ~~الآية الكريمة تدل على أن الله - تعالى - لم يكلف هذه الأمة إلا بما ~~تستطيعه، لأنه - سبحانه - لو كلف الناس جميعا بالتكاليف الشاقة، لما ~~استطاع أن يقوم بها إلا عدد قليل منهم، وهذا الدين لم يجئ لهذا العدد ~~القليل من الناس وإنما جاء للناس جميعا. والمراد أننا لم نكتب على الناس ~~قتل أنفسهم أو خروجهم من ديارهم لأننا لو فعلنا ذلك لما استطاعه إلا عدد ~~قليل منهم. وإنما الذى كتبناه عليهم هو طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~والخضوع لحكمه فى الظاهر والباطن والاستجابة لتوجيهاته فى السر والعلن. ~~فالمقصود من الآية الكريمة بيان لمظهر من مظاهر فضل الله على هذه الأمة، ~~ورحمته بها، وتحريض الناس على الامتثال لشريعة الله - تعالى -. والضمير ~~فى قوله { ما فعلوه } للمكتوب عليهم الشامل للقتل والخروج من ~~الديار. لدلالة قوله { كتبنا } عليه. وقوله " قليل " مرفوع على أنه ~~بدل من الواو فى قوله { فعلوه } والتقدير ما فعله أحد إلا قليل منهم. ~~وقرأه ابن عامر بالنصب على الاستثناء. والأول أولى، لأنه استثناء من كلام ~~تام غير موجب فيترجح الرفع. قال ابن كثير لما نزلت { ولو أنا ~~كتبنا عليهم }.. الآية. قال رجل لو أمرنا لفعلنا، ms1198 والحمد لله ~~الذى عافانا. فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فقال # " إن من أمتى رجالا، الإيمان أثبت فى قلوبهم من الرواسى ". # وعن عامر بن عبد الله بن الزبير أن هذه الآية لما نزلت قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم " # - أى لو فرض ذلك لكان عبد الله بن مسعود من الذين يفعلونه. # " وعن شريح بن عبيد قال لما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه ~~الآية، أشار بيده إلى عبد الله بن رواحة فقال " لو أن الله كتب ذلك، لكان ~~هذا من أولئك القليل ". # وقوله { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان ~~خيرا لهم وأشد تثبيتا } بيان للنتائج الطيبة التى تترتب ~~على امتثالهم لأمر الله. أى ولو ثبت أن هؤلاء الذين أمرناهم بطاعتنا { ~~فعلوا ما يوعظون به } أى ما أمرناهم به من اتباع لرسولنا صلى ~~الله عليه وسلم وانقياد لحكمه، لأنه الصادق المصدوق الذى لا ينطق عن ~~الهوى... لو ثبت أنهم فعلوا ذلك لكان ما فعلوه { خيرا لهم } فى ~~دنياهم وآخرتهم. ولكان { وأشد تثبيتا } لهم على الحق والصواب، ~~وأمنع لهم من الضلال. # ثم بين - سبحانه - ما لهم بعد ذلك من أجر عظيم فقال { وإذا ~~لآتيناهم من لدنآ أجرا عظيما ولهديناهم ~~صراطا مستقيما }. أى وإذا لو ثبتوا على طاعتنا لأعطيناهم من ~~عندنا ثوابا عظيما لا يعرف مقداره إلا الله - تعالى - ولتقلبناهم ~~وأرشدناهم إلى سلوك الطريق المستقيم وهو طريق الإسلام الذى باتباعه ~~يسعدون فى دنياهم وآخرتهم. قال صاحب الكشاف وقوله " وإذا " جواب لسؤال ~~مقدر، كأنه قيل وماذا يكون لهم أيضا بعد التثبيت؟ فقيل وإذا لو ثبتوا { ~~لآتيناهم } لأن إذا جواب وجزاء. وقد فخم - سبحانه - هذا العطاء بعدة ~~أمور منها أنه ذكر - سبحانه - نفسه بصيغة العظمة { لآتيناهم من ~~لدنآ } { ولهديناهم } والمعطى الكريم إذا ذكر نفسه باللفظ ~~الدال على العظمة عند الوعد بالعطية، دل ذلك على عظمة تلك العطية. ومنها ~~أن قوله { من لدنآ } يدل على التخصيص أى لآتيناهم من عندنا وحدنا ~~لا من عند ms1199 غيرنا. وهذا التخصيص يدل على المبالغة والتشريف، لأنه عطاء من ~~واهب النعم وممن له الخلق والأمر كما فى قوله - تعالى - # وعلمناه من لدنا علما # ومنها أنه - سبحانه - وصف هذا الأجر المعطى بالعظمة بعد أن جاء به ~~منكرا، وهذا الأسلوب يدل على أن هذا العطاء غير محدود بحدود، وأنه قد بلغ ~~أقصى ما يتصوره العقل من جلال فى كمه وفى كيفه. # ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل ~~العظيم # هذا، وبذلك ترى أن الآيات الكريمة - من قوله - تعالى - { ألم تر ~~إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بمآ أنزل إليك ~~ومآ أنزل من قبلك }. إلى هنا - قد بينت ما عليه المنافقون من ~~فسوق وعصيان، وحكت معاذيرهم الكاذبة، وصورت نفورهم من حكم الله تصويرا ~~بليغا، وكشفت عن أحوالهم ورذائلهم بأسلوب يدعو العقلاء إلى احتقارهم ~~وهجرهم، وأرشدت إلى أنجع الوسائل لعلاجهم وفتحت لهم باب التوبة حتى ~~يثوبوا إلى رشدهم، ويطهروا نفوسهم من السوء والفحشاء، ووضحت جانبا من ~~مظاهر اليسر والتخفيف التى تفضل بها - سبحانه - على الأمة الإسلامية، ~~ووعدت الذين يستجيبون لله ولرسوله بالثواب الجزيل، وتوعدت الذين يتركون ~~حكم الله إلى حكم غيره بالعذاب الأليم، ووصفتهم بعدم الإيمان. وقد أفاض ~~بعض المفسرين عند تفسيره لهذه الآيات فى بيان سوء حال من يتحاكم إلى غير ~~شريعة الله، وساقوا أمثلة متعددة لشدة تمسك السلف الصلاح بهدى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. ومن ذلك قول الفخر الرازى قال القاضى يجب أن يكون ~~التحاكم إلى هذا الطاغوت كالكفر. وعدم الرضا بحكم محمد صلى الله عليه ~~وسلم كفر ويدل عليه وجوه الأول أنه - تعالى - قال { يريدون أن ~~يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا ~~به }. # فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون إيمانا به. ولا شك أن الإيمان بالطاغوت ~~كفر بالله. كما ان الكفر بالطاغوت إيمان بالله. الثانى قوله تعالى - { ~~فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم }.. إلى قوله { ويسلموا تسليما }. وهذا نص فى ~~تكفير من لم يرض بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم. الثالث قوله - تعالى - # فليحذر ms1200 الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة أو يصيبهم عذاب أليم # وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة. وفى هذه الآيات دلائل على أن من ~~رد شيئا من أوامر الله أو أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو خارج ~~عن الإسلام. سواء رده من جهة الشك أو من جهة التمرد. وذلك يوجب صحة ما ~~ذهبت الصحابة إليه من الحكم بارتداد ما نعى الزكاة وقتلهم وسبى ذراريهم. ~~وقال الشيخ جمال الدين القاسمى قال ولى الله التبريزى. روى الإمام مسلم ~~- بسنده - عن بلال بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنكم فقال بلال والله ~~لمنعنهن. فقال عبد الله أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتقول ~~أنت لنمنعهن " # وفى رواية سالم عن أبيه قال فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا ما سمعته سبه ~~مثله قط. وقال أخبرك عن رسول الله، وتقول والله لمنعهن ". وفى رواية ~~للإمام أحمد أنه ما كلمه حتى مات. فأنت ترى أن ابن عمر - رضى الله عنه - ~~لشدة تمسكه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غضب لله ورسوله. وهجر ~~فلذة كبده، لتلك الزلة. وقال الإمام الشافعى أخبرنا أبو حنيفة بن سماك ~~بن الفضل الشهابى قال حدثنى ابن أبى ذئب عن المقبرى عن أبى شريح الكعبى ~~أن النبى صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح # " من قتل له قتيل فهو بخير النظرين. إن أحب أخذ العقل وإن أحب فله القود ~~" # قال أبو حنيفة فقلت لابن أبى ذئب. أتأخذ بهذا يا أبا الحارث؟ فضرب صدرى ~~وصاح على صياحا كثيرا ونال منى وقال أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وتقول أتأخذ به؟ نعم. آخذ به. وذلك الفرض على وعلى من سمعه. إن الله ~~- تعالى - قد اختار محمدا صلى الله عليه وسلم من الناس فهداهم به وعلى ~~يديه. واختار لهم ما اختار له وعلى لسانه. فعلى الخلق أن يتبعوه لا مخرج ~~لمسلم. ms1201 وما سكت حتى تمنيت أن يسكت. وقال الإمام ابن القيم والذى ندين ~~الله به، ولا يسعنا غيره أن الحديث إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه، أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ ~~بحديثه وترك كل ما خالفه. # ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان. لا رواية ولا غيره. إذ من ~~الممكن أن يسنى الراوى الحديث ولا يحضره وقت الفتيا. أولا يتفطن لدلالته ~~على تلك المسألة. أو يتأول فيه تأويلا مرجوحا. أو يقوم فى ظنه ما يعارضه ~~ولا يكون معارضا فى نفس الأمر. أو يقلد غيره فى فتواه بخلافه لاعتقاده ~~أنه أعلم منه، وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه... فالله - تعالى - علق ~~سعادة الدارين بمتابعته صلى الله عليه وسلم وجعل شقاوة الدارين فى ~~مخالفته. وهكذا نرى أن السلف الصالح كانوا يتمسكون بسنة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أشد التمسك، ويهجرون كل من خالفها، ولم يقيد نفسه بها. ~~ثم بين - سبحانه بعد ذلك الثواب العظيم الذى أعده للطائعين من عباده فقال ~~{ ومن يطع...عليما }. ### || [4.69-70] # روى المفسرون فى سبب نزول هاتين الآيتين روايات منها ما أخرجه ابن جرير ~~عن سعيد بن جبير قال # " جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محزون. فقال ~~له النبى صلى الله عليه وسلم يا فلان مالى أراك محزونا؟ فقال الرجل يا ~~نبى الله شئ فكرت فيه. فقال ما هو؟ قال نحن نغدو عليك ونروح ننظر إلى ~~وجهك ونجالسك. وغدا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك. فلم يرد النبى صلى ~~الله عليه وسلم شيئا. فأتاه جبريل بهذه الآية. { ومن يطع الله ~~والرسول } " # . الخ. قال فبعث إليه النبى صلى الله عليه وسلم فبشره ". والمعنى { ~~ومن يطع الله } بالانقياد لأمره ونهيه، ويطع { والرسول } فى ~~كل ما جاء به من ربه " فأولئك " المطيعون { مع الذين أنعم ~~الله عليهم } بالنعم التى تقصر العبارات عن تفصيلها وبيانها. ~~وقوله { من النبيين والصديقين والشهدآء ~~والصالحين } بيان للمنعم عليهم الذين ms1202 سيكون المطيع فى صحبتهم ~~ورفقتهم. أى فأولئك المتصفون بتمام الطاعة لله - تعالى - ولرسوله صلى ~~الله عليه وسلم، يكونون يوم القيامة فى صحبة الأنبياء الذين أرسلهم ~~مبشرين ومنذرين فبلغوا رسالته ونالوا منه - سبحانه - أشرف المنازل. وبدأ ~~- سبحانه - بالنبيين لعلو درجاتهم، وسمو منزلتهم على من عداهم من البشر. ~~وقوله { والصديقين } جمع صديق وهم الذين صدقوا بكل ما جاء به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم تصديقا لا يخالجه شك، ولا تحوم حوله ريبة، ~~وصدقوا فى دفاعهم عن عقيدتهم وتمسكهم بها، وسارعوا إلى ما يرضى الله بدون ~~تردد أو تباطؤ. وقوله { والشهدآء } جمع شهيد. وهم الذين استشهدوا ~~فى سبيل الله، ومن أجل إعلاء دينه وشريعته. وقوله { والصالحين } ~~جمع صالح. وهم الذين صلحت نفوسهم، واستقامت قلوبهم وأدوا ما يجب عليهم ~~نحو خالقهم ونحو أنفسهم ونحو غيرهم. هؤلاء هم الأخيار الأطهار الذين يكون ~~المطيعون لله ولرسوله فى رفقتهم وصحبتهم. قال الفخر الرازى " وليس المراد ~~بكون من أطاع الله وأطاع الرسول مع النببين والصديقين... كون الكل فى ~~درجة واحدة، لأن هذا يقتضى التسوية فى الدرجة بين الفاضل والمفضول. وأنه ~~لا يجوز. بل المراد كونهم فى الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية ~~الآخر، وإن بعد المكان، لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضا وإذا أرادوا ~~الزيارة والتلاقى قدروا عليه. فهذا هو المراد من هذه المعية. ثم قال وقد ~~دلت الآية على أنه لا مرتبة بعد النبوة فى الفضل والعلم إلا هذا الوصف. ~~وهو كون الإنسان صديقا ولذا أينما ذكر فى القرآن الصديق والنبى لم يجعل ~~بينهما واسطة كما قال - تعالى - فى صفة إدريس # إنه كان صديقا نبيا # وقوله - تعالى { وحسن أولئك رفيقا } تذييل مقرر لما قبله ~~مؤكد للترغيب فى العمل الصالح الذى يوصل المسلم إلى صحبة هؤلاء الكرام. ~~وقوله { حسن } فعل مراد به المدح ملحق بنعم. ومضمن معنى التعجب من ~~حسنهم. واسم الإشارة { أولئك } يعود إلى كل صنف من هذه الأصناف ~~الأربعة وهم النبيون ومن بعدهم. والرفيق هو المصاحب الذى يلازمك فى عمل ~~أو سفر أو ms1203 غيرهما. وسمى رفيقا لأنك ترافقه ويرافقك ويستعين كل واحد منكما ~~بصاحبه فى قضاء شئونه. وهو مشتق من الرفق بمعنى لين الجانب، ولطف ~~المعاشرة. ولم يجمع، لأن صيغة فعيل يستوى فيها الواحد وغيره. والمعنى ~~وحسن كل واحد من أولئك الأخيار - وهم الأنبياء ومن بعدهم - رفيقا ومصاحبا ~~فى الجنة لأن رفقة كل واحد منهم تشرح الصدور، وتبهج النفوس. والمخصوص ~~بالمدح محذوف أى كل واحد من المذكورين رفيقا أو وحسن المذكورون أو ~~الممدوحون رفيقا، لأن حسن لها حكم نعم. وقوله { أولئك } فاعل حسن. ~~ورفيقا تمييز. قال صاحب الكشاف وقوله { وحسن أولئك رفيقا } ~~فيه معنى التعجب كأنه قيل وما أحسن أولئك رفيقا. ولاستقلاله بمعنى التعجب ~~قرئ وحسن بسكون السين. واسم الإشارة { ذلك } فى قوله { ذلك ~~الفضل من الله } يعود إلى ما ثبت للمطيعين من أجر جزيل، ومزيد ~~هداية، وحسن رفقة. وهو مبتدأ. وقوله { الفضل } صفته، والجار والمجرور ~~متعلق بمحذوف خبره. أى ذلك الفضل العظيم كائن من الله - تعالى - لامن ~~غيره. وقوله { وكفى بالله عليما } تذييل قصد به الإشارة إلى ~~أن أولئك الأخيار. الذين قدموا أحسن الأعمال، واستحقوا أفضل الجزاء، وإن ~~لم يعلمهم الناس فإن الله - تعالى - يعلمهم، وقد كافأهم بما يستحقون. أى ~~كفى به - سبحانه - عليما بمن يستحق فضله وعطاءه وبمن لا يستحق، فهو - ~~سبحانه - الذى لا تخفى عليه خافية من شئون خلقه. وفى هذه الجملة الكريمة ~~حض المسلم على التزود من العمل الصالح، لأنه - سبحانه - ما دام يعلم ~~أحوال عباده وسيحاسبهم على أعمالهم، فجدير بالعاقل أن يرغب فى الطاعة وأن ~~ينفر من المعصية. هذا، وقد وردت أحاديث كثيرة تشير إلى أن المؤمنين ~~الصادقين سيكونون يوم القيامة مع أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين. ومن هذه الأحاديث ما أخرجه الإمام مسلم ~~فى صحيح # " عن ربيعة بن كعب الأسلمى أنه قال. كنت أبيت مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لى. سل. فقلت أسألك مرافقتك فى ~~الجنة. فقال أو غير ذلك؟ قلت هو ذاك. قال فأعنى على ms1204 نفسك بكثرة السجود ". # ومنها ما رواه الإمام عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال # " من قرأ ألف آية فى سبيل الله، كتب يوم القيامة مع النبين والصديقين ~~والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ". # ومنها ما رواه الترمذى عن أبى سعيد الخدرى قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء ". # قال ابن كثير وأعظم من هذا كله بشارة، ما ثبت فى الصحيح والمسانيد ~~وغيرهما من طرق متواترة عن جماعة من الصحابة # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق ~~بهم؟ فقال " المرء مع من أحب ". # قال أنس فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث. وبذلك نرى أن هاتين ~~الآيتين الكريمتين قد بشرتا المطيعين لله ولرسوله بأحسن البشارات، وأرفع ~~الدرجات. ثم وجهت السورة الكريمة نداء إلى المؤمنين أمرتهم فيه ~~بالاستعداد للجهاد فى سبيل الله من أجل إعلاء كلمته، بعد أن أمرتهم قبل ~~ذلك بطاعته وبطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال - تعالى - { يا ~~أيها الذين...فوزا عظيما }. ### || [4.71-73] # قال القرطبى قوله - تعالى - { يا أيها الذين آمنوا خذوا ~~حذركم } هذا خطاب للمؤمنين المخلصين من أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وأمر لهم بجهاد الكفار والخروج فى سبيل الله، وحماية الشرع. ووجه ~~النظم والاتصال بما قبله أنه لما ذكر طاعة الله وطاعة رسوله أمر أهل ~~الطاعة بالقيام بإحياء دينه وإعلاء دعوته. وأمرهم ألا يقتحموا على عدوهم ~~حتى يتحسسوا إلى ما عندهم، ويعلموا كيف يردون عليهم، فذلك أثبت لهم فقال ~~{ خذوا حذركم } فعلمهم مباشرة الحروب. ولا ينافى هذا التوكل بل ~~هو عين التوكل.. والحذر والحذر واحد كالإثر والأثر. يقال أخذ فلان ~~حذره، إذا تيقظ واحترز مما يخشاه ويخافه. فكأنه جعل الحذر آلته التى يقى ~~بها نفسه ويعصم بها روحه. فالكلام على سبيل الكناية والتخيل. بتشبيه ~~الحذر بالسلاح وآلة الوقاية. والمعنى استعدوا - أيها المؤمنون - ~~لأعدائكم، وكونوا على يقظة منهم، وكونوا متأهبين للقائهم دائما ~~بالإيمان القوى، وبالسلاح ms1205 الذى يفل سلاحهم. هذا، وللأستاذ الإمام محمد ~~عبده كلام حسن فى هذا المعنى، فقد قال - رحمه الله - ما ملخصه " الحذر ~~الاحتراس والاستعداد لاتقاء شر العدو، وذلك بأن نعرف حال العدو ومبلغ ~~استعداده وقوته ومعرفة أرضه وبلاده وفى أمثال العرب قتلت أرض جاهلها. ~~ويدخل فى الحذر والاستعداد معرفة الأسلحة وكيفية استعمالها فكل ذلك وغيره ~~يدخل تحت الأمر بأخذ الحذر. وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~عارفين بأرض عدوهم، وكان للنبى صلى الله عليه وسلم جواسيس يأتونه بأخبار ~~مكة، ولما أخبروه بنقض قريش للعهد استعد لفتحها، وقال أبو بكر لخالد يوم ~~حرب اليمامة حاربهم بمثل ما يحاربونك به السيف بالسيف، والرمح بالرمح. ~~وهذه كلمة جليلة فالقول وعمل النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كل ذلك ~~دال على أن الاستعداد يختلف باختلاف حال العدو وقوته ". فأنت ترى أن هذه ~~الجملة الكريمة { خذوا حذركم } دعوة للمؤمنين فى كل زمان ومكان ~~إلى حسن الاستعداد لمجابهة أعدائهم بشتى الأساليب وبمختلف الوسائل التى ~~تجعل الأمة الإسلامية يرهبها أعداؤها سواء أكانوا فى داخلها أم فى ~~خارجها. وقوله { فانفروا ثبات أو انفروا جميعا } تفريع ~~على أخذ الحذر لأنهم إذا أخذوا حذرهم، عرفوا كيف يتخيرون أسلوب القتال ~~المناسب لحال أعدائهم وقوله { فانفروا } من النفر وهو الخروج إلى عمل ~~من الأعمال بسرعة. ومنه قوله - تعالى - # وما كان المؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من ~~كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في الدين ~~ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم ~~يحذرون # والمراد بقوله { فانفروا } هنا أى اخرجوا إلى قتال أعدائكم بهمة ~~ونشاط. ويقال نفر القوم ينفرون نفرا ونفيرا إذا نهضوا لقتال عدوهم. # واستنفر الإمام الناس إذا حضهم على جهاد أعدائهم ومنه قوله صلى الله ~~عليه وسلم # " وإذا استنفرتم فانفروا " # والنفير. اسم للقوم الذين ينفرون. وقوله { ثبات } جمع ثبة وهى ~~الجماعة والعصبة من الفرسان. مأخوذة من ثبا يثبو أى اجتمع. والمعنى. ~~عليكم - أيها المؤمنون - أن تكونوا دائما على استعداد للقاء أعدائكم، ولا ~~تغفلوا عن كيدهم. فإذا ما حان الوقت لقتالهم فاخرجوا إليهم مسرعين جماعة ms1206 ~~فى إثر جماعة أو فاخرجوا إليهم مجتمعين فى جيش واحد، فإن قتالكم لأعداكم ~~أحيانا يتطلب خروجكم فرقة بعد فرقة، وأحيانا يتطلب خروجكم مجتمعين، ~~فاسلكوا فى قتالكم لأعدائكم الطريقة المناسبة لدحرهم والتغلب عليهم. ~~وقوله { ثبات } منصوب على الحال من الضمير فى قوله { انفروا } ~~وكذلك قوله { جميعا } أى انفروا متفرقين أو انفروا مجتمعين أى، ليكن ~~نفوركم على حسب ما تقتضيه طبيعة المعركة. قال الآلولسى قوله { أو ~~انفروا جميعا } أى مجتمعين جماعة واحدة. ويسمى الجيش إذا اجتمع ~~ولم ينتشر كتيبة. وللقطعة المنتخبة المقتطعة منه سرية وهى من خمسة أنفس ~~إلى ثلثمائة أو أربعمائة. وما زاد على السرية فمنسر - كمجلس ومنبر - إلى ~~الثمانمائة. فإن زاد يقال له جيش إلى أربعة آلاف. فإن زاد يسمى جحفلا. ~~فإن يسمى خميسا وهو الجيش العظيم. وما افترق من السرية يسمى بعثا. والآية ~~وإن نزلت فى الحرب لكن فيها إشارة إلى الحث على المبادرة إلى الخيرات ~~كلها كيفما أمكن قبل الفوات ". ثم كشف - سبحانه - عن فساد نفوس المنافقين ~~وضعاف الإيمان فقال { وإن منكم لمن ليبطئن } أى ~~ليتأخرن وليتثاقلن عن الجهاد. من " بطأ " - بالتشديد - بمعنى أبطأ فهو ~~فعل لازم. وقد يستعمل أبطأ وبطأ - بالتشديد - متعديين، وعليه يكون ~~المفعول هنا محذوف أى ليبطئن غيره ويثبطه عن الخروج للجهاد فى سبيل الله. ~~وقد جمع المنافقون وضعاف الإيمان بين الأمرين فقد كانوا يتخلفون عن ~~الجهاد فى سبيل الله وينتحلون المعاذير الكاذبة لتخلفهم، ولا يكتفون بذلك ~~بل يحاولون منع غيرهم عن الخروج للجهاد. والتعبير بقوله { ~~ليبطئن } تعبير فى أسمى درجات البلاغة والروعة، لأنه يصور ~~الحركة النفسية للمنافقين وضعاف الإيمان وهم يشدون أنفسهم شدا، ويقدمون ~~رجلا ويؤخرون أخرى عندما يدعوهم داعى الجهاد إلى الخروج من أجل إعلاء ~~كلمة الله. وقد اشتملت الجملة الكريمة على جملة مؤكدات، للاشعار بأن ~~هؤلاء المنافقين لا يتركون فرصة تمر دون أن يبثوا سمومهم بنشاط وإصرار، ~~وأنهم حريصون كل الحرص على توهين عزائم المجاهدين، وحملهم على أن يكونوا ~~مع القاعدين كما هو شأن المنافقين. والمراد بقوله { منكم } أى من ~~جنسكم وممن ms1207 يعيشون معكم ويساكنونكم، ويرتبطون معكم برباط القرابة، ~~ويتظاهرون بالإسلام، فلقد كان المنافقون فى المدينة تربطهم روابط متعددة ~~بالمؤمنين الصادقين، كما هو معروف فى التاريخ الإسلامى. # فمثلا عبد الله بن أبى بن سلول - زعيم المنافقين - كان أحد أبنائه من ~~المؤمنين الصادقين. وقد وجه القرآن الخطاب إلى المؤمنين لكى يكشف لهم عن ~~المنافقين المندسين فى صفوفهم لكى يحذروهم. قال صاحب الكشاف واللام فى ~~قوله { لمن } للابتداء بمنزلتها فى قوله # إن الله لغفور رحيم # وفى { ليبطئن } جواب قسم محذوف تقديره وإن منكم لمن أقسم ~~بالله ليبطئن وجوابه صلة من والضمير الراجع منها يعود إلى ما استكن فى ~~{ ليبطئن }. والخطاب لعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ". ~~وقوله { فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله ~~علي إذ لم أكن معهم شهيدا } بيان لما انطوت عليه نفوس ~~المنافقين من فساد، وما نطقت به ألسنتهم من سوء. أى وإن من المتظاهرين ~~بأنهم منكم - يا معشر المؤمنين - لمن يتثاقلون عن القتال ويعملون على أن ~~يكون غيرهم مثلهم، { فإن أصابتكم } يا معشر المؤمنين { ~~مصيبة } كهزيمة وقتية، أو استشهاد جماعة منكم { قال } هذا المنافق ~~على سبيل الفرح والتشفى { قد أنعم الله علي } أى قد أكرمنى ~~الله بالقعود { إذ لم أكن معهم شهيدا } أى حاضرا فى ~~المعركة، لأنى لو كنت حاضرا معهم لأصابنى ما أصابهم من القتل أو الجراح ~~أو الآلام. فالآية الكريمة تحكى عن المنافقين أنهم يعتبرون قعودهم عن ~~الجهاد نعمة، وإذا ما أصاب المؤمنين مصيبة عند قتالهم لأعدائهم. أما إذا ~~كانت الدولة للمؤمنين، وظفروا بالغنائم، فهنا يتمنى المنافقون أن لو ~~كانوا معم لينالوا بعض هذه الغنائم، واستمع إلى القرآن وهو يحكى عنهم ذلك ~~فيقول { ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم ~~تكن بينكم وبينه مودة يليتني كنت معهم ~~فأفوز فوزا عظيما }. أى { ولئن أصابكم } يا معشر ~~المؤمنين { فضل من الله } كفتح وغنيمة ونصر وظفر { ليقولن } ~~هذا المنافق على سبيل الندامة والحسرة والتهالك على حطام الدنيا، حالة ~~كونه { كأن لم تكن بينكم وبينه مودة } ليقولن { ~~يليتني كنت معهم ms1208 } عندما خرجوا للجهاد { فأفوز فوزا ~~عظيما } بأن أحصل كما حصلوا على الغنائم الكثيرة. وهذا - كما يقول ابن ~~جرير - خبر من الله - تعالى - ذكره عن هؤلاء المنافقين، أن شهودهم الحرب ~~مع المسلمين - إن شهدوها - إنما هو لطلب الغنيمة وإن تخلفوا عنها فللشك ~~الذى فى قلوبهم، وأنهم لا يرجون لحضورها ثوابا، ولا يخافون بالتخلف عنها ~~من الله عقابا. وفى نسبة الفضل إلى الله فى قوله { ولئن أصابكم ~~فضل من الله } دون إصابة المصيبة تعليم لحسن الأدب مع الله - تعالى ~~- وإن كان سبحانه - هو الخالق لكل شئ، فهو الذى يمنح الفضل لمن يشاء وهو ~~الذى يمنعه عمن يشاء. وقوله { كأن لم تكن بينكم وبينه ~~مودة } جملة معترضة بين فعل القول الذى هو { ليقولن } وبين ~~المقول الذى هو { يليتني كنت معهم }. # وقد جئ بها على سبيل التهكم والسخرية والتعجب من حال المنافقين، لأنهم ~~كان فى إمكانهم أن يخرجوا مع المؤمنين للقتال، وأن ينالوا نصيبهم من ~~الغنائم التى حصل عليها المؤمنون، ولكنهم لم يخرجوا لسوء نواياهم، فلما ~~أظهروا التحسر لعدم الخروج بعد أن رأوا الغنائم فى أيدى المؤمنين كان ~~تحسرهم فى غير موضعه لأن الذى يتحسر على فوات شئ عادة هو من لا علم له به ~~أو بأسبابه، أما المنافقون فبسبب مخالطتهم وصحبتهم للمؤمنين كانوا على ~~علم بقتال المؤمنين لأعدائهم، وكان فى إمكانهم أن يخرجوا معهم. فكأن الله ~~تعالى يقول للمؤمنين انظروا وتعجبوا من شأن هؤلاء المنافقين إنهم عندما ~~أصابتكم مصيبة فرحوا، وعندما انتصرتم وأصبتم الغنائم تحسروا وتمنوا أن لو ~~كانوا معكم حتى لكأنهم لا علم لهم بالقتال الذى دار بينكم وبين أعدائكم، ~~وحتى لكأنهم لا مخالطة ولا صحبة بينكم وبينهم مع أن علمهم بالقتال حاصل، ~~ومخالطتهم لكم حاصلة فلم يتحسرون؟ إن قولهم { يليتني كنت معهم ~~فأفوز فوزا عظيما } ليدعوا إلى التعجب من أحوالهم، والتحقير ~~لسلوكهم، والدعوة عليهم بأن يزدادوا حسرة على حسرتهم. وبذلك نرى أن ~~الآيات الكريمة قد أمرت المؤمنين بحسن الاستعداد للقاء أعدائهم فى كل ~~وقت، وكشفت لهم عن رذائل المنافقين الذين إذا ms1209 أصابت المؤمنين مصيبة فرحوا ~~لها، وإذا أصابهم فضل من الله تحسروا وحزنوا، وفى هذا الكشف فضيحة ~~للمنافقين، وتحذير للمؤمنين من شرورهم. وبعد هذا التوبيخ الشديد ~~للمتثاقلين عن الجهاد، أخذ القرآن الكريم فى استنهاض الهمم والعزائم ~~للجهاد فى سبيل الله فقال - تعالى - { فليقاتل في سبيل...كان ~~ضعيفا }. ### || [4.74-76] # والفاء فى قوله { فليقاتل } للإفصاح عن جواب شرط مقدر. أى إن ~~أبطأ هؤلاء المنافقون والذين فى قلوبهم مرض وتأخروا عن الجهاد والقتال، ~~فليقاتل المؤمنون الصادقون الذين { يشرون } أى يبيعون الحياة الدنيا ~~بكل متعها وشهواتها من أجل الحصول على رضا الله - تعالى - فى الآخرة. ~~وقوله { في سبيل الله } تنبيه إلى أن هذا النوع من القتال هو ~~المعتد به عند الله - تعالى -، لأن المؤمن الصادق لا يقاتل من أجل فخر أو ~~مغنم أو اغتصاب حق غيره، وإنما يقاتل من أجل أن تكون كلمة الله هى العليا ~~وكلمة الذين كفروا هى السفلى. وقوله { ومن يقاتل في سبيل ~~الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما } ~~بيان للثواب العظيم الذى أعده الله - تعالى - للمجاهدين. أى ومن يقاتل فى ~~سبيل الله ومن أجل إعلاء دينه، فيستشهد، أو يكون له النصر على عدوه، فسوف ~~نؤتيه أجرا عظيما لا يعلم مقداره إلا الله تعالى... وإنما اقتصر - سبحانه ~~على بيان حالتين بالنسبة للمقاتل وهى حالة الاستشهاد وحالة الغلبة على ~~العدو، للإشعار بأن المجاهد الصادق لا يبغى من جهاده إلا هاتين ~~الحالتين، فهو قد وطن نفسه حالة جهاده على الاستشهاد أو على الاتصال على ~~أعداء الله، ومتى وطن نفسه على ذلك ثبت فى قتاله، وأخلص فى جهاده. وقدم - ~~سبحانه - القتل على الغلب للإيذان بأن حرص المجاهد المخلص على الاستشهاد ~~فى سبيل الله، أشد من حرصه على الغلب والنصر. والتعبير بسوف فى قوله { ~~فسوف نؤتيه أجرا عظيما } لتأكيد الحصول على الأجر العظيم ~~فى المستقبل. والجملة جواب الشرط وهو قوله { ومن يقاتل } وقوله { ~~فيقتل } تفريع على فعل الشرط. ونكر - سبحانه - الأجر ووصفه بالعظم، ~~للإشعار بأنه أجر لا يحده تعيين، ولا يبينه تعريف، ولا يعلم مقداره ms1210 إلا ~~الله - تعالى -. ثم حرض - سبحانه - المؤمنين على القتال بأبلغ أسلوب فقال ~~{ وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله ~~والمستضعفين من الرجال والنسآء والولدان }. ~~فالخطاب للمؤمنين المأمورين بالقتال على طريقة الالتفات، مبالغة فى ~~التحريض عليه، وتأكيدا لوجوبه. و { ما } اسم استفهام مبتدأ، والجار ~~والمجرور وهو { لكم } خبره. وجملة { لا تقاتلون في سبيل ~~الله } فى محل نصب على الحال، والعامل فى هذه الحال الاستقرار المقدر ~~أو الظرف لتضمنه معنى الفعل. والمراد بالاستفهام تحريضهم على الجهاد، ~~والإنكار عليهم فى تركه مع توفر دواعيه، والمعنى أى شئ جعلكم غير ~~مقاتلين؟ إن عدم قتالكم لأعدائكم يتنافى مع إيمانكم، أما الذى يتناسب مع ~~إيمانكم وطاعتكم لله فهو أن تقاتلوا من أجل إعلاء كلمة الله، ومن أجل ~~المستضعفين من الرجال والنساء والوالدان. # فالآية الكريمة تحريض على الجهاد بأبلغ وجه، ونفى للاعتذار عنه. والمراد ~~بالمستضعفين الضعفاء من الناس وهم المسلمون الذين بقوا فى مكة بعد هجرة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، لعدم قدرتهم على الهجرة أو لمنع ~~المشركين إياهم من الخروج. وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يدعو لهم ~~فيقول # " اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام وعياش بن أبى ربيعة ~~والمستضعفين من المؤمنين ". # وقوله { والمستضعفين } معطوف على قوله { في سبيل الله } ~~أى قاتلوا فى سبيل الله وفى سبيل المستضعفين حتى تخلصوهم من ظلم المشركين ~~لهم. وخصصهم بالذكر مع أن القتال فى سبيل الله يشملهم، لمزيد العناية ~~بشأنهم، وللتحريض على القتال بحكم الشرف والمروءة بعد التحريض عليه بحكم ~~الدين والتقرب إلى الله - تعالى -، لأن مروءة الإنسان الكريم تحمله على ~~نصرة الضعيف، ومنع الاعتداء عليه. وقوله { من الرجال والنسآء ~~والولدان } ، بيان لهؤلاء المستضعفين. أى قاتلوا - أيها المؤمنين - ~~من أجل إعلاء كلمة الله ونشره دينه، ومن أجل نصرة المستضعفين من الرجال ~~الذين صدهم المشركون عن الهجرة، ومن النساء اللائى لا يملكن حولا ولا ~~قوة. ومن الولدان الصغار الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم. وفى النص ~~على هؤلاء المستضعفين وخصوصا النساء والولدان، أقوى تحريض على الجهاد، ms1211 ~~وأعظم وسيلة لإثارة الحماس والنخوة من أجل القتال، لأنهم إذا تركوا ~~هؤلاء المستضعفين أذلاء فى أيدى المشركين، فانهم سيعيرون بهم، وهذا ما ~~يأباه كل شريف كريم. ثم حكى - سبحانه - ما كان يقوله المستضعفون فقال { ~~الذين يقولون ربنآ أخرجنا من هذه القرية ~~الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل ~~لنا من لدنك نصيرا }. أى قاتلوا - أيها المؤمنون - فى سبيل ~~المستضعفين من الرجال والنساء والوالدان الذين يضرعون إلى الله قائلين يا ~~ربنا اخرجنا من هذه القرية التى ظلمنا أهلها بسبب شركهم وكفرهم { ~~واجعل لنا من لدنك وليا }. أى وسخر لنا من عندك حافظا ~~يحفظ علينا ديننا { واجعل لنا من لدنك نصيرا }. أى وسخر ~~لنا من عندك كذلك ناصرا يدفع أذى أعدائنا، فأنت الذى لا يذل من استجار ~~به، ولا يضعف من كنت نصيره ووليه. والمراد بالقرية الظالم أهلها مكة. وقد ~~وصف أهلها بأنهم ظالمون، ولم توصف هى بأنها ظالمة كما وصف غيرها من القرى ~~كما فى قوله - تعالى - # وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها # وذلك من باب التكريم لمكة، إذ هى حرم الله الآمن ولا يوصف حرم الله ~~الأمن بالظلم ولو على سبيل المجاز. وقوله { الظالم أهلها } صفة ~~للقرية، وأهلها مرفوع به على الفاعلية، وأل فى الظالم موصولة بمعنى التى ~~أى التى ظلم أهلها. فقوله { الظالم } جار على القرية لفظا، وهو لما ~~بعدها معنى نحو مررت برجل حسن غلامه. # وفى هذا النداء الذى تضرع به أولئك المستضعفون إلى خالقهم أسمى ألوان ~~الأدب والإخلاص فهم يلتمسون منه - سبحانه - أن يخرجهم من بطش الظالمين ~~وحكمهم، وأن يجعلهم تابعين للقوم الذين يحبهم ويحبونه، وهم المؤمنون، وأن ~~يهئ لهم النصر على أعدائهم وأعدائه. ولقد استجاب الله - تعالى - لهم ~~دعاءهم، حيث يسر لبعضهم الخروج إلى المدينة، ورزق المؤمنين فتحا قريبا، ~~وإلى ذلك أشار صاحب الكشاف بقوله " والمستضعفون هم الذين أسلموا بمكة ~~وصدهم المشركون عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم مستذلين.... وكانوا يدعون ~~الله بالخلاص ويستنصرونه، فيسر الله لبعضهم الخروج إلى المدينة، وبقى ~~بعضهم إلى الفتح حتى جعل ms1212 الله لهم من لدنه خير ولى وناصر وهو محمد صلى ~~الله عليه وسلم فتولاهم أحسن التولى، ونصرهم أقوى النصر. فإن قلت لم يذكر ~~الولدان قلت تسجيلا بإفراط ظلمهم، حيث بلغ أذاهم الوالدان غير المكلفين، ~~إرغاما لآبائهم وأمهاتهم، ومبغضة لهم، ولأن المستضعفين كانوا يشركون ~~صبيانهم فى دعائهم استنزالا لرحمة الله بدعاء صغارهم الذين لم يذنبوا، ~~كما وردت السنة بإخراجهم فى الاستسقاء. ثم ساق - سبحانه - لونا آخر من ~~تحريضهم على الجهاد وهو تحديد الهدف يقاتل من أجله كل فريق فقال { ~~الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين ~~كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا ~~أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا } اى ~~أنتم - أيها المؤمنون - إذا قاتلتم فإنما تقاتلون وغياتكم إعلاء كلمة ~~الله، ونصرة الحق الذى جاء به رسولكم محمد صلى الله عليه وسلم. أما ~~أعداؤكم الكافرون فإنهم يقاتلون من أجل طاعة الشيطان الذى يأمرهم بكل بغى ~~وطغيان، وإذا كان هذا حالكم وحالهم فعليكم - أيها المؤمنون - أن تقاتلوا ~~أولياء الشيطان بكل قوة وصدق عزيمة { إن كيد الشيطان كان ~~ضعيفا } أى. إن كيد الشيطان وتدبيره كان ضعيفا، لأن الشيطان ينصر ~~أولياءه، والله - تعالى - ينصر أولياءه، ولا شك أن نصرة الله - تعالى - ~~لأوليائه أقوى وأشد من نصرة الشيطان لأوليائه. فقوله - تعالى - { ~~الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله } كلام مستأنف سيق ~~لتشجيع المؤمنين وترغيبهم فى الجهاد ببيان الغاية والهدف الذى يعمل من ~~أجله كل فريق، وببيان أن المؤمنين ستكون عاقبتهم النصر والظفر لأن الله ~~وليهم وناصرهم. والفاء فى قوله { فقاتلوا } للتفريع، أى إذا كانت ~~تلك غايتكم أيها المؤمنون وتلك هى غاية أعدائكم فقاتلوهم بدون خوف أو وجل ~~منهم لأن الله معكم بنصره وتأييده أماهم فالشيطان معهم بضعفه وفجوره. ~~والمراد بكيد الشيطان تدبيره ووسوسته لأتباعه بالاعتداء على المؤمنين ~~وتأليب الناس عليهم. قال الفخر الرازى الكيد السعى فى فساد الحال على جهة ~~الاحتيال عليه، يقال كاده يكيده إذا سعى فى إيقاع الضرر على جهة الحيلة ~~عليه. # وفائدة إدخال { كان } فى قوله { كان ضعيفا } للتأكيد لضعف كيده، ~~يعنى أنه ms1213 منذ كان، كان موصوفا بالضعف والذلة. وبذلك نرى أن هذه الآيات ~~الثلاث قد شجعت المؤمنين على القتال بأبلغ أسلوب، وأشرف دافع، وأنبل ~~غاية، فقد أمرتهم بالقتال إذا كانوا حقا من المؤمنين، الذين يشرون الحياة ~~الدنيا بالآخرة، وبشرتهم برضا الله وحسن ثوابه سواء أقتلوا أم غلبوا ~~واستنكرت عليهم أن يتثاقلوا عن القتال مع أن كل دواعى الدين والشرف ~~والمروءة تدعوهم إليه، وبينت لهم أنه إذا كان الكافرون الذين الغاية من ~~قتالهم نصرة الشيطان يقدمون على القتال، فأولى بالمؤمنين الذين الغاية من ~~قتالهم نصرة الحق أن ينفروا خفافا وثقالا للجهاد فى سبيل الله، ثم بشرتهم ~~فى النهاية بأن العاقبة لهم، لأن الكافرين يستندون إلى كيد الشيطان ~~الضعيف الباطل، أما المؤمنون فيأوون إلى جناب الله الذى لا يخذل من اعتصم ~~به، ولا يخيب من التجأ إليه. وبعد هذا التحريض الشديد من الله - تعالى - ~~للمؤمنين على القتال فى سبيله، حكى - سبحانه - على سبيل التعجيب حال ~~طائفة من ضعاف الإيمان، كانوا قبل أن يفرض القتال عليهم يظهرون التشوق ~~إليه. وبعد أن فرض عليهم جبنوا عنه، وقد وبخهم الله - تعالى -على هذا ~~المسلك الذميم، فقال - سبحانه - { ألم تر إلى....عليهم ~~حفيظا }. ### || [4.77-80] # والإستفهام فى قوله - تعالى - { ألم تر } للتعجيب من حال أولئك ~~الذين كانوا يظهرون التشوق إلى القتال فلما فرض عليهم جبنوا عنه. وقوله { ~~كفوا أيديكم } من الكف بمعنى الامتناع أى امتنعوا عن مباشرة ~~القتال إلى أن تؤمروا به. والمعنى ألم ينته علمك يا محمد أو ألم تنظر ~~بعين الدهشة والغرابة إلى حال أولئك الذين كانوا يظهرون شدة الحماسة ~~للقتال، فقيل لهم { كفوا أيديكم } أى عن القتال لأنكم لم ~~تؤمروا به بعد { وأقيموا الصلاة } فإن الصلاة تخلص النفس من ~~أدران المآثم، وتجعلها تتجه إلى الله وحده { وآتوا الزكاة } فإن ~~الزكاة تطهر النفوس من الشح والبخل، وتربط بين الناس برباط المحبة ~~والتعاون. ثم بين - سبحانه - حالهم بعد أن فرض عليهم القتال فقال { ~~فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم ~~يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية }. أى ~~فحين ms1214 فرض عليهم القتال وأمروا بمباشرته بعد أن صارت للمسلمين دولة ~~بالمدينة، حين حدث ذلك، إذا فريق منهم - وهم الذين قل إيمانهم، وضعف ~~يقينهم، وارتابت قلوبهم - { يخشون الناس } أى يخافونهم خوفا ~~شديدا { كخشية الله أو أشد خشية } أى يخافون من الكفار ~~أن يقتلوهم كما يخافون من الله أن ينزل بهم بأسه، أو أشد من ذلك. فالمراد ~~بالناس فى قوله { يخشون الناس } أولئك الأعداء الذين كتب الله ~~على المؤمنين قتالهم. وعبر عن هؤلاء الأعداء بقوله { الناس } زيادة فى ~~توبيخ أولئك الذين خافوا منهم هذا الخوف الشديد، لأنهم لو كانوا مؤمنين ~~حقا، لاستقبلوا ما فرضه الله عليهم بالسمع والطاعة، ولما خافوا هذا الخوف ~~الشديد من أناس مثلهم. وقوله { كخشية الله } مفعول مطلق، أي ~~يخشونهم خشية كخشية الله. وهو بيان لشدة خورهم وهلعهم، ولفساد تفكيرهم، ~~حيث جعلوا خشيتهم للناس فى مقابل خشيتهم لله، الذى يجب أن تكون خشيته - ~~سبحانه - فوق كل خشية. وقوله { أو أشد خشية } معطوف على ما ~~قبله. وأشد حال من خشية لأن نعت النكرة إذا تقدم عليها أعرب حالا. وفى ~~هذه الجملة الكريمة زيادة فى توبيخهم وذمهم وترق فى توضيح حالتهم ~~القبيحة، لأنه إذا كان من المقرر أنه لا يجوز للعاقل ان يجعل خشيته للناس ~~كخشيته لله، فمن باب أولى لا يجوز له أن يجعل خشيته للناس أشد من خشيته ~~لله - تعالى -. قال الفخر الرازى ما ملخصه فإن قيل ظاهر { أو أشد ~~خشية } يوهم الشك. وذلك على علام الغيوب محال. أجيب بأن { أو } ~~بمعنى بل. أو هى للتنويع. على معنى أن خشية بعضهم كخشية الله وخشية بعضهم ~~أشد منها أو هى للإبهام على السامع. على معنى أنهم على إحدى الصفتين من ~~المساواة والشدة. # وهو قريب مما فى قوله - تعالى - # وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون # يعنى أن من يبصرهم يقول أنهم مائة ألف أو يزيدون. ثم حكى - سبحانه - ما ~~قاله أولئك الضعفاء عندما فرض عليهم القتال فقال { وقالوا ربنا ~~لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل ~~قريب }. أى أن هؤلاء ms1215 الضعفاء لم يكتفوا بما اعتراهم من فزع وجزع عندما ~~كتب عليهم القتال وإنما أضافوا إلى ذلك أنهم قالوا على سبيل الضجر والألم ~~يا ربنا لم كتبت علينا القتال فى هذا الوقت { لولا أخرتنا ~~إلى أجل قريب } أى هلا عافيتنا وتركتنا حتى نموت موتة لا قتال ~~معها عند حضور آجالنا، دون أن نتعرض لهذا التكليف الثقيل المخيف. وهكذا ~~يصور القرآن تخبط هؤلاء الضعفاء أكمل تصوير. إنهم قبل أن يفرض القتال ~~يظهرون التحمس له، والتشوق لخوض معا معه، فإذا ما فرض عليهم القتال فزعوا ~~وارتعدوا وقالوا ما قالوا من ضلال بضيق وهلع. ويبدو أن هذه طبيعة أكثر ~~المتهورين فى كل وقت، إنهم قبل أن يجد الجد أشد الناس حماسة للقاء ~~الأعداء، فإذا ماجد الجد ووقعت الواقعة كانوا أول الفارين، وأول الناكصين ~~على أعقابهم. وذلك لأن الشجعان العقلاء لا يتمنون لقاء الأعداء، ولا ~~ينشئون القتال إنشاء، وإنما يقدرون الأمور حق قدرها، ويضعون الأشياء فى ~~مواضعها، فإذا ما اقتضت الضرورة خوض معركة من المعارك ثبتوا ثبات ~~الأبطال. أما المندفعون بدون إيمان يدفعهم، أو عقل يرشدهم، فإنهم لعدم ~~تقديرهم للأمور يكونون فى ساعة الشدة أول الناس جزعا ونكولا وانهيارا. ~~ولكن من هؤلاء الذين تحدثت عنهم الآية الكريمة ووصفتهم بأنهم حين كتب ~~عليهم القتال { إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية ~~الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت ~~علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب.. }؟!! ~~إن الذى يراجع أقوال المفسرين يرى أن بعضهم يميل إلى أن الآية الكريمة فى ~~شأن المؤمنين، ويرى أن بعضهم يرجع أنها فى شأن المنافقين، وقد لخص ~~الإمام الرازى هذه الأقوال تلخيصا حسنا فقال " هذه الآية صفة للمؤمنين ~~أو المنافقين؟ فيه قولان الأول أن الآية نزلت فى المؤمنين. قال الكلبى ~~نزلت فى عبد الرحمن بن عوف، والمقداد، وقدامة بن مظعون، وسعد بن أبى ~~وقاص. كانوا مع النبى صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجروا إلى المدينة، ~~ويلقون من المشركين أذى شديدا، فيشكون ذلك إلى النبى صلى الله عليه وسلم ~~ويقولون ائذن لنا ms1216 فى قتالهم ويقول لهم الرسول صلى الله عليه وسلم كفوا ~~أيديكم فإنى لم أومر بقتالهم، واشتغلوا بإقامة دينكم من الصلاة والزكاة، ~~فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كرهه بعضهم فأنزل ~~الله هذه الآية. ثم قال واحتج الذاهبون إلى هذا القول بأن الذين يحتاج ~~الرسول أن يقول لهم كفوا عن القتال هم الراغبون فى القتال والراغبون فى ~~القتال هم المؤمنون، فدل هذا على أن الآية فى حق المؤمنين. # . وأن كراهتهم للقتال إنما هى بمقتضى الجبلة البشرية... وقولهم { لم ~~كتبت علينا القتال } محمول على التمنى فى التخفيف للتكليف لا ~~على وجه الإنكار لإيجاب الله تعالى. ثم قال والقول الثانى أن الآية ~~نازلة فى حق المنافقين. واحتج الذاهبون إلى هذا القول بأن الآية مشتملة ~~على أمور تدل على أنها مختصة بالمنافقين، لأن الله وصفهم بأنهم { ~~يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية } ومعلوم ~~أن هذا الوصف لا يليق إلا بالمنافق، لأن المؤمن لا يجوز أن يكون خوفه من ~~الناس أزيد من خوفه من الله - تعالى - ولأنه - سبحانه - حكى عنهم أنهم ~~قالوا ربنا لما كتبت علينا القتال، والاعتراض على الله ليس إلا من صفة ~~الكفار أو المنافقين، ولأن الله قال للرسول { قل متاع الدنيا ~~قليل والآخرة خير لمن اتقى } وهذا الكلام يذكر مع من ~~كانت رغبته فى الدنيا أكثر من رغبته فى الآخرة، وذلك من صفات المنافقين. ~~ثم قال والأولى حمل الآية على المنافقين لأنه - سبحانه - ذكر بعد هذه ~~الآية قوله { وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند ~~الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك } ~~ولا شك أن هذا من كلام المنافقين، فإذا كانت هذه الآية معطوفة على الآية ~~التى نحن فى تفسيرها ثم المعطوف فى المنافقين، وجب أن يكون المعطوف عليهم ~~فيهم أيضا. ونحن نوافق الإمام الرازى فيما ذهب إليه من حمل الآية ~~الكريمة على أنها فى المنافقين هو الأولى للأسباب التى ذكرها. ونضيف إلى ~~ما ذكره الإمام الرازى أن المتأمل فى سياق الآيات السابقة واللاحقة ~~يراها واضحة ms1217 فى شأن المنافقين، ومن هم على شاكلتهم من ضعاف الايمان، ~~الذين أدى بهم ضعف نفوسهم، وحبهم للدنيا إلى كراهة القتال، والخوف من ~~تكاليفه.... فأنت إذا قرأت الآيات التى قبيل هذه الآية تراها تتحدث عن ~~إرادة تحاكمهم إلى الطاغوت مع زعمهم الايمان بما أنزل إلى الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وبما أنزل على الرسل من قبله. وتراها تتحدث عن تباطئهم عن ~~القتال وفرحهم لنجاتهم من مخاطره. ثم إذا قرأت الآيات التى ستأتى بعد هذه ~~الآية تراها تتحدث عن نسبتهم الحسنة إلى الله، ونسبتهم السيئة إلى رسوله ~~صلى الله عليه وسلم وعن إذاعتهم لأسرار المؤمنين... ألخ، فثبت أن الآية ~~الكريمة تتحدث عن صفات المنافقين، وعمن هم قريبو الشبه بهم من ضعاف ~~الايمان الذين أخلدوا إلى الراحة. وأثروا القعود فى بيوتهم على القتال من ~~أجل إعلاء كلمة الله، ودفع الظلم عن المظلومين. ونضيف أيضا أن القول ~~الأول - الذى ذكره الإمام الرازى وهو أن الآية نزلت فى المؤمنين - غير ~~صحيح لأسباب من أهمها 1- أن الرواية التى ذكرها الامام الرازى نقلا عن ~~الكلبى وهى أن الآية نزلت فى عبد الرحمن بن عوف والمقداد وقدامة بن ~~مظعون. # .. الخ هذه الرواية يبدو عليها الضعف، لأنها لم ترد فى كتب الحديث ~~الموثوق بها، ولأن الكبلى نفسه قد عرف عنه عدم التثبت فى النقل. ولقد علق ~~الإمام الشيخ محمد عبده على هذه الرواية بقوله " إننى أجزم ببطلان هذه ~~الرواية مهما كان سندها، لأننى أبرئ السابقين الأولين كسعد وعبد الرحمن ~~مما رموا به. وهذه الآية متصلة بما قبلها، فإن الله - تعالى - أمر بأخذ ~~الحذر والإستعداد للقتال، والنفر له، وذكر حال المبطئين لضعف قلوبهم. ~~وبعد هجرة النبى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أمر الإسلام أتباعه ~~بالسلم وتهذيب النفوس بالعبادة والكف عن الاعتداء والقتال.. إلى أن اشتدت ~~الحاجة إليه ففرضه الله عليهم فكرهه الضعفاء منهم ". 2- أن المؤمنين لم ~~يعهد عنهم ما ذكرت الآية من خوف من القتال، ومن تمن لعدم حضوره، وإنما ~~المعهود عنهم أنهم كانوا يبادرون إليه كلما اقتضت الضرورة ms1218 ذلك ويتسابقون ~~لخوض ساحته دفاعا عن دينهم، وانتصارا ممن بغى عليهم. ولقد قال المقداد بن ~~عمرو للرسول صلى الله عليه وسلم. فى غزوة بدر يا رسول الله، إمض لما أمرك ~~الله فنحن معك. والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى إذهب أنت ~~وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون. ولكن نقول لك إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ~~معكم مقاتلون. فو الذى بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك ~~من دونه حتى تبلغه... إلى غير ذلك من الأقوال والمواقف التى تدل على ~~شجاعتهم وقوة إيمانهم. ولقد رجح الإمام القرطبى عند تفسيره للآية ~~الكريمة أنها فى المنافقين فقال قال مجاهد هى فى اليهود. وقال الحسن هى ~~فى المؤمنين لقوله " يخشون الناس " أى مشركى مكة " كخشية الله " فهى على ~~ما طبع عليه البشر من المخافة لا على المخالفة. وقال السدى هم قوم أسملوا ~~قبل فرض القتال فلما فرض كرهوه. وقيل هو وصف للمنافقين. والمعنى يخشون ~~القتل من المشركين كما يشخون الموت من الله { أو أشد خشية } أى ~~عندهم وفى اعتقادهم. ثم قال قلت وهذا أشبه بسياق الآية لقوله ربنا لم ~~كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب ومعاذ الله أن يصدر هذا ~~القول من صحابى كريم، يعلم أن الآجال محدودة، والأرزاق مقسومة، بل كانوا ~~لأوامر الله ممتثلين سامعين طائعين، يرون الوصول الى الدار الآجلة خيرا ~~من المقام فى الدار العاجلة، على ما هو المعروف من سيرتهم - رضى الله ~~عنهم - اللهم إلا أن يكون قائله ممن لم يرسخ فى الإيمان قدمه، ولا انشرح ~~بالاسلام جنانه، فإن أهل الإيمان متفاضلون فمنهم الكامل ومنهم الناقص، ~~وهو الذى تنفر نفسه عما تؤمر به فيما تلحقه فيه المشقة وتدركه فيه الشدة ~~". # والخلاصة أن الذى تطمئن إليه نفوسنا أن الآية الكريمة تحكى ما كان عليه ~~المنافقون وضعاف الإيمان، من بعد عن طاعة الله، ومن جبن فى النفوس ومن ~~حب للحياة الدنيا وزينتها. وأن المؤمنين بعيدون كل البعد عما اشتملت عليه ~~الآية الكريمة من صفات وأحوال ms1219 لأن ما عرف عنهم من إيمان وإقدام ينأى بهم ~~عن أن يكونوا ممن قال الله فيهم { فلما كتب عليهم القتال ~~إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو ~~أشد خشية } وعن أن يقولوا { ربنا لم كتبت علينا ~~القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب }. هذا، وقوله - ~~تعالى - { قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن ~~اتقى ولا تظلمون فتيلا } رد على التصرفات الذميمة، ~~والأقوال الفاسدة التى صدرت عن المنافقين وضعاف الإيمان! وإرشاد من الله ~~- تعالى - لعباده إلى أن متاع الحياة الدنيا قليل بالنسبة لما اشتملت ~~عليه الآخرة من نعيم للمؤمنين الصادقين. والمتاع اسم لما يتمتع به ~~الإنسان فى هذه الحياة من مال وغيره. والفتيل هو الخيط الدقيق الذى يكون ~~فى شق نواة التمرة. ويضرب به المثل فى القلة والتفاهة. والمعنى قل - يا ~~محمد - لهؤلاء الذين يخشون لقاء الأعداء، ويفزعون من القتال طمعا فى ~~التمتع بزينة الحياة الدنيا، قل لهم إن منافع الدنيا ولذاتها قليلة مهما ~~كبرت فى أعينكم لأنها زائلة فانية، أما الآخرة بما فيها من نعيم دائم فهى ~~خير ثوابا، وأعظم أجرا لمن اتقى الله، وجاهد فى سبيله. وإذا كان الأمر ~~كذلك فاجعلوا خشيتكم من الله وحده، وبادروا إلى الجهاد فى سبيل إعلاء ~~كلمة الله، لكى تنالوا الثواب الجزيل من الله دون أن يذهب من ثوابكم شيئا ~~مهما كان هذا الشئ ضئيلا أو قليلا، ودون أن ينقص من أعماراكم شيئا لأن ~~الجبن لا يؤخر الحياة كما أن الإقدام لا ينقص شيئا منها. ثم بين - ~~سبحانه - أنه لا مفر لهم من الموت، وأنهم مهما فروا منه فإنه سيلقاهم ~~آجلا أو عاجلا فقال - تعالى - { أينما تكونوا يدرككم ~~الموت ولو كنتم في بروج مشيدة }. والبروج جمع برج ~~وهو الحصن المنيع الذى هو نهاية ما يصل إليه البشر فى التحصن والمنعة. ~~وأصل البروج من التبرج بمعنى الظهور. يقال تبرجت المرأة، إذا أظهرت ~~محاسنها. والمراد بها الحصون والقلاع الشاهقة المنيعة. والمشيدة أى ~~المحكمة البناء، والعظيمة الارتفاع من شاد القصر إذا رفعه، والمعنى إنكم ~~أيها الخائفون من ms1220 القتال إن ظننتم أن هذا الخوف منه أو القعود عنه ~~سينجيكم من الموت، فأنتم بهذا الظن مخطئون، لأن الموت حيثما سيدرككم، ولو ~~كنتم فى أقوى الحصون، وأمنعها وأحكمها بناء، وما دام الأمر كذلك فليكن ~~موتكم وأنتم مقبلون بدل أن تموتوا وأنتم مدبرون. # والجملة الكريمة لا محل لها من الإعراب، لأنها مسوقة على سبيل ~~الاستئناف لتبكيت هؤلاء الكارهين للقتال، وتحريض غيرهم من المؤمنين على ~~الإقدام عليه من أجل نصرة الحق. ويحتمل أنها فى محل نصب، فتكون داخلة فى ~~حيز القول المأمور به الرسول صلى الله عليه وسلم أى قل لهم يا محمد متاع ~~الدنيا قليل. وقل لهم { أينما تكونوا يدرككم الموت }. ~~وأين اسم شرط جازم ظرف مكان يجزم فعلين، و " ما " زائدة للتأكيد، وتكونوا ~~فعل الشرط ويدرككم جوابه. والتعبير بقوله { يدرككم } للإشعار بأن ~~الموت كأنه كائن حى يطلب الإنسان ويتبعه حيثما كان، وفى أى وقت كان، فهو ~~طالب لابد أن يدرك ما يطلبه ولا بد أن يصل إليه مهما تحصن منه، أو هرب من ~~لقائه. وجواب لو محذوف اعتمادا على دلالة ما قبله عليه أى ولو كنتم فى ~~بروج مشيدة لأدرككم الموت. وقريب فى المعنى من هذه الآية قوله - تعالى - # قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو ~~القتل # وقوله - تعالى - # قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم # فالجملة الكريمة صريحة فى بيان أن الموت أمر لا مفر منه، ولا مهرب عنه ~~سواء أقاتل الإنسان أم لم يقاتل. وما أحسن قول زهير بن أبى سلمى # ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ولو رام أسباب السماء بسلم # ثم حكى - سبحانه - ما كان يتفوه به المنافقون وإخوانهم فى الكفر من باطل ~~وزور فقال - تعالى { وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من ~~عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من ~~عندك قل كل من عند الله }. أى إن هؤلاء المنافقين ~~وأشباههم، من ضعاف الإيمان وإخوانهم فى الكفر بلغ بهم الفجور أنهم إذا ~~أصابتهم حال حسنة من نعمة أو رخاء أو خصب أو غنيمة أو ms1221 ظفر قالوا هذه ~~الحال من عند الله، وإذا أصابتهم حال سيئة من جدب أو مصيبة أو هزيمة ~~قالوا هذه الحال من عندك يا محمد بسبب شؤمك وسوء قيادتك - وحاشاه من ذلك ~~صلى الله عليه وسلم -. وهذا القول منهم قريب من قول قوم فرعون لموسى - ~~عليه السلام - كما حكاه القرآن عنهم فى قوله # فإذا جآءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن ~~تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه # قال القرطبى نزلت هذه الآية فى اليهود والمنافقين، وذلك أنهم لما قدم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة عليهم قالوا ما زلنا نعرف النقص فى ~~ثمارنا ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه. قال ابن عباس ومعنى { ~~من عندك } أى بسوء تدبيرك. # وقيل { من عندك } أى بشؤمك الذى لحقنا، قالوه على جهة التطير ". ~~وقوله { قل كل من عند الله } أمر من الله لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم بأن يرد على مزاعمهم الباطلة. أى قل لهم يا محمد كل واحدة من ~~النعمة والمصيبة هى من جهة الله - تعالى خلقا وإيجادا من غير أن يكون لى ~~مدخل فى وقوع شئ منها بوجه من الوجوه كما تزعمون وقوله { فمال ~~هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا } جملة ~~معترضة مسوقة لتعييرهم بالجهل والغباوة، والفاء فى قوله { فمال } ~~لترتيب ما بعدها على ما قبلها والمعنى. وإذا كان الأمر كذلك وهو أن كل شئ ~~من عند الله، فمال هؤلاء القوم من المنافقين وإخوانهم فى الكفر وضعف ~~الإيمان لا يكادون - لانطماس بصيرتهم - يفقهون ما يلقى عليهم من مواعظ، ~~ولا يفهمون معنى ما يسمعون وما يقولون، إذ لو فقهوا شيئا مما يوعظون به ~~لعلموا أن الله هو القابض الباسط، وأنه المعطى المانع. قال - تعالى - # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز ~~الحكيم # وقوله - تعالى - { مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ ~~أصابك من سيئة فمن نفسك } الخطاب فيه للنبى صلى الله ~~عليه وسلم والمراد كل مكلف من أمته. والمراد بالحسنة ما يسر ms1222 له الإنسان ~~ويفرح به، والمراد بالسيئة ما يسوءه ويحزنه. والمعنى { مآ أصابك ~~من حسنة } أى من نعمة وأمور حسنة تفرح بها { فمن الله } أى ~~فبتوفيقه لك وتفضله عليك، وإرشادك إلى الوسائل التى أوصلتك إلى ما يسرك. ~~{ ومآ أصابك من سيئة } أى من مصيبة أو غيرها مما يحزن { ~~فمن نفسك } أى فمن نفسك بسبب وقوعها فيما نهى الله عنه، وتركها ~~للأسباب الموصلة إلى النجاح، كما قال - تعالى # ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفوا عن كثير # وروى الترمذى عن أبى موسى الأشعرى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال # " لا يصيب عبدا نكتة فما فوقها أو دونها إلا بذنب. وما يعفو الله عنه ~~أكثر " # قال وقرأ { ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم ويعفوا عن كثير }. وروى ابن عساكر عن البراء - رضى ~~الله عنه - عن النبى صلى الله عليه وسلم قال # " ما من عثرة ولا اختلاج عرق ولا خدش عود إلا بما قدمت أيدكم. وما يعفو ~~الله أكثر ". # وعلى هذا يكون قوله - تعالى - { مآ أصابك من حسنة }.. إلخ ~~من كلام الله - تعالى - والخطاب فيه للنبى صلى الله عليه وسلم والمراد به ~~كل مكلف - كما سبق أن أشرنا - وقد ساقه - سبحانه - على سبيل الاستئناف ~~ردا على مزاعم المنافقين ومن هم على شاكلتهم فى الكفر وضعف الإيمان. # وقيل إن هذه الآية حكاية من الله - تعالى - لأقوال المنافقين السابقة، ~~فكأنهم لم يكتفوا بأن ينسبوا للرسول صلى الله عليه وسلم أنه السبب فيما ~~أصابهم من جدب وهزيمة. بل أضافوا إلى ذلك قولهم له إن ما أصابك من حسنة ~~فمن الله ولا فضل لك فيما نلت من نصر أو غنيمة، وما أصابك من سيئة أى ~~هزيمة أو مصيبة فمن سوء صنعك وتصرفك. ومقصدهم من ذلك - قبحهم الله - ~~تجريد النبى صلى الله عليه وسلم من كل فضل، وإلقاء اللوم عليه فى كل ما ~~يصبهم من مصائب. وقد أشار القرطبى إلى هذين القولين بقوله قوله - تعالى - ~~{ مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من ~~سيئة فمن ms1223 نفسك } الخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم والمراد ~~أمته. أى ما أصابكم يا معشر الناس من خصب واتساع رزق فمن تفضل الله ~~عليكم، وما أصابكم من جدب وضيق رزق فمن أنفسكم أى من أجل ذنوبكم وقع ذلك ~~بكم. وقيل فى الكلام حذف تقديره يقولون. وعليه يكون الكلام متصلا، ~~والمعنى { فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون ~~حديثا } حتى يقولوا { مآ أصابك من حسنة فمن الله ~~ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك }. وقال الجمل فإن قلت ~~كيف وجه الجمع بين قوله - تعالى { قل كل من عند الله } وبين ~~قوله { مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من ~~سيئة فمن نفسك } فأضاف السيئة إلى فعل العبد فى هذه الآية - ~~بينما أضاف الكل إلى الله فى الآية السابقة -؟ قلت أما إضافة الأشياء ~~كلها إلى الله فى الآية السابقة فى قوله { قل كل من عند ~~الله } فعلى الحقيقة، لأن الله هو خالقها وموجدها. وأما إضافة السيئة ~~إلى فعل العبد فى قوله { ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك ~~} فعلى سبيل المجاز. والتقدير وما أصابك من سيئة فمن أجلها وبسبب ~~اقترافها الذنوب. وهذا لا ينافى أن خلقها من الله - كما سبق. وقال بعض ~~العلماء والتوفيق بين قوله - تعالى - { مآ أصابك من حسنة } ~~وبين قوله قبل ذلك { قل كل من عند الله } هو أن قوله { قل ~~كل من عند الله } كان موضوعه الكلام فى تقدير الله. فهم إن ~~انتصر المؤمنون لا ينسبون للنبى صلى الله عليه وسلم أى فضل، بل يجردونه ~~من الفضل ويقولون هو من عند الله. وما قصدوا التفويض والإيمان بالقدر، ~~بل قصدوا الغض من مقام النبوة. فإن كان هناك خير نسبوه إلى الله وإن كان ~~ما يسوء نسبوه إلى النبى صلى الله عليه وسلم إيذاء وتمردا. فالله تعالى - ~~قال لهم { قل كل من عند الله } ، أى كل ذلك بتقدير الله ~~وإرادته. # أما قوله { ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك } فموضوعه ~~اتخاذ الأسباب. ومعناه أن من أخذ بالأسباب وتوكل على الله فالله - تعالى ~~- يعطيه النتائج ms1224 ومن لا يتخذ الأسباب، أو يخالف المنهاج السليم الموصل ~~إلى الثمرة، فإنه سيناله ما يسوؤه، وبسب منه. فالأول لبيان القدر. ~~والثاني لبيان العمل. هذا، وقوله - تعالى - { وأرسلناك للناس ~~رسولا وكفى بالله شهيدا } بيان لجلال منصبه وعلو مكانته ~~صلى الله عليه وسلم عند ربه - عز وجل - بعد بيان بطلان زعمهم الباطل فى ~~حقه عليه الصلاة والسلام. أى وأرسلناك - يا محمد - بأمرنا وبشريعتنا ~~لتليغ الناس ما أمرناك بتبليغه، ولتخرجهم من ظلمات الجهالة والكفر إلى ~~نور التوحيد والإيمان { وكفى بالله شهيدا } على صحة رسالتك، ~~وعلى صدقك فيما تبلغه عنه، وإذا ثبت ذلك فالخير فى طاعتك والشر والشؤم فى ~~مخالفتك. والمراد بالناس جميعهم. أى وأرسلناك لجميع الناس كما قال - ~~تعالى - # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # وقوله { رسولا } حال مؤكدة لعاملها وهو أرسلناك. وقوله { وكفى ~~بالله شهيدا } تثبيت وتقوية لقلب النبى صلى الله عليه وسلم. أى ~~امض فى طريقك ولا تلتفت إلى أقوالهم، وكفى بالله عليك وعليهم شهيدا، فإنه ~~- سبحانه - لا يخفى عليه أمرك وأمرهم. ثم بين - سبحانه - أن طاعة رسوله ~~صلى الله عليه وسلم إنما هى طاعة له فقال { من يطع الرسول ~~فقد أطاع الله }. اى من يستجب لما يدعوه إليه محمد صلى الله ~~عليه وسلم ويذعن لتعاليمه، فإنه بذلك يكون مطيعا لله، لأن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم مبلغ لأمر الله ونهيه. وقوله { ومن تولى فمآ ~~أرسلناك عليهم حفيظا } بيان لوظيفة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم. أى من أطاعك يا محمد فقد أطاع الله، ومن أعرض عن طاعتك وعصى أمرك، ~~فعلى نفسه يكون جانيا، لأننا ما أرسلناك على الناس حافظا ورقيبا ~~لأعمالهم، وإنما أرسلناك مبلغا ومنذرا. وجواب الشرط فى قوله { ومن ~~تولى } محذوف. أى ومن تولى فأعرض عنه فإنا ما أرسلناك عليهم حفيظا. ~~قال الآلوسى وقوله - تعالى - { من يطع الرسول فقد أطاع ~~الله } بيان لإحكام رسالته إثر بيان تحققها. وإنما كان الأمر كذلك ~~لأن الآمر والناهى فى الحقيقة هو الحق - سبحانه - والرسول إنما هو مبلغ ~~للأمر والنهى فليست الطاعة له بالذات إنما هى ms1225 لمن بلغ عنه. وفى بعض ~~الآثار أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقول # " من أحبنى فقد أحب الله، ومن أطاعنى فقد أطاع الله " # فقال المنافقون ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل؟ لقد قارف الشرك، وهو ~~نهى أن يعبد غير الله. ما يريد إلا أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى ~~- عليه السلام - فنزلت ". ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك جانبا آخر من صفات ~~المنافقين ومن على شاكلتهم من ضعاف الإيمان حتى يحذرهم المؤمنون ~~الصادقون فقال - تعالى - { ويقولون طاعة....إلا قليلا }. ### || [4.81-83] # والضمير فى قوله { ويقولون } للمنافقين ومن يلفون لفهم. أى أن ~~هؤلاء المنافقين إذا أمرتم يا محمد بأمروهم عندك يقولون طاعة أى أمرنا ~~وشأننا طاعة. يقولون ذلك بألسنتهم أما قلوبهم فهى تخالف ألسنتهم. وقوله { ~~طاعة } خبر لمبتدأ محذوف وجوبا أى أمرنا طاعة. ويجوز النصب على معنى ~~أطعناك طاعة. كما يقول المأمور لمن أمره سمعا وطاعة، وسمع وطاعة. قال ~~صاحب الكشاف ونحوه قول سيبويه سمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال له كيف ~~أصبحت؟ فيقول حمد الله وثناء عليه، كأنه قال أمرى وشأنى حمد الله. ولو ~~نصب " حمد الله " كان على الفعل. والرفع يدل على ثبات الطاعة واستقرارها. ~~ثم حكى - سبحانه - ما يكون عليه أمر هؤلاء المنافقين بعد خروجهم من عند ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فقال { فإذا برزوا من عندك ~~بيت طآئفة منهم غير الذي تقول }. وقوله { بيت ~~} من التبييت واشتقاقه - كما يقول الفخر الرازى - من البيتوتة، لأن أصلح ~~الأوقات للفكر أن يجلس الإنسان فى بيته بالليل، فهناك تكون الخواطر ~~أخلى، والشواغل أقل. لا جرم سمى الفكر المستقصى مبيتا. أو من بيت الشعر، ~~لأن العرب إذا أرادوا قرض الشعر بالغوا فى التفكر فيه... والمراد زور ~~وموه ودبر. والمعنى أن هؤلاء المنافقين إذا كانوا عندك - يا محمد - ~~وأمرتهم بأمر قالوا طاعة، فإذا ما خرجوا من عندك وفارقوك دبر وأضمر طائفة ~~منهم وهم رؤساؤهم { غير الذي تقول } أى خلاف ما قلت لتلك ~~الطائفة أو قالت لك من ضمان الطاعة. فهم أمامك يظهرون الطاعة ms1226 المطلقة، ~~ومن خلفك يدبرون ويضمرون ما يناقض هذه الطاعة ويخالفها. والتعبير عن ~~الخروج بالبروز للإشارة إلى تفاوت ما بين أحوالهم، وتناقض مظهرهم مع ~~خبيئتهم. وإسناد هذا التبييت إلى طائفة منهم، لبيان أنهم هم المتصدون له ~~بالذات، أما الباقون فتابعون لهم فى ذلك، لا أنهم ثابتون على الطاعة. ~~وقوله { والله يكتب ما يبيتون } أى يثبته فى صحائف ~~أعمالهم. ويفضحهم بسبب سوء أعمالهم فى الدنيا، ثم يجازيهم على هذا النفاق ~~بما يستحقون فى الآخرة، فالجملة الكريمة تهديد لهم على سوء صنيعهم، لعلهم ~~يكفون عن هذا النفاق، وتطمين للنبى صلى الله عليه وسلم بأنه - سبحانه - ~~سيطلعه على مكرهم السئ لكى يتقى شرهم، ولذا فقد أمره - سبحانه - بعدم ~~الالتفات إليهم، وبالتوكل عليه - تعالى - وحده فقال { فأعرض ~~عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا }. أى ~~إذا كان هذا هو شأنهم يا محمد. فلا تكثرت بهم، ولا تلتفت إليهم، وسر فى ~~طريقك متوكلا على الله، ومتعمدا على رعايته وحفظه، وكفى بالله وكيلا ~~وكفيلا لمن توكل عليه، واتبع أمره ونهيه. # فانت ترى أن الاية الكريمة قد كشفت عن جانب من صفات المنافقين وأحوالهم، ~~ثم هددتهم على جرائمهم، ورسمت للنبى صلى الله عليه وسلم الخطة الحكيمة ~~لعلاجهم واتقاء شرهم. ثم أنكر - سبحانه - على هؤلاء المنافقين وأشباههم ~~عدم تدبرهم للقرآن وحضهم على تأمل حكمه وأحكامه وهدايته فقال { أفلا ~~يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله ~~لوجدوا فيه اختلافا كثيرا }. وقوله { يتدبرون } من ~~التدبير، وتدبر الأمر - كما يقول الزمخشرى - تأمله والنظر فى أدباره وما ~~يئول اليه فى عاقبته ومنتهاه، ثم استعمل فى كل تأمل فمعنى تدبر القرآن ~~تأمل معانيه وتبصر ما فيه. والاستفهام لإنكار عدم تدبرهم، والتعجيب من ~~استمرارهم فى جهلهم ونفاقهم مع توفر الأسباب التى توصلهم إلى الهداية ~~وعلى رأسها تدبر القرآن وتفهم معانيه. والفاء للعطف على مقدر. أى أيعرضون ~~عن القرآن فلا يتأملون فيه. والمعنى إن هؤلاء المنافقين والذين فى قلوبهم ~~مرض قد خيب الله سعيهم، وكشف خباياهم، ورأوا بأعينهم سوء عاقبة الكافرين ~~وحسن عاقبة المؤمنين، فهلا ms1227 دفعهم ذلك إلى الإيمان وإلى تدبر القرآن وما ~~اشتمل عليه من هدايات وإرشادات وأخبار صادقة، وأحكام حكيمة.. تشهد بأنه ~~من عند الله - تعالى -، ولو كان هذا القرآن من عند غير الله أى من إنشاء ~~البشر لوجدوا فى أخباره وفى نظمه وفى أسلوبه وفى معانيه اختلافا كثيرا ~~فضلا عن الاختلاف القليل، ولكن القرآن لأنه من عند الله وحده قد تنزه عن ~~كل ذلك وخلا من كل اختلاف سواء أكان كثيرا أم قليلا. فالمراد بالاختلاف ~~تباين النظم، وتناقض الحقائق، وتعارض الأخبار وتضارب المعانى، وغير ذلك ~~مما خلا منه القرآن الكريم لأنه يتنافى مع بلاغته وصدقه. وفى ذلك يقول ~~صاحب الكشاف قوله { لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } أى لكان ~~الكثير منه مختلفا متناقضا قد تفاوت نظمه وبلاغته ومعانيه فكان بعضه ~~بالغا حد الإعجاز. وبعضه قاصرا عنه تمكن معارضته، وبعضه إخبارا يغيب قد ~~وافق المخبر عنه، وبعضه إخبارا مخالفا للمخبر عنه، وبعضه دالا على معنى ~~صحيح عند علماء المعانى، وبعضه دالا على معنى فاسد غير ملتئم. فلما تجاوب ~~كله بلاغة معجزة فائقة لقوى البلغاء، وتناصر معان، وصدق أخبار دل على أنه ~~ليس إلا من عند قادر على ما لم يقدر عليه غيره، عالم بما لا يعلمه أحد ~~سواه ". فالآية الكريمة تدعو الناس فى كل زمان ومكان إلى تدبر القرآن ~~الكريم وتأمل أحكامه، والانقياد لما اشتمل عليه من توجيهات وإرشادات ~~وأوامر ونواه، ليسعدوا فى دنياهم وآخرتهم. ثم حكى القرآن بعد ذلك مسلكا ~~آخر من المسالك الذميمة التى عرفت عن المنافقين وضعفاء النفوس فقال - ~~تعالى - { وإذا جآءهم أمر من الأمن أو الخوف ~~أذاعوا به }. والمراد بالأمر هنا الخبر الذى يكون له أثر إذا أشيع ~~وأذيع. # وقوله { أذاعوا به } أى نشروه وأشاعوه. يقال أذاع الخبر وأذاع به ~~أفشاه وأعلنه. والمعنى أن هؤلاء الذين فى قلوبهم مرض إذا سمعوا شيئا من ~~الآخبار التى تتعلق بأمن المسلمين أو خوفهم أذاعوها وأظهروها قبل أن ~~يقفوا على حقيقتها. قال الآلوسى والكلام مسوق لبيان جناية أخرى من جنايات ~~المنافقين، أو لبيان جناية الضعفاء ms1228 أثر بيان جناية المنافقين، وذلك أنهم ~~كانوا إذا غزت سرية من المسلمين قالوا عنها أصاب المسلمون من عدوهم كذا. ~~وأصاب العدو من المسلمين كذا وكذا من غير أن يكون النبى صلى الله عليه ~~وسلم هو الذى يخبرهم به. وقيل كان الضعفاء يسمعون من أفواه المنافقين ~~شيئا من الخبر عن السرايا مظنون غير معلوم الصحة فيذيعونه قبل أن يحققوه ~~فيعود ذلك وبالا على المؤمنين ". ثم بين - سبحانه - ما كان يجب عليهم ~~فعله فقال - { ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي ~~الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم }. ~~والمراد بأولى الأمر كبار الصحابة البصراء بالأمور. وقيل المراد بهم ~~الولاة وأمراء السرايا. ويستبطونه أى يستخرجونه. والاستنباط - كما يقول ~~القرطبى - مأخوذ من استنبطت الماء إذا استخرجته. والنبط الماء المستنبط ~~أول ما يخرج من ماء البئر أول ما تحفر. وسمى النبط نبطا لأنهم يستخرجون ~~ما فى الأرض ". والمعنى أن هؤلاء المنافقين وضعاف الإيمان كان من شأنهم ~~وحالهم أنهم إذا سمعوا شيئا من الأمور فيه أمن أو خوف يتعلق بالمؤمنين ~~أشاعوه وأظهروه بدون تحقق أو تثبت، بقصد بلبلة الأفكار، واضطراب حال ~~المؤمنين، ولو أن هؤلاء المنافقين ومن يستمعون إليهم ردوا ذلك الخبر الذى ~~جاءهم والذى أشاعوه بدون تثبت، لو أنهم ردوه الى الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وإلى كبار الصحابة البصراء فى الأمور { لعلمه } أى لعلم حقيقة ~~ذلك الخبر { الذين يستنبطونه } أى الذين يستخرجونه ~~ويستعملونه ويتطلبونه وهم المنافقون المذيعون للأخبار { منهم } أى من ~~الرسول وأولى الأمر. أى لو أن أولئك المنافقين وأشباههم الذين يستخرجون ~~الأخبار ويذيعونها بغير تثبت سكتوا عن إذاعتها وردوا الأمر فى شأنها إلى ~~الرسول وإلى كبار أصحابه، لو أنهم فعلوا ذلك لعلموا من جهة الرسول وجهة ~~كبار أصحابه حقيقة تلك الأخبار، وما يجب عليهم نحوها من كتمان أو إذاعة. ~~وعلى هذا يكون الضمير فى قوله { منهم } فى الموضعين يعود إلى الرسول ~~وإلى أولى الأمر. ويكون المراد بالذين يستنبطونه المنافقون وضعاف ~~الإيمان الذين يذيعون الأخبار ويكون فى الكلام إظهار فى مقام الإضمار ~~حيث قال سبحانه - { لعلمه ms1229 الذين يستنبطونه منهم } ~~ولم يقل لعلموه منهم، وذلك لزيادة تقرير الغرض المسوق له الكلام، ~~وللمبالغة فى ذمهم على بحثهم وراء الأخبار الخفية الهامة واستنباطها ~~وتطلبها ثم إذاعتها بقصد الإضرار بمصلحة المسلمين. # وقد ذكر الفخر الرازى فى المراد بالذين يستنطبونه وجها آخر فقال وفى ~~قوله { الذين يستنبطونه منهم } قولان الأول أنهم أولئك ~~المنافقون المذيعون. والتقدير لو أن هؤلاء المنافقين المذيعين للأخبار ~~ردوا أمر الأمن والخوف إلى الرسول وإلى أولى الأمر، وطلبوا معرفة الحال ~~فيه من جهتهم، لعلمه الذين يستنطبونه وهم هؤلاء المنافقون المذيعون { ~~منهم } أى من جانب الرسول ومن جانب أولى الأمر. والقول الثانى أنهم ~~طائفة من أولى الأمر. والتقدير ولو أن المنافقين ردوا إلى الرسول وإلى ~~أولى الأمر لكان علمه حاصلا عند من يستنبط هذه الوقائع من أولى الأمر، ~~وذلك لأن أولى الأمر فريقان بعضهم من يكون مستنبطا، وبعضهم من لا يكون ~~كذلك. فقوله { منهم } يعنى لعلمه الذين يستنبطون المخفيات من طوائف ~~أولى الأمر. فإن قيل إذا كان الذين أمرهم الله برد هذه الاخبار إلى ~~الرسول وإلى المؤمنين هم المنافقون فكيف جعل أولى الأمر منهم فى قوله { ~~وإلى أولي الأمر منهم }؟ قلنا إنما جعل أولى الأمر منهم ~~على حسب الظاهر. لأن المنافقين يظهرون من أنفسهم أنهم يؤمنون. ونظيره ~~قوله - تعالى - # وإن منكم لمن ليبطئن # ثم ختم - سبحانه - الآية ببيان فضله على عباده فقال { ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا ~~قليلا }. أى ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم - أيها المؤمنون - ~~بتوفيقه إياكم إلى الخير والطاعة، لوقعتم فى إغواء الشيطان كما وقع هؤلاء ~~المنافقون وأشباههم، إلا عددا قليلا منكم وهم الذين أخلصوا دينهم لله ~~واعتصموا به فصاروا لا سبيل للشيطان عليهم كما قال - تعالى - # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان # هذا. ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة وجوب ~~عدم إذاعة الأخبار - خصوصها فى حالات الحرب - إلا بعد التأكد من صحتها ~~ومن عدم إضرارها بمصلحة المسلمين. وفى ذلك يقول الإمام ابن كثير قوله - ~~تعالى - { وإذا جآءهم أمر ms1230 من الأمن أو الخوف ~~أذاعوا به } إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها فيخبر بها ~~ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحة. وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال # " كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع ". # وفى الصحيحين عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى ~~عن قيل وقال. أى الذى يكثر من الحديث عما يقول الناس من غير تثبت ولا ~~تدبر ولا تبين. وفى الصحيح # " من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ". # وفى سنن أبى داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " بئس مطية الرجل زعموا ". # وقد عدد الفخر الرازى المضار التى تعود على الأمة بسبب إذاعة الأخبار ~~بدون تثبت فقال وكان سبب الضرر من إذاعة هذه الأخبار من وجوه الأول أن ~~مثل هذه الإرجافات لا تنفك عن الكذب الكثير. # الثاني أنه إذا كان ذلك الخبر فى جانب الأمن زادوا فيه زيادات كثيرة. ~~فإذا لم توجد فيه تلك الزيادات، أورث ذلك شبهة للضعفاء فى صدق الرسول صلى ~~الله عليه وسلم لأن المنافقين كانوا يروون هذه الإرجافات عن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم. وإن كان ذلك فى جانب الخوف تشوش الأمر بسببه على ضعفاء ~~المسلمين، ووقعوا عنده فى الحيرة والاضطراب، فكانت تلك الإرجافات سببا ~~للفتنة من هذا الوجه. الثالث أن الإرجاف سبب لتوفير الدواعى على البحث ~~الشديد والاستقصاء التام. وذلك سبب لظهورا لأسرار. وذلك ما لا يوافق ~~المصحلة. الرابع أن العداوة الشديدة كانت قائمة بين المسلمين والكفار. ~~فكل ما كان أمنا لأحد الفريقين كان خوفا للفريق الثانى. فإن قوع خبر ~~الأمن للمسلمين وحصول العسكر وآلات الحرب لهم. أرجف المنافقون بذلك، فوصل ~~الخبر إلى الكفار فأخذوا فى التحصن من المسلمين. وإن وقع خبر الخوف ~~للمسلمين بالغوا فى ذلك وزادوا فيه. فظهر من ذلك أن ذلك الإرجاف كان ~~منشأ للفتن والآفات من كل الوجوه. ولما كان الأمر كذلك ذم الله - تعالى - ~~تلك الإذاعة ms1231 وذلك التشهير ومنعهم منه. وقال الشيخ محمد المنير - الذى ~~عاصر الحروب الصليبية - معلقا على هذه الآية فى هذه الآية تأديب لمن يحدث ~~بكل ما يسمع وكفى به كذبا وخصوصا عن مثل السرايا والمناصبين الأعداء ~~العداوة، والمقيمين فى نحر العدو. وما أعظم المفسدة فى لهج العامة بكل ما ~~يسمعون من أخبارهم خيرا أو غيره. ولقد جربنا ذلك فى زماننا هذا منذ طرق ~~العدو المخذول البلاد - طهرها الله منه وصانها من رجسه ونجسه، وعجل ~~للمسلمين الفتح وأنزل عليهم السكينة والنصر. والخلاصة، أن إذاعة الأخبار ~~بدون تثبت - خصوصا فى أوقات الحروب تؤدى إلى أعظم المفاسد والشرور، لأنها ~~إن كانت تتعلق بالأمن فإنها قد تحدث لونا من التراخى وعدم أخذ الحذر، وإن ~~كانت تتعلق بالخوف فإنها قد تحدث بلبلة واضطرابا فى الصفوف. والمجتمع ~~الذى يكثر فيه العقلاء الفطناء هو الذى تقل فيه إذاعة الأخبار إلا من ~~مصادرها الأصلية، وهو الذى يرجع أفراده فى معرفة الحقائق إلى العلماء ~~المتخصصين. وهكذا نرى الآية الكريمة تغرس فى نفوس المؤمنين أسمى ألوان ~~الإخلاص لدينهم ودولتهم وقيادتهم، فهى فى مطلعها تنكر عليهم إذاعة ~~الاخبار بدون تحقق من صدقها ومن فائدتها، وفى وسطها تأمرهم بأن يرجعوا ~~إلى حقائق دينهم وإلى الحكام العادلين، والعلماء المخصلين الذين يعرفون ~~الأمور على وجهها ليسألوهم عما يريدون معرفته، وفى آخرها تذكرهم بفضل ~~الله عليهم ورحمته بهم حتى يداوموا على طاعته، ويشكروه على نعمه. وبعد ~~هذا الحديث الحكيم عن أحوال المنافقين وضعفاء الإيمان، وعن تباطئهم عن ~~الجهاد وإشاعتهم للأخبار بدو تثبت، بعد كل ذلك أمر الله - تعالى - نبيه ~~محمدا صلى الله عليه وسلم أن يستمر فى قتاله للمشركين، وأن يحرض أصحابه ~~على ذلك، كما أرشد - سبحانه - المؤمنين إلى طائفة من مكارم الأخلاق التى ~~تقوى رابطتهم فقال - تعالى - { فقاتل في سبيل....من الله ~~حديثا }. ### || [4.84-87] # والفاء فى قوله { فقاتل } للإفصاح عن جواب شرط مقدر. أى إذا كان ~~الأمر كما حكى - سبحانه - عن المنافقين وكيدهم... فقاتل أنت يا محمد من ~~أجل إعلاء كلمة الله ولا تلتفت إلى أفعالهم وأقوالهم. ms1232 وقوله { لا ~~تكلف إلا نفسك } أى قاتل - يا محمد - فى سبيل إعلاء كلمة ~~الله، والله - تعالى - لا يكلفك إلا فعل نفسك، فتقدم للجهاد ولا تلتفت ~~إلى تباطؤ المتباطئين، أو تخذيل المخذلين، فإن الله هو ناصرك لا الجنود، ~~فإن شاء نصرك وحدك كما ينصرك وحولك الألوف. وجملة { لا تكلف إلا ~~نفسك } فى محل نصب على الحال من فاعل فقاتل أى فقاتل حال كونك غير ~~مكلف إلا نفسك وحدها. قال صاحب الكشاف قيل دعا النبى صلى الله عليه وسلم ~~الناس فى بدر الصغرى إلى الخروج، وكان أبو سفيان قد واعد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم اللقاء فيها. فكره بعضهم أن يخرجوا فنزلت فخرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وما معه إلا سبعون لم يعولوا على أحد. ولو لم يتبعه ~~أحد لخرج وحده، وقرئ { لا تكلف } بالجزم على النهى. ولا نكلف ~~بالنون وكسر اللام. أى لا نكلف نحن نفسك وحدها ". وقوله { وحرض ~~المؤمنين } أى حثهم على القتال ورغبهم فيه، حتى ينفروا معك خفافا ~~وثقالا من أجل نصرة الحق والدفاع عن المظلومين. ولقد استجاب النبى صلى ~~الله عليه وسلم لهذه الأوامر، وأعد نفسه لقتال أعدائه، ورغب أتباعه فى ~~ذلك، ولذا قال صلى الله عليه وسلم عندما أذن الله له فى القتال # " والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتى " # أى حتى أموت. ولقد اقتدى به أبو بكر الصديق فى حروب الردة فقال والله ~~لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعونى عناقا كانوا يؤدونها ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. ولو خالفتنى يمينى ~~لجاهدتهم بشمالى. ولقد استفاضت أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم فى ترغيب ~~أمته فى الجهاد، ومن ذلك قوله لأصحابه يوم بدر وهو يسوى الصفوف قوموا إلى ~~جنة عرضها السماوات والأرض. قال الفخر الرازى دلت الآية الكريمة على أنه ~~صلى الله عليه وسلم كان أشجع الخلق وأعرفهم بكيفية القتال، لأنه - تعالى ~~- ما كان يأمره إلا وهو صلى الله عليه وسلم موصوف بهذه الصفات. ولقد ~~اقتدى به أبو بكر - رضى ms1233 الله عنه - حيث حاول الخروج وحده لقتال ما نعى ~~الزكاة، ومن علم أن الأمر كله بيد الله، وأنه لا يحصل أمر من الأمور إلا ~~بقضاء الله سهل عليه ذلك. ودلت الآية على أنه صلى الله عليه وسلم لو لم ~~يساعده على القتال لم يجز له التخلف عن الجهاد ". # وقوله { عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ~~والله أشد بأسا وأشد تنكيلا } بشارة للمؤمنين، ووعد ~~منه - سبحانه - بحسن عاقبتهم وسوء عاقبة الكافرين. و { عسى } حرف ترج. ~~وهو هنا يفيد التحقق واليقين، لأنه صادر عن الله - تعالى -، الذى لا يخلف ~~وعده. وفى التعبير بها تعليم للمؤمنين الأدب فى القول حتى لا يجزمون بأمر ~~يتعلق بالمستقبل، بل يسددون ويقاربون ويباشرون الأسباب ثم بعد ذلك يتركون ~~النتائج لله - تعالى - والمعنى قاتل يا محمد فى سبيل الله وحرض المؤمنين ~~على ذلك، عسى الله - تعالى - { أن يكف بأس الذين كفروا } ~~أى يمنع قتالهم وصولتهم وطغيانهم { والله أشد بأسا } أى أشد ~~صولة وأعظم سلطانا، وأقدر بأسا على ما يريده { وأشد تنكيلا } أى ~~أشد عقوبة وتعذيبا. والتنكيل مصدر من قول القائل نكلت بفلان فأنا أنكل به ~~تنكيلا إذا أوجعته عقوبة، وجعلته عبرة لغيره. وأصله التعذيب بالنكل وهو ~~القيد، ثم استعمل فى كل تعذيب بلغ الغاية فى الشدة والألم. وأفعل التفضيل ~~{ وأشد } ليس على بابه، لأن بأس المشركين لا قيمة له بجانب بأس الله ~~- تعالى - وقوته ونفاذ أمره. وعذابهم لغيرهم من الضعفاء لا وزن له بجانب ~~عذابه - سبحانه - للظالمين، لأن عذابهم لغيرهم يمكن التخلص منه أما عذابه ~~- سبحانه - فلا يمكن التخلص منه ولأن عذابهم لغيرهم سينتهى مهما طال، أما ~~عذابه - سبحانه - للكافرين الظالمين فهو باق دائم لا ينتهى ولا يزول. ~~والمقصود من هذا التذييل تهديد الكافرين بسوء المصير وتشجيع المؤمنين على ~~قتالهم، وبشارتهم النصر عليهم. قال القرطبى قوله - تعالى - { عسى ~~الله أن يكف بأس الذين كفروا } إطماع، والإطماع من ~~الله - تعالى - واجب لأن إطماع الكريم إيجاب.. فإن قال قائل نحن نرى ~~الكفار فى بأس وشدة، وقلتم إن عسى بمعنى ms1234 اليقين فأين ذلك الوعد؟ قيل له ~~قد وجد هذا الوعد ولا يلزم وجوده على الاستمرار والدوام. فمتى وجد ولو ~~لحظة مثلا فقد صدق الوعد فقد كف الله بأس المشركين فى بدر الصغرى. وفى ~~الحديبية وفى غزوة الأحزاب حيث ألقى الله - تعالى - فى قلوب الأحزاب ~~الرعب فانصرفوا دون أن ينالوا خيرا # وكفى الله المؤمنين القتال # فهذا كله بأس قد كفه الله عن المؤمنين. ثم رغب - سبحانه المؤمنين فى ~~التوسط فى الخير، وحذرهم من التوسط فى الشر، فقال { من يشفع ~~شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع ~~شفاعة سيئة يكن له كفل منها }. والشفاعة هى التوسط ~~بالقول فى وصول إنسان إلى منفعة دنيوية أو أخروية، أو إلى إنقاذه من ~~مضرة. وهى مأخوذة من الشفع وهو الزوج فى العدد ضد الوتر. # فكأن المشفوع له كان وترا فجعله الشفيع شفعا. والنصيب الحظ من كل شئ. ~~والكفل الضعف والنصيب والحظ. قال الجمل واستعمال الكفل فى الشر أكثر من ~~استعمال النصيب فيه وإن كان كل منهما قد يستعمل فى الخير كما قال - تعالى ~~- # يؤتكم كفلين من رحمته # ولقلة استعمال النصيب فى الشر وكثرة استعمال الكفل فيه غاير بينهما فى ~~الآية الكريمة حيث أتى بالكفل مع السيئة وبالنصيب مع الحسنة ". والمعنى ~~من يشفع شفاعة حسنة، أى يتوسط فى أمر يترتب عليه خير { يكن له ~~نصيب منها } أى يكن له ثواب هذه الشفاعة الحسنة. { ومن يشفع ~~شفاعة سيئة } وهى ما كانت فى غير طريق الخير { يكن له ~~كفل منها } أى يكن له نصيب من وزرها وإثمها، لأنه سعى فى الفساد ~~ولم يسع فى الخير. وإطلاق الشفاعة على السعى فى الشر من باب المشاكلة، ~~لأن الشافعة لا تطلق إلا على الوساط فى الخير. والآية الكريمة وإن كانت ~~واردة على سبيل التعميم فى بيان جزاء كل شفاعة حسنة أو كل شفاعة سيئة، ~~إلا أن المقصود بها قصدا أوليا ترغيب المؤمنين فى أن يعاون بعضهم بعضا ~~على الجهاد فى سبيل الله، وفى انضمام بعضهم إلى بعض من أجل نصرة الحق، ms1235 ~~وتهديد المنافقين الذين كان يشفع بعضهم لبعض لكى يأذن لهم النبى صلى الله ~~عليه وسلم فى التخلف عن الجهاد. وقد رجح هذا الاتجاه الإمام ابن جرير ~~فقال ما ملخصه يعنى - سبحانه - بقوله { من يشفع شفاعة حسنة ~~يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة ~~يكن له كفل منها } من يصر يا محمد شفعا لوتر أصحابك، ~~فيشفعهم فى جهاد عدوهم وقتالهم فى سبيل الله، وهو الشفاعة الحسنة لم يكن ~~له نصيب منها، أى يكن له من شفاعته تلك نصيب، وهو الحظ من ثواب الله ~~وجزيل كرامته. ومن يشفع وتر أهل الكفر بالله على المؤمنين به، فيقاتلهم ~~وذلك هو الشفاعة السيئة يكن له كفل منها. يعنى بالكفل النصيب والحظ من ~~الوزر والإثم، وهو مأخوذ من كفل البعير والمركب، وهو الكساء أو الشئ ~~يهيأ عليه شبيه بالسرج على الدابة. يقال جاء فلان مكتفلا إذا جاء على ~~مركب قد وطئ له... وقد قيل إن الآية عنى بها شفاعة الناس بعضهم لبعض. ~~وغير مستنكر أن تكون الآية نزلت فيما ذكر، ثم عم بذلك كل شافع بخير أو ~~شر. وإنما اخترنا ما قلنا من القول فى ذلك لأنه فى سياق الآية التى أمر ~~الله نبيه فيها بحض المؤمنين على القتال. فكان ذلك بالوعد لمن أجاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والوعيد لمن أبى إجابته أشبه منه من الحث على ~~شفاعة الناس بعضهم لبعض التى لم يجر لها ذكر قبل. # ولا لها ذكر بعد. وقوله { وكان الله على كل شيء ~~مقيتا } تذييل قصد به تعريف الناس أنه - سبحانه - سيجازى كل إنسان ~~بعمله، حتى يكثروا من فعل الخير ويقلعوا عن فعل الشر. ومقيتا أى مقتدرا. ~~من أقات على الشئ اقتدر عليه. ومنه قول الزبير ابن عبد المطلب # وذى ضغن كففت النفس عنه وكنت على مساءته مقيتا # أى وكنت على رد إساءته مقتدرا. أو مقيتا معناها حفيظا من القوت وهو ما ~~يمسك الرق من الرزق وتحفظ به الحياة والمعنى وكان الله تعالى - وما زال ~~على كل شئ مقتدرا ms1236 لا يعجزه شئ، وحفيظا على أحوال الناس لا يغيب عنه شئ من ~~ذلك، وسيجازيهم بما يستحقون من ثواب أو عقاب. هذا وقد وردت أحاديث متعددة ~~فى الحض على الشفاعة الحسنة، ومن ذلك ما أخرجه الشيخان عن ابى موسى ~~الأشعرى قال # " " كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه ~~فقال " اشفعوا تؤجروا ويقضى الله على لسان نبيه ما أحب ". # قال صاحب الكشاف والشفاعة الحسنة هى التى روعى بها حق مسلم، ودفع بها ~~عنه شر أو جلب إليه خير، وابتغى بها وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، ~~وكانت فى أمر جائز، ولا فى حد من حدود الله ولا فى حق من الحقوق - يعنى ~~الواجبة عليه - والسيئة ما كانت بخلاف ذلك. وعن مسروق أنه شفع شفاعته. ~~فأهدى إليه المشفوع له جارية. فغضب وردها. وقال لو علمت ما فى قلبك ما ~~تكلمت فى حاجتك. ولا أتكلم فيما بقى منها ". وبعد أن أمر الله - تعالى - ~~عباده بالشفاعة الحسنة ونهاهم عن الشفاعة السيئة، أتبع ذلك بتعليمهم ادب ~~اللقاء والمقابلة حتى تزيد المودة والمحبة بينهم فقال - تعالى - { ~~وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ أو ~~ردوهآ }. والتحية تفعلة من حييت والأصل تحيية مثل ترضية وتسمية ~~فأدغموا الياء فى الياء. قال الراغب أصل التحية من الحياة، بأن يقال حياك ~~الله، أى جعل لك حياة، وذلك إخبار ثم جعل دعاء تحية. يقال حيا فلان فلانا ~~تحية إذا قال له ذلك. وكان من عادة العرب إذا لقى بعضهم بعضا أن يقولوا ~~على سبيل المودة حياك الله فلما جاء الإسلام أبدل ذلك بالسلام والأمان ~~بأن يقول المسلم لأخيه المسلم السلام عليكم وأضيف إليها الدعاء برحمة ~~الله وبركاته. قال ابن كثير قوله - تعالى - { وإذا حييتم ~~بتحية فحيوا بأحسن منهآ أو ردوهآ } أى إذا سلم ~~عليكم المسلم فردوا عليه بأفضل مما سلم، أوردوا عليه بمثل ما سلم. ~~فالزيادة مندوبة والمماثلة مفروضة. فعن سلمان الفارسى قال # " جاء رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال السلام عليكم يا رسول ~~الله. ms1237 فقال " وعليك السلام ورحمة الله " ثم جاء آخر فقال السلام عليك يا ~~رسول الله ورحمة الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " وعليك ~~السلام ورحمة الله وبركاته. ثم جاء ثالث فقال السلام عليك يا رسول الله ~~ورحمة الله وبركاته فقال له وعليك فقال له الرجل يا رسول الله، بأبى أنت ~~وأمى أتاك فلان وفلان فسلما عليك فرددت عليهما أكثر مما رددت على. فقال ~~إنك لم تترك لنا شيئا قال الله - تعالى - { وإذا حييتم ~~بتحية فحيوا بأحسن منهآ أو ردوهآ } فرددناها ~~عليك " # وفى الحديث دلالة على أنه لا زيادة فى السلام على هذه الصفة السلام ~~عليكم ورحمة الله وبركاته. إذ لو شرع أكثر من ذلك لزاده رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. فأنت ترى أن الآية الكريمة تدعو المؤمنين إلى أن يردوا ~~التحية على من يحيونهم وأن يفشوا هذه التحية بينهم، لأن إفشاءها يؤدى إلى ~~توثيق علاقات المحبة والمودة بين المسلمين. وقد ورد فى الحض على إفشاء ~~السلام أحاديث كثيرة منها ما رواه مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا. ألا أدلكم على شئ ~~إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم ". # وقوله { إن الله كان على كل شيء حسيبا } تذييل قصد ~~به بعث الناس على امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه. أى إن الله - تعالى ~~- كان وما زال مهيمنا على عباده، بصيرا بكل أقوالهم وأعمالهم، لا يخفى ~~عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء، وسيحاسب الناس يوم القيامة على أفعالهم، ~~وسيجازيهم عليها بما يستحقون # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # وإذا كان الأمر كذلك فالعاقل هو الذى يفعل ما أمره الله - تعالى - ~~بفعله، ويجتنب ما أمره الله - تعالى - باجتنابه. وهذا وقد تكلم العلماء ~~هنا كلاما طويلا فى كيفية السلام وفى فضله، وفى بعض أحكامه المأثورة، ~~فارجع إلى كلامهم إن شئت. ثم بين - سبحانه - أن مصير العبادة جميعا إليه ~~يوم ms1238 القيامة فقال - تعالى - { الله لا إله إلا هو ~~ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه }. أى ~~الله الواحد الأحد الفرد الصمد والذى لا معبود بحق سواه، كتب على نفسه ~~أنه ليبعثنكم من قبوركم وليحشرنكم إلى الحساب فى يوم القيامة الذى لا شك ~~فى حصوله ووقوعه. فالجملة الكريمة قررت أن العبادة الحق إنما هى لله رب ~~العالمين، كما قررت أن يوم الحساب آت لا شك فيه مهما أنكره الملحدون، ~~ومارى فيه الممارون. ولفظ الجلالة مبتدأ، وجملة { لا إله إلا ~~هو } خبر. # وقوله { ليجمعنكم } جواب قسم محذوف. أى والله ليحشرنكم من ~~قبوركم للحساب يوم القيامة. والجملة القسمية إما مستأنفة لا محل لها من ~~الإعراب، أو هى خبر ثان للمبتدأ أو هى الخبر وجملة لا إله إلا له ~~معترضة. وقوله { لا ريب } فى محل نصب على الحال من يوم إذ الضمير فى ~~قوله فيه يعود إلى اليوم. ويجوز أن يكون فى محل نصب على أنه نعت لمصدر ~~محذوف دل عليه ليجمعنكم أى ليجمعنكم جمعا لا ريب فيه. والاستفهام فى قوله ~~- تعالى - { ومن أصدق من الله حديثا } للإنكار والنفى أى ~~لا يوجد فى هذا الوجود من هو أصدق من الله - تعالى فى حديثه وخبره ووعده ~~ووعيده، وذلك لأن الكذب قبيح، والله - تعالى - منزه عن كل قبيح. ولأن ~~الكاذب إنما يكذب لجر منفعة، أو لدفع مضرة، أو لجهله بقبح الكذب.. والله ~~- تعالى - غنى عن كل شئ، وقدير على كل شئ وخالق لكل شئ، ومن كان كذلك لا ~~يصدر عنه كذب وإنما يصدر عنه كل حق وصدق وعدل. ثم واصلت السورة الكريمة ~~حديثها عن أحوال المنافقين، وبينت حكم الله - تعالى - فيهم، ورسمت ~~للمؤمنين طريق معاملتهم لغيرهم فقال تعالى { فما لكم...سلطانا ~~مبينا }. ### || [4.88-91] # أورد المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { فما لكم في ~~المنافقين فئتين } روايات أهمها روايتان أولهما أن هذه الآية ~~نزلت فى شأن المنافقين الذين تخلفوا عن الاشتراك مع المؤمنين فى غزوة ~~أحد. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد ومعه ms1239 المسلمون. ~~وفى الطريق رجع عبد الله بن ابى بن سلول بثلث الناس وقالوا # لو نعلم قتالا لاتبعناكم # فاختلف أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم فى شأن هؤلاء المنافقين. فقال ~~بعضهم نقتلهم فقد كفروا. وقال آخرون لم يكفروا. فأنزل الله - تعالى - ~~الآية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إنها طيبة وإنها تنفى الخبث كما ينفى الكير خبث الحديد ". # أما الرواية الثانية فيؤخذ منها أنها نزلت فى قوم كانوا يظهرون الإسلام ~~بمكة إلا أنهم كانوا يظاهرون المشركين. فقد أخرج ابن جريرعن ابن عباس أن ~~قوما كانوا بمكة قد تكلوا بالإسلام وكانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من ~~مكة يطلبون حاجة لهم. فقالوا إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس. ~~وإن المؤمنين لما اخبروا أنهم قد خرجوا من مكة، قالت فئة من المؤمنين ~~اركبوا إلى هؤلاء الخبثاء فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عدوكم. وقالت فئة أخرى ~~من المؤمنين سبحان الله - أو كما قالوا - أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما ~~تكلمتم به؟ أمن أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم تستحل دماؤهم ~~وأموالهم؟ فكانوا كذلك فئتين والرسول صلى الله عليه وسلم عندهم لا ينهى ~~واحدا من الفريقين عن شئ، فنزلت { فما لكم في المنافقين ~~فئتين }. وهناك روايات أخرى قريبة من هذه الرواية فى معناها قد ~~ذكرها المفسرون. ويبدو لنا أن الرواية الثانية هى الأقرب إلى سياق الآيات ~~وإلى الواقع التاريخى، لأنه من الثابت تاريخيا أن منافقى المدينة لم يرد ~~أمر بقتالهم، وإنما استعمل معهم الرسول صلى الله عليه وسلم وسائل أخرى ~~أدت إلى نبذهم وهوان أمرهم، لأن قوله - تعالى - بعد ذلك { فلا ~~تتخذوا منهم أوليآء حتى يهاجروا } يؤيد أنه ليس ~~المقصود بالمنافقين هنا منافقى المدينة، وإنما المقصود بهم جماعة أخرى من ~~المنافقين كانوا خارج المدينة، إذ لا هجرة من المدينة إلى غيرها وإنما ~~الهجرة تكون من غيرها إليها، لأنها دار الإسلام، ولم يكن فتح مكة قد تم ~~عند نزول هذه الآية. وقد رجح الإمام ابن جرير سبب النزول الذى حكته ~~الرواية الثانية فقال ما ملخصه وأولى ms1240 الأقوال فى ذلك بالصواب قول من قال ~~نزلت هذه الآية فى اختلاف أصحاب رسول الله فى قوم كانوا قد ارتدوا عن ~~الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لأن قوله ~~- تعالى - بعد ذلك { فلا تتخذوا منهم أوليآء حتى ~~يهاجروا } أوضح دليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة، لأن الهجرة ~~كانت على عهد رسول الله إلى داره ومدينته من سائر أرض الكفر. # فأما من كان من المدينة فى دار الهجرة مقيما من المنافقين وأهل الشرك ~~فلم يكن عليه فرض هجرة. والفاء فى قوله { فما لكم } للتفريع على ما ~~تقدم من أخبار المنافقين وأحوالهم أو هى للافصاح و " ما " مبتدأ و " لكم ~~" خبره. قال الجمل وقوله { في المنافقين } فيه ثلاثة أوجه أحدها ~~أنه متعلق بما تعلق به الخبر وهو " لكم " أى أى شئ كان لكم أو مستقر لكم ~~فى أمر المنافقين. والثانى أنه متعلق بمعنى فئتين، فإنه فى قوة ما لكم ~~تفترقون فى أمر المنافقين فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. والثالث ~~أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من فئتين، لأنه فى الأصل صفة لها تقديره ~~فئتين مفترقتين فى المنافقين وصفة النكرة إذا تقدمت عليها انتصبت حالا. ~~وقوله " فئتين " حال من ضمير " لكم " المجرور والعامل فيه الاستقرار أو ~~الظرف لنيابته عنه... والاستفهام لإنكار خلافهم فى شأن المنافقين ولوم ~~المؤمنين الذين أحسنوا الظن بالمنافقين مع أن أحوال هؤلاء المنافقين تدعو ~~إلى سوء الظن بهم. والمعنى لقد سقت لكم - أيها المؤمنون - من أحوال ~~المنافقين ما يكشف عن خبثهم ومكرهم، وبينت لكم من صفاتهم ما يدعو إلى ~~الحذر منهم وسوء الظن بهم، وإذا كان هذا هو حالهم فما الذى سوغ لكم أن ~~تختلفوا فى شأنهم إلى فئتين؟ فئة تحسن الظن بهم وتدافع عنهم، وفئة أخرى ~~صادقة الفراسة، سليمة الحكم لأنها عندما رأت الشر قد استحوذ على ~~المنافقين أعرضت عنهم، واحتقرتهم، وأخذت حذرها منهم، وحكمت عليهم بالحكم ~~الذى رضيه الله - تعالى. والآن - أيها المؤمنون - بعد أن ظهر الحق، ~~وانكشف حال أولئك ms1241 المنافقين، عليكم أن تتركوا الخلاف فى شأنهم، وأن ~~تتفقوا جميعا على أنهم قوم بعيدون عن الحق والإيمان. ومنغمسون فى الضلال ~~والبطلان. وقوله { والله أركسهم بما كسبوا } حال من ~~المنافقين مفيد لتأكيد الإنكار السابق أى لم تختلفون - أيها المؤمنون - ~~فى شأن المنافقين هذا الاختلاف والحال أن الله - تعالى - قد ردهم إلى ~~الكفر بعد الإيمان بسب أقولاهم الأثيمة، وأعمالهم القبيحة. وقوله { ~~أركسهم } من الركس وهو رد أول الشئ على آخره. يقال ركس الشئ يركسه ~~ركسا إذا قلبه على رأسه. والركس والنكس بمعنى واحد. والاستفهام فى قوله { ~~أتريدون أن تهدوا من أضل الله } للإنكار على من أحسن ~~الظن بأولئك المنافقين. أى أتريدون أيها المؤمنون الذين أحسنتم الظن ~~بهؤلاء المنافقين أن تعدوهم من جملة المهتدين، مع أن الله - تعالى - قد ~~خلق فيهم الضلال، لأنهم قد استحبوا العمى على الهدى، وآثروا الغى على ~~الرشد. # وقوله { ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا } أى ومن ~~يكتب الله عليه الضلالة، فلن تجد أحدا يهديه ويرشده، لأن فضاء الله لا ~~يتبدل، وقدره لا يتخلف. وقوله - تعالى - { ودوا لو تكفرون ~~كما كفروا فتكونون سوآء } كلام مستأنف مسوق لبيان غلوهم ~~وتماديهم فى الكفر وتصديهم لإضلال غيرهم إثر بيان كفرهم وضلالهم فى ~~أنفسهم. أى أن هؤلاء المنافقين الذين يحسن الظن بهم بعضكم - أيها ~~المؤمنون - لا يكتفون بكفرهم فى أنفسهم بل هم يتمنون ويودون كفركم مثلهم ~~بحيث تكونون أنتم وهم متساوين فى الكفر والنفاق، وإذا كان هذا هو حالهم ~~فكيف تطمعون فى إيمانهم؟ وكيف تحسنون الظن بهم؟ و { لو } فى قوله { ~~ودوا لو تكفرون } مصدرية. أى تمنوا كفركم. وقوله { كما ~~كفروا } نعت لمصدر محذوف أى تمنوا أن تكفروا كفرا مثل كفرهم. وقوله ~~{ فتكونون سوآء } معطوف على قوله { لو تكفرون } ومفرع ~~عليه. أى ودوا لو تكفرون فتكونون مستوين معهم فى الضلال والكفر والنفاق. ~~وما أبلغ التعبير فى جانب محاولة المؤمنين بالإرادة فى قوله { ~~أتريدون أن تهدوا من أضل الله } وفى جانب محاولة ~~المنافقين بالود لأن الإرادة ينشأ عنها الفعل. فالمؤمنون يستقربون حصول ~~الإيمان ms1242 من المنافقين، لأن الإيمان قريب من فطرة الناس وعقولهم. ~~والمنافقون يعلمون أن المؤمنين لا يرتدون عن دينهم، ويرونهم متمسكين به ~~غاية التمسك، فلم يكن طلبهم تكفير المؤمنين إلا كلون من التمنى الذى لا ~~أمل فى تحققه، فعبر عنه بالود المجرد، أى ودوا ذلك ولكنه ود بعيد التحقق. ~~وقوله { فلا تتخذوا منهم أوليآء حتى يهاجروا ~~في سبيل الله } نهى من الله - تعالى - للمؤمنين من موالاة ~~المنافقين حتى يصدر منهم ما يدل على إقلاعهم عن النفاق والضلال. والفاء ~~فى قوله { فلا تتخذوا } للإفصاح عن شرط مقدر. والتقدير إذا كان ~~هذا هو شأن المنافقين فلا يصح لكم - أيها المؤمنون - أن تتخذوا منهم ~~أولياء أو نصراء أو أصدقاء حتى تتحقوا من إسلامهم بأن يهاجروا من أجل ~~إعلاء كلمة الله من دار الكفر التى يقيمون فيها ويناصرون أهلها إلى دار ~~الإيمان التى تقيمون فيها، وينضمون إليكم لنصرة الحق، ودفع الظلم. قال ~~الفخر الرازى ما ملخصه دلت الآية على أنه لا يجوز موالاة المشركين ~~والمنافقين والمشتهرين بالزندقة لأن أعز الأشياء وأعظمها عند جميع الخلق ~~هو الدين، لأنه هو الأمر الذى به يتقرب إلى الله، ويتوسل به إلى ~~السعادة... وإذا كان الأمر كذلك، امتنع طلب المحبة والولاية فى الموضع ~~الذى يكون أعظم موجبات العداوة حاصلا فيه ودلت على إيجاب الهجرة بعد ~~الإسلام - أى فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يسلموا ويهاجروا - وأنهم إن ~~أسلموا لم يكن بيننا وبينهم موالاة إلا بعد الهجرة. # ونظيره قوله - تعالى - # ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا # واعلم أن هذا التكليف إنما كان لازما حال ما كانت الهجرة مفروضة ففى ~~الحديث الشريف # " أنا برئ من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين. وأنا برئ من كل مسلم مع ~~مشرك " # فكانت الهجرة واجبة إلى أن فتحت مكة. ثم نسخ فرض الهجرة بما رواه ابن ~~عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم فتح مكة # " لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية " # وروى عن الحسن أن حكم الآية ثابت فى كل من ms1243 اقام فى دار الحرب فرأى فرض ~~الهجرة إلى دار الإسلام قائما. وقوله { فإن تولوا فخذوهم ~~واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم ~~وليا ولا نصيرا } بيان لحكم الله - تعالى - فى هؤلاء المنافقين ~~إذا ما استمروا فى غيهم وضلالهم. والمعنى فإن أعرض هؤلاء المنافقون عن ~~الهجرة فى سبيل الله - تعالى - فلا تعتبروا إسلامهم، بل خذوهم فى الأسر، ~~وضيقوا عليهم { واقتلوهم حيث وجدتموهم } لأنهم أعداء لكم ~~{ فلا تتخذوا منهم } فى هذه الحالة { وليا } توادونه ~~وتصادقونه { ولا نصيرا } تنتصرون به على أعدائكم، لأن ولاية هؤلاء ~~المنافقين محادة لله ولرسوله، والتناصر بهم يؤدى إلى الخذلان كما قال - ~~تعالى - # لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا # فالجملة الكريمة تأمر المؤمنين بقتل أولئك المنافقين الذين ظهر الكفر ~~منهم وتنهاهم عن اتخاذهم أولياء أو أصدقاء وعن الاستنصار بهم. وقوله { ~~إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ~~ميثاق } استثناء من الضمير المنصوب فى قوله { فخذوهم ~~واقتلوهم }. وقوله { يصلون } بمعنى يتلجئون ويتصلون. الميثاق ~~العهد الموثق. والمعنى أن الله - تعالى - يأمركم - أيها المؤمنون - أن ~~تأخذوا وتقتلوا أولئك المنافقين الذين أظهروا كفرهم وتمنوا أن تكونوا ~~مثلهم، وامتنعوا عن الهجرة إلى دياركم، وينهاكم عن موالاتهم وعن ~~الاستعانة بهم، لكنه - سبحانه - قد استثنى من هؤلاء الذين أمركم بأخذهم ~~وقتلهم أناسا التجأوا واستندوا إلى قوم بينكم وبينهم عهد أمان، لأنهم ~~بهذا الالتجاء قد صار حكمهم كحكم من لجأوا إليهم من حيث الأمان وعدم ~~الاعتداء. وقد ذكر العلماء أقوالا فى المراد من القوم الذين كان بينهم ~~وبين المسلمين عهد أمان، فقيل هم الأسلميون، كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وقت خروجه إلى مكة قد وادع هلال بن عويمر الأسلمى على أن لا يعينه ~~ولا يعين عليه، وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل ~~الذى لهلال. وقيل هم بنو بكر بن زيد. وقيل هم خزاعة. وقوله { أو ~~جآءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا ~~قومهم } عطف على صلة الذين وهو قوله { يصلون }. # ومعنى حصرت ضاقت وانقبضت ومنه الحصر فى القول وهو ms1244 ضيق الكلام على ~~المتكلم. ويقال حصر صدره يحصر أى ضاق. أى خذوا واقتلوا - أيها المؤمنون - ~~المنافقين الذين أعلنوا كفرهم، ولا تأخذوا ولا تقتلوا الذين التجأوا إلى ~~قوم بينكم وبينهم عهد أمان، ولا تأخذوا ولا تقتلوا كذلك الذين جاءوا ~~إليكم وقد ضاقت نفوسهم، وانقبضت صدورهم عن قتالكم لأنكم مسلمون كما أنهم ~~قد ضاقت نفوسهم عن قتال قومهم لأنهم منهم، أو لأنهم يخشون قتالهم خوفا ~~على أموالهم أو على ذريتهم أو ذوى أرحامهم. فأنت ترى أن الاستثناء فى ~~قوله { إلا الذين يصلون إلى قوم } قد أخرج من الأخذ ~~والقتل فريقين من الناس الفريق الأول هو الذى ترك المحاربين من الأعداء، ~~والتجأ إلى القوم الذين بينهم وبين المسلمين عهد أمان، فإنه بهذا ~~الالتجاء قد صار حكمه كحكم من التجأ إليهم فى الأمان. والفريق الثانى هو ~~الذى جاء إلى المؤمنين، مسالما وترك قومه، إلا أنه فى الوقت نفسه يكره أن ~~يقاتل المسلمين لحبه لهم. ويكره أن يقاتل قومه لأنهم قومه وعشيرته وأهله ~~أو لأنه لو قاتلهم للحقه الضرر فى ماله أو ذريته. وقوله { حصرت ~~صدورهم } فى موضع نصب على الحال بتقدير قد كما يرى بعضهم. وبعضهم لا ~~يرى حاجة لتقديرها، لأنه قد جاء الفعل الماضى حالا بغيرها كثيرا. وقيل ~~هو صفة لموصوف محذوف هو حال من فاعل { جاءوا } أى جاءوكم حالة كونهم حصرت ~~صدورهم. وقوله { أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم } ~~مجرور بحرف جر مقدر أى حصرت صدورهم عن أن يقاتلولكم أو يقاتلوا قومهم. أو ~~هو فى محل نصب على مفعول لأجله. أى حصرت صدورهم كراهة قتالكم أو قتال ~~قومهم. والمراد بالفريق الثانى بنو مدلج فقد أخرج ابن أبى حاتم # " عن الحسن أن سراقة بن مالك المدلجى حدثهم فقال لما ظهر النبى صلى الله ~~عليه وسلم على أهل بدر وأسلم من حولهم، قال بلغنى أنه يريد أن يبعث خالد ~~بن الوليد إلى قومى بنى مدلج. فأتيته فقلت أنشدك النعمة. بلغنى أنك تريد ~~أن تبعث إلى قومى. وأنا أريد أن توادعهم. فإن أسلم قومك أسلموا ودخلوا ms1245 فى ~~الإسلام. وإن لم يسلموا لم يحسن تغليب قومك عليهم. فأخذ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بيد خالد فقال اذهب معه فافعل ما يريد " # فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن ~~أسلمت قريش أسملوا معهم، فأنزل الله الآية. وقوله { ولو شآء الله ~~لسلطهم عليكم فلقاتلوكم } بيان لمظهر من مظاهر فضل ~~الله ورعايته للمؤمنين. أى ولو شاء الله لسلط جميع المشركين عليكم بأن ~~قوى قلوبهم، وجرأهم عليكم، وجعلهم يبرزون لقتالكم صفا واحدا، ولكنه - ~~سبحانه - لم يشأ ذلك، بل ألقى الرعب فى صفوف أعدائكم، وجعل منهم من ~~يسالمكم ويأتى إليكم موادعا. # قال صاحب الكشاف فإن قتل كيف يجوز أن يسلط الله الكفرة على المؤمنين؟ ~~قلت ما كانت مكافتهم إلا لقذف الرعب فى قلوبهم. ولو شاء لمصلحة يراها من ~~ابتلاء ونحوه لم يقذفه. فكانوا متسلطين مقاتلين غير مكافين فذلك معنى ~~التسليط. وقال القرطبى قوله - تعالى - { ولو شآء الله ~~لسلطهم عليكم } تسليط الله المشركين على المؤمنين هو بأن ~~يقدرهم على ذلك، ويقويهم إما عقوبة ونقمة عند إذاعة المنكر وظهور ~~المعاصى. وإما ابتلاء واختبارا كما قال - تعالى - # ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ~~والصابرين ونبلوا أخباركم # وإما تمحيصا للذنوب كما قال - تعالى - # وليمحص الله الذين آمنوا # ولله أن يفعل ما يشاء ويسلط من يشاء على من يشاء إذا شاء. ووجه النظم ~~والاتصال بما قبل. أى اقتلوا المنافقين الذين اختلفتم فيهم إلا أن ~~يهاجروا وإلا أن يتصلوا بمن بينكم وبينهم ميثاق فيدخلون فيما دخلوا فيه ~~فلهم حكمهم، وإلا الذين جاءكم قد حصرت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا ~~قومهم فدخلوا فيكم فلا تقتلوهم ". ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله ~~{ فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم ~~السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا }. أى أن ~~هؤلاء الذين استثناهم الله - تعالى - من الأخذ والقتل، اقبلوا مسالمتهم ~~إن اعتزلوا قتالكم فلم يتعرضوا لكم بسوء، وكفوا عن قتالهم إذا ألقوا ~~إليكم السلم، أى إذا انقادوا للصلح والأمان ورضوا به. وهم متى فعلوا ذلك ms1246 ~~{ فما جعل الله لكم عليهم سبيلا } أى فما اذن الله ~~لكم فى أخذهم وقتلهم بأى طريق من الطرق التى توصل إلى العدوان عليهم. ~~وعبر بقوله { وألقوا إليكم السلم } بدل السلام، للاشارة ~~إلى معنى التسليم لا مجرد الأمن والسلام، لأن السلم يفيد معنى التسليم، ~~فهم ألقوا إليكم قيادهم واستسلموا لأمركم، ودخلوا فى طاعتكم. وفى نفى أن ~~يكون هناك سبيل عليهم، مبالغة فى عدم التعرض لهم بسوء لأنه إذا انتفى ~~الوصول إليهم انتفى الاعتداء عليهم من باب أولى. هذا، ويرى جمهور ~~المفسرين أن الأحكام التى اشتملت عليها هذه الآية الكريمة منسوخة بآية ~~سورة التوبة وهى قوله - تعالى - # فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم ~~كل مرصد # قال الجمل معاهدة المشركين وموادعتهم فى هذه الآية بآية السيف - وهى ~~قوله # فإذا انسلخ الأشهر الحرم # الآية " وذلك لأن الله - تعالى - لما أعز الإسلام وأهله أمر أن لا يقبل ~~من مشركى العرب إلا الإسلام أو القتال ". ثم بين - سبحانه - صنفا آخر ~~غير هؤلاء المسالمين، وهم قوم من المنافقين المخادعين، الذين لا يضمرون ~~للمؤمنين إلا شرا، ولا يمدون أيديهم إلى أهل الحق إلا بالسوء فقال - ~~تعالى - { ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ~~ويأمنوا قومهم كل ما ردوا إلى الفتنة ~~أركسوا فيها }. # أى ستجدون - أيها المؤمنون - قوما من المنافقين آخرين غير الذين وصفتهم ~~لكم، { يريدون } بإظهارهم للإسلام { أن يأمنوكم } على ~~أنفسهم، ويريدون بإظهارهم للكفر { أن يأمنوكم ويأمنوا ~~قومهم } من الأذى، ومن صفات هؤلاء المخادعين أنهم { كل ما ~~ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها } أى كلما دعوا إلى ~~الردة وإلى العصبية البغيضة وقعوا فيها أشنع وقوع، ورجعوا إليها منكوسين ~~على رءوسهم. قال ابن جرير عن مجاهد قال هم ناس كانوا يأتون النبى صلى ~~الله عليه وسلم فيسلمون رياء ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون فى الأوثان. ~~يبتغون بذلك أن يأمنوا ههنا وههنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا ~~". ثم بين - سبحانه - ما يجب على المؤمنين نحو هؤلاء المنافقين المخادعين ~~فقال { فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ~~ويكفوا ms1247 أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ~~ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم ~~سلطانا مبينا }. أى أن هؤلاء المنافقين إن لم يعتزلوا قتالكم ~~والتعرض لكم بسوء، ويلقوا إليكم الأمان والانقياد، ويمتنعوا عن العدوان ~~عليكم، إن لم يفعلوا ذلك فخذوهم أسرى، واقتلوهم حيث { ثقفتموهم } ~~أى وجدتموهم وظفرتم بهم. يقال ثقفت الرجل فى الحرب اثقفه، إذا أدركته ~~وظفرت به وقوله { وأولئكم جعلنا لكم عليهم ~~سلطانا مبينا } أى أولئك الذين وصفتهم لكم جعل الله لكم حجة ~~واضحة فى أخذهم وقتلهم، بسبب ظهور عداوتهم، وانكشاف غدرهم، وتذبذبهم بين ~~الإسلام والكفر تبعا لشهوات نفوسهم المريضة. هذا، والمتأمل فى هذه ~~الآيات الأربعة الكريمة يراها قد رسمت للمؤمنين كيف تكون علاقتهم بغيرهم ~~من المنافقين والمشركين. فهى تأمرهم - أولا - بأن يقفوا من المنافقين ~~الذين أركسهم الله بما كسبوا صفا واحدا ورأيا واحدا، فلا يدافعون عنهم ~~ولا يحسنون الظن بهم، ولا يولونهم ولا يستعينون بهم، حتى يهاجروا فى سبيل ~~الله، فإن امتنعوا عن الهجرة حل أخذهم وقتلهم. وتأمرهم - ثانيا - بأن ~~يسالموا - إلى حين - قوما التجأوا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد ~~وأمان، وأن يسالموا كذلك أولئك الذين يأتون إليهم وهم يكرهون قتالهم أو ~~قتال قومهم، وأظهروا الانقياد والاستسلام للمؤمنين. وتأمرهم - ثالثا - ~~بأن يأخذوا ويقتلوا أولئك المتلاعبين بالعقيدة والدين ولذين بلغ بهم ~~الغدر والخداع أنهم إذا قدموا المدينة أظهروا الإسلام، فإذا ما عادوا ~~إلى مكة أو إلى قومهم أظهروا الكفر، وكانوا مع قومهم ضد المسلمين. وإنها ~~لتوجيهات حكيمة تبصر المؤمنين بما يجب عليهم نحو غيرهم من الناس الذين ~~يخالفونهم فى عقيدتهم. وبعد هذا الحديث الحكيم الذى بين الله - تعالى - ~~فيه أحوال المنافقين، وصفاتهم الذميمة، وموقف المؤمنين ممن يخالفونهم فى ~~العقيدة، بعد كل ذلك أخذت السورة الكريمة فى بيان حكم القتل الخطأ، وحكم ~~القتل العمد فقال - تعالى - { وما كان لمؤمن...عذابا ~~عظيما }. ### || [4.92-93] # روى المفسرون روايات فى سبب نزول قوله - تعالى - { وما كان ~~لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا }.. الآية ومن أشهر ~~هذه الروايات ما جاء عن مجاهد وغيره أنها نزلت فى عياش بن أبى ربيعة، ms1248 ~~وذلك أنه قتل رجلا كان يعذبه لكى يترك الإسلام، فأضمر عياش قتل ذلك ~~الرجل. ثم أسلم هذا الرجل دون أن يعلم عياش بإسلامه. فلما لقيه فى يوم من ~~الأيام ظن عياش أن الرجل ما زال مشركا فقتله. فلما علم بإسلامه أتى النبى ~~صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله، قتلته ولم أشعر بإسلامه فأنزل ~~الله الآية. والآية الكريمة وإن كانت قد نزلت فى حادثة معينة إلا أن ~~حكمها يتناول كل من قتل غيره خطأ، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص ~~السبب. والنفى فى قوله - تعالى - { وما كان } ليس لنفى الوقوع، لأنه ~~لو كان كذلك ما وقع قتل على سبيل الخطأ أبدا، وإنما النفى بمعنى النهى ~~وعدم الجواز. وقد أشار القرطبى إلى ذلك بقوله قوله - تعالى - { وما ~~كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا } هذه آية من ~~أمهات الأحكام. والمعنى ما ينبغى لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ، فقوله { ~~وما كان } ليس على النفى وإنما هو على التحريم والنهى كقوله # وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله # ولو كانت على النفى لما وجد مؤمن قتل مؤمنا قط، لأن ما نفاه الله فلا ~~يجوز وجوده فهو كقوله - تعالى - # ما كان لكم أن تنبتوا شجرها # فلا يقدر العياد أن ينبتوا شجرها أبدا. ثم استثنى استثناء منقطعا ليس ~~من الأول وهو الذى يكون فيه " إلا " لمعنى لكن. والتقدير ما كان له أن ~~يقتله البتة لكن إن قتله خطأ فعليه كذا. والخطأ اسم من أخطأ خطأ وإخطاء ~~إذا لم يصنع عن تعمد، فالخطأ الاسم يقوم مقام الإخطاء. ويقال لمن أراد ~~شيئا ففعل غيره أخطأ. ولمن فعل غير الصواب أخطأ ". وقال صاحب الكشاف فإن ~~قلت. بم انتصب خطأ؟ قلت بأنه مفعول له. أى ما ينبغى له أن يقتله لعلة من ~~العلل إلا للخطأ وحده. ويجوز أن يكون حالا بمعنى لا يقتله فى حال من ~~الأحوال إلا فى حال الخطأ. وأن يكون صفة للمصدر أى إلا قتلا خطأ. ~~والمعنى، أن من شأن المؤمن أن ينتفى عنه ms1249 وجود قتل المؤمن ابتداء البته، ~~إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد، بأن يرمى كافرا فيصيب مسلما. أو يرمى ~~شخصا على أنه كافر فإذا هو مسلم. ثم بين - سبحانه - حكم القتل الخطأ ~~فقال { ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ~~ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا }. # قوله { فتحرير } ، التحرير الإعتاق وهو تفعيل من الحرية. أى جعل ~~الرقبة حرة. وهو مبتدأ محذوف الخبر أى فعليه تحرير رقبة مؤمنة. وقوله { ~~ودية } الدية ما يعطى عوضا من دم القتيل إلى وليه. وهى مأخوذة من ~~الودى كالعدة من الوعد. يقال ودى القاتل القتيل يديه دية إذا أعطى وليه ~~المال الذى هو بدل النفس. وسمى المال دية تسمية بالمصدر. والمعنى أن ~~المؤمن لا يسوغ له ولا يليق به أن يقتل أخاه المؤمن، لأن ذلك محرما ~~تحريما قاطعا، لكن إن وقع منه القتل له فى سبيل الخطأ فإن دم القتيل لا ~~يذهب هدرا، بل على من قتل أخاه المؤمن خطأ { فتحرير رقبة ~~مؤمنة } أى إعتاق نفس مؤمنة، وعليه كذلك { ودية مسلمة ~~إلى أهله } أى مؤداة إلى ورثة القتيل عوضا لهم عما فاتهم من ~~قتيلهم. وقوله { إلا أن يصدقوا } أى إلا أن يتصدق أهل القتيل ~~بهذه الدية على القاتل، بأن يتنازلوا عنها له على سبيل العفو والصفح. ~~وعبر - سبحانه - عن العتق بالتحرير فى قوله { فتحرير رقبة } ~~للاشعار بأن الحرية للعبيد مقصد من مقاصد الإسلام، وأن شريعته قد أوجبت ~~على أتباعها أن يعتقوا الأرقاء إذا ما وقعوا فى بعض الأخطاء حتى يتحرر ~~أكبر عدد من الرقاب. والتعبير عن النفس بالرقبة من باب التعبير عن الكل ~~بالجزء. وكان التعبير بذلك للاشارة إلى أن الرق غل معنوى فى الرقاب، وأن ~~المؤمن الصادق فى إيمانه هو الذى يبذل قصارى جهده فى فك الرقاب من قيدها. ~~وقيد الرقبة المحررة بأن تكون مؤمنة لتخرج الكافرة، إذ الإسلام يحرص على ~~تحرير الأرقاء المؤمنين دون الكافرين. قال ابن كثير وجمهور الفقهاء على ~~أن الرقبة المؤمنة تجزئ سواء أكانت صغيرة أم كبيرة فقد أخرج ms1250 الإمام أحمد # " عن رجل من الأنصار أنه جاء بأمة سوداء فقال يا رسول الله، إن على عتق ~~رقبة مؤمنة. فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقها. فقال لها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم " أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت نعم. قال أتشهدين أنى رسول ~~الله؟ قالت نعم قال أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟ قالت نعم. قال أعقتها ". # ويرى بعضهم أنه لا تجزئ إلا الرقبة المؤمنة التى صلت وعقلت الإيمان، ~~أما الصغيرة فإنها لا تجزئ. وقوله { ودية } معطوف على " فتحرير " ~~وقوله { مسلمة } صفة لدية. وقوله { إلى أهله } متعلقة ~~بمسلمة. قال القرطبى ما ملخصه ولم يعين الله فى كتابه ما يعطى فى الدية، ~~وإنما فى الآية إيجاب الدية مطلقا، وليس فيها إيجابها على العاقلة أو على ~~القاتل، وإنما أخذ ذلك من السنة. والعاقلة قرابات الرجل من جهة أبيه وهم ~~عصبته.. وقد ثبتت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الدية ~~مائة من الإبل. # ووداها صلى الله عليه وسلم فى عبد الله بن سهل المقتول بخبير فكان ذلك ~~بيانا على لسان النبى صلى الله عليه وسلم لمجمل الكتاب واختلفوا فيما يجب ~~على غير أهل الإبل، فقالت طائفة على أهل الذهب ألف دينار. وعلى أهل ~~الورق اثنا عشر ألف درهم. وقد ثبتت الأخبار عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~أنه قضى بدية الخطأ على العاقلة. وأجمع أهل العلم على القول به. ففى ~~الصحيحين عن أبى هريرة قال اقتتلت امرأتان من هذيل. فرمت إحداهما الأخرى ~~بحجر فقتلتها، وما فى بطنها. فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقضى أن دية جنينها غرة عبد وأمة. وقضى بدية المرأة على عاقلتها. قالوا ~~وإنما كانت دية القتل الخطأ على العاقلة، لأن القاتل لو دفعها لأوشكت أن ~~تأتى على جميع ماله، وليكون ذلك دليلا على تضافر الأسرة وتعاونها. وإذا ~~كان القاتل فقيرا وأسرته فقيرة، فإن دية المقتول تكون على بيت مال ~~المسلمين، حتى لا يهدر دم القتيل. قال القاسمى تجب الدية على كل عاقلة ~~القاتل. وهم ms1251 عصبته غير الأصول والفروع. لأنه لما عفى عن القاتل فلا وجه ~~للأخذ منه. وأصوله وفروعه أجزاؤه فالأخذ منهم أخذ منه. ولا وجه لإهدار ~~دم المؤمن. فيؤخذ من عاقلته الذين يرثونه بأقوى الجهات وهى العصبية، لأن ~~الغرم بالغنم. فإن لم يكن له عاقلة أو كانوا فقراء فعلى بيت المال. ~~والتعبير عن أداء الدين بقوله { ودية مسلمة إلى أهله } ~~يومئ إلى وجوب حسن الأداء بأن تسلم هذه الدية إلى أسرة القتيل بكل سماحة ~~ولطف جبرا لخاطرها عما أصابها. والمراد بقوله { إلا أن يصدقوا ~~} أى إلا أن يتبرع بها أولياء المقتول على سبيل العفو والصفح. وعبر عن ~~ذلك بقوله { يصدقوا } للإشارة إلى أن تبرعهم هذا مرغوب فيه وأنه ~~بمنزلة الصدقة التى لهم ثوابها الجزيل عند الله - تعالى - لا سيما إذا ~~كان أولياء القاتل وعصبته يشق عليهم أداؤها فيتركها أولياء القتيل رأفة ~~بأولياء القاتل وشفقة عليهم، وفى الحديث الشريف # " كل معروف صدقة ". # ثم بين - سبحانه - حكم القتل الخطأ لمؤمن ينتمى إلى الأعداء فقال { ~~فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير ~~رقبة مؤمنة }. أى فإن كان المقتول خطأ { من قوم عدو ~~لكم } أى محاربين لكم، { وهو مؤمن } أى وكان المقتول مؤمنا ~~ولم يعلم به القاتل، لكونه بين أظهر قومه الكفار ولم يفارقهم، أو أتاهم ~~بعد أن فارقهم لأمر من الأمور، فعلى القاتل فى هذه الحالة { فتحرير ~~رقبة مؤمنة } كفارة عن هذا القتل الخطأ، وليس عليه دية، لأن ~~أولياء القتيل من الكفار ولا توارث بين المؤمن والكفار، ولأن دفع الدية ~~إليهم يؤدى إلى تقويتهم علينا ومن غير المعقول أن ندفع لأعدائنا ما ~~يتقوون به علينا. # روى الحاكم وغيره عن ابن عباس قال كان الرجل يأتى النبى صلى الله عليه ~~وسلم ثم يرجع إلى قومه وهم مشركون. فيصيبه المسلمون فى سرية أو غزوة. ~~فيعتق الذى يصيبه رقبة. ثم بين - سبحانه - حكم القتل الخطأ إذا كان ~~المقتول من قوم بينهم وبين المسلمين عهد وميثاق فقال - تعالى - { وإن ~~كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية ~~مسلمة إلى ms1252 أهله وتحرير رقبة }. أى وإن كان ~~المقتول خطأ { من قوم بينكم وبينهم ميثاق } أى من قوم ~~بينكم وبينهم - أيها المؤمنون - عهد من هدنة أو أمان وهم على دينهم وأنتم ~~على دينكم، فعلى القاتل فى هذه الحالة دية تدفعها عاقلته إلى أهل القتيل، ~~لأن حكمهم كحكم المسلمين، وعليه كذلك { تحرير رقبة مؤمنة } ~~لتكون كفارة له عند الله، وقدم الدية هنا على تحرير الرقبة على العكس مما ~~جاء فى صدر الآية، للإشعار بوجوب المسارعة إلى تسليم الدية حتى لا يتردد ~~القاتل فى دفعها إلى غير المسلمين الذين بينهم وبين المسلمين عهد يمنع ~~عدم الاعتداء. فأنت ترى أن الله - تعالى - قد جعل الحكم فى قتل المعاهد ~~كالحكم فى قتل المسلم من الدية وتحرير الرقبة، وبعضهم يرى أن المراد ~~بالمقتول خطأ هنا المسلم الذى هو فى قوم معاهدين وأن الدية لا تدفع ~~لهؤلاء القوم فيكون معنى الآية وإن كان أى المقتول المؤمن { من قوم } ~~كفار بينكم وبينهم ميثاق، فعلى قاتله دية { مسلمة إلى أهله ~~} من أهل الإسلام إن وجدوا، ولا تدفع إلى ذوى قرابته من الكفار وإن ~~كانوا معاهدين، اذ لا يرث الكافر المؤمن. ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب ~~إلى الصواب، لأنه لو كان المراد بالمقتول خطأ هنا القتيل المسلم لكان ~~مكررا ولما كان هناك معنى لإفراده أذ حكمه يكون داخلا فى قوله - تعالى - ~~فى صدر الآية { ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة ~~مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله }. فلما أفرده - ~~سبحانه - بالذكر علمنا أن المقصود بالقتيل هنا من قتل خطأ من قوم كفار ~~بيننا وبينهم ميثاق سواء أكان المقتول على ديننا أم على دينهم. وقد ذكر ~~صاحب الكشاف هذا الوجه ولم يذكر سواه فقال { وإن كان من قوم } - ~~أى وإن كان المقتول من قوم - كفره لهم ذمة كالمشركين الذين عاهدوا ~~المسلمين وأهل الذمة من الكتابيين فحكمه حكم مسلم من مسلمين ". ومن ~~العلماء أيضا من يرى أن دية المسلم والكافر سواء ومنهم من يرى غير ذلك. ~~وقد أشار الإمام ابن كثير إلى هذين الرأيين ms1253 بقوله قوله - تعالى - { ~~وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق }. # الآية، أى فإن كان القتيل أولياؤه أهل ذمة أو هدنة فلهم دية قتيلهم. فإن ~~كان مؤمنا فدية كاملة وكذا إن كان كفارا أيضا عند طائفة من العلماء. وقيل ~~يجب فى الكافر نصف دية المسلم وقيل ثلثها كما هو مفصل فى كتب الأحكام. ثم ~~يبين - سبحانه - الحكم عند عدم استطاعة إعتاق الرقبة فقال { فمن لم ~~يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله ~~وكان الله عليما حكيما }. أى فمن لم يجد رقبه مؤمنة يعتقها ~~فعليه فى هذه الحالة صيام شهرين متواصلين فى أيامهما، لا يفرق بينهم فطر، ~~بحيث لو أفطر يوما فيها استأنف من جديد ابتداء الشهرين، إلا أن يكون ~~الفطر بسبب حيض أو نفاس أو مرض يتعذر معه الصوم. وقوله - { توبة ~~من الله } مفعول لأجله والتقدير أى شرع لكم ذلك توبة منه أى قبولا ~~لها ورحمة بكم. من تاب الله على فلان إذا قبل توبته. وهذه التوبة ليست من ~~إثم القتل الخطأ، لأن الإثم مرفوع عن المخطئ كما فى الحديث الشريف # " رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ". # وإنما التوبة هنا من التقصير وقلة التثبت والتحقق، ولكى يكون المسلم يعد ~~ذلك متذكرا فلا يقع منه فى المستقبل ما وقع منه فى الماضى، ولهذا قال ~~الإمام الزيلعى " وبهذا النوع من القتل أى القتل الخطأ - لا يأثم إثم ~~القتل، وإنما يأثم إثم ترك التحرز والمبالغة فى التثبت، لأن الأفعال ~~المباحة لا تجوز مباشرتها إلا بشرط ألا تؤذى أحدا. فإذا آذى أحدا فقد ~~تحقق ترك الحرز ". وقوله { وكان الله عليما حكيما } تذييل ~~قصد به زجر الناس عن اتباع الهوى وعن مخالفة شريعته. أى وكان الله وما ~~زال عليما بالنفوس وخباياها وحركاتها وبكل شئ فى هذا الكون حكيما فى كل ~~ما شرع وقضى. وسيحاسب الناس على أقوالهم. وأعمالهم يوم القيامة. ~~وسيجازيهم بما يستحقون من خير أو من شر. وبهذا نرى أن الآية الكريمة قد ~~بينت أن المؤمن إذا قتل على سبيل الخطأ أخاه المؤمن ms1254 أو قتل رجلا من قوم ~~كافرين ولكن بيننا وبينهم ميثاق أمان فعليه فى كل حالة من هاتين الحالتين ~~عتق رقبة ودية. أما إذا قتل المؤمن رجلا مؤمنا ولكن كان من قوم كافرين ~~محاربين لنا وليس بيننا وبينهم عهد ولا ميثاق فعلى القاتل تحرير رقبة ~~فقط. فإن لم يستطع تحرير رقبة فعليه صيام شهرين متتابعين توبة من الله. ~~بهذه الأحكام الحكيمة تربى النفوس على الاحتراس والاحتياط وأخذ الحذر، ~~وتصان الدماء عن أن تذهب هدرا، وتعوض أسرة القتيل عن فقيدها بما يخفف ~~آلامها، ويجير خاطرها، وتعوض الجماعة الإسلامية بتحرير رقبة مؤمنة تعمل ~~لصالح الجماعة بحرية وانطلاق بعد أن كانت تعمل لخدمة سيدها فحسب. # ثم بين - سبحانه - بعد ذلك سوء عاقبة من يقتل مؤمنا متعمدا فقال { ~~ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خالدا ~~فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا ~~عظيما }. أى { ومن يقتل مؤمنا متعمدا } قتله { ~~فجزآؤه } الذى يستحقه بسبب هذه الجناية الكبيرة { جهنم ~~خالدا فيها } أى باقيا فيها مدة طويلة لا يعلم مقدارها إلا الله { ~~وغضب الله عليه } بسبب ما ارتكبه من منكر { ولعنه } أى ~~طرده من رحمته { وأعد له } من وراء ذلك كله { عذابا عظيما } ~~يوم القيامة. هذا وقد ساق المفسرون جملة من الآيات والأحاديث التى تهدد ~~مرتكب هذه الكبيرة بالعذاب الشديد واختلفوا فى حكمها هل هى منسوخة أولا؟ ~~وهل للقاتل عمدا توبة أولا؟ وقد أفاض الإمام ابن كثير فى بيان كل ذلك ~~فقال ما ملخصه " هذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم ~~والذى هو مقرون بالشرك بالله فى غير ما آية. قال - تعالى - # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا ~~يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق # والأحاديث فى تحريم القتل كثيرة جدا. فمن ذلك ما ثبت فى الصحيحين عن ابن ~~مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة فى الدماء " # وروى أبو داود عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ms1255 # " لا يزال المؤمن معتقا - أى خفيف الظهر، سريع السير - ما لم يصب دما ~~حراما. فإذا أصاب دما حراما بلح " # أى أعيا وانقطع. وفى حديث آخر # " لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم ". # ثم قال وقد كان ابن عباس يرى أنه لا توبة لقاتل المؤمن عمدا. وقال ~~البخارى حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا المغيرة بن النعمان قال سمعت ابن ~~جبير قال اختلف فيها أهل الكوفة. فرحلت فيها إلى ابن عباس فسألته عنها. ~~فقال نزلت هذه الآية. { ومن يقتل مؤمنا متعمدا } هى آخر ~~ما نزل وما نسخها شئ. وروى ابن جرير أيضا عن سعيد بن جبير قال. سألت ابن ~~عباس عن قوله - تعالى - { ومن يقتل مؤمنا متعمدا }. ~~فقال إن الرجل إذا عرف الإسلام، وشرائع الإسلام، ثم قتل مؤمنا متعمدا ~~فجزاؤه جهنم ولا توبة له. ثم قال والذى عليه الجمهور من سلف الأمة ~~وخلفها. أن القتل له توبة فيما بينه وبين الله - تعالى - فإن تاب وأناب ~~وخشع وخضع وعمل عملا صالحا بدل الله سيئاته حسنات، وعوض المقتول من ~~ظلامته وأرضاه عن ظلامته. قال الله - تعالى - # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # فهذه الآية عامة فى جميع الذنوب ما عدا الشرك. # وهى مذكورة فى هذه السورة الكريمة بعد هذه الآية وقبلها لتقوية الرجاء. ~~والمراد بالخلود هنا المكث الطويل. وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه يخرج من النار من كان فى قلبه أدنى مثقال ذرة من ~~إيمان. وأما ما نقل عن بعض السلف من خلاف هذه فمراد قائله الزجر والتوبة ~~لا أنه لا يعتقد بطلان توبته. والآية الكريمة { ومن يقتل مؤمنا ~~متعمدا فجزآؤه جهنم }. الصواب فى معناها أن جزاءه جهنم. ~~فقد يجازى بذلك وقد يجازى بغيره. وقد لا يجازى بل يعفى عنه. فإن قتل عمدا ~~مستحلا بغير حق ولا تأويل فهو كافر مرتد. يخلد فى جهنم بالإجماع. وإن ~~كان غير مستحل بل معتقدا تحريمه فهو فاسق عاص. مرتكب كبيرة جزاؤه جهنم ms1256 ~~خالدا فيها. ولكن تفضل - سبحانه - فأخبر أنه لا يخلد فيها من مات موحدا ~~فلا يخلد هذا. وقد يعفى عنه ولا يدخل النار أصلا. وقد لا يعفى عنه بل ~~يعذب كسائر العصاة الموحدين. ثم يخرج معهم إلى الجنة ولا يخلد فى النار. ~~فهذا هو الصواب فى معنى الآية. وبهذا نرى أن الآية الكريمة تنهى المؤمن ~~نهيا قاطعا عن أن يمد يده بالسوء لقتل نفس حرم الله قتلها إلا بالحق، ~~وتتوعد الذى يفعل ذلك بغضب الله عليه وطرده من رحمته، وإلحاق العذاب ~~العظيم به يوم القيامة. وبعد هذا التحذير الشديد من قتل النفس بغير حق، ~~وجه القرآن نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن القتل بدون تبين أو تثبت من ~~أجل التوصل إلى عرض من أعراض الدنيا الفانية، فقال - تعالى - { يا ~~أيها الذين... }. ### || [4.94] # روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات متعددة إلا أنها ~~متقاربة فى المعنى. وقد حكى معظمها الإمام القرطبى فقال ما ملخصه هذه ~~الآية نزلت فى قوم من المسلمين مروا فى سفرهم برجل معه جمل وغنيمة يبيعها ~~فسلم على القوم وقال لا إله إلا الله محمد رسول الله، فحمل عليه أحدهم ~~فقتله - ظنا منه أن المقتول نطق بالشهادتين ليأمن القتل - فلما ذكر ذلك ~~للنبى صلى الله عليه وسلم شق عليه ونزلت الآية فحمل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ديته إلى أهله ورد عليه غنيماته. وقد قيل إن القاتل محلم بن ~~جثامة والمقتول عامر بن الأضبط. وقيل إن القاتل أسامة بن زيد والمقتول ~~مرداس بن نهيك من بنى مرة من أهل فدك. وفى سنن ابن ماجه # " عن عمران بن حصين قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا من ~~المسلمين إلى المشركين فقاتلوهم قتالا شديدا فمنح المشركون المسلمين ~~أكتافهم. فحمل رجل من المسلمين على رجل من المشركين بالرمح. فلما غشيه ~~قال أشهد أن لا إله إلا الله إنى مسلم. فطعنه فقتله. فأتى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال يا رسول الله هلكت. قال " وما الذى صنعت ms1257 " مرة أو ~~مرتين. فأخبره بالذى صنع. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " فهلا ~~شققت عن بطنه فعلمت ما فى قلبه "؟ فقال " يا رسول الله لو شققت بطنه أكنت ~~أعلم ما فى قلبه؟ قال لا فلا أنت قبلت ما تكلم به ولا أنت تعلم ما فى ~~قلبه ". # ثم قال القرطبى ولعل هذه الأحوال جرت فى زمان متقارب فنزلت الآية فى ~~الجميع. والضرب فى الأرض السير فيها. تقول العرب ضربت فى الأرض إذا سرت ~~لتجارة أو غزة أو غيره. وكأن السير فى الأرض سمى بذلك لأنه يضرب الأرض ~~برجليه فى سيره. والمراد بالضرب فى الأرض هنا السفر والسير فيها من أجل ~~الجهاد فى سبيل الله. وقوله { فتبينوا } معناه فتثبتوا وتأكدوا ~~وتأملوا فيما تأتون وتذرون. وقرأ حمزة " فثبتوا ". قال القرطبى والسلم ~~والسلم والسلام بمعنى واحد. قال البخارى. وقرئ بها كلها. واختار أبو عبيد ~~" السلام ". وخالفه أهل النظر فقالوا السلم هنا أشبه لأنه بمعنى الانقياد ~~والاستسلام. كما قال - تعالى - # فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء # والمعنى يأيها الذين آمنوا وصدقوا بالحق، إذا خرجتم من بيوتكم وسرتم فى ~~الأرض من أجل الجهاد فى سبيل الله وإعلاء كلمته { فتبينوا } أى ~~فاطلبوا بيان الأمر فى كل ما تأتون وما تذرون، واحذروا أن تضعوا سيوفكم ~~فى غير موضعها. # فإن الأصل فى الدماء الحرمة والصيانة وعدم الاعتداء عليها، وقد حرم الله ~~- تعالى - قتل النفس إلا بالحق. والتبين والتثبت فى القتل واجب حضرا ~~وسفرا. وإنما خص السفر بالذكر لأن الحادثة التى نزلت فيها الآية وقعت فى ~~السفر. وقوله { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام ~~لست مؤمنا } أى تأكدوا - أيها المؤمنون - وتثبتوا فى كل أحكامكم ~~وأفعالكم، ولا تقولوا لمن أظهر الانقياد لدعوتكم ودينكم فنطق بالشهادتين ~~أو حياكم بتحية الإسلام. لا تقولوا له لست مؤمنا حقا وإنما قلت ما قلت ~~بلسانك فقط لتأمن القتل. بل الواجب عليكم أن تقبلوا منه ما أظهره وعاملوه ~~بموجبه فإن علم السرائر والبواطن إنما هو لله - تعالى - وحده. وجملة { ~~لست مؤمنا } مقول لقوله { لا ms1258 تقولوا } أى لا تنفوا عنه ~~الإيمان وهو يظهره أمامكم وفى هذا من الفقه - كما يقول القرطبى - باب ~~عظيم، وهو أن الأحكام تناط بالمظان والظواهر لا على القطع واطلاع ~~السرائر. ولقد كان عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - ينهى عن قتل من أعلن ~~الاستسلام ويحذر من يقتله بأنه سيقتله به، وقد أرسل بذلك إلى قواد جيوشه ~~لأن الذين يقتلون من يطلب الأمان طمعا فى ماله لا يكون جهاده خالصا لله، ~~ولا تكون أعمالهم محل رضا الله - تعالى - ولذا قال - سبحانه - { ~~تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم ~~كثيرة }. والابتغاء الطلب الشديد والرغبة الملحة. وعرض الحياة الدنيا ~~جميع متاعها وأموالها. وسمى متاع الدنيا عرضا، لأنه مهما كثر فهو زائل ~~غير دام، وعارض غير باق. قال الراغب والعرض - بفتح الراء والعين - مالا ~~يكون له ثبات. ومنه استعار المتكلمون العرض لما لا ثابت له إلا بالجوهر. ~~وقيل الدنيا عرض حاضر تنبيها على أنه لا ثابت لها، والمغانم جمع مغنم ~~ويطلق على ما يؤخذ من مال العدو، من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول. ~~والمعنى تثبتوا - أيها المؤمنون - فى كل أقوالكم وأعمالكم، ولا تتعجلوا ~~فى أحكامكم، ولا تقولوا لمن حياكم بتحية الإسلام أو نطق بالشهادتين لست ~~مؤمنا، وإنما فعلت ذلك تقية ثم تقتلونه. مبتغين من وراء قتله متاع الدنيا ~~الزائل، وعرضها الفانى، إن هذا المسلك يتنافى مع الإيمان الصادق والجهاد ~~الخالص. ومن كان منكم يريد متاع الدنيا فليطلبه من الله وحده - فإن ~~خزائنه لا تنفد، وعطاءه لا يحد - ولا يطلبه عن طريق الاعتداء على من أظهر ~~الإسلام أو التمس منكم الأمان. وقوله { تبتغون عرض الحياة ~~الدنيا } حال من فاعل { لا تقولوا } لكن لا على أن يكون النهى ~~راجعا للقيد فقط كما فى قولك لا تطلب العلم تبتغى به الجاه والتفاخر، بل ~~على أنه راجع إليهما جميعا. # أى لا تقولوا له ذلك ولا تبتلغوا العرض الفانى. فالمقصود بهذه الجملة ~~الكريمة توبيخهم على حرصهم على متاع الدنيا بطريقة لا تناسب مع الإيمان ~~الكامل، ومع الهدف الذى خرجوا ms1259 من أجله وهو إعلاء كلمة الله تعالى - وضم ~~أكبر عدد من الناس إلى دعوة الحق التى جاء بها النبى صلى الله عليه وسلم. ~~وقوله { فعند الله مغانم كثيرة } تعليل للنهى عن ابتغاء ~~عرض الحياة الدنيا بهذا الأسلوب فكأنه قال لا تعودوا إلى ما فعلتموه من ~~قتل من ألقى إليكم السلام طلبا لما له، فإن الله - تعالى - عنده مغانم ~~كثيرة، وفى مقدوره أن يغنيكم من فضله فالجأوا إلى جنابه وحده، وخصوه ~~بالسؤال، وأخصلوا له العمل. وقوله { كذلك كنتم من قبل ~~فمن الله عليكم فتبينوا } تعليل للنهى عما قالوه وما ~~فعلوه. أى أنتم - أيها المؤمنون - كنتم من قبل مثل ذلك الذى ألقى إليكم ~~السلام، فقد كنتم فى أول إسلامكم لا يظهر منكم للناس غير ما ظهر منه لكم ~~من النطق بالشهادتين وتبادل تحية الإسلام، فمن الله عليكم بأن قبل منكم ~~تلك المرتبة وعصم بها دماءكم وأموالكم ولم يأمر بالتفحص عن سرائركم. وإلى ~~هذا المعنى اتجه صاحب الكشاف فقد قال قوله { كذلك كنتم من ~~قبل } أول ما دخلتم فى الإسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة فحصنت ~~من دماءكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم ~~بالاستقامة والاشتهار بالإيمان فعليكم أن تفعلوا بالداخلين فى الإسلام ~~كما فعل لكم، وأن تعتبروا ظاهر الإسلام فى المكانة، ولا تقولوا إن تهليل ~~هذا لاتقاء القتل لا لصدق النية، فتجعلوه سبيلا إلى استباحة دمه وماله ~~وقد حرمها الله. فاسم الإشارة راجع إلى { من } فى قوله { لمن ~~ألقى إليكم السلام }. ويجوز أن يكون اسم الإشارة راجعا إلى ~~الحالة التى كانوا عليها فى ابتداء إسلامهم. أى كحال هذا الذى يسر إيمانه ~~ويخفيه عن قومه كنتم من قبل. وقد جرح هذا المعنى ابن جرير فقال ما ملخصه ~~قوله { كذلك كنتم من قبل } أى كذلك كنتم تخفون إيمانكم فى ~~وقومكم من المشركين، وأنتم مقيمون بين أظهرهم، كما كان هذا الذى قتلتموه ~~مقيما بين أظهر قومه من المشركين مستخفيا بدينه منهم { فمن الله ~~عليكم } أى فرفع منكم ما كنتم فيه من الخوف ms1260 من أعدائكم بإظهار دينه ~~وإعزاز أهله، حتى أمكنكم إظهار ما كنتم تستخفون به من توحيده وعبادته... ~~والذى يبدو لنا أن الاية الكريمة تتسع لهذين التفسيرين، إلا أن التفسير ~~الأول الذى جرى عليه صاحب الكشاف أشمل وأنسب لسياق الآية لأن المقصد ~~الرئيس الذى تدعو إليه الآية الكريمة هو نهى المؤمنين عن سوء الظن بمن ~~أظهر الإسلام وعن الاعتداء عليه. وأمرهم بان يعاملوا الناس بظواهرهم أما ~~بواطنهم فأمرها إلى الله وحده. # والفاء فى قوله { فتبينوا } فصيحة. أى إذا كان الأمر كذلك ~~فتبينوا نعمة الله عليكم وداوموا على شكرها، وقيسوا أحوال غيركم بما سبق ~~من أحوالكم، واقبلوا ظواهر الناس بدون فحص عن بواطنهم، ولا تصدروا ~~أحكامكم عليهم إلا بعد التثبت والتأكد من صحتها ولا تشهروا سيوفكم فى ~~وجوههم إلا بعد التأكد من كفرهم وعدوانهم. وقوله { إن الله كان ~~بما تعملون خبيرا } تذييل قصد به تحذيرهم من مخالفة أمره. أى ~~إن الله مطلع على دقيق الأمور وجليلها، خبير بما تسره نفوسكم وما تعلنه، ~~لا يخفى عليه شئ من ظواهركم وبواطنكم، وسيحاسبكم على كل ذلك، وسيجازيكم ~~بما تستحقون من خير أو شر. هذا وقد أخذ العلماء من هذه الآية أن الكافر ~~إذا نطق بالشهادتين حرم قتله لأنه قد اعتصم بعصام الإسلام المانع من ~~إهدار دمه وماله وأهله. كما أخذوا منها وجوب التثبت فى الأحكام وفى ~~الأقوال. وأخذ الناس بظواهرهم حتى يثبت خلاف ذلك. قال الفخر الرازى اعلم ~~أن المقصود من هذه الآية المبالغة فى تحريم قتل المؤمنين. وأمر المجاهدين ~~بالتثبت فيه، لئلا يسفكوا دما حراما بتأويل ضعيف. وقال بعض العلماء وقد ~~دلت الآية على حكمة عظيمة فى حفظ الجامعة الدينية، وهى بث الثقة والأمان ~~بين أفراد الأمة وطرح ما من شأنه إدخال الشك لأنه إذا فتح هذا الباب عسر ~~سده، وكما يتهم المتهم غيره فللغير أن يتهم من اتهمه. وبذلك ترتفع الثقة، ~~ويسهل على ضعفاء الإيمان المروق، إذ قد أصبحت التهمة تظل الصادق ~~والمنافق. وانظر معاملة النبى صلى الله عليه وسلم المنافقين معاملة ~~المسلمين. على ms1261 أن هذا الدين سريع السريان فى القلوب فيكتفى أهله بدخول ~~الداخلين فيه من غير مناقشة. إذ لا يلبثون أن يألفوه وتخالط بشاشته ~~قلوبهم. فهم يقتحمونه على شك وتردد فيصير إيمانا راسخا. ومما يعين على ~~ذلك ثقة السابقين فيه باللاحقين. ومن أجل ذلك أعاد الله الأمر فقال { ~~فتبينوا } تأكيدا لقوله { فتبينوا } المذكور قبله... وبعد ~~أن أمر - سبحانه - المؤمنين بأن يعاملوا الناس على حسب ظواهرهم ونهاهم ~~عند جهادهم عن التعجل فى القتل. أتبع ذلك ببيان فضل المجاهدين المخلصين ~~فقال - تعالى - { لا يستوي....غفورا رحيما }. ### || [4.95-96] # قال الآلوسى قوله - تعالى - { لا يستوي القاعدون }. شروع فى ~~الحث على الجهاد ليأنفوا عن تركه، وليرغبوا عما يوجب خللا فيه. والمراد ~~بالقاعدين الذين أذن لهم فى القعود عن الجهاد اكتفاء بغيرهم. وروى ~~البخارى عن ابن عباس هم القاعدون عن بدر وهو الظاهر الموافق للتاريخ على ~~ما قيل. وقال أبو حمزة إنهم المتخلفون عن تبوك. وروى أن الآية نزلت فى ~~كعب بن مالك من بنى سلمة ومرارة بن الربيع من بنى عمرو بن عوف. وهلال بن ~~أمية من بنى واقف حين تخلفوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم فى تلك ~~الغزوة ". وقوله { غير أولي الضرر } جملة معترضة جئ بها لبيان ~~أنهم غير مقصودين بعدم المساواة مع المجاهدين فى الأجر. والضرر مصد ضرر ~~مثل مرض. وهذه الزنة تجئ - غالبا - فى العاهات ونحوها، مثل عمى وحصر وعرج ~~ورمد. والمراد بقوله { غير أولي الضرر } أى غير أصحاب العلل ~~والأمراض التى تحول بينهم وبين الجهاد فى سبيل الله من عمى أو عرج أو ضعف ~~أو غير ذلك من الأعذار. وقد روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { ~~غير أولي الضرر } روايات منها ما أخرجه البخارى عن البراء قال ~~لما نزلت { لا يستوي القاعدون من المؤمنين }. دعا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا فكتبها جاء ابن أم مكتوب فشكا ضرارته. ~~فأنزل الله { غير أولي الضرر }. وقال القرطبى روى الأئمة - ~~واللفظ لأبى داود عن زيد بن ثابت قال كنت إلى جنب رسول الله ms1262 صلى الله ~~عليه وسلم فغشيته السكينة فوقعت فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~فخذى فما وجدت ثقل شئ أثقل من فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سرى ~~عنه فقال " أكتب " فكتبت فى كتف - أى فى عظم عريض كانوا يكتبون فيه لقلة ~~القراطيس عندهم - { لا يستوي القاعدون من المؤمنين ~~غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله }.... ~~الآية. فقام ابن أم مكتوم - وكان رجلا أعمى - لما سمع فضيلة المجاهدين ~~فقال يا رسول الله فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟ فلما قضى ~~كلامه غشيت رسول الله السكينة فوقعت فخذه على فخذى. ووجدت من ثقلها فى ~~المرة الثانية كما وجدت فى المرة الأولى ثم سرى عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال اقرأ يا زيد. فقرأت { لا يستوى القاعدون من المؤمنين }. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم { غير أولي الضرر } الاية ~~كلها. قال زيد فأنزلها الله وحدها فألحقتها. والذى نفسى بيده لكأنى أنظر ~~إلى ملحقها عند صدع فى كتف. # والمعنى لا يستوى عند الله - تعالى - الذين قعدوا عن الجهاد لإعلاء ~~كلمة الحق دون أن يكون عندهم من الأعذار ما يمنعهم من ذلك، لا يستوى ~~هؤلاء مع الذين جاهدوا فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. أما الذين قعدوا ~~عن الجهاد لأعذار تمنعهم عن مباشرته، فإن نيتهم الصادقة سترفع منزلتهم ~~عند الله - تعالى -، وستجعلهم فى مصاف المجاهدين بأموالهم وأنفسهم أو ~~قريبين منهم. ويشهد لذلك ما رواه البخارى وأبو داود عن أنس أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال - وهو يسر إلى تبوك # " إن بالمدينة أقواما ما سرتم من سير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم ~~فيه. قالوا يا رسول الله، وهم بالمدينة قال نعم حبسهم العذر ". # قال ابن كثير وفى هذا المعنى قال الشاعر # يا راحلين إلى البيت العتيق لقد سرتم جسوما وسرنا نحن أوراحا إنا ~~أقمنا على عذر وعن قدر ومن أقام على عذر كمن راحا # وقوله { لا يستوي } نفى لاستواء المجاهدين والقاعدين، والمقصود ~~بهذا النفى التعريض ms1263 بالمفضول لتفريطه وزهده فى الخير، وحض على الاقتداء ~~بمن هو أفضل منه، إذ من المعروف أن القاعد عن الجهاد لا يساوى المجاهد فى ~~الفضل والثواب. فتعين أن يكون المراد بهذا التعبير التعريض بالقاعدين ~~ليتأسوا بالمجاهدين، وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله فإن قلت ~~معلوم أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان فما فائدة نفى الاستواء؟ ~~قلت معناه الإذكار بما بينهما من التفاوت العظيم، والبون البعيد، ليأنف ~~القاعد ويترفع بنفسه عن انحطاط منزلته. فيهتز للجهاد ويرغب فيه، وفى ~~ارتفاع طبقته، ونحوه # هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون # أريد به التحريك من الجهل إلى التعلم. ولينهض الشخص بنفسه عن صفة الجهل ~~إلى شرف العلم. وقوله { من المؤمنين } جار ومجرور متعلق بمحذوف ~~حال من القاعدين. وفائدة قوله { من المؤمنين } الإيذان من أول ~~الأمر بأن قعودهم عن الجهاد لم يمنعهم عن الوصف بالإيمان، لأن قعودهم عن ~~الجهاد لم يكن عن نفاق أو عن ضعف فى دينهم، وإنما كان عن تراخ أو اشتغال ~~ببعض الأمور الدنيوية. قال الجمل وقوله { غير أولي الضرر } قرأ ~~ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم { غير } بالرفع وقرأ الباقون بالنصب. ~~وقرأ الأعمش بالجر. فالرفع على وجهين أظهرهما أنه على البدل من { ~~القاعدون }. وإنما كان هذا أظهر لأن الكلام نفى والبدل معه أرجح. ~~والثاني أنه رفع على أنه صفة لقوله { القاعدون } لأنهم لما لم ~~يكونوا أناسا بأعيانهم بل أريد بهم الجنس أشبهوا النكرة فوصفوا بها. ~~وأما النصب فعلى الاستثناء من { القاعدون } وهو الأظهر، لأنه المحدث ~~عنه. وأما الجر فعلى أنه صفة للمؤمنين. وقوله { فضل الله ~~المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين ~~درجة وكلا وعد الله الحسنى } بيان لمزية المجاهدين ~~على غيرهم. # والمراد بالقاعدين هنا - الذين قعدوا عن الجهاد لسبب مانع من مباشرته أى ~~فضل الله - تعالى - المجاهدين بأموالهم وأنفسهم من أجل إعزاز دينه، فضلهم ~~درجة على القاعدين بأعذار، لأن المجاهدين قد عرضوا أنفسهم للمخاطر ~~والأهوال، وبذلوا أرواحهم وأمولهم فى سبيل إعلاء كلمة الله. والدرجة هنا ~~مستعارة للعلو المعنوى أى أن المراد ms1264 بها هو الفضل، ووفرة الأجر وزيادة ~~الثواب. والتنوين فيها للتعظيم. قال ابن جرير فضل الله المجاهدين ~~بأموالهم وأنفسهم على القاعدين من أولى الضرر درجة واحدة، يعنى فضيلة ~~واحدة. وذلك بفضل جهادهم بأنفسهم فأما فيما سوى ذلك فهما مستويان ". ~~وقوله { وكلا وعد الله الحسنى } جملة معترضة جئ بها ~~تداركا لما عسى أن يوهمه تفضيل أحد الفريقين على الآخر من حرمان المفضول. ~~أى وكل واحد من فريقى المجاهدين والقاعدين من أهل الضرر وعده الله ~~المثوبة الحسنى وهى الجنة لحسن عقيدتهم وخلوص نيتهم، وإنما التفاوت فى ~~زيادة العمل المتقضى لمزيد الثواب. وقوله { كلا } مفعول أول لما ~~يعقبه قدم عليه لإفادة القصر تأكيدا للوعد وتنوينه عوض عن المضاف إليه. ~~وقوله { الحسنى } مفعول ثان. ثم بين - سبحانه - أنه قد فضل ~~المجاهدين على القاعدين بغير عذر بدرجات عظيمة فقال { وفضل الله ~~المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما }. أى وفضل الله - ~~تعالى - المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين دون أن يكون هناك عذر ~~يمنعهم عن الجهاد، فضل الله المجاهدين على هؤلاء القاعدين بالأجر العظيم ~~والثواب الجزيل، والمنزلة الرفيعة. وقوله { أجرا عظيما } منصوب على ~~النيابة عن المفعول المطلق المبين للنوع، لأن الأجر هو ذلك التفضيل. أو ~~على نزع الخافض أى فضلهم بأجر عظيم. أو على أنه مفعول ثان بتضمين فضل ~~معنى أعطى أى أعطاهم أجرا تفضلا منه. ثم فصل - سبحانه - هذا الأجر العظيم ~~فقال { درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله ~~غفورا رحيما }. أى فضل الله - تعالى - المجاهدين بأموالهم وأنفسهم ~~على القاعدين عن الجهاد بغير عذر بالأجر العظيم الذى يرفعهم عند الله - ~~تعالى - درجات عالية ويقربهم من مقامات قدسه، ويغفر لهم ما فرط منهم، ~~ويتغمدهم بسابغ رحمته وكان الله كثير الغفران لأوليائه واسع الرحمة بأهل ~~طاعته. وقوله { درجات منه } بدل أو عطف بيان من قوله { أجرا ~~عظيما }. وقوله { منه } جار ومجرور متعلق بمحذوف وقع صفة لدرجات. ~~ونكرت الدرجات للإشعار بأنها درجات عظيمة لا يحدها الحصر، ولا يعينها ~~المقدار، بل هى شرف عظيم لا يناله إلا المقربون الأبرار. هذا، وما جرينا ~~عليه ms1265 من أن المجاهدين يمتازون عن القاعدين بعذر بدرجة، ويمتازون عن ~~القاعدين بغير عذر بدرجات هو رأى كثير من المفسرين، وقد عبر عنه صاحب ~~الكشاف بقوله فإن قلت قد ذكر الله - تعالى - مفضلين درجة ومفضلين درجات ~~فمن هم؟ قلت أما المفضلون درجة واحدة فهم الذين فضلوا على القاعدين ~~الأضراء. # وأما المفضلون درجات فالذين فضلوا على القاعدين الذين أذن لهم فى التخلف ~~اكتفاء بغيرهم، لأن الغزو فرض كفاية. ومن المفسرين من يرى أن الذين فضل ~~الله عليهم المجاهدين بدرجة وبدرجات هم صنف واحد، وهم الذين قعدوا عن ~~الجهاد بدون عذر. أما الذين قعدوا بعذر فهم متساوون فى الأجر مع ~~المجاهدين. وعلى هذا الرأى سار الآلوسى فى تفسيره فقد قال ما ملخصه { ~~فضل الله المجاهدين } فى سبيله { بأموالهم ~~وأنفسهم على القاعدين } من المؤمنين غير أولى الضرر { ~~درجة } لا يقادر قدرها. { وكلا } أى كل واحد من الفريقين ~~المجاهدين والقاعدين { وعد الله الحسنى }. وقوله { وفضل ~~الله المجاهدين على القاعدين } عطف على ما قبله { ~~أجرا عظيما }. ثم قال ولعل تكرير التفضيل بطريق العطف المنبئ عن ~~المغايرة. وتقييده تارة بدرجة وتارة بدرجات مع اتحاد المفضل والمفضل ~~عليه. إما لتنزيل الاختلاف العنوانى بين التفضيلين وبين الدرجة والدرجات ~~منزلة الاختلاف الذاتى تمهيدا لسلوك طريق الإبهام ثم التفسير... وإما ~~للاختلاف بالذات بين التفضيلين والدرجة والدرجات. وقد حكى الإمام ~~القرطبى هذين الوجهين فقال قوله - تعالى - { فضل الله ~~المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين ~~درجة } وقد قال بعد هذا { درجات منه ومغفرة ورحمة ~~} فقال قوم التفضيل بالدرجة ثم بالدرجات إنما هو مبالغة وبيان وتأكيد. ~~وقيل فضل الله المجاهدين على القاعدين من أولى الضرر بدرجة واحدة. وفضل ~~الله المجاهدين على القاعدين من غير عذر درجات. والذى نراه أولى من هذين ~~القولين قول من قال بأن الله - تعالى - فضل المجاهدين على القاعدين بعذر ~~بدرجة، وفضل المجاهدين على القاعدين بغير عذر بدرجات، وذلك لأن هذا ~~التفسير هو المأثور عن ابن عباس وغيره من الصحابة. فقد قال ابن عباس فى ~~قوله - تعالى - { فضل الله المجاهدين بأموالهم ~~وأنفسهم ms1266 على القاعدين درجة } أراد بالقاعدين هنا أولى ~~الضرر ولأن القاعدين بعذر وإن كانوا لهم من حسن النية ما يرفع منزلتهم ~~إلا أن المجاهدين الذين باشروا الجهاد وعرضوا أنفسهم لأخطار القتال ~~يفوقونهم منزلة وأجرا. وهذا ما يقتضيه منطق العقول البشرية، أما عطاء ~~الله بعد ذلك لكل فريق فمرجعه إليه وحده على حسب ما تقتضيه حكمته وسعة ~~رحمته. هذا، وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة أن الجهاد من أفضل ~~الأعمال وأن المجاهدين لهم عند الله - تعالى - منازل عالية. ومن الأحاديث ~~التى وردت فى هذا المعنى ما أخرجه الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال # " إن فى الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين فى سبيله. بين كل درجتين ~~كما بين السماء والأرض. فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة ~~ومنه تتفجر أنهار الجنة ". # وبعد أن رفع - سبحانه - من شأن المجاهدين، وبين حال القاعدين عن الجهاد ~~بعذر أو بغير عذر، أتبع ذلك ببيان حال القاعدين فى دار الكفر بدون هجرة ~~إلى دار الإسلام، ووعد المهاجرين فى سبيل الله بحسن العاقبة فقال - ~~تعالى - { إن الذين توفاهم...غفورا رحيما }. ### || [4.97-100] # روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { إن الذين ~~توفاهم } روايات منها ما أخرجه البخارى عن ابن عباس أن ناسا من ~~المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسوله صلى الله ~~عليه وسلم يأتى السهم فيرمى به فيصيب أحدهم فيقتله. أو يضرب فيقتل. فأنزل ~~الله { إن الذين توفاهم }... الآية. ومنها ما أخرجه ~~الطبرانى عن ابن عباس قال كان قوم بمكة قد أسلموا. فلما هاجر رسول الله ~~كرهوا أن يهاجروا - خوفا على أموالهم ونفورا من مفارقة أوطانهم - فأنزل ~~الله الآية. ومنها ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس قال كان قوم من أهل مكة ~~أسلموا. وكانوا يخفون الإسلام. فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر. فأصيب ~~بعضهم. فقال المسلمون هؤلاء كانوا مسلمين فأكرهوا فاستفغروا لهم فنزلت ~~الآية. قال ابن كثير - بعد ذكره لهذه الروايات -. هذه الآية الكريمة عامة ~~فى كل من أقام ms1267 بين ظهرانى المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنا من ~~إقامة الدين فهو ظالم لنفسه، مرتكب حراما بالإجماع وبنص هذه الآية. ~~وقوله { توفاهم } يحتمل أن يكون فعلا ماضيا، وتركت علامة التأنيث ~~للفصل، ولأن الفاعل ليس مؤنثا تأنيثا حقيقيا. ويحتمل أن يكون فعلا ~~مضارعا وأصله " تتوفاهم " فحذفت إحدى التاءين تخفيفا. وهو من توفى الشئ ~~إذا أخذه وافيا تام. والمراد من التوفى قبض أرواحهم وإماتتهم. وقيل ~~المراد به حشرهم إلى جهنم. والمراد من الملائكة ملك الموت وأعوانه الذين ~~يتولون قبض الأرواح بإذن الله وأمره. وظلم النفس معناه أن يفعل الإنسان ~~فعلا يؤدى إلى مضرته وسوء عاقبته سواء أكان هذا الفعل كفرا أم معصية. ~~وإنما كان ظالما لنفسه لأنه قال قولا أو فعل فعلا ليس من شأن العقلاء أن ~~يقولوه أو يفعلوه لو خامة عقباه. والمعنى إن الذين تقبض الملائكة أوراحهم ~~وتميتهم حال كونهم قد ظلموا أنفسهم بسبب رضاهم بالذل والهوان، وإقامتهم ~~فى أرض لم يستطيعوا أن يباشروا تعاليم دينهم فيها، وعدم هجرتهم إلى الأرض ~~التى يقيم فيها إخوانهم فى العقيدة مع قدرتهم على الهجرة... إن الذين ~~تتوفاهم الملائكة وهم بهذه الحال، تسألهم الملائكة سؤال تقريع وتوبيخ عند ~~قبض أرواحهم أو يوم القيامة فتقول لهم " فيم كنتم " أى فى أى حال كنتم؟ ~~أكنتم فى عزة أم فى ذلة؟ وكيف رضيتم البقاء مع الكافرين الذين أذلوكم ~~وسخروا من دينكم؟ أو المعنى فى أى شئ كنتم من أمور دينكم؟ { قالوا ~~كنا مستضعفين في الأرض } أى قال الذين ظلموا أنفسهم ~~للملائكة كنا فى الدنيا يستضعفنا أهل الشرك فى أرضنا وبلادنا، وصيرونا ~~أذلاء لا نملك من أمرنا شيئا. # وهو اعتذار قبيح يدل على هوان المعتذرين به وضعف نفوسهم، ولذلك لم تقبل ~~منهم الملائكة هذا العذر، بل ردت عليهم بما حكاه الله - تعالى - فى قوله ~~{ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها }؟ ~~فالاستفهام لإنكار عذرهم، وعدم الاعتداد به. أى أن الملائكة تقول لهم - ~~كما يقول الآلوسى - إن عذرهم عن ذلك التقصير بحلولكم بين أهل تلك الأرض ~~أبرد من ms1268 الزمهرير، إذ يمكنكم حل عقدة هذا الأمر الذى أخل بدينكم بالرحيل ~~إلى قطر آخر من الأرض تقدرون فيه على إقامة أمور الدين كما فعل من هاجر ~~إلى الحبشة وإلى المدينة. أو إن تعللكم عن الخروج مع أعداء الله - تعالى ~~- بأنكم مقهورون غير مقبول، لأنكم متمكنون من المهاجرة ومن الخروج من تحت ~~أيديهم. وقوله { ظالمي أنفسهم } جملة حالية من ضمير المفعول فى ~~قوله { توفاهم } أى تتوفاهم الملائكة فى حال ظلمهم لأنفسهم. ~~والإضافة فيه لفظية فلا تفيده تعريفا. والأصل ظالمين أنفسهم فحذفت النون ~~تخفيفا. قال الجمل ما ملخصه وخبر إن فى قوله { إن الذين ~~توفاهم }. محذوف تقديره إن الذين توفاهم الملائكة هلكوا. ويكون ~~قوله { قالوا فيم كنتم } مبينا لتلك الجملة المحذوفة. أو يكون ~~الخبر قوله { فأولئك مأواهم جهنم } ودخلت الفاء فى ~~الخبر تشبيها للموصول باسم الشرط.... وقوله { قالوا كنا ~~مستضعفين في الأرض } جملة مستأنفة جوابا عن سؤال مقدر فكأنه ~~قيل فماذا قال أولئك الذين ظلموا أنفسهم للملائكة؟ فكان الجواب كنا ~~مستضعفين فى الأرض. قال صاحب الكشاف فإن قلت كيف صح وقوع قوله { كنا ~~مستضعفين في الأرض } جوابا عن قولهم فيم كنتم وكان حق الجواب ~~كنا فى كذا أو لم نكن فى شئ؟ قلت معنى " فيم كنتم " التوبيخ بأنهم لم ~~يكونوا فى شئ من الدين حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا. فقالوا كنا ~~مستضعفين اعتذارا مما وبخوا به، واعتلالا بالاستضعاف، وأنهم لم يتمكنوا ~~من الهجرة حتى يكونوا فى شئ. فبكتتهم الملائكة بقولهم { ألم تكن ~~أرض الله واسعة فتهاجروا فيها } ، أرادوا إنكم كنتم ~~قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التى تمنعون فيها من إظهار ~~دينكم. وهذا دليل على أن الرجل إذا كان فى بلد لا يتمكن فيه من إقامة ~~دينه كما يجب لبعض الأسباب - والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر - أو علم ~~أنه فى غير بلده أقوم بحق الله وأدوم للعبادة حقت عليه المهاجرة. ويبدو ~~أن الإمام الزمخشرى كان عند تفسيره لهذه الآية قد هاجر من موطنه ~~للإقامة بجوار بيت الله الحرام، ms1269 فقد قال خلاف تفسيره لها " اللهم إن كنت ~~تعلم أن هجرتى إليك لم تكن إلا للفرار بدينى فاجعلها سببا فى خاتمة ~~الخير، ودرك المرجو من فضلك، والمبتغى من رحمتك. # وصل جوارى لك بعكوفى عند بيتك بجوارك فى دار كرامتك يا واسع المغفرة ". ~~وقال القرطبى يفيد هذا السؤال والجواب أنهم ماتوا مسلمين ظالمين لأنفسهم ~~فى تركهم الهجرة، وإلا فلو ماتوا كافرين لم يقل لهم شئ من هذا. وإنما ~~أضرب عن ذكرهم فى الصحابة لشدة ما واقعوه. وقوله { فأولئك ~~مأواهم جهنم وسآءت مصيرا } بيان لسوء عاقبة هؤلاء الذين ~~آثروا العيش فى أرض الكفر مع الذل على الهجرة إلى أرض الإسلام. أى ~~فأولئك الذين ماتوا ظالمين لأنفسهم { مأواهم جهنم } أى مسكنهم ~~الذى يأوون إليه فى الآخرة جهنم، وهى مصيرهم الذى سيصيرون إليه { ~~وسآءت مصيرا } أى وساءت جهنم لأهلها الذين صاروا إليها مصيرا ~~ومسكنا ومأوى، لأنهم سيذوقون فيها العذاب الأليم. وجئ باسم الإشارة { ~~فأولئك } للاشعار بأنهم جديرون بالحكم الوارد بعده للصفات التى ~~وصفوا بها قبله، فهم كانوا قادرين على الهجرة لكنهم لم يهاجروا لضعف ~~نفوسهم وحرصهم على أموالهم ومصالحهم. والمخصوص بالذم فى قوله { وسآءت ~~مصيرا } محذوف. أى جهنم. ثم استثنى - سبحانه - من هذا المصير السئ لمن ~~ظلموا أنفسهم ثلاثة أصناف من الناس فقال { إلا المستضعفين ~~من الرجال والنسآء والولدان }. أى أن هذا المصير السئ ~~والعذاب المهين هو للذين ظلموا أنفسهم بترك الهجرة إلى المسلمين مع ~~قدرتهم عليها، لكن هناك طوائف من الناس خارجون من هؤلاء الذين ظلموا ~~أنفسهم ومن هذا المصير الأليم، وهم أولئك الرجال الذين عجزوا حقا عن ~~الهجرة لضعفهم أو مرضهم أو شيخوختهم.. أو النساء اللائى لا يستطعن الخروج ~~وحدهن خشية من الاعتداء عليهن أو الوالدان الذين لم يبلغوا الحلم بعد، أو ~~بلغوه بلوغا قريبا لكنهم لا يستطيعون الهجرة بمفردهم لقلة ذات يدهم أو ~~لغير ذلك من الأعذار الصحيحة. وقوله { لا يستطيعون حيلة ولا ~~يهتدون سبيلا } جملة مستأنفة موضحة لمعنى الاستضعاف. حتى لا ~~يتوهم متوهم أن استضعاف هؤلاء كالاستضعاف الذى تذرع به ms1270 أولئك الذين ظلموا ~~أنفسهم عندما قالوا - كما حكى القرآن عنهم - { كنا مستضعفين ~~في الأرض }. ويصح أن تكون حالا من المستضعفين. أى ليس مندرجا مع ~~الذين ظلموا أنفسهم فاستحقوا المصير السئ أولئك الضعفاء من الرجال ~~والنساء والولدان لأنهم { لا يستطيعون حيلة } فى الخروج إذ لا ~~قوة لهم على الخروج ولا نفقة معهم توصلهم مبتغاهم { ولا يهتدون ~~سبيلا } أى ولا يعرفون الطريق التى توصلهم إلى دار هجرتهم. قال ~~القرطبى والحيلة لفظ عام لأنواع أسباب التخلص. والسبيل سبيل المدينة. ~~فيما ذكر مجاهد والسدى وغيرهما والصواب أنه عام فى جميع السبل. ~~والاستثناء فى قوله { إلا المستضعفين } منقطع - على الصحيح - ~~لأن هؤلاء الذين قعدوا عن الهجرة لعجزهم، خارجون من أولئك الذين ظلموا ~~أنفسهم بقعودهم عن الهجرة مع قدرتهم على ذلك. وفى ذكر الوالدان مبالغة فى ~~أمر الهجرة حتى لكأنها لو استطاعها غير المكلفين لقاموا بها، وإشعار بأن ~~على أوليائهم أن يهاجروا بهم معهم متى تمكنوا من ذلك. # وقوله { فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم }. بيان ~~لحكم هؤلاء المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. أى أن ~~هؤلاء الذين قعدوا عن الهجرة لأعذار حالت بينهم وبينها { عسى الله ~~أن يعفو عنهم } أى يتجاوز عنهم بفضله ورحمته بسبب عدم استطاعتهم ~~للهجرة. قال الجمل وعسى ولعل فى كلام الله واجبتان، وإن كانتا رجاء وطمعا ~~فى كلام المخلوقين، لأن المخلوق هو الذى تعرض له الشكوك والظنون. والبارى ~~منزه عن ذلك، وإذا أطمع - سبحانه - عبده وصله. وقال الآلوسى وفى قوله { ~~عسى الله أن يعفو عنهم } إيذان بأن ترك الهجرة أمر خطير ~~حتى ان المضطر الذى تحقق عدم وجوبها عليه ينبغى له أن يعد تركها ذنبا، ~~ولا يأمن. ويترصد الفرصة ويعلق قلبه بها ". وقوله { وكان الله ~~عفوا غفورا } تذييل مقرر لما قبله بأتم وجه أى وكان الله - تعالى ~~-. وما زال كثير العفو عن عباده فيما يقعون فيه من تقصير، كثير المغفرة ~~لمن تاب إليه وأناب. ثم رغب - سبحانه - فى الهجرة من أجل إعلاء دينه ~~بأسمى ألوان الترغيب فقال { ومن يهاجر ms1271 في سبيل الله يجد ~~في الأرض مراغما كثيرا وسعة }. وقوله { مراغما } اسم ~~مكان أى يجد فى الأرض متحولا ومهاجرا. قال القرطبى ما ملخصه اختلف فى ~~تأويل المراغم فقال مجاهد المراغم المتزحزح. وقال ابن عباس المراغم ~~المتحول والمذهب. وقال ابن زيد المراغم المهاجر. وهذه الأقوال متفقة ~~المعانى وهو اسم الموضع الذى يراغم فيه. وهو مشتق من الرغام أى التراب ~~ورغم أنف فلان أى لصق بالتراب. وراغمت فلانا هجرته وعاديته. وهذا كله ~~تفسير بالمعنى. فأما الخاص باللفظة هو أن المرغم موضع المراغمة كما ~~ذكرناه وهو أن يرغم كل واحد من المتنازعين أنف صاحبه بأن يغلبه على ~~مراده. فكأن كفار قريش أرغموا أنوف المحبوسين بمكة، فلو هاجر منهم مهاجر ~~لأرغم أنوف قريش لحصوله فى منعة منهم، فتلك المنعة هى موضع المراغمة. ~~والمعنى ومن يهاجر تاركا دار إقامته من أجل إعلاء كلمة الله وإعزاز دينه، ~~يجد فى الأرض أماكن كثيرة يأمن فيها مكر أعدائه وظلمهم، ويجد فيها من ~~الخير والنعمة والسعة فى الرزق ما يكون سببا لرغم أنف أعدائه الذين ~~فارقهم كراهة لصحبتهم القبيحة، ومعاملتهم السيئة. قال الفخر الرازى وذلك ~~لأن من فارق بلده وذهب إلى بلده أجنبية، فإذا استقام أمره فى تلك البلدة ~~الأجنبية، ووصل ذلك الخبر إلى أهل بلدته خجلوا من سوء معاملتهم له ورغمت ~~أنوفهم - أى أصابهم الذل - بسبب ذلك. فكأنه قيل. يأيها الإنسان إنك كنت ~~تكره الهجرة عن وطنك خوفا من أن تقع فى المشقة والمحنة والسفر، فلا تخف ~~فإن الله - تعالى - سيعطيك من النعم الجليلة، والمراتب العظيمة، فى دار ~~هجرتك ما يصير سببا لرغم أنوف أعدائك، ويكون سببا لسعة عيشك. # وإنما قدم - سبحانه - ذكر رغم الأعداء على ذكر سعة العيش لأن ابتهاج ~~الإنسان الذى يهاجر عن أهله وبلده بسبب شدة ظلمهم له بدولته من حيث إنها ~~تصير سببا لرغم أنوف الأعداء. أشد من ابتهاجه بتلك الدولة من حيث إنها ~~صارت سببا لسعة العيش عليه. وقوله { ومن يخرج من بيته ~~مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد ~~وقع أجره ms1272 على الله } تنويه عظيم بشأن الهجرة من أجل إعلاء ~~كلمة الله، حيث جعل - سبحانه - ثوابها حاصلا حتى ولو لم يصل المهاجر إلى ~~مقصده. أى ومن يخرج من بيته تاركا أهله ووطنه، فارا بدينه إلى المكان ~~الذى تعلو فيه كلمة الله وكلمة رسوله، قاصدا بذلك نصرة الحق وأهله، من ~~يفعل ذلك { ثم يدركه الموت } وهو فى طريقه قبل أن يصل إلى ~~مكان هجرته { فقد وقع أجره على الله } أى فقد ثبت ووجب له ~~الأجر عند الله - تعالى - تفضلا منه - سبحانه - وكرما { وكان الله ~~غفورا رحيما } فيغفر لهذا المهاجر ما فرط منه من تقصير، ويرحمه ~~برحمته الواسعة. وقوله { ثم يدركه } بالجزم عطفا على فعل الشرط ~~وهو { ومن يخرج }. وجوابه قوله { فقد وقع أجره على ~~الله }. قال الآلوسى وقرئ { ثم يدركه } بالرفع. خرج ابن جنى ~~على أنه فعل مضارع مرفوع والموت فاعله. والجملة خبر لمبتدأ محذوف أى ثم ~~هو يدركه الموت. وفى التعبير بقوله { فقد وقع أجره على ~~الله } بعث للطمأنينة فى قلوب المهاجرين، وحفز لهم على الهجرة من أجل ~~إعلاء كلمة الله لأنهم إذاوصلوا إلى دار هجرتهم فقد راغموا أنف أعدائهم ~~ورزقهم الله بالخير من فضله، وإن ماتوا قبل أن يصلوا أعطاهم - سبحانه ~~ثواب المهاجرين كاملا ببركة حسن نياتهم، وكافأهم على ذلك أجرا جزيلا لا ~~يعلم مقداره إلا هو. وقد وردت روايات فى سبب نزول هذه الآية الكريمة منها ~~ما أخرجه ابن جرير عن سعيد بن جبير أنها نزلت فى جندب بن ضمرة وكان قد ~~بلغه وهو بمكة قوله - تعالى - { إن الذين توفاهم ~~الملائكة ظالمي أنفسهم }.. الآية فقال لبنيه أحملونى ~~فإنى لست من المستضعفين، وإنى لأهتدى إلى الطريق، وإنى لا أبيت الليلة ~~بمكة. فحملوه على سرير متوجها إلى المدينة - وكان شيخا كبيرا، فمات ~~بالتنعيم - وهو موضع قرب مكة - ولما أدركه الموت أخذ يصفق يمينه على ~~شماله ويقول اللهم هذه لك. وهذه لرسولك صلى الله عليه وسلم أبايعك على ما ~~بايع عليه رسولك - ثم مات - ولما بلغ خبر موته الصحابة قالوا ليته مات ms1273 ~~بالمدينة فنزلت الآية. # هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى 1- ~~وجوب الهجرة من دار لا يستطيع المسلم فيها أن يؤدى شعائر دينه. قال ~~القرطبى فى هذه الآيات دليل على هجران الأرض التى يعمل فيها بالمعاصى. ~~وقال سعيد بن جبير إذا عمل بالمعاصى فى أرض فاخرج منها. وتلا { ألم ~~تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها }. وقال مالك هذه ~~الآيات دالة على أنه ليس لأحد المقام فى أرض يسب فيها السلف ويعمل فيها ~~بغير الحق. وقال الشيخ القاسمى ما ملخصه قال الحافظ بن حجر فى " الفتح " ~~الهجرة الترك. والهجرة إلى الشئ الانتقال إليه عن غيره. وفى الشرع ترك ما ~~نهى الله عنه. وقد وقعت فى الإسلام على وجهين الأول الانتقال من دار ~~الخوف إلى دار الأمن. كما فى هجرتى الحبشة وابتداء الهجرة من مكة إلى ~~المدينة. الثاني الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان. وذلك بعد أن ~~استقر النبى صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهاجر إليه من أمكنه ذلك من ~~المسلمين. وكانت الهجرة إذ ذاك تختص بالمدينة إلى أن فتحت مكة فانقطع ~~الاختصاص وبقى عموم الانتقال من دار الكفر لمن قدر عليه باقيا. ثم قال ~~الشيخ القاسمى وقد أفصح ابن عمر بالمراد فيما أخرجه الإسماعيلى بلفظ ~~انقطعت الهجرة بعد الفتح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تنقطع ~~الهجرة ما قوتل الكفار. أى ما دام فى الدنيا دار كفر، فالهجرة واجبة منها ~~على من أسلم وخشى أن يفتن فى دينه. وروى الإمام أحمد وأبو داود عن ~~معاوية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة. ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس ~~من مغربها ". # 2- أن من خرج للهجرة فى سبيل الله ومات فى الطريق أعطاه الله - تعالى - ~~أجر المهاجرين ببركة نيته الصادقة، ويدل على ذلك ما جاء فى الصحيحين عن ~~عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. فمن ms1274 كانت هجرته إلى ~~الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله. ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو ~~امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه ". # وقال صاحب الكشاف كل هجرة لغرض دينى - من طلب علم أو حج أو جهاد أو فرار ~~إلى بلد يزداد فيه طاعة أو قناعة وزهدا فى الدنيا أو ابتغاء رزق طيب - ~~فهى هجرة إلى الله ورسوله. وإن أدركه الموت فى طريقه فأجره واقع على ~~الله. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد وبخت الذين رضوا أن يقيموا مع ~~الكافرين فى ذلة وهوان مع قدرتهم على الهجرة، وتوعدتهم على ضعف إيمانهم، ~~بسوء المصير، وحرضت المؤمنين فى كل زمان ومكان على الهجرة فى سبيل الله ~~بأسمى ألوان التحريض وأشدها، ووعدت المهاجر من أجل إعلاء كلمة الحق ~~بالخير الوفير، والأجر الجزيل. # ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل ~~العظيم # وبعد أن حض - سبحانه - عباده على الهجرة فى سبيله أتبع ذلك ببيان جانب ~~من مظاهر رحمته فى التيسير عليهم فيما شرعه لهم من عبادات، حيث أباح لهم ~~قصر الصلاة فى حالة السفر، وعرفهم كيف يؤدونها فى حالة الجهاد والخوف من ~~مباغتة العدو لهم فقال - تعالى - { وإذا ضربتم...عذابا ~~مهينا }. ### || [4.101-102] # قوله { وإذا ضربتم في الأرض } أى إذا سافرتم، وأطلق الضرب ~~فى الأرض على السفر لأن المسافر يضرب برجله وبراحلته على الأرض. والمراد ~~من الأرض ما يشمل البر والبحر أى إذا سافرتم - أيها المؤمنون - فى أى ~~مكان يسافر فيه من بر أو بحر { فليس عليكم جناح } أى حرج أو ~~إثم فى { أن تقصروا من الصلاة } أى فى أن تنقصوا منها ما ~~خففه الله عنكم رحمة بكم. وقوله { تقصروا } من القصر وهو ضد المد. ~~يقال قصرت الشئ أى جعلته قصيرا بحذف بعض أجزائه أو أوصافه. ومن فى قوله { ~~من الصلاة } يجوز أن يكون زائدة للتأكيد فيكون لفظ الصلاة مفعولا ~~به لتقصروا. ويجوز أن تكون للتبعيض فيكون المفعول محذوفا. والجار ~~والمجرور فى موضع الصفة. أى فليس عليكم جناح فى أن تقصروا شيئا من ~~الصلاة. ms1275 وقوله { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } ~~جملة شرطية وجوابها محذوف دل عليه ما قبله. والمراد بالفتنة هنا إنزال ~~الأذى بالمؤمنين. أى إن خفتم أن يتعرض لكم المشركون بما تكرهونه من ~~القتال أو غيره حين سفركم فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة. وقوله { ~~إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا } تعليل لتأكيد ~~أخ الحذر من الكفر دائما، لأن عداوتهم للمؤمنين ظارهة، وكراهتهم لهم ~~شديدة. أى إن الكافرين كانوا وما زالوا بالنسبة لكم - أيها المؤمنون - ~~يظهرون العداوة، وما تخفيه صدروهم لكم من أحقاد وكراهية أشد وأكبر. وقد ~~أكد - سبحانه - هذه العداوة بإن الدالة على التوكيد، وبكان المفيدة ~~للدوام والاستمرار، وبوصف هذه العداوة بالسفور والظهور، لكى يحترس ~~المسلمون منهم أشد الاحتراس. هذا، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه ~~الآية ما يأتى 1- أن قصر الصلاة فى السفر سنة. ومنهم من يرى أن المصلى ~~مخير فيه كما يخير فى الكفارات. ومنهم من يرى أنه فرض. قال القرطبى ما ~~ملخصه واختلف العلماء فى حكم القصر فى السفر فروى عن جماعة أنه فرض وهو ~~قول عمر بن عبد العزيز والكوفيين. واحتجوا بحديث عائشة " فرضت الصلاة ~~ركعتين ركعتين " ولا حجة فيه لمخالفتها له فإنها كانت تتم فى السفر وذلك ~~يوهنه... وحكى ابن الجهم أن أشهب روى عن مالك أن القصر فرض. ومشهور مذهبه ~~وجل أصحابه، وأكثر العلماء من السلف والخلف أن القصر سنة. وهو الصحيح. ~~ومذهب عامة البغداديين من المالكيين أن الفرض التخيير. ثم اختلفوا فى ~~أيهما أفضل، فقال بعضهم القصر أفضل.. وقيل الإتمام أفضل ". أما بالنسبة ~~لمسافة السفر التى يجوز معها قصر الصلاة للعلماء فيها أقوال منها أن ~~السفر الذى يسوغ القصر هو ما كان مسيرة ثلاثة أيام بلياليها بالسير ~~المعتاد. # وهذا رأى الأحناف. ومن حججهم قوله صلى الله عليه وسلم # " يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام بلياليها " # وأيضا ورد أن النبى صلى الله عليه وسلم منع المرأة من السفر فوق ثلاث ~~إلا مع زوج أو محرم، فدل هذا على أن ما دون الثلاث ms1276 لا يعد سفرا، بل هو فى ~~حكم الإقامة، حيث جعل الثلاث فاصلا بين الخروج بدون محرم وعدمه. وأيضا ~~فقد جرى عرف العرب أن الرجل كان لا يعتبر مسافرا إلا بسير نحو ثلاثة ~~أيام. أما المالكية والشافعية وأكثر الأئمة فيرون أن السفر الذى تقصر فيه ~~الصلاة هو ما كان مسيرة يوم وليلة وقيل يوم فقط، وذلك لما رواه ابن عباس ~~أن النبى صلى الله عليه وسلم قال # " يا أهل مكة لا تقصروا فى أدنى من أربعة برد. من مكة إلى عسفان " # ، وقد قدرت هذه المسافة بمسيرة يوم وليلة أو يوم فقط. ويرى داود الظاهرى ~~وأتباعه أن القصر فى كل ما يسمى سفرا، سواء أكان قصيرا أم طويلا لأن ~~المدار عندهم فى تحقيق القصر على تحقيق شرطه وهو الضرب فى الأرض، ولأن ~~كلمة الضرب فى الأرض قد جاءت على إطلاقها من غير تقييد بمدة معلومة ولا ~~مسافة محدودة. وقد رد جمهور العلماء عليهم بردود منها أن الضرب فى الأرض ~~حقيقته الانتقال من كان إلى مكان. وظاهر أن مجرد الانتقال من مكان إلى ~~آخر لا يكون سببا فى الرخصة، فلا بد أن يكون السفر المرخص فيه بالقصر ~~سفرا مخصوصا، وقد بينت السنة النبوية الشريفة مقداره على خلاف فى ~~الروايات. هذا، وقد حكى القرطبى أقوال بعض العلماء فى نقد أولئك الذين ~~يأخذون الأمور بظواهرها بدون فهم سليم فقال قال ابن العربى وقد تلاعب قوم ~~بالدين فقالوا إن من خرج من البلد إلى ظاهره أكل وقصر وقائل هذا أعجمى لا ~~يعرف السفر عند العرب، أو مستخف بالدين. ولولا أن العلماء ذكروه لما رضيت ~~أن ألمحه بمؤخر عينى، ولا أفكر فيه بفضول قلبى. ولم يذكر حد السفر الذى ~~يقع به القصر لا فى القرآن ولا فى السنة. وإنما كان كذلك، لأنها كانت ~~لفظة عربية مستقر علمها عند العرب الذين خاطبهم الله بالقرآن فنحن نعلم ~~قطعا أن من برز عن الدور لبعض الأمور أنه لا يكون مسافرا لا لغة ولا ~~شرعا. وإن من مشى مسافرا ثلاثة أيام ms1277 فإنه يكون مسافرا قطعا. كما أننا ~~نحكم على من مشى يوما وليلة أنه كان مسافرا، لحديث # " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذى ~~محرم منها " # وهذا هو الصحيح لأنه وسط بين الحالين. وعليه عول مالك. ولكنه لم يجد هذا ~~الحديث متفقا عليه، فقد روى مرة " يوما وليلة " ومرة " ثلاثة أيام ". # .. ثم قال القرطبى واختلفوا فى نوع السفر الذى تقصر فيه الصلاة. فأجمع ~~الناس على الجهاد والحج والعمرة وما ضارعها من صلة رحم.. واختلفوا فيما ~~سوى ذلك. فالجمهور على جواز القصر فى السفر المباح كالتجارة وغيرها. وعلى ~~أنه لا قصر فى سفر المعصية كالباغى وقاطع الطريق وما فى معناهما. ثم قال ~~واختلف العلماء فى مدة الإقامة التى إذا نواها المسافر أتم. فقال مالك ~~والشافعى والليث بن سعد إذا نوى الإقامة أربعة أيام أتم. وقال أبو حنيفة ~~وأصحابه إذا نوى الإقامة خمس عشرة ليلة أتم، وإن كان أقل من ذلك قصر. 2- ~~ذهب جمهور العلماء إلى أن الآية الكريمة المقصود منها تشريع صلاة السفر، ~~وأن المراد بالقصر فى قوله { أن تقصروا من الصلاة } هو القصر ~~فى الكمية أى فى عدد الركعات، بأن يصلى المسافر الصلاة الرباعية ركعتين، ~~وأن حكمها للمسافر فى حال الأمن كحكمها فى حال الخوف لتظاهر السنن على ~~مشروعيتها مطلقا. وقد وضح هذه المسألة الإمام ابن كثير توضيحا حسنا فقال ~~ما ملخصه وقوله - تعالى - { إن خفتم أن يفتنكم الذين ~~كفروا } الشرط فيه خرج مخرج الغالب حال نزول هذه الآية. إذ كانت ~~أسفارهم بعد الهجرة فى مبدئها مخوفة. بل كانوا لا ينهضون إلا إلى غزو ~~عام، أو سرية خاصة، وسائر الأحياء حرب للإسلام وأهله. والمنطوق إذا خرج ~~مخرج الغالب فلا مفهوم له. كقوله - تعالى - # ولا تكرهوا فتياتكم على البغآء إن أردن ~~تحصنا # وقوله - تعالى - # وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسآئكم # ومما يشهد بأن للمسافر أن يقصر سواء أكان آمنا أم خائفا ما رواه الترمذى ~~والنسائى عن ابن عباس. أن النبى صلى الله عليه وسلم خرج ms1278 من المدينة إلى ~~مكة لا يخاف إلا الله رب العالمين فصلى ركعتين. وروى البخارى عن حارثة بن ~~وهب الخزاعى قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم آمن ما كان بمنى ~~ركعتين. وروى البخارى عن أنس قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من المدينة إلى مكة. فكان يصلى ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة. ~~وروى مسلم وأحمد وأهل السنن # " عن يعلى بن أمية قال سألت عمر بن الخطاب. قلت له قوله - تعالى - { ~~فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن ~~خفتم أن يفتنكم الذين كفروا }. وقد أمن الناس. فقال ~~لى عمر عجبت مما عجبت منه. فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ~~فقال " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ". # وروى أبو بكر بن أبى شيبة عن أبى حنظلة الحذاء قال سألت ابن عمر عن صلاة ~~السفر؟ فقال ركعتان، فقلت له أين قوله، { إن خفتم أن يفتنكم ~~الذين كفروا } ونحن آمنون؟ فقال سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # فأنت ترى من هذه النصوص أنها تدل على أن الآية الكريمة مسوق فى تشريع ~~صلاة السفر سواء أكان المسافر آمنا أم خائفا، وأن قوله - تعالى - { أن ~~تقصروا من الصلاة } المراد من القصر هنا قصر عدد الركعات من ~~أربع إلى اثنين كما كان يفعل النبى صلى الله عليه وسلم فى أسفاره، وأن ~~القصر للصلاة فى السفر بالنظر لما كانت عليه فى الحضر. قالوا ومما يدل ~~على أن لفظ القصر كان مخصوصا فى عرفهم بنقص عدد الركعات، ما رواه البخارى ~~عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " انصرف من اثنتين - أى ~~صلى الصلاة الرباعية ركعتين عن سهو - فقال له ذو اليدين أقصرت الصلاة أم ~~نسيت يا رسول الله "؟.... هذا ويرى بعض العلماء أن هذه الآية نزلت فى ~~صلاة الخوف، وأن المقصود بالقصر هنا هو قصر الكيفية لا الكمية - أى تخفيف ~~ما اشتملت عليه من قراءة وتسبيح وغير ذلك - لأنهم يرون أن كمية صلاة ~~المسافر ms1279 ركعتان فهى تام غير قصر. قال ابن كثير ما ملخصه ومن العلماء من ~~قال إن المراد من القصر ها هنا إنما هو قصر الكيفية لا الكمية وهو قول ~~مجاهد والضحاك والسدى واعتقدوا بما رواه الإمام مالك عن عائشة أنها قالت ~~فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فى السفر والحضر، فأقرت صلاة السفر، وزيد فى ~~صلاة الحضر. قالوا فإذا كان أصل الصلاة فى السفر حتى اثنتين فيكف يكون ~~المراد بالقصر هنا قصر الكمية. لأن ما هو الأصل لا يقال فيه { فليس ~~عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة }. وروى الإمام ~~أحمد والنسائى وابن ماجه عن عمر - رضى الله عنه - قال صلاة السفر ركعتان ~~وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير ~~قصر على لسان نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم ". وقال القرطبى وذهب جماعة ~~إلى أن هذه الآية إنما هى مبيحة للقصر فى السفر للخائف من العدو فمن كان ~~آمنا فلا قصر له. روى عن عائشة أنها كانت تقول فى السفر أتموا صلاتكم. ~~فقالوا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصر. فقالت إنه كان فى حرب ~~وكان يخاف وهل أنتم تخافون؟... وذهب جماعة إلى أن الله - تعالى - لم يبح ~~القصر فى كتابه إلا بشرطين السفر والخوف وفى غير الخوف بالسنة. ويبدو لنا ~~أن الأولى ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن الآية الكريمة المقصود منها ~~تشريع صلاة السفر وأن المراد بالقصر فيها قصر كمية الصلاة بحيث يصلى ~~المسافر الصلاة الرباعية ركعتين تخفيفا من الله - تعالى - عليه، سواء ~~أكان فى حالة أمن أم حالة خوف، لأن النصوص التى ساقها الجمهور لتأييد ~~رأيهم صريحة فى صحة ما ذهبوا إليه، ولأن القصر فى اللغة معناه أن تقتصر ~~من الشئ على بعضه، وهذا أظهر ما يكون فى قصر الركعات على اثنين بدل أربع، ~~أما القصر فى الصفة أو الكيفية فهو تغيير فى الصلاة لا إتيان بالبعض، إذ ~~هو إحلال للإيماء محل الركوع والسجود - مثلا -. # وأيضا فإن { من } فى قوله { أن تقصروا من الصلاة ms1280 } تكون ~~أظهر فى الاقتصار على بعض الركعات عند من يجعل هذا الحرف للتبعيض. ومن ~~أراد مزيد بيان لتلك المسائل فليرجع إلى أمهات كتب الفقه والتفسير. ثم ~~شرع - سبحانه - فى بيان صفة صلاة الخوف فى جماعة فقال - تعالى - { ~~وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم ~~طآئفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا ~~سجدوا فليكونوا من ورآئكم ولتأت طآئفة أخرى ~~لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم ~~وأسلحتهم }. والمعنى وإذا كنت يا محمد فى أصحابك وشهدت معهم ~~القتال { فأقمت لهم الصلاة } أى فأردت أن تقيم لهم الصلاة فى ~~جماعة لتزدادوا أجرا ورعاية من الله وأنتم تقاتلون أعداءه، فعليك فى هذه ~~الحالة أن تقسم أصحابك إلى قسمين، ثم بعد ذلك { فلتقم طآئفة ~~منهم معك } أى فلتقم جماعة من أصحابك معك فى الصلاة، أما ~~الطائفة الأخرى فلتكن بإزاء العدو ليحرسوكم منهم. والضمير فى قوله { ~~وليأخذوا أسلحتهم } يعود إلى الرجال الذين معه فى ~~الصلاة.. أى ولتأخذ الطائفة القائمة معك فى الصلاة أسلحتها معها وهى فى ~~الصلاة حتى تكون على أهبة القتال دائما. وقوله { فإذا سجدوا } أى ~~الرجال القائمون معك فى الصلاة سجدوا فى الركعة الأولى وأتموا الركعة { ~~فليكونوا من ورآئكم } أى فلينصرفوا بعد ذلك من صلاتهم ~~ليكونوا فى مقابلة العدو للحراسة. فالضمير فى الكل يعود إلى المصلين معه. ~~وقيل المعنى فإذا سجد الرجال الذين قاموا معك للصلاة، فليكن الرجال ~~الآخرون الذين ليسوا فى الصلاة من ورائكم لحماية ظهوركم، ولمنع نزول ~~الأذى بكم من أعدائكم. وعليه فيكون الضمير فى قوله { فليكونوا } ~~يعود إلى الطائفة الثانية التى ليست فى الصلاة. وقوله { ولتأت ~~طآئفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ~~وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم } بيان لما يجب أن تفعله ~~الطائفة الأخرى التى لم تدخل فى الصلاة بعد. أى فإذا ما انصرفت الطائفة ~~الأولى للحراسة فلتأت الطائفة التى كانت قبل ذلك فى الحراسة والتى لم تصل ~~بعد { فليصلوا معك } الركعة الأوفى وأنت يا محمد فى الركعة ~~الثانية. وعليهم أيضا أن يكونوا كمن سبقهم حاملين لأسلحتهم التى لا ~~تشغلهم عن الصلاة كالسيف والحنجر وما ms1281 يشبه ذلك، حتى إذا ما باغتكم ~~المشركون بالهجوم كنتم دائما على استعداد لمواجهتهم، وكنتم دائما على ~~يقظة من مكرهم. # فأنت ترى أن الله - تعالى - قد أمر المؤمنين بالمحافظة على الصلاة حتى ~~فى حالة الحرب، وأمرهم فى الوقت ذاته بأن يكونوا يقظين آخذين حذرهم ~~وأسلحتهم من مباغتة أعدائهم لهم حتى لا يتوهم أولئك الأعداء أن الصلاة ~~ستشغل المؤمنين عن الدفاع عن أنفسهم. وقوله { وليأخذوا حذرهم ~~وأسلحتهم } استعمل لفظ الأخذ فيه الحقيقة والمجاز. لأن أخذ الحذر ~~كناية عن شدة اليقظة ودوام الترقب. وأخذ الأسلحة حقيقة فى حملها للدفاع ~~بها عن النفس. وقدم - سبحانه - الأمر بأخذ الحذر على أخذ الأسلحة لأن أخذ ~~الأسلحة نوع من الحذر، ولأن الحذر عند انتقال الصفوف وتحركها واجب حتى لا ~~يباغتهم الأعداء وهم يتحولون من مكان إلى مكان، وهذا أشبه بتغيير الخطط ~~وقت القتال، وهو أمر له خطورته فوجب أن تشتد يقظة المسلمين حينئذ. وإلى ~~هذا المعنى أشار بعضهم بقوله فإن قلت لما ذكر فى أول الآية الأسلحة فقط، ~~وذكر هنا الحذر والأسلحة؟ قلت لأن العدو قلما يتنبه للمسلمين فى أول ~~الصلاة بل يظنون كونهم قائمين فى المحاربة والمقاتلة. فإذا قاموا إلى ~~الركعة الثانية ظهر للكفار أن المسلمين فى الصلاة، فحينئذ ينتهزون الفرصة ~~فى الإقدام على المسلمين فلا جرم أن الله - تعالى - أمرهم فى هذا الموضع ~~بزيادة الحذر من الكفار مع أخذ الأسلحة. وقوله - تعالى - { ود ~~الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم ~~وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة } بيان ~~لما من أجله أمروا بأخذ الحذر والسلاح. والخطاب لجميع المؤمنين. وقوله { ~~ود } من الود وهو محبة الشئ وتمنى حصوله. والأسلحة جمع سلاح. وهو اسم ~~جنس لآلات الحرب التى يستعلمها الناس فى حروبهم وقتالهم. والأمتعة. جمع ~~متاع. وهو كل ما ينتفع به من عروض وأثاث. والمراد به هنا ما يكون مع ~~المحاربين من أشياء لا غنى لهم عنها كبعض ملابسهم وأطعمتهم ومعداتهم. و { ~~لو } فى قوله { لو تغفلون } مصدرية. وقوله { ميلة } منصوب ~~على المفعول المطلق لبيان العدد. والمعنى كونوا دائما - أيها ms1282 المؤمنون - ~~فى أقصى درجات التنبه والتيقظ والحذر، فإن أعداءكم الكافرين يودون ويحبون ~~غفلتكم وعدم انتباهكم عن أسلحتكم وأمتعتكم التى تستعملونها فى قتالكم ~~لهم، وفى هذه الحالة يحملون عليكم حملة واحدة قوية شديدة ليقتلوا منكم من ~~يستطعيون قتله. فعليكم - أيها المؤمنون - أن تجمعوا بين الصلاة والجهاد ~~جمعا مناسبا حكيما بحيث لا يشغلكم أحد الأمرين عن الآخر أو عن حسن ~~الاستعداد لمجابهة أعدئاكم الذين يتربصون بكم الدوائر. فالآية الكريمة من ~~مطلعها إلى هنا تراها تأمر بشدة وتكرار بأخذ الحذر وحمل السلاح لمجابهة ~~أى مباغتة من المشركين. ومع هذا فقد رخص الله - تعالى - للمؤمنين بوضع ~~السلاح فى أحوال معينة دون أن يرخص لهم فى أخذ الحذر فقال - تعالى - { ~~ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو ~~كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم ~~}. # أى ولا حرج ولا إثم عليكم - أيها المؤمنون - فى أن تضعوا أسلحتكم فى ~~أغمادها فلا تحملوها { إن كان بكم أذى من مطر } يثقل معه ~~حمل السلاح { أو كنتم مرضى } بحيث يشق عليكم حملها، ومع كل هذا ~~فلا بد من أخذ الحذر من أعدائكم بأن تكونوا على يقظة تامة من مكرهم، وعلى ~~أحسن استعداد لدحرهم إذا ما باغتوكم بالهجوم. وقوله { إن الله ~~أعد للكافرين عذابا مهينا } تذييل قصد به تشجيع ~~المؤمنين على مقاتلة أعدائهم وأخذ الحذر منهم. أى إن الله - تعالى - أعد ~~لأعدائكم الكافرين عذابا مذلا لهم فى الدنيا والآخرة. أما فى الدنيا ~~فبنصركم عليهم وإذهاب صولتهم ودولتهم، كما قال - تعالى - # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم ~~وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين # وأما فى الآخرة فالبعذاب الذى يهينهم ويذلهم ولا يستطعيون منه نجاة أو ~~مهربا. وإذا كان الأمر كذلك فباشروا - أيها المؤمنون - الأسباب التى ~~توصلكم إلى النصر عليهم. هذا، ومن الأحكام والآداب التى التى أخذها ~~العلماء من هذه الآية ما يأتى 1- قال الآلوسى تعلق بظاهر قوله - تعالى - ~~{ وإذا كنت فيهم }. من خص صلاة الخوف بحضرته صلى الله عليه وسلم ~~كالحسن بن زيد ونسب ذلك أيضا لأبى يوسف، ونقله عنه ms1283 الجصاص فى كتاب ~~الأحكام، وعامة الفقهاء على خلافه فإن الأئمة بعده صلى الله عليه وسلم ~~نوابه، وقوام بما كان يقوم به فيتناولهم حكم الخطاب الوارد له عليه ~~الصلاة والسلام كما فى قوله # خذ من أموالهم صدقة # وقد أخرجه أبو داود والنسائى وابن حبان وغيرهم عن ثعلبة بن زهدم. قال ~~كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان فقال أيكم صلى مع رسول الله صلاة الخوف؟ ~~فقال حذيفة أنا. ثم وصف له ذلك فصلوا كما وصف، وكان ذلك بمحضر من الصحابة ~~ولم ينكره أحد منهم. وهم الذين لا تأخذهم فى الله لومة لائم، وهذا يحل ~~محل الإجماع. 2- أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة مشروعية صلاة الخوف ~~وصفتها وأنه يطلب فيها حمل السلاح إلا لعذر. وقد روى المفسرون فى سبب ~~نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائى ~~وغيرهم عن أبى عياش الزرقى قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعسفان فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد. وهم بيننا وبين القبلة. ~~فصلى بنا النبى صلى الله عليه وسلم الظهر فقالوا قد كانوا على حال لو ~~أصابنا غرتهم ثم قالوا تأتى عليهم الآن صلاة هى أحب إليهم من أبنائهم ~~وأنفسهم. فنزل جبريل بهذه الآية { وإذا كنت فيهم }. # . الخ بين الظهر والعصر ". 3- وردت روايات متعددة يؤخذ منها أن النبى ~~صلى الله عليه وسلم قد صلى صلاة الخوف على هيئات مختلفة وفى مواضع ~~متعددة. ويشهد لهذا قول القرطبى. وقد اختلفت الروايات فى هيئة صلاة ~~الخوف. واختلف العلماء لاختلافها. فذكر ابن القصار أنه صلى الله عليه ~~وسلم صلاها فى عشر مواضع. وقال ابن العربى روى عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم أنه صلى صلاة الخوف أربعا وعشرين مرة. وقال الإمام أحمد بن حنبل - ~~وهو إمام أهل الحديث والمقدم فى معرفة علل النقل فيه - لا أعلم أنه روى ~~فى صلاة الخوف إلا حديث ثابت. وهى كلها صحاح ثابتة. فعلى أى حديث صلى ~~منها المصلى صلاة الخوف أجزأه إن شاء الله. وقال ابن كثير ms1284 صلاة الخوف ~~أنواع كثيرة فإن العدو تارة يكون تجاه القبلة، وتارة يكون فى غير صوبها، ~~ثم تارة يصلون جماعة وتارة يلتحم الحرب فلا يقدرون على الجماعة، بل يصلون ~~فرادى مستقبلى القبلة وغير مستقبليها لعذر القتال كما أخر النبى صلى الله ~~عليه وسلم يوم الأحزاب صلاة الظهر والعصر فصلاهما بعد الغروب، ثم صلى ~~بعدهما المغرب والعشاء. وأما الجمهور فقالوا هذا منسوخ بصلاة الخوف فإنها ~~لم تكن نزلت بعد، فلما نزلت نسخ تأخير الصلاة لذلك. ونظرا لاختلاف ~~الروايات الواردة فى كيفية صلاة الخوف، فقد اختلف الفقهاء فى كيفية ~~أدائها تبعا لما فهمه كل فريق من تلك الروايات. وهاك بعض مذاهبهم أ ذهب ~~الإمام أبو حنيفة ومن تابعه إلى أن كيفية صلاة الخوف أن يقسم الإمام ~~الناس طائفتين طائفة تكون مع الإمام والأخرى بإزاء العدو. فيصلى بالذين ~~مع ركعة ثم ينصرفون إلى مقام أصحابهم ثم تأتى الطائفة الأخرى التى كانت ~~بإزاء العدو فيصلى بهم الإمام الركعة الثانية ويسلم هو. ثم تأتى الطائفة ~~الأولى فتصلى ركعة بغير قراءة، لأنها فى رأيهم لاحقة. أى كأنها وراء ~~الإمام حكما طول الصلاة، ولا قراءة عندهم وراء الإمام ثم تتشهد وتسلم. ~~وتذهب إلى وجه العدو فتأتى الطائفة الثانية فتقضى ركعة بقراءة ثم تتشهد ~~وتسلم. وإنما صلت هذه ركعتها بقراءة لأنها عندهم مسبوقة، فتكون كمن أدرك ~~آخر صلاة الإمام وفاتته ركعة. فتكون القراءة واجبة فى حقها. وهذه ~~الكيفية لصلاة الخوف التى أخذ بها الإمام أبو حنيفة قد وردت فى روايات ~~عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما عن النبى صلى الله عليه وسلم ب الإمام ~~مالك فيرى أن كيفية صلاة الخوف تكون كالآتى أن يقسم الإمام الناس إلى ~~طائفتين طائفة تكون معه وطائفة تكون بإزاء العدو. ثم يصلى بالطائفة التى ~~معه ركعة ولا يسلم وتتم هى الركعة الثانية وحدها ثم تتشهد وتسلم وتذهب ~~إلى مكان الطائفة الثانية، وتأتى الطائفة الثانية فتقف خلف الإمام فيصلى ~~معها الركعة الثانية ثم يجلسون للتشهد ويسلم الإمام وحده أماهم فيقومون ~~فيصلون وحدهم الركعة التى بقيت ms1285 ثم يتشهدون ويسلمون. # وقريب من هذه الكيفية ماذهب إليه الإمام الشافعى فهو يوافق المالكية ~~فيما ذهبوا إليه إلا أنه قال لا يسلم الإمام حتى تتم الطائفة الثانية ~~صلاتها ثم يسلم معهم. ويذهب الإمام أحمد بن حنبل فى كيفية صلاة الخوف ~~إلى ما ذهب إليه الإمام مالك. وفى رواية عنه أنه يوافق ما ذهب إليه ~~الشافعية. وهذا كله فيما إذا كانت الصلاة ثنائية فى الأصل كالفجر أو ~~رباعية فإنها تقصر إلى ثنائية. أما إذا كانت صلاة الخوف فى المغرب فيرى ~~جمهور الفقهاء أن الإمام يصلى بالطائفة الأولى ركعتين، وبالطائفة ~~الثانية ركعة ثم تتم كل طائفة ما بقى عليها بالطريقة التى سبق ذكرها عند ~~الأئمة، والتى بسطها العلماء فى كتب الفقه. 4- ومن الأحكام التى أخذها ~~العلماء من هذه الآية أهمية صلاة الجماعة، لأن الله - تعالى - أمر ~~المسلمين بأن يؤدوا الصلاة فى جماعة حتى وهم فى حالة الاستعداد للقاء ~~أعدائهم. قال ابن كثير ما أحسن ما استدل به من ذهب إلى وجوب الجماعة من ~~هذه الآية الكريمة. حيث اغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة. فلولا أنها ~~واجبة ما ساغ ذلك. 5- كذلك من الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية ~~أن الإسلام دين يأمر أتباعه بأداء الصلاة حتى ولو كانوا فى ساحة ~~المعركة، وذلك لأن الصلاة صلة بين العبد وربه، ومتى حسنت هذه الصلة بين ~~المجاهد وخالقه، فإنه - سبحانه - يكلؤه بعين رعايته، ويمده بنصره ~~وتأييده. وأن الإسلام بجانب هذا الاهتمام الشديد بشأن الصلاة فإنه يهتم ~~أيضا بأن يأمر أتابعه بالحذر من مكر أعدائهم ومن مباغتهم لهم، بأن يكون ~~المؤمنون مستعدين لصدهم وردهم على أعقابهم، وأن لا يغفلوا عن حمل أسلحتهم ~~حتى ولو كانوا قائمين للصلاة. وبهذا نرى أن الإسلام يربى أتباعه تربية ~~روحية وعقلية وبدنية من شأنها أن توصلهم - متى حافظوا عليها - إلى ما ~~يعلى كلمتهم فى الدنيا، ويرفع درجاتهم فى الآخرة. ثم أمر الله - تعالى - ~~المؤمنين بالإكثار من ذكره بعد الانتهاء من صلاتهم، وشجعهم على مواصلة ~~قتال أعدائهم بدون خوف أو ممل فقال - تعالى ms1286 { فإذا ~~قضيتم...عليما حكيما }. ### || [4.103-104] # والمعنى فإذا أديتم صلاة الخوف - أيها المؤمنون - على الوجه الذى بينته ~~لكم وفرغتم منها { فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى ~~جنوبكم } أى فداوموا على الإكثار من ذكر الله فى كل أحوالكم سواء ~~أكنتم قائمين فى ميدان القتال، أم قاعدين مستريحين، أم مضطجعين على ~~جنوبكم، فإن ذكر الله - تعالى - الذى يتناول كل قول أو عمل يرضى الله - ~~هو العبادة المستمرة التى بها تصفو النفوس، وتنشرح الصدور، وتطمئن ~~القلوب. قال - تعالى - # الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا ~~بذكر الله تطمئن القلوب # وإنما أمرهم - سبحانه - بالإكثار من ذكره فى هذه الأحوال بصفة خاصة، مع ~~أن الإكثار من ذكر الله مطلوب فى كل وقت، لأن الإنسان فى حالة الخوف ~~ومقابلة الأعداء أحوج ما يكون إلى عون الله وتأييده ونصره، والتضرع إلى ~~الله بالدعاء فى هذه الأحوال يكون جديرا بالقبول والاستجابة. قال - ~~تعالى - # يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا ~~واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون # والفاء فى قوله { فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة } ~~للتفريع على ما قبله. أى فإذا ما سكنت نفوسكم من الخوف، وأقمتم فى ~~مساكنكم بعد أن وضعت الحرب أوزارها، فداوموا على أداء الصلاة على وجهها ~~الذى كانت عليه قبل حالة الحرب، وأتموا أركانها وشروطها وآدابها وخشوعها. ~~وقوله { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا ~~موقوتا } تذييل المقصود به تأكيد ما قبله من الأمر بالمحافظة على ~~الصلاة. أى إن الصلاة كانت على المؤمنين فرضا محددا بأوقات لا يجوز ~~مجاوزتها بل لا بد من أدائها فى أوقاتها سفرا وحضرا، وأمنا وخوفا. ~~والمراد بالكتاب هنا المكتوب. وبالموقوت المحدد بأوقات من وقت كمضروب من ~~ضرب. وقد رجح ابن جرير هذا المعنى بقوله وأولى المعانى بتأويل الكملة قول ~~من قال إن الصلاة كانت على المؤمنين فرضا موقوتا. أى فرضا وقت لهم وقت ~~وجوب أدائه. لأن الموقوت إنما هو مفعول من قول القائل وقت الله عليك فرضه ~~فهو يقته. ففرضه عليك موقوت، إذا أخبر أنه جعل له وقتا يجب عليك أداؤه. ~~وقد أكد الله - تعالى - فرضية ms1287 الصلاة ووجوب أدائها فى أوقاتها بإن ~~المفيدة للتأكيد، وبكان المفيدة للدوام والاستمرار. وبالتعبير عن الصلاة ~~بأنها كتاب، وهو تعبير عن الوصف بالمصدر فيفيد فضل توكيد، وبقوله { على ~~المؤمنين } فإن هذا التركيب يفيد الإلزام والحتمية. وكل ذلك لكى ~~يحافظ المؤمنون عليها محافظة تامة دون أن يشغلهم عنها شاغل، أو يحول ~~بينهم وبين أدائها حائل. وقوله { ولا تهنوا في ابتغآء ~~القوم } تشجيع للمؤمنين على مواصلة قتال أعدائهم بصبر وعزيمة. وقوله ~~{ تهنوا } من الوهن وهو الضعف والتخاذل. والابتغاء مصدر ابتغى بمعنى ~~بغى المتعدى أى طلب. # أى ولا تضعفوا - أيها المؤمنون - فى ابتغاء العدو وطلبه، ولا تقعد بكم ~~الآلام عن متابعته وملاحقته حتى يتم الله لكم النصر عليه. ثم رغبهم - ~~سبحانه - فى مواصلة طلب أعدائهم بأسلوب منطقى رصين فقال { إن تكونوا ~~تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من ~~الله ما لا يرجون }. أى لا تتوانوا - أيها المؤمنون - عن ملاحقة ~~أعدائاكم ومقاتلتهم مهما تحملتم من آلام، وما أصبتم به من جراح، لأن ما ~~أصابكم من آلام وجراح قد أصيب أعداؤكم بمثله أو أكثر منه، ولأن الآلام ~~التى تحسونها هم يحسون مثلها أو أكثر منها. وفضلا عن ذلك فأنتم ترجون ~~بقتالكم لهم رضا الله، وإعلاء كلمته، وحسن مثوبته، وإظهار دينه. أما هم ~~فإنهم يقاتلونكم ولا رجاء لهم فى شئ من ذلك. وإنما رجاؤهم فى تحقيق ~~شهواتهم، وإرضاء شياطينهم، وانتصار باطلهم على حقكم. وشتان بين من يقاتل ~~وغايته ورجاؤه نصرة الحق. ومن يقاتل وغايته ورجاؤه نصرة الباطل. وما دام ~~الأمر كذلك فانهضوا - أيها المؤمنون - لقتال أعداءه الله وأعدائكم، دون ~~أن يحول بينكم وبين قتالهم ما تحسون به من آلام، فإن الله - تعالى - قد ~~جعل العاقبة لكم، والنصر فى ركابكم.. وقريب من هذه الآية قوله - تعالى - ~~فى سورة آل عمران # إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ~~وتلك الأيام نداولها بين الناس # ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله { وكان الله عليما حكيما } ~~أى وكان الله وما زال عليما بكل شى من أحوالكم وأحوالهم، حكيما فى كل ما ~~يقتضيه ms1288 ويأمر به أو ينهى عنه، فسيروا - أيها المؤمنون - فى الطريق التى ~~أمركم - سبحانه - بالسير فيها لتنالوا تأييده ورضاه. هذا، وقد روى ~~المفسرون فى سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات منها ما ذكره القرطبى من ~~أنها نزلت فى أعقاب حرب أحد حيث أمر النبى صلى الله عليه وسلم المؤمنين ~~بالخروج فى آثار المشركين، وكان بالمسلمين جراحات. وكان قد أمر ألا يخرج ~~معه إلا من كان قد حضر القتال فى غزوة أحد. وهذا السبب الذى ذكره القرطبى ~~فى نزول الآية الكريمة لا يمنع عمومها إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص ~~السبب، وعليه فإن الآيتين الكريمتين تأمران المسلمين فى كل زمان ومكان ~~بالمحافظة على فرائض الله ولا سيما الصلاة، وبالإكثار من ذكره فى جميع ~~أحوالهم، وبالإقدام على قتال أعدائهم بعزيمة صادقة، وهمة عالية، دون أن ~~يحول بينهم وبين هذا القتال ما يشعرون به من آلام، فإن الله - تعالى - قد ~~تكفل بنصر المؤمنين، ودحر المشركين. وبعد أن أمر الله - تعالى - المؤمنين ~~بالمحافظة على فرائضه وبأخذ حذرهم من الأعداء. وبالاستعداد لإبطال ~~مكرهم، وبمواصلة قتالهم حتى تعلو كلمة الحق، بعد كل هذا أمر - سبحانه - ~~المؤمنين فى شخص نبيهم صلى الله عليه وسلم بأن يلتزموا الحق فى كل شئونهم ~~وأحوالهم، لأن عدم التقيد بالحق والعدل يؤدى إلى ضعف الأمة واضمحلالها. ~~وقد ساق - سبحانه - فى آيات كريمة ما يهدى القلوب إلى صراطه المستقيم ~~فقال - تعالى - { إنآ أنزلنا إليك...عليك عظيما }. ### || [4.105-113] # ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات مختلفة السياق إلا أنها ~~متقاربة المعانى. ومن ذلك ما ذكره صاحب الكشاف من أن رجلا اسمه طعمة بن ~~أبيرق - أحد بنى ظفر - سرق درعا من جار له اسمه قتادة ابن النعمان فى ~~جراب دقيق. فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه. وخبأ طعمة الدرع عند رجل من ~~اليهود اسمه زيد بن السمين. فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد وحلف ما ~~أخذها، وماله بها علم، فتركوه واتبعوه أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل ~~اليهودى فأخذوها. فقال اليهودى دفعها إلى طعمة وشهد له ms1289 ناس من اليهود. ~~فقالت بنو ظفر - أقارب طعمة - انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلما وصلوا إليه سألوه أن يجادل - أى يدافع - عن صاحبهم طعمة وقالوا ~~إن لم تفعل هلك وافتضح وبرئ اليهودى. فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يفعل وأن يعاقب اليهودى. وقيل هم أن يقطع يده فنزلت. وهذه الآيات ~~الكريمة وإن كانت قد نزلت فى حادثة معينة، إلا أن توجيهاتها وأحكامها ~~تتناول جميع المكلفين فى كل زمان ومكان. وقوله تعالى { إنآ ~~أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس ~~بمآ أراك } تشريف للنبى صلى الله عليه وسلم وإرشاد إلى ما يجب أن ~~يكون عليه الحاكم أو القاضى من عدالة ونزاهة. أى إنا أنزلنا إليك يا محمد ~~القرآن الكريم، إنزالا ملتبسا بالحق وبالعدل لكى تحكم بين الناس فى ~~قضاياهم بما أراك الله. أى بما عرفك وأعلمك وأوحى به إليك وقوله { ~~بالحق } فى محل نصب على الحال المؤكدة فيتعلق بمحذوف. وصاحب الحال ~~هو الكتاب. أى أنزلناه ملتبسا بالحق. وقوله { بمآ أراك } الفعل هنا ~~متعد لاثنين أحدهما العائد المحذف والآخر كاف الخطاب أى بما أراكه الله. ~~أى بما عرفك وأعلمك. وسمى ذلك العلم بالرؤية، لأن العلم اليقينى المبرأ ~~عن جهات الريب يكون جاريا مجرى الرؤية فى القوة والظهور. قال ابن كثير ~~احتج من ذهب من علماء الأصول إلى أنه كان صلى الله عليه وسلم له أن يحكم ~~بالاجتهاد بهذه الآية. وبما ثبت فى الصحيحين # " عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع جلبة خصوم بباب حجرته ~~فخرج إليهم فقال " ألا إنما أنا بشر. وإنما أقضى بنحو مما أسمع. ولعل ~~أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى له. فمن قضيت له بحق مسلم فإنما ~~هى قطعة من النار، فليحملها أو ليذرها ". # وفى رواية للإمام أحمد عن السيدة أم سلمة - أيضا - قالت # " جاء رجلان من النصار يختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ~~مواريث بينهما قد درست. ليس عندهما بينه. فقال رسول الله ms1290 صلى الله عليه ~~وسلم " إنكم تختصمون إلى وإنما أنا بشر. ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض. ~~فإنى أقضى بينكم على نحو ما أسمع. فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه ~~فإنما أقطع له قطعة من النار.. فبكى الرجلان وقال كل منهما حقى لأخى. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما إذا قلتما ذلك فاذهبا فاقتسما، ثم ~~توخيا الحق بينكما ثم استهما. ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه " ". # وقوله { ولا تكن للخآئنين خصيما } معطوف على كلام مقدر ~~يفهم من المقام. والخصيم هنا بمعنى المنتصر المدافع عن غيره فهو اسم فاعل ~~بمعنى مخاصم وجمعه الخصماء. وأصله من الخصم وهو ناحية الشئ وطرفه. وقيل ~~للخصمين خصمان، لأن كل واحد منهما فى ناحية من الحجة والدعوى. والمعنى ~~إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاحكم به ولا تكن لأجل الخائنين مخاصما ~~للبرآء، بأن تجعل فكرك ينحاز إلى أولئك الخائنين - الذين يظهرون الإسلام ~~- قبل سماع البينات الهادية المرشدة إلى الحق. وسماهم - سبحانه - خائنين، ~~لأنهم فى علمه - تعالى - كانوا كذلك وقد أخبر نبيه بخيانتهم ليحذرهم ولا ~~يحسن الظن بهم. قال القرطبى قال العلماء لا ينبغى إذا ظهر للمسلمين نفاق ~~قوم أن يجادل فريق منهم فريقا عنهم ليحموهم ويدفعوا عنهم. فإن هذا قد وقع ~~على عهد النبى صلى الله عليه وسلم وفيهم نزل قوله - تعالى - { ولا ~~تكن للخآئنين خصيما }. وقوله { ولا تجادل عن ~~الذين يختانون أنفسهم }. والخطاب للنبى صلى الله عليه ~~وسلم والمراد منه الذين كانوا يفعلونه من المسلمين دونه لوجهين أحدهما ~~أنه - تعالى - أبان ذلك بما ذكره بعد بقوله { ها أنتم هؤلاء ~~جادلتم عنهم في الحياة الدنيا }. والآخر أن النبى صلى ~~الله عليه وسلم كان حكما فيما بينهم، ولذلك كان يعتذر إليه ولا يعتذر ~~إليه ولا يعتذر هو إلى غيره فدل على أن القصد لغيره. ثم قال - تعالى - { ~~واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما }. أى ~~واستغفر الله مما هممت به من تبرئة طعمة وإدانة اليهودى، حيث إن ظاهر ~~الأمر يقتضى ذلك، وهذا وإن لم ms1291 يكن ذنبا. إلا أنه - سبحانه - أمر نبيه صلى ~~الله عليه وسلم بالاستغفار من ذلك، لعلو مقامه على حد قول العلماء حسنات ~~الأبرار سيئات المقربين. أو المعنى واستغفر الله لهؤلاء الخائنين لكى ~~يتوبوا إلى الله - تعالى - ببركة استغفارك لهم، إن الله - تعالى - كان ~~كثير المغفرة لمن تاب إليه، وكثير الرحمة لمن آمن به واتقاه. وهذا الأمر ~~بالاستغفار والإنابة إلى الله موجه إلى كل مكلف فى شخص النبى صلى الله ~~عليه وسلم ثم قال - تعالى { ولا تجادل عن الذين يختانون ~~أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما }. # أى ولا تخاصم وتدافع عن هؤلاء الذين { يختانون أنفسهم } أى ~~يخونونها بشدة وإصرار إن الله - تعالى - لا يحب ولا يرضى عمن كانت ~~الخيانة وصفا من أوصافه، وخلقا من أخلاقه، وكذلك لا يحب ولا يرضى عمن كان ~~الانهماك فى الإثم والمعصية عادة من عاداته. وجاء - سبحانه - بلفظ { ~~يختانون } بمعنى يخونون، لقصد وصفهم بالمبالغة فى الخيانة لأن مادة ~~الافتعال تدل على التكلف والمحاولة. وجعلت خيانة هؤلاء لغيرهم خيانة ~~لأنفسهم، لأن سوء عاقبة هذه الخيانة سيعود عليهم. ولأن المسلمين جميعا ~~كالجسد الواحد فمن تظاهر بأنه منهم ثم خان أحدهم فكأنما خان نفسه، ~~وأوردها موارد البوار والتهلكة باعتدائه على حقوق الجماعة الإسلامية، ~~وزعزعة أمنها واستقرارها. والمراد بالموصول فى قوله { ولا تجادل ~~عن الذين يختانون أنفسهم } طعمة وأمثاله من الخائنين أو ~~هو ومن عاونه وشهد ببراءته من أبناء عشيرته. وقال - سبحانه - { إن ~~الله لا يحب من كان خوانا أثيما } بصيغة المبالغة ~~لإفادة أن الخيانة والإثم صارا وصفا ملازما لهؤلاء الخائنين الآثمين. ~~أى أن صيغة المبالغة هنا ليست للتخصيص حتى لا يتوهم متوهم أن الله - ~~تعالى - يحب من عنده أصل الخيانة والاثم. وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا ~~المعنى بقوله فإن قلت لم قيل " خوانا أثيما " على المبالغة؟ قلت كان الله ~~عالما من طعمة بالإفراط فى الخيانة وركوب المآثم، ومن كانت تلك خاتمة ~~أمره لم يشك فى حاله. وقيل إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات. ms1292 ~~وعن عمر - رضى الله عنه - أنه أمر بقطع يد سارق، فجاءت أمه تبكى وتقول ~~هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه. فقال لها كذبت. إن الله لا يؤاخذ عبده فى ~~أول مرة. وقوله { يستخفون من الناس ولا يستخفون من ~~الله } بيان لأحوالهم القبيحة التى تجعلهم محل غضب الله وسخطه. ~~والاستخفاء معناه الاستتار. يقال استخفيت من فلان. أى تواريت منه ~~واستنرت. أى أن هؤلاء الذين من طبيعتهم الخيانة والوقوع فى الآثام ~~يستترون من الناس عندما يقعون فى المنكرات حياء منهم وخوفا من ضررهم { ~~ولا يستخفون من الله } أى ولا يشعرون برقابه الله عليهم، ~~واطلاعه على جميع أحوالهم، بل يرتكبون ما يرتكبون من آثام بدون حياء منه ~~مع أنه - سبحانه - هو الأحق بأن يستحى منه، ويخشى من عقابه. وقوله { ~~وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول ~~وكان الله بما يعملون محيطا } بيان لشمول علمه - سبحانه ~~- بكل حركاتهم وسكناتهم. أى أن هؤلاء الخائنين يرتكبون السوء بدون حياء ~~من الله، مع أنه - سبحانه - معهم فى كل حركاتهم وسكناتهم بعلمه واطلاعه ~~على أقالهم وأعمالهم ولا يخفى عليه شئ من أمرهم حين " يبيتون " أى يضمرون ~~ويدبرون فى أذهانهم مالا يرضاه الله - من القول كأن يرتكبوا المنكرات ثم ~~يمسحونها فى غيرهم حتى لا يفتضح أمرهم. # قال صاحب الكشاف وكفى بهذه الآية ناعية على الناس ما هم فيه من قلة ~~الحياء والخشية من ربهم، مع علمهم - إن كانوا مؤمنين - أنهم فى حضرته لا ~~سترة ولا غفلة ولا غيبة، وليس إلا الكشف الصريح والافتضاح. وقوله { ~~يبيتون } أى يدبرون ويزورون وأصله أن يكون ليلا { ما لا يرضى ~~من القول } وهو تدبير طعمة أن يرمى الدرع فى دار غيره. فإن قلت كيف ~~سمى التدبير قولا وإنما هو معنى فى النفس؟ قلت لما حدث بذلك نفسه سمى ~~قولا على المجاز. ويجوز أن يكون المراد بالقول الحلف الكاذب الذى حلف به ~~طعمة بعد أن بيته وتوريكه الذنب على اليهودى. وقوله { وكان الله ~~بما يعملون محيطا } تذييل قصد به التهديد والوعيد. أى وكان ms1293 ~~الله - تعالى - محيطا إحاطة تامة بما يعمله هؤلاء الخائنون وغيرهم ولا ~~يغيب عن علمه شئ من تصرفاتهم، وسيحاسبهم عليها يوم القيامة. ثم وبخ - ~~سبحانه - أولئك الذين دافعوا عن الخائنين وجادلوا عنهم بالباطل فقال { ~~ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة ~~الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم ~~من يكون عليهم وكيلا }. أى ها أنتم أيها المدافعون عن ~~الخائنين كطعمة وأمثاله قد جادلتم عنهم فى الدنيا مبرئين إياهم من ~~الخيانة بدون حق، فمن ذا الذى يستطيع منكم ان يدافع عنهم أمام الله يوم ~~القيامة، بل من يكون عليهم يومئذ وكيلا. أى قائما بتدبير أمورهم، ومدافعا ~~عنهم؟ لا شك أنه لن يكون هناك أحد يدافع عنهم يوم القيامة لأن كل إنسان ~~سيجازى بعمله، ولن ينفعه دفاع المدافعين، أو جدال المجادلين. وقوله { ها ~~} حرف تنبيه. أى المخاطبين على خطئهم فى المجادلة عن السارق، وقوله { ~~أنتم } مبتدأ. وقوله { هؤلاء } منادى بحرف نداء محذوف مبنى على ~~الكسر فى محل نصب. وجملة { جادلتم عنهم }. خبر المبتدأ. وبعضهم ~~أعرب هؤلاء خبر أول. وجعل جملة جادلتهم خبرا ثانيا. وقوله { جادلتم ~~} من الجدل بمعنى الفتل ومنه رجل مجدول الفتل أى قوى البنية فالجدال ~~معناه تقوية الحجة التى يدافع بها الإنسان عن نفسه أو عن غيره. وقيل إن ~~الجدال مأخوذ من الجدالة وهى وجه الأرض. فكأن كل واحد من الخصمين يكون ~~كالمصارع الذى يريد أن يلقى صاحبه عليها. ومنه قولهم تركته مجدلا أى ~~مطروحا على الأرض. و { أم } فى قوله { أم من يكون عليهم ~~وكيلا } منقطعة للإضراب الانتقالى. والاستفهام إنكارى بمعنى النفى فى ~~الموضعين. # أى لا أحد يجادل عنهم أمام الله - تعالى - ولا أحد يستطيع أن يقوم ~~بتدبير أمورهم يوم القيامة. ثم فتح - سبحانه - بعد هذا التوبيخ الشديد ~~للخائنين - باب التوبة لعباده فقال { ومن يعمل سوءا أو ~~يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا ~~رحيما } أى ومن يعمل عملا سيئا يؤذى به غيره كما فعل طعمة باليهودى، ~~أو يظلم نفسه باتركاب الفواحش، التى يعود معظم ضررها على نفسه ms1294 كشرب ~~الخمر، وترك فرائض الله التى فرضها على عباده ثم بعد كل ذلك { ~~يستغفر الله } بأن يتوب إليه توبة صادقة نصوحا " يجد الله " ~~بفضله وكرمه { غفورا رحيما } أى كثير الغفران لعباده التائبين، ~~واسع الرحمة إليهم. والمراد بظلم النفس الأعمال السيئة التى يعود ضررها ~~ابتداء على فاعلها نفسه كشرب الخمر، وترك الصلاة أو الصيام وما يشبه ذلك. ~~وإنما فسروا كل جملة بهذا التفسير للآخر لوجود المقابلة بينهما. وإلى هذا ~~المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله { ومن يعمل سوءا } أى عملا قبيحا ~~يسوء به غيره كما فعل طعمة بقتادة واليهودى { أو يظلم نفسه } ~~بما يختص به كالحلف الكاذب. وقيل ومن يعمل سوءا من ذنب دون الشرك أو يظلم ~~نفسه بالشرك. وهذا بعث لطعمة على الاستغفار والتوبة أو لقومه لما فرط ~~منهم من نصرته والذنب عنه. والتعبير " بثم " فى قوله { ثم ~~يستغفر الله } للإشارة إلى ما بين المعصية والاستغفار من تفاوت ~~معنوى شاسع. إذ المعصية تؤدى بفاعلها إلى الخسران أما الاستغفار الذى ~~تصحبه التوبة الصادقة فيؤدى إلى الفلاح والسعادة. وقوله { يجد الله ~~غفورا رحيما } يفيد أن الله - تعالى - يستجيب لطلب الغفران من ~~عبده متى تاب إليه وأناب، لأنه - سبحانه - قد وصف نفسه بأن كثير المغفرة ~~والرحمة لعباده متى أقبلوا على طاعته بقلب سليم، ونية صادقة. ثم بين - ~~سبحانه - بأن الأفعال السيئة يعود ضررها على صاحبها وحده فقال - تعالى - ~~{ ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان ~~الله عليما حكيما }. والكسب كما يقول الراغب - ما يتحراه ~~الإنسان مما فيه اجتلاب نفع وتحصيل حظ، ككسب المال. وقد يستعمل فيما يظن ~~الإنسان أنه يجلب منفعة له ثم استجلب به مضرة. وقد ورد فى القرآن فى فعل ~~الصالحات والسيئات فما استعمل فى الصالحات قوله # أو كسبت في إيمانها خيرا # ومما استعمل فى السيئات قوله # إن الذين يكسبون الإثم # ومنه قوله - تعالى - هنا { ومن يكسب إثما فإنما ~~يكسبه على نفسه }. أى. ومن يرتكب إثما من الآثام التى نهى ~~الله عن ارتكابها، فإن ضرر ذلك يعود على نفسه وحدها. وما ms1295 دام الأمر كذلك ~~فعلى العاقل أن يبتعد عن الذنوب والآثام حتى ينجو من العقاب. وقوله { ~~وكان الله عليما حكيما } تذييل قصد به التحذير من سوء عاقبة ~~اكتساب الآثام. # أى وكان الله عليما بما فى قلوب الناس وبما يقولون ويفعلون، حكيما فى كل ~~ما قدر وقضى. وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر ثم بين - سبحانه ~~- المصير السئ الذى ينتظر أولئك الذين يرتكبون السوء ثم يرمون به غيرهم ~~فقال { ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به ~~بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا }. وقد قيل إن ~~الخطئية والإثم هنا بمعنى واحد وقد جئ بهما على اختلاف لفظيهما للتأكيد ~~المعنوى. ولم يرتض كثير من العلماء هذا القيل بل قالوا هما متغايران. وأن ~~المراد بالخطيئة المعصية الصغيرة. والمراد بالإثم المعصية الكبيرة. وقال ~~آخرون الفرق بين الخطئية والإثم أن الخطيئة تكون عن عمد وعن غير عمد. ~~والإثم لا يكون إلا عن عمد. ويبدو لنا من تعبير القرآن عن الخطيئة أن ~~المراد بها الذنوب التى يرتكبها صاحبها عن استهانة وعدم اكتراث، لأنه ~~لكثرة ولوغه فى الشرور صار يأتيها بلا مبالاة. قال - تعالى - # بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته # وقال - تعالى - # مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا # وأن المراد بالإثم هنا الذنوب التى يرتكبها الإنسان عن تعمد وإصرار ~~فتؤدى به إلى الإبطاء عن الاتجاه إلى الله بالاستغفار والتوبة، لأن ~~الإثم كما يقول الراغب - اسم للأفعال المبطئة عن الثواب. والبهتان كما ~~يقول القرطبى من البهت - بمعنى الدهش والتحير من فظاعة ما رمى به ~~الإنسان من كذب - وهو أن تستقبل أخاك بأن تقذفه بذنب وهو منه برئ. وروى ~~مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه # " أن النبى صلى الله عليه وسلم قال. أتدرون ما الغيبة؟ قالوا الله ~~ورسوله أعلم. قال. ذكرك أخاك بما يكره قال. أفرأيت أن كان فى أخى ما ~~أقول؟ قال إن كان فيه ما تقول فقد أغتبته. وإن لم يكن فيه فقد بهته " # ثم قال القرطبى وهذا نص. فرمى البرئ بهت له. يقال. ms1296 بهته بهتا وبهتانا ~~إذا قال عليه ما لم يفعله. والمعنى { ومن يكسب خطيئة } أى ~~ذنبا من الذنوب التى يرتكبها صاحبها عن استهانة لكثرة تعوده على ارتكاب ~~السيئات، أو يرتكب { إثما } من الآثمام التى تبطئه عن رضا الله ورحمته ~~{ ثم يرم به بريئا } أى ينسبه إلى غيره من الأبرياء مع أنه هو ~~الذى اقترفه { فقد احتمل } أى فقد تحمل بسبب فعله ذلك { ~~بهتانا } أى كذبا يجعل من رمى به فى حيرة ودهشة، وتحمل أيضا { ~~وإثما مبينا } أى ذنبا واضحا بينا لاخفاء فيه يؤدى به إلى غضب ~~الله وسخطه. قال الجمل وقوله به فى هذه الهاء أقوال أحدها أنها تعود على ~~{ إثما } والمتعاطفان بأن يجوز أن يعود الضمير على المعطوف كما فى هذه ~~الآية وعلى المعطوف عليه كما فى قوله - تعالى - # وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ~~وتركوك قآئما # الثانى أنها تعود على الكسب المدلول عليه بالفعل نحو # اعدلوا هو أقرب للتقوى # أى العدل. الثالث أنها تعود على أحد المذكورين الدال عليه العطف بأو ~~فإنه فى قوة ثم يرم بأحد المذكورين. وقال الفخر الرازى واعلم أن صاحب ~~البهتان مذموم فى الدنيا أشد الذم ومعاقب فى الآخرة أشد العقاب. فقوله { ~~فقد احتمل بهتانا } إشارة إلى ما يلحقه من الذم العظيم فى ~~الدنيا. وقوله { وإثما مبينا } إشارة إلى ما يلحقه من العقاب ~~العظيم فى الآخرة. وبهذا نرى أن هذه الآيات الثلاثة قد بينت مراتب العصاة ~~أمام الله - تعالى وفتحت لهم باب التوبة ليثوبوا إلى رشدهم، وتوعدت ~~المصرين على معاصيهم بسوء المصير. ثم بين - سبحانه - مظاهر فضله على نبيه ~~صلى الله عليه وسلم فقال { ولولا فضل الله عليك ~~ورحمته لهمت طآئفة منهم أن يضلوك وما ~~يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء }. أى ~~ولولا فضل الله عليك ورحمته بك - يا محمد - بأن وهبك النبوة، وعصمك من ~~كيد الناس وأذاهم، وأحاطك علما بما يبيتونه من سوء لولا ذلك { لهمت ~~طآئفة منهم } أى من هؤلاء الذين يختانون أنفسهم وهم طعمة ~~وأشياعه الذين دافعوا عنه، ومن كان ms1297 على شاكلتهم فى النفاق والجدال ~~بالباطل { أن يضلوك } أى لهمت طائفة من هؤلاء الذين فى قلوبهم مرض ~~أن يضلوك عن القضاء بالحق بين الناس، ولكن الله - تعالى - حال بينهم وبين ~~هذا الهم بإشعارهم بأن ما يفعلونه معك من سوء سيكشفه الله لك عن طريق ~~الوحى. وقوله { وما يضلون إلا أنفسهم } أى أنهم ~~بمحاولتهم إخفاءالحق والدفاع عن الخائن، وتعاونهم على الإثم والعدوان، ~~ما يضلون إلا أنفسهم، لأن سوء عاقبة ذلك ستعود عليهم وحدهم، أما أنت يا ~~محمد فقد عصمك الله من شرورهم، وحماك من كل انحراف عن الحق والعدل. وقوله ~~{ وما يضرونك من شيء } معطوف على ما قبله. أى هم بمحاولتهم ~~إخفاء الحق ما يضرونك بأى قدر من الضر. لأنك إنما قضيت بينهم بما هو ~~الظاهر من أحوالهم، وهو الذى تحكم بمقتضاه، أما الأمور الخفية التى تخالف ~~الحق فمرجع علمها إلى الله وحده. { من } فى قوله { من شيء } زائدة ~~لتأكيد النفى. وشئ أصله النصب على أنه مفعول مطلق لقوله { يضرونك ~~}. أى وما يضرونك شيئا من الضرر وقد جر لأجل حرف الجر الزائد. وقوله { ~~وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما ~~لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما } معطوف ~~على قوله { وما يضرونك من شيء } لزيادة التقري، ولزيادة بيان ~~ما وهبه الله- تعالى - لنبيه من خير ورعاية وعصمة أى أن الله - تعالى - ~~قد امتن عليك يا محمد بأن أنزل عليك القرآن الذى يهدى للتى هى أقوم، ~~وأنزل عليك الحكمة أى العلم النافع الذى يجعلك تصيب الحق فى قولك وعملك { ~~وعلمك ما لم تكن تعلم } من أخبار الأولين والآخرين، ومن ~~خفيات الأمور، ومن أمور الدين والشرائع. # { وكان فضل الله عليك عظيما } أى وكان فضل الله عليك ~~عظيما عظما لا تحده عبارة، ولا تحيط به إشارة. فالآية الكريمة فهيا ما ~~فيها من التنويه بشأن الرسول صلى الله عليه وسلم ومن مظاهر فضل الله عليه ~~ورحمته به. وبعد فإن المتأمل فى هذه الآيات الكريمة، ليراها تهدى الناس ~~إلى ما يسعدهم فى كل زمان ومكان متى ms1298 اتبعوا توجيهاتها وإرشاداتها. إنها ~~تأمرهم فى شخص نبيهم صلى الله عليه وسلم أن يتلزموا الحق فى كل أقوالهم ~~وأعمالهم، حتى ولو كان الذى عليه الحق من أقرب الناس إليهم، وكان الذى له ~~الحق من أعدى أعدائهم، وتنهاهم عن الدفاع عن الخائنين الذين يستخفون من ~~الناس ولا يستخفون من الله، وتبين لهم أن دفاعهم عنهم لن يفيده أمام الله ~~- تعالى -. ثم تفتح للعصاة باب التوبة لكى يفيئوا إلى رشدهم ويعودوا إلى ~~طاعة ربهم وتخبرهم أن شؤم المعصية سيعود إليهم وحدهم... وتنبههم إلى أن ~~من أشد الذنوب عند الله - تعالى - أن يفعل الشخص فاحشة ثم يقذف بها غيره. ~~ثم تسوق الآيات فى ختامها جانبا من فضل الله على نبيه ورحمته به، لكى ~~يزداد ثباتا واطمئنانا " ويزداد أعداؤه خوفا وضعفا واضطرابا. وهكذا نرى ~~الآيات الكريمة تهدى الناس إلى الحق الذى لا يميل مع الهوى، ولا مع ~~العصبية. ولا يتأرجح مع الحب أو البغض حتى ولو كان الذى عليه الحق ممن ~~يظهرون الإسلام ويعاملون معاملة المسلمين، وكان الذى له الحق من اليهود ~~الذين لم يتركوا مسلكا لمحاربة الدعوة الإسلامية إلا سلكوه والذين ~~يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم ومع ذلك أنكروه وحاربوه. فهل رأيت - أخى ~~القارئ - عدالة تقترب من هذه العدالة فى سموها ونقائها واستقامة منهجها؟ ~~إن هذه الآيات لتشهد بأن هذا القرآن من عند الله، لأن البشر مهما استقامت ~~طبائعهم، فإنهم ليس فى استطاتهم أن يصلوا إلى هذا المستوى الرفيع الذى ~~تشير إليه الآيات، والذى يكشف لكل عاقل أن هذا القرآن من عند الله # ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا # ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن كثيرا من كلام الناس لا خير فيه، وأن ~~العاقل هو الذى يحرص على القول النافع والعمل الطيب. وأن الذين يتبعون ~~الطريق المخالف لطريق الحق سينالهم عذاب شديد من خالقهم فقال - سبحانه - ~~{ لا خير في....وسآءت مصيرا }. ### || [4.114-115] # وقوله - تعالى - { لا خير في كثير من نجواهم إلا ~~من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ms1299 } ~~إشارة إلى ما جبل عليه كثير من الناس من إخفاء الأقوال أو الأعمال التى ~~فيها شر ومضرة، ومن إعلان الأقوال أو الأفعال التى من ورائها خير ومنفعة. ~~وقوله { نجواهم } أى مما يتناجى به الناس ويتكلمون فيه. والنجوى ~~اسم مصدر بمعنى المسارة. يقال نجوته نجوا ونجوى وناجيته مناجاة. أى ~~ساررته بكلام على انفراد. وأصله أن تعلو بمن تناجيه بسر معين فى نجوة من ~~من الأرض. أى فى مكان مرتفع منفصل بارتفاعه عما حوله. وقيل أصله من ~~النجاة، لأن الإسرار بالشئ فيه معاونة على النجاة. وتطلق النجوى على ~~القوم المتناجين كما فى قوله - تعالى - # نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك ~~وإذ هم نجوى # والضمير فى قوله { من نجواهم } يعود إلى الناس جميعا، ويدخل فيه ~~أولئك الذين كانوا يختانون أنفسهم ومن على شاكلتهم دخولا أوليا. والمعروف ~~- كما يقول الآلوسى - هو كل ما عرفه الشرع واستحسنه، فيشمل جميع أنواع ~~البر كقرض وإغاثة ملهوف وإرشاد ضال إلى غير ذلك. ويراد به هنا ما عدا ~~الصدقة وما عدا ما أشير إليه بقوله - تعالى - { أو إصلاح بين ~~الناس }. والمعنى لا خير فى كثير من الكلام الذى يناجى فيه الناس، ~~ويتحدثون به سرا، إلا فى نجوى من أمر غيره سرا بصدقة يزكى بها ماله، ~~وينفع بها المحتاج إليها، أو من غيره بالإكثار من أعمال البر، أو القيام ~~بالإصلاح بين الناس المتخاصمين لكى يعودوا إلى ما كانوا عليه من الأفة ~~والإخاء والصفاء. قال الجمل وقوله { إلا من أمر }. فى هذا ~~الاستثناء قولان أحدهما متصل. والثانى أنه منقطع. وهما مبنيان على أن ~~النجوى يجوز أن يراد بها المصدر كالدعوى فتكون بمعنى التناجى أى التحدث. ~~وأن يراد بها القوم المتناجون إطلاقا للمصدر على الواقع منه مجازا. فعلى ~~الأول يكون منقطعا، لأن من أمر ليس مناجاة، فكأنه قيل لكن من أمر بصدقة ~~ففى نجواه الخير وإن جعلنا النجوى بمعنى المتناجين كان متصلا. وقوله { ~~إلا من أمر }. إما منصوب على الاستثناء المنقطع إن جعلته منقطعا ~~فى لغة الحجازيين. أو على أصل ms1300 الاستثناء إن جعلته متصلا. وإما مجرور على ~~البدل من كثير، أو من نجواهم، أو صفة لأحدهما. فأنت ترى أن الآية الكريمة ~~قد أخرجت من التناجى المذموم ثلاث خصال هى جماع الخير، وذلك لأن الصدقة ~~التى يخرجها الإنسان تكون سببا فى تزكية ماله، وحسن ثوابه، ونشر المحبة ~~والمودة بين الناس. والتعبير بقوله { إلا من أمر بصدقة } ~~يفيد الدعوة إليها، والحث على بذلها سرا ما دامت المصلحة تقتضى ذلك. # أما المعروف وهو النوع الثانى من التناجى المحمود فهو - كما يقول ~~القرطبى لفظ يعم كل أعمال البر. ففى الحديث الشريف # " كل معروف صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق " # وقال على بن أبى طالب لا يزهدنك فى المعروف كفر من كفره، فقد يشكر ~~الشاكر بأضعاف جحود الجاحد. وقال الماوردى ينبغى لمن يقدر على إسداء ~~المعروف أن يعجله حذار فواته، ويبادر به خيفة عجزه، وليعلم أنه من فرض ~~زمانه، وغنائم إمكانه، ولا يهمله ثقة بالقدرة عليه، فكم من واثق بالقدرة ~~ففاتت فأعقبت ندما. وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال # " لكل شئ ثمرة وثمرة المعروف السراح " # - أى التعجيل - ومن شرط المعروف ترك الامتنان به، وترك الإعجاب بفعله. ~~لما فيهما من إسقاط الشكر، وإحباط الأجر. قال بعض الشعراء # زاد معروفك عندى عظما أنه عندك مستور حقير تتناساه كأن لم تأته وهو ~~عند الناس مشهور خطير # والأمة التى يفشو فيها قول المعروف وفعله، تسودها السعادة، وتظلها ~~المحبة والمودة والرحمة. وأما الإصلاح بين الناس فهو فريضة اجتماعية ~~يقوم بها من صفت نفوسهم وقويت عزائمهم، ورسخ إيمانهم. وقد حض القرآن على ~~الإصلاح بين الناس سواء أكانوا جماعات أم أفرادا لأن التخاصم والتنازع ~~يؤدى إى انتشار العداوات والمفاسد بين الناس. قال - تعالى - # إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ~~واتقوا الله لعلكم ترحمون # وقد ساق الإمام ابن كثير جملة من الأحاديث التى تحض على الاصلاح بين ~~الناس ومن ذلك ما رواه ابن مردويه عن محمد بن يزيد بن حنيشقال دخلنا على ~~سفيان الثورى نعوده. فدخل علينا ms1301 سعيد بن حسان فقال له الثورى الحديث الذى ~~كنت حدثتنيه عن أم صالح أردده على. فقال حدثتنى أم صالح عن صفية بنت شيبة ~~عن أم حبيبة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " كلام ابن آدم كله عليه لا له. إلا ذكر الله - تعالى - أو أمر بمعروف ~~أو نهى عن منكر " # فقال سفيان أو ما سمعت الله فى كتابه يقول { لا خير في كثير ~~من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو ~~إصلاح بين الناس }. فهو هذا بعينه. وروى الجماعة - سوى ابن ~~ماجه - عن أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول # " ليس الكذاب الذى يصلح بين الناس فينمى خيرا أو يقول خيرا " # وقالت لم أسمعه يرخص فى شئ مما يقوله الناس إلا فى ثلاث فى الحرب. ~~والإصلاح بين الناس. وحديث الرجل امرأته وحديث المراة زوجها. وروى ~~الإمام أحمد وأبو داود والترمذى عن أبى الدرداء قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا بلى. يا رسول ~~الله!! قال إصلاح ذات البين " # قال # " وفساد ذات البين هو الحالقة ". # ففى هذه الأحاديث الشريفة دعوة قوية إلى الاصلاح بين الناس حتى يعيشوا ~~فى أمان واطمئنان. وبذلك نرى أن هذه الأمور الثلاثة التى أخرجها الله - ~~تعالى - من التناجى المذموم هى جماع الخير الإنسانى والاجتماعى. وقد ~~أشار الإمام الرازى إلى ذلك بقوله هذه الآية وإن نزلت فى مناجاة بعض قوم ~~ذلك السارق مع بعض إلا أنها فى المعنى عامة. والمراد لا خير فيما يتناجى ~~فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث إلا ما كان من أعمال الخير ثم إنه - ~~تعالى - ذكر من أعمال الخير ثلاثة أنواع الأمر بالصدقة. والأمر بالمعروف. ~~والاصلاح بين الناس. وإنما ذكر الله - تعالى - هذه الأقسام الثلاثة، لأن ~~عمل الخير إما أن يكون بإيصال المنفعة أو بدفع المضرة. أما إيصال الخير ~~فإما أن يكون من الخيرات الجسمانية وهو إعطاء المال. وإليه الإشارة ~~بقوله { إلا من أمر بصدقة ms1302 }. وإما أن يكون من الخيرات ~~الروحانية وهو عبارة عن تكميل القوة النظرية بالعلوم، أو تكميل القوة ~~العملية بالأفعال الحسنة. ومجموعهما عبارة عن الأمر بالمعروف. وإليه ~~الإشارة بقوله { أو معروف } وأما إزالة الضرر فإليها الإشارة { ~~أو إصلاح بين الناس } فثبت أن مجامع الخيرات مذكورة فى هذه ~~الآية. ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة من يقوم بفعل هذه الفضائل فقال { ~~ومن يفعل ذلك ابتغآء مرضات الله فسوف نؤتيه ~~أجرا عظيما }. أى ومن يفعل ذلك المذكور من الصدقة والمعروف ~~والإصلاح بين الناس، قاصدا بفعله رضا الله وحسن مثوبته، فسوف نؤتيه ~~أجرا عظيما لا يعرف مقداره إلا الله - تعالى - وقال - سبحانه - ومن يفعل ~~ذلك ولم يقل ومن يأمر بذلك كما جاء فى صدر الآية. لأن المقصود الترغيب فى ~~هذا الفعل الحسن، لأن الآمر بالخير إذا دخل فى زمرة الخيرين كان الفاعل ~~أحرى بالدخول فى زمرتهم. وفى تقييد الفعل بكونه ابتغاء مرضاة الله، تحريض ~~على إخلاص النية، لأن الأعمال بالنيات، وإذا صاحب الرياء الأعمال أبطلها ~~ومحق بركتها. والتعبير بسوف هنا لتأكيد الوقوع فى المستقبل. أى. فسوف ~~نؤتيه أجرا لا يحيط به نطاق الوصف، ولن نبخسه شيئا من حقه حتى ولو كان ~~هذا الشئ بالغا النهاية فى الصغر. ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الذين ~~يسيرون فى طريق الباطل، ويتركون طريق الحق فقال - تعالى - { ومن ~~يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ~~ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ~~ونصله جهنم وسآءت مصيرا }. وقوله { يشاقق } من ~~المشاقة بمعنى المعاداة والمخالفة المقصودة. وهى من الشق لأن المخالف كأن ~~يختار شقا يكون فيه غير شق الآخر. # فقوله { ومن يشاقق الرسول } أى من يخالفه ويعاديه. وقوله { ~~من بعد ما تبين له الهدى } أى يخالفه ويعاديه من بعد ما ~~اتضح له الحق، وقام لديه الدليل على صحة دين الإسلام. وقوله { ~~ويتبع غير سبيل المؤمنين } معطوف على يشاقق. أى ويتبع ~~طريقا غير طريق الإسلام التى سار فيها المؤمنون، واعتقدوا صحتها ~~وسلامتها من كل سوء. من يفعل ذلك. نوله ما تولى، أن نجعله ms1303 - كما يقول ~~الآلوسى واليا لما تولاه من الضلال. أو نخل بينه وبين ما اختاره لنفسه ~~من الضلال فى الدنيا. أو نكله فى الآخرة إلى ما اتكل عليه فى الدنيا ~~وانتصر به من الأوثان وغيرها. قال صاحب المنار والذى أريد توجيه الأذهان ~~إلى فهمه هو أن هذه الجملة مبينة لسنة الله - تعالى - فى عمل الإنسان. ~~ومقدار ما أعطيه من الإرادة والاستقلال والعمل بالاختيار. فالوجهة التى ~~يتولاها فى حياته، والغاية التى يقصدها عن عمله، يوليه الله إياها ويوجهه ~~إليها. أى يكون بحسب سنته - تعالى - واليا لها وسائر على طريقها. فلا يجد ~~من القدرة الإلهية ما يجبره على ترك ما اختار لنفسه. ولو شاء - سبحانه - ~~لهدى الناس أجمعين بخلقهم على حالة واحدة فى الطاعة كالملائكة، ولكنه شاء ~~أن يخلقهم على ما نراهم عليه الآن من تفاوت فى الاستعداد والإدراك وعمل ~~كل فرد بحسب ما يرى أنه خير له وأنفع فى عاجله أو آجله أو فيهما جميعا... ~~وقوله { ونصله جهنم وسآءت مصيرا } وعيد شديد لأولئك ~~المخالفين لطريق الحق. وأصل الصلى إيقاد النار ولزومها وقت الاستدفاء. ~~يقال صلى بالنار أى بلى بها. وصليت الشاة شويتها وهى مصلية. والمعنى ومن ~~يخالف طريق الحق نوله ما تولى وندخله فى الآخرة جهنم ليشوى فيها كما تشوى ~~الشاة، وساءت جهنم مكانا لمن صار إليها، وحل فيها. قال ابن كثير والذى ~~عول عليه الشافعى يرحمه الله - فى الاحتجاج على كون الإجماع حجة تحرم ~~مخالفته هذه الآية الكريمة بعد التروى والفكر الطويل. وهو من أحسن ~~الاستنباطات وأقواها. وإن كان بعضهم قد استشكل ذلك فاستبعد الدلالة على ~~ذلك.... وبهذا نرى أن الآيتين الكريمتين قد بشرتا من يفعل الخير ابتغاء ~~مرضاه الله بالأجر العظيم، وأنذرتا من يخالف طريق أهل الحق بالعذاب ~~الأليم، # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة وإن الله لسميع عليم # ثم حذر - سبحانه - من الشرك وتوعد المشركين الذين اتخذوا الشيطان وليا ~~من دون الله بالعذاب المهين فقال - تعالى - { إن الله لا ~~يغفر...عنها محيصا }. ### || [4.116-121] # ذكر بعض المفسرين ms1304 عن ابن عباس فى سبب نزول قوله - تعالى - { إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشآء }. الآية أن شيخا من العرب جاء إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال إنى شيخ منهمك فى الذنوب. إلا أنى أشرك بالله شيئا منذ ~~عرفته وآمنت به. ولم أتخذ من دونه وليا، ولم أقع المعاصى جراءة. وما ~~توهمت طرفة عين أنى أعجز الله هربا. وإنى لنادم تائب. فما ترى حالى عند ~~الله - تعالى -؟ فنزلت. والمراد بالشرك هنا مطلق الكفر سواء أكان هذا ~~الكفر من أهل الكتاب أم من العرب أم من غيرهم. والمعنى إن الله لا يغفر ~~لكافر مات على كفره، ويغفر ما دون الكفر من الذنوب والمعاصى لمن يشاء أن ~~يغفر له اقترافها إذا مات توبة. فمن مات منهم بدونها فهو تحت مشيئة الله ~~إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه ثم ادخله الجنة. وأما قوله { ~~قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا }. فمقيد بالمشية أى يغفر الذنوب جميعا لمن شاء أن يغفر له. ~~ومقيد أيضا بما عدا الشرك. أى يغفر الذنوب جميعا إلا الشرك فإنه لا يغفر ~~لمن مات عليه. ثم بين - سبحانه - سوء حال المشركين فقال { ومن يشرك ~~بالله فقد ضل ضلالا بعيدا } والضلال هو السير فى غير ~~الطريق الموصول الى النجاة. أى ومن يشرك بالله - تعالى - بأن يعبد سواه، ~~أو يجعل معه شريكا فى العبادة فقد اسر فى طريق الشرور والآثام سيرا بعيدا ~~ينتهى به إلى الهلاك، ويفضى به إلى العذاب المهين. وهذه الآية قد مر ~~الكلام مفصلا فى آية تشبهها من هذه السورة وهى قوله - تعالى - # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما ~~عظيما # قالوا وقد ختمت هذه الآية بقوله # ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما # لأنها فى شأن أهل الكتاب من اليهود وهم عندهم علم بصحة نبوته صلى ms1305 الله ~~عليه وسلم وبأن شريعته ناسخة لجميع الشرائع ومع ذلك فقد حملهم الحسد على ~~إنكار الحق، فصار فعلهم هذا افتراء بالغ العظم فى الكذب والجرأة على ~~الله. وختمت الآية التى معنا بقوله - تعالى - { ومن يشرك بالله ~~فقد ضل ضلالا بعيدا } لأنها فى قوم مشركين لم يعرفوا من قبل ~~كتابا ولا وحيا، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، ~~وميزلهم طريق الرشد من طريق الغى، ولكنهم لم يتبعوه فكان فعلهم هذا ضلالا ~~واضحا عن طريق الحق. # وابتعادا شديدا عن الصراط المستقيم. ثم فصل - سبحانه - ما عليه المشركون ~~من ضلال فقال { إن يدعون من دونه إلا إناثا }. و { إن } ~~هنا هى النافية. ويدعون من الدعاء وهو هنا بمعنى العبادة لأن من عبد شيئا ~~فإنه يدعوه عند احتياجه إليه. والمراد بالإناث الأصنام التى كانوا ~~يعبدونها من دون الله. أى أن هؤلاء المشركين ما يعبدون من دون الله إلا ~~أصناما، أو ما ينادون من دون الله لقضاء حاوئجهم إلا أوثانا لا تملك ~~لنفسها نفعا ولا ضرا. وعبر عن الأصنام بالإناث لأن المشركين سموا أكثر ~~هذه الأصنام بأسماء الإناث، كاللات والعزى ومناة. قال الحسن كان لكل حى ~~من أحياء العرب صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بنى فلان وكانوا يزينونه بالحلى ~~كالنساء. وقيل المراد بالإناث هنا الملائكة، لأن بعضهم كان يعبد ~~الملائكة ويقولون عنها بنات الله. قال - تعالى - # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا # وقيل المراد بها هنا الجمادات التى لا حياة فيها ومع ذلك يعبدونها. قال ~~أبو حيان قال الراغب أكثر ما عبدته العرب من الأصنام كانت أشياء منفعلة ~~غير فاعلة. فبكتهم الله أنهم مع كونهم فاعلين من وجه يعبدون ما ليس هو ~~إلا منفعلا من كل وجه. وعلى هذا نبه إبراهيم - عليه السلام - أباه بقوله # يأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني ~~عنك شيئا # وقد رجح ابن جرير القول الأول فقال وأولى التأويلات التى ذكرت بتأويل ~~ذلك تأويل من قال عنى بذلك الآلهة التى كان مشركو العرب يعبدونها ms1306 من دون ~~الله، ويسمونها بالإناث من الأسماء كاللات والعزى ونائلة ومناة وما أشبه ~~ذلك. وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية لأن الأظهر من معانى الإناث فى ~~كلام العرب، ما عرف بالتأنيث دون غيره فإذا كان ذلك كذلك فالواجب توجيه ~~تأويله إلا الأشهر من معانيه. فكأنه - تعالى - يقول فحسب هؤلاء الذين ~~أشركوا بالله وعبدوا ما عبدوا من دونه حجةعليهم فى ضلالهم وكفرهم أنهم ~~يعبدون إناثا. والإناث من كل شئ أخسه. فهم يقرون للخسيس من الأشياء ~~بالعبودية على علم منهم بخساسته وبمتنعون من إخلاص العبودية للذى ملك كل ~~شئ وبيده الخلق والأمر. وقوله { وإن يدعون إلا شيطانا ~~مريدا } بيان لما دفعهم إلى الوقوع فى ذلك الضلال الذى انغمسوا فيه. ~~ومريدا. أى عاتيا متمردا بالغا الغاية فى الشرور والفساد. قال الراغب ~~والمارد والمريد من شياطين الجن والإنس المتعرى من الخيرات. من قولهم ~~شجر أمرد إذا تعرى من الورق. ومنه قيل رملة مرداء أى لم تنبت شيئا. ومنه ~~الأمرد لتجرده عن الشعر. فأصل مادة مرد للملاسة والتجرد. ومنه قوله - ~~تعالى - # صرح ممرد # أى أملس. ووصف الشيطان بالتمرد لتجرده للشر. # وعدم علوق شئ من الخير به. أو لظهور شره ظهور عيدان الشجرة المرداء. ~~والمعنى إن هؤلاء المشركين ما يعبدون من دون الله إلا أصناما سموها ~~بأسماء الإناث، وما يطيعون فى عبادتها إلا شيطانا عاتيا متجردا من كل ~~خير، ومتعريا من كل فضيلة. فهذا الشيطان الشرير دعاهم لعبادة غير الله ~~فانقادوا له انقيادا تاما. وخضعوا له خضوعا لا مكان معه لتعقل أو تدبر. ~~وقوله { مريدا } صفة لشيطان. وقوله { لعنه الله } صفة ثانية ~~أى طرده من حرمته طردا مقترنا بسخط وغضب. ثم حكى - سبحانه - أن الشيطان ~~قد أقسم بأنه لن يكف عن إبعاد بنى آدم عن طريق الحق فقال { وقال ~~لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا }. أى أن الشيطان قال ~~مؤكدا ومقسما لأتخذن عن عبادك الذين هم من ذرية آدم، نصيبا مفروضا. أى ~~لأجعلن لى منهم مقدارا معينا قليلا كان أو كثيرا، وهم الذين سأصرفهم عن ~~الطريق الحق، ms1307 وسأجعلهم خاضعين لوسوستى ومنقادين لأمرى. وقوله { ~~لأتخذن } من الاتخاذ وهو أخذ الشئ على جهة الاختصاص. وقوله { ~~مفروضا } من الفرض بمعنى القطع. وأطلق هنا على العدد المعين من ~~الناس لاقتطاعه عن سواه من صالحى المؤمنين. فكل من أطاع الشيطان من بنى ~~آدم فهو نصيبه المقطوع منهم له. وجملة { وقال لأتخذن من ~~عبادك نصيبا مفروضا } معطوفة على الجملة المتقدمة عليها. أى ~~أن هؤلاء المشركين ما يطيعون فى عبادتهم لغير الله إلا شيطانا مريدا ~~جامعا بين لعنة الله - تعالى - له، وبين هذا القول الشنيع الصادر منه عند ~~اللعن. أما الأمر الثانى والثالث اللذان توعد الشيطان بهما بنى آدم فقد ~~حكاهما - سبحانه - فى قوله { ولأضلنهم ولأمنينهم } أى ~~ولأضلنهم عن طريق الحق فأجعلهم يسيرون فى طريق الباطل إلى نهايته، ~~ولأمنينهم الأمانى الفارغة. بأن أجعلهم يجرون وراء الأحلام الكاذبة، ~~والأوهام الفاسدة. والأطماع التى تسيطر على نفوسهم وعقولهم، وبذلك يكونون ~~من جندى، ويخضعون لأمرى. أما الأمر الرابع الذى توعد الشيطان به بنى آدم ~~فقد حكاه - سبحانه - فى قوله { ولأمرنهم فليبتكن آذان ~~الأنعام }. قال الراغب البتك يقارب البت لكن البتك يستعمل فى قطع ~~الاعضاء والشعر. يقال بتك شعره وأذنه - أى قطعها أو شقها - ومنه سيف باتك ~~أى قاطع للأعضاء. وأما البت فيقال فى قطع الحبل. وكانوا فى الجاهلية إذا ~~ولدت الناقة خمسة أبطن وجاء الخامس ذكرا قطعوا أذنها أو شقوها شقا واسعا ~~علامة على أنهم حرموا على أنفسهم الانتفاع بها وجعلوها للطواغيت وسموها ~~بحيرة أى المشقوقة الأذن. والمراد أنه يأمرهم بعبادة غير الله وبالأمانى ~~الباطلة. وبتقطيع آذان الأنعام تقربا للطواغيت والأوثان فيسارعون إلى ~~إجابته، وينقادون لوسوسته. أما الأمر الخامس الذى توعد الشيطان به بنى ~~آدم فقد حكاه - سبحانه - فى قوله { ولأمرنهم فليغيرن ~~خلق الله }. # قال ابن كثير أى دين الله. وهذا كقوله # فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله # على قول من جعل ذلك أمرا أى لا تبدلوا فطرة الله، ودعوا الناس على ~~قطرتهم. كما ثبت فى الصحيحين عن أبى هريرة ms1308 قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. كما ~~تلد البهيمة بهيمة جمعاء. هل تجدون بها من جدعاء؟ ". # وفى صحيح مسلم عن عياض بن حماد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال الله - تعالى - # " إنى خلقت عبادى حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت ~~عليهم ما أحللت لهم ". # وقال بعضهم المراد بتغيير خلق الصور التى خلق الله عليها مخلوقاته، كفقأ ~~عين فحل الإبل فى بعض الأحوال، وقطع الآذان، والوشم، وما يشبه ذلك مما ~~كانوا يفعلونه فى جاهليتهم اتباع للشيطان. وقد رجح ابن جرير أن المراد ~~بتغيير خلق الله تغيير دين الله فقال ما ملخصه " وأولى الأقوال بالصواب ~~فى تأويل ذلك قول من قال معناه ولآمرنهم فليغيرن خلق الله، قال دين الله. ~~وذلك لدلالة الآية الأخرى على أن ذلك معناه وهى قوله # فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل ~~لخلق الله ذلك الدين القيم # وإذا كان ذلك معناه، دخل فى ذلك فعل كل ما نهى الله عنه من خصاء ما لا ~~يجوز خصاؤه، ووشم ما نهى عن وشمه، وغير ذلك من المعاصى. فأنت ترى أن الله ~~- تعالى - قد حكى للناس ما قاله الشيطان بلسان حاله أو مقاله حتى يحذروه ~~ويتخذوه عدوا لهم، لينالوا رضا الله ومثوبته. وقد أكد - سبحانه - هذا ~~المعنى بقوله { ومن يتخذ الشيطان وليا من دون ~~الله فقد خسر خسرانا مبينا }. أى ومن يتخذ الشيطان وليا ~~من دون الله، بأن يتبع الشيطان ويواليه ويسير خلف وسوسته، ويترك طريق ~~الحق والهدى، من يفعل ذلك يكن بفعله هذا قد خسر خسرانا واضحا بينا، لأن ~~الشيطان لا يسوق الإنسان إلا إلى ما يهلكه ويخزيه فى الدنيا والآخرة، ~~وسيقول لأتباعه يوم ينزل بهم العقاب فى الآخرة # إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم ~~فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن ~~دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا ~~أنفسكم مآ أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي # وقوله - تعالى - { يعدهم ويمنيهم وما ms1309 يعدهم ~~الشيطان إلا غرورا } تأكيد للتحذير السابق من اتباع الشيطان. ~~أى يعد الشيطان أولياءه بالوعود الباطلة، ويمنيهم بالأمانى الكاذبة، لكى ~~يستمروا على طاعته، والحال أن الشيطان ما يعدهم إلا بالأمور الخادعة التى ~~ظاهرها يغرى وباطنها يردى. قال القرطبى الغرور ما رأيت له ظاهرا تحبه ~~وفيه باطن مكروه والشيطان غرور، لأنه يحمل على محاب النفس ووراء ذلك ما ~~يسوء. # وقوله { غرورا } مفعول ثان للوعد، أو مفعول لأجله. أو نعت لمصدر ~~محذوف أى وعدا ذا غرور. وقوله { أولئك مأواهم جهنم ~~ولا يجدون عنها محيصا } بيان لسوء مصير الذين انقادوا ~~للشيطان واتبعوا خطواته. والمحيص المهرب والملجأ. وهو اسم مكان أو مصدر ~~ميمى يقال حاص عنه يحيص حيصا وحيوصا ومحيصا أى عدل وحاد. أى أولئك ~~الذين اتبعوا خطوات الشيطن وساروا فى ركابه، مستقرهم جميعا جهنم، ولا ~~يجدون ملجأ دونها يلتجئون إليه، أو مهربا يهربون منه لينجوا من عذابها، ~~وإنما يبقون فيها دون أن يتمكنوا من الخروج منها. وبهذا نرى أن هذه ~~الآيات الكريمة قد حذرت أشد التحذير من الإشراك بالله -تعالى - ومن اتباع ~~وساوس الشيطان وخداع ووعوده الباطلة، وأمانيه الخادعة، وهددت كل من يهجر ~~طريق الرشد. ويسلك طريق الغى بالعذاب الشديد الذى لا مفر منه ولا مهرب. ~~ثم عقب - سبحانه - ذلك ببيان حسن عاقبة المؤمنين، الذين آمنوا بالله ~~إيمانا حقا، وابتعدوا عن كل مالا يرضيه فقال - سبحانه - { والذين ~~آمنوا...بكل شيء محيطا }. ### || [4.122-126] # وقوله - تعالى - { والذين آمنوا وعملوا الصالحات }. ~~معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك، # أولئك مأواهم جهنم # جريا على عادة القرآن فى تعقيب الإنذار بالبشارة، والوعيد بالوعد. أى ~~والذين آمنوا بالله إيمانا حقا، وقدموا فى حياتهم الأعمال الصالحات { ~~سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار } اى من تحت ~~غرفها ومساكنها الأنهار { خالدين فيهآ أبدا } أى مقيمين فيها ~~إقامة أبدية { وعد الله حقا } أى واقعا لا محالة ما وعد الله به ~~عباده الصالحين من نعم بخلاف ما وعد الشيطان به أتباعه فإنه وعد كاذب ~~باطل. وقوله { وعد الله } منصوب على المصدر المؤكد لمضمون جملة { ~~سندخلهم جنات ms1310 تجري من تحتها الأنهار } لأنها ~~بمعناه فكأنه مؤكد لنفسه وقوله { حقا } منصوب بفعل محذوف أى حق ذلك ~~حقا. والاستفهام فى قوله { ومن أصدق من الله قيلا } للنفى. ~~والقيل مصدر كالقول أى هذا ما وعد الله به عباده المؤمنين، وما وعد الله ~~به عباده فهو متحقق الوقوع لا محالة، لأنه لا أحد أصدق من الله قولا. ~~فالجملة الكريمة تذييل قصد به تأكيد ما سبقه من وعد الله لعباده المؤمنين ~~بالجنة. وقوله { قيلا } منصوب على أنه تمييز نسبة من قوله { ومن ~~أصدق من الله } ثم بين - سبحانه - أن الوصول إلى رضوانه لا يكون ~~بالأمانى والأوهام وإنما يكون بالإيمان والعمل الصالح فقال { ليس ~~بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل ~~سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا ~~نصيرا }. والأمانى جمع أمنية. وهى ما يتمناه الإنسان ويرغب فيه ~~ويشتهيه من أشياء متنوعة. كحصوله على الخير الوفير فى الدنيا، وعلى الجنة ~~فى الآخرة. وهى مأخوذة من التمنى. وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه ~~الآية روايات منها قول قتادة ذكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا. ~~فقال أهل الكتاب. نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى منكم. ~~وقال المسلمون نحن أولى بالله منكم، ونبينا خاتم النبيين. وكتابنا يقضى ~~على الكتب التى كانت قبله. فأنزل الله { ليس بأمانيكم ولا ~~أماني أهل الكتاب }. الآية. وقال مجاهد قالت العرب لن نبعث ~~ولن نعذب. وقالت اليهود والنصارى # لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى # فأنزل الله - تعالى - { ليس بأمانيكم }. الآية. والضمير فى ~~قوله { ليس } يعود إلى ما تقدم ذكره من الوعد المتقدم وهو نيل الثواب ~~ودخول الجنة. والخطاب لجميع الفرق التى حدث بينها تنازع فى شأن الدين ~~الحق، وفى شأن ما يترتب على ذلك من ثواب. والمعنى ليس ما وعدا لله به من ~~الثواب أو إدخال الجنة، أو ليس ما تحاورتم فيه حاصلا بمجرد أمانيكم - ~~أيها المسلمون - أو أمانى أهل الكتاب أو غيرهم، وإنما ما تمنيتموه جميعا ~~يحصل بالإيمان الصادق، وبالعمل الصالح، ms1311 وبالسعى والجد فى طاعة الله، فقد ~~اقتضت سنة الله - تعالى - أن من يعمل خيرا يجد خيرا، و { من يعمل ~~سوءا يجز به } أى من يرتكب معصية مؤمنا كان أو كافرا يجازه الله ~~بها عاجلا أو آجلا إذا تاب، أو تفضل الله عليه بالمغفرة إذا كان مؤمنا. # وقد سار ابن كثير فى تفسيره على أن الخطاب لجميع الطوائف فقال " والمعنى ~~فى هذه الآية أن الدين ليس بالتحلى ولا بالتمنى، ولكن ما وقر فى القلوب ~~وصدقته الأعمال. وليس كل من ادعى شيئا حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال ~~إنه على الحق سمع قوله بمجرد ذلك حتى يكون له من الله برهان ولهذا قال { ~~ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب }. أى ليس ~~لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمنى. بل العبرة بطاعة الله - سبحانه - ~~واتباع ما شرعه على ألسنة رسله ولهذا قال بعده { من يعمل سوءا ~~يجز به }. كقوله # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # ومنهم من يرى أن الخطاب فى قوله { ليس بأمانيكم } للمسلمين. ~~وقد أشار إلى ذلك صاحب الكشاف بقوله فى { ليس } ضمير وعد الله أى ليس ~~ينال ما وعد الله من الثواب { بأمانيكم ولا } بأمانى أهل ~~الكتاب. والخطاب للمسلمين، لأنه لا يتمنى وعد الله إلا من آمن به. وكذلك ~~ذكر أهل الكتاب معهم لمشاركتهم لهم فى الإيمان بوعد الله. ومنهم من يرى ~~أن الخطاب للمشركين. وقد رجح ذلك ابن جرير فقال ما ملخصه وأولى الأقوال ~~بالصواب فى ذلك ما قاله مجاهد من أنه عنى بقوله { ليس ~~بأمانيكم }. مشركى قريش. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب. لأن ~~المسلمين لم يجر لأمانيهم ذكر فيما مضى من الآى قبل قوله { ليس ~~بأمانيكم } وإنما جرى ذكر أمانى نصيب الشيطان المفروض فى قوله ~~قبل ذلك. # ولأمنينهم ولأمرنهم # وقوله # يعدهم ويمنيهم # فإلحاق معنى قوله - تعالى - { ليس بأمانيكم } بما ذكره قبل ~~أحق وأولى من ادعاء تأويل فيه لا دالة عليه من ظاهر التنزيل، ولا من أثر ~~الرسول صلى الله عليه وسلم. ms1312 ومع وجاهة هذا الرأى الذى سار عليه ابن جرير، ~~إلا أنا نؤثر عليه ما ذهب إليه ابن كثير من أن الآية الكريمة تخاطب الناس ~~جميعا سواء أكانوا مؤمنين أم مشركين أم من أهل الكتاب. لأن الآية الكريمة ~~تضع لهم جميعا قاعدة عامة وهى أن الوصول إلى ثواب الله ورضاه لا ينال ~~بالأمانى والأحلام وإنما ينال بالإيمان والعمل الصالح. وقوله { من ~~يعمل سوءا يجز به } جملة مكونة من شرط وجزاء. والمراد بالسوء ~~ما يشمل الكفر والمعاصى. وقيل المراد بالسوء هنا الكفر فقط. قال الآلوسى ~~قوله - تعالى - { من يعمل سوءا يجز به } أى عاجلا أو آجلا. # فقد أخرج الترمذى وغيره # " عن أبى بكر الصديق قال كنت عند النبى صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه ~~الآية. فقال رسول الله يا أبا بكر ألا أقرئك أية نزلت على؟ فقلت بلى يا ~~رسول الله. فأقرأنيها فلا أعلم إلا أنى وجدت انفصاما فى ظهرى.. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. مالك يا أبا بكر؟ قلت بأبى أنت وأمى يا رسول ~~الله وأينا لم يعمل السوء. وإنما لمجزيون بكل سوء عملناه؟ فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أما أنت وأصحابك يا أبا بكر المؤمنون فتجزون بذلك فى ~~الدنيا حتى تلقوا الله - تعالى - ليس عليكم ذنوب. وأما الآخرون فيجمع لهم ~~ذلك حتى يجزون يوم القيامة ". # وأخرج مسلم وغيره عن أبى هريرة قال # " لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين وبلغت منهم ما شاء الله - ~~تعالى - فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سددوا وقاربوا ~~فإن كل ما أصاب المسلم كفارة حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها ". # قال الآلوسى والأحاديث بهذا المعنى أكثر من أن تحصى. ولهذا أجمع عامة ~~العلماء على أن الأمراض والاسقام ومصائب الدنيا وهمومها - وإن قلت مشقتها ~~- يكفر الله - تعالى - بها الخطيئات، والأكثرون على أنها - أيضا ترفع بها ~~الدرجات، وهو الصحيح المعول عليه. فقد صح فى غير ما طريق " ما من مسلم ~~يشاك شكوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ms1313 ومحيت عنه بها خطيئة ". وقوله ~~- تعالى - { به ولا يجد له من دون الله وليا ولا ~~نصيرا } تذليل قصد به تأكيد ما قبله من أن ثواب الله لا ينال إلا ~~بالإيمان والعمل الصالح، وأن عقابه سيحل بمن يعمل السوء. أى أن من يعمل ~~السوء سيجازى به، ولا يجد هذا المرتكب للسوء أحدا سوى الله - سبحانه - ~~يلى أمره ويحامى عنه، ولا نصيرا ينصره ويحاول إنجاءه من عقاب الله - ~~تعالى - ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين فقال { ومن يعمل ~~من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا }. أى ~~ومن يعمل من الأعمال الصالحات سواء أكان العامل ذكرا أم أنثى ما دام ~~متحليا بصفة الإيمان، فأولئك العاملون بالأعمال الصالحة يدخلون الجنة ~~جزاء عملهم ولا ينقصون شيئا من ثواب أعمالهم، ولو كان هذا الشئ نقيرا وهو ~~النقطة التى تكون فى ظهر النواة ويضرب بها المثل فى القلة والحقارة. و { ~~من } فى قوله { من الصالحات } للتبعيض أى بعض الأعمال الصالحات ~~لأن الإنسان لا يستطيع أن يعمل جميع الأعمال الصالحة، وإنما كل إنسان ~~يعمل على قدر طاقته وقدرته ولا يكلف نفسا إلا وسعها. # و { من } فى قوله { من ذكر أو أنثى } للبيان. أى بيان أن ~~الأحكام الشرعية وما يترتب عليها من ثواب يشترك فيه الرجال والنساء إلا ~~إذا قام دليل على أن أحد الصنفين مختص بحكم معين لا يشاركه فيه الصنف ~~الآخر. وفى ذلك إنصاف للمرأة من الظلم الذى كان واقعا عليها قبل شريعة ~~الإسلام العادلة. والجملة الكريمة فى موضع نصب على الحال من ضمير { ~~يعمل }. وقوله { وهو مؤمن } قيد لإخراج غير المؤمن لأن ~~الكافر مهما قدم من أعمال صالحة فى الدنيا فإنها لن تنفعه فى الآخرة بسبب ~~كفره بالدين الحق. واسم الإشارة وهو قوله { فأولئك } يعود إلى ~~من فى قوله { ومن يعمل } باعتبار معناها. وقوله { ولا ~~يظلمون نقيرا } بيان لفضل الله - تعالى - وعدله، وأنه - سبحانه - # لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ~~ويؤت من لدنه أجرا عظيما # ثم أثنى ms1314 - سبحانه - على من أخلص له الإيمان والعمل فقال { ومن ~~أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن }. أى لا ~~أحد أحسن دينا، وأجدر بالقبول عند الله ويجزيل ثوابه ممن أخلص نفسه لله، ~~وجعلها سالمة له بحث لا تعرف لها ربا ولا معبودا سواه. وقوله { وهو ~~محسن } أى وهو مؤد لما أمره الله به ومبتعد عن كل ما نهاه الله عنه، ~~على الوجه اللائق الحسن. فالاستفهام فى قوله { ومن أحسن } للنفى. ~~والمقصود منه مدح من فعل ذلك على أتم وجه. وقوله { وهو محسن } ~~جملة فى موضع الحال من فاعل { أسلم }. فالآية الكريمة قد أشارت إلى ~~أن الدين الحق يقتضى أمرين أولهما إخلاص القلب والنية لله - تعالى - بحيث ~~لا يكون عامرا إلا بذكر الله. والثانى إتقان العمل الصالح وإجادته حتى ~~يصل إلى مرتبة الإحسان الذى عرفه النبى صلى الله عليه وسلم بقوله # " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". # وقوله { واتبع ملة إبراهيم حنيفا } بيان لما كان عليه ~~إبراهيم - عليه السلام - من عقيدة سليمة، ودين قويم. وهو معطوف على قوله ~~{ أسلم وجهه }. أى لا أحد أحسن دينا، وأصوب طريقا ممن أخلص نفسه ~~لله، وأتقن أعماله الصالحة على الوجه الذى يرضاه الله - تعالى - واتبع ~~ملة إبراهيم الذى كان مبتعدا عن كل الملل الزائفة المعوجة ومتجها إلى ~~الدين الحق، والمنهاج المستقيم. والمراد بملة إبراهيم شريعته التى كان ~~يدين الله عليها، ومنهاجه الذى يوافق منهاج الإسلام الذى أتى به محمد - ~~عليه الصلاة والسلام. وحنيفا من الحنف وهو الميل عن الضلال إلى ~~الاستقامة. وضده الجنف يقال تحنف فلان أى تحرى طريق الاستقامة. وقوله { ~~واتخذ الله إبراهيم خليلا } تذييل جئ به للترغيب فى ~~اتباع ملة إبراهيم، وللتنويه بشأنه - عليه السلام - وبشأن من اتبع ~~طريقته. # والخليل فى كلام العرب هو الصاحب الملازم الذى لا يخفى عليه شئ من أمور ~~صاحبه. مشتق من الخلة وهى صفاء المودة التى توجب الاختصاص بتخلل الأسرار. ~~قال الآلوسى والخليل مشتق من الخلة - بضم الخاء - وهى إما من الخلال ms1315 - ~~بكسر الخاء - فإنها مودة تتخلل النفس وتخالطها مخالطة معنوية. فالخليل من ~~بلغت مودته هذه المرتبة. وإما من الخلل على معنى أن كلا من الخليلين يصلح ~~خلل الآخر. وإما من الخل - بالفتح - وهو الطريق فى الرمل، لأنهما ~~يتوافقان على طريقة. وإما من الخلة - بفتح الخاء - بمعنى الخصلة لأنهما ~~يتوافقان فى الخصال والأخلاق. وأطلق الخليل على إبراهيم، لأن محبة الله ~~تعالى، قد تخللت نفسه وخالطتها مخالطة تامة، أو لتخلقه بأخلاق الله ~~تعالى. والمعنى واتخذ الله إبراهيم حنيفا له من بين خلقه، لأنه - عليه ~~السلام - كان خالص المحبة لخالقه - عز وجل - ومبغضا لكل ما يبغضه الله من ~~الشريك والأعمال السيئة، وغيورا على إعلاء كلمة الله وعلى تمكين دينه فى ~~الأرض فوصفه الله - تعالى - بهذا الوصف الجليل، وأسبغ عليه الكثير من ~~الوان نعمه وفضله. قال الجمل وقوله { واتخذ الله إبراهيم ~~خليلا } فى { خليلا } وجهان، فإن عدينا اتخذ لاثنين كان مفعولا ~~ثانيا وإلا كان حالا. وهذه الجملة عطف على الجملة الاستفهامية التى ~~معناها الخبر للتنبيه على شرف المتبوع وأنه جدير بأن يتبع لاصفطاء الله ~~له بالخلة، وفائدة هذه الجملة تأكيد وجوب اتباع ملته، لأن من بلغ من ~~الزلفى عند الله أن اتخذه خليلا جديرا بأن تتبع ملته. وأظهر اسم ~~إبراهيم فى مقام الاضمار لتفخيم شأنه، والتنصيص على أنه متفق على مدحه. ~~ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات ببيان أنه هو المالك لكل شئ، والمهيمن على ~~شئون هذا الكون فقال { ولله ما في السماوات وما في ~~الأرض وكان الله بكل شيء محيطا }. أى ولله - تعالى - ~~وحده جميع ما فى السماوات وما فى الأرض من موجودات، فهو خالقها ومالكها ~~ولا يخرج عن ملكوته شئ منها. وكان الله - تعالى - بكل شئ محيطا، بحيث لا ~~تخفى عليه خافية من شئون خلقه، وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا وسيجازى ~~الذين أحسنوا بالحسنى. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد بشرت المؤمنين ~~بحسن الثواب، وبينت أن ثواب الله لا ينال بالأمانى وإنما ينال بالإيمان ~~والعمل الصالح، وأن الدين الحق هو الدين الذى يدعو ms1316 الإنسان إلى إخلاص ~~نفسه لله، وإلى إحسان العمل فى طاعته، وإلى اتباع ما كان عليه إبراهيم من ~~منهاج سليم، وخلق قويم. وأنه - سبحانه هو المتصرف فى شئون هذا الكون، ~~وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر. ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ~~جملة من الأحكام التى يتعلق أكثرها بالنساء فقال - تعالى - { ~~ويستفتونك...واسعا حكيما }. ### || [4.127-130] # قال الإمام الرازى فى بيان صلة هذه الآيات بما قبلها اعلم أن عادة الله ~~- تعالى - فى ترتيب هذا الكتاب الكريم وقع على أحسن الوجوه. وهو أن يذكر ~~شيئا من الأحكام ثم يذكر عقيبه آيات كثيرة فى الوعد والوعيد والترغيب ~~والترهيب، ويخلط بها آيات دالة على كبرياء الله وجلال قدرته. ثم يعود مرة ~~أخرى إلى بيان الأحكام وهذا أحسن أنواع الترتيب وأقربها إلى التأثير فى ~~القلوب، لأن التكاليف بالأعمال الشاقة لا يقع فى موقع القبول إلا إذا كان ~~مقرونا بالوعد والوعيد. والوعد والوعيد لا يؤثر فى القلب إلا عند القطع ~~بغاية كمال من صدر عنه الوعد والوعيد. فظهر أن هذا الترتيب أحسن ~~الترتيبات اللائقة بالدعوة إلى الحق. إذا عرفت هذا فنقول إنه - سبحانه - ~~ذكر فى أول هذه السورة أنواعا كثيرة من الشرائع والتكاليف. ثم أتبعها ~~بشرح أحوال الكافرين والمنافقين واستقصى فى ذلك. ثم ختم تلك الآيات ~~الدالة على عظمة جلال الله وكمال كبريائه. ثم عاد بعد ذلك إلى بيان ~~الأحكام فقال { ويستفتونك في النسآء }.. إلخ الآية. وقوله { ~~ويستفتونك } من الاستفتاء بمعنى طلب الفتيا أو الفتوى. يقال ~~استفيت العالم فى مسألة كذا. أى سألته أن يبين حكمها. فالإفتاء إظهار ~~المشكل من الأحكام وتبيينه. فمعنى { ويستفتونك في النسآء } ~~ويسألك أصحابك يا محمد أن تفتيهم فى أمر النساء. أى يطلبون منك تبيين ~~المشكل من الأحكام التى تتعلق بما يجب للنساء من حقوق، وبما يكون عليهن ~~من واجبات. والذى حمل الصحابة على الطلب أنهم كانوا فى جاهليتهم يعاملون ~~النساء معاملة سيئة، ويظلمونهن ظلما شديدا، ثم وجدوا أن الإسلام الذى ~~يدينون به قد أكرم المرأة وأنصفها بطريقة لم يألفوها من قبل، ms1317 فتتعددت ~~أسئلتهم عن الأحكام التى تتعلق بالنساء حتى ينفذوا نحوهن ما يطلبه ~~الإسلام منهم من حيث معاشرتهن وولايتهن وميراثهن وغير ذلك من الأحكام. ~~قال القرطبى نزلت - هذه الآية - بسبب سؤال قوم من الصحابة عن أمر النساء ~~وأحكامهن فى الميراث وغير ذلك. فأمر الله - تعالى - نبيه أن يقول لهم ~~الله يفتيكم فيهن أى يبين لكم حكم ما سألتم عنه، وهذه الآية رجوع إلى ما ~~افتتحت به السورة من أمر النساء. وكانت قد بقيت لهم أحكام لم يعرفوها ~~فسألوا فقيل لهم إن الله يفتيكم فيهن... فسؤال الصحابة ليس عن ذوات ~~النساء وإنما عن أحكام تتعلق بهن. أخرج ابن جرير وغيره عن سعيد بن جبير ~~قال كان لا يرث إلا الرجل الذى قد بلغ أن يقوم فى المال ويعمل فيه، ولا ~~يرث الصغير ولا المرأة شيئا فلما نزلت آية المواريث فى سورة النساء شق ~~ذلك على الناس وقالوا أيرث الصغير الذى لا يقوم فى المال، والمرأة التى ~~هى كذلك كما يرث الرجل الذى يعمل فى المال؟ فرجوا أن يأتى فى ذلك حدث من ~~السماء فانتظروا فلما رأوا أنه لا يأتى حدث قالوا لئن تم هذا إنه لواجب ~~ما عنه بد. # ثم قالوا سلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه. فأنزل الله { ~~ويستفتونك في النسآء }.. الآية. وقوله { قل الله ~~يفتيكم فيهن } وعد من الله - تعالى - بالإجابة عما يسالون عنه. ~~وهو لون من تبشير السائل المتحير بأنه قد وجد ضالته حتى يطمئن قلبه، ~~ويهدأ باله. وذلك مثل قولهم - والله المثل الأعلى - لمن سأل سؤالا لمن ~~يحسن الإجابة عنه على الخبير وقعت. أى قل يا محمد لهؤلاء السائلين عن ~~بعض الأحكام المتعلقة بالنساء الله - تعالى - يفتيكم فى شأنهن، ويبين لكم ~~بأجلى بيان وأحكمه ما تجهلون من أحكامهن. ويقضى بينكم وبينهن بالعدل الذى ~~لا يحوم حوله باطل. وفى تقديم لفظ الجلالة تنويه بشأن هذه الفتيا، وإشعار ~~بوجوب التزام ما تتضمنه من أحكام لأنها صادرة من العليم الخبير. وقوله { ~~وما يتلى عليكم في الكتاب } للنحاة فيه مذاهب ms1318 شتى، لعل ~~أولاها بالقبول أن تكون { ما } اسم موصول مبتدأ والخبر محذوف والتقدير ~~يسالونك يا محمد عن بعض أحكام النساء فقل لهم الله يفتيكم فى شأنهن، ~~والذى يتلى عليكم فى الكتاب كذلك أى يفتيكم فى شأنهن أيضا. وذلك المتلو ~~فى الكتاب الذى بين بعض الأحكام التى تتعلق بالنساء منه قوله - تعالى ~~فيما تقدم من هذه السورة # وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما ~~طاب لكم من النسآء # قال الفخر الرازى وحاصل الكلام أنهم كانوا قد سألوا عن أحوال كثيرة من ~~أحوال النساء، فما كان منها غير مبين الحكم ذكر أن الله يفتيهم فيها. وما ~~كان مبين الحكم فى الآيات المتقدمة ذكر أن تلك الآيات المتلوة تفتيهم ~~فيها، وجعل دلالة الكتاب على هذا الحكم إفتاء من الكتاب - على سبيل ~~المجاز - ألا ترى أنه يقال فى المجاز المشهور إن كتاب الله بين لنا هذا ~~الحكم. وكما جاز أيضا أن يقال إن كتاب الله أفتى بكذا. وقوله { في ~~يتامى النسآء } صلة ليتلى. أى يتلى عليكم فى شأنهن. وإضافة ~~اليتامى إلى النساء من إضافة الصفة إلى الموصوف أى النساء اليتامى وجعلها ~~بعضهم هنا على معنى من لأنها من إضافة الشئ إلى جنسه أى فى اليتامى من ~~النساء. وقوله { اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن } صفة ~~لليتامى. والمراد بما كتب لهن ما فرض لهن من ميراث وصداق وغير ذلك من ~~حقوق شرعها الله - تعالى - لهن. قوله { وترغبون أن تنكحوهن ~~} معطوف على صلة اللاتى. أى لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن. # وقوله أن تنكحوهن فى تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف وهو إما فى وإما ~~عن. وعلى أن حرف الجر المحذوف فى يكون المعنى لا تؤتونهن ما كتب لهن ~~وترغبون فى نكاحهن لأنفسكم إن كن جميلات أو غنيات أو غير ذلك مما يرغبكم ~~فى الزواج بهن مع عدم إعطائهن حقوقهن كاملة. وعلى أن حرف الجر المحذوف عن ~~يكون المعنى لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون عن نكاحهن. أى لا أنتم ~~تتزوجونهن ولا تتركونهن ms1319 يتزوجن بغيركم حتى تبقى أموالهن تحت أيديكم. قال ~~ابن كثير روى البخارى عن عائشة فى قوله - تعالى - { ويستفتونك ~~في النسآء قل الله يفتيكم فيهن }... إلى قوله { ~~وترغبون أن تنكحوهن... } أنها قالت هو الرجل تكون عنده ~~اليتيمة هو وليها ووراثها. فأشركته فى ماله حتى فى العذق. فيرغب أن ~~ينكحها ويكره أن يزوجها رجلا فيشركه فى ماله بما شركته فيعضلها. فنزلت ~~هذه الآية. وعنها - أيضا أنها قالت وقول الله - تعالى - { وترغبون ~~أن تنكحوهن } رغبة أحدكم عن يتيمته التى فى حجره حين تكون قليلة ~~المال والجمال. فنهوا أن ينكحوا من رغبوا فى مالها وجمالها من يتامى ~~النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن - أى إذا كن قليلات المال والجمال. ~~ثم قال ابن كثير والمقصود أن الرجل إذا كان فى حجره يتيمة يحل هل له ~~تزوجها، فتارة يرغب فى أن يتزوجها فأمره الله أن يمهرها أسوة بمثالها من ~~النساء. وتارة لا يكون له فيها رغبة فنهاه الله - تعالى - عن أن يعضلها ~~عن الأزواج خشية أن يشركوه فى ماله الذى بينه وبينها. وحذف حرف الجار هنا ~~لا يعد لبسا، بل يعد من باب الإجمال والإيجاز البليغ، لأن الجملة ~~الكريمة صالحة لتقدير كل من الحرفين السابقين على سبيل البدل، ~~بالاعتبارين السابقين. أى باعتبار الرغبة فيهن أو الرغبة عنهن فكأنه - ~~سبحانه - يقول وترغبون فى نكاح بعضهن فى حالات معينة وترغبون عن نكاح بعض ~~آخر منهن فى حالات أخرى لأن فعل رغب يتعدى بحرف فى للشئ المحبوب، وبحرف ~~عن للشئ غير المحبوب. قال الآلوسى واستدل بعض أصحابنا - أى الأحناف - ~~بالآية على جواز تزويج الصغيرة، لأنه ذكر الرغبة فى نكاحها فاقتضى جوازه. ~~والشافعية يقولون إنه إنما ذكر ما كانت تفعله الجاهلية على طريق الذم فلا ~~دلالة فيها على ذلك، مع أنه لا يلزم من الرغبة فى نكاحها فعله فى حال ~~الصغر. وهذا الخلاف فى غير الأب والجد، وأما هما فيجوز لهما تزويج ~~الصغيرة بلا خلاف. وقوله { والمستضعفين من الولدان } ~~معطوف على يتامى النساء، وقد كانوا فى الجاهلية لا يورثونهم ms1320 كما لا ~~يورثون النساء، فشرع الله لهم الميراث كما هو مبين فى آيات المواريث. # وقوله { وأن تقوموا لليتامى بالقسط } فى محل جر عطفا ~~على ما قبله. أى وما يتلى عليكم فى يتامى النساء وفى المستضعفين من ~~الوالدان وفى أن تقوموا لليتامى بالقسط فيه الكافية لحملكم على سلوك ~~الطريق القويم مع هؤلاء الضعاف. ومما ذكره الله - تعالى - فى شأن اليتامى ~~قوله فى مطلع هذه السورة # وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث ~~بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم # فيكون معنى الآية إجمالا يسألك بعض أصحابك يا محمد أن تفتيهم فى بعض ~~الأحكام التى تتعلق بالنساء. قل لهم على سبل التعليم والإرشاد الله - ~~تعالى - يفتيكم ويبين لكم بيانا شافيا ما تسالون عنه بشأنهن. ويفتيكم ~~أيضا فى شأنهن ما تلاه الله عليكم فى قرآنه قبل نزول هذه الآية وما ~~سيتلوه عليكم بعدها. ويفتيكم - أيضا - ما يتلى عليكم فى القرآن شأن ~~اليتامى اللاتى تمنعوهن ما فرض لهن من الميراث وغيره. وترغبون فى نكاحهن ~~لما لهن لجمالهن بأقل من صداقهن. أو ترغبون عن نكاحهن وتعضلوهن طمعا فى ~~أموالهن. وهذا الإفتاء الذى تلاه الله عليكم فى قرآنه يمنعكم من أن ~~تفعلوه شيئا من ذلك. ويفتيكم أيضا ما يتلى عليكم فى الكتاب فى شأن ~~اليتامى - ذكورا كانوا أو إناثا - بأن يامركم أن تلتزموا العدل معهم فى ~~أموالهم وفى سائر أمورهم. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله { وما ~~تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما } أى وما ~~تفعلوه من خير يتعلق بهؤلاء المذكورين أو بغيرهم فإن الله - تعالى - كان ~~به عليما علما دقيقا محيطا، وسيجازيكم عليه جزاء يشرح نفوسكم ويصلح ~~بالكم. فالآية الكريمة قد اشتملت على الوان من الترغيب بشأن الإحسان إلى ~~النساء وإلى المستضعفين من الولدان. وإلى اليتامى حتى تعيش الأمة عيشة ~~هانئة، يشعر ضعيفها برعاية قويها له. ويشعر قويها برضا ضعيفها عنه. ثم ~~بين - سبحانه - بعض الأحكام التى تتعلق بالزوجين، وعالج ما يقع بينهما من ~~خلاف ونفرة علاجا حكيما فقال - تعالى - { وإن امرأة خافت من ~~بعلها نشوزا ms1321 أو إعراضا فلا جناح عليهمآ أن ~~يصلحا بينهما صلحا والصلح خير }. والخوف معناه توقع ~~الانسان مكروها ينزل به. وهو هنا مستعمل فى حقيقته إلا أنه لا يكون إلا ~~بعد ظهور علامات تدل عليه من الرجل. كأن يقول لها إنك قد كبرت وأريد أن ~~أتزوج بشابة. إلى غير ذلك من الأحوال التى تلمسها الزوجة من زوجها بمقتضى ~~مخالطتها له. والنشوز مأخوذ من النشز بمعنى الارتفاع ويوصف به الرجل ~~والمرأة. والمراد به هنا ما يكون من الرجل من استعلاء على زوجته. ومجافاة ~~لها بترك مضاجعتها والتقصير فى نفقتها وفى حقوقها. والإعراض عنها من ~~مظاهره التقليل من محادثتها ومؤانستها وإدخال السرور عليها. # وهو أخف النشوز. وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما ~~أخرجه الترمذى وحسنه عن ابن عباس قال # " خشيت سودة بنت زمعة إحدى زوجات النبى صلى الله عليه وسلم أن يطلقها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله. لا تطلقنى واجعل يومى ~~لعائشة ففعل ونزلت هذه الآية ". # وأخرج الشافعى عن سعيد بن المسيب أن ابنة محمد بن مسلمة كانت عند رافع ~~بن خديج فكره منها أمرا فأراد طلاقها فقالت لا تطلقنى واقسم لى ما بدالك. ~~فاصطلحا على صلح فجرت السنة بذلك ونزل القرآن. وروى عن عائشة أنها قالت ~~نزلت فى المرأة تكون عند الرجل ويريد الرجل أن يستبدل بها غيرها فتقول له ~~أمسكنى وتزوج بغيرى وأنت فى حل من النفقة والقسم. وقوله { وإن ~~امرأة } فاعل لفعل واجب الإضمار. أى وإن خافت امرأة خافت. وقوله { ~~من بعلها } متعلق بخافت، وقوله { فلا جناح عليهمآ } جواب ~~الشرط. والمعنى وإن خافت امرأة من زوجها نشوزا أى تجافيا عنها، وترفعا عن ~~صحبتها { أو إعراضا } أى انصرافا عن محادثتها ومؤانستها على خلاف ~~ما عهدته منه قبل ذلك، ففى هذه الأحوال { فلا جناح عليهمآ } ~~أى لا حرج ولا إثم على الزوجة وزوجها فى { أن يصلحا بينهما ~~صلحا } يتفقان عليه فيما بينهما رعاية لرابطة الزوجية وإبقاء على ~~دوامها، وذلك بأن تترك المرأة بعض ms1322 حقوقها حتى تسترضى زوجها وتعمل على ~~إزالة ما فى نفسه من استعلاء وانصراف عنها. وقوله { صلحا } مفعول ~~مطلق مؤكد لعامله. أو مفعول به على تأويل يصلحا بيوقعا صلحا. و { ~~بينهما } حال من { صلحا } لأنه كان نعتا له ونعت النكرة إذا ~~تقدم عليها أعرب حالا، وفيه إشارة إلى أن الأولى لهما أن لا يطلعا الناس ~~على ذلك. بل يكون ما يتفقان عليه سرا بينهما. وقد عبر - سبحانه - عن طلب ~~الصلح بقوله { فلا جناح عليهمآ } ترفقا فى الإيجاب، ونفيا ~~لما يتوهم من أن تنازل أحدهما للآخر عن بعض حقه يؤدى إلى الإثم، لأن ~~الصلح بينهما يقتضى أن يتسامح أحد الزوجين فى جزء من حقه ليظفر بخير أكثر ~~مما تسامح فيه. فإذا تركت المرأة بعض حقها لتدوم عشرتها مع زوجها ~~بالمعروف فذلك لا إثم فيه بل إن فيه الخير. وأكد - سبحانه - هذا الصلح ~~بقوله { صلحا } للإشارة إلى وجوب أن يكون الصلح بينهما حقيقيا لا ~~شكليا، وأن يكون بحيث تتلاقى فى القلوب، وتصفوا النفوس. وتشع بينهما ~~المودة والرحمة، ويرضى كل واحد منهما بما قسم الله له. وقوله { ~~والصلح خير } جملة معترضة من مبتدأ وخبر لتأكيد الصلح الذى حض ~~الله عليه قبل ذلك. أى والصلح بين الزوجين خيرا من الفرقة وسوء العشرة، ~~اللهم إلا إذا استحال الصلح والوفاق بينهما فإنه فى هذه الحالة تكون ~~الفرقة بينهما خيرا. # { وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته }. قال ابن ~~كثير ما ملخصه وقوله { والصلح خير }. الظاهر من الآية أن صلحهما ~~على ترك بعض حقها للزوج وقبول الزوج ذلك خير من المفارقة بالكلية كما ~~أمسك النبى صلى الله عليه وسلم سودة على أن تركت يومها لعائشة ولم ~~يفارقها بل تركها من جملة نسائه. وفعله هذا لتتأسى به أمته فى مشروعية ~~ذلك وجوازه فهو أفضل فى حقه صلى الله عليه وسلم ولما كان الوفاق أحب إلى ~~الله من الفراق قال { والصلح خير } ، بل الطلاق بغيض إليه - ~~سبحانه ولهذا جاء الحديث الذى رواه أبو داود وابن ماجة عن عبد الله بن ms1323 ~~عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أبغض الحلال إلى الله الطلاق ". # وقوله - تعالى - { وأحضرت الأنفس الشح } جملة أخرى معترضة ~~جئ بها لبيان ما جبل عليه الإنسان من طباع، وللحض على الصلح حتى ولو ~~خالف ما طبعت عليه النفس من سجايا. والفعل حضر يتعدى لواحد فدخلت عليه ~~الهمزة فجعلت يتعدى لاثنين كما هنا. إذ المفعول الأول نائب الفاعل وهو ~~الأنفس والمفعول الثانى كلمة الشح. والشح البخل مع الحرص، والمراد وأحضر ~~الله الأنفس الشح. أى جبل الله النفوس على الشح بما تملكه، فالمرأة لا ~~تكاد تتسامح أنو تتنازل عن شئ من حقها، والرجل كذلك لا يكاد يتنازل عن شئ ~~من حقوقه، لأن حرص الإنسان على حقه طبيعة فيه. فعلى الزوجين أن يلاحظا ~~ذلك وأن يخالفا ميولهما وطبعهما من أجل الإبقاء على الحياة الزوجية بصفاء ~~ومودة. فالجملة الكريمة ترشد الإنسان إلى داء من أدوائه وتأمره بمعالجته ~~حتى ولو أدى ذلك إلى مخالفة ما جبلت عليه نفسه. ويرى ابن جرير أن المراد ~~بالأنفس هنا أنفس النساء خاصة فقد قال ما ملخصه وأولى القولين فى ذلك ~~بالصواب قول من قال عنى بذلك. أحضرت أنفس النساء الشح بأنصبائهن من ~~أزواجهن فى الأيام والنفقة. والشح. والإفراط فى الحرص على الشئ. وهو فى ~~هذا الموضع إفراط حرص المرأة على نصيبها من أيامها من زوجها ونفقتها. ~~فتأويل الكلام وأحضرت أنفس النساء أهواءهن من فرط الحرص على حقوقهن من ~~أزواجهن، والشح بذلك على ضرائرهن. ثم قال ويشهد لهذا ما روى فى سبب نزول ~~الآية من أنها نزلت فى أمر رافع بن خديج وزوجته، إذ تزوج عليها شابة، ~~فآثر الشابة عليها، فأبت الكبيرة أن تقر على الأثرة، فطلقها تطليقة ~~وتركها. فلما قارب انقضاء عدتها، خيرها بين الفراق والرجعة والصبر على ~~الأثرة. فاختارت الرجعة والصبر على الأثرة فراجعها وآثر عليها. فلم تصبر. ~~ففى ذلك دليل واضح على أن قوله - تعالى - { وأحضرت الأنفس ~~الشح } إنما عنى به وأحضرت أنفس النساء الشح بحقوقهن من أزواجهن على ~~ما وصفنا. # ثم ختم - سبحانه ms1324 - الآية الكريمة بالأمر بخشيته ومراقبته، والسير فى ~~طريق الصلح والوفاق فقال { وإن تحسنوا وتتقوا فإن ~~الله كان بما تعملون خبيرا }. أى وإن تحسنوا - أيها ~~الرجال - فى أقوالكم وأفعالكم إلى نسائكم وتتقوا الله فيهن بأن تتركوا ~~التعالى عليهن والإعراض عنهن وتصبروا على مالا ترضونه منهن، من دمامة أو ~~تقصير فى واجباتهن. إن تفعلوا ذلك يرفع الله درجاتكم. ويجزل ثوباكم، لأنه ~~- سبحانه - خبير بكل أحوالكم وأعمالكم، ولن يضيع - سبحانه - أجر من أحسن ~~أعملا. فالجملة الكريمة خطاب للأزواج بطريق الالتفات. لقصد استمالتهم ~~وترغيبهم فى حسن معاملة نسائهم، وسلوك طريق الصلح معهن. هذا، ومن الأحكام ~~التى أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة أن على الزوجين أن يحسنا العشرة ~~الزوجية كل واحد منهما من جانبه، وأن يصبر كل واحد منهما على ما يكون من ~~صاحبه من هفوات ومخالفات لا تخلو منها طبيعة الحياة الزوجية... وأن أحد ~~الزوجين وإذا تنازل عن بعض حقوقه للآخر بقصد الإبقاء على الحياة الزوجية ~~جاز ذلك، فإذا رغب رجل - مثلا - فى طلاق زوجته لسبب من الأسباب وكانت ~~الزوجة تريد البقاء معه، وتنازلت المرأة عن بعض حقوقها فى سبيل أن تبقى ~~معه وتراضيا على ذلك عن طيب خاطر، بأن أعطته بعض المال - مثلا - فإن ما ~~أخذه منها لا يعد مالا حراما فى مثل هذه الحالة. أما إذا تظاهر الرجل ~~بالنشوز أو الإعراض لكى ينال شيئا من حقوقها أو تتنازل له عن بعضها، فإن ~~ما يأخذه الرجل منها فى مثل هذه الحالة يكون أكلا لحقوق غيره بالباطل، ~~لأنه لم يكن راغبا حقيقة فى الطلاق وإنما تصنع النشوز أو الإعراض ~~اجتلابا لمالها، واستدرارا لخيرها. وقد نهى الله عن كل ذلك بل أمر بترك ~~النشوز، ووعد من يحسن المعاشرة الزوجية ويتقى الله بالأجر الجزيل. قال ~~القرطبى ما ملخصه يجوز أن يعطى الزوج على أن تصبر. أو تعطى هى على أن ~~يبقيها فى عصمته، أو يقع الصلح بينهما على الصبر والأثرة - أى يؤثر غيرها ~~عليها من غير عطاء فهذا كله مباح. وقد يجوز أن تصالح إحداهن ms1325 صاحبتها عن ~~يومها بشئ تعطيه إياها فقد غضب الرسول صلى الله عليه وسلم مرة على صفية ~~فقالت لعائشة، أصلحى بينى وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ذهب لك ~~يومى. قالت عائشة فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست إلى ~~جانبه. فقال " إليك عنى فإنه ليس بيومك " فقلت ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء. وأخبرته الخبر، فرضى عنها. وفيه أن ترك التسوية بين النساء وتفضيل ~~بعضهن على بعض لا يجوز إلابإذن المفضولة ورضاها. # وقال بعض العلماء ما ملخصه فإن قيل إن الله - تعالى - قال فى نشوز ~~المرأة # واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في ~~المضاجع واضربوهن # الآية وقال فى نشوز الرجل { وإن امرأة خافت من بعلها ~~نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهمآ أن يصلحا ~~بينهما صلحا }. الآية فجعل لنشوز المرأة عقوبة من زوجها يعظها ~~ويهجرها فى المضجع ويضربها ولم يجعل لنشوز الرجل عقوبة من زوجته، بل جعل ~~له ترضية وتلطفا فما معنى ذلك؟ والجواب عن ذلك أن الله - تعالى - جعل ~~الرجال قوامين على النساء، فالرجل راعى المرأة ورئيسها المهيمن عليها. ~~ومن قضية ذلك ألا يكون للمرءوس معاقبة رئيسه، وإلا انقلب الأمر وضاعت ~~هيمنة الرئيس. وأن الله فضل الرجال على النساء فى العقل والدين. ومن قضية ~~ذلك ألا يكون نشوز من الرجل إلا لسبب قاهر. ولكن المرأة لنقصان عقلها ~~ودينها يكثر منها النشوز لأقل شئ تتوهمه سببا. وأن نشوز الرجل أمارة من ~~أمارات الكراهة وإرادة الفرقة. وإذا كان الله قد جعل له حق الفرقة ولم ~~يجعل للمرأة عليه سبيلا إذا هو أراد فرقتها فأولى ألا يجعل لها عليه ~~سبيلا إذا بدت منه أمارات هذه الفرقة. ثم بين - سبحانه - أن تحقيق ~~العدالة الكاملة فى الحياة الزوجية غير ممكن فقال - تعالى { ولن ~~تستطيعوا أن تعدلوا بين النسآء ولو حرصتم ~~فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة }. ~~والخطاب هنا للرجال الذين يتزوجون بأكثر من زوجة. والمعنى ولن تستطيعوا - ~~أيها الرجال - أن تعدلوا بين زوجاتكم المتعددات عدلا كاملا فى المحبة وفى ~~الميل القلبى وفى ms1326 غير ذلك من الأمور التى تختلف باختلاف تآلف النفوس ~~وتنافرها. ولو أنكم حرصتم على العدل الكامل فى مثل هذه الأمور النفسية ~~لما استطعتم، لأن الميل النفسى لا يملكه الإنسان ولا يستطيع التحكم فيه. ~~قال ابن كثير نزلت هذه الآية فى عائشة. وكان النبى صلى الله عليه وسلم ~~يحبها أكثر من غيرها. وقد روى الترمذى وأبو داود وغيرهما عنها أنها قالت # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلميقسم بين نسائه فيعدل. ثم يقول " ~~اللهم هذا قسمى فيما أملك. فلا تلمنى فيما تملك ولا أملك " # يعنى القلب. وقوله { فلا تميلوا كل الميل فتذروها ~~كالمعلقة } إرشاد من الله - تعالى - للرجال إلى ما يجب عليهم نحو ~~نسائهم المتعددات اللائى ليس فى استطاعتهم التسوية بينهن فى الميل ~~القلبى. أى إذا ثبت أنكم لن تستطيعوا أن تعدلوا بينهن عدلا كاملا من جميع ~~الوجوه ولو حرصتم على هذا العدل أتم الحرص. إذا ثبت ذلك فلا تميلوا كل ~~الميل إلى إحداهن بأن تبالغوا فى إرضائها والإقبال عليها حتى تصير ~~الأخرى التى ملتم عنها وهجرتموها كالمعلقة أى كالمرأة التى لا هى بذات ~~زوج فتنال من حقوقها الزوجية ولا هى بمطلقة فترجو من الله أن يرزقها ~~بالزوج الذى يكرمها. # وإنما الواجب عليكم - يا معشر الرجال - أن تجاهدوا أنفسكم حتى تصلوا إلى ~~الحق المستطاع من العدل بين الزوجات. فقد أخرج الإمام أحمد وأبو داود ~~والترمذى والنسائى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " ما كانت له أمرأتان فمال إلى أحداهما - أى لم يعدل بينهما فيما يمكنه ~~العدل فيه - جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط ". # وعن مجاهد قال " كانوا يسوون بين الضرائر حتى فى الطيب يتطيب لهذه كما ~~يتطيب لهذه ". وقوله { كل الميل } نصب لفظ كل على المصدرية لأنها ~~على حسب ما تضاف إليه من مصدر أو ظرف أو غيره. وقوله { فتذروها } ~~منصوب بإظمار أن فى جواب النهى. أو مجزوم عطفا على الفعل قبله. والجملة ~~الكريمة توبيخ للأزواج الذين لا يعدلون بين نسائهم. قال القرطبى وقوله { ~~فتذروها كالمعلقة ms1327 } أى لا هى مطلقة ولا ذات زوج. وهذا تشبيه ~~بالشئ المعلق من شئ، لأنه لا على الأرض استقر ولا على ما علق عليه انحمل، ~~وهذا مطرد فى قولهم فى المثل ارض من المركب بالتعليق. وفى حديث أم زرع ~~زوجى العشنق - أى الطويل الممتد القامة - إن أنطق أطلق. وإن أسكت أعلق - ~~أى أهمل وأترك حتى لكأننى بدون زوج -. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله { ~~وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا ~~رحيما }. أى وإن تصلحوا أعمالكم - أيها الناس - فتعدلوا فى قسمتكم ~~بين أزواجكم وتعاشروهن بالمعروف، وتتقوا الله وتراقبوه فيهن، وتتوبوا إلى ~~الله توبة نصوحا مما حدث منكم من ظلم لهن. إن تفعلوا ذلك يغفر الله لكم ~~ذنوبكم ويتفضل عليكم برحمته وإحسانه. هذا وقد ادعى بعض الذين لم يفهموا ~~تعاليم الإسلام فهما سليما أن هذه الآية بضمها إلى قوله - تعالى - فى ~~مطلع هذه السورة # فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة # يكون منع تعدد الزوجات جائزا شرعا، لأن الله تعالى - قد بين فى الآية ~~الى معنا وهى قوله { ولن تستطيعوا أن تعدلوا } أن العدل ~~بين الزوجات المتعددات غير مستطاع، وبين فى الآية الأخرى وهى قوله # فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة # أن الجمع بين النساء غير جائز إلا عند الوثوق من العدل بينهن، وبما أن ~~العدل بينهن غير مستطاع بنص الآية التى معنا، إذا فالجمع بين النساء غير ~~جائز، وعلى الرجل أن يكتفى بواحدة. وللرد على هذه الدعوى نقول إن العدل ~~الذى أخبر الله عنه غير مستطاع، هو العدل الذى يتعلق بالتسوية بين ~~الزوجات فى الحب القلبى، والميل النفسى، والتجاوب العاطفى، إذ من المعلوم ~~أن هذه الأمور النفسية لا يستطيع الإنسان أن يتحكم فيها. # فأنت - مثلا - تجلس فى مجلس فيه أشخاص متعددون لا تعرفهم فتحس بارتياح ~~لبعضهم وبنفور من بعضهم مع أنك لم يسبق لك أن اختلطت بواحد منهم، وما ذلك ~~إلا لأن الميول القلبية يعجز الإنسان عن التحكم فيها. أما العدل الذى ~~جعله الله شرطا فى جواز الجمع بين الزوجات فهو العدل الذى يتعلق بالتسوية ms1328 ~~فيما يقدر عليه الإنسان ويملكه مثل التسوية بينهن فى النفقة والكسوة ~~والسكنى والمبيت. وغير ذلك من الأمور التى يقدر عليها. وبهذا نرى أن ~~موضوع الآية التى معنا يتعلق بالعدل النفسى وهو أمر غير مستطاع كما جاء ~~فى الحديث الشريف # " اللهم هذا قسمى فيما أملك، فلا تلمنى فيما تملك ولا أملك ". # وأما موضوع الآية التى فى صدر السورة وهى قوله - تعالى - # فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة # فيتعلق بالعدل الظاهرى الذى يقدر عليه الإنسان مثل التسوية فى النفقة ~~وغير ذلك مما يقدر عليه الإنسان. ومع هذا، فالآية التى معنا لم تطالب ~~الرجل بالعدالة المطلقة الكاملة بين زوجاته بأن يسوى بينهن فى كل شئ، لأن ~~العدل بهذا المعنى غير مستطاع للمكلف ولو حرص على إقامته وبالغ فى ذلك. ~~وإنما الآية الكريمة طالبته بالممكن منه فكأنها تقول إنكم - أيها الرجال ~~- لن تستطيعوا أن تعدلوا العدل المطلق الكامل بين زوجاتكم فى القسم ~~والنفقة والتعهد والنظر والمؤانسة والمحبة وغير ذلك مما لا يكاد يحصر { ~~ولو حرصتم } على هذا العدل الكامل أتم الحرص لما استطعتموه، ~~ولذلك لم يكلفكم الله به، إذ التكليف الشرعى إنما يكون بما فى الوسع ~~والطاقة، وإذا كان الأمر كذلك فاجتهدوا ما استطعتم فى العدل بين زوجاتكم، ~~ولا تميلوا كل الميل إلى واحدة منهن وتهملوا الأخرى إهمالا يجعلها كأنها ~~لا هى ذات زوج ولا هى مطلقة. فإن العجز عن العدل المطلق الكامل لا يمنع ~~تكليفكم بما دون ذلك من المراتب التى تقدرون عليها قالوا ما لا يدرك كله ~~لا يترك كله. وبهذا نرى أن الآيتين الكريمتين تدعوان المسلم إلى العدل ~~بين زوجاته بالقدر الذى يستطيعه بدون تقصير أو جور، وأنهما بانضمام ~~معناهما لا تمنعان تعدد الزوجات كما ادعى المدعون. وبعد أن رغب - سبحانه ~~- فى الصلح بين الزوجين وحض عليه، وأمر الأزواج بالعدل بين الزوجات ~~بالقدر الذى يستطيعونه، عقب ذلك ببيان أن التفرقة بينهما جائزة إذا لم ~~يكن منها بد. لأن التفرقة مع الإحسان خير من المعاشرة السيئة فقال - ~~تعالى - { وإن يتفرقا يغن الله كلا ms1329 من سعته ~~وكان الله واسعا حكيما }. وإن عز الصلح بين الزوجين واختارا ~~الفراق تخوفا من ترك حقوق الله التى أوجبها على كل واحد منهما { يغن ~~الله كلا } منهما { من سعته } أى يجعل كل واحد منهما مستغنيا ~~عن الآخر { وكان الله واسعا حكيما } أى وكان الله - تعالى - ~~وما يزال واسعا أى واسع الغنى والرحمة والفضل { حكيما } فى جميع ~~أفعاله وأحكامه. # وبهذا نرى أن هذه الآيات الكريمة قد وضعت أحكم الأسس للحياة الزوجية ~~السليمة، وعالجت أمراضها بالعلاج الشافى الحكيم، فقد أمرت الرجال بأن ~~يؤدوا للنساء حقوقهن، وأن يعاشروهن بالمعروف، وأن على الزوجين إذا ما دب ~~بينهما خلاف أن يعالجاه فيما بينها بالتصالح والتسامح، وإذا اقتضى الأمر ~~أن يتنازل أحدهما للآخر عن جانب من حقوقه فليفعل من أجل الإبقاء على ~~الحياة الزوجية. وأن الرجل لا يستطيع أن يعدل عدلا مطلقا كاملا بين ~~زوجاته، ولكن هذا لا يمنعه من العدل بينهن بالقدر الذى يستطيعه بدون ~~تقصير أو ميل مع الهوى، فإن الميسور لا يسقط بالمعسور. وأنه إذا استحال ~~الصلح وتنافرت الطباع، وساءت العشرة كان الفراق بينهما أجدى، إذ الفراق ~~مع الإحسان خير من الإمساك مع المعاشرة السيئة التى عز معها الإصلاح ~~والوفاق والتقارب بين القلوب. وبعد أن بين - سبحانه - ما ينبغى أن تكون ~~عليه العلاقة بين الزوجين ووسائل علاج أدوائها.. بعد كل ذلك يبن - سبحانه ~~- أن كل شئ فى ملكه وتحت سلطانه، فعلى الناس أن يخشوه ويراقبوه ويشتغلوا ~~بعبادته فقال - تعالى - { ولله ما في...سميعا بصيرا }. ### || [4.131-134] # قال ابن جرير، قوله { ولله ما في السماوات وما في ~~الأرض } يعنى بذلك - سبحانه - ولله ملك جميع ما حوته السماوات السبع ~~والأرضون السبع من الأشياء كلها. وإنما ذكر - جل ثناؤه ذلك بعقب قوله # وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته # تنبيها منه لخلقه على موضع الرهبة عند فراق أحدهم زوجة ليفزعوا إليه عند ~~الجزع من الحاجة والفاقة والوحشة بفراق سكنه، وتذكيرا منه له أنه الذى له ~~الأشياء كلها. وأن من كان له ملك جميع الأشياء فغير متعذر عليه ms1330 أن يغنيه ~~ويغنى كل ذى فاقة وحاجة ويؤنس كل ذى وحشة. فالجملة الكريمة مستأنفة لبيان ~~مظاهر قدرته ورحمته بعباده. والخطاب فى قوله { ولقد وصينا ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن ~~اتقوا الله } والمراد بالذين { أوتوا الكتاب } اليهود ~~والنصارى ومن قبلهم من الأمم. والمراد بالكتاب جنس الكتب الإلهية. وقوله ~~{ وإياكم } معطوف على الموصول. وقوله { من قبلكم } متعلق ~~بأوتوا أو بوصينا وقوله { أن اتقوا الله } أن مصدرية فى محل جر ~~بتقدير حرف الجر. والمعنى ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم من ~~الأمم السابقة { وإياكم } أى وصينا كلا منهم ومنكم بتقوى الله. أى ~~بمراقبته وخشيته وتنفيذه أوامره والبعد عن نواهيه. وقوله { وإن ~~تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض } ~~معطوف على وصينا بتقدير قلنا. أى وصيناهم ووصيناكم بتقوى الله، وقلنا لكم ~~ولهم إن تكفروا فاعلموا أنه - سبحانه - هو مالك الملك والملكوت ولن يضره ~~كفركم ومعاصيكم، كما أنه - سبحانه - لن ينفعه شكركم وتقواكم، وإنما وصاكم ~~وإياهم بما وصى لرحمته بكم لا لحاجته إليكم. كما قال - تعالى - فى آية ~~أخرى # إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى ~~لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم # ويرى صاحب الكشاف أن قوله - تعالى - { وإن تكفروا } عطف على ~~اتقوا، فقد قال وقوله { وإن تكفروا فإن لله ما في ~~السماوات وما في الأرض } عطف على اتقوا. لأن المعنى. أمرناهم ~~وأمرناكم بالتقوى، وقلنا لهم ولكم إن تكفروا فإن لله ما فى السماوات وما ~~فى الأرض. والمعنى إن لله الخلق كله وهو خالقهم ومالكهم والمنعم عليهم ~~بأصناف النعم كلها، فحقه أن يكون مطاعا فى خلقه غير معصى. يتقون عقابه ~~ويرجون ثوابه. ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من الأمم السابقة ووصيناكم ~~أن اتقوا الله. يعنى أنها وصية قديمة ما زال يوصى الله بها عباده، لستم ~~بها مخصوصين لأنهم بالتقوى يسعدون عنده، وبها ينالون النجاة فى العاقبة. ~~وقلنا لهم ولكم وإن تكفروا فإن لله فى سماواته وأرضه من الملائكة ~~والثقلين من يوحده ويعبده ويتقيه. وجواب الشرط فى قوله " وإن تكفروا ms1331 ~~محذوف، والتقدير إن تكفروا بما وصاكم به فلن يضره كفركم فإنه - سبحانه - ~~له ما فى السماوات وما فى الأرض ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله { وكان ~~الله غنيا حميدا } أى وكان الله وما زال غنيا عن خلقه وعن ~~عبادتهم، مستحقا لأن يحمده الحامدون لكثرة نعمه عليهم فالجملة الكريمة ~~تذييل مقرر لما قبله. # ثم أكد - سبحانه - هيمنته على هذا الكون وملكيته له فقال { ولله ما ~~في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا }. أى ~~ولله - تعالى - وحده ما فى السماوات وما فى الأرض ملكا وتصرفا وإيجادا ~~وإعداما. وإحياء وإماتة. وكفى بالله - تعالى - وكيلا فى تدبير أمرو خلقه، ~~وحفظه لمصالحهم. والوكيل هو القيم والكفيل بالأمر الذى يوكل إليه. وقد ~~ذكر - سبحانه - فى هاتين الآيتين ملكيته لما فى السماوات ومافى الأرض ~~ثلاث مرات، تأكيد العظم سلطانه وقدرته وسعة غناه ورحمته، حتى ترسخ فى ~~نفوس الناس تقواه وخشيته. قال القرطبى فإن قال قائل ما فائدة هذا ~~التكرار؟ فعنه جوابان أحدهما أنه كرر تأكيدا ليتنبه العباد وينظروا ما فى ~~ملكوته وأنه غنى عن العالمين. الجواب الثانى أنه كرر لفوائد فأخبر فى ~~الأول أن الله - تعالى - يغنى كلا من سعته لأن له ما فى السماوات وما فى ~~الأرض فلا تنفد خزائنه. ثم قال أوصيناكم وأهل الكتاب بالتقوى وإن تكفروا ~~فإنه غنى عنكم لأن له ما فى السماوات والأرض. ثم أعلم فى الثالث بحفظ ~~خلقه وتدبيره إياهم بقوله { وكفى بالله وكيلا } ، لأن له ما ~~فى السماوات وما فى الأرض.... وقوله - تعالى - { إن يشأ يذهبكم ~~أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك ~~قديرا } تقرير لما سبق بيانه من عظيم سلطانه وغناه وقدرته. أى إن يشأ ~~الله يفنكم ويهلككم أيها الناس - ويأت مكانكم بقوم آخرين، وكان الله وما ~~زال على إفنائكم وإيجاد غيركم بليغ القدرة، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شئ. ~~لكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك لا لعجز منه. ولكن لأن حكمته اقتضت بقاءكم، ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا، وليجازى كل إنسان على حسب عمله. قال الجمل ~~ومفعول المشيئة محذوف يدل ms1332 عليه مضمون الجزاء. أى إن يشأ إفناءكم وإيجاد ~~آخرين يذهبكم - يعنى أن إبقاءكم على ما أنتم عليه من العصيان إنما هو ~~لكمال غناه عن طاعتكم، ولعدم تعلق مشيئته المبنية على الحاكم البالغة ~~بإفناءكم لا لعجزه - سبحانه - وقيل هو خطاب لمن عادى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من العرب أى يشأ يمتكم ويأت بأناس آخرين يوالونه. فمعناه هو ~~معنى قوله - تعالى - # وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثالكم # ويروى أنها لما نزلت ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على ظهر ~~سلمان الفارسى وقال " إنهم قوم هذا ". # يريد أبناء فارس. فالآية الكريمة تقرير لغناه وقدرته - سبحانه - وتهديد ~~لمن كفر به وعصاه. ثم حرض - سبحانه - الناس على أن يقصدوا بعملهم وجه ~~الله، وأن يجعلوا مقصدهم الأعظم الفوز بنعيم الآخرة فقال - تعالى - { ~~من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب ~~الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا }. والمراد ~~بثواب الدنيا خيراتها التى تعود على طالبها بالنفع الدنيوى. والمراد ~~بثواب الآخرة الجزاء الحسن الذى أعده الله - تعالى - لعباده الصالحين. ~~والمعنى من كان يريد ثواب الدنيا كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة والمنافع ~~الدنيوية، فأخبره وأعلمه يا محمد أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة. ~~فلماذا قصر الطلب على المنافع الدنيوية مع أن ثواب الآخرة أجزل وأبقى؟ ~~وهلا اقتدى بمن قالوا فى دعائهم # ربنآ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة # وجزاء الشرط محذوف بتقدير الإعلام والإخبار. أى من كان يريد ثواب ~~الدنيا فأعلمه وأخبره أن عند الله ثواب الدارين فماله لا يطلب ذلك أو ~~يطلب الأشرف وهو ثواب الآخرة فإن من جاهد - مثلا - جهادا خالصا لم تفته ~~المنافع الدنيوية، وله بجانب ذلك فى الآخرة ما هو أنفع وأعظم وأبقى. فقد ~~روى الإمام أحد عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من كان همة الآخرة جمع الله - تعالى شمله، وجعل غناه فى قلبه، وأتته ~~الدنيا وهى راغمة، ومن كانت نيته الدنيا فرق الله عليه ضيعته، وجعل فقره ~~بين عينه، ولم ms1333 يأته من الدنيا إلا ما كتب له ". # ويرى صاحب البحر المحيط أن جواب الشرط محذوف لدلالة المعنى عليه فقد قال ~~والذى يظهر أن جواب الشرط محذوف لدلالة المعنى عليه. والتقدير من كان ~~يريد ثواب الدنيا فلا يقصر عليه وليطلب الثوابين فعند الله ثواب الدنيا ~~والآخرة. ثم قال وقال الراغب وقوله { فعند الله ثواب الدنيا ~~والآخرة } تبكيت للإنسان حيث اقتصر على أحد السؤالين مع كون المسئول ~~مالكا للثوابين، وحث على أن يطلب منه - تعالى - ما هو أكمل وأفضل من ~~مطلوبه. فمن طلب خسيسا مع أنه يمكنه أن يطلب نفيسا فهو دنئ الهمة. وقيل ~~الآية وعيد للمنافقين الذين لا يريدون بالجهاد غير الغنيمة. وما عبر عنه ~~صاحب البحر المحيط بقوله وقيل الآية وعيد للمافقين، قد رجحه ابن جرير ~~واختاره فقد قال ما ملخصه قوله { من كان يريد } أى ممن أظهر ~~الإيمان من أهل النفاق. { ثواب الدنيا } يعنى عرض الدنيا { ~~فعند الله ثواب الدنيا والآخرة } يعنى أن جزاءه فى ~~الدنيا منها هو ما يصيب ما المغنم. وأما ثوابه فى الآخرة فنار جهنم. # والذى نراه أولى أن الآية الكريمة تخاطب الناس عامة، فتبين لهم أن خير ~~الدنيا بيد الله وخير الآخرة أيضا بيد الله، فإن اتقوه نالوا الخيرين، ~~وتنبههم إلى أن من الواجب عليهم الآ يشغلهم طلب خير الدنيا عن طلب خير ~~الآخرة. بل عليهم أن يقدموا ثواب الآخرة على ثواب الدنيا. عملا بقوله - ~~تعالى - فى آية أخرى # وابتغ فيمآ آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس ~~نصيبك من الدنيا # ولا نرى مقتضيا لتخصيص الآية بالمافقين كما - يرى ابن جرير - رحمه الله. ~~وقوله - تعالى - { وكان الله سميعا بصيرا } تذييل قصد به حض ~~الناس على الإخلاص فى أقوالهم وأعمالهم. أى وكان الله - تعالى - سميعا ~~لكل ما يجهر به الناس ويسرونه، بصيرا بأحوالهم الظاهرة والخفية، ~~وسيجازيهم بما يستحقونه من ثواب أو عقاب، # يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله ~~بقلب سليم # ثم وجه - سبحانه - بعد ذلك ندائين متتالين إلى المؤمنين أمرهم فيهما ~~بالمداومة على ms1334 التمسك بفضيلة العدل فى جميع الظروف والأحوال، وبالثبات ~~على الإيمان الحق الذى ينالون به ثوابا لله ورضاه، وتوعد الذين ينحرفون ~~عن طريق الحق بسوء العاقبة فقال - تعالى - { يا أيها ~~الذين....ضلالا بعيدا }. ### || [4.135-136] # وقوله { قوامين } جمع قوام وهو صيغة مبالغة من قائم. والقوام هو ~~المبالغ فى القيام بالشئ وفى الإتيان به على أتم وجه وأحسنه. وقوله { ~~شهدآء } جمع شهيد بوزن فعيل. والأصل فى هذه الصغية أنها تدل على ~~الصفات الراسخة فى النفس ككريم وحكيم. والمعنى يأيها الذين آمنوا بالحق ~~إيمانا صادقا. كونوا مواظبين على إقامة العدل فيما بينكم فى جميع الظروف ~~والأحوال دون أن يصرفكم عن ذلك صارف، وكونوا " شهداء لله " أى مقيمين ~~للشهادة بالحق ابتغاء وجه الله لا لغرض من الأغراض الدنيوية. ولا لمطمع ~~من المطامع الشخصية، فإن الإيمان الحق يستلزم منكم أن تعدلوا فى أحكامكم ~~وأن تؤدوا الشهادة على وجهها. وفى ندائه - سبحانه - لهم بقوله { يا ~~أيها الذين آمنوا } تنبيه إلى الأمر الخير الذى ناداهم من ~~أجله ودعاهم إلى تنفيذه وهو التزام العدالة فى كل أمورهم، وتحريك لعاطفة ~~الإيمان فى قلوبهم بمقتضى وصفهم - بهذه الصفة الجليلة. وعبر - سبحانه - ~~بقوله { كونوا قوامين } بصيغة المبالغة الدالة على الكثرة ~~والمداومة على الشئ، لتمكين صفة العدالة فى نفوسهم، وترسيخها فى قلوبهم. ~~فكأنه - سبحانه - يقول لهم رضوا أنفسكم على التزام كلمة الحق، وعودوها ~~على نصرة المظلوم وخذلان الظلم، وليكن ذلك خلقا من أخلاقكم. وسجية من ~~سجاياكم، فلا يكفى أن تعدلوا فى أحكامكم مرة أو مرتين، وإنما الواجب ~~عليكم أن تداوموا على إقامة العدل فى كل الأحوال، ومع كل الأشخاص. قال ~~صاحب المنار وهذه العبارة - وهى قوله - تعالى - { كونوا قوامين ~~بالقسط } أبلغ ما يمكن أن يقال فى تأكيد أمر العدل والعناية به ~~فالأمر بالعدل والقسط مطلقا يكون بعبارات مختلفة بعضها آكد من بعض تقول ~~اعدلوا أو اقسطوا. وتقول كونوا عادلين أو مقسطين. وهذه العبارة أبلغ ~~لأنها أمر بتحصيل الصفة لا بمجرد الإتيان بالقسط الذى يصدق بمرة. وتقول ~~أقيموا القسط. وأبلغ منه كونوا قائمين بالقسط. وأبلغ ms1335 من هذا وذاك كونوا ~~قوامين بالقسط. أى لتكن المبالغة والعناية بإقامة القسط على وجهه صفة من ~~صفاتكم، بأن تتحروه بالدقة التامة حتى تكون ملكة راسخة فى نفوسكم. والقسط ~~يكون فى العمل كالقيام بما يجب من العدل بين الزوجات والأولاد ويكون فى ~~الحكم بين الناس... وقوله { شهدآء } خبر ثان لكونوا. وقوله { لله ~~} متعلق بمحذوف حال من ضمير { شهدآء }. أى كونوا ملازمين للعدل فى كل ~~أمروكم وكونوا مقيمين للشهادة على وجهها حالة كونها لوجه الله، لا لعرض ~~من أعراض الدنيا. قال الفخر الرازى وإنما قدم - سبحانه - الأمر بالقيام ~~بالقسط على الأمر بالشهادة لوجوه الأول أن أكثر الناس من عادتهم أنهم ~~يأمرون غيرهم بالمعروف، فإذا آل الأمر إلى أنفسهم تركوه حتى أن أقبح ~~القبيح إذا صدر عنهم كان فى محل المسامحة وأحسن الحسن. # وإذا صدر عن غيرهم كان محل المنازعة. فالله - تعالى - نبه فى هذه الآية ~~على سوء هذه الطريقة. وذلك أنه - سبحانه - أمرهم بالقيام بالقسط أولا، ثم ~~أمرهم بالشهادة على الغير ثانيا، تنبيها على أن الطريقة الحسنة أن تكون ~~مضايقة الإنسان مع نفسه فوق مضايقته مع الغير. الثانى أن القيام ~~بالشهادة عبارة عن دفع ضرر العقاب عن الغير، وهو الذى عليه الحق. ودفع ~~الضرر عن النفس مقدم على دفع الضرر عن الغير. الثالث أن القيام بالقسط ~~فعل، والشهادة قول والفعل أقوى من القول. وقوله { ولو على ~~أنفسكم أو الوالدين والأقربين } تأكيد للأمر بالتزام ~~الحق فى الأحكام والشهادات. أى كونوا قوامين بالقسط، وكونوا مقيمين ~~للشهادة بالحق خالصة لوجه الله، ولو كانت الشهادة على أنفسكم - بأن تقروا ~~بأن الحق عليها إذا كان واقع الأمر كذلك - ولو كانت - أيضا. على والديكم ~~وعلى أقرب الناس إليكم. قال القرطبى وشهادة المرء على نفسه إقراره ~~بالحقوق عليها ثم ذكر الوالدين لوجوب برهما وعظم قدرهما. ثم ثنى ~~بالأقربين إذهم مظنة المودة والتعصب فكان الأجنبى من الناس أحرى أن يقام ~~عليه بالقسط ويشهد عليه... ولا خلاف بين أهل العلم فى صحة أحكام هذه ~~الآية، وأن شهادة الولد على الوالدين ماضية، ms1336 ولا يمنع ذلك من برهما، بل ~~أن يشهد عليهما ويخلصهما من الباطل. وكان من مضى من السلف الصالح يجيزون ~~شهادة الوالدين والأخ، لأنه لم يكن أحد يتهم فى ذلك من السلف. ثم ظهرت من ~~الناس أمور حملت الولاة على اتهامهم، فتركت شهادة من يتهم. وأجاز قوم ~~شهادة بعضهم لبعض إذا كانوا عدولا. و { لو } فى قوله { ولو على ~~أنفسكم } شرطية. والجار والمجرور خبر لكان المحذوفة مع اسمها. ~~وجواب لو محذوف. والتقدير ولو كانت الشهادة على أنفسهم فاشهدوا علهيا بأن ~~تقروا على أنفسكم بالحق ولا تكتموه. وقوله - تعالى - { إن يكن ~~غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما } تأكيد لوجوب التزام ~~الحق مع الغنى والفقير والصغير والكبير. أى إن يكن المشهود عليه غنيا ~~يرجى فى العادة ويخشى أو فقيرا يترحم عليه فى الغالب ولا يخشى، فلا ~~تمتنعوا عن الشهادة، لأن الله - تعالى - هو الأولى والأجدر بحساب كل من ~~الغنى والفقير، وهو الأعلم بمصالح الناس، والأرحم بهم منكم. وجواب الشرط ~~محذوف، أى إن يكن المشهود عليه غنيا أو فقيرا فلا تتركوا الشهادة لأن ~~الشهادة فى مصلحتهما. قال صاحب الكشاف فإن قلت لم ثنى الضمير فى " أولى ~~بهما " وكان حقه أن يوحد لأن قوله إن يكن غنيا أو فقيرا فى معنى إن يكن ~~أحد هذين؟ قلت قد رجع الضمير إلى ما دل عليه قوله { إن يكن غنيا ~~أو فقيرا } لا إلى المذكور، فلذلك ثنى ولم يفرد، وهو جنس الغنى وجنس ~~الفقير. # فكأنه قيل فالله أولى بجنسى الغنى والفقير. أى بالأغنياء والفقراء. وفى ~~قراءة أبى فالله أولى بهم وهى شاهدة على ذلك. وقال ابن جرير نزلت فى ~~النبى صلى الله عليه وسلم إذا اختصم إليه رجلان غنى وفقير وكان ضعله - أى ~~ميله - مع الفقير لأنه يرى أن الفقير لا يظلم الغنى. فأبى الله إلا أن ~~يقوم بالقسط فى الغنى والفقير فقال { إن يكن غنيا أو فقيرا ~~فالله أولى بهما }. والذى يستفاد من هذه الرواية ومن ظاهر ~~الآية أن الغنى أو الفقر لا يصح أن يكونا سببا ms1337 فى التفاوت فى الحكم. ~~ويقاس عليهما غيرهما من أحوال الناس، لأن الله - تعالى هو الذى نظم الكون ~~بحكمته، وهو أعلم بمصالح الناس من أنفسهم، وجعل فيهم الغنى والفقير لأن ~~الغنى والفقر أمران ثابتان فى هذا الوجود، ولا يمكن أن تخلو منهما ~~الجماعة الإنسانية، لأن ذلك تنظيم الله - تعالى، وإرادته الخالدة، وهو ~~الذى يتفق مع الطبيعة الإنسانية، إذ العقول متفاوتة، والعزائم مختلفة، ~~والأعمال متنوعة، ونتيجة لذلك كانت الثمار ليست متحدة. والمراد بالهوى فى ~~قوله { فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا } الخضوع للشهوات ~~والميل مع نزعات النفس الأمارة بالسوء. وقوله { أن تعدلوا } فى ~~موضع المفعول لأجله ويحتمل أن يكون بمعنى العدل فيكون علة للمنهى عنه، ~~ويكون فى الجملة مضاف مقدر. والمعنى فلا تتبعوا الهوى والميل مع الشهوات ~~كراهة أن تعدلوا بين الناس ويحتمل أن يكون بمعنى العدول عن الحق فيكون ~~علة للنهى بتقدير لا، أى أنهاكم عن اتباع الهوى لئلا تميلوا عن الحق ~~وتتركوا العدل. قال ابن كثير أى لا يحملنكم الهوى والعصبية وبغض الناس ~~إليكم، على ترك العدل فى شئونكم. بل ألزموا العدل على أى حال كان. كما ~~قال - تعالى - # ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ~~اعدلوا هو أقرب للتقوى # ومن هذا قول عبد الله بن رواحة لما بعثه النبى صلى الله عليه وسلم يخرص ~~على أهل خيبر ثمارهم وزروعهم، فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم، فقال والله ~~لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلى. ولأنتم أبغض الخلق إلى. وما يحملنى حيى ~~إياه وبغضى لكم على أن لا أعدل فيكم. فقالوا بهذا قامت السماوات والأرض. ~~وقوله - تعالى - { وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله ~~كان بما تعملون خبيرا } تذييل قصد به تهديدهم ووعيدهم على ~~ترك العدل، وعلى الامتناع عن الشهادة بالحق. قال الفخر الرازى ما ملخصه ~~وفى الآية قراءتان. فقد قرأ الجمهور { تلووا } - بواوين قبلهما لام ~~ساكنة - بمعنى الدفع والإعراض من قولهم لواه حقه إذا مطله ودفعه. # أو بمعنى التحريف والتبديل من قولهم لوى الشئ إذا فتله. وقرأ ابن عامر ~~وحمزة { تلوا } بلام ms1338 مضمومة بعدها واو ساكنة - من الولاية بمعنى مباشرة ~~الشئ والاشتغال به. والمعنى على قراءة الجمهور وإن تلووا ألسنتكم عن ~~الشهادة بالحق بأن تحرفوها وتقيموها على غير وجهتها أو تعرضوا عنها رأسا ~~وتتركوها يعاقبكم الله عقابا شديدا فإنه - سبحانه - عليم بدقائق الأشياء، ~~خبير بخفايا النفوس، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه. والمعنى على القراءة ~~الثانية وإن تلوا الشهادة فتباشروها على وجهها يعطكم الله أجرا حسنا، ون ~~تعرضوا عنها وتتركوها بعاقبكم الله عقابا أليما، فإن الله - تعالى - خبير ~~بكل أقوالكم وأعمالكم. وقيل إن القراءتين بمعنى واحد لأن أصل تلوا - وهى ~~قراءة حمزة وابن عامر - تلووا - وهى قراءة الجمهور - نقلت حركة الواو - ~~فى قراءة الجمهور - إلى الساكن قبلهما فالتقى واوان ساكنان فحذفت إحداهما ~~فصارت الكلمة تلوا. هذا، والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها تبنى ~~المجتمع الإسلامى على أقوى القواعد، وأمتن الأسس وأشرف المبادئ. إنها ~~تبنيه على قواعد العدل والقسط، وتأمر المؤمنين أن يلتزموا كملة الحق مع ~~أنفسهم ومع أقرب المقربين إليهم مهما تكلفوا فى ذلك من جهاد شاق يقتضيه ~~التزام الحق، فإن كلمة الحق كثيرا ما تجعل صاحبها عرضة للإيذاء ~~والاعتداء والاتهام بالباطل من الأشرار والفجار. بل إن كلمة الحق قد تفضى ~~بصاحبها إلى الموت. ولكن لا بأس، فإن الموت مع التمسك بالحق، خير من ~~الحياة فى ظلمات الباطل. ثم أمر الله - تعالى - المؤمنين أن يثبتوا على ~~إيمانهم فقال { يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ~~ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب ~~الذي أنزل من قبل } أى يأيها المؤمنون اثبتوا على إيمانكم ~~وداوموا على تصديقكم بوحدانية الله - تعالى - وعلى تصديقكم برسوله محمد ~~صلى الله عليه وسلم وبالكتاب الذى نزله الله - تعالى - عليه وهو القرآن، ~~وبالكتاب الذى أنزله الله - تعالى - على الرسل الذين أرسلهم من قبله. ~~والمراد بالكتاب الذى أنزله على الرسل من قبله جنس الكتب السماوية ~~كالتوراة والإنجيل والزبور. ثم بين - سبحانه - سوء مصير من يكفر بشئ مما ~~يجب الإيمان به فقال - تعالى - { ومن يكفر بالله ~~وملآئكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ~~ضلالا ms1339 بعيدا }. أى ومن يكفر بالله بأن يجحد وحدانيته وألوهيته، ولا ~~يخلص له العبادة، ويكفر بملائكته بأن ينكر بأنهم عباد مكرمون لا يعصون ~~الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ويكفر بكتبه التى أنزلها - سبحانه، على ~~أنبيائه، وبرسوله الذين أرسلهم لهداية الخلق. وباليوم الآخر وما فيه من ~~ثواب وعقاب، من يكفر بكل ذلك فقد خرج عن طريق الهدى وبعد عن السبيل ~~القويم بعدا كبيرا، لأنه بكفره بذلك يكون قد خالف الفطرة، وانحرف عما ~~يقتضيه العقل السليم، وأوغل فى الشرور والآثام إيغالا شديدا، يؤدى به إلى ~~خزى الدنيا وعذاب الآخرة. وبعد هذا الأوامر السديدة للمؤمنين. عادت ~~السورة الكريمة إلى تحذيرهم من أعدائهم ومن المنافقين، فكشفت لهم عن ~~طبيعتهم، ونهتهم عن القعود معهم، وبينت لهم أنماطا من خداعهم، وألوانا من ~~أخلاقهم الذميمة، وأخبرتهم عن سوء مصير أولئك المنافقين والمتمادين فى ~~الغى والضلال. واستمع إلى السورة الكريمة وهى تحكى كل ذلك بأسلوبها ~~الحكيم فتقول { إن الذين آمنوا....شاكرا عليما }. ### || [4.137-147] # وقوله - تعالى - { إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم ~~آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن ~~الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا } للمفسرين فى ~~تأويل هذه الآية وجوه أولها أن المراد بهم قوم تكرر منهم الارتداد، ~~وأصروا على الكفر، وازدادوا تماديا فى البغى والضلال. وقد صدر الفخر ~~الرازى تفسيره لهذه الآية بهذا المعنى فقال المراد بهم الذين يتكرر منهم ~~الكفر بعد الإيمان مرات وكرات، فإن ذلك يدل على أنه لا وقع للإيمان فى ~~قلوبهم، إذ لو كان للإيمان وقع فى قلوبهم لما تركوه لأدنى سبب ومن لا ~~يكون للإيمان وقع فى قلبه فالظاهر أنه لا يؤمن بالله إيمانا صحيحا ~~معتبرا. فهذا هو المراد بقوله { لم يكن الله ليغفر لهم ~~}. وليس المراد أنه أتى بالإيمان الصحيح لم يكن معتبرا، بل المراد منه ~~الاستبعاد والاستغراب على الوجه الذى ذكرناه. وقال الإمام ابن كثير يخبر ~~- تعالى - عمن دخل فى الإيمان ثم رجع عنه ثم عاد فيه ثم رجع واستمر على ~~ضلاله، وازداد حتى مات، فإنه لا توبة بعد موته ms1340 ولا يغفر الله له " ولا ~~يجعل له مما هو فيه فرجا ولا مخرجا ولا طريقا إلى الهدى، ولهذا قال { ~~لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا ~~}. وقد قال ابن عباس فى قوله { ثم ازدادوا كفرا } تمادوا فى ~~كفرهم حتى ماتوا ". وثانيها أن المراد بهم أهل الكتاب. وقد رجح هذا ~~الإتجاه ابن جرير فقال وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال عنى ~~بذلك أهل الكتاب الذين أقروا بحكم التوراة، ثم أقر من أقر منهم بعيسى ~~والإنجيل، ثم كذب به بخلافه إياه، ثم كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~والفرقان، فازداد بتكذيبه كفرا على كفره. وثالثها أن المراد بهم طائفة من ~~اليهود كانوا يظهرون الإسلام تارة ثم يرجعون عنه إلى يهوديتهم لتشكيك ~~المسلمين فى دينهم وذلك معنى قوله # وقالت طآئفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي ~~أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا ~~آخره لعلهم يرجعون # ورابعها أن المراد بهم المنافقون. فالإيمان الأول وإظهارهم الإسلام. ~~وكفرهم بعد ذلك هو نفاقهم وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم. والإيمان الثانى ~~هو أنهم كلما لقوا جمعا من المسملين قالوا إنا مؤمنون. والكفر الثانى هو ~~أنهم إذا خلوا إلى إخوانهم فى النفاق قالوا لهم إنا معكم. وازديادهم فى ~~الكفر هو جدهم واجتهادهم فى استخراج أنواع المكر والكيد فى حق المسلمين. ~~والذى نراه أولى من بين هذه الأقوال القول الأول، لأن ألفاظ الآية عامة ~~ولم تخصص قوما دون قوم، فكل من تكرر منهم الارتداد واستمرار فى ضلالهم ~~حتى ماتوا ينطبق عليهم الوعيد الذى بينته الآية الكريمة، سواء كان أولئك ~~الذين حدث منهم هذا الارتداد المتكرر من المنافقين أم من غيرهم. # والمعنى إن الذين آمنوا بدين الإسلام ثم رجعوا عنه إلى ما كانوا عليه ~~من ضلال، ثم آمنوا ثم كفروا مرة أخرى، ثم ازدادوا كفرا على كفرهم بأن ~~استمروا فيه حتى ماتوا... هؤلاء الذين فعلوا ذلك لم يكن الله ليغفر لهم، ~~لتماديهم فى الكفر وإصرارهم عليه حتى ماتوا، ولم يكن - سبحانه - ليهديهم ~~سبيلا مستقيما، لأنهم هم الذين استحبوا ms1341 العمى على الهدى، وهم الذين كانوا # وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن ~~يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا # قال الآلوسى والقول المشهور الذى عليه الجمهور أن المراد من نفى المغفرة ~~والهداية، نفى ما يقتضيهما وهو الإيمان الخالص الثابت. ومعنى نفيه ~~استبعاد وقوعه، فإن من تكرر منهم الارتداد وازدياد الكفر والإصرار عليه ~~صاروا بحيث قد ضربت قلوبهم بالكفر، وصار الإيمان عندهم أدون شئ وأهونه، ~~فلا يكادون يقربون منه قيد شبر ليتأهلوا للمغفرة وهداية سبيل الجنة، لا ~~أنهم لو أخلصوا الإيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم. ثم قالوا وخبر كان ~~فى أمثال هذا الموضع محذوف وبه تتعلق اللام أى ما كان الله مريدا ~~للغفران لهم. ونفى إرادة الفعل أبلغ من نفيه. ثم تبدأ السورة الكريمة ~~حملتها على المنافقين فتقول { بشر المنافقين بأن لهم ~~عذابا أليما } والتعبير بقوله بشر بدل أنذر أو أخبر للتهكم بهم، ~~لأن البشارة لا تكون غالبا إلا فى الأخبار السارة، لأن الإخبار السار ~~يظهر سرورا فى البشرة. فاستعملت البشارة فى مطلق الإخبار أو فى الإنذار ~~على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. قال الرغب ويقال أبشرت الرجل ~~وبشرته أى أخبرته بأمر سرا بسط بشرة وجهه وذلك أن النفس إذا سرت انتشر ~~الدم فيها انتشار الماء فى الشجر. وقوله { المنافقين } من النفاق ~~وهو أن يظهر الشخص خلاف ما يبطن. قالوا وسمى المنافق منافقا أخذا من ~~نافقاء اليربوع - وهو جحره فإنه يجعل له بابين يدخل من أحدهما ويخرج من ~~الآخر فكذلك المنافق يدخل مع المؤمنين بقوله أنا مؤمن. ويدخل مع الكفار ~~بقوله أنا كافر. والمعنى أنذر يا محمد أولئك المنافقين الذين أظهروا ~~الإسلام وأخفوا الكفر بالعذاب الأليم، وسق لهم هذا الإنذار بلفظ ~~التبشير على سبيل التهكم بهم، والاستهزاء بعقولهم، فى مقابل تهكمهم ~~بالإسلام وأهله وخداعهم للمؤمنين. ثم كشف - سبحانه - عن جانب من طبيعتهم ~~المنكوسة فقال { الذين يتخذون الكافرين أوليآء من ~~دون المؤمنين }. أى أنذر هؤلاء المنافقين بالعذاب الأليم، الذين ~~من صفاتهم أنهم يتخذون الكافرين أولياء ونصراء لهم تاركين ولاية المؤمنين ~~ونصرتهم. ms1342 فهم سلم على الكافرين وحرب على المؤمنين. والمراد بالكافرين هنا ~~اليهود - على أرجح الأقوال - فقد حكى عن المنافقين أنهم كانوا يقولون إن ~~أمر محمد صلى الله عليه وسلم لن يتم فتولوا اليهود، ولأن غالب سكان ~~المدينة - من غير المسلمين - كان من اليهود. # وقوله { من دون المؤمنين } حال من فاعل يتخذون. أى يتخذون ~~الكفار أنصارا لهم حالة كونهم متجاوزين ولاية المؤمنين ونصرتهم. ~~والاستفهام فى قوله { أيبتغون عندهم العزة } للإنكار ~~والتعجب من شأنهم، والتهكم من سوء تصورهم. وقوله { فإن العزة ~~لله جميعا } رد على تصوراتهم الباطلة، ومداركهم الفاسدة، وتثبيت ~~للمؤمنين حتى يزدادوا قوة على قوتهم. أى أن هؤلاء المنافقين قد تركوا ~~ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين فما الذى دفعهم إلى هذا الانتكاس؟ ~~أيطلبون بلهفة ورغبة العزة والمنعة من عند الكافرين؟ إذا كان هذا حالهم ~~فقد خابوا وخسروا، فإن العزة والقوة والمنعة والنصرة له وحده. ومن اعتز ~~بغير الله هان وذل. قال ابن كثير والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة ~~من جانب الله - تعالى - والإقبال على عبوديته، والانتظام فى جملة عباده ~~المؤمنين، الذين لهم النصرة فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. ويناسب ~~هنا أن نذكر الحديث الذى رواه الإمام أحمد عن أبى ريحانة أن النبى صلى ~~الله عليه وسلم قال # " من انتسب إلى تسعة آباء كفار، يريد بهم عزا وفخرا فهو عاشرهم فى النار ~~". # وقال الإمام الرازى وأصل العزة فى اللغة الشدة. ومنه قيل للأرض الصلبة ~~الشديدة عزاز. ويقال قد استعز المرض على المريض إذا اشتد ظهره به. وشاة ~~عزوز التى يشتد حلبها ويصعب. والعزة القوة منقولة من الشدة لتقارب ~~معنييهما. والعزيز القوى المنيع بخلاف الذليل. ثم قال إذا عرفت هذا فنقول ~~إن المنافقين كانوا يطلبون العزة والقوة بسبب اتصالهم باليهود. ثم إنه - ~~تعالى - أبطل عليهم هذا الرأى بقوله { فإن العزة لله جميعا ~~}. فإن قيل هذا كالمناقض لقوله # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين # قلنا القدرة الكاملة لله. وكل من سواه فباقداره صار قادرا. وبإعزازه صار ~~عزيزا فالعزة الحاصلة للرسول عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين ms1343 لم تحصل إلا ~~من الله - تعالى - فكأنه الأمر عند التحقيق أن العزة جميعا لله. قالوا ~~وقد دلت الآية الكريمة على وجوب موالاة المؤمنين، والنهى عن موالاة ~~الكافرين. قال - تعالى - # لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوآدون من حآد الله ورسوله ولو كانوا ~~آبآءهم أو أبنآءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم # ثم نهى - سبحانه - المسلمين عن مخالطة الكافرين بآيات الله والمستهزئين ~~بها فقال { وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا ~~سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا ~~تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره }. أى وقد ~~نزل الله عليكم - أيها المؤمنون - فى كتابه المحكم أنكم إذا سمعتم آيات ~~الله يكفر بها الكافرون، ويستهزئ بهم المستهزئون، فعليكم فى هذه الأحوال ~~أن تتركوا مجالسهم، وأن تعرضوا عنهم حتى يتكلموا فى حديث آخر سوى الكفر ~~بآيات الله والاستهزاء بها. # قال صاحب الكشاف والمراد بالمنزل عليهم فى الكتاب هو ما نزل عليهم فى ~~مكة من قوله - تعالى - # وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض ~~عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره # وذلك أن المشركين كانوا يخوضون فى ذكر القرآن فى مجالسهم فيستهزئون به، ~~فنهى - سبحانه - المسلمين عن القعود معهم ما داموا خائضين فيه. وكان ~~أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين، فنهوا أن يقعدوا معهم ~~كما نهوا - قبل ذلك - عن مجالسة المشركين بمكة. وأن فى قوله { إذا ~~سمعتم } تفسيرية، لأن { نزل } تضمن معنى القول دون حروفه. ~~وجعلها بعضهم مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن مقدر أى أنه إذا سمعتم. ~~وقدره بعضهم ضمير المخاطبين أى أنكم إذا سمعتم، وخبرهما جملة الشرط ~~والجزاء. وقوله { يكفر بها ويستهزأ بها } جملتان فى موضع ~~الحال من الآيات. وأضاف - سبحانه - الآيات إليه، لتهويل أمرها، والتشنيع ~~على من كفر أو استهزأ بها. والضمير فى قوله { معهم } يعود إلى ~~الكافرين والمستهزئين المدلول عليهم بقوله { يكفر بها ~~ويستهزأ } فكأنه قيل لا تقعدوا - أيها المؤمنون - مع الكافرين ~~بآيات الله والمستهزئين بها. والضمير فى قوله { غيره } يعود إلى ~~تحدثهم بالكفر والاستهزاء أى حتى يخوضوا فى حديث ms1344 سوى حديثهم المتعلق ~~بالكفر بآيات الله والاستهزاء بها. وقوله { إنكم إذا مثلهم ~~} تعليل للنهى عن القعود معهم. أى أيها المؤمنون - إن استمعتم إلى الكفار ~~والمنافقين وهم يعلنون الكفر بآيات الله - تعالى - والاستهزاء بها، كنتم ~~معهم فى الاستهانة بآيات الله وشركاء لهم فى آثامهم، لأن الراضى بالكفر ~~بآيات الله وبالاستهزاء بها. يكون بعيدا عن حقيقة الإيمان، ومستحقا ~~للعقوبة من الله - تعالى -. قال صاحب الكشاف، فإن قلت لم يكونوا مثلهم ~~بالمجالسة إليهم فى وقت الخوض؟ قلت لأنهم إذا لم ينكروا عليهم كانوا ~~راضين. والراضى بالكفر كافر فإن قلت فهلا كان المسلمون بمكة - حين كانوا ~~يجالسون الخائضين من المشركين - منافقين؟ قلت لأنهم كانوا لا ينكرون ~~لعجزهم. وهؤلاء لم ينكروا مع قدرتهم فكان ترك الإنكار لرضاهم. وقال ~~القرطبى فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصى إذا ظهر منهم منكر، لأن ~~من لم يتجنبهم فقد رضى فعلهم، والرضا بالكفر كفر. قال الله - تعالى - { ~~إنكم إذا مثلهم }. فكل من جلس فى مجلس معصية ولم ينكر عليهم ~~يكون معهم فى الوزر سواء. وينبغى أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية ~~وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغى أن يقوم عنهم حتى لا ~~يكون من أهل هذه الآية. وقد روى عن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ قوما ~~يشربون الخمر، فقيل له عن أحد الحاضرين إنه صائم. # فحمل عليه الأدب وقرأ عليه هذه الآية { إنكم إذا مثلهم } ~~أى أن الرضا بالمعصية معصية. ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضى بعقوبة العاصى ~~حتى يهكلوا جميعا. وهذه المماثلة ليست فى جميع الصفات ولكنه إلزام شبه ~~بحكم الظاهر من المقارنة. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالوعيد ~~الشديد للكافرين والمنافقين فقال { إن الله جامع ~~المنافقين والكافرين في جهنم جميعا } لأن هذين ~~الفريقين كما اجتمعوا فى الدنيا على الكفر بآيات الله والاستهزاء بها ~~والتواصى بالشرور والآثام، فسيجمعهم الله جميعا فى جهنم يوم القيامة، ~~بسبب ما قدمت أيديهم من جرائم ومنكرات. فأنت ترى أن الآية الكريمة تنهى ~~المؤمنين عن مجالسة الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها، لأن ms1345 أول الشر ~~سماع الشر، ولأن أول مراتب ضعف الإيمان أن تفتر حماسة المؤمن فى الدفاع ~~عن الحق الذى آمن به. ومن علامات المؤمن الصادق أنه متى سمع استهزاء ~~بتعاليم دينه فعليه إما أن ينبرى للدفاع عن هذه التعاليم بشجاعة وحماسة ~~وقوله تدمغ الباطل وأهله وتفضح كل معتد أثيم.. وإما أن يقاطع المجالس ~~التى لا يحترم فيها دين الله. أما السكوت عن ذلك باسم التغاضى أو التسامح ~~أو المرونة. أو بغير ذلك من الأسماء، فهذا أو مراتب النفاق الذى يؤدى إلى ~~خزى الدنيا وعذاب الآخرة. ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك سمة أخرى من أبرز ~~سمات المنافقين. وهى أنهم كانوا يلقون المسلمين بوجه ويلقون الكفر بوجه ~~آخر. أى أنهم يحاولون أن يمسكوا العصا من وسطها حتى يأكلوا من كل مائدة. ~~استمع إلى القرآن وهو يصور ذلك بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول { الذين ~~يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله ~~قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب ~~قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من ~~المؤمنين }. وقوله { يتربصون } من التربص بمعنى الانتظار ~~وترقب الحوادث. يقال تربص به إذا انتظره مع ترقب وملاحظة. وقوله { ~~نستحوذ } من الاستحواذ بمعنى الغلبة والتمكن والاستيلاء، يقال ~~استحوذ فلان على فلان أى غلب عليه وتمكن منه. ومنه قوله - تعالى - # استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله # والمعنى إن من صفات هؤلاء المنافقين - أيها المؤمنون - أنهم يتربصون ~~بكم. أى ينتظرون بترقب وملاحظة ما يحدث لكم من خير أو شر، أو من نصر أو ~~هزيمة { فإن كان لكم فتح من الله } أى من نصر وظفر على ~~أعدائكم { قالوا } على سبيل التقرب إليكم { ألم نكن معكم ~~} فى الجهاد وغيره فاعطونا نصيبا من الخير الذى أصبتموه. { وإن كان ~~للكافرين نصيب } أى حظ من النصر عليكم - لأن الحرب سجال - { ~~قالوا } لهم - أيضا - على سبيل التقرب إليهم { ألم نستحوذ ~~عليكم ونمنعكم من المؤمنين } أى ألم نتمكن من قتلكم ~~وأسركم ولكنا لم نفعل ذلك، بل أحطناكم بحمايتنا ورعايتنا ومنعنا المؤمنين ~~من النصر عليكم بسبب تخذيلنا لهم، وتجسسنا على ms1346 أحوالهم. # وإخباركم بما يهمكم من شئونهم. وما دام الأمر كذلك فاجعلوا لنا قسما من ~~نصيبكم. فالآية الكريمة تصور تصويرا بليغا ما كان عليه المنافقون من تلون ~~وتقلب وهرولة وراء شهوات الدنيا فى أى مكان كانت. وعبر عن النصر فى جانب ~~المؤمنين بأنه فتح، وعن انتصار الكافرين بأنه نصيب، لتعظيم شأن المسلمين ~~وللتهوين من شأن الكافرين. ولأن انتصار المسلمين يترتب عليه فتح الطريق ~~أمام الحق لكى يدركه الناس، ويدخلوا في دين الله أفواجا، ولأن الفتح من ~~الله يكون معه الدوام وحسن العاقبة بخلاف انتصار الكافرين فهو أمر طارئ ~~وليس بدائم. قال صاحب الانتصاف وهذا من محاسن نكت أسرار القرآن، فإن الذى ~~يتفق للمسلمين فيه استئصال لشأفة الكفار واستيلاء على أرضهم وديارهم ~~وأموالهم وأرض لم يطؤوها. وأما ما كان يتفق للكفار فمثل الغلبة والقدرة ~~التى لا يبلغ شأنها أن تسمى فتحا. فالتفريق بينهما أيضا مطابق للواقع ~~والاستفهام فى قوله { ألم نستحوذ عليكم } وفى قوله { ~~ألم نكن معكم } للتقرير أى لقد كنا معكم واستحوذنا عليكم ~~ومنعناكم من المؤمنين. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بتبشير المؤمنين ~~وإنذار الكافرين فقال { فالله يحكم بينكم يوم ~~القيامة ولن يجعل الله للكافرين على ~~المؤمنين سبيلا }. والفاء هنا للإفصاح عن كلام مقدر. أى إذا ~~كان هذا هو حال المنافقين والكافرين فى الدنيا، فأبشركم - أيها المؤمنون ~~- بأن الله سيحكم بينكم وبينهم يوم القيامة بحكمه العادل، فيثيبكم ~~بالثواب الجزيل لأنكم أولياؤه، ويعاقبهم بالعقاب الأليم لأنهم أعداؤه، ~~وأبشركم - أيضا - بأنه - سبحانه - لن يجعل لأعدائكم الكافرين سلطانا ~~عليكم ما دمتم متمسكين بدينكم ومعتصمين بحبل الله جميعا بدون فرقة أو ~~تنازع أو فشل، وآخذين بالأسباب وبسنن الله الكونية التى تعينكم على ~~الوصول إلى غاياتكم الشريفة، ومقاصدكم السليمة. فالآية الكريمة تنفى أن ~~يكون هناك سبيل للكافرين على المؤمنين فى الدنيا والآخرة. ومنهم من يرى ~~أن المراد بنفى السبيل هنا فى الآخرة. وقد أشار الإمام ابن كثير إلى ~~هذين الاتجاهين بقوله - تعالى - { ولن يجعل الله للكافرين ~~على المؤمنين سبيلا }. أى يوم القيامة كما روى عن على ms1347 بن أبى ~~طالب وغيره. ويحتمل أن يكون المعنى { ولن يجعل الله ~~للكافرين على المؤمنين سبيلا } أى فى الدنيا، بأن ~~يسلطوا عليهم تسليط استيلاء واستئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر فى بعض ~~الأحيان على بعض الناس فإن العاقبة للمتقين فى الدنيا والآخرة، كما قال - ~~تعالى - # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد # والذى نراه أولى أن تكون الجملة الكريمة عامة فى نفى أن يكون هناك سلطان ~~للكافرين على المؤمنين ما دام المؤمنون متبعين اتباعا تاما تعاليم دينهم ~~وآخذين فى الأسباب التى تجعل النصر حليفا لهم. # وإذا كان الكافرون فى بعض الازمان والأحوال قد صارت لهم الغلبة على ~~المسلمين، فذلك قد يكون نوعا من الابتلاء أو التأديب أو التمحيص. حتى ~~يعود المسملون إلى دينهم عودة كاملة تجعلهم يستجيبون لتوجيهاته. ويذعنون ~~لأحكامه، ويطبقون أوامره ونواهيه. وهنا يحالفهم نصر الله الذى لا يقهر ~~ووعده الذى لا يتخلف. ثم تمضى السورة الكريمة بعد هذا الوعد المطمئن ~~لقلوب المؤمنين، فى رسم صورة أخرى للمنافقين مبالغة فى الكشف عن قابئحهم ~~وفى التحذير من شرورهم فتقول { إن المنافقين يخادعون ~~الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا ~~كسالى يرآءون الناس ولا يذكرون الله إلا ~~قليلا مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا ~~إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا }. ~~وقوله { يخادعون } من الخداع وهو أن يظهر الشخص من الأفعال ما يخفى ~~أمره، ويستر حقيقته. قال الراغب الخداع إنزال الغير عما هو بصدده بأمر ~~يبديه على خلاف ما يخفيه... ويقال طريق خادع وخيدع. أى مضل كأنه يخدع ~~سالكه. وفى الحديث # " بين يدى الساعة سنون خداعة " # أى محتالة لتلونها بالجدب مرة وبالخصب مرة. وقوله { خادعهم } اسم ~~فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه. والمعنى إن المنافقين ~~لسوء طواياهم، وخبث نواياهم { يخادعون الله } أى يفعلون ما يفعل ~~المخادع بأن يظهروا الإيمان ويبطنوا الكفر { وهو خادعهم } أى ~~وهو فاعل بهم ما يفعله الذى يغلب غيره فى الخداع، حيث تركهم فى الدنيا ~~معصومى الدماء والأموال. ms1348 وأعد لهم فى الآخرة الدرك الأسفل من النار. ~~ومنهم من جعل المراد بمخادعتهم لله مخادعتهم لرسوله وللمؤمنين فيكون ~~الكلام على حذف مضاف. أى إن المنافقين يخادعون رسول الله والمؤمنين وهو - ~~سبحانه - خادعهم فهو كقوله - تعالى - # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله # وعبر - سبحانه - عن خداعهم بصيغة تدل على المشاركة والمغالبة وهى قوله { ~~يخادعون } ، للإشعار بأنهم قد ينجحون فى خداعهم وقد لا ينجحون. ~~وعبر - سبحانه - عن خداعه لهم بصيغة اسم الفاعل، للدلالة على الغلب ~~والقهر. لأن الله - تعالى - كاشف أمرهم، ومزيل مغبة خداعهم، ومحاسبهم ~~حسابا عسيرا على ما ارتكبوه من جنايات وسيئات. وقوله { وإذا قاموا ~~إلى الصلاة قاموا كسالى } بيان للون آخر من قبائحهم. و { ~~كسالى } جمع كسلان وهو الذى يعتريه الفتور فى أفعاله لكراهيته لها أو ~~عدم اكتراثه بها. وهى حال لازمة من ضمير قاموا أى إن هؤلاء المنافقين إذا ~~قاوموا إلى الصلاة، قاموا متثاقلين متباطئين لا نشاط عندهم لأدائها، ولا ~~رغبة لهم فى القيام بها، لأنهم لا يعتقدون ثوابا فى فعلها، ولا عقابا على ~~تركها. # وقوله { يرآءون الناس } حال من الضمير المستكن فى كسالى. أو جملة ~~مستأنفة جوابا لمن يسأل وما قصدهم من القيام للصلاة مع هذا التثاقل ~~والتكاسل عنها؟ فكان الجواب يراءون الناس. أى يقصدون بصلاتهم الرياء ~~والسمعة والخداع. قال ابن كثير وقوله { وإذا قاموا إلى ~~الصلاة قاموا كسالى } هذه صفة المنافقين فى أشرف الأعمال ~~وأفضلها وخيرها. وهى الصلاة. إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها، ~~لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمان لهم بها، ولا خشية، ولا يعقلون معناها. ~~وهذه صفة ظواهرهم. ثم ذكر - سبحانه - صفة بواطنهم الفاسدة فقال { ~~يرآءون الناس } أى إخلاص لهم ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون ~~الناس تقية لهم ومصانعة ولهذا يتخلفون كثيرا عن الصلاة التى لا يرون فيها ~~غالبا كصلاة العشاء فى وقت العتمة وصلاة الصبح فى وقت الغلس كما ثبت فى ~~الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ms1349 ما ~~فيهما لأتوهما ولو حبوا " # وروى الحافظ ألو ليلى عن عبد الله قال من أحسن الصلاة حيث يراه الناس، ~~وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة. استهان بها ربه - عز وجل -. وقوله { ~~ولا يذكرون الله إلا قليلا } معطوف على { يرآءون } ~~أى أن من صفات المنافقين أنهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا متباطئين ~~متقاعسين يقصدون الرياء والسمعة بصلاتهم، ولا يذكرون الله فى صلاتهم إلا ~~ذكرا قليلا أو وقتا قليلا لأنهم لا يخشعون ولا يدرون ما يقولون، بل هم فى ~~صلاتهم ساهمون لاهون. روى الإمام مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أنس ~~بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " تلك صلاة المنافق - تلك صلاة المنافق. يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت ~~بين قرنى الشيطان، قام فنقر أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا ". # قال ابن كثير وكذا رواه مسلم والترمذى والنسائى من حديث إسماعيل بن جعفر ~~المدنى عن العلاء بن عبد الرحمن. وقال الترمذى حسن صحيح. ومنهم من فسر ~~قوله { ولا يذكرون الله إلا قليلا } أى ولا يصلون إلا ~~قليلا. لأنهم إنما يصلون رياء فإذا خلوا بأنفسهم لم يصلوا. والأول أولى ~~لأنه أعم وأشمل. قال صاحب الكشاف قوله { ولا يذكرون الله ~~إلا قليلا } أى ولا يصلون إلا قليلا، لأنهم لا يصلون قط غائبين عن ~~عيون الناس إلا ما يجاهرون به. وما يجاهرون به قليل أيضا، لأنهم ما وجدوا ~~مندوحة من تكلف ما ليس فى قلوبهم لم تكلفوه. أو لا يذكرون الله بالتسبيح ~~والتهليل إلا ذكرا قليلا فى الندرة، وهكذا ترى كثيرا من المتظاهرين ~~بالإسلام لو صحبته الأيام والليالى لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ولا ~~تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أوقاته لا يفتر عنه. # . فإن قلت ما معنى المراءاة وهى مفاعلة من الرؤية؟ قلت فيها وجهان ~~أحدهما أن المرائى يريهم عمله وهم يرونه استحسانه. والثانى أن يكون من ~~المفاعلة بمعنى التفعيل. فيقال راءى الناس. يعنى رآهم كقولك نعمه ~~وناعمه.. روى أبو زيد رأت المرأة المرآة الرجل إذا أمسكها لترى ms1350 وجهه... ~~وقوله { مذبذبين بين ذلك } حال من فاعل يراءون واسم ~~الإشارة " ذلك " مشار به إلى الإيمان والكفر المدلول عليه بذكر ~~المؤمنين والكافرين. قال القرطبى المذبذب المتردد بين أمرين. والذبذبة ~~الاضطراب. يقال ذبذبته فتذبذب. ومنه قول النابغة - فى مدح النعمان بل ~~المنذر - # ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب # أى يضطرب وقال ابن جنى المذبذب المهتز القلق الذى لا يثبت ولا يتمهل. ~~فهؤلاء المنافقون مترددون بين المؤمنين والمشركين. لا مخلصين للإيمان ~~ولا مصرحين بالكفر. وفى صحيح مسلم من حيث ابن عمر عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم # " مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين - أى المترددة بين قطيعين ~~- تعير إلى هذه مرة وإلى هذه أخرى ". # وقوله { لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء } فى محل نصب ~~على أنه حال من ضمير { مذبذبين } أو على أنه بيان وتفسير له. ~~وقوله { ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا } أى ومن ~~يضلله الله - تعالى - عن طريق الحق، بسبب إيثاره الغواية على الهداية. ~~فلن تجد له سبيلا يوصله إلى الصراط المسقيم. وبعد هذا الذم الشديد لما ~~كان عليه المنافقون من خداع ورياء وضلال. وجه - سبحانه - نداء إلى ~~المؤمنين نهاهم فيه عن موالاة الكافرين فقال - تعالى - { يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أوليآء من ~~دون المؤمنين }. أى يأيها الذين آمنوا بالله حق الإيمان، لا يصح ~~منكم ولا ينبغى لكم أن تتخذوا الكافرين بالحق الذى آمنتم به { ~~أوليآء } أى نصراء وأصدقاء، تاركين ولاية إخوانكم المؤمنين ونصرتهم، ~~فإن ذلك لا يتفق مع الإيمان، ولا يتناسب مع تعاليم دينكم. فالآية ~~الكريمة تنهى المؤمنين عن موالاة الكفرة. أى عن مناصرتهم وإفشاء أسرار ~~المؤمنين إليهم، وعن كل ما من شأنه أن يكون مضرة بالمؤمنين. كما قال - ~~تعالى - فى آية أخرى # لا يتخذ المؤمنون الكافرين أوليآء من دون ~~المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ~~إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله ~~نفسه وإلى الله المصير # وفى هذا النهى - أيضا - توبيخ للمنافقين الذين ما زال الحديث ms1351 متصلا عن ~~قبائحهم ورذائلهم، وتحذير من مسالكهم الخبيثة حيث كانوا يتركون ولاية ~~المؤمنين وينضمون إلى صفوف الكافرين من اليهود وغيرهم ويقولون - كما حكى ~~القرآن عنهم - # نخشى أن تصيبنا دآئرة # والاستفهام فى قوله { أتريدون أن تجعلوا لله عليكم ~~سلطانا مبينا } للإنكار والتحذير من أن تقع هذه الموالاة منهم. ~~والمراد بالسلطان الحجة والدليل أى إنكم إن اتخذتم الكافرين أولياء من ~~دون المؤمنين، فقد جعلتم لله عليكم حجة فى عقابكم، وفى تخليه عن نصرتكم ~~ورعايتكم. وتوجيه الإنكار إلى الإرادة دون متعلقها بأن يقال، أتجعلون. ~~للمبالغة فى التهويل من أمره ببيان أنه مما لا ينبغى أن تصدر عن العاقل ~~إرادته، فضلا عن صدوره فى نفسه. قال بعضهم وقد دلت الآية على تحريم ~~موالاة المؤمنين للكافرين. قال الحاكم وهى الموالاة فى الدين والنصرة ~~فيه. لا المخالقه والإحسان. وقال الزمخشرى وعن صعصعة بن صوحان أنه قال ~~لابن أخ له خالص المؤمن، وخالق الكافر والفاجر. فإن الفاجر يرضى منك ~~بالخلق الحسن. وأنه يحق عليكم أن تخالص المؤمن ". ثم بين - سبحانه - ~~المصير الشنيع الذى سيصير إليه المنافقون يوم القيامة فقال - تعالى - { ~~إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن ~~تجد لهم نصيرا } أى فى الطبقة السفلى من طبقاتها وسميت دركاتها ~~لكونها متداركه أى متتابعة بعضها تحت بعض. والدرك لغة فى الدرك وهو ~~كالدرج، إلا أن الدرج يقال باعتبار الصعود. والدرك يقال باعتبار النزول ~~والحدور. ولذا قيل درجات الجنة ودركات النار. قال الآلوسى والنار لها ~~طبقات سبع تسمى الأولى كما قيل جهنم والثانية لظى. والثالثة الحطمة. ~~والرابعة السعير. والخامسة سقر. والسادسة الجحيم. والسابعة الهاوية. وقد ~~تسمى النار جميعا باسم الطبقة الأولى، وبعض الطبقات باسم بعض لأن لفظ ~~النار يجمعها... والمعنى إن هؤلاء المنافقين الذين مردوا على النفاق. ~~وسرى فى طباعهم مسرى الدم سيكونون يوم القيامة فى الطبقة السفلى من ~~النار، ولن تجد لهم نصيرا ينصرهم من عذاب الله أو يدفع عنهم عقابه. ~~وإنما كان للمنافقين هذا العذاب الشديد، لأنهم أضافوا إلى كفرهم، ~~الاستهزاء بالإسلام وأهله، وجمعوا بسوء طباعهم بين ms1352 الكفر. والفسق ~~والتضليل، والخداع، وإشاعة الفاحشة فى صفوف المؤمنين، وغير ذلك من ~~رذائلهم المتعددة، وقبائحهم المتنوعة. قال بعض العلماء ولكن من هو ~~المنافق الذى يستحق أشد العقاب، ويكون فى أعمق النيران يوم القيامة؟ نقول ~~فى الجواب عن ذلك إنه المنافق الخالص الذى لم يكن فيه خصلة أو أكثر من ~~خصلة فقط، ولكن هو الذى كفر بالله وبالرسالة المحمدية، ولم يكتف بذلك بل ~~أظهر الإسلام ليفسد بين المسلمين ويتعرف أسرارهم. ذلك أن النفاق درجات ~~هذا أعلاها، وهو أشد الكفر. ودونه بعد ذلك مراتب تكون بين المسلمين ولا ~~تخرج المسلم عن إسلامه، وإن كانت تجعل إيمانه ضعيفا. ومن ذلك ممالأة ~~الحكام، والسكوت عن كلمة الحق مع النطق بالباطل ملقا وخداعا. قيل لابن ~~عمر - رضى الله عنهما - ندخل على السلطان ونتكلم بكلام فإذا خرجنا تكلمنا ~~بخلافه!! فقال كنا نعده من النفاق. # ولقد جاء فى الحديث الشريف ما يفيد أن المنافقين فريقان فريق خصل ~~للنفاق، وهذا منكوس القلب والنفس والفكر. وقسم فيه خصلة من النفاق، وهذا ~~يتنازعه الخير والشر. فقد قال - عليه الصلاة والسلام - فيما رواه الإمام ~~أحمد. # " القلوب أربعة قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر. وقلب أغلف مربوط على ~~غلافه. وقلب منكوس، وقلب مصفح. فأما القلب الأجرد، فقلب المؤمن سراجه فيه ~~نوره. وأما القلب الأغلف فقلب الكافر. وأما القلب المنكوس فقلب المنافق ~~الخالص عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق. ومثل ~~الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب. ومثل النفاق فيه كمثل ~~القرحة يمدها القيح والدم. فأى المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه ". # وإننا لهذا نقول إن النفاق فى داخل الإسلام مراتب. وأعلاها أولئك الذين ~~يتملقون الحكام، وينحدرون إلى درجة وضعهم فى مقام النبيين. ومنهم من يذهب ~~به فرط نفاقه، فيفضل بعض عملهم على عمل النبيين، وهؤلاء نتردد فى الحكم ~~بأنهم مسلمون. وقريب منهم الذين يتأولون النصوص من غير حجة فى التأويل. ~~ويعبثون بظواهرها القاطعة لهوى الحكام. ثم بعد هذا الوعيد الشديد ~~للمنافقين فتح - سبحانه - باب التوبة ليدخل فيه كل ms1353 من يريد أن يقلع عن ~~ذنوبه من المنافقين وغيرهم، حتى ينجو من عقابه - سبحانه - فقال { إلا ~~الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله ~~وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين ~~وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما }. أى هذا ~~الجزاء الذى بيناه هو جزاء المنافقين. لكن الذين تابوا منهم عن النفاق، ~~وأصلحوا ما أفسدوا من أقوالهم وأفعالهم { واعتصموا بالله } أى ~~تمسكوا بكتابه، وتركوا موالاة الكافرين { وأخلصوا دينهم لله ~~} بحيث لا يريدون بطاعتهم سوى رضاه ومثوبته، { فأولئك } الذين ~~فعلوا ذلك { مع المؤمنين } الصادقين الذين لم يصدر منهم نفاق. أى ~~معهم فى فضيلة الإيمان الصادق، وما يترتب على ذلك من أجر جزيل. وثواب ~~عظيم. { وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما } لا ~~يقادر قدره، ولا يكتنه كنهه. فقوله { إلا الذين تابوا } ~~استثناء من المنافقين فى قوله { إن المنافقين في الدرك ~~الأسفل من النار }. قال الفخر الرازى ما ملخصه اشترط - سبحانه - ~~فى إزالة العقاب عن المنافقين أمورا أربعة أولها التوبة. وثانيها إصلاح ~~العمل. فالتوبة عبارة عن ترك القبيح، وإصلاح العمل عبارة عن الإقدام على ~~الحسن. وثالثها الاعتصام بالله. وهو أن يكون غرضه من التوبة وإصلاح العمل ~~طلب مرضاة الله. ورابعها الإخلاص بأن يكون طلب مرضاة الله خالصا وأن لا ~~يمتزج به غرض آخر. والإشارة فى قوله { فأولئك مع ~~المؤمنين } تعود إلى الاسم الموصول وهو { الذين } باعتبار ~~اتصافه بما فى حيز الصلة. والمقصود بالمعية فى قوله { مع ~~المؤمنين } التشريف والتكريم بصحبة الأخيار والتعبير " بسوف " ~~لتأكيد وقوع الأمر المبشر به فى المستقبل، وليس لمجرد التسويف الزمانى. # أى وسوف يؤت الله المؤمنين ما وعدهم به إيتاء لا شك فى حصوله ووقوعه. ~~ونكر - سبحانه - الآجر ووصفه بالعظم، للتنويه بشأنه. ولإفادة أنه أجر لا ~~يكتنه كنهه. ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر رحمته بعباده، وفضله عليهم ~~فقال - تعالى - { ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم ~~وآمنتم وكان الله شاكرا عليما }. و { ما } استفهامية. ~~المراد بالاستفهام هنا النفى والإنكار على أبلغ وجه وآكده والجملة ~~الكريمة استئنافية مسوقة لبيان أن مدار تعذيبهم وجودا وعدما إنما هو ms1354 ~~كفرهم ومعاصيهم لا لشئ آخر. والمعنى أى منفعة له - سبحانه - فى عذابكم ~~وعقوبتكم إن شكرتم نعمه، وأديتم حقها، وآمنتم به حق الإيمان؟ لا شك أنه ~~- سبحانه - لا يفعل بكم شيئا من العذاب ما دام الشكر والإيمان واقعين ~~منكم فقد اقتضت حكمته - سبحانه - أن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، بل إنه ~~- سبحانه - قد يتجاوز عن كثير من ذنوب عباده رحمة منه وفضلا. وقد أشار ~~صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله قوله { ما يفعل الله ~~بعذابكم } أيتشفى به من الغيظ؟ أم يدرك به الثأر؟ أم يستجلب به ~~نفعا؟ أم يستدفع به ضررا؟ كما هو شأن الملوك. وهو الغنى المتعالى الذى ~~لا يجوز عليه شئ من ذلك. وإنما هو أمر اقتضته الحكمة أن يعاقب المسئ. فإن ~~قمتم بشكر نعمته وآمنتم به فقد أبعدتم عن أنفسكم استحقاق العذاب. و { ~~ما } فى محصل نصب ب { يفعل } لأن الاستفهام له الصدارة. والباء فى ~~قوله { بعذابكم } سببية متعلقة بيفعل. والاستفهام هنا معناه النفى ~~كما سبق أن أشرنا. وعبر عن النفى بالاستفهام للإشارة إلى أنه - سبحانه - ~~ربت الجزاء على العمل وأنه يجب على كل عاقل أن يدرك أن عدالة الله قد ~~اقتضت أنه - سبحانه - لا يضيع أجر من أحسن عملا، وأن لا يعذب إلا من ~~يستحق العذاب، ويعفو عن كثير من السيئات بفضله ومنته. وقوله { إن ~~شكرتم } جوابه محذوف دل عليه ما تقدم. أى إن شكرتم وآمنتم فما الذى ~~يفعله بعذابكم؟ وقدم الشكر على الإيمان، لأن الشكر سبب فى الإيمان، إذ ~~الإنسان عندما يرى نعم الله، ويتفكر فيها ويقدرها حق قدرها، يسوقه ذلك ~~إلى الإيمان الحق، فالشكر يؤدى إلى الإيمان والإيمان متى رسخ واستقر ~~فى القلب ارتفع بصاحبه إلى أسمى ألوان الشكر وأعظمها. فعطف الإيمان على ~~الشكر من باب عطف المسبب على السبب. وقوله { وكان الله شاكرا ~~عليما } تذييل قصد به تأكيد ما سبق من الله - سبحانه - لا يعذب عباده ~~الشاكرين المؤمنين. أى وكان الله شاكرا لعباده على طاعتهم. # أي مثيبهم ومجازيهم الجزاء الحسن على طاعتهم، عليما ms1355 بجميع أقوالهم ~~وأفعالهم، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه. فالمراد بالشكر منه - سبحانه - ~~مجازاة عباده بالثواب الجزيل على طاعتهم له ووقوفهم عند أمره ونهيه. وسمى ~~- سبحانه - ثواب الطائعين شكرا منه، للتنويه بشأن الطاعة، وللتشريف ~~للمطيع، ولتعليم عباده يشكروا للمحسنين إحسانهم. فمن لا يشكر الناس لا ~~يشكر الله، ورحم الله الإمام ابن القيم حيث يقول # وهو الشكور. فلن يضيع سعيهم لكن يضاعفه بلا حسبان ما للعباد عليه حق ~~واجب هو أوجب الأجر العظيم الشأن كلا ولا عمل لديه بضائع إن كان ~~بالإخلاص والإحسان إن عذبوا فبعدله، أو نعموا فبفضله، والحمد للرحمن # وإلى هنا نرى أن الآيات الكريمة التى بدأت بقوله - تعالى - { بشر ~~المنافقين } قد كشفت عن حقيقة النفاق والمنافقين فى المجتمع ~~الإسلامي، وأماطت اللثام عن طباعهم المعوجة، وأخلاقهم القبيحة، ومسالكهم ~~الخبيثة، وهممهم الساقطة، ومصيرهم الأليم. وذلك لكى يحذرهم المؤمنون، ~~ويتنبهوا إلى مكرهم وسوء صنيعهم. ثم نرى الآيات الكريمة خلال ذلك تفتح ~~باب التوبة للتائبين من المنافقين وغيرهم وتعدهم إن تابوا وأصلحوا ~~واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله بالأجر العظيم. وأخيرا تجئ تلك اللفتة ~~العجيبة المؤثرة العميقة. أخيرا بعد ذكر العقاب المفزع الذى توعد الله به ~~المنافقين، وبعد ذكر الأجر العظيم الذى وعد الله به المؤمنين. أخيرا بعد ~~كل ذلك تجئ الآية الكريمة التى تنفى بأبلغ أسلوب أن يكون هناك عذاب من ~~الله لعباده الشاكرين المؤمنين، لأنه - سبحانه - وهو الغنى الحميد، قد ~~اقتضت حكمته وعدالته أن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، وأنه - سبحانه - ~~سيجازى الشاكرين المؤمنين بأكثر مما يستحقون من خير عميم، ونعيم مقيم، ~~وما أحكم قوله - تعالى - { ما يفعل الله بعذابكم إن ~~شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما } إنها الآية ~~كريمة تخص الناس على أن يقبلوا على ربهم بقلب سليم فيعبدوه حق العبادة، ~~ويطيعوه حق الطاعة لينالوا ثوابه وجزاءه الحسن # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما ~~عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا ~~بعيدا # ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أنه يبغض الجهر بالسوء من القول إلا ms1356 فى أحوال ~~تقتضى ذلك، وتوعد الكافرين به ويرسله بالعذاب المهين، وبشر المؤمنين حق ~~الإيمان بالأجر العظيم فقال - تعالى { لا يحب الله...غفورا ~~رحيما }. ### || [4.148-152] # وقوله - تعالى - { لا يحب الله الجهر بالسوء من ~~القول إلا من ظلم } نهى للمؤمنين عن الاسترسال فى الجهر ~~بالسوء إلا عندما يوجد المقتضى لهذا الجهر. وعدم محبته - سبحانه - لشئ ~~كناية عن غضبه على فاعله وعدم رضاه عنه، والجهر بالقول معناه النطق به فى ~~إعلان، ونشره بين الناس، وإذاعته فيهم فهو يقابل السر والإخفاء. والقول ~~السوء هو الذى يسوء من يقال فيه ويؤذيه فى شرفه، أو عرضه أو غير ذلك مما ~~يلحق به شرا. والمعنى لا يحب الله - تعالى - لأحد من عباده أن يجهر ~~بالأقوال السيئة أو الأفعال السيئة، إلا من وقع عليه الظلم فإنه يجوز له ~~أن يجهر بالسوء من القول فى الحدود التى تمكنه من رفع الظلم عنه دون أن ~~يتجاوز ذلك، كأن يجهر الخصم بما ارتكبه خصمه فى حقه من مآثم. وكأن يذكر ~~المظلوم الظالم بالقول السئ فى المجالس العامة والخاصة متحريا البعد عن ~~الكذب والبهتان. قال القرطبى ما ملخصه والذى يقتضيه ظاهر الآية أن ~~للمظلوم أن ينتصر من ظالمه - ولكن مع اقتصاد - إن كان مؤمنا، فأما أن ~~يقابل القذف بالقذف ونحوه فلا، وإن كان كافرا فأرسل لسانك وادع بما شئت ~~من الهلكة وبكل دعاء كما فعل النبى صلى الله عليه وسلم حيث قال # " اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف ". # وإن كان مجاهرا بالظلم دعا عليه الداعى جهرا، ولم يكن لهذا المجاهر عرض ~~محترم، ولا بدن محترم، ولا مال محترم. وقد روى أبو داود # " عن عائشة أنها قالت سرق لها شئ فجعلت تدعو عليه - أى على السارق - ~~فقال رسول الله صلى الله علي وسلم " لا تسبخى عنه " # أى لا تخففى عنه العقوبة بدعائك عليه. وروى أبو داود - أيضا - عن عمر بن ~~الشريد عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لى الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته " # أى المماطلة من ms1357 القادر على دفع الحقوق لأصحابها ظلم يبيح للناس أن ~~يذكروه بالسوء. وقول السوء بدون مقتض يبغضه الله سواء أكان هذا القول سرا ~~أو جهرا إلا أنه - سبحانه - خص الجهر بالذكر لأنه أشد فحشا، ولأنه أكثر ~~جلبا للعداوة بين الناس، وأشد تأثيرا فى إشاعة الجرائم فى المجتمع، فإن ~~كثرة سماع الناس للكلام السئ. وللقول الماجن، يغرى الكثير منهم بترديد ما ~~سمعوه، وبحكايته فى أول الأمر بشئ من الحياء، ثم لا يلبث هذا الحياء أن ~~يزول بسبب إلف الناس للكثير من الألفاظ النابية، والأقوال السيئة. وأنت ~~تقرأ القرآن فتراه فى عشرات الآيات يأمر أتباعه بالمداومة على النطق ~~بالكلام الطيب حتى تنتشر بينهم المحبة والمودة. # ومن ذلك قوله - تعالى - # وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ~~ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا ~~مبينا # والخلاصة أن الإسلام يحب لأتباعه أن يلتزموا النطق بالكلمة الطيبة، ~~ويكره لهم أن يجهروا بالسوء من القول إلا فى حالة وقوع ظلم عليهم، ففى ~~هذه الحالة يجوز لهم أن يجهروا بالسوء من القول حتى يرتدع الظالم عن ~~ظلمه. والاسثناء فى قوله { إلا من ظلم } استثناء منقطع، فتكون إلا ~~بمعنى لكن. أى لا يحب الله الجهر بالسوء من القول لكن من ظلم له أن يجهر ~~بالسوء لكى يدفع ما وقع عليه من ظلم. ويحتمل أن يكون متصلا فيكون المعنى ~~لا يحب الله الجهر بالسوء من القول من أحد إلا ممن ظلم فإنه يجوز له أن ~~يجهر بالسوء من القول لرفع الظلم عنه فيكون الاستثناء من الفاعل المحذوف ~~وهو - من أحد - أو لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا جهر من ظلم ~~فإنه ليس بخارج عن محبة الله لأن دفع الظلم واجب. فيكون الكلام على تقدير ~~مضاف محذوف. وقوله { وكان الله سميعا عليما } تذييل قصد به ~~التحذير من التعدى فى الجهر المأذون فيه، ووعد للمظلوم بأنه - تعالى - ~~يسمع شكواه ودعاءه، ويعلم ظلم ظالمه. أى وكان الله سميعا لكل ما يسر به ~~المسرون أو يجهر به المجاهرون، عليما بما يدور ms1358 فى النفوس من بواعث ~~وهواجس، وسيجازى كل إنسان بأقواله وأعماله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. ~~ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى، وحض على العفو والصفح وفعل الخير فقال { ~~إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن ~~الله كان عفوا قديرا }. أى إن تظهروا - أيها الناس - { ~~خيرا } من طاعة وبر وقول حسن، وفعل حسن، أو { تخفوه } أى، تخفوا ~~هذا الخير بأن تعملوه سرا { أو تعفوا عن سوء } بأن تصفحوا عمن ~~أساء إليكم، يكافئكم الله - تعالى - على ذلك مكافأة حسنة، ويتجاوز عن ~~خطاياكم، { فإن الله كان عفوا قديرا } أى كثير العفو عن ~~العصاة مع كمال قدرته على مؤاخذتهم ومعاقبتهم فاقتدوا بهذه الصفات ~~الحميدة لتنالوا محبة الله ورضاه. فالآية الكريمة تدعو الناس إلى ~~الإكثار من فعل الخير سواء أكان سرا أو جهرا، كما تدعو إلى العفو عن ~~المسيئين إليهم. قال ابن كثير وفى الحديث الصحيح # " ما نقص مال من صدقة. وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا. وما تواضع أحد ~~لله إلا رفعه الله ". # وقال الفخر الرازى اعلم أن معاقد الخير على كثرتها محصورة فى أمرين صدق ~~مع الحق وخلق مع الخلق. والذى يتعلق بالخلق محصور فى قسمين إيصال نفع ~~إليهم ودفع ضرر عنهم. # فقوله. { إن تبدوا خيرا أو تخفوه } إشارة إلى إيصال النفع ~~إليهم. وقوله { أو تعفوا عن سوء } إشارة إلى فدع الضرر عنهم. ~~فدخل فى هاتين الكلمتين جميع أنواع الخير وأعمال البر. ثم بين - سبحانه - ~~رذائل أهل الكتاب وأباطيلهم وسوء مصيرهم بعد حديثه القريب عن المنافقين.. ~~فقال - تعالى - { إن الذين يكفرون بالله ورسله } ~~بأن يجحدوا وحدانية الله، وينكروا صدق رسله - عليهم الصلاة والسلام - { ~~ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله } أى يريدون أن ~~يفرقوا بين الإيمان بالله - تعالى - وبين الإيمان برسله، بأن يعلنوا ~~إيمانهم بوجود الله - تعالى - وأنه خالق هذا الكون، إلا أنهم يكفرون ~~برسله أو ببعضهم. قال القرطبى نص - سبحانه - على أن التفريق بين الإيمان ~~بالله والإيمان برسله كفر، وإنما كان كفرا لأن الله سبحانه - فرض على ~~الناس أن ms1359 يعبدوه بما شرع لهم على ألسنة الرسل، فإذا جحدوا رسالة الرسل ~~فقد ردوا عليهم شرائعهم ولم يقبلوها منهم، فكانوا ممتنعين من التزام ~~العبودية التى أمروا بالتزامها، فكان كجحد الصانع - سبحانه - وجحد الصانع ~~كفر لما فيه من ترك التزام الطاعة والعبودية. وكذلك التفريق بين رسله فى ~~الإيمان بهم كفر. وقوله - تعالى - { ويقولون نؤمن ببعض ~~ونكفر ببعض } حكاية لما نطقوا به من كفر وجحود. أى. ويقولون على ~~سبيل التبجح والعناد نؤمن ببعض الرسل ونكفر ببعضهم كما قال اليهود نؤمن ~~بموسى والتوراة ونكفر بما وراء ذلك. وكما قال النصارى. نؤمن بعيسى ~~والإنجيل ونكفر بما سوى ذلك. وقوله { ويريدون أن يتخذوا ~~بين ذلك سبيلا } أى ويريدون بقولهم هذا أن يتخذوا بين الإيمان ~~بالبعض والكفر بالبعض طريقا يسلكونه، ودينا يتبعونه مع أنه لا واسطة ~~ببينهما قطعا، لأن الرسل جميعا قد بعثهم الله - تعالى - لدعوة الناس إلى ~~توحيده، وإخلاص العبادة له ونشر مكارم الأخلاق فى الأرض. فمن كفر بواحد ~~منهم كفر بهم جميعا. وقوله { أولئك هم الكافرون حقا ~~وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا } إخبار عن سوء مصيرهم، ~~وشناعة عاقبتهم. أى أولئك الموصوفون بتلك الصفات القبيحة هم الكافرون ~~الكاملون فى الكفر، الراسخون فى ظلماته، وأعتدنا أى وهيأنا وادخرنا ~~للكافرين جميعا عذابا يهينهم ويذلهم جزاء كفرهم وجحودهم. وقوله { حقا ~~} مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله، وعامله محذوف أى أولئك الكافرون حق ذلك ~~حقا. ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف. أى أولئك هم الكافرون كفرا حقا أى ~~كفرا كاملا لا شك فى وقوعه منهم وانغماسهم فيه. هذا هو شأن الكافرين ~~بالله ورسله، وتلك هى عاقبتهم أما المؤمنين الصادقون فقد بشرهم الله ~~بقوله { والذين آمنوا بالله } حق الإيمان وآمنوا { ~~ورسله } جميعا { ولم يفرقوا بين أحد منهم } أى ~~لم يفرقوا فى الإيمان بين رسول ورسول بل آمنوا بهم جميعا. # { أولئك } الذين استقر الإيمان الكامل فى قلوبهم، والذين وصفهم ~~الله - تعالى - بتلك الأوصاف الحميدة { سوف يؤتيهم } الله - ~~تعالى - { أجورهم } التى وعدهم بها { وكان الله غفورا ~~رحيما } أى وكان الله وما زال كثير المغفرة والرحمة ms1360 لمن هذه صفاتهم، ~~وتلك نعوتهم. والتعبير بسوف لتأكيد الأجر الذى وعدهم الله به، وللدلالة ~~على أنه كائن لا محاولة وإن تراخى. وبذلك تكون الآيات الكريمة قد قابلت ~~بين مصير الكافرين ومصير المؤمنين ليقلع الناس عن الكفر والمعاصى، ~~ويستجيبوا لأوامر الله لينالوا رضاه. ثم حكى - سبحانه - جانبا من الأسئلة ~~المتعنتة التى كان اليهود يوجهونها إلى النبى صلى الله عليه وسلم ومن ~~النعم التى أنعم - سبحانه - بها عليهم ومن المنكرات التى قالوها وفعلوها، ~~ومن العقوبات التى عاقبهم الله بها بسبب ظلمهم وفسوقهم.. استمع إلى ~~القرآن وهو يحكى كل ذلك فيقول { يسألك أهل الكتاب...أجرا ~~عظيما }. ### || [4.153-162] # ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى { يسألك أهل الكتاب ~~}.. الخ ذكروا روايات منها ما أخرجه ابن جرير عن محمد بن كعب القرظى قال ~~جاء أناس من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد، إن ~~موسى جاء بالألواح من عند الله، فأتنا أنت بالألواح من عند الله حتى ~~نصدقك. فأنزل الله - تعالى - { يسألك أهل الكتاب }. إلى قوله ~~{ وقولهم على مريم بهتانا عظيما } وعن السدى قالت ~~اليهود يا محمد، إن كنت صادقا فأتنا بكتاب من السماء كما جاء به موسى. ~~وعن قتادة أنهم سألوه أن ينزل على رجال منهم بأعيانهم كتبا، تأمر بتصديقه ~~واتباعه. والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود خاصة، بدليل سياق الأيات ~~الكريمة التى ذكرت أوصافا تنطبق عليهم، وبدليل ما ذكرناه فى سبب نزول ~~الآيات. والمعنى يسألك اليهود يا محمد على سبيل التعنت والعناد، أن تنزل ~~عليهم كتابا من السماء مكتوبا جملة كما جاء موسى لآبائهم بالتوراة مكتوبة ~~فى الألواح جملة. أو يسألونك أن تنزل على رجال منهم بأعيانهم كتبا من ~~السماء تأمرهم بتصديقك، وسؤالهم هذا مقصدهم من ورائه التعنت والجحود، ولو ~~كانوا يريدون الإيمان حقا لما وجهوا إليك هذه الأسئلة المتعنتة لأن ~~الأدلة القاطعة قد قامت على صدقك. وعبر بالمضارع فى قوله { يسألك } ~~لقصد استحضار حالتهم العجيبة فى هذا السؤال، حتى لكأن السامع يراهم، ~~وللدلالة على تكرار أسئلتهم وتجددها المرة تلو الأخرى ms1361 بدون حياء أو خجل. ~~وقوله { فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا ~~أرنا الله جهرة } بيان للون من رذائلهم وقبائحهم، وتسلية ~~للرسول صلى الله عليه وسلم عما لحقه منهم من أذى وسوء أدب. والفاء فى ~~قوله { فقد سألوا } معطوفة على جملة محذوفة والتقدير لا تبتئس يا ~~محمد من أقوال هؤلاء اليهود، ولا تهتم بأسئلتهم، فتلك سنشنة قديمة معروفة ~~عن آبائهم، فقد سأل آباؤهم موسى أسئلة أكبر من ذلك فقالوا له أرنا الله ~~جهرة أى رؤية ظاهرة بحيث نعاينه ونشاهده بأبصارنا ويطلب إلينا الإيمان ~~بك. ويصح أن تكون الفاء واقعة فى جواب شرط مقدر، وإليه أشار صاحب الكشاف ~~بقوله { فقد سألوا موسى أكبر من ذلك } ، جواب لشرط ~~مقدر معناه إن استكبرت ما سألوك فقد سألوا موسى أكبر من ذلك وإنما أسند ~~السؤال إليهم وإن وجد من آبائهم فى أيام موسى وهم النقباء السبعون لأنهم ~~كانوا على مذهبهم، وراضين بسؤالهم. ومضاهين لهم فى التعنت. أى أن حاضر ~~هؤلاء اليهود الذين يعيشون معك يا محمد كماضى آبائهم الأقدمين، وأخلاق ~~الأبناء صورة من أخلاق الآباء، وجميعهم لا يبغون من سؤالهم الاهتداء إلى ~~الحق وإنما يبغون إعنات الرسل - عليهم الصلاة والسلام - والإساءة إليهم. # والفاء فى قوله { فقالوا أرنا الله جهرة } تفسيرية كما ~~فى قولهم توضأ فغسل وجهه. وقوله { جهرة } من الجهر الذى هو ضد ~~الإخفاء. يقال جهر البئر - كمنع - واجتهرها، إذا أظهر ماءها. وجهر الشئ ~~كشفه، وجهر الرجل رآه بلا حجاب. أى أرنا الله جهارا عيانا بحاسة البصر ~~فيكون قوله { جهرة } مفعولا مطلقا، لأن لفظ { جهرة } نوع من مطلق ~~الرؤية فيلاقى عامله فى الفعل. ويصح أن يكون حالا من المفعول الأول أى ~~أرنا الله مجاهرين معاينين وقوله { فأخذتهم الصاعقة ~~بظلمهم } بيان للعقوبة التى حلت بهم نتيجة سوء أدبهم وجرأتهم على ~~خالقهم وعلى أنبيائهم. والصاعقة - كما يقول ابن جرير - كل أمر هائل رآه ~~الرائى أو عاينه أو أصابه، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب ~~وذهاب عقل صوتا كان ذلك أو نارا أو زلزلة ms1362 أو رجفة. وقال الراغب الصاعقة ~~على ثلاثة أوجه الموت كقوله # فصعق من في السماوات ومن في الأرض # والعذاب كقوله # أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود # والنار كقوله # ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشآء # وما ذكره - سبحانه إنما هى أشياء حاصلة من الصاعقة فإن الصاعقة هى الصوت ~~الشديد فى الجو، ثم يكون منه نار فقط، أو عذاب، أو موت، وهى فى ذاتها شئ ~~واحد. وهذه الأشياء تأثيرات منها. ويبدو أن المراد بالصاعقة هنا ذلك ~~الصوت الشديد المجلجل المزلزل المصحوب بنار هائلة، والذى كان من آثاره أن ~~صعقوا أى خروا مغشيا عليهم أو هلكوا، بسبب ظلمهم وعنادهم وفسوقهم عن أمر ~~الله. وقوله { ثم اتخذوا العجل من بعد ما جآءتهم ~~البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا ~~مبينا } بيان لنوع ثالث من جرائمهم، ولمظهر من مظاهر رحمة الله بهم. ~~أى أن هؤلاء الذين سألوا موسى رؤية الله جهرة، أخذتهم الصاعقة عقوبة لهم ~~على ظلمهم، لم يرتدعوا ولم ينزجروا، بل لجوا فى طغيانهم وضلالهم فاتخذوا ~~العجل معبودا لهم من دون الله { من بعد ما جآءتهم ~~البينات } أى من بعد ما جاءتهم الدلائل القاطعة على وحدانية الله ~~وصدق أنبيائه. وقوله { فعفونا عن ذلك } أى. عفونا عن اتخاذهم ~~العجل إلها بعد أن تابوا وأقلعوا عن عبادته، لأن التوبة تجب ما قبلها. ~~وقوله. { وآتينا موسى سلطانا مبينا } أى. أعطينا موسى ~~بفضلنا ومنتنا حججا بينات ومعجزات باهرات، وقوة وقدرة على الانتصار على ~~من خالفه و ثم فى قوله. { ثم اتخذوا العجل } للتراخى الرتبى ~~لأن اتخاذهم العجل إلها أعظم جرما مما حكاه الله عنهم من جرائم قبل ذلك. ~~وقوله { من بعد ما جآءتهم البينات } بيان لفرط ضلالهم ~~وانطماس بصيرتهم، لأنهم لم يعبدوا العجل عن جهالة، وإنما عبدوه من بعد ما ~~وصلت إلى أسماعهم وعقولهم الدلائل الواضحة وعلى وحدانية الله، وعلى أن ~~عبادة العجل لا يقدم عليها إنسان فيه شئ من التعقل وحسن الإدراك. # واسم الإشارة فى قوله { فعفونا عن ذلك } يعود إلى اتخاذ العجل ~~معبودا من دون الله. والجملة ms1363 الكريمة حض لليهود المعاصرين للعهد النبوى ~~على الدخول فى الإسلام فإنهم متى فعلوا ذلك غفر الله لهم ما سلف من ~~ذنوبهم كما غفر لآبائهم بعد أن تابوا من عبادة العجل. هذا، وما حكته هذه ~~الآية الكريمة من جرائم بنى إسرائيل بصورة مجملة قد جاء مفصلا فى مواطن ~~أخرى ومن ذلك قوله - تعالى - # وإذ قال موسى لقومه ياقوم إنكم ظلمتم ~~أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم ~~فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم ~~فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم وإذ قلتم ~~ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ~~فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم ~~من بعد موتكم لعلكم تشكرون # ثم بين - سبحانه - لونا آخر من عنادهم وجحودهم فقال { ورفعنا ~~فوقهم الطور بميثاقهم }. قال ابن كثير وذلك أنهم حين ~~امتنعوا عن الالتزام بأحكام التوراة، وظهر منهم إباء عما جاء به موسى - ~~عليه السلام - رفع الله على رءوسهم جبلا. ثم ألزموا فالتزموا، وسجدوا، ~~وجعلوا ينظرون إلى ما فوق رءوسهم خشية أن يسقط عليهم. كما قال - تعالى - # وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا ~~أنه واقع بهم خذوا مآ ءاتينكم بقوة # الآية. وقوله - تعالى - { وقلنا لهم ادخلوا الباب ~~سجدا } أى وقلنا لهم على لسان أنبيائهم ادخلوا باب القرية التى ~~أمرناكم بدخولها ساجدين لله، أى ادخلوها متواضعين خاضعين لله، شاكرين له ~~فضله وكرمه، ولكنهم خالفوا ما أمرهم الله مخالفة تامة. والمراد بالقرية ~~التى أمرهم الله بدخول بابها ساجدين قيل هى بيت المقدس وقيل إيلياء، وقيل ~~أريحاء. وقد أبهمها الله - تعالى - لأنه لا يتعلق بذكرها مقصد أو غرض. ~~ولم يرد فى السنة الصحيحة بيان لها. وقد تحدث القرآن عن قصة أمرهم بدخول ~~هذه القرية ساجدين بصورة أكثر تفصيلا فى سورتى البقرة والأعراف، فقال - ~~تعالى - فى سورة البقرة # وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها ~~حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا ~~حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين ~~فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم ~~فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السمآء بما ~~كانوا يفسقون ms1364 # وقوله { وقلنا لهم لا تعدوا في السبت } أى وقلنا لهم ~~كذلك لا تتجاوزوا الحدود التى أمركم الله بالتزامها فى يوم السبت والتى ~~منها ألا تصطادوا فى هذا اليوم، ولكنهم خالفوا أمر الله، وتحايلوا على ~~استحلال محارمه. وقصة اعتداء اليهود على محارم الله فى يوم السبت قد جاء ~~ذكرها فى كثير من آيات القرآن الكريم. ومن ذلك قوله - تعالى - فى سورة ~~البقرة # ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت ~~فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين فجعلناها نكالا ~~لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين # وقال - تعالى - فى سورة الأعراف # وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ~~إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم ~~سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك ~~نبلوهم بما كانوا يفسقون # وقوله { وأخذنا منهم ميثاقا غليظا } أى وأخذنا منهم ~~عهدا مؤكدا كل التأكيد، وموثقا كل التوثيق، بأن يعملوا بما أمرهم الله ~~به، ويتركوا ما نهاهم عنه. ولكنهم نقضوا عهودهم، وكفروا بآيات الله، ~~ونبذوها وراء ظهورهم. وأضاف - سبحانه - الأخذ إلى ذاته الكريمة تقوية ~~لأمر هذا الميثاق، وتنويها بشأنه وإشعارا بوجوب الوفاء به لأن ما أخذه ~~الله على عباده من مواثيق من واجبهم أن يفوا بها إذ هو - سبحانه - وحده ~~سيجازيهم على نكثهم ونقضهم لعهودهم. ووصف - سبحانه - الميثاق الذى أخذه ~~عليهم بالغلظ أى بالشدة والقوة لأنه كان قويا فى معناه وفى موضعه وفى كل ~~ما اشتمل عليه من أوامر ونواه وأحكام، ولأن نفوسهم كانت منغمسة فى الجحود ~~والعناد فكان من المناسب لها تأكيد العهد وتوثيقه لعلها ترعوى عن ضلالها ~~وفسوقها عن أمر الله. ثم عدد - سبحانه - ألونا أخرى من جرائمهم التى ~~عقابهم عليها شديدا فقال - تعالى - { فبما نقضهم ميثاقهم ~~وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبيآء بغير حق ~~وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها ~~بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا }. والفاء فى قوله { ~~فبما نقضهم ميثاقهم } للتفريع على ما تقدم من قوله { ~~وأخذنا منهم ميثاقا غليظا } والباء للسببية، وما هنا ~~مزيدة لتأكيد نقضهم للميثاق. والجر والمجرور متعلق بمحذف لتذهب نفس ~~السامع ms1365 فى تقديره كل مذهب فى التهويل والتشنيع على هؤلاء الناقضين ~~لعهودهم مع الله - تعالى - فيكون المعنى فبسبب نقض هؤلاء اليهود لعهودهم ~~وبسبب كفرهم بآياتنا، وبسبب قتلهم لأنبيائنا، وبسبب أقوالهم الكاذبة. ~~بسبب كل ذلك فعلنا بهم ما فعلنا من أنواع العقوبات الشديدة، وأنزلنا بهم ~~ما أنزلنا من ظلم ومهانة وصغار ومسخ....الخ. ويرى بعضهم أن الجار ~~والمجرور متعلق بقوله - تعالى - بعد ذلك { حرمنا عليهم ~~طيبات أحلت لهم }... أى فبسبب نقضهم للميثاق. وكفرهم بآيات ~~الله حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم. قال الفخر الرازى واعلم أن القول الأول ~~أولى ويدل عليه وجهان أحدهما أن الكلام طويل جدا من قوله { فبما ~~نقضهم ميثاقهم } إلى قوله { فبظلم من الذين ~~هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم }. الثانى ~~أن تلك الجنايات المذكورة بعد قوله - تعالى - { فبما نقضهم ~~ميثاقهم } عظيمة جدا. لأن كفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء، ~~وإنكارهم للتكليف بقولهم قلوبنا غلف، أعظم الذنوب، وذكر الذنوب العظيمة، ~~إنما يليق أن يفرع عليه العقوبة العظيمة، وتحريم بعض المأكولات عقوبة ~~خفيفة فلا يحسن تعليقه بتلك الجنايات الكبيرة ". # فأنت ترى أن الله - تعالى - قد لعن بنى إسرائيل كما جاء فى قوله - تعالى ~~- # فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم # ومسخهم قردة وخنازير كما جاء فى قوله - تعالى # فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا ~~قردة خاسئين # وكما فى قوله - تعالى - # هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من ~~لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة ~~والخنازير وعبد الطاغوت # وتلك العقوبات كلها إنما كانت بسبب الجنايات والمنكرات التي سجلتها ~~عليهم الآيات القرآنية والتى من أجمعها هذه الآيات التى معنا. فالآيات ~~التى معنا تسجل عليهم نقضهم للمواثيق، ثم تسجل عليهم - ثانيا - كفرهم ~~بآيات الله. وقد عطف - سبحانه - كفرهم بآياته على نقضهم للميثاق الذى ~~أخذه عليهم مع أن ذلك الكفر من ثمرات النقض، للإشعار بأن النقض فى ذاته ~~إثم عظيم والكفر فى ذاته إثم عظيم - أيضا - من غير التفات إلى أن له ~~سببا أو ليس له سبب. وسجل عليهم - ثالثا - قتلهم الأنبياء بغير حق. فقد ms1366 ~~قتلوا زكريا ويحيى وغيرهما من رسل الله - تعالى -. ولا شك أن قتل ~~الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يدل على شناعة جريمة من قتلهم وعلى ~~توغله فى الجحود والعناد والفجور إلى درجة تعجز العبارات عن وصفها، لأنه ~~بقتله للدعاة إلى الحق، لا يريد للحق أن يظهر ولا للفضيلة أن تنتشر، ولا ~~للخير أن يسود، وإنما يريد أن تكون الأباطيل والرذائل والشرور هى السائدة ~~فى الأرض. وقوله { بغير حق } ليس قيدا لأن قتل النبيين لا يكون ~~بحق أبدا، وإنما المراد من قوله { بغير حق } بيان أن هؤلاء ~~القاتلين قد بلغوا النهاية فى الظلم والفجور والتعدى.لأنهم قد قتلوا ~~أنبياء الله بدون أى مسوغ يسوغ ذلك، وبدون أية شبهة تحملهم على ارتكاب ما ~~ارتكبوا، وإنما فعلوا ما فعلوا لمجرد إرضاء أحقادهم وشهواتهم وأهوائهم... ~~وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى قوله فإن قلت وقتل الأنبياء لا يكون ~~إلا بغير الحق فما فائدة ذكره؟ قلت. معناه أنهم قتلوهم بغير حق عندهم - ~~ولا عند غيرهم -، لأنهم لم يقتلوا ولا أفسدوا فى الأرض فيقتلوا. وإنما ~~نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم. فلو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم لم ~~يذكروا وجها يستحقون به القتل. ثم سجل عليهم - رابعا - قولهم { ~~قلوبنا غلف }. وقوله { غلف } جمع أغلف - كحمر جمع أحمر - والشئ ~~الأغلف هو الذى جعل عليه شىء يمنع وصول شئ آخر إليه. والمعنى أن هؤلاء ~~الجاحدين قد قالوا عندما دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الحق إن ~~قلوبنا قد خلقها الله مغطاة بأغطية غليظة، وهذه الأغطية جعلتنا لا نعى ~~شيئا مما تقوله يا محمد، ولا نفقه شيئا مما تدعونا إليه، فهم بهذا الكلام ~~الذى حكاه القرآن عنهم، يريدون أن يتنصلوا من مسئوليتهم عن كفرهم، لأنهم ~~يزعمون أن قلوبهم قد خلقها الله بهذه الطريقة التى حالت بينهم وبين فهم ~~ما يراد منهم. # وقريب من هذا قوله - تعالى - حكاية عن المشركين # وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي ~~آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا ~~عاملون # وقيل إن قوله وغلف جمع ms1367 غلاف - ككتب وكتاب - وعليه يكون المعنى أنهم ~~قالوا إن قلوبنا غلف أى أوعية للعلم شأنها فى ذلك شأن الكتب، فلا حاجة ~~بنا يا محمد إلى ما تدعونا إليه، لأننا عندنا ما يكفينا. والذى يبدو لنا ~~أن التأويل الأول أولى، لأنه أقرب إلى سياق الآية، فقد رد الله عليهم ~~بقوله { بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون ~~إلا قليلا }. والطبع معناه. إحكام الغلق على الشئ وختمه بحيث لا ~~ينفذ إليه شئ آخر. والمعنى أن هؤلاء القائلين إن قلوبهم غلف كاذبون فيما ~~يقولون، وتخليهم عن مسئولية الكفر ليس صحيحا. لأن كفرهم ليس سببه أن ~~قلوبهم قد خلقت مغطاة بأغطية تحجب عنها إدراك الحق - كما يزعمون - بل ~~الحق أن الله - تعالى - ختم عليها، وطمس معالم الحق فيها، بسبب كفرهم ~~وأعمالهم القبيحة. فهو - سبحانه - قد خلق القلوب على الفطرة، بحيث تتمكن ~~من اختيار الخير والشر، إلا أن هؤلاء اليهود قد أعرضوا عن الخير إلى ~~الشر، واختاروا الكفر على الإيمان نتيجة انقيادهم لأهوائهم وشهواتهم. ~~فالله - تعالى - طبع على قلوبهم بسبب إيثارهم سبيل الغى على سبيل الرشد، ~~فصاروا لا يؤمنون إلا إيمانا قليلا لا قيمة له عند الله - تعالى -. فقوله ~~{ إلا قليلا } نعت لمصدر محذوف أى إلا إيمانا قليلا. كإيمانهم ~~بنبوة موسى - عليه السلام - وإنما كان إيمانهم هذا لا قيمة له عند الله، ~~لأن الإيمان ببعض الأنبياء والكفر ببعضهم، يعتبره الإسلام كفرا بالكل ~~كما سبق أن بينا فى قوله - تعالى - # إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن ~~يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ~~ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك ~~سبيلا أولئك هم الكافرون حقا # ومنهم من جعل قوله { إلا قليلا } صفة لزمان محذوف أى فلا يؤمنون ~~إلا زمانا قليلا. ومنهم من جعل الاستثناء فى قوله { إلا قليلا } من ~~جماعة اليهود المدلول عليهم بالواو فى قوله { فلا يؤمنون } أى فلا ~~يؤمنون إلا عددا قليلا منهم كعبد الله بن سلام وأشباهه. والجملة الكريمة ~~وهى قوله { طبع الله عليها بكفرهم } معترضة بين الجمل ~~المتعاطفة. وقد جئ بها ms1368 للمسارعة إلى رد مزاعمهم الفاسدة، وأقاربهم ~~الباطلة. # ثم سجل عليهم - خامسا وسادسا - جريمتين شنيعتين فقال { وبكفرهم ~~وقولهم على مريم بهتانا عظيما }. والمراد بالكفر هنا ~~كفرهم بعيسى - عليه السلام - وهو غير الكفر المذكور قبل ذلك فى قوله { ~~طبع الله عليها بكفرهم } لأن المراد به هنا مطلق الجحود ~~الذى لا يجعل الشخص يستقر على شئ، فهو إنكار مطلق للحق. وقد أشار إلى هذا ~~المعنى الآلوسى بقوله وقوله { بكفرهم } عطف على { بكفرهم } ~~الذى قبله - وهو قوله - تعالى - { بل طبع الله عليها ~~بكفرهم } - ولا يتوهم أنه من عطف الشئ على نفسه ولا فائدة فيه، لأن ~~المراد بالكفر المعطوف الكفر بعيسى. والمراد بالكفر المعطوف عليه إما ~~الكفر المطلق. أو الكفر بمحمد - صلى الله عليه وسلم - لاقترانه بقوله - ~~تعالى - { قلوبنا غلف }. وقد حكى الله عنهم هذه المقالة فى ~~مواجهتهم له - عليه الصلاة والسلام - فى مواضع. ففى العطف إيذان بصلاحية ~~كل من الكفرين للسببية ويجوز ان يكون قوله { بكفرهم } معطوف على ~~قوله { فبما نقضهم }. والبهتان هو الكذب الشديد الذى لا تقبله ~~العقول، بل يحيرها ويدهشها لغرابته وبعده عن الحقيقة. يقال بهت فلان ~~فلانا، إذا قال فيه قولا يدهشه ويحيره لغرابته وشناعته فى الكذب ~~والافتراء. والمعنى إن من أسباب لعن اليهود وضرب الذلة والمسكنة عليهم، ~~كفرهم بعيسى - عليه السلام -، وهو الرسول المبعوث إليهم ليهديهم إلى الحق ~~وإلى الطريق المستقيم. وافتراؤهم الكذب على مريم أم عيسى، ورميهم لها بما ~~هى بريئة منه، وغافلة عنه، فقد اتهموها بالفاحشة لولادتها لعيسى من غير ~~أب. وقد برأها الله - تعالى - مما نسبوه إليها. فى قوله - تعالى # ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها ~~فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها ~~وكتبه وكانت من القانتين # وقوله { بهتانا } منصوب على أنه مفعول به لقوله - تعالى - { ~~وقولهم } ، فإنه متضمن معنى كلام نحو قلت خطبة وشعرا. ويجوز أن ~~يكون نعتا لمصدر محذوف، أى وبفكرهم وقولهم على مريم قولا بهتانا. أو هو ~~مصدر فى موضع الحال أى مباهتين. ووصفه بالعظم لشناعته وبلوغه النهاية فى ~~الكذب والافتراء. ثم سجل عليهم ms1369 بعد ذلك رذيلة سابعة ورد عليهم بما يخرس ~~ألسنتهم، ويفضحهم على رءوس الأشهاد فى كل زمان ومكان فقال { وقولهم ~~إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ~~وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم } والمسيح لقب ~~تشريف وتكريم لعيسى - عليه السلام - قيل لقب بذلك لأنه ممسوح من كل خلق ~~ذميم. وقيل لأنه مسح بالبركة كما فى قوله - تعالى - # وجعلني مباركا أين ما كنت # وقيل لأن الله مسح عنه النذوب. أى وبسبب قولهم على سبيل التبجح والتفاخر ~~إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله، لعنهم الله وغضب عليهم، كما ~~لعنهم وغضب عليهم - أيضا - بسبب جرائمهم السابقة. # وهذا القول الذى صدر عنهم هو فى ذاته جريمة لأنهم قالوه على سبيل التبجح ~~والتفاخر لقتلهم - فى زعمهم - نبيا من أنبياء الله، ورسولا من أولى العزم ~~من الرسل. وقولهم هذا وإن كان يخالف الحقيقة والواقع، إلا أنه يدل على ~~أنهم أرادوا قتله فعلا، وسلكوا كل السبل لبلوغ غايتهم الدنيئة، فدسوا ~~عليه عند الرومان، ووصفوه بالدجل والشعوذة، وحاولوا أن يسلموه لأعدائه ~~ليصلبوه، بل زعموا أنهم أسلموه فعلا لهم، ولكن الله - تعالى - خيب سعيهم، ~~وأبطل مكرهم، وحال بينهم وبين ما يشتهون، حيث نجى عيسى - عليه السلام - ~~من شرورهم، ورفعه إليه دون أن يمسه سوء منهم. ولا شك أن ما صدر عن اليهود ~~فى حق عيسى - عليه السلام - من محاولة قتله، واتخاذ كل وسيلة لتنفيذ ~~غايتهم، ثم تفاخرهم بأنهم قتلوه وصلبوه، لا شك أن كل ذلك يعتبر من أكبر ~~الجرائم لأنه من المقرر فى الشرائع والقوانين أن من شرع فى ارتكاب جريمة ~~من الجرائم واتخذ كل الوسائل لتنفيذها، ولكنها لم تتم لأمر خارج عن ~~إرادته، فإنه يعد من المجرمين الذين يستحقون العقاب الشديد. واليهود قد ~~اتخذوا كافة الطرق لقتل عيسى - عليه السلام - كما بينا -، ولكن حيل بينهم ~~وبين ما يشتهون لأسباب خارجة عن طاقتهم. ومعنى هذا أنه لو بقيت لهم أية ~~وسيلة لإتمام جريمتهم النكراء لما تقاعسوا عنها، ولأسرعوا فى تنفيذها ~~فهم يستحقون عقوبة المجرم فى تفكيره، ms1370 وفى نيته، وفى شروعه الأثيم، ~~لارتكاب ما نهى الله عنه. قال صاحب الكشاف فإن قلت كانوا كافرين بعيسى - ~~عليه السلام - أعداء له، عامدين لقتله، يسمونه الساحر ابن الساحرة، ~~والفاعل ابن الفاعلة، فيكف قالوا { إنا قتلنا المسيح عيسى ~~ابن مريم رسول الله }؟ قلت قالوه على وجه الاستهزاء، كقول ~~فرعون # إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون # ويجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح فى الحكاية عنهم، رفعا ~~لعيسى عما كانوا يذكرونه به، وتعظيما لما أرادوا بمثله كقوله # ليقولن خلقهن العزيز العليم الذي جعل لكم ~~الأرض مهدا # وقوله - تعالى - { وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه ~~لهم } رد على مزاعمهم الكاذبة، وأقاويلهم الباطلة التى تفاخروا بها ~~بأنهم قتلوا عيسى - عليه السلام -. أى إن ما قاله اليهود متفاخرين به، ~~وهو زعمهم أنه قتلوا عيسى - عليه السلام -، هو من باب أكاذيبهم المعروفة ~~عنهم فإنهم ما قتلوه، وما صلبوه ولكن الحق أنهم قتلوا رجلا آخر يشبه عيسى ~~- عليه السلام - فى الخلقة فظنوه إياه وقتلوه وصلبوه، ثم قالوا. إنا ~~قتلنا المسيح ابن مريم رسول الله. # قال الفخر الرازى قوله { شبه } مسند إلى ماذا؟ إن جعلته مسندا إلى ~~المسيح فهو مشبه به وليس بمشبه. وإن أسندته إلى المقتول فالمقتول لم يجر ~~له ذكر؟ والجواب من وجهين الأول أنه مسند إلى الجار والمجرور. وهو كقولك ~~خيل إليه. كأنه قيل ولكن وقع لهم الشبه. الثانى أن يسند إلى ضمير ~~المقتول، لأن قوله { وما قتلوه } يدل على أنه وقع القتل على غيره ~~فصار ذلك الغير مذكورا بهذا الطريق فحسن إسناد { شبه } إليه. وقال ~~فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف قوله { وما قتلوه وما صلبوه } ~~زعم أكثر اليهود أنهم قتلوا المسيح وصلبوه، فأكذبهم الله - تعالى - فى ~~ذلك وقال { ولكن شبه لهم }. أى شبه لهم المقتول بأن ألقى ~~عليه شبه المسيح فلما دخلوا عليه ليقتلوه - أى ليقتلوا المسيح - وجدوا ~~الشبيه فقتلوه وصلبوه، يظنونه المسيح وما هو فى الواقع، إذ قد رفع الله ~~عيسى إلى السماء، ونجاه من شر الأعداء. وقيل المعنى ولكن التبس ms1371 عليهم ~~الأمر حيث ظنوا المقتول عيسى كما أوهمهم بذلك أحبارهم. هذا، وللمفسرين فى ~~بيان كيفية التشبيه لهم وجوه من أهمها اثنان الأول أن الله - تعالى - ~~ألقى شبه عيسى - عليه السلام - على أحد الذين خانوه ودبروا قتله وهو ~~يهوذا الإسخربوطى الذى كان عينا وجاسوسا على المسيح، والذى أرشد الجند ~~الذين أرادوا قتله إلى مكانه، وقال لهم من أقبله أمامكم يكون هو المسيح، ~~فاقبضوا عليه لتقتلوه، فدخل بيت عيسى ليدلهم عليه ليقتلوه فرفع الله ~~عيسى، وألقى شبهه على المنافق، فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون أنه عيسى. ~~وهذا الوجه قد جاء مفصلا فى بعض الأناجيل وأشار إليه الآلوسى بقوله كان ~~رجل من الحواريين ينافس عيسى - عليه السلام - فلما أرادوا قتله قال أنا ~~أدلكم عليه، وأخذ على ذلك ثلاثين درهما، فدخل بيت عيسى - عليه السلام - ~~فرفع الله عيسى، وألقى شبهه على المنافق، فدخلوا عليه فتقوله، وهم يظنون ~~أنه عيسى. الثانى أن الله - تعالى - القى شبه المسيح على أحد تلاميذه ~~المخلصين حينا أجمعت اليهود على قتله، فأخبره الله بأنه سيرفعه إليه، ~~فقال لأصحابه أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهى فيقتل ويصلب ويدخل الجنة؟ فقال ~~رجل منهم أنا. فألقى الله صورة عيسى عليه، فقتل ذلك الرجل وصلب. وقد أطال ~~الإمام ابن كثير فى ذكر الروايات التى تؤيد هذا الوجه، ومنها قوله عن ~~ابن عباس قال لما أراد الله - تعالى - أن يرفع عيسى إلى السماء، خرج على ~~أصحابه وفى البيت اثنا عشر رجلا من الحواريين فقال لهم إن منكم من يكفر ~~بعدى اثنتى عشرة مرة بعد أن آمن بى. قال ثم قال أيكم يلقى عليه شبهى ~~فيقتل مكانى، ويكون معى فى درجتى؟ فقام شاب من أحدثهم سنا. # فقال له اجلس. ثم أعاد عليهم. فقام ذلك الشاب. فقال له اجلس. ثم أعاد ~~عليهم. فقام ذلك الشاب. فقال أنا. فقال له عيسى، هو أنت ذاك. فألقى عليه ~~شبه عيسى. ورفع عيسى من روزنة فى البيت إلى السماء. قال وجاء الطلب من ~~اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه، فكفر به ms1372 بعضهم اثنتى عشرة مرة بعد ~~أن آمن. قال ابن كثير وهذا إسناد صحيح عن ابن عباس، ورواه النسائى عن أبى ~~كريب عن أبى معاوية، وقال غير واحد من السلف أنه قال لهم. أيكم يلقى عليه ~~شبهى فيقتل مكانى وهو رفيقى فى الجن...؟. والذى يجب اعتقاده بنص القرآن ~~الكريم أن عيسى - عليه السلام لم يقتل ولم يصلب، وإنما رفعه الله إليهم، ~~ونجاه من مكر أعدائه، أما الذى قتل وصلب فهو شخص سواه. ثم قال - تعالى - ~~{ وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم ~~به من علم إلا اتباع الظن }. أى وإن الذين اختلفوا فى ~~شأن عيسى من أهل الكتاب لفى شك دائم من حقيقة أمره. أى فى حيرة وتردد، ~~ليس عندهم علم ثابت قطعى فى شأنه، أو فى شأن قتله، ولكنهم لا يتبعون فيما ~~يقولونه عنه إلا الظن الذى لا تثبت به حجة. ولا يقوم عليه برهان. ولقد ~~اختلف أهل الكتاب فى شأن عيسى اختلافا كبيرا. فمنهم من زعم أنه ابن ~~الله. وادعى أن فى عيسى عنصرا إليها مع العنصر الإنسانى. وأن الذى ولدته ~~مريم هو العنصر الإنسانى. ثم أفاض عليه بعد ذلك العنصر الإلهى. ومنهم ~~من قال إن مريم ولدت العنصرين معا. ولقد اختلفوا فى أمر قتله. فقال بعض ~~اليهود إنه كان كاذبا فقتلناه قتلا حقيقا، وتردد آخرون فقالوا إن كان ~~المقتول عيسى فأين صاحبنا. وإن كان المقتول صاحبنا فأين عيسى؟ وقال آخرون ~~الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا. إلى غير ذلك من خلافاتهم التى لا ~~تنتهى حول حقيقة عيسى وحول مسألة قتله وصلبه. فالمراد بالموصول فى قوله { ~~وإن الذين اختلفوا } ما يعم اليهود والنصارى جميعا. والضمير ~~فى قوله فيه يعود إلى عيسى - عليه السلام -. وقوله { منه } جار مجرور ~~متعلق بمحذوف صفة الشك. قال الآلوسى وأصل الشك أن يستعمل فى تساوى ~~الطرفين، وقد يستعمل فى لازم معناه وهو التردد مطلقا، وإن لم يترجح أحد ~~طرفيه وهو المراد هنا. ولذا أكده بنفى العلم الشامل لذلك أيضا بقوله - ~~سبحانه - { ما لهم ms1373 به من علم إلا اتباع الظن }. ~~وقوله { إلا اتباع الظن } الراجح أن الاستثناء فيه منقطع، أى ~~مالهم به من علم لكنهم يتبعون الظن. وقيل هو متصل، لأن العلم والظن ~~يجمعهما مطلق الإدراك. قال صاحب الكشاف فإن قلت قد وصفوا بالشك والشك أن ~~لا يترجح أحد الجائزين. # ثم وصفوا بالظن والظن أن يترجح أحدهما فيكف يكونون شاكين ظانين؟ قلت ~~أريد أنهم شاكون ما لهم من علم قط، ولكن إن لاحت لهم إمارة ظنوا. ولم ~~يرتض هذا الجواب صاحب الانتصاف فقال وليس فى هذا الجواب شفاء الغليل. ~~والظاهر - والله أعلم - أنهم كانوا أغلب أحوالهم الشك فى أمرهم والتردد، ~~فجاءت العبارة الأولى على ما يغلب من حالهم، ثم كانوا لا يخلون من ظن فى ~~بعض الأحوال وعنده يقفون لا يرتفعون إلى العلم فيه البتة. وكيف يعلم الشئ ~~على خلاف ما هو به؟ فجاءت العبارة الثانية على حالهم النادرة فى الظن ~~نافية عنهم ما يترقى عن الظن. وقوله { وما قتلوه يقينا بل ~~رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما } تأكيد ~~لنجاة عيسى مما يزعمونه من قتلهم له، وبيان لما أكرمه الله به من رعاية ~~وتشريف. واليقين هو العلم الجازم الذى لا يحمتل الشك والضمير فى قوله { ~~وما قتلوه } لعيسى. وقوله { يقينا } ذكر النحاة فى إعرابه وجوها ~~من أشهرها أنه نعت لمصدر محذوف مأخوذ من لفظ قتلوه أى ما قتلوه قتلا ~~يقينا، أى متيقنين معه من أن المقتول عيسى عليه السلام - وهذا فيه ترشيح ~~للاختلاف والشك الذى اعتراهم. أو هو حال مؤكدة لنفى القتل. أى انتفى ~~قتلهم إياه إنتفاء يقينا. فاليقين منصب على النفى. أى أن نفى كونه قد قتل ~~أمر متيقن مؤكد مجزوم به، وليس ظنا كظنكم أو وهما كوهمكم يا معشر أهل ~~الكتاب. وقد أشار صاحب الكشاف إلى ذلك بقوله قوله { وما قتلوه ~~يقينا } أى وما قتلوه قتلا يقينا. أو ما قتلوه متيقنين كما ادعوا ذلك ~~فى قولهم { إنا قتلنا المسيح } أو يجعل { يقينا } تأكيدا ~~لقوله { وما قتلوه } كقولك ما قتلوه حقا. أى ms1374 حق انتفاء قتله حقا. ~~والمعنى أن اليهود قد زعموا أنهم قتلوا عيسى - عليه السلام - وزعمهم هذا ~~أبعد ما يكون عن الحق والصواب، لأن الحق المتيقن فى هذه المسألة أنهم لم ~~يقتلوه، فقد نجاه الله من مكرهم، ورفع عيسى إليه، وكان الله { عزيزا ~~}. أى منيع الجناب، لا يلجأ إليه أحد إلا أعزه وحماه. { حكيما } فى ~~جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور. هذا، وجمهور العلماء على أن الله - ~~تعالى - رفع عيسى إليه بجسده وروحه لا بروحه فقط قال بعض العلماء ~~والجمهور على أن عيسى رفع حيا من غير موت ولا غفوة بجسده وروحه إلى ~~السماء. والخصوصية له - عليه السلام - هى فى رفعه بجسده وبقائه فيها إلى ~~الأمر المقدر له. وفى بعضهم الرفع فى قوله - تعالى - { بل رفعه ~~الله إليه } بأنه رفع بالروح فقط. وقد بسطنا القول فى هذه المسألة ~~عند تفسيرنا لسورة آل عمران فى قوله تعالى - # إذ قال الله يعيسى إني متوفيك ورافعك إلي # و { إن } هنا نافية بمعنى ما النافية، والمخبر عنه محذوف قامت صفته ~~مقامه. أى وما أحد من أهل الكتاب. وحذف أحد لأنه ملحوظ فى كل نفى يدخله ~~الاستثناء. نحو ما قام إلا زيد. أى ما قام أحد إلا زيد. وللمفسرين فى ~~تفسير هذه الآية اتجاهان الأول أن الضمير فى قوله { قبل موته } ~~يعود إلى عيسى - عليه السلام - وعليه يكون المعنى وما من أحد من أهل ~~الكتاب إلا ليؤمن بعيسى - عند نزوله فى آخر الزمان - حق الإيمان، { ~~قبل موته } أى قيل موت عيسى، { ويوم القيامة يكون } ~~عيسى - عليه السلام - { عليهم } أى على أهل الكتاب { شهيدا } ~~فيشهد عليهم بأنه قد أمرهم بعباده الله وحده، وأنه قد نهاهم عن الإشراك ~~معه آلهة أخرى. وقد انتصر لهذا الاتجاه كثير من المفسرين وعلى رأسهم ~~شيخهم ابن جرير. فقد قال - بعد سرد الأقوال فى الآية - وأولى الأقوال ~~بالصحة والصواب قول من قال. تأويل ذلك وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن ~~بعيسى قبل موت عيسى. وقد علق ابن كثير على ما رجحه ابن جرير ms1375 بقوله ولا شك ~~أن الذى قاله ابن جرير هو الصحيح. لأن المقصود من سياق الآيات، بطلان ما ~~زعمته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وبطلان تسليم من سلم لهم من النصارى ~~الجهلة ذلك. فقد أخبر الله - تعالى أن الأمر لم يكن كذلك، وإنما شبه لهم ~~فقتلوا الشبه وهم لا يتبينون ذلك. ثم إن الله - تعالى - رفع إليه عيسى، ~~وإنه باق حى، وإنه سينزل قبل يوم القيامة. ثم عقد ابن كثير فصلا عنونه ~~بقوله ذكر الأحاديث الواردة فى نزول عيسى بن مريم إلى الأرض من السماء فى ~~آخر الزمان قبل يوم القيامة وأنه يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك به. ~~ثم ساق ابن كثير جملة من الأحاديث فى هذا المعنى منها ما رواه الشيخان عن ~~أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " والذى نفسى بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر ~~الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، وحتى ~~تكون السجدة خيرا له من الدنيا وما فيها ". # ثم يقول أبو هريرة اقرؤا إن شئتم { وإن من أهل الكتاب ~~إلا ليؤمنن به قبل موته }. أما الاتجاه الثانى فيرى ~~أصحابه أن الضمير فى قوله { قبل موته } يعود إلى الكتابى المدلول ~~عليه بقوله { وإن من أهل الكتاب } وعليه يكون المعنى وما من ~~أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن بعيسى قبل موته أى قبل موت هذا الكتابى، لأنه ~~عند ساعة الاحتضار يتجلى له الحق، ويتبين له صحة ما كان ينكره ويجحده ~~فيؤمن بعيسى - عليه السلام - ويشهد بأنه عبد الله ورسوله، وأن الله واحد ~~لا شريك له، ولكن هذا الإيمان لا ينفعه، لأنه جاء فى وقت الغرغرة، وهو ~~وقت لا ينفع فيه الإيمان، لانقطاع التكليف فيه. # قالوا ويؤيد هذا التأويل قراءة أبى " إلا ليؤمنن به قبل موتهم " - بضم ~~النون وبميم الجمع -. وقد صدر صاحب الكشاف كلامه بذكر هذا التأويل فقال ~~ما ملخصه والمعنى وما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن قبل موته بعيسى. ~~وبأنه عبد الله ورسوله. ms1376 يعنى إذا عاين قبل أن تزهق روحه حين لا ينفعه ~~إيمانه. فإن قلت ما فائدة الإخبار بعيسى قبل موتهم؟ قلت فائدته الوعيد، ~~وليكون عملهم بأنهم لا بد لهم من الإيمان به عن قريب عند المعاينة، وأن ~~ذلك لا ينفعهم، بعثا لهم وتنبيها على معاجلة الإيمان به فى وقت الانتفاع ~~به، وليكون إلزاما للحجة لهم. وقيل الضميران لعيسى بمعنى وإن منهم أحد ~~إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى وهم أهل الكتاب الذين يكونون فى زمان ~~نزوله. والذى نراه أولى أنه لا تعارض بين التأويلين. فإن كلا منهما حق فى ~~ذاته. فكل كتابى عندما تحضره الوفاة يعلم أن عيسى كان صادقا فى نبوته، ~~وأنه عبد الله، وأنه قد دعا الناس إلى عبادة الله وحده. وكذلك كل كتابى ~~يشهد نزول عيسى فى آخر الزمان سيؤمن به ويتبعه ويشهد بأنه صادق فيما بلغه ~~عن ربه. ثم حكى - سبحانه - ألوانا أخرى من جرائم اليهود، وحكى بعض ~~العقوبات التى حلت بهم بسبب ظلمهم وبغيهم فقال - تعالى { فبظلم ~~من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت ~~لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا وأخذهم ~~الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس ~~بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما ~~}. والفاء فى قوله { فبظلم } للتفريع على جرائمهم السابقة، والباء ~~للسببية، والتنكير للتهويل والتعظيم، والجار والجرور متعلق بحرمنا. وقدم ~~الجار والمجرور على عامله للتنبيه على قبح سبب التحريم. والمعنى فبسبب ~~ظلم عظيم شنيع وقع من أولئك اليهود حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، ولو أنهم ~~لم يقعوا فى هذا الظلم الشديد لما حرم الله عليهم هذه الطيبات التى هم فى ~~حاجة إليها. والآية الكريمة تعليل لبعض العقوبات التى نزلت بهم بسبب ~~ظلمهم وبغيهم، ومن ضروب هذا الظلم والبغى ما سجله الله عليهم قبل ذلك من ~~نقض للمواثيق، ومن كفر بآيات الله. وما سجله عليهم - أيضا - بعد ذلك من ~~صد عن سبيل الله، ومن أخذ للربا وقد نهاهم عن آخذه. وهذه الطيبات التى ~~حرمها الله عليهم منها ما حكاه - سبحانه - فى سورة الأنعام بقوله # وعلى ms1377 الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن ~~البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهمآ إلا ما ~~حملت ظهورهما أو الحوايآ أو ما اختلط بعظم ~~ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون # والتعبير عنهم بقوله { فبظلم من الذين هادوا } إيذان ~~بشناعة ظلمهم، حيث إنهم وقعوا فى هذا الظلم الشديد بعد توبتهم ورجوعهم عن ~~عبادة العجل. وقولهم " إنا هدنا إليك " أى تبنا ورجعنا إليك يا ربنا. ~~وقوله { أحلت لهم } هذه الجملة صفة للطيبات فهى فى محل نصب. ~~والمراد من وصفها بذلك. بيان أنها كانت حلالا لهم قبل أن يرتكبوا ما ~~ارتكبوا من موبقات. أى حرمنا عليهم طيبات كانت حالالا لهم، ثم حرمت عليهم ~~بسبب بغيهم وظلمهم. قال ابن كثير يخبر - سبحانه - أنه بسبب ظلم اليهود، ~~وبسبب ما ارتكبوه من ذنوب، حرمت عليهم طيبات كان قد أحلها لهم. وقرأ ابن ~~عباس طيبات كانت أحلت لهم. وهذا التحريم قد يكون قدريا. بمعنى أن الله ~~قيضهم لأن يتأولوا فى كتابهم، وحرفوا وبدلوا أشياء كانت حلالا لهم ~~فحرموها على أنفسهم تضييقا، تنطعا. ويحتمل أن يكون شرعيا. بمعنى أنه - ~~تعالى - حرم عليهم فى التوراة أشياء كانت حلال لهم قبل ذلك. كما قال - ~~تعالى - # كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما ~~حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل ~~التوراة # وقوله { وبصدهم عن سبيل الله كثيرا } معطوف هو وما ~~بعده من أخذهم الربا وغيره على الظلم الذى تعاطوه. من عطف الخاص على ~~العام، لأن هذه الجرائم تفسير وتفصيل لظلمهم. والصد والصدود المنع. أى ~~وبسبب صدهم أنفسهم عن طريق الحق التى شرعها الله لعباده وصدهم غيرهم عنها ~~عنها صدا كثيرا، بسبب ذلك عاقبناهم وطردناهم من رحمتنا. وقوله { كثيرا ~~} صفة لمفعول محذوف منصوب بالمصدر وهو { بصدهم } أى وبصدهم عن سبيل ~~الله جمعا كثيرا من الناس. أو صفة لمصدر محذوف، أى وبصدهم عن سبيل الله ~~صدا كثيرا. وقوله { وأخذهم الربا وقد نهوا عنه ~~وأكلهم أموال الناس بالباطل } بيان للون آخر من ~~رذائلهم وقبائحهم. أى ومن أسباب تحريم بعض الطيبات عليهم ولعنهم، أخذهم ~~الربا مع ms1378 نهيهم عنه على ألسنة رسلنا، وأكلهم أموال الناس بالباطل، أى على ~~طريق الرشوة والخيانة، والسرقة وغير ذلك من سائر الوجوه المحرمة. وما ~~حملهم على هذا الولوغ فى المحرمات بشراهة وعدم مبالاة إلا أنانيتهم ~~وبيعهم الدين بالدنيا. وقوله. { وقد نهوا عنه } جملة حالية فى ~~محل نصب. قال الآلوسى. وفى الآية دلالة على أن الربا كان محرما عليهم كما ~~هو محرم علينا لأن النهى يدل على حرمة المنهى عنه، وإلا لما توعد - ~~سبحانه - على مخالفته. تلك هى بعض العقوبات التى عاقبهم الله بها فى ~~الدنيا. أما عقوبة هؤلاء اليهود فى الآخرة فقد بينها - سبحانه - فى قوله ~~{ وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما }. # أى. وهيأنا وأعددنا للكافرين من أولئك اليهود الذين فسدت نفوسهم عذابا ~~موجعا أليما، جزاء ظلمهم وفسوقهم عن أمر الله. وقوله { للكافرين ~~منهم } احتراس قصد به إخراج من آمن منهم من هذا العذاب الأليم، لأن ~~العذاب إنما هو للكافرين منهم فسحب، أما من آمن منهم كعبد الله بن سلام ~~وأشباهه فلهم أجرهم عند ربهم. وقد أكد - سبحانه - هذا المعنى بعد ذلك، ~~بأن أكرم من يستحق الإكرام منهم، وبشره بالأجر بالعظيم فقال، { ~~لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون ~~يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك ~~والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون ~~بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا ~~عظيما }. وقوله { الراسخون } جمع راسخ. ورسوخ الشئ ثباته وتمكنه. ~~يقال شجرة راسخة، أى ثابتة قوية لا تزحزحها الرياح ولا العواصف. والراسخ ~~فى العلم هو المتحقق فيه، الذى لا تؤثر فيه الشبهات المتقن لما يعلمه ~~إتقانا يبعده عن الميل والانحراف عن الحق. وقوله، { لكن ~~الراسخون في العلم } استدراك من قوله قبل ذلك { وأعتدنا ~~للكافرين منهم عذابا أليما } وبيان لكونه بعض أهل الكتاب ~~على خلاف حال عامتهم فى العاجل والآجل. والمعنى إن حال اليهود على ما وصف ~~لكم من سوء خلق فى الدنيا، ومن سوء عاقبة فى الآخرة، { لكن ~~الراسخون في العلم منهم } أى الثابتون فيه، المتقنون ~~المستبصرون الذين أدركوا حقائقه وصدقوها وأذعنوا لها، ورسخت فى نفوسهم ~~رسوخا ms1379 ليس معه شبهة تفسده، أو هوى يعبث به، أو ريب يزعزعه. { ~~والمؤمنون } أى منهم. وقد وصفوا بالإيمان بعد وصفهم بما يوجبه ~~وهو الرسوخ فى العلم بطريق العطف المبنى على المغايرة المتعاطفين تنزيلا ~~للاختلاف العنوانى منزلة الاختلاف الذاتى. وقوله { يؤمنون بمآ ~~أنزل إليك } خبر لقوله { الراسخون }. أى هؤلاء الراسخون فى ~~العلم من أهل الكتاب والمؤمنين منهم بالحق، يؤمنون بما أنزل إليك من ~~قرآن، ويؤمنون بما { أنزل من قبلك } من كتب سماوية على أنبياء ~~الله ورسله. وقوله { والمقيمين الصلاة } للعلماء فيه وجوه من ~~الإعراب أشهرها أنه منصوب على المدح. أى وأمدح المقيمين الصلاة. قال صاحب ~~الكشاف وقوله { والمقيمين الصلاة } نصب على المدح لبيان فضل ~~الصلاة وهو باب واسع. وقد كسره سيبويه على أمثله وشواهد. ولا يلتفت إلى ~~ما زعموا من وقوعه لحنا فى خط المصحف ورما التفت إليه من لم ينظر فى ~~الكتاب، ولم يعرف مذاهب العرب، وما لهم فى النصب على الاختصاص من ~~الافتنان وغبى عليه أن السابقين الأولين الذين مثلهم فى التوراة ومثلهم ~~فى الإنجيل، كانوا أبعد همة فى الغيرة على الإسلام، وذب المطاعن عنه، ~~من أن يتركوا فى كتاب الله ثلمة ليسدها من بعدهم. وخرقا يوفوه من يلحق ~~بهم وقيل هو عطف على { بمآ أنزل إليك } أى يؤمنون بالكتاب ~~وبالمقيمين الصلاة وهم الأنبياء. # وفى مصحف عبد الله { والمقيمين } بالواو وهى قراءة مالك بن دينار، ~~والجحدرى، وعيسى الثقفى. وقوله { والمؤتون الزكاة ~~والمؤمنون بالله واليوم الآخر } معطوف على { ~~الراسخون } أو على الضمير المرفوع فى { يؤمنون }. أو على أنه ~~مبتدأ والخبر ما بعده وهو قوله. { أولئك سنؤتيهم أجرا ~~عظيما }. والمراد بالجميع مؤمنو أهل الكتاب الصادقون فى إيمانهم. فقد ~~وصفهم - أولا - بالرسوخ فى العلم، ثم وصفهم - ثانيا - بالإيمان الكامل ~~بما أوحاه الله على أنبيائه من كتب وهدايات، ثم مدحهم - ثالثا - بإقامة ~~الصلاة إقامة مستوفية لكل أركانها وسننها وآدابها وخشوعها، ثم وصفهم - ~~رابعا - بإيتاء الزكاة لمستحقيها، ثم وصفهم - خامسا - بالإيمان بالله ~~إيمانا حقا، وبالإيمان باليوم الآخر وما فيه من حساب وثواب وعقاب. ~~وبعد هذا ms1380 الوصف الكريم لهؤلاء المؤمنين الصادقين، بين - سبحانه - حسن ~~عاقبتهم فقال { أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما }. أى أولئك ~~الموصفون بتلك الصفات الجليلة سنؤتيهم يوم القيامة أجرا عظيم لا يعلم ~~كنهه إلا علام الغيوب، لأنهم جمعوا بين الإيمان الصحيح وبين العمل ~~الصالح. هذا. والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة، يراها من أجمع الآيات التى ~~تحدثت عن أحوال اليهود، وعن أخلاقهم السيئة، وعن فنون من راذئلهم ~~وقبائحهم... فأنت تراها - أولا - تسجل عليهم أسئلتهم المتعنتة وسوء أدبهم ~~مع الله، وعبادتهم للعجل من بعد أن قامت لديهم الأدلة على أن العبادة لا ~~تكون إلا لله وحده، وعصيانهم لأوامر الله ونواهيه، ونقضهم للعهود ~~والمواثيق، وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق، وقولهم قلوبنا ~~غلف، وبتهتهم لمريم القانتة العابدة الطاهرة، وقولهم إنا قتلنا المسيح ~~عيسى ابن مريم رسول الله... إلى غير ذلك من الرذائل التى سجلها الله ~~عليهم. ثم تراها - ثانيا - تذكرهم وتذكر الناس جميعا ببعض مظاهر رحمة ~~الله بهم، وعفوه عنهم، ونعمه عليهم، كما تذكرهم - أيضا - وتذكر الناس ~~جميعا، ببعض العقوبات التى عاقبهم بها بسبب ظلمهم وبغيهم. وكأن الآيات ~~الكريمة تقول لهم وللناس إن نعم الله على عباده لا تحصى ورحمته بهم ~~واسعة، فاشكروه على نعمه، وتوبوا إليه من ذنوبكم، فإن الإصرار على ~~الماصى يؤدى إلى سوء العاقبة فى الدنيا والآخرة. ثم تراها - ثالثا - ~~تدافع عن عيسى وأمه دفاعا عادلا مقنعا وتبرئهما مما نسبه أهل الكتاب ~~إليهما من زور وبهتان، وتصرح بأن أهل الكتاب لا حجة عندهم فيما تقولوه ~~على عيسى وعلى أمه مريم، وأنهم فى أقوالهم ما يتبعون إلا الظن، # وإن الظن لا يغني من الحق شيئا # ثم تسوق الحقيقة التى لا باطل معها في شأن عيسى، بأن تبين بأن الذين ~~زعموا أنهم قتلوه كاذبون مفترون فإنهم ما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم، ~~وسيؤمنون به عند نزوله فى آخر الزمان، أو عندما يكونون فى اللحظات ~~الأخيرة من حياتهم، حين لا ينفع الإيمان. # ثم تراها - رابعا - لا تعمم فى أحكامها، وإنما تحق الحق وتبطل الباطل ~~فهى بعد ms1381 أن تبين ما عليه اليهود من كفر وظلم وفسوق عن أمر الله، وتتوعدهم ~~بالعذاب الشديد فى الآخرة. بعد كل ذلك تمدح الراسخين فى العلم منهم مدحا ~~عظيما، وتكرم المؤمنين الصادقين منهم تكريما عظيما، وتبشرهم بالأجر ~~الجزيل الذى يشرح صدورهم، ويطمئن قلوبهم. # ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل ~~العظيم # هذا جانب مما اشتملت عليه هذه الآيات من عبر وعظات # لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد # وبعد هذا الحديث المستفيض عن شبهات اليهود وسوء طباعهم. ساق - سبحانه - ~~ما يشهد بصدق النبى صلى الله عليه وسلم فى دعوته، وأنه ليس بدعا من ~~الرسل، بل هو واحد منهم إلا أنه خاتمهم، وأرفعهم منزلة عند الله - تعالى ~~- فقال - سبحانه - { إنآ أوحينآ....بالله شهيدا }. ### || [4.163-166] # قال الإمام الرازى اعلم أنه - تعالى - لما حكى أن اليهود سألوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابا من السماء، وذكر - سبحانه - ~~بعد ذلك أنهم لا يسألون لأجل الاسترشاد، ولكن لأجل العناد واللجاج، وحكى ~~أنواعا كثيرة من فضائحهم وقبائحهم... شرع - سبحانه - بعد ذلك فى الجواب ~~عن شبهاتهم فقال { إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى ~~نوح والنبيين من بعده }. وقوله { أوحينآ } من ~~الإيحاء و الوحى. والوحى فى الأصل الإعلام فى خفاء عن طريق الإشارة، ~~أو الإيماء، أو الإلهام، أو غير ذلك من المعانى التى تدل على أنه إعلام ~~خاص، وليس أعلاما ظاهرا. والمراد به هنا إعلام الله - تعالى - نبيه ~~محمدا صلى الله عليه وسلم ما أراد إعلامه به من قرآن أو غيره. والمعنى ~~إنا أوحينا إليك يا محمد بكلامنا وأوامرنا ونواهينا وهداياتنا.. كما ~~اوحينا إلى نبينا نوح وإلى سائر الأنبياء الذين جاءوا من بعده. فأنت يا ~~محمد لست بدعا من الرسل، وإنما أنت رسول من عند الله - تعالى - تلقيت ~~رسالتك منه - سبحانه - كما تلقاها غيرك من الرسل. وأكد - سبحانه - خبر ~~إيحائه صلى الله عليه وسلم، للاهتمام بهذا الخبر، ولإبطال ما أنكره ~~المنكرون لوحى الله - تعالى - على أنبيائه ورسله فقد حكى القرآن عن ~~الجاحدين للحق ms1382 أنهم قالوا # مآ أنزل الله على بشر من شيء # وبدأ سبحانه بنوح عليه السلام، لأنه الأب الثانى للبشرية بعد آدم عليه ~~السلام، ولأن فى ذكره معنى التهديد لأولئك الجاحدين للرسالة السماوية، ~~فقد أجاب الله تعالى، دعاءه فى الكافرين فأغرقهم أجمعين. قال الجمل وإنما ~~بدأ الله - تعالى - بذكر نوح - عليه السلام - لأنه أول نبى بعث بشريعة، ~~وأول نذير على الشرك. وكان أول من عذبت أمته لردهم دعوته. وكان أطول ~~الأنبياء عمرا. والتشبيه فى قوله { كمآ أوحينآ إلى نوح } ~~تشبيه بجنس الوحى، وإن اختلفت أنواعه، واختلف الموحى به. والكاف فى قوله ~~{ كمآ } نعت لمصدر محذوف، { مآ } مصدرية. أى إنا أوحينا إليك إيحاء ~~مثل إيحائنا إلى نوح - عليه السلام -. وقوله { من بعده } جار ومجرور ~~متعلق بمحذوف صفة للبنيين أى والنبيين الكائنين من بعده أى من بعد نوح. ~~وقوله { وأوحينآ إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط } معطوف على أوحينا إلى نوح، داخل معه فى حكم ~~التشبيه. أى أوحينا إليك يا محمد كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده، ~~وكما أوحينا إلى إبراهيم من آزر، وكما أوحينا إلى ابنه اسماعيل، وابنه ~~إسحاق، وكما أوحينا إلى يعقوب بن إسحاق، وكما أوحينا إلى الأسباط وهم ~~أولاد يعقوب. # قال الآلوسى والأسباط هم أولاد يعقوب - عليه السلام - فى المشهور. وقال ~~غير واحد إن الأسباط فى ولد إسحاق كالقبائل فى أولاد إسماعيل وقد بعث ~~منهم عدة رسل. فيجوز أن يكون - سبحانه - أراد بالوحى إليهم، الوحى إلى ~~الأنبياء منهم. كما تقول أرسلت إلى بنى تميم، وتريد أرسلت إلى وجوههم ولم ~~يصح أن الأسباط الذين هم إخوة يوسف كانوا أنبياء، بل الذى صح عندى - وألف ~~فيه الجلال السيوطى رسالة - خلافه ". وكرر - سبحانه - كلمة { ~~وأوحينآ } للإشعار بوجود فترة زمنية طويلة بين نوح وبين إبراهيم - ~~عليهما السلام -. ثم ذكر - سبحانه - عددا آخر من الأنبياء تشريفا ~~وتكريما لهم فقال { وعيسى وأيوب ويونس وهارون ~~وسليمان وآتينا داوود زبورا }. أى أوحينا إليك يا محمد ~~كما أوحينا إلى هؤلاء الأنبياء السابقين، وكما أوحينا إلى عيسى ابن مريم ~~الذى ms1383 أنكر نبوته اليهود الذين يسألونك الأسئلة المتعنتة، وإلى أيوب الذى ~~ضرب به المثل فى الصبر، وإلى يونس بن متى الذى لم ينس ذكر الله وهو فى ~~بطن الحوت، وإلى هارون أخى موسى، وإلى سليمان بن داود الذى آتاه الله ~~ملكا لم يؤته لأحد من بعده. وقوله { وآتينا داوود زبورا } ~~معطوف على قوله أوحينا، وداخل فى حكمه لأن إيتاء الزبور من باب الإيحاء. ~~وأوثر. قوله هنا وآتينا على أوحينا لتحقق المماثلة فى أمر خاص وهو إيتاء ~~الكتاب بعد تحققها فى مطلق الإيحاء. والزبور - بفتح الزاى - اسم الكتاب ~~الذى أنزله الله على داود - عليه السلام - قالوا ولم يكن فيه أحكام، بل ~~كان كله مواعظ وحكم وتقديس وتحميد وثناء على الله - تعالى -. ولفظ زبور ~~هنا بمعنى مزبور أى متكوب. فهو على وزن فعول ولكن بمعنى مفعول. وزبر ~~معناه كتب. أى وآتينا داود كتابا مكتوبا. ثم أجمل - سبحانه - بيان الرسل ~~الذين أرسلهم فقال { ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ~~ورسلا لم نقصصهم عليك }. وقوله { ورسلا } منصوب ~~بفعل مقدر قبله. أى وأرسلنا رسلا قد أخبرناك عنهم، وقصصنا عليك أنباءهم ~~فيما نزل عليك من قرآن قبل نزول الآيات عليك. وأرسلنا رسلا آخرين غيرهم ~~لم نقصص عليك أخبارهم لأن حكمتنا تقتضى ذلك، ولأن فيما قصصناه عليك من ~~أخبار بعضهم عظات وعبرا لقوم يؤمنون. هذا، وقد تكلم بعض العلماء عن عدد ~~الأنبياء والرسل، واستندوا فى كلامهم على أخبار وأحاديث لم تسلم أسانيدها ~~من الطعن فيها. قال ابن كثير وقد اختلف فى عدد الأنبياء والمرسلين، ~~والمشهور فى ذلك حديث أبى ذر الطويل، وذلك فيما رواه ابن مردويه فى ~~تفسيره حيث قال حدثنا إبراهيم بن محمد. عن أبى إدريس الخولانى # " عن أبى ذر قال قلت يا رسول الله كم عدد الأنبياء؟ قال " مائة ألف ~~وأربعة وعشرون ألفا. قلت يا رسول الله. كم الرسل منهم؟ قال ثلاثمائة ~~وثلاثة عشر.. " ". # وقوله { وكلم الله موسى تكليما } تشريف لموسى - عليه ~~السلام - بهذه الصفة ولهذا يقال له موسى الكليم. أى. وخاطب الله موسى ~~مخاطبة من ms1384 غير واسطة. قال الجمل والجملة إما معطوفة على قوله { إنآ ~~أوحينآ إليك } عطف القصة على القصة، وإما حال بتقدير قد كما ~~ينبئ عنه تغيير الأسلوب بالالتفات. وقوله { تكليما } مصدر مؤكد ~~لعامله رافع لاحتمال المجاز. قال الفراء العرب تسمى ما وصل إلى الإنسان ~~كلاما بأى طريق وصل. ما لم يؤكد بالمصدر. فإن أكد به لم يكن إلا حقيقة ~~الكلام. فدل قوله { تكليما } على أن موسى قد سمع كلام الله - تعالى - ~~حقيقة من غير واسطة، ولكن بكيفية لا يعلمها إلا هو - سبحانه -. وقد سابق ~~بعض المفسرين نقولا حسنة فى مسألة كلام الله - تعالى - فارجع إليها إن ~~شئت. وقوله { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون ~~للناس على الله حجة بعد الرسل }. بيان لوظيفة الرسل ~~- عليهم الصلاة والسلام - وللحكمة من إرسالهم. وقوله { رسلا } منصوب ~~على المدح، أو بفعل مقدر قبله، أى وأرسلنا رسلا. والمراد بالحجة هنا ~~المعذرة التى يعتذر بها الكافرون والعصاة. أى وكما أوحينا إليك يا محمد ~~بما أوحينا من قرآن وهدايات. وأرسلناك للناس رسولا، فقد أرسلنا من قبلك ~~رسلا كثيرين مبشرين من آمن وعمل صالحا يرضاه الله عنه فى الدنيا والآخرة، ~~ومنذرين من كفر وعصى بسوء العقبى، وقد أرسل - سبحانه - الرسل مبشرين ~~ومنذرين لكى { لئلا يكون للناس على الله حجة } يوم ~~القيامة، أى لكى لا تكون لهم معذرة يعتذرون بها كأن يقولوا. يا ربنا هلا ~~أرسلت إلينا رسولا فيبين لنا شرائعك، ويعلمنا أحكامك وأوامرك ونواهيك، ~~فقد أرسلنا إليهم الرسل مبشرين ومنذرين لكى لا تكون لهم حجة يحتجون بها، ~~كما قال - تعالى - # ولو أنآ أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ~~من قبل أن نذل ونخزى # قال الآلوسى فالآية ظاهرة فى أنه لا بد من الشرع وإرسال الرسل. وأن ~~العقل لا يغنى عن ذلك. وزعم المعتزلة أن العقل كاف وأن مسألة الرسل إنما ~~هو للتنبيه عن سنة الغفلة التى تعترى الإنسان من دون اختيار. فمعنى ~~الآية عندهم لئلا يبقى للناس على الله حجة. وتسمية ما يقال عند ترك ~~الإرسال ms1385 حجة مع استحالة أن يكون لأحد عليه - سبحانه - حجة مجاز. بتنزيل ~~المعذرة فى القبول عنده - تعالى - بمقتضى كرمه ولطفه منزلة الحجة القاطعة ~~التى لا مرد لها ". وقوله { حجة } اسم يكون. # وخبره قوله " للناس " وقوله على الله حال من حجة. وقوله { بعد ~~الرسل } أى بعد إرسال الرسل وتبليغ الشريعة على ألسنتهم وهو متعلق ~~بالنفى أى لتنفى حجتهم واعتذارهم بعد إرسال الرسل. قال ابن كثير وقد ثبت ~~فى الصحيحين عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا أحد أغير من الله، ومن أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ~~ولا أحد أحب إليه المدح من الله، ومن أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه ~~العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين " # وفى لفظ آخر # " ومن أجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه ". # وقوله { وكان الله عزيزا حكيما } تذييل قصد به بيان قدرته ~~التى لا تغالب وحكمته التى لا تحيط أحد بكنهها. أى وكان الله - تعالى - ~~وما زال هو القادر الغالب على كل شئ، الحكيم فى جميع أفعاله وتصرفاته، ~~وسيجازى الذين أساؤوا بما عملوا، وسيجازى الذين أحسنوا بالحسنى. هذا ~~وللمرحوم الأستاذ الإمام محمد عبده كلام نفس فى كتابه رسالة التوحيد عن ~~حاجة البشر إلى إرسال الرسل، وعن وظيفتهم - عليهم الصلاة والسلام - وما ~~قاله فى ذلك الرسل يرشدون العقل إلى معرفة الله وما يجب أن يعرف من ~~صفاته. ويبينون الحد الذى يجب أن ييقف عنده فى طلب ذلك العرفان. على وجه ~~لا يشق عليه الاطمئنان إليه، ولا يرفع ثقته بما آتاه الله من القوة. ~~الرسل يبينون للناس ما اختلفت عليه عقولهم وشهواتهم. وتنازعته مصالحهم ~~ولذاتهم. فيفصلون فى تلك المخاصمات بأمر الله الصادع. ويؤيدون بما يبلغون ~~عنه ما تقوم به المصالح العامة. ولا يفوت به المصالح الخاصة. الرسل يضعون ~~لهم بأمر الله حدودا عامة. يسهل عليهم أن يردوا إليها أعمالهم. كاحترام ~~الدماء البشرية إلا بحق. مع بيان الحق الذى تهدر له، وحظر تناول شئ ما ~~كسبه ms1386 الغير إلا بحق. مع بيان الحق الذى يبيح تناوله. واحترام الأعراض. مع ~~بيان ما يباح وما يحرم من الأبضاع. يحملونهم على تحويل أهوائهم عن ~~اللذائذ الفانية إلى طلب الرغائب السامية آخذين فى ذلك كله بطرف من ~~الترغيب والترهيب والإنذار والتبشير حسبما أمرهم الله - جل شأنه -. ~~يفصلون فى جميع ذلك للناس ما يؤهلهم لرضا الله عنهم وما يعرضهم لسخطه ~~عليهم. ثم يحيطون بيانهم بنبأ الدار الآخرة، وما أعد الله فيها من الثواب ~~وحسن العقبى، لمن وقف عند حدوده. وأخذ بأوامره. وبهذا تطمئن النفوس، ~~وتثلج الصدور، ويعتصم المرزوء بالصبر، انتظارا لجزيل الأجر. أو إرضاء لمن ~~بيده الأمر. وبهذا ينحل أعظم مشكل فى الاجتماع الإنسانى، لا يزال ~~العقلاء يجهدون أنفسهم فى حلة إلى اليوم. وقوله - سبحانه - { لكن ~~الله يشهد بمآ أنزل إليك أنزله بعلمه ~~والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا } استدراك قصد ~~به الرد على جحود أهل الكتاب للحق الذى جاء به النبى صلى الله عليه وسلم ~~فقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال # " دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من اليهود فقال لهم " إنى ~~والله أعلم أنكم لتعلمون أنى رسول الله. فقالوا ما نعلم ذلك " # فأنزل الله قوله { لكن الله يشهد }. الآية. والمقصود من ~~الآية الكريمة تسلية النبى صلى الله عليه وسلم عن تكذيب كثير من الناس ~~له، وإدخال الطمأنينة على قلبه، فكأنه - سبحانه - يقول له لم يشهد أهل ~~الكتاب بأنك رسول من عند الله وصادق فيما تبلغه عنه { لكن الله ~~يشهد بمآ أنزل إليك } أى لكن الله يشهد بأن الذى أنزله إليك ~~من قرآن هو الحق الذى لا ريب فيه. وقوله { أنزله بعلمه } أى ~~أنزله بعلم تام، وحكمة بالغة، أو بما علمه من مصالح عباده فى إنزاله ~~عليك. وقوله { والملائكة يشهدون } أى والملائكة يشهدون بأنك ~~صادق فى رسالتك، وبأن ما أنزله الله عليك هو الحق الذى لا تحوم حوله ~~شبهة. وقوله. { وكفى بالله شهيدا } أى وكفى بشهادة الله شهادة ~~بأنك على الحق وإن لم يشهد غيره لك. فإنه ms1387 لا عبرة لإنكار المنكرين ~~لنبوتك، ولا قيمة لجحود الجاحدين لما نزل عليك بعد شهادة الله لك بأنك ~~نبيه ورسوله، لتخرج الناس بإذنه من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام. وقد ~~أجاد صاحب الكشاف فى توضيح تلك المعانى حيث قال فإن قلت الاستدارك لا بد ~~له من مستدرك فما هو فى قوله { لكن الله يشهد }. قلت لما ~~سأل أهل الكتاب إنزال كتاب من السماء، واحتج عليهم بقوله { إنآ ~~أوحينآ إليك } قال لكن الله يشهد. بمعنى أنهم لا يشهدون لكن ~~الله يشهد... ومعنى شهادة الله بما أنزل إليه، إثباته لصحته بإظهار ~~المعجزات، كما تثبت الدعاوى بالبينات وشهادة الملائكة شهادة بأنه حق ~~وصدق. فإن قلت ما معنى قوله { أنزله بعلمه } قلت معناه أنزله ~~متلبسا بعلمه الخاص الذى لا يعلمه غيره. وهو تأليفه على نظم وأسلوب يعجز ~~عنه كل بليغ وصاحب بيان، وموقعه مما قبله موقع الجملة المفسرة، لأنه بيان ~~للشهادة. وقيل أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك وأنك مبلغه. ويحتمل ~~أنه أنزله وهو عالم به رقيب عليه حافظ له من الشيطان برصد من الملائكة، ~~والملائكة يشهدون بذلك. هذا، والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة يراها قد ~~أثبتت صدق النبى صلى الله عليه وسلم فى رسالته بالأدلة الساطعة. والحجج ~~الواضحة وبينت وظيفة الرسل - عليهم السلام - وحكمة الله فى إرسالهم، ~~وزادت للنبى صلى الله عليه وسلم طمأنينة بأنه على الحق، لأن الله قد شهد ~~له بذلك، وكفى بشهادة الله شهادة مهما خالفها المخالفون، وأعرض عنها ~~المعرضون. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما عليه الكافرون من ضلال وخسران، ~~وما سيصير إليه حالهم يوم القيامة من ذل ومهانة، ووجه إلى الناس جميعا ~~نداء أمرهم فيه بالإيمان وترك الكفر والعصيان فقال - تعالى - { إن ~~الذين كفروا...عليما حكيما }. ### || [4.167-170] # وقوله { وصدوا } من الصد بمعنى المنع والانصراف عن الشئ. قال ~~الراغب والصد قد يكون انصرافا عن الشئ وامتناعا نحو # يصدون عنك صدودا # وقد يكون صرفا ومنعا نحو # وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن ~~السبيل # والمعنى إن الذين كفروا بالحق الذى جاءهم به ms1388 محمد صلى الله عليه وسلم { ~~وصدوا عن سبيل الله } أى وأعرضوا عن الطريق الذى أمر الله ~~بسلوكه وهو طريق الإسلام ولم يكتفوا بذلك بل منعوا غيرهم أيضا عن سلوكه. ~~إنهم بفعلهم هذا { قد ضلوا ضللا بعيدا } أى قد ضلوا - بسبب ~~كفرهم وصدهم أنفسهم والناس عن الحق - ضلالا بلغ الغاية فى الشدة ~~والشناعة. ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى بقوله { إن الذين ~~كفروا } بما يجب الإيمان به { وظلموا } أنفسهم بإيرادها موارد ~~التهلكة، وظلموا غيرهم بأن حببوا إليه الفسوق والعصيان وكرهوا إليه ~~الطاعة والإيمان. إن هؤلاء الذين جمعوا بين الكفر والظلم { لم يكن ~~الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا إلا طريق ~~جهنم خالدين فيهآ أبدا }. أى لم يكن الله ليغفر لهم، لأنه ~~- سبحانه - لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ولم يكن - ~~سبحانه - ليهديهم طريق من طرق الخير، لكنه - سبحانه - يهديهم إلى طريق ~~تؤدى بهم إلى جهنم خالدين فيها أبدا، بسبب إيثارهم الغى على الرشد، ~~والضلالة على الهداية، وبسبب فساد استعدادهم، وسوء اختيارهم. والتعبير ~~بالهداية فى جانب طريق النار من باب التهكم بهم. وقوله { خالدين ~~فيهآ } حال مقدرة من الضمير المنصوب فى { يهديهم } ، لأن المراد ~~بالهداية هداتيهم فى الدنيا إلى طريق جهنم. أى ما يؤدى بهم إلى الدخول ~~فيها. وقوله { أبدا } منصوب على الظرفية، وهو مؤكد للخلود فى النار ~~رافع لاحتمال أن يراد بالخلود المكث الطويل. أى خالدين فيها خلودا أبديا ~~بحيث لا يخرجون منها. وقوله { وكان ذلك على الله يسيرا } ~~تذييل قصد به تحقير شأنهم، وبيان أنه - سبحانه - لا يعبأ بهم. والمراد ~~وكان ذلك - أى انتفاء غفران ذنبوهم، وانتفاء هدايتهم إلى طريق الخير، ~~وقذفهم فى جهنم وبئس المهاد - كان كل ذلك على الله يسيرا. أى هينا سهلا ~~لأنه - سبحانه - لا يستعصى على قدرته شئ. ثم وجه - سبحانه - نداء إلى ~~الناس جميعا يأمرهم فيه بالإيمان وينهاهم عن الكفر فقال { يأيها ~~الناس قد جآءكم الرسول بالحق من ربكم ~~فآمنوا خيرا لكم }. أى يأيها المكلفون من الناس جميعا، قد ~~جاءكم الرسول ms1389 المشهود له بالصدق فى رسالته، بالهدى ودين الحق من ربكم، ~~فآمنوا به وصدقوه وأطيعوه، يكن إيمانكم خيرا لكم فى الدنيا والآخرة. ~~فالخطاب فى الآية الكريمة للناس أجمعين، سواء أكان عربيا أم غير عربى ~~أبيض أم أسود، بعيدا أم قريبا. # .. لأن رسالته صلى الله عليه وسلم عامة وشاملة للناس جميعا. والمراد ~~بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم فأل فيه للعهد وإيراده بعنوان الرسالة ~~لتأكيد وجوب طاعته. وقوله { بالحق } متعلق بمحذوف على أنه حال من ~~الرسول. أى جاءكم الرسول ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل. وقوله { ~~من ربكم } متعلق بمحذوف على أنه حال أيضا من الحق. أو متعلق بجاء. ~~أى جاءكم من عند الله - تعالى - وليس منقولا. ويرى بعضهم أن قوله { ~~خيرا } خبر لكان المحذوفة مع اسمها، أى فآمنوا به يكن إيمانكم خيرا ~~لكم. ويرى آخرون أنه صفة لمصدر محذوف. أى فآمنوا إيمانا خيرا لكم. وهى ~~صفة مؤكدة على حد أمس الدابر لا يعود، لأن الإيمان لا يكون إلا خيرا. ~~فأنت ترى أن هذه الجملة الكريمة قد حضت الناس على الإيمان بالرسول صلى ~~الله عليه وسلم لأنه لم يجئهم بشئ باطل وإنما جاءهم بالحق الثابت الموافق ~~لفطرة البشر أجمعين، ولأنه لم يجئهم بما جاءهم به من عند نفسه وإنما ~~جاءهم بما جاءهم به من عند الله - تعالى - ولأنه لم يجئهم بما يفضى بهم ~~إلى الشرور والآثام، وإنما جاءهم بما يوصلهم إلى السعادة فى الدنيا وإلى ~~الفوز برضا الله فى الآخرة. تلك هى عاقبة المؤمنين، أما عاقبة الكافرين ~~فقد حذر - سبحانه - منها بقوله { وإن تكفروا فإن لله ما ~~في السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما }. أى ~~وإن تكفروا - أيها الناس - فلن يضر الله كفركم، فإنه - سبحانه - له ما فى ~~السماوات والأرض خلقا وملكا وتصرفا، وكان الله - تعالى - عليما علما تاما ~~بأحوال خلقه، حكيما فى جميع أفعاله وتدبيراته. وبذلك نرى أن هذه الآيات ~~الكريمة قد توعدت الكافرين بسوء المصير، وحضت الناس على الدخول فى زمرة ~~المؤمنين، وحذرتهم من الكفر حتى ينجوا يوم القيامة ms1390 من عذاب السعير. ثم ~~وجهت السورة الكريمة بعد ذلك نداء إلى أهل الكتاب حذرتهم فيه من المغالاة ~~فى شأن عيسى - عليه السلام - وبينت لهم وللناس أن عيسى إنما هو عبد الله ~~ورسوله، وبشرت المؤمنين بالأجر الجزيل، وأنذرت المستكبرين بالعذاب ~~الأليم. استمع إلى القرآن الكريم وهو يرشد إلى كل ذلك فيقول { ~~يأهل....صراطا مستقيما }. ### || [4.171-175] # وقوله { لا تغلوا } أى لا تتجاوزوا الحد المشروع. مأخوذ من الغلو، ~~وهو - كما يقول القرطبى - التجاوز فى الحد ومنه غلا السعر يغلو غلاء. ~~وغلا الرجل فى الأمر غلوا. وغلا الجارية لحمها وعظمها، إذا أسرعت الشباب ~~فجاوزت لداتها - أى أترابها -. وقد تجاوز أهل الكتاب الحد وغالوا فى شأن ~~عيسى. أما اليهود فقد أنكروا رسالته واتهموا أمه مريم بما هى منه بريئة. ~~وأما النصارى فقد رفعوا عيسى - عليه السلام - إلى مرتبة فوق مرتبة ~~البشرية، واعتبره بعضهم إلها، واعتبره بعض آخر منهم ابنا لله، تعالى الله ~~عما يقولون علوا كبيرا. والمعنى يا أهل الكتاب لا تتجاوزوا الحد المشروع ~~والمعقول فى شأن دينكم، ولا تقولوا على الله إلا القول الحق الذى شرعه ~~الله - تعالى -، وارتضته العقول السليمة. وقد ناداهم - سبحانه - بعنوان ~~أهل الكتاب. للتعريض بهم، حيث إنهم خالفوا كتبهم التى بين أيديهم. ~~والخطاب هنا وإن كان يشمل أهل الكتاب جميعا من يهود ونصارى، إلا أن ~~النصارى هم المقصودون هنا قصدا أوليا، بدليل سياق الآية الكريمة، فقد ~~ذكرت حججا تبطل ما زعمه النصارى فى شأن عيسى، ولذا قال ابن كثير ما ملخصه ~~قوله - تعالى - { يأهل الكتاب لا تغلوا } ينهى - سبحانه - ~~أهل الكتاب عن الغلو والإطراء. وهذا كثير فى النصارى، فإنهم تجاوزا الحد ~~فى عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التى أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيز ~~النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله يعبدونه كما يعبدونه. بل قد غلوا ~~فى أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على دينه فادعوا فيهم العصمة واتبعوهم فى ~~كل ما قالوه سواء أكان حقا أم باطلا، أم ضلالا أم رشادا، ولهذا قال - ~~تعالى - # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من ms1391 دون ~~الله # وفى الصحيح عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا عبد ~~الله ورسوله ". # وقوله { ولا تقولوا على الله إلا الحق } من باب عطف ~~الخاص على العام، للاهتمام بالنهى عن الافتراء الشنيع الذى افتروه على ~~الله. أى لا تصفوه - سبحانه - بما يستحيل اتصافه به من الحلول والاتحاد ~~واتخاذ الصاحبة والولد، ولا تقولوا عليه - سبحانه - إلا القول الحق ~~الثابت القائم على الدليل المقنع، والبرهان الواضح. وعدى - سبحانه - ~~قولهم بحرف على، لتضمنه معنى الافتراء والكذب، فقد قالوا قولا وزعموا أنه ~~من دينهم، مع أن الأديان السماوية بريئة مما زعموه وافتروه. ثم بين - ~~سبحانه - القول الفصل فى شأن عيسى فقال { إنما المسيح عيسى ~~ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم ~~وروح منه }. # أى إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله. أرسله - سبحانه - لهداية الناس ~~إلى الحق، { وكلمته ألقاها إلى مريم } أى أن عيسى مكون ~~ومخلوق بكلمة من الله وكلمة كن من غير واسطة أب ولا نطفة. وهذه الكلمة ~~ألقاها - سبحانه - إلى مريم، أى أوصلها إليها بنفخ جبريل فيها فكان عيسى ~~بإذن الله بشرا سويا. وقوله { وروح منه } أى ونفخة منه، لأن عيسى ~~حدث بسبب نفخة جبريل فى درع مريم فكان عيسى بإذن الله. فنسب إلى أنه روح ~~من الله، لأنه بأمره كان. وسمى النفخ روحا لأنه ريح تخرج من الروح. قال ~~- تعالى - # والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا ~~وجعلناها وابنهآ آية للعالمين # وقيل المراد بقوله { وروح منه } أى وذو روح من أمر الله، لأنه - ~~سبحانه - خلقه كما يخلق سائر الأرواح. وقيل الروح هنا بمعنى الرحمة. كما ~~فى قوله - تعالى - # وأيدهم بروح منه # أى برحمة منه. وصدر - سبحانه الجملة الكريمة بأداة القصر إنما للتنبيه ~~على أن عيسى - عليه السلام - ليس إلا رسولا أرسله الله لهداية الناس إلى ~~الحق. وذكره - سبحانه بلقبه وباسمه وببنوته لمريم، للاشارة إلى أنه إنسان ~~كسائر الناس، وبشر كسائر البشر، فهو مولود ms1392 خرج من رحم انثى كما يخرج ~~الأولاد من أمهاتهم. وإذا كان لم يخرج من صلب أب، فيكفى أنه قد خرج من ~~رحم أم، وكفى بذلك دليلا على بشريته. قال بعض العلماء ما ملخصه وقوله { ~~وكلمته ألقاها إلى مريم } أى خلقه بكلمة منه وهى كن كما ~~خلق آدم. وكان عيسى بهذا كلمة الله لأنه خلقه بها، فقد خلق من غير بذر ~~ببذر فى رحم أمه، فما كان تكوينه نماء لبذر وجد، وللأسباب التى تجرى بين ~~الناس، بل كان السبب هو إرادة الله وحده وكلمته كن وبذلك سمى كلمة الله. ~~وتعلق النصارى بأن كون عيسى كلمة الله دليل على ألوهيته - تعلق باطل - ~~فما كانت الكلمة من الله إلها يعبد. وإنما سمى بذلك، لأنه نشأ بكلمة لا ~~بمنى من الرجل يمنى.... وقوله { وروح منه } أى أنه - سبحانه - ~~أنشأه بروح مرسل منه وهو جبريل الأمين. وقد يقال إنه نشأ بروح منه - ~~سبحانه - أنه أفاض بروحه فى جسمه كما أفاض بها على كل إنسان كما قال - ~~تعالى - # الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان ~~من طين ثم جعل نسله من سلالة من مآء مهين ~~ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون # والرأى الأول أولى. وعلى ذلك يكون معنى قوله { وروح منه } أى أنه ~~نشأ بنفخ الله الروح فيه من غير توسيط سلالة بشرية، ونطفة تتشكل إنسانا، ~~وذلك بالملك الذى أرسله وهو جبريل. # .. وسمى الله - تعالى - عيسى روحا باعتباره نشأ من الروح مباشرة، ولأنه ~~غلبت عليه الروحانية.. وبهذا يزول الوهم الذى سيطر على عقول من غالوا فى ~~شأن عيسى فنحلوه ما ليس له، وما ليس من شأنه، إذ جعلوه إلها، أو ابن ~~إله.... وقوله { المسيح } مبتدأ، و { عيسى } عطف بيان أو بدل منه. ~~وقوله { ابن مريم } صفة له وقوله { رسول الله } خبر للمبتدأ. ~~وقوله { وكلمته } معطوف على ما قبله وهو رسول الله. أو قوله { ~~ألقاها إلى مريم } جملة حالية من الضمير المجرور فى { ~~كلمته } بتقدير قد، والعامل فيها ms1393 معنى الإضافة. والتقدير. وكلمته ~~ملقيا إياها إلى مريم. وقوله { وروح منه } معطوف على { كلمته ~~} والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لروح. ومن لابتداء الغاية مجازا ~~وليست تبعيضية، أى أن الروح كائن من عند الله - تعالى - ونافخ بإذنه. ~~وبعد أن بين - سبحانه - القول الحق فى شأن عيسى، دعا أهل الكتاب إلى ~~الإيمان به وبجميع رسله. ونهاهم عن التمسك بالضلال والوهم فقال - تعالى ~~- { فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة ~~انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد ~~سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما ~~في الأرض وكفى بالله وكيلا }. والفاء فى قوله { ~~فآمنوا } للافصاح عن جواب شرط مقدر. أى إذا كان ذلك هو الحق فى شأن ~~عيسى، فآمنوا بالله إيمانا حقا بأن تفردوه بالألوهية والعبادة، وآمنوا ~~برسله جميعا بدون تفريق بينهم، ولا تغالوا فى أحدهم منهم بأن تخرجوه عن ~~طبيعته وعن وظيفته.. وقوله { ولا تقولوا ثلاثة } نهى لهم عن ~~النطق بالكلام بالباطل. أى ولا تقولوا الآلهة ثلاثة، أو المعبودات ثلاثة. ~~فثلاثة خبر لمبتدأ محذوف وعبر - سبحانه - بقوله { ولا تقولوا ~~ثلاثة } بدل قوله - مثلا - ولا تؤمنن بثلاثة لأن أمر الثلاثة قول ~~يقولونه، فإن سألتهم عن معناه قالوا تارة معناه الآب والإبن والروح ~~والقدس، أى أنهم ثلاثة متفرقون. وتارة يقولون معناه أن الأقانيم ثلاثة ~~والذات واحدة.. إلى غير ذلك من الأقوال التى ما أنزل الله بها من سلطان. ~~قال صاحب الكشاف والذى يدل عليه القرآن التصريح منهم بأن الله والمسيح ~~ومريم ثلاثة آلهة. وأن المسيح ولد الله من مريم. ألا ترى إلى قوله - ~~تعالى - # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله # وقالت النصارى المسيح ابن الله # والمشهور المستفيض عنهم أنهم يقولون فى المسيح لاهوتيه وناسوتيه من جهة ~~الأب والأم.... هذا، وقد أفاض بعض العلماء فى الرد على مزاعم أهل الكتاب ~~فى عقائدهم.. وقوله { انتهوا خيرا لكم } أمر لهم بسلوك الطريق ~~الحق، والإقلاع عن الضلالات والأوهام. # أى انتهوا عما أنتم فيه من ضلال يا معشر أهل الكتاب، واتركوا القول ~~بالتثليث، يكن انتهاؤكم ms1394 خيرا لكم، بعبادتكم لله وحده تكونون قد خرجتم من ~~ظلمات الشرك إلى نور الوحدانية. وقوله { إنما الله إله ~~واحد } إثبات لوحدانية الله - تعالى - بأقوى طريق. أى إن المعبود بحق ~~ليس إلا واحد، وهو الله - تعالى - ذو الجلال والإكرام، الخالق لهذا ~~الكون، والمدبر لأمره. وقوله { سبحانه أن يكون له ولد } ~~تنزيه له - جل وعلا - عن صفات المخلوقين، وتوبيخ لمن وصفه بصفات لا تليق ~~به. وسبحان منصوب بفعل مقدر من لظفه أى أسبحه تسبيحا وأنزهه تنزيها عن أن ~~يكون له ولد، لأن الأبوة والبنوة من صفات المخلوقين، وهو - سبحانه - ~~منزله عن صفات المخلوقين، قال - تعالى - # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # وقوله { له ما في السماوات وما في الأرض } جملة مستأنفة ~~مسبوقة لتعليل التنزيه أى أنه - سبحانه - مالك لجميع الموجودات علويها ~~وسفليها، ولا يخرج من ملكه منها شئ. قال - تعالى - # إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا # ومن كان شأنه كذلك تنزه عن أن يلد أو يولد أو يكون له شريك فى ملكه. ~~وقوله { وكفى بالله وكيلا } تذييل قصد به بيان سعة قدرته - ~~سبحانه وهيمنته على هذا الكون. والوكيل هو الحافظ والمدبر لأمر غيره. أى ~~وكفى بالله وكيلا يكل إليه الخلق كلهم أمورهم، فهو الغنى عنهم وهم ~~الفقراء إليه. ومفعول كفى محذوف للعموم.أى كفى كل أحد وكالة الله وحفظه ~~وتدبيره، فتوكلوا عليه وحده، ولا تتوكلوا على من تزعمونه ابنا له. ثم بين ~~- سبحانه - أن المسيح عيسى - عليه السلام - عبد من عباد الله - تعالى -، ~~وأنه لن يستنكف أبدا عن عبادة الله والإذعان لأمره فقال { لن ~~يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة ~~المقربون }. وأصل { يستنكف } - يقول القرطبى نكف، فالياء ~~والسين والتاء زوائد. يقال نكفت من الشئ واستنكفت منه وأنكفته أى نزهته ~~عما يستنكف منه. ومنه الحديث # " سئل - رسول الله صلى الله عليه وسلم عن { سبحان الله } فقال " ~~إنكاف الله من كل سوء ". # يعنى تنزيهه وتقديسه عن الأنداد والأولاد. قال الزجاج استنكف أى أنف ~~مأخوذ من نكفت الدمع إذا نحيته ms1395 بإصبعك عن خدك ومنه الحديث # " ما ينكف العرق عن جبينه " # أى ما ينقطع. وقيل هو من النكف وهو العيب. يقال ما عليه فى هذا الأمر ~~من نكف ولا وكف. أى عيب. أى لن يمتنع المسيح ولن يتنزه عن العبودية ~~لله - تعالى - ولن ينقطع عنها. ولن يعاب أن يكون عبدا لله تعالى. ~~والجملة الكريمة مستأنفة لتقرير ما سبقها من تنزيه لله - تعالى - عن أن ~~يكون له ولد، وإثبات لوحدانيته - عز وجل - وإفراده بالعبادة. # وقد روى المفسرون فى سبب نزولها # " أن وفد نجران قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم تعيب صاحبنا يا ~~محمد؟ قال ومن صاحبكم؟ قالوا عيسى، قال صلى الله عليه وسلم وأى شئ قلت؟ ~~قالوا تقول إنه عبد الله ورسوله. قال صلى الله عليه وسلم إنه ليس بعار أن ~~يكون عبدا لله ". # والمعنى لن يأنف المسيح ولن يمتنع أن يكون عبدا لله، وكذلك الملائكة ~~المقربون لن يأنفوا ولن يمتنعوا عن ذلك، فإن خضوع المخلوقات لخالقها شرف ~~ليس بعده شرف. والله - تعالى - ما خلق الخلق إلا لعبادته وطاعته. قال - ~~تعالى - # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون مآ أريد ~~منهم من رزق ومآ أريد أن يطعمون # وصدر - سبحانه - الجملة بحرف لن المفيدة للنفى المؤكد، لبيان أن عدم ~~استنكاف المسيح والملائكة المقربين عن عبادة الله والخضوع له أمر مستمر ~~وثابت ثبوتا لا شك فيه، لأنه - سبحانه - هو الذى خلق الخلق ورزقهم. ومن ~~حقه عليهم أن يعبدوه، ويذعنوا لأمره، بل ويشعروا باللذة والأنس والشرف ~~لعبادتهم له - سبحانه - كما قال الشاعر الحكيم # ومما زادنى عجبا وتيها وكدت بإخمصى أطأ الثريا دخولى تحت قولك يا ~~عبادى وجعلك خير خلقك لى نبيا # هذا، وقد فهم بعض العلماء من هذه الآية أن الملائكة أفضل من الأنبياء، ~~وممن فهم هذا الفهم الإمام الزمخشرى فقد قال وقوله { لن يستنكف ~~المسيح } أى لن يأنف ولن يذهب بنفسه عزة، من نكفت الدمع إذا نحيته عن ~~خدك بإصبعك { ولا الملائكة المقربون } أى ولا من هو أعلى ~~منه قدرا، وأعظم منه خطرا ms1396 وهم الملائكة الذين حول العرش كجبريل وميكائيل ~~وإسرافيل ومن فى طبقتهم. ثم قال فإن قلت من أين دل قوله { ولا ~~الملائكة المقربون } على أن المعنى ولا من فوقه؟ قلت من حيث ~~إن علم المعانى لا يقتضى غير ذلك. وذلك أن الكلام إنما سبق لرد مذهب ~~النصارى وغلوهم فى رفع عيسى عن منزلة العبودية. فوجب أن يقال لهم لن ~~يترفع عيسى عن العبودية ولا من هو أعلى منه درجة. فكأنه قيل لن يستنكف ~~الملائكة المقربون من العبودية فكيف بالمسيح؟ ويدل عليه دلالة ظاهرة ~~بينة، تخصيص المقربين لكونهم أرفع الملائكة درجة وأعلاهم منزلة. وهذا ~~الفهم الذى اتجه إليه الزمخشرى من أن الملائكة أفضل من الأنبياء، لم ~~يوافقه عليه أكثر العلماء، فقد قال الإمام ابن كثير وقد استدل بعض من ~~ذهب إلى تفضيل الملائكة على البشر بهذه الآية حيث قال { ولا ~~الملائكة المقربون }. وليس له فى ذلك دلالة، لأنه إنما عطف ~~الملائكة على المسيح، لأن الاستنكاف هو الامتناع. # والملائكة أقدر على ذلك من المسيح، فلهذا قال { ولا الملائكة ~~المقربون } ولا يلزم من كونهم أقوى وأقدر على الامتناع أن يكونوا ~~أفضل. وقيل إنما ذكروا لأن بعض الناس اتخذهم آلهة مع الله كما اتخذ ~~الضالون المسيح إلها أو ابنا لله. فأخبر - سبحانه - أنهم عبيد من عباده، ~~وخلق من خلقه. وقد حاول بعض العلماء أن يجعل الآية الكريمة بعيدة عن موطن ~~النزاع فقال وعندى أن الترقى قائم، ولكن فى المعنى الذى سيق له الكلام. ~~وذلك أن النصارى غلوا غلوا كبيرا فى المسيح، لأنه ولد من غير أب، ولأنه ~~جرت على يديه معجزات كثيرة، ولأنه روحانى المعانى، فيبين الله - تعالى - ~~أنه مع كل هذا لن يستنكف أن يكون عبدا لله، ولا يستنكف من هو أعلى منه فى ~~هذه المعانى أن يكون عبدا لله، وهم الملائكة الذين خلقوا من غير أب ولا ~~أم. وأجرى على أيديهم ما هو أشد وأعظم من معجزات، ومنهم من كان الروح ~~الذى نفخ فى مريم، وهم أرواح طاهرة مطهرة. فكان الترقى فى هذه ms1397 المعانى، ~~وهم فيها يفضلون عيسى وغيره. وبذلك تكون الآية بعيدة عن الأفضلية ~~المطلقة، فلا تدل على أفضلية الملائكة على الرسل فى المنزلة عند الله. ~~وتكون الآية بعيدة عن موطن الخلاف، والترقى دائما يكون فى المعانى التى ~~سيق لها الكلام دون غيرها. وليس المتأخر أعلى فى ذاته من المتقدم وأفضل، ~~ولكنه أعلى فى الفعل الذى كان فيه كقول القائل لا تضرب حراب ولا عبدا. ~~فالتدرج هنا فى النهى عن الضرب، لأنه إذا كان ضرب العبد غير جائز فأولى ~~أن يكون ضرب الحر غير جائز. وذكر وصف المقربين، لأنهم إذا كانوا لا ~~يستنكفون فأولى بذلك غيرهم. ثم هدد - سبحانه - كل من يمتنع عن عبادته ~~والخضوع له فقال { ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر ~~فسيحشرهم إليه جميعا }. أى ومن يأنف من عباده الله ويمتنع ~~عنها، ويأبى الخضوع لطاعة الله ويستكبر عن كل ذلك، فسيجد يوم القيامة ما ~~يستحقه من عقاب بسبب استنكافه واستكباره، فإن مرد العباد جميعا إليه - ~~سبحانه - وسيجازى المحسن بإحسانه، والمسئ بإساءته. فالمضير فى قوله { ~~فسيحشرهم } يعود إلى المستنكفين والمستكبرين وإلى غيرهم من ~~المؤمنين المطيعين بدليل أن الحشر عام للمؤمنين والكافرين، وبدليل ~~التفصيل المفرع على هذا الحشر فى قوله - تعالى - بعد ذلك { فأما ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم ~~أجورهم ويزيدهم من فضله } أى أن مرجع العباد جميعا إلى ~~الله من استكبر عن عبادته وامتنع ومن لم يفعل ذلك بل آمن وأطاع. فأما ~~الذين آمنوا عملوا الأعمال الصالحات، ولم يستنكفوا ولم يستكبروا، ~~فيسعطيهم - سبحانه - ثواب أعمالهم كاملة غير منقوصة، ويزيدهم على ذلك ~~شئنا عظيما من الرضا والفضل ومضاعفة الأجر. # { وأما الذين استنكفوا واستكبروا } عن عبادة الله ~~وطاعته { فيعذبهم عذابا أليما } لا يحيط به الوصف { ولا ~~يجدون لهم من دون الله وليا } أى أحدا يدافع عنهم ويلى ~~أمورهم، ولا يجدون كذلك " نصيرا " ينصرهم وينجيهم من عذاب الله وبأسه. ~~وبعد هذا الوعد والوعيد والتبشير والإنذار، والترغيب والترهيب، وجه - ~~سبحانه - نداء عاما إلى الناس أمرهم فيه باتباع طريق الحق فقال - تعالى - ~~{ يا أيها الناس قد جآءكم ms1398 برهان من ربكم ~~وأنزلنآ إليكم نورا مبينا }. والمراد بالبرهان هنا ~~الدلائل والمعجزات الدالة على صدق النبى صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه ~~عن ربه. ويصح أن يكون المراد به النبى صلى الله عليه وسلم وسماه - سبحانه ~~- بذلك بسبب ما أعطاه من البراهين القاطعة التى شهدت بصدقه صلى الله عليه ~~وسلم، والمراد بالنور المبين القرآن الكريم. قال الفخر الرازى اعلم أنه - ~~تعالى - لما أورد الحجة على جميع الفرق من المنافقين والكفار واليهود ~~والنصارى، وأجاب عن جميع شبهاتهم عمم الخطاب. ودعا جميع الناس إلى ~~الاعتراف برسالة محمد صلى الله عليه وسلم فقال { يا أيها الناس ~~قد جآءكم برهان من ربكم }. والبرهان هو محمد صلى الله ~~عليه وسلم وإنما سماه برهانا، لأن حرفته إقامة البرهان على تحقيق الحق ~~وإبطال الباطل. والنور المبين هو القرآن الكريم. وسماه نورا، لأنه سبب ~~لوقوع نور الإيمان فى القلب... و { من } فى قوله { من ربكم } ~~لابتداء الغاية مجازا، والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لبرهان. أى قد ~~جاءكم برهان كائن من ربكم. وفى وصف البرهان بأنه من الله - تعالى - تقوية ~~وتشريف لمعنى البرهان، لأنه ما دام قد جاء من عند من له الخلق والأمر - ~~سبحانه - فلا بد أن يكون برهانا صادقا مقنعا لمن يريد أن تبع الحق. وقال ~~- سبحانه - { وأنزلنآ إليكم } بإسناد الإنزال إلى ذاته - ~~تعالى -، للإشارة إلى أنه هو مصدر الإنزال. وقال { إليكم } مع أن ~~المنزل عليه هو النبى صلى الله عليه وسلم للإشعار بكمال اللطف بهم، ~~وللمبالغة فى إزالة أعذارهم. ووصف الشرائع والمواعظ والآداب والحكم التى ~~اشتمل عليها القرآن الكريم بالنور المبين أى الواضح الظاهر، لأن هذه ~~الشرائع والآداب. لا يخفى صدقها واشتمالها على الحق إلا على من انطمست ~~بصيرته، وفسدت مداركه. ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة المستجيبين للحق، ~~السالكين الطريق المستقيم، فقال { فأما الذين آمنوا بالله ~~واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ~~ويهديهم إليه صراطا مستقيما }. أى أن الله - تعالى - ~~قد ارسل إلى الناس رسوله وأنزل عليهم بواسطته قرآنه، فمنهم من آمن ~~واهتدى، ومنهم من ms1399 كفر وغوى، فأما الذين آمنوا بالله - تعالى - حق ~~الإيمان، واعتصموا به - سبحانه - مما يضرهم ويؤذيهم، فلم يستجيروا إلا ~~به، ولم يخضعوا إلا له، ولم يعتمدوا إلا عليه. # هؤلاء الذين فعلوا ذلك سيدخلهم الله - تعالى - فى رحمة منه وفضل أى ~~سيدخلهم فى جنته ورضوانه، ويضفى عليهم من فضله وإحسانه بما يشرح صدورهم، ~~ويبهج نفوسهم، ويصلح بالهم. وقوله { ويهديهم إليه صراطا ~~مستقيما } أى ويوفقهم فى دنياهم إلى سلوك الطريق الحق وهو طريق ~~الإسلام، الذى يفضى بهم فى آخرتهم إلى السعادة والأمان والفوز برضا الله ~~- عز وجل -. وقد ذكرت الآية ثواب الذين آمنوا بالله واعتصموا به، ولم ~~تذكر عقاب الذين كفروا إهمالا لهم، لأنهم فى حيز الطرد والطرح، أو لأن ~~عاقبتهم السيئة معروفة لكل عاقل بسب كفرهم وسوقهم عن أمر الله. والسين فى ~~قوله { فسيدخلهم في رحمة منه وفضل } للتأكيد. أى ~~فسيدخلهم فى رحمة كائنة منه وفى فضل عظيم من عنده إدخالا لا شك فى حصوله ~~ووقوعه. وقوله { صراطا } مفعول ثان ليهدى لتضمنه معنى يعرفهم. وبذلك ~~نرى أن هذه الآيات الكريمة قد نهت أهل الكتاب عن المغالاة فى شأن عيسى - ~~عليه السلام -، وعرفتهم حقيقته، ودعتهم إلى الإيمان بوحدانية الله، ~~وبينت لهم ولغيرهم أن عيسى وغيره من الملائكة المقربين لن يستنكفوا عن ~~عبادة الله، وان من امتنع عن عابدة الله فسيحاسبه - سبحانه - حسابا ~~عسيرا، ويجازيه بما يستحقه من عقاب. أما من آمن بالله - تعالى - واتبع ~~الحق الذى أنزله على رسله، فسينال منه - سبحانه - الرحمة الواسعة، والفضل ~~العظيم، والسعادة التى ليست بعدها سعادة. هذا، وكما اشتملت سورة النساء ~~فى مطلعها على الحديث عن أحكام الأسرة وأحكام الزواج والمواريث. فقد ~~اختتمت بهذه الآية المتعلقة ببعض أحكام المواريث وهى قوله - تعالى - { ~~يستفتونك قل الله يفتيكم }. ### || [4.176] # أورد المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه الشيخان ~~وغيرهما عن جابر بن عبد الله قال دخل على النبى صلى الله عليه وسلم وأنا ~~مريض لا أعقل. فتوضأ فصب على أو قال صبوا عليه. فعقلت فقلت إنه لا ms1400 يرثنى ~~إلا كلالة. فكيف الميراث؟ فأنزل الله آية الفرائض. وفى بعض الألفاظ فأنزل ~~الله آية الميراث { يستفتونك قل الله يفتيكم في ~~الكلالة } الآية. وفى رواية قال جابر نزلت فى { يستفتونك ~~قل الله يفتيكم في الكلالة }. ويبدو أن عددا من الصحابة ~~قد سألوا النبى صلى الله عليه وسلم فى شأن ميراث الكلالة فى أزمنة متفرقة ~~فنزلت هذه الآية للأجابة عن أسئلتهم المتعلقة بها. وقد سمى النبى صلى ~~الله عليه وسلم هذه الآية بآية الصيف، لأنها نزلت فى هذا الوقت. قال ~~القرطبى # " قال عمر إنى والله لا أدع شيئا أهم إلى من أمر الكلالة. وقد سألت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عنها فما أغلظ لى فى شئ ما أغلظ لى فيها، حتى ~~طعن بإصبعه فى جنبى أو فى صدرى ثم قال " يا عمر، ألا تكفيك آية الصيف ~~التى أنزلت فى آخر سورة النساء ". # وقوله { يستفتونك } من الاستفتاء بمعنى طلب الفتيا أو الفتوى. ~~يقال استفتيت العالم فى مسألة كذا. أى سألته أن يبين حكمها. فالإفتاء ~~معناه إظهار المشكل من الأحكام وتبينه. والكلالة.. كما يقول الراغب - اسم ~~لما عدا الولد والوالد من الورثة وروى # " أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل عن الكلالة فقال " من مات وليس له ~~ولد ولا والد " # ، فجعله اسما للميت. وقال ابن عباس هو اسم لمن عدا الولد ". وقال ابن ~~كثير ما ملخصه وكان - رضى الله عنه - يقول الكلالة من لا ولد له. وكان ~~أبو بكر - رضى الله عنه - يقول الكلالة ما عدا الولد والوالد. ثم قال وعن ~~عمر أنه قال إنى لأستحى أن أخالف أبا بكر. وهذا الذى قاله الصديق، هو ~~الذى عليه جمهور الصحابة والتابعين والأئمة فى قديم الزمان وحديثه. وهو ~~مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة، وقول علماء الأمصار قاطبة، وهو ~~الذى يدل عليه القرآن. وقد ذكرت كلمة الكلالة مرتين فى هذه السورة. أما ~~المرة الأولى ففى قوله - تعالى -. فى آيات المواريث # وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو ~~أخت فلكل واحد منهما السدس ms1401 فإن كانوا أكثر ~~من ذلك فهم شركآء في الثلث # وقد بينا عند تفسيرنا لهذه الجملة الكريمة أن المراد بالإخوة والأخوات ~~فيها الإخوة لأم والأخوات لأم. أما هنا فالأمر يختلف إذا المراد ~~بالإخوة والأخوات فى الآية التى معنا الإخوة والأخوات الأشقاء أو من ~~الأب فقظ. # والمعنى يسألك أصحابك يا محمد فى كيفية ميراث الكلالة، قل الله يفتيكم ~~فى ذلك، فاسمعوا حكمه وأطيعوه ولا تخالفوه. وقوله { في الكلالة } ~~متعلق بقوله { يفتيكم }. وقد تولى - سبحانه - الإجابة مع أن ~~المسئول هو النبى صلى الله عليه وسلم، للتنويه بشأن الحكم المسئول عنه، ~~ولتأكيد أن المواريث من الأمور التى تكفل الله ببيانها وتوزيعها وحده، ~~فلا يصح لأحد أن يخالف ما شرعه الحكيم الخبير فى شأنها فهو - سبحانه - ~~أعلم بمصالح عباده، وأرحم بهم من آبائهم ومن أبنائهم، ومن كل مخلوق. ~~وقوله { إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها ~~نصف ما ترك وهو يرثهآ إن لم يكن لهآ ولد } ~~كلام مستأنف مبين للاجابة عما سألوا عنه فى شأن ميراث الكلالة. والمختار ~~الذى عليه المحققون من العلماء أن الولد هنا عام يتناول الذكر والأنثى، ~~لأن الكلام فى الكلالة وهو من ليس له ولد أصلا ولا ذكر ولا أنثى وليس له ~~والد - أيضا إلا أنه اقتصر على ذكر الولد ثقة بظهور الأمر. ولأن الولد ~~مشترك معنوى وقع نكرة فى سياق النفى فيعم الإبن والبنت. وقيل المراد ~~بالولد هنا الذكر خاصة لأنه المتبادر من معنى اللفظ. والمراد بالأخت هنا ~~- كما سبق أن أشرنا - الأخت الشقيقة أو الأخت لأب. والمعنى يسألك أصحابك ~~يا محمد عن توريث الكلالة فقل لهم الله يفتيكم فى ذلك، إذا مات إنسان ولم ~~يترك أولادا لا من الذكور ولا من الإناث. ولم يترك كذلك والدا، وترك ~~أختا شقيقة أو من أبيه، فلأخته فى تلك الحالة نصف ما تركه هذا الميت ~~بالفرض، والباقى للعصبة، أولها بالرد إن لم يترك عصبة. وإذا ماتت الأخت ~~قبل أخيها ولم يكن لها ولد - ذكرا كان أو أنثى -، ولم يكن لها كذلك ms1402 ~~والد، فإن الأخ فى تلك الحالة يحرز جميع مالها. وقوله { امرؤ } مرفوع ~~بفعل محذوف يفسره ما بعده أى إن هلك امرؤ وقوله { ليس له ولد } ~~فى محل رفع على أنه صفة لقوله { امرؤ } أى هلك امرؤ غير ذى ولد ولا ~~والد. والفاء فى قوله { فلها نصف ما ترك } واقعة فى جواب ~~الشرط. وقوله { وهو يرثهآ إن لم يكن لهآ ولد } جملة ~~مستأنفة. سدت مسد جواب الشرط فى قوله { إن لم يكن لهآ ولد ~~}. قال الألوسى والآية كما أنها لم تدل على سقوط الإخوة بغير الولد، ~~فإنها لم تدل على عدم سقوطهم به. وقد دلت السنة على أنهم لا يرثون مع ~~الأب. إذ صح عنه - صلى الله عليه وسلم أنه قال # " ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقى فلأولى عصبة ذكر " # ولا ريب فى أن الأب أولى من الأخ. وليس ما ذكر بأول حكمين بين أحدهما ~~بالكتاب والآخر بالسنة. ثم بين - سبحانه - صورتين أخريين من صور الكلالة ~~فقال { فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك ~~وإن كانوا إخوة رجالا ونسآء فللذكر مثل حظ ~~الأنثيين } أى فإن كانتا أى الوارثتان بالأخوة اثنتين أو أكثر، ~~فلهما الثلثان مما ترك أخوهما المتوفى، وإن كان الورثة لهذا الأخ المتوفى ~~إخوة من الرجال والنساء ففى هذه الحالة تقسم تركته بينهم للذكر مثل حظ ~~الانثيين. وبهذا نرى أن الآية الكريمة قد ذكرت صورا أربعا لميراث الإخوة ~~والأخوات للميت الذى لم يترك ولدا ولا والدا. أى الميت الكلالة. 1- أن ~~يموت الميت وترثه أخت واحدة. ففى هذه الحالة يكون لها نصف تركته بالفرض ~~والباقى للعصبة إن وجدوا، فإن لم يوجدوا فلها الباقى بالرد. 2- أن يكون ~~الأمر بالعكس بأن تموت امرأة ويرثها أخ واحد. فيكون له جميع تركتها. 3- ~~أن يكون الميت أخا وأختا والوارث أختان فصاعدا، ففى هذه الحالة يكون لهما ~~أو لهن الثلثان. 4- أن يكون الميت أخا أو أختا، والورثة عدد من الإخوة ~~والأخوات، ففى هذه الحالة تقسم التركة بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. هذا، ~~وظاهر الآية يفيد أن لا فرق ms1403 بين الإخوة الأشقاء والإخوة لأب فى أنهم ~~يشتركون فى التركة إذا اجتمعوا ولكن هذا الظاهر غير مراد، فقد خصصت السنة ~~هذا العموم، فقدمت الأشقاء على الإخوة لأب. فإذا ما اجتمع الصنفان حجب ~~الإخوة الأشقاء الإخوة لأب. وقد تكفلت كتب الفروع ببسط الكلام عن هذه ~~الأحكام وأمثالها. هذا، وقوله - تعالى - { يبين الله لكم أن ~~تضلوا والله بكل شيء عليم } تذييل قصد به إظهار جانب ~~من فضل الله - تعالى - على عباده، وتحذيرهم من مخالفة شرعه وأمره. أى ~~يبين الله لكم هذه الأحكام المتعلقة بالمواريث كما يبين لكم غيرها خشية ~~أن تضلوا طريق الحق فى ذلك. بأن تعطوا من لا يستحق أو تهملوا من يستحق، ~~والله - تعالى - عليم بكل شئ لا تخفى عليه خافية من أحوالكم، وسيحاسبكم ~~على أعمالكم، فيجازى المتبع لشرعة بالثواب العظيم، ويجازى المخالف له ~~بالعذاب الأليم. والمفعول فى قوله { يبين الله لكم أن ~~تضلوا } محذوف، والمصدر المنسبك من أن والفعل مفعول لأجله بتقدير ~~مضاف محذوف أى يبين الله لكم الحلال والحرام وجميع الأحكام خشية أن ~~تضلوا. ويجوز أن يكون المصدر هو مفعول قوله { يبين } أى يبين الله ~~لكم ضلالكم لتجتنبوه، فإن الشر يعرف ليجتنب، والخير يعرف ليفعل. ويرى ~~بعضهم أن الكلام على تقدير اللام ولا فى طرفى " أن " والمعنى يبين الله ~~لكم ذلك لئلا تضلوا. ثم أما بعد فهذا تفسير وسيط لسورة النساء. # تلك السورة التى نظمت المجتمع الإسلامى تنظيما دقيقا حكيما. نظمته فيما ~~يتعلق بأوضاعه الداخلية، ونظمته فيما يتعلق بأوضاعه الخارجية. أما فيما ~~يتعلق بأوضاعه الداخلية، فقد رأينا فيما سبق، كيف ساقت الأحكام والآداب ~~والتوجيهات التى تكون مجتمعا فاضلا، يعرف الفرد فيه واجبة نحو خالقه، ~~وواجبه نحو نفسه، وواجبه نحو غيره. مجتمعا تقوم الأسرة فيه على دعائم ~~ثابتة من الأمان والاطمئنان، والمحبة والمودة والوئام. مجتمعا رجاله ~~يكرمون نساءه، ويعطفون عليهن، ويعاشروهن بالمعروف. ونساؤه يحترمن رجاله، ~~ويؤدين ما عليهن نحوهم من حقوق بأدب، وعفة، وإخلاص، ووفاء. مجتمعا حكامه ~~يحكمون بالعدل، ويراقبون الله فى أقوالهم وأعمالهم. المحكومون فيه ~~يطيعيون حكامهم فيما ms1404 يأمرونهم به من حق وخير. مجتمعا يرى أفراده أن ~~خيراته وأمواله. هى أمانة فى أعناقهم جميعا، وأن ثمارها ومنافعها ستعود ~~عليهم جميعا. لذا فهم يحرصون على استغلال ما يملكونه منها فيما يرضى ~~الله، وفيما يعود عليهم وعلى أمتهم بالخير والصلاح والاستغناء والفلاح. ~~وأما فيما يتعلق بأوضاعه الخارجية، فقد رأينا - أيضا - فيما سبق، كيف ~~كشفت النقاب عن راذائل المنافقين. وعن العقائد الفاسدة التى يتشبث بها ~~أهل الكتاب. وعن المسالك الخبيثة، والوسائل المتعددة التى اتبعها هؤلاء ~~جميعا لكيد الدعوة الإسلامية والإساءة إلى النبى صلى الله عليه وسلم. كما ~~رأينا كيف أنها قد حذرت المؤمنين من شرور أعدائهم، وبصرتهم بما يجب عليهم ~~نحوهم. وبما يجعلهم دائما على أتم استعداد لمقاومتهم، ولتأديبهم ولرد ~~كيدهم فى نحوهم. ولقد ساقت السورة الكريمة من الآيات التى ترغب فى الجهاد ~~فى سبيل الله، ما يجعل المؤمنين يقبلون عليه بقلوب منشرحة، وبعزائم ~~ثابتة، وبأرواح غايتها الشهادة فى سبيل الله. وباتباع المسلمين السابقين ~~لهذا التوجيه الحكيم الذى اشتملت عليه هذه السورة الكريمة، نالوا ما ~~نالوا من مجد وسؤدد، وظفروا بما ظفروا به من عزة وسعادة، وأصابوا ما ~~أصابوا من خير وفلاح. وأخيرا، فإنى أحمد الله - تعالى - حمدا كثيرا على ~~توفيقه لى لخدمة كتابه، وأضرع إليه بإخلاص أن يعيننى على إتام ما بدأته ~~من خدمة كتابه، إنه أعظم مسئول وأكرم مأمول. ### | [5 - سورة المائدة] ### || [5.1] # قوله { أوفوا } من الإيفاء. ومعناه الإتيان بالشىء وافيا تاما لا ~~نقص فيه، ولا نقض معه. يقال وفى بالعهد وأوفى به إذا أدى ما التزم به. ~~قال صاحب الانتصاف ورد في الكتاب العزيز { وفى } بالتضعيف فى قوله - ~~تعالى - { وإبراهيم الذي وفى }. وورد " أوفى " كثيرا. ومنه ~~{ أوفوا بالعقود }. وأما { وفى } ثلاثيا فلم يرد إلا فى ~~قوله - تعالى - # ومن أوفى بعهده من الله # لأنه بنى أفعل التفضيل من " وفى " إذ لا يبنى إلا من ثلاثي ". والعقود ~~جمع عقد - بفتح العين -. وهو العهد الموثق. قال الراغب الجمع بين أطراف ~~الشىء. ويستعمل ذلك فى الأجسام الصلبة كعقد الحبل، وعقد البناء. ثم ms1405 ~~يستعار ذلك للمعانى نحو عقد البيع والعهد وغيرهما فيقال عاقدته، وعقدته، ~~وتعاقدنا. وهو مصدر استعمل اسما فجمع نحو. { أوفوا بالعقود }. ~~وقد فرق بعضهم بين العقد والعهد فقال " والعقود جمع عقد وهو بمعنى ~~المعقود وهو أوكد العهود. والفرق بين العقد والعهد أن العقد فيه معنى ~~الاستيثاق والشد، ولا يكون إلا بين متعاقدين. والعهد قد ينفرد به الواحد. ~~فكل عقد عهد ولا يكون كل عهد عقدا ". والمراد بالعقود هنا ما يشمل العقود ~~التى عقدها الله علينا وألزمنا بها من الفرائض والواجبات والمندوبات، وما ~~يشمل العقود التى تقع بين الناس بعضهم مع بعض فى معاملاتهم المتنوعة وما ~~يشمل العهود التى يقطعها الإنسان على نفسه، والتى لا تتنافى مع شريعة ~~الله - تعالى -. وبعضهم يرى أن المراد بالعقود هنا ما يتعاقد عليه الناس ~~فيما بينهم كعقود البيع وعقود النكاح. وبعضهم يرى أن المراد بها هنا ~~العهود التى كانت تؤخذ فى الجاهلية على النصرة والمؤازرة للمظلوم حتى ~~ينال حقه. والأول أولى لأنه أليق بعموم اللفظ، إذ هو جمع محلى بأل ~~المفيدة للجنس وأوفى بعموم الفائدة. قال القرطبى والمعنى أوفوا بعقد الله ~~عليكم، وبعقدكم بعضكم على بعض. وهذا كله راجع إلى القول بالعموم وهو ~~الصحيح فى الباب. قال - صلى الله عليه وسلم # " المؤمنون عند شروطهم " # وقال # " كل شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط ". # فبين أن الشرط أو العقد الذى يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله أى دين ~~الله. فإن ظهر فيها ما يخالف رد، كما قال صلى الله عليه وسلم # " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ". # والبهيمة اسم لذوات الأربع من دواب البر والبحر. قال الفخر الرازى قالوا ~~كل حى لا عقل له فهو بهيمة من قولهم استبهم الأمر على فلان إذا أشكل ~~عليه. # وهذا باب مبهم أي مسدود الطريق. ثم اختص هذا الاسم بكل ذات أربع فى البر ~~والبحر ". والأنعام جمع نعم - بفتحتين - وأكثر ما يطلق على الإبل، لأنها ~~أعظم نعمة عند العرب. والمراد بالأنعام هنا ما يشمل ms1406 الإبل والبقر والغنم ~~ويلحق بها كل حيوان أو طير يتغذى من النبات، ولم يرد نص بتحريمه فيدخل ~~الظبى وحمار الوحش وغيرهما من آكلات العشب، كما تدخل الطيور غير الجارحة ~~وإضافة البهيمة إلى الأنعام إضافة بيانية من إضافة الجنس إلى ما هو أخص ~~منه كشجر الأراك، وثوب الخز. أى أحل الله لكم أيها المؤمنون الانتفاع ~~ببهيمة الأنعام. وهذا الانتفاع بلحمها وجلدها وعظمها وصوفها وما أشبه ذلك ~~مما أحله الله منها. وقال الآلوسى ما ملخصه وقال غير واحد البهيمة اسم ~~لكل ذات أربع من دواب البر والبحر. وإضافتها إلى الأنعام للبيان كثوب خز. ~~أى أحل لكم أكل البهيمة من الأنعام. وهى الأزواج الثمانية المذكورة فى ~~سورتها. وأفردت البهيمة لإرادة الجنس وجمع الأنعام ليشمل أنواعها. وألحق ~~بها الظباء وبقر الوحش. وقيل هما المراد بالبهيمة ونحوهما مما يماثل ~~الأنعام فى الاجترار وعدم الأنياب. وإضافتها إلى الأنعام حينئذ لملابسة ~~المشابهة بينهما. وقيل المراد ببهيمة الأنعام ما يخرج من بطونها من ~~الأجنة بعد ذكاتها وهى ميتة، فيكون مفاد الآية صريحا حل أكلها. وبه قال ~~الشافعى. وقوله { إلا ما يتلى عليكم } استثناء مما أحله - ~~سبحانه - لهم من بهيمة الأنعام. أى أحل الله لكم بهيمة الأنعام إلا ما ~~يتلى عليكم بعد ذلك فى كتابه أو على لسان رسوله فإنه محرم عليكم. قال ~~القرطبى قوله - تعالى - { إلا ما يتلى عليكم } أى يقرأ ~~عليكم فى القرآن والسنة من قوله - تعالى - فى الآية الثالثة من السورة ~~نفسها - # حرمت عليكم الميتة والدم # إلخ وقوله صلى الله عليه وسلم # " كل ذى ناب من السباع فأكله حرام ". # فإن قيل الذى يتلى علينا الكتاب وليس السنة؟ قلنا كل سنة لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فهى كتاب الله. والدليل عليه أمران أحدهما حديث العسيف " ~~لأقضين بينكما بكتاب الله " والرجم ليس منصوصا عليه فى كتاب الله. ~~الثانى حديث عبد الله بن مسعود " ومالى لا ألعن من لعن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو فى كتاب الله. ويحتمل ألا ما يتلى عليكم الآن. أو ما ~~يتلى ms1407 عليكم فيما بعد من مستقبل الزمان على لسان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فيكون فيه دليل على جواز تأخير البيان عن وقت لا يفتقر فيه إلى ~~تعجيل الحاجة. وقوله { غير محلي الصيد وأنتم حرم } ~~بيان لما حرم عليهم فى أحوال معينة، وبسبب أمور اقترنت به. # وقوله { حرم } جمع حرام. يقال. أحرم الرجل فهو محرم وحرام وهم حرم. ~~وقوله { محلي } جمع محل بمعنى مستحل. والصيد مصدر بمعنى الاصطياد. أو ~~اسم للحيوان المصيد. وقوله { غير محلي الصيد } حال من الضمير ~~فى { لكم }. وقوله { وأنتم حرم } ، حال من الضمير فى { ~~محلي }. والمعنى يأيها الذين آمنوا كونوا أوفياء بعهودكم مع الله ومع ~~أنفسكم ومع غيركم، فقد أحل الله - تعالى - بهيمة الأنعام لتنتفعوا بها ~~فضلا منه وكرما، إلا أنه - سبحانه - حرم عليكم أشياء رحمة بكم فاجتنبوها. ~~كما حرم عليكم الاصطياد أو الانتفاع بالمصيد وأنتم محرمون بحج أو عمرة، ~~سواء أكنتم فى الحل أم كنتم فى الحرم، ويدخل فى حكم المحرم من كان فى ~~الحرم وليس محرما. وذلك لأن المحرم أو من كان فى أرض الحرم يجب عليه أن ~~يكون مشتغلا بما يرضى الله، وأن يحترم هذه الأماكن المقدسة التى جعلها ~~الله أماكن أمان، واطمئنان وعبادة لله رب العالمين. وقد دعا الله - تعالى ~~- المؤمنين إلى الوفاء بالعقود وناداهم بوصف الإيمان، ليحثهم على امتثال ~~ما كلفهم به، لأن الشأن فى المؤمن أن يمتثل لما أمره الله به أو لما نهاه ~~عنه. روى ابن أبى حاتم، أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود فقال اعهد إلى. ~~فقال له إذا سمعت الله يقول { يا أيها الذين } فارعها سمعك فإنك ~~خير يأمر به، أو شر ينهى عنه وقوله { إن الله يحكم ما يريد ~~} تذييل قصد به بيان مشيئة الله النافذة، وإرادته الشاملة، وحكمه الذى لا ~~يعقب عليه معقب. أى إن الله يحكم بما يريد أن يحكم به من الأحكام التى ~~تتعلق بالحلال وبالحرام وبغيرهما، بمقتضى مشيئته المبنية على الحكم ~~البالغة، دون أن ينازعه منازع، أو يعارضه معارض، فاستجيبوا - أيها ms1408 ~~المؤمنون - لحكمة لتنالوا السعادة فى الدنيا والآخرة. هذا، وقد أخذ ~~العلماء من هذه الآية الكريمة وجوب الوفاء بالعهود التى شرعها الله - ~~تعالى - وهذا المعنى ترى سورة المائدة زاخرة به فى كثير من آياتها. فأنت ~~ترى فى مطلعها هذه الآية الكريمة التى تحض على الوفاء بالعقود، ثم ترى ~~الآية الثانية منها تنهى عن الإخلال بشىء من شعائر الله، ثم تراها بعد ~~ذلك بقليل تذكر المؤمنين بنعم الله عليهم وبميثاقه الذى واثقهم به # واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي ~~واثقكم به # ثم تحكى أن من الأسباب التى أدت إلى طرد بنى إسرائيل من رحمة الله، ~~نقضهم لمواثيقهم. # فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم # وهكذا نرى السورة الكريمة حافلة بالتوجيهات التى تحض المؤمنين على ~~التزام العهود والموثيق التى شرعها الله وتحذرهم عاقبة إهمالها، أو ~~الإخلال بشىء منها. كما أخذا العلماء منها حل بهيمة الأنعام من جهة ~~الانتفاع بلحومها وجلودها وأصوافها. # وحرمة ما حرم الله - تعالى - منها فى مواطن أخرى. كما أخذوا منها حرمة ~~الاصطياد أو الانتفاع بالمصيد على من كان محرما بحج أو عمرة، وعلى من كان ~~فى أرض الحرم ولو لم يكن محرما. قال القرطبى وهذه الآية تلوح فصاحتها. ~~وكثرة معانيها على قلة ألفاظها لكل ذى بصيرة بالكلام فإنه تضمنت خمسة ~~أحكام الأول الأمر بالوفاء بالعقود. الثاني تحليل بهيمة الأنعام. الثالث ~~استثناء ما يلى بعد ذلك. الرابع استثناء حال الإحرام فيما يصاد. الخامس ~~ما تقتضيه الآية من إباحة الصيد لمن ليس بمحرم. وحكى النقاش أن أصحاب ~~الكندى قالوا له أيها الحكيم اعمل لنا شيئا مثل هذا القرآن فقال نعم ~~أعمل مثل بعضه. فاحتجب أياما كثيرة ثم خرج فقال والله ما أقدر ولا يطيق ~~هذا أحد. إنى فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة. فنظرت فإذا هو نطق بالوفاء ~~ونهى عن النكث، وحلل تحليلا عاما، ثم استثنى استثناء بعد استثناء، ثم ~~أخبر عن قدرته وحكمته فى سطرين، ولا يقدر أحد أن يأتى بهذا. وبعد أن أشار ~~- سبحانه - إلى ما أحل لعباده من طيبات، وما حظره عليهم من ms1409 أفعال، أتبع ~~ذلك بنداء آخر إليهم نهاهم فيه عن استحلال أشياء معينة فقال - تعالى - { ~~يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعآئر... } ### || [5.2] # قوله { لا تحلوا } من الإحلال الذى هو ضد التحريم. ومعنى عدم ~~إحلالهم لشعائر الله تقرير حرمتها عملا واعتقادا، والالتزام بها بالطريقة ~~التى قررتها شريعة الله. والشعائر جمع شعيرة - على وزن فعلية - وهى فى ~~الأصل ما جعلت شعارا على الشىء وعلامة عليه من الإشعار بمعنى الإعلام. ~~وكل شىء اشتهر فقد علم. يقال شعرت بكذا. أي علمته. والمراد بشعائر الله ~~هنا حدوده التى حدها، وفرائضه التي فرضها وأحكامه التى أوجبها على عباده. ~~ويرى بعضهم أن المراد بشعائر الله هنا مناسك الحج وما حرمه فيه من لبس ~~للثياب فى أثناء الإحرام. ومن غير ذلك من الأفعال التى نهى الله عن فعلها ~~فى ذلك الوقت فيكون المعنى. لا تحلوا ما حرم عليكم حال إحرامكم. والقول ~~الأول أولى لشموله جميع التكاليف التى كلف الله بها عباده. وقد رجحه ابن ~~جرير بقوله وأولى التأويلات بقوله { لا تحلوا شعآئر الله } ~~قول من قال لا تحلوا حرمات الله، ولا تضيعوا فرائضه. فيدخل فى ذلك مناسك ~~الحج وغير ذلك من حدوده وفرائضه وحلاله وحرامه. وإنما قلنا ذلك القول ~~أولى، لأن الله نهى عن استحلال شعائره ومعالم حدوده وإحلالها، نهيا عاما ~~من غير اختصاص شىء من ذلك دون شىء. فلم يجز لأحد أن يوجه معنى ذلك إلى ~~الخصوص إلا بحجة يجب التسليم لها ولا حجة بذلك ". وأضاف - سبحانه - ~~الشعائر إليه. تشريفا لها، وتهويلا للعقوبة التى تترتب على التهاون ~~بحرمتها. وعلى مخالفة ما أمر الله به فى شأنها. وقوله { ولا الشهر ~~الحرام } معطوف على شعائر الله. والمراد به الجنس. فيدخل فى ذلك جميع ~~الاشهر الحرم. وهى أربعة ذو العقدة، وذو الحجة والمحرم، ورجب. وسمي الشهر ~~حراما باعتبار أن إيقاع القتال فيه حرام. أى لا تحلوا - أيها المؤمنون - ~~القتال فى الشهر الحرام، ولا تبدأوا أعداءكم فيه بقتال. قال ابن كثير ~~يعنى بقوله { ولا الشهر الحرام } تحريمه، والاعتراف بتعظيمه، ~~وترك ما ms1410 نهى الله عن تعاطيه فيه، من الابتداء بالقتال كما قال - تعالى # يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال ~~فيه كبير # وقال - تعالى - # إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا # وفى صحيح البخارى عن أبى بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فى ~~حجة الوداع # " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض والسنة اثنا ~~عشر شهرا. منها أربعة حرم " # وهذا يدل على استمرار تحريمها إلى آخر وقت. كما هو مذهب طائفة من السلف. ~~وذهب الجمهور إلى أن ذلك منسوخ. وأنه يجوز ابتداء القتال فى الأشهر ~~الحرم. # واحتجوا بقوله - # فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم # والمراد أشهر التسيير الأربعة. قالوا فلم يستثن شهرا حراما من غيره. ~~والمقصود بالهدى فى قوله { ولا الهدي } ما يتقرب به الإنسان إلى ~~الله من النعم ليذبح فى الحرم، وهو جمع هدية - بتسكين الدال -، أي ولا ~~تحلوا حرمة ما يهدى إلى البيت الحرام من الأنعام تقربا إلى الله - تعالى ~~- بأن تتعرضوا له بنحو غصب وسرقة أو حبس عن بلوغه إلى محله. وخص ذلك ~~بالذكر مع دخوله فى الشعائر، لأن فيه نفعا للناس، لأنه قد يتساهل فيه ~~أكثر من غيره، ولأن فى ذكره تعظيما لشأنه. وقوله { ولا القلائد } ~~جمع قلادة، وهى ما يقلد به الهدى ليعلم أنه مهدى إلى البيت الحرام فلا ~~يتعرض له أحد بسوء. وقد كانوا يضعون فى أعناق الهدى ضفائر من صوف، ويربط ~~بعنقها نعلان أو قطعة من لحاء الشجر أو غيرهما ليعلم أنه هدى فلا يعتدى ~~عليه. والمراد ولا تحلوا ذوات القلائد من الهدى بأن تتعرضوا لها بسوء. ~~وخصت بالذكر مع أنها من الهدى تشريفا لها واعتناء بشأنها. لأن الثواب ~~فيها أكثر، وبهاء الحج بها أظهر. فكأنه قيل لا تحلوا الهدى وخصوصا ذوات ~~القلائد منه. ويجوز أن يراد النهى عن التعرض لنفس القلائد مبالغة فى ~~النهى عن التعرض لذواتها أى لا تتعرضوا لقلائد الهدى فضلا عن ذاته. وقد ~~أشار صاحب الكشاف إلى هذين الوجهين بقوله وأما ms1411 القلائد ففيها وجهان ~~أحدهما أن يراد بها ذوات القلائد من الهدى وهى البدن. وتعطف على الهدى ~~للاختصاص وزيادة التوصية بها لأنها أشرف الهدى كقوله # وجبريل وميكال # كأنه قيل والقلائد منها خصوصا. والثانى أن ينهى عن التعرض لقلائد الهدى ~~مبالغة فى النهى عن التعرض للهدى، على معنى ولا تحلوا قلائدها فضلا عن أن ~~تحلوها. كما قال # ولا يبدين زينتهن # فنهى عن إبداء الزينة مبالغة فى النهى عن إبداء مواقعها ". وقوله { ~~ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ~~ورضوانا } معطوف على قوله { لا تحلوا شعآئر الله }. ~~وقوله { آمين } جمع آم من الأم وهو القصد المستقيم. يقال أممت كذا أى ~~قصدته أى ولا تحلوا أذى قوم قاصدين زيارة البيت الحرام بأن تصدوهم عن ~~دخوله حال كونهم يطلبون من ربهم ثوابا. ورضوانا لتعبدهم فى بيته ~~المحرم. ولكن ما المراد بهؤلاء الآمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ~~ورضوانا؟ قال بعضهم المراد بهم المسلمون الذين يقصدون بيت الله للحج ~~والزيارة. فلا يجوز لأحد أن يمنعهم من ذلك بسبب نزاع أو خصام لأن بيت ~~الله - تعالى - مفتوح للجميع وعلى هذا يكون التعرض لعنوان الربوبية مع ~~الإضافة إلى ضميرهم فى قوله { من ربهم } للتشريف والتكريم. ~~وجملة { يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا } حال من ~~الضمير المستكن فى قوله { آمين } وقد جىء بها لبيان مقصدهم الشريف، ~~ومسعاهم الجليل. # أى قصدوا البيت الحرام يبتغون رزقا أو ثوابا من ربهم، ويبتغون ما هو ~~أكبر من كل ذلك وهو رضاه - سبحانه - عنهم. وعلى هذا القول تكون الآية ~~الكريمة محكمة ولا نسخ فيها، وتكون توجيها عاما من الله - تعالى - ~~لعباده بعدم التعرض بأذى لمن يقصد زيارة المسجد الحرام من إخوانهم ~~المؤمنين، مهما حدث بينهم من نزاع أو خلاف. وقال آخرون المراد بهم ~~المشركون. واستدلوا بما رواه ابن جرير عن السدى من أن الآية نزلت فى رجل ~~من بنى ربيعة يقال له الحطين بن هند، وذلك أنه أتى إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فسأله إلام تدعو؟ فقال له النبي صلى الله عليه ms1412 وسلم ادعوا إلى ~~شهادة أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله، فقال له حسن ما تدعو إليه إلا ~~أن لى أمراء لا أقطع أمرا دونهم، ولعلى أسلم وآتى بهم. فلما خرج مر بسرح ~~من سرح المدينة فساقه وانطلق به. ثم أقبل من العام القادم حاجا ومعه ~~تجارة عظيمة. فسأل المسلمون النبى صلى الله عليه وسلم أن يأذن لهم فى ~~التعرض له. فأبى النبي صلى الله عليه وسلم ثم نزلت الآية. وعلى هذا القول ~~يفسر ابتغاء الفضل بمطلق الرزق عن طريق التجارة. وابتغاء الرضوان بأنهم ~~كانوا يزعمون انهم على سداد من دينهم، وأن الحج يقربهم من الله، فوصفهم - ~~سبحانه - على حسب ظنهم وزعمهم. ثم نسخ ذلك بقوله - تعالى - # إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا # وعليه يكون ابتغاء الفضل والرضوان عاما الدنيوى والأخروى ولو فى زعم ~~المشركين. والذى نراه أولى هو القول الأول، لأن الآية الكريمة مسوقة ~~لبيان ما يجب على المؤمنين أن يفعلوه نحو شعائر الله التى هى حدوده ~~وفرائضه ومعالم دينه، ولأن قوله - تعالى - { يبتغون فضلا من ~~ربهم ورضوانا } هذا الوصف إنما يليق بالمسلم دون الكافر، إذ ~~المسلمون وحدهم الذين يقصدون بحجهم وزيارتهم لبيت الله الثواب والرضوان ~~منه - سبحانه -. قال الفخر الرازى " أمرنا الله فى هذه الآية أن لا نخيف ~~من يقصد بيته من المسلمين، وحرم علينا أخذ الهدى من المهدين إذا كانوا ~~مسلمين. والدليل عليه أول الآية وآخرها. أما أول الآية فهو { لا ~~تحلوا شعآئر الله } وشعائر الله إنما تليق بنسك المسلمين ~~وطاعتهم لا بنسك الكفار. وأما آخر الآية فهو قوله { يبتغون فضلا ~~من ربهم ورضوانا } وهذا إنما يليق بالمسلم لا بالكافر ". ~~وبذلك نرى الآية الكريمة قد نهت المؤمنين عن استحلال أى شىء من الشعائر ~~التى حرم الله - تعالى - استحلالها، وخصت بالذكر هذه الأمور الأربعة التى ~~عطفت عليها اهتماما بشأنها وزجرا للنفوس عن انتهاك حرمتها، لأن هذه ~~الأمور الأربعة منها ما ترغب فيه النفوس بدافع شهوة الانتقام، ومنها ما ~~ترغب فيه النفوس بدافع المتعة ms1413 والميل القلبى، ومنها ما ترغب فيه النفوس ~~بدافع الطمع وحب التملك. # ثم أتبع - سبحانه - هذا النهى ببيان جانب من مظاهر فضله. حيث أباح لهم ~~الصيد بعد الانتهاء من إحرامهم فقال { وإذا حللتم فاصطادوا ~~}. أى وإذا خرجتم من إحرامكم أبيح لكم الصيد، وأبيح لكم أيضا كل ما كان ~~مباحا لكم قبل الإحرام. وإنما خص الصيد بالذكر، لأنهم كانوا يرغبون فيه ~~كثيرا. كبيرهم وصغيرهم، وغنيهم وفقيرهم. والإشارة إلى أن الذى ينبغى ~~الحرص عليه هو ما يعد قوتا تندفع به الحاجة فقط لا ما يكون من الكماليات ~~ولا يكون إرضاء للشهوات. والأمر فى قوله { فاصطادوا } للإباحة، ~~لأنه ليس من الواجب على المحرم إذا حل من إحرامه أن يصطاد. بل يباح له ~~ذلك كما كان الشأن قبل الإحرام ومثله قوله - تعالى - # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض # أى أبيح لكم ذلك بعد الفراغ من الصلاة. ثم نهى - سبحانه - المؤمنين على ~~أن يحملهم البغض السابق لقوم لأنهم صدوهم عن المسجد الحرام على أن ~~يمنعوهم من دخوله كما منعهم من دخوله أولئك القوم فقال - تعالى - { ولا ~~يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد ~~الحرام أن تعتدوا }. والجملة الكريمة معطوفة على قوله { لا ~~تحلوا شعآئر الله } لزيادة تقرير مضمونه. ومعنى { ولا ~~يجرمنكم } ولا يحملنكم مأخوذ من جرمه على كذا إذا حمله عليه، أو ~~معناه ولا يكسبنكم من جرم بمعنى كسب، غير أنه فى كسب ما لا خير فيه ومنه ~~الجريمة. وأصل الجرم قطع الثمرة من الشجرة، أطلق على الكسب، لأن الكاسب ~~ينقطع لكسبه. قال صاحب الكشاف جرم يجرى مجرى " كسب " فى تعديه إلى مفعول ~~واحد واثنين. تقول جرم ذنبا نحو كسبه وجرمته ذنبا، نحو كسبته إياه. ويقال ~~أجرمته ذنبا، على نقل المتعدى إلى مفعول بالهمزة إلى مفعولين. كقولهم ~~أكسبته ذنبا ". والشنآن البغض الشديد. يقال شنئت الرجل أشنؤه شنأ وشنأة ~~وشنآنا إذا أبغضته بغضا شديدا. والمعنى ولا يحملنكم - أيها المؤمنون - ~~بغضكم الشديد لقوم بسبب أنهم منعوكم من دخول المسجد الحرام، لا يحملنكم ~~ذلك على أن تعتدوا عليهم، فإن ms1414 الشرك إذا كان يبرر هذا العمل، فإن ~~الإسلام - وهو دين العدل والتسامح - لا يبرره ولا يقبله، ولكن الذى ~~يقبله الإسلام هو احترام المسجد الحرام، وفتح الطريق إليه أمام الناس ~~حتى يزداد المؤمن إيمانا، ويفئ العاصى إلى رشده وصوابه. قال ابن كثير ~~وقوله { ولا يجرمنكم شنآن قوم } أى ولا يحملنكم بغض قوم، ~~" قد كانوا صدوكم عن المسجد الحرام - وذلك عام الحديبية -، على أن تعتدوا ~~حكم الله فيهم فتقتصوا منهم ظلما وعدوانا، بل احكموا بما أمركم الله به ~~من العدل فى حق كل أحد. # . فإن العدل واجب على كل أحد. فى كل أحد، وفى كل حال. والعدل، به قامت ~~السموات والأرض. وقال بعض السلف ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع ~~الله فيه. وعن زيد بن أسلم، قال " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه بالحديبية، حين صدهم المشركون عن البيت، وقد اشتد ذلك عليهم، فمر ~~بهم ناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة. فقال الصحابة. نصد ~~هؤلاء كما صدنا أصحابهم، فنزلت هذه الآية ". وقوله { شنآن قوم } ~~مصدر مضاف لمفعوله. أى لا يحملنكم بغضكم قوما. وقوله { أن صدوكم } ~~- بفتح همزة أن - مفعول لأجله بتقدير اللام. أى لأن صدوكم فهو متعلق ~~بالشنآن. وقوله { أن تعتدوا } فى موضع نصب على أنه مفعول به. أى لا ~~يحملنكم بغضكم قوما لصدهم إياكم عن المسجد الحرام الاعتداء عليهم. وقراءة ~~{ أن صدوكم } بفتح الهمزة - هى قراءة الجمهور، وهى تشير إلى أن ~~الصد كان فى الماضى، وهى واضحة ولا إشكال عليها. قال الجمل وفى قراءة ~~لأبى عمرو وابن كثير بكسر همزة أن على أنها شرطية وجواب الشرط دل عليه ما ~~قبله. وفيها إشكال من حيث إن الشرط يقتضى أن الأمر المشروط لم يقع. مع أن ~~الصد كان قد وقع. لأنه كان فى عام الحديبية وهى سنة ست. والآية نزلت عام ~~الفتح سنة ثمان، وكانت مكة عام الفتح فى أيدى المسلمين فكيف يصدون عنه؟ ~~وأجيب بوجهين أولهما لا نسلم أن الصد كان قيل نزول الآية فإن ms1415 نزولها عام ~~الفتح غير مجمع عليه. والثانى أنه وإن سلمنا أن الصد كان متقدما على ~~نزولها فيكون المعنى إن وقع صد مثل ذلك الصد الذى وقع عام الحديبية - فلا ~~تعتدوا - قال بعضهم وهذا لا يمنع من الجزاء على الاعتداء بالمثل، لأن ~~النهى عن استئناف الاعتداء على سبيل الانتقام، فإن من يحمله البغض ~~والعداوة على الاعتداء على من يبغضه يكون منتصرا لنفسه لا للحق، وحينئذ ~~لا يراعى المماثلة ولا يقف عند حدود العدل ". ثم أمر الله - تعالى - ~~عباده بالتعاون على فعل الخيرات وعلى ترك المنكرات فقال { وتعاونوا ~~على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم ~~والعدوان }. والبر معناه التوسع فى فعل الخير، وإسداء المعروف إلى ~~الناس. والتقوى تصفية النفس وتطهيرها وإبعادها عن كل ما نهى الله عنه. ~~قال القرطبى قال الماوردى ندب الله - تعالى - إلى التعاون بالبر، وقرنه ~~بالتقوى له، لأن فى التقوى رضا الله، وفى البر رضا الناس. # ومن جمع بين رضا الله ورضا الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته. والإثم - ~~كما يقول الراغب - اسم للأفعال المبطئة عن الثواب وجمعه آثام، والآثم هو ~~المتحمل للإثم. ثم أطلق على كل ذنب ومعصية. والعدوان تجاوز الحدود التى ~~أمر الشارع الناس بالوقوف عندها. أى وتعاونوا - أيها المؤمنون - على كل ~~ما هو خير وبر وطاعة لله - تعالى -، ولا تتعاونوا على ارتكاب الآثام ولا ~~على الاعتداء على حدوده، فإن التعاون على الطاعات والخيرات يؤدى إلى ~~السعادة، أما التعاون على ما يغضب الله - تعالى - فيؤدى إلى الشقاء. قال ~~الآلوسى والجملة عطف على قوله { ولا يجرمنكم } من حيث المعنى، ~~فكأنه قيل لا تعتدوا على قاصدى المسجد الحرام لأجل أن صدوكم عنه، ~~وتعاونوا على العفو والإغضاء. وقال بعضهم هو استئناف، والوقف على { أن ~~تعتدوا } لازم. هذا، وفى معنى هذه الجملة الكريمة وردت أحاديث كثيرة ~~منها ما رواه مسلم عن أبى مسعود الانصارى قال # " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنى أبدع بى ~~- أى هلكت دابتى التى أركبها - فاحملنى فقال " ما عندى " فقال رجل ms1416 يا ~~رسول الله، أنا أدله على من يحمله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ~~من دل على خير فله مثل أجر فاعله " # وروى الإمام مسلم - أيضا - عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من ~~أجورهم شيئا. ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه. ~~لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا ". # وقوله - تعالى - { واتقوا الله إن الله شديد ~~العقاب } تذييل قصد به إنذار الذين يتعاونون على الإثم والعدوان. أى ~~اتقوا الله - أيها الناس - واخشوه فيما أمركم ونهاكم، فإنه - سبحانه شديد ~~العقاب لمن خالف أمره، وانحرف عن طريقه القويم. وبذلك نرى أن الآية ~~الكريمة قد نهت المؤمنين عن استحلال ما حرمه الله عليهم من محارم، وعن ~~الإخلال بشىء من أحكامها كما نهتهم عن أن بحملهم بغضهم لغيرهم على ~~الاعتداء عليه وأمرتهم بأن يتعاونوا على فعل الخير الذى ينفعهم وينفع ~~غيرهم من الناس وعلى ما يوصلهم إلى طاعته - سبحانه - وحسن مثوبته، ولا ~~يتعاونوا على الأفعال التي يأثم فاعلها، وعلى مجاوزة حدود الله بالاعتداء ~~على غيرهم. ثم حذرتهم فى نهايتها من العقاب الشديد الذى ينزله سبحانه - ~~بكل من عصاه، وانحرف عن هداء. ثم شرع - سبحانه - فى بيان المحرمات التى ~~أشار إليها قبل ذلك بقوله # إلا ما يتلى عليكم # فبين ما يحرم أكله من الحيوان لأسباب معينة فقال - تعالى - { حرمت ~~عليكم الميتة والدم... } ### || [5.3] # ففى هذه المحرمات يتلى فى قوله - تعالى - { حرمت عليكم ~~الميتة }.. والميتة كما يقول ابن جرير - كل ما له نفس - أى دم ونحوه ~~- سائلة من دواب البر وطيره، مما أباح الله أكلها. أهليها ووحشيها ~~فارقتها روحها بغير تذكية. وقال بعضهم الميتة هو كل ما فارقته الحياة من ~~دواب البر وطيره بغير تذكية شرعية، مما أحل الله أكله " أى حرم الله ~~عليكم - أيها المؤمنون - أكل الميتة لخبث لحمها، ببقاء بعض المواد الضارة ~~فى جسمها. وقد أجمع العلماء على حرمة ms1417 أكل الميتة، أما شعرها وعظمها فقال ~~الأحناف بطارتهما وبجواز الانتفاع بهما. وقال الشافعية بنجاستهما وبعدم ~~جواز استعمالهما. وقد استثنى العلماء من الميتة المحرمة السمك والجراد. ~~فقد أخرج البخارى ومسلم وغيرهما من حديث ابن أبى أو فى قال " غزونا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد ". وفيهما - أيضا - ~~من حديث جابر، " إن البحر ألقى حوتا ميتا فأكل منه الجيش. فلما قدموا ~~قالوا للنبى صلى الله عليه وسلم فقال # " كلوا رزقا أخرجه الله لكم أطعمونا منه إن كان معكم. فأتاه بعضهم بشىء ~~منه ". # وعن ابن عمر قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم # " أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالسمك والجراد. وأما الدمان ~~فالكبد والطحال ". # وثانى هذه المحرمات ما ذكره - سبحانه - فى قوله { والدم } أى وحرم ~~عليكم أكل الدم. والمراد به الدم المسفوح. أى السائل من الحيوان عند ~~التذكية. لقوله تعالى - فى آية أخرى # أو دما مسفوحا # وهى خاصة. والآية التى معنا عامة. والخاص مقدم على العام. وكان أهل ~~الجاهلية يجعلونه فى الماعز ويشوونه ويأكلونه، فحرمه الله - تعالى - لأنه ~~يضر الأجسام. أما الدم الذى يكون جامدا بأصل خلقته كالكبد والطحال فإنه ~~حلال كما جاء فى حديث ابن عمر الذى سقناه منذ قليل. وثالث هذه المحرمات ~~ما جاء فى قوله - تعالى - { ولحم الخنزير } أى وحرم عليكم لحم ~~الخنزير وكذلك شحمه وجلده وجميع أجزائه، لأنه مستقذر تعافه الفطرة، ~~وتتضرر به الأجسام. وخص لحم الخنزير بالذكر مع أن جميع أجزائه محرمة لأنه ~~هو المقصود بالأكل قال ابن كثير ما ملخصه وقوله - تعالى - { ولحم ~~الخنزير } يعنى إنسيه ووحشيه، واللحم يعم جميع أجزائه حتى الشحم. ~~كما هو المفهوم من لغة العرب، ومن العرف المطرد.. وفى الصحيحين أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. فقيل يا رسول الله، ~~أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود. ويستصبح بها ~~الناس؟ فقال لا. هو حرام ثم قال قاتل الله اليهود. إن الله لما حرم ms1418 ~~شحومها جملوه - أى أذابوه - ثم باعوه فأكلوا ثمنه ". # ورابع هذه المحرمات بينه - سبحانه - بقوله { ومآ أهل لغير ~~الله به }. الإهلال رفع الصوت عند رؤية الهلال ثم استعمل لرفع ~~الصوت مطلقا. ومنه إهلال الصبى أى صراخه بعد ولادته، والإهلال بالحج أى ~~رفع الصوت بالتلبية. وكانوا فى الجاهلية إذا أرادوا ذبح ما قربوه إلى ~~آلهتهم، سموا عليها أسماءها - كاللات والعزى - ورفعوا بها أصواتهم، وسمى ~~ذلك إهلالا. ثم توسع فيه فقيل لكل ذابح مهل سمى أو لم يسم. جهر بالتسمية ~~أو لم يجهر. والمعنى وحرم عليكم - سبحانه - أن تأكلوا مما ذبح فذكر عليه ~~عند ذبحه غير اسم الله - تعالى - سواء اقتصر على ذكر غيره كقوله عند ~~الذبح باسم الصنم فلان، أو باسم المسيح أو عزير أو فلان، أو جمع بين ذكر ~~الله وذكر غيره بالعطف عليه كقوله باسم الله واسم فلان. أما إذا جمع ~~الذابح بين اسم الله واسم غيره بدون عطف بأن قال باسم الله المسيح نبى ~~الله، أو باسم الله محمد رسول الله، فالأحناف يجوزون الأكل من الذبيحة ~~ويعتبرون ذكر غير الله كلاما مبتدأ بخلاف العطف فإنه يكون نصا فى ذكر ~~غير الله. وجمهور العلماء يحرمون الأكل من الذبيحة متى ذكر مع اسم الله ~~آخر سواء أكان ذلك بالعطف أو بدونه. وذهب جماعة من التابعين إلى تخصيص ~~الغير بالأصنام، وإلى حل ذبائح أهل الكتاب مطلقا والتحريم هنا ليس لذات ~~الحيوان، بل لما صحبه من عمل فيه شرك بالله - تعالى - ثم ذكر - سبحانه - ~~أربعة أنواع أخرى من المحرمات فقال { والمنخنقة والموقوذة ~~والمتردية والنطيحة }. والمنخنقة هى التى تموت خنقا إما ~~قصدا بأن يخنقها آدمى. وإما اتفاقا بأن يعرض لها من ذاتها ما يخنقها. ~~والموقوذة هى التى تضرب بمثقل غير محدد كخشب أو حجر حتى تموت وكانوا في ~~الجاهلية يضربون البهيمة بالعصى حتى إذا ماتت أكلوها. والوقذ شدة الضرب. ~~وفلان وقيذ أى مثخن ضربا. ويقال وقذه يقذه وقذا ضربه ضربا حتى استرخى ~~وأشرف على الموت. قال القرطبى وفى صحيح مسلم عن عدى بن حاتم ms1419 قال # " قلت يا رسول الله فإنى أرمى بالمعراض الصيد فأصيب؟ - والمعراض وهو سهم ~~يرمى به بلا ريش وأكثر ما يصيب بعرض عوده دون حده - فقال النبى صلى الله ~~عليه وسلم " إذا رميت بالمعراض فخزق - أى نفذ وأسال الدم - فكله. وإن ~~أصاب بعرضه فلا تأكله ". # والمتردية هى التى تتردى أى تسقط من أعلى إلى أسفل فتموت من التردى ~~مأخوذ من الردى بمعنى الهلاك سواء تردت بنفسها أم رداها غيرها. # والنطيحة هى التى تنطحها أخرى فتموت من النطاح يقال نطحه ينطحه وينطحه ~~أى أصابه بقرنه. والمعنى وحرم الله عليكم كذلك - أيها المؤمنون - الأكل ~~من المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، إذا ماتت كل واحدة من هذه ~~الأنواع لهذه الأسباب دون أن تذكوها ذكاة شرعية، لأن الأكل منها فى هذه ~~الحالة يعود عليكم بالضرر. وتاسع هذه المحرمات ذكره - سبحانه - فى قوله { ~~ومآ أكل السبع إلا ما ذكيتم }. المراد بالسبع كل ذى ~~ناب وأظفار من الحيوان. كالأسد والنمر والذئب ونحوها من الحيوانات ~~المفترسة. وقوله { ذكيتم } من التذكية وهى الاتمام. يقال ذكيت ~~النار إذا أتممت اشتعالها. والمراد هنا إسالة الدم وفرى الأوداج فى ~~المذبوح، والنحر فى المنحور. والمعنى وحرم عليكم - أيضا - الأكل مما ~~افترسه السبع حتى مات سواء أكل منه أم لم يأكل، إلا ما أدركتموه من هذه ~~الأنواع وقد بقيت فيه حياة يضطرب معها اضطراب المذبوح وذكيتموه أى ~~ذبحتموه ذبحا شرعيا فإنه فى هذه الحالة يحل لكم الأكل منه. فقوله { ~~إلا ما ذكيتم } الاستثناء هنا يرجع إلى هذه الأنواع الخمسة. ~~وقيل إن الاستثناء هنا مختص بقوله { ومآ أكل السبع }. أى وحرم ~~عليكم ما أكل السبع بعضه فمات بسبب جرحه، إلا ما أدركتموه حيا فذكيتموه ~~ذكاة شرعية فإنه فى هذه الحالة يحل الأكل منه، والأول أولى، لأن هذه ~~الأنواع الخمسة تشترك فى أنها تعلقت بها أحوال قد تفضى بها إلى الهلاك، ~~فإن هلكت بتلك الأحوال لم يبح أكلها لأنها حينئذ ميتة، وإذا أدركت ~~بالذكاة فى وقت تنفع فيه الذكاة لها جاز الأكل منها. أما النوع العاشر فى ms1420 ~~هذه المحرمات فيتجلى فى قوله - تعالى - { وما ذبح على النصب } ~~والنصب جمع نصاب ككتب وكتاب. أو جمع نصب كسقف وسقف. ويصح أن يكون لفظ ~~النصب واحدا وجمعه أنصاب مثل طنب أطناب. وعلى كل فهى حجارة كان ~~الجاهليون ينصبونها حول الكعبة، وكان عددها ثلاثمائة وستين حجرا، وكانوا ~~يذبحون عليها قرابينهم التى يتقربون بها إلى أصنامهم. ويعتبرون الذبح ~~أكثر قربة إلى معبوداتهم متى تم على هذه النصب. وليست هذه النصب هى ~~الأوثان، فإن النصب حجارة غير منقوشة بخلاف الأوثان فإنها حجارة مصورة ~~منقوشة. والمعنى وحرم عليكم - سبحانه - أن تأكلوا مما ذبح على النصب لأنه ~~لم يتقرب به إلى الله، وإنما تقرب به إلى الأصنام وما تقرب به إلى غير ~~الله فهو فسق ورجس يجب البعد عنه. هذه عشرة أنواع من المأكولان حرمت ~~الآية الكريمة الأكل منها، لما اشتملت عليه من مضرة وأذى، ولما صاحب ~~بعضها من تقرب لغير الله، ويكفى لتجنب الأكل من هذه المطعومات أن الله - ~~تعالى - قد حرمها، لأنه - سبحانه - لا يحرم الخبائث. # ومن شأن المؤمن الصادق فى إيمانه أن يقف عند ما أحله الله - تعالى - ~~وحرم. ثم ذكر - سبحانه - نوعا من الأفعال المحرمة، بعد ذكره لعشرة أنواع ~~من المطاعم المحرمة فقال { وأن تستقسموا بالأزلام ~~ذلكم فسق }. وإنما ذكر - سبحانه - هذا الفعل المحرم مع جملة ~~المطاعم المحرمة، لأنه مما ابتدعه أهل الجاهلية كما ابتدعوا ما ابتدعوه ~~فى شأن المطاعم. والاستقسام طلب معرفة ما قسم للإنسان من خير أو شر. ~~والأزلام قداح الميسر واحدها زلم - بفتح اللام وبفتح الزاى أو ضمها - ~~وسميت قداح الميسر بالأزلام، لأنها زلمت أى سويت، ويقال رجل مزلم وامرأة ~~مزلمة، إذا كان جيد القد، جميل القوام. وكان لأهل الجاهلية طرق للاستقسام ~~بالأزلام من أشهرها أنه كانت لديهم سهام مكتوب على أحدها أمرنى ربى وعلى ~~الآخر نهانى ربى. والثالث غفل من الكتابة، فإذا أرادوا سفرا أو حربا أو ~~زواجا أو غير ذلك أتوا إلى بيت الأصنام واستقسموها فإن خرج الآمر أقدموا ~~على ما يريدونه وإن خرج الناهى امسكوا ms1421 عنه، وإن خرج الغفل أجالوها ثانية ~~حتى يخرج الآمر أو الناهى. والمعنى وحرم عليكم - سبحانه - أن تطلبوا ~~معرفة ما قسم لكم فى سفر أو غزو أو زواج أو ما يشبه ذلك بواسطة الأزلام، ~~لأن هذا الفعل فسق، أى خروج عن أمر الله وطاعته. فاسم الإشارة " ذلكم " ~~يعود إلى الاستقسام بالأزلام خاصة. ويجوز أن يعود إليه وإلى تناول ما حرم ~~عليهم. قال ابن كثير وقد ثبت فى الصحيحين # " أن النبى صلى الله عليه وسلم لما دخل الكعبة، وجد إبراهيم وإسماعيل ~~مصورين فيها. وفى أيديهما الأزلام. فقال صلى الله عليه وسلم " قاتلهم ~~الله. لقد علموا أنهما لم يستقسما بها أبدا ". # وثبت فى الصحيحين أيضا أن سراقة بن مالك بن جعشم لما خرج فى طلب النبى ~~صلى الله عليه وسلم وأبى بكر، وهما ذاهبان إلى المدينة مهاجرين قال ~~فاستقسمت بالأزلام. هل أضرهم أولا؟ فخرج الذى أكره لا تضرهم. قال فعصيت ~~الأزلام واتبعتهم. ثم استقسم بها ثانية وثالثة. كل ذلك يخرج الذى يكره لا ~~تضرهم. وكان كذلك وكان سراقة لم يسلم إذ ذاك، ثم أسلم بعد ذلك ". فإن قيل ~~إن الاستقسام بالأزلام هو لون من التفاؤل، وكان صلى الله عليه وسلم يحب ~~الفأل الحسن فلم صار فسقا؟ فالجواب أن هناك فرقا واسعا بين الاستقسام ~~بالأزلام وبين الفأل فإن الفأل أمر اتفاقى تنفعل به النفس وتنشرح للعمل ~~مع رجاء الخير منه بخلاف الاستقسام بالأزلام فان القوم كانوا يستقسمون ~~بالأزلام عند الأصنام ويعتقدون أن ما يخرج من الأمر والنهى على تلك ~~الأزلام بإرشاد من الأصنام فلهذا كان الاستقسام بها فسقا وخروجا عن طاعة ~~الله. # وفضلا عن هذا فإن الاستقسام بالأزلام طلب لمعرفة علم الغيب الذى استأثر ~~الله به، وذلك حرام وافتراء على الله - تعالى -. وإلى هنا تكون الآية ~~الكريمة قد ذكرت أحد عشر نوعا من المحرمات عشرة منها تتعلق بالمأكولات، ~~وواحدا يتعلق بالأفعال. وهناك مطعومات أخرى جاء تحريمها عن طريق السنة ~~النبوية، كتحريمه صلى الله عليه وسلم الأكل من لحوم الحمر الأهلية. وبعد ~~أن بين - سبحانه ms1422 - هذه الأنواع من المحرمات التى حرمها على المؤمنين رحمة ~~بهم، ورعاية لهم، أتبع ذلك ببيان مظاهر فضله عليهم، وأمرهم بأن يجعلوا ~~خشيتهم منه وحده، فقال - تعالى - { اليوم يئس الذين كفروا ~~من دينكم فلا تخشوهم واخشون }. وقوله { اليوم } ~~ظرف منصوب على الظرفية بقوله { يئس } والألف واللام فيه للعهد ~~الحضورى، فيكون المراد به يوما معينا وهو يوم عرفة من عام حجة الوداع. ~~ويصح أن لا يكون المراد به يوما بعينه، وإنما أراد به الزمان الحاضر وما ~~يتصل به ويدانيه من الأزمنة الماضية والآتية. وقد حكى الإمام الرازى ~~هذين الوجهين فقال ما ملخصه وقوله { اليوم يئس الذين ~~كفروا من دينكم } فيه قولان الأول أنه ليس المراد به ذلك اليوم ~~بعينه حتى يقال إنهم ما يئسوا قبله بيوم أو يومين، وإنما هو كلام خارج ~~على عادة أهل اللسان أى لا حاجة بكم الآن إلى مداهنة هؤلاء الكفار، لأنكم ~~الآن صرتم بحيث لا يطمع أحد من أعدائكم فى توهين أمركم، ونظيره قوله كنت ~~بالأمس شابا واليوم قد صرت شيخا. لا يريد بالأمس اليوم الذى قبل يومك، ~~ولا باليوم يومك الذى أنت فيه. الثاني أن المراد به يوم نزول هذه الآية. ~~وقد " نزلت يوم الجمعة من يوم عرفة بعد العصر فى عام حجة الوداع سنة عشر ~~من الهجرة، والنبى صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات على ناقته العضباء ". ~~وقوله { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } أى انقطع ~~رجاؤهم فى التغلب عليكم، وفى إبطال أمر دينكم. وفى صرف الناس عنه بعد أن ~~دخلوا فيه أفواجا وبعد أن صار المشركون مقهورين لكم. أذلة أمام قوتكم. ~~وما دام الأمر كذلك { فلا تخشوهم واخشون } أى فلا تجعلوا ~~مكانا لخشية المشركين فى قلوبكم فقد ضعفوا واستكانوا، بل اجعلوا خشيتكم ~~وخوفكم وهيبتكم من الله وحده الذى جعل لكم الغلبة والنصر عليهم. ثم عقب ~~ذلك - سبحانه - ببيان أكبر نعمه وأعظم مننه على هذه الأمة الإسلامية ~~فقال { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا }. أى اليوم أكملت لكم ~~حدودى وفرائضى ms1423 وحلالى وحرامى، ونصرى لكم على أعدائكم وتمكينى إياكم من ~~أداء فريضة الحج دون أن يشارككم فى الطواف بالبيت أحد من المشركين. # وأتممت عليكم نعمتى، بأن أزلت دولة الشرك من مكة، وجعلت كلمتكم هى ~~العليا وكلمة أعدائكم هى السفلى، ورضيت لكم الإسلام دينا، بأن اخترته ~~لكم من بين الأديان. وجعلته الدين المقبول عندى، فيجب عليكم الالتزام ~~بأحكامه وآدابه وأوامره ونواهيه قال - تعالى - # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ~~وهو في الآخرة من الخاسرين # وليس المراد بإكمال الدين أنه كان ناقصا قبل اليوم ثم أكمله، وإنما ~~المراد أن من أحكامه قبل اليوم ما كان مؤقتا فى علم الله قابلا للنسخ. ~~ولكنها اليوم كملت وصارت مؤبدة وصالحة لكل زمان ومكان، وغير قابلة للنسخ، ~~وقد بسط هذا المعنى كثير من المفسرين فقال الإمام الرازى قال القفال إن ~~الدين ما كان ناقصا البتة بل كان أبدا كاملا. يعنى كانت الشرائع النازلة ~~من عند الله فى كل وقت كافية فى ذلك الوقت إلا أنه - تعالى - كان عالما ~~فى أول وقت المبعث بأن ما هو كامل فى هذا اليوم ليس بكامل فى الغد ولا ~~صلاح فيه. فلا جرم كان ينسخ بعد الثبوت. وكان يزيد بعد العدم. وأما فى ~~آخر زمان المبعث فأنزل الله شريعة كاملة وحكم ببقائها إلى يوم القيامة. ~~فالشرع أبدا كان كاملا. إلا أن الأول كمال إلى زمان مخصوص. والثانى كمال ~~إلى يوم القيامة. فلأجل هذا قال { اليوم أكملت لكم دينكم ~~}. وقال القرطبى ما ملخصه لعل قائلا يقول { اليوم أكملت لكم ~~دينكم } يدل على أن الدين كان غير كامل فى وقت من الأوقات. وذلك يوجب ~~أن يكون جميع من مات من المهاجرين والأنصار. قبل نزول هذه الآية - ماتوا ~~على دين ناقص. ومعلوم أن النقص عيب؟ فالجواب أن يقال له لم قلت إن كل نقص ~~فهو عيب وما دليلك عليه؟ ثم يقال له أرأيت نقصان الشهر هل يكون عيبا، ~~ونقصان صلاة المسافر أهو عيب لها..؟ لا شك أن هذا النقصان ليس بعيب. ~~وقوله { اليوم ms1424 أكملت لكم دينكم } يخرج على وجهين أحدهما ~~أن يكون المراد بلغته أقصى الحد الذى كان له عندى فيما قضيته وقدرته، ~~وذلك لا يوجب أن يكون ما قبل ذلك ناقصا نقصان عيب، لكنه يوصف بنقصان مقيد ~~فيقال له إنه كان ناقصا عما كان عند الله أنه ملحقه به، وضامه إليه.. ~~وهكذا شرائع الإسلام شرعها الله شيئا فشيئا إلى أن أنهى - سبحانه - ~~الدين منتهاه الذى كان له عنده. وثانيهما أنه أراد بقوله { اليوم ~~أكملت لكم دينكم } أنه وفقهم للحج الذى لم يكن بقى عليهم من ~~أركان الدين غيره، فحجوا فاستجمع لهم الدين أداء أركانه، وقياما بفرائضه ~~وفى الحديث # " بنى الإسلام على خمس " # وقد كانوا تشهدوا، وصلوا، وزكوا، وصاموا، وجاهدوا، واعتمروا، ولم يكونوا ~~حجوا، فلما حجوا ذلك اليوم مع النبى صلى الله عليه وسلم أنزل الله وهم ~~بالموقف عشية عرفة { اليوم أكملت لكم دينكم } أى أكمل ~~وضعه لهم. # وقد روى الأئمة عن طارق بن شهاب قال " جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال ~~يا أمير المؤمنين آية فى كتابكم تقرءونها لو علينا أنزلت معشر اليهود ~~لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال وأى آية؟ قال { اليوم أكملت لكم ~~دينكم } فقال عمر إنى لأعلم اليوم الذى أنزلت فيه والمكان الذى أنزلت ~~فيه نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فى يوم جمعة ". وروى ~~أنها # " لما نزلت فى يوم الحج الأكبر وقرأها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بكى عمر، فقال له ما يبكيك؟ فقال أبكانى أنا كنا فى زيادة فى ديننا فأما ~~إذا كمل فإنه لم يكمل شىء إلا نقص فقال له النبى صلى الله عليه وسلم " ~~صدقت ". # وبعد أن ذكر - سبحانه - فى صدر الآية أحد عشر نوعا من المحرمات، وأتبع ~~ذلك ببيان إكمال الذين وإتمام النعمة على المؤمنين. جاء ختام الآية لبيان ~~حكم المضطر إلى أكل شىء من هذه المحرمات فقال - تعالى - { فمن ~~اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله ~~غفور رحيم }. وقوله { اضطر } من الاضطرار بمعنى الوقوع فى ~~الضرورة. والمخمصة خلو ms1425 البطن من الغذاء عند الجوع الشديد. يقال خمصه ~~الجوع خمصا ومخمصة. إذا اشتد به. وفى الحديث # " إن الطير تغدو خماصا - أى جياعا ضامرات البطون - وتروح بطانا - أى ~~مشبعات " # وقال الأعشى # يبيتون فى المشتى ملاء بطونهم وجاراتهم غرثى يبتن خمائصا # أى وجاراتهم جوعى وقد ضمرت بطونهن من شدة الجوع. وقوله { متجانف } ~~من الجنف وهو الميل، يقال جنف عن الحق - كفرح - إذا مال عنه وجنف عن ~~طريقه - كفرح وضرب - جنفا وجنوفا إذا مال عنه. والمعنى فمن ألجأته ~~الضرورة إلى كل شىء من هذه المحرمات فى مجاعة شديدة حالة كونه غير مائل ~~إلى ارتكاب إثم من الآثام فلا ذنب عليه فى ذلك لأن الله - تعالى - واسع ~~المغفرة. فهو بكرمه يغفر لعباده تناول ما كان محرما إذا اضطروا إلى ~~تناوله لدفع الضرورة بدون بغى أو تعد، وهو واسع الرحمة حيث أباح لهم ما ~~يدفع عنهم الضرر ولو كان محرما. قال الآلوسى وقوله { غير متجانف ~~لإثم } أى غير مائل ومنحرف إليه ومختار له بأن يأكل منها زائدا على ~~ما يمسك رمقه فإن ذلك حرام. وقيل يجوز أن يشبع عند الضرورة. وقيل المراد ~~غير عاص بأن يكون باغيا أو عاديا بأن ينزعها من مضطر آخر أو خارجا فى ~~معصية. # وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت ما يحرم فى حالة الاختيار، وما يحل فى ~~حالة الاضطرار. وجاءت بين ذلك بجمل معترضة - وهى قوله { اليوم يئس ~~الذين كفروا من دينكم } إلى قوله { ورضيت لكم ~~الإسلم دينا } لتأكيد تحريم هذه الأشياء، لأن تحريمها من جملة ~~الدين الكامل، والنعمة التامة، والإسلام المرضى عند الله. هذا، ومن ~~الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة ما يأتى 1 - حرمة هذه ~~الأنواع الأحد عشر التى ذكرها الله - تعالى - فى هذه الآية ووجوب ~~الابتعاد عنها لأنها رجس أو فسق، ولأن استحلال شىء منها يكون خروجا عن ~~تعاليم دين الله، وانتهاكا لحرماته. 2 - حل المنخنقة والموقوذة والمتردية ~~والنطيحة وما أكل السبع، متى ذبحت ذبحا شرعيا وكانت بها بقية حياة ~~تجعلها تضطرب بعد ذبحها اضطراب ms1426 المذبوح. وللفقهاء كلام طويل فى ذلك يؤخذ ~~منه اتفاقهم على أن الخنق وما معه إذا لم يبلغ بالحيوان إلى درجة اليأس ~~من حياته بأن غلب على الظن أنه يعيش مع هذه الحالة كانت الذكاة محللة له. ~~أما إذا غلب على الظن أنه يهلك بما حصل له بسبب الخنق أو الوقذ أو التردى ~~أو النطح أو أكل السبع منه، فقد أفتى كثير من العلماء بعمل الذكاة فيه، ~~وقد أخذ بذلك الأحناف. فقد قالوا متى كانت عينه أو ذنبه يتحرك أو رجله ~~تركض ثم ذكى فهو حلال. وقال قوم لا تعمل الذكاة فيه ويحرم أكله. ومنشأ ~~اختلافهم فى أن الذكاة تعمل أولا تعمل يعود إلى هل الاستثناء هنا متصل أو ~~منقطع؟ فمن قال إنه متصل يرى أنه أخرج من الجنس بعض ما تناوله اللفظ، فما ~~قبل حرف الاستثناء حرام، وما بعده خرج منه فيكون حلالا. ومن قال إنه ~~منقطع يرى أنه لا تأثير للاستثناء فى الجملة المتقدمة. وكأنه قال ما ~~ذكيتموه من غير الحيوانات المتقدمة فهو حلال أباح الله لكم التمتع به. ~~أما هذه الحيوانات التى حرمها الله فى الآية فلا يجوز لكم الأكل منها ~~مطلقا. وقد رجح المحققون من العلماء أن الاستثناء متصل، وقالوا يؤيد ~~القول بأن الاستثناء متصل بالإجماع على أن الذكاة تحلل ما يغلب على الظن ~~أنه يعيش فيكون مخرجا لبعض ما يتناوله المستثنى منه، فيكون الاستثناء ~~فيه متصلا. هذا ملخص لما قاله العلماء فى هذه المسألة ومن أراد المزيد ~~فليرجع إلى كتب الفروع. 3 - إباحة تناول هذه المحرمات عند الضرورة لدفع ~~الضرر، وأن هذه الإباحة مقيدة بقيود ذكرها الفقهاء من أهمها قيدان. الأول ~~أن يقصد بالتناول دفع الضرر فقط. الثاني ألا يتجاوز ما يسد الحاجة، أما ~~إذا قصد التلذذ أو إرضاء الشهوة، أو تجاوز المقدار الذى يدفع الضرر فإنه ~~فى هذه الأحوال يكون واقعا فى المحرم الذى نهى الله عنه. # وقد تكلم الإمام ابن كثير عن هذه المسألة فقال قوله - تعالى - { فمن ~~اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم ms1427 فإن الله ~~غفور رحيم } أى فمن احتاج إلى تناول شىء من هذه المحرمات التى ~~ذكرها الله لضرورة ألجأته إلى ذلك فله تناول والله غفور له رحيم به، لأنه ~~- تعالى - يعلم حاجة عبده المضطر وافتقاره إلى ذلك فيتجاوز عنه ويغفر له. ~~وفى المسند وصحيح ابن حبان عن ابن عمر - مرفوعا - قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته ". # ولهذا قال الفقهاء قد يكون تناول الميتة واجبا فى بعض الأحيان، وهو إذا ~~خاف على نفسه ولم يجد غيرها، وقد يكون مندوبا، وقد يكون مباحا بحسب ~~الأحوال. واختلفوا هل يتناول منها قدر ما يسد به الرمق، أوله أن يشبع ~~ويتزود على أقوال، وليس من شرط تناول الميتة أن يمضى عليه ثلاثة أيام لا ~~يجد طعاما، كما قد يتوهمه كثير من العوام وغيرهم - بل متى اضطر إلى ذلك ~~جاز له. وقد روى الإمام أحمد عن أبى واقد الليثي أنهم قالوا يا رسول ~~الله، إنا بأرض تصيبنا بها المخمصة، فمتى تحل لنا بها الميتة؟ فقال # " إذا لم تصطحبوا ولم تغتبقوا ولم تحتفثوا بقلا فشأنكم بها ". # والاصطباح شرب اللبن بالغداة فما دون القائلة، وما كان منه بالعشى فهو ~~الاغتباق ومعنى لم تحتفثوا أى تقتلعوا. وقوله { غير متجانف ~~لإثم } أى متعاط لمعصية الله. وقد استدل بهذه الآية من يقول بأن ~~العاصى بسفره لا يترخص بشىء من رخص السفر، لأن الرخص لا تنال بالمعاصى. 4 ~~- أخذ العلماء من قوله - تعالى - { وأن تستقسموا بالأزلام ~~ذلكم فسق } أن الاستقسام بالأزلام محرم، ومحرم أيضا كل ما يشبهه ~~من القمار والتنجيم والرمل وما إلى ذلك قال بعض العلماء من عمل بالأيام ~~فى السعد والنحس معتقدا لها تأثيرا كفر وإن لم يعتقد أثم. وقد روى أبو ~~داود والنسائى وابن حبان عن قطن بن قبيصة، عن أبيه أنه سمع النبى صلى ~~الله عليه وسلم يقول # " العيافة والطرق والطيرة من الجبت ". # والعيافة زجر الطير. والطرق الخط يخط فى الأرض. وقيل الطرق الضرب بالحصى ~~الذى تفعله ms1428 النساء. وفى القاموس عفت الطير عيافة زجرتها. وهو أن تعتبر ~~بأسمائها ومساقطها فتسعد وتتشاءم. وهو من عادة العرب كثيرا. والطيرة من ~~اطيرت وتطيرت وهو ما يتشاءم من الفأل الردىء، وفى الحديث أنه صلى الله ~~عليه وسلم كان يحب الفأل ويكره الطيرة. والجبت كل ما عبد من دون الله. ~~وقد روى مسلم فى صحيحيه عن بعض أزواج النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال # " من أتى عرافا فسأله عن شىء فصدقه، لم تقبل له صلاة أربعين يوما ". # وروى الإمام أحمد وأبو داود والحاكم عن أبى هريرة عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم قال # " من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - ". # وعن عمران بن حصين مرفوعا " ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو ~~تكهن له. أو سحر أو سحر له " 5 - استدل بعضهم بقوله - تعالى - { ~~اليوم أكملت لكم دينكم } على نفى القياس وبطلان العمل به ~~لأن إكمال الدين يقتضى أنه نص على أحكام جميع الوقائع إذ لو بقى بعض لم ~~يبين حكمه لم يكن الدين كاملا. وأجيب على ذلك بأن غاية ما يقتضيه إكمال ~~الدين أن يكون الله - تعالى - قد أبان الطرق لجميع الأحكام وقد أمر الله ~~بالقياس، وتعبد المكلفين به بمثل قوله - تعالى - # فاعتبروا يأولي الأبصار # فكان هذا مع النصوص الصريحة بيانا لكل أحكام الوقائع، غاية الأمر أن ~~الوقائع صارت قسمين قسما نص الله على حكمه، وقسما أرشد الله - تعالى - ~~إلى أنه يمكن استنباط الحكم فيه من القسم الأول. فلم تصلح الآية متمسكا ~~لهم. 6 - الآية الكريمة قد اشتملت على بشارات لأبناء هذه الأمة ~~الإسلامية فقد بشرتهم - أولا - بأن أعداءهم قد انقطع رجاؤهم فى إبطال ~~أمر الإسلام أو تحريفه أو تبديل أحكامه التى كتب الله لها البقاء. وها ~~نحن أولا. نراجع التاريخ فنرى المسلمين قد تغلب عليهم أعداؤهم فى معارك ~~حربية ولكن هؤلاء الأعداء لم يستطيعوا التغلب على أحكام هذا الدين ~~ومبادئه. بل بقيت محفوظة يتناقلها الخلف ms1429 عن السلف إلى أن يرث الله الأرض ~~ومن عليها ولقد روى الإمام مسلم فى صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال فى خطبه حجة الوداع # " إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون فى جزيرة العرب ولكنه رضى ~~بالتحريش بينهم ". # وبشرتهم - ثالثا - بإتمام نعمة الله عليهم. وأى نعمة أتم على المؤمنين ~~من إخراج الله إياهم من ظلمات الشرك إلى نور الوحدانية ومن تمكينه لهم فى ~~الأرض واستخلافهم فيها، وجعل كلمتهم العليا بعد أن كانوا فى ضعف من أمرهم ~~وفساد فى أحوالهم. وبشرتهم - رابعا - بأن الله قد اختار لهم الإسلام ~~دينا، وجعله هو الدين المرضى عنده وهو الذى يجب على الناس أن يدخلوا فيه، ~~وأن يعملوا بأوامره ونواهيه، لأنه من الحمق والغباء أن يبتعد إنسان عن ~~الدين الذى اختاره الله وارتضاه ليختاره لنفسه طريقا من نزغات نفسه ~~وهواه. وهذه بعض الأحكام والآداب التى استلهمها العلماء من الآية ~~الكريمة. وهناك أحكام أخرى ذكرناها خلال تفسيرنا لألفاظ الآية الكريمة. ~~وبعد أن بين - سبحانه - أنواعا من المحرمات. شرع فى بيان ما أحله لهم من ~~طيبات فقال - تعالى - { يسألونك ماذآ أحل لهم قل ~~أحل لكم الطيبات... } ### || [5.4] # أورد المفسرين فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه ابن أبي حاتم ~~عن سعيد بن جبير عن عدى بن حاتم وزيد بن مهلهل الطائيين أنهما سألا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالا يا رسول الله، قد حرم الله الميتة فماذا ~~يحل لنا منها؟ فنزلت هذه الآية. والمعنى يسألك أصحابك يا محمد ما الذى ~~أحل لهم من المطاعم بعد أن عرفوا ما حرم منها؟ قل لهم أحل الله لكم ~~الطيبات. والطيبات جمع طيب وهو الشىء المستلذ. وفسره بعضهم بالحلال. أى ~~قل لهم أحل الله لكم الأطعمة الطيبة التى تستلذها النفوس المستقيمة ~~وتستطيبها ولا تستقذرها، والتى لم يرد فى الشرع ما يحرمها ويمنع من ~~تناولها. وفى قوله { يسألونك ماذآ أحل لهم } التفاوت من ~~الحاضر إلى الغائب، لأن فى السياق حكاية عنهم كما يقال أقسم فلان ليفعلن ms1430 ~~كذا، لأن هذا الالتفات أدعى إلى تنبيه الأذهان، وتوجيهها إلى ما يراد ~~منها. وقد أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتولى الجواب ~~عن سؤالهم لأنه هو المبلغ للرسالة وهو المبين لهم ما خفى عليهم من أمور ~~دينهم ودنياهم. وقوله { ماذآ } اسم استفهام مبتدأ، وقوله { أحل ~~لكم } خبره كقولك أى شىء أحل لهم. وجواب سؤالهم جاء فى قوله تعالى { ~~قل أحل لكم الطيبات }. وقوله { وما علمتم من ~~الجوارح مكلبين } معطوف على الطيبات بتقدير مضاف و { ما } ~~موصولة. والعائد محذوف. و { الجوارح } جمع جارحة. وهى - كما يقال ~~ابن جرير - الكواسب من سباع البهائم والطير. سميت جوارح لجرحها لأربابها، ~~وكسبها إياهم أقواتهم من الصيد. يقال منه جرح فلان لأهله خيرا. إذا ~~أكسبهم خيرا وفلان جارحة أهله. يعنى بذلك كاسبهم، ويقال لا جارحة لفلانة ~~إذا لم يكن لها كاسب ". ومنه قوله - تعالى - # وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم ~~بالنهار # أى كسبتم بالنهار. وقيل سميت جوارح لأنها تجرح الصيد عند إمساكه. وقوله ~~{ مكلبين } أى مؤدبين ومعودين لها على الصيد. فالتكليب تعليم الكلاب ~~وما يشبهها الصيد. فهو اسم فاعل مشتق من اسم هذا الحيوان المعروف لأن ~~التأديب أكثر ما يكون فى الكلاب. أو هو مشتق من الكلب بمعنى الضراوة. ~~يقال كلب الكلب يكلب واستكلب أى ضرى وتعود نهش غيره وهو حال من فاعل ~~علمتم. والمعنى أحل الله لكم الطيبات، وأحل لكم صيد ما علمتموه من ~~الجوارح حال كونكم مؤدبين ومعودين لها على الصيد. وقوله { ~~تعلمونهن مما علمكم الله } فى محل نصب على أنه حال ~~ثانية من فاعل { علمتم } أو من الضمير المستتر فى { مكلبين ~~}. أى تعلمون هذه الجوارح بعض ما علمكم الله إياه من فنون العلم والمعرفة ~~بأن تدربوهن على وسائل التحاليل وعلى الطرق المتنوعة للاصطياد وعلى ~~الانقياد لأمركم عند الإرسال وعند الطلب، وعلى عدم الأكل من المصيد بعد ~~صيده. # فالمقصود بهذه الجملة الكريمة بيان بعض مظاهر فضل الله على الناس، حيث ~~منحهم العلم الذى عن طريقه علموا غيرهم ما يريدونه منه، ms1431 وسخروا هذا الغير ~~لمنفعتهم ومصلحتهم. ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية ~~قوله { وما علمتم من الجوارح } عطف على الطيبات أى أحل ~~لكم الطيبات وصيد ما علمتم من الجوارح، فحذف المضاف أو تجعل " ما " شرطية ~~وجوابها { فكلوا } والجوارح الكواسب من سباع البهائم والطير، كالكلب ~~والفهد والنمر والعقاب والصقر والبازى، والمكلب مؤدب الجوارح ومغريها ~~بالصيد لصاحبها، ورائضها ذلك بما علم من الحيل وطرق التأديب. وانتصاب { ~~مكلبين } على الحال من { علمتم }. فإن قلت ما فائدة هذه ~~الحال وقد استغنى عنها بعلمتم؟ قلت فائدتها أن يكون من يعلم الجوارح ~~نحريرا فى علمه، مدربا فيه، موصوفا بالتكليب. قوله { تعلمونهن } ~~حال ثانية أو استئناف. وفيه فائدة جليلة وهى أن على كل آخذ علما أن لا ~~يأخذه إلا من أبرع أهله علما وأكثرهم دراية وأغوصهم على لطائفه وحقائقه، ~~وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل. فكم من آخذ عن غير متقن، قد ~~ضيع أيامه، وعض عند لقاء النحارير أنامله. وقوله { فكلوا ممآ ~~أمسكن عليكم } جملة متفرعة على بيان حل صيد الجوارح المعلمة، ~~ومشيرة إلى نتيجة التعليم وأثره والأمر فيه للإباحة. و { من } فى قوله { ~~ممآ أمسكن } تبعيضية إذ من الممسك ما لا يؤكل كالجلد والعظم ~~ونحوهما. ويحتمل أن تكون بيانية أى فكلوا الصيد و هو ما أمسكن عليكم. و { ~~ما } موصولة أو موصوفة والعائد محذوف أى أمسكنه. وقوله { أمسكن } أى حبس ~~وصدن، والضمير المؤنث يعود للجوارح. وقوله { عليكم } متعلق بأمسكن، وهو ~~هنا بمعنى لكم، والاستعلاء مجازى. والتقييد بذلك، لإخراج ما أمسكنه ~~لأنفسهن لا لأصحابهن. والمعنى إذا علمتم الجوارح وتوفرت شروط الحل فيما ~~تصيده، فكلوا مما أمسكنه محبوسا عليكم ولأجلكم. والضمير فى { عليه } من ~~قوله { واذكروا اسم الله عليه } يعود إلى { وما ~~علمتم من الجوارح } أى عند إرسالكم الجوارح للصيد فسموا ~~عليها، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لعدى بن حاتم " وإذا أرسلت ~~كلبك المعلم وذكرت اسم - الله تعالى - فكل مما أمسك عليك ". وقال بعضهم ~~إنه يعود على المصدر المفهوم من الفعل ms1432 وهو الأكل. فكأنه قيل واذكروا اسم ~~الله عند الأكل مما صدن لكم. وقيل يعود على قوله { ممآ أمسكن } ~~أى اذكروا اسم الله على ما أدركتم ذكاته مما أمسكن عليكم الجوارح. ولا ~~بأس من عود الضمير إلى كل ما ذكر، بأن يذكر اسم الله عند إرسال الجوارح، ~~وعند الأكل مما صادته. # وعند تذكية الحيوان الذى صادته الجوارح. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله ~~{ واتقوا الله إن الله سريع الحساب }. أى واتقوا ~~الله وراقبوه واخشوه فى كل شئونكم واحذروا مخالفة أمره فيما شرع لكم ~~وفيما كلفكم به فإنه - تعالى - لا يعجزه شىء، وسيجازى كل إنسان بما ~~يستحقه من خير أو شر. فالجملة الكريمة تذييل قصد به التحذير من مخالفة ~~أمر الله، وانتهك محارمه. هذا ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه ~~الآية ما يأتى 1 - إباحة التمتع بالطيبات التى أحلها الله - تعالى - ~~لعباده، والتى تستطيبها النفوس الكريمة، والعقول القويمة، من مطعومات ~~ومشروبات وغير ذلك مما أحله - سبحانه - لعباده. وفى هذا المعنى وردت آيات ~~كثيرة منها، قوله - تعالى - # قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في ~~الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة # 2 - إباحة الصيد بالجوارح بشرط كونها معلمة، وعلامة كونها معملة أن ~~تسترسل إذا أرسلت، وتنزجر إذا زجرت، وتمسك الصيد ولا تأكل منه، وتعود إلى ~~صاحبها متى دعاها. ويدخل فى الجوارح - عند جمهور الفقهاء - كل يحوان ينصع ~~صنيع الكلب، وكل طير كذلك، لأن قوله - تعالى - { من الجوارح } ، ~~يعم كل حيوان يصنع صنيع الكلب. وكان التعبير بمكلبين، لأن الكلاب أكثر ~~الحيوانات استعمالا للصيد. وقد جاء فى حديث عدى بن حاتم الذى رواه ~~الإمام أحمد وأبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له # " ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك ~~عليك ". # ويرى بعض الفقهاء أن الصيد لا يكون إلا بالكلاب خاصة. قال القرطبى ما ~~ملخصه وقد ذكر بعض من صنف فى أحكام القرآن أن الآية تدل على ms1433 أن الإباحة ~~تتناول ما علمناه من الجوارح وهو ينتظم الكلب وسائر جوارح الطير. وذلك ~~يوجب إباحة سائر وجوه الانتفاع، فدل على جواز بيع الكلب والجوارح ~~والانتفاع بها وبسائر وجوه المنافع إلا ما خصه الدليل. وهو الأكل من ~~الجوارح. أى الكواسب من الكلاب وسباع الطير. وليس فى قوله { مكلبين ~~} دليل على أنه إنما أبيح صيد الكلاب خاصة، وإن كان قد تمسك به من قصر ~~الإباحة على الكلاب خاصة ". 3 - استدل بعض الفقهاء بقوله - تعالى - { ~~فكلوا ممآ أمسكن عليكم } على أن الكلب وما يشبهه من ~~الجوارح إذا أكل من الصيد الذى أمسكه، فإنه فى هذه الحالة لا يحل الأكل ~~منه، لأنه لم يمسك لمن أرسله وإنما أمسك لنفسه وبهذا قال الشافعية ~~والحنابلة. ويرى المالكية أن الجارح ما دام قد عاد بالصيد ولو مأكولا ~~منه، فإنه يجوز الأكل منه، لأنه بعودته بما صاده قد أمسكه على صاحبه. # أما الأحناف فقالوا إن عاد بأكثره جاز الأكل منه، لأنه فى هذه الحالة ~~يكون قد أمسك لصاحبه، وإن عاد بأقله لا يجوز الأكل منه، لأنه يكون قد ~~أمسك لنفسه. وهذه المسألة بأدلتها الموسعة مبسوطة فى كتب الفقه وفى بعض ~~كتب التفسير. 4 - استدل بعض العلماء بقوله - تعالى - { واذكروا ~~اسم الله عليه } على وجوب التسمية عند إرسال الجوارح للصيد، ~~ولقوله - تعالى - فى آية أخرى # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ~~وإنه لفسق # ويرى بعضهم أن الأمر للندب، ويرى فريق ثالث أن التسمية إن تركت عمدا لا ~~يحل الأكل من الصيد. قال القرطبى وقد ذهب الجمهور من العلماء إلى أن ~~التسمية لا بد منها بالقول عند الإرسال لقوله صلى الله عليه وسلم لعدى ~~بن حاتم # " إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك " # فلو لم توجد التسمية على أى وجه كان لم يؤكل الصيد. وهو مذهب أهل الظاهر ~~وجماعة أهل الحديث. وذهب جماعة من أصحابنا وغيرهم إلى أنه يجوز أكل ما ~~صاده المسلم وذبحه وإن ترك التسمية عمدا، وحملوا الأمر بالتسمية على ~~الندب. ms1434 وذهب مالك فى المشهور إلى الفرق بين ترك التسمية عمدا أو سهوا ~~فقال لا تؤكل مع العمد، وتؤكل مع السهو، وهو قول فقهاء الأمصار، وأحد ~~قولى الشافعى. ثم حكى - سبحانه - جانبا آخر من مظاهر نعمه على عباده، ~~ورحمته بهم وتيسيره عليهم فى أمور دينهم ودنياهم فقال { اليوم ~~أحل لكم الطيبات... } ### || [5.5] # قوله { اليوم أحل لكم }. يصح أن يراد به اليوم الذى نزلت ~~فيه. فإنه يجوز أن تكون هذه الآية وما قبلها من قوله - تعالى - # اليوم يئس الذين كفروا من دينكم # اليوم أكملت لكم دينكم # قد نزلت جميعها فى يوم واحد وهو يوم عرفة من عام حجة الوداع. ويصح أن ~~يراد به الزمان الحاضر مع ما يتصل به من الماضى والمستقبل. والراد ~~بالطيبات ما يستطاب ويشتهى مما أحله الشرع. والمراد بطعام الذين أوتوا ~~الكتاب ذبائحهم خاصة. وهذا مذهب جمهور العلماء. قالوا لأن ما سوى الذبائح ~~فهى محللة قبل أن كانت لأهل الكتاب، وبعد أن صارت لهم فلا يبقى لتخصيصها ~~بأهل الكتاب فائدة. ولأن ما قبل هذه الآية فى بيان حكم الصيد والذبائح. ~~فحمل هذه الآية عليه أولى، لأن سائر الطعام لا يختلف من تولاه من كتابى ~~أو غيره. وإنما تختلف الذكاة. فلما خص أهل الكتاب بالذكر، دل على أن ~~المراد بطعامهم ذبائحهم. وقيل المراد بطعام أهل الكتاب هنا الخبز والحبوب ~~والفاكهة وغير ذلك مما لا يحتاج إلى تذكية. وينسب هذا القول إلى بعض ~~طوائف الشيعة. وقيل المراد به ما يتناول ذبائحهم وغيرها من الأطعمة. وقد ~~روى هذا القول عن ابن عباس، وأبي الدرداء، وقتادة ومجاهد وغيرهم. والمراد ~~بالذين أوتوا الكتاب اليهود والنصارى. ال الآلوسى وحكم الصابئين كحكم أهل ~~الكتاب عند أبى حنيفة. وقال صاحباه الصائبة صنفان صنف يقرأون الزبور ~~ويعبدون الملائكة وصنف لا يقرأون كتابا ويعبدون النجوم فهؤلاء ليسوا من ~~أهل الكتاب وأما المجوس فقد سن بهم سنة أهل الكتاب فى أخذ الجزية منهم ~~دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم. واختلف العلماء فى حل ذبيحة اليهودى ~~والنصرانى إذا ذكر عليها اسم غير ms1435 الله - كعزير وعيسى - فقال ابن عمر لا ~~تحل. وذهب أكثر أهل العلم إلى أنها تحل. وهو قول الشعبى وعطاء قالا فإن ~~الله قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون ". والمعنى إن الله أسبغ عليكم ~~نعمه - أيها المؤمنون - وأكمل لكم دينه، ويسر لكم شرعه، ومن مظاهر ذلك ~~أنه - سبحانه - أحل لكم التمتع بالطيبات، كما أحل لكم أن تأكلوا من ذبائح ~~أهل الكتاب. وأن تطعموهم من طعامكم. قال ابن كثير وهذا أمر مجمع عليه بين ~~العلماء، أن ذبائحهم حلال للمسلمين، لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير ~~الله، ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله، وإن اعتقدوا فيه ما هو منزه ~~عنه - تعالى وتقدس -. وإنما قال { وطعامكم حل لهم } أى يحل ~~لكم ان تطعموهم من طعامكم للتنبيه على أن الحكم مختلف فى الذبائح عن ~~المناكحة. فإن إباحة الذبائح حاصلة من الجانبين، بخلاف إباحة المنكاحات ~~فإنها فى جانب واحد، إذ لا يحل لغير المسلم أن يتزوج بمسلمة، لأنه لو جاز ~~ذلك لكان لأزواجهن الكفار ولاية شرعية عليهن، والله - تعالى - لم يجعل ~~للكافرين على المؤمنين سبيلا شرعيا، بخلاف إباحة الطعام من الجانبين ~~فإنها لا تستلزم محظورا. # قال بعض العلماء والجمهور على حل ذبائح أهل الكتاب إذا أهريق الدم، وقد ~~اتفق الجمهور على حل هذه الذبائح، والخلاف عندهم فيما عدا الذبائح التى ~~ثبت حلها بالنص، وأما غير الذبائح فهو قسمان القسم الأول ما لا عمل لهم ~~فيه كالفاكهة والبر وهو حلال بالاتفاق. والقسم الثانى ما لهم فيه عمل وهو ~~قسمان - أيضا - أحدهما، ما يحتمل دخول النجاسات فيه كاستخراج الزيوت من ~~النباتات أو الحيوانات وهذا قد اختلف فيه الفقهاء. فمنهم من منعه لاحتمال ~~النجاسة، ومن هؤلاء ابن عباس، لأن احتمال النجاسة ثابت، وهو يمنع الحل. ~~وقد تبع هذا الرأي بعض المالكية، ومن هؤلاء الطرطوسى وقد صنف فى تحريم ~~جبن النصارى ويجرى مجرى الجبن الزيت، وعلى هذا الرأى يجرى مجراها السمن ~~الهولاندى وما شابهه. ولكن الجمهور على جواز ذلك ما دام لم يثبت أنه ~~اختلط بهذا النوع من الطعام ms1436 نجاسة، والثانى المحرم، وهو ما ثبت أنه قد ~~دخله أجزاء من الخمر أو الميتة، أو الخنزير، أو غير ذلك من المحرمات ". ~~ثم بين - سبحانه - حكم نكاح نساء أهل الكتاب بعد بيان حكم ذبائحهم فقال { ~~والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم إذآ آتيتموهن أجورهن ~~محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان }. وقوله { ~~والمحصنات } عطف على { الطيبات } وهو جمع محصنة. والإحصان ~~يطلق على معان منها الإسلام. ولا موضع له هنا لأن الكلام فى غير ~~المسلمات، ويطلق على التزوج، ولا موضع له هنا - أيضا - لأنه لا يحل تزوج ~~ذات الزوج. ويطلق على العفة وعلى الحرية وهذان المعنيان هما المختاران ~~هنا. فمن الفقهاء من قال المراد بالمحصنات من أهل الكتاب هنا العفيفات ~~ويكون الوصف للترغيب فى طلب العفة، والعمل على اختيار من هذه صفتها. وعلى ~~هذا الرأى يصح الزواج من الكتابيات سواء أكان حرائر أم إماء. ومنهم من ~~قال المراد بالمحصنات من أهل الكتاب هنا الحرائر أى أنه لا يحل الزواج ~~بنساء أهل الكتاب إلا إذا كن حرائر. والمراد بقوله { أجورهن } أى ~~مهورهن. وعبر عن المهر بالأجر لتأكيد وجوبه. وعدم الاستهانة بأى حق من ~~حقوقهن. وقوله محصنين - بكسر الصاد - أى متعففين بالزواج عن اقتراب ~~الفواحش. يقال أحصن الرجل فهو محصن أى تعفف فهو متعفف وأحصن بالزواج ~~الرجل فهو محصن - بفتح الصاد - أى أعفه الزواج عن الوقوع فى الفاحشة. ~~وقوله { مسافحين } جمع مسافح. # والسفاح. الزنا. يقال سافح الرجل المرأة إذا ارتكب معها فاحشة الزنا، ~~وسمى الزانى مسافحا. لأنه سفح ماءه أى صبه ضائعا. وقوله { أخدان } ~~جمع خدان - بكسر الخاء وسكون الدال - بمعنى الصديق. ويطلق على الذكر ~~والأنثى. والمراد بالخدن هنا. المرأة البغى التى يخادنها الرجل أى ~~يصادقها ليرتكب معها فاحشة الزنا. وغالبا ما تكون خاصة به. والمعنى وكما ~~أحل الله لكم - أيها المؤمنون - الطيبات من الرزق، وأحل لكم ذبائح أهل ~~الكتاب، وأحل لكم أن تطعموهم من طعامكم، فقد أحل لكم - أيضا - نكاح ~~المحصنات من المؤمنات. أى العفيفات الحرائر لأنهن أصون لعرضكم. وأنقى ms1437 ~~لنطفكم، وأحل لكم نكاح النساء المحصنات أى الحرائر العفيفات { من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } أى من اليهود والنصارى. ~~قال الآلوسى وتخصيص المحصنات بالذكر فى الموضعين، للحث على ما هو الأولى ~~والأليق، لا لنفى ما عداهن، فإن نكاح الإماء المسلمات بشرطه، صحيح ~~بالاتفاق. وكذا نكاح غير العفائف منهن. وأما الإماء الكتابيات فهن ~~كالمسلمات عند الإمام الأعظم ". وقوله { إذآ آتيتموهن ~~أجورهن } أى مهورهن، وهى عوض عن الاستمتاع بهن. قالوا وهذا الشرط ~~بيان للأكمل والأولى لا لصحة العقد، إذ لا تتوقف صحة العقد على دفع ~~المهر، إلا أن الأولى هو إيتاء الصداق قبل الدخول. وقوله { محصنين ~~غير مسافحين ولا متخذي أخدان } أمر لهم بالعفة ~~والبعد عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن. وقوله { محصنين } حال من ~~فاعل { آتيتموهن }. وقوله { غير مسافحين } صفة لمحصنين، ~~أو حال من الضمير المستتر فى محصنين. وقوله { ولا متخذي ~~أخدان } يحتمل أن يكون مجرورا على أنه عطف على مسافحين، وزيدت فيه " ~~لا " لتأكيد النفى المستفاد من لفظ غير. ويحتمل أن يكون منصوبا على أنه ~~عطف على { غير مسافحين }. والمعنى أبحنا لكم الزواج بالكتابيات ~~المحصنات لتشكروا الله - تعالى - على تيسيره لكم فيما شرع، ولتطلبوا من ~~وراء زواجكم العفة والبعد عن الفواحش، والصون لأنفسكم ولأنفس أزواجكم عن ~~انتهاك حرمات الله فى السر أو العلن. وقدم - سبحانه - المحصنات من ~~المؤمنات على المحصنات من الذين أوتوا الكتاب للتنبيه على أن المحصنات من ~~المؤمنات أحق باختيار الزواج بهن من غيرهن، وأن المحصنة المؤمنة الزواج ~~بها أولى وأجدر وأحسن من الزواج بالمحصنة الكتابية. ثم ختم - سبحانه - ~~الآية الكريمة بقوله { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط ~~عمله وهو في الآخرة من الخاسرين }. أى ومن يكفر بشرائع ~~الله وبتكاليفه التى أنزلها على نبيه صلى الله عليه وسلم فقد حبط عمله، ~~أى خاب سعيه. وفسد عمله الذى عمله. وهو فى الآخرة من الهالكين الذين ~~ضيعوا ما عملوه فى الدنيا من أعمال بسبب انتهاكهم لحرمات الله وأحكام ~~دينه. فالمقصود من هذه الجملة الكريمة الترهيب من مخالفة أوامر الله ~~والترغيب ms1438 فى طاعته - سبحانه -. # هذا، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من الآية الكريمة. 1 - إباحة ~~التمتع بالطيبات التى أنعم بها - سبحانه - على عباده، ولم يرد نص ~~بحرمتها. 2 - إباحة الأكل من ذبائح أهل الكتاب وإباحة إطعامهم من طعامنا. ~~3 - الترغيب فى نكاح المرأة المحصنة أى التى أحصنت نفسها عن الفواحش ~~وصانتها عن كل ريبة واعتصمت بالعفاف والشرف، وكان سلوكها المستقيم دليلا ~~على أنها متمسكة بتعاليم دينها. وبالآداب الحميدة التى جاءت بها شريعة ~~الإسلام. وقد وردت أحاديث كثيرة فى هذا المعنى، ومن ذلك ما رواه الشيخان ~~وغيرهما عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " تنكح المرأة لأربع لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها فاظفر بذات ~~الدين تربت يداك ". # ومعنى تربت يداكافتقرت وندمت إن لم تبحث عن ذات الدين، وتجعلها محط طلبك ~~للزواج بها. وروى أبو داود والنسائى عن ابن عباس قال جاء رجل إلى النبى ~~صلى الله عليه وسلم فقال # " إن امرأتى لا تمنع يد لامس. قال صلى الله عليه وسلم " غربها - أى ~~طلقها - ". قال أخاف أن تتبعها نفسى - أى أرتكب معها ما نهى الله عنه بعد ~~طلاقها - قال صلى الله عليه وسلم " فاستمتع بها " # أى أبقها مع المحافظة عليها. 4 - إباحة نكاح النساء الكتابيات - وهذا ~~مذهب أكثر الفقهاء،لأن هذا هو الظاهر من معنى قوله تعالى { ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم }. ~~قال ابن كثير وقد كان عبد الله بن عمر لا يرى التزويج بالنصرانية ويقول ~~لا أعلم شركا أعظم من أن تقول إن ربها عيسى، وقد قال الله - تعالى - # ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن # وعن ابن عباس قال نزلت هذه الآية # ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن # فحجز الناس عنهن حتى نزلت { والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم } فنكح الناس نساء أهل الكتاب. وقد تزوج جماعة ~~من الصحابة من نساء النصارى ولم يروا بذلك بأسا أخذا بهذه الآية، وجعلوها ~~مخصصة للتى فى سورة البقرة وهى قوله - تعالى - # ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن # إن قيل بدخول الكتابيات فى عمومها. ms1439 وإلا فلا معارضة بينها وبينها لأن ~~أهل الكتاب انفصلوا فى ذكرهم عن المشركين فى غير موضع. كقوله - تعالى - # لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة # وقال بعض العلماء ما ملخصه قوله - تعالى - { والمحصنات من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } أخذه الجمهور على عمومه، ~~فأباحوا التزوج من أهل الكتاب وإن غيروا وبدلوا، ذميين كانوا أو حربيين. ~~وقيده جماعة بالذميين دون الحربيين. # وذهب جماعة من السلف إلى أن أهل الكتاب قد غيروا أو بدلوا وعبدوا ~~المسيح. وقالوا إن الله ثالث ثلاثة. فهم بذلك والمشركون فى العقيدة سواء ~~وقد حرم الله التزوج من المشركات ونسب هذا الرأي إلى عبدالله بن عمر ~~وغيره من الصحابة. وتأولوا الآية بوجوه أقر بها أنها رخصة خاصة فى الوقت ~~الذى نزلت فيه. قال عطاء إنما رخص الله فى التزوج بالكتابية فى ذلك الوقت ~~لأنه كان فى المسلمات قلة. أما الآن ففيهن الكثرة العظيمة، فزالت الحاجة ~~فلا جرم زالت الرخصة. والذى نراه فى المسألة أنه ليس فى الآية ما يدل على ~~أنه رخصة، ولا نعلم فى الشريعة ما يدل على أنه رخصة. والآية دالة على ~~الإباحة المطلقة، ولم تقيد بوقت خاص، ولا بحالة خاصة. نعم إن ما نراه ~~اليوم فى بعض المسلمين من رغبة التزوج بنساء الإفرنج لا لغاية سوى أنها ~~إفرنجية. ثم يضع نفسه وأولاده تحت تصرفها فتنشئهم على تقاليدها وعاداتها ~~التى تأباها تعاليم الإسلام. نعم إن ما نراه من كل ذلك يجعلنا نوجب على ~~الحكومات التى تدين بالإسلام وتغار على قوميتها وشعائرها.. أن تمنع من ~~التزوج بالكتابيات، وأن تضع حدا لهؤلاء الذين ينسلخون عن قوامتهم على ~~المرأة. حفاظا على مبادئ الدين وعلى عقيدة أولاد المسلمين. وإن العمل ~~على تقييد هذا الحكم فى التشريع الإسلامى أو منعه، لألزم وأوجب مما تقوم ~~به بعض الحكومات الإسلامية، أو تحاول أن تقوم به، من تحديد سن الزواج ~~للفتاة. وتقييد تعدد الزوجات، وتقييد الطلاق، وما إلى ذلك من التشريعات ~~التى ينشط لها كثير من رجال الحكم، سيرا ms1440 وراء مدنية الغرب المظلمة. ألا ~~وإن انحلال الكثرة الغالبة ممن يميلون إلى التزوج بالكتابيات للمعانى ~~التى أشرنا إليها لمما يوجب الوقوف أمام هذه الإباحة التى أصبحت حالتنا ~~لا تتفق والغرض المقصود منها. وهذا معنى تشهد به كليات الدين وقواعده ~~التى يتجلى فيها شدة حرصه على حفظ شخصية الأمة الإسلامية، وعدم انحلالها ~~وفنائها فى غيرها ". وبعد أن بين - سبحانه - بعض مظاهر نعمه على عباده ~~فيما يتعلق بمطاعمهم. وفيام يتعلق بما يحل لهم من النساء. أتبع ذلك ببيان ~~مظاهر فضله عليهم فيما يتعلق بعبادتهم التى من أهمها الوضوء، والغسل. ~~والصلاة. وأمرهم بالمحافظة على شرعه لهم من شرائع وأحكام فقال - تعالى - ~~{ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة... } ### || [5.6-7] # قال الفخر الرازى اعلم أنه - تعالى - افتتح السورة بقوله # يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود # وذلك لأنه حصل بين الرب وبين العبد عهد الربوبية وعهد العبودية. فقوله # أوفوا بالعقود # طلب الله - تعالى - من عباده أن يفوا بعهد العبودية. فكأنما قيل يا ~~إلهنا العهد نوعان عهد الربوبية منك وعهد العبودية منا فأنت أولى بأن ~~تقدم الوفاء بعهد الربوبية والإحسان. فقال - تعالى - نعم أنا أوفى أولا ~~بعهد الربوبية والكرم. معلوم أن منافع الدنيا محصورة فى نوعين لذات ~~المطعم، ولذات المنكح فاستقصى - سبحانه - فى بيان ما يحل ويحرم من ~~المطاعم والمناكح. وعند تمام هذا البيان كأنه يقول قد وفيت بعهد الربوبية ~~فيما يطلب فى الدنيا من المنافع واللذات فاشتغل أنت فى الدنيا بالوفاء ~~بعهد العبودية. ولما كان أعظم الطاعات بعد الإيمان الصلاة وكانت الصلاة ~~لا يمكن إقامتها إلا بالطهارة لا جرم بدأ - سبحانه - بذكر فرائض الوضوء ~~فقال { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق }. والمراد ~~بالقيام إلى الصلاة إرادة القيام إليها، والتهيؤ للدخول فيها من باب ~~إطلاق المسبب وإرادة السبب، للايجاز وللتنبيه على أن الشأن فى المؤمنين ~~أن يكونوا دائما على ذكر من إرادتها وعدم الإهمال فى أدائها. وإنما ~~قلنا المراد بالقيام إلى الصلاة إرادتها لأنه لو بقى الكلام على ms1441 حقيقته ~~للزم تأخير الوضوء عن الصلاة، وهذا باطل بالإجماع. وليس المراد بالقيام ~~انتصاب القامة أو ما يشبه ذلك، بل المراد به الاشتغال بأفعال الصلاة ~~وأقوالها وكل ما يتعلق بذاتها. قال الآلوسى ما ملخصه وظاهر الآية يفيد ~~وجوب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة وإن لم يكن محدثا نظرا إلى عموم { ~~الذين آمنوا } من غير اختصاص بالمحدثين. لكن الإجماع على خلاف ~~ذلك، فقد أخرج مسلم وغيره # " أن النبى صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات الخمس يوم الفتح بوضوء واحد. ~~فقال له عمر يا رسول صنعت شيئا لم تكن تصنعه. فقال صلى الله عليه وسلم " ~~عمدا فعلته يا عمر ". # يعنى بيانا للجواز. فاستحسن الجمهور كون الآية مقيدة، والمعنى إذا قمتم ~~إلى الصلاة وأنتم محدثون بقرينة دلالة الحال. ولأنه اشتراط الحدث فى ~~البدل وهو التيمم، فلو لم يكن له مدخل فى الوضوء مع المدخلية فى التيمم ~~لم يكن البدل بدلا. وقوله - تعالى - { فلم تجدوا مآء } صريح فى ~~البدلية. ويحكى عن داود الظاهرى أنه أوجب الوضوء لكل صلاة لأن النبى صلى ~~الله عليه وسلم والخلفاء من بعده كانوا يتوضأون لكل صلاة، ورد بأن فعل ~~النبى صلى الله عليه وسلم والخلفاء لا يدل على أكثر من الندب والاستحباب ~~وقد ورد " من توضأ على طهر كتب الله - تعالى - له عشر حسنات ". # وقوله { فاغسلوا } من الغسل وهو إمرار الماء على المحل حتى يسيل عنه ~~وزاد بعضهم مع الدلك. وقوله { وجوهكم } جمع وجه. وهو مأخوذ من ~~المواجهة. وحد الوجه من مبدأ سطح الجبهة إلى منتهى الذقن طولا ومن الأذن ~~إلى الأذن عرضا. والمرافق جمع مرفق - كمنبر ومجلس - وهو ملتقى عظم العضد ~~بعظم الذراع. والكعبين تثنية كعب. وهما الجزءان البارزان فى أعلى القدم. ~~والمعنى يأيها الذين آمنوا إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون ~~حدثا أصغر، فاغسلوا وجوهكم، أى فأسيلوا الماء على وجوهكم، وأسيلوه أيضا ~~على أيديكم إلى المرافق وامسحوا بأيديكم المبللة بالماء رءوسكم واغسلوا ~~أرجلكم إلى الكعبين. وهنا توسع الفقهاء وبعض المفسرين فى ذكر مسائل تتعلق ~~بهذه الآية ms1442 نرى من الواجب الالمام بأهمها فنقول أولا أخذ جمهور الفقهاء ~~من قوله - تعالى - { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا } إلخ ~~أن الوضوء لابد فيه من القصد إليه وإرادته لأجل الصلاة لا لأجل أى شىء ~~آخر كالنظافة وغيرها مما يشبهها، وذلك لأن الوضوء عمل من الأعمال التى ~~يقصد بها المسلم الطاعة لله، والنبى صلى الله عليه وسلم يقول # " إنما الأعمال بالنيات " # وعليه تكون النية ركنا من أركان الوضوء، فإذا لم يقصد بوضوئه إرادة ~~الصلاة وابتغاء رضاء الله، لم تكن صلاته بهذا الوضوء صحيحة. وقال الأحناف ~~إن النية فى الوضوء ليست بفرض. لأن الوضوء ليس عبادة مقصودة لذاتها. ~~وإنما هو وسيلة لغيره وهو الصلاة، والنية إنما هى شرط فى العبادة نفسها ~~وهى الصلاة باعتبارها المقصد، وليست شرطا فى الوسيلة وهى الوضوء. وعليه ~~فالوضوء يتحقق بغسل ما يجب غسله من الأعضاء المعروفة، ومسح ما يجب مسحه ~~منها، وللمسلم أن يصلى بهذا الوضوء ما شاء من الفرائض والنوافل. قالوا ~~ومما يشهد بأن الوضوء وسيلة لعبادة ظاهر قوله - تعالى - { إذا قمتم ~~إلى الصلاة } فإنه يدل على أن الصلاة هى المقصودة وهى الغاية أما ~~الوضوء فقد شرع ليكون سبيلا إليها. ثانيا قوله { فاغسلوا وجوهكم ~~} اتفق الفقهاء على وجوب غسل الوجه إلا أنهم اختلفوا فى دخول المضمضة ~~والاستنشاق فيه. فجمهور الفقهاء اتفقوا على أنهما لا يدخلان فى غسل ~~الوجه، بل هما سنتان كان يفعلهما النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه قبل ~~غسل الوجه. وقال بعض الفقهاء المضمضمة والاستنشاق داخلان فى الغسل. ~~ثالثا أخذ كثير من الفقهاء من قوله - تعالى - { إلى المرافق }.. ~~و { إلى الكعبين } أن المرافق داخله مع اليدين فى وجوب الغسل، وأن ~~الكعبين داخلان مع الرجلين فى وجوب الغسل. قالوا لأن { إلى } هنا بمعنى ~~مع، ولأن بعض علماء اللغة وعلى رأسهم سيبوية قد قرروا أن ما بعد إلى إذا ~~كان من نوع ما قبلها دخل فى الحد، وإذا لم يكن من نوعه لم يدخل. # وهنا ما بعد إلى من نوع ما قبلها فوجب دخوله فى الحد. ولأن ms1443 جعل ما قبل ~~المرفقين حدا، لا يصلح أن يكون علامة واضحة على ذلك، ومن شأن العلامات أن ~~تكون واضحة وهذا لا يتأتى إلا بغسل المرفقين والكعبين. وفضلا عن كل ذلك ~~فالمعروف من وضوء النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يغسل المرفقين ~~والكعبين. قال القرطبى وهذا هو الصحيح لما رواه الدارقطنى عن جابر " أن ~~النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه ". ويرى ~~بعض الفقهاء أن غسل المرفقين والكعبين مستحب، لأن الغاية من قوله { إلى ~~المرافق } و { إلى الكعبين } تحتمل أن تدخل المرافق والكعبين ~~فى الوجوب وتحتمل عدم الدخول، ولا وجوب مع الاحتمال. وقد أشار صاحب ~~الكشاف إلى هذه المسألة بقوله قوله { إلى المرافق } تفيد معنى ~~الغاية مطلقا. فأما دخولها فى الحكم وخروجها، فأمر يدور مع الدليل. فمما ~~فيه دليل على الخروج قوله # فنظرة إلى ميسرة # لأن الإعسار علة الإنظار. وبوجود الميسرة تزول العلة. ولو دخلت ~~الميسرة فيه لكان منظرا فى كلتا الحالتين معسرا وموسرا. وكذلك # ثم أتموا الصيام إلى الليل # لو دخل الليل لوجب الوصال فى الصوم. ومما فيه دليل على الدخول قولك حفظت ~~القرآن من أوله إلى آخره - لأن الكلام مسوق لحفظ القرآن كله. ومنه قوله - ~~تعالى - # من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى # لوقوع العلم بأنه لا يسرى به إلى بيت المقدس من غير أن يدخله. وقوله { ~~إلى المرافق } و { إلى الكعبين } لا دليل فيه على أحد ~~الأمرين، فأخذ كافة العلماء بالاحتياط فحكموا بدخولها فى الغسل. وأخذ زفر ~~وداود بالمتيقن فلم يدخلاها. وعن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يدير ~~الماء على مرفقيه ". رابعا أجمع الفقهاء على أن مسح الرأس من أركان ~~الوضوء، لقوله - تعالى - { وامسحوا برؤوسكم } إلا أنهم ~~اختلفوا فى مقدار المسح. فقال المالكية يجب مسح جميع الرأس أخذا ~~بالاحتياط، وتبعهم فى ذلك الحنابلة. وقال الشافعية يكفى مسح أقل ما يطلق ~~عليه اسم المسح أخذا باليقين وقال الحنفية يفترض مسح ربع الرأس. ومنشأ ~~الخلاف هنا اعتبار الباء زائدة أو أصلية. فقال المالكية ms1444 والحنابلة إن ~~الباء كما تكون أصلية تكون - أيضا - زائدة لتقوية تعلق العامل بالمعمول ~~واعتبارها هنا زائدة أولى، لأن التركيب حينئذ يدل على مسح جميع الرأس، ~~ويكون البعض داخلا فى ذلك. وقال الأحناف والشافعية الباء هنا للتبعيض، ~~إلا أن البعض لم يقدره الشافعية بمقدار معين، وقدره الأحناف بمقدار ربع ~~الرأس أخذا من حديث المغيرة بن شعبة " أن النبى صلى الله عليه وسلم كان ~~فى سفر فنزل لحاجته ثم جاء فتوضأ ومسح على ناصيته " قالوا والناصية تساوى ~~ربع الرأس. # قال بعض العلماء والسنة الصحيحة وردت بالبيان. وفيها ما يفيد جواز ~~الاقتصار على مسح البعض فى بعض الحالات كما فى صحيح مسلم وغيره من حديث ~~المغيرة أنه صلى الله عليه وسلم أدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ~~ولم ينقض العمامة. وقد ثبت فى الأحاديث الصحيحة أنه مسح رأسه فأقبل ~~وأدبر. وهذه هى التى استمر عليها صلى الله عليه وسلم فاقتضى هذا أفضلية ~~الهيئة التى كان يداوم عليها. وهى مسح الرأس مقبلا ومدبرا. وإجراء غيرها ~~فى بعض الأحوال. خامسا قوله تعالى { وأرجلكم } وردت فيه قراءتان ~~متواترتان. احداهما بفتح اللام وهى قراءة نافع وابن عامر وحفص الكسائى ~~ويعقوب. والثانية بكسر اللام وهى قراءة الباقين. أما قراءة النصب فعلى أن ~~قوله { وأرجلكم } معطوف على قوله { وجوهكم } أو هو منصوب ~~بفعل مقدر أى وامسحوا برءوسكم واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين. وأما قراءة ~~الجر فعلى أن قوله { وأرجلكم } معطوف على { برؤوسكم }. قال ~~القرطبى ما ملخصه فمن قرأ بالنصب جعل العامل " اغسلوا " وبنى على ذلك أن ~~الفرض فى الرجلين الغسل دون المسح. وهذا مذهب الجمهور والكافة من العلماء ~~وهو الثابت من فعل النبى صلى الله عليه وسلم واللازم من قوله فى غير ما ~~حديث. وقد رأى قوما يتوضئون وأعقابهم تلوح فنادى بأعلى صوته. " ويل ~~للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء " ثم إن الله حدهما فقال { إلى ~~الكعبين } كما قال فى اليدين { إلى المرافق } فدل على وجوب ~~غسلهما. ومن قرأ بالخفض جعل العامل الباء. فقال ابن العربى اتفقت العلماء ~~على ms1445 وجوب غسلهما، وما علمت من رد ذلك سوى الطبرى من فقهاء المسلمين، ~~والرافضة من غيرهم. وتعلق الطبرى بقراءة الخفض - أى قال بمسح الرجلين. ثم ~~قال وقد قيل إن قوله { وأرجلكم } بقراءة الخفض - معطوف على اللفظ ~~دون المعنى - أى لفظ الرءوس - وهذا أيضا يدل على الغسل، فإن المراعى ~~المعنى لا اللفظ وإنما خفض للجوار كما تفعل العرب. وقد جاء هذا فى القرآن ~~وغيره قال - تعالى - # يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران # بالجر لأن النحاس هو الدخان. ثم قال والقاطع فى الباب من أن فرض الرجلين ~~الغسل ما قدمناه، وما ثبت من قوله صلى الله عليه وسلم # " ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار " # فخوفنا ذكر النار على مخالفة مراد الله. ومعلوم أن النار لا يعذب بها ~~إلا من ترك الواجب. ومعلوم أن المسح ليس من شأنه الاستيعاب. ولا خلاف بين ~~القائلين بالمسح على الرجلين أن ذلك على ظهورهما لا على بطونهما فتبين ~~بهذا الحديث بطلان من قال بالمسح. # إذ لا مدخل لمسح بطونهما عندهم، وإنما ذلك يدرك بالغسل لا بالمسح. ونقل ~~الجمهور كافة عن كافة عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أنه كان يغسل رجليه فى ~~وضوئه مرة واثنتين وثلاثا حتى ينقيهما. وحسبك بهذا حجة فى الغسل مع ما ~~بيناه فقد وضح وظهر أن قراءة الخفض المعنى فيها الغسل لا المسح وأن ~~العامل فى قوله { وأرجلكم } قوله { فاغسلوا } والعرب قد تعطف ~~الشىء على الشىء بفعل ينفرد به أحدهما. تقول أكلت الخبز واللبن. أى وشربت ~~اللبن. وقد عقد الإمام ابن كثير فصلا أورد فيه - عند تفسيره لهذه الآية ~~- كثيرا من الأحاديث التى وردت فى غسل الرجلين، وجعل عنوانه " ذكر ~~الأحاديث الواردة فى غسل الرجلين وأنه لابد منه ". ومن هذه الأحاديث ما ~~جاء فى الصحيحين والسنن عن عثمان وعلى ابن عباس. أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم غسل الرجلين فى وضوئه إما مرة، وإما مرتين أو ثلاثا. على ~~اختلاف رواياتهم. وفى حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول ms1446 الله ~~صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل قدميه ثم قال # " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به ". # وعن جابر بن عبد الله قال رأى النبى صلى الله عليه وسلم فى رجل رجل ~~مثل الدرهم لم يغسله فقال # " ويل للأعقاب من النار ". # ثم قال ابن كثير ووجه الدلالة من هذه الأحاديث ظاهرة. وذلك أنه لو كان ~~فرض الرجلين مسحهما، أو أنه يجوز ذلك لما توعد على تركه، لأن المسح لا ~~يستوعب جميع الرجل. بل يجرى فيه ما يجرى فى مسح الخف. ويرى الزمخشرى أن ~~قراءة الجر فى قوله { وأرجلكم } محمولة فى المعنى على النصب ويكون ~~السبب فى عطفها على الرءوس المجرورة، للإشارة إلى وجوب عدم الإسراف فى ~~الماء. فقد قال فإن قلت فما تصنع بقراءة الجر ودخولها فى حكم المسح؟ قلت ~~الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها فكانت مظنة ~~للإسراف المذموم المنهى عنه، فعطفت على الثالث المسموح لا لتمسح، ولكن ~~لينبه على وجوب الاقتصاد فى صب الماء عليها. وقد وضح هذا المعنى الشيخ ~~ابن المنير بقوله لم يوجه الزمخشرى قراءة الجر بما يشفى الغليل. والوجه ~~فيه أن الغسل والمسح متقاربان من حيث أن كل واحد منهما مساس بالعضو، ~~فيسهل عطف المغسول على الممسوح من ثم، كقوله متقلدا سيفا ورمحا. ~~وعلفتها تبنا وماء باردا. ونظائره كثيرة. ثم يقال ما فائدة هذا التشريك ~~بعلة التقارب؟ وهلا أسند إلى كل واحد منهما الفعل الخاص به على الحقيقة؟ ~~فيقال فائدته الإيجاز والاختصار. وتحقيقه أن الأصل أن يقال مثلا واغسلوا ~~أرجلكم غسلا خفيفا لا إسراف فيه كما هو المعتاد، فاختصرت هذه المقاصد ~~بإشراكه الأرجل مع الممسوح، ونبه بهذا التشريك - الذى لا يكون إلا فى ~~الفعل الواحد أو الفعلين المتقاربين جدا. # على أن الغسل المطلوب فى الأرجل غسل خفيف يقارب المسح. وحسن إدراجه معه ~~تحت صيغة واحدة وهذا تقرير كامل لهذا المقصود ". هذا ومن كل ما تقدم نرى ~~وجوب غسل الرجلين فى الوضوء سواء أكانت القراءة بالنصب أم بالجر. وقد ~~بسطت بعض ms1447 كتب الفقه والتفسير هذه المسألة بسطا موسعا فليرجع إليها من ~~شاء. سادسا أخذ الأحناف من هذه الآية الكريمة أن أركان الوضوء هى هذه ~~الأربعة فحسب أى غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل ~~الرجلين إلى الكعبين. وقد أضاف جمهور الفقهاء إلى ذلك النية - كما سبق أن ~~أشرنا - كما أضافوا الترتيب بين الأركان بحيث يغسل الوجه أولا ثم اليدان ~~ثم من بعدهما مسح الرأس، ثم غسل الرجلين، لأن هذه الأركان قد ذكرت بهذا ~~الترتيب فى القرآن فيجب التزامه. ولأن النبى صلى الله عليه وسلم لم يخالف ~~هذا الترتيب ولو مرة واحدة فوجب اتباع ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم. ~~وقال الأحناف الترتيب ليس فرضا، لأن العطف بين الأركان بالواو وهى لا ~~تقتضى ترتيبا ولا تعقيبا. كذلك أضاف بعض الفقهاء إلى أركان الوضوء ~~الموالاة بمعنى أن يواصل المتوضئ الاشتغال بوضوئه ولا ينقطع عنه. وذهب ~~بعضهم إلى أن ذلك سنة. والذى تطمئن إليه النفس أن المتوضئ إذا انقطع ~~وضوؤه بعمل أجنبى لمدة جفت معها أعضاء الوضوء وجب عليه استئناف الوضوء ~~مبتدئا بأوله. أما إذا قطع المتوضئ وضوءه لفترة قصيرة بحيث بقيت آثار ~~الوضوء ظاهرة فإنه فى هذه الحالة يجوز له الاستمرار فيه. تلك هى بعض ~~المسائل التى رأينا أن نتكلم عنها بإيجاز بمناسبة حديثنا عن هذه الآية ~~الكريمة وهناك مسائل أخرى تتعلق بها تكفلت كتب الفروع بتفصيلها. وقد ~~انتقلت الآية الكريمة بعد حديثها عن الوضوء إلى الحديث عن الاغتسال ~~وموجبة فقال - تعالى - { وإن كنتم جنبا فاطهروا }. والجنب ~~من أصابته الجنابة بسبب جماع أو احتلام أو غيرهما مما تتحقق معه الجنابة. ~~وكلمة جنب من الألفاظ التى يستوى فيها الواحد والمثنى والجمع والمذكر ~~والمؤنث لجريانها مجرى المصدر، فيقال رجل جنب، وامرأة جنب، وهما جنب، ~~ورجال ونساء جنب.. واشتقاقه من المجانبة بمعنى المباعدة، لأن الجنابة ~~معنى شرعى يستلزم من المسلم اجتناب الصلاة وقراءة القرآن ومس المصحف ~~ودخول المسجد إلى أن يتطهر. وقوله { فاطهروا } أصله فتطهروا ~~فأدغمت التاء فى الطاء فسكنت فأتى بالهمزة. والمعنى يا ms1448 أيها الذين آمنوا ~~إذا أردتم الدخول فى الصلاة فعليكم أن تتوضئوا قبل دخولكم فيها بأن ~~تغسلوا وجوهكم وتغسلوا أيديكم إلى المرافق، وتمسحوا برؤوسكم. # وتغسلوا أرجلكم إلى الكعبين، هذا إذا كنتم محدثين حدثا أصغر وأردتم ~~الصلاة أما إذا كنتم محدثين حدثا أكبر، بأن كنتم جنبا بسبب خروج منى أو ~~التقاء ختانين وأردتم الدخول فى الصلاة فعليكم فى هذه الحالة أن تتطهروا. ~~أى تغسلوا بالماء جميع بدنكم. لأن الأمر بالتطهر لما لم يتعلق بعضو دون ~~عضو، كان أمرا شاملا لتطهير جميع البدن، بدليل أن الوضوء لما تعلق بعضو ~~دون عضو نص الله - تعالى - فى الآية على تلك الأعضاء التى أوجب غسلها. ~~وإنما حملت الطهارة هنا على الطهارة بالماء لأن الماء هو الأصل كما يشير ~~إلى ذلك قوله - تعالى - # وينزل عليكم من السمآء مآء ليطهركم به # ولأنه - سبحانه - قد ذكر بعد هذه الحملة ما يحل محل الماء عند فقده. ~~والتعبير بقوله { فاطهروا } فيه إشارة إلى وجوب العناية فى تعميم ~~الماء على الجسد كله، وإيماء إلى أن النجاسة المعنوية قد عمت كل أجزاء ~~الجسم، فوجب أن تكون الطهارة عامة لكل أجزاء الجسم ولا شك أن الاغتسال ~~بعد الجنابة أو الحيض أو النفاس فيه إنعاش الجسم بعد أن أصابه التعب ~~والإنهاك، وفيه كذلك طهارة نفسية، لأنه يبعث فى الإنسان حسن الاستعداد ~~لذكر الله، ولأداء تكاليفه. قال الفخر الرازى والدلك غير واجب فى الغسل. ~~وقال مالك الدلك واجب وحجة غيره أن قوله { فاطهروا } أمر بتطهير ~~البدن وتطهير البدن لا يعتبر فيه الدلك. ثم قال والشافعى قال المضمضة ~~والاستنشاق غير واجبين فى الغسل - ومثله فى ذلك الإمام مالك. وقال أبو ~~حنيفة - والحنابلة - هما واجبان لأن الآية تقول { فاطهروا } وهذا ~~أمر بأن يطهروا أنفسهم. وتطهير النفس لا يحصل إلا بتطهير جميع أجزاء ~~النفس، ما عدا الأجزاء الباطنة التى لا يمكن تطهيرها. وداخل الفم والأنف ~~يمكن تطهيرهما. فوجب بقاؤهما تحت النص. ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~قال # " بلوا الشعر وأنقوا البشرة فإن تحت كل شعرة جنابة " # فقوله " بلوا ms1449 الشعر " يدخل فيه الأنف. لأن داخله شعر. وقوله " وأنقوا ~~البشرة " يدخل فى الجلدة التى داخل الفم. وحجة الشافعى - ومالك قوله صلى ~~الله عليه وسلم أما أنا فأحثى على رأسى ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت " ~~وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم ذلك فى مجلس جماعة من أصحابه كانوا ~~يتحدثون أمامه فى أمر الغسل، وكل يبين ما يعمله. ثم شرع - سبحانه - فى ~~بيان الأعذار التى تبيح التيمم من أجل الطهارة عند العجز عن استعمال ~~الماء فقال - تعالى - { وإن كنتم مرضى أو على سفر أو ~~جآء أحد منكم من الغائط أو لامستم النسآء ~~فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم منه }. # والمراد بالمرضى فى قوله - تعالى - { وإن كنتم مرضى } المرض ~~الذى يمنع من استعمال الماء مطلقا كأن يكون اسعمال الماء يزيد المرض ~~شدة، أو يبطئ البرء. وقوله { أو على سفر } فى محل نصب عطفا على ~~خبر كان وهو قوله مرضى وليس المراد بالسفر هنا سفر القصر، وإنما المراد ~~السير خارج العمران سواء أوصل المسافر إلى مسافة القصر أم لا، بخلافه فى ~~قوله - تعالى - فى سورة البقرة # فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من ~~أيام أخر # فان المراد به هناك سفر القصر، إنما قيد الأمر هنا بالسفر مع أن المنظور ~~إليه عدم الماء لأن السفر هو الذى يغلب فيه عدم الماء بخلاف الحضر ولو ~~فرض عدم الماء فى الحضر وجب التيمم على المحدث عند إرادة الصلاة عند ~~الحنفية والمالكية والشافعية. وقوله { أو جآء أحد منكم من ~~الغائط } معطوف على ما قبله والغائط من الغيط وهو المكان المنخفض من ~~الأرض. وهو هنا كناية عن الحدث لأن العادة جرت أن من يريد الحدث يذهب إلى ~~ذلك المكان المنخفض ليتوارى عن أعين الناس. وفى إسناد المجىء إلى واحد من ~~مبهم من المخاطبين، سمو فى التعبير. حيث تحاشى - سبحانه - التصريح ~~بنسبتهم إلى ما يستحيا من ذكره أو يستهجن التصريح به. وفى ذلك ما فيه من ~~تعليم الناس الأدب فى الخطاب، والبعد عن ms1450 الألفاظ التى تخدش الحياء، ~~ويمجها الذوق السليم. والمراد بالملامسة فى قوله تعالى { أو ~~لامستم النسآء } الجماع فهو هنا كناية عما يكون بين الرجل ~~والمرأة مما يوجب الاغتسال وهى كناية قرآنية أراد - سبحانه - أن يعلم ~~الناس منها حسن التعبير، والبعد عن الألفاظ التى تتنافى مع آداب الإسلام ~~وتعاليمه السامية. وإلى هذا الرأى اتجه كثير من الصحابة، منهم على بن أبي ~~طالب وابن عباس وأبو موسى. وتبعهم فى ذلك كثير من الفقهاء كأبى حنيفة ~~وأبى يوسف وزفر والثورى فقد قالوا لا وضوء على من مس امرأة سواء أكان ~~المس بشهوة أو بدونها. واستدلوا بأن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقبل ~~نساءه ثم يصلى ولم يتوضأ وكان يقبلهن وهو صائم. واستدلوا - أيضا - بأن ~~ظاهر مادة المفاعلة يكون فى الفعل من الجانبين مقصودا، وذلك إنما يتأتى ~~فى الجماع دون اللمس باليد. وأيضا فإن اللمس وإن كان حقيقة فى اللمس ~~باليد إلا أنه قد عهد فى القرآن إطلاقه كناية عن الجماع كما فى قوله - ~~تعالى - # وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد ~~فرضتم لهن فريضة # ويرى جماعة من الصحابة منهم عمر بن الخطاب وابن مسعود أن المراد ~~بالملامسة هنا اللمس باليد، وكانا يوجبان على من مس امرأة الوضوء. وقد ~~سار الإمام الشافعى على هذا الرأى فقال إذا مس جسدها فعليه الوضوء سواء ~~أكان المس بشهوة أم بغير شهوة. # ومن أدلته أن اللمس حقيقة فى المس باليد، وهو فى الجماع مجاز أو كناية ~~ولا يعدل عن الحقيقة إلى غيرها إلا عند تعذر الحقيقة ويرى الإمام مالك ~~أن اللمس إن كان بشهوة وتلذذ فعليه الوضوء، وكذا إذا مسته بشهوة وتلذذ، ~~وإن كان بغير شهوة فلا وضوء عليهما. وقد انتصر كل فريق لرأيه بصورة أوسع ~~من ذلك فى كتب الفروع. والذى نراه أولى بالصواب فى هذ المسألة ما قاله ~~الإمام مالك - رحمه الله - لأنه بنى رأيه على وجود الشهوة وعدمها. ~~والفاء فى قوله { فلم تجدوا مآء } عطفت ما بعدها على الشرط ~~السابق وهو قوله { وإن كنتم مرضى ms1451 }. والضمير فى قوله { فلم ~~تجدوا } يعود لكل من تقدم من مريض ومسافر ومتغوط وملامس وفيه تغليب ~~للخطاب على الغيبة. والمراد بعدم الوجدان فى قوله هنا { فلم تجدوا ~~مآء } ما هو أعم من الوجود الحسى أى أن قوله " فلم تجدوا ماء " كناية ~~عن عدم التمكن من استعماله وإن وجد حسا، إذ أن الشىء المتعذر استعماله هو ~~والمعدوم سواء. وقوله { فتيمموا صعيدا طيبا } جواب الشرط ~~وهو قوله { وإن كنتم مرضى }. والمعنى وإن كنتم - أيها المؤمنون ~~- فى حالة مرض يحول بينكم وبين استعمال الماء أو كنتم مستقرين على سفر أو ~~كنتم محدثين حدثا أصغر أو أكبر، أو لامستم النساء، فلم تجدوا ماء ~~تستعملونه لطهارتكم، ولأداء ما كلفكم الله به من تكاليف، أو وجدتموه ولكن ~~منعكم مانع من استعماله، أو كنتم فى حاجة ماسة إليه، فعليكم فى هذه ~~الأحوال أن تتيمموا صعيدا طيبا بدلا من الماء، فإن الله - تعالى - # وما جعل عليكم في الدين # ومنهم من يرى أن الضمير فى قوله { فلم تجدوا مآء } يعود إلى ~~الجميع ما عدا المرضى، لأن المرضى يباح لهم التيمم مع وجود الماء إذا ~~تضرروا من استعماله. وعلى هذا الرأى يكون المراد بعدم الوجدان، عدم ~~الوجدان الحسى. والتيمم لغة القصد. يقال تيممت الشىء إذا قصدته. ويطلق فى ~~الشرع على القصد إلى التراب لمسح الوجه واليدين به. وأما الصعيد - بوزن ~~فعيل - فيطلق على وجه الأرض البارز ترابا كان أو غيره. وقيل يطلق على ~~التراب فحسب. والطيب الطاهر الذى لم تلوثه نجاسة ولا قذر. وقوله { ~~فامسحوا بوجوهكم وأيديكم } بيان لكيفية التيمم. أى إذا ~~لم تجدوا ماء للتطهر به، أو وجدتموه ولكنكم عجزتم عن استعماله، فاقصدوا ~~ترابا طاهرا فامسحوا منه بوجوهكم وأيديكم. وقد استدل بعض الفقهاء بقوله { ~~فتيمموا صعيدا طيبا } على أن التيمم لا يجوز إلا بالتراب ~~الطاهر، لأنه هو المقصود بالصعيد الطيب. ويرى بعض آخر أن التيمم يجوز ~~التراب وبالحجر وبما ماثله من كل ما كان من جنس الأرض. # متى كان طاهرا. قالوا لأن الظاهر من لفظ الصعيد وجه الأرض. وهذه ms1452 الصفة ~~لا تختص بالتراب. قال القرطبى - بعد أن ذكر آراء الفقهاء فى ذلك - " وإذا ~~تقرر هذا فاعلم أن مكان الاجماع فيما ذكرناه أن تيمم الرجل على تراب طاهر ~~غير منقول ولا مغصوب. ومكان الإجماع فى المنع أن يتيمم الرجل على الذهب ~~والصرف والفضة والياقوت والأطعمة كالخبز واللحم وغيرهما أو على النجاسات ~~واختلف فى غير هذا كالمعادن، فأجيز وهو مذهب مالك وغيره ومنع وهو مذهب ~~الشافعى وغيره ". كما استدل الأحناف والشافعية بقوله - تعالى - { ~~فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } على أن التيمم ~~المطلوب شرعا هو استعمال الصعيد فى عضوين مخصوصين على قصد التطهير. ~~والعضوان هما الوجه واليدان إلى المرفقين، فقد جاء فى الحديث الشريف عن ~~جابر بن عبد الله أن النبى صلى الله عليه وسلم قال # " التيمم ضربتان ضربة للوجه. وضربة للذراعين إلى المرفقين ". # ويرى الحنابلة والمالكية أن العضوين هما الوجه واليدين إلى الرسغين. ~~هذا، وقد تكلمنا عن هذه المسألة وغيرها بصورة أوسع عند تفسيرنا لقوله - ~~تعالى - فى سورة النساء { وإن كنتم مرضى أو على سفر ~~أو جآء أحد منكم من الغائط أو لامستم ~~النسآء فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا ~~فامسحوا بوجوهكم وأيديكم }. ثم ختم - سبحانه - الآية ~~الكريمة ببيان بعض مظاهر رحمته بعباده، ورعايته لمصالحهم فقال - تعالى { ~~ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن ~~يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم ~~تشكرون }. أى ما يريد الله - تعالى - بما فرض عليكم من الوضوء إذا ~~قمتم إلى الصلاة ومن الغسل بعد الجنابة، ومن الأمر بالتيمم عند وجود ~~أسبابه، ما يريد - سبحانه - بذلك { ليجعل عليكم من حرج } ~~أى ضيق ومشقة وعسر، ولكن يريد بذلك ليطهركم. أى ليطهر نفوسكم من الأرجاس ~~الحسية والمعنوية وليزيل عنها ما علق بها من ذنوب وأوساخ، ويريد بذلك ~~أيضا { وليتم نعمته عليكم } بما شرع لكم من أحكام ميسرة ~~ومن آداب عالية، ومن تكاليف جليلة لكى تشكروه على نعمه وإحسانه ~~وتشريعاته، لأنكم متى شكرتموه زادكم من فضله ومننه. وعبر - سبحانه - عن ~~نفى الحرج بنفى إرادته، مبالغة فى بيان رأفته - سبحانه - بعباده، ورعايته ms1453 ~~لمصالحهم. فكأنه - سبحانه - يقول ما كان من شأن الله - تعالى - مع عباده ~~أن يشرع لهم ما فيه مشقة أو حرج. وقوله { ليجعل } يحتمل أن يكون ~~الجعل بمعنى الخلق والإيجاد فيتعدى لواحد وهو قوله { من حرج } ~~وتكون { من } زائدة لتأكيد النفى وقوله { عليكم } متعلق بالجعل. ~~ويحتمل أن يكون بمعنى التصير فيكون قوله { عليكم } هو المفعول ~~الثانى، وقوله { ولكن يريد ليطهركم وليتم ~~نعمته عليكم لعلكم تشكرون } استدراك قصد به بيان ~~بعض مظاهر رحمته - سبحانه - بالمؤمنين ومحبته لسعادتهم ولتزكية نفوسهم ~~وتطهيرها من الذنوب والأدران كما قصد به حضهم على مداومة شكره حتى يزيدهم ~~من فضله. # وقريب من معنى هذه الجملة قوله - تعالى - # يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر # وقوله - تعالى - # وما جعل عليكم في الدين من حرج # وقوله تعالى - # يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا # وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت للمؤمنين ما يجب عليهم أن يفعلوه إذا ~~ما أرادوا الدخول فى الصلاة، وما يجب عليهم أن يفعلوه إذا ما كانوا جنبا، ~~وما يجب أن يفعلوه إذا ما فقدوا الماء أو عجزوا عن استعماله وكانوا ~~يريدون الطهارة أو أداء ما عليهم من تكاليف، كما بينت لهم حكمة الله فى ~~تشريعاته لهم، ورعايته لمصالحهم حتى يشكروه على نعمه فيزيدهم منها. ثم ~~بعد أن بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على عباده ورحمته بهم، أتبع ذلك ~~بأمرهم بمداومة شكره، وبالوفاء بعهده فقال { واذكروا نعمة ~~الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم ~~سمعنا وأطعنا }. أى تنبهوا أيها المؤمنون - بعقولكم وقلوبكم لما ~~أسبغه الله عليكم من منن فداوموا على شكرها { واذكروا نعمة ~~الله عليكم } بدين الإسلام الذى هديتم به إلى الصراط المستقيم، ~~واذكروا كذلك { وميثاقه الذي واثقكم } أى عهده الوثيق الذى ~~أخذه عليكم، وأمركم بالتزامه بكل قوة. وقوله { إذ قلتم سمعنا ~~وأطعنا } ظرف لقوله { واثقكم به } أى إذ قلتم وقت أن أخذ ~~عليكم العهد الموثق سمعنا قولك وأطعنا أمرك. فأنت ترى أن الآية الكريمة ~~أوجبت على المؤمنين أمرين أولهما التنبه إلى نعم الله ms1454 وعلى رأس هذه النعم ~~نعمة الهداية إلى دين الإسلام، ومداومة شكره - سبحانه - على ذلك. ~~وثانيهما الوفاء بعهوده التى أخذها عليهم، وتقبلوها بالسمع والطاعة لأنهم ~~متى شكروه على نعمه، وكانوا أوفياء بعهودهم، زادهم - سبحانه - من فضله ~~وعطائه. قال الفخر الرازى وإنما قال { واذكروا نعمة الله ~~عليكم } ولم يقل نعمه عليكم، لأنه ليس المقصود منه التأمل فى أعداد ~~نعم الله، بل المقصود منه التأمل فى جنس النعم. كالنظر إلى الحياة والصحة ~~والعقل والهداية وحسن التدبير والصون عن الآفات والعاهات. فجنس هذه النعم ~~لا يقدر عليه سوى الله - تعالى - فيكون وجوب الاشتغال بشكرها أتم وأكمل. ~~وإنما قال { واذكروا نعمة الله عليكم } وهو يشعر ~~بنسيانها مع أن مثلها فى تواترها لا ينسى، للإشارة إلى أنه لكثرة هذه ~~النعم وتعاقبها، صارت كالأمر المعتاد الذى لكثرة وجوده قد يغفل عنه المرء ~~". والمراد بالميثاق الذى أخذه عليهم ما جرى بين النبى صلى الله عليه ~~وسلم وبين المؤمنين من عهود على أن يسمعوا له ويطيعوا فى العسر واليسر، ~~والمنشط والمكره، كما حدث مع الأنصار ليلة العقبة، وكما حدث مع المؤمنين ~~جميعا فى بيعة الرضوان. # وإنما أضيف الميثاق إلى الله تأكيدا لوجوب الوفاء به ولأنه - سبحانه - ~~هو الذى شرعه وهو الذى سيحاسبهم على نقضه وعدم الوفاء به. وقال مجاهد ~~المراد به الميثاق الذى أخذه الله على عباده حين أخرجهم من ظهر آدم، وضعف ~~هذا القول بأن الخطاب هنا للمؤمنين وليس للبشر جميعا. قال ابن جرير ما ~~ملخصه وأولى الأقوال بالصواب فى تأويل ذلك قول ابن عباس، وهو أن معناه ~~واذكروا أيها المؤمنون - نعمة الله التى أنعمها عليكم بهدايته إياكم إلى ~~الإسلام { وميثاقه الذي واثقكم به } يعنى وعهده الذى ~~عاهدكم به حين بايعتم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم السمع والطاعة له ~~فى المنشط والمكره، والعسر واليسر، إذ قلتم سمعنا ما قلت لنا وأخذت علينا ~~من المواثيق، وأطعناك فيما أمرتنا ونهيتنا عنه.. فأوفوا - أيها المؤمنون ~~- بميثاقه الذى واثقكم به ونعمته التى أنعم عليكم بها يوف لكم بما ضمن ~~لكم الوفاء ms1455 به، من إتمام نعمته عليكم، وبإدخالكم جنته، وإنعامكم بالخلود ~~فى دار كرامته وإنقاذكم من عذابه. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب من قول من ~~قال المراد بالميثاق ما أخذ عليهم فى صلب آدم، لأن الله بعد أن ذكر ~~المؤمنين بميثاقه الذى واثقهم به، ذكر بعد ذلك أهل التوراة بالميثاق الذى ~~أخذه الله عليهم فى قوله # ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرآئيل # منبها بذلك المؤمنين على مواضع حظوظها من الوفاء لله بماعاهدهم عليه، ~~ويعرفهم سوء عاقبة أهل الكتاب فى تضييعهم ما ضيعوا من ميثاقه. وبعد أن ~~ذكر الله - تعالى - المؤمنين بنعمته عليهم وبميثاقه الذى واثقهم به ~~وأمرهم بالوفاء بما كلفهم به ختم - سبحانه - الآية بأمرهم بخشيته والخوف ~~منه قال { واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور ~~}. أى اشكروا الله - أيها المؤمنون - على نعمته، وكونوا أوفياء بعهودكم ~~واتقوا الله وراقبوه فى كل ما تأتون وما تذرون، وصونوا أنفسكم عن كل ما ~~يكرهه لكم، فإنه - سبحانه - عليم علما تاما بخفيات الأمور الكامنة فى ~~الصدور. وبكل ما يظهره الإنسان ويبطنه، وسيحاسبكم يوم القيامة على ~~أعمالكم، فيجارى المحسن بإحسانه، والمسىء بإساءته و { ذات الصدور } هى ~~الأمور المستقرة فى الصدور، فهى بالنسبة للصدور كالصاحب بالنسبة لصاحبه ~~الذى يلازمه ولا يفارقه. ومثلوا لها بالنيات والاعتقادات وسائر الأمور ~~القلبية. والجملة الكريمة { إن الله عليم بذات الصدور } ~~تعليل لقوله { واتقوا }. وكرر - سبحانه - اسمه الجليل لاشعار ~~المؤمنين برقابته التامة عليهم. واطلاعه على أحوالهم المختلفة، وأعمالهم ~~المتنوعة وللإشارة إلى أنه إذا كان - سبحانه - يعلم خفيات الأمور، فمن ~~باب أولى يعلم جلياتها. وبعد أن أمر الله - تعالى عباده المؤمنين بالوفاء ~~بمواثيقه، أتبع ذلك بأمرهم بالتزام الحق فى كل أقوالهم وأعمالهم، وذكرهم ~~بما أفاء عليهم من نعم فقال - سبحانه - { يا أيهآ الذين ~~آمنوا كونوا قوامين لله شهدآء... } ### || [5.8-11] # قوله { قوامين } جمع قوام. وهو صيغة مبالغة من قائم. والقوام هو ~~المبالغ فى القيام بالشىء. وفى الإتيان به على أتم وجه وأحسنه. وقوله { ~~شهدآء } جمع شهيد - بوزن فعيل - والأصل فى هذه الصيغة، دلالتها على ~~الصفات الراسخة ms1456 فى النفس ككريم وحكيم. والقسط العدل يقال أقسط فلان يقسط ~~إذا عدل فى أقواله وأحكامه. وقوله { ولا يجرمنكم } أى ولا ~~يحملنكم من جرمه على كذا إذا حمله عليه أو معناه ولا يكسبنكم من جرم ~~بمعنى كسب غير أنه فى كسب ما لا خير فيه ومنه الجريمة. وأصل الجرم قطع ~~الثمرة من الشجرة وأطلق على الكسب لأن الكاسب ينقطع لكسبه. والشنآن البغض ~~الشديد. يقال شنئت الرجل أشنؤه شنأ وشنأه وشنآنا، إذا أبغضته بغضا ~~شديدا. والمعنى يأيها الذين آمنوا بالحق إيمانا صادقا { كونوا ~~قوامين لله شهدآء بالقسط } أى. ليكن من أخلاقكم وصفاتكم ~~أن تقوموا لله وحده بالحق فى كل ما يلزمكم القيام به. ومن العمل بطاعته، ~~واجتناب منهياته، وليكن من دأبكم وشأنكم - أيضا - أن تلتزموا العدل فى ~~شهادتكم، ولا يحملنكم بغضكم الشديد لقوم على عدم العدل معهم، فإن عدم ~~العدل فى الأقوال والأحكام يتنافى مع تعاليم دين الإسلام. الذى آمنتم ~~به، ورضيه الله لكم دينا. وفى ندائه - سبحانه - بقوله { كونوا ~~قوامين } بصفة الكينونة الدالة على الدوام، وبصيغة المبالغة الدالة ~~على الكثرة. لتمكين صفة الطاعة له من نفوسهم، وترسيخها فى قلوبهم. فكأنه ~~- سبحانه - يقول لهم روضوا أنفسكم على طاعة خالقكم، وعودوها على التزام ~~الحق والعدل. واجعلوا ذلك شأنكم فى جميع الظروف والأحوال فلا يكفى أن ~~تلتزموا الطاعة والعدل مرة أو مرتين، وإنما الواجب عليكم أن يكون ~~التزامكم لذلك فى كل أوقاتكم وأعمالكم. وقوله { اعدلوا هو أقرب ~~للتقوى } تصريح بوجوب العدل بعد ما علم من النهى عن تركه فى قوله { ~~ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا } ~~للتأكيد على وجوب التزامهم بما أمرهم - سبحانه - به وما نهاهم عنه، ~~ولبيان العلة فى تكليفهم بذلك. والضمير { هو } يعود إلى المصدر المفهوم ~~من قوله { اعدلوا }. أى التزموا - أيها المؤمنون - العدل فى كل ~~أحوالكم، فإن العدل مع الأعداء ومع غيرهم أقرب إلى اتقاء المعاصى، وإلى ~~صيانة النفس عن الوقوع فى المهالك. وقال - سبحانه { اعدلوا هو ~~أقرب للتقوى } مع أن العدل دليل التقوى ولبابها لأن المؤمن فى ~~حال حربه ms1457 وتعامله مع عدوه قد يرى أن من التقوى أن يستبيح ماله، وأن يأخذ ~~منه ما يمكن أخذه، فبين له القرآن الكريم أن الأقرب إلى التقوى التامة أن ~~يحسن معاملة عدوه، وأن لا يعتدى على حق من حقوقه. # قال صاحب الكشاف، قوله { اعدلوا هو أقرب للتقوى } نهاهم ~~أولا أن تحملهم البغضاء على ترك العدل، ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل ~~تأكيدا وتشديدا، ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل وهو قوله { ~~أقرب للتقوى } أى العدل أقرب للتقوى، وأدخل فى مناسبتها. وفيه ~~تنبيه على أن وجوب العدل مع الكفار الذين هم أعداء الله إذا كان بهذه ~~الصفة من القوة فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه ". ~~ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله { واتقوا الله إن الله ~~خبير بما تعملون }. أى واتقوا الله أيها المؤمنون - فى كل ما ~~تأتون وما تذرون، وصونوا أنفسكم عما لا يرضيه، وافعلوا ما أمركم به، إن ~~الله - تعالى - لا تخفى عليه خافية من أعمالكم، وسيجازيكم يوم القيامة ~~بما تستحقونه على حسب أعمالكم. فالجملة الكريمة تذييل قصد به التحذير من ~~مخالفة أوامر الله، ومن انتهاك حرماته. وبذلك نرى الآية الكريمة قد أمرت ~~المؤمنين بالمداومة على طاعة الله فى جميع الأوقات والأحوال، وبأداء ~~الشهادات على وجهها بدون محاباة ولا ظلم، وبوجوب العدل فى معاملة الأعداء ~~والأصدقاء، وبمراقبة الله - تعالى - وخشيته فى السر والعلانية. قال ~~الآلوسى وقد تقدم نظير هذه الآية فى سورة النساء # يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ~~شهدآء لله # ولم يكتف بذلك لمزيد من الاهتمام بالعدل والمبالغة فى إطفاء ثائرة ~~الغيظ. وقيل لاختلاف السبب، فإن الأولى نزلت فى المشركين، وهذه فى ~~اليهود. وذكر بعض المحققين وجها لتقديم القسط هناك وتأخيره هنا، وهو أن ~~آية النساء جىء بها فى معرض الإقرار على نفسه ووالديه وأقاربه. بدأ فيها ~~بالقسط الذى هو العدل من غير محاباة نفس، ولا والد ولا قرابة. والتى هنا ~~جىء بها فى معرض ترك العداوة فبدأ فيها بالقيام لله - تعالى - لأنه أردع ~~للمؤمنين، ثم ثنى ms1458 بالشهادة بالعدل فجىء فى كل معرض بما يناسبه ". ثم بين ~~- سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين، وسوء عاقبة الكافرين فقال - تعالى - { ~~وعد الله } بفضله وإحسانه { الذين آمنوا } إيمانا حقا { ~~وعملوا } الأعمال { الصالحات } التى نالوا بها رضا الله، وعدهم ~~بأن { لهم مغفرة } عظيمة ولهم { وأجر عظيم } لا يعرف ~~مقداره إلا هو - سبحانه - { والذين كفروا وكذبوا ~~بآياتنآ } التى جاء بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم { ~~أولئك أصحاب الجحيم } أى أولئك الموصفون بما ذكر من الكفر ~~والتكذيب بآياتنا هم المستحقون لدخول النار المشتعلة الشديدة التأجج، ~~بسبب إيثارهم الكفر على الإيمان والتكذيب على التصديق. ثم ذكرهم - ~~سبحانه - بنعمة أخرى من نعمه الجزيلة، حتى يزدادوا شكرا له، ووفاء بعهده ~~والتزاما لطاعته فقال - تعالى - # يا أيهآ الذين آمنوا اذكروا نعمت الله ~~عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ~~فكف أيديهم عنكم # وقد أورد المفسرون فى سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات منها ما رواه ~~عبد الرازق عن معمر الزهرى عن أبى أسامة عن جابر أن النبى صلى الله عليه ~~وسلم نزل منزلا وتفرق الناس فى العضاة يستظلون تحتها. وعلق النبى صلى ~~الله عليه وسلم سلاحه بشجرة فجاء أعرابى إلى سيف رسول الله فأخذه فسله. ~~ثم أقبل عليه فقال من يمنعك منى؟ قال الله - عز وجل - فسقط السيف من يد ~~الأعرابي. فدعا النبى صلى الله عليه وسلم أصحابه فأخبرهم خبر الأعرابي، ~~وهو جالس إلى جانبه ولم يعاقبه. قال ابن كثير وذكر محمد بن إسحاق ومجاهد ~~وعكرمة وغير واحد أنها نزلت فى شأن بنى النضير حين أرادوا أن يلقوا على ~~رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحى لما جاءهم يستعينهم فى دية ~~العامريين ووكلوا عمرو بن جحاش بذلك. وأمروه إن جلس النبى صلى الله عليه ~~وسلم تحت الجدار واجتمعوا عنده أن يلقى الرحي من فوقه. فأطلع الله ورسوله ~~صلى الله عليه وسلم على ما تمالأوا عليه. فرجع إلى المدينة وتبعه أصحابه. ~~فأنزل الله فى ذلك هذه الآية. وعلى هاتين الروايتين وما يشبههما يكون ~~المراد بقوله - تعالى - { اذكروا ms1459 نعمت الله عليكم } ~~تذكير المؤمنين بنعمة الله عليهم حيث نجى نبيهم صلى الله عليه وسلم مما ~~أضمره له أعداؤه وأعدؤاهم. وقال صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الآية. روى ~~أن المشركين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاموا إلى صلاة ~~الظهر يصلون معا بعسفان فى غزوة ذات أنمار. فلما صلوا ندموا أن لا كانوا ~~أكبوا عليهم فقالوا إن لهم بعدها صلاة هى أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم - ~~يعنون صلاة العصر - وهموا أن يوقعوا بهم إذا قاموا إليها. فنزل جبريل ~~بصلاة الخوف. وعلى هذه الرواية يكون المراد بقوله - تعالى - { اذكروا ~~نعمت الله عليكم } تذكيرهم برعاية الله لهم ولنبيهم صلى الله ~~عليه وسلم من كيد أعدائهم. وقد رجح ابن جرير أن تكون الآية قد نزلت بسبب ~~ما أضمره بنو النضير من كيد وسوء للنبى وأصحابه فقال وأولى الأقوال ~~بالصحة فى تأويل ذلك قول من قال عنى الله بالنعمة التى ذكر فى هذه الآية ~~نعمته على المؤمنين به وبرسوله التى أنعم بها عليهم فى استنقاذه نبيهم ~~صلى الله عليه وسلم مما كانت يهود بنى النضير همت به من قتله وقتل من معه ~~يوم سار إليهم فى الدية التى كان تحملها عن قتيلى عمرو بن أمية وإنما ~~قلنا ذلك أولى بالصحة فى تأويل ذلك لأن الله عقب ذكر ذلك برمى اليهود ~~بسوء صنائعها، وقبيح أفعالها، وخيانتها ربها وأنبياءها. # والمعنى يأيها الذين آمنوا تنبهوا إلى نعم الله عليكم وقابلوها بدوام ~~الشكر والطاعة له - سبحانه - حيث أراد قوم من أعدائكم، أن يبسطوا إليكم ~~أيديهم. أى أن يبطشوا بكم بالقتل والإهلاك ولكنه - سبحانه - رحمة بكم، ~~ودفاعا عنكم، حال بين أعدائكم وبين ما يريدونه بكم من سوء. فالآية ~~الكريمة تذكير للمؤمنين بنعمة عظيمة من نعم الله عليهم حيث نجاهم من كيد ~~أعدائهم، ومن محاولتهم إهلاكهم. إثر تذكيرهم قبل ذلك بنعم أخرى كإكمال ~~الدين، وهدايتهم إلى الإسلام، وغير ذلك من الآلاء والمنن. وفى تكرار هذا ~~التذكير ما فيه من الحض على تأكيد المداومة على طاعة الله والمواظبة على ms1460 ~~شكره. وقوله { إذ هم قوم } ظرف لقوله { نعمت الله } والهم ~~إقبال النفس على فعل الشىء. أى اذكروا نعمة الله عليكم وقت أن قصدكم قوم ~~من أعدائكم بالسوء والاهلاك. وبسط اليد هنا كناية عن البطش والإهلاك. ~~يقال بسط يده إليه، إذا بطش به. وبسط إليه لسانه إذا شتمه. والبسط فى ~~الأصل مطلق المد. وإذا استعمل فى اليد واللسان كان كناية عما ذكر. وقوله ~~{ فكف أيديهم عنكم } معطوف على قوله { هم قوم } وهذا ~~الكف هو النعمة التى قصد تذكيرهم بها حتى يداوموا على شكره وطاعته. وعبر ~~- سبحانه - بقوله { إذ هم قوم } للإيذان بأن نعمة كف أيدى ~~الأعداء عنهم قد جاءت عند شدة الحاجة إليها. والفاء فى قوله { فكف } ~~للتعقيب المفيد لتمام النعمة وكمالها فهو - سبحانه - قد حال بين الأعداء ~~وبين ما يشتهونه بمجرد أن قصدوا السوء بالمؤمنين. وقال - سبحانه - { ~~فكف أيديهم عنكم } بإظهار الأيدي، ولم يقل فكفها عنكم ~~لزيادة التقرير. وللإشارة إلى أنه - سبحانه - هو الذى قضى على موضع قوة ~~أعدائهم، ومناط شدتهم إذ الأيدى هى من أهم وسائل البطش والقتل. أى أنه - ~~سبحانه - قد منع أيديهم عن أن تمتد إليكم بالأذى عقيب همهم بذلك دفاعا ~~عنكم - أيها المؤمنون - وحماية لكم من الشرور، فقابلوا ذلك بالشكر ~~لخالقكم. وقوله { واتقوا الله } معطوف على قوله { اذكروا } ~~وقوله { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } أمر لهم ~~بالاعتماد على الله وحده. أى داوموا على شكر نعم الله عليكم، وصونوا ~~أنفسكم عن كل ما نهاكم عنه، وعليه وحده اعتمدوا وتوكلوا فإنه - سبحانه - ~~هو الفعال لما يريد، وهو الذى يدفع الشر عمن توكل عليه، ويعطى الخير لمن ~~شكره وأطاعه. فالجملة الكريمة تذييل مقرر لما قبله، من وجوب المداومة على ~~طاعة الله وشكره على نعمه. وإلى هنا نرى أن السورة الكريمة قد وجهت إلى ~~المؤمنين خمس نداءات، أمرتهم فى أول نداء منها بالوفاء بالعقود. ونهتهم ~~فى الثانى عن إحلال شعائر الله، وأرشدتهم فى النداء الثالث إلى ما يجب ~~عليهم أن يفعلوه إذا أرادوا الدخول فى الصلاة، وأمرتهم فى النداء الرابع ~~بالمداومة ms1461 على القيام بالتكاليف التى كلفهم - سبحانه - بها وبالتزام ~~العدل فى أقوالهم وأحكامهم، ثم أمرتهم فى النداء الخامس بالتنبه إلى نعم ~~الله ومداومة شكره عليها حيث نجاهم - سبحانه - مما أراده لهم أعداؤهم من ~~شرور واستئصال. # وبعد هذه النداءات والتكليفات التى كلف الله - تعالى - بها المؤمنين، ~~شرعت السورة الكريمة فى الحديث عن أحوال أهل الكتاب من اليهود، فذكرت ما ~~أخذه الله عليهم من عهود موثقة، وموقفهم منها، وعقوبتهم على نقضهم لها. ~~فقال - تعالى - { ولقد أخذ الله ميثاق بني ~~إسرآئيل... } ### || [5.12-13] # قال الفخر الرازى قوله - تعالى - { ولقد أخذ الله ميثاق ~~بني إسرآئيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا ~~وقال الله إني معكم } اعلم أن فى اتصال هذه الآية بما قبلها ~~وجوه الأول أنه - تعالى - خاطب المؤمنين فيما تقدم فقال # واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي ~~واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا # ثم ذكر الآن أنه أخذ الميثاق من بنى إسرائيل لكنهم نقضوه وتركوا الوفاء ~~به، فلا تكونوا - أيها المؤمنون - مثلهم فى هذا الخلق الذميم. الثانى أنه ~~لما ذكر قوله # اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم # وقد ذكرت بعض الروايات أنها نزلت فى اليهود، وأنهم أرادوا إيقاع الشر ~~بالمؤمنين. فلما ذكر - سبحانه - ذلك أتبعه بذكر فضائحهم، وبيان أنهم ~~كانوا أبدا مواظبين على نقض العهود والمواثيق. الثالث أن الغرض من الآيات ~~المتقدمة ترغيب المكلفين فى قبول التكاليف وترك التمرد والعصيان. فذكر - ~~سبحانه - أنه كلف من كان قبل المسلمين كما كلفهم ليعلموا أن عادة الله فى ~~التكليف والالزام غير مخصوصة بهم، بل هى عادة جارية له مع جميع عباده ". ~~والميثاق العهد الموثق المؤكد، مأخوذ من لفظ وثق المتضمن معنى الشد ~~والربط على الشىء بقوة وإحكام. والمراد به ما أخذه الله على بنى إسرائيل ~~لكى يؤدوا ما أوجب عليهم من تكاليف ولكى يعملوا بما تضمنته التوراة من ~~أحكام وتشريعات وغير ذلك مما جاء فيها. والنقيب كبير القوم. والكفيل ~~عليهم والمنقب عن أحوالهم وأسرارهم فيكون شاهدهم وضمينهم وعريفهم، وأصله ~~من النقب وهو الثقب الواسع. قال الآلوسى والنقيب قيل ms1462 فعيل بمعنى فاعل ~~مشتق من النقب بمعنى التفتيش ومنه # فنقبوا في البلاد # وسمى بذلك لتفتيشه عن أحوال القوم وأمرهم. قال الزجاج وأصله من النقيب ~~وهو الثقب الواسع والطريق فى الجبل ويقول فلان حسن النقيبة. أى جميل ~~الخليقة، ويقال فلان نقاب للعالم بالأشياء، الذكى القلب، الكثير البحث عن ~~الأمور. والمعنى ولقد أخذ الله العهود المؤكدة على بنى إسرائيل. لكى ~~يعملوا بما كلفهم من تكاليف، وأمر نبيه موسى - عليه السلام - أن يختار ~~منهم اثنى عشر نقيبا. وأن يرسل هؤلاء النقباء إلى الأرض المقدسة لكى ~~يطلعوا على أحوال ساكنيها، ثم يخبروا نبيهم موسى - عليه السلام - بعد ذلك ~~بما شاهدوه من أحوالهم. وسنفصل القول فى شأن بعث هؤلاء النقباء عند ~~تفسيرنا لقوله - تعالى - بعد ذلك # وإذ قال موسى لقومه ياقوم اذكروا نعمة الله ~~عليكم إذ جعل فيكم أنبيآء وجعلكم ملوكا # وأكد - سبحانه - ما أخذه على بنى إسرائيل من عهود بقد وباللام، للاهتمام ~~بشأن هذا الخبر، ولترغيب المؤمنين فى الوفاء بعهودهم مع الله - تعالى - ~~حتى لا يصيبهم ما أصاب بنى إسرائيل من عقوبات بسبب نقضهم لمواثيقهم. # وأسند - سبحانه - الأخذ إليه، لأنه هو الذى أمر به موسى - عليه السلام - ~~ولأن فى إسناد أخذ الميثاق إليه - سبحانه - زيادة فى توثيقه، وتعظيم ~~توكيده وأى عهد يكون أقوى وأوثق من عهد يكون بين العبد والرب؟ وفى قوله { ~~وبعثنا } التفات إلى المتكلم العظيم - سبحانه - لتهويل شأن هذا ~~الابتعاث، لأن الله - تعالى - هو الذى أمر به. وإنما اختار موسى - عليه ~~السلام - اثنى عشر نقيبا من بنى إسرائيل لأنهم كانوا اثنى عشر سبطا، كما ~~قال - تعالى - # وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما # ولأن كل نقيب كان بمنزلة الرقيب على القبيلة التى هو منها يذكرها ~~بالفضائل ويرغبها فى اتباع موسى - عليه السلام - وينهاها عن معصيته. ~~والمعية فى قوله - تعالى - { وقال الله إني معكم } معية ~~مجازية بمعنى الحفظ والرعاية والنصرة. أى أخذ الله على بنى إسرائيل ~~العهود الموثقة، وأمر نبيه موسى أن يرسل منهم اثنى عشر نقيبا لمعرفة ~~أحوال الجبارين الذين يسكنون الأرض المقدسة وقال ms1463 الله - تعالى - لهؤلاء ~~النقباء، أو لبنى إسرائيل جميعا إنى معكم لا تخفى على خافية من ~~أحوالكم. وسأؤيدكم برعايتى ونصرى متى وفيتم بعهدى، واتبعتم رسلى. فالجملة ~~الكريمة تحذير لهم من معصية الله لأنه لا تخفى عليه خافية، ووعد لهم ~~بالنصر متى أطاعوه. ثم بين - سبحانه - بعض التكاليف التى كلفهم بها، وأخذ ~~عليهم العهد بالمحافظة عليها فقال { لئن أقمتم الصلاة ~~وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم ~~وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم ~~سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار }. واللام فى قوله { لئن } موطئة للقسم المحذوف، و " إن " ~~شرطية، وقوله { لأكفرن } جواب القسم وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم ~~عليه. وقوله { وعزرتموهم } من التعزيز بمعنى النصر والإعانة مع ~~التعظيم والتفخيم يقال عزر فلان فلانا إذا نصره وقواه، وأصل معناه المنع ~~والذب لأن من نصر إنسانا منع عنه أعداءه. والمعنى لئن داومتم على إقامة ~~الصلاة، وعلى أدائها على الوجه الأكمل بخضوع وخشوع، وأعطيتم الزكاة ~~لمستحقيها { وآمنتم برسلي } إيمانا كاملا، ونصرتموهم مع تعظيمهم ~~وطاعتهم { وأقرضتم الله قرضا حسنا } بأن أنفقتم جانبا من ~~أموالكم فى وجوه الخير والبر، لئن فعلتم ذلك { لأكفرن عنكم ~~سيئاتكم } بأن أغفرها لكم، ولأدخلنكم فى الآخرة جنات تجرى من تحت ~~أشجارها وبساتينها الأنهار. فأنت ترى أن الله - تعالى - قد كلف بنى ~~إسرائيل بخمسة أمور نافعة ووعدهم على أدائها بتكفير سيئاتهم فى الدنيا، ~~وبإدخالهم جناته فى الآخرة. قال الإمام الرازى وأخر - سبحانه - الإيمان ~~بالرسل عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع أنه مقدم عليها لأن اليهود ~~كانوا مقرين بأنه لا بد فى حصول النجاة من الصلاة وإيتاء الزكاة إلا أنهم ~~كانوا مصرين على تكذيب بعض الرسل. # فذكر بعد إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة أنه لا بد من الإيمان بجميع الرسل ~~حتى يحصل المقصود. وإلا لم يكن لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تأثير فى ~~حصول النجاة بدون الإيمان بجميع الرسل ". والمراد بالزكاة فى قوله { ~~وآتيتم الزكاة } الزكاة المفروضة. والمراد بالقرض الحسن فى قوله ~~{ وأقرضتم الله قرضا حسنا } الصدقات غير المفروضة التى ~~يبذلها القادرون عليها فى وجوه الخير ms1464 المتنوعة بدون رياء أو أذى وفى ~~التعبير بقوله { وأقرضتم الله قرضا حسنا } تأنيس للقلوب ~~وترغيب للنفوس فى البذل والعطاء، حيث شبه - سبحانه - ما يعطى للمحتاج ~~رغبة فى الثواب بالقرض الذى سيكافئ الله - تعالى - صاحبه عليه بأضعافه من ~~الخير والنعم. وأضاف - سبحانه - الرسل إليه فى قوله { وآمنتم ~~برسلي } لتشريفهم وتكريمهم وتعظيم شأن رسالاتهم وللإشارة إلى أن ~~الإيمان بهم جميعا واجب، فمن أطاعهم قد أطاع الله، ومن كفر بواحد منهم ~~كفر بالله - تعالى -. ثم بعد أن فتح الله - تعالى - لهم باب كرمه إن أدوا ~~ما أمرهم به حذرهم من المخالفة والعصيان فقال { فمن كفر بعد ~~ذلك منكم فقد ضل سوآء السبيل } أى فمن جحد منكم ~~شيئا مما أمرته به فتركه، أو أعرض عن التكاليف التى كلفته بها بعد أن ~~عرفها فقد بعد عن السبيل المستوية، أخطأ الطريق الواضح المستقيم، وسار فى ~~متاهات الضلال التى لا هداية فيها ولا خير معها. فالجملة الكريمة تهديد ~~شديد لمن ترك الدين الحق واتجه إلى الأديان الباطلة. قال صاحب الكشاف فإن ~~قلت من كفر قبل ذلك أيضا فقد ضل سواء السبيل، فلم قال { فمن كفر ~~بعد ذلك }؟ قلت أجل من كفر قبل ذلك أيضا فقد ضل. ولكن الضلال بعده ~~أظهر وأعظم لأن الكفر إنما عظم قبحه لعظم النعم المكفورة، فإذا زادت ~~النعمة زاد قبح الكفر وبلغ النهاية العظمى ". وبذلك نرى الآية الكريمة قد ~~بينت أن الله - تعالى - قد أخذ الميثاق على بنى إسرائيل بأن يقوموا ~~بالتكليفات التى كلفهم بها، وحذرهم من النقض والخيانة والكفر، ورغبهم فى ~~الطاعة والإيمان فماذا كان موقفهم من عهود الله - تعالى -؟ لقد بين - ~~سبحانه - جانبا من رذائلهم، ومن العقوبات التى عاقبهم بها بسبب فسوقهم عن ~~أمره فقال { فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا ~~قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ~~ونسوا حظا مما ذكروا به }. والفاء فى قوله { فبما ~~نقضهم } للتفريع على ما تقدم من الحديث عنهم، والباء للسبيبة و " ما ~~" مزيدة لتوكيد الكلام وتمكينه فى النفس والجار والمجرور - متعلق بقوله { ~~لعناهم }. # وقوله { وجعلنا قلوبهم ms1465 قاسية } معطوف على ما قبله. وقوله ~~{ قاسية } بوزن فاعلة - من القسوة بمعنى الصلابة واليبوسة يقال قسا ~~قلبه يقسو فهو قاس، إذا غلظ واشتد وصار يابسا صلبا. وقساوة القلب هنا ~~مجاز عن عدم تأثره بالمواعظ والترغيب والترهيب. أى فبسبب جرائمهم الشديدة ~~أبعدناهم من رحمتنا وجعلنا قلوبهم يابسة غليظة تنبو عن قبول الحق ولا ~~تتأر بالمواعظ والنذر. وقرأ حمزة والكسائى { وجعلنا قلوبهم قسية } ~~بتشديد الياء من غير ألف على وزن فعيلة. وللمفسرين فى معناها رأيان ~~أحدهما { قسية } بمعنى قاسية، غير أن فيها مبالغة، إذ هى على وزن فعيلة، ~~وهذه الصفة تدل على تمكن صفة القسوة من قلوبهم. والثانى أن معنى { قسية } ~~هنا غير معنى قاسية، لأن قسية فى هذا الموضع مأخوذة من قولهم درهم قسى - ~~على وزن شقى - أى فاسد ردىء لأنه مغشوش بنحاس أو غيره مما يخلو منه ~~الدرهم السليم. والمعنى على هذا الوجه وجعلنا قلوبهم إيمانها ليس خالصا ~~وإنما يخالطه كفر ونفاق كالدراهم القسية التى يخالط فضتها غش من نحاس أو ~~رصاص أو غيرهما. وقد رجح ابن جرير الرأى الأول - وهو أن قسية بمعنى قاسية ~~غير أن فيها مبالغة - فقال وأولى التأويلين عندى بالصواب تأويل من تأول ~~فعيلة من القسوة كما قيل نفس زكية وزاكية، وامرأة شاهدة وشهيدة، لأن الله ~~- تعالى - وصف القوم بنقضهم ميثاقهم، وكفرهم به، ولم يصفهم بشىء من ~~الإيمان فتكون قلوبهم موصوفة بأن إيمانها يخالطه كفر كالدراهم القسية ~~التى يخالط فضتها غش. وأما صاحب الكشاف فقد رد التفسير الثانى إلى الأول ~~وجعل بينهما تعانقا وتلازما فى المعنى فقال وقرأ عبد الله { قسية } أى ~~ردية مغشوشة. من قولهم درهم قسى وهو من القسوة، لأن الذهب والفضة ~~الخالصين فيهما لين، والمغشوش فيه يبس وصلابة ". وقوله { يحرفون ~~الكلم عن مواضعه } استئناف مبين لشدة قساوة قلوبهم، فإنه لا ~~قسوة أشد من تحريف كلام الله - تعالى - والميل به عن الحق والصواب. أى ~~أنهم بلغ بهم الحال فى قسوة قلوبهم، وعدم تأثرها بوعيد الله أنهم يميلون ~~كلامه - سبحانه - عن الموضع الذى نزل فيه ms1466 ولأجله عن طريق التأويل الباطل، ~~أو التفسير الفاسد، أو التبديل للألفاظ بالزيادة تارة وبالنقصان أخرى، ~~على حسب ما تمليه عليهم أهواؤهم وشهواتهم الممقوتة. وعبر - سبحانه - ~~بقوله { يحرفون } بصيغة الفعل المضارع، لاستحضار صورة هؤلاء ~~المحرفين. والدلالة على أن أبناءهم قد نهجوا نهج آبائهم فى هذا الخلق ~~الذميم. فإن هذا التحريف الذى حكاه الله - تعالى - فى هذه الآية قد كان ~~من بنى إسرائيل بعد عهد موسى - عليه السلام - واستمروا على ذلك دون أن ~~يصدهم عنه ما كان من نصح النبى صلى الله عليه وسلم لهم ومن تحذيره إياهم. # والمراد بالنسيان فى قوله { ونسوا حظا مما ذكروا به } ~~الترك والإهمال قال الراغب النسيان ترك الإنسان ضبط ما استودع. إما ~~لضعف قلبه، وإما عن غفلة، وإما عن قصد حتى يزول عن القلب ذكره. والأنواع ~~الثلاثة التى ذكرها الراغب كأسباب للنسيان قد فعلها بنو إسرائيل فهم قد ~~أصابتهم الغفلة عن تدبر كتابهم والعمل بما فيه بسبب ضعف قلوبهم، واستيلاء ~~المطامع والشهوات عليها وأهملوا أمر دينهم وشريعتهم ولم يقيدوا أنفسهم ~~بها عن تعمد وإصرار، لأن تنفيذها يكلفهم الاستقامة على دين الله وهذا ما ~~تأباه نفوسهم الجامحة وشهواتهم العارمة. والتنكير فى قوله { حظا } ~~للتكثير والتهويل. أى تركوا نصيبا كبيرا مما أمرتهم به شريعتهم وذكرتهم ~~به توراتهم من وجوب اتباعهم للحق وإيمانهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ~~عند ظهوره. وهذه الجملة الكريمة وما يشبهها مما أورده القرآن فى هذا ~~المعنى تعتبر من المعجزات الدالة على صدق القرآن الكريم فإن الناس قبل ~~البعثة النبوية الشريفة لم يكونوا يعرفون أن اليهود نسوا حظا كبيرا مما ~~ذكرتهم به توراتهم، فلما بين القرآن ذلك، عرفوا ما لم يكونوا يعرفونه من ~~قبل. ولما كانت أخلاق الآباء كثيرا ما يتوارثها الأبناء، فقد رأينا ~~القرآن الكريم يحذر النبى صلى الله عليه وسلم من اليهود المعاصرين له، ~~والذين ورثوا رذائل آبائهم فقال { ولا تزال تطلع على ~~خآئنة منهم إلا قليلا منهم }. وقوله { خآئنة } ~~بمعنى الخيانة أى عدم الوفاء بالعهد. فهى مصدر على وزن فاعله كالعافية ~~والطاغية. ms1467 قال - تعالى - # فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية # أى بالطغيان. ويحتمل أن يكون قوله { خائنة } صفة لموصوف محذوف أى على ~~فرقة خائنة أو طائفة. والمعنى ولا تزال - أيها الرسول الكريم - ترى فى ~~هؤلاء اليهود المعاصرين لك صورة السابقين فى الغدر والخيانة. وإن تباعدت ~~الأزمان فهؤلاء الذين يعاصرونك فيهم خيانة أسلافهم، وغدرهم ونقضهم ~~لعهودهم. إلا قليلا منهم دخلوا فى الإسلام فوفوا بعهودهم ولم يكونوا ~~ناقضين لها. وفى هذه الجملة الكريمة تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم ~~عما لقيه من اليهود المعاصرين له من كيد ومكر وخيانة. فكأنه الله - تعالى ~~- يقول له إن ما تراه منهم من غدر وخداع ليس شيئا مستبعدا، بل هو طبيعة ~~فيهم ورثوها عن آبائهم منذ زمن بعيد وفيها - أيضا - تحذير له صلى الله ~~عليه وسلم من شرورهم ومن مسالكم الخبيثة لكيد الإسلام والمسلمين فإن ~~التعبير بقوله { ولا تزال } المفيد للدوام والاستمرار يدل على ~~استمرار خيانتهم ودوام نقضهم لعهودهم ومواثيقهم. وقوله { إلا قليلا ~~منهم } استثناء من الضمير المجرور فى قوله { خآئنة منهم } ~~والمراد بهذا العدد القليل منهم، أولئك الذين دخلوا فى الإسلام، واتبعوا ~~الحق كعبد الله بن سلام وأمثاله. # ثم ختم سبحانه - الآية بقوله { فاعف عنهم واصفح إن ~~الله يحب المحسنين } والعفو عدم مقابلة الإساءة بمثلها. ~~والصفح ترك اللوم والمعاتبة. ولذا قالوا الصفح أعلى رتبة من العفو، لأن ~~العفو ترك المقابلة بالمثل ظاهرا. أما الصفح فهو يتناول السماحة النفسية ~~واعتبار الإساءة كأن لم تكن فى الظاهر والباطن. وللعلماء أقوال فى ~~المراد بالذين أمر النبى صلى الله عليه وسلم بالعفو والصفح عنه 1 - فيرى ~~بعضهم أن المراد بهم، القلة اليهودية التى أسلمت، واستثناها الله بقوله { ~~إلا قليلا منهم } وهذا الرأى مردود بأنهم ما داموا قد آمنوا، ~~فقد عصموا دماءهم وأموالهم، ولم يصبح للعفو والصفح عنهم موضع. 2 - ويرى ~~آخرون أن الذين أمر النبى صلى الله عليه وسلم بالعفو والصفح عنهم هم كافة ~~اليهود، إلا أن الآية نسخت بآية التوبة وهى قوله # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر ولا يحرمون ms1468 ما حرم الله ورسوله ولا ~~يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون # وهذا الرأى ضعيف لأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع بين الآيتين ~~وهو غير متعذر - كما سنبين. 3 - ويرى أبو مسلم أن المراد بهم اليهود ~~الذين بقوا على كفرهم ولكنهم لم ينقضوا عهودهم. والذى نراه أولى أن العفو ~~والصفح عام لليهود، وأن من مظاهر ذلك مسالمتهم ومساكنتهم، ومجادلتهم ~~بالتى هى أحسن ومعاملتهم بمبدأ لهم ما لنا وعليهم ما علينا، مع العفو عن ~~زلاتهم التى لا تؤثر على كيان الدعوة الإسلامية. فإذا ما نقضوا عهودهم ~~وخانوا الله ورسوله والمؤمنين، وأصبح العفو عنهم فيه مضرة بالمسلمين ففى ~~هذه الحالة تجب معاملتهم بالطريقة التى تقى المسلمين شرورهم، لأن العفو ~~عنهم - عند استلزام قتالهم للدفاع عن النفس وعن العقيدة - يكون إلقاء ~~بالنفس إلى التهلكة ويكون قد وضع العفو فى غير موضعه. وهذا القول يقارب ~~ما ذهب إليه أبو مسلم. وربما اعتبر توضيحا له. فكأن الله - تعالى - يقول ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم فاعف عن هؤلاء اليهود الذين ورثوا الخيانة عن ~~آبائهم، واصفح عن زلاتهم التى لا تؤثر فى سير الدعوة الإسلامية إلى ~~الوقت المناسب لمحاسبتهم، إن الله تعالى يحب المحسنين. وبذلك نرى السورة ~~الكريمة قد بينت جانبا مما أخذ الله على بنى إسرائيل من عهود ومواثيق، ~~ورغبتهم فى الوفاء بها وحذرتهم. من نقضها، كما بينت بعض العقوبات التى ~~عاقبهم الله بها بسبب فسوقهم عن أمره ورسمت للنبى صلى الله عليه وسلم ~~طريق معالجتهم ومعاملتهم بما يقى المسلمين من شرورهم ومكرهم. وبعد أن بين ~~- سبحانه - جانبا من قبائح اليهود ونقضهم لمواثيقهم عقب ذلك ببيان حال ~~النصارى فقال - تعالى - { ومن الذين قالوا إنا نصارى ~~أخذنا... } ### || [5.14] # قوله - تعالى - { ومن الذين قالوا إنا نصارى } معطوف ~~على قوله قبل ذلك # ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرآئيل # ونسب - سبحانه - تسميتهم نصارى إلى أنفسهم فقال { ومن الذين ~~قالوا إنا نصارى } جمع نصران كندامى جمع ندمان، ولم يستعمل ~~نصران إلا ms1469 بياء النسب. وقد صارت كلمة نصرانى لكل من اعتنق المسيحية. وقد ~~سموا بذلك لدعواهم أنهم أنصار عيسى على أعدائهم. أو نسبة إلى بلدة ~~الناصرة التى فيها نشأ عيسى - عليه السلام - وأعلن دعوته للناس. والمعنى ~~وكما أخذنا على بنى إسرائيل الميثاق بأن يعبدوا الله وحده ويطيعوا ~~أنبياءه، ويستجيبوا لمحمد صلى الله عليه وسلم الذى بشرت به الكتب ~~السماوية، فقد أخذنا - أيضا - من الذين قالوا إنا نصارى الميثاق بذلك، ~~ولكنهم كان شأنهم فى الكفر ونقض العهود كشأن اليهود، إذ ترك هؤلاء الذين ~~قالوا إنا نصارى قدرا كبيرا، ونصيبا عظيما مما ذكروا به على لسان ~~عيسى عليه السلام - فقد أمرهم بتوحيد الله، وبشرهم بظهور رسول من بعده هو ~~محمد صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الإيمان به، ولكنهم استحبوا الكفر ~~على الإيمان، فكان دأبهم كدأب بنى إسرائيل فى العناد والضلال. ونسب - ~~سبحانه - تسميتهم نصارى إلى أنفسهم فقال { ومن الذين قالوا ~~إنا نصارى } ولم يقل " ومن النصارى " للإشارة إلى أن ادعاءهم ~~النصرانية وهى الدين الذى جاء به عيسى. إنما هو قول يقولونه بافواههم دون ~~أن يتبعوه بقلوبهم إذ لو كانوا متبعين حقا لما جاء به عيسى عليه السلام ~~- لأقروا لله - تعالى - بالوحدانية ولآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~الذى بشر به عيسى - عليه السلام -. وإلى هذا المعنى أشار - صاحب الكشاف ~~بقوله فإن قلت فهلا قيل ومن النصارى؟ قلت لأنهم إنما سموا أنفسهم بذلك ~~ادعاء لنصرة الله، وهم الذين قالوا لعيسى نحن أنصار الله. ثم اختلفوا بعد ~~نسطورية، ويعقوبية، وملكانية، أنصارا للشيطان ". وقوله - تعالى { ~~فنسوا حظا مما ذكروا به } بيان لما حدث منهم بعد أخذ ~~الميثاق. أى أخذنا من الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم على أن يعبدوا الله ~~وحده ويطيعوا أنبياءه ورسله ولكنهم لم يكونوا أوفياء بعهودهم، بل تركوا ~~نصيبا كبيرا مما أمروا بفعله ومما ذكروا به على لسان المسيح عيسى بن ~~مريم. والمراد بالنسيان هنا الترك والإهمال عن تعمد وقصد، لأن الناسى ~~حقيقة لا يؤاخذه الله - تعالى - والإتيان بالفاء فى قوله { فنسوا } ~~للإشارة إلى ms1470 أن تركهم لما أخذ عليهم من ميثاق، كان عن تعجل وعدم تمهل ~~بسبب استيلاء الأهواء والشهوات على نفوسهم. والتنكير فى قوله تعالى { ~~حظا } للتهويل والتكثير. # أى تركوا نصيبا كبيرا مما أمرتهم به شريعتهم من وجوب ابتاعهم للحق ~~وإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم عند ظهوره " فكان تركهم لهذا النصيب ~~العظيم مما ذكروا به سببا فى ضلالهم وسوء عاقبتهم. قال بعض العلماء " ~~وسبب نسيان حظ أى نصيب كبير مما ذكروا به، هو اضطهاد النصارى اضطهادا ~~شديدا فى عهد الرومان حتى ضاعت كتبهم ولم يعرف شىء منها إلا قليل غير ~~سليم بعد مائتى سنة من ترك المسيح هذه الدنيا. وما ظهرت هذه الأناجيل ~~التى يتدارسونها - ولا يزالون يغيرون ويبدلون فيها على حسب الطبعات ~~المختلفة - إلا بعد أن دخل قسطنطين أمبراطور الرومان فى المسيحية، وغير ~~وبدل فى مجمع نيقية الذى انعقد فى سنة 325 ميلادية. وقد ذهب لب الديانة ~~وهو التوحيد ". وقوله { فأغرينا بينهم العداوة ~~والبغضآء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم ~~الله بما كانوا يصنعون } وعيد شديد لهم بسبب تركهم لما ~~أرشدوا إليه، ولما ذكروا به. فالفاء فى قوله - تعالى - { فأغرينا } ~~للسبيبة وأغرينا أى ألقينا وهيجنا وألصقنا. يقال أغريت فلانا بكذا حتى ~~أغرى به، أى ألزمته به وألصقته وأصل ذلك من الغراء وهو ما يلتصق به ~~الشىء. وقوله { بينهم } ظرف لأغرينا. والضمير فيه يعود إلى فرق النصارى ~~المتعددة عند جمهور المفسرين. والمعنى بسبب ترك هؤلاء الذين قالوا إنا ~~نصارى لما ذكروا به فرقناهم شيعا وأحزابا وجعلنا كل فرقة منهم تعادى ~~الأخرى وتبغضها إلى يوم القيامة. ويرى بعضهم أن الضمير فى قوله { بينهم } ~~تعود إلى اليهود والنصارى، فيكون المعنى بسبب ما عليه الطائفتان من عناد ~~وضلال، ألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، فهم فى عداوة ~~شديدة، وكراهية مستحكمة. وقد رجح ابن جرير عودة الضمير إلى فرق النصارى ~~فقال وأولى التأويلين بالآية عندى ما قاله الربيع بن أنس وغيره. وهو أن ~~المعنى بالإغراء بينهم النصارى فى هذه الآية خاصة وأن الهاء والميم ~~عائدتان على ms1471 النصارى، دون اليهود، لأن ذكر الإغراء فى خبر الله عن ~~النصارى بعد تقضى خبره عن اليهود، وبعد ابتداء خبره عن النصارى، فلأن ~~يكون ذلك معنيا به النصارى خاصة. أولى من أن يكون معنيا به الحزبان ~~جميعا لما ذكرناه ". وقال ابن كثير قوله - تعالى - { فنسوا حظا ~~مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة ~~والبغضآء إلى يوم القيامة } أى فألقينا بينهم العداوة ~~والبغضاء لبعضهم بعضا، ولا يزالون كذلك إلى يوم قيام الساعة. وكذلك طوائف ~~النصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين يكفر بعضهم بعضا، ~~ويلعن بعضهم بعضا، فكل فرقة تحرم الأخرى ولا تدعها تلج معبدها فالملكانية ~~تكفر اليعقوبية، وكذلك الآخرون. وكذلك النسطورية الآريوسية كل طائفة تكفر ~~الأخرى فى هذه الدنيا ويوم يقود الأشهاد ". # والذى تطمئن إليه النفس أن قوله - تعالى - { فأغرينا بينهم ~~العداوة والبغضآء إلى يوم القيامة } يشمل ما بين ~~اليهود والنصارى من عداوة ظاهرة مستحكمة يراها الرائى فى كل العصور ~~والأزمان، كما يشمل ما بين فرق النصارى من اختلاف وتباغض وتقاتل بسبب ~~عقائدهم الزائغة وأهوائهم الفاسدة. وما نراه من تصارع وتقاتل بين طائفتى ~~الكاثوليك والبروستانت فى. إيرلاندا وفى غيرها خير شاهد على صدق القرآن ~~الكريم، وأنه من عند الله - عز وجل - وقوله - تعالى - { وسوف ~~ينبئهم الله بما كانوا يصنعون } بيان لسوء عاقبتهم ~~فى الآخرة بعد بيان ما حكم به عليه فى الدنيا من عداوة وبغضاء. و { سوف } ~~هنا لتأكيد الخبر وتقويته وبيان أنه وإن تأخر آت لا محالة. والمعنى لقد ~~ألقينا العداوة والبغضاء بين هذه الطوائف الضالة وسوف يخبرهم الله فى ~~الآخرة بما كانوا يصنعون من كتمان الحق، ومخالفة للرسل، وانغماس فى ~~الباطل، وسيجازيهم على كل ذلك بما يستحقون من عذاب شديد. وبعد أن بين - ~~سبحانه - بعض الرذائل التى انغمس فيها اليهود والنصارى. وجه إليهم نداء ~~دعاهم فيه إلى الدخول فى الدين الحق الذى جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ~~فقال تعالى { يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا ~~يبين... } ### || [5.15-16] # المعنى { يا أهل الكتاب } من اليهود والنصارى { قد جآءكم ~~رسولنا ms1472 } محمد صلى الله عليه وسلم { يبين لكم كثيرا ~~مما كنتم تخفون من الكتاب } أى يظهر لكم كثيرا من ~~الأحكام والمسائل التى ذكرتها كتبكم وكتمتموها عن الناس، كإخفائكم صفة ~~النبى صلى الله عليه وسلم التى تجدونها فى التوراة والإنجيل وكتمانكم ما ~~جاء فيها من بشارات تبشر به. وغير ذلك من الأحكام التى أخفاها علماؤكم عن ~~العامة، وتولى الرسول صلى الله عليه وسلم إعلانها إظهارا للحق، ووضعا ~~للأمور فى نصابها. وقوله { ويعفوا عن كثير } أى يعرض ولا يظهر ~~كثيرا مما كنتم تخفونه، لأنه لا ضرورة تدعو إلى بيانه، ولا فائدة تعود ~~على الناس من وراء إظهاره، ففى السكوت عنه رحمة بكم، وصيانة لكم عن ~~الافتضاح والمؤاخذة. يقال عفا عن المذنب، أى ستر عنه ذنبه فلم يعاقبه ~~عليه. والمراد بالكتاب فى قوله { يا أهل الكتاب } جنس الكتب، ~~فيشمل التوراة والإنجيل. وفى ندائهم بهذا الوصف حمل لهم على الدخول فى ~~الإسلام فإن علمهم بما فى كتبهم من بشارات بالرسول صلى الله عليه ولم ~~يدعوهم إلى الإيمان به. فإذا لم يؤمنوا به مع علمهم بأنه رسول صادق فى ~~رسالته كانت مذمتهم أشد وأقبح، وكان عقابهم على كتمانهم الحق أعظم وأقسى. ~~وكان التعبير بقوله - تعالى - { قد جآءكم } للإشارة إلى أنه صلى ~~الله عليه وسلم قد وصل إليهم، ويعيش بينهم، فهم يرونه ويراهم ويخاطبهم ~~ويخاطبونه، ليسمعوا منه ما يشهد بصدقه بدون حجاب أو وساطة. وفى التعبير ~~بقوله - تعالى - { رسولنا } تشريف للرسول صلى الله عليه وسلم حيث ~~أضافه - سبحانه - إلى ذاته، وفيه كذلك إيذان بوجوب اتباعه لأنه رسول مبلغ ~~عن الله - تعالى - ما يأمره بتبليغه بدون تغيير أو تبديل. والمراد ~~بالكتاب فى قوله { تخفون من الكتاب } التوراة والإنجيل. فقد ~~امتدت أيدى اليهود والنصارى إلى هذين الكتابين فغيروا وبدلوا فيهما على ~~حسب ما تمليه عليهم أهواؤهم وشهواتهم. وفى إظهار الرسول صلى الله عليه ~~وسلم للكثير مما كتموه، وعفوه عن الكثير مما أخفوه، معجزة له، لأنه لم ~~يقرأ كتابا، ولم يجلس أمام معلم، فإخباره بأسرار ما فى كتبهم إخبار عن ms1473 ~~أمور مغيبة، فيكون معجزة له تحملهم على الإيمان به فيما يدعوهم إليه. ثم ~~مدح الله - تعالى - رسوله، وما جاء به من الخير والهدى فقال { قد ~~جآءكم من الله نور وكتاب مبين }. والمراد بالنور هنا ~~محمد صلى الله عليه وسلم فهو نور الأنوار - كما يقول الآلوسى. والمراد ~~بالكتاب القرآن الكريم الذى أنزله - تعالى - على نبيه صلى الله عليه وسلم ~~والجملة الكريمة مستأنفة مسووقة لبيان أن فائدة مجىء الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ليست منحصرة فيما ذكر من بيان ما كانوا يخفونه، بل له منافع ~~أخرى لا تحصى. # قال ابن جرير ما ملخصه، قوله تعالى - { قد جآءكم من الله ~~نور وكتاب مبين } يقول - جل ثناؤه - لهؤلاء الذين خاطبهم من ~~أهل الكتاب " قد جاءكم يا أهل التوراة والإنجيل من الله نور هو محمد صلى ~~الله عليه وسلم الذى أنار الله به الحق، وأظهر به الإسلام ومحق به الشرك ~~" قوله { وكتاب مبين } يعنى " كتابا فيه بيان ما اختلفوا فيه ~~بينهم من توحيد الله، وحلاله وحرامه وشرائع دينه وهو القرآن الذى أنزله ~~على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. ويرى بعض المفسرين أن المراد بالنور ~~وبالكتاب هنا القرآن الكريم. وقد اقتصر على هذا التفسير صاحب الكشاف فقال ~~قوله { قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين } يريد ~~القرآن لكشفه ظلمات الشرك والشك، ولإبانته ما كان خافيا عن الناس من ~~الحق، أو لأنه ظاهر الإعجاز ". ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن جرير أرجح، ~~لأن العطف فى الغالب يقتضى المغايرة فى الذات إذ الرسول صلى الله عليه ~~وسلم قد جاء للناس برسالة هى نور فى شخصه صلى الله عليه وسلم كما جاءهم ~~بالقرآن الكريم الدال على صدقه فى رسالته. ثم بين - سبحانه - الغاية من ~~رسالته صلى الله عليه وسلم فقال - تعالى - { يهدي به الله من ~~اتبع رضوانه سبل السلام }. والضمير فى قوله به يعود إلى ~~مجموع ما ذكر، أو إلى الكتاب المبين باعتباره أقرب مذكور و سبل جمع سبيل ~~بمعنى طريق. و السلام مصدر بمعنى السلامة. والمعنى ms1474 قد جاءكم - يا معشر ~~أهل الكتاب - من الله نور وكتاب مبين - يهدى الله - تعالى - بذلك أو ~~بالكتاب { من اتبع رضوانه } أى من علم - سبحانه - منه أنه ~~يريد اتباع ما يرضى بأن يخلص له العبادة ويستجيب للحق الذى أرسل به ~~أنبياءه فإنه متى كان كذلك، أوصله - سبحانه - إلى { سبل السلام } ~~أى إلى طرق السلامة والنجاة من كل خوف وشقاء، بأن يثبته فى الدنيا على ~~طريق الحق، ويكرمه فى الآخرة بمثوبته وجنته هذه هى الثمرة الأولى من ثمار ~~اتباع ما جاء من عندالله من نور وكتاب مبين. أما الثمرة الثانية فقد ~~بينها - سبحانه - بقوله { ويخرجهم من الظلمات إلى ~~النور بإذنه }. والضمير المنصوب فى قوله ويخرجهم وهو هم يعود إلى ~~من فى قوله { من اتبع رضوانه } باعتبار المعنى. أى ويخرج - ~~سبحانه - هؤلاء الأخيار الذين علم منهم اتباع ما يرضيه يخرجهم من ظلمات ~~الكفر والضلال إلى نور الحق والإيمان بإذنه أى بإرادته وعلمه. # وقوله { ويهديهم إلى صراط مستقيم } بيان للثمرة ~~الثالثة من ثمار اتباع ما جاء من عند الله من حق وخير. أى ويهدى - سبحانه ~~- هؤلاء الذين علم منهم اتباع ما يرضيه إلى صراط مستقيم، وطريق قويم لا ~~اعوجاج فيه ولا اضطراب، وهو طريق الإسلام الذى يوصل إلى الفوز الفلاح فى ~~الدنيا والآخرة. وبذلك نرى الآيتين الكريمتين قد دعتا أهل الكتاب إلى ~~اتباع الحق الذى جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من عند الله، بأوضح ~~أسلوب، وأكمل بيان، وبينتا لهم ما يترتب على اتباعه صلى الله عليه وسلم ~~من منافع جليلة، وفوائد عظيمة تجعلهم يسارعون إلى تصديقه إن كانوا ممن ~~يستمعون القول فيتبعون أحسنه. وبعد أن أرشد - سبحانه - أهل الكتاب إلى ~~الطريق القويم الذى يجب عليهم أن يسلكوه، عقب ذلك ببيان ما عليه النصارى ~~من ضلال وبطلان فقال { لقد كفر الذين قآلوا إن... } ### || [5.17] # اللام فى قوله { لقد كفر } واقعة جوابا لقسم مقدر. والمراد ~~بالكفر ستر الحق وإنكاره، والانغماس فى الباطل والضلال. والمعنى أقسم لقد ~~كفر أولئك النصارى الذين قالوا كذبا وزورا إن ms1475 الله المستحق للعبادة ~~والخضوع هو المسيح عيسى ابن مريم. قال بعض العلماء ما ملخصه " لقد اتفق ~~النصارى على أن يسوع عندهم فيه عنصر إلهى " وإذا كان الأمر المعروف عندهم ~~أن يسوع ابن الله وفيه عنصر إلهى فقد قالوا إن الألوهية قد حلت فيه. ~~ولازم ذلك القول أن يكون هو الله، أو هو إله يعبد ومهما يكون فقد قالوا ~~باتحاد عنصر الألوهية فيه. وقد قال فى ذلك البيضاوى " هم الذين قالوا ~~بالاتحاد منهم. وقيل لم يصرح به أحد منهم. ولكنهم لما زعموا أن فيه ~~لاهوتا، وقالوا لا إله إلا واحد لزمهم أن يكون هو المسيح فنسب إليهم لازم ~~قولهم ". وذلك بلا ريب ينتهى إلى القول بأنهم يعتقدون أن المسيح هو الله، ~~وإن لم يصرحوا بذلك، فهو لازم قولهم باتحاد عنصر الأولوهية فيه مع الله. ~~وإن ذلك الكلام تخريج على أن النصارى مذهب واحد فى اعتقاد الألوهية وأنه ~~ابن الله وبذلك يكون قوله - تعالى - فى أواخر هذه السورة # لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة # متلاقيا مع هذا النص الكريم فهنا صرح بلازم قولهم وهناك صرح بذات قولهم. ~~والحقيقة أن النصارى اليوم - وهم لا يزالون يغيرون ويبدلون - يصرحون بأن ~~الأقانيم ثلاثة. وأنها شىء واحد. وينتهون إلى أن المسيح هو الله، والله ~~هو روح القدس. فقد قال الدكتور بوست فى تاريخ الكتاب المقدس " طبيعة الله ~~عبارة عن ثلاثة أقانيم متساوية الجوهر هى الله الأب، والله الإبن والله ~~الروح القدس فإلى الأب ينتمى الخلق بواسطة الابن وإلى الابن الفداء، وإلى ~~الروح القدس التطهير. غير أن ثلاثة الأقانيم تتقاسم جميع الأعمال على ~~السواء. أما مسألة التثليث فغير واضحة فى العهد القديم، كما هى فى العهد ~~الجديد ". وفى هذا الكلام يتبين أن النصارى يصرحون بأن الابن هو الله، ~~ولا يكون الكلام بطريق اللازم لقولهم، بل بطريق الصريح منه. فهم يصرحون ~~بأن الله هو الابن، كما أن الله هو الأب، كما أن الله هو روح القدس. هذا، ~~وقد أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم ms1476 أن يرد على أولئك الذين ~~قالوا { إن الله هو المسيح ابن مريم } بما يكشف عن ~~جهلهم وضلالهم فقال - تعالى - { قل فمن يملك من الله شيئا ~~إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن ~~في الأرض جميعا }. أى قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء النصارى ~~الذين قالوا { إن الله هو المسيح ابن مريم } قل لهم ~~على سبيل الإنكار والتوبيخ والتجهيل من ذا الذى يملك من أمر الله ~~وإرادته شيئا يدفع به الهلاك عن المسيح وعن أمه وعن سائر أهل الأرض، إن ~~أراد الله - سبحانه - أن يهلكهم ويبيدهم؟ لا شك أن أحدا لن يستطيع أن ~~يمنع إرادته - سبحانه - لأنه هو المالك لأمر الوجود كله، ولا يملك أحد من ~~أمره شيئا يستطيع به أن يصرفه عن عمل يريده أو يحمله على أمر لا يريده، ~~أو يستقل بعمل دونه. # وما دام الأمر كذلك فدعوى أن الله هو المسيح ابن مريم ظاهرة البطلان، ~~لأن المسيح وأمه من مخلوقات الله التى هى قابلة لطروء الهلاك والفناء ~~عليها. وحاشا للمخلوق الفانى أن يكون إلها وإنما الألوهية لله الخالق ~~الباقى # ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين # قال الإمام الرازى ما ملخصه " احتج - سبحانه - على فساد ما ذهب إليه ~~النصارى بقوله { فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن ~~يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض ~~جميعا } وهذه جملة شرطية قدم فيها الجزاء على الشرط. والتقدير إن أراد ~~أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن فى الأرض جميعا فمن الذى يقدر على أن ~~يدفعه عن مراده ومقدوره. وقوله { فمن يملك من الله شيئا } ~~أى فمن يملك من أفعال الله شيئا والملك هو القدرة. يعنى فمن الذى يقدر ~~على دفع شىء من أفعال الله - تعالى - ومنع شىء من مراده. وقوله { ومن ~~في الأرض جميعا } يعنى أن عيسى مشاكل لمن فى الأرض فى الصورة ~~والخلقة والجسمية والتركيب وتغيير الصفات والأحوال، فلما سلم كونه - ~~تعالى - خالقا للكل مدبرا للكل وجب أن يكون أيضا خالقا لعيسى ". وفى ~~توجيه الأمر إلى ms1477 الرسول صلى الله عليه وسلم للرد عليهم تثبيت له وتقوية ~~لحجته حتى يبطل قولهم الفاسد إبطالا يزداد معه المؤمنون إيمانا بالحق ~~الذى آمنوا به. قال أبو السعود وإنما نفيت المالكية المذكورة بالاستفهام ~~الإنكارى عن أحد مع تحقيق الإلزام والتبكيت لا بنفيها عن المسيح فقط، ~~لتحقيق الحق بنفى الألوهية عن كل ما عداه - سبحانه - وإثبات المطلوب فى ~~ضمنه بالطريق البرهانى. وتعميم إرادة الإهلاك للكل - مع حصول المطلوب ~~بقصرها على المسيح - لتهويل الخطب، وإظهار كمال العجز ببيان أن الكل تحت ~~قهره - تعالى - وملكوته. لا يقدر أحد على دفع ما أريد به. فضلا عن دفع ما ~~أريد بغيره. وللإيذان بأن المسيح أسوة لسائر المخلوقات فى كونه عرضة ~~للهلاك، كما أنه أسوة لها فيما ذكر من العجز، وعدم استحقاق الألوهية ". # وتخصيص الأم بالذكر مع اندارجها فى عموم المعطوف، لزيادة تأكيد عجز ~~المسيح، وأنه هو وأمه عبدان من عباد الله لا يقدران على رفع الهلاك ~~عنهما. وعطف عليهما قوله { ومن في الأرض جميعا } من باب عطف ~~العام على الخاص، ليكونا قد ذكرا مرتين. مرة بالنص عليهما. ومرة ~~بالاندراج فى العام، وذلك على سبيل التوكيد والمبالغة فى تعلق نفاذ ~~الإرادة فيهما. وقوله { ولله ملك السماوات والأرض وما ~~بينهما } تأكيد لاختصاص الألوهية به - تعالى - إثر بيان انتفائها ~~عما سواه. أى والله - تعالى - وحده دون أن ينازعه منازع. أو يشاركه ~~مشارك، ملك جميع الموجودات، والتصرف المطلق فيها، إيجادا وإعداما، وإحياء ~~وإماته. فهو المالك للسموات وما فيها وللأرض وما عليها، ولما بينهما من ~~فضاء تجرى فيه السحب بأمره، ويطير فيه الطير بإذنه وقدرته. وما المسيح ~~وأمه إلا من جملة ما فى الأرض، فهما عبدان من عباد الله يدينان له - ~~سبحانه - بالعبادة والطاعة والخضوع. وقال - سبحانه - { وما بينهما ~~} ولم يقل وما بينهن مع أن السموات بلفظ الجمع، لأن المراد بالسموات ~~والأرض النوعان أو الصنفان. أى ولله - تعالى - وحده ملك السموات والأرض ~~وما بين هذين النوعين من مخلوقات خاضعة لمشيئة الله وقدرته. وقوله { ~~يخلق ما يشآء } جملة مستأنفة مسوقة لبيان بعض ms1478 أحكام الملك ~~والألوهية على وجه يزيح ما اعترى النصارى من شبه فى أمر المسيح لولادته ~~من غير أب، وإحيائه الموتى، وإبرائه الأكمه والأبرص، كل ذلك بإذن الله. ~~أى أنه - سبحانه - يخلق ما يشاء أن يخلقه من أنواع الخلق بالكيفية التى ~~يريدها تبعا لمشيئته وإرداته. فتارة يخلق الإنسان من ذكر وأنثى كما هو ~~المعتاد بين الناس، وتارة يخلقه بدون أب أو أم كما هو الشأن فى خلق آدم، ~~وتارة يخلقه بدون أب كما هو الشأن فى خلق عيسى، إلى ذلك من مخلوقاته التى ~~ليست مقصورة على نوع واحد بل هى شاملة لهذا الكون بما فيه من إنسان ~~وحيوان وجماد، فكل ما تعلقت إرادته بإيجاده أوجده، وكل ما تعلقت إرادته ~~بإعدامه أعدمه، لا راد لمشيئته ولا معقب لحكمه ولا حائل دون نفاذ قدرته. ~~وقوله { والله على كل شيء قدير } تذييل مقرر لمضمون ما ~~قبله. أى والله - تعالى - قدير على كل شىء ومالك لكل شىء ومهيمن على كل ~~شىء لا يغلبه شىء طلبه، ولا يعجزه أمر أراده وما عيسى وأمه إلا من ~~مخلوقاته وعبيده، وحاشا للمخلوق العاجز أن يكون إلها من دون الله - عز ~~وجل -. فهذه الآية الكريمة تحكى أقوال النصارى الباطلة فى شأن عيسى - ~~عليه السلام - وترد عليهم بما يزهق باطلهم، ويثبت أن عيسى إنما هو عبد من ~~عباد الله وأن العبادة إنما تكون لله الواحد القهار. ثم ساق - سبحانه - ~~بعض دعاوى أهل الكتاب الباطلة وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم ~~بما يخرس ألسنتهم فقال - تعالى - { وقالت اليهود والنصارى ~~نحن... } ### || [5.18] # قال الإمام ابن كثير روى محمد بن إسحاق بن أبى حاتم وابن جرير عن ابن ~~عباس قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من اليهود فكلموه ~~وكلمهم ودعاهم إلى الله - تعالى - وحذرهم نقمته فقالوا ما تخوفنا يا ~~محمد؟ نحن أبناء الله وأحباؤه كقول النصارى فأنزل الله - تعالى - فيهم. { ~~وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله ~~وأحباؤه }.. الآية. وقوله - تعالى - { وقالت اليهود ~~والنصارى } حكاية لما صدر عن الفريقين ms1479 من أقاويل فاسدة ودعاوى ~~باطلة، يدل على سفاهة عقولهم، وبلاده تفكيرهم، حيث قالوا فى حق الله - ~~تعالى - ما لا يليق بعظمته - سبحانه -. قال الآلوسى ما ملخصه " ومرادهم ~~بالأبناء المقربون. أى نحن مقربون عند الله - تعالى - قرب الأولاد من ~~والدهم. ومن مرادهم بالأحباء جمع حبيب بمعنى محب أو محبوب. ويجوز أن يكون ~~أرادوا من الأبناء الخاصة، كما يقال أبناء الدنيا وأبناء الآخرة. ويجوز ~~أن يكونوا أرادوا بما قالوا أنهم أشياع وأتباع من وصف بالبنوة. أى قالت ~~اليهود نحن أشياع ابنه عزير. وقالت النصارى نحن أشياع ابنه عيسى. وأطلق ~~الأبناء على الأشياع مجازا إما تغليبا أو تشبيها لهم بالأبناء فى قرب ~~المنزلة. وهذا كما يقول أتباع الملك نحن الملوك. وقيل الكلام على حذف ~~المضاف. أى نحن أبناء أنبياء الله - تعالى - وهو خلاف الظاهر. ومقصود ~~الفريقين بقوله - تعالى - حكاية عنهم { نحن أبناء الله ~~وأحباؤه } هو المعنى المتضمن مدحا، وحاصل دعواهم أن لهم فضلا ~~ومزية عند الله - تعالى - على سائر الخلق ". والمعنى وقالت طائفة اليهود ~~التى تزعم أنها شعب الله المختار، وقالت طائفة النصارى التى تزعم أنها ~~على الحق دون غيرهم قالت كل طائفة منهما نحن فى القرب من الله - تعالى - ~~بمنزلة أبنائه المدللين، وأحبائه المختارين، فلنا من الفضل والمنزلة ~~والتكريم ما ليس لغيرنا من البشر. والذى حملهم على هذا القول الباطل، ~~جهلهم بما اشتلمت عليه كتبهم، وتخبطهم فى الكفر والضلال وفهمهم السقيم ~~لمعانى الألفاظ. قال ابن كثير " ونقلوا عن كتبهم أن الله - تعالى - قال ~~لعبده إسرائيل أنت ابنى بكرى. فحملوا هذا على غير تأويله وحرفوه. وقد رد ~~عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم. وقالوا هذا يطلق عندهم على التشريف ~~والإكرام. كما نقل النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم إنى ذاهب إلى أبى ~~وأبيكم، يعنى ربى وربكم. ومعلوم أنهم لم يدعوا لأنفسهم من البنوة ما ~~ادعوها فى عيسى - عليه السلام - وإنما أرادوا بذلك معزتهم لديه، وحظوتهم ~~عنده، ولهذا قالوا { نحن أبناء الله وأحباؤه }. # وعطف - سبحانه - قولهم { وأحباؤه } على قولهم { نحن أبناء ~~الله ms1480 } للإشارة إلى غلوهم فى الجهل والغرور، حيث قصدوا أنهم أبناء ~~محبوبون وليسوا مغضوبا عليهم من أبيهم بل هم محل رضاه وإكرامه. وقد أمر ~~الله - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم بما يكبتهم فقال { قل ~~فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق }. ~~والفاء فى قوله { فلم يعذبكم } للافصاح، لأنها تفصح عن جواب شرط ~~مقدر أى قل يا محمد لهؤلاء المغرورين، إن كان الأمر كما زعمتم من أنكم ~~أبناء الله وأحباؤه فلأى شىء يعذبكم إذ الحبيب لا يعذب حبيبه. وإن واقعكم ~~يا أهل الكتاب يناقض دعواكم، فقد عذبكم - سبحانه - فى الدنيا بسبب ذنوبكم ~~بالقتل والأسر والمسخ وتهييج العداوة والبغضاء بينكم إلى يوم القيامة. ~~أما فى الآخرة فإن كتبكم التى بين أيديكم تشهد بأنكم ستعذبون فى الآخرة ~~على ما تقترفون من آثام فى دنياكم. وقد أقر اليهود بأن العذاب سيقع بهم - ~~فى زعمهم - أياما معدودات فى الآخرة وحكى القرآن عنهم ذلك فى قوله - ~~تعالى - # وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # وأقر النصارى بأن الله - تعالى - سيحاسب الناس يوم القيامة، وسيجازى كل ~~إنسان على حسب عمله إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. قال القرطبى " رد الله ~~عليهم قولهم فقال { فلم يعذبكم بذنوبكم } فلم يكونوا يخلون ~~من أحد وجهين، إما إن يقولوا هو يعذبنا، فيقال لهم فلستم إذا أبناءه ولا ~~أحباءه فإن الحبيب لا يعذب حبيبه. وأنتم تقرون بعذابه، فذلك دليل على ~~كذبكم - وهذا هو المسمى عند الجدليين ببرهان الخلف - أو يقولوا لا يعذبنا ~~فيكذبوا ما فى كتبهم، وما جاءت به رسلهم. ويبيحوا المعاصى وهم معترفون ~~بعذاب العصاة منهم، ولهذا يلتزمون أحكام كتبهم " وقوله { بل أنتم ~~بشر ممن خلق } رد على أصل دعواهم الباطلة، وبيان لما هو الحق ~~من أمرهم وهو معطوف على كلام مقدر. أى ليس الأمر كما زعمتم يا معشر ~~اليهود والنصارى من أنكم أبناء الله وأحباؤه، بل الحق أنكم كسائر البشر ~~من خلق الله. فإنكم إن آمنتم وأصلحتم أعمالكم نلتم الثواب من الله، وإن ~~بقيتم على كفركم وغروركم ms1481 حق عليكم العقاب، وليس لأحد فضل على أحد إلا ~~بالإيمان والعمل الصالح. قال أبو حيان قوله { بل أنتم بشر ~~ممن خلق } إضراب عن الاستدلال من غير إبطال له إلى استدلال آخر من ~~ثبوت كونهم بشرا من بعض خلقه، فهم مساوون لغيرهم فى البشرية والحدوث، ~~وهما يمنعان البنوة، فإن القديم لا يلد بشرا، والأب لا يخلق ابنه، فامتنع ~~بهذين الوجهين البنوة. وامتنع بتعذيبهم أن يكونوا أحباء الله، فبطل ~~الوصفان اللذان ادعوهما ". # وقوله - سبحانه - { يغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء } ~~بيان لعموم قدرته، وشمول إرادته. أى أنه - سبحانه - يغفر لمن يشاء أن ~~يغفر له من خلقه، وهم المؤمنون به وبرسله، ويعذب من يشاء أن يعذبه منهم، ~~وهم المنحرفون عن طريق الحق والهدى، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه. ~~وقوله { ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما ~~وإليه المصير } تذييل قصد به تأكيد ما قبله من عموم قدرته، ~~وشمول إرادته وهيمنته على سائر خلقه. أى والله - تعالى - وحده ملك جميع ~~الموجودات وهو صاحب التصرف المطلق فيها، إيجادا وإعداما، وإحياء وإماتة، ~~وإليه وحده مصير الخلق يوم القيامة فيجازيهم على ما عملوا من خير أو شر. ~~قال - تعالى - # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # وبذلك تكون الآية الكريمة قد أبطلت حجة اليهود والنصارى الذين زعموا ~~أنهم { أبناء الله وأحباؤه } وأثبتت بالمنطق الواضح أنهم ~~كذابون فيما يدعون وأنه لا فضل لأحد على أحد إلا بالإيمان والعمل ~~الصالح. وبعد أن بين - سبحانه - فساد أقوال أهل الكتاب وبطلان عقائدهم، ~~ورد عليهم بما لا يدع للعاقل متمسكا بتلك الضلالات. أتبع ذلك بتوجيه نداء ~~آخر إليهم تكريرا لوعظهم، وتحريضا لهم على اتباع الحق فقال - تعالى - { ~~يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين... } ### || [5.19] # أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال قال معاذ بن جبل، وسعد بن عبادة وعقبة بن ~~وهب لليهود يا معشر اليهود، اتقوا الله وأسلموا، فوالله إنكم لتعلمون أنه ~~رسول الله. لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه، وتصفونه لنا بصفته. فقال ~~رافع بن ms1482 حرملة ووهب بن يهوذا ما قلنا هذا لكم، وما أنزل الله من كتاب من ~~بعد موسى، ولا أرسل بشيرا ولا نذيرا بعده، فأنزل الله فى قولهما قوله { ~~يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم ~~على فترة من الرسل } الآية. وقوله { على فترة من ~~الرسل } أى على انقطاع من الرسل، إذ الفترة هى الزمن بين زمنين، ~~ويكون فيها سكون عما يكون فى هذين الزمنين. قال الراغب الفتور سكون بعد ~~حدة، ولين بعد شدة، وضعف بعد قوة. قال - تعالى { يا أهل الكتاب ~~قد جآءكم رسولنا يبين لكم على فترة من ~~الرسل } أى سكون خال عن مجىء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله # يسبحون الليل والنهار لا يفترون # أى لا يسكنون عن نشاطهم فى العادة ". فأصل الفتور السكون والانقطاع. ~~يقال فتر عن عمله إذا انقطع عما كان عليه من الجد والنشاط. والمعنى يا ~~أهل الكتاب من اليهود والنصارى، يا من أنزل الله - تعالى - الكتب ~~السماوية على أنبيائكم لهدايتكم وسعادتكم، ها هو ذا رسولنا محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - قد جاءكم لكى يبين لكم شرائع الدين، والطريق الحق الذى ~~يوصلكم إلى السعادة الدينية والدنيوية، وذلك بعد انقطاع من الرسل، وطموس ~~من السبل، وضلال فى العقائد، وفساد فى الأفكار والمعاملات. قال الإمام ~~ابن كثير ما ملخصه قوله - تعالى - { على فترة من الرسل } ~~أى بعد مدة متطاولة ما بين إرساله صلى الله عليه وسلم وبين عيسى ابن ~~مريم. وقد اختلفوا فى مقدار هذه الفترة كم هى؟ فعن قتادة خمسمائة وستون ~~سنة. وكانت هذه الفترة بين عيسى ابن مريم - آخر أنبياء بنى إسرائيل - ~~وبين محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين من بنى آدم على الإطلاق، كما ~~ثبت فى " صحيح البخارى " عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال # " أنا أولى الناس بابن مريم ليس بينى وبينه نبى " # وهذا فيه رد على من زعم أنه بعث بعد عيسى نبى يقال له خالد بن سنان. ~~والمقصود من هذه الآية، أن الله - تعالى - بعث ms1483 محمدا صلى الله عليه وسلم ~~على فترة من الرسل، وطموس من السبل، وتغير الأديان، وكثرة عباد ~~الأوثان والنيران والصلبان، فكانت النعمة به أتم النعم. وفى ندائه - ~~سبحانه - لليهود والنصارى بقوله { يا أهل الكتاب } تنبيه لهم إلى ~~أن مصاحبتهم للكتاب وكونهم أهل معرفة، يوجبان عليهم المبادرة إلى اتباع ~~الرسول صلى الله عليه وسلم الذي بشرت بمبعثه كتبهم التى بين أيديهم، ~~والذى يعرفون صدقه كما يعرفون أبناءهم. # وإلا فسيكون عقابهم أشد إذا استمروا فى كفرهم وضلالهم. وعبر - سبحانه - ~~بقوله { قد جآءكم } للإبذان بأنه صلى الله عليه وسلم قد أصبح ~~بينهم، بحيث يشاهدهم ويشاهدونه، ويسمع منهم ويسمعون منه، وأنه قد صار من ~~اللازم عليهم اتباعه، لأن الشواهد قد قامت على صدقه فيما يبلغه عن ربه. ~~وأضاف - سبحانه - الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ذاته فقال { قد ~~جآءكم رسولنا } لتشريفه صلى الله عليه وسلم وتكريمه، وللإشارة ~~إلى قدسية هذه الرسالة وسمو منزلتها، وأنها لا تسوغ مخالفة من أتى بها، ~~ولا يصح الخروج عن طاعته، لأنه رسول من عند الله - تعالى - الذى له الخلق ~~والأمر. ومفعول يبين محذوف. أى يبين لكم الشرائع والأحكام، وما أمرتم به، ~~وما نهيتم عنه، وحذف هذا المفعول اعتمادا على ظهوره، إذ من المعلوم أن ~~ما يبينه الرسول هو الشرائع والأحكام. وقوله { على فترة } متعلق ~~بقوله جاءكم على الظرفية، وقوله { من الرسل } متعلق بمحذوف صفة ~~لفترة. أى قد جاءكم رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم على حين فتور من ~~الإرسال وانقطاع الوحى، ومزيد من الاحتياج إلى البيان. والتعبير بقوله - ~~تعالى - { على فترة } فيه معنى فوقية الرسالة على الفترة، وعلوها ~~عليها كعلو البيان على الجهل، والنور على الظلمة، فمن الواجب عليهم أن ~~يسارعوا إلى اتباع الرسول الذى جاءهم بالحق، وإلا كانوا ممن يرتضى لنفسه ~~الانحدار من الأعلى إلى الأدنى، ومن العلم إلى الجهل، ومن الهدى إلى ~~الضلال. وقوله - تعالى - { أن تقولوا ما جآءنا من بشير ~~ولا نذير } جملة تعليلية المقصود بها قطع معاذيرهم إذا احتجوا ~~بالجهل وعدم معرفتهم لأوامر الله ونواهيه. والمراد ms1484 بالبشير المبشر الذى ~~يبشر أهل الحق والطاعة بالخير والسعادة. والمراد بالنذير المنذر الذى ~~ينذر أهل الباطل والضلال بسوء المصير. والمعنى لقد جاءكم يا معشر أهل ~~الكتاب رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم يبين لكم شرائع الله بعد فترة ~~متطاولة من انقطاع الرسل، لكى لا تقولوا على سبيل المعذرة يوم الحساب، ما ~~جاءنا من بشير يبشرنا بالخير عند الطاعة، ولا نذير ينذرنا بسوء العاقبة ~~عند المعصية. و من فى قوله { من بشير } لتأكيد نفى المجىء. والتنكير ~~فى قوله { بشير ولا نذير } للتقليل، أى ما جاءنا أى بشير ولو كان ~~صغيرا، وما جاءنا أى نذير ولو كان ضئيلا. وهنا يسوق الله - تعالى - ما ~~يبطل معاذيرهم، بإثبات أن البشير والنذير قد جاءهم فقال - تعالى - { ~~فقد جاءكم بشير ونذير }. # والفاء هنا للافصاح عن كلام مقدر قبلها. والتقدير. لا تعتذروا بقولكم ما ~~جاءنا من بشير ولا نذير، فقد جاءكم رسولنا الذى يبشركم بالخير إن آمنتم ~~وينذركم بسوء المصير إذا ما بقيتم على كفركم. والتنكير هنا فى قوله { ~~بشير ونذير } للتعظيم من شأن الرسول صلى الله عليه وسلم الذى هو ~~خاتم النبيين، والذى أرسله الله - تعالى - رحمة للعالمين. وقوله { ~~بشير ونذير } وإن كانا وصفين للرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن ~~ثانيهما قد عطف على أولهما لتغايرهما فى المعنى، لأن التبشير عمل يختلف ~~عن الإنذار، وكلاهما من وظائف النبوة. وقوله - تعالى - { والله ~~على كل شيء قدير } تذييل قصد به شمول قدرة الله وأنه - ~~سبحانه - لا يعجزه شىء. أى والله على كل شىء قدير، فلا يعجزه أن يرسل ~~رسله تترى، كما لا يعجزه أيضا أن يرسلهم على فترات متباعدة. وبذلك نرى ~~الآية الكريمة قد بينت سمو الرسالة المحمدية وعظمتها، وأنها جاءت والناس ~~فى أشد الحاجة إليها، وأنه لا عذر لأهل الكتاب فى عدم الاستجابة لها بعد ~~أن بلغتهم، وبشرتهم بالخير إن آمنوا وأطاعوا، وبالعذاب الأليم إن استمروا ~~على كفرهم وضلالهم. وبعد أن بين - سبحانه - جانبا من رذائل أهل الكتاب، ~~ومن أقوالهم الباطلة فى حق الرسول الذى أرسله ms1485 الله - تعالى - لهدايتهم ~~وسعادتهم وإخراجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. بعد كل ذلك ساق - ~~سبحانه - جانبا مما حدث بين موسى - عليه السلام - وبين قومه بنى إسرائيل، ~~ومما لقيه منه من سفاهة وجبن وتخاذل وعصيان. إذ فى ذلك تسلية للرسول صلى ~~الله عليه وسلم عما شاهده منهم من عناد وجحود. استمع إلى القرآن وهو يحكى ~~بعض قصص بنى إسرائيل مع نبيه موسى فيقول { وإذ قال موسى ~~لقومه ياقوم... } ### || [5.20-26] # هذه الآيات الكريمة تصور لنا ما جبل عليه بنو إسرائيل من جبن شديد، ~~وعزيمة خوارة، وعصيان لرسلهم. وإيثار للذلة مع الراحة على العزة مع ~~الجهاد وهى تحكى بأسلوبها البليغ قصة تاريخية معروفة، وملخص هذه القصة أن ~~بنى إسرائيل بعد أن ساروا مع نبيهم موسى - عليه السلام - إلى بلاد الشام، ~~عقب غرق فرعون أمام أعينهم. أوحى الله - تعالى - إلى موسى أن يختار من ~~قومه اثنى عشر نقيبا، وأمره أن يرسلهم إلى الأرض المقدسة التى كان يسكنها ~~الكنعانيون حينئذ. ليتحسسوا أحوال سكانها، وليعرفوا شيئا من أخبارهم. وقد ~~أشار القرآن قبل ذلك إلى هذه القصة بقوله # ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرآئيل وبعثنا ~~منهم اثني عشر نقيبا # ولقد نفذ موسى - عليه السلام - ما أمره به ربه - سبحانه -، وكان مما ~~قاله موسى للنقباء عند إرسالهم لمعرفة أحوال سكان الأرض المقدسة " لا ~~تخبروا أحد سواى عما ترونه ". فلما دخل النقباء الأرض المقدسة، واطلعوا ~~على أحوال سكانها. وجدوا منهم قوة عظيمة، وأجساما ضخمة.. فعاد النقباء ~~إلى موسى وقالوا له - وهو فى جماعة من بنى إسرائيل - قد جئنا إلى الأرض ~~التى بعثتنا إليها، فإذا هى فى الحقيقة تدر لبنا وعسلا، وهذا شىء من ~~ثمارها، غير أن الساكنين فيها أقوياء، ومدينتهم حصينة. وأخذ كل نقيب منهم ~~ينهى سبطه عن القتال. إلا اثنين منهم، فإنما نصحا القوم بطاعة نبيهم موسى ~~- عليه السلام - وبقتال الكنعانيين معه. ولكن بنى إسرائيل عصوا أمر هذين ~~النقيبين، وأطاعوا أمر بقية النقباء العشرة " وأصروا على عدم الجهاد، ~~ورفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا يا ليتنا متنا فى مصر ms1486 أو فى هذه البرية. ~~وحاول موسى - عليه السلام - أن يصدهم عما تردوا فيه من جبن وعصيان وأن ~~يحملهم على قتال الجبارين ولكنهم عموا وصموا. وأوحى الله - تعالى - إلى ~~موسى أن الأرض المقدسة محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون فى الأرض جزاء ~~عصيانهم وجبنهم. هذا هو ملخص هذه القصة كما وردت فى كتب التفسير ~~والتاريخ. وقد حشا بعض المفسرين كتبهم بأوصاف للجبارين - الذين ورد ذكرهم ~~فى الآيات الكريمة - لا تقبلها العقول السليمة، وليس لها أصل يعتمد عليه ~~بل هى مما يستحى من ذكره كما قال ابن كثير. هذا، وقوله - تعالى - { ~~وإذ قال موسى لقومه ياقوم اذكروا نعمة الله ~~عليكم } كلام مستأنف ساقه الله - تعالى - لبيان بعض ما فعله بنو ~~إسرائيل من رذائل بعد أخذ الميثاق عليهم، وتفصيل لكيفية نقضهم لهذا ~~الميثاق. و إذا ظرف للزمن الماضى بمعنى وقت. # وهو مفعول به لفعل ملاحظ فى الكلام، تقديره اذكر. وقد خوطب بهذا الفعل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطريق قرينة الخطاب وصرفه عن أهل ~~الكتاب، ليعدد عليهم ما سلف من بعضهم من جنايات. أى واذكر يا محمد لهؤلاء ~~اليهود المعاصرين لك، قول موسى لآبائهم على سبيل النصح والإرشاد يا قوم ~~اذكروا نعمة الله عليكم. أى تذكروا إنعامه عليكم بالشكر والطاعة. والمراد ~~بذكر الوقت تذكر ما حدث فيه من وقائع وخطوب. قال أبو السعود وتوجيه الأمر ~~بالذكر إلى الوقت، دون ما وقع فيه من حوادث، - مع أنها هى المقصودة، لأن ~~الوقت مشتمل على ما وقع فيه تفصيلا فإذا استحضر كان ما وقع فيه بتفاصيله ~~كأنه مشاهد عيانا ". وفى قول موسى لهم - كما حكى القرآن عنه - { ~~ياقوم اذكروا نعمة الله عليكم } تلطف معهم فى ~~الخطاب، وحمل لهم على شكر النعمة، واستعمالها فيما خلقت له لكى يزيدهم ~~الله منها. وفيه كذلك تذكير لهم بما يربطهم به من رابطة الدم والقرابة ~~التى تجعله منهم، يهمه ما يهمهم، ويسعده ما يسعدهم، فهو يوجه إليهم ما هو ~~كائن لهدايتهم وسعادتهم. وقوله - تعالى - { إذ جعل فيكم ~~أنبيآء وجعلكم ملوكا وآتاكم ms1487 ما لم يؤت أحدا ~~من العالمين } بيان لنعم ثلاث أسبغها الله عليهم. أما النعمة ~~الأولى فهى جعل كثير من الأنبياء فيهم كموسى وهارون، واسحق، ويعقوب، ~~ويوسف، - عليهم السلام -. وقد أرسل الله - تعالى - هؤلاء الأنبياء وغيرهم ~~فى بنى إسرائيل، لكى يخرجوهم من ظلمات الكفر والفسوق والعصيان، إلى نور ~~الهداية والطاعة والإيمان. والتنكير فى قوله { أنبيآء } للتكثير ~~والتعظيم. أى تذكروا يا بنى إسرائيل نعم الله عليكم، وأحسنوا شكرها، حيث ~~جعل فيكم أنبياء كثيرين يهدونكم إلى الرشد. قال صاحب الكشاف " لم يبعث ~~الله فى أمة ما بعث فى بنى إسرائيل من الأنبياء ". وأما النعمة الثانية ~~فهى جعلهم ملوكا. أى جعلكم أحرارا تملكون أمر أنفسكم بعد أن كنتم ~~مملوكين لفرعون وقومه، الذين كانوا يسومونكم سوء العذاب. أى جعلكم تملكون ~~المساكن وتستعملون الخدم، بعد أن كنتم لا تملكون شيئا من ذلك وأنتم تحت ~~سيطرة فرعون وقومه. قال الآلوسى " أخرج البخارى عن عبد الله بن عمر أنه ~~سأله رجل فقال ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال عبد الله ألك زوجة تأوى ~~إليها؟ قال نعم، قال ألك مسكن تسكنه؟ قال نعم. قال فأنت من الأغنياء. قال ~~الرجل فإن لي خادما. قال عبد الله فأنت من الملوك ". واخرج ابن أبى حاتم ~~عن أبى سعيد الخدرى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " كانت بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب ملكا ". # وهذه النعمة - أى نعمة الحرية بعد الذل، والسعة بعد الضيق - من النعم ~~العظمى التى لا يقدرها ويحافظ عليها إلا أصحاب النفوس الكبيرة، التى تعاف ~~الظلم، وتأبى الضيم، وتحسن الشكر لله - تعالى -. قال صاحب الانتصاف فإن ~~قلت فلماذا لم يقل إذ جعلكم أنبياء، كما قال { وجعلكم ملوكا }؟ ~~قلت لأن النبوة مزية غير الملك. وآحاد الناس يشارك الملك فى كثير مما به ~~صار الملك ملكا، ولا كذلك النبوة، فإن درجتها أرفع من أن يشرك من لم تثبت ~~له مع الثابتة نبوته فى مزيتها وخصوصيتها ونعتها، فهذا هو سر تمييز ~~الأنبياء وتعميم الملوك ". وأما النعمة الثالثة فهى أنه ms1488 - سبحانه - آتاهم ~~من ألوان الإكرام والمنن ما لم يؤت أحدا من عالمى زمانهم. فقد فلق لهم ~~البحر فساروا فى طريق يابس حتى نجوا وغرق عدوهم. وأنزل عليهم المن ~~والسلوى ليأكلوا من الطيبات، وفجر لهم من الحجر اثنتى عشرة عينا حتى يعلم ~~كل أناس مشربهم.. إلى غير ذلك من ألوان النعم التى حباهم الله - تعالى - ~~بها، والتى كانت تستلزم منهم المبادرة إلى امتثال أوامره، واجتناب ~~نواهيه. قال الآلوسى و " أل " فى { العالمين } للعهد والمراد عالمى ~~زمانهم. أو للاستغراق والتفضيل من وجه لا يستلزم التفضيل من جميع الوجوه، ~~فإنه قد يكون للمفضول ما ليس للفاضل وعلى التقديرين لا يلزم تفضيلهم على ~~هذه الأمة المحمدية، لأن الخطابات السابقة واللاحقة لبنى إسرائيل، فوجود ~~خطاب فى الأثناء لغيرهم مما يخل بالنظم الكريم ". وبعد هذا التذكير ~~بالنعم، وجه إليهم نداء ثانيا طلب منهم فيه دخول الأرض المقدسة فقال - ~~كما حكى القرآن عنه { ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة ~~التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم ~~فتنقلبوا خاسرين }. ومعنى المقدسة المطهرة المباركة بسبب أنها ~~كانت موطنا لكثير من الأنبياء. والمراد بها. بيت المقدس وقيل المراد بها ~~اريحاء وقيل الطور وما حوله. قال ابن جرير وهى لا تخرج عن أن تكون من ~~الأرض التى ما بين الفرات وعريش مصر، لإجماع أهل التأويل والسير والعلماء ~~بالأخبار على ذلك ". ومعنى { كتب الله لكم } قدر لكم سكناها، ~~ووعدكم إياها متى آمنتم به وأطعتم أنبياءه، أو معناه فرض عليكم دخولها ~~وأمركم به كما أمركم بأداء الصلاة والزكاة - وسنفصل القول فى هذه المسألة ~~بعد تفسيرنا للآيات -. ومفعول كتب محذوف. أى كتب لكم أن تدخلوها وفرض ~~عليكم دخولها لإنقاذكم من الأهوال التى نزلت بكم فى أرض مصر من فرعون ~~وجنده. وقد تعدى فعل كتب هنا باللام دون على، للإشارة إلى أن ما فرضه ~~عليهم إنما هو لمنفعتهم ولعزتهم ورفعة شأنهم. وفى تكرير النداء من موسى ~~لهم بقوله { ياقوم } مبالغة فى حثهم على الامتثال لما يأمرهم به، ~~وتنبيه إلى خطر ما يدعوهم إليه وعظم شأنه. # وقوله ms1489 { كتب الله لكم } فيه حض شديد لهم على الاستجابة لأمره، ~~وإغراء لهم بالنصر والفوز، لأن الذى كتب لهم أن يدخلوها متى آمنوا ~~وأطاعوا هو الله الذى لا معقب لحكمه. قال الإمام الرازى فى قوله { ~~كتب الله لكم } فائدة عظيمة. وهى أن القوم كانوا جبارين إلا أن ~~الله - تعالى - لما وعد هؤلاء الضعفاء بأن تلك الأرض لهم، فإن كان مؤمنين ~~مقرين بصدق موسى - عليه السلام - علموا قطعا أن الله ينصرهم عليهم، فلا ~~بد وأن يقدموا على قتالهم من غير جبن ولا خوف ولا هلع ". وقوله - تعالى - ~~{ ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين } ~~تحذير لهم من الجبن والإحجام، بعد ترغيبهم الشديد فى الشجاعة والإقدام. ~~وقوله ترتدوا من الارتداد وهو الرجوع إلى الخلف. و الأدبار جمع دبر وهو ~~الظهر. وهذا التعبير استعارة تمثيلية فيها تشبيه حال من يرجع عن الجهاد ~~بعد أن توافرت أسبابه، يحال من يتراجع سائرا بظهره إلى الوراء، بدل أن ~~يسير بوجهه إلى الأمام. وهذا التعبير يصور قبح الجبن والتخاذل حسا ومعنى. ~~وقوله فتنقلبوا من الانقلاب بمعنى الرجوع والانصراف عن الشىء وهو مجزوم ~~عطفا على فعل النهى وهو { ولا ترتدوا }. والمعنى أمضوا أيها القوم ~~لأمر الله، وسيروا خلفى لقتال الأعداء ودخول الأرض المقدسة التى أمركم - ~~سبحانه - بدخولها، ولا ترجعوا القهقرى منصرفين عن القتال خوفا من ~~أعدائكم، ومبتعدين عن طاعتى وأمرى، فإن ذلك يؤدى بكم إلى الخسران فى ~~الدنيا والآخرة، وإلى الحرمان من خيرات الأرض التى أوجب الله عليكم ~~دخولها. قال ابن جرير فإن قال قائل وما كان وجه قيل موسى لقومه إذ أمرهم ~~بدخول الأرض المقدسة { ولا ترتدوا على أدباركم ~~فتنقلبوا خاسرين }. أو يستوجب الخسارة من لم يدخل أرضا جعلت ~~له؟ قيل إن الله - تعالى - كان أمره بقتال من فيها من أهل الكفر به، وفرض ~~عليهم دخولها، فاستوجب القوم الخسارة بتركهم فرض الله عليهم من وجهين ~~أحدهما تضييع فرض الجهاد الذى كان الله فرضه عليهم. والثانى مخالفتهم أمر ~~الله فى تركهم دخول الأرض المقدسة ". هذا، وقد جاءت هذه الجملة الكريمة، ms1490 ~~وهى قوله - تعالى - { ولا ترتدوا على أدباركم ~~فتنقلبوا خاسرين } تحمل طابع التحذير الشديد، وتنذرهم بالخسران ~~المبين إذا لم يستجيبوا لأمر الله بعد أن ساق لهم موسى ألوانا من ~~المشجعات والمرغبات فى الجهاد، وذلك لأنه - عليه السلام - كان متوقعا ~~منهم الإحجام عن القتال، بعد أن جرب عنادهم وعصيانهم ونكوصهم على ~~أعقابهم فى مواطن كثيرة، فهذه التجارب جعلته وهو يأمرهم بدخول الأرض ~~المقدسة يذكر لهم أكبر النعم ويسوق لهم أكرم الذكريات وأقوى الضمانات ~~وأشد التحذيرات لكى يقبلوا على الجهاد بعزيمة صادقة. # ولكن بنى إسرائيل هم بنو إسرائيل، مهما قيل لهم من ألوان الترغيب ~~والترهيب فإن همتهم الساقطة وعزيمتهم الخائرة، وطبيعتهم المنتكسة لم ~~تتركهم فقد قالوا لنبيهم متذرعين بالمعاذير الكاذبة { ياموسى إن ~~فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى ~~يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون } ~~وقوله { جبارين } جمع جبار " والجبار صيغة مبالغة من جبر الثلاثى. ~~ويطلق فى اللغة على الطويل القوى العاتى الذى يجير غيره على ما يريد. ~~مأخوذ من قولهم مخلة جبارة أى طويلة لا ينال ثمرها بالأيدى. أى قال بنو ~~إسرائيل لنبيهم موسى - عليه السلام - إن الأرض التى وعدتنا بدخولها فيها ~~قوم متغلبون على من يقاتلهم، ولا قدرة لنا على لقائهم وإنا لن ندخل هذه ~~الأرض المقدسة التى أمرتنا بدخولها ما دام هؤلاء الجبارين فيها، فإن ~~يخرجوا منها لأى سبب من الأسباب التى لا شأن لنا بها، فنحن على استعداد ~~لدخولها فى راحة ويسر، وبلا أدنى تعب أو جهد. ولا شك أن قولهم هذا الذى ~~حكته الآية الكريمة عنهم ليدل على منتهى الجبن والضعف، لأنهم لا يريدون ~~أن ينالوا نصرا باستخدام حواسهم البدنية أو العقلية، وإنما يريدون أن ~~ينالوا ما يبغون بقوة الخوارق والآيات، وأمة هذا شأنها لا تستحق الحياة ~~الكريمة، لأنها لم تقدم العمل الذى يؤهلها لتلك الحياة وفى ندائهم لنبيهم ~~باسمه مجردا { قالوا ياموسى } سوء أدب منهم معه، حيث استهانوا ~~بمقام النبوة فنادوه باسمه حتى يكف عن دعوتهم إلى الجهاد. وفى قولهم { ~~وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها ms1491 } امتناع عن ~~القتال بإصرار شديد، حيث أكدوا عدم دخولهم بحرف النفى لن وجعلوا غاية ~~النفى أن يخرج الجبارون منها، مع أن خروجهم منها بدون قتال أمر مستبعد، ~~وهم لا يريدون قتالا، بل يريدون دخولا من غير معاناة ومجاهدة. ثم بين ~~القرآن بعد ذلك أن رجلين مؤمنين منهم قد استنكروا إحجام قومهم عن الجهاد، ~~وحرضاهم على طاعة نبيهم فقال { قال رجلان من الذين ~~يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب ~~فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله ~~فتوكلوا إن كنتم مؤمنين } والمراد بالرجلين يوشع بن ~~نون، وكالب بن يوقنا، وكانا من الاثنى عشر نقيبا. وقد وصف الله - تعالى ~~- هذين الرجلين بوصفين. أولهما قوله { من الذين يخافون } أى من ~~الذين يخافون الله وحده ويتقونه ولا يخافون سواه وفى وصفهم بذلك تعريض ~~بأن من عداهما من القوم لا يخافونه - تعالى - بل يخافون العدو. وقيل ~~المعنى من الذين يخافون الأعداء ويقدرون قوتهم إلا أن الله - تعالى - ربط ~~على قلبيهما بطاعته. فجعلهما يقولان ما قالا الوصف الثانى فهو قوله { ~~أنعم الله عليهما } فهذه الجملة صفة ثانية للرجلين. # أى قال رجلان موصوفان بأنهما من الذين يخافون الله - تعالى - ولا يخافون ~~سواه، وبأنهما من الذين أنعم الله عليهما بالإيمان والتثبيت والثقة ~~بوعده، والطاعة لأمره قالا لقومهما. ادخلوا عليهم الباب. هذا، وقد ذكر ~~صاحب الكشاف وغيره وجها ثالثا فقال ويجوز أن تكون الواو فى قوله { ~~يخافون } - لبنى إسرائيل. والراجع إلى الموصول محذوف. والتقدير قال ~~رجلان من الذين يخاف بنو إسرائيل منهم، - وهم الجبارون - وهما رجلان منهم ~~" أنعم الله عليهما " بالإيمان فآمنا، قالا لهم إن العمالقة أجسام لا ~~قلوب فلا تخافوهم وازحفوا إليهم فإنكم غالبوهم، يشجعانهم على قتالهم. ~~وقراءة من قرأ يخافون - يضم الياء - شاهدة له. وكذلك. أنعم الله عليهما ~~". والذى نراه أن الرأى الأول أرجح وهو أن الرجلين من بنى إسرائيل، وأن ~~قوله - تعالى - { من الذين يخافون أنعم الله ~~عليهما } صفتان للرجلين وأن مفعول يخافون محذوف للعلم به وهو الله - ~~تعالى - أى يخافون الله ويخشون لأن هذا هو الظاهر ms1492 من معنى الآية، وهو ~~الذى صدر به المفسرون تفسيرهم للآية، ولأنه لم يرد نص يعتمد عليه فى أن ~~أحد الجبارين قد آمن وحرض بنى إسرائيل على قتال قومه، بينما وردت الآثار ~~فى بيان اسمى الرجلين وأنهما كانا من الاثنى عشر نقيبا - كما سبق أن ~~ذكرنا - وقوله - تعالى - { ادخلوا عليهم الباب فإذا ~~دخلتموه فإنكم غالبون } تشجيع من الرجلين لقومهما ليزيلا ~~عنهم الخوف من قتال الجبارين. أى قال الرجلان اللذان يخافان الله لقومهما ~~ادخلوا على أعدائكم باب مدينتهم وفاجئوهم بسيوفكم، وباغتوهم بقتالكم ~~إياهم، فإذا فعلتم ذلك أحرزتم النصر عليهم، وأدركتم الفوز، فإنه " ما غزى ~~قوم فى عقر دارهم إلا ذلوا ". قال صاحب الكشاف فإن قلت من أين علما أنهم ~~غالبون؟ قلت من جهة إخبار موسى بذلك. ومن جهة قوله - تعالى - { كتب ~~الله لكم } وقيل من جهة غلبة الظن وما تبينا من عادة الله فى نصرة ~~رسله، وما عهدوا من صنع الله لموسى فى قهر أعدائه، وما عرفا من حال ~~الجبابرة ". وقوله - تعالى - { وعلى الله فتوكلوا إن ~~كنتم مؤمنين } دعوة من الرجلين المؤمنين لقومها، بأن يكلوا ~~أمورهم إلى خالقهم بعد مباشرة الأسباب، وأن يعقدوا عزمهم على دخول الباب ~~على أعدائهم، إن كانوا مؤمنين حقا، فإن النصر يحتاج إلى تأييد من الله - ~~تعالى - لعباده، وإلى توكل عليه وحده، وإلى عزيمة صادقة، ومباشرة للأسباب ~~التى توصل إليه. ولكن هذه النصيحة الحكيمة من هذين الرجلين المؤمنين، لم ~~تصادف من بني إسرائيل قلوبا واعية، ولا آذانا صاغية بل قابلوها بالتمرد ~~والعناد وكرروا لنبيهم موسى عليه السلام - نفيهم القاطع للإقدام على ~~دخول الأرض المقدسة ما دام الجبارون فيها فقالوا - كما حكى القرآن عنهم { ~~ياموسى إنا لن ندخلهآ أبدا ما داموا فيها }. # أى قالوا غير عابئين بالنصيحة. بل معلنين العصيان والمخالفة يا موسى إنا ~~لن ندخل هذه الأرض التى أمرتنا بدخولها فى أى وقت من الأوقات، ما دام ~~أولئك الجبارون يقيمون فيها، لأننا لا قدرة لنا على مواجهتهم. وقد أكدوا ~~امتناعهم عن دخول هذه الأرض فى هذه المرة بثلاث ms1493 مؤكدات، هى إن، ولن، ~~وكلمة أبدا. أى لن ندخلها بأى حال من الأحوال ما دام الجبارون على قيد ~~الحياة ويسكنون فيها. ثم أضافوا إلى هذا القول الذى يدل على جبنهم ~~وخورهم، سلاطة فى اللسان، وسوء أدب فى التعبير، وتطاولا على نبيهم فقالوا ~~{ فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون }. ~~أى إذا كان دخول هذه الأرض يهمك أمره، فاذهب أنت وربك لقتال سكانها ~~الجبابرة وأخرجاهم منها لأنه - سبحانه - ليس ربا لهم - فى زعمهم - إن ~~كانت ربوبيته تكلفهم قتال سكان تلك الأرض. وقولهم { إنا هاهنا ~~قاعدون } تأكيد منهم لعدم دخولهم لتلك الأرض المقدسة. أى إنا ها هنا ~~قاعدون فى مكاننا لن نبرجه، ولن نتقدم خطوة إلى الأمام لأن كل مجد وخير ~~يأتينا عن طريق قتال الجبارين فنحن فى غنى عنه، ولا رغبة لنا فيه. وإن ~~هذا الوصف الذى وصفوا به أنفسهم، ليدل على الخسة وسقوط الهمة، لأن القعود ~~فى وقت وجوب النشاط للعمل الصالح يؤدى بصاحبه إلى المذمة، والمذلة، قال - ~~تعالى - ذما لأمثالهم # ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن ~~كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع ~~القاعدين # قال الآلوسى ما ملخصه وقوله - تعالى - حكاية عنهم { فاذهب أنت ~~وربك فقاتلا } قالوا ذلك استهانة واستهزاء به - سبحانه - ~~وبرسوله موسى وعدم مبالاة. وقصدوا ذهابهما حقيقة كما ينبئ عنه غاية ~~جهلهم، وقسوة قلوبهم والمقابلة { إنا هاهنا قاعدون }. ولم ~~يذكروا أخاه هارون ولا الرجلين اللذين قالا، كأنهم لم يجزموا بذهابهم، أو ~~يعبأوا بقتالهم وأرادوا بالعقود عدم التقدم لا عدم التأخر ثم قصت علينا ~~السورة الكريمة أن موسى - عليه السلام - بعد أن رأى من قومه ما رأى من ~~عناد وجبن، لجأ إلى ربه يشكو إليه منهم، يلتمس منه أن يفرق بينه وبينهم، ~~فقال { رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق ~~بيننا وبين القوم الفاسقين }. أى قال موسى باثا شكواه ~~وحزنه إلى الله، ومعتذرا إليه من فسوق قومه وسفاهتهم وجبنهم رب إنك تعلم ~~أنى لا أملك لنصرة دينك أمر أحد ألزمه بطاعتك سوى أمر نفسى، وأمر أخى ms1494 ~~هارون، ولا ثقة لى فى غيرنا أن يطيعك فى العسر واليسر والمنشط والمكره. # ولم يذكر الرجلين اللذين قالا لقومهما فيما سبق { ادخلوا عليهم ~~الباب } لعدم ثقتة الكاملة فى دخولهما معه أرض الجبارين، وفى وقوفهما ~~بجانبه عند القتال إذا تخلى بقية القوم عنه فإن بعض الناس كثيرا ما يقدم ~~على القتال مع الجيش الكبير، ولكنه قد يحجم إذا رأى أن عدد المجاهدين ~~قليل. ومن هنا لم يذكر أنه يملك أمر هذين الرجلين كما يملك أمر نفسه وامر ~~أخيه. وصرح موسى - عليه السلام - بأنه يملك أمر أخيه هارون كما يملك أمر ~~نفسه، لمؤازرته التامة له فى كفاحه ظلم فرعون، ولوقوفه إلى جانبه بعزيمة ~~صادقة فى كل موطن من مواطن الشدة وليقينه بأنه مؤيد بروح من الله - ~~تعالى. قال صاحب الكشاف فإن قلت أما كان معه الرجلان المذكوران؟ قلت كأنه ~~لم يثق بهما كل الوثوق، ولم يطمئن إلى ثباتهما لما ذاق على طول الزمان ~~واتصال الصحية من أحوال قومه، وتلونهم وقسوة قلوبهم فلم يذكر إلا النبى ~~المعصوم الذى لا شبهة فى أمره. ويجوز أن يكون قال ذلك لفرط ضجره عندما ~~سمع منهم تقليلا لمن يوافقه. ويجوز أن يريد ومن يؤاخينى على دينى. هذا ~~وقد ذكر النحويون وجوها من الإعراب لقوله وأخى منها أنه منصوب عطفا على ~~قوله نفسى أى ولا أملك إلا أخى مع ملكى نفسى دون غيرهما. وقوله - تعالى - ~~{ فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } بيان لما ~~يرجوه موسى من ربه - عز وجل - بعد أن خرج بنو إسرائيل عن طاعته. والفاء ~~هنا لترتيب الفرق والدعاء به على ما قبله. والفرق معناه الفصل بين شيئين. ~~والمعنى قال موسى مخاطبا ربه لقد علمت يا إلهى أنى لا أملك لنصرة دينك ~~إلا أمر نفسى وأمر أخى، أما قومى فقد خرجوا عن طاعتى وفسقوا عن أمرك وما ~~دام هذا شأنهم فافصل بيننا وبينهم بقضائك العادل، بأن تحكم لنا بما ~~نستحق، وتحكم عليهم بما يستحقون فإنك أنت الحكم العدل بين العباد. وهذا ~~الرجاء من موسى لربه فى معنى ms1495 الدعاء عليهم بسبب جبنهم وعصيانهم وقد أجاب ~~الله - تعالى - دعاءه فيهم، بأن أضلهم ظاهرا كما ضلوا باطنا وجاء الحكم ~~الفاصل ممن يملكه فقال - تعالى - { قال فإنها محرمة ~~عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس ~~على القوم الفاسقين }. وقوله { يتيهون } من التيه وهو ~~الحيرة. يقال تاه يتيه ويتوه إذا تحير وضل الطريق. ووقع فلان فى التيه أى ~~فى مواضع الحيرة. وقوله { فلا تأس } أى فلا تحزن عليهم من الأسى وهو ~~الحزن. يقال أسى - كتعب - أى حزن. فهو اسين مثل حزين. وأسا على مصيبته - ~~من باب عدا - أى حزن قال امرؤ القيس # وقوفا بها صحبى على مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجمل # أى يقولون لا تهلك نفسك حزنا وتجمل بالصبر. والمعنى قال الله - تعالى - ~~لنبيه موسى مجيبا لدعائه يا موسى إن الأرض المقدسة محرمة على هؤلاء ~~الجبناء العصاة مدة أربعين سنة، يسيرون خلالها فى الصحراء تائيهن حيارى ~~لا يستقيم لهم أمر، ولا يستقر لهم قرار، فلا تحزن عليهم بسبب هذه العقوبة ~~فإننا ما عاقبناهم بهذه العقوبة إلا بسبب خورجهم عن طاعتنا، وتمردهم على ~~أوامرنا، وجبنهم عن قتال أعدائنا، وسوء أدبهم مع أنبيائنا. قال الآلوسى ~~قوله { محرمة عليهم } أى لا يدخلونها ولا يملكونها. والتحريم ~~تحريم منع لا تحريم تعبد، وجوز أن يكون تحريم العبد والأول أظهر وقوله { ~~أربعين سنة } متعلق بقوله محرمة فيكون التحريم مؤقتا لا مؤبدا، ~~فلا يكون مخالفا لظاهر قوله - تعالى - { ادخلوا الأرض ~~المقدسة التي كتب الله لكم } والمراد بتحريمها عليهم ~~أنه لا يدخلها أحد منهم هذه المدة، لكن لا بمعنى أن كلهم يدخلونها بعدها، ~~بل بعضهم ممن بقى - يجوز له دخولها - فقد روى أن موسى سار بمن بقى من بنى ~~إسرائيل - بعد انقضاء هذه المدة - إلى الأرض المقدسة. وقوله { يتيهون ~~في الأرض } استئناف لبيان كيفية حرمانهم. وقيل حال من ضمير { ~~عليهم } وقيل الظرف متعلق بقوله { يتيهون } فيكون التيه مؤقتا ~~والتحريم مطلقا يحتمل التأبيد وعدمه ". وقال الفخرى الرازى اختلف الناس ~~فى أن موسى وهارون - عليهما السلام - هل بقيا فى التيه ms1496 أو لا؟ فقال قوم ~~إنهما ما كانا فى التيه لأن موسى دعا الله أن يفرق بينه وبين القوم ~~الفاسقين، ودعوات الأنبياء مجابة، لأن التيه كان عذابا والأنبياء لا ~~يعذبون. وقال آخرون إنهما كانا مع القوم فى ذلك التيه، إلا أن الله - ~~تعالى - سهل عليهما ذلك العذاب كما سهل النار على إبراهيم فجعلها بردا ~~وسلاما. وإنهما قد ماتا فى التيه وبقى يوشع بن نون - وكان ابن أخت موسى ~~ووصيه بعد موته - وهو الذى فتح الأرض المقدسة - بعد انقضاء مدة التيه. ~~وقيل بل بقى موسى بعد ذلك وخرج من التيه وحارب الجبارين وقهرهم وأخذ ~~الأرض المقدسة ". هذا ونرى من المناسب فى هذا المقام أن نتعرض بشىء من ~~التفصيل للمسائل الآتية أولا الرد على اليهود فى دعواهم أن الأرض المقدسة ~~- فلسطين - ملك لهم مستندين إلى قوله - تعالى - { ادخلوا الأرض ~~المقدسة التي كتب الله لكم }. ثانيا الحكمة فى كون ~~عقابهم أربعين سنة يتيهون فى الأرض. ثالثا ما يؤخذ من هذه الآيات من ~~العبر والعظات. وللإجابة على المسألة الأولى نقول للمفسرين أقوال فى ~~المراد من الكتابة فى قوله - تعالى - { ادخلوا الأرض المقدسة ~~التي كتب الله لكم } أشهرها قولان أولهما أن معنى { كتب ~~الله لكم } أمركم بدخولها، وفرضه عليكم كما أمركم بالصلاة والزكاة ~~فالكتب هنا مثله فى قوله - تعالى - # كتب عليكم الصيام # أى فرض عليكم وهذا قول قتادة والسدى. والثانى أن معنى { كتب الله ~~لكم } قدرها لكم وقضى أن تكون مساكن لكم دون الجبارين. وهذا القضاء ~~مشروط بالإيمان، وطاعة الأنبياء، والجهاد فى سبيل نصرة الحق، فإذا لم ~~يكونوا كذلك - وهم لم يكونوا كذلك فعلا - لم يتحقق لهم التمكين فى الأرض ~~المقدسة، ولذا بعد أن أغراهم نبيهم موسى - عليه السلام - بدخولها، حذرهم ~~من الجبن والعصيان فقال لهم { ولا ترتدوا على أدباركم ~~فتنقلبوا خاسرين }. قال الآلوسى " وترتيب الخيبة والخسران على ~~الارتداد يدل على اشتراط الكتب بالمجاهدة المترتبة على الإيمان قطعا ". ~~وقال ابن عباس كانت هبة من الله لهم ثم حرمها - سبحانه - عليهم بشؤم ~~تمردهم وعصيانهم. وقال الفخر الرازى ms1497 إن الوعد بقوله { كتب الله ~~لكم } مشروط بقيد الطاعة فلما لم يوجد الشرط لا جرم لم يوجد المشروط ~~". والخلاصة أن الكتابة فى قوله - تعالى - { كتب الله لكم } إما ~~أن تكون تكليفية على معنى أن الله - تعالى - كتب عليكم وفرض أن تدخلوها ~~مجاهدين مطيعين لنبيكم فإذا خالفتم ذلك حقت عليكم العقوبة. وإما أن تكون ~~كتابة قدرية. أى قضى وقدر - سبحانه - أن تكون لكم متى آمنتم وأطعتم. وبنو ~~إسرائيل ما آمنوا وما أطاعوا، بل كفروا وعصوا فحرمها - سبحانه - عليهم. ~~وبذلك ترى أن دعوى اليهود بأن الأرض المقدسة ملك لهم، بدليل قوله - تعالى ~~- { كتب الله لكم } لا أساس لها من الصحة ولا يشهد لها عقل أو ~~نقل. وللإجابة على المسألة الثانية نقول اقتضت حكمة الله - تعالى - أن ~~يجعل عقوبته لقوم مناسبة لما اجترحوا من ذنوب وآثام وبنو إسرائيل لطول ما ~~ألفوا من ذل واستعباد، هانت عليهم نعمة الحرية. وضعف عندهم الشعور ~~بالعزة. وأصبحت حياة الذلة مع العقود. أحب إليهم من حياة العزة مع الجهاد ~~ولهذا عندما أمرهم نبيهم موسى - عليه السلام - بدخول الأرض المقدسة ~~اعتذروا بشتى المعاذير الواهية وأكدوا له عدم اقترابهم منها ما دام ~~الجبارون فيها وقالوا { إنا هاهنا قاعدون }. فاقتضت حكمة الله ~~- تعالى - أن يحرمهم منها جزاء جبنهم وعصيانهم وأن يعاقبهم بما يشبه ~~القعود، بأن يحكم عليهم بالتيهان فى بقعة محدودة من الأرض، يذهبون فيها ~~ويجيئون وهم حيارى لا يعرفون لهم مقرا وأن يستمروا على تلك الحالة أربعين ~~سنة حتى ينشأ من بينهم جيل آخر سوى ذلك الجيل الذى استمرأ الذل والهوان. ~~قال ابن خلدون فى مقدمته.. ويظهر من مساق قوله - تعالى - { قال ~~فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في ~~الأرض } ومن مفهومه أن حكمة ذلك التيه مقصودة، وهى فناء الجيل الذين ~~خرجوا من قبضة الذل والقهر، وأفسدوا من عصبيتهم، حتى نشأ فى ذلك التيه ~~جيل آخر عزيز لا يعرف القهر ولا يسام بالمذلة. # فنشأت لهم بذلك عصبية أخرى اقتدروا بها على المطالبة والتغلب ويظهر لك ~~من ذلك أن الأربعين سنة ms1498 أقل ما يأتى فيها فناء جيل ونشأة جيل آخر. فسبحان ~~الحكيم العليم ". هذا ولصاحب المنار كلام حسن فى حكمة هذه العقوبة، نرى ~~من المناسب إثباته هنا، فقد قال - رحمه الله - فى ختام تفسيره لهذه ~~الآيات " إن الشعوب التى تنشأ فى مهد الاستبداد، والإحساس بالظلم ~~والاضطهاد، تفسد أخلاقها، وتذل نفوسها. وإذا طال عليها أمد الظلم تصير ~~هذه الأخلاق موروثة ومكتسبة، حتى تكون كالغرائز الفطرية. والطبائع ~~الخلقية، وإذا أخرجت صاحبها من بيئتها، ورفعت عن رقبته نيرها، ألفيته ~~ينزع بطبعه إليها ويتفلت منك ليقتحم فيها، وهذا شأن البشر فى كل ما ~~يألفونه، ويجرون عليه من خير وشر، وإيمان وكفر. أفسد ظلم فرعون فطرة بنى ~~إسرائيل فى مصر، وطبع عليها بطابع المهانة والذل. وقد أراهم الله - تعالى ~~- من الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته وصدق رسوله موسى - عليه السلام - ~~وبين لهم أنه أخرجهم من مصر لينقذهم من الذل إلى الحرية. ولكنهم كانوا مع ~~هذا كله إذا أصابهم ضرر يتطيرون بموسى، ويذكرون مصر ويحنون إليها. وكان ~~الله - تعالى - يعلم أنهم لا تطاوعهم أنفسهم المهينة على دخول أرض ~~الجبارين، وأن وعده - تعالى - لأجدادهم إنما يتم على وفق سنته فى طبيعة ~~الاجتماع البشرى، إذا هلك ذلك الجيل الذى نشأ فى الوثنية والعبودية. ونشأ ~~بعده جيل جديد فى حرية البداوة، وعدل الشريعة، ونور الآيات الإلهية، وما ~~كان الله ليهلك قوما بذنوبهم، حتى يبين لهم حجته عليهم، ليعلموا أنه لم ~~يظلمهم إنما يظلمون أنفسهم. وعلى هذه السنة العادلة أمر الله - تعالى - ~~بنى إسرائيل بدخول الأرض المقدسة، فأبوا واستكبروا. فأخذهم الله بذنوبهم ~~وأنشأ من بعدهم قوما آخرين. فعلينا أن نعتبر بهذه الأمثال التى ضربها ~~الله لنا، وأن نعلم أن إصلاح الأمم من بعد فسادها بالظلم والاستبداد إنما ~~يكون بإنشاء جيل جديد جمع بين حرية البداوة واستقلالها وعزتها، وبين ~~معرفة الشريعة والفضائل والعمل بها. وللإجابة على المسألة الثالثة - وهى ~~ما يؤخذ من هذه الآيات من عظات وعبر - نقول إن هذه الآيات الكريمة قد ~~اشتملت على لون حكيم فى أسلوب الدعوة إلى الله ms1499 - تعالى - فقد بدأت بتذكير ~~بنى إسرائيل بأمجادهم وبعظم نعم الله عليهم، لتغرس فيهم الشعور بالعزة ~~ولتغريهم بالاستجابة لما أمر به - سبحانه -. كما اشتملت على تحذيرهم من ~~مغبة الجبن والمخالفة لأن ذلك يؤدى إلى الخسران. # وفوق ذلك فقد صورت تصويرا معجزا طبيعة بنى إسرائيل على حقيقتها وكشفت عن ~~خور عزيمتهم، وسقوط همتهم وسوء اختيارهم لأنفسهم.. بما جعلهم أهلا ~~العقوبات الرادعة وفى كل ذلك تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما لحقه ~~من اليهود المعاصرين له من أذى، وتحذير لهم من السير على طريق آبائهم ~~المعوجة، حتى لا يعرضوا أنفسهم للعقوبات التى حلت بأسلافهم. قال الإمام ~~ابن جرير عند تفسيره للآيات الكريمة وهذا - أيضا - من الله - تعالى ~~تعريف - لنبيه صلى الله عليه وسلم يتمادى هؤلاء اليهود فى الغى، وبعدهم ~~عن الحق، وسوء اختيارهم لأنفسهم، وشدة خلافهم لأنبيائهم وبطء إثابتهم إلى ~~الرشاد، مع كثرة نعم الله عندهم، وتتابع آياته وآلائه عليهم، مسليا بذلك ~~نبيه صلى الله عليه وسلم عما ينزل به من مجادلاتهم فى ذات الله، يقول ~~الله - له لا تأس على ما أصابك منهم، فإن الذهاب عن الله، والبعد عن ~~الحق، وما فيه من الحظ لهم فى الدنيا والآخرة، من عاداتهم وعادات ~~أسلافهم، وأوائلهم، وتعز بما لاقى منهم أخوك موسى - عليه السلام -. وقال ~~الإمام ابن كثير وهذه القصة تضمنت تقريع اليهود، وبيان فضائحهم، ~~ومخالفتهم لله ولرسوله، ونكولهم عن طاعتهما فيما أمرهم به من الجهاد، ~~فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء ومجالدتهم ومقاتلتهم، مع أن بين أظهرهم ~~كليم الله وصفيه من خلقه فى ذلك الزمان. وهو يعدهم بالنصر والظفر ~~بأعدائهم. هذا مع ما شاهدوا من فعل الله بعدوهم فرعون من الغرق له ~~ولجنوده فى اليم وهم ينظرون. لتقر به أعينهم - وما بالعهد من قدم - ثم ~~ينكلون عن مقاتلة أهل بلد هى بالنسبة إلى ديار مصر لا توازن عشر المعشار ~~فى عدة أهلها وعددهم. وظهرت قبائح صنيعهم للخاص والعام وافتضحوا فضيحة لا ~~يغطيها الليل، ولا يسترها الذيل. وقال - رحمه الله - قبل ذلك وما أحسن ما ms1500 ~~أجاب به الصحابة - رضى الله عنهم - يوم بدر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حين استشارهم فى قتال قريش. فقد قالوا فأحسنوا. لقد قال المقداد يا رسول ~~الله، إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى { فاذهب أنت ~~وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون } ولكن نقول لك " إذهب ~~أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ". كذلك يؤخذ من هذه القصة أن معصية ~~الله ورسله تؤدى إلى الخسران، فإن بنى إسرائيل لما جبنوا عن دخول الأرض ~~المقدسة، وعصوا أمر نبيهم، عاقبهم الله بالتيه مدة أربعين سنة، صارت ~~قصتهم عبرة للمعتبرين، وموعظة للمتقين. وبعد أن ساق - سبحانه - جوانب ~~متعددة من أحوال أهل الكتاب وما جبلوا عليه من أخلاق سيئة، أتبع ذلك بقصة ~~ابنى آدم، فقال - تعالى - { واتل عليهم نبأ ابني ءادم ~~بالحق إذ... } ### || [5.27-32] # قال أبو حيان فى البحر " مناسبة هذه الآيات لما قبلها، هو أن الله لما ~~ذكر تمرد بنى إسرائيل وعصيانهم أمره فى النهوض لقتال الجبارين، أتبع ذلك ~~بذكر قصة ابنى آدم وعصيان قابيل أمر الله، وأنهم اقتفوا فى العصيان أول ~~عاص لله وأنهم انتهوا فى خور الطبيعة. وهلع النفوس والجبن والفزع إلى ~~غاية بحيث قالوا لنبيهم الذي ظهرت على يديه خوارق عظيمة - # فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون # وانتهى قابيل إلى طرف نقيض منهم من الجسارة والعتو بأن أقدم على أكبر ~~المعاصى بعد الشرك وهو قتل النفس التى حرم الله قتلها، بحيث كان أول من ~~سن القتل، وكان عليه وزره ووزر من عمل به إلى يوم القيامة. فاشتبهت ~~القصتان من حيث الجبن عن القتل والإقدام عليه. ومن حيث المعصية بهما ~~وأيضا فتقدم قوله فى أوائل الآيات # إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم # وتبين أن عدم اتباع بنى إسرائيل للنبى صلى الله عليه وسلم إنما سببه ~~الحسد، وقصة بنى آدم انطوت على الحسد وأن بسببه وقعت أول جريمة قتل على ~~ظهر الأرض. وقوله واتل من التلاوة. وأصل التلاوة القراءة المتتابعة ~~الواضحة فى مخارج حروفها. وفى النطق بها. والمراد بابنى ms1501 آدم ولداه وهما ~~قابيل وهابيل. قال القرطبى واختلف فى ابنى آدم. فقال الحسن البصرى ليسا ~~من صلبه كانا رجلين من بنى إسرائيل - ضرب الله بهما المثل فى إبانة حسد ~~اليهود - وكان بينهما خصومة، فتقربا بقربانين، ولم تكن القرابين إلا فى ~~بنى إسرائيل قال ابن عطية وهذا وهم، وكيف يجهل صورة الدفن أحد من بنى ~~إسرائيل يقتدى بالغراب؟ والصحيح أنهما ابناه لصلبه. هذا قول الجمهور من ~~المفسرين وهما قابيل وهابيل. والضمير فى قوله عليهم يعود على بنى إسرائيل ~~الذين سبق الحديث عنهم. أو على جميع الذين أرسل الرسول صلى الله عليه ~~وسلم لهدايتهم ويدخل فيه بنو إسرائيل دخولا أوليا، لإعلامهم بما هو فى ~~كتبهم حيث وردت هذه القصة فى التوراة. وقوله بالحق متعلق بمحذوف وقع صفة ~~لمصدر اتل أى اتل عليهم تلاوة ملتبسة بالحق والصدق. والقربان اسم لما ~~يتقرب به إلى الله - تعالى - من صدقة أو غيرها. ويطلق فى أكثر الأحوال ~~على الذبائح التى يتقرب إلى الله - بذبحها. قال أبو حيان وقد طول ~~المفسرون فى سبب تقريب هذا القربان - من قابيل وهابيل - وملخصه أن حواء ~~كانت تلد فى كل بطن ذكرا وأنثى، وكان آدم يزوج ذكر هذا البطن أنثى ذلك ~~البطن الآخر. ولا يحل للذكر نكاح توأمته فولد مع قابيل أخت جميلة، وولد ~~مع هابيل أخت دون ذلك. # فأبى قابيل إلا أن يتزوج توأمته لا توأمه هابيل، وأن يخالف سنة النكاح ~~ونازع قابيل وهابيل فى ذلك، فاتفقا على أن يقدما قربانا - فأيهما قبل ~~قربانه تزوجها، والقربان الذى قرباه هو زرع لقابيل - وكان صاحب زرع - ~~وكبش هابيل - وكان صاحب غنم - فتقبل من أحدهما وهو هابيل ولم يتقبل من ~~الآخر وهو قابيل. وكانت علامة التقبل أن تأكل نار نازلة من السماء ~~القربان المتقبل وتترك غير المتقبل. والمعنى واتل - يا محمد - على هؤلاء ~~الحسدة من اليهود، وعلى الناس جميعا قصة قابيل وهابيل، وقت أن قربا ~~قربانا لله - تعالى - فتقبل الله - عز وجل - قربان أحدهما - وهو هابيل - ~~لصدقه وإخلاصه، ولم يتقبل من الآخر - وهو قابيل ms1502 - بسوء نيته وعدم تقواه. ~~ثم حكى - سبحانه - ما دار بين الأخوين من حوار فقال { قال ~~لأقتلنك } أى قال قابيل متوعدا أخاه هابيل لأقتلنك بسبب قبول ~~قربانك، دون قربانى، فأنت ترى أن هذا الأخ الظالم قد توعد أخاه بالقتل - ~~وهو من أكبر الكبائر. دون أن يقيم للأخوة التى بينهما وزنا ودون أن يهتم ~~بحرمة الدماء وبحق غيره فى الحياة والذى حمله على ذلك الحسد له على مزية ~~القبول. وقد أكد تصميمه على قتله لأخيه بالقسم المطوى فى الكلام والذى، ~~تدل عليه اللام. ونون التوكيد الثقيلة أى والله لأقتلنك بسبب قبول ~~قربانك. وهنا يحكى القرآن الكريم ما رد به الأخ البار التقى هابيل على ~~أخيه الظالم الحاسد قابيل، فيقول { إنما يتقبل الله من ~~المتقين }. أى قال هابيل لقابيل ناصحا ومرشدا إنما يتقبل الله ~~الأعمال والصدقات من عباده المتقين الذين يخشونه فى السر والعلن وليس من ~~سواهم من الظالمين الحاسدين لغيرهم على ما آتاهم الله من نعم، فعليك أن ~~تكون من المتقين لكى يقبل منك الله. قال صاحب الكشاف فإن قلت كيف كان ~~قوله { إنما يتقبل الله من المتقين } جوابا لقوله { ~~لأقتلنك }؟ قلت لما كان الحسد لأخيه على تقبل قربانه هو الذى حمله ~~على توعده بالقتل قال له إنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس ~~التقوى، لا من قبلى، فلم تقتلنى؟ ومالك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على ~~تقوى الله التى هى السبب فى القبول؟ فأجابه بكلام حكيم مختصر جامع لمعان. ~~وفيه دليل على أن الله - تعالى - لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متق ". ثم ~~انتقل الأخ التقى من وعظ أخيه بتطهير قلبه، إلى تذكيره بحقوق الأخوة وما ~~تقتضيه من بر وتسامح فقال - كما حكى القرآن عنه - { لئن بسطت ~~إلي يدك لتقتلني مآ أنا بباسط يدي إليك ~~لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين } وبسط اليد ~~مدها والمراد هنا مدها بالاعتداء. # والمعنى لئن مددت إلى - يا أخى - يدك لتقتلنى ظلما وحسدا { مآ أنا ~~بباسط يدي إليك لأقتلك } فإن القتل - وخصوصا بين الأخوة ~~جريمة ms1503 منكرة، تأباها شرائع الله - تعالى - وتنفر منها العقول السليمة. ~~وإذا كان الأخ الظالم قابيل قد أكد تصميمه على قتل أخيه هابيل بجملة ~~قسمية وهى { لأقتلك } فإن هابيل قد أكد عدم قتله له بجملة قسمية - ~~أيضا وهى { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني مآ أنا ~~بباسط يدي إليك لأقتلك }. فأنت ترى أن الجملة الكريمة ~~تصور أكمل تصوير ما بين الأخيار والأشرار من تضاد. قال الآلوسى قيل كان ~~هابيل أقوى من قابيل ولكنه تحرج عن قتله واستسلم له خوفا من الله - ~~تعالى - لأن المدافعة لم تكن جائزة فى ذلك الوقت، وفى تلك الشريعة. أو ~~تحريا لما هو الأفضل والأكثر ثوابا وهو كونه مقتولا، لا قاتلا ". وقوله ~~{ إني أخاف الله رب العالمين } جملة تعليلية مسوقة ~~لبيان سبب امتناع هابيل عن بسط يده إلى أخيه قابيل. أى إنى أخاف الله رب ~~العالمين أن يرانى باسطا يدى إليك بالقتل. وقد أكد خوفه من الله - تعالى ~~- بأن المؤكدة للقول، وبذكره له - سبحانه - بلفظ الجلالة، المشعر بأنه هو ~~وحده صاحب السلطان، وبوصفه له عز وجل بأنه رب العالمين، أى منشئ الكون ~~ومن وما فيه، وصاحب النعم التى لا تحصى على خلقه. وفى هذه الجملة الكريمة ~~إرشاد لقابيل لخشية الله على أتم وجه، وتعريض بأن القاتل لا يخاف الله. ~~ثم انتقل هابيل من وعظ أخيه بتطهير قلبه وبتذكيره بما تقتضيه الأخوة من ~~بر وتسامح إلى تخويفه من عقاب الآخرة فقال { إني أريد أن تبوء ~~بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك ~~جزآء الظالمين } وقوله { أن تبوء بإثمي وإثمك } أى ~~ترجع. وتقر من البوء وهو الرجوع واللزوم، يقال باء إليه أى رجع، وبؤت به ~~إليه أى رجعت. والآية الكريمة تعليل آخر لامتناعه عن بسط يده إلى أخيه، ~~ولم تعطف على ما قبلها للإيذان باستقلالها فى العلية، ولدفع توهم أن ~~تكون جزء علة لا علة تامة. والمعنى { إني أريد } بامتناعى عن ~~التعرض لك ببسط يدى { أن تبوء بإثمي وإثمك }. أى ترجع إلى ~~بإثم قتلك إياى، وبإثمك الذى قد كان منك قبل ms1504 قتلى، والذى بسببه لم يتقبل ~~قربانك { فتكون } بسبب الإثمين { من أصحاب النار } فى ~~الآخرة { وذلك } أى كينونتك من أصحاب النار { جزآء الظالمين ~~} الذين ظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم. قال الإمام الرازى فإن قيل كما لا ~~يجوز للإنسان أن يريد نفسه أن يعصى الله، فكذلك لا يجوز له أن يريد من ~~غيره أن يعصى الله، فلم قال { إني أريد أن تبوء بإثمي ~~وإثمك }؟. # فالجواب أن هذا الكلام إنما دار بينهما عندما غلب على ظن المقتول أنه ~~يريد قتله، وكان ذلك قبل إقدام القاتل على إيقاع القتل به، وكأنه لما ~~وعظه ونصحه قال له وإن كنت لا تنزجر عن هذه الكبيرة بسبب هذه النصيحة ~~فلابد وأن تترصد قتلى فى وقت أكون غافلا عنك وعاجزا عن دفعك فحينئذ لا ~~يمكننى أن أدفعك عن قتلى إلا إذا قتلتك ابتداء بمجرد الظن والحسبان. وهذا ~~منى كبيرة ومعصية وإذا دار الأمر بين أن يكون فاعل هذه المعصية أنا، وبين ~~أن يكون أنت، فأنا أحب أن تحصل هذه الكبيرة لك لا لى. ومن المعلوم أن ~~إرادة صدور الذنب من الغير فى هذه الحالة، وعلى هذا الشرط لا يكون حراما. ~~ويجوز أن يكون المراد إنى أريد أن تبوء بعقوبة قتلى. ولا شك أنه يجوز ~~للمظلوم أن يريد من الله عقاب ظالمه ". وقال صاحب الانتصاف فأما إرادته - ~~أى إرادة هابيل - لإثم أخيه وعقوبته - فى قوله - تعالى { إني ~~أريد أن تبوء بإثمي وإثمك } - فمعناه إنى لا أريد أن ~~أقتلك فأعاقب. ولما لم يكن بد من إرادة أحد الأمرين إما إثمه بتقدير أن ~~يدفع عن نفسه فيقتل أخاه، وإما إثم أخيه بتقدير أن يستسلم وكان غير مريد ~~للأول. اضطر إلى الثانى. فهو لم يرد إذا إثم أخيه لعينه، وإنما أراد أن ~~الإثم هو بالمدافعة المؤدية إلى القتل - ولم تكن حينئذ مشروعة - فلزم من ~~ذلك إرادة إثم أخيه. وهذا كما يتمنى الإنسان الشهادة، ومعناه أن يبوء ~~الكافر بقتله وبما عليه فى ذلك من الإثم، ولكن لم يقصد هو إثم الكافر ~~لعينه، وإنما أراد ms1505 أن يبذل نفسه فى سبيل الله. وإلى هنا نرى. أن هابيل قد ~~استعمل فى صرف أخيه عن جريمة القتل وسائل متنوعة فهو أولا أرشده إلى أن ~~الله - تعالى - إنما يتقبل الأعمال من المتقين، فإذا أراد أن يتقبل ~~قربانه فعليه أن يكون منهم. وأرشده ثانيا إلى حقوق الأخوة وما تقتضيه من ~~محبة ومودة وتسامح. وأرشده ثالثا إلى أنه لا يمنعه من بسط يده إليه إلا ~~الخوف من الله رب العالمين. وأرشده رابعا إلى أن ارتكابه لجريمة القتل ~~سيؤدى به إلى عذاب النار يوم القيامة، بسبب قتله لأخيه ظلما وحسدا. ~~فماذا كان وقع هذا النصح الحكيم، والإرشاد القويم فى نفس ذلك ~~الإنسان الحاسد الظالم؟ لقد بين الله ذلك بقوله { فطوعت له ~~نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين }. ~~قال القرطبى قوله { فطوعت له نفسه } أى سولت وسهلت نفسه له ~~الأمر. وشجعته وصورت له أن قتل أخيه طوع سهل. يقال طاع الشىء يطوع أى سهل ~~وانقاد. " وطوعه فلان له أى سهله ". # والمعنى أن قابيل سهلت له نفسه وزينت له - بعد هذه المواعظ - { قتل ~~أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين } فى دنياه وفى أخراه. ~~أصبح من الخاسرين فى دنياه لأنه قتل أخاه، والأخ سند لأخيه وعون له، لما ~~بينهما من رحم قوية ورابطة متينة. وأصبح من الخاسرين فى آخرته، لأنه ~~ارتكب جريمة من أكبر الجرائم وأشنعها وقد توعد الله مرتكبها بالغضب ~~واللعنة والعذاب العظيم. والتعبير بقوله - تعالى فطوعت تعبير دقيق بليغ، ~~فإن هذه الصيغة - صيغة التفعيل - تشير إلى أنه كانت هناك بواعث متعددة ~~تتجاذب نفسه، كانت هناك بواعث الشر التى تدعوه إلى الإقدام على قتله، ~~ودوافع الخير التى تمنعه من الاقدام على قتل أخيه، وأخيرا تغلبت دوافع ~~الشر على دوافع الخير فقتل أخاه. وقد صور الإمام الرازى هذا المعنى ~~تصويرا حسنا فقال قال المفسرون فطوعت، أى سهلت له نفسه قتل أخيه، وتحقيق ~~الكلام ان الإنسان إذا تصور القتل العمد العدوان وكونه من اعظم الكبائر ~~فهذا الاعتقاد يصير صارفا له عن فعله فيكون هذا الفعل كالشىء ms1506 العاصى ~~المتمرد عليه الذى لا يطيعه بوجه ألبتة. فإذا أوردت النفس أنواع وساوسها، ~~صار هذا الفعل سهلا عليه، فكأن النفس جعلت بوساوسها العجيبة هذا الفعل ~~كالمطيع له، بعد أن كان كالعاصى المتمرد عليه، فهذا هو المراد بقوله { ~~فطوعت له نفسه قتل أخيه }. هذا، والآية الكريمة بعد كل ~~ذلك، تشير إلى شناعة الجريمة فى ذاتها من حيث الباعث عليها، إذا الباعث ~~عليها هو الحسد ومن حيث الصلة بين القاتل والمقتول إذ هى صلة أخوة تقتضى ~~المحبة والمودة والتراحم ومن حيث ذات الفعل فإنه أكبر جريمة بعد الإشراك ~~بالله - تعالى -. قال الآلوسى أخرج الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود - رضى ~~الله عنه - قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم # " لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها. لأنه أول من ~~سن القتل " # وأخرج ابن جرير والبيهقى فى شعب الإيمان عن ابن عمر - رضى الله عنه - ~~قال " إنا لنجد ابن آدم القاتل، يقاسم أهل النار العذاب. عليه شطر عذابهم ~~". ثم حكى القرآن بعض ما حدث بعد قتل الأخ أخاه فقال { فبعث الله ~~غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة ~~أخيه قال ياويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا ~~الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين }. ~~وقوله { فبعث } من البعث بمعنى الإرسال. وهو هنا مستعمل فى الإلهام ~~بالطير إلى ذلك المكان بحيث يراه قابيل. والغراب طائر معروف. قالوا ~~والحكمة فى كونه المبعوث دون غيره من الطيور أو الحيوان، لأنه يتشاءم به ~~فى الفراق والاغتراب. أو لأن من عادة الغراب دفن الأشياء. # وقوله { يبحث في الأرض } أى ينبش التراب بمنقاره ورجليه بحيث ~~يستخرجه من الأرض، ليعمل ما يشبه الحفرة. والتعبير بالمضارع، للإشارة ~~إلى أن البحث قد مكث وقتا، وكان مجال استمرار. وقوله ليريه إما متعلق ~~بقوله بعث فيكون الضمير فى الفعل لله - تعالى - أو متعلق بقوله يبحث ~~فيكون الضمير للغراب. قال القرطبى قال مجاهد بعث الله غرابين فاقتتلا حتى ~~قتل أحدهما الآخر ثم حفر فدفنه - فتعلم قابيل ذلك من الغراب ms1507 - وكان ابن ~~آدم هذا أول من قتل. وقيل إن الغراب بحث الأرض على طعمه - أى أكله - ~~ليخفيه إلى وقت الحاجة إليه، لأن عادة الغراب فعل ذلك، فتنبه قابيل بذلك ~~على مواراة أخيه ". " والسوءة " ما تسوء رؤيته من الجسد، والمراد بها هنا ~~جميع جسد الميت وقيل المراد بها العورة، لأنها تسوء ناظرها. وخصت بالذكر ~~مع أن المراد مواراة جميع الجسد للاهتمام بها، لأن سترها آكد. وهذه الآية ~~الكريمة مرتبطة بكلام يسبقها لم يذكره القرآن الكريم لفهمه من السياق. ~~والتقدير أن القاتل بعد أن ارتكب جريمته. ورأى جثة أخيه أمامه ملقاة فى ~~العراء. تحير ماذا يفعل فيها حتى لا يتركها عرضة لنهش السباع والطيور. { ~~فبعث الله غرابا يبحث } أى يحفر وينبش بمنقاره ورجليه ~~متعمقا { في الأرض } { ليريه } أى ليعلم ذلك القاتل ويعرفه { ~~كيف يواري سوءة أخيه } أى كيف يستر فى التراب جسم أخيه بعد ~~أن فارقته الحياة، وأصبح عرضة للتغير والتعفن. وقوله - تعالى - { قال ~~ياويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب ~~فأواري سوءة أخي } بيان لما اعترى هذا القاتل من تحسر وندم. ~~وكلمة { قال ياويلتا } أصلها يا ويلتى. وهى كلمة جزع وتحسر. ~~تستعمل عند وقوع المصيبة العظيمة كأن المتحسر ينادى ويلته ويطلب حضورها، ~~بعد تنزيلها منزلة من ينادى. ولا يكون ذلك إلى فى أشد الأحوال ألما، ~~والويلة كالويل ومعناهما الفضيحة والبلية والهلاك. أى قال القاتل لأخيه ~~ظلما وحسدا بجزع وحسرة - بعد أن رأى غرابا يحفر حفرة ليدفن فيها شيئا - ~~قال { ياويلتا } أى يا فضيحتى وبليتى أقبلى فهذا وقتك، لأنى قد نزلت ~~بى أسبابك. وقوله { أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب ~~فأواري سوءة أخي } أى أضعفت عن الحيلة التى تجعلنى مثل هذا ~~الغراب فأستر جسد أخى فى التراب كما دفن الغراب بمنقاره ورجليه فى الأرض ~~ما أراد دفنه؟! والاستفهام فى أعجزت للتعجب من عدم اهتدائه إلى ما اهتدى ~~إليه الغراب، مع أنه إنسان فيه عقل، والغراب طائر من أخس الطيور. وقوله ~~فأوارى معطوف على قوله أن أكون. وقوله { فأصبح من النادمين } ~~، تذييل قصد ms1508 به بيان ما أصاب قابيل بعد أن قتل أخاه عدوانا وحسدا، ولم ~~يعرف كيف يستر جثته إلا من الغراب. # والندم أسف الفاعل على فعل صدر منه. قال الراغب الندم والندامة التحسر ~~من تغير رأى فى أمر فائت. قال - تعالى - { فأصبح من النادمين ~~}. وأصله من منادمة الحزن له وملازمته إياه ". والمعنى فأصبح قابيل الذى ~~قتل أخاه هابيل بغيا وحسدا من النادمين على ما اقترف من فواحش تدل على ~~جهله، وبغيه، وتمكن الحقد من نفسه. قال صاحب المنار والندم الذى ندمه - ~~قابيل - هو ما يعرض لكل إنسان عقب ما يصدر عنه من الخطأ فى فعل فعله إذا ~~ظهر له أن فعله كان شرا له لا خيرا. وقد يكون الندم توبة إذا كان سببه ~~الخوف من الله، والتألم من تعدى حدوده، وهذا هو المراد بحديث " الندم ~~توبة " - رواه أحمد والبخارى فى تاريخه والحاكم البيهقى. وأما الندم ~~الطبيعى الذى أشرنا إليه فلا يعد وحده توبة. وفى حديث ابن مسعود فى ~~الصحيحين مرفوعا # " لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم كفل - أى نصيب - من دمها لأنه ~~أول من سن القتل ". # ثم بين - سبحانه - بعد أن ساق ما جرى بين ابنى آدم - ما شرعه من شرائع ~~تردع المعتدى، وتبشر التقى فقال - تعالى - { من أجل ذلك ~~كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا ~~بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس ~~جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا }. ~~وأصل معنى الأجل الجناية التى يخشى منها آجلا. يقال أجل الرجل على أهله ~~شرا يأجله - بضم الجيم وكسرها - أجلا إذا جناه أو أثاره وهيجه، ثم ~~استعمل فى تعليل الجنايات كما فى قولهم من أجلك فعلت كذا. أى بسببك، ثم ~~اتسع فيه فاستعمل فى كل تعليل. والجار والمجرور من أجل متعلق بالفعل ~~كتبنا واسم الإشارة ذلك يعود إلى ما ذكر فى تضاعيف قصة ابن آدم من أنواع ~~المفاسد المترتبة على هذا القتل الحرام. والمعنى بسبب قتل قابيل لأخيه ~~هابيل حسدا وظلما، ومن أجل ما يترتب على ms1509 القتل بغير حق من مفاسد { ~~كتبنا } أى فرضنا وأوجبنا { على بني إسرائيل } فى التوراة ~~ما يردع المعتدى وما يبشر المتقى. قال الجمل قال بعضهم إن قوله { من ~~أجل ذلك } من تمام الكلام الذى قبله - أى أنه متعلق بقوله { ~~فأصبح من النادمين } - والمعنى فأصبح من النادمين من أجل ~~ذلك. يعنى من أجل أنه قتل أخاه هابيل ولم يواره، ويروى عن نافع أنه كان ~~يقف على قوله من أجل ذلك ويجعله من تمام الكلام الأول، ولكن جمهور ~~المفسرين وأصحاب المعانى على أن قوله { من أجل ذلك } ابتداء كلام ~~متعلق بقوله { كتبنا } فلا يوقف عليه. # و من هنا للسببية. أى بسبب هذه الجنايه شرعنا ما شرعنا من أحكام لدفع ~~الشر وإشاعة الخير. وعبر - سبحانه - عن السببيه. بمن لبيان الابتداء فى ~~الحكم. وأنه اقترن بوقوع تلك الجرية النكراء التى ستكون آثارها سيئة إذا ~~لم تشرع الأحكام لمنعها. وقدم الجار والمجرور على ما تعلق به وهو كتبنا ~~لإفادة الحصر أى من ذلك ابتدئ الكتب ومنه نشأ لا من شىء آخر. وعبر - ~~سبحانه - بقوله كتبنا للإشارة إلى أن الأحكام التى كتبها، قد سجلت بحيث ~~لا تقبل المحو أو التبديل، بل من الواجب على الناس أن يلتزموا بها، ولا ~~يفرطوا فى شىء منها. وخص بنو إسرائيل بالذكر مع أن الحكم عام - لأنهم أول ~~أمة نزل الوعيد عليهم فى قتل الأنفس مكتوبا، وكان قبل ذلك قولا مطلقا، ~~ولأنهم أكثر الناس سفكا للدماء، وقتلا للمصلحين، فقد قتلوا كثيرا من ~~الأنبياء، كما قتلوا أكثر المرشدين والناصحين، ولأن الأسباب التى أدت إلى ~~قتل قابيل لهابيل من أهمها الحسد، وهو رذيلة معروفة فيهم، فقد حملهم ~~حسدهم للنبى صلى الله عليه وسلم على الكفر به مع أنهم يعرفون صدقه كما ~~يعرفون أبناءهم، كما حملهم على محاولة قتله ولكن الله - تعالى نجاه من ~~شرورهم. وما أشبههم فى قتلهم للذين يأمرونهم بالخير بقابيل الذى قتل أخاه ~~هابيل لأنه أرشده إلى ما يصلحه. وقوله - تعالى - { أنه من قتل ~~نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما ms1510 قتل ~~الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس ~~جميعا } بيان لما كتبه - سبحانه - من أحكام تسعد الناس متى اتبعوها. ~~والمعنى بسبب قتل قابيل لأخيه هابيل ظلما وعدوانا، كتبنا فى التوراة على ~~بنى إسرائيل أنه أى الحال والشأن { من قتل نفسا } واحدة من النفوس ~~الإنسانية { بغير نفس }. أى بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص منه { ~~أو فساد في الأرض } أى أو بغير فساد فى الأرض يوجب إهدار الدم - ~~كالردة وزنا المحصن - { فكأنما قتل الناس جميعا } لأن ~~الذى يقتل نفسا بغير حق، يكون قد استباح دما مصونا قد حماه الإسلام ~~بشرائعه وأحكامه، ومن استباح هذا الدم فى نفس واحدة، فكأنه قد استباحه فى ~~نفوس الناس جميعا، إذا النفس الواحدة تمثل النوع الإنسانى كله. { ومن ~~أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا } أى ومن تسبب فى ~~إحيائها وصيانتها من العدوان عليها، كأن استنقذها مما يؤدى بها إلى ~~الهلاك والأذى الشديد، أو مكن الحاكم من إقامة الحد على قاتلها بغير حق، ~~من فعل ذلك فكأنما تسبب فى إحياء الناس جميعا. وفى هذه الجملة الكريمة ~~أسمى ألوان الترغيب فى صيانة الدماء، وحفظ النفوس من العدوان عليها، حيث ~~شبه - سبحانه 0 قتل النفس الواحدة بقتل الناس جميعا، وإحياءها بإحياء ~~الناس جميعا. # قال صاحب الكشاف فإن قلت كيف شبه الواحد بالجميع، وجعل حكمه كحكمهم؟ قلت ~~لأن كل إنسان يدلى بما يدلى به الآخر من الكرامة على الله، وثبوت الحرمة. ~~فإذا قتل فقد أهين ما كرم على الله وهتكت حرمته، وعلى العكس. فلا فرق ~~إذا بين الواحد والجميع فى ذلك. فإن قلت فما الفائدة فى ذكر ذلك؟ قلت ~~تعظيم قتل النفس وإحيائها فى القلوب وليشمئز الناس عن الجسارة عليها، ~~ويتراغبوا فى المحاماة على حرمتها، لأن المتعرض لقتل النفس إذا تصور ~~قتلها بصورة قتل الناس جميعا، عظم ذلك عليه فثبطه - عن القتل - وكذلك ~~الذى أراد إحياءها ". وقال الإمام ابن كثير قال الحسن وقتادة فى قوله - ~~تعالى - { أنه من قتل نفسا }.. إلخ. هذا تعظيم لتعاطى القتل. ~~قال قتادة عظيم والله وزرها، وعظيم والله ms1511 أجرها. وقيل للحسن هذه الآية ~~لنا كما كانت لبنى إسرائيل؟ فقال إى والذى لا إله غيره - هى لنا - كما ~~كانت لهم. وما جعل - سبحانه - دماءهم أكرم من دمائنا ". وعلى هذا التفسير ~~الذى سرنا عليه يكون المراد بالنفس فى قوله { أنه من قتل نفسا ~~} العموم أى نفسا يحرم قتلها من بنى الإنسان. وبعضهم يرى أن المراد نفس ~~الإمام العادل، لأن القتل فى هذه الحالة يؤدى إلى اضطراب أحوال الجماعة، ~~وإشاعة الفتنة فيها. قال القرطبى روى عن ابن عباس أنه قال المعنى من قتل ~~نبيا أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياه بأن شد عضده ونصره، ~~فكأنما أحيا الناس جميعا ". ويبدو لنا أن تفسير النفس بالعموم أولى، لأنه ~~هو الذى عليه جمهور العلماء، ولأنه أدعى لحفظ الدماء الإنسانية، ~~وإعطائها ما تستحقه من صيانة واحترام. وقوله. { بغير نفس } متعلق ~~بالفعل قبله وهو قتل. وقوله أو فساد مجرور عطفا على نفس المجرورة بإضافة ~~غير إليها. و " ما " فى قوله { فكأنما } كافة مهيئة لوقوع الفعل ~~بعدها. وقوله - تعالى - { ولقد جآءتهم رسلنا ~~بالبينت ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في ~~الأرض لمسرفون } لبيان لموقف بنى إسرائيل القبيح مما جاءهم من ~~هدايات على أيدى أنبيائهم ومرشديهم. أى ولقد جاءت رسلنا لبنى إسرائيل ~~بالآيات البينات، والمعجزات الواضحات، { ثم إن كثيرا منهم ~~بعد ذلك } أى بعد الذى كتبناه عليهم من شرائع، وبعد مجئ الرسل ~~إليهم بالبينات { في الأرض لمسرفون } أى لمجاوزون الحد فى ~~ارتكاب المعاصى والآثام، إذ الإسراف مجاوزة حدود الحق والعدل بدون مبالاة ~~أو اهتمام بهما. وأكد - سبحانه - جملة { ولقد جآءتهم رسلنا ~~} بالقسم، لكمال العناية بمضمونها، ولبيان أن الرسل - عليهم السلام - ما ~~قصروا فى إرشاد بنى إسرائيل إلى ما يسعدهم ويهديهم، فقد جاء وهم بالشرائع ~~البينة الواضحة التى تحمل فى نفسها دليل صلاحها. # والتعبير " بجاءتهم " يشير إلى أن الرسل - عليهم السلام - وصلوا إليهم، ~~وصاروا قريبين منهم، بحيث يرونهم ويخاطبونهم ولا يتركون أمرا يهمهم إلا ~~بينوه لهم. وجملة { ثم إن كثيرا منهم } معطوفة على جملة { ~~ولقد جآءتهم ms1512 }. وكان العطف " بثم " المفيدة هنا للتراخى فى ~~الرتبة، للإشارة إلى الفرق الشاسع بين ما جاءتهم به الرسل من بينات ~~وهدايات، وبين ما كان عليه بنو إسرائيل من جحود وعناد وإفساد فى الأرض. ~~واسم الإشارة " ذلك " يعود إلى المذكور من مجىء الرسل إليهم بالبينات ~~ومن كتابة الشرائع عليهم. وفى وصف الكثيرين من بنى إسرائيل بالاسراف ~~احتراس فى الحكم، وإنصاف للقلة التى آمنت منهم، وهذا من عدالة القرآن ~~الكريم فى أحكامه، ودقته فى تعبيراته. وذكر - سبحانه - أن إسراف الكثيرين ~~منهم { في الأرض } مع أنه لا يكون إلا فيها، للإيذان بأن فسادهم ~~وإسرافهم فى القتل والمعاصى لم يكن فيما بينهم فحسب، بل انتشر وشره فى ~~الأرض، وسرى إلى غيرهم من سكانها المنتشرين فيها. وبذلك نرى أن هذه ~~الآيات قد حكت لنا ما دار بين ابنى آدم من محاورات أدت إلى قتل أحدهما ~~للآخر ظلما وحسدا، إذ الحسد يأكل القلوب، ويشعلها بالشر كما تشتعل النار ~~فى الحطب، وبسببه ارتكبت أول جريمة قتل على ظهر الأرض، وبسببه كانت أكثر ~~الجرائم فى كل زمان ومكان.. كما حكت لنا أن بنى إسرائيل - مع علمهم ~~بشناعة جريمة القتل - قد أسرفوا في قتل الأنبياء والمصلحين مما يدل على ~~قسوة قلوبهم، وفى ذلك تسلية للنبى صلى الله عليه وسلم ولأصحابه عما كانوا ~~يلاقونه من اليهود المعاصرين لهم من عناد ومكر وأذى. وبعد أن ذكر سبحانه ~~- تغليظ الإثم فى قتل النفس بغير حق، وتعظيم الأجر لمن عمل على إحيائها، ~~أتبع ذلك ببيان الفساد المبيح للقتل، فقال - تعالى - { إنما جزآء ~~الذين يحاربون... } ### || [5.33-34] # قال ابن جرير اختلف أهل التأويل فيمن نزلت هذه الآية؟ فقال بعضهم نزلت ~~فى قوم من أهل الكتاب كانوا أهل موادعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فنقضوا العهد، وأفسدوا فى الأرض، فعرف الله نبيه الحكم فيهم... وقال ~~آخرون نزلت فى قوم من المشركين. وقال آخرون بل نزلت فى قوم من عرينة وعكل ~~- بضم العين وسكون الكاف - ارتدوا عن الإسلام، وحاربوا الله ورسوله، فعن ~~أنس أن رهطا من عكل ms1513 وعربنة أتوا النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول ~~الله إنا أهل ضرع، ولم نكن أهل ريف، وإنا استوخمنا المدينة - أى وجدناها ~~رديئة المناخ - فأمر لهم النبى صلى الله عليه وسلم بذود وراع - أى بعدد ~~من الإبل ومعهم راع -، وأمرهم أن يخرجوا بها، فيشربوا من ألبانها ~~وأبوالها، فقتلوا الراعى، واستقاوا الذود، وكفروا بعد إسلامهم، فأتى بهم ~~إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وتركهم ~~فى الحرة حتى ماتوا، فذكر لنا أن هذه الآية نزلت فيهم. ثم قال ابن جرير ~~وأولى الأقوال فى ذلك عندى أن يقال أنزل الله هذه الآية على نبيه صلى ~~الله عليه وسلم لمعرفة حكمه على من حارب الله ورسوله، وسعى فى الأرض ~~فسادا، بعد الذى كان من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرنيين ". ~~والذى يراه ابن جرير أولى هو الذى تطمئن إليه النفس، فإن الآية الكريمة ~~تبين عقاب قطاع الطرق الذين يحاربون النظام القائم للأمة، ويرتكبون جرائم ~~القتل والنهب والسلب والسرقة سواء أكانوا من المشركين أم من غيرهم؟ إذ ~~العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقوله سبحانه { يحاربون } من ~~المحاربه. والمحاربة مفاعلة من الحرب وهى ضد السلم، والأصل فى معنى كلمة ~~الحرب الأخذ والسلب. يقال حربه، إذا سلبه ماله، والمراد بالمحاربة هنا ~~قطع الطريق على الآمنين بالاعتداء عليهم بالقتل أو السلب أو ما يشبه ذلك ~~فى الجرائم التى حرمها الله - تعالى - ومحاربة الناس لله - تعالى - على ~~وجه الحقيقة غير ممكنة، لتنزهه - سبحانه - عن أن يكون من الجواهر ~~والأجسام التى تقاتل ولأن، المحاربة تستلزم أن يكون كل من المتحاربين ~~فى وجهة ومكان والله منزه عن ذلك، فيكون التعبير مجازا عن المخالفة لشرع ~~الله، وارتكاب ما يغضبه أو المعنى يحاربون أولياء الله وأولياء رسوله وهم ~~المسلمون فيكون الكلام على تقدير حذف مضاف. وصدر - سبحانه - الآية بلفظ ~~إنما المفيد للقصر، لتأكيد العقاب، ولبيان أنه عقاب لا هوادة فيه، لأنه ~~حد من حدود الله - تعالى - على تلك الجريمة النكراء التى تقوض بنيان ~~الجماعة، ms1514 وتهدم أمنها، وتزلزل كيانها، وتبعث الرعب والخوف فى نفوس ~~أفرادها. # وعبر - سبحانه - عمن يحارب أولياءه وشرعه بأنهم محاربون له ولرسوله ~~لزيادة التشنيع عليهم، ولبيان أن كل من يهدد أمن المسلمين ويعتدى عليهم ~~يكون محاربا لله ولرسوله ومستحقا لغضبه - سبحانه - وعقوبته. وقوله { ~~ويسعون في الأرض فسادا } معطوف على قوله { يحاربون }. ~~وقوله { ويسعون } من السعى وهو الحركة السريعة المستمرة. والفساد ~~ضد الصلاح. فكل ما خرج عن وضعه الذى يكون به صالحا نافعا، يقال إنه قد ~~فسد. والسعى فى الأرض بالفساد المراد به هنا قطع الطريق على الناس، ~~وتهديد أمنهم، والتعرض لهم بالأذى فى أنفسهم أو أموالهم أو أعراضهم. ~~وقوله فسادا مفعول لأجله أى يحاربون ويسعون لأجل الفساد. أو هو حال من ~~فاعل يسعون بتأويله بمفسدين، أو ذوى فساد. وقوله { أن يقتلوا ~~أو يصلبوا } ألخ. خبر عن المبتدأ الذى هو جزاء. والمعنى { ~~إنما جزآء } أى عقاب { الذين يحاربون الله ~~ورسوله } أى يخالفونهما ويعصون أمرهما، ويعتدون على أوليائهما { ~~ويسعون في الأرض فسادا } أى يعملون بسرعة ونشاط فى الأرض لا ~~من أجل الإصلاح وإنما من أجل الإفساد فيها عن طريق تهديد أمن الناس، ~~والاعتداء على أموالهم وأنفسهم. جزاء هؤلاء { أن يقتلوا } ~~والتقتيل هو القتل، إلا أنه ذكر بصيغة التضعيف لإفادة الشدة فى القتل ~~وعدم التهاون فى إيقاعه عليهم لكونه حق الشرع وللإشارة إلى الاستمرار فى ~~قتلهم ماداموا مستمرين فى الجريمة فكلما كان منهم قتل قتلوا. { أو ~~يصلبوا } والتصليب وضع الجانى الذى يراد قتله مشدودا على مكان ~~مرتفع بحيث يرى بعد القتل ليكون عبرة لغيره، وردعا له عن ارتكاب المعاصى ~~والجرائم. قالوا ويكون الصلب لمدة ثلاثة أيام وقيل لمدة يوم واحد. وجىء ~~هنا أيضا بصيغة التضعيف لإفادة التشديد فى تنفيذ هذه العقوبة وإثبات ~~أنه لا هوادة فيها. { أو تقطع أيديهم وأرجلهم من ~~خلاف } أى تقطع مختلفة، فقوله { من خلاف } حال فى أيديهم وأرجلهم ~~أى لا تكون اليد والرجل المقطوعتان من جانب واحد بل تكونان من جانبين ~~مختلفين. { أو ينفوا من الأرض } أى، يطردوا من الأرض التى ms1515 ~~اتفقوا فيها على الإجرام إلى أرض أخرى ليتشتت شملهم، ويتفرق جمعهم، مع ~~مراقبتهم والتضييق عليهم. وفسر بعضهم النفى بالحبس فى السجون، لأن فيه ~~إبعادا لهم وتفريقا لجمعهم. واسم الإشارة فى قوله - تعالى - { ذلك ~~لهم خزي في الدنيا } يعود إلى العقاب المذكور فى الآية من ~~القتل والصلب.. الخ. والخزى الذل والفضيحة أى ذلك العقاب المذكور { ~~لهم خزي في الدنيا } أى ذل وفضيحة وعار عليهم، لأنه كشف ~~أمرهم، وهتك سترهم، وجعلهم عبرة لغيرهم. هذا هو عقاب الدنيا أما عقاب ~~الآخرة قد بينه - سبحانه - بقوله { ولهم في الآخرة عذاب ~~عظيم } أى لهم فى الآخرة عذاب عظيم فى شدته وآلامه جزاء ما اقترفوا ~~من جرائم. # وقوله { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا ~~عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم } بيان لحكم ~~هؤلاء المحاربين إذا ما تابوا قبل القدرة عليهم. أى نفذوا - أيها ~~المسلمون - هذه العقوبات على هؤلاء المحاربين لأولياء الله وأولياء ~~رسوله، والساعين فى الأرض بالفساد ما داموا مستمرين فى غيهم وعدوانهم { ~~إلا الذين تابوا } منهم { من قبل أن تقدروا ~~عليهم } أى من قبل أن تتمكنوا من أخذهم، بأن أتوكم طائعين نادمين، { ~~فاعلموا أن الله غفور رحيم } أى واسع المغفرة والرحمة ~~بعباده. هذا وهناك مسائل تتعلق بهاتين الآيتين من أهمها ما يأتى 1 - احتج ~~بعموم هذه الآية جمهور العلماء فى أن المحاربة فى الأمصار وفى القرى وفى ~~الصحراء على السواء، فحيثما تحققت إخافة المسلمين، كان الفاعلون لتلك ~~الإخافة محاربين لله ولرسوله ويجب إنزال العقاب بهم، لقوله - تعالى - { ~~ويسعون في الأرض فسادا } وكل هذه الأماكن من الأرض. وعلى ~~هذا الرأى سار الإمام مالك والشافعى وأحمد وغيرهم. ويرى الإمام أبو ~~حنيفة أن قطع الطريق لا يتصور فى داخل المصر، إذ يمكن الإغاثة عند ~~الإستغاثة ويد السلطان مبسوطة فى داخل الأمصار والقرى وإنما يتصور قطع ~~الطريق فى الصحراء وخارج المدن والقرى. والذى نراه متفقا مع الآية ~~الكريمة أنه حيثما تحقق الوصف - وهو محاربة الآمنين واستلاب أموالهم، ~~والاعتداء على أرواحهم - كانت الحرابة، ولزمت العقوبة التى تردع هؤلاء ~~المعتدين ms1516 على أموال الناس وأنفسهم. قال القرطبى واختلف العلماء فيمن ~~يستحق اسم المحاربة. فقال مالك المحارب عندنا من حمل على الناس فى مصر أو ~~فى برية وكابرهم على أنفسهم وأموالهم دون نائرة. قال ابن المنذر اختلف عن ~~مالك فى هذه المسألة فأثبت المحاربة فى المصر مرة ونفى ذلك مرة. وقالت ~~طائفة حكم ذلك فى المصر أو فى المنازل والطرق، وديار أهل البادية والقرى ~~سواء وحدودهم واحدة. قال ابن المنذر كذلك هو، لأن كلا يقع عليه اسم ~~المحاربة. والآية على العموم. وليس لأحد أن يخرج من جملة الآية قوما بغير ~~حجة. وقالت طائفة لا تكون المحاربة فى المصر إنما تكون خارجة عن المصر. ~~وقال ابن العربى والذى نختاره أن الحرابة عامة فى المصر والقفر، وإن كان ~~بعضها أفحش من بعض. ولكن اسم الحرابة يتناولها، ومعنى الحرابة موجود ~~فيها. ولو خرج بعض من فى المصر لقتل بالسيف. ويؤخذ فيه بأشد ذلك لا ~~بأيسره. فإنه سلب وغيلة، وفعل الغيلة أقبح من فعل الظاهرة ولذلك دخل ~~العفو فى قتل المجاهرة فكان قصاصا، ولم يدخل فى قتل الغيلة وكان حدا ". 2 ~~- اختلف الفقهاء فى معنى التخيير فى قوله - تعالى - { أن يقتلوا ~~أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من ~~خلاف أو ينفوا من الأرض }. # فقال قوم من السلف الآية تدل على التخيير بين هذه الأجزية. فمتى خرج ~~المحاربون بقطع الطريق، وقدر الإمام عليهم، فهو مخير بين أن يوقع بهم أى ~~نوع من العقاب من هذه الأنواع الأربعة القتل أو الصلب أو التقطيع أو ~~النفى، حتى ولو لم يقتلوا ولم يأخذوا مالا، ما داموا قد اجتمعوا وقصدوا ~~تهديد أمن الناس. فالمسألة متروكة لتقدير الحاكم، وعليه أن يوقع بهم ما ~~يراه مناسبا لزجرهم وردعهم وجعلهم عبرة لغيرهم حتى لا يستشرى الشر فى ~~الأمة. قال ابن كثير قال ابن أبى طلحة عن ابن عباس فيمن شهر السلاح فى ~~قبة الإسلام. وأخاف السبيل ثم ظفر به الإمام وقدر عليه، فإمام المسلمين ~~فيه بالخيار إن شاء قتله وإن شاء صلبه وإن شاء ms1517 قطع يده ورجله، وكذا قال ~~سعيد بن المسيب ومجاهد، وعطاء، والحسن البصرى، وإبراهيم النخعى، والضحاك ~~كما رواه ابن جرير عن أنس - وهو مذهب المالكية. ومستند هذا القول أن ظاهر ~~أو للتخيير كما فى نظائر ذلك من القرآن، كما فى قوله - تعالى - فى كفارة ~~الفدية # فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية ~~من صيام أو صدقة أو نسك # فأو هنا للتخيير، وكذلك فى الآية التى معنا ". وقال قوم آخرون من السلف ~~الآية تدل على ترتيب الأحكام وتوزيعها على ما يليق بها من الجنايات. أى ~~أن أو لتنويع العقوبات على حسب طبيعة الجرائم. فإذا قتل هؤلاء المحاربون ~~غيرهم وأخذوا المال قتلوا وصلبوا وإذا قتلوا فقط قتلوا، وإذا أخذوا المال ~~فحسب قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف. وإذا تجمعوا واتفقوا على ارتكاب ~~الجرائم من غير أن يرتكبوا بالفعل نفوا من الأرض. وبهذا الرأى قال ابن ~~عباس وقتادة والأوزاعى، وهو مذهب الشافعية والأحناف والحنابلة. قال ابن ~~كثير وقال الجمهور هذه الآية منزلة على أحوال، فعن ابن عباس أنه قال فى ~~قطاع الطريق إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا ~~المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم ~~وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا المال نفوا من الأرض. ثم ~~قال ابن كثير ويشهد لهذا التفصيل الحديث الذى رواه ابن جرير فى تفسيره أن ~~عبد الله بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه ~~يخبره أنها نزلت فى أولئك النفر العرنيين الذين ارتدوا عن الإسلام ~~وقتلوا الراعى، واستاقوا الإبل وأخافوا السبيل.. قال أنس فسأل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم جبريل عن القضاء فيمن حارب، فقال جبريل من سرق مالا ~~وأخاف السبيل فاقطع يده بسرقته ورجله بإخافته ومن قتل فاقتله. ومن قتل ~~وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام فاصلبه ". # وقال الفخر الرازى والذى يدل على ضعف القول الأول وجهان الأول أنه لو ~~كان المراد من الآية التخيير لوجب أن يمكن الإمام من ms1518 الاقتصار على ~~النفى، ولما أجمعوا على أنه ليس له ذلك علمنا أنه ليس المراد من الآية ~~التخيير. الثانى أن هذا المحارب إذا لم يقتل ولم يأخذ المال فقدهم ~~بالمعصية ولم يفعل، وذلك لا يوجب القتل كالعزم على سائر المعاصى فثبت أنه ~~لا يجوز حمل الآية على التخيير، فيجب أن يضمر فى كل فعل على حدة فعلا على ~~حدة، فصار التقدير أن يقتلوا إن قتلوا، أو يصلبوا إن جمعوا بين أخذ المال ~~والقتل أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على أخذ المال. أو ~~ينفوا من الأرض إن أخافوا السبيل ". والخلاصة أن أصحاب هذا الرأى الثانى ~~يستدلون بأدلة نقلية - سبق بيانها - كما يستدلون بأدلة عقلية منها ما ذكر ~~الإمام الرازى ومنها أن العقل يقضى أن يكون الجزاء مناسبا للجناية بحيث ~~يزداد بازديادها، وينقص بنقصها، وليس من المعقول أن تكون جريمة الاتفاق ~~على الإرهاب بدون تنفيذ، متساوية مع جريمة الإرهاب والقتل والسلب. إذا ~~فالعدالة توجب تنويع العقوبة. ومنها أن التخيير الوارد فى الأحكام ~~المختلفة بحرف التخيير إنما يجرى على ظاهره إذا كان سبب الوجوب واحدا ~~كما فى كفارة اليمين وكفارة الفدية، أما إذا كان السبب مختلفا فإنه يخرج ~~التخيير عن ظاهره - كما هنا -، ويكون الغرض بيان الحكم لكل واحد فى نفسه، ~~وذلك لأن قطع الطريق متنوع وبين أنواعه تتفاوت الجريمة فقد يكون باستلاب ~~المال فقط، وقد يكون بالقتل فقط، وقد يكون بهما وما دام الأمر كذلك وجب ~~أن يكون العقاب مختلفا ووجب أن يحمل ظاهر النص على غير التخيير. بأن ~~يحمل على بيان الحكم لكل نوع. قالوا ونظير ذلك قوله - تعالى - # قلنا يذا القرنين إمآ أن تعذب وإمآ أن ~~تتخذ فيهم حسنا # فإنه ليس الغر التخيير وإنما الغرض ليكن شأنك مع قومك تعذيب من جحد ~~وظلم، والإحسان إلى من آمن وعمل صالحا. وإنما قلنا ليس الغرض التخيير، ~~لأنه لا يمكن أن يكون له الحق فى أى الأمرين من غير مرجح لأحدهما فى ~~الاعتبار، إذ منطق العدالة يقتضى أن يكون العذاب لمن ms1519 فسق وجحد، وأن يكون ~~الإحسان لمن آمن واستقام. قال بعض العلماء " وإن الفقه فى التفرقة بين ~~الرأيين أن الرأى الثانى يحدد جرائم معينة، ويعتبرها موضوع قطع بفعلها أو ~~بالشروع فيها وهى القتل والسرقة. وأن الجرائم لا تخلو عن ذلك، ولذلك كانت ~~العقوبات مترددة بين القطع والقتل، وأنه يكون ثمة تغليظ إذا ارتكبت ~~الجريمتان معا. وإن كان الشروع بالتجمع واتخاذ الأسباب، فإن العقوبة تكون ~~بمنع الجريمة من الوقوع باتخاذ أسباب الوقاية بالنفى من الأرض، ولذلك كان ~~التنويع، وكان تخريج حرف أو على ذلك الأساس، ليكون التكافؤ بين الجريمة ~~والعقوبة، وإن لم تكن جريمة كانت الوقاية. # أما الرأى الأول فهو يتجه إلى أن عقوبة الحرابة لذات الحرابة والسعى فى ~~الأرض بالفساد، ومنع الناس من السير والاستمتاع بأموالهم وحرياتهم ~~الشخصية. وظاهر هذا الرأى أنه لا ينظر إلا إلى ذات الحرابة التى هى ~~التخويف والإرهاب، ولا ينظر إلى الجرائم التى ارتكبوها فعلا، ولذلك يعمم ~~الجرائم ولا يقصرها على القتل والسرقة كالرأى الثانى. ويرى أن العقوبات ~~فى جملتها هى لعلاج ذلك الشر، وحسم مادته، والقضاء على التفكير لمن يهم ~~بمحاكاة من وقعوا فيه، ولذلك يجب إطلاق يدولى الأمر واعتبار تلك العقوبات ~~فى ديه كالدواء بين يدى الطبيب، يختار من أصنافه ما يراه أنجح فى علاج ~~الآفة التى أصابت الجسم الاجتماعى. وإنا نرى الرأى الثانى بالنسبة لتنويع ~~العقاب، ونرى الرأى الأول بالنسبة لتعميم الجرائم التى تفسد المجتمع. ~~فإذا كانت عصابة تعمل لجمع الرجال على النساء وتخطف النساء لذلك الغرض، ~~أو كانت عصابة لتجميع المواد المخدرة المحرم دينا وقانونا تناولها، فإنهم ~~يكونون كقطاع الطريق، ويدخلون فى باب الحرابة. 3 - تدل الآية بظاهرها على ~~أن المحاربين يعاقبون فى الدنيا والآخرة، ولا يكون العقاب الدنيوى طهرة ~~لهم ولو كانوا مسلمين لقوله - تعالى { ذلك لهم خزي في ~~الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم }. قال القرطبى فقوله ~~{ ذلك لهم خزي في الدنيا } لشناعة المحاربة، وعظم ضررها ~~وإنما كانت المحاربة عظيمة الضرر، لأن فيها سد سبيل الكسب على الناس. ~~لأنه إذا أخيف ms1520 الطريق انقطع الناس عن السفر، واحتاجوا إلى لزوم البيوت، ~~فانسد باب التجارة عليهم، وانقطعت أكسابهم، فشرع الله على قطاع الطريق ~~الحدود المغلظة، وذلك الخزى فى الدنيا ردعا لهم عن سوء فعلهم، وفتحا لباب ~~التجارة التى أباحها الله لعباده. وتكون هذه المعصية خارجة عن المعاصى ~~ومستثناه من حديث عبادة بن الصامت فى قول النبى صلى الله عليه وسلم # " فمن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فى الدنيا فهو كفارة له ". # ويحتمل أن يكون الخزى لمن عوقب، وعذاب الآخرة لمن سلم فى الدنيا، ويجرى ~~هذا الذنب مجرى غيره. ولا خلود لمؤمن فى النار على ما تقدم، ولكن يعظم ~~عقابه لعظم ذنبه، ثم يخرج إما بالشفاعة وإما بالقبضة وهذا الوعيد كغيره ~~مقيد بالمشيئة، وله - تعالى - أن يغفر هذا الذنب ". 4 - دل قوله - تعالى ~~- { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم } ~~على أن توبة المحاربين قبل الظفر بهم، تسقط عنهم حد المحاربين المذكور فى ~~الآية، إلا أن كثيرا من الفقهاء قالوا إن الذى يسقط عنهم هو ما يتعلق ~~بحقوق الله، أما ما يتعلق بحقوق العباد فلا يسقط عنهم بالتوبة قبل القدرة ~~عليهم. # قال القرطبى قوله - تعالى - { إلا الذين تابوا من قبل أن ~~تقدروا عليهم } استثنى - جل شأنه - التائبين قبل أن يقدر ~~عليهم، وأخبر بسقوط حقه عنهم بقوله { فاعلموا أن الله غفور ~~رحيم }. أما القصاص وحقوق الآدميين فلا تسقط، وظاهر الآية أن من تاب ~~بعد القدرة عليه فتوبته لا تنفع، وتقام الحدود عليه كما تقدم ". وقال ~~الآلوسى قوله { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا ~~عليهم } استثناء مخصوص بما هو من حقوق الله - تعالى - كما ينبئ عنه ~~قوله { فاعلموا أن الله غفور رحيم }. وأما ما هو من ~~حقوق العباد - كحقوق الأولياء من القصاص ونحوه - فيسقط بالتوبة وجوبه على ~~الإمام من حيث كونه حدا، ولا يسقط جوازه بالنظر إلى الأولياء من حيث ~~كونه قصاصا فإنهم إن شاءوا عفوا، وإن أحبوا استوفوا ". ويرى ابن جرير ~~وابن كثير أن توبة المحاربين قبل القدرة عليهم تسقط عنهم جميع ms1521 الحدود. ~~فقد قال ابن جرير - بعد أن ساق الأقوال فى ذلك - " وأولى هذه الأقوال ~~بالصواب عندى، قول من قال توبة المحارب الممتنع بنفسه، أو بجماعة معه، ~~قبل القدرة عليه، تضع عنه تبعات الدنيا التى كانت لزمته أيام حربه ~~وحرابته، ومن حدود الله، وغرم لازم، وقود وقصاص، إلا ما كان قائما فى يده ~~من أموال المسلمين والمعاهدين فيرد على أهله ". وقال ابن كثير وقوله - ~~تعالى - { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا ~~عليهم } أما على قول من قال إنها فى أهل الشرك، فظاهر. - أى فإنهم ~~إذا آمنوا قبل القدرة عليهم سقطت عنهم جميع الحدود المذكورة - وأما ~~المحاربون المسلمون فإذا تابوا قبل القدرة عليهم فإنه يسقط عنهم تحتم ~~القتل والصلب وقطع الرجل. وهل يسقط قطع اليد؟ فيه قولان للعلماء. وظاهر ~~الآية يقتضى سقوط الجميع، وعليه عمل الصحابة. ثم ساق آثارا فى هذا المعنى ~~منها ما رواه ابن أبى حاتم عن الشعبى قال كان جارثة بن بدر التميمى من ~~أهل البصرة - وكان قد أفسد فى الأرض وحارب - فكلم رجالا من قريش فكلموا ~~عليا فيه فلم يؤمنه. فأتى سعيد بن قيس الهمدانى فخلفه فى داره ثم أتى ~~عليا فقال يا أمير المؤمنين أرأيت من حارب الله ورسوله وسعى فى الأرض ~~فسادا، فقرأ حتى بلغ { إلا الذين تابوا من قبل أن ~~تقدروا عليهم } فقال على اكتب له أمانا.. ". وبعد، فهذه بعض ~~الأحكام التى تتعلق بقطاع الطريق الذى سماهم الله - تعالى - محاربين لله ~~ولرسوله، وسمى الفقهاء عملهم حرابة. # وقد رأينا أن الله - تعالى - قد عاقبهم بتلك العقوبات الرادعة فى ~~الدنيا. وأعد لهم العذاب العظيم فى الآخرة، ما داموا مستمرين فى عدوانهم ~~وتهديدهم لأمن الناس، واستلابهم لأموالهم. وإن المقصد من هذه العقوبات ~~الشديدة، أن يكف المعتدون عن عدوانهم، وأن يحس الناس فى حياتهم بالأمان ~~والاطمئنان على أنفسهم وأموالهم وأغراضهم، فإن الأمة التى ترتكب فيها ~~الجرائم بدون خوف أو وجل، ويفتقد أبناؤها الأمان والاطمئنان، هذه الأمة ~~التى هذا شأنها، لابد أن تضطرب كلمتها، ويهون أمرها، وتنتزع الثقة بين ms1522 ~~الحاكمين والمحكومين فيها، لذا فقد أوجب الإسلام على أتباعه أن يتكاتفوا ~~ويتعاونوا للقضاء على كل من يحاول إثارة الفتن والاضطراب بين صفوفهم، حتى ~~يعيشوا آمنين مطمئنين، مؤدين لما يجب عليهم نحو دينهم ودنياهم بدون خوف ~~أو إزعاج. وقد قال القرطبى فى هذا المعنى " وإذا أخاف المحاربون السبيل، ~~وقطعوا الطريق، وجب على الإمام قتالهم من غير أن يدعوهم، ووجب على ~~المسلمين التعاون على قتالهم وكفهم عن أذى المسلمين، فإن انهزموا لم يتبع ~~منهم مدبرا إلا أن يكون قد قتل وأخذ مالا، فإن كان كذلك أتبع ليؤخذ ~~ويقام عليه ما وجب لجنايته. وبعد أن بين - سبحانه - سوء عاقبة المحاربين ~~له ولرسوله صلى الله عليه وسلم وأخرج منهم من تاب إليه - سبحانه - قبل ~~القدرة عليه بعد كل ذلك وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين أمرهم فيه ~~بتقواه، وبالتقرب إليه بالعمل الصالح فقال - تعالى - { يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا... } ### || [5.35] # قوله { اتقوا } من التقوى بمعنى صيانة النفس عن كل ما يبغضه الله - ~~تعالى -. وقوله { وابتغوا } من الابتغاء وهو الاجتهاد فى طلب ~~الشىء. و { الوسيلة } على وزن فعيلة بمعنى ما يتوصل به ويتقرب به ~~إلى الله - تعالى -، من فعل الطاعات، واجتناب المعاصى، مأخوذة من وسل إلى ~~كذا، أى تقرب إليه بشىء. وقيل الوسيلة الحاجة. قال الراغب الوسيلة التوصل ~~إلى الشىء برغبة، وهى أخص من الوصيلة، لتضمنها معنى الرغبة، وحقيقة ~~الوسيلة إلى الله مراعاة سبيله بالعلم والعبادة وتحرى مكارم الشريعة، وهى ~~كالقربة. والواسل الراغب إلى الله - تعالى.. والمعنى يأيها الذين آمنوا ~~بالحق الذى جاء به محمد صلى الله عليه وسلم { اتقوا الله } أى ~~خافوه وصونوا أنفسكم عن كل ما لا يرضيه { وابتغوا إليه ~~الوسيلة } أى اطلبوا باجتهاد ونشاط الزلفى والقربى إليه عن طريق ~~مداومتكم على فعل الطاعات، والتزود من الأعمال الصالحات، واجتناب المعاصى ~~والمنكرات. { وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون } أى ~~وجاهدوا أنفسكم بكفها عن الأهواء، وكذلك جاهدوا أعداءكم حتى تكون كلمة ~~الله هى العليا، رجاء أن تفوزوا بالفلاح والسعادة فى الدنيا والآخرة. وقد ~~ناداهم - سبحانه - بصفة الإيمان، ms1523 لتحريك حرارة العقيدة فى قلوبهم وتوجيه ~~عقولهم إلى ما يستدعيه الإيمان من طاعة وإخلاص. وقوله { إليه } متعلق ~~بالفعل قبله وهو { وابتغوا }. أو بلفظ { الوسيلة } لأنها بمعنى المتوسل ~~به، وقدم الجار والمجرور لإفادة التخصيص. أى اطلبوا برغبة وشدة ما يقربكم ~~إلى الله من الأعمال الصالحة، ولا تتقربوا إلى غيره إلا فى ظل طلب رضاه - ~~سبحانه -. أو اطلبوا متوجهين إليه - سبحانه - حاجتكم، فإن بيده مقاليد ~~السموات والأرض، ولا تطلبوها متوجهين إلى غيره. وقد جاء لفظ الوسيلة فى ~~الأحاديث النبوية على أنه اسم لأعلى الدرجات فى الجنة، وهذا المعنى متلاق ~~مع أصل المعنى، وهو التقرب إلى الله والتوسل إليه وحده بالطاعات، لأن من ~~يفعل ذلك ينال من الله - تعالى - أسمى الدرجات. وقد ساق الإمام ابن كثير ~~جملة من الأحاديث فى هذا المعنى فقال ما ملخصه الوسيلة القربة. كذا قال ~~ابن عباس ومجاهد وأبووائل والحسن وقتادة وغير واحد. قال قتادة أى تقربوا ~~إليه بطاعته والعمل بما يرضيه. والوسيلة أيضا علم على أعلى منزلة فى ~~الجنة وهى منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وداره فى الجنة، وهى أقرب ~~أمكنة الجنة إلى العرش. وقد ثبت فى صحيح البخارى عن جابر بن عبد الله قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من قال حين سمع النداء - أى الآذان - اللهم رب هذه الدعوة التامة، ~~والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذى ~~وعدته حلت له شفاعتى يوم القيامة ". # وثبت فى صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أنه سمع النبى - صلى الله عليه ~~وسلم يقول # " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على، فإنه من صلى على ~~صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا لى الوسيلة فإنها منزلة فى الجنة ~~لا تنبغى إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو. فمن سأل الوسيلة ~~حلت له شفاعتى ". # والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها قد أرشدت المؤمنين إلى ما يسعدهم ~~بأن ذكرت لهم ثلاث وسائل وغاية، أو ثلاث مقدمات ونتيجة. أما ms1524 الوسائل ~~الثلاث أو المقدمات الثلاث فهى تقوى الله، والتقرب إليه بما يرضيه، ~~والجهاد فى سبيله. وأما الغاية أو النتيجة لكل ذلك فهى الفلاح والفوز ~~والنجاح. ولو أن المسلمين تمسكوا بهذه الوسائل حق التمسك لو صلوا إلى ما ~~يسعدهم فى دنياهم وفى آخرتهم. هذا، وللعلماء كلام طويل فى التوسل ~~والوسيلة، نرى أنه لا بأس من ذكر جانب منه. قال الإمام ابن تيمية إن لفظ ~~الوسيلة والتوسل فيه إجمال واشتباه، يجب أن تعرف معانيه ويعطى كل ذى حق ~~حقه. فيعرف ما ورد به الكتاب والسنة من ذلك ومعناه وما كان يتكلم به ~~الصحابة ويفعلونه ومعنى ذلك، ويعرف ما أحدثه المحدثون فى هذا اللفظ ~~ومعناه فإن كثيرا من اضطراب الناس فى هذا الباب هو بسبب ما وقع من ~~الإجمال والاشتراك فى الألفاظ ومعانيها حتى تجد أكثرهم لا يعرف فى هذا ~~الباب فصل الخطاب. إن لفظ الوسيلة ورد فى القرآن ومن ذلك قوله - تعالى - ~~{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا ~~إليه الوسيلة }. الوسيلة التى أمر الله أن تبتغى إليه. هى ما ~~يتقرب به إليه من الواجبات والمستحبات. فجماع الوسيلة التى أمر الله ~~الخلق بابتغائها، هو التوسل إليه باتباع ما جاء به الرسول، لا وسيلة لأحد ~~إلى الله إلا ذلك. ولفظ الوسيلة ورد - أيضا - فى الأحاديث الصحيحة كقوله ~~صلى الله عليه وسلم # " سلوا الله لى الوسيلة فإنها درجة فى الجنة لا تنبغى إلا لعبد من عباد ~~الله. وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد ". # ثم قال والتوسل بالنبى صلى الله عليه وسلم والتوجه به فى كلام الصحابة، ~~يريدون التوسل به وشفاعته. والتوسل به فى عرف كثير من المتأخرين يراد به ~~الإقسام به والسؤال به. وحينئذ فلفظ التوسل به صلى الله عليه وسلم يراد ~~به معنيان صحيحان باتفاق المسلمين ويراد به معنى ثالث لم ترد به سنة. أما ~~المعنيان الصحيحان. فأحدهما التوسل بالإيمان به وبطاعته. والثانى دعاؤه ~~وشفاعته. ومن هذا قول عمر بن الخطاب اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا ~~إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك ms1525 بعم نبينا - العباس - فاسقنا أى ~~بدعائه وشفاعته. # والتوسل بدعائه وشفاعته كما قال عمر - هو توسل بدعائه لا بذاته، ولهذا ~~عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بعمه العباس. فلما عدلوا عن التوسل به إلى ~~التوسل بالعباس، علم أن ما يفعل فى حياته قد تعذر بموته. وأما المعنى ~~الثالث الذى لم ترد به سنة فهو التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذاته ~~والسؤال بذاته، فهذا لم يكن الصحابة يفعلونه لا فى حياته ولا بعد مماته ~~ولا عند قبره ولا غير قبره. ولا يعرف فى شىء من الأدعية المشهورة بينهم ~~وإنما ينقل شىء من ذلك فى أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة. أو عن من ليس ~~قوله حجة ". قال الآلوسى ما ملخصه واستدل بعض الناس بهذه الآية على ~~مشروعية الاستغاثة بالصالحين، وجعلهم وسيلة بين الله - تعالى - وبين ~~العباد والقسم على الله - تعالى - بهم، بأن يقال اللهم إنا نقسم عليك ~~بفلان أن تعطينا كذا. ومنهم من يقول للغائب أو للميت من عباد الله ~~الصالحين يا فلان ادع الله أن يرزقنى كذا وكذا ويزعمون أن ذلك من ابتغاء ~~الوسيلة وكل ذلك بعيد عن الحق بمراحل. وتحقيق الكلام فى هذا المقام أن ~~الاستغاثة بمخلوق وجعله وسيلة بمعنى طلب الدعاء منه لا شك فى جوازه إن ~~كان المطلوب منه حيا، ولا يتوقف على أفضليته من الطالب، بل قد يطلب ~~الفاضل من المفضول، فقد صح أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر لما استأذنه ~~فى العمرة # " لا تنسنا يا أخى من دعائك " # ولم يرد عن أحد من الصحابة - وهم أحرص الناس على كل خير - أنه طلب من ~~ميت شيئا. وأما القسم على الله - تعالى - بأحد من خلقه مثل أن يقال ~~اللهم إنى أقسم عليك أو أسألك بفلان إلا ما قضيت لى حاجتى، فعن ابن عبد ~~السلام جواز ذلك فى النبى صلى الله عليه وسلم لأنه سيد ولد آدم. ولا يجوز ~~أن يقسم على الله بغيره من الأنبياء أو الملائكة أو الأولياء. لأنهم ~~ليسوا فى درجته. ومن الناس من منع التوسل ms1526 بالذات، والقسم على الله بأحد ~~من خلقه مطلقا، وهو الذى ترشح به كلام ابن تيمية ونقله عن أبى حنيفة ~~وأبى يوسف، وغيرهما من العلماء الأعلام. ثم قال بعد كلام طويل وبعد هذا ~~كله فأنا لا أرى بأسا فى التوسل إلى الله - تعالى - بجاه النبى صلى الله ~~عليه وسلم حيا وميتا ويراد من الجاه معنى يرجع إلى صفة من صفاته - تعالى ~~- مثل أن يراد به المحبة التامة المستدعية عدم رده وقبول شفاعته فيكون ~~معنى القائل إلهى أتوسل بجاه نبيك صلى الله عليه وسلم أن تقضى لى حاجتى، ~~أى إلهى أجعل محبتك له وسيلة فى قضاء حاجتى، بل لا أرى بأسا - أيضا - فى ~~الإقسام على الله - تعالى - بجاهه صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى. # ثم قال وإن الناس قد أكثروا من دعاء غير الله - تعالى - من الأولياء. ~~الأحياء منهم والأموات وغيرهم. مثل يا سيدى فلان أغثنى. وليس ذلك من ~~التوسل المباح فى شىء.. واللائق بحال المؤمن عدم التفوه بذلك. وأن لا ~~يحوم حول حماه، وقد عده بعض العلماء شركا، وإن لا يكنه فهو قريب منه. ~~فالحزم التجنب عن ذلك وعدم الطلب إلا من الله - تعالى - القوى الغنى ~~الفعال لما يريد ". وبعد أن حض - سبحانه - عباده المؤمنين على تقواه ~~والتقرب إليه بصالح الأعمال لكى ينالوا الفلاح والنجاح، عقب ذلك ببيان ما ~~أعده للكافرين من عذاب أليم فقال - تعالى - { إن الذين كفروا ~~لو أن... } ### || [5.36-37] # المعنى { إن الذين كفروا } بآياتنا وجحدوا الحق الذى جاءتهم ~~به رسلنا { لو أن لهم ما في الأرض جميعا } أى لو أن لم ~~جميع ما فى الأرض من أموال وخيرات ومنافع { ومثله معه } أى وضعفه ~~معه، وقدموا كل ذلك { ليفتدوا به } أى ليخلصوا به أنفسهم { من ~~عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم } أى ما قبله الله ~~منهم، لأن سنته قد اقتضت أن تكون نجاة الإنسان من العذاب يوم القيامة ~~متوقفة على الإيمان والعمل الصالح، لا على الأموال وما يشبهها من حطام ~~الدنيا مهما عظم شأنها وكثر عددها. { ولهم عذاب أليم ms1527 } أى شديد ~~فى آلامه وأوجاعه. فالآية الكريمة تبين ما أعده الله - تعالى - يوم ~~القيامة للكافرين بآياته من عذاب أليم، لن يصرفه عنهم صارف مهما قدموا من ~~ثمن، أو بذلوا من أموال. وقوله { لو أن لهم } إلخ، جملة شرطية ~~جوابها قوله تعالى { ما تقبل منهم } وهذه الجملة الشرطية ~~وجوابها خبر إن فى قوله { إن الذين كفروا }. وصدرت الآية ~~الكريمة بأداة التوكيد " إن " للرد على ما ينكره الكافرون من وقوع عذاب ~~عليهم يوم القيامة فقد حكى القرآن عنهم أنهم قالوا { نحن أكثر ~~أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين }. والمراد بقوله { ~~لو أن لهم } أى لو أن لكل واحد منهم منفردا، ما فى الأرض جميعا ~~ومثله معه، وقدمه يوم القيامة ليخلص نفسه من العذاب، ما قبل منه ذلك الذى ~~قدمه. وفى ذلك ما فيه من ثبوت العذاب عليهم ووقوعه بهم لا محالة. وقوله { ~~جميعا } توكيد للموصول وهو { ما } فى قوله { ما في الأرض } أو حال ~~منه وقوله { ومثله } معطوف على اسم أن وهو { ما } الموصولة. وقوله معه ~~ظرف واقع موقع الحال من المعطوف والضمير يعود إلى الموصول. وجاء الضمير ~~المجرور فى قوله { ليفتدوا به } بصيغة الإفراد، مع أن الذى ~~تقدمه شيئان وهما ما فى الأرض جميعا ومثله. للإشارة إلى أنهما لتلازمهما ~~قد صارا بمنزلة شىء واحد. أو لإجراء الضمير مجرى اسم الإشارة بأن يؤول ~~المرجع المتعدد بالمذكور أى ليفتدوا بذلك المذكور من عذاب يوم القيامة ما ~~تقيل منهم. ونفى - سبحانه - قبول الفدية منهم بقوله { ما تقبل ~~منهم } لإفادة تأكيد هذا النفى واستبعاده، إذ أن صيغة " التقبل " تدل ~~على تكلف القبول أى أنه لا يمكن قبول الفداء منهم مهما قدموا من أموال ~~ومهما بذلوا من محاولات فى سبيل الوصول لغرضهم. قال الفخر الرازى ~~والمقصود من هذا الكلام التمثيل للزوم العذاب لهم، فإنه لا سبيل لهم إلى ~~الخلاص منه. روى البخارى عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى عليه وسلم # " يؤتى بالرجل من أهل النار فيقال له يا ابن آدم كيف وجدت مضجعك؟ فيقول ms1528 ~~شر مضجع. فيقال له. أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدى به؟ فيقول ~~نعم، فيقال له قد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك أن لا تشرك بالله شيئا ~~فيؤمر به إلى النار ". # وقوله - تعالى - { يريدون أن يخرجوا من النار وما هم ~~بخارجين منها ولهم عذاب مقيم }. بيان لدوام نزول ~~العذاب بهم بعد بيان شدة آلامه وأوجاعه. أى يريد هؤلاء الكافرون { أن ~~يخرجوا من النار } بعد أن ذاقوا عذابها وآلامها، { وما هم ~~بخارجين منها } أبدا، بسبب ما ارتكبوه فى الدنيا من قبائح ~~ومنكرات { ولهم عذاب مقيم } أى دائم ثابت لا ينقطع. فأنت ترى ~~هاتين الآيتين قد بينتا سوء عاقبة الكافرين، بعد أن رغب - سبحانه - ~~المؤمنين فى التقرب إليه بالإيمان والعمل الصالح، وذلك لكى يزداد ~~المؤمنون إيمانا. ولكى ينصرف الناس عن الكفر والفسوق والعصيان إلى ~~الإيمان والطاعة والاستجابة لتعاليم الله الواحد القهار. وبعد أن بين - ~~سبحانه - عقوبة الذين يحاربون الله ورسوله، ودعا المؤمنين إلى التقرب ~~إليه بالعمل الصالح وبين سوء عاقبة الكافرين. بعد أن بين كل ذلك أعقبه ~~ببيان عقوبة السرقة فقال - تعالى { والسارق والسارقة ~~فاقطعوا... } ### || [5.38-40] # قال الجمل ما ملخصه قوله - تعالى - { والسارق والسارقة }.. ~~إلخ. شروع فى بيان حكم السرقة الصغرى بعد بيان أحكام الكبرى. وقرأ ~~الجمهور والسارق بالرفع وفيها وجهان أحدهما وهو مذهب سيبويه والمشهور من ~~أقوال البصرين - أن السارق مبتدأ محذوف الخبر. والتقدير فيما يتلى عليكم ~~أو فيما فرض عليكم السارق والسارقة. أى حكم السارق، ويكون قوله { ~~فاقطعوا } بيانا لذلك الحكم المقدر. فما بعد الفاء مرتبط بما ~~قبلها، ولذلك أتى بها فيه لأنه هو المقصود. ولو لم يؤت بالفاء لتوهم أنه ~~أجنبى، والكلام على هذا جملتان الأولى خبرية والثانية أمرية. والثانى وهو ~~مذهب الأخفش وجماعة كثيرة - أنه مبتدأ - أيضا - والخبر الجملة الأمرية ~~من قوله { فاقطعوا } وإنما دخلت الفاء فى الخبر، لأنه يشبه الشرط ~~إذ الألف واللام فيه موصولة بمعنى الذى والتى والصفة صلتها، فهى فى قوة ~~قولك والذى يسرق والتى تسرق فاقطعوا ". والمعنى { السارق } أى من ms1529 الرجال ~~{ والسارقة } أى من النساء { فاقطعوا } أيديهما، أى فاقطعوا يد كل منهما ~~الذكر إذا سرق قطعت يده. والأنثى إذا سرقت قطعت يدها. والخطاب فى قوله { ~~فاقطعوا } لولاة الأمر الذين إليهم يرجع تنفيذ الحدود وجمع - سبحانه - ~~اليد فقال " أيديهما " ولم يقل يديهما بالتثنية، لأن فصحاء العرب ~~يستثقلون إضافة المثنى إلى ضمير التثنية. وقوله { جزآء بما كسبا ~~نكالا من الله } بيان لسبب هذه العقوبة وللحكمة التى من أجلها ~~شرعت. أى اقطعوا أيديهما جزاء لهما بسبب فعلهما الخبيث، وكسبهما السىء، ~~وخيانتهما القبيحة، ولكى يكون هذا القطع لأيديهما { نكالا } أى عبرة ~~وزجرا من الله - تعالى - لغيرهما حتى يكف الناس عن ارتكاب هذه الجريمة. ~~يقال نكل فلان بفلان تنكيلا أى صنع به صنيعا يحذر غيره. والاسم النكال ~~وهو ما نكلت به غيرك. وأصله من النكل - بالكسر - وهو القيد الشديد، ~~وحديدة اللجام، لكونهما مانعين وجمعه انكال. وسميت هذه العقوبة نكالا، ~~لأنها تجعل غير من نزلت به يخاف من ارتكابها حتى لا ينزل به ما نزل ~~بمرتكبها من قطع ليده، وفضيحة لأمره. وقوله { والله عزيز حكيم ~~} أى والله - تعالى - غالب على أمره، حكيم فى شرائعه وتكاليفه. قال صاحب ~~المنار ما ملخصه. وقد كانت العرب بدوها وحضرها تفهم الكثير من وضع اسماء ~~الله - تعالى - فى الآيات بحسب المناسبة. ومن ذلك ما نقل الأصمعى أنه قال ~~كنت أقرأ سورة المائدة، ومعى أعرابى، فقرأت هذه الآية فقلت { الله ~~غفور رحيم } سهوا فقال الأعرابى كلام من هذا؟ فقلت كلام الله. قال ~~أعد فأعدت { الله غفور رحيم } ثم تنبهت فقلت { والله ~~عزيز حكيم } فقال الآن أصبت فقلت له. # كيف عرفت؟ يا هذا { عزيز حكيم } فأمر بالقطع، فلو غفر ورحم لما ~~أمر بالقطع. فقد فهم الأعرابى الأمى أن مقتضى العزة والحكمة، غير مقتضى ~~المغفرة والرحمة وأن الله - تعالى - يضع كل اسم موضعه من كتابه ". ثم فتح ~~- سبحانه - لعباده باب التوبة فقال - تعالى { فمن تاب من بعد ~~ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه }. أى فمن تاب إلى ~~الله - تعالى - توبة صادقة من بعد ظلمه ms1530 لنفسه بسبب إيقاعها فى المعاصى ~~التى من أكبرها السرقة وأصلح عمله بالطاعات التى تمحو السيئات { فإن ~~الله يتوب عليه }. أى يقبل توبته، ويغسل حوبته، إن الله واسع ~~المغفرة والرحمة ومن مظاهر ذلك أنه سبحانه - فتح لعباده باب التوبة ~~والإنابة. فالآية الكريمة ترغب العصاة من السراق وغيرهم فى التوبة إلى ~~الله، وفى الرجوع إلى طاعته حتى ينالوا مغفرته ورحمته. ثم ساق - سبحانه - ~~ما يدل على شمول قدرته، ونفاذ إرادته بصيغة الاستفهام التقريرى فقال - ~~تعالى - { ألم تعلم أن الله له ملك السماوات ~~والأرض } بحيث يتصرف فيهما وفى غيرهما من خلقه تصرف المالك فى ملكه ~~بدون مدافع أو منازع. فالاستفهام هنا لتقرير العلم وتأكيده. أى إنك تعلم ~~أيها العاقل ذلك علما. متيقتا، فاعمل بمقتضى هذا العلم، بأن تكون مطيعا ~~لخالقك فى كل ما أمر ونهى وبأن تدعو غيرك إلى هذه الطاعة. وقوله { ~~يعذب من يشآء ويغفر لمن يشآء } تأكيد لشمول قدرته ~~ونفاذ إرادته، أى هو - سبحانه - المالك لكل شىء، والخالق لكل شىء وهو ~~صاحب السلطان المطلق فى خلقه، فله - سبحانه - أن يعذب من يشاء تعذيبه وله ~~أن يرحم من يشاء رحمته. قال الآلوسى وكان الظاهر لحديث # " سبقت رحمتى غضبى " # تقديم المغفرة على التعذيب، وإنما عكس هنا، لأن التعذيب للمصر على ~~السرقة، والمغفرة للتائب منها. وقد قدمت السرقة فى الآية أولا ثم ذكرت ~~التوبة بعدها فجاء هذا اللاحق على ترتيب السابق. أو لأن المراد بالتعذيب ~~القطع، وبالمغفرة التجاوز عن حق الله - تعالى - والأول فى الدنيا والثانى ~~فى الآخرة، فجىء به على ترتيب الوجود. ولأن المقام مقام الوعيد. وقوله { ~~والله على كل شيء قدير } تذييل مؤكد لما قبله، ومقرر ~~لشمول قدرته - سبحانه - على كل شىء. هذا وقد تكلم العلماء عن معنى ~~السرقة، وعن شروط إقامة حدها، وعن طريقة إثباتها. وعن غير ذلك من المسائل ~~المتعلقة بها، تكلموا عن كل ذلك باستفاضة فى كتب الفقه وفى بعض كتب ~~التفسير. ونرى أنه لا بأس من ذكر خلاصة لبعض المسائل التى تحدثوا عنها ~~فنقول 1 - عرف الفقهاء السرقة ms1531 شرعا بأنها أخذ العاقل البالغ مقدارا ~~مخصوصا من المال على طريق الاستخفاء من حرز بمكان أو حافظ وبدون شبهة. # 2 - وقد ذهب بعض الفقهاء من أهل الظاهر إلى أنه متى سرق السارق شيئا ~~قطعت يده به، سواء أكان قليلا أم كثيرا، لعموم هذه الآية. ولكن جمهور ~~الفقهاء يرون أنه لا تقطع يد السارق إلا إذا بلغ المسروق قدرا معينا من ~~المال، وقد تفاوتت أنظارهم فى هذا القدر. فالأحناف يرون أنه لا قطع إلا ~~فى عشرة دراهم فصاعدا، أو فيما قيمته عشرة دراهم. ومن حججهم ما رواه ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا قطع فيما دون عشرة دراهم ". # والمالكية والشافعية يرون أنه لا قطع إلا فى ربع دينار أو فيما قيمته ~~ذلك. ومن حججهم ما روى عن عائشة أنها قالت " تقطع يد السارق فى ربع دينار ~~فصاعدا ". قال القرطبى وظاهر الآية العموم فى كل سارق وليس كذلك لقوله ~~صلى الله عليه وسلم # " لا تقطع يد السارق إلا فى ربع دينار فصاعدا " # فبين أنه إنما أراد بقوله { والسارق والسارقة } بعض السراق ~~دون بعض، فلا تقطع يد السارق فى أقل من ربع دينار، ويقطع فى ربع دينار أو ~~فيما قيمته ربع دينار أو فى ثلاثة دراهم.. وقال أحمد إن سرق ذهبا فربع ~~دينار. وإن سرق غير الذهب والفضة فالقيمة ربع دينار أو ثلاثة دراهم من ~~الورق ". وقال أبو حنيفة وصاحباه والثورى لا تقطع يد السارق إلا فى عشرة ~~دراهم كيلا، أو فى دينار ذهبا عينا أو وزنا. ولا يقطع حتى يخرج ~~بالمتاع من ملك صاحبه.. ثم قال وتقطع اليد من الرسغ. ولا خلاف فى أن ~~اليمنى هى التى تقطع أولا ". 3 - وقد اشترط الفقهاء فى المال المسروق ~~الذى تقطع فيه يد السارق أن يكون مالا محرزا، أى مصونا محفوظا معنيا ~~بحفظه العناية اللائقة بمثله. قال القرطبى الحرز هو ما نصب عادة لحفظ ~~أموال الناس، وهو يختلف فى كل شىء بحسب حاله. قال ابن ms1532 المنذر ليس فى هذا ~~الباب خبر ثابت لا مقال فيه لأهل العلم. وإنما ذلك كالإجماع من أهل ~~العلم. وحكى عن الحسن وأهل الظاهر أنهم لم يشترطوا الحرز. وفى الموطأ ~~لمالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا قطع فى ثمر معلق - أى فى ثمر على الأشجار - ولا حريسة جبل - أى ما ~~يحرس بالجبل - فإذا أواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن ". # كذلك اشترطوا عدم الشبهة فى المال المسروق، لقوله صلى الله عليه وسلم # " ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم ". # فلا يقطع من سرق مالا له فيه شركة، أو سرق من مدينه مثل دينه، ولا يقطع ~~البعد إذا سرق من مال سيده. # ولا الأب إذا سرق من مال ابنه وما أشبه ذلك لوجود الشبهة. كذلك اشترطوا ~~فى المسروق الذى يجب فيه الحد أن يكون مالا متقوما. أى مما يتمو له ~~الناس، ويعدونه لمقاصدهم المختلفة فلا تقطع يد السارق إذا سرق شيئا ~~تافها، أو سرق شيئا مما لا يتمول كالتراب والطين والماء وما يشبه ذلك. ~~كذلك اشترطوا فيه ألا يكون مما يحرم تناوله أو إستعماله. فإذا كان مما ~~يحرم تناوله أو استعماله كالخمر أو الخنزير أو أدوات اللهو والمجون فإنه ~~فى تلك الأحوال لا تقطع يد السارق. وهكذا نرى أن الشريعة الإسلامية وإن ~~كانت قد شرعت العقوبات الشديدة لزجر العصاة والمفسدين والخائنين.. إلا ~~أنها لا تطبق هذه العقوبات إلا على الذين يستحقونها، وفى أضيق الحدود، ~~وبأدق الشروط، عملا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم # " ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم ". # ولو أن المسلمين ساروا على هدى شريعة الله لنالوا الأمان والاطمئنان فى ~~دنياهم، والفوز والرضا من الله - تعالى - فى أخراهم. 4 - كذلك أخذ أكثر ~~الشافعية والحنابلة من قوله - تعالى - { فمن تاب من بعد ظلمه ~~وأصلح فإن الله يتوب عليه } أن التوبة تمنع إقامة ~~الحد. قالوا لأن هذه الآية قد اقترنت بقوله - تعالى { والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما } فكانت مخصصة للعموم فى ~~الأمر بالقطع، وإلا ما اقترنت به ولأنه قد ورد فى ms1533 الأحاديث الصحيحة أن ~~التوبة تجب ما قبلها ومن ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم # " التائب من الذنب كمن لا ذنب له ". # ويرى الأحناف والمالكية أن التوبة لا تسقط الحد، لأن الأمر بالقطع عام ~~يشمل التائب وغير التائب، والتوبة المنصوص عليها فى هذه الآية هى ما يكون ~~بعد إقامة الحد كما جاءت بذلك الأحاديث النبوية. قال ابن كثير قوله - ~~تعالى - { فمن تاب من بعد ظلمه } إلخ. أى من تاب بعد سرقته ~~وأناب إلى الله إن الله يتوب عليه فيما بينه وبينه. فأما أموال الناس ~~فلابد من ردها إليهم أو رد بدلها. وهذا عند الجمهور. وقال أبو حنيفة متى ~~قطع وقد تلفت فى يده فإنه لا يرد بدلها. وقد روى الدار قطنى عن أبى هريرة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بسارق قد سرق شملة فقال # " " ما إخاله قد سرق " فقال السارق بلى يا رسول الله. فقال صلى الله ~~عليه وسلم " اذهبوا به فاقطعوا ثم احسموه ثم ائتونى به " فقطع فأتى به ~~فقال تب إلى الله، فقال تبت إلى الله. فقال " تاب الله عليك " # - أى قبل توبتك. # وروى ابن ماجه عن ثعلبة الأنصارى أن عمر بن سمرة جاء إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال # " يا رسول الله، إنى سرقت جملا لبنى فلان فطهرنى. فأرسل إليهم النبى صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا إنا افتقدنا جملا لنا. فأمر به فقطعت يده وهو يقول ~~الحمد لله الذى طهرنى منك. أردت أن تدخلى جسدى النار ". # روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو # " أن امرأة سرقت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء بها الذين ~~سرقتهم فقالوا يا رسول الله إن هذه المرأة سرقتنا، قال قومها فنحن نفديها ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - " اقطعوا يدها. فقطعت يدها اليمنى. ~~فقالت المرأة هل لى من توبة يا رسول الله؟ قال نعم. أنت اليوم من خطيئتك ~~كيوم ولدتك أمك، فأنزل الله - تعالى - { فمن تاب من بعد ظلمه ~~وأصلح فإن الله ms1534 يتوب عليه } " # الآية. هذه خلاصة لبعض المسائل والأحكام التى أخذها العلماء من هذه ~~الآيات الكريمة، ومن أراد المزيد من ذلك فليرجع إلى ما كتبه الفقهاء فى ~~كتبهم، وإلى ما كتبه بعض المفسرين فى تفاسيرهم. وبعد أن بين - سبحانه - ~~ما بين من تكاليف قويمة، وشرائع حكيمة، تهدى من اتبعها إلى السعادة فى ~~الدنيا والآخرة. أتبع ذلك بالحديث عن بعض الوسائل الخبيثة التى ابتعها ~~اليهود وأشباهم لكيد الدعوة الإسلامية، فذكر تلاعبهم بأحكامه - تعالى -، ~~ومحاولتهم فتنة الرسول صلى الله عليه وسلم عند تقاضيهم أمامه، وحذر - ~~سبحانه - رسوله من مكرهم وساق له ما يسليه ويشرح صدره، فقال - تعالى - { ~~يأيها الرسول... } ### || [5.41-43] # وردت أحاديث متعددة فى سبب نزول هذه الآيات الكريمة، ومن ذلك ما أخرجه ~~البخارى عن ابن عمر - رضى الله عنهما - أن اليهود جاءوا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة قد زنيا. فقال النبى ~~صلى الله عليه وسلم ما تجدون فى التوراة فى شأن الرجم؟ فقالوا نفضحهم ~~ويجلدون. فقال عبد الله بن سلام كذبتم. إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة ~~فنشروها. فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها. فقال له ~~عبدالله بن سلام ارفع يدك. فرفع يده فإذا آية الرجم، فقالوا صدق يا محمد ~~فيها آية الرجم. فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما. فقال عبد ~~الله بن عمر فرأيت الرجل يميل نحو المرأة يقيها الحجارة. وروى مسلم فى ~~صحيحه عن البراء بن عازب قال مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهودى ~~محمم مجلود - أى قد وضع الفحم الأسود على وجهه للتنكيل به -. فدعاهم ~~فقال. هكذا تجدون حد الزانى فى كتابكم؟ فقالوا نعم فدعا رجلا من علمائهم ~~فقال انشدك بالذى أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزانى فى ~~كتابكم؟ فقال لا والله ولولا أنك نشدتنى بهذا لم أخبرك، تجد حد الزانى فى ~~كتابنا الرجم، ولكنه كثر فى أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه. وإذا ~~أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد. ms1535 فقلنا تعالوا حتى نجعل شيئا نقيمه على ~~الشريف والوضيع. فاجتمعنا على التحميم والجلد - مكان الرجم. فقال النبى ~~صلى الله عليه وسلم اللهم إنى أول من أحيا أمرك إذ أماتوه قال فأمر به ~~فرجم. قال فأنزل الله - تعالى { يأيها الرسول لا يحزنك }. ~~وأخرج الإمام أحمد عن ابن عباس قال إن الله أنزل # ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون # فأولئك هم الظالمون # فأولئك هم الفاسقون # قال ابن عباس أنزلها الله فى الطائفتين من اليهود. وكانت إحداهما قد ~~قهرت الأخرى فى الجاهلية، حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته ~~العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقا. وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة ~~فديته مائة وسق. فكانوا على ذلك حتى قدم النبى صلى الله عليه وسلم فقتلت ~~الذليلة من العزيزة قتيلا، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة أن ابعثوا لنا ~~بمائة وسق فقالت الذليلة وهل كان فى حيين دينهما واحد ونسبهما واحد، ~~وبلدهما واحد، دية بعضهم نصف دية بعض؟ إنما أعطيناكم هاذ خوفا منكم، فأما ~~إذ قدم محمد صلى الله عليه وسلم فلا نعطيكم، فكادت الحرب تهيج بينهما. ثم ~~ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حكما بينهم. # ثم ذكرت العزيزة فقالت والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم. ~~ولقد صدقوا. ما أعطونا هذا إلا خوفا منا. فدسوا إلى محمد من يخبر لكم ~~رأيه. إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه، وإن لم يعطكم لا تحكموه. فدسوا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا من المنافقين ليخبروا لهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فلما جاءوه أخبر الله رسوله بأمرهم كله وما أرادوا. ~~فأنزل الله - تعالى - { يأيها الرسول لا يحزنك } إلى قوله # ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الفاسقون # قال ابن كثير - بعد أن ساق هذه الأحاديث وغيرها - فهذه الأحاديث دالة ~~على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم بما يوافق حكم التوراة. وليس ~~هذا من باب الإكرام لهم بما يعتقدون صحته، لأنهم مأمورون باتباع الشرع ms1536 ~~المحمدى لا محالة، ولكن هذا بوحى خاص من الله - تعالى - إليه بذلك ~~وسؤالهم إياه عن ذلك ليقررهم على ما بأيديهم مما تواطأوا على كتمانه ~~وجحوده وعدم العمل به تلك الدهور الطويلة. فلما اعترفوا به مع علمهم على ~~خلافه، ظهر زيفهم وعنادهم وتكذيبهم لما يعتقدون صحته من الكتاب الذى ~~بأيديهم، وعدولهم إلى تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم إنما كان عن هوى ~~منهم وشهوه لموافقة آرائهم لا لاعتقادهم صحة ما يحكم به، ولهذا قالوا { ~~إن أوتيتم هذا فخذوه } أى إن حكم بالجلد والتحميم فاقبلوا ~~حكمه، { وإن لم تؤتوه فاحذروا } أى وإن لم يحكم بذلك ~~فاحذروا من قبوله واتباعه. وبمطالعتنا لهذه الأحاديث التى وردت فى سبب ~~نزول الآيات، نراها جميعها قد وردت بأسانيدها صحيحة وفى كتب السنة ~~المعتمدة، وأن بعضها قد حكى أن الآيات نزلت فى شأن القضية التى تحاكم ~~فيها اليهود إلى النبى صلى الله عليه وسلم وبعضها قد حكى أنها نزلت فى ~~قضية دماء. ولا تعارض بين هذه الأحاديث، فقد يكون هذان السببان قد حصلا ~~فى وقت واحد، أو متقارب، فنزلت هذه الآيات فيهما معا. وقد قرر العلماء ~~أنه لا مانع من تعدد أسباب النزول للآية الواحدة أو للطائفة من الآيات. ~~هذا، وقد افتتحت هذه الآيات الكريمة بنداء من الله - تعالى - لرسوله صلى ~~الله عليه وسلم فقال - سبحانه - { يأيها الرسول لا يحزنك ~~الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا ~~بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا ~~}. قال القرطبى قوله - تعالى - { لا يحزنك } قرأ نافع بضم الياء ~~وكسر الزاى وقرأ الباقون بفتح الياء وضم الزاى. والحزن خلاف السرور. ~~ويقال حزن الرجل - بالكسر - فهو حزن وحزين ". والمعنى يأيها الرسول ~~الكريم إن ربك يقول لك لا تهتم ولا تبال بهؤلاء المنافقين، وبأولئك ~~اليهود الذين يقعون فى الكفر بسرعة ورغبة، ويقولون بأفواهم آمنا بك ~~وصدقناك، مع أن قلوبهم خالية من الإيمان، ومليئة بالنفاق والفسوق ~~والعصيان. # . لا تهتم - أيها الرسول الكريم - بهؤلاء جميعا، فإنى ناصرك عليهم، ~~وكافيك شرهم. وفى ندائه صلى الله عليه وسلم ms1537 بعنوان الرسالة { يأيها ~~الرسول } تشريف له وتكريم وإشعار بأن وظيفته كرسول أن يبلغ رسالة ~~الله دون أن يصرفه عن ذلك عناد المعاندين، أو كفر الكافرين، فإن تكاليف ~~الرساله تحتم عليه الصبر على أذى أعدائه حتى يحكم الله بينه وبينهم. ~~والنهى عن الحزن - وهو أمر نفسى لا اختيار للإنسان فيه - المراد به هنا ~~النهى عن لوازمه، كالإكثار من محاولة تجديد شأن المصائب. وتعظيم أمرها، ~~وبذلك تتجدد الآلام، وتعز السلوى. وفى هذه الجملة الكريمة تسلية الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وتأنيس لقلبه، وإرشاد له إلى ما سيقع له من أعدائه من ~~شرور حتى لا يتأثر بها عند وقوعها. وفى التعبير بقوله { يسارعون في ~~الكفر } ذم لهم على انحدارهم فى دركات الكفر بسرعة من غير مواناة ولا ~~تدبر ولا تفكر. فهم يتنقلون بحركات سريعة فى ثنايا الكفر ومداخله دون أن ~~يزعهم وازع من خلق أو دين. قال صاحب الكشاف يقال اسرع فيه الشيب، وأسرع ~~فيه الفساد بمعنى وقع فيه سريعا. فكذلك مسارعتهم فى الكفر عبارة عن ~~إلقائهم أنفسهم فيه على أسرع الوجوه، بحيث إذا وجدوا فرصة لم يخطئوها ". ~~وقال أبو السعود والمسارعة فى الشىء الوقوع فيه بسرعة ورغبة. وإيثار كلمة ~~{ فى } على كلمة إلى، للإيمان إلى أنهم مستقرون فى الكفر لا يبرحونه. ~~وإنما ينتقلون بالمسارعة عن بعض فنونه وأحكامه إلى بعض آخر منها، كإظهار ~~موالاة المشركين، وإبراز آثار الكيد للإسلام ونحو ذلك ". وقوله { من ~~الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ~~} بيان لأولئك المسارعين فى الكفر. والمتنقلين فى دركاته من دركة إلى ~~دركة. وقوله { بأفواههم } متعلق بقوله { قالوا } وقوله { ولم تؤمن ~~قلوبهم } جملة حالية من ضمير، قالوا. وقوله { ومن الذين ~~هادوا } معطوف على قوله { من الذين قالوا آمنا ~~بأفواههم } وعليه فيكون الذين هادوا داخلين فى الذين يسارعون فى ~~الكفر. أى أن المسارعين فى الكفر فريقان فريق المنافقين الذين قالوا آمنا ~~بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وفريق اليهود الذين تميزوا بهذا الإسم ~~واشتركوا مع المنافقين فى نفاقهم والمعنى لا تهتم يا محمد بأولئك الذين ~~يسارعون ms1538 فى الكفر من المنافقين واليهود الذين من صفاتهم أنهم يظهرون ~~الإيمان على أطراف ألسنتهم والحال أن قلوبهم خالية منه. وعلى هذا المعنى ~~يكون الكلام قد تم عند قوله - تعالى - { ومن الذين هادوا } ، ~~ويكون ما بعده وهو قوله { سماعون للكذب }. إلخ. من أوصاف ~~الفريقين معا، لأنهم مشتركون فى المسارعة فى الكفر. # ومنهم من يرى أن قوله تعالى { ومن الذين هادوا } جملة مستأنفة ~~لبيان أحوال فريق آخر من الناس وهم اليهود، وأن قوله - تعالى - بعد ذلك { ~~سماعون للكذب } الخ. من أوصاف هؤلاء اليهود، وأن الكلام قد تم ~~عند قوله - تعالى - { ولم تؤمن قلوبهم } وأن البيان بقوله { ~~من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن ~~قلوبهم } لفريق المنافقين. قال الفخر الرازى قوله { ومن ~~الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم ~~آخرين لم يأتوك } ذكر الفراء والزجاج ها هنا وجهين الأول أن ~~الكلام إنما يتم عند قوله { ومن الذين هادوا } ثم يبدأ الكلام ~~من قوله { سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين } ~~وتقدير الكلام لا يحزنك الذين يسارعون فى الكفر من المنافقين ومن اليهود ~~ثم بعد ذلك وصف الكل بكونهم سماعين للكذب. الثانى أن الكلام تم عند قوله ~~- تعالى - { ولم تؤمن قلوبهم } ثم ابتدأ من قوله { ومن ~~الذين هادوا سماعون للكذب } وعلى هذا التقدير فقوله { ~~سماعون } صفة لمحذوف. والتقدير ومن الذين هادوا قوم سماعون. قال الجمل ~~الأولى والأحسن أن يكون قوله و { ومن الذين هادوا } معطوفا على ~~البيان وهو قوله { من الذين قالوا آمنا } فيكون البيان ~~بشيئين المنافقين واليهود. أما على القول الثانى فيكون البيان بشىء واحد ~~وهو المنافقون ". وقوله { سماعون للكذب سماعون لقوم ~~آخرين لم يأتوك } صفتان أخريان لأولئك الذين يقعون فى الكفر ~~بسرعة ورغبة. وقوله { سماعون } جمع سماع. وهو صيغة مبالغة جىء بها لافادة ~~أنهم كثيرو السماع للكذب، وأنهم لفساد نفوسهم يجدون لذة فى الاستماع إليه ~~من رؤسائهم وأحبارهم، ومن هم على شاكلتهم فى العناد والضلال. واللام فى ~~قوله { للكذب } للتقوية أى أنهم يسمعون الكذب كثيرا سماع قبول وتلذذ، ~~ويأخذونه ممن يقوله من أعداء الإسلام على ms1539 أنه حقائق ثابتة لا مجال للريب ~~فيها. وقيل إن اللام للتعليل أى أنهم كثيرو السماع لكلام الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ولأخباره من أجل الكذب عليه، عن طريق تغيير وتبديل ما سمعوه ~~على حسب ما تهواه نفوسهم المريضة. وقوله { سماعون لقوم آخرين ~~لم يأتوك } بيان لمسلك آخر من مسالكهم الخبيثة بعد بيان احتفالهم ~~بالأخبار الكاذبة، وتقبلها بفرح وسرور. أى أن هؤلاء المسارعين فى الكفر ~~من المنافقين واليهود من صفاتهم أنهم كثيرو السماع للأكاذيب التى يروجها ~~أعداء الدعوة الإسلامية ضدها كثيرو السماع والقبول والاستجابة لما يقوله ~~عنها قوم آخرون من أعدائها لم يحضروا مجالس الرسول صلى الله عليه وسلم ~~تكبرا وعتوا. ويجوز أن يكون المعنى أنهم كثيرو السماع للكذب عن محبة ~~ورغبة، وأنهم كثيرو السماع لما يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم لينقلوه ~~إلى قوم آخرين - من أشباههم فى الكفر والعناد - ولم يحضرو مجالس الرسول ~~صلى الله عليه وسلم أنفة وبغضا فأنت ترى أن القرآن قد وصفهم بفساد ~~بواطنهم حيث استحبوا الكذب على الصدق. # كما وصفهم بضعف نفوسهم حيث صاروا مطايا لغيرهم يطيعون أمرهم ويبلغون ~~أخبار المسلمين، فهم عيون على المسلمين ليبلغوا أخبارهم إلى زعماء الكفر ~~والنفاق. وإلى هذين المعنيين أشار صاحب الكشاف بقوله ومعنى { سماعون ~~للكذب } قابلون لما بفتريه الأحبار ويفتعلونه من الكذب على الله ~~وتحريف كتابه، من قولك الملك يسمع كلام فلان، ومنه سمع الله لمن حمده. ~~وقوله { سماعون لقوم آخرين لم يأتوك } يعنى اليهود ~~الذين لم يصلوا إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجافوا عنه لما ~~أفرد فيهم من شدة البغضاء. وتبالغ من العداوة، أى قابلون من الأحبار ومن ~~أولئك المفرطين فى العداوة الذين لا يقدرون أن ينظروا إليك وقيل سماعون ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل أن يكذبوا عليه، بأن يمسخوا ما ~~سمعوا منه بالزيادة والنقصان والتبديل والتغيير سماعون من رسول الله لأجل ~~قوم آخرين من اليهود وجهودهم عيونا ليبلغوهم ما سمعوا منه ". وقوله { ~~يحرفون الكلم من بعد مواضعه } صفة أخرى للقوم الآخرين ms1540 ~~الذين لم يأتوا إلى مجالس الرسول صلى الله عليه وسلم أنفة وبغضا. أو ~~للمسارعين فى الكفر من الفريقين. وقوله { يحرفون } من التحريف ~~وأصله من الحرف وهو طرف الشىء. ومعناه إمالة الكلام عن معناه، وإخراجه عن ~~أطرافه وحدوده. والكلم اسم جنس جمعى للفظ كلمة ومعناه الكلام. أى أن ~~هؤلاء القوم الآخرين الذين لم يحضروا مجلسك نفورا منك، أو هم والمسارعون ~~فى الكفر من المنافقين واليهود من صفاتهم ودأبهم تحريف جنس الكلم عن ~~مواضعه. فهو يحرفون كلامك يا محمد، ويحرفون التوراة، ويحرفون معانى ~~القرآن حسب أهوائهم وشهواتهم ويحرفون الحق الذى جئت به تارة تحريفا ~~لفظيا، وتارة تحريفا معنويا، وتارة بغير ذلك من وجوه التحريف ~~والتبديل. وقوله { من بعد مواضعه } أى يحرفون الكلم من بعد ~~استقرار مواضعه وبيان حلالها وحرامها. وعبر هنا " من بعد مواضعه " وفى ~~مواطن أخرى بقوله # عن مواضعه # لأن المقام هنا للحديث عن الأحكام المستقرة الثابتة التى حاول أولئك ~~المسارعون فى الكفر تغييرها وإحلال أحكام أخرى محلها تبعا لأهوائهم كما ~~حدث فى قضية الزنا وفى غيرها من القضايا التى تحاكموا فيها إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فكان من المناسب هنا التعبير بقوله { من بعد ~~مواضعه } أى من بعد استقرار مواضعه وثبوتها لا يقبل التحريف أو ~~التغيير أو الإهمال. وقوله { يقولون إن أوتيتم هذا ~~فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا } بيان لما نطقت به أفواه ~~أولئك الذين لم يحضروا مجالس رسول الله من مكر وخداع وضلال. أى أن أولئك ~~القوم الآخرين الذين لم يحضروا مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم عنادا ~~وتكبرا لم يكتفوا بتحريف الكلم عن مواضعه هم وأشياعهم. # بل كانوا إلى جانب ذلك يقولون لمطاياهم السامعين منهم أو السامعين من ~~أجلهم يقولن لهم عندما أرسلوهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليحكم ~~بينهم { إن أوتيتم هذا فخذوه } أى إن أفتاكم محمد صلى الله ~~عليه وسلم يمثل هذا الذى نفتيكم به - كالجلد والتحميم بدل الرجم - ~~فاقبلوا حكمه وخذوه واعملوا به { وإن لم تؤتوه فاحذروا } ~~أى وإن أفتاكم بغير ms1541 ما أفتيناكم به فاحذروا قبول حكمه، وإياكم أن ~~تستجيبوا له، أو تميلوا إلى ما قاله لكم. واسم الإشارة هذا فى قوله { ~~يقولون إن أوتيتم هذا } يعود إلى القول المحرف الذى تواضع ~~أحبار اليهود على الإفتاء به تبعا لأهوائهم. كما حدث منهم فى قضية ~~الزنا حيث غيروا حكم الرجم بحكم آخر هو الجلد والتحميم. وفى ترتيب الأمر ~~بالحذر على مجرد عدم إيتاء المحرف، إشارة إلى تخوفهم الشديد من ميل ~~أتباعهم إلى حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم يحذرونهم بشدة من ~~الاستماع إلى ما يقوله لهم مما يخالف ما تواضعوا عليه من أباطيل. وقوله { ~~إن أوتيتم } مفعول لقوله { يقولون }. واسم الإشارة { هذا } مفعول ~~ثان " لأوتيتم " والأول نائب الفاعل وقوله { فخذوه } جواب الشرط ثم بين - ~~سبحانه - سوء عاقبتهم فقال { ومن يرد الله فتنته فلن ~~تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد ~~الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ~~ولهم في الآخرة عذاب عظيم }. أى ومن يقض الله بكفره ~~وضلاله، فلن تملك له - أيها الرسول الكريم - شيئا من الهداية لتدفع بها ~~ضلالة وكفره، أولئك الموصوفون بما ذكر من الصفات الذميمة لم يرد الله - ~~تعالى - أن يطهر قلوبهم من النفاق والضلال لأنهم استحبوا العمى على ~~الهدى، { لهم في الدنيا خزي } أى فضيحة وهوان بسبب ظهور ~~كذبهم، وفساد نفوسهم، وانتشار تعاليم الإسلام التى يحاربونها ويشيعون ~~الأباطيل حولها وحول من جاء بها صلى الله عليه وسلم. { ولهم في ~~الآخرة عذاب عظيم } وهو خلودهم فى النار بسبب اجتراحهم السيئات، ~~ومحاربتهم لمن جاءهم بالحق والهدى والسعادة. ثم كشف - سبحانه - عن رذيلة ~~أخرى من رذائلهم المتعددة فقال - تعالى - { سماعون للكذب ~~أكالون للسحت }. والسحت هو كل ما خبث كسبه وقبح مصدره، ~~كالتعامل بالربا وأخذ الرشوة وما إلى ذلك من وجوه الكسب الحرام. وقد بسط ~~الإمام القرطبى هذا المعنى فقال والسحت فى اللغة أصله الهلاك والشدة. ~~قال - تعالى - # فيسحتكم بعذاب # أى - فيهلككم ويستأصلكم بعذاب - ويقال للحالق أسحت أى استأصل. وقال ~~الفراء أصل السحت كلب الجوع. يقال رجل ms1542 مسحوت المعدة أى أكول، فكأن ~~بالمسترشى وآكل الحرام من الشره إلى ما يعطى مثل الذى بالمسحوت المعدة من ~~النهم. # وعن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال # " " كل لحم نبت بالسحت فالنار أولى به " قالوا يا رسول الله وما السحت؟ ~~قال " الرشوة فى الحكم ". # وقال بعضهم من السحت أن يأكل الرجل بجاهه. وذلك بأن يكون له جاه عند ~~السلطان فيسأله إنسان حاجة فلا يقضيها إلا برشوة يأخذها ". والمعنى أن ~~هؤلاء المنافقين واليهود من صفاتهم - أيضا - أنهم كثيرو السماع للكذب، ~~وكثيرو الأكل للمال الحرام بجميع صوره وألوانه. ومن كان هذا شأنه فلا ~~تنتظر منه خيرا، ولا تؤمل فيه رشدا. وقوله { سماعون } خبر لمبتدأ محذوف ~~أى هم سماعون. وكرر تأكيدا لما قبله، وتمهيدا لما بعده وهو قوله { ~~أكالون للسحت }. وجاءت هاتان الصفتان - سماعون وأكالون - بصيغة ~~المبالغة، للإيذان بأنهم محبون حبا جما لما يأباه الدين والخلق الكريم. ~~فهم يستمرئون سماع الباطل من القول، كما يستمرئون أكل أموال الناس ~~بالباطل إن اليهود بصفة خاصة قد اشتهروا فى كل زمان بتقبل السحت، وقد ~~أرشد الله - تعالى - نبيه إلى ما يجب عليه نحوهم إذا ما تحاكموا إليه ~~فقال { فإن جآءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ~~وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت ~~فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ~~}. أى فإن جاءك هؤلاء اليهود متحاكمين إليك - يا محمد - فى قضاياهم، فأنت ~~مخير بين أن تحكم بما أراك الله، وبين أن تتركهم وتهملهم وتعرض عنهم، وإن ~~تعرض عنهم، فيما احتكموا فيه إليك، قاصدين مضرتك وإيذاءك فلا تبال بشىء ~~من كيدهم، لأن الله حافظك وناصرك عليهم، وإن اخترت الحكم فى قضاياهم، ~~فليكن حكمك بالعدل الذى أمرت به، لأن الله - تعالى - يحب العادلين فى ~~أحكامهم. والفاء فى قوله { فإن جآءوك } للإفصاح أى إذا كان هذا ~~حالهم وتلك صفاتهم فإن جاءوك متحاكمين إليك فيما شجر بينهم من خصومات { ~~فاحكم بينهم أو أعرض عنهم }. وجاء التعبير بإن ~~المفيدة للشك - مع أنهم قد جاءوا إليه - للإيذان بأنهم كانوا مترددين فى ~~التحاكم ms1543 إليه صلى الله عليه وسلم وأنهم ما ذهبوا إليه ظنا منهم بأنه ~~سيحكم فيهم بما يتفق مع أهوائهم، فلما حكم فيهم بما هو الحق كبتوا وندموا ~~على مجيئهم إليه. قال أبو السعود وقوله { وإن تعرض عنهم } بيان ~~لحال الأمرين إثر تخييره صلى الله عليه وسلم بينهما. وتقديم حال ~~الإعراض، للمسارعة إلى بيان أنه لا ضرر فيه، حيث كان مظنة الضرر، لما ~~أنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلا لطلب الأيسر والأهون عليهم، فإذا أعرض ~~عنهم وأبى الحكومة بينهم شق ذلك عليهم فتشتد عداوتهم ومضارتهم له، فأمنه ~~الله بقوله { فلن يضروك شيئا } من الضر. وكان التعبير بإن أيضا ~~فى قوله { وإن حكمت فاحكم بينهم } للإشارة إلى أنه صلى ~~الله عليه وسلم ليس حريصا على الحكم بينهم بل هو زاهد فيه، لأنهم ليسوا ~~طلاب حق وانصاف بل هم يريدون الحكم كما يهوون ويشتهون، والدليل على ذلك ~~أن التوراة التى بين أيديهم فيها حكم الله، إلا أنهم جاءوا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مؤملين أن يقضى بينهم بغير ما أنزل الله، فيشيعوا ذلك ~~بين الناس، ويعلنوا عدم صدقه فى نبوته، فلما حكم بما أنزل الله خاب أملهم ~~وانقلبوا صاغرين. # وقوله { إن الله يحب المقسطين } تذييل مقرر لما قبله من ~~وجوب الحكم بينهم بالعدل إذا ما اختار أن يقضى بينهم. يقال أقسط الحاكم ~~فى حكمه، إذا عدل وقضى بالحق فهو مقسط أى عادل ومنه قوله - تعالى - { ~~إن الله يحب المقسطين }. روى مسلم فى صحيحه عن عبد الله ~~بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن. وكلتا يديه ~~يمين. الذين يعدلون فى حكمهم وأهليهم وما ولوا ". # هذا، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة ما يأتى 1 - ~~أن أكل السحت حرام سواء أكان عن طريق الرشوة أم عن أى طريق محرم سواها. ~~ولقد كان السابقون من السلف الصالح يتحرون الحلال. وينفرون من الحرام، بل ~~ومن الشبهات، وكانوا يرون أن ms1544 تأييد الحق ودفع الباطل واجب عليهم، وأنه لا ~~يصح أن يأخذوا عليه أجرا. قال ابن جرير شفع مسروق لرجل فى حاجة فأهدى ~~إليه جارية، فغضب مسروق غضبا شديدا وقال لو علمت أنك تفعل هذا ما كلمت ~~فى حاجتك، ولا أكلمه فيما بقى من حاجتك. سمعت ابن مسعود يقول من شفع ~~شفاعة ليرد بها حقا، أو يرفع بها ظلما، فأهدى له، فقيل، فهو سحت ". وعن ~~عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " " كل لحم أنبته السحت فالنار أولى به " قيل يا رسول الله وما السحت؟ ~~قال صلى الله عليه وسلم " الرشوة فى الحكم ". # وعن الحكم بن عبد الله قال قال لى أنس بن مالك إذا انقلبت إلى أبيك فقل ~~له إياك والرشوة فإنها سحت. وكان أبوه على شرط المدينة ". قال بعض ~~العلماء والرشوة قد تكون فى الحكم وهى محرمه على الراشى والمرتشى. وقد ~~روى أنه صلى الله عليه وسلم قال # " لعن الراشى والمرتشى والذى يمشى بينهما " # لأن الحاكم حينئذ إن حكم له بما هو حقه كان فاسقا من جهة أنه قبل ~~الرشوة على أن يحكم بما يعرض عليه الحكم به. وإن حكم بالباطل كان فاسقا ~~من جهة أنه أخذ الرشوة. # ومن جهة أنه حكم بالباطل. وقد تكون الرشوة فى غير الحكم مثل أن يرشو ~~الحاكم ليدفع ظلمه عنه فهذه الرشوة محرمة على آخذها غير محرمة على ~~معطيها، فقد روى عن الحسن أنه قال # " لا بأس أن يدفع الرجل من ماله ما يصون به عرضه " # وروى عن جابر بن زيد والشعبى أنهما قالا " لا بأس بأن يصانع الرجل عن ~~نفسه وماله إذا خاف الظلم ". وقد ورد # " أنه صلى الله عليه وسلم حين قسم غنائم بعض الغزوات وأعطى العطايا ~~الجزيلة، أعطى العباس بن مرداس أقل من غيره، فلم يرق ذلك العباس وقال ~~شعرا يتضمن التعجيب من هذا التصرف. فقال صلى الله عليه وسلم اقطعوا لسانه ~~" # فزادوه حتى رضى. فهذا نوع من الرشوة رخص فيه السلف لدفع الظلم عن ms1545 نفسه ~~يدفعه إلى من يريد ظلمه أو انتهاك عرضه ". 2 - استدل بعض العلماء بقوله - ~~تعالى - { فإن جآءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } ~~على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مخيرا فى الحكم بين أهل الكتاب أو ~~الإعراض عنهم، وأن حكم التخيير غير منسوخ، لأن ظاهر الآية يفيد ذلك. ~~ويرى فريق من العلماء أن هذا التخيير قد نسخ بقوله - تعالى - بعد ذلك # وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله # قالوا إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان أولا مخيرا ثم أمر بعد ذلك ~~بإجراء الأحكام عليهم. وقد رد القائلون بثبوت التخيير على القائلين ~~بالنسخ بأن التخيير ثابت بهذه الآية. أما قوله # وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله # فهو بيان لكيفية الحكم عند اختياره له. ويرى فريق ثالث من العلماء أن ~~التخيير ورد فى المعاهدين الذين ليسوا من أهل الذمة كبنى النضير وبنى ~~قريظة، فهؤلاء كان الرسول صلى الله عليه وسلم مخيرا بين أن يحكم بينهم أو ~~أن يعرض عنهم وقوله - تعالى - # وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله # ورد فى أهل الذمة الذين لهم مالنا وعليهم ما علينا. وعلى هذا فلا نسخ فى ~~الآية. قال الآلوسى قال أصحابنا أهل الذمة محمولون على أحكام الإسلام فى ~~البيوع والمواريث وسائر العقود، إلا فى بيع الخمر والخنزير، فإنهم يقرون ~~عليه، ويمنعون من الزنا كالمسلمين، ولا يرجمون لأنهم غير محصنين، واختلف ~~فى مناكحتهم، فقال أبو حنيفة يقرون عليها، وخالفه - فى بعض ذلك. محمد ~~وزفر. وليس لنا عليهم اعتراض قبل التراضى بأحكامنا فمتى تراضوا بها ~~وترافعوا إلينا وجب إجراء الأحكام عليهم، وتمام التفصيل فى كتب الفروع. 3 ~~- أخذا العلماء من هذه الآية - أيضا - أن الحاكم ينفذ حكمه فيما حكم فيه ~~لأن اليهود حكموا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بعض قضاياهم، فحكم ~~فيهم بما أنزل الله، ونفذ هذا الحكم عليهم. # قال بعضهم إنه صلى الله عليه وسلم قد حكم بينهم بشريعة موسى - عليه ~~السلام - ولكن هذا الحكم كان قبل أن تنزل عليه الحدود. أما الآن وقد ms1546 أكمل ~~الله الدين، وتقررت الشريعة، فلا يجوز لأى حاكم أن يحكم بغير الأحكام ~~الإسلامية لا فرق بين المسلمين وغيرهم. هذا، وبعد أن وصف الله - تعالى - ~~اليهود وأشباهم بجملة من الصفات القبيحة، وخير رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بين أن يحكم فيهم بشرع الله وبين أن يعرض عنهم. بعد كل ذلك أنكر ~~عليهم مسالكهم الخبيثة، وعجب كل عاقل من حالهم فقال - تعالى - { وكيف ~~يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم ~~يتولون من بعد ذلك ومآ أولئك بالمؤمنين } ~~أى أن أمر هؤلاء اليهود لمن أعجب العجب، لأنهم يحكمونك - يا محمد - فى ~~قضاياهم مع أنهم لم يتبعوا شريعتك ومع أن كتابهم التوراة قد ذكر حكم الله ~~صريحا واضحا فيما يحكمونك فيه. فالاستفهام فى قوله { وكيف ~~يحكمونك } للتعجب من أحوالهم حيث حكموا من لا يؤمنون به قضية ~~حكمها بين أيديهم، ظنا منهم أنه سيحكم بينهم بما اتفقوا عليه مما يرضى ~~أهواءهم وشهواتهم. وقوله { وعندهم التوراة } جملة حالية من ~~الواو فى { يحكمونك } والعامل ما فى الاستفهام من التعجيب. قال صاحب ~~الكشاف فإن قلت { فيها حكم الله } ما موضعه من الإعراب؟ قلت إما ~~أن ينتصب على الحال من التوراة، وكلمة التوراة، وكلمة التوارة هى مبتدأ ~~والخبر { عندهم } ، وإما أن يرتفع خبرا عنها كقولك وعندهم التوراة ناطقة ~~بحكم الله. وإما أن لا يكون له محل وتكون جملة مبينة، لأن عندهم ما ~~يغنيهم عن التحكيم كما تقول عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب فما تصنع ~~بغيره. وقوله { ثم يتولون من بعد ذلك } معطوف على ~~يحكمونك. وجاء العطف بثم المفيدة للتراخى للإشارة إلى التفاوت الكبير ~~بين ما فى التوراة من حق وبين ما هم عليه من باطل ومخادعة. واسم الإشارة ~~{ ذلك } يعود إلى حكم الله الذى فى التوراة، والذى حكم به النبى صلى الله ~~عليه وسلم. أى كيف يحكمونك يا محمد فى قضاياهم والحال أنهم عندهم التوراة ~~فيها حكم الله واضحا فيما تحاكموا إليك فيه، ثم هم يعرضون من بعد تحكيمك ~~عن حكمك الموافق لما قضى الله به ms1547 فى كتابهم التوراة. وقوله { ومآ ~~أولئك بالمؤمنين } تذييل مقرر لمضمون ما قبله. ونفى ~~الإيمان عنهم مع حذف متعلقة لقصد التعميم. أى وما أولئك الذين جاءوا ~~يتحاكمون إليك من اليهود بالمؤمنين لا بكتابهم التوراة. لأنهم لو كانوا ~~مؤمنين به لنفذوا أحكامه، ولا بك يا محمد لأنهم لو كانوا مؤمنين بك ~~استجابوا لك فيما تأمرهم به وتنهاهم عنه. # قال الفخر الرازى قوله - تعالى - { وكيف يحكمونك }..الخ هذا ~~تعجيب من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بتحكيم اليهود إياه بعد علمهم ~~بما فى التوراة من حد الزانى، ثم تركهم قبول ذلك الحكم فعدلوا عما ~~يعتقدونه حكما حقا إلى ما يعتقدونه باطلا طلبا للرخصة. فلا جرم ظهر جهلهم ~~وعنادهم فى هذه الواقعة من وجوه أحدها عدولهم عن حكم كتابهم. والثانى ~~رجوعهم إلى حكم من كانوا يعتقدون فيه أنه مبطل. والثالث إعراضهم عن حكمه ~~بعد أن حكموه. فبين الله حال جهلهم وعنادهم لئلا يغتريهم مغتر أنهم أهل ~~كتاب الله، ومن المحافظين على أمر الله ". وبعد أن وصف الله - تعالى - ~~اليهود وأشباههم بجملة من الصفات القبيحة، كمسارعتهم فى الكفر. وكثرة ~~سماعهم للكذب، وتحريفهم للكلم عن مواضعه، وتهافتهم على أكل السحت. وبعد ~~أن خير رسوله صلى الله عليه وسلم فى أن يحكم بينهم أو أن يعرض عنهم إذا ~~ما تحاكموا إليه، وبعد أن عجب كل عاقل من أحوالهم. بعد كل ذلك شرع - ~~سبحانه - فى بيان منزلة التوراة وفى بيان بعض ما اشتملت عليه من أحكام ~~فقال - تعالى - { إنآ أنزلنا التوراة فيها... } ### || [5.44-45] # قوله - تعالى - { إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ~~} بيان لشرف التوراة قبل أن تمتد إليها الأيدى الأثيمة بالتحريف ~~والتبديل. ويدل على شرفها وعلو مقامها أن الله - تعالى - هو الذى أنزلها ~~لا غيره، وأنه - سبحانه - جعلها مشتملة على الهدى والنور. والمراد ~~بالهدى، ما اشتملت عليه من بيان للأحكام والتكاليف والشرائع التى تهدى ~~الناس إلى طريق السعادة. والمراد بالنور ما اشتملت عليه من بيان للعقائد ~~السليمة، والمواعظ الحكيمة، والأخلاق القويمة. والمعنى إنا أنزلنا ~~التوراة على نبينا موسى ms1548 - عليه السلام - مشتملة على ما يهدى الناس إلى ~~الحق من أحكام وتكاليف وعلى ما يضئ لهم حياتهم من عقائد ومواعظ وأخلاق ~~فاضلة. ثم بين - سبحانه - بعض الوظائف التى جعلها للتوراة فقال { ~~يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ~~والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب ~~الله وكانوا عليه شهدآء }. والمراد بقوله { النبيون ~~} من بعثهم الله فى بنى إسرائيل من بعد موسى لإقامة التوراة. وقوله ~~الذين أسلموا صفة للنبيين. أى أسلموا وجوههم لله وأخلصوا له العبادة ~~والطاعة. وعن الحسن والزهرى وقتادة يحتمل أن يكون المراد بالنبيين الذين ~~أسلموا محمدا صلى الله عليه وسلم وذلك لأنه حكم على اليهوديين الذين زنيا ~~بالرجم، وكان هذا حكم التوراة. وإنما ذكر بلفظ الجمع تعظيما له. وقال ابن ~~الأنبارى هذا رد على اليهود والنصارى لأن بعضهم كانوا يقولون الأنبياء ~~كلهم يهود أو نصارى - فقال - تعالى - { يحكم بها النبيون ~~الذين أسلموا } يعنى أن الأنبياء ما كانوا موصوفين باليهودية أو ~~النصرانية، بل كانوا مسلمين لله منقادين لتكاليفة ". وقوله { للذين ~~هادوا } أى رجعوا عن الكفر. والمراد بهم اليهود. واللام للتعليل. ~~وقوله { والربانيون } معطوف على { النبيون } وهو جمع ربانى. وهم ~~- كما يقول ابن جرير - العلماء والحكماء البصراء بسياسة الناس وتدبير ~~أمورهم، والقيام بمصالحهم. وقوله { الأحبار } معطوف أيضا على { النبيون ~~}. قال القرطبى ما ملخصه والأحبار قال ابن عباس هم الفقهاء. والحبر ~~بالفتح والكسر - الرجل العالم وهو مأخوذ من التحبير بمعنى التحسين ~~والتزيين، فهم يحبرون العلم. أى يبينونه، وهو محبر فى صدورهم. والباء فى ~~قوله { بما استحفظوا من كتاب الله } متعلقة بقوله { ~~يحكم }. وقوله { استحفظوا } من الاستحفاظ بمعنى طلب الحفظ ~~بعناية وفهم، إذ أن السين والتاء للطلب، والضمير فى { استحفظوا } ~~يعود على النبيين والربانيين والأحبار. والمعنى إنا أنزلنا التوراة فيها ~~هداية للناس إلى الحق، وضياء لهم من ظلمات الباطل، وهذه التوراة يحكم بها ~~بين اليهود أنبياؤهم الذين أسلموا وجوههم لله، وأخلصوا له العبادة ~~والطاعة، ويحكم أيضا بينهم الربانيون والأحبار الذين هم خلفاء الأنبياء. # وكان هذا الحكم منهم بالتوراة بين اليهود، بسبب أنه - تعالى ms1549 - حملهم ~~أمانة حفظ كتابه، وتنفيذ احكامه وشرائعه وتعاليمه. ويصح أن يكون قوله { ~~بما استحفظوا } متعلقا بالربانيين والأحبار، وأن يكون الضمير ~~عائدا عليهم وحدهم. أى على الربانيين والأحبار ويكون الاستحفاظ بمعنى أن ~~الأنبياء قد طلبوا منهم حفظه وتطبيق أحكامه. والمعنى كذلك الربانيون ~~والأحبار كانوا يحكمون بالتوراة بين اليهود. بسبب أمر أنبيائهم إياهم بأن ~~يحفظوا كتاب الله من التغيير والتبديل. وقوله { وكانوا عليه ~~شهدآء } معطوف على { استحفظوا }. أى وكان الأنبياء والربانيون ~~والأحبار شهداء على الكتاب الذى أنزله الله - وهو التوراة - بأنه حق، ~~وكانوا رقباء على تنفيذ حدوده، وتطبيق أحكامه حتى لا يهمل شىء منها. قال ~~الفخر الرازى قوله { بما استحفظوا من كتاب الله } حفظ ~~كتاب الله على وجهين الأول أن يحفظ فلا ينسى. الثانى أن يحفظ فلا يضيع. ~~وقد أخذ الله على العلماء حفظ كتابه من وجهين. أحدهما أن يحفظوه فى ~~صدورهم ويدرسوه بألسنتهم. والثانى ألا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه. ~~وقوله { وكانوا عليه شهدآء } أى هؤلاء النبيون والربانيون ~~والأحبار كانوا شهداء على أن كل ما فى التوراة حق وصدق ومن عند الله فلا ~~جرم كانوا يمضون أحكام التوراة ويحفظونها من التحريف والتغيير ". ثم أمر ~~الله - تعالى - اليهود - ولا سيما علماءهم وفقهاءهم - أن يجعلوا خشيتهم ~~منه وحده. وألا يبيعوا دينهم بدنياهم فقال - تعالى - { فلا تخشوا ~~الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا }. ~~والخشية - كما يقول الراغب - خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك على علم ~~بما يخشى منه، ولذلك خص العلماء بها فى قوله # إنما يخشى الله من عباده العلماء # وكأن الراغب - رحمه الله - يريد أن يفرق بين الخوف والخشية فهو يرى أن ~~الخشية خوف يشوبه تعظيم ومحبة للمخشى بخلاف الخوف فهو أعم من أن يكون من ~~مرهوب معظم محبوب أو مرهوب مبغوض مذموم. والفاء فى قوله { فلا ~~تخشوا } للإفصاح عن كلام مقدر. والمعنى إذا كان الأمر كما ذكر من ~~أن الله - تعالى - قد أنزل التوراة لتنفيذ أحكامها، وتطبيق تعاليمها.. ~~فمن الواجب عليكم يا معشر اليهود أن تقتدوا بأنبيائكم وصلحائكم فى ذلك، ms1550 ~~وأن تستجيبوا للحث الذى جاء به رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم وأن ~~تجعلوا خشيتكم منى وحدى لا من أحد من الناس، فأنا الذى بيدى نفع العباد ~~وضرهم. وقوله { ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } معطوف ~~على قوله { فلا تخشوا الناس واخشون } والاشتراء هنا ~~المراد به الاستبدال. والمراد بالآيات ما اشتملت عليه التوراة من أحكام ~~وتشريعات وبشارات بالنبى صلى الله عليه وسلم. والمراد بالثمن القليل حظوظ ~~الدنيا وشهواتها من نحو الرياسة والمال والجاه وما إلى ذلك من متع الحياة ~~الدنيا. # أى ولا تستبدلوا بأحكام آياتى التى اشتملت عليها التوراة احكاما أخرى ~~تغايرها وتخالفها، لكى تأخذوا فى مقابل هذا الاستبدال ثمنا قليلا من حظوظ ~~الدنيا وشهواتها كالمال والجاه وما يشبه ذلك. وليس وصف الثمن بالقلة من ~~الأوصاف المخصصة للنكرات، بل هو من الأوصاف اللازمة للثمن المحصل فى ~~مقابل استبدال الآيات لأنه لا يكون إلا قليلا - وإن بلغ ما بلغ من أعراض ~~الدنيا - بالنسبة لطاعة الله، والرجاء فى رحمته ورضاه. وهذا النهى الذى ~~اشتملت عليه هاتان الجملتان الكريمتان { فلا تخشوا } { ولا ~~تشتروا } وإن كان موجها فى الأصل إلى رؤساء اليهود وأحبارهم. إلا ~~أنه يتناول الناس جميعا فى كل زمان ومكان، لأنه نهى عن رذائل يجب أن ~~يبتعد عنها كل إنسان يتأتى له الخطاب. وإلى هذا المعنى أشار الآلوسى ~~بقوله { فلا تخشوا الناس } خطاب لرؤساء اليهود وعلمائهم بطريق ~~الالتفات - إذ انتقل من الحديث عن الأحبار السابقين منهم إلى خطاب هؤلاء ~~المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم ويتناول غير أولئك المخاطبين بطريق ~~الدلالة ". ثم ختم - سبحانه - الآية ببيان سوء عاقبة من يفعل فعل اليهود، ~~فيحكم بغير شريعة الله فقال - تعالى - { ومن لم يحكم بمآ ~~أنزل الله فأولئك هم الكافرون }. أى كل من رغب عن ~~الحكم بما أنزل الله وقضى بغيره من الأحكام، فأولئك هم الكافرون بما ~~أنزله - سبحانه - لأنهم كتموا الحق الذى كان من الواجب عليهم إظهاره ~~والعمل به. والجملة الكريمة - كما يقول الآلوسى - تذييل مقرر لمضمون ما ~~قبلها أبلغ تقرير، وتحذير من الإخلال به ms1551 أشد تحذير. هذا ومن الأحكام ~~التى أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى 1 - سمو منزلة التوراة التى ~~أنزلها الله - تعالى - على نبيه موسى - عليه السلام، فقد أضاف - سبحانه - ~~إنزالها إليه، فكان لهذه الإضافة مالها من الدلالة على علو مقامها، كما ~~بين - سبحانه - شرفها الذاتى بذكر ما اشتملت عليه من هداية إلى الحق، ومن ~~نور يكشف للناس ما اشتبه عليهم من أمور دينهم ودنياهم. وهذا السمو إنما ~~هو للتوراة التى لم تمتد إليها أيدى اليهود بالتحريف والتبديل، والزيادة ~~والنقصان. أما تلك التوراة التى بين أيديهم الآن، والتى دخلها من التحريف ~~ما دخلها فهى عارية عن الثقة فى كثير مما اشتملت عليه من قصص وأحكام. 2 - ~~قال الفخر الرازى " دلت الآية على أنه يحكم بالتوارة النبيون والربانيون ~~والأحبار، وهذا يقتضى كون الربانيين أعلى حالا من الأحبار، فثبت أن يكون ~~الربانيون كالمجتهدين. والأحبار كآحاد العلماء. ثم قال وقد احتج جماعة ~~بأن شرع من قبلنا لازم علينا - إلا إذا قام الدليل على صيرورته منسوخا - ~~بهذه الآية، وتقريره أنه - تعالى - قال فى التوراة هدى ونورا، والمراد ~~كونها هدى ونورا فى أصول الشرع وفروعه، ولو كان ما فيها منسوخا غير معتبر ~~الحكم بالكلية لما كان فيها هدى ونور، ولا يمكن أن يحمل الهدى والنور على ~~ما يتعلق بأصول الدين فقط، لأنه ذكر الهدى والنور ولو كان المراد منهما ~~معا ما يتعلق بأصول الدين للزم التكرار، وأيضا فإن هذه الآية إنما نزلت ~~فى مسألة الرجم فلا بد وأن تكون الأحكام الشرعية داخلة فيها لأنا - وإن ~~اختلفنا فى أن غير سبب نزول الآية هل يدخل فيها أم لا - لكنا توافقنا على ~~أن سبب نزول الآية يجب أن يكون داخلا فيها ". # 3 - استدل العلماء بهذه الآية على أن الحاكم من الواجب عليه أن ينفذ ~~أحكام الله دون أن يخشى أحدا سواه، وأن عليه كذلك أن يبتعد عن أكل المحرم ~~بكل صوره وأشكاله، وألا يغير حكم الله فى نظير أى عرض من أعراض الدنيا، ~~لأن الله - تعالى - يقوله { فلا ms1552 تخشوا الناس واخشون } { ~~ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا }. وقد أشار إلى هذا ~~المعنى صاحب الكشاف بقوله قوله { فلا تخشوا الناس واخشون ~~} نهى للحكام عن خشيتهم غير الله فى حكومتهم، وادهانهم فيها - أى ~~ومصانعتهم فيها - وإمضائها على خلاف ما أمروا به من العدل لخشية سلطان ~~ظالم، أو خيفة أذية أحد من الأقرباء والأصدقاء وقوله { ولا تشتروا ~~بآياتي ثمنا قليلا } وهو الرشوة وابتغاء الجاه ورضا الناس، كما ~~حرف أحبار اليهود كتاب الله وغيروا أحكامه رغبة فى الدنيا وطلبا للرياسة ~~فهلكوا ". 4 - قال بعض العلماء فى قوله { ومن لم يحكم بمآ ~~أنزل الله فأولئك هم الكافرون } تغليظ فى الحكم ~~بخلاف المنصوص عليه، حيث علق عليه الكفر هنا والظلم والفسق بعد. وكفر ~~الحاكم لحكمه بغير ما أنزل الله مقيد بقيد الاستهانة به. والجحود له، ~~وهذا ما سار عليه كثير من العلماء وأثروه عن عكرمة وابن عباس. وعن عطاء ~~هو كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق. أى أن كفر المسلم وظلمه ~~وفسقه ليس مثل كفر الكافر وظلمه وفسقه. فإن كفر المسلم قد يحمل على جحود ~~النعمة ". وقال فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف قوله { ومن لم يحكم ~~بمآ أنزل الله فأولئك هم الكافرون } اختلف ~~المفسرون فيمن نزلت هذه الآية والآيتان بعدها. فقيل فى اليهود خاصة وقيل ~~فى الكفار عامة. وقيل الأولى فى هذه الأمة والثانية فى اليهود. والثالثة ~~فى النصارى والكفر إذا نسب إلى المؤمنين حمل على التشديد والتغليظ، لا ~~على الكفر الذى ينقل عن الملة. والكافر إذا وصف بالفسق والظلم أريد منهما ~~العتو التمرد فى الكفر. # وعن ابن عباس من لم يحكم بما أنزل الله جاحدا به فهو كافر. ومن أقربه ~~ولم يحكم به فهو ظالم فاسق ". وقال الآلوسى ما ملخصه واحتجت الخوارج بهذه ~~الآية على أن الفاسق كافر غير مؤمن. ووجه استدلالهم بها أن كلمة { من } ~~فى قوله { ومن لم يحكم } عامة شاملة لكل من لم يحكم بما أنزل ~~الله فيدخل الفاسق المصدق أيضا لأنه غير حاكم وغير عامل بما أنزل ms1553 الله. ~~وأجيب عن شبهتهم بأن الآية متروكة الظاهر فإن الحكم وإن كان شاملا لفعل ~~القلب والجوارح لكن المراد به هنا عمل القلب وهو التصديق ولا نزاع فى كفر ~~من لم يصدق بما أنزل الله - تعالى. والذى يبدو لنا أن هذه الجملة الكريمة ~~عامة فى اليهود وفى غيرهم فكل من حكم بغير ما أنزل الله، مستهينا بحكمه ~~- تعالى - أو منكرا له، يعد كافرا لأن فعله هذا جحود وإنكار واستهزاء ~~بحكم الله ومن فعل ذلك كان كافرا. أما الذى يحكم بغير حكم الله مع ~~إقراره بحكم الله واعترافه به، فإنه لا يصل فى عصيانه وفسقه إلى درجة ~~الكفر. ثم بين - سبحانه - بعض ما اشتملت عليه التوراة من أحكام فقال { ~~وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس والعين ~~بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن ~~بالسن والجروح قصاص }. فالآية الكريمة معطوفة على ما سبقها ~~وهو قوله - تعالى { إنآ أنزلنا التوراة }. وقوله كتبنا بمعنى ~~فرضنا وأوجبنا وقررنا. والمراد بالنفس الذات. أى أنزلنا التوراة على موسى ~~لتكون هداية ونورا لبنى إسرائيل، وفرضنا عليهم أن النفس بالنفس أى ~~مقتولة أو مأخوذة بها إذا قتلتها بغير حق. وأن العين مفقوءة { ~~بالعين } وأن { الأنف } مجدوع { بالأنف } وأن { والأذن } ~~مقطوعة { بالأذن } وأن { والسن } مقلوعة { بالسن } وأن { ~~والجروح قصاص } أى ذات قصاص، بأن يقتص فيها إذا أمكن ذلك، وإلا ~~فما لا يمكن القصاص فيه - ككسر عظم وجرح لحم لا يمكن الوقوف على نهايته - ~~ففيه حكومة عدل. وعبر - سبحانه - عما فرض عليهم من عقوبات فى التوراة ~~بقوله { كتبنا } للإشارة إلى أن هذه العقوبات وتلك الأحكام لا يمكن جحدها ~~أو محوها، لأنها مكتوبة والكتابة تزيد الكلام توثيقا وقوة. قال القرطبى ~~ما ملخصه قوله - تعالى - { والعين بالعين والأنف ~~بالأنف }. إلخ قرأ نافع وعاصم والأعمش وحمزة بالنصب فى جميعها على ~~العطف. وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر بنصب الكل إلا ~~الجروح فإنه بالرفع على القطع عما قبله والاستئناف به - أى أن الجروح ~~مبتدأ وقصاص خبره. وقرأ الكسائى وأبو عبيد { والعين بالعين ~~والأنف بالأنف ms1554 والأذن بالأذن والسن بالسن ~~والجروح } بالرفع فيها كلها. قال أبو عبيد حدثنا حجاج عن هارون عن ~~عباد بن كثير، عن عقيل عن الزهرى، عن أنس أن النبى صلى الله عليه وسلم ~~قرأ { وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس ~~والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن ~~والسن بالسن والجروح قصاص }. # والرفع من ثلاث جهات، بالابتداء والخبر. والوجه الثانى بالعطف على ~~المعنى على موضع أن النفس، لأن المعنى قلنا لهم النفس بالنفس والوجه ~~الثالث - قاله الزجاج - يكون عطفا على المضمر فى النفس. لأن الضمير فى ~~النفس فى موضع رفع، لأن التقدير أن النفس هى مأخوذة بالنفس فالأسماء ~~معطوفة على هى. وقوله { فمن تصدق به فهو كفارة له } ~~ترغيب فى العفو والصفح. والضمير فى به يعود إلى القصاص. والتعبير عنه ~~بالتصدق للمبالغة فى الحث عليه فإنه أدعى إلى صفاء النفوس، وإلى فتح باب ~~التسامح بين الناس. وقوله { فهو } يعود إلى التصدق المدلول عليه بالفعل ~~تصدق والضمير فى قوله { له } يعود إلى العافى المتصدق وهو المجنى عليه أو ~~من يقوم مقامه. والمعنى { فمن تصدق } بما ثبت له من حق القصاص، ~~بأن عفا عن الجانى فإن هذا التصدق يكون كفارة لذنوب هذا المتصدق، حيث قدم ~~العفو مع تمكنه من القصاص. وقيل إن الضمير فى { له } يعود على الجانى ~~فيكون المعنى فمن تصدق بما ثبت له من حق القصاص، بأن عفا عن الجانى، فإن ~~هذا التصدق يكون كفارة له. أى لذنوب الجانى، بأن لا يؤاخذه الله بعد ذلك ~~العفو. وأما المتصدق فأجره على الله. وقد رجح ابن جرير عودة الضمير إلى ~~العافى المتصدق وهو المجنى عليه أو ولى دمه فقال وأولى القولين فى ذلك ~~عندى بالصواب قول من قال عنى به فمن تصدق به فهو كفارة له أى المجروح، ~~ولأنه لأن تكون الهاء فى قوله له عائدة على من أولى من أن تكون عائدة على ~~من لم يجر له ذكر إلا بالمعنى دون التصريح، إذ الصدقة هى المكفرة ذنب ~~صاحبها دون المتصدق عليه فى سائر الصدقات. وقوله ms1555 { ومن لم يحكم ~~بمآ أنزل الله فأولئك هم الظالمون } تذييل قصد به ~~التحذير من مخالفة حكم الله. أى ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الظالمون لأنفسهم، حيث تركوا الحكم العدل واتجهوا إلى الحكم الجائر ~~الظالم. قال الرازى وفيه سؤال وهو أنه - تعالى -. قال أولا { ~~فأولئك هم الكافرون } وثانيا { هم الظالمون } ~~والكفر أعظم من الظلم، فلماذا ذكر أعظم التهديدات أولا وأى فائدة فى ذكر ~~الأخف بعده؟ وجوابه أن الكفر من حيث إنه إنكار لنعمة المولى وجحود لها ~~فهو كفر، ومن حيث إنه يقتضى إبقاء النفس فى العقاب الدائم الشديد فهو ظلم ~~على النفس. ففى الآية الأولى ذكر الله ما يتعلق بتقصيره فى حق الخالق - ~~سبحانه - وفى هذه الآية ذكر ما يتعلق بالتقصير فى حق نفسه ". # هذا، ومما أخذه العلماء من هذه الآية ما يأتى 1 - أن الآية الكريمة - ~~ككثير غيرها - تنعى على بنى إسرائيل إهمالهم لأحكام الله - تعالى - ~~وتهافتهم على ما يتفق مع أهوائهم. قال ابن كثير هذه الآية وبخت به اليهود ~~أيضا وقرعت عليه، فإن عندهم فى نص التوراة أن النفس بالنفس. وقد خالفوا ~~حكم ذلك عمدا وعنادا فأقادوا النضرى من القرظى، ولم يقيدوا القرظى من ~~النضرى وعدولا إلى الدية، كما خالفوا حكم التوراة فى رجم الزانى المحصن، ~~وعدولا إلى ما اصطلحوا عليه من الجلد والتحميم والإشهار. ولهذا قال هناك ~~{ ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون } ، لأنهم جحدوا حكم الله قصدا منهم وعنادا وعمدا. وقال ~~هنا فى تتمة الآية { فأولئك هم الظالمون }. لأنهم لم ~~ينصفوا المظلوم من الظالم فى الأمر الذى أمر الله بالعدل والتسوية بين ~~الجميع فيه، فخانوا وظلموا وتعدى بعضهم على بعض. ثم قال واستدل كثير ممن ~~ذهب من الأصوليين والفقهاء إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا بهذه الآية. وذلك ~~إذا حكى مقررا ولم ينسخ. والحكم عندنا على وفقها فى الجنايات عند جميع ~~الأئمة. وقال الحسن البصرى هى عليهم وعلى الناس عامة ". 2 - استدل جمهور ~~الفقهاء بعموم هذه الآية على أن الرجل ms1556 يقتل بالمرأة. ويؤيد ذلك ما رواه ~~النسائى وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب فى كتاب عمرو بن حزم ~~أن الرجل يقتل بالمرأة.. وفى رواية للإمام أحمد أن الرجل إذا قتل المرأة ~~لا يقتل بها، بل تجب ديتها. قال الآلوسى واستدل بعموم { أن النفس ~~بالنفس } من قال يقتل المسلم بالكافر، والحر بالعبد، والرجل بالمرأة ~~ومن خالف استدل بقوله - تعالى # الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى # وبقوله صلى الله عليه وسلم # " لا يقتل مؤمن بكافر ". # وأجاب بعض أصحابنا بأن النص تخصيص بالذكر فلا يدل على نفى ما عداه. ~~والمراد بما روى فى الحديث الكافر الحربى وقد روى أنه صلى الله عليه وسلم ~~قتل مسلما بذمى ". 3 - استدل العلماء بجريان القصاص فى الأطراف لقوله - ~~تعالى - { والعين بالعين } { والأنف بالأنف } إلخ. ~~إلا أنهم قالوا بوجوب استيفاء ما يماثل فعل الجانى بدون تعد أو ظلم فتؤخذ ~~العين اليمنى باليمنى عند وجودها، ولا تؤخذ اليسرى باليمنى. وقالوا إنما ~~تؤخذ العين بالعين إذا فقأها الجانى متعمدا. فإن أصابها خطأ ففيها نصف ~~الدية إن أصاب العينين معا خطأ ففيهما الدية كاملة. ويرى بعضهم أن فى ~~عين الدية كاملة لأن منفعته بها كمنفعة ذى عينين أو قريبة منها. وقد توسع ~~الإمام القرطبى فى بسط هذه المسائل فارجع إليه إن شئت. # 4 - أخذ العلماء من هذه الآية أن الله - تعالى - رغب فى العفو، وحض ~~عليه، وأجزل المثوبة لمن يقوم به فقد قال - تعالى - { فمن تصدق ~~به فهو كفارة له }. أى فمن تصدق بما ثبت له من حق القصاص ~~فتصدقه كفارة لذنوبه. وقد وردت فى الحض على العفو نصوص كثيرة ومن ذلك ~~قوله - تعالى - # فمن عفا وأصلح فأجره على الله # وقوله - تعالى - # والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله ~~يحب المحسنين # وروى الإمام أحمد عن الشعبى أن عبادة بن الصامت قال سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول # " ما من رجل يجرح فى جسده جراحة فيتصدق بها إلا كفر الله عنه مثل ما ~~تصدق به ". # وروى ابن جرير ms1557 عن أبى السفر قال دفع رجل من قريش رجلا من الأنصار، ~~فاندقت ثنيته. فرفعه الأنصارى إلى معاوية. فلما ألح عليه الرجل قال ~~معاوية شأنك وصاحبك. قال وأبوالدرداء عند معاوية. فقال أبو الدرداء سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " ما من مسلم يصاب بشىء من جسده، فيهبه إلا رفعه الله به درجة وحط عنه ~~به خطيئة " # فقال الأنصارى أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال سمعته ~~أذناى ووعاه قلبى - فخلى سبيل القرشى. فقال معاوية " مروا له بمال ". ومن ~~هذه الآية وغيرها نرى أن الإسلام قد جمع فيما شرع من عقوبات بين العدل ~~والرحمة فقد شرع القصاص زجرا للمعتدى. وإشعارا له بأن سوط العقاب مسلط ~~عليه إذا ما تجاوز حده، جبرا لخاطر المعتدى عليه، وتمكينا له من أخذ حقه ~~ممن اعتدى عليه. ومع هذا التمكين التام للمجنى عليه من الجانى فقد رغب ~~الإسلام المجنى عليه فى العفو عن الجانى حتى تشيع المحبة والمودة بين ~~أفراد الأمة، ووعده على ذلك بتكفير خطاياه، وارتفاع درجاته عند الله - ~~تعالى -. وبعد أن بين - سبحانه - منزلة التوراة وما اشتملت عليه من ~~هدايات وتشريعات أتبع ذلك ببيان منزلة الإنجيل وما اشتمل عليه من مواعظ ~~وأحكام.. فقال - تعالى - { وقفينا على آثارهم بعيسى... } ### || [5.46-47] # قوله { وقفينا } معطوف على قوله قبل ذلك # أنزلنا التوراة # وأصل القفو اتباع الأثر يقال قفاه يقفوه أى اتبع أثره، والتقفية ~~الاتباع، يقال قفيته بكذا أى اتبعته. وإنما سميت قافية الشعر قافية لأنها ~~تتبع الوزن، والقفا مؤخر الرقبة. ويقال قفا أثره إذا سار وراءه واتبعه. ~~قال صاحب الكشاف قفيته مثل عقبته، إذا أتبعته. ثم يقال قفيته وعقبته به، ~~فتعديه إلى الثانى بزيادة الباء. فإن قلت فأين المفعول الأول فى الآية؟ ~~قلت هو محذوف. والظرف الذى هو " على آثارهم " كالسادمسده، لأنه إذا قفى ~~به على أثره فقد قفى به إياه. والضمير فى قوله { على آثارهم } يعود ~~على النبيين فى قوله # يحكم بها النبيون الذين أسلموا # وقوله { آثارهم } جمع أثر وهو العلم الذى يظهر ms1558 للحس. وآثار القوم ما ~~أبقوا من أعمالهم. وقوله { على آثارهم } تأكيد لمدلول فعل " قفينا ~~" وإيماء إلى سرعة التقفية. وقوله. { لما بين يديه } أى لما ~~تقدمه، لأن ما بين يدى الإنسان كأنه حاضر أمامه. والمعنى وأتبعنا على ~~آثار أولئك النبيين الذين أسلموا وجوههم الله، وأخلصوا له العبادة والذين ~~كانوا يحكمون بالتوراة - كموسى وهارون وداود وسليمان وغيرهم - أتبعنا على ~~آثارهم بعيسى ابن مريم ناهجا نهجهم فى الخضوع والطاعة والإخلاص لله رب ~~العالمين ومصدقا للتوراه التى تقدمته، ومنفذا لأحكامها إلا ما جاء نسخه ~~فى الإنجيل منها. وفى التعبير بقوله { وقفينا على آثارهم } ~~إشارة إلى أن عيسى - عليه السلام - لم يكن بدعة من الرسل، وإنما هو واحد ~~منهم، جاء على آثار من سبقوه، سالكا مسلكهم فى الدعوة إلى عبادة الله ~~وحده وإلى التحلى بمكارم الأخلاق. وفى التعبير بقوله { بعيسى ابن ~~مريم } إيذان بأنه محدث كجميع المحدثات، وأنه قد ولد من أمه كما يولد ~~سائر البشر من أمهاتهم، وأنه لا نسب له إلا من جهتها، فليس له أب، وليس ~~ابنا لله - تعالى -، وإنما هو عبد من عباد الله أوجده بقدرته، وأرسله - ~~سبحانه - لدعوة الناس إلى توحيده وعبادته. وقوله { مصدقا } حال من عيسى - ~~عليه السلام - قال بعض العلماء " ولو سايرنا الواقع عند النصارى فى هذه ~~الأيام، لكان لذكر كلمة التصديق فى هذا المقام معنى أعمق من مجرد التصديق ~~بأصل النزول، بل بالتنفيذ، لأن الإنجيل ليس فيه أحكام عملية كثيرة، ~~فأحكام الأسرة كلها مأخوذة عند النصارى من التوراة، وليس ثمة نص قاطع فى ~~الأناجيل التى بين أيدينا يغاير ما جاء فى التوارة من أحكام تتعلق ~~بالأسرة، ولا بأحكام العقوبات من حدود وقصاص. ولقد رويت عبارات عندهم ~~منسوبة للمسيح - عليه السلام - تدل على العمل بأحكام التوراة، مثل قوله - ~~عليه السلام - " ما جئت لأنقض الناموس " أى التوراة. # وكلمة { بين يديه } تعبير قرآنى، للدلالة على أن التوراة كانت ~~حاضرة قائمة وقت مجىء عيسى - عليه السلام - وعلما عنده، وهو علم خال من ~~التحريف والتبديل، أوحى الله به إليه. ولفظ بين يديه ms1559 فى دلالته على الأمر ~~المهيأ من الاستعارات الرائعة، ومضمونها أن الأمر معلوم علما يقينا لعيسى ~~بن مريم - عليه السلام - كعلم المحسوس يكون موضوعا بين يديه. وقوله { ~~وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين ~~يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين } ~~معطوف على { قفينا }. وقد وصف الله - تعالى - الإنجيل الذى أعطاه لعيسى ~~بخمس صفات أولها أنه فيه { هدى } أى فيه هداية للناس إلى الحق الذى متى ~~اتبعوه سعدوا فى دنياهم وآخرتهم. وثانيها أنه فيه { نور } أى ضياء يكشف ~~لهم ما التبس عليهم من أمور دينية ودنيوية. وثالثها كونه { مصدقا ~~لما بين يديه من التوراة } أى أن الإنجيل مؤيد ومقرر ~~لما جاءت به التوراة من أحكام وآداب وشرائع أنزلها الله فيها. ورابعها ~~كونه { هدى } أى هو بذاته هدى فضلا على اشتماله عليه. وخامسها كونه { ~~وموعظة للمتقين } أى تذكير لهم بما يرق له القلب، وتصفو به ~~النفس، وتنزجر به القلوب عن غشيان المحرمات. وقوله { فيه هدى } جملة ~~مكونة من خبر مقدم ومبتدأ مؤخر. وقوله { نور } معطوف على قوله هدى ~~والجملة كلها فى موضع نصب على أنها حال من الإنجيل. أى أعطينا عيسى ~~الإنجيل حالة كونه مشتملا على الهدى والنور. وقوله { ومصدقا ~~لما بين يديه من التوراة } حال أيضا من الإنجيل. ولا ~~تكرار بين { مصدقا } الأولى وبين { مصدقا } الثانية، لأن الأولى لبيان ~~حال عيسى وأنه جاء يدعو الناس إلى التصديق بالتوراة وإلى تنفيذ أحكامها، ~~والثانية لبيان حال الإنجيل وأنه جاء مقرر لما اشتملت عليه التوراة من ~~أحكام أنزلها الله، وأن من الواجب على بنى إسرائيل أن يسيروا على هدى هذه ~~الأحكام إلا ما نسخه الإنجيل منها فعليهم أن يتبعوا أحكام الإنجيل ~~فيها. قال ابن كثير وقوله { ومصدقا لما بين يديه من ~~التوراة } أى متبعا لها غير مخالف لما فيها إلا فى القليل. مما بين ~~لبنى إسرائيل بعض ما كانوا يختلفون فيه - كما قال - تعالى - إخبارا عن ~~المسيح أنه قال لبنى إسرائيل # ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم # ولهذا كان المشهور من قول العلماء " أن ms1560 الإنجيل نسخ بعض أحكام التوراة ~~". وقوله { وهدى وموعظة للمتقين } معطوف على ما تقدم ~~ومنتظم معه فى سلك الحالية. وقال أولا { فيه هدى } وقال ثانيا { هدى ~~} لزيادة المبالغة فى التنويه بشأن الإنجيل، فهو مشتمل على ما يهدى ~~الناس إلى الحق والخير، وهو فى ذاته هدى، لأنه منزل من عند الله، ولأنه ~~بشارة بنبى يرسل من بعد عيسى اسمه أحمد. # قال الفخر الرازى " وأما كونه { هدى } مرة أخرى، فلأن اشتمال الإنجيل ~~على البشارة بمجىء محمد صلى الله عليه وسلم سبب لاهتداء الناس إلى نبوته. ~~ولما كان أشد وجوه الاختلاف والمنازعة بين المسلمين وبين اليهود، ~~والنصارى فى ذلك، لا جرم أعاده الله - تعالى - مرة أخرى تنبيها على أن ~~الإنجيل يدل دلالة ظاهرة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فكان هدى فى ~~هذه المسألة التى هى أشد المسائل احتياجا إلى البيان والتقرير. وأما كونه ~~موعظة فلاشتمال الإنجيل على النصائح والمواعظ والزواجر البليغة ~~المتأكدة. وإنما خصها بالمتقين، لأنهم هم الذين ينتفعون بها ". وقوله - ~~تعالى - { وليحكم أهل الإنجيل بمآ أنزل الله فيه ~~} أمر من الله - تعالى - لأتباع سيدنا عيسى - عليه السلام - الذين وجدوا ~~قبل بعثة النبى صلى الله عليه وسلم بأن يحكموا فيما بينهم بمقتضى أحكام ~~الإنجيل بدون تحريف أو تبديل. أما الذين وجدوا بعد بعثة النبى صلى الله ~~عليه وسلم فمن الواجب عليهم أن يصدقوه ويتبعوا شريعته، لأن الشريعة التى ~~جاء بها النبى صلى الله عليه وسلم نسخت ما قبلها من شرائع. قال الآلوسى ~~ما ملخصه، قوله { وليحكم أهل الإنجيل بمآ أنزل الله ~~فيه } أمر مبتدأ لهم بأن يحكموا ويعملوا بما فيه من الأمور التى من ~~جملتها دلائل رسالته صلى الله عليه وسلم وما قررته شريعته الشريفة من ~~أحكام، وأما الأحكام المنسوخة فليس الحكم بها حكما بما أنزل الله، بل هو ~~إبطال وتعطيل له إذا هو شاهد بنسخها وانتهاء وقت العمل بها، لأن شهادته ~~بصحة ما ينسخها من الشريعة الأحمدية شاهدة بنسخها، واختار كونه أمرا ~~مبتدأ الجبائى. وقيل هو حكاية للأمر الوارد عليهم بتقدير ms1561 فعل معطوف على ~~قوله { وآتيناه }. أى - وآتينا عيسى ابن مريم الإنجيل فيه هدى ونور - ~~وقلنا ليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه. وحذف القول - لدلالة ما ~~قبله عليه - كثير فى الكلام. ومنه قوله - تعالى - # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب. سلام ~~عليكم # واختار ذلك على بن عيسى. وقرأ حمزة { وليحكم } - بكسر اللام وفتح ~~الميم - بأن مضمرة - بعد لام كى - والمصدر معطوف على { وهدى ~~وموعظة } على تقدير كونهما معللين. أى وآتيناه ليحكم. وقوله { ~~ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الفاسقون } تذييل مقرر ومؤكد لوجوب الامتثال لأحكام الله - تعالى -. ~~أى ومن لم يحكم بما أنزل الله، فأولئك هم المتمردون الخارجون عن جادة ~~الحق. وعن السنن القويم، والصراط المستقيم. قال أبو حيان قوله { ومن ~~لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ~~} ناسب هنا ذكرالفسق. # لأنه خرج عن أمر الله - تعالى - إذ تقدم قوله { وليحكم } وهو أمر كما ~~قال - تعالى - للملائكة # اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ~~ففسق عن أمر ربه # أى خرج عن طاعته. وقال صاحب المنار ما ملخصه وأنت إذا تأملت الآيات ~~السابقة ظهر لك نكتة التعبير بالكفر فى الأولى وبوصف الظلم فى الثانية، ~~وبوصف الفسق فى الثالثة. ففى الآية الأولى كان الكلام فى التشريع، وإنزال ~~الكتاب مشتملا على الهدى والنور، والتزام الأنبياء وحكماء العلماء بالعمل ~~والحكم به. فكان من المناسب أن يختم الكلام ببيان أن كل معرض عن الحكم به ~~لعدم الإذعان له، مؤثرا لغيره عليه. يكون كافرا به. وأما الآية الثانية ~~فلم يكن الكلام فيها فى أصل الكتاب الذى هو ركن الإيمان، بل فى عقاب ~~المعتدين على الأنفس أو الأعضاء. فمن لم يحكم بحكم الله فى ذلك يكون ~~ظالما فى حكمه. وأما الآية الثالثة فهى فى بيان هداية الإنجيل وأكثرها ~~مواعظ وآداب وترغيب فى إقامة الشريعة على الوجه الذى يطابق مراد الشارع ~~وحكمته. فمن لم يحكم بهذه الهداية ممن خوطبوا فهم الفاسقون بالمعصية، ~~والخروج عن محيط تأديب الشريعة. وبعد أن تحدث - سبحانه - عن التوراة ~~والإنجيل ms1562 وما فيهما من الهدى والنور، وأمر باتباع تعاليمهما.. عقب ذلك ~~بالحديث عن القرآن الكريم الذى أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم فقال ~~- تعالى - { وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق... } ### || [5.48-50] # قوله { وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق مصدقا لما ~~بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه } معطوف على ~~قوله قبل ذلك # إنآ أنزلنا التوراة # والمراد بالكتاب الأول القرآن الكريم وأل فيه للعهد. والمراد بالكتاب ~~الثانى جنس الكتب السماوية المتقدمة فيشمل التوراة والإنجيل وأل فيه ~~للجنس وقوله { ومهيمنا عليه } أى رقيبا على ما سبقه من الكتب ~~السماوية المحفوظة من التغيير، وأمينا وحاكما عليها لأنه هو الذى يشهد ~~لها بالصحة ويقرر أصول شرائعها. قال ابن جرير وأصل الهيمنة الحفظ ~~والارتقاب. يقال إذا رقب الرجل الشىء وحفظه وشهده قد هيمن فلان عليه. فهو ~~يهيمن هيمنة، وهو عليه مهيمن ". وقال صاحب الكشاف وقرئ { ومهيمنا ~~عليه } - بفتح الميم - أى هو من عليه بأن حفظ من التغيير والتبديل ~~كما قال - تعالى - # لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه # والذى هيمن عليه هو الله - عز وجل. أو الحفاظ فى كل بلد، لو حرف حرف ~~منه أو حركة أو سكون لتنبه له كل أحد، ولاشمأزوا، رادين ومنكرين ". ~~والمعنى لقد أنزلنا التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، وأنزلنا إليك ~~يا محمد الكتاب الجامع لكل ما اشتملت عليه الكتب السماوية من هدايات وقد ~~أنزلناه ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل، وجعلناه { مصدقا ~~لما بين يديه من الكتاب } أى مؤيدا لما فى تلك الكتب ~~التى تقدمته من دعوة إلى عبادة الله وحده، وإلى التمسك بمكارم الأخلاق. ~~وجعلناه كذلك " مهيمنا عليها " أى أمينا ورقيبا وحاكما عليها. فأنت ترى ~~أن الله - تعالى - قد أشار إلى سمو مكانة القرآن من بين الكتب السماوية ~~بإشارات من أهمها أنه - سبحانه - لم يقل وقفينا على آثارهم - أى على آثار ~~الأنبياء السابقين - بمحمد صلى الله عليه وسلم وآتيناه القرآن. كما قال ~~فى شأن عيسى ابن مريم # وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا ~~لما بين يديه من التوراة وآتيناه ms1563 الإنجيل # إلخ. لم يقل ذلك فى شأن الرسول صلى الله عليه وسلم وفى شأن القرآن ~~الكريم، وإنما قال { وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق } ~~للإشارة إلى معنى استقلاله وعدم تبعيته لغيره من الكتب التى سبقته، ~~وللإيذان بأن الشريعة التى هذا كتابها هى الشريعة الباقية الخالدة التى ~~لا تقبل النسخ أو التغيير. وأنه - سبحانه - لم يزد فى تعريف الكتاب الذى ~~أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم على تعريفه بلام العهد فقال { ~~وأنزلنآ إليك الكتاب } للإشارة إلى كماله وتفوقه على سائر ~~الكتب. أى أنه الكتاب الذى هو جدير بهذا الاسم، بحيث إذا أطلق اسم الكتاب ~~لا ينصرف إلا إليه لأنه الفرد الكامل من بين الكتب فى هذا الوجود. # وأنه - سبحانه - قد وصفه بأنه قد أنزله ملتبسا بالحق والصدق، وأنه مؤيد ~~ومقرر لما اشتملت عليه الكتب السماوية من الدعوة إلى الحق والخير، وأنه - ~~فضلا عن كل ذلك - أمين على تلك الكتب، وحاكم عليها، فما أيده من أحكامها ~~وأقوالها فهو حق، ومالم يؤيده منها فهو باطل. قال ابن كثير جعل الله هذا ~~الكتاب العظيم الذى أنزله آخر الكتب وخاتمها، جعله أشملها وأعظمها ~~وأكملها، لأنه - سبحانه - جمع فيه محاسن ما قبله من الكتب وزاد فيه من ~~الكمالات ما ليس فى غيره، فلهذا جعله شاهدا وأمينا وحاكما عليها كلها، ~~وتكفل - سبحانه - بحفظه بنفسه فقال # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # وقوله { فاحكم بينهم بمآ أنزل الله ولا تتبع ~~أهوآءهم عما جآءك من الحق } أمر من الله - تعالى - ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يتلزم فى حكمه بين الناس الأحكام التى ~~أنزلها - سبحانه - والفاء فى قوله { فاحكم } للإفصاح عن شرط مقدر. أى ~~إذا كان شأن القرآن كما ذكرت لك يا محمد فاحكم بين هؤلاء اليهود وبين ~~غيرهم من الناس بما أنزله الله من أحكام، فإن ما أنزله هو الحق الذى لا ~~باطل معه، ولا تتبع فى حكمك أهواء هؤلاء اليهود وأشباههم لأن أتباعك ~~لأهواهئهم يجعلك منحرفا ومائلا عما جاءك من الحق الذى لا مرية فيه ولا ms1564 ~~ريب. ولم يقل - سبحانه - " فاحكم بينهم به " بل ترك الضمير وعبر بالموصول ~~فقال { فاحكم بينهم بمآ أنزل الله } للتنبيه على علية ما ~~فى حيز الصلة للحكم، لأن الموصول إذا كان فى ضمن حكم تكون الصلة هى علة ~~الحكم. أى التزم فى حكمك بينهم بما يؤيده القرآن لأنه الكتاب الذى أنزله ~~الله عليك. قال بعض العلماء " وهذا يفيد أن اليهود الذين عاشروا النبى ~~صلى الله عليه وسلم ومن جاءوا بعدهم مخاطبون بشريعة القرآن، وأنه نسخ ما ~~قبله من الشرائع إلا ما جاء النص بوجوب العمل به كالقصاص، أو ما لم يثبت ~~أنهن نسخ والمعول عليه فى الحالين هو القرآن وما جاء به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ولقد روى أنه - عليه السلام - ذكر أن موسى لو كان حيا ما وسعه ~~إلا الإيمان به - عليه السلام. والضمير فى قوله، { أهواءهم } يعود إلى ~~أولئك اليهود الذين كانوا يتحاكمون إلى النبى صلى الله عليه وسلم لا بقصد ~~الوصول إلى الحق، وإنما بقصد الوصول إلى ما يسهل عليهم احتماله من أحكام. ~~قال الآلوسى والنهى يجوز أن يكون لمن لا يتصور منه وقوع المنهى عنه. ولا ~~يقال كيف نهى صلى الله عليه وسلم عن اتباع أهوائهم، وهو صلى الله عليه ~~وسلم معصوم عن ارتكاب ما دون ذلك. # وقيل الخطاب له صلى الله عليه وسلم والمراد سائر الحكام ". وقوله { ~~لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } استئناف جىء به لحمل ~~أهل الكتاب على الانقياد لحكمه صلى الله عليه وسلم بما أنزل الله إليه من ~~الحق. والشرعة والشريعة بمعنى واحد. وهى فى الأصل الطريق الظاهر الموصل ~~للماء. والمراد بها هنا ما اشتمل عليه الدين من أحكام تكليفية يجب العمل ~~بها أمرا ونهيا وندبا وإباحة. وسمى ما اشتمل عليه الدين من أحكام شريعة ~~تشبيها بشريعة الماء. من حيث إن كلا منهما سبب الحياة. إذ أن الشريعة ~~الدينية سبب فى حياة الأرواح حياة معنوية. كما أن الماء سبب فى حياة ~~الأرواح حياة مادية. والمنهاج الطريق الواضح فى الدين، من نهج الأمر ينهج ms1565 ~~إذا وضح. والعطف باعتبار جمع الأوصاف. قال بعضهم هما كلمتان بمعنى واحد ~~والتكرير للتأكيد. وقيل ليستا بمعنى واحد. فالشرعة ابتداء الطريق. ~~والمنهاج الطريق المستقيم. وقوله { منكم } متعلق بمحذوف وقع صفة لما عوض ~~عنه تنوين " كل ". أى لكل أمة من الأمم الحاضرة والماضية وضعنا شرعة ~~ومنهاجا خاصين بها، فالأمة التى كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى - ~~عليهما السلام - كانت شرعتها ما فى التوراة من أحكام. والأمة التى كانت ~~من مبعث عيسى إلى مبعث محمد - عليهما الصلاة والسلام كانت شرعتها ما فى ~~الإنجيل. وأما هذه الأمة الإسلامية فشريعتها ما فى القرآن من أحكام، ~~لأنه مشتمل على ما جاء فى الكتب السابقة عليه من أصول الدين وكلياته التى ~~لا تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة وزاد عليها ما يناسب العصر الذى نزل ~~فيه، والعصور التي تلت ذلك إلى يوم القيامة. وأهل الكتاب إنما أمروا بأن ~~يتحاكموا إلى كتبهم قبل نسخها بالقرآن الكريم، أما بعد نزوله ومجىء النبى ~~صلى الله عليه وسلم خاتما للرسالات السماوية، فقد أصبح من الواجب عليهم ~~الدخول فى الإسلام، واتباع رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم فى كل ما ~~أمر به أو نهى عنه، وليس لأحد بعد بعثته صلى الله عليه وسلم إيمان مقبول ~~إلا باتباعه وتصديقه فى جميع أقواله وأعماله. والاختلاف فى الشرائع إنما ~~يكون فيما يتعلق ببعض الأوامر والنواهى، وببعض وجوه الحلال والحرام، ~~وبغير ذلك من فروع الشريعة، فقد يحرم الله شيئا على قوم عقوبة لهم، ~~ويحله لقوم آخرين تخفيفا عنهم، كما قال - تعالى - # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن ~~البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهمآ إلا ما ~~حملت ظهورهما أو الحوايآ أو ما اختلط بعظم ~~ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون # وكما قال - تعالى - حكاية عن عيسى - عليه السلام - # ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم # أما ما يتعلق بأصول الشريعة، وجوهر الدين، وأساس العقيدة كالأمر بعبادة ~~الله وحده. والتحلى بمكارم الأخلاق، فلا يتعلق به اختلاف فى أى شريعة من ~~الشرائع، أو أى دين من الأديان. وقد تكلم عن ms1566 هذا المعنى الإمام ابن كثير ~~فقال قوله { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } هذا ~~إخبار عن الأمم المختلفة الأديان باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من ~~الشرائع المختلفة فى الأحكام المتفقة فى التوحيد. كما ثبت فى صحيح ~~البخارى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات - أمهاتهم شتى - ودينهم واحد " # يعنى بذلك التوحيد الذى بعث الله به كل رسول أرسله، وضمنه كل كتاب ~~أنزله، كما قال - تعالى - # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون # وأما الشرائع فمختلفة فى الأوامر والنواهى فقد يكون الشىء فى هذه ~~الشريعة حراما ثم يحل فى الشريعة الأخرى. كما قال - تعالى - فى شأن ~~شريعة عيسى # ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم # وبالعكس، قد يكون الشىء حلالا فى هذه الشريعة ثم يحرم فى شريعة أخرى، ~~فيزداد فى الشدة فى هذه دون هذه، وذلك لما له - تعالى - فى ذلك من الحكمة ~~البالغة، والحجة الدامغة ". وقال الآلوسى ما ملخصه وقوله { لكل ~~جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } الخطاب فيه - كما قال جماعة ~~من المفسرين - للناس كافة الموجودين والماضين بطريق التغليب. واستدل ~~بالآية من ذهب إلى أننا غير متعبدين بشرائع من قبلنا، لأن الخطاب يعم ~~الأمم، واللام للاختصاص فيكون لكل أمة دين يخصها. والتحقيق فى هذا المقام ~~أننا متعبدون بأحكام الشرائع السابقة من حيث إنها أحكام شريعتنا لا من ~~حيث إنها شريعة للأولين ". ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر قدرته، وبالغ ~~حكمته فقال { ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة ~~ولكن ليبلوكم في مآ آتاكم }. ومفعول المشيئة هنا محذوف ~~لدلالة الجزاء عليه. وقوله { ولكن ليبلوكم } متعلق بمحذوف ~~يستدعيه المقام. والابتلاء الاختبار والامتحان ليميز المطيع من المعاصى. ~~والمعنى لو شاء الله - تعالى - أن يجعل الأمم جميعا أمة واحدة تدين بدين ~~واحد وبشريعة واحدة لفعل، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شىء ولكنه - سبحانه - ~~لم يشأ ذلك، وإنما شاء أن يجعلكم أمما متعددة ليختبركم فيما آتاكم من ~~شرائع مختلفة فى بعض فروعها ms1567 ولكنها متحدة فى جوهرها وأصولها فيجازى من ~~أطاعه بما يستحقه من ثواب ويجازى من خالف أمره بما يستحقه من عذاب. وقوله ~~{ فاستبقوا الخيرات } حض منه - سبحانه - لعباده على الاجتهاد فى ~~فعل الطاعات. # أى إذا كان الأمر كما وصفت لكم. فسارعوا إلى القيام بالأعمال الصالحة ~~التى تسعدكم فى الدنيا والآخرة، وتنافسوا فى تحصيلها بكل عزيمة ونشاط ~~لتنالوا رضا الله - تعالى - وجزيل مثوبته. { فاستبقوا } بمعنى ~~فتسابقوا، ولتضمنه معنى السبق والابتدار تعدى بنفسه من غير إلى كما فى ~~قوله - تعالى - # واستبقا الباب # أى حاول كل واحد منهما الابتدار والوصول إلى الباب قبل الآخر. وقوله { ~~إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه ~~تختلفون } استئناف مسوق مساق التعليل لاستباق الخيرات. وقوله { ~~فينبئكم } أى فيخبركم والمراد بالإنباء والإخبار هنا المجازاة ~~على الأعمال، وإنما عبر عنها بالإنباء لوقوعها موقع إزالة موقع إزالة ~~الاختلاف التى هى وظيفة الأنبياء. أى إلى الله وحده مصيركم ومرجعكم، ~~فيخبركم عند الحساب بما كنتم تختلفون فيه فى الدنيا، ويجازيكم بما ~~تستحقون فأما الذين آمنوا وعملوا الصلاحات فلهم منه - سبحانه - جزيل ~~الثواب. وأما الذين طغوا وآثروا الحياة الدنيا فلهم من شديد العقاب. ثم ~~كرر - سبحانه - الأمر لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بأن يحكم بين اليهود ~~وغيرهم بما أنزله الله - تعالى - وحذره من مكرهم وكيدهم فقال { وأن ~~احكم بينهم بمآ أنزل الله ولا تتبع أهوآءهم ~~واحذرهم أن يفتنوك عن بعض مآ أنزل الله إليك ~~}. أخرج ابن جرير عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال قال كعب بن أسد ~~وابن صوريا وشاس بن قيس بعضهم لبعض اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن ~~دينه فأتوه فقالوا يا محمد، إنك قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم ~~وسادتهم وإنا إن اتبعناك اتبعك يهود ولم يخالفونا. وإن بيننا وبين قومنا ~~خصومة فنحاكمهم إليك فتقضى لنا عليهم، ونؤمن لك ونصدق فأبى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ذلك. فأنزل الله فيهم { وأن احكم بينهم بمآ ~~أنزل الله ولا تتبع أهوآءهم }. إلى قوله { ومن ~~أحسن من الله حكما لقوم ms1568 يوقنون }. وقوله { وأن ~~احكم بينهم بمآ أنزل الله } فى محل نصب عطفا على الكتاب ~~فى قوله { وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق }. وقوله { أن ~~يفتنوك } بدل اشتمال من المفعول فى { واحذرهم } كأنه قيل ~~واحذر فتنتهم كما تقول أعجبنى زيد علمه. والمراد بالفتنة هنا محاولة ~~إضلاله وصرفه عن الحكم بما أنزل الله. والمعنى وأنزلنا إليك الكتاب يا ~~محمد فيه حكم الله، وأنزلنا إليك فيه أن أحكم بينهم بما أنزل الله، ولا ~~تتبع أهواء هؤلاء اليهود الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا، واحذرهم أن ~~يضلوك أو يصدوك عن بعض ما أنزلناه إليك ولو كان أقل قليل بأن يصوروا لك ~~الباطل فى صورة الحق، أو بأن يحاولوا حملك على الحكم الذى يناسب شهواتهم ~~وقد كرر - سبحانه - على نبيه صلى الله عليه وسلم وجوب التزامه فى أحكامه ~~بما أنزل الله، لتأكيد هذا الأمر فى مقام يستدعى التأكيد، لأن اليهود ~~كانوا لا يكفون عن محاولتهم فتنته صلى الله عليه وسلم وإغراءه بالميل إلى ~~الأحكام التى تتفق مع أهوائهم، ولأنه قد جاء فى الآية السابقة ما قد يوهم ~~بأن لكل قوم شريعة خاصة بهم { لكل جعلنا منكم شرعة ~~ومنهاجا } وأن حكم القرآن ليس له صفة العموم فأراد - سبحانه - أن ~~ينفى هذا الوهم نفيا واضحا وأن يؤكد أن شريعته القرآن هى الشريعة العامة ~~الخالدة التى يجب أن يتحاكم إليها الناس فى كل زمان ومكان، لأنها نسخت ما ~~سبقها من شرائع. # وقوله - تعالى - { واحذرهم أن يفتنوك عن بعض مآ ~~أنزل الله إليك } تيئيس لأولئك اليهود الذين حاولوا إغراء ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقضى لهم بما يرضيهم لكى يرضيهم لكى ~~يتبعوه، ونهى له صلى الله عليه وسلم ولأتباعه عن الاستجابة لأهواء هؤلاء ~~ولو فى أقل القليل مما يتنافى مع الحق الذى أمره الله - تعالى - بالسير ~~عليه فى القضاء بين الناس. ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة كل من يعرض عن ~~حكم الله - تعالى - فقال { فإن تولوا فاعلم أنما يريد ~~الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم }. أى فإن تولوا عن حكمك، ~~وأعرضوا عنك ms1569 بعد تحاكمهم إليك وأرادوا الحكم بغير ما أنزل الله. فاعلم أن ~~حكمة الله قد اقتضت أن يعاقبهم بسبب بعض هذه الذنوب التى اقترفوها ~~بتوليهم عن حكم الله، وإعراضهم عنك، وانصرافهم عن الهدى والرشاد إلى الغى ~~والضلال، لأن الأمة التى لا تخضع لأحكام شرع الله، وتسير وراء لذائذها ~~ومتعها وشهواتها وأهوائها الباطلة، لابد أن يصيبها العقاب الشديد بسبب ~~ذلك. وعبر - سبحانه - عما يصيبهم من عقاب بأنه بسبب ارتكابهم لبعض ~~الذنوب، للإشارة بأن لهم ذنوبا كثيرة بعضها كاف لإنزال العقوبة الشديدة ~~بهم. وقوله { وإن كثيرا من الناس لفاسقون } اعتراض ~~تذييلى مقرر لمضمون ما قبله، ومتضمن تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما ~~لقيه من مخالفيه ولا سيما اليهود. أى وإن كثيرا من الناس لخارجون عن ~~طاعتنا، ومتمردون على أحكامنا، ومتبعون لخطوات الشيطان الذى استحوذ ~~عليهم، وإذا كان الأمر كذلك فلا تبتئس يا محمد عما لقيته من أصحاب النفوس ~~المريضة، بل اصبر حتى يحكم الله بينك وبينهم. ثم ختم - سبحانه - هذه ~~الآية الكريمة بتوبيخ أولئك الذين يرغبون عن حكم الله إلى حكم غيره فقال ~~{ أفحكم الجاهلية يبغون }. فالهمزة هنا للاستفهام ~~الإنكارى التوبيخى. والفاء للعطف على مقدر يستدعيه المقام. والمعنى ~~أينصرفون عن حكمك بما أنزل الله ويعرضون عنه فيبغون حكم الجاهلية مع أن ~~ما أنزله الله إليك من قرآن فيه الأحكام العادلة التى ترضى كل ذى عقل ~~سليم، ومنطق قويم. # وقدم - سبحانه - المفعول " أفحكم " لإفادة التخصيص المفيد لتأكيد ~~الأنكار والتعجيب من أحوال أولئك اليهود الذين يريدون حكم الجاهلية. إذ ~~أن التولى عن حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حكم آخر منكر عجيب، ~~وطلب حكم الجاهلية أقبح وأعجب. والمراد بالجاهلية الملة الجاهلية التى هى ~~متابعة الهوى، والمداهنة فى الأحكام، فيكون ذلك توبيخا لليهود بأنهم مع ~~كونهم أهل كتاب يبغون حكم الملة الجاهلية. وعدم الأخذ بشريعة المساواة. ~~فيكون ذلك - أيضا - تعييرا لهم لاقتدائهم بأهل الجاهلية. قال الآلوسى ~~فقد روى # " أن بنى النضير لما تحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى خصومة ~~قتيل ms1570 وقعت بينهم وبين بنى قريظة، طلب بعضهم من رسول الله أن يحكم بينهم ~~بما كان عليه أهل الجاهلية من التفاضل، فقال صلى الله عليه وسلم القتلى ~~سواء " # - أى متساوون - فقال بنو النضير نحن لا نرضى بحكمك، فنزلت هذه الآية ". ~~وقوله - تعالى - { ومن أحسن من الله حكما لقوم ~~يوقنون } إنكار منه - سبحانه - لأن يكون هناك حكم أحسن من حكمه أو ~~مساو له. أى لا أحد أحسن حكما من حكم الله - تعالى - عند قوم يوقنون بصحة ~~دينه، ويذعنون لتكاليف شريعته، ويقرون بوحدانيته، ويتبعون أنبياءه ورسله. ~~فاللام فى قوله { لقوم } بمعنى عند، وهى متعلقة بأحسن، ومفعول { يوقنون } ~~محذوف أى لقوم يوقنون بحكمه وأن أعدل الأحكام. والجملة حالية متضمنة ~~لمعنى الإنكار السابق. وخص - سبحانه - الموقنين بالذكر، لأنهم هم الذين ~~يحسنون التدبر فيما شرعه الله من أحكام، وينتفعون بما اشتملت عليه من عدل ~~ومساواة. هذا، وقد شدد الإمام ابن كثير النكير على الذى يرغبون عن حكم ~~الله إلى أحكام من عند البشر، ووصف من يفعل ذلك بالكفر، وأفتى بوجوب ~~مقاتلته حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فقال - رحمه الله - " ينكر - تعالى ~~- على من خرج عن حكم الله - المشتمل على كل خير الناهى عن كل شر - وعدل ~~عنه إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التى وضعها الرجال بلا ~~مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات ~~والجهالات. مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من ~~السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم " جنكزخان " الذى وضع لهم " الباسق " ~~وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى. فصارت فى ~~بنيه شرعا متبعا يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، ~~فلا يحكم سواه فى قليل ولا كثير. # قال - تعالى - { أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن ~~من الله حكما لقوم يوقنون } أى ومن أعدل من الله فى ~~حكمه لمن عقل عن الله شرعه وآمن به ms1571 وأيقن. وعلم أنه - سبحانه - أحكم ~~الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها؟ فإنه - تعالى - هو العالم بكل ~~شىء، والقادر على كل شىء، والعادل فى كل شىء. روى الطبرانى عن ابن عباس ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أبغض الناس إلى الله - تعالى - من يبتغى فى الإسلام سنة الجاهلين ومن ~~طلب دم امرئ بغير حق ليريق دمه ". # وإلى هنا نرى الآيات الكريمة قد كشفت " باستفاضة " عن المسالك الخبيثة ~~التى سلكها اليهود وأشباهم لكيد الإسلام والمسلمين. فأنت تراها فى ~~مطلعها قد نادت الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا النداء بعدم المبالاة بما ~~يصدر عن أولئك الذين يسارعون فى الكفر من مكر وخداع ووصفهم بجملة من ~~الصفات القبيحة التى تجعل كل عاقل ينفر من الاقتراب منهم، وخيرات الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بين الحكم بينهم أو الإعراض عنهم إذا ما تحاكموا ~~إليه. ووبخت اليهود على إعراضهم عن الأحكام العادلة التى أنزلها الله - ~~تعالى - ووصفت المعرضين عن حكمه سبحانه بالكفر تارة وبالظلم تارة وبالفسق ~~تارة أخرى. وبعد أن مدحت التوراة والإنجيل، وبينت بعض ما اشتملا عليه من ~~هدايات... عقبت ذلك ببيان منزلة القرآن الكريم وأنه الكتاب الجامع فى ~~هدايته وفضله وتشريعاته لكل ما جاء فى الكتب السابقة. ثم ختمت بتكرير ~~الأمر للنبى صلى الله عليه وسلم بأن يلتزم فى أحكامه بما أنزله الله، ~~وبتحذيره وتحذير أتباعه من خداع أعدائهم ومكرهم، وتتوعد كل من يرغب عن ~~حكم الله إلى حكم غيره، بسوء العاقبة، وشديد العذاب. وبعد هذا الحديث ~~المستفيض عن الكتب السماوية وعن وجوب الحكم بما أنزل الله، وعن المسالك ~~الخبيثة التى استعملها اليهود ومن على شاكلتهم لكيد الدعوة الإسلامية ~~بعد كل ذلك وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين حذرهم فيه من موالاة ~~أعدائهم فقال - تعالى - { يأيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا... } ### || [5.51-53] # ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات الكريمة روايات منها ما رواه السدى ~~من أنها نزلت فى رجلين قال أحدهما لصاحبه بعد واقعة أحد أما أنا فإنى ~~ذاهب إلى ذلك اليهودى فأواليه واتهود ms1572 معه لعله ينفعنى إذا وقع أمر أو حدث ~~حادث. وقال الآخر وأما أنا فإنى ذاهب إلى فلان النصرانى بالشام فأواليه ~~وانتصر معه. فأنزل الله تعالى الآيات. وقال عكرمة نزلت فى أبى لبابة بن ~~عبد المنذر، حيث بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بنى قريظة فسألوه ~~ماذا هو صانع بنا؟ فأشار بيده إلى حلقه، أى إنه الذبح. وقيل نزلت فى عبد ~~الله بن أبى بن سلول فقد أخرج ابن جرير عن عطية بن سعد قال جاء عبادة بن ~~الصامت من بنى الحارث بن الخزرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~يا رسول الله إن لى موالى من يهود كثير عددهم. وإنى أبرأ إلى الله ورسوله ~~من ولاية يهود وأتولى الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبى إنى رجل أخاف ~~الدوائر، لا أبرأ من ولاية موالى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لعبد الله بن أبى يا أبا الحباب، ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن ~~الصامت فهو إليك دونه قال قد قبلت. فأنزل الله تعالى { يأيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى ~~أوليآء بعضهم أوليآء... } إلى قوله { نادمين }. ~~والخطاب فى قوله عز وجل { يأيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا اليهود والنصارى أوليآء } للمؤمنين جميعا فى ~~كل زمان ومكان، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. الأولياء جمع ولى ~~ويطلق بمعنى النصير والصديق والحبيب. والمراد بالولاية هنا مصافاة أعداء ~~الإسلام والاستنصار بهم، والتحالف معهم دون المسلمين. أى يا أيها الذين ~~آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.، لا يتخذ أحد منكم أحدا ~~من اليهود والنصارى وليا ونصيرا، أى لا تصافوهم مصافاة الأحباب، ولا ~~تستنصروا بهم، فإنهم جميعا يد واحدة عليكم، يبغونكم الغوائل، ويتربصون ~~بكم الدوائر، فكيف يتوهم بينكم وبينهم موالاة؟. وقد نادى - سبحانه - ~~المؤمنين بصفة الإيمان، لحملهم من أول الأمر على الانزجار عما نهوا عنه، ~~إذ أن وصفهم بما هو ضد صفات الفريقين - اليهود والنصارى - من أقوى ~~الزواجر عن موالاتهما وقوله { بعضهم أوليآء بعض } جملة ~~مستأنفة ms1573 بمثابة التعليل للنهى، والتأكيد لوجوب اجتناب المنهى عنه. أى لا ~~تتخذوا أيها المؤمنون اليهود والنصارى أولياء، لأن بعض اليهود أولياء ~~لبعض منهم، وبعض النصارى أولياء لبعض منهم، والكل يضمرون لكم البغضاء ~~والشر، وهم وإن اختلفوا فيما بينهم، لكنهم متفقون على كراهية الإسلام ~~والمسلمين. وقوله { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } ~~تنفير من موالاة اليهود والنصارى بعد النهى عن ذلك. # والولاية لليهود والنصارى إن كانت على سبيل الرضا بدينهم، والطعن فى دين ~~الإسلام، كانت كفرا وخروجا عن دين الإسلام. وإلى هذا المعنى أشار ابن ~~جرير بقوله قوله { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } أى ~~ومن يتول اليهود والنصارى دون المؤمنين فإنه منهم، فإنه لا يتولى متول ~~أحدا إلا وهو به وبدينه راض. وإذا رضى دينه، فقد عادى من خالفه وسخطه. ~~وصار حكمه حكمه ". وإذا كانت الولاية لهم ليست على سبيل الرضا بدينهم ~~وإنما هى على سبيل المصافاة والمصادقة كانت معصية تختلف درجتها بحسب قوة ~~الموالاة وبحسب اختلاف أحوال المسلمين وتأثرهم بهذه الموالاة. قال الفخر ~~الرازى قوله { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } قال ~~ابن عباس يريد كأنه مثلهم. وهذا تغليظ من الله وتشديد فى وجوب مجانبة ~~المخالف فى الدين. روىعن أبى موسى الأشعرى أنه قال قلت لعمر بن الخطاب - ~~رضى الله عنه - إن لى كاتبا نصرانيا فقال مالك قاتلك الله، ألا اتخذت ~~حنيفيا أما سمعت قول الله تعالى { يأيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا اليهود والنصارى أوليآء } قلت له دينه ولى ~~كتابته. فقال لا أكرمهم إذا أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله. ولا ~~أدنيهم إذ أبعدهم الله قلت لا يتم أمر البصرة إلا به. فقال مات النصرانى ~~والسلام. يعنى هب أنه مات فما تصنع بعد، فما تعمله بعد موته فاعمله الآن ~~واستغن عنه بغيره ". وقوله { إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين } تعليل لكون من يواليهم منهم وتأكيد للنهى عن موالاتهم. ~~أى إن الله لا يهدى القوم الظالمين لأنفسهم إلى الطريق المستقيم، وإنما ~~يخليهم وشأنهم فيقعون فى الكفر والضلال، والفسوق والعصيان، بسبب وضعهم ~~الولاية فى ms1574 غير موضعها الحق، وسيرهم فى طريق أعداء الله. وبعد هذا النهى ~~الشديد عن موالاة أعداء الله، صور القرآن حالة من حالات المنافقين بين ~~فيها كيفية توليهم لأعداء الله، وأشعر بسببه فقال { فترى الذين ~~في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن ~~تصيبنا دآئرة }. والدائرة من الصفات الغالبة التى لا يذكر معها ~~موصوفها. وأصلها داورة. لأنها من دار يدور. ومعناها لغة ما أحاط بالشىء. ~~والمراد بها هنا المصيبة من مصائب الدهر التى تحيط بالناس كما تحيط ~~الدائرة بما فى داخلها. والمعنى فترى - يا محمد أولئك المنافقين الذين ~~ضعف إيمانهم، وذهب يقينهم، يسارعون فى مناصرة أعداء الإسلام مسارعة ~~الداخل فى الشىء، قائلين فى أنفسهم أو للناصحين لهم بالثبات على الحق ~~اتركونا وشأننا فإننا نخشى أن تنزل بنا مصيبة من المصائب التى يدور بها ~~الزمان كأن تمسنا أزمة مالية، أو ضائقة اقتصادية، أو أن يكون النصر فى ~~النهاية لهؤلاء الذين نواليهم فنحن نصادقهم ونصافيهم لنتقى شرهم، ولننال ~~عونهم عند الملمات والضوائق. # قال الجمل والفاء فى قوله { فترى } إما للسببية المحضة أى بسبب أن ~~الله لا يهدى القوم الظالمين المتصفين بما ذكر { فترى الذين في ~~قلوبهم مرض يسارعون فيهم } وإما للعطف على قوله { إن ~~الله لا يهدي القوم الظالمين } من حيث المعنى. والرؤية ~~فى قوله { ترى }. بصرية، فتكون جملة يسارعون حال. وقيل علمية فتكون جملة ~~يسارعون مفعولا ثانيا. والأول أنسب بظهور نفاقهم. وقوله { يقولون ~~نخشى أن تصيبنا دآئرة } حال من ضمير يسارعون. والتعبير ~~بقوله { في قلوبهم مرض } تعبير قوى رائع، وصف القرآن به ~~المنافقين وأشباههم فى الكفر والضلال فى مواطن كثيرة، لأنه لما كانت قوة ~~القلب تضرب مثلا للثبات والتماسك. كان ضعف القلب الذى عبر عنه بالمرض ~~يضرب مثلا للخور، والتردد والتزلزل، وانهيار النفس. وهذه طبيعة المنافقين ~~ومن على شاكلتهم فى كل زمان ومكان. إنهم لا يمكن أن يكونوا صرحاء فى ~~انحيازهم إلى ناحية معينة. وإنما هم يترددون بين الناحيتين، ويلتمسون ~~الحظوة فى الجانبين - فهم كما يقال يصلون خلف على ويأكلون على مائدة ~~معاوية ms1575 - وأبلغ من كل ذلك وصف الله لهم بقوله # مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى ~~هؤلاء # والتعبير بقوله - سبحانه - ترى.. تصوير للحال الواقعة منهم بأنها ~~كالمرئية المكشوفة التى لا تخفى على العقلاء البصراء. وفى ذلك تسلية ~~للرسول صلى الله عليه وسلم وتحذير له ولأصحابه من مكر أولئك الذين فى ~~قلوبهم مرض. والتعبير بقوله { يسارعون فيهم } يشير إلى أنهم لا ~~يدخلون ابتداء فى صفوف الأعداء " وإنما هم منغمرون فيهم دائما " ولا ~~يخرجون عن دائرتهم بل ينتقلون فى صفوفهم بسرعة ونشاط من دركة إلى دركة، ~~ومن إثم إلى آثام. وقوله - تعالى - حكاية عنهم { يقولون نخشى أن ~~تصيبنا دآئرة } بيان لما اعتذروا به من معاذير كاذبة تدل على ~~سقوط همتهم، وقلة ثقتهم بما وعد الله به المؤمنين من حسن العاقبة. ولذا ~~فقد رد الله عليهم بما يكبتهم، وبما يزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم ~~فقال تعالى { فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر ~~من عنده فيصبحوا على مآ أسروا في أنفسهم ~~نادمين }. وعسى لفظ يدل على الرجاء والطمع فى الحصول على المأمول، ~~وإذا صدر من الله - تعالى - كان متحقق الوقوع لأنه صادر من أكرم الأكرمين ~~الذى لا يخلف وعده، ولا يخيب من رجاه. والفتح يطلق بمعنى التوسعة بعد ~~الضيق كما فى قوله # ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السمآء # ويطلق بمعنى الفصل بين الحق والباطل. ومن ذلك قوله - تعالى - # ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق # ويطلق بمعنى الظفر والنصر كما فى قوله - تعالى - # إنا فتحنا لك فتحا مبينا # ولفظ الفتح هنا يشمل هذه الأمور الثلاثة فهو سعة بعد ضيق، وفصل بين حق ~~وباطل، ونصر بعد جهاد طويل. والمعنى لا تهتموا أيها المؤمنون بمسارعة ~~هؤلاء الذين فى قلوبهم مرض إلى صفوف أعدائكم وارتمائهم فى أحضانهم خشية ~~أن تصيبهم دائرة، فلعل الله - عز وجل - بفضله وصدق وعده أن يأتى بالخير ~~العميم والنصر المؤزر الذى يظهر دينه. ويجعل كلمته هى العليا.. أو يأتى ~~بأمر من عنده لا أثر لكم فيه فيزلزل قلوب ms1576 أعدائكم، وينصركم عليهم، ويجعل ~~الهزيمة والندم للموالين لأعدائكم، وبسبب شكهم فى أن تكون العاقبة ~~للإسلام والمسلمين. ولقد صدق الله وعده، ففضح المنافقين وأذلهم، وأنزل ~~الهزيمة باليهود، وأورث المؤمنين أرضهم وديارهم وأموالهم. وقد جاء ~~التعبير فى قوله - تعالى - { فعسى الله أن يأتي بالفتح } ~~بصيغة الرجاء، لتعليم المؤمنين عدم اليأس من رحمة الله، ومن مجىء نصره، ~~ولتعويدهم على أن يتوجهوا إليه - سبحانه - فى مطالبهم بالرجاء الصادق، ~~والأمل الخالص. قال الفخر الرازى فإن قيل شرط صحة التقسيم أن يكون ذلك ~~بين قسمين متنافيين. وقوله { فعسى الله أن يأتي بالفتح ~~أو أمر من عنده } ليس كذلك، لأن الإتيان بالفتح داخل فى قوله ~~{ أو أمر من عنده }. قلنا قوله { أو أمر من عنده } ~~معناه أو أمر من عنده لا يكون للناس فيه فعل ألبتة، كبنى النضير الذين ~~طرح الله فى قلوبهم الرعب فأعطوا بأيديهم من غير محاربة ولا عسكر. ~~والضمير فى قوله { فيصبحوا } يعود على أولئك المنافقين الذين فى ~~قلوبهم مرض والجملة معطوفة على { أن يأتي } داخل معه فى حيز خبر ~~عسى. وعبر - سبحانه - عن ندمهم بالوصف { نادمين } لا بالفعل، للإيذان ~~بأنه ندم دائم تصحبه الحسرات والآلام المستمرة، بسبب ما وقعوا فيه من ظن ~~فاسد، وأمل خائب. ثم حكى - سبحانه - ما قاله المؤمنون الصادقون على سبيل ~~الإنكار لمسالك المنافقين الخبيثة وتوبيخهم على ضعف إيمانهم، وهوان ~~نفوسهم فقال - تعالى { ويقول الذين آمنوا أهؤلاء ~~الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم ~~لمعكم }. قال الآلوسى قوله { ويقول الذين آمنوا } كلام ~~مستأنف لبيان كمال سوء حال الطائفة المذكورة - وهى قراءة عاصم وحمزة ~~والكسائى بإثبات الواو مع الرفع. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر بغير واو ~~على أنه استئناف بيانى، كأنه قيل فماذا يقول المؤمنون حينئذ؟. وقرأ أبو ~~عمرو ويعقوب ويقول بالنصب عطفا على { فيصبحوا }. وقوله { جهد ~~أيمانهم } أى أقوى أيمانهم وأغلظها. والجهد الوسع والطاقة والمشقة. ~~يقال جهد نفسه يجهدها فى الأمر إذا بلغ بها أقصى وسعها وطاقتها فيه. ~~والمراد أنهم أكدوا الإيمان ووثقوها بكل ألفاظ التأكيد والتوثيق. ~~والمعنى ويقول الذين ms1577 آمنوا بعضهم لبعض مستنكرين ما صدر عن المنافقين من ~~خداع وكذب، ومتعجبين من ذبذبتهم والتوائهم يقولون مشيرين إلى المنافقين ~~أهؤلاء الذين أقسموا بالله مؤكدين ايمانهم بأقوى المؤكدات وأوثقها، بأن ~~يكونوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم ومعنا فى ولايتهم ونصرتهم ومعونتهم. # ..؟ فالاستفهام للإنكار والتعجيب من أحوال هؤلاء المنافقين الذين مردوا ~~على الخداع والكذب. وقد ذكر صاحب الكشاف وجها آخر فى معنى ويقول الذين ~~آمنوا فقال فإن قلت لمن يقولون هذا القول؟ قلت إما أن يقوله بعضهم لبعض ~~تعجبا من حالهم، واغتباطا بما من الله عليهم من التوفيق فى الإخلاص { ~~أهؤلاء الذين أقسموا } لكم بأغلظ الإيمان أنهم أولياؤكم ~~ومعاضدوكم على الكفار. وإما أن يقولوه لليهود، لأنهم - أى المنافقون - ~~حلفوا لهم بالمعاضدة والنصرة كما حكى الله عنهم # وإن قوتلتم لننصرنكم # ثم خذلوهم -، وعلى كلا الوجهين فالجملة الكريمة تنعى على المنافقين ~~كذبهم وجبنهم، وتعجب الناس من طباعهم الذميمة، وأخلاقهم المرذولة. وقوله ~~{ حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين } أى فسدت أعمالهم ~~وبطلت فصابروا خاسرين فى الدنيا والآخرة. ويحتمل أن تكون هذه الجملة مما ~~حكاه الله - تعالى - من قول المؤمنين ويحتمل أنها من كلام الله - تعالى - ~~وقد ساقها على سبيل الحكم عليهم بفساد أعمالهم، وسوء مصيرهم. هذا، وقد ~~اشتملت هذه الآيات الكريمة على ضرورب من توكيد النهى عن موالاة أعداء ~~الله - تعالى - بأساليب متعددة. منها النهى الصريح كما فى قوله - تعالى - ~~{ لا تتخذوا اليهود والنصارى أوليآء }. ومنها بيان ~~علة النهى كما فى قوله { بعضهم أوليآء بعض }. ومنها التصريح ~~بأن من يواليهم فهو منهم وذلك فى قوله { ومن يتولهم منكم ~~فإنه منهم }. ومنها تسجيل الظلم على من يواليهم كما فى قوله { ~~إن الله لا يهدي القوم الظالمين }. ومنها الإخبار ~~بأن موالاتهم من طبيعة الذين فى قلوبهم مرض قال - تعالى - { فترى ~~الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم }. ومنها قطع ~~أطماع الموالين لهم وتبشير المؤمنين بالفوز قال - تعالى - { فعسى ~~الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده }. ومنها ~~الإخبار عن حال الموالين لهم بقوله { حبطت أعمالهم ~~فأصبحوا خاسرين }. وهنا قد ms1578 يرد سؤال وهو إن الآيات الكريمة وما ~~يشبهها من الآيات القرآنية تؤكد النهى عن موالاة غير المسلمين ومودتهم ~~فهل هذا النهى على إطلاقه؟ والجواب عن ذلك أن غير المسلمين أقسام ثلاثة ~~القسم الأول وهم الذين يعيشون مع المسلمين ويسالمونهم، ولا يعملون لحساب ~~غيرهم ولم يبدر منهم ما يفضى إلى سوء الظن بهم وهؤلاء لهم ما للمسلمين ~~وعليهم ما عليهم، ولا مانع من مودتهم والإحسان إليهم كما فى قوله - ~~تعالى - # لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في ~~الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم ~~وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين # والقسم الثانى وهم الذين يقاتلون المسلمين، ويسيئون إليهم بشتى الطرق ~~وهؤلاء لا تصح مصافاتهم، ولا تجوز موالاتهم، وهم الذين عناهم الله فى ~~الآيات التى معنا وفيما يشبهها من آيات كما فى قوله - تعالى - # إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين ~~وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن ~~تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون # والقسم الثالث قوم لا يعلنون العداوة لنا ولكن القرائن تدل على أنهم لا ~~يحبوننا بل يحبون أعداءنا، وهؤلاء يأمرنا ديننا بأن نأخذ حذرنا منهم دون ~~أن نعتدى. ومهما تكن أحوال غير المسلمين فإنه لا يجوز لولى الأمر المسلم ~~أن يوكل إليهم ما يتعلق بأسرار الدولة الإسلامية. أو أن يتخذهم بطانة له ~~بحيث يطلعون على الأمور التى يؤدى إفشاؤها إلى خسارة الأمة فى السلم أو ~~الحرب. وبعد أن حذر - سبحانه - المؤمنين من ولاية اليهود والنصارى، عقب ~~ذلك بنداء آخر وجهه إليهم، وبين لهم فيه أن موالاة أعداء الله قد تجر إلى ~~الارتداد عن الدين، وأنهم إن ارتدوا فسوف يأتى الله بقوم آخرين لن يكونوا ~~مثلهم، وإن من الواجب عليهم أن يجعلوا ولا يتهم الله ولرسوله وللمؤمنين ~~فقال - تعالى - { يأيها الذين آمنوا من يرتد... } ### || [5.54-56] # قوله - تعالى - { من يرتد } من الارتداد. ومعناه الرجوع إلى الخلف ~~ومنه قوله - تعالى - { ردوها علي } أى ارجعوها على. وقوله # إن الذين ارتدوا على أدبارهم # والمراد بالارتداد هنا الرجوع عن دين الإسلام إلى الكفر ms1579 والضلال، ~~والخروج من الحق الذى جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غيره من ~~الأباطيل والأكاذيب. قالوا وفى هذه الآية الكريمة إشارة إلى أن من الذين ~~دخلوا فى الإسلام من سيرتد عنه إلى غيره من الكفر والضلال، وقد كان ~~الأمر كما أشارت الآية الكريمة فقد ارتد عن الإسلام بعض القبائل كقبيلة ~~بنى حنيفة - قوم مسيلمة الكذاب - وقبيلة بنى أسد، وقبيلة بنى مدلج ~~وغيرهم. وقد تصدى سيدنا أبو بكر الصديق ومن معه من المؤمنين الصادقين ~~للمرتدين فكسروا شوكة الردة، وأعادوا لكلمة الإسلام هيبتها وقوتها. قال ~~الآلوسى ما ملخصه هذه الآية من الكائنات التى أخبر عنها القرآن قبل ~~وقوعها - وقد وقع المخبر به على وفقها فيكون معجزا - فقد روى أنه ارتد ~~عن الإسلام إحدى عشرة فرقة. ثلاث فى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وهم ~~" بنو مدلج، ورئيسهم الأسود العنسى و " بنو حنيفة " قوم مسيلمة الكذاب و ~~" بنو أسد " قوم طليحة بن خويلد الأسدى. وسبع فى عهد أبى بكر وهم فزارة، ~~وغطفان، وبنو سليم، وبنو يربوع، وبعض بنى تميم، وكنده، وبنو بكر ابن ~~وائل. وارتدت فرقة واحدة فى عهد عمر وهى قبيلة " غسان قوم جبلة بن الأيهم ~~". والمعنى يا أيها الذين آمنوا لا يتخد أحد منكم أحدا من أعداء الله ~~وليا ونصيرا لأن ولايتهم تفضى إلى مضرتكم وخسرانكم. بل وإلى ردتكم عن ~~الحق الذى آمنتم به، ومن يرتدد منكم عن دينه الحق إلى غيره من الأديان ~~الباطلة فلن يضر الله شيئا، لأنه - سبحانه - سوف يأتى بقوم آخرين مخلصين ~~له، ومطيعين لأوامره، ومستجيبين لتعاليمه. بدل أولئك الذين ارتدوا على ~~أدبارهم، وكفروا بعد إيمانهم. قال - تعالى - # وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثالكم # ولفظ { فسوف } جىء به هنا لتأكيد وقوع الأمر فى المستقبل، إذا ما ارتد ~~بعض الناس على أدبارهم. وقد وصف الله - تعالى - أولئك القوم الذين يأتى ~~بهم بدل الذين كفروا بعد إيمانهم، وصفهم بعدد من الصفات الحميدة، ~~والسجايا الكريمة. وصفهم - أولا - بقوله { يحبهم ويحبونه }. ~~ومحبة الله - تعالى - للمؤمنين ms1580 هى أسمى نعمة يتعشقونها ويتطلعون إليها، ~~ويرجون حصولها ودوامها. وهى - كما يقول الآلوسى - محبة تليق بشأنه على ~~المعنى الذى أراده. ومن علاماتها أن يوفقهم - سبحانه - لطاعته، وأن ييسر ~~لهم الخير فى كل شئونهم. # ومحبة المؤمنين لله - تعالى - معناها التوجه إليه وحده بالعبادة، واتباع ~~نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فى كل ما جاء به، والاستجابة لتعاليمه ~~برغبة وشوق. وقوله { يحبهم } جملة فى محل جر صفة لقوم. وقوله " يحبونه " ~~معطوف على { يحبهم }. وقدم - سبحانه - محبته لهم على محبتهم له، لشرفها ~~وسبقها، إذ لولا محبته لهم لما وصلوا إلى طاعته. وصفهم - ثانيا - بقوله ~~{ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين }. ~~وقوله { أذلة } جمع ذليل، من تذلل إذا تواضع وحنا على غيره، وليس المراد ~~بكونهم أذلة أنهم مهانون، بل المراد المبالغة فى وصفهم بالرفق ولين ~~الجانب للمؤمنين. وقوله { أعزة } جمع عزيز وهو المتصف بالعزة بمعنى القوة ~~والامتناع عن أن يغلب أو يقهر ومن قوله - تعالى - # وعزني في الخطاب # أى غلبنى فى الخطاب. والمعنى إن من صفات هؤلاء القوم الذين يأتى الله ~~بهم بدل الذين كفروا بعد إيمانهم، أنهم أرقاء على المؤمنين، عاطفون عليهم ~~متواضعون لهم، تفيض قلوبهم حنوا وشفقة بهم. وأنهم فى الوقت نفسه أشداء ~~على الكافرين، ينظرون إليهم نظرة العزيز الغالب، لا نظرة الضعيف الخانع. ~~وهذه - كما يقوال ابن كثير - صفات المؤمنين الكمل. أن يكون أحدهم متواضعا ~~لأخيه ووليه، متعززا على خصمه وعدوه كما قال - تعالى - # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم # ومن صفات الرسول صلى الله عليه وسلم " أنه الضحوك القتال " فهو ضحوك ~~لأوليائه قتال لأعدائه ". وقال صاحب الكشاف فإن قلت هلا قيل أذلة ~~للمؤمنين أعزة على الكافرين؟ قلت فيه وجهان أحدهما أن يضمن الذل معنى ~~الحنو والعطف كأنه قيل عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع. والثانى ~~أنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين - خافضون لهم أجنحتهم. ~~وقال الطيبى إن قوله - تعالى - { أعزة على الكافرين } جىء به ~~للتكميل، لأنه لما وصفهم قبل ذلك بالتذلل، ربما يتوهم أحد ms1581 أنهم أذلاء ~~محقرون فى أنفسهم فدفع ذلك الوهم بأنهم مع ذلتهم على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين على حد قول القائل # جلوس في مجالسهم رزان وإن ضيم ألم بهم خفاف # ثم وصفهم - ثالثا - بقوله { يجاهدون في سبيل الله ولا ~~يخافون لومة لائم } وقوله { يجاهدون } من المجاهدة وهى ~~بذل الجهد ونهاية الطاقة من أجل الوصول إلى المقصد الذى يسعى إليه ~~الساعى. وقوله { في سبيل الله } أى فى سبيل إعلاء دين الله، ~~وإعزاز كلمته وليس فى سبيل الهوى أو الشيطان. واللومة هى المرة الواحدة ~~من اللوم. وهو بمعنى اعتراض المعترضين، ومخالفة المخالفين وعدم رضاهم عن ~~هؤلاء القوم. والمعنى أن من صفات هؤلاء القوم - أيضا - أنهم يبذلون أقصى ~~جهدهم فى سبيل إعلاء كلمة الله والعمل على مرضاته، وأنهم فى جهادهم ~~وجهرهم بكلمة الحق، وحرصهم على ما يرضيه - سبحانه - لا يخافون لوما قط من ~~أى لائم كائنا من كان. # لأن خشيتهم ليست إلا من الله وحده. وعبر - سبحانه - بلومة - بصيغة ~~الإفراد والتنكير، للمبالغة فى نفى الخوف عنهم سواء أصدر اللوم لهم من ~~كبير أم من صغير، وسواء أكانت اللومة شديدة أم رفيقة.. فهم - كما يقول ~~الزمخشرى - صلاب فى دينهم، إذا شرعوا فى أمر من أمور الدين لإنكار منكر ~~أو أمر بمعروف - مضوا فيه كالمسامير المحماة، لا يرعبهم قول قائل، ولا ~~اعتراض معترض، ولا لومة لائم، والجملة على هذه معطوفة على { يجاهدون ~~في سبيل الله }. ويحتمل أن تكون الواو للحال. أى أنهم يجاهدون ~~وحالهم فى المجاهدة خلاف حال المنافقين الذين كانوا إذا خرجوا فى جيش ~~المؤمنين خافوا أولياؤهم اليهود، فلا يعملون شيئا مما يعلمون أنه يلحقهم ~~فيه لوم من جهتهم، وأما المؤمنون فكانوا يجاهدون لوجه الله لا يخافون ~~لومة لائم ". وقد ذكر المفسرون أقوالا متعددة فى المراد بهؤلاء القوم ~~الذين وصفهم الله - تعالى - بتلك الصفات الكريمة، والذين يأتى بهم بدل ~~أولئك الذين يرتدون على أعقابهم. قال بعضهم المراد بهم أبو بكر ومن معه ~~من المؤمنين الذين قاتلوا المرتدين. وقال آخرون المراد بهم الأنصار الذين ~~نصروا النبى ms1582 - صلى الله عليه وسلم - وأيدوه. وقال مجاهد المراد بهم أهل ~~اليمن... وقيل غير ذلك. والذى نراه أنهم قوم ليسوا مخصوصين بزمن معين أو ~~بلد معين، أو أشخاص معينين، وإنما هم كل من تنطبق عليهم هذه الصفات ~~الجليلة. فكل من أحب الله وأحبه الله، وتواضع للمؤمنين وأغلظ على ~~الكافرين. وجاهد فى سبيل الله دون أن يخشى أحدا سواه فهو منهم، أما ~~ذواتهم فيعلمها الله وحده، لأنه لم يرد نص صحيح يعتمد عليه فى بيان ~~المراد بهؤلاء القوم. واسم الإشارة فى قوله { ذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشآء والله واسع عليم } يعود على ما تقدم ~~ذكره من أوصاف القوم. أى ذلك الذى أعطيناه لهم من صفات كريمة فضل الله ~~وإحسانه، يؤتيه من يشاء إيتاءه من عباده، والله - تعالى - واسع الفضل ~~والجود والعطاء، عليم بأحوال خلقه، لا تخفى عليه خافية من شئونهم. هذا، ~~ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة وجوب المجاهدة فى ~~سبيل إعلاء كلمة الله عن طريق قتال أعدائه - سبحانه - أو عن طريق الجهر ~~بكلمة الحق، أو عن طريق إحقاق الحق وإبطال الباطل - دون أن يخاف المجاهد ~~لومة لائم. ولقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من ~~الأحاديث فى هذا المعنى ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد عن أبى ذر " أمرنى ~~خليلى صلى الله عليه وسلم بسبع أمرنى بحب المساكين والدنو منهم، وأمرنى ~~أن أنظر إلى من هو دونى ولا أنظر إلى من هو فوقى، وأمرنى أن أصل الرحم ~~وإن أدبرت، وأمرنى أن لا أسأل أحدا شيئا، وأمرنى أن أقول الحق وإن كان ~~مرا، وأمرنى أن لا أخاف فى الله لومة لائم، وأمرنى أن أكثر من قول لا ~~حول ولا قوة إلا بالله فإنهن كنز تحت العرش ". # وعن أبى سعيد الخدرى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده. فإنه لا ~~يقرب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق أو أن ms1583 يذكر بعظيم ". # وعنه - أيضا - قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا يحقرن أحدكم نفسه قالوا وكيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال أن يرى أمر الله ~~فيه مقال فلا يقول فيه. فيقال له يوم القيامة. ما منعك أن تكون قلت فى ~~كذا وكذا؟ فيقول مخافة الناس. فيقول إياى أحق أن تخاف ". # وهناك أحاديث أخرى فى هذا المعنى سوى التى ذكرها الإمام ابن كثير ومن ~~ذلك ما أخرجه الشيخان عن عبادة بن الصامت قال بايعنا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - على السمع والطاعة فى المنشط والمنكره، وأن لا ننازع ~~الأمر أهله. وأن نقول بالحق حيثما كنا. لا نخاف فى الله لومة لائم ". ثم ~~بين - سبحانه - من تجب موالاتهم، بعد النهى عن تولى من تجب معاداتهم فقال ~~{ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ~~الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم ~~راكعون }. أى { إنما وليكم الله } المفيض عليكم كل خير، ~~والمرجو وحده فى الشدائد والكروب { ورسوله } الذى أخرجكم - بإذنه ~~تعالى - من ظلمات الكفر إلى نور التوحيد. { والذين آمنوا } الذين ~~هم منكم وأنتم منهم والذين { يقيمون الصلاة } فى مواقيتها بخشوع ~~وإخلاص { ويؤتون الزكاة } لمستحقيها بسماحة وطيب نفس { وهم ~~راكعون } أى خاشعون متواضعون لله، وليسوا مرائين أو منانين. وقوله { ~~إنما وليكم الله } جملة من مبتدأ وخبر. وقوله { ورسوله ~~والذين آمنوا } معطوف على الخبر. قال صاحب الكشاف ومعنى { إنما } ~~وجوب اختصاصهم بالمولاة. فإن قلت قد ذكرت - الآية - جماعة فهلا قيل إنما ~~أولياؤكم؟ قلت أصل الكلام إنما وليكم الله، فجعلت الولاية لله على طريق ~~الأصالة، ثم نظم فى سلك إثباتها له، إثباتها لرسوله وللمؤمنين على سبيل ~~التبع. ولو قيل إنما أولياؤكم الله ورسوله والذين آمنوا، لم يكن فى ~~الكلام أصل وتبع. والمراد بالذين آمنوا عامة المؤمنين وليس فردا معينا ~~منهم. # قال - تعالى - # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض ~~يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله ~~أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم # وما ورد من آثار تفيد أن المراد بالذين آمنوا شخصا معينا ms1584 وهو على بن أبى ~~طالب - رضى الله عنه - لا يعتمد عليها، لأنهما كما يقول ابن كثير - " لم ~~يصح شىء منها بالكلية لضعف أسانيدها وجهالة رجالها ". وقد توسع الإمام ~~الرازى فى الرد على الشيعة الذين وضعوا هذه الآثار فارجع إليه إن شئت. ~~وقوله { الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة } بدل ~~من الذين آمنوا. وهما وصفان لهما ساقهما - سبحانه - على سبيل الثناء ~~عليهم والمدح لهم. وقوله { وهم راكعون } حال من فاعل الفعلين - ~~يقيمون ويؤتون -. أى يعملون ما ذكر من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهم ~~خاشعون خاضعون لله - تعالى - إذ الركوع قد يطلق بمعنى الخضوع لله - تعالى ~~- قال الراغب الركوع الانحناء وتارة يستعمل فى الهيئة المخصوصة فى ~~الصلاة، وتارة يستعمل في التذلل والتواضع إما فى العبادة وإما فى غيرها ~~". ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة الذين يوالون الله ورسوله والمؤمنين فقال ~~{ ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن ~~حزب الله هم الغالبون }. والحزب معناه الجمع من الناس ~~يجتمعون على رأى واحد من أجل أمر حزبهم أى أهمهم وشغلهم. والمعنى { ~~ومن يتول الله } - تعالى - بأن يطيعه ويتوكل عليه، ويتول { ~~رسوله } بأن يتبعه ويتأسى به، ويتول { والذين آمنوا } بأن ~~يناصرهم ويشد أزرهم ويتعاون معهم على البر والتقوى، من يفعل ذلك لا شك فى ~~حسن عاقبته وظفره بالفلاح والنصر { فإن حزب الله هم ~~الغالبون } لغيرهم من الأحزاب الأخرى التى استحوذ عليها الشيطان. و ~~{ من } فى قوله { ومن يتول الله } شرطية، وقوله { فإن ~~حزب الله هم الغالبون } دليل على جواب الشرط. أى ومن يتول ~~الله ورسوله والذين آمنوا يكن من حزب الله المنتصر القوى، فإن حزب الله ~~هم الغالبون. وقال - سبحانه - فإن حزب الله، ولم يقل حزب الله ورسوله، ~~للإشارة إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعمل إلا بأمر من الله - ~~تعالى - وإنه صلى الله عليه وسلم لا يستمد العون والنصرة إلا منه - ~~سبحانه -. وقال بعض العلماء وقوله - تعالى - { فإن حزب الله ~~هم الغالبون } معناه فإنهم الغالبون. فوضع الظاهر موضع الضمير ~~العائد إلى { من } دلالة على علة ms1585 الغلبة. وهو أنهم حزب الله. فكأنه قيل ~~ومن يتول هؤلاء فهو حزب الله، وحزب الله هم الغالبون. تنويها بذكرهم، ~~وتعظيما لشأنهم، وتشريفا لهم بهذا الاسم، وتعريضا لمن يوالى غير هؤلاء ~~بأنه حزب الشيطان ". # وبذلك ترى أن هذه الآيات الكريمة قد نهت المؤمنين نهيا شديدا عن موالاة ~~أعداء الله، لأن موالاتهم قد تجر إلى الارتداد عن الدين الحق، ومن يرتد ~~عن الدين الحق فلن يضر الله شيئا، لأنه سبحانه - قادر على أن يأتى بقوم ~~آخرين صادقين فى إيمانهم بدل أولئك الذين ارتدوا على أعقابهم. كما نراها ~~قد أرشدت المؤمنين إلى من تجب موالاتهم، وبشرتهم بالفلاح والنصر متى ~~جعلوا ولايتهم لله ولرسوله ولإخوانهم فى العقيدة والدين. ثم كرر - ~~سبحانه - نهى المؤمنين عن موالاة أعدائه وأعدائهم الذين استخفوا بتعاليم ~~الإسلام، وشعائر دينه فقال - تعالى - { يأيها الذين آمنوا ~~لا تتخذوا... } ### || [5.57-58] # قال الآلوسى أخرج ابن إسحاق وجماعة عن ابن عباس قال كان رفاعة بن زيد بن ~~التابوت، وسويد بن الحارث قد أظهرا الإسلام ونافقا، وكان رجال من ~~المسلمين يوادونهما. فأنزل الله - تعالى - { يأيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا }... الآية. والدين هو ما عليه المرء من عقائد ~~وأعمال ناشئة عن العقيدة. فهو عنوان عقل المتدين، ورائد آماله، وباعث ~~أعماله. والذى يتخذ دين امرئ هزوا ولعبا، فقد اتخذ ذلك المتدين بهذا ~~الدين هزوا ولعبا. وقوله { هزوا } أى سخرية يقال فلان هزئ من فلان إذا ~~سخر منه، واستخف به. وأصله هزءا، فأبدلت الهمزة واوا لضم ما قبلها. ~~وقوله { لعبا } أى ملهاة وعبثا. وأصله من لعاب الطفل. يقال عن الطفل لعب ~~- بفتح العين - إذا سال لعابه. والمعنى يأيها الذين اتصفوا بالإيمان { ~~لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم } الذى هو سر سعادتكم ~~وعزتكم { هزوا ولعبا } أى اتخذوه مادة لسخريتهم وتهكمهم، وموضعا ~~لعبثهم ولهوهم. و { من } فى قوله { من الذين أوتوا الكتاب ~~من قبلكم والكفار أوليآء } بيانية. أى مبينة لأولئك ~~الذين يستهزئون بدين الله ويجعلونه موضع عبثهم. والمراد بالذين أوتوا ~~الكتاب اليهود والنصارى. وسموا بذلك لأن أصل شرعهم ينتمى إلى كتاب منزل ms1586 ~~هو التوراة والإنجيل. وفى وصفهم بذلك هنا، توبيخ لهم، حيث إنهم استهزؤوا ~~بالدين الحق، مع أن كتابهم ينهاهم عن ذلك. والمراد بالكفار هنا المشركون ~~الذين لا كتاب لهم. وقرأ الجمهور { والكفار } بالنصب عطفا على { ~~الذين اتخذوا دينكم } المبين بقوله { من الذين ~~أوتوا الكتاب }. وقرأ أبو عمرو والكسائى { الكفار } بالجر عطفا ~~على { الذين أوتوا الكتاب }. وقوله { أوليآء } أى نصراء ~~وأصفاء. وهو المفعول الثانى لقوله { لا تتخذوا } والآية الكريمة ~~تنهى المؤمنين عن ولاية كل عدو لله - تعالى - ولهم سواء أكان هذا العدو ~~من أهل الكتاب أم من المشركين لأن الجميع يشتركون فى الاستهزاء بتعاليم ~~الإسلام، وفى العبث بشعائره. وقوله { واتقوا الله إن كنتم ~~مؤمنين } تذييل قصد به استنهاض همتهم لامتثال أمر الله - تعالى - ~~وإلهاب نفوسهم حتى يتركوا موالاة أعدائهم بسرعة ونشاط. أى واتقوا الله فى ~~سائر ما أمركم به وما نهاكم عنه، فلا تضعوا موالاتكم فى غير موضعها، ولا ~~تخالفوا لله أمرا. إن كنتم مؤمنين حقا، ممتثلين صدقا، فإن وصفكم ~~بالإيمان يحتم عليكم الطاعة التامة لله رب العالمين. ثم ذكر - سبحانه - ~~بعض مظاهر استهزاء أولئك الضالين بالدين وشعائره، فقال - تعالى - { ~~وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا }. ~~والمراد بالنداء للصلاة الإعلام بها عن طريق الأذن. قال القرطبى كان إذا ~~أذن المؤذن وقام المسلمون إلى الصلاة قالت اليهود قاموا لا قاموا، وكانوا ~~يضحكون إذا ركع المسلمون وسجدوا. # وقالوا فى حق الأذان لقد ابتدعت شيئا لم نسمع به فيما مضى من الأمم. فمن ~~أين لك صياح مثل صياح العير؟ فما أقبحه من صوت، وما أسمحه من أمر. وروى ~~ابن جرير وابن أبى حاتم عن السدى فى قوله { وإذا ناديتم إلى ~~الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا } قال كان رجل من النصارى ~~بالمدينة، إذا سمع المنادى ينادى أشهد أن محمدا رسول الله. قال حرق ~~الكاذب. فدخل خادمه ليلا من الليالى بنار، وهو نائم وأهله نيام، فسقطت ~~شرارة فأحرقت البيت. فاحترق هو وأهله ". وقيل كان المنافقون يتضاحكون عند ~~القيام إلى الصلاة تنفيرا للناس منها. أى وإذا ناديتم - أيها ms1587 المؤمنون - ~~بعضكم بعضا إلى الصلاة عن طريق الأذان، اتخذ هؤلاء الضالون الصلاة ~~والمناداة بها موضعا لسخريتهم وعبثهم وتهكمهم. واسم الإشارة فى قوله { ~~ذلك بأنهم قوم لا يعقلون } يعود إلى ما كان منهم من ~~استهزاء وسخرية. أى ذلك الذى صدر عنهم من استهزاء وعبث سببه أنهم قوم ~~سفهاء جهلاء، لا يدركون الأمور على وجهها الصحيح، ولا يستجيبون للحق الذى ~~ظهر لهم بسبب عنادهم وأحقادهم. قال ابن كثير هذا تنفير من موالاة أعداء ~~الإسلام من الكتابيين والمشركين الذين يتخذون أفضل ما يعمله العاملون ~~وهى شرائع الإسلام المطهرة المحكمة المشتملة على كل خير دينوى وأخروى، ~~يتخذونها هزوا يستهزئون بها، ولعبا يعتقدون أنها نوع من اللعب فى نظرهم ~~الفاسد، وفكرهم البارد، كما قال القائل. # وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم # وبعد أن حذر - سبحانه - المؤمنين تحذيرا شديدا من موالاة أعدائه. عقب ~~ذلك بتوبيخ أهل الكتاب على عنادهم وحسدهم، ووصفهم بجملة من الصفات ~~القبيحة التى ينأى عنها العقلاء وأصحاب المروءة فقال - تعالى - { قل ~~يأهل الكتاب هل تنقمون... } ### || [5.59-63] # قال القرطبى قال ابن عباس جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فسألوه عمن يؤمن به من الرسل - عليهم السلام - فقال نؤمن بالله ~~وما أنزل إلينا، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل إلى قوله ونحن له مسلمون ~~". فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا والله ما نعلم أهل دين أقل حظا فى ~~الدنيا والآخرة منكم، ولا دينا شرا من دينكم. فنزلت هذه الآية وما ~~بعدها. وتنقمون معناه تسخطون. وقيل تكرهون. وقيل تنكرون. والمعنى متقارب ~~يقال نقم من كذا ينقم ونقم ينقم والأول أكثر.. وفى التنزيل وما نقموا ~~منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ". وانتقم منه أى عاقبه والاسم ~~النقمة والجمع نقم. والاستفهام، للانكار والتعجب من حالهم حيث يعيبون على ~~المؤمنين ما هو المدح والثناء والتكريم. والمعنى قل يا محمد على سبيل ~~التوبيخ لأهل الكتاب، والتعجيب من أحوالهم قل لهم { يأهل ~~الكتاب } يا من كتابكم عرفكم مواطن الذم { هل تنقمون منآ } ~~أى ms1588 ما تعيبون وتنكرون وتكرهون منا { إلا أن آمنا بالله } ~~الذى يجب الإيمان به، والخضوع له، لأنه الخالق لكل شىء، وآمنا بما أنزل ~~إلينا من القرآن الكريم وآمنا بما أنزل من قبل من كتب سماوية كالتوراة ~~والإنجيل والزبور وغير ذلك من الكتب التى أنزلها الله على أنبيائه قبل ~~إنزال القرآن الكريم. ولا شك أن إيماننا بذلك لا يعاب ولا ينكر، بل يمدح ~~ويشكر، ولكن لأن { أكثركم فاسقون } - أى خارجون عن دائرة هذا ~~الإيمان الحق - كرهتم منا ذلك، وأنكرتموه علينا، وحسدتمونا على توفيق ~~الله إيانا لما يحبه ويرضاه. وقال الجمل ما ملخصه وقوله { إلا أن ~~آمنا } مفعول لقوله { تنقمون } بمعنى تكرهون. وهو استثناء مفرغ. ~~وقوله { منا } متعلق به. أى ما تكرهون من جهتنا إلا الإيمان بالله وبما ~~أنزل إلينا وأصل نقم أن يتعدى بعلى. تقول نقمت عليه بكذا. وإنما عدى هنا ~~بمن لتضمنه معنى تكرهون وتنكرون. وقوله { وأن أكثركم ~~فاسقون } يحتمل أن يكون فى محل رفع أو نصب أو جر فالرفع على أن يكون ~~مبتدأ والخبر محذوف أى وفسقكم ثابت عندكم، لأنكم علمتم أنا على الحق ~~وأنكم على الباطل إلا أن حب الرياسة وجمع الأموال حملكم على العناد. ~~والنصب على أن يكون معطوفا على قوله { أن آمنا } ولكن الكلام فيه مضاف ~~محذوف لفهم المعنى. والتقدير واعتقاد أن أكثرهم فاسقون وهو معنى واضح فإن ~~الكفار ينقمون اعتقاد المؤمنين أنهم - أى الكفار - فاسقون - أى ما تعيبون ~~منا إلا إيماننا بالله وما أنزل إلينا. واعتقادنا أن أكثركم فاسقون. وأما ~~الجر فعلى أن يكون معطوفا على علة محذوفة والتقدير ما تنقمون منا إلا ~~الإيمان بالله وبما أنزل. # لقلة إنصافكم وفسقكم واتباعكم شهواتكم ". هذا ومن بلاغة القرآن الكريم، ~~وإنصافه فى الأحكام، واحتراسه فى التعبير أنه لم يعمم الحكم بالفسق على ~~جميعهم. بل جعل الحكم بالفسق منصبا على الأكثرين منهم، حتى يخرج عن هذا ~~الحكم القلة المؤمنة من أهل الكتاب. وشبيه بهذا قوله فى آية أخرى # منهم أمة مقتصدة وكثير منهم سآء ما ~~يعملون # قال بعض العلماء فى ms1589 الآية تسجيل على أهل الكتاب بكمال المكابرة ~~والتعكيس، حيث جعلوا الإيمان بما ذكر، موجبا للنقمة، مع كونه فى نفسه ~~موجبا للقبول والرضا. وهذا مما تقصد العرب فى مثله تأكيد النفى والمبالغة ~~فيه بإثبات شىء وذلك الشىء لا يقتضى إثباته فهو منتف أبدا. ويسمى مثل ~~ذلك عند علماء البيان تأكيد المدح بما يشبه الذم وبالعكس. فمن الأول قول ~~القائل # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب # وقول الآخر # فتى كملت أخلاقه غير أنه جواد، فما يبقى من المال باقيا # ومن الثانى هذه الآية وما يشبهها. أى ما ينبغى لهم أن ينقموا شيئا إلا ~~هذا، وهذا لا يوجب لهم أن ينقموا شيئا إذا فليس هناك شىء ينقمونه، وما ~~دام الأمر كذلك، فينبغى لهم أن يؤمنوا ولا يكفروا. وفيه أيضا تقريع لهم ~~حيث قابلوا الإحسان بسوء الصنيع ". ثم تابع - سبحانه - التهكم بهم، ~~وتعجب الناس من أفن رأيهم، مع تذكيرهم بسوء مصيرهم فقال - { قل هل ~~أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله }؟ والمشار ~~إليه بقوله { ذلك } يعود إلى ما نقمه اليهود على المؤمنين من إيمانهم ~~بالله وبالكتب السماوية وقيل يعود إلى الكثرة الفاسقة من أهل الكتاب ~~المعبر عنها بقوله { وأن أكثركم فاسقون } وتوحيد اسم ~~الإشارة لكونه يشار به إلى الواحد وغيره. أو لتأويله بالمذكور ونحوه. ~~والخاطب لأهل الكتاب المتقدم ذكرهم وقيل للكفار مطلقا، وقيل للمؤمنين. ~~والمثوبة مصدر ميمى بمعنى الثواب الثابت على العمل، وأكثر استعمالها فى ~~الخير. وقد استعملت هنا بمعنى العقوبة على طريقة التهكم بهم كما فى قوله ~~- تعالى - # فبشرهم بعذاب أليم # وهى منصوبة على أنها تمييز لقوله { بشر }. وقوله { من لعنه ~~الله } خبر لمبتدأ محذوف أى هو من لعنه الله والمراد اليهود لأن ~~الصفات التى ذكرت فى الآية لا تنطبق إلا عليهم. والمعنى قل يا محمد ~~لهؤلاء اليهود الذين عابوا على المؤمنين إيمانهم بالله وبما أنزله من كتب ~~سماوية والذين قالوا لكم ما نعلم أهل دين أقل حظا فى الدنيا والآخرة ~~منكم، ولا دينا شرا من دنيكم قل ms1590 لهم على سبيل التبكيت والتنبيه على ~~ضلالهم هل أخبركم بشر من أهل ذلك الدين عقوبة عند الله يوم القيامة؟ هو ~~من { لعنه الله } أى أبعده من رحمته { وغضب عليه } بأن ~~منع عنه رضاه { وجعل منهم القردة والخنازير } بأن مسخ ~~بعضهم قردة وبضعهم خنازير وجعل منهم من عبد الطاغوت " أى من عبد كل معبود ~~باطل من دون الله كالأصنام والأوثان وغير ذلك من المعبودات الباطلة التى ~~اتبعوها بسبب طغيانهم وفساد نفوسهم. # فإن قيل إن قوله - { قل هل أنبئكم بشر من ذلك ~~مثوبة } يفيد أن ما عابه اليهود على المؤمنين من إيمانهم بالله فيه ~~شر. إلا أن ما عليه اليهود أشد شرا، مع أن إيمان المؤمنين لا شر فيه ~~ألبتة بل هو عين الخير فكيف ذلك؟ فالجواب، أن الكلام مسوق على سبيل ~~المشاكلة، والمجاراة لتفكير اليهود الفاسد، وزعمهم الباطل، فكأنه - ~~سبحانه - يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم إن هؤلاء اليهود - يا محمد - ~~ينكرون عليكم إيمانكم بالله وبالكتب السماوية ويعتبرون ذلك شرا - مع أنه ~~عين الخير - قل لهم على سبيل التبكيت وإلزامهم الحجة لئن كنتم تعيبون ~~علينا إيماننا وتعتبرونه شرا لا خير فيه - فى زعمكم فشر منه عاقبة ومآلا ~~ما أنتم عليه من لعن وطرد من رحمة الله، وما أصاب أسلافكم من مسخ بعضهم ~~قردة، وبعضهم خنازير، وما عرف عنكم من عبادة لغير الله... وشبيه بهذه ~~الآية فى مجاراة الخصم فى زعمه قوله - تعالى - # وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين # وقوله { أولئك شر مكانا وأضل عن سوآء السبيل ~~} بيان لسوء عاقبتهم وقبح مكانتهم.. أى أولئك المتصفون بما ذكر من ~~الفسوق واللعن والطرد من رحمة الله أولئك المتصفون بذلك { شر ~~مكانا } من غيرهم وأكثر ضلالا عن طريق الحق المستقيم من سواهم، فهم ~~فى الدنيا يشركون بالله، وينتهكون محارمه وفى الآخرة مأواهم النار وبئس ~~القرار. وقوله { أولئك } مبتدأ وقوله { شر } خبره، وقوله { مكانا } تمييز ~~محول عن الفاعل. وأثبت - سبحانه - الشرية لمكانهم ليكون أبلغ فى الدلالة ~~على كثرة شرورهم، إذ أن إثبات الشرية ms1591 لمكان الشىء كناية عن إثباتها للشىء ~~نفسه. فكأن شرهم قد أثر فى مكانهم، أو عظم وضخم حتى صار متجسما. وقوله { ~~وأضل } معطوف على { شر } مقرر له. والمقصود من صيغتى التفضيل فى قوله { ~~أولئك شر مكانا وأضل } الزيادة مطلقا من غير نظر إلى ~~مشاركة غيرهم فى ذلك. أو بالنسبة إلى غيرهم من الكفار الذين لم يفجروا ~~فجورهم، ولم يحقدوا على المؤمنين حقدهم. ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك بعض ~~مظاهر نفاقهم وخداعهم فقال { وإذا جآءوكم قالوا آمنا ~~وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به }. قال ~~الآلوسى نزلت كما قال قتادة والسدى - فى ناس من اليهود كانوا يدخلون على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيظهرون له الإيمان والرضا بما جاء به ~~نفاقا. # والخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه. والضمير فى { جاءكم } يعود ~~على اليهود المعاصرين للنبى. أى وإذا جاء إليكم - أيها المؤمنون - أولئك ~~اليهود أظهروا أمامكم الإسلام، وقالوا لكم آمنا بأنكم على حق، وحالهم ~~وحقيقتهم أنهم قد دخلوا إليكم وهم متلبسون بالكفر، وخرجوا من عندكم وهم ~~متلبسون به - أيضا - فهم يدخلون عليكم ويخرجون من عندكم وقلوبهم كما هى ~~لا تتأثر بالمواعظ التى يلقيها الرسول صلى الله عليه وسلم لأنهم قد قست ~~قلوبهم، وفسدت نفوسهم. وقوله { وقد دخلوا بالكفر وهم ~~قد خرجوا به } جملتان فى موضع الحال من ضمير الجمع فى { قالوا }. ~~والباء فى قوله { بالكفر } وقوله { به } للملابسة. أى دخلوا وخرجوا وهم ~~متلبسون بالكفر من غير نقصان منه ولا تغيير فيه ألبتة. قال الفخر الرازى ~~وذكر عند الدخول كلمة { قد } وذكر عند الخروج كلمة { هم } لأن الفائدة من ~~ذكر كلمة { قد } تقريب الماضى من الحال. والفائدة من ذكر كلمة { هم } ~~التأكيد فى إضافة الكفر إليهم، ونفى أن يكون للنبى صلى الله عليه وسلم فى ~~ذلك فعل، أى لم يسمعوا منك يا محمد عند جلوسهم معك ما يوجب كفرا، فتكون ~~أنت الذى ألقيتهم فى الكفر، بل هم الذين خرجوا بالكفر باختيار أنفسهم ". ~~ويبدو لنا أنه عبر عن دخولهم بقوله { وقد دخلوا بالكفر ms1592 } ~~وعبر عن خروجهم بقوله { وهم قد خرجوا به } بإضافة ضميرهم مع ~~قد، للإشارة إلى أنهم عند خروجهم كانوا أشد كفرا، وأقسى قلوبا منهم عند ~~دخولهم. وهذا شأن الجاحدين المنافقين، لا تؤثر فيهم العظات مهما كانت ~~بليغة، ولا النذر مما كانت قوية، بخلاف قلوب المؤمنين فإن المواعظ تزيدها ~~يقينا على يقينها، وإيمانا على إيمانها. ألا ترى إلى قوله - تعالى - # وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم ~~إيمانا وهم يستبشرون. وأما الذين في قلوبهم ~~مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم ~~كافرون # وقوله - تعالى - { والله أعلم بما كانوا يكتمون } ~~وعيد شديد لهم على كفرهم ونفاقهم. أى والله - تعالى - أعلم بما كانوا ~~يخفونه من نفاق وخداع عند دخولهم وعند خروجهم، لأنه - سبحانه - لا تخفى ~~عليه خافية من أحوالهم. ثم حكى - سبحانه - لونا آخر من رذائلهم فقال { ~~وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان ~~وأكلهم السحت }. والرؤية فى قوله { وترى } بصرية. والإثم ~~هو كل قول أو عمل لا يرضاه الله - تعالى -. والعدوان مجاوزة الحد فى ~~الظلم والتعدى. والسحت هو المال الحرام كالرشوة وغيرها. أى وترى - أيها ~~الرسول الكريم أو أيها السامع - كثيرا من هؤلاء اليهود، يسارعون فى ~~ارتكاب الآثام وفى التعدى والظلم وأكل المال الحرام بدون تردد أو تريث. # والتعبير بقوله { وترى } يفيد أن ارتكابهم لهذه المنكرات لم يكن ~~خافيا أو مستورا، وإنما هم يرتكبونها مجاهرة وعلانية، لأن فضيلة الحياء ~~قد نضبت من جوههم. والمسارعة فى الشىء المبادرة إليه بسرعة وخفة ونشاط، ~~وأكثر استعمالها فى الخير كما قال - تعالى - # أولئك يسارعون في الخيرات # نسارع لهم في الخيرات # وقد استعملت هنا فى مسارعتهم فى الإثم والعدوان وأكلهم السحت، للإشارة ~~إلى أنهم كانوا يقدمون على هذه المنكرات وكأنهم محقون فيها. والتعدية ~~بحرف { في } تؤذن بأنهم مغمورون فى الآثام وأنهم ينتقلون فيها فى حال إلى ~~حال أخرى شر منها، حتى لكأن السير فى طريق الحق والصدق والفضيلة صار غير ~~مألوف عندهم. وقوله { لبئس ما كانوا يعملون } تذييل قصد به ms1593 ~~تقبيح أعمالهم التى يأباها الدين والخلق الكريم. أى لبئس شيئا كانوا ~~يعملونه هذه المنكرات التى منها مسارعتهم فى الإثم والعدوان وأكلهم ~~السحت. وهذه الجملة هى حكم من الله - تعالى - عليهم بذم أعمالهم. وقد جمع ~~- سبحانه - فى حكمه بين صيغة الماضى { كانوا } وصيغة المضارع { يعملون } ~~للإشارة إلى أن هذا العمل القبيح كان منهم فى الماضى، وأنهم قد استمروا ~~عليه فى حاضرهم ومستقبلهم بدون توبة أو ندم. وقد أكد - سبحانه - هذا ~~الحكم بالقسم، وباللام الموطئة للقسم، وبكلمة بئس الدالة على شدة الذم. ~~أى أقسم لبئس العمل الذى كان هؤلاء يعملونه من مسارعتهم فى الإثم ~~والعدوان وأكلهم السحت. ثم وبخ - سبحانه - رؤساء هؤلاء اليهود على سكوتهم ~~على المنكر فقال { لولا ينهاهم الربانيون والأحبار ~~عن قولهم الإثم وأكلهم السحت }. و { لولا } هنا للحض ~~على الفعل فى المستقبل، وللتوبيخ على تركه فى الماضى فهى لتوبيخ علماء ~~اليهود على تركهم فضيلة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى الماضى. ~~ولحضهم على مباشرتهم فى المستقبل. وهى هنا بمعنى هلا. والربانيون كما ~~يقول ابن جرير - جمع ربانى. وهم العلماء الحكماء البصراء بسياسة الناس، ~~وتدبير أمورهم، والقيام بمصالحهم. والأحبار - جمع حبر - وهم علماء اليهود ~~وفقهاؤهم المفسرون لما ورد فى التوراة من أقوال وأحكام. والمعنى إن هؤلاء ~~دأبهم المسارعة إلى اقتراف الآثام وإلى أكل المال الحرام، فهلا ينهاهم ~~علماؤهم عن هذه الأقوال الكاذبة الباطلة، وعن تلك المآكل الخبيثة التى ~~أكلوها عن طريق السحت. والسحت - كما سبق أن بينا - هو المال الحرام ~~كالربا والرشوة. سمى سحتا من سحته إذا استأصله لأنه مسحوت البركة أى ~~مقطوعها. أو لأنه يذهب فضيلة الإنسان ويستأصلها واليهود أرغب الناس فى ~~المال الحرام وأحرصهم عليه. وقد وبخ الله - تعالى - علماء اليهود ~~وفقهاءهم على عدم نهيهم لهم عن قولهم الإثم وأكلهم السحت، لأن هاتين ~~الرذيلتين هما جماع الرذائل، إذ القول الباطل الكاذب إذا ما تعود عليه ~~الإنسان هانت عليه الفضائل، وقال فى الناس ما ليس فيهم بدون تحرج أو ~~حياء. # وأكل السحت يقتل فى نفسه المروءة والشرف، ويجعله يستهين ms1594 بحقوق الناس ~~وأموالهم. ولقد ألف علماء اليهود أكل أموال الناس بالباطل بدعوى أن هذا ~~الأكل سيغفره الله لهم، ألا ترى قول الله - تعالى - # فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون ~~عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا # قال بعض العلماء واقتصر - سبحانه - فى توبيخ الربانيين على ترك نهيهم عن ~~قول الإثم وأكل السحت، ولم يذكر العدوان - الذى ورد فى الآية السابقة ~~إيماء إلى أن العدوان يزجرهم عنه المسلمون ولا يلتجئون فى زجرهم إلى ~~غيرهم لأن الاعتماد فى النصرة على غير المجنى عليه ضعف ". وقوله { ~~لبئس ما كانوا يصنعون } تذييل قصد به ذم علماء اليهود بسبب ~~تركهم لفضيلة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وقوله { يصنعون } من ~~الصنع وهو العمل بدقة ومهارة وإحكام. أى والله لبئس الصنع صنعهم حيث ~~تركوا نهى عامتهم عن قول الإثم وأكل السحت. وقد تكلم المفسرون عن السر ~~فى أن الله تعالى - ذم اليهود بقوله { لبئس ما كانوا يعملون ~~} وذم علماءهم وفقهاءهم بقوله { لبئس ما كانوا يصنعون }. ~~وقد أجاد الكلام عن ذلك الإمام الرازى فقال والمعنى، أن الله - تعالى - ~~استبعد من علماء أهل الكتاب أنهم ما نهوا سفلتهم وعوامهم عن المعاصى، ~~وذلك يدل على أن تارك النهى عن المنكر بمنزلة مرتكبه، لأنه - تعالى - ذم ~~الفريقين.. بل نقول إن ذم تارك النهى عن المنكر أقوى، لأنه - سبحانه - ~~قال فى المقدمين على الإثم والعدوان وأكل السحت { لبئس ما كانوا ~~يعملون } وقال فى العلماء التاركين للنهى عن المنكر { لبئس ما ~~كانوا يصنعون } والصنع أقوى من العمل، لأن العمل إنما يسمى صناعة ~~إذا صار راسخا متمكنا، فجعل جرم العاملين ذنبا غير راسخ. وذنب التاركين ~~للنهى عن المنكر ذنبا راسخا. والأمر فى الحقيقة كذلك، لأن المعصية مرض ~~الروح، وعلاجه العلم بالله وبصفاته وبأحكامه، فإذا حصل هذا العلم ومازالت ~~المعصية كان كمثل المرض الذى شرب صاحبه الدواء إلا أن المرض بقى كما هو ~~". وقال ابن جرير كان العلماء يقولون ما فى القرآن آية أشد توبيخا ~~للعلماء من هذه الآية، ولا أخوف عليهم منها. وقال ابن ms1595 كثير روى الإمام ~~أحمد عن جرير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل المعاصى، هم أعز منه وأمنع، ولم ~~يغيروا، إلا أصابهم الله منه بعذاب ". # وروى ابن أبى حاتم عن يحيى بن يعمر قال خطب على بن أبى طالب، فحمد الله ~~وأثنى عليه ثم قال أيها الناس!! إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصى ~~ولم ينههم الربانيون والأحبار. # فلما تمادوا أخذتهم العقوبات. فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن ~~ينزل بكم مثل الذى نزل بهم. واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ~~لا يقطع رزقا، ولا يقرب أجلا. وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة قد وبخت ~~اليهود على حسدهم للمؤمنين على ما آتاهم الله من فضله، ووصفتهم بجملة من ~~الصفات الذميمة حتى يحذرهم المؤمنون، ويجعلوا ولاءهم لله ولرسوله ~~ولإخوانهم فى العقيدة والدين. ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك لونا آخر من ~~سوء معتقد اليهود، وخبث طويتهم، وسوء أدبهم مع الله - تعالى - فقال { ~~وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت... } ### || [5.64] # قال ابن عباس قال رجل من اليهود يقال له شاس بن قيس يا محمد إن ربك بخيل ~~لا ينفق. فأنزل الله هذه الآية. وقد أضاف - سبحانه - المقالة إلى اليهود ~~جميعا، لأنهم لم ينكروا على القائل ما قاله ورضوا به. وقال عكرمة إنما ~~قال هذا فنحاص بن عازوراء وأصحابه. فقد كانت لهم أموال فلما كفروا بالنبى ~~صلى الله عليه وسلم قل ما لهم، فقالوا ما قالوا. وقيل إنهم لما رأوا ~~النبى صلى الله عليه وسلم فى فقر وقلة مال وسمعوا # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # قالوا إن إله محمد بخيل. وقوله - تعالى - حكاية عنهم { وقالت ~~اليهود يد الله مغلولة } إخبار من الله عن جراءة اليهود ~~عليه - سبحانه - وسوء أدبهم معه، وتوبيخ لهم على جحودهم نعمه التى لا ~~تحصى. وأرادوا بقولهم { يد الله مغلولة } أنه - سبحانه - بخيل ~~عليهم، ممسك خيره عنهم، مانع فضله عن أن يصل إليهم، حابس عطاءه عن ~~الاتساع لهم، كالمغلولة يده ms1596 الذى لا يقدر أن يبسطها بعطاء ولا بذل معروف. ~~وأصل الغل - كما يقول الراغب - تدرع الشىء وتوسطه، ومنه الغلل للماء ~~الجارى بين الشجر. والغل مختص بما يقيد به الشخص فيجعل الأعضاء وسطه، ~~وجمعه أغلال. وليس المراد باليد هنا الجارحة المعروفة بهذا الاسم، لأن ~~الله - تعالى - منزه عن مشابهة الحوادث. وإنما غل اليد وبسطها مجاز مشهور ~~عن التقتير والعطاء. والسبب فيه أن اليد آلة لأكثر الأعمال، لا سيما فى ~~دفع المال وإنفاقه. فأطلقوا اسم السبب على المسبب، وأسندوا الجود والبخل ~~إلى اليد والكف فقيل للجواد فياض اليد، مبسوط الكف، وقيل للبخيل مقبوض ~~اليد، كز الكف. وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف بقوله " غل اليد وبسطها ~~مجاز عن البخل والجود " ومنه قوله - تعالى - # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها ~~كل البسط # ولا يقصد من يتكلم به إثبات يد ولا غل ولا بسط. ولا فرق عنده بين هذا ~~الكلام وبين ما وقع مجازا عنه، لأنهما كلامان معتقبان على حقيقة واحدة، ~~حتى إنه يستعمله فى ملك لا يعطى عطاء قط ولا يمنعه إلا بإشارته من غير ~~استعمال يد وقبضها وبسطها. ولو أعطى الأقطع إلى المنكب عطاء جزيلا لقالوا ~~ما أبسط يده بالنوال، لأن بسط اليد وقبضها عبارتان معاقبتان البخل ~~والجود. وقد استعملوها حيث لا تصح اليد كقول القائل # جاد الحمى بسط اليدين بوابل شكرت نداه تلاعه ووهاده # ويقال بسط اليأس كفيه فى صدرى، فجعلت لليأس الذى هو من المعانى لا من ~~الأعيان كفين. وقد علق صاحب الانتصاف على قول صاحب الكشاف " غل اليد ~~وبسطها مجاز " فقال والنكتة فى استعمال هذا المجاز تصوير الحقيقة ~~المعنوية بصورة حسية تلزمها غالبا، وهى بسط اليد للجود وقبضها للبخل، ولا ~~شىء أثبت من الصور الحسية فى الذهن، فلما كان الجود والبخل معنيين لا ~~يدركان بالحس. # عبر عنهما بلازمهما لفائدة الإيضاح والانتقال من المعنويات إلى ~~المحسوسات. وقوله { غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا } ~~دعاء عليهم بالشح المرير والبخل الشنيع بأن يخلق - سبحانه - فيهم الشح ~~الذى يجعلهم منبوذين من الناس ms1597 ومن ثم كان اليهود أبخل خلق الله، وحكم ~~عليهم بالطرد من رحمة الله - تعالى - بسبب سوء أدبهم معه - سبحانه - ~~وجحودهم لنعمه. وهذه الجملة تعليم من الله لنا بأن ندعو على من فسدت ~~قلوبهم، وأساءوا الأدب مع خالقهم ورازقهم، فقالوا فى شأنه ما هو منزه عنه ~~- # وتعالى عما يقولون علوا كبيرا # قال الآلوسى ما ملخصه ويجوز أن يكون المراد بغل الأيدى الحقيقة، بأن ~~يغلوا فى الدنيا أسارى - وفى الآخرة معذبين فى أغلال جهنم. ومناسبة هذا ~~لما قبله حينئذ من حيث اللفظ فقد فيكون تجنيسا. وقيل من حيث اللفظ ~~وملاحظة أصل المجاز كما تقوله سبنى سب الله دابره أى قطعه، لأن السب أصله ~~القطع. وقوله { بل يداه مبسوطتان } معطوف على مقدر يقتضيه ~~المقام، وتكذيب لهم فيما قالوه من باطل. والمعنى كلا - أيها اليهود - ليس ~~الأمر كما زعمتم من قول باطل، بل هو - سبحانه - الواسع الفضل، الجزيل ~~العطاء، الذى ما من شىء إلا عنده خزائنه. فبسط اليد هنا كناية عن الجواد ~~والفضل والإنعام منه - سبحانه - على خلقه. وعبر بالمثنى فقال { بل ~~يداه } للإشارة إلى كثرة الفيض والإنعام، لأن الجواد السخى إذا أراد ~~أن يبالغ فى العطاء أعطى بكلتا يديه. قال ابن كثير قوله { بل يداه ~~مبسوطتان } أى بل هو الواسع الفضل. الذى ما يخلقه من نعمة فمنه ~~وحده لا شريك له. كما قال # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان ~~لظلوم كفار # والآيات فى هذا كثيرة. وقد روى الإمام أحمد والشيخان عن أبى هريرة قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة - أى لا ينقصها الإنفاق - سحاء - ~~أى مليئة - الليل والنهار. أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه ~~لم يغض ما فى يمينه. وكان عرشه على الماء، وفى يده الأخرى الفيض - أو ~~القبض - يرفع ويخفض وقال يقول الله - تعالى - أنفق أنفق عليك ". # وقوله { ينفق كيف يشآء } جملة مستأنفة واردة لتأكيد كمال جوده، ~~والدلالة على أنه على مقتضى حكمته ومشيئته فهو - سبحانه - يبسط الرزق لمن ms1598 ~~يشاء أن يبسطه له ويقبضه عمن يشاء أن يقبضه عنه، وقبضه الرزق عمن يشاء من ~~خلقه لا ينافى سعة كرمه، لأنه يعطى ويمنع على حسب مشيئته التى أقام بها ~~نظام خلقه. # ثم بين - سبحانه - موقفهم الجحودى مما أنزله على رسوله صلى الله عليه ~~وسلم فقال { وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ~~ربك طغيانا وكفرا }. أى إن ما أنزلنا عليك يا محمد من قرآن ~~كريم، وما أطلعناك عليه من خفى أمور هؤلاء اليهود، ومن أحوال سلفهم كل ~~ذلك ليزيدن الكثيرين منهم كفرا على كفرهم، وطغيانا على طغيانهم، وذلك ~~لأنهم قوم أكل الحقد قلوبهم، واستولى الحسد على نفوسهم. وإذا كان ما ~~أنزلناه إليك يا محمد فيه الشفاء لنفوس المؤمنين، فإنه بالنسبة لهؤلاء ~~اليهود يزيدهم بغيا وظلما وكفرا. قال - تعالى - # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا # فالجملة الكريمة بيان لموقف اليهود الجحودى من الآيات التى أنزلها الله ~~على رسوله صلى الله عليه وسلم وهى فى الوقت ذاته تسلية له صلى الله عليه ~~وسلم عما يلقاه منهم. وقد أكد - سبحانه - هذه الجملة بالقسم المطوى، ~~وباللام الموطئة له، ونون التوكيد الثقيلة لكى ينتفى الرجاء فى إيمانهم، ~~وليعاملهم النبى صلى الله عليه وسلم وأتباعه على أساس مكنون نفوسهم ~~الخبيثة، وقلوبهم المريضة بالحسد والخداع. وقوله { كثيرا } هو المفعول ~~الأول لقوله { وليزيدن } وفاعله ما الموصولة فى قوله { ما أنزل } وقوله { ~~طغيانا } هو المفعول الثانى. ثم زاد - سبحانه - فى تسلية رسوله صلى الله ~~عليه وسلم فأصدر حكمه فيهم بدوام العداوة والبغضاء بين طوائفهم وفرقهم ~~فقال { وألقينا بينهم العداوة والبغضآء إلى ~~يوم القيامة } فالضمير فى قوله { بينهم } يعود إلى فرق اليهود ~~المختلفة من فريسيين وصدوقيين وقرائين، وكتبة وغير ذلك من فرقهم ~~المتعددة. وقيل الضمير يعود إلى طائفتى اليهود والنصارى. والأول أرجح لأن ~~الحديث فى هذه الآية عن اليهود الذين وصفوا الله - تعالى - بما هو منزه ~~عنه. والعداوة والبغضاء يرى بعضهم أنهما اسمان لمعنى واحد. ويرى آخرون أن ~~معناهما مختلف. فالعداوة معناها المناوأة ms1599 الظاهرة، والبغضاء هى الكراهية ~~التى تكون فى القلب. فهما معنيان متغايران وإن كانا متلازمين أحيانا. فلا ~~عداوة من غير بغضاء، ولكن قد يفترقان فتوجد البغضاء من غير إعلان ~~للعداوة. قال أبو حيان والعداوة أخص من البغضاء لأن كل عدو مبغض وقد يبغض ~~من ليس بعدو. وقال ابن عطية وكأن العداوة شىء يشهد، يكون عنه عمل وحرب، ~~والبغضاء لا تتجاوز النفوس. والمعنى وألقينا بين طوائف اليهود المتعددة ~~العداوة الدائمة، والبغضاء المستمرة، فأنت تراهم كلمتهم مختلفة، وقلوبهم ~~شتى وكل فرقة منهم تلصق النقائص بالأخرى، وهم على هذه الحال إلى يوم ~~القيامة. # وما أظهره اليهود فى هذا العصر من تعاون وتساند جعلهم ينشئون دولة لهم ~~بفلسطين، هو أمر مؤقت، فإن هذه الدولة لن تستمر طويلا، بل ستعود إلى ~~أهلها المسلمين متى صدقوا فى جهادهم واتبعوا تعاليم دينهم. قال الفخر ~~الرازى واعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها، هو أنه - تعالى - بين أن ~~هؤلاء اليهود إنما ينكرون نبوته صلى الله عليه وسلم بعد ظهور الدلائل على ~~صحتها، لأجل الحسد. ولأجل حب الجاه والمال. ثم إنه - تعالى - بين أنهم ~~لما رجحوا الدنيا على الآخرة، لا جرم أنه - تعالى - كما حرمهم سعادة ~~الدين، فكذلك حرمهم سعادة الدنيا، لأن كل فريق منهم بقى مصرا على مذهبه ~~ومقالته.. فصار ذلك سببا لوقوع الخصومة الشديدة بين فرقهم وطوائفهم. ~~وانتهى الأمر فيه إلى أن بعضهم يكفر بعضا. ويحارب بعضهم بعضا. فإن قلت ~~فهذا المعنى حاصل أيضا بين فرق المسلمين فكيف يمكن جعله عيبا على ~~الكتابين حتى يذموا عليه؟ قلنا بدعة التفرق التى حصلت فى المسلمين إنما ~~حدثت بعد عصر النبوة وعصر الصحابة والتابعين. أما فى الصدر الأول فلم يكن ~~شىء من ذلك حاصلا بينهم فحسن جعل ذلك عيبا على الكتابين فى ذلك العصر ~~الذى نزل فيه القرآن ". وقوله { كلمآ أوقدوا نارا للحرب ~~أطفأها الله } أى كلما أرادوا حرب الرسول صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين وهيأوا الأسباب لذلك وحاولوا تفريق كلمتهم وإثارة العداوة ~~بينهم. كلما فعلوا ذلك أفسد الله عليهم خطتهم، ms1600 وأحبط مكرهم، وألقى الرعب ~~فى قلوبهم. والتعبير بهذه الجملة الكريمة جاء على وفق ما جرى عليه العرب ~~من أنهم كانوا إذا أرادوا حربا بالإغارة على غيرهم أوقدوا نارا ~~يسمونها نار الحرب. والتعبير هنا لذلك على سبيل المجاز إذ عبر - سبحانه - ~~عن إثارة الحروب بإيقاد نارها. باعتبارها أن الحروب فى ذاتها وبما تشتمل ~~عليه من مذابح بشرية تشبه النار المستعمرة فى أخطارها ومصائبها. وقوله { ~~ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب ~~المفسدين } تذييل مقرر لما قبله من الصفات الذميمة التى دمغ الله - ~~تعالى - بها اليهود. أى أن حال هؤلاء اليهود أنهم يجتهدون فى الكيد ~~للاسلام وأهله وأنهم يسعون سعيا حثيثا للافساد فى الأرض عن طريق إثارة ~~الفتن، وإيقاظ الأحقاد بين الناس. والله - تعالى - لا يحب المفسدين بل ~~يبغضهم ويمقتهم، لإيثارهم الضلالة على الهدى، والشر على الخير. وبهذا ~~نرى الآية الكريمة قد ردت على اليهود فى نسبتهم البخل إلى الله - تعالى - ~~وبينت أنه - سبحانه - هو الواسع الفضل، الجزيل العطاء وكشفت عن جوانب من ~~رذائلهم وعنادهم وأوضحت أنه - سبحانه - يبغضهم لأنهم يفسدون فى الأرض ~~ولايصلحون. ولقد بسطنا القول فى مظاهر فسادهم فى الأرض فى غير هذا الموطن ~~فارجع إليه إن شئت. وبعد أن حكى - سبحانه - ما حكى من رذائل أهل الكتاب ~~وخصوصا اليهود عقب ذلك بفتح باب الخير لهم متى آمنوا واتقوا فقال - ~~تعالى { ولو أن أهل الكتاب آمنوا... } ### || [5.65-66] # المعنى { ولو أن أهل الكتاب } من اليهود والنصارى { ~~آمنوا } برسول الله - صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من حق ونور { ~~واتقوا } الله - تعالى - بأن صانوا أنفسهم عن كل ما لا يرضاه. لو ~~أنهم فعلوا ذلك { لكفرنا عنهم سيئاتهم } بأن رفعنا عنهم ~~العقاب وسترنا عليهم معاصيهم فلم نحاسبهم عليها، { ولأدخلناهم ~~جنات النعيم } فى الآخرة. قال الفخر الرازى واعلم أنه - سبحانه - ~~لما بالغ فى ذمهم وفى تهجين طريقتهم عقب ذلك ببيان أنهم لو آمنوا واتقوا ~~لوجدوا سعادات الآخرة والدنيا. أما سعادات الآخرة فهى محصورة فى نوعين ~~أحدهما رفع العقاب. والثانى إيصال الثواب. أما رفع ms1601 العقاب فهو المراد ~~بقوله { لكفرنا عنهم سيئاتهم } وأما إيصال التواب فهو ~~المراد بقوله { ولأدخلناهم جنات النعيم }. وأما سعادات ~~الدنيا فقد ذكرها فى قوله بعد ذلك { ولو أنهم أقاموا ~~التوراة }. وكرر - سبحانه - اللام فى قوله { لكفرنا }. { ~~ولأدخلناهم } لتأكيد الوعد. وفيه تنبيه إلى كثرة ذنوبهم ومعاصيهم ~~وإلى أن الإسلام يجب ما قبله من ذنوب مهما كثرت. وفى إضافة الجنات إلى ~~النعيم إشارة إلى ما يستحقونه من العذاب لو لم يؤمنوا ويتقوا. وجمع - ~~سبحانه - بين الإيمان والتقوى، للإيذان بأن الإيمان الذى ينجى صاحبه، ~~ويرفع درجاته، هو ما كان نابعا عن يقين وإخلاص وخشية من الله، لا إيمان ~~المنافقين الذين يدعون الإيمان وهو منهم برئ. والضمير فى قوله { ولو ~~أنهم أقاموا التوراة والإنجيل } يعود إلى أهل الكتاب ~~من اليهود والنصارى الذين فتح الله لهم باب الإيمان ليدخلوا فيه كى ~~ينالوا رضاه. والمراد بإقامة التوراة والإنجيل العمل بما فيهما من ~~بشارات بصدق النبى صلى الله عليه وسلم وحضهم على الإيمان به عند ظهوره ~~وتنفيذ ما اشتملا عليه من أحكام أيدتها تعاليم الإسلام، وأصل الإقامة ~~الثبات فى المكان. ثم استعير فى إقامة الشىء لتوفية حقه. والمراد بما ~~أنزل إليهم من ربهم القرآن الكريم، لأنهم مخاطبون به، وليسوا خارجين عن ~~دائرة التكاليف التى دعا إليها. قال - تعالى - # وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ # أى لأنذركم به يا أهل مكة، ولأنذر به أيضا جميع من بلغه هذا الكتاب من ~~اليهود والنصارى وغيرهم. وقيل المراد بما أنزل إليهم من ربهم. وكتب ~~أنبيائهم السابقين مثل كتاب شعياء، وكتاب حزقيل، وكتاب دانيال. فإنها ~~مشتملة أيضا على البشارة بالنبى صلى الله عليه وسلم. والمراد بقوله { ~~لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } المبالغة فى شرح ~~ما ينعم الله به عليهم من خيرات وأرزاق تعمهم من كل جهة من الجهات لا أن ~~هناك فوقا وتحتا. أى لأكلوا أكلا متصلا وفيرا، ولعمهم الخير والرزق من ~~كل جهة بأن تعطيهم السماء مطرها وبركتها، وتعطيهم الأرض نباتها وخيرها، ~~فيعيشوا فى رغد من العيش وفى بسطة ms1602 من الرزق. # وفى ذلك دلالة على أن الاستقامة على شرع الله، تأتى بالرزق الرغيد، ولقد ~~أشار القرآن إلى هذا المعنى فى آيات كثيرة ومن ذلك قوله - تعالى - # وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم مآء ~~غدقا # وقال - تعالى - حكاية عن هود أنه قال لقومه # ويقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل ~~السمآء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى ~~قوتكم # والمعنى { ولو أنهم } أى اليهود والنصارى { أقاموا ~~التوراة والإنجيل } بأن عملوا بما فيهما من أقوال تدعوهم إلى ~~الإيمان بالدين الحق الذى جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وتركوا تحريف ~~الكلم عن مواضعه. ولو أنهم - أيضا آمنوا بما { أنزل إليهم من ~~ربهم } من قرآن مجيد فيه هدايتهم وسعادتهم لو أنهم فعلوا ذلك ~~لأتاهم الرزق الواسع من كل ناحية ولعمهم الخير من كل جهة، ولعاشوا آمنين ~~مطمئنين. والمراد بالأكل الانتفاع مطلقا، وعبر عن ذلك به لكونه أعظم ~~الانتفاعات ويستتبع سائرها. ومفعول " أكلوا " محذوف لقصد التعميم. أو ~~القصد إلى نفس الفعل كما فى قولهم فلان يعطى ويمنع. وقوله { منهم ~~أمة مقتصدة وكثير منهم سآء ما يعملون } مدح ~~للقلة التى تستحق المدح من أهل الكتاب " وذم للكثيرين منهم الذين قبح ~~عملهم وفسدت نفوسهم. والأمة الجماعة من الناس الذين يجمعهم دين واحد. أو ~~جنس واحد. أو مكان واحد. ومقتصدة من الاقتصاد وهو الاعتدال فى كل شىء ~~والمراد به هنا السير على الطريق المستقيم الذى يوصل إلى الحق والخير، ~~وهو طريق الإسلام. والمعنى من أهل الكتاب جماعة مستقيمة على طريق الحق، ~~وهم قلة آمنت بالنبى - صلى الله عليه وسلم إلى جوار هذه الجماعة القليلة ~~المستقيمة عدد كبير من أهل الكتاب ساء عملهم، وأعوج سلوكهم، وكان من ~~حالهم ما يثير العجب والدهشة. والمراد بهذه الأمة المقتصدة من أهل الكتاب ~~من دخل منهم فى الإسلام واتبع ما جاء به النبى - صلى الله عليه وسلم. ~~وبذلك نرى هاتين الآيتين قد بشرت أهل الكتاب بالسعادة الدنيوية والأخروية ~~متى آمنوا بالله تعالى - واتبعوا ما جاء به رسوله محمد صلى الله عليه ~~وسلم. وبعد أن ms1603 حكى الله - تعالى - فى الآيات السابقة ما كان عليه أعداء ~~الإسلام - وخصوصا اليهود - من محاولات لفتنة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ومن دسائس حاكوها لعرقلة سير الدعوة الإسلامية، ومن استهزاء بتعاليم ~~الإسلام ومن حقد على المؤمنين لإيمانهم برسل الله وكتبه ومن سوء أدب مع ~~خالقهم ورازقهم. بعد أن حكى - سبحانه - كل ذلك، أتبعه بتوجيه نداء إلى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أمره فيه بأن يمضى فى تبليغ رسالته إلى الناس ~~دون أن يلتفت إلى مكر الماكرين، أو حقد الحاقدين. فإنه - سبحانه - قد ~~حماه وعصمه منهم فقال { يأيها الرسول بلغ مآ أنزل ~~إليك... } ### || [5.67] # روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه ابن أبى حاتم ~~عن جابر بن عبد الله الأنصارى قال لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بنى أنمار، نزل ذات الرقاع بأعلى نخل. فبينما هو جالس على رأس بئر قد دلى ~~رجليه، فقال الحارث من بنى النجار لأقتلن محمدا فقال له أصحابه كيف ~~تقتله؟ قال أقول له أعطنى سيفك، فإذا أعطانيه قتلته به. قال فأتاه فقال ~~يا محمد. أعطنى سيفك أشيمه - أى أراه - فأعطاه إياه - فرعدت يده حتى سقط ~~السيف من يده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حال الله بينك وبين ما ~~تريد. فأنزل الله - تعالى - { يأيها الرسول بلغ مآ ~~أنزل إليك من ربك }.. الآية. قال الفخر الرازى - بعد أن ذكر ~~عشرة أقوال فى سبب نزولها - واعلم أن هذه الروايات وإن كثرت إلا أن ~~الأولى حمل الآية على أن الله - تعالى - آمنه من مكر اليهود والنصارى، ~~وأمره بإظهار التبليغ من غير مبالاة منه بهم، وذلك لأن ما قبل هذه الآية ~~بكثير وما بعدها بكثير لما كان كلاما مع اليهود والنصارى، امتنع إلقاء ~~هذه الآية الواحدة على وجه تكون أجنبية عما قبلها وما بعدها. وهذا الذى ~~قاله الإمام الرازى هو الذى تسكن إليه النفس أى أن الآية الكريمة ساقها ~~الله - تعالى - لتثبيت النبى صلى الله عليه وسلم وتقويه قلبه وأمره ~~بالمضى فى تبليغ ms1604 رسالته بدون خوف من أعدائه الذين حدثه عن مكرهم به ~~وكراهتهم له، حديثا مستفيضا، وقد بشره - سبحانه - فى هذه الآية بأنه ~~حافظه من مكرهم وعاصمه من كيدهم. وقوله { بلغ } من التبليغ بمعنى إيصال ~~الشىء إلى المطلوب إيصاله إليه. والمعنى { يأيها الرسول } ~~الكريم المرسل إلى الناس جميعا { بلغ } أى أوصل إليهم { مآ أنزل ~~إليك من ربك } أى كل ما أنزل إليك من ربك من الأوامر والنواهى ~~والأحكام والآداب والأخبار دون أن تخشى أحدا إلا الله. { وإن لم ~~تفعل } ما أمرت به من إيصال وتبليغ جميع ما أنزل إليك من ربك إلى ~~الناس { فما بلغت رسالته } أى وإن لم تبلغ كل ما أنزل إليك ~~من ربك كنت كمن لم يبلغ شيئا مما أوحاه الله إليه، لأن ترك بعض الرسالة ~~يعتبر تركا لها كلها. وقد عبر عن هذا المعنى صاحب الكشاف بقوله قوله { ~~وإن لم تفعل } أى وإن لم تبلغ جميعه كما أمرتك. { فما ~~بلغت رسالته } أى فلم تبلغ إذا ما كلفت به من أداء الرسالة، ~~ولم تؤد منها شيئا قط، وذلك أن بعضها ليس بأولى بالأداء من بعض وإن لم ~~تؤد بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعا، كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن ~~لم يؤمن بكلها، لإدلاء كل منها بما يدلى به غيرها، وكونها لذلك فى حكم ~~شىء واحد. # والشىء الواحد لا يكون مبلغا غير مبلغ مؤمنا به غير مؤمن به ". وفى ~~ندائه صلى الله عليه وسلم بوصف الرسالة تشريف له وتكريم وتمهيد لما يأمره ~~به الله من وجوب تبليغ ما كلف بتبليغه إلى الناس دون أن يخشى أحدا سواه. ~~لأن الله - تعالى - هو الذى خلقه ورباه وتعهده بالرعاية والحماية. وهو ~~الذى اختاره لحمل هذه الرسالة دون غيره فمن الواجب عليه صلى الله عليه ~~وسلم أن يبلغ جميع ما أنزل إليه منه - سبحانه -. قال الجمل وقوله { وإن ~~لم تفعل فما بلغت رسالته } ظاهر هذا التركيب اتحاد ~~الشرط والجزاء، لأنه يؤول ظاهرا إلى وإن لم تفعل فما فعلت، مع أنه لا بد ms1605 ~~وأن يكون الجواب مغايرا للشرط لتحصل الفائدة ومتى اتحدا اختل الكلام. ~~وقد أجاب عن ذلك ابن عطية بقوله أى وإن تركت شيئا فقد تركت الكل وصار ما ~~بلغته غير معتد به فصار المعنى وإن لم تستوف ما أمرت بتبليغه فحكمك فى ~~العصيان وعدم الامتثال حكم من لم يبلغ شيئا أصلا ". وقال صاحب الانتصاف ~~ما ملخصه ولما كان عدم تبليغ الرسالة أمرا معلوما عند الناس أنه عظيم ~~شنيع، ينقم على مرتكبه بل إن عدم نشر العلم من العالم أمر فظيع، فضلا عن ~~كتمان الرسالة من الرسول. لما كان الأمر كذلك استغنى عن ذكر الزيادات ~~التى يتفاوت بها الشرط والجزاء، للصوقها بالجزاء فى الأفهام وإن كان من ~~سمع عدم تبليغ الرسالة فهم ما وراءه من الوعيد والتهديد، وحسن هذا ~~الأسلوب فى الكتاب العزيز يذكر الشرط عاما بقوله { وإن لم تفعل ~~} ولم يقل فإن لم تبلغ الرسالة فما بلغت الرسالة، حتى يكون اللفظ ~~متغايرا، وهذه المغايرة اللفظية - وإن كان المعنى واحدا - أحسن رونقا، ~~وأظهر طلاوة من تكرار اللفظ الواحد فى الشرط والجزاء، وهذا الفصل كاللباب ~~من علم البيان ". هذا، ومن المعلوم الذى لاخفاء فيه عند كل مسلم، أن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم قد بلغ ما أمره الله به البلاغ التام، وقام به ~~أتم القيام دون أن يزيد شيئا على ما كلفه به ربه أو ينقص شيئا. وقد ساق ~~ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من النصوص التى تشهد بأن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم قد امتثل أمر الله فى تبليغ رسالته، ومن ذلك ما رواه ~~الشيخان عن عائشة أنها قالت لمسروق من حدثك أن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~كتم شيئا مما أنزل الله عليه فقد كذب. # والله يقول { يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ~~ربك }.. الآية. ثم قال ابن كثير وقد شهدت له صلى الله عليه وسلم ~~أمته بإبلاغ الرسالة، واستنطقهم بذلك فى أعظم المحافل فى خطبته يوم حجة ~~الوداع. فقد قال فى خطبته يومئذ # " أيها الناس، إنكم مسئولون ms1606 عنى فماذا أنتم قائلون؟ قالوا نشهد أنك قد ~~بلغت وأديت ونصحت ". # وقوله { والله يعصمك من الناس } وعد منه - سبحانه - بحفظ ~~نبيه من كيد أعدائه. وقوله { يعصمك } من العصم بمعنى الإمساك ~~والمنع. وأصله - كما يقول ابن جرير - من عصام القربة، وهو ما تربط به من ~~سير وخيط ومنه قول الشاعر # وقلت عليكم بمالك إن مالكا سيعصمك إن كان فى الناس عاصم # أى سيمنعكم. والمعنى عليك يا محمد أن تبلغ رسالة الله دون أن تخشى أحدا ~~سواه، والله - تعالى - بحفظك من كيد أعدائك ويمنعك من أن تعلق نفسك بشىء ~~من شبهاتهم واعتراضاتهم ويصون حياتك عن أن يعتدى عليها أحد بالقتل أو ~~الإهلاك فالمراد بالعصمة هنا عصمة نفسه وجسمه صلى الله عليه وسلم من ~~القتل أو الإهلاك، وعصمة دعوته من أن يحول دون نجاحها حائل. وهذا لا ~~ينافى ما تعرض له صلى الله عليه وسلم من بأساء وضراء وأذى بدنى، فقد رماه ~~المشركون بالحجارة حتى سالت دماؤه، وشج وجهه وكسرت رباعيته فى غزوة أحد. ~~والمراد بالناس هنا المشركون والمنافقون واليهود ومن على شاكلتهم فى ~~الكفر والضلال والعناد، إذ ليس فى المؤمنين الصادقين إلا كل محب لله ~~ولرسوله. ولقد تضمنت هذه الجملة الكريمة معجزة كبرى للرسول صلى الله عليه ~~وسلم قد عصم الله - تعالى - حياة رسوله عن أن يصيبها قتل أو إهلاك على ~~أيدى الناس مهما دبروا له من مكر وكيد. لقد نجاه من كيدهم عندما اجتمعوا ~~لقتله فى دار الندوة ليلة هجرته إلى المدينة. ونجاه من كيد اليهود عندما ~~هموا بإلقاء حجر عليه وهو جالس تحت دار من دورهم. ونجاه من مكرهم عندما ~~وضعت إحدى نسائهم السم فى طعام قدم إليه صلى الله عليه وسلم. إلى غير ذلك ~~من الأحداث التى تعرض لها النبى صلى الله عليه وسلم من أعدائه. ولكن الله ~~- تعالى - نجاه منهم. وهناك آثار تشهد بأن النبى صلى الله عليه وسلم كان ~~يحرس من بعض أصحابه فلما نزلت هذه الآية صرفهم عن حراسته. فقد أخرج ~~الترمذى والحاكم وابن أبى حاتم ms1607 وابن جرير عن عائشة قالت كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يحرس ليلا حتى نزلت { والله يعصمك من ~~الناس } فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة فقال لهم # " أيها الناس انصرفوا لقد عصمنى الله ". # وقوله { إن الله لا يهدي القوم الكافرين } تذييل قصد ~~به تعليل عصمته صلى الله عليه وسلم وتثبيت قلبه أى إن الله - تعالى - لا ~~يهدى القوم الكافرين إلى طريق الحق بسبب عنادهم وإيثارهم الغى على الرشد. ~~ولا يوصلهم إلى ما يريدونه من قتلك ومن القضاء على دعوتك، بل سينصرك ~~عليهم ويجعل العاقبة لك. وبعد هذا التثبيت والتكريم لنبيه. أمره - سبحانه ~~- أن يصارح أهل الكتاب بما هم عليه من باطل وأن يدعوهم إلى اتباع الحق ~~الذى جاء به فقال - تعالى - { قل يأهل الكتاب لستم... } ### || [5.68] # قال الآلوسى أخرج ابن إسحاق وابن جرير وغيرهما عن ابن عباس قال جاء ~~جماعة من اليهود إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد ألست تزعم ~~أنك على ملة إبراهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها من ~~الله حق، فقال النبى صلى الله عليه وسلم بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما ~~فيها مما أخذ عليكم من الميثاق وكتمتم منها ما أمركم أن تبينوه للناس ~~فبرئت من أحداثكم. قالوا فإن لم تأخذ بما فى أيدينا فإنا على الحق والهدى ~~ولا نؤمن بك ولا نتبعك فأنزل الله { قل يأهل الكتاب لستم ~~على شيء } الآية. والمعنى قل يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى الذين ~~امتدت أيديهم إلى كتبهم بالتغيير والتبديل. قل لهم { يأهل ~~الكتاب لستم على شيء } يعتد به من الدين أو العلم أو ~~المروءة { حتى تقيموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل ~~إليكم من ربكم }. أى لستم على شىء يقام له وزن من أمر الدين ~~حتى تعملوا بما جاء فى التوراة والإنجيل من أقوال تبشر برسالة محمد صلى ~~الله عليه وسلم وحتى تؤمنوا بما أنزل إليكم من ربكم من قرآن كريم يهدى ~~إلى الرشد لأنكم مخاطبون به، ومطالبون بتنفيذ أوامره ونواهيه، ومحاسبون ms1608 ~~حسابا عسيرا على الكفر به، وعدم الإذعان لما اشتمل عليه. والتعبير ~~بقوله - تعالى - { لستم على شيء } فيه ما فيه من الاستخفاف ~~بهم، والتهوين من شأنهم، أى لستم على شىء يعتد به ألبته من أمر الدين. ~~وذلك كما يقول القائل عن أمر من الأمور هذا الأمر ليس بشىء يريد تحقيره ~~وتصغير شأنه. وفى الأمثال، أقل من لا شىء. فالجملة الكريمة تنفى عنهم أن ~~يكون فى أيديهم شىء من الحق والصواب ما داموا لم يؤمنوا بالنبى صلى الله ~~عليه وسلم الذى بشرت به التوراة والإنجيل وأنزل الله عليه القرآن وهو ~~الكتاب المهيمن على الكتب السماوية السابقة. وقوله { وليزيدن ~~كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ربك طغيانا ~~وكفرا } جملة مستأنفة مبينة لغلوهم فى العناد والجحود، وناعية عليهم ~~عدم انتفاعهم بما يشفى النفوس، ويصلح القلوب والضمير فى قوله { منهم } ~~يعود إلى أهل الكتاب. أى وإن ما أنزلناه إليك يا محمد من هدايات وخيرات ~~ليزيدن هؤلاء الضالين من أهل الكتاب طغيانا على طغيانهم. وكفرا على ~~كفرهم لأن نفوسهم لا تميل إلى الحق والخير وإنما تنحدر نحو الباطل والشر. ~~وقوله { فلا تأس على القوم الكافرين } تذييل قصد به ~~تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والفاء للإفصاح. والأسى الحزن. يقال ~~أسى فلان على كذا يأى أسى إذا حزن. أى إذا كان شأن الكثيرين كذلك فلا ~~تحزن عليهم، ولا تتأسف على القوم الكافرين فإنهم هم الذين استحبوا العمى ~~على الهدى، وفى المؤمنين غنى لك عنهم. وليس المراد نهيه صلى الله عليه ~~وسلم عن الحزن والأسى، لأنهما أمران طبيعيان لا قدرة للإنسان عن صرفهما، ~~وإنما المراد نهيه عن لوازمهما، كالإكثار من محاولة تجديد شأن المصائب ~~وتعظيم أمرها وبذلك تتجدد الآلام ويحزن القلب. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ~~أن الناس أمامه سواء وأنه لا تفاضل بينهم إلا بالإيمان والعمل الصالح، ~~وأن الإيمان الحق يقطع ما قبله من عقائد زائفة. وأفعال سيئة فقال - ~~تعالى - { إن الذين آمنوا والذين... } ### || [5.69] # الآية الكريمة تبين أن أساس النجاة يوم القيامة هو الإيمان بالله ~~واليوم ms1609 الآخر، وما يستتبع ذلك من أفعال طيبة وأعمال صالحة. وقد ذكر - ~~سبحانه - فى هذه الآية أربع فرق من الناس أما الفرقة الأولى فهى فرقة ~~المؤمنين، وهم الذين عبر عنهم - سبحانه - بقوله { إن الذين ~~آمنوا } أى آمنوا إيمانا صادقا، بأن أذعنوا للحق الذى جاء به محمد ~~صلى الله عليه وسلم وابتعوه فى كل ما جاء به. وقد ابتدأ القرآن بهم ~~لشرفهم وعلو منزلتهم وللإشعار بأن دين الإسلام دين قائم على أساس أن ~~الفوز برضا الله لا ينال إلا بالإيمان الصادق والعمل الصالح، ولا فضل ~~لأمة على أمة إلا بذلك. والفرقة الثانية فرقة الذين هادوا. أى اليهود. ~~يقال هاد وتهود إذا دخل فى اليهودية. وسموا يهودا نسبة إلى يهوذا أكبر ~~أولاد يعقوب - عليه السلام - وقد قلبت الذل فى كلمة يهوذا دالا فى ~~التعريب. أو سموا حين تابوا من عبادة العجل من هاد يهود هودا بمعنى تاب ~~ومنه قوله - تعالى - # إنا هدنآ إليك # أى تبنا ورجعنا إليك. والفرقة الثالثة فرقة الصائبين جمع صابئ وهو ~~الخارج من دين إلى دين. يقال صبا الظلف والناب والنجم - منع وكرم- إذا ~~طلع. والمراد بهم قوم يعبدون الملائكة، أو الكواكب ويزعمون أنهم على دين ~~صابئ بن شيث بن آدم، ولا تزال بقية منهم تعيش فى تخوم العراق، ومن العسير ~~الجزم بحقيقة معتقدهم، لأنهم أكتم الناس لعقائدهم. وأما الفرقة الرابعة ~~فهى فرقة النصارى جمع نصران بمعنى نصرانى قيل سموا بذلك لأنهم ادعوا أنهم ~~أنصار عيسى - عليه السلام - وقيل سموا بذلك نسبة إلى قرية الناصرة التى ~~ظهر بها عيسى - عليه السلام - واتبعه بعض أهلها. والإيمان المشار إليه ~~فى قوله { من آمن بالله واليوم الآخر } يفسره بعض العلماء ~~بالنسبة لليهود والنصارى والصابئين بمعنى صدور الإيمان منهم على النحو ~~الذى قرره الإسلام. فمن لم تبلغه منهم دعوة الإسلام، وكان ينتمى إلى ~~دين صحيح فى أصله بحيث يؤمن بالله واليوم الآخر ويقوم بالعمل الصالح على ~~الوجه الذى يرشده إليه دينه، فله أجره على ذلك عند ربه. أما الذين بلغتهم ~~دعوة الإسلام من تلك الفرق ms1610 ولكنهم لم يقبلوها فإنهم لا يكونون ناجين من ~~عذاب الله مهما ادعوا أنهم يؤمنون بغيرها لأن شريعة الإسلام قد نسخت ما ~~قبلها، والرسول صلى الله عليه وسلم قال # " لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعى ". # ويفسرونه - أى الإيمان المشار إليه سابقا - بالنسبة للمؤمنين الذين عبر ~~الله عنهم بقوله { إن الذين آمنوا } على أنه بمعنى الثبات ~~والدوام والإذعان، وبذلك ينتظم عطف قوله - تعالى - { وعمل صالحا } ~~على قوله { آمن } مع مشاركته هؤلاء المؤمنين لتلك الفرق الثلاث فيما ~~يترتب على العمل الصالح من ثواب جزيل وعاقبة حميدة. # وبعض العلماء يرى أن معنى { من آمن } أى من أحدث هذه الفرق إيمانا ~~بالنبى صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند ربه. قالوا لأن مقتضى ~~المقام هو الترغيب فى دين الإسلام، وأما بيان من ماضى على دين آخر قبل ~~نسخه فلا ملابسة له بالمقام، فضلا عن أن الصابئين ليس لهم دين تجوز ~~رعايته فى وقت من الأوقات. وقوله { فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون } بيان لحسن عاقبتهم، وجزيل ثوابهم. أى فلا خوف عليهم من ~~أهوال يوم القيامة بل هم فى مأمن منها، ولا هم يحزنون على ما مضى من ~~أعمارهم لأنهم أنفقوها فى العمل الصالح. هذا وقد قرأ جمهور القراء { ~~والصابئون } بالرفع. وقرأ ابن كثير بالنصب. وقد ذكر النحويون وجوها ~~من الإعراب لتخريج قراءة الرفع التى قرأها الأكثرون، ولعل خير هذه ~~الوجوه ما ذكره الشيخ الجمل فى قوله وقوله { إن الذين آمنوا } ~~أى إيمانا حقا لا نفاقا. وخبر إن محذوف تقديره فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون. دل عليه المذكور، وقوله { والذين هادوا } مبتدأ. فالواو ~~لعطف الجمل أو للاستئناف وقوله { والصابئون والنصارى } عطف ~~على هذا المبتدأ. وقوله { فلا خوف عليهم }. خبر عن هذه ~~المبتدآت الثلاثة. وقوله { من آمن بالله واليوم الآخر } ~~بدل من كل منها بدل بعض من كل فهو مخصص. فكأنه قال الذين آمنوا من اليهود ~~والنصارى ومن الصابئين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فالإخبار عن اليهود ~~ومن بعدهم بما ذكر ms1611 مشروط بالإيمان لا مطلقا. وقد ذكر صاحب الكشاف وجها ~~آخر فقال قوله { والصابئون } رفع على الابتداء وخبره محذوف. والنية به ~~التأخير عما فى حيز { إن } من اسمها وخبرها. كأنه قيل إن الذين آمنوا ~~والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا. والصابئون كذلك. ثم قال فإن قلت ما ~~التأخير والتقديم إلا لفائدة فما فائدة هذا التقديم؟ قلت فائدته التنبيه ~~على أن الصابئين يتاب عليهم إن صح منهم الإيمان والعمل الصالح فما الظن ~~بغيرهم؟ وذلك لأن الصابئين أبين هؤلاء المعدودين ضلالا وأشدهم غيا، وما ~~سموا صابئين إلا لأنهم صبأوا عن الأديان كلها أى خرجوا ". والخلاصة، أن ~~الآية الكريمة مسوقة للترغيب فى الإيمان والعمل الصالح ببيان أن كل من ~~آمن بالله واليوم الآخر، واتبع ما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم ~~واستمر على هذا الإيمان وهذا الاتباع إلى أن فارق هذه الحياة، فإن الله ~~- تعالى - يرضى عنه ويثيبه ثوابا حسنا، وبتجاوز عما فرط منه من ذنوب، لأن ~~الإيمان الصادق يجب ما قبله، من عقائد زائفة، وأعمال باطلة وأقوال ~~فاسدة. وبعد أن فتح - سبحانه - باب الإيمان أمام أهل الكتاب وغيرهم لكى ~~يدخلوه فينالوا رضاه ومثوبته. عقب ذلك باستئناف الحديث من أنواع أخرى من ~~الرذائل التى عرفت عن بنى إسرائيل فقال - تعالى - { لقد أخذنا ~~ميثاق بني إسرائيل... } ### || [5.70-71] # المراد بالميثاق فى قوله { لقد أخذنا ميثاق بني ~~إسرائيل } العهد الموثق الذى أخذه الله عليهم بواسطة أنبيائهم بأن ~~يؤدوا ما كلفهم به من تكاليف وأن يتبعوا النبى صلى الله عليه وسلم عند ~~ظهوره. وقد أكد الله هذا الميثاق الذى أخذه عليهم بلام القسم وبقد ~~المفيدة للتحقيق أى بالله لقد أخذنا الميثاق على بنى إسرائيل بأن يعبدونى ~~ولا يشركون بى شيئا، وبأن ينفذوا ما كلفتهم به من المأمورات والمنهيات ~~والشرائع والأحكام. وقوله { وأرسلنآ إليهم رسلا } معطوف ~~على { أخذنا } والتنكير فى قوله { رسلا } للتكثير والتعظيم. أى ~~أخذنا العهد المؤكد عليهم بأن يسيروا على الطريق المستقيم، وأرسلنا إليهم ~~رسلا ذوى عدد كثير، وأولى شأن خطير، لكى يتعهدوهم بالتبشير والانذار، ~~ولكى يرشدوهم ms1612 إلى ما يأتون وما يذرون من أمور دينهم. فأنت ترى أن الله - ~~تعالى - مع أخذه الميثاق عليهم لم يتركهم هملا، بل أرسل إليهم الرسل ~~ليعينوهم على تنفيذ ما جاء به. ولم يذكر - سبحانه - هنا موضوع هذا ~~الميثاق، اكتفاء بذكره فى مواطن أخرى كثيرة. ومن ذلك قوله - تعالى - قبل ~~ذلك فى هذه السورة. # ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرآئيل وبعثنا ~~منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن ~~أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي ~~وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا # الآية. وقوله تعالى فى سورة البقرة # وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا ~~الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى ~~والمساكين # الآية. وقوله { كلما جآءهم رسول بما لا تهوى ~~أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون } بيان لموقفهم ~~الذميم من الميثاق الذى أخذ عليهم ومن الرسل الكرام الذين أرسلهم الله ~~لهدايتهم وسعادتهم. أى أخذنا الميثاق المؤكد عليهم، وأرسلنا إليهم رسلا ~~كثيرين لهدايتهم ولكنهم نقضوا الميثاق، وعصوا الرسل، فكانوا { كلما ~~جآءهم رسول } لما لا تشتهيه نفوسهم الشقية، وبما لا تميل إليه ~~قلوبهم الردية، ناصبوه العداء فكذبوا بعض الرسل، ولم يكتفوا مع البعض ~~الآخر بالتكذيب بل أضافوا إليه القتل. ولقد كذب اليهود جميع الرسل الذين ~~جاءوا لهدايتهم ولم يؤمن بهم إلا قلة منهم. وقتلوا من بين من قتلوا من ~~الرسل بعد أن كذبهم زكريا ويحيى، وحاولوا قتل عيسى - عليه السلام - كما ~~حاولوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن الله - تعالى - نجاهما ~~من مكرهم وكيدهم. قال صاحب الكشاف وقوله { كلما جآءهم رسول } ~~جملة شرطية وقعت صفة لقوله { رسلا } والرابط محذوف أى رسول منهم { ~~بما لا تهوى أنفسهم } أى بما يخالف هواهم ويضاد شهواتهم. ~~فإن قلت أين جواب الشرط قلت هو محذوف يدل عليه { فريقا كذبوا ~~وفريقا يقتلون } فكأنه قيل كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه ". # والتعبير بقوله { كلما جآءهم رسول بما لا تهوى ~~أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون } يدل على أن ~~حال بنى إسرائيل بالنسبة للرسل يدور بين أمرين أما التكذيب لهم، ~~والاستهانة بتعاليمهم ms1613 وإما أن يجمعوا مع التكذيب قتلهم وإزهاق أرواحهم ~~الشريفة. فكأن التكذيب والقتل قد صارا سجيتين لهم لا تتخلفان فى أى زمان ~~ومع أى رسول، وذلك لأن لفظ " كل " يدل على العموم. " وما " مصدرية ظرفية ~~دالة على الزمان، فكأنه - سبحانه - يقول فى كل أوقات مجىء الرسل إليهم ~~كذبوا ويقتلون دون أن يفرقوا بين رسول ورسول أو بين زمان وزمان. وقال - ~~سبحانه - { بما لا تهوى أنفسهم } للمبالغة فى ذمهم، إذ هوى ~~النفس ميلها فى الغالب إلى الشهوات التى لا تنبغى، والرسل ما أرسلهم الله ~~- تعالى - إلا الهداية الأنفس، وكفها عن شهواتها التى يؤدى الوقوع فيها ~~إلى المفاسد. وبنو إسرائيل لا يكذبون الرسل، ويقتلونهم إلا لأنهم جاءهم ~~بما يخالف هواهم، ويتعارض مع أنانيتهم وشرهم ومطامعهم الباطلة. وهكذا ~~الأمم عندما تفسد عقولها وتسيطر عليها الأطماع والشهوات، ترى الحسن ~~قبيحا، وتحارب من يهديها إلى الرشاد حتى لكأنه عدو لها. وقدم - سبحانه - ~~المفعول به فى قوله { فريقا كذبوا وفريقا يقتلون } ~~للاهتمام بتفصيل أحوال بنى إسرائيل السيئة، وبيان ما لقيه الرسل الكرام ~~منهم. وعبر عن التكذيب بالفعل الماضى فقال { فريقا كذبوا } وعن ~~القتل بالفعل المضارع فقال { وفريقا يقتلون } لحكاية الحال ~~الماضية التى صدرت من أسلافهم بتصوير ما حصل فى الماضى كأنه حاصل وقت ~~التكلم، ولاستحضار جريمتهم البشعة فى النفوس حتى لكأنها واقعة فى الحال، ~~وفى ذلك ما فيه من النعى عليهم. والتوبيخ لهم والتعجيب من أحوالهم التى ~~بلغت نهاية الشناعة والقبح. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أنهم مع ما فعلوه ~~مع رسلهم من التكذيب والقتل لم ينزجروا، ولم يندموا... بلغ بهم الغرور ~~والسفه أنهم ظنوا أن ما فعلوه شيئا هينا وأنه لن يكون له أثر سىء فى ~~حياتهم. فقال - تعالى - { وحسبوا ألا تكون فتنة ~~فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا ~~وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون }. ~~وقوله { وحسبوا } معطوف على قوله { كذبوا } وهو من الحسبان ~~بمعنى الظن وقوله { فتنة } من الفتن وهو إدخال الذهب فى النار لتظهر ~~جودته. والمراد بها هنا الشدائد والمحن والمصائب ms1614 التى تنزل بالناس. وقوله ~~{ فعموا وصموا } من العمى الذى هو ضد الإبصار، ومن الصمم الذى هو ضد ~~السمع. وقد استعير هنا للإعراض عن ذلائل الهدى والرشاد التى جاء بها ~~الرسل. والمعنى إن بنى إسرائيل قد أخذنا عليهم العهد المؤكد، وأرسلنا ~~إليهم الرسل لهدايتهم، فكان حالهم أنهم كذبوا بعض الرسل، وقتلوا البعض ~~الآخر. # ولم يكتفوا بهذا بل ظنوا - لسوء أعمالهم وفساد قلوبهم واستيلاء الغرور ~~والتكبر على نفوسهم - أنهم لن يصيبهم بلاء ولا عقاب بتكذيبهم للرسل ~~وقتلهم لهم فأمنوا عقاب الله وتمادوا فى فنون البغى والفساد وعموا وصموا ~~عن دلائل الهدى والرشاد التى جاء بها الرسل واشتملت عليها الكتب السماوية ~~{ ثم تاب الله عليهم } أى قبل توبتهم بعد أن رجعوا عما ~~كانوا عليه من فساد { ثم عموا وصموا } أى ثم نكسوا على رءوسهم ~~مرة أخرى فعادوا إلى فسادهم وضلالهم وعدوانهم على هداتهم، إلا عددا قليلا ~~منهم بقى على إيمانه وتوبته فأنت ترى أن الآية الكريمة مسوقة لبيان فساد ~~معتقدات بنى إسرائيل وما جبلت عليه نفوسهم من جحود وغرور. حيث ارتكبوا ما ~~ارتكبوا من جرائم ومنكرات تقشعر لها الأبدان ومع كل ذلك حسبوا أن الله - ~~تعالى - لا يعاقبهم عليها، لأنهم - كما يزعمون - أبناء الله وأحباؤه. ثم ~~إنهم بعد أن تاب الله عليهم نقضوا عهودهم معه وعادوا إلى أعمالهم عن ~~الدين الذى جاءتهم به رسلهم وإلى صممهم عن الاستماع إلى الحق الذى ألقوه ~~إليهم. وقوله { ألا تكون } قراءة أبو عمر والكسائى وحمزة بضم النون ~~على اعتبار " أن " هى المخففة من الثقيلة، وأصله أنه لا تكون فتنة. فخفف ~~{ أن } وحذف ضمير الشأن - وهو اسمها - وحسبوا على هذه القراءة بمعنى ~~علموا. وتعليق فعل الحسبان بها وهى للتحقيق لتنزيله منزلة العلم لتمكنه ~~فى قلوبهم. وقراءة الباقون بفتح النون على اعتبار أن " أن " ناصبة لتكون. ~~وحسب على هذه القراءة على بابها من الشك والظن. وسد مسد مفعولى حسب على ~~القراءتين ما اشتمل عليه الكلام من المسند والمسند إليه وهو { أن } وما ~~فى حيزها. وقوله { فعموا } معطوف على { حسبوا ms1615 } وجىء بالفاء التى للسببية ~~للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما قبلها. أى أن عماهم عن الطريق القويم ~~وصممهم عن سماع الحق كان سببه ظنهم الفاسد، واعتقادهم الباطل أن ما ~~ارتكبوه من قبائح لن يعاقبوا عليه فى الدنيا. ومن بديع إيجاز القرآن ~~الكريم أن أومأ إلى عدم اهتمامهم بمصيرهم فى الآخرة ببيان أن ظنهم لن ~~تنزل بهم مصائب فى الدنيا يسبب مفاسدهم، هذا الظن هو الذى جعلهم يرتكبون ~~ما يرتكبون من قبائح.. أما الآخرة فلا مكان لها فى تفكيرهم، لأنهم قوم ~~تعساء يحرصون على الدنيا حرصا شديدا دون أن يعيروا الآخرة وما فيها من ~~حساب وثواب وعقاب أى اهتمام. وهذا شأن الأمم إذا ما استحوذ عليها الشيطان ~~وتغلب عليها حب الشهوات وضعف الوازع الدينى فى نفوس أفرادها. إنهم فى هذه ~~الحالة يصير همهم مقصورا على تدبير شئون دنياهم، فإذا ما وجدوا فيها ~~مأكلهم وشربهم وملذاتهم اغمضوا أعينهم عن آخرتهم، بل وربما استهانوا ~~وتهكموا بمن يذكرهم بها فتكون نتيجة إيثارهم الدنيا على الآخرة الشقاء ~~والتعاسة. # وجيء بحرف العطف { ثم } المفيد للتراخى فى قوله { ثم تاب الله ~~عليهم } للإشارة إلى أن قبول توبتهم كان بعد مفاسد عظيمة وقعت منهم ~~أى ثم تاب الله عليهم بعد أن كان منهم ما كان من منكرات وجرائم وإعراض عن ~~الرشد والهدى. وقوله { ثم عموا وصموا } بيان لنقضهم لعهودهم ~~مع الله، وارتكاسهم فى الذنوب والخطايا والمنكرات. ارتكاسا شديد بحيث ~~صاروا ليسوا أهلا لقبول التوبة منهم بعد ذلك. أى بعد أن قبل الله توبتهم ~~من جرائمهم المنكرة. عادوا إلى الانتكاس مرة أخرى فوقعوا فى الذنوب ~~والجرائم بإصرار وعناد فأصابهم ما أصابهم من عقوبات لم يتب الله عليهم ~~بعدها. وقوله { كثير منهم } بدل من الضمير فى قوله { عموا ~~وصموا } وهذا الإبدال فى غاية الحسن. لأنه لو قال { عموا ~~وصموا } بدون هذا البدل لأوهم ذلك أنهم جميعا صاروا كذلك. فلما قال ~~{ كثير منهم } دل على أن العمى والصمم قد حدث للكثيرين منهم، ~~وهناك قلة منهم لم تنقض عهودها مع الله ms1616 - تعالى - بل بقيت على إيمانها ~~وصدق توبتها. وهذا - كما قلنا مرارا - من إنصاف القرآن للناس فى أحكامه، ~~وقدته فى ألفاظه، واحتراسه فيما يصدر من أحكامه. وقوله { والله ~~بصير بما يعملون } تذييل قصد به بطلان حسبانهم المذكور، والبصير ~~مبالغة فى المبصر وهو هنا بمعنى العليم بكل ما يكون منهم من أعمال سواه ~~أبصرها الناس أم لم يبصروها. والمقصود من هذا الخبر لازم معناه، وهو ~~الإنذار والتذكير بأن الله لا يخفى عليه شىء. وسيحاسبهم على أعمالهم. أى ~~والله - تعالى - عليم بما يعملونه علم من يبصر كل شىء دون أن تخفى عليه ~~خافية، وسيجازيهم على أعمالهم بما يستحقونه من عذاب أليم. هذا، وقد تكلم ~~المفسرون عن وقت التوبة التى كانت بعد عماهم وصممهم وعن العمى والصمم ~~الذى أصابهم بعد ذلك و قد أجمل الإمام الرازى كلامهم فقال والآية تدل ~~على أن عماهم وصممهم عن الهداية إلى الحق حصل مرتين. واختلف المفسرون فى ~~المراد بهايتن المرتين على وجوه الأول المراد أنهم عموا وصموا فى زمان ~~زكريا ويحيى وعيسى - عليهم السلام - ثم تاب الله على بعضهم حيث وفق بعضهم ~~للإيمان ثم عموا وصموا كثير منهم فى زمان محمد صلى الله عليه وسلم بأن ~~أنكروا نبوته، وقلة منهم هى التى آمنت به. الثانى المراد أنهم عموا وصموا ~~حين عبدوا العجل، ثم تابوا عنه فتاب الله عليهم، ثم عموا وصموا كثير منهم ~~بالتعنت وهو طلبهم رؤية الله جهرة. الثالث قال القفال ذكر الله - تعالى - ~~فى سورة الإسراء ما يجوز أن يكون تفسيرا لهذه الآية فقال # وقضينآ إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن ~~في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا # والذى نراه أن تحديد عماهم وصممهم وتوبتهم بزمان معين أو بجريمة أو ~~جرائم معينة تابوا بعدها هذا التحديد غير مقنع. ولعل أحسن منه أن نقول إن ~~القرآن الكريم يصور ما عليه بنو إسرائيل من صفات ذميمة، وطبائع معوجة، ~~ومن نقض للعهود والمواثيق. فهم أخذ الله عليهم العهود فنقضوها، وأرسل ~~إليهم الرسل فاعتدوا عليهم وظنوا أن عدوانهم هذا شىء هين ms1617 ولن يصيبهم ~~بسببه عقاب دنيوى، فلما أصابهم العقاب الدنيوى كالقحط والوباء والهزائم. ~~بسبب مفاسدهم، تابوا إلى الله فقبل الله توبتهم ورفع عنهم عقابه، فعادوا ~~إلى عماهم وصممهم - إلا قليلا منهم -، وارتكبوا ما ارتكبوا من منكرات ~~بتصميم وتكرار فأصابهم - سبحانه - بفتن لم يتب عليهم منها. # وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون # وبعد أن بين - سبحانه - أنماطا من قبائح اليهود ومن صفاتهم الذميمة شرع ~~فى بيان قبائح النصارى وضلالاتهم وأرشدهم إلى طريق الحق والصواب، وحذرهم ~~من السير فى طريق الغواية والعناد فقال - تعالى { لقد كفر ~~الذين قالوا إن... } ### || [5.72-75] # قال الفخر الرازى اعلم أنه - تعالى - لما استقصى الكلام مع اليهود، شرع ~~ههنا فى الكلام مع النصارى، فحكى عن فريق منهم أنهم قالوا إن الله هو ~~المسيح بن مريم. وهذا هو قول اليعقوبية لأنهم يقولون إن مريم ولدت إلها، ~~ولعل معنى هذا المذهب أنهم يقولون إن الله - تعالى - حل فى ذات عيسى ~~واتحد بذات عيسى. واللام فى قوله { لقد كفر } واقعة جوابا لقسم ~~مقدر. والمراد بالكفر ستر الحق وإنكاره والانغماس فى الباطل والضلال. أى ~~اقسم لقد كفر أولئك النصارى الذين قالوا كذبا وزورا إن الله المستحق ~~للعبادة والخضوع هو المسيح ابن مريم. وقد أكد - سبحانه - كفرهم بالقسم ~~المقدر لأنهم غالوا فى إطراء عيسى وفى وضعه فى غير موضعه كما غالت اليهود ~~فى الكفر به وفى وصفه بالأوصاف التى هو برئ منها. ثم حكى - سبحانه - ما ~~قاله عيسى فى الرد على من جعلوه إلها فقال { وقال المسيح ~~يابني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم }. أى ~~وقال المسيح مكذبا لمن وصفه بالألوهية يا بنى إسرائيل اعبدوا الله وحده ~~ولا تشركوا به شيئا، فهو ربى الذى خلقنى وتعهدنى بالتربية والرعاية، وهو ~~ربكم - أيضا - الذى أنشأكم وأوجدكم ورزقكم من الطيبات. والواو فى قوله { ~~وقال المسيح } للحال. والجملة حالية من الواو التى هى فاعل { ~~قالوا }. أى قالوا ما قالوا، والحال أن عيسى قد تبرأ مما قالوه. وقال ~~لبنى إسرائيل حين إرساله إليهم اعبدوا الله ربى وربكم. وقوله ms1618 { ربي ~~وربكم } تنبيه إلى ما هو الحجة القاطعة على فساد قولهم المذكور لأن ~~عيسى لم يفرق بينه وبين غيره فى العبودية لله - تعالى - لأنه - سبحانه - ~~هو الخالق له ولهم وللكل شىء. ثم حكى - سبحانه - ما قاله عيسى محذرا من ~~الإشراك فقال { إنه من يشرك بالله فقد حرم الله ~~عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من ~~أنصار }. وهذه الجملة تعليل للأمر بعبادة الله وحده. والضمير المقترن ~~بإن ضمير الشأن والمراد بتحريم الجنة على المشرك منعه من دخولها، ~~لإشراكه مع الله آلهة أخرى. والمأوى المكان الذى يأوى إليه الإنسان. أى ~~يرجع إليه ويستقر فيه. أى قال المسيح لبنى إسرائيل اعبدوا الله ربى ~~وربكم، لأنه أى الحال والشأن { من يشرك بالله } شيئا فى عبادته ~~- سبحانه - { فقد حرم الله عليه الجنة } أى منعه من ~~دخولها، بسبب شركه وكفره، وجعل { ومأواه النار } أى جعل مستقره ~~ومكانه النار بدل الجنة { وما للظالمين من أنصار } ينصرونهم ~~بأن ينقذوهم مما هم فيه من بلاء وشقاء مقيم. فالجملة الكريمة تحذير شديد ~~من الإشراك بالله، وبيان لما سيؤول إليه حال المشركين من تعاسة وشقاء. # وجمع - سبحانه - بين العقوبة السلبية للمشركين وهى حرمانهم من الجنة ~~وبين العقوبة الإيجابية وهى استقرارهم فى النار، للإشارة إلى عظيم ~~جرمهم حيث أشركوا بالله، وتقولوا عليه الأقاويل الباطلة التى تدل على ~~جهلهم وسفاهتهم. والمراد بالظالمين المشركون الذين قالوا إن الله هو ~~المسيح بن مريم فتكون ال للعهد. ويجوز أن يراد بهم كل ظالم بسبب إشراكه ~~وكفره ويدخل فيه هؤلاء دخولا أوليا فتكون أل للجنس. وقال - سبحانه - { ~~وما للظالمين من أنصار } بصيغة الجمع لكلمة " أنصار " ~~وبالتأكيد بمن المفيدة للاستغراق، للإيذان بأنه إذا كان الظالمون لن ~~يستطيع الأنصار مجتمعين أن ينصروهم فمن باب أولى لن يستطيع واحد أن ~~ينصرهم. أى ما لهم من أحد كائنا من كان أن ينقذهم من عقاب الله بأى طريقة ~~من الطرق. وهذه الجملة الكريمة يحتمل أن تكون من كلام عيسى الذى حكاه ~~الله عنه - كما سبق أن ذكرنا - ويحتمل أن تكون من كلام ms1619 الله - تعالى - ~~وقد ساقها - سبحانه - لتأكيد ما قاله المسيح من أمره لقومه بعبادة الله ~~وحده ولتقرير مضمونه المفيد للتحذير من الإشراك. وقوله - تعالى - { ~~لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة } ~~بيان لما قالته طائفة أخرى من طوائف النصارى الذين يتفرقون فى العقائد ~~والنحل، ويتجمعون على الكفر والضلال، فهم شيع شتى، وفرق متنابذة، كل شيعة ~~منهم تكفر الأخرى وتعارضها فى معتقداتها. قال الفخر الرازى ما ملخصه فى ~~تفسير قول النصارى { إن الله ثالث ثلاثة } طريقان. الأول ~~أنهم أرادوا بذلك أن الله مريم وعيسى آلهة ثلاثة. والذى يؤكد ذلك قوله - ~~تعالى - للمسيح # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله # فقوله { ثالث ثلاثة } أى أحد ثلاثة آلهة. أو واحد من ثلاثة آلهة. ~~والطريق الثانى أن المتكلمين حكوا عن النصارى أنهم يقولون جوهر واحد، ~~ثلاثة أقانيم أب، وابن وروح القدس وهذه الثلاثة إله واحد، كما أن الشمس ~~اسم يتناول القرص والشعاع والحرارة. وعنوا بالأب الذات. وبالابن الكلمة. ~~وبالروح الحياة. وأثبتوا الذات والكلمة والحياة وقالوا إن الكلمة التى هى ~~كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء بالخمر أو اللبن فزعموا أن الأب ~~إله، والابن إله، والروح إله، والكل إله واحد. ثم قال الإمام الرازى ~~واعلم أن هذا معلوم البطلان ببديهة العقل. فإن الثلاثة لا تكون واحدا ~~والواحد لا يكون ثلاثة، ولا يرى فى الدنيا مقالة أشد فسادا وأظهر بطلانا ~~من مقالة النصارى " وقد ذكر بعض المفسرين أن الذين قالوا من النصارى إن ~~الله ثالث ثلاثة هم النسطورية والمرقوسية. ومعنى ثالث ثلاثة واحد من ~~ثلاثة. أى أحد هذه الأعداد مطلقا وليس الوصف بالثالث فقد ذكر النحاة أن ~~اسم الفعل المصوغ من لفظ اثنين وعشرة وما بينهما لك أن تستعمله على وجوه ~~منها أن تستعمله مع أصله الذى صيغ هو منه، ليفيد أن الموصوف به بعض تلك ~~العدة المعينة لا غير. # فتقول رابع أربعة أى واحد من أربعة وليس زائدا عليها، ويجب حينئذ ~~إضافته إلى أصله. وقوله { وما من إله إلا إله واحد } ~~بيان ms1620 للاعتقاد الحق بعد ذكر الاعتقاد الباطل. وقد جاءت هذه الجملة بأقوى ~~أساليب القصر وهو اشتمالها على " ما " و " إلا ". مع تأكيد النفى بمن ~~المفيدة لاستغراق النفى. والمعنى لقد كفر الذين قالوا كذبا وزورا إن الله ~~واحد من آلهة ثلاثة، والحق أنه ليس فى هذا الوجود إله مستحق للعبادة ~~والخضوع سوى إله واحد وهو الله رب العالمين، الذى خلق الخلق بقدرته، ~~ورباهم بنعمته. وإليه وحده مرجعهم وإيابهم. ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة ~~هؤلاء الضالين الذين قالوا ما قالوا من ضلال وكذب فقال - تعالى - { وإن ~~لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا ~~منهم عذاب أليم }. وهذه الجملة الكريمة معطوفة على قوله { ~~لقد كفر } والمراد بانتهائهم رجوعهم عما هم عليه من ضلال وكفر. ~~والمراد بقوله - { عما يقولون } أى عما يعتقدون وينطقون به من زور ~~وبهتان. أى لقد كفر أولئك الذين قلوا إن الله ثالث ثلاثة كفرا شديدا ~~بينا والحق أنه ليس فى الوجود سوى إله واحد مستحق للعبادة، وإن لم يرجع ~~هؤلاء الذين قالوا بالتثليث عن عقائدهم الزائفة وأقوالهم الفاسدة ~~ويعتصموا بعروة التوحيد { ليمسن الذين كفروا منهم } أى ~~ليصيبن الذين استمروا على الكفر منهم عذاب أليم. فالجملة الكريمة تحذير ~~من الله - تعالى - لهم عن الاستمرار فى هذا القول الكاذب. والاعتقاد ~~الفاسد الذى يتنافى مع العقول السليمة، والأفكار القويمة. وقوله { ~~ليمسن } جواب لقسم محذوف، وهو ساد مسد جواب الشرط المحذوف فى قوله ~~{ وإن لم ينتهوا } والتقدير والله إن لم ينتهوا ليمسن. وأكد - ~~سبحانه - وعيدهم بلام القسم فى قوله { ليمسن } ردا على اعتقادهم ~~أنهم لا تمسهم النار، لأن صلب عيسى - فى زعمهم - كان كفارة عن خطايا ~~البشر. وعبر بالمس للإشارة إلى شدة ما يصيبهم من آلام لأن المراد أن هذا ~~العذاب الأليم يصيب جلدهم وهو موضع الإحساس فيهم إصابة مستمرة، كما قال ~~- تعالى - فى آية أخرى # كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب # وقال - سبحانه - { ليمسن الذين كفروا } بالتعبير بالظاهر ~~دون الضمير للإشارة إلى سبب العذاب وهو كفرهم لأن التعبير بالموصول يشير ~~إلى أن ms1621 الصلة هى سبب الحكم. ومن فى قوله { منهم } يصح أن تكون تبعيضية أى ~~ليمسن الذين استمروا على الكفر من هؤلاء النصارى عذاب أليم، لأن كثيرا ~~منهم لم يستمروا على الكفر بل رجعوا عنه ودخلوا فى دين الإسلام. # ويصح أن تكون بيانية، وقد وضح ذلك صاحب الكشاف بقوله ومن فى قوله { ~~ليمسن الذين كفروا منهم } للبيان كالتى فى قوله # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # والمعنى ليمسن الذين كفروا من النصارى خاصة { عذاب أليم } أى نوع ~~شديد الألم من العذاب.. كما تقول أعطنى عشرين من الثياب. تريد من الثياب ~~خاصة لا من غيرها من الأجناس التى يجوز أن يتناولها عشرون ". وبعد هذا ~~الترهيب الشديد للكافرين من العذاب الأليم، فتح لهم - سبحانه - باب ~~رحمته، حيث رغبهم فى الإيمان، وأنكر عليهم تقاعسهم عنه بعد أن ثبت بطلان ~~ما هم عليه من عقائد فقال - تعالى - { أفلا يتوبون إلى الله ~~ويستغفرونه والله غفور رحيم }. والاستفهام هنا يتضمن ~~حضهم على التوبة والرجوع إلى الحق وتوبيخهم على ما كان منهم من ضلال ~~والتعجيب من استمرارهم على كفرهم وعقائدهم الفاسدة التى لا يقبلها عقل ~~سليم، ولا تصور قويم. والفاء للعطف على مقدر يقتضيه الكلام. أى أيسمعون ~~ما يسمعون من الحق الذى يزهق باطلهم ومن النذر التى ترقق القلوب لا ~~يحملهم ذلك على التوبة والرجوع إلى الله وطلب مغفرته، والحال أنه - ~~سبحانه - عظيم المغفرة واسع الرحمة لمن آمن وعمل صالحا. إن إصرارهم على ~~كفرهم بعد تفنيده وإبطاله، وبعد تحذيرهم من سوء عاقبة الكافرين ليدل على ~~أنهم قوم ضالون خاسرون يستحقون أن يكونوا محل عجب الناس وإهمالهم. قال ~~أبو السعود وقوله { والله غفور رحيم } جملة حالية من فاعل { ~~ويستغفرونه } مؤكدة للإنكار والتعجيب من إصرارهم على الكفر ~~وعدم مسارعتهم إلى الاستغفار. أى والحال أن الله - تعالى - مبالغ فى ~~المغفرة. فيغفر لهم عند استغفارهم ويمنحهم من فضله ". وقال ابن كثير هذا ~~من كرمه - تعالى - وجوده ولطفه ورحمته بخلقه. مع هذا الذنب العظيم، وهذا ~~الافتراء والكذب والإفك، يدعوهم إلى التوبة والمغفرة. فكل من تاب إليه ms1622 ~~تاب عليه. كما قال { والله غفور رحيم } فيغفر لهؤلاء إن تابوا ~~ولغيرهم. ثم بين - سبحانه - حقيقة عيسى عليه السلام - وحقيقة أمه مريم ~~حتى يزيل عن ساحتهما ما افتراه عليهما المفترون فقال - تعالى - { ما ~~المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله ~~الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام }. وقوله ~~{ صديقة } صيغة مبالغة فى التمسك بفضيلة الصدق مثل شريب ومسيك مبالغة فى ~~الشرب والمسك. قال الراغب والصديق من كثير منه الصدق، وقيل بل يقال لمن ~~لم يكذب قط وقيل بل لمن لا يأتى منه الكذب لتعوده الصدق. وقيل، لمن صدق ~~بقوله واعتقاده وحقق صدقه بفعله.. قال - تعالى - # فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين # فالصديقون هم قوم دون الأنبياء فى الفضيلة. والمعنى إن الذين قالوا إن ~~الله ثالث ثلاثة. قد قالوا منكرا وزورا، إذ ليس الألوهية إلا لله وحده ~~وليس المسيح عيسى ابن مريم سوى بشر من البشر ورسول مثل الرسل الذين سبقوه ~~كنوح وإبراهيم وموسى وغيرهم من الرسل الذين مضوا دون أن يدعى واحد منهم ~~الألوهية. وأما أم عيسى مريم فما هى إلا أمة من إماء الله كسائر النساء ~~ديدنها الصدق مع خالقها - عز وجل - أو التصديق له فى سائر أمورها. وهما - ~~أى عيسى وأمه مريم - عبدان من عباد الله كانا يأكلان الطعام، ويشربان ~~الشراب ويتصرفان كما يتصرف سائر البشر فكيف ساغ لكم - يا معشر النصارى - ~~أن تصفوهما بأنهما إلهين مع أن طبيعتهما الظاهرة أمامكم تتنافى تنافيا ~~تاما مع صفات الأولوهية إن وصفكم لهما بالألوهية لدليل واضح على فساد ~~عقولكم وضلال تفكيركم، وعظيم جهلكم. وقوله { ما المسيح ابن ~~مريم إلا رسول } جملة مشتملة على قصر موصوف على صفة، وهو قصر ~~إضافى، أى أن المسيح مقصور على صفة الرسالة لا يتجاوزها إلى غيرها وهى ~~الألوهية فالقصر قصر قلب لرد اعتقاد النصارى فى عيسى أنه الله، أو أنه ~~جزء من الله أو أنه أحد آلهة ثلاثة. وقوله { قد خلت من قبله ~~الرسل } صفة للرسول وهو عيسى أريد بها ms1623 بيان أنه مساو للرسل الكرام ~~الذين سبقوه فى تبليغ رسالة الله إلى الناس وأنه ليس بدعا فى هذا الوصف ~~وإذا فلا شبهة للذين زعموا انه إله " لأنه لم يجىء بشىء زائد على ما جاء ~~به الرسل ". وقوله. { وأمه صديقة } معطوف على قوله { ما ~~المسيح ابن مريم إلا رسول } والقصد من وصف مريم بذلك ~~مدحها والثناء عليها، ونفى أن يكون لها وصف أعلى من ذلك، فهى ليست إلها. ~~كما أنها ليست رسولا. ولذا قال ابن كثير دلت الآية على أن مريم ليست ~~بنبية - كما زعمه ابن حزم وغيره ممن ذهب إلى نبوة سارة أم إسحاق وبنوة أم ~~عيسى ونبوة أم موسى - استدلالا منهم بخطاب الملائكة لسارة ومريم وبقوله # وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه # والذى عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبيا إلا من الرجال - قال تعالى - # ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ~~من أهل القرى # وقوله { كانا يأكلان الطعام } جملة مستأنفة لبيان خواصهما ~~الآدمية بعد بيان منزلتهما السامية عند الله - تعالى -. وقد اختيرت هذه ~~الصفة لهما من بين صفات كثيرة كالمشرب والملبس. لأنها صفة واضحة ظاهرة ~~للناس، ودالة على احتياجهما لغيرهما فى مطلب حياتهما، ومن يحتاج إلى غيره ~~لا يكون إلها. # وقال صاحب الكشاف لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم ~~والنفض، لم يكن إلا جسما مركبا من عظم ولحم وعروض وأعصاب وأخلاط وأمزجة ~~مع شهوة.. وغير ذلك مما يدل على أنه مصنوع مؤلف كغيره من الأجسام وحاشا ~~للإله أن يكون كذلك. ففى هذه الجمل الكريمة رد على ما زعمه النصارى فى ~~شأن عيسى وأمه بأبلغ وجه وأحكمه، ولذا عجب الله - تعالى - رسوله وكل من ~~يصلح للخطاب من جهلهم وبعدهم عن الحق مع وضوحه وظهوره فقال { انظر ~~كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون } ~~أى يصرفون. يقال أفكه يأفكه إذا صرفه عن الشىء. أى انظر - يا محمد - كيف ~~تبين لهم الأدلة المنوعة على حقيقة عيسى وأمه بيانا واضحا ظاهرا. ثم ~~انظر بعد ذلك كيف ms1624 ينصرفون عن الإصاخة إليها والتأمل فيها لسوء تفكيرهم، ~~واستيلاء الجهل والوهم والعناد على عقولهم. فالجملتان الكريمتان تعجيب ~~لكل عاقل من أحوال النصارى الذين زعموا أن الله هو المسيح ابن مريم، أو ~~أن الله ثالث ثلاثة. مع أنه - سبحانه - أقام لهم الأدلة المتعددة على ~~بطلان ذلك. وكرر الله - سبحانه - الأمر بالنظر للمبالغة فى التعجيب من ~~أحوالهم الغريبة وجىء بثم المفيدة للتراخى فى قوله { ثم انظر ~~أنى يؤفكون } لإظهار ما بين وضوح الآيات وانصرافهم عنها من ~~تفاوت شديد أى أن بياننا للآيات أمر بديع فى بابه بحيث يجعل كل عاقل ~~يستجيب لها، ويخضع لما تدعو إليه من هدايات وخيرات. وانصراف هؤلاء ~~الضالين عنها - مع وضوحها وتعاضد ما يوجب قبولها - أمر يدعو إلى العجب ~~الشديد من جهلهم وضلالهم وسوء تفكيرهم. ثم تابع - سبحانه - حديثه عن ضلال ~~أهل الكتاب وجهالتهم فأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم أن يوبخهم على ~~عنادهم وغفلتهم وأن يواصل دعوتهم إلى الدين الحق فقال - تعالى { قل ~~أتعبدون من دون الله ما لا يملك... } ### || [5.76-77] # الاستفهام فى قوله { أتعبدون } لإنكار واقعهم والتعجيب مما وقع ~~منهم، وتوبيخهم على جهلهم وغفلتهم. و { ما } فى قوله { ما لا يملك ~~} يجوز أن تكون موصولة بمعنى الذى وأن تكون نكرة موصوفة. والجملة بعدها ~~صلة فلا محل لها أو صفة فمحلها النصب. وقوله { يملك } من الملك بمعنى ~~حيازة الشىء والتمكن من التصرف فيه بدون عجز. والمعنى قل يا محمد لهؤلاء ~~الضالين من النصارى وأشباههم فى الكفر والشرك قل لهم أتعبدون معبودات غير ~~الله - تعالى - هذه المعبودات لا تملك أن تصيبكم بشىء من الضرر كالمرض ~~والفقر، ولا تملك أيضا أن تنفعكم بشىء من النفع كبسط الرزق ودفع الضرر ~~وغير ذلك مما أنتم فى حاجة إليه. فالمراد بما لا يملك كل ما عبد من دون ~~الله من حجر أو وثن أو غيرهما فتكون " ما " للعموم وليست كناية عن عيسى ~~وأمه فحسب. وقد سار على هذا المعنى ابن كثير فقال يقول - تعالى - منكرا ~~على من عبد غيره من الأصنام والأوثان ms1625 والأنداد، ومبينا له أنها لا تستحق ~~شيئا من الألوهية فقال - تعالى - { قل } أى يا محمد لهؤلاء العابدين ~~غير الله من سائر فرق بنى آدم ودخل فى ذلك النصارى وغيرهم { ~~أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا ~~نفعا }. ويرى كثير من المفسرين أن المراد بقوله { ما لا يملك } ~~عيسى - عليه السلام - أو هو وأمه لأن الكلام مع النصارى الذين قال بعضهم ~~إن الله هو المسيح ابن مريم. وقال آخرون منهم إن الله ثالث ثلاثة، فتكون ~~الآية دليلا آخر - بعد الأدلة السابقة - على فساد أقوال النصارى فى عيسى ~~وأمه مريم. والمعنى قل يا محمد لهؤلاء النصارى أتعبدون - من دون الله - ~~عيسى وأمه وهما لا يستطيعان أن يضراكم بشىء من الضرر فى الأنفس والأموال، ~~ولا أن ينفعاكم بشىء من النفع كإيجاد الصحة والخصب والسعة، لأن الضر ~~والنفع من الله وحده وكل ما يستطيعه البشر من المضار أو المنافع هو ~~بتمكين الله لهم وليس بقدرتهم الذاتية. وأوثرت " ما " على " من " لتحقيق ~~ما هو المراد من كونهما بمعزل من الألوهية رأسا، ببيان انتظامهما فى مسلك ~~الأشياء التى لا قدرة لها على شىء ألا ولا شك أن من صفات الرب أن يكون ~~قادرا على كل شىء، فقول النصارى بأن الله هو المسيح ابن مريم أو هو ثالث ~~ثلاثة، قول ظاهر البطلان واضح الفساد. وعلى كلا القوالين فالآية الكريمة ~~تنفى أن يكون هناك إله سوى الله - تعالى - يستحق العبادة والخضوع، لأنه - ~~سبحانه - هو المالك لكل شىء، والخالق لكل شىء # ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين # وقدم - سبحانه - الضر على النفع فقال { ما لا يملك لكم ضرا ~~ولا نفعا } لأن النفوس أشد تطلعا إلى دفعة من تطلعها إلى جلب الخير، ~~ولأنهم كانوا يبعدون غير الله - تعالى - وهمهم الأكبر أن هذا المعبود ~~يستطيع أن يقربهم إلى الله زلفى، وأن يمنع عنهم المصائب والأضرار. وقوله ~~{ والله هو السميع العليم } فى محل نصب على الحال. من فاعل ~~{ أتعبدون } أى أتعبدون آلهة سوى الله لا تملك ضرركم ms1626 أو نفعكم ~~وتتركون عبادة الله والحال أن الله وحده هو السميع لكل ما تنطقون به، ~~العليم بجميع أحوالكم وأعمالكم، وسيحاسبكم على ذلك وسيجازيكم على أقوالكم ~~الباطلة وعقائدكم الزائفة، بما تستحقون من عذاب أليم. ثم أرشدهم - سبحانه ~~- إلى طريق الحق، ونهاهم عن الغلو الباطل فقال { قل يأهل ~~الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا ~~تتبعوا أهوآء قوم } والغلو مصدر غلا فى الأمر إذا تجاوز ~~الحد. وهو نقيض التقصير. وقد نهى النبى - صلى الله عليه وسلم عن الغلو ~~حتى فى الدين، فقد روى الإمام أحمد والنسائى وابن ماجه والحاكم عن ابن ~~عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال # " إياكم والغلو فى الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو فى الدين ". # وروى البخارى عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا تطرونى كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ~~ورسوله ". # وروى مسلم عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " هلك المتنطعون. قالها ثلاثة " # والمتنطعون هم المتشددون المتجاوزون للحدود التى جاءت بها تعاليم ~~الإسلام. وقد غالى أهل الكتاب فى شأن عيسى - عليه السلام - أما اليهود ~~فقد كفروا به ونسبوه إلى الزنا وافتروا عليه وعلى أمه افتراء شديدا وأما ~~النصارى فقد وصفوه بالألوهية فوضعوه فى غير موضعه الذى وضعه الله فيه وهو ~~منصب الرسالة. وكما غالوا فى شأن عيسى عليه السلام - فقد غالوا أيضا فى ~~تمسكهم بعقائدهم الزائفة، مع أن الدلائل الواضحة قد دلت على بطلانها ~~وفسادها. وقوله { غير الحق } منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف. أى ~~لا تغلوا فى دينكم غلوا غير الحق أى غلوا باطلا. وقوله { ولا ~~تتبعوا أهوآء قوم } معطوف على قوله { لا تغلوا }. قال ~~الفخر الرازى الأهواء - ههنا - المذاهب التى تدعو إليها الشهوة دون ~~الحجة. قال الشعبى ما ذكر الله لفظ الهوى فى القرآن إلا ذمه. قال # ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله # وقال # واتبع هواه فتردى # وقال # وما ينطق عن الهوى # وقال # أرأيت من ms1627 اتخذ إلهه هواه # وقال أبو عبيدة لم نجد الهوى يوضع إلا فى الشر لا يقال فلان يهوى الخير ~~إنما يقال يريد الخير ويحبه. وقيل سمى الهوى هوى لأنه يهوى بصاحبه فى ~~النار. وأنشد فى ذم الهوى # إن الهوى الهوان بعينه فإذا هويت فقد لقيت هوانا # وقال رجل لابن عباس الحمد لله الذى جعل هو أى على هواك. فقال ابن عباس ~~كل هوى ضلالة. والمعنى قل يا محمد لأهل الكتاب الذين تجاوزوا الحدود التى ~~تقرها الشرائع والعقول السليمة، قل لهم يا أهل الكتاب { لا تغلوا ~~في دينكم غير الحق } أى لا تتجاوزوا حدود الله تجاوزوا ~~باطلا، كأن تعبدوا سواه مع أنه هو الذى خلقكم ورزقكم، وكأن تصفوا عيسى ~~بأوصاف هو برئ منها. وقل لهم أيضا { ولا تتبعوا أهوآء ~~قوم } أى ولا تتبعوا شهوات وأقوال قوم من أسلافكم وعلمائكم ورؤسائكم { ~~قد ضلوا من قبل } أى قد ضلوا من قبل بعثة النبى صلى الله عليه ~~وسلم بتحريفهم للكتب السماوية وتركهم لتعاليمها جريا وراء شهواتهم ~~وأهوائهم { وأضلوا كثيرا } أى أنهم لم يكتفوا بضلال أنفسهم بل ~~أضلوا أناسا كثيرين سواهم ممن قلدهم ووافقهم على أكاذيبهم وقوله { ~~وضلوا عن سوآء السبيل } معطوف على قوله { قد ضلوا من ~~قبل }. أى أنهم قد ضلوا من قبل البعثة النبوية الشريفة، وضلوا من ~~بعدها عن { سوآء السبيل } أى عن الطريق الواضح الذى أتى به النبى ~~صلى الله عليه وسلم وهو طريق الإسلام وذلك لأنهم لم يتبعوه صلى الله ~~عليه وسلم مع معرفتهم بصدقه بل كفروا به حسدا له على ما آتاه الله من ~~فضله. فأنت ترى أنه - تعالى - قد وصفهم - كما يقول الإمام الرازى - ~~بثلاث درجات فى الضلال فبين أنهم كانوا ضالين من قبل، ثم ذكر أنهم كانوا ~~مضلين لغيرهم، ثم ذكر أنهم استمروا على تلك الحالة حتى الآن ضالون كما ~~كانوا ولا نجد حالة أقرب إلى البعد من الله والقرب من عقابه من هذه ~~الحالة ويحتمل أنهم ضلوا وأضلوا ثم ضلوا بسبب اعتقادهم فى ذلك الإضلال ~~أنه إرشاد إلى ms1628 الحق. هذا، ومما أخذه العلماء من هذه الآية الكريمة أن ~~الغلو فى الدين لا يجوز وهو مجاوزة الحق إلى الباطل وقد سقنا من الآثار ~~ما يشهد بذلك عند تفسيرنا لصدر الآية الكريمة. قال صاحب الكشاف ما ملخصه ~~دلت الآية على أن الغلو فى الدين غلوان " غلو حق " وهو أن يفحص عن ~~حقائقه، ويفتش عن أباعد معانيه، ويجتهد فى تحصيل حججه كما يفعل ~~المتكلمون. وغلوا باطل، وهو أن يتجاوز الحق ويتخطاه بالإعراض عن الأدلة ~~واتباع الشبه. كما يفعل أهل الأهواء والبدع والضلال. ثم حكى - سبحانه - ~~بعد ذلك بعض الرذائل التى شاعت فى بنى إسرائيل، والتى بسببها استحقوا ~~اللعن والطرد من رحمة الله فقال - تعالى - { لعن الذين ~~كفروا... } ### || [5.78-81] # قوله { لعن } من اللعن بمعنى الطرد من رحمة الله فالملعون هو المحروم ~~من رحمته - سبحانه - ولطفه وعنايته. والمعنى لعن الله - تعالى - الذين ~~كفروا من بنى إسرائيل بأن طردهم من رحمته، على لسان نبيين كريمين هما ~~داود وعيسى - عليهما السلام -. وقد جاء الفعل " لعن " بالبناء للمجهول ~~لأن الفاعل معلوم وهو الله - تعالى - ولأن الأنبياء ومنهم داود وعيسى لا ~~يلعنون أحدا إلا بإذن الله - سبحانه -. وقوله { من بني إسرائيل ~~} فى محل نصب على الحال من الذين كفروا أو من فاعل { كفروا } وهو واو ~~الجماعة. وقوله { على لسان داوود وعيسى ابن مريم } ~~متعلق بلعن. أى لعنهم - سبحانه - فى الزبور والإنجيل على لسان هذين ~~النبيين الكريمين اللذين كان أولهما - بجانب منصب الرسالة - قائدا مظفرا ~~قادهم إلى النصر بعد الهزيمة. وكان ثانيهما وهو عيسى - عليه السلام - ~~رسولا مسالما جاءهم ليحل لهم بعض الذى حرم عليهم. قال الآلوسى لعنهم الله ~~- تعالى - فى الزبور والإنجيل على لسان داود وعيسى ابن مريم بأن أنزل فى ~~هذين الكتابين " ملعون من يكفر من بنى إسرائيل بالله أو بأحد من رسله ". ~~وقيل إن أهل أيلة لما اعتدوا فى السبت قال داود اللهم ألبسهم اللعن مثل ~~الرداء ومثل المنطقة على الحقوين فمسخهم الله قردة. وأصحاب المائدة لما ~~كفروا بعيسى قال اللهم عذب من كفر من ms1629 المائدة عذابا لم تعذبه أحدا من ~~العالمين، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت ". وقوله { ذلك بما عصوا ~~وكانوا يعتدون } بيان لسبب لعنهم وطردهم من رحمة الله. واسم ~~الإشارة { ذلك } يعود إلى اللعن المذكور. أى ذلك اللعن للكافرين من بنى ~~إسرائيل سببه عصيانهم لله ولرسله، وعدوانهم على الذين يأمرونهم بالقسط من ~~الناس. أى أن لعنهم لم يكن اعتباطا أو جزافا، وإنما كان بسبب أقوالهم ~~القبيحة وأفعالهم المنكرة، وسلوكهم السىء. وقوله { ذلك بما عصوا ~~} جملة من مبتدأ وخبر. وقوله { وكانوا يعتدون } معطوف على صلة ~~ما وهو { عصوا } فيكون داخلا فى حيز السبب الذى أدى إلى لعنهم والجملة ~~المكونة من اسم الإشارة { ذلك } وما بعدها مستأنفة واقعة موقع الجواب ~~لسؤال تقديره لماذا لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل؟ وقد أفاد اسم ~~الإشارة مع باء السببية ومع وقوع الجملة فى جواب سؤال مقدر أفاد مجموع ~~ذلك ما يشبه القصر. وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله { ذلك ~~بما عصوا وكانوا يعتدون }. أى لم يكن ذلك اللعن الشنيع ~~إلا لأجل المعصية والاعتداء لا لشىء آخر،. وعبر - سبحانه - عن عصيانهم ~~بالماضى فقال { ذلك بما عصوا } للإشارة إلى استقرار العصيان فى ~~طبائعهم، وثباته فى نفوسهم وجوارحهم. # وعبر عن عدوانهم بالمضارع، للإيذان بأنه مستمر قائم، فهم لم يتركوا ~~نبيا إلا وآذوه، ولم يتركوا مصلحا إلا واعتدوا عليه فاعتداؤهم على ~~المصلحين مستمر فى كل زمان ومكان. ثم فسر - سبحانه - عصيانهم وعدوانهم ~~بقوله { كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما ~~كانوا يفعلون }. وقوله { يتناهون } من التناهى. قال الفخر ~~الرازى وللتناهى ههنا معنيان أحدهما وهو الذى عليه الجمهور - أنه تفاعل ~~من النهى. أى كانوا لا ينهى بعضهم بعضا. روى ابن مسعود عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال # " من رضى عمل قوم فهو منهم. ومن كثر سواد قوم فهو منهم ". # والمعنى الثانى فى التناهى أنه بمعنى الانتهاء عن الأمر، تناهى عنه إذا ~~كف عنه ". والمنكر هو كل ما تنكره الشرائع والعقول من الأقوال والأفعال. ~~أى أن مظاهر عصيان الكافرين ms1630 من بنى إسرائيل وتعديهم مما أدى إلى لعنهم ~~وطردهم من رحمة الله أنهم كانوا لا ينهى بعضهم بعضا عن اقتراف المنكرات. ~~واجتراح السيئات، بل كانوا يرون المنكرات ترتكب فيسكتون عليها بدون ~~استنكار مع قدرتهم على منعها قبل وقوعها. وهذا شر ما تصاب به الأمم ~~حاضرها ومستقبلها أن تفشو فيها المنكرات والسيئات والرذائل فلا تجد من ~~يستطيع تغييرها وإزالتها. وقوله { لبئس ما كانوا يفعلون } ~~ذم لهم على كثرة ولو غهم فى المعاصى والمنكرات وتعجب من سوء فعلهم. ~~واللام فى قوله { لبئس } لام القسم فكأنه - سبحانه - قال أقسم لبئس ~~ما كانوا يفعلون وهو ارتكاب المعاصى والعدوان وترك الأمر بالمعروف والنهى ~~عن المنكر. قال صاحب الكشاف قوله { لبئس ما كانوا يفعلون } ~~للتعجيب من سوء فعلهم مؤكدا لذلك بالقسم. فياحسرة على المسلمين فى ~~إعراضهم عن باب التناهى عن المناكير، وقلة عبئهم به، كأنه ليس من ملة ~~الإسلام فى شىء مع ما يتلون من كلام الله وما فيه من المبالغات فى هذا ~~الباب. فإن قلت ما معنى وصف المنكر بفعلوه، ولا يكون النهى بعد الفعل؟ ~~قلت معناه لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه، أو عن منكر أرادوا فعله كما ~~ترى أمارات الخوض فى الفسق وآلاته تسوى وتهيأ فتنكر ". هذا، وقد أخذ ~~العلماء من هذه الآية وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لأنهما قوام ~~الأمم وسياج الدين ولا صلاح لأمة من الأمم إلا بالقيام بحقهما. وقد ساق ~~الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية عددا من الأحاديث فى هذا المعنى. ~~ومن ذلك ما جاء فى الصحيحين عن أبى سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده. فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع ~~فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ". # وروى الإمام أحمد فى معنى الآية عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " لما وقعت بنو إسرائيل فى المعاصى نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم ~~فى مجالسهم أو فى أسواقهم وواكلوهم وشاربوهم فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ms1631 ~~ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ". # قال ابن مسعود وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا فجلس فقال # " لا والذى نفسى بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا - أى تحملوهم على ~~التزام الحق وتعطوفهم عليه ". # وروى الترمذى عن حذيفة بن اليمان أن النبى صلى الله عليه وسلم قال # " والذى نفسى بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله ~~أن يبعث عليكم عقابا من عنده ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم ". # وروى الإمام أحمد عن عدى بن عميرة - رضى الله عنه - قال سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول # " إن الله - لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم ~~وهم قادرون على أن ينكروه. فإذا فعلوا ذلك لعن الله العامة والخاصة ". # وروى ابن ماجه عن أنس بن مالك قال يا رسول الله، متى نترك الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال # " إذا ظهر فيكم ما ظهر فى الأمم قبلكم قلنا يا رسول الله، وما الذى ظهر ~~فى الأمم قبلنا؟ قال صلى الله عليه وسلم الملك فى صغاركم، والفاحشة فى ~~كباركم، والعلم فى رذالتكم " # أى فى فساقكم. هذا جانب من الأحاديث التى وردت فى وجوب الأمر بالمعروف ~~والنهى عن المنكر. فعلى الأمة الإسلامية أن تقوم بحقها حتى تكون مستحقة ~~لمدح الله - تعالى - لها بقوله # كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله # ثم حكى - سبحانه - ما كان يقوم به اليهود فى العهد النبوى من تحالف مع ~~المشركين ضد المسلمين فقال { ترى كثيرا منهم يتولون ~~الذين كفروا } أى ترى - أيها الرسول الكريم - كثيرا من بنى ~~إسرائيل المعاصرين لك يوالون الكافرين ويحالفونهم عليك بسبب حسدهم لك على ~~ما آتاك الله من فضله وبسبب كراهتهم للإسلام والمسلمين. والذى يقرأ ~~تاريخ الدعوة الإسلامية يرى أن اليهود كانوا دائما يضعون العراقيل فى ~~طريقها، ويناصرون كل محارب لها، ففى غزوة الأحزاب انضم بنو قريظة إلى ~~المشركين ولم يقيموا وزنا للعهود والمواثيق التى كانت بينهم وبين ~~المسلمين. ms1632 وفى كل زمان ومكان نرى أن اليهود يحاربون الإسلام والمسلمين، ~~ويؤيدون كل من يريد لهما الشرور والأضرار. وقوله { لبئس ما ~~قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي ~~العذاب هم خالدون } ذم لهم على موالاتهم للمشركين وبيان لما حق ~~بهم من سوء المصير بسبب مناصرتهم لأعداء الله، ومحاربتهم لأوليائه. # أى لبئس ما قدمت لهم أنفسهم من أقوال كاذبة وأعمال قبيحة وأفعال منكرة ~~استحقوا بسبها سخط الله عليهم، ولعنه إياهم كما استحقوا أيضا بسببها ~~الخلود الدائم فى العذاب المهين. قال الجمل و { ما } فى قوله { لبئس ~~ما قدمت لهم أنفسهم } هى الفاعل، وقوله { وفي العذاب ~~هم خالدون } هذه الجملة معطوفة على ما قبلها فهى من جملة المخصوص ~~بالذم فالتقدير سخط الله عليهم وخلدهم فى العذاب. ثم بين - سبحانه - ~~الدوافع التى حملت هؤلاء الفاسقين من أهل الكتاب على ولاية الكافرين ~~ومصادقتهم ومعاونتهم على حرب المسلمين فقال { ولو كانوا ~~يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما ~~اتخذوهم أوليآء ولكن كثيرا منهم فاسقون }. ~~فالضمير فى قوله { كانوا } يعود إلى أولئك الكثيرين من أهل الكتاب الذين ~~حملهم حقدهم وبغضهم للنبى صلى الله عليه وسلم ولأتباعه على موالاة ~~الكافرين. والمراد - هنا - بالنبى موسى - عليه السلام - وبما أنزل إليه ~~التوراة، لأن الحديث مع الكافرين من بنى إسرائيل الذين يزعمون أنهم من ~~أتباع موسى. وقيل المراد به النبى صلى الله عليه وسلم، والمراد بما أنزل ~~إليه القرآن. أى ولو كان هؤلاء اليهود يؤمنون بالله إيمانا حقا، ويؤمنون ~~بنبيهم موسى إيمانا صادقا ويؤمنون بالتوارة التى أنزلها الله عليه إيمانا ~~سليما، لو كانوا مؤمنين هذا الإيمان الصادق، لكفوا عن اتخاذ الكافرين ~~أولياء وأصفياء، لأن تحريم موالاة المشركين متأكدة فى التوراة وفى كل ~~شريعة أنزلها الله على نبى من أنبيائه. وقوله { ولكن كثيرا ~~منهم فاسقون } استدارك لبيان حالهم، ولبيان سبب موالاتهم ~~للكافرين وعدواتهم للمسلمين. أى ولكن كثيرا من هؤلاء اليهود فاسقون، أى ~~خارجون عن الدين الحق إلى الأديان الباطلة، فدفعهم هذا الفسق، وما صاحبه ~~من حقد وعناد على موالاة الكافرين ومعاداة ms1633 المؤمنين. وقد كرر سبحانه وصف ~~الكثيرين منهم بالصفات الذميمة، إنصافا للقلة التى آمنت وتمييزا لها عن ~~تلك الكثرة الكافرة الفاسقة.. وبذلك نرى الآيات الكريمة قد بينت ما عليه ~~الكافرين من بنى إسرائيل من صفات ذميمة، أفضت إلى لعنهم وطردهم من رحمة ~~الله، حتى يحذرهم المسلمون ويجتنبوا سلوكهم السىء، وخلقهم القبيح. وبعد ~~هذا الحديث الطويل الذى طوفت فيه سورة المائدة مع أهل الكتاب بصفة عامة ~~ومع اليهود بصفة خاصة، والذى تحدثت خلاله عن علاقة المؤمنين بهم وعن ~~العهود التى أخذها الله عليهم وموقفهم منها، وعن دعاواهم الباطلة وكيف رد ~~القرآن عليها، وعن أخلاقهم السيئة، وعن مسالكهم الخبيثة لكيد الإسلام ~~والمسلمين، وعن المصير السىء الذى ينتظرهم إذا ما استمروا على كفرهم ~~وضلالهم، وعن المنهاج القويم الذى استعمله القرآن معهم فى دعوتهم إلى ~~الدين الحق، بعد هذا الحديث الطويل معهم فى تلك الموضوعات وفى غيرها نرى ~~السورة الكريمة فى نهاية المطاف تحدثنا عن أشد الناس عداوة للمؤمنين وعن ~~أقربهم مودة لهم فتقول { لتجدن أشد الناس عداوة ~~للذين... } ### || [5.82-86] # أخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال بعث النجاشى وفدا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأسلموا، قال فأنزل الله فيهم { لتجدن أشد ~~الناس عداوة للذين آمنوا اليهود } إلى آخر الآية. ~~قال فرجعوا إلى النجاشى فأخبروه فأسلم النجاشى فلم يزل مسلما حتى مات، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أخاكم النجاشى قد مات فصلوا عليه ~~فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة والنجاشى بالحبشه. ثم ~~قال ابن جرير بعد أن ساق روايات أخرى فى سبب نزول هذه الآيات والصواب فى ~~ذلك من القول عندى، أن الله - تعالى - وصف صفة قوم قالوا إنا نصارى، وأن ~~نبى الله صلى الله عليه وسلم يجدهم أقرب الناس مودة لأهل الإيمان بالله ~~ورسوله، ولم يسم لنا أسماءهم وقد يجوز أن يكون أريد بذلك أصحاب النجاشى ~~ويجوز أن يكون أريد به قوم كانوا على شريعة عيسى فأدركهم الإسلام ~~فأسلموا، لما سمعوا القرآن، وعرفوا أنه الحق، ms1634 ولم يستكبروا عنه ". فقوله ~~- تعالى - { لتجدن أشد الناس عداوة للذين ~~آمنوا اليهود والذين أشركوا } جملة مستأنفة لتقرير ما ~~قبلها من آيات سجلت على اليهود كثيرا من الصفات القبيحة والمسالك ~~الخبيثة. وقد أكد - سبحانه - هذه الجملة بلام القسم اعتناء ببيان تحقق ~~مضمونها، والخطاب للنبى - صلى الله عليه وسلم ويصح أن يكون لكل من يصلح ~~للخطاب للإيذان بأن حالهم لا تخفى على أحد من الناس. والمعنى أقسم لك يا ~~محمد بأنك عند مخالطتك للناس ودعوتهم إلى الدين الحق، ستجد أشدهم عداوة ~~لك ولأتباعك فريقين منهم وهما اليهود والذين أشركوا، لأن عداوتهم منشؤها ~~الحقد والحسد والعناد والغرور. وهذه الرذائل متى تمكنت فى النفس حالت ~~بينها وبين الهداية والإيمان بالحق. وقوله { أشد الناس } مفعول ~~أول لقوله { لتجدن } ومفعوله الثانى { اليهود } وقوله { عداوة } تمييز. ~~قال الآلوسى والظاهر أن المراد من اليهود العموم، أى من كان منهم بحضرة ~~الرسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود المدينة وغيرهم ويؤيده ما أخرجه ~~أبو الشيخ وابن مردويه عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " ما خلا يهودى بمسلم إلا هم بقتله " # وقيل المراد بهم يهود المدينة وفيه بعد، وكما اختلف فى عموم اليهود ~~اختلف فى عموم الذين أشركوا. والمراد من { الناس }. كما قال أبو حيان - ~~الكفار أى لتجدن أشد الكفار عداوة هؤلاء. ووصفهم - سبحانه - بذلك لشدة ~~كفرهم، وانهماكهم فى اتباع الهوى، وقربهم إلى التقليد، وبعدهم عن ~~التحقيق، وتمرنهم على التمرد والاستعصاء على الأنبياء، وقد قيل إن من ~~مذهب اليهود أنه يجب عليهم إيصال الشر إلى من يخالفهم فى الدين بأى طريق ~~كان وفى تقديم اليهود على المشركين إشعار بتقدمهم عليهم فى العداوة ". # وقوله { ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا ~~الذين قالوا إنا نصارى } معطوف على ما قبله لزيادة ~~التوضيح والبيان. أى لتجدن يا محمد أشد الناس عداوة لك ولأتباعك - اليهود ~~- والذين أشركوا. ولتجدن أقربهم مودة ومحبة لك ولأتباعك الذين قالوا إنا ~~نصارى. قال ابن كثير أى الذين زعموا أنهم نصارى من أتباع المسيح وعلى ~~منهاج ms1635 إنجيله فيهم مودة للإسلام وأهله فى الجملة وما ذاك إلا لما فى ~~قلوبهم - من لين عريكة - إذ كانوا على دين المسيح من الرقة والرأفة، كما ~~قال - تعالى - # وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ~~ورهبانية # وفى كتابهم " من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر " وليس القتال ~~مشروعا فى ملتهم. وقال الجمل فإن قلت كفر النصارى أشد من كفر اليهود لأن ~~النصارى ينازعون فى الألوهية فيدعون أن لله ولدا، واليهود ينازعون فى ~~النبوة فينكرون نبوة بعض الأنبياء فلم ذم اليهود ومدح النصارى؟ قلت هذا ~~مدح فى مقابلة ذم وليس مدحا على إطلاقه، وإيضا الكلام فى عداوة ~~المسلمين وقرب مودتهم لا فى شدة الكفر وضعفه. وقوله { ذلك بأن ~~منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون } ~~تعليل لقرب مودة النصارى للمؤمنين. والقسيسين جمع قسيس. وأصله من قس إذا ~~تتبع الشىء فطلبه، وهم علماء النصارى والمرشدون لهم. والرهبان جمع راهب ~~كركبان جمع راكب وتطلق كلمة رهبان على المفرد كما تطلق على الجمع، ~~والراهب هو الرجل العابد الزاهد المنصرف عن الدنيا، مأخوذ من الرهبة ~~بمعنى الخوف. يقال رهب فلان ربه يرهبه، أى خافه. والمعنى ولتجدن يا محمد ~~أقرب الناس مودة لك ولأتباعك الذين قالوا إنا نصارى، وذلك لأن منهم ~~القسيسين الذين يرغبون فى طلب العلم ويرشدون غيرهم إليه، ومنهم الرهبان ~~الذين تفرغوا لعبادة الله وانصرفوا عن ملاذ الدنيا وشهواتهم وأيضا فلأن ~~هؤلاء الذين قالوا إنا نصارى من صفاتهم أنهم لا يستكبرون عن اتباع الحق ~~والانقياد له إذا فهموه أو أنهم متواضعون وليسوا مغرورين أو متكبرين. وفى ~~ذلك تعريض باليهود والمشركين لأن غرورهم واستكبارهم جعلهم ينصرفون عن ~~الحق فاليهود يرون أنفسهم شعب الله المختار، وأن النبوة يجب أن تكون فيهم ~~والمشركون يرون أن النبوة يجب أن تكون فى أغنيائهم وزعمائهم، وقد حملهم ~~هذا الغرور على الكفر بالنبى صلى الله عليه وسلم لأنهم وجدوا أكثر أتباعه ~~من الفقراء. قال الآلوسى وفى الآية دليل على أن صفات التواضع والإقبال ~~على العلم والعمل والإعراض عن الشهوات محمودة أينما ms1636 كانت. ثم حكى - ~~سبحانه - ما كان منهم عند سماعهم لما أنزل الله - تعالى - على رسوله من ~~هدايات فقال { وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى ~~أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق } ~~والمراد بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم وبما أنزل إليه القرآن الكريم. # والجملة الكريمة معطوفة على قوله { وأنهم لا يستكبرون } ~~والضمير فى قوله { سمعوا } يعود على الذين قالوا إنا نصارى بعد أن ~~عرفوا الحق وآمنوا به. أى، أن من صفات هؤلاء الذين قالوا إنا نصارى زيادة ~~على ما تقدم، أنهم إذا سمعوا ما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من قرآن تأثرت قلوبهم. وخشعت نفوسهم وسالت الدموع من أعينهم بغزرة وكثرة ~~من أجل ما عرفوه من الحق الذى بينه لهم القرآن الكريم بعد أن كانوا ~~غافلين عنه. وفى التعبير عنهم بقوله { ترى } الدالة على الرؤية البصرية ~~والتى هى أقوى أسباب العلم الحسى، مبالغة فى مدحهم، حيث يراهم الرائى وهم ~~على تلك الصورة من رقة القلب وشدة التأثر عند سماع الحق. فلقد كانوا ~~يحسون أنهم فى ظلام وضلال فلما سمعوا الحق أشرقت له نفوسهم ودخلوا فى ~~نوره وهدايته وأعينهم تتدفق بالدموع من شدة تأثرهم به وحبهم له. وقوله { ~~تفيض } من الفيض وهو انصباب عن امتلاء يقال فاض الإناء إذا امتلأ حين ~~سال من جوانبه. وقد أجاد صاحب الكشاف فى تصوير هذا المعنى فقال فإن قلت ~~ما معنى قوله { تفيض من الدمع } قلت معناه تمتلئ من الدمع حتى ~~تفيض، لأن الفيض أن يمتلئ الإناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه. ~~فوضع الفيض الذى هو من الامتلاء موضع الامتلاء وهو من إقامة المسبب مقام ~~السبب، أو قصدت المبالغة فى وصفهم بالبكاء فجعلت أعينهم كأنها تفيض ~~بأنفسها. أى تسيل من الدمع من أجل البكاء من قولك دمعت عينه دمعا. فإن ~~قلت أى فرق بين من ومن فى قوله { مما عرفوا من الحق }؟ قلت ~~الأولى لابتداء الغاية على أن فيض الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق وكان ~~من ms1637 أجله وبسببه، والثانية لتبيين الموصول الذى هو ما عرفوا وتحتمل معنى ~~التبعيض على أنهم عرفوا بعض الحق، فأبكاهم وبلغ منهم فكيف إذا عرفوه كله ~~وقرأوا القرآن وأحاطوا بالسنة؟. ثم حكى - سبحانه - ما قالوه بعد سماعهم ~~للحق فقال { يقولون ربنآ آمنا فاكتبنا مع ~~الشاهدين }. أى يقولون بعد أن سمعوا الحق يا ربنا إننا آمنا بما ~~سمعنا إيمانا صادقا فاكتبنا مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم التى آمنت به ~~وشهدت بصدق رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وبصدق كل رسول أرسلته إلى ~~الناس ليخرجهم من الظلمات إلى النور. ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك عنهم ما ~~علمه منهم من إصرارهم على الدخول فى الدين الحق، فقال. { وما لنا لا ~~نؤمن بالله وما جآءنا من الحق ونطمع أن ~~يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين }. # فالآية الكريمة من تتمة قولهم. والاستفهام هنا لإنكار انتفاء الإيمان ~~منهم مع قيام موجباته، وظهور أماراته ووضوح أدلته وشواهده. والمعنى وأى ~~مانع يمنعنا من الإيمان بالله الواحد الأحد الفرد الصمد، وبما جاءنا على ~~لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من قرآن يهدى إلى الرشد ومن توجيهات ~~توصل إلى السعادة ونحن نطمع أن يدخلنا ربنا - بسبب إيماننا - مع القوم ~~الذين صلحت أنفسهم بالعقيدة السليمة، وبالعبادات الصحيحة وبالإخلاق ~~الفاضلة وهم أتباع هذا النبى الأمى محمد صلى الله عليه وسلم فأنت تراهم ~~بعد أن استمعوا إلى القرآن تأثرت نفوسهم به تأثرا شديدا فاضت معه ~~أعينهم بالدمع. ثم بعد ذلك التمسوا من الله - تعالى - أن يكتبهم مع الأمة ~~الإسلامية التى تشهد على غيرها يوم القيامة. ثم بعد ذلك استنكروا ~~واستبعدوا أن يعوقهم معوق عن الإيمان الصحيح مع قيام موجباته. وهذا كله ~~يدل على صفاء نفوسهم وطهارة قلوبهم ومسارعتهم إلى قبول الحق عند ظهوره ~~بدون تردد أو تقاعس وقولهم - كما حكى القرآن عنهم - { ونطمع أن ~~يدخلنا } يدل على قوة إيمانهم، وصدق يقينهم، لأنهم مع هذا الإقبال ~~الشديد على الدين الحق والمسارعة إلى العمل الصالح، لم يجزموا بحسن ~~عاقبتهم، بل التمسوا من الله - تعالى - الطمع ms1638 فى مغفرته، وفى أن يجعلهم ~~مع القوم الصالحين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وهكذا المؤمن الصادق ~~يستصغر عمله بجانب فضل الله ونعمه، ويقف من جزائه وثوابه - سبحانه - موقف ~~الخوف والرجاء. ولقد كان ما أعده الله - تعالى - لهؤلاء الأصفياء من ثواب ~~شيئا عظيما، عبر عنه - سبحانه - بقوله { فأثابهم الله بما ~~قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~وذلك جزآء المحسنين }. أى فكافأهم الله - تعالى - بسبب ~~أقوالهم الطيبة الدالة على إيمانهم وإخلاصهم، جنات تجرى من تحت بساتينها ~~وأشجارها الأنهار { خالدين فيها } أى باقين فى تلك الجنات بقاء لا ~~موت معه، { وذلك } العطاء الجزيل الذى منحه الله لهم { جزآء ~~المحسنين } أى المؤمنين المخلصين فى أقوالهم وأعمالهم. والمراد ~~بقوله { بما قالوا } ما سبق أن حكاه عنهم - سبحانه - من قولهم { ~~ربنآ آمنا فاكتبنا مع الشاهدين } ورتب الثواب المذكور ~~على القول لأنه قد سبق وصفهم بما يدل على إخلاصهم، وعلى صدق يقينهم، ~~والقول إذا اقترن بذلك فهو الإيمان. قال الآلوسى قوله { فأثابهم ~~الله بما قالوا } أى بسبب قولهم أو بالذى قالوه عن اعتقاد، فإن ~~القول إذا لم يقيد بالخلو عن الاعتقاد يكون المراد به المقارن له، كما ~~إذا قيل هذا قول فلان، لأن القول إنما يصدر عن صاحبه لإفادة الاعتقاد. ~~وقيل إن القول هنا مجاز عن الرأى والاعتقاد والمذهب كما يقال هذا قول ~~الامام الأعظم أى هذا مذهبه واعتقاده. # وذهب كثير من المفسرين إلى أن المراد بهذا القول قولهم { ربنآ ~~آمنا } وقولهم { وما لنا لا نؤمن }. وقد بينت هذه الآية ~~الكريمة أنه - سبحانه - قد أجابهم إلى ما طلبوا، بل أكبر مما طلبوا فقد ~~كانوا يطمعون فى أن يكونوا مع القوم الصالحين، وأن يكتبهم مع الشاهدين. ~~فأعطاهم - سبحانه - جنات تجرى من تحتها الأنهار. وسماهم محسنين. ~~والإحسان أعلى درجات الإيمان، وأكرم أوصاف المتقين. هذا جزاء الذين ~~سمعوا ما أنزل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فآمنوا به، وقالوا ما قالوا ~~مما يشهد بصفاء نفوسهم. أما الذين سمعوا فأعرضوا وجحدوا فقد بين - سبحانه ~~- مصيرهم السىء بقوله ms1639 { والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ ~~أولئك أصحاب الجحيم }. أى والذين كفروا وجحدوا الحق الذى ~~جاءهم، وكذبوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وصدق رسلنا فأولئك أصحاب ~~الجحيم، أى النار الشديدة الاتقاد. يقال جحم فلان النار إذا شدد إيقادها. ~~وبذلك نرى الآيات الكريمة قد مدحت أولئك الذين قالوا إنا نصارى، لأنهم ~~تأثروا بالقرآن عند سماعه فدخلوا فى الدين الحق بسرعة ورغبة، فأكرمهم ~~الله غاية الإكرام، وهذا ينطبق على كل نصرانى ينهج نهجهم، ويسلك مسلكهم، ~~فيدخل فى الدين الحق كما دخل هؤلاء المحسنون. أما الذين كفروا وكذبوا ~~بآيات الله وحججه فأولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير. ثم وجه - ~~سبحانه - نداء إلى المؤمنين نهاهم عن تحريم الطيبات التى أحلها الله لهم، ~~وأمرهم أن يتمتعوا بما رزقهم من رزق طيب حلال فقال - تعالى { يأيها ~~الذين... } ### || [5.87-88] # قال صاحب المنار بدأ الله - هذه السورة بآيات من أحكام الحلال والحرام ~~والنسك. ثم جاء بهذا السياق الطويل فى بيان أحوال أهل الكتاب ومحاجتهم، ~~فكان أوفى وأتم ما ورد فى القرآن من ذلك، ولم يتخلله إلا قليل من ~~الأحكام. وهاتان الآيتان وما بعدهما عود إلى أحكام الحلال والحرام والنسك ~~التى بدئت بها السورة. وإنما لم تجعل آيات الأحكام كلها فى أول السورة ~~وتجعل الآيات فى أهل الكتاب مفصلا بعضها ببعض فى باقيها. لما بيناه غير ~~مرة من حكمة مزج المسائل والموضوعات فى القرآن من حيث هو مثانى تتلى ~~دائما للاهتداء بها، لا كتابا فنيا ولا قانونا يتخذ لأجل مراجعة كل ~~مسألة من كل طائفة من المعانى فى باب معين. على أن نظمه وترتيب آياته ~~يدهش أصحاب الأفهام الدقيقة بحسنه وتنسيقه كما ترى فى مناسبة هاتين ~~الآيتين لما قبلهما مباشرة. ذلك أنه - تعالى - ذكر أن النصارى أقرب الناس ~~مودة للذين آمنوا وذكر من سبب ذلك أن منهم قسيسين ورهبانا فكان من مقتضى ~~هذا أن يرغب المؤمنون فى الرهبانية ويظن الميالون للتقشف والزهد أنها ~~مرتبة كما تقربهم إلى الله - تعالى - وهى إنما تتحقق بتحريم التمتع ~~بالطيبات. وقد أزال الله - تعالى - هذا الظن ms1640 وقطع طريق تلك الرغبة بقوله ~~{ يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ ~~أحل الله لكم }. هذا، وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هاتين ~~الآيتين روايات متعدة منها ما أخرجه الترمذى وابن جرير عن ابن عباس أن ~~رجلا أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال أنى إذا أكلت انتشرت للنساء، ~~وأخذتنى شهوتى فحرمت على اللحم. فأنزل الله - تعالى - { يأيها ~~الذين آمنوا لا تحرموا }. الآية. وأخرج ابن جرير عن عكرمة ~~قال، كان أناس من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم هموا بالخصاء وترك ~~اللحم والنساء، فنزلت هذه الآية { يأيها الذين آمنوا لا ~~تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم } وعن أبى قلابة قال ~~أراد أناس من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم أن يرفضوا الدنيا، ويتركوا ~~النساء ويترهبوا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فغلظ فيهم المقالة. ~~ثم قال # " إنما هلك من كان قبلكم بالتشديد شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، ~~فأولئك بقاياهم فى الديار والصوامع، واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ~~وحجوا واعتمروا واستقيموا " # قال ونزلت فيهم { يأيها الذين آمنوا لا تحرموا } ~~الآية وعن أبى طلحة عن ابن عباس قال نزلت هذه الآية فى رهط من أصحاب ~~النبى صلى الله عليه وسلم قالوا نقطع مذاكيرنا، ونترك شهوات الدنيا، ~~ونسيح فى الأرض كما تفعل الرهبان، فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم ~~فأرسل إليهم، فذكر لهم ذلك فقالوا نعم. # فقال النبى صلى الله عليه وسلم # " لكنى أصوم وأفطر، وأصلى وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتى فهو منى، ~~ومن لم يأخذ بسنتى فليس منى ". # وقد وجه سبحانه النداء للمؤمنين بوصف الإيمان لتحريك حرارة العقيدة فى ~~قلوبهم حتى يمتثلوا أوامر الله ونواهيه. والمراد بقوله { لا ~~تحرموا } لا تعتقدوا تحريم ما أحل الله لكم من طيبات بأن تأخذوا ~~على أنفسكم عهدا بعدم تناولها أو الانتفاع بها. فالنيه عن التحريم هنا ~~ليس منصبا على الترك المجرد. فقد ترك الإنسان بعض الطيبات لأسباب تتعلق ~~بالمرض أو غيره. وإنما هو منصب على اعتقاد أن هذه الطيبات يجب تركها ms1641 ~~ويأخذ الشخص على نفسه عهدا بذلك. والمراد بالطيبات الأشياء المستلذة ~~المستطابة المحللة التى تقوى بدن الإنسان وتعينه على الجهاد فى سبيل ~~الله، من طعام شهى، وشراب سائغ. وملبس جميل. والمعنى يأيها الذين آمنوا ~~بالله إيمانا حقا، لا تحرموا على أنفسكم شيا من الطيبات التى أحلها الله ~~لكم، فإنه - سبحانه - ما أحلها لكم إلا لما فيها من منافع وفوائد تعينكم ~~على شئون دينكم ودنياكم. وقوله { ولا تعتدوا } تأكيد للنهى ~~السابق. والتعدى معناه تجاوز الحدود التى شرعها الله - تعالى - عن طريق ~~الإسراف أو عن طريق التقتير. أو عن طريق الاعتداء على حق الغير أو عن ~~طريق يخالف ما شرعه الله - تعالى -. وقوله { إن الله لا يحب ~~المعتدين } فى موضع التعليل لما قبله. أى لا تحرموا - أيها ~~المؤمنون - على أنفسكم ما أحله الله لكم من طيبات ولا تتجاوزوا حدوده ~~بالإسراف. أو بالتقتير أو بتناول ما حرمه عليكم فإنه - سبحانه - لا يحب ~~الذين يتجاوزون حدود شريعته، وسنن فطرته. وهدى نبيه صلى الله عليه وسلم. ~~وبعد أن نهى - سبحانه - عن تحريم الطيبات أمر بتناولها والتمتع بها فقال ~~{ وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا ~~الله الذي أنتم به مؤمنون }. والأمر فى قوله { وكلوا ~~} للإباحة. وقيل إنه للندب. ويرى بعضهم أنه للوجوب لأن من الواجب على ~~المؤمن ألا يترك أمرا أباحه الله - تعالى - تركا مطلقا لأن هذا الترك ~~يكون من باب تحريم ما أحله الله. أى وكلوا - أيها المؤمنون - من الرزق ~~الحلال الطيب الذى رزقكم الله إياه، وتفضل عليكم به { واتقوا ~~الله الذي أنتم به مؤمنون } بأن تصونوا أنفسكم عن كل ما ~~يغضبه، وتلتزموا فى مأكلكم ومشربكم وملبسكم وسائر شئونكم حدود شريعته، ~~وتوجيهات رسوله صلى الله عليه وسلم. والمراد بالأكل هنا التمتع بألوان ~~الطيبات التى أحلها الله، فيدخل فيه الشرب مما كان حلالا، وكذلك يدخل فيه ~~كل ما أباحه - سبحانه - من متعة طيبة تميل إليها النفوس وتشتهيها. # وعبر عن مطلق التمتع بما أحله الله بالأكل، لأنه أعظم أنواع المتع، وأهم ~~ألوان منافع الإنسان التى عليها قوام ms1642 حياته. وقد زكى - سبحانه - طلب ~~التمتع بعطائه وخيره بأمور منها أنه جعله مما رزقهم إياه، وأنه وصفه ~~بكونه حلالا وليس محرما، وبكونه طيبا وليس خبيثا. والمأكول أو المشروب ~~أو غيرهما متى كان كذلك اتجهت نفس المؤمن إليه بارتياح وطمأنينة واجتهدت ~~فى الشكر لواهب النعم على ما أنعم وأعطى. قال الآلوسى قوله { وكلوا ~~مما رزقكم الله حلالا طيبا } أى كلوا ما حل لكم وطاب ~~مما رزقكم الله - تعالى - فحلالا مفعول به لكلوا. و { مما رزقكم ~~} حال منه وقد كان فى الأصل صفة له إلا أن صفة النكرة إذا قدمت صارت ~~حالا. والآية دليل لنا فى شمول الرزق للحلال والحرام إذ لو لم يقع الرزق ~~على الحرام لم يكن لذكر الحلال فائدة سوى التوكيد وهو خلاف الظاهر فى مثل ~~ذلك. وقوله { واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون } ~~استدعاء إلى التقوى وامتثال الوصية بوجه حسن. والآية ظاهرة فى أن أكل ~~اللذائذ لا ينافى التقوى. وقد أكل النبى صلى الله عليه وسلم ثريد اللحم ~~ومدحه وكان يحب الحلوى. وقال القرطبى قال علماؤنا فى هذه الآية وما ~~شابهها، والأحاديث الواردة فى معناها، رد على غلاة المتزهدين، وعلى كل ~~أهل البطالة من المتصوفين، إذ كل فريق منهم قد عدل عن طريقه، وحاد عن ~~تحقيقه. قال الطبرى لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شىء على نفسه مما أحل ~~الله لعباده المؤمنين من طيبات المطاعم والملابس والمناكح. ولذلك رد ~~النبى صلى الله عليه وسلم التبتل على ابن مظعون، فثبت أنه لا فضل في ترك ~~شىء مما أحله الله لعباده، وأن الفضل والبر إنما هو فى فعل ما ندب عباده ~~إليه وعمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنه لأمته، واتبعه على ~~منهاجه الأئمة الراشدون. وقد جاء رجل إلى الحسن البصرى فقال له إن لى ~~جارا لا يأكل الفالوذج فقال له ولم؟ قال يقول، لا يؤدى شكره. فقال الحسن ~~أفيشرب الماء البارد؟ قال نعم. فقال الحسن إن جارك جاهل، فإن نعمة الله ~~عليه فى الماء البارد أكثر من ms1643 نعمته عليه فى الفالوذج. والخلاصة أن هاتين ~~الآيتين تنهيان المؤمنين عن تحريم الطيبات التى أحلها الله لهم، ~~وتأمرانهم بالتمتع بها بدون إسراف أو تقتير مع خشيتهم لله - تعالى - ~~وشكره على ما وهبهم من نعم. وذلك لأن ترك هذه الطيبات يؤدى إلى ضعف ~~العقول والأجسام، والإسلام يريد من أتباعه أن يكونوا أقوياء فى عقولهم ~~وفى أجسامهم وفى سائر شئونهم، لأن المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من ~~المؤمن الضعيف - كما جاء فى الحديث الشريف. # ولأن دين الإسلام ليس دين رهبانية، وفى الحديث الشريف " إن الله لم ~~يبعثنى بالرهبانية " وإنما دين الإسلام دين عبادة وعمل، فهو لا يقطع ~~العابد عن الحياة، ولكنه يأمره أن يعيش عاملا فيها غير منقطع عنها. وإن ~~التفاصيل بين المؤمنين يكون باستقامة النفس، وسلامة العقبادة وكثرة إيصال ~~النفع للناس. ولا يكون بالانقطاع عن الدنيا، وتحريم طيباتها التى أحلها ~~الله - تعالى. وقد وردت آيات وأحاديث كثيرة تؤيد معنى هاتين الآيتين ~~الكريمتين. أما الآيات فمنها قوله - تعالى - # يابني ءادم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا ~~واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين # ومنها قوله - تعالى - # يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون # وأما الأحاديث فمنها ما أخرجه الشيخان عن أنس بن مالك قال # " جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبى صلى الله عليه وسلم يسألون عن ~~عبادته فلما أخبروا كأنهم تقالوها - أى عدوها قليلة - فقالوا وأين نحن من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال ~~أحدهم أما أنا فإنى أصلى الليل أبدا، وقال آخر أنا أصوم الدهر ولا أفطر. ~~وقال آخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم فقال أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إنى لأخشاكم لله ~~وأتقاكم له. لكنى أصوم وأفطر وأصلى وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتى ~~فليس منى ". # ورحم الله الحسن البصرى فقد قال إن الله - تعالى - أدب عباده فأحسن ~~أدبهم فقال ms1644 - تعالى - # لينفق ذو سعة من سعته # ما عاب قوما ما وسع عليهم الدنيا فتنعموا وأطاعوا، ولا عذر قوما زواها ~~عنهم فعصوه ". فعلى المؤمن أن يجتنب تحريم الطيبات التى أحلها الله له، ~~وأن يتمتع بها بدون إسراف أو تقتير، وأن يداوم على شكر الله على نعمه ~~وآلائه، وأن يجعل جانبا من هذه النعم للاحسان إلى الفقراء والمحتاجين. ~~قال الفخر الرازى لم يقل - سبحانه - وكلوا ما رزقكم الله، ولكن قال { ~~وكلوا مما رزقكم الله } وكلمة " من " للتبعيض. فكأنه قال ~~اقتصروا فى الأكل على البعض واصرفوا البقية إلى الصدقات والخيرات لأنه ~~إرشاد إلى ترك الإسراف كما قال # ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين # ثم بين - سبحانه - كفارة اليمين، وأمر المؤمنين بحفظ إيمانهم فلا يكثروا ~~منها، فقال - تعالى -. { لا يؤاخذكم الله باللغو... } ### || [5.89] # أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال لما نزلت # يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل ~~الله لكم # فى القوم الذين كانوا حرموا على أنفسهم النساء واللحم قالوا يا رسول ~~الله. كيف نصنع بأيماننا التى حلفنا عليها؟ فأنزل الله - تعالى - قوله { ~~لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } الآية واللغو من الكلام - ~~كما يقول الراغب ما لا يعتد به منه، وهو الذى يورد لا عن روية وفكر فيجرى ~~مجرى اللغا وهو صوت العصافير ونحوها من الطيور. وقد يسمى كل قبيح لغو. ~~قال - تعالى - # وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه # ولغو اليمين. أن يحلف الحالف على شىء يرى أنه صادق فيه ثم يتبين له خلاف ~~ذلك. ويرى بعضهم أن لغو اليمين هو الذى يجرى على اللسان بدون قصد، كقولك ~~لا والله ويلى والله. وقد رجح هذا القول ابن كثير فقال ما ملخصه. واللغو ~~فى اليمين هو قول الرجل فى الكلام من غير قصد لا والله وبلى والله وهو ~~مذهب الشافعى. وقيل هو فى الهزل. وقيل فى المعصية وقيل على غلبة الظن وهو ~~قول أبى حنيفة وأحمد والصحيح أنه اليمين من غير قصد بدليل قوله { ~~ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ms1645 الأيمان }. وقوله { ~~عقدتم } من العقد وهو الجميع بين أطراف الشىء لتوثيقه وهو نقيض ~~الحل وقرأ حمزة والكسائى { عقدتم } بالتخفيف. وقرأ ابن عامر " ~~عاقدتم ". والمراد بعقد الأيمان توكيدها وتوثيقها قصدا ونية. والمعنى لا ~~يؤاخذكم الله - أيها المؤمنون - فضلا منه وكرما على اللغو فى اليمين وهو ~~ما يجرى على ألسنتكم بدون قصد. ولكن يؤاخذكم بالعقوبة فى الآخرة أو بوجوب ~~الكفارة بتعقيدكم الأيمان وتوثيقها بالقصد والنية، إذا حنثتم فيها، بأن ~~تعمدتم الكذب فى إيمانكم. فالمراد بعدم المؤاخذة فى قوله { لا ~~يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } عدم المعاقبة فى ~~الدنيا بالكفارة ولا فى الآخرة بالعقوبة. والمراد بالمؤاخذة فى قوله { ~~ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } العقوبة ~~الأخروية عند جمهور الفقهاء ويرى الشافعى أن المراد بها الكفارة التى تجب ~~على الحانث. وقوله { في أيمانكم } متعلق باللغو. وما فى قوله { ~~بما عقدتم } مصدرية أى ولكن يؤاخذكم بتعقيدكم الأيمان وتوثيقها. ~~ويحتمل أن تكون موصولة والعائد محذوف. أى ولكن يؤاخذكم بالذى عقدتم ~~الأيمان عليه. وقوله { فكفارته إطعام عشرة مساكين ~~من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو ~~تحرير رقبة } بيان لكيفية الكفارة والضمير فى قوله فكفارته يعود ~~على الحنث الدال عليه سياق الكلام وإن لم يرج له ذكر. أى فكفارة الحنث. ~~ولا مانع من عودته إلى الحالف إذا حنث فى يمينه فيكون المعنى فكفارة ~~الحالف إذا حنث فى يمينه إطعام عشرة مساكين لأن الشخص الحانث فى يمينه هو ~~الذى يجب عليه التكفير عن حنثه. # والكفارة من الكفر بمعنى الستر، وهى اسم للفعلة التى من شأنها أن تكفر ~~الخطيئة، أى تسترها وتمحوها، لأن الشىء الممحى يكون كالشىء المستور الذى ~~لا يرى ولا يشاهد. وكلمة { أوسط } يرى بعضهم أنها بمعنى الأمثل ~~والأحسن. لأن لفظ الأوسط كثيرا ما يستعمل بهذا المعنى ومنه قوله - تعالى ~~{ قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون } أى ~~قال أحسنهم عقلا وأمثلهم فكرا ونظرا. ويرى آخرون أن الأوسط هنا بمعنى ~~المتوسط لأن هذا هو الغالب فى استعمال هذه الكلمة، أى يطعمهم لا من أفخر ~~أنواع الطعام ولا من ms1646 اردئه ولكن من الطعام الذى يطعم منه أهله فى الغالب. ~~والمعنى لقد تفضل الله عليكم - أيها المؤمنون - بأن رفع عنكم العقوبة ~~والكفارة فى الأيمان اللغو، ولكنه - سبحانه - يؤاخذكم بتعقيدكم الأيمان ~~وتوثيقها إذا ما حنثتم فيها ومتى حنث أحدكم فى يمينه، فمن الواجب عليه ~~لتكفير هذا اليمين ومحو إثمه أن يطعم عشرة مساكين طعاما يكون من متوسط ما ~~يطعم منه أهله فى الجودة والمقدار، أو أن يكسو هؤلاء المساكين العشرة ~~كساء مناسبا ساترا للبدن أو أن يحرر رقبة بأن يعتق عبدا من الرق فيجعله ~~حرا. قال الجمل ما ملخصه وقوله { فكفارته إطعام } مبتدأ ~~وخبر. وقوله إطعام مصدر مضاف لمفعوله، وهو مقدر بحرف وفعل مبنى للفاعل أى ~~فكفارته أن يطعم الحانث عشرة، وفاعل المصدر يحذف كثيرا. وقوله { من ~~أوسط } فى محل نصب مفعول ثان لإطعام ومفعوله الأول عشرة أى فكفارته ~~أن تطعموا عشرة مساكين إطعاما من أوسط ما تطعمون أهليكم.. وقوله { ما ~~تطعمون } مفعوله الأول أهليكم، ومفعوله الثانى محذوف أى " تطعمونه ~~أهليكم ". فأنت ترى أن الله - قد خبر الحانث فى يمينه بين أمور ثلاثة ~~يختار إحداها، فإذا لم يستطع إحداها، فقد بين سبحانه له حكما آخر فقال { ~~فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام }. أى فمن لم يجد ما ~~يكفر حنثه فى يمينه من إطعام أو كساء أو تحرير رقبة فعليه حينئذ أن يصوم ~~ثلاثة أيام، تطهيرا لنفسه، وتكفيرا عن ذنبه، وتقوية لإرادته وعزيمته. ~~واسم الإشارة فى قوله { ذلك كفارة أيمانكم إذا ~~حلفتم } يعود إلى المذكور من الإطعام والكساء وتحرير الرقبة ~~والصوم. أى ذلك الذى شرعناه لكم كفارة لأيمانكم إذا حلفتم وحنثتم فيها، ~~وخالفتم طريق الحق الذى أمركم الله تعالى باتباعه. وقوله { واحفظوا ~~أيمانكم } أمر من الله تعالى لعباده بأن يصونوا أنفسهم عن الحنث فى ~~أيمانهم، وعن الإكثار منها لغير ضرورة، فإن الإكثار من الحلف بغير ~~ضرورة يؤدى إلى قلة الحياء من الله تعالى. كما أن الحلف الكاذب يؤدى إلى ~~سخطه سبحانه على الحالف وبغضه له. # وقوله { كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم ms1647 ~~تشكرون } تذييل قصد به التذكير بنعم الله حتى يداوم الناس على شكرها ~~وطاعة واهبها عز وجل. أى مثل هذا البيان البديع الجامع لوجوه الخير ~~والفلاح، يبين الله لكم آياته المشتملة على الأحكام الميسرة، والتشريعات ~~الحكيمة، والهدايات الجليلة لعلكم بذلك تستمرون على شكر الله وطاعته، ~~وتواظبون على خشيته ومراقبته فتنالون ما وعدكم من فلاح وسعادة. هذا، ومن ~~الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى 1 - أن اليمين اللغو لا ~~مؤاخذة فيها. أى لا عقوبة عليها فى الآخرة ولا كفارة لها فى الدنيا لقوله ~~تعالى { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم }. ~~ونعنى بها - كما سبق أن أشرنا - أن يقول الرجل من غير قصد الحلف لا والله ~~وبلى والله. ومع هذا فمن الأفضل للمؤمن ألا يلجأ إلى الحلف إلا إذا كانت ~~هناك ضرورة تدعو لذلك لأن الإكثار من الحلف يسقط مهابة الإنسان، وقد ~~يفضى به إلى الاستهانة بالآداب الحميدة التى شرعها الله. قال تعالى # ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم ~~بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل ~~الله ولكم عذاب عظيم # 2 - أن اليمين التى يحلفها الحالف بالقصد والنية وهو كاذب فيها، يستحق ~~صاحبها العذاب الشديد من الله - تعالى -، وهى التى يسميها الفقهاء ~~باليمين الغموس، أى التى تغمس صاحبها فى النار - تعالى - { ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان }. أى بما صممتم عليه منها ~~وقصدتموه وأنتم حانثون فيها. قال القرطبى ما ملخصه خرج البخارى عن عبد ~~الله بن عمرو قال # " جاء أعرابى إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما ~~الكبائر؟ قال " الإشراك بالله. قال ثم ماذا؟ قال عقوق الوالدين. قال ثم ~~ماذا؟ قال اليمين الغموس " قلت وما اليمين الغموس؟ قال التى يقتطع بها ~~مال أمرئ مسلم وهو كاذب فيها ". # وخرج مسلم عن أبى أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه ~~الجنة. فقال رجل وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال صلى ms1648 الله عليه ~~وسلم وإن كان قضيبا من أراك ". # وقد اختلف فى اليمين الغموس فالذى عليه الجمهور أنها يمين مكر وخديعة ~~وكذب فلا تنعقد ولا كفارة فيها. لأن هذا الحالف قد جمع بين الكذب، ~~واستحلال مال الغير، والاستخفاف باليمين بالله. فأهان ما عظمه الله، وعظم ~~ما حقره الله، ولهذا قيل إنما سميت اليمين الغموس غموسا، لأنها تغمس ~~صاحبها فى النار. وقال الشافعى " هى يمين منعقدة، لأنها مكتسبة بالقلب، ~~معقودة بخبر، مقرونة باسم الله - تعالى -، وفيها الكفارة. # والصحيح الأول وهو قول مالك بن أنس ومن تبعه من أهل المدينة، وبه قال ~~الأوزاعى والثورى وأهل العراق وأحمد وإسحاق وأصحاب الحديث وأصحاب الرأى ~~من أهل الكوفة 3 - أن { أو } فى قوله - تعالى { فكفارته إطعام ~~عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو ~~كسوتهم أو تحرير رقبة } للتخيير. أى أن الحالف إذا حنث ~~فى يمينه فهو مخير بين واحد من أمور ثلاثة ليكفر عن يمينه التى حنث فيها. ~~وهذه الثلاثة هى الإطعام أو الكسوة، أو عتق الرقبة. فإذا لم يجد إحدى ~~هذه الكفارات الثلاث انتقل إلى الصوم. قال الفخر الرازى وأعلم أن الآية ~~دالة على أن الواجب فى كفارة اليمين أحد الأمور الثلاثة على التخيير، فإن ~~عجز عنها جميعا فالوجب شىء آخر وهو الصوم. ومعنى الواجب المخير أنه لا ~~يجب عليه الإتيان بكل واحد من هذه الثلاثة ولا يجوز له تركها جميعا. ~~ومتى أتى بأى واحد شاء من هذه الثلاثة فإنه يخرج عن العهدة. فإذا اجتمعت ~~هذه القيود الثلاثة فذاك هو الواجب المخير ". وللعلماء أقوال متعددة فى ~~الإطعام المطلوب لكفارة اليمين. قال القرطبى ما ملخصه قوله - تعالى - { ~~إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون ~~أهليكم } لابد عندنا - أى المالكية - وعند الشافعى من تمليك ما يخرج ~~لهم ودفعه إليهم حتى يتملكوه ويتصرفوا فيه. وقال أبو حنيفة لو غداهم ~~وعشاهم جاز. والأوسط هنا منزلة بين منزلتين ونصفا بين طرفين - أى يطعمهم ~~من غالب الطعام الذى يطعم منه أهله لا من أدناه حتى لا يبخس المساكين ~~حقهم ولا ms1649 من أعلاه حتى لا يتكلف ما يشق عليه -. والإطعام عند مالك مد ~~لكل واحد من المساكين العشرة. وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة يخرج من ~~البر نصف صاع، ومن التمر والشعير صاعا. أى يخرج ما يجب فى صدقه الفطر. ~~ولا يجوز عندنا دفع الكفارة إلى مسكين واحد وبه قال الشافعى، لأن الله - ~~تعالى - نص على العشرة فلا يجوز العدول عنهم، وأيضا فإن فيه إحياء جماعة ~~من المسلمين وكفايتهم يوما واحدا، فيتفرغون فيه لعبادة الله ولدعائه، ~~فغفر للمكفر بسبب ذلك. وقال أبو حنيفه يجزئه - أى إذا أطعم واحد عشر مرات ~~أغنى عن إطعام العشرة - لأن المقصود من الآية التعريف بقدر ما يطعم، فلو ~~دفع ذلك القدر لواحد أجزأه ". والكسوة التى تصلح لكفارة اليمين يلاحظ ~~فيها أن تكون سابغة فى الجملة وهى تختلف باختلاف الأزمان والأحوال. قال ~~الشافعى لو دفع إلى كل واحد من العشرة ما يصدق عليه اسم الكسوة - من قميص ~~أو سراويل - أجزأه ذلك. وقال مالك وأحمد لابد أن يدفع إلى كل واحد منهم ~~من الكسوة ما يصح أن يصلى فيه، إن كان رجلا أو امرأة كل بحسبه. # وقال أبو حنيفة الكسوة فى كفارة اليمين لكل مسكين ثوب وإزار. ولا تجزئ ~~القيمة عن الطعام والكسوة عند الشافعى. وقال أبو حنيفة تجزئ القيمة، لأن ~~الغرض سد حاجة المحتاج، وقد تكون القيمة أنفع له. والنوع الثالث الذى به ~~تكون كفارة اليمين تحرير رقبة أى إعتاقها من الرق، والمراد بالرقبة جملة ~~الإنسان. قال الرازى المراد بالرقبة الجملة قيل الأصل فى هذا المجاز أن ~~الأسير فى العرب كانت تجمع يداه إلى رقبته بحبل. فإذا أطلق حل ذلك الحبل. ~~فسمى الإطلاق من الرقبة فك الرقبة. ثم جرى ذلك على العتق. وقد أخذ ~~بإطلاقها أبو حنيفة فقال تجزئ الكافرة كما تجزئ المؤمنة. وقال الشافعى ~~وآخرون لابد أن تكون مؤمنة. فإن قيل أى فائدة فى تقديم الإطعام على ~~العتق مع أن العتق أفضل لا محالة؟ قلنا له وجوه. أحدها أن المقصود منه ~~التنبيه على أن هذه الكفارة ms1650 وجبت على التخيير لا على الترتيب، لأنها لو ~~وجبت على الترتيب لوجبت البداءة بالأغلظ. وثانيها قدم الإطعام لأنه ~~أسهل، لكون الطعام أعم وجودا، والمقصود منه التنبيه على أنه - تعالى - ~~يراعى التخفيف والتسهيل فى التكاليف. وثالثها أن الإطعام أفضل، لأن الحر ~~الفقير قد لا يجد الطعام، ولا يكون هناك من يعطيه الطعام فيقع فى الضر. ~~أما العبد فإنه يجب على مولاه إطعامه وكسوته. 4 - يرى مالك والشافعى أن ~~قوله تعالى { فصيام ثلاثة أيام } يصدق على الصيام المتتابع ~~والمتفرق، فلو صام الحالف ثلاثة أيام متفرقة أجزأه ذلك، لأن التتابع صفة ~~لا تجب إلا بنص أو قياس على منصوص وقد عدما. ويرى أبو حنيفة وأحمد صوم ~~الثلاثة أيام متتابعة، فقد قرأ أبى بن كعب وعبد الله بن مسعود " فصيام ~~ثلاثة أيام متتابعات " وقراءتهما لا تختلف عن روايتهما. وقال ابن كثير ~~واختلف العلماء هل يجب فيها التتابع أو يستحب ولا يجب ويجزئ التفريق؟ ~~قولان أحدهما لا يجب وهذا منصوص الشافعى فى كتاب الأيمان. وهو قول مالك، ~~لإطلاق قوله { فصيام ثلاثة أيام } وهو صادق على المجموعة ~~والمفرقة كما فى قضاء رمضان لقوله # فعدة من أيام أخر # ونص الشافعى فى موضع آخر فى الأم على وجوب التتابع كما هو مذهب الحنفية ~~والحنابلة لأنه قد روى عن أبى بن كعب وغيره أنه كان يقرؤها " فصيام ثلاثة ~~أيام متتابعات " وحكاها مجاهد والشعبى وأبو إسحاق عن عبد الله بن مسعود. ~~وهذه، إذا لم يثبت كونها قرآنا متواترا فلا أقل من أن يكون خبر واحد أو ~~تفسيرا من الصحابة وهو فى حكم المرفوع. وروى ابن مردويه عن ابن عباس قال ~~لما نزلت آية الكفارات قال حذيفة يا رسول الله نحن بالخيار؟ قال أنت ~~بالخيار. # إن شئت أعتقت. وإن شئت كسوت. وإن شئت أطعمت. فمن لم يجد فصيام ثلاثة ~~أيام متتابعات. ويبدو لنا أن الصيام المتتابع أفضل، لأن قراءة أبى وحديث ~~حذيفة يزكيانه، ولأنه رأى عدد كبير من الصحابة منهم عبد الله بن مسعود. 5 ~~- أخذ بعض العلماء من قوله - تعالى ms1651 { فكفارته إطعام عشرة ~~مساكين }... الخ. أن الكفارة لا تكون إلا بعد الحنث لأن السبب فى ~~الكفارة هو الحنث، وما دام لم يتحقق فإن لا كفارة. وقال آخرون يجوز أن ~~تتقدم الكفارة عند نية الحنث، وتقوم النية مقام الحنث بالفعل. وقد تكلم ~~عن هذه المسألة الإمام القرطبى فقال ما ملخصه اختلف العلماء فى تقديم ~~الكفارة على الحنث أتجزئ أم لا على ثلاثة أقوال أحدها يجزئ مطلقا وهو ~~مذهب أربعة وعشرين من الصحابة، وجمهور الفقهاء، وهو مشهور مذهب مالك، فقد ~~قال أبو موسى الأشعرى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " وإنى والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا ~~كفرت عن يمين وأتيت الذى هو خير " # رواه وأخرجه أبو داود. ومن جهة المعنى أن اليمين سبب الكفارة، لقوله - ~~تعالى { ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم } فأضاف ~~الكفارة إلى اليمين والمعانى تضاف إلى أسبابها. وأيضا فإن الكفارة بدل عن ~~البر فيجوز تقديمها قبل الحنث. وثانيها قال أبو حنيفة وأصحابه لا يجزئ ~~بوجه لما رواه مسلم عن عدى بن حاتم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول # " من حلف على يمين ثم رأى غيرها خيرا منها فليأت الذى هو خير - زاد ~~النسائى - وليكفر عن يمينه " # ومن جهة المعنى أن الكفارة إنما هى لرفع الإثم، وما لم يحنث لم يكن ~~هناك ما يرفع فلا معنى لفعلها. وأيضا فإن كل عبادة فعلت قبل وجوبها لم ~~تصح اعتبارا بالصلوات وسائر العبادات. وثالثها قال الشافعى تجزئ ~~بالإطعام والعتق والكسوة ولا تجزئ بالصوم لأن عمل البدن لا يقدم قبل ~~وقته. ويجزئ فى غير ذلك تقديم الكفارة ". 6 - أخذ العلماء من قوله - ~~تعالى - { واحفظوا أيمانكم } أن من الواجب على المؤمن أن يقلل ~~من الأيمان فلا يلجأ إليها إلا عند الضرورة، وأن يحرص على أن يكون صادقا ~~فيها حتى لا يحتاج إلى التكفير عنها وأن يبادر إلى التكفير عنها إذا كانت ~~المصلحة تستدعى الحنث فيها، لما سبق أن ذكره القرطبى من حديث أبى موسى ms1652 ~~الأشعرى وحديث عدى بن حاتم. ولما رواه الشيخان عن عبد الرحمن بن سمرة قال ~~قال النبى صلى الله عليه وسلم # " يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة فإنك إن أوتيتها عن مسألة ~~وكلت إليها، وأن أوتيتها عن غير مسألة أعنت عليها. وإذا حلفت على يمين ~~فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك وأت الذى هو خير ". # هذا " وقد ساق صاحب المنار فى نهاية تفسيره لهذه الآية بحوثا تتعلق ~~بالأيمان فقال ما ملخصه أ لا يجوز فى الإسلام الحلف بغير الله تعالى - ~~وأسمائه وصفاته، لما رواه الشيخان من حديث ابن عمر " من كان حالفا لا ~~يحلف إلا بالله " ورويا عنه أيضا أن النبى صلى الله عليه وسلم سمع رجلا ~~يحلف بأبيه فقال # " إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ~~ليصمت ". # روى أحمد والبخارى وأصحاب السنن عن ابن عمر أيضا قال كان أكثر ما يحلف ~~به النبى صلى الله عليه وسلم يحلف # " لا ومقلب القلوب ". # وهذه الأحاديث الصحيحة صريحة فى حظر الحلف بغير الله ويدخل النبى صلى ~~الله عليه وسلم فى عموم غير الله وكذلك الكعبة وسائر ما هو معظم شرعا ~~تعظيما يليق به. ب ثم قال ويجوز الحنث للمصلحة الراجحة فقد روى الشيخان ~~وأحمد عن عبد الرحمن بن سمرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا حلفت على يمين ورأيت غيرها خيرا منها فأت الذى هو خير وكفر عن ~~يمينك وفى رواية فكفر عن يمينك وأت الذى هو خير ". # وينقسم الحلف باعتبار المحلوف عليه إلى أقسام 1 - أن يحلف على فعل واجب ~~وترك حرام، فهذا تأكيد لما كلفه الله إياه فيحرم الحنث ويكون إثمه ~~مضاعفا. 2 - إن يحلف على ترك واجب أو فعل محرم، فهذا يجب عليه الحنث، ~~لأنه يمين معصية على ترك فريضة من الفرائض، أو حق من الحقوق الواجبة ~~عليه. 3 - أن يحلف على فعل مندوب أو ترك مكروه، فهذا طاعة فيندب له ~~الوفاء ويكره الحنث كذا قال بعضهم. والظاهر وجوب الوفاء ms1653 كما قالوا فى ~~النذر. 4 - أن يحلف على ترك مندوب أو فعل مكروه، فيستحب له الحنث ويكره ~~التمادى كذا قالوا. وظاهر الحديث وجوب الكفارة والحنث مطلقا. 5 - أن يحلف ~~على ترك مباح وقد اختلفوا فيه فقال ابن الصباغ إن ذلك يختلف باختلاف ~~الأحوال. أى أن الحالف يوازن بين مقدار الضرر الذى سيترتب على الاستمرار ~~فى الترك، والخير الذى يجلبه الحنث، فإن رجح أحدهما مضى فيه. ج - ثم قال ~~وقال شيخ الإسلام ابن تيمية الأيمان - بحسب صيغتها وأحكامها ثلاثة أقسام ~~أحدها ما ليس من أيمان المسلمين وهو الحلف بالمخلوقات كالكعبة والملائكة ~~والمشايخ والملوك والآباء ونحو ذلك، فهذه يمين غير منعقدة ولا كفارة فيها ~~باتفاق العلماء بل هى منهى عنها باتفاق أهل العلم والنهى نهى تحريم فى ~~أصح الأقوال. # ففى الحديث # " إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، ومن كان حالفا فليحلف بالله أو ~~ليصمت " # الثانى اليمين بالله كقول القائل والله لأفعلن كذا. فهذه يمين منعقدة ~~فيها الكفارة إذا حنث فيها باتفاق المسلمين. الثالث أيمان المسلمين التى ~~هى فى معنى الحلف بالله، ومقصود الحالف بها تعظيم الخالق لا الحلف ~~بالمخلوقات كالحلف بالنذر والطلاق والعتاق كقوله إن فعلت كذا فعلى صيام ~~شهر أو الحج إلى بيت الله. فهذه الأيمان للعلماء فيها أقوال أظهرها أنه ~~إذا حنث فيها لزمته كفارة يمين كما قال - تعالى - { ذلك كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم } وقال تعالى # قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم # د ثم ختم صاحب المنار مباحثه بقوله واليمين الغموس التى يهضم بها الحق ~~أو يقصد بها الغش والخيانة، لن يكفرها عتق ولا صدقة ولا صيام، بل لابد من ~~التوبة وأداء الحقوق والاستقامة. قال - تعالى - # ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم ~~بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل ~~الله ولكم عذاب عظيم # وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت للمؤمنين ما يجب عليهم إذا ما حنثوا فى ~~إيمانهم، وحضتهم على حفظ أيمانهم، لكى ينالوا من الله - تعالى - الرضا ~~والفلاح. وبعد أن نهى الله المؤمنين عن تحريم ما أحله ms1654 لهم، وأمرهم بأن ~~يتمتعوا بما رزقهم من خير بدون إسراف أو تقتير، وبين لهم حكم ما عقدوه من ~~أيمان بعد كل ذلك وجه - سبحانه - نداء ثانيا إليهم بين لهم فيه مضار ~~الخمر وأشباهها من الرذائل، وأمرهم باجتنابها، فقال تعالى { يأيها ~~الذين آمنوا... } ### || [5.90-92] # قال الفخر الرازى اعلم أن هذا النوع الثالث من الأحكام المذكورة فى هذا ~~الموضع - فقد أمر الله المؤمنين بعدم تحريم الطيبات ثم بين حكم الأيمان ~~المنعقدة. ووجه اتصال هذه الآيات بما قبلها أنه - تعالى - قال فيما تقدم # لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم # إلى قوله # وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا # ثم لما كان من جملة الأمور المستطابة الخمر والميسر، لا جرم أنه - تعالى ~~- بين أنهما غير داخلين فى المحلات بل فى المحرمات. والخمر - بمعنى ~~المصدر - هو الستر، ولذلك يقال لما يستر به الرأس عند النساء خمار. ~~والخمر - بمعنى الاسم - ما يخمر العقل ويستره، ويمنعه من التقدير السليم ~~قال القرطبى والخمر مأخوذة من خمر، إذا ستر، ومن خمار المرأة لأنه يستر ~~وجهها. وكل شىء غطى شيئا فقد خمره. ومنه خمروا آنيتكم أى غطوها. وقيل ~~إنما سميت الخمر خمرا، لأنها تركت حتى أدركت كما يقال قد اختمر العجين، ~~أى بلغ إدراكه، وخمر الرأى، أى ترك حتى يتبين فيه الوجه. وقيل إنما سميت ~~الخمر خمرا، لأنها تخالط العقل. من المخامرة وهى المخالطة. ومنه قولهم ~~دخلت فى خمار الناس - بفتح الخاء وضمها - أى اختلطت بهم. فالمعانى ~~الثالثة متقاربة، فالخمر تركت حتى أدركت، ثم خالطت العقل، ثم خمرته ~~والأصل الستر ". والميسر القمار - بكسر القاف - وهو فى الأصل مصدر ميمى ~~من يسر كالموعد من وعد. وهو مشتق من اليسر بمعنى السهولة، لأن المال ~~يجىء، للكاسب من غير جهد، أو هو مشتق من يسر بمعنى جزأ، ثم أصبح علما على ~~كل ما يتقامر عليه كالجزور ونحوه. قال القرطبى الميسر الجزور الذى كانوا ~~يتقامرون عليه، سمى ميسرا لأنه يجزأ أجزاء فكأنه موضوع التجزئة. وكل شىء ~~جزأته فقد يسرته. والياسر الجازر، لأنه يجزئ لحم ms1655 الجزور. ويقال للضاربين ~~بالقداح والمتقامرين على الجزور ياسرون لأنهم جازرون إذ كانوا سببا لذلك. ~~والمراد بالميسر ما يشمل كل كسب يجىء بطريق الحظ المبنى على المصادفة ~~فاللعب بالنرد على مال يسمى قمارا، واللعب بالشطرنج على مال يسمى قمارا ~~وهكذا ما يشبه ذلك من ألوان تمليك المال بالمخاطرة وبطريق الحظ المبنى ~~على المصادفة. وتحريم الميسر تحريم لذات الفعل. فالعمل فى ذاته حرام، ~~والكسب عن طريقه حرام. والأنصاب جمع نصب، وتطلق على الأصنام التى كانت ~~تنصب للعبادة لها أو على الحجارة التى كانت تخصص للذبح عليها تقربا ~~للأصنام. والأزلام جمع زلم. وهى السهام التى كانوا يتقاسمون بها الجزور ~~أو البقرة إذا ذبحت فسهم عليه واحد، وسهم اثنان وهكذا إلى عشرة. أو هى ~~السهام التى كانوا يكتبون على أحدها أمرنى ربى وعلى الآخر نهانى ربى، ~~ويتركون الثالث غفلا من الكتابة فإذا أرادوا سفرا أو حربا أو زواجا أو ~~غير ذلك، أتوا إلى بيت الأصنام واستقسموها، فإن خرج أمرنى ربى أقدموا على ~~ما يرونه، وإن خرج نهانى ربى أمسكوا عنه، وإن خرج الغفل أجالوها ثانية ~~حتى يخرج الآمر أو الناهى. # وقد نهى الله - تعالى - فى إوائل هذه السورة عن الاستقسام بالأزلام فقال # وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق # وقوله { رجس } أى قذر تأباه النفوس الكريمة والعقول السليمة لقذارته ~~ونجاسته. قال الفخر الرازى والرجس فى اللغة كل ما استقذر من عمل. يقال ~~رجس الرجل رجسا إذا عمل عملا قبيحا وأصله من الرجس - بفتح الراء - وهو ~~شدة الصوت. يقال سحاب رجاس إذا كان شديد الصوت بالرعد. فكأن الرجس هو ~~العمل الذى يكون قوى الدرجة كامل الرتبة فى القبح ". وقد ذكرالمفسرون فى ~~سبب نزول هذه الآيات روايات منها ما جاء فى صحيح مسلم عن سعد بن أبى وقاص ~~أنه قال نزلت فى آيات من القرآن، وفيه قال. وأتيت على نفر من الأنصار ~~فقالوا تعال نطعمك ونسقيك خمرا وذلك قبل أن تحرم الخمر - قال فأتيتهم فى ~~حش - أى بستان - فإذا رأس جزور مشوى عندهم وزق من خمر قال فأكلت ms1656 وشربت ~~معهم. قال فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم فقلت المهاجرون خير من ~~الأنصار. قال. فأخذ رجل - من الأنصار - لحى جمل فضربنى به فجرح أنفى، ~~فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأنزل الله - تعالى - { ~~يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه }.. الآيات. ومنها ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس قال نزل ~~تحريم الخمر فى قبيلتين من قبائل الأنصار. شربوا حتى ثملوا، فعبث بعضهم ~~ببعض، فلما أن صحوا، وجعل الرجل منهم يرى الأثر بوجهه ولحيته فيقول فعل ~~هذا بى أخى فلان - وكانوا إخوة ليس فى قلوبهم ضغائن - والله لو كان بى ~~رءوفا رحيما ما فعل بى هذا، حتى وقعت فى قلوبهم الضغائن فأنزل الله { ~~يأيها الذين آمنوا إنما الخمر } إلى قوله { فهل ~~أنتم منتهون }. والمعنى { يأيها الذين آمنوا } ~~إيمانا حقا. إنما تعاطى { الخمر } أى الشراب الذى يخامر العقل ~~ويخالطه ويمنعه من التفكير السليم { والميسر } أى القمار الذى عن ~~طريقه يكون تمليك المال بالحظ المبنى على المصادفة والمخاطرة { ~~والأنصاب } أى الحجارة التى تذبح عليها الحيوانا تقربا للأصنام. { ~~والأزلام } أى السهام التى عن طريقها يطلب الشخص معرفة ما قسم له من ~~خير أو شر. هذه الأنواع الأربعة { رجس من عمل الشيطان } أى ~~مستقذرة تعافها النفوس الكريمة، وتأباها العقول السليمة، لأنها من تزيين ~~الشيطان الذى هو عدو للإنسان، ولا يريد له إلا ما كان شيئا قبيحا. # قال - تعالى - # الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء # والفاء فى قوله { فاجتنبوه } للإفصاح، والضمير فيه يعود على ~~الرجس الذى هو خبر عن تلك الأمور الأربعة وهى الخمر والميسر والأنصاب ~~والأزلام. أى إذا كان تعاطى هذه الأشياء الأربعة رجسا وقذر ينأى عنه ~~العقلاء فاجتنبوه لعلكم بسبب هذا الاجتناب والترك لذلك الرجس تنالون ~~الفلاح والظفر فى دنياكم وآخرتكم. والنداء بقوله { يأيها الذين ~~آمنوا } عام لجميع المؤمنين، وقد ناداهم - سبحانه - بهذه الصيغة ~~لتحريك حرارة العقيدة فى قلوبهم حتى يستجيبوا لما نودوا من أجله، وهو ~~اجتناب تلك الرذائل وتركها تركا تاما. وقوله { رجس } خبر عن هذه ms1657 الرذائل ~~الأربعة. وصح الإخبار به - مع أنه مفرد - عن متعدد هو هذه الأربعة، لأنه ~~مصدر يستوى فيه القليل والكثير وشبيه بذلك قوله - تعالى - # إنما المشركون نجس # وقيل لأنه خبر عن الخمر، وخبر المعطوفات عليها محذوف ثقة بالمذكور. وقيل ~~لأن فى الكلام مضافا إلى تلك الأشياء، وهو خبر عنه. أى إنما شأن هذه ~~الأشياء أو تعاطيها رجس. وقوله { من عمل الشيطان } فى محل رفع ~~على أنه صفة لقوله { رجس } أى رجس كائن من عمل الشيطان، لأنه ناجم عن ~~تزيينه وتسويله، إذ هو خبيث والخبيث لا يدعو إلا إلى الخبيث فالمراد من ~~إضافة العمل إلى الشيطان المبالغة فى كمال قبح ذلك العمل. وعبر بقوله { ~~فاجتنبوه } للمبالغة فى الأمر بترك هذه الرذائل، فكأنه سبحانه يقول ~~لا آمركم فقط بترك الرذائل، بل آمركم أيضا بأن تكونوا أنتم فى جانب وهذه ~~المنكرات فى جانب آخر. فالأمر هنا منصب على الترك وعلى كل ما يؤدى إلى ~~اقتراف هذه المنكرات كمخالطة المرتكبين لها. وغشيان مجالسها. إلخ. ثم أكد ~~سبحانه تحريم الخمر والميسر ببيان مفاسدهما الدنيوية والدينية فقال تعالى ~~{ إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضآء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر ~~الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون }. أى { إنما ~~يريد الشيطان } بتزيينه المنكرات لكم { أن يوقع بينكم ~~العداوة والبغضآء } بأن يقطع ما بينكم من صلات، ويثير فى ~~نفوسكم الأحقاد والضغائن بسبب تعاطيكم للخمر والميسر، وذلك لأن شارب ~~الخمر إذا ما استولت الخمر على عقله أزالت رشده، وأفقدته وعيه، وتجعله قد ~~يسىء إلى من أحسن إليه، ويعتدى على صديقه وجليسه. وذلك يورث أشد ألوان ~~العداوة والبغضاء بين الناس. ولأن متعاطى الميسر كثيرا ما يخسر ماله على ~~مائدة الميسر. والمال كما نعلم شقيق الروح، فإذا ما خسره هذا المقامر صار ~~عدوا لمن سلب ماله منه عند المقامرة، وأصبح يضمر له السوء. وقد يؤدى به ~~الحال إلى قتله حتى يشفى غيظه منه، لأنه قد جعله فقيرا بائسا مجردا من ~~أمواله بعد أن كان مالكها وفى ذلك ما فيه من ms1658 تولد العداوة والبغضاء ~~وإيقاد نار الفتن والشرور بين الناس. # فقوله تعالى { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم ~~العداوة والبغضآء في الخمر والميسر } إشارة إلى ~~مفاسدهما الدنيوية. أما مفاسدهما الدينية فقد أشار إليها سبحانه بقوله { ~~ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة }. أى ويريد الشيطان ~~أيضا بسبب تعاطيكم للخمر والميسر - أن يصدكم أى يشغلكم ويمنعكم { عن ~~ذكر الله } أى عن طاعته ومراقبته والتقرب إليه { وعن الصلاة ~~} التى هى الركن الثانى من أركان الإسلام. وذلك لأن شارب الخمر يمنعه ما ~~حل به من نشوة كاذبة، ومن فقدان لرشده عن طاعة الله وعن أداء ما أوجبه ~~عليه من صلاة وغيرها. ولأن متعاطى الميسر بسبب استحلاله لكسب المال عن ~~هذا الطريق الخبيث، ويسبب فقدانه للعاطفة الدينية السليمة صار لا يفكر فى ~~القيام بما أوجبه الله عليه من عبادات. ورحم الله الآلوسى، فقد قال عنده ~~تفسيره لهذه الآية ووجه صد الشيطان لهم عن ذكر الله وعن الصلاة بسبب ~~تعاطيهم للخمر والميسر أن الخمر لغلبة السرور بها والطرب على النفوس. ~~والاستغراق فى الملاذ الجسمانية، تلهى عن ذكر الله - تعالى - وعن الصلاة. ~~وأن الميسر إن كان اللاعب به غالبا، انشرحت نفسه، وصده حب الغلب والقهر ~~والكسب عما ذكر، وإن كان مغلوبا حصل له من الانقباض والقهر ما يحثه على ~~الاحتيال لأن يصير غالبا فلا يخطر بقلبه غير ذلك. وقد شاهدنا كثيرا ممن ~~يلعب بالشطرنج يجرى بينهم من اللجاج والحلف الكاذب والغفلة عن ذكر الله ~~تعالى ما ينفر منه الفيل وتكبو له الفرس ويحار لشناعته الفهم وتسود رقعة ~~الأعمال. وجمع - سبحانه - الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام فى الآية ~~الأولى ثم أفردهما بالذكر فى هذه الآية، لأن الخطاب للمؤمنين، والمقصود ~~نهيهم عن الخمر والميسر، وإظهار أن هذه الأربعة متقاربة فى القبح ~~والمفسدة، أى أن مجىء الأنصاب والأزلام مع الخمر والميسر إنما هو لتقبيح ~~تعاطيهما، وتأكيد حرمتهما، حتى لكأن متعاطى الخمر والميسر يفعل أفعال أهل ~~الجاهلية، وأهل الشرك بالله - تعالى - وكأنه - كما يقول الزمخشرى - لا ~~مباينة بين من عبد صنما وأشرك ms1659 بالله فى علم الغيب، وبين من شرب خمرا أو ~~قامر. وخص الصلاة بالذكر مع أنها لون من ألوان ذكر الله، تعظيما لشأنها، ~~كما هو الحال فى ذكر الخاص بعد العام، وإشعارا بأن الصاد عنها كالصاد عن ~~الإيمان، لما أنها عماد الدين والفارق بين المسلم وبين الكافر. ~~والاستفهام فى قوله { فهل أنتم منتهون } لإنكار استمرارهم ~~على الخمر والميسر بعد أن بين لهم ما بين من مضارهما الدنيوية والدينية ~~ولحضهم على ترك تعاطيهما فورا، أى انتهوا سريعا عنهما فقد بينت لكم ما ~~يدعو إلى ذلك. # ولقد لبى الصحابة - رضى الله عنهم - هذا الأمر فقالوا " انتهينا يا رب ~~انتهينا يا رب " وألقوا ما عندهم من خمر فى طرقات المدينة. ثم أكد - ~~سبحانه - وجوب هذا الانتهاء بأن أمر بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم فقال { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ~~}. أى اجتنبوا - أيها المؤمنون - هذه الرذائل وانتهوا عنها فقد بينت لكم ~~مضارها، { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول } فى جميع ما ~~أمرا به ونهيا عنه { واحذروا } مخالفتهما، لأن مخالفة أوامرهما تؤدى ~~إلى الحسرة والخسران. وأمر - سبحانه - بطاعته وبطاعة رسوله مع أن طاعة ~~رسوله طاعة له - سبحانه - لتأكيد الدعوة إلى هذه الطاعة، ولتكريم الرسول ~~صلى الله عليه وسلم حيث جعلت طاعته مجاورة لطاعة الله - تعالى -. وقوله { ~~فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا ~~البلاغ المبين } تأكيد للتحذير السابق وتنبيه إلى سوء عاقبة ~~العاصين لأمر الله ورسوله. وجواب الشرط محذوف والتقدير أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول - أيها المؤمنون - واحذروا مخالفة أمرهما، فإن توليتم ~~وأعرضتم عن طاعتهما، فقد وقعتم فى الخطيئة وستعاقبون عليها عقابا شديدا، ~~واعلموا أنه ليس على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم سوى التبليغ الواضح ~~البين عن الله - تعالى - أما الحساب والجزاء، والثواب والعقاب فمن الله ~~وحده. فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد ذكرت أنواعا من التأكيدات، ~~وألوانا من التهديدات التى تدعو إلى اجتناب الخمر والميسر اجتنابا تاما ~~وتركهما تركا لا عودة بعده إليهما. وقد وضح صاحب الكشاف هذا المعنى بقوله ~~أكد - سبحانه - تحريم الخمر والميسر ms1660 بوجه من التأكيد. منها تصدير الجملة ~~بإنما. ومنها قرنهما بعبادة الأصنام، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم # " شارب الخمر كعابد الوثن ". # ومنها أنه جعلهما رجسا كما قال - تعالى # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # ومنها أنه جعلهما من عمل الشيطان، والشيطان، لا يأتى منه إلا الشر ~~البحت. ومنها أنه أمر بالاجتناب وظاهر الأمر للوجوب. ومنها أنه جعل ~~الاجتناب من الفلاح، وإذا كان الاجتناب فلاحا، كان الارتكاب خيبة ~~وخسرانا. ومنها أنه ذكر ما ينتج منهما من الوبال - وهو وقوع التعادى ~~والتباغض - وما يؤديان إليه من الصد عن ذكر الله وعن مراعاة أوقات ~~الصلاة. ومنها قوله { فهل أنتم منتهون } فهو من أبلغ ما ينهى ~~به، كأنه قيل قد تلى عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والموانع فهل أنتم ~~مع هذه الصوارف منتهون أم أنتم باقون على ما كنتم عليه، كأن لم توعظوا ~~ولم تزجروا ". هذا ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى ~~1 - أن هذه الآيات الكريمة هى آخر ما نزل فى القرآن الكريم لتحريم الخمر ~~تحريما قاطعا لأن التعبير بالانتهاء والأمر به فيه إشارة إلى تمهيدات ~~سابقة للتحريم. # قال القرطبى تحريم الخمر كان بتدريج ونوازل كثيرة. فإنهم كانوا مولعين ~~بشربها، وأول ما نزل في شأن الخمر قوله - تعالى - # يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم ~~كبير ومنافع للناس # أى فى تجارتهم. فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس وقالوا لا حاجة ~~فيما فيه إثم كبير، ولم يتركها بعض الناس. وقالوا نأخذ منفعتها ونترك ~~إثمها فنزلت هذه الآية # يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى # فتركها بعض الناس وقالوا لا حاجة فيما يشغلنا عن الصلاة وشربها بعض ~~الناس فى غير أوقات الصلاة، حتى نزلت { يأيها الذين آمنوا ~~إنما الخمر والميسر } الآية. فصارت حراما عليهم حتى صار ~~بعضهم يقول ما حرم الله شيئا أشد من الخمر ". وأخرج عبد بن حميد عن ~~الربيع أنه قال لما نزلت آية البقرة # يسألونك عن الخمر والميسر # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن ms1661 ربكم يقدم فى تحريم الخمر " # ، ثم نزلت آية فى سورة النساء # لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى # فقال صلى الله عليه وسلم # " إن ربكم يقدم فى تحريم الخمر " # ثم نزلت آية المائدة { يأيها الذين آمنوا إنما ~~الخمر والميسر } فحرمت عند ذلك. ولما سمع عمر قوله - تعالى - { ~~فهل أنتم منتهون } قال انتهينا يا رب. ولا شك فى أن تدرج ~~القرآن فى تحريم الخمر يدل دلالة واضحة على رحمة الله - تعالى - بعباده ~~المؤمنين وتربية حكيمة حتى يقلعوا عما تعودوه بسهولة ويسر وذلك لأن شرب ~~الخمر كان من العادات المتأصلة فى النفوس ويكفى للدلالة على حب العرب لها ~~قول أنس بن مالك حرمت الخمر ولم يكن للعرب عيش أعجب منها. وما حرم عليهم ~~شىء أشد عليهم من الخمر ". ولقد كان موقف الصحابة من هذا التحريم لما ~~يحبونه ويشتهونه، يمثل اسمى ألوان الطاعة والاستجابة لأمر الله - تعالى - ~~فعندما بلغهم تحريم الخمر أراقوا ما عندهم منها فى الطرقات، بل وحطموا ~~الأوانى التى كانت توضع فيها الخمر. أخرج البخارى عن أنس قال كنت ساقى ~~القوم فى منزل أبى طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ - أى نقيع البسر فأمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديا ينادى # " ألا إن الخمر قد حرمت ". # قال فقال لى أبو طلحة أخرج فأهرقها. قال فخرجت فهرقتها فجرت فى سكك ~~المدينة. وأخرج ابن جرير عن قتادة عن أنس بن مالك قال بينما أنا أدير ~~الكأس على أبى طلحة، وأبى عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل وسهيل بن بيضاء ~~وأبى دجانة حتى مالت رءوسهم من خليط بسر وتمر، فسمعنا مناديا ينادى إن ~~الخمر قد حرمت. # قال فما دخل علينا داخل ولا خرج، حتى أهرقنا الشراب، وكسرنا القلال، ~~وتوضا بعضنا، واغتسل بعضنا ثم خرجنا إلى المسجد وإذا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقرأ { يأيها الذين آمنوا إنما الخمر ~~والميسر }.. إلى قوله { فهل أنتم منتهون }. فقال رجل ~~لقتادة سمعته من أنس بن مالك؟ قال نعم وقال رجل لأنس أنت سمعته من رسول ~~الله صلى الله عليه ms1662 وسلم؟ قال نعم. وحدثنى من لم يكذب والله ما كنا نكذب، ~~ولا ندرى ما الكذب. وأخرج ابن جرير - أيضا - عن أبى بريدة عن أبيه قال ~~بينما نحن قعود على شراب لنا، ونحن نشرب الخمر حلا، إذ قمت حتى آتى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وقد نزل تحريم الخمر { يأيها ~~الذين آمنوا إنما الخمر والميسر }.. الآيات. فجئت ~~إلى أصحابى فقرأتها عليهم، إلى قوله { فهل أنتم منتهون } قال ~~وبعض القوم شربته فى يده قد شرب بعضا وبقي بعض الإناء، فقال بالإناء ~~تحت شفته العليا، كما يفعل الحجام. ثم صبوا ما فى باطيتهم، فقالوا ~~انتهينا ربنا، انتهينا ربنا ". وهكذا ترى أن قوة الإيمان التى غرسها ~~الإسلام فى نفوس اتباعه عن طريق تعاليمه الحكيمة وتربيته السامية. قد ~~تغلبت على ما أحبته النفوس وأزالت من القلوب ما ألفته الطبائع إلفا ~~شديدا 2 - أن كلمة خمر اسم خامر العقل وغطاه من الأشربة المسكرة سواء ~~كانت من عصير العنب، أم من الشعير، أم من التمر، أم من غير ذلك وكلها ~~سواء فى التحريم قل المشروب منها أو كثر، سكر شاربها أو لم يسكر، وأن على ~~الشارب حد الشرب فى الجميع. وبهذا القول قال جمهور العلماء ومن أدلتهم ~~النقلية ما أخرجه البخارى عن ابن عمر قال خطب عمر على منبر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال إنه قد نزل تحريم الخمر وهى خمسة أشياء " العنب ~~والتمر والحنطة والشعير والعسل والخمر ما خامر العقل ". وأخرج أيضا عن ~~عائشة قالت # " سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم عن البتع - وهو نبيذ العسل - وكان ~~أهل اليمن يشربونه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كل ما أسكر فهو ~~حرام ". # وأخرج كذلك عن أنس قال " حرمت علينا الخمر حين حرمت وما نجد - يعنى ~~بالمدينة - خمر الأعناب إلا قليلا، وعامة خمرنا البسر والتمر ". فهذه ~~الأحاديث الصحيحة صريحة فى أن ما أسكر من هذه الأشربة المأخوذة من التمر ~~أو الحنطة أو الشعير أو العنب يسمى خمرا. ومن أدلتهم العقلية أصل ms1663 ~~الاشتقاق اللغوى لكلمة خمر، فقد عرفنا أنها سميت بهذا الاسم لمخامرتها ~~العقل وستره، فكل ما خامر العقل من الأشربة وجب أن يطلق عليه لفظ خمر ~~سواء أكان من العنب أم من غيره. # ويرى الأحناف ووافقهم بعض العلماء كإبراهيم النخعى، وسفيان الثورى، وابن ~~أبى ليلى أن كلمة خمر لا تطلق إلا على الشراب المسكر من عصير العنب فقط. ~~أما المسكر من غيره كالشراب الذى من التمر والشعير فلا يسمى خمرا بل يسمى ~~نبيذا. ومن حججهم أن الخمر حرمت ولم يكن العرب يعرفون الخمر فى غير ~~المأخوذ من ماء العنب، فالخمر عندهم اسم لهذا النوع فقط. وما وجد فيه ~~مخامرة للعقل من غير هذا النوع لا يسمى خمرا لأن اللغة لا تثبت من طريق ~~القياس. وقد ورد عن ابن عمر أنه قال " حرمت الخمر وما بالمدينة منها شىء ~~". ولقد كان بالمدينة من المسكرات نقيع التمر والبسر، فدل على أن ابن عمر ~~- وهو عربى - ما كان يرى أن اسم الخمر يتناول هذين. ويقول الأحناف ومن ~~وافقهم إن الأحاديث التى استشهد بها الجمهور على أن الخمر اسم لكل مسكر ~~من عصير العنب أو غيره هذه الأحاديث لبيان الحكم الشرعى، والحرمة بالقياس ~~لتحقيق علة الحرمة وهى الإسكار فى القدر المسكر من هذه الأشياء. وقد ~~ابتنى على هذا الخلاف بين الجمهور والأحناف أحكام أخرى تتعلق بنجاسة هذه ~~الأشياء، وبوجوب إقامة الحد على شاربها.. إلخ وتفصيل هذه الأحكام يرجع ~~فيه إلى الكتب الفقه وأصوله. هذا، وقد رجح المحققون من العلماء ما ذهب ~~إليه الجمهور وضعفوا ما ذهب إليه الأحناف ومن وافقهم. قال ابن العربى ~~وتعلق أبو حنيفة بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة فلا يلتفت إليها والصحيح ~~ما رواه الأئمة أن أنسا قال " حرمت الخمر يوم حرمت وما بالمدينة خمر ~~الأعناب إلا القليل، وعامة خمرها البسر والتمر ". واتفق الأئمة على رواية ~~أن الصحابة إذ حرمت الخمر لم يكن عندهم يؤمئذ خمر عنب وإنما كانوا يشربون ~~خمر النبيذ فكسروا دنانهم - أى أوانى الخمر - وبادروا إلى الامتثال ~~لاعتقادهم أن ms1664 ذلك كله خمر - أى وأقرهم رسول الله على لذلك. وقال الآلوسى ~~وعندى أن الحق الذى لا ينبغى العدول عنه، أن الشراب المتخذ مما عدا العنب ~~كيف كان وبأى اسم سمى متى كان بحيث يسكر من لم يتعوده فهو حرام، وقليله ~~ككثيره، ويحد شاربه ويقع طلاقه، ونجاسته غليظة. وفى الصحيحين أنه صلى ~~الله عليه وسلم سئل عن النقيع - وهو نبيذ العسل - فقال # " كل شراب أسكر فهو حرام ". # وروى أبو داود " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر ". ~~وصح عنه صلى الله عليه وسلم # " ما أسكر كثيره فقليله حرام " # والأحاديث متضافرة على ذلك. ولعمرى إن اجتماع الفساق فى زماننا على شرب ~~المسكرات مما عدا الخمر، ورغبتهم فيها، فوق اجتماعهم على شرب الخمر ~~ورغبتهم فيه بكثير. وقد وضعوا لها أسماء - كالعنبرية والأكسير - ونحوهما، ~~ظنا منهم أن هذه الأسماء تخرجها من الحرمة، وتبيح شربها للأمة - وهيهات ~~هيهات - فالأمر وراء ما يظنون وإنا لله وإنا إليه راجعون. 3 - قال ~~القرطبى ما ملخصه " فهم الجمهور من تحريم الخمر، واستخباث الشرع لها، ~~وإطلاق الرجس عليها، والأمر باجتنابها، الحكم بنجاستها. وخالفهم فى ذلك - ~~ربيعة والليث بن سعد والمزنى صاحب الشافعى. وبعض المتأخرين من البغدادين ~~والقرويين فرأوا أنها طاهرة وأن المحرم إنما هو شربها. والصحيح ما عليه ~~الجمهور لأن وصفها بأنها { رجس } يدل على نجاستها فإن الرجس فى اللسان ~~النجاسة. وقوله { فاجتنبوه } يقتضى الاجتناب المطلق الذى لا ينتفع ~~معه بشىء بوجه من الوجوه وعلى هذا تدل الأحاديث الواردة فى هذا الباب. ~~روى مسلم عن ابن عباس # " أن رجلا أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم راوية خمر، - أى قربة خمر ~~- فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " هل علمت أن الله حرمها " قال ~~لا. قال فسار رجلا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " بم ساررته ~~"؟ قال أمرته أن يبيعها، فقال " إن الذى حرم شربها حرم بيعها ". # ثم قال القرطبى وهذه الآيات تدل على أن كل لهو دعا قليله إلى كثيره، ~~وأوقع العداوة ms1665 والبغضاء بين العاكفين عليه، وصد عن ذكر الله وعن الصلاة ~~فهو كشرب الخمر، ووجب أن يكون حراما مثله. 4 - هذه الآيات الكريمة تدل ~~على تأكيد تحريم الخمر وما ذكر معها من رذائل، كما تدل على تحريم ما تؤدى ~~إليه من مفاسد ومضار، وما يحيق بمرتكبها من سوء عاقبة. وقد ساق ابن كثير ~~عند تفسير لهذه الآيات جملة من الأحاديث فى هذا المعنى، ومن هذه الأحاديث ~~ما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر قال # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعنت الخمر على عشرة أوجه " لعنت ~~الخمر بعينها، وشاربها، وساقيها وبائعها ومبتاعها، وعاصرها ومعتصرها، ~~وحاملها والمحمولة إليه، وآكل ثمنها ". # وقال ابن وهب - قال عبد الله بن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة العاق لوالديه، والمدمن الخمر، ~~والمنان بما أعطى ". # وروى أبو داود عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم قال # " كل مخمر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب مسكرا بخست صلاته أربعين صباحا، ~~فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد الرابعة كان حقا على الله أن يسقيه من ~~طينة الخبال، قيل وما طينة الخبال يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم ~~صديد أهل النار ". # هذا جانب من الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآيات الكريمة، ومن ~~الأحاديث التى وردت فى حرمة الخمر وفى سوء مصير شاربها. وقد أتبع - ~~سبحانه - ذلك ببيان حكم من شربها ومات قبل أن ينزل تحريمها فقال - تعالى ~~- { ليس على الذين آمنوا وعملوا... } ### || [5.93] # روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات متقاربة فى معناها، ومن ذلك ~~ما رواه الترمذى عن البراء بن عازب قال مات ناس من أصحاب النبى صلى الله ~~عليه وسلم وهم يشربون الخمر. فلما نزل تحريمها قال ناس من أصحاب الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها قال فنزلت { ~~ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات } الآية. وعن ~~ابن عباس قال قالوا يا رسول الله، أرأيت الذين ماتوا ms1666 وهم يشربون الخمر " ~~لما نزل تحريم الخمر " فنزلت { ليس على الذين آمنوا } الآية. ~~وروى الإمام أحمد من حديث أبى هريرة أنه بعد أن نزل قوله - تعالى - # يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر # الآيات، قال الناس يا رسول الله، ناس قتلوا فى سبيل الله أو ماتوا على ~~فرشهم، كانوا يشربون الخمر ويأكلون مال الميسر وقد جعله الله رجسا ومن ~~عمل الشيطان؟ فأنزل الله - تعالى - { ليس على الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } الآية. قال ~~القرطبى وهذه الآية وتلك الأحاديث نظير سؤالهم عمن مات إلى القبلة الأولى ~~فنزلت # وما كان الله ليضيع إيمانكم # ومن فعل ما أبيح له حتى مات على فعله لم يكن له ولا عليه شىء، لا إثم ~~ولا مؤاخذة ولا ذم ولا أجر ولا مدح، لأن المباح مستوى الطرفين بالنسبة ~~إلى الشرع، وعلى هذا فما كان ينبغى أن يتخوف ولا يسأل عن حال من مات ~~والخمر فى بطنه وقت إباحتها، فإما أن يكون ذلك القائل غفل عن دليل ~~الإباحة فلم يخطر له، أو يكون لغلبة خوفه من الله - تعالى - وشفقته على ~~إخوانه المؤمنين توهم مؤاخذة ومعاقبة لأجل شرب الخمر المتقدم، فرفع الله ~~التوهم بقوله { ليس على الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جناح فيما طعموا } الآية. وقال الآلوسى وقيل إن ~~هذه الآية نزلت فى القوم الذين حرموا على أنفسهم اللحوم وسلكوا طريق ~~الترهب كعثمان بن مظعون وغيره والأول هو المختار ". وقوله - تعالى - { ~~فيما طعموا } أى ذاقوا، مأخوذ من الطعم - بالفتح - وهو تذوق الشىء ~~والتلذذ به، سواء أكان مأكولا أم مشروبا وهو المراد هنا. قال القرطبى ~~وأصل هذه الكلمة فى الأكل. يقال طعم الطعام وشرب الشراب لكن قد تجوز فى ~~ذلك فيقال لم أطعم خبزا ولا ماء ولا نوما ". والمعنى { ليس على ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح } أى حرج أو إثم { ~~فيما طعموا } أى فيما تناولوه من خمر أو ما يشبهها من محرمات قبل ~~أن يحرمها الله - تعالى - وكذلك لا إثم ولا حرج على من مات قبل التحريم. # وقوله { إذا ما ms1667 اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات } ~~تحريض للمؤمنين على الأزدياد من الإيمان والتقوى والعمل الصالح. أى إذا ~~ما اتقوا الله وخافوه وتلقوا أوامره بالقبول، وثبتوا على الإيمان، ~~وأكثروا من الأعمال الصالحات. وقوله { ثم اتقوا وآمنوا } ~~معطوف على ما قبله. أى ثم استمروا على تقواهم وامتلاء قلوبهم بخشية الله، ~~والإيمان الحق به - سبحانه - فتكرير التقوى والإيمان هنا لبيان أنه يجب ~~استمرارهم ومواظبتهم على ذلك، مع تمسكهم بما يقتضيه الإيمان والتقوى من ~~فعل الخير وابتعاد عن الشر. وقوله { ثم اتقوا وأحسنوا } ~~معطوف على ما قبله - أيضا - لتأكيد معنى الاستمرار على هذه التقوى طول ~~مدة حياتهم مع إحسانهم إلى أنفسهم بالإكثار من العمل الصالح، وإلى غيرهم ~~بما يستطيعونه من إسداء الخير إليه. وقوله { والله يحب ~~المحسنين } تذييل قصد به تأكيد ما قبله من الحض على الإيمان ~~والتقوى والإحسان، ومدح المتمسكين بتلك الصفات الحميدة. أى والله - ~~تعالى - يحب المحسنين إلى أنفسهم بإلزامهم بالوقوف عند حدود الله، ~~والاستجابة له فيما أمر أو نهى أو أحل أو حرم يرغبة ومسارعة، وإلى غيرهم ~~بمد يد العون إليهم. فالآية الكريمة من مقاصدها بيان جانب من مظاهر رحمة ~~الله بعباده، ورأفته بهم حيث بين لهم أن من شرب الخمر أو لعب الميسر أو ~~فعل ما يشبههما من محرمات، ثم مات قبل أن ينزل الأمر بتحريم هذه الأشياء ~~فإن الله - تعالى - لا يؤاخذه على ذلك. لأن المؤاخذة على الفعل تبدأ من ~~وقت تحريمه لا من قبل تحريمه. وكذلك الحال بالنسبة لمن وقع فى هذه ~~الأشياء قبل أن تحرم فإن الله لا يؤاخذه عليها، وإنما يؤاخذه عليها بعد ~~نزول تحريمها وهذا من فضل الله على عباده، ورحمته بهم. هذا، وقد تعددت ~~أقوال المفسرين حول مسألتين تتعلقان بهذه الآية الكريمة. أما المسألة ~~الأولى فهى كيف شرط الله في رفع الجناح أى الإثم عن المطعومات ~~والمشروبات الإيمان والتقوى، مع أن الجناح مرفوع عن المباح من هذه ~~الأشياء حتى عن الكافرين؟ وقد قالوا فى الإجابة على ذلك إن تعليق نفى ~~الجناح أى الإثم بهذه الأحوال ليس ms1668 على سبيل اشتراطها فإن نفى الإثم عن ~~الذى يتناول المباح قبل أن يحرم لا يشترط بشرط، وإنما تعليق نفى الجناح ~~بهذه الأحوال - وهى التقوى والإيمان - وارد على سبيل المدح لهم، والثناء ~~عليهم والدلالة على أنهم جديرون بهذه الصفات، ولإدخال الطمأنينة على ~~قلوبهم حتى يوقنوا بأن من تعاطى شيئا من المحرمات قبل تحريمها فلا ~~يؤاخذه الله على ذلك، وإنما يؤاخذه إذا تعاطاهاه بعد تحريمها. وإلى هذا ~~المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله " قيل لما نزل تحريم الخمر قالت الصحابة ~~يا رسول الله!! كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون مال ~~الميسر؟ فنزلت الآية { ليس على الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جناح }. # . إلخ يعنى أن المؤمنين لا جناح عليهم فى أى شىء طعموه من المباحات إذا ~~ما اتقوا المحارم، ثم اتقوا وآمنوا وأحسنوا، على معنى أن أولئك كانوا على ~~هذه الصفة ثناء عليهم وحمدا لأحوالهم فى الإيمان والتقوى والإحسان. ~~ومثاله أن يقال لك هل على زيد جناح فيما فعل؟ فتقول وقد علمت أن ذلك أمر ~~مباح ليس على أحد جناح فى المباح إذا اتقى المحارم، وكان مؤمنا محسنا. ~~تريد أن زيدا تقى مؤمن محسن، وأنه غير مؤاخذ بما فعل ". وقال أبو السعود ~~ما ملخصه ما عدا اتقاء المحرمات من الصفات الجميلة المذكورة، لا دخل لها ~~فى انتفاء الجناح. وإنما ذكرت فى حيز { إذا } شهادة باتصاف الذين سألوا ~~عن حالهم بها، ومدحا لهم بذلك، وحمدا لأحوالهم. فكأنه قيل ليس عليهم ~~جناح فيما طعموه إذا كانوا فى طاعته تعالى مع ما لهم من الصفات الحميدة ~~بحيث كلما أمروا بشىء تلقوه بالامتثال، وإنما كننوا يتعاطون الخمر ~~والميسر فى حياتهم لعدم تحريمها إذ ذاك، ولو حرما فى عصرهم لا تقوهما ~~بالمرة ". وأما المسألة الثانية التى كثرت أقوال المفسرين فيها فهى تكرار ~~التقوى مرة مع الإيمان والعمل الصالح. ومرة مع الإيمان ومرة مع ~~الإحسان؟ وقد ذكر القرطبى فى ذلك أربعة أقوال فقال الأول أنه ليس فى ذكر ~~التقوى تكرار، والمعنى اتقوا شربها وآمنوا بتحريمها، أو دام اتقاؤهم ~~وإيمانهم، ms1669 أو على معنى إضافة الإحسان إلى الاتقاء. والثانى اتقوا قبل ~~التحريم فى غيرها من المحرمات، ثم اتقوا بعد تحريمها شربها، ثم اتقوا ~~فيما بقى من أعمالهم وأحسنوا العمل. الثالث اتقوا الشرك وآمنوا بالله ~~ورسوله، والمعنى الثانى ثم اتقوا الكبائر، وازدادوا إيمانا، والمعنى ~~الثالث، ثم اتقوا الصغائر وأحسنوا أى تنفلوا. الرابع قال ابن جرير ~~الاتقاء الأول هو الاتقاء بتلقى أمر الله بالقبول والتصديق، والدينونة به ~~العمل. والاتقاء الثانى الاتقاء بالثبات على التصديق، والثالث الاتقاء ~~بالإحسان والتقرب بالنوافل ". والذى يبدو لنا أن ما قاله ابن جرير أقرب ~~إلى الصواب، وأن تكرير التقوى إنما هو لتأكيد وجوب امتلاء قلب المؤمن ~~بها، واستمراره على ذلك حتى يلقى الله. فإن المؤمن بمداومته على خشيته - ~~سبحانه - يتدرج من الكمال إلى الأكمل حتى يصل فى إيمانه وتقواه إلى مرتبة ~~الإحسان التى ترفعه إلى أعلى عليين، والتى عرفها النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - بقوله # " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". # ولقد بين لنا القرآن فى مواطن كثيرة أن المؤمن يقوى إيمانه ويزداد، ~~بكثرة تدبره ما أنزله الله من شرائع وهدايات. ومن ذلك قوله - تعالى - # وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم ~~إيمانا وهم يستبشرون. وأما الذين في قلوبهم ~~مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم ~~كافرون # وقال تعالى - # وما جعلنآ أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا ~~عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن ~~الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا ~~إيمانا # وبذلك نرى الآية الكريمة قد طمأنت المؤمنين إلى أن الله - تعالى - لن ~~يؤاخذهم بما تعاطوه من محرمات قبل تحريمها. وأن الواجب عليهم أن يستمروا ~~على مراقبتهم له، وخشيتهم منه حتى لقوه - عز وجل -. وبعد أن حذر الله - ~~تعالى - المؤمنين من تعاطى المنكرات كالخمر والميسر وبين لهم حكم من ~~الآيات قبل تحريم هذه الأشياء بعد كل ذلك بين - سبحانه - بشىء من التفصيل ~~بعض الأحكام التى تتعلق بالصيد فقال - تعالى - { يأيها الذين ~~آمنوا... } ### || [5.94] # قال الآلوسى هذه ms1670 الآية - كما خرج ابن أبى حاتم عن مقاتل بن حيان - نزلت ~~فى عمرة الحديبية، حيث ابتلاهم الله - تعالى - بالصيد وهم محرمون، فكانت ~~الوحوش تغشاهم فى رحالهم، وكانوا متمكنين من صيدها أخذا بأيديهم وطعنا ~~برماحهم فهموا بأخذها فنزلت. وقوله { ليبلونكم } أى ليخبرنكم ~~وليمتحننكم من الابتلاء بمعنى الاختبار والامتحان. ولفظ الصيد فى قوله { ~~من الصيد } مصدر بمعنى المصيد أى ما يصطادونه. والمعنى يا أيها ~~الذين آمنوا ليختبرن الله - سبحانه - إيمانكم ومبلغ قوته بأن يرسل إليكم ~~وأنتم محرمون شيئا من الصيد الذى تحبونه، بحيث يكون فى متناول أيديكم ~~ورماحكم. وقوله { ليبلونكم الله } جواب قسم محذوف والتقدير ~~والله ليعاملنكم سبحانه معاملة المختبر ليتبين المطيع من العاصى. وأكد ~~سبحانه - هذا الخبر بلام القسم ونون التوكيد للإشارة إلى أهمية هذا ~~الاختبار حتى يسارعوا إلى طاعته - سبحانه - وامتثال أمره. والتنوين فى ~~قوله { بشيء } للتقليل والتحقير. وإنما امتحنوا بهذا الشىء الصغير، ~~تنبيها إلى أن من لم يثبت ويعصم نفسه عن ارتكاب هذه الأشياء الصغيرة فإنه ~~لن يثبت أمام التكاليف الكبيرة. ويمكن أن يقال، إن التنوين هنا للتعظيم ~~باعتبار الجزاء الأليم المترتب على الاعتداء على الصيد فى حال الإحرام. ~~قال صاحب الكشاف فإن قلت ما معنى التقليل والتصغير فى قوله بشىء من ~~الصيد؟ قلت قلل وصغر ليعلم أنه ليس بفتنة من الفتن العظام التى تدحض ~~عندها أقدام الثابتين - كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال - وإنما هو شبيه ~~بما ابتلى به أهل أيلة من صيد السمك، وأنهم إذا لم يثبتوا عنده فكيف ~~شأنهم عند ما هو أشد منه ". وقوله { بشيء من الصيد تناله ~~أيديكم ورماحكم } هو موضع الاختبار و { من } فى قوله { من ~~الصيد } لبيان الجنس. أو التبعيض، لأن المراد صيد البر دون البحر، ~~وصيد الإحرام دون صيد الإحلال. ومعنى { تناله أيديكم ~~ورماحكم } تستطيع أيدكم أن تأخذ هذا الصيد بسهولة ويسر إذا كان ~~صغيرا وقريبا منكم، وتستطيع رماحكم أن تناله إذا كان كبيرا أو بعيدا ~~بعدا نسبيا منكم. وخص الأيدى والرماح بالذكر، لأن معظم التصرفات التى ~~تتعلق بالصيد تكون بالأيدى، ولأن معظم ms1671 الآلات التى تستعمل فى الصيد تكون ~~الرماح. وقوله { ليعلم الله من يخافه بالغيب } تعليل ~~قصد به بيان الحكمة من وراء الابتلاء والاختبار. والمراد بالعلم فى قوله ~~{ ليعلم الله... } إظهار ما علمه أزلا من أهل طاعته ومعصيته، حتى ~~يتميز الخبيث من الطيب. والمعنى اختبرناكم أيها المؤمنون بنوع من البلايا ~~- وهو تحريم صيد البر صغارا وكبارا - وأنتم محرمون أو فى الحرم، ليظهر ~~ما علمه أزلا - سبحانه - من أهل طاعته ومعصيته، وبذلك يتميز للناس الخبيث ~~من الطيب، ويعرف الشخص الذى يخاف الله ويراقبه - مع أنه لم ير الله - ~~سبحانه - من الشخص الذى لا يخافه بالغيب. # قال الجمل وقوله { بالغيب } حال من فاعل يخافه، أى يخاف الله حالة ~~كونه غائبا عن الله ومعنى كون العبد غائبا عن الله، أنه لم ير الله ~~تعالى. أو حال من المفعول أى يخاف الله حال كونه - تعالى - ملتبسا بالغيب ~~عن العبد، أى غير مرئى له. وقوله { فمن اعتدى بعد ذلك ~~فله عذاب أليم } بيان لسوء عاقبة المخالف لأوامر الله والمتجاوز ~~لحدوده. واسم الإشارة { ذلك } يعود ما بينه - سبحانه - لعباده من أحكام. ~~والمعنى لقد اختبرناكم - أيها المؤمنون - بما اختبرناكم به، ليتميز قوى ~~الإيمان من ضعيفه، فمن تعدى منكم حدود الله بعد هذا البيان والإعلام، ~~فله عذاب شديد الآلام عظيم الإهانة، لأن التعدى بعد الإنذار، دليل على ~~عدم المبالاة بأوامر الله ومن لم يبال بأوامر الله ساءت عاقبته. وقبح ~~مصيره. هذا، ولقد نجحت الأمة الإسلامية وخصوصا سلفها الصالح فى هذا ~~الاختبار فقد تجنب أبناؤها وهم محرمون أو فى الحرم مصيد البر مهما أغراهم ~~قربه منهم، وحبهم له على صيده والانتفاع به. بينما أخفق بنو إسرائيل فيما ~~يشبه هذا الاختبار فقد نهاهم الله - تعالى - عن الصيد فى يوم السبت، ~~فكانت الأسماك تظهر لهم فى هذا اليوم امتحانا من الله لهم، فما كان منهم ~~إلا أن تحايلوا على صيدها، بأن حبسوها فى يوم السبت ليصيدوها فى غيره.. ~~فاستحقوا من الله اللعنة والمسخ واستحقت الأمة الإسلامية أن تكون خير ~~أمة أخرجت للناس. ثم ms1672 نهى - سبحانه - المؤمنين نهيا صريحا عن قتل الصيد ~~وهم حرم وبين ما يجب على القاتل. وكرر تحذيره وتهديده لمن يتعدى حدوده ~~فقال - تعالى { يأيها الذين آمنوا... } ### || [5.95] # قال القرطبى قوله - تعالى - { يأيها الذين } خطاب عام لكل ~~مسلم، وهذا النهى هو الابتلاء المذكور فى قوله - تعالى - { يأيها ~~الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد }.. الآية وروى أن أبا ~~اليسر - واسمه عمرو بن مالك الأنصارى - كان محرما عام الحديبية بعمرة ~~فقتل حمار وحش فنزلت هذه الآية. والمراد بالصيد هنا المصيد، لأنه هو الذى ~~يقع عليه القتل. وقوله { حرم } جمع حرام. وهذا اللفظ المحرم بالحج أو ~~بالعمرة أو بهما وإن كان فى الحل، كما يتناول من كان فى الحرم وإن كان ~~حلالا. قال ابن جرير والحرم جمع حرام، يقال هذا رجل حرام، وهذه أمرأة ~~حرام، فإذا قيل محرم، قيل للمرأة محرمة والإحرام هو الدخول فيه. يقال ~~أحرم القوم إذا دخلوا فى الشهر الحرام أو فى الحرم، فتأويل الكلام " لا ~~تقتلوا الصيد وأنتم محرمون ". والصيد المنهى عن قتله هنا صيد البر، لأن ~~صيد البحر قد أحله الله بعد ذلك بقوله # أحل لكم صيد البحر وطعامه # الآية. والنهى كما يتناول قتل صيد البر بإزهاق روحه بأى طريق من طرق ~~الإزهاق، يتناول - أيضا - قتله بطريق التسبب كالإشارة إليه مثلا. ~~ويتناول كذلك حظر الصيد نفسه، لقوله - تعالى - فى مطلع هذه السورة # يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت ~~لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير ~~محلي الصيد وأنتم حرم # ولقوله - تعالى - بعد هذه الآية التى معنا # أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم ~~وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم ~~حرما # فالنهى فى قوله - تعالى - { لا تقتلوا الصيد وأنتم ~~حرم } يتناول القتل عن طريق المباشرة أو التسبب كما يتناول أى عمل ~~يؤدى إلى صيد الحيوان. وإنما كان النهى فى الآية منصبا على القتل، لأنه ~~هو المقصود الأعظم من وراء مباشرة عملية الصيد إذ الصائد يريد قتل المصيد ~~لكى يأكله فى الغالب. هذا، وقد اختلف الفقهاء فى المصيد الذى ms1673 يحرم صيده ~~على المحرم. فذهب بعضهم إلى أن المراد به ما يصاد مطلقا سواء أكان ~~مأكولا أم غير مأكول ولا يستثنى من ذلك إلا ما جاء النص باستثنائه، وذلك ~~لأن الصيد اسم عام يتناول كل ما يصاد من المأكول ومن غير المأكول. وبهذا ~~الرأى قال الأحناف ومن وافقهم من الفقهاء. ويرى الشافعية أن المراد به ~~المأكول فقط، لأن الصيد إنما يطلق على ما يحل أكله فحسب. وقد انبنى على ~~هذا الخلاف أن من قتل وهو محرم سبعا، فالأحناف يرون أنه يجب عليه الجزاء ~~الذى فصلته الآية. والشافعية يرون أنه لا يجب عليه ذلك. # قال الإمام ابن كثير قوله - تعالى - { يأيها الذين آمنوا ~~لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم }. هذا تحريم منه - تعالى - ~~لقتل الصيد فى حال الإحرام، ونهى عن تعاطيه فيه. وهذا إنما يتناول من ~~حيث المعنى المأكول ولو ما تولد منه ومن غيره، فأما غير المأكول من ~~حيوانات البر، فعند الشافعى يجوز قتلها، والجمهور على تحريم قتلها أيضا ~~ولا يستثنى من ذلك إلا ما ثبت فى الصحيحين عن عائشة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال # " خمس فواسق يقتلن فى الحل والحرم الغراب والحدأة والعقرب والفأرة ~~والكلب العقور " # - وفى وراية الحية بدل العقرب - ومن العلماء كمالك وأحمد من ألحق بالكلب ~~العقور " الذئب والسبع والنمر والفهد، لأنها أشد ضررا منه ". وقوله { ~~ومن قتله منكم متعمدا فجزآء مثل ما قتل من ~~النعم } بيان لما يجب على المحرم فى حال قتله للصيد. قال الآلوسى ما ~~ملخصه والمعنى { ومن قتله } كائنا { منكم } حال كونه { متعمدا } أى ~~ذاكرا لإحرامه عالما بحرمة قتل ما يقتله، ومثله من قتله خطأ. والفاء فى ~~قوله { فجزآء مثل ما قتل من النعم } جزائية إذا ~~اعتبرنا { من } شرطية وهو الظاهر، وإذا اعتبرناها موصولة تكون زائدة لشبه ~~المبتدأ بالشرط. وقوله { جزاء } بالرفع والتنوين - مبتدأ، و { مثل } ~~مرفوع على أنه صفته، والخبر محذوف. أى فعليه جزاء مماثل لما قتله، وبهذا ~~قرأ الكوفيون ويعقوب. وقرأ باقى السبعة برفع { جزاء } بدون تنوين - ويجر ~~" مثل ms1674 " بالإضافة. وقد خرجت هذه القراءة بتخريجات منها أن تعتبر ~~الإضافة بيانية أى جزاء هو مثل ما قتل. وظاهر الآية يفيد ترتيب الجزاء ~~على القتل العمد، إلا أنهم اختلفوا هنا على أقوال ذكرها القرطبى فقال ما ~~ملخصه قوله - تعالى - { ومن قتله منكم متعمدا فجزآء ~~مثل ما قتل من النعم } ذكر - سبحانه - المتعمد ولم يذكر ~~المخطئ ولا الناسى، والمتعمد هنا هو القاصد للشىء مع العلم بالإحرام. ~~والمخطئ هو الذى يقصد شيئا فيصيب صيدا. والناسى هو الذى يتعمد الصيد ولا ~~يذكر إحرامه. واختلف العلماء فى ذلك على خمسة أقوال الأول ما أسنده ~~الدارقطنى عن ابن عباس قال إنما التكفير فى العمد، وإنما غلظوا فى الخطأ ~~لئلا يعودوا. الثانى أن قوله { متعمدا } خرج على الغالب، فألحق به النادر ~~كأصول الشريعة. الثالث أنه لا شىء على المخطئ والناسى به قال الطبرى ~~وأحمد - فى إحدى روايته - وطاووس وداود وأبو ثور. الرابع أنه يحكم عليه ~~فى العمد والخطأ والنسيان، وبه قال مالك والشافعى وأبو حنيفة وأصحابهم. ~~قال الزهرى وجب الجزاء فى العمد بالقرآن، وفى الخطأ والنسيان بالسنة. فقد ~~سئل النبى صلى الله عليه وسلم عن الضبع فقال # " هى صيد " # وجعل فيها إذا أصابها المحرم كبشا، ولم يقل عمدا ولا خطأ. الخامس أن ~~يقتله متعمدا لقتله ناسيا لإحرامه - وهو قول مجاهد -، لقوله - تعالى - ~~بعد ذلك { ومن عاد فينتقم الله منه } قال ولو كان ذاكرا ~~لإحرامه لوجبت عليه العقوبة الأول مرة. قال فدل على أنه أراد متعمدا ~~لقتله ناسيا لإحرامه ". ويبدو لنا أن القول الرابع الذى قال به الأئمة ~~أبو حنيفة والشافعى، ومالك أقرب إلى الصواب، لأن تخصيص العمد بالذكر فى ~~الآية، لأجل أن يرتب عليه الانتقام عند العود، لأن العمد هو الذى يترتب ~~عليه ذلك دون الخطأ، ولأن جزاء الخطأ معروف من الأدلة التى قررت التسوية ~~فى ضمان المتلفات، إذ من المعروف أن من قتل صيد إنسان عمدا أو خطأ فى غير ~~الحرم فعليه جزاؤه، فهذا حكم عام فى جميع المتلفات وما دام الأمر كذلك ~~كان الجزاء ثابتا ms1675 على المحرم متى قتل الصيد سواء أكان قتله له عمدا أم ~~خطأ. وقد اختلف العلماء - أيضا فى المراد بالمثل فى قوله - تعالى - { ~~ومن قتله منكم متعمدا فجزآء مثل ما قتل من ~~النعم }. فجمهور الفقهاء يرون أن المراد بالمثل النظير. أى أن الجزاء ~~يكون بالمماثلة بين الصيد المتقول وبين حيوان يقاربه فى الحجم والمنظر من ~~النعم وهى الإبل والبقر والغنم. ومن حججهم أن الله أوجب مثل المصيد ~~المقتول مقيدا بكونه من النعم، فلابد أن يكون الجزاء مثلا من النعم، ~~وعليه فلا تصح القيمة لأنها ليست من النعم. قال ابن كثير وفى قوله - ~~تعالى - { فجزآء مثل ما قتل من النعم } دليل لما ذهب ~~إليه مالك والشافعى وأحمد من وجوب الجزاء من مثل ما قتله المحرم إذا كان ~~له مثل من الحيوان الإنسى، خلافا لأبى حنيفة حيث أوجب القيمة سواء أكان ~~الصيد المقتول مثليا أو غير مثلى. قال وهو مخير إن شاء تصدق بثمنه. وإن ~~شاء اشترى به هديا. والذى حكم به الصحابة فى المثل أولى بالاتباع، فإنهم ~~حكموا فى النعامة ببدنه، وفى بقرة الوحش ببقرة، وفى الغزال بعنز. وأما ~~إذا لم يكن الصيد مثليا فقد حكم ابن عباس فيه بثمن يحمل إلى مكة ". ثم ~~بين - سبحانه - بعد ذلك طريق معرفة الجزاء، ومآله، وأنواعه، فقال - تعالى ~~- { يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة ~~أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما }. ~~والضمير فى قوله { به } يعود على الجزاء المماثل للمصيد المقتول. وقوله { ~~هديا } حال من جزاء، أو منصوب على المصدرية. أى يهديه هديا. والهدى اسم ~~لما يذبح فى الحج لاهدائه إلى فقراء مكة. وقوله { بالغ الكعبة } ~~صفة لقوله { هديا } لأنه إضافته لفظية. وقوله { أو كفارة } معطوف على ~~جزاء. # وأو للتخيير، وكذلك فى قوله { أو عدل ذلك صياما }. والعدل - ~~بالفتح - ما عادل الشىء من غير جنسه. وأما بالكسر فما عادله من جنسه. ~~وقيل هما سيان ومعناهما المثل مطلقا. والمعنى الإجمالى للآية الكريمة ~~يأيها الذين آمنوا بالله إيمانا حقا، لا تقتلوا الصيد وأنتم محرمون، ms1676 ومن ~~قتل منكم الصيد وهو بهذه الصفة فعلية جزاء من النعم مماثل الصيد المقتول ~~ومقارب له فى الخلقة والمنظر، أو فى القيمة، وهذا الجزاء المماثل للصيد ~~المقتول يحكم به رجلان منكم تتوافر فيهما العدالة والخبرة حتى يكون ~~حكمهما أقرب إلى الحق والصواب، ويكون هذا الجزاء الواجب على قاتل الصيد { ~~هديا بالغ الكعبة } أى يصل إلى الحرم فيذبح فيه ويتصدق به على ~~مساكينه، أو يكون على قاتل الصيد { كفارة } هى { طعام مساكين ~~} بأن يطعمهم من غالب قوت البلد ما يساوى قيمة هذا الجزاء المماثل للصيد ~~المقتول بحيث يعطى لكل مسكين نصف صاغ من بر أو صاعا من غيره، أو يكون ~~عليه ما يعادل هذا الطعام صياما، بأن يصوم عن طعام كل مسكين يوما، وما قل ~~عن طعام المسكين يصوم عنه يوما كاملا. وإذا لم يجد للصيد المقتول مماثلا ~~كالعصفور وما يشبهه فعليه قيمته، يشترى بها طعاما لكل مسكين مد، أو يصوم ~~عن كل مد يوما. وبهذا نرى أن المحرم إذا قتل الصيد فعليه جزاء من النعم ~~مماثل للصيد المقتول فى الخلقة والمنظر أو عليه ما يساوى قيمة هذا الجزاء ~~طعاما، أو عليه ما يعادل هذا الطعام صياما. وهذا ما يقول به جمهور ~~الفقهاء. أما أبو حنيفة فيرى - كما سبق أن أشرنا - أن المماثلة إنما ~~تعتبر ابتداء بحسب القيمة، فيقوم الصيد المقتول من حيث هو، فإن بلغت ~~قيمته هدى يخير الجانى بين أن يشترى بها هديا يهدى إلى الكعبة ويذبح فى ~~الحرم ويتصدق بلحمه على الفقراء، وبين أن يشترى بها طعاما للمساكين. ~~وبين أن يصوم عن طعام كل مسكين يوما. والمراد من الكعبة هنا الحرم وإن ~~خصت بالذكر تعظيما لها. قال بعض العلماء ولا شك أن التخيير هنا ليس على ~~حقيقته، إنما هو ترتيب مراتب على حسب القدرة على كل رتبة، فالأصل بلا ريب ~~شراء هدى وذبحه فى الحرام، فإن تعذر ذلك كان الطعام، فإن تعذر كان ~~الصيام. هذا هو الظاهر عند الحنفية، وروى عنهم أنهم قالوا بالتخيير إذا ~~عرفت القيمة بين ms1677 الذبح عند الكعبة وبين إطعام المساكين، وبين الصوم. ~~وعندى أن الترتيب حسب القدرة أوضح وذلك هو رأى أحمد وزفر. والمذاهب ~~الأخرى تلتقى فى الجملة مع المذهب الحنفى بيد أنها تعتبر المماثلة فى ~~الأوصاف. وعندى أن المذهب الحنفى أوضح وأسهل تطبيقا، وأدق فى تعرف المثل ~~وقد اضطروا إليه عند استبدال الطعام بالذبح، إذ لا يعرف مقدار الطعام إلا ~~بمعرفة القيمة ". # هذا، وقوله - تعالى - { ليذوق وبال أمره } تعليل لأيجاب ~~الجزاء السابق على المحرم القاتل للصيد عن تعمد. وقوله { ليذوق } من ~~الذوق وهو إدراك المطعومات باللسان لمعرفة ما فيها من حلاوة أو مرارة أو ~~غير ذلك. والمراد به هنا إدراك ألم العذاب على سبيل الاستعارة. والوبال ~~فى الأصل الثقل والشدة والوخامة. ومنه طعام وبيل إذا كان ثقيلا على ~~المعدة. ومرعى وبيل وهو الذى يتأذى به بعد أكله. والمراد به هنا سوء ~~عاقبة فعله. والمعنى شرعنا ما شرعنا من جزاء على المحرم فى حالة قتله ~~للصيد، ليدرك سوء عاقبة قتله وفعله السىء، وليعلم أن مخالفته لأمر الله ~~تؤدى إلى الخسارة فى الدنيا والآخرة. قال الإمام الرازى وإنما سمى الله ~~- تعالى - ذلك وبالا، لأنه خيره بيبن ثلاثة أشياء اثنان منها توجب تنقيص ~~المال - وهو ثقيل على الطبع - وهما الجزاء بالمثل والإطعام. والثالث ~~يوجب إيلام البدن وهو الصوم، وذلك أيضا ثقيل على الطبع. والمعنى أنه - ~~تعالى - أوجب على قاتل الصيد أحد هذه الأشياء التى كل واحد منها ثقيل على ~~الطبع حتى يحترز عن قتل الصيد فى الحرم وفى حال الإحرام ". وقوله { ~~عفا الله عما سلف } بيان لمظهر من مظاهر رحمة الله بعباده ~~ولطفه بهم، لأنه - سبحانه - لم يؤاخذهم على قتلهم للصيد وهم محرمون قبل ~~تحريمها والنهى عنها. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بتهديد شديد لمن ~~تتكرر منه المخالفة لأوامر الله ونواهيه فقال { ومن عاد ~~فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام }. أى ومن ~~عاد وهو محرم إلى قتل الصيد بعد ورود النهى عن ذلك فإن الله - تعالى - ~~ينتقم منه ويعاقبه عقابا شديدا فهو - سبحانه - العزيز الذى ms1678 لا يغالب ولا ~~يقاوم، المنتقم الذى لا يدفع انتقامه بأى وسيلة من الوسائل. هذا وجمهور ~~العلماء على أن المحرم يتكرر الجزاء عليه فى قتل الصيد بتكرر وأن عقوبة ~~الآخرة - وهى انتقام الله من الجانى - لا تمنع وجوب الجزاء عليه فى ~~الدنيا. قال ابن كثير. ثم الجمهور من السلف والخلف على أنه متى قتل ~~المحرم الصيد وجب الجزاء ولا فرق بين الأولى والثانية والثالثة وإن تكرر ~~ما تكرر سواء الخطأ فى ذلك والعمد. وقال على بن طلحة عن ابن عباس قال من ~~قتل شيئا من الصيد خطأ وهو محرم يحكم عليه فيه كلما قتله. فإن قتله عمدا ~~يحكم عليه فيه مرة واحدة. فإن عاد يقال له ينتقم الله منك ". وبذلك نرى ~~الآية الكريمة قد حذرت المؤمنين من التعرض للصيد فى حالة إحرامهم، وبينت ~~الجزاء المترتب على من يفعل ذلك، وهددت من يستهين بحدود الله بالعذاب ~~الشديد. ثم بين - سبحانه - ما أحله للمحرم وما حرمه عليه مما يتعلق ~~بالصيد فقال - تعالى - { أحل لكم صيد البحر وطعامه ~~متاعا لكم وللسيارة... } ### || [5.96] # المراد بصيد البحر ما توالده ومثواه فى الماء. والمراد بالبحر ما يشمل ~~جميع المياه العذبة والملحة سواء أكانت أنهارا أم غدرانا أم غيرهما. ~~والمراد بالصيد الاصطياد أو ما يصاد منه. والمراد بطعامه ما يطعم من ~~صيده. وهو عطف على { صيد } من عطف الخاص على العام، ويكون الحل الواقع ~~على الصيد المقصود به حل الانتفاع مطلقا ثم عطف عليه ما يفيد حل الأكل ~~خاصة من باب إظهار الامتنان بالإنعام بما هو قوام الحياة وهو الأكل فإن ~~صيد البحر قد يقصد لمنافع أخرى غير الأكل، كالانتفاع بزيت بعض أنواع ~~المصيد منه. ويرى ابن أبى ليلى أن المراد بالصيد والطعام المعنى المصدرى، ~~وقدر مضافا فى صيد البحر، وجعل الضمير فى { طعامه } يعود إليه لا إلى ~~البحر، فيكون المعنى أحل لكم صيد حيوان البحر كما أحل لكم أن تأكلوا ما ~~صدتموه منه. فهو يرى حل الأكل من جميع حيوانات البحر. وقيل بل المراد ~~بصيد البحر ما ms1679 أخذ بحيلة، وبطعامه ما ألقاه البحر من حيواناته أو انحسر ~~عنه الماء وأخذه الآخذ من غير حيلة أو معالجة. وقوله { متاعا } مفعول ~~لأجله. وقوله { وللسيارة } متعلق بأحل. وهو جمع سيار باعتبار الجماعة. ~~والمراد بالسيارة القوم المسافرون. والمعنى أحل الله لكم أيها المحرمون ~~صيد البحر كما أحل لكم أكل ما يؤكل منه، لأجل تمتعكم وانتفاعكم بذلك فى ~~حال إقامتكم وفى حال سفركم فأنتم تتمتعون بهذه النعم مقيمين ومسافرين، ~~وذلك يقتضى منكم الشكر لله لكى يزيديكم من هذه النعم. قال ابن كثير ما ~~ملخصه وقد استدل الجمهور على حل ميتة البحر بهذه الآية وبما أخرجه ~~الشيخان عن جابر قال # " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا قبل الساحل، فأمر عليهم أبا ~~عبيدة وهم ثلاثمائة - قال وأنا فيهم - قال فخرجنا حتى إذا كنا ببعض ~~الطريق فنى الزاد. قال ثم انتهينا إلى البحر فإذا حوت كبير. فأكل منه ذلك ~~الجيش ثمانى عشرة ليلة. فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقال هو رزق أخرجه الله لكم. هل معكم من لحمه ~~شىء فتطعمونا؟ قال فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله ~~". # وأخرج الإمام أحمد وأهل السنن ومالك والشافعى عن أبى هريرة # " أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله!! إنا ~~نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء. فإن توضأنا به عطشنا أنتوضأ بماء ~~البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هو الطهور ماؤه الحل ميتته ~~". # وعن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أحلت لنا ميتتان ودمان فأما الميتتن فالحوت والجراد، وأما الدمان ~~فالكبد والطحال ". # رواه الشافعى وأحمد وابن ماجه والدارقطني والبيهقى وله شواهد. وقد احتج ~~بهذه الآية أيضا من ذهب من الفقهاء إلى أنه تؤكل دواب البحر ولم يستثن من ~~ذلك شيئا. وقد استثنى بعضهم الضفادع وأباح ما سواها. وقال أبو حنيفة لا ~~يؤكل ما مات فى البحر كما لا يؤكل ما مات فى البر ms1680 لعموم قوله - تعالى - # حرمت عليكم الميتة # ثم أكد - سبحانه - حرمة صيد البر للمحرمين فقال { وحرم عليكم ~~صيد البر ما دمتم حرما } والمراد بصيد البر ما كان توالده ~~ومأواه فى البر مما هو متوحش بأصل خلقته. وبعض الفقهاء يرى أن التحريم ~~هنا منصب على الفعل، وعليه فالآية إنما تدل على حرمة الاصطياد فقط، وأما ~~الأكل منه - أى من المصيد - بأن يصيده حلال فلا تدل عليه الآية. وبعضهم ~~يرى أن التحريم هنا منصب على ذلك الصيد. وعليه فتكون الآية تقتضى تحريم ~~جميع وجوه الانتفاع بالصيد إلا ما يخرجه الدليل. وقد بسط القرطبى الكلام ~~فى هذه المسألة فقال ما ملخصه قوله - تعالى - { وحرم عليكم ~~صيد البر ما دمتم حرما } التحريم ليس صفة للأعيان وإنما ~~يتعلق بالأفعال فمعنى قوله { وحرم عليكم صيد البر } أى ~~فعل الصيد وهو المنع من الاصطياد. أو يكون الصيد بمعنى المصيد وهو الأظهر ~~لإجماع العلماء أنه لا يجوز للمحرم قبول صيد وهب له، ولا يجوز له شراؤه، ~~ولا اصطياده، ولا استحداث ملكه بوجه من الوجوه. وقد اختلف العلماء فيما ~~يأكله المحرم من الصيد، فقال مالك والشافعى وأحمد. إنه لا بأس بأكل ~~المحرم الصيد إذا لم يصد له ولا من أجله، لما رواه الترمذى والنسائى عن ~~جابر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال # " صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم ". # وقال أبو حنيفة أكل الصيد للمحرم جائز على كل حال إذ اصطاده الحلال - ~~سواء صيد من أجله أو لم يصد لظاهر قوله - تعالى - # لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم # فحرم صيده وقتله على المحرمين دون ما صاده غيرهم. وروى عن على بن أبى ~~طالب وابن عباس وابن عمر أنه لا يجوز للمحرم أكل صيد على حال من الأحوال ~~سواء صيد من أجله أو لم يصد. لحديث الصعب بن جثامة الليثى، # " أنه أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا وهو بالأبواه ~~فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فلما أن رأى رسول الله صلى ms1681 ~~الله عليه وسلم ما فى وجهى قال " إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم " # خرجه الأئمة واللفظ لمالك. # ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالدعوة إلى خشيته وتقواه وبالتذكير ~~بالحشر وما فيه من حساب وعقاب فقال { واتقوا الله الذي ~~إليه تحشرون }. أى واتقوا الله فى كل أحوالكم، وقفوا عند حدوده ~~فلا تتجاوزوها، واعلموا أن مرجعكم وحشركم إليه وحده، وسيجازيكم على ~~أعمالكم التى عملتموها فى دنياكم. وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أحلت ~~للمحرم صيد البحر - فضلا من الله ورحمة - لأن البحر بعيد عن الحرم، ~~والمحرم قد يحرم فى منطقة قد تكون فيها بحار فتحريم صيد البحر عليه قد ~~يؤدى إلى تعبه وإجهاده دون أن تكون هناك فائدة تعود على سكان الحرم. أما ~~الحكمة من وراء تحريم الصيد البرى على المحرمين فمنها أن البيت الحرام ~~بواد غير زرع، وسكان هذه المنطقة من وسائل حياتهم الصيد، فلو أبيح الصيد ~~للمحرمين القادمين لزيارة البيت من كل فج عميق.. لأدى ذلك إلى قتل الكثير ~~من الصيد البرى الذى هو مصدر انتفاع للقاطنين فى تلك المناطق. وفضلا عن ~~كل ذلك ففى تحريم الصيد البرى الذى يعيش فى مناطق الحرم، تكريم لهذه ~~المناطق، وتشريف لها، وإعلاء لشأنها ومكانتها. فهى أماكن الأمان ~~والاطمئنان والسلام. لا للبشر وحدهم، بل للبشر ولغير البشر من مخلوقات ~~الله التى نهت شريعته عن التعرض لها بسوء. وبعد هذا النهى الشديد ~~للمحرمين عن صيد البر وهم على هذه الحالة بين - سبحانه - المنزلة السامية ~~للكعبة التى هى أشرف مكان، وأصلحه لأمان الناس واطمئنانهم كما بين - ~~سبحانه - مكانة الأشهر الحرم وما يقدم فيها من خيرات لسكان الحرم - فقال ~~- تعالى - { جعل الله الكعبة البيت الحرام ~~قياما... } ### || [5.97-100] # قال الفخر الرازى " اعلم أن اتصال هذه الآية - { جعل الله ~~الكعبة } بما قبلها هو ان الله - تعالى - حرم فى الآية المتقدمة ~~الاصطياد على المحرم. فبين أن الحرم أنه سبب لأمن الوحش والطير. فكذلك هو ~~سبب لأمن الناس عن الآفات والمخافات، وسبب لحصول الخيرات والسعادات فى ~~الدنيا والآخرة ". والكعبة فى اللغة البيت ms1682 المكعب أى المربع. وقيل ~~المرتفع. قال القرطبى وقد سميت الكعبة كعبة، لأنها مربعة.. وقيل إنما ~~سميت كعبة لنتوئها وبروزها، فكل نأتئ بارز كعب، ومنه كعب القدم وكعوب ~~الفتاة، وكعب ثدى المرأة إذا ظهر فى صدرها ". وجعل هنا يحتمل أن تكون ~~بمعنى صير فيتعدى لاثنين أولهما الكعبة وثانيهما قياما ويحتمل أن يكون ~~بمعنى خالق أو شرع فيتعدى لواحد وهو الكعبة ويكون قوله { قياما } حال من ~~البيت الحرام. والبيت الحرام بدل من الكعبة أو عطف بيان جىء به على سبيل ~~المدح والتعظيم ووصف بالحرام إيذانا بحرمته وإشعارا بشرفه، حيث حرم - ~~سبحانه - القتل فيه، وجعله مكان أمان الناس واطمئنانهم. وقوله { قياما } ~~أصله قواما فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. والقيام والقوام ما به ~~صلاح الشىء، كما يقال الملك العادل قوام رعيته. لأنه يدبر أمرهم ويردع ~~ظالمهم، ويحجز قويهم عن ضعيفهم، ومسيئهم عن محسنهم. والمراد بالشهر ~~الحرام الأشهر الحرم على إرادة الجنس وهى ذو العقدة وذو الحجة والمحرم ~~ورجب. وقيل المراد به شهر ذى الحجة فحسب، لأنه هو الذى تؤدى فيه فريضة ~~الحج، فالتعريف للعهد وليس للجنس. والهدى اسم لما يهدى إلى الحرم من ~~حيوان ليتقرب بذبحه إلى الله تعالى - وهو جمع هدية - بسكون الدال -. ~~والقلائد جمع قلادة وهى ما يقلد به الهدى ليعلم أنه مهدى إلى البيت ~~الحرام فلا يتعرض له أحد بسوء. فالمراد بالقلائد هنا الحيوانات ذوات ~~القلائد التى تساق إلى الحرم لذبحها فيه، فيكون ذكر القلائد بعد الهدى من ~~باب التخصيص بالذكر على سبيل الاهتمام بشأنها، لأن الثواب فيها أكثر. ~~وقيل المراد بها ما كان يفعله بعض الناس من وضع قلادة من شعر أو من غيره ~~فى أعناقهم عندما يحرمون حتى لا يتعرض لهم أحد بسوء. وقوله { والشهر ~~الحرام والهدي والقلائد } معطوف على ما قبله وهو الكعبة. ~~والمعنى اقتضت حكمة الله - تعالى - ورحمته بعباده أن يصير الكعبة التى هى ~~البيت الحرام { قياما للناس } أى به قوامهم فى إصلاح أمورهم دينا ~~ودنيا، وكذلك جعل الأشهر الحرم والهدى وخصوصا ما يقلد منه قياما ms1683 للناس ~~أيضا. وذلك لأن البيت الحرام الذى يأتى الناس إليه من كل فج عميق، يجدون ~~فى رحابه ما يقوى إيمانهم، ويرفع درجاتهم، ويغسل سيئاتهم، ويصلح من شئون ~~دنياهم عن طريق تبادل المنافع، وبذل الأموال، والشعور بالأمان ~~والاطمئنان، وتوثيق الصلات الدينية والدنيوية التى ترضى الله - تعالى -، ~~وتجعلهم أهلا لفضله ورحمته. # ولأن الأشهر الحرم تأتى للناس فتجعلهم يمتنعون عن القتال فيها، فتهدأ ~~نفوسهم، ويحصل التآلف والتزاور بعد التدابر والتقاطع والتعادى ولأن الهدى ~~والقلائد التى يسوقها المحرمون إلى الحرم لذبحها فيها ما فيها من التوسعة ~~على الفقراء. وإشاعة روح المحبة والتسامح والإخاء. ورحم الله الإمام ~~القرطبى حيث يقول " والحكمة فى جعل الله - تعالى - هذه الأشياء قياما ~~للناس، أن الله - سبحانه - خلق الخلق على سليقة الآدمية من التحاسد ~~والتقاطع والسلب والغارة. فلم يكن بد فى الحكمة الإلهية من وازع يزعهم ~~- أى يزجرهم - عن التنازع، ويحملهم على التآلف، ويرد الظالم عن المظلوم، ~~فقد روى مالك أن عثمان بن عفان كان يقول " ما يزع الإمام أكثر مما يزع ~~القرآن ". فجعل - سبحانه - الخليفة فى الأرض حتى لا يكون الناس فوضى، ~~وعظم فى قلوبهم البيت الحرام، وأوقع فى نفوسهم هيبته، فكان من لجأ إليه ~~معصوما به، وكان من اضطهد محميا بالكون فيه. ولما كان لهذا البيت موضعا ~~مخصوصا - ومكانا معينا - لا يدركه كل مظلوم، فقد جعل - سبحانه - الأشهر ~~الحرم ملجأ آخر. وقرر فى قلوبهم حرمتها، فكانوا لا يروعون فيها سربا - أى ~~نفسا - ولا يطلبون فيها دما، حتى كان الرجل يلقى قاتل أبيه وابنه وأخيه ~~فلا يؤذيه. ثم شرع لهم الهدى والقلائد، فكانوا إذا أخذوا بعيرا وأشعروه ~~دما، أو علقوا عليه قلادة أو فعل ذلك الرجل بنفسه. لم يروعه أحد حيث لقيه ~~". واسم الإشارة فى قوله { ذلك لتعلموا أن الله ~~يعلم ما في السماوات وما في الأرض }. يعود على الجعل ~~المذكور الذى هو تصيير البيت الحرام وما عطف عليه قياما للناس، أى صلاحا ~~لأحوالهم الدينية والدنيوية. والمعنى فعل الله - تعالى - ذلك لتعلموا أنه ~~- سبحانه - يعلم علما تاما شاملا ما ms1684 فى السموات وما فى الأرض، ولتوقنوا ~~بأنه يعلم طبائع البشر وحاجاتهم ومكنونات نفوسهم، وهتاف أرواحهم. لأن ~~تشريع هذه الشرائع المستتبعة لدفع المضار ولجلب المصالح الدينية ~~والدنيوية دليل على أنه - سبحانه - يعلم ما فى السموات وما فى الأرض. ~~وعلى أنه بكل شىء عليم دون أن تخفى عليه خافية مما فى هذا الكون وكرر - ~~سبحانه - " ما. وفى " فى المعطوف والمعطوف عليه للإشارة إلى دقة العلم ~~وشموله، وأنه - سبحانه - لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. وقوله { ~~وأن الله بكل شيء عليم } تعميم إثر تخصيص. للتأكيد وقدم ~~الخاص على العام ليكون ذكر الخاص كالدليل على العام. # قال الجمل واسم الإشارة { ذلك } فيه ثلاثة أوجه أحدها أنه خبر لمبتدأ ~~محذوف أى الحكم الذى حكمناه ذلك لا غير. والثانى أنه مبتدأ وخبره محذوف ~~أى ذلك الحكم هو الحق لا غيره. والثالث أنه منصوب بفعل مقدر يدل عليه ~~السياق. أى شرع الله ذلك. وهذا أقواها، لتعلق لام العلة به. وقوله { ~~لتعلموا } منصوب بإضمار أن بعد لام كى. وقوله { وأن الله بكل ~~شيء عليم } معطوف على ما قبله وهو { أن الله يعلم ما ~~في السماوات وما في الأرض }. ثم رهب الله - تعالى - عباده من ~~عقابه ورغبهم فى ثوابه فقال { اعلموا أن الله شديد ~~العقاب وأن الله غفور رحيم }. أى اعلموا - أيها الناس ~~- أن الله شديد العقاب لمن انتهك حرماته، وتجاوز حدوده وأنه - سبحانه - ~~واسع المغفرة والرحمة لمن أطاعه وتاب إليه توبة صادقة. وفى تصدير الآية ~~الكريمة بفعل الأمر { اعلموا } تنبيه شديد إلى أهمية ما سيلقى عليهم من ~~أمر أو نهى، حتى يستقر فى قلوبهم، ويرسخ فى نفوسهم، فيسهل عليهم تنفيذه. ~~وجمع - سبحانه - بين الترهيب والترغيب، حتى يكون المؤمن بين الرجاء ~~والخوف، فلا يقنط من رحمة الله ولا يجترئ على ارتكاب ما يغضبه - سبحانه ~~-. وبعد هذا الترغيب والترهيب بين - سبحانه - وظيفة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم فقال { ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ~~ما تبدون وما تكتمون }. وأصل البلاغ - كما يقول القرطبى - ~~وهو الوصول. يقال بلغ يبلغ ms1685 بلوغا وأبلغه إبلاغا. وبلغه تبليغا، ومنه ~~البلاغة. لأنها إيصال المعنى إلى النفس فى أحسن صورة من اللفظ ". أى ليس ~~على رسولنا - أيها الناس - إلا تبليغ ما أمرناه بتبليغه إليكم وتوصيل ما ~~كلفناه بتوصيله لكم، وهو لم يقصر فى ذلك، ولم يأل جهدا فى نصحكم وإرشادكم ~~فأطيعوه لتسعدوا. واعلموا أن الله - تعالى - يعلم ما تظهرون وما تخفون من ~~خير أو شر، وسيجازيكم بما تستحقون يوم القيامة. فالآية الكريمة تأكيد لما ~~اشتملت عليه سابقتها من ترغيب وترهيب، ومن تبشير وإنذار، وتصريح بأن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم عليه تبليغ ما كلفه الله بتبليغه إلى الناس، ~~وليس عليه بعد ذلك هدايتهم أو ضلالهم، وإنما الله وحده هو الذى بيده ذلك، ~~وهو الذى بيده حسابهم ومجازاتهم على أعمالهم. ثم صرح - سبحانه - بعد ذلك ~~بأنه لا يستوى عنده الخبيث والطيب فقال { قل لا يستوي الخبيث ~~والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث }. والخبيث - كما ~~يقول الراغب - ما يكره رداءه وخساسة محسوسا كان أم معقولا، وأصله الردئ ~~الدخلة الجارى مجرى خبث الحديد كما قال الشاعر # سبكناه ونحسبه لجينا فأبدى الكير على خبث الحديد # وذلك يتناول الباطل فى الاعتقاد، والكذب فى المقال، والقبيح فى الفعال. ~~والطيب الشىء الحسن الذى أباحته الشريعة ورضيته العقول السليمة، ويتناول ~~الاعتقاد الحق، والمقال الصدق، والعمل الصالح. والمعنى قل - يا محمد - ~~للناس إنه لا يستوى عند الله ولا عند العقلاه القبيح والحسن من كل شىء، ~~لأن الشىء القبيح - فى ذاته أو فى سببه أو فى غير ذلك من أشكاله - بغيض ~~إلى الله وإلى كل عاقل، وسكون مصيره إلى الهلاك والبوار. أما الشىء الطيب ~~الحسن فهو محبوب من الله ومن كل عاقل، ومحمود العاقبة دنيا ودينا. وقوله ~~{ ولو أعجبك كثرة الخبيث } زيادة فى التنفير من الشىء ~~الخبيث، وحض على التمسك بما هو طيب. أى لا يستوى فى ميزان الله ولا فى ~~ميزان العقلاء الخبيث والطيب، حتى ولو كان الفريق الخبيث كثير المظهر، ~~براق الشكل، تعجب الناظرين هيئته فلا تغتر به أيها العاقل، ولا تؤثر فى ~~نفسك ms1686 كثرته وسطوته فإنه مهما كثر وظهر وفشا. فإنه سىء العاقبة، سريع ~~الزوال، لذته تعقبها الحسرة، وشهوته تتلوها الندامة، وسطوته تصحبها ~~الخسارة والكراهية، وطريقه المليئة بالدنس والقذر يجب أن يوصد أبوابها ~~الأخيار الشرفاء. أما الفريق الطيب أو الشىء الطيب فهو محمود العاقبة، ~~لذته الحلال يباركها الله، وثماره الحسنة تؤيدها شريعته وتستريح لها ~~العقول السليمة، والقلوب النقية من كل دنس وباطل وطريقه المستقيم - مهما ~~قل - سالكوه - هو الطريق الذى يوصل إلى كل خير وفلاح. ولا شك أن العقل ~~عندما يتخلص من الهوى سيختار الطيب على الخبيث لأن فى الطيب سعادة الدنيا ~~والآخرة. وما أحسن قول أم المؤمنين عائشة - رضى الله عنها " ما تمتع ~~الأشرار بشىء إلا وتمتع به الأخيار، وزادوا عليهم رضا الله - عز وجل - ". ~~والفاء فى قوله { فاتقوا الله يأولي الألباب لعلكم ~~تفلحون } للإفصاح عن كلام مقدر، والتقدير إذا كان الأمر كما بينت ~~لكم - أيها الناس - من أنه لا يستوى الخبيث والطيب. لأن أهل الخبيث ~~سيعاقبون ويندمون مهما كثروا وأهل الطيب سيثابون ويفرحون، إذا كان الأمر ~~كذلك فاتقوا الله يا أصحاب العقول السليمة بأن تجتنبوا كل ما هو خبيث، ~~وتقبلوا على كل ما هو طيب، لعلكم بسبب هذه التقوى والخشية من الله تنالون ~~الفلاح والنجاح فى دنياكم وآخرتكم. والجملة الكريمة تذييل قصد به تأكيد ~~ما مر من الترغيب فى الطاعات والتحذير من المعاصى. قال الفخر الرازى لما ~~ذكر - سبحانه - هذه الترغيبات الكثيرة فى الطاعة، والتحذيرات من المعصية. ~~أتبعها بوجه آخر يؤكدها فقال { فاتقوا الله يأولي ~~الألباب لعلكم تفلحون } أى فاتقوا الله بعد هذه البيانات ~~الجليلة والتعريفات القوية، ولا تقدموا على مخالفته لعلكم تصيرون فائزين ~~بالمطالب الدنيوية والدينية العاجلة والآجلة. وبعد هذا الحديث المستفيض ~~عن الحلال والحرام فى شريعة الإسلام اتجهت آيات السورة الكريمة إلى ~~تربية المسلمين وإرشادهم إلى الآداب التى يجب أن يتمسكوا بها ونهيهم عن ~~الأسئلة التى لا خير يرجى من وراء إثارتها.. فقال تعالى { يأيها ~~الذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء... } ### || [5.101-102] # قد ذكر المفسرون فى سبب نزول هاتين ms1687 الآيتين روايات متعددة، منها ما حكاه ~~القرطبى فى قوله روى البخارى ومسلم وغيرهما - واللفظ للبخارى - عن أنس ~~قال # " قال رجل للنبى صلى الله عليه وسلم يا رسول الله من أبى؟ قال " أبوك ~~فلان ". # وخرج البخارى أيضا عن أنس عن النبى صلى الله عليه وسلم وفيه # " فوالله لا تسألونى عن شىء إلا أخبرتكم به ما دمت فى مقامى هذا " فقام ~~إليه رجل فقال أين مدخلى يا رسول الله؟ قال " النار " فقام عبد الله بن ~~حذافة - وكان إذا لا حى يدعى إلى غيره أبيه - فقال من أبى يا رسول الله؟ ~~فقال أبوك حذافة ". # وروى الدارقطنى والترمذى عن على رضى الله عنه قال لما نزلت هذه الآية # ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا # قالوا # " يا رسول الله، أفى كل عام؟ فسكت. فقالوا أفى كل عام؟ قال " لا ولو قلت ~~نعم لوجبت " # فأنزل الله تعالى { يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن ~~أشيآء }.. الآية. وروى مجاهد عن ابن عباس أنها نزلت فى قوم سألوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. ثم ~~قال القرطبى ويحتمل أن تكون الآية نزلت جوابا للجميع، فيكون السؤال قريبا ~~بعضه من بعض ". والمعنى يا أيها الذين آمنوا بالله حق الإيمان، لا ~~تسألوا نبيكم صلى الله عليه وسلم أو غيره، عن أشياء تتعلق بالعقيدة أو ~~بالأحكام الشرعية أو بغيرها. هذه الأشياء { إن تبد لكم } وتظهر { ~~تسؤكم } أى تغمكم وتحزنكم وتندموا على السؤال عنها لما يترتب عليها ~~من إحراجكم. ومن المشقة عليكم، ومن الفضيحة لبعضكم. فالآية الكريمة - كما ~~يقول ابن كثير - تأديب من الله لعباده المؤمنين، ونهى لهم عن أن يسألوا ~~عن أشياء مما لا فائدة لهم فى السؤال والتنقيب عنها، لأنها إن ظهرت لهم ~~تلك الأمور ربما ساءتهم، وشق عليهم سماعها، كما جاء فى الحديث أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا يبلغنى أحد عن أحد شيئا، فإنى أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر ~~". # وقد وجه - سبحانه - النداء إليهم بصفة الإيمان، ms1688 لتحريك حرارة العقيدة ~~فى نفوسهم، حتى يستجيبوا بسرعة ورغبة إلى ما كلفوا به. وقوله { أشياء } ~~اسم جمع من لفظ شىء، فهو مفرد لفظا جمع معنى كطرفاء وقصباء - وهذا رأى ~~الخليل وسيبويه وجمهور البصريين -. ويرى الفراء أن أشياء جمع لشىء. وهو ~~ممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة، ومتعلق بقوله { تسألوا }. # ومفعول { تسألوا } محذوف للتعميم. أى لا تسألوا الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ولا تسألوا غيره عن أشياء لا فائدة من السؤال عنها، بل إن السؤال ~~عنها قد يؤدى إلى إحراجكم وإلى المشقة عليكم. وقوله { إن تبد لكم ~~تسؤكم } صفة لأشياء داعية إلى الانتهاء عن السؤال عنها. وعبر " بإن ~~" المفيدة للشك وعدم القطع بوقوع الشرط والجزاء للإشارة إلى أن هذا الشك ~~كاف فى تركهم للسؤال عن هذه الأشياء، فإن المؤمن الحق يبتعد عن كل ما لا ~~فائدة من ورائه من أسئلة أو غيرها. وقوله { وإن تسألوا عنها ~~حين ينزل القرآن تبد لكم } معطوف على ما قبله وهو قوله ~~{ إن تبد لكم تسؤكم }. والضمير فى قوله { عنها } يعود على { ~~أشياء } و { حين } ظرف زمان منصوب بالفعل { تسألوا }. والمعنى لا تكثروا ~~- أيها المؤمنون - من الأسئلة التى لا خير لكم فى السؤال عنها، إن تسألوا ~~عن أشياء نزل بها القرآن مجملة، فتطلبوا بيانها تبين لكم حينئذ لاحتياجكم ~~إليها. قال الفخر الرازى السؤال على قسمين أحدهما السؤال عن شىء لم يجر ~~ذكره فى الكتاب والسنة بوجه من الوجوه. فهذا السؤال منهى عنه بقوله { لا ~~تسألوا عن أشيآء إن تبد لكم تسؤكم }. والنوع ~~الثانى من السؤال السؤال عن شىء نزل به القرآن لكن السامع لم يفهمه كما ~~ينبغى فها هنا السؤال واجب، وهو المراد بقوله { وإن تسألوا ~~عنها حين ينزل القرآن تبد لكم }. والفائدة فى ذكر ~~هذا القسم، أنه لما منع فى الجملة الأولى من السؤال، أو هم أن جميع أنواع ~~السؤال ممنوع فيه، فذكر ذلك تمييزا لهذا القسم عن ذلك القسم. فإن قيل إن ~~قوله { وإن تسألوا عنها } هذا الضمير عائد على الأشياء ~~المذكورة فى قوله ms1689 { لا تسألوا عن أشيآء } فكيف يعقل فى { ~~أشياء } بأعيانها أن يكون السؤال عنها ممنوعا وجائزا معا؟ قلنا الجواب ~~عنه من وجهين الأول جائز أن يكون السؤال عنها ممنوعا قبل نزول القرآن ~~بها ومأمورا به بعد نزول القرآن بها. والثانى أنهما وإن كانا نوعين ~~مختلفين، إلا أنهما فى حكم شىء واحد، فلهذا حسن اتحاد الضمير، وإن كانا ~~فى الحقيقة نوعين مختلفين ". وقال القرطبى قوله - تعالى - { وإن ~~تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم } فيه ~~غموض، وذلك أن فى ذلك الآية النهى عن السؤال، ثم قال { وإن تسألوا ~~}.. إلخ. فأباحه لهم. فقيل المعنى وإن تسألوا عن غيرها فيما مست الحاجة ~~إليه، فحذف المضاف ولا يصح حمله على غير الحذف. قال الجرجانى الكناية فى ~~" عنها " ترجع إلى أشياء أخر، كقوله تعالى # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين # يعنى آدم، ثم قال # ثم جعلناه نطفة # أى ابن آدم، لأن آدم لم يجعل نطفة فى قرار مكين، لكن لما ذكر الإنسان ~~وهو آدم دل على إنسان مثله، وعرف ذلك بقرينة الحال. # فالمعنى وإن تسألوا عن أشياء - أخر - حين ينزل القرآن من تحليل أو تحريم ~~أو حكم، أو مست حاجتكم إلى التفسير، فإذا سألتم فحينئذ تبدلكم فقد اباح - ~~سبحانه - هذا النوع من السؤال ". والضمير فى قوله { عفا الله ~~عنها } يعود إلى أشياء، والجملة فى محل جر صفه أخرى لأشياء. أى أن هذه ~~الأشياء التى نهيتم عن السؤال عنها هى مما عفا الله عنه - رحمة منه ~~وفضلا- حيث لم يكلفكم بها. ولم يفضحكم ببيانها. ويجوز أن يعود الضمير إلى ~~الأسئلة المدلول عليها بقوله { لا تسألوا } فتكون الجملة مستأنفة، ~~ويكون المعنى عفا الله عن أسئلتكم السالفة التى سألتموها قبل النهى، ~~وتجاوز - سبحانه - عن معاقبتكم عليها رحمة منه وكرما فمن الواجب عليكم ~~بعد ذلك ألا تعودوا إلى مثلها أبدا. قال صاحب المنار ولا مانع عندنا ~~يمنعنا من إرادة المعنيين معا. فإن كل ما تدل عليه عبارات القرآن من ~~المعانى الحقيقية والمجازية والكناية يجوز عندنا أن يكون مرادا منها ~~مجتمعة ms1690 تلك المعانى أو منفردة ما لم يمنع مانع من ذلك كأن تكون تلك ~~المعانى مما لا يمكن اجتماعها شرعا أو عقلا، فحينئذ لا يصح أن تكون كلها ~~مرادة بل يرجح بعضها على بعض بطرق الترجيح المعروفة من لفظية ومعنوية. ~~وقوله { والله غفور حليم } اعتراض تذييلى مقرر لعفوه - سبحانه ~~- أى عفا الله عن كل ذلك، وهو - سبحانه - واسع المغفرة والحلم والصفح ~~ولذا لم يكلفكم بما يشق عليكم، ولم يؤاخذكم بها فرط منكم من أقوال وأعمال ~~قبل النهى عنها. ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر العبر والعظات والحكم من ~~وراء نهيهم عن الأسئلة التى لا خير يرجى من ورائها فقال { قد سألها ~~قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين }. والضمير ~~فى قوله { قد سألها } يعود إلى الأسئلة المنهى عنها فى قوله - ~~تعالى - { لا تسألوا }. أى قد سأل قوم من قبلكم - أيها المؤمنون - ~~أمثال هذه الأسئلة التى لا خير يرجى من ورائها، ثم أصبحوا بعد إظهار ~~الإجابة عليها كافرين بها، لأنهم استقلوا الإجابة عما سألوا عنه، ~~وتركوا العمل بما تطلعوا إلى معرفته ويجوز أن يكون الضمير عائدا إلى ~~أشياء فى قوله { لا تسألوا عن أشيآء } على تقدير السؤال عن ~~حكمها أو عن سببها أو عن أصلها، أو عن غير ذلك مما لا فائدة من السؤال ~~عنه. إلى هذين المعنين أشار الآلوسى بقوله { قد سألها } أى ~~المسألة، فالضمير فى موقع المصدر لا المفعول به. والمراد سأل مثلها فى ~~كونها محظورة ومستتبعة للوبال { قوم }. وعدم التصريح بالمثل للمبالغة فى ~~التحذير. # وجوز أن يكون الضمير للأشياء على تقدير المضاف أيضا، فالضمير فى موقع ~~المفعول به، وذلك من باب الحذف والإيصال. والمراد سأل عنها. واختلف فى ~~تعيين القوم فعن ابن عباس هم قوم عيسى سألوه إنزال المائدة ثم كفروا بها ~~وقيل هم قوم صالح - عليه السلام - سألوه الناقة ثم عقروها وكفروا بها، ~~وقيل هم بنو إسرائيل كانوا يسألون أنبياءهم عن أشياء فإذا أخبروهم كذبوهم ~~" والذى نراه أن لفظ { قوم } يشمل هؤلاء الأقوام الذين ذكرهم الآلوسى كما ~~يشمل غيرهم ms1691 ممن سألوا عن أشياء لا خير من السؤال عنها فلما أجيبوا عما ~~سألوا عنه لم يعملوا بما أخبروا به بل كفروا به وهجروه وأنكروه. ونكر - ~~سبحانه - لفظ { قوم } لأنه ليس الغرض تعيين ذواتهم، بل الغرض النهى عن ~~التشبه بهم مهما كانت أجناسهم أو أزمانهم. وجاء العطف فى الآية " بثم " ~~المفيدة للتراخى، للدلاله على التباعد المعنوى بين اللجاجة فى السؤال ~~وبين الجحود والكفر بعد ذلك فكأنهم كانوا يريدون حكما يناسب أهواءهم فلما ~~جاءهم الحكم الذى لا يهوونه كفروا به. وقوله { ثم أصبحوا بها ~~كافرين } يؤذن بأنهم قبل السؤال عن تلك الأشياء أو قبل الخوض فى تلك ~~الأسئلة لم يكونوا كافرين، ولكنهم أصبحوا بسبب الخوض فيها والتفتيش عنها ~~كافرين لأنهم لم يمتثلوا ما أجيبوا به، وإنما نبذوه وراء ظهورهم. وبذلك ~~ترى أن الآيتين الكريمتين تنهيان المؤمنين فى كل زمان ومكان عن الخوض فى ~~الأسئلة عن أشياء يسوءهم الكشف عنها، وضربتا لهم الأمثال بحال الذين من ~~قبلهم ممن كانوا يشددون على أنفسهم بالأسئلة عن التكاليف والأحكام، فلما ~~كتبها الله عليهم كفروا بها ولم يؤدوها، ولو سكتوا عن هذه الأسئلة التى ~~لا فائدة من ورائها لكان خيرا لهم وأقوم. هذا، وقد ساق الشيخ القاسمى - ~~رحمه الله - عقب تفسيره لهاتين الآيتين أقوالا متعددة للعلماء فيما يؤخذ ~~منهما من آداب وأحكام، فقال - ما ملخصه - قال ابن كثير ظاهر الآية النهى ~~عن السؤال عن الأشياء التى إذا علم بها الشخص ساءته فالأولى الإعراض ~~عنها فقد روى الإمام أحمد ومسلم والنسائى عن أبى هريرة أن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - قال # " ذرونى ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على ~~أنبيائهم. فإذا أمرتكم بشىء فأتوا منه ما استطعتم. وإذا نهيتكم عن شىء ~~فدعوه ". # وروى الدارقطنى وأبو نعيم عن أبى ثعلبة الخشنى أن النبى صلى الله عليه ~~وسلم قال # " إن الله - تعالى - فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها. ~~وحرم أشياء فلا تقربوها. وترك أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها ". # ثم قال الشيخ القاسمى ms1692 ثم رأيت فى " موافقات " الإمام الشاطبى فى هذا ~~الموضوع - مبحثا جليلا قال فيه. # الإكثار من الأسئلة مذموم. والدليل عليه النقل المستفيض من الكتاب ~~والسنة وكلام السلف الصالح. وهذه مواضع يكره السؤال فيها 1 - السؤال عما ~~لا ينفع فى الدين، كسؤال عبد الله بن حذافة من أبى يا رسول الله؟ فأجابه ~~أبوك حذافة. 2 - أن يسأل عن شىء بيه القرآن، كما سأل الرجل عن الحج أكل ~~عام يا رسول الله؟ مع أن قوله - تعالى # ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا # قاض بظاهره أنه للأبد لإطلاقه. 3 - السؤال من غير احتياج إليه فى الوقت، ~~وكأن هذا - والله أعلم - خاص بما لم ينزل فيه حكم، وعليه يدل قوله " ~~ذرونى ما تركتكم " وقوله " وسكت عن أشياء رحمة بكم لا عن نسيان فلا ~~تبحثوا عنها ". 4 - أن يسأل عن صعاب المسائل وشرارها، كما جاء فى النهى ~~عن الأغلوطات. 5 - أن يسأل عن علة الحكم وهو من قبيل التعبدات، أو يكون ~~السائل ممن لا يليق به ذلك السؤال - كما فى حديث قضاء الصوم دون الصلاة. ~~- فقد أخرج مسلم فى صحيحه عن معاذة قالت سألت عائشة فقلت ما بال الحائض ~~تقضى الصوم ولا تقضى الصلاة؟ فقالت أحرورية أنت؟ قلت لست بحرورية، ولكنى ~~أسأل. قالت عائشة كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء ~~الصلاة. 6 - أن يبلغ بالسؤال إلى حد التكلف والتعمق، وعلى ذلك يدل ما ~~أخرجه مالك فى الموطأ عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أن عمر بن الخطاب ~~خرج فى ركب، فيهم عمرو بن العاص. حتى وردوا حوضا. فقال عمرو بن العاص يا ~~صاحب الحوض!! هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمر بن الخطاب يا صاحب الحوض! لا ~~تخبرنا. فإنا نرد على السباع وترد علينا. 7 - السؤال عن المتشابهات، وعلى ~~ذلك يدل قوله - تعالى - # فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه ~~منه # الآية. وعن عمر بن عبد العزيز من جعل دينه عرضا للخصومات أسرع التنقل. ~~ومن ذلك سؤال رجل مالكا ms1693 على الاستواء فقد جاء رجل إلى مالك فقال يا أبا ~~عبد الله " الرحمن على العرش استوى " كيف استوى؟ قال راوى الحديث فما ~~رأيت مالكا وجد - أى غضب - فى شىء كموجدته من مقالته. وعلاه الرحضاء - أى ~~العرق - وأطرق القوم. فقال مالك الاستواء معلوم، والكيف غير معقول. ~~والإيمان به واجب. والسؤال عنه بدعة وإنى أخاف أن تكون ضالا. 8 - السؤال ~~عما شجر بين السلف الصالح، وقد سئل عمر بن عبد العزيز عن قتال أهل صفين ~~فقال تلك دماء كف الله عنها يدى، فلا أحب أن ألطخ بها لسانى. # 9 - سؤال التعنت والافحام وطلب الغلبة عند الخصام وقد ذم القرآن هذا ~~اللون من الناس فقال. # وهو ألد الخصام # وقال، # بل هم قوم خصمون # وفى الحديث # " أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم ". # هذه جملة من المواضع التى يكره السؤال فيها، ويقاس عليها ما سواها، وليس ~~النهى فيها واحدا، بل فيها ما تشتد كراهيته ومنها ما يخفف، ومنها ما ~~يحرم. ومنها ما يكون محل اجتهاد. والنهى فى الآية مقيد بما لا تدعو إليه ~~الحاجة من الأسئلة لأن الأمر الذى تدعو إليه الحاجة فى أمور الدين قد أذن ~~الله بالسؤال عنه فقال # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # وفى الحديث # " قاتلهم الله!! هلا سألوا إذا لم يعلموا، فإنما شفاء الجهل بالسؤال ". # ثم حكى - سبحانه - بعض الأوهام والخرافات التى كان أهل الجاهلية يتمسكون ~~بها، ويعتبرونها من العادات الدينية الراسخة فى نفوسهم، مع أنها لا أصل ~~لها، وإنما هم الذين ابتدعوها ونسبوها إلى دين الله بدون دليل أو برهان ~~فقال - تعالى - { ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ~~ولا وصيلة... } ### || [5.103-104] # قال الفخر الرازى اعلم أنه - تعالى - لما منع الناس من البحث عن أمور ما ~~كلفوا بالبحث عنها، كذلك منعهم عن التزام أمور ما كلفوا التزامها. ولما ~~كان الكفار يحرمون على انفسهم الانتفاع بهذه الحيوانات - وإن كانوا فى ~~غاية الاحتياج إلى الانتفاع بها - بين تعالى - أن ذلك باطل فقال { ما ~~جعل الله من بحيرة } وجعل هنا بمعنى ms1694 شرع ووضع، و { من } ~~زائدة لتأكيد النفى والبحيرة بزنة فعيلة بمعنى مفعولة من البحر وهو الشق. ~~وكانوا فى الجاهلية إذا ولدت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر، شقوا أذنها ~~ومنعوا ركوبها، وتركوها لآلهتهم وامتنعوا عن نحرها وركوبها. وسموها " ~~البحيرة " أى مشقوقة الأذن. وعن قتادة أنهم كانوا إذا أنجبت خمسة أبطن ~~نظروا فى الخامس فإن كان ذكر ذبحوه وأكلوه، وإن كان أنثى شقوا أذنها ~~وتركوها ترعى دون أن يستعملها أحد فى حلب أو ركوب. والسائبة بزنة فاعلة ~~من ساب إذا جرى على وجه الأرض. يقال ساب الماء إذا ترك يجرى. قال أبو ~~عبيدة كان الرجل فى الجاهلية إذا قدم من سفر أو شفى من مرض. سيب ناقته ~~وخلاها وجعلها كالبحيرة وتسمى السائبة. وقال محمد بن إسحاق السائبة هى ~~الناقة تلد عشرة أبطن إناث، فتهمل ولا تركب ولا يجز وبرها، ولا يشرب ~~لبنها إلا ضيف. وعن ابن عباس هى التى تسيب للأصنام، فتعطى للسدنة ولا ~~يطعم من لبنها إلا أبناء السبيل ونحوهم. والوصيلة بزنة فعيلة بمعنى ~~فاعله. قال الفراء هى الشاة تنتج سبعة أبطن عناقين عناقين - أى اثنين ~~اثنين - وإذا ولدت فى آخرها انثى وذكرا. قيل وصلت أخاها. فلا يشرب لبن ~~الأم إلا الرجال دون النساء، وتجرى مجرى السائبة فى تركها دون أن يجز ~~وبرها. وقال الزجاج هى الشاة إذا ولدت ذكرا كان لآلهتهم وإذا ولدت انثى ~~كانت لهم وإذا ولدت ذكرا وانثى قالوا وصلت أخاها فلا تذبح ويكون الذكر ~~لآلهتهم. وقيل هى الناقة تبكر بأنثى ثم تثنى بأنثى، فكانوا يتركونها ~~للطواغيت، ويقولون قد وصلت أنثى بأنثى ليس بينهما ذكر. والحام اسم فاعل ~~من حمى يحمى أى منع. قال الفراء هو الفحل إذا لقح ولد ولده قالوا قد حمى ~~ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء أو مرعى. وقال أبو عبيدة ~~هو الفحل يولد من ظهره عشرة أبطن فيقولون حمى ظهره فلا يحمل عليه ولا ~~يمنع من ماء أو مرعى. هذه بعض الأقوال التى ذكرها العلماء فى تفسير هذه ~~الألفاظ ms1695 الأربعة، وهناك أقوال أخرى سواها تختلف عنها. ويبدو أن الخلاف فى ~~حقيقة هذه الأربعة مرجعه إلى اختلاف القبائل فى بلاد العرب واختلاف ~~الأماكن التى يقيمون فيها، والعادات الباطلة التى شبوا عليها وألفوها. # هذا، وقد ذكر ابن كثير بعض الروايات التى وردت فى تفسيره هذه الألفاظ، ~~كما ذكر أول من أدخل هذه العادات الباطلة فى بلاد العرب فقال ما ملخصه " ~~روى البخارى ومسلم والنسائى عن سعيد بن المسيب قال. البحيرة هى التى تكون ~~درها للطواغيت. والسائبة هى التى كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها ~~شىء، والوصيلة الناقة البكر تبكر فى أول نتاج الإبل ثم تثنى بعد بأنثى ~~وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر. ~~والحام فحل الإبل يضرب الضرائب المعدود فإذا قضى ضرابه تركوه للطواغيت ~~ولا يحملون عليه شيئا. وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود عن النبى ~~صلى الله عليه وسلم قال # " إن أول من سيب السوائب وعبد الإصنام أبو خزاعة عمرو بن لحى وإنى ~~رأيته يجر أمعاءه فى النار ". # والمعنى ما شرع الله - تعالى - شيئا مما حرمه أهل الجاهلية على أنفسهم ~~من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وهذه الحيوانات إنما حرم أهل ~~الجاهلية أكلها والانتفاع بها من عند أنفسهم بدون علم أو برهان، وهم فى ~~هذا التحريم إنما يفترون على الله الكذب الصريح القاطع بسبب كفرهم ~~وضلالهم وأكثرهم لا يفقهون الحق ولا يستجيبون له انقيادا لأهوائهم ~~ورؤسائهم. والمراد بالذين كفروا فى قوله { ولكن الذين ~~كفروا يفترون على الله الكذب } رؤساؤهم وزعماؤهم ~~الذين يأتون لعوامهم بالأحكام الفاسدة والمزاعم الباطلة، وينسبونها إلى ~~دين الله كذبا وزورا. والمراد بأكثرهم فى قوله { وأكثرهم لا ~~يعقلون } عوامهم ودهماؤهم الذين يسيرون خلف كل ناعق بدون تفكير أو ~~تدبر. وقد عبر - سبحانه - بقوله { وأكثرهم } إنصافا للقلة ~~العاقلة التى خالفت هذه الأوهام الباطلة، وإستجابت للحق عند ظهوره. ثم ~~حكى - سبحانه - ما كان عليه هؤلاء العوام المقلدون من جمود وخضوع للباطل ~~فقال. { وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله ~~وإلى الرسول قالوا حسبنا ما ms1696 وجدنا عليه آباءنآ ~~}. أى وإذا قال قائل - على سبيل النصح والإرشاد إلى الخير - لهؤلاء ~~المقلدين المنقادين انقيادا أعمى للأوهام إذا قال لهم هذا القائل تعالوا ~~أى أقبلوا واستجيبوا لما أنزل الله فى كتابه، ولما أنزل على رسوله من ~~هدايات لتسعدوا وتفوزوا قالوا بعناد وغباء - { حسبنا ما وجدنا ~~عليه آباءنآ } كافينا فى هذا الشأن ما وجدوا عليه آباءنا من عقائد ~~وتقاليد وعادات. فلا نلتفت إلى ما سواه. وهذه حجة كل ضال مقلد لمن سبقوه ~~بغير تعقل ولا تدبر. إنه يترك معانى العزة والكرامة وإعمال الفكر ليعيش ~~أسير ذلته للأوهام التى شب عليها وسار خلفها مقلدا غيره ومنقادا له ~~انقياد الخانعين الأذلاء. ولم يذكر - سبحانه - القائل فى قوله { وإذا ~~قيل لهم } للإشارة إلى أن الذين يدعونهم إلى طريق الحق متعددون، ~~فالنبى صلى الله عليه وسلم يدعوهم، والمؤمنون يدعونهم. # والأدلة الدالة على صدق هذا الدين تدعوهم. ومع كل ذلك فهم فى ضلالهم ~~سادرون، وتحت سلطان سادتهم خانعون. وقوله - تعالى - { أولو كان ~~آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون } رد عليهم بأسلوب ~~التأنيب والتعجيب من جهالاتهم وخضوعهم للباطل بدون مراجعة أو تفكير. ~~والواو فى قوله { أولو كان آباؤهم } وأو الحال. والهمزة التى ~~دخلت عليها للانكار والتعجب من ضلالهم. والمعنى أيقولون حسبنا ما وجدنا ~~عليه آباءنا. ويغلقون على أنفسهم باب الهداية ليبقوا فى ظلمات الضلالة ~~ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا من الحق ولا يهتدون إليه لانطماس ~~بصيرتهم. وليس المراد أن آباءهم لو كانوا يعلمون شيئا أو يهتدون إلى شىء ~~لجاز لهم ترك ما أنزل الله وإنما المراد هنا تسجيل الواقع المظلم الذى ~~كانوا عليه وكان عليه آباؤهم من قبلهم. فآباؤهم كانوا كذلك يتبعون ما ~~شرعه لهم آباؤهم بدون تأمل أو تفكير. فالآية الكريمة زيادة فى توبيخهم ~~وتوبيخ آبائهم لأنهم جميعا مشتركون فى الانغماس فى الضلال والجهل. وبعد ~~أن بين - سبحانه - ما بين من التكاليف والأحكام والحلال والحرام، وذم ~~المقلدين لآبائهم تقليدا أعمى. وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين، أمرهم ~~فيه بأن يلزموا أنفسهم طاعة الله، وأنهم ms1697 ليس عليهم شىء من آثام غيرهم ما ~~داموا قد نصحوهم وأرشدوهم إلى الخير فقال - تعالى - { يأيها ~~الذين آمنوا عليكم... } ### || [5.105] # قوله { عليكم } اسم فعل أمر بمعنى الزموا وقوله { أنفسكم } ~~منصوب على الإغراء بقوله { عليكم }. قال الجمل واختلف النحويون فى ~~الضمير المتصل بها - أى بكلمة { عليكم } - والصحيح أنه فى موضع جر ~~كما كان قبل أن تنقل الكلمة إلى الإغراء ". والمعنى يأيها الذين آمنوا ~~بالله إيمانا حقا، الزموا العمل بطاعة الله، بأن تؤدوا ما أمركم به، ~~وتنتهوا عما نهاكم عنه، وأنتم بعد ذلك " لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " أى ~~لا يضركم ضلال من ضل وغوى، ما دمتم أنتم قد أديتم حق أنفسكم عليكم ~~بصيانتها عما يغضب الله وأديتم حق غيركم عليكم بإرشاده ونصحه وأمره ~~بالمعروف ونهيه عن المنكر. فإن أبى هذا الغير الاستجابة لكم بعد النصح ~~والإرشاد والأخذ على يده من الوقوع فى الظلم فلا ضير عليكم فى تماديه فى ~~غيه وضلاله، فإن مصيركم ومرجعكم جميعا إلى الله - تعالى - وحده { ~~فينبئكم } يوم القيامة { بما كنتم تعملون } فى الدنيا ~~من خير أو شر، ويجازى أهل الخير بما يستحقون من ثواب، ويجازى أهل الشر ~~بما يستحقون من عقاب. هذا، وقد يقول قائل إن ظاهر هذه الآية قد يفهم منه ~~بعض الناس، أنه لا يضر المؤمنين أن يتركوا الأمر بالمعروف والنهى عن ~~المنكر ما داموا قد أصلحوا أنفسهم، لأنها تقول { عليكم أنفسكم ~~لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } فهل هذا الفهم مقبول؟ ~~والجواب على ذلك، أن هذا الفهم ليس مقبولا، لأن الآية الكريمة مسوقة ~~لتسلية المؤمنين، ولإدخال الطمأنينة، على قلوبهم إذا لم يجدوا أذنا ~~صاغية لدعوتهم. فكأنها تقول لهم إنكم - أيها المؤمنون - إذا قمتم بما يجب ~~عليكم، لا يضركم تقصير غيركم. ولا شك أن مما يجب عليهم القيام به الأمر ~~بالمعروف والنهى عن المنكر، إذ لا يكون المرء مهتديا إلى الحق مع تركه ~~لفريضة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وإنما يكون مهتديا متى أصلح نفسه ~~ودعا غيره إلى الخير والصلاح. أى أن الهداية التى ms1698 ذكرها - سبحانه - فى ~~قولهم { إذا اهتديتم } لا تتم إلا بإصلاح النفس ودعوة الغير إلى ~~الخير والبر. وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذه المعانى بقوله كان المؤمنون ~~تذهب أنفسهم حسرة على أهل العتو والعناد من الكفرة، يتمنون دخولهم فى ~~الإسلام، فقيل لهم { عليكم أنفسكم } وما كلفتم من إصلاحها ~~والمشى بها فى طرق الهدى { لا يضركم } الضلال عن دينكم إذا كنتم ~~مهتدين. وليس المراد ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فإن من تركهما ~~مع القدرة عليهما لا يكون مهتديا، وإنما هو بعض الضلال الذين فصلت الآية ~~بينهم وبينه. ويبدو أن هذه الآية الكريمة قد فهمها بعض الناس فهما غير ~~سليم - حتى فى الصدر الأول من الإسلام. # قال القرطبى روى أبو داود والترمذى وغيرهما عن قيس بن أبى حازم قال ~~خطبنا أبو بكر الصديق - رضى الله عنه - فقال أيها الناس - إنكم تقرءون ~~هذه الآية وتتأولونها على غير تأويلها { يأيها الذين آمنوا ~~عليكم أنفسكم } وإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله ~~بعذاب من عنده ". # وروى أبو داود والترمذى وغيرهما عن أبى أمية الشعبانى قال أتيت أبا ~~ثعلبه الخشنى فقلت له كيف تصنع بهذه الآية؟ فقال أية آية؟ قلت قوله - ~~تعالى - { يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم } قال ~~أما والله لقد سألت عنها خبيرا. سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال # " ائتمروا كل بالمعروف وتناهوا عن المنكر. حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى ~~متبعا، ودنيا مؤثرة. وإعجاب كل ذى رأى برأيه، فعليك بخاصة نفسك ودع عنك ~~أمر العامة، فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل ~~فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم ". # وفى رواية قيل يا رسول الله! # " أجر خمسين منا أو منهم؟ قال " بل أجر خمسين منكم ". # وأخرج ابن جرير عن جبير بن نفير قال " كنت فى حلقة فيها أصحاب النبى صلى ~~الله عليه وسلم وإنى لأصغر القوم فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهى عن ms1699 ~~المنكر. فقلت أنا أليس الله يقول { يأيها الذين آمنوا ~~عليكم أنفسكم } فأقبلوا على بلسان واحد وقالوا تنزع آية من ~~القرآن لا تعرفها. ولا تدرى ما تأويلها - حتى تمنيت أنى لم أكن تكلمت - ~~ثم أقبلوا يتحدثون، فلما حضر قيامهم قالوا إنك غلام حدث السن وإنك نزعت ~~آية لا تدرى ما هى، وعسى أن تدرك ذلك الزمان، إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى ~~متبعا، وإعجاب كل ذى رأى برأيه فعليك بنفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت ". ~~والخلاصة أن الآية الكريمة لا ترخص فى ترك الأمر بالمعروف والنهى عن ~~المنكر إنها - كما قال الحاكم - لو استدل بها على وجوبهما لكان أولى، لأن ~~قوله { عليكم أنفسكم } معناه الزموا أن تصلحوا أنفسكم باتباع ~~الدلائل من كتاب الله وسنة رسوله والعقليات المؤيدة بها، ودعوة الإخوان ~~إلى ذلك، بإقامة الحجج ودفع الشبه، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ولا ~~تقصروا فى ذلك. ونقل الفخر الرازى عن عبد الله بن المبارك أنه قال هذه ~~أوكد آية فى وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فإنه - سبحانه - قال ~~{ عليكم أنفسكم } يعنى عليكم أهل دينكم ولا يضركم من ضل من ~~الكفار. وهذا كقوله فاقتلوا أنفسكم، يعنى أهل دينكم فقوله { عليكم ~~أنفسكم } يعنى بأن يعظ بعضكم بعضا. ويرغب بعضكم بعضا فى الخيرات ~~وينفره عن القبائح والسيئات ". ثم ختمت السورة حديثها الطويل المتنوع عن ~~الأحكام الشرعية ببيان بعض أحكام المعاملات فى المجتمع الإسلامى فتحدثت ~~عن التشريع الخاص بالإشهاد على الوصية فى حالة السفر، وعن الضمانات التى ~~شرعتها لكى يصل إلى أهله كاملا غير منقوص فقال - تعالى - { يا أيها ~~الذين آمنوا شهادة... } ### || [5.106-108] # ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات مختلفة فى تفاصيلها إلا ~~أنها متقاربة فى مغزاها. ومن ذلك ما ذكره ابن كثير بقوله روى ابن أبى ~~حاتم عن أبن عباس عن تميم الدارى فى هذه الآية { يا أيها الذين ~~آمنوا شهادة بينكم } قال برئ الناس منها غيرى وغير عدى بن ~~بداء، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا الشام ~~لتجارتهما، وقدم ms1700 عليهما مولى لبنى سهم يقال له " بديل بن أبى مريم " ~~بتجارة، معه جام من فضة أى إناء من فضة - يريد به الملك، وهو أعظم تجارته ~~فمرض فأوصى إليهما، وأمرهما أن يبلغا ما ترك إلى أهله - أى يوصلا ما تركه ~~من متاع لورثته. قال تميم فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم، ~~واقتسمنا الثمن أنا وعدى، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا، ~~وفقدوا الجام فسألونا عنه، فقلنا ما ترك غير هذا، وما دفع إلينا غيره. ~~قال تميم فلما أسلمت بعد قدوم النبى صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ~~ذلك، فأتبت أهله فأخبرتهم الخبر، ودفعت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن ~~عند صاحبى مثلها، فوثبوا عليه، فأمرهم النبى صلى الله عليه وسلم أن ~~يستحلفوه بما يحكم به على أهل دينه، فحلف فنزلت { يا أيها الذين ~~آمنوا شهادة } الآيات فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفاه ~~فنزعت الخمسمائة من عدى بن بداء. وقال القرطبى ولا أعلم خلافا أن هذه ~~الآيات نزلت بسبب تميم الدارى وعدى بن بداء، روى البخارى والدارقطنى ~~وغيرهما عن ابن عباس قال # " كان تميم الدارى وعدى بن بداء يختلفان إلى مكة فخرج معهما فتى من بنى ~~سهم فتوفى بأرض ليس بها مسلم، فأوصى إليهما فدفعا تركته إلى أهله وحبسا ~~جاما من فضة مخوصا بالذهب - أى عليه صفائح الذهب مثل خوص النخل - ~~فاستحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما كتمتما ولا اطلعتما " ثم ~~وجد الجام بمكة فقالوا اشتريناه من عدى وتميم، فجاء رجلان من ورثة السهمى ~~فحلفا أن الجام للسهمى، ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا، قال ~~فأخذوا الجام وفيهم نزلت هذه الآيات ". # هذا، والمعنى الإجمالى لهذه الآيات أن الله - تعالى - شرع لكم - أيها ~~المؤمنون - الوصية فى السفر فعلى من يحس منكم بدنو أجله وهو فى السفر أن ~~يحضر رجلا مسلما يوصيه بإيصال ماله لورثته فإذا لم يجد رجلا مسلما فليحضر ~~كافرا، والاثنان أحوط، فإذا أوصلا ما عندهما إلى ورثة الميت. وارتاب ~~الورثة فى أمانة ms1701 هذين الرجلين، فعليهم فى هذه الحالة أن يرفعوا الأمر ~~للحاكم، وعلى الحاكم أن يستحلف الرجلين بالله بعد الصلاة بأنهما ما كتما ~~شيئا من وصية وما خانا. # فإذا ظهر بعد ذلك للحاكم أو لورثة الميت أن هذين الرجلين لم يكونا ~~أمينين فى أداء ما كلفهما الميت بأدائه، فعندئذ يقوم رجلان من أقرب ورثة ~~الميت، ليحلفا بالله أن شهادتهما أحق وأولى من شهادة الرجلين الأولين، ~~وأن هذين الرجلين لم يؤديا الوصية على وجهها. ثم بين - سبحانه - فى الآية ~~الثالثة أن ما شرعه الله لهم هو أضمن طريق لأداء الشهادة على وجهها ~~الصحيح وعليهم أن يراقبوه ويتقوه لكى يكونوا من المؤمنين الصادقين هذا هو ~~المعنى الإجمالى للآيات الكريمة سقناه قبل تفصيل الفول فى تفسيرها حتى ~~يتهيأ الذهن لفهمها بوضوح. قال الآلوسى وقوله { يا أيها الذين ~~آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين ~~الوصية اثنان ذوا عدل منكم }.. إلخ استئناف مسوق ~~لبيان الأحكام المتعلقة بأمور دنياهم، إثر بيان الأحوال المتعلقة بأمور ~~دينهم وفيه من إظهار العناية بمضمونه ما لا يخفى. وللشهادة معان منها، ~~الإحضار والقضاء، والحكم، والحلف، والعلم والإيصاء، والمراد بها هنا ~~الأخير، كما نص عليه جماعة من المفسرين ". وقوله { شهادة } يصح أن يكون ~~مبتدأ وخبره قوله { اثنان } على حذف مضاف. أى شهادة اثنين. ويصح أن يكون ~~مبتدأ والخبر محذوف. أى فيما أمرتم به أن يشهد اثنان ويكون قوله { اثنان ~~} فاعلا لقوله { شهادة } وعليه تكون إضافة قوله { شهادة } إلى الظرف وهو ~~{ بينكم } على التوسع. قال القرطبى قوله { شهادة بينكم } قيل ~~معناه شهادة ما بينكم فحذفت " ما " وأضيفت الشهادة إلى الظرف، واستعمل ~~اسما على الحقيقة، وهو المسمى عند النحويين بالمفعول على السعة. ومنه ~~قوله - تعالى - # هذا فراق بيني وبينك # أى ما بينى وبينك ". والمراد بقوله { إذا حضر أحدكم الموت ~~} ظهور أماراته وعلاماته وهو ظرف متعلق بقوله " شهادة ". وقوله { حين ~~الوصية } بدل من الظرف. وفى هذا الابدال تنبيه على أن الوصية لا ~~ينبغى أن يتهاون فيها. وقوله { ذوا عدل منكم } صفة لقوله { ~~اثنان }. وقوله { أو ms1702 آخران من غيركم } معطوف على قوله { ~~اثنان }. والمراد من غير المسلمين، ويرى بعضهم أن المراد بقوله { منكم ~~} أى من قبيلتكم، وبقوله { من غيركم } أى من غير قبيلتكم. وقوله { ~~إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة ~~الموت } بيان لمكان الوصية وزمانها. والمراد بالضرب فى الأرض السفر ~~فيها وقيل للمسافر ضارب فى الأرض لأنه يضربها برجليه أو بعصاه. والمراد ~~بقوله { فأصابتكم مصيبة الموت } أى فقاربتم نهاية أجلكم ~~بأن احسستم بدنو الموت منكم. فليس المراد الموت بالفعل وإنما المراد ~~مشارفته ومقاربته. وسمى - سبحانه - الموت مصيبة، لأنه بطبيعته يؤلم، أو ~~يصحبه أو يقاربه أو يسبقه آلام نفسية. # قال القرطبى وفى الكلام حذف تقديره إن أنتم ضربتم فى الأرض فأصابتكم ~~مصيبة الموت، فأوصيتم إلى اثنين عدلين فى ظنكم ودفعتم إليهما ما معكم من ~~المال، ثم متم وذهبا إلى ورثتكم بالتركة فارتابوا فى أمرهما، وادعو ~~عليهما خيانة، فالحكم أن تحبسوهما من بعد صلاة، أى تستوثقوا منهما ". ~~فقوله { تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله ~~} كلام مستأنف لبيان ما يجب على الحاكم أن يفعله عند الشك فى أمانة ~~الرجلين اللذين دفع إليهما الميت ما له ليوصلاه إلى أهله. ومعنى { ~~تحبسونهما } توقفونهما وتمكسونهما لأداء اليمين اللازمة عليهما ~~والمراد بالصلاة صلاة العصر. وقد روى ذلك عن ابن عباس وجماعة من ~~التابعين. قال الفخر الرازى إنما عرف هذا التعيين بوجوه أحدها أن هذا ~~الوقت كان معروفا عندهم بالتحليف بعده، فالتقييد بالمعروف المشهور أغنى ~~عن التقييد باللفظ. وثانيها ما روى أنه لما نزلت هذه الآية صلى النبى صلى ~~الله عليه وسلم العصر، ودعا بعدى وتميم فاستحلفهما عند المنبر فصار فعل ~~الرسول دليلا على التقييد. وثالثها أن جميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ~~ويذكرون الله فيه، ويحترزون عن الحلف الكاذب. وقال الزهرى المراد ~~بالصلاة، الصلاة مطلقا وإنما كان الحلف بعد الصلاة، لأنها داعية إلى ~~النطق بالصدق، وناهية عن الكذب والزور. أى توقفون - أيها المسلمون - هذين ~~الرجلين بعد الصلاة لأداء اليمين { فيقسمان بالله } أى فيحلفان ~~بالله { إن ارتبتم } فى صدقهما، بأن يقولا { لا نشتري ms1703 به ~~ثمنا ولو كان ذا قربى } أى لا نحصل بيمين الله عرضا من ~~أعراض الدنيا، ولو كان من نقسم له ونشهد عليه قريبا لنا. { ولا ~~نكتم شهادة الله } أى ولا نكتم الشهادة التى أمرنا الله ~~بإظهارها وأدائها { إنآ إذا لمن الآثمين } أى إنا إذا ~~لتكونن معدودين من المستقرين فى الذنوب والآثام إن كتمناها وبدلناها عن ~~وجهها الصحيح. وقوله { إن ارتبتم } شرط لا يتوجه تحليف الشاهدين ~~إلا به، ومتى لم يقع ريب ولا اختلاف فلا يمين. وجواب الشرط محذوف للعلم ~~به مما قبله. أى إن ارتبتم فحلفوهما. والضمير فى قوله { به } يعود إلى ~~القسم المفهوم من قوله { فيقسمان } أى فيقسمان بالله لا نشترى بصحة القسم ~~ثمنا مهما كان هذا الثمن. وقوله { ولو كان ذا قربى } تأكيد ~~لتنزههما عن الحلف الكاذب. قال صاحب الكشاف والضمير فى { به } للقسم وفى ~~{ كان } للقسم له. يعنى لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضا من الدنيا. أى ~~لا نحلف كاذبين لأجل المال، ولو كان من يقسم له قريبا منا، على معنى أن ~~هذه عادتهم فى صدقهم وأمانتهم أبدا، وأنهم داخلون تحت قوله - تعالى - # كونوا قوامين بالقسط شهدآء لله ولو على ~~أنفسكم أو الوالدين والأقربين # فأنت ترى أن الله - تعالى - قد أكد هذا القسم بجملة من المؤكدات منها أن ~~الحالفين يحلفان بأنهما لا يحصلان بيمين الله ثمنا مهما كانت قيمته، ~~وبأنهما لن يحابيا إنسانا مهما بلغت درجة قرابته وبأنهما لن يكتما ~~الشهادة التى أمرهما الله بأدائها على وجهها الصحيح، وبأنهما يقران على ~~أنفسهما باستحقاق عقوبة الآثم المذنب إن كتما أو خانا أو حادا عن الحق، ~~وهذا كله لأجل أن تصل وصية الميت إلى أهله كاملة غير منقوصة. # ثم بين - سبحانه - الحكم فيما إذا تبين أن الرجلين اللذين دفع إليهما ~~الموصى ما له لم يكونا أمينين فقال { فإن عثر على أنهما ~~استحقآ إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين ~~استحق عليهم الأوليان }. وقوله { عثر } أى اطلع. يقال عثر ~~الرجل على الشىء عثورا إذا اطلع عليه. ويقال عثرت منه على خيانة ms1704 أى ~~اطلعت. وقوله { الأوليان } تثنية أولى بمعنى أقرب. فالمراد بقوله { ~~الأوليان } أى الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما بأحوال الميت. ~~والمعنى فإن اطلع بعد تحليف الشاهدين الوصيين من جهة الميت على أنهما { ~~استحقآ إثما } أى فعلا ما يوجب الإثم من خيانة أو كتمان أو ما ~~يشبههما { فآخران يقومان مقامهما } أى فرجلان آخران يقومان ~~مقام اللذين اطلع على خيانتهما أى يقفان موقفهما فى الحبس بعد الصلاة ~~والحلف ويكون هذان الرجلان الآخران { من الذين استحق ~~عليهم الأوليان }. قال القرطبى قال ابن السرى أى من الذين ~~استحق عليهم الإيصاء واختاره ابن العربى وأيضا فإن التفسير عليه، لأن ~~المعنى عند أهل التفسير من الذين استحقت عليهم الوصية. وقال بعض العلماء ~~قوله { من الذين استحق عليهم الأوليان } أى من ورثة ~~الميت الذين استحق من بينهم الأوليان أى الأقربان إلى الميت الوارثان له. ~~الأحقان بالشهادة، أى اليمين. فقوله { الأوليان } فاعل { استحق ~~}. ومفعول { استحق } محذوف، قدره بعضهم " وصيتهما " وقدره ابن عطية ~~" ما لهم وتركتهم " وقدره الزمخشرى، أن يجردوهما للقيام بالشهادة لأنها ~~حقهما ويظهروا بهما كذب الكاذبين. وقرئ { استحق } على البناء ~~للمفعول. أى من الذين استحق عليهم الإثم أى " جنى عليهم " ، وهم أهل ~~الميت وعشيرته. وعليه فقوله { الأوليان } هو بدل من الضمير فى { يقومان } ~~أو من { آخران }. وقوله { فيقسمان بالله لشهادتنا ~~أحق من شهادتهما وما اعتدينآ إنا إذا لمن ~~الظالمين } بيان لكيفية اليمين التى يحلفها هذان الأوليان. أى فيحلف ~~بالله هذان الأوليان - أى الأقربان إلى الميت - قائلان { لشهاداتنا } أى ~~ليميننا { أحق } بالقبول { من شهادتهما } أى من يمينهما { وما ~~اعتدينآ } أى وما تجاوزنا الحق فى يميننا وفيما نسبناه إليهما من ~~خيانة { إنا إذا لمن الظالمين } أى إنا إذا اعتدينا وقلنا ~~فيهما خلاف الحق لنكونن فى زمرة الظالمين لأنفسهم المستحقين لسخط الله ~~وعقابه. قال الآلوسى وقوله { فيقسمان بالله } معطوف على { ~~يقومان } فى قوله { فآخران يقومان مقامهما } والسببية ظاهرة ~~وقوله { لشهادتنا أحق من شهادتهما } جواب القسم. # والمراد بالشهادة هنا - عند الكثيرين - اليمين كما فى قوله - تعالى - # فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله # وصيغة التفضيل ms1705 { أحق } إنما هى لإمكان قبول يمينهما فى الجملة باعتبار ~~صدقهما فى إدعاء تملكهما لما ظهر فى أيديهما ". ثم بين - سبحانه - وجه ~~الحكمة والمصلحة فيما شرعه مما تقدم تفصيله فقال { ذلك أدنى أن ~~يأتوا بالشهادة على وجههآ أو يخافوا أن ترد ~~أيمان بعد أيمانهم }. فاسم الإشارة { ذلك } يعود إلى ما ~~شرعه الله من أحكام تتعلق بالوصية التى تكون فى السفر ويموت صاحبها. أى ~~ذلك الحكم المذكور { أدنى أن يأتوا بالشهادة على ~~وجههآ } أى أقرب إلى أن يؤدى الأوصياء الشهادة فى هذه الحادثة ~~وأمثالها على وجهها الصحيح. أى على حقيقتها من غير تغيير لها خوفا من ~~عذاب الآخرة. فالوجه فى قوله { على وجههآ } بمعنى الذات والحقيقة. ~~والجملة الكريمة بيان لحكمة مشروعية التحليف بالتغليظ المتقدم، وقوله { ~~أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم } بيان ~~لحكمة رد اليمين على الورثة. وهو معطوف على مقدر ينبئ عنه المقام فكأنه ~~قيل ذلك الذى شرعناه لكم أقرب إلى أن يأتى الأوصياء بالشهادة على وجهها ~~الصحيح فكأنه قيل ذلك الذى شرعناه لكم أقرب إلى أن يأتى الأوصياء ~~بالشهادة على وجهها الصحيح ويخافوا عذاب الآخرة بسبب اليمين الكاذبة، أو ~~يخافوا أن ترد أيمان على الورثة بعد أيمانهم فيظهر كذبهم على رؤوس ~~الأشهاد، فيكون ذلك الخوف داعيا لهم إلى النطق بالحق وترك الكذب ~~والخيانة. فأى الخوفين حصل عندهم سيقودهم إلى التزام الحق وترك الخيانة ~~وإيصال الحقوق لذويها كاملة غير منقوصة. فمن لم يمنعه خوف الله من أن ~~يكذب أو يخون لضعف دينه منعه خوف الفضيحة على رءوس الأشهاد. ثم قال - ~~سبحانه { ذلك أدنى } أى أقرب إلى الحق وأبعد عن الباطل لأن معرفة ~~الحق من كل وجوهه وجزئياته، مرجعها إلى الله العليم بخفايا الأمور ~~وبواطنها وبواعثها. أما الحاكم فإنه يحكم على حسب ما يظهر له من حق، ~~وحكمه قابل للخطأ والصواب. والضمير فى قوله { يأتوا } { يخافوا ~~} { وأيمانهم } يعود إلى الأوصياء الذين أوصاهم الميت بإيصال ما ~~يريد إيصاله لورثته، ثم حدث شك من الورثة فى أمانتهم. وجاء الضمير مجموعا ~~مع أن السياق ms1706 لاثنين فقط، لأن المراد ما يعم هذين المذكورين وما يعم ~~غيرهما من بقية الناس. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { ~~واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين }. أى واتقوا الله فى كل ما تأتون وتذرون من أموركم ~~واسمعوا ما تؤمرون به سماع إذعان وقبول وطاعة واعلموا أن الله - تعالى - ~~لا يوفق القوم الخارجين عن طاعته إلى طريق الخير والفلاح، لأنهم آثروا ~~الغى على الرشد واستحبوا العمى على الهدى. # فهذا الختام للآية الكريمة اشتمل على ابلغ الوان التحذير من معصية الله ~~ومن مخالفة أمره. هذا ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما ~~يأتى 1 - الحث على الوصية وتأكيد أمرها، وعدم التهاون فيها بسبب السفر أو ~~غيره، لأن الوصية تثبت الحقوق، وتمنع التنازع ولهذا شدد الإسلام فى ~~ضرورة كتابة الوصية، والشخص قوى معافى، ففى صحيح مسلم عن ابن عمر أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال # " ما حق امرئ مسلم له شىء يريد أن يوصى فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته ~~مكتوبة عنده ". # قال ابن عمر - راوى هذا الحديث - " ما مرت على ليلة منذ سمعت رسول الله ~~قال ذلك إلا وعندى وصيتى ". 2 - الإشهاد على الوصية فى الحضر والسفر، ~~ليكون أمرها أثبت، والرجاء فى تنفيذها أقوى، فإن عدم الإشهاد عليها ~~كثيرا ما يؤدى إلى التنازع وإلى التشكك فى صحتها. 3 - شرعية اختيار ~~الأوقات والأمكنة والصيغ المغلظة التى تؤثر فى قلوب الشهود وفى قلوب ~~مقسمى الأيمان، وتحملهم على النطق بالحق. قال صاحب المنار ويشهد لاختيار ~~الأوقات جعل القسم بعد الصلاة، ومثله فى ذلك اختيار المكان ومما ورد فى ~~السنة فى ذلك ما رواه مالك وأحمد وأبو داود. عن جابر مرفوعا، " لا يحلف ~~أحد عند منبرى كاذبا إلا تبوأ مقعده من النار ". ويشهد بجواز التغليظ على ~~الحالف فى صيغة اليمين - بأن يقول فيه ما يرجى أن يكون رادعا للحالف عن ~~الكذب - ما جاء فى الآيات الكريمة من قوله - تعالى - { فيقسمان ~~بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا ~~قربى ms1707 ولا نكتم شهادة الله إنآ إذا لمن ~~الآثمين }. 4 - جواز تحليف الشهود إذا ارتاب الحكام أو الخصوم فى ~~شهادتهم، وقد روى عن ابن عباس أنه حلف المرأة التى شهدت فى قضية رضاع بين ~~زوجين. 5 - جواز شهادة غير المسلمين على المسلمين عند الضرورة، وقد بسط ~~الإمام القرطبى القول فى هذه المسألة على ثلاثة أقوال الأول أن الكاف ~~والميم فى قوله { اثنان ذوا عدل منكم } ضمير للمسلمين، وفى ~~قوله { أو آخران من غيركم } للكافرين. فعلى هذا تكون شهادة ~~أهل الكتاب على المسلمين جائزة فى السفر إذا كانت وصية. وهو الأشبه بسياق ~~الآية، مع ما تقرر من الأحاديث. وهوقول ثلاثة من الصحابة الذين شاهدوا ~~التنزيل وهم أبو موسى الأشعرى وعبد الله بن مسعود وعبدالله بن عباس، ~~وتبعهم فى ذلك جمع من التابعين، واختاره أحمد بن حنبل وقال شهادة أهل ~~الذمة جائزة على المسلمين فى السفر عند عدم المسلمين، كلهم يقولون " منكم ~~" من المؤمنين. # ومعنى { من غيركم } يعنى الكفار. القول الثانى أن قوله - سبحانه ~~- { أو آخران من غيركم } منسوخ وهذا قول زيد بن أسلم والنخعى ~~ومالك والشافعى وأبى حنيفة وغيرهم من الفقهاء. واحتجوا بقوله - تعالى - # ممن ترضون من الشهدآء # وبقوله # وأشهدوا ذوي عدل منكم # فهؤلاء زعموا أن آية الدين من آخر ما نزل وأن فيها # ممن ترضون من الشهدآء # فهو ناسخ لذلك، ولم يكن الإسلام يومئذ إلا بالمدينة فجازت شهادة أهل ~~الكتاب. وهو اليوم طبق الأرض فسقطت شهادة الكفار وقد أجمع المسلمون على ~~أن شهادة الفساق لا تجوز والكفار فساق فلا تجوز شهادتهم. قال القرطبى قلت ~~ما ذكرتموه صحيح إلا أنا نقول بموجبه وأن ذلك جائز فى شهادة أهل الذمة ~~على المسلمين فى الوصية فى السفر خاصة للضرورة بحيث لا يوجد مسلم وأما مع ~~وجود مسلم فلا. ولم يأت ما ادعيتموه من النسخ عن أحد ممن شهد التنزيل، ~~وقد قال بالأولى ثلاثة من الصحابة ومخالفة الصحابة إلى غيرهم ينفر عنه ~~أهل العلم. ويقوى هذا أن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا، حتى قال ms1708 ابن ~~عباس والحسن وغيرهما إنه لا منسوخ فيها، وما ادعوه من النسخ لا يصح، فإن ~~النسخ لابد فيه من إثبات الناسخ على وجه ينافى الجمع بينهما مع تراخى ~~الناسخ فما ذكروه لا يصح أن يكون ناسخا، فإنه فى قصة غير قصة الوصية ~~لمكان الحاجة والضرورة، ولا يمتنع اختلاف الحكم عند الضرورات. القول ~~الثالث أن الآية لا نسخ فيها. قاله الزهرى والحسن وعكرمة، ويكون معنى ~~قوله { منكم } أى من عشيرتكم وقرابتكم.. ومعنى { أو آخران من ~~غيركم } أى من غير القرابة والعشيرة. وهذا ينبنى على معنى غامض فى ~~العربية، وذلك أن معنى { آخر } فى العربية من جنس الأول، تقول مررت بكريم ~~وكريم آخر ولا تقول مررت بكريم وخسيس آخر، فوجب على هذا أن يكون قوله { ~~أو آخران من غيركم } أى عدلان من غير عشيرتكم من المسلمين ". ~~وبعد أن ساقت السورة الكريمة قبل ذلك ما ساقت من تشريعات حكيمة ومن تفصيل ~~لأحوال أهل الكتاب وعقائدهم الزائفة. بعد كل ذلك اتجهت السورة فى أواخرها ~~إلى الكلام عن أحوال الناس يوم القيامة وعن معجزات عيسى - عليه السلام - ~~وعن موقف الحواريين منه. قال - تعالى { يوم يجمع الله ~~الرسل فيقول... } ### || [5.109-110] # قال الفخر الرازى اعلم أن عادة الله تعالى - جارية فى هذا الكتاب الكريم ~~أنه إذا ذكر أنواعا كثيرة من الشرائع والتكاليف والأحكام، أتبعها إما ~~بالإلهيات وإما بشرح أحوال الأنبياء أو بشرح أحوال القيامة، ليصير ذلك ~~مؤكدا لما تقدم ذكره من التكاليف والشرائع فلا جرم لما ذكر - فيما تقدم ~~أنواعا كثيرة من الشرائع، أتبعها بوصف أحوال القيامة. ثم قال وفى هذه ~~الآية قولان أحدهما أنها متصلة بما قبلها والتقدير واتقوا الله يوم يجمع ~~الله الرسل - فيكون قوله { يوم يجمع } بدل اشتمال من قوله فى ~~الآية السابقة # واتقوا الله # والقول الثانى أنها منقطعة عما قبلها والتقدير اذكروا { يوم يجمع ~~الله الرسل }. والمعنى لقد سقنا لكم - أيها الناس - ما سقنا من ~~الترغيب والترهيب وبينا لكم ما بينا من الأحكام والآداب، فمن الواجب ~~عليكم أن تتقوا الله وأن تحذروا عقابه، ms1709 وأن تذكروا ذلك اليوم الهائل ~~الشديد يوم يجمع الله الرسل الذين أرسلهم إلى مختلف الأقوام. فى شتى ~~الأمكنة والأزمان فيقول لهم ماذا أجبتم من أقوامكم؟ أى ما الإجابة التى ~~أجابكم بها أقوامكم؟ وخص - سبحانه - الرسل بالذكر - مع أن الرسل وغيرهم ~~سيجمعون للحساب يوم القيامة - لإظهار شرفهم وللإيذان بعدم الحاجة إلى ~~التصريح بجمع غيرهم من الأقوام لأن هؤلاء الأقوام إنما هم تبع لهم. وقال ~~- سبحانه - { ماذآ أجبتم } ولم يقل - مثلا - " هل بلغتم رسالتى ~~أولا "؟ للإشعار بأن الرسل الكرام قد بلغوا رسالة الله على أكمل وجه وأن ~~الذين خالفوهم من أقوامهم سيتحملون وزر مخالفتهم يوم القيامة. وقوله { ~~قالوا لا علم لنآ إنك أنت علام الغيوب } حكاية ~~لاجابة الرسل فإن قيل لماذا نفوا عن أنفسهم العلم مع أن عندهم بعض العلم؟ ~~فالجواب على ذلك أن هذا من باب التأدب مع الله - تعالى - فكأنهم يقولون ~~لا علم لنا يذكر بجانب علمك المحيط بكل شىء، ونحن وإن كنا قد عرفنا ما ~~أجابنا به أقوامنا، إلا أن معرفتنا هذه لا تتعدى الظواهر، أما علمك أنت - ~~يا ربنا - فشامل للظواهر والبواطن، أو أنهم قالوا ذلك إظهارا للتشكى ~~والالتجاء إلى الله ليحكم بينهم وبين أقوامهم الذين كذبوهم. أو أن مرادهم ~~لا علم لنا بما كان منهم بعد أن فارقناهم وفارقنا من جاء بعدنا من الناس، ~~لأن علمنا مقصور على حال من شاهدناهم وعاصرناهم. ورحم الله صاحب الكشاف ~~قد حكى هذه الأقوال وغيرها بأسلوبه البليغ فقال فإن قلت ما معنى سؤالهم؟ ~~قلت توبيخ قومهم. كما كان سؤال الموءودة توبيخا للوائد. فإن قلت كيف ~~يقولون " لا علم لنا وقد علموا بما أجيبوا؟ ". # قلت يعلمون أن الغرض بالسؤال توبيخ أعدائهم فيكلون الأمر إلى علمه ~~وإحاطته بما منوا به منهم - أى بما ابتلوا به منهم -، وكابدوا من سوء ~~إجابتهم، إظهارا للتشكى واللجأ إلى ربهم فى الانتقام منهم، وذلك أعظم على ~~الكفرة، وأفت فى أعضادهم، وأجلب لحسرتهم وسقوطهم فى أيديهم، إذا اجتمع ~~توبيخ الله لهم وتشكى أنبيائه منهم. ومثاله أن ينكب بعض الخوارج ms1710 على ~~السلطان خاصة من خواصه نكبة، قد عرفها السلطان واطلع على كنهها وعزم على ~~الانتصار له منه. فجمع بينهما ويقول له ما فعل بك هذا الخارجى؟ - وهو ~~عالم بما فعل به - يريد توبيخه وتبكيته، فيقول له أنت أعلم بما فعل بى، ~~تفويضا للأمر إلى علم سلطانه واتكالا عليه، وإظهارا للشكاية وتعظيما لما ~~حل به منه - ولله المثل الأعلى - وقيل من هول ذلك اليوم يفزعون ويذهلون ~~عن الجواب، ثم يجيبون بعدما تثوب إليهم عقولهم بالشهادة على أنفسهم. وقيل ~~معناه علمنا ساقط مع علمك ومغمور، لأنك علام الغيوب، ومن علم الخفيات لم ~~تخف عليه الظواهر التى فيها إجابة الأمم لرسلهم. وقيل معناه " لا علم لنا ~~بما كان منهم بعدنا، وإنما الحكم للخاتمة، وكيف يخفى عليهم أمرهم وقد ~~رأوهم سود الوجه موبخين ". ثم ذكر - سبحانه - بعض النعم التى أنعم بها ~~على عيسى وأمه فقال { إذ قال الله يعيسى ابن مريم ~~اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك }. وقوله { إذ قال ~~الله يعيسى ابن مريم } بدل من قوله { يوم يجمع ~~الله الرسل } وقد نصب بإضمار اذكر. والمعنى اذكر أيها المخاطب ~~لتعتبر وتتعظ يوم يجمع الله الرسل فيقول لهم ماذا أجبتم؟. واذكر - أيضا ~~- زيادة فى العبرة والعظة قوله - سبحانه - { يعيسى ابن مريم } ~~تذكر يا عيسى نعمى المتعددة عليك وعلى والدتك - وعبر بالماضى فى قوله { ~~إذ قال الله } مع أن هذا القول سيكون فى الآخرة، للدلالة على تحقيق ~~الوقوع، وأن هذا القول سيحصل بلا أدنى ريب يوم القيامة. قال أبو السعود ~~قوله - تعالى { إذ قال الله يعيسى ابن مريم } شروع فى ~~بيان ما جرى بينه - تعالى - وبين واحد من الرسل المجموعين، من المفاوضة ~~على التفصيل، إثر بيان ما جرى بينه - تعالى - وبين الكل على وجه الإجمال ~~ليكون ذلك كالأنموذج لتفاصيل أحوال الباقين، وتخصيص شأن عيسى بالبيان، ~~لما أن شأنه - عليه السلام - متعلق بكلا الفريقين من أهل الكتاب الذين ~~نعت عليهم هذه السورة جناياتهم. فتفصيل شأنه يكون أعظم عليهم، وأجلب ~~لحسراتهم، وأدخل فى صرفهم عن غيهم وعنادهم ". والمراد بالنعمة ms1711 فى قوله { ~~اذكر نعمتي } النعم المتعددة التى أنعم بها - سبحانه - على عيسى ~~وعلى والدته مريم حيث طهرها من كل ريبة، واصطفاها على نساء العالمين. # وفى ندائه - سبحانه - لعيسى بقوله { يعيسى ابن مريم } إشارة ~~إلى أنه ابن لها وليس ابنا لأحد سواها، فقد ولد من غير أب، ومن كان شأنه ~~كذلك لا يصلح أن يكون إلها، لأن الإله الحق لا يمكن أن يكون مولودا أو ~~محدثا. وقوله { إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس ~~في المهد وكهلا } تعديد للنعم التى أنعم الله - تعالى - بها على ~~عيسى. وقوله { أيدتك } أى قويتك من التأييد بمعنى التقوية. والمراد بروح ~~القدس جبريل - عليه السلام - فإن من وظيفته أن يؤيد الله به رسله ~~بالتعليم الإلهى، وبالتثبيت فى المواطن التى من شأن البشر أن يضعفوا ~~فيها. وقيل المراد { بروح القدس } روح عيسى حيث أيده - سبحانه - ~~بطبيعة روحانية مطهرة فى وقت سادت فيه المادية وسيطرت. أى أيدتك بروح ~~الطهارة والنزاهة والكمال، فكنت متسما بهذه الروح الطاهرة من كل سوء. ~~والمهد سن الطفولة والصبا - والكهولة السن التى يكون فى أعقاب سن الشباب. ~~والمعنى اذكر يا عيسى نعمتى عليك وعلى والدتك، وقت أن قويتك بروح القدس ~~الذى تقوم به حجتك، ووقت أن جعلتك تكلم الناس فى طفولتك بكلام حكيم لا ~~يختلف عن كلامك معهم فى حال كهولتك واكتمال رجولتك. وقوله { إذ ~~أيدتك } ظرف لنعمتى. أى اذكر إنعامى عليكما وقت تأييدى لك. وذكر - ~~سبحانه - كلامه فى حال الكهولة - مع أن الكلام فى هذه الحالة معهود فى ~~الناس - للإيذان بأن كلامه فى هاتين الحالتين - المهد والكهولة - كان ~~على نسق واحد بديع صادر عن كمال العقل والتدبير، دون أن يكون هناك فرق ~~بين حالة الضعف وحالة القوة. قال الرازى وهذه خاصية شريفة كانت حاصلة له، ~~وما حصلت لأحد من الأنبياء قبله ولا بعده. وقال ابن كثير قوله { اذكر ~~نعمتي عليك } أى فى خلقى إياك من أم بلا ذكر، وجعلى إياك آية ~~ودلالة قاطعة على كمال قدرتى { وعلى والدتك } حيث جعلتك لها ~~برهانا على براءتها ms1712 مما نسبه الظالمون والجاهلون إليها من الفاحشة و { ~~إذ أيدتك بروح القدس } وهو جبريل، وجعلتك نبيا داعيا إلى ~~الله فى صغرك وكبرك. فأنطقتك فى المهد صغيرا فشهدت ببراءة أمك من كل ~~عيب. واعترفت لى بالعبودية. وأخبرت عن رسالتى إياك ودعوتك إلى عبادتى ~~ولهذا قال { تكلم الناس في المهد وكهلا } أى تدعو إلى ~~الله الناس فى صغرك وكبرك. وضمن { تكلم } معنى تدعو، لأن كلامه الناس فى ~~كهولته ليس بأمر عجيب ". وقوله { وإذ علمتك الكتاب ~~والحكمة والتوراة والإنجيل } بيان لنعمة أخرى من النعم ~~التى أنعم بها - سبحانه - على عيسى. # والمراد بالكتاب الكتابة. أى أن عيسى - عليه السلام - لم يكن أميا بل ~~كان قارئا وكاتبا وقيل المراد به ما سبقه من كتب النبيين كزبور داود، ~~وصحف إبراهيم، وأخبار الأنبياء الذين جاءوا من قبله. والمراد بالحكمة ~~الفهم العميق للعلوم مع العمل بما فهمه وإرشاد الغير إليه. أى واذكر وقت ~~أن علمتك الكتابة حتى تستطيع أن تتحدى من يعرفونها من قومك. ووقت أن ~~علمتك { الحكمة } بحيث تفهم أسرار العلوم فهما سليما تفوق به غيرك، كما ~~علمتك أحكام الكتاب الذى انزلته على أخيك موسى وهو التوراة وأحكام الكتاب ~~الذى أنزلته عليك وهو الإنجيل. ثم ذكر - سبحانه - بعض معجزات عيسى، بعد ~~أن بين بعض ما منحه من علم ومعرفة، فقال { وإذ تخلق من الطين ~~كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا ~~بإذني } أى واذكر وقت أن وفقتك لأن تخلق أى تصور من الطين صورة ~~مماثلة لهيئة الطير { فتنفخ فيها } أى فى تلك الهيئة المصورة { فتكون } ~~أى فتصير تلك الهيئة المصورة { طيرا بإذني } أى تصير كذلك بقدرتى ~~وإرادتى وأمرى. ثم قال - تعالى { وتبرىء الأكمه } وهو الذى يولد ~~أعمى وتبرئ كذلك { والأبرص } وهو المريض بهذا المرض العضال { ~~بإذني }. وقوله { وتبرئ } معطوف على { تخلق }. وقوله { وإذ ~~تخرج الموتى بإذني } معطوف على قوله { وإذ تخلق من ~~الطين }. أى واذكر وقت أن جعلت من معجزاتك أن تخرج الموتى من القبور ~~أحياء ينطقون ويتحركون. وكل ذلك بإذنى ومشيئتى وإرادتى. وقد ذكر المفسرون ~~أن ms1713 إبراء عيسى للأكمه والأبرص وإحياءه للموتى كان عن طريق الدعاء، وكان ~~دعاؤه يا حى يا قيوم، وذكروا من بين من أحياهم سام بن نوح. وبعد أن ذكر - ~~سبحانه - بعض المعجزات التى أعطاها لعيسى لكى ينفع بها الناس، أتبعها ~~بذكر ما دفعه عنه من مضار فقال { وإذ كففت بني إسرائيل ~~عنك إذ جئتهم بالبينات }. أى واذكر نعمتى عليك وقت أن ~~صرفت عنك اليهود الذين أرادوا السوء، وسعوا فى قتلك وصلبك مع أنك قد ~~بشرتهم وأنذرتهم وجئتهم بالمعجزات الواضحات التى تشهد بصدقك فى نبوتك. ~~وقوله { فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا ~~سحر مبين } تذييل قصد به ذمهم وتسجيل الحقد والجحود عليهم. أى لقد ~~أعطيناك يا عيسى ما أعطيناك من النعم والمعجزات لتكون دليلا ناطقا بصدقك، ~~وشاهدا يحمل الناس على الإيمان بنبوتك، ولكن الكافرين من بنى إسرائيل ~~الذين أرسلت إليهم لم يصدقوا ما جئتهم به من معجزات واضحات، بل سارعوا ~~إلى كذيبك قائلين ما هذا الذى جئتنا به يا عيسى إلا سحر ظاهر، وتخبيل ~~بين. وهكذا نرى أن الكافرين من بنى إسرائيل، لم تزدهم البينات التى جاء ~~بها عيسى إلا جحودا وعنادا. ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما قاله ~~الحواريون لعيسى، وما طلبوه منه، مما يدل على إكرام الله - تعالى - لنبيه ~~عيسى فقال { وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا... ~~} ### || [5.111-115] # قال ابن كثير ما ملخصه وقوله { وإذ أوحيت إلى ~~الحواريين } هذا أيضا من الامتنان على عيسى، بأن جعل الله له ~~أصحابا وأنصارا - وهم الحواريون - والمراد بهذا الوحى الإلهام كما فى ~~قوله # وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه # وكما فى قوله # وأوحى ربك إلى النحل # وقال بعض السلف فى هذه الآية { وإذ أوحيت إلى ~~الحواريين } أى ألهموا ذلك فامتثلوا ما الهموا. فأنت ترى أن ~~الإمام ابن كثير يرى أن المراد بالوحى هنا الإلهام. وعلى ذلك كثير من ~~المفسرين، ومنهم من يرى أن المراد بقوله { وإذ أوحيت إلى ~~الحواريين } أى مرتهم فى الإنجيل على لسانك أو أمرتهم على ألسنة ~~رسلى. قال الآلوسى معززا هذا ms1714 الرأى وقد جاء استعمال الوحى بمعنى الأمر ~~فى كلام العرب، كما قال الزجاج وأنشد # الحمد لله الذى استقلت بإذنه السماء وأطمأنت أوحى لها القرار فاستقرت # أى أمرها أن تقر فامتثلت. والحواريون جمع حوارى. وهم أنصار عيسى الذين ~~لازموه وآمنوا به وصدقوه. وكانوا عونا له فى الدعوة إلى الحق. يقال فلان ~~حوارى فلان. أى خاصته من أصحابه. ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم فى ~~الزبير بن العوام # " لكل نبى حوارى وحوارى الزبير ". # وأصل مادة " حور " الدلالة على شدة الصفاء ونصوع البياض، ولذلك قالوا فى ~~خالص لباب الدقيق الحوارى وقالوا فى النساء البيض الحواريات والحوريات. ~~وقد سمى الله - تعالى - أنصار عيسى بالحواريين، لأنهم أخلصوا لله نياتهم، ~~وطهروا نفوسهم من النفاق والخداع فصاروا فى نقائهم وصفائهم كالشىء الأبيض ~~الخالص البياض. قال الراغب والحواريون أنصار عيسى - عليه السلام - قيل ~~كانوا صيادين وقال بعض العلماء إنما سموا حواريين لأنهم كانوا يطهرون ~~نفوس الناس بإفادتهم الدين والعلم. والمعنى اذكر نعمتى عليك - يا عيسى - ~~حين { أوحيت إلى الحواريين } بطريق الإلهام أو بطريق ~~الأمر على لسانك، وقلت لهم { أن آمنوا بي وبرسولي } أى آمنوا ~~وصدقوا بأنى أنا الواحد الأحد المستحق للعبادة والخضوع وآمنوا برسولى ~~عيسى بأنه مرسل من جهتى لهدايتكم وسعادتكم. وفى ذكر كلمة { برسولي } ~~إشارة إلى مقامه من الله - عز وجل - وانفصال شخصه عن ذات الله - سبحانه - ~~وأن عيسى ما هو إلا رسول من رب العالمين وأن من زعموا أنه غير ذلك جاهلون ~~وضالون. وقوله { قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون } ~~حكاية لما نطق به الحواريون من إيمان وطاعة. أى أن الحورايين عندما دعوا ~~إلى الدين الحق { قالوا آمنا } بأن الله هو الواحد الأحد المستحق ~~للعبادة وأنه لا والد له ولا ولد. ثم أكدوا إيمانهم هذا، بأن قالوا { ~~واشهد } علينا يا آلهنا واشهد لنا يا عيسى يوم القيامة { بأننا ~~مسلمون } أى منقادون لكل ما جئتنا به وما تدعونا إليه. # وقدموا ذكر الإيمان لأنه صفة القلب، وأخروا ذكر الإسلام لأنه عبارة عن ~~الانقياد الظاهر فكأنهم قالوا لقد استقر ms1715 الإيمان فى قلوبنا استقرارا ~~مكينا، كان من ثماره أن انقادت ظواهرنا لكل ما يأمرنا الله به على لسانك ~~يا عيسى. قال الفخر الرازى ما ملخصه فإن قيل إنه - تعالى - قال فى أول ~~الآية # اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك # ثم إن جميع ما ذكره - تعالى - من النعم مختص بعيسى، وليس لأمه تعلق بشىء ~~منها. قلنا كل ما حصل للولد من النعم الجليلة والدرجات العالية فهو حاصل ~~على سبيل التضمن والتبع للأم ولذلك قال - تعالى - # وجعلنا ابن مريم وأمه آية # فجعلهما معا آية واحدة لشدة اتصال كل واحد منهما بالآخر. وإنما ذكر - ~~سبحانه قوله { وإذ أوحيت } فى معرض تعديد النعم لأن صيرورة ~~الإنسان مقبول القول عند الناس محبوبا فى قلوبهم، من أعظم نعم الله على ~~الإنسان. وقد عدد عليه من النعم سبعا # إذ أيدتك # وإذ علمتك # وإذ تخلق # وإذ تبرىء # وإذ تخرج الموتى # وإذ كففت # وإذ أوحيت # ثم حكى - سبحانه - بعض ما دار بين عيسى وبين الحواريين فقال { إذ ~~قال الحواريون يعيسى ابن مريم هل يستطيع ~~ربك أن ينزل علينا مآئدة من السمآء }. " ~~المائدة " الخوان إذا كان عليه الطعام من ماد يميد، إذا تحرك. فكأن ~~المائدة تتحرك بما عليها. وقال أبو عبيدة سميت " مائدة " لأنها ميد بها ~~صاحبها. أى أعطيها وتفضل عليه بها. والخوان ما يؤكل عليه الطعام. ويرى ~~الأخفش وغيره أن المائدة هى الطعام نفسه، مأخوذة من " ماده " إذا أفضل. و ~~" إذ " فى قوله { إذ قال الحواريون يعيسى ابن مريم } ~~متعلق بمحذوف تقديره اذكر وقت قول الحواريين يا عيسى ابن مريم. وقد ذكروه ~~باسمه ونسبوه إلى أمه - كما حكى القرآن عنهم - لئلا يتوهم أنهم اعتقدوا ~~ألوهيته أو ولديته وقوله { هل يستطيع ربك أن ينزل ~~علينا مآئدة من السمآء } فيه قراءتان سبعيتان الأولى { ~~يستطيع ربك } بالياء - على أنه فعل فاعل. وقوله { أن ينزل ~~} المفعول. والاستفهام على هذه القراءة محمول على المجاز، لأن الحواريين ~~كانوا مؤمنين، ولا يعقل من مؤمن أن يشك فى قدرة الله. ومن تخرجاتهم فى ~~معنى هذه القراءة أن قوله ms1716 { يستطيع } بمعى " يطيع " والسين زائدة. ~~كاستجاب وأجاب. أى أن معنى الجملة الكريمة هل يطيعك - ربك يا عيسى إن ~~سألته أن ينزل علينا مائدة من السماء. وسنفصل القول فى تخريج هذه ~~القراءة، وفى اختلاف المفسرين فى إيمان الحواريين بعد انتهائنا من تفسير ~~هذه الآيات الكريمة. أما القراءة الثانية فهى " هل تستطيع ربك " بالتاء ~~وبفتح الباء فى " ربك " والمعنى هل تستطيع يا عيسى أن تسأل ربك أن ينزل ~~علينا مائدة من السماء. # فقوله " ربك " منصوب على التعظيم بفعل محذوف يقدر على حسب المقام وهذه ~~القراءة لا إشكال فيها، لأن الاستطاعة فيها متجهة إلى عيسى. أى أتستطيع ~~يا عيسى سؤال ربك إنزال المائدة أم لا تستطيع؟ قال القرطبى قراءة الكسائى ~~وعلى وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد " هل تستطيع " بالتاء " ربك " ~~بالنصب وقرأ الباقون بالياء " هل تستطيع " " ربك " بالرفع. والمعنى على ~~قراءة الكسائى - بالتاء هل تستطيع أن تسأل ربك.. قالت عائشة كان القوم ~~أعلم بالله - تعالى - من أن يقولوا " هل يستطيع ربك " وقال معاذ أقرأنا ~~النبى صلى الله عليه وسلم هل تستطيع ربك قال معاذ وسمعت النبى صلى الله ~~عليه وسلم مرارا يقرأ بالتاء ". وقوله - سبحانه - { قال اتقوا ~~الله إن كنتم مؤمنين } حكاية لما رد به عيسى على الحواريين ~~فيما طلبوه من إنزال المائدة أى قال لهم عيسى اتقوا الله وقفوا عند ~~حدوده، واملأوا قلوبكم هيبة وخشية منه، ولا تطلبوا أمثال هذه المطالب إن ~~كنتم مؤمنين حق الإيمان، فإن المؤمن الصادق فى إيمانه يبتعد، عن أمثال ~~هذه المطالب التى قد تؤدى إلى فتنته. ثم حكى القرآن ما رد به الحواريون ~~على عيسى فقال { قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن ~~قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من ~~الشاهدين }. أى قال الحواريون لعيسى إننا نريد نزول هذه المائدة ~~علينا من السماء لأسباب أولها إننا نرغب فى الأكل منها لننال البركة، ~~ولأننا فى حاجة إلى الطعام بعد أن ضيق علينا أعداؤك وأعداؤنا الذين لم ~~يؤمنوا برسالتك. وثانيها أننا نرغب فى نزولها لكى تزداد قلوبنا اطمئنانا ms1717 ~~إلى أنك صادق فيما تبلغه عن ربك، فإن انضمام علم المشاهدة إلى العلم ~~الاستدلالى، مما يؤدى إلى رسوخ الإيمان، وقوة اليقين. وثالثها أننا نرغب ~~فى نزولها لكى نعلم أن قد صدقتنا فى دعوة النبوة، وفى جميع ما تخبرنا به ~~من مأمورات ومنهيات، لأن نزولها من السماء يجعلها تخالف ما جئتنا به من ~~معجزات أرضية، وفى ذلك ما فيه من الدلالة على صدقك فى نبوتك. ورابع هذه ~~الأسباب أننا نرغب فى نزولها لكى نكون من الشاهدين على هذه المعجزة عند ~~الذين لم يحضروها من بنى إسرائيل، ليزداد الذين آمنوا منهم إيمانا، ~~ويؤمن الذى عنده استعداد للإيمان. وبذلك نرى أن الحواريين قد بينوا ~~لعيسى - كما حكى القرآن عنهم - أنهم لا يريدون نزول المائدة من السماء ~~لأنهم يشكون فى قدرة الله، أو فى نبوة عيسى أو أن مقصدهم من هذا الطلب ~~التعنت. # وإنما هم يريدون نزولها لتلك الأسباب السابقة التى يبغون من ورائها ~~الأكل وزيادة الإيمان واليقين والشهادة أمام الذين لم يحضروا نزولها ~~بكمال قدرة الله وصدق عيسى فى نبوته. ثم حكى - سبحانه - ما تضرع به عيسى ~~بعد أن سمع من الحواريين ما قالوه فى سبب طلبهم لنزول المائدة من السماء ~~فقال - تعالى - { قال عيسى ابن مريم اللهم ربنآ ~~أنزل علينا مآئدة من السمآء تكون لنا عيدا ~~لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير ~~الرازقين }. وقوله { اللهم } أى يا الله. فالميم المشددة عوض عن حرف ~~النداء، ولذلك لا يجتمعان. وهذا التعويض خاص بنداء الله ذى الجلال ~~والإكرام. وقوله { عيدا } أى سرورا وفرحا لنا، لأن كلمة العيد تستعمل ~~بمعنى الفرح والسرور. قال القرطبى والعيد واحد الأعياد. أصله من عاد يعود ~~أى رجع وقيل ليوم الفطر والأضحى عيد، لأنهما يعودان كل سنة. وقال الخليل ~~" العيد كل يوم يجمع الناس فيه كأنهم عادوا إليه، وقال ابن الانبارى سمى ~~عيدا للعود إلى المرح والفرح فهو يوم سرور ". والمعنى قال عيسى بضراعة ~~وخشوع - بعد أن سمع من الحواريين حجتهم - { اللهم ربنآ } أى يا ~~الله يا ربنا ومالك أمرنا، ms1718 ومجيب سؤالنا. أتوسل إليك أن تنزل علينا { ~~مآئدة من السمآء } أى أطعمة كائنة من السماء، هذه الأطعمة { ~~تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا } أى يكون يوم نزولها عيدا ~~نعظمه ونكثر من التقرب إليك فيه نحن الذين شاهدناها، ويكون - أيضا - يوم ~~نزولها عيدا وسرورا وبهجة لمن سيأتى بعدنا ممن لم يشاهدنا. قال ابن ~~كثير. قال السدى أى نتخذ ذلك اليوم الذى نزلت فيه عيدا نعظمه نحن ومن ~~بعدنا. وقال سفيان الثورى يعنى يوما نصلى فيه. وقال قتادة أرادوا أن يكون ~~لعقبهم من بعدهم. وقال سلمان الفارسى تكون عظة لنا ولمن بعدنا. وقوله { ~~وآية منك } معطوف على قوله { عيدا }. أى تكون هذه المائدة ~~النازلة من السماء عيدا لأولنا وآخرنا، وتكون أيضا - دليلا - وعلامة ~~منك - سبحانك - على صحة نبوتى ورسالتى، فيصدقونى فيما أبلغه عنك، ويزداد ~~يقينهم بكمال قدرتك. وقوله { وارزقنا وأنت خير الرازقين ~~} تذييل بمثابة التعليل لما قبله. أى أنزلها علينا يا ربنا وأزرقنا من ~~عندك رزقا هنيئا رغدا، فإنك أنت خير الرازقين، وخير المعطين، وكل عطاء ~~من سواك لا يغنى ولا يشبع. وقد جمع عيسى فى دعائه بين لفظى " اللهم ربنا ~~" إظهارا لنهاية التضرع وشدة الخضوع، حتى يكون تضرعه أهلا للقبول ~~والإجابة. وعبر عن مجىء المائدة بالإنزال من السماء للإشارة إلى أنها ~~هبة رفيعة، ونعمة شريفة، آتية من مكان عال مرتفع فى الحسن والمعنى، فيجب ~~أن تقابل بالشكر لواهبها - عز وجل - وبتمام الخضوع والإخلاص له. # وقوله { تكون لنا عيدا } صفة ثانية لمائدة، وقوله { لنا } خبر ~~كان وقوله { عيدا } حال من الضمير فى الظرف. قال الفخر الرازى تأمل فى ~~هذا الترتيب، فإن الحواريين لما سألوا المائدة ذكروا فى طلبها أغراضا، ~~فقدموا ذكر الأكل فقالوا { نريد أن نأكل منها } وأخروا ~~الأغراض الدينية الروحانية. فأما عيسى فإنه لما ذكر المائدة وذكر أغراضه ~~فيها قدم الأغراض الدينية وأخر غرض الأكل حيث قال { وارزقنا } وعند ~~هذا يلوح لك مراتب درجات الأرواح فى كون بعضها روحية، وبعضها جسمانية. ثم ~~إن عيسى لشدة صفاء دينه لما ذكرالرزق انتقل إلى الرازق ms1719 بقوله { ~~وارزقنا } لم يقف عليه بل انتقل من الرزق إلى الرازق فقال { وأنت ~~خير الرازقين } فقوله { ربنا } ابتداء منه بذكر الحق. وقوله { ~~أنزل علينا } انتقال من الذات إلى الصفات. وقوله { تكون لنا ~~عيدا لأولنا وآخرنا } إشارة إلى ابتهاج الروح بالنعمة لا من ~~حيث إنها نعمة، بل من حيث إنها صادرة من المنعم. وقوله { وآية منك ~~} إشارة إلى كون هذه المائدة دليلا لأصحاب النظر والاستدلال. وقوله { ~~وارزقنا } إشارة إلى حصة النفس. ثم قال الإمام الرازى فانظر كيف ~~ابتدأ بالأشرف فالأشرف نازلا إلى الأدون فالأدون. ثم قال { وأنت ~~خير الرازقين } وهو عروج مرة أخرى من الخلق إلى الخالق، ومن غير ~~الله إلى الله، وعند ذلك تلوح لك سمة من كيفية عروج الأرواح المشرقة ~~النورانية إلى الكمالات الإلهية ونزولها. ثم ختم - سبحانه - حديثه عن ~~هذه المائدة وما جرى بشأنها بين عيسى والحواريين من أقوال فقال - تعالى - ~~{ قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد ~~منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من ~~العالمين }. وقوله { منزلها } ورد فيه قراءتان متواتران. إحداهما ~~منزلها - بتشديد الزاى - من التنزيل وهى تفيد التكثير أو التدريج كما ~~تنبئ عن ذلك صيغة التفعيل. وبهذه القراءة قرأ ابن عامر وعاصم ونافع. وقرأ ~~الباقون { منزلها } بكسر الزاى - من الإنزال المفيد لنزولها دفعة واحدة. ~~والمعنى قال الله - تعالى - إنى منزل عليكم المائدة من السماء إجابة ~~لدعاء رسولى عيسى - عليه السلام - { فمن يكفر بعد منكم } أى ~~فمن يكفر بعد نزولها منكم أيها الطالبون لها { فإني أعذبه ~~عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين } أى فإن الله - ~~تعالى - يعذب هذا الكافر بآياته عذابا لا يعذب مثله أحدا من عالمى ~~زمانه أو من العالمين جميعا. وقد أكد - سبحانه - عذابه للكافر بآيات ~~الله بعد ظهورها وقيام الأدلة على صحتها بمؤكدات منها حرف إن فى قوله { ~~فإني أعذبه } ومنها المصدر فى قوله { فإني أعذبه ~~عذابا } إذ المفعول المطلق هنا لتأكيد وقوع الفعل وهو العذاب. # ومنها وصف هذا العذاب بأنه لا يعذب مثله لأحد من العالمين. وهذه ~~المؤكدات لوقوع العذاب ms1720 على الكافر بآيات الله بعد وضوحها من أسبابه أن ~~الكفر بعد إجابة ما طلبوه، وبعد رؤيته ومشاهدته وبعد قيام الأدلة على ~~وحدانية الله وكمال قدرته، وبعد ظهور البراهين الدالة على صدق رسوله. ~~أقول الكفر بعد كل ذلك يكون سببه الجحود والعناد والحسد، والجاحد ~~والمعاند والحاسد يستحقون أشد العذاب، وأعظم العقاب. هذا، وهنا مسألتان ~~تتعلقان بهذه الآيات الكريمة، نرى من الخير أن نتحدث عنهما بشىء من ~~التفصيل. المسألة الأولى آراء العلماء فى إيمان الحواريين وعدم إيمانهم. ~~المسألة الثانية آراء العلماء فى نزول المائدة وعدم نزولها. وللاجابة على ~~المسألة الأولى نقول لعل منشأ الخلاف فى إيمان الحواريين وعدم إيمانهم ~~مرجعه إلى قولهم لعيسى - كما حكى القرآن عنهم - { هل يستطيع ~~ربك أن ينزل علينا مآئدة من السمآء }؟ فإن هذا ~~القول يشعر بشكهم فى قدرة الله على إنزال هذه المائدة. وقد ذهب فريق من ~~العلماء - وعلى رأسهم الزمخشرى - إلى عدم إيمانهم، وجعلوا الظرف فى قوله ~~{ إذ قال الحواريون } متعلقا بقوله قبل ذلك { قالوا ~~آمنا واشهد بأننا مسلمون }. أى أنهم قالوا لعيسى آمنا ~~واشهد بأننا مسلمون، فى الوقت الذى قالوا له فيه { هل يستطيع ~~ربك } فكأنهم ادعوا الإيمان والاسلام ادعاء بدون إيقان وإذعان، وإلا ~~فلو كانوا صادقين فى دعواهم لما قالوا لعيسى بأسلوب الاستفهام { هل ~~يستطيع ربك }. قال صاحب الكشاف فإن قلت كيف قالوا { هل ~~يستطيع ربك } بعد إيمنهم وإخلاصهم؟ قلت ما وصفهم الله بالإيمان ~~والإخلاص، وإنما حكى ادعاءهم لهما، ثم اتبعه بقوله وإذ قالوا فإذن ~~دعواهم كانت باطلة، وانهم كانوا شاكين، وقوله { هل يستطيع ربك ~~} كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم. وكذلك قول عيسى لهم معناه ~~اتقوا الله ولا تشكوا فى اقتداره واستطاعته، ولا تقترحوا عليه ولا تحكموا ~~ما تشتهون من الآيات فتهلكوا إذا عصيتموه بعدها { إن كنتم ~~مؤمنين } أى إن كانت دعواكم للإيمان صحيحة. وذهب جمهور العلماء إلى ~~أن الحواريين عندما قالوا لعيسى { هل يستطيع ربك } كانوا ~~مؤمنين واستدلوا على ذلك بأدلة منها 1 - أن الظرف فى قوله { إذ قال ~~الحواريون ms1721 } ليس متعلقا بقوله { قالوا آمنا } وإنما هو ~~منصوب بفعل مضمر تقديره اذكر، وهذا ما رجحه العلامة أبو السعود فى تفسيره ~~فقد قال قوله { إذ قال الحواريون } كلام مستأنف مسوق لبيان ~~بعض ما جرى بينه عليه السلام - وبين قومه منقطع عما قبله، كما ينبئ عنه ~~الإظهار فى موضع الاضمار وإذ منصوب بمضمر. وقيل هو ظرف لقالوا أريد به ~~التنبيه على أن ادعاءهم الإيمان والإخلاص لم يكن عن تحقيق وإيقان ولا ~~يساعده النظم الكريم ". 2 - أن قول الحواريين لعيسى { ل يستطيع ~~ربك أن ينزل علينا مآئدة من السمآء } لا يسحب ~~عنهم الإيمان، وقد خرج العلماء قولهم هذا بتخريجات منها. # أ أن قولهم لم يكن من باب الشك فى قدرة الله، وإنما هو من باب زيادة ~~الاطمئنان عن طريق ضم علم المشاهدة إلى العلم النظرى بدليل أنهم قالوا ~~بعد ذلك { نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا }. ~~وشبيه بهذا قول إبراهيم # رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن ~~قال بلى ولكن ليطمئن قلبي # قال القرطبى ما ملخصه " الحواريون خلصان الأنبياء ودخلاؤهم وأنصارهم، ~~وقد كانوا عالمين باستطاعة الله لذلك ولغيره علم دلالة وخبر ونظر فأرادوا ~~علم معاينة كذلك، كما قال إبراهيم # رب أرني كيف تحيي الموتى # وقد كان إبراهيم علم ذلك علم خبر ونظر، ولكن أراد المعاينة التى لا ~~يدخلها ريب ولا شبهة لأن علم النظر والخبر قد تدخله الشبهة والاعتراضات، ~~وعلم المعاينة، لا يدخله شىء من ذلك، ولذلك قال الحواريون { ~~وتطمئن قلوبنا } كما قال إبراهيم # ولكن ليطمئن قلبي # ب أن السؤال إنما هو الفعل لا عن القدرة عليه، وقد بسط الآلوسى هذا ~~المعنى فقال إن معنى { هل يستطيع ربك } هل يفعل ربك كما تقول ~~للقادر على القيام هل تستطيع أن تقوم معى مبالغة فى التقاضى. والتعبير عن ~~الفعل بالاستطاعة، من باب التعبير عن المسبب بالسبب، إذ هى - أى ~~الاستطاعة - من أسباب الإيجاد. ج أن الاستطاعة هنا بمعنى الإطاعة - كما ~~سبق أن أشرنا - ويشهد لذلك قول الفخر الرازى قال السدى قوله { هل ~~يستطيع ربك ms1722 } أى هل يطيعك ربك إن سألته. وهذا تفريع على أن ~~استطاع بمعنى أطاع والسين زائدة. والذى نراه أن رأى الجمهور أرجح للأدلة ~~التى ذكرناها، ولأن الله - تعالى - قد ذكر قبل هذه الآية أنه قد امتن ~~عليهم بإلهامهم الإيمان فقال { وإذ أوحيت إلى ~~الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي } ولأنهم لو كانوا غير ~~مؤمنين لكشف الله عن حقيقتهم، فقد جرت سنته - سبحانه - مع أنبيائه أن ~~يظهر لهم نفاق المنافقين حتى يحذروهم. ولأنهم لو كانوا غير مؤمنين، لما ~~أمر الله أتباع النبى صلى الله عليه وسلم بالتأسى بهم فى إخلاصهم ورسوخ ~~يقيتهم قال - تعالى - # يأيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال ~~عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى ~~الله قال الحواريون نحن أنصار الله # وقال - تعالى - # فلمآ أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري ~~إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا ~~بالله واشهد بأنا مسلمون # فهاتان الآيتان صريحتان فى مدح الحواريين وفى أنهم قوم التفوا حول عيسى ~~- عليه السلام - وناصروه مناصرة صادقة، وآمنوا به إيمانا سليما من الشك ~~والتردد. وأما المسألة الثانية وهى آراء العلماء فى نزول المائدة ~~فالجمهور على أنها نزلت. # وقد رجح ذلك ابن جرير فقال ما ملخصه والصواب من القول عندنا فى ذلك أن ~~يقال إن الله أنزل المائدة.. لأن الله لا يخلف وعده، ولا يقع فى خبره ~~الخلف وقد قال - تعالى - مخبرا فى كتابه عن إجابة نبيه عيسى حين سأله ما ~~سأله من ذلك { إني منزلها عليكم } وغير جائز أن يقول الله ~~إنى منزلها عليكم ثم لا ينزلها، لأن ذلك منه - تعالى - خبر، ولا يكون منه ~~خلاف ما يخبر. وقد علق ابن كثير على ما رجحه ابن جرير فقال وهذا القول هو ~~- والله أعلم - الصواب، كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم. ~~ومن الآثار ما خرجه الترمذى عن عمار بن ياسر قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " أنزلت المائدة من السماء خبزا ولحما، وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا ~~لغد فخانوا وادخروا ورفعوا لغد ms1723 فمسخهم قردة وخنازير ". # قال الترمذى وقد روى عن عمار من طريق موقوفا وهو أصح. وأخرج ابن أبى ~~حاتم عن ابن شهاب عن ابن عباس، أن عيسى ابن مريم قالوا له ادع الله أن ~~ينزل علينا مائدة من السماء. قال فنزلت الملائكة بالمائدة يحملونها. ~~عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة. فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم. ~~والذى يراجع بعض كتب التفسير يرى كلاما كثيرا عما كان على المائدة من ~~أصناف الطعام، وعن كيفية نزولها ومكانه، وعن كيفية استقبالها وكشف ~~غطائها، والأكل منها والباقى عليها بعد الأكل. وهذا الكلام الكثير رأينا ~~من الخير أن نضرب عنه صفحا، لضعف أسانيده، ولأنه لا يخلو عن غرابة ونكارة ~~- كما قال ابن كثير - فقد ذكر - رحمه الله - أثرا طويلا فى هذا المعنى ثم ~~قال فى نهايته هذا أثر غريب جدا قطعه ابن حاتم فى مواضع من هذه القصة، ~~وقد جمعته أنا ليكون سياقه أتم ". ويعجبنى فى هذا المقام قول ابن جرير ~~وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة، فأن يقال كان عليها مأكول. ~~وجائز أن يكون هذا المأكول سمكا وخبزا، وجائز أن يكون من ثمر الجنة، ~~وغير نافع العلم به، ولا ضار الجهل به، إذا أقر تالى الآية بظاهر ما ~~احتمله التنزيل. ويرى الحسن ومجاهد أن المائدة لم تنزل، فقد روى ابن جرير ~~- بسنده - عن قتادة قال كان الحسن يقول لما قيل لهم { فمن يكفر ~~بعد منكم } قالوا لا حاجة لنا فيها فلم تنزل. وروى منصور بن زادان ~~عن الحسن أيضا أنه قال فى المائدة إنها لم تنزل. وروى ابن أبى حاتم وابن ~~جرير عن ليث بن أبى سليم عن مجاهد قال هو مثل ضربه الله ولم ينزل شىء. # أى مثل ضربه الله للناس نهيا لهم عن مسألة الآيات لأنبيائه. قال الحافظ ~~ابن كثير وهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن وقد يتقوى ذلك بأن خبر ~~المائدة لا تعرفه النصارى. ولس فى كتابهم، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما ~~تتوفر الدواعى على نقله. وكان ms1724 يكون موجودا فى كتابهم متواترا ولا أقل ~~من الآحاد ". وقد علق بعض العلماء على كلام ابن كثير هذا فقال ولنا أن ~~نقول إن هذا الاستدلال إن كان يعنى عدم نزولها فقط، فقد يكون له شىء من ~~الوجاهة وإن كان يعنى أنها لا تنزل ولم يسأل، فهو محل نظر كبير، لأن ~~السؤال مالم ينته بإجابة كونية فعلية تبرز بها المائدة للناس ويرونها ~~بأعينهم ويلمسونها بأيديهم فلا يعد بذلك مما تتوافر الدواعى على نقله، لا ~~سيما وعيسى فى بيئة محصورة جماعة سألوا وأجيبوا، وانتهى الأمر برجوعهم ~~عما سألوا فعدم تواتر سؤالها فى كتب النصارى أو عدم وجوده فيها لا يستغرب ~~كما يستغرب الأمر فيما لو نزلت المائدة فعلا ورآها الناس فعلا وأكلوا ~~منها. وتذوقوا طعامها، ولم يذكر عن ذلك شىء. وقد ذكر القرآن هذه الحقيقة ~~ابتداء وانفرد بها عن سائر الكتب، ولا يلزم أن يكون كل ما قصه الله - ~~تعالى - فى القرآن قد قصه فى غيره من الكتب المتقدمة، ولا أن أصحاب ~~الأناجيل علموا بكل شىء حتى بمثل هذه المحاورة الخاصة التى لم تنته بحادث ~~كونى حتى يكون عدم ذكرهم إياها فى أنا جيلهم - التى وضعوها - دليلا على ~~عدم سؤالها. فقصة السؤال إذن لم ترد فيما عند النصارى ولكنها وردت فيما ~~عند المسلمين. ومن الجائز أن تكون مما ورد فى الأناجيل، وأن تكون مما ~~أخفاه أهل الكتاب أو ضاع منهم علمه بسبب ما. والقرآن كما وصف نفسه مهيمن ~~على كتبهم التى وصفها بأنهم حرفوها وأنهم كانوا يخفون كثيرا منها، وأنه ~~يبين لهم كثيرا مما كانوا يخفون ". هذا ومما سبق يتبين لنا أن العلماء ~~متفقون على أن الحواريين قد سألوا عيسى أن يدعو ربه أن ينزل عليهم مائدة ~~من السماء، وأن عيسى قد دعا ربه فعلا أن ينزلها، كما جاء فى الآية ~~الكريمة. ومحل الخلاف بينهم أنزلت أم لا؟ فالجمهور يرون أنها نزلت لأن ~~الله وعد بذلك فى قوله { إني منزلها عليكم } والحسن ومجاهد ~~يريان أنها لم تنزل، لأن الوعد بنزولها مقيد بما ms1725 رتب على من وقوع العذاب ~~بهم إذا لم يؤمنوا بعد نزولها، وأن القوم بعد أن سمعوا هذا الشرط قالوا ~~لا حاجة لنا فيها. فلم تنزل. ويبدو لنا أن رأى الجمهور أقرب إلى الصواب، ~~لأن ظاهر الآيات يؤيده، وكذلك الآثار التى وردت فى ذلك. ثم حكت السورة ~~الكريمة ما سيقوله الله لعيسى يوم القيامة، وما سيرد به عيسى على خالقه - ~~عز وجل - حتى تزداد حسرة الذين وصفوا المسيح وأمه. بما هما بريئان منه ~~فقال - تعالى - { وإذ قال الله يعيسى ابن مريم... } ### || [5.116-118] # قوله { وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت ~~للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } ~~معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك # إذ قال الحواريون # والخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم وهذا القول إنما يكون فى الآخرة - على ~~الصحيح - والمعنى واذكر أيها الرسول الكريم وليذكر معك كل مكلف وقت أن ~~يسأل الله - تعالى - عبده ورسوله عيسى فيقول له يا عيسى أأنت قلت للناس { ~~اتخذوني } أى اجعلونى { وأمي إلهين من دون الله } ~~أى من غير الله. قال القرطبى اختلف فى وقت هذه المقالة، فقال قتادة وابن ~~جرير وأكثر المفسرين إنما يقول له هذا يوم القيامة. وقال السدى وقطرب قال ~~له ذلك حين رفعه إلى السماء وقالت النصارى فيه ما قالت فإن { إذ } فى ~~كلام العرب لما مضى والأول أصح، يدل عليه ما قبله من قوله # يوم يجمع الله الرسل # الآية. كما يدل عليه ما بعده وهو قوله # هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم. # وعلى هذا تكون إذ بمعنى إذا كما فى قوله # ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت # أى إذا فزعوا فعبر عن المستقبل بلفظ الماضى. لأنه لتحقيق أمره وظهور ~~برهانه. كأنه قد وقع. وكان النداء بقوله - سبحانه - { يعيسى ابن ~~مريم } أى بغير ذكر النبوة، للإشارة إلى الولادة الطبيعية التى تنفى ~~أن يكون إلها أو ابن إله أو فيه عنصر الألوهية بأى وضع من الأوضاع لأن ~~الألوهية والبشرية نقيضان لا يجتمعان فلا يمكن أن يكون البشر فيه ألوهية، ~~ولا إله فيه ms1726 بشرية. والتعبير بقوله { اتخذوني } يدل على أنه ليس له ~~حقيقة، بل هو فى ذاته اتخاذ بما لا أصل له. والمقصود بالاستفهام فى قوله ~~{ أأنت قلت } توبيخ للكفرة من قومه وتبكيت كل من نسب إلى عيسى وأمه ~~ما ليس من حقهما، وفضيحتهم على رءوس الأشهاد فى ذلك اليوم العصيب، لأن ~~عيسى سينفى عن نفسه أمامهم أنه قال ذلك " وإنما هو أمرهم بعبادة الله ~~وحده. ولا شك أن النفى يعد السؤال أبلغ فى التكذيب وأشد فى التوبيخ ~~والتقريع وادعى لقيام الحجة على من وصفوه بما هو برئ منه. قال الآلوسى ~~واستشكلت الآية بأنه لا يعلم أن أحدا من النصارى اتخذ مريم إلها. وأجيب ~~عنه بأجوبة. الأول أنهم لما جعلوا عيسى إلها لزمهم أن يجعلوا والدته ~~أيضا كذلك لأن الولد من جنس من يلده، فذكر { إلهين } على طريق ~~الإلزام لهم. والثانى أنهم لما عظموها تعظيم الإله أطلق عليها اسم ~~الإله كما أطلق اسم الرب على الأحبار والرهبان فى قوله # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله # والثالث أنه يحتمل أن يكون فيهم من قال بذلك. # ويعضد هذا القول ما حكاه أبو جعفر الإمامى عن بعض النصارى أنه قد كان ~~فيما مضى قوم يقال لهم المريمية، يعتقدون فى مريم الألوهية وهو أولى ~~الأوجه عندى. وقوله - تعالى - { قال سبحانك ما يكون لي أن ~~أقول ما ليس لي بحق } بيان لما أجاب به عيسى على خالقه - عز ~~وجل -. أى قال عيسى مجيبا ربه بكل أدب وإذعان تنزيها لك - يا إلهى - عن ~~أن أقول هذا القول، فإنه ليس من حقى ولا من حق أحد أن ينطق به. فأنت ترى ~~أن سيدنا عيسى - عليه السلام - قد صدر كلامه بالتنزيه المطلق لله - عز ~~وجل - ثم عقب ذلك بتأكيد هذا التنزيه، بأن أعلن بأنه ليس من حقه أن يقول ~~هذا القول، لأنه عبد له - تعالى - ومخلوق بقدرته. ومرسل منه لهداية الناس ~~فكيف يليق بمن كان شأنه كذلك أن يقول لمن أرسل إليهم { اتخذوني ~~وأمي إلهين من دون الله }. ثم أضاف ms1727 إلى كل ذلك ~~الاستشهاد بالله - تعالى - على براءته، وإظهار ضعفه المطلق أمام علم ~~خالقه وقدرته فقال - كما حكى القرآن عنه - { إن كنت قلته فقد ~~علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ~~إنك أنت علام الغيوب }. أى إن كنت قلت هذا القول وهو { ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } فأنت تعلمه ولا ~~يخفى عليك منه شىء - لأنك أنت - يا إلهى - تعلم ما فى { نفسي } أى ما فى ~~ذاتى، ولا أعلم ما فى ذاتك. والمراد تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم، ~~وتعلم ما فى غيبى ولا أعلم ما فى غيبك، وتعلم ما أقول وأفعل ولا أعلم ما ~~تقول وتفعل إنك أنت - يا إلهى - علام الغيوب. فهذه الجملة الكريمة بجانب ~~تأكيدها لنفى ما سئل عنه عيسى - عليه السلام - تدل بأبلغ تعبير على إثبات ~~شمول علم الله - تعالى - بكل شىء، وقد أكد عيسى ذلك، بإن المؤكدة ~~وبالضمير أنت، وبصيغة المبالغة " علام " وبصيغة الجمع للفظ " الغيوب " ~~فهو لم يقل إنك أنت عالم الغيب وإنما قال - كما حكى القرآن عنه - { ~~إنك أنت علام الغيوب } بكل أنواعها، وبكل ما يتعلق ~~بالكائنات كلها. وبعد هذا التنزيه من عيسى - عليه السلام - لله عز وجل -، ~~وبعد هذا النفى المؤكد لما سئل عنه بعد كل ذلك يحكى القرآن ما قاله عيسى ~~لقومه فيقول { ما قلت لهم إلا مآ أمرتني به أن ~~اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما ~~دمت فيهم } أى ما قلت لهم - يا إلهى - { اتخذوني وأمي ~~إلهين من دون الله } وإنما القول الذى قلته لهم هو الذى ~~أمرتنى أن أبلغهم إياه وهو عبادتك وحدك لا شريك لك، فأنت ربى وربهم، وأنت ~~الذى خلقتنى وخلقتهم، فيجب أن ندين لك جميعا بالعبادة والخضوع والطاعة، ~~وأنت تعلم يا إلهى - أننى لم أقصر فى ذلك، وأننى كنت رقيبا وشهيدا على ~~قومى، وداعيا لهم إلى إخلاص العبادات لك والعمل بموجب أمرك مدة بقائى ~~فيهم. # قال الفخر الرازى وأن فى قوله { أن اعبدوا الله } مفسرة ~~والمفسر هو الهاء فى به ms1728 من قوله { إلا مآ أمرتني به } وهو ~~يعود إلى القول المأمور به. والمعنى ما قلت لهم إلا قولا أمرتنى به، وذلك ~~القول هو أن اعبدوا الله ربى وربكم واعلم أنه كان الأصل أن يقال ما ~~أمرتهم إلا بما أمرتنى به إلا أنه وضع القول موضع الأمر، نزولا على موجب ~~الأدب الحسن لئلا يجعل نفسه وربه آمرين معا، ودل على الأصل بذكر أن ~~المفسرة. وقوله { فلما توفيتني كنت أنت الرقيب ~~عليهم وأنت على كل شيء شهيد } بيان لانتهاء مهمته ~~بعد فراقه لقومه. أى أنت تعلم يا إلهى بأنى ما أمرتهم إلا بعبادتك وبأنى ~~ما قصرت فى حملهم على طاعتك مدة وجودى معهم، { فلما توفيتني } ~~يا إلهى أى قبضتنى بالرفع إلى السماء حيا، كنت أنت الرقيب عليهم. أى كنت ~~أنت وحدك الحفيظ عليهم المراقب لأحوالهم، العليم بتصرفاتهم الخبير بمن ~~أحسن منهم وبمن أساء وأنت - يا إلهى - على كل شىء شهيد، لا تخفى عليك ~~خافية من أمور خلقك. هذا. وما ذهبنا إليه من أن معنى { فلما ~~توفيتني } أى قبضتنى بالرفع إلى السماء حيا قول جمهور العلماء. ~~ومنهم من يرى أن معنى { فلما توفيتني } أى أمتنى وزعموا أن ~~رفعه إلى السماء كان بعد موته. قال بعض العلماء مؤيدا ما ذهب أليه ~~الجمهور قوله { فلما توفيتني } أى فلما أخذتنى وافيا بالرفع ~~إلى السماء حيا، إنجاء لى مما دبروه من قتلى، من التوفى وهو أخذ الشىء ~~وافيا أى كاملا. وقد جاء التوفى بهذا المعنى فى قوله - تعالى - # يعيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من ~~الذين كفروا... # ولا يصح أن يحمل التوفى على الإماتة، لأن إماتة عيسى فى وقت حصار ~~أعدائه له ليس فيها ما يسوغ الامتنان بها، ورفعه إلى السماء جثة هامدة ~~سخف من القول، وقد نزه الله السماء أن تكون قبرا لجثث الموتى، وإن كان ~~الرفع بالروح فقط، فأى مزية لعيسى فى ذلك على سائر الأنبياء، والسماء ~~مستقر أرواحهم الطاهرة فالحق أنه - عليه السلام - رفع إلى السماء حيا ~~بجسده وروحه وقد جعله الله آية، والله ms1729 على كل شىء قدير ". وقال الشيخ ~~القاسمى وقد دلت الآية الكريمة على أن الأنبياء بعد استيفاء أجلهم ~~الدنيوى، ونقلهم إلى البرزخ لا يعلمون أعمال أمتهم وقد روى البخارى هنا ~~عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~صلى الله عليه وسلم # " يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا " # أى غير مختونين - ثم قال كما بدأنآ أول خلق نعيده ~~وعدا علينآ إنا كنا فاعلين. ثم قال صلى الله عليه وسلم # " ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ألا وإنه يجاء برجال من ~~أمتى فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا رب أصحابى فيقال إنك لا تدرى ما ~~أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح، وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ~~فلما توفيتنى كنت أنت الرقيب عليهم، فيقال لى إن هؤلاء لا يزالون مرتدين ~~على أعقابهم منذ فارقتهم ". # وبعد أن أجاب عيسى على سؤال ربه تلك الإجابة الموفقة. فوض الأمر إليه - ~~سبحانه - فى شأن قومه. فقال - كما حكى القرآن عنه { إن تعذبهم ~~فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز ~~الحكيم }. أى إن تعذب - يا إلهى - قومى، فإنك تعذب عبادك الذين ~~خلقتهم بقدرتك، والذين تملكهم ملكا تاما، والاعتراض على المالك المطلق ~~فيما يفعل بمملوكه. وإن تغفر لهم، وتستر سيئاتهم وتصفح عنهم فذلك إليك ~~وحدك، لأن صفحك عمن تشاء من عبادك هو صفح القوى القاهر الغالب الذى لا ~~يعجزه شىء. والذى يضع الأمور فى مواضعها بمقتضى حكمته السامية وقد قال ~~بعض المفسرين هنا كيف جاز لعيسى أن يقول { وإن تغفر لهم } والله ~~- تعالى - لا يغفر أن يشرك به؟ وقد أجاب عن ذلك الإمام القرطبى بقوله ~~قول عيسى { وإن تغفر لهم } قاله على وجه الاستعطاف لهم، والرأفة ~~بهم، كما يستعطف السيد لعبده، ولهذا لم يقل فإنهم عصوك. وقيل قاله على ~~وجه التسليم لأمره، والاستجارة من عذابه، وهو يعلم أنه لا يغفر لكافر ~~وقيل. الهاء والميم فى { إن تعذبهم } لمن مات منهم على الكفر. ms1730 ~~والهاء والميم فى قوله { وإن تغفر لهم } لمن تاب منهم قبل ~~الموت. وهذا وجه حسن ". أقول هذا الوجه الثالث الذى ذكره القرطبى قد ~~اكتفى به بعض المفسرين فقال قوله { إن تعذبهم } أى من أقام على ~~الكفر منهم { فإنهم عبادك } وأنت مالكهم تتصرف فيهم كيف شئت لا ~~اعتراض عليك { وإن تغفر لهم } أى لمن آمن منهم { فإنك ~~أنت العزيز } الغالب على أمره { الحكيم } فى صنعه. ومع وجاهة ~~هذا الوجه فإننا نرى أن الآية الكريمة حكاية للتفويض المطلق الذى فوضه ~~عيسى إلى ربه - سبحانه - فى شأن قومه ولهذا قال ابن كثير هذا الكلام ~~يتضمن رد المشيئة إلى الله - تعالى - فإنه الفعال لما يشاء الذى لا يسأل ~~عما يفعل وهم يسألون. # ويتضمن التبرى من النصارى الذين كذبوا على الله وكذبوا على رسوله، ~~وجعلوا لله ندا وصاحبة وولدا. وهذه الآية لها شأن عظيم ونبأ عجيب، وقد ~~ورد فى الحديث أن النبى صلى الله عليه وسلم قام بها ليلة حتى الصباح ~~يرددها. فقد روى الإمام أحمد عن أبى ذر قال # " صلى النبى صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ~~ويسجد بها { إن تعذبهم فإنهم عبادك } الآية فلما أصبح ~~قلت يا رسول الله ألم تزل تقرأ هذه الآية حتى أصبحت تركع بها وتسجد بها؟ ~~قال إنى سألت ربى - عز وجل. الشفاعة لأمتى فأعطانيها - وهى نائلة - إن ~~شاء الله - لمن لا يشرك بالله شيئا ". # وبعد أن حكى القرآن الكريم ما رد به عيسى عليه السلام - على قول ربه ~~وخالقه - سبحانه - { أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي ~~إلهين من دون الله } وقد تضمن هذا الرد - كما سبق أن بينا - ~~التنزيه المطلق لله - تعالى -، والنفى التام لأن يكون عيسى قد قال هذا ~~القول. بعد كل ذلك ختم - سبحانه تلك المجاوبة ببيان حسن عاقبة الصادقين ~~يوم القيامة فقال - تعالى - { قال الله هذا يوم ينفع ~~الصادقين... } ### || [5.119-120] # قال الآلوسى { قال الله } كلام مستأنف ختم به - سبحانه - حكاية ما ~~حكى مما يقع يوم يجمع الله الرسل. وأشير إلى ms1731 نتيجته ومآله. والمراد بقول ~~الله - تعالى - عقيب جواب عيسى الإشارة إلى صدقه ضمن بيان حال الصادقين ~~الذين هو فى زمرتهم. والمراد باليوم فى قوله { هذا يوم } يوم ~~القيامة الذى تجازى فيه كل نفس بما كسبت وقد قرأ الجمهور برفع { يوم } من ~~غير تنوين على أنه خبر لاسم الإشارة أى قال الله - تعالى - إن هذا اليوم ~~هو اليوم الذى ينتفع الصادقون فيه بصدقهم فى إيمانهم وأعمالهم، لأنه يوم ~~الجزاء والعطاء على ما قدموا من خيرات فى دنياهم. أى أن صدقهم فى الدنيا ~~ينفعهم يوم القيامة، بخلاف صدق الكفار يوم القيامة فإنه لا ينفعهم، لأنهم ~~لم يكونوا مؤمنين فى دنياهم. وقرأ نافع يوم بالنصب من غير تنوين على أنه ~~ظرف لقال. أى قال الله - تعالى - هذا القول لعيسى يوم ينفع الصادقين ~~صدقهم. وقوله { لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيهآ أبدا } جملة مستأنفه لبيان مظاهر النفع الذى ظفر به ~~الصادقون فى هذا اليوم. أى أن هؤلاء الصادقين فى دنياهم قد نالوا فى ~~آخرتهم جنات تجرى من تحت أشجارها وسررها الأنهار { خالدين فيهآ ~~أبدا } أى مقيمين فيها إقامة دائمة لا يعتريها انقطاع وقوله { رضي ~~الله عنهم ورضوا عنه } أى رضى الله عنهم فأعطاهم بسبب ~~إيمانهم الصادق وعملهم الصالح عطاء هو نهاية الآمال والأمانى. ورضوا عنه ~~بسبب هذا العطاء الجزيل الذى لا تحيط العبارة بوصفه. واسم الإشارة فى ~~قوله { ذلك الفوز العظيم } يعود إلى ما انتفع به الصادقون من ~~جنات تجرى من تحتها الأنهار. ومن رضا الله عنهم. أى إلى النعيم الجثمانى ~~المتمثل فى الجنات وما يتبعها من عيشة هنيئة، وإلى النعيم الروحانى ~~المتمثل فى رضا الله عنهم. قال الفخر الرازى اعلم أنه - تعالى - لما أخبر ~~أن صدق الصادقين فى الدنيا ينفعهم فى القيامة شرح كيفية ذلك النفع وهو ~~الثواب. وحقيقة الثواب أنها منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم، فقوله { ~~لهم جنات تجري من تحتها الأنهار } إشارة إلى المنفعة ~~الخالصة عن الغموم والهموم، وقوله { خالدين فيهآ أبدا } إشارة ~~إلى الدوام. واعتبر هذه الدقيقة فإنه ms1732 أينما ذكر الثواب قال { خالدين ~~فيهآ أبدا } وأينما ذكر العقاب للفساق من أهل الإيمان، ذكر لفظ ~~الخلود ولم يذكر معه التأييد، وأما قوله { رضي الله عنهم ~~ورضوا عنه } فتحته أسرار عجيبة لا تسمح الأقلام بمثلها جعلنا الله ~~من أهلها ". ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الآية الدالة على ~~شمول ملكه لكل شىء فى هذا الكون فقال { لله ملك السماوات ~~والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير }. ### | [6 - سورة الأنعام] ### || [6.1-3] # افتتحت سورة الأنعام بتقرير الحقيقة الأولى فى كل دين، وهى أن المستحق ~~للحمد المطلق، والثناء الكامل هو رب العالمين. والحمد هو الثناء باللسان ~~على الجميل الصادر عن اختيار من نعمة أو غيرها. وأل فى { الحمد } ~~للاستغراق، بمعنى أن المستحق لجميع المحامد ولكافة ألوان الثناء هو الله ~~تعالى، وإنما كان الحمد مقصورا فى الحقيقة على الله، لأن كل ما يستحق أن ~~يقابل بالثناء فهو صادر عنه ومرجعه إليه، إذ هو الخالق لكل شىء، وما يقدم ~~إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم، فهو فى الحقيقة حمد لله، لأنه - ~~سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك، وأعانهم عليه. وقد بين بعض المفسرين الحكمة ~~فى ابتداء السورة الكريمة بقوله تعالى { الحمد لله } كما بين ~~الفرق بين المدح والحمد والشكر فقال " اعلم أن المدح أعم من الحمد، ~~والحمد أعم من الشكر، أما بيان أن المدح أعم من الحمد، فلأن المدح يحصل ~~للعاقل ولغير العاقل، ألا ترى أنه كما يحسن مدح الرجل العاقل على أنواع ~~فضائله فكذلك قد يمدح اللؤلؤ لحسن شكله، وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا ~~للفاعل المختار على ما يصدر منه من الإنعام والإحسان فثبت أن المدح أعم ~~من الحمد، وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر فلأن الحمد عبارة عن تعظيم ~~الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإنعام سواء كان ذلك الإنعام واصلا إليك أو ~~إلى غيرك، وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك فثبت بما ~~ذكرنا أن المدح أعم من الحمد وهو أعم من الشكر. إذا عرفت هذا ms1733 فنقول إنما ~~لم يقل المدح لله لأننا بينا أن المدح كما يحصل للفاعل المختار فقد يحصل ~~لغيره. أما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار، فكان قوله الحمد لله ~~تصريحا بأن المؤثر فى وجود هذا العالم فاعل مختار خلقه بالقدرة والمشيئة. ~~وإنما لم يقل الشكر لله، لأنا بينا أن الشكر عبارة عن تعظيمه بسبب إنعام ~~صدر منه ووصل إليك، وهذا مشعر بأن العبد إذا ذكر تعظيمه بسبب ما وصل إليه ~~من النعمة، فحينئذ يكون المطلوب الأصلى له وصول النعمة إليه وهذه درجة ~~حقيرة فأما إذا قال الحمد لله فهذا يدل على أن العبد حمده لأجل كونه ~~مستحقا للحمد لا لخصوص أنه - تعالى أوصل النعمة إليه، فيكون الإخلاص ~~أكمل، واستغراق القلب فى مشاهدة نور الحق أتم، وانقطاعه عما سوى الحق ~~أقوى وأثبت ". هذا وفى القرآن الكريم خمس سور مكية اشتركت فى الافتتاح ~~بتقرير أن الحمد لله وحده، ولكن كان لكل سورة منهج خاص فى بيان أسباب ذلك ~~الحمد. أما السورة الأولى فهى سورة الفاتحة التى تقول فى مطلعها # الحمد لله رب العالمين # أى أن الحمد لله وحده، الذى ربى هذا العالم تربية خلقية أساسها الإيجاد ~~والتصوير، ورباه تربية عقلية أساسها منح قوة التفكير والإدراك، كما أنه ~~رباه تربية تشريعية قوامها الأحكام التى أوحى بها إلى رسله فتربط استحقاق ~~الحمد لله بربوبيته للعالمين، والربوبية المطلقة تنتظم التربية الخلقية ~~جسمية وعقلية، عن طريق الإيجاد والتصوير، كما تنتظم التربية التشريعية ~~التى أساسها الأحكام التى أوحاها الله إلى أنبيائه ورسله. وتجىء بعد سورة ~~الفاتحة فى الترتيب المصحفى سورة الأنعام فأثبتت أيضا استحقاق الحمد لله ~~وحده، لأنه " خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، فهى تهتم بالحديث ~~عن نوع خاص من التربية، وهو التربية الخلقية التى أساسها الخلق والإيجاد ~~والتسوية والتصوير الحقيقى. ثم تجىء بعدهما سورة " الكهف " فتثبت أن ~~الحمد لله، لأنه # أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا # فتراها تهتم بإبراز التربية التشريعية التى تهذب الروح، وتهدى الفكر. ~~والسورة الرابعة التى افتتحت بإثبات أن { الحمد ms1734 لله } هى سورة ~~سبأ، لأنه - سبحانه - # له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في ~~الآخرة وهو الحكيم الخبير # ثم تراها بعد ذلك زاخرة بالحديث عن أنواع التربية المطلقة التى تتجلى فى ~~ارساء مظاهر علم الله الشامل، وملكه المطلق، وتدبيره المحكم وقدرته ~~النافذة التى تجعله أهلا لكل حمد وثناء. أما السورة الخامسة فهى سورة ~~فاطر، فقد أثبتت فى مطلعها أن الحمد لله، لأنه # فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا ~~أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في ~~الخلق ما يشآء إن الله على كل شيء قدير # والذى يقرا هذه السورة الكريمة بتدبير يراها تهتم بإبراز إثبات أن الحمد ~~لله وحده عن طريق الجمع بين التربيتين الخلقية والتشريعية فهى تذكر خلق ~~السماوات والأرض والجبال وتصريف الليل والنهار والشمس والقمر. كما تذكر ~~أنواع الناس فى الانتفاع بوحى الله، وبهدى أنبيائه ورسله. وهكذا نجد أن ~~السور الخمس قد اشتركت فى أنها افتتحت بجملة { الحمد لله } وفى ~~قصر الحمد والثناء عليه وحده. إلا أن كل واحدة منها قد سلكت منهجا خاصا ~~فى تقرير هذه الحقيقة، وفى إقامة الأدلة على صدقها. وقد أحسن القرطبى ~~عندما قال " فإن قيل قد افتتح غيرها - أى سورة الأنعام - بالحمد لله فكان ~~الاجتزاء بواحدة يغنى عن سائره فيقال لأن لكل واحدة منه معنى فى موضعه، ~~لا يؤدى عن غيره من أجل عقده بالنعم المختلفة، وأيضا فلما فيه من الحجة ~~فى هذا الموضع على الذين هم بربهم يعدلون ". ثم بين القرآن بعد ذلك ~~الأسباب التى تحمل العقلاء على أن يجعلوا حمدهم كله لله - تعالى - فقال { ~~الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات ~~والنور }. # والمعنى الحمد كله لله الذى أنشأ بقدرته هذه العوالم العلوية والسفلية، ~~وأوجد ما فيها من مخلوقات ناطقة وصامتة، وظاهرة وخافية، وأحدث ما يتعاقب ~~عليها من تحولات وتقلبات ونور وظلمات. فالجملة الكريمة قد اشتملت على ~~صفتين من صفات الله - تعالى - تثبتان وجوب استحقاق الحمد الكامل لله - عز ~~وجل - وهما خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور. وعبر - سبحانه - ~~فى جانب السماوات ms1735 والأرض بخلق، وفى جانب الظلمات والنور بجعل، لأن الخلق ~~معناه هنا الإنشاء والإيجاد الابتدائي من العدم، أما الجعل فيتضمن معنى ~~تكوين شىء من شىء أو من أشياء، فالظلمات تتولد من اختفاء الشمس عن الأرض، ~~والنور يتكون من بزوغ الشمس على الأرض، وهذه التقلبات الكونية هى بتقدير ~~الله العزيز العليم. قال صاحب الكشاف " والفرق بين الخلق والجعل. أن ~~الخلق فيه معنى التقدير، وفى الجعل معنى التضمين، كإنشاء شىء من شىء، أو ~~تصيير شىء شيئا، أو نقله من مكان إلى مكان، ومن ذلك # وجعل منها زوجها # { وجعل الظلمات والنور } ، لأن الظلمات من الأجرام ~~المتكاثفة، والنور من النار ". وقال الفخر الرازى " وإنما حسن لفظ الجعل ~~هنا، لأن النور والظلمة لما تعاقبا صار كل واحد منهما كأنما تولد من ~~الآخر ". وقال أبو السعود " والجعل هنا هو الانشاء والإبداع كالخلق، خلا ~~أن ذلك - أى الخلق - مختص بالإنشاء التكوينى وفيه معنى التقدير والتسوية ~~وهذا عام له كما فى الآية الكريمة والتشريعى أيضا كما فى قوله - تعالى - # ما جعل الله من بحيرة # وقد وردت نصوص تصرح بأن الأرض سبع طبقات كالسماوات. إلا أنها فى كثير من ~~المواضع القرآنية تفرد - أى الأرض - وتجمع السماء كما هنا، لعظم السماء. ~~ولإحاطتها بالأرض، ولأنه لم يعرف أن الله - تعالى - قد عصى فيها، ولأن ~~طبقاتها متمايزة ينفصل بعضها عن بعض، بخلاف طبقات الأرض فإنها متصلة. ~~والمراد بالظلمات هنا الظلمات الحسية، كما أن المراد بالنور النور الحسى ~~لأن اللفظ حقيقة فيهما، ولأنهما إذا جعلا مقرونين بذكر السماوات والأرض ~~فإنه لا يفهم منهما إلا هاتان الكيفيتان المحسوستان، ولأن القرآن يستشهد ~~عليهم بمقتضى ما يعلمونه من تفرده بالخلق وهم يعلمون تفرده - سبحانه - ~~بخلق هذه الأشياء. ويرى بعض المفسرين أن المراد بالظلمات، ظلمات الشرك ~~والكفر والنفاق، وأن المراد بالنور، نور الإيمان والإسلام واليقين، ~~وعلى هذا الرأى يكون المراد بهما معنويا لا حسيا. قال صاحب المنار قال ~~الواحدى والأولى حمل اللفظين عليهما، واستشكله الرازى لأنه مبنى على ~~القول بجواز الجمع بين الحقيقة والمجاز، والمختار عندنا جوازه، وجواز ms1736 ~~استعمال المشترك فى معنييه أو معانيه إذا احتمل المقام ذلك بلا التباس ~~كما هنا، والتعبير بالجعل دون الخلق يلائم هذا فإن الجعل يشمل الخلق ~~والأمر - أى الشرع - كما تقدم، فيفسر جعل كل نور بما يليق به. # وعبر القرآن فى جانب الظلمات بصيغة الجمع، وفى جانب النور بالإفراد لأن ~~النور واحد ومن نتائجه الكشف والظهور، وتعدد أسبابه لا يغير حقيقته. أما ~~الظلمة فإنها متنوعة بتنوع أسبابها، فهناك ظلمة الليل، وهناك ظلمة ~~السجون، وهناك ظلمة القبور، وهناك ظلمة الغمام، وهى تتغير حقائقها بتغير ~~أسبابها. ثم ثمة إشارة إلى أمر معنوى وهى أن ظلمة الإدراك تتعد حقائقها، ~~فهناك ظلمة الانحراف، وظلمة الأهواء، والشهوات وطمس القلوب. والنور واحد # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله # فالنور فى هذا واحد. ثم بين - سبحانه - الموقف الجحودى الذى وقفه ~~المشركون من قضية الألوهية فقال { ثم الذين كفروا بربهم ~~يعدلون }. العدل المراد به هنا التسوية، فقال عدل الشىء بالشىء إذا ~~سواه به والمعنى أن الله - تعالى - هو الذى خلق السماوات والأرض، وهو ~~الذى جعل الظلمات والنور، فهو لذلك من حقه على خلقه أن يعبدوه وحده وأن ~~يخصوه بالحمد والثناء، ولكن المشركين مع كل هذه الدلائل الدالة على ~~وحدانية الله وقدرته يساوون به غيره فى العبادة، ويشركون معه آلهة أخرى ~~لا تنفع ولا تضر. وهذه الجملة الكريمة معطوفة على جملة { الحمد ~~لله } على معنى أن الله - تعالى - حقيق بالحمد على ما خلق من نعم، ~~وأوجد من كائنات ثم الذين كفروا يجحدون كل ذلك فيشركون معه آلهة أخرى. ~~ويحتمل أن تكون معطوفة على جملة { خلق السماوات والأرض } على ~~معنى أن الله - تعالى - قد خلق الأشياء العظيمة التى لا يقدر عليها أحد ~~سواه، ثم إن المشركين بعد ذلك يعدلون به جمادا لا يقدر على شىء أصلا. ~~وجاء العطف " بثم " لإفادة استبعاد واستقباح ما فعله الكافرون. فإنهم ~~رغم البراهين الواضحة والدالة على وحدانية الله وقدرته، قد نزلوا ~~بمداركهم إلى الحضيض فسووا فى العبادة بين الخالق والمخلوق. قال ms1737 القرطبى ~~قال ابن عطية فثم دالة على قبح فعل الكافرين لأن المعنى أن خلق السماوات ~~والأرض قد تقرر، وآياته قد سطعت، وإنعامه بذلك قد تبين، ثم بعد ذلك كله ~~عدلوا بربهم، فهذا كما تقول يا فلان أعطيتك وأكرمتك وأحسنت إليك ثم ~~تشتمنى! ولو وقع العطف بالواو فى هذا ونحوه لم يلزم التوبيخ كلزومه بثم ~~". ثم ساق القرآن فى الآية الثانية دليلا آخر على أن الله - تعالى - هو ~~المستحق للعبادة والحمد، وعلى أن يوم القيامة حق، فتحدث عن أصل خلق ~~الإنسان، بعد أن تحدث فى الآية الأولى عن خلق السماوات والأرض فقال { ~~هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل ~~مسمى عنده ثم أنتم تمترون }. # أى هو الذى أنشأكم من طين، ثم تعهدكم برعايته فى مراحل خلقكم بعد ذلك، ~~كما قال - تعالى - # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم ~~جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة ~~علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة ~~عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا ~~آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم ~~بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة ~~تبعثون # وفى ذكر خلق الإنسان من طين، دليل على قدرة الله وعظمته، لأنه - سبحانه ~~- هو الذى حول هذا الطين إلى بشر سوى مفكر، يختار الخير فيهتدى ويختار ~~الشر فيردى، كما أن فيه تذكيرا له بأصله حتى لا يستكبر أو يطغى، وحتى ~~يوقن بأن من خلقه من هذا الأصل قادر على أن يعيده إليه. قال تعالى # منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم ~~تارة أخرى # قال أبو السعود وتخصيص خلقهم بالذكر من بين سائر دلائل صحة البعث، مع أن ~~ما ذكر من خلق السماوات والأرض من أوضحها وأظهرها. لما أن محل النزاع ~~بعثهم، فدلالة بدء خلقهم على ذلك أظهر، وهم بشئون أنفسهم أعرف، والتعامى ~~عن الحجة البينة أقبح. وقال الجمل وإنما نسب هذا الخلق إلى المخاطبين لا ~~إلى آدم - عليه السلام - وهو المخلوق منه حقيقة. لتوضيح منهاج القياس، ~~والمبالغة فى إزاحة الاشتباه والالتباس، مع ما فيه من ms1738 تحقيق الحق، ~~والتنبيه على حكمة خفية هى أن كل فرد من أفراد البشر له حظ من إنشائه - ~~عليه السلام - منه. حيث لم تكن فطرته البديعة مقصورة على نفسه، بل كانت ~~أنموذجا منطويا على فطرة سائر آحاد البشر انطواء إجماليا، فكان خلقه - ~~عليه السلام - من طين خلقا لكل أحد من فروعه. ثم قال - تعالى - { ثم ~~قضى أجلا وأجل مسمى عنده }. الأجل فى اللغة عبارة عن ~~الوقت المضروب لانقضاء الأمد، وأجل الإنسان هو الوقت المضروب لانتهاء ~~عمره. والمعنى أنه سبحانه - قدر لعباده أجلين أجلا تنتهى عنده حياتهم بعد ~~أن عاشوا زمنا معينا، وأجلا آخر يمتد من وقت موتهم إلى أن يبعثهم الله من ~~قبورهم عند انتهاء عمر الدنيا ليحاسبهم على أعمالهم، هذا هو الرأى الأول ~~فى معنى الأجلين. وقيل المراد من الأجل الأول آجال الماضين من الخلق، ومن ~~الثانى آجال الباقين منهم. وقيل المراد من الأول النوم ومن الثانى الموت. ~~وقيل المراد من الأول ما مضى من عمر الإنسان ومن الثانى ما بقى منه. ~~والذى نرجحه هو الرأى الأول لأسباب منها. 1 - أن من تتبع ذكر الأجل ~~المسمى فى القرآن فى سياق الكلام عن الناس يراه قد ورد فى عمر الإنسان ~~الذى ينتهى بالموت، ومن ذلك قوله # ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها ~~من دآبة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا ~~جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون # وقوله - تعالى - # يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل ~~مسمى إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر لو كنتم ~~تعلمون # 2 - أن الآية الكريمة مسوقة لإثبات وحدانية الله ولتقرير أن البعث حق، ~~فالمناسب أن يكون المراد بالأجل الثانى هو انتهاء عمر الدنيا وبعث الناس ~~من قبورهم. ولذا قال أبو السعود فى تضعيفه للآراء المخالفة للرأى الأول " ~~ومن ها هنا تبين أن ما قيل من أن الأجل الأول هو النوم والثانى هو الموت، ~~أو أن الأول أجل الماضين والثانى أجل الباقين، أو أن الأول مقدار ما مضى ~~من عمر كل أحد والثانى مقدار ms1739 ما بقى منه مما لا وجه له أصلا، لما رأيت من ~~أن مساق النظم الكريم استبعاد امترائهم فى البعث الذى عبر عن وقته بالأجل ~~المسمى. فحيث أريد به أحد ما ذكر من الأمور الثلاثة ففى أى شىء تمترون؟ ~~". 3 - أن الرأى الأول هو الرأى المأثور عن بعض الصحابة، وبه قال جمهور ~~المفسرين، وقد عزاه ابن كثير فى تفسيره إلى عشرة من التابعين. وعطفت ~~الجملة الكريمة بثم، للإشارة إلى أطوار خلق الإنسان المختلفة، فهو فى ~~أصله من سلالة من طين، ثم يصيره الله - تعالى - نطفة، فعلقة، فمضغة، ~~فعظاما، ثم يكونه - سبحانه - وتعالى خلقا آخر. فتبارك الله أحسن الخالقين ~~". ووصف الأجل الثانى بأنه مسمى عنده، لأن وقت قيام الساعة من الأمور ~~التى لا يعلمها إلا الله قال - تعالى - # يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما ~~علمها عند ربي لا يجليها لوقتهآ إلا هو ~~ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة ~~يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند ~~الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون # وجاء قوله تعالى { وأجل مسمى } مقدما على عنده لأنه مبتدأ، ~~والذى سوغ الابتداء به مع كونه نكرة تخصصه بالوصف فقارب المعرفة لذلك، ~~فهو كقوله - تعالى - # ولعبد مؤمن خير من مشرك # ومعنى عنده أى فى علمه الذى لا يعلمه أحد سواه، فهى عندية تشريف ~~وخصوصية. ثم ختمت الآية الكريمة بتوبيخ الشاكين فى البعث والحساب فقال - ~~تعالى - { ثم أنتم تمترون }. الامتراء هو التردد الذى ينتهى ~~إلى محاجة ومجادلة وقد ينتهى إلى شك ثم إلى إنكار. مأخوذ من مرى الضرع ~~إذا مسحه للدر ووجه المناسبة فى استعماله فى الشك، أن الشك سبب لاستخراج ~~العلم الذى هو كاللبن الخالص من بين فرث ودم. والمعنى ثم إنكم بعد كل هذه ~~الأدلة الدالة على وحدانية الله، وعلى أن يوم القيامة حق، تشكون فى ذلك، ~~وتجادلون المؤمنين فيما تشكون فيه " بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ". # وجاء العطف بثم لبيان التفاوت الكبير بين الحقائق الثابتة الناصعة، وبين ~~ما سولته لهم أنفسهم من المجادلة ms1740 فيها. قال الآلوسى " والمراد استبعاد ~~امترائهم فى وقوع البعث وتحققه فى نفسه مع مشاهدتهم فى أنفسهم من الشواهد ~~ما يقع مادة ذلك بالكلية فإن من قدر على إفاضة الحياة على مادة غير ~~مستعدة لشىء من ذلك، كان أوضح اقتدارا على إقامته على مادة قد استعدت له ~~وقارنته مدة ". وبعد أن أقام - سبحانه - الأدلة فى الآيتين السابقتين على ~~أنه هو المستحق للعبادة والحمد، وعلى أن يوم القيامة حق، جاءت الآية ~~الثالثة لتصفه - سبحانه بأنه هو صاحب السلطان المطلق فى هذا الكون فقال - ~~تعالى - { هو الله في السماوات وفي الأرض يعلم ~~سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون }. أى أنه - سبحانه - ~~هو المعبود بحق فى السماوات والأرض، العليم بكل شىء فى هذا الوجود، ~~الخبير بكل ما يكسبه الإنسان من خير أو شر فيجازيه عليه بما يستحقه. ~~والضمير " هو " الذى صدرت به الآية يعود إلى الله - تعالى - الذى نعت ~~ذاته فى الآيتين السابقتين بأنه هو صاحب الحمد المطلق، وخالق السماوات ~~والأرض، وجاعل الظلمات والنور، ومنشىء الإنسان من طين، وأنه لذلك يكون ~~مختصا بالعبادة والخضوع. وقوله - تعالى - { وهو الله } جملة من ~~متبدأ وخبر، معطوفة على ما قبلها، سيقت لبيان شموال ألوهيته لجميع ~~المخلوقات. قال أبو السعود وقوله { في السماوات وفي الأرض } ~~متعلق بالمعنى الوصفى الذى ينبىء عنه الاسم الجليل إما باعتبار اصل ~~اشتقاقه وكونه علما للمعبود بالحق، كأنه قيل وهو المعبود فيهما. وإما ~~باعتبار أنه اسم اشتهر بما اشتهرت به الذات من صفات الكمال، فلوحظ معه ~~منها ما يقتضيه المقام من المالكية حسبما تقتضيه المشيئة المبنية على ~~الحكم البالغة، فعلق به الظرف من تلك الحيثية فصار كأنه قيل هو المالك أو ~~المتصرف المدبر فيهما، كما فى قوله - تعالى - # وهو الذي في السمآء إله وفي الأرض إله # وجملة { يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون } ~~تقرير لمعنى الجملة الأولى لأن الذى استوى فى علمه السر والعلن هو الله ~~وحده. ويجوز أن تكون كلاما مبتدأ بمعنى هو يعلم سركم وجهركم، أو خبرا ~~ثانيا. ثم صور - سبحانه - طبيعة الجاحدين الذين ms1741 هم - لانطماس بصائرهم ~~واصرارهم على العناد - غدوا لا يجدى معهم دليل ولا تنفع معهم حجة، وساق ~~لهم أخبار من سبقوهم. فقال - تعالى - { وما تأتيهم... }. ### || [6.4-6] # المعنى الإجمالى للآية الأولى أن هؤلاء الجاحدين لرسالات الله، لا ~~تأتيهم معجزة من المعجزات الدالة على صدقك - يا محمد - فيما تبلغه عن ربك ~~إلا تلقوها بالإعراض، واستقبلوها بالنبذ والاستخفاف. فالآية الكريمة، ~~كلام مستأنف سيق لبيان كفرهم بآيات الله - تعالى - وإعراضهم عنها بالكلية ~~بعد بيان كفرهم بالله - تعالى - وإعراضهم عن بعض آيات التوحيد. وامترائهم ~~فى البعث، وإعراضهم عن أدلته. و { من } الأولى لاستغراق الجنس الذى ~~يقع فى حيز النفى، كقولك ما آتانى من أحد والثانية للتبعيض، أى ما يظهر ~~لهم دليل قط من الأدلة التى توجب النظر والتأمل والاعتبار، إلا أهملوه ~~وأعرضوا عنه. لقسوة قلوبهم وعدم تدبرهم للعواقب. وإضافة الآيات إلى اسم ~~الرب - عز وجل - تدل على تفخيم شأنها، وعلى أن تكذيبهم لها إنما هو تكذيب ~~لما عرفوا مصدره، كما يدل على شدة عنادهم وإيغالهم فى الكفر والجحود. ~~والآية الكريمة بأسلوبها المتضمن الحصر، وباشتمالها على كان وخبرها ~~المفيد للدوام، والاستمرار، تفيد أن الإعراض عن الحق دأبهم، وأنهم ليسوا ~~على استعداد لتقبل الحق مهما اتضحت معالمه، وأسفرت حججه. ثم بين - سبحانه ~~- أنهم لم يكتفوا بالإعراض عن الحق، بل تجاوزوا ذلك إلى التهكم بدعاته، ~~والتطاول عليهم، وأنهم نتيجة لذلك المسلك الأثيم ستكون عاقبتهم خسرا فقال ~~- تعالى - { فقد كذبوا بالحق لما جآءهم فسوف ~~يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون }. فالآية ~~الكريمة كشفت بأسلوب مؤكد عن جانب من عتوهم وسفههم وسوء أدبهم، بعد أن ~~كشفت سابقتها عن عنادهم ونأيهم عن الحق. وقد بين الفخر الرازى مراحل ~~تماديهم فى الباطل كما صورها القرآن فقال " اعلم أنه - تعالى - رتب أحوال ~~هؤلاء الكفار على ثلاث مراتب فالمرتبة الأولى كونهم معرضين عن التأمل فى ~~الدلائل والتفكر والبينات. والمرتبة الثانية كونهم مكذبين بها، وهذه ~~المرتبة أزيد مما قبلها، لأن المعرض عن الشىء قد لا يكون مكذبا به، بل ~~يكون غافلا عنه غير متعرض له، فإذا ms1742 صا مكذبا به فقد زاد على الإعراض. ~~والمرتبة الثالثة كونهم مستهزئين بها، لأن المكذب بالشىء قد لا يبلغ ~~تكذيبه إلى حد الاستهزاء، فإذا بلغ إلى هذا الحد فقد بلغ الغاية القصوى ~~فى الإنكار، فبين - سبحانه - أن أولئك الكفار وصلوا إلى هذه المراتب ~~الثلاثة على هذا الترتيب ". والمراد بالحق الذى كذبوا به قيل إنه القرآن، ~~وقيل إنه المعجزات، وقيل إنه الشرع الذى أتى به محمد صلى الله عليه وسلم، ~~وقيل إنه الوعد الذى يرغبهم به تارة، والوعيد الذى يحذرهم بسببه تارة ~~أخرى.. والذى نراه أن تكذيبهم قد شمل كل ذلك، لأنهم بعدم دخولهم فى ~~الإسلام قد صاروا مكذبين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. # والتعبير بقوله { لما جآءهم } يفيد أن الحق قد وصل إليهم، وطرق ~~قلوبهم وأسماعهم، ولكنهم عموا وصموا عنه. والأنباء جمع نبأ وهو ما يعظم ~~من الأخبار، والمراد بها فى قوله - تعالى - { فسوف يأتيهم ~~أنباء ما كانوا به يستهزءون } الإخبار عن العذاب الذى ~~توعدهم الله به عند إصرارهم على كفرهم، ونظيره قوله - تعالى - # ولتعلمن نبأه بعد حين # قال صاحب الكشاف { فسوف يأتيهم أنباء } الشىء الذى { ~~كانوا به يستهزءون } وهو القرآن، أى أخباره وأحواله، بمعنى ~~سيعملون بأى شئ استهزءوا، وسيظهر لهم أنه لم يكن بموضع استهزاء، وذلك عند ~~إرسال العذاب عليهم فى الدنيا أو فى يوم القيامة أو عند ظهور الإسلام ~~وعلو كلمته. ثم ساق القرآن لهم على سبيل النصيحة والإرشاد أخبار من ~~سبقوهم فى الكفر والبطر وبين لهم سوء عاقبتهم ليعتبروا ويتعظوا فقال - ~~تعالى- { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن ~~مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم }. قال القرطبى " ~~القرن الأمة من الناس والجمع القرون. قال الشاعر # إذا ذهب القرن الذى كنت فيهم وخلفت فى قرن فأنت غريب # فالقرن كل عالم فى عصره، مأخوذ من الاقتران، أى عالم مقترن بعضهم إلى ~~بعض، وفى الحديث الشريف # " خير الناس قرنى - يعنى أصحابى - ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " # فالقرن على هذا مدة من الزمان، قيل ستون عاما، وقيل سبعون، وقيل، ms1743 ~~ثمانون، وقيل مائة - وعليه أكثر أصحاب الحديث - أن القرن مائة سنة، ~~واحتجوا بأن النبى صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله ابن بشر " تعيش قرنا ~~" فعاش مائة. والاستفهام الذى صدرت به الآية الكريمة لتوبيخ الكفار ~~وتبكيتهم، وإنكار ما وقع منهم من إعراض واستهزاءن وهو داخل على فعل محذوف ~~دل عليه سابق الكلام ولاحقه. والتقدير أعموا عن الحق وأعرضوا عن دلائله، ~~ولم يروا بتدبر وتفكر كم أهلكنا من قبلهم من أقوام كانوا أشد منهم قوة ~~وأكثر جمعا. وجملة { أهلكنا } سدت فسد مفعول رأى إن كانت بصرية، ~~وسدت مسد مفعوليها إن كانت علمية، و { كم } مفعول مقدم لأهلكنا، و { ~~من قبلهم } على حذف المضاف، أى من قبل زمنهم ووجودهم. قال صاحب ~~المنار وكان الظاهر أن يقال مكناهم فى الأرض - أى القرون - ما لم نمكنهم، ~~أى الكفار المحكى عنهم المستفهم عن حالهم، فعدل عن ذلك بالالتفات من ~~الغيبة إلى الخطاب، لما فى إيراد الفعلين بضميرى الغيبة من إيهام اتحاد ~~مرجعهما، وكون المثبت عين المنفى، فقيل ما لم نمكن لكم. و { ما } في ~~قوله { ما لم نمكن لكم } يحتمل أن تكون موصولة بمعنى الذى، ~~وهى حينئذ صفة لمصدر محذوف. # والتقدير مكناهم فى الأرض التمكين الذى لم نمكن لكم، والعائد محذوف أى ~~الذى لم نمكنه لكم. ويحتمل أن تكون نكرة موصوفة بالجملة المنفية بعدها ~~والعائد محذوف. أى مكناهم فى الأرض شيئا لم نمكنه لكم. وفى تعدية الأول ~~وهو { مكناهم } بنفسه والثانى هو { نمكن لكم } باللام ~~إشارة إلى أن السابقين قد مكنوا بالفعل من وسائل العيش الرغيد ما لم ~~يتيسر مثله لهؤلاء المنكرين لدعوة الإسلام، وهذا أعظم فى باب القدرة على ~~إهلاك هؤلاء الذين هم أعجز من سابقيهم. هذا، وقد وصف الله أولئك المهلكين ~~بسبب اجتراحهم للسيئات بصفات ثلاث لم تتوفر للمشركين المعاصرين للنبى صلى ~~الله عليه وسلم. وصفهم - أولا - بأنهم كانوا أوسع سلطانا، وأكثر عمرانا، ~~وأعظم استقرارا، كما يفيده قوله تعالى { مكناهم في الأرض ~~ما لم نمكن لكم }. قال صاحب الكشاف " والمعنى لم نعط أهل ms1744 مكة ~~نحو ما أعطينا قوم عاد وثمود وغيرهم من البسطة فى الأجسام، والسعة فى ~~الأموال، والاستظهار بأسباب الدنيا ". ووصفهم - ثانيا - بأنهم كانوا أرغد ~~عيشا، وأسعد حالا، وأهنأ بالا، يدل على ذلك قوله تعالى { وأرسلنا ~~السمآء عليهم مدرارا } أى أنزلنا عليهم المطر النافع بغزارة ~~وكثرة، وعبر عنه بالسماء لأنه ينزل منها. ووصفهم - ثالثا - بأنهم كانوا ~~منعمين بالمياه الكثيرة التى يسيرون مجاريها كما يشاءون، فيبنون مساكنهم ~~على ضفافها. ويتمتعون بالنظر إلى مناظرها الجميلة، كما يرشد إليه قوله - ~~تعالى - { وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم } أى صيرنا ~~الأنهار تجرى من تحت مساكنهم. ولكن ماذا كانت عاقبة هؤلاء المنعمين بتلك ~~النعم الوفيرة التى لم تتيسر لأهل مكة كانت عاقبتهم - كما أخبر القرآن ~~عنهم - { فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم ~~قرنا آخرين } أى فكفروا بنعمة الله وجحدوا فأهلكناهم بسبب ذلك، إذ ~~الذنوب سبب الانتقام وزوال النعم. والإهلاك بسبب الذنوب له مظهران أحدهما ~~أن الذنوب ذاتها تهلك الأمم، إذ تشيع فيها الترف والغرور والفساد فى ~~الأرض، وبذلك تنحل وتضمحل وتذهب قوتها. والمظهر الثانى إهلاك الله - ~~تعالى - لها عقابا على أوزارها. وقوله - تعالى - فى ختام الآية { ~~وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين } يدل على كمال قدرة ~~الله، ونفاذ إرادته، وأن إهلالكه لتلك الأمم بسبب ذنوبها لم ينقص من ملكه ~~شيئا، لأنه - سبحانه - كلما أهلك أمة أنشأ من بعدها أخرى. قال - تعالى - # وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثالكم # ثم بين القرآن توغلهم فى الجحود والعناد، وانصرافهم عن الحق مهما قويت ~~أدلته، وساق جانبا من أقوالهم الباطلة ثم رد عليهم بما يدحضها فقال - ~~تعالى - { ولو نزلنا عليك كتابا... }. ### || [6.7-11] # الكتاب فى الأصل مصدر كالكتابة، ويستعمل غالبا بمعنى المكتوب، فيطلق على ~~الصحيفة المكتوبة وعلى مجموعة الصحف. والقرطاس - بكسر القاف وقد تفتح ~~وتضم فى بعض اللغات - ما يكتب فيه سواء كان من رق أو من ورق أو من غيرهما ~~ولا يطلق على ما يكتب فيه قرطاس إلا إذا كان مكتوبا. والمعنى إن هؤلاء ~~الجاحدين لا ينقصهم الدليل على صدقك يا محمد. ms1745 ولكن الذى ينقصهم هو التفتح ~~للحق، والإنقياد للهداية، فإننا لو نزلنا عليك كتابا من السماء فى قرطاس ~~- كما اقترحوا - فشاهدوه بأعينهم وهو نازل عليك ولمسوه بأيديهم منذ وصوله ~~إلى الأرض وباشروه بعد ذلك بجميع حواسهم بحيث يرتفع عنهم كل ارتياب، ~~ويزول كل إشكال. لو أننا فعلنا ذلك. استجابة لمقترحاتهم المتعنتة، لقالوا ~~بلغة العناد والجحود ما هذا الذى أبصرناه ولمسناه إلا سحر مبين. فالآية ~~الكريمة تصور مكابرتهم المتبجحة، وعنادهم الصفيق، وإدبارهم عن الحق مهما ~~تكن قوة أدلته، ونصاعة حجته. قال الإمام الرازى " بين الله - تعالى - فى ~~هذه الآية أن هؤلاء الكفار لو أنهم شاهدوا نزول كتاب من السماء دفعة ~~واحدة عليك يا محمد لم يؤمنوا به بل حملوه على أنه سحر. والمراد من قوله ~~{ في قرطاس } أنه لو نزل الكتاب جملة واحدة فى صحيفة واحدة فرأوه ~~ولمسوه وشاهدوه عيانا لطعنوا فيه وقالوا إنه سحر ". و { لو } فى الآية ~~الكريمة حرف امتناع، أى أنه - سبحانه - قد امتنع عن إجابة مقترحاتهم لأنه ~~يعلم أن إجابتها لا ثمرة لها، ولا فائدة من ورائها، لأن هؤلاء الجاحدين ~~لا ينقصهم الدليل على صدق النبى صلى الله عليه وسلم فى دعوته، وإنما الذى ~~ينقصهم هو الاستجابة للحق والاتجاه السليم لطلبه، والاستماع إليه بعناية ~~وتفكير. وعبر - سبحانه - بقوله { فلمسوه بأيديهم }. مع أن ~~اللمس هو باليد غالبا - للتأكيد وزيادة التعيين، ودفع احتمال المجاز. ~~فالجملة الكريمة المقصود بها تصوير فرط جحودهم ومكابرتهم، وإعراضهم عن ~~الحق مهما تكن قوة الدليل وحسيته. وفى قوله - تعالى - { لقال ~~الذين كفروا } إشارة إلى أن الكافرين وحدهم هم الذين بسبب كفرهم ~~- ينتحلون الأعذار لضلالهم، ويصفون الحق الواضح بأنه سحر مبين. أما ~~المؤمنون فإنهم يقابلون الحق بالتصديق والإذعان. وقد حكى القرآن عنهم ~~أنهم قالوا { إن هذآ إلا سحر مبين } ، فأكدوا حكمهم ~~الباطل بطريق النفى والإثبات - أى أنه مقصور على أنه سحر - وبالإشارة ~~إليه، وبأنه بين واضح فى كونه سحرا، وذلك يدل على أن تبجحهم قد بلغ ~~النهاية، وأن مكابرتهم قد كذبت ما شهدت بصدقه حواسهم، وإن قوما ms1746 بهذه ~~الدرجة من العناد لا تجدى فيهم معجزة، ولا ينفع معهم دليل. # وفى معنى هذه الآية قد وردت آيات أخرى فى القرآن الكريم منها قوله - ~~تعالى - # ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة وكلمهم ~~الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشآء الله ولكن أكثرهم ~~يجهلون # ومنها قوله - تعالى - # ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه ~~يعرجون * لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن ~~قوم مسحورون # ثم حكى القرآن بعض مقترحاتهم المتعنتة ورد عليها بما يدحضها فقال { ~~وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا ~~لقضي الأمر ثم لا ينظرون * ولو جعلناه ملكا ~~لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون }. أى ~~قال الكافرون للنبى صلى الله عليه وسلم هلا كان معك ملك يا محمد لكى يشهد ~~بصدقك ونسمع كلامه، ونرى هيئته، وحينئذ نؤمن بك ونصدقك. قال محمد بن ~~إسحاق " دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم - قومه إلى الإسلام، وكلمهم ~~فأبلغ إليهم، فقال له زمعة بن الأسود بن المطلب والنضر بن الحارث بن ~~كلده، وعبد بن يغوث وأبى بن خلف بن وهب والعاص بن وائل بن هشام لو جعل ~~معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويروى معك ". فهم لا يريدون ملكا لا ~~يرونه، وإنما يريدون ملكا يمشى معه ويشاهدونه بأعينهم. وأسند - سبحانه - ~~القول إليهم مع أن القائل بعضهم، لأنهم جميعا متعنتون جاحدون، وما يصدر ~~عن بعضهم إنما هو صادر فى المعنى عن جميعهم لأن الباعث واحد، ولولا هنا ~~للتحضيض فلا تحتاج إلى جواب. أى وقال الكافرون للنبى صلى الله عليه وسلم ~~هلا كان معك ملك يا محمد لكى يشهد بصدقك ونسمع كلامه، ونرى هيئته، وحينئذ ~~نؤمن بك ونصدقك. وقد رد الله تعالى - على قولهم هذا بردين حكيمين أما ~~الرد الأول فقال فيه { ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ~~ثم لا ينظرون }. أى لو أنزلنا ملكا كما اقترح هؤلاء الكافرون وهم ~~على ما هم عليه من الكفر والجحود، لقضى الأمر بإهلاكهم، ثم لا ينظرون، أى ~~لا يؤخرون ولا يمهلون ليؤمنوا، ms1747 بل يأخذهم العذاب عاجلا، فقد مضت سنة الله ~~فيمن قبلهم، أنهم كانوا إذا اقترحوا آية وأعطوها ولم يؤمنوا يعذبهم الله ~~بالهلاك، والله - تعالى - لا يريد أن يهلك هذه الأمة التى بعث فيها خاتم ~~رسله نبى الرحمة صلى الله عليه وسلم بسبب إجابة مقترحات أولئك المعاندين ~~المستكبرين. وأما الرد الثانى فقال فيه { ولو جعلناه ملكا ~~لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون }. أى ~~لو جعلنا الرسول من الملائكة - كما اقترحوا - لكانت الحكمة تقتضى أن ~~نجعله فى صورة بشر ليتمكنوا من رؤيته ومن سماع كلامه الذى يبلغه عن الله ~~- تعالى - وفى هذه الحالة سيقولون لهذا الملك المرسل إليهم فى صورة بشر - ~~لست ملكا، لأنهم لا يدركون منه إلا صورته وصفاته البشرية التى تمثل بها، ~~وحينئذ يقعون فى نفس اللبس والاشتباه الذى يلبسونه على أنفسهم باستنكار ~~جعل الرسول بشرا. # ومعنى { وللبسنا عليهم ما يلبسون } لخلطنا عليهم مثل ~~ما يخلطون على أنفسهم بسبب استبعادهم أن يكون الرسول بشرا مثلهم. قال ~~الإمام القرطبى قوله تعالى { ولو جعلناه ملكا لجعلناه ~~رجلا } لأن كل جنس يأنس بجنسه وينفر من غير جنسه، فلو جعل الله تعالى ~~- الرسول إلى البشر ملكا لنفروا من مقاربته ولما أنسوا به، ولداخلهم من ~~الرعب من كلامه والاتقاء له، ما يكفهم عن كلامه ويمنعهم عن سؤاله فلا تعم ~~المصلحة، ولو نقله عن صورة الملائكة إلى مثل صورتهم ليأنسوا به وليسكنوا ~~إليه لقالوا لست ملكا وإنما أنت بشر فلا نؤمن بك، وعادوا إلى مثل حالهم ~~". وبهذين الجوابين الحكيمين يكون القرآن الكريم قد دحض شبهات أولئك ~~الجاحدين، وبين أن الحكمة تقتضى أن يكون الرسول من جنس المرسل إليهم، قال ~~تعالى - # ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ~~من أهل القرى # ثم أخذ القرآن فى تسلية النبى صلى الله عليه وسلم عما أصابه من قومه ~~فقال { ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق ~~بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون }. ~~والمعنى لا تحزن يا محمد لما أصابك من قومك، فإن من شأن الدعاة إلى الحق ~~المجاهدين فى سبيله ms1748 أن ينالهم الأذى من أعدائهم، ولقد أوذى من سبقك من ~~الرسل الكرام، وسخر الساخرون منهم، فصبروا على ذلك، وجاءهم فى النهاية ~~نصرنا الذى وعدناهم به. أما أعداؤهم الذين استهزأوا بهم، فقد أخذناهم أخذ ~~عزيز مقتدر # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان ~~الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # فالآية الكريمة تهدف إلى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والترويح عن ~~نفسه، وتبشيره بحسن العاقبة وتثبيت قلبه حتى لا يتأثر أو يضعف أمام سفه ~~المشركين وتطاولهم عليه. والاستهزاء بالشىء الاستهانة به، والاستهزاء ~~بالشخص احتقاره وعدم الاهتمام بأمره. وتنكير الرسل للتكثير والتعظيم، ~~والفاء فى قوله { فحاق } للسببية، أى بسبب هذا الاستهزاء برسل الله ~~الكرام، أحاط العذاب بأولئك المستهزئين فأهلكهم. وقال - سبحانه - { ~~فحاق بالذين سخروا } ولم يقل بالساخرين، للإشارة إلى أن ما ~~أصابهم من عذاب لم يكن تجنيا عليهم، وإنما كان بسبب سخريتهم برسل الله ~~والاستخفاف بهم لأن التعبير بالموصول يفيد أن الصلة هى علة الحكم. وفى ~~قوله - تعالى - { فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا ~~به يستهزءون } مجاز علاقته السببية، لأن الذى حاق بهم هو العذاب ~~المسبب عن الاستهزاء، ففيه إطلاق السبب وإرادة المسبب، وذلك يفيد أن ~~العذاب ملازم لهذه السخرية لا ينفك عنها، فحيثما وجد التطاول على أولياء ~~الله والدعاة إلى دينه، وجد معه عذاب الله وسخطه على المتطاولين ~~والمستهزئين. # ثم أمر القرآن النبى صلى الله عليه وسلم أن يذكرهم بحال من سبقوهم عن ~~طريق التطلع إلى آثارهم، والتدبر فيما أصابهم، والاتعاظ بما حل بهم فقال ~~- تعال - { قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان ~~عاقبة المكذبين }. أى قل - يا محمد - لأولئك المكذبين لك، ~~المستهزئين بدعوتك، لا تغتروا بما أنتم فيه من قوة وجاه، فإن ذلك لا دوام ~~له، وسيروا فى فجاج الأرض متدبرين متأملين، فسترون بأعينكم آثار أقوام ~~كانوا أشد منكم قوة وأكثر جمعا، ولكن ذلك لم يمنع وقوع العذاب بهم حين ~~بدلوا نعمة الله كفرا، ms1749 وحاربوا رسل الله والدعاة إلى دينه. وقد ذكر ~~القرآن الكريم فى سور متعددة أن آثار أولئك الأقوام المهلكين، ما زال ~~بعضها باقيا، وإنها لتدعو العقلاء إلى الاتعاظ والاعتبار فقال - تعالى - # ذلك من أنبآء القرى نقصه عليك منها قآئم ~~وحصيد # وقال - تعالى - فى شأن قوم لوط # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل ~~أفلا تعقلون # وقد أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يطلب منهم السير فى ~~الأرض للتفكر والتدبر، لأنهم كانوا يستهزئون به صلى الله عليه وسلم فكانت ~~المخاطبة منه لهم من قبيل النصيحة والتحذير. وليس المراد مجرد النظر فى ~~قوله { ثم انظروا } ، بل المراد منه التفكر والتدبر والاعتبار ~~الذى يهدى إلى الإيمان، ويعين على اتباع الصراط المستقيم. قال صاحب ~~الكشاف فإن قلت أى فرق بين قوله { فانظروا } وبين قوله { ثم ~~انظروا }؟ قلت جعل النظر مسببا عن السير فى قوله { فانظروا } ~~فكأنه قيل سيروا لأجل النظر، ولا تسيروا سير الغافلين. وأما قوله { ~~سيروا في الأرض ثم انظروا } فمعناه إباحة السير فى الأرض ~~للتجارة وغيرها من المنافع وإيجاب النظر فى آثار الهالكين، ونبه على ذلك ~~بثم لتباعد ما بين الواجب والمباح. وقد علق الشيخ ابن المنير على عبارة ~~صاحب الكشاف فقال " وأظهر من هذا التأويل أن يجعل الأمر بالسير فى ~~المكانين واحدا، ليكون ذلك سببا فى النظر، فحيث دخلت الفاء فلإظهار ~~السببية، وحيث دخلت ثم فللتنبيه على أن النظر هو المقصود من السير وأن ~~السير وسيلة إليه لا غير وشتان بين المقصود والوسيلة ". والذى نرجحه أن ~~التعبير بثم هنا المفيدة للتراخى للإشارة إلى أن السير الذى هو وسيلة ~~للتفكر مطلوب فى ذاته كما أن النظر الذى يصحبه التفكر والاعتبار مطلوب ~~أيضا، وكأنه أمر بدهى نتيجة للسير، أما التعبير بالفاء فى قوله " ~~فانظروا " فلإبراز كون النظر مسببا عن السير، ومترتبا عليه، وكلا ~~الأسلوبين مناسب للمقام الذى سيق من أجله، ومتناسق مع البلاغة القرآنية. ~~ثم ساق القرآن الكريم ألوانا من البراهين الدالة على وحداينة الله وقدرته ~~وعلى أنه هو المهيمن على هذا الكون، ms1750 فقال - تعالى - { قل لمن... }. ### || [6.12-16] # المعنى قل يا محمد لهؤلاء المشركين - على سبيل التوبيخ والتنبيه - من ~~الذى يملك السماوات والأرض وما فيهما من إنس وجن وحيوان ونبات وغير ذلك ~~من المخلوقات، إن الإجابة الصحيحة التى يعترفون بها ولا يستطيعون إنكارها ~~أن جميع المخلوقات لله رب العالمين. قال - تعالى - # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # فالمقصود بالاستفهام تبكيتهم على عنادهم، وتنبيههم إلى ضلالهم لعلهم ~~يثوبون إلى رشدهم. قال الإمام الرازى وقوله { قل لمن ما في ~~السماوات والأرض } سؤال، وقوله { قل لله } جواب. فقد أمره ~~الله - تعالى - بالسؤال أولا ثم بالجواب ثانيا، وهذا إنما يحسن فى الموضع ~~الذى يكون الجواب قد بلغ فى الظهور إلى حيث لا يقدر على إنكاره منكر، ولا ~~يقدر على دفعه دافع، وهنا كذلك لأن القوم كانوا معترفين بأن العالم كله ~~لله وتحت تصرفه وقهره وقدرته ". ثم قال - تعالى - { كتب على ~~نفسه الرحمة } أى أوجب - سبحانه - على نفسه رحمته التى وسعت كل ~~شىء والتى من مظاهرها أنه منح خيره ونعمه فى الدنيا للطائعين والعصاة، ~~وأنه سيحاسبهم يوم القيامة على أعمالهم فيجازى الذين أساءوا بما عملوا ~~ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. وفى الصحيحين عن أبى هريرة - رضى الله عنه ~~- قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله لما خلق الخلق كتب كتابا عنده فوق العرش، إن رحمتى تغلب غضبى ~~". # وجملة، ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه، يرى بعض العلماء أنها جواب ~~لقسم محذوف أى والله ليجمعنكم، وجملة القسم والجواب لا محل لها من ~~الإعراب، وإن تعلقت بما قبلها من حيث المعنى وعلى هذا الرأى يكون الكلام ~~قد تم عند قوله - تعالى - { كتب على نفسه الرحمة }. ويرى ~~الزجاج ومن شايعه أن جملة ليجمنعكم فى محل نصب بدل من الرحمة، وفسر ~~ليجمعنكم بمعنى أمهلكم وأمد لكم فى العمر والرزق مع كفركم، فهو تفسير ~~الرحمة، كما قال - تعالى - فى السورة نفسها كتب على نفسه الرحمة أنه من ~~عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم. والمقصود ms1751 ~~بهذه الجملة الكريمة ليجمعنكم بيان عدل الله بين عباده. فهو لم يجمعهم ~~يوم القيامة لتعذيبهم جميعا، وإنما يجمعهم لإثابة المحسن ومعاقبة ~~المسىء. ولما كان الكافرون ينكرون حصول البعث والحساب فقد أكد الله - ~~تعالى - حصولهما باللام وبنون التوكيد الثقيلة، وبتعدية الفعل بإلى دون ~~فى للإشارة إلى أن هذا الجمع نهايته يوم القيامة - وبأنه يوم لا ينبغى ~~لأحد أن يرتاب فيه لوضوح أدلته. ثم ختمت الآية الكريمة ببيان عاقبتهم ~~السيئة فقال - تعالى - { الذين خسروا أنفسهم فهم لا ~~يؤمنون }. # أى الذين خسروا أنفسهم بانطماس فطرتهم، وإصرارهم على العناد والجمود، لا ~~يتسرب الإيمان إلى قلوبهم لأنها قست وأظلمت. قال الآلوسى الفاء فى قوله { ~~فهم لا يؤمنون } - للدلالة على أن عدم إيمانهم وإصرارهم على ~~الكفر مسبب عن خسرانهم، فإن إبطال العقل والانهماك فى التقليد أدى بهم ~~إلى الإصرار على الكفر والامتناع عن الإيمان. ثم ساق - سبحانه - ما ~~يشهد بشمول علمه وقدرته فقال { وله ما سكن في الليل ~~والنهار وهو السميع العليم }. قال القرطبى سكن معناه هدأ ~~واستقر، والمراد ما سكن وما تحرك، فحذف لعلم السامع، وقيل خص الساكن ~~بالذكر لأن ما يعمه السكون أكثر مما تعمه الحركة، وقيل المعنى، ما خلق، ~~فهو عام فى جميع المخلوقات متحركها وساكنها، فإنه يجرى عليه الليل ~~والنهار، وعلى هذا فليس المراد بالسكون ضد الحركة بل المراد الخلق وهذا ~~أحسن ما قيل لأنه يجمع شتات الأقوال. والمعنى ولله - سبحانه - جميع ما ~~استقر وتحرك ووجد فى كل زمان ومكان من إنسان وحيوان ونبات وغير ذلك من ~~المخلوقات، وهو - سبحانه - السميع لكل دقيق وجليل، العليم بكل الظواهر ~~والبواطن، والتعبير بما فى قوله { وله ما سكن } للدلالة على ~~العموم والشمول. ثم أمر - سبحانه - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستنكر ما ~~عليه المشركون من كفر وإلحاد، وأن ينفى عن نفسه بشدة ما تردوا فيه من ~~جهالة وضلالة فقال { قل أغير الله أتخذ وليا فاطر ~~السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم }. أى قل لهم - ~~يا محمد - موبخا وزاجرا، بأى عقل أبحتم لأنفسكم الإشراك بالله، ms1752 واتخذتم ~~من دونه معبودا سواه، مع أنه - سبحانه - باعترافكم هو الخالق لكم ~~وللسماوات والأرض ولكل شىء؟ وقد سلطت الهمزة على المفعول الأول لا على ~~الفعل، للإيذان بأن المستنكر إنما هو اتخاذ غير الله وليا لا اتخاذ ~~الولى مطلقا، ونظير هذه الآية قوله - تعالى - # قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها ~~الجاهلون # ثم دلل - سبحانه - على أنه هو وحده المستحق للعبادة بأمرين. أولهما قوله ~~- تعالى - { فاطر السماوات والأرض }. أى خالقهما ومنشئهما ~~على غير مثال سبق، فالفطر - كما قال اللغويون - الإبداع والإيجاد من ~~غير سبق مثال يحتذى. وثانيهما قوله - تعالى - { وهو يطعم ولا ~~يطعم }. أى أنه - سبحانه - هو الذى لا يحتاج إلى أحد وكل ما سواه ~~محتاج إليه وهو الرازق لغيره، والمنافع كلها من عنده. وقرأ أبو عمرو وهو ~~يطعم ولا يطعم بفتح الياء فى الثانى. أى وهو يرزق غيره ويطعمه أما هو - ~~سبحانه - فلا يتناول طعاما ولا شرابا. # وهذه الجملة حالية مؤيدة لإنكار اتخاذ ولى سوى الله، وفيها تعريض بمن ~~اتخذوا أولياء من دونه من البشر بأنهم محتاجون إلى الطعام، وأنه - سبحانه ~~- هو الذى خلق لهم هذا الطعام فهم عاجزون عن البقاء بدونه. ثم أمره - ~~سبحانه - بأن يصرح أمامهم بأنه برىء من شركهم ومن أفعلاهم القبيحة فقال - ~~تعالى - { قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ~~ولا تكونن من المشركين }. أى قل أيها الرسول الكريم بعد ~~إيراد هذه الآيات والحج الدالة على وحدانية الله إنى أمرت من خالقى أن ~~أكون أول من يسلم له وجهه ويخصه بالعبادة، كما أنى نهيت عن أن أكون من ~~المشركين الذين يجعلون مع الله آلهة أخرى. وصح عطف الجملة الثانية ~~الإنشائية على الأولى الخبرية لأن الأولى خبرية فى اللفظ ولكنها إنشائية ~~فى المعنى فكانت فى قوة الجملة الطلبية والتقدير كن أول من أسلم ولا ~~تكونن من المشركين، ويجوز عطفها على جملة { قل إني أمرت } وهى ~~إنشائية فى اللفظ والمعنى. ثم أمره - سبحانه - بأن يعلن أمامهم بأن خوفه ~~من خالقه يحتم عليه أن يبتعد عن كل معصية فقال ms1753 { قل إني أخاف ~~إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم }. أى قل لهم - يا محمد - ~~على سبيل الإنذار والتحذير من الاستمرار فى الكفر إنى أخاف إن عصيت ~~خالقى عذاب يوم عظيم الأهوال تذهل فيه # كل مرضعة عمآ أرضعت وتضع كل ذات حمل ~~حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن ~~عذاب الله شديد # وفى هذا التحذير أسمى الوان التعبير والتصوير لأنه إذا كان النبى صلى ~~الله عليه وسلم وهو أحب الخلق إلى الله سينا له العذاب إن كان - على سبيل ~~الفرض والتقدير - قد عصى ربه فى الدنيا. فكيف بأولئك الذين أشركوا مع ~~الله آلهة أخرى؟ فمن الواجب عليهم أن يقتدوا بالنبى صلى الله عليه وسلم ~~فى عبادته وإخلاصه لربه. وكلمة { عذاب } مفعول لأخاف، وجواب الشرط ~~محذوف والتقدير إن عصيت ربى استحققت العذاب العظيم. ثم بين - سبحانه - أن ~~النجاة من هول هذا اليوم غنيمة ليس بعدها غنيمة فقال { من يصرف ~~عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين }. أى ~~من يصرف عنه عذاب هذا اليوم، فإنه يكون ممن شملتهم رحمة الله ورعايته، ~~وذلك هو الفوز الذى ليس بعده فوز. والضمير الذى يعتبر نائب فاعل ليصرف، ~~يعود على العذاب العظيم الذى سيحل بالمجرمين يوم القيامة. وفى قراءة ~~لحمزة والكسائى وأبى بكر عن عاصم من يصرف بفتح الياء فيكون الضمير عائدا ~~على الله - ويكون المفعول محذوفا. والتقدير من يصرف الله عنه هذا العذاب ~~العظيم فى ذلك اليوم فقد شملته رحمة الله، وعلى كلتا القراءتين فالضمير ~~فى قوله { فقد رحمه } يعود على الله - تعالى - هذا، وفى هذه ~~الآيات الخمس نجد القرآن قد أمر النبى صلى الله عليه وسلم بقوله { قل } ~~خمس مرات وهو أسلوب إنذارى تلقينى كثر استعماله فى هذه السورة - كما سبق ~~أن قلنا فى التمهيد لها - لأنه يلقن النبى صلى الله عليه وسلم الحجج التى ~~تزلزل كيان المشركين وتأتى على بنيانهم من القواعد. # وفضلا عن ذلك فهو لون من التفنن فى أسلوب الدعوة إلى أن يحتاج إليه ~~المرشدون والدعاة. لأن التزام أسلوب واحد فى ms1754 إقامة الحجة على الخصم يفضى ~~إلى السآمة والملل، ومن هنا فقد لون القرآن أساليبه حتى تناسب العقول على ~~اختلاف مداركها، وصدق الله إذ يقول # انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون # ثم بين - سبحانه - أن نواصى العباد بيديه، وأنه هو المتصرف فى خلقه بما ~~يشاء، لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه فقال - تعالى - { وإن يمسسك ~~الله بضر... }. ### || [6.17-21] # المس أعم من اللمس فى الاستعمال. يقال مسه السوء والكبر والعذاب والتعب. ~~أى أصابه ذلك ونزل به. " والضر اسم للألم والحزن والخوف وما يفضى إليهما ~~أو إلى أحدهما كما أن النفع اسم للذة والسرور وما يفضى إليهما أو إلى ~~أحدهما ". والخير اسم لكل ما كان فيه منفعة أو مصلحة حاضرة أو مستقبله. ~~والمعنى إن الناس جميعا تحت سلطان الله وقدرته، فما يصيبهم من ضر كمرض ~~وتعب وحزن اقتضته سنة الله فى هذه الحياة، فلا كاشف له إلا هو، وما ~~يصيبهم من خير كصحة وغنى وقوة وجاه فهو - سبحانه - قادر على حفظه عليهم، ~~وإبقائه لهم، لأنه على كل شىء قدير. والخطاب فى الآية يصح أن يكون موجها ~~إلى النبى صلى الله عليه وسلم لتقويته فى دعوته، وتثبيته أمام كيد ~~الأعداء وأذاهم، كما يصح أن يكون لكل من هو أهل للخطاب. قال صاحب المنار ~~" ومن دقائق بلاغة القرآن المعجزة، تجرى الحقائق بأوجز العبارات، وأجمعها ~~لمحاسن الكلام مع مخالفته بعضها فى بادىء الرأى لما هو الأصل فى التعبير، ~~كالمقابلة هنا بين الضر والخير، وإنما مقابل الضر النفع ومقابل الخير ~~الشر، فنكتة المقابلة أن الضر من الله ليس شرا فى الحقيقة بل هو تربية ~~واختبار للعبد يستفيد به من هو أهل للاستفادة أخلاقا وأدبا وعلما ~~وخبرة. وقد بدأ بذكر الضر لأن كشفه مقدم على نيل مقابله، كما أن صرف ~~العذاب فى الآخرة مقدم على النعيم ". وقوله { وإن يمسسك بخير ~~} جوابه محذوف تقديره فلا راد له غيره. وقوله { فهو على كل ~~شيء قدير } تعليل لكل من الجوابين المذكورين فى الشرطية الأولى ~~والمحذوف فى الثانية. وفى معنى هذه الآية ms1755 جاءت آيات أخرى منها قوله - ~~تعالى - # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز ~~الحكيم # وفى الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول # " اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك ~~الجد ". # ثم بين - سبحانه - كمال قدرته، وعظيم سلطانه فقال { وهو القاهر ~~فوق عباده وهو الحكيم الخبير }. أى أنه - كما قال ابن ~~كثير - " هو الذى خضعت له الرقاب، وذلت له الجباه. وعنت له الوجوه، وقهر ~~كل شىء، ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه الأشياء، ~~وتضاءلت بين يديه وتحت قهره وحكمه ". ثم أمر الله نبيه صلى الله عليه ~~وسلم فى بيان رائع حكيم، أن يسأل المشركين عن أى شىء فى هذا الكون أعظم ~~وأزكى شهادة بحيث تقبل شهادته ولا ترد فقال - تعالى - { قل أي ~~شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم }. # روى بعض المفسرين أن أهل مكة قالوا يا محمد، أرنا من يشهد أنك رسول ~~الله، فإنا لا نرى أحدا نصدقه، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا ~~أنه ليس لك عندهم ذكر، فأنزل الله - تعالى - { قل أي شيء ~~أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم }. أى قل ~~يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يخاصمونك فيما تدعو إليه أى شىء فى هذا ~~الوجود شهادته أكبر شهادة وأعظمها بحيث تقبلونها عن تسليم وإذعان؟ ثم ~~أمره أن يجيبهم على هذا السؤال بالحقيقة التى لا يمارى فيها عاقل وهى أن ~~شهادة الله هى أكبر شهادة وأقواها وأزكاها، لأنها شهادة من يستحيل عليه ~~الكذب أو الخطأ، وقد شهد - سبحانه - بصدقى فيما أبلغه عنه فلماذا تعرضون ~~عن دعوتى، وتتنكبون الطريق المستقيم؟ وصدرت الآية الكريمة بقل وبصيغة ~~الاستفهام تنبيها إلى جلال الشاهد، وإلى سلامة دعوى النبى صلى الله عليه ~~وسلم لكى يدركوا ما فيها من حق وما هم فيه من ضلال. وأوثرت كلمة " شىء " ~~فى قوله - تعالى - { قل أي شيء أكبر شهادة } لأنها تفيد ~~الشمول والإحاطة والاستقصاء. ms1756 قال صاحب الكشاف ما ملخصه قوله - تعالى - { ~~قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني ~~وبينكم } أراد أى شهيد أكبر شهادة، فوضع شيئا مقام شهيد ليبالغ فى ~~التعميم، ويحتمل أن يكون تمام الجواب عنه قوله { قل الله } بمعنى ~~الله أكبر شهادة، ثم ابتدأ. { شهيد بيني وبينكم } أى هو شهيد ~~بينى وبينكم. وأن يكون { الله شهيد بيني وبينكم } هو ~~الجواب، لدلالته على أن الله - تعالى - { إذا كان هو الشهيد بينه وبينهم ~~فأكبر شىء شهادة من هو شهيد له. والمراد بشهادة الله ما جاء فى آياته ~~القرآنية من أنه - سبحانه - قد أرسل رسوله محمدا # بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله # ثم بين - سبحانه - أن القرآن هو المعجزة الخالدة للنبى صلى الله عليه ~~وسلم فقال { وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ~~ومن بلغ }. أى أن الله - تعالى - قد أنزل هذا القرآن عن طريق وحيه ~~الصادق، لأنذركم به يا أهل مكة، ولأنذر به - أيضا - جميع من بلغه هذا ~~الكتاب الكريم ووصلت إليه دعوته من العرب والعجم فى كل زمان ومكان إلى ~~يوم القيامة. فهذه الجملة تدل على عموم بعثة النبى صلى الله عليه وسلم ~~كما تدل على أن أحكام القرآن تعم الموجودين وقت نزوله، وتعم - أيضا - ~~الذين وجدوا بعد نزوله وبلغتهم دعوته. ولم يروا النبى صلى الله عليه وسلم ~~ففى الحديث الشريف # " بلغوا عن الله - تعالى - فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر ~~الله ". # وعن محمد بن كعب قال " من بلغه القرآن فكأنما رأى النبى صلى الله عليه ~~وسلم وذلك لأن القرآن الكريم لما كان متواترا بلفظه ومعناه، كان من بلغه ~~فعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم كأنما سمعه منه وإن كثرت الوسائط، ~~لأنه هو الذى بلغه بلا زيادة ولا نقصان، أما من لم تبلغه دعوة القرآن فلا ~~يصدق عليه أنه بلغته الدعوة، وحينئذ لا يكون مخاطبا بتعاليم هذا الدين، ~~وإثمه يكون فى أعناق الذين قصروا فى تبليغ دعوة الإسلام إليه. ثم أمره - ~~سبحانه - أن يستنكر ما عليه المشركون ms1757 من كفر وإلحاد، وأن يعلن براءته ~~منهم ومن معبوداتهم فقال - تعالى - { أئنكم لتشهدون أن ~~مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو ~~إله واحد وإنني بريء مما تشركون }. أى قل يا ~~محمد لهؤلاء المشركين إذا كنتم قد ألغيتم عقولكم. وترديتم فى مهاوى الشرك ~~والضلال، وشهدتم بأن مع الله آلهة أخرى، فإنى برىء منكم ومن أعمالكم ~~القبيحة، ومحال أن أشهد بما شهدتم به، وإنما الذى أشهد به وأعتقده، أن ~~الله - تعالى - واحد لا شريك له، وإننى بعيد كل البعد عن ضلالكم وجحودكم. ~~والاستفهام فى قوله { أئنكم } إنكارى، جىء به لاستقباح ما وقع منهم ~~من شرك، وأكد قوله { لتشهدون } للإشارة إلى تغلغل الضلال فى ~~نفوسهم، واستيلاء الجحود على قلوبهم. وعبر عن أوثانهم بأنها { آلهة ~~أخرى } مجاراة لهم فى زعمهم الباطل ومبالغة فى توبيخهم والتهكم بهم. ~~وفى أمره - سبحانه - لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يصارحهم بأنه لا يشهد ~~بشهادتهم " قل لا أشهد " توبيخ لهم على جهالتهم، وتوجيه لأتباعه إلى ~~الاقتداء به فى شجاعته أمام الباطل، وفى ثباته على مبدئه. وقد تضمن قوله ~~- تعالى - { قل إنما هو إله واحد } اعتراف كامل بوحدانية ~~الله، وقصرها عليه - سبحانه -، وتصريح بالبراءة التامة من الأوثان ~~وعابديها، وتنديد شديد بهذا العمل الباطل. وبذلك تكون الآية الكريمة قد ~~تضمنت شهادة من الله - تعالى - بأن رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم صادق ~~فى رسالته، وشهادة من هذا الرسول الكريم بأن الله واحد لا شريك له، وأنه ~~برىء من إلحاد الملحدين وكفر الكافرين. ثم ساق القرآن شهادة ثالثة بصدق ~~النبى صلى الله عليه وسلم وهى شهادة أهل الكتاب فقال { الذين ~~آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنآءهم ~~الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون } قال الجمل ~~فى حاشيته على الجلالين " روى أن النبى صلى الله عليه وسلم لما قدم ~~المدينة وأسلم عبد الله بن سلام قال له عمر إن الله أنزل على نبيه بمكة { ~~الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ~~أبنآءهم } فكيف هذه المعرفة؟ فقال عبد الله بن سلام يا عمر، ms1758 لقد ~~عرفته حين رأيته كما أعرف ابنى، ولأنا أشد معرفة بمحمد منى بابنى!! فقال ~~عمر كيف ذلك؟ فقال أشهد أنه رسول الله حقا ولا أدرى ما تصنع النساء ". # والمعنى إن علماء أهل الكتاب من اليهود والنصارى، يعرفون صدق ما جاء به ~~محمد صلى الله عليه وسلم معرفة تماثل معرفتهم لأبنائهم الذين هم من ~~أصلابهم، فهى معرفة بلغت حد اليقين وذلك بسبب ما عندهم من الأخبار ~~والأنباء عن المرسلين المتقدمين، فإن الرسل كلهم بشروا بوجود محمد صلى ~~الله عليه وسلم ومبعثه وصفته وبلده ومهاجره وصفة أمته. والضمير فى { ~~يعرفونه } يرى أكثر المفسرين أنه يعود على النبى صلى الله عليه ~~وسلم ويؤيد ذلك سبب نزول الآية، ويرى بعضهم أنه يعود على القرآن لتقدمه ~~فى قوله { وأوحي إلي هذا القرآن } أو على التوحيد لدلالة ~~قوله { قل إنما هو إله واحد }. والأولى عودة الضمير على ~~جميع ما ذكر، لأن معرفتهم بما فى كتابهم يتناول كل ذلك. ثم بين - سبحانه ~~- علة إنكار المكابرين منهم لما يعرفونه من أمر نبوته صلى الله عليه وسلم ~~فقال { الذين خسروا أنفسهم } من المشركين ومن أهل الكتاب ~~الجاحدين { فهم لا يؤمنون } به جمعوا بين أمرين متناقضين فكذبوا ~~على الله بما لا حجة عليه، وكذبوا بما ثبت بالحجة البينة والبرهان الصحيح ~~حيث قالوا # لو شآء الله مآ أشركنا ولا آباؤنا # وقالوا # والله أمرنا بها # وقالوا " الملائكة بنات الله " ونسبوا إليه تحريم البحائر والسوائب، ~~وذهبوا فكذبوا القرآن والمعجزات وسموها سحرا ولم يؤمنوا بالرسول صلى ~~الله عليه وسلم. وهذه الآية الكريمة من الآيات التى قيل أنها مدنية، ~~والصحيح أنها مكية، ويشهد لذلك سبب النزول الذى سقناه عن عمر - رضى الله ~~عنه - فقد قال لعبد الله بن سلام " إن الله أنزل على نبيه بمكة " إلخ. ~~ويؤكد كونها مكية - أيضا - سياق الآيات قبلها، فالآية التى قبلها وهى ~~قوله - تعالى - { قل أي شيء أكبر شهادة }. إلخ. فيها ~~شهادة من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بأنه صادق فيما يبلغه عن ربه، ~~والآية التى معنا فيها شهادة ms1759 من أهل الكتاب بأنهم يعرفون صدق محمد صلى ~~الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم، ومن المعروف أن أهل مكة كانوا يسألون ~~أهل الكتاب عن النبى صلى الله عليه وسلم وفضلا عن ذلك لم يرد نص صحيح ~~يثبت أن هذه الآية الكريمة قد نزلت بالمدينة. قال بعض العلماء ويظهر أنهم ~~- أى القائلون بأن الآية مدنية - لما وجدوا الحديث فى هذه الآية عن أهل ~~الكتاب، ووجدوا أن هذه الآية نظيرة لآية أخرى مدنية تبدأ بما بدأت به، ~~وهى قوله - تعالى - فى سورة البقرة # الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم ~~يعلمون # الاية 146، ومن المعروف أن صلة الإسلام بأهل الكتاب إنما كانت بعد ~~الهجرة وفى المدينة دون مكة، لما وجدوا هذا قرروا أن الآية مدنية، ~~فالمسألة ليست إلا اجتهادا حسب رواية مسندة، وهو اجتهاد غير صحيح. ولما ~~كان هذا الخسران أكبر ظلم ظلم به هؤلاء الكفار أنفسهم فقد قال - تعالى - ~~فى شأنهم { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ~~أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون }. أى لا ~~أحد أشد ظلما من أولئك المشركين الذين كذبوا بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~واليوم الآخر، وإن هؤلاء الذين سقطوا فى أقصى دركات الكذب لن يفوزوا ولن ~~يفلحوا، والاستفهام فى الآية الكريمة إنكارى للنفى، وفيه توبيخ للمشركين. ~~ثم بين - سبحانه - بعض أحوالهم عندما يحشرون يوم القيامة، فقال - تعالى - ~~{ ويوم نحشرهم... }. ### || [6.22-26] # الحشر الجمع، والمراد به جمعهم يوم القيامة لحسابهم على أعمالهم ~~الدنيوية. والمعنى واذكر لهم أيها الرسول الكريم - ليعتبروا ويتعظوا - ~~حالهم يوم نجمعهم جميعا فى الآخرة لنحاسبهم على أقوالهم وأفعالهم، ثم ~~نسألهم سؤال إفضاح لا إيضاح - كما يقول القرطبى - أين شركاؤكم الذين كنتم ~~تزعمون أنهم شفعاء لكى يدافعوا عنكم فى هذا اليوم العصيب. و { يوم } ~~منصوب على الظرفية بفعل مضمر بعده أى ويوم نحشرهم كان كذا وكذا، وحذف هذا ~~الفعل من الكلام ليبقى على الإبهام الذى هو أدخل فى التخويف والتهويل، ~~وقيل إنه منصوب على أنه مفعول به بفعل محذوف قبله ms1760 والتقدير، واذكر يوم ~~نحشرهم، أى اذكر هذا اليوم من حيث ما يقع فيه، والضمير فى { نحشرهم ~~} للذين افتروا على الله كذبا، أو كذبوا بآياته. وفائدة كلمة { جميعا ~~} رفع احتمال التخصيص، أى أن جميع المشركين ومعبوداتهم سيحشرون أمام الله ~~للحساب. وكان العطف بثم لتعدد الوقائع قبل هذا الخطاب الموجه للمشركين، ~~إذ قبل ذلك سيكون قيامهم من قبورهم، ويكون هول الموقف، ويكون إحصاء ~~الأعمال وقراءة كل امرىء لكتابه... الخ، ثم يقول الله - تعالى - { ~~للذين أشركوا أين شركآؤكم الذين كنتم ~~تزعمون }؟ ووبخهم - سبحانه - بقوله { أين شركآؤكم } مع ~~أنهم محشورون معهم، لأنهم لا نفع يرجى من وجودهم معهم، فلما كانوا كذلك ~~نزلوا منزلة الغائب كما تقول لمن جعل أحدا ظهيرا يعينه فى الشدائد إذا ~~لم يعنه وقد وقع فى ورطة بحضرته أين فلان؟ فتجعله لعدم نفعه - وإن كان ~~حاضرا - كالغائب. ثم أخبر - سبحانه - عما يكون منهم من تخبط وحسرة فقال ~~{ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ~~ربنا ما كنا مشركين }. الفتنة مأخوذة من الفتن، وهو إدخال ~~الذهب فى النار لتعرف جودته من رداءته، ثم استعمل فى معان أخرى ~~كالاختبار، والعذاب، والبلاء، والكفر. والمعنى ثم لم تكن عاقبة كفرهم حين ~~اختبروا بهذا السؤال ورأوا الحقائق، وارتفعت الدعاوى إلا أن قالوا مؤكدين ~~ما قالوا بالقسم الكاذب والله يا ربنا ما كنا مشركين. ظنا منهم أن تبرأهم ~~من الشرك فى الآخرة سينجيهم من عذاب الله كما نجا المؤمنين بفضله ~~ورضوانه. قال ابن عباس يغفرالله - تعالى - لأهل الإخلاص ذنوبهم. ولا ~~يتعاظم عليه ذنب أن يغفره، فإذا رأى المشركون ذلك قالوا إن ربنا يغفر ~~الذنوب ولا يغفر الشرك ، فتعالوا نقول إنا كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين. ~~فقال الله - تعالى - أما إذ كتموا الشرك فاختموا على أفواههم، فتنطق ~~أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون، فعندئذ يعرف المشركون أن الله لا ~~يكتم حديثا، فذلك قوله # يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو ~~تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا # ثم قال - تعالى - { انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل ms1761 ~~عنهم ما كانوا يفترون }. والمراد بالنظر هنا التدبر ~~والتفكير. والمعنى انظر - أيها العاقل - وتأمل كيف كذب هؤلاء المشركون ~~على أنفسهم فى قولهم والله ربنا وما كنا مشركين، وغاب عن عملهم ما كانوا ~~يفترونه فى الدنيا من الأقوال الباطلة، وما كانوا يفعلونه من جعلهم لله ~~شركاء. قال صاحب الكشاف فإن قلت كيف يصح أن يكذبوا حين يطلعون على حقائق ~~الأمور مع أن الكذب والجحود لا وجه لمنفعته؟ قلت الممتحن ينطق بما ينفعه ~~وبما لا ينفعه من غير تمييز بينهما حيرة ودهشا ألا تراهم يقولون # ربنآ أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون # وقد أيقنوا بالخلود ولم يشكوا فيه # ونادوا يمالك ليقض علينا ربك # وقد علموا أنه لا يقضى عليهم ". وبعد أن بين - سبحانه - أحوال الكفار فى ~~الآخرة أتبعه بما يوجب اليأس من إيمان بعضهم فقال { ومنهم من ~~يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن ~~يفقهوه وفي آذانهم وقرا }. قال ابن عباس إن أبا سفيان بن ~~حرب، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، ~~وأمية بن خلف. استمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ ~~القرآن، فقالوا للنضر يا أبا قتيلة ما يقول محمد؟ فقال والذى جعلها بيته ~~ما أدرى ما يقول، إلا أنى أرى تحرك شفتيه يتكلم بشىء فما يقول إلا ~~أساطير، مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية، وكان النضر كثير الحديث عن ~~القرون الأولى وكان يحدث قريشا فيستملحون حديثه فأنزل الله هذه الآية ". ~~والأكنة جمع كنان كغطاء وأغطية لفظا ومعنى والوقر - بالفتح - الثقل فى ~~السمع. والمعنى ومن هؤلاء المشركين يا محمد من يستمع إليك حين تقرأ ~~القرآن وقد جعلنا - بسبب عنادهم وجحودهم - على قلوبهم أغطية تحول بينهم ~~وبين فقهه، كما جعلنا فى أسماعهم صمما يمنع من سماعه بتدبر وتعقل. قال ~~صاحب المنار " وجعل الأكنة على القلوب والوقر فى الآذان فى الآية من ~~تشبيه الحجب والموانع المعنوية بالحجب والموانع الحسية فإن القلب الذى لا ~~يفقه الحديث ولا يتدبره كالوعاء الذى وضع عليه الكن أو الكنان وهو ms1762 الغطاء ~~حتى لا يدخل فيه شىء. والآذان التى لا تسمع الكلام سماع فهم وتدبر ~~كالآذان المصابة بالثقل او الصمم، لأن سمعها وعدمه سواء. وقال بعض ~~العلماء " وهنا يسأل سائل إذا كان منع الهداية من الله - تعالى - ~~بالغشاوة على قلوبهم والختم عليها وبالوقر فى آذانهم فلا يسمعون سماع ~~تبصر فماذا يكون عليهم من تبعة يحاسبون عليها حسابا عسيرا بالعذاب ~~الأليم؟ والجواب عن ذلك أن الله - سبحانه - يسير الأمور وفق حكمته العليا ~~فمن يسلك سبيل الهداية يرشده وينير طريقه ويثيبه، ومن يقصد إلى الغواية ~~ويسير فى طريقها تجيئه النذر تباعا إنذارا بعد إنذار، فإن أيقظت النذر ~~ضميره وتكشفت العماية عن قلبه فقد اهتدى وآمن بعد كفر. # ومن لم تجد فيه النذر المتتابعة ولم توقظ له ضميرا ولم تبصره من عمى فقد ~~وضع الله - تعالى - على قلبه غشاوة وفى آذانه وقرا ". صم صور - سبحانه - ~~عنادهم وإعراضهم عن الحق مهما وضحت براهينه فقال { وإن يروا كل ~~آية لا يؤمنوا بها }. أى وإن يروا كل آية من الآيات الدالة ~~على صحة نبوتك وصدق دعوتك فلن يؤمنوا بها لاستحواذ الغرور والعناد على ~~قلوبهم. والمراد من الرؤية هنا البصرية، ومن الآيات المعجزات الحسية ~~كانشقاق القمر ونبع الماء من بين أصابعه الشريفة. وهذه الجملة الكريمة ~~المقصود بها ذمهم لعدم انتفاعهم بحاسة البصر بعد ذمهم لعدم انتفاعهم ~~بعقولهم وأسماعهم. وجىء بكلمة { كل } لعموم النفى، أى أنهم لا يؤمنون ~~بأية معجزة يرونها مهما وضحت براهينها، ومهما كانت دلالتها ظاهرة على صدق ~~النبى صلى الله عليه وسلم. ثم بين - سبحانه - ما كان يجرى منهم مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال { حتى إذا جآءوك يجادلونك ~~يقول الذين كفروا إن هذآ إلا أساطير ~~الأولين }. الأساطير جمع إسطارة أو أسطورة ومعناها الخرافات ~~والترهات. أى حتى إذا ما صاروا إليك أيها الرسول ليخاصموك وينازعوك فى ~~دعوتك فإنهم يقولون لك بسبب كفرهم وجحودهم، ما هذا القرآن الذى نسمعه منك ~~إلا أقاصيص الأولين المشتملة على خرافاتهم وأوهامهم. وفى قوله - تعالى - ~~{ حتى إذا جآءوك يجادلونك } إشارة ms1763 إلى أن مجيئهم لم يكن ~~من أجل الوصول إلى الحق، وإنما كان من أجل المجادلة المتعنتة مع الرسول ~~الكريم صلى الله عليه وسلم. ثم بين - سبحانه - أنهم لا يكتفون بمحاربة ~~الدعوة الإسلامية، بل هم لفجورهم - يحرضون غيرهم على محاربتها معهم فقال ~~- تعالى - { وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن ~~يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون }. النهى الزجر، ~~والنأى البعد، والضمير " هم " يعود على المشركين. والمعنى إن هؤلاء ~~المشركين لا يكتفون بمحاربة الحق، بل يزجرون الناس عن اتباعه، ويبعدونهم ~~عن الاستماع إليه. فهم قد جمعوا بين فعلين قبيحين محاربتهم للحق وحمل ~~غيرهم معهم على محاربته والبعد عنه. وهم بهذا العمل الباطل القبيح ما ~~يهلكون إلا أنفسهم ولكنهم لا يشعرون بذلك لانطماس بصيرتهم، وقسوة قلوبهم. ~~وعملهم هذا يدل على أنهم كانوا معترفين فى قرارة أنفسهم بأن القرآن حق، ~~لأنهم لو كانوا يعتقدون أنه أساطير الأولين - كما زعموا - لتركوا الناس ~~يسمعونها ليتأكدوا من أنها خرافات وأوهام، ولكنهم لما كانوا مؤمنين ~~ببلاغة القرآن وصدقه، فإنهم نهوا غيرهم عن سماعه حتى لا يؤمن به وابتعدوا ~~هم عنه حتى لا يتأثروا به فيدخلوا فى دين الإسلام، ولقد حكى الله عنهم ~~هذا المعنى فى قوله - تعالى - # وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ~~والغوا فيه لعلكم تغلبون # والضمير فى قوله - تعالى - { عنه } يرجع إلى النبى صلى الله عليه ~~وسلم وما جاء به من آيات. ويرى بعض المفسرين أن الضمير " هم " يرجع إلى ~~عشيرة النبى صلى الله عليه وسلم فيكون المعنى وهم - أى أعمام النبى صلى ~~الله عليه وسلم وعشيرته ينهون الناس عن إيذائه والتعرض له بسوء، ولكنهم ~~فى الوقت نفسه ينأون عنه أى يبتعدون عن دعوته فلا يؤمنون بها، ولعل أوضح ~~مثل لذلك أبو طالب، فقد كان يدافع عن النبى صلى الله عليه وسلم إلا أنه ~~لم يدخل فى الإسلام مع تصريحه بأنه هو الدين الحق. ومما روى عنه فى هذا ~~المعنى قوله # والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد فى التراب دفينا فاصدع بأمرك ما ~~عليك غضاضه وابشر ms1764 بذاك وقر منك عيونا ودعوتنى وزعمت أنك ناصحى فلقد ~~صدقت وكنت قبل أمينا وعرضت دينا قد عرفت بأنه من خير أديان البرية ~~دينا لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتنى سمحا بذاك يقينا # والذى تطمئن إليه النفس أن الرأى الأول هو الأرجح. لأن الكلام مسوق فى ~~بيان موقف المشركين من النبى صلى الله عليه وسلم، وأنهم قد بلغ بهم السفه ~~والعناد أنهم لا يكتفون بالإعراض عن الحق الذى جاء به محمد صلى الله ~~عليه وسلم بل تعدى شرهم إلى غيرهم، وأنهم كانوا يحرضون الناس على إيذائه ~~وعلى الابتعاد عنه. ثم يصور - سبحانه - حالهم عند ما يعرضون على النار، ~~وعندما يقفون أمام ربهم، وحكى ما يقولونه فى تلك المواقف الشديدة فقال ~~تعالى { ولو ترى إذ وقفوا.... }. ### || [6.27-32] # { لو } شرطية، حذف جوابها لتذهب النفس فى تصوره كل مذهب وذلك أبلغ من ~~ذكره. و { وقفوا } بالبناء للمفعول بمعنى وقفهم غيرهم. يقال وقف على ~~الأطلال أى عندها مشرفا عليها، ويقال وقف على الشىء عرفه وتبينه. ~~والمعنى إنك أيها النبى الكريم - أو أيها الإنسان العاقل - لو اطلعت على ~~هؤلاء المشركين عندما يقفون على النار ويشاهدون لهيبها وسعيرها. لرأيت ~~شيئا مروعا مخيفا يجعلهم يتحسرون على ما فرط منهم، ويتمنون أن يعودوا ~~إلى الدنيا ليصدقوا بآيات الله التى طالما كذبوها. وليكونوا من المؤمنين. ~~وعبر - سبحانه - بإذ التى تدل على الماضى - مع أن الحديث عما سيحصل لهم ~~فى الآخرة فكان يناسبه إذا - لإفادة تحقق الوقوع وتأكده، وليتصور ~~المستقبل على أنه موجود لا على أنه سيوجد، وعطف بالفاء فى قوله { ~~فقالوا } للدلالة على أن أول شىء يقع فى قلوبهم حينئذ إنما هو الندم ~~على ما سلف منهم، وتمنى الرجوع إلى الدنيا ليؤمنوا. ثم يعقب - سبحانه - ~~على قولتهم هذه فيما لو أجيبوا إلى طلبهم على سبيل الفرض والتقدير فيقول ~~{ بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا ~~لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون }. بل هنا ~~للإضراب عما يدل عليه تمنيهم من إدراكهم لقبح الكفر وسوء مغبته، ولحقيقة ~~الإيمان وحسن ms1765 عاقبته. والمعنى ليس الأمر كما يوهمه كلامهم فى التمنى من ~~أنهم يريدون العودة للهداية، بل الحق أنهم تمنوا العودة إلى الدنيا بعد ~~أن استقبلتهم النار بلهبها، وبعد أن ظهر لهم ما كانوا يخفونه فى الدنيا ~~من أعمال قبيحة، ومن أفعال سيئة، وبعد أن بدا لهم ما كانوا يكذبون به، ~~وينكرون تحققه، ولو أنهم ردوا إلى الدنيا بمتعها وشهواتها وأهوائها ~~لعادوا لما نهوا عنه من التكذيب بالآيات، والسخرية من المؤمنين، وإنهم ~~لكاذبون فى كل ما يدعون. فالآية الكريمة تصور ما طبع عليه هؤلاء الجاحدون ~~من فجور وعناد وافتراء، لأنهم حتى لو أجيبوا إلى طلبهم - على سبيل الفرض ~~والتقدير - لما تخلوا عن كفرهم ومحاربتهم للأنبياء وللمصلحين. ثم بين - ~~سبحانه - بعض مفترياتهم فى الدنيا واغترارهم بها فقال - تعالى - { ~~وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن ~~بمبعوثين }. أى أن هؤلاء الكافرين قد بلغ بهم الحب للدنيا والتعلق ~~بها أنهم قالوا ما الحياة التى تسمى حياة فى نظرنا إلا هذه الدنيا التى ~~نتمتع فيها بما نريد من شهوات وما نحن بمبعوثين ولا محاسبين بعد ذلك. ~~فالآية الكريمة تحكى عنهم أنهم ينكرون أى حياة سوى الحياة التى يعيشونها، ~~وينفون وقوع البعث والحساب والثواب والعقاب نفيا مؤكدا بالباء وبالجملة ~~الإسمية. # ويرى جمهور المفسرين أن هذه الآية الكريمة تتمة للآية السابقة لها من ~~حيث المعنى، وأن قوله { وقالوا } معطوف على { لعادوا } ~~والتقدير، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه من الكفر وسيىء الأعمال وقالوا ~~ما الحياة إلا حياتنا الدنيا، ويكون قوله { وإنهم لكاذبون } ~~جملة اعتراضية مؤكدة لمعنى دعوتهم إلى ما كانوا عليه إن عادوا إلى ~~الدنيا، إذ هى تكذيب لادعائهم أنهم لا يكذبون بآيات ربهم. ثم بين - ~~سبحانه - حالهم عندما يقفون ليستمعوا إلى ما يوجهه إليهم ربهم من توبيخ ~~وتقريع بسبب كفرهم فقال { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم ~~قال أليس هذا بالحق }. أى قال لهم - سبحانه - أليس هذا ~~البعث الذى تشاهدونه بأعينكم ثابتا بالحق؟ وهنا يجيبون خالقهم مصدقين ~~لأن الواقع يحتم عليهم ذلك فيقولون - كما حكى القرآن ms1766 عنهم - { بلى ~~وربنا } أى قالوا بلى يا ربنا إنه للحق الذى لا شك فيه، ولا باطل ~~يحوم من حوله، وأكدوا اعترافهم بالقسم شاهدين على أنفسهم بأنهم كانوا ~~كافرين فى الدنيا. وهنا يحكم الله فيهم بحكمه العادل فيقول { قال ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } أى إذا كان الأمر كما ~~ذكرتم وشهدتم على أنفسكم، فانغمسوا فى العذاب ذائقين لآلامه وأهواله بسبب ~~كفركم بآيات الله، وإنكاركم لهذا اليوم العصيب. والذوق هنا كناية عن ~~الإحساس الشديد بالعذاب بعد أن وقعوا فيه. ثم صور - سبحانه - عاقبتهم ~~السيئة، وخسارتهم التى ليس بعدها خسارة فقال { قد خسر الذين ~~كذبوا بلقآء الله }. أى أن أولئك الكفار الذين أنكروا البعث ~~والحساب قد خسروا أعز شىء فى هذه الحياة، ومن مظاهر ذلك أنهم خسروا الرضا ~~الذى سيناله المؤمنون من ربهم، وخسروا العزاء الروحى الذى يغرس فى قلب ~~المؤمن الطمأنينة والصبر عند البلاء، لأن المؤمن يعتقد أن ما عند الله ~~خير وأبقى، بخلاف الكافر فإن الدنيا منتهى آماله. وإن هؤلاء الخاسرين ~~سيستمرون فى تكذيبهم بالحق وإعراضهم عنه { حتى إذا جآءتهم ~~الساعة بغتة قالوا يحسرتنا على ما فرطنا ~~فيها }. أى حتى إذا جاءتهم الساعة مباغته مفاجئة وهم فى طغيانهم ~~يعمهون، اعتراهم الهم، وحل بهم البلاء وقالوا بعد أن سقط فى أيديهم ورأوا ~~أنهم قد ضلوا يا حسرتنا أقبلى فهذا أوانك، فإننا لم نستعد لهذا اليوم، بل ~~أهملناه ولم نلتفت إليه. وعلى ذلك يكون المراد بالساعة يوم القيامة وما ~~فيه من حساب. وقيل المراد بالساعة وقت مقدمات الموت، فالكلام على حذف ~~المضاف، أى جاءتهم مقدمات الساعة وهى الموت وما فيه من الأهوال. فلما كان ~~الموت من مبادىء الساعة سمى باسمها، ولذا قال صلى الله عليه وسلم # " من مات فقد قامت قيامته ". # وسميت القيامة ساعة لسرعة الحساب فيها، ولأنها تحمل أشد الأهوال ولأنها ~~فاصلة بين نوعين من الحياة فانية وأخرى باقية. # وفى قوله - تعالى - { حتى إذا جآءتهم الساعة بغتة } ~~إشارة إلى أنها تفاجئهم بأهوالها من غير أن يكونوا مستعدين لها أو ~~متوقعين لحدوثها، أما ms1767 المؤمنين - فإنهم رغم عدم علمهم بمجيئها - فإنهم ~~يكونون فى حالة استعداد لها بالإيمان والعمل الصالح. والبغت والبغتة ~~مفاجأة الشىء بسرعة من غير إعداد له، وكلمة { بغتة } يصح أن تكون ~~مصدرا فى موضع الحال من فاعل جاءتهم أى جائتهم مباغتة، ويصح أن تكون ~~مفعولا مطلقا لفعل محذوف من لفظها أى تبغتهم بغتة، والحسرة شدة الغم ~~والندم على ما فات وانقضى. ثم قال - تعالى - { وهم يحملون ~~أوزارهم على ظهورهم ألا سآء ما يزرون }. الأوزار ~~جمع وز وهو - بكسر الواو - الحمل الثقيل، ويطلق على الإثم والذنب لأنهما ~~أثقل الأحمال النفسية التى تنوء بها القوة. والجملة الكريمة من قبيل ~~الاستعارة التمثيلية حيث شبهت حالهم وما يحملونه يوم القيامة من ذنوب ~~ثقيلة مضنية، بهيئة المثقل المجهد بحمل كبير يحمله على ظهره وينوء به. ثم ~~حذفت الهيئة الدالة على المشبه به ورمز إليها بشىء من لوازمها. وقيل إن ~~الكلام علىحقيقته وأنهم سيحملون ذنوبهم على ظهورهم فعلا، حيث إن الذنوب ~~والأعمال ستتجسم يوم القيامة، وبهذا الرأى قال كثير من أهل السنة. ~~والمعنى إن هؤلاء الكافرين يأتون يوم القيامة وهم يحملون ذنوبهم وآثامهم ~~على ظهورهم، ألا ما أسوأ ما حملوا، وما أشد ما سيستقبلونه بعد ذلك من ~~عذاب أليم. ثم عقد - سبحانه - مقابلة بين الحياة الدنيا والآخرة. بين ~~فيها أن الحياة الآخرة هى الحياة العالية السامية الباقية، أما الحياة ~~الدنيا فهى إلى زوال وانتهاء فقال - تعالى - { وما الحياة ~~الدنيآ إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير ~~للذين يتقون أفلا تعقلون }. اللعب هو العمل الذى لا ~~يقصد به مقصدا صحيحا من تحصيل منفعة أو دفع مضرة، واللهو هو طلب ما ~~يشغل عن معالى الأمور وعما يهم الإنسان ويعنيه. والمعنى إن هذه الحياة ~~التى نعتها الكفار بأنها لا حياة سواها ما هى إلا لهو ولعب لمن يطلبها ~~بأنانية وشره من غير استعداد لما يكون وراءها من حياة أخرى فيها الحساب ~~والجزاء، وفيها النعيم الذى لاينتهى، وفيها السعادة التى لا تحد، بالنسبة ~~للذين اتقوا ربهم، ونهوا أنفسهم عن الهوى. فالحياة الدنيا لعب ms1768 ولهو لمن ~~اتخذوها فرصة للتكاثر والتفاخر وجمع الأموال من حلال وحرام، ولم يقيموا ~~وزنا للأعمال الصالحة التى كلفهم الله - تعالى - بها. أما بالنسبة للذين ~~قالوا ربنا الله ثم استقاموا. فإن الحياة الدنيا تعتبر وسيلة إلى رضا ~~الله الذى يظفرون به يوم القيامة، وإن ما يحصل عليه المؤمنون فى هذا ~~اليوم من ثواب جزيل ومن نعيم مقيم هو خير من الدنيا وما فيها من متعة ~~زائلة ومن شهوات لا دوام لها. والاستفهام فى قوله - تعالى - { أفلا ~~تعقلون } للحث على التدبر والتفكر والموازنة بين اللذات العاجلة ~~الفانية التى تكون فى الدنيا، وبين النعيم الدائم الباقى الذى يكون فى ~~الآخرة. ثم أخذ القرآن الكريم فى مخاطبة النبى صلى الله عليه وسلم وفى ~~تسليته عما أصابه من قومه فقال { قد نعلم... }. ### || [6.33-36] # { قد } هنا للتحقيق وتأكيد العلم وتكثيره، والتحقيق هنا جاء من ~~موضوعها لا من ذاتها كما أن التكثير راجع إلى متعلقات العلم، لا إلى ~~العلم نفسه، لأن صفة القديم لا تقبل الزيادة والتكثير وإلا لزم حدوثها. ~~والحزن ألم يعترى النفس عند فقد محبوب، أو امتناع مرغوب أو حدوث مكروه. ~~قال الأمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه يوقل تعالى مسليا ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم. فى تكذيب قومه له ومخالفتهم إياه { قد ~~نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون } أى قد أحطنا علما ~~بتكذيبهم لك وحزنك وتأسفك عليهم وقوله { فإنهم لا يكذبونك ~~ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } أى هم لا ~~يتهمونك بالكذب فى نفس الأمر، ولكنهم يعاندون الحق ويدفعونه بصدورهم كما ~~قال سفيان الثورى عن أبى إسحاق عن ناجيه عن على قال قال أبو جهل للنبى ~~صلى الله عليه وسلم إنا لا نكذبك يا محمد ولكن نكذب ما جئت به فأنزل الله ~~{ فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات ~~الله يجحدون }. وعن أبى يزيد المدنى أن النبى صلى الله عليه وسلم ~~لقى أبا جهل فصافحه فقال له رجل ألا أراك تصافح هذا الصابىء؟ فقال والله ~~إنى لأعلم أنه لنبى، ولكن متى كنا لبنى عبد ms1769 مناف تبعا؟ وتلا أبو زيد { ~~فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات ~~الله يجحدون }. فالآية الكريمة مسوقة على سبيل الاستئناف لتسلية ~~النبى صلى الله عليه وسلم عما كان يصيبه من المشركين ومما لا شك فيه أنه ~~- عليه الصلاة والسلام - كان حريصا على إسلامهم، فإذا ما رآهم معرضين عن ~~دعوته حزن وأسف، وفى معنى هذه الآية جاءت آيات كثيرة منها قوله - تعالى - # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # ومنها قوله - تعالى - # فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم ~~بما يصنعون # ومنها قوله - تعالى - # فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما ~~يعلنون # قال الجمل والفاء فى قوله { فإنهم لا يكذبونك } للتعليل، ~~فإن قوله { قد نعلم إنه ليحزنك } بمعنى لا يحزنك، كما ~~يقال فى مقام المنع والزجر نعلم ما تفعل. ووجه التعليل أن التكذيب فى ~~الحقيقة لى وأنا الحليم الصبور، فتخلق بأخلاقى. ويحتمل أن يكون المعنى ~~إنه يحزنك قولهم لأنه تكذيب لى فأنت لم تحزن لنفسك بل لما هو أهم. ~~والمعنى إن هؤلاء الكفار - يا محمد - لا ينسبونك إلى الكذب، فهم قد لقبوك ~~بالصادق الأمين، ولكنهم يجحدون الآيات الدالة على صدقك بإنكارها بألسنتهم ~~مع اعتقادهم صدقها. والجحود هو الإنكار مع العلم، أى نفى ما فى القلب ~~ثبوته، أو إثبات ما فى القلب نفيه، وفى التعبير بالجحود بعد نفى التكذيب ~~إشارة إلى أن آيات الله واضحة بحيث يصدقها كل عاقل وأنه لا يصح إنكارها ~~إلا عن طريق الجحود. # وقال - سبحانه - { ولكن الظالمين } ولم يقل { ولكنهم } ، ~~لبيان سبب جحودهم وهو الظلم الذى استقر فى نفوسهم، وفيه فوق ذلك تسجيل ~~للظلم عليهم حتى يكونوا أهلا لما يصيبهم من عقاب. ثم زاد القرآن فى تعزية ~~النبى صلى الله عليه وسلم وتسليته عن طريق إخباره بما حدث للأنبياء من ~~قبله فإن عموم البلوى مما يخفف وقعها فقال { ولقد كذبت رسل ~~من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى ~~أتاهم نصرنا }. أى أن الرسل من قبلك - يا محمد - قد كذبتهم ~~أقوامه وأنزلت بهم ms1770 الأذى، فليس بدعا أن يصيبك من أعدائك ما أصاب الأنبياء ~~من قبلك، ولقد صبر أولئك الأنبياء الكرام على التطاول والسفه فكانت نتيجة ~~صبرهم أن آتاهم الله النصر والظفر، فعليك - وأنت خاتمهم وإمامهم - أن ~~تصبر كما صبروا حتى تنال ما نالوا من النصر، فإن سنة الله لا تتخلف فى أى ~~زمان أو مكان. وجاء قوله - تعالى - { ولقد كذبت رسل من ~~قبلك } مؤكدا بقد وباللام، للإشارة إلى تأكيد التسلية والتعزية، ~~وإلى تأكيد التمسك بفضيلة الصبر التى سيعقبها النصر الذى وعد الله به ~~الصابرين. و { ما } فى قوله { على ما كذبوا } مصدرية، { ~~وأوذوا } معطوف على قوله { كذبت } أى كذبت الرسل وأوذوا فصبروا ~~على كل ذلك. وقوله { حتى أتاهم نصرنا } غاية للصبر، أى صبروا ~~على التكذيب وما قارنه من الإيذاء إلى أن جاءهم نصرنا وفيه بشارة للنبى ~~صلى الله عليه وسلم مؤكدا للتسلية بأنه - سبحانه - سينصره على القوم ~~الظالمين. وقوله - تعالى - { ولا مبدل لكلمات الله } ~~معناه لا مغير لكلمات الله وآياته التى وعد فيها عباده الصالحين بالنصر ~~على أعدائه، ومن ذلك قوله - تعالى - # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي ~~عزيز # وقوله - تعالى - # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم ~~لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون # وقوله - تعالى - # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد # إلى غير ذلك من الآيات التى بشر فيها عباده المؤمنين بالفلاح وحسن ~~العاقبة. ويرى المحققون من العلماء أن المراد بكلمات الله شرائعه، ~~وصفاته، وأحكامه، وسننه فى كونه، ويدخل فيها دخولا أوليا ما وعد الله به ~~أنبياءه وأولياءه من النصر والظفر. وهذا الرأى أرجح من سابقه لأنه أعم ~~وأشمل. وإضافة الكلمات إليه - سبحانه - للإشعار باستحالة تبديلها أو ~~تغييرها لأنه - سبحانه - لا يغالبه أحد فى فعل من الأفعال، ولا يقع منه ~~خلف فى قول من الأقوال، فما دام المؤمنون يخلصون له العبادة والقول ~~والعمل ويجتهدون فى مباشرة الأسباب واتخاذ الوسائل النافعة، فإنه - ~~سبحانه - سيجعل العاقبة لهم. # وقوله - تعالى - { ولقد جآءك من نبإ المرسلين } تأكيد ~~وتقرير لما قبله ms1771 أى ولقد جاءك من أخبار المرسلين وأنبائهم - مما قصه عليك ~~فى كتابه - ما فيه العظات والعبر، فلقد صبر المرسلون على الأذى فكافأهم ~~الله - تعالى - على ذلك بالظفر على أعدائهم. ثم بين - سبحانه - أنه لا ~~سبيل إلى إيمان هؤلاء الجاحدين إلا بمشيئة الله وإرادته فقال { وإن ~~كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي ~~نفقا في الأرض أو سلما في السمآء فتأتيهم ~~بآية }. كبر عليك أى شق وعظم عليك. والنفق السرب النافذ فى الأرض الذى ~~يخلص إلى مكان. والمعنى وإن كان - يا محمد - قد شق عليك إعراض قومك عن ~~الإيمان وظننت أن إتيانهم بما اقترحوه من آيات يكون سببا فى إيمانهم، ~~فإن استطعت أن تطلب مسلكا عميقا فى جوف الأرض، أو مرقاة ترتقى بها إلى ~~السماء لتأتيهم بما اقترحوا من مطالب فافعل فإن ذلك لن يفيد شيئا لأن ~~هؤلاء المشركين لا ينقصهم الدليل الدال على صدقك، ولكنهم يعرضون عن دعوتك ~~عنادا وجحودا. ثم قال - تعالى - { ولو شآء الله لجمعهم ~~على الهدى فلا تكونن من الجاهلين }. أى لو شاء الله ~~جمعهم على ما جئت به من الهدى والرشاد لفعل، بأن يوفقهم إلى الإيمان ~~فيؤمنوا، ولكن الله لم يشأ ذلك لأنهم بسوء اختيارهم آثروا الحياة الدنيا، ~~فلا تكونن من الجاهلين بحكمة الله فى خلقه، وبسننه التى اقتضاها علمه. ثم ~~بين - سبحانه - من هم أهل للإيمان والاستجابة للحق فقال { إنما ~~يستجيب الذين يسمعون } أى إنما يستجيب لك أيها الرسول ~~الكريم أولئك الذين يسمعون توجيهك وأقوالك سماع تدبر وتفهم وتأثر، أما ~~هؤلاء الذين يعاندونك فقد طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون. فالمراد ~~بالاستجابة هنا، الإجابة المقرونة بالتفكر والتأمل، فهى إجابة محكمة ~~دقيقة لأنها أتت بعد استقراء وتدبر وهذا ما تدل عليه السين. ثم بين - ~~سبحانه - حال الكفار فقال { والموتى يبعثهم الله ثم ~~إليه يرجعون } أى وموتى القلوب الذين لا يسمعون سماع تدبر وتقبل ~~وهم المشركون، سيبعثهم الله من قبورهم يوم القيامة ويحاسبهم حسابا عسيرا ~~على أقوالهم الباطلة وأعمالهم السيئة. فالمراد بالموتى هنا الكفار لأنهم ms1772 ~~موتى القلوب فشبههم - سبحانه - بموتى الأجساد، وهذا من باب التهكم بهم ~~والتحقير من شأنهم. وقيل إن لفظ الموتى على حقيقته وأن الله - تعالى - ~~بقدرته النافذة سيبعث الجميع يوم القيامة ويرجعهم إليه فيجازى الذين ~~أساؤا بما عملوا ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. ثم حكى - سبحانه - بعض ~~الشبهات التى تذرع بها المشركون تعنتا، ورد عليها بما يخرس ألسنتهم، وبما ~~يؤكد قدرته النافذة وعلمه المحيط فقال - تعالى - { وقالوا لولا ~~نزل... }. ### || [6.37-39] # و { لولا } هنا تحضيضية بمعنى هلا، والمعنى وقال أولئك الكافرون هلا ~~نزل عليك يا محمد معجزة حسية كتفجير الأنهار، وفلق البحر، ونزول الملائكة ~~معك... إلخ. فهذه الآيات الكريمة تحكى عنهم أنهم لم يكتفوا بالقرآن معجزة ~~خالدة للنبى صلى الله عليه وسلم وإنما يريدون معجزات حسية من جنس معجزات ~~الأنبياء السابقين. وإنما قالوا ذلك مع تكاثر ما أنزل على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من الآيات، لتركهم الاعتداد بما أنزل عليه، حتى لكأنه لم ~~ينزل عليه شىء عنادا وجحودا منهم. وفى قولهم - كما حكى القرآن عنهم - { ~~لولا نزل عليه آية من ربه } ببناء الفعل للمجهول ~~وذكر لفظ الرب، للإشارة إلى أنهم لا يوجهون الطلب إلى النبى صلى الله ~~عليه وسلم وإنما يوجهونه إلى الله تعالى، لأنه إذا كان رسولا من عنده، ~~فليجب له هذا الطلب الذى نتمناه ونكون من بعده مؤمنين. وقد رد الله - ~~تعالى - عليهم بقوله { قل إن الله قادر على أن ينزل ~~آية ولكن أكثرهم لا يعلمون }. أى قل لهم أيها ~~الرسول الكريم على سبيل التوبيخ والتقريع إن الله - تعالى - قادر على ~~تنزيل ما اقترحوا من آيات، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شىء، ولكنه - سبحانه ~~- ينزل ما تقتضيه حكمته، إلا أنهم لجهلهم وعنادهم لا يعلمون شيئا من حكم ~~الله فى أفعاله، ولا من سننه فى خلقه. وقوله - تعالى - { ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون } يفيد أنهم لا يؤمنون حتى ولو جاءتهم ~~الآيات التى اقترحوها، لأن عدم إيمانهم ليس عن نقص فى الدليل ولكنه عن ~~تكبر وجحود. ثم ذكر - سبحانه - بعض الآيات الكونية المبثوثة فى ms1773 الأرض ~~والجو والمعروضة على البصائر والأبصار فقال - تعالى - { وما من ~~دآبة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا ~~أمم أمثالكم }. الدابة كل ما يدب على الأرض من حيوان. والطائر ~~كل ذى جناح يسبح فى الهواء، والأمم جمع أمة وهى جماعة يجمعهم أمر ما. ~~والمعنى إنه لا يوجد نوع ما من أنواع الأحياء التى تدب على الأرض ولا من ~~أنواع الطير التى تسبح فى الهواء إلا وهى أمم مماثلة لكم فى أن الله ~~خلقهم وتكفل بأرزاقهم. قال صاحب الكشاف فإن قلت ما الغرض من ذكر ذلك؟ قلت ~~الدلالة عن عظم قدرة الله. وسعة سلطانه، وتدبير تلك الخلائق المتفاوتة ~~الأجناس، المتكاثرة الأصناف، وهو حافظ لما لها، وما عليها، مهيمن على ~~أحوالها، لا يشغله شأن عن شأن، وأن المكلفين ليسوا بمخصوصين بذلك دون من ~~عداهم من سائر الحيوان. وذكر الجناحين فى الطير لتوجيه الأنظار إلى بديع ~~صنعه - سبحانه - وحسن خلقه. # قال - تعالى - # أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ~~ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير # ثم قال - تعالى - { ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم ~~إلى ربهم يحشرون }. التفريط فى الأمر التقصير فيه وتضييعه ~~حتى يفوت. والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ وقيل المراد به القرآن. والمعنى ~~ما تركنا فى الكتاب شيئا لم نحصه ولم نثبته، وإنما أحطنا بكل شىء علما، ~~وليس من مخلوق صغر أو كبر فى هذا الوجود إلا وسيجمع يوم القيامة أمام ~~خالقه. فالآية الكريمة مسوقة لبيان سعة علم الله - تعالى - وكمال قدرته، ~~لتكون كالدليل على أنه - سبحانه - قادر على تنزيل الآية التى اقترحوها، ~~وإنما لم ينزلها لأن حكمته تقتضى ذلك. وجملة { ما فرطنا في ~~الكتاب من شيء } معترضة لتقرير مضمون ما قبلها. والتعبير بثم فى ~~قوله { ثم إلى ربهم يحشرون } للإشارة إلى أنهم أعداد لا ~~يحصيها العد، وجمعهم ليس يسيرا فى ذاته، وإن كان بالنسبة لقدرته - تعالى ~~- أمرا هينا. ويرى بعض العلماء أن المراد بحشر البهائم موتها. ويرى آخرون ~~أن المراد بعثها يوم القيامة لقوله - تعالى - # وإذا الوحوش حشرت ms1774 # وفى الحديث الشريف عن أبى ذر الغفارى أن النبى صلى الله عليه وسلم # " رأى شاتين تتناطحان فقال يا أبا ذر هل تدرى فيم تتناطحان؟ قال لا. قال ~~ولكن الله يدرى وسيقضى بينهما ". # ثم قال - تعالى - { والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم ~~في الظلمات }. أى مثلهم فى جهلهم وقلة علمهم وعدم فهمهم كمثل الأصم ~~الذى لا يسمع، والأبكم الذى لا يتكلم وهو مع ذلك فى ظلمات لا يبصر، فكيف ~~يهتدى مثل هذا إلى الطريق القويم أو يخرج مما هو فيه من ضلال. ففى ~~التعبير القرآنى استعارة تمثيلية إذ شبهت حال الجاحدين المعرضين عن كل ~~دليل وبرهان بحال الصم البكم الذين يعيشون فى الظلام من حيث لا نور ~~يهديهم. ثم قال - تعالى - { من يشإ الله يضلله ومن يشأ ~~يجعله على صراط مستقيم }. أى من يشأ الله له الضلالة ~~أضله بأن يجعله يسير فى طريق هواه بسبب إعراضه عن طريق الخير، وإيثاره ~~العمى على الهدى، ومن يشأ الله له الهداية يهده، لأنه قد خاف مقام ربه ~~ونهى النفس عن الهوى. فالهداية والضلالة ليسا إجباريين لا اختيار للعبد ~~فيهما، وإنما الحق أن للعبد اختيارا فى الطريق الذى يسلكه، فإن كان خيرا ~~خطا فيه إلى النهاية، وإن كان شرا سار فيه إلى الهاوية. ثم بين - سبحانه ~~- أن هؤلاء المشركين عند ما تحيط بهم المصائب والأهوال لا يتوجهون ~~بالضراعة والدعاء إلا إلى الله، وأنهم مع ذلك لا يخصونه بالعبادة كما ~~يخصونه بالدعاء لكشف الضر، فقال - تعالى - { قل أرأيتكم إن.... ~~}. ### || [6.40-45] # { أرأيتكم } المقصود به أخبرونى، وكلمة أرأيت فى القرآن تستعمل ~~للتنبيه والحث على الرؤية والتأمل، فهو استفهام للتنبيه مؤاده أرأيت كذا ~~فإن لم تكن رأيته فانظره وتأمله. والمعنى قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين ~~أخبرونى عن حالكم عندما يداهمكم عذاب الله الدنيوى كزلزال مدمر، أو ريح ~~صرصر عاتية، أو تفاجئكم الساعة بأهوالها وشدائدها ألستم فى هذه الأحوال ~~تلتجئون إلى الله وحده وتنسون آلهتكم الباطلة، لأن الفطرة حينئذ هى التى ~~تنطق على ألسنتكم بدون شعور منكم؟ وما دام الأمر كذلك ms1775 فلماذا تشركون مع ~~الله آلهة أخرى؟ إن أحوالكم هذه لتدعو إلى الدهشة والغرابة، لأنكم تلجأون ~~إليه وحده عند الشدائد والكروب ومع ذلك تعبدون غيره ومن لا يملك ضرا ولا ~~نفعا. والاستفهام فى قوله - تعالى - { أغير الله تدعون } ~~للتوبيخ والتقريع والتعجب من حالهم. وجواب الشرط محذوف، والتقدير إن كنتم ~~صادقين فى أن الأصنام تنفعكم فادعوها. ثم أكد - سبحانه - أنهم عند ~~الشدائد والكروب لا يلجأون إلا إلى الله فقال - تعالى - { بل إياه ~~تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شآء وتنسون ما ~~تشركون }. بل للإضراب الانتقالى عن تفكيرهم وأوهامهم، أى بل تخصونه ~~وحده بالدعاء دون الآلهة، فيكشف ما تلتمسون كشفه إن شاء ذلك، لأنه هو ~~القادر على كل شىء { وتنسون ما تشركون } أى تغيب عن ذاكرتكم ~~عند الشدائد والأهوال تلك الأصنام الزائفة والمعبودات الباطلة. وقدم - ~~سبحانه - المفعول على الفعل فى قوله { بل إياه تدعون } لإفادة ~~الاختصاص، أى لا تدعون إلا إياه، وذلك يدل على أن المشركين مهما بلغ ~~ضلالهم فإنهم عند الشدائد يتجهون بتفكيرهم إلى القوة الخفية الخالقة لهذا ~~الكون. وفى قوله { فيكشف ما تدعون } استعارة حيث شبه حال إزالة ~~الشر بحال كشف غطاء غامر مؤلم بجامع إزالة الضر فى كل وإحلال السلامة ~~محله. والمقصود فيكشف الضر الذى تدعونه أن يكشفه فالكلام على تقدير حذف ~~مضاف. وجواب الشرط لقوله { إن شآء } محذوف لفهم المعنى ودلالة ما ~~قبله عليه، أى إن شاء أن يكشف الضر كشفه، لأنه - سبحانه - لا يسأل عما ~~يفعل. ثم أخذ القرآن فى تسلية النبى صلى الله عليه وسلم وفى بيان أحوال ~~الأمم الماضية فقال - تعالى - { ولقد أرسلنآ إلى أمم من ~~قبلك فأخذناهم بالبأسآء والضرآء لعلهم ~~يتضرعون }. البأساء تطلق على المشقة والفقر الشديد، وعلى ما يصيب ~~الأمم من أزمات تجتاحها بسبب الحروب والنكبات. والضراء. تطلق على الأمراض ~~والأسقام التى تصيب الأمم والأفراد. والمعنى ولقد أرسلنا من قبلك يا محمد ~~رسلا إلى أقوامهم، فكان هؤلاء الأقوام أعتى من قومك فى الشرك والجحود، ~~فعاقبناهم بالفقر الشديد والبلاء المؤلم، لعلهم يخضعون ويرجعون عن كفرهم ms1776 ~~وشركهم. # فالآية الكريمة تصور لونا من ألوان العلاج النفسى الذى عالج الله به ~~الأمم التى تكفر بأنعمه، وتكذب أنبياءه ورسله، إذ أن الآلام والشدائد ~~علاج للنفوس المغرورة بزخارف الدنيا ومتعها إن كانت صالحة للعلاج. ولقد ~~بين - سبحانه - بعد ذلك. أن تلك الأمم لم تعتبر بما أصابها من شدائد فقال ~~{ فلولا إذ جآءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست ~~قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون }. ~~ولولا هنا للنفى، أى أنهم ما خشعوا ولا تضرعوا وقت أن جاءهم بأسنا. وقيل ~~إنها للحث والتحضيض بمعنى هلا، أى فهلا تضرعوا تائبين إلينا وقت أن جاءهم ~~بأسنا. وقد اختار صاحب الكشاف أنها للنفى فقال { فلولا إذ ~~جآءهم بأسنا تضرعوا } معناه نفى التضرع، كأنه قيل. فلم ~~يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا ولكنه جاء بلولا ليفيد أنه لم يكن لهم عذر فى ترك ~~التضرع إلا عنادهم وقوسة قلوبهم وإعجابهم بأعمالهم التى زينها الشيطان ~~لهم ". ثم بين - سبحانه - أن أمرين حالا بينهم وبين التوبة والتضرع عند ~~نزول الشدائد بهم. أما الأمر الأول فهو قسوة قلوبهم، وقد عبر - سبحانه - ~~عن هذا الأمر الأول بقوله { ولكن قست قلوبهم } أى غلظت ~~وجمدت وصارت كالحجارة أو أشد قسوة. وأما الأمر الثانى فهو تزيين الشيطان ~~لهم أعمالهم السيئة، بأن يوحى إليهم بأن ما هم عليه من كفر وشرك وعصيان ~~هو عين الصواب، وأن ما أتاهم به أنبياؤهم ليس خيرا لأنه يتنافى مع ما ~~كان عليه آباؤهم. هذان هما الأمران اللذان حالا بينهم وبين التضرع إلى ~~الله والتوبة إليه. ثم بين - سبحانه - أنه قد ابتلاهم بالنعم بعد أن ~~عالجهم بالشدائد فلم يرتدعوا فقال - تعالى - { فلما نسوا ما ~~ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى ~~إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم ~~مبلسون }. والمعنى فلما أعرضوا عن النذر والعظات التى وجهها إليهم ~~الرسل، فتحنا عليهم أبواب كل شىء من الرزق وأسباب القوة والجاه. حتى إذا ~~اغتروا وبطروا بما أوتوا من ذلك أخذناهم بغتة فإذا هم متحسرون يائسون من ~~النجاة. ولفاء فى قوله - تعالى - { فلما نسوا ms1777 } لتفصيل ما كان ~~منهم. وبيان ما ترتب على كفرهم من عواقب قريبة وأخرى بعيدة. والمراد ~~بالنسيان هنا الإعراض والترك. أى تركوا الإهتداء بما جاء به الرسل حتى ~~نسوه أو جعلوه كالمنسى فى عدم الاعتبار والاتعاظ به لإصرارهم على كفرهم، ~~وجمودهم على تقليد من قبلهم. والتعبير بقوله - تعالى - { فتحنا ~~عليهم أبواب كل شيء } يرسم صورة بليغة لإقبال الدنيا ~~عليهم من جميع أقطارها بجميع ألوان نعمها، وبكل قوتها وإغرائها، فهو ~~اختبار لهم بالنعمة بعد أن ابتلاهم بالبأساء والضراء. # وعبر - سبحانه - عن إعطائهم النعمة بقوله { بمآ أوتوا } بالبناء ~~للمجهول لأنهم يحسبون أن ذلك بعلمهم وقدرتهم وحدهم، كما قال قارون من قبل # إنمآ أوتيته على علم عندي # وأضاف - سبحانه - الأخذ إلى ذاته فى قوله { أخذناهم } لأنهم كانوا ~~لا ينكرون ذلك، بل كانوا ينسبون الخلق والإيجاد إلى الله - تعالى -. ~~وكان الأخذ بغتة ليكون أشد عليهم وأفظع هولا، أى أخذناهم بعذاب الاستئصال ~~حال كوننا مباغتين لهم. أو حال كونهم مبغوتين، فقد فجأهم العذاب على غرة ~~بدون إمهال. وإذا فى قوله { فإذا هم مبلسون } فجائية، والمبلس ~~الباهت الحزين البائس من الخير، الذى لا يحير جوابا لشدة ما نزل به من ~~سوء الحال. روى الإمام أحمد بسنده عن عقبة بن عامر عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم قال # " وإذا رأيت الله يعطى العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو ~~استدراج " # ، ثم تلا قوله - تعالى - { فلما نسوا ما ذكروا به }.. ~~الآية. ثم قال - تعالى - { فقطع دابر القوم الذين ~~ظلموا والحمد لله رب العالمين }. الدابر الآخر، ~~والمعنى فأهلك الله - تعالى - أولئك الأقوام عن آخرهم بسبب ظلمهم ~~وفجورهم، والحمد لله رب العالمين الذى نصر رسله وأولياءه على أعدائهم، ~~وفى ختام هذه الآية بقوله { والحمد لله رب العالمين } ~~تعليم لنا، إذ أن زوال الظالمين نعمة تستوجب الحمد والثناء على الله - ~~تعالى -. ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمه عليهم فى خلقهم وتكوينهم، وبين لهم ~~إذا سلبهم شيئا من حواسهم فإنهم لا يتجهون إلا إليه فقال - تعالى - { ~~قل أرأيتم إن أخذ... }. ### || [6.46-49] # المعنى قل ms1778 يا محمد لهؤلاء المشركين الجاحدين أخبرونى إن سلب الله عنكم ~~نعمتى السمع والبصر فأصبحتم لا تسمعون ولا تبصرون، وختم على قلوبكم فصرتم ~~لا تفقهون شيئا، من إله غيره يقدر على رد ما سلب منكم وأنتم تعرفون ذلك ~~ولا تنكرونه فلماذا تشركون معه آلهة أخرى؟ ثم التفت عنهم إلى التعجيب من ~~حالهم فقال - تعالى - { انظر كيف نصرف الآيات ثم هم ~~يصدفون } أى انظر كيف ننوع الآيات والحجج والبراهين فنجعلها على ~~وجوه شتى ليتعظوا ويعتبروا ثم هم بعد ذلك يعرضون عن الحق، وينأون عن طريق ~~الرشاد. والاستفهام فى قوله - تعالى - { أرأيتم } للتنبيه أى إن لم ~~تكونوا قد رأيتم ذلك فتبينوه وتأملوا ما يدل عليه. والضمير فى { به } ~~يعود إلى المأخوذ وهو السمع والبصر والفؤاد. وفى قوله { انظر كيف ~~نصرف الآيات ثم هم يصدفون } تعجيب من عدم تأثرهم رغم ~~كثرة الدلائل وتنوعها من أسلوب إلى أسلوب. وجملة { ثم هم ~~يصدفون } معطوفة على جملة نصرف الآيات وداخلة فى حكمها، وكان العطف ~~بثم لإفادة الاستبعاد المعنوى، لأن تصريف الآيات والدلائل يدعو إلى ~~الإقبال، فكان من المستبعد فى العقول والأفهام أن يترتب عليه الإعراض ~~والابتعاد. قال القرطبى { يصدفون } أى يعرضون. يقال صدق عن الشىء ~~إذا أعرض صدفا وصدوفا فهو صادف. فهم ماثلون معرضون عن الحجج والدلالات. ~~ثم وجه عقولهم إلى لون آخر من ألوان الإقناع فقال - تعالى - { قل ~~أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة ~~هل يهلك إلا القوم الظالمون }. بغتة أى مفاجأة، وجهرة ~~أى جهارا عيانا. والمعنى قل لهم أيها الرسول الكريم أخبرونى عن مصيركم إن ~~أتاكم عذاب الله مباغتا ومفاجئا لكم من غير ترقب ولا انتظار، أو أتاكم ~~ظاهرا واضحا بحيث ترون مقدماته ومباديه، هل يهلك به إلا القوم ~~الظالمون؟. والاستفهام فى قوله { هل يهلك } بمعنى النفى أى ما يهلك ~~به إلا القوم الظالمون، الذين أصروا على الشرك والجحود، فهلاكهم سببه ~~السخط عليهم والعقوبة لهم، لأنهم عموا وصموا عن الهداية. ثم بين - سبحانه ~~- وظيفة الرسل فقال { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ~~ومنذرين } ، أى ms1779 تلك سنتنا وطريقتنا فى اهلاك المكذبين للرسل، ~~والمعرضين عن دعوتهم، فإننا ما نرسل المرسلين إليهم إلا بوظيفة معينة ~~محددة هى تقديم البشارة لمن آمن وعمل صالحا، وسوق الإنذار لمن كذب وعمل ~~سيئا. فالجملة الكريمة كلام مستأنف مسوق لبيان وظيفة الرسل - عليهم ~~الصلاة والسلام - ولإظهار أن ما يقترحه المشركون عليهم من مقترحات باطلة ~~ليس من وظائف المرسلين أصلا. ثم بين - سبحانه - عاقبة من آمن وعاقبة من ~~كفر فقال { فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب ~~بما كانوا يفسقون }. # والمعنى فمن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأصلح فى ~~عمله. فلا خوف عليهم من عذاب الدنيا الذى ينزل بالجاحدين، ولا من عذاب ~~الآخرة الذى يحل بالمكذبين، ولا هم يحزنون يوم لقاء الله على شىء فاتهم. ~~والمس اللمس باليد، ويطلق على ما يصيب المرء من ضر أو شر - فى الغالب - ~~وفى قوله { يمسهم العذاب } استعارة تبعية، فكأن العذاب كائن حى ~~يفعل بهم ما يريد من الآلام والعذاب. ثم لقن الله - تعالى - رسوله صلى ~~الله عليه وسلم الأجوبة الحاسمة التى تدمغ شبهات الكافرين، وتبين ضلال ~~مقترحاتهم فقال { قل لا أقول لكم عندي.... }. ### || [6.50-53] # المعنى قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يقترحون عليك المقترحات ~~الباطلة قل لهم ليس عندى خزائن الرزق فأعطيكم منها ما تريدون، وإنما ذلك ~~لله - تعالى - فهو الذى له خزائن السماوات والأرض، وقد كان المشركون ~~يقولون للنبى صلى الله عليه وسلم إن كنت رسولا من الله فاطلب منه أن يوسع ~~عيشنا ويغنى فقرنا، وقل لهم كذلك إنى لا أعلم الغيب فاخبركم بما مضى وبما ~~سيقع فى المستقبل، وإنما علم ذلك عند الله، وقد كانوا يقولون له أخبرنا ~~بما ينفعنا ويضرنا فى المستقبل. حتى نستعد لتحصيل المصالح ودفع المضار، ~~وقل لهم إنى لست ملكا فأطلع على ما لا يطلع عليه الناس وأقدر على ما لا ~~يقدرون عليه. وقد كانوا يقولون ما لهذا الرسول يأكل طعاما ويمشى فى ~~الأسواق ثم يتزوج النساء. ثم بين لهم وظيفته ms1780 فقال { إن أتبع ~~إلا ما يوحى إلي } أى إن وظيفتى اتباع ما يوحى إلى من ربى. ~~فأنا عبده وممتثل لأمره، وحاشاى أن أدعى شيئا من تلك الأشياء التى ~~اقترحتموها على. فالآية الكريمة مسوقة على سبيل الاستئناف لإظهار تبريه ~~عما يقترحونه عليه. ثم بين لهم - سبحانه - الفرق بين المهتدى والضال فقال ~~{ قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون ~~}. أى قل لهم هل يستوى أعمى البصيرة الضال عن الصراط المستقيم الذى ~~دعوتكم إليه، وذو البصيرة المنيرة التى اهتدت إلى الحق فآمنت به واتبعته؟ ~~فالمراد بالأعمى الكافر الذى لم يستجب للحق، وبالبصير المؤمن الذى انقاد ~~له. والاستفهام للانكار ونفى الوقوع، أى كما أنه لا يتساوى أعمى العينين ~~وبصيرهما، فكذلك لا يتساوى المهتدى والضال والرشيد والسفيه، بل إن الفرق ~~بين المهتدى والضال أقوى وأظهر، لأنه كم من أعمى العينين وبصير القلب هو ~~من أعلم العلماء وأهدى الفضلاء وكم من بصير العينين أعمى القلب هو أضل من ~~الأنعام، ولذا قرعهم الله - تعالى - بقوله { أفلا تتفكرون }؟ ~~أى أفلا تتفكرون فى ذلك فتميزوا بين ضلالة الشرك وهداية الإسلام، وبين ~~صفات الرب وصفات الإنسان. والاستفهام هنا للتحريض على التفكر والتدبر. ~~ثم أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجتهد فى إنذار قوم ~~يتوقع منهم الصلاح والاستجابة للحق، بعد أن أمره قبل ذلك بتوجيه دعوته ~~إلى الناس كافة فقال تعالى { وأنذر به الذين يخافون أن ~~يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا ~~شفيع لعلهم يتقون }. والمعنى عظ وخوف يا محمد بهذا القرآن ~~أولئك الذين يخافون شدة الحساب والعقاب، وتعتريهم الرهبة عندما يتذكرون ~~أهوال يوم القيامة لأنهم يعلمون أنه يوم لا تنفع فيه خلة ولا شفاعة، ~~فهؤلاء هم الذين ترجى هدايتهم لرقة قلوبهم وتأثرهم بالعظات والعبر. # فالمراد بهم المؤمنون العصاة الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، ولذا ~~قال ابن كثير { وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا ~~إلى ربهم } أى وأنذر بهذا القرآن يا محمد الذين هم من خشية ربهم ~~مشفقون، والذين يخشون ربهم ويخافون سوء الحساب ms1781 أى يوم القيامة، { ليس ~~لهم } يومئذ # من دون الله ولى ولا شفيع # أى لا قريب لهم ولا شفيع فيهم من عذابه إن أراده بهم { لعلهم ~~يتقون } فيعملون فى هذه الدار عملا ينجيهم الله به يوم القيامة من ~~عذابه ويضاعف لهم الجزيل من ثوابه. ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله ~~عليه وسلم أن يقرب فقراء المسلمين من مجلسه لأنهم مع فقرهم أفضل عند الله ~~من كثير من الأغنياء. فقال تعالى { ولا تطرد الذين يدعون ~~ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه }. أى لا تبعد ~~أيها الرسول الكريم عن مجالسك هؤلاء المؤمنين الفقراء الذين يدعون ربهم ~~صباح مساء، ويريدون بعملهم وعبادتهم وجه الله وحده بل اجعلهم جلساءك ~~وأخصاءك فهم أفضل عند الله من الأغنياء المتغطرسين والأقوياء الجاهلين. ~~وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما جاء عن ابن مسعود ~~قال مر الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعنده خباب ~~وصهيب وبلال وعمار فقالوا يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين من ~~الله عليهم من بيننا؟ أنحن نصير تبعا لهؤلاء؟ لا.. اطردهم فلعلك إن ~~طردتهم نتبعك؟ فنزلت هذه الآية. ففى الآية الكريمة نهى النبى صلى الله ~~عليه وسلم عن أن يطرد هؤلاء الضعفاء من مجلسه. لأنه وإن كان صلى الله ~~عليه وسلم يميل إلى تأليف قلوب الأقوياء للاسلام لينال بقوتهم قوة، إلا ~~أن الله تعالى بين له أن القوة فى الإيمان والعمل الصالح، وأن هؤلاء ~~الضعفاء من المؤمنين قد وصفهم خالقهم بأنهم يتضرعون إليه فى كل أوقاتهم ~~ولا يقصدون بعبادتهم إلا وجه الله، فكيف يطردون من مجالس الخير؟ ثم قال ~~تعالى { ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك ~~عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين }. ~~أى إن الله تعالى هو الذى سيتولى حسابهم وجزاءهم ولن يعود عليك من حسابهم ~~شىء، كما أنه لا يعود عليهم من حسابك شىء، فهم مجزبون بأعمالهم، كما أنك ~~أنت يا محمد مجزى بعملك، فإن طردتهم استجابة لرضى غيرهم كنت ms1782 من الضالين. ~~إذ أنهم لم يصدر عنهم ما يستوجب ذلك، وحاشا للرسول صلى الله عليه وسلم أن ~~يطرد قوما تلك هى صفاتهم. قال صاحب الكشاف فإن قلت أما كفى قوله { ما ~~عليك من حسابهم من شيء } حتى ضم إليه { وما من ~~حسابك عليهم من شيء }؟ قلت قد جعلت الجملتان بمنزلة جملة ~~واحدة وقصد بهما مؤدى واحد وهو المعنى فى قوله # ولا تزر وازرة وزر أخرى # ولا يستقل بهذا المعنى إلا الجملتان جميعا كأنه قيل لا تؤاخذ أنت ولا ~~هم بحساب صاحبه. وقيل الضمير للمشركين. والمعنى لا يؤاخذون بحسابك ولا ~~أنت بحسابهم حتى يهمك إيمانهم ويحركك الحرص عليه إلى أن تطرد المؤمنين. ~~وهنا تخريج آخر لقوله { ما عليك من حسابهم من شيء وما ~~من حسابك عليهم من شيء } بأن المعنى ما عليك شىء من حساب ~~رزقهم إن كانوا فقراء، وما من حسابك فى الفقر والغنى عليهم من شىء، أى ~~أنت مبشر ومنذر ومبلغ للناس جميعا سواء منهم الفقير والغنى، فكيف تطرد ~~فقيرا لفقره، وتقرب غنيا لغناه؟ إنك إن فعلت ذلك كنت من الظالمين، ومعاذ ~~الله أن يكون ذلك منك. وقوله { فتكون من الظالمين } جواب ~~للنهى عن الطرد، وقوله { فتطردهم } جواب لنفى الحساب. ثم قال ~~تعالى { وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا ~~أهؤلاء من الله عليهم من بيننآ أليس الله ~~بأعلم بالشاكرين }. والمعنى ومثل ذلك الفتن. أى الابتلاء ~~والاختبار، جعلنا بعض البشر فتنة لبعض، ليترتب على هذه الفتن أن يقول ~~المفتونون الأقوياء فى شأن الضعفاء أهؤلاء الصعاليك خصهم الله بالإيمان ~~من بيننا! وقد رد الله عليهم بقوله { أليس الله بأعلم ~~بالشاكرين } أى أليس هو بأعلم بالشاكرين له بأقوالهم وأفعالهم ~~وضمائرهم فيوفقهم ويهديهم سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ~~ويهديهم إلى صراط مستقيم. والكاف فى قوله { وكذلك فتنا ~~بعضهم ببعض } فى محل نصب على أنها نعت لمصدر محذوف والتقدير ~~ومثل ذلك الفتون المتقدم الذى فهم من سياق أخبار الأمم الماضية فتنا بعض ~~هذه الأمم ببعض، ومن مظاهر ذلك أننا ابتلينا الغنى بالفقير، ms1783 والفقير ~~بالغنى، فكل واحد مبتلى بضده، فكان ابتلاء الأغنياء الشرفاء حسدهم لفقراء ~~الصحابة على كونهم سبقوهم إلى الإسلام وتقدموا عليهم، فامتنعوا عن ~~الدخول فى الإسلام لذلك، فكان ذلك فتنة وابتلاء لهم وأما فتنة الفقراء ~~بالأغنياء فلما يرون من سعة رزقهم وخصب عيشهم. فكان ذلك فتنة لهم. واللام ~~فى قوله { ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من ~~بيننآ } تعليلية لأنها هى للباعث على الاختبار أى ومثل ذلك الفتون ~~فتنا ليقولوا هذه المقالة ابتلاء منا وامتحانا. والاستفهام فى قوله { ~~أليس الله بأعلم بالشاكرين } للتقرير على أكمل وجه ~~لأنه سبحانه محيط بكل صغير وكبير ودقيق وجليل. وكذلك تكون الآيات الكريمة ~~قد قررت أن الفضل ليس بالغنى ولا بالجاه ولا بالقوة فى الدنيا، ولكنه ~~بمقدار شكر الله على ما أنعم، وأنه سبحانه هو العالم وحده بمن يستحق ~~الفضل علما ليس فوقه علم. ### || [6.54-56] # السلام والسلامة مصدران من الثلاثى. يقال سلم فلان من المرض أو من ~~البلاء سلاما وسلامة ومعناهما البراءة والعافية. ويستعمل السلام فى ~~التحية، وهو بمعنى الدعاء بالسلامة من كل سوء، فهو آية المودة والأمان ~~والصفاء. والمعنى وإذا حضر إلى مجالسك يا محمد أولئك الذين يؤمنون ~~بآياتنا ويعتقدون صحتها فقل لهم تحية لكم من خالقكم وبشارة لكم بمغفرته ~~ورضوانه ما دمتم متبعين لهديه، ومحافظين على فرائضه. { كتب ربكم ~~على نفسه الرحمة } أى أنه سبحانه أوجب على نفسه الرحمة ~~لعباده تفضلا منه وكرما. ثم بين سبحانه أصلا من أصول الدين فى هذه الرحمة ~~المكتوبة فقال { أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم ~~تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم }. أى أنه من ~~عمل منكم عملا تسوء عاقبته متلبسا بجهالة دفعته إلى ذلك السوء كغضب شديد ~~ثم تاب من بعد تلك الجهالة وأصلح خطأه وندم على ما بدر منه، ورد المظالم ~~إلى أهلها، فالله سبحانه شأنه فى معاملته لهذا التائب النادم " أنه غفور ~~رحيم ". ثم قال تعالى { وكذلك نفصل الآيات } المنزلة فى بيان ~~الحقائق التى يهتدى بها أهل النظر الصحيح والفقه الدقيق. { ~~ولتستبين سبيل المجرمين } أى ms1784 ولأجل أن يظهر بها طريق ~~المجرمين فيمتازوا بها عن جماعة المسلمين. ثم أمر الله - تعالى - نبيه ~~صلى الله عليه وسلم، أن يصارح أعداءه ببراءته من شركهم ومن اتباع باطلهم ~~فقال - تعالى - { قل إني نهيت }. قال الإمام الرازى اعلم أنه - ~~تعالى - لما ذكر فى الآية المتقدمة ما يدل على أنه يفصل الآيات ليظهر ~~الحق وليستبين سبيل المجرمين. ذكر فى هذه الآية أنه - تعالى - نهى عن ~~سلوك سبيلهم فقال إنى نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله، وبين أن ~~الذين يعبدونها إنما يعبدونها بناء على محض الهوى والتقليد لا على سبيل ~~الحجة والدليل، لأنها جمادات وأحجار وهى أخس مرتبة من الإنسان بكثير. ~~وكون الأشرف مشتغلا بعبادة الأخس أمر يدفعه صريح العقل، وأيضا فالقوم ~~كانوا ينحتون تلك الأصنام ويركبونها، ومن المعلوم بالبديهة أنه يقبح من ~~هذا العامل الصانع أن يعبد معموله ومصنوعه، فثبت أن عبادتها مبنية على ~~الهوى ومضادة للهدى. والمعنى قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يريدون ~~منك أن تركن إليهم إن الله نهانى وصرفنى بفضله، وبما منحنى من عقل مفكر ~~عن عبادة الآلهة التى تعبدونها من دون الله، وقل - أيضا - لهم بكل صراحة ~~وقوة إنى لست متبعا لما تمليه عليكم أهواؤكم وشهواتكم من انقياد ~~للأباطيل، ولو أنى ركنت إليكم لضللت عن الحق وكنت خارجا عن طائفة ~~المهتدين. فالآية الكريمة قطعت بكل حسم ووضوح أطماعهم الفارغة فى استمالة ~~النبى صلى الله عليه وسلم إلى أهوائهم، ووصمتهم بأنهم فى الضلال غارقون، ~~وعن الهدى مبتعدون. # وجاءت كلمة { نهيت } بالبناء للمجهول للاستغناء عن ذكر الفاعل ~~لظهوره، أى نهانى الله - تعالى - عن ذلك. وأجرى على الأصنام اسم الموصول ~~الموضوع للعقلاء لأنهم عاملوهم معاملة العقلاء فأتى لهم بما يحكى ~~اعتقادهم. قال أبو حيان و " تدعون " معناه تعبدون وقيل معناه تسمونهم ~~آلهة من دعوت ولدى زيدا أى سميته بهذا الإسم. وقيل تدعون فى أموركم ~~وحوائجكم وفى قوله تدعون من دون الله استجهال لهم ووصف بالاقتحام فيما ~~كانوا منه على غير بصيرة، ولفظة نهيت أبلغ من النفى بلا ms1785 أعبد إذ ورد فيه ~~ورود تكليف. وجملة { قل لا أتبع أهوآءكم } مستأنفة، وعدل ~~بها عن العطف إلى الاستئناف لتكون غرضا مستقلا، وأعيد الأمر بالقول ~~زيادة فى الاهتمام بالاستئناف واستقلاله ليكون هذا النفى شاملا للاتباع ~~فى عبادة الأصنام وفى غيرها من ألوان ضلالهم كطلبهم طرد المؤمنين من ~~مجلسه، وعبر بقوله { قل لا أتبع أهوآءكم } دون لا أتبعكم. ~~للإشارة إلى أنهم فى عبادتهم لغير الله تابعون للأهواء الباطلة، نابذون ~~للأدلة العقلية، وفى هذا أكبر برهان على انطماس بصيرتهم، وبنائهم لدينهم ~~على الأوهام والأباطيل. وجملة { قد ضللت إذا } جواب لشرط مقدر. ~~أى إن اتبعت أهواءكم فقد ضللت إذا وما اهتديت. وجملة { ومآ أنا ~~من المهتدين } معطوفة على جملة { قد ضللت } ومؤكدة ~~لمضمونها أى إنه إن فعل ذلك - على سبيل الفرض والتقدير - خرج عن الحالة ~~التى هو عليها الآن من كونه فى عداد المهتدين إلى كونه فى زمرة الضالين. ~~والتعبير بقوله { ومآ أنا من المهتدين } أبلغ من قوله وما ~~أنا مهتد، لأن التعريف فى المهتدين تعريض للجنس، وإخبار المتكلم عن نفسه ~~بأنه من المهتدين يفيد أنه واحد من الفئة التى تعرف عند الناس بفئة ~~المهتدين، فيفيد أنه مهتد بطريقة تشبه طريقة الاستدلال، فهو من قبيل ~~الكناية التى هى إثبات الشىء بإثبات ملزومه وهى أبلغ من التصريح. ولذا ~~قال صاحب الكشاف " قولك فلان من العلماء أبلغ من قولك فلان عالم، لأنك ~~تشهد له بكونه معدودا فى زمرتهم ومعرفة مساهمته معهم فى العلم ". وبعد ~~أن أمر الله - تعالى - نبيه بمصارحة المشركين بأنه لن يكون فى يوم من ~~الأيام متبعا لأهوائهم، أمره أن يخبرهم بأنه على الحق الواضح الذى لا ~~يضل متبعه، وبأن الله وحده هو الذى سيقضى بينه وبينهم فقال - تعالى - { ~~قل إني على بينة... }. ### || [6.57-59] # البينة الدلالة الواضحة من بان يبين إذا ظهر، أو الحجة الفاصلة بين الحق ~~والباطل على أنها من البينونة أى الانفصال. والمعنى قل يا محمد لهؤلاء ~~المشركين الذين يريدون منك اتباع أهوائهم كيف يتأتى لى ذلك وأنا على ~~شريعة واضحة وملة ms1786 صحيحة لا يعتريها شك، ولا يخالطها زيغ لأنها كائنة من ~~ربى الذى لا يضل ولا ينسى. والتنوين فى كلمة { بينة } للتفخيم ~~والتعظيم، وهى صفة لموصوف محذوف للعلم به فى الكلام، أى على حجة بينة ~~واضحة محقة للحق ومبطلة للباطل فأنا لن أتزحزح عنها أبدا. وفى ذلك تعريض ~~بالمشركين بأنهم ليسوا على بصيرة من أمرهم، وإنما هم قد اتبعوا ما وجدوا ~~عليه آباءهم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. وجملة { وكذبتم به ~~} فى موضع حال من { بينة } وهى تفيد التعجب منهم حيث كذبوا بما دلت ~~عليه البينات، واتفقت على صحته العقول السليمة. والضمير فى قوله { به } ~~يعود على الله - تعالى - أى وكذبتم بالله مع أن دلائل توحيده ظاهرة ~~واضحة. وقيل يعود على البينة والتذكير باعتبار أنها بمعنى البيان. وقيل ~~يعود على القرآن أى والحال أنكم كذبتم بالقرآن الذى هو بينتى من ربى. ~~وقوله { ما عندي ما تستعجلون به } أى ليس فى مقدورى أن أنزل ~~بكم ما تستعجلونه من العذاب، وإنما ذلك مرجعه إلى الله وحده. وهذه الجملة ~~الكريمة رد على المشركين الذين استعجلوا نزول العذاب عندما أنذرهم النبى ~~صلى الله عليه وسلم بسوء المصير إذا ما استمروا فى ضلالهم، فقد حكى ~~القرآن عنهم أنهم قالوا # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # فكان رد النبى صلى الله عليه وسلم عليهم بأن الذى يملك إنزال العذاب بهم ~~إنما هو الله وحده، وتأخير العذاب عنهم إنما هو لحكمة يعملها الله، فهو ~~وحده الذى يقدر وقت نزوله. وقوله { إن الحكم إلا لله } أى ما ~~الحكم فى تعجيل العذاب أو تأخيره وفى كل شأن من شئون الخلق إلا لله وحده ~~فهو - سبحانه - الذى ينزل قضاءه حسب سنته الحكيمة، وموازينه الدقيقة. ~~وقرأ الكسائى وغيره " يقص الحق " ، أى يقص - سبحانه - القضاء الحق فى كل ~~شأن من شئونه. وقوله { يقص الحق } أى يتبع الحق والحكمة فيما ~~يحكم به ويقدره { وهو خير الفاصلين } أى القاضين بين عباده. ~~قال ms1787 ابن جرير { وهو خير الفاصلين } أى وهو من ميز بين المحق ~~والمبطل وأعدلهم، لأنه لا يقع فى حكمه وقضائه حيف إلى أحد لوسيلة إليه ~~ولا لقرابة ولا مناسبة، ولا فى قضائه جور لأنه لا يأخذ الرشوة فى الأحكام ~~فيجور، فهو أعدل الحكام وخير الفاصلين. # ثم بين - سبحانه - حالهم فيما لو كان أمر إنزال العذاب عليهم بيد النبى ~~عليه الصلاة والسلام فقال { قل لو أن عندي } أى قل لهم يا محمد ~~لو أن فى قدرتى وإمكانى العذاب الذى تتعجلونه، لقضى الأمر بينى وبينكم. ~~قال صاحب الكشاف أى " لأهلكتكم عاجلا غضبا لربى. وامتعاضا من تكذيبكم ~~به، ولتخلصت منكم سريعا ". وجملة { والله أعلم بالظالمين ~~} تذييل، أى والله أعلم منى ومن كل أحد بحكمة تأخير العذاب وبوقت نزوله، ~~لأنه العليم الخبير الذى عنده ما تستعجلون به. والتعبير { ~~بالظالمين } إظهار فى مقام ضمير الخطاب لإشعارهم بأنهم ظالمون فى ~~شركهم وظالمون فى تكذيبهم لما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم. قال ابن ~~كثير فإن قيل فكيف الجمع بين هذه الآية وبين ما ثبت فى الصحيحين عن عائشة ~~أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم # " يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال " لقد لقيت ~~من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسى على ابن عبد ~~ياليل بن عبد كلال فلم يجبنى إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهى ~~فلم أستفق إلا بقرن الثعالب فرفعت رأسى فإذا أنا بسحابة قد أظلتنى فنظرت ~~فيها فإذا جبريل فنادانى فقال إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا به ~~عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال فنادانى ملك ~~الجبال وسلم على ثم قال يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك. وأنا ملك ~~الجبال وقد بعثنى ربك إليك لتأمرنى بأمرك فإن شئت أن أطبق عليهم ~~الأخشبين، فقلت له بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا ~~شريك له ms1788 ". # فقد عرض عليه عذابهم واستئصالهم فاستأناهم وسأل لهم التأخير لعل الله أن ~~يخرج من أصلابهم من لا يشرك به شيئا. قال ابن كثير فالجواب على ذلك - ~~والله أعلم - أن هذه الآية دلت على أنه لو كان إليه وقوع العذاب الذى ~~يطلبونه حال طلبهم له لأوقعه بهم، وأما الحديث فليس فيه أنهم سألوه وقوع ~~العذاب بهم، بل عرض عليه ملك الجبال أنه إن شاء أطبق عليهم الأخشبين وهما ~~جبلا مكة يكتنفانها جنوبا وشمالا فلهذا استأنى بهم وسأل الرفق لهم ". ثم ~~يمضى السياق القرآنى مع المكذبين المتعجلين للعذاب، فيسوق لهم صورة لعلم ~~الله الشامل الذى لا يند عنه شىء { وعنده مفاتح الغيب لا ~~يعلمهآ إلا هو }. قال القرطبى { مفاتح } جمع مفتح، ويقال ~~مفتاح ويجمع مفاتيح، وهى قراءة ابن السميقع، والمفتح عبارة عن كل ما يخل ~~غلقا محسوسا كان كالقفل على البيت، أو معقولا كالنظر، وروى ابن ماجه فى ~~سننه وأبى حاتم البستى فى صحيحه عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر ~~مغاليق للخير فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل ~~الله مفاتيح الشر على يديه " # ، وهو فى الآية استعارة عن التوصل إلى الغيوب كما يتوصل فى الشاهد ~~بالمفتح إلى الغيب عن الإنسان. ولذلك قال بعضهم هو مأخوذ من قول الناس ~~افتح على كذا، أى أعطنى أو علمنى ما أتوصل إليه به فالله - تعالى - عنده ~~علم الغيب، وبيده الطرق الموصلة إليه لا يملكها إلا هو، فمن شاء إطلاعه ~~عليها أطلعه، ومن شاء حجبه عنها حجبه. والغيب ما غاب عن علم الناس بحيث ~~لا سبيل لهم إلى معرفته، وهو يشمل الأعيان المغيبة كالملائكة والجن، ~~ويشمل الأعراض الخفية ومواقيت الأشياء وغير ذلك. وقدم الظرف لإفادة ~~الاختصاص، أى عنده لا عند غيره مفاتيح الغيب، وجملة " لا يعلمها إلا هو " ~~فى موضع الحال من مفاتح، وهى مؤكدة لمضمون ما قبلها. ومعنى { لا ~~يعلمهآ إلا هو } أى ms1789 لا يعلم الغيوب علما تاما مستقلا إلا هو ~~- سبحانه - فأما ما أطلع عليه بعض أصفيائه من الغيوب فهو إخبار منه لهم، ~~فكان فى الأصل راجعا إلى علمه هو. قال - تعالى - # عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ~~ارتضى من رسول # ثم بين - سبحانه - أن علمه ليس مقصورا على المغيبات، وإنما هو يشملها ~~كما يشمل المشاهدات فقال { ويعلم ما في البر والبحر }. ~~قال الراغب أصل البحر كل مكان واسع جامع للماء الكثير، وقيل إن أصله ~~الماء الملح دون العذب وأطلق على النهر بالتوسع أو التغليب، والبر ما ~~يقابله من الأرض وهو ما يسمى باليابسة. وهذه الجملة معطوفة على جملة، ~~وعنده مفتاح الغيب، لإفادة تعميم علمه - سبحانه - بالأشياء الظاهرة ~~المتفاوتة فى الظهور بعد إفادة علمه بما لا يظهر الناس. وقدم ذكر البر ~~على البحر على طريقة الترقى من الأقل إلى الأعظم، لأن قسم البحر من الأرض ~~أكبر من قسم البر، وخفاياه أكثر وأعظم، وخصهما بالذكر لأنهما أعظم ~~المخلوقات المجاورة للبشر. ثم صرح - سبحانه - بشمول علمه لكل كلى وجزئى، ~~ولكل صغير وكبير، ولكل دقيق وجليل، فقال - تعالى - { وما تسقط من ~~ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا ~~رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين }. أى وما تسقط ورقة ~~ما من شجرة من الأشجار ولا حبة فى باطن الأرض وأجوافها، ولا رطب ولا يابس ~~من الثمار أو غيرها إلا ويعلمه الله علما تاما شاملا، لأن كل ذلك مكتوب ~~ومحفوظ فى العلم الإلهى الثابت. # وجملة { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها } معطوفة على ~~جملة، ويعلم ما فى البر والبحر، لقصد زيادة التعميم فى الجزئيات الدقيقة. ~~والمراد بظلمات الأرض بطونها، وكنى بالظلمة عن البطن لأنه لا يدرك ما ~~فيه كما لا يدرك ما فى الظلمة. وقوله { إلا في كتاب مبين } ~~تأكيد لقوله " لا يعلمها " لأن المراد بالكتاب المبين علم الله - تعالى - ~~الذى وسع كل شىء، أو اللوح المحفوظ الذى هو محل معلوماته - عز وجل -. قال ~~الإمام الرازى قال الزجاج يجوز أن الله ms1790 - تعالى - أثبت كيفية المعلومات ~~فى كتاب من قبل أن يخلق الخلق كما قال - تعالى - # مآ أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا ~~في كتاب من قبل أن نبرأهآ # ثم قال الإمام الرازى وفائدة هذا الكتاب أمور أحدها أنه - تعالى - إنما ~~كتب هذه الأحوال فى اللوح المحفوظ لتقف الملائكة على نفاذ علمه فى ~~المعلومات، وأنه لا يغيب عنه مما فى السماوات والأرض شىء، فيكون ذلك عبرة ~~تامة كاملة للملائكة الموكلين باللوح المحفوظ لأنهم يقابلون به ما يحدث ~~فى صحيفة هذا العالم فيجدونه موافقا له. وثانيها أنه يجوز أن يقال أنه - ~~تعالى - ذكر ما ذكر من الورقة والحبة تنبيها للمكلفين على أمر الحساب، ~~وإعلاما بأنه لا يفوته من كل ما يصنعون فى الدنيا شىء، لأنه إذا كان لا ~~يهمل الأحوال التى ليس فيها ثواب ولا عقاب ولا تكليف فبأن لا يهمل ~~الأحوال المشتملة على الثواب والعقاب أولى. وثالثها أنه - تعالى - علم ~~أحوال جميع الموجودات، فيمتنع تغييرها عن مقتضى ذلك العلم وإلا لزم ~~الجهل، فإذا كتب أحوال جميع الموجودات فى ذلك الكتاب على التفصيل التام ~~امتنع - أيضا - تغييرها، وإلا لزم الكذب، فتصير كتابة جملة الأحوال فى ~~ذلك الكتاب موجبا تاما، وسببا كاملا فى أنه يمتنع تقدم ما تأخر وتأخر ما ~~تقدم كما قال صلى الله عليه وسلم # " جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ". # ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أمور من أهمها أن علم الله - تعالى - محيط ~~بالكليات والجزئيات، وبكل شىء فى هذا الكون، وبذلك يتبين بطلان رأى بعض ~~الفلاسفة الذين قالوا بأن الله يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات. أن علم ~~الغيب مرده إلى الله وحده، قال الحاكم دل قوله تعالى { وعنده ~~مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو } على بطلان قول ~~الإمامية " إن الإمام يعلم شيئا من الغيب ". وقال القاسمى قال صاحب " ~~فتح البيان " فى هذه الآية الشريفة ما يدفع أباطيل الكهان والمنجمين ~~وغيرهم من مدعى الكشف والإلهام ما ليس من شأنهم ولا يدخل تحت قدرتهم ولا ~~يحيط به علمهم. ms1791 # ولقد ابتلى الإسلام وأهله بقوم سوء من هذه الأجناس الضالة والأنواع ~~المخذولة، ولم يربحوا من أكاذيبهم وأباطيلهم سوى خطة السوء المذكورة فى ~~قول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم " من أتى كاهنا أو منجما فقد كفر ~~بما أنزل على محمد " قال ابن مسعود " أوتى نبيكم كل شىء إلا مفاتيح الغيب ~~". وروى البخارى بسنده عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله. لا يعلم أحد ما يكون فى غد إلا ~~الله، ولا يعلم أحد ما يكون فى الأرحام إلا الله. ولا تعلم نفس ماذا تكسب ~~غدا، ولا تدرى نفس بأى أرض تموت، ولا يدرى أحد متى يجىء المطر ". # وقال القرطبى قال علماؤنا أضاف - سبحانه علم الغيب إلى نفسه فى غير ما ~~آية من كتابه إلا من اصطفى من عباده، فمن قال إنه ينزل الغيث غدا وجزم ~~فهو كافر، وكذلك من قال إنه يعلم ما فى الرحم فهو كافر. وفى صحيح مسلم عن ~~عائشة قالت من زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر بما يكون فى غد ~~فقد أعظم على الله الفرية والله تعالى يقول # قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا ~~الله # ثم قال وقد انقلبت الأحوال فى هذه الأزمان بإتيان المنجمين والكهان لا ~~سيما بالديار المصرية فقد شاع فى رؤسائهم وأتباعهم وأمرائهم اتخاذ ~~المنجمين، بل ولقد انخدع كثير من المنتسبين للفقر والدين فلجأوا إلى ~~هؤلاء الكهنة والعرافين فبهرجوا عليهم بالمحال، واستخرجوا منهم الأموال، ~~فحصلوا من أقوالهم على السراب والآل، ومن أديانهم على الفساد والضلال، ~~وكل ذلك من الكبائر لحديث النبى صلى الله عليه وسلم # " من أتى عرافا فسأله عن شىء لم تقبل له صلاة أربعين يوما " # والعراف هو الحازر والمنجم الذى يدعى علم الغيب. وبعد أن بين - سبحانه - ~~شمول علمه لكل شىء، أتبع ذلك بالحديث عن كمال قدرته، ونفاذ إرادته فقال - ~~تعالى { وهو الذي يتوفاكم.... }. ### || [6.60-64] # قوله - تعالى - { وهو الذي يتوفاكم بالليل } أى ينيمكم ~~فيه. والتوفى ms1792 أخذ الشىء وافيا، أى تاما كاملا. والتوفى يطلق حقيقة على ~~الإماتة، وإطلاقه على النوم - كما هنا - مجاز لشبه النوم بالموت فى ~~انقطاع الإدراك والعمل والإحساس قال - تعالى - # الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت ~~في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ~~ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى # فهذه الآية صريحة فى أن التوفى أعم من الموت، فقد صرحت بأن الأنفس التى ~~تتوفى فى منامها غير ميتة، فهناك وفاتان وفاة كبرى وتكون بالموت، ووفاة ~~صغرة وتكون بالنوم. والمعنى وهو - سبحانه - الذى يتوفى أنفسكم فى حالة ~~نومكم بالليل، دون غيره لأن غيره لا يملك موتا ولا حياة ولا نشورا. { ~~ويعلم ما جرحتم بالنهار } أى ما كسبتم وعملتهم فيه من ~~أعمال. وأصل الجرح تمزيق جلد الحى بشىء محدد مثل السكين والسيف والظفر ~~والناب وأطلق هنا على ما يكتسبه الإنسان بجوارحه من يد أو رجل أو لسان. ~~وتخصيص الليل بالنوم، والنهار بالكسب جريا على المعتاد، لأن الغالب أن ~~يكون النوم ليلا، وأن يكون الكسب والعمل نهارا، قال - تعالى- # وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا # { ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى } أى ثم إن بعد ~~توفيكم بالنوم يوقظكم منه فى النهار، لأجل أن يقضى كل فرد أجله المسمى فى ~~علم الله - تعالى -، والمقدر له فى هذه الدنيا، فقد جعل - سبحانه - ~~لأعماركم آجالا محددة لا بد من قضائها وإتمامها. وجملة { ثم ~~يبعثكم فيه } معطوفة على { يتوفاكم بالليل } فتكون ثم ~~للمهلة الحقيقية وهو الأظهر. { ثم إليه مرجعكم ثم ~~ينبئكم بما كنتم تعملون } أى ثم إليه وحده يكون رجوعكم ~~بعد انقضاء حياتكم فى هذه الدنيا، فيحاسبكم على أعمالكم التى اكتسبتموها ~~فيها، إن خيرا فخير وإن شرا فشر. فالآية الكريمة تسوق للناس مظهرا من ~~مظاهر قدرة الله وتبرهن لهم على صحة البعث والحساب يوم القيامة، لأن ~~النشأة الثانية - كما يقول القرطبى - منزلتها بعد الأولى كمنزلة اليقظة ~~بعد النوم فى أن من قدر على أحدهما فهو قادر على الأخرى. هذا، ويرى جمهور ~~المفسرين أن ظاهر الخطاب فى الآية للمؤمنين والكافرين، ولكن ms1793 الزمخشرى ~~خالف فى ذلك فجعلها خطابا للكافرين فقال { وهو الذي يتوفاكم ~~بالليل } الخطاب للكفرة، أى أنتم منسدحون الليل كله كالجيف - أى ~~مسطحون على القفا - { ويعلم ما جرحتم بالنهار } ما كسبتم ~~من الآثام فيه { ثم يبعثكم فيه } من القبور فى شأن ذلك الذى ~~قطعتم به أعماركم من النوم بالليل وكسب الآثام بالنهار { ليقضى ~~أجل مسمى } وهو الأجل الذى سماه وضربه لبعث الموتى وجزائهم على ~~أعمالهم. # والذى نراه أن رأى الجمهور أرجح لأنه لم يرد نص يدل على تخصيص الخطاب فى ~~الآية للكافرين. ثم قال - تعالى - { هو القاهر فوق عباده } ~~أى وهو الغالب المتصرف فى شئون خلقه يفعل بهم ما يشاء إيجادا وإعداما ~~وإحياء وأماتة وإثابة وعقابا إلى غير ذلك، والمراد بالفوقية فوقية ~~المكانة والرتبة لا فوقية المكان والجهة. قال الإمام الرازى وتقرير هذا ~~القهر من وجوه الأول أنه قهار للعدم بالتكوين والإيجاد. والثانى أنه ~~قهار للوجود بالإفناء والإفساد، فإنه - تعالى - هو الذى ينقل الممكن من ~~العدم إلى الوجود تارة، ومن الوجود إلى العدم تارة أخرى، فلا وجود إلا ~~بإيجاده، ولا عدم إلا بإعدامه فى الممكنات. والثالث أنه قهار لكل ضد ~~بضده، فيقهر النور بالظلمة، والظلمة بالنور، والنهار بالليل، والليل ~~بالنهار، وتمام تقريره فى قوله # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء ~~وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل ~~من تشآء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير # وقوله { ويرسل عليكم حفظة } أى ويرسل عليكم ملائكة تحفظ ~~أعمالكم وتحصيها وتسجل ما تعملونه من خير أو شر. قال - تعالى - # وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما ~~تفعلون # وقال - تعالى - # إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال ~~قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # وفى الصحيحين عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار يجتمعون فى صلاة الفجر ~~وصلاة العصر ثم يعرج بالذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم كيف ~~تركتم عبادى فيقولون تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون ". # قال ms1794 صاحب الكشاف فإن قلت إن الله - تعالى - غنى بعلمه عن كتابة الملائكة ~~فما فائدتها؟ قلت فيها لطف للعباد، لأنهم إذا علموا أن الله رقيب عليهم، ~~والملائكة الذين هم أشرف خلقه موكلون بهم يحفظون عليهم أعمالهم ويكتبونها ~~فى صحائف تعرض على رءوس الأشهاد فى مواقف القيامة، كان ذلك أزجر لهم عن ~~القبيح وأبعد عن السوء. وجملة { ويرسل عليكم حفظة } يجوز أن ~~تكون معطوفة على اسم الفاعل الواقع صلة ل أل، لأنه فى معنى يقهر ~~والتقدير وهو الذى يقهر عباده ويرسل، فعطف الفعل على الإسم لأنه فى ~~تأويله. وقوله { حتى إذا جآء أحدكم الموت توفته ~~رسلنا وهم لا يفرطون } أى حتى إذا احتضر أحدكم وحان أجله ~~قبضت روحه ملائكتنا الموكلون بذلك حالة كونهم لا يتوانون ولا يتأخرون فى ~~أداء مهمتهم. قال الآلوسى وحتى فى قوله { حتى إذا جآء أحدكم ~~الموت } هى التى يبتدأ بها الكلام وهى مع ذلك تجعل ما بعدها من ~~الجملة الشرطية غاية لما قبلها، كأنه قيل ويرسل عليكم حفظة يحفظون ما ~~يحفظون منكم مدة حياتكم، حتى إذا انتهت مدة أحدكم وجاءت أسباب الموت ~~ومباديه توفته رسلنا الآخرون المفوض إليهم ذلك، وانتهى هناك حفظ الحفظة. # والمراد بالرسل - على ما أخرجه ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس - أعوان ~~ملك الموت. وقال الجمل فإن قلت إن هناك آية تقول # الله يتوفى الأنفس حين موتها # وثانية تقول # قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم # والتى معنا تقول { توفته رسلنا } فكيف الجمع بين هذه الآيات؟. ~~فالجواب على ذلك أن المتوفى فى الحقيقة هو الله، فإذا حضر أجل العبد أمر ~~الله ملك الموت بقبض روحه، ولملك الموت أعوان من الملائكة فيأمرهم بنزع ~~روح ذلك العبد من جسده، فإذا وصلت إلى الحلقوم تولى قبضها ملك الموت ~~نفسه، وقيل المراد من قوله { توفته رسلنا } ملك الموت وحده ~~وإنما ذكر بلفظ الجمع تعظيما له. ثم صرح - سبحانه - بأن مصير الخلق جميعا ~~إليه فقال { ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق } أى ~~ثم رد الله - تعالى - هؤلاء الذين توفتهم ms1795 الملائكة إلى مالكهم الحق الذى ~~لا يشوب ملكه باطل ليتولى حسابهم وجزاءهم على أعمالهم. فالضمير فى { ~~ردوا } يعود على الخلائق الذين توفتهم الملائكة والمدلول عليهم ~~بأحد. والسر فى الإفراد أولا الجمع ثانيا وقوع التوفى على الأفراد ~~والرد على الاجتماع. أى ردوا بعد البعث فيحكم فيهم بعدله. قال - تعالى - # قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات ~~يوم معلوم # وقيل إن الضمير فى { ردوا } يعود على الملائكة. أى ثم ردوا أولئك ~~الرسل بعد إتمام مهمتهم بإماتة جميع الناس فيموتون هم أيضا. وجملة { ~~ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين } تذييل ولذلك ~~ابتدىء بأداة الاستفتاح المؤذنة بالتنبيه إلى أهمية الخبر. أى ألا له ~~الحكم النافذ لا لغيره وهو - سبحانه - أسرع الحاسبين لأنه لا يحتاج إلى ~~ما يحتاج إليه الخلائق من تفكر واشتغال بحساب عن حساب. وبذلك تكون هذه ~~الآيات الثلاث قد أقامت أقوى البراهين وأصحها على كمال قدرة الله، ونفاذ ~~إرادته، ومحاسبته لعباده يوم القيامة على ما قدموا وأخروا. ثم ساق القرآن ~~لونا آخر من الدلائل الدالة على كمال قدرة الله وسابغ رحمته وفضله ~~وإحسانه فقال - تعالى - { قل من ينجيكم من ظلمات البر ~~والبحر }. قال صاحب الكشاف ظلمات البر والبحر مجاز عن مخاوفهما ~~وأهوالهما. يقال لليوم الشديد يوم مظلم ويوم ذو كواكب، أى اشتدت ظلمته ~~حتى عاد كالليل. وقيل حمله على الحقيقة أولى فظلمة البر هى ما اجتمع فيه ~~من ظلمة الليل ومن ظلمة السحاب فيحصل من ذلك الخوف الشديد لعدم الاهتداء ~~إلى الطريق الصواب، وظلمة البحر ما اجتمع فيه من ظلمة الليل وظلمة الرياح ~~العاصفة والأمواج الهائلة فيحصل من ذلك أيضا الخوف الشديد من الوقوع فى ~~الهلاك. # والتضرع المبالغة فى الضراعة مع الذل والخضوع. والخفية - بالضم والكسر - ~~الخفاء والاستتار. وللكرب الغم الشديد مأخوذ من كرب الأرض وهو إثارتها ~~وقلبها بالحفر. فالغم يثير النفس كما يثير الأرض كاربها. والمعنى قل يا ~~محمد لهؤلاء الغافلين من الذى ينجيكم من ظلمات البر والبحر عندما تغشاكم ~~بأهوالها المرعبة، وشدائدها المدهشة، إنكم فى هذه الحالة تلجأون إلى الله ms1796 ~~وحده تدعونه إعلانا وإسرارا بذلة وخضوع وإخلاص قائلين له لئن أنجيتنا يا ~~ربنا من هذه الشدائد والدواهى المظلمة لنكونن لك من الراسخين فى الشكر ~~المداومين عليه { قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ~~ثم أنتم تشركون } أى قل لهم يا محمد الله وحده هو الذى ينجيكم ~~من هذه المخاوف والأهوال ومن كل غم يأخذ بنفوسكم، ثم أنتم بعد هذه النجاة ~~تشركون معه غيره، مخلفين بذلك وعدكم حانثين فى أيمانكم. قال الإمام ~~الرازى " والمقصود من ذلك أنه عند اجتماع هذه الأسباب الموجبة للخوف ~~الشديد لا يرجع الإنسان إلا إلى الله، وهذا الرجوع يحصل ظاهرا وباطنا، ~~لأن الإنسان فى هذه الحالة يعظم إخلاصه فى حضرة الله، وينقطع رجاؤه عن ~~كل ما سواه، وهو المراد من قوله { تضرعا وخفية } فبين - سبحانه ~~- أنه إذا شهدت الفطرة السليمة والخلقة الأصلية فى هذه الحالة بأن لا ~~ملجأ إلى إلى الله ولا تعويل إلا على فضله، وجب أن يبقى هذا الإخلاص فى ~~كل الأحوال، لكن الإنسان ليس كذلك فإنه بعد الفوز بالسلامة والنجاة يحيل ~~تلك السلامة إلى الأسباب الجسمانية ويقدم على الشرك. ولفظ الآية يدل على ~~أنه عند حصول الشدائد يأتى الإنسان بأمور أحدها الدعاء. وثانيها التضرع. ~~وثالثها الإخلاص بالقلب هو المراد من قوله { وخفية }. ورابعها ~~التزام الاشتغال بالشكر. ونظير هذه الآية قوله - تعالى - # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه # وقوله # وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين ~~له الدين # وبالجملة فعادة أكثر الناس أنهم إذا شاهدوا الأمر الهائل أخلصوا، وإذا ~~انتقلوا إلى الأمن والرفاهية أشركوا به. ثم بين - سبحانه - قدرته على ~~تعذيبهم تهديدا لهم حتى يخشوا بأسه أثر بيان قدرته على تنجيتهم فقال - ~~تعالى - { قل هو... }. ### || [6.65-69] # المعنى قل يا محمد لهؤلاء الجاحدين، إن الله - تعالى - وحده هو القادر ~~على أن يرسل عليكم عذابا عظيما من فوقكم أى من جهة العلو كما أرسل على ~~قوم لوط وعلى أصحاب الفيل الحجارة، أو من تحت أرجلكم أى من السفل كما حدث ~~بالنسبة لفرعون وجنده ms1797 من الغرق، وبالنسبة لقارون حيث خسف به الأرض. وقيل ~~من فوقكم أى من قبل سلاطينكم وأكابركم، ومن تحت أرجلكم أى من قبل سفلتكم ~~وعبيدكم. وقيل هو حبس المطر والنبات. وتصوير العذاب بأنه آت من أعلى أو ~~من أسفل أشد وقعا فى النفس من تصويره بأنه آت من جهة اليمين أو من جهة ~~الشمال، لأن الآتى من هاتين الجهتين قد يتوهم دفعه، أما الآتى من أعلى أو ~~من أسفل فهو عذاب قاهر مزلزل لا مقاومة له ولا ثبات معه. وقوله { أو ~~يلبسكم شيعا } أى يخلطكم فرقا مختلفة الأهواء، متباينة المشارب، ~~مضطربة الشئون، كل فرقة تتبع إماما لها تقاتل معه غيرها، فيزول الأمن ~~ويعم الفساد. و { شيعا } جمع شيعة وهم الأتباع والأنصار، وكل قوم ~~اجتمعوا على أمر فهم شيعة، وقوله { ويذيق بعضكم بأس بعض } ~~معطوف على ما قبله، أى يسلط بعضكم على بعض بالعذاب والقتل، لأن من عواقب ~~ذلك اللبس التقاتل والتصارع. وفى هاتين الجملتين تصوير مؤثر للعذاب الذى ~~يذوقه الناس بحواسهم إذ يجعلهم - سبحانه - شيعا وأحزابا غير منعزل بعضها ~~عن بعض، فهى أبدا فى جدال وصراع وفى خصومة ونزاع، وفى بلاء يصبه هذا ~~الفريق على ذاك، وذلك أشنع ما تصاب به الجماعة فيأكل بعضها بعضا. ثم تختم ~~الآية بهذا التعبير الحكيم { انظر كيف نصرف الآيات ~~لعلهم يفقهون }. أى انظر وتدبر - أيها الرسول الكريم - أو ~~أيها العاقل كيف ننوع الآيات والعبر والعظات بالترغيب تارة وبالترهيب ~~أخرى لعلهم يفقهون الحق ويدركون حقيقة الأمر، فينصرفوا عن الجحود ~~والمكابرة، ويكفوا عن كفرهم وعنادهم. هذا، وقد ساق ابن كثير عقب تفسير ~~هذه الآية جملة من الأحاديث منها ما رواه الإمام مسلم عن سعد بن أبى ~~وقاص أنه أقبل مع النبى صلى الله عليه وسلم ذات يوم من العالية، حتى إذا ~~مر بمسجد بنى معاوية دخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه. ودعا ربه طويلا ثم ~~انصرف إلينا فقال سألت ربى ثلاثا فأعطانى ثنتين ومنعنى واحدة. سألت ربى ~~أن لا يهلك أمتى بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك ms1798 أمتى بالغرق ~~فأعطانيها، وسألت ربى أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها ". بعد هذا ~~التهديد الشديد للمعاندين اتجه القرآن إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فأمره أن يصارح قومه بسوء مصيرهم إذا ما استمروا فى ضلالهم فقال { ~~وكذب به قومك وهو الحق } أى وكذب جمهور قومك بهذا ~~العذاب الذى حدثناك عنه فظنوا أن الله لن يعذبهم بسبب إعراضهم عن دعوتك، ~~أو كذبوا بهذا القرآن الذى هو معجزتك الكبرى. # والتعبير عنهم بقومك تسجيل عليهم بسوء المعاملة لمن هو من أنفسهم وجمله ~~{ وهو الحق } مستأنفة لقصد تحقيق القدرة على بعث العذاب عليهم، أو ~~حال من الهاء فى به، أى كذبوا حال كونه حقا، وهو أعظم فى القبح قل لهم - ~~يا محمد - { لست عليكم بوكيل } أى لم يفوض إلى أمركم ~~فأمنعكم من التكذيب وأجبركم على التصديق، فأنا لست بقيم عليكم وإنما أنا ~~منذر وقد بلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم ولكنكم لا تحبون الناصحين. ثم ختم ~~هذا التهديد بقوله - تعالى - { لكل نبإ مستقر وسوف ~~تعلمون }. قال الراغب " النبأ خبر ذو فائدة عظيمة يحصل به علم أو ~~غلبة ظن ولا يقال للخبر نبأ حق يتضمن هذه الأشياء الثلاثة ". والمستقر ~~وقت الاستقرار. أى لكل خبر عظيم وقت استقرار وحصول لا بد منه، وسوف ~~تعلمونه فى المستقبل عند حلوله بكم متى شاء الله ذلك، قال - تعالى - # ولتعلمن نبأه بعد حين # وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ساقت ألوانا من قدرة الله، وهددت ~~المعاندين فى كل زمان ومكان بسوء المصير. ثم أمر الله - تعالى - رسوله ~~وأتباعه بأن يهجروا المجالس التى لا توقر فيه آيات الله وشرائعه، فقال - ~~تعالى - { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ~~فأعرض عنهم }. قال الراغب الخوض هو الشروع فى الماء والورود ~~فيه، ثم استعير للأخذ فى الحديث فقيل تخاوضوا فى الحديث، أى أخذوا فيه ~~على غير هدى، وأكثر ما ورد فى القرآن ورد فيما يذم الشروع فيه نحو قوله - ~~تعالى - # ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب # والمعنى وإذا رأيت أيها النبى الكريم، أو أيها المؤمن العاقل، ms1799 الذين ~~يخوضون فى آياتنا بالتكذيب والطعن والاستهزاء فأعرض عنهم. وانصرف عن ~~مجالسهم، وأرهم من نفسك الاحتقار لتصرفاتهم، ولا تعد إلى مجالسهم حتى ~~يخوضوا فى حديث آخر، لأن آياتنا المنسوبة إلينا من حقها أن تعظم وأن ~~تحترم لا أن تكون محل تهكم واستهزاء. قال ابن جريج كان المشركون يجلسون ~~إلى النبى صلى الله عليه وسلم يحبون أن يسمعوا منه، فإذا سمعوا استهزأوا ~~فنزلت هذه الآية فجعل صلى الله عليه وسلم إذا استهزأوا قام فحذروا وقالوا ~~لا تستهزئوا فيقوم. وإنما عبر عن انتقالهم إلى حديث آخر بالخوض، لأنهم لا ~~يتحدثون إلا فيما لا جدوى فيه ولا منفعة من ورائه غالبا. وقوله { ~~وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى ~~مع القوم الظالمين } أى وإما ينسينك الشيطان ما أمرت به من ~~ترك مجالسة الخائضين على سبيل الفرض والتقدير فلا تقعد بعد التذكر مع ~~القوم الظالمين لأنفسهم بتكذيب آيات ربهم والاستهزاء بها، وقد جاء الشرط ~~الأول بإذا لأن خوضهم فى الآيات محقق، وجاء الشرط الثانى بأن لأن إنساء ~~الشيطان له قد يقع وقد لا يقع. # فإن قيل النسيان فعل الله فلم أضيف إلى الشيطان؟ أجيب بأن السبب من ~~الشيطان وهو الوسوسة والإعراض عن الذكر فأضيف إليه لذلك، كما أن من ألقى ~~غيره فى النار فمات يقال إنه القاتل وإن كان الإحراق فعل الله. هذا وقد ~~أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة أحكاما من أهمها ما يأتى 1 - وجوب ~~الإعراض عن مجالسة المستهزئين بآيات الله أو برسله، وأن لا يقعد لأن فى ~~القعود إظهار عدم الكراهة، وذلك لأن التكليف عام لنا ولرسوله صلى الله ~~عليه وسلم. قال القرطبى من خاض فى آيات الله تركت مجالسته وهجرته، مؤمنا ~~كان أو كافرا، وقد منع أصحابنا الدخول إلى أرض العدو ودخول كنائسهم ~~وبيعهم، وكذلك منعوا مجالسة الكفار وأهل البدع. فقد قال بعض أهل البدع ~~لأبى عمران النخعى اسمع منى كلمة فأعرض عنه وقال ولا نصف كلمة. وروى ~~الحاكم عن عائشة - رضى الله عنها - قالت قال رسول الله صلى الله ms1800 عليه ~~وسلم # " من وقر صاحب بدعة فقد أعانه على هدم الإسلام ". # وقال صاحب المنار وسبب هذا النهى أن الإقبال على الخائضين والقعود معهم ~~أقل ما فيه أنه إقرار لهم على خوضهم وإغراء لهم بالتمادى فيه وأكبره أنه ~~رضاء به ومشاركة فيه والمشاركة فى الكفر والاستهزاء كفر ظاهر لا يقترفه ~~باختياره إلا منافق مراء أو كافر مجاهر قال - تعالى - # وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات ~~الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم ~~حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم ~~إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم ~~جميعا # 2 - جواز مجالسة الكفار مع عدم الخوض. لأنه إنما أمرنا بالإعراض فى ~~حالة الخوض، وأيضا فقد قال - تعالى - { حتى يخوضوا في حديث ~~غيره }. قال بعض العلماء " وحتى غاية الإعراض، لأنه إعراض فيه توقيف ~~دعوتهم زمانا أوجبته رعاية المصلحة، فإذا زال موجب ذلك عادت محاولة ~~هدايتهم وإرشادهم إلى أصلها لأنها تمحضت للمصلحة ". 3 - استدل بهذه الآية ~~على أن الناسى غير مكلف، وأنه إذا ذكر عاد إليه التكليف فيعفى عما ارتكبه ~~حال نسيانه ففى الحديث الشريف # " إن الله رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " # رواه الطبرانى عن ثوبان مرفوعا وإسناده صحيح. 4 - قال القرطبى قال بعضهم ~~إن الخطاب فى الآية للنبى صلى الله عليه وسلم والمقصود أمته، ذهبوا إلى ~~ذلك لتبرئته صلى الله عليه وسلم من النسيان. # وقال آخرون إن الخطاب له صلى الله عليه وسلم والنسيان جائز عليه فقد قال ~~صلى الله عليه وسلم مخبرا عن نفسه # " إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكرونى " # فأضاف النسيان إليه. واختلفوا بعد جواز النسيان عليه هل يكون فيما طريقه ~~البلاغ من الأفعال وأحكام الشرع أولا؟ فذهب إلى الأول - فيما ذكره القاضى ~~عياض - عامة العلماء والأئمة كما هو ظاهر القرآن والأحاديث، لكن اشترط ~~الأئمة أن الله - تعالى - ينبهه على ذلك ولا يقره عليه. ومنعت طائفة من ~~العلماء السهو عليه فى الأفعال البلاغية والعبادات الشرعية كما منعوه ~~اتفاقا فى الأقوال ms1801 البلاغية. وقال الآلوسى " وأنا أرى أن محل الخلاف ~~النسيان الذى لا يكون منشؤه اشتغال السر بالوساوس والخطرات الشيطانية فإن ~~ذلك مما لا يرتاب مؤمن فى استحالته على رسول الله صلى الله عليه وسلم ". ~~ثم بين - سبحانه - أنه لا تبعة على المؤمنين ما داموا قد أعرضوا عن مجلس ~~الخائضين فقال - تعالى - { وما على الذين يتقون من ~~حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون }. أى ~~وما على الذين يتقون الله شىء من حساب الخائضين على ما ارتكبوا من جرائم ~~وآثام ما داموا قد أعرضوا عنهم، ولكن عليهم أن يعرضوا عنهم ويذكروهم ~~ويمنعوهم عما هم فيه من القبائح بما أمكن من العظة والتذكير لعل أولئك ~~الخائضين يجتنبون ذلك، ويتقون الله فى أقوالهم وأفعالهم. وعليه يكون ~~الضمير فى قوله { لعلهم يتقون } يعود على الخائضين. وقيل يجوز ~~أن يكون الضمير فى قوله { لعلهم يتقون } للذين اتقوا أى عليهم ~~أى يذكروا أولئك الخائضين، لأن هذا التذكير يجعل المتقين يزدادون إيمانا ~~على إيمانهم، ويثبتون على تقواهم. روى البغوى عن ابن عباس قال لما نزلت { ~~وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض ~~عنهم }..إلخ قال المسلمون كيف نقعد فى المسجد الحرام ونطوف بالبيت ~~وهم يخوضون أبدا؟ فأنزل الله - تعالى - { وما على الذين ~~يتقون من حسابهم من شيء } يعنى إذا قمتم عنهم فما عليكم ~~تبعة ما يقولون، وما عليكم نصيب من إثم ذلك الخوض. قال الجمل قوله ولكن ~~ذكرى فيه أربعة أوجه أحدها أنها منصوبة على المصدر بفعل مضمر وقدره بعضهم ~~أمرا، أى ولكن ذكروهم ذكرى، وبعضهم قدره خبرا. أى ولكن يذكرونهم ذكرى. ~~والثانى أنه مبتدأ خبره محذوف أى ولكن عليكم ذكرى، أى تذكيرهم. والثالث ~~أنه خبر لمبتدأ محذوف أى هو ذكرى أى النهى عن مجالستهم والامتناع منها ~~ذكرى. والرابع أنه عطف على موضع شىء المجرور بمن أى ما على المتقين من ~~حسابهم شىء ولكن عليهم ذكرى فيكون من عطف المفردات وأما على الأوجه ~~السابقة فهو من عطف الجمل. ثم أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه ~~وسلم بأن ms1802 ينطلق فى تبليغ دعوته دون أن يشغل نفسه بسفاهة السفهاء، وأن ~~يذكر المعاندين بسوء مصيرهم فقال - تعالى - { وذر الذين ~~اتخذوا... }. ### || [6.70-73] # المعنى واترك يا محمد هؤلاء الغافلين الذين اتخذوا دينهم الذى كلفوه ~~ودعوا إليه وهو دين الإسلام لعبا ولهوا حيث سخروا من تعاليمه واستهزأوا ~~بها، وغرتهم الحياة الدنيا حيث اطمأنوا إليها، واشتغلوا بذاتها وزعموا ~~أنه لا حياة بعدها. ولم يقل - سبحانه - اتخذوا اللعب واللهو دينا لأنهم ~~لم يجعلوا كل ما هو من اللعب واللهو دينا لهم، وإنما هم عمدوا إلى أن ~~ينتحلوا دينا فجمعوا له أشياء من اللعب واللهو وسموها دينا. قال ~~الإمام الرازى ما ملخصه ومعنى { ذرهم } أعرض عنهم ولا تبال بتكذيبهم ~~واستهزائهم ولا تقم لهم فى نظرك وزنا، وليس المراد أن يترك إنذارهم لأنه ~~قال له بعده { وذكر به } وإنما المراد ترك معاشرتهم وملاطفتهم لا ~~ترك إنذارهم وتخويفهم... ومعنى اتخاذ دينهم لعبا ولهوا، أنهم اتخذوا ما ~~هو لعب ولهو من عبادة الأصنام وغيرها دينا لهم، أو أن الكفار كانوا ~~يحكمون فى دين الله بمجرد التشهى والتمنى مثل تحريم السوائب والبحائر، ~~ولم يكونوا يحتاطون فى أمر الدين، بل كانوا يكتفون فيه بمجرد التقليد ~~فعبر الله عنهم لذلك بأنهم اتخذوا دينهم لعبا ولهوا. وأنهم اتخذوا عيدهم ~~لعبا ولهوا قال ابن عباس " جعل الله لكم قوم عيدا يعظمونه ويصلون فيه ~~ويعمرونه بذكر الله، ثم إن المشركين وأهل الكتاب اتخذوا عيدهم لعبا ولهوا ~~أما المسلمين فإنهم اتخذوا عيدهم كما شرعه الله... ". والضمير فى قوله { ~~وذكر به } يعود إلى القرآن وقد جاء مصرحا به فى قوله - تعالى - # فذكر بالقرآن من يخاف وعيد # وقوله { أن تبسل نفس بما كسبت } أى وذكر بهذا القرآن أو ~~بهذا الدين الناس مخافة أن تسلم نفس إلى الهلاك، أو تحبس أو ترتهن أو ~~تفتضح، أو تحرم الثواب بسبب كفرها واغترارها بالحياة الدنيا، واتخاذها ~~الدين لعبا ولهوا. ولفظ تبسل مأخوذ من البسل بمعنى المنع بالقهر أو ~~التحريم أو الحبس ومنه أسد باسل لمنعه فريسته من الإفلات. وشراب بسيل أى ~~متروك ms1803 وهذا الشىء بسيل عليك أى محرم عليك. ثم بين - سبحانه - أن هذه ~~النفس المعرضة للحرمان ليس لها ما يدفع عنها السوء فقال { ليس لها ~~من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل ~~لا يؤخذ منهآ } أى ليس لهذه النفس من غير الله ناصر ينصرها ولا ~~شفيع يدفع عنها، ومهما قدمت من فداء فلن يقبل منها، فالمراد بالعدل هنا ~~الفداء فهو كقوله - تعالى - # إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل ~~من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به # قال الإمام الرازى " والمقصود من هذه الآية بيان أن وجوه الخلاص على ~~تلك النفس منسدة فلا ولى يتولى دفع ذلك المحذور عنها، ولا شفيع يشفع ~~فيها، ولا فدية تقبل منها ليحصل الخلاص بسبب قبولها، حتى لو جعلت الدنيا ~~بأسرها فدية من عذاب الله لم تنفع. # فإذا كانت وجوه الخلاص هى الثلاثة فى الدنيا وثبت أنها لا تفيد فى ~~الآخرة البتة وظهر أنه ليس هناك إلا الإبسال الذى هو الارتهان والاستسلام ~~فليس لها البتة دافع من عذاب الله، وإذا تصور المرء كيفية العقاب على هذا ~~الوجه يكاد يرعد إذا أقدم على معاصى الله ". ثم بين - سبحانه - عاقبة ~~أولئك الغافلين فقال { أولئك الذين أبسلوا بما ~~كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما ~~كانوا يكفرون }. أى أولئك الذين أسلموا للهلاك بسبب ما اكتسبوه ~~فى الدنيا من أعمال قبيحة لهم شراب من حميم أى من ماء قد بلغ النهاية فى ~~الحرارة يتجرجر فى بطونهم وتتقطع به أمعاؤهم، ولهم فوق ذلك عذاب مؤلم ~~بنار تشتعل بأبدانهم بسبب كفرهم، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون. ثم ساق القرآن صورة منفرة للشرك والمشركين تدعو المؤمنين إلى أن ~~يزدادوا إيمانا على إيمانهم فقال - تعالى - { قل أندعوا من ~~دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا }. قال ابن كثير قال ~~السدى قال المشركون للمؤمنين اتبعوا سبيلنا واتركوا دين محمد صلى الله ~~عليه وسلم فأنزل الله - عز وجل - { قل أندعوا من دون الله ~~ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد ms1804 على أعقابنا }. ~~والمعنى قل يا محمد أو أيها العاقل لهؤلاء المشركين الذين يحاولون رد ~~المسلمين عن الإسلام، قل لهم أنعبد من دون الله ما لا يقدر على نفعنا إن ~~دعوناه ولا على ضرنا إن تركناه { ونرد على أعقابنا } أى ~~نرجع إلى الشرك الذى كنا فيه، بعد أن هدانا الله إلى الإسلام وأنقذنا من ~~الكفر والضلال. يقال لمن رد عن حاجته ولم يظفر بها قد رد على عقبيه. ~~والاستفهام فى الآية الكريمة للإنكار والنفى، وجىء بنون المتكلم ومعه ~~غيره، لأن الكلام مع الرسول صلى الله عليه وسلم عن نفسه وعن المسلمين ~~كلهم. والمراد بما لا ينفع ولا يضر تلك الأصنام فإنها مشاهد عدم نفعها ~~وعجزها عن الضر، ولو كانت تستطيع الضر لأضرت بالمسلمين لأنهم خلعوا ~~عبادتها، وسفهوا أتباعها، وأعلنوا حقارتها. وجملة { ونرد على ~~أعقابنا } معطوفة على { أندعوا } و " على " داخلة فى حيز ~~الإنكار والنفى. والتعبير عن الشرك بالرد على الأعقاب لزيادة تقبيحه ~~بتصويره ما هو علم فى القبح مع ما فيه من الإشارة إلى أن الشرك حالة قد ~~تركت ونبذت وراء الظهر، ومن المستحيل أن يرجع إليها من ذاق حلاوة ~~الإيمان. وحرف { على } فى قوله { ونرد على أعقابنا } ~~للاستعلاء، أى رجع على طريق هى جهة عقبه أى مؤخر قدمه كما يقال رجع وراءه ~~ثم استعمل هذا التعبير فى التمثيل للتلبس بحالة ذميمة كان قد فارقها ~~صاحبها ثم عاد إليها وتلبس بها. # وفى الحديث الشريف # " اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم ". # ثم ساق القرآن صورة مؤثرة دقيقة للضلالة والحيرة التى تناسب من يشرك بعد ~~التوحيد فقال { كالذي استهوته الشياطين في الأرض ~~حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا }. { ~~استهوته الشياطين } أى استغوته وزينت هواه ودعته إليه، والعرب ~~تقول استهوته الشياطين، لمن اختطف الجن عقله فسيرته كما تريد دون أن يعرف ~~له وجهة فى الأرض. والمعنى قل يا محمد لهؤلاء المشركين أتريدون منا أن ~~نعود إلى الكفر بعد أن نجانا الله منه فيكون مثلنا كمثل الذى ذهبت به ~~مردة الشياطين فألقته ms1805 فى صحراء مقفرة وتركته تائها ضالا عن الطريق القويم ~~ولا يدرى ماذا يصنع وله أصحاب يدعونه إلى الطريق المستقيم قائلين له ~~ائتنا لكى تنجو من الهلاك ولكنه لحيرته وضلاله لا يجيبهم ولا يأتيهم. قال ~~الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية " إن مثل من يكفر بالله بعد ~~إيمانه كمثل رجل خرج مع قوم على الطريق فضل الطريق فحيرته الشياطين ~~واستهوته فى الأرض وأصحابه على الطريق فجعلوا يدعونه إليهم ويقولون ائتنا ~~فإنا على الطريق فأبى أن يأتيهم، فذلك مثل من يتبعهم بعد المعرفة بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم. ومحمد صلى الله عليه وسلم هو الذى يدعو إلى الطريق، ~~والطريق هو الإسلام ". ثم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرد على ~~الكفار بما يخرس ألسنتهم فقال { قل إن هدى الله هو الهدى ~~وأمرنا لنسلم لرب العالمين } أى قل يا محمد لهؤلاء ~~المشركين إن هدى الله الذى أرسلت به رسله هو الهدى وحده وما وراءه ضلال ~~وخذلان، وأمرنا لنسلم وجوهنا لله رب العالمين. قال صاحب الكشاف فإن قلت ~~فما محل الكاف فى قوله { كالذي استهوته } قلت النصب على الحال ~~من الضمير فى { نرد على أعقابنا } أى أننكص مشبهين من ~~استهوته الشياطين؟ فإن قلت ما معنى { استهوته }؟ قلت هو استفعال من ~~هوى فى الأرض أى ذهب فيها، كأن معناه طلبت هويه وحرصت عليه، فإن قلت فما ~~محل أمرنا؟ قلت النصب عطفا على محل قوله { إن هدى الله هو ~~الهدى } على أنهما مقولان كأنه قيل قل هذا القول وقل أمرنا لنسلم. ~~وقوله { وأن أقيموا الصلاة واتقوه } معطوف على محل { ~~لنسلم } كأنه قيل أمرنا لنسلم وأمرنا أيضا بإقامة الصلاة والاتقاء. ~~وفى تخصيص الصلاة بالذكر من بين أنواع الشرائع وعطفها على الأمر ~~بالإسلام، وقرنها بالأمر بالتقوى دليل على تفخيم أمرها وعظمة شأنها. ~~وقوله { وهو الذي إليه تحشرون } جملة مستأنفة موجبة ~~لامتثال ما أمر من الأمور الثلاثة، أى هو الذى تعودون إليه يوم القيامة ~~للحساب لا إلى غيره. # وقوله { وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق } ~~معطوف على ms1806 قوله { وهو الذي إليه تحشرون }. قال الآلوسى " ~~ولعله أريد بخلقهما خلق ما فيهما - أيضا - وعدم التصريح بذلك لظهور ~~اشتمالها على جميع العلويات والسفليات. وقوله { بالحق } متعلق ~~بمحذوف وقع حالا من فاعل { خلق } أى قائما بالحق، وجوز أن يكون صفة ~~لمصدر الفعل المؤكد أى خلقا متلبسا بالحق ". والحق فى الأصل مصدر حق إذا ~~ثبت، ثم صار اسما للأمر الثابت الذى لا ينكر، وهو ضد الباطل. وقوله { ~~ويوم يقول كن فيكون قوله الحق } أى وقضاؤه المعروف ~~بالحقيقة كائن، حين يقول - سبحانه - لشىء من الأشياء " كن فيكون " ذلك ~~الشىء ويحدث. و { ويوم } خبر مقدم، و { قوله } مبتدأ مؤخر، و { ~~الحق } صفته. والجملة الكريمة بيان لقدرته - تعالى - على حشر ~~المخلوقات بكون مراده لا يتخلف عن أمره، وإن قوله هو النافذ وأمره هو ~~الواقع قال - تعالى - # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # وفى قوله { قوله الحق } صيغة قصر للمبالغة أى هو الحق الكامل، ~~لأن أقوال غيره وإن كان فيها كثير من الحق فهى معرضة للخطأ وما كان فيها ~~غير معرض للخطأ فهو من وحى الله أو من نعمته بالعقل والإصابة للحق. ~~وقوله { وله الملك يوم ينفخ في الصور } أى أن الملك لله ~~تعالى وحده فى ذلك اليوم فلا ملك لأحد سواه. قال أبو السعود " وتقييد ~~اختصاص الملك له - تعالى - بذلك اليوم مع عموم الاختصاص لجميع الأوقات ~~لغاية ظهور ذلك بانقطاع العلائق المجازية الكائنة فى الدنيا المصححة ~~للمالكية المجازية فى الجملة، فهو كقوله - تعالى - # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # وقوله # الملك يومئذ الحق للرحمن # المراد " بالصور " القرن الذى ينفخ فيه الملك نفخة الصعق والموت، ونفخة ~~البعث والنشور والله أعلم بحقيقته. وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن ~~عمرو قال إن أعرابيا سأل النبى صلى الله عليه وسلم عن الصور فقال # " قرن ينفخ فيه " # رواه أبو داود والترمذى والحاكم عنه أيضا. وقيل المراد بالصور هنا جمع ~~صورة والمراد بها الأبدان أى يوم ينفخ فى صور الموجودات فتعود إلى ~~الحياة. ثم ختمت الآية ms1807 بما يدل على سعة علم الله - تعالى - وعظم إتقانه ~~فى صنعه فقال - تعالى - { عالم الغيب والشهادة وهو ~~الحكيم الخبير }. الغيب ما غاب عن الناس فلم يدركوه، الشهادة ضد ~~الغيب وهى الأمور التى يشاهدها الناس ويتوصلون إلى علمها. وصفة { ~~الحكيم } تجمع إتقان الصنع فدل على عظم القدرة مع تعلق العلم ~~بالمصنوعات. وصفة { الخبير } تجمع العلم بالمعلومات ظاهرها وخفيها. ~~أى فهو - سبحانه - وحده العالم بأحوال جميع الموجودات ما غاب منها وما هو ~~مشاهد، وهو ذو الحكمة فى جميع أفعاله والعالم بالأمور الجلية والخفية. ~~وبعد أن ساق القرآن ألوانا من الأدلة على وحدانية الله وسعة علمه وقدرته ~~أخذ فى التدليل على بطلان الشرك وإثبات التوحيد عن طريق القصة، فحكى لنا ~~جابنا مما قاله إبراهيم لأبيه وقومه فقال - تعالى - { وإذ قال ~~إبراهيم.... }. ### || [6.74-79] # المعنى واذكر يا محمد وذكر قومك ليعتبروا ويتعظوا وقت أن قال إبراهيم ~~لأبيه آزر منكرا عليه عبادة الأصنام { أتتخذ أصناما آلهة } ~~تعبدها من دون الله الذى خلقك فسواك فعدلك { إني أراك وقومك ~~} الذين يتبعونك فى عبادتها فى ضلال مبين، أى فى انحراف ظاهر بين عن ~~الطريق المستقيم. قال الآلوسى وآزر بزنة آدم علم أعجمى لأبى إبراهيم - ~~عليه السلام - وكان من قرية من سواد الكوفة، وهو بدل من إبراهيم أو عطف ~~بيان عليه، وقيل إنه لقب لأبى إبراهيم واسمه الحقيقى تارخ وأن آزر لقبه، ~~وقيل هو اسم جده ومنهم من قال اسم عمه، والعم والجد يسميان أبا مجازا. ~~والاستفهام فى قوله { أتتخذ أصناما آلهة } للإنكار. ~~والتعبير بقوله { أتتخذ } الذى هو افتعال من الأخذ، فيه إشارة بأن ~~عبادته هو وقومه لها شىء مصطنع، والأصنام ليست أهلا للألوهية، وفى ذلك ما ~~فيه من التعريض بسخافة عقولهم، وسوء تفكيرهم. والرؤية يجوز أن تكون بصرية ~~قصد منها فى كلام إبراهيم أن ضلال أبيه وقومه صار كالشىء المشاهد لوضوحه، ~~وعليه فقوله { في ضلال مبين } فى موضع المفعول. ويجوز أن تكون ~~الرؤية علمية وعليه فقوله { في ضلال مبين } فى موضع المفعول ~~الثانى. ووصف الضلال بأنه مبين يدل على ms1808 شدة فساد عقولهم حيث لم يتفطنوا ~~لضلالهم مع أنه كالمشاهد المرئى. قال الشيخ القاسمى قال بعض مفسرى ~~الزيدية ثمرة الآية الدلالة على وجوب النصحية فى الدين لا سيما للأقارب، ~~فإن من كان أقرب فهو أهم، ولهذا قال - تعالى - # وأنذر عشيرتك الأقربين # وقال - تعالى - # قوا أنفسكم وأهليكم نارا # وقال صلى الله عليه وسلم # " أبدأ بنفسك ثم بمن تعول " # ولهذا بدأ النبى صلى الله عليه وسلم بعلى وخديجة وزيد وكانوا معه فى ~~الدار فآمنوا وسبقوا، ثم بسائر قريش، ثم بالعرب، ثم بالموالى، وبدأ ~~إبراهيم بأبيه ثم بقومه، وتدل هذه الآية - أيضا - على أن النصيحة فى ~~الدين، والذم والتوبيخ لأجله ليس من العقوق، وقد ثبت فى الصحيح عن أبى ~~هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال # " يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة " وعلى وجه آزر قترة وغبره " فيقول ~~له إبراهيم ألم أقل لك لا تعصنى؟ فيقول أبوه فاليوم لا أعصيك. فيقول ~~إبراهيم يا رب إنك وعدتنى أن لا تخزنى يوم يبعثون، فأى خزى أخزى من أبى ~~الأبعد؟ فيقول الله - تعالى - " إنى حرمت الجنة على الكافرين ". # ثم قال الشيخ القاسمى والآية حجة على الشيعة فى زعمهم أنه لم يكن أحد من ~~آباء الأنبياء كافرا، وأن آزر عم إبراهيم لا أبوه، وذلك لأن الأصل فى ~~الإطلاق الحقيقة ومصله لا يجزم به من غير نقل ". # ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر نعمه على خليله إبراهيم فقال - تعالى - { ~~وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ~~وليكون من الموقنين }. أى وكما أرينا إبراهيم الحق فى خلاف ~~ما عليه أبوه وقومه من الشرك، نريه - أيضا - مظاهر ربوبيتنا، ومالكيتنا ~~للسماوات والأرض، ونطلعه على حقائقها. ليزداد إيمانا على إيمانه وليكون ~~من العالمين علما كاملا لا يقبل الشك بأنه على الحق وأن مخالفيه على ~~الباطل. والرؤية هنا المقصود بها الانكشاف والمعرفة. فتشمل المبصرات ~~والمعقولات التى يستدل بها على الحق. وإنما قال { نري إبراهيم } ~~بصيغة المضارع، مع أن الظاهر أن يقول " أريناه " لاستحضار صورة الحال ~~الماضية التى كانت تتجدد وتتكرر بتجدد رؤية آياته - تعالى ms1809 - فى ذلك ~~الملكوت العظيم. والملكوت مصدر كالرغبوت والرحموت والجبروت، وزيدت فيه ~~الواو والتاء للمبالغة فى الصفة، والمراد به الملك العظيم وهو مخص بملكه ~~- تعالى - كما قال الراغب فى مفرداته. ثم بين - سبحانه - ثمار تلك ~~الإرادة التى أكرم بها نبيه إبراهيم فقال { فلما جن عليه ~~الليل رأى كوكبا قال هذا ربي }. { جن عليه ~~الليل } أى ستره بظلامه وتغشاه بظلمته، وأصل الجن الستر عن الحاسة. ~~يقال جنه الليل وجن عليه يجن جنا وجنونا، ومنه الجن والجنة - بالكسر - ~~والجنة - بالفتح - وهى البستان الذى يستر بأشجاره الأرض. والمعنى فلما ~~ستر الليل بظلامه إبراهيم رأى كوكبا قال هذا ربى، قال ذلك على سبيل الفرض ~~وإرخاء العنان، مجاراة مع عباد الأصنام والكواكب ليكر عليه بالإبطال، ~~ويثبت أن الرب لا يجوز عليه التغيير والانتقال. قال صاحب الكشاف " كان ~~أبوه وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب فأراد أن ينبههم على ~~الخطأ فى دينهم، وأن يرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال. ويعرفهم أن النظر ~~الصحيح مؤد إلى أن شيئا منها لا يصح أن يكون إلها. لقيام دليل الحدوث ~~فيها، وأن وراءها محدثا أحداثها، وصانعا صنعها، ومدبرا دبر طلوعها ~~وأفولها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها. وقول إبراهيم { هذا ربي ~~} قول من ينصف خصمة مع علمه بأنه مبطل، فيحكى قوله كما روى غير متعصب ~~لمذهبه، لأن ذلك أدعى إلى الحق وأنجى من الشغب، ثم يكر عليه بعد حكايته ~~فيبطله بالحجة ". وجملة { قال هذا ربي } مستأنفة استئنافا ~~بيانيا جوابا لسؤال ينشأ عن مضمون جملة { رأى كوكبا } وهو أن يسأل ~~سائل فماذا كان منه عندما رآه، فيكون قوله { قال هذا ربي } ~~جوابا لذلك. وقوله { فلمآ أفل } أى غاب وغرب يقال أفل الشيء يأفل ~~أفلا وأفولا أى غاب. وقوله { قال لا أحب الآفلين } أى لا أحب ~~عبادة الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان ومن حال إلى حال، لأن الأفول ~~غياب وابتعاد، وشأن الإله الحق أن يكون دائم المراقبة لتدبير أمر ~~عباده. # وجاء بالآفلين بصيغة جمع المذكر المختص بالعقلاء بناء على اعتقاد قومه ~~أن الكواكب عاقلة متصرفة ms1810 فى الأكوان. ثم بين - سبحانه - حالة ثانية من ~~الحالات التى برهن بها إبراهيم على وحدانية الله فقال - تعالى - { ~~فلمآ رأى القمر بازغا قال هذا ربي } أى فلما رأى ~~إبراهيم القمر مبتدئا فى الطلوع، منتشرا ضوؤه من وراء الأفق قال هذا ربى. ~~وبازغا مأخوذ من البزوع وهو الطلوع والظهور. يقال بزغ الناب بزوغا إذا ~~طلع. { فلمآ أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن ~~من القوم الضالين }. أى فلما أفل القمر كما أفل الكوكب من ~~قبله قال مسمعا من حوله من قومه لئن لم يهدنى ربى إلى جناب الحق وإلى ~~الطريق القويم الذى يرتضيه لأكونن من القوم الضالين عن الصراط المستقيم، ~~لأن هذا القمر الذى يعتوره الأفول - أيضا - لا يصلح أن يكون إلها. وفى ~~قول إبراهيم لقومه هذا القول تنبيه لهم لمعرفة الرب الحق وأنه واحد وأن ~~الكواكب والقمر كليهما لا يستحقان الألوهية. وفى هذا تهيئة لنفوس قومه ~~لما عزم عليه من التصريح بأن له ربا غير الكواكب. ثم عرض بقومه بأنهم ~~ضالون، لأن قوله { لأكونن من القوم الضالين } يدخل على ~~نفوسهم الشك فى معتقدهم أنه لون من الضلال. وإنما استدل على بطلان كون ~~القمر إلها بعد أفوله، ولم يستدل على بطلان ذلك بمجرد ظهوره مع أن أفوله ~~محقق، لأنه أراد أن يقيم استدلاله على المشاهدة لأنها أقوى وأقطع لحجة ~~الخصم. ثم حكى القرآن الحالة الثالثة والأخيرة التى استدل بها إبراهيم ~~على بطلان الشرك فقال - تعالى - { فلما رأى الشمس بازغة ~~قال هذا ربي هذآ أكبر } أى فلما رأى إبراهيم الشمس ~~مبتدئة فى الطلوع وقد عم نورها الآفاق، قال مشيرا إليها { هذا ربي ~~هذآ أكبر } أى أكبر الكواكب جرما وأعظمها قوة، فهو أولى ~~بالألوهية إن كان المدار فيها على التفاضل والخصوصية. فقوله { هذآ ~~أكبر } تأكيد لما رامه من إظهار النصفة للقوم، ومبالغة فى تلك ~~المجاراة الظاهرة لهم، وتمهيد قوى لإقامة الحجة البالغة عليهم، واستدراج ~~لهم إلى ما يريد أن يلقيه على مسامعهم بعد ذلك. قال صاحب الكشاف فإن قلت ~~ما وجه التذكير فى ms1811 قوله { هذا ربي } والإشارة للشمس؟ قلت جعل ~~المبتدأ مثل الخبر لكونهما عبارة عن شىء واحد، كقولهم ما جاءت حاجتك ومن ~~كانت أمك، وكان اختيار هذه الطريقة واجبا لصيانة الرب عن شبهة التأنيث ~~ألا تراهم قالوا فى صفة الله علام ولم يقولوا علامة وإن كان العلامة أبلغ ~~احترازا من علامة التأنيث. وقوله { فلمآ أفلت } قال { قال ~~يقوم إني بريء مما تشركون } أى فلما غابت الشمس ~~واحتجب ضوؤها، جاهر إبراهيم قومه بالنتيجة التى يريد الوصول إليها فقال ~~يا قوم إنى برىء من عبادة الأجرام المتغيرة التى يغشاها الأفول، وبرىء من ~~إشراككم مع الله آلهة أخرى. # قال الآلوسى وإنما احتج - عليه السلام - بالأفول دون البزوغ مع أنه ~~انتقال، لأن الأفول متعدد الدلالة أيضا إذ هو انتقال مع احتجاب ولا كذلك ~~البزوغ، ولأن دلالة الأفول على المقصود ظاهرة يعرفها كل أحد، فإن الآفل ~~يزول سلطانه وقت الأفول. هذا والمتأمل فى هذه الحالات الثالث يرى أن ~~إبراهيم - عليه السلام - قد سلك مع قومه أحكم الطرق فى الاستدلال على ~~وحدانية الله، فقد ترقى معهم وهو يأخذ بيدهم إلى النتيجة التى يريدها ~~بأسلوب يقنع العقول السليمة، ورحم الله صاحب الانتصاف فقد بين ذلك بقوله ~~" والتعريض بضلالهم ثانيا أى فى قوله { لئن لم يهدني ربي ~~لأكونن من القوم الضالين } أصرح وأقوى من قوله أولا { ~~لا أحب الآفلين } وإنما ترقى إلى ذلك، لأن الخصوم قد أقام عليهم ~~بالاستدلال الأول حجة، فأنسوا بالقدح فى معتقدهم، ولو قيل هذا فى الأول ~~فلعلهم كانوا ينفرون ولا يصغون إلى الاستدلال، فما عرض - صلوات الله عليه ~~- بأنهم فى ضلالة إلا بعد أن وثق بإصغائهم إلى تمام المقصود واستماعهم ~~إلى آخره. والدليل على ذلك أنه ترقى فى النوبة الثالثة إلى التصريح ~~بالبراءة منهم والتقريع بأنهم على شرك حين تم قيام الحجة، وتبلج الحق، ~~وبلغ من الظهور غاية المقصود. ثم ختم إبراهيم هذا الترقى فى الاستدلال ~~على وحدانية الله بقوله - كما حكى القرآن عنه - { إني وجهت ~~وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا } أى إنى ~~صرفت وجهى ms1812 وقلبى فى المحبة والعبادة لله الذى أوجد وأنشأ السماوات والأرض ~~على غير مثال سابق. ومعنى { حنيفا } مائلا عن الأديان الباطلة ~~والعقائد الزائفة كلها إلى الدين الحق، وهو - أى حنيفا - حال من ضمير ~~المتكلم فى { وجهت }. وقوله { ومآ أنا من المشركين } ~~أى وما أنا من الذين يشركون مع الله آلهة أخرى لا فى أقوالهم ولا فى ~~أفعالهم. وقد أفادت هذه الجملة التأكيد لجملة { إني وجهت ~~وجهي }... إلخ. وبذلك يكون إبراهيم - عليه السلام - قد أقام الأدلة ~~الحكيمة والبراهين الساطعة على وحدانية الله - تعالى - وسفه المعبودات ~~الباطلة وعابديها. ثم بين - سبحانه - بعض ما دار بين إبراهيم وبين قومه ~~من مجادلات ومخاصمات فقال { وحآجه قومه... }. ### || [6.80-82] # المحاجة المجادلة والمغالبة فى إقامة الحجة، والحجة الدلالة المبينة ~~للمحجة أى المقصد المستقيم - كما قال الراغب - وتطلق الحجة على كل ما ~~يدلى به أحد الخصمين فى إثبات دعواه أو رد دعوى خصمه. فمعنى { وحآجه ~~قومه } أى جادلوه وخاصموه أو شرعوا فى مغالبته فى أمر التوحيد تارة ~~بإيراد أدلة فاسدة واقعة فى حضيض التقليد، وأخرى بالتهديد والتخويف، فقد ~~حكى القرآن أنهم قالوا له عندما نهاهم عن عبادة الأصنام # وجدنآ آبآءنا كذلك يفعلون # وقد رد عليهم إبراهيم ردا قويا جريئا فقال لهم { أتحاجوني ~~في الله وقد هدان } أى أتجادلوننى فى شأنه - تعالى - وفى أدلة ~~وحدانيته، والحال أنه - سبحانه - قد هدانى إلى الدين الحق وإلى إقامة ~~الدليل عليكم بأنه هو المستحق للعبادة. والاستفهام للانكار والتوبيخ ~~وتيئيسهم من رجوعه إلى معتقداتهم. وجملة { وقد هدان } حال مؤكدة ~~للانكار أى لا جدوى من محاجتكم إياى بعد أن هدانى الله إلى الطريق ~~المستقيم، وجعلنى من المبغضين للأصنام المحتقرين لها. ثم صارحهم بأنه لا ~~يخشى أصنامهم ولا يقيم لها وزنا فقال { ولا أخاف ما تشركون ~~به } أى لا أخاف معبوداتكم لأنها جمادات لا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا ~~تسمع، ولا تقرب ولا تشفع. ويبدو أن قومه كانوا قد خوفوه بطش أصنمهم ~~وقالوا له كما قالت قبيلة عاد لنبيها هود # إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا ms1813 بسوء # فرد عليهم إبراهيم هذا الرد القوى الصريح. وقوله { إلا أن يشآء ~~ربي شيئا } استثناء مما قبله أى لا أخاف معبوداتكم فى جميع الأوقات ~~إلا وقت مشيئة ربى شيئا من المكروه يصيبنى من جهتها بأن يسقط على صنم ~~يشجنى، فإن ذلك يقع بقدرة ربى ومشيئته لا بقدرة أصنامكم أو مشيئتها، وعلى ~~هذا التفسير الذى ذهب إليه صاحب الكشاف يكون الاستثناء متصلا. ويرى ابن ~~عطية وغيره أن الاستثناء منقطع على معنى لا أخاف معبوداتكم ولكن أخاف أن ~~يشاء ربى خوفى مما أشركتم به. وهذه الجملة الكريمة تدل على سمو أدب ~~إبراهيم - عليه السلام - مع ربه، وعلى نهاية استسلامه لمشيئته، فمع أنه ~~مؤمن بخالقه كل الإيمان وكافر بتلك الآلهة كل الكفران، إلا أنه ترك ~~الأمر كله لمشيئة الله، وعلق مستقبله على ما يريد الله فيه. وقوله { ~~وسع ربي كل شيء علما } أى أن علم ربى وسع كل شىء وأحاط ~~به، فلا يبعد أن يكون فى علمه إنزال ما يخفينى من جهة تلك المعبودات ~~الباطلة لسبب من الأسباب. وهذه الجملة الكريمة مستأنفة بيانيا فكأن قومه ~~قد قالوا كيف يشاء ربك شيئا تخافه فكان جوابه عليهم { وسع ربي ~~كل شيء علما } فأنا وإن كنت عبده وناصره إلا أنه أعلم بإلحاق ~~الضر أو النفع بمن يشاء من عباده. # و { علما } منصوب على التمييز المحول عن الفاعل، إذ الأصل فى هذا ~~التعبير " أن يقال وسع علم ربى كل شىء، ولكن عدل به عن هذا النسق، وأسند ~~الفعل فيه إلى الله لا إلى علمه، وجعل لفظ العلم تمييزا لا فاعلا ليكون ~~الوسع والإحاطة والشمول لله، فيخلع التعبير ظلا أشمل وأفخم وأعمق وقعا ~~فى النفس. وقوله { أفلا تتذكرون } أى تعرضون أيها الغافلون عن ~~التأمل والتذكير بعد أن أوضحت لكم بما لا يقبل مجالا للشك أن الله وحده ~~هو المستحق للعبادة وأن هذه المعبودات التى سواه لا تملك لنفسها نفعا ولا ~~ضرا. فالاستفهام للإنكار والتوبيخ لعدم تذكرهم مع وضوح الدلائل. وفى ~~إيراد التذكر دون التفكر ونحوه إشارة إلى أن ms1814 أمر آلهتهم مركوز فى العقول ~~ولا يتوقف إلى على التذكير. ثم حكى القرآن عن إبراهيم - عليه السلام - ~~أنه بعد أن صارح قومه بأنه لا يخشى آلهتهم، أخذ فى التهكم بهم والتعجب من ~~شأنهم لأنهم يخوفونه مما لا يخيف فقال { وكيف أخاف مآ ~~أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ~~ينزل به عليكم سلطانا }. أى كيف ساغ لكم أن تظنوا أنى ~~أخاف معبوداتكم الباطلة وهى مأمونة الخوف لأنها لا تضر ولا تنفع، وأنتم ~~لا تخافون إشراككم بالله خالقكم دون أن يكون معكم على هذا الإشراك حجة ~~أو برهان من العقل أو النقل. فالاستفهام للإنكار التعجبى من إنكارهم ~~عليه الأمن فى موضع الأمن، وعدم إنكارهم على أنفسهم الأمن فى موضع أعظم ~~المخوفات وأهوالها وهو إشراكهم بالله. قال بعض العلماء وجملة { وكيف ~~أخاف }.. إلخ. معطوفة على جملة { ولا أخاف ما تشركون به ~~} ليبين لهم أن عدم خوفه من آلهتهم أقل عجبا من عدم خوفهم من الله، وهذا ~~يؤذن بأن قومه كانوا يعرفون الله وأنهم أشركوا معه فى الإلهية غيره ~~فلذلك احتج عليهم بأنهم أشركوا بربهم المعترف به دون أن ينزل عليهم ~~سلطانا بذلك. وقال الآلوسى وقوله { وكيف أخاف مآ أشركتم } ~~استئناف - كما قال شيخ الإسلام - مسوق لنفى الخوف عنه - عليه السلام - ~~بحسب زعم الكفر بالريق الإلزامى بعد نفيه عنه بحسب الواقع ونفس الأمر، ~~وفى توجيه الإنكار إلى كيفية الخوف من المبالغة ما ليس فى توجيهه إلى ~~نفسه بأن يقال أأخاف لما أن كل موجود لا يخلو عن كيفية، فإذا انتفت جميع ~~كيفياته فقد انتفى من جميع الجهات بالطريق البرهانى ". وما فى قوله { مآ ~~أشركتم } موصولة والعائد محذوف أى ما أشرككم به، ثم ركب - عليه ~~السلام - على هذا الإنكار التعجبى ما هو نتيجة له فقال { فأي ~~الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون }. # أى فأى الفريقين فريق الموحدين أم فريق المشركين أحق وأولى بالأمن من ~~لحوق الضرر به، إن كنتم تعلمون ذلك فأخبرونى به وأظهروه بالدلائل والحجج. ~~فجواب الشرط محذوف تقديره أخبرونى بذلك. وهذا ms1815 لون من إلجائهم إلى ~~الاعتراف بالحق إن كانوا ممن يعقل أو يسمع، وحث لهم على الإجابة. قال ~~صاحب المنار " ونكتة عدوله عن قوله " فأينا أحق بالأمن " إلى قوله { ~~فأي الفريقين } هى بيان أن هذه المقابلة عامة لكل موحد ومشرك ~~من حيث إن أحد الفريقين موحد والآخر مشرك، لا خاصة به وبهم، فهى متضمنة ~~لعلة الأمن. وقيل إن نكتته الاحتراز عن تزكية النفس، واسم التفضيل على ~~غير بابه، فالمراد أينا حقيق بالأمن، ولكنه عبر باسم التفضيل ناطقا فى ~~استنزالهم عن منتهى الباطل وهو ادعاؤهم أنهم هم الحقيقون بالأمن وأنه ~~الحقيق بالخوف إلى الوسط النظرى بين الأمرين وهو أى الفريقين أحق، ~~واحترازا عن تنفيرهم من الإصغاء إلى قوله كله ". ثم بين - سبحانه - من ~~هو الفريق الأحق بالأمن فقال - تعالى - { الذين آمنوا ولم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم ~~مهتدون } أى الذين آمنوا ولم يخلطوا إيمانهم بأى لون من ألوان ~~الشرك كما يفعله فريق المشركين حيث إنهم عبدوا الأصنام وزعموا أنهم ما ~~عبدوها إلا ليتقربوا بها إلى الله زلفى، أولئك المؤمنون الصادقون لهم ~~الأمن دون غيرهم لأنهم مهتدون إلى الحق وغيرهم فى ضلال مبين. هذا وقد ~~وردت أحاديث صحيحة فسرت الظلم فى هذه الآية بالشرك، ومن ذلك ما رواه ~~البخارى ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال لما نزلت { الذين آمنوا ~~ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } قال الصحابة وأينا لم يظلم ~~نفسه؟ فنزلت # إن الشرك لظلم عظيم # وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود قال لما نزلت هذه الآية { الذين ~~آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } شق ذلك على الناس ~~فقالوا يا رسول الله # " فأينا لا يظلم نفسه؟ قال " إنه ليس الذى تعنون. ألم تسمعوا ما قال ~~العبد الصالح إن الشرك لظلم عظيم، إنما هو الشرك ". # قال الإمام الرازى والدليل على أن هذا هو المراد أن هذه القصة من أولها ~~إلى آخرها إنما وردت فى نفى الشركاء والأضداد والأنداد، وليس فيها ذكر ~~الطاعات والعبادات فوجب حمل الظلم ها هنا على ذلك. وقد فسر الزمخشرى فى ms1816 ~~كشافه الظلم بالمعصية فقال { الذين آمنوا ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم } أى لم يخلطوا إيمانهم بمعصية تفسقهم، وأبى تفسير ~~الظلم بالكفر لفظ اللبس. أى لأن لبس الإيمان بالشرك أى خلطه به مما لا ~~يتصور لأنهما ضدان لا يجتمعان فى رأى الزمخشرى. قال الشيخ القاسمى وفهم ~~الزمخشرى هذا مدفوع بأنه يلابسه، لأنه إن أريد بالإيمان مطلق التصديق ~~سواء كان باللسان أو غيره فظاهر أنه يجامع الشرك كالمنافق. # وكذا إن أريد تصديق القلب لجواز أن يصدق بوجود الصانع دون وحدانيته لما ~~فى قوله - تعالى - # وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون # ولو أريد التصديق بجميع ما يجب التصديق به بحيث يخرج عن الكفر، فلا يلزم ~~من لبس الإيمان بالكفر الجمع بينهما، بحيث يصدق عليه أنه مؤمن ومشرك، بل ~~تغطيته بالكفر وجعله مغلوبا مضمحلا، أو اتصافه بالإيمان ثم الكفر، ثم ~~الإيمان ثم الكفر مرارا. وقال صاحب الانتصاف " وإنما يروم الزمخشرى بذلك ~~تنزيل الآية على معتقدة فى وجوب وعيد العصاة وأنهم لاحظ لهم فى الأمن ~~كالكفار. ويجعل هذه الآية تقتضى تخصيص الأمن بالجامعين بين الأمرين ~~الإيمان والبراءة من المعاصى. ونحن نسلم ذلك ولا يلزم أن يكون الخوف ~~اللاحق للعصاة هو الخوف اللاحق للكفار، لأن العصاة من المؤمنين إنما ~~يخافون العذاب المؤقت وهم آمنون من الخلود، وأما الكفار فغير آمنين بوجه ~~ما ". والذى نراه أنه ما دام قد ورد عن الصادق المصدوق صلى الله عليه ~~وسلم فى الحديث الصحيح أنه قد فسر الظلم فى الآية بالشرك فيجب أن نسلم به ~~وأن نعض عليه بالنواجذ، واجتهاد الزمخشرى هنا - لتأييد مذهبه - مجانب ~~للصواب، لأنه لا اجتهاد مع النص. لا سيما وأن حديث عبد الله بن مسعود ~~المتقدم قد خرجه الشيخان وغيرهما من أعلام السنة. ثم بين - سبحانه - ~~مظاهر فضله على نبيه إبراهيم - فقال - تعالى { وتلك حجتنآ... }. ### || [6.83-90] # قال الإمام الرازى إعلم أنه - تعالى - لما حكى عن إبراهيم - عليه ~~السلام - أنه أظهر حجة الله فى التوحيد ونصرها، وذب عنها، عدد وجوه نعمه ~~وإحسانه عليه. فأولها قوله { وتلك حجتنآ آتيناهآ ms1817 ~~إبراهيم } والمراد إنا نحن آتيناه تلك الحجة وهديناه إليها، وأوقفنا ~~عقله على حقيقتها. وثانيها أنه - تعالى - خصه بالرفعة والاتصال إلى ~~الدرجات العالية وهى قوله { نرفع درجات من نشآء }. وثالثها ~~أنه جعله عزيزا فى الدنيا وذلك لأنه - تعالى - جعل أشرف الناس وهم ~~الأنبياء والرسل من نسله وذريته وأبقى هذه الكرامة فى نسله إلى يوم ~~القيامة، لأن من أعظم أنواع السرور علم المرء بأنه يكون من عقبه الأنبياء ~~والملوك. والإشارة فى قوله - تعالى - { وتلك حجتنآ } إلى جميع ~~ما تكلم به إبراهيم فى مجادلة قومه فى شأن وحدانية الله وبطلان الشرك. ~~وأضاف - سبحانه - الحجة إليه مع ذكر اللفظ الدال على العظمة وهو " نا " ~~تنويها بشأنها وتفخيما لأمرها، والمراد بالحجة جنسها لا فرد من أفرادها. ~~أى وتلك الحجة التى لا يمكن نقضها أو مغالبتها فى إثبات الحق وتزييف ~~الباطل أعطيناها إبراهيم ليكون مستعليا بها على قومه، قاطعا لألسنتهم ~~عن المجادلة والمخاصمة. وجملة { آتيناهآ } فى محل نصب على الحال ~~والعامل فيها معنى الإشارة. وقوله { على قومه } متعلق " بحجتنا " ~~إن جعل خبرا لتلك، وبمحذوف إن جعل بدله. أى آتيناها حجة ودليلا على قومه ~~الكثيرين لتكون الغلبة عليهم. وقوله { نرفع درجات من نشآء ~~} أى نرفع من شئنا من عبادنا درجات عالية من العلم والحكمة. والدرجات فى ~~الأصل تطلق على مراقى السلم. والمراد بها هنا المراتب المعنوية فى الخير ~~على سبيل التمثيل، فقد شبهت حالة المفضل على غيره بحال المرتقى فى سلم ~~إذا ارتفع من درجة إلى درجة. والجملة مستأنفة على سبيل التقرير لما ~~قبلها، وقيل هى حال من فاعل { آتينا } أى حال كوننا رافعين. ومفعول ~~المشيئة محذوف. أى من نشاء رفعه على حسب ما تقتضيه حكمتنا. وقد دل قوله { ~~من نشآء } على أن هذا التكريم لا يكون لكل أحد لأنه لو كان حاصلا ~~لكل الناس لم يحصل الرفع ولا التفضيل. وقوله - تعالى - { إن ربك ~~حكيم عليم } تذييل مقرر لمضمون ما قبله، أى إن ربك الذى خلقك فسواك ~~فعدلك { حكيم } فى كل ما يفعل من رفع هذا وخفض ms1818 ذاك، { عليم } كل ~~العلم بحال خلقه وسياسة عباده. قال الإمام الرازى " واعلم أن هذه الآية ~~من أدل الدلائل على أن كمال السعادة فى الصفات الروحانية لا فى الصفات ~~الجسمانية، والدليل على ذلك أن الله - تعالى - قال { وتلك حجتنآ ~~آتيناهآ إبراهيم على قومه } ثم قال بعده { نرفع ~~درجات من نشآء } وذلك يدل على أن الموجب لحصول هذه الرفعة هو ~~إيتاء تلك الحجة وهذا يقتضى أن وقوف النفس على حقيقة تلك الحجة واطلاعها ~~على إشراقها اقتضى ارتفاع الروح من حضيض العالم الجسمانى إلى أعالى ~~العالم الروحانى، وذلك يدل على أنه لا رفعة ولا سعادة إلا فى الروحانيات ~~". # وقوله { ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا } أى ~~ووهبنا لإبراهيم فضلا منا وكرما وعوضا عن قومه لما اعتزلهم إسحاق وهو ~~ولده من زوجه سارة، ويعقوب هو ابن إسحاق لتقر عينه ببقاء عقبه إذ فى رؤية ~~أبناء الأبناء سرور للنفس، وراحة للفؤاد. وقوله { كلا هدينا } أى ~~كلا من إسحاق ويعقوب هديناه الهداية الكبرى بلحقوهما بدرجة أبيهما فى ~~النبوة. ولفظ { كلا } مفعول لما بعده وقدم لإفادة اختصاص كل منهما ~~بالهداية على سبيل الاستقلال والتنويه بشأنهما. وقوله { ونوحا ~~هدينا من قبل } أى وهدينا نوحا من قبل إبراهيم إلى مثل ما هدينا ~~إليه إبراهيم وذريته من النبوة والحكمة. وهذا لون آخر من تشريف إبراهيم ~~حيث أنه من نسل نوح الى وصفه الله بالهداية، ولا شك أن شرف الآباء يسرى ~~على الأبناء. وقال ابن كثير، " وكل منهما له خصوصية عظيمة. أما نوح فإن ~~الله لما أغرق أهل الأرض إلا من آمن به وهم الذين صحبوه فى السفينة، جعل ~~الله ذريته هم الباقين، فالناس كلهم من ذريته، وأما الخليل إبراهيم فلم ~~يبعث الله بعده نبيا إلا من ذريته كما قال - تعالى - # ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ~~ذريتهما النبوة والكتاب # ثم قال - تعالى - { ومن ذريته داوود وسليمان ~~وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي ~~المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل ~~من الصالحين * وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا ~~وكلا فضلنا على العالمين }. الضمير فى ms1819 قوله - تعالى - { ~~ومن ذريته } يرى ابن جرير وغيره أنه يعود إلى نوح لأنه أقرب ~~مذكور. ويرى جمهور المفسرين أنه يعود على إبراهيم لأن الكلام فى شأنه وفى ~~شأن النعم التى منحها الله إياه. وقد ذكر الله فى هذه الآيات أربعة عشر ~~نبيا وهم 1 - داود بن يسى من سبط يهوذا من بنى إسرائيل وكانت ولادته فى ~~بيت لحم سنة 1085 ق.م تقريبا وهو الذى قتل جالوت كما جاء فى القرآن ~~الكريم # وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة ~~وعلمه مما يشآء # وكانت وفاته سنة 1000 ق م تقريبا. 2 - سليمان بن داود - عليهما السلام - ~~ولد بأورشليم حوالى سنة 1043 ق.م. وتوفى سنة 975 ق.م. وقد جاء ذكر داود ~~وسليمان فى كثير من آيات القرآن الكريم، ومن ذلك قوله - تعالى - # ولقد آتينا داوود وسليمان علما وقالا الحمد ~~لله الذي فضلنا على كثير من عباده ~~المؤمنين # 3 - أيوب، قال ابن جرير هو ابن موصى بن روم بن عيص بن إسحاق، وروى ~~الطبرانى أن مدة عمره كانت ثلاثا وتسعين سنة. 4 - يوسف وهو ابن يعقوب بن ~~إسحاق بن إبراهيم - عليه السلام - وكانت ولادته قبل ميلاد عيسى - عليه ~~السلام - بألفى سنة تقريبا. 5 - موسى وهو ابن عمران بن يصهر بن ماهيث بن ~~لاوى بن يعقوب وكانت ولادته حوالى القرن الرابع عشر ق.م. 6 - هارون وهو ~~أخو موسى لأمه وقيل لأبيه وأمه، وقيل مات قبيل موسى بزمن يسير. 7 - زكريا ~~وهو ابن أزن بن بركيا ويتصل نسبه بسليمان - عليه السلام - وكان قريب ~~العهد بعيسى حيث تولى كفالة أمه مريم كما جاء فى القرآن الكريم # وكفلها زكريا # 8 - يحيى وهو ابن زكريا. 9 - عيسى وهو ابن مريم. قال ابن كثير. وفى ذكر ~~عيسى فى ذرية إبراهيم أو نوح دلالة على دخول ولد البنات فى ذرية الرجل، ~~لأن انتساب عيسى ليس إلا من جهة أم مريم. 10 - الياس وهو ابن فنحاص بن ~~العيزار بن هارون أخى موسى وهو المعروف فى كتب الإسرائيليين باسم " ~~إيليا " وقد أرسله الله ms1820 إلى بنى إسرائيل حين عبدوا الأوثان قال - تعالى - # وإن إلياس لمن المرسلين * إذ قال لقومه ألا ~~تتقون * أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين # ويقال إنه كان موجودا فى زمن الملك " آخاب " ملك بنى إسرائيل فى حوالى ~~سنة 918 ق م. 11 - إسماعيل وهو الابن الأكبر لإبراهيم - عليهما السلام - ~~وجد محمد صلى الله عليه وسلم. 12 - اليسع وهو ابن شافاط وكانت وفاته ~~حوالى سنة 840 ق م ودفن بالسامرة. 13 - يونس وهو ابن متى أرسله الله إلى ~~أهل نينوى من بلاد أشور فى حوالى القرن الثامن ق م. 14 - لوط وهو ابن ~~هاران بن تارح فهو ابن أخى إبراهيم وكانت رسالته إلى أهل سدوم من شرق ~~الأردن. وقوله { وكلا فضلنا على العالمين } أى وكل واحد ~~من هؤلاء الأنبياء المذكورين لا بعضهم دون بعض فضلناه بالنبوة على ~~العالمين من أهل عصره. قال الجمل اعلم أن الله - تعالى - ذكر هنا ثمانية ~~عشر نبيا من غير ترتيب لا بحسب الزمان ولا بحسب الفضل لأن الواو لا ~~تقتضى الترتيب، ولكن هنا لطيفة فى هذا الترتيب وهى أن الله - تعالى - خص ~~كل طائفة من الأنبياء بنوع من الكرامة والفضل. فذكر أولا نوحا وإبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب لأنهم أصول الأنبياء وإليهم يرجع حسبهم جميعا. # ثم من المراتب المعتبرة بعد النبوة الملك والقدرة والسلطان وقد أعطى ~~الله من ذلك داود وسليمان حظا وافرا. ومن المراتب الصبر عند نزول ~~البلاء والمحن والشدائد وقد خص الله بهذه أيوب. ثم عطف على هاتين ~~المرتبتين من جمع بينهما وهو يوسف فإنه صبر على البلاء والشدة إلى أن ~~آتاه الله ملك مصر مع النبوة، ثم من المراتب المعتبرة فى تفضيل الأنبياء ~~كثرة المعجزات وقوة البراهين وقد خص الله موسى وهارون من ذلك بالحظ ~~الوافر، ومن المراتب المعتبرة الزهد فى الدنيا وقد خص الله بذلك زكريا ~~ويحيى وعيسى وإلياس، ثم ذكر الله بعد هؤلاء الأنبياء من لم يبق له أتباع ~~ولا شريعة وهم إسماعيل واليسع ويونس ولوط فإذا اعتبرنا هذه اللطيفة كان ~~هذا الترتيب حسنا والله ms1821 أعلم بمراده وأسرار كتابه ". ومن المعروف أن ~~الأنبياء الذين يجب الإيمان بهم على التفصيل خمسة وعشرون نبيا. وهم ~~هؤلاء الثمانى عشرة الذين ذكروا فى هذه الآيات، يضاف إليهم سبعة نظمهم ~~الناظم فى قوله # حتم على كل ذى التكليف معرفة بأنبياء على التفصيل قد علموا فى تلك ~~حجتنا منهم ثمانية من بعد عشر ويبقى سبعة وهم إدريس، هود، شعيب، صالح ~~وكذا ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا # ثم ذكر - سبحانه - فضائل من يتصل بهؤلاء الأنبياء الكرام فقال { ومن ~~آبائهم وذرياتهم وإخوانهم } أى ومن آباء هؤلاء ~~الأنبياء وذرياتهم وإخوانهم من هديناه إلى الطريق المستقيم فمن هنا ~~للتبعيض. والجملة معطوفة على { كلا } أى كلا من هؤلاء الأنبياء فضلنا، ~~وفضلنا بعض آبائهم وأبنائهم وإخوانهم وهديناه. وجملة { ~~واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم } ~~معطوفة على { فضلنا } أى فضلنا هؤلاء الأنبياء واخترناهم وهديناهم ~~إلى الطريق الواضح. قال الراغب " والاجتباء الجمع على طريق الاصطفاء قال ~~- تعالى - # فاجتباه ربه # واجتباء العبد تخصيصه إياه بفيض إلهى يتحصل له منه أنواع من النعم بلا ~~سعى من العبد وذلك للأنبياء وبعض من يقاربهم من الصديقين والشهداء ". ~~وقوله { ذلك هدى الله يهدي به من يشآء من عباده } ~~أى ذلك الهدى إلى صراط مستقيم الذى اهتدى إليه أولئك الأخيار هو هدى الله ~~الذى يهدى به من يشاء هدايته من عباده وهم المستعدون لذلك. وفى قوله { ~~من يشآء من عباده } من الإبهام ما يبعث النفوس على طلب هدى ~~الله - تعالى - والتعرض لنفحاته. وقوله { ولو أشركوا لحبط ~~عنهم ما كانوا يعملون } أى، ولو فرض أن أشرك بالله أولئك ~~المهديون المختارون لبطل وسقط عنهم ثواب ما كانوا يعملونه من أعمال صالحة ~~فكيف بغيرهم. قال ابن كثير فى هذه الآية تشديد لأمر الشرك وتغليظ لشأنه، ~~وتعظيم لملابسته، كقوله - تعالى - # ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن ~~أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين # والشرط لا يقتضى جواز الوقوع، فهو كقوله، # قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين # وكقوله # لو أردنآ أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنآ ~~إن ms1822 كنا فاعلين # وقوله { أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم ~~والنبوة } اسم الإشارة فيه يعود إلى المذكورين من الأنبياء ~~الثمانية عشرة والمعطوفين عليهم باعتبار اتصافهم بما ذكر من الهداية ~~وغيرها من النعوت الجليلة. وقصر بعضهم عودته على الأنبياء فحسب وإليه ذهب ~~ابن جرير والرازى أى أولئك المصطفون الأخيار هم الذين آتيناهم الكتاب أى ~~جنسه المتحقق فى ضمن أى فرد كان من أفراد الكتب السماوية. والمراد ~~بإيتائه التفهيم التام لما اشتمل عليه من حقائق وأحكام، وذلك أعم من أن ~~يكون بالإنزال ابتداء أو بالإيراث بقاء، فإن المذكورين لم ينزل على كل ~~واحد منهم كتاب معين. والحكم أى الحكمة وهى علم الكتاب ومعرفة ما فيه من ~~الأحكام. أو الإصابة فى القول والعمل. أو القضاء بين الناس بالحق. و { ~~والنبوة } أى الرسالة. وقوله { فإن يكفر بها هؤلاء ~~فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين } أى فإن ~~يكفر بهذه الثلاث التى اجتمعت فيك يا محمد هؤلاء المشركون من أهل مكة، ~~فلن يضرك كفرهم لأنا قد وفقنا للإيمان بها قوما كراما ليسوا بها بكافرين ~~فى وقت من الأوقات وإنما هم مستمرون على الإيمان بك والتصديق برسالتك ~~وفى ذلك ما فيه من التسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن إعراض بعض ~~قومه عن دعوته. والمراد بالقوم الذين وكلوا بالقيام بحق هذه الرسالة ~~ووفقوا للإيمان بها أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم من المهاجرين ~~والأنصار مطلقا، لأنهم هم الذين دافعوا عن دعوة الإسلام وبذلوا فى سبيل ~~إعلانها نفوسهم وأموالهم، ويدخل معهم كل من سار على نهجهم فى كل زمان ~~ومكان. وقيل المراد بهم أهل المدينة من الأنصار. وقيل المراد بهم ~~الأنبياء المذكورون وأتباعهم، وقيل غير ذلك. والذى نراه أن الرأى الأول ~~أرجح لأن أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم هم المقابلون لكفار قريش الذين ~~كفروا بها. وفى التكنية عن توفيقهم للإيمان بها بالتوكيل الذى أصله ~~الحفظ للشىء ومراعاته، وإيذان بفخامة وعلو قدرها. قال الإمام الرازى " ~~دلت هذه الآية على أن الله - تعالى - سينصر نبيه، ويقوى دينه، ويجعله ~~مستعليا ms1823 على كل من عاداه، قاهرا لكل من نازعه، وقد وقع هذا الذى أخبر ~~الله عنه فى هذا الموضع، فكان جاريا مجرى الإخبار عن الغيب فيكون معجزا ~~". ثم قال - تعالى - { أولئك الذين هدى الله ~~فبهداهم اقتده } أى أولئك الأنبياء الذين ذكرناهم لك - يا محمد ~~- هم الذين هديناهم إلى الحق وإلى الطريق المستقيم فبهداهم، أى فبطريقتهم ~~فى الإيمان بالله وفى تمسكهم بمكارم الأخلاق كن مقتديا ومتأسيا. # والمقصود إنما هو التأسى بهم فى أصول الدين، أما الفروع القابلة للنسخ ~~فإنهم يختلفون فيها ويجوز عدم الاقتداء بهم بالنسبة لها قال - تعالى - # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا # وتكرير اسم الإشارة لتأكيد تمييز المشار إليه، ولما يقتضيه للتكرير من ~~الاهتمام بالخبر. وفى قوله { فبهداهم اقتده } تعريض بالمشركين ~~إذ أن النبى صلى الله عليه وسلم ما جاء إلا على سنة الرسل كلهم وأنه ما ~~كان بدعا منهم، أما هم فقد اختلقوا لأنفسهم عبادات ما أنزل الله بها من ~~سلطان. ثم ختم الله - تعالى - هذا السياق بقوله { قل لا أسألكم ~~عليه أجرا } أى قل أيها الرسول الكريم لمن بعثت إليهم لا أطلب ~~منكم على ما أدعوكم إليه من خير وما أبلغكم إياه من قرآن أجرا قليلا أو ~~كثيرا. { إن هو إلا ذكرى للعالمين } أى ما هذا القرآن ~~إلا تذكيرا وموعظة للناس أجمعين فى كل زمان ومكان. قال بعضهم وفى الآية ~~دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثا إلى الجن والإنس وأن دعوته ~~قد عمت جميع الخلائق. وبعد أن بين - سبحانه - ما دار بين إبراهيم وقومه ~~من مجالات تتعلق بإثبات وحدانية الله، وإبطال الشرك، وحكى جانبا من النعم ~~التى أنعم بها على خليله وعلى كل من سار على نهجه، وأخبر بأن هذا القرآن ~~ما هو إلا تذكير للعالمين وأن المذكر به - لا يريد منهم أجرا على تبليغه، ~~بعد كل ذلك أخذ القرآن فى الرد على منكرى نزول الكتب السماوية وفى بيان ~~عاقبتهم الوخيمة بسبب هذا الجحود فقال - تعالى - { وما قدروا ~~الله... }. ### || [6.91-94] # قوله { وما قدروا الله حق ms1824 قدره إذ قالوا مآ ~~أنزل الله على بشر من شيء } كلمة { قدروا } مأخوذة ~~من القدر - بفتح فسكون -، وأصل القدر معرفة مقدار الشىء بالسبر والحزر، ~~يقال قدر الشىء يقدره إذا سبره وحزره ليعرف مقداره، ثم استعمل فى معرفة ~~الشىء على أتم الوجوه حتى صار حقيقة فيه. والمعنى ما عظموا الله حق ~~تعظيمه، وما عرفوه حق معرفته فى اللطف بعباده وفى الرحمة بهم، بل أخلوا ~~بحقوقه إخلالا عظيما، وضلوا ضلالا كبيرا، إذ أنكروا بعثة الرسل وإنزال ~~الكتب، وقالوا تلك المقالة الشنعاء ما أنزل الله على بشر شيئا من ~~الأشياء، قاصدين بهذا القول الطعن فى نبوة النبى صلى الله عليه وسلم وفى ~~أن القرآن من عند الله. ولفظ { حق } منصوب على المصدرية، وهو فى الأصل ~~صفة للمصدر، أى قدره الحق فلما أضيف إلى موصوفه انتصب على ما كان ينتصب ~~عليه. ثم أمرالله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يلزمهم بما يخرس ~~ألسنتهم، وأن يرد على سلبهم العام بإثبات قضية جزئية بديهية التسليم فقال ~~- تعالى - { قل من أنزل الكتاب الذي جآء به موسى ~~نورا وهدى للناس } أى قل يا محمد لهؤلاء الزاعمين بأن الله ما ~~أنزل على بشر شيئا من الأشياء قل لهم من الذى أنزل التوراة وهو الكتاب ~~الذى جاء به موسى { نورا وهدى للناس } أى ضياء من ظلمة الجهالة ~~وهداية تعصم من الأباطيل والضلالة. وكلمة { نورا } حال من الضمير فى به ~~أو من الكتاب. ثم بين - سبحانه - ما فعله الجاحدون بكتبه من تحريف وتغيير ~~فقال { تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا }. ~~القراطيس جمع قرطاس وهو ما يكتب فيه من ورق ونحوه. أى تجعلون هذا الكتاب ~~الذى أنزله الله نورا وهداية للناس أوراقا مكتوبة مفرقة لتتمكنوا من ~~إظهار ما تريدون إظهاره منها، ومن إخفاء الكثير منها على حسب ما تمليه ~~عليكم نفوسكم السقيمة وشهواتكم الأثيمة. فالمراد من هذه الجملة الكريمة ~~ذم المحرفين لكتب الله، وتوبيخهم على هذا الفعل الشنيع، الذى قصدوا من ~~ورائه الطعن فى نبوة النبى صلى الله عليه وسلم والتوصل إلى ms1825 ما يبغونه من ~~مطامع وأهواء. وقوله { وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ~~ولا آباؤكم } أى وعلمتم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ما لم ~~تعلموا أنتم ولا آباؤكم من المعارف التى لا يرتاب عاقل فى أنها تنزيل ~~ربانى. وقوله { قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ~~}. أى قل أيها الرسول لهؤلاء الجاحدين الله - تعالى - هو الذى أنزل ~~الكتاب على موسى، ثم بعد هذا القول الفصل ذرهم فى باطلهم الذى يخوضون فيه ~~يلعبون، وفى غيهم يعمهون حتى يأتيهم من الله اليقين. # وفى أمره صلى الله عليه وسلم بأن يجيب عنهم، إشعار بأن الجواب متعين لا ~~يمكن غيره، وتنبيهه على أنهم بهتوا بحيث إنهم لا يقدرون على الجواب. وكان ~~العطف بثم فى قوله { ثم ذرهم } للدلالة على الترتيب الرتبى أى ~~أنهم لا تنجع فيهم الحجج والأدلة فتركهم وخوضهم بعد التبليغ هو الأولى، ~~وإنما كان الاحتجاج عليهم لتبكيتهم وقطع معاذيرهم. هذا، وللمفسرين لهذه ~~الآية قولان الأول أنها مكية النزول تبعا للسورة، وأن الذين قالوا { مآ ~~أنزل الله على بشر من شيء } مشركو مكة، وإنما ألزمهم ~~الله بإنزال التوراة لأنهم كانوا يعرفون ذلك ولا ينكرون أن الله قد ~~أنزلها على موسى. قال ابن جرير وأولى الأقوال بالصواب فى تأويل ذلك قول ~~من قال عنى بذلك { وما قدروا الله حق قدره } مشركو قريش. ~~وذلك أن ذلك فى سياق الخبر عنهم. فأن يكون ذلك أيضا خبرا عنهم أشبه من ~~أن يكون خبرا عن اليهود ولما يجر لهم ذكر.. وليس ذلك مما تدين به اليهود، ~~بل المعروف من دين اليهود الإقرار بصحف إبراهيم وموسى.... وقد تابع ابن ~~كثير رأى ابن جرير وقال وهذا الرأى هو الأصح، لأن اليهود لا ينكرون إنزال ~~الكتب من السماء، وأما كفار قريش فكانوا ينكرون رسالة النبى صلى الله ~~عليه وسلم لأنه من البشر كما قال - تعالى - # أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم ~~أن أنذر الناس # وكذا قالوا هنا { مآ أنزل الله على بشر من شيء }. ~~الثانى أن هذه الآية مدنية ms1826 النزول، وكون سورة الأنعام مكية لا يمنع من ~~وجود بعض آيات منها مدنية كما نص عليه كثير من العلماء. ومما يؤيد كون ~~هذه الآية مدنية ما ورد من آثار فى أسباب نزولها، ومن هذه الآثار ما ~~أخرجه ابن جرير من طريق ابن أبى طلحة عن ابن عباس قال قالت اليهود والله ~~ما أنزل الله من المساء كتابا فنزل قوله - تعالى - { وما قدروا ~~الله حق قدره }... الخ وأخرج ابن أبى حاتم عن سعيد بن جبير - ~~مرسلا - قال جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف فخاصم النبى صلى ~~الله عليه وسلم قال له النبى # " أنشدك بالذى أنزل التوراة على موسى هل تجد فى التوراة أن الله يبغض ~~الحبر السمين " # - وكان حبرا سمينا - فغضب وقال هل أنزل الله على بشر من شىء فقال له ~~أصحابه ويحك ولا على موسى فأنزل الله { وما قدروا الله حق ~~قدره } الآية. والذى نراه أن الآية الكريمة تصلح للرد على الفريقين ~~فريق المشركين وفريق اليهود إلا أن سياقها يجعلنا نرجح أن الخطاب فيها ~~موجه بالأصالة إلى اليهود وإلى غيرهم بالتبع، لأنهم هم الذين جعلوا ~~التوراة قراطيس أى أوراقا مفرقة ليظهروا منها ما يناسب أهواءهم وليخفوا ~~منها ما فيه شهادة بصدق النبى صلى الله عليه وسلم ولأن هناك آثارا متعددة ~~تثبت أنها نزلت فى شأنهم. # وتوجيه الخطاب إلى اليهود لا يتنافى مع كونها مكية، لأنه ليس بلازم أن ~~يكون كل قرآن مكى خطابا لغير اليهود. وبعد أن أبطل - سبحانه - بالدليل ~~قول من قال { مآ أنزل الله على بشر من شيء } أتبعه ~~ببيان أن هذا القرآن من عند الله وأنه مصدق للكتب السماوية السابقة ~~ومهيمن عليها فقال - تعالى - { وهذا كتاب أنزلناه مبارك ~~مصدق الذي بين يديه }. والمعنى وهذا القرآن كتاب أنزلناه ~~على قلبك يا محمد وهذا الكتاب من صفاته أنه مبارك أى كثير الفوائد ~~لاشتماله على منافع الدين والدنيا. والمبارك اسم مفعول من باركه وبارك ~~فيه، إذا جعل له البركة، ومعناها كثرة الخير ونماؤه. وقدم هنا وصفه ~~بالإنزال ms1827 على وصفه بالبركة بخلاف قوله # وهذا ذكر مبارك أنزلناه # لأن الأهم هنا وصفه بالإنزال، إذ جاء عقيب إنكارهم أن ينزل الله على ~~بشر من شىء بخلافه هناك. ووقعت الصفة الأولى جملة فعلية لأن الإنزال ~~يتجدد وقتا فوقتا، والثانية اسمية لأن الاسم يدل على الثبوت والاستقرار ~~وهو مقصود هنا أى أن بركته ثابتة مستقرة. قال الإمام الرازى العلوم إما ~~نظرية وإما عملية، أما العلوم النظرية فأشرفها وأكملها معرفة ذات الله ~~وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه، ولا ترى فى هذه العلوم أكمل ولا أشرف ~~مما تجده فى هذا الكتاب، وأما العلوم العملية فالمطلوب إما أعمال ~~الجوارح، وإما أعمال القلب، وهو المسمى بطهارة الأخلاق وتزكية النفس، ولا ~~تجد هذين العلمين مثل ما تجده فى هذا الكتاب، ثم قد جرت سنة الله بأن ~~الباحث فيه والمتمسك به يحصل له عز الدنيا وسعادة الآخرة. وقوله { ~~مصدق الذي بين يديه } أى أن هذا القرآن موافق ومؤيد ~~للكتب التى قبله فى إثبات التوحيد ونفى الشرك، وفى سائر أصول الشرائع ~~التى لا تنسخ. وقوله { ولتنذر أم القرى ومن حولها } ~~أى ولتنذر بهذا الكتاب أم القرى أى مكة، ومن حولها من أطراف الأرض شرقا ~~وغربا لعموم بعثته صلى الله عليه وسلم قال - تعالى - # وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ # وقال - تعالى - # قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا # وسميت مكة بأم القرى لأنها مكان أول بيت وضع للناس، ولأنها قبلة أهل ~~القرى كلها ومحجهم، ولأنها أعظم القرى شأنا وغيرها كالتبع لها كما يتبع ~~الفرع الأصل، وفى ذكرها بهذا الاسم المنبىء عما ذكر إشعار بأن إنذار ~~أهلها مستتبع لإنذار أهل الأرض كافة. ووجه الاقتصار على مكة ومن حوهلا ~~فى هذه الآية أنهم الذين جرى الكلام والجدال معهم فى قوله - تعالى - قبل ~~ذلك # وكذب به قومك وهو الحق # قال الآلوسى " ويمكن أن يقال خصهم بالذكر لأنهم الأحق بإنذاره صلى الله ~~عليه وسلم فهو كقوله - تعالى - # وأنذر عشيرتك الأقربين # ولذا أنزل كتاب كل رسول بلسان قومه ". وقال صاحب المنار وزعم ms1828 بعض اليهود ~~المتقدمين وغيرهم أن المراد بمن حولها بلاد العرب فخصه بمن قرب منها ~~عرفا، واستدلوا به على أن بعثة النبى صلى الله عليه وسلم خاصة بقومه ~~العرب. والاستدلال باطل وإن سلم التخصيص المذكور، فإن إرساله إلى قومه لا ~~ينافى إرساله إلى غيرهم، وقد ثبت عموم بعثته صلى الله عليه وسلم من آيات ~~أخرى كقوله - تعالى - # ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس بشيرا ونذيرا # وقوله { والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به }. أى ~~والذين يؤمنون بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب يؤمنون بهذا الكتاب الذى ~~أنزله الله هداية ورحمة لأن من صدق بالآخرة خاف العاقبة، وحرص على العمل ~~الصالح الذى ينفعه. ثم ختمت الآية بهذا الثناء الجميل عليهم فقالت { ~~وهم على صلاتهم يحافظون } أى يؤدونها فى أوقاتها مقيمين ~~لأركانها وآدابها فى خشوع واطمئنان، وخصت الصلاة بالذكر لكونها أشرف ~~العبادات وأعظمها خطرا بعد الإيمان. قال الإمام الرازى " ويكفيها شرفا ~~أنه لم يقع اسم الإيمان على شىء من العبادات الظاهرة إلا عليها كما فى ~~قوله - تعالى - # وما كان الله ليضيع إيمانكم # إى صلاتكم، ولم يقع اسم الكفر على شىء من المعاصى إلا على ترك الصلاة، ~~ففى الحديث الشريف # " من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر " # فلما اختصت الصلاة بهذا النوع من التشريف لا جرم خصها الله بالذكر فى ~~هذا المقام ". وبعد أن بين - سبحانه - مزايا هذا القرآن أتبع ذلك ببيان ~~عاقبة الذين يفترون الكذب على الله - تعالى -، وصور أحوالهم عند النزع ~~الأخير وعندما يقفون أمام ربهم للحساب بصورة ترتجف لها الأفئدة فقال - ~~تعالى - { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو ~~قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء }. والمعنى لا أحد ~~أشد ظلما ممن اختلق الكذب على الله فجعل له شركاء من خلقه، وأنكر ما جاء ~~به النبى صلى الله عليه وسلم من هدايات، وحلل وحرم بهواه ما لم يأذن به ~~الله. والاستفهام إنكارى فهو فى معنى النفى. و { من } اسم موصول ~~والمراد به الجنس. أى كل من افترى على الله كذبا، وليس المراد فردا ~~معينا. ms1829 { أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء } أى ~~قال بأن الله أوحى إلى بالرسالة أو النبوة مع أنه كاذب فى دعواه، فإن ~~الله ما أوحى إليه شيئا، وهذا يصدق على ما ادعاه مسيلمة الكذاب والأسود ~~العنسى من أنهما نبيان يوحى إليهما. # ويصدق - أيضا - على كل مدع للوحى والنبوة فى كل زمان ومكان. وهذه ~~الجملة الكريمة معطوفة على صلة { من } من عطف الخاص على العام، لأن هذا ~~القول هو نوع من أنواع افتراء الكذب. { ومن قال سأنزل مثل مآ ~~أنزل الله } أى ولا أحد أظلم - أيضا - ممن قال بأنى قادر على أن ~~أنزل قرآنا مثل الذى أنزله الله كالذين حكى القرآن عنهم قوله # وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو ~~نشآء لقلنا مثل هذا إن هذآ إلا أساطير ~~الأولين # وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد توعدت بأشد ألوان الوعيد كل مفتر على ~~الله الكذب، وكل مدع أنه يوحى إليه شىء وكل من زعم أنه فى قدرته أن يأتى ~~بقرآن مثل هذا القرآن كما حدث من النضر بن الحارث وعبد الله بن سعد بن ~~أبى سرح. ثم بين - سبحانه - مصير كل ظالم أثيم فقال { ولو ترى إذ ~~الظالمون في غمرات الموت } أى ولو ترى أيها الرسول الكريم ~~أو أيها العاقل حالة أولئك الظالمين وهم فى غمران الموت أى فى شدائده ~~وكرباته وسكراته لرأيت شيئا فظيعا هائلا ترتعد منه الأبدان، فجواب الشرط ~~محذوف. والغمرات جمع غمرة وهى الشدة. وأصلها الشىء الذى يغمر الأشياء ~~فيغطيها، يقال غمره الماء إذا علاه وستره ثم استعمل فى الشدائد والمكاره. ~~وتقييد الرؤية بهذا الوقت لإفادة أنه ليس المراد مجرد الرؤية، بل المراد ~~رؤيتهم على حال فظيعة عند كل ناظر. وقوله { والملائكة باسطوا ~~أيديهم أخرجوا أنفسكم } أى والملائكة الموكلون بقبض ~~أرواحهم باسطوا أيديهم إليهم بالإماتة والعذاب قائلين لهم على سبيل ~~التوبيخ والزجر أخرجوا إلينا أرواحكم من أجسادكم. والأمر هنا للتعجيز أى ~~أخرجوا أنفسكم من هذا العذاب إن استطعتم إلى ذلك سبيلا. قال الآلوسى " ~~وذهب بعضهم إلى أن ms1830 هذا تمثيل لفعل الملائكة فى قبض أرواح الظلمة بفعل ~~الغريم الملح يبسط يده إلى من عليه الحق ويعنف عليه فى المطالبة ولا ~~يمهله ويقول له أخرج مالى عليك الساعة ولا أبرح مكانى حتى انتزعه منك. ~~وفى الكشاف أنه كناية عن العنف فى السياق والإلحاح والتشديد فى الإزهاق ~~من غير تنفيس وإمهال ولا بسط ولا قول حقيقة هناك واستظهر ابن المنير أنهم ~~يفعلون معهم هذه الأمور حقيقة على الصور المحكية وإذا أمكن البقاء على ~~الحقيقة فلا معدل عنها ". ولعل مما يؤيد قول ابن المنير فى تعليقه على ما ~~قال صاحب الكشاف ما جاء فى آية أخرى وهى قوله - تعالى - # ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ~~يضربون وجوههم وأدبارهم # وقوله { اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم ~~تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته ~~تستكبرون } هذا القول من تتمة ما تقوله الملائكة لأولئك الظالمين. # أى تقول لهم أخرجوا أنفسكم، اليوم تلقون عذاب الذل والهوان لا بظلم من ~~الرحمن، وإنما بسبب أنكم كنتم فى دنياكم تفترون على الله الكذب، وبسبب ~~أنكم كنتم معرضين عن آياته، مستكبرين عنها ولا تتأملون فيها، ولا تعتبرون ~~بها. والمراد باليوم مطلق الزمن لا اليوم المتعارف عليه، وهو إما حين ~~الموت أو ما يشمله وما بعده. والهون معناه الهوان والذل، وفسره صاحب ~~الكشاف، بالهوان الشديد وقال " وإضافة العذاب إليه كقولك، رجل سوء يريد ~~العراقة فى الهوان والتمكن فيه ". ثم صور - سبحانه - حالهم عندما يعرضون ~~للحساب فقال { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم ~~أول مرة }. أى ولقد جئتمونا للحساب والجزاء منعزلين ومنفردين عن ~~الأموال والأولاد وعن كل ما جمعتموه فى الدنيا من متاع، أو منفردين عن ~~الأصنام والأوثان التى زعمتهم أنها شفعاؤكم عند الله. وفرادى قيل هو جمع ~~فرد، وفريد وقيل هو اسم جمع لأن فردا لا يجمع على فرادى وقول من قال إنه ~~جمع أراد أنه جمع له فى المعنى. وهذه الجملة الكريمة مستأنفة جاءت لبيان ~~ما سيقوله الله لهؤلاء الظالمين يوم القيامة، بعد بيان ما تقوله ملائكة ~~العذاب ms1831 عند موتهم. وقوله { كما خلقناكم أول مرة } تشبيه ~~للمجىء أريد منه معنى الإحياء بعد الموت الذى كانوا ينكرونه فقد رأوه ~~رأى العين. أى جئتمونا منعزلين عن كل ما كنتم تعتزون به فى الحياة ~~الدنيا، مجيئا مثل مجيئكم يوم خلقناكم أول مرة حفاة عراة. فالكاف فى محل ~~نصب صفة لمصدر محذوف. روى الشيخان عن ابن عباس قال قام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بموعظة فقال # " أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا { كما بدأنآ ~~أول خلق نعيده وعدا علينآ إنا كنا فاعلين } ~~". # ورويا - أيضا - عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " تحشرون حفاة عراة غرلا. قالت يا رسول الله، الرجال والنساء جميعا ~~ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال صلى الله عليه وسلم الأمر أشد من أن يهمهم ذلك ~~". # وروى الطبرانى بسنده عن عائشة أنها قالت # " قرأت قول الله - تعالى - { ولقد جئتمونا فرادى كما ~~خلقناكم أول مرة } فقالت يا رسول الله واسوأتاه! الرجال ~~والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى سوأة بعض؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه لا ينظر الرجال إلى النساء ولا ~~النساء إلى الرجال، شغل بعضهم عن بعض ". # قوله { وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم } أى ~~تركتم ما أعطيناكم وملكناكم فى الدنيا من أموال وأولاد وغيرهما وراء ~~ظهوركم ولم تحملوا منه معكم نقيرا عندما جئتمونا للحساب. # الخول ما أعطاه الله لعباده من النعم يقال خوله الشىء تخويلا، ملكه إياه ~~ومكنه منه. ومنه التخول بمعنى التعهد. والجملة الكريمة تتضمن توبيخهم، ~~لأنهم لم يقدموا منه شيئا فى دنياهم ليكون نافعا لهم فى أخراهم، بل ~~جمعوه وتركوه لغيرهم دون أن ينتفعوا به فى معادهم. وقد ثبت فى الصحيح أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " يقول ابن آدم مالى! مالى! وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست ~~فأبليت أو تصدقت فأمضيت وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس ". # وقوله { وما نرى معكم شفعآءكم الذين زعمتم ~~أنهم فيكم شركآء } تقريع ms1832 وتوبيخ لهم على شركهم. أى ما نرى ~~وما نبصر معكم من زعمتم أنهم سيشفعون لكم عند الله من الأصنام والأوثان ~~التى توهمتم أنهم شركاء لله تعالى فى ربوبيتكم واستحقاقه عبادتكم. وقوله ~~{ لقد تقطع بينكم } أى لقد تقطع الاتصال الذى كان بينكم فى ~~الدنيا واضمحل. ففاعل { تقطع } ضمير يعود على الاتصال المدلول عليه ~~بلفظ { شركآء } و { بينكم } منصوب على الظرفية. وقرىء بالرفع أى ~~لقد تقطع شملكم فإن البين مصدر يستعمل فى الوصل وفى الفراق بالاشتراك ~~والأصل لقد تقطع ما بينكم وقد قرىء به أى تقطع ما بينكم من الأسباب ~~والصلات. { وضل عنكم ما كنتم تزعمون } أى وغلب عنكم ما ~~كنتم تزعمون من شفاعة الشفعاء، ورجاء الأنداد والأصنام. كما قال - تعالى ~~- # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ~~ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب * وقال ~~الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم ~~كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم ~~حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار # وهكذا يسوق القرآن مشهد هؤلاء الظالمين بتلك الصورة التى تهز النفوس، ~~وتحمل العقلاء على الإيمان والعمل الصالح. * * * وبعد أن ساق - سبحانه - ~~ألوانا من الدلائل على وحدانيته، وعلى صدق نبيه صلى الله عليه وسلم فيما ~~يبلغه عن ربه، شرع - سبحانه - فى سرد مظاهر قدرته، وكمال علمه وحكمته عن ~~طريق التأمل فى هذا الكون العجيب، وفى بدائع مخلوقاته فقال - تعالى - { ~~إن الله... }. ### || [6.95-99] # قوله { إن الله فالق الحب والنوى }. فالق أى شاق، ~~والفلق هو الشق وقيل، فالق بمعنى خالق وأنكر ابن جرير الطبرى ذلك وقال لا ~~يعرف فى كلام العرب فلق الشىء بمعنى خلق. والحب ما ليس له نوى كالحنطة ~~والشعير. والنوى جمع نواة وهو الموجود فى داخل الثمرة، مثل نوى التمر ~~وغيره. والمعنى أن الله وحده هو الذى يشق الحبة اليابسة كالحنطة فيخرج ~~منها النبات الأخضر النامى، ويشق النواة الصلبة فيخرج منها النخلة ~~والشجرة النامية، وفى ذلك أكبر دلالة على قدرة الله التى لا تحد وعلى أنه ~~هو المستحق للعبادة لا غيره. هذا، وقد أفاض الإمام الرازى ms1833 وهو يتحدث عن ~~هذه الآية فى بيان قدرة الله فقال ما ملخصه " إذا عرفت هذا فنقول إنه إذا ~~وقعت الحبة أو النواة فى الأرض الرطبة ثم مر بها قدر من المدة أظهر الله ~~- تعالى - فى تلك الحبة والنواة من أعلاها شقا ومن أسفلها شقا آخر، ~~فالأول يخرج منها الشجرة الصاعدة إلى الهواء، والثانى يخرج منه الشجرة ~~الهابطة فى الأرض ثم إن ها هنا عجائب. فإحداها أن طبيعة تلك الشجرة إن ~~كانت تقتضى الهوى فى عمق الأرض فكيف تولدت منها الشجرة الصاعدة فى ~~الهواء؟ وإن كانت تقتضى الصعود فى الهواء فكيف تولدت منها الشجرة الهابطة ~~فى الأرض؟ فلما تولد منها الشجرتان مع أن الحس والعقل يشهد بكون طبيعة ~~إحدى الشجرتين مضادة لطبيعة الشجرة الأخرى - علمنا أن ذلك ليس بمقتضى ~~الطبع والخاصية، بل بمقتضى الإيجاد والإبداع والتكوين. وثانيهما أن ~~باطن الأرض جرم كثيف صلب لا تنفذ المسلة القوية فيه ولا يغوص السكين ~~الحاد القوى فيه، ثم إنا نشاهد أطراف تلك العروق فى غاية الدقة واللطافة ~~وبحيث لو دلكها الإنسان بإصبعه بأدنى قوة لصارت كالماء، ثم إنها مع غاية ~~اللطافة تقوى على النفوذ فى تلك الارض الصلبة، والغوص فى بواطن تلك ~~الأجرام الكثيفة. فحصول هذه القوى الشديدة لهذه الأجرام الضعيفة التى هى ~~فى غاية اللطافة لا بد وأن يكون بتقدير العزيز الحكيم. ثم قال - رحمه ~~الله - بعد كلام طويل فانظر أيها المسكين بعين رأسك فى تلك الورقة ~~الواحدة من تلك الشجرة، واعرف كيفية خلقه تلك العروق والأوتار فيها، ثم ~~انتقل من مرتبة إلى ما فوقها حتى تعرف أن المقصود الأخير منها حصول ~~المعرفة والمحبة فى الأرواح البشرية، فحينئذ ينفتح لك باب من المكاشفات ~~لا آخر له، ويظهر لك أن أنواع نعم الله فى حقك غير متناهية كما قال # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها # وكل ذلك إنما ظهر من كيفية خلقه تلك الورقة من الحبة والنواة ". # وقوله { يخرج الحي من الميت } أى يخرج ما ينمو من ~~الحيوان والنبات والشجر مما لا ينمو كالنطفة ms1834 والحبة. والجملة الكريمة ~~مستأنفة مبينة لما قبلها ولذلك ترك العطف، وقيل خبر ثان ولم يعطف ~~لاستقلاله فى الدلالة على عظمة الله - تعالى -. وقوله { ومخرج ~~الميت من الحي } أى مخرج الميت كالحب والنوى من النبات ~~والبيضة والنطفة من الحيوان. قال صاحب المنار " فإن قيل إن علماء ~~المواليد يزعمون أن فى كل أصول الأحياء حياة فكل ما ينبت من ذلك ذو حياة ~~كامنة إذا عقم بالصناعة لا ينبت، قلنا إن هذا اصطلاح لهم يسمون القوة أو ~~الخاصية التى يكون بها الحب قابلا للإنبات حياة، ولكن هذا لا يصح فى ~~اللغة إلا بضرب من التجوز وإنما حقيقة الحياة فى اللغة ما يكون به الجسم ~~متغذيا ناميا بالفعل، وهذا أدنى مراتب الحياة عند العرب، ولها مراتب ~~أخرى كالإحساس والقدرة والإرادة والعلم والعقل والحكمة والنظام، وهذا ~~أعلى مراتب الحياة فى المخلوق ". ونقل بعض المفسرين عن ابن عباس أن معنى ~~الجملتين يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن ومثله إخراج البار من ~~الفاجر والصالح من الطالح والعالم من الجاهل وعكسه، وذلك بحمله الحياة ~~والموت على المعنوى منها كما فى قوله - تعالى - # أو من كان ميتا فأحييناه # ويبدو لنا أن حمل الحياة والموت هنا على المعنى المعنوى لا يناسبه سياق ~~الآيات التى معنا، لأنها تتحدث عن آثار قدرة الله المحسوسة ليزداد ~~المؤمنون إيمانا على إيمانهم، ويتأمل كل ذى عقل فى مظاهر قدرة الله فى ~~كونه يهتدى إلى طريق الحق والصواب. وقوله { ومخرج الميت من ~~الحي } معطوف على ما قبله وهو قوله { يخرج الحي من ~~الميت } لأنه إخبار بضد مضمونه وهو وضع آخر عجيب دال على كمال ~~القدرة. وجىء بجملة { يخرج الحي من الميت } فعلية لإرادة ~~تصوير إخراج الحى من الميت واستحضاره فى ذهن السامع. وهذا التصوير ~~والاستحضار إنما يتمكن فى أدائهما الفعل المضارع دون اسم الفاعل والماضى. ~~ويرى صاحب الكشاف أن قوله { ومخرج الميت من الحي } معطوف ~~على { فالق } لا على { يخرج } لأنه بيان لفالق الحب والنوى. قال - ~~رحمه الله فإن قلت كيف قال { ومخرج الميت من ms1835 الحي } بلفظ ~~اسم الفاعل بعد قوله { يخرج الحي من الميت }؟ قلت عطفه ~~على فالق الحب والنوى لا على الفعل، ويخرج الحى من الميت موقعه موقع ~~الجملة المبينة لقوله { فالق الحب والنوى } لأن فالق الحب ~~والنوى بالنبات والشجر الناميين من جنس إخراج الحى من الميت، لأن النامى ~~فى حكم الحيوان ألا ترى إلى قوله - تعالى - # ويحيي الأرض بعد موتها # { ذلكم الله فأنى تؤفكون } الأفك - بفتح الهمزة - مصدر ~~أفكه يأفكه من باب ضرب إذا صرفه عن مكان أو عن عمل، ويقال أفكت الأرض ~~أفكا أى صرف عنها المطر. # والإشارة بذلكم لزيادة التمييز، وللتعريض بغباوة المخاطبين والمشركين ~~لغفلتهم عن هذه الدلالة على أنه هو المستحق للعبادة. والمعنى ذلكم المتصف ~~بما ذكر من مقتضى الحكمة البالغة والقدرة النافذة هو الله خالق كل شىء ~~فكيف تصرفون عن عبادة من يخلق إلى عبادة من لا يخلق، وتشركون معه من لا ~~يملك لنفسه نفعا ولا ضرا؟. قال الإمام الرازى والمقصود منه أن الحى ~~والميت متضادان متنافيان، فحصول المثل عن المثل يوهم أن يكون بسبب ~~الطبيعة والخاصية. أما حصول الضد من الضد فيمتنع أن يكون بسبب الطبيعة ~~والخاصية بل لا بد أن يكون بتقدير المقدر الحكيم والمدبر العليم ". ثم ~~بين - سبحانه - ألوانا أخرى من مظاهر قدرته وحكمته فقال { فالق ~~الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر ~~حسبانا }. الإصباح مصدر سمى به الصبح، أى شاق ظلمة الصبح - وهى ~~الغبش فى آخر الليل الذى يلى الفجر المستطيل الكاذب - عن بياض النهار ~~فيضىء الوجود، ويضمحل الظلام، ويذهب الليل بسواده، ويجىء النهار بضيائه. ~~وجملة " فالق الإصباح " خبر لمبتدأ محذوف أى هو فالق، أو خبر آخر لإن { ~~وجعل الليل سكنا } أى وجعل الليل محلا لسكون الخلق فيه، ~~وراحة لهم بعد معاشهم بالنهار وسعيهم للحصول على رزقهم. قال صاحب الكشاف ~~السكن ما يسكن إليه الرجل ويطمئن استئناسا به واسترواحا إليه، من زوج أو ~~حبيب. ومنه قيل للنار سكن لأنه يستأنس بها، ألا تراهم سموها المؤنسة، ~~والليل يطمئن إليه المتعب بالنهار لاستراحته فيه، ويجوز أن يراد ms1836 وجعل ~~الليل مسكونا فيه من قوله # لتسكنوا فيه # { والشمس والقمر حسبانا } الحسبان فى الأصل مصدر حسب - ~~بفتح السين - كالغفران والشكران تقول حسبت المال حسبانا أى أحصيته عددا. ~~والمعنى وجعل الشمس والقمر يجريان فى الفلك بحساب مقدر معلوم لا يتغير ~~ولا يضطرب حتى ينتهى إلى أقصى منازلهما بحيث تتم الشمس دورتها فى سنة ~~ويتم القمر دورته فى شهر، وبذلك تنتظم المصالح المتعلقة بالفصول الأربعة ~~وغيرها، قال - تعالى - # هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا وقدره ~~منازل لتعلموا عدد السنين والحساب # وقوله { ذلك تقدير العزيز العليم } أى ذلك الجعل ~~والتسيير البديع الشأن تقدير العزيز، أى الغالب القاهر الذى لا يتعاصاه ~~شىء من الأشياء التى من جملتها تسييرهما على الوجه المخصوص، العليم بكل ~~شىء فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء. قال الإمام ~~الرازى عند تفسيره لهذه الآية الكريمة ما ملخصه " اعلم أن هذا نوع آخر من ~~دلائل وجود الصانع وعلمه وقدرته وحكمته فالنوع المتقدم - أى قوله { إن ~~الله فالق }... إلخ - كان مأخوذا من دلالة أحوال النبات والحيوان، ~~والنوع المذكور فى هذه الآية مأخوذ من الأحوال الفلكية، وذلك لأن فلق ~~ظلمة الليل بنور الصبح أعظم فى كمال القدرة من فلق الحب والنوى بالنبات ~~والشجر ولأن من المعلوم بالضرورة أن الأحوال الفلكية أعظم فى القلوب ~~وأكثر وقعا من الأحوال الأرضية ". # وبعد أن ساق - رحمه الله - الأدلة على ذلك قال والعزيز إشارة إلى كمال ~~قدرته، والعليم إشارة إلى كمال علمه، ومعناه أن تقدير الأفلاك بصفاتها ~~المخصوصة، وهيآتها المحدودة، وحركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة فى ~~البطء والسرعة، لا يمكن تحصيله إلا بقدرة كاملة متعلقة بجميع الممكنات، ~~وعلم نافذ فى جميع المعلومات من الكليات والجزئيات، وذلك تصريح بأن حصول ~~هذه الأحوال والصفات ليس بالطبع والخاصة، وإنما هو بتخصيص الفاعل المختار ~~والله أعلم. ثم ساق - سبحانه - نوعا ثالثا من الدلائل على كمال قدرته ~~ورحمته وحكمته فقال - تعالى - { وهو الذي جعل لكم النجوم ~~لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر } أى وهو - ~~سبحانه - وحده الذى أنشأ لكم ms1837 هذه الكواكب النيرة لتهتدوا بها إلى الطرق ~~والمسالك خلال سيركم فى ظلمات الليل بالبر والبحر حيث لا ترون شمسا ولا ~~قمرا. وجملة { لتهتدوا بها } بدل اشتمال من ضمير { لكم } ~~بإعادة العامل، فكأنه قيل جعل النجوم لاهتدائكم. { قد فصلنا ~~الآيات لقوم يعلمون } أى قد وضحنا وبينا الآيات الدالة على ~~قدرته - تعالى - ورحمته بعباده، لقوم يعلمون وجه الاستدلال بها فيعلمون ~~بموجب علمهم، ويزدادون إيمانا على إيمانهم. فالجملة الكريمة مستأنفة ~~للتسجيل والتبليغ وقطع معذرة من لم يؤمنوا. والتعريف فى الآيات للاستغراق ~~فيشمل آية خلق النجوم وغيرها. ثم ساق - سبحانه - لونا رابعا من دلائل ~~كمال قدرته ورحمته. فقال - تعالى - { وهو الذي أنشأكم من ~~نفس واحدة فمستقر ومستودع }. أى وهو - سبحانه - ~~الذى أوجدكم من نفس واحدة هى نفس أبيكم آدم - عليه السلام - قال - تعالى ~~- # يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من ~~نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما ~~رجالا كثيرا ونسآء # وفى هذه الجملة الكريمة تذكير بنعمة أخرى من نعم الله على خلقه، لأن ~~رجوع الناس إلى أصل واحد أقرب إلى التواد والتراحم والتعاطف، وفيها - ~~أيضا - دليل على عظيم قدرته - عز وجل -. والفاء فى قوله - تعالى - { ~~فمستقر ومستودع } للتفريع عن أنشأكم. أى أنشأكم من نفس ~~واحدة فلكم موضع الاستقرار فى الأرحام أو فى الأرض وموضع استيداع فى ~~الأصلاب أو فى القبور. وهذا التفسير مأثور عن ابن عباس، وقد زكاه الإمام ~~الرازى فقال ومما يدل على قوة هذا القول أن النطقة الواحدة لا تبقى فى ~~صلب الأب زمانا طويلا فالمستقر أقرب إلى الثبات من المستودع ". # وقيل المستقر حالة الإنسان بعد الموت لأنه إن كان سعيدا فقد استقرت تلك ~~السعادة، وكذلك إن كان شقيا، والمستودع حالة قبل الموت لأن الكافر قد ~~ينقلب مؤمنا. وقيل المستقر من خلق من النفس الأولى ودخل الدنيا واستقر ~~فيها، والمستودع الذى لم يخلق بعد وسيخلق. والذى نراه أن الرأى الأول هو ~~الصحيح لأنه رأى جمهور المفسرين، ولأن شواهد القرآن تؤيده كما فى قوله - ~~تعالى - # ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين # وكما ms1838 فى قوله - تعالى - # ونقر في الأرحام ما نشآء إلى أجل مسمى # وقرىء { فمستقر } - بكسر القاف - أى فمنكم مستقر فى الأرحام ~~ومنكم مستودع. وقوله { قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون } ~~أى قد فصلنا الآيات الدالة على قدرتنا ووضحناها لقوم يفقهون ما يتلى ~~عليهم ويتدبرونه فينتفعون بذلك. قال صاحب الكشاف فإن قلت لم قيل " يعلمون ~~" مع ذكر النجوم و { يفقهون } مع ذكر إنشاء بنى آدم؟ قلت كان إنشاء ~~الإنس من نفس واحدة وتصريفهم بين أحوال مختلفة ألطف وأدق صنعة وتدبيرا ~~فكان ذكر الفقه الذى هو استعمال فطنته وتدقيق نظره مطابقا له. وقد علق ~~صاحب الانتصاف على كلام الزمخشرى بما ملخصه " جواب الزمخشرى صناعى، ~~والتحقيق أنه لما أريد فصل كليهما بفاصلة تنبيها على استقلال كل واحدة ~~منهما بالمقصود من الحجة، كره فصلهما بفاصلتين متساويتين فى اللفظ، لما ~~فى ذلك من التكرار فعدل إلى فاصلة مخالفة تحسينا للنظم واتساقا فى ~~البلاغة، ويحتمل وجها آخر فى تخصيص الأولى بالعلم والثانية بالفقه وهو ~~أنه لما كان المقصود التعريض بمن لا يتدبر آيات الله ولا يعتبر بمخلوقاته ~~وكانت الآية الأولى خارجة عن أنفس النظار ومنافية لها، إذ النجوم والنظر ~~فيها وعلم الحكمة الإلهية فى تدبيره لها أمر خارج عن نفس الناظر، ولا ~~كذلك النظر فى إنشائهم من نفس واحدة، وتقلباتهم فى أطوار مختلفة فإنه نظر ~~لا يعدو نفس الناظر ولا يتجاوزها، فإذا تمهد ذلك فجهل الإنسان بنفسه ~~وبأحواله أبشع من جهله بالأمور الخارجة عنه كالنجوم والأفلاك، فلما كان ~~الفقه أدنى درجات العلم إذ هو عبارة عن الفهم نفى من أبشع القبيلين جهلا ~~وهم الذين لا يتبصرون فى أنفسهم، ونفى الأدنى أبشع من نفى الأعلى درجة ~~فخص به أسوأ الفريقين حالا.. وإذا قيل فلان " لا يفقه شيئا " كان أذم فى ~~العرف من قولك فلان لا يعلم شيئا وكأن معنى قولك لا يفقه شيئا ليست له ~~أهلية الفهم وإن فهم، وأما قولك " لا يعلم شيئا " فغايته نفى حصول العلم ~~له، وقد يكون له أهلية الفهم والعلم لو يعلم. ثم ساق ms1839 - سبحانه - حجة ~~خامسة تدل دلالة واضحة على كمال قدرته وعلمه ورحمته وإحسانه إلى خلقه ~~فقال - تعالى - { وهو الذي أنزل من السمآء مآء ~~فأخرجنا به نبات كل شيء }. # أى وهو - سبحانه - الذى أنزل من السحاب ماء فأخرجنا بسبب ذلك كل صنف من ~~أصناف النبات والثمار المختلفة فى الكم والكيف والطعوم والألوان، قال - ~~تعالى - # وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب ~~وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بمآء ~~واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ~~ذلك لآيات لقوم يعقلون # وسمى السحاب سماء لأن العرب تسمى كل ما علا سماء، و نزول الماء من ~~السحاب قد جاء صريحا فى مثل قوله - تعالى - # أفرأيتم المآء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه ~~من المزن أم نحن المنزلون # و { من } فى قوله { من السمآء } ابتدائية، لأن ماء المطر يتكون ~~فى طبقات الجو العليا البادرة عند تصاعد البخار الأرضى إليها فيصير ~~البخار كثيفا وهو السحاب ثم يتحول إلى ماء، والباء فى { به } للسببية. ~~حيث جعل الله - تعالى - الماء سببا فى خروج النبات، والفاء فى قوله { ~~فأخرجنا به } للتفريع و { أخرجنا } عطف على { أنزل } ~~والالتفات إلى التكلم إظهار لكمال العناية بشأن ما أنزل الماء لأجله. ثم ~~شرع - سبحانه - فى تفصيل ما أجمل من الإخراج فقال { فأخرجنا ~~منه خضرا } أى فأخرجنا من النبات الذى لا ساق له نباتا غضا أخر، ~~وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة، وخضر بمعنى أخضر اسم فاعل. ~~يقال خضر الزرع - من باب فرح - وأخضر، فهو خضر وأخضر. وقوله { نخرج ~~منه حبا متراكبا }. أى نخرج من هذا النبات الخضر { حبا ~~متراكبا } أى متراكما بعضه فوق بعض كما فى الحنطة والشعير وسائر ~~الحبوب، يقال ركبه - كسمعه - ركوبا ومراكبا. أى علاه. وجملة { ~~نخرج منه } صفة لقوله " خضرا ". وعبر عنها بصيغة المضارع ~~لاستحضار الصورة لما فيها من الغرابة لأن إخراج الحب المتراكب من هذا ~~الخضر الغض يدعو إلى التأمل والإعجاب بمظاهر قدرة الله. وبعد أن ذكر - ~~سبحانه - ما ينبت من الحب أتبعه بذكر ما ينبت من ms1840 النوى فقال { ومن ~~النخل من طلعها قنوان دانية }. الطلع أول ما يبدو ويخرج ~~من تمر النخل كالكيزان. وقشره يسمى الكفرى وما فى داخله يسمى الإغريق ~~لبياضه. والقنوان جمع قنو وهو العرجون بما فيه الشماريخ، وهو ومثناه سواه ~~لا يفرق بينهما إلا فى الإعراب. أى ونخرج بقدرتنا من طلع النخل قنوان ~~دانية القطوف، سهلة التناول أو بعضها دان قريب من بعض لكثرة حملها. قال ~~صاحب الكشاف و { قنوان } رفع بالابتداء، و { من النخل } خبره و ~~{ من طلعها } بدل منه. كأنه قيل وحاصلة من طلع النخل قنوان دانية. # وذكر القريبة وترك ذكر البعيدة، لأن النعمة فيها أظهر وأدل، واكتفى بذكر ~~القريبة على ذكر البعيدة كقوله # سرابيل تقيكم الحر # وقوله { وجنات من أعناب } معطوف على { نبات كل شيء ~~} أى فأخرجنا بهذا الماء نبات كل شىء وأخرجنا به جنات كائنة من أعناب. ~~وجعله بعضهم عطفا على { خضرا }. وقيل هو معطوف على { حبا }. وقوله ~~{ والزيتون والرمان } منصوب على الاختصاص أى وأخص من نبات كل ~~شىء الزيتون والرمان، وقيل معطوف على { نبات كل شيء }. قال ~~الآلوسى وقوله { مشتبها وغير متشابه } إما حال من الزيتون ~~لسبقه اكتفى به عن حال ما عطف عليه وهو الرمان والتقدير والزيتون مشتبها ~~وغير متشابه والرمان كذلك، وإما حال من الرمان لقربه ويقدر مثله فى ~~الأول. وأياما كان ففى الكلام مضاف مقدر وهو بعض. أى بعض ذلك مشتبها ~~وبعضه غير متشابه فى الهيئة والمقدار واللون والطعم وغير ذلك من الأوصاف ~~الدالة على كمال قدرة صانعها، وحكمة منشئها ومبدعها كما قال - تعالى - # يسقى بمآء واحد ونفضل بعضها على بعض في ~~الأكل # ثم أمر الله عباده أن يتأملوا فى بديع صنعه فقال { انظروا إلى ~~ثمره إذآ أثمر وينعه } أى انظروا نظر تأمل واعتبار إلى ~~ثمار كل واحد مما ذكرنا حال ابتدائه حين يكون ضئيلا ضعيفا لا يكاد ينتفع ~~به، وحال ينعه أى نضجه كيف يصير كبيرا أو جامعا لألوان من المنافع ~~والملاذ. يقال أينعت الثمرة إذا نضجت. وقوله { إن في ذلكم ~~لآيات لقوم يؤمنون ms1841 } أى إن فى ذلكم الذى ذكرناه من أنواع ~~النبات والثمار، وذلكم الذى أمرتم بالنظر إليه لدلائل عظيمة على وجود ~~القادر الحكيم لقوم يصدقون بأن الذى أخرج هذا النبات وهذه الثمار لهو ~~المستحق للعبادة دون ما سواه أو هو القادر على أن يحيى الموتى ويبعثهم. ~~قال الشيخ القاسمى قال بعضهم القوم كانوا ينكرون البعث فاحتج عليهم ~~بتعريف ما خلق ونقله من حال إلى حال وهو ما يعلمونه قطعا ويشاهدونه من ~~إحياء الأرض بعد موتها، وإخراج أنواع النبات والثمار منها. وأنه لا يقدر ~~على ذلك أحد إلى الله - تعالى - فبين أنه - سبحانه - كذلك قادر على ~~إنشائهم من نفوسهم وأبدانهم، وعلى البعث بإنزال المطر من السماء، ثم ~~إنبات الأجساد كالنبات، ثم جعلها خضرة بالحياة ثم تصوير الأعمال بصور ~~كثيرة، وإفادة أمور زائدة وتفريعها، وإعطاء أطعمة مشتبهة فى الصورة غير ~~متشابهة فى اللذة جزاء عليها ". هذا وقد أفاض الإمام الرازى - رحمه الله ~~- عند تفسيره لهذه الآية فى بيان مظاهر قدرة الله وكمال رحمته وحكمته ~~فقال ما ملخصه " اعلم أنه - تعالى - ذكره هنا أربعة أنواع من الأشجار ~~النخل والعنب والزيتون والرمان. وإنما قدم الزرع على الشجر لأن الزرع ~~غذاء، وثمار الأشجار فواكه، والغذاء مقدم على الفاكهة، وإنما قدم النخل ~~على سائر الفواكه لأن التمر يجرى مجرى الغذاء بالنسبة إلى العرب. # وإنما ذكر العنب عقيب النخيل، لأن العنب أشرف أنواع الفواكه، وذلك لأنه ~~من أول ما يظهر يصير منتفعا به إلى آخر الحال. وأما الزيتون فهو - أيضا ~~- كثير النفع لأنه يمكن تناوله كما هو وينفصل - أيضا - عنه دهن كثير ~~عظيم النفع. وأما الرمان فحاله عجيب جدا. واعلم أن أنواع النبات أكثر من ~~أن تفى بشرحها مجلدات، فلهذا السبب ذكر - سبحانه - هذه الأقسام الأربعة ~~التى هى أشرف أنواع النبات، واكتفى بذكرها تنبيها على البواقى. ثم قال ~~وقد أمر - سبحانه - بالنظر فى حال ابتداء الثمر ونضجه لأن هذا هو موضوع ~~الاستدلال، والحجة التى هى تمام المقصود من هذه الآية وذلك لأن هذه ~~الثمار والأزهار تتولد فى أول حدوثها ms1842 عن صفات مخصوصة وعند تمامها لا تبقى ~~على حالاتها الأولى بل تنتقل إلى أحوال مضادة للأحوال السابقة مثل أنها ~~كانت موصوفة بلون الخضرة فتصير ملونة بلون السواد أو بلون الحمرة وكانت ~~موصوفة بالحموضة فتصير موصوفة بالحلاوة، وربما كانت فى أول الأمر باردة ~~بحسب الطبيعة فتصير فى آخر أمرها حارة بحسب الطبيعة - أيضا - فحصول هذه ~~المتبدلات والمتغيرات لا بد له من سبب، وذلك السبب ليس هو تأثير الطبائع ~~والفصول والأنجم والأفلاك، لأن نسبة هذه الأحوال بأسرها إلى جميع هذه ~~الأجسام المتباينة متساوية متشابهة، والنسب المتشابهة لا يمكن أن تكون ~~أسبابا لحدوث الحوادث المختلفة. ولما بطل إسناد حدوث هذه الحوادث إلى ~~الطبائع والأنجم والأفلاك وجب إسناده إلى القادر المختار الحكيم الرحيم ~~المدبر لهذا العالم على وفق الرحمة، والمصلحة الحكيمة ". وبعد أن ذكر - ~~سبحانه - تلك الدلائل الدالة على عظيم قدرته، وباهر حكمته ووافر نعمته. ~~واستحقاقه الألوهية، أتبعها بتوبيخ المشركين والرد عليهم بما يرشدهم إلى ~~الطريق القويم لو كانوا يعقلون فقال - تعالى - { وجعلوا لله ~~شركآء... }. ### || [6.100-103] # قوله { وجعلوا لله شركآء الجن } أى وجعل هؤلاء المشركون ~~لله - سبحانه - شركاء فى الألوهية والربوبية من الجن. وفى المراد بالجن ~~هنا أقوال أحدها أنهم الملائكة حيث عبدوهم وقالوا إنهم بنات الله ~~وتسميتهم جنا مجازا لاجتنانهم واستتارهم عن الأعين كالجن. والثانى أن ~~المراد بالجن هنا الشياطين. ومعنى جعلهم شركاء أنهم أطاعوهم فى أمور ~~الشرك والمعاصى كما يطاع الله - تعالى -. والثالث أن المراد بالجن إبليس ~~فقد عبده قوم وسموه ربا ومنهم من سماه إله الشر والظلمة وخص البارى ~~بألوهية الخير والنور. وقد نقل هذا الرأى عن ابن عباس، وقد قال الرازى عن ~~هذا الرأى أنه أحسن الوجوه المذكورة فى هذه الآية. أما ابن كثير فقد رجح ~~الرأى الثانى وقال فإن قيل كيف عبدت الجن مع أنهم إنما كانوا يعبدون ~~الأصنام؟. فالجواب أنهم ما عبدوها إلا عن طاعة الجن وأمرهم لهم بذلك ~~كقوله # إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا ~~شيطانا مريدا # وكقوله # ألم أعهد إليكم يبني ءادم أن ms1843 لا تعبدوا ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا ~~صراط مستقيم # وتقول الملائكة يوم القيامة # سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون ~~الجن أكثرهم بهم مؤمنون # وقال - سبحانه - { وجعلوا لله شركآء الجن } ولم يقل ~~وجعلوا الجن شركاء لله. لإفادة أن محل الغرابة والنكارة أن يكون لله ~~شركاء. ولو قال وجعلوا الجن شركاء لله لأوهم أن موضع الإنكار أن يكون ~~الجن شركاء لله لكونهم جنا. وليس الأمر كذلك، بل المنكر أن يكون لله شريك ~~من أى جنس كان. وجملة { وخلقهم } حال من فاعل { وجعلوا } ~~مؤكدة لما فى جعلهم ذلك من كمال القباحة والبطلان. أى وجعلوا لله شركاء ~~الجن والحال أنهم قد علموا أن الله وحده هو الذى خلقهم دون الجن وليس من ~~يخلق كمن لا يخلق، وعليه فالضمير فى خلقهم يعود على المشركين الذين جعلوا ~~لله شركاء. وقيل الضمير للشركاء أى والحال أنهم قد علموا أن الله هو الذى ~~خلق الجن فكيف يجعلون مخلوقه شريكا له؟. وقوله { وخرقوا له ~~بنين وبنات بغير علم } أى واختلقوا وافتروا له بجهلهم ~~وانطماس بصيرتهم بنين وبنات من غير أن يعلموا حقيقة ما قالوه من خطأ أو ~~صواب، ولكن رميا بقول عن عمى وجهالة من غير فكر وروية. أو بغير علم ~~بمرتبة ما قالوا وأنه من الشناعة والبطلان بحيث لا يقادر قدره، وفيه ذم ~~لهم بأنهم يقولون ما يقولون بمجرد الرأى والهوى وفيه إشارة إلى أنه لا ~~يجوز أن ينسب إليه - تعالى - إلا ما قام الدليل على صحته. قال الراغب " ~~أصل الخرق قطع الشىء على سبيل الفساد من غير تدبر ولا تفكر، قال - تعالى ~~- # أخرقتها لتغرق أهلها # وهو ضد الخلق لأن الخلق هو فعل الشىء بتقدير ورفق ". ثم ختمت الآية ~~الكريمة بتنزيه الله - تعالى - عما نسبوه إليه فقال - تعالى - { ~~سبحانه وتعالى عما يصفون } أى تقدس وتنزه وتعاظم عما ~~يصفه به هؤلاء الضالون من الأجداد والأولاد والنظراء والشركاء. ثم ساق - ~~سبحانه - الأدلة المبطلة لما تفوه به المشركون من مزاعم فقال - تعالى - { ~~بديع السماوات والأرض أنى ms1844 يكون له ولد ولم ~~تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء ~~عليم }. أى هو مبدعهما ومنشئهما وخالقهما على غير مثال سبق، ومنه سميت ~~البدعة بدعة لأنه لا نظير لها فيما سلف. وقوله { أنى يكون له ~~ولد ولم تكن له صاحبة } أى من أين وكيف يكون له ولد - ~~كما زعموا - والحال أنه ليس له صاحبة يكون الولد منها، ويستحيل ضرورة ~~وجود الولد بلا والدة وإن أمكن وجوده بلا والد، وأيضا الولد لا يحصل إلا ~~بين متجانسين ولا مجانس له - سبحانه -. وجملة { أنى يكون له ~~ولد } مستأنفة لتقرير تنزهه عن ذلك، وجملة { ولم تكن له ~~صاحبة } حال مؤكدة لاستحالة ما نسبوه إليه من الولد. وقوله { ~~وخلق كل شيء } جملة أخرى مستأنفة لتحقيق ما ذكر من الاستحالة، ~~أو حال ثانية مقررة لها. أى كيف يكون له ولد والحال أنه خلق كل شىء ~~انتظمه التكوين والإيجاد من الموجودات التى من جملتها ما سموه ولدا له ~~- تعالى - فكيف يتصور أن يكون المخلوق ولدا لخالقه؟ قال صاحب الكشاف " ~~وفى هذه الآية الكريمة إبطال لأن يكون لله ولد من ثلاثة أوجه أحدها أن ~~مبتدع السماوات والأرض وهى أجسام عظيمة لا يستقيم أن يوصف بالولادة. لأن ~~الولادة من صفات الأجسام، ومخترع الأجسام لا يكون جسما حتى يكون والدا. ~~والثانى أن الولادة لا تكون إلا لمن له صاحبة والله - تعالى - لا صاحبة ~~له فلم تصح الولادة. والثالث أنه ما من شىء إلا وهو خالقه والعالم به، ~~ومن كان بهذه الصفة كان غنيا عن كل شىء والولد إنما يطلبه المحتاج. ~~وجملة { وهو بكل شيء عليم } مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها ~~من الدلائل القاطعة ببطلان أن يكون له ولد. أى أنه - سبحانه - عالم بكل ~~المعلومات، فلو كان له ولد فلا بد أن يتصف بصفاته ومنها عموم العلم، وهو ~~منفى عن غيره بالإجماع. وبعد أن أبطل - سبحانه - الشرك ونعى على معتنقيه ~~سوء تفكيرهم، دعا المكلفين إلى إخلاص العبودية لله وحده فقال - تعالى - { ~~ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق ms1845 كل ~~شيء فاعبدوه }. # أى ذلكم الموصوف بما سمعتم من جلائل الصفات هو الله ربكم لا من زعمتم من ~~الشركاء، فأخلصوا له العبادة فهو - سبحانه - الخالق لكل شىء وما عداه فهو ~~مخلوق يجب أن يعبد خالقه. وقوله { وهو على كل شيء وكيل } ~~أى وهو مع تلك الصفات الجليلة رقيب على عباده حفيظ عليهم، يدبر أمرهم، ~~ويتولى جميع شئونهم. وقوله { لا تدركه الأبصار } جملة مستأنفة ~~إما مؤكدة لقوله { وهو على كل شيء وكيل } ذكرت للتخويف ~~بأنه رقيب من حيث لا يرى فيجب أن يخاف ويحذر، وأما مؤكدة أعظم تأكيد لما ~~تقرر قبل من تنزهه وتعاليمه عما وصفه به المشركون، ببيان أنه لا تراه ~~الأبصار المعبودة وهى أبصار أهل الدنيا لجلاله وكبريائه وعظمته. فكيف ~~يكون له ولد؟. والإدراك اللحاق والوصل إلى الشىء والإحاطة به. والأبصار ~~جمع بصر يطلق - كما قال الراغب - على الجارحة الناظرة وعلى القوة التى ~~فيها. والمعنى لا تحيط بعظمته وجلاله على ما هو عليه - سبحانه - أبصار ~~الخلائق، أو لا تدركه الأبصار إدراك إحاطة بكنهه وحقيقته فإن ذلك محال ~~والإدراك بهذا المعنى أخص من الرؤية التى هى مجرد المعاينة، فنفيه لا ~~يقتضى نفى الرؤية، لأن نفى الأخص لا يقتضى نفى الأعم فأنت ترى الشمس ~~والقمر ولكنك لا تدرك كنههما وحقيقتهما. هذا وهناك خلاف مشهور بين أهل ~~السنة والمعتزلة فى مسألة رؤية الله - تعالى - فى الآخرة. أما أهل السنة ~~فيجيزن ذلك ويستشهدون بالكتاب والسنة، فمن الكتاب قوله - تعالى - # وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة # ومن السنة ما رواه الشيخان عن جرير بن عبد الله البجلى قال كنا جلوسا ~~عند النبى صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر وقال # " إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون فى رؤيته فإن استطعتم ~~أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ { ~~وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~الغروب } ". # قال الإمام ابن كثير " تواترت الأخبار عن النبى صلى الله عليه وسلم أن ~~المؤمنين يرون الله فى ms1846 الدار الآخرة فى العرصات وفى روضات الجنات ". أما ~~المعتزلة فيمنعون رؤية المؤمنين لله - تعالى - فى الآخرة، واستدلوا فيما ~~استدلوا بهذه الآية، وقالوا إن الإدراك المضاف إلى الأبصار إنما هو ~~الرؤية ولا فرق بين ما أدركته ببصرى ورأيته إلا فى اللفظ. والذى نراه أن ~~رأى أهل السنة أقوة لأن ظواهر النصوص تؤيدهم ولا مجال هنا لبسط حجج كل ~~فريق، فقد تكفلت بذلك كتب علم الكلام. وقوله { وهو يدرك ~~الأبصار } أى وهو يدرك القوة التى تدرك بها المبصرات. ويحيط بها ~~علما، إذ هو خالق القوى والحواس. وقوله { وهو اللطيف الخبير } ~~أى هو الذى يعامل عباده باللطف والرأفة وهو العليم بدقائق الأمور ~~وجلياتها. ثم أخذ القرآن فى تثبيت النبى صلى الله عليه وسلم وفى تسليته، ~~وفى مدح ما جاء به من هدايات فقال - تعالى - { قد جآءكم.... }. ### || [6.104-110] # قوله { قد جآءكم بصآئر من ربكم } البصائر جمع بصيرة، ~~وهى للقلب بمنزلة البصر للعين، فهى النور الذى يبصر به القلب، كما أن ~~البصر هو النور الذى تبصر به العين. والمراد بها آيات القرآن ودلائله ~~التى يفرق بها بين الهدى والضلالة. أى قد جاءكم أيها الناس من ربكم ~~وخالقكم هذا القرآن ودلائله التى يفرق بها بين الهدى والضلالة. أى قد ~~جاءكم أيها الناس من ربكم وخالقكم هذا القرآن بآياته وحججه وهداياته لكى ~~تميزوا بين الحق والباطل، وتتبعوا الصراط المستقيم. وإطلاق البصائر على ~~هذه الآيات من إطلاق اسم المسبب على السبب. وقوله { فمن أبصر ~~فلنفسه ومن عمي فعليها } أى فمن أبصر الحق وعلمه بواسطة ~~تلك البصائر وآمن به فلنفسه أبصر وإياها نفع، ولسعادتها ما قدم من ألوان ~~الخير، ومن عمى عن الحق وجهله بإعراضه عن هذه البصائر فعلى نفسه وحدها ~~جنى وإياها ضرب العمى وهذا كقوله - تعالى - # إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم ~~فلها # وقوله # من عمل صالحا فلنفسه ومن أسآء فعليها # واختتمت الآية بقوله { ومآ أنا عليكم بحفيظ } أى وما أنا ~~عليكم برقيب أحصى عليكم أعمالكم، وأحفظكم من الضلال، وإنما أنا على ~~البلاغ والله وحده هو الذى ms1847 يحصى عليكم أعمالكم ويجازيكم عليها بما ~~تستحقون. وقوله { وكذلك نصرف الآيات } أى وكما فصلنا الآيات ~~الدالة على التوحيد فى هذه السورة تفصيلا بديعا محكما نفصل الآيات ~~ونبينها وننوعها فى كل موطن لتقوم على الجاحدين الحجة، وليزداد المؤمنون ~~إيمانا على إيمانهم. { وليقولوا درست } يقال درس الكتاب يدرسه ~~دراسة إذا أكثر قراءته وذلك للحفظ. وأصله من درس الحنطة يدرسها درسا ~~ودراسا إذا داسها، فكأن التالى يدوس الكلام فيخفف على لسانه. والمعنى ~~وليقول المشركون فى الرد عليك إنك يا محمد قد قرأت الكتب على أهل الكتاب ~~وتعلمت منهم، وحفظت عن طريق الدراسة أخبار من مضى، ثم جئتنا بعد كل ذلك ~~تزعم أن ما جئت به من عند الله، وما هو من عند الله. وقد حكى القرآن فى ~~مواضع كثيرة التهم الباطلة التى وجهها المشركون إلى النبى صلى الله عليه ~~وسلم ومن ذلك قوله - تعالى - # وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه ~~وأعانه عليه قوم آخرون فقد جآءوا ظلما وزورا * ~~وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى ~~عليه بكرة وأصيلا # قال ابن عباس { وليقولوا } يعنى أهل مكة حين تقرأ عليهم القرآن { ~~درست } يعنى تعلمت من يسار وخير - وكانا عبدين من سبى الروم - ثم ~~قرأت علينا تزعم أنه من عند الله. وقال الفراء معناه، تعلمت من اليهود ~~لأنهم كانوا معروفين عند أهل مكة بالعلم والمعرفة. # وقرىء دارست - بالألف وفتح التاء - أى دارست غيرك ممن يعلم الأخبار ~~الماضية كأهل الكتاب، من المدارسة بين الإثنين، أى قرأت عليهم وقرءوا ~~عليك. قال تعالى # ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر ~~لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان ~~عربي مبين # وقرىء - أيضا - درست - بفتح الدال والراء والسين وسكون التاء - أى ~~وليقولوا مضت وقدمت وتكررت على الأسماع، وقد حكى القرآن أنهم قالوا ~~أساطير الأولين قال - تعالى - # حتى إذا جآءوك يجادلونك يقول الذين كفروا ~~إن هذآ إلا أساطير الأولين # وهذه القراءات الثلاث متواترة وهناك قراءات أخرى شاذة لا مجال لذكرها ~~هنا. وقوله { ولنبينه لقوم يعلمون } أى ولنبين ونوضح ~~هذا القرآن لقوم ms1848 يعلمون الحق فيتبعونه والباطل فيجتنبونه، فهم المنتفعون ~~به دون سواهم. فالضمير فى { ولنبينه } يعود إلى القرآن لكونه ~~معلوما وإن لم يجر له ذكر، وقيل يعود إلى الآيات لأنها فى معنى القرآن. ~~قال صاحب الكشاف فإن قلت أى فرق بين اللامين فى { وليقولوا } و { ~~لنبينه }؟ قلت الفرق بينهما أن الأول مجاز والثانية حقيقة، وذلك ~~لأن الآيات صرفت للنبيين ولم تصرف ليقولوا درست، ولكن لأنه حصل هذا القول ~~بتصريف الآيات كما حصل للنبيين شبه به فسيق مساقه. ثم أمر الله تعالى ~~رسوله صلى الله عليه وسلم أن يستمر فى دعوته دون أن يعول على تعنت ~~المشركين فقال - تعالى - { اتبع مآ أوحي إليك من ربك ~~لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين }. أى عليك يا ~~محمد أن تداوم على تبليغ رسالتك، متبعا فى ذلك ما أوحاه إليك ربك الذى لا ~~إله إلا هو من آيات وهدايات، معرضا عن المشركين الذين يفترون على الله ~~الكذب وهم يعلمون. وجملة { لا إله إلا هو } معترضة لتأكيد ~~إيجاب الاتباع، أو حال مؤكدة لقوله " من ربك " بمعنى منفردا فى ~~الألوهية. ثم هون عليه أمر إعراضهم فقال - تعالى - { ولو شآء ~~الله مآ أشركوا }. أى ولو شاء الله عدم إشراكهم لما أشركوا، ~~ولكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك لأنه جرت سنته برعاية الاستعدادات. قال ~~الآلوسى " وهذا دليل أهل السنة على أنه تعالى - لا يريد إيمان الكافر لكن ~~لا بمعنى أنه يمنعه عنه مع توجهه إليه، ولكن بمعنى أنه - تعالى - لا ~~يريده منه لسوء اختياره الناشىء من سوء استعداده ". وقوله { وما ~~جعلناك عليهم حفيظا ومآ أنت عليهم بوكيل } أى ~~وما جعلناك عليهم حفيظا يحفظ عليهم أعمالهم لتحاسبهم وتجازيهم عليها وما ~~أنت عليهم بوكيل تدبر عليهم أمورهم وتتصرف فيها، وإنما أنت وظيفتك ~~التبليغ قال - تعالى - # فإن تولوا فإنما عليك البلاغ # وعلينا الحساب # وقال - تعالى - # فذكر إنمآ أنت مذكر لست عليهم بمصيطر # ثم أرشد الله المؤمنين إلى مكارم الأخلاق، فنهاهم عن سب آلهة المشركين ~~حتى لا يقابلهم المشركون بالمثل فقال - تعالى - { ولا تسبوا ~~الذين ms1849 يدعون من دون الله }. السب الشتم الوضيع وذكر مساوىء ~~الغير لمجرد التحقير والإهانة. وعدوا مصدر بمعنى العدوان والظلم ~~والتجاوز من الحق إلى الباطل وهو مفعول مطلق " لتسبوا ". من معناه، لأن ~~السب عدوان، وقيل هو حال من ضمير { يسبوا } مؤكدة لمضمون الجملة ~~وكذلك قوله { بغير علم }. والمعنى ولا تسبوا أيها المؤمنون آلهة ~~المشركين الباطلة فيترتب على ذلك أن يسب المشركون معبودكم الحق جهلا منهم ~~وضلالا. قال الآلوسى " ومعنى سبهم لله - تعالى - إفضاء كلامهم إليه ~~كشتمهم له صلى الله عليه وسلم ولمن يأمره وقد فسر { بغير علم } ~~بذلك أى فيسبوا الله - تعالى - بغير علم أنهم يسبونه وإلا فالقوم كانوا ~~يقرون بالله - تعالى - وعظمته وأن آلهتهم إنما عبدوها لتكون شفعاء لهم ~~عنده - سبحانه - فكيف يسبونه؟ ويحتمل أن يراد سبهم له - عز وجل - صراحة ~~ولا إشكال بناء على أن الغضب والغيظ قد يحملهم على ذلك، ألا ترى أن ~~المسلم قد تحمله شدة غيظة على التكلم بالكفر! ومما شاهدناه أن بعض جهلة ~~العوام رأى بعض الرافضة يسب الشيخين - أبا بكر وعمر - فغاظه ذلك جدا فسب ~~عليا - كرم الله وجهه - فسئل عن ذلك فقال ما أردت إلا إغاظتهم ولم أر ~~شيئا يغيظهم مثل ذلك فاستتيب عن هذا الجهل العظيم ". وقد روى المفسرون ~~فى سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات منها ما رواه معمر عن قتادة قال " ~~كان المسلمون يسبون أوثان الكفار فيسب الكفار الله عدوا بغير علم فنزلت ~~". قال صاحب الكشاف " فإن قلت سب الآلهة الباطلة حق وطاعة فكيف صح النهى ~~عنه وإنما يصح النهى عن المعاصى؟ قلت رب طاعة علم أنها تؤدى إلى مفسدة ~~فتخرج عن أن تكون طاعة فيجب النهى عنها لأنها معصية لا لأنها طاعة. ~~كالنهى عن المنكر هو من أجل الطاعات، فإذا علم أنه يؤدى إلى زيادة الشر ~~انقلب إلى معصية ووجب النهى عن ذلك كما يجب النهى عن المنكر ". وقال ~~الشيخ القاسمى " قال ابن الفارس فى الآية إنه متى خيف من سب الكفار ~~وأصنامهم أن يسبوا الله أو رسوله أو القرآن ms1850 لم يجز أن يسبوا الهتهم ولا ~~دينهم، وهذا أصل فى سد الذرائع ". وقال السيوطى " وقد يستدل بها على سقوط ~~وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إذا خيف من ذلك مفسدة أقوى وكذا كل ~~مفعول مطلوب ترتب على فعله مفسدة أقوى من مفسدة تركه ". # وقال الحاكم نهوا عن سب الأصنام لوجهين أحدهما أنها جماد لا ذنب لها. ~~والثانى أن ذلك يؤدى إلى المعصية بسب الله - تعالى -. والذى يجب علينا ~~إنما هو بيان بغضها وأنه لا تجوز عبادتها، وأنها لا تضر ولا تنفع، وأنها ~~لا تستحق العبادة، وهذا ليس بسب. ولهذا قال أمير المؤمنين على - يوم صفين ~~- " لا تسبوهم ولكن اذكروا قبيح أفعالهم ". وقال بعض العلماء ووجه النهى ~~عن سب أصنامهم هو أن السب لا تترتب عليه مصلحة دينية، لأن المقصود من ~~الدعوة هو الاستدلال على إبطال الشرك وإظهار استحالة أن تكون الأصنام ~~شركاء لله - تعالى - فذلك الذى يتميز به المحق من المبطل، فأما السب فإنه ~~مقدور للمحق وللمبطل فيظهر بمظهر التساوى بينهما، وربما استطاع المبطل ~~بوقاحته وفحشه مالا يستطيعه المحق، فيلوح للناس أنه تغلب على المحق. على ~~أن سب آلهتهم لما كان يحمى غيظهم ويزيد تصلبهم صار منافيا لمراد الله من ~~الدعوة فقد قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم # وجادلهم بالتي هي أحسن # وأصبح هذا السب متمحضا للمفسدة وليس مشوبا بمصلحة، وليس هذا مثل تغيير ~~المنكر إذا خيف إفضاؤه إلى مفسدة، لأن تغيير المنكر مصلحة بالذات وإفضاؤه ~~إلى المفسدة بالعرض. وذلك مجال تتردد فيه أنظار العلماء المجتهدين بحسب ~~الموازنة بين المصالح والمفاسد قوة وضعفا وتحققا واحتمالا، وكذلك القول ~~فى تعارض المصالح والمفاسد كلها. وهذه الآية الكريمة ليست منسوخة بآية ~~السيف - كما قيل - وإنما هى محكمة ولذا قال القرطبى قال العلماء حكمها ~~باق فى هذه الأمة على كل حال فمتى كان الكافر فى منعة وخيف أن يسب ~~الإسلام أو النبى صلى الله عليه وسلم أو الله - تعالى - فلا يحل لمسلم ~~أن يسب صلبانهم ولا كنائسهم، ولا يتعرض إلى ما يؤدى إلى ms1851 ذلك، لأنه بمنزلة ~~البعث على المعصية ". وقوله { كذلك زينا لكل أمة ~~عملهم }. التزيين تفعيل من الزين وهو الحسن. والمعنى مثل ذلك ~~التزيين الذى حمل المشركين على الدفاع عن عقائدهم الباطلة جهلا منهم ~~وعدوانا، زينا لكل أمة من الأمم عملهم، من الخير والشر والإيمان والكفر، ~~فقد مضت سننا فى أخلاق البشر أن يستحسنوا ما تعودوه، وأن يتعلقوا بما ~~ألفوه. وقيل المراد بكل أمة أمم الفكر لأن الكلام فيهم. والمراد بعملهم. ~~شرورهم ومفاسدهم. والمشبه به تزيين سب الله - تعالى - لهم. أى كما زينا ~~لهؤلاء المشركين سوء أعمالهم زينا لكل أمة من الأمم الماضية على الضلال ~~عملهم السىء. قال الآلوسى " وقد استدل بالآية على أنه - تعالى - هو الذى ~~زين للكافر كفره كما زين للمؤمن إيمانه. وأنكر ذلك المعتزلة فتأولوا ~~الآية بما لا يخفى ضعفه ". # وقال صاحب المنار " فظهر بهذا التزيين أثر لأعمال اختيارية لا جبر فيها ~~ولا إكراه وليس المراد به أن الله خلق فى قلوب بعض الأمم تزيينا للكفر ~~والشر، وفى قلوب بعضها الآخر تزيينا للإيمان والخير خلقا ابتدائيا من ~~غير أن يكون لهم عمل اختيارى نشأ عنه ذلك، إذ لو كان الأمر كما ذكر لكان ~~الإيمان والكفر والخير والشر من الغرائب الخلقية التى تعد الدعوة إليها ~~والترغيب فيها وما يقابلهما من النهى والترهيب عنها من العبث الذى يتنزه ~~الله عن إرسال الرسل وإنزال الكتب لأجله. وقد غفلت المعتزلة عن هذا ~~التحقيق فأول بعضهم الآية بأنها خاصة بالمؤمنين الذين زين الله فى قلوبهم ~~الإيمان، وبعضهم بغير ذلك ". ثم ختم الله - تعالى - الآية بقوله { ثم ~~إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا ~~يعملون } أى ثم إلى ربهم أمورهم ورجوعهم ومصيرهم بعد البعث، فيخبرهم ~~من غير تسويف أو تأخير بما كانوا يعملونه فى الدنيا، ويجازيهم على ذلك ~~بما يستحقونه. وفى هذه الجملة الكريمة تهديد وتوبيخ لأولئك المشركين ~~الذين تجاسروا على مقام الله، وزين لهم سوء أعمالهم فرأوه حسنا. ثم حكى ~~القرآن بعض المقترحات المتعنتة التى كان يقترحها المشركون على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ms1852 فقال { وأقسموا بالله جهد أيمانهم ~~}. الجهد الوسع والطاقة من جهد نفسه يجهدها فى الأمر إذا بلغ أقصى وسعها ~~وطاقتها فيه. وهو مصدر فى موضع الحال. أى وأقسم أولئك المشركون بالله ~~مجتهدين فى أيمانهم، مؤكدين إياها بأقصى ألوان التأكيد، معلنين أنهم لئن ~~جاءتهم آية من الآيات الكونية التى اقترحوها عليك يا محمد ليؤمنن بها ~~أنها من عند الله وأنك صادق فيما تبلغه عن ربك. وقد لقن الله - تعالى - ~~رسوله صلى الله عليه وسلم الرد المفحم لهم فقال { قل إنما الآيات ~~عند الله }. أى قل لهم يا محمد إن هذه الآيات التى اقترحتموها تعنتا ~~وعنادا مردها إلى الله، فهو وحده القادر عليها والمتصرف فيها حسب مشيئته ~~وحكمته، إن شاء أنزلها وإن شاء منعها، أما أنا فليس ذلك إلى. أخرج ابن ~~جرير - بسنده - عن محمد بن كعب القرظى قال # " كلم نفر من قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له، يا محمد ~~تخبرنا أن موسى كان معه عصا ضرب بها الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة ~~عينا، وتخبرنا أن عيسى كان يحيى الموتى، وتخبرنا أن ثمود كانت لهم ناقة ~~فأتنا بآية من هذه الآيات حتى نصدقك، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم " أى شىء تحبون أن آتيكم به "؟ قالوا، تجعل لنا الصفا ذهبا، فقال ~~لهم " فإن فعلت تصدقونى "؟ قالوا نعم. والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعون ~~فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فجاءه جبريل فقال، إن شئت أصبح ~~الصفا ذهبا على أن يعذبهم الله إذا لم يؤمنوا، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب ~~تائبهم، فقال صلى الله عليه وسلم " بل أتركهم حتى يتوب تائبهم " ، فأنزل ~~الله - تعالى - قوله { وأقسموا بالله جهد أيمانهم }. ~~إلى قوله { ولكن أكثرهم يجهلون } ". # وقوله { وما يشعركم أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون }. ~~أى وما يدريكم أيها المؤمنون الراغبون فى إنزال هذه الآيات طمعا فى إسلام ~~هؤلاء المشركين أنها إذا جاءت لا يؤمنون أى إذا جاءت هذه الآيات فأنا ~~أعلم أنهم لا يؤمنون وأنتم لا تعلمون ذلك ولذا توقعتم ms1853 إيمانهم ورغبتم فى ~~نزول الآيات. فالخطاب هنا للمؤمنين، والاستفهام فى معنى النفى، وهو إخبار ~~عنهم بعدم العلم وليس للانكار عليهم. أى إنكم إيها المؤمنون ليس عندكم ~~شىء من أسباب الشعور بهذا الأمر الغيبى الذى لا يعلمه إلا علام الغيوب ~~وهو أنهم لا يؤمنون إن جاءتهم الآيات التى يقترحونها على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تعنتا وجهلا. قال صاحب الكشاف { وما يشعركم } وما ~~يدريكم { أنهآ } أى الآية التى تقترحونها { إذا جآءت لا ~~يؤمنون } يعنى أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها وأنتم لا تدرون ~~بذلك، وذلك أن المؤمنين كانوا يطمعون فى إيمانهم إذا جاءت تلك الآية ~~ويتمنون مجيئها، فقال - عز وجل - وما يدريكم أنهم لا يؤمنون، وقيل إنها ~~بمعنى " لعل " من قول العرب ائت السوق أنك تشترى حمارا. وقال امرؤ ~~القيس. # عوجا على الطلل المحيل لأننا نبكى الديار كما بكى ابن خذام # أى لعلنا نبكى الديار. وقرىء بكسر " إنها " على أن الكلام قد تم قبله ~~بمعنى وما يشعركم ما يكون منهم؟ ثم أخبرهم بعلمه فيهم فقال " إنها إذا ~~جاءت لا يؤمنون البتة ". وقوله { ونقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة } معطوف ~~على { لا يؤمنون } وداخل معه فى حكم { وما يشعركم } مقيد ~~بما قيد به. أى وما يشعركم أنا نقلب أفئدتهم عن إدراك الحق فلا يفقهونه، ~~وأبصارهم عن اجتلائه فلا يبصرونه، كشأنهم فى عدم إيمانهم بما جاءهم أول ~~مرة من آيات. وهدايات على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ~~يقترحوا عليه تلك المقترحات الباطلة. إنكم إيها المؤمنون لا تدرون ذلك ~~ولا تشعرون به لأن علمه عند الله وحده. قال الآلوسى " وهذا التقليب ليس ~~مع توجه الأفئدة والأبصار إلى الحق واستعدادها له، بل لكمال نبوها عنه ~~وإعراضها بالكلية، ولذلك أخر ذكره عن ذكر عدم إيمانهم إشعارا بأصالتهم فى ~~الكفر، وحسما لتوهم أن عدم إيمانهم ناشىء من تقليبه - تعالى - مشاعرهم ~~بطريق الإجبار ". وقوله { ونذرهم في طغيانهم يعمهون } ~~معطوف على { لا يؤمنون }. والعمه التردد فى الأمر مع الحيرة ms1854 فيه، ~~يقال عمه كفرح ومنع - عمها إذا تردد وتحير. أى ونتركهم فى تجاوزهم الحد ~~فى العصيان يترددون متحيرين، لا يعرفون لهم طريقا، ولا يهتدون إلى سبيل. ~~ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المشركين الذين يزعمون أنهم لو جاءتهم آية ~~ليؤمنن بها كاذبون فى أيمانهم الفاجرة، فقال - تعالى - { ولو أننا ~~نزلنآ.... }. ### || [6.111-113] # المعنى ولو أننا يا محمد لم نقتصر على إيتاء ما اقترحه هؤلاء المشركون ~~من آيات كونية، بل أضفنا إلى ذلك أننا نزلنا عليهم الملائكة يشهدون بصدقك ~~وأحيينا لهم الموتى فشهدوا بحقيقة الإيمان، وزدنا على ذلك فجمعنا لهم ~~جميع الخلائق مقابلة ومعاينة حتى يواجهوهم بأنك على الحق، لو أننا فعلنا ~~كل ذلك ما استقام لهم الإيمان لسوء استعدادهم وفساد فطرهم، وانطماس ~~بصيرتهم، فإن قوما يمرون على تلك الآيات الكونية التى زخر بها هذا الكون ~~والتى استعرضتها هذه السورة فلا تتفتح لها بصائرهم، ولا تتحرك لها ~~مشاعرهم، ليسوا على استعداد لأن يخالط الإيمان شغاف قلوبهم، والذى ~~ينقصهم إنما هو القلب الحى الذى يتلقى ويتأثر ويستجيب وليس الآيات التى ~~يقترحونها فإن أمامهم الكثير منها، واقترحاتهم إنما هى نوع من العبث ~~السخيف، والتعنت المرذول الذى لا يستحق أن يهتم به. و { قبلا } - بضم ~~القاف والباء - حال من " كل شىء " وفيه أوجه الأول أنه جمع قبيل بمعنى ~~كفيل مثل قليب وقلب، أى وحشرنا عليهم كل شىء من المخلوقات ليكونوا كفلاء ~~بصدقك. والثانى أنه مفرد كقبل الإنسان ودبره فيكون معناه المواجهة ~~والمعاينة ومنه آتيك قبلا لا دبرا أى آتيك من قبل وجهك والمعنى. وحشرنا ~~عليهم كل شىء مواجهة وعيانا ليشهدوا بأنك على الحق. والثالث أن يكون قبلا ~~جمع قبيل لكن بمعنى جماعة جماعة أو صنفا صنفا والمعنى وحشرنا عليهم كل ~~شىء فوجا فوجا ونوعا نوعا من سائر المخلوقات ليشهدوا بصدقك. وجملة { ما ~~كانوا ليؤمنوا إلا أن يشآء الله } جواب لو. أى لو ~~فعلنا لهم كل ذلك ما كانوا ليؤمنوا فى حال من الأحوال بسبب غلوهم فى ~~التمرد والعصيان، إلى فى حال مشيئة الله إيمانهم فيؤمنوا، لأنه ms1855 - سبحانه ~~- هو القادر على كل شىء. وقوله { ولكن أكثرهم يجهلون ~~}. أى ولكن أكثر هؤلاء المشركين يجهلون أنهم لو أوتوا كل آية لم يؤمنوا ~~فهم لذلك يحلفون الأيمان المغلظة بأنهم لو جاءتهم آية ليؤمنن بها. أو ~~يجهلون أن الإيمان بمشيئة الله لا بخوارق العادات. وقيل الضمير يعود على ~~المؤمنين فيكون المعنى. ولكن أكثر المؤمنين يجهلون عدم إيمان أولئك ~~المشركين عند مجىء الآيات لجهلهم عدم مشيئة الله - تعالى - لإيمانهم، ~~فيتمنون مجىء الآيات طمعا فى إيمانهم. قال الشيخ القاسمى فى قوله { ~~إلا أن يشآء الله } حجة واضحة على المعتزلة لدلالته على أن ~~جميع الأشياء بمشيئة الله - تعالى - حتى الإيمان والكفر. وقد اتفق سلف ~~هذه الأمة وحملة شريعتها على أنه " ما شاء الله كان وما لم يشأ لهم يكن ~~". والمعتزلة يقولون " إلا أن يشاء الله مشيئة قسر وإكراه ". # ثم سلى الله - تعالى - نبيه عن تعنت المشركين وتماديهم فى الباطل ببيان ~~أن كل نبى كان له أعداء يسيئون إليه ويقفون عقبة فى طريق دعوته فقال { ~~وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس ~~والجن }. والمعنى ومثل ما جعلنا لك يا محمد أعداء يخالفونك ~~ويعاندونك جعلنا لكل نبى من قبلك - أيضا - أعداء، فلا يحزنك ذلك، قال - ~~تعالى - # ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ~~ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم # وقال - تعالى - # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين ~~وكفى بربك هاديا ونصيرا # والمراد بشياطين الإنس والجن، المردة من النوعين. والشيطان كل عات متمرد ~~من الإنس والجن. وجملة { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا ~~} الخ مستأنفة لتسلية النبى صلى الله عليه وسلم عما يشاهده من عداوة قريش ~~له، والكاف فى محل نصب على أنها نعت لمصدر مؤكد لما بعده. و جعل ينصب ~~مفعولين أولهما { عدوا } وثانيهما { لكل نبي } و { ~~شياطين } بدل من المفعول الأول، وبعضهم أعرب { شياطين } مفعولا ~~أولا و { عدوا } مفعولا ثانيا، و { لكل نبي } حالا من { ~~عدوا }. وقوله { يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ~~غرورا }. الوحى الإعلام بالأشياء من طريق خفى دقيق ms1856 سريع. زخرف القول ~~باطله الذى زين وموه بالكذب. وأصل الزخرف. الزينة المزوقة، ومنه قيل ~~للذهب زخرف، ولكل شىء حسن مموه زخرف. والغرور الخداع والأخذ على غرة ~~وغفلة. والمعنى يلقى بعضهم إلى بعض بطرق خفية دقيقة القول المزين المموه ~~الذى حسن ظاهره وقبح باطنه لكى يخدعوا به الضعفاء ويصرفونهم عن الحق إلى ~~الباطل. والجملة المستأنفة لبيان إحكام عداوتهم، أو حال من الشياطين وقد ~~ورد أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر أتباعه أن يستعيذوا بالله من شياطين ~~الإنس والجن، فعن أبى ذر قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ~~مجلس. قد أطال فيه الجلوس فقال # " يا أبا ذر هل صليت؟ قلت لا يا رسول الله. قال قم فاركع ركعتين قال ثم ~~جئت فجلست إليه فقال يا أبا ذر، هل تعوذت بالله من شياطين الجن والإنس؟ ~~قال قلت لا يا رسول الله، وهل للإنس من شياطين؟ قال نعم، هم شر من ~~شياطين الجن ". # وقد ساق الإمام ابن كثير عدة روايات عن أبى ذر فى هذا المعنى، ثم قال ~~فى نهايتها " فهذه طرق لهذا الحديث ومجموعها يفيد قوته وصحته ". وقوله { ~~ولو شآء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون }. أى ~~ولو شاء ربك ألا يفعل هؤلاء الشياطين ما فعلوه من معاداة الأنبياء ومن ~~الإيحاء بالقول الباطل لتم له ذلك، لأنه - سبحانه - هو صاحب المشيئة ~~النافذة، والإرادة التامة ولكنه - سبحانه - لم يشأ أن يجبرهم على خلاف ~~ما زينته لهم أهواؤهم باختيارهم، لكى يميز الله الخبيث من الطيب. # فدعهم يا محمد وما يفترون من الكفر وغيره من ألوان الشرور، فسوف يعلمون ~~سوء عاقبتهم. وقوله { ولتصغى إليه أفئدة الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة }. معطوف على { غرورا } فيكون علة أخرى ~~للإيحاء، والضمير فى { إليه } يعود إلى زخرف القول. وأصل الصغو ~~الميل. يقال صغا يصغو ويصغى صغوا، وصغى يصغى صغا أى مال، وأصغى إليه مال ~~إليه يسمعه، وأصغى الإناء أماله. ويقال صغت الشمس والنجوم صغوا مالت إلى ~~الغروب. والمعنى يوحى بعضهم إلى بعضهم زخرف القول ليغروا به الضعفاء، ms1857 ~~ولتميل إلى هذا الزخرف الباطل من القول قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~لموافقته لأهوائهم وشهواتهم. وخص عدم إيمانهم بالآخرة بالذكر - مع أنهم ~~لا يؤمنون بأمور أخرى يجب الإيمان بها - لأن من لم يؤمن بالآخرة وما ~~فيها من ثواب وعقاب يمشى دائما وراء شهواته وأهوائه ولا يتبع إلا زخرف ~~القول وباطله. ثم بين - سبحانه - تدرجهم السىء فى هذا العمل الأثيم فقال ~~{ وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون }. أى ~~وليرضوا هذا الفعل الخبيث لأنفسهم بعد أن مالت إليه قلوبهم، وليقترفوا ما ~~هم مقترفون أى وليكتسبوا ما هم مكتسبون من الأعمال السيئة فإن الله - ~~تعالى - سيجازيهم عليها بما يستحقونه. وأصل القرف والاقتراف. قشر اللحاء ~~عن الشجر، والجلدة عن الجرح. واستعير الاقتراف للاكتساب مطلقا ولكنه فى ~~الإساءة أكثر. فيقال قرفته بكذا إذا عبته واتهمته. قال أبو حيان وترتيب ~~هذه المفاعيل فى غاية الفصاحة، لأنه أولا يكون الخداع، فيكون الميل، ~~فيكون الرضا، فيكون الاقتراف، فكل واحد مسبب عما قبله. ثم أمر الله - ~~تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يصارح المشركين بأن الله وحده هو ~~الحكم الحق، وإن كتابه هو الآية الكبرى الدالة على صدقه فيما يبلغه عنه ~~فقال - تعالى- { أفغير الله... }. ### || [6.114-117] # روى أن مشركى مكة قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم واجعل بيننا حكما ~~من أحبار اليهود أو من أساقفة النصارى ليخبرنا عنك بما فى كتابهم من أمرك ~~فنزل قوله - تعالى - { أفغير الله أبتغي حكما } الآية. ~~وقوله { أفغير الله أبتغي حكما } كلام مستأنف على إرادة ~~القول، والهمزة للإنكار، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام. والحكم - ~~بفتحتين - هو من يتحاكم إليه الناس ويرضون بحكمه، وقالوا إنه أبلغ من ~~الحاكم " وأدل على الرسوخ، كما أنه لا يطلق إلا على العادل وعلى من تكرر ~~منه الحكم بخلاف الحاكم. والمعنى قل يا محمد لهؤلاء المشركين، أأميل إلى ~~زخارف الشياطين، فأطلب معبودا سوى الله - تعالى - ليحكم بينى وبينكم، ~~ويفصل المحق منها من المبطل. وأسند صلى الله عليه وسلم الابتغاء لنفسه لا ~~إلى المشركين، لإظهار كمال النصفة أو لمراعاة قولهم ms1858 إجعل بيننا وبينك ~~حكما. و غير مفعول ل { أبتغي } و { حكما } إما أن يكون حالا لغير ~~أو تمييزا له. وجملة { وهو الذي أنزل إليكم الكتاب ~~مفصلا } حالية مؤكدة للإنكار أى أفغير الله أطلب من يحكم بينى ~~وبينكم، والحال أنه - سبحانه - هو الذى أنزل إليكم الكتاب مفصلا، أى ~~مبينا فيه الحق والباطل، والحلال والحرام، والخير والشر، وغير ذلك من ~~الأحكام التى أنتم فى حاجة إليها فى دينكم ودنياكم، وأسند الإنزال إليهم ~~لاستمالتهم نحو المنزل واستدعائهم إلى قبول حكمه، لأن من نزل الشىء من ~~أجله، من الواجب عليه أن يتقبل حكمه. ثم ساق - سبحانه - دليلا آخر على أن ~~القرآن حق فقال { والذين آتيناهم الكتاب يعلمون ~~أنه منزل من ربك بالحق }. أى والذين آتيناهم الكتاب ~~أى التوراة والإنجيل من اليهود والنصارى يعلمون علم اليقين أن هذا ~~القرآن منزل عليك من ربك بالحق. لأنهم يجدون فى كتبهم البشارات التى تبشر ~~بك، ولأن هذ القرآن الذى أنزله الله عليك مصدق لكتبهم ومهيمن عليها. فهذه ~~الجملة الكريمة تقرير لكون القرآن منزلا من عند الله، لأن الذين وثق بهم ~~المشركون من علماء أهل الكتاب عالمون بحقيقته وأنه منزل من عند الله. ~~وقوله { فلا تكونن من الممترين } أى فلا تكونن من الشاكين ~~فى أن أهل الكتاب يعلمون أن القرآن منزل من عند ربك بالحق، لأن عدم ~~اعتراف بعضهم بذلك مرده إلى الحسد والجحود، وهذا النهى إنما هو زيادة فى ~~التوكيد، وتثبيت لليقين، كى لا يجول فى خاطره طائف من التردد فى هذا ~~اليقين. قال ابن كثير وهذا كقوله - تعالى - # فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك فاسأل الذين ~~يقرءون الكتاب من قبلك لقد جآءك الحق من ~~ربك فلا تكونن من الممترين # قال وهذا شرط، والشرط لا يقتضى وقوعه، ولهذا جاء عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال # " لا أشك ولا أسأل ". # وقيل الخطاب لكل من يتأتى له الخطاب على معنى أنه إذا تعاضدت الأدلة على ~~صحته وصدقه فلا ينبغى أن يشك فى ذلك أحد. وقيل الخطاب ms1859 للنبى صلى الله ~~عليه وسلم والمقصود أمته، لأنه صلى الله عليه وسلم حاشاه من الشك. ثم بين ~~- سبحانه - أن هذا الكتاب كامل من حيث ذاته بعد أن بين كماله من حيث ~~إضافته إليه - تعالى - بكونه منزلا منه بالحق فقال - تعالى - { وتمت ~~كلمت ربك صدقا وعدلا } وقرىء كلمات ربك. والمراد بها - ~~كما قال قتادة وغيره - القرآن. أى كمل كلامه - تعالى - وهو القرآن، وبلغ ~~الغاية فى صدق أخباره ومواعيده، وفى عدل أحكامه وقضاياه. وصدقا وعدلا ~~مصدران منصوبان على الحال من { ربك } أو من { كلمت } وقيل هما ~~منصوبان على التمييز. وجملة { لا مبدل لكلماته } مستأنفة ~~لبيان فضل هذه الكلمات على غيرها أثر بيان فضلها فى ذاتها. أى لا مغير ~~لها بخلف فى الأخبار، أو نقض فى الأحكام، أو تحريف أو تبديل كما حدث فى ~~التوراة والإنجيل، وهذا ضمان من الله - تعالى - لكتابه بالحفظ والصيانة، ~~قال - تعالى - # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # ثم ختمت الآية بقوله { وهو السميع العليم } أى هو - سبحانه - ~~السميع لكل ما من شأنه أن يسمع، العليم بكل ما يسرون وما يعلنون. وبعد أن ~~أقام - سبحانه - الأدلة على وحدانيته وصدق نبيه صلى الله عليه وسلم أتبع ~~ذلك بنهيه صلى الله عليه وسلم عن الالتفات إلى جهالات أعدائه فقال - ~~تعالى - { وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن ~~سبيل الله }. أى وإن تطع أكثر من فى الأرض من الناس الذين استحبوا ~~العمى على الهدى يضلوك عن الطريق المستقيم، وعن الدين القويم الذى شرعه ~~الله لعباده، لأن هؤلاء المجادلين ما يتبعون فى جدالهم وعقائدهم وأعمالهم ~~إلا الظن الذى تزينه لهم أهواؤهم، وما هم ألا يخرصون أى يكذبون. وأصل ~~الخرص القول بالظن. يقال خرصت النخل خرصا - من باب قتل - حزرت ثمره ~~وقدرته بالظن والتخمين. واستعمل فى الكذب لما يداخله من الظنون الكاذبة، ~~فيقال خرص فى قوله - كنصر - أى كذب. قال صاحب المنار " وهذا الحكم القطعى ~~بضلال أكثر أهل الأرض ظاهر بما بينه به من اتباع الظن والخرص ولا سيما ~~فى ذلك العصر ms1860 - تؤيده تواريخ الأمم كلها، فقد اتفقت على أن أهل الكتاب ~~كانوا قد تركوا هداية أنبيائهم وضلوا ضلالا بعيدا، وكذلك أمم الوثنية ~~التى كانت أبعد عهدا عن هداية رسلهم وهذا من أعلام نبوته صلى الله عليه ~~وسلم وهو أمى لم يكن يعلم من أحوال الأمم إلا شيئا يسيرا من شئون ~~المجاورين لبلاد العرب خاصة ". # وقوله - سبحانه - { إن ربك هو أعلم من يضل عن ~~سبيله وهو أعلم بالمهتدين } تقرير للآية السابقة، ~~وتأكيد لما يفيده مضمونها، أى إن ربك الذى لا تخفى عليه خافية هو أعلم ~~منك ومن سائر خلقه بمن يضل عن طريق الحق وهو أعلم منك ومن سائر الخلق - ~~أيضا - بالمهتدين السالكين صراطه المستقيم، فعليك - أيها العاقل - أن ~~تكون من فريق المهتدين لتسعد كما سعدوا واحذر أن تركن إلى فريق الضالين، ~~فتشقى كما شقوا. وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة قد قررت أن الله وحده هو ~~الحكم العدل، وأن كتابه هو المهيمن على الكتب السابقة، وأن أهل الكتاب ~~يعرفون ذلك كما يعرفون أبناءهم، وأنه - سبحانه - قد تكفل بحفظ كتابه من ~~التغيير والتبديل، وأن الطبيعة الغالبة فى البشر هى اتباع الظنون ~~والأهواء، لأن طلب الحق متعب، والكثيرون لا يصبرون على مشقة البحث ~~والتمحيص، والقليلون هم الذين يتبعون اليقين فى أحكامهم، والله وحده هو ~~الذى يعلم الضالين والمهتدين من عباده. وبعد أن أقام - سبحانه - الأدلة ~~على وحدانيته وكمال قدرته. وسعة علمه ورد على الشبهات التى أثارها ~~المشركون حول الدعوة الإسلامية بما يخرس ألسنتهم. وأثبت - سبحانه - أنه ~~هو الحكم الحق، وأن كتابه هو الكتاب الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ~~ولا من خلفه، وأن أكثر أهل الأرض يتبعون الظن فى أحكامهم، بعد كل ذلك ~~انتقل القرآن إلى الكلام فى مسألة كثر فيها الجدل بين المسلمين ~~والمشركين، وهى مسألة الذبائح ما ذكر عليه اسم الله منها وما لم يذكر ~~فقال - تعالى - { فكلوا مما ذكر.... }. ### || [6.118-122] # روى أبو داود بسنده عن ابن عباس قال أتى ناس إلى النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - فقالوا يا رسول الله ms1861 إنا نأكل ما نقتل ولا نأكل ما يقتل الله - ~~فأنزل الله - { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه }. إلى ~~قوله { وإن أطعتموهم إنكم لمشركون }. وذكر الواحدى ~~أن المشركين قالوا يا محمد أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها فقال الله ~~قتلها. قالوا فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال وما قتل الصقر أو الكلاب ~~حلال وما قتله الله حرام فأنزل الله - تعالى - قوله { فكلوا مما ~~ذكر اسم الله عليه } الآية. والخطاب فى الآية الكريمة ~~للمؤمنين الذين ضايقهم جدال المشركين لهم فى شأن الذبائح. والمعنى كلوا ~~أيها المؤمنون مما ذكر اسم الله عليه عند ذبحه واتركوا ما ذكر عليه اسم ~~غيره كالأوثان أو ما ذبح على النصب، أو ما ذكر اسم مع اسمه - تعالى - أو ~~ما مات حتف أنفه، ولا تضرنكم مخالفتكم للمشركين فى ذلك فإنهم ما يتبعون ~~فى عقائدهم ومآكلهم وأعمالهم إلا تقاليد الجاهلية وأوهامها التى لا ترتكز ~~على شىء من الحق. والفاء فى قوله { فكلوا } يرى الزمخشرى أنها جواب ~~لشرط مقدر والتقدير إن كنتم محقين فى الإيمان فكلوا، ويرى غيره أنها ~~معطوفة على محذوف والتقدير " كونوا على الهدى فكلوا ". وقوله { إن ~~كنتم بآياته مؤمنين } أى إن كنتم بآياته التى من جملتها ~~الآيات الواردة فى هذا الشأن مؤمنين، فإن الإيمان بها يقتضى استباحة ما ~~أحله سبحانه واجتناب ما حرمه. ثم أنكر - سبحانه - عليهم ترددهم فى أكل ما ~~أحله الله من طعام لأنهم لم يتعودوه قبل ذلك فقال { وما لكم ألا ~~تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه }. أى أى مانع يمنعكم ~~من أن تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه، وأى فائدة تعود عليكم من ذلك؟ ~~فالاستفهام لإنكار أن يكون هناك شىء يدعوهم إلى اجتناب الأكل من الذبائح ~~التى ذكر اسم الله عليها سواء أكانت تلك الذبائح من البحائر أو السوائب ~~أو غيرها مما حرمه المشركون على أنفسهم بدون علم. وقوله { وقد فصل ~~لكم ما حرم عليكم } جملة حالية مؤكدة للإنكار السابق أى ~~والحال أن الله - تعالى - قد فصل لكم على لسان رسلوكم ms1862 صلى الله عليه وسلم ~~ما حرمه عليكم من المطعومات، وبين لكم ذلك فى كتابه كما فى قوله - تعالى ~~- # قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو ~~لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله ~~به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور ~~رحيم # إذا فمن الواجب عليكم أيها المسلمون أن تأكلوا وأنتم مطمئنون من جميع ~~المطاعم التى أحلها الله لكم وذكر اسمه عليها ولو خالفتم فى ذلك المشركين ~~وأن تتجنبوا أكل ما حرمه الله عليكم ولو كان مما يستبيحه المشركون. وقوله ~~{ إلا ما اضطررتم إليه } استثناء مما حرم الله عليهم أكله. ~~أى إلا أن تدعوكم الضرورة إلى أكل شىء من هذه المحرمات بسبب شدة الجوع ~~ففى هذه الحالة يباح لكم أن تأكلوا من هذه المحرمات ما يحفظ عليكم ~~حياتكم. هذا هو حكم الله الذى يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر فعليكم ~~أن تتبعوه، وألا تلقوا بالا إلى أوهام المتخرصين وأصحاب الظنون الباطلة. ~~ثم نعى على المشركين جهالاتهم فقال { وإن كثيرا ليضلون ~~بأهوائهم بغير علم }. قرأ الجمهور " يضلون " بضم الياء، ~~والمعنى عليه وإن كثيرا من الكفار ليضلون غيرهم بتحريم الحلال وتحليل ~~الحرام بسبب أهوائهم الزائفة وشهواتهم الباطلة، دون أن يكون عندهم أى علم ~~مقتبس من وحى الله ومستنبط من عقل سليم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ~~" ليضلون " بفتح الياء، والمعنى عليه وإن كثيرا من الكفار لينحرفون عن ~~الحق ويقعون فى الضلال بسبب اتباعهم لأهوائهم بغير علم ولا هدى ولا كتاب ~~منير. وقراءة الجمهور أبلغ فى الذم لأنها تتضمن قبح فعلهم حيث ضلوا فى ~~أنفسهم وأضلوا غيرهم. وقوله { بغير علم } متعلق بمحذوف وقع حالا ~~أى يضلون مصاحبين للجهل. وقوله { إن ربك هو أعلم ~~بالمعتدين } أى أعلم منك يا محمد ومن كل مخلوق بالمتجاوزين لحدود ~~الحق إلى الباطل والحلال والحرام. ففى الجملة الكريمة التفات عن خطاب ~~المؤمنين إلى خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم. قال الإمام الرازى ms1863 وقد ~~دلت هذا الآية على أن القول فى الدين بمجرد التقليد حرام، لأن القول ~~بالتقليد قول بمحض الهوى والشهوة، والآية دلت على أن ذلك حرام. ثم أمر ~~الله عباده أن يتركوا ما ظهر من الآثام وما استتر فقال { وذروا ~~ظاهر الإثم وباطنه } أى اتركوا جميع المعاصى ما كان منها سرا ~~وما كان منها علانية، أو ما كان منها بالجوارج وما كان منها بالقلوب، لأن ~~الله - تعالى - لا يخفى عليه شىء. ثم بين - سبحانه - عاقبة المرتكبين ~~للآثام فقال { إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما ~~كانوا يقترفون } أى إن الذين يعملون المعاصى ويرتكبون القبائح ~~الظاهرة والباطنة لن ينجو من المحاسبة والمؤاخذة بل سيجزون بما يستحقونه ~~من عقوبات بسبب اجتراحهم للسيئات. وبعد أن أمر الله المؤمنين بالأكل مما ~~ذكر اسم الله عليه، نهاهم صراحة عن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه لشدة ~~العناية بهذا الأمر فقال - تعالى - { ولا تأكلوا مما لم ~~يذكر اسم الله عليه } أى لا تأكلوا أيها المسلمون من أى ~~حيوان لم يذكر عليه اسم الله عند ذبحه، بأن ذكر عليه اسم غيره، أو ذكر ~~اسم من اسمه - تعالى -، أو غير ذلك مما سبق بيانه من المحرمات. # وقوله { وإنه لفسق } جملة حالية والضمير يعود على الأكل من ~~الذى لم يذكر اسم الله عليه، أى وإن الأكل من ذلك الحيوان المذبوح الذى ~~لم يذكر اسم الله عليه لخروج عن طاعة الله - تعالى - وابتعاد عن الفعل ~~الحسن إلى الفعل القبيح، وفى ذلك ما فيه من تنفيرهم من أكل ما لم يذكر ~~اسم الله عليه. ثم كشف للمسلمين عن المصدر الذى يمد المشركين بمادة الجدل ~~حول هذه المسألة فقال { وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليآئهم ليجادلوكم }. أى وإن إبليس وجنوده ليوسوسون إلى ~~أوليائهم الذين اتبعوهم من المشركين ليجادلوكم فى تحليل الميتة وفى غير ~~ذلك من الشبهات الباطلة { وإن أطعتموهم } فى استحلال ما حرمه ~~الله عليكم { إنكم لمشركون }. قال ابن كثير أى حيث عدلتم عن ~~أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره فقدمتم عليه غيره ms1864 فهذا هو الشرك، كقوله ~~- تعالى - # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله # الاية، وقد ورى الترمذى فى تفسيرها عن عدى بن حاتم أنه قال يا رسول الله ~~ما عبدوهم فقال # " بلى إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم فذلك عبادتهم ~~إياهم ". # هذا، وقد استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى أن الذبيحة لا تحل إذا لم ~~يذكر اسم الله عليها وإن كان الذابح مسلما، وقد اختلف الفقهاء فى هذه ~~المسألة على ثلاثة أقوال. فمنهم من قال لا تحل الذبيحة التى يترك اسم ~~الله عليها سواء كان الترك عمدا أو سهوا، وإلى هذا الرأى ذهب ابن عمر ~~ونافع وعامر والشعبى ومحمد بن سيرين، وداود الظاهرى وفى رواية عن ~~الإمامين مالك وأحمد بن حنبل. واحتجوا لمذهبهم هذا بهذه الآية التى وصفت ~~ما ذبح ولم يذكر اسم الله عليه بأنه فسق، كما احتجوا بقوله - تعالى - # فكلوا ممآ أمسكن عليكم واذكروا اسم الله ~~عليه # وبالأحاديث التى وردت فى الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد كحديث عدى ~~بن حاتم وفيه # " إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ". # وحديث رافع بن خديج وفيه # " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه ". # أما القول الثانى فيرى أصحابه أن التسمية ليست شرطا بل هى مستحبة، ~~وتركها عن عمد أو نسيان لا يضر، وقد حكى هذا المذهب عن ابن عباس وأبى ~~هريرة وعطاء وهو مذهب الشافعى وأصحابه وفى رواية عن الإمامين مالك وأحمد ~~بن حنبل. وحجتهم أن هذه الآية { ولا تأكلوا مما لم يذكر ~~اسم الله عليه. # .. } واردة فيما ذبح لغير الله بأن يذكر على الذبيحة اسم الصنم كما كان ~~يفعل المشركون عند ذبائحهم. واحتجوا أيضا بما رواه الدارقطنى عن ابن ~~عباس أنه قال " إذا ذبح المسلم ولم يذكر اسم الله فليأكل فإن المسلم فيه ~~اسم من أسماء الله ". أما القول الثالث فيرى أصحابه أن ترك التسمية ~~نسيانا لا يضر، أما عمدا فلا تحل الذبيحة، وإلى هذا المذهب ذهب على وابن ~~عباس وسعيد بن المسيب والحسن البصرى ms1865 وهو المشهور من مذهب أحمد بن حنبل ~~وعليه أبو حنيفة وأصحابه. واحتجوا لمذهبهم بأحاديث منها ما رواه عبد الله ~~بن عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال # " إن الله وضع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ". # ولعل هذا المذهب أقرب المذاهب إلى الصواب، لأن المتعمد هو الذى يؤاخذ ~~على عمله أما الناسى فليس مؤاخذا. وقد تولت بعض كتب التفسير بسط الأقوال ~~فى هذه المسألة فليرجع إليها من شاء. ثم ضرب الله مثلا لحال المؤمن ~~والكافر فقال { أو من كان ميتا فأحييناه }. الهمزة ~~للاستفهام الإنكارى، وهى داخلة على جملة محذوفة للعلم بها من الكلام ~~السابق. والتقدير أأنتم أيها المؤمنون مثل أولئك المشركين الذين ~~يجادلونكم بغير علم وهل يعقل أن من كان ميتا فأعطيناه الحياة وجعلنا له ~~نورا عظيما يمشى به فيما بين الناس آمنا كمن مثله فى الظلمات ليس بخارج ~~منها. فالآية الكريمة تمثيل بليغ للؤمن والكافر لتنفير المسلمين عن طاعة ~~المشركين بعد أن نهاهم صراحة عن طاعتهم قبل ذلك فى قوله { وإن ~~أطعتموهم إنكم لمشركون }. فمثل المؤمن المهتدى إلى ~~الحق كمن كان ميتا هالكا فأحياه الله وأعطاه نورا يستضىء به فى مصالحه، ~~ويهتدى به إلى طرقه. ومثل الكافر الضال كمن هو منغمس فى الظلمات لا خلاص ~~له منها فهو على الدوام متحير لا يهتدى فكيف يستويان؟. والمراد بالنور ~~القرآن أو الإسلام، والمراد بالظلمات الكفر والجهالة وعمى البصيرة. فهو ~~كقوله - تعالى - # وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا ~~النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحيآء ~~ولا الأموات # وقوله { كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون } أى ~~مثل ذلك التزيين الذى تضمنته الآية - وهو تزيين نور الهدى للمؤمنين ~~وظلمات الشرك للضالين قد زين للكافرين ما كانوا يعملونه من الآثام كعداوة ~~النبى صلى الله عليه وسلم وذبح القرابين لغير الله - تعالى - وتحليل ~~الحرام، وتحريم الحلال وغير ذلك من المنكرات. وجمهور المفسرين يرون أن ~~المثل فى الآية عام لكل مؤمن وكل كافر وقيل إن المراد بمن أحياه الله ~~وهداه عمر بن ms1866 الخطاب، والمراد بمن بقى فى الظلمات ليس بخارج منها عمرو بن ~~هشام، فقد أخرج ابن أبى الشيخ أن الآية نزلت فيهما، وقيل نزلت فى عمار بن ~~ياسر وأبى جهل، وقيل فى حمزة وأبى جهل. # والذى نراه أن الآية عامة فى كل من هداه الله إلى الإيمان بعد أن كان ~~كافرا، وفى كل من بقى على ضلاله مؤثرا الكفر على الإيمان ويدخل فى ذلك ~~هؤلاء المذكورون دخولا أوليا. ثم سلى الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه ~~وسلم ببيان أن المترفين فى كل زمان ومكان هم أعداء الإصلاح، وأن ما لقيه ~~صلى الله عليه وسلم من أكابر مكة ليس بدعا بل هو شىء رآه الأنبياء قبله ~~على أيدى أمثال هؤلاء المترفين فقال - تعالى - { وكذلك جعلنا... ~~}. ### || [6.123-126] # أكابر جمع أكبر، وهم الرؤساء والعظماء فى الأمم. والمجرمون جمع مجرم، من ~~أجرم إذا اكتسب أمرا قبيحا، ومنه الجرم والجريمة للذنب والإثم. والمعنى ~~وكما جعلنا فى قريتك مكة رؤساء دعاة إلى الكفر وإلى عداوتك جعلنا فى كل ~~قرية من قرى الرسل من قبلك رؤساء من المجرمين مثلهم ليمكروا فيها، ~~ويتجبروا على الناس، ثم كانت العاقبة للرسل، فلا تبتئس يا محمد مما يصيبك ~~من زعماء مكة فتلك طبيعة الحياة فى كل عصر، أن يكون زعماء الأمم وكبراؤها ~~أشد الناس عداوة للرسل والمصلحين. قال الجمل وقوله { أكابر } مفعول ~~أول لجعل، وأكابر مضاف ومجرميها مضاف إليه، و { في كل قرية } ~~المفعول الثانى لجعل، ووجب تقديمه ليصح عود الضمير عليه، فهو على حد قوله # كذا إذا عاد عليه مضمر مما به عنه مبينا يخبر # هذا أحسن الأعاريب وهناك أوجه أخرى للأعراب لا تخلو من مقال. وخص ~~الأكابر بالمكر، لأنهم هم الحاملون لغيرهم على الضلال، وهم الذين يتبعهم ~~الضعفاء فى كفرهم وفجورهم. قال ابن كثير والمراد بالمكر هنا دعاؤهم غيرهم ~~إلى الضلالة بزخرف من المقال والفعال كقوله - تعالى - إخبارا عن قوم نوح # ومكروا مكرا كبارا # وكقوله # ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم ~~يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين ~~استضعفوا ms1867 للذين استكبروا لولا أنتم لكنا ~~مؤمنين * قال الذين استكبروا للذين ~~استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ ~~جآءكم بل كنتم مجرمين * وقال الذين استضعفوا ~~للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ ~~تأمروننآ أن نكفر بالله ونجعل له أندادا # الآية. وقوله - سبحانه - { وما يمكرون إلا بأنفسهم ~~وما يشعرون }. أى وما يمكر أولئك الأكابر المجرمون الذين يعادون ~~الرسل والمصلحين فى كل وقت إلا بأنفسهم، حيث يعود ضرره عليهم وحدهم فى ~~الدنيا والآخرة ولكنهم لانطماس بصيرتهم، لا يشعرون بأن مكرهم سيعود عليهم ~~ضرره، بل يتوهمون أنهم سينجون فى مكرهم بغيرهم من الأنبياء والمصلحين. ~~فالجملة الكريمة بيان لسنة من سنن الله فى خلقه، وهى أن المكر السىء لا ~~يحيق إلا بأهله، وفى ذلك تسلية للنبى صلى الله عليه وسلم عما يصيبه منهم، ~~وبشارة له، ولأصحابه بالنصر عليهم، ووعيد لأولئك الماكرين بسوء المصير. ~~وجملة { وما يشعرون } حال من ضمير يمكرون، وهى تسجل عليهم بلاهتهم ~~وجهالتهم حيث فقدوا الشعور بما من شأنه أن يعترف به كل عاقل. ثم حكى ~~القرآن لونا من ألوان مكرهم فقال { وإذا جآءتهم آية قالوا ~~لن نؤمن حتى نؤتى مثل مآ أوتي رسل الله }. أى ~~وإذا جاءت أولئك المشركين الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم " لئن جاءتهم ~~آية ليؤمنن بها " حجة قاطعة تشهد بصدقك يا محمد فيما تبلغه عن ربك، قالوا ~~حسدا لك، لن نؤمن لك يا محمد حتى نعطى من الوحى والرسالة مثلما أعطى رسل ~~الله، وأضافوا الإيتاء إلى رسل الله، لأنهم لا يعترفون بما أوتيه صلى ~~الله عليه وسلم من الوحى والرسالة. # روى أن الوليد بن المغيرة قال للنبى صلى الله عليه وسلم " لو كانت ~~النبوة حقا لكنت أنا أولى بها منك لأنى أكبر منك سنا وأكثر مالا فأنزل ~~الله هذه الآية ". وقال مقاتل " نزلت فى أبى جهل وذلك أنه قال زاحمنا بنو ~~عبد المطلب فى الشرف حتى إذا صرنا كفرسى رهان قالوا منا نبى يوحى إليه، ~~والله لا نؤمن به ولا نتبعه أبدا إلا أن يأتينا وحى كما يأتيه، فأنزل ms1868 ~~الله هذه الآية ". وقد رد الله - تعالى - على هؤلاء الحاسدين ردا حاسما ~~فقال { الله أعلم حيث يجعل رسالته } أى الله - سبحانه ~~- أعلم منهم ومن كل أحد بالموضع الصالح للرسالة فيضعها فيه فهو - سبحانه ~~- يختار لها بحكمته وعلمه من يستحقها وينهض بها. ويهب نفسه لها، وينسى فى ~~سبيلها ذاته. قال الإمام الرازى " وقوله - تعالى - { الله أعلم ~~حيث يجعل رسالته } أى أن للرسالة موضوعا مخصوصا لا يصلح ~~وضعها إلا فيه، فمن كان مخصوصا موصوفا بتلك الصفات لأجلها يصلح وضع ~~الرسالة فيه كان رسولا وإلا فلا، والعالم بتلك الصفات ليس إلا الله - ~~تعالى - ثم قال وفى هذه الجملة الكريمة تنبيه على دقيقة أخرى وهى أن أقل ~~ما لا بد منه فى حصول النبوة والرسالة والبراءة عن المكر والغدر والغل ~~والحسد، وقوله { لن نؤمن حتى نؤتى مثل مآ أوتي ~~رسل الله } عين المكر والغدر والغل والحسد، فكيف يعقل حصول النبوة ~~والرسالة مع هذه الصفات ". وهذه الجملة حجة لأهل الحق على أن الرسالة هبة ~~من الله يختص بها من يشاء من عباده، ولا ينالها أحد بكسبه ولا بذكائه ولا ~~بنسبه. ولذا قال الإمام الآلوسى " وجملة { الله أعلم }... الخ. ~~استئناف بيانى، والمعنى أن منصب الرسالة ليس مما ينال بما يزعمونه من ~~كثرة المال والولد، وتعاضد الأسباب والعدد، وإنما ينال بفضائل نفسانية، ~~ونفس قدسية أفاضها الله - تعالى - بمحض الكرم والجود على من كمل استعداده ~~". هذا. وقد وردت أحاديث كثيرة تحدث النبى صلى الله عليه وسلم فيها عن ~~اصطفاء الله له وفضله عليه، ومن ذلك ما رواه الإمام مسلم عن وائلة ابن ~~الأسقع قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله - عز وجل - اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من بنى ~~إسماعيل بنى كنانة، واصطفى من بنى كنانة قريشا، واصطفى من قريش بنى هاشم، ~~واصطفى من بنى هاشم محمدا صلى الله عليه وسلم ". # وروى الإمام أحمد عن المطلب عن أبى وداعة عن العباس عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال # " إن الله خلق الخلق فجعلنى ms1869 فى خير خلقه، وجعلهم فريقين، فجعلنى فى خير ~~فرقة، وخلق القبائل فجعلنى فى خير قبيلة، وجعلهم بيوتا، فجعلنى فى خيرهم ~~بيتا، فأنا خيركم بيتا وخيركم نفسا ". # ثم بين - سبحانه - عاقبة أولئك الماكرين الحاسدين للنبى - صلى الله عليه ~~وسلم - على ما آتاه الله من فضله فقال { سيصيب الذين أجرموا ~~صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون }. ~~قال القرطبى ما ملخصه " الصغار الضيم والذل والهوان. والمصدر الصغر ~~بالتحريك - وأصله من الصغر دون الكبر فكأن الذل يصغر إلى المرء نفسه وقيل ~~أصله من الصغر وهو الرضا بالذل. والصاغر الراضى بالذل. وأرض مصغرة نبتها ~~صغير لم يطل. ويقال صغر - بالكسر - يصغر صغرا وصغارا فهو صاغر إذا ذل ~~وهان ". والمعنى سيصيب الذين أجرموا بعد تكبرهم وغرورهم وتطاولهم ذل عظيم ~~وهوان شديد ثابت لهم عند الله فى الدنيا والآخرة، وبسبب مكرهم المستمر، ~~وعدائهم الدائم لرسل الله وأوليائه. والجملة الكريمة استئناف آخر ناع على ~~أولئك الماكرين ما سيلقونه من ألوان العقوبات بعد ما نعى عليهم حرمانهم ~~مما أنكره من إيتائهم مثل ما أوتى رسل الله، والسين للتأكيد. والعندية فى ~~قوله " عند الله " مجاز عن حشرهم يوم القيامة، أو عن حكمه سبحانه - ~~وقضائه فيهم بذلك، كقولهم ثبت عند فلان القاضى كذا أى فى حكمه، ولذا قدم ~~الصغار على العذاب لأنه يصيبهم فى الدنيا. قال ابن كثير ولما كان المكر ~~غالبا إنما يكون خفيا، وهو التلطف فى التحيل والخديعة، قوبلوا بالعذاب ~~الشديد من الله يوم القيامة جزاء وفاقا ولا يظلم ربك أحدا. وجاء فى ~~الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال # " ينصب لكل غادر لواء عند إسته يوم القيامة فيقال " هذه غدرة فلان بن ~~فلان " والحكمة فى ذلك أنه لما كان الغدر خفيا لا يطلع عليه الناس، فيوم ~~القيامة يصير علما منشورا على صاحبه بما فعل ". # ثم بين - سبحانه - حال المستعد لهداية الإسلام، وحال المستعد للضلال ~~فقال { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام }. أى فمن يرد الله أن يهديه للإسلام، ويوفقه له، يوسع ms1870 ~~صدره لقبوله، ويسهله له بفضله وإحسانه. وشرح الصدر توسعته، يقال شرح الله ~~صدره فانشرح، أى وسعه فاتسع، وهو مجاز أو كناية عن جعل النفس مهيأة لحلول ~~الحق فيها. مصفاة عما يمنعه وينافيه. روى عبد الرازق أن النبى صلى الله ~~عليه وسلم سئل عن هذه الآية كيف يشرح صدره؟ فقال # " نور يقذف فينشرح له وينفسح، قالوا فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال ~~الإنابة إلى دار الخلود، والتجافى عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل ~~لقاء الموت ". # وقوله { ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ~~} أى ومن يرد أن يضله لسوء اختياره، وإيثاره الضلالة على الهداية يصير ~~صدره ضيقا متزايد الضيق لا منفذ فيه للإسلام. والحرج مصدر حرج صدره حرجا ~~فهو حرج، أى ضاق ضيقا شديدا. وصف به الضيق للمبالغة، كأنه نفس الضيق، ~~وأصل الحرج مجتمع الشىء ويقال للحديقة الملتفة الأشجار التى يصعب دخولها ~~حرجة. وقرىء حرجا - بكسر الراء - صفة لقوله { ضيقا }. روى أن جماعة ~~من الصحابة قرأوا أمام عمر - رضى الله عنه - " ومن يرد أن يضله يجعل صدره ~~ضيقا حرجا " بكسر الراء فقال عمر " يا فتى ما الحرجة فيكم؟ قال الحرجة ~~فينا الشجرة تكون بين الأشجار التى لا تصل إليها راعية ولا وحشية. فقال ~~عمر كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شىء من الخير ". وقوله { كأنما ~~يصعد في السمآء } استئناف، أو حال من ضمير الوصف، أو وصف آخر ~~لقلب الضال، والمراد المبالغة فى ضيق صدره حيث شبه بمن يزاول ما لا يقدر ~~عليه، فإن صعود السماء مثل فيما هو خارج عن دائرة الاستطاعة. أى كأنما ~~إذا دعى إلى الإسلام قد كلف الصعود إلى السماء وهو لا يستطيعه بحال. ~~ويصعد أى يتصعد، بمعنى يتكلف الصعود فلا يقدر عليه. وفيه إشارة إلى أن ~~الإيمان يمتنع منه كما يمتنع منه الصعود. وقوله { كذلك يجعل ~~الله الرجس على الذين لا يؤمنون } أى مثل جعل الصدر ~~ضيقا حرجا بالإسلام، يجعل الله الرجس. أى العذاب، أو الخذلان، أو اللعنة ~~فى الدنيا على الذين لا يؤمنون بالإسلام. ms1871 ثم بين - سبحانه - أن طريق ~~الإسلام هو الطريق الحق المستقيم فقال { وهذا صراط ربك ~~مستقيما } أى وهذا البيان الذى جاء به القرآن، أو سبيل التوحيد، ~~وإسلام الوجه إلى الله، هو طريق ربك الواضح المستقيم الذى ارتضاه لعباده، ~~والذى لا ميل فيه إلى إفراط أو تفريط فى الاعتقادات والأخلاق والأعمال. و ~~{ مستقيما } حال مؤكدة لصاحبها وعاملها محذوف وجوبا مثل هذا أبوك ~~عطوفا، وقيل حال مؤسسة والعامل فيها معنى الإشارة أو ها التى للتنبيه. ~~وقوله { قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون } أى جعلناها ~~بينة واضحة مفصلة لقوم يتذكرون ما فيها من هدايات وإرشادات فيعملون بها ~~لينالوا السعادة فى الدنيا والآخرة. * * * ثم بين - سبحانه - ما أعده ~~للمتذكرين فقال { لهم دار... }. ### || [6.127-130] # أى أن هؤلاء المتذكرين المتقين لهم جنة عرضها السماوات والأرض فى جوار ~~ربهم وكفالته، وهو - سبحانه - { وليهم } أى متولى إيصال الخير ~~إليهم، أو محبهم أو ناصرهم بسبب أعمالهم الصالحة. وسميت الجنة بدار ~~السلام، لأن جميع حالاتها مقرونة بالسلامة من جميع المكاره. قال الجمل ~~وقوله { عند ربهم } فى المراد بهذه العندية وجوه أحدها أنها معدة ~~عنده كما تكون الحقوق معدة مهيأة حاضرة كقوله # جزآؤهم عند ربهم # وثانيها أن هذه العندية تشعر بأن هذا الأمر المدخر موصوف بالقرب من الله ~~بالشرف والرتبة لا بالمكان والجهة لتنزهه - تعالى - عنهما. وثالثهما هى ~~كقوله - تعالى - فى صفة الملائكة # ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته # وقوله # " أنا عند المنكسر قلوبهم وأنا عند ظن عبدى بى ". # ثم بين - سبحانه - جانبا من أحوال الظالمين يوم القيامة عند ما يقفون ~~أمام ربهم للحساب فقال { ويوم يحشرهم جميعا يامعشر ~~الجن قد استكثرتم من الإنس }. ففى هذه الآيات عرض ~~مؤثر زاخر بالحوار والاعتراف والمناقشة والحكم تحكيه السورة الكريمة وهى ~~تصور مشاهد المجرمين يوم القيامة. وقوله { ويوم يحشرهم ~~جميعا يامعشر الجن قد استكثرتم من الإنس }. ~~المعشر الجماعة الذين يعاشر بعضهم بعضا أو الذين يربطهم أمر مشترك بينهم ~~والمراد بالجن شياطينهم ومردتهم. والمعنى واذكر يا محمد - أو أيها العاقل ~~- يوم نحشر الضالين والمضلين جميعا من الإنس ms1872 والجن، فنقول للمضلين من ~~الجن { قد استكثرتم من الإنس } أى قد أكثرتم من إغوائكم ~~الإنس وإضلالكم إياهم، أو قد أكثرتم منهم بأن جعلتموهم أتباعكم، وأهل ~~طاعتكم، ووسوستم لهم بالمعاصى حتى غررتموهم وأوردتموهم هذا المصير ~~الأليم. و " يوم " منصوب على الظرفية والعامل فيه مقدر، أى اذكر يوم ~~نحشرهم جميعا. والضمير المنصوب فى " نحشرهم " لمن يحشر من الثقلين. وقيل ~~للكفار الذين تتحدث عنهم هذه الآيات. ووجه الخطاب إلى معشر الجن، لأنهم ~~هم الأصل فى إضلال أتباعهم من الإنس، وهم السبب فى صدهم عن السبيل ~~القويم. والمقصود من هذا القول لهم توبيخهم وتقريعهم على ما كان يصدر ~~منهم من إغواء الغافلين من الإنس. وهنا يحكى القرآن رد الضالين من ~~الإنس على هذا التوبيخ فيقول { وقال أوليآؤهم من الإنس ~~ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنآ أجلنا الذي ~~أجلت لنا }. أى وقال الذين أطاعوهم وانقادوا لهم من الإنس يا ~~ربنا، لقد استمتع بعضنا ببعض. أى انتفع الإنس بالجن حيث دلوهم على ~~المفاسد وما يوصل إليها، وانتفع الجن بالإنس، حيث أطاعوهم واستجابوا ~~لوسوستهم، وخالفوا أمر ربهم. وقال الحسن ما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا ~~أن الجن أمرت وعملت الإنس. أى فالجن نالت التعظيم منهم فعبدت، والإنس ~~بوسوستهم تمتعوا بإيثار الشهوات الحاضرة على اللذات الغائبة. # وقيل استمتاع الإنس بالجن معناه أن الرجل فى الجاهلية كان إذا سافر ~~فنزل بأرض قفر خاف على نفسه من الجن فيقول. أعوذ بسيد هذا الوداى من شر ~~سفهاء قومه، فيبيت فى جوارهم وأما استمتاع الجن بالإنس فهو أنهم قالوا. ~~سدنا الإنس حتى عاذوا بنا، فيزدادون بذلك شرفا فى قومهم وعظما فى ~~أنفسهم. وقيل استمتاع الإنس بالجن هو ما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف ~~والسحر والكهانة، واستمتاع الجن بالإنس هو طاعة الإنس لهم فيما يزينون ~~لهم من المعاصى فصاروا كالرؤساء لهم. والذى نراه. أن استمتاع الجن ~~بالإنس والإنس بالجن يتناول كل ذلك، حيث انتفع كل فريق من صاحبه باللذة ~~العاجلة التى أوردته إلى سوء المصير. وقولهم هذا، هو تحسر منهم على ~~حالهم، إذ قالوه ms1873 اعترافا بما فعلوه من طاعة للشياطين واتباع الهوى، ~~وتكذيب أمر البعث. وإنما قال الأتباع من الإنس هذا القول مع أن الخطاب ~~موجه إلى المتبوعين من شياطين الجن، للإيذان بأن شياطين الجن قد أفحموا. ~~ولم يستطيعوا أن ينطقوا أو يجيبوا. ثم أتبعوا تحسرهم هذا بتحسر آخر وهو ~~قولهم " وبلغنا أجلنا الذى أجلت لنا ". أى ها نحن يا ربنا قد استمتع ~~بعضنا ببعض فى الدنيا عن طريق الشهوات المحرمة. واللذات الفانية القبيحة، ~~وها نحن قد وصلنا بعد استمتاع بعضنا ببعض إلى الأجل الذى حددته لنا، وهو ~~يوم القيامة والجزاء. ونحن فى أقبح صورة وأسوأ عيش. وهنا يأتيهم الرد ~~الحاسم. والحكم النافذ من الله العلى الكبير. حيث يقول - سبحانه - { ~~قال النار مثواكم خالدين فيهآ إلا ما شآء الله ~~}. مثواكم الثواء مع الإقامة مع الاستقرار. يقال ثوى يثوى ثواء أى ~~استقر، والثوية مأوى الغنم. والمعنى قال الله - تعالى - لهؤلاء الظالمين ~~المعترفين على أنفسهم بارتكاب الموبقات النار منزلكم ومحل إقامتكم ~~الدائمة. فأنتم خالدين فيها فى كل وقت إلا فى وقت مشيئة الله بخلاف ذلك، ~~لأن الأمور كلها متروكة إليه، وخاضعة لمشيئته. والأرجح أن المراد بهذا ~~الاستثناء وبنظائره فى آيات أخر، المبالغة فى الخلود. أى أنه لا ينتفى فى ~~وقت ما إلا وقت مشيئته - تعالى - وهو سبحانه لا يشاء ذلك. فقد أخبر فى ~~آيات متعددة من كتابه أن هؤلاء الكفار لا يخرجون من النار أبدا. وفى ~~إيراد هذا المعنى بتلك الصورة، بلاغ للناس بأن مرد الأمور كلها إلى مشيئة ~~الله، وأن خلود المشركين فى نار جهنم إنما هو بمحض مشيئته، ولو شاء غير ~~ذلك ما خلدوا، وفيه إلى جانب ذلك تنكيل آخر بهؤلاء الأشقياء لأنهم قد ~~صاروا فى حيرة دائمة من أمرهم. تجعلهم مشتتين بين الطمع فى الخروج مما هم ~~فيه، واليأس منه. # وهذا التفسير للجملة الكريمة هو الذى نختاره ونرجحه، وهناك وجوه أخرى فى ~~تفسيرها منها ما ذهب إليه الزمخشرى حيث قال وقوله { خالدين فيهآ ~~إلا ما شآء الله } أى يخلدون فى عذاب النار الأبد ms1874 كله إلا ~~الأوقات التى ينقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب الزمهرير فقد روى أنهم ~~يدخلون واديا فيه من الزمهرير ما يميز بعض أوصالهم من بعض، فيتعاوون ~~ويطلبون الرد إلى الجحيم، أو أن يكون من قول الموتور - أى المظلوم - الذى ~~ظفر بواتره، ولم يزل يحرق عليه أنيابه، وقد طلب أن ينفس عن خناقه. أهلكنى ~~الله إن نفست عنك إلا إذا شئت، علم أنه لا يشاء إلى التشفى منه بأقصى ما ~~يقدر عليه من التعنت والتشديد. فيكون قوله إلا إذا شئت من أشد الوعيد مع ~~تهكم بالموعد لخروجه فى صورة الاستثناء الذى فيه إطماع. ومنها ما نقل عن ~~ابن عباس أنه - تعالى - استثنى قوما قد سبق فى علمه أنهم يدخلون فى ~~الإسلام، وهو مبنى على أن الاستثناء. ليس من المحكى وأن " ما " بمعنى " ~~من ". ومنها أنهم تفتح لهم أبواب الجنة ويخرجون من النار فإذا توجهوا ~~للدخول أغلقت فى وجوههم استهزاء بهم. فهم فيها إلا الوقت الذى يخرجون ~~منها متجهين إلى الجنة حيث تقفل فى وجوههم ليكون ذلك أعظم فى حسرتهم. ~~ومنها أن هذا الاستثناء إشارة إلى فناء النار. أى إلا وقت مشيئة الله ~~فناءها وزوال عذابها. وهى مسألة خلافية بين العلماء. وهناك أقوال أخرى لا ~~مجال لذكرها. والقول الذى نرجحه ونعتمده هو الذى سقناه أولا كما أشرنا ~~إلى ذلك من قبل لأنه قول المحققين من العلماء ولأنه يتناسب مع ما يليق ~~بذات الله من كمال قدرته. ونفاذ إرادته. وجملة { إن ربك حكيم ~~عليم } تسلية لبيان ما تقتضيه حكمته وإرادته. أى إن ربك حكيم فى ~~التعذيب والإثابة وفى كل أفعاله. عليم بأحوال الثقلين وأعمالهم وبما ~~يليق بها من جزاء. ثم يعقب القرآن على هذا الاستمتاع المتبادل بين ~~الضالين والمضلين من الجن والإنس فيقول { وكذلك نولي بعض ~~الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون }. ونولى من الولاية ~~بمعنى القرابة، والنصرة، والمحالفة وما إلى ذلك من أنواع الاتصال. أى ~~ومثل ما سبق من تمكين الجن من إغواء الإنس وإضلالهم لما بينهم من ~~التناسب والمشاكلة، نولى بعض ms1875 الظالمين من الإنس بعضا آخر منهم بأن ~~نجعلهم يزينون لهم السيئات، ويؤثرون فيهم بالإغواء. بسبب ما كانوا ~~مستمرين عى اكتسابه من الكفر والمعاصي. قال الإمام الرازى " لأن الجنسية ~~علة الضم " فالأرواح الخبيثة تنضم إلى ما يشاكلها فى الخبث. وكذا القول ~~فى الأرواح الطاهرة، فكل أحد يهتم بشأن من يشاكله فى النصرة والمعونة ~~والتقوية. ثم قال " والآية تدل على أن الرعية متى كانوا ظالمين فالله - ~~تعالى - يسلط عليهم ظالما مثلهم. # فإن أرادوا أن يتخلصوا من ذلك الأمير الظالم فليتركوا الظلم ". وقال ابن ~~كثير " معنى الآية الكريمة كما ولينا هؤلاء الخاسرين من الإنس تلك ~~الطائفة التى أغوتهم من الجن، كذلك نفعل بالظالمين، نسلط بعضهم على بعض، ~~ونهلك بعضهم ببعض، وننتقم من بعضهم ببعض جزاء على ظلمهم وبغيهم ". وقال ~~الفضيل بن عياض إذا رأيت ظالما ينتقم من ظالم. فقف وانظر فيه متعجبا. ~~فالآية الكريمة تصور لنا مشهدا واقعا فى حياة الأمم، وهو أن الظالمين من ~~الناس يوالى بعضهم بعضا، ويناصر بعضهم بعضا، بسبب ما بينهم من صلات فى ~~المشارب والأهداف والطباع وأن الأمة التى لا تتمسك بمبدأ العدالة بل ~~تسودها روح الظلم والاعتداء يكون حكامها عادة على شاكلتها لأن الحاكم ~~الظالم لا يستطيع البقاء عادة فى مجتمع أفراده تسودهم العدالة والشجاعة ~~فى الحق. والآية فى الوقت ذاته تهدد الظالمين، وتتوعدهم بسوء المصير إذا ~~لم يقلعوا عن ظلمهم، ويثوبوا إلى رشدهم، ويقيدوا أنفسهم بمبدأ العدالة ~~ورعاية الحق ثم بعد هذا التعقيب بتلك الآية التى بينت طبيعة الأشرار يعود ~~القرآن إلى سؤال الإنس والجن فيقول { يامعشر الجن والإنس ~~ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي ~~وينذرونكم لقآء يومكم هذا }؟. قال الإمام ابن جرير ~~وهذا خبر من الله - جل ثناؤه - عما هو قائل يوم القيامة، لهؤلاء العادلين ~~به من مشركى الإنس والجن، يخبر أنه - تعالى - يقوله لهم { يامعشر ~~الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون ~~عليكم آياتي } يقول يخبرونكم بما أوحى إليهم من تنبيهى إياكم على ~~مواضع حججى، وتعريفى لكم أدلتى على توحيدى وتصديقى أنبيائى والعمل ms1876 بأمرى ~~والانتهاء إلى حدودى، { وينذرونكم لقآء يومكم هذا } ~~يقول يحذرونكم لقاء عذابى فى يومكم هذا وعقابى على معصيتكم إياى فتنتهوا ~~عن معاصى، وهذا من الله - تعالى - تقريع لهم وتوبيخ على ما سلف منهم فى ~~الدنيا من الفسوق والمعاصى ومعناه، قد أتاكم رسل منكم ينبهونكم على خطأ ~~ما كنتم عليه مقيمين بالحجج البالغة، وينذرونكم وعيد الله، فلم تقبلوا ~~ولم تتذكروا ". وقوله { رسل منكم } استدل به من قال إن الله قد ~~أرسل رسلا من الجن إلى أبناء جنسهم إلا أن جمهور العلماء يخالفون ذلك ~~ويرون أن الرسل جميعا من الإنس، وإنما قيل رسل منكم لأنه لما جمع ~~الثقلان فى الخطاب صح ذلك وإن كان من أحدهما، كقوله " يخرج منهما اللؤلؤ ~~والمرجان، وإنما يخرجان من أحدهما وهو الماء الملح دون العذب ". قال أبو ~~السعود والمعنى ألم يأتكم رسل من جملتكم لكن لا على أنهم من جنس الفريقين ~~معا بل من الإنس خاصة، وإنما جعلوا منهما إما لتأكيد وجوب اتباعهم، ~~والإيذان بتقاربهما ذاتا، واتحادهما تكليفا وخطابا. # كأنهما من جنس واحد، ولذلك تمكن أحدهما من إضلال الآخر، وإما لأن المراد ~~بالرسل ما يعم رسل الرسل، وقد ثبت أن الجن استمعوا إلى النبى صلى الله ~~عليه وسلم وأنذروا بما سمعوه. أقوامهم، إذ حكى القرآن عنهم أنهم # ولوا إلى قومهم منذرين # وأنهم قالوا لهم # إنا سمعنا قرآنا عجبا # وقال صاحب المنار، " وجملة القول فى الخلاف أنه ليس فى المسألة نص قطعى، ~~والظواهر التى استدل بها الجمهور يحتمل أن تكون خاصة برسل الإنس، لأن ~~الكلام معهم، وليست أقوى من ظاهر ما استدل به من قال إن الرسل من ~~الفريقين. والجن عالم غيبى لا نعرف عنه ألا ما ورد به النص. وقد دل ~~القرآن وكذا السنة على رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إليهم، فنحن ~~نؤمن بما ورد ونفوض الأمر فيما عدا ذلك إلى الله - تعالى - ". ثم يحكى ~~القرآن أنهم قد شهدوا على أنفسهم بالكفر فقال { قالوا شهدنا ~~على أنفسنا } أن الرسل قد بشرونا وأنذرونا، ولم يقصروا فى ms1877 ~~تبليغنا وإرشادنا. وقوله - سبحانه - { وغرتهم الحياة ~~الدنيا } أى غرهم متاع الحياة الدنيا من الشهوات والمال والجاه وحب ~~الرياسة، فاستحبوا العمى على الهدى، وباعوا آخرتهم بدنياهم. { ~~وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } أى ~~شهدوا على أنفسهم عندما وقفوا بين يدى الله للحساب فى الآخرة أنهم كانوا ~~كافرين فى الدنيا بما جاءتهم به الرسل. قال صاحب الكشاف " فإن قلت ما لهم ~~مقرين فى هذه الآية - على أنفسهم بالكفر - جاحدين فى قوله # والله ربنا ما كنا مشركين # قلت يوم القيامة يوم طويل، والأحوال فيه مختلفة فتارة يقرون وأخرى ~~يجحدون، وذلك يدل على شدة خوفهم واضطراب أحوالهم، فإن على أفواههم. فإن ~~قلت لم كرر ذكر شهادتهم على أنفسهم؟ قلت الأولى حكاية لقولهم كيف يقولون ~~ويعترفون. والثانية ذم لهم وتخطئة لرأيهم ووصف لقلة نظرهم لأنفسهم وأنهم ~~قوم غرتهم الحياة الدنيا واللذات الحاضرة وكانت عاقبة أمرهم أن اضطروا ~~إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر، والاستسلام لربهم، وإنما قال ذلك تحذيرا ~~للسامعين من مثل حالهم ". هذا، وإنك لتقرأ هذه الآية الكريمة وغيرها من ~~الآيات التى تصور مشهدا من مشاهد يوم القيامة فيخيل إليك أنك أمام مشهد ~~حاضر أمام عينيك ترى فيه الظالمين وحسراتهم، والضالين والمضلين وهم ~~يتبادلون التهم وذلك من إعجاز القرآن الكريم وأنه من عند الله ولو كان من ~~عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. ثم يحدثنا القرآن بعد ذلك عن ~~عدالة الله فى أحكامه، وعن سعة غناه ورحمته، وعن حسن عاقبة المؤمنين، ~~وسوء مصير الكافرين فيقول { ذلك أن لم يكن.... }. ### || [6.131-135] # قال الآلوسى " ذلك " إشارة إلى إتيان الرسل، أو السؤال المفهوم من # ألم يأتكم # أو ما قص من أمرهم، أعنى شهادتهم على أنفسهم بالكفر وهو إما مرفوع على ~~أنه خبر مبتدأ مقدر أى الأمر ذلك، أو مبتدأ خبره مقدر، أو خبره قوله - ~~سبحانه - { أن لم يكن ربك مهلك القرى } بخلاف اللام ~~على أن { أن } مصدرية، أو مخففة من أن وضمير الشأن اسمها. وإما منصوب ~~على أنه مفعول به لفعل مقدر كخذ ذلك، أو فعلنا ذلك. ms1878 وفى قوله { بظلم ~~} متعلق بمهلك أى بسبب ظلم. أو بمحذوف وقع حالا من القرى أى ملتبسة ~~بظلم.. ". والمعنى ذلك الذى ذكرناه لك يا محمد من إتيان الرسل يقصون على ~~الأمم آيات الله، سببه أن ربك لم يكن من شأنه ولا من سننه فى تربية خلقه ~~أن يهلك القرى من أجل أى ظلم فعلوه قبل أن ينبهوا على بطلانه، وينهوا عنه ~~بواسطة الأنبياء والمرسلين، فربك لا يظلم، ولا يعذب أحدا وهو غافل لم ~~ينذر قال - تعالى - # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # وقال - تعالى - # وإن من أمة إلا خلا فيها نذير # فالآية الكريمة صريحة فى أن - سبحانه - قد أعذر إلى الثقلين بإرسال ~~الرسل، وإنزال الكتب، وتبيين الآيات، وإلزام الحجة # رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل # ثم بين - سبحانه - أن الدرجات إنما هى على حسب الأعمال فقال - تعالى - { ~~ولكل درجات مما عملوا } أى ولكل من المكلفين جنا كانوا ~~أو إنسا درجات أى منازل ومراتب { مما عملوا } أى من أعمالهم ~~صالحة كانت أو سيئة أو من أجل أعمالهم إذ الجزاء من جنس العمل والعمل ~~متروك للناس يتسابقون فيه، والجزاء ينتظرهم عادلا لا ظلم فيه. { وما ~~ربك بغافل عما يعملون } بل هو عالم بأعمالهم ومحصيها ~~عليهم، لا يعزب عنه مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء. ثم صرح - سبحانه - ~~بغناه عن كل عمل وعن كل عامل، وبأنه هو صاحب الرحمة الواسعة، والقدرة ~~النافذة فقال { وربك الغني ذو الرحمة }. أى وربك يا محمد ~~هو الغنى عن جميع خلقه من كل الوجوه، وهم الفقراء إليه فى جميع أحوالهم، ~~وهو وحده صاحب الرحمة الواسعة العامة التى شملت جميع خلقه. والجملة ~~الكريمة تفيد الحصر. وقوله وربك مبتدأ، والغنى خبره، وقوله { ذو ~~الرحمة } خبر بعد خبر. وجوز أن يكون هو الخبر و " الغنى " صفة لربك. ~~وفى هذه الجملة تنبيه إلى أن ما سبق ذكره من إرسال الرسل وغيره، ليس ~~لنفعه - سبحانه -، بل لترحمه على العباد، وتمهيد لقوله بعد ذلك. # { إن يشأ يذهبكم ويستخلف من ms1879 بعدكم ما يشآء ~~} أى أنه - سبحانه - إن يشأ إذهابكم أيها الناس بالإهلاك لفعل ذلك فهو ~~قدير على كل شىء وعلى أن ينشىء بعد إذهابكم ما يشاء من الخلق الذين ~~يعملون بطاعته، ولا يكونون أمثالكم. والكاف فى قوله { كمآ أنشأكم ~~من ذرية قوم آخرين } فى موضع نصب والمعنى إن الله - تعالى ~~- قادر على أن يستخلف من بعدكم ما يشاء استخلافه مثل ما أنشأكم من ذرية ~~قوم آخرين. ونظيره قوله - تعالى - # إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان ~~الله على ذلك قديرا # وقوله # يأيها الناس أنتم الفقرآء إلى الله والله هو ~~الغني الحميد * إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق ~~جديد * وما ذلك على الله بعزيز # ثم بين - سبحانه - أن أمر البعث والحساب كائن لا ريب فيه فقال { إن ~~ما توعدون لآت ومآ أنتم بمعجزين }. أى " إن ما توعدون من ~~أمر القيامة والحساب، والعقاب والثواب لواقع لا شك فيه، وما أنتم ~~بمعجزين، أى بجاعليه عاجزا عنكم، غير قادر على إدراككم. من أعجزه بمعنى ~~جعله عاجزا، أو بفائتين العذاب، من أعجزه الأمر. إذا فاته. أى لا مهرب ~~لكم من عذابنا بل هو مدرككم لا محالة. ثم أمر الله - تعالى - نبيه صلى ~~الله عليه وسلم أن ينفض يده من هؤلاء المشركين، وأن يتركهم لأنفسهم. وأن ~~ينذرهم بسوء العاقبة إذا ما ستمروا فى كفرهم فقال - تعالى - { قل ~~ياقوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف ~~تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح ~~الظالمون }. أى قل يا محمد لهؤلاء المصرين على كفرهم اعملوا على ~~غاية تمكنكم من أمركم، وأقصى استطاعتكم. مصدر مكن - ككرم - مكانة، إذا ~~تمكن أبلغ التمكن وأقواه، أو المعنى اعملوا على جهتكم واثبتوا على كفركم ~~وحالتكم التى أنتم عليها من قولهم. مكان ومكانة كمقام ومقامة. قال ~~الزمخشرى يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حالة مكانك يا فلان أى اثبت على ~~ما أنت عليه لا تنحرف عنه. والأمر للتهديد والوعيد، وإظهار ما هو عليه ~~صلى الله عليه وسلم فى غاية التصلب فى الدين، ونهاية ms1880 الوثوق بأمره، وعدم ~~المبالاة بأعدائه أصلا. وقوله { إني عامل فسوف تعلمون } ~~أى إنى عامل على مكانتى، ثابت على الإسلام لا أتزحزح عن الدعوة إليه، ~~فسوف تعلمون بعد حين من تكون له العاقبة الحسنى فى هذه الدنيا. وقوله { ~~فسوف تعلمون } بجانب إفادته للإنذار، فيه إنصاف فى المقال، ~~وحسن أدب فى الخطاب، حيث لم يقل - مثلا - العاقبة لنا، وإنما فوض الأمر ~~إلى الله، فهو كقوله - تعالى - # وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين # وفيه تنبيه على وثوق المنذر بأنه على الحق. قال الجمل - " وسوف لتأكيد ~~مضمون الجملة، وهذه الجملة. تعليل لما قبلها والعلم عرفان، ومن استفهامية ~~معلقة لفعل العلم محلها الرفع على الابتداء وخبرها جملة تكون، وهى مع ~~خبرها فى محل نصب لسدها مسد مفعول تعلمون. أى فسوف تعلمون أينا تكون له ~~العاقبة الحسنى التى خلق الله هذه الدار لها، ويجوز أن تكون موصولة فيكون ~~محلها النصب على أنها مفعول لتعلمون. أى فسوف تعلمون الذى له عاقبة الدار ~~". ثم ختمت الآية بقوله - تعالى - { إنه لا يفلح الظالمون ~~} أى لن يظفروا بمطلوبهم بسبب ظلمهم، وقيل المراد بالظلم هنا الكفر، ووضع ~~الظلم موضع الكفر، إيذانا بأن امتناع الفلاح يترتب على أى فرد كان من ~~أفراد الظلم، فما ظنك بالكفر الذى هو أعظم أفراده. قال ابن كثير، وقد ~~أنجز الله موعوده لرسوله صلى الله عليه وسلم فمكن له فى البلاد، وحكمه فى ~~نواصى مخالفيه من العباد، وفتح له مكة، وأظهره على من كذبه من قومه، ~~واستقر أمره على سائر جزيرة العرب.، وكل ذلك فى حياته، ثم فتحت الأقاليم ~~والأمصار بعد وفاته. قال - تعالى - # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد # ثم تبدأ السورة بعد ذلك حديثا مستفيضا عن أوهام المشركين وجهالاتهم ~~التى تتعلق بمآكلهم، ومشاربهم، ونذورهم، وذبائحهم، وعاداتهم البالية، ~~وتقاليدهم الموروثة، فتناقشهم فى كل ذلك مناقشة منطقية حكيمة، وترد عليهم ~~فيما أحلوه وحرموه بدون علم ولا هدى ولا كتاب منير، وترشدهم إلى الطريق ~~السليم الذى من الواجب عليهم أن ms1881 يسلكوه. استمع إلى سورة الأنعام وهى تحكى ~~كل ذلك فى بضع عشرة آية بأسلوبها البليغ المؤثر فتقول { وجعلوا ~~لله... }. ### || [6.136-140] # لقد حكت هذه الآيات الكريمة بعض الرذائل التى كانت متفشية فى المجتمع ~~الجاهلى، أما الرذيلة الأولى فملخصها أنهم كانوا يجعلون من زروعهم ~~وأنعامهم وسائر أموالهم نصيبا لله ونصيبا لأوثانهم، فيشركونها فى ~~أموالهم فما كان لله صرفوه إلى الضيفان والمساكين، وما كان للأوثان ~~أنفقوه عليها وعلى سدنتها فإذا رأوا ما جعلوه لله أزكى بدلوه بما ~~للأوثان، وإذا رأوا ما جعلوه للأوثان أزكى تركوه لها. استمع إلى القرآن ~~وهو يقص ذلك بأسلوبه الحكيم فيقول { وجعلوا لله مما ذرأ ~~من الحرث والأنعام نصيبا }. " ذرأ " بمعنى خلق يقال ذرأ ~~الله الخلق يذرؤهم ذرءا أى خلقهم وأوجدهم وقيل. الذرأ الخلق على وجه ~~الاختراع. أى وجعل هؤلاء المشركون مما خلقه الله - تعالى - من الزروع ~~والأنعام نصيبا لله يعطونه للمساكين وللضيوف وغيرهم، وجعلوا لأصنامهم ~~نصيبا آخر يقدمونه لسدنتها، وإنما لم يذكر النصيب الذى جعلوه لأصنامهم ~~اكتفاء بدلالة ما بعده وهو قوله { فقالوا هذا لله ~~بزعمهم وهذا لشركآئنا }. أى فقالوا فى القسم الأول هذا ~~لله نتقرب به إليه. وقالوا فى الثانى وهذا لشركائنا نتوسل به إليها. ~~وقوله - تعالى - فى القسم الأول { هذا لله بزعمهم } أى ~~بتقولهم ووضعهم الذى لا علم لهم به ولا هدى. قال الجمل ومن المعلوم أن ~~الزعم هو الكذب، وإنما نسبوا للكذب فى هذه المقالة مع أن كل شىء لله، لأن ~~هذا الجعل لم يأمرهم به الله وإنما هو مجرد اختراع منهم. وقال أبو السعود ~~وإنما قيد الأول بالزعم للتنبيه على أنه فى الحقيقة جعل لله - تعالى - ~~غير مستتبع لشىء من الثواب كالتطوعات التى يبتغى بها وجه الله - لا لما ~~قيل من أنه للتنبيه على أن ذلك مما اخترعوه، فإن ذلك مستفاد من الجعل ~~ولذلك لم يقيد به الثانى، ويجوز أن يكون ذلك تمهيدا لما بعده على معنى ~~أن قولهم هذا لله مجرد زعم منهم لا يعملون بمقتضاه الذى هو اختصاصه - ~~تعالى - به. ثم فصل ms1882 - سبحانه - ما كانوا يعملونه بالنسبة للقسمة فقال { ~~فما كان لشركآئهم فلا يصل إلى الله وما كان ~~لله فهو يصل إلى شركآئهم }. أى فما كان من هذه الزروع ~~والأنعام من القسم الذى يتقرب به إلى شركائهم، فإنهم يحرمون الضيفان ~~والمساكين منه ولا يصل إلى الله منه شىء، وما كان منها من القسم الذى ~~يتقرب به إلى الله عن طريق إكرام الضيف والصدقة، فإنهم يجورون عليه ~~ويأخذون منه ما يعطونه لسدنة الأصنام وخدامها. فهم يجعلون قسم الأصنام ~~لسدنتها وأتباعها وحدهم، بينما القسم الذى جعلوه لله بزعمهم ينتقصونه ~~ويضعون الكثير منه فى غير موضعه، ويقولون إن الله غنى وإن آلهتنا محتاجة. # وقد عقب القرآن على هذه القسمة الجائرة بقوله { سآء ما يحكمون } ~~أى ساء وقبح حكمهم وقسمتهم حيث آثروا مخلوقا عاجزا عن كل شىء، على خالق ~~قادر على كل شىء، فهم بجانب عملهم الفاسد من أساسه لم يعدلوا فى القسمة. ~~هذه هى الرذيلة الأولى من رذائلهم، أما الرذيلة الثانية فهى أن كثيرا ~~منهم كانوا يقتلون أولادهم، ويئدون بناتهم لأسباب لا تمت إلى العقل ~~السليم بصلة وقد حكى القرآن ذلك فى قوله. { وكذلك زين لكثير ~~من المشركين قتل أولادهم شركآؤهم ليردوهم ~~وليلبسوا عليهم دينهم }. أى ومثل ذلك التزيين فى قسمة ~~الزروع والأنعام بين الله والأوثان، زين للمشركين شركاؤهم من الشياطين أو ~~السدنة قتل بناتهم خشية العار أو الفقر فأطاعوهم فيما أمروهم به من ~~المعاصى والآثام. والتزيين التحسين، فمعنى تزيينهم لهم أنهم حسنوا لهم ~~هذه الأفعال القبيحة، وحضوهم على فعلها. سموا شركاء لأنهم اطاعوهم فيما ~~امروهم به من قتل الأولاد، فأشركوهم مع الله فى وجوب طاعتهم، أو سموا ~~شركاء لأنهم كانوا يشاركون الكفار فى أموالهم التى منها الحرث والأنعام. ~~و { شركآؤهم } فاعل { زين } وأخر عن الظرف والمفعول اعتناء ~~بالمقدم واهتماما به، لأنه موضع التعجب. وقوله { ليردوهم } أى ~~ليهلكوهم من الردى وهو الهلاك. يقال ردى - كرضى - أى هلك. وقوله { ~~وليلبسوا عليهم دينهم } معطوف على ليردوهم، أى ليخلطوا ~~عليهم ما كانوا عليه من دين اسماعيل - عليه السلام ms1883 - حتى زالوا عنه إلى ~~الشرك. ويلبسوا مأخوذ من اللبس بمعنى الخلط بين الأشياء التى يشبه بعضها ~~بعضا وأصله الستر بالثوب، ومنه اللباس، ويستعمل فى المعانى فيقال لبس ~~الحق بالباطل يلبسه ستره به. ولبست عليه الأمر. خلطته عليه وجعلته مشتبها ~~حتى لا يعرف جهته، فأنت ترى أن شركاءهم قد حسنوا لهم القبيح من أجل أمرين ~~إهلاكهم وإدخال الشبهة عليهم فى دينهم عن طريق التخليط والتلبيس. ثم سلى ~~الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وهدد أعداءه فقال { ولو شآء ~~الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون }. أى ولو شاء الله ~~ألا يفعل الشركاء ذلك التزيين أو المشركون ذلك القتل لما فعلوه، لأنه - ~~سبحانه - لا يعجزه شىء، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات بسبب ما يفعلونه، بل ~~دعهم وما يفترونه من الكذب، فإنهم لسوء استعدادهم آثروا الضلالة على ~~الهداية. والفاء فى قوله { فذرهم } فصيحة. أى إذا كان ما قصصناه ~~عليك بمشيئة الله، فدعهم وافتراءهم ولا تبال بهم، فإن فيما يشاؤه الله ~~حكما بالغة. ثم حكى القرآن رذيلة ثالثة من رذائلهم المتعددة، وهى أن ~~أوهام الجاهلية وضلالاتها ساقتهم إلى عزل قسم من أموالهم لتكون حكرا على ~~آلهتهم بحيث لا ينتفع بها أحد سوى سدنتها، ثم عمدوا إلى قسم من الأنعام ~~فحرموا ركوبها وعمدوا إلى قسم آخر فحرموا أن يذكر اسم الله عليها عند ~~ذبحها أو ركوبها إلى آخر تلك الأوهام المفتراة. # استمع إلى القرآن وهو يقص ذلك فيقول { وقالوا هذه أنعام ~~وحرث حجر لا يطعمهآ إلا من نشآء بزعمهم }. ~~حجر بمعنى المحجور أى الممنوع من التصرف فيه، ومنه قيل للعقل حجر لكون ~~الإنسان فى منع منه مما تدعوه إليه نفسه من اثام. أى ومن بين أوهام ~~المشركين وضلالتهم أنهم يقتطعون بعض أنعامهم وأقواتهم من الحبوب وغيرها ~~ويقولون هذه الأنعام وتلك الزروع محجورة علينا أى محرمة ممنوعة، لا يأكل ~~منها إلا من نشاء، يعنون خدم الأوثان والرجال دون النساء أى لا يأكل منها ~~إلا خدم الأوثان والرجال فقط. وقوله { بزعمهم } متعلق بمحذوف وقع ~~حالا من فاعل ms1884 قالوا. أى قالوا ذلك متلبسين بزعمهم الباطل من غير حجة. ~~وقوله { وقالوا هذه } الإشارة إلى ما جعلوه لآلهتهم، والتأنيث ~~باعتبار الخبر وهو قوله { أنعام وحرث } وقوله { حجر } صفة ~~لأنعام وحرث، وقوله { لا يطعمهآ } صفة ثانية لأنعام وحرث. هذا هو ~~النوع الأول الذى ذكرته الآية من أنواع ضلالاتهم. أما النوع الثانى فهو ~~قوله - تعالى - { وأنعام حرمت ظهورها } أى وقالوا مشيرين ~~إلى طائفة أخرى من أنعامهم هذه أنعام حرمت ظهورها فلا تركب ولا يحمل ~~عليها، يعنون بها البحائر والسوائب والوصائل والحوامى التى كانوا يزعمون ~~أنها تعتق وتقصى لأجل الآلهة. فقوله { وأنعام } خبر لمبتدأ محذوف ~~والجملة معطوفة على قوله { هذه أنعام }. وأما النوع الثالث من ~~أنواع اختراعاتهم الذى ذكرته الآية فهو قوله { وأنعام لا ~~يذكرون اسم الله عليها }. أى وقالوا أيضا هذه أنعام لا ~~يذكر اسم الله عليها عند الذبح، وإنما يذكر عليها أسماء الأصنام لأنها ~~ذبحت من أجلها. وقد عقب - سبحانه - على تلك الأقسام الثلاثة الباطلة ~~بقوله { افترآء عليه } أى فعلوا ما فعلوا من هذه الأباطيل وقالوا ~~ما قالوا من تلك المزاعم من أجل الافتراء على الله وعلى دينه، فإنه - ~~سبحانه - لم يأذن لهم فى ذلك ولا رضيه منهم. ثم ختمت الآية بهذا التهديد ~~الشديد حيث قال - سبحانه - { سيجزيهم بما كانوا يفترون } ~~أى سيجزيهم الجزاء الشديد الأليم بسبب هذا الافتراء القبيح. ثم يحكى ~~القرآن الرذيلة الرابعة من رذائلهم وملخصها أنهم زعموا أن الأجنة التى فى ~~بطون هذه الأنعام المحرمة، ما ولد منها حيا فهو حلال للرجال ومحرم على ~~النساء، وما ولد ميتا اشترك فى أكله الرجال والنساء. استمع إلى القرآن ~~وهو يفضح زعمهم هذا فيقول { وقالوا ما في بطون هذه ~~الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا ~~وإن يكن ميتة فهم فيه شركآء } ومرادهم بما فى بطون هذه ~~الأنعام أجنة البحائر والسوائب. أى ومن فنون كفرهم أنهم قالوا ما فى بطون ~~هذه الأنعام المحرمة إذا نزل منها حيا فأكله حلال للرجال دون والنساء، ~~وإذا نزل ميتا فأكله حلال للرجال والنساء على السواء. # وفى ms1885 رواية العوفى عن ابن عباس أن المراد بما فى بطونها اللبن، فقد كانوا ~~يحرمونه على إناثهم ويشربه ذكرانهم وكانت الشاة إذا ولدت ذكرا ذبحوه، ~~وكان للرجال دون النساء، وإن كانت أنثى تركت فلم تذبح، وإن كانت ميتة فهم ~~فيه شركاء. قال بعضهم " ومن مباحث اللفظ فى الآية أن قوله " خالصة " فيه ~~وجوه أحدها أن التاء قيد للمبالغة فى الوصف كراوية وداهية فلا يقال إنه ~~غير مطابق للمبتدأ على القول بأنه خبر. وثانيا أن المبتدأ وهو { ما في ~~بطون هذه الأنعام } مذكر اللفظ مؤنث المعنى، لأن المراد به ~~الأجنة فيجوز تذكير خبره باعتبار اللفظ وتأنيثه باعتبار المعنى. وثالثها ~~أنه مصدر فتكون العبارة مثل قولهم عطاؤك عافية والمطر رحمة والرخصة نعمة. ~~ورابعها أنه مصدر مؤكد أو حال من المستكن فى الظرف وخبر المبتدأ { ~~لذكورنا }. وقوله { سيجزيهم وصفهم إنه حكيم ~~عليم } تهديد لهم أى سيجزيهم بما هم أهله من العذاب المهين جزاء وصفهم ~~أو بسبب وصفهم الكذب على الله فى أمر التحليل والتحريم على سبيل التحكم ~~والتهجم بالباطل على شرعه. إنه - سبحانه - حكيم فى أقواله وأفعاله وشرعه، ~~عليم بأعمال عباده من خير أو شر وسيجازيهم عليها. قال الآلوسى ونصب { ~~وصفهم } - على ما ذهب إليه الزجاج - لوقوعه موقع مصدر يجزيهم ~~فالكلام على تقدير مضاف. أى جزاء وصفهم. وقيل التقدير. سيجزيهم العقاب ~~بوصفهم أى بسببه فلما سقطت الباء نصب وصفهم. ثم قال وهذا كما قال بعض ~~المحققين من بليغ الكلام وبديعه، فإنهم يقولون، كلامه يصف الكذب إذا كذب، ~~وعينه تصف السحر، أى ساحرة، وقد يصف الرشاقة، بمعنى رشيق. مبالغة، حتى ~~كأن من سمعه أو رآه وصف له ذلك بما يشرحه له. وإلى هنا تكون الآيات ~~الأربعة التى بدأت بقوله - تعالى - { وجعلوا لله مما ذرأ ~~من الحرث والأنعام نصيبا }... إلخ. قد قصت علينا أربع ~~رذائل من أفعال المشركين وأقوالهم. وإن العاقل ليعجب وهو يستعرض هذه ~~الضلالات - التى حكتها الآيات. يعجب لما تحملوه فى سبيل ضلالاتهم من ~~أعباء مادية وخسائر وتضحيات، يعجب للعقيدة الفاسدة وكيف تكلف أصحابها ms1886 ~~الكثير ومع ذلك فهم مصرون على اعتناقها،وعلى التقيد بأغلالها، وأوهامها، ~~وتبعاتها. لكأن القرآن وهو يحكى تلك الرذائل وما تحمله أصحابها فى سبيلها ~~يقول لأتباعه - من بين ما يقول - إذا كان أصحاب العقائد الفاسدة قد ضحوا ~~حتى بفلذات أكبادهم إرضاء لشركائهم... فأولى بكم ثم أولى أن تضحوا فى ~~سبيل عقيدتكم الصحيحة، وملتكم الحنيفية السمحاء بالأنفس والأموال. هذا ~~وقد عقب القرآن بعد إيراه لتلك الرذائل بقوله. # { قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير ~~علم وحرموا ما رزقهم الله افترآء على الله }. ~~قال الإمام ابن كثير " قد خسر الذين فعلوا هذه الأفاعيل فى الدنيا ~~والآخرة، أما فى الدنيا فخسروا أولادهم بقتلهم، وضيقوا على أنفسهم فى ~~أموالهم، فحرموا أشياء ابتدعوها من تلقاء أنفسهم. وأما فى الآخرة فيصيرون ~~إلى أسوأ المنازل بكذبهم على الله وافترائهم ". والتعبير بخسر بدون ذكر ~~مفعول معين يقع عليه الفعل للإشارة إلى أن خسارتهم خسارة مطلقة من أى ~~تحديد، فهى خسارة دينية وخسارة دنيوية - كما قال ابن كثير. وقرأ ابن عامر ~~{ قتلوا } بالتشديد. أى فعلوا ذلك كثيرا، إذ التضعيف يفيد ~~التكثير. و { سفها } منصوب على أنه علة لقتلوا أى لخفة عقولهم وجهلهم ~~قتلوا أولادهم. أو منصوب على أنه حال من الفاعل فى قتلوا وهو ضمير ~~الجماعة. والسفه خفة فى النفس لنقصان العقل فى أمور الدنيا أو الدين. ~~وقوله { وحرموا ما رزقهم الله } أى من البحائر والسوائب ~~ونحوهما، وهو معطوف على { قتلوا }. ثم بين - سبحانه - نتيجة ذلك ~~القتل والتحريم فقال { قد ضلوا وما كانوا مهتدين } أى قد ~~ضلوا عن الصراط المستقيم بأقوالهم وأفعالهم القبيحة وما كانوا مهتدين إلى ~~الحق والصواب. قال الشهاب، وفى قوله { وما كانوا مهتدين } بعد ~~قوله { قد ضلوا } مبالغة فى نفى الهداية عنهم، لأن صيغة الفعل ~~تقتضى حدوث الضلال بعد أن لم يكن. فلذا أردف بهذه الحال لبيان عراقتهم فى ~~الضلال، وإنما ضلالهم الحادث ظلمات بعضها فوق بعض. روى البخارى عن ابن ~~عباس قال إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من ~~سورة الأنعام { قد ms1887 خسر الذين قتلوا أولادهم سفها ~~بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افترآء على ~~الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين }. ثم بين - سبحانه - ~~أنه هو الخالق لكل شىء من الزروع والثمار والأنعام التى تصرف فيها ~~المشركون بآرائهم الفاسدة، وأن من الواجب عليهم أن يستعملوا نعم الله ~~فيما خلقت له فقال - تعالى - { وهو الذي أنشأ... }. ### || [6.141-144] # قوله - تعالى - { وهو الذي أنشأ جنات معروشات ~~وغير معروشات }. أنشأ أى أوجد وخلق. والجنات البساتين والكروم ~~الملتفة الأشجار. ومعروشات أصل العرش فى اللغة شىء مسقف يجعل عليه الكرم ~~وجمعه عروش، يقال عرشت الكرم أعرشه عرشا من بابى - ضرب ونصر -، وعرشته ~~تعريشا إذا جعلته كهيئة السقف. فالمادة تدل على الرفع ومنها عرش الملك. ~~قال ابن عباس المعروشات. ما انبسط على الأرض وانبسط من الزروع مما يحتاج ~~إلى أن يتخذ له عريش يحمل عليه، كالكرم والبطيخ والقرع ونحو ذلك. وغير ~~المعروشات ما قام على ساق واستغنى باستوائه وقوة ساقه عن التعريش كالنخل ~~والشجر. وقيل المعروشات وغير المعروشات كلاهما فى الكرم خاصة، لأن منه ما ~~يعرش ومنه ما لا يعرش بل يبقى على وجه الأرض منبسطا. وقيل المعروشات ما ~~غرسه الناس فى البساتين واهتموا به فعرشوه من كرم أو غيره، وغير ~~المعروشات. هو ما أنبته الله فى البرارى والجبال من كرم وشجر. أى وهو - ~~سبحانه - الذى أوجد لكم هذه البساتين المختلفة التى منها المرفوعات عن ~~الأرض، ومنها غير المرفوعات عنها، فخصوه وحده بالعبادة والخضوع. وقوله { ~~والنخل والزرع مختلفا أكله } عطف على جنات، أى أنشأ ~~جنات، وأنشأ النخل والزرع، والمراد بالزرع جميع الحبوب التى يقتات بها. ~~وإنما أفردها مع أنهما داخلان فى الجنات لما فيهما من الفضيلة على سائر ~~ما ينبت فى الجنات. و { مختلفا أكله } أى، ثمره وحبه فى اللون ~~والطعم والحجم والرائحة. والضمير فى أكله راجع إلى كل واحد منهما، أى ~~النخل والزرع والمراد بالأكل المأكول أى، مختلف المأكول فى كل منهما فى ~~الهيئة والطعم. قال الجمل وجملة. { مختلفا أكله } حال مقدرة، ~~لأن النخل والزرع وقت خروجه لا ms1888 أكل منه حتى يكون مختلفا أو متفقا، فهو ~~مثل قولهم مررت برجل معه صقر صائدا له غدا. وقوله { والزيتون ~~والرمان متشابها وغير متشابه } أى وأنشأ الزيتون ~~والرمان متشابها فى المنظر وغير متشابه فى الطعم أو متشابها بعض أفرادها ~~فى اللون أو الطعم أو الهيئة " وغير متشابه فى بعضها ". قال القرطبى وفيه ~~أدلة ثلاثة. أحدها ما تقدم من قيام الدليل على أن المتغيرات لا بد لها من ~~مغير. الثانى على المنة منه - سبحانه - علينا، فلو شاء إذ خلقنا ألا يخلق ~~لنا غذاء، وإذا خلقه ألا يكون جميل المنظر طيب الطعم، وإذ خلقه كذلك ألا ~~يكون سهل الجنى، فلم يكن عليه أن يفعل ذلك ابتداء، لأنه لا يجب عليه شىء. ~~الثالث على القدرة فى أن يكون الماء الذى من شأنه الرسوب يصعد بقدرة الله ~~الواحد علام الغيوب من أسافل الشجرة إلى أعاليها، حتى إذا انتهى إلى ~~آخرها نشأت فيها أوراق ليست من جنسها، وثمر خارج من صفته الجرم الوافر، ~~واللون الزاهر، والجنى الجديد، والطعم اللذيذ، فأين الطبائع وأجناسها وأي ~~الفلاسفة وأسسها، هل هى فى قدرة الطبيعة أن تتقن هذا الإتقان أو ترتب ~~هذا الترتيب العجيب. # كلا، لا يتم ذلك فى العقول إلا لحى قادر عالم مريد، فسبحان من له فى كل ~~شىء آية ونهاية. ووجه اتصال هذا بما قبله أن الكفار لما افتروا على الله ~~الكذب. وأشركوا معه وحللوا وحرموا دلهم على وحدانيته بأنه خالق الأشياء، ~~وأنه جعل هذه الأشياء أرزاقا لهم. ثم ذكر - سبحانه - المقصود من خلق هذه ~~الأشياء فقال { كلوا من ثمره إذآ أثمر } أى كلوا من ثمر ~~تلك الزروع والأشجار التى أنشأناها لكم، شاكرين الله على ذلك. والأمر ~~للإباحة. وفائدة التقييد بقوله { إذآ أثمر } إباحة الأكل قبل ~~النضوج والإدراك. وقيل فائدته الترخيص للمالك فى الأكل من قبل أداء حق ~~الله - تعالى - لأنه لما أوجب الحق فيه ربما يتبادر إلى الأذهان أنه يحرم ~~على المالك تناول شىء منه لمكان شركة المساكين له فيه، فأباح الله له هذا ~~الأكل. ثم أمرهم ms1889 - سبحانه - بأداء حقوق الفقراء والمحتاجين مما رزقهم ~~فقال { وآتوا حقه يوم حصاده } أى، كلوا من ثمر ما أنشأنا ~~لكم، وأدوا حق الله فيه للفقراء والمحتاجين يوم حصاده. ويرى بعض العلماء ~~أن المراد بهذا الحق الصدقة بوجه عام على المستحقين لها، بأن يوزع صاحب ~~الزرع منه عند حصاده على المساكين والبائسين ما يسد حاجتهم بدون إسراف أو ~~تقتير. وأصحاب هذا الرأى فسروا هذا الحق بالصدقة الواجبة من غير تحديد ~~للمقدار وليس بالزكاة المفروضة لأن الآية مكية والزكاة إنما فرضت ~~بالمدينة. وهم يرون أن هذا الحق لم ينسخ بالزكاة المفروضة، بل على صاحب ~~الزرع أن يطعم منه المحتاجين عند حصاده. ويرى بعض آخر من العلماء أن ~~المراد بهذا الحق ما فصلته السنة النبوية من الزكاة المفروضة وهذه الآية ~~مدنية وإن كانت السورة مكية. ويبدو لنا أن الرأى الأول أرجح، لأنه لا ~~دليل على أن هذه الآية مدنية ولأن فرضية الزكاة لا تمنع إعطاء الصدقات، ~~وفى الأمر بإيتاء هذا الحق يوم الحصاد، مبالغة فى العزم على المبادرة ~~إليه. والمعنى اعزموا على إيتاء هذا الحق واقصدوه، واهتموا به يوم الحصاد ~~حتى لا تؤخروه عن أول وقت يمكن فيه الإيتاء. وقيل إنما ذكر وقت الحصاد ~~تخفيفا على أصحاب الزروع حتى لا يحسب عليهم ما أكل قبله. ثم ختمت الآية ~~بالنهى عن الإسراف فقالت، { ولا تسرفوا إنه لا يحب ~~المسرفين }. أى لا تسرفوا فى أكلكم قبل الحصاد ولا فى صدقاتكم ولا ~~فى أى شأن من شئونكم، لأنه - سبحانه - لا يحب المسرفين. # وقال ابن جريج، نزلت فى ثابت بن قيس، قطع نخلا له فقال. لا يأتينى اليوم ~~أحد إلا أطعمته، فأطعم حتى أمسى وليست له ثمرة، فنزلت هذه الآية. وقال ~~عطاء، نهوا عن السرف فى كل شىء. وقال إياس بن معاوية، ما جاوزت به أمر ~~الله هو سرف. ثم بين - سبحانه - حال الأنعام، وأبطل ما تقولوه عليه فى ~~شأنها بالتحريم والتحليل فقال { ومن الأنعام حمولة وفرشا ~~}. الحمولة، هى الأنعام الكبار الصالحة للحمل. والفرش هى صغارها الدانية ~~من ms1890 الأرض، مثل الفرش المفروش عليها. وقيل الحمولة كل ما حمل عليه من إبل ~~وبقر وبغل وحمار. والفرش ما اتخذ من صوفه ووبره وشعره ما يفرش. أى وأنشأ ~~لكم - سبحانه - من الأنعام حمولة وهى ما تحمولن عليه أثقالكم، كما أنشأ ~~لكم منها فرشا وهى صغارها التى تفرش للذبائح من الضأن والمعز والإبل ~~والبقر. والجملة معطوفة على جنات، والجهة الجامعة بينهما إباحة الانتفاع ~~بهما. وقوله { كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا ~~خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين }. أى كلوا مما ~~رزقكم الله من هذه الثمار والزروع والأنعام وغيرها، وانتفعوا منها بسائر ~~أنواع الانتفاع المشروعة، ولا تتبعوا وساوس الشيطان وطرقه فى التحريم ~~والتحليل كما أتبعها أهل الجاهلية، إذ حرموا ما رزقهم الله افتراء عليه، ~~إن الشيطان عداوته، ظاهرة واضحة لكم، فهو يمنعكم مما يحفظ روحكم، ويطهر ~~قلوبكم، فالجملة الكريمة { إنه لكم } تعليل للنهى عن اتباع خطوات ~~الشيطان. ثم بين القرآن بعد ذلك بعض ما كان عليه الجاهليون من جهالات، ~~وناقشهم فيما أحلوه وحرموه مناقشة منطقية حكيمة فقال { ثمانية ~~أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين }. ~~وقوله - سبحانه - { ثمانية أزواج } بدل من { حمولة ~~وفرشا } بناء على كونهما قسمين لجميع الأنعام على الراجح، وقيل أن ~~لفظ ثمانية منصوب بفعل مضمر أى وأنشأ لكم ثمانية أزواج، أو هو مفعول به ~~لفعل { كلوا } وقوله { ولا تتبعوا }... الخ معترض بينهما. ~~والزوج يطلق على المفرد إذا كان معه آخر من جنسه يزاوجه ويحصل منهما ~~النسل، وكذا يطلق على الاثنين فهو مشترك والمراد هنا الاطلاق الأول. ~~والمعنى ثمانية أصناف خلقها الله لكم، لتنتفعوا بها أكلا وركوبا وحملا ~~وحلبا وغير ذلك. ثم فصل الله - تعالى - هذه الأزواج الثمانية فقال { ~~من الضأن اثنين } أى. من الضأن زوجين اثنين هما الكبش ~~والنعجة، { ومن المعز اثنين } أى. ومن المعز زوجين اثنين هما ~~التيس والعنز. ثم أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبكتهم ~~على جهلهم فقال { قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين ~~أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين }. أى قل لهم يا ~~محمد على ms1891 سبيل التوبيخ وإلزامهم الحجة أحرم الله الذكرين وحدهما من الضأن ~~والمعز أم الأنثيين وحدهما، أم الأجنة التى اشتملت عليها أرحام إناث ~~الزوجين كليهما سواء أكانت تلك الأجنة ذكورا أم إناثا؟ وقوله { ~~نبئوني بعلم إن كنتم صادقين } أى أخبرونى بأمر معلوم من ~~جهته - تعالى - جاءت به الأنبياء، يدل على أنه - سبحانه - قد حرم شيئا ~~مما حرمتموه إن كنتم صادقين فى دعوى التحريم. # والأمر هنا للتعجيز لأنهم لا دليل عندهم من العقل أو النقل على صحة ~~تحريمهم لبعض الأنعام دون بعض. وقوله - تعالى - { ومن الإبل ~~اثنين } عطف على قوله { من الضأن اثنين } أى وأنشأ لكم من ~~الإبل اثنين هما الجمل والناقة { ومن البقر اثنين } هما الثور ~~وأنثاه البقرة. { قل } إفحاما فى أمر هذين النوعين أيضا { ~~ءآلذكرين حرم } الله - تعالى منهما، { أم الأنثيين ~~أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين } من ذينك ~~النوعين؟ قال الآلوسى والمعنى - كما قال كثير من أجلة العلماء إنكار ان ~~الله - تعالى - حرم عليهم شيئا من هذه الأنواع الأربعة، وإظهار كذبهم فى ~~ذلك وتفصيل ما ذكر من الذكور والإناث وما فى بطونها للمبالغة فى الرد ~~عليهم بإيراد الإنكار على كل مادة من مواد افترائهم، فإنهم كانوا يحرمون ~~ذكور الأنعام تارة، وإناثها تارة. وأولادها كيفما كانت تارة أخرى، مسندين ~~ذلك كله إلى الله - سبحانه -. ثم قال وإنما لم يل المنكر - وهو التحريم - ~~الهمزة، والجارى فى الاستعمال أن ما نكر وليها لأن ما فى النظم الكريم ~~أبلغ. وبيانه - على ما قاله السكاكى - أن إثبات التحريم يستلزم إثبات ~~محله لا محالة، فإذا انتفى محله وهو الموارد الثلاثة لزم انتفاء التحريم ~~على وجه برهانى. كأنه وضع الكلام موضع من سلم أن ذلك قد تم، وطالبه ببيان ~~محله كى يتبين كذبه، ويفتضح عند الحاجة. وإنما لم يورد - سبحانه - الأمر ~~عقيب تفصيل الأنواع الأربعة، بأن يقال قل ءآلذكور حرم أم الإناث أما ~~اشتملت عليه أرحام الإناث، لما فى التكرير من المبالغة أيضا فى الإلزام ~~والتبكيت. وقوله - تعالى - { أم كنتم شهدآء إذ وصاكم ~~الله بهذا } تكرير للإفحام والتبكيت. ms1892 أى أكنتم حاضرين حين وصاكم ~~الله وأمركم بهذا التحريم؟ لا، ما كنتم حاضرين فمن أين لكم هذه الأحكام ~~الفاسدة؟. فالجملة الكريمة تبكتهم غاية التبكيت على جهالاتهم وافترائهم ~~الكذب على الله، والاستفهام فى قوله - تعالى - { فمن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم } ~~للنفى والإنكار. أى لا أحد أشد ظلما من هؤلاء المشركين الذين يفترون على ~~الله الكذب بنسبتهم إليه - سبحانه - تحريم ما لم يحرمه لكى يضلوا الناس ~~عن الطريق القويم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. وقوله، { بغير ~~علم } متعلق بمحذوف حال من فاعل افترى، أى افترى عليه - تعالى - جاهلا ~~بصدور التحريم. # وإنما وصف بعدم العلم مع أن المفترى عالم بعدم الصدور، إيذانا بخروجه ~~فى الظلم عن الحدود والنهايات، لأنه إذا كان المفترى بغير علم يعد ظالما ~~فكيف بمن يفترى الكذب وهو عالم بذلك. ثم ختمت الآية بقوله - تعالى - { ~~إن الله لا يهدي القوم الظالمين } أى لا يهديهم إلى ~~طريق الحق بسبب ظلمهم، وإيثارهم طريق الغى على طريق الرشد. هذا، والمتأمل ~~فى هاتين الآيتين الكريمتين يراهما قد ردتا على المشركين بأسلوب له - مع ~~سهولته وتأثيره - الطابع المنطقى الذى يزيد المؤمنين إيمانا بصحة هذا ~~الدين، وصدق هذا القرآن، ويقطع على المعارضين والملحدين كل حجة وطريق. ~~وتقرير ذلك - كما قال بعض العلماء - أن تطبق قاعدة السير والتقسيم فيقال، ~~إن الله - تعالى - خلق من كل صنف من المذكورات نوعين ذكرا وأنثى، وأنتم ~~أيها المشركون حرمتم بعض هذه الأنعام، فلا يخلو الأمر فى هذا التحريم من ~~1 - أن يكون تحريما معللا بعلة. 2 - أو أن يكون تحريما تعبديا ملقى من ~~الله - تعالى -. ولا جائز أن يكون تحريما معللا، لأن العلة إن كانت هى ~~الذكورة فأنتم أبحتم بعض الذكور وحرمتم بعضا، فلم تجعلوا الأمر فى ~~الذكورة مطردا وإن كانت العلة هى الأنوثة فكذلك الأمر حيث حرمتم بعض ~~الإناث وحللتم بعضا، فلم تطرد العلة، ومثل هذا يقال إذا جعلت العلة هى ~~اشتمال الرحم من الأنثى على النوعين، لأنها حينئذ تقتضى أن يكون ms1893 الكل ~~حراما فلماذا أحلوا بعضه. وهذا كله يؤخذ من قوله - تعالى - { قل ~~ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه ~~أرحام الأنثيين }. فبطل إذن أن يكون التحريم معللا. ولا جائز أن ~~يكون التحريم تعبديا لا يدرى له علة، أى مأخوذ عن الله، لأن الأخذ عن ~~الله إما بشهادة توصيته بذلك وسماع حكمه به، وقد أنكر هذا عليهم بقوله { ~~أم كنتم شهدآء إذ وصاكم الله بهذا } وإما أن ~~يكون برسول أبلغهم ذلك، وهم لم يأتهم رسول بذلك، وفى هذا يقول - جل شأنه ~~- متحديا لهم { نبئوني بعلم إن كنتم صادقين } { فمن ~~أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس ~~بغير علم }. وإذن فما قالوه من التحريم إنما هو افتراء وضلال ". ~~ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم بعد إلزام المشركين ~~وتبكيتهم، وبيان أن ما يتقولونه فى أمر التحريم افتراء محض - بعد كل ذكل ~~أمره بأن يبين لهم ما حرمه الله عليهم فقال { قل لا أجد في.... }. ### || [6.145-147] # أى { قل } يا محمد لهؤلاء المفترين على الله الكذب فى أمر التحليل ~~والتحريم وغيرهما { لا أجد في مآ أوحي إلي محرما ~~على طاعم يطعمه }. أى لا أجد فيما أوحاه الله إلى من القرآن ~~طعاما محرما على أكل يريد أن يأكله من ذكر أو أنثى ردا على قولهم # محرم على أزواجنا # والجملة الكريمة تفيد أن طريق التحريم والتحليل إنما هو الوحى وليس مجرد ~~الهوى والتشهى، وأن الأصل فى الأشياء الحل إلا أن يرد نص بالتحريم. و { ~~محرما } صفة لموصوف محذوف، أى شيئا محرما، أو طعاما محرما، وهو ~~المفعول الأول لأجد، أما المفعول الثانى فهو { في مآ أوحي إلي ~~} قدم للاهتمام به. وقوله { يطعمه } فى موضع الصفة لطاعم جىء به ~~قطعا للمجاز كما فى قوله # ولا طائر يطير بجناحيه # ثم بين - سبحانه - ما حرمه فقال { إلا أن يكون ميتة أو ~~دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا ~~أهل لغير الله به }. أى لا أجد فيما أوحاه الله إلى الآن ~~شيئا محرما من المطاعم إلا ms1894 أن يكون هذا الشىء أو ذلك الطعام { ميتة ~~} أى بهيمة ماتت حتف أنفها. { أو دما مسفوحا } أى دما مصبوبا ~~سائلا كالدم الذى يخرج من المذبوح عند ذبحه، لا الدم الجامد كالكبد ~~والطحال، والسفح الصب والسيلان. { أو لحم خنزير فإنه } أى ~~اللحم لأنه المحدث عنه، أو الخنزير لأنه الأقرب أو جميع ما ذكر من الميتة ~~والدم ولحم الخنزير. { رجس } أى قذر خبيث تعافه الطباع السليمة وضار ~~بالأبدان { أو فسقا أهل لغير الله به } أى خروجا عن ~~الدين، لكونه عند ذبحه قد ذكر عليه غير اسمه - تعالى - من صنم أو وثن أو ~~طاغوت أو نحو ذلك. والإهلال رفع الصوت عند رؤية الهلال، ثم استعمل لرفع ~~الصوت مطلقا، ومنه إهلال الصبى، والإهلال بالحج، وكانوا فى الجاهلية إذا ~~أرادوا ذبح ما قربوه إلى آلهتهم سموا عليها أسماءها - كاللات والعزى - ~~ورفعوا بها أصواتهم، وسمى ذلك إهلالا. وإنما سمى # مآ أهل به لغير الله # فسقا، لتوغله فى باب الفسق، والخروج عن الشريعة الصحيحة، ومنه قوله - ~~تعالى - # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ~~وإنه لفسق # ثم بين - سبحانه - حكم المضطر فقال { فمن اضطر } أى فمن أصابته ~~الضرورة الداعية إلى تناول شىء مما ذكر، بأن ألجىء بإكراه أو جوع مهلك - ~~مع فقد الحلال - إلى أكل شىء من هذه المحرمات التى كانوا فى الجاهلية ~~يستحلونها، فلا إثم عليه فى أكلها. واضطر مأخوذ من الاضطرار وهو الاحتياج ~~إلى الشىء، يقال اضطره إليه، أى أحوجه والجأه فاضطر. ثم قيد - سبحانه - ~~حالة الاضطرار بقوله { غير باغ ولا عاد }. # أي فمن أصابته ضرورة قاهرة ألجأته إلى الأكل من هذه الأشياء المحرمة ~~حالة كونه غير باغ فى أكله، أى غير طالب للمحرم وهو يجد غيره. أو غير ~~طالب له للذته، أو على جهة الاستئثار به على مضطر آخر بأن ينفرد بتناوله ~~فيها عن الآخر. أو حالة كونه - أيضا - غير عاد فيما يأكل، أى غير متجاوز ~~سد الجوعة فلا إثم عليه فى هذه الأحوال. وباغ مأخوذ من البغاء وهو الطلب ~~تقول بغيته بغاء ms1895 وبغى بغية وبغية أى طلبته. وعاد اسم فاعل بمعنى متعد، ~~تقول فلان عدا طوره إذا تجاوز حده وتعداه إلى غيره فهو عاد، ومنه قوله - ~~تعالى - # بل أنتم قوم عادون # وقوله { فإن ربك غفور رحيم } أى فإن ربك واسع المغفرة ~~والرحمة لا يؤاخذ المضطرين، ولا يكلف الناس بما فوق طاقتهم، وإنما هو ~~رءوف رحيم بهم يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر. والجملة الكريمة جواب ~~الشرط باعتبار لازم المعنى وهو عدم المؤاخذة. وقيل جواب الشرط محذوف أى ~~فمن اضطر، فلا مؤاخذة عليه وهذه الجملة تعليل له. هذا، والآية الكريمة ~~ليس المقصود منها حصر المحرمات فى هذه الأربعة وإنما المقصود منها الرد ~~على مزاعم المشركين فيما حرموه بغير علم من البحائر والسوائب وغيرها. قال ~~ابن كثير " الغرض من سياق هذه الآية الرد على المشركين الذين ابتدعوا ما ~~ابتدعوه من تحريم المحرمات على أنفسهم بآرائهم الفاسدة من البحيرة ~~والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك. فأمر - تعالى - رسوله أنه لا يجد ~~فيما أوحاه الله إليه أن ذلك محرم، وأن الذى حرمه هو الميتة وما ذكر معها ~~وما عدا ذلك فلم يحرم، وإنما هو عفو مسكوت عنه. فكيف تزعمون أنه حرام؟! ~~ومن أين حرمتموه ولم يحرمه الله - تعالى -؟! وعلى هذا فلا ينفى تحريم ~~أشياء أخر فيما بعد هذا. كما جاء النهى عن الحمر الأهلية ولحوم السباع ~~وكل ذى مخلب من الطير ". وقال القرطبى " والآية مكية، ولم يكن فى الشريعة ~~فى ذلك الوقت محرم غير هذه الأشياء، ثم نزلت سورة المائدة بالمدينة وزيد ~~فى المحرمات كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وغير ذلك، وحرم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة أكل كل ذى ناب من السباع وكل ذى مخلب ~~من الطير، وقد اختلف العلماء فى حكم هذه الآية وتأويلها على أقوال الأول ~~ما أشرنا إليه من أن هذه الآية مكية وكل محرم حرمه رسول الله أو جاء فى ~~الكتاب مضموم إليها، فهو زيادة حكم من الله على لسان نبيه. على هذا أكثر ~~أهل العلم من أهل النظر والفقه ms1896 والأثر ". والخلاصة أن الآية الكريمة ليس ~~المقصود منها حصر المحرمات فى هذه الأربعة وإنما المقصود منها الرد على ~~مزاعم المشركين، وذلك أن الكفار. # كما قال الإمام الشافعى - لما حرموا ما أحل الله وأحلوا ما حرمه الله ~~وكانوا على المضادة والمحادة جاءت الآية مناقضة لغرضهم، فكأنه قال - ~~سبحانه - لا حلال إلا ما حرمتموه ولا حرام إلا ما أحللتموه، نازلا منزلة ~~من يقول لا تأكل اليوم حلاوة. فتقول لا أكل اليوم إلا الحلاوة، والغرض ~~المضادة لا للنفى والإثبات على الحقيقة. فهو - تعالى - لم يقصد ما وراء ~~الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، إذ القصد إثبات التحريم ~~لا إثبات الحل. قال إمام الحرمين وهذا فى غاية الحسن، ولولا سبق الشافعى ~~إلى ذلك لما كنا نستجيز مخالفة مالك - رضى الله عنه - فى حصر المحرمات ~~فيما ذكرته الآية. وفى حكم هذه الآية وتأويلها أقوال أخرى بسطها العلماء ~~فارجع إليها إذا شئت. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما حرمه الله على اليهود ~~بسبب ظلمهم وبغيهم فقال - تعالى - { وعلى الذين هادوا ~~حرمنا كل ذي ظفر }. فقوله - تعالى - { وعلى الذين ~~هادوا حرمنا } بيان لما حرمه الله - تعالى - على بنى إسرائيل ~~جزاء ظلمهم، وفى هذا البيان رد على اليهود، وتكذيب لهم، إذ زعموا أن الله ~~لم يحرم عليهم شيئا، وإنما هم حرموا على أنفسهم ما حرمه إسرائيل على ~~نفسه، فجاءت هذه الآية الكريمة لتبين بعض ما حرمه الله عليهم من الطيبات ~~- التى كانت حلالا لهم - بسبب فسقهم وطغيانهم. والمراد بقوله تعالى { ~~كل ذي ظفر } ما ليس بمنفرج الأصابع من البهائم والطير، كالإبل ~~والنعام والأوز والبط، كما روى عن ابن عباس وسعيد ابن جبير وقتادة. قال ~~الإمام الرازى قوله - تعالى - { وعلى الذين هادوا حرمنا ~~كل ذي ظفر } يفيد تخصيص هذه الحرمة بهم من وجهين الأول أن قوله - ~~تعالى - { وعلى الذين هادوا حرمنا } كذا وكذا يفيد الحصر ~~فى اللغة، لتقدم المعمول على عامله. الثانى أنه لو كانت هذه الحرمة ثابتة ~~فى حق الكل لم يبق لقوله { وعلى الذين ms1897 هادوا حرمنا } ~~فائدة. ثم بين - سبحانه - ما حرم عليهم من غير ذوى الظفر فقال - تعالى - ~~{ ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهمآ ~~إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايآ أو ما اختلط ~~بعظم }. والشحم هو المادة الدهنية التى تكون فى الحيوان وبها يكون ~~لحمه سمينا والعرب تسمى سنام البعير، وبياض البطن شحما، وغلب إطلاق ~~الشحم على ما يكون فوق أمعاء الحيوان. والحوايا - كما قال ابن جرير - جمع ~~حاوياء وحاوية، وحوية هى ما تحوى من البطن فاجتمع واستدار، وفسرت ~~بالمباعر، والمرابض التى هي مجتمع الأمعاء فى البطن. # والمعنى كما حرمنا على اليهود كل ذى ظفر، فقد حرمنا عليهم كذلك من البقر ~~والغنم شحومهما الزائدة التى تنتزع بسهولة، إلا ما استثنيناه من هذه ~~الشحوم وهو ما حملت ظهورهما او ما حملت حواياهما، أو اختلط من هذه الشحوم ~~بعظمهما. فقد أحللناه لهم. ثم بين - سبحانه - أن هذا التحريم كان نتيجة ~~لطغيانهم فقال تعالى { ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا ~~لصادقون } أى هذا الذى حرمناه على الذين هادوا من الأنعام والطير ~~ومن البقر والغنم، وهذا التضييق الذى حكمنا به عليهم، إنما ألزمناهم به، ~~بسبب بغيهم وظلمهم، وتعديهم حدود الله تعالى. قال قتادة إنما حرم الله ~~عليهم ما ليس بخبيث عقوبة لهم وتشديدا عليهم. ولما كان هذا النبأ عن ~~شريعة اليهود، من الأنباء التى لم يكن النبى صلى الله عليه وسلم وقومه ~~يعلمون عنها شيئا لأميتهم، وكان تكذيب اليهود له بأن الله لم يحرم ذلك ~~عليهم عقوبة لهم، لما كان الأمر كذلك، أكد الله هذا النبأ بقوله { ~~وإنا لصادقون }. أى وإنا لصادقون - يا محمد - فيما أخبرناك به، ~~ومن بينه ما أعلمناك عنه مما حرمناه على اليهود من الطيبات وهم الكاذبون ~~فى زعمهم أن ذلك إنما حرمه إسرائيل على نفسه، وأنهم إنما حرموه لتحريم ~~إسرائيل إياه على نفسه. ومع أن الشحوم جميعها باستثناء ما أحله لهم منها ~~محرمة عليهم، فإنهم تحايلوا على شرع الله، وأخذوا يذيبونها ويستعملونها ~~فى شئونهم المختلفة أو يبيعونها ويأكلون ثمنها، ولقد لعنهم النبى صلى ~~الله عليه ms1898 وسلم بسبب هذا التحايل فى أحاديث متعددة. من ذلك ما روى عن ابن ~~عباس - رضى الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قاعدا خلف ~~المقام، فرفع بصره إلى السماء وقال # " لعن الله اليهود - ثلاثا - إن الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ~~ثمنها، وإن الله لم يحرم على قوم أكل شىء إلا حرم عليهم ثمنه ". # وعن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام ~~الفتح # " إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل يا رسول الله ~~أرأيت شحوم الميتة فإنها يدهن بها الجلود، وتطلى بها السفن ويستصبح بها ~~الناس، فقال " لا. هو حرام " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ~~ذلك " قاتل الله اليهود " ، إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوها. أى ~~أذابوها ثم باعوها وأكلوا ثمنها ". # ثم حذرهم الله من الكفر والطغيان، فقال - تعالى - { فإن كذبوك ~~فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن ~~القوم المجرمين } أى فإن كذبوك - يا محمد - هؤلاء اليهود ~~وأمثالهم من المشركين، فيما أخبرناك عنه من أنا حرمنا على هؤلاء اليهود ~~بعض الطيبات عقوبة لهم، فقل لهم. # إن الله - تعالى - ذو رحمة واسعة حقا ورحمته وسعت كل شىء، ومن مظاهر ~~رحمته أنه لا يعاجل من كفر به بالعقوبة، ولا من عصاه بالنقمة، ولكن ذلك ~~لا يقتضى أن يرد بأسه، أو يمنع عقابه عن القوم المصرين على إجرامهم ~~المستمرين على اقتراف المنكرات، وارتكاب السيئات. فالآية الكريمة قد جاءت ~~لتزجرهم عن البغى والكفران، حتى يعودوا إلى طريق الحق. إن كانوا ممن ~~ينتفع بالذكرى، ويعتبر بالموعظة. ثم حكى القرآن بعد ذلك شبهة من الشبهات ~~الباطلة التى تمسك بها المشركون فى شركهم وجهالاتهم ورد عليها بما يبطلها ~~ويخرس ألسنة قائليها أو المتذرعين بها فقال { سيقول الذين ~~أشركوا... }. ### || [6.148-150] # إن هذه الآيات الكريمة تعرض لشبهة قديمة جديدة قديمة لأن كثيرا من ~~مجادلى الرسل موهوابها، وحديثة لأنها دائما تراود كثيرا من المتمسكين ~~بالأوهام فى سبيل إرضاء نزواتهم من المتع ms1899 الباطلة والشهوات المحرمة. إنهم ~~يقولون عندما يرتكبون القبائح والمنكرات هذا أمر الله، وهذا قضاؤه، وتلك ~~مشيئته وإرادته، ولو شاء الله عدم فعلنا لهذه الأشياء لما فعلناها وإذا ~~كان الله قد قضى علينا بها فما ذنبنا؟ ولماذا يعاقبنا عليها؟ إلى غير ذلك ~~من اللغو الباطل، والكلام العابث الذى يريدون من ورائه التحلل من أوامر ~~الله ونواهيه. ولنتدبر سويا أيها القارىء الكريم - هذه الآيات، وهى تحكى ~~تلك الشبهات الباطلة، ثم تقذفها بالحق الواضح، والبرهان القاطع، فإذا هى ~~زاهقة. يقول - سبحانه - { سيقول الذين أشركوا لو شآء ~~الله مآ أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء }. ~~أى سيقول هؤلاء المشركون لو شاء الله - تعالى - ألا نشرك به وألا يشرك به ~~آباؤنا من قبلنا، لنفذت مشيئته، ولما أشركنا نحن ولا آباؤنا. ولو شاء ~~كذلك ألا نحرم شيئا مما حرمناه من الحرث والأنعام وغيرها لتمت مشيئته ~~ولما حرمنا شيئا مما حرمنا. ولكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك، بل شاء لنا أن ~~نشرك معه فى العبادة هذه الأصنام، وأن نحرم ما نحرم من الحرث والأنعام ~~وقد رضى لنا ذلك فلماذا تطالبنا يا محمد بتغيير مشيئة الله، وتدعونا إلى ~~الدخول فى دينك الذى لم يشأ الله دخولنا فيه؟. قال الآلوسى ما ملخصه " ~~وهم لم يريدوا بهذا الكلام الاعتذار عن ارتكاب القبيح، لأنهم لم يعتقدوا ~~قبح أفعالهم وإنما مرادهم من هذا القول الاحتجاج على أن ما ارتكبوه - من ~~الشرك والتحريم - حق ومشروع ومرضى عند الله، بناء على أن المشيئة ~~والإرادة تسابق الأمر وتستلزم الرضا، فيكون حاصل كلامهم إن ما نرتكبه من ~~الشرك والتحريم وغيرهما تعلقت به مشيئة الله وإرادته، وكل ما تعلقت به ~~مشيئة الله وإرادته فهو مشروع ومرضى عنده. فينتج أن ما نرتكبه من الشرك ~~والتحريم مشروع ومرضى عند الله ". وقد حكى القرآن فى كثير من آياته ما ~~يشبه قولهم هذا، ومن ذلك قوله - تعالى - # وقال الذين أشركوا لو شآء الله ما عبدنا من ~~دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من ~~دونه من شيء كذلك فعل الذين ms1900 من قبلهم # وقوله - تعالى - # وقالوا لو شآء الرحمن ما عبدناهم ما لهم ~~بذلك من علم إن هم إلا يخرصون # وقد رد القرآن على قولهم بما يبطله فقال { كذلك كذب الذين ~~من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا }. أى مثل هذا التكذيب من ~~مشركى مكة للرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من إبطال الشرك، قد كذب ~~الذين من قبلهم لرسلهم، واستمروا فى تكذيبهم لهم حتى أنزلنا على هؤلاء ~~المكذبين عذابنا ونقمتنا. # ومن مظاهر تكذيب هؤلاء المشركين لرسلهم، أنهم عندما قال لهم الرسل عليهم ~~السلام - اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا. كذبوهم واحتجوا عليهم بأن ما ~~هم عليه من شرك واقع بمشيئة الله، وزعموا أنه ما دام كذلك فهو مرضى عنده ~~- سبحانه - فكان الرد عليهم بأنه لو كان هذا الشرك وغيره من قبائحهم ~~مرضيا عنده - سبحانه - لما أذاق أسلافهم المكذبين - الذين قالوا لرسلهم ~~مثل قولهم - عذابه ونقمته. ولما أخذهم أخذ عزيز مقتدر. قال الآلوسى ما ~~ملخصه وحاصل هذا الرد أن كلام المشركين يتضمن تكذيب الرسل وقد دلت ~~المعجزة على صدقهم، ولا يخفى أن المقدمة الأولى وهى أن كل شىء بمشيئة ~~الله لا تكذيب فيها، بل هى متضمنة لتصديق ما تطابق فيه العقل والشرع من ~~كون كل شىء بمشيئة الله، وامتناع أن يجرى فى ملكه خلاف ما يشاء. فمنشأ ~~التكذيب هو المقدمة الثانية، وهى أن كل ما تعلقت به مشيئة الله وإرادته ~~فهو مشروع ومرضى عنه، لأن الرسل عليهم السلام يدعونهم إلى التوحيد ~~ويقولون لهم إن الله لا يرضى لعباده الكفر دينا ولا يأمر بالفحشاء، فيكون ~~قوله إن ما نرتكبه مشروع ومرضى عنده سبحانه تكذيب لقول الرسل. وحيث كان ~~فساد هذه الحجة باعتبار المقدمة الثانية تعين أنها ليست بصادقة، وحينئذ ~~يصدق نقيضها وهى أنه ليس كل ما تعلقت به المشيئة والإرادة بمشروع ومرضى ~~عنده - سبحانه - بناء على أن الإرادة لا تساوق الأمر. ثم بعد هذا الرد ~~المفحم للمشركين أمر الله تعالى رسوله أن يطالبهم بدليل على مزاعمهم فقال ~~{ قل هل عندكم من علم ms1901 فتخرجوه لنآ }. أى قل لهم يا ~~محمد على سبيل التوبيخ والتعجيز هل عندكم من علم ثابت تعتمدون عليه فى ~~قولكم { لو شآء الله مآ أشركنا }! إن كان عندكم هذا العلم ~~فاخرجوه لنا لنتباحث معكم فيه، ونعرضه على ما جئتكم به من آيات بينة ~~ودلائل ساطعة. فإن العاقل هو الذى لا يتكلم بدون علم، ولا يحيل على مشيئة ~~الله التى لا ندرى عنها شيئا. و { من } فى قوله { من علم } ~~زائدة، وعلم مبتدأ، وعندكم خبر مقدم. وقوله { فتخرجوه } منصوب بأن ~~المضمرة بعد فاء السببية الواقعة بعد الاستفهام الإنكارى. ثم بين حقيقة ~~حالهم فقال { إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا ~~تخرصون }. أى أنتم لستم على شىء ما من العلم، بل ما تتبعون فى ~~أقوالكم وأعمالكم وعقائدكم إلا الظن الباطل الذى لا يغنى من الحق شيئا. ~~وما أنتم إلا تخرصون أى تكذبون على الله فيما ادعيتموه. # وأصل الخرص القول بالظن. يقال خرصت النخل خرصا - من باب قتل - حزرت ثمره ~~وقدرته بالظن والتخمين، واستعمل فى الكذب لما يداخله من الظنون الكاذبة، ~~فيقال خرص فى قوله - كنصر - أى كذب. وبعد أن نفى - سبحانه - عنهم أدنى ما ~~يقال له علم وحصر ما هم عليه من دين فى أدنى مراتب الظن مع أن أعلاها لا ~~يغنى من الحق شيئا، ووصمهم بالكذب فيما يدعونه، بعد كل ذلك أثبت لذاته - ~~سبحانه - فى مقابلة ذلك الحجة العليا التى لا تعلوها حجة فقال { قل ~~فلله الحجة البالغة فلو شآء لهداكم أجمعين ~~}. الحجة كما قال الراغب فى مفرداته الدلالة المبينة للمحجة، أى المقصد ~~المستقيم. أى قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء المشركين الذين بنوا قواعد ~~دينهم على الظن والكذب بعد أن عجزوا عن الإثبات بأدنى دليل على مزاعمهم، ~~قل لهم لله وحده الحجة البالغة. أى البينة الواضحة التى بلغت أعلى درجات ~~العلم والقوة والمتانة، والتى وصلت إلى أعلى درجات الكمال فى قطع عذر ~~المحجوج وإزالة الشكوك عمن تدبرها وتأملها. وقوله. { فلو شآء ~~لهداكم أجمعين } أى لو شاء - سبحانه - هدايتكم جميعا لفعل لأنه ms1902 ~~لا يعجزه شىء، ولكنه لم يشأ ذلك، بل شاء هداية البعض لأنهم صرفوا ~~اختيارهم إلى سلوك طريق الحق، وشاء ضلالة آخرين، لأنهم صرفوا اختيارهم ~~إلى سلوك طريق الباطل. ونريد أن نزيد هذه الشبهة القديمة الحديثة تمحيصا ~~وكشفا ودفعا فنقول لأولئك الذين يبررون ارتكابهم للموبقات بأنها واقعة ~~بمشيئة الله. نحن معكم فى أنه لا يقع فى ملكه - سبحانه - إلا ما يشاؤه، ~~فالطائع تحت المشيئة والعاصى تحت المشيئة، ولكن المشيئة لم تجبر أحدا على ~~طاعة أو معصية وقضاء الله وقدره هو علمه بكل ما هو كائن قبل أن يكون، ~~وليس العلم صفة تأثير وجبر. ولقد شاء الله - تعالى - أن يجعل فى طبيعة ~~البشر الاستعداد للخير والشر، ووهبهم العقل ليهتدوا به وأرسل إليهم الرسل ~~لينموا فيهم استعدادهم وسن لهم شريعة لتكون مقياسا ثابتا لما يأخذون وما ~~يدعون، كى لا يتركهم لعقولهم وحدها. وإذن مشيئة الله متحققة حسب سنته ~~التى ارتضاها مختارا - وهو قادر على اختيار غيرها وعلى تغييرها وتبديلها ~~- متحققة سواء اتخذ العبد طريقه إلى الهدى أو إلى الضلال، وهو مؤاخذ إن ~~ضل ومأجور إذا اهتدى. غير أن سنة الله اقتضدت أن من يفتح عينه يبصر ~~النور، ومن يغمضها لا يراه، كذلك من يفتح قلبه لإدراك دلائل الإيمان ~~يهتدى. ومن يحجب قلبه عنها يضل، سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا. وإذن ~~فزعم الزاعمين بأن الله شاء هذا على معنى أنه أجبرهم عليه فهم لا ~~يستطيعون عنه فكاكا، إنما هو زعم باطل لا سند له من العلم والتفكير ~~الصحيح فإن المشيئة الإلهية لها سنة تقيدت بها، وهذه السنة هى أنه لا ~~جبر على طاعة ولا قسر على معصية. # وتقرير ذلك يؤخذ من قوله - تعالى - { قل فلله الحجة ~~البالغة فلو شآء لهداكم أجمعين } أى فلو شاء أن ~~يكرهكم ويفرض هدايتكم بقدرته وقدره لهداكم، ولكنه لم يشأ إجباركم على ~~الضلالة، فهى مشيئة المنح والتيسير وليست مشيئة الإلجاء والتسخير قال - ~~تعالى - # فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى ~~فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى ~~وكذب بالحسنى فسنيسره ms1903 للعسرى # ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يطالب المشركين ~~بإحضار من يشهد لهم بأن الله قد حرم عليهم ما زعموا تحريمه من الحرث ~~والأنعام وغيرها فقال { قل هلم شهدآءكم الذين ~~يشهدون أن الله حرم هذا }. هلم لفظ يقصد به الدعوة ~~إلى الشىء، وهى اسم فعل بمعنى أقبل إذا كان لازما، وبمعنى أحضر وائت إذا ~~كان متعديا كما هنا، ويستوى فيه الواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث ~~فى لغة الحجازين. أى أحضروا شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم عليكم هذا ~~الذى زعمتم تحريمه، وهم كبراؤهم الذين أسسوا ضلالهم. والمقصود من إحضارهم ~~تفضيحهم وإلزامهم الحجة، وإظهار أنه لا متمسك لهم كمقلدين، ولذلك قيد ~~الشهداء بالإضافة، ووصفوا بما يدل على أنهم شهداء معروفون بالشهادة لهم ~~وبنصر مذهبهم. ثم قال - سبحانه - { فإن شهدوا فلا تشهد ~~معهم } أى فإن فرض إحضار هؤلاء الشهود الذين عرفوا بضلالهم فلا ~~تصدقهم ولا تقبل شهادتهم ولا تسلمها لهم بالسكوت عليها فإن السكوت عن ~~الباطل فى مثل هذا المقام كالشهادة به وإنما عليك أن تبين لهم بطلان ~~زعمهم بواسطة ما آتاك الله من حجج وبينات. قال صاحب الكشاف فإن قلت كيف ~~أمره باستحضار شهدائهم الذين يشهدون أن الله حرم ما زعموه محرما ثم أمره ~~بأن لا يشهد معهم؟ قلت أمره باستحضارهم وهم شهداء بالباطل ليلزمهم الحجة ~~ويلقمهم الحجر، ويظهر للمشهود لهم بانقطاع الشهداء أنهم ليسوا على شىء ~~لتساوى أقدام الشاهدين والمشهود لهم فى أنهم لا يرجعون إلى ما يصح التمسك ~~به. وقوله { فلا تشهد معهم } يعنى فلا تسلم لهم ما شهدوا به ~~ولا تصدقهم، لأنه إذا سلم لهم فكأنه شهيد معهم مثل شهادتهم وكان واحدا ~~منهم. ثم قال - سبحانه - { ولا تتبع أهوآء الذين ~~كذبوا بآياتنا } أى ولا تتبع أهواء هؤلاء الناس الذين كذبوا ~~بآياتنا التى أنزلها الله عليك لتكون هداية ونورا لقوم يعقلون، فإن ~~شهادتهم - إن وقعت - فإنما هى صادرة عن هوى وضلال. ولم يقل - سبحانه - ~~ولا تتبع أهواءهم بل قال ولا تتبع أهواء الذين كذبوا، فوضع ms1904 الظاهر موضع ~~الضمير لبيان أن المكذب بهذه الآيات والحجج الظاهرة إمعانا فى التمسك ~~بتقاليده الباطلة، إنما هو صاحب هوى وظن لا صاحب علم وحجة. # وقوله { والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم ~~يعدلون } عطف على الموصوف قبله لتعدد صفاتهم القبيحة. أى ولا تتبع ~~أهواء الذين يجمعون بين تكذيب آيات الله، وبين الكفر بالآخرة، وبين جعلهم ~~لله عديلا أى شريكا مع أنه - سبحانه - هو الخالق لكل شىء، لأن هذه الصفات ~~لا تؤهلهم لشهادة حق، ولا للثقة بهم، وإنما للاحتقار فى الدنيا، ولسوء ~~العذاب فى الآخرة. وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حكت فى بضع عشرة آية ~~جانبا من رذائل المشركين وسخف تقاليدهم وعبث أهوائهم وفساد معاذيرهم ~~وبطلان شبهاتهم وردت عليهم بما يخرس ألسنتهم، ويبطل حجتهم، فيما أحلوه ~~وحرموه فى شأن النذور والذبائح والمطاعم والمشارب وغير ذلك مما حكته ~~الآيات الكريمة. ثم تنتقل السورة بعد ذلك إلى أفق أرحب وأوسع، وإلى ميدان ~~أفسح وأشمل فتناديهم بأسلوب مؤثر بليغ ليستمعوا إلى ما حرم الله عليهم ~~فيجتنبوه وإلى ما كلفهم به فيعملوه، تناديهم ليتدبروا فى الأصول الكلية ~~التى تقوم عليها العقيدة السليمة، ويسعد بها المجتمع، ويحيا فى ظلها ~~الأفراد والجماعات فى أمان واطمئنان. تناديهم ليسمعوا البيان الصحيح الحق ~~فيما أحل الله وحرم من الأفعال والأقوال ليسمعوه ممن له وحده الحق فى أن ~~يقوله، وفى أن يتلقى عنه تناديهم فتقول { قل تعالوا أتل... }. ### || [6.151-153] # إن المتأمل فى هذه الآيات يراها قد رسمت للإنسان علاقته بربه علاقة ~~ينال بها السعادة والثواب، ورسمت له علاقته بأسرته بحيث تقوم على المودة ~~والمحبة وسدت فى وجهه أبواب الشر التى تؤدى إلى انتهاك حرمات الأنفس ~~والأموال والأعراض، وقد أطلق العلماء على هذه الآيات الكريمة اسم " ~~الوصايا العشر " نظرا لتذييل آياتها الثلاث بقوله - تعالى - { ذلكم ~~وصاكم به }. روى الترمذى - بسنده - عن ابن مسعود أنه قال من سره ~~أن ينظر إلى وصية محمد التى عليها خاتمه فليقرأ هذه الآيات { قل ~~تعالوا أتل }. إلى قوله { لعلكم تتقون }. وروى الحاكم ~~وصححه، وابن أبى حاتم عن ms1905 عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " أيكم يبايعنى على هؤلاء الآيات الثلاث، ثم تلا قوله - تعالى - { قل ~~تعالوا أتل }. حتى فرغ منها ثم قال من وفى بهن فأجره على الله، ~~ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله فى الدنيا كانت عقوبته، ومن أخره إلى ~~الآخرة كان أمره إلى الله، إن شاء الله أخذه، وإن شاء عفا عنه ". # وروى البيهقى عن على بن أبى طالب - رضى الله عنه - قال. لما أمر الله ~~نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعرض نفسه على قبائل العرب، خرج إلى منى وأنا ~~وأبو بكر معه، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على منازل القوم ~~ومضاربهم. فسلم عليهم وردوا السلام، وكان فى القوم مفروق بن عمرو وهانى ~~بن قبيصة والمثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك، وكان مفروق بن عمرو أغلب ~~القوم لسانا وأفصحهم بيانا، فالتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقال له إلام تدعو يا أخا قريش؟ فقال النبى صلى الله عليه وسلم أدعوكم ~~إلى شهادة أن أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنى رسول الله، وأن ~~تؤوونى وتنصرونى وتمنعونى حتى اؤدى حق الله الذى أمرنى به، فإن قريشا ~~تظاهرت على أمر الله وكذبت رسوله واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو ~~الغنى الحميد. فقال له مفروق وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش؟ فتلا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم { قل تعالوا أتل ما حرم ~~ربكم عليكم }. إلى آخر الآيات الثلاث. فقال له مفروق وإلام ~~تدعو أيضا يا أخا قريش؟ فوالله ما هذا من كلام أهل الأرض ولو كان من ~~كلامهم لعرفناه. فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم # إن الله يأمر بالعدل والإحسان # الآية. فقال له مفروق دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن ~~الأعمال، وقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك. وقال هانىء بن قبيصة قد سمعت ~~مقالتك، واستحسنت قولك يا أخا قريش، ويعجبنى ما تكلمت به، فبشرهم الرسول ~~- إن آمنوا - بأرض فارس وأنهار كسرى. ms1906 # فقال له النعمان اللهم وإن ذلك لك يا أخا قريش؟ فتلا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # يأيها النبي إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا ~~ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا # ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا جانب من فضائل هذه الآيات ~~الثلاث، وذلك هو تأثيرها فى نفوس العرب، والآن فلنبدأ فى التفسير ~~التحليلى لها فنقول لقد بدئت الآيات بقوله - تعالى - { قل تعالوا ~~أتل ما حرم ربكم عليكم }. أى قل أيها الرسول الكريم ~~لهؤلاء الذين حللوا وحرموا حسب أهوائهم، تعالوا إلى وأقبلوا نحوى لأبين ~~لكم ما حرمه ربكم عليكم، ولأتلو على مسامعكم ما أمركم به، وما نهاكم عنه ~~خالقكم ومربيكم، فإنكم إن أقبلتم نحوى وأطعمتمونى سعدتم فى دينكم ~~ودنياكم. وفى تصدير هذه الوصايا بكلمة { قل } إشعار من أول الأمر بأن ~~هذا بيان إلهى، ليس الرسول فيه إلا ناقلا مبلغا، وفيه - أيضا - دلالة ~~على أن المأمور به يحتاج إلى مزيد عناية واهتمام وقد سبق أن بينا أن سورة ~~الأنعام زاخرة بهذا الأسلوب التلقينى الذى يبدأ بكلمة { قل }. والأصل ~~فى كلمة تعال أن يقولها من كان فى مكان عال لمن هو أسفل منه، ثم اتسع ~~فيها حتى عمت، وهى تتضمن إرادة تخليص المخاطبين ورفعتهم من انحطاط هم فيه ~~إلى علو يراد لهم ويدعون إليه، وتتضمن كذلك أن المتكلم يريد منهم أن ~~يلتفوا من حوله لتتحد وجهتهم، ولا تتفرق بهم الأهواء والسبل. وفى قوله { ~~أتل } إيماء قوى بأن المتكلم يقدر المخاطبين، ويرتفع بهم إلى درجة ~~أنهم لا يحتاجون فى الإرشاد إلا لأن يتلو عليهم ما يريدهم أن يعملوه ثم ~~هم بعد ذلك سيمتثلون لحسن استعدادهم لقبول الحق. - وإنه لأسلوب قد بلغ ~~الغاية فى اللطف وفى التكريم وفى حسن الموعظة وتوجيه الخطاب. - وخص ~~التحريم بالذكر مع أن الوصايا قد اشتملت على المحرمات وعلى غيرها لأن ~~سياق الآيات قبل ذلك كان منصبا على كشف ما اخترعه المشركون من تحريم فى ~~الحرث والنسل ما أنزل الله به من سلطان، ولأن بيان أصول المحرمات يستلزم ms1907 ~~حل ما عداها لأنه الأصل. وفى نسبة التحريم إلى الرب الذى هو منبع الخير ~~والإحسان. حض لهم على التدبر والاستجابة. لأن الذى حرم عليهم ذلك هو ~~مربيهم، فليس معقولا أن يحرم عليهم ما فيه منفعة لهم، وإنما هو بمقتضى ~~ربوبيته قد حرم عليهم ما فيه ضررهم. - وقوله { أتل } جواب الأمر، أى ~~إن تأتونى أتل. و { ما } فى قوله { ما حرم } موصولة بمعنى الذى ~~والعائد محذوف أى أقرأ الذى حرمه ربكم عليكم، وهى فى محل نصب مفعول به، ~~ويحتمل أن تكون مصدرية، أى أتل تحريم ربكم، ونفس التحريم لا يتلى وإنما ~~هو مصدر واقع موقع المفعول به، أى أتل محرم ربكم الذى حرمه هو. # و { عليكم } متعلق ب { حرم } أو ب { أتل }. قال بعض ~~العلماء وهذه العبارة التى قدمت بها الوصايا - وهى { قل تعالوا ~~أتل ما حرم ربكم عليكم } فيها إشعار بأن الحقائق ~~الأولى التى قام عليها الجدال فى السورة قد أصبحت واضحة. لا مفر من ~~قبولها والبناء عليها، فالله - تعالى - يأمر رسوله بأن يبلغهم، وإذن ~~فهناك إله من شأنه أن يرسل الرسل، وهناك رسل من شأنهم أن يتلقوا عن الله، ~~وهناك محرمات وردت من المصدر الذى يحق له التحريم وحده لأنه هو الرب { ~~ما حرم ربكم } ثم هناك لازم عقلى لهذا التحريم هو أن من تعداه ~~وانتهكه كان مغضبا للرب الذى قرره. مستحقا لعقوبته، وإذن فهناك دار ~~للجزاء. ولننظر بعد ذلك فى الوصايا. الوصية الأولى { ألا تشركوا ~~به شيئا } أى أوصيكم ألا تشركوا مع الله فى عبادتكم آلهة أخرى. بل ~~خصوه وحده بالعبادة والخضوع والطاعة فإنه هو الخالق لكل شىء. وصدر - ~~سبحانه - هذه الوصايا بالنهى عن الشرك، لأنه أعظم المحرمات وأكبرها ~~إفسادا للفطرة، ولأنه هو الجريمة التى لا تقبل المغفرة من الله، بينما ~~غيره قد يغفره - سبحانه - قال - تعالى - # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # وقد ساق القرآن مئات الآيات التى تدعو إلى الإيمان وتنفر من الشرك ~~وتقيم الأدلة الساطعة، والبراهين الدامغة على ms1908 وحدانية الله - عز وجل -. ~~هذا، وقد ذكر الشيخ الجمل فى إعراب هذه الجملة الكريمة ألا تشركوا به ~~شيئا عدة آراء منها 1 - أن { أن } تفسيرية، لأنه تقدمها ما هو بمعنى ~~القول لا حروفه، ولا ناهية ولا تشركوا مجزوم بها. 2 - أن تكون { أن } ~~ناصبة للفعل بعدها، وهى وما فى حيزها فى محل نصب بدلا من { ما حرم } ~~ولا زائدة لئلا يفسد المعنى كزيادتها فى قوله # ألا تسجد # و # لئلا يعلم # 3 - تكون { أن } ناصبة وما فى حيزها منصوب على الإغراء بعليكم ويكون ~~الكلام قد تم عند قوله { ربكم } ثم ابتدأ فقال عليكم ألا تشركوا أى ~~الزموا نفى الشرك. 4 - أنها وما فى حيزها فى محل نصب أو جر على حذف لام ~~العلة، والتقدير تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم لئلا تشركوا به شيئا. 5 - ~~أن تكون هى وما بعدها فى محل نصب بإضمار فعل تقديره أوصيكم ألا تشركوا. ~~ونكتفى بهذا القدر من وجوه الإعراب التى توسع فيها النحاة توسعا ~~كبيرا، بسبب ورود بعض هذه الوصايا بصيغة النهى، وبعضها بصيغة الأمر، مع ~~تقدم فعل التحريم على جميعها. # أما الوصية الثانية فى قوله - تعالى - { وبالوالدين إحسانا ~~} أى أحسنوا بهما إحسانا كاملا لا إساءة معه. وقد قرن - سبحانه - هذه ~~الوصية بالوصية الأولى التى هى توحيده وعدم الإشراك به، فى هذه الآية ~~وفى غيرها، للإشعار بعظم هذه الوصيى وللتنبيه إلى معنى واحد - يجمعها مع ~~الأولى وهو أن المنعم يجب أن يشكر فالوالدان سبب فى حياة الولد فيجب أن ~~يشكرهما ويحسن إليهما، والله - تعالى - هو الخالق المنعم فيجب أن يشكر ~~ويفرد بالعبادة والطاعة. - قال بعض العلماء وقد جاءت هذه الوصية بأسلوب ~~الأمر بالواجب المطلوب وهو الإحسان إلى الوالدين، ولم تذكر بأسلوب النهى ~~عن المرحم وهو الإساءة، سموا بالإنسان عن أن تظن به الاساءة إلى ~~الوالدين، وكأن الإساءة إليهما، ليس من شأنها أن تقع منه حتى يحتاج إلى ~~النهى عنها، ولأن الخير المنتظر من هذه الوصية وهو تربية الأبناء على ~~الاعتراف بالنعم وشكر المنعمين عليها إنما ms1909 يتحقق بفعل الواجب، وهو ~~الإحسان لا بمجرد ترك المحرم وهو الإساءة. ولهذا وذاك قال - سبحانه - { ~~وبالوالدين إحسانا }. - والإحسان يتعدى بحرفى الباء وإلى، ~~فقال أحسن به، وأحسن إليه، وبينهما فرق واضح، فالباء تدل على الإلصاق، ~~وإلى تدل على الغاية، والإلصاق يفيد اتصال الفعل بمدخول " الباء " دون ~~انفصال ولا مسافة بينهما، أما الغاية فتفيد وصول الفعل إلى مدخول إلى ولو ~~كان منه على بعد أو كان بينهما واسطة، ولا شك أن الإلصاق فى هذا المقام ~~أبلغ فى تأكيد شأن العناية والإحسان بالوالدين، ومن هنا لم يعد الإحسان ~~بالباء فى القرآن إلا حيث أريد ذلك التأكيد، وقد جاءت جميع الآيات ~~القرآنية التى توحى بالإحسان بالوالدين على هذا الأسلوب. ثم جاءت الوصية ~~الثالثة وهى قوله - تعالى - { ولا تقتلوا أولادكم من ~~إملاق نحن نرزقكم وإياهم }. الإملاق الفقر، مصدر ~~أملق الرجل إملاقا إذا احتاج وافتقر. أى لا تقتلوا أولادكم الصغار من أجل ~~الفقر فنحن قد تكفلنا برزقكم ورزقهم. # وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها # ولا شك أن الحياة حق لهؤلاء الصغار كما أنها حق لكم. فمن الظلم البين ~~الاعتداء على حقوقهم، والتخلص منهم خوفا من الفقر، مع أن الله - تعالى - ~~هو الرازق لكم ولهم. والمجتمع الذى يبيح قتل الأولاد خوفا من الفقر أو ~~خوفا من العار، لا يمكن أن يصلح شأنه، لأنه مجتمع نفعى تسوده الأثرة ~~والأنانية، ويكون فى الوقت نفسه مجتمعا أفراده يسودهم التشاؤم، وتتغشاهم ~~الأوهام، لأنهم يظنون أن الله يخلق خلقا لا يدبر لهم حقهم من الرزق، ~~ويعتدون على روح بريئة طاهرة تخوفا من جريمة متوهمة، وذلك هو الضلال ~~المبين. # - وقد روى النهى عن قتل الأولاد هنا بهذه الصيغة، وورد فى سورة الإسراء ~~بصيغة أخرى هى قوله - تعالى - # ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن ~~نرزقهم وإياكم # وليس إحداهما تكرارا للأخرى. وإنما كل واحدة منهما تعالج حالة معينة. - ~~فهنا يقول - سبحانه - { من إملاق } أى لا تقتلوهم بسبب الفقر ~~الموجود فيكم أيها الآباء لذا قال { نحن نرزقكم وإياهم } ~~فجعل الرزق للآباء ابتداء، لأن ms1910 الفقر الذى يقتلون من أجله أولادهم حاصل ~~لهم فعلا. - وفى سورة الإسراء يقول # خشية إملاق # أى خوفا من فقر ليس حاصلا، ولكنه متوقع بسبب الأولاد ولذا قال # نحن نرزقهم وإياكم # فقدم رزق الأولاد لأنهم سبب توقع الفقر، ليكف الآباء عن هذا التوقع، ~~وليضمن للأولاد رزقهم ابتداء مستقلا عن رزق الآباء. ففى كلتا الحالتين ~~القرآن ينهى عن قتل الأولاد، ويغرس فى نفوس الآباء الثقة بالله، ~~والاعتماد عليه. وجملة { نحن نرزقكم وإياهم } تعليلية ~~لإبطال ما اتخذوه سببا لمباشرة جريمتهم، وضمان منه - سبحانه - لأرزاقهم ~~أى نحن نرزق الفريقين لا أنتم وحدكم، فلا تقدموا على تلك الجريمة النكراء ~~وهى قتل الأولاد لأن الأولاد قطعة من أبيهم، والشأن حتى فى الحيوان ~~الأعجم أنه يضحى من أجل أولاده، ويحميهم ويتحمل الصعاب فى سبيلهم. أما ~~الوصية الرابعة فتقول { ولا تقربوا الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن } الفواحش. جمع فاحشة وهى كما قال الراغب فى ~~مفرداته - ما عظم قبحه من الأقوال والأفعال يقال فحش فلان، أى صار فاحشا ~~مرتكبا للقبائح، والمتفحش هو الذى يأتى بالفحش من القول أو الفعل، ~~كالسرقة والزنا والنميمة وشهادة الزور. وأنهاكم عن أن تقتربوا من ~~الأقوال والأفعال القبيحة ما كان منها ظاهرا وما كان منها خافيا. وقد ~~تعلق التحريم والنهى بهذا الوصف الذى يشعر بالعلة - كما يقول علماء ~~الأصول - فكأنه قال. إن كل قول أو فعل تستقبحه العقول فهو فاحشة يجب ~~البعد عنها. والمجتمع الذى يؤمن بأن هناك " فواحش " يجب أن تجتنب، و " ~~محاسن " يجب أن تلتمس هو المجتمع الفاضل الطهور. أما المجتمع الذى يسوى ~~بين القبيح والحسن، ويقوم على الإباحية التى لا تفرق بين ما يجب أن يفعل ~~وما يجب أن يترك، فلا بد أن يكون مصيره إلى التدهور والتعاسة والمهانة. ~~وجملة { ما ظهر منها وما بطن } بدل اشتمال من الفواحش. ~~وتعليق النهى بقربانها للمبالغة فى الزجر عنها لأن قربانها قد يؤدى إلى ~~مباشرتها، فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، وهذا لون حكيم من ألوان ~~الإصلاح، لأنه إذا حصل النهى عن ms1911 القرب من الشىء، فلأن ينهى عن فعله من ~~باب أولى. ثم جاءت الآية فى ختامها بالوصية الخامسة فقالت { ولا ~~تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق }. # أى لا تقتلوا النفس التى حرم الله قتلها بأن عصهما بالإسلام إلا بالحق ~~الذى يبيح قتلها شرعا كردة أو قصاص أو زنا يوجب الرجم. قال ابن كثير ~~وهذا مما نص - تبارك وتعالى - على النهى عنه تأكيدا، وإلا فهو داخل فى ~~النهى عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن. فقد جاء فى الصحيحين عن ابن مسعود ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله إلا ~~بإحدى ثلاث الثيب الزانى، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة ~~". # وقوله { إلا بالحق } فى محل نصب على الحال من فاعل { ~~تقتلوا } أى لا تقتلوها ملتبسين بالحق، ويجوز أن يكون وصفا لمصدر ~~محذوف أى قتلا ملتبسا بالحق، وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال، أى لا ~~تقتلوها فى حال من الأحوال إلا حال ملابستكم بالحق. وذلك لأن الإسلام ~~ينظر إلى وجود الإنسان على أنه بناه الله فلا يحق لأحد أن يهدمه إلا ~~بالحق، وبذلك يقرر عصمة الدم الإنسانى، ويعتبر من يعتدى على نفس واحدة ~~فكأنما قد اعتدى على الناس جميعا # أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض ~~فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما ~~أحيا الناس جميعا # ثم ختمت الآية بقوله - تعالى - { ذلكم وصاكم به لعلكم ~~تعقلون }. أى ذلكم الذى ذكرناه لكم من وصايا جليلة، وتكاليف حكيمة، ~~وصاكم الله به، وطلبه منكم. لعلكم تستعملون عقولكم التى تعقل نفوسكم ~~وتحبسها عن مباشرة القبائح. فاسم الإشارة { ذلكم } مشار به إلى ~~الوصايا الخمس السابقة، وهو مبتدأ وجملة وصاكم به خبر. ولفظ وصاكم من ~~اللطف والرأفة وجعلهم أوصياء له - تعالى - ما يحمل النفوس على الطاعة ~~والاستجابة. هذه هى الوصايا الخمس التى تضمنتها الآية الأولى من هذه ~~الآيات الثلاث وكلها تشترك فى معنى واحد هو أنها حقائق أو حقوق ثابتة ms1912 فى ~~نفسها، ولم يكن ثبوتها إلا تجاوبا مع الفطرة، فالله واحد سواء آمن الناس ~~بهذه الحقيقة عقيديا وعمليا أم لم يؤمنوا، وشكر النعمة يقتضى الإحسان ~~إلى الوالدين طبعا ووضعا، وللنسل حق الحياة والحفظ، والفواحش فحش ونكر فى ~~ذاتها فيجب أن تجتنتب، والنفوس معصومة فليس لأحد أن يهدمها إلا بحق، ~~ولاتفاقها كلها فى هذا المعنى جاءت فى آية واحدة، وختمت بعبارة تفيد أن ~~هذا مرجعه إلى حكم العقول { لعلكم تعقلون }. والوصية السادسة ~~تأتى فى مطلع الآية الثانية فتقول { ولا تقربوا مال اليتيم ~~إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده }. أى لا ~~تقربوا مال اليتيم الذى فقد الأب الحانى، ولا تتعرضوا لما هو من حقه بوجه ~~من الوجوه إلا بالوجه الذى ينفعه فى الحال أو المآل، كتربيته وتعليمه، ~~وحفظ ماله واستثماره. # وإذن، فكل تصرف مع اليتيم أو فى ماله لا يقع فى تلك الدائرة - دائرة ~~الأنفع والأحسن - محظور، ومنهى عنه. قال بعض العلماء وكثيرا ما يتعلق ~~النهى فى القرآن بالقربان من الشىء، وضابطه بالاستقراء أن كل منهى عنه ~~كان من شأنه أن تميل إليه النفوس وتدفع إليه الأهواء النهى فيه عن " ~~القربان " ويكون القصد التحذير من أن يأخذ ذلك الميل فى النفس مكانة تصل ~~بها إلى اقتراف المحرم، وكان من ذلك فى الوصايا السابقة النهى عن ~~الفواحش، ومن هذا الباب # ولا تقربا هذه الشجرة # ولا تقربوا الزنى # ولا تقربوهن حتى يطهرن # إلخ. أما المحرمات التى لم يؤلف ميل النفوس إليها ولا اقتضاء الشهوات ~~لها، فإن الغالب فيها أن يتعلق النهى عنها بنفس الفعل لا بالقربان منه. ~~ومن ذلك فى الوصايا السابقة الشرك بالله، وقتل الأولاد، وقتل النفس التى ~~حرم الله قتلها، فإنها وإن كان الفعل المنهى عنه فيها أشد قبحا وأعظم ~~جرما عند الله من أكل مال اليتيم وفعل الفواحش، إلا أنها ليست ذات دوافع ~~نفسية يميل إليها الإنسان بشهوته، وإنما هى فى نظر العقل على المقابل من ~~ذلك، يجد الإنسان فى نفسه مرارة من ارتكابها، ولا يقدم عليها إلا وهو ~~كاره ms1913 لها أو فى حكم الكاره. وقوله { حتى يبلغ أشده } ليس ~~غاية للنهى، إذ ليس المعنى فإذا بلغ أشده فاقربوه لأن هذا يقتضى إباحة ~~أكل الولى له بعد بلوغ الصبى، بل هو غاية لما يفهم من النهى كأنه قيل ~~احفظوه حتى يصير بالغا رشيدا فحينئذ سلموا إليه ماله. والخطاب للأولياء ~~والأوصياء. أى احفظوا ماله حتى يبلغ الحلم فإذا بلغه فادفعوه إليه. ~~والأشد قوة الإنسان واشتعال حرارته من الشدة بمعنى القوة والارتفاع. ~~يقال شد النهار إذا ارتفع. وهو مفرد جاء بصيغة الجمع. ولا واحد له. ~~والوصية السابعة { وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا ~~نكلف نفسا إلا وسعها }. أى أتموا الكيل إذا كلتم للناس أو ~~اكتلتم عليهم لأنفسكم، وأوفوا الميزان إذا وزنتم لأنفسكم فيما تبتاعون أو ~~لغيركم فيما تبيعون. فالجملة الكريمة أمر من الله - تعالى - لعباده ~~بإقامة العدل فى التعامل بحيث يعطى صاحب الحق حقه من غير نقصان ولا بخس، ~~ويأخذ صاحب الحق حقه من غير طلب الزيادة. والكيل والوزن مصدران أريد بهما ~~ما يكال وما يوزن، كالعيش بمعنى ما يعاش به. وبالقسط حال من فاعل أوفوا ~~أى أوفوهما مقسطين أى متلبسين بالقسط. ويجوز أن يكون حالا من الفعول أى ~~أوفوا الكيل والميزان بالقسط أى تامين. وهذه الوصية هى مبدأ العدل ~~والتعادل، وكل مجتمع محتاج إليها، فالناس لا بد لهم من التعامل، ولا بد ~~لهم من التبادل، والكيل والوزن هما وسيلة ذلك، فلا بد من أن يكونا ~~منضبطين بالقسط. # والمجتمعات الأمينة التى لا تجد فيها أحدا يغبن عن جهل أو غفلة، وهى ~~أيضا المجتمعات الأمينة التى لا تجد فيها من يحاول أن يأخذ أكثر من حقه. ~~أو يعطى أقل مما يجب عليه. وقوله { لا نكلف نفسا إلا ~~وسعها } أى لا نكلف نفسها إلا ما يسعها ولا يعسر عليها. والجملة ~~مستأنفة جىء بها عقيب الأمر بإيفاء الكيل والميزان بالعدل، للترخيص فيما ~~خرج عن الطاقة، ولبيان قاعدة من قواعد الإسلام الرافعة للحرج وذلك لأن ~~التبادل التجارى لا يمكن أن يتحقق على وجه كامل من المساواة أو ms1914 التعادل، ~~فلا بد من تقبل اليسير من الغبن فى هذا الجانب أو ذاك. والوصية الثامنة ~~تقول { وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى }. أى ~~وإذا قلتم قولا فاعدلوا فيه ولو كان المقول له أو عليه صاحب قرابة منكم. ~~إذ العدل هو أساس الحكم السليم العدل فى القول، والعدل فى الحكم، والعدل ~~فى كل فعل. وإنما خصصت الآية العدل فى القول مع أن العدل مطلوب فى ~~الأقوال والأفعال وفى كل شىء، لأن أكثر ما يكون فيه العدل أقوال ~~كالشهادة، والحكم، ثم الأقوال هى التى تراود النفوس فى كل حال. فالإنسان ~~حين تصادفه قضية من القضايا القولية أو العملية يحدث نفسه فى شأنها، ~~ويراوده معنى العدل وكأنه يطالبه بأن ينطق به ويؤيده، فيقول فى نفسه ~~سأفعل كذا لأنه العدل، فإذا لم يكن صادقا فى هذا القول فقد جافى العدل ~~وقال زورا وكذبا. أما قوله { ولو كان ذا قربى } فهو أخذ ~~بالإنسان عما جرت به عادته من التأثر بصلات القربى فى المحاباة للأقرباء ~~والظلم لغيرهم. فالقرآن يرتفع بالضمير البشرى إلى مستوى سامق رفيع، على ~~هدى من العقيدة فى الله، بأن يكلفه بتحرى العدل فى كل أحواله ولو إزاء ~~أقرب المقربين إليه. أما الوصية التاسعة والأخيرة فى هذه الآية فهى قوله ~~- تعالى - { وبعهد الله أوفوا } أى كونوا أوفياء مع الله فى ~~كل ما عهد إليكم به من العبادات والمعاملات وغيرها. إذ الوفاء أصل من ~~الأصول التى يتحقق بها الخير والصلاح، وتستقر عليها أمور الناس. وقوله { ~~وبعهد الله أوفوا } يفيد الحصر لتقديم المعمول، وفى هذا ~~إشعار بأن هناك عهودا غير جديرة بأن تنسب إلى الله، وهى العهود القائمة ~~على الظلم أو الباطل، أو الفساد، فمثل هذه العهود غير جديرة بالاحترام، ~~ويجب العمل على التخلص منها. ثم ختمت الآية بقوله - تعالى - { ذلكم ~~وصاكم به لعلكم تذكرون } أى ذلكم المتلو عليكم فى هذه ~~الآية من الأوامر والنواهى وصاكم الله به فى كتابه رجاء أن تتذكروا ~~وتعتبروا وتعملوا بما أمرتم به وتجتنبوا ما نهيتم عنه أو رجاء أن ms1915 يذكر ~~بعضكم بعضا فإن التناصح واجب بين المسلمين. # أما الوصية العاشرة فهى قوله - تعالى - فى الآية الثالثة من هذه الآيات ~~{ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله }. قرأة ~~الجمهور بفتح همزة { أن } وتشديد النون. ومحلها مع ما فى حيزها الجر ~~بحذف لام العلة. أى ولأن هذا الذى وصيتكم به من الأوامر والنواهى طريقى ~~ودينى الذى لا اعوجاج فيه، فمن الواجب عليكم أن تتبعوه وتعملوا به. ~~ويحتمل أن يكون محلها مع ما فى حيزها النصب على { ما حرم } أى ~~وأتلوا عليكم أن هذا صراطى مستقيما. وقرأ حمزة والكسائى " إن " بكسر ~~الهمزة على الاستئناف. وقوله { ولا تتبعوا السبل } يعنى ~~الأديان الباطلة، والبدع والضلالات الفاسدة { فتفرق بكم عن ~~سبيله } أى فتفرقكم عن صراط الله المستقيم وهو دين الإسلام الذى ~~ارتضاه لكم. روى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود - رضى الله عنه - قال # " خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا ثم قال هذا سبيل الله، ثم خط ~~خطوطا عن يمينه وعن شماله ثم قال هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو ~~إليه ثم قرأ { وأن هذا صراطي مستقيما } ". # وقد أفرد - سبحانه - الصراط المستقيم وهو سبيل الله، وجمع السبل ~~المخالفة له لأن الحق واحد والباطل ما خالفه وهو كثير فيشمل الأديان ~~الباطلة، والبدع الفاسدة، والشبهات الزائفة، والفرق الضالة وغيرها. ثم ~~ختمت الآية بقوله - تعالى - { ذلكم وصاكم به لعلكم ~~تتقون } أى ذلكم المذكور من اتباع سبيله - تعالى - وترك اتباع السبل ~~وصاكم الله به لعلكم تتقون اتباع سبل الكفر والضلالة، وتعملون بما جاءكم ~~به هذا الدين. قال أبو حيان " ولما كانت الخمسة المذكورة فى الآية الأولى ~~من الأمور الظاهرة الجلية مما يجب تعلقها وتفهمها ختمت الآية بقوله { ~~لعلكم تعقلون } ، ولما كانت الأربعة المذكورة فى الآية ~~الثانية خافية غامضة ولا بد فيها من الاجتهاد والتفكر حتى يقف الإنسان ~~فيها على موضع الاعتدال ختمت بقوله { لعلكم تذكرون } ولما ~~كان الصراط المستقيم هو الجامع للتكاليف، وأمر - سبحانه - باتباعه ونهى ~~عن اتباع ms1916 السبل المختلفة ختم ذلك بالتقوى التى هى اتقاء النار، إذ من ~~اتبع صراطه نجا النجاة الأبدية وحصل على السعادة السرمدية ". وبعد فهذه ~~هى الوصايا العشر التى جاءت بها هذه الآيات الكريمة، والمتأمل فيها يراها ~~قد وضعت أساس العقيدة السليمة فى توحيد الله - تعالى - وبنت الأسرة ~~الفاضلة على أساس الإحسان بالوالدين والرحمة بالأبناء، وحفظت المجتمع من ~~التصدع عن طريق تحريمها لانتهاك الأنفس والأموال والأعراض، ثم ربطت كل ~~ذلك بتقوى الله التى هى منبع كل خير وسبيل كل فلاح. فأين المسلمون اليوم ~~من هذه الوصايا؟ إنهم لو عملوا بها لعزوا فى دنياهم ولسعدوا فى أخراهم، ~~فهل تراهم فاعلون؟. اللهم خذ بيدنا إلى ما يرضيك وجنبنا مالا يرضيك. ولما ~~كان هذا الصراط قديما، والديانات قبله كانت فى اتجاهه، أشار - سبحانه - ~~إلى موسى وكتابه، وبين منزلة هذا القرآن، وأمر الناس باتباعه فقال { ~~ثم آتينا موسى.... }. ### || [6.154-157] # قال الآلوسى قوله { ثم آتينا موسى الكتاب }. الخ. كلام ~~مستأنف مسوق من جهته - تعالى - تقريرا للوصية وتحقيقا لها، وتمهيدا لما ~~تعقبه من ذكر إنزال القرآن المجيد كما ينبىء عنه تغيير الأسلوب بالالتفات ~~إلى التكلم معطوف على مقدر يقتضيه المقام ويستدعية النظام كأنه قيل بعد ~~قوله # ذلكم وصاكم به # بطريق الاستئناف تصديقا له وتقريرا لمضمونه، فعلنا ذلك { ثم ~~آتينا } وقيل عطف على # ذلكم وصاكم به # وعند الزجاج أنه عطف على معنى التلاوة، كأنه قيل # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم # ثم أتل عليهم ما آتاه الله موسى. وكلمة ثم لا تفيد الترتيب الزمنى هنا، ~~وإنما تفيد عطف معنى على معنى، فكأنه - سبحانه - يقول لقد بينت لكم فى ~~هذه الوصايا ما فيه صلاحكم ثم أخبركم بأنا آتينا موسى الكتاب وهو التوراة ~~ليكون هدى ونورا. وقوله { تماما على الذي أحسن } قرأ ~~الجمهور أحسن بفتح النون على أنه فعل ماض وفاعله ضمير الذى، أى آتينا ~~موسى الكتاب تماما للكرامة والنعمة على من أحسن القيام به كائنا من ~~كان. فالذى لجنس المحسنين. وتدل عليه قراءة عبد الله " تماما على الذين ~~أحسنوا " وقراءة ms1917 الحسن " على المحسنين ". ويجوز أن يكون فاعل أحسن ضمير ~~موسى - عليه السلام - ومفعوله محذوف أى آتينا موسى الكتاب تتمة للكرامة ~~على العبد الذى أحسن الطاعة فى التبليغ وفى كل أمر وهو موسى - عليه ~~السلام - و " تماما " مفعول لأجله أى آتيناه لأجل تمام نعمتنا، أو حال ~~من الكتاب، أى حال كونه أى الكتاب تاما. أو مصدر لقوله " آتينا " من ~~معناه، لأن إيتاء الكتاب إتمام للنعمة. كأنه قيل أتممنا النعمة إتماما. ~~فهو " كنباتا " فى قوله # والله أنبتكم من الأرض نباتا # أى إنباتا. وقرأ يحيى بن يعمر { على الذي أحسن } بضم النون ~~على أنه خبر لمبتدأ محذوف، و { الذي } وصف للدين أى تماما على الدين ~~الذى هو أحسن دين وأرضاه. قال ابن جرير وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها ~~وإن كان لها فى العربية وجه صحيح، لخلافها ما عليه الحجة مجمعة من قراء ~~الأمصار ". وقوله { وتفصيلا لكل شيء } معطوف على ما قبله، ~~أى وبيانا مفصلا لكل ما يحتاج إليه قومه فى أمور دينهم ودنياهم. وقوله { ~~وهدى ورحمة لعلهم بلقآء ربهم يؤمنون } أى ~~هذا الكتاب هداية لهم إلى طريق الحق، ورحمة لمن عمل به لعلهم - أى قوم ~~موسى وسائر أهل الكتاب - يصدقون بيوم الجزاء، ويقدمون العمل الصاحل الذى ~~ينفعهم فى هذا اليوم الشديد. ثم بين - سبحانه - منزلة القرآن فقال { ~~وهذا كتاب أنزلناه مبارك } أى وهذا القرآن الذى قرأ ~~عليكم أوامره ونواهيه رسولنا صلى الله عليه وسلم كتاب عظيم الشأن أنزلناه ~~بواسطة الروح الأمين، وهو جامع لكل أسباب الهداية الدائمة، والسعادة ~~الثابتة. # { فاتبعوه } أى اعملوا بما فيه من الأوامر والنواهى والأحكام. { ~~واتقوا } مخالفته واتباع غيره. { لعلكم ترحمون } أى ~~لترحموا بواسطة اتباعه والعمل بما فيه. ثم قطع - سبحانه - عذر كل من يعرض ~~عن هذا الكتاب فقال { أن تقولوا إنمآ أنزل الكتاب ~~على طآئفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم ~~لغافلين }. أى أنزلنا هذا الكتاب لهدايتكم كراهة أن تقولوا يوم ~~القيامة، أو لئلا تقولوا لو لم ننزله إنما أنزل الكتاب الناطق بالحجة على ~~جماعتين كائنتين من قبلنا ms1918 وهما اليهود والنصارى، وإنا كنا عن تلاوة ~~كتابهم لغافلين لا علم لنا بشىء منها لأنها ليست بلغتنا. فقوله { أن ~~تقولوا } مفعول لأجله والعامل فيه أنزلناه مقدرا مدلولا عليه بنفس ~~أنزلناه الملفوظ به فى الآية السابقة أى أنزلناه كراهية أن تقولوا. وقيل ~~إنه مفعول به والعامل فيه قوله فى الآية السابقة - أيضا - { ~~واتقوا... } أى. واتقوا قولكم كيت وكيت. وقوله { لعلكم ~~ترحمون } معترض جار مجرى التعليل. والمراد بالكتاب جنسه المنحصر فى ~~التوراة والإنجيل والزبور. وتخصيص الإنزال بكتابيهما لأنهما اللذان ~~اشتهرا من بين الكتب السماوية بالاشتمال على الأحكام. والخطاب لكل من ~~أرسل إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم. ثم ساق - سبحانه - آية أخرى لقطع ~~أعذارهم فقال { أو تقولوا لو أنآ أنزل علينا ~~الكتاب لكنآ أهدى منهم }. أى وأنزلنا الكتاب - أيضا - ~~خشية أن تقولوا معتذرين يوم القيامة لو أنا أنزلنا علينا الكتاب كما أنزل ~~على الذين من قبلنا، لكنا أهدى منهم إلى الحق وأسرع منهم استجابة لله ~~ولرسوله لمزيد ذكائنا، وتوقد أذهاننا، وتفتح قلوبنا. وقوله { فقد ~~جآءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة } جواب قاطع ~~لأعذارهم وتعلاتهم أى فقد جاءكم من ربكم عن طريق نبيكم محمد صلى الله ~~عليه وسلم هذا الكتاب الواضح المبين، والذى هو هداية لكم إلى طريق الحق، ~~ورحمة لمن يعمل بما اشتمل عليه من توجيهات وإرشادات. وقوله { فقد ~~جآءكم } متعلق بمحذوف تنبىء عنه الفاء الفصحية إما معلل به أى لا ~~تعتذروا فقد جاءكم... وإما شرط له أى إن صدقتم فيما كنتم تعدون به. فقد ~~حصل ما فرضتم وجاءكم بينه من ربكم. والاستفهام فى قوله { فمن أظلم ~~ممن كذب بآيات الله وصدف عنها } للإنكار والنفى. أى ~~لا أحد أظلم ممن كذب بآيات الله وأعرض عنها بعد أن جاءته ببيناتها ~~الكاملة، وهداياتها الشاملة. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها. فإن ~~مجىء القرآن المشتمل على الهدى والرحمة موجب لغاية أظلمية من يكذبه أى ~~وإذا كان الأمر كذلك فمن أظلم. # .؟ ومعنى وصدف عنها أى أعرض عنها غير متفكر فيها، أو صرف الناس عنها ~~وصدهم ms1919 عن سبيلها. فجمع بين الضلال والإضلال. ثم ختم - سبحانه - الآية ~~بتهديد أولئك المعرضين عن آياته بقوله { سنجزي الذين يصدفون ~~عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون } أى ~~سنجزيهم أسوأ العذاب وأشده بسبب تكذيبهم لآياتنا وإعراضهم عنها. فالآيتان ~~الكريمتان تقطعان كل عذر قد يتعلل به يوم القيامة المكذبون لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وللقرآن الكريم، وتتوعدهم بأشد ألوان العذاب. ثم يمضى ~~القرآن فى تهديدهم خطوة أخرى. ردا على ما كانوا يطلبون من الآيات ~~الخارقة، وتحذيرا من إعراضهم وتقاعسهم عن طريق الحق مع أن الزمن لا ~~يتوقف، والفرص لا تعود فيقول { هل ينظرون.... } ### || [6.158-160] # أى ما ينتظر مشركو مكة وغيرهم من المكذبين بعد إعراضهم عن آيات الله إلا ~~أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم من أجسادهم. والجملة الكريمة مستأنفة ~~لبيان أنهم لا يتأتى منهم الإيمان بإنزال ما ذكر من البينات والهدى. قال ~~البيضاوى وهم ما كانوا منتظرين لذلك، ولكن لما كان يلحقهم لحوق المنتظر ~~شبهوا بالمنتظرين. وقوله { أو يأتي ربك } أى إتيانا يناسب ~~ذاته الكريمة بدون كيف أو تشبيه للقضاء بين الخلق يوم القيامة، وقيل ~~المراد بإتيان الرب، إتيان ما وعد به من النصر للمؤمنين والعذاب ~~للكافرين. وقوله { أو يأتي بعض آيات ربك } أى بعض علامات ~~قيام الساعة، وذلك قبل يوم القيامة، وفسر فى الحديث بطلوع الشمس من ~~مغربها. فقد روى البخارى عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها. فإذا رآها الناس آمن من ~~عليها. فذاك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ". # وفى رواية لمسلم والترمذى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال # " ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فى ~~إيمانها خيرا طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض ". # ثم بين - سبحانه - أنه عند مجىء علامات الساعة لا ينفع الإيمان فقال { ~~يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها ~~لم تكن آمنت من ms1920 قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ~~}. أى عند مجىء بعض أشراط الساعة، يذهب التكليف، فلا ينفع الإيمان حينئذ ~~نفسا كافرة لم تكن آمنت قبل ظهورها، ولا ينفع العمل الصالح نفسا مؤمنة ~~تعمله عند ظهور هذه الأشراط، لأن العمل أو الإيمان عند ظهور هذه ~~العلامات لا قيمة له لبطلان التطليف فى هذا الوقت. قال الطبرى معنى الآية ~~لا ينفع كافرا لم يكن آمن قبل الطلوع - أى طلوع الشمس من مغربها - إيمان ~~بعد الطلوع. ولا ينفع مؤمنا لم يكن عمل صالحا قبل الطلوع، بعد الطلوع. ~~لأن حكم الإيمان والعمل الصالح حينئذ. حكم من آمن أو عمل عند الغرغرة، ~~وذلك لا يفيد شيئا. كما قال - تعالى - # فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا # وكما ثبت فى الحديث الصحيح # " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ". # وقال ابن كثير " إذا أنشأ الكافر إيمانا يومئذ لم يقبل منه، فأما من ~~كان مؤمنا قبل ذلك فإن كان مصلحا فى عمله فهو بخير عظيم، وإن لم يكن ~~مصلحا فأحدث توبة حينئذ لم تقبل منه توبته، كما دلت عليه الأحاديث، ~~وعليه يحمل قوله - تعالى - { أو كسبت في إيمانها خيرا } ~~أى لا يقبل منها كسب عمل صالح إذا لم يكن عاملا به قبل ذلك ". # وقوله { قل انتظروا إنا منتظرون } تهديد لهم. أى قل يا ~~محمد لهؤلاء الكافرين انتظروا ما تنتظرونه من إتيان أحد الأمور ألثلاثة ~~لتروا أى شىء تنتظرون، فإنا منتظرون معكم لنشاهد ما يحل بكم من سوء ~~العاقبة. ثم بين - سبحانه - أحوال الفرق الضالة بوجه عام فقال { إن ~~الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في ~~شيء }. أى إن الذين فرقوا دينهم بأن اختلفوا فيه مع وحدته فى نفسه ~~فجعلوه أهواء متفرقة، ومذاهب متباينة { وكانوا شيعا } أى فرقا ~~ونحلا تتبع كل فرقة إماما لها على حسب أهوائها ومتعها ومنافعها بدون نظر ~~إلى الحق. وقوله { قل انتظروا إنا منتظرون } تهديد لهم. ~~أى قل يا محمد لهؤلاء الكافرين انتظروا ما تنتظرونه من إتيان أحد الأمور ~~الثلاثة لتروا أى شىء ms1921 تنتظرون، فإنا منتظرون معكم لنشاهد ما يحل بكم من ~~سوء العاقبة. ثم بين - سبحانه - أحوال الفرق الضالة بوجه عام فقال { ~~إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست ~~منهم في شيء }. أى إن الذين فرقوا دينهم بأن اختلفوا فيه مع ~~وحدته فى نفسه فجعلوه أهواء متفرقة، ومذاهب متباينة { وكانوا شيعا ~~} أى فرقا ونحلا تتبع كل فرقة إماما لها على حسب أهوائها ومتعها ~~ومنافعها بدون نظر إلى الحق. وقوله { لست منهم في شيء } أى ~~أنت برىء منهم محمى الجناب عن مذاهبهم الباطلة، وفرقهم الضالة. أو لست من ~~هدايتهم إلى التوحيد فى شىء إذ هم قد انطمست قلوبهم فأصبحوا لا يستجيبون ~~لمن يدعوهم إلى الهدى. وقوله { إنمآ أمرهم إلى الله } ~~تعليل للنفى المذكور قبله أى هو يتولى وحده أمرهم جميعا، ويدبره حسب ما ~~تقتضيه حكمته، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون. وقوله ~~{ ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون } أى ثم يخبرهم يوم ~~القيامة بما كانوا يفعلونه فى الدنيا من آثام وسيئات، ويعاقبهم على ذلك ~~بما يستحقونه من عقوبات. والآية الكريمة عامة فى كل من فارق تعاليم ~~الإسلام سواء أكان مشركا أو كتابيا، ويندرج فيها أصحاب الفرق الباطلة ~~والمذاهب الفاسدة فى كل زمان ومكان، كالقاديانية، والباطنية، والبهائية، ~~وغير ذلك من أصحاب الأهواء والبدع والضلالات. قال ابن كثير " والظاهر أن ~~الآية عامة فى كل من فارق دين الله وكان مخالفا له، فإن الله بعث رسوله ~~بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا ~~افتراق. فمن اختلف فيه { وكانوا شيعا } أى فرقا كأهل الأهواء ~~والملل والنحل والضلالات، فإن الله قد برأ رسوله منهم. وهذه الآية كقوله ~~تعالى # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينآ إليك # الآية. وفى الحديث # " نحن معاشر الأنبياء أولاد علات. ديننا واحد " # فهذا هو الصراط المستقيم، وهو ما جاءت به الرسل من عبادة الله وحده ~~والتمسك بشريعة الرسول المتأخر، وما خالف ذلك فضلالات وجهالات وآراء ~~وأهواء، والرسل برآء منها كما قال - تعالى ms1922 - { لست منهم فى شىء }. ثم بين ~~- سبحانه - لطفه فى حكمه، وفضله على عباده، بمناسبة الحديث عن الجزاء ~~فقال { من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها }. أى من جاء ~~يوم القيامة بالأعمال الحسنة. فله عشر حسنات أمثالها فى الحسن، فضلا من ~~الله - تعالى - وكرما. قال بعضهم وذلك - ولله المثل الأعلى - كمن أهدى ~~إلى سلطان عنقود عنب يعطيه بما يليق بسلطنته لا قيمة العنقود. والعشر أقل ~~ما وعد من الأصناف، وقد جاء الوعد بسبعين وبسبعمائة وبغير حساب، ولذلك ~~قيل المراد بذكر العشر بيان الكثرة لا الحصر فى العدد الخاص. { ومن ~~جآء بالسيئة } أى بالأعمال السيئة { فلا يجزى إلا ~~مثلها } أى فلا يجزى بحكم الوعد إلا بمثلها فى العقوبة واحدة بواحدة ~~{ وهم لا يظلمون } بنقص الثواب وزيادة العقاب. فإن ربك لا يظلم ~~أحدا. وقد ورت أحاديث كثيرة فى معنى الآية منها ما رواه الشيخان عن أبى ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " يقول الله - تعالى - إذا أراد عبدى أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى ~~يعملها فإن عملها فاكتبوها بمثلها. وإن تركها من أجلى فاكتبوها له حسنة، ~~وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة. فإن عملها فاكتبوها ~~له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ". # ثم ختمت السورة الكريمة بخمس آيات جامعة لوجوه الخير، من تأملها تجلى له ~~أنها ختام حكيم يناسب هذه السورة التى هى سورة البلاغ والإعلان، ~~والمبادىء العليا لدعوة الإيمان. أما الآيات الخمس فهى قوله - تعالى - { ~~قل إنني... }. ### || [6.161-165] # أى قل يا محمد لهؤلاء الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، ولغيرهم ممن أرسلت ~~إليهم، قل لهم جميعا لقد هدانى خالقى ومربينى إلى دين الإسلام الذى ~~ارتضاه لعباده { دينا قيما } أى ثابتا أبدا لا تغيره الملل والنحل ~~ولا تنسخه الشرائع والكتب. وقوله { دينا } نصب على البدل من محل { ~~إلى صراط } لأن معناه هدانى صراطا، أو مفعول لمضمر يدل عليه ~~المذكور. أى عرفنى دينا. وقوله { قيما } صفى ل { دينا } والقيم ~~والقيم لغتان بمعنى واحد وقرىء بهما. وقوله { ملة إبراهيم } ~~منصوب بتقدير ms1923 أعنى أو عطف بيان ل { دينا } و { حنيفا } حال من ~~إبراهيم. أى هدانى ربى ووفقنى إلى دين الإسلام الذى هو الصراط المستقيم ~~والدين القيم المتفق مع ملة إبراهيم الذى كان مائلا عن كل دين باطل إلى ~~دين الحق، والذى ما كان أبدا { من المشركين } مع الله آلهة أخرى ~~فى شأن من شئونه. لا كما يزعم المشركون وأهل الكتاب أن إبراهيم كان على ~~دينهم. ثم قل لهم للمرة الثانية إن صلاتى التى أتوجه بها إلى ربى { ~~ونسكي } أى عبادتى وتقربى إليه - وهو من عطف العام على الخاص - وقيل ~~المراد به ذبائح الحج والعمرة. { ومحياي ومماتي } أى ما أعمله ~~فى حياتى من أعمال وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح. كل ذلك { ~~لله رب العالمين } فأنا متجرد تجردا كاملا لخالقى ورازقى بكل ~~خالجة فى القلب، وبكل حكة فى هذه الحياة. فهو - سبحانه - رب كل شىء. ولا ~~شريك له فى ملكه، بذلك القول الطيب، وبذلك العمل الخالص أمرت وأنا أول ~~المسلمين الممتثلين لأوامر الله والمنتهين عن نواهيه من هذه الأمة. ثم ~~قال لهم للمرة الثالثة على سبيل التعجب من حالهم، والاستنكار لواقعهم { ~~أغير الله أبغي ربا } أى أغير الله - تعالى - تريدوننى أن ~~أطلب ربا فأشركه فى عبادته، والحال والشأن أنه - سبحانه - هو رب كل شىء ~~ومليكه، وهو الخالق لكل شىء. فجملة { وهو رب كل شيء } حال فى ~~موضع العلة لإنكار ما هم عليه من ضلال. ثم بين - سبحانه - أن كل إنسان ~~مجازى بعمله فقال { ولا تكسب كل نفس إلا عليها } أى ~~لا تجترح نفس إثما إلا عليها من حيث عقابه. فلا يؤاخذ سواها به، وكل ~~مرتكب لإثم فهو وحده المعاقب به. { ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى } أى ولا تحمل نفس مذنبة ولا غير مذنبة ذنب نفس أخرى، وإنما ~~تتحمل الآثمة وحدها عقوبة إثمها الذى ارتكبته بالمباشرة أو بالتسبب. قال ~~القرطبى وأصل الوزر الثقل، ومنه قوله تعالى # ووضعنا عنك وزرك # وهو هنا الذنب كما فى قوله تعالى # وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم # ثم بين ms1924 - سبحانه - نهايتهم فقال { ثم إلى ربكم مرجعكم ~~} أى رجوعكم بعد الموت يوم القيامة { فينبئكم بما كنتم ~~فيه تختلفون } بتمييز الحق من الباطل، ومجازاة كل إنسان بما ~~يستحقه من خير أو شر على حسب علمه. ثم ختمت السورة بهذه الآية { وهو ~~الذي جعلكم خلائف الأرض } أى خلائف القرون الماضية، ~~فأورثكم أرضهم لتخلفوهم فيها وتعمروها بعدهم. وخلائف جمع خليفة، وكل من ~~جاء بعد من مضى فهو خليفة، لأنه يخلفه. وقوله { ورفع بعضكم ~~فوق بعض درجات } أى فاوت بينكم فى الأرزاق والأخلاق والمحاسن ~~والمساوىء والمناظر والأشكال والألوان وغير ذلك. ثم بين - سبحانه - العلة ~~فى ذلك فقال { ليبلوكم في مآ آتاكم } أى ليختبركم فى الذى ~~أنعم به عليكم، يختبر الغنى فى غناه ويسأله عن شكره، ويختبر الفقير فى ~~فقره ويسأله عن صبره. وفى الحديث الشريف الذى رواه الإمام مسلم عن أبى ~~سعيد الخدرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن الدنيا حلوة خضرة. وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، ~~فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بنى إسرائيل كانت فى النساء ~~". # ثم رهب - سبحانه - من معصيته، ورغب فى طاعته فقال { إن ربك ~~سريع العقاب } لمن عصاه وخالف رسله. { وإنه لغفور ~~رحيم } لمن أطاعه واتبع سبيل المؤمنين الصادقين. أما بعد فهذه هى ~~سورة الأنعام التى عالجت من مبدئها إلى نهايتها قضية العقيدة بكل ~~مقوماتها علاجا قويا حكيما يهدى إلى الرشد لمن عنده الاستعداد لذلك، ~~والتى طوفت بالنفس البشرية فى الكون كله لترشدها إلى خلق هذا الكون، ~~وتجعلها تستجيب له وتنتفع بما منحها من نعم، والتى كشفت عن مواطن الشرك ~~ومظاهره فى كل مظانه ومكامنه. لتدمغه وتدحضه وتخلص النفس البشرية والحياة ~~الإنسانية من أمراضه وأدرانه. تلك هى سورة الأنعام التى نزلت مشعة ~~بالملأ العظيم من الملائكة وذلك تفسير تحليلى لها، لا نزعم أننا استقصينا ~~فيه كل ما يتعلق بهذه السورة الكريمة، من توجيهات وهدايات، وإنما هو ~~قبسات من نور القرآن الكريم، نرجو الله أن ينفع به، وأن يجعله خالصا ~~لوجهه الكريم. # ربنا تقبل ms1925 منآ إنك أنت السميع العليم # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم ~~الدين. ### | [7 - سورة الأعراف] ### || [7.1-9] # سورة الأعراف من السور التى ابتدأت ببعض حروف التهجى { المص } ولم ~~يسبقها فى النزول من هذا النوع من السور سوى ثلاثة وهى سور ن، ق، ص ويبلغ ~~عدد السور القرآنية التى ابتدئت بالحروف المقطعة تسعا وعشرين سورة. هذا، ~~وقد وقع خلاف بين العلماء فى المعنى المقصود من حروف التهجى التى افتتحت ~~بها بعض السور القرآنية، ويمكن إجمال اختلافهم فى رأيين الرأى الأول أن ~~المعنى المقصود منها غير معروف، فهى من المتشابه الذى استأثر الله بعلمه ~~وإلى هذا الرأى ذهب ابن عباس - فى إحدى الروايات عنه - كما ذهب إليه ~~الشعبى، وسفيان الثورى، وغيرهما من العلماء فقد أخرج ابن المنذر وغيره عن ~~الشعبى أنه سئل عن فواتح السور فقال " إن لكل كتاب سرا، وإن سر هذا ~~القرآن فواتح السور " وروى عن ابن عباس أنه قال " عجزت العلماء عن ~~إدراكها " وعن على - رضى الله عنه - أنه قال " إن لكل كتاب صفوة، وصفوة ~~هذا الكتاب حروف التهجى " وفى رواية أخرى للشعبى أنه قال " سر الله فلا ~~تطلبوه ". ومن الاعتراضات التى وجهت إلى هذا الرأى أنه إذا كان الخطاب ~~بهذه الفواتح غير مفهوم للناس لأنه من المتشابه فإنه يترتب على ذلك أنه ~~كالخطاب بالمهمل، أو مثل ذلك كمثل التكلم بلغة أعجمية مع أناس عرب لا ~~يفهمونها. وقد أجيب عن ذلك بأن هذه الألفاظ لم ينتف الإفهام عنها عند كل ~~الناس فالرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يفهم المراد منها، وكذلك بعض ~~أصحابه المقربين. ولكن الذى ننفيه أن يكون الناس جميعا فاهمين لمعنى هذه ~~الحروف المقطعة فى أوائل بعض السور. وهناك مناقشات للعلماء حول هذا الرأى ~~لا مجال لذكرها هنا. أما الرأى الثانى فيرى أصحابه أن المعنى المقصود ~~منها معلوم، وأنها ليست من المتشابه الذى استأثر الله بعلمه، وأصحاب هذا ~~الرأى قد اختلفوا فيما بينهم فى تعيين هذا المعنى المقصود على أقوال ~~كثيرة ms1926 من أهمها ما يأتى 1 - أن هذه الحروف أسماء للسور، بدليل قول النبى ~~صلى الله عليه وسلم # " من قرأ حم السجدة، حفظ إلى أن يصبح " # ، وبدليل اشتهار بعض السور بالتسمية بها، كسورة " ص " وسورة " يس " إلخ. ~~ولا يخلو هذا القول من الضعف، لأن كثيرا من السور قد افتتحت بلفظ واحد من ~~هذه الفواتح، فلو كانت أسماء للسور لم تتكرر لمعان مختلفة لأن الغرض من ~~التسمية رفع الاشتباه. وأيضا فالتسمية بها أمر عارض لا يتنافى مع المراد ~~منها فى ذاتها. 2 - وقيل إن هذه الحروف قد جاءت هكذا فاصلة للدلالة على ~~انقضاء سورة وابتداء أخرى. # 3 - وقيل إنها حروف مقطعة بعضها من أسماء الله تعالى، وبعضها من صفاته، ~~فمثلا " ألم " أصلها أنا الله أعلم. 4 - وقيل إنها اسم الله الأعظم، إلى ~~غير ذلك من الأقوال التى لا تخلو من مقال، والتى أوصلها الإمام السيوطى ~~في كتابه " الإتقان " ، إلى أكثر من عشرين قولا. 5 - ولعل أقرب الأقوال ~~إلى الصواب أن هذه الحروف المقطعة قد وردت فى بعض سور القرآن على سبيل ~~الإيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن، فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك ~~العارضين فى أن القرآن من عند الله هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو ~~جنس ما تؤلفون منه كلامكم. ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية ~~التى تنظمون منها حروفكم، فإن كنتم فى شك من كونه منزلا من عند الله ~~فهاتوا مثله، أو ادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونوكم فى ذلك. ومما يشهد ~~بصحة هذا الرأى أن الآيات التى تلى هذه الأحرف المقطعة تتحدث عن الكتاب ~~المنزل معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم وكثيرا ما تبدأ هذه الآيات باسم ~~الإشارة صراحة، مثل قوله تعالى { الم ذلك الكتاب لا ريب ~~فيه } أو ضمنا مثل قوله - تعالى - فى أول سورة الأعراف { المص ~~كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه ~~لتنذر به } وأيضا فإن هذه السور تجعل هدفها الأول منذ بدئها إلى ~~نهايتها اثبات الرسالة عن طريق هذا الكتاب المنزل. ms1927 هذه خلاصة موجزة لآراء ~~العلماء فى الحروف المقطعة التى افتتحت بها بعض السور القرآنية، ومن أراد ~~مزيدا لذلك فليرجع - مثلا - إلى كتاب " البرهان " للزركشى، وإلى كتاب " ~~الإتقان " للسيوطى. ثم مدح - سبحانه - الكتاب الذى أنزله على نبيه صلى ~~الله عليه وسلم فقال { كتاب أنزل إليك فلا يكن في ~~صدرك حرج منه }. المراد بالكتاب جملة القرآن الكريم، وقيل ~~المراد به هنا السورة. وحرج الصدر ضيقه وغمه، مأخوذ من الحرجة التى هى ~~مجتمع الشجر المشتبك الملتف الذى لا يجد السالك فيه طريقا يخرج منه. ~~والمعنى، هذا كتاب كريم أنزلناه إليك يا محمد فيه هداية الثقلين، فبلغ ~~تعاليمه للناس. ولا تحزن أو تضجر إذا وجدت من بعضهم صدودا عنه، فأنت ~~عليك البلاغ ونحن علينا الحساب. ولقد حكى لنا القرآن أن المشركين وصفوا ~~النبى صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر. أو مجنون، كما وصفوا القرآن بأنه ~~ليس من عند الله، فكان صلى الله عليه وسلم يضيق صدره لذلك. قال تعالى # ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون # فالمقصود بقوله - تعالى - { كتاب أنزل إليك فلا يكن في ~~صدرك حرج منه } تقوية قلب النبى صلى الله عليه وسلم، وتثبيت ~~فؤاده، وتسليته عما يتقوله المشركون من أكاذيب وأباطيل، وإفهام الداعى ~~إلى الله فى كل زمان ومكان أن من الواجب عليه أن يكون قوى القلب فى تحمل ~~مهمته، مطمئن البال على حسن عاقبته، لا يتأثر بالمخالفة، ولا يضيق صدره ~~بالإنكار. # وقد فسر صاحب الكشاف الحرج بالشك فقال { فلا يكن في صدرك ~~حرج منه } أى شك منه كقوله # فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك # وسمى الشك حرجا لأن الشاك ضيق الصدر حرجه، كما أن المتيقن منشرح الصدر ~~منفسحه. أى لا تشك فى أنه منزل من الله، ولا تتحرج من تبليغه، لأنه كان ~~يخاف قومه وتكذيبهم له وإعراضهم عنه وأذاهم. فكان ضيق صدره من الأداء ولا ~~ينبسط له، فأمنه الله ونهاه عن المبالاة بهم. وعلى أية حال فإن من فسر ~~الحرج بالضيق راعى مدلول الكلمة الأصلى ومن فسره بالشك راعى ms1928 الاستعمال ~~المجازى ولذا قال الآلوسى قوله تعالى - { فلا يكن في صدرك ~~حرج منه } أى شك. وأصله الضيق، واستعماله فى الشك مجاز علاقته ~~اللزوم، فإن الشاك يعتريه ضيق الصدر، كما أن المتيقن يعتريه انشرحه ~~وانفساحه. ولفظ { كتاب } يكون مبتدأ إذا جعلنا { المص } اسما ~~للسورة، وإلا كان خبرا لمبتدأ محذوف والتقدير هذا كتاب. وتنكيره للتفخيم ~~والتعظيم وجملة { أنزل إليك } صفة له دالة على كمال تعظيم قدره ~~وقدر من أنزل عليه. وإنما قيل { أنزل } ولم يقل أنزله الله وأنزلناه، ~~للإيذان بأن المنزل مستغن عن التعريف لشرفه وغاية ظهوره. ثم بين - ~~سبحانه - العلة فى إنزال الكتاب فقال { لتنذر به وذكرى ~~للمؤمنين }. الإنذار هو الإعلام المقترن بالتخويف من سوء عاقبة ~~المخالفة. أى أنزلنا إليك الكتاب لتنذر به قومك وسائر الناس، وتذكر به ~~أهل الإيمان والطاعة ذكرى نافعة مؤثرة، لأنهم هم المستعدون لذلك، وهم ~~المنتفعون بإرشادك. قال تعالى # وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين # وقال تعالى # تبصرة وذكرى لكل عبد منيب # وقال تعالى # إنما يتذكر أولوا الألباب # قال صاحب الكشاف " فما محل ذكرى؟ قلت يحتمل الحركات الثلاث. النصب ~~بإضمار فعلها. كأنه قيل لتنذر به وتذكر تذكيرا، لأن الذكرى اسم بمعنى ~~التذكير، والرفع عطفا على كتاب، أو لأنه خبر مبتدأ محذوف. والجر للعطف ~~على محل لتنذر، أى للإنذار وللذكر ". ثم أمر القرآن الناس باتباع تعاليم ~~الإسلام التى جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم فقال { اتبعوا مآ ~~أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه ~~أوليآء قليلا ما تذكرون }. أى اتبعوا أيها الناس ملة ~~الإسلام وأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، ~~لأن الذى أنزل عليكم هذه الشريعة هو ربكم الذى هو خالقكم ومربيكم ومدبر ~~أموركم والعليم بما فيه مصلحتكم وحذار من أن تتركوا شريعة الإسلام التى ~~تدعوكم إلى إفراد الله بالعبودية، وتتخذوا معه شركاء يزينون لكم ~~الأباطيل، ويصرفونكم عن دينه القويم فالآية الكريمة كلام مستأنف خوطب به ~~كافة المكلفين لحضهم على إفراد الله بالعبودية، ونهيهم عن اتباع أحد من ~~الخلق فيما يتعلق بالأمور الدينية التى وضحتها ms1929 الشريعة الإسلامية. # وقوله - تعالى - { قليلا ما تذكرون } معناه تذكرا قليلا ~~تتذكرون، أو زمنا قليلا تتذكرون فهو منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف أو ~~لظرف زمان محذوف. وما مزيدة لتأكيد القلة. ثم ساق لهم بعد ذلك على سبيل ~~الإنذار والتخويف جانبا من العذاب الذى نزل بمن سبقوهم بسبب ظلمهم ~~وعنادهم فقال - تعالى - { وكم من قرية أهلكناها فجآءها ~~بأسنا بياتا أو هم قآئلون * فما كان دعواهم إذ ~~جآءهم بأسنآ إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين }. ~~كم هنا خبرية بمعنى كثير. وهى فى محل رفع على الابتداء والجملة بعدها ~~خبرها، و { من قرية } تمييز. والقرية تطلق على مكان اجتماع الناس. ~~وبأسنا أى عذابنا وعقابنا. وبياتا أى ليلا ومنه البيت لأنه يبات فيه. ~~يقال بات يبيت بيتا وبياتا. وقائلون من القائلة وهى القيلولة وهى نوم نصف ~~النهار. وقيل هى الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر وإن لم يكن معها ~~نوم. ودعواهم، أى دعاؤهم واستغاثتهم بربهم أو قولهم. والمعنى وكثيرا من ~~القرى الظالمة أردنا إهلاكها، فنزل على بعضها عذابنا فى وقت نوم أهلها ~~بالليل كما حصل لقوم لوط، ونزل على بعضها فى وقت استراحة أهلها بالنهار ~~كما حصل لقوم شعيب، فما كان منهم عندما باغتهم العذاب فى وقت اطمئنانهم ~~وراحتهم إلى أن اعترفوا بذنوبهم وقالوا على سبيل التحسر والندم وطمعا فى ~~الخلاص إنا كنا ظالمين. فهاتان الآيتان الكريمتان توضحان بأجلى بيان أن ~~هلاك الأمم سببه بغيها وفسادها وانحرافها عن الطريق المستقيم، وتلك سنة ~~الله التى لا تختلف فى أى زمان أو مكان. وأن الظالمين عندما يفاجأون ~~بالعقوبة يتحسرون ولا يستطيعون إنكار ما ارتكبوه من جرائم ومنكرات ولكن ~~ذلك لن ينفعهم لأن ندمهم وتحسرهم قد فات وقته، وكان الأجدر بهم أن يتوبوا ~~من ذنوبهم عندما جاءتهم النذر، وقبل حلول العذاب. ولذا قال ابن كثير قال ~~ابن جرير فى هذه الآية الدلالة الواضحة فى صحة ما جاءت به الرواية عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله # " ما هلك قوم حتى يعذروا عن أنفسهم ". # و { أو ms1930 } فى قوله { فجآءها بأسنا بياتا أو هم ~~قآئلون } للتنويع، أى أن بعضهم جاءهم عذابنا ليلا وبعضهم جاءهم ~~نهارا عند استراحتهم. وإنما خص هذان الوقتان بنزول العذاب، لأنهما وقتا ~~غفلة ودعة واستراحة، فيكون نزول العذاب فيهما أشد وأوجع. ومن العبر التى ~~نأخذها من هاتين الآيتين أن العاقل هو الذى يحافظ على أداء الأوامر ~~واجتناب النواهى، ولا يأمن صفو الليالى، ورخاء الأيام، بل يعيش حياته ~~وصلته بربه مبنية على الخوف والرجاء فإنه # فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون # وبعد أن بين القرآن ما أصاب الظالمين من عذاب دنيوى. عقبه ببيان ما سيحل ~~بهم من عذاب أخروى، فقال { فلنسألن الذين أرسل ~~إليهم ولنسألن المرسلين فلنقصن عليهم ~~بعلم وما كنا غآئبين }. والمراد بالذين أرسل إليهم جميع ~~الأمم التى بلغتها دعوة الرسل، يسأل كل فرد منها عن رسوله إليه وعن ~~تبليغه لدعوة الله، ويسأل المرسلون عن التبليغ منهم وعن إجابة أقوامهم ~~لهم، وقد ورد ذلك فى كثير من آيات القرآن. قال - تعالى - # يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذآ أجبتم ~~قالوا لا علم لنآ إنك أنت علام الغيوب # وقال تعالى # ويوم يناديهم فيقول ماذآ أجبتم المرسلين # والمعنى فلنسألن المرسل إليهم عما أجابوا به رسلهم الذين جاءوا ~~لهدايتهم، ولنسألن المرسلين عما أجيبوا به من أقوامهم وعن تبليغهم ~~لرسالات الله، ولنقصن على الرسل والمرسل إليهم كل ما وقع منهم عن علم ~~دقيق وإحصاء شامل، لأننا لا يغيب عنا شىء من أحوالهم. وعطفت جملة { ~~فلنسألن } على ما قبلها بالفاء، لأن هذا السؤال سيكون فى الآخرة، ~~وما ذكر قبل ذلك من عقوبات هو آخر أمرهم فى الدنيا. فالآية الكريمة بيان ~~لعذابهم الأخروى إثر بيان عذابهم الدنيوى. وأكد الخبر بلام القسم ونون ~~التوكيد، لأن المخاطبين كانوا ينكرون البعث والجزاء. فإن قيل قد أخبر ~~الله عنهم قبل ذلك أنهم قالوا عند نزول العذاب بهم { إنا كنا ~~ظالمين } فلماذا يسألون يوم القيامة مع أنهم اعترفوا بظلمهم فى ~~الدنيا؟ فالجواب أنهم لما اعترفوا سئلوا بعد ذلك عن سبب هذا الظلم، ~~والمقصود من هذا ms1931 السؤال تقريعهم وتوبيخهم لكفرهم وعنادهم. فإن قيل فما ~~فائدة سؤال الرسل مع العلم بأنهم قد بلغوا الأمانة ونصحوا للأمة؟ فالجواب ~~من فوائده الرد على من أنكر من المشركين أن الرسل قد بلغوهم، فقد حكى ~~القرآن أن بعضهم قال # ما جآءنا من بشير ولا نذير # ومن فوائده - أيضا - مضاعفة الثواب لهؤلاء الرسل الكرام حيث إنهم قد ~~بذلوا قصارى جهدهم فى التبشير والإنذار، ولم يصدر عنهم تقصير قط. فسؤال ~~المرسل إليهم إنما هو سؤال توبيخ وإفضاح، وسؤال المرسلين إنما هو سؤال ~~استشهاد بهم وإفصاح. فإن قيل هناك بعض الآيات تثبت أن المجرمين لن يسألوا ~~يوم القيامة كما فى قوله تعالى # ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون # وكما فى قوله تعالى # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن # فكيف نجمع بين هذه الآيات الت تنفى السؤال والآيات التى تثبته كما فى ~~قوله { فلنسألن الذين أرسل إليهم }؟ فالجواب، أن فى ~~يوم القيامة مواقف متعددة، فقد يسألون فى موقف الحساب ولا يسألون فى موقف ~~العقاب. # أو أن المراد بالسؤال فى قوله { فلنسألن الذين } التوبيخ ~~والتقريع. والمنفى فى قوله # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه # سؤال الاستعلام، أى أن المذنب لا يسأل يوم القيامة هل أذنبت أولا، لأن ~~الله لا تخفى عليه خافية، وإنما يسأل لم فعلت كذا؟ بعد أن يعرفه - سبحانه ~~- بما فعله، ويؤيد هذا القول قوله - تعالى - { فلنقصن عليهم ~~بعلم وما كنا غآئبين } أى فلنخبرنهم بما فعلوا إخبارا ناشئا ~~عن علم منا. قال بعض العلماء " والذى يهمنا هنا، أن نقرر أن هذا السؤال ~~لم يكن سؤال استفهام ولا استخبار، وإنما هو سؤال تبكيت وتنديد، فليس فى ~~السائل مظنة أن يجهل، ولا فى المسئول مظنة أن ينكر، وهو تصوير لما يكون ~~من شعور المكذبين بتكذيبهم، وشعور المرسلين بتبليغهم، وهو نوع من تسجيل ~~الحجة على من أنكرها وأعرض عنها فى الوقت الذى كان يجديه الإققال عليها ~~والإيمان بها، وهو نوع من زيادة الحسرة، وقطع الآمال فى النجاة بوضع يد ~~المجرم على جسم جريمته، وهو فى الوقت نفسه ms1932 نوع من زيادة الأمن و ~~الطمأنينة للرسل فى القيام بدعوتهم وتبليغهم ما أمروا بتبليغه، ولعل كل ~~ذلك يرشد إليه قوله - تعالى - { فلنقصن عليهم بعلم وما ~~كنا غآئبين }. ثم بين - سبحانه - مظاهر عدله مع عباده يوم القيامة ~~فقال { والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه ~~فأولئك هم المفلحون * ومن خفت موازينه ~~فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا ~~بآياتنا يظلمون }. الوزن عمل يعرف به قدر الشىء، يقال وزنته ~~وزنا وزنة. وهو مبتدأ، ويومئذ متعلق بمحذوف خبره. والحق صفته، أى والوزن ~~الحق يوم القيامة. ومعنى الآيتين الكريمتين والوزن الحق ثابت فى ذلك ~~اليوم الذى يسأل الله فيه الرسل والمرسل إليهم. ويخبرهم جميعا بما كان ~~منهم فى الدنيا، فمن رجحت موازين أعماله بالإيمان والعمل الصالح، فأولئك ~~هم الفائزون بالثواب والنعيم، ومن خفت موازين أعماله بالكفر والمعاصى ~~فأولئك الذين خسروا أنفسهم بسبب ما اقترفوا من سيئات أدت بهم إلى سوء ~~العقاب. قال تعالى # ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم ~~نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا ~~بها وكفى بنا حاسبين # وقد اختلف العلماء فى كيفية الوزن فقال بعضهم إن التى توزن هى صحائف ~~الأعمال التى كتبت فيها الحسنات والسيئات تأكيدا للحجة وإظهارا للنصفة، ~~وقطعا للمعذرة. قال ابن عمر " توزن صحائف أعمال العباد يوم القيامة ". ~~وقيل إن الوزن هنا كناية عن القضاء السوى، والعدل التام فى تقدير ما يمكن ~~به الجزاء من الأعمال، وذكر الوزن إنما هو ضرب مثل كما تقول هذا الكلام ~~فى وزن هذا وفى وزانه. أى يعادله ويساويه وإن لم يكن هناك وزن. # والذى نراه أن من الواجب علينا أن نؤمن بأن فى الآخرة وزنا للأعمال، ~~وأنه على مقدار ما يظهر يكون الجزاء، وأنه وزن أو ميزان يليق بما يجرى فى ~~ذلك اليوم الهائل الشديد، أما كيفية هذا الوزن فمرده إلى الله، لأنه شىء ~~استأثر الله بعلمه، وعلينا أن نعفى أنفسنا من محاولة الكشف عن أمر غيبى ~~لم يرد فى حقيقته خبر قاطع فى كتاب الله أو سنة رسوله. قال الجمل ms1933 فى ~~حاشيته على الجلالين " فإن قلت أليس الله - تعالى - يعلم مقادير أعمال ~~العباد، فما الحكمة فى وزنها؟ قلت فيه حكم منها، إظهار العدل وأن الله - ~~تعالى - لا يظلم عباده، ومنها امتحان الخلق بالإيمان بذلك فى الدنيا ~~وإقامة الحجة عليهم فى العقبى. ومنها تعريف العباد بما لهم من خير أو شر ~~وحسنة أو سيئة، ومنها إظهار علامة السعادة والشقاوة ونظيره أنه - سبحانه ~~- أثبت أعمال العباد فى اللوح المحفوظ وفى صحائف الحفظة الموكلين ببنى ~~آدم من غير جواز النسيان عليه ". وقوله - تعالى - { فمن ثقلت ~~موازينه } تفصيل للأحكام المترتبة على الوزن، وثقل الموازين المراد ~~به رجحان الأعمال الحسنة على غيرها، كما أن خفة الموازين المراد بها ~~رجحان الأعمال القبيحة على ما سواها. وقوله - تعالى - { بما كانوا ~~بآياتنا يظلمون } متعلق بخسروا أى أن خسرانهم لأنفسهم فى الآخرة ~~كان سببه جحودهم لآيات الله واستهزاءهم بها فى الدنيا. ثم حكى القرآن ~~جانبا من مظاهر نعم الله على خلقه فقال - تعالى - { ولقد ~~مكناكم في.... }. ### || [7.10-11] # مكناكم من التمكين بمعنى التمليك، أو معناه جعلنا لكم فيها مكانا ~~وقرارا وأقدرناكم على التصرف فيها ومعايش جمع معيشة وهى ما يعاش به من ~~المطاعم والمشارب وما تكون به الحياة. والمعنى ولقد جعلنا لكم - يا بنى ~~آدم - مكانا وقرارا فى الأرض، وأقدرناكم على التصرف فيها، وأنشأنا لكم ~~أنواعا شتى من المطاعم والمشارب التى تتعيشون بها عيشة راضية، ولكن ~~كثيرا منكم لم يقابلوا هذه النعم بالشكر، بل قابلوها بالجحود والكفران. ~~وفضلا عن ذلك فنحن الذين خلقنا أباكم آدم من طين غير مصور، ثم صورناه بعد ~~ذلك. أو المعنى نحن الذين خلقناكم فى ظهر آدم. ثم صورناكم حين أخذنا ~~عليكم الميثاق، ثم أمرنا بعد ذلك ملائكتنا بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس ~~فإنه لم يكن من الساجدين. والسجود لغة، التذلل والخضوع مع انخفاض بانحناء ~~وغيره، وخص فى الشرع بوضع الجبهة على الأرض بقصد العبادة. وللعلماء أقوال ~~فى كيفية السجود الذى أمر الله به الملائكة لآدم وأرجح هذه الأقوال. أن ~~السجود المأمور به فى الآية يحمل ms1934 على المعنى المعروف فى اللغة. أى أن ~~الله - تعالى - أمرهم بفعل تجاه آدم يكون مظهرا من مظاهر التواضع والخضوع ~~له تحية وتعظيما، وإقرارا له بالفضل دون وضع الجبهة على الأرض الذى هو ~~عبادة، إذ عبادة غير الله شرك يتنزه الملائكة عنه، وعلى هذا الرأى سار ~~علماء أهل السنة. وقيل إن السجود كان لله. وآدم إنما كان كالقبلة يتوجه ~~إليه الساجدون تحية له. وإلى هذا الرأى اتجه علماء المعتزلة، وقد قالوا ~~ذلك هربا من أن تكون الآية الكريمة حجة عليهم، إذ أن أهل السنة قالوا ~~إبليس من الملائكة والصالحون من البشر أفضل من الملائكة. واحتجوا بسجود ~~الملائكة لآدم وخالفت المعتزلة فى ذلك، وقالت الملائكة أفضل من البشر، ~~وسجود الملائكة لآدم كان كالقبلة. والذى نراه أن ما سار عليه أهل السنة ~~أرجح لأن ما ذهب إليه المعتزلة يبعده أن المقام مقام لإظهار فضل آدم على ~~الملائكة، وإظهار فضله عليهم لا يتحقق بمجرد كونه قبلة للسجود وأمر الله ~~الملائكة بالسجود لآدم، هو لون من الابتلاء والاختبار، ليميز الله الخبيث ~~من الطيب، وينفذ ما سبق به العلم واقتضته المشيئة والحكم. وإبليس اسم ~~مشتق من الإبلاس، وهو الحزن الناشىء عن شدة اليأس وفعله بلس. والراجح ~~أنه اسم أعجمى، ومنعه من الصرف للعلمية والعجمة وهو كائن حى، وقد أخطأ من ~~حمله على معنى داعى الشر الذى يخطر فى النفوس، إذ ليس من المعقول أن يكون ~~ذلك مع أن القرآن أخبرنا بأنه يرى الناس ولا يرونه. قال - تعالى - # إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم # وللعلماء فى كون إبليس من الملائكة أولا قولان أحدهما أنه كان منهم، ~~لأنه - سبحانه - أمرهم بالسجود لأدم، ولولا أنه كان منهم لما توجه إليه ~~الأمر بالسجود، ولو لم يتوجه إليه الأمر بالسجود لم يكن عاصيا ولما ~~استحق الخزى والنكال، ولأن الأصل فى المستثنى أن يكون داخلا تحت اسم ~~المستثنى منه حتى يقوم دليل على أنه خارج عنه. والثانى أنه ليس منهم ~~لقوله - تعالى - # إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ms1935 ربه # فهو أصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس، ولأنه خلق من نار، والملائكة ~~خلقوا من نور، ولأن له ذرية ولا ذرية للملائكة. ففى هاتين الآيتين بيان ~~لنعمتين عظيمتين من نعم الله على عباده أولاهما نعمة التمكين فى الأرض ~~واتخاذهم إياها وطنا مزودا بضروب شتى مما يحتاجون إليه من معايشهم وما ~~به قوام حياتهم وكمالها. وثانيهما نعمة خلقهم من أب واحد، تجمعهم به رحم ~~واحدة، وبسببها كانوا خلفاء فى الأرض وفى عمارة الكون، وفضلوا على كثير ~~من الخلق، فكان الواجب عليهم أن يقابلوهما بالشكر والإيمان. ثم حكى ~~القرآن الكريم الأسباب التى حملت إبليس على عدم السجود لآدم فقال { قال ~~ما منعك.... }. ### || [7.12] # أى قال الله - تعالى - لإبليس ما ألزمك واضطرك إلى أن لا تسجد لآدم؟ ~~فالمنع مجاز عن الإلجاء والاضطرار. أو ما حملك ودعاك إلى ألا تسجد؟ ~~فالمنع مجاز عن الحمل. والاستفهام للتوبيخ والتقريع. ولا فى قوله { ~~ألا تسجد } مزيدة للتنبيه على أن الموبخ عليه ترك السجود. وتوكيد ~~لمعنى الفعل الذى دخلت عليه وتحقيقه، كأنه قيل ما منعك أن تحقق السجود ~~وتلزمه نفسك. وقد حكى القرآن ما أجاب به إبليس فقال { قال أنا ~~خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين } أى قال ~~إبليس أنا خير من آدم، لأنى مخلوق من عنصر النار الذى هو أشرف من عنصر ~~الطين، والأشرف لا يليق به الانقياد لمن هو دونه. قال ابن كثير " وقول ~~إبليس - لعنة الله - { أنا خير منه }... إلخ. من العذر الذى هو ~~أكبر من الذنب، إذ بين بأنه خير من آدم لأنه خلق من النار وآدم خلق من ~~الطين، فنظر اللعين إلى أصل العنصر ولم ينظر إلى التشريف العظيم، وهو أن ~~الله - تعالى - خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وقاس قياسا فاسدا فى ~~مقابلة نص، وهو قوله - تعالى - # فقعوا له ساجدين # فشذ من بين الملائكة لترك السجود فأبعده الله عن رحمته، وكان قياسه ~~فاسدا لأن النار ليست أشرف من الطين، فإن الطين من شأنه الرزانة والأناة ~~والتثبت، وهو محل ms1936 النبات والنمو والزيادة والإصلاح، والنار من شأنها ~~الإحراق والطيش والسرعة، ولهذا خان إبليس عنصره، ونفع آدم عنصره بالرجوع ~~والإنابة والاستكانة والانقياد والاستسلام لأمر الله. وفى صحيح مسلم عن ~~عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من مارج من نار، وخلق آدم ما وصف ~~لكم ". # وقد حكى القرآن ما رد الله به على إبليس بقوله { قال فاهبط ~~منها.... }. ### || [7.13] # أى قال الله - تعالى - لإبليس فاهبط من الجنة بسبب عصيانك لأمرى وخروجك ~~عن طاعتى. وقيل إن الضمير فى { منها } يعود على المنزلة التى كان فيها ~~قبل أن يطرده الله من رحمته. أى فاهبط من رتبة الملكية التى كنت فيها إلى ~~رتبة العناصر الشريرة. وقيل إن الضمير يعود على روضة كانت على مرتفع من ~~الأرض خلق فيها آدم - عليه السلام -. وقوله { فما يكون لك أن ~~تتكبر فيها } معناه فما يصح ولا يستقيم ولا يليق بشأنك أن تتكبر ~~فيها، لأنها ليست مكانا للمتكبرين وإنما هى مكان للمطيعين الخاشعين ~~المتواضعين. وقوله { فاخرج } تأكيد للأمر بالهبوط ومتفرع عليه. وقوله ~~{ إنك من الصاغرين } تعليل للأمر بالخروج. أى فاخرج منها فأنت ~~من أهل الصغار والهوان على الله وعلى أوليائه لتكبرك وغرورك. ثم حكى ~~القرآن ما طلبه إبليس من الله - تعالى - وما أجاب الله به عليه. ### || [7.14-18] # أى قال إبليس لله - تعالى - أخرنى ولا تمتنى إلى يوم بعث آدم وذريته من ~~القبور، وهو وقت النفخة الثانية عند قيام الساعة. وقد أراد بذلك النجاة ~~من الموت إذ لا موت بعد البعث. كما أراد بذلك أن يجد فسحة من الإغواء ~~لبنى آدم. وقوله { أنظرني } مأخوذ من الإنظار بمعنى الإمهال ~~والتأخير. تقول أنظرته بحقى أنظره إنظارا أى أمهلته. وقوله { قال ~~إنك من المنظرين } معناه قال الله - تعالى - له إنك من ~~المؤخرين إلى يوم الوقت المعلوم كما جاء فى قوله - تعالى - # قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك ~~من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم # وهو - على الراجح - وقت النفخة الأولى فيموت كما يموت غيره. ms1937 وقيل المراد ~~به الوقت المعلوم فى علم الله أنه يموت فيه. قال ابن كثير أجابه الله - ~~تعالى - إلى ما سأل. لما له فى ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة التى لا ~~تخالف ولا تمانع ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب. ثم حكى القرآن ما توعد ~~به إبليس آدم وذريته من كيد وأذى فقال { قال فبمآ أغويتني ~~لأقعدن لهم صراطك المستقيم }. الباء للقسم أو للسببية ~~أى فأقسم بإغوائك إياى، أو بسبب إغوائك إياى، لأترصدن لآدم وبنيه على ~~طريق الحق وسبيل النجاة، كما يترصد قطاع الطرق للسائرين فيها فأصدنهم ~~عنها وأحاول بكل السبل أن أصرفهم عن صراطك المستقيم، ولن أتكاسل عن العمل ~~على إفسادهم وإضلالهم. والإغواء خلق الغى بمعنى الضلال. وأصل الغى ~~الفساد، ومنه غوى الفصيل - كرضى - غوى، إذا بشم من اللبن ففسدت معدته، أو ~~منع الرضاع فهزل وكاد يهلك، ثم استعمل فى الضلال، يقال غوى يغوى غيا ~~وغواية فهو غاو، وغوى إذا ضل، وأغواه غيره أضله. وقوله { ثم ~~لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمانهم وعن شمآئلهم } زيادة بيان لحرص الشيطان على إضلال ~~بنى آدم بشتى الوسائل، أى آتيهم من الجهات الأربع التى اعتاد العدو أن ~~يهاجم عدوه منها، والمراد لأسولن لهم ولأضلنهم بحيث لا أفتر عن ذلك ولا ~~أيأس. وقيل إن معنى { ثم لآتينهم من بين أيديهم } أى ~~من قبل الآخرة لأنها مستقبلة آتية، وما هو كذلك فكأنه بين الأيدى. { ~~ومن خلفهم } أى من قبل الدنيا لأنها ماضية بالنسبة إلى الآخرة ~~ولأنها فانية متروكة { وعن أيمانهم وعن شمآئلهم } أى من ~~جهة حسناتهم وسيئاتهم بحيث أزين لهم السيئات وأزهدهم فى الحسنات. وقوله { ~~ولا تجد أكثرهم شاكرين } أى مطيعين مستعملين لقواهم ~~وجوارحهم وما أنعم الله به عليهم فى طريق الطاعة والتقرب إلى الله. وإنما ~~قال ذلك لما رآه من الأمارات على طريق الظن كقوله - تعالى - # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا ~~فريقا من المؤمنين # ولقد وردت آيات كثيرة وأحاديث متعددة فى التحذير من الشيطان وكيده، ومن ~~ذلك قوله - تعالى - # إن الشيطان ms1938 لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما ~~يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير # وجاء فى الحديث الشريف الذى رواه الإمام أحمد عن سبرة بن الفاكه قال ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال أتسلم ~~وتذر دينك ودين آبائك وآباء أبيك؟ قال فعصاه فأسلم. ثم قعد له بطريق ~~الهجرة فقال أتهاجر وتدع أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كالفرس فى الطول ~~- أى كالفرس المربوطة بالحبل. قال فعصاه فهاجر. قال ثم قعد له بطريق ~~الجهاد فقال له هو جهاد النفس والمال. فتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم ~~المال، قال فعصاه فجاهد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن فعل ذلك ~~منهم فمات، كان حقا على الله أن يدخله الجنة، أو قتل كان حقا على الله أن ~~يدخله الجنة، وإن غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة، أو وقصته دابة ~~كان حقا على الله أن يدخله الجنة ". # وروى الإمام أحمد وأبو داود والنسائى وغيرهم عن عبد الله بن عمر قال لم ~~يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يترك هؤلاء الدعوات حين يصبح وحين ~~يمسى. يقول # " اللهم إنى أسألك العفو والعافية فى دينى ودنياى وأهلى ومالى. اللهم ~~استر عوراتى وآمن روعاتى اللهم احفظنى من بين يدى ومن خلفى وعن يمينى وعن ~~شمالى ومن فوقى، وأعوذ بعظمتك ان اغتال من تحتى ". # ثم حكى القرآن ما توعد الله به الشيطان وأتباعه فقال { قال اخرج ~~منها مذءوما } أى اخرج من الجنة أو من تلك الروضة مهانا محقرا. ~~يقال ذأمه يذأمه ذأما إذا عاقبه وحقره فهو مذءوم، وقوله { مدحورا } ~~أى مطرودا مبعدا. يقال دحره دحرا ودحورا طرده وأبعده. { لمن تبعك ~~منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين } أى لمن أطاعك من ~~الجن والإنس لأملأن جهنم من كفاركم. كقوله - تعالى - # قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزآؤكم ~~جزاء موفورا # واللام فى قوله { لمن } لتوطئة القسم والجواب { لأملأن ~~جهنم منكم أجمعين } ثم حكى القرآن ما أمر الله - تعالى - به ~~آدم ms1939 فقال { ويآءادم اسكن... }. ### || [7.19] # صدر الكلام بالنداء للتنبيه على الاهتمام بالمأمور به، وتخصيص الخطاب ~~بآدم - عليه السلام - للإيذان بأصالته بالتلقى وتعاطى المأمور به. وقوله ~~{ اسكن } من السكنى وهو اللبث والإقامة والاستقرار، دون السكون الذى ~~هو ضد الحركة. والزوج. يطلق على الرجل والمرأة. والمراد به هنا حواء، حيث ~~تقول العرب للمرأة زوج ولا تكاد تقول زوجة. والجنة هى كل بستان ذى شجر ~~متكاثف ملتف الأغصان، يظلل ما تحته ويستره من الجن وهو ستر الشىء عن ~~الحواس. وجمهور أهل السنة على أن المراد بها هنا دار الثواب التى أعدها ~~الله للمؤمنين يوم القيامة، لأن هذا هو المتبادر إلى الذهن عند الاطلاق. ~~ويرى جمهور علماء المعتزلة أن المراد بها هنا بستان بمكان مرتفع من ~~الأرض، خلقه الله لاسكان آدم وزوجته. واختلفوا فى مكانه، فقيل انه ~~بفلسطين، وقيل بغيرها. وقد ساق ابن القيم فى كتابه " حادى الأرواح " أدلة ~~الفريقين دون أن يرجح شيئا منها. والذى نراه أن الأحوط والأسلم. الكف عن ~~تعيينها وعن القطع به، وإليه ذهب أبو حنيفة وأبو منصور الماتريدى فى ~~التأويلات، إذ ليس لهذه المسألة تأثير فى العقيدة. وتوجيه الخطاب إليهما ~~فى قوله { فكلا من حيث شئتما } لتعميم التشريف والإيذان ~~بتساويهما فى مباشرة المأمور به. أى كلا من مطاعم الجنة وثمارها أكلا ~~واسعا من أى مكان أردتم. ثم بين - سبحانه - أنه نهاهم عن الأكل من شجرة ~~معينة فقال { ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من ~~الظالمين }. القرب الدنو والمنهى عنه هو الأكل من ثمار الشجرة. ~~وتعليق النهى على القرب منها القصد منه المبالغة فى النهى عن الأكل، إذى ~~فى النهى عن القرب من الشىء نهى عن فعله من باب أولى. وأكد النهى بأن جعل ~~عدم اجتناب الأكل من الشجرة ظلما. فقال { فتكونا من الظالمين ~~} وقد ظلما أنفسهما إذ أكلا منها، فقد ترتب على أكلهما منها أن أخرجا من ~~الجنة التى كانا يعيشان فيها عيشة راضية. وقد تكلم العلماء كثيرا عن اسم ~~هذه الشجرة ونوعها فقيل هى التينة، وقيل هى السنبلة، وقيل هى ms1940 الكرمة... ~~إلخ إلا أن القرآن لم يذكر نوعها على عادته فى عدم التعرض لذكر ما لم يدع ~~المقصود من سياق القصة إلى بيانه. وقد أحسن ابن جرير فى التعبير عن هذا ~~المعنى فقال " والصواب فى ذلك أن يقال إن الله - تعالى - نهى آدم وزوجه ~~عن الأكل من شجرة بعينها من أشجار الجنة دون سائر اشجارها فأكلا منها، ~~ولا علم عندنا بأى شجرة كانت على التعيين، لأن الله لم يضع لعباده دليلا ~~على ذلك فى القرآن ولا من السنة الصحيحة، وقد قيل كانت شجرة البر، وقيل ~~شجرة العنب، وذلك علم إذا علم لم ينفع العالم به علمه، وان جهله جاهل لم ~~يضره جهله به ". ### || [7.20-25] # قوله - تعالى - { فوسوس لهما الشيطان } أى ألقى إليهما ~~إبليس الوسوسة، والوسوسة فى الأصل الصوت الخفى، ومنه قيل لصوت الحلى. ~~وسواس. والمراد بها هنا الحديث الخفى الذى يلقيه الشيطان فى قلب الإنسان ~~ليقارف الذنب. وقوله { ليبدي لهما ما ووري عنهما من ~~سوءاتهما } و { ووري } من المواراة وهى الستر. والسوءة. فرج ~~الرجل والمرأة، من السوء. وسميت بذلك، لأن انكشافها يسوء صاحبها. وقيل ~~الكلام كناية عن إزالة الحرمة وإسقاط الجاه. والمعنى أن إبليس وسوس إلى ~~آدم وحواء بأن يأكلا من الشجرة المحرمة لتكون عاقبة ذلك أن يظهر لهما ما ~~ستر عنهما من عوراتهما، وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من ~~الآخر. وفى هذا التعبير تصريح بأن كشف العورة من أقبح الفواحش التى نهى ~~الله - تعالى - عنها. وقد حكى القرآن أن إبليس لم يكتف بالوسوسة، وإنما ~~خدعهما بقوله { ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة ~~إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين }. أى ~~قال لهما ما نهاكما عن الأكل من هذه الشجرة إلا كراهية أن تكونا ملكين أو ~~تكونا من الخالدين الذين لا يموتون ويبقون فى الجنة ساكنين. وقوله { ~~إلا أن تكونا ملكين } استثناء مفرغ من المفعول لأجله بتقدير ~~مضاف أو حذف حرف النفى ليكون علة. أى كراهية أن تكونا ملكين. ثم حكى ~~القرآن أن إبليس لم يكتف بالوسوسة ms1941 أو بالقول المجرد، وإنما أضاف إلى ذلك ~~القسم المؤكد فقال { وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين ~~} أى أقسم لهما بالله إنه لهما لمن الناصحين المخلصين الذين يسعون لما ~~فيه منفعتهما. قال الآلوسى إنما عبر بصيغة المفاعلة للمبالغة، لأن من ~~يبارى أحدا فى فعل يجد فيه. وقيل المفاعلة على بابها، والقسم وقع من ~~الجانبين، لكنه اختلف متعلقه، فهو أقسم لهما على النصح وهما أقسما له على ~~القبول. ثم حكى القرآن كيف نجح إبليس فى خداع آدم وحواء فقال { ~~فدلاهما بغرور }. أى فأنزلهما عن رتبة الطاعة إلى رتبة ~~المعصية، وأطمعهما فى غير مطمع بسبب ما غرهما به من القسم. ودلاهما مأخوذ ~~من التدلية، وأصله أن الرجل العطشان يدلى فى البئر بدلوه ليشرب من مائها، ~~فإذا ما أخرج الدلو لم يجد به ماء، فيكون مدليا فيها بغرور. والغرور ~~إظهار النصح مع إضمار الغش، وأصله من غررت فلانا أى أصبت غرته وغفلته ~~ونلت منه ما أريد. ثم بين القرآن الآثار التى ترتبت على هذه الخديعة من ~~إبليس لهما فقال { فلما ذاقا الشجرة بدت لهما ~~سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ~~}. أى فلما خالفا أمر الله - تعالى - بأن أكلا من الشجرة التى نهاهما ~~الله عن الأكل منها، أخذتهما العقوبة وشؤم المعصية، فتساقط عنهما ~~لباسهما، وظهرت لهما عوراتهما. # وشرعا يلزقان من ورق الجنة ورقة فوق أخرى على عوراتهما لسترها. ويخصفان ~~مأخوذ من الخصف، وهو خرز طاقات النعل ونحوه بإلصاق بعضها ببعض، وفعله من ~~باب ضرب. قال بعض العلماء " ولعل المعنى - والله أعلم - أنهما لما ذاقا ~~الشجرة وقد نهيا عن الأكل منها ظهر لهما أنهما قد زلا، وخلعا ثوب الطاعة، ~~وبدت منهما سوأة المعصية، فاستحوذ عليهما الخوف والحياء من ربهما، فأخذا ~~يفعلان ما يفعل الخائف الخجل عادة من الاستتار والاستخفاء حتى لا يرى، ~~وذلك بخصف أوراق الجنة عليهما ليستترا بها، وما لهما إذ ذاك حيلة سوى ~~ذلك. فلما سمعا النداء الربانى بتقريعهما ولومهما ألهما أن يتوبا إلى ~~الله ويستغفرا من ذنبهما بكلمات من فيض الرحمة الإلهية، فتاب ms1942 الله ~~عليهما وهو التواب الرحيم، وقال لهما فقط أولهما ولذريتهما، أو لهما ~~ولإبليس اهبطوا من الجنة إلى الأرض، لينفذ ما أراد الله من استخلاف آدم ~~وذريته فى الأرض، وعمارة الدنيا بهم إلى الأجل المسمى. ومنازعة عدوهم لهم ~~فيها، # إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء ~~قدرا # ثم بين القرآن ما قاله الله - تعالى - لهما بعد أن خالفا أمره. فقال { ~~وناداهما ربهمآ } بطريق العتاب والتوبيخ { ألم أنهكما ~~عن تلكما الشجرة }. أى عن الأكل منها { وأقل لكمآ إن ~~الشيطآن لكما عدو مبين } أى ظاهر العداوة لا يفتر عن ~~إيذائكما وإيقاع الشر بكما. وهنا التمس آدم وحواء من ربهما الصفح ~~والمغفرة { قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا } أى أضررناها بالمعصية ~~والمخالفة { وإن لم تغفر لنا } ما سلف من ذنوبنا { ~~وترحمنا } بقبول توبتنا { لنكونن من الخاسرين } أى ~~لنصيرن من الذين خسروا أنفسهم فى الدنيا والآخرة ". وقد حكى القرآن ما رد ~~به الله على آدم وحواء وإبليس، فقال { قال اهبطوا } أى من الجنة ~~إلى ما عداها. وقيل الخطاب لآدم وحواء وذريتهما. وقيل الخطاب لهما فقط ~~لقوله - سبحانه - فى آية أخرى # قال اهبطا منها جميعا # والقصة واحدة، وضمير الجمع لكونهما أصل البشر. وجملة { بعضكم ~~لبعض عدو } فى موضع الحال من فاعل اهبطوا، والمعنى اهبطوا إلى ~~الأرض حالة كون العداوة لا تنفك بين آدم وذريته، وبين إبليس وشيعته { ~~ولكم في الأرض مستقر } أى موضع استقرار { ومتاع } أى ~~تمتع ومعيشة { إلى حين } أى إلى حين انقضاء آجالكم. قال { فيها } ~~أى فى الأرض { تحيون } تعيشون { وفيها تموتون ومنها ~~تخرجون } أى يوم القيامة للجزاء، كما فى قوله - تعالى - # منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم ~~تارة أخرى # وبعد أن قص القرآن على بنى آدم قصة خلقهم وتصويرهم وما جرى بين أبيهم ~~وبين إبليس، وكيف أن إبليس قد خدع آدم وزوجه خداعا ترتب عليه إخراجهما من ~~الجنة. بعد كل ذلك أورد القرآن أربع نداءات لبنى آدم حضهم فيها على تقوى ~~الله وحذرهم من وسوسة الشيطان وذكرهم بنعمه عليهم، فقال فى النداء الأول ms1943 ~~{ يابني ءادم... }. ### || [7.26] # السوءة العورة. والريش لباس الزينة، استعير من ريش الطائر، لأنه لباسه ~~وزينته. وقال الجوهرى " الريش والرياش بمعنى كاللبس واللباس، وهو اللباس ~~الفاخر ". والمعنى يا بنى آدم تذكروا واعتبروا واشكروا الله على ما حباكم ~~من نعم، فإنه - سبحانه - قد هيأ لكم سبيل الحصول على الملبس الذى تسترون ~~به عوراتكم، وتتزينون به فى مناسبات التجمل والتعبد. والمراد بإنزال ما ~~ذكر أنه خلق لبنى آدم مادة هذا اللباس التى تتكون من القطن والصوف ~~والحرير وما إليها، وألهمهم بما خلق فيهم من غرائز طرق استنباتها ~~وصناعتها بالغزل والنسج والخياطة. والتعبير بأنزلنا يفيد خصوصية البشر ~~باللباس الذى يستر العورة، وبالرياش التى يتزينون بها، أى أنزلنا عليكم ~~لباسين لباسا يوارى سوآتكم، ولباسا يزينكم، لأن الزينة غرض صحيح وحبها من ~~طبيعة البشر. قال - تعالى - # والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة # قال الجمل " وقوله - تعالى - { وريشا } يحتمل أن يكون من باب عطف ~~الصفات. والمعنى أنه وصف اللباس بوصفين مواراة السوأة، والزينة. ويحتمل ~~أن يكون من باب عطف الشىء على غيره. أى أنزلنا عليكم لباسا موصوفا ~~بالمواراة، ولباسا موصوفا بالزينة ". ثم بين - سبحانه - أن هناك لباسا ~~آخر أفضل وأكمل من كل ذلك فقال { ولباس التقوى ذلك خير } ~~أى أن اللباس الذى يصون النفس من الدنايا والأرجاس، ويسترها بالإيمان ~~والعمل الصالح هو خير من كل لباس حسى يتزين به البشر. فاسم الإشارة هنا ~~يعود على لباس التقوى. وقد عبر القرآن هنا عن التقوى بأنها لباس، وعبر ~~عنها فى موضع آخر بأنها زاد مشاكلة للسياق الذى وردت فيه هنا أو هناك. ~~وذلك من باب تجسيم المعنويات وتنسيقها مع الجو العام الذى وردت فيه، وتلك ~~طريقة انفرد بها القرآن الكريم. قال صاحب الكشاف " وقوله { ولباس ~~التقوى } مبتدأ، وخبره إما الجملة التى هى { ذلك خير } كأنه ~~قيل ولباس التقوى هو خير، لأن أسماء الإشارة تقرب من الضمائر فيما يرجع ~~إلى عود الذكر. وإما المفرد الذى هو خير، وذلك صفة للمبتدأ، كأنه قيل ~~ولباس التقوى المشار إليه خير ". وقوله - تعالى - { ذلك من ms1944 آيات ~~الله لعلهم يذكرون } معناه ذلك الذى أنزله الله على بنى ~~آدم من النعم من دلائل قدرته وإحسانه عليهم، لعلهم بعد ذلك لا يعودون إلى ~~النسيان الذى أوقع أبويهم فى المعصية. قال صاحب الكشاف وهذه الآية واردة ~~على سبيل الاستطراد عقب ذكر ظهور العورات وخصف الورق عليها، إظهارا للمنة ~~فيما خلق من اللباس، ولما فى العرى وكشف العورة من المهانة والفضيحة، ~~وإشعارا بأن التستر باب عظيم من أبواب التقوى. ثم أتبع القرآن النداء ~~الأول بنداء آخر مبالغة فى وعظ بنى آدم وتذكيرهم بفضل الله عليهم، فقال - ~~تعالى - { يابني ءادم.... }. ### || [7.27] # المعنى يا بنى آدم لا يصرفنكم الشيطان عن طاعة الله، بأن تمكنوه من أن ~~يوقعكم فى المعاصى كما أوقع أبويكم من قبل فيها، فكان ذلك سببا فى ~~خروجهما من الجنة التى كانا يتمتعان بنعيمها. وقوله { ينزع عنهما ~~لباسهما ليريهما سوءاتهمآ } جملة حالية من أبويكم. أى ~~أخرجهما من الجنة حال كونه نازعا عنهما لباسهما. وأسند النزع إلى ~~الشيطان لأنه كان متسببا فيه. ثم أكد تحذيرهم من الشيطان بجملة تعليلية ~~فقال { إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ~~} أى إن الشيطان وجنوده يرونكم يا بنى آدم وأنتم لا ترونهم، فالجملة ~~الكريمة تعليل للنهى السابق. وهو قوله { لا يفتننكم } وتأكيد ~~للتحذير، لأن العدو إذا أتى من حيث لا يرى كان أشد وأخوف، ولذا قال مالك ~~بن دينار " إن عدوا يراك ولا تراه لشديد المؤنة إلا على من عصمه الله ". ~~وقوله { وقبيله } معطوف على الضمير المستتر فى قوله { يراكم } ~~المؤكد بقوله { هو }. قال الآلوسى ما ملخصه والقضية مطلقة لا دائمة، ~~فلا تدل على ما ذهب إليه المعتزلة من أن الجن لا يرون ولا يظهرون للإنس ~~أصلا ولا يتمثلون. ويشهد لما قلنا ما صح من رؤية النبى صلى الله عليه ~~وسلم لأحدهم حين رام أن يشغله عن الصلاة فأمكنه الله منه، وأراد أن يربطه ~~فى سارية من سوارى المسجد ثم ذكر دعوة سليمان فى قوله # رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد ms1945 من ~~بعدي # فتركه. ثم بين - سبحانه - سنته فى خلقه فقال { إنا جعلنا ~~الشياطين أوليآء للذين لا يؤمنون }. أى إنا صيرنا ~~الشياطين قرناء للذين لا يؤمنون، مسلطين عليهم، متمكنين من إغوائهم، لأن ~~حكمتنا اقتضت أن يكون الشياطين الذين هم شرار الجن، متجانسين مع الكافرين ~~الذين هم شرار الإنس. وبذلك نرى أن الآية الأولى التى ورد فيها النداء ~~الأول قد ذكرت بنى آدم بجانب من نعم الله عليهم، ثم جاءت هذه الآية مصدرة ~~بنداء آخر حذرتهم منه من وسوسة الشيطان ومداخله حتى لا يقعوا فيما وقع ~~فيه أبوهم آدن من قبل. ثم حكى القرآن بعض القبائح التى كان يفعلها ~~المشركون، ورد على أكاذيبهم بما يدحضها فقال { وإذا فعلوا ~~فاحشة... }. ### || [7.28] # الفاحشة هى كل فعل قبيح يتنافى مع تعاليم الشريعة مثل الإشراك بالله، ~~والطواف بالبيت الحرام بدون لباس يستر العورة. قال الإمام ابن كثير " ~~كانت العرب - ما عدا قريشا - لا يطوفون بالبيت الحرام فى ثيابهم التى ~~لبسوها، يتأولون فى ذلك أنهم لا يطوفون فى ثياب عصوا الله فيها، وكانت ~~قريش - وهم الحمس - يطوفون فى ثيابهم، ومن أعاره أحمسى ثوبا طاف فيه، ومن ~~معه ثوب جديد طاف فيه ثم يلقيه فلا يتملكه أحد، ومن لم يجد ثوبا جديدا ~~ولا أعاره أحمسى ثوبا طاف عريانا، وربما كانت المرأة تطوف عريانة، فتجعل ~~على فرجها شيئا ليستره بعض الستر، وأكثر ما كان النساء يطفن عراة ليلا، ~~وكان هذا شيئا قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون ~~أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله فأنكر الله عليهم ذلك وقال { ~~وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليهآ آباءنا ~~والله أمرنا بها }. فالآية الكريمة تحكى عن هؤلاء المشركين ~~أنهم كانوا يرتكبون القبائح التى نهى الله عنها كالطواف بالكعبة عرايا، ~~وكالإشراك بالله، ثم بعد ذلك يحتجون بأنهم قد وجدوا آباءهم كذلك يفعلون، ~~وبأن الله قد أمرهم بذلك، ولا شك أن احتجاجهم هذا من الأكاذيب التى ما ~~أنزل الله بها من سلطان، ولذا عاجلهم القرآن بالرد المفحم، فقال { قل ~~إن ms1946 الله لا يأمر بالفحشآء أتقولون على الله ~~ما لا تعلمون }. أى قل يا محمد لهؤلاء المفترين على الله الكذب إن ~~كلامكم هذا يناقضه العقل والنقل. أما أن العقل يناقضه ويكذبه. فلأنه لا ~~خلاف بيننا وبينكم فى أن ما تفعلونه هو من أقبح القبائح بدليل أن بعضكم ~~قد تنزه عن فعله، وأما أن النقل يناقضه ويكذبه فلأنه لم يثبت عن طريق ~~الوحى أن الله أمر بهذا، بل الثابت أن الله لا يأمر به، لأن الفاحشة فى ~~ذاتها تجاوز لحدود الله، وانتهاك لحرماته، فهل من المعقول أن يأمر الله ~~بانتهاك حدوده وحرماته؟ والاستفهام فى قوله - تعالى - { أتقولون } ~~للإنكار والتوبيخ وفيه معنى النهى. ثم بين - سبحانه - ما أمر به من ~~طاعات عقب تكذيبه للمشركين فيما افتروه فقال { قل أمر... }. ### || [7.29-30] # أى قل لهم يا محمد إن الذى أمر الله به هو العدل فى الأمور كلها، لأنه ~~هو الوسط بين الإفراط والتفريط، كما أنه - سبحانه - قد أمركم بأن ~~تتوجهوا إليه وحده فى كل عبادة من عباداتكم، وأن تكثروا من التضرع إليه ~~بخالص الدعاء وصالحه، فإنه مخ العبادة. ثم ذكرهم - سبحانه - بمبدئهم ~~ونهايتهم فقال { بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق ~~عليهم الضلالة }. أى أن الذى قدر على ابتدائكم وإنشائكم ولم ~~تكونوا شيئا، يقدر على إعادتكم ليجازيكم على أعمالكم، فأخلصوا له العبادة ~~والطاعة. قال صاحب المنار " وهذه الجملة من أبلغ الكلام الموجز المعجز ~~فإنها دعوى متضمنة الدليل، بتشبيه الإعادة بالبدء فهو يقول كما بدأكم ~~ربكم خلقا وتكوينا بقدرته تعودون إليه يوم القيامة حالة كونكم فريقين، ~~فريقا هداهم فى الدنيا فاهتدوا بإيمانهم به وإقامة وجوههم له وحده فى ~~العبادة ودعائه مخلصين له الدين، وفريقا حق عليهم الضلالة لاتباعهم إغواء ~~الشيطان، وإعراضهم عن طاعة الرحمن، وكل فريق يموت على ما عاش ويبعث على ~~ما مات عليه، ومعنى حقت عليهم الضلالة، ثبتت بثبوت أسبابها الكسبية، ~~لأنها جعلت غريزة لهم فكانوا مجبورين عليها، يدل على هذا تعليلها على ~~طريق الاستئناف البيانى بقوله { إنهم اتخذوا الشياطين ~~أوليآء من دون الله ويحسبون ms1947 أنهم مهتدون } ~~ومعنى اتخاذهم الشياطين أولياء، أنهم أطاعوهم فى كل ما يزينونه لهم من ~~الفواحش والمنكرات، ويحسبون أنهم مهتدون فيما تلقنهم الشياطين إياه من ~~الشبهات ". ثم وجه القرآن بعد ذلك نداء ثالثا إلى بنى آدم أمرهم فيه ~~بالتمتع بالحلال، وبزينة الله التى أخرجها لعباده بدون إسراف أو تبذير ~~فقال - تعالى - { يابني ءادم... }. ### || [7.31] # المعنى عليكم يا بنى آدم أن تتجملوا بما يستر عورتكم، وأن تتحلوا بلباس ~~زينتكم كلما صليتم أو طفتم، واحذروا أن تطوفوا بالبيت الحرام وأنتم ~~عرايا. قال القرطبى " يا بنى آدم هو خطاب لجميع العالم، وإن كان المقصود ~~بها من كان يطوف من العرب بالبيت عريانا، فإنه عام فى كل مسجد للصلاة، ~~لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ". وقال ابن عباس " كان بعض العرب ~~يطوفون بالبيت عراة، الرجال بالنهار، والنساء بالليل. يقولون لا نطوف فى ~~ثياب عصينا الله فيها ". فأنزل الله - تعالى - { يابني ءادم ~~خذوا زينتكم عند كل مسجد }. ثم أمرهم - سبحانه - أن ~~يتمتعوا بالطيبات بدون إسراف أو تقتير فقال { وكلوا واشربوا ~~ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين }. أى كلوا من ~~المآكل الطيبة، واشربوا المشارب الحلال ولا تسرفوا لا فى زينتكم ولا فى ~~مأكلكم أو مشربكم. لأنه - سبحانه - يكره المسرفين. قال الإمام ابن كثير ~~" قال بعض السلف جمع الله الطب فى نصف آية فى قوله { وكلوا ~~واشربوا ولا تسرفوا } " وقال البخارى قال ابن عباس " كل ما ~~شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة ". وقد كان السلف الصالح ~~يقفون بين يدى الله فى عبادتهم وهم فى أكمل زينة، فهذا - مثلا - الإمام ~~الحسن بن على، كان إذا قام إلى الصلاة لبس أحسن ثيابه فقيل له ياابن بنت ~~رسول الله لم تلبس أجمل ثيابك؟ فقال إن الله جميل يحب الجمال، فأنا أتجمل ~~لربى، لأنه هو القائل { خذوا زينتكم عند كل مسجد }. ~~وقال الكلبى " كانت بنو عامر لا يأكلون فى أيام حجهم إلا قوتا ولا يأكلون ~~لحما ولا دسما يعظمون بذلك حجهم، فهم المسلمون أن يفعلوا كفعلهم فأنزل - ~~تعالى ms1948 - { وكلوا واشربوا ولا تسرفوا }. فهذه الآية ~~الكريمة تهدى الناس إلى ما يصلح معاشهم ومعادهم، إذ أنها أباحت للمسلم أن ~~يتمتع بالطيبات التى أحلها الله، ولكن بدون إسراف أو بطر، ولذا جاء الرد ~~على المتنطعين الذين يضيقون على أنفسهم ما وسعه الله فى قوله - تعالى - ~~بعد ذلك { قل من حرم... }. ### || [7.32] # أى قل يا محمد لأولئك الذين يطوفون بالبيت عرايا، ويمتنعون عن أكل ~~الطيبات من أين أتيتم بهذا الحكم الذى عن طريقه حرمتم على أنفسكم بعض ما ~~أحله الله لعباده؟ فالاستفهام لإنكار ما هم عليه بأبلغ وجه. ثم أمر ~~رسوله أن يرد عليهم بأبلغ رد فقال { قل هي للذين آمنوا في ~~الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة }. أى قل أيها ~~الرسول لأمتك هذه الزينة والطيبات من الرزق ثابتة للذين آمنوا فى الحياة ~~الدنيا، ويشاركهم فيها المشركون أيضا، أما فى الآخرة فهى خالصة للمؤمنين ~~ولا يشاركهم فيها أحد ممن أشرك مع الله آلهة أخرى. وقوله - تعالى - { ~~كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون } معناه مثل تفصيلنا ~~هذا الحكم نفصل سائر الأحكام لقوم يعلمون ما فى تضاعيفها من توجيهات ~~سامية، وآداب عالية. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ألوانا من المحرمات التى ~~نهى عباده عن اقترافها فقال تعالى { قل إنما حرم... }. ### || [7.33] # المعنى قل يا محمد لهؤلاء الذين ضيقوا على أنفسهم ما وسعه الله، قل لهم ~~إن ما حرمه الله عليكم فى كتبه وعلى ألسنة رسله هو هذه الأنواع الخمس ~~التى أولها { الفواحش ما ظهر منها وما بطن } ، أى ما ~~كان قبيحا من الأقوال والأفعال سواء أكان فى السر أو العلن، وثانيها ~~وثالثها { الإثم والبغي بغير الحق } والإثم هو الشىء ~~القبيح الذى فعله يعتبر معصية، والبغى هو الظلم والتطاول على الناس ~~وتجاوز الحد. قال الإمام ابن كثير " وحاصل ما فسر به الإثم أنه الخطايا ~~المتعلقة بالفاعل نفسه، والبغى هو التعدى على الناس، فحرم الله هذا وهذا ~~". وقيد البغى بكونه بغير الحق، لأنه لا يكون إلا كذلك. إذ معناه فى ~~اللغة تجاوز الحد. يقال بغى الجرح. إذ تجاوز ms1949 الحد فى فساده. وقيل قيده ~~بذلك ليخرج البغى على الغير فى مقابلة بغيه، فإنه يسمى بغيا فى الجملة. ~~لكنه بحق، وهو قول ضعيف لأن دفع البغى لا يسمى بغيا. وإنما يسمى انتصافا ~~من الظالم، ولذا قال القرآن # ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من ~~سبيل # وقيل إن القيد هنا لإخراج الأمور التى ليس لهم فيها حقوق، أو التى تطيب ~~أنفسهم فيها عن بعض حقوقهم فيبذلونها عن رضى وارتياح لمنفعة أو مصلحة لهم ~~يرجونها ببذلها. ورابع الأمور التى حرمها الله أخبر عنه القرآن بقوله { ~~وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا }. أى ~~وحرم عليكم أن تجعلوا لله شركاء فى عبادته بدون حجة وبرهان. وقوله { ما ~~لم ينزل به سلطانا } بيان للواقع من شركهم، إذ أنهم لا حجة ~~عندهم على شركهم لا من العقل ولا من النقل، فالجملة الكريمة قد اشتملت ~~على التهكم بالمشركين وتوبيخهم على كفرهم. وخامسها قوله - تعالى - { ~~وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } أى حرم عليكم أن ~~تقولوا قولا يتعلق بالعبادات أو المحللات أو المحرمات أو غيرها بدون علم ~~منكم بصحة ما تقولون، وبغير بينة على صدق ما تدعون. قال صاحب المنار " ~~ومن تأمل هذه الآية حق التأمل، فإنه يتجنب أن يحرم على عباد الله شيئا ~~ويوجب عليهم شيئا فى دينهم بغير نص صريح عن الله ورسوله، بل يجتنب - ~~أيضا - أن يقول هذا مندوب أو مكروه فى الدين بغير دليل واضح من النصوص، ~~وما أكثر الغافلين عن هذا المتجرئين على التشريع ". وبعد أن بين القرآن ~~ما أحله الله وما حرمه. عقب على ذلك بأن بين أن أجل الناس فى هذه الدنيا ~~محدود، وأنهم إن آجلا أو عاجلا سوف يقفون أمام ربهم للحساب فقال { ~~ولكل أمة أجل... }. ### || [7.34] # أى لكل أمة من الأمم ولكل جيل من الأجيال مدة من العمر محدودة فى علم ~~الله، فإذا ما انتهت هذه المدة انقطعت حياتهم وفارقوا هذه الدنيا بدون أى ~~تقديم أو تأخير. وليس المراد بالساعة هنا ما اصطلح عليه الناس ms1950 من كونها ~~ستين دقيقة، وإنما المراد بها الوقت الذى هو فى غاية القلة. ثم أورد ~~القرآن بعد ذلك النداء الرابع والأخير لبنى آدم، وحضهم فيه على اتباع ~~الرسل، والسير على الطريق المستقيم فقال { يابني ءادم.... }. ### || [7.35-36] # المعنى يا بنى آدم إن يأتكم رسل من أبناء جنسكم، يتلون عليكم آياتى التى ~~أنزلتها عليهم لهدايتكم فآمنوا بهم وعزروهم وانصروهم، فإن من آمن بهم ~~واتقى ما نهاه عنه به، وأصلح نفسه وعمله، فأولئك لا خوف عليهم يوم ~~القيامة، ولا هم يحزنون لمفارقتهم الدنيا، أما الذين كذبوا بآياتنا ~~واستكبروا عنها فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. فالآيتان الكريمتان ~~تخبران جميع بنى آدم أن رسل الله قد بلغوا الرسالة وأدوا الأمانة، فعلى ~~المرسل إليهم أن يطيعوهم حتى يفوزوا برضاء خالفهم. قال الجمل " وإنما قال ~~رسل بلفظ الجمع وإن كان المراد به واحدا وهو النبى صلى الله عليه وسلم، ~~لأنه خاتم الأنبياء، وهو مرسل إلى كافة الخلق، فذكره بلفظ الجمع على سبيل ~~التعظيم، فعلى هذا يكون الخطاب فى قوله { يابني ءادم } لأهل مكة ~~ومن يلحق بهم. وقيل أراد جميع الرسل. وعلى هذا الخطاب فى قوله { ~~يابني ءادم } عام لكل بنى آدم، وإنما قال منكم أى من جنسكم ومثلكم ~~من بنى آدم، لأن الرسول إذا كان من جنسهم كان أقطع لعذرهم وأثبت للحجة ~~عليهم، لأنهم يعرفونه ويعرفون أحواله، فإذا أتاهم بما لا يليق بقدرته أو ~~بقدرة أمثاله علم أن ذلك الذى أتى به معجزة له، وحجة على من خالفه ". ثم ~~تعرض السورة الكريمة بعد ذلك لمشاهد يوم القيامة فى خمس عشرة آية فتصور ~~لنا فى أسلوبها البليغ المؤثر حال المشركين عند قبض أرواحهم، وحالهم ~~عندما يقفون أمام الله للحساب يوم الدين، وتحكى لنا ما يجرى بين رؤساء ~~المشركين ومرءوسيهم من مجادلات وملاعنات، ثم تعقب على ذلك ببيان ما أعده ~~الله للمؤمنين من أجر عظيم وثواب جزيل، ثم يختم هذه المشاهدة بالحديث عما ~~يدور بين أصحاب الجنة واصحاب النار من محاورات ونداءات. استمع إلى القرآن ~~الكريم وهو يحكى ms1951 كل ذلك بطريقته التصويرية المعجزة فيقول { فمن ~~أظلم.... }. ### || [7.37] # أى با أحد أشد ظلما ممن افترى الكذب على الله، بأن أحل ما حرمه أو حرم ~~ما أحله، أو كذب بآياته المنزلة على أنبيائه، والاستفهام فى قوله { ~~فمن أظلم } للإنكار. ثم بين - سبحانه - عاقبتهم فقال { ~~أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب } أى أولئك الذين ~~كذبوا بآيات الله سينالهم نصيبهم مما كتب لهم وقدر من رزق وأجر، وخير ~~وشر، والمراد بالكتاب، كتاب الوحى الذى أنزل على الرسل، فإنه يتضمن ما ~~أعده الله للمؤمنين من ثواب وما أعده للكافرين من عقاب، وقيل المراد به ~~اللوح المحفوظ، أى أولئك ينالهم نصيبهم المكتوب لهم فى كتاب المقادير، ~~وهو اللوح المحفوظ. ثم صور القرآن حالهم عند قبض أرواحهم فقال { حتى ~~إذا جآءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما ~~كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا ~~وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين }. أى ~~أولئك المفترون ينالهم نصيبهم الذى كتب لهم مدة حياتهم، حتى إذا ما انتهت ~~آجالهم وجاءتهم ملائكة الموت لقبض أرواحهم سألتهم سؤال توبيخ وتقريع أين ~~الآلهة التى كنتم تعبدونها فى الدنيا، وتزعمون أنها شفعاؤكم عند الله لكى ~~تنقذكم من هذا الموقف العصيب؟ وهنا يجيب المشركون على الملائكة بقولهم ~~بحسرة وندامة { ضلوا عنا } أى غابوا عنا وصرنا لا ندرى مكانهم، ~~ولا نرجو منهم خيرا أو نفعا، وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ~~بعبادتهم لغير الله الواحد القهار. وهنا يصدر عليهم قضاء الله العادل ~~الذى صوره القرآن فى قوله { قال ادخلوا... }. ### || [7.38] # أى قال الله - تعالى - لأولئك المكذبين ادخلوا فى ضمن أمم من الجن ~~والإنس قد سبقتكم فى الكفر، وشاركتكم فى الضلالة. ثم بين - سبحانه - بعض ~~أحوالهم فقال { كلما دخلت أمة لعنت أختها } أى كلما ~~دخلت أمة من أمم الكفر لعنت أختها فى الدين والملة، فالأمة المتبوعة تلعن ~~الأمة التابعة لأنها زادتها ضلالا، والأمة التابعة تلعن الأمة المتبوعة ~~لأنها كانت سببا فى عذابها. ثم قال - تعالى - { حتى إذا ~~اداركوا فيها جميعا } أى حتى إذا ما اجتمعوا جميعا فى ms1952 النار ~~الرؤساء والأتباع، والأغنياء، والفقراء، قالت أخراهم دخولا أو منزلة وهم ~~الأتباع، لأولاهم دخولا أو منزلة وهم الزعماء والمتبوعين { ربنا ~~هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار }. ~~أى قال الأتباع يا ربنا هؤلاء الرؤساء هم السبب فى ضلالنا وهلاكنا، ~~فأذقهم ضعفا من عذاب النار لإضلالهم إيانا فضلا عن أنفسهم. وهنا يأتيهم ~~الجواب الذى يحمل لهم التهكم والسخرية، فيقول الله لهم { قال لكل ~~ضعف ولكن لا تعلمون } أى لكل منكم ومنهم عذاب مضاعف من ~~النار. أما أنتم فبسبب تقليدكم الأعمى، وأما هم فبسبب إضلالهم لكم ~~ولغيركم، ولكنكم يا معشر المقلدين لا تعلمون ذلك لجهلكم وانطماس بصيرتكم. ### || [7.39] # أى قال الزعماء لأتباعهم بعد أن سمعوا رد الله عليهم إنا وإياكم متساوون ~~فى استحقاق العذاب، وكلنا فيه سواء، لأنا لم نجبركم على الكفر، ولكنكم ~~أنتم الذين كفرتم باختياركم، وضللتم بسبب جهلكم، فذوقوا العذاب المضاعف ~~مثلنا بسبب ما اكتسبتموه فى الدنيا من قبائح ومنكرات فقوله - تعالى - { ~~بما كنتم تكسبون } بيان لأسباب الحكم عليهم. وأنهم ما وردوا ~~هذا المصير الأليم إلا بسبب، ما اكتسبوه من آثام واجترحوه من سيئات. ثم ~~بين القرآن بعد ذلك لونا آخر من ألوان عذاب المكذبين فقال { إن ~~الذين.... }. ### || [7.40-41] # هاتان الآيتان تصوران أكمل تصوير استحالة دخول المشركين الجنة بسبب ~~تكذيبهم لآيات الله واستكبارهم عنها. وقد فسر بعض العلماء قوله - تعالى - ~~{ لا تفتح لهم أبواب السمآء } بمعنى، لا تقبل أعمالهم ~~ولا ترفع إلى الله كما ترفع أعمال الصالحين. قال - تعالى - # إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه # وفسره بعضهم بمعنى أن أرواحهم لا تصعد إلى السماء بعد الموت، لأنها قد ~~أغلقت عليهم بسبب شركهم، ولكنها تفتح لأرواح المؤمنين. والمراد أن ~~الكافرين عند موتهم وعند حسابهم يوم القيامة يكونون على غضب الله ولعنته ~~بسبب ما ارتكبوه فى الدنيا من شرك وظلم. أما قوله - تعالى - { ولا ~~يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط } ~~فمعناه أن هؤلاء المشركين لا تفتح لأعمالهم ولا لأرواحهم أبواب السماء ~~ولا يدخلون الجنة حتى يدخل ما هو مثل ms1953 فى الضخامة وهو الجمل الكبير، فيما ~~هو مثل فى الضيق وهو ثقب الإبرة. وفى قراءة { حتى يلج الجمل ~~} - بضم الجيم وتشديد الميم وفتحها - وهو الحبل الغليظ أى لا يدخلون ~~الجنة حتى يدخل الحبل الغليظ الذى تربط به السفن فى ذلك الثقب الصغير ~~للإبرة، وهيهات أن يحصل هذا، فكما أنه غير ممكن حصول ذلك فكذلك غير ممكن ~~دخول المشركين الجنة. قال الجمل فى حاشيته ولا يدخلون الجنى حتى يلج ~~الجمل فى سم الخياط. الولوج الدخول بشدة، ولذلك يقال هو الدخول فى ضيق ~~فهو أخص من مطلق الدخول. والجمل معروف وهو الذكر من الإبل، وسم الخياط، ~~ثقب الإبرة، وإنما خص الجمل بالذكر من بين سائر الحيوانات لأنه أكبرها، ~~وثقب الإبرة من أضيق المنافذ، فكان ولوج الجمل مع عظم جسمه فى ثقب ~~الإبرة الضيق محالا فثبت أن الموقوف على المحال محال، فوجب بهذا ~~الاعتبار أن دخول الكفار الجنة ميئوس منه قطعا. وقوله { وكذلك ~~نجزي المجرمين } معناه ومثل ذلك الجزاء الرهيب نجزى جنس ~~المجرمين، الذين صار الاجرام وصفا لازما لهم. ثم بين - سبحانه - ما أعد ~~لهم فى النار فقال { لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم ~~غواش وكذلك نجزي الظالمين }. جهنم اسم الدار العذاب. ~~والمهاد الفراش. والغواشى جمع غاشية، وهى ما يغشى الشىء أى يغطيه ويستره. ~~أى أن هؤلاء المكذبين لهم نار جهنم تحيط بهم من فوقهم ومن تحتهم، فهى من ~~تحتهم بمنزلة الفراش، ومن فوقهم بمثابة الغطاء، ومثل ذلك الجزاء نجزى كل ~~ظالم ومشرك. وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد بينت لنا بأسلوب مؤثر مصور ~~حال المشركين عندما تقبض أرواحهم، وحالهم عندما يقفون أمام الله للحساب، ~~وحالهم عندما يلعن بعضهم بعضا، وحالهم والعذاب من فوقهم ومن أسفل منهم، ~~وهى مشاهد تفزع النفوس، وتحمل العقلاء على الاستقامة والاهتداء. ثم نرى ~~السورة بعد ذلك تسوق لنا ما أعده الله للمؤمنين بعد أن بينت فيما سبق ~~عاقبة الكافرين فقال - تعالى - { والذين آمنوا... }. ### || [7.42-43] # أى والذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وعملوا ~~الأعمال الصالحة التى لا ms1954 عسر فيها ولا مشقة، إذ لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها، أولئك الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، هم أصحاب الجنة هم ~~فيها خالدون. وجملة - لا نكلف نفسا إلا وسعها - معترضة بين المبتدأ الذى ~~هو قوله { والذين آمنوا } وبين الخبر الذى هو قوله { ~~أولئك أصحاب الجنة }. قال الجمل " وإنما حسن وقوع هذا ~~الكلام بين المبتدأ والخبر، لأنه من جنس هذا الكلام، لأنه - سبحانه - لما ~~ذكر عملهم الصالح، ذكر أن ذلك العمل من وسعهم وطاقتهم وغير خارج عن ~~قدرتهم، وفيه تنبيه للكفار على أن الجنة مع عظم قدرها، يتوصل إليها ~~بالعمل السهل من غير مشقة ولا صعوبة ". وقال صاحب الكشاف " وجملة { لا ~~نكلف نفسا إلا وسعها } معترضة بين المبتدأ والخبر، ~~للترغيب فى اكتساب ما لا يكتنهه وصف الواصف من النعيم الخالد مع التعظيم ~~بما هو فى الوسع، وهو الإمكان الواسع غير الضيق من الإيمان والعمل ~~الصالح ". ثم بين - سبحانه - ما هم عليه فى الجنة من صفاء نفسى ونقاء ~~قلبى فقال - تعالى - { ونزعنا ما في صدورهم من غل ~~تجري من تحتهم الأنهار } أى قلعنا ما فى قلوبهم من تحاقد ~~وعداوات فى الدنيا، فهم يدخلون الجنة بقلوب سليمة، زاخرة بالتواد ~~والتعاطف حالة كونهم تجرى من تحتهم الأنهار فيرونها وهم فى غرفات قصورهم ~~فيزداد سرورهم وحبورهم. { وقالوا الحمد لله الذي هدانا ~~لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله }. ~~أى قالوا شاكرين لله أنعمه ومننه الحمد لله الذى هدانا فى الدنيا إلى ~~الإيمان والعمل الصالح، وأعطانا فى الآخرة هذا النعيم الجزيل، وما كنا ~~لنهتدى إلى ما نحن فيه من نعيم لولا أن هدانا الله إليه بفضله وتوفيقه. ~~وجواب لولا محذوف لدلالة ما قبله عليه، والتقدير ولولا هداية الله موجودة ~~ما اهتدينا. وقوله { لقد جآءت رسل ربنا بالحق } جملة ~~قسمية، أى والله لقد جاءت رسل ربنا فى الدنيا بالحق، لأن ما أخبرونا به ~~قد وجدنا مصداقه فى الآخرة. { ونودوا أن تلكم الجنة ~~أورثتموها بما كنتم تعملون } أى ونودوا من قبل الخالق - ~~عز وجل - بأن قيل لهم ms1955 تلكم هى الجنة التى كانت الرسل تعدكم بها فى الدنيا ~~قد أورثكم الله إياها بسبب ما قدمتموه من عمل صالح. فالآية الكريمة صريحة ~~فى أن الجنة قد ظفر بها المؤمنون بسبب أعمالهم الصالحة. فإن قيل إن هناك ~~أحاديث صحيحة تصرح بأن دخول الجنة ليس بالعمل وإنما بفضل الله، ومن ذلك ~~ما جاء فى الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لن يدخل أحدا عمله الجنة، قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال ولا أنا ~~إلا أن يتغمدنى الله بفضله ورحمته ". # فالجواب على ذلك أنه لا تنافى فى الحقيقة، لأن المراد أن العمل لا يوجب ~~دخول الجنة، بل الدخول بمحض فضل الله، والعمل سبب عادى ظاهرى. وتوضيحه أن ~~الأعمال مهما عظمت فهى ثمن ضئيل بالنسبة لعظمة دخول الجنة، فإن النعمة ~~الأخروية سلعة غالية جدا فمثل هذه المقابلة كمثل من يبيع قصورا شاهقة ~~وضياعا واسعة بدرهم واحد. فإقبال البائع على هذه المبادلة ليس للمساواة ~~بين العمل ونعمة الجنة، بل لتفضله على المشترى ورحمته به، فمن رحمته ~~بعباده المؤمنين أن جعل بعض أعمالهم الفانية وأموالهم الزائلة ثمنا لنعيم ~~لا يبلى، ولذلك قال ابن عباس عندما قرأ قوله - تعالى - # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة # نعمت الصفقة، أنفس هو خالقها وأموال هو رازقها ثم يمنحنا عليها الجنة. ~~على أنه - سبحانه - هو المتفضل فى الحقيقة بالثمن والمثمن جميعا. لا جرم ~~كان دخول الجنة بفضله - سبحانه - وهو الموفق للعمل والمعين عليه. ويمكن ~~أن يجاب - أيضا - بأن الفوز بالجنة ونعيمها إنما هو بفضل الله والعمل ~~جميعا، فقوله { ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها ~~بما كنتم تعملون } أى مع فضل الله - تعالى -، وإنما لم يذكر ~~ذلك لئلا يتكلوا. وقوله صلى الله عليه وسلم # " لن يدخل أحدا عمله الجنة... " # أى مجردا من فضل الله، وإنما اقتصر على هذا لئلا يغتروا. هذا أصح الآراء ~~فى الجمع بين الآية والحديث، وهناك آراء أخرى لم نذكرها لضعفها. وبعد هذه ~~الموازنة بين مصير الكافرين ومصير ms1956 المؤمنين، بدأ القرآن يسوق لنا مشهدا ~~آخر من الحوار الذى يدور يوم القيامة بين أصحاب الجنة وأصحاب النار. ~~استمع إلى سورة الأعراف وهى تحكى لنا هذا المشهد المؤثر بأسلوبها العجيب ~~فتقول { ونادى أصحاب الجنة... }. ### || [7.44-51] # المعنى أن أصحاب الجنة سوف يسألون أهل النار سؤال تعيير وتوبيخ يوم ~~القيامة فيقولون لهم قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا من الثواب ومن الجزاء، ~~فهل وجدتم أنتم ما وعدكم ربكم حقا من العقاب وسوء المصير؟ قالوا نعم. أى ~~قال أهل النار نعم وجدنا ما وعدنا ربنا على ألسنة رسله حقا. وهذا النداء ~~إنما يكون بعد استقرار أهل الجنة فى الجنة، وأهل النار فى النار. والظاهر ~~أن هذا النداء من كل أهل الجنة لكل أهل النار لأن الجمع إذا قابل الجمع ~~يوزع الفرد على الفرد. فكل فريق من أهل الجنة ينادى من كان يعرفه من ~~الكفار فى دار الدنيا. وعبر بالماضى مع أن هذا النداء يكون فى الآخرة ~~لتحقق الوقوع وتأكده. وكلمة { حقا } نصبت فى الموضعين على الحالية، ~~وقيل إنها مفعول ثان ويكون وجد بمعنى علم. ثم بين - سبحانه - ما جرى بعد ~~ذلك فقال { فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على ~~الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها ~~عوجا }. التأذن رفع الصوت بالإعلام بالشىء. واللعنة الطرد والإبعاد ~~مع الخزى والإهانة. والمعنى بعد أن قامت الحجة على الكافرين وثبت الفوز ~~للمؤمنين. نادى مناد بين الفريقين بقوله لعنة الله على الظالمين لأنفسهم، ~~ولغيرهم، الذين من صفاتهم أنهم يمنعون الناس عن اتباع شريعة الله، ~~ويريدون لها أن تكون معوجة غير مستقيمة حتى لا يتبعها الناس، وهم بالآخرة ~~وما فيها من ثواب وعقاب جاحدون مكذبون. وفى قوله { فأذن مؤذن ~~بينهم }. نكر المؤذن لأن معرفته غير مقصودة بل المقصود الإعلام بما ~~يكون هناك من الأحكام ولم يرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شىء، ~~فهو من أمور الغيب التى لا تعلم علما صحيحا إلا بالتوقيف المستند إلى ~~الوحى، وما ورد فى ذلك فهو من الآثار التى لا يعتمد ms1957 عليها. قال بعض ~~العلماء " وفى هاتين الآيتين تعرض السورة لمرحلة أخرى من مراحل العذاب، ~~وهى نداء أصحاب الجنة لأصحاب النار نداء يسجل عليهم الخزى والنكال، ~~ويشعرهم بالحسرة والندامة، إذ كذبوا بما يرونه الأن واقعا فى مقابلة ~~النعيم الذى صار إليه أهل الإيمان، وأحسوا به كذلك واقعا. وفى هذا نرى ~~صورة من الحديث الذى يمثل الرضا والاطمئنان واللذة من جانب. ويمثل الحسرة ~~والذلة والقلق من جانب آخر. ويصور الحكم النافذ الذى لا مرد له ولا محيص ~~عنه يؤذن به مؤذن لا يدرك كنهه ولا يعلم من هو ولا ما صوته ولا كيف يلقى ~~أذانه، ولا كيف يكون أثر هذا الأذن فى نفوس سامعه. وإنه لتصوير قوى بارع، ~~يحرك إليه النفوس، ويهز المشاعر، ويبين أن النهاية الأليمة المتوقعة ~~لهؤلاء المكذبين، إنما هى تسجيل اللعنة عليهم، والطرد والحرمان من رحمة ~~الله، مشيرا إلى أسباب ذلك الحرمان الماثلة فى ظلمهم الذى كونه صدهم عن ~~سبيل الله، وبغيهم إياها عوجا وانحرافا وكفرهم بدار الجزاء ". # ثم ينتقل القرآن إلى الحديث عن مشهد آخر من مشاهد يوم القيامة، يحدثنا ~~فيه عن أصحاب الأعراف وما يدور بينهم وبين أهل الجنة وأهل النار من حوار ~~فيقول { وبينهما حجاب } أى بين أهل الجنة وأهل النار حجاب يفصل ~~بينهما، ويمنع وصول أحد الفريقين إلى الآخر. ويرى بعض العلماء أن هذا ~~الحجاب هو السور الذى ذكره الله فى قوله - تعالى - فى سورة الحديد # يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا ~~انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا ورآءكم ~~فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه ~~فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب # ثم قال - تعالى - { وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا ~~بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم ~~لم يدخلوها وهم يطمعون }. الأعراف جمع عرف، وهو المكان ~~المرتفع من الأرض وغيرها. ومنه عرف الديك وعرف الفرس وهو الشعر الذى يكون ~~فى أعلى الرقبة. والمعنى وبين الجنة والنار حاجز يفصل بينهما وعلى أعراف ~~هذا الحاجز - أى فى أعلاه - رجال يرون أهل الجنة وأهل النار فيعرفون كلا ms1958 ~~منهم بسيماهم وعلاماتهم التى وصفهم الله بها فى كتابه كبياض الوجوه ~~بالنسبة لأهل الجنة، وسوادها بالنسبة لأهل النار، ونادى أصحاب الأعراف ~~أصحاب الجنة عند رؤيتهم لهم بقولهم سلام عليكم وتحية لكم { لم ~~يدخلوها وهم يطمعون }. هذا، وللعلماء أقوال فى أصحاب ~~الأعراف أوصلها بعض المفسرين إلى اثنى عشر قولا من أشهرها قولان أولهما ~~أن أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، وقد روى هذا القول عن ~~حذيفة وابن عباس وابن مسعود وغير واحد من السلف والخلف. وقد استشهد أصحاب ~~هذا القول بما رواه ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال " سئل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عمن استوت حسناتهم وسيئاتهم فقال # " أولئك أصحاب الأعراف، لم يدخلوها وهم يطمعون ". # وعن الشعبى عن حذيفة أنه سئل عن أصحاب الأعراف فقال هم قوم استوت ~~حسناتهم وسيئاتهم فقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة، وخلفت بهم حسناتهم عن ~~النار. قال فوقفوا هناك على السور حتى يقضى الله فيهم ". وهناك آثار أخرى ~~تقوى هذا الرأى ذكرها الإمام ابن كثير فى تفسيره. أما الرأى الثانى فيرى ~~أصحابه أن أصحاب الأعراف قوم من أشرف الخلق وعدولهم كالأنبياء والصديقين ~~والشهداء. وينسب هذا القول إلى مجاهد وإلى أبى مجلز فقد قال مجاهد " ~~أصحاب الأعراف قوم صالحون فقهاء علماء " وقال أبو مجلز أصحاب الأعراف هم ~~رجال من الملائكة يعرفون أهل الجنة وأهل النار. # ومعنى كونهم رجالا - فى قول أبى مجلز أى فى صورتهم. وقد رجح بعض العلماء ~~الرأى الثانى فقال " وليس أصحاب الأعراف ممن تساوت حسناتهم وسيئاتهم كما ~~جاء فى بعض الروايات، لأن ما نسب إليهم من أقوال لا يتفق مع انحطاط ~~منزلتهم عن أهل الجنة، انظر قولهم للمستكبرين { مآ أغنى عنكم ~~جمعكم وما كنتم تستكبرون } فإن هذا الكلام لا يصدر إلا ~~من أرباب المعرفة الذين اطمأنوا إلى مكانتهم. ولذا أرجح أن رجال الأعراف ~~هم عدول الأمم والشهداء على الناس، وفى مقدمتهم الأنبياء والرسل ". والذى ~~نراه أن هناك حجابا بين الجنة والنار، الله أعلم بحقيقته، وأن هذا ~~الحجاب لا يمنع وصول الأصوات ms1959 عن طريق المناداة، وأن هذا الحجاب من فوقه ~~رجال يرون أهل الجنة وأهل النار فينادون كل فريق بما يناسبه، يحيون أهل ~~الجنة ويقرعون أهل النار، وأن هؤلاء الرجال - يغلب على ظننا - أنهم قوم ~~تساوت حسناتهم وسيئاتهم. لأن هذا القول هو قول جمهور العلماء من السلف ~~والخلف، ولأن الآثار تؤيده، ولذا قال ابن كثير " واختلفت عبارات المفسرين ~~فى أصحاب الأعراف من هم؟ وكلها قريبة ترجع إلى معنى واحد، وهو أنهم قوم ~~تساوت حسناتهم وسيئاتهم، نص عليه حذيفة وابن عباس وابن مسعود وغير واحد ~~من السلف والخلف رحمهم الله ". وقوله { لم يدخلوها وهم ~~يطمعون } فيه وجهان أحدهما أنه فى أصحاب الأعراف، أى أن أصحاب ~~الأعراف عندما رأوا أهل الجنة سلموا عليهم حال كونهم - أى أصحاب الأعراف ~~- لم يدخلوها معهم وهم طامعون فى دخولها مترقبون له. وثانيهما أنه فى ~~أصحاب الجنة أى أنهم لم يدخلوها بعد، وهم طامعون فى دخولها لما ظهر لهم ~~من يسر الحساب. وكريم اللقاء. ثم قال - تعالى - { وإذا صرفت ~~أبصارهم تلقآء أصحاب النار قالوا ربنا لا ~~تجعلنا مع القوم الظالمين }. أى وإذا ما اتجهت أبصار ~~أصحاب الأعراف إلى جهة النار قالوا مستعيذين بالله من سوء ما رأوا من ~~أحوالهم يا ربنا لا تجعلنا مع هؤلاء القوم الظالمين، ولا تجعلنا وإياهم ~~فى هذا المكان المهين. قال صاحب المنار " وقد أفاد هذا التعبير بالفعل ~~المبنى للمجهول أنهم يوجهون أبصارهم إلى أصحاب الجنة بالقصد والرغبة ~~ويلقون إليهم السلام، وأنهم يكرهون رؤية أصحاب النار، فإذا صرفت أبصارهم ~~تلقاءهم من غير قصد ولا رغبة، بل بصارف يصرفهم إليها قالوا ربنا لا ~~تجعلنا مع القوم الظالمين. ثم قال والإنصاف أن هذا الدعاء أليق بحال من ~~استوت حسناتهم وسيئاتهم وكانوا موقوفين مجهولا مصيرهم ". ثم بين - سبحانه ~~- ما يقوله أهل الأعراف لرءوس الكفر فى هذا الموقف العصيب فقال { ~~ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم ~~قالوا مآ أغنى عنكم جمعكم وما كنتم ~~تستكبرون }. # أى ونادى أصحاب الأعراف رجالا من أهل النار وكانوا أصحاب وجاهة وغنى فى ~~الدنيا، فيقولون ms1960 لهم على سبيل التوبيخ والتقريع ما أغنى عنكم جمعكم ~~وكثرتكم واستكباركم فى الأرض بغير الحق. فقد صرتم فى الآخرة بسبب كفركم ~~وعنادكم إلى هذا الوضع المهين. وقد كرر - سبحانه - ذكرهم مع قرب العهد ~~بهم، فلم يقل " ونادوا " لزيادة التقرير، وكون هذا النداء خاصا فى موضوع ~~خاص فكان مستقلا. وقوله { يعرفونهم بسيماهم } أى بعلاماتهم ~~الدالة على سوء حالهم يومئذ كسواد الوجوه، وظهور الذلة على وجوههم. أو ~~يعرفونهم بصورهم التى كانوا يعرفونهم بها فى الدنيا. ثم يزيدون توبيخهم ~~وتبكيتهم فيقولون لهم { أهؤلاء الذين أقسمتم لا ~~ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف ~~عليكم ولا أنتم تحزنون }. أى أن أصحاب الأعراف يشيرون إلى ~~أهل الجنة من الفقراء والذين كانوا مستضعفين فى الأرض ثم يقولون لرءوس ~~الكفر الذين كانوا يعذبونهم أهؤلاء الذين أقسمتم فى الدنيا أن الله - ~~تعالى - لا ينالهم برحمة فى الآخرة لأنه لم يعطهم فى الدنيا مثل ما ~~أعطاكم من مال وبنين وسلطان. وهنا ينادى مناد من قبل الله - تعالى - على ~~هؤلاء الفقراء فيقول لهم { ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ~~ولا أنتم تحزنون }. أى ادخلوا الجنة لا خوف عليكم مما يكون فى ~~المستقبل، ولا أنتم تحزنون على ما خلفتموه فى الدنيا. وقيل إن قوله - ~~تعالى - { ادخلوا }. من كلام أصحاب الأعراف - أيضا، فكأنهم التفتوا ~~إلى أولئك المشار إليهم من أهل الجنة وقالوا لهم امكثوا فى الجنة غير ~~خائفين ولا محزونين على أكمل سرور وأتم كرامة. ثم تسوق لنا السورة ~~الكريمة بعد ذلك مشهدا ختاميا من مشاهد يوم القيامة تدور محاوراته بين ~~أصحاب الجنة وأصحاب النار فتقول { ونادى أصحاب النار ~~أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من المآء أو ~~مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على ~~الكافرين * الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا ~~وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما ~~نسوا لقآء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا ~~يجحدون }. إفاضة الماء صبه، ومادة الفيض فيها معنى الكثرة. والمعنى ~~أن أهل النار - بعد أن أحاط بهم العذاب المهين - أخذوا يستجدون أهل الجنة ~~بذلة وانكسار فيقولون لهم أفيضوا علينا ms1961 من الماء أو مما رزقكم الله من ~~طعام، لكى نستعين بهما على ما نحن فيه من سموم وحميم. وهنا يرد عليهم أهل ~~الجنة بما يقطع آمالهم بسبب أعمالهم فيقولون لهم إن الله منع كلا منهما ~~على الكافرين، الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا، أى الذين اتخذوا دينهم - ~~الذى أمرهم الله باتباع أوامره واجتناب نواهيه - مادة للسخرية والتلهى، ~~وصرف الوقت فيما لا يفيد، فأصبح الدين - فى زعمهم - صورة ورسوما لا تزكى ~~نفسا، ولا تطهر قلبا، ولا تهذب خلقا وهم فوق ذلك قد غرتهم الحياة ~~الدنيا - أى شغلتهم بمتعها ولذائذها وزينتها عن كل ما يقربهم إلى الله، ~~ويهديهم إلى طريقه القويم. # وقوله - تعالى - { فاليوم ننساهم كما نسوا لقآء ~~يومهم هذا } معناه فاليوم نفعل بهم فعل الناسى بالمنسى من عدم ~~الاعتناء بهم وتركهم فى النار تركا كليا بسبب تركهم الاستعداد لهذا ~~اليوم، وبسبب جحودهم لآياتنا التى جاءتهم بها أنبياؤهم. فالنسيان فى حق ~~الله - تعالى - مستعمل فى لازمه، بمعنى أن الله لا يجيب دعاءهم، ولا يرحم ~~ضعفهم وذلهم، بل يتركهم فى النار كما تركوا الإيمان والعمل الصالح فى ~~الدنيا. وهكذا تسوق لنا السورة الكريمة مشاهد متنوعة لأهوال يوم القيامة، ~~فتحكى لنا أحوال الكافرين، كما تصور لنا ما أعده الله للمؤمنين. كما تسوق ~~لنا ما يدور بين الفريقين من محاورات ومناقشات فيها العبر والعظات # لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد # ثم بين - سبحانه - منزلة القرآن الكريم فى إثباته للرسالة المحمدية عن ~~طريق الإخبار بأحوال الأمم السابقة وبيان سوء عاقبة من كذب به، فقال { ~~ولقد جئناهم بكتاب... }. ### || [7.52-53] # قوله { ولقد جئناهم بكتاب فصلناه }...إلخ. التفصيل ~~عبارة عن جعل الحقائق والمسائل بيانها مفصولا بعضها عن بعض بحيث لا يبقى ~~فيها اشتباه أو لبس. والمعنى " ولقد جئنا لهؤلاء الناس على لسانك يا محمد ~~بكتاب عظيم الشأن، كامل التبيان، فصلنا آياته تفصيلا حكيما، وبينا فيه ما ~~هم فى حاجة إليه من أمور الدنيا والآخرة بيانا شافيا يؤدى إلى سعادتهم ~~متى اتبعوه واهتدوا بهديه ". والضمير لأولئك الكافرين الذين ms1962 اتخذوا دينهم ~~لهوا ولعبا، وقيل هو لهم وللمؤمنين، والمراد بالكتاب القرآن الكريم. ~~وقوله { على علم } حال من فاعل " فصلناه " ، أى فصلناه على أكمل ~~وجه وأحسنه حالة كوننا عالمين بذلك أتم العلم. فالمراد بهذه الجملة ~~الكريمة بيان أن ما فى هذا القرآن من أحكام وتفصيل وهداية، لم يحصل عبثا، ~~وإنما حصل مع العلم التام بكل ما اشتمل عليه من فوائد متكاثرة، ومنافع ~~متزايدة. وقرأ ابن محيص " فضلناه " بالضاد المعجمة. أى فضلناه على سائر ~~الكتب عالمين بأنه حقيق بذلك. وقوله { هدى ورحمة } حال من مفعول " ~~فصلناه " وقرىء بالجر على البديلة من " علم " وبالرفع على إضمار المبتدأ، ~~أى هو هدى عظيم ورحمة واسعة. وقال { لقوم يؤمنون } لأنهم هم ~~المنتفعون بهديه، والمستجيبون لتوجيهاته ثم بين - سبحانه - عاقبة هؤلاء ~~الذين كذبوا بالقرآن الذى أنزله الله هداية ورحمة فقال { هل ينظرون ~~إلا تأويله }. النظر هنا بمعنى الانتظار والتوقع لا بمعنى ~~الرؤية. فالمراد بينظرون ينتظرون ويتوقعون، وتأويل الشىء مرجعه ومصيره ~~الذى يئول إليه ذلك الشىء والاستفهام بمعنى النفى. والمعنى إن هؤلاء ~~المشركين ليس أمامهم شىء ينتظرونه بعد أن أصروا على شركهم إلا ما يئول ~~إليه أمر هذا الكتاب وما تتجلى عنه عاقبته، من تبين صدقه، وظهور صحة ما ~~أخبر به من الوعد والوعيد والبعث والحساب، وانتصار المؤمنين به واندحار ~~المعرضين عنه. فإن قيل كيف ينتظرون ذلك مع كفرهم به؟ فالجواب أنهم قبل ~~وقوع ما هو محقق الوقوع، صاروا كالمنتظرين له، لأن كل آت قريب، فهم على ~~شرف ملاقاة ما وعدوا به، وسينزل بهم لا محالة. ثم بين - سبحانه - حالهم ~~يوم الحساب فقال { يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه ~~من قبل قد جآءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من ~~شفعآء فيشفعوا لنآ أو نرد فنعمل غير الذي ~~كنا نعمل }. أى يوم يأتى يوم القيامة الذى أخبر عنه القرآن، والذى ~~يقف الناس فيه أمام خالقهم للحساب، يقول هؤلاء الكافرون الذين جحدوا هذا ~~اليوم عندما تكشف لهم الحقائق، { قد جآءت رسل ربنا ~~بالحق } وتبين صدقهم ولكننا نحن الذين كذبناهم وسرنا ms1963 فى طريق ~~الضلال، { فهل لنا من شفعآء فيشفعوا لنآ } فى هذه ~~الساعة العصيبة ويدفعوا عنا ما نحن فيه من كرب وبلاء، أو نرد إلى الدنيا ~~فنعمل عملا صالحا غير الذى كنا نعمله من الجحود واللهو واللعب. # أى أنه لا طريق لنا إلى الخلاص مما نحن فيه من العذاب الشديد إلا أحد ~~هذين الأمرين، وهو أن يشفع لنا شفيع فلأجل تلك الشفاعة يزول هذا العذاب، ~~أو يردنا الله إلى الدنيا حتى نعمل غير ما كنا نعمل. فالجملة الكريمة ~~تصور حسرتهم يوم القيامة تصويرا يهز المشاعر، ويحمل العقلاء على الإيمان ~~والعمل الصالح. والاستفهام فى قوله { فهل لنا من شفعآء } ~~للتمنى والتحسر، ومن مزيدة للاستغراق والتأكيد وشفعاء مبتدأ مؤخر ولنا ~~خبر مقدم. ثم بين - سبحانه - نهايتهم فقال { قد خسروا ~~أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون }. أى قد خسر ~~هؤلاء الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا أنفسهم، بسبب إشراكهم بالله، وذهب ~~عنهم ما كانوا يفترونه فى الدنيا من أن أصنامهم ستشفع لهم يوم الجزاء، ~~وأيقنوا أنهم كانوا كاذبين فى دعواهم. ثم ذكر - سبحانه - جانبا من بديع ~~صنعه، وجليل قدرته، لكى يدل على أنه هو المعبود الحق فقال - تعالى - { ~~إن ربكم... }. ### || [7.54] # أى إن سيدكم ومالككم الذى يجب عليكم أن تفردوه بالعبادة هو الله الذى ~~أنشأ السماوات والأرض على غير مثال سابق فى مقدار ستة أيام. قال الشهاب ~~اليوم فى اللغة مطلق الوقت، فإن أريد هذا فالمعنى فى ستة أوقات. وإن أريد ~~المتعارف وهو زمان طلوع الشمس إلى غروبها فالمعنى فى مقدار ستة أيام، لأن ~~اليوم إنما كان بعد خلق الشمس والسماوات فيقدر فيه مضاف. وقال صاحب فتح ~~البيان " قيل هذه الأيام من أيام الدنيا، وقيل من أيام الآخرة، قال ابن ~~عباس يوم مقداره ألف سنة وبه قال الجمهور وقال سعيد ابن جبير، " كان الله ~~قادرا على أن يخلق السماوات والأرض وما بينهما فى لمحة ولحظة، فخلقهن فى ~~ستة أيام تعليما لخلقه التثبت والتأنى فى الأمور ". وقوله { ثم ~~استوى على العرش } قال الشيخ القاسمى ورد الاستواء ms1964 على معان ~~اشترك لفظه فيها، فجاء بمعنى الاستقرار، ومنه { واستوت على ~~الجودي } وبمعنى القصد ومنه { ثم استوى إلى السمآء ~~وهي دخان } وكل من فرغ من أمر وقصد لغيره فقد استوى له وإليه. قال ~~الفراء تقول العرب استوى إلى يخاصمنى أى قصد لى وأقبل على. ويأتى بمعنى ~~الاستيلاء. قال الشاعر # * قد استوى بشر على العراق * # ويأتى بمعنى العلو ومنه هذه الآية. قال البخاري فى آخر صحيحه فى كتاب ~~الرد على الجهمية فى باب قوله - تعالى - { وكان عرشه على ~~المآء }. قال مجاهد استوى وعلا على العرش. وقال ابن راهويه سمعت غير ~~واحد من المفسرين يقول # الرحمن على العرش استوى # أى علا وارتفع. وعرش الله - كما قال الراغب - مما لا يعلمه البشر إلا ~~بالاسم، وليس كما تذهب إليه أوهام العامة، فإنه لو كان كذلك لكان حاملا ~~له - تعالى الله عن ذلك - لا محمولا. وقد ذكر العرش فى إحدى وعشرين آية. ~~وذكر الاستواء على العرش فى سبع آيات. أما الاستواء على العرش فذهب سلف ~~الأمة إلى أنه صفة لله - تعالى - بلا كيف ولا انحصار ولا تشبيه ولا تمثيل ~~لاستحالة اتصافه - سبحانه - بصفات المحدثين، ولوجوب تنزيهه عما لا يليق ~~به # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # وأنه يجب الإيمان بها كما وردت وتفويض العلم بحقيقتها إليه - تعالى -. ~~فعن أم سلمة - رضى الله عنها - فى تفسير قوله - تعالى - # الرحمن على العرش استوى # أنها قالت الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والاقرار به من ~~الإيمان، والجحود به كفر. وقال الإمام مالك الكيف غير معقول، والاستواء ~~غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وقال محمد بن الحسن ~~اتفق الفقهاء جميعا على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه. # وقال الإمام الرازى إن هذا المذهب هو الذى نقول به ونختاره ونعتمد ~~عليه. وذهب بعض علماء الخلف إلى وجوب صرفه - أى الاستواء - عن ظاهره ~~لاستحالته، وأن المراد منه - كما قال الإمام القفال - أنه استقام ملكه، ~~واطرد أمره ونفذ حكمه - تعالى - فى مخلوقاته، والله - تعالى - دل على ~~ذاته وصفاته وكيفية ms1965 تدبيره للعالم على الوجه الذى ألفوه من ملوكهم واستقر ~~فى قلوبهم " تنبيها على عظمته وكمال قدرته " وذلك مشروط بنفى التشبيه، ~~ويشهد بذلك قوله - تعالى - # ثم استوى على العرش يدبر الأمر # هذا وللعلماء كلام طويل حول هذه المسألة التى تتعلق بالمحكم والمتشابه ~~فليرجع إليها من شاء. وقوله { يغشي الليل النهار } التغشية ~~التغطية والستر، أى يجعل الليل غاشيا للنهار مغطيا له فيذهب بنوره، ويصير ~~الكون مظلما بعد أن كان مضيئا، ويجعل النهار غاشية لليل فيصير الكون ~~مضيئا بعد أن كان مظلما، وفى ذلك من منافع الناس ما فيه وبه تتم الحياة، ~~وهو دليل القدرة والحكمة والتدبير من الإله العلى العظيم. ولم يذكر فى ~~هذه الآية يغشى الليل بالنهار اكتفاء بأحد الأمرين عن الآخر كقوله - ~~تعالى - # سرابيل تقيكم الحر # أو لدلالة الحال عليه، أو لأن اللفظ يحتملهما يجعل الليل مفعولا أول ~~والنهار مفعولا ثانيا أو بالعكس. والآية الكريمة من باب أعطيت زيدا ~~عمرا، لأن كلا من الليل والنهار يصلح أن يكون غاشيا ومغشيا، فوجب جعل ~~الليل هو الفاعل المعنوى، والنهار هو المفعول من غير عكس لئلا يلتبس ~~المعنى. وقد قال - تعالى - فى آية أخرى # يكور الليل على النهار ويكور النهار على ~~الليل # وقوله { يطلبه حثيثا } أى يطلب الليل النهار أو كلاهما بطلب ~~الآخر طلبا سريعا حتى يلحقه ويدركه، وهو كناية عن أن أحدهما يأتى عقب ~~الآخر ويخلفه بلا فاصل، فكأنه يطلبه طلبا سريعا لا يفتر عنه حتى يلحقه. ~~والحث على الشىء الحض عليه. يقال حث الفرس على العدو يحثه حثا صاح به أو ~~وكزه برجل أو ضرب. وذهب حثيثا أى مسرعا. والجملة حال من الليل، لأنه هو ~~المتحدث عنه أو حال من النهار أى مطلوب حثيثا، أو من كل منهما على الرأى ~~الثانى الذى يفسر " يطلبه حثيثا " بأن كليهما يطلب الأخر. وقوله { ~~والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره } أى وخلق ~~الشمس والقمر والنجوم كونهن مذللات خاضعات لتصرفه، منقادات لمشيئته، ~~كأنهن مميزات أمرن فانقدن، فتسمية ذلك أمر على سبيل التشبيه. قال الآلوسى ~~" ويصح حمل الآمر ms1966 على الإرادة. أى هذه الأجرام العظيمة والمخلوقات ~~البديعة منقادة لإرادته ومنهم من حمل الأمر على الأمر الكلامى وقال إنه ~~- سبحانه - أمر هذه الأجرام بالسير الدائم والحركة المستمرة على الوجه ~~المخصوص إلى حيث شاء ولا مانع أن يعطيها الله إدراكا وفهما لذلك ". # وقرأ الجمهور بنصب الألفاظ الثلاثة على أنها معطوفة على السماوات، أى ~~خلق السماوات وخلق الشمس والقمر والنجوم. وبنصب { مسخرات } أيضا ~~على أنها حال من هذه الثلاثة. وقرأ أبو عامر بالرفع فى جميعها على ~~الابتداء والخبر مسخرات. وقوله { ألا له الخلق والأمر } ألا ~~أداة يفتتح بها القول الذة يهتم بشأنه بأجل تنبيه المخاطب لمضمونه وحمله ~~على تأمله. والخلق إيجاد الشىء من العدم. والأمر التدبير والتصرف على حسب ~~الإرادة لما خلقه. فهو - سبحانه - الخالق والمدبر للعالم على حسب إرادته ~~وحكمته لا شريك له فى ذلك. وهذه الجملة الكريمة كالتدليل للكلام السابق ~~أى أنه - سبحانه - هو الذى خلق الأشياء كلها ويدخل فى ذلك السماوات ~~والأرض وغيرهما، وهو الذى دبر هذا الكون على حسب إرادته ويدخل فى ذلك ما ~~أشار إليه بقوله { مسخرات بأمره }. وقوله { تبارك الله ~~رب العالمين }. تبارك فعل ماض لا يتصرف، أى لم يجىء منه مضارع ~~ولا أمر ولا اسم فاعل. من البركة بمعنى الكثرة من كل خير. وأصلها النماء ~~والزيادة. أى كثر خيره وإحسانه وتعاظمت وتزايدت بركات الله رب العالمين. ~~أو من البركة بمعنى الثبوت. يقال برك البعير، إذا أناخ فى موضعه فلزمه ~~وثبت فيه. وكل شىء ثبت ودام فقد برك. أى ثبت ودام خيره على خلقه. أو ~~المعنى تعالى الله رب العالمين وتعظم وارتفع وتنزه عن كل نقص. ثم أمر ~~الله - تعالى - عباده أن يكثروا من التضرع إليه بالدعاء الخالص فقال { ~~ادعوا ربكم... }. ### || [7.55-56] # التضرع تفعل من الضراعة وهى الذلة والاستكانة. يقال ضرع فلان ضراعة أى ~~خشع وذل وخضع. ويقال تضرع، أى أظهر الضراعة والخضوع. وتضرعا حال من ~~الضمير فى ادعوا. الخفية بضم الخاء وكسرها - مصدر خفى كمرض بمعنى اختفى ~~أى استتر وتوارى ولم يجهر بدعائه. والمعنى سلوا ms1967 ربكم - أيها الناس - ~~حوائجكم بتذلل واستكانة وإسرار واستتار فإنه - سبحانه - يسمع الدعاء، ~~ويجيب المضطر، ويكشف السوء، وهو القادر على إيصالها إليكم، وغيره عن ذلك ~~عاجز. وإنما أمر الله عباده بالإكثار من الدعاء فى ضراعة وإسرار، لأن ~~الدعاء ما هو إلا اتجاه إلى الله بقلب سليم، واستعانة به بإخلاص ويقين، ~~لكى يدفع المكروه، ويمنح الخير، ويعين على نوائب الدهر، ولا شك أن ~~الإنسان فى هذه الحالة يكون فى أسمى درجات الصفاء الروحى، والنقاء ~~النفسى، ويكون كذلك مؤديا لأشرف ألوان العبادة والخضوع لله الواحد ~~القهار، معترفا لنفسه بالعجز والنقص. ولربه بالقدرة والكمال. هذا، وقد ~~أخذ العلماء من هذه الآية من آداب الدعاء الخشوع والإسرار واستدلوا على ~~ذلك بأحاديث وآثار متعددة منها ما جاء فى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى # " قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنا إذا أشرفنا على واد ~~هللنا وكبرنا وارتفعت أصواتنا. فقال النبى صلى الله عليه وسلم " أيها ~~الناس، اربعوا على أنفسكم - أى ارفقوا بها - وأقصروا من الصياح - فإنكم ~~لا تدعون أصم ولا غائبا. إنه معكم - إنه سميع قريب. تبارك اسمه وتعالى ~~جده ". # وقال عبد الله بن المبارك عن مبارك بن فضالة، عن الحسن قال إن كان الرجل ~~لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل، لقد فقه الفقه الكثير ~~وما يشعر به الناس. وإن كان الرجل ليصلى الصلاة الطويلة فى بيته وعنده ~~الزور - أى الزوار - وما يشعرون به. ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض ~~عمل يقدرون أن يعملوه فى السر فيكون علانية أبدا. ولقد كان المسلمون ~~يجهدون فى الدعاء وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم. ~~وذلك أن الله - تعالى - يقول { ادعوا ربكم تضرعا وخفية ~~} وذلك أن الله ذكر عبدا صالحا رضى فعله وهو زكريا فقال # ذكر رحمة ربك عبده زكريآ إذ نادى ربه ~~ندآء خفيا # وقال ابن المنير " وحسبك فى تعين الإسرار فى الدعاء اقترانه بالتضرع فى ~~الآية، فالاخلال بالضراعة إلى الله إخلال بالدعاء. وإن دعاء لا ms1968 تضرع فيه ~~ولا خشوع لقليل الجدوى. فكذلك دعاء لا خفية فيه ولا وقار يصحبه. وترى ~~كثيرا من أهل زمانك يعمدون إلى الصراخ والصياح فى الدعاء خصوصا فى ~~الجوامع حتى يعظم اللفظ ويشتد، وتستك المسامع وتنسد، ويهتز الداعى ~~بالناس، ولا يعلم أنه جمع بين بدعيتن رفع الصوت فى الدعاء وفى المسجد، ~~وربما حصلت للعوام حينئذ رقة لا تحصل مع خفض الصوت، ورعاية سمت الوقار، ~~وسلوك السنة الثابتة بالآثار. # وما هى إلا رقة شبيهة بالقرة العارضة للنساء والأطفال ليست خارجة عن ~~صميم الفؤاد، لأنها لو كانت من أصل لكانت عند اتباع السنة فى الدعاء. وفى ~~خفض الصوت به أوفر وأوفى وأزكى فما أكثر التباس الباطل بالحق على عقول ~~كثير من الخلق. اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا ~~وارزقنا اجتنابه ". وقوله { إنه لا يحب المعتدين } ~~الاعتداء تجاوز الحد أى لا يحب المتجاوزين حدودهم فى كل شىء، ويدخل فيه ~~الاعتداء فى الدعاء دخولا أوليا. ومن مظاهر الاعتداء فى الدعاء أن يترك ~~هذين الأمرين وهما التضرع والإخفاء، كذلك من مظاهر الاعتداء فى الدعاء ~~أن يتكلف فيه. روى أبو داود فى سننه " أن سعد بن أبى وقاص سمع ابنا له ~~يدعو ويقول اللهم إنى أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها ونحوا من هذا، وأعوذ ~~بك من النار وسلاسلها وأغلالها. فقال له يا بنى إنى سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول إنه سيكون قوم يعتدون فى الدعاء ثم قرأ سعد هذه ~~الآية { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } وإن بحسبك أن تقول ~~اللهم إنى أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار ~~وما قرب إليها من قول أو عمل ". ثم نهى الله عباده عن كل لون من ألوان ~~المعاصى فقال { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } أى ~~لا تفسدوا فى الأرض بعد إصلاح الله إياها، بأن خلقها على أحسن نظام، ~~فالجملة الكريمة نهى عن سائر أنواع الافساد كإفساد النفوس والأموال ~~والأنساب والعقول والأديان. روى أبو الشيخ عن أبى بكر عن عياش ms1969 أنه سئل عن ~~قوله - تعالى - { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } ~~فقال إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى أهل الأرض وهم فى فساد ~~فأصلحهم الله به، فمن دعا إلى خلاف ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ~~فهو من المفسدين فى الأرض. قال صاحب المنار " وقال - سبحانه - { ولا ~~تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } لأن الإفساد بعد ~~الإصلاح أشد قبحا من الإفساد على الإفساد، فإن وجود الإصلاح أكبر ~~حجة على المفسد إذا هو لم يحفظه ويجرى على سننه. فكيف إذا هو أفسده ~~وأخرجه عن وضعه؟ ولذا خص بالذكر وإلا فالإفساد مذموم ومنهى عنه فى كل ~~حال ". وقوله { وادعوه خوفا وطمعا }. أصل الخوف انزعاج فى ~~الباطن يحصل من توقع أمر مكروه يقع فى المستقبل. # والمعنى وادعوه خائفين من عقابه إياكم على مخالفتكم لأوامره، طامعين فى ~~رحمته وإحسانه وفى إجابته لدعائكم تفضلا منه وكرما. قال الجمل " فإن قلت ~~قال فى أول الآية { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } وقال هنا ~~{ وادعوه خوفا وطمعا } وهذا عطف للشىء على نفسه فما فائدة ~~ذلك؟ قلت الفائدة أن المراد بقوله - تعالى - { ادعوا ربكم ~~تضرعا وخفية } بيان شرطين من شروط الدعاء وبقوله { وادعوه ~~خوفا وطمعا } بيان شرطين آخرين، والمعنى كونوا جامعين فى أنفسكم ~~بين الخوف والرجاء فى أعمالكم ولا تطمعوا أنكم وفيتم حق الله فى العبادة ~~والدعاء وإن اجتهدتم فيهما ". وقوله { إن رحمت الله قريب ~~من المحسنين } أى إن رحمته - تعالى - وإنعامه على عباده قريب من ~~المتقنين لأعمالهم، المخلصين فيها، لأن الجزاء من جنس العمل، فمن أحسن ~~عبادته نال عليها الثواب الجزيل، ومن أحسن فى أمور دنياه كان أهلا للنجاح ~~فى مسعاه، ومن أحسن فى دعائه كان جديرا بالقبول والإجابة. قال الشيخ ~~القاسمى وفى الآية الكريمة ترجيح للطمع على الخوف، لأن المؤمن بين الرجاء ~~والخوف، ولكنه إذا رأى سعة رحمته - سبحانه - وسبقها، غلب الرجاء عليه. ~~وفيها تنبيه على ما يتوسل به إلى الإجابة وهو الاحسان فى القول والعمل. ~~قال مطر الوراق استنجزوا موعود الله بطاعته، فإنه ms1970 قضى أن رحمته قريب من ~~المحسنين. هذا، وكلمة " قريب " وقعت خبرا للرحمة، ومن قواعد النحو أن ~~يكون الخبر مطابقا للمبتدأ فى التذكير والتأنيث، فكان مقتضى هذه القواعد ~~أن يقال إن رحمة الله قريبة. وقد ذكر العلماء فى تعليل ذلك بضعة عشر ~~وجها، منها أن تذكير " قريب " صفة لمحذوف أى أمر قريب، أو لأن كلمة ~~الرحمة مؤنثة تأنيثا مجازيا، فجاز فى خبرها التذكير والتأنيث أو لأن ~~الرحمة هنا بمعنى الثواب وهو مذكر فيكون تذكير قريب باعتبار ذلك وقيل غير ~~ذلك مما لا مجال لذكره هنا. وبعد أن بين - سبحانه - أنه هو الخالق ~~للسماوات والأرض، وأنه هو المتصرف الحاكم المدبر المسخر، وأن رحمته قريبة ~~من المحسنين الذين يكثرون من التضرع إليه بخشوع وإخلاص. بعد كل ذلك تحدث ~~- سبحانه - عن بعض مظاهر رحمته التى تتجلى فى إرسال الرياح، وإنزال ~~المطر، وعن بعض مظاهر قدرته التى تتجلى فى بعث الموتى للحساب، وفى هداية ~~من يريد هدايته وإضلال من يريد ضلالته فقال - تعالى - { وهو الذي ~~يرسل... }. ### || [7.57] # قوله - تعالى - { وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين ~~يدي رحمته } معطوف على ما سبق من قوله - تعالى - # إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض # لبيان مظاهر قدرته ورحمته. وقرأ حمزة والكسائى " الريح " بالافراد و { ~~بشرا } - بضم الباء فسكون الشين - مخفف و { بشرا } - بضمتين - جمع ~~بشير كنذر ونذير، أى مبشرات بنزول الغيث المستتبع لمنفعة الخلق. وقرأ أهل ~~المدينة والبصرة " نشرا " - بضم النون والشين - جمع نشور - كصبور وصبر - ~~بمعنى ناشر من النشر ضد الطى، وفعول بمعنى فاعل يطرد جمعه. وهناك قراءات ~~أخرى غير ذلك. والمعنى وهو - سبحانه - الذى يرسل الرياح مبشرات عباده ~~بقرب نزول الغيث الذى به حياة الناس. وقوله { بين يدي رحمته } ~~أى بين يدى المطر الذى هو من أبرز مظاهر رحمة الله بعباده. قال تعالى # وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر ~~رحمته وهو الولي الحميد # وقال تعالى # ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات # قال الإمام الرازى " وقوله { بين يدي رحمته } من أحسن أنواع ~~المجاز، والسبب ms1971 فى ذلك أن اليدين يستعملهما العرب فى معنى التقدمة على ~~سبيل المجاز. يقال إن الفتن تحصل بين يدى الساعة يريدون قبيلها، كذلك مما ~~حسن هذا المجاز أن يدى الإنسان متقدمة، فكل ما كان يتقدم شيئا يطلق عليه ~~لفظ اليدين على سبيل المجاز لأجل هذه المشابهة، فلما كانت الرياح تتقدم ~~المطر، لا جرم عبر عنه بهذا اللفظ. وقوله { حتى إذآ أقلت ~~سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت } حتى غاية لقوله { ~~يرسل }. وأقلت أى حملت. وحقيقة أقله وجده قليلا ثم استعمل بمعنى ~~حمله. لأن الحامل لشىء يستقل ما يحمله بزعم أنه ما يحمله قليل. و { ~~سحابا } أى غيما، سمى بذلك لانسحابه فى الهواء، وهو اسم جنس جمعى يفرق ~~بينه وبين واحده بالتاء كتمر وتمرة، وهو يذكر ويؤنث ويفرد وصفه ويجمع. و ~~{ ثقالا } جمع ثقيلة من الثقل - كعنب - ضد الخفة. يقال ثقل الشىء - ~~ككرم - ثقالا وثقالة فهو ثقيل وهى ثقيلة. والمعنى أن الله - تعالى - هو ~~الذى يرسل الرياح مبشرات بنزول الغيث، حتى إذا حملت الرياح سحابا ثقالا ~~من كثرة ما فيها من الماء، سقناه - أى السحاب إلى " بلد ميت " أى إلى أرض ~~لا نبات فيها ولا مرعى، فاهتزت وربت وأخرجت النبات والمرعى. فأطلق - ~~سبحانه - الموت على الأرض التى لا نبات فيها، وأطلق الحياة على الأرض ~~الزاخرة بالنبات والمرعى لأن حياتها بذلك. قال - تعالى - # والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه ~~إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها ~~كذلك النشور # وقوله { فأنزلنا به المآء } أى فأنزلنا فى هذا البلد الميت ~~الماء الذى يحمله السحاب. فالباء فى { به } للظرفية. وقيل إن الضمير فى ~~{ به } للسحاب، أى فأنزلنا بالسحاب الماء وعليه فتكون الباء للسببية. ~~وقوله { فأخرجنا به من كل الثمرات } أى فأخرجنا بهذا ~~الماء من كل أنواع الثمرات المعتادة فى كل بلد، تخرج به على الوجه الذى ~~أجرى الله العادة بها ودبرها. فليس المراد أن كل بلد ميت تخرج منه أنواع ~~الثمار التى خلقها الله، متى نزل به الماء، وإنما المراد أن كل بلد تخرج ~~منه ms1972 الثمار التى تناسب تربته على حسب مشيئة الله وفضله وإحسانه، إذ من ~~المشاهد أن البلاد تختلف أرضها فيما تخرجه، وهذا أدل على قدرة الله، ~~وواسع رحمته. وقوله { كذلك نخرج الموتى لعلكم ~~تذكرون } إشارة إلى إخراج الثمرات، أو إلى إحياء البلد الميت. أى ~~مثل ما أحيينا الأرض بعد موتها وجعلناها زاخرة بأنواع الثمرات بسبب نزول ~~الماء عليها، نخرج الموتى من الأرض ونبعثهم أحياء فى اليوم الآخر ~~لنحاسبهم على أعمالهم، فالتشبيه فى مطلق الإخراج من العدم. وهذا رد على ~~منكرى البعث بدليل ملزم، لأن من قدر على إخراج النبات من الأرض بعد نزول ~~الماء عليها، قادر - أيضا - على إخراج الموتى من قبورهم. وقوله { ~~لعلكم تذكرون } تذييل قصد به الحث على التدبر والتفكر، أى ~~لعلكم تذكرون وتعتبرون بما وصفنا لكم فيزول إنكاركم للبعث والحساب. قال ~~الشيخ القاسمى " من أحكام الآية كما قال الجشمى أنها تدل على على عظم ~~نعمة الله علينا بالمطر، وتدل على الحجاج فى إحياء الموتى بإحياء الأرض ~~بالنبات وتدل على أنه أراد من الجميع التذكر، وتدل على أنه أجرى العادة ~~بإخراج النبات بالماء. وإلا فهو قادر على إخراجه من غير ماء فأجرى العادة ~~على وجوه دبرها عليها على ما نشاهده، لضرب من المصلحة دينا ودنيا.. ". ثم ~~ضرب - سبحانه - مثلا لاختلاف استعداد البشر للخير والشر فقال { ~~والبلد الطيب.. }. ### || [7.58] # { والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه ~~والذي خبث لا يخرج إلا نكدا }. أصل النكد العسر القليل ~~الذى لا يخرج إلا بعناء ومشقة. يقال نكد عيشه ينكد، اشتد وعسر. ونكدت ~~البئر قل ماؤها، ومنه رجل نكد، ونكد وأنكد، شؤم عسر. وهم أنكاد ومناكيد. ~~وقال فى اللسان والنكد قلة العطاء، قال الشاعر # لا تنجز الوعد إن وعدت وإن أعطيت، أعطيت تافها نكدا # أى عطاء قليلا لا جدوى منه. والمعنى أن الأرض الكريمة التربة يخرج ~~نباتها وافيا حسنا غزير النفع بمشيئة الله وتيسيره، والذى خبث من الأرض ~~كالسبخة منها لا يخرج نباته إلا قليلا عديم الفائدة. فالأول مثل ضربه ~~الله للمؤمن يقول هو طيب وعمله ms1973 طيب. والثانى مثل للكافر، يقول هو خبيث ~~وعمله خبيث، وفيهما بيان أن القرآن يثمر فى القلوب التى تشبه الأرض ~~الطيبة التربة، ولا يثمر فى القلوب التى تشبه الأرض الرديئة السبخة. ~~ونكدا منصوب على أنه حال أو على أنه نعت لمصدر محذوف والتقدير والذى خبث ~~لا يخرج إلا خروجا نكدا. قال صاحب الكشاف " وهذا مثل لمن ينجح فيه الوعظ ~~والتذكير من المكلفين، ولمن لا يؤثر فيه شىء من ذلك. وعن مجاهد آدم ~~وذريته منهم خبيث وطيب. وعن قتادة المؤمن سمع كتاب الله فوعاه بعقله ~~وانتفع به، كالأرض الطيبة أصابها الغيث فأنبتت. والكافر بخلاف ذلك. وهذا ~~التمثيل واقع على أثر ذكر المطر. وإنزاله بالبلد الميت، وإخراج الثمرات ~~به على طريق الاستطراد " وقريب من معنى الآية الكريمة ما رواه الشيخان ~~عن أبى موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " مثل ما بعثنى الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، ~~فكانت منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها ~~أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها ~~طائفة أخرى إنما هى قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه فى ~~دين الله ونفعه ما بعثنى الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ~~ولم يقبل هدى الله الذى أرسلت به ". # وقوله { كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون } أصل ~~التصريف تبديل حال بحال ومنه تصريف الرياح. والآيات الدلائل الدالة على ~~قدرة الله. أى مثل ذلك التصريف البديع والتنويع الحكيم نصرف الآيات ~~الدالة على علمنا وحكمتنا ورحمتنا بالإتيان بها على أنواع جلية واضحة ~~لقوم يشكرون نعمنا، باستعمالها فيما خلقت له، فيستحقون مزيدنا منها ~~وإثابتنا عليها. وعبر هنا بالشكر لأن هذه الآية موضوعها الاهتداء بالعلم ~~والعمل والإرشاد، بينما عبر فى الآية السابقة عليها بالتذكر لأن موضوعها ~~يتعلق بالاعتبار والاستدلال على قدرة الله - تعالى - فى إحياء الموتى. # وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حدثتنا - من بين ما حدثتنا - عن عظمة ~~القرآن الكريم وعن ms1974 وجوب اتباعه، وعن قصة آدم وما فيها من عبر وعظات، وعما ~~أحله الله وحرمه، وعما يدور بين أهل النار من مجادلات واتهامات، وعن ~~العاقبة الطيبة التى أعدها الله للصالحين من عباده، وعن المحاورات التى ~~تدور بينهم وبين أهل النار، ثم عن مظاهر قدرة الله، وأدلة وحدانيته. وبعد ~~كل ذلك تبدأ السورة جولة جديدة مع الأمم الخالية، والقرى المهلكة التى ~~جاء ذكرها فى مطلعها. # وكم من قرية أهلكناها فجآءها بأسنا بياتا أو ~~هم قآئلون # فتحدثنا السورة الكريمة عن مصارع قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم ~~لوط، وقوم شعيب، ثم حديثا مستفيضا عن قصة موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل. ~~وقد تكلم الإمام الرازى " عن فوائد مجىء قصص هؤلاء الأنبياء مع أقوامهم ~~فى هذه السورة بعد أن تحدثت عن أدلة توحيده وربوبيته - سبحانه - فقال ~~اعلم أنه - تعالى - لما ذكر فى تقرير المبدأ والمعاد دلائل ظاهرة، وبينات ~~قاهرة، وبراهين باهرة أتبعها بذكر قصص الأنبياء وفيه فوائد أحدها التنبيه ~~على أن إعراض الناس عن قبول هذه الدلائل والبينات. ليس من خواص قوم النبى ~~صلى الله عليه وسلم بل هذه العادة المذمومة كانت حاصلة فى جميع الأمم ~~السالفة، والمصيبة إذا عمت خفت، فكان ذكر قصصهم، وحكاية إصرارهم وعنادهم، ~~يفيد تسلية للنبى صلى الله عليه وسلم وتخفيف ذلك على قلبه. ثانيها أنه - ~~تعالى - يحكى فى هذه القصص أن عاقبة أمر أولئك المنكرين كان إلى اللعن فى ~~الدنيا، والخسارة فى الآخرة، وعاقبة أمر المحقين إلى الدولة فى الدنيا، ~~والسعادة فى الآخرة، وذلك يقوى قلوب المحقين، ويكسر قلوب المبطلين. ~~وثالثها التنبيه على أنه - تعالى - وإن كان يمهل هؤلاء المبطلين، ولكنه ~~لا يهملهم، بل ينتقم منهم على أكمل الوجوه. ورابعها بيان أن هذه القصص ~~دالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه كان أميا. وما طالع كتابا ~~ولا تتلمذ على أستاذ. فإذا ذكر هذه القصص على هذا الوجه من غير تحريف ولا ~~خطأ دل ذلك على أنه إنما عرفها بالوحى من الله - تعالى - ". والآن ~~فلنستمع بتدبر واعتبار ms1975 إلى السورة الكريمة وهى تحدثنا عن قصة نوح مع قومه ~~فتقول { لقد أرسلنا.. }. ### || [7.59-64] # تلك هى قصة نوح مع قومه كما وردت فى هذه السورة، وقد وردت بصورة أكثر ~~تفصيلا فى سورة هود، والمؤمنون، ونوح وغيرها. وقوله { لقد أرسلنا ~~نوحا إلى قومه } جواب قسم محذوف، أى والله لقد أرسلنا نوحا إلى ~~قومه والدليل على هذا القسم وجود لامه فى بدء الجملة. قال الآلوسى " ~~واطرد استعمال هذه اللام مع قد فى الماضى - على ما قال الزمخشرى - وقل ~~الاكتفاء بها وحدها. والسر فى ذلك أن الجملة القسمية لا تساق إلا تأكيدا ~~للجملة المقسم عليها التى هي جوابها، فكانت مظنة لتوقع المخاطب حصول ~~المقسم عليه، لأن القسم دل على الاهتمام فناسب ذلك إدخال قد ". وينتهى ~~نسب نوح - عليه السلام - إلى شيث بن آدم - عليه السلام - وقد ذكر نوح فى ~~القرآن فى ثلاث وأربعين موضعا. وقوم الرجل أقرباؤه الذين يجتمعون معه فى ~~جد واحد. وقد يقيم الرجل بين الأجانب فيسميهم قومه مجازا للمجاورة. وكان ~~قوم نوح يعبدون الأصنام فأرسل الله إليهم نوحا ليدلهم على طريق الرشاد. ~~قال ابن كثير قال عبد الله بن عباس وغير واحد من علماء التفسير كان أول ~~ما عبدت الأصنام أن قوما صالحين ماتوا، فبنى قومهم عليهم مساجد، وصوروا ~~صور أولئك الصالحين فيها ليتذكروا حالهم وعبادتهم فيتشبهوا بهم، فلما طال ~~الزمان جعلوا أجسادا على تلك الصور، فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام ~~وسموها بأسماء أولئك الصالحين ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا فلما تفاقم ~~الأمر بعث الله - تعالى - رسوله نوحا فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له ~~". وقوله { فقال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره } حكاية لما وجهه نوح لقومه من إرشادات، أى قال لهم ~~بتلطف وأدب تلك الكلمة التى وجهها كل رسول لمن أرسل إليهم اعبدوا الله ~~وحده لا شريك له، فإنه هو المستحق للعبادة، أما سواه فلا يملك نفعا أو ~~ضرا. وكلمة { غيره } قرئت بالحركات الثلاث، بالرفع على أنها صفة ~~لإله باعتبار محله الذى هو الرفع على ms1976 الابتداء أو الفاعلية. وقرأ ~~الكسائى بالجر باعتبار اللفظ، وقرىء بالنصب على الاستثناء بمعنى، ما لكم ~~من إله إلا إياه. ثم حكى القرآن أن نوحا حذر قومه من سوء عاقبة التكذيب، ~~وأظهر لهم شفقته بهم وخوفه عليهم فقال { إني أخاف عليكم ~~عذاب يوم عظيم } أى إنى أخاف عليكم إذا ما سرتم فى طريق الكفر ~~والضلال وتركتم عبادة الله وحده عذاب يوم عظيم، ووصف اليوم بالعظم لبيان ~~عظم ما يقع فيه ولتكميل الإنذار. قال صاحب الكشاف " فإن قلت ما موقع ~~الجملتين بع قوله { اعبدوا الله } قلت الأولى - وهى ما لكم من إله ~~غيره - بيان لوجه اختصاصه بالعبادة، والثانية وهى - إنى أخاف. # .. إلخ - بيان الداعى إلى عبادته لأنه هو المحذور عقابه دون ما كانوا ~~يعبدونه من دون الله. واليوم العظيم يوم القيامة، أو يوم نزول العذاب بهم ~~وهو الطوفان ". بهذا الأسلوب المقنع المهذب دعا نوح قومه إلى وحدانية ~~الله. فكيف كان ردهم عليه؟ لقد ردوا عليه ردا سقيما حكاه القرآن فى قوله ~~{ قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين }. ~~الملأ الأشراف والسادة من القوم. سموا بذلك لأنهم يملأون العيون مهابة. ~~وقيل هم الرجال ليس فيهم نساء. والملأ اسم جمع لا واحد له من لفظه كرهط. ~~والجملة الكريمة مستأنفة، كأنه قيل فماذا قالوا له؟ فقيل قال الملأ... ~~إلخ والرؤية هنا قلبية ومفعولاها الضمير والظرف، وقيل بصرية فيكون الظرف ~~فى موضع الحال. أى قال الأشراف من قوم نوح له عندما دعاهم إلى وحدانية ~~الله إنا لنراك بأمرك لنا بعبادة الله وحده وترك آلهتنا فى انحراف بين عن ~~طريق الحق والرشاد. يقال ضل الطريق يضل وضل عنه ضلالا وضلالة، أى زل عنه ~~فلم يهتد إليه، وجعلوا الضلال ظرفا له { في ضلال مبين } مبالغة ~~فى وصفهم له وزادوا فى المبالغة بأن أكدوا ذلك بالجملة المصدرة بإن ولام ~~التأكيد. ورحم الله ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الآية. وهكذا حال ~~الفجار، إنما يرون الأبرار فى ضلالة، كقوله - تعالى - # وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون # وقال ms1977 الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ~~ما سبقونآ إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون ~~هذآ إفك قديم # إلى غير ذلك من الآيات. ويرد نوح على قومه بأسلوب عف مهذب، فينفى عن ~~نفسه الضلالة، ويكشف لهم عن حقيقة دعوته ومصدرها فيقول - كما حكى القرآن ~~عنه - { قال ياقوم ليس بي ضلالة } أى قال نوح لقومه ~~مستميلا لقلوبهم يا قوم ليس بى أدنى شىء مما يسمى بالضلال فضلا عن الضلال ~~المبين الذى رميتمونى به، فقد نفى الضلال عن نفسه الكريمة على أبلغ وجه، ~~لأن التاء فى - ضلالة - للمرة الواحدة منه، ونفى الأدنى أبلغ من نفى ~~الأعلى، والمقام يقتضى ذلك، لأنهم لما بالغوا فى رميه بالضلال المبين، رد ~~عليهم بما يبرئه من أى لونه من ألوانه. وفى تقديم الظرف بي تعريض بأنهم ~~هم فى ضلال واضح. ثم قفى على نفى الضلالة عنه بإثبات مقابلها لنفسه وهى ~~الهداية والتبليغ عن الله - تعالى - فقال { ولكني رسول من ~~رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم ~~وأعلم من الله ما لا تعلمون }. فأنت ترى أن نوحا - ~~عليه السلام - بعد أن نفى عن نفسه أى لون من ألوان الضلالة وصف نفسه ~~بأربع صفات كريمة أولها قوله { ولكني رسول من رب ~~العالمين } أى لست بمنجاة من الضلال الذى أنتم فيه فحسب، ولكنى فضلا ~~عن ذلك رسول من رب العالمين إليكم لهدايتكم وإنقاذكم مما أنتم فيه من شرك ~~وكفر. # قال الجمل وقد جاءت لكن هنا أحسن مجىء لأنها ين نقيضين، لأن الإنسان لا ~~يخلو من أحد شيئين ضلال أو هدى، والرسالة لا تجامع الضلال و { من ~~رب العالمين } صفة لرسول ومن لابتداء الغاية. وثانيها قوله { ~~أبلغكم رسالات ربي } أى أبلغكم ما أوحاه الله إلى من ~~الأوامر والنواهى، والمواعظ والزواجر، والبشائر والنذائر، والعبادات ~~والمعاملات. قال الآلوسى وجمع الرسالات مع أن رسالة كل نبى واحدة، رعاية ~~لاختلاف أوقاتها أو تنوع معانى ما أرسل - عليه السلام - به من العبادات ~~والمعاملات - أو أنه أراد رسالته ورسالة غيره ممن قبله من الأنبياء ~~كإدريس - عليه السلام ms1978 - والجملة الكريمة مستأنفة لتقرير رسالته وتقرير ~~أحكامها. وثالثها قوله { وأنصح لكم } أى أبلغكم جميع تكاليف الله ~~وأتحرى ما فيه صلاحكم وخيركم فأرشدكم إليه وآخذكم نحوه. وأنصح مأخوذ من ~~النصح - وهو كما قال القرطبى - إخلاص النية من شوائب الفساد، يقال نصحته ~~ونصحت له نصيحة ونصاحة - أى أرشدته إلى ما فيه صلاحه - ويقال رجل ناصح ~~الجيب، أى نقى القلب. والناصح الخالص من العسل وغيره، مثل الناصع. وكل ~~شىء خلص فقد نصح. والفرق بين تبليغ الرسالة وبين النصح، هو أن تبليغ ~~الرسالة معناه أن يعرفهم جميع أوامر الله ونواهيه وجميع أنواع التكاليف ~~التى كلفهم الله بها، وأما النصح فمعناه أن يرغبهم فى قبول تلك الأوامر ~~والنواهى والعبادات ويحذرهم من عذاب الله إن عصوه. وأما الصفة الرابعة ~~فهى قوله { وأعلم من الله ما لا تعلمون } أى أبلغكم ~~رسالات ربى وأنصح لكم عن إخلاص، وأعلم فى الوقت نفسه من الأمور الغيبية ~~التى لا تعلم إلا عن طريق الوحى أشياء لا علم لكم بها، لأن الله قد خصنى ~~بها. أو المعنى وأعلم من قدرة الله الباهرة، وشدة بطشه على أعدائه، ما لا ~~تعلمونه فأنا أحذركم عن علم، وأنذركم عن بينة # فاتقوا الله وأطيعون # قال ابن كثير وهذا شأن الرسول أن يكون مبلغا نصيحا عالما بالله لا ~~يدركه أحد من خلق الله فى هذه الصفات كما جاء فى صحيح مسلم أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم عرفة وهم أوفر ما كانوا وأكثر جمعا # " أيها الناس، إنكم مسئولون عنى، فما أنتم قائلون؟ قالوا نشهد أنك قد ~~بلغت وأديت ونصحت. فجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكسها عليهم، ويقول ~~اللهم اشهد، اللهم اشهد ". # وبعد أن وصف نوح نفسه بتلك الصفات الأربع، وبين لهم وظيفته أكمل بيان ~~أخذ ينكر عليهم استبعادهم أن يخصه الله بالنبوة فقال { أو عجبتم ~~أن جآءكم ذكر من ربكم على رجل منكم ~~لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون } الهمزة فى أول ~~الجملة للاستفهام الإنكارى، والواو بعدها للعطف على محذوف مقدر بعد ~~الهمزة. # والمعنى أكذبتم وعجبتم ms1979 من أن جاءكم ذكر أى موعظة من ربكم وخالقكم على ~~لسان رجل من جنسكم، تعرفون مولده ونشأته. ولقد حكى القرآن عن قوم نوح ~~أنهم عجبوا من أن يختار الله رسولا منهم، قال - تعالى - { فقال ~~الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر ~~مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شآء الله ~~لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبآئنا ~~الأولين }. وقوله { لينذركم } علة للمجىء، أى وليحذركم العذاب ~~والعقاب على الكفر والمعاصى. وقوله { ولتتقوا } علة ثانية مرتبة ~~على العلة التى قبلها، أى ولتوجد منكم التقوى، وهى الخشية من الله بسبب ~~الإنذار. وقوله { ولعلكم ترحمون } علة ثالثة مترتبة على ~~التى قبلها. أى ولترحموا بسبب التقوى إن وجدت منكم. قال بعض العلماء وهذا ~~الترتيب فى غاية الحسن، لأن المقصود من الإرسال الإنذار، ومن الإنذار ~~التقوى. ومن التقوى الفوز بالرحمة. وفائدة حرف الترجى { ولعلكم } ~~التنبيه على عزة المطلب، وأن التقوى غير موجبة للرحمة، بل هى منوطة بفضل ~~الله، وأن المتقى ينبغى ألا يعتمد على تقواه ولا يأمن عذاب الله. وإلى ~~هنا نكون قد عرفنا أسلوب نوح فى دعوته كما جاء فى هذه السورة الكريمة، ~~فماذا كان موقف قومه؟ لقد صرحت السورة الكريمة بأن موقفهم كان قبيحا، ~~ولذا عوقبوا بما يناسب جرمهم قال - تعالى - { فكذبوه } أى فكذب قوم ~~نوح نبيهم ومرشدهم نوحا، وأصروا على التكذيب مع أنه دعاهم إلى الهدى ليلا ~~ونهارا، وسرا وجهارا، ومع أنه مكث فيهم " ألف سنة إلا خمسين عاما " ~~كانت نتيجة ذلك - كما حكى القرآن { فأنجيناه والذين معه ~~في الفلك } أى فأنجيناه من الغرق هو والذين آمنوا معه بأن حملناهم ~~فى السفينة التى صنعها. والفاء فى { فأنجيناه } للسببية. قيل كان ~~عدد الذين آمنوا معه أربعين رجلا وأربعين امرأة. وقيل غير ذلك. والقرآن ~~قد صرح بأن المؤمنين به كانوا قلة، فقال # ومآ آمن معه إلا قليل # { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنآ إنهم كانوا ~~قوما عمين } عمين جمع عم صفة مشبهة، يقال هو عم - كفرح - لأعمى ~~البصيرة. أى وأغرقنا بالطوفان أولئك الذين كذبوا بآياتنا من ms1980 قوم نوح ~~لأنهم كانوا قوما عمى البصائر عن الحق والإيمان لا تنفع فيهم المواعظ ~~ولم يجد معهم التذكير. وهذه سنة الله فى خلقه أن جعل حسن العاقبة ~~للمؤمنين، وسوء العذاب للجاحدين. ثم تحكى لنا السورة بعد ذلك قصة هود - ~~عليه السلام - مع قومه، فيقول الله - تعالى - { وإلى عاد.... }. ### || [7.65-72] # تلك هى قصة هود - عليه السلام - مع قومه كما حكتها سورة الأعراف. وقد ~~وردت - أيضا - فى سورة أخرى، منها سورة هود، والشعراء، والأحقاف... إلخ. ~~وينتهى نسب هود إلى نوح - عليهما السلام - كما قال بعض المؤرخين. فهو هود ~~بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح. ~~وقومه هم قبيلة عاد - نسبة إلى أبيهم الذى كان يسمى بهذا الاسم - وكانت ~~مساكنهم بالأحقاف باليمن - والأحقاف جمع حقف وهو الرمل الكثير المائل. ~~وكانوا يعبدون الأصنام من دون الله، فأرسل الله إليهم هودا لهدايتهم، ~~ويقال بأن هودا - عليه السلام - قد أرسله الله إلى عاد الأولى، أما عاد ~~الثانية فهم قوم صالح، وبينهما مائة سنة. وقوله { وإلى عاد ~~أخاهم هودا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره } إلخ معطوف على قوله - تعالى - { لقد أرسلنا ~~نوحا إلى قومه } والمعنى وأرسلنا إلى قبيلة عاد أخاهم هودا ~~فقال لهم ما قاله كل نبى لقومه يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. ~~ووصفه بأنه أخاهم لأنه من قبيلتهم نسبا، أو لأنه أخوهم فى الإنسانية، ~~ثم حكى القرآن أن هودا أنكر على قومه عبادتهم لغير الله، وحضهم على ~~إفراده بالعبادة فقال { أفلا تتقون } أى أفلا تخافون عذاب الله ~~فتبتعدوا عن طريق الشرك والضلال لتنجوا من عقابه. قال أبو حيان " وفى ~~قوله { أفلا تتقون } استعطاف وتحضيض على تحصيل التقوى. ولما كان ~~ما حل بقوم نوح من أمر الطوفان واقعة لم يظهر فى العالم مثلها قال لهم # إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم # وواقعة هود كانت مسبوقة بواقعة نوح وعهد الناس قريب بها فاكتفى هود ~~بقوله لهم { أفلا تتقون }. والمعنى تعرفون ms1981 أن قوم نوح لما لم ~~يتقوا الله وعبدوا غيره حل بهم ذلك العذاب الذى اشتهر خبره فى الدنيا، ~~فقوله { أفلا تتقون } إشارة إلى التخويف بتلك الواقعة المشهورة ~~". وكأنما عظم على هؤلاء الطغاة أن يستنكر عليهم هود - عليه السلام - ~~عبادتهم لغير الله، فردوا عليه ردا قبيحا حكاه القرآن فى قوله { قال ~~الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في ~~سفاهة } أى قال الأغنياء الذين كفروا من قوم هود له إنه لنراك متمكنا ~~فى خفة العقل، راسخا فيها، حيث هجرت دين قومك إلى دين آخر. وجعلت السفاهة ~~ظرفا على طريق المجاز، فقد أرادوا أنه متمكن فيها، غير منفك عنها. وأصل ~~السفه الخفة والرقة والتحرك والاضطراب، يقال ثوب سفيه إذا كان ردىء النسج ~~خفيفه، أو كان باليا رقيقا تسفهت الريح الشجر مالت به. # وزمام سفيه كثير الاضطراب لمنازعة الناقة إياه. وشاع السفه فى خفة العقل ~~وضعف الرأى. ولم يكتفوا بوصفه بالسفه بل أضافوا إلى ذلك قولهم { وإنا ~~لنظنك من الكاذبين } أى وإنا لنظنك من الكاذبين فى دعوى ~~التبليغ عن الله تعالى. وأكدوا ظنهم الآثم كما أكدوا اتهامهم له بالسفه ~~مبالغة منهم فى الإساءة إليه. ويرجح بعض العلماء أن الظن هنا على ~~حقيقته، لأنهم لو قالوا وإنا لنعتقد أنك من الكاذبين، لكانوا كاذبين على ~~أنفسهم فى ذلك، لأنهم يعلمون منه الصدق وحسن السيرة. ومن بلاغة القرآن ~~وإنصافه فى أحكامه أنه قيد القائلين لهود هذا القول الباطل بأنهم { ~~الملأ الذين كفروا من قومه } ليخرج منهم الملأ - أى ~~الأشراف الذين آمنوا من قومه. وبعد هذا الرد القبيح منهم، أخذ هود يدافع ~~عن نفسه ويبين لهم وظيفته بأسلوب حكيم فقال { ياقوم ليس بي ~~سفاهة } أى ليس بى أى نوع من أنواع السفاهة كما تزعمون { ولكني ~~رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي ~~وأنا لكم ناصح أمين }. فأنت ترى أن هودا فى هذا الرد الحكيم ~~على قومه، قد نفى عن نفسه تهمة السفاهة كما نفى أخوه نوح من قبله عن نفسه ~~تهمة الضلالة، ثم بين لهم بعد ذلك ms1982 وظيفته وطبيعة رسالته، ثم أخبرهم بعد ~~ذلك بمقتضى أخوته لهم ليس معقولا أن يكذب عليهم أو يخدعهم - فإن الرائد ~~لا يكذب أهله -، وإنما هو ناصح أمين يهديهم إلى ما يصلحهم ويبعدهم عما ~~يسوءهم قال صاحب الكشاف " وفى إجابة الأنبياء - عليهم السلام - على من ~~نسبهم إلى الضلالة والسفاهة بما أجابوهم به من الكلام الصادر عن الحلم ~~والاغضاء، وترك المقابلة بما قالوا لهم، مع علمهم بأن خصومهم أضل الناس ~~وأسفههم - فى إجابتهم هذه أدب حسن، وخلق عظيم، وحكاية الله - عز وجل - ~~ذلك، تعليم لعباده كيف يخاطبون السفهاء، وكيف يغضون عنهم ويسبلون أذيالهم ~~على ما يكون منهم ". ونلمس من خلال التعبير القرآنى أن قوم هود قد تعجبوا ~~من اختصاص هود بالرسالة كما تعجب قوم نوح من قبلهم من ذلك، فأخذ هود - ~~عليه السلام - فى إزالة هذا العجب من نفوسهم، فقال { أو عجبتم أن ~~جآءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ~~} أى أكذبتم وعجبتم من أن جاءكم ذكر وموعظة من ربكم على لسان رجل منكم ~~تعرفون صدقه ونسبه وحسبه، إن ما عجبتم له ليس موقع عجب، بل هو عين الحكمة ~~فقد اقتضت رحمة الله أن يرسل لعباده من بينهم من يرشدهم إلى الطريق ~~القويم و # الله أعلم حيث يجعل رسالته # ثم أخذ فى تذكيرهم بواقعهم الذى يعيشون فيه لكى يحملهم على شكر الله ~~فقال { واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد قوم نوح ~~} أى اذكروا بتأمل واعتبار فضل الله عليكم ونعمه حيث جعلكم مستخلفين فى ~~الأرض من بعد قوم نوح الذين أغرقوا بالطوفان لكفرهم وجحودهم. # قال الآلوسى ما ملخصه " و " إذ " منصوب على المفعولية لقوله { ~~واذكروا } أى اذكروا هذا الوقت المشتمل على النعم الجسام. وتوجيه ~~الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه مع أنه المقصود بالذات للمبالغة ~~فى إيجاب ذكره، ولأنه إذا استحضر الوقت كان هو حاضرا بتفاصيله. وهو معطوف ~~على مقدر كأنه قيل لا تعجبوا وتدبروا فى أمركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من ~~بعد قوم نوح ". ثم ذكرهم بنعمة ثانية فقال { وزادكم ms1983 في الخلق ~~بصطة } أى زادكم فى المخلوقات بسطة وسعة فى الملك والحضارة، أو زادكم ~~بسطة فى قوة أبدانكم وضخامة أجسامكم، ومن حق هذا الاستخلاف وتلك القوة، ~~أن تقابلا بالشكر لله رب العالمين. وقد ذكر بعض المفسرين روايات تتعلق ~~بضخامة أجسام قوم هود وقوتهم وهى روايات ضعيفة لا يعتد بها، ولذا أضربنا ~~عنها، ويكفينا أن القرآن الكريم قد أشار إلى قوتهم وجبروتهم بدون تفصيل ~~لذلك كما فى قوله - تعالى - # وإذا بطشتم بطشتم جبارين # وكما فى قوله # كأنهم أعجاز نخل خاوية # ثم كرر هود - عليه السلام - تذكيرهم بنعم الله فقال { فاذكروا ~~آلآء الله لعلكم تفلحون }. أى فاذكروا نعم الله واشكروها ~~له لعلكم تفوزون بما أعده للشاكرين من إدامتها عليهم وزيادتها لهم، ولن ~~تكونوا كذلك إلا بعبادتكم له وحده - عز وجل -. وآلاء الله نعمه الكثيرة. ~~والآلاء جمع إلى كحمل وأحمال. أو ألى، كقفل وأقفال. أو إلى، كمعى وأمعاء. ~~وإلى هنا يكون هود - عليه السلام - قد رد على قومه ردا مقنعا حكيما، ~~كان المتوقع من ورائه أن يستجيبوا له، وأن يقبلوا على دعوته، ولكنهم لسوء ~~تفكيرهم وانطماس بصيرتهم، أخذتهم العزة بالإثم فماذا قالوا لنبيهم ~~ومرشدهم؟. { قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ~~ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنآ إن كنت من ~~الصادقين } أى قالوا له على سبيل الإنكار والاستهزاء أجئتنا يا هود ~~لأجل أن نعبد الله وحده، ونترك ما كان يعبد آباؤنا من الأوثان والأصنام ~~إن هذا لن يكون منا أبدا فأتنا بما تعدنا به من العذاب إن كنت من ~~الصادقين فيما تخبر به. وننظر فى هذا الرد من قوم هود فنراه طافحا ~~بالتهور والتحدى والاستهزاء واستعجال العذاب. حتى لكأن هودا - عليه ~~السلام - يدعوهم إلى منكر لا يطيقون سماعه ولا يصبرون على الجدل فيه!!. ~~أليس هو يدعوهم إلى وحدانية الله وإفراده بالعبادة وترك ما كان يعبد ~~آباؤهم، وهذا فى زعمهم أمر منكر لا يطيقون الصبر عليه. وهكذا يستحوذ ~~الشيطان على قلوب بعض الناس وتفكيرهم فيصور لهم الحسنات فى صورة سيئات، ~~والسيئات فى صورة حسنات. ms1984 # قال صاحب الكشاف " فإن قلت ما معنى المجىء فى قوله { أجئتنا } ، ~~قلت فيه أوجه أن يكون لهود - عليه السلام - مكان معتزل عن قومه يتحنث فيه ~~كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحراء قبل المبعث، فلما أوحى ~~إليه جاء قومه يدعوهم. وأن يريدوا به الاستهزاء، لأنهم كانوا يعتقدون أن ~~الله - تعالى - لا يرسل إلا الملائكة، فكأنهم قالوا أجئتنا من السماء كما ~~يجىء الملك. وأنهم لا يريدون حقيقة المجىء. ولكن التعريض بذلك والقصد كما ~~يقال ذهب يشتمنى ولا يراد حقيقة الذهاب، كأنهم قالوا أقصدتنا لنعبد الله ~~وحده وتعرضت لنا بتكليف ذلك ". وقولهم { فأتنا بما تعدنآ إن ~~كنت من الصادقين } يدل على أنه كان يتوعدهم بالعذاب من الله. ~~إذا استمروا على شركهم، ويدل - أيضا - على تصميمهم على الكفر، واحتقارهم ~~لأمر هود - عليه السلام - واستعجالهم إياه بالعقوبة على سبيل التحدى، ~~لأنهم كانوا يتوهمون أن العقوبة لن تقع عليهم أبدا. وإزاء هذا التحدى ~~السافر من قوم هود له ولدعوته ولوعيد الله لهم، ما كان من هود - عليه ~~السلام - إلا أن جابههم بالرد الحاسم الذى تتجلى فيه الشجاعة التامة، ~~والثقة الكاملة بأن الله سينصره عليهم وينتقم له منهم. { قال قد ~~وقع عليكم من ربكم رجس وغضب } أى قال هود لقومه ~~بعد أن لجوا فى طغيانهم قد حق ووجب عليكم من قبل ربكم عذاب وسخط بسبب ~~إصراركم على الكفر والعناد. والرجس والرجز بمعنى، وأصل معناه الاضطراب ~~يقال رجست السماء أى رعدت رعدا شديدا، وهم فى مرجوسة من أمرهم أى فى ~~اختلاط والتباس. ثم شاع فى العذاب لاضطراب من حل به. وعبر عن العذاب ~~المتوقع وقوعه بأنه { قد وقع } مبالغة فى تحقيق الوقوع، وأنه أمر لا ~~مفر لهم منه. وعطف الغضب على الرجس، للإشارة إلى ما سينزل بهم من عذاب ~~هو انتقام لا يمكن دفعه، لأنه صادر من الله الذى غضب عليهم بسبب كفرهم، ~~وبعد أن أنذرهم هددهم بوقوع العذاب عليهم، ووبخهم على مجادلتهم إياه بدون ~~علم فقال # أتجدلونني في أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم # أى ms1985 أتجادلونى وتخاصمونى فى شأن أشياء ما هى إلا أسماء ليس تحتها مسميات، ~~لأنكم تسمونها آلهة مع أن معنى الإلهية فيها معدوم ومحال وجوده إذ ~~المستحق للعبادة إنما هو الله الذى خلق كل شىء، أما هذه الأصنام التى ~~زعمتم أنها آلهة فهى لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا. فأنت ترى أن هودا - ~~عليه السلام - قد حول آلهتهم إلى مجرد أسماء لا تبلغ أن تكون شيئا وراء ~~الاسم الذى يطلق عليها، وهذا أعمق فى الإنكار عليهم، والاستهزاء ~~بعقولهم. # وقوله { ما نزل الله بها من سلطان } أى ما أنزل الله ~~بها من حجة أو دليل يؤيد زعمكم فى ألوهيتها أو فى كونها شفعاء لكم عند ~~الله، وإنما هى أصنام باطلة قلدتم آباءكم فى عبادتها بدون علم أو تفكير. ~~ثم هدد بالعاقبة المقررة المحتومة فقال { فانتظروا إني ~~معكم من المنتظرين } أى فانتظروا نزول العذاب الذى ~~استعجلتموه وطلبتموه حين قلتم { فأتنا بما تعدنآ } فإنى معكم ~~من المنتظرين لما سيحل بكم بسبب شرككم وتكذيبكم. ولم يطل انتظار هود ~~عليهم، فقد حل بهم العقاب الذى توعدهم به سريعا ولذا قال - تعالى - { ~~فأنجيناه والذين معه برحمة منا } الفاء فصيحة. أى ~~فوقع ما وقع فأنجينا هودا والذين اتبعوه فى عقيدته برحمة عظيمة منا لا ~~يقدر عليها غيرنا. { وقطعنا دابر الذين كذبوا ~~بآياتنا } أى استأصلناهم عن آخرهم بالريح العقيم التى # ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم # فقطع الدابر كناية عن الاستئصال والاهلاك للجميع يقال قطع الله دابره أى ~~أذهب أصله. وقوله { وما كانوا مؤمنين } عطف على { كذبوا } ~~داخل معه حكم الصلة أى أصروا على الكفر والتكذيب ولم يرجعوا عن ذلك أصلا. ~~قال صاحب الكشاف " فإن قلت ما فائدة نفى الإيمان عنهم فى قوله { وما ~~كانوا مؤمنين } مع إثبات التكذيب بآيات الله؟ قلت هو تعريض بمن ~~آمن منهم - كمرثد بن سعد - ومن نجا مع هود - عليه السلام - كأنه قال ~~وقطعنا دابر الذين كذبوا منهم، ولم يكونوا مثل من آمن منهم ليؤذن أن ~~الهلاك للمكذبين ونجى الله المؤمنين ". وهكذا ms1986 طويت صفحة أخرى من صحائف ~~المكذبين، وتحقق النذير فى قوم هود كما تحقق قبل ذلك فى قوم نوح. ثم قصت ~~علينا السورة بعد ذلك قصة صالح - عليه السلام - مع قومه فقالت { وإلى ~~ثمود.... }. ### || [7.73-79] # هذه قصة صالح مع قومه كما حكتها سورة الأعراف، وقد وردت هذه القصة فى ~~سور أخر كسور هود والشعراء والنمل والقمر وغيرها. وصالح - كما قال الحافظ ~~البغوى - هو ابن عبيد بن آسف بن ماسح بن عبيد ابن حاذر بن ثمود وينتهى ~~نسبه إلى نوح - عليه السلام -. وثمود اسم للقبيلة التى منها صالح سميت ~~باسم جدها ثمود، وقيل سميت بذلك لقلة مائها لأن الثمد هو الماء القليل. ~~وكانت مساكنهم بالحجر - بكسر الحاء وسكون الجيم -، والحجر مكان يقع بين ~~الحجاز والشام إلى وادى القرى، وموقعه الآن، تقريبا - المنطقة التى بين ~~الحجاز وشرق الأردن، وما زال المكان الذى كانوا يسكنونه يسمى بمدائن صالح ~~إلى اليوم، وقد مر النبى صلى الله عليه وسلم على ديارهم وهو ذاهب إلى ~~غزوة تبوك سنة تسع من الهجرة. وقبيلة صالح من قبائل العرب، وكانوا خلفاء ~~لقوم هود - عليه السلام - بعد أن هلكوا فورثوا أرضهم، وآتاهم الله نعما ~~وفيرة، وكانوا يعبدون الأصنام فأرسل إليهم نبيهم صالحا مبشرا ونذيرا. قال ~~- تعالى - { وإلى ثمود أخاهم صالحا قال ياقوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جآءتكم ~~بينة من ربكم }. أى وأرسلنا إلى ثمود أخاهم فى النسب ~~والموطن صالحا - عليه السلام - فقال لهم الكلمة التى دعا بها كل نبى قومه ~~يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله سواه، قد جاءتكم معجزة ظاهرة الدلائل، ~~شاهدة بنبوتى وصدقى فيما أبلغه عن ربى. وقوله { من ربكم } متعلق ~~بمحذوف صفة لبينة، أى هذه البينة كائنة من ربكم وليست من صنعى فعليكم أن ~~تصدقونى لأنى مبلغ عن الله - تعالى -. ثم كشف لهم عن معجزته وحجته فقال { ~~هذه ناقة الله لكم آية } أى هذه التى ترونها وأشير إليها ~~ناقة الله، والتى جعلها - سبحانه - علامة لكم على صدقى. واضاف الناقة إلى ~~الله للتفضيل ms1987 والتخصيص والتعظيم لشأنها. وقيل لأنه - سبحانه - خلقها على ~~خلاف سنته فى خلق الإبل وصفاتها، وقيل لأنها لم يكن لها مالك. وقد ذكر ~~المفسرون عنها قصصا لا تخلو من ضعف، لذا اكتفينا بما ورد فى شأنها فى ~~القرآن الكريم. ثم أرشدهم إلى ما يجب عليهم نحوها فقال { فذروها ~~تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم ~~عذاب أليم }. أى اتركوا الناقة حرة طليقة تأكل فى أرض الله التى لا ~~يملكها أحد سواه ولا تعتدوا عليها بأى لون من ألوان الاعتداء، لأنكم لو ~~فعلتم ذلك أصابكم عذاب أليم. والفاء فى قوله { فذروها } للتفريع على ~~كونها آية من آيات الله، فيجب إكرامها وعدم التعرض لها بسوء. # و { تأكل } مجزوم فى جواب الأمر. وأضيفت الأرض إلى الله - أيضا - ~~قطعا لعذرهم فى التعرض لها، فكأنه يقول لهم، الأرض أرض الله والناقة ~~ناقته، فذروها تأكل فى أرضه لأنها ليست لكم، وليس ما فيها من عشب ونبات ~~من صنعكم، فأى عذر لكم فى التعرض لها؟ وفى نهيهم عن أن يمسوها بسوء تنبيه ~~بالأدنى على الأعلى، لأنه إذا كان قد نهاهم عن مسها بسوء إكراما لها ~~فنهيهم عن نحرها أو عقرها أو منعها من الكلأ والماء من باب أولى. فالجملة ~~الكريمة وعيد شديد لمن يمسها بسوء. وقوله { فيأخذكم عذاب ~~أليم } الفعل المضارع منصوب فى جواب النهى. وبعد أن بين لهم صالح - ~~عليه السلام - وظيفته، وكشف لهم عن معجزته، وأنذرهم بسوء العاقبة إذا ما ~~خالفوا أمره، أخذ فى تذكيرهم بنعم الله عليهم. وبمصائر الماضين قبلهم. ~~فقال - كما حكى القرآن عنه - { واذكروا إذ جعلكم خلفآء ~~من بعد عاد }. أى واذكروا بتدبر واتعاظ نعم الله عليكم حيث جعلكم ~~خلفاء لقبيلة عاد فى الحضارة والعمران والقوة والبأس، بعد أن أهلكهم الله ~~بسبب طغيانهم وشركهم. وقوله { وبوأكم في الأرض } أى أنزلكم ~~فيها وجعلها مباءة ومساكن لكم. يقال بوأه منزلا، أى أنزله وهيأه له ومكن ~~له فيه. والمراد بالأرض أرض الحجر التى كانوا يسكنونها وهى بين الحجاز ~~والشام، تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال ms1988 بيوتا. السهول الأراضى ~~السهلة المنبسطة. والجبال الأماكن المتحجرة المترفعة. أى أنزلكم فى أرض ~~الحجر، ويسر لكم أن تتخذوا من سهولها قصورا جميلة، ودورا عالية، ومن ~~جبالها بيوتا تسكنونها بعد نحتكم إياها. يقال نحته ينحته - كيضربه وينصره ~~ويعلمه - أى براه وسواه. قيل إنهم كانوا يسكنون الجبال فى الشتاء لما فى ~~البيوت المنحوتة من القوة التى لا تؤثر فيها الأمطار والعواصف، ولما فيها ~~من الدفء. أما فى غير الشتاء فكانوا يسكنون السهول لأجل الزراعة والعمل ~~ومن التعبير القرآنى نلمح أثر النعمة والتمكين فى الأرض لقوم صالح، وندرك ~~طبيعة الموقع الذى كانوا يعيشون فيه، فهو سهل وجبل، يتخذون فى السهل ~~القصور، وينحتون فى الجبال البيوت، فهم فى حضارة عمرانية واضحة المعالم، ~~ولذا نجد صالح - عليه السلام - يكرر عليهم التذكير بشكر النعم فيقول { ~~فاذكروا آلآء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين ~~}. أى فاذكروا بتدبر واتعاظ نعم الله عليكم، واشكروه على هذه النعم ~~الجزيلة، وخصوه وحده بالعبادة، ولا تتمادوا فى الفساد حال إفسادكم فى ~~الأرض. والمقصود النهى عما كانوا عليه من التمادى فى الفساد. مأخوذ من ~~العيث وهو أشد الفساد. يقال عثى - كرضى - عثوا إذ أفسد أشد الإفساد. ~~وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد ذكرت لنا جانبا من النصائح التى وجهها ~~صالح لقومه فماذا كان موقفهم منه. # لقد كان موقفهم لا يقل فى القبح والتطاول والعناد عن موقف قوم نوح وقوم ~~هود، وهاك ما حكاه القرآن عنهم { قال الملأ الذين ~~استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن ~~منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه }؟ أى ~~قال المترفون المتكبرون من قوم صالح للمؤمنين المستضعفين الذين هداهم ~~الله إلى الحق أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه إليكم لعبادته وحده لا شريك ~~له؟ وهو سؤال قصد المترفون منه تهديد المؤمنين والاستهزاء بهم، لأنهم ~~يعلمون أن المؤمنين يعرفون ان صالحا مرسل من ربه. ولذا وجدنا المؤمنين لا ~~يردون عليهم بما يقتضيه ظاهر السؤال بأن يقولوا لهم نعم أنه مرسل من ربه، ~~وإنما ردوا عليهم بقولهم { إنا بمآ أرسل به ms1989 مؤمنون } ، ~~مسارعة منهم إلى إحقاق الحق وإبطال الباطل، وإظهارا للإيمان الذى استقر ~~فى قلوبهم، وتنبيها على أن أمر إرسال صالح - عليه السلام - من الظهور ~~والوضوح حيث لا ينبغى لعاقل أن يسأل عنه، وإنما الشىء الجدير بالسؤال عنه ~~هو الإيمان بما جاء به هذا الرسول الكريم، والامتثال لما يقتضيه العقل ~~السليم. وهو رد من المؤمنين المستضعفين يدل على شجاعتهم فى الجهر بالحق ~~وعلى قوة إيمانهم، وسلامة يقينهم. وقوله { لمن آمن منهم } بدل ~~من { للذين استضعفوا } بإعادة الجار بدل كل من كل، والضمير فى ~~{ منهم } يعود على قوم صالح. وهنا يعلن المستكبرون عن موقفهم فى ~~عناد، وصلف وجحود، واستمع إلى القرآن وهو يحكى ذلك فيقول { قال ~~الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون ~~}. أى قال المستكبرون ردا على المؤمنين الفقراء إنا بما آمنتم به كافرون، ~~ولم يقولوا إنا بما أرسل به كافرون، إظهارا لمخالفتهم إياهم، وردا على ~~مقالتهم { إنا بمآ أرسل به مؤمنون }. قال صاحب الانتصاف ~~" ولو طابقوا بين الكلامين لكان مقتضى المطابقة أن يقولوا، بما أرسل به ~~كافرون ولكنهم أبوا ذلك حذرا مما فى ظاهره من إثباتهم لرسالته، وهم ~~يجحدونها، وقد يصدر مثل ذلك على سبيل التهكم، كما قال فرعون إن رسولكم ~~الذى أرسل إليكم لمجنون، فأثبت إرساله تهكما، وليس المقام هنا مقام ~~التهكم، فإن الغرض إخبار كل واحد من الفريقين المؤمنين والمكذبين عن ~~حاله، فرد كل فريق على الآخر بما يناسبه ". ثم أتبع المستكبرون قولهم ~~القبيح بفعل أقبح يتجلى فى قوله - تعالى - عنهم { فعقروا الناقة ~~} أى نحروها وأصل العقر قطع عرقوب البعير، ثم استعمل فى النحر، لأن ناحر ~~البعير يعقره ثم ينحره. أى عقروا الناقة التى جعلها الله حجة لنبيه صالح ~~- عليه السلام - والتى قال لهم صالح فى شأنها { ولا تمسوها ~~بسوء فيأخذكم عذاب أليم }. وأسند العقر إلى جميعهم لأنه ~~كان برضاهم، وإن لم يباشره إلا بعضهم، ويقال للقبيلة الكبيرة أنتم فعلتم ~~كذا مع أن الفاعل واحد منهم، لكونه بين أظهرهم. # وقوله { وعتوا عن أمر ربهم } أى استكبروا عن امتثال ms1990 ~~أوامره واجتناب نواهيه. من العتو وهو النبو، أى الارتفاع عن الطاعة ~~والتكبر عن الحق والغلو فى الباطل. يقال عتا يعتو عتيا، إذا تجاوز الحد ~~فى الاستكبار. فهو عات وعتى. وقد اختار القرآن كلمة { وعتوا } ~~لإبراز ما كانوا عليه من تجبر وتبجح وغرور خلال اقترافهم للمعاصى ~~والجرائم التى من أبرزها عقر الناقة، فهم قد فعلوا ما فعلوا عن تعمد ~~وإصرار على ارتكاب المنكر. ثم لم يكتفوا بكل هذا، بل قالوا لنبيهم فى ~~سفاهة وتطاول { ياصالح ائتنا بما تعدنآ إن كنت من ~~المرسلين }. نادوه باسمه تهوينا لشأنه، وتعريضا بما يظنون من عجزه ~~وقالوا له على سبيل تعجل العذاب الذى توعدهم به إذا استمروا فى طغيانهم ~~ائتنا بما توعدتنا به إن كنت صادقا فى رسالتك. ولقد كان رد القدر على ~~تبجحهم وعتوهم واستكبارهم سريعا قال - تعالى - { فأخذتهم ~~الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين } الرجفة الزلزلة ~~الشديدة. يقال رجفت الأرض ترجف رجفا، إذا اضطربت وزلزلت ومنه الرجفان ~~للاضطراب الشديد. وجاثمين من الجثوم وهو للناس والطير بمنزلة البروك ~~للإبل، يقال جثم الطائر يجثم جثما وجثوما فهو جاثم إذا وقع على صدره أو ~~لزم مكانه فلم يبرحه. والمعنى فأخذت أولئك المستكبرين الرجفة، أى الزلزلة ~~الشديدة فأهلكتهم، فأصبحوا فى بلادهم أو مساكنهم باركين على الركب، ~~ساقطين على وجوههم، هامدين لا يتحركون. وما ظلمهم الله ولكن كانوا انفسهم ~~يظلمون. ويتركهم القرآن على هيئتهم جاثمين، ليتحدث عن نبيهم صالح الذى ~~كذبوه فيقول { فتولى عنهم وقال ياقوم لقد ~~أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا ~~تحبون الناصحين }. أى " فأعرض عنهم نبيهم صالح، ونفض يديه ~~منهم، وتركهم للمصير الذى جلبوه على أنفسهم، وأخذ يقول متحسرا على ما ~~فاتهم من الإيمان يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربى كاملة غير منقوصة، ونصحت ~~لكم بالترغيب تارة والترهيب أخرى، ولكن كان شأنكم الاستمرار على بغض ~~الناصحين وعداوتهم ". هذا وقد وردت أحاديث تصرح بأن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم قد مر على ديار ثمود المعروفة الآن بمدائن صالح وهو ذاهب إلى تبوك ~~سنة تسع من الهجرة، فأمر ms1991 أصحابه أن يدخلوها خاشعين وجلين كراهة أن يصيبهم ~~ما أصاب أهلها، ونهاهم عن أن يشربوا من مائها. روى الإمام أحمد عن ابن ~~عمر قال " نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس عام تبوك، نزل بهم ~~الحجر عند بيوت ثمود فاستسقى الناس من الآبار التى كانت تشرب منها ثمود ~~فعجنوا منها ونصبوا القدور باللحم، فأمرهم النبى صلى الله عليه وسلم ~~فأهرقوا القدور، وعلفوا العجين الإبل، ثم ارتحل بهم عن البئر التى كانت ~~تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا وقال إنى أخشى ~~أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فلا تدخلوا عليهم ". # وروى الشيخان عن ابن عمر قال # " لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال لا تدخلوا على هؤلاء ~~المعذبين إلا أن تكونوا باكين. فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، أن ~~يصيبكم مثل ما أصابهم، ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى جاوزوا الوادى ". # وهكذا طويت صفحة أخرى من صحائف المكذبين، وحلت العقوبة بمن كانوا ~~يتعجلونها ويستهزئون بها. ثم حكت لنا السورة بعد ذلك جانبا مما دار بين ~~لوط وقومه فقالت { ولوطا إذ قال.... }. ### || [7.80-84] # قال ابن كثير لوط. هو ابن هاران بن آزر وهو ابن أخى إبراهيم، وكان قد ~~آمن مع إبراهيم وهاجر معه إلى أرض الشام، فبعثه الله إلى أهل سدوم وما ~~حولها من القرى يدعوهم إلى الله - تعالى - ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عما ~~كانوا يرتكبونه من المآثم والمحارم والفواحش التى اخترعوها لم يسبقهم بها ~~أحد من بنى آدم ولا من غيرهم، وهو إتيان الذكور دون الإناث، وهذا شىء لم ~~يكن بنو آدم تعهده ولا تألفه ولا يخطر ببالهم " حتى صنع ذلك أهل سدوم - ~~وهى قرية بوادى الأردن - عليهم لعائن الله ". وقوله - تعالى - { ولوطا ~~} منصوب بفعل مضمر معطوف على ما سبق أى وأرسلنا لوطا و { إذ قال ~~لقومه } ظرف لأرسلنا، وجوز أن يكون { لوطا } منصوبا باذكر محذوفا ~~فيكون من عطف القصة على القصة، و { إذ } بدل من لوط بدل اشتمال بناء ~~على أنها لا تلزم ms1992 الظرفية. وقوله { أتأتون الفاحشة ما ~~سبقكم بها من أحد من العالمين }. أى أتفعلون تلك ~~الفعلة التى بلغت نهاية القبح والفحش، والتى ما فعلها أحد قبلكم فى زمن ~~من الأزمان فأنتم أول من ابتدعها فعليكم وزرها ووزر من عملها إلى يوم ~~القيامة، والاستفهام، للانكار والتوبيخ قال عمر بن دينار " ما نزا ذكر ~~على ذكر حتى كان قوم لوط ". وقال الوليد بن عبد الملك " لولا أن الله قص ~~علينا خبر قوم لوط ما ظننت أن ذكرا يعلوا ذكرا " والباء فى { بها } ~~كما قال الزمخشرى - للتعدية، من قولك سبقته بالكرة إذا ضربتها قبله ومن ~~قوله صلى الله عليه وسلم # " سبقك بها عكاشة " # و { من } فى قوله { من أحد } لتأكيد النفى وعمومه المستغرق لكل ~~البشر. والجملة - كما قال أبو السعود - " مستأنفة مسوقة لتأكيد النكير ~~وتشديد التوبيخ والتقريع، فإن مباشرة القبح قبيح واختراعه أقبح، فأنكر ~~عليهم أولا إتيان الفاحشة، ثم وبخهم بأنهم أول من عملها ". ثم أضاف لوط ~~إلى إنكاره على قومه إنكارا آخر وتوبيخا أشنع فقال { إنكم ~~لتأتون الرجال شهوة من دون النسآء }. أى إنكم إيها ~~القوم الممسوخون فى طبائعكم حيث تأتون الرجال الذين خلقهم الله ليأتوا ~~النساء، ولا حامل لكم على ذلك إلا مجرد الشهوة الخبيثة القذرة. والاتيان ~~كناية عن الاستمتاع والجماع. من أتى المرأة إذا غشيها. وفى إيراد لفظ { ~~الرجال } دون الغلمان والمردان ونحوهما، مبالغة فى التوبيخ والتقريع. ~~قال صاحب الكشاف " و { شهوة } مفعول له، أى للاشتهاء ولا حامل لكم ~~عليه إلا مجرد الشهوة من غير داع آخر. ولا ذم أعظم منه، لأنه وصف لهم ~~بالبهيمية، وأنه لا داعى لهم من جهة العقل البتة كطلب النسل ونحوه. # أو حال بمعنى مشتهين تابعين للشهوة غير ملتفتين إلى السماحة ". وقوله { ~~من دون النسآء } حال من الرجال أو من الواو فى تأتون، أى تأتون ~~الرجال حالة كونكم تاركين النساء اللائى هن موضع الاشتهاء عند ذوى ~~الطبائع السليمة، والأخلاق المستقيمة. قال الجمل " وإنما ذمهم وعيرهم ~~ووبخهم بهذا الفعل الخبيث، لأن الله - تعالى - خلق الإنسان وركب فيه ms1993 ~~شهوة النكاح لبقاء النسل وعمران الدنيا، وجعل النساء محلا للشهوة وموضعا ~~للنسل. فإذا تركهن الإنسان وعدل عنهن إلى غيرهن من الرجال فقد أسرف ~~وجاوز واعتدى، لأنه وضع الشىء فى غير محله وموضعه الذى خلق له، لأن أدبار ~~الرجال ليست محلا للولادة التى هى مقصودة بتلك الشهوة للإنسان ". وقوله ~~{ بل أنتم قوم مسرفون } إضراب عن الإنكار إلى الاخبار عن ~~الأسباب التى جعلتهم يرتكبون هذه القبائح، وهى أنهم قوم عادتهم الاسراف ~~وتجاوز الحدود فى كل شىء. أى أنتم أيها القوم لستم ممن يأتى الفاحشة مرة ~~ثم يهجرها ويتوب إلى الله بل أنتم قوم مسرفون فيها وفى سائر أعمالكم، لا ~~تقفون عند حد الاعتدال فى عمل من الأعمال. وقد حكى القرآن أن لوطا - عليه ~~السلام - قال لهم فى سورة العنكبوت # أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل ~~وتأتون في ناديكم المنكر # وقال لهم فى سورة الشعراء # بل أنتم قوم عادون # أى متجاوزون لحدود الفطرة وحدود الشريعة. وقال لهم فى سورة النمل # بل أنتم قوم تجهلون # وهو يشمل الجهل الذى هو ضد العلم، والجهل الذى هو بمعنى السفه والطيش. ~~ومجموع الآيات يدل على أنهم كانوا مصابين بفساد العقل، وانحطاط الخلق، ~~وإيثار الغى والعدوان على الرشاد والتدبر. ولقد حكى القرآن جوابهم القبيح ~~على نصائح نبيهم لهم، فقال { وما كان جواب قومه إلا أن ~~قالوا أخرجوهم من قريتكم }. أى وما كان جواب الطغاة ~~المستكبرين على نصائح نبيهم لوط - عليه السلام - إلا أن قال بعضهم لبعض ~~أخرجوا لوطا ومن معه من المؤمنين من قريتكم سدوم التى استوطنتموها وعشتم ~~بها. وقوله { إلا أن قالوا } استثناء مفرغ من أعم الأشياء، أى ما ~~كان جوابهم شيئا من الأشياء سوى قول بعضهم لبعض أخرجوهم. لماذا هذا ~~الإخراج؟ بين القرآن أسبابه كما تفوهت به ألسنتهم الخبيثة، واتفقت عليه ~~قلوبهم المنكوسة فقال { إنهم أناس يتطهرون } بهذه الجلمة ~~التعليلية. أى إن لوطا وأتباعه أناس يتنزهون عن إتيان الرجال، وعن كل عمل ~~من أعمالنا لا يرونه مناسبا لهم. يقال تطهر الرجل، أى تنزه عن الآثام ~~والقبائح. وما ms1994 أعجب العقول عندما تنتكس، والأخلاق عندما ترتكس، إنها ~~تستنكف أن يبقى معها الطهور المتعفف عن الفحش، وتعمل على إخراجه، ليبقى ~~لها الملوثون الممسوخون وإنه لمنطق يتفق مع المنحرفين الذين انحطت ~~طباعهم، وانقلبت موازينهم، وزين لهم الشيطان سوء أعمالهم فرأوه حسنا. # ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال " وقولهم { إنهم أناس ~~يتطهرون } سخرية بهم وبتطهرهم من الفواحش، وافتخار بما كانوا فيه ~~من القذارة، كما يقول الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم أبعدوا عنا هذا ~~المتقشف وأريحونا من هذا المتزهد ". ثم حكت السورة عاقبة الفريقين فقالت ~~{ فأنجيناه وأهله } أى أنجينا لوطا ومن يختص به من ذويه أو من ~~المؤمنين به. قالوا ولم يؤمن به أحد منهم سوى أهل بيته فقط، كما قال - ~~تعالى - # فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا ~~فيها غير بيت من المسلمين # وقوله { إلا امرأته } استثناء من أهله، أى فأنجيناه وأهله إلا ~~امرأته فإنا لم ننجها لخبثها وعدم إيمانها. قال ابن كثير إنها لم تؤمن ~~به، بل كانت على دين قومها، تمالئهم عليه وتخبرهم بمن يقدم عليه من ~~ضيفانه بإشارات بينها وبينهم، ولهذا لما أمر لوط - عليه السلام - ليسرى ~~بأهله أمر أن لا يعلمها ولا يخرجها من البلد، ومنهم من يقول بل اتبعتهم، ~~فلما جاء العذاب التفتت هى فأصابها ما أصابهم، والأظهر أنها لم تخرج من ~~البلد ولا أعلمها لوط بل بقيت معهم، ولهذا قال ها هنا { إلا ~~امرأته كانت من الغابرين } أى " الباقين فى العذاب ". ~~والغابر الباقى. يقال غبر الشىء يغبر غبورا، أى " بقى ". وقد يستعمل فيما ~~مضى - أيضا - فيكون من الأضداد، ومنه قول الأعشى فى الزمن الغابر. أى ~~الماضى. وقوله { وأمطرنا عليهم مطرا } أى وأرسلنا على قوم ~~لوط نوعا من المطر عجيبا أمره، وقد بينه الله فى آية أخرى بقوله # فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة ~~من سجيل # أى جازيناهم بالعقوبة التى تناسب شناعة جرمهم فإنهم لما قلبوا الأوضاع ~~فأتوا الرجال دون النساء، أهلكناهم بالعقوبة التى قلبت عليهم قريتهم ~~فجعلت أعلاها أسفلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل أى ms1995 من طين متجمد. ثم ~~ختمت القصة بالدعوة إلى التعقل والتدبر والاعتبار فقال - تعالى - { ~~فانظر كيف كان عاقبة المجرمين }. أى فانظر أيها ~~العاقل نظرة تدبر واتعاظ فى مآل أولئك الكافرين المقترفين لأشنع الفواحش، ~~واحذر أن تعمل أعمالهم حتى لا يصيبك ما أصابهم وسر فى الطريق المستقيم ~~لتنال السعادة فى الدنيا والآخرة. هذا، وقد وردت أحاديث تصرح بقتل من ~~يعمل عمل قوم لوط فقد روى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذى ~~والحاكم والبيهقى عن ابن عباس. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط. فاقتلوا الفاعل والمفعول به ". # وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن اللاثط يلقى من شاهق ويتبع بالحجارة كما ~~فعل بقوم لوط. وذهب بعض العلماء إلى أن يرجم، سواء أكان محصنا أو غير ~~محصن. ثم قصت علينا سورة الأعراف بعد ذلك قصى شعيب مع قومه، فقالت { ~~وإلى مدين... }. ### || [7.85-87] # قوله { وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ياقوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } أى وأرسلنا إلى ~~مدين أخاهم شعيبا. ومدين اسم للقبيلة التى تنسب إلى مدين بن إبراهيم - ~~عليه السلام - وكانوا يسكنون فى المنطقة التى تسمى معان بين حدود الحجاز ~~والشام، وهم أصحاب الأيكة - والأيكة منطقة مليئة بالشجر كانت مجاورة ~~لقرية معان، وكان يسكنها بعض الناس فأرسل الله شعيبا إليهم جميعا. وشعيب ~~هو ابن ميكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم فهو أخوهم فى النسب وكان النبى ~~صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شعيب قال # " ذلك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته لقومه، وقوة حجته ". # وكان قومه أهل كفر وبخس للمكيال والميزان فدعاهم إلى توحيد الله - تعالى ~~- ونهاهم عن الخيانة وسوء الأخلاق. وعن السدى وعكرمة أن شعيبا أرسل إلى ~~أمتين أهل مدين الذين أهلكوا بالصيحة، وأصحاب الأيكة الذين أخذهم الله ~~بعذاب يوم الظلة، وأنه لم يبعث نبى مرتين إلا شعيب - عليه السلام -. ولكن ~~المحققين من العلماء اختاروا أنهما أمة واحدة فأهل مدين هم أصحاب الأيكة ~~أخذتهم الرجفة والصيحة وعذاب يوم الظلة - أى السحابة -، وأن كل ms1996 عذاب كان ~~كالمقدمة للآخر. وبعد أن دعاهم إلى وحدانية الله شأن جميع الرسل فى بدء ~~دعوتهم قال لهم { قد جآءتكم بينة من ربكم } أى قد ~~جاءتكم معجزة شاهدة بصحة نبوتى توجب عليكم الإيمان بى والأخذ بما آمركم ~~به والانتهاء عما أنهاكم عنه. قال صاحب الكشاف فإن قلت ما كانت معجزته؟ ~~قلت قد وقع العلم بأنه كانت له معجزة لقوله { قد جآءتكم بينة ~~من ربكم } ، ولأنه لا بد لمدعى النبوة من معجزة تشهد له وتصدقه ~~وإلا لم تصح دعواه، وكان متنبئا لا نبيا، غير أن معجزته لم تذكر فى ~~القرآن كما لم تذكر معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم فيه. ثم أخذ فى ~~نهيهم عن أبرز المنكرات التى كانت متفشية فيهم فقال - كما حكى القرآن عنه ~~- { فأوفوا الكيل والميزان } الكيل والميزان مصدران أريد ~~بهما ما يكال وما يوزن به، كالعيش بمعنى ما يعاش به. أو المكيل والموزون. ~~أى فأتموا الكيل والميزان للناس بحيث يعطى صاحب الحق حقه من غير نقصان، ~~ويأخذ صاحب الحق حقه من غير طلب الزيادة. { ولا تبخسوا الناس ~~أشياءهم } أى ولا تنقصوهم حقوقهم بتطفيف الكيل ونقص الوزن فيما ~~يجرى بينكم وبينهم من معاملات. يقال بخسه حقه يبخسه إذا نقصه إياه. وظلمه ~~فيه " وتبخسوا " تعدى إلى مفعولين أولهما الناس والثانى أشياءهم. وفائدة ~~التصريح بالنهى عن النقص بعد الأمر بالإيفاء، تأكيد ذلك الأمر وبيان قبح ~~ضده. # قال الآلوسى وقد يراد بالأشياء الحقوق مطلقا فإنهم كانوا مكاسين لا ~~يدعون شيئا إلا مكسوه. وقد جاء عن ابن عباس أنهم كانوا قوما طغاة بغاة ~~يجلسون على الطريق فيبخسون الناس أموالهم. قيل ويدخل فى ذلك بخس الرجل ~~حقه من حسن المعاملة والتوقير اللائق به وبيان فضله على ما هو عليه ~~للسائل عنه. وكثير ممن ينتسب إلى أهل العلم اليوم مبتلون بهذا البخس، ~~وليتهم قنعوا به بل جمعوا " حشفا وسوء كيلة " فإنا لله وإنا إليه راجعون. ~~ثم نهاهم عن الافساد بوجه عام فقال { ولا تفسدوا في الأرض ~~بعد إصلاحها } أى لا تفسدوا فى الأرض بما ms1997 ترتكبون فيها من ظلم ~~وبغى، وكفر وعصيان، بعد أن أصلح أمرها وأمر أهلها الأنبياء وأتباعهم ~~الصالحون الذين يعدلون فى معاملاتهم ويلتزمون الحق فى كل تصرفاتهم. ثم ~~ختمت الآية بتلك الجملة الكريمة التى استجاش بها شعيب مشاعر الإيمان فى ~~نفوس قومه حيث قال لهم { ذلكم خير لكم إن كنتم ~~مؤمنين }. أى ذلكم الذى آمركم به وأنهاكم عنه خير لكم فى الحال ~~والمآل فبادروا إلى الاستجابة لى إن كنتم مصدقين قولى، ومنتفعين ~~بالهدايات التى جئت بها إليكم من ربكم. فاسم الإشارة { ذلكم } يعود ~~إلى ما ذكر من الأمر بالوفاء فى الكيل والميزان والنهى عن بخس الناس ~~أشياءهم وعن الافساد فى الأرض. ثم انتقل شعيب إلى نهيهم عن رذائل أخرى ~~كانوا متلبسين بها فقال { ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ~~} توعدون من التوعد بمعنى التخويف والتهديد. أى ولا تقعدوا بكل طريق من ~~الطرق المسلوكة تهددون من آمن بى بالقتل، وتخيفونه بأنواع الأذى، وتلصقون ~~بى وأنا نبيكم التهم التى أنا برىء منها، بأن تقولوا لمن يريد الإيمان ~~برسالتى إن شعيبا كذاب وإنه يريد أن يفتنكم عن دينكم. وقوله { ~~وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها ~~عوجا } أى وتصرفون عن دين الله وطاعته من آمن به، وتطلبون لطريقه ~~العوج بإلقاء الشبه أو بوصفها بما ينقصها، مع أنها هى الطريق المستقيم ~~الذى هو أبعد ما يكون من شائبه الاعوجاج. قال صاحب الكشاف فإن قلت صراط ~~الحق واحد # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله # فكيف قيل بكل صراط؟ قلت صراط الحق واحد، ولكنه يتشعب إلى معارف وحدود ~~وأحكام كثيرة مختلفة، فكانوا إذا رأوا أحدا يشرع فى شىء منها أوعدوه ~~وصدوه فإن قلت إلام يرجع الضمير فى { آمن به }؟ قلا إلى كل صراط، ~~والتقدير توعدون من آمن به وتصدون عنه. فوضع الظاهر الذى هو سبيل الله ~~موضع الضمير زيادة فى تقبيح أمرهم، ودلالة على عظم ما يصدون عنه. وقوله ~~توعدون. وتصدون، وتبغون هذه الجمل أحوال، أى لا تقعدوا موعدين وصادين، ~~وباغين، ولم ms1998 يذكر الموعد به لتذهب النفس فيه كل مذهب، ثم ذكرهم شعيب بنعم ~~الله عليهم فقال { واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم } ~~أى اذكروا ذلك الزمن الذى كنتم فيه قليلى العدد فكثركم الله بأن جعلكم ~~موفورى العدد، وكنتم فى قلة من الأموال فأفاضها الله بين أيديكم، فمن ~~الواجب عليكم أن تشكروه على هذه النعم، وأن تفردوه بالعبادة والطاعة ثم ~~اتبع هذا التذكير بالنعم بالتخويف من عواقب الافساد فقال { وانظروا ~~كيف كان عاقبة المفسدين } أى انظروا نظر تأمل واعتبار كيف ~~كانت عاقبة المفسدين من الأمم الخالية، والقرون الماضية، كقوم لوط وقوم ~~صالح، فسترون أنهم قد دمروا تدميرا بسبب إفسادهم فى الأرض، وتكذيبهم ~~لرسلهم # فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر ~~المسرفين # لأن سيركم على طريقهم سيؤدى بكم إلى الدمار. ثم نصحهم بأن يأخذوا أنفسهم ~~بشىء من العدل وسعة الصدر، وأن يتركوا أتباعه أحرارا فى عقيدتهم حتى ~~يحكم الله بين الفريقين، فقال { وإن كان طآئفة منكم آمنوا ~~بالذي أرسلت به وطآئفة لم يؤمنوا فاصبروا ~~حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين }. أى ~~إن كان بعضكم قد آمن بما أرسلنى الله به إليكم من التوحيد وحسن الأخلاق، ~~وبعضكم لم يؤمن بما أرسلت به بل اصر على شركه وعناده، فتربصوا وانتظروا ~~حتى يحكم الله بيننا وبينكم بحكمه العادل، الذى يتجلى فى نصرة المؤمنين، ~~وإهلاك الظالمين، وهو - سبحانه - خير الحاكمين. قال صاحب الكشاف " وهذا ~~وعيد للكافرين بانتقام الله منهم، كقوله # فتربصوا إنا معكم متربصون # أو هو عظة للمؤمنين وحث على الصبر واحتمال ما كان يلحقهم من أذى ~~المشركين إلى أن يحكم الله بينهم وينتقم لهم منهم. ويجوز أن يكون خطابا ~~للفريقين. أى ليصبر المؤمنون على أذى الكفار، وليصبر الكفار على ما ~~يسوءهم من إيمان من آمن حتى يحكم الله فيميز الخبيث من الطيب ". وإلى هنا ~~تكون السورة الكريمة قد حكت لنا جانبا من الحجج الناصعة، والنصائح ~~الحكيمة، والتوجيهات الرشيدة التى وجهها شعيب - خطيب الأنبياء إلى قومه. ~~وارجع البصر - أيها القارئ الكريم - فى هذه النصائح ترى شعيبا - عليه ~~السلام ms1999 - يأمر قومه بوحدانية الله لأنها أساس العقيدة وركن الدين الأعظم، ~~ثم يتبع ذلك بمعالجة الجرائم التى كانت متفشية فيهم، فيأمرهم بإيفائهم ~~الكيل والميزان، وينهاهم عن بخس الناس أشياءهم وعن الإفساد فى الأرض، ~~وعن القعود فى الطرقات لتخويف الناس وتهديدهم، وعن محاولة صرفهم عن طريق ~~الحق، بإلقاء الشبهات، وإشاعة الأباطيل. مستعملا فى وعظه التذكير بنعم ~~الله تارة. وبنقمه من المكذبين تارة أخرى. ولقد كان من المنتظر أن يتقبل ~~قوم شعيب هذه المواعظ تقبلا حسنا، وأن يصدقوه فيما يبلغه عن ربه، ولكن ~~المستكبرين منهم عموا وصموا عن الحق، واستمع إلى القرآن وهو يحكى موقفهم ~~فيقول { قال الملأ... }. ### || [7.88-93] # أى قال الأشراف المستكبرون من قوم شعيب له ردا على مواعظه لهم والله ~~لنخرجنك يا شعيب أنت والذين آمنوا معك من قريتنا بغضا لكم، ودفعا لفتنتكم ~~المترتبة على مساكنتنا ومجاورتنا، أو لتعودن وترجعن إلى ملتنا وما نؤمن ~~به من تقاليد ورثناها عن آبائنا ومن المستحيل علينا تركها. فعليك يا شعيب ~~أنت ومن معك أن تختاروا لأنفسكم أحد أمرين الإخراج من قريتنا أو العودة ~~إلى ملتنا. هكذا قال المترفون المغرورون لشعيب وأتباعه باستعلاء وغلظة ~~وغضب. وجملة { قال الملأ } إلخ. مستأنفة استئنافا بيانيا، كأنه قيل ~~فماذا كان رد قوم شعيب على نصائحه لهم؟ فكان الجواب قال الملأ... إلخ. ~~وقد أكدوا قولهم بالجملة القسمية للمبالغة فى إفهامه أنهم مصممون على ~~تنفيذ ما يريدونه منه ومن أتباعه. ونسبوا الاخراج إليه أولا وإلى أتباعه ~~ثانيا، للتنبيه على أصالته فى ذلك، وأن الذين معه إنما هم تبع له، فإذا ~~ما خرج هو كان خروج غيره أسهل. وجملة { أو لتعودن في ملتنا ~~} معطوفة على جملة { لنخرجنك } وهى - أى جملة { أو ~~لتعودن في ملتنا } المقصود الأعظم عندهم، فهؤلاء المستكبرون ~~يهمهم فى المقام الأول أن يعود من فارق ملتهم وديانتهم إليها ثانية. ~~والتعبير بقولهم { أو لتعودن في ملتنا } يقتضى أن شعيبا ~~ومن معه كانوا على ملتهم ثم خرجوا منها، وهذا محال بالنسبة لشعيب - عليه ~~السلام - فإن الأنبياء معصومون - حتى قبل النبوة - عن ارتكاب ms2000 الكبائر ~~فضلا عن الشرك. وقد أجيب عن ذلك بأن المستكبرين قد قالوا ما قالوا من باب ~~التغليب، لأنهم لما رأوا أن أتباعه كانوا من قبل ذلك على ملتهم ثم ~~فارقوهم واتبعوا شعيبا، قالوا لهم إما أن تخرجوا مع نبيكم الذى اتبعتموه ~~وإما أن تعودوا إلى ملتنا التى سبق أن كنتم فيها، فأدرجوا شعيبا معهم فى ~~الأمر بالعودة إلى ملتهم من باب تغلييهم عليه هنا، هذا هو الجواب الذى ~~ارتضاه كثير من العلماء وعلى رأسهم صاحب الكشاف، فقد قال فإن قلت كيف ~~خاطبوا شعيبا عليه السلام - بالعود فى الكفر فى قولهم { أو ~~لتعودن في ملتنا } وكيف أجابهم بقوله { إن عدنا في ~~ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنآ ~~أن نعود فيهآ } والأنبياء - عليهم السلام - لا يجوز عليهم من ~~الصغائر إلا ما ليس فه تنفير، فضلا عن الكبائر، فضلا عن الكفر؟ قلت قالوا ~~{ لنخرجنك يشعيب والذين آمنوا معك من ~~قريتنآ } فعطفوا على ضميره الذين دخلوا فى الإيمان منهم بعد كفرهم ~~قالوا لتعودن فغلب الجماعة على الواحد، فجعلوهم عائدين جميعا، إجراء ~~للكلام على حكم التغليب. وعلى ذلك أجرى شعيب - عليه السلام - جوابه فقال ~~{ إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها } ~~وهو يريد عودة قومه، إلا أنه نظم نفسه فى جملتهم وإن كان بريئا من ذلك ~~إجراء لكلامه على حكم التغليب. # هذا هو الجواب الذى اختاره الزمخشرى وتبعه فيه بعض العلماء، وهناك أجوبة ~~أخرى ذكرها المفسرون ومنها 1 - أن هذا القول جار على ظنهم أنه كان فى ~~ملتهم، لسكوته قبل البعثة عن الانكار عليهم. 2 - أنه صدر عن رؤسائهم ~~تلبيسا على الناس وإيهاما لهم بأنه كان على دينهم وما صدر عن شعيب - ~~عليه السلام - كان على طريق المشاكلة. 3 - أن قولهم { أو لتعودن ~~في ملتنا } بمعنى أو لتصيرن، إذ كثيرا ما يرد " عاد " بمعنى " صار ~~" فيعمل عمل كان. ولا يستدعى الرجوع إلى حالة سابقة، بل عكس ذلك، وهو ~~الانتقال من حال سابقة إلى حال مؤتنفة، وكأنهم قالوا " لنخرجنك يا شعيب ms2001 ~~والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتصيرن كفارا مثلنا ". قال الإمام الرازى ~~تقول العرب قد عاد إلى فلان مكره، يريدون قد صار منه المكر ابتداء. وقال ~~صاحب الانتصاف " إنه يسلم استعمال " العود " بمعنى الرجوع إلى أمر سابق، ~~ويجاب عن ذلك بمثل الجواب عن قوله - تعالى - # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت ~~يخرجونهم من النور إلى الظلمات # والاخراج يستدعى دخولا سابقا فيما وقع الاخراج منه. ونحن نعلم أن المؤمن ~~الناشىء فى الإيمان لم يدخل قط فى ظلمة الكفر، ولا كان فيها. وكذلك ~~الكافر الأصلى، لم يدخل قط فى نور الإيمان ولا كان فيه، ولكن لما كان ~~الإيمان والكفر من الأفعال الاختيارية التى خلق الله العبد متيسرا لكل ~~واحد منهما متمكنا منه لو أراده، فعبر عن تمكن المؤمن من الكفر ثم عدوله ~~إلى الإيمان، إخبارا بالاخراج من الظلمات إلى النور توفيقا من الله له، ~~ولطفا به، وبالعكس فى حق الكافر وفائدة اختياره فى هذه المواضع، تحقيق ~~التمكن والاختيار لإقامة حجة الله على عباده ". هذه بعض الأجوبة التى ~~أجاب بها العلماء على قول شعيب { أو لتعودن في ملتنا } ~~ولعل أرجحها هو الرأى الذى اختاره صاحب الكشاف " لبعده عن التكلف، ~~واتساقه مع رد شعيب عليهم ". فقد قال لهم { أولو كنا كارهين ~~}. أى أتجبروننا على العودة إلى ملتكم حتى ولو كنا كارهين لها، لاعتقادنا ~~أنها باطلة وقبيحة ومنافية للعقول السليمة والأخلاق المستقيمة. لا. لن ~~نعود إليها بأى حال من الأحوال. فالهمزة لانكار الوقوع ونفيه، والتعجيب ~~من أحوالهم الغريبة حيث جهلوا أن الدخول فى العقائد اختيارى محض ولا ينفع ~~فيه الاجبار أو الاكراه. ثم صارحهم برفضه التام لما يتوهمونه من العودة ~~إلى ملتهم فقال { قد افترينا على الله كذبا إن عدنا ~~في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها }. # أى قد اختلقنا على الله - تعالى - أشنع أنواع الكذب إن عدنا فى ملتكم ~~الباطلة بعد إذ نجانا الله بهدايتنا إلى الدين الحق وتنزيهنا عن الاشراك ~~به - سبحانه -. قال صاحب المنار " وهذا ms2002 كلام مستأنف لبيان أهم الأمرين ~~بالرفض والكراهية، وهو إنشاء فى صور الخبر. فإما أن يكون تأكيدا قسميا ~~لرفض دعوة الملأ إياهم إلى العودة فى ملتهم، كما يقول القائل برئت من ~~الذمة إن فعلت كذا، فيكون مقابلة لقسمهم بقسم أعرق منه فى التوكيد وإما ~~أن يكون تعجبا خرج لا على مقتضى الظاهر، وأكد بقد والفعل الماضى، والمعنى ~~ما أعظم افتراءنا على الله - تعالى - إن عدنا فى ملتكم بعد إذ نجانا الله ~~منها وهدانا إلى صراطه المستقيم ". ثم كرر هذا الرفض بأبلغ وجه فقال { ~~وما يكون لنآ أن نعود فيهآ إلا أن يشآء الله ~~ربنا وسع ربنا كل شيء علما } أى ما يصح لنا ولا ~~يتأتى منا أن نعود فى ملتكم الباطلة فى حال من الأحوال أو فى وقت من ~~الأوقات إلى فى حال أو فى وقت مشيئة الله - المتصرف فى جميع الشئون - ~~عودتنا إليها، فهو وحده القادر على ذلك ولا يقدر عليه غيره لا أنتم ولا ~~نحن، لأننا موقنون بأن ملتكم باطلة وملتنا هى الحق والموقن لا يستطيع ~~إزالة يقينه ولا تغييره وإنما ذلك بيد مقلب القلوب، الذى وسع علمه كل ~~شىء. وهذا اللون من الأدب العالى، حكاه القرآن عن الأنبياء - عليهم ~~الصلاة والسلام - فى مخاطبتهم، فأنت ترى أن شعيبا - عليه السلام - مع ~~ثقته المطلقة فى أنه لن يعود هو وأتباعه إلى ملة الكفر أبدا، مع ذلك هو ~~يفوض الأمر إلى الله تأدبا معه، فلا يجزم بمشيئته هو، بل يترك الأمر ~~لله، فقد يكون فى علمه سبحانه ما يخفى على البشر، مما تقتضيه حكمته ~~وإرادته. قال صاحب الانتصاف " وموقع قوله { وسع ربنا كل شيء ~~علما } الاعتراف بالقصور عن علم العاقبة، والاطلاع على الأمور ~~الغائبة، فإن العود إلى الكفر جائز فى قدرة الله أن يقع من العبد ولو وقع ~~فبقدرة الله ومشيئته المغيبة عن خلقه. فالحذر قائم، والخوف لازم، ونظيره ~~قول إبراهيم - عليه السلام - # ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشآء ربي شيئا ~~وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون # لما ms2003 رد الأمر إلى المشيئة وهى مغيبة، مجد الله - تعالى - بالانفراد بعلم ~~الغائبات ". ثم يترك شعيب - عليه السلام - قومه وتهديدهم ووعيدهم، ويتوجه ~~إلى الله بالاعتماد والدعاء فيقول { على الله توكلنا ربنا ~~افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير ~~الفاتحين }. # أى على الله وحده وكلنا أمرنا، فهو الذى يكفينا أمر تهديدكم ووعيدكم، ~~ومن يتوكل على الله فهو حسبه، ربنا احكم بيننا وبين قومنا الذين ظلمونا ~~بالحق وأنت خير الحكامين، لخلو حكمك عن الجور والحيف. فقوله { على ~~الله توكلنا } إظهار للعجز من جانب شعيب، وأنه فى مواجهته ~~لأولئك المستكبرين لا يعتمد إلا على الله وحده، ولا يأوى إلا إلى ركنه ~~المكين، وحصنه الحصين. والجملة الكريمة تفيد الحصر لتقديم المعمول فيها. ~~وقوله { ربنا افتح بيننا } إعراض عن مجادلتهم ومفاوضتهم بعد ~~أن تبين لهم عنادهم وسفههم، وإقبال على الله - تعالى - بالتضرع والدعاء. ~~والفتح أصله إزالة الأغلاق عن الشىء، واستعمل فى الحكم، لما فيه من إزالة ~~الاشكال فى الأمر. ومنه قيل للحاكم فاتح وفتاح لفتحه أغلاق الحق، وقيل ~~للحكومة الفتاحة - بضم الفاء وكسرها. أخرج البيهقى عن ابن عباس قال ما ~~كنت أدرى قوله - تعالى - { ربنا افتح } حتى سمعت ابنة ذى يزن تقول ~~لزوجها وقد جرى بينها وبينه كلام تعال أفاتحك، تريد أقاضيك وأحاكمك. ~~وقوله { بالحق } بهذا القيد إظهارا للنصفة والعدالة. والخلاصة أنك ~~إذا تأملت فى رد شعيب - عليه السلام - على ما قاله المستكبرون من قومه، ~~تراه يمثل أسمى ألوان الحكمة وحسن البيان، فهو يرد على وعيدهم وتهديدهم ~~بالرفض التام لما يبغون، والبغض السافر لما يريدونه منه، ثم يكل الأمور ~~كلها إلى الله، مظهرا الاعتماد عليه وحده، ثم يتجه إليه - سبحانه - ~~بالدعاء متلمسا منه أن يفصل بينه وبين قومه بالحق الذى مضت به سنته فى ~~التنازع بين المرسلين والكافرين، وبين سائر المحقين والمبطلين. وهنا نلمح ~~أن الملأ من قوم شعيب قد يئسوا من استمالة شعيب وأتباعه إلى ملتهم، ~~فأخذوا يحذرون الناس من السير فى طريقه، ويحكى القرآن ذلك بأسلوبه الحكيم ~~فيقول { وقال الملأ الذين كفروا من قومه ms2004 لئن ~~اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون }. أى قال الأشراف ~~الكافرون من قوم شعيب لغيرهم { لئن اتبعتم شعيبا إنكم ~~إذا لخاسرون } لشرفكم ومجدكم، بإيثار ملته على ملة آبائكم ~~وأجدادكم، وخاسرون لثروتكم وربحكم المادى. لأن اتباعكم له سيحول بينكم ~~وبين التطفيف فى الكيل والميزان وهو مدار غناكم واتساع أموالكم. وقولهم ~~هذا يقصدون به تنفير الناس من دعوة شعيب، وتثبيطهم عن الإيمان به، ~~وإغرائهم بالبقاء على عقائدهم الباطلة، وتقاليدهم التى ورثوها عن آبائهم ~~وأجدادهم، فهم لم يكتفوا بضلالهم فى أنفسهم، بل عملوا على إضلال غيرهم. ~~وقولهم هذا معطوف على قوله - تعالى - فيما سبق { قال الملأ ~~الذين استكبروا من قومه }. وليس ردا على شعيب، لأنه لو ~~كان كذلك لجاء مفصولا بدون عطف، وقد أكدوا قولهم بعدة مؤكدات منها اللام ~~الموطئة للقسم، والجملة الاسمية المصدرة بإن وذلك لكى يخدعوا السامعين ~~بأنهم ما يريدون إلا خيرهم وعدم خسرانهم. # وحذف متعلق الخسران ليعم كل أنواعه الدينية والدنيوية. قال صاحب الكشاف ~~" فإن قلت أين جواب القسم الذى وطأته اللام فى قوله { لئن ~~اتبعتم } وجواب الشرط؟ قلت قوله { إنكم إذا لخاسرون } ~~ساد مسد الجوابين ". وبعد هذه المحاورات والمجادلات التى دارت بين شعيب ~~وقومه، جاءت الخاتمة التى حكاها القرآن فى قوله { فأخذتهم ~~الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين }. أى فأخذتهم ~~الزلزلة الشديدة فأصبحوا فى دارهم هامدين صرعى لا حراك بهم. قال ابن كثير ~~ما ملخصه " أخبر - سبحانه - هنا بأنهم أخذتهم الرجفة، كما أرجفوا شعيبا ~~وأصحابه وتوعدوهم بالجلاء، كما أخبر عنهم فى سورة هود بأنهم أخذتهم ~~الصيحة، والمناسبة هناك - والله أعلم - أنهم لما تهكموا به فى قولهم # قالوا يشعيب أصلوتك تأمرك # فجاءت الصيحة فأسكتتهم. وقال فى سورة الشعراء # فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة # وما ذاك إلا لأنهم قالوا له فى سياق القصة # فأسقط علينا كسفا من السمآء # فأخبر - سبحانه - أنهم أصابهم عذاب يوم الظلة، وقد اجتمع عليهم ذلك كله، ~~أصابهم عذاب يوم الظلة. وهى سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب، ثم ~~جاءتهم صيحة من السماء ورجفة من الأرض شديدة من أسفل ms2005 منهم، فزهقت ~~الأرواح، وفاضت النفوس، وخمدت الأجسام ". ثم يعقب القرآن على مصرعهم ~~بالرد على قولتهم إن من يتبع شعيبا خاسر، فيقرر على سبيل التهكم أن ~~الخسران لم يكن من نصيب من اتبع شعيبا، وإنما الخسران كان من نصيب الذين ~~خالفوه وكذبوه، فيقول { الذين كذبوا شعيبا كأن لم ~~يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم ~~الخاسرين }. أى الذين كذبوا شعيبا وتطاولوا عليه وهددوه وأتباعه ~~بالاخراج من قريتهم، كأنهم عندما حاقت بهم العقوبة لم يقيموا فى ديارهم ~~ناعمى البال، يظلهم العيش الرغيد، والغنى الظاهر. يقال غنى بالمكان يغنى، ~~أقام به وعاش فيه فى نعمة ورغد. والجملة الكريمة استئناف لبيان ابتلائهم ~~بشؤم قولهم { لنخرجنك يشعيب والذين آمنوا معك ~~من قريتنآ } فكأن سائلا، قال فكيف كان مصيرهم؟ فكان الجواب الذين ~~هددوا شعيبا ومن معه وأنذروهم بالاخراج كانت عاقبتهم أن هلكوا وحرموا من ~~قريتهم حتى لكأنهم لم يقيموا بها، ولم يعيشوا فيها مطلقا، لأنه متى انقضى ~~الشىء صار كأنه لم يكن. والاسم الموصول { الذين } مبتدأ، وخبره جملة ~~{ كأن لم يغنوا فيها }. ثم أعاد القرآن الموصول وصلته لزيادة ~~التقرير، وللإيذان بأن ما ذكر فى حيز الصلة هو الذى استوجب العقوبتين ~~فقال { الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها ~~الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين }. أى الذين ~~كذبوا شعيبا وكفروا بدعوته كانوا هم الخاسرين دينيا ودنيويا، وليس الذين ~~اتبعوه كما زعم أولئك المهلكون. # وبهذا القدر اكتفى القرآن عن التصريح بإنجائه هنا، وقد صرح بإنجائه فى ~~سورة هود فقال # ولما جآء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا ~~معه # قال صاحب الكشاف " وفى هذا الاستئناف والابتداء، وهذا التكرير، مبالغة ~~فى رد مقالة الملأ لأشياعهم، وتسفيه لرأيهم، واستهزاء بنصحهم لقومهم ~~واستعظام لما جرى عليهم ". وأخيرا تطوى السورة الكريمة صفحتهم مشيعة ~~إياهم بالتبكيت والاهمال من رسولهم وأخيهم فى النسب فتقول { فتولى ~~عنهم وقال يقوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ~~ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين }. الأسى ~~الحزن. وحقيقته اتباع الفائت بالغم. يقال أسيت عليه - أسا، أى حزنت ~~عليه. والمعنى فأعرض عنهم شعيب ms2006 بعد أن أصابهم ما أصابهم من النقمة ~~والعذاب وقال مقرعا إياهم يا قوم { لقد أبلغتكم رسالات ~~ربي } التى أرسلنى بها إليكم من العقائد والأحكام والمواعظ { ~~ونصحت لكم } بما فيه إصلاحكم وهدايتكم " فكيف أحزن على قوم ~~كافرين " بذلت جهدى فى سبيل هدايتهم ونجاتهم، ولكنهم كرهوا النصح، ~~واستحبوا العمى على الهدى. لا، لن آسى عليهم. ولن أحزن من أجل هلاكهم، ~~لأنهم لا يستحقون ذلك. وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حدثتنا عن جانب ~~من قصص نوح وهود، وصالح، ولوط، وشعيب مع أقوامهم. بعد أن بدأت بقصة آدم ~~وإبليس وسنراها بعد قليل تحدثنا حديثا مستفيضا عن قصة موسى مع فرعون ومع ~~بنى إسرائيل. ويلاحظ أن سورة الأعراف قد اتبعت فى حديثها عن هؤلاء الرسل ~~الكرام التسلسل التاريخى، وذلك لأهداف من أهمها 1 - إبراز وحدة العقيدة ~~فى دعوة الأنبياء جميعا، فأنت رأيت أن كل رسول أتى قومه ليقول لهم يا قوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، يقولها ثم يسوق لهم بأسلوبه الخاص أنصع ~~الدلائل، وأقوى الحجج، وخير البراهين ومختلف وجوه الارشاد، لكى يقنعهم ~~بأنه صادق فيما يبلغه عن ربه. 2 - تصوير وحدة طبيعة الإيمان ووحدة طبيعة ~~الكفر فى نفوس الناس على مدار التاريخ، فالمؤمنون يلتفون حول رسولهم ~~يصدقون قوله، ويتأسون به فى كل أحواله ويدافعون عن عقيدتهم بقوة وشجاعة، ~~والكافرون يستكبرون أن يرسل الله رسولا من البشر، ويأبون بدافع الحقد ~~والعناد والتطاول الاستجابة لرجل منهم، ويلقون التهم جزافا لكى يصرفوا ~~الناس عنه. وهكذا نرى أن نفوس المؤمنين تتشابه فى إخلاصها ونقائها ~~وصفائها وحسن تقبلها للخير. بينما نفوس الكافرين تتشابه - أيضا - فى ~~ظلامها وقسوتها وفجورها وسوء تقبلها للهداية. 3 - بيان العاقبة الطيبة ~~التى انتهى إليها المؤمنون بسبب إيمانهم وصبرهم وعملهم الطيب، والعاقبة ~~السيئة التى حاقت بالكافرين المستكبرين، بسبب إعراضهم عن الحق، ~~واستهزائهم بأصحابه، # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان ~~الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # وبعد هذا ms2007 الحديث الزاخر بالعظات والعبر عن بعض الأنبياء مع أقوامهم تمضى ~~السورة الكريمة فى سرد هداياتها، فتسوق للناس ألوانا من سنن الله التى لا ~~تتغير ولا تتبدل، لعل قلوبهم ترق، ونفوسهم تتذكر، وعقولهم تعى. وكأن ~~السورة الكريمة تقول للناس لقد سقت لكم الكثير من أخبار الماضين. وقصصت ~~عليكم ما فيه الذكر لكل قلب سليم من أخبار بعض الأنبياء مع أقوامهم، ~~وأريتكم كيف كانت عاقبة الأخيار، وكيف كانت عاقبة الأشرار، فاجتهدوا فى ~~طاعة الله، وسيروا فى طريق الأخيار لتسعدوا كما سعدوا. واجتنبوا سبيل ~~الأشرار حتى لا يصيبكم ما أصابهم، فقد جرت سنته - سبحانه - أنه يمهل ولا ~~يهمل، وأن يبتلى الناس بالسراء والضراء لعلهم يضرعون، وأن يفتح أبواب ~~خيراته وبركاته لمن آمن به واتقاه، وأبواب عقوباته لمن كفر به وعصاه. ~~واستمع إلى السورة الكريمة وهى تصور هذه المعانى وغيرها بأسلوبها الحكيم ~~فتقول { ومآ أرسلنا في قرية.... }. ### || [7.94-102] # هذه هى الآيات التى جاءت فى السورة الكريمة بعد حديثها المتنوع عن بعض ~~الأنبياء مع أقوامهم، وقبل حديثها المستفيض - الذى سنراه بعد قليل عن قصة ~~موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل. وقد بدئت بقوله - تعالى - { ومآ ~~أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها ~~بالبأسآء والضرآء لعلهم يضرعون } البأساء الشدة ~~والمشقة كلاحرب والجدب وشدة الفقر. والضراء ما يضر الإنسان فى بدنه أو ~~معيشته كالمرض والمصائب. والمعنى ذلك الذى قصصناه عليك يا محمد شأن الرسل ~~السابقين مع أقوامهم الهالكين وقد جرت سنتنا أننا ما أرسلنا فى قرية من ~~نبى كذبه أهلها إلا أخذناهم وأنزلنا بهم قبل إهلاكنا لهم ألوانا من ~~الشدائد والمصائب لعلهم ينقادون لأمر الله، ويثوبون إلى رشدهم، ويكثرون ~~من التضرع إليه والاستجابة لهديه. فالآية الكريمة إشارة إجمالية إلى بيان ~~أحوال سائر الأمم، إثر بيان أحوال الأمم التى سبق الحديث عنها وهى أمة ~~نوح وهود وصالح ولوط وشعيب - عليه السلام -. والمقصود منها التحذير ~~والتخويف لكفار قريش وغيرهم، لينزجروا عن الضلال والعناد، ويستجيبوا لله ~~ولرسوله. وإنما ذكر القرية لأنها مجتمع القوم الذين بعث إليهم، ويدخل تحت ~~هذا ms2008 اللفظ المدينة لأنها مجتمع الأقوام. وقوله { من نبي } فيه حذف ~~وإضمار والتقدير من نبى كذبه قومه أو أهل القرية لأن قوله { إلا ~~أخذنا أهلها } لا يترتب على الارسال، وإنما يترتب على التكذيب ~~والعصيان. و { من } لتأكيد النفى. والاستثناء فى قوله { إلا ~~أخذنا أهلها } مفرغ من أعم الأحوال، و { أخذنا } فى موضع نصب ~~على الحال من فاعل { أرسلنا } أى وما أرسلنا - فى قرية من القرى ~~المهلكة بسبب ذنوبها - نبيا من الأنبياء فى حال من الأحوال إلا حال كوننا ~~آخذين أهلها بالبأساء والضراء. قبل إنزال العقوبة المستأصلة لهم. وجملة { ~~لعلهم يضرعون } تعليلية. أى فعلنا ما فعلنا لكى يتضرعوا ~~ويتذللوا ويتوبوا من ذنوبهم. فما يأخذ الله به الغافلين من الشدائد ~~والمحن ليس من أجل التسلية والتشفى - تعالى الله عن ذلك - وإنما من أجل ~~أن ترق القلوب الجامدة، وتتعظ المشاعر الخامدة، ويتجه البشر الضعاف إلى ~~خالقهم، يتضرعون إليه ويستغفرونه، عما فرط منهم من خطايا. ثم بين - ~~سبحانه - لونا آخر من ألوان ابتلائه للناس فقال { ثم بدلنا ~~مكان السيئة الحسنة } المراد بالسيئة ما يسوء ويحزن ~~كالشدائد والأمراض. وبالحسنة السعة والصحة وأنواع الخيرات. أى ثم بعد أن ~~ابتلينا هؤلاء الغافلين بالبأساء والضراء رفعنا ذلك عنهم، وابتليناهم ~~بضده، بأن أعطيناهم بدل المصائب نعما، فإذا الرخاء ينزل بهم مكان الشدة، ~~واليسر مكان الحرج، والعافية بدل الضر، والذرية بدل العقم. والكثرة بدل ~~القلة، والأمن محل الخوف. # قال الآلوسى وقوله { ثم بدلنا } معطوف على { أخذنا } داخل ~~فى حكمه، وهو - أى بدلنا - متضمن معنى أعطى الناصب لمفعولين وهما هنا ~~الضمير المحذوف والحسنة أى أعطيناهم الحسنة فى مكان السيئة ومعنى كونها ~~فى مكانها أنها بدل منها. ويرى بعض العلماء أن لفظ { مكان } مفعول به ~~لبدلنا وليس ظرفا، والمعنى بدلنا مكان الحال السيئة الحال الحسنة، ~~فالحسنة هى المأخوذة الحاصلة فى مكان السيئة المتروكة. وقوله { حتى ~~عفوا } أى كثروا ونموا فى أنفسهم وأموالهم. يقال عفا النبات، وعفا ~~الشحم إذا كثر وتكاثف. وأعفيته. أى تركته يعفو ويكثر، ومنه قوله صلى الله ~~عليه وسلم # " وأعفوا اللحى ms2009 " # أى وفروها وكثروها. فماذا كان موقفهم من ابتلاء الله إياهم بالشدائد ~~تارة وبالنعم أخرى؟ لقد كان موقفهم يدل على فساد فطرتهم، وانحطاط نفوسهم، ~~وعدم اتعاظهم بما تجرى به الأقدار، وبما بين أيديهم من سراء وضراء تحمل ~~كل عاقل على التفكير والاعتبار. استمع إلى القرآن وهو يصور موقفهم فيقول ~~{ وقالوا قد مس آباءنا الضرآء والسرآء }. أى ~~أنهم حينما رأوا ألوان الخيرات بين أيديهم بعد أن كانوا فى بأساء وضراء، ~~لم يعتبروا ولم يشكروا الله على نعمه، بل قالوا بغباء وجهل. قد مس آباءنا ~~من قبلنا ما يسوء وما يسر، وتناوبهم ما ينفع وما يضر، ونحن مثلهم يصيبنا ~~ما أصابهم، وقد أخذنا دورنا من الضراء كما أخذوا، وجاء دورنا فى السراء ~~فلنغنمها فى إرواء شهواتنا. وإشباع متعنا، فتلك عادة الزمان فى أبنائه ~~ولا داعى لأن ننظر إلى السراء والضراء على أنهما نوع من الابتلاء ~~والاختبار. وهذا شأن الغافلين الجاهلين فى كل زمان ومكان، إنهم لا ~~يعتبرون بأى لون من ألوان العبر، ولا يستشعرون فى أنفسهم تحرجا من شىء ~~يعملونه. وإن قولهم هذا ليوحى بحالة نفسية خاصة " حالة عدم المبالاة ~~والاستهتار " وهى حالة أكثر ما تكون مشاهدة فى أهل الرخاء والجاه. فهم ~~يسرفون ويبذرون بدون تحرج، ويرتكبون كل كبيرة تقشعر لها الأبدان بدون ~~اكتراث، وتغشاهم العبر من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ~~ومع كل ذلك لا يعتبرون ولا يتعظون. هذا شأنهم، أما المؤمنون فإنهم ليسوا ~~كذلك، وإنما هم كما وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قوله # " عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن. إن ~~اصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ". # ولم يترك القدر أولئك الغافلين بدون قصاص، وإنما فاجأهم بالعقوبة التى ~~تناسبهم، قال - تعالى - { فأخذناهم بغتة وهم لا ~~يشعرون } أى فكان عاقبة بطرهم وأشرهم وغفلتهم أن أخذناهم بالعذاب ~~فجأة، من غير شعور منهم بذلك، ولا خطور شىء من المكاره ببالهم، لأنهم ~~كانوا - لغبائهم - يظنون أنهم سيعيشون ms2010 حياتهم فى نعم الحياة ورغدها بدون ~~محاسبة لهم على أعمالهم القبيحة، وأقوالهم الذميمة. # فالجملة الكريمة تشير إلى أن أخذهم بالعقوبة كان أليما شديدا، لأنهم ~~فوجئوا بها مفاجأة بدون مقدمات. وجملة { وهم لا يشعرون } حال من ~~المفعول به فى { أخذناهم } مؤكدة لمعنى البغتة. ثم بين - سبحانه - ~~أن سنته قد جرت بفتح أبواب خيراته للمحسنين، وبإنزال نقمه على المكذبين ~~الضالين فقال { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا ~~لفتحنا عليهم بركات من السمآء والأرض }. ~~البركات جمع بركة وهى ثبوت الخير الإلهى فى الشىء، وسمى بذلك لثبوت ~~الخير فيه كما يثبت الماء فى البركة. قال الراغب ولما كان الخير الإلهى ~~يصدر من حيث لا يحس، وعلى وجه لا يحصى ولا يحصر، قيل لكل ما يشاهد منه ~~زيادة غير محسوسة هو مبارك وفيه بركة ". والمعنى ولو أن أهل تلك القرى ~~المهلكة آمنوا بما جاء به الرسل. واتقوا ما حرمه الله عليهم، لآتيناهم ~~بالخير من كل وجه. ولوسعنا عليه الرزق سعة عظيمة، ولعاشوا حياتهم عيشة ~~رغدة لا يشوبها كدر، ولا يخالطها خوف. وفى قوله { فتحنا } استعارة ~~تبعيه، لأنه شبه تيسير البركات وتوسعتها عليهم بفتح الأبواب فى سهولة ~~التناول. وقيل المراد بالبركات السماوية المطر، وبالبركات الأرضية النبات ~~والثمار وجميع ما فيها من خيرات. وقوله { ولكن كذبوا ~~فأخذناهم بما كانوا يكسبون } بيان لموقفهم الجحودى. أى ~~ولكنهم لم يؤمنوا ولم يتقوا بل كذبوا الرسل الذين جاءوا لهدايتهم فكانت ~~نتيجة تكذيبهم وتماديهم فى الضلال أن عاقبناهم بالعقوبة التى تناسب جرمهم ~~واكتسابهم للمعاصى، فتلك هى سنتنا التى لا تتخلف، نفتح للمؤمنين المتقين ~~أبواب الخيرات، وننقتم من المكذبين الضالين بفنون العقوبات. وقد يقال ~~إننا ننظر فنرى كثيرا من الكافرين والعصاة مفتوحا عليهم فى الرزق والقوة ~~والنفوذ وألوان الخير، وترى كثيرا من المؤمنين مضيقا عليهم فى الرزق وفى ~~غيره من وجوه النعم، فأين هذا من سنة الله التى حكتها الآية الكريمة؟ ~~والجواب على ذلك أن الكافرين والعصاة قد يبسط لهم فى الأرزاق وفى ألوان ~~الخيرات بسطا كبيرا، ولكن هذا على سبيل الاستدراج كما ms2011 فى قوله - تعالى - # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم ~~بغتة فإذا هم مبلسون # ومما لا شك فيه أن الابتلاء بالنعمة الذى مر ذكره فى الآية السابقة { ~~ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا } ~~لا يقل خطرا عن الابتلاء بالشدة. فقد ابتلى الله كثيرا من الناس بألوان ~~النعم فأشروا وبطروا ولم يشكروه عليها فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر. وشتان ~~بين نعم تساق لإنسان على سبيل الاستدراج فى الشرور والآثام فتكون نقمة ~~على صاحبها لأنه يعاقب عقابا شديدا بسبب سوء استعمالها، وبين النعم التى ~~وعد بها من يؤمنون ويتقون. # إنها نعم مصونة عن المحق والسلب والخوف، لأن أصحابها شكروا الله عليها. ~~واستعملوها فيما خلقت له، فكانت النتيجة أن زادهم الله غنى على غناهم، ~~وأن منحهم الأمان والاطمئنان وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ثم يتجه ~~القرآن إلى الغافلين، ليوقظ فيهم مشاعر الخوف من بأس الله وعقابه فيقول { ~~أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم ~~نآئمون }. البيات قصد العدو ليلا. يقال بيت القوم بياتا، إذا أوقعوا ~~به ليلا، وهو حال بمعنى بائتين. والاستفهام للانكار والتعجيب من أمر ليس ~~من شأنه أن يقع من العاقل، والمراد بأهل القرى أهل مكة وغيرهم من القرى ~~التى بعث إليها الرسول صلى الله عليه وسلم. وقيل المراد بهم الأمة ~~المحمدية من عصر النور الأعظم إلى يوم القيامة لتعتبر بما أنزل بغيرها ~~كما يرشد إليه قوله - تعالى - بعد ذلك { أولم يهد للذين ~~يرثون الأرض من بعد أهلهآ }. وقيل المراد بهم من ذكر ~~حالهم فيما تقدم من القرى المهلكة بسبب ذنوبها. قال الجمل والفاء للعطف ~~على { فأخذناهم بغتة } وما بينهما وهو قوله { ولو أن ~~أهل القرى } إلى هنا اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه جىء به ~~للمسارعة إلى بيان أن الأخذ المذكور إنما هو بما كسبت أيديهم. والمعنى ~~أبعد ذلك الأخذ أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون؟ فالآية ~~الكريمة تحذر الناس من الغفلة عن طاعة الله، وتحثهم ms2012 على التيقظ والاعتبار ~~وقوله { أو أمن أهل القرى } إنكار بعد إنكار للمبالغة فى ~~التوبيخ والتشديد { أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون ~~} أى أن يأتيهم عقابنا فى ضحوة النهار وانبساط الشمس، وهم لاهون لاعبون ~~من فرط الغفلة. فقد خوفهم - سبحانه - بنزول العذاب فى الوقت الذى يكونون ~~فيه فى غاية الغفلة وهو حال النوم بالليل، وحال الضحى بالنهار لأنه الوقت ~~الذى يغلب على المرء التشاغل فيه باللذات. وقوله { أفأمنوا مكر ~~الله } تكرير لمجموع الإنكارين السابقين، جمعا بين التفريق قصدا إلى ~~زيادة التحذير والإنذار. والمكر فى الأصل الخداع، ويطلق على الستر يقال ~~مكر الليل أى ستر بظلمته ما هو فيه، وإذا نسب إليه - سبحانه - فالمراد به ~~استدراجه للعبد العاصى حتى يهلكه فى غفلته تشبيها لذلك بالخداع. قال صاحب ~~الكشاف فإن قلت فلم رجع فعطف بالفاء قوله { أفأمنوا مكر الله ~~}؟ قلت هو تكرير لقوله { أفأمن أهل القرى } ومكر الله ~~استعارة لأخذه العبد من حيث لا يشعر ولاستدراجه، فعلى العاقل أن يكون فى ~~خوفه من مكر الله كالمحارب الذى يخاف من عدوه الكمين والبيات والغيلة. ~~وعن الربيع بن خثعم أن ابنته قالت له مالى أراك لا تنام والناس ينامون؟ ~~فقال با بنتاه إن إباك يخاف البيات. أراد قوله { أن يأتيهم ~~بأسنا بياتا }. # والمعنى أفأمنوا مكر الله وتدبيره الخفى الذى لا يعلمه البشر فغفلوا عن ~~قدرتنا على إنزال العذاب بهم بياتا أو ضحوة؟ لئن كانوا كذلك فهم بلا ريب ~~عن الصراط لناكبون، وعن سنن الله فى خلقه غافلون، فإنه { فلا يأمن ~~مكر الله إلا القوم الخاسرون } أى إلا القوم الذين ~~خسروا أنفسهم وعقولهم، ولم يستفيدوا شيئا من أنواع العبر والعظات التى ~~بثها الله فى أنحاء هذا الكون. هذا، ويرى الإمام الشافعى وأتباعه أن ~~الأمن من مكر الله كبيرة من الكبائر، لأنه استرسال فى المعاصى اتكالا على ~~عفو الله. وقال الحنفية إن الأمن من مكر الله كفر كاليأس، لقوله - تعالى ~~- # إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم ~~الكافرون # وقوله { فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ms2013 ~~}. ثم بين - سبحانه - أن من الواجب على الأحياء الذين يرثون الأرض من ~~أهلها الذاهبين المهلكين، الذين أهلكتهم ذنوبهم، وجنت عليهم غفلتهم، ~~وعوقبوا على استهتارهم وغرورهم من الواجب على هؤلاء الأحياء أن يعتبروا ~~ويتعظوا ويحسنوا القول والعمل حتى ينجوا من العقوبات. قال - تعالى - { ~~أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلهآ أن ~~لو نشآء أصبناهم بذنوبهم }. الاستفهام للانكار ~~والتوبيخ. ويهد أى يتبين، يقال هداه السبيل أو الشىء وهداه إليه، إذا دله ~~عليه وبينه له. أى أو لم يتبين لهؤلاء الذين يعيشون على تلك الأرض التى ~~ورثوها بعد أهلها المهلكين، أننا فى قدرتنا أن ننزل بهم العذاب بسبب ~~ذنوبهم كما أنزلناه بأولئك المهلكين. والمراد بالذين يرثون الأرض من بعد ~~أهلها، أهل مكة ومن حولها الذين أرسل النبى صلى الله عليه وسلم لهدايتهم. ~~وقيل المراد بهم الأحياء فى كل زمان ومكان الذين يخلفون من سبقهم من ~~الأمم. قال الجمل وفاعل { يهد } فيه وجوه أظهرها أنه المصدر المؤول من ~~أن وما فى حيزها والمفعول محذوف. والتقدير أو لم يهد أى يبين ويوضح ~~للوارثين مآلهم وعاقبة أمرهم إصابتنا إياهم بذنوبهم لو شئنا ذلك. وقوله { ~~ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون } جملة مستأنفة ~~لإثبات حصول الطبع على قلوبهم. أى ونحن نطبع على قلوبهم ونختم عليها، ~~بسبب اختيارهم الكفر على الإيمان، فهم لذلك لا يسمعون الحكم والنصائح ~~سماع تفقه وتدبر واتعاظ. والذى يتأمل فى الآيات السابقة يراها تحذر الناس ~~بأساليب متنوعة حكيمة من الغفلة عن العظات والعبر، وتحضهم على التخلص من ~~الأمن الكاذب، والشهوات المردية. والمتع الزائلة. وما يريد القرآن بهذا ~~أن يعيش الناس قلقين، يرتجفون من الهلاك والدمار أن يأخذهم فى لحظة من ~~ليل أو نهار. كلا، ما يريد منهم ذلك لأن القلق الدائم من المستقبل، يشل ~~طاقة البشر، وقد ينتهى بهم إلى اليأس من العمل والإنتاج وتنمية الحياة. ~~وإنما الذى يريد القرآن منهم أن يتعظوا بآيات الله فى كونه، وأن يكونوا ~~دائما على صلة طيبة به، وأن يبتغوا فيما آتاهم الله من فضله الدار ~~الآخرة ms2014 دون أن ينسوا نصيبهم من الدنيا، وألا يغتروا بطراوة العيش، ورخاء ~~الحياة، وقوة الجاه، كى لا يقودهم ذلك إلى الفساد والطغيان، والاستهتار ~~والانحلال. # وإذا كان القرآن فى هذه الآية قد حذر وأنذر، فلأنه يعالج كل أمة وجماعة ~~بالطب الذى يناسبها ويلائمها، فهو يعطيها جرعات من الأمن والثقة ~~والطمأنينة حين يرسخ الإيمان فى قلوب أبنائها، وحين يراقبون خالقهم فى ~~سرهم وعلنهم، ويشكرونه على نعمه، وهو يعطيها جرعات من التحذير والتخويف، ~~حين تستولى الشهوات على النفوس، وحين تصبح الدنيا بمتعها ولذائذها المطلب ~~الأكبر عند الناس. هذا وبعد أن انتهت السورة الكريمة من الحديث عما جرى ~~لبعض الأنبياء مع أقوامهم، ومن بين سنن الله فى خلقه، وبعد أن حذرت ~~وأنذرت، اتجهت بالخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتطلعه على ~~النتيجة الأخيرة لابتلاء تلك القرى، وما تكشف عنه من حقائق تتعلق بطبيعة ~~الكفر وطبيعة الإيمان فقالت { تلك القرى نقص عليك من ~~أنبآئها }. أى تلك القرى التى طال الأمد على تاريخها، وجهل قومك أيها ~~الرسول الكريم أحوالها. وهى قرى قوم نوح وعاد وثمود وقوم شعيب، نقص عليكم ~~ما فيه العظات والعبر من أخبارها. ليكون ذلك تسلية لك وتثبيتا لفؤادك، ~~وتأييدا لصدقك فى دعوتك. قال الزمخشرى " قوله - تعالى - { تلك ~~القرى نقص عليك من أنبآئها } كقوله # وهذا بعلي شيخا # فى أنه مبتدأ وخبر وحال. ويجوز أن يكون القرى صفة لتلك ونقص خبرا، وأن ~~يكون { القرى نقص } خبرا بعد خبر. فإن قلت ما معنى { تلك ~~القرى }؟ حتى يكون كلاما مفيدا. قلت هو مفيد ولكن بشرط التقييد ~~بالحال كما يفيد بشرط التقييد بالصفة فى قولك هو الرجل الكريم. فإن قلت ~~ما معنى الإخبار عن القرى بنقص عليك من أنبائها؟ قلت معناه أن تلك القرى ~~المذكورة نقص عليك بعض أخبارها ولها أنباء أخرى لم نقصها عليك ". وإنما ~~قص الله - تعالى - على رسوله صلى الله عليه وسلم أنباء أهل هذه القرى، ~~لأنهم اغتروا بطول الإمهال مع كثرة النعم، فتوهموا أنهم على الحق، ~~فذكرها الله لمن أرسل إليهم الرسول صلى ms2015 الله عليه وسلم ليحترسوا عن مثل ~~تلك الأعمال، وليعتبروا بما أصاب الغافلين الطاغين من قبلهم. ثم بين - ~~سبحانه - أنه قد أعذر إليهم بأن وضح لهم الحق بالحجج على ألسنة الرسل ~~فقال { ولقد جآءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا من قبل } أى ولقد جاء إلى أهل تلك ~~القرى رسلهم بالدلائل الدالة على صدقهم، فما كانوا ليؤمنوا بعد رؤية ~~المعجزات من رسلهم بما كانوا قد كذبوا به قبل رؤيتها منهم، لأنهم لجحودهم ~~وعنادهم تحجرت قلوبهم، واستوت عندهم الحالتان حالة مجىء الرسل بالمعجزات ~~وحالة عدم مجيئهم بها. # وقيل إن المعنى ما كانوا لو أحييناهم بعد إهلالكهم ورددناهم إلى دار ~~التكليف ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل إهلاكهم، ونظيره قوله - تعالى - # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # وقوله { كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين } أى " ~~مثل ذلك الطبع الشديد المحكم الذى طبع الله به على قلوب أهل تلك القرى ~~المهلكة، يطبع الله على قلوب أولئك الكافرين الذين جاءوا من بعدهم بسبب ~~إيثارهم الضلالة على الهداية. ثم كشف القرآن عن طبيعتهم فقال { وما ~~وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنآ أكثرهم ~~لفاسقين }. أى ما وجدنا لأكثر الناس من وفاء بعهودهم فى الإيمان ~~والتقوى، بل الحال والشأن أننا علمنا أن أكثرهم فاسقين، أى خارجين عن ~~طاعتنا، تاركين لأوامرنا، منتهكين لحرماتنا. وبعضهم يجعل الضمير فى { ~~لأكثرهم } لأهل القرى المهلكة، وأنهم كانوا إذا عاهدوا الله بعهد ~~نقضوه ولم يوفوا به. والأول أرجح. والمراد بالعهد ما عاهدهم الله عليه من ~~الإيمان والتقوى والعمل الصالح. ومن فى قوله { من عهد } مزيدة ~~للاستغراق وتأكيد النفى. وإنما حكم على الأكثرين منهم بنقض العهود، لأن ~~الأقلية منهم قد آمنوا ووفوا بما عاهدوا الله عليه من الإيمان والعمل ~~الصالح. وهذا لون من الاحتراس الذى امتاز به القرآن فى عرضه للحقائق، فهو ~~لا يلقى التهم جزافا، وإنما يعطى كل ذى حق حقه، فإن كان الأكثرون قد ~~استحقوا الذم لكفرهم ونقضهم لعهودهم، فإن هناك قلة آمنت فاستحقت المدح ~~والثناء. قال الآلوسى و { إن } مخففة من ms2016 الثقيلة وضمير الشأن محذوف، ولا ~~عمل لها فيه لأنها ملغاة على المشهور. وذهب الكوفيون إلى أن { إن } هنا ~~نافية واللام فى { لفاسقين } بمعنى إلا، أى ما وجدنا أكثرهم إلا ~~فاسقين ". وإلى هنا تكون الآيات الكريمة التى جاءت فى أعقاب الحديث عن ~~أهل القرى المهلكة، قد بينت لنا السنن الإلهية فى سعادة الأمم وشقائها، ~~وكشفت لنا عن حكمته - سبحانه - فى ابتلائه لعباده بالسراء تارة وبالضراء ~~أخرى، وحضت الناس على المراقبة لله وشكره على نعمائه، وحذرتهم من الغفلة ~~والأمان من مكره - سبحانه - فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. ~~ثم اتجهت فى النهاية بالخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأطلعته ~~على الطبائع الغالبة فى البشر حتى لا يضيق ذرعا بأحوال من أرسل إليهم. ~~ثم عادت السورة بعد ذلك إلى الحديث عن قصة أخرى من قصص الأنبياء مع ~~أقوامهم، فحدثتنا عن قصة موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل بعد حديثها قبل ~~ذلك عن شعيب الذى كان معاصرا لموسى - عليهما السلام -. فأنت ترى أن ~~السورة الكريمة قد التزمت الترتيب التاريخى فى حديثها عن الأنبياء - ~~عليهم الصلاة والسلام -. # ولقد قلنا من قبل إن الأسلوب البارز فى هذه السورة الكريمة وهى تدعو ~~الناس إلى وحدانية الله يتجلى فى تذكيرهم بنعم الله التى لا تحصى، ~~وتخويفهم عن طريق سرد أحوال الأمم المهلكة، بسبب مخالفتها لرسلها، وعتوها ~~عن أمر ربها، ولعل هذا هو السر فى أنها ساقت لنا قصص نوح وهود وصالح ولوط ~~وشعيب مع أممهم الذين أهلكوا بسبب كفرهم ولم تذكر لنا - مثلا - قصة ~~إبراهيم مع قومه مع أن لوطا - عليه السلام - كان معاصرا له، وذلك لأن ~~قوم إبراهيم لم يهلكوا، ولم يلتمس هو من ربه ذلك، بل اعتزلهم وما يعبدون ~~من دون الله. فالسورة الكريمة قد التزمت فى مجموعها الحديث عن مصارع ~~المكذبين ليكونوا عبرة لكل عاقل، وذكرى لكل عبد منيب. ومن هنا فهى لا ~~تحدثنا عن قصة موسى من أولها كما جاء فى سورة القصص مثلا وإنما هى تبدأ ~~حديثها عنها بالغرض ms2017 الذى جاءت من أجله وهو التخويف من عواقب التكذيب ~~فتقول # ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنآ إلى فرعون ~~وملئه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة ~~المفسدين # وهكذا تصرح السورة الكريمة فى أول آية من قصة موسى بالهدف الذى سيقت من ~~أجله وهو النظر والتدبر فى عاقبة المفسدين. ثم بعد ذلك تحدثنا حديثا ~~مستفيضا زاخرا بالعبر والعظات عما دار بين موسى وفرعون من محاورات ~~ومجادلات انتهت بغرق فرعون وقومه، ثم عما دار بين موسى وبين بنى إسرائيل ~~من مجادلات تدل على أصالتهم فى الكذب والافساد والفسوق عن أمر الله. ~~والآن فلنستمع إلى السورة الكريمة وهى تحكى لنا قصة موسى مع فرعون ومع ~~بنى إسرائيل فى نحو سبعين آية تبدؤها بقوله - تعالى - { ثم بعثنا ~~من... }. ### || [7.103-126] # هذا هو الدرس الأول من قصة موسى مع فرعون وفيه نرى ما دار بين موسى ~~وفرعون من محاورات، وما دار بين موسى والسحرة من مناقشات ومساجلات انتهت ~~بإيمان السحرة وهم يضرعون إلى الله بلسان صادق، وقلب سليم فيقولون - كما ~~حكى القرآن عنهم - { ربنآ أفرغ علينا صبرا وتوفنا ~~مسلمين }. ولنبدأ فى تفسير آيات هذا الدرس من أولها فنقول قوله - ~~تعالى - { ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنآ إلى ~~فرعون وملئه } معطوف على ما قبله من قصص الأنبياء الذين تحدثت ~~عنهم السورة الكريمة. وموسى - عليه السلام - هو ابن عمران من نسل لاوى بن ~~يعقوب. ويرى بعض المؤرخين أن ولادة موسى كانت فى حوالى القرن الثالث عشر ~~قبل الميلاد، وأن بعثته كانت فى عهد منفتاح بن رمسيس الثانى. وفرعون لقب ~~لملوك مصر القدماء، كلقب قيصر لملوك الروم، وكسرى لملوك الفرس، والمعنى ~~ثم بعثنا من بعد أولئك الرسل الذين سبق الحديث عنهم - وهم نوح وهود وصالح ~~ولوط وشعيب - بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا التى تدل على صدقه فيما يبلغه ~~عن ربه إلى فرعون وملئه، وهم اشراف قومه، ووجهاء دولته. قال بعض العلماء ~~" ولم يقل - سبحانه - إلى فرعون وقومه، لأن الملك ورجال الدولة هم الذين ~~كانوا مستعبدين لبنى إسرائيل، وبيدهم أمرهم، وليس ms2018 لسائر المصريين من ~~الأمر شىء، ولأنهم كانوا مستعبدين - أيضا ولكن الظلم على بنى إسرائيل ~~الغرباء كان أشد ". وقوله { بآياتنآ } متعلق بمحذوف وقع حالا من ~~مفعول بعثنا، أو صفة لمصدره. أى بعثناه - عليه السلام - ملتبسا بها. أو ~~بعثناه بعثا ملتبسا بها. والمراد بها الآيات التسع وهى العصا، واليد ~~البيضاء، والسنون، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، ~~والدم. ثم بين - سبحانه - فى الآية الأولى من هذه القصة كيف تلقى فرعون ~~وملؤه دعوة موسى وآياته فقال { فظلموا بها } أى فكفروا بهذه ~~الآيات تكبرا وجحودا، فكان عليهم وزر ذلك، وقد عدى الظلم هنا بالباء مع ~~أنه يتعدى بنفسه لتضمنه معنى الكفر، إذ هما من واد واحد قال - تعالى - # إن الشرك لظلم عظيم # ويجوز أن تكون الباء للسببية والمفعول محذوف، أى ظلموا أنفسهم بسببها ~~بأن عرضوها للعقاب المهين. أو ظلموا الناس بصدهم عن الإيمان بهذه ~~الآيات، واستمروا على ذلك إلى أن حق عليهم العذاب الأليم. ثم ختمت الآية ~~بالأمر بالتدبر فى أحوال هؤلاء الظالمين وفيما حل بهم من سوء المصير فقال ~~- تعالى - { فانظر كيف كان عاقبة المفسدين } أى فانظر ~~أيها الرسول الكريم - أو أيها العاقل - كيف كانت عاقبة فرعون وملئه الذين ~~أفسدوا فى الأرض، لقد أخذهم الله بذنوبهم فأغرقهم فى اليم، وموسى وقومه ~~ينظرون إليهم، وتلك عاقبة كل من طغى وآثر الحياة الدنيا. # ووضع - سبحانه - المفسدين موضع ضميرهم للايذان بأن الظلم مستلزم ~~للافساد. و { كيف } خبر لكان مقدم عليها لاقتضائه الصدارة. وعاقبة، ~~اسمها، وهذه الجملة الاستفهامية فى محل نصب على إسقاط حرف الجر، إذ ~~التقدير فانظر بعين عقلك إلى كيفية ما فعلناه بهم. وهكذا نرى السورة ~~الكريمة ترينا فى أول آية من هذه القصة الغرض الذى سيقت من أجله وهو ~~التدبر فى عواقب المكذبين، والتخويف من المصير الذى ساروا إليه، وتنهى ~~الناس فى كل زمان ومكان عن السير على منوالهم. والسورة الكريمة عندما ~~ترينا ذلك فى مطلع هذه القصة تكون متناسقة كل التناسق مع أسلوبها الذى ~~اختارته فى دعوة الناس إلى وحدانية الله وإلى مكارم ms2019 الأخلاق، وهو أسلوب ~~التذكير بالنعم، والتحذير من عواقب الظلم والطغيان - كما سبق أن أشرنا ~~إلى ذلك فى التمهيد بين يدى السورة. ثم بعد هذا التنبيه الاجمالى إلى مآل ~~المفسدين، أخذت السورة تحكى لنا ما دار بين موسى - عليه السلام - وبين ~~فرعون بصورة مفصلة فقالت { وقال موسى يفرعون إني رسول ~~من رب العالمين } أى قال موسى - عليه السلام - لفرعون فى أدب ~~واعتزاز إنى رسول من رب العالمين، أرسلنى إليك لأدعوك لعبادته والخضوع ~~له. ثم بين له أنه بمقتضى هذه الرسالة لا يقول إلا كلمة الحق فقال { ~~حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق } أى ~~جدير بألا أقول على الله إلا القول الحق. و { حقيق } صفة { رسول } ~~أو خبر لمبتدأ محذوف أى أنا حقيق. أو خبر بعد خبر. و { على } بمعنى ~~الباء. وقرأ أبى " حقيق بأن لا أقول على الله إلا الحق " وقرأ عبد الله ~~ابن مسعود " حقيق ألا أقول ". وقرأ نافع " حقيق على أن لا أقول على الله ~~إلا الحق " أى واجب وحق على أن لا أخبر عنه - تعالى - إلا بما هو حق ~~وصدق. ثم قال { قد جئتكم ببينة من ربكم } أى قد ~~جئتكم بحجة قاطعة من الله أعطانيها دليلا على صدقى فيما جئتكم به. وفى ~~قوله { من ربكم } إشعار بأن ما جاء به من حجج وبراهين لم يكن من ~~صنعه. وإنما هو من عند رب العالمين، الذى بيده ملكوت كل شىء. { ~~فأرسل معي بني إسرائيل } أى قد جئتكم ببينة عظيمة الشأن ~~فى الدلالة على صدقى. فأطلق بنى إسرائيل من أسرك واعتقهم من رقك وقهرك، ~~ودعهم يخرجون أحرارا من تحت سلطانك ليذهبوا معى إلى دار سوى دارك. وإلى ~~هنا يكون موسى - عليه السلام - قد بين لفرعون طبيعة رسالته وطالبه برفع ~~الظلم عن المظلومين فماذا كان رد فرعون. # يحكى القرآن رده فيقول { قال إن كنت جئت بآية } أى بمعجزة ~~تشهد بصدقك من عند من أرسلك كما تدعى { فأت بهآ } أى فأحضرها عندى ~~ليثبت بها صدقك فى دعواك { إن كنت من ms2020 الصادقين } فى دعواك أنك ~~من الملتزمين لقول الحق. وعبر بإن المفيدة للشك فى تحقيق مضمون الجملة ~~الشرطية، للايذان بأنه ليس معتقدا فى صدق موسى - عليه السلام. وهنا يحكى ~~لنا القرآن ما أسرع بفعله موسى للرد على فرعون فقال { فألقى عصاه ~~فإذا هي ثعبان مبين } أى فألقى موسى عصاه التى كانت بيده ~~أمام فرعون فإذا هى ثعبان مبين، أى ظاهر بين لاخفاء فى كونه ثعبانا ~~حقيقيا يسعى فى خفة وسرعة كأنه جان. والثعبان الذكر العظيم من الحيات، ~~وقيل إنه الحية مطلقا. وقد ذكر بعض المفسرين روايات عن ضخامة هذا الثعبان ~~وأحواله، إلا أننا أضربنا عنها صفحا لضعفها. ثم حكى القرآن معجزة أخرى ~~لموسى تشهد بصدقة فقال { ونزع يده فإذا هي بيضآء ~~للناظرين } النزع إخراج الشىء من مكانه. أى وأخرج موسى يده من درعه ~~بعد أن أدخلها فيه أو من طوق قميصه، أو من إبطه فإذا هى بيضاء بياضا ~~عجيبا خارقا للعادة من غير أن يكون بها على من مرض أو غيره. قيل إنه كان ~~لها شعاع يغلب ضوء الشمس. قال الآلوسى قوله { فإذا هي بيضآء ~~للناظرين } أى بيضاء بياضا نورانيا خارجا عن العادى يجتمع عليه ~~النظار. وقيل المعنى بيضاء لأجل النظار لا أنها بيضاء فى أصل خلقتها، ~~لأنه - عليه السلام - كان آدم - أى أسمر - شديد الأدمة فقد أخرج البخارى ~~عن عبد الله بن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " وأما موسى فآدم جثيم سبط كأنه من رجال الزط " # وعنى صلى الله عليه وسلم بالزط جنسا من السودان والهنود. وبذلك يكون ~~موسى قد أتى بالبينة التى تدعو فرعون وملأه إلى الإيمان به فهل آمنوا؟ ~~كلا إنهم ما آمنوا بل استمروا فى ضلالهم، وحكى لنا القرآن أن حاشية فرعون ~~السيئة، وأصحاب الجاه والغنى فى دولته غاظهم ما جاء به موسى، يدل على ذلك ~~قوله - تعالى - { قال الملأ من قوم فرعون إن هذا ~~لساحر عليم }. أى قال الأشراف من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم، أى ~~راسخ فى علم السحر، ماهر فيه. ms2021 ولم يكتفوا بهذا القول الباطل، بل أخذوا ~~يثيرون الناس على موسى، ويهولون لهم الأمر ليقفوا فى وجهه فقالوا # يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا ~~تأمرون # أى يريد هذا الساحر أن يسلب منكم ملككم، وأن يصبح هو ملكا على مصر، ~~فماذا تأمرون لإتقاء هذا الخطر الداهم؟ وبماذا تشيرون فى أمره؟ فهو من ~~الأمر بمعنى المشاورة. # يقال آمرته فآمرنى. أى شاورته فأشار على. قال صاحب الكشاف فإن قلت قد ~~عزى هذا الكلام إلى فرعون فى سورة الشعراء حيث قال # قال للملإ حوله # أى قال فرعون للملأ حوله # إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من ~~أرضكم بسحره فماذا تأمرون # وهنا عزى إلى الملأ فكيف الجمع، قلت قد قاله هو وقالوه هم فحكى قوله ~~هناك وقولهم ههنا. أو قاله ابتداء فتلقفه منه الملأ فقالوه لأعقابهم. أو ~~قالوه عنه للناس عن طريق التبليغ كما يفعل الملوك، يرى الواحد منهم الرأى ~~فيكلم به من يليه من الخاصة، ثم تبلغه الخاصة العامة.. وقولهم { فماذا ~~تأمرون } من امرته فأمرنى بكذا إذا شاورته فأشار عليك برأى وقيل { ~~فماذا تأمرون } من كلام فرعون، قاله للملأ لما قالوا له إن هذا ~~لساحر عليم يريد أن يخرجكم " كأنه قيل فماذا تأمرون؟ فأجابوه ارجه ~~وأخاه.. ". ثم حكى القرآن ما أشار به الملأ من قوم فرعون فقال { ~~قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدآئن حاشرين * ~~يأتوك بكل ساحر عليم }. أرجه أصله أرجئه - وقد قرىء به - ~~حذفت الهمزة وسكنت الهاء، تشبيها للضمير المنفصل بالضمير المتصل. ~~والإرجاء التأخير. يقال ارجيت هذا الأمر وارجأته، إذا أخرته. ومنه # ترجي من تشآء منهن # والمدائن أى البلاد جمع مدينة، وهى من مدن بالمكان - كنصر - إذا أقام ~~به، و { حاشرين } أى جامعين، يقال حشر الناس - من باب نصر وضرب - ~~يحشرهم حشرا إذا جمعهم، ومنه يوم الحشر والمحشر. والمعنى " قال الملأ من ~~قوم فرعون حين استشارهم فى أمر موسى أخر أمره وأمر أخيه ولا تتعجل ~~بالقضاء فى شأنهما، وأرسل فى مدائن ملكك رجالا أو جماعات من الشرطة ~~يجمعون إليك السحرة المهرة، ms2022 لكى يقفوا فى وجه هذا الساحر العليم، ويكشفوا ~~عن سحره ويبطلوه بسحر مثله أو أشد " وكان السحر فى عهد فرعون من الأعمال ~~الغالبة التى يحسنها كثير من أهل مملكته. وقال بعضهم الأمر بالتأخير دل ~~على أنه تقدم منه أمر آخر، وهو الهم بقتله، فقالوا له أخره ليتبين حاله ~~للناس. وقال القاسمى " تدل الآية على معجزة عظيمة لموسى، وتدل على جهل ~~فرعون وقومه، حيث لم يعلموا أن قلب العصا حية تسعى لا يقدر عليه إلا الله ~~وتدل على أن من عادة البشر أن من رأى أمرا عظيما أن يعارضه، فلذلك دعا ~~فرعون بالسحرة وتدل على أنهم أنكروا أمره محافظة على الملك والمال، لذلك ~~قالوا { يريد أن يخرجكم من أرضكم } فيدل على أن من ~~أقوى الدواعى إلى ترك الدين، المحافظة على الرياسة والمال والجاه كما هى ~~عادة الناس فى هذا الزمن ". وقوله { في المدآئن } متعلق بأرسل، و { ~~حاشرين } نعت لمحذوف أى رجالا حاشرين. # ومفعوله محذوف. أى حاشرين السحرة، بدليل ما بعده. ولا يذكر السياق ~~القرآنى بعد ذلك أنهم أرسلوا إلى السحرة، ولا أنهم جمعوهم، وإنما يترك ~~ذلك للعقل يفهمه حيث لا داعى لذكر هذه التفاصيل. ويتجه القرآن إلى الحديث ~~عما دار بين السحرة وبين فرعون بعد أن جمعوا من مدائن الصعيد بمصر حيث ~~كان مقرهم هناك فيقول { وجآء السحرة فرعون قالوا إن ~~لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم ~~وإنكم لمن المقربين }. أى وأقبل السحرة سريعا على فرعون ~~بعد أن أرسل إليهم فقالوا له بلغة المحترف الذى مقصده الأول مما يعمله ~~الأجر والعطاء إن لنا لأجرا عظيما إن كانت لنا الغلبة على هذا الساحر ~~العليم؟ فهم يستوثقون أولا من جزالة الأجر وضخامته. وهنا يجيبهم فرعون ~~بقوله نعم لكم أجر مادى جزيل إذا انتصرتم عليه، وفضلا عن ذلك فأنتم ~~تكونون بهذا الانتصار من الظافرين بقربى وجوارى. فهو يغريهم بالأجر ~~المادى ويعدهم بالقرب المعنوى من قلبه تشجيعا لهم على الإجادة، وهو وهم ~~لا يعلمون أن الموقف ليس موقف الاحتراف والمهارة والتضليل، وإنما هو ms2023 موقف ~~المعجزة والرسالة والاتصال بالقوة الغالبة التى لا يستطيع الوقوف فى ~~وجهها الساحرون ولا المتجبرون وغيرهم. هذا، وقد اختلف المفسرون فى عدد ~~هؤلاء السحرة فقيل، كانوا اثنين وسبعين ساحرا، وقيل كانوا أكثر من ذلك ~~بكثير. وبعد أن اطمأن السحرة على الأجر، وتطلعت نفوسهم إليه، يحكى لنا ~~القرآن أنهم توجهوا إلى موسى بلغة الواثق من قوته، المتحدى لخصمه { ~~قالوا يموسى إمآ أن تلقي وإمآ أن نكون نحن ~~الملقين }. أى أنت يا موسى مخير بين أن تلقى عصاك أولا وبين أن نلقى ~~نحن أولا وأنت تفعل ما تشاء بعدنا، وكأنهم يقولون له وفى كلتا الحالتين ~~فنحن على ثقة من الفوز والنصر فأرح نفسك واستسلم لنا مقدما. ويرى ~~الزمخشرى أن تخييرهم إياه أدب حسن راعوه معه، كما يفعل أهل الصناعات إذا ~~التقوا كالمتناظرين قبل أن يتخاوضوا فى الجدال، والمتصارعين قبل أن ~~يتآخذوا فى الصراع. ولقد حكى لنا القرآن فى سورة طه أن موسى نصحهم بعدم ~~الدخول معه فى معركة هم الخاسرون فيها قطعا فقال # قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله ~~كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى # أما هنا فيحكى لنا القرآن أن موسى - عليه السلام - قد طلب منهم أن يلقوا ~~أولا مستهينا بتحديهم له، غير مبال بهم ولا بمن جمعهم، لأنه قد اعتمد على ~~خالقه { قال ألقوا فلمآ ألقوا سحروا أعين ~~الناس واسترهبوهم وجآءوا بسحر عظيم }. أى قال لهم ~~موسى ألقوا ما أنتم ملقون أولا، فلما ألقوا ما كان معهم من الحبال والعصى ~~{ سحروا أعين الناس } أى خيلوا إلى الأبصار أن ما فعلوه له ~~حقيقة فى الخارج مع أنه لم يكن إلا مجرد صنعة وخيال، ولذا لم يقل - ~~سبحانه - سحروا الناس. # وقوله { واسترهبوهم } أى خوفوهم وأفزعوهم بما فعلوا من السحر. { ~~وجآءوا بسحر عظيم } أى فى باب السحر، أو فى عين من رآه، فإنه ~~ألقى كل واحد منهم عصاه، فصارت كأنها ثعابين. والتعبير بقوله - سبحانه - ~~{ واسترهبوهم } تعبير مصور بليغ، فهو يوحى بأنهم استجاشوا وجدان ~~الناس قسرا، وساقوهم سوقا بوسائل مصطنعة مفتعلة ms2024 لا تستند إلى واقع سليم. ~~روى أنهم ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا، فإذا حيات كأمثال الجبال قد ~~ملأت الوادى يركب بعضها بعضا. وروى أنهم لونوا حبالهم وخشبهم وجعلوا فيها ~~ما يوهم الحركة. قيل جعلوا فيها الزئبق. وقال بعض العلماء قيل إنها كانت ~~عصيا مجوفة قد ملئت زئبقا، وقد حفروا قبل ذلك تحت المواضع أسرابا ملؤها ~~نارا، فلما طرحت عليها العصى المجوفة المملوءة بالزئبق حركها، لأن شأن ~~الزئبق إذا أصابته النار أن يطير، فأخبر الله أن ذلك كان مموها على غير ~~حقيقته. فعلى هذا يكون سحرهم لأعين الناس عبارة عن هذه الحيلة الصناعية. ~~ويمضى القرآن فيبين لنا أن هذا السحر العظيم الذى استرهب الناس وسحر ~~أعينهم، قد تهاوى فى لحظة، وانطوى فى ومضة، وزالت آثاره بعد أن قذفه موسى ~~بسلاح الحق الذى سلحه به ربه، استمع إلى القرآن وهو يحكى ذلك فيقول { ~~وأوحينآ إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ~~ما يأفكون * فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون ~~* فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين }. اللقف التناول ~~بسرعة. يقال لقف الشىء يلقفه لقفا ولقفانا، أخذه بسرعة. والإفك الكذب. ~~يقال أفك يأفك، وأفك يأفك إفكا وأفكا - كضرب وعلم - إذا كذب، واصله من ~~الأفك - بفتح أوله - وهو بمعنى صرف الشىء عن وجهه الذى يجب أن يكون عليه. ~~واطلق على الكذب إفك - بكسر الهمزة - لكونه مصروفا عن وجه الحق، ثم صار ~~حقيقة فيه. والمعنى وأوحينا إلى موسى - بعد أن أوجس خيفة مما رآه من أمر ~~السحرة - أن الق عصاك ولا تخف إنك أنت الأعلى، فألقاها فإذا هى تبتلع ~~وتلتقم بسرعة ما يكذبون ويموهون به أولئك السحرة { فوقع الحق } ~~أى ظهر وتبين الحق الذى عليه موسى - وفسد وبطل ما كانوا يعملون من الحيل ~~والتخييل وذهب تأثيره. وترتب على ذلك أن أصابت الهزيمة المنكرة فرعون ~~وملأه وسحرته فى ذلك المجمع العظيم، الذى حشر الناس له فى يوم عيدهم ~~وزينتهم، وانقلب الجميع إلى بيوتهم صاغرين أذلاء، بعد أن أنزل بهم موسى ~~الخذلان والخيبة. وان قوله { أن ألق } يجوز أن ms2025 تكون مفسرة لتقدم ما ~~فيه معنى القول دون حروفه وهو الإيحاء، ويجوز أن تكون مصدرية فتكون هى ~~وما بعدها مفعول الايحاء. # والفاء فى قوله { فإذا هي تلقف } فصيحة أى فألقاها فصارت حية ~~فإذا هى تلقف ما يأفكون. وإنما حذف هذا المقدر للإيذان بمسارعة موسى إلى ~~الالقاء، وبغاية سرعة الانقلاب، كأن ابتلاعها لما يأفكون قد حصل متصلا ~~بالأمر بالإلقاء. و { ما } فى قوله { ما يأفكون } موصولة والعائد ~~محذوف أى الذى يأفكونه، أو مصدرية وهى مع الفعل بمعنى المفعول أى فإذا هى ~~تلقف المأفوك. وفى التعبير بقوله - سبحانه - { فوقع الحق ~~وبطل ما كانوا يعملون } تجسيم لهذا الحق الذى كان عليه ~~موسى، وتثبيت واستقرار له، حتى لكأنه شىء ذو ثقل نزل على شىء آخر خفيف ~~الوزن فأزاله ومحاه من الوجود. وهذه الآيات الكريمة تصور لنا كيف أن ~~الباطل قد يسحر عيون الناس ببريقه لفترة من الوقت، وقد يسترهب قلوبهم ~~لساعة من الزمان، حتى ليخيل إلى الكثيرين الغافلين أنه غالب وجارف. ولكن ~~ما إن يواجهه الحق الهادىء الثابت المستقر بقوته التى لا تغالب حتى يزهق ~~ويزول، وينطفىء كشعلة الهشيم، وإذا بأتباع هذا الباطل يصيبهم الذل ~~والصغار، وهم يرون صروحهم تتهاوى، وآمالهم تتداعى، أمام نور الحق المبين، ~~وإذا بتحديهم الصريح، وتطاولهم الأحمق يتحول إلى استسلام مهين، وذل مشين. ~~ثم يحكى لنا القرآن بعد ذلك موقف السحرة بعد أن رأوا بأعينهم أن ما فعله ~~موسى - عليه السلام - ليس من قبيل السحر فقال { فغلبوا هنالك ~~وانقلبوا صاغرين وألقي السحرة ساجدين } أى خروا ~~سجدا، كأنما - كما قال الزمخشرى - قد القاهم ملق لشدة خرورهم أو لم ~~يتمالكوا أنفسهم مما رأوا فكأنهم ألقوا. والمراد أن ظهور بطلان سحرهم، ~~وإدراكهم بأن موسى على الحق، قد حملهم على السجود لله - تعالى - وأن نور ~~الحق قد بهرهم وجعلهم يسارعون إلى الإيمان حتى لكأن أحدا قد دفعهم إليه ~~دفعا، وألقاهم إليه إلقاء. وقوله { قالوا آمنا برب ~~العالمين رب موسى وهارون } أى قال السحرة بعد أن تبين لهم ~~الحق وخروا ساجدين لله، آمنا بمالك أمر ms2026 العالمين ومدبر شئونهم، والمتصرف ~~فيهم، وجملة { رب موسى وهارون } بدل من الجملة التى قبلها، أو ~~صفة لرب العالمين، أو عطف بيان. وفائدة ذلك نفى توهم من يتوهم أن رب ~~العالمين قد يطلق على غير الله - تعالى - كقول فرعون # أنا ربكم الأعلى # وهكذا نرى أثر الحق عندما تخالط بشاشته القلوب الواعية، لقد آمن السحرة ~~وصرحوا بذلك أمام فرعون وشيعته، لأنهم أدركوا عن يقين قطعى أن ما جاء به ~~موسى - عليه السلام - ليس من قبيل السحر، والعالم فى فنه هو أكثر الناس ~~استعدادا للتسليم بالحقيقة حين تتكشف له، ومن هنا فقد تحول السحرة من ~~التحدى السافر إلى التسليم المطلق أمام صوله الحق الذى لا يجحده إلا ~~مكابر حقود. # ولكن فرعون وملأه لم يرقهم ما شاهدوا من إيمان السحرة، ولم يدركوا ~~لانطماس بصيرتهم فعل الإيمان فى القلوب، فأخذ يتوعدهم بالموت الأليم ~~ويحكى القرآن ذلك فيقول { قال فرعون آمنتم به قبل أن ~~آذن لكم } أى قال فرعون منكرا على السحرة إيمانهم، آمنتم برب موسى ~~وهارون قبل أن آمركم أنا بذلك؟ فهو لغروره وجهله ظن أن الإيمان بالحق ~~بعد أن تبين يحتاج إلى استئذان. ثم أضاف إلى ذلك اتهامهم بأن إيمانهم لم ~~يكن عن إخلاص ليصرف الناس عنهم فقال { إن هذا لمكر ~~مكرتموه في المدينة لتخرجوا منهآ أهلها } أى ~~إن ما صنعتموه من الإيمان برب موسى وهارون ليس عن اقتناع منكم بذلك، بل ~~هو حيلة احتلتموها أنتم وموسى قبل أن يلقى كل منكم بسحره، لكى تخرجوا من ~~مصر أهلها الشرعيين، وتخلص لكم ولبنى إسرائيل. وغرضه من هذا القول إفهام ~~قبط مصر أن إيمان السحرة كان عن تواطؤ مع موسى، وأنهم يهدفون من وراء ذلك ~~إلى إخراجهم من أوطانهم، فعليهم. - أى القبط - أن يستمسكوا بدينهم وأن ~~يعلنوا عداوتهم لموسى وللسحرة ولبنى إسرائيل. ولا شك أن هذا لون من الكذب ~~الخبيث أراد من ورائه فرعون صد الناس عن الإيمان بموسى - عليه السلام -. ~~ثم أتبع هذا الاتهام الباطل بالوعيد الشديد فقال { فسوف تعلمون ~~} أى فسوف تعلمون عاقبة ما ms2027 فعلتم. ثم فصل هذا الوعيد بقوله { ~~لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم ~~لأصلبنكم أجمعين }. أى أقسم لأقطعن من كل شق منكم عضوا ~~مغايرا للآخر، كاليد من الجانب الأيمن، والرجل من الجانب الأيسر، ثم ~~لأصلبنكم أجمعين تفضيحا لكم، وتنكيلا لأمثالكم. ومع أن فرعون قد توعد ~~هؤلاء المؤمنين بالعذاب والتشويه والتنكيل والموت القاسى البطىء الموهوب، ~~فإننا نراهم يقابلون كل ذلك بالصبر الجميل، والإيمان العميق، والاستهانة ~~ببطش فرعون وجبروته فيقولون له بكل ثبات واطمئنان { إنآ إلى ~~ربنا منقلبون } قال صاحب الكشاف " فيه أوجه أن يريدوا إنا لا ~~نبالى بالموت لانقلابنا إلى لقاء ربنا ورحمته وخلاصنا منك ومن لقائك. أو ~~ننقلب إلى الله يوم الجزاء فيثيبنا على شدائد القطع والصلب. أو إنا ~~جميعا يعنون أنفسهم وفرعون ننقلب إلى الله فيحكم بيننا. أو إنا لا محالة ~~ميتون منقلبون إلى الله فما تقدر أن تفعل بنا إلا ما لا بد لنا منه ". ثم ~~قالوا له على سبيل الاستهزاء والتوبيخ { وما تنقم منآ إلا ~~أن آمنا بآيات ربنا لما جآءتنا } أى وما تكره منا ~~وتعيب إلا الإيمان بالله، مع أن ما تكرهه منا وتعيبه علينا هو أعظم ~~محاسننا، لأنه خير الأعمال، وأعظم المناقب، فلا نعدل عنه طلبا لمرضاتك. ~~يقال نقم عليه أمره، ونقمت منه نقما - من باب ضرب - عبته وكرهته أشد ~~الكراهة. قال الجمل " وقوله { إلا أن آمنا } يجوز أن يكون فى محل ~~نصب مفعول به، أى ما تعيب علينا إلا إيماننا. # ويجوز أن يكون مفعولا من أجله. أى ما تنال منا وتعذبنا لشىء من الأشياء ~~إلا لإيماننا. وعلى كل من القولين فهو استثناء مفرغ ". ثم ختموا ~~مناقشتهم لفرعون بالانصراف عنه والالتجاء إلى الله - تعالى - فقالوا { ~~ربنآ أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين } أى يا ~~ربنا افض علينا صبرا واسعا لنثبت على دينك، وتوفنا إليك حالة كوننا ~~مسلمين لك مذعنين لأمرك ونهيك، مستسلمين لقضائك. وبذلك يكون السحرة قد ~~ضربوا للناس فى كل زمان ومكان أروع الأمثال فى التضحية من أجل العقيدة، ~~وفى الوقوف أمام الطغيان بثبات وعزة، وفى ms2028 الصبر على المكاره والآلام، وفى ~~المسارعة إلى الدخول فى الطريق الحق بعد أن تبين لهم، وفى التعالى عن كل ~~مغريات الحياة. قال قتادة كانوا فى أول النهار كفارا سحرة. وفى آخره ~~شهداء بررة، فرضى الله عنهم وحشرنا فى زمرتهم. وبعد هذا الحديث الذى ~~ساقته السورة عما دار بين موسى وفرعون، وبين موسى والسحرة، والذى انتهى ~~بإيمان السحرة برب العالمين بعد ذلك بدأت السورة تحكى لنا ما قاله الملأ ~~من قوم فرعون بعد هزيمتهم المنكرة، وما قاله موسى - عليه السلام - لقومه ~~بعد أن بلغهم وعيد فرعون وتهديده لهم، وما رد به قومه عليه مما يدل على ~~سفاهتهم فقالت { وقال الملأ.... }. ### || [7.127-129] # قوله - تعالى - { وقال الملأ من قوم فرعون أتذر ~~موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك ~~}. أى قال الزعماء والوجهاء من قوم فرعون له، بعد أن أصابتهم الهزيمة ~~والخذلان فى معركة الطغيان والإيمان، قالوا له على سبيل التهييج ~~والإثارة أتترك موسى وقومه أحرارا آمنين فى أرضك، ليفسدوا فيها بإدخال ~~الناس فى دينهم، أو جعلهم تحت سلطانهم ورياستهم. روى أنهم قالوا له ذلك ~~بعد أن رأوا عددا كبيرا من الناس، قد دخل فى الإيمان متبعا السحرة ~~الذين قالوا # آمنا برب العالمين # وقوله { ويذرك وآلهتك } معناه أتتركهم أنت يعبدون رب موسى ~~وهارون، ويتركون عبادتك وعبادة آلهتك، فيظهر للناس عجزك وعجزها، فتكون ~~الطامة الكبرى التى بها بفسد ملكك. قال السدى إن فرعون كان قد صنع لقومه ~~أصناما صغارا وأمرهم بعبادتها، وسمى نفسه الرب الأعلى. وقال الحسن إنه ~~كان يعبد الكواكب ويعتقد أنها المربية للعالم السفلى كله، وهو رب النوع ~~الانسانى. وقد قرىء { ويذرك } بالنصب والرفع أما النصب فعلى أنه ~~معطوف على { ليفسدوا } وأما الرفع فعلى أنه عطف على { أتذر } ~~أو على الاستئناف، أو على أنه حال بحذف المبتدأ أى وهو يذرك. والمتأمل فى ~~هذا الكلام الذى حكاه القرآن عن الملأ من قوم فرعون، يراه يطفح بأشد ~~ألوان التآمر والتحريض. فهم يخوفونه فقدان الهيبة والسلطان بتحطيم ~~الأوهام التى يستخدمها السلطان، لذا نراه يرد عليهم بمنطق ms2029 الطغاة ~~المستكبرين فيقول { سنقتل أبنآءهم ونستحيي ~~نسآءهم وإنا فوقهم قاهرون }. أى لا تخافوا ولا ترتاعوا ~~أيها الملأ فإن قوم موسى أهون من ذلك، وسننزل بهم ما كنا نفعله معهم من ~~قبل وهو تقتيل الأبناء، وترك النساء أحياء، وإنا فوقهم غالبون كما كنا ما ~~تغير شىء من حالنا، فهم الضعفاء ونحن الأقوياء، وهم الأذلة ونحن الأعزة. ~~فأنت ترى أن ما قاله الملأ من قوم فرعون هو منطق حاشية السوء فى كل عهود ~~الطغيان فهم يرون أن الدعوة إلى وحدانية الله إفساد فى الأرض، لأنها ~~ستأتى على بنيانهم من القواعد. ولأنها هى الدعوة إلى وحدانية الله التى ~~ستحرر الناس من ظلمهم وجبرتهم، وتفتح العيون على النور الذى يخشاه أولئك ~~الفاسقون. وترى أن ما قاله فرعون هو منطق الطغاة المستكبرين دائما. فهم ~~يلجأون إلى قوتهم المادية ليحموا بها آثامهم، وشهواتهم، وسلطانهم القائم ~~على الظلم، والبطش، والمنافع الشخصية. ويبلغ موسى وقومه هذا التهديد ~~والوعيد من فرعون وملئه فماذا قال موسى - عليه السلام -؟ لقد حكى القرآن ~~عنه أنه لم يحفل بهذا التهديد بل أوصى قومه بالصبر، ولوح لهم بالنصر. ~~استمع إلى القرآن وهو يحكى قول موسى - عليه السلام - فيقول { قال ~~موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض ~~لله يورثها من يشآء من عباده والعاقبة ~~للمتقين }. # أى قال موسى لقومه على سبيل التشجيع والتسلية حين ضجوا وارتعبوا من ~~تهديدات فرعون وملئه يا قوم استعينوا بالله فى كل أموركم. واصبروا على ~~البلاء، فهذه الأرض ليست ملكا لفرعون وملئه، وإنما هى ملك لله رب ~~للعالمين، وهو - سبحانه - يورثها لمن يشاء من عباده، وقد جرت سنته - ~~سبحانه - أن يجعل العاقبة الطيبة لمن يخشاه ولا يخشى أحدا سواه. بهذا ~~الأسلوب المؤثر البليغ، وبهذه الوصايا الحكيمة، وصى موسى قومه بنى ~~إسرائيل فماذا كان ردهم عليه؟ لقد كان ردهم يدل على سفاهتهم، فقد قالوا ~~له { أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا } ~~أى قال بنو إسرائيل لموسى ردا على نصيحته لهم لقد أصابنا الأذى من فرعون ~~قبل أن تأتينا يا ms2030 موسى بالرسالة، فقد قتل منا ذلك الجبار الكثير من ~~أبنائنا وأنزل بنا ألوانا من الظلم والاضطهاد وأصابنا الأذى بعد أن ~~جئتنا بالرسالة كما ترى من سوء أحوالنا. واشتغالنا بالأشغال الحقيرة ~~المهينة، فنحن لم نستفد من رسالتك شيئا، فإلى متى نسمع منك تلك النصائح ~~التى لا جدوى من ورائها؟. ومع هذا الرد السفيه من قوم موسى عليه، نراه ~~يرد عليهم بما يليق به فيقول { عسى ربكم أن يهلك ~~عدوكم } فرعون الذى فعل بكم ما فعل من أنواع الظلم، وتوعدكم بما ~~توعد من صنوف الاضطهاد. { ويستخلفكم في الأرض } أى يجعلكم ~~خلفاء فيها من بعد هلاكه هو وشيعته. { فينظر كيف تعملون } أى ~~فيرى - سبحانه - الكائن منكم من العمل، حسنه وقبيحه، ليجازيكم على حسب ~~أعمالكم، فإن استخلافكم فى الأرض من بعد هلاك أعدائكم ليس محاباة لكم، ~~وإنما هو استخلاف للاختبار والامتحان، فإن أحسنتم زادكم الله من فضله، ~~وإن أسأتم كان مصيركم كمصير أعدائكم. وفى التعبير " بعسى " الذى يدل على ~~الرجاء، أدب عظيم من موسى مع ربه - عز وجل - وتعليم للناس من بعده أن ~~يلتزموا هذا الأدب السامى مع خالقهم، وفيه كذلك منع لهم من الاتكال وترك ~~العمل، لأنه لو جزم لهم فى الوعد فقد يتركون السعى والجهاد اعتمادا على ~~ذلك. وقيل إن موسى ساق لهم ما وعدهم به فى صيغة الرجاء لئلا يكذبوه، لضعف ~~نفوسهم بسبب ما طال عليهم من الذل والاستخذاء لفرعون وقومه، واستعظامهم ~~لملكه وقوته، فكأنهم يرون أن ما قاله موسى مستبعد الحصول، لذا ساقه لهم ~~فى صورة الرجاء. ثم تمضى السورة الكريمة بعد ذلك فتحدثنا فى بضع آيات عن ~~العذاب الذى أخذ الله به آل فرعون بسبب ظلمهم وطغيانهم، وكيف أن الله - ~~تعالى - قد حقق لموسى رجاءه، وكيف أن أولئك الظالمين لمن يمنعهم العذاب ~~الذى نزل بهم من ارتكاب المنكرات والآثام. ### || [7.130-137] # تدبر معنا أيها القارىء الكريم تلك الآيات الكريمة التى تحكى كل ذلك ~~وغيره بأسلوبها البليغ المؤثر. قال القرطبى قوله - تعالى - { ولقد ~~أخذنآ آل فرعون بالسنين } يعنى الجدب، وهذا معروف ms2031 فى ~~اللغة، يقال أصابتهم سنة، أى جدب. وتقديره جدب سنة، وفى الحديث # " اللهم اجعلها عليهم سنين كسنى يوسف " # والسنة هنا بمعنى الجدب لا بمعنى الحول. ومنه أسنت القوم، أى أجدبوا ~~وقحطوا. وقال الآلوسى هذا شروع فى تفصيل مبادئ الهلاك الموعود به، وإيذان ~~بأنهم لم يمهلوا حتى تحولوا من حال إلى حال إلى أن حل بهم عذاب ~~الاستئصال. والمعنى ولقد أخذنا آل فرعون أى اختبرناهم وامتحناهم بالجدب ~~والقحط، وضيق المعيشة، وانتقاص الثمرات لعلهم يثوبون إلى رشدهم ويتذكرون ~~ضعفهم أمام قوة خالقهم، ويرجعون عما هم فيه من الكفر والعصيان، فإن ~~الشدائد من شأنها أن ترقق القلوب، وتصفى النفوس، وترغب فى الضراعة إلى ~~الله، وتدعو إلى اليقظة والتفكير ومحاسبة النفس على الخطايا اتقاء ~~للبلايا. وصدرت الآية الكريمة بالقسم، لاظهار الاعتناء بمضمونها. والمراد ~~بآل فرعون قومه وأتباعه، فهم مؤاخذون بظلمه وطغيانه، لأن قوته المالية ~~والجندية منهم، وقد خلقهم الله أحرارا وأكرمهم بالعقل والفطرة التى تكره ~~الظلم والطغيان بالغريزة فكان حقا عليهم ألا يقبلوا استعباده لهم وجعلهم ~~آلة لطغيانه، لا سيما بعد بعثة موسى - عليه السلام - ووصول دعوته إليهم، ~~ورؤيتهم لما أيده الله به من الآيات. وإضافة الآل إليه وهو لا يضاف إلا ~~إلى الأشراف، لما فيه من الشرف الدنيوى الظاهر، وإن كان فى نفس الأمر ~~خسيسا. ثم بين - سبحانه - أن آل فرعون لم يعتبروا بهذا الأخذ والامتحان، ~~وإنما ازدادوا تمردا وكفرا فقال { فإذا جآءتهم الحسنة ~~قالوا لنا هذه }. أى فإذا جاءهم ما يستحسنونه من الخصب والسعة ~~والرخاء، قالوا بغرورن وصلف ما جاء هذا الخير إلا من أجلنا لأننا أهل له، ~~ونحن مستحقوه وبكدنا واجتهادنا وامتيازنا على غيرنا ناسين فضل الله ~~عليهم، ولطفه بهم، غافلين عن شكره على نعمائه. { وإن تصبهم ~~سيئة يطيروا بموسى ومن معه } أى وإن اتفق أن ~~أصابتهم سيئة أى حالة تسوءهم كجدب أو قحط أو مصيبة فى الأبدان أو ~~الأرزاق، تشاءموا بموسى ومن معه من أتباعه، وقالوا ما أصابنا ما أصابنا ~~إلا بشؤمهم ونحسهم، ولو لم يكونوا معنا لما أصبنا. وأصل ms2032 { يطيروا ~~} يتطيروا فأدغمت التاء فى الطاء لمقاربتها لها. والتطير التشاؤم والأصل ~~فى إطلاق التطير على التشاؤم أن العرب كانت تزجر الطير فتتشاءم بالبارح ~~وهو ما طار إلى الجهة اليسرى، وتتيامن بالسانح وهو ما طار إلى الجهة ~~اليمنى. ومنه سموا الشؤم طيرا وطائرا، والتشاؤم تطيرا. وقد يطلق الطائر ~~على الحظ والنصيب خيرا كان أو شرا، ولكنه غالب فى الشر. # وإنما عرف الحسنة وذكرها مع أداة التحقيق - وهى إذا - لكثرة وقوعها ~~وتعلق الإرادة بإحداثها بالذات، لأن العناية الإلهية اقتضت سبق الرحمة ~~وعموم النعمة قبل حصول الأعمال. ونكر السيئة وذكرها بأداة الشك - وهى إن ~~- لندورها وعدم تعلق الإرادة بإحداثها إلا بالتبع، فإن النقمة بمقتضى ~~تلك العناية إنما تستحق بسبب الأعمال السيئة. وقوله - تعالى - { ألا ~~إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون } استئناف مسوق للرد على خرافاتهم وأباطيلهم. وصدر بلفظ " ~~ألا " الذى يفيد التنبيه لإبراز كمال العناية بمضمون هذا الخبر. أى إنما ~~سبب شؤمهم هو أعمالهم السيئة المكتوبة لهم عند الله، فهى التى ساقت إليهم ~~ما يسوءهم وليس لموسى ولا لمن معه أى تدخل فى ذلك. ولكن أكثرهم يجهلون ~~هذه الحقيقة، فيقولون ما يقولون مما تمليه عليهم أهواؤهم وجهالاتهم. وفى ~~إسناد عدم العلم إلى أكثرهم، إشعار بأن قلة منهم تعلم ذلك، ولكنها لا ~~تعمل بمقتضى علمها. هذا، وقد أفادت الآية الكريمة أن القوم لم يتأثروا لا ~~بالرخاء ولا بالشدائد. الرخاء العظيم، والخصب الواسع زادهم غرورا ~~وبطرا، والشدائد والمحن جعلتهم ينسبون أسبابها إلى غيرهم دون أن يتوبوا ~~إلى الله من ذنوبهم. مع أن الشدائد - كما يقول صاحب الكشاف - تجعل الناس ~~" أضرع خدودا وألين أعطافا، وأرق أفئدة ". ثم تحكى السورة الكريمة أن آل ~~فرعون قد لجوا فى طغيانهم يعمهون فقالت { وقالوا مهما تأتنا ~~به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين }. ~~أى قال الملأ من بنى إسرائيل لموسى بعد أن رأوا من حججه الدالة على صدقه ~~إنك يا موسى إن تجئنا بكل نوع من أنواع الآيات التى تستدل بها على حقية ~~دعوتك لأجل أن ms2033 تسحرنا بها، أى تصرفنا بها عما نحن فيه، فما نحن لك ~~بمصدقين، ولا لرسالتك بمتبعين. ومنطقهم هذا يدل على منتهى العناد ~~والجحود، فهم قد صاروا فى حالة نفسية لا يجدى معها دليل ولا ينفع فيها ~~إقناع، لأنهم قد أعلنوا الإصرار على التكذيب حتى ولو أتاهم نبيهم بألف ~~دليل ودليل، وهكذا شأن الجبارين الذين قست قلوبهم، ومسخت نفوسهم وأظلمت ~~مشاعرهم، حين يدمغهم الحق، ويطاردهم الدليل الساطع بنوره الواضح، إنهم ~~تأخذهم العزة بالإثم فيأبون أى لون من ألوان التفكير والتدبر. قال الجمل ~~و { مهما } اسم شرط جازم - يدل على العموم -، و { من آية } بيان ~~له، والضميران فى " به " و " بها " راجعان لمهما الأول مراعاة للفظها ~~لإبهامه، والثانى مراعاة لمعناها ". وسموا ما جاء به موسى - عليه السلام ~~- آية من باب المجاراة له والاستهزاء بها حيث زعموا أها نوع من السحر كما ~~ينبىء عنه قولهم { لتسحرنا بها }. # ثم حكت السورة الكريمة ما حل بهؤلاء الفجرة من عقوبات جزاء عتوهم ~~وعنادهم فقالت { فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد ~~والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات ~~فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين }. أى فأرسلنا على ~~هؤلاء الجاحدين عقوبة لهم الطوفان. قال الآلوسى أى ما طاف بهم، وغشى ~~أماكنهم وحروثهم من مطر وسيل، فهو اسم جنس من الطواف. وقد اشتهر فى طوفان ~~الماء، وجاء تفسيره هنا بذلك فى عدة روايات عن ابن عباس وجاء عن عطاء ~~ومجاهد تفسيره بالموت، وفسره بعضهم بالطاعون وكانوا أول من عذبوا به ". ~~وأرسلنا عليهم { الجراد } فأكل زروعهم وثمارهم وأعشابهم، حتى ترك ~~أرضهم سوداء قاحلة. وأرسلنا عليهم { القمل } وهو ضرب معروف من ~~الحشرات المؤذية، وقيل هو السوس الذى أكل حبوبهم وما اشتملت عليه بيوتهم. ~~وأرسلنا عليهم { الضفادع } فصعدت من الأنهار والخلجان والمنابع فغطت ~~الأرض وضايقتهم فى معاشهم ومنامهم. وأرسلنا عليهم { الدم } فصارت مياه ~~الأنهار مختلطة به، فمات السمك فيها، وقيل المراد بالدم الرعاف الذى كان ~~يسيل من أنوفهم. تلك هى النقم التى أنزلها الله - تعالى - على هؤلاء ~~المجرمين، بسبب فسوقهم عن أمر ربهم، وتكذيبهم لنبيهم - عليه السلام -. ~~وقوله { آيات ms2034 } حال من العقوبات الخمس المتقدمة. وقوله { مفصلات ~~} أى مبينات واضحات لا يشك عاقل فى كونها آيات إلهية لا مدخل فيها للسحر ~~كما يزعمون. وقيل { مفصلات } أى مميزا بعضها عن بعض، منفصلة ~~بالزمان لامتحان أحوالهم. وكان بين كل اثنين منها شهر، وكان امتداد كل ~~واحدة منها شهرا، كما أخرج ذلك ابن المنذر عن ابن عباس ثم وضحت الآية فى ~~نهايتها موقفهم من هذا الابتلاء وتلك العقوبات فقالت { فاستكبروا ~~وكانوا قوما مجرمين } أى فاستكبروا عن الإيمان بموسى - ~~عليه السلام - وعما جاء به من معجزات، وكانوا قوما طبيعتهم الاجرام ~~ودينهم الكفر والفسوق. ثم بين - سبحانه - حالهم عند نزول العقاب بهم فقال ~~{ ولما وقع عليهم الرجز قالوا يموسى ادع لنا ~~ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز ~~لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرآئيل }. أى ~~وحين وقع على فرعون ومثله العذاب المذكور فى الآية السابقة، والمتمثل فى ~~الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، حين وقع عليهم ذلك أخذوا يقولون ~~لموسى بتذلل واستعطاف عقب كل عقوبة من تلك العقوبات يا موسى ادع لنا ربك ~~واسأله بحق ما عهد عندك من أمر إرسالك إلينا لانقاذنا من الهلاك أن يكشف ~~عنا هذا العذاب، ونحن نقسم لك بأنك إن كشفته عنا لنؤمنن لك ولنرسلن معك ~~بنى إسرائيل. قال صاحب الكشاف { بما عهد عندك } " ما مصدرية، ~~والمعنى بعهده عندك وهو النبوة، والباء إما أن تتعلق بقوله { ادع لنا ~~ربك } على وجهين أحدهما أسفنا إلى ما نطلب إليك من الدعاء لنا بحق ما ~~عندك من عهد الله وكرامته بالنبوة. # أو ادع الله لنا متوسلا إليه بعهده عندك. وإما أن يكون قسما مجابا ~~بلنؤمنن، أى أقسمنا بعهد الله عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ". ثم ~~بين - سبحانه - موقفهم الجحودى فقال { فلما كشفنا عنهم ~~الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون } أى فلما ~~كشفنا عنهم العذاب مرة بعد مرة إلى الوقت الذى أجل لهم وهو وقت إغراقهم ~~فى اليم، إذا هم ينكثون أى ينقضون عهدهم الذى التزموه، ويحنثون فى قسمهم ~~فى ms2035 كل مرة. وينكثون من النكث. وأصله فك طاقات الصوف المغزول ليغزل ثانيا، ~~ثم استعير لنقض العهد بعد إبرامه. قال الآلوسى " وجواب " لما " فعل مقدر ~~يؤذن به إذا الفجائية لا الجملة المقترنة بها، أى فلما كشفنا عنهم ذلك ~~فاجأوا بالنكث من غير توقف ". هذا، وقد ساق بعض المفسرين آثارا متعددة فى ~~كيفية نزول هذا العذاب بهم. ونم هذه الآثار ما رواه أبو جعفر بن جرير - ~~بسنده - عن سعيد بن جبير قال لما أتى موسى - عليه السلام - فرعون قال له ~~أرسل معى بنى إسرائيل، فأرسل الله عليهم الطوفان وهو المطر فصب عليهم منه ~~شيئا خافوا أن يكون عذابا. فقالوا لموسى ادع لنا ربك أن يكشف عنا هذا ~~المطر فنؤمن لك ونرسل معك بنى إسرائيل. فدعا ربه، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا ~~معه بنى إسرائيل. فأنبت لهم فى تلك السنة شيئا لم ينبته قبل ذلك من ~~الزروع والثمار والكلأ، فقالوا هذا ما كنا نتمنى، فأرسل الله عليهم ~~الجراد فسلطه على الكلأ فلما رأوا أثره فى الكلأ عرفوا أنه لا يبقى الزرع ~~فقالوا يا موسى ادع لنا ربك أن يكشف عنا الجراد فنؤمن لك ونرسل معك بنى ~~إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم الجراد فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بنى ~~إسرائيل، فداسوا وأحرزوا فى البيوت فقالوا قد أحرزنا. فأرسل الله عليهم ~~القمل وهو السوس الذى يخرج منه، فكان الرجل يخرج عشرة أجربة إلى الرحى ~~فلم يرد منها إلا ثلاثة أقفزة - والجريب والقفيز مكيالان للحبوب، والجريب ~~أربعة أقفزة - فقالوا يا موسى ادع لنا ربك أن يكشف عنا القمل فنؤمن لك ~~ونرسل معك بنى إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم فأبوا أن يرسلوا معه بنى ~~إسرائيل. فبينما هو جالس عند فرعون إذ سمع نقيق ضفدع فقال لفرعون ما تلقى ~~أنت وقومك من هذا. فقال وما عسى أن يكون كيد هذا، فما أمسوا حتى كان ~~الرجل يجلس إلى ذقنه فى الضفادع، ويهم أن يتكلم فيثبت الضفدع فى فيه ~~فقالوا لموسى ادع لنا ربك أن يكشف عنا هذه الضفادع فنؤمن لك ms2036 ونرسل معك ~~بنى إسرائيل فدعا ربه فكشف عنهم فلم يؤمنوا، وأرسل الله عليهم الدم ~~فكانوا ما استقوا من الأنهار والآبار، وما كان فى أوعيتهم وجدوه دما ~~عبيطا، فشكوا إلى فرعون، فقالوا إنا قد ابتلينا بالدم وليس لنا شراب، ~~فقال إنه قد سحركم، فقالوا من أين سحرنا ونحن لا نجد فى أوعيتنا شيئا من ~~الماء إلا وجدناه دما عبيطا؟ فأتوه وقالوا يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا ~~هذا الدم فنؤمن لك ونرسل معك بنى إسرائيل، فدعا ربه فلم يؤمنوا ولم ~~يرسلوا معه بنى إسرائيل. # قال ابن كثير قد روى نحو هذا عن ابن عباس والسدى وقتادة وغير واحد من ~~علماء السلف أنه أخبر بهذا. ثم حكت السورة الكريمة نهايتهم الأليمة، بسبب ~~نقضهم لعهودهم ومواثيقهم فى كل مرة، وبسبب تكذيبهم لآيات الله. وعصيانهم ~~لنبيهم موسى - عليه السلام - فقالت { فانتقمنا منهم ~~فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا ~~وكانوا عنها غافلين } أى فانتقمنا منهم عند بلوغ الأجل ~~المضروب لإهلاكهم. بأن أغرقناهم فى اليم - أى البحر -، وذلك بسبب ~~تكذيبهم لآياتنا الواضحة، وحججنا الساطعة، وكانوا عنها غافلين بحيث لا ~~يتدبرونها، ولا يتفكرون فيما تحمله من عظات وعبر. والقرآن هنا يسوق حادث ~~إغراق فرعون وملئه بصورة مجملة، فلا يفصل خطواته كما فصلها فى مواطن ~~أخرى، وذلك لأن المقام هنا هو مقام الأخذ الحاسم بعد الإمهال الطويل، ~~فلا داعى إذن إلى طول العرض والتفصيل. إن الحسم السريع هنا أوقع فى ~~النفس، وأرهب للحس، وأزجر للقلب، وأدعى إلى العظة والاعبتار، ولأن سورة ~~الأعراف - كما سبق أن بينا - يغلب عليها هذا الأسلوب الذى يزلزل قلوب ~~الطغاة، ويغرس فى النفوس الرهبه والخوف وهى تقص على الناس ما أصاب ~~الظالمين من عذاب دنيوى مضى وصار تاريخا يعلمونه ويتحدثون عنه، وهو ما حل ~~بالأمم السابقة التى كذبت رسلها وعتت عن أمر ربها. ثم وهى تحكى لهم ما ~~أعد للمستكبرين من عذاب أخروى بسبب عصيانهم وانتهاكهم لحرمات الله. ثم ~~بين - سبحانه - مظاهر فضله وكرمه على بنى إسرائيل بعد أن بين نهاية فرعون ~~وآله ms2037 فقال { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون ~~مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها }. أى ~~وأعطينا القوم الذين كانوا يستضعفون فى مصر من فرعون وملئه بالاستعباد ~~وقتل الأبناء، وسوء العذاب، أعطيناهم من طريق الاستخلاف - قبل أن يزيغوا ~~ويضلوا - مشارق أرض الشام ومغاربها التى باركنا فيها بالخصوبة وسعة ~~الأرزاق، وبكونها مساكن الأنبياء والصالحين ليكون ذلك امتحانا لهم، ~~واختبارا لنفوسهم. وجمع - سبحانه - بين صيغتى الماضى والمستقبل للدلالة ~~على استمرار الاستضعاف وتجدده، والمراد بهم بنو إسرائيل، وذكروا بعنوان ~~القوم، إظهارا لكمال اللطف بهم، وعظيم الإحسان إليهم، حيث رفعوا من حضيض ~~المذلة إلى أوج العزة. # وقوله { وتمت كلمة ربك الحسنى على بني ~~إسرآئيل بما صبروا } ، أى ونفذت كلمة الله الحسنى ومضت عليهم ~~تامة كاملة، حيث رزقهم - سبحانه - النصر على أعدائهم. والتمكين فى الأرض ~~بسبب صبرهم على ظلم فرعون وملئه. قال الزمخشرى وحسبك به حاثا على الصبر. ~~ودالا على أن من قابل البلاء بالجزع وكله الله إليه. ومن قابله بالصبر، ~~وانتظار النصر، ضمن الله له الفرج. وعن الحسن عجبت ممن خف كيف خف وقد سمع ~~قوله - تعالى - ثم تلا هذه الآية { وأورثنا القوم الذين ~~كانوا... } ومعنى " خف " طاش جزعا وقلة صبر، ولم يرزق رزانة أولى ~~الصبر. ثم ختمت الآية بقوله - تعالى - { ودمرنا ما كان يصنع ~~فرعون وقومه } من بناء القصور الشاهقة والمنازل القوية، وما ~~كانوا يرفعونه من البساتين، والصروح المشيدة، كصرح هامان وغيره. و { ~~يعرشون } بكسر الراء وضمها - أى يرفعون من العرش وهو الشىء المسقف ~~المرفوع. قال الجمل وقوله { ودمرنا ما كان يصنع فرعون ~~وقومه } فى إعرابه أوجه أحدها أن يكون فرعون اسم كان ويصنع خبر ~~مقدم، والجملة الكونية صلة والعائد محذوف. والتقدير ودمرنا الذى كان ~~فرعون يصنعه. والثانى أن اسم كان ضمير عائد على ما الموصولة، ويصنع مسند ~~لفرعون. والجملة خبر عن كان، والعائد محذوف، والتقدير ودمرنا الذى كان هو ~~يصنعه فرعون. الثالث أن تكون كان زائدة وما مصدرية والتقدير ودمرنا ما ~~يصنع فرعون أى صنعه. وهكذا تنهى السورة الكريمة هذا الدرس بذكر ما أصاب ~~الظالمين ms2038 والغادرين من دمار وخراب، وما أصاب المستضعفين الصابرين من خير ~~واستخلاف فى الأرض. ثم بدأت السورة بعد ذلك مباشرة حديثا طويلا عن هؤلاء ~~المستضعفين من بنى إسرائيل بينت فيه ألوانا من جحودهم لنعم الله، ~~ونسيانهم لما كانوا فيه من ذل واستعباد، وتفضيلهم عبادة الأصنام على ~~عبادة الخالق - عز وجل - وغير ذلك من أنواع كفرهم ومعاصيهم، واستمع إلى ~~القرآن وهو يحكى لونا من رذائلهم فيقول { وجاوزنا ببني ~~إسرآئيل.. }. ### || [7.138-141] # إن هذه الآيات تحكى قصة عجيبة لبنى إسرائيل ملخصها أنهم بعد أن خرجوا من ~~مصر بقيادة موسى - عليه السلام - تبعهم فرعون وجنوده ليعيدوهم إليها، إلا ~~أن الله - تعالى - انتقم لهم من فرعون وجنده فأغرقهم أمام أعينهم وسار ~~بنو إسرائيل نحو المشرق متجهين إلى الأرض المقدسة بعد أن عبروا البحر، ~~ولكنهم ما إن جاوزوا البحر الذى غرق فيه عدوهم والذى ما زالت رماله ~~الرطبة عالقة بنعالهم، حتى وقعت أبصارهم على قوم يعبدون الأصنام، فماذا ~~كان من بنى إسرائيل؟. كان منهم أن عاودتهم طبيعتهم الوثنية، فطلبوا من ~~نبيهم موسى - عليه السلام - الذى جاء لهدايتهم وإنقاذهم مما هم فيه من ~~ظلم أن يصنع لهم آلهة من جنس الآلهة التى يعبدها أولئك القوم. وهنا غضب ~~عليهم موسى غضبا شديدا. ووصفهم بأنهم قوم يجهلون الحق، وبين لهم فساد ~~ما عليه المشركون، وذكرهم بما حباهم الله - تعالى - به من نعم جزيلة، ~~يوجب عليهم إفراده بالخضوع والعبادة والطاعة والشكر. وقوله - تعالى - { ~~وجاوزنا ببني إسرآئيل البحر } بيان للمنة العظيمة التى ~~منحهم الله إياها، وهى عبورهم البحر بعد أن ضربه موسى بعصاه، فأصبح طريقا ~~يابسا يسيرون فيه بأمان واطمئنان حتى عبروه إلى الناحية الأخرى، يصحبهم ~~لطف الله، وتحدوهم عنايته ورعايته. وجاوز بمعنى أصل الفعل الذى هو جاز، ~~أى قطعنا بهم البحر. يقال جاز الوادى وجاوزه إذا قطعه وخلفه وراء ظهره. ~~والمراد بالبحر بحر القلزم وهو المسمى الآن بالبحر الأحمر. وقوله تعالى { ~~فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم } بيان ~~لما شاهدوه من أحوال بعض المشركين عقب عبورهم البحر ونجاتهم من عدوهم، ms2039 ~~فماذا كانت نتيجة هذه المشاهدة؟ لقد كان المتوقع منهم أن يحتقروا ما ~~شاهدوه، وأن ينفروا مما أبصروه، لأن العهد لم يطل بهم منذ أن كانوا ~~يسامون سوء العذاب فى ظل عبادة الأصنام عند فرعون وقومه، ولأن نجاتهم مما ~~كانوا فيه من ذل وهوان، قد تمت على يد نبيهم الذى دعاهم إلى توحيد الله - ~~تعالى - لكى يزيدهم من فضله. ولكن طبيعة بنى إسرائيل المعوجة لم تفارقهم، ~~فهاهم أولاء ما إن وقعت أبصارهم على قوم يعكفون ويداومون على عبادة أصنام ~~لهم، حتى انجذبوا إليها وطلبوا من نبيهم الذى جاء لهدايتهم، أن يجعل لهم ~~وثنا كغيرهم لكى يعبدوه من جديد. لقد حكى القرآن عنهم أنهم عندما شاهدوا ~~هذا المنظر، ما لبثوا أن قالوا لنبيهم { يموسى اجعل لنآ ~~إلها كما لهم آلهة }. قالوا ذلك لأن الإيمان لم يستقر فى ~~قلوبهم، ولأن ما ألفوه من عبادة الأصنام أيام استعباد فرعون لهم، ما زال ~~متمكنا من نفوسهم، ومسيطرا على عقولهم، وهكذا عدوى الأمراض تصيب النفوس ~~كما تصيب الأبدان، وهكذا طبيعة بنى إسرائيل ما تكاد تهتدى حتى تضل، وما ~~تكاد ترتفع حتى تنحط وما تكاد تسير فى طريق الاستقامة حتى ترتكس وتنتكس. # وفى قولهم لنبيهم { اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة } ~~بصيغة الأمر أكبر دليل على غباء عقولهم، وسوء أدبهم لأنهم لو استأذنوه - ~~مثلا - فى اتخاذ صنم يعبدونه كغيرهم لكان شأنهم أقل غرابة ولكن الذى حصل ~~منهم أنهم طلبوا منه - وهو نبيهم الداعى لهم إلى توحيد الله تعالى ~~والمنقذ لهم من عدوهم الوثنى الجبال - أن يقوم هو بنفسه بصناعة صنم لكى ~~يعبدوه كغيرهم!!. قال القرطبى ونظيره قول جهال الأعراب وقد رأوا شجرة ~~خضراء للكفار تسمى ذات أنواط - لأنهم كانوا ينوطون بها سلاحهم أى يعلقونه ~~- وكان الكفار يعظمون هذه الشجرة فى كل سنة يوما، قال الأعراب # " يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم " الله أكبر. قلتم والذى نفسى بيده كما قال قوم موسى ~~{ اجعل لنآ إلها كما ms2040 لهم آلهة } لتركبن سنن من قبلكم ~~حذو القذة بالقذة حتى إنهم لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه " # وكان هذا فى مخرجه إلى حنين. ولقد غضب موسى - عليه السلام - من طلبهم ~~هذا - وهو الغضوب بطبيعته لربه ودينه - فرد عليهم ردا قويا فيه توبيخ ~~لهم وتعجب من قولهم بعد أن رأوا من المعجزات ما رأوا فقال { إنكم ~~قوم تجهلون } أى إنكم يا بنى إسرائيل بطلبكم هذا برهنتم على أنكم ~~قوم قد ملأ الجهل قلوبكم، وغطى على عقولكم، فصرتم لا تفرقون بين ما عليه ~~هؤلاء من ضلال مبين، وبين ما تستحقه الألوهية من صفات وتعظيم ولم يقيد ما ~~يجهلونه ليفيد أنه جهل كامل شامل يتناول فقد العلم، وسفه النفس، وفساد ~~العقل. وسوء التقدير. وبعد أن كشف لهم سوء حالهم، وفرط جهالاتهم، بين لهم ~~فساد ما طلبوه فى ذاته، وقبح عاقبة من أرادوا تقليدهم، فقال لهم بأسلوب ~~الاستئناف المفيد للتعليل { إن هؤلاء متبر ما هم فيه ~~وباطل ما كانوا يعملون }. متبر من التتبير بمعنى الإهلاك ~~أو التكسير والتحطيم يقال تبره يتبره وتبره أى أهلكه ودمره. أى إن هؤلاء ~~الذين تبغون تقليدهم فى عبادة الأوثان، محكوم على ما هم فيه بالدمار، ~~ومقضى على ما يعملونه من عبادة الأصنام بالاضمحلال والزوال لأن دين ~~التوحيد سيظهر فى هذه الديار، وستصير العبادة لله الواحد القهار. وبهذا ~~الرد يكون موسى - عليه السلام - قد كشف لقومه عن سوء ما يطلبون، وصرح لهم ~~بأن مصير ما يبغونه إلى الهلاك والتدمير. قال الإمام الرازى والمراد من ~~بطلان عملهم أنه لا يعود عليهم من عبادة ذلك العجل نفع ولا دفع ضرر، ~~وتحقيق القول فى هذا الباب أن المقصود من العبادة أن تصير المواظبة على ~~تلك الأعمال سببا لاستحكام ذكر الله تعالى فى القلب حتى تصير الروح سعيدة ~~بحصول تلك المعرفة فيها، فإذا اشتغل الإنسان بعبادة غير الله تعلق قلبه ~~بغيره، ويصير ذلك التعلق سببا لإعراض القلب عن ذكره تعالى. # وإذا ثبت هذا التحقيق ظهر أن الاشتغال بعبادة غير الله متبر وباطل ~~وضائع. وسعى فى ms2041 تحصيل ضد هذا الشىء ونقيضه، لأنا بينا أن المقصود من ~~العبادة رسوخ معرفة الله - تعالى - فى القلب. والاشتغال بعبادة غير الله ~~يزيل معرفته عن القلب، فكان هذا ضد الغرض ونقيضا للمطلوب - والله أعلم -. ~~ثم مضى موسى عليه السلام - يستنكر عليهم هذا الطلب، ويبين لهم أن الله ~~وحده هو المستحق للعبادة فقال { أغير الله أبغيكم إلها ~~وهو فضلكم على العالمين }. أى قال موسى - عليه السلام ~~مذكرا قومه بنعم الله عليهم الموجبة لإفراده بالعبادة والخضوع أغير الله ~~أطلب لكم معبودا أحملكم على العبودية له، وهو فضلكم على عالمى زمانكم، ~~وقد كان الواجب عليكم أى تخصوه بالعبادة، كما اختصكم هو بشتى النعم ~~الجليلة. فالاستفهام فى الآية الكريمة للانكار المشرب معنى التعجب ~~لابتغائهم معبودا سوى الله - تعالى - الذى غمرهم بنعمه، وأحاطهم بألوان ~~إحسانه. و " غير " كما قال الجمل - منصوب على أنه مفعول به لأبغيكم على ~~حذف اللام والتقدير أأبغى لكم غير الله إلها، فلما حذف الحرف وصل الفعل ~~بنفسه وهو غير منقاس. و " إلها " تمييز لغير. ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة ~~إنجائهم من العذاب والتنكيل، ليبتليهم أيشكرون أم يكفرون، فقال تعالى { ~~وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء ~~العذاب يقتلون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم ~~وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم }. " إذ " بمعنى وقت، ~~وهى مفعول به لفعل ملاحظ فى الكلام وهو اذكروا أى اذكروا وقت أن أنجيناكم ~~من آل فرعون. والمراد من التذكير بالوقت تذكيرهم بما وقع فيه من أحداث. ~~وآل الرجل أهله وخاصته وأتباعه. ويطلق غالبا على أولى الشأن والخطر من ~~الناس، فلا يقال آل الحجام أو الاسكاف. و { يسومونكم سوء ~~العذاب } يبغون لكم أشد العذاب وأفظعه من السوم وهو مطلق الذهاب، أو ~~الذهاب فى ابتغاء الشىء. يقال سامت الابل فهى سائمة، أى ذهبت إلى المرعى. ~~وسام السلعة، إذا طلبها وابتغاها. والسوء - بالضم - كل ما يحزن الإنسان ~~ويغمه من الأمور الدنيوية أو الأخروية. ويستحيون أى يستبقون. يقال ~~استحياه أى استبقاه ، وأصله طلب له الحياة والبقاء. والبلاء الامتحان ~~والاختبار ويكون بالخير والشر. والمعنى واذكروا يا بنى ms2042 إسرائيل لتعتبروا ~~وتتعظوا وتشكروا الله على نعمه وقت أن أنجيناكم من آل فرعون الذين كانوا ~~يعذبونكم أشق العذاب وأصعبه، حيث كانوا يزهقون أرواح ذكوركم، ويستبقون ~~نفوس نسائكم ليستخدموهن ويستذلوهن. # وفى ذلكم العذاب وفى النجاة منه امتحان لكم لتشكروا الله على نعمه، ~~ولتقعلوا عن السيئات التى تؤدى بكم إلى الاذلال فى الدنيا، والعذاب فى ~~الأخرى. وجعلت النجاة هنا من آل فرعون ولم تجعل منه، مع أنه هو الآمر ~~بتعذيب بنى إسرائيل، للتنبيه على أن حاشيته وبطانته كانت عونا له على ~~إذاقتهم سوء العذاب، وفى إنزال ألوان الأذلال بهم. وجعلت الآية الكريمة ~~استحياء النساء عقوبة لبنى إسرائيل - مع أنه فى ظاهرة نعمة لهم - لأن هذا ~~الابقاء على النساء كان المقصود من الاعتداء على أعراضهن، واستعمالهن فى ~~شتى أنواع الخدمة، وإذلالهن بالاسترقاق، فبقاؤهن كذلك بقاء ذليل وعذاب ~~أليم، تأباه النفوس الكريمة، والطباع الحرة الأبية. قال الامام الرازى ما ~~ملخصه فى قتل الذكور دون الإناث مضرة من وجوه أحدها أن ذبح الأبناء يقتضى ~~فناء الرجال، وذلك يقضى انقطاع النسل، لأن النساء إذا انفردن فلا تأثير ~~لهن البتة فى ذلك، وهذا يقضى فى نهاية الأمر إلى هلاك الرجال والنساء ~~جميعا. ثانيها أن هلاك الرجال يقتضى فساد مصالح النساء فى أمر المعيشة. ~~فإن المرأة لتتمنى الموت إذا انقطع عنها الرجال. لما قد تقع فيه من نكد ~~العيش بالانفراد. ثالثها ان قتل الولد عقب الحمل الطويل، وتحمل الكد، ~~والرجاء القوى فى الانتفاع به من أعظم العذاب. فنعمة الله فى تخليصهم من ~~هذه المحنة كبيرة. رابعا أن بقاء النساء بدون الذكران من أقاربهن، يؤدى ~~إلى صيرورتهن مستفرشات للأعداء. وذلك نهاية الذل والهوان. وقد رجح كثير ~~من المفسدين أن المراد بالأبناء هنا الأطفال لا البالغين، لأن اللفظ من ~~حيث وضعه يفيد ذلك، ولأن قتل الرجال لا يفيدهم حيث أنهم كانوا يستعملونهم ~~فى الأعمال الشاقة والحقيرة، ولأنه لو كان المقصود بالذبح الرجال لما ~~قامت أم موسى بإلقائه فى اليم وهو طفل صغير لتنجيه من الذبح. ويرى بعض ~~المفسرين أن المراد ms2043 بالأبناء الرجال، لا الأطفال، لأن لفظ الأبناء هنا ~~جعل فى مقابلة النساء، والنساء هن البالغات. والذى نرجحه هو القول الأول ~~لما ذكرنا، ولأنه أتم فى إظهار نعمة الانجاء، حيث كان آل فرعون يقتلون ~~الصغار قطعا للنسل، ويسترقون الأمهات استعبادا لهن، ويبقون الرجال ~~للخدمة حتى ينقرضوا على سبيل التدرج، وبقاء الرجال على هذه الحالة أشد ~~عليهم من الموت. وبهذا تكون الآيات الكريمة قد ردت على بنى إسرائيل فيما ~~طلبوا أبلغ رد وأحكمه، ووصفتهم بما هم أهله من سوء تدبير، وسفاهة تفكير. ~~فقد بدأت بإثبات جهلهم بربهم وبأنفسهم، حيث طلبوا من نبيهم أن يجعل لهم ~~إلها كما لغيرهم آلهة، ثم ثنت بإظهار فساد ما طلبوه فى ذاته، لأن مصيره ~~إلى الزوال والهلاك، وما كان كذلك لا يصلح أن يكون إلها، ثم بينت بعد ~~ذلك بأن العبادة لغير الله لا تجوز بأى حال، لأنه هو وحده صاحب الخلق ~~والأمر، ثم ذكرتهم فى ختامها بوجوه النعم التى أسبغها الله عليهم، ~~لتشعرهم بأن ما طلبوه من نبيهم، هو من قبيل مقابلة الاحسان بالجحود ~~والنكران، ولتحملهم على أن يتدبروا أمرهم، ويراجعوا أنفسهم، ويتوبوا إلى ~~خالقهم توبة صادقة نصوحا. # أن كانوا ممن ينتفع بالعظات ويعتبر بالمثلات. ثم حكت لنا السورة الكريمة ~~بعد ذلك مشهد تطلع موسى - عليه السلام - للقاء ربه، ووصيته لأخيه هارون ~~قبل ذهابه لهذا اللقاء العظيم فقالت { وواعدنا... }. ### || [7.142-144] # قال صاحب الكشاف " روى أن موسى - عليه السلام - وعد بنى إسرائيل وهو ~~بمصر، إن أهلك الله عدوهم اتاهم بكتاب من عند الله، فيه بيان ما يأتون ~~وما يذرون، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب فأمره بصوم ثلاثين يوما ~~وهو شهر ذى القعدة، فلما اتم الثلاثين انكر خلوف فمه فتسوك. فقالت له ~~الملائكة كنا نشم من فمك رائحة المسك فأفسدته بالسواك فأمره الله - تعالى ~~- أن يزيد عليها عشرة أيام من ذى الحجة لذلك. وقيل أمره الله أن يصوم ~~ثلاثين يوما وأن يعمل فيها بما يقربه من الله ثم انزل الله عليه فى العشر ~~التوراة وكلمه فيها ms2044 ". والمواعدة مفاعلة من الجانبين، وهى هنا على غير ~~بابها، لأن المراد بها هنا أن الله - تعالى - أمر موسى أن ينقطع لمناجاته ~~أربعين ليلة تمهيدا لإعطائه التوراة، ويؤيد ذلك قراءة أبى عمرو ويعقوب ~~" وعدنا ". وقيل المفاعلة على بابها على معنى أن الله - تعالى - وعد نبيه ~~موسى أن يعطيه التوراة وأمره بالحضور للمناجاة فوعد موسى ربه بالطاعة ~~والامتثال. وقوله { ثلاثين } مفعول ثان لواعدنا بحذف المضاف، أى ~~إتمام ثلاثين ليلة أو إتيانها. والضمير فى قوله { وأتممناها ~~بعشر } يعود على المواعدة المفهومة من قوله { واعدنا } أى ~~وأتممنا مواعدته بعشر، أو أنه يعود على ثلاثين وحذف تمييز عشر لدلالة ~~الكلام عليه، أى وأتممناها بعشر ليال. و { أربعين } منصوب على ~~الحالية أى فتم ميقات ربه بالغا أربعين ليلة. ثم حكى - سبحانه - ما وصى ~~به موسى أخاه هارون فقال { وقال موسى لأخيه هارون اخلفني ~~في قومي } أى قال موسى لأخيه هارون حين استودعه ليذهب لمناجاة ربه كن ~~خليفتى فى قومى، وراقبهم فيما يأتون ويذرون فإنهم فى حاجة إلى ذلك لضعف ~~إيمانهم، واستيلاء الشهوات والأهواء عليهم { وأصلح ولا تتبع ~~سبيل المفسدين } الذين # إن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن ~~يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا # وإننا لنلمح من هذه الوصية أن موسى - عليه السلام - كان متوقعا شرا من ~~قومه، ولقد صح ما توقعه، فإنهم بعد أن فارقهم موسى استغلوا جانب اللين فى ~~هارون فعبدوا عجلا جسدا له خوار صنعه لهم السامرى.. ثم حكى القرآن ما ~~كان من موسى عندما وصل إلى طور سيناء لمناجاة ربه فقال { ولما جآء ~~موسى لميقاتنا وكلمه ربه } أى وحين حضر موسى لموقتنا ~~الذى وقتناه له وحددناه، وكلمه ربه، أى خاطيه من غير واسطة ملك { قال ~~رب أرني أنظر إليك } أى قال موسى حين كلمه ربه وسمع منه رب ~~أرنى ذاتك الجليلة. والمراد مكنى من رؤيتك. # أو تجلى لى أنظر إليك وأراك. و { أرني } فعل أمر مبنى على حذف ~~الياء. وياء المتكلم مفعول، والمفعول الثانى محذوف أى ذاتك أو نفسك ولم ~~يصرح به لأنه ms2045 معلوم، وزيادة فى التأدب مع الخالق - عز وجل -. وجملة { ~~قال لن تراني } مستأنفة استئنافا بيانيا، كأنه قيل فماذا قال الله ~~- تعالى - حين قال موسى ذلك، فكان الجواب { قال لن تراني } أى لن ~~تطيق رؤيتى، وأنت فى هذه النشأة وعلى الحالة التى أنت عليها فى هذه ~~الدنيا فنفى الرؤية منصب على الحالة الدنيوية، أما فى الآخرة فقد ثبت فى ~~الأحاديث الصحيحة أن المؤمنين يرون ربهم فى روضات الجنات. ثم قال - تعالى ~~- { ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه ~~فسوف تراني } أى لن تطيق رؤيتى يا موسى وأنت فى هذه الحياة ~~الدنيا، ولكن انظر إلى الجبل الذى هو أقوى منك، فإن استقر مكانه أى ثبت ~~مكانه حيت أتجلى له ولم يتفتت من هذا التجلى، فسوف ترانى أى تثبت لرؤيتى ~~إذا تجليت لك وإلا فلا طاقة لك برؤيتى. وفى هذا الاستدراك { ولكن ~~انظر }... الخ، تسلية لموسى - عليه السلام - وتلطف معه فى الخطاب، ~~وتكريم له، وتعظيم لأمر الرؤية، وأنه لا يقوى عليها إلا من قواه الله ~~بمعونته. ثم بين - سبحانه - ما حدث للجبل عند التجلى فقال { فلما ~~تجلى ربه للجبل جعله دكا } أى فحين ظهر نوره - ~~سبحانه - للجبل على الوجه اللائق بجلاله { جعله دكا } أى مدقوقا ~~مفتتا، فنبه - سبحانه - بذلك على أن الجبل مع شدته وصلابته ما دام لم ~~يستقر عند هذا التجلى، فالآدمى مع ضعف بنيته أولى بأن لا يستقر. والدك ~~والدق بمعنى، وهو تفتيت الشىء وسحقه وفعله من باب رد. قال الآلوسى وهذا ~~كما لا يخفى من المتشابهات التى يسلك فيها طريق التسليم وهو أسلم وأحكم، ~~أو التأويل بما يليق بجلال ذاته - تعالى -. وقوله { وخر موسى ~~صعقا } أى سقط من هول ما رأى من النور الذى حصل به التجلى مغشيا عليه، ~~كمن أخذته الصاعقة. يقال صعقتهم السماء تصعقهم صعقا فهو صعق أى غشى عليه. ~~وقوله { فلمآ أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا ~~أول المؤمنين } أى فلما أفاق موسى من غشيته، وعاد إلى حالته ~~الأولى التى كان عليها قبل أن يخر مغشيا عليه، ms2046 قال تعظيما لأمر الله { ~~سبحانك } أى تنزيها لك من مشابهة خلقك فى شىء { تبت إليك } ~~من الإقدام على السؤال بغير إذن { وأنا أول المؤمنين } ~~بعظمتك وجلالك أو وأنا أول المؤمنين بأنه لا يراك أحد. قال أبو العالية ~~قد كان قبله مؤمنون ولكن يقول أنا أول المؤمنين أنه لا يراك أحد من خلقك ~~إلى يوم القيامة. # قال ابن كثير وهو قول حسن. هذا، وقد توسع بعض المفسرين عند تفسيره لهذه ~~الآية فى الحديث عن رؤية الله - تعالى - وعلى رأس هذا البعض الإمام ~~الآلوسى، فقد قال - رحمه الله - " واستدل أهل السنة المجوزون لرؤيته - ~~سبحانه - بهذه الآية على جوازها فى الجملة، واستدل بها المعتزلة النفاة ~~على خلاف ذلك، وقامت الحرب بينهما على ساق، وخلاصة الكلام فى ذلك أن أهل ~~السنة قالوا إن الآية تدل على إمكان الرؤية من وجهين. الأول أن موسى - ~~عليه السلام - سألها بقوله { رب أرني أنظر إليك } ولو كانت ~~مستحيلة فإن كان موسى عالما بالاستحالة فالعالم - فضلا عن النبى مطلقا، ~~فضلا عمن هو من أولى العزم - لا يسأل المحال ولا يطلبه. وإن لم يكن عالما ~~بذلك، لزم أن يكون آحاد المعتزلة أعلم بالله وما يجوز عليه وما لا يجوز ~~من النبى الصفى، والقول بذلك غاية الجهل والرعونة و حيث بطل القول ~~بالاستحالة تعين القول بالجواز. والثانى أن فيها تعليق الرؤية على ~~استقرار الجبل وهو ممكن فى ذاته وما علق على الممكن ممكن ". ثم قال ما ~~ملخصه واعترض الخصوم على الوجه الأول بوجوه منها أنا لا نسلم أن موسى سأل ~~الرؤية وإنما سأل العلم الضرورى به - تعالى - إلا أنه عبر عنه بالرؤية ~~مجازا. أو أنه سأل رؤية علم من أعلام الساعة بطريق حذف المضاف، أى أرنى ~~أنظر إلى علم من أعلامك الدالة على الساعة. أو أنه سأل الرؤية لا لنفسه ~~ولكن لدفع قومه القائلين # أرنا الله جهرة # وإنما أضاف الرؤية إليه دونهم ليكون منعه أبلغ فى دفعهم وردعهم عما ~~سألوه تنبيها بالأدنى على الأعلى. واعترضوا على الوجه الثانى بأنا لا ~~نسلم ms2047 أنه علق الرؤية على أمر ممكن، لأن التعليق لم يكن على استقرار الجبل ~~حال سكونه وإلا لوجدت الرؤية ضرورة وجود الشرط، لأن الجبل حال سكونه كان ~~مستقرا، بل على استقراره حال حركته وهو محال لذاته. ثم أورد الآلوسى بعد ~~ذلك ما رد به كل فريق على الآخر مما لا مجال لذكره هنا. والذى نراه أن ~~رؤية الله فى الآخرة ممكنة كما قال أهل السنة لورود الآيات القرآنية ~~والأحاديث النبوية الصحيحة التى تشهد بذلك، أما فى الدنيا فقد منع ~~العلماء وقوعها، وقد بينا ذلك بشىء من التفصيل عند تفسيرنا لقوله - تعالى ~~- # لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار # ثم حكى القرآن بعد ذلك ما كرم الله - تعالى - به موسى - عليه السلام ~~فقال { قال يموسى إني اصطفيتك على الناس ~~برسالاتي وبكلامي }. الاصطفاء. افتعال من الصفوة، وصفوة الشىء ~~خالصة وخياره أى قال الله تعالى - لموسى إنى اخترتك واجتبيتك على الناس ~~الموجودين فى زمانك لأن الرسل كانوا قبل موسى وبعده، فهو اصطفاء على جيل ~~معين من الناس بحكم هذه القرينة. # وقوله { برسالاتي } أى بأسفار التوراة، أو بإرسالى إياك إلى من ~~أرسلت إليهم. و { بكلامي } أى بتكليمى إياك بغير واسطة قال - تعالى - # وكلم الله موسى تكليما # والجملة الكريمة مسوقة لتسليته - عليه السلام - عما أصابه من عدم الرؤية ~~فكأنه - سبحانه - يقول له إن منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النعم العظام ما ~~أعطيتك فاغتنمه ودم على شكرى. وقدم الرسالة على الكلام لأنها أسبق، أو ~~ليترقى إلى الأشرف. ثم قال - تعالى - { فخذ مآ آتيتك وكن ~~من الشاكرين } أى فخذ يا موسى ما أعطيتك من شرف الاصطفاء والنبوة ~~والمناجاة وكن من الراسخين فى الشكر على ما أنعمت به عليك، فأنت أسوة ~~وقدوة لأهل زمانك. ### || [7.145] # ثم فصل - سبحانه - بعض النعم التى منحها لنبيه موسى وقال { وكتبنا ~~له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا ~~لكل شيء }. والمراد بالألواح كما قال ابن عباس - ألواح التوراة، ~~واختلف فى عددها فقيل سبعة ألواح وقيل عشرة ألواح وقيل أكثر من ذلك. كما ~~اختلف فى ms2048 شأنها فقيل كانت من سدر الجنة، وقيل كانت من زبرجد أو زمرد... ~~إلخ. والذى نراه تفويض معرفة ذلك إلى الله - تعالى - لأنه لم يرد نص صحيح ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى عددها أو كيفيتها. والمعنى ~~وكتبنا لموسى - عليه السلام - فى ألواح التوراة من كل شىء يحتاجون إليه ~~من الحلال والحرام، والمحاسن والقبائح. ليكون ذلك موعظة لهم من شأنها أن ~~تؤثر فى قلوبهم ترغيبا وترهيبا. كما كتبنا له فى تلك الألواح تفصيل كل ~~شىء يتعلق بأمر هذه الرسالة الموسوية. وإسناد الكتابة إليه - تعالى - إما ~~على معنى أن ذلك كان بقدرته - تعالى - وصنعه ولا كسب لأحد فيه، وإما على ~~معنى أنها كتبها بأمره ووحيه سواء كان الكاتب لها موسى أو ملك من ملائكته ~~- عز وجل -. قال صاحب المنار " قال بعض المفسرين إن الألواح كانت مشتملة ~~على التوراة وقال بعضهم بل كانت قبل التوراة. والراجح أنها كانت أول ما ~~أوتيه من وحى التشريع فكانت أصل التوراة الإجمالى، وكانت سائر الأحكام ~~من العبادات والمعاملات الحربية والمدنية والعقوبات تنزل يخاطبه بها الله ~~- تعالى - فى أوقات الحاجة إليها ". وقوله { موعظة وتفصيلا ~~لكل شيء } بدل من قوله { من كل شيء } باعتبار محله وهو ~~النصب لأن من مزيدة كما يرى كثير من النحاة. أى كتبنا له فيها كل شىء من ~~المواعظ وتفصيل الأحكام. والضمير فى قوله - تعالى - { فخذها ~~بقوة } يعود إلى الألواح. والفاء عاطفة لمحذوف على كتبنا، والمحذوف ~~هو لفظ قلنا وقوله { بقوة } حال من فاعل خذها أى كتبنا له فى ~~الألواح من كل شىء، وقلنا له خذها بقوة أى بجد وحزم، وصبر وجلد، لأنه - ~~عليه السلام - قد أرسل إلى قوم طال عليهم الأمد وهم فى الذل والاستعباد، ~~فإذا لم يكن المتولى لإرشادهم وإلى ما فيه هدايتهم ذا قوة وصبر ويقين، ~~فإنه قد يعجز عن تربيتهم. ويفشل فى تنفيذ أمر الله فيهم. قال الجمل وقوله ~~- تعالى - { وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } أى التوراة ~~ومعنى بأحسنها بحسنها إذ كل ما فيها حسن، أو أمروا فيها بالخير ونهوا ms2049 عن ~~الشر، وفعل الخير أحسن من ترك الشر، وذلك لأن الكلمة المحتملة لمعنيين أو ~~لمعان تحمل على أشبه محتملاتها بالحق وأقربها إلى الصواب. # أو أن فيها حسنا وأحسن كالقود والعفو، والانتصار والصبر، والمأمور به ~~والمباح فأمروا بأن يأخذوا بما هو أكثر ثوابا. وقوله - تعالى - { ~~سأوريكم دار الفاسقين } توكيد لأمر القوم بالأخذ بالأحسن ~~وبعث عليه على نهج الوعيد والتهديد. أى سأريكم عاقبة من خالف أمرى، وخرج ~~عن طاعتى، كيف يصير إلى الهلاك والدمار، فتلك سنتى التى لا تتغير ولا ~~تتبدل. قال ابن كثير وإنما قال { سأوريكم دار الفاسقين } ~~كما يقول القائل لمن يخاطبه سأريك غدا ما يصير إليه حال من خالفنى على ~~وجه التهديد والوعيد لمن عصاه وخالف أمره. وقيل المراد بدار الفاسقين دار ~~فرعون وقومه وهى مصر، كيف أقفرت منهم ودمروا لفسقهم لتعتبروا فلا تفسقوا ~~مثل فسقهم فيصيبكم ما أصابهم. وقيل المراد بها منازل عاد وثمود والأقوام ~~الذين هلكوا بسبب كفرهم. وقيل المراد بها أرض الشام التى كان يسكنها ~~الجبارون. فإنهم لم يدخلوها إلا بعد أربعين سنة من خروجهم من مصر على يد ~~يوشع بن نون. والذى نراه أن الرأى الأول أرجح، لأن الآية الكريمة تحكى ~~سنة من سنن الله فى خلقه، وهذه السنة تتمثل فى أن كل دار تفسق عن أمر ~~ربها تكون عاقبتها الذل والدمار، ولأنه لم يرد حديث صحيح يعين المراد ~~بدار الفاسقين. فالآية الكريمة قد اشتملت على جانب من مظاهر نعم الله على ~~نبيه موسى - عليه السلام - كما اشتملت على الأمر الصريح منه - سبحانه - ~~له بأن يهيىء نفسه لحمل تكاليف الرسالة بعزم وصبر، وأن يأمر قومه بأن ~~يأخذوا بأكملها وأعلاها بدون ترخيص أو تحايل، لأنهم قوم كانت طبيعتهم ~~رخوة وعزيمتهم ضعيفة، ونفوسهم منحرفة. كما اشتملت على التحذير الشديد لكل ~~من يخرج عن طاعة الله وينتهك حرماته. ثم بين - سبحانه - عاقبة من يتكبرون ~~فى الأرض بغير الحق فقال - تعالى - { سأصرف عن... }. ### || [7.146-147] # قوله - تعالى - { سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في ~~الأرض بغير الحق } استئناف مسوق لبيان أن ms2050 أعداء دعاة الحق هم ~~المستكبرون، لأن من شأن التكبر أن يصرف أهله عن النظر والاستدلال على ~~وجوه الخير. ومعنى صرف هؤلاء المتكبرين عن الانتفاع بآيات الله وحججه، ~~منعهم عن ذلك بالطبع على قلوبهم لسوء استعدادهم لا يتفكرون ولا يتدبرون ~~ولا يعتبرون. أى سأطبع على قلوب هؤلاء الذين يعدون أنفسهم كبراء، ويرون ~~أنفسهم أنهم أعلى شأنا من غيرهم، مع أنهم أجهل الناس عقلا، وأتعسهم ~~حالا. وقوله { بغير الحق } صلة للتكبر على معنى يتكبرون ~~ويتطاولون بما ليس بحق وهو دينهم الباطل، وسفههم المفرط، أو متعلق بمحذوف ~~هو حال من فاعله، أى يتكبرون متلبسين بغير الحق. ثم بين - سبحانه - ما هم ~~عليه من عناد وجحود فقال { وإن يروا كل آية لا يؤمنوا ~~بها } أى وأن يروا كل آية من الآيات التى تهدى إلى لاحق وترشد إلى ~~الخير لا يؤمنوا بها لفساد قلوبهم، وحسدهم لغيرهم على ما آتاه الله من ~~فضله، وتكبرهم على الناس. والجملة الكريمة معطوفة على جملة { ~~يتكبرون في الأرض بغير الحق } داخلة معها فى حكم ~~الصلة. والمقصود بالآية إما المنزلة فيكون المراد برؤيتها مشاهدتها ~~والإحساس بها عن طريق السماع. وإما ما يعمها وغيرها من المعجزات، ~~فيكون المراد برؤيتها مطلق المشاهدة المنتظمة للسماع والإبصار. { وإن ~~يروا سبيل الرشد } أى الصلاح والاستقامة والسداد { لا ~~يتخذوه سبيلا } أى لا يتوجهون إليه ولا يسلكونه لمخالفته ~~لأهوائهم وشهواتهم { وإن يروا سبيل الغي } أى طريق الضلال ~~عن الحق { يتخذوه سبيلا } أى طريقا يميلون إليه، ويسيرون فيه ~~بدون تفكر أو تدبر. وهذا شأن من مرد على الضلال، وانغمس فى الشرور ~~والآثام. إنه لإلفه المنكرات صار الحسن عنده قبيحا والقبيح حسنا، وصدق ~~الله إذ يقول # أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا # ثم ختم - سبحانه - الآية ببيان الأسباب التى أدت بهم إلى هذا الضلال ~~العجيب فقال - تعالى - { ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا ~~وكانوا عنها غافلين } أى ذلك المذكور من التكبر وعدم الإيمان ~~بشىء من الدلائل الدالة على الحق وإعراضهم عن سبيل الهدى. وإقبالهم التام ~~على طريق الغواية، كائن بسبب أنهم ms2051 كذبوا بآياتنا الدالة على بطلان ما هم ~~عليه من أباطيل، وبسبب أنهم كانوا عن هذه الآيات غافلين لاهين لا يتفكرون ~~فيها، ولا يعتبرون بما اشتملت عليه من عظات. فالله - تعالى - لم يخلقهم ~~مطبوعين على شىء مما ذكر طبعا، ولم يجبرهم ويكرههم عليه إكراها، بل كان ~~ذلك بكسبهم واختيارهم للتكذيب بآياته الدالة على الحق. واسم الإشارة { ~~ذلك } مبتدأ، وخبره الجار والمجرور بعده، أى ذلك الصرف بسبب تكذيبهم. # ثم قال - تعالى - { والذين كذبوا بآياتنا ولقآء ~~الآخرة حبطت أعمالهم } أى بطلت وفسدت وصارت هباء منثورا، ~~بسبب تكذيبهم لآيات الله، وإنكارهم للآخرة وما فيها من ثواب وعقاب. ~~والاستهفام فى قوله { هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } ~~للنفى أى لا يجزون يوم القيامة إلا الجزاء الذى يستحقونه بسبب أعمالهم فى ~~الدنيا. فربك - سبحانه - لا يظلم أحدا. وقوله { والذين كذبوا } ~~فى خبره وجهان أحدهما أنه الجملة من قوله { حبطت أعمالهم } وهل ~~يجزون خبر ثان أو مستأنف. والثانى أن الخبر { هل يجزون } والجملة ~~من قوله { حبطت أعمالهم } فى محل نصب على الحال وقد مضمرة عند ~~من يشترط ذلك، وصاحب الحال فاعل كذبوا. وقوله { ولقآء الآخرة } ~~فيه وجهان أحدهما أنه من باب إضافة المصدر لمفعوله والفاعل محذوف ~~والتقدير ولقائهم الآخرة. والثانى أنه من باب إضافة المصدر إلى الظرف ~~بمعنى ولقاء ما وعد الله فى الآخرة ". ثم قصت السورة علينا رذيلة من ~~رذائل بنى إسرائيل المتعددة، وذلك أنهم بعد أن تركهم موسى - عليه السلام ~~- وذهب لمناجاة ربه مستخلفا عليهم أخاه هارون، انتهزوا لين جانب هارون ~~معهم، فعبدوا عجلا جسدا له خوار صنعه لهم السامرى من الحلى التى ~~استعارها نساؤهم من نساء قبط مصر. وحاول هارون - عليه السلام - أن يصدهم ~~عن ذلك بشتى السبل، ولكنهم أعرضوا عنه قائلين # لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى # وأعلم الله - تعالى - موسى بما حدث من قومه فى غيبته فعاد إليهم مغضبا ~~حزينا، فوبخهم على كفرهم وجهالاتهم، وعاتب بشدة أخاه هارون لتركه إياهم ~~يعبدون العجل ولكن هارون اعتذر له، وأقنعه بأنه لم يقصر ms2052 فى نصيحتهم ~~ولكنهم قوم لا يحبون الناصحين. وعلى مشهد من بنى إسرائيل أحرق موسى ~~العجل، وقال للسامرى رأس الفتنة ومدبرها # وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا ~~لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا * إنمآ ~~إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل ~~شيء علما # وبذلك أثبت موسى - عليه السلام - لقومه أن المستحق للعبادة إنما هو الله ~~رب العالمين. واستمع معى إلى هذه الآيات التى قصت علينا ما حدث منهم ~~بأسلوبها البليغ فقالت { واتخذ قوم موسى من بعده... }. ### || [7.148-153] # قوله تعالى { واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم ~~عجلا جسدا له خوار } بيان لما صنعه بنو إسرائيل بعد فراق ~~موسى - عليه السلام - لهم، وذهابه لتلقى التوراة عن ربه. مستخلفا عليهم ~~أخاه هارون. والحلى - بضم الحاء والتشديد - جمع حلى - بفتح فسكون - كثدى ~~وثدى - وهى اسم لما يتزين به من الذهب والفضة، وهذه الحلى كان نساء بنى ~~إسرائيل - قبيل خروجهن من مصر - قد استعرنها من نساء المصريين، فلما أغرق ~~الله - تعالى - فرعون وقومه، بقيت تلك الحلى فى أيديهن، فجمعها السامرى ~~بحجة أنها لا تحل لهن، وصاغ منها عجلا جسدا له خوار، وأوهمهم بأن هذا ~~إلههم وإله موسى فعبدوه من دون الله. قال الحافظ ابن كثير وقد اختلف ~~المفسرون فى هذا العجل هل صار لحما ودما له خوار، أو استمر على كونه من ~~ذهب إلا أنه يدخل فيه الهواء فيصوت كالبقر، على قولين والله أعلم. ~~والمعنى واتخذ قوم موسى من بعد فراقه لهم لأخذ التوراة عن ربه عجلا جسدا ~~له صوت البقر ليكون معبودا لهم. وقوله { عجلا } مفعول اتخذ بمعنى صاغ ~~وعمل، وقيل إن اتخذ متعد إلى اثنين وهو بمعنى صير والمفعول الثانى محذوف ~~أى إلها. و { جسدا } بدل من { عجلا } أو عطف بيان أو نعت له ~~بتأويل متجسدا. قال صاحب الكشاف فإن قلت لم قيل { واتخذ قوم ~~موسى من بعده من حليهم عجلا } والمتخذ هو السامرى؟ ~~قلت فيه وجهان أحدهما أن ينسب الفعل إليهم لأن رجلا منهم باشره ووجد بين ~~ظهرانيهم، كما ms2053 يقال بنو تميم قالوا كذا، وفعلوا كذا والقائل والفاعل ~~واحد. ولأنهم كانوا مريدين لاتخاذه راضين به فكأنهم أجمعوا عليه. والثانى ~~أن يراد واتخذوه إلها وعبدوه. فإن قلت لم قال من حليهم ولم تكن الحلى ~~لهم إنما كانت عارية فى أيديهم؟ قلت الإضافة تكون بأدنى ملابسه وكونها ~~عوارى فى أيديهم كفى به ملابسة على أنهم قد ملكوها بعد المهلكين كما ~~ملكوا غيرها من أملاكهم ألا ترى إلى قوله تعالى # فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم ~~كذلك وأورثناها بني إسرائيل # اه. وقوله تعالى { ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا ~~يهديهم سبيلا } تقريع لهم على جهالاتهم. وبيان لفقدان عقولهم، ~~والمعنى أبلغ عمى البصيرة بهؤلاء القوم، أنهم لم يفطنوا حين عبدوا العجل، ~~أنه لا يقدر عليه أحاد البشر، من الكلام والارشاد إلى أى طريق من طرق ~~الإفادة، وليس ذلك من صفات ربهم الذى له العبادة، لأن من صفاته - تعالى ~~- أنه يكلم أنبياءه ورسله، ويرشد خلقه إلى طريق الخير، وينهاهم عن طرق ~~الشر!!. # ثم أكد - سبحانه - ذمهم بقوله { اتخذوه وكانوا ظالمين } أى ~~اتخذوا العجل معبودا لهم وهم يشاهدونه لا يكلمهم بأى كلام، ولا يرشدهم ~~إلى أى طريق، ولا شك أنهم بهذا الاتخاذ كانوا ظالمين لأنفسهم بعبادتهم ~~غير الله، وبوضعهم الأمور فى غيرها مواضعها. وفى التعبير عن ظلمهم بلفظ ~~كانوا المفيد للدوام والاستمرار، إشعار بأن هذا الظلم دأبهم وعادتهم قبل ~~هذا الاتخاذ وأن ما صدر عنهم ليس بدعا منهم ولا أول مناكيرهم، فقد سبق ~~لهم أن قالوا لنبيهم بمجرد أن أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم # يموسى اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة قال ~~إنكم قوم تجهلون # ثم بين - سبحانه - ما كان منهم بعد أن رأوا ضلالهم فقال تعالى { ~~ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا ~~قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا ~~لنكونن من الخاسرين } أى وحين اشتد ندمهم على عبادة العجل، ~~وتبينوا ضلالهم واضحا كأنهم أبصروه بعيونهم قالوا متحسرين { لئن لم ~~يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ~~} أى لنكونن من ms2054 الهالكين الذين حبطت أعمالهم. وكان هذا الندم بعد رجوع ~~موسى إليهم من الميقات وقد أعطاه الله التوراة، بدليل أنه لما نصحهم ~~هارون بترك عبادة العجل قالوا # قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا ~~موسى # وبدليل أن موسى - عليه السلام - لما رجع أنكر عليهم ما هم عليه وهذا ~~دليل على أنهم كانوا مستمرين على عبادته إلى أن رجع موسى إليهم وبصرهم ~~بما هم عليه من ضلال مبين. ولذلك قال ابن جرير عند تفسيره لقوله تعالى { ~~ولما سقط في أيديهم } ولما ندم الذين عبدوا العجل الذى وصف ~~- جل ثناؤه - صفته، عند رجوع موسى إليهم، واستسلموا لموسى وحكمه فيهم، ~~وكذلك تقول العرب لكل نادم على أمر فات منه أو سلف، وعاجز عن شىء قد سقط ~~فى يديه وأسقط، لغتان فصيحتان، وأصله من الاستئسار، وذلك بأن يضرب الرجل ~~الرجل أو يصرعه، فيرمى به من بين يديه إلى الأرض ليأسره، فالمرمى به ~~مسقوط فى يدى الساقط به، فقيل لكل عاجز عن شىء ومتندم على ما فاته سقط فى ~~يديه وأسقط. وعبر - سبحانه - عن شدة ندمهم بقوله تعالى { ولما سقط ~~في أيديهم } لأن من شأن من اشتد ندمه وحسرته أن يعض يده غما فتصير ~~يده مسقوطا فيها، لأن فاه قد وقع فيها. وكأن أصل الكلام ولما سقطت ~~أفواههم فى أيديهم، أى ندموا أشد الندم. قال صاحب تاج العروس وفى العباب ~~هذا نظم لم يسمع به قبل القرآن ولا عرفته العرب والأصل فيه نزول الشىء من ~~أعلى إلى أسفل، وقوعه على الأرض، ثم اتسع فيه فقيل للخطأ من الكلام سقط ~~لأنهم شبهوه بما لا يحتاج إليه، وذكر اليد لأن الندم يحدث فى القلب. # وأثره يظهر فى اليد، كقوله تعالى # فأصبح يقلب كفيه على مآ أنفق فيها # ولأن اليد هى الجارحة العظمى، فربما يسند إليه ما لم تباشره كقوله تعالى # ذلك بما قدمت يداك # اه. وقوله تعالى { ولما رجع موسى إلى قومه غضبان ~~أسفا } بيان للحالة التى كان عليها موسى - عليه السلام - عند رجوعه من ~~الطور، ومشاهدته ms2055 للعجل الذى عبده قومه، فهو كان غاضبا عليهم لعبادتهم غير ~~الله - تعالى - وحزينا لفتنتهم بعبادتهم عجلا جسدا له خوار. قال الإمام ~~الرازى فى الأسف قولان الأول أن الأسف الشديد الغضب، وهو قول أبى الدرداء ~~وعطاء عن ابن عباس، واحتجوا له بقوله تعالى # فلمآ آسفونا انتقمنا # أى أغضبونا. والثانى أن الأسف هو الحزن، وهو قول الحسن والسدى وغيرهما، ~~واحتجوا له بحديث عائشة أنها قالت " إن أبا بكر رجل أسيف أى حزين ". قال ~~الواحدى والقولان متقاربان لأن الغضب من الحزن، والحزن من الغضب، فإذا ~~جاءك ما تكره ممن هو دونك غضبت. وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت، فتسمى إحدى ~~هاتين الحالتين حزنا والأخرى غضبا ". وقوله { غضبان أسفا } ~~منصوبان على الحال من موسى عند من يجيز تعدد الحال. وعند من لا يجيزه ~~يجعل أسفا حالا من الضمير المستكن فى غضبان فتكون حالا متداخلة. وقول ~~موسى لقومه { بئسما خلفتموني من بعدي } ذم منه لهم، ~~والمعنى بئس خلافة خلفتمونيها من بعد ذهابى عنكم إلى مناجاة ربى، وبئس ~~الفعل فعلكم بعد فراقى إياكم. حيث عبدتم العجل، وأشربت قلوبكم محبته، ولم ~~تعيروا التفاتا لما عهدت به إليكم، من توحيد الله، وإخلاص العبادة، ~~والسير على سنتى وشريعتى. قال الجمل و " بئس " فعل ماض لإنشاء الذم، ~~وفعله مستتر تقديره هو، و " ما " تمييز بمعنى خلافة، وجملة خلفتمونى صفة ~~لما. والرابط محذوف، والمخصوص بالذم محذوف، والتقدير بئس خلافة ~~خلفتمونيها من بعدى خلافتكم. وقوله { من بعدي } معناه من بعد ما ~~رأيتم منى توحيد الله، ونفى الشركاء عنه، وإخلاص العبادة له، أو من بعد ~~ما كنت احمل بنى إسرائيل على التوحيد واكفهم عما طمحت نحوه أبصارهم من ~~عبادة البقر حين قالوا # اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة # ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة المستخلف من بعده ولا يخالفوه. وقوله ~~تعالى { أعجلتم أمر ربكم } معناه أسبقتم بعبادة العجل ما ~~أمركم به ربكم وهو انتظارى حافظين لعهدى، وما أوصيتكم به من التوحيد ~~وإخلاص العبادة لله حتى آتيكم بكتاب الله، فغيرتم وعبدتم العجل قيل كانوا ms2056 ~~قد استبطأوا نزوله من الجبل، فخدعهم السامرى وصنع لهم العجل فعبدوه، ~~وجعلوا يغنون ويرقصون حوله ويقولون هذا هو الإله الحق الذى انقذنا من ~~الظلم، قال صاحب الكشاف يقال عجل عن الأمر إذا تركه غير تام. # ويضمن معنى سبق فعدى تعديته فقال عجلت الأمر. والمعنى اعجلتم عن أمر ~~ربكم وهو انتظار موسى حافظين لعهده وما وصاكم به، فبينتم الأمر على أن ~~الميعاد قد بلغ آخره ولم أرجع إليكم، فحدثتم أنفسكم بموتى فغيرتم كما ~~غيرت الأمم بعد أنبيائهم. وروى أن السامرى قال لهم حين أخرج لهم العجل ~~هذا إلهكم وإله موسى، وأن موسى لن يرجع وأنه قد مات. وروى أنهم عدوا ~~عشرين يوما بلياليها فجعلوها أربعين ثم أحدثوا ما أحدثوا. ثم بين - ~~سبحانه - أن غضب موسى ترتب عليه أمران يدلان على شدة الانفعال أولهما ~~قوله تعالى { وألقى الألواح } أى طرحها من يديه لما اعتراه من ~~فرط الدهش، وشدة الضجر، حين أشرف على قومه وهم عاكفون على عبادة العجل، ~~فإلقاؤه الألواح لم يكن إلا غضبا لله، وحمية لدينه، وسخطا على قومه الذين ~~عبدوا ما يضرب به المثل فى البلادة. قال الآلوسى قوله - تعالى - { ~~وألقى الألواح } حاصله أن موسى لما رأى من قومه ما رأى غضب غضبا ~~شديدا حمية لدينه فعجل فى وضع الألواح لتفرغ يده فيأخذ برأس أخيه فعبر عن ~~ذلك الوضع بالإلقاء تفظيعا لفعل قومه حيث كانت معاينته سببا لذلك وداعيا ~~إليه، وليس فيه ما يتوهم منه الإهانة لكتاب الله بوجه من الوجوه. ~~وإنكسار بعض الألواح حصل من فعل مأذون فيه ولم يكن غرض موسى ولا مر بباله ~~ولا ظن ترتيبه على ما فعل. وليس هناك إلا العجلة فى الوضع الناشئة من ~~الغيرة لله. وقد أنكر بعض العلماء أن يكون شىء منها قد تكسر، لأن ظاهر ~~القرآن خلافه. نعم أخرج أحمد وغيره عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " يرحم الله موسى، ليس المعاين كالمخبر أخبره ربه أن قومه فتنوا بعده ~~فلم يلق الألواح فلما رآهم وعاينهم ألقى ms2057 الألواح فتكسر منها ". # وثانيهما قوله تعالى { وأخذ برأس أخيه يجره إليه } ~~أى أخذ موسى بشعر رأس أخيه هارون يجره إليه غضبا منه، لظنه أنه قد قصر فى ~~نصحهم وزجرهم عن عبادة العجل. ولكن هارون - عليه السلام - أخذ يستجيش فى ~~نفس موسى عاطفة الأخوة الرحيمة، ليسكن من غضبه الشديد. وليكشف له عن ~~طبيعة الموقف، وليبرىء ساحته من مغبة التقصير، فقال له { ابن أم ~~إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا ~~تشمت بي الأعدآء ولا تجعلني مع القوم ~~الظالمين }. أى قال هارون لموسى مستعطفا يا ابن أمى - بهذا النداء ~~الرقيق وبتلك الوشيجة الرحيمة - لا تعجل بلومى وتعنيفى، فإنى ما آليت ~~جهدا فى الإنكار عليهم، وما قصرت فى نصيحتهم ولكنهم لم يستمعو إلى، بل ~~قهرونى واستضعفونى، وأوشكوا أن يقتلونى عندما بذلت أقصى طاقتى لأخفف ~~هياجهم واندفاعهم نحو العجل، فلا تفعل بى ما هو أمنيتهم ومحل شماتتهم، من ~~الاستهانة بى والإساءة إلى، فإن من شأن الأخوة التى بيننا أن تكون ناصرة ~~معينة حين يكون هناك أعداء، ولا تجعلنى فى زمرة القوم الظالمين، فإنى ~~برىء منهم، ولقد نصحتهم ولكنهم قوم لا يحبون الناصحين. # وهنا اقتنع موسى - عليه السلام - ببراءة هارون من مغبة التقصيرفقال { ~~رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت ~~أرحم الراحمين } أى قال موسى ليرضى أخاه، وليظهر لأهل الشماتة ~~رضاه عنه بعد أن ثبتت براءته رب اغفر لى ما فرط منى من قول أو فعل فيه ~~غلظة على أخى. واغفر له كذلك ما عسى أن يكون قد قصر فيه مما أنت أعلم به ~~منى، وأدخلنا فى رحمتك التى وسعت كل شىء فأنت أرحم بعبادك من كل راحم. ~~وبهذا يكون القرآن الكريم قد برأ ساحة هارون من التقصير، وأثبت أنه قد ~~عرض نفسه للأذى فى سبيل أن يصرف عابدى العجل عن عبادته وفى ذلك تصحيح لما ~~جاء فى التوراة الفصل الثانى والثلاثين من سفر الخروج من أن هارون - عليه ~~السلام - هو الذى صنع العجل لبنى إسرائيل ليعبدوه فى غيبة موسى - عليه ~~السلام -. ثم أصدر القرآن ms2058 الكريم حكمه الفاصل فى شأن عبدة العجل فقال ~~تعالى { إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب ~~من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي ~~المفترين }. والمعنى. إن الذين اتخذوا العجل معبودا، واستمروا على ~~ضلالتهم سيحيق بهم سخط شديد من ربهم، ولا تقبل توبتهم إلا إذا قتلوا ~~أنفسهم، وسيصيبهم كذلك هوان وصغار فى الحياة الدنيا، وبمثل هذا الجزاء ~~نجازى المفترين جميعا فى كل زمان ومكان، لخروجهم عن طاعتنا، وتجاوزهم ~~لحدودنا، فهو جزاء متكرر كلما تكررت الجريمة من بنى إسرائيل وغيرهم. ثم ~~فتح - سبحانه - بابه لكل تائب صادق فى توبته فقال تعالى { والذين ~~عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ~~ربك من بعدها لغفور رحيم }. والمعنى والذين عملوا ~~السيئات ثم تابوا من بعد فعلهم لها توبة صادقة نصوحا، ورجعوا إلى الله - ~~تعالى - معتذرين نادمين مخلصين الإيمان له، فإن الله - تعالى - من بعد ~~الكبائر التى أقلعوا عنها لساتر عليهم أعمالهم السيئة، وغير فاضحهم بها، ~~رحيم بهم وبكل من كان مثلهم من التائبين. وإلى هنا تكون الآيات الكريمة - ~~بعد أن دمغت بنى إسرائيل بما يستحقونه من تقريع ووعيد - قد فتحت أمامهم ~~وأمام غيرهم باب التوبة ليفيئوا إلى نور الحق، وليتركوا ما انغمسوا فيه ~~من ضلالات وجهالات. ثم بين - سبحانه - ما فعله موسى بعد أن هدأ غضبه فقال ~~{ ولما سكت... }. ### || [7.154] # السكوت فى أصل اللغة ترك الكلام، والتعبير القرآنى هنا يشخص الغضب كأنما ~~هو كائن حى يدفع موسى ويحركه، ثم تركه بعد ذلك. ففى الكلام استعارة مكنية ~~حيث شبه الغضب بشخص آمر، ناه. واثبت له السكوت على طريق التخييل. قال ~~صاحب الكشاف " قوله { ولما سكت عن موسى الغضب } هذا مثل. ~~كأن الغضب كان يغريه على ما فعل ويقول له قل لقومك كذا، وألق الألواح، ~~وجر برأس أخيك إليك، فترك النطق بذلك، وقطع الإغراء. ولم يستحسن هذه ~~الكلمة ولم يستفصحها كل ذى طبع سليم وذوق صحيح إلا لذلك ولأنه من قبل ~~شعب البلاغة. وإلا، فما لقراءة معاوية بن قرة " ولما سكن عن موسى الغضب ~~" لا تجد ms2059 النفس عندها شيئا من تلك الهزة، وطرفا من تلك الروعة ". والمعنى ~~وحين سكت غضب موسى بسبب اعتذار أخيه وتوبة قومه أخذ الألواح التى كان قد ~~ألقاها. وظاهر الآية يفيد أن الألواح لم تتكسر، ولم يرفع من التوراة شىء، ~~وأنه أخذها بعينها. وقوله { وفي نسختها هدى ورحمة ~~للذين هم لربهم يرهبون } أى أخذ موسى الألواح التى ~~سبق له أن ألقاها، وفيما نسخ فى هذه الألواح أى كتب هداية عظيمة إلى طريق ~~الحق، ورحمة واسعة للذين هم لربهم يرهبون. أى يخافون أشد الخوف من خالقهم ~~- عز وجل -. والنسخ الكتابة، ونسخة هنا بمعنى منسوخة أى. مكتوبة، والمراد ~~وفى منسوخها ومكتوبها هدى ورحمة. و { هم } مبتدأ. ويرهبون خبره، ~~والجملة صلة الموصول، واللام فى { للذين } متعلقة بمحذوف صفة لرحمة ~~أى كائنة لهم. أو هى لام العلة أى. هدى ورحمة لأجلهم. واللام فى لربهم " ~~لتقوية عمل الفعل المؤخر كما فى قوله - تعالى - # إن كنتم للرؤيا تعبرون # أو هى أيضا لام العلة والمفعول محذوف، أى يرهبون المعاصى لأجل ربهم لا ~~للرياء والتباهى. ثم تمضى السورة فى حديثها عن بنى إسرائيل فتحكى لنا قصة ~~موسى مع السبعين الذين اختارهم من قومه فنقول { واختار... }. ### || [7.155-156] # قال الآلوسى " قوله - تعالى - { واختار موسى قومه سبعين ~~رجلا لميقاتنا } تتمة لشرح أحوال بنى إسرائيل وقال البعض إنه ~~شروع فى بيان كيفية استدعاء التوبة وكيفية وقوعها. واختار - من الاختيار ~~بمعنى الانتخاب والاصطفاء - وهو يتعدى إلى اثنين ثانيهما مجرور بمن وقد ~~حذفت هنا وأوصل الفعل والأصل من قومه، والمفعول الأول سبعين ". أى اختار ~~موسى سبعين رجلا من قومه للميقات الذى وقته الله له، ودعاهم للذهاب معه. ~~وهؤلاء السبعون كانوا من خيرتهم أو كانوا خلاصتهم، لأن الجملة الكريمة ~~جعلتهم بدلا من القوم جميعا فى الاختيار، وكأن بنى إسرائيل على كثرتهم لا ~~يوجد من بينهم فضلاء سوى هؤلاء السبعين. وتختلف روايات المفسرين فى سبب ~~هذا الميقات وزمانه، فمنهم من يرى أنه الميقات الكلامى الذى كلم الله فيه ~~موسى تكليما فقد كان معه سبعون رجلا من شيوخ بنى ms2060 إسرائيل ينتظرونه فى ~~مكان وضعهم فيه غير مكان المناجاة، فلما تمت مناجاة موسى لربه طلبوا منه ~~أن يخاطبوا الله - تعالى - وأن يكلموه كما كلمه موسى، وأن يروه جهرة ~~فأخذتهم الصاعقة، وكان ذلك قبل أن يخبر الله - تعالى - موسى أن قومه قد ~~عبدوا العجل فى غيبته. والذى نرجحه وعليه المحققون من المفسرين والسياق ~~القرآنى يؤيده أن هذا الميقات الذى جاء فى هذه الآية غير الميقات الأول، ~~وأنه كان بعد عبادة بنى إسرائيل للعجل فى غيبة موسى، فقد عرفنا أن الله ~~قد أخبره بذلك عند ذهابه إليه لتلقى التوراة، فرجع موسى إليهم مسرعا ~~ووبخهم على صنيعهم وأحرق العجل، وأمره الله - تعالى - بعد ذلك أن يأتيه ~~مع جماعة من بنى إسرائيل ليتوبوا إليه من عبادة العجل فاختار موسى هؤلاء ~~السبعين، وهناك روايات ترجح ذلك منها ما جاء عن محمد بن إسحاق قال إن ~~موسى - عليه السلام - لما رجع إلى قومه فرأى ما هم فيه من عبادة العجل، ~~وقال لأخيه والسامرى ما قال وحرق العجل وذراه فى اليم، اختار من بنى ~~إسرائيل سبعين رجلا الخير فالخير، وقال انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه ~~مما صنعتم واسألوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، فصوموا وتطهروا ~~وطهروا ثيابكم. فخرج بهم إلى طور سياء لميقات وقته له ربه، وكان لا يأتيه ~~إلا بإذن منه وعلم، فقال له السبعون - فيما ذكر لى - حين صنعوا ما أمرهم ~~به وخرجوا معه للقاء ربه يا موسى اطلب لنا نسمع كلام ربنا. فقال أفعل. ~~فلما دنا موسى من الجيل، وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا ~~موسى فدخل فيه، وقال للقوم ادنوا. # وكان موسى إذا كلمه الله وقع على جبهة موسى نور ساطع، لا يستطيع أحد من ~~بنى آدم أن ينظر إليه. ودنا القوم حتى إذا دخلوا فى الغمام وقعوا سجودا ~~فسمعوه وهو يكلم موسى، يأمره وينهاه، أفعل ولا تفعل، فلما انكشفت عن موسى ~~الغمام أقيل إليهم فقالوا له # لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم ~~الصاعقة # وهى الصاعقة ms2061 التى يحصل منها الاضطراب الشديد فماتوا جميعا فقام موسى ~~يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ويقول { رب لو شئت أهلكتهم ~~من قبل وإياي } قد سفهوا، أتهلك من ورائى من بنى إسرائيل ". ~~وهكذا نرى أن هؤلاء السبعين المختارين من بنى إسرائيل قد طلبوا من نبيهم ~~موسى - عليه السلام - ما لا يصح لهم أن يطلبوه فأخذتهم الرجفة بسبب ذلك، ~~أو بسبب أنهم عندما عبد بنو إسرائيل العجل فى غيبة موسى لم ينهوهم عن ~~المنكر ولم يأمروهم بالمعروف. وقوله { فلما أخذتهم الرجفة ~~قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي } أى ~~فلما أخذت هؤلاء السبعين المختارين الرجفة قال موسى يا رب إننى أتمنى لو ~~كانت سبقت مشيئتك أن تهلكهم من قبل خروجهم معى إلى هذا المكان وأن تهلكنى ~~معهم حتى لا أقع فى حرج شديد مع بنى إسرائيل، لأنهم سيقولون لى قد ذهبت ~~بخيارنا لإهلاكهم. ويرى بعض المفسرين أن هذه الرجفة التى أخذتهم وصعقوا ~~منها أدت إلى موتهم جميعا ثم أحياهم الله - تعالى - بعد ذلك، ويرى آخرون ~~أنهم غشى عليهم ثم أفاقوا. وقد قال موسى هذا القول لاستجلاب العفو من ربه ~~عن هذه الجريمة التى اقترفها قومه. بعد أن من عليهم - سبحانه - بالنعم ~~السابقة الوافرة، وأنقذهم من فرعون وقومه. فكأنه يقول يا رب لقد رحمتهم ~~من ذنوب كثيرة ارتكبوها فيما سبق فارحمهم الآن كما رحمتهم من قبل جريا ~~على مقتضى كرمك. ومفعول المشيئة محذوف، أى لو شئت إهلاكهم لأهلكتهم. ~~وقوله { وإياي } معطوف على الضمير فى { أهلكتهم } ، وقد قال ~~موسى ذلك تسليما منه لأمر الله وقضائه وإن كان لم يسبق منه ما يوجب ~~هلاكه، بل الذى سبق منه إنما هو الطاعة الكاملة لله رب العالمين. ~~والاستفهام فى قوله { أتهلكنا بما فعل السفهآء منآ } ~~للاستعطاف الذى بمعنى النفى أى ألجأ إليك يا مولانا ألا تهلكنا بذنب ~~غيرنا فلئن كان هؤلاء السفهاء قد خرجوا عن طاعتك، وانتهكوا حرماتك. فنحن ~~يا رب مطيعون لك وخاضعون لأمرك. قوله { إن هي إلا فتنتك ~~تضل بها من تشآء وتهدي من تشآء ms2062 } استئناف مقرر لما ~~قبله، و { إن } نافية. والفتنة الابتلاء والاختبار، والباء فى { بها ~~} للسببية أى ما الفتنة التى وقع فيها السفهاء إلا اختبارك وابتلاؤك ~~وامتحانك لعبادك، فأنت الذى ابتليتهم واختبرتهم، فالأمر كله لك وبيدك. # لا يكشفه إلا أنت. كما لم يمتحن به ويختبر إلا أنت. فنحن عائذون بك منك. ~~ولاجئون منك إليك. ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن. وقوله { أنت ~~ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين } ~~أى أنت القائم بأمورنا كلها لا أحد غيرك، فاغفر لنا ما فرط منا، وارحمنا ~~برحمتك التى وسعت كل شىء، وأنت خير الغافرين إذ كل غافر سواك إنما يغفر ~~لغرض نفسانى، كحب الثناء، واجتلاب المنافع، أما أنت - يا إلهنا - فمغفرتك ~~لا لطلب عوض أو غرض وإثما هى لمحض الفضل والكرم. ثم أضاف موسى إلى هذه ~~الدعوات الطيبات دعوات أخرى فقال - كما حكى القرآن فيه - { واكتب ~~لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة } أى وأثبت لنا ~~فى هذه الدنيا ما يحسن من نعمة وطاعة وعافية وتوفيق، وأثبتت لنا فى ~~الآخرة - أيضا - ما يحسن من مغفرة ورحمة وجنة عرضها السماوات والأرض. ~~وقوله { إنا هدنآ إليك } استئناف مسوق لتعليل الدعاء فإن ~~التوبة الصادقة تجعل الدعاء جديرا بالإجابة، أى لأنا تبنا إليك من ~~المعاصى التى جئناك للاعتذار منها. فاكتب لنا الحسنات فى الدارين، ولا ~~تحرمنا من عطائك الجزيل. وهدنا بمعنى تبنا. يقال هاد يهود إذا رجع وتاب. ~~وصدرت الجملة الكريمة ب " إن " المفيدة للتحقيق لإظهار كمال النشاط ~~والرغبة فى مضمونها. وقوله { قال عذابي أصيب به من أشآء ~~ورحمتي وسعت كل شيء } استئناف وقع جوابا عن سؤال ينساق ~~إليه الجواب، كأنه قيل فماذا قال الله - تعالى - عند دعاء موسى، فكان ~~الجواب قال عذابى... الخ. ثم قال الله - تعالى - لموسى ردا على دعائه يا ~~موسى إن عذابى الذى تخشى أن يصيب قومك أصيب به من اشاء تعذيبه من العصاة، ~~فلا يتعين أن يكون قومك محلا له بعد توبتهم، فقد اقتضت حكمتى ان اجازى ~~الذين اساءوا بما عملوا واجازى ms2063 الذين احسنوا بالحسنى. { ورحمتي ~~وسعت كل شيء } فلا تضيق عن قومك، ولا عن غيرهم من خلقى ممن هم ~~أهل لها. وقد استفاضت الآيات والأحاديث التى تصرح بأن رحمة الله - تعالى ~~- قد وسعت كل شىء ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم # " إن لله عز وجل مائة رحمة فمنها رحمة يتراحم بها الخلق، وبها تعطف ~~الوحوش على أولادها، وأخر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة ". # ثم بين - سبحانه - من هم أهل لرحمته فقال { فسأكتبها للذين ~~يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا ~~يؤمنون }. أى فسأكتب رحمتى للذين يصونون أنفسهم عن كل ما يغضب الله ~~ويؤدون الزكاة المفروضة عليهم فى أموالهم. وتخصيص إيتاء الزكاة بالذكر مع ~~اقتضاء التقوى له للتعريض بقوم موسى. لأن إيتاءها كان شاقا على نفوسهم ~~لحرصهم الشديد على المال. ولعل الصلاة لم تذكر مع أنها مقدمة على سائر ~~العبادات. اكتفاء عنها بالاتقاء الذى هو عبارة عن فعل الواجبات بأسرها. ~~وترك المنهيات عن آخرها. وسأكتبها كذلك للذين هم بآياتنا يؤمنون إيمانا ~~تاما خالصا لا رياء فيه. ولا نقص معه. ثم أضاف - سبحانه - صفات أخرى لمن ~~هم أهل لرحمته ورضوانه. وهذه الصفات تنطبق كل الانطباق على محمد صلى الله ~~عليه وسلم الذى أمر بنو إسرائيل وغيرهم باتباعه فقال تعالى { الذين ~~يتبعون الرسول.... }. ### || [7.157-158] # قوله - تعالى - { الذين يتبعون الرسول النبي ~~الأمي } فى محل جر على أنه نعت لقوله # للذين يتقون # أو بدل منه. أو مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. أى هم الذين ~~يتبعون...الخ. وقد وصف الله - تعالى - رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ~~بأوصاف كريمة تدعو العاقل المنصف إلى اتباعه والإيمان به. الوصف الأول ~~أنه رسول الله إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا. الوصف الثانى أنه نبى أوحى ~~الله إليه بشريعة عامة كاملة باقية إلى يوم الدين. الوصف الثالث أنه أمى ~~ما قرأ ولا كتب ولا جلس إلى معلم ولا أخذ علمه عن أحد ولكن الله - تعالى ~~- أوحى إليه بالقرآن الكريم عن طريق جبريل - عليه السلام -، وأفاض عليه ~~من لدنه علوما نافعة ومبادىء توضح ms2064 ما أنزله عليه من القرآن الكريم، فسبق ~~بذلك الفلاسفة والمشرعين والمؤرخين وأرباب العلوم الكونية والطبيعية، ~~فأميته مع هذه العلوم التى يصلح عليها أمر الدنيا والآخرة، أوضح دليل على ~~أن ما يقوله إنما هو بوحى من الله إليه. قال تعالى # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت ~~تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا ~~نهدي به من نشآء من عبادنا # وقال - سبحانه - # وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه ~~بيمينك إذا لارتاب المبطلون # الصفة الرابعة أشار إليها بقوله { الذي يجدونه مكتوبا ~~عندهم في التوراة والإنجيل } أى هذا الرسول النبى الأمى ~~من صفاته أن أهل الكتاب يجدون اسمه ونعته مكتوبا عندهم فى التوراة ~~والإنجيل، ووجود اسمه ونعته فى كتبهم من أكبر الدواعى إلى الإيمان به ~~وتصديقه واتباعه ولقد كان اليهود يبشرون ببعثة النبى صلى الله عليه وسلم ~~قبل زمانه ويقرؤون فى كتبهم ما يدل على ذلك، فلما بعث الله - تعالى - ~~نبيه بالهدى ودين الحق آمن منهم الذين فتحوا قلوبهم للحق، وخافوا مقام ~~ربهم ونهوا أنفسهم عن الهوى، وأما الذين استنكفوا واستكبروا، وحسدوا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم على ما آتاه الله من فضله فقد أخذوا يحذفون من ~~كتبهم ما جاء عن النبى صلى الله عليه وسلم فيها، " أو يؤولونه تأويلا ~~فاسدا أو يكتمونه عن عامتهم. ورغم حرصهم على حذف ما جاء عن الرسول فى ~~كتبهم أو تأويلهم السقيم له، أو كتمانه عن الأميين منهم. أبى الله - ~~تعالى - إلا أن يتم نوره، إذ بقى فى التوراة والإنجيل ما بشر بالنبى صلى ~~الله عليه وسلم وصرح بنعوته وصفاته، بل وباسمه صريحا. وذد تحدث العلماء ~~الاثبات عن بشارات الأنبياء بمحمد صلى الله عليه وسلم وجمعوا عشرات ~~النصوص التى ذكرت نعوته وصفاته، وها نحن نذكر طرفا مما قاله العلماء فى ~~هذا الشأن. # قال الإمام الماوردى فى أعلام النبوة وقد تقدمت بشائر من سلف من ~~الأنبياء، بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم مما هو حجة على أممهم، ومعجزة ~~تدل على صدقه عند غيرهم، ms2065 بما أطلعه الله - تعالى - على غيبه، ليكون عونا ~~للرسل، وحثا على القبول، فمنهم من عينه باسمه، ومنهم من ذكره بصفته ومنهم ~~من عزاه إلى قومه، ومنهم من أضافه إلى بلده، ومنهم من خصه بأفعاله، ومنه ~~من ميزه بظهوره وانتشاره، وقد حقق الله - تعالى - هذه الصفات جميعها فيه، ~~حتى صار جليا بعد الاحتمال، ويقينا بعد الارتياب. وجاء فى منية الأذكياء ~~فى قصص الأنبياء إن نبينا - عليه الصلاة والسلام - قد بشر به الأنبياء ~~السابقون، وشهدوا بصدق نبوته، ووصفوه وصفا رفع كل احتمال، حيث صرحوا ~~باسمه وبلده وجنسه وحليته وأطواره وسمته، ومع أن أهل الكتاب حذفوا اسمه ~~من نسخهم الأخيرة إلا أن ذلك لم يجدهم نفعا، لبقاء الصفات التى اتفق ~~عليها المؤرخون من كل جنس وملة وهى أظهر دلالة من الاسم على المسمى، إذ ~~قد يشترك اثنان فى اسم، ويمتنع اشتراك اثنين فى جميع الأوصاف. لكن من أمد ~~غير بعيد قد شرعوا فى تحريف بعض الصفات ليبعد صدقها على النبى صلى الله ~~عليه وسلم فترى كل نسخة متأخرة تختلف عما قبلها فى بعض المواضع اختلافا ~~لا يخفى على اللبيب أمره، ولا ما قصد به. ولم يفدهم ذلك غير تقوية الشبهة ~~عليهم. لانتشار النسخ بالطبع وتيسير المقابلة بينها ". وقال المرحوم ~~الشيخ رحمة الله الهندى فى كتابه إظهار الحق إن الأخبار الواقعة فى حق ~~محمد صلى الله عليه وسلم توجد كثيرة إلى الآن - أيضا - مع وقوع التحريفات ~~فى هذه الكتب. ومن عرف أولا طريق أخبار النبى المتقدم عن النبى المتأخر. ~~ثم نظر ثانيا بنظر الانصاف إلى هذه الاخبارات وقابلها بالاخبارات التى ~~نقلها الانجيليون فى حق عيسى - عليه السلام - جزم بأن الاخبارات المحمدية ~~فى غاية القوة. وقد جمع صاحب كتاب إظهار الحق وغيره من العلماء والمؤرخين ~~كثيرا من البشائر التى وردت فى التوراة والإنجيل خاصة بالنبى صلى الله ~~عليه وسلم ومبينة نعوته وصفاته. ومن أجمع ما جاء فى التوراة خاصا بالنبى ~~صلى الله عليه وسلم ما أخرجه البخارى عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضى ms2066 ~~الله عنهما - قال قرأت فى التوراة صفة النبى صلى الله عليه وسلم محمد ~~رسول الله عبدى ورسولى، سميته المتوكل، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخاب فى ~~الأسواق، ولا يجزى بالسيئة السيئة، بل يعفو ويصفح، ولن أقبضه حتى أقيم به ~~الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله. # كذلك مما يشهد بوجود النبى صلى الله عليه وسلم فى التوراة، ما أخرجه ~~الإمام أحمد عن أبى صخر العقيلى قال حدثنى رجل من الأعراب فقال جلبت ~~حلوبة. إلى المدينة فى حياة النبى صلى الله عليه وسلم فلما فرغت من بيعى ~~قلت لألقين هذا الرجل فلأسمعن منه، قال فتلقانى بين أبى بكر وعمر يمشيان، ~~فتبعتهم حتى إذا أتوا على رجل من اليهود وقد نشر التوراة يقرؤها يعزى بها ~~نفسه عن ابن له فى الموت كأجمل الفتيان وأحسنها، فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنشدك بالذى أنزل التوراة هل تجد فى كتابك هذا صفتى ~~ومخرجى فقال برأسه هكذا، أى لا، فقال ابنه أى والذى أنزل التوراة إنا ~~لنجد فى كتابنا صفتك ومخرجك، وإنى أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك ~~رسول الله، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم # " أقيموا اليهودى عن أخيكم " # ثم تولى كفنه والصلاة عليه. هذا، ومن أراد مزيد معرفة بتلك المسألة ~~فليراجع ما كتبه العلماء فى ذلك. ثم وصف الله - تعالى - رسوله صلى الله ~~عليه وسلم بصفة خامسة فقال تعالى { يأمرهم بالمعروف ~~وينهاهم عن المنكر } أى هذا الرسول النبى الأمى الذى يجده ~~أهل الكتاب مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل من صفاته كذلك أنه يأمرهم ~~بالمعروف الذى يتناول الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ~~كما يتناول مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم وغير ذلك من الأمور التى جاء بها ~~الشرع الحنيف. وارتاحت لها العقول السليمة، والقلوب الطاهرة وينهاهم عن ~~المنكر الذى يتناول الكفر والمعاصى ومساوىء الأخلاق. ثم وصف الله - تعالى ~~- رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بصفة سادسة فقال تعالى { ويحل ~~لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبآئث } أى يحل لهم ~~ما حرمه ms2067 الله عليهم من الطيبات كالشحوم وغيرها بسبب ظلمهم وفسوقهم عقوبة ~~لهم، ويحل لهم كذلك ما كانوا قد حرموه على أنفسهم دون أن يأذن به الله ~~كلحوم الإبل وألبانها، ويحرم عليهم ما هو خبيث كالدم ولحم الميتة ~~والخنزير فى المأكولات، وكأخذ الربا وأكل أموال الناس بالباطل فى ~~المعاملات وفى ذلك سعادتهم وفلاحهم. ثم وصف الله تعالى - رسوله صلى الله ~~عليه وسلم بصفة سابعة فقال تعالى { ويضع عنهم إصرهم ~~والأغلال التي كانت عليهم }. الإصر الثقل الذى يأصر ~~صاحبه. أى بحبسه عن الحركة الثقيلة، ويطلق على العهد كما فى قوله تعالى # قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري # أى عهدى. قال القرطبى " وقد جمعت هذه الآية المعنيين، فإن بنى إسرائيل ~~قد كان أخذ عليهم عهد أن يقوموا بأعمال ثقال فوضع عنهم بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم ذلك العهد وثقل تلك الأعمال، كغسل البول، وتحليل الغنائم، ~~ومجالسة الحائض، ومؤاكلتها ومضاجعتها. فإنهم كانوا إذا أصاب ثوب أحدهم ~~بول قرضته. # وإذا جمعوا الغنائم نزلت نار من السماء فأكلتها وإذا حاضت المرأة لم ~~يقربوها. إلى غير ذلك مما ثبت فى الصحيح وغيره ". والأغلال جمع غل. وهو ~~ما يوضع فى العنق أو اليد من الحديد. والتعبير بوضع الإصر والأغلال عنهم ~~استعارة لما كان فى شرائعهم من الأشياء الشاقة والتكاليف الشديدة كاشتراط ~~قتل النفس لصحة التوبة. فقد شبه - سبحانه - ما أخذ به بنو إسرائيل من ~~الشدة فى العبادات والمعاملات والمأكولات جزاء ظلمهم بحال من يحمل أثقالا ~~يئن من حملها وهو فوق ذلك مقيد بالسلاسل والأغلال فى عنقه ويديه ورجليه. ~~والمعنى إن من صفات هذا الرسول النبى الأمى أنه جاءهم ليرفع عنهم ما ثقل ~~عليهم من تكاليف كلفهم الله بها بسبب ظلمهم. لأنه - عليه الصلاة والسلام ~~- جاء بالتبشير والتخفيف. وبعث بالحنيفية السمحة. ومن وصاياه صلى الله ~~عليه وسلم # " بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا ". # قال الإمام ابن كثير " وقد كانت الأمم التى قبلنا فى شرائعهم ضيق ~~عليهم. فوسع الله على هذه الأمة أمورها. وسهلها لهم. ولهذا قال رسول الله ~~صلى الله ms2068 عليه وسلم # " إن الله تجاوز لأمتى ما حدثت به أنفسهم ما لم تقل أو تعمل " # وقال # " رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " # ولهذا قال أرشد الله هذه الأمة أن يقولوا # ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على ~~الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة ~~لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنآ أنت ~~مولانا فانصرنا على القوم الكافرين # وثبت فى صحيح مسلم أن الله تعالى قال بعد كل سؤال من هذه قد فعلت قد ~~فعلت ". إذا، فمن الواجب على بنى إسرائيل أن يتبعوا محمدا صلى الله عليه ~~وسلم الذى هذه صفاته، والذى فى اتباعه سعادتهم فى دنياهم وآخرتهم، ولهذا ~~ختم الله - تعالى - الآية الكريمة ببيان حالة المصدقين لنبيه فقال تعالى ~~{ فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا ~~النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون }. ~~أى فالذين آمنوا بهذا الرسول النبى الأمى من بنى إسرائيل وغيرهم وعزروه، ~~بأن منعوه وحموه من كل من يعاديه، مع التعظيم والتوقير له ونصروه بكل ~~وسائل النصر { واتبعوا النور الذي أنزل معه } وهو ~~القرآن والوحى الذى جاء به ودعا إليه الناس، { أولئك هم ~~المفلحون } أى الفائزون الظافرون برحمة الله ورضوانه. وبذلك تكون ~~الآية الكريمة قد وصفت النبى صلى الله عليه وسلم بأحسن الصفات وأكرم ~~المناقب، وأقامت الحجة على أهل الكتاب بما يجدونه فى كتبهم وعلى ألسنة ~~رسلهم بأنه ما جاء إلا لهدايته وسعادتهم، وأنهم إن آمنوا به وصدقوه، ~~كانوا من # الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ~~أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا ~~الألباب # ثم أمر الله رسوله أن يبين للناس أنه مرسل إلى الناس كافة، فقال تعالى { ~~قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا } ~~أى قل يا محمد لكافة البشر من عرب وعجم، إنى رسول الله إليكم جميعا، لا ~~فرق بين نصرانى أو يهودى، وإنما رسالتى إلى الناس عامة، وقد جاء فى ~~القرآن الكريم وفى السنة النبوية ما يؤيد عموم رسالته. أما فى القرآن ~~الكريم، فمن ذلك قوله تعالى # ومآ أرسلناك إلا ms2069 رحمة للعالمين # وقال تعالى # ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس بشيرا ونذيرا # وقال تعالى # وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ # أى وأنذر من بلغه القرآن ممن سيوجد إلى يوم القيامة من سائر الأمم وفى ~~ذلك دلالة على عموم رسالة النبى صلى الله عليه وسلم وعلى أن أحكام القرآن ~~تعم الثقلين إلى يوم الدين. وأما فى السنة فمن ذلك ما رواه البخارى عن ~~جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلى نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لى ~~الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتى أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لى ~~الغنائم ولم تحل لأحد قبلى، وأعطيت الشفاعة، وكان النبى يبعث إلى قومه ~~خاصة، وبعثت إلى الناس عامة ". # وفى صحيح مسلم عن أبى موسى الأشعرى - رضى الله عنه - قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " والذى نفسى بيده لا يسمع بى رجل من هذه الأمة يهودى ولا نصرانى ثم لا ~~يؤمن بى إلا دخل النار ". # قال الإمام ابن كثير والآيات فى هذا كثيرة، كما أن الأحاديث فى هذا ~~أكثر من أن تحصر، وهو معلوم من دين الاسلام ضرورة أنه رسول إلى الناس ~~كلهم ه. ثم وصف الله تعالى ذاته بما هو أهل له من صفات القدرة ~~والوحدانية فقال تعالى { الذي له ملك السماوات والأرض ~~لا إله إلا هو يحيي ويميت } أى قل - يا محمد - للناس ~~إنى رسول إليكم من الله الذى له التصرف فى السماوات والأرض، والذى لا ~~معبود بحق سواه والذى بيده الاحياء والإماتة، ومن كان هذا شأنه فمن ~~الواجب أن يطاع أمره، وأن يترك ما نهى عنه، وأن يصدق رسوله. ثم بنى - ~~سبحانه - على هذه النعوت الجليلة التى وصف بها نفسه الدعوة إلى الإيمان ~~فقال تعالى { فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي ~~الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم ~~تهتدون } أى فآمنوا أيها الناس جمعا بالله الواحد الأحد وآمنوا - ~~أيضا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم النبى الأمى الذى يؤمن بالله، ms2070 وبما ~~أنزل عليه وعلى من تقدمه من الرسل من كتبه ووحيه واسلكوا سبيله، واقتفوا ~~آثاره، فى كل ما يأمر به أو ينهى عنه رجاء أن تهتدوا إلى الصراط ~~المستقيم. # وفى وصفه صلى الله عليه وسلم بالأمية مرة ثانية، إشارة إلى كمال علمه، ~~لأنه مع عدم مطالعته للكتاب، أو مصاحبته لمعلم. فتح الله له أبواب العلم، ~~وعلمه لما لم يكن يعلم من سائر العلوم التى تعلمها الناس عنه، وصاروا بها ~~أئمة العلماء وقادة المفكرين، فأكرم بها من أمية تضاءل بجانبها علم ~~العلماء فى كل زمان ومكان. وبذلك تكون الآيتان الكريمتان قد وصفتا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بأشرف الصفات وأقامتا أوضح الحجج وأقواها على ~~صدقه فى نبوته، ودعتا اليهود بل الناس جميعا إلى الإيمان به لأنه قد ~~بشرت به الكتب السماوية السابقة ولأنه صلى الله عليه وسلم ما جاءهم إلا ~~بالخير، وما نهاهم إلا عن الشر. ولأن شريعته تمتاز باليسر والسماحة، ولأن ~~أنصاره وأتباعه هم المفلحون، ولأن رسالته عامة للجن والانس، ومن كانت هذه ~~صفاته، وتلك شريعته، جدير أن يتبع، وقمين أن يصدق ويطاع، وما يعرض عن ~~دعوته إلا من طغى وآثر الحياة الدنيا. ثم بين القرآن الكريم أن قوم موسى ~~لم يكونوا جميعا ضالين. وإنما كان فيهم الأخيار وفيهم الأشرار فقال - ~~تعالى - { ومن قوم... }. ### || [7.159] # أى ومن قوم موسى جماعة عظيمة يهدون الناس بالحق الذى جاءهم به من عند ~~الله، وبالحق - أيضا - يسيرون فى أحكامهم فلا يجورون، ولا يرتشون، وإنما ~~يعدلون فى كل شئونهم. والمراد بهم أناس كانوا على خير وصلاح فى عهد موسى ~~- عليه السلام، مخالفين لأولئك السفهاء من قومه. وقيل المراد بهم من آمن ~~بالنبى صلى الله عليه وسلم عند بعثته. وهذا لون من ألوان عدالة القرآن فى ~~أحكامه، وإنصافه لمن يستحق الانصاف من الناس. إنه لا يسوق أحكامه معممة ~~بحيث يندرج تحتها الصالح والطالح بدون تمييز، كلا وإنما القرآن يسوق ~~أحكامه بإنصاف واحتراس، فهو يحكم للصالحين بما يستحقون، وتلك هى العدالة ~~التى ما أحوج الناس فى ms2071 كل زمان ومكان إلى السير على طريقها، وشبيه بهذه ~~الآية قوله - تعالى - # ليسوا سوآء من أهل الكتاب أمة قآئمة يتلون ~~آيات الله آنآء الليل وهم يسجدون # وقوله # وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ومآ أنزل ~~إليكم ومآ أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون ~~بآيات الله ثمنا قليلا # وقوله { بالحق } الباء للملابسة، وهى مع مدخولها فى محل الحال من ~~الواو فى يهدون. أى يهدون الناس حال كونهم ملتبسين بالحق. ثم ذكر القرآن ~~بعض النعم التى أنعم الله بها على بنى إسرائيل، وكيف وقفوا من هذه النعم ~~موقف الجاحد الكنود فقال - تعالى - { وقطعناهم اثنتي ~~عشرة... }. ### || [7.160-162] # قوله { وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما } اى ~~فرقنا قوم موسى وصيرناهم اثنتى عشرة أمة تتميز كل أمة عن الأخرى. ~~والأسباط فى بنى إسرائيل كالقبائل فى العرب. والسبط ولد الولد فهو ~~كالحفيد. وقد يطلق السبط على الولد. وكان بنو إسرائيل اثنتى عشرة قبيلة ~~من اثنى عشر ولدا هم أولاد يعقوب - عليه السلام - قالوا والظاهر أن ~~قطعناهم متعد لواحد لأنه لم يضمن معنى ما يتعدى لاثنين، فعلى هذا يكون ~~اثنتى عشرة حالا من مفعول { قطعناهم } وهو ضمير الغائبين " هم ". ~~ويرى الزمخشرى وغيره أن " قطعناهم " بمعنى صيرناهم وأن { اثنتي ~~عشرة } مفعول ثان، وتمييز اثنتى محذوف لفهم المعنى والتقدير وقطعناهم ~~اثنتى عشرة فرقة. و { أسباطا } بدل من ذلك التمييز، و { أمما } ~~بدل بعد بدل من اثنتى عشرة. والجملة الكريمة معطوفة على ما قبلها من ~~أخبار بنى إسرائيل، لمشاركتها لها فى كل ما يقصد به من العظات والعبر. ~~وقوله { وأوحينآ إلى موسى إذ استسقاه قومه أن ~~اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة ~~عينا }. الاستسقاء طلب السقيا عند عدم الماء أو حبس المطر. وذلك عن ~~طريق الدعاء لله - تعالى - فى خشوع واستكانة، وقد سأل موسى - عليه السلام ~~- ربه أن يسقى بنى إسرائيل الماء بعد أن استبد بهم العطش بعد ما كانوا فى ~~التيه. فعن ابن عباس أنه قال كان ذلك فى التيه ضرب لهم موسى الحجر فصار ~~منه اثنتا عشرة ms2072 عينا من ماء لكل سبط منهم عين يشربون منها. وقيل كان ~~الاستسقاء فى البرية ولكن الآثار التى تدل على أنه كان فى التيه أصح ~~وأكثر. والمعنى وأوحينا إلى موسى حين طلب منه قومه الماء أن اضرب بعصاط ~~الحجر فضربه فخرج منه الماء من اثنتى عشرة عينا ليروا بأعينهم مظاهر ~~قدرتنا، وليشاهدوا دليلا من الأدلة المتعددة التى تؤيد موسى فى أنه صادق ~~فيما يبلغه عن ربه - عز وجل -. وقوله { إذ استسقاه قومه } ~~يفيد أن الذى سأل ربه السقيا هو موسى وحده، لتظهر كرامته لدى ربه عند ~~قومه، وليشاهدوا بأعينهم كيف أن الله - تعالى - قد أكرمه حيث أجاب دعاءه ~~ففجر لهم الماء من الحجر. وال فى { الحجر } لتعريف الجنس، أى اضرب أى ~~حجر شئت بدون تعيين، وقيل للعهد، ويكون المراد حجرا معينا معروفا لموسى - ~~عليه السلام - بوحى من الله - تعالى - وقد أورد بعض المفسرين فى ذلك ~~آثارا حكم عليها المحققون من العلماء بالضعف، ولذا لم نعتد بها. والذى ~~نرجحه أن " أل " هنا لتعريف الجنس، لأن انفجار الماء من أى حجر بعد ضربه ~~أظهر فى إقامة البرهان على صدق موسى - عليه السلام - وأدعى لإيمان بنى ~~إسرائيل وانصياعهم للحق بعد وضوحه، وأبعد عن التشكيك فى إكرام الله لنبيه ~~موسى، إذ لو كان انفجار الماء من حجر معين لأمكن أن يقولوا إن انفجار ~~الماء منه لمعنى خاص بهذا الحجر، وليس لكرامة موسى عند ربه - عز وجل -. # والفاء فى قوله { فانبجست منه اثنتا عشرة عينا } ~~معطوفة على محذوف والتقدير فضرب فانبجست.. قال بعضهم والانبجاس والانفجار ~~واحد. يقال بجست الماء أبجسه فانبجس، بمعنى فجرته فانفجر. وقيل إن ~~الانبجاس خروج الماء من مكان ضيق بقلة، والانفجار خروجه بكثرة. ولا تنافى ~~بين قوله - تعالى - فى سورة البقرة # فانفجرت # وبين قوله هنا { فانبجست } لأنه انبجس أولا ثم انفجر ثانيا. وكذا ~~العيون يظهر الماء منها قليلا ثم يكثر لدوام خروجه. وكانت اليعون اثنتى ~~عشرة عينا بحسب عدد أسباط بنى إسرائيل إتماما للنعمة عليهم حتى لا يقع ~~بينهم تنازع أو تشاجر. وقوله ms2073 { قد علم كل أناس مشربهم ~~} إرشاد وتنبيه إلى حكمة الانقسام إلى اثنتى عشرة عينا. أى قد عرف كل سبط ~~من أسباط بنى إسرائيل مكان شربه فلا يتعداه إلى غيره، وفى ذلك ما فيه من ~~استقرار أمورهم، واطمئنان نفوسهم، وعدم تعدى بعضهم على بعض. ثم ذكر - ~~سبحانه - نعما أخرى مما أنعم به عليهم فقال { وظللنا عليهم ~~الغمام }. الغمام جمع غمامة وهى السحابة وخصه بعض علماء اللغة ~~بالسحاب الأبيض. أى وسخرنا لبنى إسرائيل الغمام بحيث يلقى عليهم ظله ~~ليقيهم من حر الشمس. وقوله { وأنزلنا عليهم المن ~~والسلوى } معطوف على ما قبله. والمن اسم جنس لا واحد له من لفظه، ~~وهو - على أرجح الأقوال - مادة صمغية تسقط من الشجر تشبه حلاوته حلاوة ~~العسل. والسلوى اسم جنس جمعى واحدته سلواه، وهو طائر برى لذيذ اللحم، سهل ~~الصيد يسمى بالسمانى، كانت تسوقه لهم ريح الجنوب كل مساء فيمسكونه قبضا ~~بدون تعب. وتظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم كان فى مدة تيههم ~~بين مصر والشام المشار إليه بقوله - تعالى - # قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون ~~في الأرض # أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المن فكان ينزل على شجر الزنجبيل والسلوى ~~وهو طائر يشبه السمانى فكان يأتى أحدهم فينظر إلى الطير فإن كان سمينا ~~ذبحه وإلا أرسله، فإذا سمن أتاه، فقالوا هذا الطعام فأين الشراب؟ فأمر ~~الله موسى أن يضرب بعصاه الحجر فضربه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا فشرب ~~كل سبط من عين. فقالوا هذا الشراب فأين الظل! فظلل الله عليهم بالغمام ~~فقالوا هذا الظل فأين اللباس؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان ~~ولا يتمزق لهم ثوب فذلك قوله - تعالى - { وظللنا عليهم ~~الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى }. # وقوله { كلوا من طيبات ما رزقناكم } أى وقلنا لهم كلوا ~~من طيبات ما رزقناكم، واشكروا ربكم على هذه النعم لكى يزيدكم منها. وقوله ~~{ وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } ~~معطوف على محذوف أى فعصوا أمر ربهم وكفروا بهذه لنعم الجليلة وما ظلمونا ~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. ويرى البعض أنه ms2074 لا حاجة إلى هذا التقدير، وأن ~~جملة { وما ظلمونا } معطوفة على ما قبلها لأنها مثلها فى أنها من ~~أحوال بنى إسرائيل. والتعبير عن ظلمهم لأنفسهم بكلمة " كانوا " والفعل ~~المضارع " يظلمون " يدل على أن ظلمهم لأنفسهم كان يتكرر منهم، لأنك لا ~~تقول فى ذم إنسان " كان يسىء إلى الناس " إلا إذا كانت الإساءة تصدر منه ~~المرة تلو الأخرى. قال ابن جرير عند تفسيره لهذه الجملة الكريمة ما ملخصه ~~" هذا من الذى استغنى بدلالة ظاهره على ما ترك منه وذلك أن معنى الكلام ~~كلوا من طيبات ما رزقناكم فخالفوا ما أمرناهم به، وعصوا ربهم، ثم رسولنا ~~إليهم وما ظلمونا " فاكتفى بما ظهر عما ترك. وقوله { وما ظلمونا } ~~أى ما ظلمونا بفعلهم ذلك ومعصيتهم، وما وضعوا فعلهم ذلك وعصيانهم إيانا ~~موضع مضرة علينا ومنقصة لنا، ولكنهم وضعوه من أنفسهم موضع مضرة عليها ~~ومنقصة لها. فإن الله - تعالى - لا تضره معصية عاص، ولا يتحيف خزائنه ظلم ~~ظالم ولا تنفعه طاعة مطيع، ولا يزيد فى ملكه عدل عادل، لنفسه يظلم ~~الظالم، وحظها يبخس العاصى، وإياها ينفع المطيع، وحظها يصيب العادل. ~~وقوله - تعالى - { وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية ~~وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا ~~الباب سجدا }... الخ. تذكير لهم بصفة جليلة مكنوا منها فما أحسنوا ~~قبولها، وما رعوها حق رعايتها، وهى نعمة تمكينهم من دخول بيت المقدس ~~ونكولهم عن ذلك. قال الآلوسى وقوله { وإذ قيل لهم } معمول لفعل ~~محذوف تقديره اذكر. وإيراد الفعل هنا مبنيا للمفعول جريا على سنن ~~الكبرياء " مع الإيذان بأن الفاعل غنى عن الصريح. أى أذكر لهم وقت قولنا ~~لأسلافهم ". والقرية هى البلدة المشتملة على مساكن، والمراد بها هنا بيت ~~المقدس - على الراجح - وقيل المراد بها أريحاء. والحطة كجلسة، اسم ~~للهيئة، من الحط بمعنى الوضع والإنزال، وأصله إنزال الشىء من علو. يقال ~~استحطه وزره سأله أن يحطه عنه وينزله. وهى خبر مبتدأ محذوف أى مسألتنا ~~حطة، والأصل فيها النصب بمعنى حط عنا ذنوبنا حطة، وإنما رفعت لتعطى معنى ~~الثبات. والمعنى واذكروا ms2075 أيها المعاصرون للعهد النبوى من بنى إسرائيل وقت ~~أن قيل لأسلافكم اسكنوا قرية بيت المقدس بعد خروجهم من التيه، وقيل لهم ~~كذلك كلوا من خيراتها أكلا واسعا، وأسألوا الله أن يحط عنكم ذنوبكم، ~~وادخلوا من بابها خاضعين خاشعين شكرا لله على نعمه، فإنكم إن فعلتم ذلك ~~غفرنا لكم خطيئاتكم. # وقوله - تعالى - { وكلوا منها حيث شئتم } فيه إشعار بكمال ~~النعمة عليهم واتساعها وكثرتها، حيث أذن لهم فى التمتع بثمرات القرية ~~وأطعمتها من أى مكان شاءوا. وقوله { وقولوا حطة وادخلوا ~~الباب سجدا } إرشاد لهم إلى ما يجب عليهم عمله نحو خالقهم، ~~وتوجههم إلى ما يعينهم على بلوغ غاياتهم بأيسر الطرق وأسهل السبل لأن كل ~~ما كلفهم الله - تعالى - به أن يضرعوا إليه بأن يحط عنهم خطيئاتهم، وأن ~~يدخلوا من باب المدينة التى فتحها الله عليهم مخبتين. وقوله { نغفر ~~لكم خطيئاتكم } مجزوم فى جواب الأمر. وهذه الجملة الكريمة بيان ~~للثمرة التى تترتب على طاعتهم وخضوعهم لخالقهم وإغراء لهم على الامتثال ~~والشكر - لو كانوا يعقلون - لأن غاية ما يتمناه العقلاء هو غفران الذنوب. ~~وقوله - تعالى - { سنزيد المحسنين } وعد بالزيادة من خيرى ~~الدنيا والآخرة لمن أسلم وجهه لله وهو محسن. وقد أمر الله - تعالى - أن ~~يفعلوا ذلك، وأن يقولوا هذا القول، لأن تغلبهم على أعدائهم نعمة من أجل ~~النعم التى تستدعى منهم الشكر الجزيل لله - تعالى -. ولهذا كان النبى صلى ~~الله عليه وسلم يظهر أقصى درجات الخضوع، وأسمى ألوان الشكر عند النصر ~~والظفر وبلوغ المطلوب، فعندما تم له فتح مكة دخل إليها من الثنية العليا ~~وهو خاضع لربه، حتى إن رأسه الشريف ليكاد يمس عنق ناقته شكرا لله على ~~نعمة الفتح، وبعد دخوله مكة اغتسل وصلى ثمانى ركعات سماها بعض الفقهاء ~~صلاة الفتح. ومن هنا استحب العلماء للفاتحين من المسلمين إذا فتحوا بلدة ~~أن يصلوا فيها ثمانى ركعات عند أول دخولها شكرا لله، وقد فعل ذلك سعد بن ~~أبى وقاص عندما دخل إيوان كسرى. فقد ثبت أنه صلى بداخله ثمانى ركعات. ~~ولكن ماذا كان من ms2076 بنى إسرائيل بعد أن أتم الله لهم نعمة الفتح. لقد حكى ~~القرآن ما كان منهم من جحود وبطر فقال { فبدل الذين ظلموا ~~منهم قولا غير الذي قيل لهم }. قال صاحب الكشاف " أى ~~وضعوا مكان حطة قولا غيرها، يعنى أنهم أمروا بقول معناه التوبة ~~والاستغفار فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به، ولم يمتثلوا أمر ~~الله، وليس الغرض أنهم أمروا بلفظ بعينه وهو لفظ الحطة فجاءوا بلفظ آخر، ~~لأنهم لو جاءوا بلفظ آخر مستقل بمعنى ما أمروا به لم يؤخذوا به، كما لو ~~قالوا مكان حطة نستغفرك ونتوب إليك، أو اللهم اعف هنا وما أشبه ذلك ". ~~وقال الإمام ابن كثير " وحاصل ما ذكره المفسرون وما دل عليه السياق أنهم ~~بدلوا أمر الله لهم من الخضوع بالقول والفعل. # فقد أمروا أن يدخلوا الباب سجدا فدخلوا يزحفون على أستاهم رافعى رؤوسهم. ~~وأمروا أن يقولوا حطة - أى احطط عنا ذنوبنا - فاستهزأوا وقالوا حنطة فى ~~شعيرة. وهذا فى غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة ولهذا أنزل الله بهم ~~بأسه وعذابه بفسقهم وخروجهم عن طاعته ". وأخرج البخارى عن أبى هريرة عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال " قيل لبنى إسرائيل ادخلوا الباب سجدا ~~وقولوا حطة فبدلوا ودخلوا يزحفون على أستاهم وقالوا. حبة فى شعيرة ". ~~والعبرة التى تؤخذ من هذه الجملة الكريمة أن من أمره الله - تعالى بقول ~~أو فعل فتركه وأتى بآخر لم يأذن به الله دخل فى زمرة الظالمين، وعرض نفسه ~~لسوء المصير. وقوله - تعالى - { فأرسلنا عليهم رجزا من ~~السمآء بما كانوا يظلمون } تصريح بأن ما أصابهم من عذاب ~~كان نتيجة عصيانهم وتمردهم وجحودهم لنعم الله. والرجز هو العذاب، سواء ~~أكان بالأمراض المختلفة أو بغيرها. وفى النص على أن الرجز قد أتاهم من ~~السماء إشعار بأنه عذاب لا يمكن دفعه، وأنه لم يكن له سبب أرضى من عدوى ~~أو نحوها، بل رمتهم به الملائكة من جهة السماء فأصيب به الذين ظلموا دون ~~غيرهم. هذا وقد وردت فى سورة البقرة آيتان تشبهان فى ms2077 ألفاظهما هاتين ~~الآيتين اللتين معنا هنا فى سورة الأعراف، أما آيتا سورة البقرة فهما ~~قوله - تعالى - # وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها ~~حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا ~~حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين ~~فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم ~~فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السمآء بما ~~كانوا يفسقون # وقد عقد الإمام الرازى مقارنة بين أسلوب الآيتين فى كل من السورتين ~~فقال ما ملخصه إن ألفاظ الآيتين فى سورة الأعراف تخالف ألفاظ آيتى سورة ~~البقرة من وجوه الأول أنه قال - سبحانه - فى سورة البقرة # وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية # وهنا قال وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية. الثانى أنه قال فى سورة البقرة # فكلوا # بالفاء، وقال هنا { وكلوا } بالواو. الثالث أنه قال فى سورة البقرة # رغدا # وهذه الكلمة غير مذكورة هنا. الرابع أنه قال فى سورة البقرة # وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة # وقال هنا على التقديم والتأخير. الخامس أنه قال فى سورة البقرة # نغفر لكم خطاياكم # وقال ها هنا { نغفر لكم خطيئاتكم }. السادس أنه قال فى ~~سورة البقرة # وسنزيد المحسنين # وها هنا حذف حرف الواو. السابع أنه قال فى سورة البقرة # فأنزلنا على الذين ظلموا # وقال ها هنا { فأرسلنا عليهم }. الثامن أنه قال فى سورة ~~البقرة # بما كانوا يفسقون # وقال ها هنا { بما كانوا يظلمون }. واعلم أن هذه الألفاظ ~~متقاربة ولا منافاة بينها البتة، ويمكن ذكر فوائد هذه الألفاظ المختلفة ~~من وجوه. # الأول وهو أنه قال فى سورة البقرة # ادخلوا هذه القرية # وقال ها هنا اسكنوا، فالفرق أنه لا بد من دخول القرية أولا ثم سكناها ~~ثانيا. الثانى أنه هناك قال # فكلوا # بالفاء وهنا بالواو. والفرق أن الدخول حالة مخصوصة، فإنه إنما يكون ~~داخلا فى أول دخوله، وأما ما بعد ذلك فيكون سكونا لا دخولا، إذا ثبت هذا ~~فنقول الدخول حالة منقضية زائلة وليس لها استمرار فلا جرم أن يحسن ذكر ~~فاء التعقيب بعده، فلهذا قال # ادخلوا هذه القرية فكلوا # وأما السكون فحالة مستمرة باقية ms2078 فيكون الأكل حاصلا معه لا عقيبه، فظهر ~~الفرق. وأما الثالث وأنه ذكر هناك رغدا ولم يذكره هنا، فالفرق أن ~~الأكل عقيب دخول القرية يكون ألذ، لأن الحاجة إلى ذلك الأكل كانت أكمل ~~وأتم، ولما كان الأمر كذلك ذكر كلمة " رغدا " وأما الأكل حال سكون القرية ~~فالظاهر أنه لا يكون فى محل الحاجة الشديدة ولم تكن اللذة فيه متكاملة. ~~فلا جرم ترك قوله رغدا فيه. وأما الرابع وقو قوله هناك # وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة # وهنا على العكس، فالمراد التنبيه على أنه لا منافاة فى ذلك، لأن المقصود ~~هو تعظيم أمر الله وإظهار الخضوع والخشوع له، فلم يتفاوت الحال بحسب ~~التقديم والتأخير. وأما الخامس وهو أنه قال هناك # خطاياكم # وقال هنا { خطيئاتكم } فهو إشارة إلى أن هذه الذنوب سواء كانت ~~قليلة أو كثيرة فهى مغفورة عند الإتيان بهذا التضرع والدعاء. وأما ~~السادس وهو قوله هناك # وسنزيد المحسنين # بالواو، وقال هنا { سنزيد } بحذفها، فالفائدة فى حذف الواو أنه ~~تعالى وعد بشيئين بالغفران وبالزيادة للمحسنين من الثواب وإسقاط الواو لا ~~يخل بذلك لأنه استئناف مرتب على تقدير قول القائل ماذا بعد الغفران فقيل ~~إنه سيزيد المحسنين. وأما السابع وهو الفرق بين أنزلنا وبين أرسلنا، فلأن ~~الإنزال لا يشعر بالكثرة والإرسال يشعر بها. فكأنه - سبحانه - بدأ ~~بإنزال العذاب القليل ثم جعله كثيرا. وأما الثامن فهو الفرق بين قوله ~~هناك # يفسقون # وقوله هنا { يظلمون } فذلك لأنهم موصوفون بكونهم ظالمين لأجل أنهم ~~ظلموا أنفسهم، وبكونهم فاسقين لأجل أنهم خرجوا عن طاعة الله. فالفائدة فى ~~ذكر هذين الوصفين التنبيه على حصول هذين الأمرين منهم. ثم قال فهذا ما ~~خطر بالبال فى ذكر فوائد هذه الألفاظ المختلفة، وتمام العلم بها عند الله ~~- تعالى -. وبذلك تكون الآيات الكريمة قد بينت أن بنى إسرائيل مكنوا من ~~النعمة فنفروا منها، وفتحت لهم أبواب الخير فأبوا دخولها، فكانت عاقبتهم ~~أن محقت النعم من بين أيديهم، وسلط الله عليهم عذابا شديدا من عنده بسبب ~~ظلمهم وفسوقهم عن أمره. وفى ذلك إثارة لحسرة اليهود ms2079 المعاصرين للعهد ~~النبوى على ما ضاع من أسلافهم بسبب انتهاكهم لحرمات الله وتحذير لهم من ~~سلوك طريق آبائهم حتى لا يصيبهم ما أصابهم من عذاب أليم. # ثم تحدث القرآن بعد ذلك عن رذيلة أخرى من رذائل بنى إسرائيل الكثيرة، ~~وهى تحايلهم على استحلال محارم الله بسبب جهلهم وجشعهم وضعف إرادتهم. ~~وذلك أن الله - تعالى - أخذ عليهم عهدا بأن يتفرغوا لعبادته فى يوم ~~السبت، وحرم عليهم الاصطياد فيه دون سائر الأيام، واختبارا منه - سبحانه ~~- لإيمانهم ووفائهم بعهودهم أرسل إليهم الحيتان فى يوم السبت دون غيره، ~~فكانت تتراءى لهم على الساحل فى ذلك اليوم، قريبة المأخذ، سهلة الاصطياد. ~~وهنا سال لعاب شهواتهم ومطامعهم وفكروا فى حيلة لاصطياد هذه الحيتان فى ~~يوم السبت فقالوا لا مانع من أن نحفر إلى جانب ذلك البحر الذى يزخر ~~بالأسماك فى يوم السبت أحواضا تنساب إليها المياه ومعها الأسماك، ثم نترك ~~هذه الأسماك محبوسة فى الأحواض فى يوم السبت - لأنها لا تستطيع الرجوع ~~إلى البحر لضآلة الماء الذى فى الأحواض. ثم نصطادها بعد ذلك فى غير يوم ~~السبت، وبذلك نجمع بين احترام ما عهد إلينا فى يوم السبت وبين ما تشتهيه ~~أنفسنا من الحصول على تلك الأسماك. ولقد نصحهم الناصحون بأن عملهم هذا هو ~~احتيال على محارم الله، وأن حبس الحيتان فى الأحواض هو صيد لها فى ~~المعنى، وهو فسوق عن أمر الله ونقض لعهوده. ولكنهم لجهلهم واستيلاء ~~المطامع على نفوسهم لم يعبأوا بنصح الناصحين بل نفذوا حيلتهم الشيطانية، ~~فغضب الله عليهم ومسخهم قردة، وجعلهم عبرة لمن عاصرهم ولمن أتى بعدهم ~~وموعظة للمتقين. واستمع إلى سورة الأعراف وهى تحكى لنا هذه القصة ~~بأسلوبها البليغ فتقول { وسئلهم عن القرية.... }. ### || [7.163-166] # قوله - تعالى - { وسئلهم عن القرية }... الخ. معطوف على ~~اذكر المقدر فى قوله - تعالى - # وإذ قيل لهم اسكنوا # والخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم وضمير الغيبة للمعاصرين له من اليهود. ~~أى سل يا محمد هؤلاء اليهود المعاصرين لك كيف كان حال أسلافهم الذين ~~تحايلوا على استحلال محارم الله فإنهم ms2080 يجدون أخبارهم فى كتبهم ولا ~~يستطيعون كتمانها. والمقصود من سؤالهم تقريعهم على عصيانهم، لعلهم أن ~~يتوبوا ويرجعوا إلى الحق، ولا يعرضوا أنفسهم لعقوبات كالتى نزلت ~~بسابقيهم، وتعريفهم بأن هذه القصة من علومهم المعروفة لهم والتى لا ~~يستطيعون إنكارها، والتى لا تعلم إلا بكتاب أو وحى، فإذا أخبرهم بها ~~النبى الأمى الذى لم يقرأ كتابهم كان ذلك معجزة له. ودليلا على أنه نبى ~~صادق موحى إليه بها. قال الإمام ابن كثير عند تفسيره للآية الكريمة أى ~~واسأل - يا محمد - هؤلاء اليهود الذين بحضرتكم عن قصة أصحابهم الذين ~~خالفوا أمر الله ففاجأتهم نقمته على اعتدائهم واحتيالهم فى المخالفة، ~~وحذر هؤلاء من كتمان صفتك التى يجدونها فى كتبهم " لئلا يحل بهم ما حل ~~بإخوانهم وسلفهم وهذه القرية هى " أيلة " وهى على شاطىء بحر القلزم، أى - ~~البحر الأحمر -. وقال الإمام القرطبى وهذا سؤال تقرير وتوبيخ، وكان ذلك ~~علامة لصدق النبى صلى الله عليه وسلم إذ أطلعه الله على تلك الأمور من ~~غير تعلم وكانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه، لأنا من سبط إسرائيل. ~~ومن سبط موسى كليم الله، ومن سبط ولده عزير فنحن أولادهم، فقال الله - ~~عزل وجل - لنبيه سلهم - يا محمد - عن القرية. أما عذبتهم بذنوبهم، وذلك ~~بتغيير فرع من فروع الشريعة. وجمهور المفسرين على أن المراد بهذه القرية. ~~قرية أيلة التى تقع بين مدين والطور، وقيل هى قرية طبرية، وقيل هى مدين. ~~ومعنى كونها { حاضرة البحر } قريبة منه، مشرفة على شاطئه، تقول ~~كنت بحضرة الدار أى قريبا منها. وقوله { إذ يعدون في السبت } ~~أى يظلمون ويتجاوزون حدود الله - تعالى - بالصيد فى يوم السبت ويعدون ~~بمعنى يعتدون، يقال عدا فلان الأمر واعتدى إذا تجاوز حده. وقوله تعالى { ~~إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا ~~يسبتون لا تأتيهم } بيان لموضع الاختبار والامتحان. و { إذ ~~تأتيهم حيتانهم } ظرف ليعدون. وحيتان جمع حوت وهو السمك ~~الكبير. وشرعا أى شارعة ظاهرة على وجه الماء. جمع شارع، من شرع عليه إذا ~~دنا وأشرف وكل شىء دنا من ms2081 شىء فهو شارع، وقوله شرعا حال من الحيتان. ~~والمعنى إذ تأتيهم حيتانهم فى وقت تعظيمهم ليوم السبت ظاهرة على وجه ~~الماء دانية من القرية بحيث يمكنهم صيدها بسهولة، فإذا مر يوم السبت ~~وانتهى لا تأتيهم كما كانت تأتيهم فيه، ابتلاء من الله - تعالى - لهم. # قال ابن عباس اليهود أمروا باليوم الذى أمرتم به، وهو يوم الجمعة، ~~فتركوه واختاروا السبت فابتلاهم الله - تعالى - به، وحرم عليهم الصيد ~~فيه، وأمرهم بتعظيمه، فإذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها ~~فى البحر، فإذا انقضى السبت ذهبت وما تعود إلا فى السبت المقبل، وذلك ~~بلاء ابتلاهم الله به، فذلك معنى قوله تعالى { ويوم لا يسبتون ~~لا تأتيهم }. وقال الإمام القرطبى وروى فى قصص هذه الآية أنها ~~كانت فى زمن داود - عليه السلام - وأن إبليس أوحى إليهم فقال إنما نهيتم ~~عن أخذها يوم السبت، فاتخذوا الحياض، فكانوا يسوقون الحيتان إليها يوم ~~السبت فتبقى فيها، فلا يمكنها الخروج منها لقلة الماء. فيأخذونها يوم ~~الأحد. وقوله تعالى { كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون } ~~معناه بمثل هذا الابتلاء، وهو ظهور السمك لهم فى يوم السبت، واختفائه فى ~~غيره نبتليهم ونعاملهم معاملة من يختبرهم، لينالوا ما يستحقونه من عقوبة ~~بسبب فسقهم وتعديهم حدود ربهم، وتحايلهم القبيح على شريعتهم، فقد جرت سنة ~~الله بأن من أطاعه سهل له أمور دنياه، وأجل له ثواب أخراه، ومن عصاه أخذه ~~أخذ عزيز مقتدر. ثم بين - سبحانه - طوائف هذه القرية وحال كل طائفة فقال ~~تعالى { وإذا قالت أمة منهم لم تعظون قوما ~~الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا ~~معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون }. والذى يفهم من ~~هذه الآية الكريمة، - وعليه جمهور المفسرين - أن أهل القرية كانوا ثلاث ~~فرق 1- فرقة المعتدين فى السبت، المتجاوزين حدود الله عن تعمد وإصرار. 2 ~~- فرقة الناصحين لهم بالانتهاء عن تعديهم وفسوقهم. 3 - فرقة اللائمين ~~للناصحين ليأسهم من صلاح العادين فى السبت. وهذه الفرقة الثالثة هى التى ~~عبر القرآن الكريم عنها بقوله { وإذا قالت أمة منهم لم ~~تعظون قوما ms2082 الله مهلكهم أو معذبهم عذابا ~~شديدا } أى قالت فرقة من أهل القرية، لإخوانهم الذين لم يألوا جهدا ~~فى نصيحة العادين فى السبت، لم تعظون قوما لا فائدة من وعظهم ولا جدوى من ~~تحذيرهم، لأن الله تعالى قد قضى باستئصالهم وتطهير الأرض منهم، أو ~~بتعذيبهم عذابا شديدا، جزاء تماديهم فى الشر، وصممهم عن سماع الموعظة ~~فكان رد الناصحين عليهم { معذرة إلى ربكم ولعلهم ~~يتقون }. فهم قد عللوا نصيحتهم للعادين بعلتين الأولى الاعتذار إلى ~~الله - تعالى - من مغبة التقصير فى واجب الأمر بالمعروف والنهى عن ~~المنكر. والثانية الأمل فى صلاحهم وانتفاعهم بالموعظة حتى ينجو من ~~العقوبة، ويسيروا فى طريق المهتدين. وقيل إن أهل القرية كانوا فرقتين، ~~فرقة أقدمت على الذنب فاعتدت فى السبت، وفرقة أحجمت عن الاقدام، ونصحت ~~المعتدين بعدم التجاوز لحدود الله - تعالى - فلما داومت الفرقة الواعظة ~~على نصيحتها للفرقة العادية، قالت لها الفرقة العادية على سبيل التهكم ~~والاستهزاء لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا فى زعمكم؟ ~~فاجابتهم الناصحة بقولها. # معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون. والذى نرجحه أن أهل القرية كانوا ثلاث فرق ~~كما قال جمهور المفسرين - لأن هذا هو الظاهر من الضمائر فى الآية ~~الكريمة، إذ لو كانوا فرقتين لقالت الناهية للعاصية ولعلكم تتقون بكاف ~~الخطاب، بدل قولهم ولعلهم يتقون الذى يدل على أن المحاورة قد دارت بين ~~الفرقة اللائمة، والفرقة الناصحة. قال الإمام القرطبى عند تفسيره الآية ~~الكريمة إن بنى إسرائيل افترقت ثلاث فرق " فرقة عصت وصدت، وكانوا، نحوا ~~من سبعين ألفا، فرقة نهت واعتزلت، وكانوا نحوا من اثنى عشر ألفا، وفرقة ~~اعتزلت ولم تنه ولم تعص، وأن هذه الطائفة هى التى قالت للناهية، لم تعظون ~~قوما - عصاة - الله مهلكهم، أو معذبهم على غلبة الظن. وما عهد حينئذ من ~~فعل الله تعالى بالأمم العاصية؟. وقوله { معذرة } بالنصب على أنها ~~مفعول لأجله أى وعظناهم لأجل المعذرة، أو منصوبة على أنها مصدر لفعل مقدر ~~من لفظها أى نعتذر معذرة وقرئت " معذرة " بالرفع على أنها خبر لمبتدأ ~~محذوف أى ms2083 موعظتنا معذرة وقد اختار سيبويه هذا الوجه وقال فى تعليله لأنهم ~~لم يريدوا أن يعتذروا اعتذارا مستأنفا ولكنهم قيل لهم لم تعظون؟ فقالوا ~~موعظتنا معذرة. ثم بين - سبحانه - عاقبة كل من الفرقة الناهية والعاصية ~~فقال تعالى { فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ~~ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب ~~بئيس بما كانوا يفسقون } أى فلما لج الظالمون فى طغيانهم، ~~وعموا وصموا عن النصيحة أنجينا الناصحين، وأخذنا العادين بعذاب شديد لا ~~رحمة فيه بسبب خروجهم على أوامر الله. والآية الكريمة صريحة فى بيان أن ~~الذين أخذوا بالعذاب البئيس هم الظالمون المعتدون وأن الذين نجوا هم ~~الناهون عن السوء، أما الفرقة الثالثة التى لامت الناهين عن السوء على ~~وعظهم للمعتدين، فقد سكتت عنها. ويرى بعض المفسرين أنها لم تنج، لأنها لم ~~تنه عن المنكر. فضلا عن أنها لامت الناصحين لغيرهم. ويرى جمهور المفسرين ~~أنها نجت، لأنها كانت كارهة لما فعله العادون فى السبت ولم ترتكب شيئا ~~مما ارتكبوه، وإذا كانت قد سكتت عن النصيحة، فلأنها كانت يائسة من صلاح ~~المعتدين، ومقتنعة بأن القوم قد أصبحوا محل سخط الله وعذابه، فلا جدوى ~~وراء وعظهم، وإلى هذا الرأى ذهب صاحب الكشاف وغيره. قال صاحب الكشاف فإن ~~قلت الأمة الذين قالوا لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا ~~شديدا - من أى الفريقين هم؟ أمن فريق الناجين أم من فريق المعذبين. # قلت من فريق الناجين، لأنهم من فريق الناهين، غرضا صحيحا لعلمهم بحال ~~القوم. وإذا علم الناهى حال المنهى، وأن النهى لا يؤثر فيه، سقط عنه ~~النهى، وربما وجب الترك لدخوله فى باب العبث، ألا ترى أنك لو ذهبت إلى ~~المكاسين القاعدين على المآصر والجلادين المرتبين للتعذيب، لتعظهم وتكفهم ~~عما هم فيه، كان ذلك عبثا منك، ولم يكن إلا سببا للتلهى بك، أما ~~الآخرون فإنهم لم يعرضوا عنهم، إما لأن يأسهم لم يستحكم كما استحكم يأس ~~الأولين، ولم يخبروهم كما خبروهم. أو لفرط حرصهم وجدهم فى أمرهم، كما وصف ~~الله تعالى رسوله عليه الصلاة ms2084 والسلام فى قوله # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # وقال الإمام ابن كثير ويروى عن ابن عباس - رضى الله عنهما - أنه قال ~~عندما سئل عن مصير الفرقة اللائمة، ما أدرى ما فعل بهم، ثم صار إلى ~~نجاتهم لما قال له غلامه عكرمة ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه ~~وخالفوهم فقال { لم تعظون قوما الله مهلكهم أو ~~معذبهم عذابا شديدا } قال عكرمة فلم أزل به حتى عرفته أنهم ~~نجوا فكسانى حلة. والذى نرجحه أن مصير هذه الفرقة مفوض إلى الله، لأنه لم ~~يرد نص صحيح فى شأنها، فإن الآية الكريمة قد ذكرت صراحة عاقبة كل من ~~الناصحين والعادين ولم تذكر مصير الفرقة اللائمة للناصحين ولعل ذلك مرجعه ~~إلى أنها وقفت من العادين ولم تذكر فى السبت موقفا سلبيا استحقت معه ~~الإهمال، إن لم تكن بسببه أهلا للمؤاخذة. ثم فصل - سبحانه - ما عوقبوا ~~به من العذاب البئيس الذى أصابهم فقال تعالى { فلما عتوا عن ~~ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين } أى ~~فلما تكبروا عن ترك ما نهاهم عنه الواعظون، قلنا لهم كونوا قردة صاغرين ~~فكانوا كذلك. قال الآلوسى والأمر فى قوله تعالى { قلنا } تكوينى لا ~~تكليفى، لأنه ليس فى وسعهم حتى يكلفوا به، وهذا كقوله تعالى # إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن ~~فيكون # فى أنه يحتمل أن يكون هناك قول وأن يكون الغرض مجرد التمثيل. وقيل فى ~~تفسير الآية إن الله تعالى - عاقب القوم أو لا بالعذاب البئيس الذى ~~يتناول البؤس والشقاء والفقر فى المعيشة، فلما لم يرتدعوا ويثوبوا إلى ~~رشدهم، مسخهم مسخا خلقيا وجسميا، فكانوا قردة على الحقيقة، وهو الظاهر ~~من الآية، وعليه الجمهور وقيل مسخهم مسخا خلقيا ونفسيا، فصاروا ~~كالقردة فى شرورها وإفسادها لما تصل إليه أيديها، وهذا مروى عن مجاهد. ~~وتلك العقوبة كانت جزاء إمعانهم فى المعاصى، وتأبيهم عن قبول النصحية، ~~وضعف إرادتهم أمام مقاومة أطماعهم، وانتكاسهم إلى عالم الحيوان لتخليهم ~~عن خصائص الإنسان، فكانوا حيث أرادوا ms2085 لأنفسهم من الصغار والهوان. # هذا وقد استدل العلماء بهذه الآيات الكريمة على تحريم الحيل القبيحة ~~التى يتخذها بعض الناس ذريعة للتوصل إلى مقاصدهم الذميمة. وغاياتهم ~~الدنيئة ومطامعهم الخسيسة. وقد أفاض الإمام ابن القيم فى كتابه إغاثة ~~اللهفان فى إيراد الأدلة الدالة على هذا التحريم، فقال ما ملخصه ومن ~~مكايد الشيطان التى كاد بها الإسلام وأهله، الحيل والمكر والخداع الذى ~~يتضمن تحليل ما حرم الله وإسقاط ما فرضه، ومضادته فى أمره ونهيه، وهى من ~~الباطل الذى اتفق السلف على ذمه، فإن الرأى رأيان رأى يوافق النصوص وتشهد ~~له بالصحة والاعتبار، وهو الذى اعتبره السلف وعملوا به. ورأى يخالف ~~النصوص وتشهد له بالإبطال والإهدار، وهو الذى ذموه وأهدروه. وكذلك ~~الحيل نوعان نوع يتوصل به إلى فعل ما أمر الله - تعالى - به وترك ما نهى ~~عنه، والتخلص من الحرام وتخليص المحق من الظالم المانع له، وتخليص ~~المظلوم من يد الظالم الباغى، فهذا النوع محمود يثاب فاعله ومعلمه. ونوع ~~يتضمن إسقاط الواجبات، وتحليل المحرمات، وقلب المظلوم ظالما، والظالم ~~مظلوما، والحق باطلا، والباطل حقا. فهذا الذى اتفق السلف على ذمه، وصاحوا ~~بأهله من أقطار الأرض.. ثم قال إن الله تعالى أخبر عن أهل السبت من ~~اليهود بمسخهم قردة، لما تحايلوا على إباحة ما حرمه الله - تعالى - عليهم ~~من الصيد، بأن نصبوا الشباك يوم الجمعة، فلما وقع فيها الصيد، أخذوه يوم ~~الأحد. قال بعض الأئمة ففى هذا زجر عظيم لمن يتعاطى الحيل على المناهى ~~الشرعية، ممن يتلبس بعلم الفقه وهو غير فقيه، إذ الفقيه من يخشى الله - ~~تعالى - بحفظ حدوده، وتعظيم حرماته، والوقوف عندها، وليس المتحيل على ~~إباحة محارمه، وإسقاط فرائضه، ومعلوم أنهم لم يستحلوا ذلك تكذيبا لموسى ~~- عليه السلام - وكفرا بالتوراة، وإنما هو استحلال تأويل واحتيال، ظاهرة ~~ظاهر الإيفاء، وباطنه باطن الاعتداء، ولهذا مسخوا قردة، لأن صورة القردة ~~فيها شبه من صورة الإنسان، فلما مسخ أولئك المعتدون دين الله تعالى بحيث ~~لم يتمسكوا إلا بما يشبه الدين فى بعض مظاهره دون حقيقته، مسخهم سبحانه ~~قردة ms2086 يشبهونهم فى بعض ظواهرهم دون الحقيقة جزاء وفاقا، وفى الحديث الشريف # " لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، وتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل " # وفى الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال # " قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها " # وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال " بلغ عمر - رضى الله عنه - أن ~~سمرة باع خمرا فقال قاتل الله سمره. ألم يعلم أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها - أى أذبواها ~~- فباعوها. وبهذا تكون الآيات الكريمة قد دمغت العادين فى السبت من ~~اليهود، برذيلة الجهالة وضعف الإرادة، وتحايلهم القبيح على استحلال ~~محارم الله، مما جعلهم أهلا للعذاب الشديد والمسخ الشنيع، جزاء إمعانهم ~~فى المعصية وصممهم عن سماع الموعظة، وما ربك بظلام للعبيد. ثم بين - ~~سبحانه - ما توعد به أولئك اليهود من عقوبات بسبب كفرهم وفسوقهم وإفسادهم ~~فى الأرض فقال - تعالى - { وإذ تأذن... }. ### || [7.167-168] # قوله { وإذ تأذن ربك } منصوب على المفعولية بمقدر معطوف على ~~{ وسئلهم } أى واذكر يا محمد لليهود وقت أن تأذن ربك. وتأذن بمعنى ~~آذن، أى أعلم. يقال آذن الأمر وبالأمر أى أعلمه. وأذن تأذينا أكثر ~~الإعلام. وأجرى مجرى فعل القسم كعلم الله وشهد الله، ولذلك جىء بلام ~~القسم ونون التوكيد فى جوابه وهو قوله - تعالى - " ليبعثن عليهم... إلخ ~~". وقوله { إلى يوم القيامة } متعلق بقوله { ليبعثن }. ~~والمعنى واذكر يا محمد وقت أن أعلم الله - تعالى - هؤلاء اليهود وأسلافهم ~~بأنهم إن غيروا وبدلوا ولم يؤمنوا بأنبيائهم، ليسلطن عليهم إلى يوم ~~القيامة من يذيقهم سوء العذاب كالإذلال وضرب الجزية وغير ذلك من صنوف ~~العذاب إن ربك لسريع العقاب لمن أقام على الكفر، وجانب طريق الحق، وإنه ~~لغفور رحيم لمن تاب وآمن وعمل صالحا. وهذا من باب قرن الترغيب بالترهيب ~~حتى لا ييأس العاصى من رحمة الله بسبب ذنوبه السابقة إذا هو أقبل على ~~الله بالتوبة والعمل الصالح كما قال - تعالى - # وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم ~~اهتدى # ولقد ms2087 يبدو للبعض أن هذا الوعيد لليهود قد توقف بسبب ما نرى لهم الآن من ~~دولة وصولة ولكن الذى نعتقده أن هذا الوعيد ما توقف مع ما لهم من دولة، ~~فإنهم ما زالوا محل احتقار الناس وبغضهم، وحتى الدول التى تناصرهم إنما ~~تناصرهم لأن السياسة تقتضى ذلك بينما شعوب هذه الدول تكره أولئك اليهود ~~وتزدريهم وتنفر منهم. وما قامت لليهود تلك الدولة إلا لأن المسلمين قد ~~فرطوا فى حق خالقهم، وفى حق أنفسهم، ولم يأخذوا بالأسباب التى شرعها الله ~~لهم لحرب أعدائهم فكانت النتيجة أن أقام اليهود دولة لهم فى قلب البلاد ~~الإسلامية وعندما يعود المسلمون إلى الأخذ التام الكامل بتعاليم دينهم ~~وإلى مباشرة الأسباب التى شرعها الله مباشرة سليمة، عندما يفعلون ذلك ~~تعود إليهم عزتهم المسلوبة وكرامتهم المغصوبة. وصدق الله إذ يقول # ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها ~~على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم # هذا وقوله - تعالى - { وقطعناهم في الأرض أمما } إخبار ~~عن عقوبة أخرى من عقوباتهم المتنوعة بسبب كفرهم وجحودهم، وتتمثل هذه ~~العقوبة فى تفريقهم فى الأرض، وتمزيقهم شر ممزق حتى لا تكون لهم شوكة. و ~~{ أمما } حال من مفعول { وقطعناهم } أو مفعول ثان لقطعناهم ~~على أنه بمعنى صيرناهم. أى أن هؤلاء اليهود قد مزقناهم فى الأرض شر ممزق ~~بسبب عصيانهم وفسوقهم، وصيرناهم فرقا متقطعة الأوصال، مشتتة الأهواء. ~~وقوله { منهم الصالحون ومنهم دون ذلك } بيان لحالهم. ~~أى من هؤلاء اليهود قلة آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ~~فصلح حالها، وحسنت عاقبتها، ومنهم كثرة منحطة عن رتبة أولئك المؤمنين ~~الصالحين، بسبب فسوقهم عن أمر الله، وانتهاكهم لحرماته. # والجملة من المبتدأ والخبر، فى موضع نصب على أنها صفة ل { أمما }. ~~وقوله { ومنهم دون ذلك } الجار والمجرور خبر مقدم و { دون ~~ذلك } نعت لمنعوت محذوف هو المبتدأ والتقدير ومنهم ناس أو جماعة دون ~~ذلك. وهذه الجملة الكريمة تدل على أن القرآن الكريم يستعمل الإنصاف ~~والعدالة وتقرير الحقائق مع أعدائه وأتباعه على السواء، فهو يمدح من ~~يستحق المديح، ويذم من ms2088 هو أهل الذم، وما أحوج الناس فى كل زمان ومكان إلى ~~التخلق بهذه الأخلاق. وقوله - تعالى - { وبلوناهم بالحسنات ~~والسيئات لعلهم يرجعون } أى عاملناهم معاملة المبتلى ~~الممتحن تارة بالنعم الكثيرة كالصحة والخصب وسعة الأرزاق، وتارة بالنقم ~~المتنوعة كالجدب والأمراض والشدائد، لعلهم يرجعون إلى طاعة ربهم، ويتركون ~~ما نهوا عنه من المعاصى والسيئات. يقال بلاه يبلوه بلوا، وابتلاه ابتلاء، ~~إذا جربه واختبره، ولقد كانت نتيجة هذا الابتلاء والاختبار أن تكشفت ~~الحقائق عن أن الكثرة من بنى إسرائيل سلكت طريق الضلالة والغواية، والقلة ~~هى التى آمنت وأصلحت ولذا عاقب الله تلك الكثرة بالعقوبة التى تناسبها ~~جزاء وفاقا. هذا، وما أخبر به القرآن من أن الله - تعالى - قد توعد بنى ~~إسرائيل وأخبرهم بأنه سيسلط عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب ~~بسبب كفرهم وفسوقهم قد شهد بصدقه التاريخ، وأيدته الحوادث، وهذه نماذج ~~قليلة من تلك العقوبات التى نزلت بهم فى الأزمنة المختلفة. أولا بعد وفاة ~~سليمان - عليه السلام - حوالى سنة 975 ق م انقسمت مملكته إلى قسمين مملكة ~~الشمال، واسمها إسرائيل ومقرها السامرة وتتكون من الأسباط العشرة. ومملكة ~~الجنوب واسمها يهوذا ومقرها أورشليم وتتكون من سبطى يهوذا وبنيامين. وقد ~~استمرت المنازعات بين المملكتين مدة طويلة، انتهت بانقضاض سرجون ملك آشور ~~على مملكة الشمال إسرائيل سنة 721ق.م. فقتل الآلاف من رجالها، وأسر ~~البقية منهم فرحلهم إلى ما وراء نهر الفرات، وقضى على هذه المملكة قضاء ~~لم تقم لها بعده قائمة. وأما مملكة الجنوب أورشليم فقد حاولت أن تتشبث ~~بالبقاء، ولكن معاول الهدم غزتها من الشرق ومن الجنوب وكانت نهايتها على ~~يد بختنصر البابلى سنة 586ق م. ويصور أحد الكتاب الغربيين قصة النكبات ~~التى أدت إلى زوال مملكة يهوذا وإسرائيل فيقول هى قصة نكبات وقصة تحررات ~~لا تعود عليهم إلا بإرجاء النكبة القاضية، هى قصة ملوك همج يحكمون شعبا ~~من الهمج، حتى إذا وافت سنة 721ق م " محت يد الأسر الأشورى مملكة إسرائيل ~~من الوجود، وزال شعبها من التاريخ زوالا تاما، وظلت مملكة يهوذا تكافح ms2089 ~~حتى أسقطها البابليون سنة 586ق م. ثانيا استرد اليهود بعض أنفاسهم بعد ~~وقوعهم تحت حكم الفرس من حوالى سنة 536 إلى سنة 332ق م. # سار إليهم بطليموس خليفة الإسكندر، فهدم القدس، ودك أسوارها، وأرسل ~~منهم مائة ألف أسير إلى مصر، لأنهم ثاروا عليه. ثالثا فى سنة 20ق م ~~تقريبا، وقع اليهود تحت سيطرة السلوقيين السوريين بعد انتصارهم على ~~البطالسة، ورأى بعض الحكام السلوقيين من اليهود تمردا وعصيانا، فأنزلوا ~~بهم أشد العقوبات فى عدة مواقع، وكان من أبرز المنكلين باليهود انطو خيوس ~~ما يبن سنة 170. وسنة 168ق م فقد هاجم أورشليم وهدم أسوارها وهيكلها. ~~ونهب ما فيها من أموال وقتل من أهلها أربعين ألفا فى ثلاثة أيام وباع مثل ~~ذلك العدد عبيدا منهم ولم يفلت من يده إلا اليهود الذين هربوا إلى ~~الجبال، وقد أقام أنطو خيوس قمة على أحد الجبال ليشاهد منها كل من يقترب ~~من اليهود إلى أورشليم ليقتله، وقد وصل به الحال أنه أكره عددا كبيرا ~~منهم على ترك الديانة اليهودية وجعل هيكلهم فى أورشليم معبدا لإلهه. ~~رابعا وفى سنة 63ق م أغار الرومان بقيادة بامبيوس على أورشليم فاحتلوها، ~~واستمر احتلالهم حتى سنة 614م. وخلال احتلال الرومان لفلسطين قام اليهود ~~بعدة ثورات باءت كلها بالفشل، ولقوا بسبب تمردهم وعصيانهم من الرومان ~~ألوانا من القتل والسبى والتشريد. كان من أشهرها ما أنزله بهم " تيطس ~~الرومانى " سنة 70م فقد اقتحم فى هذه السنة أورشليم فدمرها تدميرا، وقتل ~~الآلاف من اليهود وأحرق هيكلهم. خامسا بعد هذه النماذج التى سقناها لما ~~أنزله الرومان من عقوبات على اليهود، نتابع سيرنا فى سرد بعض العقوبات ~~التى أنزلها المسلمون باليهود بسبب بغيهم وخياناتهم فنقول بعد هجرة النبى ~~صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، عامل اليهود القاطنين والمجاورين لها ~~معاملة طيبة، وعقد معهم معاهدة ضمنت لهم حقوقهم ولكنهم نقضوا عهودهم، ولم ~~يتركوا وسيلة من وسائل الكيد للإسلام والمسلمين إلا فعلوها، وحاول ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أن يثنيهم عن جحودهم وبغيهم ولكنهم لم ~~يستجيبوا له. فعاقب ms2090 صلى الله عليه وسلم كل طائفة منهم بالعقوبة التى ~~تناسب جرمهم وخيانتهم وتكفل للمسلمين أن يعيشوا فى مأمن من شرورهم، ومن ~~بين العقوبات التى أنزلها النبى صلى الله عليه وسلم بهم إجلاؤه لبنى ~~قينقاع ولبنى النضير عن المدينة، وقتله لبنى قريظة وإهداره لدم بعض ~~كبرائهم ككعب بن الأشرف وسلام بن ابى الحقيق، ومحاربته ليهود خيبر ~~ومصالحته لهم بعد مقتل عدد كبير منهم، ورفعهم راية الأمان، والاستسلام، ~~وقبولهم الشروط التى اشترطها عليهم النبى صلى الله عليه وسلم. ولقد كان ~~من آخر الكلمات التى نطق بها الرسول صلى الله عليه وسلم قبل وفاته قوله ~~موصيا أصحابه # " أخرجوا اليهود من جزيرة العرب لا يبقى فى جزيرة العرب دينان " # وفى عهد عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - تم إخراج جميع اليهود من جزيرة ~~العرب، استجابة لوصية الرسول صلى الله عليه وسلم. سادسا وفى ختام عرضنا ~~لبعض العقوبات التى نزلت باليهود فى الأزمنة المختلفة جزاء إجرامهم ~~وإثارتهم للفتن نسوق بعض الأمثلة لما حل بهم على أيدى بعض الدول ~~الأوربية. أ ففى بريطانيا لقى اليهود فى بعض العهود ألوانا من التعذيب، ~~وصنوفا من القتل والتشريد. 1 - من ذلك أن الملك الإنجليزى يوحنا أصدر ~~أمرا بحبسهم فى جميع أنحاء مملكته. وفى سنة 1328م جأر الشعب البريطانى ~~بالشكوى من اليهود، فأصدر الملك ادوارد الاول أمرا بطرد اليهود من جميع ~~البلاد البريطانية فى غضون ثلاثة أشهر، إلا أن الشعب البريطانى لم يصبر ~~على اليهود حتى تنقضى تلك المدة، بل أخذ يقتل منهم العشرات والمئات وفى ~~قلعة بورك التى احتمى بها عدد كبير من اليهود أحرق الإنجليز أكثر من ~~خمسمائة يهودى وقد اضطر الملك إلى ترحيلهم قبل انقضاء المدة لئلا يفتك ~~الشعب بهم جميعا فى كل مكان، وظلت بريطانيا خالية من اليهود طوال ثلاثة ~~قرون تقريبا. ولكن عادوا إليها سنة 1656م فى عهد الطاغية كرومويل الذى ~~اغتصب الملك شارل الأول بعد أن قدم له اليهود الأموال الطائلة فى سبيل ~~بلوغ أغراضه. ب وفى فرنسا تعرض اليهود فى أزمنة مختلفة لنقمة ms2091 الشعب ~~الفرنسى وغضبه، لأنهم دمروا اقتصاده الوطنى، وخنقوه بالربا الفاحش، ~~والمعاملات السيئة. 1 - ففى عهد لويس التاسع تدهورت الحالة الاقتصادية فى ~~فرنسا فأصدر أمرا بإلغاء ثلث ما لليهود على الفرنسيين من ديون، ثم أصدر ~~أمرا بإحراق جميع كتبهم المقدسة، وخاصة التلمود. وقد قال أحد المؤرخين ~~إنهم أحرقوا فى باريس وحدها محمول أربع وعشرين مركبة من نسخ التلمود ~~وغيرها. 2 - وخلال تولى فيليب الجميل حكم فرنسا. أنزل الفرنسيون باليهود ~~صنوفا من القتل والنهب والتشريد، ثم طردوا من فرنسا نهائيا، ولكنهم عادوا ~~إليها بعد أن دفعوا لفيليب ثلثى الديون التى لهم فى فرنسا. 3 - وفى سنة ~~1321م هاجمهم الشعب الفرنسى وذبح عددا كبيرا منهم، ونكل بهم تنكيلا ~~شديدا، ثم طردوا من فرنسا بعد أن نهبت أموالهم ولم يستطيعوا العودة إليها ~~إلا فى أواسط القرن السادس عشر. 4 - وفى أوائل القرن التاسع عشر حاول ~~نابليون أن يستغلهم لبلوغ مطامعه، ولكنهم خانوه، فاحتقرهم، وبطش بعدد ~~منهم، وقال عنهم إنهم حثالات البشر وجراثيمه. ولم ينج اليهود من بطش ~~الشعب الفرنسى إلا فى القرنين التاسع عشر والعشرين. ج وفى إيطاليا، ~~حاربهم البابوات حربا شعواء وأطلقوا عليهم اسم الشعب المكروه وأغروا ~~الشعب الإيطالى بهم فأعمل فيهم القتل والتشريد وقد أصدر البابوات مراسيم ~~عديدة لتكفير اليهود وتسفيه ديانتهم القائمة على التلمود. وفى سنة 1242م ~~أعلن البابا جريجورى التاسع اتهامات صريحة ضد التلمود الذى يطعن فى ~~المسيح والمسيحية، وأصدر أوامره بإحراقه فأحرقت جميع نسخه. # وفى سنة 1540 ثار الشعب الإيطالى على اليهود ثورة عارمة قتل فيها ~~الآلاف منهم وطردوا من بقى حيا خارج إيطاليا. د وفى أسبانيا ذاق اليهود ~~من الشعب الأسبانى وملوكه صنوف الذل وألوان الهوان، ولم يظفروا بالراحة ~~إلا فى أيام الحكم الإسلامى لأسبانيا. ولنكتف بذكر عقوبة واحدة من ~~العقوبات المتعددة التى نزلت بهم فى تلك البلاد. فى عهد الملك فرديناند ~~وزوجته إيزابلا وصلت موجة السخط على اليهود أقصاها لتغلغلهم فى الحياة ~~الأسبانية، واستيلائهم على اقتصادها وإشعالهم نار الخلافات الدينية بين ~~الطوائف... فرأى الملك وزوجته أن خير ms2092 وسيلة لوقاية البلاد من شرورهم هى ~~طردهم من أسبانيا طردا نهائيا. وفى 31 من مارس سنة 1952 صدر المرسوم ~~التالى عن الملك فرديناند يعيش فى مملكتنا عدد غير قليل من اليهود، ولقد ~~أنشأنا محاكم التفتيش منذ اثنتى عشرة سنة. وهى تعمل دائما على توقيع ~~العقوبة على المذنبين، وبناء على التقارير التى رفعتها لنا محاكم ~~التفتيش، ثبت بأن الصدام الذى يقع بين المسيحيين واليهود يؤدى إلى ضرر ~~عظيم، ويؤدى بالتالى إلى القضاء على المذهب الكاثوليكى، ولذا قررنا نفى ~~اليهود ذكورا وإناثا خارج حدود مملكتنا وإلى الأبد وعلى اليهود جميعا ~~الذين يعيشون فى بلادنا وممتلكاتنا ومن غير تميز فى الجنس أو الأعمال أن ~~يغادروا البلاد فى غضون فترة أقصاها نهاية يوليو من نفس العام، وعليهم ~~ألا يحاولوا العودة تحت أى ظرف أو سبب. وبمقتضى هذا القرار طرد اليهود شر ~~طردة من أسبانيا بعد أن أرغموا على ترك ذهبهم ونقودهم، وبعد أن نفثوا ~~سمومهم فى أسبانيا زهاء سبعة قرون وكان عددهم عندما خرجوا منها مطرودين ~~يبلغ نصف مليون نسمة ويعتبر بعض اليهود هذا القرار وما تلاه من طرد ~~وتشريد أسوأ من خراب أورشليم. ه وفى روسيا كان يعيش نصف يهود العالم ~~تقريبا خلال القرن التاسع عشر وقد استعملوا طول مدة إقامتهم فى روسيا كل ~~وسائلهم الخبيثة للتدمير والتخريب، ففتحوا الحانات وتاجروا فى الخمور، ~~وأقرضوا بالربا الفاحش، واستولوا على الكثير من أموال الدولة بالطرق ~~المحرمة، وقتلوا الكثير من أبناء الشعب الروسى عندما مكنتهم الظروف من ~~ذلك وكونوا الجمعيات السرية التى عملت على هدم نظام الحكم القيصرى ~~واستمرت فى نشاطها حتى أزالته بواسطة الثورة الشيوعية فى سنة 1917م هذه ~~الثورة التى كان معظم قوادها من اليهود. ولم ينس الروس لليهود ما قاموا ~~به نحوهم من عدوان واستغلال، فانقضوا عليهم عدة مرات للتخلص منهم وأعملوا ~~فيهم الذبح والقتل بلا رحمة، وكان من أبرز المذابح التى أوقعها الروس ~~باليهود مذبحة سنة 1881م ومذبحة سنة 1882م فقد حاول الفلاحون الروس أن ~~يدمروا اليهود تدميرا فى هاتين السنتين. # وعندما ms2093 نشر الكتاب الروسى نيلوس نسخا قليلة من بروتوكولات حكماء صهيون ~~نسة 1902م التى تفضح نيات اليهود الإجرامية تجاه العالم أجمع، جن جنونهم ~~خوفا وفزعا. وعمت المذابح ضدهم فى روسيا حتى لقد قتل منهم فى إحداها نحو ~~عشرة آلاف يهودى. و وفى ألمانيا انتشر اليهود فى كثير من مدنها منذ القرن ~~الثامن الميلادى، وسكنوا على ضفاف نهر الراين. واستغلوا الشعب الألمانى ~~أسوأ استغلال حتى كادوا يستولون على أمواله عن طريق الربا الفاحش ~~واستخدام الوسائل المختلفة لجمع المال الحرام. ولقد هاج الشعب الألمانى ~~ضدهم فى أوقات مختلفة، واستعمل معهم كل وسائل القتل والسلب والطرد. يقول ~~صاحب كتاب تاريخ الإسرائيليين وظل القتل والذبح منتشرا فى اليهود إلى أن ~~صدرت الأوامر بطردهم من أنحاء - ألمانيا - فى أزمنة متتابعة، وذلك ما بين ~~القرنين الثانى عشر والرابع عشر، حتى لم يكد يبقى منهم واحدا فيها. وكان ~~آخر ما لاقوه من عذاب وتقتيل وتشريد على يد " هتلر " ابتداء من توليه ~~الحكم فى ألمانيا سنة 1933 إلى أن سقط حكمه سنة 1945. وفى كل البلاد التى ~~نزل بها اليهود، تعرضوا لنقمة السكان وغضبهم وازدرائهم، يستوى فى ذلك ~~تاريخهم القديم والوسيط والحديث، لقد أنزل العالم بهم ضربات قاصمة، ~~وعقوبات صارمة، شملت التنكيل والطرد والسجن والقتل ومصادرة الأموال. ~~ويقرر أحد الكتاب الغربيين أن كل الأمم المسيحية اشتركت فى اضطهاد اليهود ~~وإنزال مختلف العقوبات بهم، وكانت القسوة مع اليهود تعد مأثرة يمتدح ~~المسيحيون بعضهم بعضا عليها. هذا، والشىء الذى نؤكده بعد سرد هذه النماذج ~~من العقوبات التى نزلت باليهود فى مختلف العصور والأمم، هو أن اليهود هم ~~المسئولون عن كل اضطهاد وقع بهم، وأنهم مستحقون لهذه العقوبات لأسباب من ~~أهمها أولا أنانيتهم وأطماعهم التى لا حدود لها " فقد سوغت لهم أنانيتهم ~~أن العالم ملك لهم بكل من فيه وما فيه، وأن عليهم متى حلوا فى أى دولة أن ~~ينهبوا خيراتها بكل وسيلة وإن يجمعوا أموالها بأى طريقة، فإن المال هو ~~معبود اليهود من قديم. وأنانية اليهود وجشعهم وأكلهم أموال الناس ~~بالباطل، جعلهم ms2094 محل نقمة العالم وغضبه، ولقد فطن بعض الزعماء العقلاء إلى ~~خطر تغلغل اليهود فى بلاده، فأخذ يطردهم منها، ويحذر أبناء أمته من ~~شرورهم، ومن هؤلاء الزعماء العقلاء بنيامين فرانكلين أحد رؤساء الولايات ~~المتحدة، فإنه ألقى خطابا سنة 1789م قال فيه هناك خطر عظيم يهدد الولايات ~~المتحدة الأمريكية، وذلك الخطر هو اليهود. أيها السادة حيثما استقر ~~اليهود، تجدونهم يوهنون من عزيمة الشعب، ويزعزعون الخلق التجارى الشريف. ~~إنهم لا يندمجون بالشعب. لقد كونوا. حكومة داخل الحكومة. وحينما يجدون ~~معارضة من أحد فإنهم يعملون على خنق الأمة ماليا كما حدث للبرتغال ~~وأسبانيا. # . إذا لم يمنع اليهود من الهجرة بموجب الدستور. ففى أقل من مائتى سنة ~~سوف يتدفقون على هذه البلاد بأعداد ضخمة تجعلهم يحكموننا ويدمروننا ~~ويغيرون شكل الحكومة التى ضحينا وبذلنا لإقامتها دماءنا وحياتنا ~~وأموالنا وحريتنا. إذا لم يستثن اليهود من الهجرة فإنه لن يمضى أكثر من ~~مائتى سنة ليصبح أبناؤنا عمالا فى الحقول لتأمين الغذاء لليهود..، إنى ~~أحذركم أيها السادة. إذا لم تستثنوا اليهود من الهجرة إلى الأبد فسوف ~~يلعنكم ابناؤكم وأحفادكم فى قبوركم، إن عقليتهم تختلف عنا حتى لو عاشوا ~~بيننا عشرة أجيال. والنمر لا يستطيع تغيير لونه. اليهود خطر على هذه ~~البلاد. وإذا دخلوها فسوف يخربونها ويفسدونها. وللتعليق على هذا الخطاب ~~نقول ما أصدق ما توقعه فرانكلين لولا أنه قد أخطأ التقدير فى المدة ~~اللازمة لتحويل أمريكا إلى بقرة حلوب لليهود، فقد قدر فرانكلين هذه المدة ~~بمائتى سنة أى فى سنة 1989، بينما استطاع اليهود أن يسخروا سياسة أمريكا ~~وأسلحتها، وأموالها وعلمها ونفوذها وخيراتها، لمنفعتهم الخاصة فى مدة تقل ~~عما توقعه بأكثر من خمسين سنة. ثانيا غرورهم وتعاليهم فاليهود يعتبرون ~~أنفسهم أبناء الله وأحباؤه، وشعبه المختار. ومن قديم الزمن وهم يقسمون ~~العالم إلى قسمين متقابلين قسم إسرائيل وهم صفوة الخلق وأصحاب الحظوة عند ~~الله، وقسم آخر يسمونه الأمم الجوييم أى غير اليهود ومعنى جوييم عندهم، ~~وثنيون وكفرة وبهاثم وأنجاس. وقد أدى هذا الغرور والتعالى باليهود إلى ~~إهدار كل حق لغيرهم عليهم، ms2095 وأن من حق اليهود أن يسرقوا من ليس يهوديا ~~وأن يغشوه ويكذبوا عليه ويقتلوه إذا أمنوا اكتشاف جرائمهم، وقد أشار ~~القرآن الكريم إلى تلك الرذيلة التى تمكنت من اليهود بقوله. # ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده ~~إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده ~~إليك إلا ما دمت عليه قآئما ذلك بأنهم ~~قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على ~~الله الكذب وهم يعلمون # وكتب اليهود - لا سيما التلمود - طافحة بالوصايا التى تبيح لهم أن ~~يعاملوا غيرهم بمعاملة تخالف معاملتهم مع بعضهم، من ذلك ما جاء فى ~~التلمود إذا خدع يهود أحدا من الأمم وجاء يهودى آخر واختلس من الأممى ~~بعض ما عنده بنقص الكيل أو زيادة الثمن، فعلى اليهوديين أن يقتسما ~~الغنيمة التى أرسلها إليهما يهواه ويهواه هو إله اليهود. ونتيجة لهذا ~~الغرور والتعالى الذى تميز به اليهود، وأهدروا بسببه كل حق أو كرامة ~~لسواهم من الناس، قام غيرهم من الأمم ليدافع عن حقه الذى سلبوه منهم، ~~وليوقع بهم أقسى العقوبات جزاء غرورهم الكاذب، وتعاليهم الباطل. ثالثا ~~عزلتهم وعصبيتهم وخيانتهم للبلاد التى آوتهم فهم متعصبون متحزبون، لا ~~يجمعهم حب بعضهم لبعض ولكن تجمعهم كراهية من ليس على ملتهم، كما يجمعهم ~~الحقد على العالم بأسره. # وقد أصبحت العزلة والعصبية والعنصرية طابع اليهود الذى لا محيد لهم عنه. ~~ويصف الدكتور ويزمان أول رئيس لإسرائيل طابع العزلة فى اليهود بقوله ~~وكان اليهود فى موتول مسقط رأسه بروسيا، يعيشون كما يعيش اليهود فى مئات ~~المدن الصغيرة والكبيرة منعزلين منكمشين، وفى عالم غير عالم الناس الذين ~~يعيشون معهم. ولعل أدق صورة للتحريض على العزلة والتمسك بها، ما ذكره ~~سلامون شحتر فى خطابه بمدرسة اللاهوت اليهودية العليا حيث قال إن معنى ~~الاندماج فى الأمم هو فقدان الذاتية. وهذا النوع من الاندماج مع ما يترتب ~~عليه من النتائج، هو ما أخشاه أكثر مما أخشى المذابح والاضطهادات. وقد ~~تسبب عن عزلتهم وعصبيتهم أمور خطيرة، فقد نظروا إلى من سواهم من الأمم ~~نظرة كلها عداء وريبة ms2096 وحذر، وصار طابعهم فى كل زمان ومكان عدم الإخلاص ~~لاية هيئة دينية أو دنيوية. وعدم الولاء للأوطان التى يعيشون فيها ~~ويأكلون من خيراتها، وإنما يجعلون ولاءهم لجماعتهم ومصالحهم الخاصة دون ~~غيرها، لأن اليهودى يهودى قبل كل شىء، مهما تكن جنسيته، ومهما يعتنق من ~~عقائد ومبادىء فى الظاهر، وإذا تعارضت جنسيته مع يهوديته ناصر يهوديته، ~~وحاول أن يشيع الخراب والدمار فى الأمة التى هو فرد من أفرادها خصوصا إذا ~~أمن العقاب والصهيونية العالمية تأمر اليهود فى كل مكان أن يجعلوا ولاءهم ~~لإسرائيل وليس للدولة التى يعيشون فيها. تقول جولدا مايير وزيرة خارجية ~~إسرائيل سابقا إن اليهود المقيمين خارج إسرائيل طوائف مشتتة تعيش فى ~~المنفى، وأنهم مواطنون إسرائيليون قبل كل شىء، ويتحتم عليهم الولاء ~~المطلق لهذه الدولة الجديدة مهما تكن جنسيتهم الرسمية التى يسبغونها على ~~أنفسهم، وإن اليهودى الإنجليزى الذى ينشد بحكم إنجليزيته نشيد حفظ الله ~~الملكة لا يمكن أن يكون فى نفس الوقت صهيونيا. وما أكثر الحوادث التى قام ~~فيها اليهود بدور العيون والجواسيس على الأوطان التى يعيشون فيها لحساب ~~أعدائها، واظهر مثل على ذلك ما قام به اليهود المقيمون فى ألمانيا من ~~خيانات لها خلال الحرب العالمية الأولى، وكان ثمرة هذه الخيانات هزيمة ~~ألمانيا، ومنح اليهود جزاء غدرهم الوطنى وعد بلفور من الحكومة البريطانية ~~سنة 1917م. وقد عدد هتلر خيانات اليهود لألمانيا فذكر منها استنزاف أموال ~~الشعب بالربا الفادح وإفساد التعليم والسيطرة لصالحهم على المصارف ~~والبورصة والشركات التجارية، والسيطرة على دور النشر، والتدخل فى سياسة ~~الدولة لغير مصلحة ألمانيا وفى القمة من خياناتهم التجسس ضد ألمانيا الذى ~~احترفه عدد كبير منهم. ويختم هتلر حديثه الطويل عن اليهود بقوله وإذا قيض ~~لليهودى أن يتغلب على شعوب هذا العالم، فسيكون تاجه إكليل جنازة البشرية، ~~وعندما يستأنف كوكبنا السيار طوافه فى الأثير كما فعل منذ ملايين السنين ~~لن يكون هناك بشر على سطحه.. لهذا أعتقد أنى تصرفت معهم حسبما شائ ~~خالقنا، لأنى بدفاعى عن نفسى ضد اليهودى، أنما أناضل فى سبيل الدفاع، عن ms2097 ~~عمل الخالق. # وإذن فعزلة اليهود، وعصبيتهم، وخيانتهم للأوطان التى آوتهم، كان جزاؤها ~~العادل ما حل بهم من دمار وتشريد خلال العصور المختلفة. رابعا اضطهادهم ~~لغيرهم متى ملكوا القدرة الظاهرة أو الخفية لذلك وتاريخ اليهود ملطخ ~~بجراثم القتل والذبح والنهب والسلب والغدر والبطش بغيرهم وملىء بالمجازر ~~التى قاموا بها ضد الشعوب التى كان لهم النصر عليها، وقد ساعدهم على ذلك ~~ما أمرتهم به كتبهم من قتل وإذلال لغيرهم متى واتتهم الفرصة عليه، ففى ~~سفر الخروج ما نصه. حين تقترب من مدينة لكى تحاربها استدعها إلى الصلح، ~~فإن إجابتك فكل الشعب الموجود فيها يكون للتسخير، ويستعبد لك، وإن لم ~~تسالمك بل عملت معك حربا فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب ~~جميع ذكورها بحد السيف، هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدا، وأما ~~مدن هؤلاء الشعوب التى يعطيك الرب إياها فلا تستبق منها نسمة ما. ولقد ~~طبق اليهود هذه التعاليم أسوأ تطبيق فى كل أدوار تاريخهم فلقد قتلوا فى ~~روما وحدها مائة ألف مسيحى سنة 214م بإيعاز من الإمبراطور مارك أوريل. ~~وما لنا نذهب بعيدا فى الاستشهاد على إجرامهم، ومعارك فلسطين ما زالت ~~ماثلة فى أذهاننا، يقول أحد الكتاب المعاصرين إن مذبحة دير ياسين كانت من ~~أبشع المذابح التى ارتكبها اليهود. فقد قتلوا مائتين وخمسين إنسانا فى ~~قرية صغيرة ومثلوا بأجسامهم، وذبحوا الأطفال فى أحضان أمهاتهم وأمام ~~أعينهن. وحدث ما يشبه هذه المذابح فى كثير من مدن فلسطين كحيفا ويافا ~~وقبية وكفر قاسم. والحق، أن مفاهيم اليهود الباطلة، وأنانيتهم الطاغية، ~~وطباعهم اللئيمة وأخلاقهم الفاسدة، وعصبيتهم الذميمة، وقلوبهم القاسية، ~~واستباحتهم لقتل غيرهم، وإهدار كرامته، كل ذلك جعلهم محل نقمة العالم ~~وغضبه، وبسبب هذه الأخلاق المرذولة سلط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب ~~إلى يوم القيامة، ومن يمزقهم شر ممزق. ويعجبنى فى هذا المقام قول المؤرخ ~~اليهودى " يوسيفوس " " لا توجد أمة فى الأرض فى كل أجيال التاريخ منذ بدء ~~الخليقة إلى الآن تحملت ما تحمل بنو إسرائيل من الكوارث والآلام، على أن ~~هذه ms2098 الكوارث والآلام لم تكن إلا من صنع بنى إسرائيل أنفسهم ". والآن، بعد ~~سرد هذه العقوبات التى حلت ببنى إسرائيل فى مختلف العصور تأييدا لقوله - ~~تعالى - { ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من ~~يسومهم سوء العذاب } بسبب أعمالهم السيئة نعود إلى السورة ~~الكريمة فنراها تحدثنا عن لون من ألوان الدعاوى الباطلة التى حكاها ~~القرآن عنهم، وهو زعمهم أن ذنوبهم مغفورة لهم، وأنهم مهما فعلوا من ذنوب، ~~وارتكبوا من موبقات، واستحلوا من أموال حرام، فلن يحاسبهم الله على ذلك ~~إلا حسابا يسيرا لأنهم أبناؤه وأحباؤه، واستمع إلى السورة الكريمة وهى ~~تحكى ذلك عنهم فتقول { فخلف من بعدهم... }. ### || [7.169] # قال الإمام القرطبى الخلف - بسكون اللام - الأولاد، الواحد والجمع فيه ~~سواء، الخلف - بفتح اللام - البدل، ولدا كان أو غريبا. وقال ابن ~~الأعرابى الخلف - بفتح اللام - الصالح، وبسكونها الطالح، ومنه قيل للردى ~~من الكلام خلف - بسكون اللام - ومنه المثل السائر " سكت ألفا ونطق خلفا ~~" قال لبيد. # ذهب الذين يعاش فى أكنافهم وبقيت فى خلف كجلد الأجرب # فخلف فى الذم بالإسكان، وخلف بالفتح فى المدح، هذا هو المستعمل ~~المشهور، وفى الحديث الشريف # " يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له " # وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر. والعرض - بفتح الراء - متاع ~~الدنيا وحطامها من المال وغيره. قال صاحب الكشاف قوله تعالى { ~~يأخذون عرض هذا الأدنى } أى حطام هذا الشىء الأدنى، يريد ~~الدنيا وما يتمتع به منها، وفى قوله هذا تخسيس وتحقير، والأدنى إما من ~~الدنو بمعنى القرب، لأنه عاجل قريب، وإما من دنو الحال وسقوطها وقلتها ~~والمراد ما كانوا يأخذونه من الرشا فى الأحكام على تحريف الكلم للتسهيل ~~على العامة. والضمير فى قوله { من بعدهم } يعود إلى اليهود الذين ~~وصفهم الله فى الآية السابقة بقوله # وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ~~ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات ~~لعلهم يرجعون # والمعنى فخلف من بعد أولئك القوم الذين قطعناهم فى الأرض أمما خلف سوء، ~~ورثوا كتاب الله وهو التوراة فقرأوه وتعلموه، ووقفوا على ما فيه من تحليل ~~وتحريم وأمر ms2099 ونهى ولكنهم لم يتأثروا به بل خالفوا أحكامه، واستحلوا ~~محارمه مع علمهم بها، فهم يتهافتون على حطام الدنيا ومتاعها ويتقبلون ~~المال الحرام بشراهة نفس. ويأكلون الحست أكلا لما ويقولون وهم والغون فى ~~المعاصى ومصرون على الذنوب إن الله سيغفر لنا ذنوبنا ولا يؤاخذنا بما ~~أكلنا من أموال، لأننا من نسل أنبيائه، فنحن شعبه الذى اصطفاه من سائر ~~البشر، إلى غير ذلك من الأقاويل التى يفترونها على الله وهم يعلمون. ~~وجملة { يأخذون عرض هذا الأدنى } مستأنفة لبيان ما ~~يصنعون بالكتاب بعد وراثتهم إياه. وقيل هى حال من الضمير فى ورثوا. ثم ~~أخبر - سبحانه - عنهم بأنهم أهل إصرار على ذنوبهم، وليسوا بأهل إنابة ولا ~~توبة فقال تعالى { وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه } أى ~~أنهم يأخذون عرض الحياة الدنيا ويعرضون عن شريعة الله التى أنزلها عليهم ~~فى التوراة ويزعمون أن الله لا يؤاخذهم بما فعلوا. ثم هم بعد ذلك لا ~~يتوبون إلى الله ولا يستغفرونه، وإنما حالهم أنهم إن لاح لهم عرض حرام ~~آخر مثل الذى أخذوه أولا بالباطل، تهافتوا عليه من جديد واستحلوه وأكلوه ~~فى بطونهم، وبدون توبة أو ندم. # قال مجاهد قوله تعالى { وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ~~} لا يشرف لهم شىء من متاع الدنيا إلا أخذوه حلالا كان أو حراما، ~~ويتمنون المغفرة { ويقولون سيغفر لنا } وإن يجدوا عرضا مثله ~~يأخذوه. وقال السدى كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيا إلا ارتشى فى ~~الحكم وإن خيارهم اجتمعوا، فأخذ بعضهم على بعض العهود أن لا يفعلوا ولا ~~يرتشوا، فجعل الرجل منهم إذا استقضى ارتشى، فيقال له ما شأنك ترتشى فى ~~الحكم؟ فيقول سيغفر لى، فيطعن عليه البقية الآخرون من بنى إسرائيل صنعه ~~فإذا مات أو نزع وجعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه قبل الرشوة، يقول الله ~~وإن يأت الآخرين عرض الدنيا يأخذوه. ثم أنكر - سبحانه - عليهم ما زعموه ~~بقولهم { سيغفر لنا } وهم مصرون على معصيتهم فقال تعالى { ألم ~~يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على ~~الله إلا الحق ودرسوا ما فيه ms2100 }. والمعنى لقد أخذ الله ~~العهد فى التوراة على هؤلاء المرتشين فى أحكامهم والقائلين سيغفر الله ~~فعلنا هذا ألا يقولوا على الله إلا القول الحق، ولا يخبروا عنه إلا ~~بالصدق ولا يخالفوا أمره. ولا ينقضوا عهده، ولا يتجاوزوا حدوده، وقد درس ~~هؤلاء الكتاب، أى قرأوه وفهموه، ولكنهم لم يعملوا بما أخذ عليهم من عهود ~~ولم يتبعوا أوامر كتابهم ونواهيه، لأنهم درسوه ولم يتأثروا به، ولم تخالط ~~تعاليمه شغاف قلوبهم، فضيعوه واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون. ~~وقوله { أن لا يقولوا على الله إلا الحق } بدل من ~~ميثاق الكتاب أو عطف بيان له. وقيل إنه مفعول لأجله أى لئلا يقولوا. ~~وجملة { ودرسوا ما فيه } معطوفة فى المعنى على قوله تعالى { ~~ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب } أى أن الله تعالى قد ~~أخذ عليهم الميثاق فى التوراة ودرسوه. قال ابن دريد كان يأتيهم المحق ~~برشوة فيخرجون له كتاب الله فيحكمون له به، فإذا جاء المبطل أخذوا منه ~~الرشوة وأخرجوا له كتابهم الذى كتبوه بأيديهم وحكموا له. ثم بين الله لهم ~~أن ما أعده فى الآخرة للمتقين الذين يتعففون عن السحت وعن أكل أموال ~~الناس بالباطل خير من متاع الدنيا وزهرتها الذىآثره هؤلاء الذين يفترون ~~على الله الكذب فقال تعالى { والدار الآخرة خير للذين ~~يتقون أفلا تعقلون } أى والدار الآخرة وما أعده فيها من ~~نعيم لأولئك الذين يتقونه حق تقاته فى السر والعلن، خير من عرض هذا ~~الأدنى الذى استحله هؤلاء اليهود بدون حق وآثروه على ما عند الله من نعيم ~~مقيم وثواب جزيل { أفلا تعقلون } - يا من أكلتم أموال الناس ~~بالباطل وقلتم سيغفر الله لنا ذنوبنا - هذا الحكم الواضح، الذى لا يخفى ~~على ذى عقل سليم، لم تطمسه الشهوات، ولم يستحوذ عليه الشيطان. # وفى هذا إشارة إلى أن الطمع فى متاع الحياة الدنيا هو الذى جعل بنى ~~إسرائيل يقولون على الله غير الحق. ويتشبعون من المال الحرام بدون تعفف ~~ويبيعون دينهم بدنياهم. قال الإمام الآلوسى والمراد من الآية توبيخ ~~أولئك الورثة على بتهم ms2101 القول بالمغفرة مع إصرارهم على الذنوب وجاء البت ~~من السين فإنها للتأكيد كما نص عليه المحققون، وعن ابن عباس - رضى الله ~~عنهما - إنهم وبخوا على إيجابهم على الله - تعالى - غفران ذنوبهم التى لا ~~يزالون يعودون إليها ثم لا يتوبون منها. وقد أطبق أهل السنة على ذم ~~المتمنى على الله، ورووا عن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال # " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها ~~وتمنى على الله الأمانى " # ومن هنا قيل إن القوم ذموا بأكلهم أموال الناس بالباطل وبإتباعهم أنفسهم ~~هواها وتمنيهم على الله - سبحانه - الأمانى، ووبخوا على افترائهم على ~~الله فى الأحكام التى غيروها، وأخذوا عرض هذا الأدنى على تغييرها، وقالوا ~~على الله ما ليس بحق من القول. ثم أثنى الله - تعالى - على من تمسك ~~بكتابه، فأحل حلاله وحرم حرامه، ولم يتقول على الله الكذب فقال تعالى # والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا ~~لا نضيع أجر المصلحين # والمراد بالكتاب التوراة أو القرآن أو جنس الكتب السماوية عموما. ~~والمعنى والذين يستمسكون بأوامر الكتاب الذى أنزله الله ويعتصمون بحبله ~~فى جميع شئونهم إنا لا نضيع أجرهم لأنهم قد أصلحوا دينهم ودنياهم والله ~~لا يضيع أجر من أحسن عملا. وخص الصلاة بالذكر مع دخولها فيما قبلها ~~إظهارا لمزيتها لكونها عماد الدين وناهية عن الفحشاء والمنكر. وبذلك تكون ~~الآيتان الكريمتان قد وبختا اليهود لافترائهم على الله الكذب وردتا عليهم ~~فى دعواهم أن ذنوبهم مغفورة لهم مع تعمدهم أكل أموال الناس بالباطل، ~~وبينتا لهم طريق الفلاح لكى يسيروا عليها، إن كانوا ممن ينتفع بالذكر، ~~ويعتبر بالمثلات. ثم ختمت السورة الكريمة حديثها الطويل عن بنى إسرائيل ~~بتذكيرهم بالعهد الذى أخذه الله عليهم، وبأمرهم بالإيمان والعمل الصالح ~~فقالت { والذين يمسكون... }. ### || [7.170-171] # الآية الكريمة معطوفة على ما سبق من أحوال بنى إسرائيل بتقدير اذكر. ~~ونتقنا من النتق وهو الزعزعة والرفع والجذب بشدة، يقال نتق الشىء ينتقه ~~وينتقه، جذبه واقتلعه. والمراد بالجبل جبل الطور الذى سمع موسى ms2102 عليه ~~الكلام من ربه. قيل " إن موسى لما أتى بنى إسرائيل بالتوراة وقرأها عليهم ~~وسمعوا ما فيها من التغليظ كبر ذلك عليهم، وأبوا أن يقبلوا ذلك، فأمر ~~الله الجبل فانقطع من أصله حتى قام على رءوسهم مقدار عسكرهم، فلما نظروا ~~إليه فوق رءوسهم خروا ساجدين، فسجدوا كل واحد منهم على خده وحاجبه ~~الأيسر، وجعل ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل خوفا من أن يسقط فوقهم. أى ~~واذكر يا محمد وذكر بنى إسرائيل المعاصرين لك وقت أن رفعنا الجبل فوق ~~آبائهم الذين كانوا فى عهد موسى حتى صار كأنه غمامة أو سقيفة فوق رءوسهم ~~لنريهم آية من الآيات التى تدل على قدرتنا وعلى صدق نبينا موسى - عليه ~~السلام -. قال بعض العلماء " ورفع الجبل فوقهم لإرشادهم آية من آيات ~~الله تقوى إيمانهم بأن التوراة منزلة من عند الله، وقوة الإيمان من ~~شأنها أن تدفع إلى العمل بها فى الكتاب المنزل بجد واجتهاد ". وقوله { ~~وظنوا أنه واقع بهم } أى ووقع فى نفوسهم أن الجبل ساقط ~~عليهم إذا لم يستجيبوا لما أمرهم به نبيهم - عليه السلام -. قال الجمل ~~وقوله { وظنوا } فيه أوجه أحدها أنه فى محل جر نسقا على نتقنا ~~المخفوض بالظرف تقديرا. والثانى أنه حال، و " قد " مقدرة عند بعضهم، ~~وصاحب الحال الجبل. أى كأنه ظلة فى حال كونه مظنونا وقوعه بهم. والثالث ~~أنه مستأنف فلا محل له. والظن هنا على بابه، وقيل بمعنى اليقين ". وقوله ~~{ خذوا مآ ءاتينكم بقوة } مقول لقول محذوف دل عليه ~~المعنى. والتقدير وقلنا لهم خذوا ما آتيناكم بقوة، أى تمسكوا به واعملوا ~~بما فيه بجد ونشاط، وتقبلوه بحسن استعداد وبدون تقصير أو تردد. والمراد ~~بقوله { مآ ءاتينكم } التوراة التى أنزلها الله على موسى لتكون ~~هدى ونورا لهم. وقوله { واذكروا ما فيه } أى احفظوه وتدبروه ~~وتدارسوه واعملوا به بلا تعطيل لشىء منه. قال القرطبى وهذا هو من المقصود ~~من الكتب العمل بمقتضاها لا تلاوتها باللسان فحسب، فقد روى النسائى عن ~~أبى سعيد الخدرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms2103 قال # " إن من شر الناس رجلا فاسقا يقرأ القرآن لا يرعوى إلى شىء منه ". # و " لعل " فى قوله { لعلكم تتقون } إما للتعليل فيكون المعنى ~~خذوا الكتاب بجد وعزم، واعملوا بما فيه بصدق وطاعة لتتقوا الهلاك فى ~~دنياكم وآخرتكم. # وإما للترجى، وهو منصرف إلى المخاطبين فيكون المعنى خذوا ما آتيناكم ~~بقوة واذكروا ما فيه ولا تنسوه وأنتم ترجون أن تكونوا من طائفة المتقين. ~~ولكن بنى إسرائيل لم يذكروا ولم يتدبروا بل نقضوا العهد، ولجوا فى ~~المعصية، فاستحقوا لعنة الله وغضبه، وما ربك بظلام للعبيد. وبذلك تكون ~~سورة الأعراف قد حدثتنا - من بين ما حدثتنا - من مطلعها إلى هنا عن هداية ~~القرآن الكريم، وعن يوم القيامة وما فيه من ثواب وعقاب، وجنة ونار، وعن ~~النداءات التى وجهها الله - تعالى - لبنى آدم تذكيرا وتوجيها وتعليما ~~حتى يسعدوا فى دينهم ودنياهم، وعن أحوال السعداء والأشقياء فى الآخرة وما ~~يدور بينهم من مناقشات ومحاورات، وعن قصة آدم وإبليس وعن قصص نوح وهود ~~وصالح ولوط وشعيب مع أقوامهم، ثم أفاضت السورة الكريمة فى حديثها عن قصة ~~موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل. والهدف الأول الذى قصدته السورة مما ~~عرضته من قصص وتوجيهات وإرشادات هو إثبات وحدانية الله، وإخلاص العبادة ~~له، وحمل الناس على السير فى الطريق المستقيم، وقد استعملت السورة فى ~~عرضها لتلك الحقائق أساليب الترغيب والترهيب، والتذكير بالنعم والتحذير ~~من النقم، وإقامة الحجج ودفع الشبه. ثم بدأت السورة بعد أن انتهت من ~~حديثها عن بنى إسرائيل وحتى نهايتها تحدثنا عن قضية التوحيد من زاوية ~~جديدة عميقة، زاوية الفطرة التى فطر الله عليها البشر، ولنتصاحب سويا - ~~أيها القارىء الكريم - متأملين فيما ساقته لنا السورة الكريمة فى الربعين ~~الأخيرين منها من آيات تزخر بالأدلة العقلية والمنطقية التى تثبت وحدانية ~~الله وتبطل الشرك والشركاء، مستعينة فى ذلك بما تهدى إليه الفطرة البشرية ~~والطبيعة الانسانية. تدبر معى قوله - تعالى - { وإذ أخذ ربك... ~~}. ### || [7.172-174] # قال صاحب المنار، هذه الآيات بدء سياق جديد فى شئون البشر العامة ~~المتعلقة بهداية الله لهم ms2104 بما أودع فى فطرتهم وركب فى عقولهم من ~~الاستعداد للايمان به وتمجيده وشكره، فى إثر بيان هدايته لهم بإرسال ~~الرسل وإنزال الكتب فى قصة بنى إسرائيل. فالمناسبة بين هذا وما قبله ~~ظاهرة، ولذلك عطف عليه عطف جملة على جملة أو سياق على سياق. قوله { ~~وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم } الظهور جمع ظهر وهو العمود الفقرى لهيكل الإنسان الذى ~~هو قوام بنيته. والذرية سلالة الإنسان من الذكور والإناث. وقوله { من ~~ظهورهم } بدل بعض من قوله { من بني ءادم } و { ~~ذريتهم } مفعول أخذ. والمعنى واذكر أيها الرسول وذكر كل عاقل وقت ~~أن استخرج الله - تعالى - من أصلاب بنى آدم ذريتهم، وذلك الإخراج أنهم ~~كانوا نطفة فأخرجها - سبحانه - فى أرحام الأمهات، وجعلها علقة ثم مضغة، ~~ثم جعلها بشرا سويا، وخلقا كاملا مكلفا. قال الآلوسى وإيثار الأخذ على ~~الإخراج للإيذان بشأن المأخوذ إذ ذاك لما فيه من الإنباء عن الإجتباء ~~والاصطفاء وهو السبب فى إسناده إلى اسم الرب بطريق الالتفات مع ما فيه من ~~التمهيد للاستفهام الآتى. وقيل إن إيثار الأخذ على الإخراج لمناسبة ما ~~تضمنته الآية من الميثاق، فإن الذى يناسبه هو الأخذ دون الإخراج. ~~والتعبير بالرب لما أن ذلك الأخذ باعتبار ما يتبعه من آثار الربوبية. ~~وقوله { وأشهدهم على أنفسهم } أى أشهدهم على أنفسهم بما ~~ركب فيهم من دلائل وحدانيته، وعجائب خلقه، وغرائب صنعته، وبما أودع فى ~~قلوبهم من غريزة الإيمان، وفى عقولهم من مدارك تهديهم إلى معرفة ربهم ~~وخالقهم. وقوله { ألست بربكم } مقول لقول محذوف أى قائلا لهم - ~~بعد أن أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل الوحدانية - ألست بربكم، ~~ومالك أمركم، ومربيكم على الإطلاق، من غير أن يكون لأحد مدخل فى شأن من ~~شئونكم { قالوا بلى شهدنآ } أى قالوا بلى شهدنا على أنفسنا عن ~~عقيدة وإقناع بأنك أنت ربنا وخالقنا ولا رب لنا سواك، فإن آثار رحمتك ~~وعجائب خلقك، ومظاهر قدرتك تجعلنا لا نتردد فى هذه الشهادة. و { بلى } ~~حرف جواب، وتختص بالنفى فلا تقع ms2105 إلا جوابه فتفيد إبطاله سواء أكان مجردا ~~أم مقرونا بالاستفهام ولذلك قال ابن عباس وغيره، لو قالوا نعم لكفروا. ~~لأن نعم حرف تصديق للمخبر بنفى أو إيجاب. قال صاحب الكشاف وقوله { ~~ألست بربكم قالوا بلى } من باب التمثيل ومعنى ذلك أنه ~~نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التى ~~ركبها فيهم وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى، فكأنه أشهدهم على أنفسهم ~~وقررهم وقال لهم ألست بربكم؟ وكأنهم قالوا بلى أنت ربنا شهدنا على أنفسنا ~~وأقررنا بوحدانيتك، وباب التمثيل واسع فى كلام الله - تعالى - وفى كلام ~~رسوله صلى الله عليه وسلم وفى كلام العرب. # ونظيره قوله تعالى - # إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن ~~فيكون # وقوله # فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ ~~أتينا طآئعين # ومعلوم أنه لا قول ثم وإنما تمثيل وتصوير للمعنى ". والمقصود من الآية ~~الكريمة الاحتجاج على المشركين بمعرفتهم ربوبيته - تعالى - معرفة فطرية ~~لازمة لهم لزوم الاقرار منهم والشهادة. قال - تعالى - # فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله # والفطرة هى معرفة ربوبيته - سبحانه - وقد وردت أحاديث كثيرة تشهد بأن ~~الناس قد فطرهم الله - تعالى - على معرفته، ومن ذلك ما جاء فى الصحيحين ~~عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو ~~يمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء - أى سالمة الأذن - هل تحسون فيها من ~~جدعاء - أى مقطوعة الأذن ". # وفى صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يقول الله - تعالى - إنى خلقت عبادى حنفاء، فجاءتهم الشياطين ~~فاجتالتهم عن دينهم - أى صرفتهم عن دينهم - وحرمت عليهم ما أحللت لهم ". # وروى الطبرى عن الحسن الأسود بن سريع قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها فأبواها يهودانها أو ~~ينصرانها " # ولذلك يتبين لنا أن المعنى الإجمالى للآية الكريمة أن الله - تعالى ms2106 - ~~نصب للناس فى كل شىء من مخلوقاته - ومنها أنفسهم - دلائل توحيده ~~وربوبيته، وركز فيهم عقولا وبصائر يتمكنون بها تمكنا تاما من معرفته ~~والاستدلال بها على التوحيد والربوبية حتى صاروا بمنزلة من إذا دعى إلى ~~الإيمان بها سارع إليه بدون شك أو تردد. فالكلام على سبيل المجاز ~~التمثيلى لكون الناس قد فطرهم الله - تعالى - على معرفته والإيمان به، ~~وجعلهم مستعدين جميعا للنظر المؤدى إلى الاعتراف بوحدانيته، ولا إخراج ~~للذرية ولا قول ولا إشهاد بالفعل. وعلى هذا الرأى سار المحققون من مفسرى ~~السلف والخلف ويرى بعض المفسرين أن معنى الآية الكريمة أن الله - تعالى - ~~مسح ظهر آدم فأخرج منه ذريته كالذر، وأحياهم وجعل لهم العقل والنطق، ~~وألهمهم ذلك الاقرار، ثم أعادهم إلى ظهر أبيهم آدم، واستشهدوا لذلك ~~بأحاديث وآثار ليست صحيحة الاسناد، وما حسن إسناده منها فقد أوله العلماء ~~بما يتفق مع منطوق الآية الكريمة. # وقد رد أصحاب الرأى الأول على هذا البعض بردود منها أن الله - تعالى - ~~قال { وإذ أخذ ربك من بني ءادم } ولم يقل من آدم، وقال ~~{ من ظهورهم } ولم يقل من ظهره، وقال { ذريتهم } ولم ~~ذريته. قال { إنما أشرك آباؤنا } ولم يكن لهم يومئذ أب مشرك، ~~لأن آدم حاشاه من الشرك بالله - تعالى قال الإمام ابن كثير بعد أن ساق ~~عددا كبيرا من الأحاديث فى هذا المعنى " ومن ثم قال قائلون من السلف ~~والخلف إن المراد بهذا الاشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد كما تقدم فى ~~حديث أبى هريرة وعياض والأسود بن سريع وقد فسر الحسن الآية بذلك ". ثم ~~بين - سبحانه - سبب الاشهاد وعلله فقال { أن تقولوا يوم ~~القيامة إنا كنا عن هذا غافلين } أى فعلنا ما فعلنا ~~كراهة أن تقولوا، أو منعا من أن تقولوا يوم القيامة معتذرين عن شرككم إنا ~~كنا عن هذا الأمر وهو إفراد الله - تعالى - بالربوبية غافلين لم ننبه ~~إليه، لأنهم ما داموا قد خلقوا على الفطرة، ونصب الله لهم فى كل شىء من ~~مخلوقاته ما يدل على وحدانيته، وجاءتهم الرسل فبشرتهم وأنذرتهم، ms2107 فقد بطل ~~عذرهم، وسقطت حجتهم. ثم بين - سبحانه - سببا أخر لهذا الاشهاد فقال { ~~أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ~~ذرية من بعدهم }. أى وفعلنا ذلك - أيضا منعا لكم من أن ~~تقولوا يوم الحساب إن آباءنا هم الذين سنوا هذا الاشراك وساروا عليه فنحن ~~قد اتبعناهم فى ذلك بمقتضى أننا أبناؤهم، وننهج نهجهم من بعدهم، فإن ~~قولكم هذا غير مقبول بعد أن هيأ الله لكم من الأسباب ما يفتح قلوبكم لنور ~~الحق لو كنتم مستعدين لقبوله. والاستفهام فى قوله { أفتهلكنا ~~بما فعل المبطلون } للإنكار. أى أنت يا ربنا حكيم وعادل فهل ~~تؤاخذنا بما فعل آباؤنا من الشرك وأسسوا من الباطل أو بفعل آبائنا الذين ~~أبطلوا تأثير العقول وأقوال الرسل؟ إنك يا ربنا قد وعدت أنك لا تأخذ ~~الأبناء بفعل الآباء ونحن قد سلكنا طريقهم والحجة عليهم بما شرعوا لنا من ~~الباطل فكيف تؤاخذنا؟. والجواب على ذلك أن الإقرار بالربوبية والتوحيد ~~هو فى أصل فطرتكم فلم لم ترجعوا إليه عندما دعاكم رسولنا الكريم إلى ~~وحدانية الله ونبذ الشركاء إن انقيادكم للاباء بعد أن وهبكم الله العقول ~~المفكرة، وأرسل إليكم الرسل مبشرين ومنذرين لن يعفيكم من المسئولية، ولن ~~ينقذكم من العذاب. ثم قال - تعالى - { وكذلك نفصل الآيات ~~ولعلهم يرجعون } أى ومثل هذا التفصيل البليغ نفصل لبنى آدم ~~الآيات والدلائل ليستعملوا عقولهم، ولعلهم يرجعون إلى فطرتهم وما استكن ~~فيها من ميثاق، وإلى خلقتهم وما كمن فيها من ناموس. # فالرجوع إلى الفطرة القويمة كفيل بغرس عقيدة التوحيد فى القلوب، وردها ~~إلى بارئها الواحد القهار الذى فطرها على الحق، وصرفها عن الجهل ~~والتقليد. هذا، وقد أخذ العلماء من هذه الآيات أمورا من أهمها 1 - فساد ~~التقليد فى الدين، وأنه - تعالى - قد أزاح العذر، وأزال العلل بحيث أصبح ~~لا يعذر أحد بكفره أو شركه. 2 - أن معرفته - تعالى - فطرية ضرورية. قال - ~~تعالى - # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله # وروى الترمذى عن عمران بن الحصين قال # " قال النبى صلى الله عليه وسلم لأبى يا ms2108 حصين كم إلها تعبد اليوم. قال ~~أبى سبعة ستة فى الأرض وواحدا فى السماء قال فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك. ~~قال الذى فى السماء ". # فالله - تعالى - فطر الخلق كلهم على معرفة فطرة التوحيد، حتى من خلق ~~مجنونا لا يفهم شيئا ما يحلف إلا به، ولا يلهج لسانه بأكثر من اسمه ~~المقدس. ثم ضرب - سبحانه - مثلا لمن لا يعمل بعلمه فقال - تعالى- { ~~واتل عليهم... }. ### || [7.175-177] # قال صاحب المنار " هذا مثل ضربه الله - تعالى - للمكذبين بآيات الله ~~المنزلة على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وهو مثل من آتاه الله آياته ~~فكان عالما بها حافظا لقواعدها وأحكامها قادرا على بيانها والجدل بها، ~~ولكنه لم يؤت العمل مع العلم، بل كان عمله مخالفا تمام المخالفة لعلمه ~~فسلب هذه الآيات، لأن العلم الذى لا يعمل به لا يلبث أن يزول فأشبه الحية ~~التى تنسلخ من جلدها وتخرج منه وتتركه على الأرض، أو كان فى التباين بين ~~علمه وعمله كالمنسلخ من العلم التارك له، كالثوب الخلق يلقيه صاحبه، ~~والثعبان يتجرد من جلده حتى لا تبقى له به صلة على حد قول الشاعر # خلقوا، وما خلقوا لمكرمة فكأنهم خلقوا وما خلقوا رزقوا، وما رزقوا سماح ~~يد فكأنهم رزقوا وما رزقوا # فحاصل معنى المثل أن المكذبين بآيات الله المنزلة على رسوله مع إيضاحها ~~بالحجج والدلائل كالعالم الذى حرم ثمرة الانتفاع من علمه، لأن كلا منهما ~~لم ينظر فى الآيات نظر تأمل واعتبار وإخلاص ". وقوله - تعالى - { واتل ~~عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها } ~~أى أقرأ على قومك يا محمد ليعتبروا ويتعظوا خبر ذلك الانسان الذى آتيناه ~~بأن علمناه إياها، وفهمناه مراميها، فانسلخ من تلك الآيات انسلاخ الجلد ~~من الشاة، أو الحية من جلدها. والمراد أنه خرج منه بالكلية بأن كفر بها، ~~ونبذها وراء ظهره، ولم ينتفع بما اشتملت عليه من عظات وإرشادات. وحقيقة ~~السلخ كشط الجلد وإزالته بالكلية عن المسلوخ عنه، ويقال لكل شىء فارق ~~شيئا على أتم وجه انسلخ منه. وفى التعبير به مالا يخفى من المبالغة وقوله ms2109 ~~{ فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين } أى فلحقه ~~الشيطان وأدركه فصار هذا الإنسان بسبب ذلك من زمرة الضالين الراسخين فى ~~الغواية، مع أنه قبل ذلك كان من المهتدين وفى التعبير بقوله { ~~فأتبعه الشيطان } مبالغة فى ذم هذا الإنسان وتحقيره، جعل ~~كأنه إمام للشيطان والشيطان يتبعه، فهو على حد قول الشاعر # وكان فتى من جند إبليس فارتقى به الحال حتى صار إبليس من جنده # قال الجمل أتبعه فيه وجهان أحدهما أنه متعد لواحد بمعنى أدركه ولحقه، ~~وهو مبالغة فى حقه حيث جعل إماما للشيطان. وثانيهما أن يكون متعديا ~~لاثنين لأنه منقول بالهمزة من تبع، والمفعول الثانى محذوف تقديره فأتبعه ~~الشيطان خطواته، أى جعله تابعا لها وقوله { ولو شئنا لرفعناه ~~بها } كلام مستأنف مسوق لبيان ما ذكر من الانسلاخ وما يتبعه. والضمير ~~فى قوله { لرفعناه } يعود إلى الشخص المعبر عنه بالاسم الموصول { ~~الذي } والضمير فى قوله { بها } يعود إلى الآيات. ومفعول المشيئة ~~محذوف. أى ولو شئنا رفعه بسبب تلك الآيات إلى درجات الكمال والعرفان ~~لرفعناه لأننا لا يستعصى على قدرتنا شىء، ولكننا لم نفعل ذلك لأن سنتنا ~~جرت أن نرفع من عنده الاستعداد لذلك أما الذين استحبوا العمى على الهدى ~~فنذرهم فى ضلالهم يعمهون. # وقد بين القرآن هذا المعنى فى قوله { ولكنه أخلد إلى ~~الأرض واتبع هواه } أخلد إلى الأرض أى ركن إليها. وأصل ~~الإخلاد اللزوم للمكان من الخلود. أى ولو شئنا لرفعنا هذا الإنسان إلى ~~منازل الأبرار بسبب تلك الآيات ولكنه هو الذى ركن إلى الدنيا، واطمأن ~~بها، واستحوذت بشهواتها على نفسه، واختار لنفسه طريق التسفل المنافى ~~للرفعة، واتبع هواه فى ذلك فلم ينتفع بشىء من الآيات التى آتيناه إياه. ~~أى أن مقتضى هذه الآيات أن ترفع صاحبها إلى أعلى عليين، ولكن هذا المقتضى ~~عارضه مانع وهو إخلاد من أتى هذه الآيات إلى الأرض واتباعه للهوى، فتغلب ~~المانع على المقتضى، فهو كما قال القائل # قالوا فلان عالم فاضل فأكرموه مثلما يقتضى فقلت لما لم يكن عاملا ~~تعارض المانع والمقتضى # قال الآلوسى وما ms2110 ألطف نسبة إتيان الآيات والرفع إليه - تعالى - ونسبة ~~الانسلاخ والإخلاد إلى العبد، مع أن الكل من الله - تعالى -، أذ فيه من ~~تعليم العباد حسن الأدب ما فيه. ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم # " اللهم إن الخير بيديك والشر ليس إليك ". # وقوله { فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث ~~أو تتركه يلهث }. اللهث إدلاع اللسان بالنفس الشديد. يقال لهث ~~الكلب يلهث - كسمع ومنع - لهثا ولهاثا، إذا أخرج لسانه فى التنفس. ~~والمعنى فمثل هذا الإنسان الذى آتيناه فانسلخ منها وأصبح إيتاء الآيات ~~وعدمها بالنسبة له سواء، مثله كمثل الكلب إن شددت عليه وأتبعته لهث، وإن ~~تركته على حاله لهث - أيضا -، فهو دائم اللهث فى الحالين. لأن اللهث ~~طبيعة فيه، وكذلك حال الحريص على الدنيا، المعرض عن الآيات بعد إيتائها، ~~إن وعظته فهو لإيثاره الدنيا على الآخرة لا يقبل الوعظ، وإن تركت وعظه ~~فهو حريص - أيضا - على الدنيا وشهواتها. والإشارة فى قوله { ذلك ~~مثل القوم } إلى وصف الكلب أو إلى المنسلخ من الآيات، أى ذلك ~~المثل البعيد الشأن فى الغرابة مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا من ~~الجاحدين المستكبرين المنسلخين عن الهدى بعد أن كان فى حوزتهم. وقوله { ~~فاقصص القصص لعلهم يتفكرون } أى إذا ثبت ذلك، فاقصص ~~على قومك أيها الرسول الكريم المقصوص عليك من جهتنا لعلهم يتفكرون ~~فينزجرون عما هم عليه من الكفر والضلال. والفاء فى قوله { فاقصص } ~~لترتيب ما بعدها على ما قبلها. والقصص مصدر بمعنى اسم المفعول، واللام ~~فيه للعهد، وجملة الترجى فى محل نصب على أنها حال من ضمير المخاطب أو فى ~~موضع المفعول له. # أى فاقصص القصص راجيا لتفكرهم، أو رجاء لتفكرهم. وقوله { سآء مثلا ~~القوم الذين كذبوا بآياتنا } استئناف مسوق لبيان كمال ~~قبحهم بعد البيان السابق. و { سآء } بمعنى بئس وفاعلها مضمر. و { ~~مثلا } تمييز مفسر له، والمخصوص بالذم قوله - تعالى - { القوم ~~الذين كذبوا بآياتنا }. أى ساء مثلا مثل أولئك القوم الذين ~~كذبوا بآياتنا حيث شبهوا بالكلاب إما فى استواء الحالتين فى النقصان ~~وأنهم ضالون وعظوا أم ms2111 لم يوعظوا، وإما فى الخسة، فإن الكلاب لاهمة لها ~~إلا فى تحصيل أكلة أو شهوة، فمن خرج عن خير الهدى والعلم وأقبل على هواه ~~صار شبيها بالكلب، وبئس المثل مثله ولهذا ثبت فى الصحيحين عن ابن عباس أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " ليس لنا مثل السوء. العائد فى هبته كالكلب يعود فى قيئه ". # وقوله { وأنفسهم كانوا يظلمون } معطوف على { كذبوا } ~~داخل معه فى حكم الصلة بمعنى أنهم جمعوا بين أمرين قبيحين التكذيب وظلمهم ~~أنفسهم أو منقطع عنه بمعنى وما ظلموا إلا أنفسهم وحدها بارتكابهم تلك ~~الموبقات والخطيئات. فإن العقوبة لا تقع إلا عليهم لا على غيرهم. هذا، ~~والذى ذهب إليه المحققون من العلماء أن هذه الآيات الكريمة المثل فيها ~~مضروب لكل إنسان أوتى علما ببعض آيات الله، ولكنه لم يعمل بمقتضى علمه، ~~بل كفر بها وبنذها وراء ظهره وصار هو والجاهل سواء. وقيل إن الآيات ~~الكريمة واردة فى شخص معين، واختلفوا فى هذا المعين. فبعضهم قال إنها فى ~~أمية بن أبى الصلت، فإنه كان قد قرأ الكتب، وعلم أن الله مرسل رسولا ~~وتمنى أن يكون هو هذا الرسول، فلما أرسل الله - تعالى - نبيه محمدا صلى ~~الله عليه وسلم حسده ومات كافرا. وبعضهم قال نزلت فى أبى عامر الراهب ~~الذى سماه النبى صلى الله عليه وسلم " الفاسق " كان يترهب فى الجاهلية ~~فلما جاء الإسلام خرج إلى الشام، وأمر المنافقين باتخاذ مسجد الضرار ~~والشقاق. وبعضهم قال إنها فى منافقى أهل الكتاب، كانوا يعرفون صفة النبى ~~صلى الله عليه وسلم ومخرجه، فلما بعثه الله - تعالى - كفروا به. وبعضهم ~~قال إنها نزلت لتحكى قصة رجل من علماء اليهود اسمه بلعم ابن باعوراء أوتى ~~علم بعض كتب الله ثم انسلخ منها بأن كفر بها ونبذها بعد أن رشاه اليهود. ~~والذى نراه أن الرأى الأول الذى عليه المحققون من المفسرين هو الراجح، ~~وأن هؤلاء الذين ذكروا يندرجون تحته، لأنه لم يرد نص صحيح يعين اسم الذى ~~وردت الآيات فى حقه، فوجب أن نحملها ms2112 على أنها واردة فى شأن كل من علم ~~الحق فأعرض عنه واتبع هواه. ثم يعقب القرآن على هذا المثل ببيان أن ~~الهداية والضلال من الله وأن هناك أقواما من الجن والإنس قد خلقوا ~~لجهنم بسبب إيثارهم طريق الشر على طريق الخير قال - تعالى - { من يهد ~~الله... }. ### || [7.178-179] # قوله { من يهد الله فهو المهتدي } أى من يوفقه الله - ~~تعالى - إلى سلوك طريق الهدى باستعمال عقله وحواسه بمقتضى سنة الفطرة فهو ~~المهتدى حقا، الواصل إلى رضوان الله صدقا. { ومن يضلل ~~فأولئك هم الخاسرون } أى ومن يخذله - سبحانه - بالحرمان ~~من هذا التوفيق بسبب إيثاره السير فى طريق الهوى والشيطان على طريق الهدى ~~والإيمان، فأولئك هم الخاسرون لدنياهم وآخرتهم. وأفرد - سبحانه - ~~المهتدى فى الجملة الأولى مراعاة للفظ { من } ، وجمع الخاسرين فى ~~الثانية مراعاة لمعناها فإنها من صيغ العموم. وحكمة إفراد المهتدى ~~للإشارة إلى أن الحق واحد لا يتعدد ولا يتنوع، وحكمة جمع الثانى وهو ~~قوله { الخاسرون } للإشارة إلى تعدد أنواع الضلال، وتنوع وسائله ~~وأساليبه. وقوله { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من ~~الجن } كلام مستأنف مقرر لمضمون ما قبله ومفصل له. و " الذرء " ~~الخلق. يقال ذرأ الله خلقه يذرؤهم ذرءا، أى خلقهم. واللام فى { ~~لجهنم } للعاقبة والصيرورة. أى ولقد خلقنا لدخول جهنم والتعذيب بها ~~كثيرا من الجن والانس وهم الكفار المعرضون عن الآيات وتدبرها، الذين علم ~~الله منهم أزلا اختيارهم الكفر فشاءه منهم وخلقه فيهم وجعل مصيرهم النار ~~لذلك. ثم بين - سبحانه - صفاتهم التى أدت بهم إلى هذا المصير السيىء ~~فقال. { لهم قلوب لا يفقهون بها } أى لا يفقهون بها ~~الآيات الهادية إلى الكمالات مع أن دلائل الإيمان مبثوثة فى ثنايا الكون ~~تدركها القلوب المتفتحة، والبصائر المستنيرة. وجملة { لهم قلوب } ~~فى محل نصب صفة أخرى لقوله { كثيرا } وجملة { لا يفقهون بها ~~} فى محل رفع صفة لقلوب. وقوله { ولهم أعين لا يبصرون ~~بها } أى لهم أعين لا يبصرون بها ما فى هذا الكون من براهين تشهد ~~بوحدانية الله، مع أنها معروضة للأبصار مكشوفة للأنظار، فهم كما قال ms2113 - ~~تعالى -، # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # فهم لهم أعين ترى وتبصر ولكن بدون تأمل أو اعتبار، فكأن وجودها وعدمه ~~سواء. وقوله { ولهم آذان لا يسمعون بهآ } أى لا يسمعون ~~بها الآيات والمواعظ سماع تدبر واتعاظ، أى أنهم لا ينتفعون بشىء من هذه ~~الجوارح التى جعلها الله سببا للهداية. قال صاحب الكشاف " هم المطبوع على ~~قلوبهم الذين علم الله أنه لا لطف لهم وجعلهم فى أنهم لا يلقون أذهانهم ~~إلى معرفة الحق، ولا ينظرون بأعينهم إلى ما خلق الله نظر اعتبار، ولا ~~يسمعون ما يتلى عليهم من آيات سماع تدبر كأنهم عدموا فهم القلوب، وإبصار ~~العيون واستماع الآذان، وجعلهم - لإعراقهم فى الكفر وشدة شكائمهم فيه، ~~وأنه لا يأتى منهم إلا أفعال أهل النار - مخلوقين للنار، دلالة على ~~توغلهم فى الموبقات، وتوغلهم فيما يؤهلهم لدخول النار ". # وقوله { أولئك كالأنعام } أى أولئك الموصفون بتلك الصفات ~~المذكورة كالأنعام السارحة التى لا تنتفع بشىء من هذه الجوارح التى جعلها ~~الله سببا للهداية. وقوله { بل هم أضل } تنقيص لهم عن رتبة ~~الأنعام، أى بل هم أسوأ حالا من الأنعام، إذ أن الأنعام ليس لها سوى ~~الاستعدادات الفطرية التى تهديها أما الإنسان فقد زود إلى جانب الفطرة ~~بالقلب الواعى، والعقل المدرك، والعين المبصرة، وزود بالقدرة على اتباع ~~الهدى أو اتباع الضلال، فإذا لم يفتح بصره وقلبه وسمعه على الحق فإنه ~~يكون أضل من الأنعام الموكولة إلى استعداداتها الفطرية. وقوله { ~~أولئك هم الغافلون } أى أولئك المنعوتون بما ذكرهم ~~الكاملون فى الغفلة عما فيه صلاحهم وخيرهم وسعادتهم، بسبب استحواذ الهوى ~~والشيطان عليهم ولا يظلم ربك أحدا. وبعد أن بين - سبحانه - حال المخلوقين ~~لجهنم بسبب غفلتهم وإهمالهم لعقولهم وحواسهم، أعقبه ببيان العلاج الذى ~~يشفى من ذلك، وبالنهى عن اتباع المائلين عن الحق فقال - تعالى - { ~~ولله الأسمآء الحسنى... }. ### || [7.180] # قال القرطبى " قوله - تعالى - { ولله الأسمآء الحسنى ~~فادعوه بها } أمر بإخلاص العبادة لله - تعالى - ومجانبة الملحدين ~~والمشركين. قال مقاتل وغيره من المفسرين نزلت الآية فى رجل ms2114 من المسلمين ~~كان يقول فى صلاته يا رحمن يا رحيم. فقال رجل من مشركى مكة أليس يزعم ~~محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربا واحدا فما بال هذا يدعو ربين اثنين؟ فنزلت ~~". والأسماء جمع اسم، وهو اللفظ الدال على الذات فقط أو على الذات مع صفة ~~من صفاتها سواء كان مشتقا كالرحمن، والرحيم، أو مصدرا كالرب والسلام. ~~والحسنى تأنيث الأحسن أفعل تفضيل، ومعنى ذلك أنها أحسن الأسماء وأجلها، ~~لأنبائها عن أحسن المعانى وأشرفها. والمعنى ولله - تعالى - وحده جميع ~~الأسماء الدالة على أحسن المعانى وأكمل الصفات فادعوه أى سموه واذكروه ~~ونادوه بها. روى الشيخان عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " إن لله تسعة وتسعين اسما من حفظها دخل الجنة والله وتر يحب الوتر ". # قال الآلوسى " والذى أراه أنه لا حصر لأسمائه - عزت أسماؤه - فى التسعة ~~والتسعين، ويدل على ذلك ما أخرجه البيهقى عن ابن مسعود قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " من أصابه هم أو حزن فليقل اللهم إنى عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتى ~~فى يدك ماضى فى حكمك، عدل فى قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، ~~أو أنزلته فى كتابك، أو علمته أحدا من خلقك أو استاثرت به فى علم الغيب ~~عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبى ونور صدرى وذهاب همى وجلاء حزنى... إلخ " # فهذا الحديث صريح فى عدم الحصر. وحكى النووى اتفاق العلماء على ذلك وأن ~~المقصود من الحديث الإخبار بأن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل ~~الجنة، وهو لا ينافى أن له - تعالى - أسماء غيرها ". ثم قال - تعالى - { ~~وذروا الذين يلحدون في أسمآئه سيجزون ما ~~كانوا يعملون }. ويلحدون من الإلحاد وهو الميل والانحراف، يقال ~~ألحد إلحادا إذا مال عن القصد والاستقامة، وألحد فى دين الله حاد عنه ~~ومنه لحد القبر لأنه يمال بحفره إلى جانبه بخلاف الضريح فإنه يحفر فى ~~وسطه. والمعنى ولله - تعالى - أشرف الأسماء وأجلها فسموه بها أيها ~~المؤمنون، واتركوا جميع الذين يلحدون فى أسمائه - سبحانه - بالميل ms2115 ~~بألفاظها أو معانيها عن الحق من تحريف أو تأويل أو تشبيه أو تعطيل أو ما ~~ينافى وصفها بالحسنى اتركوا هؤلاء جميعا فإنهم سيلقون جزاء عملهم من الله ~~رب العالمين. ومن مظاهر إلحاد الملحدين فى أسمائه - تعالى - تسمية ~~أصنامهم باسماء مشتقة منها، كاللات من الله - تعالى -، والعزى من العزيز، ~~ومناة من المنان وتسميته - تعالى - بما يوهم معنى فاسدا، كقولهم له - ~~سبحانه - يا أبيض الوجه كذلك من مظاهر الإلحاد فى أسمائه - تعالى -، ~~تسميته بما لم يسم به نفسه فى كتابه، أو فيما صح من حديث رسوله، إلى غير ~~ذلك مما يفعله الجاهلون والضالون. ثم تمضى السورة الكريمة فى هديها ~~وتوجيهها فتفصل صنوف الخلق، وتمدح من يستحق المدح وتذم من يستحق الذم ~~فتقول { وممن خلقنآ أمة... }. ### || [7.181-186] # قوله { وممن خلقنآ أمة يهدون بالحق وبه ~~يعدلون } معطوف على قوله # ولقد ذرأنا # قبل ذلك، لأن كلتيهما تفصيل لإجمال قوله - تعالى - # من يهد الله فهو المهتدي # أى وممن خلقنا للجنة - لأنه فى مقابلة # ولقد ذرأنا لجهنم # - أمة يهدون بالحق، أى يدعون إليه ويسيرون عليه، وبه يعدلون أى به يقضون ~~وينصفون الناس. وقد وردت آثار تفيد أن المراد بهذه الأمة الأمة المحمدية ~~ففى الصحيحين عن معاوية بن أبى سفيان قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " لا تزال طائفة من أمتى على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم ~~الساعة " # ، وفى رواية # " حتى يأمر الله وهم على ذلك " # وقال قتادة بلغنا أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذا الآية ~~يقول هذه لكم، وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها. وعن الربيع بن أنس - فى ~~هذه الآية - قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن من أمتى قوما على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم متى ما نزل ". # وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن الإجماع حجة فى كل عصر، وعلى ~~أنه لا يخلو عصر من مجتهد إلى قيام الساعة. ثم ذكر - سبحانه - حال ~~المكذبين فقال { والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم ~~من حيث ms2116 لا يعلمون }. الاستدراج - كما قال القرطبى - هو الأخذ ~~بالتدريج منزلة بعد منزلة. والدرج لف الشىء، يقال أدرجته ودرجته. ومنه ~~أدرج الميت فى أكفانه. وقيل هو من الدرجة، فالاستدراج أن يحط درجة بعد ~~درجة إلى المقصود. قال الضحاك كلما جددوا لنا معصية جددنا لهم نعمة. وقال ~~صاحب الكشاف الاستدراج استفعال من الدرجة بمعنى الاستصعاد أو الاستنزال ~~درجة بعد درجة، ومنه درج الصبى إذا قارب بين خطوه، وأدرج الكتاب. طواه ~~شيئا بعد شىء، ودرج القوم مات بعضهم فى أثر بعض. ومعنى { ~~سنستدرجهم } سنستدنيهم قليلا قليلا إلى ما يهلكهم ويضاعف ~~عقابهم. { من حيث لا يعلمون } ما يراد بهم. وذلك أن يواتر ~~الله نعمه عليهم مع انهماكهم فى الغى، فكلما جدد عليهم نعمة، ازدادوا ~~بطرا وجددوا معصية، فيتدرجون فى المعاصى بسبب ترادف النعم، ظانين أن ~~مواترة النعم محبة من الله وتقريب. وإنما هى خذلان منه وتبعيد، فهو ~~استدراج من الله - تعالى - نعوذ بالله منه ". وقد قيل إذا رأيت الله - ~~تعالى - أنعم على عبد وهو مقيم على معصيته فاعلم أنه مستدرج. وقوله { ~~وأملي لهم إن كيدي متين } الإملاء الإمداد فى الزمن ~~والإمهال والتأخير، مشتق من الملاوة والملوة، وهى الطائفة الطويلة من ~~الزمن. # والملوان الليل والنهار. ويقال أملى له إذا أمهله طويلا، وأملى للبعير ~~إذ أرخى له فى الزمام ووسع له فى القيد ليتسع المرعى. والكيد كالمكر، وهو ~~التدبير الذى يقصد به غير ظاهره بحيث ينخدع المكيد له بمظهره فلا يفطن له ~~حتى ينتهى إلى ما يسوءه من مخبره وغايته. وإضافته إلى الله - تعالى - ~~يحمل على المعنى اللائق به، كإبطال مكر أعدائه أو إمدادهم بالنعم ثم ~~أخذهم بالعذاب. ومتين من المتانة بمعنى الشدة والقوة. ومنه المتن للظهر ~~أو للحم الغليظ. والمعنى. والذين كذبوا بآياتنا سنستدنيهم قليلا قليلا ~~إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم بكثرة النعم بين أيديهم، حتى يفاجئهم الهلاك ~~من حيث لا يعلمون أن صنعنا هذا معهم هو لون من الاستدراج. وأمهل لهؤلاء ~~المكذبين المستدرجين فى العمر، وأمد لهم فى أسباب الحياة الرغدة، إن كيدى ~~شديد ms2117 متين لا يدافع بقوة ولا بحيلة. وفى الحديث الشريف الذى رواه الشيخان ~~عن أبى موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ". # وقوله { وأملي لهم } جوز بعضهم أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف أى ~~وأنا أملى لهم. وقيل هو معطوف على قوله { سنستدرجهم } وقيل هو ~~مستأنف. ثم أمر - سبحانه - هؤلاء الظالمين بالتفكر والتدبر فقال { ~~أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو ~~إلا نذير مبين }. الهمزة للانكار والتوبيخ، وهى داخلة على فعل ~~حذف للعلم به من سياق القول، والواو للعطف على مقدر يستدعيه المقام. ~~والجنة مصدر كالجلسة بمعنى الجنون. وأصل الجن الستر عن الحاسة. والمعنى ~~أكذب هؤلاء الظالمون رسولهم صلى الله عليه وسلم ولم يتفكروا فى أنه ليس ~~به أى شىء من الجنون، بل هو أكمل الناس عقلا، وأسدهم رايا، وأنقاهم ~~نفسا. والتعبير { بصاحبهم } للايذان بأن طول مصاحبتهم له مما ~~يطلعهم على نزاهته عما اتهموه به، فهو صلى الله عليه وسلم قد لبث فيهم ~~قبل الرسالة أربعين سنة كانوا يلقبونه فيها بالصادق الأمين، ويعرفون عنه ~~أسمى ألوان الإدراك السليم والتفكير المستقيم. قال الجمل " وجملة { ما ~~بصاحبهم من جنة } فى محل نصب معمولة ليتفكروا فهو عامل فيها ~~محلا لا لفظا لوجود المعلق له عن العمل وهو ما النافية. ويجوز أن يكون ~~الكلام قد تم عند قوله { أولم يتفكروا } ثم ابتدأ كلاما آخر ~~إما استفهام إنكار وإما نفيا. ويجوز أن تكون " ما " استفهامية فى محل ~~الرفع بالابتداء والخبر بصاحبهم. والتقدير أى شىء استقر بصاحبهم من ~~الجنون ". وقوله { إن هو إلا نذير مبين } بيان لوظيفته صلى ~~الله عليه وسلم أى ليس بمجنون كما زعمتم أيها المشركون وإنما هو مبالغ فى ~~الإنذار، مظهر له غاية الإظهار، فهو لا يقصر فى تخويفكم من سوء عاقبة ~~التكذيب، ولا يتهاون فى نصيحتكم وإرشادكم إلى ما يصلح من شأنكم. # ثم دعاهم القرآن إلى النظر والاستدلال العقلى قال { أولم ~~ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق ~~الله من شيء }. الملكوت ms2118 هو الملك العظيم زيدت فيه اللام والتاء ~~للمبالغة كما فى جبروت. والجملة الكريمة مسوقة لتوبيخهم على إخلالهم ~~بالتأمل فى الآيات التكوينية إثر تقريعهم على عدم تفكرهم فى أمر نبيهم ~~صلى الله عليه وسلم. أى أكذبوا ولم يتفكروا فى شأن رسولهم صلى الله عليه ~~وسلم وما هو عليه من كمال العقل، ولم ينظروا نظر تأمل واعتبار واستدلال ~~فى ملكوت السماوات من الشمس والقمر والنجوم وغيرها، وفى ملكوت الأرض من ~~البحار والجبال والدواب وغيرها، ولم ينظروا كذلك فيما خلق الله مما يقع ~~عليه اسم الشىء من أجناس لا يحصرها العدد ولا يحيط بها الوصف مما يشهد ~~بأن لهذا الكون خالقا قادرا هو المستحق وحده للعبادة والخضوع. وقوله { ~~من شيء } بيان " لما " وفى ذلك تنبيه على أن الدلالة على التوحيد غير ~~مقصورة على السماوات والأرض، بل كل ذرة من ذرات العالم دليل على توحيده. ~~وقوله { وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم } فى محل ~~جر معطوف على ما قبله، و { أن } مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن، ~~وخبرها عسى مع فاعلها الذى هو { أن يكون }. والمعنى أولم ينظروا - ~~أيضا - فى اقتراب آجالهم، وتوقع حلولها فيسارعوا إلى طلب الحق والتوجه ~~إلى ما ينجيهم قبل مفاجأة الموت لهم ونزول العذاب بهم وهم فى أتعس حال. ~~إنهم لو تفكروا فى أمر رسولهم صلى الله عليه وسلم ولو نظروا فيما خلق ~~الله من مخلوقات بعين التدبر والاتعاظ، لآمنوا وهدوا إلى صراط العزيز ~~الحميد. وقوله { فبأي حديث بعده يؤمنون } أى إذا لم ~~يؤمنوا بالقرآن وهو أكمل كتب الله بيانا، وأقواها برهانا، فبأى كلام بعده ~~يؤمنون؟. والجملة الكريمة مسوقة للتعجب من أحوالهم. ولقطع أى أمل فى ~~إيمانهم لأنهم ما داموا لم يؤمنوا بهذا الرسول المؤيد بالمعجزات، وبهذا ~~الكلام المعجز الجامع لكل ما يفيد الهداية، فأحرى بهم ألا يؤمنوا بغير ~~ذلك. ثم عقب القرآن على هذا التوبيخ والتهديد للمشركين بقوله { من ~~يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم ~~يعمهون }. أى من يرد الله إضلاله بسبب اختياره للضلالة، وصممه عن ms2119 ~~الاستماع للحق فلا قدرة لأحد على هدايته، وهو - سبحانه - يترك هؤلاء ~~الضالين فى طغيانهم متحيرين مترددين. ثم بينت السورة الكريمة أن أمر ~~الساعة مرده إلى الله - تعالى -، وأن السائلين عن وقتها من الأحسن لهم أن ~~يستعدوا لها بدل أن يكثروا من السؤال عن زمن مجيئها فقالت { ~~يسألونك عن الساعة... }. ### || [7.187-188] # قال الآلوسى " عن ابن عباس أن قوما من اليهود قالوا يا محمد، أخبرنا ~~متى الساعة إن كنت نبيا. إنا نعلم متى هى، وكان ذلك امتحانا منهم، مع ~~علمهم أن الله - تعالى - قد استاثر بعلمها. وأخرج ابن جرير عن قتادة أن ~~جماعة من قريش قالوا يا محمد أسر إلينا متى الساعة لما بيننا وبينك من ~~القرابة فنزلت ". وقوله { يسألونك عن الساعة أيان ~~مرساها } استئناف مسوق لبيان بعض أنواع ضلالهم وطغيانهم. والساعة فى ~~الأصل اسم لمدار قليل من الزمان غير معين، وتطلق فى عرف الشرع على يوم ~~القيامة وهو المراد بالسؤال هنا. وأطلق على يوم القيامة ساعة إما لوقوعه ~~بغتة، أو لسرعة ما فيه من الحساب، أو لأنه على طوله قدر يسير عند الله - ~~تعالى-. و { أيان } ظرف زمان متضمن معنى متى. و { مرساها } مصدر ~~ميمى من أرساها إذا اثبته وأقره، ولا يكاد يستعمل الإرساء إلا فى الشىء ~~الثقيل كما فى قوله - تعالى - # والجبال أرساها # ونسبته هنا إلى الساعة باعتبار تشبيه المعانى بالأجسام. و { أيان } ~~خبر مقدم و { مرساها } مبتدأ مؤخر. والمعنى يسألك يا محمد هؤلاء ~~القوم عن الساعة قائلين أيان مرساها؟. أى متى إرساؤها واستقرارها، أو متى ~~زمن مجيئها وحصولها؟. وقوله { قل إنما علمها عند ربي } ~~جواب عن سؤالهم أى قل أيها الرسول الكريم علم الساعة أو علم قيامها عند ~~ربى وحده ليس عندى ولا عند غيرى من الخلق شىء منه. والتعبير بإنما المفيد ~~للحصر للاشعار بأنه - سبحانه - هو الذى استأثر بعلم ذلك ولم يخبر أحدا به ~~من ملك مقرب أو نبى مرسل. وقوله { لا يجليها لوقتهآ إلا ~~هو } بيان لاستمرار إخفائها إلى حين قيامها وإقناط كلى عن إظهار أمرها ~~بطريق ms2120 الإخبار. والتجلية الكشف والإظهار. يقال جلى لى الأمر وانجلى ~~تجلية بمعنى كشفه وأظهره أتم الاظهار. والمعنى لا يكشف الحجاب عن خفائها، ~~ولا يظهرها للناس فى الوقت الذى يختاره إلا الله وحده. قال بعضهم والسبب ~~فى إخفاء الساعة عن العباد لكى يكونوا دائما على حذر، فيكون ذلك أدعى ~~للطاعة وأزجر عن المعصية، فإنه متى علمها المكلف ربما تقاصر عن التوبة ~~وأخرها. ثم عظم - سبحانه - أمر الساعة فقال { ثقلت في السماوات ~~والأرض } أى كبرت أو شقت على أهلها لخوفهم من شدائدها وأهوالها وما ~~فيها من محاسبة ومجازاة، وعن السدى أن من خفى عليه علم شىء كان ثقيلا ~~عليه. أو المعنى ثقلت عند الوقوع على نفس السماوات حتى انشقت وانتثرت ~~نجومها وكورت شمسها، وعلى نفس الأرض حتى سيرت جبالها، وسجرت بحارها، ~~وقوله { لا تأتيكم إلا بغتة } أى لا تأتيكم إلا فجأة وعلى ~~حين غفلة من غير توقع ولا انتظار. # وقد وردت أحاديث متعددة تؤيد وقوع الساعة فجأة، ومنها ما رواه الشيخان ~~عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا ~~يطويانه. ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته - أى ناقته ذات ~~اللبن - فلا يطعمه ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه - أى يطليه بالجص أو ~~الطين - فلا يسقى فيه. ولتقومن الساعة وقد رفع أحدكم أكلته إلى فمه فلا ~~يطعمها ". # ثم قال - تعالى - { يسألونك كأنك حفي عنها قل ~~إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون }. أى يسألونك يا محمد هذا السؤال كأنك حفى عنها أى كأنك ~~عالم بها. من حفى عن الشىء إذا بحث عن تعرف حاله بتتبع واستقصاء ومن بحث ~~عن شىء وسأل عنه استحكم علمه به، وعدى { حفي } بعن اعتبارا لأصل ~~معناه، وهو السؤال والبحث. قال صاحب الكشاف " { كأنك حفي ~~عنها } عالم بها. وحقيقته كأنك بليغ فى السؤال عنها، لأن من بالغ فى ~~المسألة عن الشىء والتنقير عنه. استحكم علمه فيه ورصن - أى ثبت وتمكن -، ~~وهذا التركيب معناه المبالغة ومنه ms2121 احفاء الشارب، واحتفاء البقل، ~~استئصاله، وأحفى فى المسألة إذا ألحف - إى ألح وتشدد - وحفى بقلان وتحفى ~~به بالغ فى البربه. وقيل إن قريشا قالت له إن بيننا وبينك قرابة فقل لنا ~~متى الساعة؟ فقيل يسألونك عنها كأنك حفى تتحفى بهم فتختصهم بتعليم وقتها ~~لأجل القرابة وتزوى علمها عن غيرهم، ولو أخبرت بوقتها لمصلحة عرفها الله ~~فى إخبارك به، لكنت مبلغه للقريب والبعيد من غير تخصيص، كسائر ما أوحى ~~إليك. ثم قال فإن قلت لم كرر يسألونك وإنما علمها عند الله؟ قلت للتأكيد ~~ولما جاء به من زيادة قوله { كأنك حفي عنها } وعلى هذا تكرير ~~العلماء والحذاق ". وقال صاحب الانتصاف وفى هذا النوع من التكرير نكتة لا ~~تلقى إلا فى الكتاب العزيز، وهو أجل من أن يشارك فيها. وذاك أن المعهود ~~فى أمثال هذا التكرار أن الكلام إذا بنى على مقصد واعترض فى أثنائه عارض ~~فأريد الرجوع لتتميم المقصد الأول وقد بعد عهده، طرى بذكر المقصد الأول ~~لتتصل نهايته ببدايته، وقد تقدم لذلك فى الكتاب العزيز أمثال، وسيأتى، ~~وهذا منها فإنه لما ابتدأ الكلام. بقوله { يسألونك عن الساعة ~~أيان مرساها } ثم اعترض ذكر الجواب المضمن فى قوله { قل ~~إنما علمها عند ربي } إلى قوله { بغتة } أن يدمغ تتميم ~~سؤالهم عنها بوجه من الإنكار عليهم، وهو المضمن فى قوله { كأنك ~~حفي عنها } وهو شديد التعلق بالسؤال وقد بعد عهده، فطرى ذكره ~~تطرية عامة، ولا تراه أبدا يطرى إلا بنوع من الإجمال كالتذكرة للأول ~~مستغنى عن تفصيله بما تقدم. # فمن ثم قيل { يسألونك } ولم يذكر المسئول عنه وهو " الساعة " ~~اكتفاء بما تقدم، فلما كرر السؤال لهذه الفائدة كرر الجواب أيضا مجملا ~~فقال { قل إنما علمها عند الله } ويلاحظ هذا فى تلخيص ~~الكلام بعد بسطه ". هذا، وإذا كان علم الساعة مرده إلى الله وحده، فإن ~~هناك نصوصا من الكتاب والسنة تحدثت عن أماراتها وعلاماتها، ومن ذلك قوله ~~- تعالى - # فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد ~~جآء أشراطها فأنى لهم إذا جآءتهم ذكراهم # والأشراط ms2122 جمع شرط - بفتح الشين والراء - وهى العلامات الدالة على قربها، ~~وأعظم هذه العلامات بعثة النبى - صلى الله عليه وسلم - إذ بها كمل الدين ~~وما بعد الكمال إلا الزوال. وقد ثبت فى الصحيحين أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان يقول # " بعثت أنا والساعة كهاتين " # ويفرج بين أصبعيه الوسطى والسبابة. وفى حديث جبريل المشهور # " أنه سأل النبى صلى الله عليه وسلم عن الساعة، فقال له ما المسئول عنها ~~بأعلم من السائل، وسأخبرك أشراطها " إذ ولدت الأمة ربها - أى سيدها -، ~~وإذا تطاول رعاة الإبل فى البنيان ". # ومن علامات الساعة - كما صرحت بذلك الأحاديث - قبض العلم، ففى الصحيحين ~~عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم ~~بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا ~~بغير علم فضلوا وأضلوا " # ومنها - أى من علامات الساعة - كثرة الزلازل، وتقارب الزمان - اى قلة ~~البركة فى الوقت بحيث يمر الشهر كأنه أسبوع -، وظهور الفتن وكثرة الهرج - ~~أى القتل إلى غير ذلك من العلامات التى وردت فى الأحاديث النبوية، وقد ~~ساق بعض المفسرين وعلى رأسهم ابن كثير جملة منها. ثم أمر الله - تعالى - ~~رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس أن كل الأمور بيد الله - تعالى ~~-، وأن علم الغيب كله مرجعة إليه - سبحانه - فقال { قل لا أملك ~~لنفسي نفعا ولا ضرا } أى لا أملك لأجل نفسى جلب نفع ما ولا ~~دفع ضرر ما. وقوله { لنفسي } متعلق بأملك. أو بمحذوف وقع حالا من { ~~نفعا } والمراد لا أملك ذلك فى وقت من الأوقات. وقوله { إلا ما ~~شآء الله } استثناء متصل. أى لا أملك لنفسى نفعا ولا ضرا فى وقت من ~~الأوقات إلا فى وقت مشيئة الله بأن يمكننى من ذلك، فإننى حينئذ أملكه ~~بمشيئته. # وقيل الاستثناء منقطع، أى لكن ما شاء الله من ذلك كائن. وقوله { ولو ~~كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما ~~مسني السوء } أى ms2123 لكانت حالى - كما قال الزمخشرى - " على خلاف ما ~~هى عليه من استكثار الخير، واستغزار المنافع واجتناب السوء والمضار حتى ~~لا يمسنى شىء منها ولم أكن غالبا مرة ومغلوبا أخرى فى الحروب، ورابحا ~~وخاسرا فى التجارات ومصيبا ومخطئا فى التدابير ". قال الجمل فإن قلت قد ~~أخبر صلى الله عليه وسلم عن المغيبات وقد جاءت أحاديث فى الصحيح بذلك وهو ~~من أعظم معجزاته فكيف نوفق بينه وبين قوله - تعالى - { ولو كنت ~~أعلم الغيب }.. الخ..؟ قلت يحتمل أنه قاله على سبيل التواضع ~~والأدب، والمعنى لا أعلم الغيب إلا أن يطلعنى الله عليه ويقدره لى. ~~ويحتمل أن يكون قال ذلك قبل أن يطلعه الله على علم الغيب. فلما أطلعه ~~الله أخبر به كما قال - تعالى - # عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ~~ارتضى من رسول # أو يكون خرج هذا الكلام مخرج الجواب عن سؤالهم، ثم بعد ذلك أظهره - ~~سبحانه - على أشياء من المغيبات فأخبر عنها ليكون ذلك معجزة له ودلالة ~~على صحة نبوته. ثم بين القرآن وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم فى قوله { ~~إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون } أى ما أنا ~~إلا عبد أرسلنى الله نذيرا وبشيرا، وليس من مهمتى أو وظيفتى معرفة علم ~~الغيب. وقوله { لقوم يؤمنون } يجوز أن يتعلق بقوله { نذير ~~وبشير } جميعا لأن المؤمنين هم الذين ينتفعون بالإنذار والتبشير، ~~ويجوز أن يتعلق بقوله { بشير } وحده، وعليه يكون متعلق النذير محذوف ~~أى للكافرين. وحذف للعلم به وبهذا الإعلان من جانب الرسول صلى الله عليه ~~وسلم للناس عن وظيفته، تتم لعقيدة التوحيد الإسلامية كل خصائص التجريد ~~المطلق من الشرك فى أية صورة من صوره، وتنفرد الذات الإلهية بخصائص لا ~~يشاركها فيها بشر ولو كان هذا البشر محمدا صلى الله عليه وسلم فعند عتبة ~~الغيب تقف الطاقة البشرية، ويقف العلم البشرى، وتقف القدرة البشرية، إذ ~~علم الغيب إنما هو لله الذى لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء. ثم ~~تحدثت السورة بعد ذلك عن مظاهر قدرة الله ms2124 وأدلة وحدانيته، فذكرت الناس ~~بمبدأ نشأتهم، وكيف أن بعضهم قد انحرف عن طريق التوحيد إلى طريق الشرك، ~~وساقت ذلك فى صورة القصة لضرب المثل من واقع الحياة فقالت { هو الذي ~~خلقكم... }. ### || [7.189-190] # قوله - تعالى - { هو الذي خلقكم من نفس واحدة ~~وجعل منها زوجها ليسكن إليها } استئناف مسوق لبيان ~~ما يقتضى التوحيد الذى هو المقصد الأعظم. أى إن الذى يستحق العبادة ~~والخضوع، والذى عنده مفاتح الغيب هو الله الذى خلقكم من نفس واحدة هى نفس ~~أبيكم آدم، وجعل من نوع هذه النفس وجنسها زوجها حواء، ثم انتشر الناس ~~منهما بعد ذلك كما قال - تعالى - # يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من ~~نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما ~~رجالا كثيرا ونسآء # وقوله { ليسكن إليها } أى ليطمئن إليها ويميل ولا ينفر، لأن ~~الجنس إلى الجنس أميل وبه آنس. وإذا كانت بعضا منه كان السكون والمحبة ~~أبلغ، كما يسكن الإنسان إلى ولده ويحبه محبة نفسه لكونه بضعة منه. ~~فالأصل فى الحياة الزوجية هو السكن والاطمئنان والأنس والاستقرار وهذه ~~نظرة الاسلام إلى تلك الحياة قال - تعالى - # ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ~~لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة # والضمير المستكن فى يسكن يعود إلى النفس، وكان الظاهر تأنيثه لأن النفس ~~من المؤنثات السماعية ولذا أنثت صفتها وهى قوله { واحدة } إلا أنه ~~جاء مذكرا هنا باعتبار أن المراد من النفس هنا - آدم عليه السلام - " ولو ~~أنث على حسب الظاهر لتوهم نسبة السكون إلى الأنثى، فكان التذكير كما يقول ~~الزمخشرى - أحسن طباقا للمعنى. وقوله { فلما تغشاها حملت ~~حملا خفيفا فمرت به }. الغشاء غطاء الشىء الذى يستره من ~~فوقه، والغاشية الظلة التى تظل الإنسان من سحابة أو غيرها. والتغشى ~~كناية عن الجماع. أى فلما تغشى الزوج الذى هو الذكر الزوجة التى هى ~~الأنثى وتدثرها لقضاء شهوتهما { حملت حملا خفيفا }. أى حملت ~~منه محمولا خفيفا وهو الجنين فى أول حملة لا تجد المرأة له ثقلا لأنه ~~يكون نطفة ثم مضغة، ولا ثقل له يذكر فى تلك ms2125 الأحوال { فمرت به } ~~أى فمضت به إلى وقت ميلاده من غير نقصان ولا إسقاط. أو المعنى فاستمرت به ~~كما كانت من قبل حيث قامت وقعدت وأخذت وتركت من غير مشقة وتلك هى المرحلة ~~الأولى من مراحل الحمل. وتأمل معى - أيها القارىء الكريم - مرة أخرى قوله ~~- تعالى - { فلما تغشاها حملت حملا خفيفا } لترى سمو ~~القرآن فى تعبيره، وأدبه فى عرض الحقائق. إن أسلوبه يلطف ويدق عند تصوير ~~العلاقة بين الزوجين، فهو يسوقها عن طريق كناية بديعة تتناسب مع جو السكن ~~والمودة بين الزوجين وتتسق مع جو الستر الذى تدعو إليه الشريعة ~~الإسلامية عند المباشرة بين الرجل والمرأة، ولا نجد كلمة تؤدى هذه ~~المعانى أفضل من كلمة { تغشاها }. # ثم تأتى المرحلة الثانية من مراحل الحمل فيعبر عنها القرآن بقوله { ~~فلمآ أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا ~~صالحا لنكونن من الشاكرين }. أى فحين صارت ذات ثقل يسبب ~~نمو الحمل فى بطنها، فالهمزة للصيرورة كقولهم أتمر فلان وألبن أى صار ذا ~~تمر ولبن. أى وحين صارت الأم كذلك وتبين الحمل، وتعلق به قلب الزوجين، ~~توجها إلى ربهما يدعوانه بضراعة وطمع بقولهما { لئن آتيتنا ~~صالحا } أى لئن أعطيتنا نسلا سويا تام الخلقة، يصلح للأعمال ~~الإنسانية النافعة { لنكونن من الشاكرين } لك على نعمائك ~~التى من أجلها هذه النعمة واستجاب الله للزوجين دعاءهما، فرزقهما الولد ~~الصالح فماذا كانت النتيجة؟. لقد كانت النتيجة عدم الوفاء لله فيما ~~عاهداه عليه، ويحكى القرآن ذلك فيقول { فلمآ آتاهما صالحا ~~جعلا له شركآء فيمآ آتاهما } أى فحين أعطاهما - سبحانه - ~~الولد الصالح الذى كانا يتمنيانه، جعلا لله - تعالى - شركاء فى هذا ~~العطاء، وأخلا بالشكر فى مقابلة هذه النعمة أسوأ إخلال، حيث نسبوا هذا ~~العطاء إلى الأصنام والأوثان، أو إلى الطبيعة كما يزعم الطبعيون أو إلى ~~غير ذلك مما يتنافى مع إفراد الله - تعالى - بالعبادة والشكر. وقوله { ~~فتعالى الله عما يشركون } تنزيه فيه معنى التعجب من ~~أحوالهم. أى تنزه - سبحانه - وتقدس عن شرك هؤلاء الأغبياء الجاحدين الذين ~~يقابلون نعم الله بالإشراك والكفران. والضمير فى ms2126 { يشركون } يعود ~~على أولئك الآباء الذين جعلوا لله شركاء هذا والمحققون من العلماء يرون ~~أن هاتين الآيتين قد سيقتا توبيخا للمشركين حيث إن الله - تعالى - أنعم ~~عليهم بخلقهم من نفس واحدة، وجعل أزواجهم من أنفسهم ليأنسوا بهن، وأعطاهم ~~الذرية، وأخذ عليهم العهود بشكره على هذه النعم، ولكنهم جحدوا نعمه ~~وأشركوا معه فى العبادة والشكر آلهة أخرى { فتعالى الله عما ~~يشركون }. ويرى بعض المفسرين أن المراد بهذا السياق آدم وحواء، ~~واستدلوا على ذلك بما رواه الإمام أحمد - بسنده - عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم قال " لما طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال لها سميه ~~عبد الحارث فإنه يعيش فسمته عبد الحارث فعاش، وكان ذلك من وحى الشيطان ~~وأمره. وقد أثبت ابن كثير فى تفسيره ضعف هذا الحديث من عدة وجوه، ثم قال ~~قال الحسن عنى الله - تعالى - بهذه الآية ذرية آدم ومن أشرك منهم بعده، ~~وقال قتادة كان الحسن يقول هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادا فهودوا ~~ونصروا. قال ابن كثير وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية، ~~ونحن على مذهب الحسن البصرى فى هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم ~~وحواء وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته، ولهذا قال { فتعالى ~~الله عما يشركون }. # وقال صاحب الانتصاف والأسلم والأقرب أن يكون المراد - والله أعلم - جنسى ~~الذكر والأنثى لا يقصد فيه إلى معين. وكأن المعنى خلقكم جنسا واحدا، ~~وجعل أزواجكم منكم أيضا لتسكنوا إليهن، فلما تغشى الجنس الذى هو الذكر، ~~الجنس الآخر الذى هو الأنثى جرى من هذين الجنسين كيت وكيت. وإنما نسب هذه ~~المقالة إلى الجنس وإن كان فيهم الموحدون على حد قولهم " بنو فلان قتلوا ~~قتيلا " يعنى من نسبة البعض إلى الكل. والذى نراه أن الآيتين ورادتان فى ~~توبيخ المشركين على شركهم ونقضهم لعهودهم مع الله - تعالى - لأن الأحاديث ~~والأثار التى وردت فى أنهما وردتا فى شأن آدم وحواء لتسميتهما ابنهما ~~بعبد الحارث اتباعا لوسوسة الشيطان لهما - ليست صحيحة، كما أثبت ذلك ~~علماء ms2127 الحديث. ثم أخذت السورة بعد ذلك فى توبيخ المشركين، وفى إبطال ~~شركهم بأسلوب منطقى حكيم فقالت { أيشركون... }. ### || [7.191-198] # قوله - تعالى - { أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم ~~يخلقون } أى أيشركون به - تعالى - وهو الخالق لهم ولكل شىء، ما لا ~~يخلق شيئا من الأشياء مهما يكن حقيرا، بل إن هذه الأصنام التى تعبد من ~~دون الله مخلوقة ومصنوعة، فكيف يليق بسليم العقل أن يجعل المخلوق العاجز ~~شريكا للخالق القادر. والاستفهام للإنكار والتجهيل. والمراد بما فى قوله ~~{ ما لا يخلق شيئا } أصنامهم، ورجع الضمير إليها مفردا لرعاية ~~لفظها، كما أن إرجاع ضمير الجمع إليها فى قوله { وهم يخلقون } ~~لرعاية معناها. وجاء بضمير العقلاء فى { يخلقون } مسايرة لهم فى ~~اعتقادهم أنها تضر وتنفع. ثم قال - تعالى - { ولا يستطيعون ~~لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون } أى أن هذه الأصنام فضلا ~~عن كونها مخلوقة، فإنها لا تستطيع أن تجلب لعابديها نصرا على أعدائهم، بل ~~إنها لا تستطيع أن تدفع عن نفسها شرا، ومن هذه صفته كيف يعبد من دون ~~الله؟ قال - تعالى - # إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ~~ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا ~~يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب # ثم بين - سبحانه - عجز الأصنام عما هو أدنى من النصر المنفى عنهم وأيسر ~~وهو مجرد الدلالة على المطلوب من غير تحصيله للطالب فقال { وإن ~~تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم } أى وإن تدعو أيها ~~المشركون هذه الأصنام إلى الهدى والرشاد لا يتبعوكم، أى أنهم لا ينفعوكم ~~بشىء ولا ينتفعون منكم بشىء. وقوله { سوآء عليكم ~~أدعوتموهم أم أنتم صامتون } استئناف مقرر لمضمون ما ~~قبله. أى مستو عندكم دعاؤكم إياهم وبقاؤكم على صمتكم، فإنه لا يتغير ~~حالكم فى الحالين، كما لا يتغير حالهم بحكم أنهم جماد. ثم مضى القرآن فى ~~دعوته إياهم إلى التدبر والتعقل فقال { إن الذين تدعون من ~~دون الله عباد أمثالكم }. أى إن هذه الآصناف التى تعبدونها ~~من دون الله، أو تنادونها لدفع الضرب أو جلب النفع { عباد ~~أمثالكم } أى مماثلة لكم فى ms2128 كونها مملوكة لله مسخرة مذللة لقدرته ~~كما أنكم أنتم كذلك فكيف تعبدونها أو تنادونها؟. وأطلق عليها لفظ { ~~عباد } - مع أنها جماد - وفق اعتقادهم فيها تبكيتا لهم وتوبيخا. وقوله ~~{ فادعوهم فليستجيبوا لكم } تحقيق لمضمون ما قبله ~~بتعجيزهم وتبكيتهم أى فادعوهم فى رفع ما يصيبكم من ضر، أو فى جلب ما أنتم ~~فى حاجة إليه من نفع { إن كنتم صادقين } فى زعمكم أن هذه الأصنام ~~قادرة على ذلك. ثم تابع القرآن تقريعه لهذه الأصنام وعابديها فقال { ~~ألهم أرجل يمشون بهآ أم لهم أيد يبطشون بهآ ~~أم لهم أعين يبصرون بهآ أم لهم آذان يسمعون ~~بها }. # الاستفهام للإنكار، والمعنى أن هذه الأصنام التى تزعمون أنها تقربكم ~~إلى الله زلفى هى أقل منكم مستوى لفقدها الحواس التى هى مناط الكسب إنها ~~ليس لها أرجل تسعى بها إلى دفع ضر أو جلب نفع وليس لها أيد تبطش بها أى ~~تأخذ بها ما تريد أخذه، وليس لها أعين تبصر بها شئونكم وأحوالكم وليس لها ~~آذان تسمع بها أقوالكم، وتعرف بواسطتها مطالبكم، فأنتم أيها الناس تفضلون ~~هذه الأصنام بما منحكم الله - تعالى - من حواس السمع والبصر وغيرها فكيف ~~يعبد الفاضل المفضول، وكيف ينقاد الأقوى للأضعف؟. ثم أمر الله - تعالى - ~~رسوله صلى الله عليه وسلم أن يناصبهم الحجة وأن يكرر عليهم التوبيخ فقال ~~{ قل ادعوا شركآءكم ثم كيدون فلا تنظرون } أى قل ~~أيها الرسول الكريم لهؤلاء الذين هبطوا بعقولهم إلى أحط المستويات نادوا ~~شركاءكم الذين زعمتموهم أولياء ثم تعاونوا أنتم وهم على كيدى وإلحاق الضر ~~بى من غير انتظار أو إمهال، فإنى أنا معتز بالله، ولمتجىء إلى حماه ومن ~~كان كذلك فلن يخشى شيئا من المخلوقين جميعا. وهذا نهاية التحدى من جانب ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لهم والحط من شأنهم وشأن آلهتهم. ثم بين لهم ~~الأسباب التى دعه إلى تحديهم وتبكيتهم فقال { إن وليي الله ~~الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين }. أى قل يا ~~محمد لهؤلاء الضالين إننى ما تحديتكم وطلبت كيدكم وكيد أصنامكم - إن كنتم ~~أنتم ms2129 وهم تقدرون على ذلك على سبيل الفرض - إلا لأنى معتز بالله وحده، فهو ~~ناصرى ومتولى أمرى، وهو الذى نزل هذا القرآن لأخرجكم به من الظلمات إلى ~~النور، وقد جرت سنته - سبحانه - أن يتولى الصالحين وأن يجعل العاقبة لهم. ~~قال الحسن البصرى إن المشركين كانوا يخوفون الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بآلهتهم فقال - تعالى - { قل ادعوا شركآءكم } الآية - ليظهر ~~لكم أنه لا قدرة لها على إيصال المضار إلى بوجه من الوجوه. وهذا كما قال ~~هود - عليه السلام - لقومه ردا على قولهم. # إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال ~~إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما ~~تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون # ثم قال - تعالى - { والذين تدعون من دونه لا ~~يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون } أى والذين ~~تعبدونهم من دون الله أو تنادونهم لدفع الضر أو جلب النفع لا يستطيعون ~~نصركم فى أى أمر من الأمور، وفضلا عن ذلك فهم لا يستطيعون رفع الأذى عن ~~أنفسهم إذا ما اعتدى عليهم معتد. ثم قال - تعالى - { وإن تدعوهم ~~إلى الهدى } أى إلى أن يرشدوكم إلى ما تحصلون به مقاصدكم من النصر ~~على الأعداء أو غير ذلك { لا يسمعوا } أى لا يسمعوا شيئا مما ~~تطلبونه منهم، ولو سمعوا - على سبيل الفرض - ما استجابوا لكم لعجزهم عن ~~فعل أى شىء. # وقوله { وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون } بيان ~~لعجزهم عن الإبصار بعد بيان عجزهم عن السمع، أى وترى هذه الأصنام كأنها ~~تنظر إليك بواسطة تلك العيون الصناعية التى ركبت فيها ولكنها فى الواقع ~~لا تبصر لخلوها من الحياة. وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة قد وبخت ~~المشركين وآلهتهم أعظم توبيخ، وأثبتت بالأدلة المنطقية الحكيمة، وبوسائل ~~الحس والمشاهدة أن هذه الأصنام لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا، وأن الذين ~~قالوا فى شأنها # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # هم قوم غافلون جاهلون، قد هبطوا بعقولهم إلى أحط الدركات، لأنهم يتقربون ~~إلى الله زلفى عن طريق ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنهم شيئا، ms2130 بل لا ~~يستطيع أن يدفع الأذى عن نفسه. وفى الوقت نفسه فالآيات دعوة قوية لكل ~~عاقل إلى أن يجعل عبادته وخضوعه لله الواحد القهار. ثم تتجه السورة ~~الكريمة بعد ذلك إلى شخص الرسول صلى الله عليه وسلم فترسم له ولكل عاقل ~~طريق معاملته للخلق على وجه يقيه شر الحرج والضيق فتقول. { خذ ~~العفو... }. ### || [7.199] # العفو يطلق فى اللغة على خالص الشىء وجيده، وعلى الفضل الزائد فيه، وعل ~~السهل الذى لا كلفة فيه. أى خذ ما عفا وسهل وتيسر من أخلاق الناس، وارض ~~منهم بما تيسر من أعمالهم وتسهل من غير كلفة. ولا تطلب منهم ما يشق عليهم ~~ويرهقهم حتى لا ينفروا، وكن لينا رفيقا فى معاملة أتباعك، فإنك # ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك # و { وأمر بالعرف } أى مر غيرك بالمعروف المستحسن من الأفعال، ~~وهو كل ما عرف حسنه فى الشرع، فإن ذلك أجدر بالقبول من غير نكير، فإن ~~النفوس حين تتعود الخير الواضح الذى لا يحتاج إلى مناقشة وجدال، يسلس ~~قيادها، ويسهل توجيهها. { وأعرض عن الجاهلين } الذين لا ~~يدركون قيم الأشياء والأشخاص والكلمات فيما يبدر منهم من أنواع السفاهة ~~والإيذاء لأن الرد على أمثال هؤلاء ومناقشتهم لا تؤدى إلى خير، ولا ~~تنتهى إلى نتيجة. والسكوت عنهم احتزام للنفس، واحترام للقول، وقد يؤدى ~~الإعراض عنهم إلى تذليل نفوسهم وترويضها. وهذه الآية على قصرها تشتمل - ~~كما قال العلماء - على مكارم الأخلاق فيما يتعلق بمعاملة الإنسان لأخيه ~~الإنسان، وهى طريق قويم لكل ما تطلبه الإنسانية الفاضلة لأبنائها ~~الأبرار، وقد جاءت فى أعقاب حديث طويل عن أدلة وحدانية الله - تعالى - ~~وأبطال الشرك والشركاء، لكى تبين للناس فى كل زمان ومكان أن التحلى ~~بمكارم الأخلاق إنما هو نتيجة لإخلاص العبادة لله الواحد الأحد، الفرد ~~الصمد. قال القرطبى " هذه الآية من ثلاث كلمات، تضمنت قواعد الشريعة فى ~~المأمورات والمنهيات. فقوله { خذ العفو } دخل فيه صلة القاطعين ~~والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين. ودخل ~~فى قوله { وأمر بالعرف } صلة الأرحام، ms2131 وتقوى الله فى الحلال ~~والحرام، وغض الأبصار، والاستعداد لدار القرار. وفى قوله { وأعرض ~~عن الجاهلين } الحض على التعلق بالعلم، والإعراض عن أهل الظلم، ~~والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة الأغبياء، وغير ذلك من ~~الأخلاق المجيدة والأفعال الرشيدة ". ثم يرشد القرآن المسلمين فى شخص ~~الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى ما يهدىء غضبهم ويطفىء ثورتهم ~~فيقول { وإما ينزغنك... }. ### || [7.200-202] # النزغ والنخس والغرز بمعنى واحد، وهو إدخال الإبرة أو طرف العصا ونحوها ~~فى الجلد. أى وإن تعرض لك من الشيطان وسوسة تثير غضبك، وتحملك على خلاف ~~ما أمرت به من أخذ العفو والأمر بالمعروف والإعراض عن الجاهلين، فالتجىء ~~إلى الله، واستعذ بحماه، فإنه - سبحانه - سميع لدعائك، عليم بكل أحوالك. ~~وهو وحده الكفيل بصرف وسوسة الشياطين عنك، وصيانتك من همزاتهم ونزغاتهم. ~~ثم بين - سبحانه - حالة المتقين فقال { إن الذين اتقوا إذا ~~مسهم طائف من الشيطان تذكروا }. طائف من الطواف ~~والطواف بالشىء أى الاستدارة به أو حوله. يقال طاف بالشىء إذا دار حوله. ~~والمراد به هنا وسوسة الشيطان وهمزاته. أى إن الذين اتقوا الله - تعالى - ~~وصانوا أنفسهم عن كل ما يغضبه إذا مسهم شىء من وسوسة الشيطان ونزغاته ~~التى تلهيهم عن طاعة الله ومراقبته { تذكروا } أى تذكروا أن المس ~~إنما هو من عدوهم الشيطان فعادوا سريعا إلى طاعة الله، وإلى خوف مقامه ~~ونهوا أنفسهم عن اتباع همزات الشياطين. والجملة الكريمة مستأنفة مقررة ~~لما قبلها من الأمر ببيان أن الاستعاذة سنة مسلوكة للمتقين، وأن الإخلال ~~بها من طبيعة الضالين. وفى قوله { إذا مسهم طائف } إشعار بعلو ~~منزلتهم، وقوة إيمانهم، وسلامة يقينهم لأنهم بمجرد أن تطوف بهم وساوس ~~الشيطان أو بمجرد أن يمسهم شىء منه فإنهم يتذكرون عداوته، فيرجعون سريعا ~~إلى حمى ربهم يستجيرون به ويتوبون إليه. وفى التعبير عن الوسوسة بالطائف ~~إشعار بأنها وإن مست هؤلاء المتقين فإنها لا تؤثر فيهم، لأنها كأنها طافت ~~حولهم دون أن تصل إليهم. وقوله { فإذا هم مبصرون } أى فإذا هم ~~مبصرون مواقع الخطأ، وخطوات الشيطان، فينتهون عنها. وفى ms2132 هذه الآية ~~الكريمة ما يهدى العقول، ويطب النفوس، إذ هى تبين لنا أن مس الشيطان قد ~~يغلق بصيرة الإنسان عن كل خير، ولكن التقوى هى التى تفتح هذه البصيرة، ~~وهى التى تجعل الإنسان دائما يقظا متذكرا لما أمره الله به أو نهاه ~~عنه، فينتصر بذلك على وساوس الشيطان وهمزاته وتبقى لهم بصيرتهم على أحسن ~~ما تكون صفاء ونقاء وكشفا. أما الذين لم يتقوا الله، ولم يلجأوا إلى ~~حماه، ولم يخالفوا الشيطان فقد عبر عنهم القرآن بقوله { وإخوانهم ~~يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون }. يمدونهم من المد، ~~وهو الزيادة يقال مده يمده أى زاده. والغى الضلال، مصدر غوى يغوى غيا ~~وغواية. أى وإخوان الشياطين من المشركين والغافلين تزيدهم الشياطين من ~~الضلال عن طريق الوسوسة والإغراء بأرتكاب المعاصى والموبقات { ثم لا ~~يقصرون } أى ثم لا يكف هؤلاء الشياطين عن إمداد أوليائهم من الإنس ~~بألوان الشرور والآثام حتى يهلكوهم. ويجوز أن يعود الضمير لإخوانهم أى ~~ثم لا يكف هؤلاء الناس عن الغى والضلال مهما وعظهم الواعظون وأرشدهم ~~المرشدون. و { يقصرون } من أقصر عن الشىء إذا كف عنه ونزع مع القدرة ~~عليه. ثم بين - سبحانه - لونا من ألوان غوايتهم وضلالهم فقال { وإذا ~~لم تأتهم... }. ### || [7.203] # الاجتباء افتعال من الجباية بمعنى الجمع، يقال جبيت الماء فى الحوض أى ~~جمعته، ومنه قيل للحوض جابية والمعنى وإذا لم تأت أيها الرسول هؤلاء ~~المشركين بآية من القرآن وتراخى الوحى بنزولها، أو بآية مما اقترحوه عليك ~~من الآيات الكونية، إذا لم تفعل ذلك قالوا لك بجهالة وسفاهة { لولا ~~اجتبيتها } أى هلا جمعتها من عند نفسك واخترعتها اختراعا بعقلك، أو ~~هلا ألححت فى الطلب على ربك ليعطيك إياها ويجمعها لك. قل لهم يا محمد على ~~سبيل التبكيت ردا على تهكمهم بك { إنمآ أتبع ما يوحى ~~إلي من ربي } أى إنما أنا متبع لا مبتدع فما يوحيه الله إلى من ~~الآيات أنا أبلغه إليكم بدون تغيير أو تبديل. ثم أرشدهم - سبحانه - إلى ~~أن هذا القرآن هو أعظم المعجزات، وأبين الدلالات وأصدق ms2133 الحجج والبينات ~~فقال { هذا بصآئر من ربكم وهدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون }. أى هذا القرآن بمنزلة البصائر للقلوب، به تبصر الحق. ~~وتدرك الصواب وهو هداية لكم من الضلالة، ورحمة من العذاب لقوم يؤمنون به، ~~ويعملون بإرشاداته ووصاياه. وكما افتتحت السورة بالثناء على القرآن # كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه ~~لتنذر به وذكرى للمؤمنين # فقد اتجهت فى أواخرها إلى أمر الناس بحسن الاستماع إلى هذا القرآن، وإلى ~~تدبره والعمل به فقالت { وإذا قرىء.... }. ### || [7.204] # أى وإذا قرىء القرآن الذى ذكرت خصائصه ومزاياه عليكم فاستمعوا له بتدبر ~~وخشوع، واصغوا إليه بأسماعكم وكل جوارحكم لتفهموا معانيه، وتفقهوا ~~توجيهاته، وأنصتوا لقراءته حتى تنقضى تعظيما له، وإكبارا لشأنه، لكى ~~تفوزوا برحمة الله ورضاه. وبعض العلماء يحمل القراءة فى الآية على ~~القراءة خلف الإمام فى الصلاة، أى أن على المؤتم أن يستمع إلى قراءة ~~الإمام بتدبر وخشوع، واستدلوا على ذلك بأحاديث فى هذا المعنى. وبعضهم ~~يجعل الآية عامة فى وجوب الاستماع فى قراءة القرآن بتدبر وإنصات وخشوع فى ~~الصلاة وفى غير الصلاة وحملوا الأحاديث التى أوردها أصحاب الرأى الأول ~~على العموم أيضا. والذى نراه أن الآية تأمر بوجوب الاستماع والإنصات ~~عند قراءة القرآن فى الصلاة وفى غير الصلاة، لأن تعاليم الإسلام وآدابه ~~تقتضى منا أن نستمع إلى القرآن بتدبر وإنصات وخشوع، ليؤثر تأثيره الشافى ~~فى القلوب، وليقودها إلى الطاعة والتقوى، فتنال المغفرة والرحمة. ثم ~~اختتمت السورة الكريمة بالحديث عن ذكر الله الذى هو طب القلوب ودواؤها ~~وعافية الأبدان وشفاؤها فقالت { واذكر ربك في نفسك... }. ### || [7.205-206] # أى استحضر عظمة ربك - جل جلاله - فى قلبك. واذكره بما يقربك إليه عن ~~طريق قراءة القرآن والدعاء والتسبيح والتحميد والتهليل وغير ذلك. وقوله { ~~تضرعا وخيفة } فى موضع الحال بتأويل اسم الفاعل أى اذكره متضرعا ~~متذللا له وخائفا منه - سبحانه - وقوله { ودون الجهر من ~~القول } معطوف على قوله { في نفسك } أى اذكر ربك ذكرا فى نفسك، ~~وذكرا بلسانك دون الجهر. والمراد بالجهر رفع الصوت بإفراط، وبما دونه مما ~~هو أقل ms2134 منه، وهو الوسط بين الجهر والمخافتة، قال ابن عباس هو أن يسمع ~~نفسه. وقوله { بالغدو والآصال } متعلق باذكر، والغدو جمع غدوة ~~وهو ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. والآصال جمع أصيل وهو من العصر إلى ~~الغروب. أى اذكر ربك مستحضرا عظمته، فى كل وقت، وراقبه فى كل حال، لا ~~سيما فى هذين الوقتين لأنهما طرفا النهار ومن افتتح نهاره بذكر الله ~~واختتمه به كان جديرا برعاية ربه. قيل وخص هذان الوقتان بالذكر لأنهما ~~وقت سكون ودعة وتعبد واجتهاد. وما بينهما من أوقات الغالب فيها الانقطاع ~~لأمر المعاش. ثم نهى - سبحانه - عن الغفلة عن ذكره فقال { ولا تكن ~~من الغافلين } الذين شغلتهم الدنيا عن ذكر الله. وفيه إشعار بطلب ~~دوام ذكره - تعالى - واستحضار عظمته وجلاله وكبريائه بقدر الطاقة ~~البشرية. قال بعض العلماء ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن للذكر آدابا من ~~أهمها 1 - أن يكون فى النفس لأن الإخفاء أدخل فى الإخلاص، وأقرب إلى ~~الإجابة، وأبعد من الرياء. 2 - أن يكون على سبيل التضرع وهو التذلل ~~والخضوع والاعتراف بالتقصير. 3 - أن يكون على وجه الخيفة أى الخوف ~~والخشية من سلطان الربوبية وعظمة الألوهية من المؤاخذة على التقصير فى ~~العمل لتخشع النفس ويخضع القلب. 4 - أن يكون دون الجهر لأنه أقرب إلى حسن ~~التفكر، وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى قال # " رفع الناس أصواتهم بالدعاء فى بعض الأسفار، فقال لهم النبى صلى الله ~~عليه وسلم يأيها الناس اربعوا على أنفسكم - أى هونوا على أنفسكم - فإنكم ~~لا تدعون أصم ولا غائبا. إن الذى تدعونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من ~~عنق راحلته ". # 5 - أن يكون باللسان لا بالقلب وحده، وهو مستفاد من قوله { ودون ~~الجهر } لأن معناه ومتكلما كلاما دون الجهر، فيكون صفة لمعمول حال ~~محذوفة، معطوفا على { تضرعا } أو هو معطوف على { في نفسك } أى ~~اذكره ذكرا فى نفسك وذكرا بلسانك دون الجهر. ثم ذكر - سبحانه - ما يقوى ~~دواعى الذكر، وينهض بالهمم إليه، بمدحه للملائكة الذين يسبحون الليل ~~والنهار لا يفترون فقال ms2135 { إن الذين عند ربك } وهم ملائكة ~~الملأ الأعلى. # والمراد بالعندية القرب من الله - تعالى - بالزلفى والرضا لا المكانية ~~لتنزهه - سبحانه - عن ذلك. { لا يستكبرون عن عبادته } بل ~~يؤدونها حسبما أمروا به بخضوع وطاعة. { ويسبحونه } أى ينزهونه عن ~~كل ما لا يليق بجلاله على ابلغ وجه. { وله يسجدون } أى يخصونه ~~وحده بغاية العبودية والتذلل والخضوع، ولا يشركون معه أحدا فى عبادة من ~~عباداتهم. أما بعد فهذه هى سورة الأعراف التى سبحت بنا سبحا طويلا وهى ~~تحدثنا عن أدلة وحدانية الله، وعن هداية القرآن الكريم، وعن مظاهر نعم ~~الله على خلقه، وعن اليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب، وعن بعض الأنبياء ~~وما جرى لهم مع أقوامهم، وكيف كانت عاقبة هؤلاء الأقوام، وعن سنن الله - ~~تعالى - فى إسعاد الأمم وإشقائها، وغير ذلك من أصول التشريع وآداب ~~الاجتماع، وشئون البشر. وقد استعملت السورة فى أوامرها ونواهيها ~~وتوجيهاتها أساليب التذكير بالنعم، والتخويف من النقم، وإيراد الحجج ~~المقنعة، ودفع الشبهات الفاسدة. وهذا تفسير لها تناولنا فيه بالشرح ~~والتحليل ما اشتملت عليه من توجيهات سامية، وآداب عالية، ومقاصد جليلة، ~~وحجج باهرة، ومواعظ مؤثرة. والله نسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه ~~الكريم، ونافعا لنا يوم الدين. والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات. ~~وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [8 - سورة الأنفال] ### || [8.1-4] # لعل من الخير قبل أن نتكلم فى تفسير هذه الآيات الكريمة أن نذكر بعض ~~الروايات التى وردت فى سبب نزولها. فإن معرفة سبب النزول يعين على الفهم ~~السليم. قال الإمام ابن كثير - ما ملخصه - روى الإمام أحمد بن عبادة بن ~~الصامت قال خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فشهدت معه بدرا ~~فالتقى الناس. فهزم الله - تعالى - العدو، فانطلقت طائفة فى آثارهم ~~يهزمون ويقتلون. وأقبلت طائفة على العسكر يحوزونه ويجمعونه. وأحدقت طائفة ~~برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكى لا يصيب العدو منه غرة. حتى إذا ~~كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم نحن ~~حويناها وجمعناها، ms2136 فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا فى طلب العدو ~~لستم بأحق بها منا، نحن نفينا عنها العدو وهزمناهم. وقال الذين أحدقوا ~~برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لستم بأحق بها منا. نحن أحدقنا برسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - مخافة أن يصيب العدو منه غرة فاشتغلنا به - ~~فنزلت { يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله ~~والرسول }.. فقسمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين المسلمين. ~~وروى أبو داود والنسائى وابن جرير وابن مردويه - واللفظ له - عن ابن عباس ~~قال # " لما كان يوم بدر قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من صنع كذا ~~وكذا فله كذا وكذا، فتسارع فى ذلك شبان القوم، وبقى الشيوخ تحت الرايات. ~~فلما كانت المغانم جاءوا يطلبون الذى جعل لهم. فقال الشيوخ لا تستأثروا ~~علينا فإنا كنا ردءا لكم، لو انكشفتم لثبتم إلينا. فتنازعوا، فأنزل الله ~~- تعالى - { يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله ~~والرسول } ". # وقال الثورى، عن الكلبى، عن أبى صالح عن ابن عباس قال لما كان يوم بدر ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " " من قتل قتيلا فله كذا وكذا، ومن أتى بأسير فله كذا وكذا " ، فجاء ~~أبو اليسر بأسيرين، فقال يا رسول الله صلى الله عليك - أنت وعدتنا. فقام ~~سعد بن عبادة فقال يا رسول الله، إنك لو أعطيت هؤلاء لم يبق لأصحابك شئ، ~~وإنه لم يمنعنا من هذا زهادة فى الأجر ولا جبن عن العدو، وإنما قمنا هذا ~~المقام محافظة عليك مخافة أن يأتوك من ورائك. فتشاجروا، ونزل القرآن { ~~يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول } ~~". # وقال الإمام أحمد حدثنا محمد بن سلمة عن ابن إسحاق، عن عبد الرحمن عن ~~سليمان بن موسى عن مكحول عن أبى أمامة قال سألت عبادة بن الصامت عن ~~الأنفال فقال فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا فى النفل، وساءت فيه ~~أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا وجعله إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~فقسمه بين المسلمين عن بواء - أى على السواء. # هذه بعض الروايات التى وردت ms2137 فى سبب نزول هذه الآيات، ومنها يتبين لنا أن ~~نزاعا حدث بين بعض الصحابة الذين اشتركوا فى غزوة بدر، حول الغنائم التى ~~ظفروا بها من هذه الغزوة، فأنزل الله - تعالى - فى هذه الآيات بيان حكمه ~~فيها. والضمير فى قوله { يسألونك } يعود إلى بعض الصحابة الذين ~~اشتركوا فى غزوة بدر، وصح عود الضمير إليهم مع أنهم لم يسبق لهم ذكر، لأن ~~السورة نزلت فى هذه الغزوة، ولأن هؤلاء الذين اشتركوا فيها هم الذين ~~يهمهم حكمها، ويعنيهم العلم بكيفية قسمتها. قال الإمام الرازى - ما ~~ملخصه - فإن قيل من هم الذين سألوا؟ فالجواب إن قوله { يسألونك ~~عن الأنفال } إخبار عمن لم يسبق ذكرهم، وحسن ذلك ههنا، لأنه فى ~~حالة النزول كان السائل عن هذا السؤال معلوما فانصرف اللفظ إليهم. ولا ~~شك أنهم كانوا أقواما لهم تعلق بالغنائم والأنفال، وهم أقوام من الصحابة ~~اشتركوا فى غزوة بدر. والأنفال جمع نفل - بفتح النون والفاء - كسبب ~~وأسباب - وهو فى أصل اللغة من النفل - بفتح فسكون - أى الزيادة، ولذا قيل ~~للتطوع نافلة، لأنه زيادة عن الأصل وهو الفرض وقيل لولد الولد نافلة، ~~لأنه زيادة على الولد. قال - تعالى - # ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة # قال الآلوسى ثم صار النفل حقيقة فى العطية، لأنها لكونها تبرعا غير ~~لازم كان زيادة، ويسمى به الغنيمة أيضا وما يشترطه الإمام للغازى زيادة ~~على سهمه لرأى يراه سواء أكان لشخص معين أو لغير معين، وجعلوا من ذلك ما ~~يزيده الإمام لمن صدر منه أثر محمود فى الحرب كبراز وحسن إقدام، ~~وغيرهما. وإطلاقه على الغنيمة، باعتبار أنها زيادة على ما شرع الجهاد له ~~وهو إعلاء كلمة الله، أو باعتبار أنها زيادة خص الله بها هذه الأمة، أو ~~باعتبار أنها منحة من الله - تعالى - من غير وجوب. ثم قال ومن الناس من ~~فرق بين الغنيمة والنفل بالعموم والخصوص. فقيل الغنيمة ما حصل مستغنما ~~سواء أكان بتعب أو بغير تعب، قبل الظفر أو بعده، والنفل ما كان قبل ~~الظفر، أو ما كان بغير قتال وهو " الفئ ms2138 ". والمراد بالأنفال هنا الغنائم ~~كما روى عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، وطائفة من ~~الصحابة وغيرهم. هذا، وجمهور العلماء على أن المقصود من سؤال بعض الصحابة ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الأنفال - أى الغنائم - إنما هو ~~حكمها وعن المستحق لها، فيكون المعنى يسألك بعض أصحابك يا محمد عن غنائم ~~بدر كيف تقسم؟ ومن المستحق لها؟ قل لهم الأنفال لله يحكم فيها بحكمه - ~~سبحانه - وللرسول - صلى الله عليه وسلم - فهو الذى يقسمها على حسب حكم ~~الله وأمره فيها. # وفى هذه الإجابة على سؤالهم تربية حكيمة لهم - وهم فى أول لقاء لهم مع ~~أعداءهم حتى يجعلوا جهادهم من أجل إعلاء كلمة الله. أما الغنائم والأسلاب ~~وأعراض الدنيا التى تأتيهم من وراء جهادهم فعليهم ألا يجعلوها ضمن غايتهم ~~السامية من جهادهم، وأن يفوضوا الأمر فيها لله ورسوله عن إذعان وتسليم. ~~وبعض العلماء يرى أن السؤال للاستعطاء، وأن المراد بالأنفال ما شرط ~~للغازى زيادة على سهمه، وأن حرف " عن " زائد، أو هو بمعنى من، فيكون ~~المعنى يسألك بعض أصحابك يا محمد إعطاءهم الأنفال التى وعدتهم بها زيادة ~~على سهامهم فيها. قل لهم الأنفال لله ولرسوله. والذى نراه أن الرأى الأول ~~أرجح وذلك لأمور منها 1- بعض الروايات التى وردت فى أسباب نزول هذه الآية ~~تؤيده تأييدا صريحا، ومن ذلك ما سبق أن ذكرناه عن عبادة بن الصامت أنه ~~قال " فينا معشر أصحاب بدر نزلت، حين اختلفنا فى النفل، وساءت فيه ~~أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا. فجعله إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~فقسمه بين المسلمين عن بواء ". 2- ولأن غزوة بدر كانت أول غزوة لها شأنها ~~وأثرها بين المسلمين والكافرين، وكانت غنائمها الضخمة التى ظفر بها ~~المؤمنون من المشركين، حافزا لسؤال بعض المؤمنين رسولهم - صلى الله عليه ~~وسلم -عن حكمها وعن المستحق لها. 3- ولأن الجواب عن السؤال بقوله - تعالى ~~- { قل الأنفال لله والرسول } يؤيد أن السؤال إنما هو عن ~~حكم الأنفال وعن مصرفها، إذ أن هذا الجواب يفيد أن اختصاص أمرها وحكمها ms2139 ~~مرجعه إلى الله ورسوله دون تدخل أحد سواهما. ولو كان السؤال للاستعطاء ~~لما كان هذا جوابا له، فإن اختصاص حكم ما شرط لهم بالله والرسول لا ~~ينافى إعطاءه إياهم بل يحققه، لأنهم إنما يسألونه بموجب شرطه لهم الصادر ~~عنه بإذن الله - تعالى - لا بحكم سبق أيديهم إليه أو نحو ذلك مما يخل ~~بالاختصاص المذكور ". 4- ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك { فاتقوا ~~الله وأصلحوا ذات بينكم.. } إلخ يؤيد أن السؤال عن حكم ~~الأنفال ومصرفها بعد أن تنازعوا فى شأنها، فهو - سبحانه - ينهاهم عن هذا ~~التنازع، ويأمرهم بأن يصونوا أنفسهم عن كل ما يغضب الله... ولو كان ~~السؤال للاستعطاء - بناء على ما شرطه الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~لبعضهم زيادة على سهامهم - لما كان هناك محذور يجب اتقاؤه، لأنهم لم ~~يطلبوا من الرسول إلا ما وعدهم به وهذا لا محظور فيه. # 5- ولأن الآية الكريمة بمنطوقها الواضح، وبتركيبها البليغ، وبتوجيهها ~~السامى، تفيد أن السؤال إنما هو عن حكم الأنفال وعن المستحق لها.. أما ~~القول بأن السؤال سؤال استعطاء وأن عن زائدة أو بمعنى من فهو تكلف لا ~~ضرورة إليه. والمعنى الواضح الجلى للآية الكريمة - كما سبق أن بينا - ~~يسألك بعض أصحابك يا محمد عن غنائم بدر كيف تقسم، ومن المستحق لها؟ قل ~~لهم الأنفال لله يحكم فيها بحكمه، ولرسوله يقسمها بحسب حكم الله فيها، ~~فهو - سبحانه - العليم بمصالح عباده، الحكيم فى جميع أقواله وأفعاله. قال ~~صاحب الكشاف فإن قلت ما وحه الجمع بين ذكر الله والرسول فى قوله { قل ~~الأنفال لله والرسول }؟ قلت معناه أن حكمها مختص بالله ~~ورسوله، يأمر الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته، ويمتثل الرسول أمر الله ~~فيها، وليس الأمر فى قسمتها مفوضا إلى رأى أحد، والمراد " أن الذى ~~اقتضته حكمة الله وأمر به رسوله أن يواسى المقاتلة المشروط لهم التنفيل ~~الشيوخ الذين كانوا عند الرايات، فيقاسموهم على السوية ولا يستأثروا بما ~~شرط لهم، فإنهم إن فعلوا لم يؤمن أن يقدح ذلك فيما بين المسلمين من ~~التحاب والتصافى ". وقوله { فاتقوا الله ms2140 وأصلحوا ذات ~~بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين } ~~حض لهم على تقوى الله وامتثال أمره، وإصلاح ذات بينهم، وتحذير لهم من ~~الوقوع فى المعاصى والنزاع والخلاف. وكلمة { ذات } بمعنى حقيقة الشئ ~~ونفسه.، ولا تستعمل إلا مضافة إلى الظاهر، كذات الصدور، وذات الشوكة. ~~وكلمة { بينكم } ، من البين، وهو مصدر بان يبين بينا، متى بعد، ~~ويطلق على الاتصال والفراق، أى على الضدين، ومنه قول الشاعر # فوالله لولا البين لم يكن الهوى ولولا الهوى ما حس للبين آلف # والمراد به فى الآية الاتصال. أى فاتقوا الله - أيها المؤمنون -، ~~واصلحوا نفس ما بينكم وهى الحال والصفة التى بينكم والتى تربط بعضكم ببعض ~~وهى رابطة الإسلام. وإصلاحها يكون بما يقتضيه كمال الإيمان من الموادة ~~والمصافاة، وترك الاختلاف والتنازع، والتمسك بفضيلة الإيثار. وكلمة { ~~ذات } على هذا المعنى مفعول به. ومنهم من يرى أن كلمة " ذات " بمعنى ~~صاحبة، وأنها صفة لمفعول محذوف، فيكون المعنى فاتقوا الله وأصلحوا أحوالا ~~ذات بينكم. وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله " فإن قلت ما حقيقة ~~قوله { ذات بينكم } ". قلت أحوال بينكم، يعنى ما بينكم من ~~الأحوال، حتى تكون أحوال ألفة ومودة واتفاق. كقوله # بذات الصدور # وهى مضمراتها. ولما كانت أحوال ملابسة للبين قيل لها ذات البين، كقولهم ~~اسقنى ذا إنائك، يريدون ما فى الإناء من الشراب. # .. " وقوله { وأطيعوا الله ورسوله } معطوف على ما قبله، ~~وهو قوله { فاتقوا الله }. أى فاتقوا الله - أيها المؤمنون - فى ~~كل أقوالكم وأفعالكم، وأصلحوا ما بينكم من الأحوال التى تكون أحوال ألفة ~~ومحبة ومودة، وأطيعوا الله ورسوله فى حكمه الذى قضاه فى الأنفال وفى ~~غيرها، من كل أمر ونهى، وقضاء وحكم.. وقد كرر - سبحانه - الاسم الجليل فى ~~هذه الآية ثلاث مرات، لتربية المهابة فى القلوب، وتعليل الحكم حتى تقبله ~~النفوس بإذعان وتسليم. وذكر - سبحانه - رسوله معه مرتين فى هذه الآية، ~~لتعظيم شأنه، وإظهار شرفه، والإيذان بأن طاعته - صلى الله عليه وسلم - ~~طاعة لله - تعالى -، ومخالفته مخالفة لأمر الله - تعالى؟ قال - سبحانه - # من يطع الرسول فقد أطاع ms2141 الله ومن تولى فمآ ~~أرسلناك عليهم حفيظا # ووسط - سبحانه - الأمر بإصلاح ذات البين بين الأمر بالتقوى والأمر ~~بالطاعة، لإظهار كمال العناية بالإصلاح، وليندرج الأمر به بعينه تحت ~~الأمر بالطاعة. وقوله { إن كنتم مؤمنين } متعلق بالأوامر ~~الثلاثة السابقة، وهى التقوى، وإصلاح ذات البين، وطاعة الله ورسوله. ~~وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، أى إن كنتم مؤمنين إيمانا حقا ~~فامتثلوا هذه الأوامر الثلاثة السابقة. قال الآلوسى قوله { إن كنتم ~~مؤمنين } جوابه محذوف ثقة بدلالة المذكور عليه، أو المذكور هو ~~الجواب على الخلاف المشهور. وأيا ما كان فالمراد بيان ترتب ما ذكر عليه ~~لا التشكيك فى إيمانهم، وهو يكفى التعليق بالشرط. والمراد بالإيمان ~~التصديق. ولا خفاء فى اقتضائه ما ذكر، على معنى أنه من شأنه ذلك لا أنه ~~لازم له حقيقة. وقد يراد بالإيمان الإيمان الكامل والأعمال شرط فيه أو ~~شطر، فالمعنى إن كنتم كاملى الإيمان، فإن كمال الإيمان يدور على تلك ~~الخصال الثلاثة الاتقاء، والإصلاح، وإطاعة الله - تعالى -. ويؤيد إرادة ~~الكمال قوله - سبحانه - بعد ذلك { إنما المؤمنون... } إذ ~~المراد به قطعا الكاملون فى الإيمان وإلا لم يصح الحصر.. " وعلى أية ~~حال ففى هذا التذييل تنشيط للمخاطبين، وحث لهم على الامتثال والطاعة، ~~ودعوة لهم إلى أن يكون إيمانهم إيمانا عميقا راسخا، متفقا مع كل ما جاءهم ~~به رسولهم - صلى الله عليه وسلم - من هدايات وإرشادات، ومتساميا عن كل ما ~~يخدش صفاءه ونقاءه من متع وشهوات. ثم وصف - سبحانه - المؤمنين الصادقين ~~بخمس صفات، وبشرهم بأعلى الدرجات، فقال فى بيان صفتهم الأولى { إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم.. } ~~فالجملة الكريمة مستأنفة وهى مسوقة لبيان أحوال المؤمنين الذين هم أهل ~~لرضا الله وحسن ثوابه، حتى يتأسى بهم غيرهم. وقوله { وجلت } من ~~الوجل وهو استشعار الخوف. # يقال وجل يوجل وجلا فهو وجل، إذا خاف وفزع. والمراد بذكر الله ذكر صفاته ~~الجليلة، وقدرته النافذة، ورحمته الواسعة، وعقابه الشديد، وعلمه المحيط ~~بكل شئ، وما يستتبع ذلك من حساب وثواب وعقاب. والمعنى إنما المؤمنون ~~الصادقون الذين إذا ms2142 ذكر اسم الله وذكرت صفاته أمامهم، خافت قلوبهم وفزعت، ~~استعظاما لجلاله وتهيبا من سلطانه، وحذرا من عقابه، ورغبة فى ثوابه، ~~وذلك لقوة إيمانهم، وصفاء نفوسهم، وشدة مراقبتهم لله - عز وجل - ووقوفهم ~~عند أمره ونهيه.. وقد جاء التعبير عن صفاتهم بصيغة من صيغ القصر وهى " ~~إنما " ، للإشعار بأن من هذه صفاتهم هم المؤمنون الصادقون فى إيمانهم ~~وإخلاصهم، أما غيرهم ممن لم تتوفر به هذه الصفات، فأمره غير أمرهم، ~~وجزاؤه غير جزائهم. قال الفخر الرازى فإن قيل إنه - تعالى - قال ههنا { ~~وجلت قلوبهم } وقال فى آية أخرى # الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا ~~بذكر الله # فكيف الجمع بينهما؟ قلنا الاطمئنان إنما يكون عن ثلج اليقين، وشرح الصدر ~~بمعرفة التوحيد، والوجل إنما يكون من خوف العقوبة. ولا منافاة بين هاتين ~~الحالتين. بل نقول هذان الوصفان اجتمعا فى آية واحدة وهى قوله - تعالى # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني ~~تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم ~~تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله # والمعنى تقشعر الجلود من خوف عذاب الله، ثم تلين جلودهم وقلوبهم عند ~~رجاء ثواب الله. والصفة الثانية من صفات هؤلاء المؤمنين الصادقين عبر ~~عنها - سبحانه - بقوله { وإذا تليت عليهم آياته ~~زادتهم إيمانا }. أى أن من صفات هؤلاء المؤمنين أنهم إذا قرئت ~~عليهم آيات الله أى حججه وهى القرآن زادتهم إيمانا، أى زادتهم قوة فى ~~التصديق، وشدة فى الإذعان، ورسوخا فى اليقين، ونشاطا فى الأعمال ~~الصالحة، وسعة فى العالم والمعرفة. وجاء التعبير بصيغة الفعل المبنى ~~للمعفول فى قوله { ذكر الله } و { تليت عليهم آياته } ~~، للإيذان بأن هؤلاء المؤمنين الصادقين إذا كانوا يخافون عندما يسمعون ~~من غيرهم آيات الله.. فإنهم يكونون أشد خوفا وفزعا عند ذكرهم لله وعند ~~تلاوتهم لآياته بألسنتهم وقلوبهم. فالمقصود من هذه الصيغة مدحهم، والثناء ~~عليهم، وبيان الأثر الطيب الذى يترتب على ذكر الله وعلى تلاوة آياته. ~~والصفة الثالثة من صفاتهم قوله - تعالى - { وعلى ربهم ~~يتوكلون }. أى أن من صفات هؤلاء المؤمنين - أيضا - أنهم يعتمدون ~~على ربهم الذى خلقهم ms2143 بقدرته، ورباهم بنعمته، فيفوضون أمورهم كلها إليه ~~وحده - سبحانه - لا إلى أحد سواه، كما يدل عليه تقديم المتعلق على عامله. ~~ورحم الله الإمام ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الجملة أى أنهم لا ~~يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون ~~الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه، ويعلمون أنه ما شاء كان وما لم ~~يشأ لم يكن، وأنه المتصرف فى الملك لا شريك له، ولا معقب لحكمه وهو سريع ~~الحساب. # ولهذا قال سعيد بن جبير " التوكل على الله جماع الإيمان ". ومن الواضح ~~عند ذوى العقول السليمة أن التوكل على الله لا ينافى الأخذ بالأسباب التى ~~شرعها - سبحانه - بل إن الأخذ بالأسباب التى شرعها الله وأمر بها لبلوغ ~~الغايات، لدليل على قوة الإيمان، وعلى حسن طاعته - سبحانه - فيما شرعه ~~وفيما أمر به. وليس من الإيمان ولا من العقل ولا من التوكل على الله أن ~~ينتظر الإنسان ثمارا بدون غرس، أو شبعا بدون أكل، أو نجاحا بدون جهد، ~~أو ثوابا بدون عمل صالح. إنما المؤمن العاقل المتوكل على الله، هو الذى ~~يباشر الأسباب التى شرعها الله لبلوغ الأهداف مباشرة سليمة.. ثم بعد ذلك ~~يترك النتائج له - سبحانه - يسيرها كيف يشاء، وحسبما يريد.. أما ~~الصفتان الرابعة والخامسة من صفات هؤلاء المؤمنين فهما قوله - تعالى - { ~~الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون }. ~~والمراد بإقامة الصلاة أداؤها فى مواقيتها مستوفية لأركانها وشروطها ~~وآدابها وخشوعها - من أقام الشئ إقامة إذا قومه وأزال عوجه لأن الشأن فى ~~صلاة المؤمنين أن تكون إحساسا عميقا بالوقوف بين يدى الله، وانقطاعا تاما ~~لمناجاته، وتمثلا حيا لجلاله وكبريائه، واستغراقا كاملا فى دعائه. ~~والمراد بقوله { ينفقون } يخرجون ويبذلون، من الإنفاق وهو إخراج ~~المال وبذله وصرفه. والجملة الكريمة فى محل رفع صفة للموصول فى الآية ~~السابقة أو بدل منه أو بيان له. والمعنى أن من صفات هؤلاء المؤمنين أنهم ~~يؤدون الصلاة فى مواقيتها مستوفية لأركانها وشروطها وسننها وآدابها ~~وخشوعها.. وأنهم يبذلون أموالهم للفقراء والمحتاجين بسماحة نفس، وسخاء ~~يد، ms2144 استجابة لتعاليم دينهم. فأنت ترى أنه - سبحانه - قد وصف هؤلاء ~~المؤمنين بخمس صفات الأولى والثانية والثالثة منها ترجع إلى العبادات ~~القلبية التى تدل على شدة خشيتهم من ربهم، وقوة تأثرهم بآيات خالقهم، ~~واعتمادهم عليه - سبحانه وحده لا على أحد سواه. والصفة الرابعة ترجع إلى ~~العبادات البدنية، وهى إقامة الصلاة بإخلاص وخشوع. أما الصفة الخامسة ~~فترجع إلى العبادات المالية، وهى إنفاق المال فى سبيل الله ولا شك أن هذه ~~الصفات متى تمكنت فى النفس، كان صاحبها أهلا لمحبة الله ورضوانه، ولذا ~~مدح - سبحانه - أصحاب هذه الصفات، وبين ما أعده لهم من ثواب جزيل فقال { ~~أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ~~ربهم ومغفرة ورزق كريم }. أى أولئك المتصفون بتلك ~~الصفات الكريمة هم المؤمنون إيمانا حقا { لهم درجات } عالية، ~~ومكانة سامية { عند ربهم } ولهم { مغفرة } شاملة لما فرط ~~منهم من ذنوب، ولهم { رزق كريم } فى الجنة، يجعلهم يحيون فيها حياة ~~طيبة # لا لغو فيها ولا تأثيم # وقوله { حقا } منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف، أى أولئك هم المؤمنون ~~إيمانا حقا. والتنوين فى قوله { درجات } للتعظيم والتهويل أى لهم ~~درجات رفيعة، ومنازل عظيمة، وفى وصف هذه الدرجات بأنها { عند ربهم ~~} مزيد تشريف لهم، ولطف بهم، وإيذان بأن ما وعدهم به متيقن الوقوع، لأنه ~~وعد من كريم لا يخلف وعده - سبحانه -. وفى وصف الرزق الذى أعده لهم ~~بالكرم، زيادة فى إدخال السرور على قلوبهم لأن لفظ الكريم يصف به العرب ~~كل شئ حسن فى بابه، بحيث يكون لا قبح فيه ولا شكوى معه. وبذلك نرى أن ~~أصحاب تلك الصفات الحميدة قد مدحهم الله - تعالى - مدحا عظيما، وكأفأهم ~~على إيمانهم الحق بالدرجات العالية، والمغفرة الشاملة، والرزق الكريم # ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل ~~العظيم # هذا، وقد استنبط العلماء من تلك الآيات جملة من الأحكام والآداب منها 1- ~~حرص الصحابة على سؤال النبى - صلى الله عليه وسلم - عما يهمهم من أمور ~~دينهم ودنياهم. فإن قيل كيف تأتى لأصحابه الذين شهدوا بدرا - وهم من هم ms2145 ~~فى عفتهم وزهدهم - أن يختلفوا فى شأن الغنائم. فالجواب،، أن بعض الصحابة ~~المشتركين فى هذه الغزوة هم الذين حدث بينهم الخلاف فى شأنها لأنهم لم ~~يكن لهم عهد سابق بكيفية تقسيمها، أما أكثر الصحابة فإنهم لم يلتفتوا إلى ~~هذه الغنائم، بل تركوا أمرها إلى رسول الله - يضعها كيف يشاء. وأيضا فإن ~~هؤلاء الذين حدث بينهم الخلاف فى شأن الغنائم، كان من الدوافع التى ~~دفعتهم إلى هذا الخلاف، ما فهموه من أن حيازة الغنائم تدل على حسن ~~البلاء، وشدة القتال فى سبيل الله، فكان كل واحد منهم يحرص على أن يظهر ~~بهذا المظهر المشرف وهم فى أول لقاء لهم مع أعدائهم. وعندما جاوز هذا ~~الحرص حده، بأن غطى على ما يجب أن يسود بينهم من سماحة وصفاء، نزل القرآن ~~ليربيهم بتربيته الحكيمة، وليؤدبهم بأدبه السامى، وليخبرهم بحكم الله فى ~~شأن هذه الأنفال.. وبعد ان عرفوا حكم الله فى شأنها، قابلوه بالرضا ~~والإذعان والتسليم. 2- أن القرآن فى ترتيبه للحوادث، لا يلزم سردها على ~~حسب زمن وقوعها، وإنما يرتبها بأسلوبه الخاص الذى يراعى فيه مقتضى حال ~~المخاطب. فلقد افتتحت السورة التى معنا بالحديث عن الغنائم التى غنمها ~~المسلمون فى بدر - مع أن ذلك كان بعد انتهاء الغزوة - ليشعر المخاطبين من ~~أول الأمر أن النصر فى هذه الغزوة كان للمسلمين، وأن الإسلام قد صرع ~~الكفر منذ أول معركة نازله فيها. وهذا اللون من الافتتاح هو ما يعبر عنه ~~البلغاء ببراعة الاستهلال. ولقد أفاض بعض العلماء فى شرح هذا المعنى فقال ~~ما ملخصه. # وقد بدأت السورة بموضوع الأنفال واختلافهم فى قسمتها وسؤالهم عنها، ~~فساقت فى ذلك أربع آيات، هن { يسألونك عن الأنفال قل ~~الأنفال لله والرسول فاتقوا الله } إلى قوله - { ~~ورزق كريم }. وقد عالجت هذه الآيات نفوس المؤمنين، وعملت على ~~تطهيرها من الاختلاف الذى ينشأ عن حب المال والتطلع إلى المادة، ولا ريب ~~أن حب المال والتطلع إلى المادة من أكبر أسباب الفشل. ولأهمية هذا ~~الموضوع فى حياة المؤمنين بدأت به السورة، وإن كان اختلافهم ms2146 فى قسمة ~~الأنفال متأخرا فى الوجود عن اختلافهم فى الخروج إلى بدر، وقتال ~~الأعداء. وقد عرفنا من سنة القرآن فى ذكر القصص والوقائع أنه لا يعرض لها ~~مرتبة حسب وقوعها، وذلك لأنه لا يذكرها على أنها تاريخ يعين لها الوقت ~~والمكان، وإنما يذكرها لما فيها من العبر والمواعظ، ولما تتطلبه من ~~الأحكام والحكم. وقد بدأت السورة بالحديث عن الأنفال للمسارعة من أول ~~الأمر بنتائج النصر الذى كفله الله للمؤمنين. وليس من تربية النفوس أن ~~نبدأ الكلام معها بما يدل على الاضطراب والفزع والتردد أمام وسائل العزة ~~والشرف، متى وجد لهم بجانب هذا التردد ما يدل على مواقف الشرف والكرامة.. ~~ولا كذلك يكون الأمر إذا بدئت ببيان تثاقلهم فى الخروج إلى الغزوة، وانظر ~~كيف يكون وقع المطلع إذا جاء على هذا الوجه # كمآ أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا ~~من المؤمنين لكارهون.. # إلخ. لا ريب أنه مطلع شديد الوقع على النفوس، يصور علاقة المؤمنين ~~بنبيهم فى صورة يأباها إيمانهم به وامتثالهم لأمره. يصورهم فى شقاق ~~واختلاف مع قائدهم ورسولهم ويصورهم فى ثوب الكراهية الشديدة لمعالى ~~الأمور وعز الحياة. لهذا كله جاء الأسلوب فى سرد الوقائع غير مكترث ~~بمخالفة ترتبيها فى الوجود الخارجى. 3- استدل جمهور العلماء بقوله - ~~تعالى - { وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا } ~~على أن الإيمان يزيد وينقص... ومن المفسرين الذين بسطوا القول فى هذه ~~المسألة الإمام الآلوسى، فقد قال ما ملخصه قوله - تعالى - { وإذا ~~تليت عليهم آياته } أى القرآن { زادتهم إيمانا } أى ~~تصديقا كما هو المتبادر، فإن تظاهر الأدلة وتعاضد الحجج مما لا ريب فى ~~كونه موجبا لذلك. وهذا أحد أدلة من ذهب إلى أن الإيمان يقبل الزيادة ~~والنقص، وهو مذهب الجم الغفير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين، وبه أقول ~~لكثرة الظواهر الدالة على ذلك من الكتاب والسنة من غير معارض لها عقلا. ~~بل قد احتج عليه بعضهم بالعقل - أيضا - وذلك أنه لو لم تتفاوت حقيقة ~~الإيمان لكان إيمان آحاد الأمة بل المنهمكين فى الفسق والمعاصى، مساويا ~~لإيمان الأنبياء والملائكة، ms2147 واللازم باطل فكذا الملزوم. وقال النووى إن ~~كل أحد يعلم أن ما فى قلبه يتفاضل حتى يكون فى بعض الأحيان أعظم يقينا ~~وإخلاصا منه فى بعضها، فكذا التصديق والمعرفة يتفاضلان بحسب ظهور ~~البراهين وكثرتها. # وذهب الإمام أبو حنيفة وكثير من المتكلمين إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ~~ينقص، واختاره إمام الحرمين، محتجين بأنه اسم للتصديق البالغ حد الجزم ~~والإذعان، وذلك لا يتصور فيه زيادة ولا نقصان فالمصدق إذا اتى بالطاعات ~~أو ارتكب المعاصى فتصديقه بحاله لم يتغير أصلا، وإنما يتفاوت إذا كان ~~اسما للطاعات المتفاوتة قلة وكثرة. وذهب جماعة منهم الإمام الرازى إلى ~~أن الخلاف فى زيادة الإيمان ونقصانه وعدمها لفظى، وهو فرع تفسير ~~الإيمان، فمن فسره بالتصديق قال إنه لا يزيد ولا ينقص، ومن فسره ~~بالأعمال مع التصديق قال إنه يزيد وينقص، وعلى هذا قول البخارى " لقيت ~~أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحدا منهم يختلف فى أن ~~الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص، وهو المعنى بما روى # " عن ابن عمر أنه قال. قلنا يا رسول الله إن الإيمان يزيد وينقص، قال، ~~نعم، يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة، وينقص حتى يدخل صاحبه النار ". # ويبدو لنا أن رأى جمهور العلماء فى هذه المسألة، أولى بالقبول لأنه من ~~الواضح أن إيمان الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ارسخ وأقوى من إيمان ~~آحاد الناس، ولأنه كلما تكاثرت الأدلة كان الإيمان أشد رسوخا فى النفس ~~وأعمق أثرا فى القلب، فلا تزلزله الشبهات ولا تزعزعه العوارض والفتن. ~~ومن أوضح الأدلة على أن الإيمان يقوى بقوة البرهان إلى درجة الاطمئنان، ~~ما حكاه الله - تعالى - عن إبراهيم فى قوله # وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى ~~قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي # فهذه الآية تدل دلالة واضحة على أن مقام الطمأنينة فى الإيمان، يزيد ~~على ما دونه من الإيمان المطلق قوة وكمالا. إن إبراهيم - عليه السلام - ~~لا شك أنه كان مؤمنا عندما سأل ربه هذا السؤال، سأله ذلك لينتقل من مرتبة ~~علم اليقين ms2148 إلى مرتبة أعلى وهى مرتبة عين اليقين.. هذا، وشبيه بهذه الآية ~~فى الدلالة على قبول الإيمان للزيادة والنقصان قوله - تعالى # الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم فزادهم إيمانا # وقوله - تعالى - # هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ~~ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم # وقوله - تعالى - # وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم ~~إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم ~~مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم ~~كافرون # وقوله - تعالى - # ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما ~~وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما ~~زادهم إلا إيمانا وتسليما # إلى غير ذلك من الآيات الكريمة التى وردت فى هذا المعنى. # 4- فى هذه الآيات الكريمة تربية ربانية للمؤمنين، وتوجيه لهم إلى ما ~~يسعدهم، وإرشاد لهم إلى أن المؤمن الصادق فى إيمانه، هو الذى يجمع بين ~~سلامة العقيدة، وسلامة الخلق، وصلاح العمل، وأن المؤمن متى جمع بين هذه ~~الصفات ارتفع إلى أعلى الدرجات، وأحس بحلاوة الإيمان فى قلبه.. روى ~~الحافظ الطبرانى # " عن الحارث بن مالك الأنصارى أنه مر برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال له " كيف أصبحت يا حارث "؟ قال أصبحت مؤمنا حقا، فقال له الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - " انظر ما تقول فإن لكل شئ حقيقة، فما حقيقة إيمانك ~~"؟ فقال الحارث عزفت عن الدنيا فأسهرت ليلى، وأظمأت نهارى. وكأنى أنظر ~~إلى عرش ربى بارزا، وكأنى أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأنى أنظر ~~إلى أهل النار يتضاغون فيها، فقال - صلى الله عليه وسلم - " يا حارث عرفت ~~فالزم " ثلاثا ". # ثم أخذت السورة - بعد هذا الافتتاح المشتمل على أروع استهلال وأبلغه ~~وأحكمه...، فى الحديث عن الغزوة التى كان من ثمارها تلك الأنفال. ~~فاستعرضت مجمل أحداثها، وصورت نفوس فريق من المؤمنين الذين اشتركوا فيها ~~أكمل تصوير، استمع معى - أخى القارئ - بتدبر وتعقل إلى قوله - تعالى - { ~~كمآ أخرجك...كره المجرمون }. ### || [8.5-8] # الكاف فى قوله - تعالى - { كمآ أخرجك ربك... } بمعنى مثل، أى ~~للتشبيه وهى خبر لمبتدأ محذوف هو ms2149 المشبه، وما بعدها هو المشبه به، ووجه ~~الشبه مطلق الكراهة، وما ترتب على ذلك من خير للمؤمنين. والمعنى حال بعض ~~أهل بدر فى كراهتهم تقسيمك الغنائم بالسوية، مثل حال بعضهم فى كراهة ~~الخروج للقتال، مع ما فى هذه القسمة والقتال من خير وبركة. ونحن عندما ~~نستعرض أحداث غزوة بدر، نرى أنه قد حدث فيها أمران يدلان على عدم الرضا ~~من فريق من الصحابة، ثم أعقبهما الرضا والإذعان والتسليم لحكم الله ~~ورسوله. أما الأمر الأول فهو أن فريقا من الصحابة - وأكثرهم من الشبان - ~~كانوا يرون أن قسمة الغنائم بالسوية فيها إجحاف بحقهم، لأنهم هم الذين ~~قاموا بالنصيب الأوفر فى القتال، وأن غيرهم لم يكن له بلاؤهم - كما سبق ~~أن بينا فى أسباب نزول قوله - تعالى - # يسألونك عن الأنفال # ولكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قسم غنائم بدر بين الجميع بالسوية، ~~كما أمره الله - تعالى -. وكان هذا التقسيم خيرا للمؤمنين، إذ أصلح الله ~~به بينهم، وردهم إلى حالة الرضا والصفاء.. وأما الأمر الثانى فهو أن ~~جماعة منهم كرهوا قتال قريش بعد نجاة العير التى خرجوا من أجل الحصول ~~عليها، وسبب كراهيتهم لذلك أنهم خرجوا بدون استعداد للقتال، لا من حيث ~~العدد ولا من حيث العدد. ولكنهم استجابوا بعد قليل لما نصحهم به رسولهم - ~~صلى الله عليه وسلم - من وجوب قتال قريش،. وكان فى هذه الاستجابة نصر ~~الإسلام، ودحر الطغيان. قال ابن كثير روى الحافظ بن مردويه - بسنده - عن ~~أبى أيوب الأنصارى قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن ~~بالمدينة # " " إنى أخبرت عن عير أبى سفيان بأنها مقبلة، فهل لكم أن نخرج قبل هذه ~~العير لعل الله أن يغنمنا إياها؟ فقلنا نعم. فخرج وخرجنا فلما سرنا يوما ~~أو يومين قال لنا " ما ترون فى قتال القوم؟ إنهم قد أخبروا بخروجكم "؟ ~~فقلنا ما لنا طاقة بقتال العدو ولكننا أردنا العير، ثم قال " ما ترون فى ~~قتال القوم "؟ فقال المقداد بن عمرو إذن لا نقول لك يا رسول الله كما قال ~~بنو إسرائيل ms2150 لموسى { فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ~~هاهنا قاعدون.. } ولكن إذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ". # وفى رواية أن أبا بكر وعمر وسعد بن معاذ تكلموا بكلام سر له رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. هذا، وما قررناه قبل ذلك من أن الكاف فى قوله - ~~تعالى - { كمآ أخرجك ربك. # . } بمعنى مثل، هو ما نرجحه من بين أقوال المفسرين التى أوصلها بعضهم ~~إلى عشرين قولا. قال الجمل، قوله { كمآ أخرجك ربك.. } فيه ~~عشرون وجها، أحدهما أن الكاف نعت لمصدر محذوف تقديره الأنفال ثابتة لله ~~ثبوتا كما أخرجك ربك، أى ثبوتا بالحق كإخراجك من بيتك، يعنى أنه لا ~~مرية فى ذلك. الثانى أن تقديره وأصلحوا ذات بينكم إصلاحا كما أخرجك، وقد ~~التفت من خطاب الجماعة إلى خطاب الواحد. الثالث تقديره وأطيعوا الله ~~ورسوله طاعة ثابتة محققة كما أخرجك أى كما أن إخراج الله إياك لا مرية ~~فيه ولا شبهة. الخ. والحق أن معظم الوجوه النحوية التى ذكرها الجمل وغيره ~~من المفسرين - كأبى حيان والآلوسى - أقول إن معظم هذه الوجوه يبدو عليها ~~التكلف ومجانبة الصواب. ورحم الله صاحب الكشاف فقد أهمل أكثر ما ذكره ~~المفسرون فى ذلك، واكتفى بوجهين فقال قوله { كمآ أخرجك ربك }. ~~فيه وجهان أحدهما أن يرتفع محل الكاف على أنه مبتدأ محذوف تقديره هذه ~~الحال كحال إخراجك. يعنى أن حالهم فى كراهية ما رأيت من تنفيل الغزوة مثل ~~حالهم فى كراهة خروجك للحرب. والثانى أن ينتصب على أنه صفة مصدر الفعل ~~المقدر فى قوله # الأنفال لله والرسول # أى الأنفال استقرت لله والرسول، وثبتت مع كراهتهم ثباتا مثل ثبات إخراج ~~ربك إياك من بيتك وهم كارهون. والوجه الأول من الوجهين اللذين ذكرهما ~~صاحب الكشاف هو الذى نميل إليه، وهو الذى ذكرناه قبل ذلك بصورة أكثر ~~تفصيلا. وأضاف - سبحانه - الإخراج إلى ذاته فقال { كمآ أخرجك ~~ربك } للإشعار بأن هذا الإخراج كان بوحى منه - سبحانه - وبأنه هو ~~الراعى له فى هذا الخروج. والمراد بالبيت فى قوله { من بيتك } مسكنه ~~- صلى الله عليه وسلم ms2151 - بالمدينة أو المراد المدينة نفسها، لأنها مثواه ~~ومستقره، فهى فى اختصاصها به كاختصاص البيت بساكنه. وقوله { بالحق } ~~متعلق بقوله { أخرجك } والباء للسببية، أى أخرجك بسبب نصرة الحق، ~~وإعلاء كلمة الدين، وإزهاق باطل المبطلين. ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف ~~على أنه حال من مفعول أخرجك، وتكون الباء للملابسة، أى أخرجك إخراجا ~~متلبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل. قال الآلوسى وقوله { وإن ~~فريقا من المؤمنين لكارهون } ، أى للخروج، إما لعدم ~~الاستعداد للقتال، أو للميل للغنيمة، أو للنفرة الطبيعية عنه، وهذا مما ~~لا يدخل تحت القدرة والاختيار، فلا يرد أنه لا يليق بمنصب الصحابة. ~~والجملة فى موضع الحال، وهى حال مقدرة لأن الكراهة وقعت بعد الخروج. ~~والمعنى الإجمالى للآية الكريمة حال بعض المسلمين فى بدر فى كراهة قسمة ~~الغنيمة بالسوية بينهم، مثل حال فريق منهم فى كراهة الخروج للقتال، مع ~~أنه قد ثبت أن هذه القسمة وذلك القتال، كان فيهما الخير لهم، إذ الخير ~~فيما قدره الله وأراده، لا فيما يظنون. # وقوله - تعالى - { يجادلونك في الحق بعد ما تبين ~~كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون } حكاية لما ~~حدث من هذا الفريق الكاره للقتال، وتصوير معجز لما استبد به من خوف وفزع. ~~والمراد بقوله { يجادلونك } مجادلتهم للنبى صلى الله عليه وسلم فى ~~شأن القتال وقولهم له ما كان خروجنا إلا للعير، ولو أخبرتنا بالقتال ~~لأعددنا العدة له. والضمير يعود للفريق الذى كان كارها للقتال. والمراد ~~بالحق الذى جادلوا فيه أمر القتال الذى حضهم الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- على أن يعدوا أنفسهم له. وقوله { بعد ما تبين } متعلق { ~~يجادلونك } و { ما } مصدرية والضمير فى الفعل { تبين } يعود ~~على الحق. والمراد بتبينه إعلام الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم بأنهم ~~سينصرون على أعدائهم فقد روى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أخبرهم ~~قبل نجاة العير بأن الله وعده الظفر بإحدى الطائفتين العير أو النفير، ~~فلما نجت العير علم أن الظفر الموعود به إنما هو النفير، أى على المشركين ~~الذين استنفرهم أبو سفيان للقتال لا ms2152 على العير، أى الإبل الحاملة لأموال ~~المشركين. والمعنى يجادلك بعض أصحابك - يا محمد - { في الحق } أى فى ~~أمر القتال { بعدما تبين } أى، بعدما تبين لهم الحق بإخبارك ~~إياهم بأن النصر سيكون حليفهم، وأنه لا مفر لهم من لقاء قريش تحقيقا ~~لوعد الله الذى وعد بإحدى الطائفتين. وقوله { كأنما يساقون ~~إلى الموت وهم ينظرون } أى يكرهون القتال كراهة من يساق إلى ~~الموت، وهو ناظر إلى أسبابه، ومشاهد لموجباته. والجملة فى محل نصب على ~~الحالية من الضمير فى قوله { لكارهون }. وفى هذه الجملة الكريمة ~~تصوير معجز لما استولى على هذا الفريق من خوف وفزع من القتال يسبب قلة ~~عددهم وعددهم. وقوله { بعدما تبين } زيادة فى لومهم، لأن الجدال ~~فى الحق بعد تبينه أقبح من الجدال فيه قبل ظهوره. ثم حكى - سبحانه - ~~جانبا من مظاهر فضله على المؤمنين، مع جزع بعضهم من قتال عدوه وعدوهم، ~~وإيثارهم العير على النفير فقال { وإذ يعدكم الله إحدى ~~الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات ~~الشوكة تكون لكم }. والمراد بإحدى الطائفتين العير أو النفير، ~~والخطاب للمؤمنين. والمراد بغير ذات الشوكة العير، والمراد بذات الشوكة ~~النفير. والشوكة فى الأصل واحد الشوك وهو النبات الذى له حد، ثم استعيرت ~~للشدة والحدة. ومنه قولهم رجل شائك السلاح أى شديد قوى. والمعنى واذكروا ~~- أيها المؤمنون - وقت أن وعدكم الله - تعالى - على لسان رسوله - بأن ~~إحدى الطائفتين العير أو النفير هى لكم تظفرون بها، وتتصرفون فيها تصرف ~~المالك فى ملكه، وأنتم مع ذلك تودون وتتمنون أن تظفروا بالطائفة التى ليس ~~معها سلاح وهى العير. # وعبر - سبحانه - عن وعده لهم بصيغة المضارع { يعدكم } مع أن هذا ~~الوعد كان قبل نزول الآية، لاستحضار صورة الموعود به فى الذهن، ولمداومة ~~شكره - سبحانه - على ما وهبهم من نصر وفوز. وإنما وعدهم - سبحانه - إحدى ~~الطائفتين على الإبهام مع أنه كان يريد إحداهما وهى النفير، ليستدرجهم ~~إلى الخروج إلى لقاء العدو حتى ينتصروا عليه. وبذلك تزول هيبة المشركين ~~من قلوب المؤمنين. وقوله { إحدى } مفعول ثاني ليعد. وقوله { أنها ms2153 ~~لكم } بدل اشتمال من { إحدى } مبين لكيفية الوعد. أى يعدكم أن إحدى ~~الطائفتين كائنة لكم، ومختصة لكم، تتسلطون عليها تسلط الملاك، وتتصرفون ~~فيها كيفما شئتم. وقوله { وتودون أن غير ذات الشوكة ~~تكون لكم } معطوف على قوله { يعدكم } أى وعدكم - سبحانه - ~~إحدى الطائفتين بدون تحديد لإحداهما، وأنتم تحبون ان تكون لكم طائفة ~~العير التى لا قتال فيها يذكر، على طائفة النفير التى تحتاج منكم إلى ~~قتال شديد، وإلى بذل للمهج والأرواح. وفى هذه الجملة تعريض بهم، حيث ~~كرهوا القتال، وأحبوا المال، وما هكذا يكون شأن المؤمنين الصادقين. ثم ~~بين لهم - سبحانه - أنهم وإن كانوا يريدون العير، إلا أنه - سبحانه - ~~يريد لهم النفير، ليعلو الحق، ويزهق الباطل، فقال { ويريد الله ~~أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين }. ~~أى ويريد الله بوعده غير ما أردتم. { أن يحق الحق بكلماته ~~} أى أن يظهر الحق ويعلمه بآياته المنزلة على رسوله، وبقضائه الذى لا ~~يتخلف، وأن يستأصل الكافرين ويذلهم، ويقطع دابرهم أى آخرهم الذى يدبرهم. ~~والدابر التابع من الخلف، يقال دبر فلان القوم يدبرهم دبورا، إذا كان ~~آخرهم فى المجئ، والمراد أنه سبحانه يريد أن يستأصلهم استئصالا. وقد هلك ~~فى غزوة بدر عدد كبير من صناديد قريش الذين كانوا يحاربون الإسلام، ~~ويستهزئون بتعاليمه. قال صاحب الكشاف فى معنى الآية الكريمة، قوله { ~~ويريد الله أن يحق الحق بكلماته... } يعنى أنكم ~~تريدون العاجلة وسفساف الأمور، وأن لا تلقوا ما يرزؤكم فى أبدانكم ~~وأموالكم، والله - عز وجل - يريد معالى الأمور، وما يرجع إلى عمارة ~~الدين، ونصرة الحق، وعلو الكلمة والفوز فى الدارين، وشتان ما بين ~~المرادين ولذلك اختار لكم الطائفة ذات الشوكة، وكسر قوتهم بضعفكم، وغلب ~~كثرتهم بقلتكم، وأعزكم وأذلهم، وحصل لكم مالا تعارض أدناه العير وما فيها ~~". ثم بين - سبحانه - الحكمة فى اختيار ذات الشوكة لهم، ونصرتهم عليهم ~~فقال { ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره ~~المجرمون }. أى فعل ما فعل من النصرة والظفر بالأعداء { ليحق ~~الحق } أى ليثبت الدين الحق دين الإسلام { ويبطل الباطل } ~~أى ويمحق الدين الباطل ms2154 وهو ما عليه المشركون من كفر وطغيان. # وقوله { ولو كره المجرمون } بيان لنفاذ إرادته - سبحانه - ~~أى اقتضت إرادته أن يعز الدين الحق وهو دين الإسلام، وأن يمحق ما سواه، ~~ولو كره المشركون ذلك، لأن كراهيتهم لا وزن لها، ولا تعويل عليها.. وبهذا ~~يتبين أنه لا تكرار بين الآيتين السابقتين، لأن المراد بإحقاق الحق فى ~~قوله - تعالى - { ويريد الله أن يحق الحق بكلماته } ~~إعلاؤه وإظهاره ونصرته عن طريق قتال المؤمنين للمشركين. والمراد بإحقاق ~~الحق فى قوله بعد ذلك فى الآية الثانية { ليحق الحق ويبطل ~~الباطل } تثبيت دين الإسلام وتقويته وإظهار شريعته، ويمحق دين ~~الكفر. فكان ما اشتملت عليه الآية الأولى هو الوسيلة والسبب وما اشتملت ~~عليه الآية الثانية هو المقصد والغاية. وقد بسط هذا المعنى الإمام ~~الرازى فقال ما ملخصه فإن قيل أليس قوله { ويريد الله أن يحق ~~الحق بكلماته } ثم قوله بعد ذلك { ليحق الحق } تكرارا ~~محضا، فالجواب ليس ههنا تكرير لأن المراد بالأول سبب ما وعد به فى هذه ~~الواقعة من النصر والظفر بالأعداء، والمراد بالثانى تقوية القرآن والدين ~~ونصرة هذه الشريعة، لأن الذى وقع من المؤمنين يوم بدر بالكافرين، كان ~~سببا لعزة الدين وقوته، ولهذا السبب قرنه بقوله { ويبطل الباطل ~~} الذى هو الشرك، وذلك فى مقابلة { الحق } الذى هو الدين والإيمان. ~~وإلى هنا نرى السورة الكريمة قد حدثتنا فى الأربع الآيات الأولى منها عن ~~حكم الله - تعالى - فى غنائم بدر بعد أن اختلف بعض المؤمنين فى شأنها، ~~وعن صفات المؤمنين الصادقين الذين يستحقون من الله - تعالى - أرفع ~~الدرجات. ثم حدثتنا فى الأربع الآيات الثانية منها عن حال بعض المؤمنين ~~عندما دعاهم النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى قتال أعدائهم، وعن ~~مجادلتهم له فى ذلك، وعن إيثارهم المال على القتال، وعن إرادة ما هو خير ~~لهم فى دنياهم وآخرتهم، وفى ذلك ما فيه من العبر والعظات لقوم يعقلون. ثم ~~ساق - سبحانه - بعض مظاهر تدبيره المحكم فى هذه الغزوة، وبعض النعم التى ~~أنعم بها على المؤمنين، وبعض البشارات التى تقدمت ms2155 تلك الغزوة أو صاحبتها، ~~والتى كانت تدل دلالة واضحة على أن النصر سيكون للمسلمين فقال - تعالى - ~~{ إذ تستغيثون..عذاب النار }. ### || [8.9-14] # قال القرطبى قوله - تعالى - { إذ تستغيثون ربكم } ~~الاستغاثة طلب الغوث والنصر، يقال غوث الرجل، أى قال واغوثاه، والاسم ~~الغوث والغواث، واستغاثنى فلان فأغثته، والاسم الغياث. وقوله { ~~ممدكم } من الإمداد بمعنى الزيادة والإغاثة، وقد جرت عادة القرآن ~~أن يستعمل الإمداد فى الخير، وأن يستعمل المد فى الشر والذم. قال - ~~تعالى - # واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون أمدكم ~~بأنعام وبنين وجنات وعيون # وقال - تعالى - # ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم ~~بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا # قال - تعالى - # قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن ~~مدا # وقال - تعالى - # الله يستهزىء بهم ويمدهم في طغيانهم ~~يعمهون # وقوله { مردفين } من الإرداف بمعنى التتابع. قال الفخر الرازى قرأ ~~نافع وأبو بكر عن عاصم { مردفين } - بفتح الدال - وقرأ الباقون ~~بكسرها، والمعنى على الكسر، أى متتابعين يأتى بعضهم فى إثر البعض كالقوم ~~الذين أردفوا على الدواب. والمعنى على قراءة الفتح، أى فعل بهم ذلك، ~~ومعناه أن الله - تعالى - أردف المسلمين وأمدهم بهم أى جعلهم خلف ~~المسلمين لتقويتهم. والمعنى اذكروا - أيها المؤمنون - وقت أن كنتم - ~~وأنتم على أبواب بدر - { تستغيثون ربكم } أى تطلبون منه الغوث ~~والنصر على عدوكم { فاستجاب لكم } دعاءكم، وكان من مظاهر ذلك أن ~~أخبركم على لسان نبيكم - صلى الله عليه وسلم - بأنى { ممدكم } أى ~~معينكم وناصركم بألف من الملائكة مردفين، أى متتابعين، بعضهم على إثر ~~بعض، أو أن الله - تعالى - جعلهم خلف المسلمين لتقويتهم وتثبيتهم. ويروى ~~الإمام مسلم عن ابن عباس قال # " حدثنى عمر بن الخطاب قال كان يوم بدر، نظر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، فاستقبل ~~نبى الله - القبلة، ثم مد يديه فجعل يهتف بربه ويقول اللهم أنجز لى ما ~~وعدتنى، اللهم أنجز لى ما وعدتنى، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل ~~الإسلام لا تعبد فى الأرض، فما زال يهتف بربه مادا يديه حتى ms2156 سقط رداؤه ~~عن منكبيه. فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ~~وراءه، وقال يا نبى الله!! كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. ~~فأنزل الله - عز وجل - { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب ~~لكم } " # الآية فأمده الله بالملائكة. وروى البخارى عن ابن عباس قال قال النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - يوم بدر، # " اللهم أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد، فأخذ أبو بكر بيده، ~~فقال حسبك، فخرج - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول " سيهزم الجمع ويولون ~~الدبر " ". # وروى سعيد بن منصور عن طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال # " لما كان يوم بدر نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المشركين ~~وتكاثرهم، وإلى المسلمين فاستقلهم، فركع ركعتين وقام أبو بكر عن يمينه، ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو فى صلاته " اللهم لا تودع منى ~~اللهم لا تخذلنى، اللهم لا تترنى - أى لا تقطعنى عن أهلى وأنصارى - أولا ~~تنقصنى شيئا من عطائك - اللهم أنشدك ما وعدتنى - أى أستنجزك وعدك ". # وروى ابن إسحاق فى سيرته أنه - صلى الله عليه وسلم - قال اللهم هذه قريش ~~قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذى وعدتنى. ~~فإن قيل إن هذه النصوص يؤخذ منها أن هذه الاستغاثة كانت من رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فلماذا أسندها القرآن إلى المؤمنين؟ فالجواب أن ~~المؤمنين كانوا يؤمنون على دعائه - صلى الله عليه وسلم - ويتأسون به فى ~~الدعاء، إلا أن الروايات ذكرت دعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لأنه ~~هو قائد المؤمنين، وهو الذى يحرص الرواة على نقل دعائه، أكثر من حرصهم ~~على نقل دعاء غيره من أصحابه. وقيل إن الضمير فى قوله { تستغيثون } ~~للرسول - صلى الله عليه وسلم -، وجئ به مجموعا على سبيل التعظيم، ويعكر ~~على هذا القبل أن السياق بعد ذلك لا يلتئم معه، لأنه خطاب للمؤمنين ~~بالنعم التى أنعم بها - سبحانه - عليهم. وعبر - سبحانه - بالمضارع { ~~تستغيثون } مع أن استغاثتهم كانت قبل نزول الآية - استحضارا للحال ms2157 ~~الماضية، حتى يستمروا على شكرهم لله، ولذلك عطف عليه. فاستجاب لكم، بصيغة ~~الماضى مسايرة للواقع. وكان العطف بالفاء للإشعار بأن إجابة دعائهم كانت ~~فى أعقاب تضرعهم واستغائتهم وهذا من فضل الله عليهم، ورحمته بهم، حيث ~~أجارهم من عدوهم، ونصرهم عليه - مع قلتهم عنه - نصرا مؤزرا. والسين ~~والتاء فى قوله { تستغيثون } للطلب، أى تطلبون منه الغوث بالنصر. ~~فإن قيل إن الله - تعالى - ذكر هنا أنه أمدهم بألف من الملائكة، وذكر فى ~~سورة آل عمران أنه أمدهم بأكثر من ذلك فكيف الجمع بينهما؟ فالجواب أن ~~الله - تعالى - أمد المؤمنين بألف من الملائكة فى يوم بدر، كما بين هنا ~~فى سورة الأنفال، ثم زاد عددهم إلى ثلاثة آلاف كما قال - تعالى - فى سورة ~~آل عمران # ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا ~~الله لعلكم تشكرون إذ تقول للمؤمنين ألن ~~يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من ~~الملائكة منزلين... # ثم زاد عددهم مرة أخرى إلى خمسة آلاف، قال - تعالى - # بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم ~~هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة ~~مسومين # وقد صبروا واتقوا وأتاهم المشركون من مكة فورا حين استنفرهم أبو سفيان ~~لإنقاذ العير.. فكان المدد خمسة آلاف.. واختار ابن جرير أنهم وعدوا ~~بالمدد بعد الألف، ولا دلالة فى الآيات على أنهم أمدوا بما زاد على ذلك، ~~ولا على أنهم لم يمدوا، ولا يثبت شئ من ذلك إلا بنص. وهذا بناء على أن ~~المدد الذى وعد الله به المؤمنين فى آيات سورة آل عمران كان خاصا بغزوة ~~بدر. أما على الرأى القائل بأن هذا المدد الذى بتلك الآيات كان خاصا ~~بغزوة أحد فلا يكون هناك إشكال بين ما جاء فى السورتين. وقد بسط القول فى ~~هذه المسألة الإمام ابن كثير فقال ما ملخصه " اختلف المفسرون فى هذا ~~الوعد هل كان يوم بدر أو يوم أحد على قولين أحدهما أن قوله - تعالى - # إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ~~ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة # متعلق بقوله # ولقد نصركم الله ببدر # وهذا ms2158 قول الحسن والشعبى والربيع بن أنس وغيرهم... فإن قيل فكيف الجمع ~~بين هذه الآيات - التى فى سورة آل عمران وبين قوله فى سورة الأنفال - { ~~إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم ~~بألف من الملائكة مردفين }. فالجواب أن التنصيص على ~~الألف هنا، لا ينافى الثلاثة الآلاف فما فوقها لقوله - تعالى - { ~~مردفين } بمعنى يردفهم غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم. قال الربيع بن ~~أنس أمد الله المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف ". ~~والقول الثانى يرى أصحابه أن هذا الوعد - وهو قوله - تعالى - # إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ~~ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة # متعلق بقوله - قبل ذلك - # وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد ~~للقتال # وذلك يوم أحد. وهو قول مجاهد، وعكرمة، والضحاك، وغيرهم. لكن قالوا لم ~~يحصل الإمداد بالخمسة الآلاف، لأن المسلمين يومئذ فروا. وزاد عكرمة ولا ~~بالثلاثة الآلاف لقوله - تعالى # بلى إن تصبروا وتتقوا # فلم يصبروا بل فروا فلم يمدوا بملك واحد. ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر ~~فضله عليهم ورحمته بهم فى هذا الإمداد فقال { وما جعله الله ~~إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر ~~إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم } فالآية ~~الكريمة كلام مستأنف ساقه - سبحانه - لبيان بعض مظاهر فضله على المؤمنين، ~~ولبيان أن المؤثر الحقيقى هو الله وحده حتى يزدادوا ثقه به، وحتى لا ~~يقنطوا من النصر عند قلة أسبابه. أى وما جعل الله - تعالى - هذا الإمداد ~~بالملائكة إلا بشارة لكم - أيها المؤمنون - بالنصر على أعدائكم فى هذه ~~الغزوة الحاسمة وقوله { بشرى } مفعول لأجله مستثنى من أعم العلل. # وقوله { ولتطمئن به قلوبكم } معطوف عليه أى ولتسكن بهذا ~~الإمداد قلوبكم، ويزول عنكم الخوف، وتهاجموا أعداءكم بنفوس لا يداخلها ~~الإحجام أو التردد... وقوله { وما النصر إلا من عند ~~الله } أى ليس النصر بالملائكة أو غيرهم إلا كائن من عند الله وحده، ~~لأنه - سبحانه - هو الخالق لكل شئ، والقادر على كل شئ.. وإن الوسائل مهما ~~عظمت، والأسباب مهما كثرت، لا تؤدى إلى النتيجة المطلوبة والغاية ms2159 ~~المرجوة، إلا إذا أيدتها إرادة الله وقدرته ورعايته. وقوله { إن ~~الله عزيز حكيم } أى غالب لا يقهره شئ، ولا ينازعه منازع حكيم ~~فى تدبيره وأفعاله. فالجملة الكريمة بتذييل قصد به التعليل لما قبله، ~~وفيه إشعار بأن النصر الواقع على الوجه المذكور من مقتضيات حكمته البالغة ~~- سبحانه -. ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك بعض المنن الأخرى التى منحها ~~للمؤمنين قبل أن يلتحموا مع أعدائهم فى بدر فقال { إذ يغشيكم ~~النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السمآء ~~مآء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان ~~وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام }. وقوله ~~{ يغشيكم } بتشديد الشين من التغشية بمعنى التغطية عن غشاه تغشية ~~أى غطاه. والنعاس أول النوم قبل أن يثقل. وفعله - على الراجح - على وزن ~~منع. والأمنة مصدر بمعنى الأمن. وهو طمأنينة القلب وزوال الخوف، يقال ~~أمنت من كذا أمنة وأمنا وأمانا بمعنى. قال الجمل فى قوله { إذ يغشاكم ~~النعاس } ثلاث قراءات سبعية. الأولى يغشاكم كيلقاكم، من غشية إذا أتاه ~~وأصابه وفى المصباح غشيته أغشاه من باب تعب بمعنى أتيته - وهى قراءة أبى ~~عمرو وابن كثير. الثانية يغشيكم - بإسكان الغين وكسر الشين - من ~~أغشاه. أى أنزله بكم وأوقعه عليكم - وهو قراءة نافع -. الثالثة يغشيكم - ~~بتشديد الشين وفتح الغين وهى قراءة الباقين - من غشاه تغشية بمعنى غطاه. ~~أى يغشيكم الله النعاس أى يجعله عليكم كالغطاء من حيث اشتماله عليكم. ~~والنعاس على القراءة الأولى مرفوع على الفاعلية، وعلى الأخيرتين منصوب ~~على المفعولية. وقوله " أمنة " حال أو مفعول لأجله. وقال القرطبى وكان ~~هذا النعاس فى الليلة التى كان القتال من غدها، فكان النوم عجيبا مع ما ~~كان بين أيديهم من الأمر المهم، ولكن الله ربط جأشهم. وعن على - رضى الله ~~عنه - قال ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد على فرس أبلق، ولقد ~~رأيتنا وما فينا إلا نائم سوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت شجرة ~~يصلى حتى أصبح. وفى امتنان الله عليهم بالنوم فى هذه الليلة وجهان - ~~أحدهما أن قواهم بالاستراحة على القتال من ms2160 الغد. # الثانى أن أمنهم بزوال الرعب فى قلوبهم كما يقال الأمن منيم، والخوف ~~مسهر ". وقال ابن كثير وجاء فى الصحيح # " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما كان يوم بدر فى العريش مع ~~الصديق، وهما يدعوان، أخذت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنة من ~~النوم. ثم استيقظ متبسما، فقال " أبشر يا أبا بكر، هذا جبريل على ثناياه ~~النقع ". ثم خرج من باب العريش وهو يتلو قول الله - تعالى - { سيهزم ~~الجمع ويولون الدبر } ". # والمعنى واذكروا - أيها المؤمنون - أيضا، وقت أن كنتم متعبين وقلقين ~~على مصيركم فى هذه المعركة، فألقى الله عليكم النعاس، وغشاكم به قبل ~~التحامكم بأعدائكم، ليكون أمانا لقلوبكم، وراحة لأبدانكم، وبشارة خير ~~لكم. هذا، ومن العلماء الذين تكلموا عن نعمة النعاس التى ساقها الله ~~للمؤمنين قبل المعركة، الإمامان الرازى ومحمد عبده. أما الامام الرازى ~~فقد قال ما ملخصه واعلم أن كل نوم ونعاس لا يحصل إلا من قبل الله - تعالى ~~- فتخصيص هذا النعاس بأنه من الله لا بد فيه من مزيد فائدة، وذكروا فى ~~ذلك وجوها منها أن الخانف إذا خاف من عدوه فإنه لا يأخذه النوم، وإذا نام ~~الخائفون أمنوا. فصار حصول النوم لهم فى وقت الخوف الشديد، يدل على إزالة ~~الخوف وحصول الأمن. ومنها أنهم ما ناموا نوما غرقا يتمكن مع العدو من ~~معافصتهم، بل كان ذلك نعاسا يزول معه الإعياء والكلال، ولو قصدهم العدو ~~فى هذه الحالة لعرفوا وصوله، ولقدروا على دفعه. ومنها أنه غشيهم هذا ~~النعاس دفعة واحدة مع كثرتهم، وحصول النعاس للجمع العظيم فى الخوف الشديد ~~أمر خارق للعادة. فلهذا السبب قيل إن ذلك النعاس كان فى حكم المعجز. وقال ~~الامام محمد عبده لقد مضت سنة الله فى الخلق، بأن من يتوقع فى صبيحة ~~ليلته هو لا كبيرا، ومصابا عظيما، فإنه يتجافى تجنبه عن مضجعه فيصبح ~~خاملا ضعيفا. وقد كان المسلمون يوم بدر يتوقعون مثل ذلك، إذ بلغهم أن ~~جيشا يزيد على عددهم ثلاثة أضعاف سيحاربهم غدا فكان من مقتضى العادة أن ms2161 ~~يناموا على بساط الأرض والسهاد.. ولكن الله رحمهم بما أنزل عليهم من ~~النعاس غشيهم فناموا، واثقين بالله، مطمئنين لوعده، وأصبحوا على همة ~~ونشاط فى لقاء عدوهم وعدوه... فالنعاس لم يكن يوم بدر فى وقت الحرب بل ~~قبلها ". وبذلك نرى أن النعاس الذى أنزله الله تعالى - على المؤمنين قبل ~~لقائهم بأعدائهم فى بدر كان نعمة عظيمة ومنه جليلة. وقوله - تعالى - { ~~وينزل عليكم من السمآء مآء ليطهركم به } ~~معطوف على قوله { يغشيكم } وهو - أى إنزال الماء من السماء نعمة ~~عظمى تحمل فى طياتها نعما وسننا. # أولها يتجلى فى هذه الجملة الكريمة، أنه - سبحانه - أنزل على المؤمنين ~~المطر من السماء ليطهرهم به من الحدثين الأصغر والأكبر، فإن المؤمن - كما ~~يقول الإمام الرازى - " يكاد يستقذر نفسه إذا كان جنبا، وبغتم إذا لم ~~يتمكن من الاغتسال، ويضطرب قلبه لأجل هذا السبب ". وثانيها قوله - تعالى ~~- ويذهب عنكم رجز الشيطان. وأصل الرجز الاضطراب ويطلق على كل ما تشتد ~~مشقته على النفوس. قال الراغب أصل الرجز الاضطراب، ومنه قيل رجز البعير ~~رجزا فهو أرجز، وناقة رجزاء إذا تقارب خطوها واضطرب لضعفها.. " والمراد ~~برجز الشيطان وسوسته للمؤمنين، وتخويفه إياهم من العطش وغيره عند فقدهم ~~الماء وإلقاؤه الظنون السيئة فى قلوبهم. أى أنه - سبحانه - أنزل عليكم ~~الماء - أيها المؤمنون - ليطهركم به تطهيرا حسيا وليزيل عنكم وسوسة ~~الشيطان، بتخويفه إياكم من العطش وبإلقائه فى نفوسكم الظنون والأوهام.. ~~وهذا هو التطهير الباطنى. وثالثها قوله - تعالى - { وليربط على ~~قلوبكم } أى وليقويها بالثقة فى نصر الله، وليوطنها على الصبر ~~والطمأنينة.. ولا شك أن وجود الماء فى حوزة المحاربين يزيدهم قوة على ~~قوتهم، وثباتا على ثباتهم، أما فقده فإنه يؤدى إلى فقد الثقة ~~والاطمئنان، بل وإلى الهزيمة المحققة. وأصل الربط الشد. ويقال لكل من صبر ~~على أمر ربط قلبه عليه، أى حبس قلبه عن أن يضطرب أو يتزعزع، ومنه قولهم ~~رجل رابط الجأش أى ثابت متمكن. ورابع هذه النعم التى تولدت عن نزول الماء ~~من السماء على المؤمنين، قبل خوضهم معركة بدر، يتجلى فى قوله ms2162 - تعالى - { ~~ويثبت به الأقدام }. أى أنه - سبحانه - أنزل عليهم المطر قبل ~~المعركة لتطهيرهم حسيا ومعنويا، ولتقويتهم وطمأنينتهم، وليثبت أقدامهم ~~به حتى لا تسوخ فى الرمال، وحتى يسهل المشى عليها، إذ من المعروف أنه من ~~العسير المشى على الرمال، فإذا ما نزلت عليها الأمطار جمدت وسهل السير ~~فوقها، وانطفأ غبارها.. فالضمير فى قوله { به } يعود على الماء المنزل ~~من السماء. قال الزمخشرى ويجوز أن يعود للربط - فى قوله { وليربط ~~على قلوبكم } ، لأن القلب إذا تمكن فيه الصبر والجراءة ثبتت ~~القدم فى مواطن القتال. هذا، وقد وردت آثار متعددة توضح ما اشتملت عليه ~~هذه الآية الكريمة من نعم جليلة، ومن ذلك ما جاء عن ابن عباس أنه قال نزل ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - يعنى حين سار إلى بدر - والمسلمون بينهم ~~وبين الماء رملة دعصة - أى كثيرة مجتمعة - فأصاب المسلمين ضعف شديد، ~~وألقى الشيطان فى قلوبهم الغيظ، فوسوس بينهم، تزعمون أنكم أولياء الله ~~وفيكم رسوله، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلون مجنبين؟ فأمطر ~~الله عليهم مطرا شديدا، فشرب المسلمون وتطهروا، وأذهب الله عنهم رجز ~~الشيطان وثبت الرمل حين أصابه المطر، ومشى الناس عليه والدواب، فساروا ~~إلى القوم. # . " وعن عروة بن الزبير قال بعث الله السماء وكان الوادى دهسا فأصاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ما لبد لهم الأرض ولم يمنعهم ~~من المسير، وأصاب قريشا ما لم يقدروا على أن يرحلوا معه ". ومن هذا القول ~~المنقول عن عروة - رضى الله عنه - نرى أن المطر كان خيرا للمسلمين، وكان ~~شرا على الكافرين، لأن المسلمين كانوا فى مكان يصلحه المطر، بينما كان ~~المشركون فى مكان يؤذيهم فيه المطر. ثم ذكرهم بنعمة أخرى كان لها أثرها ~~العظيم فى نصرهم على المشركين فقال - سبحانه - { إذ يوحي ربك ~~إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا ~~سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا ~~فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان }. والبنان - ~~كما يقول القرطبى - واحده بنانه. وهى هنا الأصابع وغيرها من الأعضاء.. ~~وهو - أى البنان - مشتق من ms2163 قولهم أبن الرجل بالمكان إذا أقام به. ~~فالبنان يعتمل به ما يكون للإقامة والحياة. وقيل المراد بالبنان هنا ~~أطراف الأصابع من اليدين والرجلين، وهو عبارة عن الثبات فى الحرب وموضع ~~الضرب، فإذا ضربت البنان تعطل من المضروب القتال بخلاف سائر الأعضاء.. ~~وذكر بعضهم أنها سميت بنانا لأن بها صلاح الأحوال التى بها يستقر ~~الإنسان.. والمعنى واذكر - أيها الرسول الكريم - وقت أن أوحى ربك إلى ~~الملائكة الذين أمد بهم المسلمين فى بدر { أني معكم } أى بعونى ~~وتأييدى { فثبتوا الذين آمنوا } أى فقووا قلوبهم، واملأوا ~~نفوسهم ثقة بالنصر، وصححوا نياتهم فى القتال حتى تكون غايتهم إعلاء كلمة ~~الله. قال الآلوسى والمراد بالتثبيت الحمل على الثبات فى موطن الحرب ~~والجد فى مقاساة شدائد القتال. وكان ذلك هنا - فى قول - بظهورهم لهم فى ~~صورة بشرية يعرفونها، ووعدهم إياهم النصر على أعدائهم، فقد أخرج البيهقى ~~فى الدلائل أن الملك كان يأتى الرجل فى صورة الرجل يعرفه فيقول له أبشروا ~~فإنهم ليسوا بشئ، والله معكم. كروا عليهم. وقال الزجاج كان بأشياء ~~يلقونها فى قلوبهم تصح بها عزائمهم ويتأكد جدهم. وللملك قوة إلقاء الخير ~~فى القلب ويقال له إلهام، كما أن للشيطان قوة إلقاء الشر ويقال له وسوسة. ~~وقوله - تعالى - { سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ~~} بشارة عظيمة للمؤمنين. أى سأملأ قلوب الكافرين بالخوف والفزع منكم - ~~أيها المؤمنون -، وسأقذف فيها الهلع والجزع حتى تتمكنوا منهم. والرعب ~~انزعاج النفس وخوفها من توقع مكروه، وأصله التقطيع من قولهم رعبت السنام ~~ترعيبا إذا قطعته مستطيلا، كأن الخوف يقطع الفؤاد. # وقوله { فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل ~~بنان } الخطاب فيه للمؤمنين، وقيل، للملائكة. والمراد بما فوق الأعناق ~~الرءوس كما روى عن عطاء وعكرمة. أو المراد بها الأعناق ذاتها فتكون فوق ~~بمعنى على وهو قول أبى عبيدة. ويرى صاحب الكشاف أن المراد بما فوق ~~الأعناق أعالى الأعناق التى هى المذابح، لأنها مفاصل، فكان إيقاع الضرب ~~فيها جزا وتطييرا للرءوس. والمراد بالبنان - كما سبق أن بينا - الأصابع ~~أو مطلق الأطراف. والمعنى لقد أعطيتكم ms2164 - أيها المؤمنون - من وسائل النصر ~~ما أعطيتكم، فهاجموا أعدائى واعداءكم بقوة وغلظة، واضربوهم على أعناقهم ~~ورءوسهم ومواضع الذبح فيهم. واضربوهم على كل أطرافهم حتى تشلوا حركتهم، ~~فيصبحوا عاجزين عن الدفاع عن أنفسهم. ثم بين سبحانه - السبب فى تكليفه ~~المؤمنين بمجاهدة الكافرين والإغلاظ عليهم وقتلهم. فقال - تعالى - { ~~ذلك بأنهم شآقوا الله ورسوله ومن يشاقق ~~الله ورسوله فإن الله شديد العقاب }. فاسم ~~الإشارة { ذلك } يعود إلى ما سبق بيانه من تأييد المؤمنين، وأمرهم ~~بضرب الكافرين.. وهو فى محل رفع على الابتداء. وقوله { بأنهم... } ~~خبره. والباء للسببية. وقوله { شآقوا } من المشاقة بمعنى المخالفة ~~والمعاداة مشتقة من الشق - أى الجانب -، فكل واحد من المتعاديين أو ~~المتخالفين صار فى شق غير شق صاحبه. والمعنى ذلك الذى ذكره الله - تعالى ~~- فيما سبق، من تأييده للمؤمنين وأمره إياهم بضرب الكافرين، سببه أن ~~هؤلاء الكافرين { شآقوا الله ورسوله } أى عاد وهما وخالفوا ~~شرعهما { ومن يشاقق الله ورسوله } بأن يسير فى غير الطريق ~~الذى أمرا به، { فإن الله شديد العقاب } لهذا المعادى ~~والمخالف. قال الآلوسى وقوله { فإن الله شديد العقاب } إما ~~نفس الجزاء، وقد حذف منه العائد عند من يكتفى ولا يلتزم بالعائد فى ~~الربط. أى شديد العقاب له. أو قائم مقام الجزاء المحذوف أى يعاقبه الله - ~~تعالى - فإن الله شديد العقاب. وأياما كان فالشرطية بيان للسببية السابقة ~~بطريق برهانى. كأنه قيل ذلك العقاب الشديد بسبب المشاقة لله - تعالى - ~~ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - وكل من يشاقق الله ورسوله كائنا من كان، ~~فله بسبب ذلك عقاب شديد، فإن لهم بسبب مشاقة الله ورسوله عقابا شديدا. ثم ~~يوجه - سبحانه - خطابه على سبيل الالتفات لأولئك الذين شاقوا الله ~~ورسوله، متوعدا إياهم بسوء المصير فيقول { ذلكم فذوقوه وأن ~~للكافرين عذاب النار } فاسم الإشارة { ذلكم } يعود إلى ~~ما سبق بيانه من تأييد المؤمنين، وخذلان الكافرين وإنزال العقوبة بهم. أى ~~ذلكم الذى نزل بكم - أيها الكافرون - من القتل والأسر فى بدر، هو العقاب ~~المناسب لطغيانكم وشرككم وعنادكم، فذوقوا آلامه، وتجرعوا غصصه، وعيشوا فى ~~مذلته. ms2165 هذا فى الدنيا، أما فى الآخرة فلكم عذاب النار الذى هو أشد وأبقى ~~من عذاب الدنيا. # فاتركوا الكفر، وادخلوا فى الإيمان لتنجوا من العذاب وتنالوا الثواب. ~~قال الجمل ما ملخصه وقوله { ذلكم فذوقوه... } يجوز فيه وجوه من ~~الأعراب أحدها أن يرفع بالابتداء والخبر محذوف أى ذلكم العقاب. الثانى أن ~~يرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أى العقاب ذلكم أو الأمر ذلكم وعلى هذين ~~الوجهين يكون قوله { فذوقوه } لا تعلق له بما قبله من جهة الاعراب ~~فهو مستأنف، والوقف يتم على قوله { ذلكم } الثالث أن يرتفع ~~بالابتداء. والخبر قوله { فذوقوه } وهذا على رأى الأخفش. وقوله { ~~وأن للكافرين عذاب النار } معطوف على قوله { ذلكم } ~~أو منصوب على أنه مفعول معه، والمعنى ذوقوا ما عجل لكم مع ما أجل لكم فى ~~الآخرة، ووضع الظاهر فيه موضع المضمر - بأن قال { فذوقوه وأن ~~للكافرين } ولم يقل فذوقوه وأن لكم - للدلالة على أن الكفر سبب ~~للعذاب الآجل أو للجمع بينهما. ومن هذا نرى أن تلك الآيات الكريمة قد ~~ذكرت المؤمنين الذين اشتركوا فى غزوة بدر بألوان من نعم الله عليهم، ~~وبأنواع من البشارات التى كانت تدل على أن النصر سيكون لهم. 1- ذكرتهم ~~بوعد الله لهم بأن إحدى الطائفتين العير أو النفير ستكون لهم، وقد وفى ~~لهم - سبحانه - بوعده، حيث جعل النصر لهم، ومن أوفى بعهده من الله؟ 2- ~~وذكرتهم بإجابة الله لدعائهم، حيث أمدهم بألف من الملائكة مردفين. 3- ~~وذكرتهم بالنعاس الذى ألقاه - سبحانه - عليهم قبل المعركة، ليكون أمانا ~~لهم، وراحة لأبدانهم. 4- وذكرتهم بنزول المطر عليهم من السماء ليكون ~~طهارة ظاهرية وباطنية لهم، وليكون طمأنينة لقلوبهم، وتثبيتا لأقدامهم. ~~5- وذكرتهم بأمر الله لملائكته أن يثبتوهم، بأن يغرسوا فى قلوبهم الثقة ~~فى نصر الله لهم، والاستهانة بقوة أعدائهم. 6- وذكرتهم بما ألقاه - ~~سبحانه - فى قلوب الكافرين من رعب وفزع وجزع، جعلهم ينهزمون أمامهم. 7- ~~وذكرتهم بأن ما أصاب أعداء الله وأعداءهم من قتل وأسر وخسران كان سببه ~~كفرهم وعنادهم وإيثارهم سبيل الغى على سبيل الرشد، وأنهم - إذا استمروا ~~فى كفرهم - فسيلقون فى ms2166 الآخرة عذابا أشد وأبقى مما نزل بهم فى الدنيا. ~~ولا شك أن هذا التذكير من مقاصده الأساسية حض المؤمنين على الاستجابة لله ~~ولرسوله وعلى مداومة الشكر لخالقهم، فهو - سبحانه - الذى منحهم هذه النعم ~~الجزيلة التى تمكنوا معها من رقاب أعدائهم، وهو الذى جعلهم يغنمون كل هذه ~~الغنائم بعد أن خرجوا من ديارهم بلا مال ولا ظهر ولا عتاد. هذا، ومن ~~الخير قبل أن ننتقل من هذه الآيات إلى غيرها، أن نتكلم بشئ من التفصيل عن ~~مسألة كثر الحديث عنها. وهذه المسألة هى ماذا كانت وظيفة الملائكة فى ~~بدر؟ أكانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين فحسب أم أنهم بجانب هذا التثبيت ~~قاتلوا فعلا؟ إننا بمطالعتنا لما كتبه الكاتبون عن هذه المسألة نراهم فى ~~كتاباتهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام أ أما القسم الأول منهم، فيرى أن ~~الملائكة فى غزوة بدر لم تكن وظيفتهم التثبيت فحسب، وإنما هم قاتلوا مع ~~المؤمنين فعلا، ويستدلوا على ذلك بأدلة من أهمها 1- ما جاء عن ابن عباس - ~~رضى الله عنهما - أنه قال بينما رجل من المسلمين يشتد فى إثر رجل من ~~المشركين أمامه. # إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وقائلا يقول أقدم حيزوم، فخر المشرك مستلقيا ~~فنظر إليه فإذا هو قد حطم وشق وجهه. فجاء فحدث رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة. 2- وجاء عنه أنه قال - ~~أيضا - كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضاء، ويوم أحد عمائم خضراء، ~~ولم تقاتل الملائكة فى يوم سوى بدر وكانوا فيما سواه عددا ومددا. 3- وعن ~~أبى داود المزنى قال تبعت رجلا من المشركين لأضربه يوم بدر. فوقع رأسه ~~بين يدى قبل أن يصل إليه سيفى. 4- وروى عن عبد الله بن مسعود أن أبا جهل ~~سأله يوم بدر من أين كان ذلك الصوت الذى كنا نسمعه ولا نرى شخصا؟ فقال ~~من الملائكة، فقال له أبو جهل هم إذن غلبونا لا أنتم. 5- وقال القرطبى ~~وتظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت يوم بدر وقاتلت. ومن ذلك قول أبى ~~أسيد مالك بن ms2167 ربيعة وكان شهد بدرا لو كنت معكم الآن ببدر ومعى بصرى ~~لأريتكم الشعب - أى الطريق فى الجبل - الذى خرجت منه الملائكة. لا أشك ~~ولا أمارى. وعن سهل بن حنيف قال لقد رأيتنا يوم بدر إن أحدنا يشير بسيفه ~~إلى رأس المشرك فتقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه. هذه أهم الروايات ~~التى استند إليها العلماء الذين يرون أن الملائكة قد قاتلوا مع المؤمنين ~~يوم بدر، وعلى رأس هؤلاء العلماء القرطبى، فهو يرى أن هذا هو الصحيح وأنه ~~رأى الجمهور. ب أما القسم الثانى من العلماء فيرى أن الملائكة لم تقاتل ~~يوم بدر، وإنما كانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين فى المعركة، وتقوية أرواحهم ~~وقلوبهم، واستدلوا على ذلك بأدلة من أهمها 1- أنه ليس فى الآيات القرآنية ~~التى تحدثت عن غزوة بدر آية واحدة صريحة فى أن الملائكة قد قاتلت بالفعل، ~~وإنما هى صريحة فى أن الله تعالى - قد أمد المؤمنين بالملائكة، وجعل هذا ~~الإمداد بشارة لهم. قال الآلوسى عند تفسيره لقوله - تعالى - { وما ~~جعله الله إلا بشرى.. } وفى الآية إشعار بأن الملائكة لم ~~يباشروا قتالا، وهو مذهب لبعضهم. ويشعر ظاهرها بأن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - أخبرهم بذلك الإمداد، وفى الأخبار ما يؤيد ذلك. # بل جاء فى غير ما خبر أن الصحابة رأوا الملائكة - عليهم السلام -. 2- أن ~~بعض الآيات القرآنية التى تحدثت عن غزوة بدر قد وضحت وظيفة الملائكة ~~توضيحا تاما، ومن ذلك قوله - تعالى - { إذ يوحي ربك إلى ~~الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا ~~سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا ~~فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان }. قال ابن جرير ~~فى معنى { فثبتوا الذين آمنوا } قووا عزمهم، وصححوا نياتهم ~~فى قتال أعدائهم من المشركين.. وقال فى معنى قوله - تعالى - { ~~فاضربوا فوق الأعناق... } والصواب من القول فى ذلك أن يقال ~~إن الله أمر المؤمنين معلما إياهم كيفية قتل المشركين وضربهم بالسيف، أن ~~يضربوا فوق الأعناق منهم والأيدى والأرجل.. وقال الفخر الرازى قوله { ~~فاضربوا فوق الأعناق } فيه وجهان الأول أنه أمر للملائكة ~~متصل ms2168 بقوله - تعالى - { فثبتوا }. وقيل بل أمر للمؤمنين، وهذا هو ~~الأصح لما بينا أنه - تعالى - ما أنزل الملائكة لأجل المقاتلة ~~والمحاربة.. 3- أن الروايات التى استند إليها من قال بأن الملائكة قاتلت ~~مع المؤمنين فى بدر لم ترد فى كتب السنة المعتمدة، بل لم يذكر معظمها ~~الإمام ابن جرير مع علمنا باهتمامه بالمرويات فى تفسيره. وفضلا عن ذلك ~~فإن أكثر هذه الروايات لم تصرح بأن الملائكة قد قاتلت. فمثلا رواية أبى ~~داود المازنى لم تصرح بأن المشرك الذى أراد هو أن يقتله قد قتله ملك. ~~وكذلك الحال بالنسبة لروايتى أبى أسيد وسهيل بن حنيف وأما قول أبى جهل ~~لابن مسعود " هم إذن غلبونا - يعنى الملائكة - لا أنتم، فنرجح أنه من باب ~~التبرير والمغالطة. فهو يريد أن ينفى - حقدا منه وعنادا - قوة المؤمنين ~~الذين صرعوا أمثاله من الطغاة.. ". والخلاصة أن معظم الروايات - مع ضعفها ~~- لم تصرح بأن الملائكة قد قاتلوا مع المؤمنين يوم بدر. 4- استبعد كثير ~~من العلماء اشتراك الملائكة فى القتال، ومن هؤلاء العلماء الإمام أبو ~~بكر الأصم فقد قال " إن الملك الواحد يكفى فى إهلاك أهل الأرض كما فعل ~~جبريل بمدائن قوم لوط. فإذا حضر هو يوم بدر - وجميع الروايات تذكر أنه ~~كان على رأس الملائكة - فأى حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفار؟ بل أى حاجة ~~حينئذ إلى إرسال سائر الملائكة؟ وأيضا فإن أكابر الكفار كانوا مشهورين، ~~وقاتل كل منهم من الصحابة معلوم. وأيضا لو قاتلوا فإما أن يكونوا بحيث ~~يراهم الناس أولا.. وعلى الأول يكون المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف ~~وأكثر، ولم يقل أحد بذلك.. وعلى الثانى كان يلزم جز الرءوس، وتمزيق ~~البطون، وإسقاط الكفار من غير مشاهدة فاعل، ومثل هذا من أعظم المعجزات، ~~فكان يجب أن يتواتر ويشتهر بين المسلم والكافر والموافق والمخالف. # .. وقال صاحب المنار مقتضى السياق أن وحى الله للملائكة { وما ~~جعله الله إلا بشرى } إلخ. وقوله - تعالى - { سألقي ~~في قلوب الذين كفروا الرعب.. } إلخ بدء كلام خوطب به ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنون تتمة ms2169 للبشرى. فيكون الأمر بالضرب ~~موجها إلى المؤمنين قطعا، وعليه المحققون الذين جزموا بأن الملائكة لم ~~تقاتل يوم بدر تبعا لما قبله من الآيات. ثم قال وفى كتب السير وصف ~~للمعركة علم منه القاتلون والآسرون لأشد المشركين بأسا، فهل تعارضه هذه ~~البينات النقلية بروايات لم يرها شيخ المفسرين ابن جرير حرية بأن تنقل. ~~كفانا الله شر هذه الروايات الباطلة التى شوهت التفسير وقلبت الحقائق، ~~حتى إنها خالفت نص القرآن نفسه فالله - تعالى - يقول فى إمداد الملائكة { ~~وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به ~~قلوبكم... } وهذه الروايات تقول بل جعله مقاتلة. وإن هؤلاء السبعين ~~الذين قتلوا من المشركين لم يمكن قتلهم إلا باجتماع ألف أو ألوف من ~~الملائكة عليهم مع المسلمين الذين خصهم الله بما ذكر من أسباب النصر ~~المتعددة. ألا إن فى هذا من تعظيم شأن المشركين، وتكبير شجاعتهم وتصغير ~~شأن أفضل أصحاب الرسول وأشجعهم مالا يصدر عن عاقل، إلا وقد سلب عقله ~~لتصحيح روايات باطلة لا يصح لها سند، ولم يرفع منها إلا حديث مرسل عن ابن ~~عباس ذكره الآلوسى وغيره بغير سند. وابن عباس لم يحضر غزوة بدر لأنه كان ~~صغيرا، فرواياته عنها حتى فى الصحيح مرسله.. هذه أهم الأدلة التى استند ~~إليها القائلون بأن الملائكة لم تقاتل يوم بدر، وإنما كانت وظيفتهم تثبيت ~~المؤمنين، وتقوية عزائمهم. وتصحيح نياتهم. ج أما القسم الثالث من ~~العلماء الذين كتبوا فى هذه المسألة، فمنهم الذى اكتفى بسرد الآراء دون ~~أن يرجح بينها، ومن هؤلاء صاحب الكشاف، فقد قال فإن قلت هل قاتلت ~~الملائكة يوم بدر؟ قلت اختلف فيه. فقيل نزل جبريل فى يوم بدر فى خمسمائة ~~ملك على الميمنة وفيها أبو بكر، وميكائيل فى خمسمائة على الميسرة وفيها ~~على بن أبى طالب فى صورة الرجال. فقاتلت. وقيل قاتلت يوم بدر ولم تقاتل ~~يوم الأحزاب.. وقيل لم يقاتلوا وإنما كانوا يكثرون السواد، ويثبتون ~~المؤمنين، وإلا فملك واحد كاف فى إهلاك أهل الدنيا كلهم.. ومنهم الذى يرى ~~أن البحث فى تفاصيل أمثال هذه المسائل ms2170 ليس من الجد الذى هو طابع هذه ~~العقيدة، ومن هؤلاء صاحب " فى ظلال القرآن " فقد قال ما ملخصه " تروى ~~روايات كثيرة مفصلة عن الملائكة فى يوم بدر عددهم وطريقة مشاركتهم فى ~~المعركة. # وما كانوا يقولونه للمؤمنين مثبتين، وما كانوا يقولونه للمشركين مخذلين. ~~ونحن - على طريقتنا فى الظلال - نكتفى فى مثل هذا الشأن من عوالم الغيب ~~بما يرد فى النصوص المتيقنة من قرآن أو سنة، والنصوص القرآنية هنا فيها ~~الكفاية { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ~~ممدكم بألف من الملائكة.. } فهذا عددهم { إذ يوحي ~~ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين ~~آمنوا.. } فهذا عملهم. ولا حاجة إلى التفصيل وراء هذا فإن فيه ~~الكفاية. وبحسبنا أن تعلم أن الله لم يترك العصبة المسلمة وحدها فى ذلك ~~اليوم، وهى قلة والاعداء كثرة، وأن أمر هذه العصبة وأمر هذا الدين قد ~~شارك فيه الملأ الأعلى مشاركة فعلية على النحو الذى يصفه الله سبحانه فى ~~كلماته.. إننا نؤمن بوجود خلق أسماهم الملائكة، ولكنا لا ندرك من طبيعتهم ~~إلا ما أخبرنا به خالقهم عنهم، فلا نملك من إدراك الكيفية التى اشتركوا ~~بها فى نصرة المسلمين يوم بدر إلا بمقدار ما يقرره النص القرآنى. وقد ~~أوحى إليهم ربهم أنى معكم. وأمرهم أن يثبتوا الذين آمنوا ففعلوا. - لأنهم ~~يفعلون ما يؤمرون - ولكننا لا ندرى كيف فعلوا. إن البحث التفصيلى فى ~~كيفيات هذه الأفعال كلها ليس من الجد الذى هو طابع هذه العقيدة. وطابع ~~الحركة الواقعية بهذه العقيدة ولكن هذه المباحث صارت من مباحث الفرق ~~الإسلامية ومباحث علم الكلام فى العصور المتأخرة، عندما فرغ الناس من ~~الاهتمامات الإيجابية فى هذا الدين، وتسلط الترف العقلى على النفوس ~~والعقول. وإن وقفة أمام الدلالة الهائلة لمعية الله - سبحانه - للملائكة ~~فى المعركة، واشتراك الملائكة فيها مع العصبة المسلمة لهى أنفع واجدى.. ~~وبعد فهذه أهم الأقوال التى قالها العلماء فى مسألة وظيفة الملائكة فى ~~بدر، بسطناها بشئ من التفصيل لتتضح آراؤهم فيها. والذى نراه بعد كل ذلك ~~أن أقرب الأقوال إلى الصواب، هو القول ms2171 الذى ذهب أصحابه إلى أن الملائكة ~~فى بدر لم تقاتل، وإنما كانت وظيفتهم تثبيت وتقوية عزائم المؤمنين... ~~وذلك لما سبق أن بيناه من أدلة وحجج - والله أعلم بالصواب. وبعد أن بين - ~~سبحانه - بعض البشارات والنعم التى ساقها للمؤمنين الذين اشتركوا فى بدر. ~~وجه - سبحانه - نداء إليهم أمرهم فيه بالثبات فى وجوه أعدائهم، وذكرهم ~~بجانب من مننه عليهم. فقال - تعالى - { يآأيها الذين...مع ~~المؤمنين }. ### || [8.15-19] # قوله - سبحانه - { زحفا } مصدر زحف وأصله للصبى، وهو أن يزحف على ~~إسته قبل أن يمشى. ثم أطلق على الجيش الكثيف المتوجه لعدوه لأنه لكثرته ~~وتكاتفه يرى كأنه جسم واحد يزحف ببطء وإن كان سريع السير. قال الجمل وفى ~~المصباح زحف القوم زحفا وزحوفا. ويطلق على الجيش الكثير زحف تسمية ~~بالمصدر والجمع زحوف مثل فلس وفلوس. ونصب قوله { زحفا } على أنه حال ~~من المفعول وهو { الذين كفروا } أى إذا لقيتم الذين كفروا حال ~~كونهم زاحفين نحوكم. والأدبار جمع دبر - بضمتين - وهو الخلف، ومقابله ~~القبل وهو الأمام، ويطلق لفظ الدبر على الظهر وهو المراد هنا. والمعنى يا ~~أيها الذين آمنوا بالله إيمانا حقا { إذا لقيتم الذين ~~كفروا } زاحفين نحوكم لقتالكم { فلا تولوهم الأدبار } ~~أى. فلا تفروا منهم، ولا تولوهم ظهوركم منهزمين، بل قابلوهم بقوة وغلظة ~~وشجاعة، فإن من شأن المؤمن أن يكون شجاعا لا جبانا، ومقبلا غير مدبر. ~~فالمراد من تولية الأدبار الانهزام، لأن المنهزم يولى ظهره وقفاه لمن ~~انهزم منه. وعدل من لفظ الظهور إلى الأدبار، تقبيحا للانهزام، وتنفيرا ~~منه، لأن القبل والدبر يكنى بهما عن السوءتين. ثم بين - سبحانه - أن ~~تولية الأدبار محرمة إلا فى حالتين فقال - تعالى - { ومن يولهم ~~يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا ~~إلى فئة فقد بآء بغضب من الله ومأواه ~~جهنم وبئس المصير }. وقوله { متحرفا } من التحرف ~~بمعنى الميل والانحراف من جهة إلى جهة بقصد المخادعة فى القتال وهو منصوب ~~على الحالية. وقوله { أو متحيزا إلى فئة } من التحيز بمعنى ~~الانضمام. تقول حزت الشئ أحوزه إذا ضممته إليك. وتحوزت الحية أى انطوت ms2172 ~~على نفسها. والفئة الجماعة من الناس. سميت بذلك لرجوع بعضهم إلى بعض فى ~~التعاضد والتناصر. من الفئ بمعنى الرجوع إلى حالة محمودة. والمعنى أن ~~تولية الأدبار محرمة إلا فى حالتين الحالة الأولى أن يكون المؤمن عند ~~توليته الأدبار مائلا عن مكانه إلى مكان آخر أصلح للقتال فيه، أو أن يكون ~~منعطفا إلى قتال طائفة من الأدبار أهم من الطائفة التى أمامه، أو أن يوهم ~~عدوه بأنه منهزم أمامه استدراجا له، ثم يكر عليه فيقتله. الحالة الثانية ~~أن يكون فى توليه منحازا إلى جماعة أخرى من الجيش ومنضما إليها للتعاون ~~معها على القتال، حيث إنها فى حاجة إليه. وهذا كله من أبواب خدع الحرب ~~ومكايدها. وقد توعد - سبحانه - الذى ينهزم أمام الأعداء فى غير هاتين ~~الحالتين بقوله { فقد بآء بغضب من الله ومأواه ~~جهنم وبئس المصير }. أى ومن يول الكافرين يوم لفائهم دبره ~~غير متحرف ولا متحيز فقد رجع متلبسا بغضب شديد كائن من الله - تعالى - ~~ومأواه الذى يأوى إليه فى الآخرة جهنم وبئس المصير هى. # وقوله { فقد بآء بغضب من الله... } جواب الشرط لقوله، ~~ومن يولهم. هذا، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هاتين الآيتين ما ~~يأتى 1- وجوب مصابرة العدو، والثبات فى وجهه عند القتال، وتحريم الفرار ~~منه. قال الآلوسى فى الآية دلالة على تحريم الفرار من الزحف على غير ~~المتحرف أو المتحيز. أخرج الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة - رضى الله عنه ~~- عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " اجتنبوا السبع الموبقات - أى المهلكات - قالوا يا رسول الله وما هن ~~قال الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق، وأكل ~~الربا، وأكل مال اليتيم، والتولى يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات ~~المؤمنات ". # ثم قال وجاء وعد - التولى الزحف - من الكبائر فى غير ما حديث. 2- أن ~~الخطاب فى الآيتين لجميع المؤمنين وليس خاصا بأهل بدر. قال الفخر الرازى ~~ما ملخصه اختلف المفسرون فى أن هذا الحكم - وهو تحريم التولى أمام الزحف ~~- هل هو مختص بيوم بدر أو هو حاصل ms2173 على الإطلاق؟ فنقل عن أبى سعيد الخدرى ~~والحسن وقتادة والضحاك أن هذا الحكم مختص بمن كان انهزم يوم بدر. قالوا ~~والسبب فى اختصاص بدر بهذا الحكم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~كان حاضرا يوم بدر.. وأنه - سبحانه - شدد الأمر على أهل بدر، لأنه كان ~~أول الجهاد، ولو اتفق للمسلمين انهزام فيه لزم منه الخلل العظيم. والقول ~~الثانى أن الحكم المذكور فى هذه الآية كان عاما فى جميع الحروب بدليل أن ~~قوله - تعالى - { يآأيها الذين آمنوا إذا لقيتم ~~الذين كفروا... } عام فيتناول جميع الصور. أقصى ما فى الباب أنه ~~نزل فى واقعة بدر، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ". وهذا القول ~~الثانى هو الذى نرجحه، لأن ظاهر الآية يفيد العموم لكل المؤمنين فى كل ~~زمان ومكان، ولأن سورة الأنفال كلها قد نزلت بعد الفراغ من غزوة بدر لا ~~قبل الدخول فيها. 3- أن الآيتين محكمتان وليستا منسوختين. أى أن تحريم ~~التولى يوم الزحف على غير المتحرف أو المتحيز ثابت لم ينسخ. وقد رجح ذلك ~~الإمام ابن جرير فقال ما ملخصه " سئل عطاء بن أبى رباح عن قوله { ومن ~~يولهم يومئذ دبره } فقال هذه الآية منسوخة بالآية التى فى ~~الأنفال بعد ذلك وهى قوله - تعالى - # الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن ~~يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين... # وليس لقوم أن يفروا من مثليهم. وقال آخرون بل هذه الآية حكمها عام فى كل ~~من ولى الدبر عن العدو منهزما. # وأولى التأويلين بالصواب فى هذه الآية عندى قول من قال حكمها محكم، ~~وأنها نزلت فى أهل بدر. وحكمها ثابت فى جميع المؤمنين. وأن الله حرم على ~~المؤمنين إذا لقوا العدو أن يولوهم الدبر منهزمين إلا لتحرف القتال، أو ~~التحيز إلى فئة من المؤمنين، حيث كانت من أرض الإسلام، وأن من ولاهم ~~الدبر بعد الزحف لقتال منهزما - بغير نية إحدى الخلتيين اللتين أباح الله ~~التولية بهما - فقد استوجب من الله وعيده، إلا أن يتفضل عليه بعفوه. ~~وإنما قلنا هى محكمة ms2174 غير منسوخة، لما قد بينا فى غير موضع، أنه لا يجوز ~~أن يحكم لحكم آية بنسخ وله فى غير النسخ وجه، إلا بحجة يجب التسليم لها ~~من خبر يقطع العذر، أو حجة عقل، ولا حجة من هذين المعنيين تدل على نسخ ~~حكم قوله - تعالى - { ومن يولهم يومئذ دبره إلا ~~متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد بآء ~~بغضب من الله }. ثم بين لهم - سبحانه - بعض مظاهر فضله عليهم ~~ليزدادوا شكرا له، وطاعة لأمره فقال - تعالى - { فلم تقتلوهم ~~ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ~~ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء ~~حسنا إن الله سميع عليم }. قال القرطبى قوله - تعالى - { ~~فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم } ، أى يوم بدر. ~~روى أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم لما صدروا عن بدر. ذكر كل ~~واحد منهم ما فعل فقال قتلت كذا، وأسرت كذا، فجاء من ذلك تفاخر ونحو ذلك. ~~فنزلت الآية إعلاما بأن الله هو المميت والمقدر لجميع الأشياء، وأن العبد ~~إنما يشارك بكسبه وقصده... " وقال ابن كثير قال على بن طلحة عن ابن عباس # " رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم -، يديه - يعنى يوم بدر - فقال " يا ~~رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد فى الأرض أبدا، فقال جبريل " خذ قبضة من ~~التراب فارم بها فى وجوههم " فأخذ قبضة من التراب فرمى بها فى وجوههم " # ، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة ~~فولوا مدبرين. وقال السدى # " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعلى يوم بدر " أعطنى حصا من ~~الأرض " فناوله حصا عليه تراب، فرمى به فى وجوه القوم " # ، فلم يبق مشرك إلا دخل فى عينيه من ذلك التراب شئ، ثم ردفهم المؤمنون ~~يقتلونهم ويأسرونهم، وأنزل الله { فلم تقتلوهم ولكن ~~الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله ~~رمى... }. وقال أبو معشر المدنى # " عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظى قالا لما دنا القوم بعضهم من بعض ~~أخذ رسول الله - صلى الله عليه ms2175 وسلم - قبضه من تراب فرمى بها فى وجوه ~~القوم وقال " شاهت الوجوه " # ، فدخلت فى أعينهم كلهم. وأقبل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وأنزل الله. { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ~~}. وهناك روايات أخرى ذكرت أن قوله - تعالى - { وما رميت إذ ~~رميت ولكن الله رمى } المقصود به رميه - صلى الله عليه ~~وسلم - لأبى بن خلف يوم أحد، أو رميه لكنانة بن أبى الحقيق فى غزوة خيبر، ~~أو رميه المشركين فى غزوة حنين. قال ابن كثير وقد روى فى هذه القصة عن ~~عروة ومجاهد وعكرمة وقتادة وغير واحد من الأئمة أنها نزلت فى رمية النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - يوم بدر... وسياق الآية فى سورة الأنفال فى قصة ~~بدر لا محالة، وهذا مما لا يخفى على أئمة العلم. والمعنى إنكم - أيها ~~المؤمنون - لم تقتلوا المشركين فى بدر بقوتكم وشجاعتكم، ولكن الله - ~~تعالى - هو الذى أظفركم بحوله وقوته، بأن خذلهم، وقذف فى قلوبهم الرعب، ~~وقوى قلوبكم، وأمدكم بالملائكة، ومنحكم من معونته ورعايته ما بلغكم هذا ~~النصر. والفاء فى قوله { فلم تقتلوهم... } يرى صاحب الكشاف أنها ~~جواب شرط محذوف تقديره إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم { ولكن ~~الله قتلهم } لأنه هو الذى أنزل الملائكة، وألقى الرعب فى ~~قلوبهم، وشاء النصر والظفر وأذهب عن قلوبكم الفزع والجزع. وقوله { وما ~~رميت إذ رميت ولكن الله رمى } خطاب للنبى - صلى ~~الله عليه وسلم بطريق التلوين. أى { وما رميت } بالرعب فى قلوب ~~الأعداء { إذ رميت } فى وجوههم بالحصباء يوم بدر { ولكن ~~الله } - تعالى - هو الذى { رمى } بالرعب فى قلوبهم فهزمهم ونصركم ~~عليهم. أو المعنى ما أوصلت الحصبا إلى أعينهم إذ رميتهم بها، ولكن الله ~~هو الذى أوصلها إليها. ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه ~~الجملة الكريمة يعنى أن الرمية التى رميتها - يا محمد - لم ترمها أنت على ~~الحقيقة، لأنك لو رميتها ما بلغ أثرها إلا ما يبلغه أثر رمى البشر، ~~ولكنها كانت رمية الله، حيث أثرت ذلك الأثر العظيم.. فأثبت الرمية لرسول ms2176 ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لأن صورتها وجدت منه، ونفاها عنه، لأن أثرها ~~الذى لا تطيقه البشر فعل الله - عز وجل -، فكان الله - تعالى - هو فاعل ~~الرمية على الحقيقة، وكأنها لم توجد من الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~أصلا. وقال الآلوسى واستدل بالآية على أن أفعال العباد بخلقه - تعالى - ~~وإنما لهم كسبها ومباشرتها وقال الإمام أثبت - سبحانه - كونه - صلى الله ~~عليه وسلم - راميا، ونفى كونه راميا، فوجب حمله على أنه - صلى الله عليه ~~وسلم - رمى كسبا، والله - تعالى - رمى خلقا. # فإن قيل لماذا ذكر مفعول القتل منفيا ومثبتا ولم يذكر للرمى مفعول قط؟ ~~فالجواب - كما يقول أبو السعود - " أن المقصود الأصلى بيان حال الرمى ~~نفيا وإثباتا، إذ هو الذى ظهر منه ما ظهر، وهو المنشأ لتغير المرمى به فى ~~نفسه وتكثره إلى حيث أصاب عينى كل واحد من أولئك الأمة الجمة شئ من ذلك. ~~وقوله - سبحانه - { وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا ~~} بيان لبعض وجوه حكمته - سبحانه - فى خذلان الكافرين، ونصر المؤمنين. ~~وقوله { ليبلي } من البلاء بمعنى الاختبار. وهو يكون بالنعمة ~~لإظهار الشكر، كما يكون بالمحنة لإظهار الصبر. والمراد به هنا الإحسان ~~والنعمة والعطاء، ليزداد المؤمنون شكرا لربهم الذى وهبهم ما وهب من نعم. ~~واللام للتعليل متعلقة بمحذوف مؤخر. والمعنى، ولكى يحسن - سبحانه - إلى ~~عباده المؤمنين، وينعم عليهم بالنصر والغنائم، ليزدادوا شكرا له، فعل ما ~~فعل من خذلان الكافرين وإذلالهم. وقوله { إن الله سميع عليم ~~} تذييل قصد به الحض على طاعة الله، والتحذير من معصيته، أى إن الله سميع ~~لأقوالكم ودعائكم، عليم بضمائركم وقلوبكم، فاستبقوا الخيرات لتنالوا ~~المزيد من رعايته ونصره. ثم يقرر - سبحانه سنة من سننه التى لا تتخلف، ~~وهى تقوية الحق وتوهين الباطل. وليزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، ~~وثباتا على ثباتهم فيقول { ذلكم وأن الله موهن كيد ~~الكافرين }. قال الإمام الرازى قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو { ~~موهن } - بفتح الواو وتشديد الهاء والتنوين. من التوهين. تقول وهنت الشئ ~~أى ضعفته -، { كيد } بالنصب على المفعولية. وقرأ حفص عن عاصم { موهن ms2177 كيد ~~} بالإضافة. وقرأ الباقون { موهن } بالتخفيف، - من أوهننه فأنا موهنه ~~بمعنى أضعفته - { وكيد } بالنصب وتوهين الله كيدهم ومكرهم يكون بأشياء ~~منها إطلاع المؤمنين على عوراتهم، وإلقاء الرعب فى قلوبهم، وتفريق ~~كلمتهم. واسم الإشارة { ذلكم } يعود إلى ما سبق من نعمة الإبلاء ~~والقتل والرمى وغير ذلك من النعم. وهو مبتدأ وخبره محذوف. وقوله { ~~وأن الله موهن... } معطوف عليه. المعنى ذلكم الذى منحته إياكم ~~من العطاء الحسن، والقتل للمشركين، والإمداد بالملائكة، وإنزال الماء ~~عليكم. ذلكم كله نعم منى إليكم، ويضاف إلى ذلك كله أنه - سبحانه - مضعف ~~لكيد الكافرين ومفسد لمكرهم بكم. قال ابن كثير وهذه بشارة أخرى مع ما حصل ~~من النصر، فإنه أعلمهم بأنه مضعف كيد الكافرين فيما يستقبل، مصغر أمرهم، ~~وأنهم فى تبار ودمار " وبعد أن ذكر - سبحانه - عباده المؤمنين بما حباهم ~~به من منن فى غزوة بدر، ليستمروا على طاعتهم له ولرسوله. # . أتبع ذلك بتوجيه الخطاب إلى الكافرين الذين حملهم الرسوخ فى الكفر على ~~أن يدعو الله أن يجعل الدائرة فى بدر على أضل الفريقين فقال - تعالى - { ~~إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح وإن تنتهوا فهو ~~خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم ~~فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين ~~}. روى الإمام أحمد والنسائى والحاكم وصححه، عن ثعلبة، أن أبا جهل قال ~~حين التقى القوم - فى بدر - اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرفه، ~~فأحنه - أى فأهلكه - الغداة. فكان المستفتح. وعن السدى أن المشركين حين ~~خرجوا من مكة إلى بدر أخذوا بأستار الكعبة فاستنصروا الله وقالوا اللهم ~~انصر أهدى الجندين، وأكرم الفئتين، وخير القبيلتين. فقال - تعالى - { إن ~~تستفتحوا... } الآية. قال الراغب وقوله { إن تستفتحوا... ~~} أى إن طلبتم الظفر، أو طلبتم الفتاح أى الحكم.. والفتح إزالة الإغلاق ~~والإشكال.. ويقال فتح القضية فتاحا. أى فصل الأمر فيها وأزال الإغلاق ~~عنها. قال - تعالى - # ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت ~~خير الفاتحين # والاستفتاح الاستنصار - أى طلب النصر - قال - تعالى - # وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ~~فلما جآءهم ما عرفوا كفروا... ms2178 # والمعنى إن تطلبوا الفتح أى القضاء والفصل بينكم وبين أعدائكم المؤمنين ~~{ فقد جآءكم الفتح } أى فقد جاءكم الفصل والقضاء فيما طلبتم ~~حيث حكم الله وقضى بينكم وبين المؤمنين، بأن أعزهم ونصرهم لأنهم على ~~الحق، وخذلكم وأذلكم لأنكم على الباطل. فالخطاب مسوق للكفارين على سبيل ~~التهكم بهم، والتوبيخ لهم، حيث طلبوا من الله - تعالى - القضاء بينهم ~~وبين المؤمنين، والنصر عليهم، فكان الأمر على عكس ما أرادوا حيث حكم الله ~~فيهم بحكمه العادل وهو خذلانهم لكفرهم وجحودهم، وإعلاء كلمة المؤمنين، ~~لأنهم على الطريق القويم. وقوله { وإن تنتهوا فهو خير ~~لكم } أى وأن تنتهوا عن الكفر وعداوة الحق، يكن هذا الانتهاء خيرا ~~لكم من الكفر ومحاربة الحق. وقوله { وإن تعودوا نعد ولن ~~تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت... } تحذير لهم من ~~التمادى فى الباطل بعد ترغيبهم فى الانقياد للحق. أى { وإن تعودوا ~~} إلى محاربة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين وعداوتهم { نعد ~~} عليكم بالهزيمة والذلة. وعلى المؤمنين بالنصر والعزة، ولن تستطيع فئتكم ~~وجماعتكم - ولو كثرت - أن تدفع عنكم شيئا من تلك الهزيمة وهذه الذلة، ~~فإن الكثرة والقوة لا وزن لها ولا قيمة إذا لم يكن الله مع أصحابها بعونه ~~وتأييده. وقوله { وأن الله مع المؤمنين } تذييل قصد به ~~تثبيت المؤمنين، وإلقاء الطمأنينة فى نفوسهم. أى وأن الله مع المؤمنين ~~بعونه وتأييده، ومن كان الله معه فلن يغلبه غالب مهما بلغت قوته. # قال الجمل " قرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم بفتح " أن " والباقون ~~بكسرها فالفتح من أوجه أحدها أنه على لام العلة والمعلل تقديره، ولأن ~~الله مع المؤمنين كان كيت وكيت. والثانى أن التقدير ولأن الله مع ~~المؤمنين امتنع عنادهم. والثالث أنه خبر مبتدأ محذوف. أى والأمر أن الله ~~مع المؤمنين. والوجه الأخير يقرب فى المعنى من قراءة الكسر لأنه استئناف. ~~هذا وما جرينا عليه من أن الخطاب فى قوله - تعالى - { إن ~~تستفتحوا.. } للمشركين هو رأى جمهور المفسرين. ومنهم من يرى أن ~~الخطاب فى الآية الكريمة للمؤمنين، وعليه يكون المعنى { إن ~~تستفتحوا... } أى ms2179 تطلبوا - أيها المؤمنون - النصر على أعدائكم { ~~فقد جآءكم الفتح } أى فقد جاءكم النصر من عند الله كما طلبتم. ~~{ وإن تنتهوا } أى عن المنازعة فى أمر الانفال، وعن التكاسل فى ~~طاعة الله ورسوله، { فهو } أى هذا الانتهاء { خير لكم }. { ~~وإن تعودوا } إلى المنازعات والتكاسل { نعد } عليكم بالإنكار ~~وتهييج الأعداء. { ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو ~~كثرت } أى ولن تفيدكم كثرتكم شيئا مهما كثرت إن لم يكن الله معكم ~~بنصره. وأن الله - تعالى - مع المؤمنين الصادقين فى إيمانهم وطاعتهم له. ~~والذى يبدو لنا أن كون الخطاب للكافرين أرجح، لأن أسباب النزول تؤيده، ~~فقد سبق أن بينا أن الكافرين عند خروجهم إلى بدر تعلقوا بأستار الكعبة ~~وقالوا اللهم انصر اهدى الجندين.. وأن أبا جهل قال حين التقى القوم اللهم ~~أينا أقطع للرحم.. فأحنه الغداة. قال ابن جرير فكان ذلك استفتاحه، فأنزل ~~الله فى ذلك { إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح.. }. ولعل ~~مما يرجح أن الخطاب فى قوله - تعالى - { إن تستفتحوا... } ~~للكافرين، أن بعض المفسرين - كابن جرير وابن كثير - ساروا فى تفسيرهم ~~للآية على ذلك، وأهملوا الرأى القائل بأن الخطاب للمؤمنين فلم يذكروه ~~أصلا. أما صاحب الكشاف فقد ذكره بصيغة " وقيل " وصدر كلامه بكون الخطاب ~~للكافرين فقال قوله - تعالى - { إن تستفتحوا.. } خطاب لأهل مكة ~~على سبيل التهكم. وذلك أنهم حين أرادوا أن ينفروا تعلقوا بأستار الكعبة ~~وقالوا اللهم انصر أقرانا للضيف، وأوصلنا للرحم، وأفكنا للعانى... " ~~وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة التى افتتحت بنداء المؤمنين، قد أمرتهم ~~بالثبات عند لقاء الأعداء.. وبينت لهم جوانب من مظاهر فضل الله عليهم، ~~ورعايته لهم.. ورغبت المشركين فى الانتهاء عن شركهم وعن محاربتهم للحق، ~~وحذرتهم من التمادى فى باطلهم وطغيانهم.. وأخبرتهم فى ختامها بأن الله - ~~تعالى - مع المؤمنين بتأييده ونصره. ثم وجهت السورة الكريمة نداء ثانيا ~~إلى المؤمنين، أمرتهم بطاعة الله ورسوله، ونهتهم عن التشبه بالكافرين ~~وأمثالهم من المنافقين. فقال - تعالى - { يأيها الذين...وهم ~~معرضون }. ### || [8.20-23] # والمعنى يأيها الذين آمنوا حق الإيمان، أطيعوا الله ورسوله فى كل ~~أحوالكم، { ولا تولوا عنه ms2180 } أى ولا تعرضوا عنه، فإن فى إعراضكم ~~عنه خسارة عظيمة لكم فى دنياكم وآخرتكم. قال الآلوسى " وأعيد الضمير إليه ~~- صلى الله عليه وسلم -، لأن المقصود طاعته، وذكر طاعة الله - تعالى - ~~توطئة لطاعته، وهى مستلزمة لطاعة الله - تعالى -، لأنه مبلغ عنه، فكان ~~الراجع إليه - صلى الله عليه وسلم - كالراجع إلى الله - تعالى - ". وقوله ~~{ وأنتم تسمعون } جملة حالية مسوقة لتأكيد وجوب الانتهاء عن ~~التولى مطلقا، لا لتقييد النهى عنه بحال السماع. أى أطيعوا الله ورسوله - ~~أيها المؤمنون - ولا تتولوا عنه والحال أنكم تسمعون القرآن الناطق بوجوب ~~طاعته، والمواعظ الزاجرة عن مخالفته وقوله { ولا تكونوا ~~كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون } تأكيد لما قبله، ~~ونهى لهم عن التشبه بالضالين. أى أطيعوا الله ورسوله فى كل أحوالكم عن ~~إخلاص وإذعان، ولا تقصروا فى ذلك فى وقت الأوقات، وإياكم أن تتشبهوا ~~بأولئك الكافرين والمنافقين الذين ادعوا السماع فقالوا سمعنا، والحال ~~أنهم لم يسمعوا سماع تدبر واتعاظ، لأنهم لم يصدقوا ما سمعوه، ولم يتأثروا ~~به. بل نبذوه وراء ظهورهم. فالمنفى فى قوله - تعالى - { وهم لا ~~يسمعون } سماع خاص، وهو سماع التدبر والاتعاظ، لكنه جئ به على سبيل ~~الإطلاق، للإشعار بأنهم قد نزلوا من لم يسمع أصلا، بجعل سماعهم بمنزلة ~~العدم، حيث إنه سماع لا وزن له، ولا فائدة لهم من ورائه، مع أنهم لو ~~فتحوا آذانهم وقلوبهم للحق لاستفادوا، ولكنهم آثروا الغى على الرشد. ثم ~~وصف - سبحانه - الكفار والمنافقين وأشباههم وصفا يحمل العقلاء على ~~النفور منهم، فقال - تعالى - { إن شر الدواب عند الله ~~الصم البكم الذين لا يعقلون }. والدواب جمع دابة وهى ~~كل ما يدب على الأرض. قال - تعالى - # والله خلق كل دآبة من مآء فمنهم من يمشي ~~على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم ~~من يمشي على أربع.. # قال الجمل " وإطلاق الدابة على الإنسان لما ذكروه فى كتب اللغة من أنها ~~تطلق على كل حيوان ولو آدميا، وفى المصباح الدابة كل حيوان فى الأرض ~~مميزا أو غير مميز ". وقد روى أن هذه الآيات نزلت ms2181 فى نفر من بنى عبد ~~الدار، كانوا يقولون نحن صم بكم عما جاء به محمد، فقتلوا جميعا يوم بدر. ~~وهذا لا يمنع أن الآية الكريمة يشمل حكمها جميع المشركين والمنافقين، إذ ~~العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. والمعنى إن شر ما يدب على الأرض { ~~عند الله } أى فى حكمه وقضائه، وهم أولئك { الصم } عن سماع الحق ~~{ البكم } عن النطق به { الذين لا يعقلون } أى لا يعلقون ~~التمييز بينه وبين الباطل. # ووصفهم - سبحانه - بذلك مع أنهم يسمعون وينطقون، لأنهم لم ينتفعوا بهذه ~~الحواس، بل استعملوها فيما يضر ويؤذى، فكان وجودها فيهم كعدمها. وقدم ~~الصمم على البكم، لأن صممهم عن سماع الحق متقدم على بكمهم فإن السكوت عن ~~النطق بالحق من فروع عدم سماعهم له، كما أن النطق به من فروع سماعه. ~~وقوله { الذين لا يعقلون } تحقيق لكمال سوء حالهم، لأن الأصم ~~الأبكم إذا كان له عقل ربما فهم بعض الأمور... أما إذا كان بجانب صممه ~~وبكمه فاقد العقل، فإنه فى هذه الحالة يكون قد بلغ الغاية فى سوء الحال.. ~~قال صاحب المنار وقوله { الذين لا يعقلون } أى فقدوا فضيلة ~~العقل الذى يميز بين الحق والباطل والخير والشر، إذ لو عقلوا لطلبوا، ولو ~~طلبوا لسمعوا وميزوا، ولو سمعوا لنطقوا وبينوا، وتذكروا وذكروا.. فهم ~~لفقدهم منفعة العقل والسمع والنطق صاروا كالفاقدين لهذه المشاعر والقوى.. ~~بل هم شر من ذلك لأنهم اعطيت لهم المشاعر والقوى فأفسدوها على أنفسهم ~~لعدم استعمالها فيما خلقها الله لأجله، فهم كما قال الشاعر # خلقوا، وما خلقوا لمكرمة فكأنهم خلقوا وما خلقوا رزقوا وما ~~رزقوا سماح يد فكأنهم رزقوا وما رزقوا # ولم يصفهم هنا بالعمى كما وصفهم فى آية الأعراف وآيتى البقرة، لأن ~~المقام هنا مقام تعريض بالذين ردوا دعوة الإسلام، ولم يهتدوا بسماع آيات ~~القرآن ". وقوله - تعالى - { ولو علم الله فيهم خيرا ~~لأسمعهم... } بيان لما جبلوا عليه من إيثار الغى على الرشد، ~~والضلالة على الهداية. أى ولو علم الله - تعالى - فى هؤلاء الصم البكم { ~~خيرا } أى استعدادا للإيمان ورغبة ms2182 فيما يصلح نفوسهم وقلوبهم { ~~لأسمعهم } سماع تفهم وتدبر، أى لجعلهم سامعين للحق، ومستجيبين له، ~~ولكنه - سبحانه - لم يعلم فيهم شيئا من ذلك، فحجب خيره عنهم بسبب سوء ~~استعدادهم. ولذا قال - تعالى - بعد ذلك { ولو أسمعهم ~~لتولوا وهم معرضون } أى ولو أسمعهم سماع تفهم وتدبر، وهم ~~على هذه الحالة العارية من كل خير لتولوا عما سمعوه من الحق { وهم ~~معرضون } عن قبوله جحودا وعنادا. قال الفخر الرازى قوله - تعالى - ~~{ ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو ~~أسمعهم لتولوا وهم معرضون } أى أن كل ما كان ~~حاصلا، فإنه يجب أن يعلمه الله، فعدم علم الله بوجوده من لوازم عدمه، فلا ~~جرم حسن التعبير عن عدمه فى نفسه بعدم علم الله بوجوده، وتقرير الكلام لو ~~حصل فيهم خير لأسمعهم الله الحجج والمواعظ سماع تعليم وتفهم، ولو أسمعهم ~~بعد أن علم أنه لا خير فيهم لم ينتفعوا به، ولتولوا وهم معرضون. ثم وجه - ~~سبحانه - إلى المؤمنين نداء ثالثا أمرهم فيه بالاستجابة لتعاليمه، وحذرهم ~~من الأقوال والأعمال التى تكون سببا فى عذابهم، وذكرهم بجانب من مننه ~~عليهم، فقال - تعالى - { يأيها الذين...لعلكم تشكرون ~~}. ### || [8.24-26] # قال القرطبى قوله - تعالى - { يأيها الذين آمنوا ~~استجيبوا لله وللرسول.. } هذا الخطاب للمؤمنين المصدقين ~~بلا خلاف، والاستجابة الإجابة... قال الشاعر # وداع دعا يا من يجيب إنى الندى فلم يستجبه عند ذاك مجيب # أى فلم يجبه عند ذاك مجيب. وكان الإمام القرطبى يرى أن السين والتاء فى ~~قوله " استجيبوا " زائدتان. ولعل الأحسن من ذلك أن تكون السين والتاء ~~للطلب، لأن الاستجابة هى الإجابة بنشاط وحسن استعداد. وقوله { لما ~~يحييكم } أى لما يصلحكم من أعمال البر والخير والطاعة، التى توصلكم ~~متى تمسكتم بها إلى الحياة الكريمة الطيبة فى الدنيا، وإلى السعادة التى ~~ليس بعدها سعادة فى الآخرة. وهذا المعنى الذى ذكرناه لقوله { لما ~~يحييكم } أدق مما ذكره بعضهم من أن المراد بما يحييهم القرآن، أو ~~الجهاد، أو العلم.. إلخ. وذلك، لأن أعمال البر والخير والطاعة تشمل كل ~~هذا. والمعنى { يأيها الذين آمنوا } بالله حق ms2183 الإيمان، { ~~استجيبوا لله وللرسول } عن طواعية واختيار، ونشاط وحسن ~~استعداد { إذا دعاكم } الرسول - صلى الله عليه وسلم - { لما ~~يحييكم } أى إلى ما يصلح أحوالكم، ويرفع درجاتكم، من الأقوال ~~النافعة، والأعمال الحسنة، التى بالتمسك بها تحيون حياة طيبة وتظفرون ~~بالسعادتين الدنيوية والأخروية. والضمير فى قوله { دعاكم } يعود إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه هو المباشر للدعوة إلى الله، ولأن ~~فى الاستجابة له استجابة لله - تعالى -. قال - سبحانه - # من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فمآ ~~أرسلناك عليهم حفيظا # وقوله { واعلموا أن الله يحول بين المرء ~~وقلبه } تحذير لهم من الغفلة عن ذكر الله، وبعث لهم على مواصلة ~~الطاعة له - سبحانه -. وقوله { يحول } من الحول بين الشئ والشئ، بمعنى ~~الحجز والفصل بينهما. قال الراغب أصل الحول تغير الشئ وانفصاله عن غيره، ~~وباعتبار التغير قيل حال الشئ يحول حولا واستحال تهيأ لأن يحول وباعتبار ~~الانفصال فيل حال بينى وبينك كذا أى فصل.. هذا، وللمفسرين فى معنى هذه ~~الجملة الكريمة أقوال متعددة أهمها قولان أما القول الأول فهو أن المراد ~~بالحيلولة بين المرء وقلبه - كما يقول ابن جرير - أنه - سبحانه - أملك ~~لقلوب عباده منهم وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء، حتى لا يقدر ذو قلب أن ~~يدرك شيئا من إيمان أو كفر، أو أن يعى به شيئا، أو أن يفهم إلا بإذنه ~~ومشيئته، وذلك أن الحول بين الشئ والشئ إنما هو الحجز بينهما، وإذا حجز - ~~جل ثناؤه - بين عبد وقلبه فى شئ أن يدركه أو يفهمه، لم يكن للعبد إلى ~~إدراك ما قد منع الله قلبه إدراكه سبيل، وإذا كان ذلك معناه دخل فى ذلك ~~قول من قال يحول بين المؤمن والكفر، وبين الكافر والإيمان. # وقول من قال يحول بينه وبين عقله. وقول من قال يحول بينه وبين قلبه حتى ~~لا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه.. فالخبر على العموم حتى يخصصه ما ~~يجب التسليم له. وقد رجح ابن جرير هذا القول بعد أن ذكر قبله بعض الأقوال ~~الأخرى. وقال ms2184 ابن كثير - بعد أن لخص القول الذى رجحه ابن جرير - وقد وردت ~~الأحاديث عن رسول الله - صلى الله علي وسلم - يقول # " إن قلوب بنى آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد، يصرفها كيف ~~شاء " # ، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك ". # وروى الإمام أحمد والنسائى وابن ماجه عن النواس بن سمعان الكلابى قال ~~سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول # " ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن رب العالمين، إذا شاء ~~أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه ". # أما القول الثانى فهو أن المراد بالحيلولة بين المرء وقلبه - كما يقول ~~الزمخشرى - " أنه - سبحانه - يميت المرء فتفوته الفرصة التى هو واجدها، ~~وهى التمكن من إخلاص القلب ومعالجة أدوائه وعلله، ورده سليما كما يريده ~~الله، فاغتنموا هذه الفرصة، وأخلصوا قلوبكم لطاعة الله ورسوله. أو - كما ~~يقول الفخر الرازى - بعبارة أوضح " أن المراد أنه - تعالى - يحول بين ~~المرء وبين ما يتمناه ويريده بقلبه، فإن الأجل يحول دون الأمل. فكأنه قال ~~بادروا إلى الأعمال الصالحة ولا تعتمدوا على ما يقع فى قلوبكم من توقع ~~طول البقاء، فإن ذلك غير موثوق به، وإنما حسن إطلاق لفظ القلب على ~~الأمانى الحاصلة فى القلب، لأن تسمية الشئ باسم ظرفه جائزة كقولهم سال ~~الوادى. والذى نراه أن القول الثانى أولى بالقبول، لأن الآية الكريمة ~~ساقته لحض المؤمنين على سرعة الاستجابة للحق الذى دعاهم إليه رسوله صلى ~~الله عليه وسلم والذى باتباعه يحيون حياة طيبة، وتذكيرهم بيوم الحساب وما ~~فيه من ثواب وعقاب، كما قال - تعالى - فى ختامها { وأنه إليه ~~تحشرون }. وليست مسوقة لإثبات قدرة الله، وأنه أملك لقلوب عباده ~~منهم وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء. فالمعنى الذى ذكره ابن جرير - ~~وتابعه عليه ابن كثير وغيره، معنى وجيه فى ذاته، إذ لا ينكر أحد أن الله ~~مقلب القلوب ومالكها.. ولكن ليس مناسبا هنا مناسبة المعنى الذى ذكره ~~الزمخشرى والرازى. لأن الآية التى معنا والتى ms2185 بعدها صريحتان فى دعوة ~~المؤمنين إلى الاستجابة للحق قبل أن يفاجئهم الموت، وقبل أن تحل بهم ~~مصيبة لا تصيب الظالمين منهم خاصة. # والمعنى الإجمالى للآية الكريمة { يأيها الذين آمنوا ~~استجيبوا لله وللرسول } بعزيمة صادقة، وسرعة فائقة، { ~~إذا دعاكم } الرسول - صلى الله عليه وسلم - { لما يحييكم } ~~أى لما به تحيون حياة طيبة من الأقوال والأعمال الصالحة { واعلموا } ~~علما يقينا { أن الله يحول بين المرء وقلبه } أى ~~يحول بين المرء وبين ما يتمناه قلبه من شهوات الدنيا ومتعها فكم من إنسان ~~يؤمل أنه سيفعل كذا غدا، وسيجمع كذا غدا، وسيجمع كذا فى المستقبل، وسيحصل ~~على كذا قريبا.. ثم يحول الموت ويفصل بينه وبين آماله وأمانيه.. فبادروا ~~إلى اغتنام الأعمال الصالحة من قبل أن يفاجئكم الموت. وقوله { وأنه ~~إليه تحشرون } تذييل قصد به تذكيرهم بأهوال يوم القيامة. ~~والضمير فى قوله { وأنه } يعود إلى الله تعالى - أو هو ضمير الشأن. ~~أى وأنه - سبحانه - إليه وحده ترجعون لا إلى غيره، فيحاسبكم على ما قدمتم ~~وما أخرتم، ويجازى كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر. فأنت ترى أن الآية ~~الكريمة قد جمعت بين الترغيب. فى العمل الصالح بسرعة ونشاط، وبين الترهيب ~~من التكاسل والغفلة عن طاعة الله. ثم يؤكد - سبحانه - بعد ذلك ترهيبه لهم ~~من التراخى فى تغيير المنكر فيقول { واتقوا فتنة لا ~~تصيبن الذين ظلموا منكم خآصة واعلموا أن ~~الله شديد العقاب }. والفتنة من الفتن. وأصله - كما يقول ~~الراغب - إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته، واستعمل فى إدخال ~~الإنسان النار. كما فى قوله - تعالى - # ذوقوا فتنتكم # أى عذابكم. وتارة يسمون ما يحصل عنه العذاب فتنة فيستعمل فيه نحو قوله - ~~تعالى - # ألا في الفتنة سقطوا # وتارة فى الاختيار نحو قوله - تعالى - # وفتناك فتونا # والمراد بالفتنة هنا العذاب الدنيوي، كالأمراض، والقحط، واضطراب ~~الأحوال، وتسلط الظلمة، وعدم الأمان.. وغير ذلك من المحن والمصائب ~~والآلام التى تنزل بالناس بسبب غشيانهم الذنوب، وإقرارهم للمنكرات، ~~والمداهنة فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. والخطاب لجميع فى كل زمان ~~ومكان. فالمعنى ms2186 داوموا أيها المؤمنون على طاعة الله بقوة ونشاط، واحذروا ~~من أن ينزل بكم عذاب سيعم عند نزوله الأخيار والفجار والمحسنين ~~والمسيئين. وقوله { واعلموا أن الله شديد العقاب } ~~المراد منه الحث على لزوم الاستقامة خوفا من عقاب الله - تعالى -. أى ~~واعلموا أن الله شديد العقاب لمن خالف أمره، وانتهك حرماته. قال صاحب ~~الكشاف وقوله { لا تصيبن } لا يخلو من أن يكون جوابا للأمر، أو ~~نهيا بعد أمر، أو صفة لفتنة. فإذا كان جوابا فالمعنى إن أصابتكم لا تصيب ~~الظالمين منكم خاصة ولكنها تعمكم.. وإذا كانت نهيا بعد أمر فكأنه قيل ~~واحذروا ذنبا أو عقابا، ثم قيل لا تتعرضوا للظلم فيصيب العقاب أو أثر ~~الذنب ووباله الجميع وليس من ظلم منكم خاصة. # فإن قلت كيف جاز دخول النون المؤكدة فى جواب الأمر؟ قلت لأن فيه معنى ~~النهى - ومتى كان كذلك جاز إدخال النون المؤكدة - كما إذا قلت انزل عن ~~الدابة لا تطرحك أو لا تطرحنك. ومنه قوله - تعالى - # يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم ~~سليمان وجنوده # وقوله { خآصة } منصوب على الحال من الفاعل المستكن فى قوله { لا ~~تصيبن }. ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف. والتقدير إصابة خاصة. هذا، ~~وقد دلت الآية الكريمة على وجوب الإقلاع عن المعاصى، ووجوب محاربة ~~مرتكبيها، فإن الأمة التى تشيع فيها المعاصى والمظالم والمنكرات.. ثم لا ~~تجد من يحاربها ويعمل على إزالتها، تستحق العقوبة جزاء سكوتها واستخذائها ~~وجبنها. وقد ذكر بعض المفسرين أن هذه الآية الكريمة نزلت فى حق بعض ~~الصحابة الذين اشتركوا فى واقعة الجمل فيما بعد. ولكن هذا القول غير صحيح ~~لأن الآية الكريمة تخاطب المؤمنين جميعا فى كل زمان ومكان، وأمرهم ~~بالبعد عن المعاصى والمنكرات التى تفضى بهم إلى العذاب الدنيوى قبل ~~الأخروى. وليست خاصة بفريق دون فريق. لذا قال ابن كثير والقول بأن هذا ~~التحذير يعم الصحابة وغيرهم هو الصحيح، ويدل عليه الأحاديث الواردة فى ~~التحذير من الفتن. ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد عن عدى بن عميرة قال ~~سمعت رسول الله - صلى الله ms2187 عليه وسلم - يقول # " إن الله - تعالى - لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ~~ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله ~~الخاصة والعامة ". # وروى الإمام أحمد أيضا عن جرير بن عبد الله أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم - قال # " ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصى وهم أعز وأكثر ممن يعملون، ثم لم ~~يغيروه، إلا عمهم الله بعقاب ". # وقال الإمام القرطبى قال ابن عباس أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر ~~بين أظهرهم فيعمهم العذاب. ففى صحيح مسلم # " عن زينب بنت جحش أنها سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت له ~~يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال " نعم إذا كثر الخبث ". # وفى صحيح الترمذى # " إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه، أو شك أن يعمهم الله ~~بعقاب من عنده ". # وفى صحيح البخارى والترمذى عن النعمان بن بشير عن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - قال # " مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا - أى اقترعوا ~~- على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين فى أسفلها إذا ~~استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا فى نصيبنا خرقا ~~ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على ~~أيديهم نجوا ونجوا جميعا ". # ففى هذا الحديث تعذيب العامة بذنوب الخاصة. قال علماؤنا فالفتنة إذا عمت ~~هلك الكل وذلك عند ظهور المعاصى، وانتشار المنكر وعدم التغيير. وإذا لم ~~تغير وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب ~~منها. روى ابن وهب عن مالك قال تهجر الأرض التى يصنع فيها المنكر جهارا ~~ولا يستقر فيها. واحتج بصنيع أبى الدرداء فى خروجه عن أرض معاوية حين ~~أعلن بالربا، فأجاز بيع سقاية الذهب بأكثر من وزنها. فإن قيل فقد قال ~~الله - تعالى - # ولا تزر وازرة وزر أخرى # وقال # كل نفس بما كسبت رهينة # وهذا يوجب ألا يؤخذ أحد بذنب أحد، وإنما تتعلق العقوبة بصاحب الذنب؟ ~~فالجواب ms2188 أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على كل من رآه أن يغيره، ~~فإذا سكت عليه فكلهم عاص هذا بفعله وهذا برضاه، وقد جعل الله فى حكمه ~~الراضى بمنزلة العامل فانتظم فى العقوبة. وقال بعض العلماء وذكر ~~القسطلانى " أن علامة الرضا بالمنكر عدم التألم من الخلل الذى يقع فى ~~الدين بفعل المعاصى، فلا يتحقق كون الإنسان كارها له، إلا إذا تألم ~~للخلل الذى يقع فى الدين، كما يتألم ويتوجع لفقد ماله أو ولده. فكل من لم ~~يكن بهذه الحالة، فهو راض بالمنكر، فتعمه العقوبة والمصيبة بهذا ~~الاعتبار. وبعد أن أمر - سبحانه - المؤمنين بالاستجابة له ونهاهم عن ~~الوقوع فى المعاصى.. أخذ فى تذكيرهم بجانب من فضله عليهم فقال { ~~واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض ~~تخافون أن يتخطفكم الناس... }. أى { واذكروا } يا ~~معشر المؤمنين { إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض } ~~أى وقت أن كنتم قلة مستضعفة فى أرض مكة تحت أيدى كفار قريش. أو فى أرض ~~الجزيرة العربية حيث كانت الدولة لغيركم من الفرس والروم. وقوله { ~~تخافون أن يتخطفكم الناس } أى تخافون أن يأخذكم أعداؤكم ~~أخذا سريعا. لقوتهم وضعفكم. يقال خطفه - من باب تعب - أى استلبه بسرعة. ~~والمراد بالتذكر فى قوله { واذكروا } أن يتنبهوا بعقولهم وقلوبهم ~~إلى نعم الله، وأن يداوموا على شكرها حتى يزيدهم - سبحانه - من فضله. و { ~~إذ } ظرف بمعنى وقت. و { أنتم } مبتدأ، أخبر عنه بثلاثة أخبار بعده ~~وهى { قليل } و { مستضعفون } و { تخافون }. والمراد ~~بالناس كفار قريش، أوهم وغيرهم من كفار العرب والفرس والروم. وقوله { ~~فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات } ~~بيان لما من به عليهم من نعم بعد أن كانوا محرومين منها. أى اذكروا وقت ~~أن كنتم قلة ضعيفة مستضعفة تخشى - أن يأخذها أعداؤها أخذا سريعا، فرفع ~~الله عنكم بفضله هذه الحال، وأبدلكم خيرا منها، بأن { آواكم } إلى ~~المدينة، وألف بين قلوبكم يا معشر المهاجرين والأنصار { وأيدكم ~~بنصره } فى غزوة بدر، وقذف فى قلوب أعدائكم الرعب منكم { ~~ورزقكم من الطيبات } أى ورزقكم من الغنائم التى أحلها ms2189 لكم ~~بعد أن كانت محرمة على الذين من قبلكم، كما رزقكم - أيضا بكثير من ~~المطاعم والمشارب الطيبة التى لم تكن متوفرة لكم قبل ذلك. # وقوله { لعلكم تشكرون } تذييل قصد به حضهم على مداومة الشكر ~~والطاعة لله - عز وجل - أى نقلكم الله - تعالى - من الشدة إلى الرخاء، ~~ومن القلة إلى الكثرة، ومن الضعف إلى القوة، ومن الخوف إلى الأمن، ومن ~~الفقر إلى الغنى.. حتى تستمروا على طاعة الله وشكره، ولا يشغلكم عن ذلك ~~أى شاغل. قال ابن جرير قال قتادة فى قوله - تعالى - { واذكروا إذ ~~أنتم قليل مستضعفون في الأرض... }. " كان هذا الحى من ~~العرب أذل الناس ذلا، وأشقاه عيشا وأجوعه بطونا، وأعراه جلودا، وأبيته ~~ضلالا، من عاش منهم عاش شقيا، ومن مات منهم ردى فى النار، يؤكلون ولا ~~يأكلون، والله ما نعلم قبيلا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشر منهم ~~منزلا، حتى جاء الله بالإسلام، فمكن به فى البلاد، ووسع به فى الرزق، ~~وجعلكم به ملوكا على رقاب الناس. فبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا ~~الله على نعمه، فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر فى مزيد من الله - ~~تعالى - ". وبذلك نرى أن هذه الآيات قد جمعت بين الترغيب والترهيب ~~والتذكير.. الترغيب كما فى قوله - تعالى - { يأيها الذين ~~آمنوا استجيبوا لله وللرسول... }. والترهيب كما فى قوله ~~- تعالى - { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا ~~منكم خآصة... }. والتذكير كما فى قوله - تعالى - { واذكروا ~~إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض... }. وبالترغيب فى ~~الطاعات، وبالترهيب من المعاصى، وبالتذكير بالنعم، ينجح الدعاة فى دعوتهم ~~إلى الله. ثم وجه - سبحانه - بعد ذلك نداء رابعا وخامسا إلى المؤمنين ~~فقال { يأيها الذين آمنوا...الفضل العظيم }. ### || [8.27-29] # روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { يأيها الذين ~~آمنوا لا تخونوا } روايات منها ما جاء عن ابن عباس من أنها نزلت ~~فى أبى لبابة حين بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بنى قريظة ~~فقالوا له يا أبا لباية ما ترى؟ أنزل على حكم سعد بن معاذ فينا؟ فأشار ~~أبو ms2190 لبابة إلى حلقه. أى أن حكم سعد فيكم سيكون الذبح فلا تنزلوا. قال أبو ~~لبابة والله ما زالت قدماى - عن مكانهما - حتى علمت أنى قد خنت الله ~~ورسوله. ومنها ما جاء عن جابر بن عبد الله من أنها نزلت فى منافق كتب إلى ~~أبى سفيان يطلعه على سر من أسرار المسلمين. ومنها ما جاء عن السدى من ~~أنها نزلت فى قوم كانوا يسمعون الشئ عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ثم ~~يحدثون به المشركين.. قال ابن كثير والصحيح أن الآية عامة وإن صح أنها ~~وردت على سبب خاص فإن الأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب هو المعتمد عند ~~الجماهير من العلماء. وقوله { لا تخونوا } من الخون بمعنى النقص. ~~يقال خونه تخوينا أى نسبه إلى الخيانة ونقصه. قال صاحب الكشاف معنى ~~الخون النقص، كما أن معنى الوفاء التمام. ومنه تخونه إذا تنقصه، ثم ~~استعمل فى ضد الأمانة والوفاء لأنك إذا خنت الرجل فى شئ فقد أدخلت عليه ~~النقصان فيه. وقد استعير فقيل خان الدلو الكرب - والكرب حبل يشد فى رأس ~~الدلو - وخان المشتار السبب. والمشتار مجتنى العسل والسبب الحبل - لأنه ~~إذا انقطع به فكأنه لم يف له ". والمقصود بخيانة الله ترك فرائضه وأوامره ~~التى كلف العباد بها. وانتهاك حرماته التى نهى عن الاقتراب منها. ~~والمقصود بخيانة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إهمال سننه التى جاء بها ~~وأمرنا بالتقيد بتعاليمها. والمقصود بالأمانات الأسرار والعهود والودائع ~~وغير ذلك من الشئون التى تكون بينهم وبين غيرهم مما يجب أن يصان ويحفظ. ~~والمعنى { يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله } بأن ~~تهملوا فرائضه، وتتعدوا حدوده، ولا تخونوا { والرسول } - صلى الله ~~عليه وسلم -، بأن تتركوا سنته وتتصرفوا إلى غيرها، وتخالفوا ما أمركم به ~~وتجترحوا ما نهاكم عنه، ولا تخونوا { أماناتكم } بأن تفشوا الأسرار ~~التى بينكم، وتنقضوا العهود التى تعاهدتم على الوفاء بها، وتنكروا ~~الودائع التى أودعها لديكم غيركم، وتستبيحوا ما يجب حفظه من سائر الحقوق ~~المادية والمعنوية، فقوله { وتخونوا أماناتكم } معطوف على ~~قوله { لا تخونوا }. وأعاد النهى ms2191 للإشعار بأن كل واحد من المنهى ~~عنه مقصود بذاته اهتماما به. وقوله { وأنتم تعلمون } الواو ~~للحال، والمفعول محذوف. # أى. والحال أنكم تعلمون سوء عاقبة الخائن لله ولرسوله وللأمانات التى ~~اؤتمن عليها، فعليكم أن تتجنبوا الخيانة فى جميع صورها لتنالوا رضى الله ~~ومئويته. ولما كان حب الأموال والأولاد والاشتغال بهم من أهم دواعى ~~الاقدام على الخيانة، نبه - سبحانه - إلى ذلك فقال { واعلموا ~~أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله ~~عنده أجر عظيم }. أى واعلموا - أيها المؤمنون - أنما أموالكم ~~وأولادكم فتنة، أى امتحان واختبار لكم من الله - تعالى - ليتبين قوى ~~الإيمان من ضعيفه. أما قوى الإيمان فلا يشغله ماله وولده عن طاعة الله، ~~وأما ضعيف الإيمان فيشغله ذلك عن طاعة الله ويجعله يعيش حياته عبدا ~~لأمواله، ومطيعا لمطالب أولاده حتى ولو كانت هذه الطاعة متنافية مع ~~تعاليم دينه وآدابه. وقال صاحب المنار الفتنة هى الاختبار والامتحان بما ~~يشق على النفس فعله أو تركه، أو قبوله أو إنكاره. وأموال الإنسان عليها ~~مدار حياته، وتحصيل رغائبه وشهواته، ودفع كثير من المكاره عنه، فهو يتكلف ~~فى طلبها المشاق، ويركب الصعاب، ويكلفه الشرع فيها التزام الحلال واجتناب ~~الحرام، ويرغبه فى القصد والاعتدال فى إنفاقها. وأما الأولاد فحبهم - كما ~~يقول الأستاذ الامام - ضرب من الجنون يلقيه الفاطر الحكيم فى قلوب ~~الأمهات والآباء، فيحملهم على بذل كل ما يستطاع بذله فى سبيلهم. روى أبو ~~ليلى من حديث أبى سعيد الخدرى مرفوعا " الولد ثمرة القلب، وإنه مجبنة ~~مبخلة محزنة ". فحب الولد قد يحمل الوالدين على اقتراف الآثام، وعلى ~~الجبن، وعلى البخل، وعلى الحزن. فالواجب على المؤمن اتقاء خطر الفتنة ~~الأولى يكسب المال من وجوهه الحلال، وإنفاقه فى وجوهه المشروعة.. واتقاء ~~خطر الفتنة الثانية باتباع ما أوجبه الله على الآباء من حسن تربية ~~الأولاد على الدين والفضائل، وتجنبهم أسباب المعاصى والراذئل ". وقوله { ~~وأن الله عنده أجر عظيم } تذييل قصد به ترغيب المؤمنين ~~فى طاعة الله، بعد أن حذرهم من فتنة المال والولد. أى واعلموا أن الله ~~عنده أجر عظيم لمن آثر ms2192 طاعته ورضاه على جمع المال وحب الأولاد، فكونوا - ~~أيها المؤمنون - من حزب المؤثرين لحب الله على حب الأموال والأولاد ~~لتنالوا السعادة فى الدنيا والآخرة. ثم ختم سبحانه - نداءاته للمؤمنين ~~بهذا النداء الذى يهديهم إلى سبيل الخير والفلاح فقال - سبحانه - { يا ~~أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم ~~فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم ~~والله ذو الفضل العظيم }. والفرقان فى كلام العرب - كما ~~يقول ابن جرير - مصدر من قولهم فرقت بين الشئ والشئ أفرق بينهما فرقا ~~وفرقانا - أى أفرق وأفصل بينهما. وقد اختلف أهل التأويل فى العبارة عند ~~تأويل قوله { يجعل لكم فرقانا } فقال بعضهم يجعل لكم مخرجا. # وقال بعضهم نجاة، وقال بعضهم فصلا وفرقا بين حقكم وباطل من يبغيكم السوء ~~من أعدائكم.. وكل ذلك متقارب المعنى، وإن اختلفت العبارة.. وقال الآلوسى ~~{ فرقانا } أى هداية ونورا فى قلوبكم تفرقون به بين الحق والباطل - ~~كما روى عن ابن جريج وابن زيد - أو نصرا يفرق به بين الحق والباطل بإعزاز ~~المؤمنين وإذلال الكافرين - كما قال الفراء - أو نجاة في الدارين - كما ~~هو كلام السدى - أو مخرجا من الشبهات - كما جاء عن مقاتل - أو ظهورا يشهر ~~أمركم وينشر صيتكم - كما يشعر به كلام محمد بن إسحاق - من بت أفعال كذا ~~حتى سطع الفرقان أى الصبح. وكل المعانى ترجع إلى الفرق بين أمرين. وجوز ~~البعض من المحققين الجمع بينها ". ونحن مع هذا البعض من المحققين فى جواز ~~الجمع بين هذه المعانى فيكون المعنى { يا أيها الذين آمنوا ~~إن تتقوا الله } بأن تصونوا أنفسكم عن كل ما يغضبه، وتطيعوه فى ~~السر والعلن { يجعل لكم فرقانا } أى هداية فى قلوبكم تفرقون ~~بها بين الحق والباطل ونصرا تعلو به كلمتكم على كلمة أعدائكم، ومخرجا من ~~الشبهات التى تقلق النفوس، ونجاة مما تخافون، وفضلا عن كل ذلك فإنه - ~~سبحانه - يكفر عنكم سيئاتكم، أى يسترها عليكم فى الدنيا، { ويغفر ~~لكم } أى ويغفر لكم يوم القيامة ما فرط منكم من ذنوب بلطفه وإحسانه ~~وقوله { والله ذو الفضل العظيم } تذييل قصد ms2193 به التعليل لما ~~قبله، والتنبيه على أن ما وعد به - سبحانه - المؤمنين على تقواهم إنما هو ~~تفضل منه لهم، فهو - سبحانه - صاحب العطاء الجزيل، والخير العميم. لمن ~~أطاعه واتقاه، وصان نفسه عما يسخطه ويغضبه. فأنت ترى أنه - سبحانه - قد ~~رتب على تقواه وعلى الخوف منه نعما عظمى، ومننا كبرى، وأى نعم يتطلع ~~إليها المؤمنون أفضل من هداية القلوب وتكفير الخطايا والذنوب؟. اللهم لا ~~تحرمنا من هذه النعم والمنن بفضلك وإحسانك، فأنت وحدك صاحب العطاء ~~العميم، وأنت وحدك ذو الفضل العظيم، وأنت وحدك على كل شئ قدير. وبعد فنحن ~~- أخى القارئ - لو استعرضنا سورة الأنفال من مطلعها إلى هنا، لرأينا ~~تحدثنا - على سبيل الإجمال - عن أ أحكام الأنفال، وأن مرد الحكم فيها ~~إلى الله ورسوله.. ب وعن الصفات الكريمة التى يجب أن يتحلى بها المؤمنون ~~لينالوا مغفرة الله ورضوانه. ج وعن أحوال بعض المؤمنين الذين اشتركوا فى ~~غزوة بدر، وكانوا يفضلون العير على النفير. ولكن - الله تعالى - بين لهم ~~أن الخير فيما قدره لا فيما يفضلون. د وعن النعم والبشارات وأسباب النصر ~~التى أمد الله بها المؤمنين فى بدر والتى كان من آثارها ارتفاع شأنهم ~~واندحار شأن أعدائهم. # ه وعن التوجيهات الحكيمة التى أعقبت تلك النداءات الخمسة التى نادى ~~الله بها المؤمنين، فقد أمرهم - سبحانه - بالثبات فى وجه أعدائهم، ~~وبالطاعة التامة له ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - وبالاستجابة السريعة ~~للحق الذى جاءهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم -.. ونهتهم عن التولى ~~يوم الزحف وعن التشبه بمن قالوا سمعنا وهم لا يسمعون، وعن إقرار المنكرات ~~والبدع والرضا بها، وعن خيانة الله والرسول، وعن خيانة الأمانات التى تجب ~~صيانتها والمحافظة عليها. ووعدهم - سبحانه - بهداية القلوب، وتكفير ~~الخطايا والذنوب، متى اتقوه ووقفوا عند حدوده. و والآن، وبعد هذ التوجيه ~~الحكيم، والتأديب القويم، والتعليم النافع والتذكير بالنعم، والتحذير من ~~النقم.. ماذا نرى؟ نرى السورة الكريمة تأخذ فى تذكير المؤمنين بجوانب من ~~جرائم أعدائهم فتقص عليهم ما كان من هؤلاء الأعداء من تآمر على حياة ~~رسولهم ms2194 - صلى الله عليه وسلم - ومن تهكم بالقرآن الكريم وادعاء أنهم فى ~~استطاعتهم أن يأتوا بمثله لو شاءوا، ومن استهزاء بتعاليم الإسلام، ~~وسخرية بشعائره وعباداته، ومن إنفاق لأموالهم ليصدوا الناس عن الطريق ~~للحق، ومن إصرار على العناد والجحود جعلهم يستعجلون العذاب. ومع كل هذا ~~فالسورة الكريمة تفتح الباب فى وجوه هؤلاء الجاحدين المعاندين، وتأمر ~~المؤمنين أن ينصحوهم بالدخول فى دين الله.. فإذا لم يستجيبوا لنصحهم ~~فعليهم أن يقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. استمع - أخى ~~القارئ - بتدبر إلى الآيات التى حكى كل ذلك بأسلوبها البليغ المؤثر فتقول ~~{ وإذ يمكر بك...ونعم النصير }. ### || [8.30-40] # قال ابن كثير # " عن ابن عباس فى قوله { وإذ يمكر بك الذين كفروا } ~~أنه قال تشاورت قريش ليلة بمكة - فى شأن النبى - صلى الله عليه وسلم، ~~وذلك بعد أن رأوا أمره قد اشتهر، وأن غيرهم قد آمن به - فقال بعضهم إذا ~~أصبح فأثبتوه بالوثاق. وقال بعضهم بل اقتلوه. وقال بعضهم بل أخرجوه. ثم ~~اتفقوا أخيرا على قتله -، فأطلع الله تعالى نبيه على ذلك، وأمره أن لا ~~يبيت فى مضجعه، فأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - عليا أن يبيت مكانه ~~ففعل وخرج النبى - صلى الله عليه وسلم - حتى لحق بالغار، وبات المشركون ~~يحرسون عليا يحسبونه النبى - صلى الله عليه وسلم - فلما أصبحوا ثاروا ~~إليه، فلما رأوا عليا قالوا له أين صاحبك؟ قال لا أدرى. فاقتصوا أثره، ~~فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا فى الجبل فمروا بالغار، فرأوا على ~~بابه نسج العنكبوت، فقالوا لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، ~~فمكث فيه ثلاث ليال ". # وقد ذكر ابن كثير وغيره روايات أخرى تتعلق بهذه الآية، إلا أننا نكتفى ~~بهذه الرواية، لإفادتها بالمطلوب فى موضوعنا، ولأن غيرها قد اشتمل على ~~أخبار أنكرها بعض المحققين، كما أنكرها ابن كثير نفسه. وقوله { وإذ ~~يمكر.. } تذكير من الله - تعالى - لنبيه وللمؤمنين ببعض نعمه عليهم، ~~حيث نجى نبيه - صلى الله عليه وسلم - من مكر المشركين حين تآمروا على ~~قتله وهو بينهم بمكة. ms2195 قال ابن جرير أنزل الله على النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - بعد قدومه المدينة سورة الأنفال، يذكره نعمه عليه - ومن ذلك قوله ~~- تعالى - { وإذ يمكر بك الذين كفروا.. } الآية. وقوله ~~{ يمكر } من المكر، وهو - كما يقول الراغب - صرف الغير عما يقصده ~~بحيلة وذلك ضربان مكر محمود وذلك أن يتحرى بمكره فعلا جميلا ومنه قوله - ~~تعالى - { والله خير الماكرين }. ومكر مذموم، وهو أن يتحرى ~~بمكره فعلا قبيحا، ومنه قوله - تعالى - { وإذ يمكر بك الذين ~~كفروا.. } وقال - سبحانه - وتعالى - فى الأمرين # ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون # وقوله " ليثبتوك " أى ليحبسوك. يقال أثبته إذا حبسته. والمعنى واذكر - ~~يا محمد - وقت ان نجيتك من مكر أعدائك، حين تآمروا عليك وأنت بين اظهرهم ~~فى مكة، لكى { يثبتوك } أى يحسبوك فى دارك، فلا تتمكن من لقاء الناس ~~ومن دعوتهم إلى الدين الحق { أو يقتلوك } بواسطة مجموعة من الرجال ~~الذين اختلفت قبائلهم فى النسب، حتى يتفرق دمك فيهم فلا تقدر عشيرتك على ~~الأخذ بثأرك من هذه القبائل المتعددة. # . { أو يخرجوك } أى من مكة منفيا مطاردا حتى يحولوا بينك وبين ~~لقاء قومك. وقوله { ويمكرون ويمكر الله والله خير ~~الماكرين } بيان لموضع النعمة والمنة، أى والحال أن هؤلاء المشركين ~~يمكرون بك وبأتباعك المكر السئ، والله - تعالى - يرد مكرهم فى نحورهم، ~~ويحبط كيدهم، ويخيب سعيهم، ويعاقب عليه عقابا شديدا، ويدبر أمرك وأمر ~~أتباعك، ويحفظكم من شرورهم، فهو - سبحانه - أقوى الماكرين، وأعظمهم ~~تأثيرا، وأعلمهم بما يضر منه وما ينفع. قال الآلوسى قوله { ويمكرون ~~ويمكر الله } أى برد مكرهم ويجعل وخامته عليهم، أو يجازيهم عليه ~~أو يعاملهم معاملة الماكرين، وذلك بأن أخرجهم إلى بدر، وقلل المسلمين فى ~~أعينهم حتى حملوا فلقوا منهم ما يشيب منه الوليد. { والله خير ~~الماكرين } إذ لا يعتد بمكرهم عند مكره - سبحانه - وإطلاق هذا ~~المركب الإضافى عليه - تعالى - إن كان باعتبار أن مكره - سبحانه - أنفذ ~~وأبلغ تأثيرا فالإضافة للتفضيل، لأن لمكر الغير - أيضا نفوذا أو تأثيرا ~~فى الجملة.. وإن كان باعتبار أنه - سبحانه - لا ينزل إلا ms2196 الحق ولا يصيب ~~إلا ما يستوجب الممكور به، فلا شركة لمكر الغير فيه، وتكون الإضافة ~~حينئذ للاختصاص، لانتفاء المشاركة.. هذا والصورة التى يرسمها قوله - ~~تعالى - { ويمكرون ويمكر الله } صورة عميقة التأثير، ذلك ~~حين تتراءى للخيال ندوة قريش، وهم يتآمرون ويتذاكرون ويدبرون ويمكرون، ~~والله من ورائهم محيط، ويمكر بهم ويبطل كيدهم وهم لا يشعرون. إنها صورة ~~ساخرة، وهى فى الوقت ذاته صورة مفزعة.. فأين هؤلاء البشر الضعاف ~~المهازيل، من تلك القدرة القادرة... قدرة الله الجبار، القاهر فوق عباده، ~~الغالب على أمره، وهو بكل شئ محيط؟ والتعبير القرآنى يرسم الصورة على ~~طريقة القرآن الفريدة فى التصوير، فيهز بها القلوب، ويحرك بها أعماق ~~الشعور ". ثم حكى القرآن بعد ذلك جانبا من الدعاوى الكاذبة التى تفوه بها ~~المشركون فقال - تعالى - { وإذا تتلى عليهم آياتنا ~~قالوا قد سمعنا لو نشآء لقلنا مثل هذا إن ~~هذآ إلا أساطير الأولين }. وقد ذكر كثير من المفسرين # " أن القائل لهذا القول النضر بن الحارث فإنه كان قد ذهب إلا بلاد فارس ~~فأحضر منها قصصا عن ملوكهم.. ولما قدم مكة ووجد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يتلو القرآن قال للمشركين لو شئت لقلت مثل هذا، وكان - صلى ~~الله عليه وسلم - إذا قام من مجلس، جاء بعده النضر فجلس فيه وحدث ~~المشركين بأخبار ملوك الفرس والروم، وغيرهم ثم قال أينا أحسن قصصا؟ أنا ~~أو محمد؟ وقد أمكن الله منه يوم بدر، فقد أسره المقداد بن عمرو، فأمر ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - بضرب عنقه وقال فيه " إنه كان يقول فى كتاب ~~الله - عز وجل - ما يقول " ". # وأسند - سبحانه - قول النضر إلى جميع المشركين، لأنهم كانوا راضين ~~بقوله، ولأنه كان من زعمائهم الذين يقودونهم إلى طريق الغواية. والأساطير ~~- كما يقول ابن جرير - جمع أسطر، وهو جمع الجمع، لأن واحد الأسطر سطر. ثم ~~يجمع السطر أسطر وسطور، ثم يجمع الأسطر أساطير وأساطر. وقد كان بعض أهل ~~العربية يقول واحد الأساطير أسطورة - كأحاديث وأحدوثة. والمراد بها تلك ~~القصص والحكايات التى كتبها الكاتبون عن ms2197 القدامى، والتى يغلب عليها طابع ~~الخرافة والتخيلات التى لا حقيقة لها. والمعنى أن هؤلاء المشركين قد بلغ ~~بهم الكذب والتمادى فى الطغيان، أنهم كانوا إذا تتلى عليهم آيات الله { ~~قالوا } بصفاقة ووقاحة { قد سمعنا } أى قد سمعنا ما قرأته علينا ~~- يا محمد - ووعيناه { لو نشآء لقلنا مثل هذا } أى لو ~~نشاء لقلنا مثل هذا القرآن الذى تتلوه علينا يا محمد وما هو إلا من قصص ~~الأولين وحكاياتهم التى سطرها بعضهم عنهم وليس من عند الله - تعالى -. ~~ولا شك أن قولهم هذا يدل على تعمدهم الكذب على أنفسهم وعلى الناس فإن هذا ~~القرآن - الذى زعموا أنهم لو شاءوا لقالوا مثله - قد تحداهم فى نهاية ~~المطاف أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا وانقلبوا خاسرين. والذى نعتقده أن ~~قولهم هذا، ما هو إلا من قبيل الحرب النفسية التى كانوا يشنونها على ~~الدعوة الإسلامية، بقصد تضليل البسطاء، والوقوف فى وجه تأثير القرآن فى ~~القلوب، ومحاولة طمس معالم الحق ولو إلى حين. ولكنهم لم يفلحوا. فإن نور ~~الحق لا تحجبه الشبهات الزائفة، ولا يعدم الحق أن يجد له أنصارا حتى من ~~أعدائه، يكفى هنا أن نستشهد بما قاله الوليد بن المغيرة فى وصف القرآن ~~الكريم " إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن اسفله لمغدق، وإن أعلاه ~~لمثمر.. وما يقول هذا بشر ". ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره ~~لقوله - تعالى - { لو نشآء لقلنا مثل هذا... } نفاجة ~~منهم وصلف تحت الراعدة، فإنهم لم يتوانوا فى مشيئتهم لو ساعدتهم ~~الاستطاعة، وإلا فما منعهم إن كانوا مستطيعين أن يشاؤوا غلبة من تحداهم ~~وقرعهم بالعجز حتى يفوزوا بالقدح المعلى دونه، مع فرط أنفتهم، واستنكافهم ~~أن يغلبوا فى باب البيان خاصة... " ثم تمضى السورة فى حديثها عن رذائل ~~مشركى قريش، فتحكى لونا عجيبا من ألوان عنادهم، وجحودهم للحق. فتقول { ~~وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا ~~بعذاب أليم }.. وقائل هذا القول النضر بن الحارث صاحب القول ~~السالف { لو نشآء ms2198 لقلنا مثل هذا. # .. } ذكر ذلك عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير. وأخرج البخارى عن أنس بن مالك ~~أن قائل ذلك أبو جهل بن هشام. وأخرجه ابن جرير عن ابن رومان ومحمد بن قيس ~~أن قريشا قال بعضها لبعض أأكرم الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - من ~~بيننا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء. ~~والمعنى أن هؤلاء المشركين قد بلغ بهم العناد والجحود أنهم لم يكتفوا ~~بإنكار أن القرآن من عند الله، وأن محمدا قد جاءهم بالحق.. بل أضافوا إلى ~~ذلك قولهم اللهم إن كان هذا الذى جاءنا به محمد من قرآن وغيره هو الحق ~~المنزل من عندك، فعاقبنا على إنكاره والكفر به، بأن تنزل علينا حجارة من ~~السماء تهلكنا. أو تنزل علينا عذابا أليما يقضى علينا. قال الجمل قوله { ~~هو الحق } قرأ العامة " الحق " بالنصب على أنه خبر الكون ولفظ { ~~هو } للفصل. وقرأ الأعمش وزيد بن على " الحق " بالرفع ووجهها ظاهر برفع ~~لفظ " هو " على الابتداء، والحق خبره، والجملة خبر الكون. وفى إطلاقهم { ~~الحق } على ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وجعله من عند الله ~~تهكم بمن يقول ذلك سواء أكان هذا القائل - رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أو المؤمنين. وأل فيه للعهد أى الحق الذى ادعى محمد أنه جاء به من ~~عند الله. وقوله { من السمآء } متعلق بمحذوف صفة لقوله { ~~حجارة } وفائدة هذا الوصف الدلالة على أن المراد بها حجارة معينة ~~مخصوصة لتعذيب الظالمين. قال صاحب الكشاف وهذا أسلوب من الجحود بليغ. ~~يعنى إن كان القرآن هو الحق فعاقبنا على إنكاره بالسجيل كما فعلت بأصحاب ~~الفيل، أو بعذاب آخر.. ومرادهم نفى كونه حقا، وإذا انتفى كونه حقا لم ~~يستوجب منكره عذابا، فكان تعليق العذاب بكونه حقا، مع اعتقاد أنه ليس بحق ~~كتعليقه بالمحال فى قولك إن كان الباطل حقا فأمطر علينا حجارة من السماء. ~~فإن قلت ما فائدة قوله { من السمآء } والأمطار لا تكون إلا منها؟ ~~قلت كأنهم يريدون أن ms2199 يقولوا فأمطر علينا السجيل وهى الحجارة المسومة ~~للعذاب، فوضع حجارة من السماء موضع السجيل. وعن معاوية أنه قال لرجل من ~~سبأ ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة، فقال الرجل أجهل من قومى قومك، ~~فقد قالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين دعاهم إلى الحق { إن ~~كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السمآء... } ولم يقولوا إن كان هذا هو الحق فاهدنا ~~له. ولقد كان هذا الرجل حكيما فى رده على معاوية، لأنه كان الأولى بأولئك ~~المشركين أن يقولوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له ووفقنا ~~لاتباعه. # . ولكن العناد الجامح الذى استولى عليهم جعلهم يؤثرون الهلاك على ~~الإذعان للحق ويفضلون عبادة الأصنام على اتباع محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - الذى دعاهم إلى عبادة الله وحده.. وهكذا النفوس عندما تنغمس فى ~~الأحقاد وتتمادى فى الجحود. وتنقاد للأهواء والشهوات، وتأخذها العزة ~~بالإثم. ترى الباطل حقا، والحق باطلا، وتؤثر العذاب وهى سادرة فى ~~باطلها، على الخضوع للحق والمنطق والصواب. ثم تعقب السورة على هذا الدعاء ~~الغريب الذى حكته عن مشركى مكة، فتبين الموجب لإمهالهم وعدم إجابة ~~دعائهم فتقول { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ~~وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون }. أى وما كان ~~الله مريدا لتعذيب هؤلاء الذين دعوا بهذا الدعاء الغريب تعذيب استئصال ~~وإهلاك، وأنت مقيم فيهم - يا محمد - بمكة، فقد جرت سنته - سبحانه - ألا ~~يهلك قرية مكذبة وفيها نبيها والمؤمنون به حتى يخرجهم منها ثم يعذب ~~الكافرين. واللام فى قوله { ليعذبهم } لتأكيد النفى، وللدلالة ~~على أن تعذيبهم والرسول - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرهم غير مستقيم فى ~~الحكمة. والمراد بالاستغفار فى قوله { وما كان الله معذبهم ~~وهم يستغفرون } استغفار من بقى بينهم من المؤمنين المستضعفين ~~الذين لم يستطيعوا مغادرة مكة بعد أن هاجر منها النبى - صلى الله عليه ~~وسلم والمؤمنون. أى ما كان الله مريدا لتعذيبهم وأنت فيهم - يا محمد - ~~وما كان - أيضا - مريدا تعذيبهم وبين أظهرهم بمكة من المؤمنين ~~المستضعفين من يستغفر ms2200 الله، وهم الذين لم يستطيعوا مغادرتها واللحاق بك ~~فى المدينة. قالوا ويؤيد أن هذا هو المراد بالاستغفار قوله - تعالى - فى ~~آية أخرى { لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم ~~عذابا أليما } أى لو تميز المؤمنون عن الكافرين لعذبنا الذين كفروا ~~عذابا أليما. وأسند - سبحانه - الاستغفار إلى ضمير الجميع، لوقوعه فيما ~~بينهم، ولتنزيل ما صدر عن البعض منزلة ما صدر عن الكل. كما يقال قتل أهل ~~بلدة كذا فلانا والمراد بعضهم. ويرى بعضهم أن المراد بالاستغفار المذكور ~~استغفار الكفرة أنفسهم كقولهم غفرانك. فى طوافهم بالبيت، أو ما يشبه ذلك ~~من معانى الاستغفار وكأن هذا البعض يرى أن مجرد طلب المغفرة منه - سبحانه ~~- يكون مانعا من عذابه ولو كان هذا الطلب صادرا من الكفرة. ويرجع ابن ~~جرير أن المراد بقوله { وهم يستغفرون } نفى الاستغفار عنهم فقد ~~قال بعد أن ذكر بضعة آراء وأولى هذه الأقوال عندى بالصواب قول من قال ~~تأويله وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم يا محمد، وبين أظهرهم مقيم، حتى ~~أخرجك من بين أظهرهم، لأنى لا أهلك قرية وفيها نبيها، وما كان الله ~~معذبهم وهم يستغفرون من ذنوبهم وكفرهم، ولكنهم لا يستغفرون من ذلك بل هم ~~مصرون عليه، فهم للعذاب مستحقون. # .. " قال بعض المحققين والقول الأول أبلغ لدلالته على أن استغفار الغير ~~مما يدفع به العذاب عن أمثال هؤلاء الكفرة. ثم قال روى الترمذى عن أبى ~~موسى الأشعرى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - # " أنزل الله على أمانين لأمتى { وما كان الله ~~ليعذبهم... } الآية. فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم ~~القيامة ". # قال ابن كثير ويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد والحاكم وصححه عن أبى ~~سعيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال # " إن إبليس قال لربه بعزتك وجلالك لا أبرح أغوى بنى آدم ما دامت الأرواح ~~فيهم. فقال الله - تعالى - فبعزتى وجلالى لا أبرح أغفر لهم ما استغفرونى ~~". # ثم بين - سبحانه - بعض الجرائم التى ارتكبها المشركون، والتى تجعلهم ~~مستحقين لعذاب الله، فقال - تعالى - { وما لهم ألا ms2201 يعذبهم ~~الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا ~~أوليآءه إن أوليآؤه إلا المتقون ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون }. والمعنى وأى شئ يمنع من عذاب مشركى قريش ~~بعد خروجك - يا محمد - وخروج المؤمنين المستضعفين من بين أظهرهم؟ إنه لا ~~مانع أبدا من وقوع العذاب عليهم وقد وجد مقتضيه منهم، حيث اجترحوا من ~~المنكرات والسيئات ما يجعلهم مستحقين للعقاب الشديد. فالاستفهام فى قوله ~~{ وما لهم.. } إنكارى بمعنى النفى. أى لا مانع من تعذيب الله لهم ~~وقوله { وهم يصدون عن المسجد الحرام } جملة حالية ~~مبينة لجريمة من جرائمهم الشنيعة، أى لا مانع يمنع من تعذيبهم وكيف لا ~~يعذبون وحالهم أنهم يمنعون المؤمنين عن الطواف بالمسجد الحرام، ومن ~~زيارته. ومن مباشرة عباداتهم عنده..؟ إنهم لا بد أن يعذبوا على هذه ~~الجرائم. ولقد أوقع الله بهم عذابه فى الدنيا ومن ذلك ما حدث لهم يوم بدر ~~من قتل صناديدهم ومن أسر وجهائهم. وأما عذابهم فى الآخرة فهو أشد وأبقى ~~من عذابهم فى الدنيا. وقوله { وما كانوا أوليآءه } رد على ما ~~كانوا يقولونه بالباطل نحن ولاة البيت الحرام، فلنا أن نصد من نشاء عن ~~دخوله، ولنا أن نبيح لمن نشاء دخوله. أى إن هؤلاء المشركين ما كانوا فى ~~يوم من الأيام أهلا لولاية البيت الحرام بسبب شركهم وعداوتهم - لله تعالى ~~- رب هذا البيت. وقوله { إن أوليآؤه إلا المتقون ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون } بيان للمستحقين لولاية البيت ~~الحرام، بعد نفيها عن المشركين. أى إن هؤلاء المشركين ليسوا أهلا لولاية ~~البيت الحرام، وليسوا أهلا لأن يكونوا أولياء لله - تعالى - بسبب كفرهم ~~وجحودهم، وإنما المستحقون لذلك هم المتقون الذين صانوا أنفسهم عن الكفر ~~وعن الشرك وعن كل ما يغضب الله، ولكن أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون ذلك ~~بسبب جهلهم وتماديهم فى الجحود والضلال. # وقد جاءت جملة { إن أوليآؤه إلا المتقون } مؤكدة بأقوى ~~ألوان التأكيد، لنفى كل ولاية على البيت الحرام سوى ولايتهم هم. ونفى - ~~سبحانه - العلم عن أكثر المشركين، لأن قلة منهم كانت تعلم أنه لا ولاية ~~لها على ms2202 المسجد الحرام ولكنها كانت تجحد ذلك عنادا وغرورا. أو أن ~~المراد بالأكثر الكل، لأن للأكثر حكم الكل فى كثير من الأحكام، كما أن ~~الأقل قد لا يعتبر فينزل منزلة العدم. ثم حكى - سبحانه - لونا آخر من ~~ألوان ضلال هؤلاء المشركين وجحودهم فقال { وما كان صلاتهم عند ~~البيت إلا مكآء وتصدية فذوقوا العذاب بما ~~كنتم تكفرون }. وقال القرطبى ما ملخصه قال ابن عباس كانت قريش ~~تطوف بالبيت عراة، يصفقون ويصفرون، فكان ذلك عبادة فى ظنهم. والمكاء ~~الصفير. يقال مكا يمكو مكوا ومكاء إذا صفر. والتصدية التصفيق. يقال صدى ~~يصدى تصدية إذا صفق. قال قتادة المكاء ضرب بالأيدى، والتصدية الصياح. ~~والمعنى أن هؤلاء المشركين لم تكن صلاتهم عند البيت الحرام إلا تصفيقا ~~وتصفيرا، وهرجا ومرجا لاوقار فيه، ولا استشعار لحرمة البيت، ولا خشوع ~~لجلاله الله - تعالى -، وذلك لجلهلهم بما يجب عليهم نحو خالقهم، ولحرصهم ~~على أن يسيئوا إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - وهو يقرأ القرآن، أو وهو ~~يطوف بالبيت، أو وهو يؤدى شيئا من شعائر الإسلام وعباداته. فقد حكى ~~القرآن عنهم أنهم كانوا إذا سمعوا القرآن رفعوا أصواتهم بالصياح والغناء ~~ليمنعوا الناس من سماعه. قال - تعالى - # وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ~~والغوافيه لعلكم تغلبون # وروى ابن جرير أن ابن عمر حكى فعلهم، فصفر، وأمال خده وصفق بيديه. وقال ~~مجاهد إنهم كانوا يصنعون ذلك ليخلطوا على النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~صلاته. وعن سعيد بن جبير كانت قريش يعارضون النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~فى الطواف يستهزئون به، يصفرون ويصفقون. وقال الفخر الرازى فإن قيل ~~المكاء والتصدية ما كانا من جنس الصلاة فكيف جاز استثناؤهما من الصلاة؟ ~~قلنا فيه وجوه الأول أنهم كانوا يعتقدون أن المكاء والتصدية من جنس ~~الصلاة فخرج هذا الاستثناء على حسب، معتقدهم. الثانى أن هذا كقولك وددت ~~الأمير فجعل جفائى صلتى. أى أقام الجفاء مقام الصلة فكذا هنا. الثالث ~~الغرض منه أن من كان المكاء والتصدية صلاته فلا صلاة له. كما تقول العرب ~~ما لفلان عيب ms2203 إلا السخاء. يريد من كان السخاء عيبه فلا عيب له. وقوله { ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } وعيد لهم على كفرهم ~~وجحودهم، واستهزائهم بشعائر الله. أى فذوقوا - أيها الضالون - العذاب ~~الشديد بسبب كفركم وعنادكم واستهزائكم بالحق الذى جاءكم به محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - من عند الله، ثم حكى - سبحانه - ما كانوا يفعلونه من ~~إنفاق أموالهم لا فى الخير ولكن فى الشرور والآثام وتوعدهم على ذلك بسوء ~~المصير فقال - تعالى - { إن الذين كفروا ينفقون ~~أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم ~~تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا ~~إلى جهنم يحشرون. # . }. روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما ذكره محمد بن ~~إسحاق عن الزهرى وغيره قالوا لما أصيبت قريش يوم بدر، ورجع فلهم - أى ~~جيشهم المهزوم - إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيره، مشى عبد الله بن ربيعة ~~وعكرمة بن أبى جهل، وصفوان بن أمية فى رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم ~~وإخوانهم فى بدر، فكلموا أبا سفيان بن حرب، ومن كانت له فى تلك العير من ~~قريش تجارة، فقالوا يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم، ~~فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا أن ندرك منه ثأرا بمن أصيب منا. ~~ففلعوا. قال ففيهم - كما ذكر عن ابن عباس - أنزل الله - تعالى - { إن ~~الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل ~~الله.. } الآية. وروى ابن جرير عن سعيد بن جبير قال نزلت فى أبى سفيان ~~بن حرب، استأجر يوم غزوة أحد ألفين من الأحابيش من بنى كنانة، فقاتل بهم ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - وروى عن الكلبى والضحاك ومقاتل أنها نزلت ~~فى المطعمين يوم بدر، وكانوا اثنى عشر رجلا من قريش... كان كل واحد منهم ~~يطعم الناس كل يوم عشر جزر. قال ابن كثير وعلى كل تقدير فهى عامة وإن كان ~~سبب نزولها خاصا. أى أن الآية الكريمة تتناول بوعيدها كل من يبذل أمواله ~~فى الصد عن سبيل الله، وفى تأييد الباطل ومعارضة الحق. المعنى أن الذين ~~كفروا بالحق ms2204 لما جاءهم { ينفقون أموالهم } لافى جوه الخير، ~~وإنما ينفقونها { ليصدوا عن سبيل الله } أى ينفقونها ~~ليمنعوا الناس عن الدخول فى الدين الذى يوصلهم إلى رضا الله وإلى طريقه ~~القويم. واللام فى قوله { ليصدوا } لام الصيرورة، ويصح أن تكون ~~للتعليل لأن غرضهم منع الناس عن الدخول فى دين الله الذى جاء به النبى - ~~صلى الله عليه وسلم -، والذى يرونه دينا مخالفا لما كان عليه الآباء ~~والأجداد فيجب محاربته فى زعمهم. وقوله { فسينفقونها ثم ~~تكون عليهم حسرة ثم يغلبون... } بيان لما سيؤول إليه ~~أمرهم فى الدنيا من الخيبة والهزيمة والندامة. أى فسينفقون هذه الأموال ~~فى الشرور والعدوان، ثم تكون عاقبة ذلك حسرة وندامة عليهم، لأنهم لم ~~يصلوا - ولن يصلوا - من وراء إنفاقها إلى ما يبغون ويؤملون. # وفضلا عن كل هذا فستكون نهايتهم الهزيمة والإذلال فى الدنيا، لأن سنة ~~الله قد اقتضت أن يجعل النصر فى النهاية لأتباع الحق لالأتباع الباطل. ~~وقوله { فسينفقونها } خبر إن فى قوله { إن الذين ~~كفروا.. } واقترن الخبر بالفاء لتضمن المبتدأ الموصول مع صلته معنى ~~الشرط، فصار الخبر بمنزلة الجزاء بحسب المعنى. وفى تكرير الإنفاق فى شبه ~~الشرط والجزاء، إشعار بكمال سوء إنفاقهم، حيث إنهم لم ينفقوا أموالهم فى ~~خير أو ما يشبه الخير، وإنما أنفقوها فى الشرور المحضة. وجاء العطف بحرف ~~{ ثم } للدلالة على البون الشاسع بين ما قصدوه من نفقتهم وبين ما آل ~~ويئول إليه أمرهم. فهم قد قصدوا بنفقتهم الوقوف فى وجه الحق والانتصار ~~على المؤمنين.. ولكن هذا القصد ذهب أدراج الرياح، فقد ذهبت أموالهم سدى، ~~وغلبوا المرة بعد المرة، وعاد المؤمنون إلى مكة فاتحين ظافرين بعد أن ~~خرجوا منها مهاجرين. وقوله { والذين كفروا إلى جهنم ~~يحشرون } بيان لسوء مصيرهم فى الآخرة، بعد بيان حسرتهم وهزيمتهم فى ~~الدنيا. أى أن هؤلاء الكافرين ستكون عاقبة إنفاقهم لأموالهم الحسرة ~~والهزيمة فى الدنيا، أما فى الآخرة فسيكون مصيرهم الحشر والسوق إلى نار ~~جهنم لا إلى غيرها. وقوله { ليميز الله الخبيث من ~~الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه ~~جميعا ms2205 فيجعله في جهنم... } بيان لحكمته - سبحانه - فى ~~هزيمة الكافرين وحشرهم إلى جهنم. وقوله { فيركمه } أى فيجمعه ويضم ~~بعضه إلى بعض يقال ركم الشئ يركمه، إذا جمعه وألقى بعضه على بعضه. وارتكم ~~الشئ وتراكم أى اجتمع. والمعنى أنه - سبحانه - فعل ما فعل من خذلان ~~الكافرين وحشرهم إلى جهنم، ومن تأييد المؤمنين وفوزهم برضوانه، ليتميز ~~الفريق الخبيث وهو فريق الكافرين، من الفريق الطيب وهو فريق المؤمنين، ~~فإذا ما تمايزوا جعل - سبحانه - الفريق الخبيث منضما بعضه على بعض، فيلقى ~~به فى جهنم جزاء خبثه وكفره. واللام فى قوله { ليميز } متلعقة بقوله ~~{ يغلبون } أو بقوله { يحشرون } ويجوز أن يكون المراد بالخبيث ~~ما أنفقه الكافرون من أموال للصد عن سبيل الله، وبالطيب ما أنفقه ~~المؤمنون من أموال لإعلاء كلمة الله. وعليه تكون اللام فى قوله { ~~ليميز } متعلقة بقوله { ثم تكون عليهم حسرة } أى أنه ~~- سبحانه - يميز هذه الأموال بعضها من بعض، ثم يضم الأموال الخبيثة بعضها ~~إلى بعض، فيلقى بها وبأصحابها فى جهنم. والتعبير بقوله - سبحانه - { ~~فيركمه جميعا } تعبير مؤثر بليغ، لأنه يصور الفريق الخبيث كأنه ~~لشدة تزاحمه وانضمام بعضه إلى بعض شئ متراكم مهمل، يقذف به فى النار بدون ~~اهتمام أو اعتبار. واسم الإشارة فى قوله { أولئك هم ~~الخاسرون } يعود إلى هذا الفريق الخبيث، أى أولئك الكافرون الذين ~~أنفقوا أموالهم فى الصد عن سبيل الله هم الخاسرون لدنياهم وآخرتهم. # وبعد كل هذا التهديد والوعيد للكافرين.. يوجه - سبحانه - خطابه إلى نبيه ~~- صلى الله عليه وسلم - يأمره فيه أن يبلغهم حكم الله إذا ما انتهوا عن ~~كفرهم، كما يأمر المؤمنين أن يقاتلوهم حتى تكون كلمة الله هى العليا، ~~فيقول - سبحانه - { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر ~~لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة ~~الأولين وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون ~~الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما ~~يعملون بصير وإن تولوا فاعلموا أن الله ~~مولاكم نعم المولى ونعم النصير }. أى { قل } يا ~~محمد لهؤلاء الذين كفروا بالحق لما جاءهم، من أهل مكة وغيرهم، ms2206 قل لهم { ~~إن ينتهوا } عن كفرهم وعداوتهم للمؤمنين { يغفر لهم ما ~~قد سلف } من كفرهم ومعاصيهم { وإن يعودوا } إلى قتالك ~~ويستمروا فى ضلالهم وكفرهم وطغيانهم، انتقمنا منهم، ونصرنا المؤمنين ~~عليهم { فقد مضت سنة الأولين } على ذلك. أى فقد مضت سنة ~~الله - تعالى - فى الأولين، وسنته لا تتخلف فى أنه - سبحانه - يعذب ~~المكذبين بعد إنذارهم وتبليغهم دعوته، وينصر عباده المؤمنين وينجيهم ~~ويمكن لهم فى الأرض. وقد رأى هؤلاء المشركون كيف كانت عاقبة أمرهم فى ~~بدر، وكيف أهلك - سبحانه - الكافرين من الأمم قبلهم. وجواب الشرط لقوله { ~~وإن يعودوا } محذوف والتقدير وإن يعودوا ننتقم منهم. وقوله { ~~فقد مضت سنة الأولين } تعليل للجواب المحذوف. قال الآلوسى ~~قوله { فقد مضت سنة الأولين } أى عادة الله الجارية فى ~~الذين تحزبوا على الأنبياء، من نصر المؤمنين عليهم وخذلانهم وتدميرهم. ~~وأضيفت السنة إليهم لما بينهما من الملابسة الظاهرة. ونظير ذلك قوله - ~~سبحانه - # سنة من قد أرسلنا # فأضاف السنة إلى المرسلين مع أنها سنته لقوله - سبحانه - # ولا تجد لسنتنا تحويلا # باعتبار جريانها على أيديهم. ويدخل فى الأولين الذين حاق بهم مكرهم يوم ~~بدر. والآية حث على الإيمان وترغيب فيه.. واستدل بها على أن الإسلام ~~يجب ما قبله، وأن الكافر إذا أسلم لا يخاطب بقضاء ما فاته من صلاة أو ~~زكاة أو وصوم أو إتلاف مال أو نفس. وأجرى المالكية ذلك كله فى المرتد إذا ~~تاب لعموم الآية... " وقوله { وقاتلوهم حتى لا تكون ~~فتنة ويكون الدين كله لله... } أمر من الله - تعالى - ~~للمؤمنين بقتال الكافرين إذا ما استمروا فى كفرهم وطغيانهم. والمعنى ~~عليكم - أيها المؤمنون - إذا ما استمر أولئك الكافرون فى كفرهم وعدوانهم، ~~أن تقاتلوهم بشدة وغلظة، وأن تستمروا فى قتالهم حتى تزول صولة الشرك، ~~وحتى تعيشوا أحرارا فى مباشرة تعاليم دينكم، دون أن يجرؤ أحد على محاولة ~~فتنتكم فى عقيدتكم أو عبادتكم.. وحتى تصير كلمة الذين كفروا هى السفلى. # قال الجمل وقوله { وقاتلوهم... } معطوف على قوله { قل للذين ~~كفروا }. ولكن لما كان الغرض من الأول التلطف بهم وهو وظيفة ms2207 النبى ~~وحده جاء بالإفراد. ولما كان الغرض من الثانى تحريض المؤمنين على القتال ~~جاء بالجمع فخوطبوا جميعا. وقوله { فإن انتهوا فإن الله ~~بما يعملون بصير } أى فإن انتهوا عن كفرهم وعن معاداتكم، فكفوا ~~أيديكم عنهم، فإن الله - تعالى - لا يخفى عليه شئ من أعمالهم، وسيجازيهم ~~عليها بما يستحقون من ثواب أو عقاب. وقوله { وإن تولوا ~~فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم ~~النصير } بشارة منه - سبحانه - للمؤمنين بالنصر والتأييد. أى وإن ~~أعرضوا عن الإيمان ولم ينتهوا عن الكفر والطغيان { فاعلموا أن ~~الله مولاكم } أى ناصركم ومعينكم عليهم، فثقوا بولايته ونصرته، ~~فهو - سبحانه - { نعم المولى ونعم النصير } لأنه لا يضيع ~~من تولاه، ولا يهزم من نصره. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد فتحت ~~الباب للكافرين حتى يفيئوا إلى رشدهم، وينتهوا عن كفرهم، وبشرتهم بأنهم ~~إذا فعلوا ذلك غفر الله لهم ما سلف من ذنوبهم.. أما إذا استمروا فى كفرهم ~~ومعاداتهم للحق، فقد أمر الله عباده المؤمنين بقتالهم حتى لا تكون فتنة ~~ويكون الدين كله لله.. أى أن القتال فى الإسلام شرعه الله - تعالى - من ~~أجل إعلاء كلمته ومن أجل رفع الأذى والفتنة والعدوان عمن يعتنقون دينه ~~وشريعته. هذا، وقد ساق ابن كثير عند تفسيره الآيات جملة من الأحاديث التى ~~تشهد بأن القتال فى الإسلام إنما شرعه الله - تعالى - لإعلاء كلمته، ~~وليس لأجل الغنيمة أو السيطرة على الغير.. وأنه لا يجوز لمسلم أن يقتل ~~إنسانا بعد نطقه بالشهادتين. فقال - رحمه الله - وقوله - تعالى - { ~~وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة... }. روى البخارى عن ابن ~~عمر أن رجلا جاءه - فى فتنة ابن الزبير - فقال له يا أبا عبد الرحمن، ألا ~~تصنع ما ذكره الله فى كتابه # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا # الآية. فما يمنعك من القتال؟ فقال يا ابن أخى لأن أعير بهذه الآية ولا ~~أقاتل، أحب إلى من أن أعير بالآية التى تقول # ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خالدا ~~فيها # الآية. فقال الرجل فإن الله يقول { وقاتلوهم حتى لا تكون ~~فتنة } فقال ms2208 ابن عمر " قد فعلنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إذ كان الإسلام قليلا، فكان الرجل يفتن فى دينه إما أن يقتلوه، ~~وإما أن يوثقوه حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة.. وعن سعيد بن جبير قال ~~خرج إلينا ابن عمر فقال له قائل كيف ترى فى قتال الفتنة؟ فقال له ابن عمر ~~وهل تدرى ما الفتنة؟ كان محمد - صلى الله عليه وسلم - يقاتل المشركين، ~~وكان الدخول عليهم فتنة، وليس بقتالكم على الملك. # وفى رواية أنه قال قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين كله لله وأنتم ~~تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير الله. ثم قال ابن ~~كثير وقوله { فإن انتهوا } أى بقتالكم عما هم فيه من الكفر فكفوا ~~عنه وإن لم تعلموا بواطنهم { فإن الله بما يعملون بصير ~~}.. وفى الصحيح # " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأسامة لما علا ذلك الرجل ~~بالسيف، فقال الرجل لا إله إلا الله، فضربه فقتله فذكر ذلك للرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال لأسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ فكيف ~~تصنع " بلا إله إلا الله " يوم القيامة؟ فقال يا رسول الله إنما قالها ~~تعوذا فقال. هلا شققت عن قلبه؟ وجعل يقول ويكرر عليه من لك بلا إله إلا ~~الله يوم القيامة، قال أسامة حتى تمنيت أنى لم أكن أسلمت إلا يومئذ ". # وبعد هذا الحديث المتنوع عن مكر الكافرين وعن دعاويهم الكاذبة، وعن وجوب ~~مقاتلتهم إذا ما استمروا فى طغيانهم وعدوانهم.. بعد كل ذلك بين - سبحانه ~~- للمؤمنين كيفية قسمة الغنائم التى كثيرا ما تترتب على قتال أعدائهم، ~~فقال - تعالى - { واعلموا أنما غنمتم... }. ### || [8.41] # وقوله { غنمتم } من الغنم بمعنى الفوز والربح يقال غنم غنما وغنيمة ~~إذا ظفر بالشئ قال القرطبى ما ملخصه الغنيمة فى اللغة ما يناله الرجل أو ~~الجماعة بسعى، ومن ذلك قول الشاعر # وقد طوفت فى الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب # واعلم أن الاتفاق حاصل على أن المراد بقوله - تعالى - { غنمتم من ~~شيء ms2209 } مال الكفار إذا ظفر به المسلمون على وجه الغلبة والقهر. وسمى ~~الشرع الواصل من الكفار إلينا من الأموال باسمين غنيمة وفيئا. فالشئ الذى ~~يناله المسلمون من عدوهم بالسعى وإيجاف الخيل والركاب يسمى غنيمة. ولزم ~~هذا الاسم هذا المعنى حتى صار عرفا. والفئ مأخوذ من فاء يفئ إذا رجع، وهو ~~كل ما دخل على المسلمين من غير حرب ولا إيجاف. كخراج الأرضين، وجزية ~~الجماجم. والمعنى الاجمالى للآية الكريمة { واعلموا } - أيها ~~المسلمون - { أنما غنمتم من شيء } أى ما أخذتموه من الكفار ~~قهرا { فأن لله } الذى منه - سبحانه - النصر المتفرع عليه ~~الغنيمة { خمسه } أى خمس ما غنمتموه شكرا له على هذا النعمة { ~~وللرسول } الذى هو سبب فى هدايتكم { ولذي القربى } أى ~~ولأصحاب القرابة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم والمراد بهم على ~~الراجح بن هاشم وبنو المطلب. { واليتامى } وهم أطفال المسلمين ~~الذين مات آباؤهم قبل أن يبلغوا. { والمساكين } وهم أهل الفاقة ~~والحاجة من المسلمين. { وابن السبيل } وهو المسافر الذى نفد ماله ~~وهو الطريق قبل أن يصل إلى بلده. وقوله { واعلموا } معطوف على قوله ~~قبل ذلك { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة... } الخ و { ما ~~} فى قوله { أنما غنمتم } موصولة والعائد محذوف. وقوله { من ~~شيء } بيان الموصول محله النصب على أنه حال من العائد المقدر. أى أن ~~ما غنمتموه من شئ سواء أكان هذا الشئ قليلا أم كثيرا { فأن لله ~~خمسه }. وقوله { فأن لله خمسه } خبر مبتدأ محذوف والتقدير ~~فحكمه أن لله خمسه والجار والمجرور خبر { أن } مقدم، وخمسة اسمها ~~مؤخر. والتقدير فأن خمسه كائن لله وللرسول ولذى القربى.. إلخ. وأعيدت ~~اللام فى قوله { ولذي القربى } دون غيرهم من الأصناف التالية ~~لدفع توهم اشتراكهم فى سهم النبى - صلى الله عليه وسلم - لمزيد اتصالهم ~~به. وقوله { إن كنتم آمنتم بالله... } شرط جزاؤه محذوف. أى ~~إن كنتم آمنتم بالله حق الإيمان، وآمنتم بما أنزلنا على عبدنا محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - { يوم الفرقان } أى يوم بدر { يوم ~~التقى الجمعان } أى جمع المؤمنين وجمع الكافرين.. إن كنتم ms2210 آمنتم ~~بكل ذلك، فاعملوا بما علمتم، وارضوا بهذه القسمة عن إذعان وتسليم وحسن ~~قبول. وما أنزله الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر. # يتناول ما نزل من آيات قرآنية، كما يتناول نزول الملائكة لتثبيت ~~المؤمنين، وتبشيرهم بالنصر كما يتناول غير ذلك مما أيدهم الله به فى بدر. ~~وسمى يوم بدر بيوم الفرقان، لأنه اليوم الذى فرق الله فيه بين الحق ~~والباطل وقوله { والله على كل شيء قدير } تذييل قصد به ~~بيان أن ما أصابه المؤمنون يوم بدر من غنيمة ونصر إنما هو بقدرة الله ~~التى لا يعجزها شئ فعليهم أن يداوموا على طاعته وشكره ليزيدهم من عطائه ~~وفضله. هذا، وقد ذكر العلماء عند تفسيرهم لهذه الآية جملة من المسائل ~~والأحكام من أهمها ما يأتى 1- أن هذه الآية وضحت أن غنائم الحرب تخمس ~~فيجعل الخمس الأول منها لله وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل، والأربعة الأخماس الباقية بينت السنة أنها تقسم على الجيش للراجل ~~سهم، وللفارس ثلاثة أسهم أو سهمان. قال ابن كثير ويؤيد هذا ما رواه ~~البيهقى بإسناد صحيح عن عبد الله بن شقيق عن رجل قال أتيت النبى - صلى ~~الله عليه وسلم -، وهو بوادى القرى، وهو معترض فرسا فقلت يا رسول الله، ~~ما تقول فى الغنيمة، فقال لله خمسها وأربعة أخماسها للجيش، قلت فما أحد ~~أولى به من أحد، قال لا، ولا السهم تستخرجه من جيبك، ليس أنت أحق به من ~~أخيك المسلم. وقال بعض العلماء أفادت الآية أن الواجب فى المغنم تخميسه، ~~وصرف الخمس إلى من ذكره الله - تعالى - وقسمه الباقى بين الغانمين ~~بالعدل، للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه. هكذا قسم ~~النبى - صلى الله عليه وسلم الغنائم عام خيبر. ومن الفقهاء من يقول ~~للفارس سهمان. والأول هو الذى دلت عليه السنة الصحيحة، ولأن الفرس يحتاج ~~إلى مؤنة نفسه وسائسه، ومنفعة الفارس به أكثر من منفعة رجلين. ويجب ~~قسمتها بينهم بالعدل، فلا يحابى أحدا، لا لرياسته ولا لنسبه ولا لفضله ~~وفى صحيح ms2211 البخارى # " أن سعد بن أبى وقاص رأى أن له فضلا على من دونه، فقال النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - " هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم " # ذهب جمهور العلماء إلى ان المقصود بإيتاء لفظ الجلالة فى قوله { ~~فأن لله خمسه } التبرك والتعظيم والحض على إخلاص النية عند ~~القسمة وعلى الامتثال والطاعة له - سبحانه -. وليس المقصود أن يقسم الخمس ~~على ستة منها الله - تعالى -، فإنه سبحانه - له الدنيا والآخرة، وله ما ~~فى السماوات وما فى الأرض وما بينهما. وعليه يكون خمس الغنيمة مقسما على ~~خمسة أقسام للرسول، ولذى القربى واليتامى، والمساكين، وابن السبيل. ويرى ~~أبو العالية والربيع والقاسم أن هذا الخمس يقسم إلى ستة أقسام، عملا ~~بظاهر الآية، وأن سهم الله - تعالى - يصرف فى وجوه الخير، أو يؤخذ ~~للكعبة. # وقد رجح ابن جرير رأى الجمهور فقال وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب من قال ~~قوله { فأن لله خمسه } افتتاح كلام، وذلك لاجتماع الحجة على ~~أن الخمس غير جائز قسمه على ستة أسهم. ولو كان لله فيه سهم - كما قال أبو ~~العالية - لوجب أن يكون خمس الغنيمة مقسوما على ستة أسهم. وإنما اختلف ~~أهل العلم فى قسمه على خمسة فما دونها. فأما على أكثر من ذلك فلا نعلم ~~قائلا غير الذى ذكرنا من الخبر عن أبى العالية. وفى إجماع من ذكرت - ~~الدلالة الواضحة على ما اخترناه. وسهم النبى - صلى الله عليه وسلم - جعله ~~الله - تعالى - له فى قوله { وللرسول } كان مفوضا إليه فى حياته، ~~يتصرف فيه كما شاء، ويضعه حيث يشاء. روى الإمام أحمد # " أن أبا الدرداء قال لعبادة بن الصامت يا عبادة، ما كلمات رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فى غزوة كذا وكذا فى شأن الأخماس؟ فقال عبادة إن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم فى غزوهم إلى بعير من المقسم. ~~فلما سلم قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتناول وبرة فقال إن هذه ~~من غنائمكم، وأنه ليس لى فيها إلا نصيبى معكم الخمس، والخمس مردود عليكم، ~~فأدوا الخيط والمخيط ms2212 وأكبر من ذلك وأصغر، ولا تغلوا فإن الغلول نار وعار ~~على أصحابه فى الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس فى الله تبارك وتعالى ~~القريب والبعيد، ولا تبالوا فى الله لومة لائم، وأقيموا الحدود فى الحضر ~~والسفر، وجاهدوا فى سبيل الله، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة. ينجى الله ~~به من الغم والهم " # ، قال ابن كثير هذا حديث حسن عظيم. وروى أبو داود والنسائى # " عن عمرو بن عبسة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم إلى ~~بعير من المغنم، فلما سلم أخذ وبرة من جنب البعير ثم قال ولا يحل لى من ~~غنائمكم مثل هذا إلا الخمس، والخمس مردوده عليكم ". # هذا بالنسبة لسهمه - صلى الله عليه وسلم - فى حياته، أما بعد وفاته، ~~فمنهم من يرى أن سهمه - صلى الله عليه وسلم - يكون لمن يلى الأمر من ~~بعده. روى هذا عن أبى بكر وعلى قتادة وجماعة.. ومنهم من يرى أن سهمه - ~~صلى الله عليه وسلم - يصرف فى مصالح المسلمين. روى ابن جرير عن الأعمش عن ~~إبراهيم قال كان أبو بكر وعمر يجعلان سهم النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~فى الكراع والسلاح. ومنهم من يرى صرفه لبقية الأصناف ذوى القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل. # وقد رجح ابن جرير هذا الرأى فقال والصواب من القول فى ذلك عندنا ان سهم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مردود فى الخمس، والخمس مقسوم على ~~أربعة اسهم على ما روى عن ابن عباس للقرابة سهم، ولليتامى سهم، وللمساكين ~~سهم، ولابن السبيل سهم، لأن الله - تعالى - أوجب الخمس لأقوام موصوفين ~~بصفات، كما أوجب الأربعة الأخماس الآخرين. وقد اجمعوا أن حق أهل الأربعة ~~الأخماس لن يستحقه غيرهم، فكذلك حق أهل الخمس لن يستحقه غيرهم، فغير جائز ~~أن يخرج عنهم إلى غيرهم.. 4- المراد بذى القربى - كما سبق أن أشرنا - بنو ~~هاشم وبنو المطلب على الراجح. وعليه فإن السهم المخصص لذى القربى لا يصرف ~~إلا لهم. قال القرطبى ما ملخصه اختلف العلماء فى ذوى القربى على ثلاثة ~~أقوال أولها أن المراد ms2213 بهم قريش كلها قاله بعض السلف، لأن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - لما صعد الصفا جعل يهتف يا بنى فلان يا بنى عبد مناف.. ~~أنقذوا أنفسكم من النار. ثانيها أن المراد بهم بنو هاشم وبنو المطلب. # " قاله الشافعى وأحمد وأبو ثور ومجاهد.. لأن النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- لما قسم سهم ذوى القربى بين بنى هاشم وبنى المطلق قال " إنهم لم ~~يفارقونى فى جاهلية ولا إسلام وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحد " وشبك ~~بين أصابعه " # أخرجه البخارى والنسائى. ثالثها أن المراد بهم بنو هاشم خاصة. قاله ~~مجاهد وعلى بن الحسين. وهو قول مالك والثورى والأوزاعى وغيرهم. وقال ~~الآلوسى وكيفية القسمة عند الأصحاب أنها كانت على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - على خمسة أسهم سهم له - صلى الله عليه وسلم - للمذكورين ~~من ذوى القربى، وثلاثة أسهم للاصناف الثلاثة الباقية. وأما بعد وفاته - ~~صلى الله عليه وسلم - فسقط سهمه.. وكذا سقط سهم ذوى القربى، وإنما يعطون ~~بالفقر، ويقدم فقراؤهم على فقراء غيرهم، ولا حق لأغنيائهم، لأن الخلفاء ~~الأربعة قسموا الخمس كذلك وكفى بهم قدوة.. ثم قال ومذهب المالكية أن ~~الخمس لا يلزم تخميسه، وأنه مفوض إلى رأى الإمام. - أى انهم يرون أن خمس ~~الغنيمة يجعل فى بيت المال فينفق منه على من ذكر وعلى غيرهم بحسب ما يراه ~~الأمام من مصلحة المسلمين، وكأنهم يرون أن هذه الأصناف إنما ذكرت على ~~سبيل المثال، وأنها من باب الخاص الذى قصد به العام، بينما يرى غيرهم أن ~~هذه الاصناف من باب الخاص الذى قصد به الخاص. ثم قال ومذهب الإمامية أنه ~~ينقسم إلى ستة أسهم كما ذهب أبو بالعالية، إلا أنهم قالوا إن سهم الله - ~~تعالى -، وسهم رسوله - صلى الله عليه وسلم - وسهم ذوى القربى الكل ~~للإمام القائم مقام الرسول - صلى الله عليه وسلم - أما الاسهم الثلاثة ~~الباقية فهم لليتامى من آل محمد - صلى الله عليه وسلم - وسهم لمساكينهم، ~~وسهم لأبناء سبيلهم، لا يشركهم فى ذلك غيرهم. # رووا ذلك عن زين العابدين، ms2214 ومحمد بن على الباقر.. ثم قال والظاهر أن ~~الاسهم الثلاثة الأولى التى ذكروها اليوم تخبأ فى السرداب، إذ القائم ~~مقام الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد غاب عندهم فتخبأ له حتى يرجع من ~~غيبته.. " هذا، ومن كل ما سبق نرى أن أكثر العلماء يرون أن خمس الغنيمة ~~يقسم إلى خمسة أقسام، ومنهم من يرى أنه يقسم الى ستة أقسام، ومنهم من يرى ~~أنه لا يلزم تقسيمه إلى خمسة أقسام أو الى ستة، وإنما هو موكول إلى نظر ~~الإمام واجتهاده.. ومنهم من يرى غير ذلك، ولكل فريق أدلته المبسوطة فى ~~كتب الفروع. 5- ذكرنا عند تفسيرنا لقوله - تعالى - فى مطلع السورة # يسألونك عن الأنفال... # أن المراد بالأنفال الغنائم وعليه تكون الآية التى معنا وهى قوله { ~~واعلموا أنما غنمتم... } مفصلة لما أجملته الآية التى فى ~~مطلع السورة. أى أن الآية التى فى مطلع السورة بينت أن الأمر فى قسمة ~~الانفال مفوض إلى الله ورسوله، ثم جاءت الآية التى معنا ففصلت كيفية قسمة ~~الغنائم حتى لا يتطلع أحد إلى ما ليس من حقه. وهذا أولى من قول بعضهم إن ~~الآية التى معنا نسخت الآية التى فى مطلع السورة لأن النسخ لا يصار إليه ~~إلا عند التعارض وهنا لا تعارض بين الآيتين. 6- الآية الكريمة أرشدت ~~المؤمنين إلى أن من الواجب عليهم أن يخلصوا فى طاعتهم لله - تعالى - ~~ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - وأن يجعلوا غايتهم من جهادهم إعلاء كلمة ~~الله، لكى يكونوا مؤمنين حقا. ويشعر بهذا الإرشاد تصديره - سبحانه - ~~الآية بقوله { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن ~~لله خمسه... } كما يشعر به قوله - تعالى - { إن كنتم ~~آمنتم بالله ومآ أنزلنا على عبدنا يوم ~~الفرقان.. } ، فإن كل ذلك فيه معنى الحض على إخلاص النية لله - ~~تعالى - والامتثال لحكمه، والمداومة على شكره، حيث منحهم - سبحانه - هذه ~~النعم بفضله وإحسانه. وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله فإن قلت بم ~~تعلق قوله { إن كنتم آمنتم بالله } قلت بمحذوف يدل عليه قوله ~~{ واعلموا أنما غنمتم } والمعنى إن كنتم آمنتم ms2215 بالله ~~فاعلموا أن الخمس من الغنيمة يجب التقرب به، فاقطعوا عنه أطماعكم ~~واقتنعوا بالأخماس الأربعة. وليس المراد بالعلم المجرد، ولكنه العلم ~~المضمن بالعمل، والطاعة لأمر الله - تعالى -، لأن العلم المجرد يستوى فيه ~~المؤمن والكافر. هذه بعض المسائل والأحكام التى استنبطناها من الآية ~~الكريمة، وهناك مسائل وأحكام اخرى تتعلق بها ذكرها بعض المفسرين فارجع ~~إليه إن شئت. ثم حكى - سبحانه - بعض مظاهر فضله وحكمه فى غزوة بدر، فبين ~~الأماكن التى نزل فيها كل فريق، كما بين الحكمة فى لقاء المؤمنين ~~والكافرين على غير ميعاد، والحكمة فى تقليل كل فريق منهما فى عين الآخر.. ~~فقال تعالى { إذ أنتم بالعدوة...ترجع الأمور }. ### || [8.42-44] # قوله { إذ أنتم بالعدوة الدنيا } بدل من قوله # يوم الفرقان # أو معمول لفعل محذوف. والتقدير اذكروا. والعدوة - مثلثة العين - جانب ~~الوادى وحافته. وهى من العدو بمعنى التجاوز سميت بذلك لأنها عدت.. - أى ~~منعت - ما فى الوادى من ماء ونحوه أن يتجاوزها. والدنيا تأنبث الأدنى ~~بمعنى الأقرب. والقصوى تأنيث الأقصى بمعنى الأبعد والركب اسم جمع لراكب، ~~وهم العشرة فصاعدا من راكبى الإبل. قال القرطبى ولا تقول العرب ركب إلا ~~للجماعة الراكبى الإبل.. والمراد بهذا الركب أبو سفيان ومن معه من رجال ~~قريش الذين كانوا قادمين بتجارتهم من بلاد الشام ومتجهين بها إلى مكة، ~~فلما بلغ النبى - صلى الله عليه وسلم - أمرها، أشار على أصحابه بالخروج ~~لملاقاته، كما سبق أن بينا عند تفسيرنا لقوله - تعالى - # كمآ أخرجك ربك من بيتك بالحق.. # والمعنى اذكروا - أيها المؤمنون - وقت أن خرجتم إلى بدر، فسرتم إلى أن ~~كنتم { بالعدوة الدنيا } أى بجانب الوادى وحافته الأقرب الى ~~المدينة، وكان اعداؤكم الذين قدموا لنجدة العير { بالعدوة ~~القصوى } أى بالجانب الآخر الأبعد من المدينة، وكان أبو سفيان ومن ~~معه من حراس العير { أسفل منكم } أى فى مكان أسفل من المكان الذى ~~أنتم فيه، بالقرب من ساحل البحر الأحمر، على بعد ثلاثة أميال منكم. قال ~~الجمل قوله { والركب أسفل منكم } الأحسن فى هذه الواو، ~~والواو التى قبلها الداخلة على { هم } أن ms2216 تكون عاطفة ما بعدها على { ~~أنتم } لأنها مبدأ تقسيم أحوالهم وأحوال عدوهم ويجوز أن يكونا واو ~~حال، واسفل منصوب على الظرف النائب عن الخبر، وهو فى الحقيقة صفة لظرف ~~مكان محذوف. أى والركب فى مكان أسفل من مكانكم وكان الركب على ثلاثة ~~أميال من بدر.. " وقال الإمام الزمخشرى - رحمه الله - فإن قلت ما فائدة ~~هذا التوقيت، وذكر مراكز الفريقين، وأن العير كانت أسفل منهم؟. قلت ~~الفائدة فيه الإخبار عن الحال الدالة على قوة الشأن للعدو، وتكامل عدته، ~~وتمهد أسباب الغلبة له، وضعف شأن المسلمين، والتياث أمرهم، وأن غلبتهم فى ~~هذه الحال ليس إلا صنعا من الله - سبحانه - ودليلا على أن ذلك أمر لم ~~يتيسر إلا بحوله وقوته وباهر قدرته. وذلك أن العدوة القصوى التى أناخ بها ~~المشركون، كان فيه الماء، وكانت أرضا لا بأس بها. ولا ماء العدوة الدنيا، ~~وهى خبار - أى أرض لينة رخوة - تسوخ فيها الأرجل، ولا يمشى فيها إلا بتعب ~~ومشقة. وكانت العير وراء ظهور العدو، مع كثرة عددهم، فكانت الحماية دونها ~~تضاعف حميتهم، وتشحذ فى المقاتلة عنها نياتهم، ولهذا كانت العرب تخرج إلى ~~الحرب بظعنهم وأموالهم، ليبعثهم الذب عن الحريم على بذل جهودهم فى ~~القتال. # وفيه تصوير ما دبر - سبحانه - من أمر غزوة بدر { ليقضي الله ~~أمرا كان مفعولا } ومن إعزاز دينه، وإعلاء كلمته، حين وعد ~~المسلمين إحدى الطائفتين مبهمة غير مبينة حتى خرجوا ليأخذوا العير راغبين ~~فى الخروج، وأقلق قريشا ما بلغهم من تعرض المسلمين لأموالهم، فنفروا ~~ليمنعوا عيرهم، وسبب الأسباب حتى أناخ هؤلاء بالعدوة الدنيا وهؤلاء ~~بالعدوة القصوى، ووراءهم العير يحامون عليها، حتى قامت الحرب فى ساق، ~~وكان ما كان. وقوله { ولو تواعدتم لاختلفتم في ~~الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا } ~~بيان لتدبير الله الحكيم، وإرادته النافذة. أى ولو تواعدتم وأهل مكة على ~~موعد تلتقون فيه للقتال، لتخلفتم عن الميعاد المضروب بينكم، لأن كل فريق ~~منكم كان سيتهيب الإقدام على صاحبه، ولكن الله - تعالى - بتدبيره الخفى ~~شاء أن يجمعكم للقتال على غير ميعاد، ms2217 ليقضى - سبحانه - أمرا كان مفعولا، ~~أى ثابتا فى علمه وحكمته، وهو إعزاز الإسلام وأهله، وخذلان الشرك وحزبه. ~~روى ابن جرير من حديث كعب بن مالك - رضى الله عنه - قال إنما خرج رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون يريدون عير قريش، حتى جمع الله ~~بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. وروى - أيضا - عن عمير بن إسحاق قال ~~أقبل أبو سفيان فى الكرب من الشام، وخرج أبو جهل ليمنعه من رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فالتقوا ببدر، ولا يشعر هؤلاء بهؤلاء، ولا ~~هؤلاء بهؤلاء، حتى التقى السقاة قال ونظر الناس بعضهم إلى بعض. وقوله { ~~ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة } بدل من قوله { ليقضي } بإعادة الحروف، أو هو متعلق ~~بقوله { مفعولا }. والمراد بالهلاك والحياة هنا ما يشمل الحسى ~~والمعنوى منهما. والمراد بالبينة الحجة الدالة على حقية الإسلام وبطلان ~~الكفر. قال الآلوسى أى ليموت من يموت عن حجة عاينها، ويعيش من يعيش عن ~~حجة شاهدها، فلا يبقى محل للتعلل بالأعذار، فإن وقعة بدر من الآيات ~~الواضحة والحجج الغر المحجلة. ويجوز أن يراد بالحياة الإيمان، وبالموت ~~الكفر على سبيل الاستعارة أو المجاز المرسل بأن يراد بالبينة إظهار كمال ~~القدرة الدالة على الحجة الدامغة. أى ليصدر كفر من كفر وإيمان من آمن عن ~~وضوح وبينة وإلى هذا ذهب قتادة وابن اسحاق. والظاهر أن { عن } هنا بمعنى ~~بعد كقوله - تعالى - # عما قليل ليصبحن نادمين # وقرأ نافع وابن كثير وأبو بكر ويعقوب { حيى } - على وزن تعب - بفك ~~الإدغام. وقرأ الباقون بإدغام الياء الأولى فى الثانية على وزن شد ومد. ~~وقوله { وإن الله لسميع عليم } تذييل قصد به الترغيب فى ~~الإيمان - والترهيب من الكفر، أى وإن الله لسميع لأقوال أهل الايمان ~~والكفر عليم بما تنطوى عليه قلوبهم وضمائرهم، وسيجازى - سبحانه - كل ~~إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب على حساب ما يعلم وما يسمع منه. # ثم يبين - سبحانه - بعض وجوه نعمه على المؤمنين، وتدبيره الخفى لنصرهم ~~وفوزهم فيقول { إذ يريكهم الله ms2218 في منامك قليلا ولو ~~أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ~~ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور }. أى ~~اذكر يا محمد فضل الله عليك وعلى أصحابك، حيث أراك فى منامك الكافرين ~~قليلا عددهم، ضئيلا وزنهم فأخبرت بذلك اتباعك فازدادوا ثباتا واطمئنانا ~~وجرأة على عدوهم { ولو أراكهم كثيرا } أى ولو أراك الأعداء ~~عددا كثيرا { لفشلتم } أى لتهيبتهم الإقدام عليهم، لكثرة عددهم، ~~من الفشل وهو ضعف مع جبن { ولتنازعتم في الأمر } أى فى أمر ~~الإقدام عليهم والاحجام عنهم. فمنكم من يرى هذا ومنكم من يرى ذلك. وقوله ~~{ ولكن الله سلم } بيان لمحل النعمة. أى ولكن الله - تعالى ~~- بفضله وإحسانه أنعم عليكم بالسلامة من الفشل والتنازع وتفرق الآراء فى ~~شأن القتال حيث ربط على قلوبكم، ورزقكم الجرأة على أعدائكم وعدم المبالاة ~~بهم بسبب رؤيا نبيكم. وقوله { إنه عليم بذات الصدور } ~~تذييل يدل على شمول علمه - سبحانه -. أى إنه - سبحانه - عليم بكل ما يحصل ~~فى القلوب وما يخطر بها من شجاعة وجبن ومن صبر وجزع ولذلك دير ما دبر. ~~قال الفخر الرازى، قال مجاهد أرى الله النبى - صلى الله عليه وسلم - كفار ~~قريش فى منامه قليلا، فأخبر بذلك أصحابه فقالوا رؤيا النبى حق. القوم ~~قليل، فصار ذلك سببا لجرأتهم وقوة قلوبهم. فإن قيل رؤية الكثير قليلا ~~غلط، فكيف يجوز من الله - تعالى - أن يفعل ذلك؟ قلنا ذهبنا أنه - تعالى - ~~يفعل ما يشاء ويحكم ما يريده وأيضا لعله - سبحانه - أراه البعض دون البعض ~~فحكم الرسول على أولئك الذين رآهم بأنهم قليلون. ونستطيع أن نضيف إلى ما ~~أجاب به الفخر الرازى أنه يجوز أن يكون المراد بالقلة الضعف وهوان ~~الشأن.. أى أن المشركين وإن كانوا فى حقيقتهم يقاربون الألف - أى أكثر من ~~ثلاثة أمثال المؤمنين - إلا أنهم لا قوة لهم ولا وزن، فهم كثير عددهم ~~ولكن قليل غناؤهم، قليل وزنهم فى المعركة. لأنهم ينقصهم الإيمان الصحيح ~~الذى يقوى القلوب، ويدفع النفوس إلى الإقدام لنصرة الحق لكى تفوز برضا ~~الله وحسن مثوبته. وإلى هذا المعنى أشار صاحب ms2219 المنار بقوله وقد تقدم أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - قدر عدد المشركين بألف وأخبر أصحابه بذلك، ~~ولكنه أخبرهم مع هذا أنه رآهم فى منامه قليلا، لا أنهم قليل فى الواقع، ~~فالظاهر أنهم أولوا الرؤيا بأن بلاءهم يكون قليلا، وأن كيدهم يكون ضعيفا، ~~فتجرءوا وقويت قلوبهم. # هذا، ونسب إلى الحسن أنه ذكر أن هذه الآراء كانت فى اليقظة، وأن المراد ~~من المنام العين التى هى موضع النوم. قال الزمخشري. وهذا تفسير فيه تعسف. ~~وما أحسب الرواية صحيحة فيه عن الحسن. وقال الآلوسى وعن الحسن أنه فسر ~~المنام بالعين، لأنها مكان النوم كما يقال للقطيفة المنامة لأنها ينام ~~فيها، فلم يكن عنده هناك رؤيا أصلا بل كانت رؤية، وإليه ذهب البلخى. ولا ~~يخفى ما فيه، لأن المنام شائع بمعنى النوم مصدر ميمى. ففى الحمل على خلاف ~~ذلك تعقيد ولا نكتة فيه.. على أن الروايات الجمة برؤيته - صلى الله عليه ~~وسلم - إياهم مناما، وقص ذلك على أصحابه مشهورة لا يعارضها كون العين ~~مكان النوم نظرا إلى الظاهر.. ولعل الرواية عن الحسن غير صحيحة، فانه ~~الفصيح العالم بكلام العرب. وقوله - تعالى - { وإذ يريكموهم ~~إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في ~~أعينهم... } معطوف على ما قبله وهو قوله { إذ يريكهم ~~الله في منامك قليلا... } وذلك لتأكيد الرؤيا المنامية ~~بالرؤية فى اليقظة. والمعنى واذكروا - أيها المؤمنون - وقت أن التقيتم مع ~~أعدائكم وجها لوجه فى بدر، فكان من فضل الله عليكم قبل أن تلتحموا معهم ~~أن جعل عددهم قليلا فى أعينكم وجعل عددكم قليلا فى أعينهم، وذلك ~~لإغرائهم على خوض المعركة. أما أنتم فتخوضونها بدون مبالاة بهم لقلتهم ~~فى أعينكم، ولثقتكم بنصر الله إياكم.. وأما هم فيخوضونها معتمدين على ~~غرورهم وبطرهم وقلتكم فى أعينهم، فيترتب على ذلك أن يتركوا الاستعداد ~~اللازم لقتالكم، فتكون الدائرة عليهم.. قال ابن مسعود - وهو ممن حضر بدرا ~~- لقد قللوا فى أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبى أتراهم سبعين؟ قال أراهم ~~مائة، فأسرنا رجلا منهم فقلنا له كم كنتم؟ قال ألفا. وقال ms2220 أبو جهل - فى ~~ذلك اليوم وقبل الالتحام - إن محمدا وأصحابه أكلة جزور - أى هم قليل ~~يشبعهم لحم ناقة واحدة - خذوهم أخذا و اربطوهم بالحبال.. وقد أجاد صاحب ~~الكشاف عند تفسيره لهذه الآية حيث يقول قوله { وإذ يريكموهم } ~~الضميران مفعولان يعنى وإذ يبصركم إياهم. { قليلا } حال، وإنما قللهم ~~فى أعينهم تصديقا لرؤيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وليعاينوا ما ~~أخبرهم به فيزداد يقينهم ويجدوا ويثبتوا... فإن قلت الغرض من تقليل ~~الكفار فى أعين المؤمنين ظاهر، فما الغرض من تقليل المؤمنين فى أعينهم؟ ~~قلت قد قللهم فى أعينهم قبل اللقاء، ثم كثرهم فيها بعده، ليجترئوا عليهم، ~~قلة مبالاة بهم، ثم تفجؤهم الكثرة فيبهتوا يهابوا، وتقل شوكتهم، حين يرون ~~ما لم يكن فى حسابهم وتقديرهم، وذلك قوله # قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل ~~في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم ~~رأي العين # ولئلا يستعدوا لهم، وليعظم الاحتجاج عليهم فاستيضاح الآية البينة من ~~قلتهم أولا، وكثرتهم آخرا. ثم قال فإن قلت بأى طريق يبصرون الكثير قليلا؟ ~~قلت بأن يستر الله عنهم بعضه بساتر، أو يحدث فى عيونهم ما يستقلون به ~~الكثير، كما أحدث فى أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين. قيل لبعضهم إن ~~الأحول يرى الواحد اثنين - وكان بين يديه ديك واحد - فقال ما لى لا أرى ~~هذين الديكين أربعة. وقوله - سبحانه - { ليقضي الله أمرا ~~كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور } بيان لحكمة ~~تدبيره، ونفاذ قدرته، وشمول إرداته. أى فعل - سبحانه - ما فعل من تقليل ~~كل فريق فى عين الآخر، ليقضى أمرا كان مفعولا، أى ثابتا فى علمه وحكمته، ~~وهو نشوب القتال المفضى إلى انتصار المؤمنين، واندحار الكافرين وإلى الله ~~وحدة ترجع الأمور لا إلى أحد سواه، فإن كل شئ عنده بمقدار، ولأن كل شئ فى ~~هذا الكون بقضائه وقدره، وما من شئ إلا مصيره ومرده إليه. قال بعض ~~العلماء ولا يقال إن قوله - تعالى - { ليقضي الله أمرا كان ~~مفعولا } مكرر مع ما سبق، لأننا نقول ان المقصود من ms2221 ذكره أولا - فى ~~قوله إذ أنتم بالعدوة الدنيا.. هو اجتماعهم بلا ميعاد ليحصل استيلاء ~~المؤمنين على الكافرين، على وجه يكون معجزة دالة على صدق النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - والمقصود منه هنا بيان خارق آخر، وهو تقليلهم فى أعين ~~المشركين ثم تكثيرهم للحكم المتقدمة. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة ~~حكت لنا جانبا من أحداث غزوة بدر بأسلوب تصويرى بديع فى استحضار لمشاهدها ~~ومواقفها، وكشفت لنا عن جوانب من مظاهر قدرة الله، ومن تدبيره المحكم ~~الذى كان فوق تدبير البشر، ومن تهيئة الأسباب الظاهرة والخفية التى أدت ~~إلى نصر المؤمنين وخذلان الكافرين. وبعد هذا التذكير النافع، والتصوير ~~المؤثر لأحداث غزوة بدر، وجه - سبحانه - فى هذه السورة إلى المؤمنين ~~النداء السادس والأخير، حيث أمرهم بالثبات فى وجه أعدائهم، وبالمداومة ~~على ذكره وطاعته.. ونهاهم عن التنازع والاختلاف فقال - تعالى - { ~~يأيها الذين آمنوا...مع الصابرين }. ### || [8.45-46] # وقوله { لقيتم } من اللقاء بمعنى المقابلة والمواجهة، ويغلب ~~استعماله فى لقاء القتال وهو المراد هنا. وقوله { فئة } أى جماعة. ~~مشتقة من الفئ بمعنى الرجوع، لأن بعضهم يرجع إلى بعض. والمراد بها هنا ~~جماعة المقاتلين من الكافرين وأشباههم. والمتتبع لاستعمال القرآن لهذه ~~الكلمة، يراه يستعملها - فى الأعم الأغلب - فى الجماعة المقاتلة أو ~~الناصرة أو ما يشبه ذلك. قال - تعالى - # كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن ~~الله... # وقال - تعالى - # قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل ~~في سبيل الله وأخرى كافرة... # وقال - تعالى - # ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان ~~منتصرا # والمعنى يأيها الذين آمنوا بالله حق الإيمان، { إذا لقيتم فئة ~~} أى حاربتم جماعة من أعدائكم، فاثبتوا لقتالهم وأغلظوا عليهم فى النزال، ~~ولا تولوهم الأدبار، { واذكروا الله كثيرا } لا سيما فى مواطن ~~الحرب، فإن ذكر الله عن طريق القلب واللسان من أعظم وسائل النصر لأن ~~المؤمن متى استحضر عظمة الله فى قلبه لا تهوله قوة عدوه، ولا تخيفه ~~كثرته.. وقوله { لعلكم تفلحون } أى لعلكم تظفرون بمرادكم من ~~النصر وحسن الثواب، متى فعلتم ذلك ms2222 عن إخلاص. وقوله { وأطيعوا ~~الله ورسوله } معطوف على ما قبله، أى اثبتوا عند لقاء الأعداء، ~~وأكثروا من ذكر الله، وأطيعوا الله ورسوله فى كل أقوالكم وأعمالكم، وفى ~~سركم وجهركم، وفى كل ما تأتون وما تذرون. وقوله { ولا تنازعوا ~~فتفشلوا وتذهب ريحكم } نهى لهم عن الاختلاف المؤدى إلى ~~الفشل وضياع القوة بعد أمرهم بالثبات والمداومة على ذكر الله وطاعته. ~~وقوله { تنازعوا } من النزع بمعنى الجذب وأخذ الشئ... والتنازع ~~والمنازعة المجاذبة كأن كل واحد من المتنازعين يريد أن ينزع ما عند الآخر ~~ويلقى به. والمراد بالتنازع هنا الخصام والجدال والاختلاف المفضى إلى ~~الفشل أى الضعف. قال الآلوسى وقوله { وتذهب ريحكم } ، قال ~~الأخفش الريح مستعارة للدولة. لشبهها بها فى نفوذ أمرها وتمشيه، ومن ~~كلامهم هبت رياح فلان إذا دالت له الدولة وجرى أمره على ما يريد. وركدت ~~رياحه إذا ولت عنه وأدبر أمره. قال الشاعر # إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل خافقة سكون ولا تغفل عن الإحسان فيها ~~فما تدرى السكون متى يكون # والمعنى كونوا - أيها المؤمنون - ثابتين ومستمرين على ذكر الله وطاعته ~~عند لقاء الأعداء، ولا تنازعوا وتختمصوا وتختلفوا، فإن ذلك يؤدى بكم إلى ~~الفشل أى الضعف، وإلى ذهاب دولتكم، وهوان كلمتكم، وظهور عدوكم عليكم. { ~~واصبرو } على شدائد الحرب، وعلى مخالفة أهوائكم التى تحملكم على ~~التنازع، { إن الله مع الصابرين } بتأييده ومعونته ونصره. ~~هذا والمتأمل فى هاتين الآيتين يراهما قد رسمتا للمؤمنين فى كل زمان ~~ومكان الطريق التى توصلهم إلى الفلاح والظفر. # إنهما يأمران بالثبات، والثبات من أعظم وسائل النجاح، لأنه يعنى ترك ~~اليأس والتراجع وأقرب الفريقين إلى النصر أكثرهما ثباتا. ويأمران بمداومة ~~ذكر الله، لأن ذكر الله هو الصلة التى تربط الإنسان بخالقه الذى بيده كل ~~شئ، ومتى حسنت صلة الإنسان بخالقه، صغرت فى عينه قوة أعدائه مهما كبرت. ~~ويأمران بطاعة الله ورسوله، حتى يدخل المؤمنون المعركة بقلوب نقية، ~~وبنفوس صافية.. لا مكان فيها للتنازع والاختلاف المؤدى إلى الفشل، وذهاب ~~القوة.. ويأمران بالصبر، أى بتوطين النفس على ما يرضى الله، واحتمال ms2223 ~~المكاره والمشاق فى جلد. وهذه الصفة لا بد منها لمن يريد أن يصل إلى ~~آماله وغاياته. ورحم الله الإمام ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهاتين ~~الآيتين الكريمتين " هذا تعليم من الله - تعالى - لعباده - المؤمنين آداب ~~اللفاء، وطريق الشجاعة عند مواجهة الأعداء ". وقد ثبت فى الصحيحين عن عبد ~~الله بن أبى أوفى # " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انتظر فى بعض أيامه التى لقى ~~فيها العدو حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال يأيها الناس لا تتمنوا لقاء ~~العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ~~ظلال السيوف. ثم قام وقال اللهم منزل الكتاب، ومجرى السحاب، وهازم ~~الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم ". # وفى الحديث الآخر المرفوع يقول الله - تعالى - # " إن عبدى كل عبدى الذى يذكرنى وهو مناجز قرنه " # أى لا يشغله ذلك الحال عن ذكرى ودعائى واستعانتى. وعن قتادة فى هذه ~~الآية " افترض الله ذكره عند اشغل ما يكون. الضرب بالسيوف ". ثم قال " ~~وقد كان للصحابة - رضى الله عنهم - فى باب الشجاعة والائتمار بما أمرهم ~~الله ورسوله، وامتثال ما أرشدهم إليه، ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون ~~قبلهم، ولا يكون لأحد من بعدهم، فإنهم ببركة الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- وطاعته فيما أمرهم، فتحوا القلوب والأقاليم شرقا وغربا، فى المدة ~~اليسيرة، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم من الروم والفرس.. ~~قهروا الجميع حتى علت كلمة الله وظهر دينه على سائر الأديان، وامتدت ~~الممالك الأسلامية فى مشارق الأرض ومغاربها فى أقل من ثلاثين سنة فرضى ~~الله عنهم وأرضاهم أجمعين، وحشرنا فى زمرتهم إنه كريم وهاب. وبعد هذه ~~التوجيهات السامية التى رسمت للمؤمنين طريق النصر، نهاهم - سبحانه - عن ~~التشبه بالكافرين الذين صدهم الشيطان عن السبيل الحق، فقال تعالى { ولا ~~تكونوا كالذين...عزيز حكيم }. ### || [8.47-49] # قال الفخر الرازى عند تفسيره لقوله - تعالى - { ولا تكونوا ~~كالذين خرجوا... } المراد قريش حين خرجوا من مكة لحفظ العير. ~~خرجوا يالقيان والمغنيات والمعازف، فلما وردوا الجحفة، بعث خفاف الكناتى ~~- وكان صديقا لأبى جهل ms2224 - بهدايا إليه مع ابن له، فلما أتاه قال إن أبى ~~ينعمك صباحا ويقول لك إن شئت أن أمدك بالرجال أمددتك، وإن شئت أن أزحف ~~إليك بمن معى من قرايتى فعلت. فقال أبو جهل قل لأبيك جزاك الله والرحم ~~خيرا. إن كنا نقاتل الله كما يزعم محمد فوالله ما لنا بالله طاقة. وإن ~~كنا إنما نقاتل الناس، فوالله إن بنا على الناس لقوة. والله ما نرجع عن ~~قتال محمد حتى نرد بدرا فنشرب فيها الخمور، وتعزف فيها القيان، فإن بدرا ~~موسم من مواسم العرب، وسوق من أسواقهم. وحتى تسمع العرب - بمخرجنا ~~فتهابنا آخر الآبد -. قال المفسرون فوردوا بدرا، وشربوا كؤوس المنايا ~~مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القيان. وقوله { بطرا } مصدر ~~بطر - كفرح - ومعناه كما يقول الراغب دهش يعترى الإنسان من سوء احتمال ~~النعمة، وقلة القيام بحقها، وصرفها إلى غير وجهها. أى أن البطر ضرب من ~~التكبر والغرور واتخاذ نعم الله - تعالى - وسيلة إلى ما لا يرضيه وهو ~~مفعول لأجله، أو حال، أى حال كونهم بطرين. وقوله { ورئآء } مصدر رأى ~~ومعناه القول أو الفعل الذى لا يقصد معه الإخلاص، وإنما يقصد به التظاهر ~~وحب الثناء. والمعنى كونوا أيها المؤمنون - ثابتين عند لقاء الأعداء، ~~ومكثرين من ذكر الله وطاعته. وصابرين فى كل المواطن.. واحذروا أن تتشبهوا ~~بأولئك المشركين الذين خرجوا من مكة { بطرا ورئآء الناس } أى ~~خرجوا غرورا وفخرا وتظاهرا بالشجاعة والحمية.. حتى ينالوا الثناء منهم.. ~~وقوله { ويصدون عن سبيل الله } معطوف على { بطرا } ~~والسبيل الطريق الذى فيه سهولة. والمراد بسبيل الله دينه. لأنه يوصل ~~الناس إلى الخير والفلاح. أى خرجوا بطرين بما أوتوا من نعم ومرائين بها ~~الناس، وصادين إياهم عن دين الإسلام الذى باتباعه يصلون إلى السعادة ~~والنجاح. وعبر عن بطرهم وريائهم بصيغة الاسم الدال على التمكن والثبوت، ~~وعن صدهم بصيغة الفعل الدال على التجدد والحدوث، للإشعار بأنهم كانوا ~~مجبولين على البطر والمفاخرة والرياء، وأن هذه الصفات دأبهم وديدنهم، أما ~~الصد عن سبيل الله فلم يحصل منهم إلا بعد أن ms2225 دعا الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - الناس إلى الإسلام. وقوله { والله بما يعملون محيط ~~} تذييل قصد به التحذير من الاتصاف بهذه الصفات الذميمة، لأنه - سبحانه - ~~محيط بكل صغيرة وكبيرة وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين ~~أحسنوا بالحسنى. # فعلى المؤمنين أن يخصلوا لله - تعالى - أعمالهم. وقوله { وإذ زين ~~لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم ~~من الناس وإني جار لكم.. } تذكير للمؤمنين بما خدع به ~~الشيطان الكافرين من وعود كاذبة، وأمانى باطلة. والمراد بهذا التذكير ~~حضهم على المداومة على طاعة الله وشكره، حيث إنه - سبحانه - لم يجعلهم ~~كأولئك الذين استحوذ عليهم الشيطان. والمعنى احذروا - أيها المؤمنون - أن ~~تتشبهوا بأولئك الذين خرجوا من ديارهم بطرا ومفاخرة.. واذكروا وقت أن { ~~زين لهم الشيطان أعمالهم } فى معاداتكم، بأن وسوس لهم ~~بأنهم على الحق وانتم على الباطل، وحسن لهم ما جبلوا عليه من غرور ~~ومراءاة، وأوهمهم بأن النصر سيكون لهم عند لقائكم، بأن قال لهم { لا ~~غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم } أى لن ~~يغلبكم أحد من الناس، لا محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ولا غيرهم ~~من قبائل العرب، وأنى مجير ومعين وناصر لكم، إذ المراد بالجار هنا الذى ~~يجير غيره. أى يؤمنه مما يخاف ويخشى. قال الآلوسى أى ألقى فى روعهم وخيل ~~لهم أنهم لا يغلبون لكثرة عددهم، وعددهم، وأوهمهم أن اتباعهم إياه فيما ~~يظنون أنها قربات - تجعله مجيرا لهم، وحافظا إياهم عن السوء حتى قالوا ~~اللهم انصر اهدى الفئتين، وأفضل الدينين. فالقول مجاز عن الوسوسة. ~~والإسناد فى قوله { وإني جار لكم } من قبيل الاسناد إلى السبب ~~الداعى. و { لكم } خبر { لا } أو صفة { غالب } والخبر محذوف. أى ~~لا غالب كائنا لكم موجود. و { اليوم } معمول الخبر. و { من ~~الناس } حال من ضمير الخبر... " وقوله { فلما ترآءت ~~الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء ~~منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله ~~والله شديد العقاب } بيان لما فعله الشيطان وقاله بعد أن رأى ~~ما رأى من قوة لا ms2226 طافة له بها.. وقوله { ترآءت الفئتان } أى ~~تقاربتا بحيث صارت كل فئة ترى الأخرى رؤية واضحة. ومنهم من جعل { ~~ترآءت } بمعنى التقت وقوله { نكص على عقبيه } أى ولى ~~هاربا ورجع القهقرى. وأبطل كيده وذهب ما مناهم به من النصرة والعون يقال ~~نكص عن الأمر نكوصا ونكصا أى تراجع عنه وأحجم. والعقب مؤخر القدم. ~~والمعنى لقد حرض الشيطان جنوده من الكافرين على حربكم - أيها المؤمنون -، ~~ومناهم بالنصر عليكم... ولكنه حينما تراءت الفئتان فئتكم وفئته، ورأى ما ~~أمدكم الله به من الملائكة، ولى مدبرا وقال للكافرين { إني بريء ~~منكم } أى من عهدكم وجواركم ونصرتكم، { إني أرى } من ~~الملائكة النازلة لتأييد المؤمنين مالا ترونه أنتم { إني أخاف ~~الله } أن يعذبنى قبل يوم القيامة، أو إنى أخاف الله أن يصيبنى بمكروه ~~من قبل ملائكته. وقوله { والله شديد العقاب } يحتمل أنه من ~~كلام إبليس الذى حكاه الله - تعالى عنه، ويحتمل أنه جملة مستأنفة من ~~كلامه عز وجل. # أى والله شديد العقاب لمن عصاه وخالف أمره. هذا، وهناك قولان فى كيفية ~~تزيين الشيطان للمشركين أحدهما أن هذا التزيين لم يكن حسيا، وإنما كان ~~معنويا عن طريق الوسوسة دون أن يتحول الشيطان إلى صورة إنسان. وعليه يكون ~~قوله { لا غالب لكم اليوم... } مجازا عن الوسوسة. وقوله { ~~نكص على عقبيه } استعارة لبطلان كيده، شبه بطلان كيده بعد ~~وسوسته بمن رجع القهقرى عما يخافه. وثانيهما أن هذا التزيين كان حسيا ~~بمعنى أن الشيطان تمثل لهم فى صورة إنسان، وقال لهم ما قال مما حكاه الله ~~- تعالى - عنه. وقد ذكر صاحب الكشاف هذين الوجهين فى تفسير الآية فقال ~~واذكر { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم } التى عملوها ~~فى معاداة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ووسوس إليهم أنهم لا يغلبون ~~ولا يطاقون، وأوهمهم أن اتباع خطوات الشيطان وطاعته مما يجيرهم، فلما ~~تلاقى الفريقان نكص الشيطان وتبرأ منهم، أى بطل كيده حين نزلت جنود الله. ~~وكذا عن الحسن - رحمه الله - قال كان ذلك على سبيل الوسوسة ولم يتمثل ~~لهم. وقيل لما اجتمعت ms2227 قريش على السير - لحرب المسلمين فى بدر - ذكرت الذى ~~بينها وبين كنانة من الحرب، فكاد ذلك يثنيهم عن حرب المسلمين، فتمثل لهم ~~إبليس فى صورة سراقة ابن مالك بن جعشم الشاعر الكنانى - وكان من أشرفهم - ~~فى جند من الشياطين معه راية وقال لا غالب لكم اليوم وإنى مجيركم من بنى ~~كنانة. فلما رأى الملائكة تنزل، نكص. وقيل كانت يده فى يد الحارث بن ~~هشام، فلما نكص قال له الحارث إلى أين؟ أتخذلنا فى هذه الحال؟ فقال إنى ~~أرى ما لا ترون، ودفع صدر الحارث وانطلق وانهزموا. فلما بلغوا مكة قالوا ~~هزم الناس سراقة، فبلغ ذلك سراقة فقال والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتنى ~~هزيمتكم. فلما أسلموا علموا أنه الشيطان. وفى الحديث - الذى أخرجه مالك ~~فى الموطأ - # " وما رئى إبليس يوما أصغر ولا أدحر ولا أغيظ منه فى يوم عرفة لما يرى ~~من نزول الرحمة. إلا مارئى يوم بدر ". # وقد ذكر ابن جرير وابن كثير روايات أخرى تتفق فى جملتها مع ما ذكره صاحب ~~الكشاف، وإن كانت تختلف عنها فى التفصيل، ومن ذلك قول ابن جرير " وكان ~~تزيينه ذلك لهم كما حدثنى المثنى قال حدثنا عبد الله بن صالح، قال حدثنى ~~معاوية عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس قال جاء إبليس يوم بدر فى جند من ~~الشياطين معه رايته فى صورة رجل من بنى مدلج، فى صورة سراقة بن مالك بن ~~جعشم، فقال الشيطان للمشركين لا غالب لكم اليوم من الناس وإنى جار لكم ~~فلما اصطف الناس، أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبضة من التراب، ~~فرمى بها فى وجوه المشركين، فولوا الأدبار. # وأقبل جبريل إلى إبليس، فلما رآه - وكانت يده فى يد رجل من المشركين - ~~انتزع إبليس يده فولى مدبرا هو وشيعته. فقال الرجل يا سراقة تزعم أنك لنا ~~جار؟ قال { إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله ~~والله شديد العقاب } وذلك حين رأى الملائكة. ثم قال وحدثنا ~~أحمد بن الفرج، قال حدثنا عبد الملك بن ms2228 عبد العزيز الماجشون، قال حدثنا ~~مالك، عن ابراهيم بن أبى عبلة، عن طلحة بن عبد ابن عبيد الله بن كريز أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال # " " مارئى إبليس يوما هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أغيظ ولا أدحر من يوم ~~عرفة وذلك مما يرى من تنزيل الرحمة والعفو عن الذنوب، إلا ما رأى يوم بدر ~~" قالوا يا رسول الله، وما رأى يوم بدر؟ قال أما إنه رأى جبريل يزع ~~الملائكة أى يرتبهم ويسويهم ويصفهم للحرب ". # وقد سار - ابن جرير وابن كثير - فى تفسيرهما للآية على أن التزيين من ~~الشيطان كان حسيا. فابن جرير يقول. بعد أن ذكر بضع روايات فى تفسير الآية ~~فتأويل وإن الله لسميع عليم فى هذه الأحوال، وحين زين لهم الشيطان خروجهم ~~إليكم. ايها المؤمنون لحربكم وقتالكم، وحسن ذلك لهم، وحثهم عليكم وقال لا ~~غالب لكم اليوم، من بنى آدم، فاطمئنوا وابشروا وإنى جار لكم من كنانة أن ~~تأتيكم من ورائكم... واجعلوا جدكم وبأسكم على محمد وأصحابه { فلما ~~ترآءت الفئتان } يقول فلما تزاحفت جنود الله من المؤمنين، وجنود ~~الشيطان من الكافرين، ونظر بعضهم إلى بعض { نكص على عقبيه } ~~أى رجع القهقرى على قفاه هاربا.. وقال للمشركين { إني أرى ما لا ~~ترون } يعنى أنه يرى الملائكة الذين بعثهم الله مددا للمؤمنين، ~~والمشركون لا يرونهم. وابن كثير يقول وقوله - تعالى - { وإذ زين ~~لهم الشيطان أعمالهم } الآية. أى حسن لهم لعنه الله - ما ~~جاءوا له، وما هموا به، وذلك أنه تبدى لهم فى صورة سراقة بن مالك بن جعشم ~~سيد بنى مدلج.. ثم قال فلما رأى إبليس الملائكة { نكص على ~~عقبيه } وقال إنى برئ منكم إنى أرى ما لا ترون، وهو فى صورة سراقة، ~~وأقبل أبو جهل يحض أصحابه ويقول لهم لا يهولنكم خذلان سراقة إياكم، فإنه ~~كان على موعد من محمد وأصحابه.. " ومن هذا يتضح أن هذين الإمامين ~~الجليلين يسيران فى تفسيرهما للآية الكريمة، على أن التزيين كان حسيا، ~~ويهملان القول بغير ذلك وممن تابعهما فى هذا ms2229 الإمام القرطبى، فقد ذكر ~~بعض الروايات التى وردت فى معنى الآية، والتى صرحت بأن الشيطان قد تمثل ~~للمشركين فى صورة إنسان، وبنى تفسيره للآية على ذلك. # . وقد خالف صاحب المنار هؤلاء الأئمة، فرجح القول الأول وهو أن التزيين ~~لم يكن حسيا، أى أن ما قاله الشيطان لهم من قبيل الوسوسة، وأنه لم يتمثل ~~لهم فى صورة إنسان. فقد قال - رحمه الله - قوله { وإذ زين لهم ~~الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من ~~الناس... } أى واذكر ايها الرسول للمؤمنين إذ زين الشيطان لهؤلاء ~~المشركين أعمالهم بوسوسته، وقال لهم بما ألقاه فى هواجسهم لا غالب لكم ~~اليوم من الناس. { فلما ترآءت الفئتان نكص على ~~عقبيه } أى فلما قرب كل من الفريقين من الآخر. نكص، أى رجع القهقرى.. ~~والمراد أنه كف عن تزيينه لهم، وتغريره إياهم، فخرج الكلام مخرج التمثيل ~~بتشبيه وسوسته بما ذكر بحال المقبل على الشئ، وتركها بحال من ينكص، عن ~~ويوليه دبره، ثم زاد على هذا ما يدل على براءته منهم، وتركه إياهم ~~وشأنهم، وهو { وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ~~ترون إني أخاف الله } أى تبرأ منهم وخاف عليهم، وأيس من ~~حالهم لما رأى إمداد الله المسلمين بالملائكة. ثم قال - بعد أن ضعف ~~الروايات التى أوردها ابن جرير وابن كثير - والمختار عندنا فى تفسير ~~الآية أن الشيطان القى فى قلوب المشركين أن أحدا لن يغلبهم.. والخلاصة ~~أننا بمراجعتنا لأقوال المفسرين فى كيفية تزيين الشيطان للمشركين، تراهم ~~ينقسمون إلى ثلاثة أقسام أ قسم منهم ذكر القولين السابقين فى كيفية ~~التزيين دون أن يرجح أحدهما على الآخر، وممن فعل ذلك الزمخشرى، والفخر ~~الرازى والآلوسى. ب وقسم منهم سار فى تفسيره على أن التزيين كان حسيا، ~~بمعنى أن الشيطان تمثل للمشركين فى صورة إنسان وقال لهم ما قال، وأهمل ~~القول بأن التزيين لم يكن حسيا، وممن فعل ذلك ابن جرير، وابن كثير، ~~والقرطبى. ج وقسم منهم رجح أن التزيين لم يكن حسيا، بل كان عن طريق ~~الوسوسة، وأن الشيطان ms2230 ما تمثل للمشركين فى صورة إنسان، وقد سار فى هذا ~~الاتجاه صاحب المنار مشككا فى صحة ما سواه. والذى نراه بعد هذا العرض ~~لأقوال المفسرين أن الآية الكريمة صريحة فى أن الشيطان قد زين للمشركين ~~أعمالهم، وأنه قد قال لهم - ما حكاه القرآن عنه { لا غالب لكم ~~اليوم من الناس وإني جار لكم } وأنه حين تراءى ~~الجمعان كذب فعله قوله، فقد { نكص على عقبيه } وقال للمشركين ~~الذين وعدهم ومناهم بالنصر { إني بريء منكم إني أرى ~~ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب ~~}. # ومن العسير علينا بعد ذلك أن نحدد تحديدا قاطعا كيفية هذا التزيين ~~والقول والنكوص أهو حسى أم غير حسى لأن التحديد القاطع لا بد أن يستند ~~إلى نص صريح فى دلالته على المعنى المراد، وصحيح فى نسبته إلى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -. وهذا النص غير موجود، لأن الحديث الذى أخرجه ~~الإمام مالك فى موطئه - والذى سبق أن ذكرناه - قال عنه ابن كثير وابن ~~حجر إنه حديث مرسل، وزيادة على ذلك ففى بعض رجاله من هو ضعيف الحديث كابن ~~الماجشون، ولأن الروايات التى رويت فى تمثيل الشيطان بصورة سراقة قد جاء ~~معظمها عن ابن عباس، وابن عباس - كما يقول صاحب المنار - كان سنه يوم بدر ~~خمس سنين. فروايته لأخبارها منقطعة. إذا فنحن نؤمن بما أثبته القرآن من ~~أن الشيطان قد زين للمشركين أعمالهم، وأنه قد قال لهم ما قاله - مما حكاه ~~القرآن عنه -، وأنه قد نكص على عقبيه.. إلا أننا لا نستطيع أن نحدد كيفية ~~ذلك. ويعجبنى فى هذا المقام قول بعض الكاتبين عند تفسيره لهذه الآية " ~~وفى هذا الحادث نص قرآنى يثبت منه أن الشيطان زين للمشركين أعمالهم، ~~وشجعهم على الخروج.. وأنه بعد ذلك { نكص على عقبيه.. } فخذلهم ~~وتركهم يلاقون مصيرهم وحدهم. ولكننا لا نعلم الكيفية التى زين لهم بها ~~أعمالهم والتى قال لهم بها لا غالب لكم اليوم من الناس.. والتى نكص بها ~~كذلك. الكيفية فقط هى التى لا نجزم بها. ذلك أن ms2231 أمر الشيطان كله غيب، ولا ~~سبيل لنا إلى الجزم بشئ من أمره إلا بنص قرآنى أو حديث نبوى صحيح، والنص ~~هنا لا يذكر الكيفية إنما يثبت الحادث. فإلى هنا ينتهى اجتهادنا، ولا ~~نميل إلى المنهج الذى تتخذه مدرسة الشيخ محمد عبده فى محاولة تأويل كل ~~أمر غيبى من هذا القبيل تأويلا معينا ينفى الحركة الحسية عن هذه العوالم، ~~وذلك كقول الشيخ رشيد رضا فى تفسير الآية. { وإذ زين لهم ~~الشيطان أعمالهم... } واذكر أيها الرسول للمؤمنين إذ زين ~~الشيطان لهؤلاء المشركين أعمالهم بوسوسته، وقال لهم بما ألقاه فى هواجسهم ~~لا غالب لكم اليوم من الناس.. الخ ما ذكره الشيخ رشيد فى تفسيره الآية. ~~هذا، وقوله - تعالى - بعد ذلك { إذ يقول المنافقون ~~والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم } بيان ~~لصنفين آخرين من أعداء المسلمين بعد بيان العدو الرئيسى وهم المشركون ~~الذين خرجوا بطرا ورئاء الناس لمحاربة الإسلام وقد شجعهم الشيطان على ~~ذلك. قال الفخر الرازى أما المنافقون فهم قوم من الأوس والخزرج - كانوا ~~يظهرون الإسلام ويخفون الكفر ولم يخرج منهم أحد إلى بدر سوى عبد الله بن ~~أبى - وأما الذين فى قلوبهم مرض فهم قوم من قريش أسلموا ولم يهاجروا. # ثم إن قريشا لما خرجوا لحرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال أولئك ~~نخرج مع قومنا فإن كان محمد فى كثرة خرجنا إليه، وإن كان فى قلة أقمنا فى ~~قومنا.. وعامل الاعراب فى " إذ " فيه وجهان الأول التقدير، والله شديد ~~العقاب إذ يقول المنافقون. والثانى اذكروا إذ يقول المنافقون.. " وقوله ~~{ غر } أى خدع، من الغرور وهو كل ما يغر الإنسان من مال وجاه وشهرة ~~وشيطان. أى اذكروا - أيها المؤمنون - وقت أن قال المنافقون والذين فى ~~قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم أى خدعهم، لأنكم أقدمتم على قتال قوم يفوقونكم ~~عدة وعددا، وهذا القتال - فى زعمهم - لون من إلقاء النفس إلى التهلكة، ~~لأنهم قوم لا يدركون حقيقة أسباب النصر وأسباب الهزيمة، فهم لخراب ~~بواطنهم من العقيدة السليمة، لا يعرفون أثرها فى الإقدام ms2232 من أجل نصرة ~~الحق ولا يقدرون ما عليه أصحابها من صلة طيبة بالله - عز وجل - الذى بيده ~~النصر والهزيمة. وما داموا قد فقدوا تلك المعرفة، وهذا التقدير، فلا ~~تستبعدوا منهم - أيها المؤمنون - أن يقولوا هذا القول عنكم، فذلك مبلغهم ~~من العلم، وتلك موازينهم فى قياس الأمور... والحق، أن الإنسان عندما ~~يتدبر ما قاله المنافقون والذين فى قلوبهم مرض فى حق المؤمنين عندما ~~أقدموا على حرب أعدائهم فى بدر.. أقول عندما يتدبر ذلك ليرى أن هذا القول ~~دأب كل المنافقين والذين فى قلوبهم مرض فى كل زمان ومكان. إننا فى عصرنا ~~الحاضر رأينا كثيرين من أصحاب العقيدة السليمة، والنفوس النقية، والقلوب ~~المضحية بكل شئ فى سبيل نصرة الحق.. رأينا هؤلاء يبلغون رسالات الله دون ~~أن يخشوا أحدا سواه ويهاجمون الطغاة والمبطلين والفجار، ليمكنوا لدين ~~الله فى الأرض، حتى ولو أدت بهم هذه المهاجمة إلى بذل أرواحهم. ورأينا فى ~~مقابل هؤلاء الصادقين أقواما - ممن آثروا شهوات الدنيا على كل شئ - لا ~~يكتفون بالصمت وهم يشاهدون أصحاب العقيدة السليمة يصارعون الطغاة. بل هم ~~- بسبب خلو نفوسهم من المثل العليا - يلقون باللوم على هؤلاء المؤمنين، ~~ويقولون ما حكاه القرآن من أقوال فى أشباههم السابقين من المنافقين ~~والذين فى قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم. إنهم لا يدركون الأمور ببصيرة ~~المؤمن، ولا يزنونها بميزان الإيمان. إن المؤمن يرى التضحية فى سبيل ~~الحق مؤدية إلى إحدى الحسنين النصر أو الشهادة. أما هؤلاء المنافقون ~~والذين فى قلوبهم مرض، فلا يرون الحياة إلا متعة وشهوة وغنيمة # فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا ~~هم يسخطون # وقوله - تعالى - { ومن يتوكل على الله فإن الله ~~عزيز حكيم } حض للمؤمنين على التمسك بما يدعوهم إليه إيمانهم من ~~استقامة وقوة. # . أى ومن يكل أمره إلى الله، ويثق به - ينصره - سبحانه - على أعدائه، ~~فإنه - عز وجل - عزيز لا يغلبه شئ، حكيم فيما يدبر من أمر خلقه. وبذلك ~~نرى أن هذه الآيات الكريمة، قد صورت تصويرا بديعا ما عليه الكافرون ~~وأشباههم من بطر ms2233 ومفاخرة وصد عن سبيل الله.. ومن طاعة للشيطان أوردتهم ~~المهالك. وحكت ما قالوه من أقوال تدل على جبنهم وجهلهم وانطماس بصيرتهم. ~~ونهت المؤمنين عن التشبه بهم، لأن البطر والمفاخرة والبغى، واتباع ~~الشيطان كل ذلك يؤدى إلى خزى الدنيا وعذاب الآخرة. ولقد كان أبو جهل قمة ~~فى البغى والمراءاة عندما قال - بعد أن نصحه الناصحون بالرجوع عن الحرب ~~فقد نجت العير " لا لن نرجع حتى نرد بدرا، فتقيم ثلاثا، ننحر الجزر، ~~ونشرب الخمر، وتعزف القيان علينا، فلن تزال العرب تهابنا أبدا ". وعندما ~~بلغت مقالة أبى جهل أبا سفيان قال " واقوماه!! هذا عمل عمرو ابن هشام " ~~يعنى أبا جهل " كره أن يرجع لأنه ترأس على الناس فبغى، والبغى منقصة ~~وشؤم. إن أصاب محمد النفير ذللنا ". وصدقت فراسة أبى سفيان، فقد أصاب ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - النفير وتسربل المشركون بالذل والهوان فى ~~بدر بسبب بطرهم وريائهم وصدهم عن سبيل الله واتباعهم لخطوات الشيطان. ~~فاللهم نسألك أن توفقنا إلى ما يرضيك، وأن تجنبنا البطر والرياء وسوء ~~الأخلاق. وبعد هذا البيان لأحوال الكافرين فى حياتهم انتقل القرآن لبيان ~~أحوالهم عند مماتهم. فقال - تعالى - { ولو ترى...ليس بظلام ~~للعبيد }. ### || [8.50-51] # والخطاب فى قوله - تعالى - { ولو ترى.. } للنبى - صلى الله عليه ~~وسلم - أو لكل من يصلح للخطاب و { لو } شرطية، وجوابها محذوف لتفظيع ~~الأمر وتهويله. والمراد بالذين كفروا كل كافر، وقيل المراد بهم قتلى غزوة ~~بدر من المشركين. قال ابن كثير وهذا السياق وإن كان سببه غزوة بدر، ولكنه ~~علم فى حق كل كافر. ولهذا لم يخصصه الله بأهل بدر بل قال - سبحانه - { ~~ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ~~يضربون وجوههم وأدبارهم.. }. والفعل المضارع هنا وهو { ~~ترى } بمعنى الماضى، لأن لو الامتناعية ترد المضارع ماضيا. والفعل { ~~يتوفى } فاعله محذوف للعلم به وهو الله - عز وجل - وقوله { ~~الذين كفروا } هو المفعول وعليه يكون { الملائكة } مبتدأ، ~~وجملة { يضربون وجوههم... } خير. والمعنى لو عاينت وشاهدت أيها ~~العاقل حال الذين كفروا حين يتوفى الله أرواحهم، لعاينت وشاهدت منظرا ~~مخيفا، وأمرا ms2234 فظيعا تقشعر من هوله الأبدان. ثم فصل - سبحانه - هذا ~~المنظر المخيف بجملة مستأنفة فقال { الملائكة يضربون ~~وجوههم وأدبارهم } والمراد بوجودههم ما أقبل منهم وبأدبارهم ~~ما أدبر وهو كل الظهر. أى الملائكة عندما يتوفى الله - تعالى - هؤلاء ~~الكفرة يضربون ما أقبل منهم وما أدبر، لإعراضهم عن الحق، وإيثارهم الغى ~~على الرشد. ومنهم من يرى أن الفعل { يتوفى } فاعله { الملائكة ~~} وأن قوله { الذين كفروا } هو المفعول وقدم على الفاعل للاهتمام ~~به. وعليه تكون جملة { يضربون وجوههم.. } حال من الفاعل وهو ~~الملائكة. فيكون المعنى ولو رأيت - أيها العاقل - حال الكافرين عندما ~~تتوفى الملائكة أرواحهم فتضرب منهم الوجوه والأدبار، لرأيت عندئذ ما يؤلم ~~النفس، ويخيف الفؤاد. ويبدو لنا أن التفسير الأول أبلغ، لأن توضيح وتفصيل ~~الرؤية بالجملة الاسمية المستأنفة خير منه بجملة الحال، ولأن إسناد ~~التوفى إلى الله أكثر مناسبة هنا، إذ أن الله - تعالى - قد بين وظيفة ~~الملائكة هنا فقال { يضربون وجوههم وأدبارهم }. وخص - ~~سبحانه - الضرب للوجوه والأدبار بالذكر، لأن الوجوه أكرم الأعضاء، ولأن ~~الأدبار هى الأماكن التى يكره الناس التحدث عنها فضلا عن الضرب عليها. أو ~~لأن الخزى والنكال فى ضربهما أشد وأعظم. وقوله { وذوقوا عذاب ~~الحريق } معطوف على قوله { يضربون } بتقدير القول. أى يضربون ~~وجوههم وأدبارهم ويقولون لهم ذوقوا عذاب تلك النار المحرقة التى كنتم ~~تكذبون بها فى الدنيا. والذوق حقيقة إدراك المطعومات. والأصل فيه أن يكون ~~أمر مرغوب فى ذوقه وطلبه. والتعبير به هنا ذوق العذاب هو لون من التهكم ~~عليهم، والاستهزاء بهم، كما فى قوله - تعالى - # فبشرهم بعذاب أليم # وهو أيضا يشعر بأن ما وقع عليهم من عذاب إنما هو بمنزلة المقدمة لما هو ~~أشد منه، كما أن الذوق عادة يكون كالمقدمة للمطعوم أو الشئ المذاق. # وقوله { ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس ~~بظلام للعبيد } بيان للأسباب التى أدت بهم إلى هذا المصير ~~السئ. وأنهم هم الذين جنوا على أنفسهم بشؤم صنيعهم، وانقيادهم للهوى ~~والشيطان. أى ذلك الذى نزل بكم - أيها الكافرون - من الضرب وعذاب النار، ~~سببه ما ms2235 قدمته أيديكم من عمل سئ، وفعل قبيح، وقول منكر، وجحود للحق. وأن ~~الله - تعالى - ليس بذى ظلم لكم ولا لغيركم، لأن حكمته - سبحانه - قد ~~اقتضت ألا يعذب أحدا إلا بسبب ذنب ارتكبه، وجرم اقترفه. فاسم الإشارة " ~~ذلك " يعود إلى الضرب وعذاب الحريق، وهو مبتدأ، وخبره قوله { بما ~~قدمت أيديكم }. والمراد بالأيدى الأنفس والذوات، والتعبير ~~بالأيدى عن ذلك من قبيل التعبير بالجزء عن الكل. وخصت الأيدى بالذكر، ~~للدلالة على التمكن من الفعل وإرادته، وأن أكثر الأفعال يكون عن طريق ~~البطش بالأيدى. ولأن نسبة الفعل إلى اليد تفيد الالتصاق به، والاتصال ~~بذاته. وقوله { وأن الله ليس بظلام للعبيد } خبر ~~لمبتدأ محذوف، والجملة اعتراض تذييلى مقرر مضمون ما قبله. أى ذلك الذى ~~نزل بكم سببه ما قدمته أيديكم، والأمر أن الله - تعالى - ليس بمعذب ~~لعبيده من غير ذنب جنوه. ويجوز أن يكون معطوفا على ما المجرورة بالباء. ~~أى ذلك بسبب ما قدمته أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد. قال بعض العلماء ~~فإن قيل ما سر التعبير بقوله { بظلام } بالمبالغة، مع أن نفى نفس ~~الظلم أبلغ من نفى كثرته، ونفى الكثرة لا ينفى أصله، بل ربما يشعر ~~بوجوده، وبرجوع النفى للقيد؟. وأجيب بأجوبة منها أنه نفى لأصل الظلم ~~وكثرته، باعتبار آحاد من ظلم، كأنه قيل ظالم لفلان ولفلان وهلم جرا، فلما ~~جمع هؤلاء عدل إلى { ظلام } لذلك، أى لكثرة الكمية فيه. ومنها أنه ~~إذا انتفى الظلم الكثير، انتفى الظلم القليل، لأن من يظلم يظلم للانتفاع ~~بالظلم، فإذا ترك كثيره، مع زيادة نفعه فى حق من يجوز عليه النفع والضر، ~~كان لقليله مع قلة نفعه أكثر تركا. ومنها أن " ظلاما " للنسب كعطار، أى ~~لا ينسب إليه الظلم أصلا. ومنها أن كل صفة له - تعالى - فى أكمل المراتب، ~~فلو كان - سبحانه - ظالما، كان ظلاما، فنفى اللازم نفى للملزوم. ومنها أن ~~نفى { الظلام } لنفى الظالم ضرورة أنه إذا انتفى الظلم انتفى كماله، فجعل ~~نفى المبالغة كناية عن نفى أصله، انتقالا من اللازم إلى الملزوم. ومنها ~~أن العذاب ms2236 من العظم بحيث لولا الاستحقاق لكان المعذب بمثله ظلاما بليغ ~~الظلم متفاقمه، فالمراد تنزيهه - تعالى - وهو جدير بالمبالغة. وفى صحيح ~~مسلم عن أبى ذر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الله - تعالى - ~~يقول # " يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسى، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا ~~". # وبذلك نرى أن هاتين الآيتين قد بينتا حالة المشركين عند قبض أرواحهم ~~بيانا يحمل النفوس على الإيمان والطاعة لله - تعالى - فقد رسم القرآن ~~صورة مفزعة لهم، صورة الملائكة وهى تضرب وجوههم وأدبارهم بأمر من الله - ~~تعالى الذى ما ظلمهم، ولكنهم هم الذين أحلوا بأنفسهم هذا المصير المؤلم ~~المهين، حيث كفروا بالحق، وحاربوا أتباعه، واستحيوا العمى على الهدى ثم ~~بين سبحانه - أن هؤلاء الكافرين عادتهم فى كفرهم وطغيانهم كعادة من سبقهم ~~من الأمم الظاملة وإن من سنة الله تعالى - فى خلقه ألا يعاقب إلا بذنب، ~~وألا يغير النعمة إلا لسبب. فقال - تعالى - { كدأب آل ~~فرعون...كانوا ظالمين }. ### || [8.52-54] # والكاف فى قوله { كدأب } ، للتشبيه، والجار والمجرور فى موضع رفع ~~خبر لمبتدأ محذوف. والدأب أصله الدوام والاستمرار، يقال دأب فلان على كذا ~~يدأب دأبا - بفتح الهمزة - ودأبا - بسكونها - ودؤوبا، إذا دوام عليه ~~وجد فيه، ثم غلب استعماله فى الحال والشأن والعادة، لأن الذى يستمر فى ~~عمل أمدا طويلا يصير هذا العمل عادة من عاداته، وحالا من أحواله، فهو من ~~باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم. والآل - كما يقول الراغب - مقلوب عن ~~الأهل، ويصغر على أهيل، إلا أنه خص بالإضافة إلى أعلام الناطقين دون ~~النكرات ودون الأزمنة والأمكنة يقال آل فلان، ولا يقال آل رجل، ولا يقال ~~آل الحجام.. بل يضاف إلى الأشرف والأفضل يقال آل الله، وآل السلطان، ~~والأهل يضاف إلى الكل، فيقال أهل الله، وأهل الحجام، وأهل زمان كذا.. ~~والمقصود بآل فرعون هو وأعوانه وبطانته، لأن الآل يطلق على أشد الناس ~~التصاقا واختصاص بالمضاف إليه. والمعنى شأن هؤلاء الكافرين الذين حاربوك ~~يا محمد، والذين هلك منهم من هلك فى بدر، شأنهم وحالهم وعادتهم فيما ~~اقترفوه من الكفر ms2237 والعصيان وفيما فعل بهم من عذاب وخذلان، كشأن آل فرعون ~~الذين استحبوا العمى على الهدى، والذين زينوا له الكفر والطغيان حتى صار ~~عادته له ولهم، وقد أخذهم - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، بسبب كفرهم ~~وفجورهم. وقد خص - سبحانه - فرعون وآله بالذكر من بين الأمم الكافرة، لأن ~~فرعون كان أشد الطغاة طغيانا، وأكثرهم غرورا وبطرا، وأكثرهم فى الاستهانة ~~بقومه وفى الاحتقار لعقولهم وكيانهم. ألم يقل لهم - كما حكى القرآن عنه - # أنا ربكم الأعلى # وألم يبلغ به غروره أن يقول لهم # أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من ~~تحتي أفلا تبصرون # أما آله وبطانته وأعوانه، فهم الذين زينوا له السوء، وحرضوه على البطش ~~موسى لأنه جاءهم بالحق، ولقد حكى الله عنهم نفاقهم وضلالهم وانغماسهم فى ~~الآثام فى آيات كثيرة، ومن ذلك قوله - تعالى - # وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ~~ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل ~~أبنآءهم ونستحيي نسآءهم وإنا فوقهم ~~قاهرون # ولقد وصف الله - تعالى - قوم فرعون بهوان الشخصية، وتفاهة العقل، ~~والخروج عن كل مكرمة فقال # فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما ~~فاسقين # وذلك لأن الأمة التى تترك الظالم وبطانته يعيثون فى الأرض فسادا، لا ~~تستحق الحياة، ولا يكون مصيرها إلا إلى التعاسة والخسران. وقوله { ~~كفروا بآيات الله } تفسير لصنيعهم الباطل، ودأبهم على الفساد ~~والضلال. والمراد بآيات الله ما يعم المتلوة فى كتب الله - تعالى -، ~~والبراهين والمعجزات الدالة على صدق الأنبياء فيما يبلغونه عن ربهم. # وفى إضافتها إلى الله تعظيم لها وتشريف، وتنبيه إلى قوة دلالتها على ~~الحق والخير. وقوله { فأخذهم الله بذنوبهم } معطوف على ~~قوله { كفروا بآيات الله } لبيان ما ترتب على كفرهم من عقوبات ~~أليمة. وفى التعبير بالأخذ إشارة إلى شدة العذاب، فهو - سبحانه - قد ~~أخذهم كما يؤخذ الأسير الذى لا يستطيع الفكاك من آسره. والباء فى قوله { ~~بذنوبهم } للسببية أى كفروا بآيات الله فعاقبهم - سبحانه - بسبب ~~كفرهم وفسوقهم عن أمره. ويجوز أن تكون للملابسة، أى أخذهم وهم ملتبسون ~~بذنوبهم دون أن يثوبوا منها، أو يقلعوا عنها. ms2238 وعلى الوجهين فالجملة ~~الكريمة تدل على كمال عدل الله - تعالى - لأنه ما عاقبهم إلا لأنهم ~~استحقوا العقاب. والمراد بذنوبهم كفرهم وما ترتب عليه من فسوق وعصيان، ~~وأصل الذنب الأخذ بذنب الشئ أى بمؤخرته، ثم أطلق على الجريمة، لأن ~~مرتكبها يعاقب بعدها. وقوله { إن الله قوي شديد العقاب ~~} تذييل مقرر لمضمون ما قبله من الأخذ الشديد، بسبب الكفر والمعاصى. أى ~~إن الله - تعالى - قوى لا يغلبه غالب، ولا يدفع قضاءه دافع، شديد عقابه ~~لمن كفر بآياته، وفسق عن أمره. وقوله { ذلك بأن الله لم يك ~~مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ~~ما بأنفسهم... } بيان لسنة من سننه - تعالى - فى خلقه، وتعليل ~~لتعذيب أولئك الكفار، ولسلب نعمه عنهم وعن أشباههم من العصاة والجاحدين ~~واسم الإشارة { ذلك } يعود إلى تعذيب الكفرة المعبر عنه بقوله - ~~تعالى - { فأخذهم الله بذنوبهم }. وهو، أى اسم الإشارة ~~مبتدأ وخبره قوله - سبحانه - { بأن الله لم يك مغيرا.. } ~~إلخ. والمعنى ذلك الذى نزل بهؤلاء الكفرة من التعذيب والخذلان عدل إلهى، ~~فقد جرت سنته - سبحانه - فى خلقه، واقتضت حكمته فى حكمه ألا يبدل نعمه ~~بنقم إلا بسبب ارتكاب الذنوب، واجتراح السيئات، فإذا لم يتلق الناس نعمه ~~- عز وجل - بالشكر والطاعة، وقابلوها بالكفر والعصيان، بدل نعمتهم بنقم ~~جزاء وفاقا. وشبيه بهذا قوله - تعالى - فى آية أخرى # إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم # قال الفخر الرازى قال القاضى معنى الآية أنه - تعالى - أنعم عليهم ~~بالعقل والقدرة وإزالة الموانع وتسهيل السبل، والمقصود أن يشتغلوا ~~بالعبادة والشكر، ويعدلوا عن الكفر، فإذا صرفوا هذه الأحوال إلى الفسق ~~والكفر، فقد غيروا نعمة الله - تعالى - على أنفسهم، فلا جرم استحقوا ~~تبديل النعم بالنقم، والمنح بالمحن. قال وهذا من أوكد ما يدل على أنه - ~~تعالى - لا يبتدئ أحدا بالعذاب والمضرة. وقال صاحب الكشاف " فإن قلت فما ~~كان من تغيير آل فرعون ومشركى مكة حتى غير الله نعمته عليهم، ولم تكن لهم ~~حال مرضية فيغيروها إلى حال مسخوطة؟. # قلت كما تغير الحال المرضية إلى المسخوطة، ms2239 تغير الحال المسخوطة إلى أسخط ~~منها وأولئك كانوا قبل بعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليهم كفرة ~~عبدة أصنام، فلما بعث إليهم بالآيات البينات فكذبوه وعادوه وتحزبوا عليه ~~ساعين فى إراقة دمه، غيروا حالهم إلى أسوأ مما كانت، فغير الله ما أنعم ~~به عليهم من الإمهال وعاجلهم بالعذاب. وقوله { وأن الله سميع ~~عليم } معطوف على قوله { بأن الله لم يك مغيرا ~~نعمة } إلخ. أى ذلك التعذيب بسبب جحودهم للنعم، وبسبب أنه - سبحانه ~~- سميع لما نطقوا به من سوء، وعليم بما ارتكبوه من قبائح ومنكرات، وقد ~~عاقبتهم على ذلك بما يستحقون من عذاب # وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون # ثم ذكر - سبحانه - ما عليه المشركون من جحود وغرور وعناد على سبيل ~~التأكيد والتوبيخ فقال { كدأب آل فرعون والذين من ~~قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم ~~بذنوبهم وأغرقنآ آل فرعون وكل كانوا ظالمين ~~}. أى أن شأن هؤلاء المشركين الذين حاربوك يا محمد، كشأن آل فرعون ومن ~~تقدمهم من الأقوام السابقة، كقوم نوح وقوم هود..، كذب أولئك جميعا بآيات ~~ربهم التى أوجدها - سبحانه - لهدايتهم وسعادتهم.. فكانت نتيجة ذلك أن ~~أهلكهم - سبحانه - بسبب ما ارتكبوه من ذنوب، وبسبب استعمالهم النعم فى ~~غير ما خلقت له. { وأغرقنآ آل فرعون } الذين زينوا له الكفر ~~والبطر والطغيان. { وكل كانوا ظالمين } أى وكل من الأقوام ~~المذكورين ومن على شاكلتهم فى الكفر والضلال، كانوا ظالمين لأنفسهم ~~بكفرهم، ولأنبيائهم بسبب محاربتهم لهم، وإعراضهم عنهم مع أن الأنبياء ما ~~جاءوا إلا لهدايتهم. وجمع الضمير فى { كانوا } و { ظالمين } ~~مراعاة لمعنى { كل } لأنها متى قطعت عن الإضافة جاز مراعاة لفظها ~~تارة، ومراعاة معناها أخرى، واختير هنا مراعاة المعنى لأجل الفواصل. قال ~~الجمل فإن قلت ما الفائدة من تكرير هذه الآية مرة ثانية؟. قلت فيها فوائد ~~منها أن الكلام الثانى يجرى مجرى التفصيل للكلام الأول، لأن الآية الأولى ~~فيها ذكر أخذهم، والثانية ذكر إغراقهم فذلك تفسير للأول. ومنها أنه ذكر ~~فى الآية الأولى أنهم كفروا بآيات الله وفى الآية الثانية أنهم كذبوا ~~بآيات ربهم، ms2240 ففى الآية إشارة إلى أنهم كفروا بآيات الله وجحدوها، وفى ~~الثانية إشارة إلى أنهم كذبوا بها مع جحودهم لها، وكفرهم بها. ومنها أن ~~تكرير هذه القصة للتأكيد. وبعد، فإن المتدبر فى هذه الآيات الكريمة، ~~يراها تصور تصويرا واضحا سنة من سنن الله فى خلقه، وهى أنه - سبحانه - لا ~~يسلب نعمه عن قوم إلا بسبب ذنوب اقترفوها، وأنه - تعالى - لا ينزل ~~عقوباته بهم إلا بعد لجاجهم فى طغيانهم، وإدبارهم عن نصح الناصحين. ورحم ~~الله الأستاذ الإمام محمد عبده فقد كتب مقالا جيدا صدره بقوله تعالى { ~~ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها ~~على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. # . }. ومما جاء فى هذا المقال قوله تلك آيات الكتاب الحكيم، تهدى إلى ~~الحق وإلى طريق مستقيم. أرشدنا - سبحانه - إلى أن الأمم ما سقطت من عرش ~~عزها، ولا بادت ومحى اسمها من لوح الوجود إلا بعد نكوبها عن تلك السنن ~~التى سنها - سبحانه - على أساس الحكمة البالغة، إن الله لا يغير ما بقوم ~~من عز وسلطان، ورفاعة وخفض عيش، وأمن وراحة حتى يغير أولئك ما بأنفسهم من ~~نور العقل، وصحة الفكر، وإشراق البصيرة، والاعتبار بأفعال الله فى الأمم ~~السابقة، والتدبر فى أحوال الذين حادوا عن صراط الله فهلكوا، أو حل بهم ~~الدمار، ثم لعدولهم عن سنة العدل، وخروجهم عن طريق البصيرة والحكمة، ~~حادوا عن الاستقامة فى الرأى، والصدق فى القول، والسلام فى الصدر، والعفة ~~عن الشهوات، والحمية على الحق، والقيام بنصرته والتعاون على حمايته.. ~~خذلوا العدل ولم يجمعوا همهم على إعلاء كلمته واتبعوا الأهواء الباطلة، ~~وانكبوا على الشهوات الفانية.. فأخذهم بذنوبهم وجعلهم عبرة للمعتبرين. ~~هكذا جعل الله بقاء الأمم ونماءها فى التحلى بالفضائل وجعل هلاكها ~~ودمارها فى التخلى عنها. سنة ثابتة لا تختلف باختلاف الأمم، ولا تتبدل ~~بتبدل الأجيال، كسنته - سبحانه - فى الخلق والإيجاد، وتقدير الأرزاق ~~وتحديد الآجال.. وبعد أن شرح - سبحانه - أحوال المهلكين من شرار الكفرة، ~~شرع فى بيان أحوال الباقين منهم، وتفصيل أحكامها، فقال - تعالى - { إن ~~شر الدواب... إنهم لا يعجزون ms2241 }. ### || [8.55-59] # قال الفخر الرازى اعلم أنه - تعالى - لما وصف كل الكفار بقوله # وكل كانوا ظالمين # أفرد بعضهم بمزية فى الشر والعناد فقال { إن شر الدواب عند ~~الله } أى فى حكمه وعلمه من حصلت له صفتان الأولى الكافر الذى يكون ~~مستمرا على كفره مصرا عليه.. الثانية أن يكون ناقضا للعهد على الدوام.. ~~قال ابن عباس هم بنو قريظة، فإنهم نقضوا عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وأعانوا عليه المشركين بالسلاح فى يوم بدر، ثم قالوا أخطأنا، ~~فعاهدهم مرة أخرى فنقضوه أيضا يوم الخندق.. والدواب جمع دابة. وهى كل ما ~~يدب على الأرض قال - تعالى - # والله خلق كل دآبة من مآء فمنهم من يمشي ~~على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم ~~من يمشي على أربع.. # قال الجمل وإطلاق الدابة على الإنسان إطلاق حقيقى، لما ذكروه فى كتب ~~اللغة من أنها تطلق على كل حيوان ولو آدميا. وفى الصباح " الداية كل ~~حيوان فى الأرض مميزا وغير مميز ". والمعنى إن شر، ما يدب على الأرض { ~~عند الله } أى فى حكمه وقضائه { الذين كفروا } أى الذين ~~أصروا على الكفر ولجوا فيه. وقد وصفهم - سبحانه - بأنهم شر الدواب لا شر ~~الناس، للإشعار بأنهم بمعزل عما يتحلى به الناس من تعقل وتدبر للأمور، ~~لأن لفظ الدواب وإن كان يطلق على الناس، إلا أنه عند إطلاقه عليهم يلقى ~~ظلا خاصا يجعل العقول تتجه إلى أن هؤلاء الذين أطلق عليهم اللفظ هم إلى ~~الدواب التى لا تعقل أقرب منهم إلى الآدميين العقلاء، وفى وصفه - سبحانه ~~- لهم بأنهم شر الدواب زيادة توبيخ لهم، لأنهم ليسوا دوابا فحسب بل هم ~~شرها وأخسها. وقوله { فهم لا يؤمنون } تذييل جئ به على وجه ~~الاعتراض بالبيان أى أنهم - بسبب إصرارهم على الكفر - صار الإيمان بعيدا ~~عنهم، وأنهم سواء أنذروا أو لم ينذروا مستمرون فى الضلال والعناد. وقوله ~~{ الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل ~~مرة... } بدل من الموصول الأول وهو قوله { الذين كفروا... } ~~أو عطف بيان له. أى إن شر الدواب ms2242 عند الله الذين أصروا على الكفر ورسخوا ~~فيه، الذين { عاهدت منهم } أى أخذت منهم عهدهم، ثم ينقضون عهدهم ~~فى كل مرة دون أن يفوا بعهودهم ولو مرة واحدة من المرات المتعددة. فقوله ~~{ عاهدت } مضمن معنى الأخذ، ولذا عدى بمن. قال الآلوسى قوله { ~~الذين عاهدت منهم.. } بدل من الموصول الأول، أو عطف بيان، ~~أو نعت، أو خبر مبتدأ محذوف، أو نصب على الذم، وعائد الموصل قيل ضمير ~~الجمع المجرور، والمراد عاهدتم، و { من } للإيذان بأن المعاهدة - التى ~~هى عبارة عن إعطاء العهد وأخذه من الجانبين - معتبرة هنا من حيث أخذه - ~~صلى الله عليه وسلم -، إذ هو المناط لما نعى عليهم من النقض، لا إعطاؤه - ~~عليه الصلاة والسلام إياهم عهده كأنه قيل الذين أخذت منهم عهدهم، وقال ~~أبو حيان تبعيضية، لأن المباشر لا كلهم. # . " وقوله { ثم ينقضون عهدهم في كل مرة } معطوف ~~على الصلة. وكان العطف " بثم " المفيدة للتراخى، للإيذان بالتفاوت ~~الشديد بين ما أخذ عليهم من عهود، وبين ما تردوا فيه من نقض لها، ~~واستهانة بها. وجئ بصيغة المضارع { ينقضون } المفيدة للحال ~~والاستقبال، للدلالة على تعدد النقض وتجدده، وأنهم على نيته فى كل مرة ~~يعاهدون فيها غيرهم. وقوله { وهم لا يتقون } فى موضع الحال من ~~فاعل { ينقضون }. أى أن هؤلاء القوم دأبهم نقض العهود والمواثيق فى ~~كل وقت، ومع ذلك فحالهم وشأنهم أنهم لا يشعرون خلال نقضهم للعهود بأى ~~تحرج أو خجل، بل يرتكبون ما يرتكبون من المنكرات دون أن يتقوا عارها، أو ~~يخشوا سوء عاقبتها. ثم بين - سبحانه - ما يجب على المؤمنين نحو هؤلاء ~~الناقضين لعهودهم فى كل مرة بدون حياء أو تدبر للعواقب فقال { فإما ~~تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم ~~لعلهم يذكرون } فالفاء فى قوله { فإما } لترتيب ما ~~بعدها على ما قبلها. وقوله { تثقفنهم } من الثقف بمعنى الحذق فى ~~إدراك الشئ وفعله. قال الراغب يقال ثقفت كذا إذا أدركته ببصرك لحذق فى ~~النظر، ثم يتجوز فيه فيستعمل فى الإدراك وإن لم تكن معه ثقافته. قال - ~~تعالى - { فإما ms2243 تثقفنهم في الحرب }. وقوله { فشرد ~~بهم } التشريد وهو عبارة عن التفريق مع الاضطراب، يقال شردت بنى فلان، ~~أى قلعتهم عن مواطنهم وطردتهم عنها حتى فارقوها قال الشاعر # أطوف فى الأباطح كل يوم مخافة أن يشرد بى حكيم # أى مخافة أن يسمع بى ويطردنى حكيم، وحكيم رجل من بنى سليم كانت قريش قد ~~ولته الأخذ على أيدى السفهاء. والمعنى إنك يا محمد إذا ما أدركت فى الحرب ~~هؤلاء الكافرين الناقضين لعهودهم وظفرت بهم - وهم بنو قريظة ومن لف لفهم ~~-.. فافعل بهم فعلا من القتل والتنكيل يتفرق معه جمع كل ناقض للعهد، ~~ويفزع منه كل من كان على شاكلتهم فى الكفر ونقض العهود، ويعتبر به كل من ~~سمعه من أهل مكة وغيرهم. فالباء فى قوله { فشرد بهم } للسببية، ~~وقوله { من خلفهم } مفعول شرد. والمراد بمن خلفهم كفار مكة ~~وغيرهم من الضالين، أى افعل ببنى قريظة ما يشرد غيرهم خوفا وفزعا. وقوله ~~{ لعلهم يذكرون } أى لعل أولئك المشردين يتعظون بهذا القتل ~~والتنكيل الذى نزل بهؤلاء الناقضين لعهودهم فى كل مرة، فيمنعهم ذلك عن ~~نقض العهد. # هذا، وإن تلك الآية الكريمة لمن أحكم الآيات التى ترشد المؤمنين إلى ~~وجوب أخذ المستمرين على كفرهم وعنادهم ونقضهم العهود أخذا شديدا ~~رادعا.. حتى يبقى للمجتمع الإسلامى أمانه واستقراره وهيبته أمام أعدائه. ~~إن الآية الكريمة ترسم صورة بديعة للأخذ المفزع، والهول المرعب، الذى ~~يكفى السماع به للهرب والشرود، فما بال من يحل به هذا الأخذ الشديد؟ إنها ~~الضربة المروعة، بأمر الله - تعالى - رسوله أن ينزلها على رأس كل مستحق ~~لها بسبب كفره وتلاعبه بالعهود.. وبذلك تبقى لدين الله هيبته وسطوته. هذا ~~هو حكم المصرين على كفرهم الناقضين لعهودهم.. أما الذين تخشى منهم ~~الخيانة فقد بين - سبحانه - حكمهم بقوله { وإما تخافن من ~~قوم خيانة فانبذ إليهم على سوآء إن الله لا ~~يحب الخائنين }. وقوله { تخافن } من الخوف والمراد به هنا ~~العلم. وقوله { فانبذ } من النبذ بمعنى الطرح، وهو مجاز عن إعلامهم ~~بأنهم لا عهد لهم بعد اليوم، فشبه - سبحانه ms2244 - العهد بالشئ الذى يرمى لعدم ~~الرغبة فيه، وثبت النبذ له على سبيل التخييل، ومفعول " فانبذ " محذوف أى ~~فانبذ إليهم عهودهم. قال الجمل وقوله { على سوآء } حال من الفاعل ~~والمفعول معا، أى فاعل الفعل وهو ضمير النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~ومفعوله وهو المجرور بإلى. أى حال كونكم مستوين فى العلم بطرح العهد. ~~فعلمك أنت به لأنه فعل نفسك، وعلمهم به بإعلامك إياهم، فكأنه قيل فى ~~الآية فانبذ عهدهم وأعلمهم بنبذه، ولا تقاتلهم بغتة لئلا يتهموك بالغدر ~~وليس هذا من شأنك ولا من صفاتك ". والمعنى وإما تعلمن - يا محمد - من قوم ~~بينك وبينهم عهد أنهم على وشك نقضه منهم، بأمارات تلوح لك تدل على غدرهم، ~~فاطرح إليهم عهدهم على طريق مستو ظاهر بأن تعلمهم بنبذك عهدهم قبل أن ~~تحاربهم، حتى تكون أنت وهم فى العلم بنبذ العهد سواء، لأن الله - تعالى - ~~لا يحب الخائنين وإن من مظاهر الخيانة التى يبغضها الله - تعالى - أن ~~يحارب أحد المتعاهد معه دون أن بعلمه بإنهاء عهده. قال ابن كثير # " قال الإمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر، قال حدثنا شعبة عن أبى الفيض عن ~~سليم بن عامر قال كان بين معاوية وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم ~~ليقرب منها، حتى إذا انقضى العهد غزاهم فإذا شيخ على دابة يقول الله أكبر ~~الله أكبر، وفاء لا غدرا إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال " من ~~كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدة، ولا يشدها حتى ينقضى أمدها أو ينبذ ~~إليهم على سواء ". # قال فبلغ ذلك معاوية فرجع، فإذا بالشيخ عمرو بن عيسة. # ثم قال ابن كثير، وهذا الحديث رواه أبو داود الطيالسى عن شعبة، وأخرجه ~~أبو داود والترمذى والنسائى وابن حبان فى صحيحه من طرق عن شعبة به، وقال ~~الترمذى حسن صحيح. وروى الإمام أحمد # " عن سلمان الفارسى أنه انتهى إلى حصن أو مدينة فقال لأصحابه دعونى ~~ادعوهم كما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعوهم، فقال إنما كنت ~~رجلا منكم فهدانى الله ms2245 إلى الإسلام فإن أسلمتم فلكم ما لنا وعليكم ما ~~علينا، وإن أنتم أبيتم، فأدوا الجزية وأنتم صاغرون فإن أبيتم نابذناكم ~~على سواء، إن الله لا يحب الخائنين، يفعل ذلك بهم ثلاثة أيام، فلما كان ~~اليوم الرابع غدا الناس إليها ففتحوها بعون الله ". # وقال الفخر الرازى قال أهل العلم آثار نقض العهد إذا ظهرت، فإما أن تظهر ~~ظهورا محتملا، أو ظهورا مقطوعا به. فإن كان الأول وجب الإعلام على ما ~~هو مذكور فى هذه الآية، وذلك لأن بنى قريظة عاهدوا النبى - صلى الله عليه ~~وسلم ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على رسول ~~الله، فحصل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم خوف الغدر منهم به وأصحابه، ~~فهنا يجب على الإمام أن ينبذ إليهم عهودهم على سواء ويؤذنهم بالحرب. أما ~~إذا ظهر نقض العهد ظهورا مقطوعا به، فهنا لا حاجة إلى نبذ العهد، وذلك ~~كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأهل مكة، فإنهم لما نقضوا ~~العهد بقتل خزاعة وهم فى ذمة النبى - صلى الله عليه وسلم - وصل إليهم جيش ~~رسول الله بمر الظهران، وذلك على أربعة فراسخ من مكة. أى أنهم لم يعلموا ~~بجيش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذى جاء لمحاربتهم إلا بعد وصوله ~~إلى هذا المكان. وبذلك ترى أن تعاليم الإسلام ترتفع بالبشرية إلى أسمى ~~آفاق الوفاء والشر والأمان.. وتحقر من شأن الخيانة والخائنين، وتتوعدهم ~~بالطرد من رحمة الله، وبالبعد عن رضوانه ومحبته. ثم بين - سبحانه - بعد ~~ذلك أن الكافرين لن ينجوا من عقابه، وبشر المؤمنين بالنصر فقال { ولا ~~يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون ~~}. وقوله { يحسبن } من الحسبان بمعنى الظن، وقد قرأ ابن عامر وحفص ~~وحمزة " يحسبن " بالياء، وقرأ الباقون بالتاء. وقوله { يعجزون } من ~~العجز، وأصله - كما يقول الراغب - التأخر عن الشئ.. ثم صار فى التعارف ~~اسما للقصور عن فعل الشئ، وهو ضد القدرة.. والعجوز سميت بذلك لعجزها فى ~~كثير من الأمور.. والمعنى - على القراءة بالياء - ولا يحسبن الذين كفروا ~~أنفسهم ms2246 أنهم قد سبقوا الله فنجوا من عقابه، وخلصوا من عذابه.. كلا إن ~~حسبانهم هذا باطل - لأنهم لا يعجزون الله، بل هو - سبحانه - قادر على ~~إهلاكهم وتعذيبهم فى كل وقت. # . وأن نجاتهم من القتل أو السر فى الدنيا لن تنفعهم شيئا من العذاب ~~المهين فى الآخرة. وعلى هذه القراءة يكون فاعل { يحسبن } قوله { ~~الذين كفروا } ويكون المفعول الأول ليحسبن محذوف أى ولا يحسبن ~~الذين كفروا أنفسهم، والمفعول الثانى جملة { سبقوا }. وأما على ~~القراءة الثانية { ولا تحسبن } فيكون قوله { الذين كفروا ~~} هو المفعول الأول. وجملة { سبقوا } هى المفعول الثانى. أى ولا ~~تحسبن - أيها الرسول الكريم - أن هؤلاء الكافرين قد سبقونا بخيانتهم لك، ~~أو أفلتوا من عقابنا وصاروا فى مأمن منا.. كلا، إنهم لا يعجزوننا عن ~~إدراكهم وإنزال العقوبة بهم فى أى وقت نريده فنحن لا يعجزنا شئ.. وعلى ~~كلتا القراءتين فالمقصود من الآية الكريمة قطع أطماع الكافرين فى النجاة، ~~وإقناطهم من الخلاص، فكأنه - سبحانه - يقول لهم إن من لم يصبه عذاب ~~الدنيا، فسوف يصيبه عذاب الآخرة، ولا مفر له من ذلك ما دام قد استحب ~~الكفر على الإيمان، أما المؤمنون فلهم من الله - تعالى - التأييد والنصر ~~وحسن العاقبة. ثم أمر - سبحانه - المؤمنين باعداد وسائل القوة التى بها ~~يصلون إلى النصر، وإلى بعث الرعب فى قلوب أعدائهم.. فقال - عز وجل - { ~~وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة... }. ### || [8.60] # وقوله { وأعدوا } معطوف على ما قبله، وهو من الإعداد بمعنى تهيئة ~~الشئ للمستقبل، والخطاب لكافة المؤمنين. والرباط فى الأصل مصدر ربط، أى ~~شد، ويطلق، بمعنى المربوط مطلقا، وكثر استعماله فى الخيل التى تربط فى ~~سبيل الله. فالإضافة إما باعتبار عموم المفهوم الأصلى، أو بملاحظة كون ~~الربط مشتركا بين معان آخر كملازمة الثغور، والمواظبة على الأمر، فإضافته ~~لأحد معانيه للبيان. قال صاحب الكشاف والرباط اسم للخيل التى تربط فى ~~سبيل الله، ويجوز أن يسمى بالرباط الذى هو بمعنى المرابطة، ويجوز أن يكون ~~جمع ربيط كفصيل وفصال - يقال نعم الربيط هذا، لما يرتبط من الخيل. ~~والمعنى عليكم - أيها ms2247 المؤمنون - أن تعدوا لقتال أعدائكم ما تستطيعون ~~إعداده من وسائل القوة على اختلاف صنوفها وألوانها وأسبابها. وجاء - ~~سبحانه - بلفظ { قوة } منكرا، ليشمل كل ما يتقوى به فى الحرب كائنا ~~ما كان. قال الجمل وقوله { من قوة } فى محل نصب على الحال، وفى ~~صاحبها وجهان أحدهما أنه الموصول. والثانى أنه العائد عليه، إذ التقدير ~~ما استطعتموه حال كونه بعض القوة، ويجوز أن تكون { من } لبيان الجنس. ~~وقوله { ومن رباط الخيل } معطوف على ما قبله من عطف الخاص على ~~العام. أى أعدوا لقتال أعدائكم، ما أمكنكم من كل ما يتقوى به عليهم فى ~~الحرب، من نحو حصون وقلاع وسلاح. ومن رباط الخيل للغزو والجهاد فى سبيل ~~الله. وخص رباط الخيل بالذكر من بين ما يتقوى به، لمزيد فضلها وغنائها فى ~~الحرب، ولأن الخيل كانت الأداة الرئيسية فى القتال فى العهد النبوى، ~~وقوله { ترهبون به عدو الله وعدوكم } بيان للمقصود ~~من الأمر بإعداد ما يمكنهم إعداده من قوة. وقوله { ترهبون } من ~~الرهبة وهى مخافة مع تحرز واضطراب. والضمير المجرور - وهو قوله { به } ~~- يعود إلى الإعداد المأخوذ من قوله { وأعدوا }. أى أعدوا ما ~~استطعتم من قوة، حال كونكم مرهبين بهذا الإعداد عدو الله وعدوكم، من كل ~~كافر ومشرك ومنحرف عن طريق الحق، وعلى رأس هؤلاء جميعا، كفار مكة الذين ~~أخرجوكم من دياركم بغير حق، ويهود المدينة الذين لم يتركوا وسيلة ~~للإضرار بكم إلا فعلوها. وقوله { وآخرين من دونهم لا ~~تعلمونهم الله يعلمهم } معطوف على ما قبله. أى ترهبون ~~بهذا الإعداد أعداء معروفين لكم - كمشركى مكة ويهود المدينة، وترهبون به ~~أيضا أعداء آخرين غيرهم أنتم لا تعرفونهم لأنهم يخفون عداوتهم لكم، ولكن ~~الله - تعالى - الذى لا يخفى عليه شئ يعلمهم، وسيحبط أعمالهم. وقد اختلف ~~المفسرون فى المراد بهؤلاء الأعداء الذين عبر الله عنهم بقوله لا ~~تعلمونهم الله يعلمهم، فمنهم من قال المراد بهم بنو قريظة ومنهم من قال ~~المراد بهم أهل فارس والروم. # ورجح ابن جرير أن المراد بهم كفار الجن.. لأن المؤمنين كانوا عالمين ms2248 ~~بمداراة بنى قريضة وفارس والروم لهم.. والمعنى ترهبون بذلك الإعداد عدو ~~الله وعدوكم من بنى آدم الذين علمتم عداوتهم، وترهبون به جنسا آخر من غير ~~بنى آدم لا تعلمون أماكنهم وأحوالهم الله يعلمهم دونكم، لأن بنى آدم لا ~~يرونهم. ورجح الفخر الرازى أن المراد بهم المنافقون، قال لأن المنافق من ~~عادته أن يتربص ظهور الآفات، ويحتال فى إلقاء الإفساد والتفريق بين ~~المسلمين - بطرق قد لا تعرف، فإذا شاهد كون المسلمين فى غاية القوة خافهم ~~وترك الأفعال المذمومة. ولعل ما رجحه الفخر الرازى هو الأقرب إلى الصواب، ~~لأن عداوة المنافقين للمؤمنين كثيرا ما تكون خافية، ويشهد لهذا قوله - ~~تعالى - فى آية أخرى # وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل ~~المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن ~~نعلمهم # ثم ختم - سبحانه الآية الكريمة بالدعوة إلى الإنفاق فى سبيله، وبشر ~~المنفقين بحسن الجزاء فقال { وما تنفقوا من شيء في سبيل ~~الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون }. أى { وما ~~تنفقوا } - أيها المؤمنون - { من شيء } قل أو أكثر هذا المنفق { ~~في سبيل الله } أى فى وجوه الخيرات التى من أجلها الجهاد ~~لإعلاء كلمة الدين { يوف إليكم } أى يصل إليكم عوضه فى الدنيا ~~وأجره فى الآخرة { وأنتم لا تظلمون } أى لا تنقصون شيئا من ~~العوض أو الأجر. قال والتعبير بالظلم - مع أن الأعمال غير موجبة للثواب ~~حتى يكون ترك ترتيبه عليها ظلما - لبيان كمال نزاهته - سبحانه - عن ذلك ~~بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه - تعالى - من القبائح، وإبراز ~~الإثابة فى معرض الأمور الواجبة عليه - تعالى -. هذا، ومن الأحكام التى ~~أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى 1- وجوب إعداد القوة الحربية للدفاع ~~عن الدين وعن الوطن وعن كل ما يجب الدفاع عنه، لأن أعداء الإسلام إذا ما ~~علموا أن أتباعه أقواياء هابوهم، وخافوا بأسهم، ولم يجرؤوا على مهاجمتهم. ~~قال القرطبى وقوله - تعالى - { وأعدوا لهم }. أمر الله المؤمنين ~~بإعداد القوة للأعداء، بعد أن أكد تقدمة التقوى. فإن الله - تعالى - لو ~~شاء لهزمهم بالكلام والتفل فى وجوههم، وبحفنة من ms2249 تراب، كما فعل رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، ولكن أراد أن يبتلى بعض الناس ببعض بعلمه السابق ~~وقضائه النافذ.. وقال بعض العلماء دلت هذه الآية على وجوب إعداد القوة ~~الحربية، أتقاء بأس العدو وهجومه، ولما عمل الأمراء بمقتضى هذه الآية ~~أيام حضارة الإسلام، كان الإسلام عزيزا، عظيما، أبى الضيم، قوى ~~القنا، جليل الجاه، وفير السنا، إذ نشر لواء سلطته على منبسط الأرض، فقبض ~~على ناصية الأقطار والأمصار. # أما اليوم فقد ترك المسلمون العمل بهذه الآية الكريمة، ومالوا إلى ~~النعيم والترف، فأهملوا فرضا من فروض الكفاية، فأصبحت جميع الأمة آثمة ~~بترك هذا الفرض، ولذا تعانى اليوم من غصته ما تعانى. وكيف لا يطمع العدو ~~فى بلاد الإسلام، وهو لا يرى فيها معامل للأسلحة، وذخائر الحرب، بل كلها ~~مما يشترى من بلاد العدو؟ أما آن لها أن تتنبه من غفلتها، فتعد العدة ~~التى أمر الله بها لأعدائها، وتتلافى ما فرطت قبل أن يداهم العدو ما بقى ~~منها بخيله ورجله..؟ إن القوة التى طلب الله من المؤمنين إعدادها لإرهاب ~~الأعداء، تتناول كل ما من شأنه أن يجعل المؤمنين أقوياء. كإعداد الجيوش ~~المدربة، والأسلحة المتنوعة التى تختلف بحسب الأزمنة والأمكنة. وما روى ~~من تفسير القوة - التى وردت فى الآية - بالرمى، فإنما هو على سبيل ~~المثال، ولأن الرمى كان فى ذلك الوقت أقوى ما يتقوى به. قال الفخر الرازى ~~عند تفسيره للآية، والمراد بالقوة هنا ما يكون سببا لحصول القوة، وذكروا ~~فيه وجوها الأول المراد من القوة أنواع الأسلحة. الثانى روى أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - قرأ هذه الآية على المنبر وقال # " ألا إن القوة الرمى " # قالها ثلاثا. الثالث قال بعضهم القوة هى الحصون. الرابع قال أصحاب ~~المعانى الأولى أن يقال هذا عام فى كل ما يتقوى به على حرب العدو، وكل ما ~~هو آلة للغزو والجهاد فهو من جملة القوة، وقوله - صلى الله عليه وسلم - # " القوة هى الرمى " # لا ينفى كون غير الرمى معتبرا. كما أن قوله - صلى الله عليه وسلم - # " الحج عرفه ms2250 " # " والندم توبة " # لا ينفى اعتبار غيره. بل يدل على أن هذا المذكور جزء شريف من المقصود ~~فكذا هنا. وهذه الآية تدل على أن الاستعداد للجهاد بالنبل، والسلاح، ~~وتعليم الفروسية، والرمى فريضة إلا أنه من فرض الكفايات. إن رباط الخيل ~~للجهاد فى سبيل الله فضله عظيم، وثوابه كبير، فقد كانت الخيل هى خير ما ~~عرف العرب من وسائل الانتقال فى الحرب وأسرعها، وما زالت الخيل لها ~~قيمتها فى بعض أنواع الحروب. قال القرطبى، فإن قيل إن قوله { ~~وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } كان يكفى، فلماذا ~~خص الخيل بالذكر؟ قيل له إن الخيل لما كانت أصل الحرب وأوزارها الى عقد ~~الخير فى نواصيها، وهى أقوى القوة، وأشد العدة، وحصون الفرسان، وبها يجال ~~فى الميدان، لما كانت كذلك خصها بالذكر تشريفا، وأقسم بغبارها تكريما، ~~فقال # والعاديات ضبحا # وقال الإمام ابن العربى وأما رباط الخيل هو فضل عظيم ومنزلة شريفة. روى ~~الأئمة عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال # " الخيل ثلاثة، لرجل ستر، ولرجل أجر، وعلى رجل وزر. فأما الذى هى عليه ~~وزر فرجل ربطها رياء وفخرا ونواء لأهل الإسلام - أى مناوأة ومعاداة - ~~فهى عليه وزر ". # وأما الذي هى عليه ستر فرجل ربطها تغنيا وتعففا، ولم ينس حق الله فى ~~ظهورها فهى عليه ستر. وأما الذى هى له أجر فرجل ربطها فى سبيل الله، ~~فأطال لها فى مرج أو روضة، فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شئ إلا ~~كتب الله له عدد ما أكلت حسنات.. " وروى البخارى ومسلم عن جابر بن عبد ~~الله قال # " رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلوى ناصية فرس بأصبعيه وهو ~~يقول " الخير معقود فى نواصى الخيل إلى يوم القيامة ". # 4- أن المقصود من إعداد العدة فى الإسلام إنما هو إرهاب الأعداء حتى لا ~~يفكروا فى الاعتداء على المسلمين، وحتى يعيش أتباع هذا الدين آمنين ~~مطمئنين فى ديارهم، وحتى يستطيعوا أن يبلغوا رسالة الله إلى خلقه من ~~الناس دون أن يخشوا أحدا سواه ms2251 - عز وجل.. وليس المقصود بإعداد العدة ~~إرهاب المسالمين، أو العدوان على الآمنين، أو القهر والإذلال للناس ~~واستغلالهم فيما يغضب الله - تعالى -. ولذلك وجدنا الآية صريحة فى بيان ~~المقصود من هذا الإعداد، وهو - كما عبرت عنه { ترهبون به عدو ~~الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم ~~الله يعلمهم }. وهناك آيات أخرى صريحة فى بيان سبب مشروعية ~~القتال فى الإسلام ومن ذلك قوله - تعالى - # وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا ~~تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين # وقوله - تعالى - # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ~~فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين # والخلاصة أن من تتبع آيات القرآن الواردة فى القتال يجدها جميعها تقرر ~~أن سبب القتال فى الإسم ينحصر فى رد العدوان، وحماية الدعوة الإسلامية ~~من التطاول عليها وتثبيت حرية العقدية، وتطهير الأرض من الظلم والطغيان. ~~5- وجوب الإنفاق فى سبيل الله، ومن أشرف وجوه الإنفاق فى سبيل الله أن ~~يبذل المسلم ما يستطيع بذله فى الجهاد الذى هو ذروة سنام الإسلام، والذى ~~ما تركه قوم إلا ذلوا.. وألقوا بأنفسهم فى التهلكة.. ولقد بشرت الآية ~~الكريمة المنفقين فى سبيل الله، بأنه - سبحانه - سيجازيهم على إنفاقهم ~~جزاء وافيا لا نقص معه ولا ظلم. قال - تعالى - { وما تنفقوا من ~~شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا ~~تظلمون } وفى الحديث الشريف الذى رواه الترمذى عن أبى يحيى قال قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " من أنفق نفقة فى سبيل الله كتب له سبعمائة ضعف ". # ثم أمر - تعالى - رسوله - صلى الله عليه - بقبول السلم والمصالحة، إذا ~~ما رغب أعداؤه فى ذلك، وكانت ظواهرهم وأفعالهم تدل على صدق نواياهم فقال ~~- تعالى - { وإن جنحوا للسلم...عزيز حكيم }. ### || [8.61-63] # قوله { جنحوا } من الجنوح بمعنى الميل، يقال جنح فلان للشئ وإليه - ~~يجنح - مثلث النون - جنوحا. أى مال إليه. قال القرطبى والجنوح الميل. ~~وجنح الرجل إلى الآخر مال إليه. ومنه قيل للأضلاع جوانح، لأنها مالت على ~~الحشورة - بضم الحاء وكسرها - أى الأمعاه. وجنحت الإبل إذا مالت أعناقها ~~فى ms2252 السير قال ذو الرمة # إذا مات فوق الرحل أحييت روحه بذكراك والعيس المراسيل جنح # وقرأ الأعمش وأبو بكر وابن محيص " للسلم " - بكسر السين - وقرأ الباقون ~~بالفتح. وإنما قال { لها } لأن السلم مؤنثة - تأنيث نقيضها وهى الحرب.. ~~ويجوز أن يكون التأنيث للفعلة. والمعنى عليك - أيها الرسول الكريم - أن ~~تنكل فى الحرب بأولئك الكافرين الناقضين لعهودهم فى كل مرة، وأن تهيئ ما ~~استطعت من قوة لإرهابهم فإن مالوا بعد ذلك إلى { السلم } أى ~~المسالمة والمصالحة فوافقهم ومل إليها ما دامت المصلحة فى هذه المسالمة. ~~وقوله { وتوكل على الله إنه هو السميع العليم } ~~معطوف على { فاجنح لها } لقصد التثبيت وبعث الطمأنينة فى قلبه. أى ~~اقبل المسالمة ما دام فيها مصلحتك، وفوض أمرك إلى الله - تعالى - ولا تخش ~~مكرهم وكيدهم وغدرهم، إنه - سبحانه - { هو السميع } لأقوالهم { ~~العليم } بأحوالهم، فيجازيهم بما يستحقون، ويرد كيدهم فى نحورهم. ~~وعبر - سبحانه - عن جنوحهم إلى السلم بحرف { إن } الذى يعبر به عن الشئ ~~المشكوك فى وقوعه، للإشارة إلى أنهم ليسوا أهلا لاختيار المسالمة أو ~~المصالحة لذاتها، وإنما هم جنحوا إليها لحاجة فى نفوسهم، فعلى المؤمنين ~~أن يكونوا دائما على حذر منهم، وألا يأمنوا مكرهم. هذا وقد اختلف ~~العلماء فيمن عنى بهذه الآية، فمنهم من يرى أن المعنى بها أهل الكتاب، ~~ومنهم من يرى أن الآية عامة، أى تشمل أهل الكتاب والمشركين. ثم اختلفوا ~~بعد ذلك فى كونها منسوخة أولا؟ وقد حكى ابن جرير معظم هذه الخلافات ورجح ~~أن المقصود بهذه الآية جماعة من أهل الكتاب، وأن الآية ليست منسوخة فقال ~~ما ملخصه عن قتادة أن قوله { وإن جنحوا للسلم فاجنح ~~لها... } منسوخة بقوله فى سورة براءة # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # وبقوله # وقاتلوا المشركين كآفة # فقد كانت هذه - أي الآية التى معنا وهى قوله - تعالى - { وإن ~~جنحوا للسلم... } قبل براءة. كان النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~يوادع القول إلى أجل، فإما أن يسلموا، وإما أن يقاتلهم، ثم نسخ ذلك بعد ~~براءة فقال # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # وعن عكرمة والحسن البصرى ms2253 قالا { وإن جنحوا للسلم... } نسختها ~~الآية التى فى براءة وهى قوله - تعالى - # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر # الآية. ثم قال ابن جرير فأما ما قاله قتادة ومن قال مثل قوله من أن ~~الآية منسوخة، فقول لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة عقل. لأن ~~قوله { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها.. } إنما عنى به بنو ~~قريظة - كما قال مجاهد - وكانوا يهودا أهل كتاب وقد أذن الله - جل ثناؤه ~~- للمؤمنين بصلح أهل الكتاب، ومتاركتهم الحرب، على أخذ الجزية منهم، وأما ~~قوله # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # فإنما عنى به مشركو العرب ن عبدة الأوثان، الذين لا يجوز قبول الجزية ~~منهم، فليس فى إحدى الآيتين نفى حكم الأخرى، بل كل واحدة منهما محكمة ~~فيما أنزلت فيه.. هذا ما يراه ابن جرير. أما ابن كثير فقد وافقه على أن ~~الآية ليست منسوخة، وخالفه فى أن المقصود بها بنو قريظة، فهو يرى أن ~~الآية عامة فقد قال - رحمه الله - قوله { وإن جنحوا } أى مالوا { ~~للسلم } أى المسالمة والمصالحة والمهادنة { فاجنح لها } أى ~~فمل إليها واقبل منهم ذلك. ولهذا لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح ~~ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسع سنين أجابهم ~~إلى ذلك مع ما اشترطوا من الشروط الأخر.. وقال مجاهد نزلت فى بنى قريظة، ~~وهذا فيه نظر، لأن السياق كله فى موقعة بدر، وذكرها مكتنف لها كله. وقال ~~ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم وعطاء الخراسانى وعكرمة والحسن وقتادة إن ~~الآية منسوخة بآية السيف فى براءة، وهى قوله - تعالى - # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا ~~يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون # وفيه نظر أيضا، لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك، فأما ~~إذا كان العدو كثيفا فإنه يجوز مهادنتهم كما دلت عليه هذه الآية الكريمة ~~{ وإن جنحوا } وكما فعل النبى - صلى الله عليه وسلم - يوم ms2254 ~~الحديبية، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص.. ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن ~~كثير أرجح، لأن الآية الكريمة تقرر مبدأ عاما فى معاملة الأعداء، وهو ~~أنه من الجائز مهادنتهم ومسالمتهم ما دام ذلك فى مصلحة المسلمين. ولعل ~~هذا هو ما قصده صاحب الكشاف بقوله عند تفسير الآية - " والصحيح أن الأمر ~~موقوف على ما يرى فيه الإمام صلاح الإسلام وأهله من حرب أو سلم. وليس ~~يحتم أن يقاتلوا أبدا. أو يجابوا إلى الهدنة أبدا ". ثم أمن الله - ~~تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - من خداع أعدائه، إن هم أرادوا ~~خيانته، وبيتوا له الغدر من وراء الجنوح إلى السلم فقال - تعالى - { ~~وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو ~~الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين }. # أى وإن يرد هؤلاء الأعداء الذين جنحوا إلى السلم فى الظاهر أو يخدعوك - ~~يا محمد - لتكف عنهم حتى يستعدوا لمقاتلتك فلا تبال بخداعهم، بل صالحهم ~~مع ذلك إذا كان فى الصلح مصلحة للإسلام وأهله، ولا تخف منهم، فإن الله ~~كافيك بنصره ومعونته، فهو - سبحانه - الذى أمدك بما أمدك به من وسائل ~~النصر الظاهرة والخافية، وهو - سبحانه - الذى أيدك بالمؤمنين الذين هانت ~~عليهم أنفسهم وأموالهم فى سبيل إعزاز هذا الدين، وإعلاء كلمته.. فالآية ~~الكريمة تشجيع للنبى - صلى الله عليه وسلم - على السير فى طريق الصلح ما ~~دام فيه مصلحة للإسلام وأهله، وتبشير له بأن النصر سيكون له حتى ولو ~~أراد الأعداء بإظهار الميل إلى السلم المخادعة والمراوغة. وقوله { ~~حسبك } صفة مشبهة بمعنى اسم الفاعل. أى. بحسبك وكافيك. قال الفخر ~~الرازى فإن قيل أليس قد قال - تعالى - # وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم... # أى أظهر نقض ذلك العهد، وهذا يناقض ما ذكره فى هذه الآية؟ قلنا قوله # وإما تخافن من قوم خيانة # محمول على ما إذا تأكد ذلك الخوف بأمارات قوية دالة عليها، وتحمل هذه ~~المخادعة على ما إذا حصل فى قلوبهم نوع نفاق وتزوير، إلا أنه لم تظهر ~~أمارات على كونهم قاصدين للشر وإثارة الفتنة، بل كان الظاهر ms2255 من أحوالهم ~~الثبات على المسالمة وترك المنازعة.. فإن قيل لما قال { هو الذي ~~أيدك بنصره } فأى حاجة مع نصره إلى المؤمنين حتى قال { ~~وبالمؤمنين }؟ قلنا التأييد ليس إلا من الله لكنه على قسمين ~~أحدهما ما يحصل من غير واسطة أسباب معلومة معتادة والثانى ما يحصل بواسطة ~~أسباب معلومة. فالأول هو المراد من قوله { أيدك بنصره } ~~والثانى هو المراد من قوله { وبالمؤمنين }. ثم بين - سبحانه - ~~بعض مظاهر فضله فى كيفية تأييده لرسوله بالمؤمنين فقال - تعالى - { ~~وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ~~مآ ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف ~~بينهم }. أى أن من مظاهر فضل الله عليك يا محمد أن أيدك - سبحانه - ~~بنصره وأن أيدك بالمؤمنين، بأن حبب إليهم الإيمان وزينه فى قلوبهم، وجعل ~~منهم قوة موحدة، فصاروا بفضله - تعالى - كالنفس الواحدة، بعد أن كانوا ~~متنازعين متفرقين وأنت يا محمد { لو أنفقت ما في الأرض ~~جميعا } من الذهب والفضة وغيرهما ما استطعت أن تؤلف بين قلوبهم ~~المتنافرة المتنازعة { ولكن الله } بفضله وقدرته هو وحده الذى ~~{ ألف بينهم } فصاروا إخوانا متحابين متصافين { إنه } - ~~سبحانه - { عزيز } أى غالب فى ملكه وسلطانه على كل ظاهر وباطن { ~~حكيم } فى كل أفعاله وأحكامه.. وهذه الآية الكريمة يؤيدها التاريخ، ~~ويشهد بصدقها أحداثه، فنحن نعلم أن العرب - وخصوصا الأوس والخزرج - ~~كانوا قبل الإسلام فى حالة شديدة من التفرق والتخاصم والتنازع والتحارب. # . فلما دخلوا فى الإسلام تحول بغضهم إلى حب، وتخاصمهم إلى مودة، ~~وتفرقهم إلى اتحاد.. وصاروا فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، إلى مستوى لم ~~يعرفه التاريخ من قبل.. ولقد أجاد صاحب الكشاف - رحمه الله - فى تصويره ~~لهذه المعانى حيث قال " التأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - من الآيات الباهرة، لأن العرب - لما فيهم من الحمية ~~والعصبية، والانطواء على الضغينة.. لا يكاد يأتلف منهم قلبان، ثم ائتلفت ~~قلوبهم على اتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واتحدوا، وأنشأوا ~~يرمون عن قوس واحدة، وذلك لما نظم الله من ألفتهم، وجمع من كلمتهم، وأحدث ms2256 ~~بينهم من التحاب والتواد، وأماط عنهم من التباغض والتماقت، وكلفهم من ~~الحب، فى الله والبغض فى الله، ولا يقدر على ذلك إلا من يملك القلوب، فهو ~~يقلبها كيف يشاء، ويصنع فيها ما يريد. قيل هم الأوس والخزرج، كان بينهم ~~من الحروب والوقائع ما أهلك سادتهم ورؤساءهم، ودق جماجمهم. ولم يكن ~~لبغضائهم أمد ومنتهى. وبينهما التجاور الذى يهيج الضغائن، ويديم التحاسد ~~والتنافس. وعادة كل طائفتين كانتا بهذه المثابة أن تتجنب هذه ما آثرته ~~أختها، وتكرهه وتنفر منه. فأنساهم الله - تعالى - ذلك كله، حتى اتفقوا ~~على الطاعة، وتصافوا وصاروا أنصارا، وعادوا أعوانا، وما ذاك إلا بلطيف ~~صنعه، وبليغ قدرته ". هذا، وفى الصحيحين # " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما خطب الأنصار فى شأن غنائم " ~~حنين " قال لهم يا معشر الأنصار!! ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بى وعالة ~~فأغناكم الله بى؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بى؟ فكانوا يقولون كلما قال ~~شيئا الله ورسوله أمن ". # وروى الحاكم أن ابن عباس كان يقول إن الرحم لتقطع، وإن النعمة لتنكر، ~~وإن الله إذا قارب بين القلوب لم يزحزحها شئ. ثم يقرأ قوله - تعالى - { ~~لو أنفقت ما في الأرض جميعا مآ ألفت بين ~~قلوبهم ولكن الله ألف بينهم... }. ثم مضت السورة ~~الكريمة فى تثبيت الطمأنينة فى قلب النبى - صلى الله عليه وسلم - وفى ~~قلوب أصحابه فبينت لهم أن الله كافيهم وناصرهم، وأن القلة منهم تغلب ~~الكثرة من أعداء الله وأعدائهم فقال - تعالى - { يأيها ~~النبي...مع الصابرين }. ### || [8.64-66] # قال الفخر الرازى اعلم أنه - تعالى - لما وعده بالنصر عند مخادعة ~~الأعداء، وعده بالنصر والظفر فى هذه الآية مطلقا على جميع التقديرات، ~~وعلى هذا الوجه لا يلزم حصول التكرار لأن المعنى فى الآية الأولى إن ~~أرادوا خداعك كفاك الله أمرهم. والمعنى فى هذه الآية عام فى كل ما يحتاج ~~إليه فى الدين والدنيا. وهذه الآية نزلت بالبيداء فى غزوة بدر قبل ~~القتال.. وقوله { حسبك } صفة مشبهة بمعنى اسم الفاعل، والكاف فى محل ~~جر. والواو فى قوله { ومن اتبعك } بمعنى مع، ms2257 و { من } فى محل ~~نصب عطفا على الموضع، فإن قوله { حسبك } بمعنى كافيك فى جميع أمورك. ~~والمعنى يأيها النبى كافيك الله وكافى متبعيك من المؤمنين فهو - سبحانه - ~~ناصركم ومؤيدكم على أعدائكم وإن كثر عددهم وقل عددكم، وما دام الأمر ~~كذلك، فاعتمدوا عليه وحده، وأطيعوه فى السر والعلن لكى يديم عليكم عونه ~~وتأييده ونصره. قال بعض العلماء قال ابن القيم عند تفسيره لهذه الآية أى ~~الله وحده كافيك وكافى أتباعك فلا يحتاجون معه إلى أحد. ثم قال وههنا ~~تقديران أحدهما أن تكون الواو عاطفة للفظ " من " على الكاف المجرورة.. ~~والثانى أن تكون الواو بمعنى " مع " وتكون " من " فى محل نصب عطفا على ~~الموضع. فإن " حسبك " فى معنى كافيك أى الله يكفيك ويكفى من اتبعك، كما ~~يقول العرب حسبك وزيدا درهم، قال الشاعر # وإذا كانت الهيجاء وانشقت العصا فحسبك والضحاك سيف مهند # وهذا أصح التقديرين. وفيها تقدير ثالث أن تكون " من " فى موضع رفع ~~بالابتداء أى ومن اتبعك من المؤمنين فحسبهم الله. وفيها تقدير رابع وهو ~~خطأ من جهة المعنى، وهو أن يكون " من " فى موضع رفع عطفا على اسم الله. ~~ويكون المعنى حسبك الله وأتباعك. هذا وإن قال به بعض الناس فهو خطأ محض، ~~لا يجوز حمل الآية عليه، فإن الحسب والكفاية لله وحده، كالتوكل والتقوى ~~والعبادة.. ثم أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - بتحريض ~~المؤمنين على القتال من أجل إعلاء كلمة الحق، فقال - تعالى - { ~~يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال... }. ~~وقوله { حرض } من التحريض بمعنى الحث على الشئ بكثرة التزيين له، ~~وتسهيل الأمر فيه حتى تقدم عليه النفس برغبة وحماس. قال الراغب الحرض ما ~~لا يعتد به ولا خير فيه، ولذلك يقال لمن أشرف على الهلاك حرض. قال - ~~تعالى - { حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين... ~~}. والتحريض الحث على الشئ.. فكأنه فى الأصل إزالة الحرض نحو حرضته ~~وقذيته أى أزلت عنه الحرض والقذى. # . والمعنى يأيها النبى بالغ فى حث المؤمنين وإحمائهم على القتال بصبر ~~وجلد، من أجل إحقاق ms2258 الحق وإبطال الباطل. ولهذا # " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحرض أصحابه على القتال عند ~~صفهم ومواجهة الأعداء كما قال لأصحابه يوم بدر حين أقبل المشركون فى ~~عددهم وعددهم " قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض ". فقال عمير بن ~~الحمام عرضها السماوات والأرض؟ فقال رسول الله نعم فقال عمير بخ بخ فقال ~~- صلى الله عليه وسلم - " ما يحملك على قولك بخ بخ "؟ قال رجاء أن أكون ~~من أهلها، قال - صلى الله عليه وسلم - " فإنك من أهلها " فتقدم الرجل ~~فكسر جفن سيفه وأخرج تمرات فجعل يأكل منهن " ثم ألقى بقيتهن من يده وقال ~~لئن أنا حييت حتى آكلهن، إنها لحياة طويلة، ثم تقدم فقاتل حتى قتل - رضى ~~الله عنه - ". # وقوله { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا ~~مئتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من ~~الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون } بشارة من ~~الله - تعالى - للمؤمنين ووعد لهم بالظفر على أعدائهم. أى قابلوا - أيها ~~المؤمنون أعداءكم بقوة وإقدام، فإنكم إن يوجد منكم عشرون رجلا صابروا ~~يغلبوا - بسبب إيمانهم وصبرهم - مائتين من الكافرين، وإن يوجد منكم مائة ~~يغلبوا ألفا منهم، وذلك بسبب أن هؤلاء الكافرين قوم جهلة بحقوق الله - ~~تعالى - وبما يجب عليهم نحوه. فهم - كما يقول صاحب الكشاف - " يقاتلون ~~على غير احتساب وطلب ثواب كالبهائم " فيقل ثباتهم. ويعدمون لجهلهم بالله ~~نصرته، ويستحقون الخذلان. بخلاف من يقاتل على بصيرة ومعه ما يستوجب به ~~النصر والإظهار من الله - تعالى. وقال صاحب المنار والآية تدل على أن من ~~شأن المؤمنين أن يكونوا أعلم من الكافرين وأفقه منهم بكل علم وفن يتعلق ~~بحياة البشر وإرتقاء الأمم. وأن حرمان الكفار من هذا العلم هو السبب فى ~~كون المائة منهم دون العشرة من المؤمنين الصابرين.. وهكذا كان المؤمنون ~~فى قرونهم الأولى.. أما الآن فقد أصبح المسلمون غافلين عن هذه المعانى ~~الجليلة، فزال مجدهم.. ثم حكى - سبحانه - بعض مظاهر فضله على المؤمنين ~~ورحمته بهم فقال { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ~~ضعفا فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا ms2259 مئتين ~~وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله.. ~~}. وقوله { ضعفا } قرأه بعضهم بفتح الضاد، وقرأه آخرون بضمها، وهما ~~بمعنى واحد عند الجمهور، والمراد به الضعف فى البدن. وقيل الضعف - بالفتح ~~يكون فى الرأى والعقل، وبالضم يكون فى البدن. والمعنى لقد فرضنا عليكم - ~~أيها المؤمنون - أول الأمر أن يثبت الواحد منكم أمام عشرة من الكافرين. # . والآن وبعد أن شق عليكم الاستمرار على ذلك، ولم تبق هناك ضرورة لدوام ~~هذا الحكم لكثرة عددكم.. شرعنا لكم التخفيف رحمة بكم، ورعاية لأحوالكم، ~~فأوجبنا عليكم أن يثبت الواحد منكم أمام اثنين من أعدائكم بدلا من عشرة، ~~وبشرناكم بأنه إن يوجد منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين من أعدائكم، وإن ~~يوجد منكم ألف يغلبوا ألفين منهم بإذن الله وتيسيره وتأييده. وقوله { ~~والله مع الصابرين } تذييل مقرر لمضمون ما قبله. أى والله - ~~تعالى - مع الصابرين بتأييده ورعايته ونصره، فاحرصوا على أن تكونوا من ~~المؤمنين الصادقين لتنالوا منه - سبحانه - ما يسعدكم فى دنياكم وآخرتكم. ~~هذا، ومن العلماء من يرى أن هذه الآية قد نسخت الآية السابقة عليها، ~~ومنهم من يرى غير ذلك. قال الآلوسى قوله { إن يكن منكم ~~عشرون.. } شرط فى معنى الأمر بمصابرة الواحد العشرة، والوعد بأنهم إن ~~صبروا غلبوا - بعون الله وتأييده - فالجملة خبرية لفظا إنشائية معنى. ~~والمعنى ليصبرن الواحد لعشرة وليست بخبر محض.. وقوله { الآن خفف ~~الله عنكم.. } أخرج البخارى وغيره عن ابن عباس - رضى الله عنهما - ~~قال لما نزلت { إن يكن منكم عشرون... } شق ذلك على المسلمين ~~إذ فرض عليهم أن لا يفر واحد من عشرة فجاء التخفيف وهل يعد نسخا أولا؟ ~~قولان اختار بعضهم الثانى منهما وقال إن الآية مخففة، ونظير ذلك التخفيف ~~على المسافر بالفطر. وذهب الجمهور إلى الأول، وقالوا إن الآية الثانية ~~ناسخة للأولى. وقال بعض العلماء فرض الله على المؤمنين أول الأمر ألا يفر ~~الواحد من المؤمنين من العشرة من الكفار، وكان ذلك فى وسعهم، فأعز الله ~~بهم الدين على قلتهم، وخذل بأيديهم المشركين على كثرتهم، وكانت السرايا ~~تهزم من ms2260 المشركين أكثر من عشر أمثالها تأييدا من الله لدينه. ولما شق ~~على المؤمنين الاستمرار على ذلك، وضعفوا عن تحمله، ولم تبق ضرورة لدوام ~~هذا الحكم لكثرة عدد المسلمين ممن دخلوا فى دين الله أفواجا نزل ~~التخفيف، ففرض على الواحد الثبات للاثنين من الكفار، ورخص له فى الفرار ~~إذا كان العدو أكثر من اثنين. وهو رخصة كالفطر للمسافر، وذهب الجمهور إلى ~~أنه نسخ. وقال الشيخ القاسمى إن قيل إن كفاية عشرين لمائتين تغنى عن ~~كفاية مائة لألف، وكفاية مائة لمائتين تغنى عن كفاية ألف لألفين، لما ~~تقرر من وجوب ثبات الواحد للعشرة فى الأولى، وثبات الواحد للاثنين فى ~~الثانية فما سر هذا التكرير؟ أجيب بأن سره كون كل عدة بتأييد القليل على ~~الكثير لزيادة التقرير المفيد لزيادة الاطمئنان، والدلالة على أن الحال ~~مع القلة والكثرة واحدة لا تتفاوت، فإن العشرين قد لا تغلب المائتين، ~~وتغلب المائة الألف، وأما الترتيب فى المكرر فعلى ذكر الأقل ثم الأكثر ~~على الترتيب الطبيعى. # وقيل فى سر ذلك إنه بشارة للمسلمين بأن جنود الإسلام سيجاوز عددهم ~~العشرات والمئات إلى الألوف. ثم قال وقال فى البحر انظر إلى فصاحة هذا ~~الكلام، حيث أثبت فى الشرطية الأولى قيد الصبر، وحذف نظيره من الثانية، ~~وأثبت فى الثانية قيد كونهم من الكفرة، وحذفه من الأولى، ولما كان الصبر ~~شديد المطلوبية أثبت فى أولى جملتى التخفيف وحذف من الثانية لدلالة ~~السابقة عليه، ثم ختمت بقوله { والله مع الصابرين } مبالغة فى ~~شدة المطلوبية، وإشارة إلى تأييدهم، وأنهم منصورون حتما، لأن من كان ~~الله معه لا يغلب... " وبعد هذا الحديث المستفيض عن القتال فى سبيل ~~الله.. عقب - سبحانه - ذلك بالحديث عن بعض الأحكام التى تتعلق بالأسرى ~~بمناسبة ما فعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع أسرى غزوة بدر من ~~الكافرين، فقال - تعالى - { ما كان لنبي...غفور رحيم }. ### || [8.67-69] # ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها، ما أخرجه مسلم فى ~~صحيح عن ابن عباس قال حدثنى عمر بن الخطاب # " أنه لما كان يوم ms2261 بدر نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل القبلة ثم ~~مد يديه فجعل يهتف بربه اللهم أنجز لى ما وعدتنى. فقتل المسلمون من ~~المشركين يومئذ سبعين وأسروا سبعين. قال ابن عباس فلما أسروا الأسارى قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبى بكر وعمر ما ترون فى هؤلاء ~~الأسارى؟ فقال أبو بكر يا رسول الله هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ ~~منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار فعسى أن يهديهم الله إلى الإسلام. ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال قلت لا ~~والله يا رسول الله، ما أرى الذى رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكننا فنضرب ~~أعناقهم، فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من العباس فيضرب ~~عنقه، وتمكننى من فلان - نسيب لعمر - فأضرب عنقه، - حتى يعلم الله أن ليس ~~فى قلوبنا هوادة للمشركين فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديده. فهو رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت فلما كان من الغد ~~جئت، فإذا رسول الله وأبو بكر يبكيان، فقلت يا رسول الله. أخبرنى من أى ~~شئ تبكى أنت وصاحبك. فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت ~~لبكائكما. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبكي على أصحابك من ~~أخذهم الفداء لقد عرض على عذابهم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة منه - ~~صلى الله عليه وسلم - وأنزل الله - عز وجل - { ما كان لنبي أن ~~يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض... } " # إلخ الآيات. وروى الإمام والترمذى عن عبد الله بن مسعود قال # " لما كان يوم بدر قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ما تقولون فى ~~هؤلاء الأسارى "؟ فقال أبو بكر يا رسول الله! قومك وأهلك استبقهم ~~واستتبهم لعل الله أن يتوب عليهم. وقال عمر يا رسول الله! كذبوك وأخرجوك ~~فقدمهم فاضرب أعناقهم. وقال عبد الله بن رواحة يا رسول الله، أنت ms2262 بواد ~~كثير الحطب فأضرم الوادى عليهم نارا ثم ألقهم فيه. قال فسكت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فلم يرد شيئا. ثم قال فدخل فقال ناس يأخذ بقول أبى ~~بكر. وقال ناس يأخذ بقول عمر. وقال ناس يأخذ بقول ابن رواحة. ثم خرج ~~عليهم رسول الله فقال " إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من ~~اللين ويشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة وإن مثلك يا أبا بكر ~~كمثل إبراهيم إذ قال { فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني ~~فإنك غفور رحيم } وكمثل عيسى إذ قال { إن تعذبهم ~~فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز ~~الحكيم }. وإن مثلك يا عمر كمثل نوح إذ قال { رب لا تذر ~~على الأرض من الكافرين ديارا } ، وكمثل موسى إذ قال { ~~ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم ~~فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم }. ثم قال - ~~صلى الله عليه وسلم - " أنتم عالة فلا ينفلتن أحد إلا بفداء أو ضربة عنق ~~". قال ابن مسعود فقلت يا رسول، إلا سهيل بن بيضاء، فإنه يذكر الإسلام، ~~فسكت رسول الله ثم قال " إلا سهيل بن بيضاء ". وأنزل الله - عز وجل - { ~~ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض... } " # إلى آخر الآية. وقال ابن إسحاق - وهو يحكى أخبار غزوة بدر - # " فلما وضع القوم أيديهم يأسرون ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى ~~العريش، وسعد بن معاذ قائم على باب العريش الذى فيه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - متوشحا السيف، فى نفر من الأنصار يحرسون رسول الله، يخافون ~~عليه الكرة. ورأى رسول الله - فيما ذكر لى - فى وجه سعد الكراهية لما ~~يصنع الناس، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " والله لكأنك يا سعد ~~تكره ما يصنع القوم "؟ فقال أجل والله يا رسول الله كانت هذه أول وقعة ~~أوقعها الله بأهل الشرك، فكان الإثخان فى القتل أحب إلى من استبقاء ~~الرجال ". # قوله { أسرى } جمع أسير كقتلى جمع قتيل. وهو مأخوذ من الأسر بمعنى ms2263 ~~الشد بالإسار أى القيد به حتى لا يهرب، ثم صار لفظ الأسير يطلق على كل ~~من يؤخذ من فئته فى الحرب، ولو لم يشد بالإسار. وقوله { يثخن } من ~~الثخانة وهى فى الأصل الغلظ والصلابة. يقال ثخن الشئ يثخن ثخونة وثخانة ~~وثخنا، أى غلظ وصلب فهو ثخين، ثم استعمل فى النكاية والمبالغة فى قتل ~~العدو فقيل أثخن فلان فى عدوه. أى بالغ فى قتله وإنزال الجراحة الشديدة ~~به، لأنه بذلك يمنعه من الحركة فيصير كالثخين الذى لا يسيل ولا يتحرك. ~~والمراد بالنبى فى قوله { ما كان لنبي } نبينا محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - وإنما جئ باللفظ منكرا تلطفا به - صلى الله عليه وسلم - ~~حتى لا يواجه بالعتاب. # والمعنى ما صح وما استقام لنبى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام { أن ~~يكون له أسرى } من أعدائه الذين يريدون به وبدعوته شرا { ~~حتى يثخن في الأرض } أى حتى يبالغ فى قتلهم، وإنزاله الضربات ~~الشديدة عليهم إذلالا للكفر وإعزازا لدين الله. وقوله { تريدون ~~عرض الدنيا والله يريد الآخرة } استئناف مسوق للعتاب. ~~والعرض ما لا ثبات له ولا دوام من الأشياء، فكأنها تعرض ثم تزول، والمراد ~~بعرض الدنيا هنا الفداء الذى أخذوه من أسرى غزوة بدر حتى يطلقوا سراحهم. ~~تريدون - أيها المؤمنون - بأخذكم الفداء من أعدائكم الأسرى عرض الدنيا ~~ومتاعها الزائل، وحطامها الذى لا ثبات له، والله - تعالى - يريد لكم ثواب ~~الآخرة. فالكلام فى قوله { والله يريد الآخرة } على حذف المضاف ~~وإقامة المضاف إليه مقامه والإرادة هنا بمعنى الرضا أى والله - تعالى - ~~يرضى لكم العمل الذى يجعلكم تظفرون بثوابه فى الآخرة، وهو تفضيل إذلال ~~الشرك على أخذ الفداء من أهله. وقوله { والله عزيز حكيم } أى ~~والله - تعالى - { عزيز } لا يغالب بل هو الغالب على أمره { حكيم } ~~فى كل ما يأمر به أو ينهى عنه. فالآية الكريمة تعتب على المؤمنين، لأنهم ~~آثروا الفداء على القتال والإثخان فى الأرض، وذلك لأن غزوة بدر كانت أول ~~معركة حاسمة بين الشرك والإيمان، وكان المسلمون فيها قلة والمشركون كثرة، ~~فلو أن ms2264 المسلمين آثروا المبالغة فى إذلال أعدائهم عن طريق القتل لكان ذلك ~~أدعى لكسر شوكة الشرك وأهله، وأظهر فى إذلال قريش وحلفائها، وأصرح فى ~~بيان أن العمل على إعلاء كلمة الله كان عند المؤمنين فوق متع الدنيا ~~وأعراضها، وأنهم لا يوادون من حارب الله ورسوله مهما بلغت درجة قرابته، ~~وهذا ما عبر عنه عمر - رضى الله عنه - بقوله " وحتى يعلم الله أن ليس فى ~~قلوبنا هوادة للمشركين ". والخلاصة أن غزوة بدر - بظروفها وملابساتها ~~التى سبق أن أشرنا إليها - كان الأولى بالمسلمين فيها أن يبالغوا فى قتل ~~أعدائهم لا أن يقبلوا منهم فداء حتى يذلوهم ويعجزوهم عن معاودة الكرة. ~~ورضى الله - تعالى - عن " سعد بن معاذ " فقد ظهرت الكراهية على وجهه بسبب ~~أخذ الفداء من الأسرى، وقال - كما سبق أن بينا - " كانت غزوة بدر - أول ~~وقعة أوقعها الله بأهل الشرك، فكان الإثخان فى القتل أحب إلى من ~~استبقاء الرجال ". قال الفخر الرازى قال ابن عباس هذا الحكم إنما كان يوم ~~بدر، لأن المسلمين كانوا قليلين، فلما كثروا وقوى سلطانهم أنزل الله بعد ~~ذلك فى الأسارى # حتى إذآ أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا ~~بعد وإما فدآء حتى تضع الحرب أوزارها # ثم قال الرازى وأقول إن هذا الكلام يوهم أن قوله { فإما منا ~~بعد وإما فدآء } يزيد على حكم الآية التى نحن فى تفسيرها وليس ~~الأمر كذلك، لأن الآيتين متوافقتان، فإن كلتيهما تدل على أنه لا بد من ~~تقديم الإثخان ثم بعده أخذ الفداء. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بعض مظاهر ~~رحمته بالمؤمنين { لولا كتاب من الله سبق لمسكم ~~فيمآ أخذتم عذاب عظيم }. والمراد بالكتاب هنا الحكم، وأطلق ~~عليه كتاب لأن هذا الحكم مكتوب فى اللوح المحفوظ. وللمفسرين أقوال فى ~~تفسير هذا الحكم السابق فى علم الله - تعالى - فمنهم من يرى أن المراد به ~~أنه - سبحانه - لا يعذب المخطئ فى اجتهاده. وقد صدر صاحب الكشاف تفسيره ~~لهذه الآية بهذا الرأى فقال قوله { لولا كتاب من الله ~~سبق }. أى لولا حكم منه سبق إثباته فى ms2265 اللوح المحفوظ، وهو أنه - ~~سبحانه - لا يعاقب أحدا بخطأ، وكان هذا خطأ فى الاجتهاد، لأنهم نظروا فى ~~أن استبقاءهم ربما كان سببا فى إسلامهم وتوبتهم وأن فداءهم يتقوى بهم ~~على الجهاد فى سبيل الله، وخفى عليهم أن قتلهم أعز للإسلام وأهيب لمن ~~وراءهم، وأقل لشوكتهم.. ومنهم من يرى أن المراد به أنه - سبحانه - لا ~~يعذب قوما إلا بعد تقديم النهى عن الفعل ولم يتقدم نهى عن أخذ الفداء. ~~ومنهم من يرى أن المراد به أنه - سبحانه - لا يعذبهم ما دام رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بينهم. أو أنه - سبحانه - لا يعذب أحدا ممن شهد ~~بدرا. وقد ساق الإمام الرازى هذه الأقوال وناقشها ثم اختار أن المراد ~~بالكتاب الذى سبق هو حكمه - سبحانه - فى الأزل بالعفو عن هذه الواقعة، ~~لأنه كتب على نفسه الرحمة. وسبقت رحمته غضبه. أما الإمام ابن جرير فهو ~~يرى أن الآية خبر عام محصور على معنى دون معنى، وأنه لا وجه لأن يخص من ~~ذلك معنى دون معنى.. فقال يقول الله - تعالى - لأهل بدر الذين أخذوا من ~~الأسرى الفداء { لولا كتاب من الله سبق.. }. أى لولا ~~قضاء من الله سبق لكم أهل بدر فى اللوح المحفوظ أن الله يحل لكم الغنيمة، ~~وأن الله قضى أنه لا يضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون، وأنه ~~لا يعذب أحدا شهد هذا المشهد الذى شهدتموه ببدر.. لولا كل ذلك لنالكم من ~~الله بأخذكم الفداء عذاب عظيم. ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن جرير - من ~~أن الآية خبر عام يشمل كل هذه المعانى - أولى بالقبول، لأنه لم يوجد نص ~~صحيح عن النبى - صلى الله عليه وسلم - يحدد تفسير المراد من هذا الكتاب ~~السابق فى علمه - تعالى -. # ولعل الحكمة فى هذا الإبهام لتذهب الأفهام فيه إلى كل ما يحتمله اللفظ، ~~ويدل عليه المقام، ولكى يعرفوا أن أخذهم الفداء كان ذنبا يستحقون ~~العقوبة عليه لولا أن الله - تعالى - قدر فى الأزل العفو عنهم بسبب وجود ~~النبى - صلى الله ms2266 عليه وسلم - فيهم، ولأنهم قد أخطأوا فى اجتهادهم، ~~ولأنهم لم يتقدم لهم نهى عن ذلك، ولأنهم قد شهدوا هذه الغزوة التى قال ~~الرسول فى شأن من حضرها على لسان ربه - عز وجل - # " اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ". # فقد روى الشيخان وغيرهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعمر ~~فى قصة حاطب بن أبى بلتعة عندما أخبر المشركين بأن الرسول سيغزوهم قبل ~~فتح مكة وكان حاطب قد شهد بدرا " وما يدريك لعل الله - تعالى - اطلع على ~~أهل بدر وقال " اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ". والمعنى الإجمالى للآية ~~الكريمة { لولا كتاب من الله سبق } أى لولا حكم من الله ~~- تعالى - سبق منه فى الأزل ألا يعذب المخطئ على اجتهاده أو ألا يعذب ~~قوما قبل تقديم البيان إليهم... ولولا كل ذلك { لمسكم } أى ~~لأصابكم { فيمآ أخذتم } أى بسبب ما أخذتم من الفداء قبل أن تؤمروا ~~به { عذاب عظيم } لا يقادر قدره فى شدته وألمه. قال ابن جرير قال ~~ابن زيد لم يكن من المؤمنين أحد ممن نصر إلا أحب الغنائم إلا عمر بن ~~الخطاب، جعل لا يلقى أسيرا إلا ضرب عنقه وقال يا رسول الله مالنا ~~وللغنائم؟ نحن قوم نجاهد فى دين الله حتى يعبد الله فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - # " لو عذبنا فى هذا الأمر يا عمر ما نجا غيرك ". # وقال ابن اسحاق لما نزلت { لولا كتاب من الله سبق } ~~الآية. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " لو نزل عذاب من السماء لم ينج منه إلا سعد بن معاذ لقوله يا نبى الله، ~~كان الإثخان فى القتل أحب إلى من استبقاء الرجال ". # وقال بعض العلماء قال القاضى، وفى الآية دليل على أن الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام يجتهدون، وأنه قد يكون خطأ ولكن لا يقرون عليه. ثم زاد - ~~سبحانه - المؤمنين فضلا ومنه فقال { فكلوا مما غنمتم ~~حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم ~~}. قال الآلوسى روى أنه لما نزلت الآية الأولى { ما كان لنبي أن ms2267 ~~يكون له أسرى... } كف الصحابة أيديهم عما أخذوا من الفداء فنزلت ~~هذه الآية. فالمراد بقوله { مما غنمتم } إما الفدية وإما مطلق ~~الغنائم، والمراد بيان حكم ما اندرج فيها من الفدية، وإلا فحل الغنيمة ~~مما عداها علم سابقا من قوله # واعلموا أنما غنمتم # وقيل المراد بقوله { مما غنمتم } الغنائم من غير اندراج الفدية ~~فيها، لأن القوم لما نزلت الآية الأولى امتنعوا عن الأكل والتصرف فيها ~~تزهدا منهم، لا ظنا لحرمتها.. والفاء للعطف على سبب مقدر، أى قد أبحث ~~لكم الغنائم فكلوا مما غنمتم. والمعنى لقد عفوت عنكم - أيها المؤمنون - ~~فيما وقعتم فيه من تفضيلكم أخذ الفداء من الأسرى على قتلهم، وأبحث لكم ~~الانتفاع بالغنائم فكلوا مما غنمتم من أعدائكم حلالا طيبا، أى لذيذا ~~هنيئا لا شبهة فى أكله ولا ضرر { واتقوا الله } فى كل أحوالكم ~~بأن تخشوه وتراقبوه { إن الله غفور رحيم } ولذا غفر لكم ما ~~فرط منكم وأباح لكم ما أخذتموه من فداء. فسبحانه من إله واسع الرحمة ~~والمغفرة، لمن اتقاه وتاب إليه توبة صادقة. وقوله { حلالا } حال من " ~~ما " الموصولة فى قوله { مما غنمتم } أو صفة لمصدر محذوف، أى ~~أكلا حلالا. ووصف هذا المأمور بأكله بأنه حلال طيب، تأكيدا للإباحة ~~حتى يقبلوا على الأكل منه بدون تحرج أو تردد، فإن معاتبتهم على أخذ ~~الفداء قبل ذلك جعلتهم يترددون فى الانتفاع به وبما غنموه من أعدائهم. ثم ~~أمرت السورة النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يخبر الأسرى بأنهم إذا ما ~~فتحوا قلوبهم للحق واستجابوا له - سبحانه - سيعوضهم عما فقدوه خيرا منه، ~~أما إذا استمروا فى كفرهم وعنادهم فإن الدائرة ستدور عليهم. استمع إلى ~~السورة الكريمة وهى تصور هذا المعنى بأسلوبها البليغ فتقول { يأيها ~~النبي...والله عليم حكيم }. ### || [8.70-71] # قال ابن كثير # " عن الزهرى عن جماعة سماهم قالوا بعثت قريش إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فى فداء أسراهم، ففدى كل قوم أسيرهم بما رضوا. وقال العباس ~~يا رسول الله! قد كنت مسلما! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ~~الله ms2268 أعلم بإسلامك، فإن يكن كما تقول، فإن الله يجزيك. وأما ظاهرك فقد ~~كان علينا، فافتد نفسك وابنى أخيك نوفل بن الحارث، وعقيل بن أبى طالب، ~~وحليفك عتبة بن عمرو أخى بنى الحارث بن فهر ". قال العباس ما ذاك عندى يا ~~رسول الله، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " فأين المال الذى ~~دفنته أنت وأم الفضل، فقلت لها إن أصبت فى سفرى هذا فهذا المال الذى ~~دفنته لبنى الفضل، وعبد الله، وقثم "؟ قال والله يا رسول الله إنى لأعلم ~~أنك رسول الله. إن هذا الشئ ما علمه أحد غيرى وغير أم الفضل، فاحسب لى يا ~~رسول الله ما أصبتم منى - عشرين أوقية من مال كان معى -. فقال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم " لا، ذاك شئ أعطانا الله منك ". ففدى نفسه وابنى ~~أخويه وحليفه. فأنزل الله - تعالى - فيه { يأيها النبي قل ~~لمن في أيديكم من الأسرى... } الآية. قال العباس ~~فأعطانى الله مكان العشرين الأوقية فى الإسلام، عشرين عبدا كلهم فى يده ~~مال يضرب به. مع ما أرجو من مغفرة الله - تعالى - ". # وفى صحيح البخارى # " عن أنس أن رجالا من الأنصار قالوا يا رسول الله ائذن لنا فلنترك لابن ~~أختنا عباس فداءه. فقال - صلى الله عليه وسلم - " لا والله! لا تذرون منه ~~درهما " # هذا والآية الكريمة وإن كانت قد نزلت فى العباس إلا أنها عامة فى جميع ~~الأسرى إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولأن الخطاب فيها موجه إلى ~~سائر الأسرى لا إلى فرد منهم دون آخر. والمعنى { يأيها النبي ~~قل لمن في أيديكم } أى قل للذين تحت تصرف أيدكم { من ~~الأسرى } أى من أسرى المشركين فى بدر الذين أخذتم منهم الفداء ~~لتطلقوا سراحهم. قل لهم - أيها النبى الكريم - { إن يعلم الله ~~في قلوبكم خيرا } أى إيمانا وتصديقا وعزما على اتباع الحق ~~ونبذ الكفر والعناد.. إن يعلم الله - تعالى - منكم ذلك { يؤتكم ~~خيرا ممآ أخذ منكم } من فداء، بأن يخلفه عليكم فى الدنيا، ~~ويمنحكم الثواب الجزيل فى الآخرة. ولقد ms2269 صدق الله - تعالى - وعده مع من ~~آمن وعمل صالحا من هؤلاء الأسرى، فأعطاهم الكثير من نعمه كما قال العباس ~~- رضى الله عنه - وقوله { ويغفر لكم } زيادة فى حضهم على الدخول ~~فى الإيمان. # وقوله { والله غفور رحيم } تذييل قصد به تأكيد ما قبله من ~~الوعد بالخير والمغفرة. أى والله - تعالى - واسع المغفرة، والرحمة لمن ~~استجاب للحق، وقدم العمل الصالح. والتعبير، بقوله { لمن في ~~أيديكم } للإشعار بأن هؤلاء الأسرى المشركين قد صاروا فى قبضة ~~المؤمنين وتحت تصرفهم، حتى لكأن أيديهم قابضة عليهم. وأسند وجود الخير فى ~~قلوبهم إلى علم الله - تعالى - للإشارة إلى أن ادعاء الإيمان باللسان ~~فقط لا يكفل لهم الحصول على الخير الذى فقدوه ولا يوصلهم إلى مغفرة الله ~~- تعالى - فعليهم أن يخلصوا لله فى إيمانهم حتى ينالوا فضله وثوابه، فهو ~~- سبحانه - عليم بذات الصدور. وقوله { وإن يريدوا خيانتك ~~فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم } إنذار لهم ~~بسوء المصير إذا مالجوا فى عنادهم وغدرهم، وبشارة من الله - تعالى - ~~لرسوله والمؤمنين بأن العاقبة ستكون لهم. أى وإن يرد هؤلاء الأسرى نقض ~~عهودهم معك - يا محمد - والاستمرار فى محاربتك ومعاداتك.. فلا تهتم بهم، ~~ولا تجزع من خيانتهم فهم قد خانوا الله - تعالى - من قبل هذه الغزوة ~~بكفرهم وجحودهم لنعمه فكانت نتيجة ذلك أن أمكنك منهم، وأظفرك بهم، ~~وسينصرك عليهم بعد ذلك كما نصرك عليهم فى بدر، والله - تعالى - عليم بما ~~يسرونه وما يعلنونه، حكيم فى تدبيره وصنعه. فالآية الكريمة إنذار للأسرى ~~إذا ما استحبوا العمى على الهدى، وتبشير للرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~بأن خيانتهم سيكون وبالها عليهم. قال الفخر الرازى وقوله { فأمكن ~~منهم } قال الأزهرى يقال أمكننى الأمر يمكننى فهو ممكن ومفعول ~~الإمكان محذوف. والمعنى فأمكن المؤمنين منهم، أى أنهم خانوا الله بما ~~أقدموا عليه من محاربة الرسول يوم بدر. فأمكن الله منهم قتلا وأسرا، وذلك ~~نهاية الإمكان والظفر. فنبه الله بذلك على أنهم ذاقوا وبال ما فعلوه، ~~فإن عادوا كان التمكين منهم ثابتا حاصلا، وفيه بشارة للرسول - صلى الله ms2270 ~~عليه وسلم - أنه يتمكن من كل من يخونه وينقض عهده. هذا، ومن الأحكام ~~والآداب التى حدثت عن أسرى غزوة بدر ما يأتى 1- أن على المؤمنين فى كل ~~زمان ومكان أن يجعلوا جهادهم خالصا لوجه الله ومن أجل إعلاء كلمته ونصرة ~~دينه، وذلك بأن يبالغوا فى قتال أعدائه وأعدائهم إذلالا للكفر وإعزازا ~~للحق، وأن يؤثروا كل ذلك على أعراض الدنيا ومتعها. 2- أن أخذ الفداء من ~~الأسرى لا شئ فيه فى ذاته، وإنما عاتب الله المؤمنين على أخذه من أسرى ~~بدر، لأن هذه الغزوة كانت المعركة الأولى بين المؤمنين والمشركين، وكان ~~إذلال المشركين فيها عن طريق المبالغة فى قتلهم أهم من أخذ الفداء منهم، ~~وأظهر فى كسر شوكتهم، وعجزهم عن معاودة الكرة على المسلمين. # قال ابن كثير. وقد استقر الحكم فى الأسرى عند جمهور العلماء، أن الإمام ~~مخير فيهم، إن شاء قتل - كما فل ببنى قريظة - وإن شاء فادى بمال - كما ~~فعل بأسرى بدر - أو بمن أسر من المسلمين، كما فعل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فى تلك الجارية وابنتها اللتين كانتا فى سبى سلمة بن الأكوع، ~~حيث ردهما وأخذ فى مقابلتهما من المسلمين الذين كانوا عند المشركين، وإن ~~شاء استرق من أسر. هذا مذهب الإمام الشافعى وطائفة من العلماء، وفى ~~المسألة خلاف آخر بين الأئمة مقرر فى موضعه. 3- أن الذين شهدوا بدرا من ~~المسلمين كانت لهم مكانتهم السامية، ومنزلتهم العالية، عند الله - تعالى ~~-. ومما يدل على ذلك أنه - سبحانه - عفا عن خطئهم فى أخذ الفداء من ~~الأسرى ثم زادهم فضلا ومنة فجعل غنائم الحرب حلالا لهم، بعد أن كانت ~~محرمة على أتباع الرسل السابقين. ففى البخارى عن جابر بن عبد الله قال ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلى. نصرت بالرعب مسيرة شهر ~~وجعلت لى الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتى أدركته الصلاة فليصل ~~وأحلت لى الغنائم ولم تحل لأحد قبلى، وأعطيت الشفاعة، وكان النبى يبعث ~~إلى قومه خاصة وبعثت إلى ms2271 الناس عامة ". # 4- أن الإسلام لا يستبقى الأسرى لديه للإذلال والقهر والاستغلال، ~~وإنما يستبقيهم ليوقظ فى فطرتهم نور الحق الذى باتباعه يعوضهم الله عما ~~أخذ منهم فى الدنيا، ويمنحهم ثوابه ومغفرته فى الآخرة. أما إذا استمروا ~~فى عداوتهم للحق، فان الدائرة ستدور عليهم. 5- أن الإيمان لا يكون صحيحا ~~إلا إذا صاحبه التصديق والإذعان. قال ابن العربى لما أسر من أسر من ~~المشركين فى بدر، تكلم قوم منهم بالإسلام، ولم يمضوا فيه عزيمة، ولا ~~اعترفوا به اعترافا جازما، ويشبه أنهم أرادوا أن يتقربوا من المسلمين ولا ~~يبعدوا عن المشركين فنزلت الآية { يأيها النبي قل لمن في ~~أيديكم من الأسرى... }. الآية. قال علماؤنا إن تكلم الكافر ~~بالإيمان فى قلبه وبلسانه ولم يمض فيه عزيمة لم يكن مؤمنا، وإذا وجد مثل ~~ذلك من المؤمن كان كافرا إلا ما كان من الوسوسة التى لا يقدر المرء على ~~دفعها، فإن الله قد عفا عنها وأسقطها. وقد بين الله لرسوله - صلى الله ~~عليه وسلم - الحقيقة فقال { وإن يريدوا خيانتك } أى إن كان ~~هذا القول منهم خيانة ومكرا { فقد خانوا الله من قبل } ~~بكفرهم ومكرهم بك وقتالهم لك، فأمكنك منهم. وإن كان هذا القول منهم خيرا ~~ويعلمه الله فيقبل ذلك منهم، ويعوضهم خيرا مما أخذ منهم، ويغفر لهم ما ~~تقدم من كفرهم وخيانتهم ومكرهم. ثم ختم الله - تعالى - سورة الأنفال ~~بالحديث عن علاقة المسلمين بعضهم ببعض، وعن علاقتهم بغيرهم من الكفار عن ~~الأحكام المنظمة لهذه العلاقات فقال - تعالى - { إن الذين ~~آمنوا...بكل شيء عليم }. ### || [8.72-75] # هذه الآيات الكريمة التى ختم الله - تعالى - بها سورة الأنفال، وضحت أن ~~المؤمنين فى العهد النبوى أقسام، وذكرت حكم كل قسم منهم. أما القسم الأول ~~فهم المهاجرون الأولون أصحاب الهجرة الأولى. وأما القسم الثانى فهم ~~الأنصار من أهل المدينة. والقسم الثالث المؤمنون الذين لم يهاجروا. ~~والقسم الرابع المؤمنون الذين هاجروا بعد صلح الحديبية. وقد عبر - سبحانه ~~- عن القسمين الأول والثانى بقوله { إن الذين آمنوا ~~وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله والذين آووا ونصروا... ms2272 }. أى { إن الذين ~~آمنوا } بالله - تعالى - حق الإيمان { وهاجروا } أى تركوا ~~ديارهم وأوطانهم وكل نفيس من زينة الحياة الدنيا. من أجل الفرار بدينهم ~~من فتنة المشركين، ومن أجل نشر دين الله فى الأرض { وجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله } أى أنهم مع ~~إيمانهم الصادق، وسبقهم بالهجرة إرضاء لله - تعالى -، قد بالغوا فى إتعاب ~~أنفسهم من أجل نصرة الحق، فقدموا ما يملكون من أموال، وقدموا نفوسهم ~~رخيصة لا فى سبيل عرض من أعراض الدنيا، وإنما فى سبيل مرضاة الله ونصرة ~~دينه. فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هذا القسم الأول المؤمنين وهم ~~الذين سبقوا إلى الهجرة. بأعظم الصفات وأكرمها. فقد وصفهم بالإيمان ~~الصادق، وبالمهاجرة فرارا بدينهم من الفتن، وبالمجاهدة بالمال والنفس فى ~~سبيل إعلاء كلمة الله. وقد جاءت هذه الأوصاف الجليلة مرتبة حسب الوقوع، ~~فإن أول ما حصل منهم هو الإيمان، ثم جاءت من بعده الهجرة، ثم الجهاد. ~~ولعل تقديم المجاهدة بالأموال هنا على المجاهدة بالأنفس، لأن المجاهدة ~~بالأموال أكثر وقوعا، وأتم دفعا للحاجة، حيث لا تتصور المجاهدة بالنفس ~~بلا مجاهدة بالأموال. وقوله { في سبيل الله } متعلق بقوله { ~~وجاهدوا } لإبراز أن جهادهم لم يكن لأى غرض دنيوى، وإنما كان من ~~أجل نصرة الحق وإعلاء كلمته - سبحانه -. وقوله { والذين آووا ~~ونصروا } بيان للقسم الثانى من أقسام المؤمنين فى العهد النبوى، ~~وهم الأنصار من أهل المدينة الذين فتحوا للمهاجرين قلوبهم، واستقبلوهم ~~أحسن استقبال، حيث أسكنوهم منازلهم، وبذلوا لهم أموالهم، وآثروهم على ~~أنفسهم، ونصروهم على أعدائهم. فالآية الكريمة قد وصفت الأنصار بوصفين ~~كريمين. أولهما الإيواء الذى يتضمن معنى التأمين من الخوف، إذا المأوى ~~هو المجأ والمأمن مما يخشى منه، ومن ذلك قوله - تعالى - # إذ أوى الفتية إلى الكهف... # وقوله - تعالى - # ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه... # ولقد كانت المدينة مأوى وملجأ للمهاجرين، وكان أهلها مثالا للكرم ~~والإيثار.. ثانيهما النصرة، لأن أهل المدينة قد نصروا الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - والمهاجرين بكل ما يملكون من وسائل التأييد والمؤازرة، فقد ~~قاتلوا من قاتلهم، وعادوا ms2273 من عاداهم، ولذا جعل الله - تعالى - حكمهم وحكم ~~المهاجرين واحدا فقال { أولئك بعضهم أوليآء بعض }. # فاسم الإشارة يعود إلى المهاجرين السابقين، وإلى الأنصار. وقوله { ~~أوليآء } جمع ولى ويطلق على الناصر والمعين والصديق والقريب.. ~~والمراد بالولاية هنا الولاية العامة التى تتناول التناصر والتعاون ~~والتوارث.. أى أولئك المذكورون الموصوفون بهذه الصفات الفاضلة يتولى ~~بعضهم بعضا فى النصرة والمعاونة والتوارث... وغير ذلك، لأن حقوقهم ~~ومصالحهم مشتركة. قال الالوسى ما ملخصه " روى عن ابن عباس أن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - آخى بين المهاجرين والأنصار، فكان المهاجر يرثه أخوه ~~الأنصارى، إذا لم يكن له بالمدينة ولى مهاجرى وبالعكس، واستمر أمرهم على ~~ذلك إلى فتح مكة ثم توارثوا بالنسب بعد إذ لم تكن هجرة.. وعليه فالآية ~~منسوخة بقوله - تعالى - بعد ذلك { وأولوا الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض في كتاب الله... } ". وقال الأصم الآية محكمة، ~~والمراد الولاية بالنصرة والمظاهرة. والذى نراه أن الولاية هنا عامة فهى ~~تشمل كل ما يحتاج إليه المسلمون فيما بينهم من تعاون وتناصر وتكافل ~~وتوارث وغير ذلك.. وقوله - تعالى - { والذين آمنوا ولم ~~يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى ~~يهاجروا... } بيان لحكم القسم الثالث من أقسام المؤمنين فى العهد ~~النبوى.. أى هذا الذى ذكرته لكم قبل ذلك فى الآية هو حكم المهاجرين ~~السابقين والأنصار الذى آووهم ونصروهم أما حكم الذين آمنوا ولم يهاجروا، ~~وهم المقيمون فى أرض الشرك تحت سلطان المشركين وحكمهم. فإنهم ليس بينهم ~~وبين المهاجرين والأنصار ولاية إرث { حتى يهاجروا } إلى ~~المدينة، كما أنكم - أيها المؤمنون - لا تنتظروا منهم تعاونا أو مناصرة، ~~لأنهم بسبب إقامتهم فى أرض الشرك وتحت سلطانه - أصبحوا لا يملكون وسائل ~~المناصرة لكم. ثم قال - تعالى - { وإن استنصروكم في الدين ~~فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ~~ميثاق }. أى وان طلب منكم هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا النصرة ~~على أعدائكم فى الدين، فيجب عليكم أن تنصروهم، لأنهم إخوانكم فى العقيدة، ~~بشرط ألا يكون بينكم وبين هؤلاء الأعداء عهد ومهادنة، فإنكم فى هذه ~~الحالة يحظر عليكم نصرة هؤلاء ms2274 المؤمنين الذين لم يهاجروا، لأن فى نصرتهم ~~- على من بينكم وبينهم عهد - نقضا لهذا العهد. أى إن نصرتكم لهم إنما ~~تكون على الكفار الحربيين لا على الكفار المعاهدين وهذا يدل على رعاية ~~الإسلام للعهود، واحترامه للشروط والعقود. قال الجمل أثبت الله - تعالى ~~- للقسمين الأولين النصرة والإرث، ونفى عن هذا القسم الإرث وأثبت لها ~~النصرة. وقوله { والله بما تعملون بصير } تذييل قصد به ~~الترغيب فى طاعة الله، والتحذير عن معصيته. أى والله - تعالى - مطلع على ~~كل أعمالكم فأطيعوه، ولا تخالفوا أمره. # قبل أن تذكر السورة القسم القسم الرابع من أقسام المؤمنين، تتحدث عن ~~ولاية الكفار بعضهم لبعض فتقول { والذين كفروا بعضهم ~~أوليآء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض ~~وفساد كبير }. أى والذين كفروا بعضهم أولياء بعض فى النصرة ~~والتعاون على قتالكم وإيذائكم - أيها المؤمنون - فهم وإن اختلفوا فيما ~~بينهم إلا أنهم يتفقون على عداوتكم وإنزال الأضرار بكم. وقوله { إلا ~~تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير } تحذير ~~شديد للمؤمنين عن مخالفة أمره - سبحانه -. أى إلا تفعلوا - أيها المؤمنون ~~- ما أمرتكم به من التناصر والتواصل وتولى بعضكم بعضا، ومن قطع العلائق ~~بينكم وبين الكفار، تحصل فتنة كبيرة فى الأرض، ومفسدة شديدة فيها، لأنكم ~~إذا لم تصيروا يدا واحدة على الشرك، يضعف شأنكم، وتذهب ريحكم، وتسفك ~~دماؤكم ويتطاول أعداؤكم عليكم، وتصيرون عاجزين عن الدفاع عن دينكم ~~وعرضكم... وبذلك تعم الفتنة، وينتشر الفساد. وقوله - تعالى - { ~~والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله ~~والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون ~~حقا... } كلام مسوق للثناء على القسمين الأولين من الأقسام الثلاثة ~~للمؤمنين وهم المهاجرون والأنصار. إذ أن الآية الأولى من هذه الآيات ~~الكريمة قد ساقها الله - تعالى - لايجاب التواصل بينهم، أما هذه الآية ~~فقد ساقها سبحانه - للثناء عليهم والشهادة لهم بأنهم هم المؤمنون حق ~~الايمان وأكمله، بخلاف من أقام من المؤمنين بدار الشرك، مع الحاجة إلى ~~هجرته وجهاده. قال الفخر الرازى أثنى الله - تعالى - على المهاجرين ~~والأنصار من ثلاثة أوجه أولها - قوله { أولئك هم المؤمنون ~~حقا ms2275 } فإن هذه الجملة تفيد المبالغة فى مدحهم، حيث وصفهم بكونهم محقين ~~فى طريق الدين. وقد كانوا كذلك، لأن من لم يكن محقا فى دينه لم يتحمل ترك ~~الأديان السالفة، ولم يفارق الأهل والوطن، ولم يبذل النفس والمال. ~~وثانيها - قوله { لهم مغفرة } والتنكير يدل على الكمال، أى ~~مغفرة تامة كاملة. وثالثها - قوله { ورزق كريم } والمراد منه ~~الثواب الرفيع. والحاصل أنه - سبحانه - شرح أحوالهم فى الدنيا والآخرة. ~~أما فى الدنيا فقد وصفهم بقوله { أولئك هم المؤمنون حقا ~~}. وأما فى الآخرة فالمقصود إما دفع العقاب، وإما جلب الثواب. أما دفع ~~العقاب فهو المراد بقوله { لهم مغفرة... } وأما جلب الثواب فهو ~~المراد بقوله { ورزق كريم }. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ~~ببيان القسم الرابع من أقسام المؤمنين فى العهد النبوى فقال { ~~والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم ~~فأولئك منكم.. }. أى والذين آمنوا من بعد المؤمنين السابقين ~~إلى الإيمان والهجرة، وهاجروا إلى المدينة، وجاهدوا مع المهاجرين ~~السابقين والأنصار من أجل إعلاء كلمة الله، فأولئك الذين هذا شأنهم { ~~منكم } أى من جملتكم - أيها المهاجرون والأنصار فى استحقاق الموالاة ~~والنصرة، واستحقاق الأجر من الله، إلا أن هذا الأجر ينقص عن أجركم، لأنه ~~لا يتساوى السابق فى الإيمان والهجرة والجهاد مع المتأخر فى ذلك. # قالوا والمراد بهذا القسم الرابع من أقسام المؤمنين، أهل الهجرة الثانية ~~التى وقعت بعد الهجرة الأولى، وقيل المرد بهذا القسم المهاجرون بعد صلح ~~الحديبية، أو بعد غزوة بدر، أو بعد نزول هذه الاية، فيكون الفعل الماضى { ~~آمنوا } وما بعده بمعنى المستقبل. وقوله { وأولوا الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض في كتاب الله.. } بيانا لحقوق ~~الأقارب بالنسب. والأرحام جمع رحم، وأصله رحم المرأة الذى هو موضع تكوين ~~الولد فى بطنها، وسمى به الأقارب، لأنهم فى الغالب من رحم واحدة وأولوا ~~الأرحام فى اصطلاح علماء الفرائض هم الذين لا يرثون بفرض ولا تعصيب. أى ~~وذوو القرابة بعضهم أولى فى التوارث وفى غير ذلك مما تقتضيه مطالب الحياة ~~من التكافل والتراحم. وقوله { في كتاب الله } أى فى حكمه الذى ms2276 ~~كتبه على عباده المؤمنين، وأوجب به عليهم صلة الأرحام فى هذه الآية ~~وغيرها. قال الآلوسى " أخرج الطيالسى والطبرانى وغيرهما عن ابن عباس قال ~~آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أصحابه، وورث بعضهم من بعض حتى ~~نزلت هذه الآية فتركوا ذلك وتوارثوا بالنسب. أى أن هذه الآية الكريمة ~~نسخت ما كان بين المهاجرين والانصار من التوارث بسبب الهجرة والمؤاخاة. ~~وقوله { إن الله بكل شيء عليم } تذييل ختمت به السورة ~~الكريمة لحض المؤمنين على التمسك بما اشتملت عليه من آداب وتشريعات ~~وأحكام لينالوا رضاه وثوابه. أى إن الله - تعالى - مطلع على كل شئ مما ~~يدور ويجرى فى هذا الكون، ولا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء، ~~وسيجازى الذين أساؤوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. وبذلك نرى ~~الآيات الكريمة قد مدحت المهاجرين والأنصار مدحا عظيما، كما مدحت ~~المؤمنين من بعدهم، وحضت على الجهاد فى سبيل الله، وأمرت بالوفاء ~~بالعهود، وبالوقوف صفا واحدا فى وجه الكفار حتى تكون كلمة الله هى العليا ~~وكلمة الذين كفروا هى السفلى. وبعد فهذا ما وفق الله إليه فى تفسير سورة ~~الأنفال، أو سورة بدر - كما سماها ابن عباس - لأنها تحدثت باستفاضة عن ~~أحداث هذه الغزوة وعن أحوال المشتركين فيها، وعن بشارات النصر التى ~~تقدمتها وصاحبتها وعن غنائمها وأسراها. كما تحدثت عن صفات المؤمنين ~~الصادقين، وعن الأقوال والأعمال التى يجب عليهم أن يتمسكوا بها لينالوا ~~رضا الله ونصره، وعن رذائل المشركين ومسالكهم القبيحة لمحاربة الدعوة ~~الاسلامية، وعن المبادئ التى يجب أن يسير عليهم المسلمون فى حربهم ~~وسلمهم، وعن سنن الله فى خلقه التى لا تتغير ولا تتبدل، والتى من أهمها ~~أنه - سبحانه - لا يسلب نعمة عن قوم إلا بسبب معاصيهم وتنكبهم الطريق ~~القويم، قال - تعالى - # ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها ~~على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم # وأنه - سبحانه - قد جعل العاقبة الحسنة للمؤمنين، والعاقبة السيئة ~~للفاسقين، وأخبر المنحرفين عن صراطه بأنه سيغفر لهم ما سلف من خطاياهم ~~متى أقلعوا عنها، وأخلصوا ms2277 له العبادة. قال - تعالى - # قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين ~~وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله ~~لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير # وختاما نسأل الله - تعالى - أن يوفقنا للمداومة على خدمة كتابه، وأن ~~يهيئ لنا من أمرنا رشدا، وأن يتم لنا نورنا ويغفر لنا إنه على كل شئ ~~قدير. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [9 - سورة التوبة] ### || [9.1-4] # قال الإمام ابن كثير أول هذه السورة نزل على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم لما رجع من غزوة " تبوك " وهم بالحج، ثم ذكر أن المشركين يحضرون ~~عامهم هذا الموسم على عادتهم فى ذلك، وأنهم يطوفون بالبيت عراة، فكره ~~مخالطتهم وبعث أبا بكر الصديق - رضى الله عنه - أميرا على الحج تلك ~~السنة، ليقيم للناس مناسكهم، ويعلم المشركين أن لا يحجوا بعد عامهم هذا، ~~وأن ينادى بالناس { برآءة من الله ورسوله.... } فلما قفل ~~أتبعه بعلى ابن أبى طالب، ليكون مبلغا عنه - صلى الله عليه وسلم - ليكونه ~~عصبة له. وقال محمد بن إسحاق # " لما نزلت { برآءة } على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد كان ~~بعث أبا بكر الصديق - رضى الله عنه - ليقيم للناس الحج، قيل له يا رسول ~~الله، لو بعثت بها إلى أبى بكر؟ فقال " لا يؤدى عنى إلا رجل من أهل بيتى ~~". # ثم دعا على بن أبى طالب فقال له أخرج بهذه القصة من صدر براءة، وأذن فى ~~الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد ~~العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عهد فهو له إلى مدته. فخرج على بن أبى طالب على ناقة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - " العضباء " حتى أدرك أبا بكر بالطريق، فلما ~~رآه أبو بكر قال أمير أم مأمور؟ فقال بل مأمور. ثم مضيا، فأقام أبو بكر ~~للناس الحج، والعرب إذ ذاك ms2278 فى تلك السنة على منازلهم من الحج التى كانوا ~~عليها فى الجاهلية. حتى إذا كان يوم النحر قام على بن أبى طالب فأذن فى ~~الناس بالذى أمره به رسول الله. صلى الله عليه وسلم. فقال أيها الناس، ~~إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ~~ومن كان له عهد عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو إلى مدته، وأجل ~~الناس أربعة أشهر من يوم أذن فيهم، ليرجع كل قوم إلى مأمنهم وبلادهم، ثم ~~لا عهد لمشرك ولا ذمة، إلا أحد كان له عند رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، عهد إلى مدة، فهو له إلى مدته. فلم يحج بعد العام مشرك، ولم يطف ~~بالبيت عريان، ثم قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الفخر ~~الرازى روى أن النبى، صلى الله عليه وسلم، لما خرج إلى غزوة تبوك وتخلف ~~المنافقون وأرجفوا الأراجيف، جعل المشركون ينقضون العهد، فنبذ رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، العهد إليهم. # هذه بعض الآثار التى ذكرها المفسرون فى هذا المقام. وقوله - تعالى - { ~~برآءة } مصدر برئ " كتعب " ، وأصل البراءة التباعد عن الشئ والتخلص ~~منه. تقول برئت من هذا الشئ أبرأ براءة فأنا منه برئ، إذا أزلته عن نفسك، ~~وقطعت الصلة بينك وبينه. ومنه قولهم برئت من الدين أى تخلصت منه. ولفظ { ~~برآءة } مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، والتنوين فيه للتفخيم و { ~~من } لابتداء الغاية، والعهد العقد الموثق باليمين، والخطاب فى قوله { ~~عاهدتم } للمسلمين. والمعنى هذه براءة واصلة من الله ورسوله إلى ~~الذين عاهدتم من المشركين بسبب نقضهم لعهودهم وإصرارهم على باطلهم.. قال ~~صاحب الكشاف فإن قلت لم علقت البراءة بالله ورسوله والمعاهدة بالمسلمين؟. ~~قلت قد أذن الله فى معاهدة المشركين أولا، فاتفق المسلمون مع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وعاهدوهم، فلما نقضوا العهد أوجب الله - تعالى - ~~النبذ إليهم، فخوطب المسلمون بما تجدد من ذلك فقيل لهم اعلموا أن الله ~~ورسوله قد برئا مما عاهدتم به المشركين. وروى ms2279 أنهم عاهدوا المشركين من ~~أهل مكة وغيرهم من العرب، فنكثوا إلا ناسا منهم، فنبذ العهد إلى ~~الناكثين، وأمروا أن يسيحوا فى الأرض أربعة أشهر آمنين.. " وقال بعض ~~العلماء والمعنى أن الله قطع ما بينه وبين المشركين من صلات فلا عهد ولا ~~تعاهد ولا سلم ولا أمان، وتركهم تعمل فيهم سيوف المؤمنين حتى يقوموهم أو ~~يبيدوهم. ولا يدخل فى هذا التبرى قطع رحمته العامة عنهم التى كتبها على ~~نفسه من جهة أنه الخالق وأنهم المخلوقون.. فهو مع هذا التبرى لا يزال من ~~هذه الجملة يرحمهم بمنح الحياة وموارد الرزق، والتمكين من العمل حسب ~~تقديره العام وسنته الشاملة فى خلقه ولو أن التبرى كان على إطلاقه لما ~~عاش كافر طرفة عين، ولما استطاع كافر أن يقف فى وجه مسلم. فالآية تقرر ~~حكما تكليفيا للمسلمين فى شأن معاملة المشركين... واعتبار أن الآية تقرر ~~حكما شرعيا والمشرع هوالله أضيف صدور البراءة إليه - سبحانه - وعطف عليه ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى هذا المقام، لأنه هو المبلغ عنه، ~~والمنفذ لما يبلغه.. ولما كان التعاهد بين المؤمنين وغيرهم تنفيذا لأمر ~~الله به، وأصله حق لجماعتهم، وإنما يقوم الإمام به نائبا عن الجماعة، ~~أضيف - أى التعاهد - إلى جماعة المسلمين، فقيل { عاهدتم }.. وكثيرا ~~ما ينسب القرآن الأحكام العامة لجماعة المؤمنين.. ويؤخذ من تقرير البراءة ~~من المشركين فى هذه الآية جواز نبذ العهود لمن كان بيننا وبينه عهد متى ~~رأى الإمام مصلحة الأمة فى ذلك، كأن خيف منهم خيانة، أو نقضوا شيئا من ~~شروط المعاهدة، أو وضعت المعاهدة على غير شرط احترامها الشرعى، وذلك كله ~~أخذا من هذا المقام، ومن قوله - تعالى - فى سورة الأنفال # وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على ~~سوآء # كما يؤخذ أن عقد المعاهدات إنما هو حقا للجماعة، يوافق عليه أصحاب الرأى ~~والاختصاص فى موضوع المعاهدة، وما هو فى مصلحة الجماعة، ثم يباشرها ~~الإمام بعد ذلك نيابة عن الجماعة. وقوله - تعالى - { فسيحوا في ~~الأرض أربعة أشهر... } بيان للمهلة التى منحها - سبحانه - ~~للمشركين ليدبروا فيها ms2280 أمرهم. والسياحة فى الأصل جريان الماء وانبساطه ~~على موجب طبيعته، ثم استعملت فى الضرب فى الأرض والاتساع فى السير ~~والتجوال. يقال ساح فلان فى الأرض سيحا وسياحة وسيوحا إذا تنقل بين ~~أرجائها كما يشاء. والخطاب للمؤمنين على تقدير القول. أى فقولوا أيها ~~المؤمنون للمشركين سيحوا فى الأرض أربعة أشهر. ويجوز أن يكون الخطاب ~~للمشركين أنفسهم على طريقة الالتفات من الغيبة إلى الحضور، لقصد تهيئة ~~خطابهم بالوعيد المذكور بعد ذلك فى قوله - - سبحانه - { واعلموا ~~أنكم غير معجزي الله }. والمقصود بالأمر فى قوله { ~~فسيحوا } الإباحة والإعلام بحصول الأمان لهم فى تلك المدة من أن ~~يقتلوا أو يقاتلوا أو يعتدى عليهم... والمعنى قولوا أيها المسلمون ~~للمشركين - بعد هذه البراءة منهم، سيحوا فى الأرض، أى سيروا فيها مقبلين ~~ومدبرين حيث شئتم وأنتم آمنون فى هذه المدة. وفى التعبير بقوله { ~~فسيحوا } من الدلالة على كمال التوسعة، ما ليس فى قوله { سيروا } أو ~~ما يشبهه، لأن لفظ السياحة يدل على الاتساع فى السير والبعد عن المدن، ~~وعن موضع العمارة. والحكمة فى إعطائهم هذه المدة تمكينهم من النظر فى أمر ~~أنفسهم حتى يختاروا ما فيه مصلحتهم، ويعلموا أنهم ليس أمامهم بعد هذه ~~المدة إلا الإسلام أو السيف، ولكى لا ينسب إلى المسلمين الغدر ونبذ ~~العهد دون إعلام أو إنذار. وهذا من سمو تعاليم الإسلام. تلك التعاليم ~~التى لم تبح لأتباعها أن يأخذوا أعدى أعدائهم على غرة، بل منحت هؤلاء ~~الأعداء مهلة كافية يدبرون فيها أمر أنفسهم وهم آمنون من أن يتعرض لهم ~~أحد من المسلمين بأذى. ومتى كان ذلك؟ كان ذلك فى الوقت الذى نقض فيه ~~المشركون عهودهم عند أول بادرة لاحت لهم، وفى الوقت الذى أرجف فيه ~~المرجفون أن المسلمين لن يعودوا من تبوك سالمين، بل إن الروم سيأخذونهم ~~أسرى، وفى الوقت الذى كانت المجتمعات فيه يغزو بعضها بعضا بدون إنذار أو ~~إعلام.. فإن قيل وما الحكمة فى تقدير هذه المهلة بأربعة أشهر؟ فالجواب - ~~كما يقول الجمل - اقتصر على الأربعة - هنا لقوة المسلمين إذ ذاك، بخلاف ms2281 ~~صلح الحديبية فإنه كان لمدة عشر سنين لضعف المسلمين إذا ذاك، والحاصل أن ~~المقرر فى الفروع أنه إذا كان بالمسلمين ضعف جاز عقد الهدنة عشر سنين ~~فأقل، وإذا لم يكن بهم ضعف لم تجز الزيادة على أربعة أشهر. # وقال بعض العلماء ولعل الحكمة فى تقدير تلك المدة بأربعة أشهر، أنها هى ~~المدة التى كانت تكفى - إذ ذاك بحسب ما يألفون - لتحقيق ما أبيح لهم من ~~السياحة فى الأرض، والتقلب فى شبه الجزيرة على وجه يمكنهم من التشاور ~~والأخذ والرد مع كل من يريدون أخذ رأيه فى تكوين الرأى الأخير، وفيه فوق ~~ذلك مسايرة للوضع الإلهى فى جعل الأشهر الحرم من شهور السنة أربعة. على ~~أنا نجد فى القرآن جعل الأربعة الأشهر أمدا فى غير هذا فمدة إيلاء الرجل ~~من زوجه أربعة أشهر - وعدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر. ولعل ذلك ~~- وراء ما يعلم الله - أنها المدة التى تكفى بحسب طبيعة الإنسان لتقليب ~~وجوه النظر فيما يحتاج إلى النظر، وتبدل الأحوال على وجه تستقر فيه إلى ~~ما يقصد فيه. ويؤخذ من تقرير الهدنة للأعداء فى هذا المقام تقرر مبدأ ~~الهدنة والصلح فى الإسلام، طلبها العدو أم تقدم بها المسلمون، وأصل ذلك ~~مع هدنة المشركين هذه قوله - تعالى - فى سورة الأنفال.. # وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله # وأن مدتها تكون على حسب ما يرى الإمام وأرباب الشورى المقررة فى قوله - ~~تعالى - # وشاورهم في الأمر # وقد اختلف المفسرون فى ابتداء هذه الأشهر الأربعة فقال مجاهد والسدى ~~وغيرهما كان ابتداء هذه الأشهر الأربعة يوم الحج الأكبر من السنة التاسعة ~~ونهايتها فى العاشر من شهر ربيع الآخر من السنة العاشرة، وذلك لأن ~~المشركين قد أعلموا بهذه المهلة يوم النحر من السنة التاسعة على لسان على ~~بن أبى طالب - كما سبق أن بينا. وقيل كان ابتداء هذه الأشهر الأربعة يوم ~~النحر لعشر من ذى القعدة من السنة التاسعة ونهايتها فى اليوم العاشر من ~~شهر ربيع الأول من السنة العاشرة، وذلك لأن الحج فى ms2282 تلك السنة كان فى ذلك ~~الوقت بسبب النسئ الذى ابتدعه المشركون. والرأى الأول أرجح وعليه ~~الأكثرون، لأن معظم الآثار تؤيده. وكذلك اختلف المفسرون اختلافا كبيرا ~~فيمن تنطبق عليهم هذه المهلة، فقال مجاهد هذا تأجيل للمشركين مطلقا، فمن ~~كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر رفع إليها، ومن كانت أكثر حط إليها، ومن ~~كان عهده بغير أجل حد بها. ثم هو بعد ذلك حرب لله ولرسوله، يقتل حيث ~~أدرك، ويؤسر، إلا أن يتوب ويؤمن. وقال آخرون كانت هذه الأربعة الأشهر ~~مهلة لمن له عهد دون الأربعة الأشهر، فأما من كان له عهد مؤقت فأجله إلى ~~مدته مهما كانت هذه المدة لقوله - تعالى - بعد ذلك { فأتموا ~~إليهم عهدهم إلى مدتهم }. # وهذا القول قد اختاره ابن جرير وغيره، فقد قال ابن جرير - بعد أن ذكر ~~عدة اقوال فى ذلك " وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب قول من قال الأجل الذى ~~جعله الله إنما هو لأهل العهد الذين ظاهروا على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ونقضوا عهدهم قبل انقضاء مدته، فأما الذين لم ينقضوا عهدهم، ~~ولم يظاهروا عليه، فإن الله - تعالى - أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - ~~بإتمام العهد بينه وبينهم إلى مدته بقوله { إلا الذين عاهدتم ~~من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم ~~يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم ~~إلى مدتهم إن الله يحب المتقين } ، ثم قال وبعد ~~ففى الأخبار المتظاهرة # " عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه حين بعث عليا ببراءة إلى أهل ~~العهود بينه وبينهم أمره فيما أمره أن ينادى به فيهم " ومن كان بينه وبين ~~رسول الله عهد فعهده إلى مدته " # وهو أوضح دليل على صحة ما قلنا. وذلك أن الله لم يأمر نبيه - صلى الله ~~عليه وسلم بنقض عهد قوم كان عاهدهم إلى أجل، فاستقاموا على عهدهم بترك ~~نقضه، وأنه إنما أجل أربعة أشهر من كان قد نقض عهده قبل التأجيل، أو كان ~~له عهد إلى أجل غير محدود، فأما من كان أجل عهده محدودا، ولم يجعل بنقضه ms2283 ~~على نفسه سبيلا، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان بإتمام عهده ~~إلى غاية أجله مأمورا، وبذلك بعث مناديه فى أهل الموسم من العرب.. " ~~والذى يبدو لنا بعد مراجعة الأقوال المتعددة فى شأن من تنطبق عليهم هذه ~~المهلة من المشركين - أن ما اختاره ابن جرير هو خير الأقوال وأقواها، لأن ~~النصوص من الكتاب والسنة تؤيده. ومن أراد معرفة هذه الأقوال بالتفصيل ~~فليراجع ما كتبه المفسرون فى ذلك. ثم بين - سبحانه - أن هذا الإمهال ~~للمشركين لن ينجيهم من إنزال العقوبة بهم متى استمروا على كفرهم فقال - ~~تعالى - { واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن ~~الله مخزي الكافرين }. أى واعلموا - أيها المشركون - أنكم ~~بسياحتكم فى الأرض خلال تلك المهلة لن تعجزوا الله - تعالى - فى طلبكم، ~~فأنتم حيثما كنتم تحت سلطانه وقدرته، واعلموا كذلك أنه - سبحانه - مذل ~~للكافرين، فى الدنيا بالقتل والأسر، وفى الآخرة بالعذاب المهين. فالآية ~~الكريمة قد ذيلت بما يزلزل قلوب المشركين بالحقيقة الواقعة، وهى أن ذلك ~~الإمهال لهم، وتلك السياحة فى الأرض منهم، كل هذا لن يجعلهم فى مأمن من ~~عقاب الله، ومن إنزال الهزيمة بهم، لأنهم فى قبضته. # ومها أعدوا خلال تلك المهلة من عدد وعدد لقتال المؤمنين، فإن ذلك لن ~~ينفعهم، لأن سنته - سبحانه - قد اقتضت أن يجعل النصر والفوز للمؤمنين ~~والخزى والسوء على الكافرين. قال الفخر الرازى ما ملخصه، وقوله { ~~واعلموا أنكم غير معجزي الله }. المقصود منه أنى ~~أمهلتكم - أيها المشكرون - وأطلقت لكم السياحة فى الأرض - فافعلوا كل ما ~~أمكنكم فعله من إعداد الآلات والأدوات، فإنكم لا تعجزون الله بل هو الذى ~~يعجزكم، لأنكم حيث كنتم فأنتم فى ملكه وتحت سلطانه. ثم بين - سبحانه - ~~بعد ذلك الموعد الذى تعلن فيه هذه البراءة من المشركين حتى لا يكون لهم ~~عذر بعد هذا الإعلان فقال - تعالى - { وأذان من الله ~~ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله ~~بريء من المشركين ورسوله... }. الأذان الإعلام تقول ~~آذنته بالشئ إذا أعلمته به. ومنه الأذان للصلاة أى الإعلام بحلول وقتها. ~~وهو بمعنى الإيذان ms2284 كما أن العطاء بمعنى الإعطاء. قال الجمل وهو مرفوع ~~بالابتداء. و { من الله } إما صفته أو متعلق به { إلى الناس } ~~الخبر، ويجوز أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف. أى وهذه، أى الآيات الآتى ~~ذكرها إعلام من الله ورسوله.. والمعنى وهذه الآيات إيذان وإعلان من الله ~~ورسوله إلى الناس عامة يوم الحج الأكبر بأن الله ورسوله قد برئا من عهود ~~المشركين، وأن هذه العهود قد نبذت إليهم، بسبب إصرارهم على شركهم ونقضهم ~~لمواثيقهم. وأسند - سبحانه - الأذان إلى الله ورسوله، كما أسندت البراءة ~~إليهما، إعلاء لشأنه وتأكيدا لأمره قال صاحب الكشاف فإن قلت أى فرق بين ~~معنى الجملة الأولى والثانية؟ قلت تلك إخبار بثبوت البراءة، وهذه إخبار ~~بوجوب الإعلام بما ثبت. فإن قلت لم علقت البراءة بالذين عوهدوا من ~~المشركين وعلق الأذان بالناس؟ قلت لأن البراءة مختصة بالمعاهدين ~~والناكثين منهم وأما الأذان فعام لجميع الناس " من عاهد ومن لم يعاهد، ~~ومن نكث من المعاهدين ومن لم ينكث ". واختير يوم الحج الأكبر لهذا ~~الإعلام، لأنه اليوم الذى يضم أكبر عدد من الناس يمكن أن يذاع الخبر عن ~~طريقهم فى جميع أنحاء البلاد. وأصح ما قيل فى يوم الحج الأكبر أنه يوم ~~النحر. وقيل هو يوم عرفة، وقيل هو جميع أيام الحج. وقد رجح ابن جرير - ~~بعد أن بسط الأقوال فى ذلك - أن المراد بيوم الحج الأكبر يوم النحر فقال. ~~وأولى الأقوال فى ذلك بالصحة عندنا قول من قال يوم الحج الأكبر، يوم ~~النحر، لتظاهر الأخبار عن جماعة من الصحابة أن عليا بما أرسله به رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المشركين يوم النحر، هذا مع الأخبار ~~التى ذكرناها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال يوم النحر # " أتدرون أى يوم هذا؟ هذا يوم الحج الأكبر ". # وقال بعض العلماء قال ابن القيم والصواب أن المراد بيوم الحج الأكبر يوم ~~النحر، لأنه ثبت فى الصحيحين أن أبا بكر وعليا أذنا بذلك يوم النحر لا ~~يوم عرفة. وفى سنن أبى داود بأصح إسناد أن ms2285 رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال # " يوم الحج الأكبر يوم النحر " # ، وكذا قال أبو هريرة وجماعة من الصحابة. ويوم عرفة مقدمة ليوم النحر ~~بين يديه، فإن فيه يكون الوقوف والتضرع ثم يوم النحر تكون الوافدة ~~والزيارة.. ويكون فيه ذبح القرابين، وحلق الرءوس، ورمى الجمار، ومعظم ~~أفعال الحج. وقد ساق ابن كثير جملة من الأحاديث التى ما كان ينادى به على ~~بن أبى طالب والناس يوم الحج الأكبر ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد عن ~~محرز بن أبى هريرة عن أبيه قال كنت مع على بن أبى طالب حين بعثه النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - ينادى، فكان إذا صحل ناديت - أى كان إذا بح صوته ~~وتعب من كثرة النداء ناديت - قلت بأى شئ كنتم تنادون؟ قال بأربع لا يطوف ~~بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يحج بعد عامنا هذا ~~مشرك، ومن كانله عهد عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعهده إلى ~~مدته. وسمى يوم النحر بالحج الأكبر، لأن العمرة كانت تسمى بالحج الأصغر ~~ولأن ما يفعل فيه معظم أفعال الحج - كما قال ابن القيم. هذا، وللعلماء ~~أقوال فى إعراب لفظ { ورسوله } من قوله - تعالى - { أن الله ~~بريء من المشركين ورسوله }. وقد لخص الشيخ الجمل هذه ~~الأقوال تلخيصا حسنا فقال قوله { ورسوله } بالرفع باتفاق السبعة ~~وقرئ شاذا بالجر على المجاورة. أو على أن الواو للقسم وقرئ شاذا أيضا ~~بالنصب على أنه مفعول معه، أو معطوف على لفظ الجلالة، وفى الرفع ثلاثة ~~وجوه أحدها أنه مبتدأ والخبر محذوف أى ورسوله برئ منهم، وإنما حذف ~~للدلالة عليه. والثانى أنه معطوف على الضمير المستتر فى الخبر.. والثالث ~~أنه معطوف على محل اسم أن... " ثم أردف - سبحانه - هذا الإعلام بالبراءة ~~من عهود المشركين بترغيبهم فى الإيمان وتحذيرهم من الكفر والعصيان فقال ~~{ فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم ~~فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين ~~كفروا بعذاب أليم }. أى فإن تبتم أيها المشركون من كفركم، ~~ورجعتم إلى الإيمان بالله وحده واتبعتم ms2286 ما جاءكم به محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - فهو أى المتاب والرجوع إلى الحق { خير لكم } من ~~التمادى فى الكفر والضلال { وإن توليتم } وأعرضتم عن الإيمان، ~~وأبيتم إلا الإقامة على باطلكم { فاعلموا أنكم غير ~~معجزي الله } أى فأيقنوا أنكم لا مهرب لكم من عقاب الله، ولا ~~إفلات لكم من أخذه وبطشه، لأنكم أينما كنتم فأنتم فى قبضته وتحت قدرته. # وقوله { وبشر الذين كفروا بعذاب أليم } تذييل قصد ~~به تأكيد زجرهم عن التولى والإعراض عن الحق. أى وبشر - يا محمد - هؤلاء ~~الذين كفروا بالحق لما جاءهم بالعذاب الأليم فى الآخرة بعد إنزال الخزى ~~والمذلة بهم فى الدنيا. ولفظ البشارة ورد هنا على سبيل الاستهزاء بهم، ~~كما يقال تحيتهم الضرب، وإكرامهم الشتم. وقوله - تعالى - بعد ذلك { ~~إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ~~ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا ~~فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم } استثناء من ~~المشركين فى قوله { برآءة من الله ورسوله إلى الذين ~~عاهدتم من المشركين }. والمعنى اعلموا. أيها المؤمنون أن ~~الله ورسوله بريئان من عهود المشركين بسبب نقضهم لها، لكن الذين ~~عاهدتموهم منهم ولم ينقضوا عهودهم، ولم ينقصوكم شيئا من شروط العهد، ولم ~~يعاونوا عليكم أحدا من الأعداء، فهؤلاء أتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ولا ~~تعاملوهم معاملة الناكثين. فالآية الكريمة تدل على أن المراد بالمشركين ~~الذين تبرأ الله ورسوله منهم وأعطوا مهلة الأربعة الأشهر، هم أولئك الذين ~~عرفوا بنقض العهود. أما الذين عاهدوا ووفوهم بعهودهم، فإن هؤلاء يجب ~~إتمام عهدهم إلى مدتهم وفاء بوفاء، وكرامة بكرامة. وعبر - سبحانه - بثم ~~فى قوله { ثم لم ينقصوكم شيئا } للدلالة على ثباتهم على ~~عهدهم مع تمادى المدة وتطاولها. وقراءة الجمهور { ينقصوكم } بالصاد ~~المهملة، وعليها يجوز أن يتعدى لواحد فيكون شيئا منصوبا على المصدرية ~~أى لم ينقصوكم شيئا من النقصان لا قليلا ولا كثيرا، ويجوز أن يتعدى ~~لاثنين فيكون شيئا مفعوله الثانى، أى لم ينقصوكم شيئا من شروط العهد بل ~~أدوها بتمامها. وقرأ عطاء بن السائب الكوفى وعكرمة وأبو زيد { ثم لم ~~ينقضوكم } بالضاد ms2287 المعجمة وهى على حذف مضاف أى ثم لم ينقضوا عهدكم ~~فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وفى تنكير كلمة " شيئا " وكلمة " ~~أحدا " دلالة على أن انتقاص المعاهدة ولو شيئا يسيرا، وأن معاونة الأعداء ~~بأى وسيلة مهما قلت.. كل ذلك مبيح لنبذ العهد، لأن الخيانة الصغيرة كثيرا ~~ما تؤدى إلى الخيانة الكبيرة. قالوا والمراد بهؤلاء الذين أمر المسلمون ~~بإتمام عهدهم معهم بنو ضمرة وبنو مدلج وهم من قبائل بنى بكر وكان قد بقى ~~من عهدهم تسعة أشهر، ولم ينقضوا مواثيقهم. وقوله { إن الله يحب ~~المتقين } تذييل قصد به التعليل لوجوب الامتثال، والتنبيه على أن ~~الوفاء بالعهد إلى نهايته مع الموفين بعهدهم من تقوى الله التى يحبها ~~لعباده ويحبهم بسببها. قال صاحب المنار والآية تدل على أن الوفاء بالعهد ~~من فرائض الإسلام ما دام العهد معقودا، وعلى أن العهد المؤقت لا يجوز ~~نقضه إلا بانتهاء وقته وأن شرط وجوب الوفاء به علينا محافظة العدو ~~المعاهد لنا عليه بحذافيره. # فإن نقص شيئا ما من شروط العهد، وأخل بغرض ما من إغراضه عد ناقضا، ~~لقوله - تعالى - { ثم لم ينقصوكم شيئا } ، ولفظ شئ أعم ~~الألفاظ وهو نكرة فى سياق النفى فيصدق بأدنى إخلال بالعهد. ومن الضرورى ~~أن من شروطه التى ينتقض بالإخلال بها، عدم مظاهرة أحد من أعدائنا ~~وخصومنا علينا، وقد صرح بهذا للاهتمام به، وإلا فهو يدخل فى عموم ما ~~قبله، وذلك أن الغرض الأول من المعاهدات ترك قتال كل من الفريقين ~~المتعاهدين للآخر، فمظاهرة أحدهما لعدو الآخر، أى معاونته ومساعدته على ~~قتاله وما يتعلق به، كمباشرته للقتال بنفسه. يقال ظاهره إذا عاونه، ~~وظاهره عليه إذا ساعده عليه، وتظاهروا عليهم تعاونوا وكله من الظهر الذى ~~يعبر به عن القوة، ومنه بعير ظهير أى قوى. وقال بعض العلماء ويؤخذ من هذا ~~أن الإسلام يقرر فى حالة نبذ العهود لزوم إعلان العدو بذلك النبذ، على ~~وجه يمكن العدو من إيصال خبر النبذ إلى أطراف بلده وأنحاء مملكته. وفى ~~ذلك يقول الكمال بن الهمام الفقيه الحنفى، وهو ms2288 بصدد قوله، تعالى. # وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على ~~سوآء # أنه لا يكفى مجرد إعلانهم، بل لا بد من مضى مدة يتمكن فيها ملكهم بعد ~~علمه بالنبذ من إنفاذ الخبر إلى أطراف مملكته، ولا يجوز للمسلمين أن ~~يغيروا على شئ من أطرافهم قبل مضى المدة. وذلك كله أثر من آثار وجوب ~~رعاية العهد والبعد عن النكث بكل ما يستطاع. وبعد أن قررت السورة الكريمة ~~براءة الله ورسوله من عهود المشركين الخائنين، وأمرت بالوفاء لمن وفى ~~بعهده منهم.. بعد كل ذلك أخذت فى بيان كيفية معاملة المشركين بعد انتهاء ~~المهلة الممنوحة لهم فقال - تعالى - { فإذا انسلخ الأشهر.... ~~}. ### || [9.5] # وقوله { انسلخ } من السلخ بمعنى الكشط، يقال سلخ الإهاب عن الشاة ~~يسلخه ويسلخه سلخا إذا كشطه ونزعه عنها. أو بمعنى الإخراج من قولهم سلخت ~~الشاة عن الإهاب إذا أخرجتها منه، ثم استعير للانقضاء والانتهاء فانسلاخ ~~الأشهر إستعارة لانقضائها والخروج منها. قال الآلوسى والانسلاخ فيما نحن ~~فيه استعارة حسنة، وذلك أن الزمان محيط بما فيه من الزمانيات مشتمل عليه ~~اشتمال الجلد على الحيوان، وكذا كل جزء من أجزاءه الممتدة كالأيام ~~والشهور والسنين، فإذا مضى فكأنه انسلخ عما فيه، وفى ذلك مزيد لطف لما ~~فيه من التلويح بأن تلك الأشهر كانت حرزا لأولئك المعاهدين عن غوائل ~~أيدى المسلمين فنيط قتالهم بزوالها ". والمراد بالأشهر الحرم أشهر الأمان ~~الأربعة التى سبق ذكرها فى قوله، تعالى، # فسيحوا في الأرض أربعة أشهر # وعليه فتكون أل فى قوله { الأشهر الحرم } للعهد الذكرى. وسميت ~~حرما لأنه. سبحانه. جعلها فترة أمان للمشركين، ونهى المؤمنين عن التعرض ~~لهم فيها. ووضع - سبحانه - المظهر موضع المضمر حيث لم يقل فإذا انسلخت، ~~ليكون ذريعة إلى وصفها بالحرمة، تأكيدا لما ينبئ عنه إباحة السياحة من ~~حرمة التعرض لهم، مع ما فيه من مزيد الاعتناء بشأنها. وقيل المراد ~~بالأشهر الحرم هنا الأشهر المعروفة وهى رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، ~~والمحرم، روى ذلك عن ابن عباس والضحاك والباقر واختاره ابن جرير. قال ابن ~~كثير وفيه نظر، والذى ms2289 يظهر من حيث السياق ما ذهب إليه ابن عباس فى رواية ~~العوفى عنه وبه قال مجاهد، وعمرو بن شعيب، وابن إسحاق، وقتادة والسدى ~~وعبد الرحمن ابن زيد بن أسلم أن المراد بها أشهر التيسير الأربعة المنصوص ~~عليها بقوله # فسيحوا في الأرض أربعة أشهر # ثم قال { فإذا انسلخ الأشهر الحرم } أى إذا انقضت الأشهر ~~الأربعة التى حرمنا عليكم فيها قتالهم، وأجلناهم فيها فحيثما وجدتموهم ~~فاقتلوهم، لأن عود العهد على مذكور أولى من مقدر، ثم إن الأشهر الأربعة ~~المحرمة سيأتى بيان حكمها فى آية أخرى وهى قوله - تعالى - # إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا... # والمراد بالمشركين فى قوله { فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم } أولئك الخائنون الذين انتهت مدة الأمان لهم، أما الذين ~~لم يخونوا ولهم عهود مؤقتة بمدة معينة فلا يحل للمسلمين قتالهم، إلا بعد ~~انتهاء هذه المدة، كما سبق أن بينا قبل قليل تفسير قوله - تعالى - # إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ~~ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا ~~فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم... # والمعنى فإذا انتهت هذه الأشهر الأربعة التى جعلها مهلة للخائنين، ~~فاقتلوا - أيها المؤمنون - أعداءكم المشركين { حيث وجدتموهم } ~~أى فى أى مكان تجدونهم فيه { وخذوهم } وهو كناية عن الأسر، وكانت ~~العرب تعبر عن الأسير بالأخيذ، { واحصروهم } أى وامنعوهم من الخروج ~~إذا كانت مصلحتكم فى ذلك { واقعدوا لهم كل مرصد } والمرصد ~~الموضع الذى يقعد فيه للعدو لمراقبته، يقال رصدت الشئ أرصده رصدا ورصدا ~~إذا ترقبته. # والمعنى واقعدوا لهم فى كل موضع يجتازون منه فى أسفارهم، حتى تسد السبل ~~فى وجوههم، وتضعف شوكتهم، وتذهب ريحهم، فيستسلموا لكم. والمتدبر لهذه ~~الآية الكريمة يرى أن هذه الوسائل الأربع - القتل والأسر والمحاصرة ~~والمراقبة - هى الوسائل الكفيلة بالقضاء على الأعداء، ولا يخلو عصر من ~~العصور من استعمال بعضها أو كلها عند المهاجمة. هكذا نرى تعاليم الإسلام ~~تحض المسلمين على استعمال كل الوسائل المشروعة لكيد أعدائهم، والعمل على ~~هزيمتهم..، ما دام هؤلاء الأعداء مستمرين فى طغيانهم وعدوانهم وانتهاكهم ~~لحدود الله - تعالى -. أما إذا فتحوا ms2290 قلوبهم للحق واستجابوا له، فإن ~~الآية الكريمة ترفع عنهم السيف، وتأمر المؤمنين بإخلاء سبيلهم. استمع إلى ~~بقيتها حيث تقول { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم }. أى ~~عليكم - أيها المؤمنون - إذا ما انتهت أشهر الأمان الأربعة أن تقتلوا ~~المشركين الناكثين لعهودهم أينما وجدتموهم وأن تأسروهم وتحبسوهم ~~وتراقبوهم على كل طريق حتى تضعف شوكتهم فينقادوا لكم.. { فإن تابوا ~~} عن الشرك بأن دخلوا فى الإسلام فاتركوا التعرض لهم، وكفوا عن قتالهم، ~~وافتحوا المسالك والطرق فى وجوههم. واكتفى - سبحانه - بذكر الصلاة ~~والزكاة عن ذكر بقية العبادات، لكونهما الأساسين للعبادات البدنية ~~والمالية. وقوله { إن الله غفور رحيم } تذييل قصد به ~~التعليل لوجوب إخلاء سبيلهم أى، إن فعلوا ذلك فخلوا سبيلهم، ولا تعاملوهم ~~بما كان منهم من شرك، فإن الإسلام يجب ما قبله، وإن الله قد غفر لهم ما ~~سلف من الكفر والغدر بفضله ورحمته. قال الإمام ابن كثير وقد اعتمد ~~الصديق - رضى الله عنه - فى قتال ما نعى الزكاة على هذه الآية وأمثالها، ~~حيث حرمت قتالهم بشرط هذه الأفعال وهى الدخول فى الإسلام والقيام بأداء ~~واجباته، ونبه بأعلاها على أدناها فإن أشرف أركان الإسلام بعد الشهادتين ~~الصلاة التى هى حق الله - تعالى - وبعدها الزكاة هى نفع متعد إلى ~~الفقراء، وهى أشرف الأفعال المتعلقة بالمخلوقين، ولهذا كثيرا ما يقرن ~~الله الصلاة والزكاة. وقد جاء فى الصحيحين عن ابن عمر عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ". # وروى الإمام أحمد عن أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول ~~الله، فإذا شهدوا واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا، وصلوا صلاتنا فقد ~~حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم ~~" # ورواه البخارى وغيره. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أبى الله أن يقبل ~~الصلاة إلا ms2291 بالزكاة ثم قال يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه. وبذلك ترى ~~هذه الآية قد جمعت فى إرشادها بين الترغيب والترهيب فقد أمرت المؤمنين ~~بأن يستعملوا مع أعدائهم كل الوسائل المشروعة لإرهابهم ثم أمرتهم فى ~~الوقت نفسه بإخلاء سبيلهم متى تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة.. وبعد ~~أن بين - سبحانه - حكم المصرين على الشرك وهو قتالهم وأخذهم، وحكم ~~الراجعين عنه وهو إخلاء سبيلهم. بعد ذلك بين - سبحانه - حكم المشركين ~~الذين يطلبون الأمان لمعرفة شرائع الإسلام فقال - تعالى - { وإن ~~أحد من المشركين... }. ### || [9.6] # وقوله استجارك، أى، طلب جوارك وحمايتك من الاعتداء عليه، وقد كان من ~~الأخلاق الحميدة المتعارف عليها حماية الجار والدفاع عنه، حتى سمى النصير ~~جارا، وعلى هذا المعنى جاء قوله. تعالى # وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب ~~لكم اليوم من الناس وإني جار لكم # أى نصير لكم. و { إن } شرطية و { أحد } مرفوع بفعل مضمر يفسره ~~الفعل الظاهر وهو { استجارك } والمعنى وإن استأمنك - يا محمد - أحد ~~من المشركين، وطلب جوارك وحمايتك بعد انقضاء مدة الأمان المحددة له، { ~~فأجره } أى فأمنه وأجبه إلى طلبه، { حتى يسمع كلام ~~الله } أى لكى يسمع كلام الله ويتدبره ويطلع على حقيقة ما تدعو إليه ~~من تعاليم مقنعة للعقول السليمة بأن الشرك ظلم عظيم.. واقتصر على ذكر ~~السماع لعدم الحاجة إلى شئ آخر فى الفهم، لأنهم من أهل الفصاحة والبلاغة، ~~وقد كان سماع بعضهم لشئ من كلام الله سببا فى هدايته. وقوله { ثم ~~أبلغه مأمنه } بيان لما يجب على المسلمين نحو هذا المشرك ~~المستجير إذا ما استمع إلى كلام الله ثم بقى على شركه. أى عليك - يا محمد ~~- أن تجيره حتى يسمع كلام الله ويتدبره ولا يبقى له عذر فى الاصرار على ~~شركه، فإن آمن بعد سماعه صار من أتباعك، وإن بقى على شركه وأراد الرجوع ~~إلى جماعته، فعليك أن تحافظ عليه حتى يصل إلى مكان أمنه واستقراره، وهو ~~ديار قومه ثم بعد ذلك يصبح حكمه كحكم المصرين على الشرك، ويعامل بما ~~يعاملون به. ms2292 واسم الإشارة فى قوله { ذلك بأنهم قوم لا ~~يعلمون } يعود إلى الأمر بالإجارة وإبلاغ المأمن. أى ذلك الذى ~~أمرناك به من إجارة المستجير من المشركين وإبلاغه مأمنه إذا لم يسلم، ~~بسبب أنهم قوم لا يعلمون الإسلام ولا حقيقة ما تدعوهم إليه أى قوم ~~يحتاجون إلى فترة من الوقت يسمعون كلام الله فيها وهم آمنون، وبهذا ~~السماع منك ومن أصحابك لا يبقى لهم عذر أصلا فى استمرارهم على الباطل. عن ~~سعيد بن جبير قال جاء رجل من المشركين إلى على بن أبى طالب فقال إن أراد ~~الرجل منا أن يأتى إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - بعد انقضاء هذا الأجل ~~لسماع كلام الله أولحاجة قتل؟ فقال له على لا، لأن الله يقول { وإن ~~أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع ~~كلام الله } الآية. هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء ~~من الآية ما يأتى 1- أن المستأمن لا يؤذى، بل يجب على المسلمين حمايته فى ~~نفسه وماله وعرضه ما دام فى دار الإسلام، وقد حذر الإسلام أتباعه من ~~الغدر أشد تحذير، ومن ذلك ما رواه البخارى والنسائى عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال # " من أمن رجلا على دمه فقتله فأنا برئ من القاتل وإن كان المقتول كافرا ~~". # وروى الشيخان وأحمد عن أنس قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة ". # 2- يلحق بالمستجير الطالب لسماع كلام الله من كان طالبا لسماع الأدلة ~~على كون الإسلام حقا، ومن كان طالبا للجواب على الشبهات التى أثارها ~~أعداء الإسلام، لأن هؤلاء وأمثالهم يطرقون باب الفهم والمعرفة ويبحثون ~~عن الحق فعلينا أن نحميهم، وأن نبذل أقصى الجهود فى تعليمهم وإرشادهم ~~وإزالة الشبهات عنهم، لعل الله أن يشرح صدورهم للاسلام بسبب هذا التعليم ~~والإرشاد. قال ابن كثير كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطى ~~الأمان لمن جاءه مسترشدا أو فى رسالة، كما جاءه يوم الحديبية جماعة من ~~الرسل من قريش منهم عروة بن مسعود، ومكرز بن حفص، وسهيل ms2293 بن عمرو وغيرهم ~~واحدا بعد واحد، يترددون فى القضية بينه وبين المشركين، فرأوا من إعظام ~~المسلمين لرسولهم - صلى الله عليه وسلم - ما بهرهم وما لم يشاهدوه عند ~~ملك ولا قيصر، فرجعوا إلى قومهم، وأخبروهم بذلك، وكان ذلك وأمثاله من ~~أكبر أسباب هداية أكثرهم. 3- على الإمام أو من يقوم مقامه أن يعطى ~~المستأمن المهلة التى يراها كافية لفهمه حقائق الاسلام وأن يبلغه مأمنه ~~بعد انقضاء حاجته، وأن لا يمكنه من الإقامة فى دار الاسلام إلا بمقدار ~~قضاء حاجته. قال الامام الرازى ليس فى الآية ما يدل على أن مقدار هذه ~~المهلة كم يكون، ولعله لا يعرف مقدارها إلا بالعرف، فمتى ظهر على المشرك ~~علامات كونه طالبا للحق باحثا عن وجه الاستدلال أمهل وترك ومتى ظهر عليه ~~كونه معرضا عن الحق دافعا للزمان بالأكاذيب لم يلتفت اليه. 4- أخذ ~~العلماء من هذه الآية وجوب التفقه فى الدين، وعدم الاكتفاء بالظنون ~~والتقليد للغير، وقد وضح الإمام الرازى هذا المعنى فقال دلت الآية على ~~أن التقليد غير كاف فى الدين، وأنه لا بد من النظر والاستدلال، وذلك لأنه ~~لو كان التقليد كافيا، لوجب أن لا يمهل هذا الكافر، بل يقال له إما أن ~~تؤمن وإما أن نقتلك. فلما لم يقل له ذلك - بل أمهل وأزيل الخوف عنه ووجب ~~تبليغه مأمنه - علم أن ذلك لأجل عدم كفاية التقليد فى الدين، وأنه لا بد ~~من الحجة والدليل فلذا أمهل ليحل له النظر والاستدلال ". 5- تكلم العلماء ~~عمن له حق إعطاء الأمان للمستأمن فقال القرطبى " ولا خلاف بين كافة ~~العلماء أن أمان السلطان جائز لأنه مقدم النظر والمصلحة. # نائب عن الجميع فى جلب المصالح ودفع المضار. واختلفوا فى أمان غير ~~الخليفة، فالحر يمضى أمانه عند كافة العلماء. وأما العبد فله الأمان فى ~~مشهور مذهب المالكية وبه قال الشافعى وأحمد. وقال أبو حنيفة لا أمان له. ~~والأول اصح لقوله - صلى الله عليه وسلم - # " المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ". # قالوا فلما قال " أدناهم " جاز أمان العبد.. وقال بعض العلماء هذه ms2294 الآية ~~كانت أصلا عند الفقهاء فى إباحة تأمين المشرك، وقد توسع الإسلام فى باب ~~الأمان فقرر به عصمة المستأمن، وأوجب على المسلمين حمايته ما دام فى دار ~~الإسلام، وجعل للمسلمين حق إعطاء ذلك الأمان، ولم يشترط فى ذلك إلا ما ~~يضمن على المسلمين سلامتهم، بأن لا تظهر على المستأمن مظاهر الركون إلى ~~التجسس على المسلمين. ولا ينسى الإسلام - وهو يعطى هذا الحق للافراد - ~~حق الإمام المهيمن على شئون المسلمين، بل جعل له بمقتضى هيمنته العامة، ~~وتقديره لوجوه المصلحة، حق إبطال أى أمان لم يصادف محله، أو لم يستوف ~~شروطه، كما له أن ينتزع ذلك الحق من الأفراد متى رأى المصلحة فى ذلك. ~~والإسلام يبيح بهذا الأمان التبادل التجارى والصناعى والثقافى، وفى سائر ~~الشئون ما لم يتصل شئ منها بضرر الدولة. 6- هذه الآية الكريمة تشهد بسمو ~~تعاليم الاسلام وسماحتها وحرصها على هداية الناس الى الحق، وعلى صيانة ~~دمائهم وأموالهم وأعراضهم من العدوان عليها.. حتى ولو كان هؤلاء الناس من ~~أعداء الإسلام. وقد بسط هذا المعنى بعض العلماء فقال ما ملخصه إن هذه ~~الآية تعنى أن الإسلام حريص على كل قلب بشرى أن يهتدى وأن يثوب، وأن ~~المشركين يطلبون الجوار والأمان فى دار الإسلام يجب أن يعطوا الجوار ~~والأمان ذلك أنه فى هذه الحالة آمن حربهم وتجمعهم وتألبهم عليه، فلا ضير ~~إذن من إعطائهم فرصة سماع القرآن ومعرفة هذا الدين، لعل قلوبهم أن تتفتح ~~وتستجيب وحتى إذا لم تستجب فقد أوجب الله لهم على أهل دار الإسلام أن ~~يحرسوهم بعد إخراجهم حتى يصلوا إلى بدل يأمنون فيه على أنفسهم. ولقد كانت ~~قمة عالية تلك الإجارة والأمان لهم فى دار الاسلام.. ولكن قمة القمم هذه ~~الحراسة للمشرك - عدو الإسلام والمسلمين - حتى يبلغ مأمنه خارج حدود دار ~~السلام. إنه منهج الهداية لا منهج الابادة، حتى وهو يتصدى لتأمين قاعدة ~~الإسلام. إن هذا لدين إعلام لمن لا يعلمون، وإجارة لمن يستجيرون، حتى من ~~أعدائه الذين شهروا عليه السيف وحاربوه وعاندوه.. وبعد أن صرحت السورة ~~الكريمة ms2295 ببراءة الله ورسوله من عهود المشركين الخائنين، وأمرت المؤمنين ~~بإعطائهم مهلة يسيحون فيها فى الأرض، ويتدبرون خلالها أمرهم، ثم بعد ذلك ~~على المؤمنين أن يقتلوهم حيث وجدوهم، وان يستعملوا معهم كل الوسائل ~~المشروعة لإذلالهم، وأن يؤمنوا المشرك الذى يريد أن يسمع كلام الله، وان ~~يحافظوا عليه حتى يصل الى مكان استقراره.. بعد كل ذلك أخذت السورة ~~الكريمة فى بيان الاسباب التى أوجبت البراءة من عهود المشركين، والحكم ~~التى من أجلها أمر الله بقتالهم والتضييق عليهم فقال - تعالى - { كيف ~~يكون للمشركين...لهم لعلهم ينتهون }. ### || [9.7-12] # وقوله - سبحانه - { كيف يكون للمشركين عهد عند ~~الله وعند رسوله } الاستفهام فيه للانكار والاستبعاد لأن يكون ~~للمشركين عهد. وهو إنكار للوقوع لا للواقع. أى تحذير للمؤمنين من أن يقع ~~منهم ذلك فى المستقبل. والمراد بالمشركين أولئك الذين نقضوا عهودهم، لأن ~~البراءة إنما هى فى شأنهم. والعهد ما يتفق شخصان أو طائفتان من الناس على ~~التزامه بينهما، فإن أكداه ووثقاه بما يقتضى زيادة العناية بالوفاء به ~~سمى ميثاقا، لاشتقاقه من الوثاق - بفتح الواو - وهو الحبل أو القيد. وإن ~~أكداه باليمين خاصة سمى يمينا. وسمى بذلك لوضع كل من المتعاقدين يمينه فى ~~يمين الآخر عند عقده. والمعنى لا ينبغى ولا يجوز أن يكون للمشركين عهد ~~عند الله وعند رسوله لأن هؤلاء المشركين لا يدينون لله بالعبودية، ولا ~~لرسوله بالطاعة، ولأنهم قوم دأبهم الخيانة. وعادتهم الغدر، ومن كان كذلك ~~لا يكون له عهد عند الله ولا عند رسوله. قالوا وفى توجيه الإنكار إلى ~~كيفية ثبوت العهد من المبالغة ما ليس فى توجيهه إلى ثبوته، لأن كل موجود ~~يجب أن يكون وجوده على حال من الأحوال، فإذا انتفت جميع أحوال وجوده، فقد ~~انتفى وجوده بالطريق البرهانى. وتكرير كلمة { عند } للايذان بعدم ~~الاعتداد بعهودهم عند كل من الله - تعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم ~~- على حدة. و { يكون } من الكون التام و { كيف } محلها النصب على ~~التشبيه بالحال أو الظرف. أو من الكون الناقص فيكون قوله { عهد } ~~اسمها، وقوله { كيف } خبرها وهو ms2296 واجب التقديم، لأن الاستفهام له صدر ~~الكلام. وقوله { إلا الذين عاهدتم عند المسجد ~~الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم.. } ~~استثناء من المشركين الذين استنكرت الآية أن تكون لهم عهود عند الله وعند ~~رسوله. والمراد بالمشركين الذين استثنوا هنا أولئك الذين سبق الحديث عنهم ~~فى قوله - تعالى - قبل ذلك # إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ~~ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا ~~فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم.. # وهم - كما رجحه ابن جرير والخازن - بنو خزيمه وبنو مدلج وبنو ضمرة من ~~قبائل بنى بكر، وكانوا قد وفوا بعهودهم مع المسلمين. وأعيد ذكر استثنائهم ~~هنا، لتأكيد هذا الحكم وتقريره. والمراد بالمسجد الحرام جميع الحرم، ~~فيكون الكلام على حذف مضاف. أى عند قرب المسجد الحرام. والتعرض لكون ~~المعاهدة عند المسجد الحرام، لزيادة بيان اصحابها، وللإشعار بسبب وجوب ~~الوفاء بها. والمعنى لا ينبغى ولا يصح أن يكون للمشركين عهد عند الله ~~وعند رسوله، لكن الذين عاهدتموهم - أيها المؤمنون - عند المسجد الحرام من ~~المشركين ولم ينقضوا عهودهم { فما استقاموا لكم ~~فاستقيموا لهم }. # أى فاستقيموا لهم مدة استقامتهم لكم، فتكون { ما } مصدرية منصوبة المحل ~~على الظرفية. ويصح أن تكون شرطية وعائدها محذوف فيكون المعنى فأى زمان ~~استقاموا لكم فيه فاستقيموا لهم، إذ لا يجوز أن يكون نقض العهد من جهتكم. ~~وقوله { إن الله يحب المتقين } تذييل قصد به التعليل ~~لوجوب الامتثال، وتبيين أن الوفاء بالعهد إلى مدته مع الموفين بعهدهم من ~~تقوى الله التى يحبها لعباده، ويحبهم بسبب تمسكهم بها. هذا، وقد أخذ ~~العلماء من هذه الآية ان العهد المعتد به فى شريعة الإسلام، هو عهد ~~الأوفياء غير الناكثين، وأن من استقام على عهده عاملناه بمقتضى استقامته، ~~وأن الالتزام بالعهود من تقوى الله التى يحبها لعباده. وقوله - سبحانه - ~~{ كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ~~ولا ذمة... } لاستبعاد ثبات المشركين على العهد، ولاستنكار ان يكون ~~لهم عهد حقيق بالمراعاة، وبيان لما يكون عليه أمرهم عند ظهورهم على ~~المؤمنين. وفائدة هذا التكرار للفظ { كيف } التأكيد والتمهيد لتعداد ms2297 ~~الأسباب التى تدعو المؤمنين إلى مجاهدتهم والإغلاظ عليهم، والحذر منهم. ~~قال الآلوسى وحذف الفعل بعد كيف هنا لكونه معلوما من الآية السابقة، ~~وللإيذان بأن النفس مستحضرة له، مترقبة لورود ما يوجب استنكاره. وقد كثر ~~الحذف للفعل المستفهم عنه مع كيف ويدل عليه بجملة حالية بعده. ومن ذلك ~~قول كعب الغنوى يرثى أخاه أبا المغوار # وخبرتمانى أنما الموت بالقرى فكيف وماتا هضبة وقليب # يريد فكيف مات والحال ما ذكر. والمراد هنا كيف يكون لهم عهد معتد به عند ~~الله وعند رسوله وحالهم أنهم { وإن يظهروا عليكم لا ~~يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة }. وقوله { يظهروا ~~عليكم } يظفروا بكم ويغلبوكم. يقال ظهرت على فلان أى غلبته ومنه ~~قوله - تعالى - # فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ~~ظاهرين # أى غالبين. وقوله { لا يرقبوا فيكم } أى لا يراعوا فى شأنكم. ~~يقال رقب فلان الشئ يرقبه إذا رعاه وحفظه.. ورقيب القوم حارسهم. والإل ~~يطلق على العهد، وعلى القرابة، وعلى الحلف. قال ابن جرير - بعد أن ساق ~~أقوالا فى معنى الإل - وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب أن يقال والإل اسم ~~يشتمل على معان ثلاثة وهى العهد والعقد، والحلف، والقرابة.. ومن الدلالة ~~على أنه يكون بمعنى القرابة قول ابن مقبل # أفسد الناس خلوف خلفوا قطعوا الإل وأعراق الرحم # أى قطعوا القرابة. ومن الدلالة على أنه يكون بمعنى العهد قول القائل # وجدناهم كاذبا إلهم وذو الإل والعهد لا يكذب # وإذا كان الكلمة تشمل هذه المعانى الثلاثة، ولم يكن الله خص من ذلك معنى ~~دون معنى، فالصواب أن يعم ذلك كما عم بها - جل ثناؤه - معانيها الثلاثة.. ~~والذمة كل أمر لزمك بحيث إذا ضيعته لزمك مذمة أو هى ما يتذمم به أى يجتنب ~~فيه الذم. # والمعنى بأية صفة أو بأية كيفية يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله، ~~والحال المعهود منهم أنهم إن يظفروا بكم ويغلبوكم، لا يراعوا فى أمركم لا ~~عهدا ولا حلفا ولا قرابة ولا حقا من الحقوق. وقوله - تعالى - { ~~يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم ~~فاسقون } زيادة بيان للأحوال ms2298 القبيحة الملازمة لهؤلاء المشركين. أى ~~أن هؤلاء المشركين إن غلبوكم - أيها المؤمنون - فعلوا بكم الأفاعيل، ~~وتفتنوا فى إيذائكم من غير أن يقيموا وزنا لما بينكم وبينهم من عهود ~~ومواثيق، وقرابات وصلات.. أما إذا كانت الغلبة لكم فإنهم في هذه الحالة { ~~يرضونكم بأفواههم } أى يعطونكم من ألسنتهم كلاما معسولا ~~إرضاء لكم، وهم فى الوقت نفسه { وتأبى قلوبهم } المملوءة حقدا ~~عليكم وبغضا لكم تصديق ألسنتهم، فهم كما وصفهم - سبحانه - فى آية أخرى # يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم # وتقييد الإرضاء بالأفواه، للإشعار بأن كلامهم مجرد ألفاظ يتفوهون بها من ~~غير أن يكون لها مصداق فى قلوبهم. وقوله { وأكثرهم فاسقون } ~~أى خارجون عن حدود الحق، منفصلون عن كل فضيلة ومكرمة، إذ الفسق هو الخروج ~~والانفصال. يقال فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرتها وفسق فلان إذا خرج عن ~~حدود الشرع. وإنما وصف أكرهم بالفسوق، لأن هؤلاء الاكثرين منهم، هم ~~الناقضون لعهودهم، الخارجون على حدود ربهم، أما الأقلون منهم فهم الذين ~~وفوا بعهودهم، ولم ينقصوا المؤمنين شيئا، ولم يظاهروا عليهم أحدا. وبذلك ~~نرى أن الآية الكريمة قد وصفت هؤلاء المشركين وصفا فى نهاية الذم والقبح، ~~لأنهم إن كانوا أقوياء فجروا واسرفوا فى الإيذاء، نابذين كل عهد وقراءة ~~وعرف.. أما إذا شعروا بالضعف فإنهم يقدمون للمؤمنين الكلام اللين الذى ~~تنطق به ألسنتهم، وتأباه قلوبهم الحاقدة الغادرة. أى أن الغدر ملازم لهم ~~فى حالتى قوتهم وضعفهم، لأنهم فى حالة قوتهم { لا يرقبون في ~~مؤمن إلا ولا ذمة }. وفى حالة ضعفهم يخادعون ويداهنون حتى ~~تحين لهم الفرصة للانقضاض على المؤمنين. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك السبب ~~الأصيل الذى جعل الغدر ديدنهم، والحقد على المؤمنين دأبهم فقال { ~~اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله ~~إنهم سآء ما كانوا يعملون }. والمراد بالاشتراء هنا ~~الاستبدال والاستيعاض. والمراد بآيات الله كل ما جاء به النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - من آيات قرآنية، ومن تعاليم سامية تهدى إلى الخير والفلاح. ~~والمعنى إن السبب الأصيل الذى حمل هؤلاء المشركين على الغدر، وعلى الفجور ms2299 ~~والطغيان عند القوة وعلى المداهنة والمخادعة عند الضعف. هو أنهم استبدلوا ~~بآيات الله المتضمنة لكل خير وفلاح.. ثمنا قليلا. أى عرضا حقيرا من أعراض ~~الدنيا وزخارفها. وليس وصف الثمن بالقلة هنا من الأوصاف المخصصة للنكرات. ~~بل هو من الأوصاف اللازمة للثمن المحصل بالآيات. لأن كل ثمن يؤخذ فى ~~مقابل آيات الله فهو قليل وإن بلغ ما بلغ من أعراض الدنيا وزينتها. # وقوله { فصدوا عن سبيله } بيان لما ترتب على استبدالهم بآيات ~~الله ثمنا قليلا. والصد المنع والحيلولة بين الشيء وغيره، ويستعمل لازما ~~فيقال صد فلان عن الشئ صدودا بمعنى أعرض عنه. ويستعمل متعديا فيقال صده ~~عنه إذا صرفه عن الشئ. وهنا تصح إرادة المعنيين فيكون التقدير أن هؤلاء ~~المشركين قد اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، يترتب على ذلك أن أعرضوا عن ~~طريق الله الواضحة المستقيمة التى جاء بها نبيه محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -، ولم يكتفوا بهذا بل صرفوا غيرهم عنها، ومنعوه من الدخول فيها. ~~وقوله { إنهم سآء ما كانوا يعملون } تذليل قصد به بيان ~~سوء عاقبتهم، وقبح أعمالهم. أى إنهم ساء وقبح عملهم الذى كانوا يعملونه ~~من اشترائهم بآيات الله ثمنا قليلا، ومن صدودهم عن الحق وصدهم لغيرهم ~~عنه.. وسيجازيهم الله على ذلك بما يستحقونه عن عقاب شديد. ثم بين - ~~سبحانه - أن عداوة هؤلاء المشركين ليست خاصة بالمؤمنين الذين يقيمون ~~معهم، وإنما هى عداوة شاملة لكل مؤمن مهما تباعد عنهم فقال - تعالى - { ~~لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم ~~المعتدون }. أى أن هؤلاء المشركين لا يراعون فى أمر مؤمن يقدرون ~~على الفتك به عهدا يحرم الغدر، ولا قرابة تقتضى الود، ولا ذمة توجب ~~الوفاء خشية الذم.. وإنما يبيتون الحقد والغدر والأذى لكل مؤمن، من غير ~~أن يقيموا للعهود أو للفضائل وزنا. وهذه الآية الكريمة أعم من قوله - ~~تعالى - قبل ذلك { كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا ~~فيكم إلا ولا ذمة } لأن هذه بينت أن عدوانهم على المؤمنين ~~مقيد بظهورهم عليهم، أما التى معنا فقد بينت أن عدوانهم ms2300 ليس مقيدا بشئ، ~~فهم متى وجدوا الفرصة اهتبلوها فى الاعتداء على المؤمنين ولأن التى معنا ~~بينت أن عداوتهم قد شملت كل مؤمن مهما كان موضعه. أما الآية السابقة فهى ~~تخاطب المؤمنين الذين كان بينهم وبين المشركين الكثير من الحروب والدماء. ~~وقوله { وأولئك هم المعتدون } تذييل قصد به ذمهم ~~والتحقير فى شأنهم. أى وأولئك المشركون الموصوفون بتلك الصفات السيئة هم ~~المتجاوزون لحدود الله والخارجون على كل فضيلة ومكرمة. وبعد أن وضحت ~~السورة الكريمة طبيعة هؤلاء المشركين بالنسبة لكل مؤمن، وبينت الاسباب ~~التى جعلتهم بمعزل عن الحق والخير.. شرعت فى بيان ما يجب أن يفعله ~~المؤمنون معهم فى حالتى إيمانهم وكفرهم فقال تعالى. { فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في ~~الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون وإن نكثوا ~~أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم ~~فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم ~~لعلهم ينتهون }. أى فان تابوا عن شركهم وما يتبعه من رذائل ~~ومنكرات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، على الوجه الذى أمر الله به فهم فى ~~هذه الحالة { فإخوانكم في الدين } لهم ما لكم وعليهم ما عليكم ~~وهذه الأخوة تجب ما قبلها من عداوات. # وقوله { ونفصل الآيات لقوم يعلمون } جملة معترضة، جئ ~~بها للحث والتحري على ما فصله - سبحانه - من أحكام المشركين، وعلى ~~الالتزام بها. هذا ما يجب على المؤمنين نحو هؤلاء المشركين إن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة.. أما إن كانت الآخرى، أى إذا لم يتوبوا ~~واصروا على عداوتهم، فقد بين سبحانه. ما يجب على المؤمنين نحوهم فى هذه ~~الحالة فقال { وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم }. ~~أى وإن نقضوا عهودهم من بعد أن تعاقدوا معكم على الوفاء بها. وقوله { ~~نكثوا } من النكث بمعنى النقض والحل. يقال نكث فلان الحبل إذا نقض ~~فتله وحل خيوطه ومنه قوله - تعالى - # ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة ~~أنكاثا # وقوله { وطعنوا في دينكم } معطوف على ما قبله. أى وعابوه ~~وانتقضوه. وقوله { فقاتلوا أئمة الكفر } أى فقاتلوهم فهم ~~أئمة الكفر، وحملة لوائه. فوضع - سبحانه ms2301 - الاسم الظاهر المبين لشر ~~صفاتهم موضع الضمير على سبيل الذم لهم. وقيل المراد بأئمة الكفر رؤساؤهم ~~وصناديدهم الذين كانوا يحرضونهم على عداوة المؤمنين، ويقودونهم لقتال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه. وعطف. سبحانه - قوله { ~~وطعنوا في دينكم } على ما قبله مع أن نقض العهد كاف فى إباحة ~~قتالهم، لزيادة تحريض المؤمنين على مجاهدتهم والاغلاظ عليهم. وقوله { ~~إنهم لا أيمان لهم } تعليل للأمر بقتالهم أى قاتلوا هؤلاء ~~المشركين بعزيمة صادقة، وقلوب ثابتة، لأنهم قوم لا أيمان ولا عهود لهم ~~على الحقيقة، لأنهم لما لم يفوا بها صارت أيمانهم كأنها ليست بأيمان. ~~وقرأ ابن عامر { إنهم لا أيمان لهم } - يكسر الهمزة. على ~~أنها مصدر آمنه إيمانا بمعنى إعطاء الأمان. أى أنهم لا أمان لهم فاحذروا ~~الاغترار بهم. أو المراد الإيمان الشرعى. أى إنهم لا تصديق ولا دين لهم، ~~ومن كان كذلك فلا وفاء له. وقوله { لعلهم ينتهون } متعلق بقوله ~~{ فقاتلوا أئمة الكفر }. أى ليكن مقصدكم من مقاتلتهم - ~~بعد أن وجد منهم ما وجد من إيذائكم الرجاء فى هدايتهم، والانتهاء عن ~~كفرهم وخيانتهم.. واحذروا أن يكون مقصدكم من ذلك العدوان واتباع الهوى. ~~هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات سوى ما سبق - ~~ما يأتى 1- أن ما ذكرته الآيات من كون المشركين، لا يرقبون فى مؤمن إلا ~~ولا ذمة، يقرر حقيقة واقعة، ومن الأدلة على ذلك ما فعله التتار بالمسلمين ~~- وخاصة مسلمى بغداد. سنة 656. وما فعله الوثنيون الهنود مع مسلمى ~~باكستان، وما فعله الشيوعيون. ### || [9.13-15] # قال الآلوسى قوله تعالى { ألا تقاتلون قوما... } تحريض على ~~القتال بأبلغ وجه -، لأن الاستفهام فيه للإنكار، والاستفهام الإنكارى ~~فى معنى النفى، وقد دخل هنا على نفى، ونفى النفى إثبات. وحيث كان الترك ~~منكرا أفاد بطريق برهانى أن إيجاده أمر مطلوب مرغوب فيه، فيفيد الحث ~~والتحريض عليهم. بأقوى الأدلة، وأسمى الأساليب. وقد ذكر - سبحانه - هنا ~~ثلاثة أسباب كل واحد منها يحمل المؤمنين على قتال المشركين بغلظة وشجاعة. ~~أما السبب الأول فهو قوله تعالى { نكثوا أيمانهم } أى نقضوا ms2302 ~~عهودهم وحنثوا فى أيمانهم التى حلفوها لتأكيد هذه العهود. ومن مظاهر ذلك ~~أن هؤلاء المشركين الذين تعاهدوا معكم فى صلح الحديبية على ترك القتال ~~عشر سنين. قد نقضوا عهودهم بمساعدة حلفائهم بنى بكر على قتال حلفائكم بنى ~~خزاعة عند أول فرصة سنحت لهم. والسبب الثانى قوله. سبحانه. { وهموا ~~بإخراج الرسول } والهم المقاربة من الفعل من غير دخول فيه. أى ~~وهموا بإخراج الرسول - صلى الله عليه وسلم - من مكة التى ولد فيها وعاش ~~بها زمنا طويلا.. لكنهم لم يستطيعوا ذلك، بل خرج باختيار. وبإذن الله له ~~فى الهجرة. وقد فصل سبحانه. ما هموا به فى قوله # وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو ~~يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله ~~والله خير الماكرين # وإنما اقتصر، سبحانه، فى الآية التى معنا على همهم بإخراجه. صلى الله ~~عليه وسلم. من مكة، مع أن آية الأنفال قد بينت أنهم قد هموا بأحد أمور ~~ثلاثة - لأن الإخراج هو الذى وقع أثره فى الخارج بحسب الظاهر، أما القتل ~~والحبس فلم يكن لهما أثر فى الخارج. وقيل إنه سبحانه. قد اقتصر على ~~الأدنى وهو الهم بالإخراج، ليعلم غيره بالطريق الأولى، إذ الإخراج أهون ~~من القتل والحبس. وأما السبب الثالث فهو قوله. سبحانه. { وهم ~~بدءوكم أول مرة } أى وهم الذين كانوا بادئين بقتالكم فى أول ~~لقاء بينكم وبينهم وهو يوم بدر، كما كانوا بادئين بالعدوان عليكم فى كل ~~قتال بعد ذلك، كما حدث منهم فى أحد والخندق وكما حدث منهم مع حلفائكم من ~~بنى خزاعة. قال صاحب الكشاف قوله { وهم بدءوكم أول مرة } ~~أى وهم الذين كانت منهم البداءة بالمقاتلة، لأن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - جاءهم أولا بالكتاب المنير، وتحداهم به، فعدلوا عن المعارضة ~~لعجزهم عنها إلى القتال. فهم البادئون بالقتال والبادئ أظلم، فما يمنعكم ~~من أن تقابلوهم بمثله، وأن تصدموهم بالشر كما صدموكم؟ فأنت ترى أن هذه ~~الآية الكريمة قد ذكرت ثلاثة أمور كل واحد منها كفيل بحمل المؤمنين على ~~قتال المشركين.. فكيف وقد توفرت هذه ms2303 الأمور الثلاثة فى هؤلاء المشركين؟. # ولم تكتف الآية الكريمة بهذا التهييج والتحريض للمؤمنين على القتال، بل ~~أمرتهم بأن تكون خشيتهم من الله وحده، فقال سبحانه { أتخشونهم ~~فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين }. أى ~~أتتركون - أيها المؤمنون - قتال هؤلاء المشركين الذين { نكثوا ~~أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم ~~أول مرة } خشية منهم..؟ لا، إن هذا لا يليق بكم، وإنما الذى يليق ~~بكم - إن كنتم مؤمنين حقا - أن تكون خشيتكم من الله وحده. قال الإمام ~~الرازى وهذا الكلام يقوى داعية القتال من وجوه الأول أن تعديد الموجبات ~~القوية وتفصيلها مما يقوى هذه الداعية. الثانى أنك إذا قلت للرجل أتخشى ~~خصمك؟ كان ذلك تحريكا لأن يستنكف أن ينسب إلى كونه خائفا من خصمه. الثالث ~~أن قوله { فالله أحق أن تخشوه } يفيد ذلك كأنه قيل إن كنت ~~تخشى أحدا فالله أحق أن تخشاه، لكونه فى غاية القدرة والكبرياء ~~والجلالة.. الرابع أن قوله { إن كنتم مؤمنين } معناه إن كنتم ~~مؤمنين إيمانا حقا، وجب عليكم أن تقدموا على هذه المقاتلة ومعناه أنكم ~~إذا لم تقدموا لا تكونوا كذلك، فثبت أن هذا الكلام مشتمل على سبعة أنواع ~~من الأمور التى تحملهم على مقاتلة أولئك الكفار الناقضين للعهد. ثم أمرهم ~~- سبحانه - أمرا صريحا قاطعا بمقاتلة المشركين. ورتب على هذه المقاتلة ~~خمسة أنواع من الفوائد فقال { قاتلوهم يعذبهم الله ~~بأيديكم }. أى أقدموا على قتالهم وباشروه بشجاعة وإخلاص كما أمركم ~~ربكم، فإنكم متى فعلتم ذلك { يعذبهم الله بأيديكم } بسبب ~~ما تنزلونه بهم من قتل وأسر وجراحات بليغة، وإغتنام للأموال. وأسند - ~~سبحانه - التعذيب إليه، لأنه أمر زائد على أسبابه من الطعن والضرب وما ~~يفضيان إليه من القتل والجرح.. والأسر. تلك هى الفائدة الأولى من قتالهم. ~~أما الفائدتان الثانية والثالثة فتتجليان فى قوله. تعالى. { ويخزهم ~~وينصركم عليهم }. أى ويخزهم بسبب ما ينزل بهم من هزيمة وهوان ~~وهم يتفاخرون بقواتهم وبأسهم، وينصركم عليهم بأن يجعل كلمتكم هى العليا ~~وكلمتهم هى السفلى. قال الإمام الرازى فإن قالوا لما كان حصول ذلك الخزى ~~مستلزما ms2304 لحصول هذا النصر، كان إفراده بالذكر عبثا؟ فتقول ليس الأمر ~~كذلك، لأنه من المحتمل أن يحصل الخزى لهم من جهة المؤمنين، إلا أن ~~المؤمنين قد تحصل لهم آفة لسبب آخر، فلما قال { وينصركم ~~عليهم } دل على أنهم ينتفعون بهذا النصر والفتح والظفر ". والفائدة ~~الرابعة بينها - سبحانه - فى قوله { ويشف صدور قوم ~~مؤمنين }. أى أنكم بقتالكم لهم وانتصاركم عليهم، تشفون قلوب جماعة ~~من المؤمنين من غيظها المكظوم، لأن هذه الجماعة قد لقيت ما لقيت من أذى ~~المشركين وظلمهم وغدرهم.. فكان انتصاركم عليهم شفاء لصدورهم. قالوا ~~المراد بهؤلاء القوم بنو خزاعة الذين غدر بهم بنو بكر بمساعدة قريش. # والأولى أن تكون الجملة الكريمة عامة فى كل من آذاهم المشركون. أما ~~الفائدة الخامسة فقد بينها - سبحانه -. فى قوله { ويذهب غيظ ~~قلوبهم } أى ويذهب غيظ قلوب هؤلاء القوم المؤمنين ويزيل كربها ~~وغمها، لأن الشخص الذى طال أذى خصمه له. ثم مكنه منه على أحسن الوجوه فإن ~~هذا الشخص فى هذه الحالة يعظم سروره، ويفرح قلبه، ويتحول غيظه السابق إلى ~~غبطة وارتياح نفسى. قال الآلوسى " وظاهر العطف أن إذهاب الغيظ غير شفاء ~~الصدور. ووجه بأن الشفاء يكون بقتل الأعداء وخزيهم، وإذهاب الغيظ يكون ~~بالنصر عليهم.. وقيل إذهاب الغيظ كالتأكيد لشفاء الصدر، وفائدته المبالغة ~~فى جعلهم مسرورين بما يمن الله به عليهم من تعذيبه لأعدائهم، ونصرته لهم ~~عليهم، ولعل إذهاب الغيظ من القلب أبلغ مما عطف عليه، فيكون ذكره من باب ~~الترقى.. " وقوله - تعالى - { ويتوب الله على من يشآء ~~والله عليم حكيم } كلام مستأنف لبيان شمول قدرة الله - تعالى ~~-، وواسع رحمته، وبالغ حكمته. أى ويتوب الله على من يشاء أن يتوب عليه من ~~عباده فيوفقه للايمان، ويشرح صدره للاسلام، والله - تعالى - عليم بسائر ~~شئون خلقه، حكيم فى كل أقواله وأفعاله وسائر تصرفاته، فامتثلوا أمره، ~~واجتنبوا نهيه، لتنالوا السعادة فى دنياكم وآخرتكم. قال الإمام الرازى ~~ما ملخصه وهذه الآية تدل على كون الصحابة مؤمنين فى علم الله - تعالى - ~~إيمانا حقيقيا لأنها تدل على أن قلوبهم كانت مملوءة ms2305 بالغضب وبالحمية من ~~أجل الدين، ومن أجل الرغبة الشديدة فى علو دين الإسلام، وهذه الأحوال لا ~~تحصل إلا فى قلوب المؤمنين الصادقين. كما تدل على أنها من المعجزات، لأنه ~~- تعالى - أخبر عن حصول هذه الأحوال، وقد وقعت كما أخبر فقد انتصر ~~المؤمنون، وأسلم من المشركين أناس كثيرون - فيكون ذلك إخبارا عن الغيب، ~~والإخبار عن الغيب معجزة. ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة التى ~~حرضت المؤمنين على القتال أعظم تحريض، ببيان بعض الحكم التى من أجلها شرع ~~الجهاد فى سبيل الله، فقال - تعالى - { أم حسبتم أن ~~تتركوا... }. ### || [9.16] # و " أم " هنا للاستفهام الانكارى. وحسب - كما يقول الراغب - مصدره ~~الحسبان وهو أن يحكم الشخص لأحد النقيضين من غير أن يخطر الآخر بباله، ~~فيحسبه ويعقد عليه الأصابع، ويكون بعرض أن يعتريه فيه شك. ويقارب ذلك ~~الظن، لكن الظن أن يخطر النقيضان بباله فيغلب أحدهما على الآخر. والواو ~~فى قوله { ولما يعلم الله } حالية، و { لما } للنفى مع ~~توقع الحصول، ونفى العلم هنا مجاز عن نفى التبيين والاظهار والتمييز. ~~وقوله { وليجة } أى، بطانة ومداخلة. من الولوج فى الشئ أى الدخول ~~فيه. يقال ولج يلج ولوجا إذا دخل. وكل شئ أدخلته فى شئ ولم يكن منه فهو ~~وليجة. والمراد بالوليجة هنا البطانة من المشركين الذين يطلعون على ~~أسرارهم المؤمنين ويداخلونهم فى أمورهم. قال ابن جرير قوله { وليجة } ~~هو الشئ يدخل فى غيره. يقال منه ولج فلان فى كذا يلجه فهو وليجة. وإنما ~~عنى بها فى هذا الموضع البطانة من المشركين، نهى الله المؤمنين أن يتخذوا ~~من عدوهم من المشركين أولياء يفشون إليهم أسرارهم. والمعنى أحسبتم - أيها ~~المؤمنون - أن تتركوا دون أن تؤمروا بقتال المشركين، والحال أن الله - ~~تعالى - لم يظهر الذين جاهدوا منكم بإخلاص ولم يتخذوا بطانة من ~~أعدائاكم.. ممن جاهدوا منكم بدون إخلاص؟ لا. أيها المؤمنون، إن كنتم ~~حسبتم ذلك فهو حسبان باطل، لأن سنة الله قد اقتضت أن يميز المخلص فى ~~جهاده من غيره، وأن يجعل من حكم مشروعية الجهاد والامتحان والتمحيص. قال ms2306 ~~ابن كثير والحاصل أنه - تعالى - لما شرع الجهاد لعباده، بين أن له فيه ~~حكمة وهو اختبار عبيده من يطيعه ممن يعصيه، وهو - تعالى - العالم بما كان ~~وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فيعلم الشئ قبل كونه مع كونه ~~على ما هو عليه، لا إله إلا هو ولا رب سواه، ولا راد لما قدره وأمضاه. ~~وقوله تعالى. { والله خبير بما تعملون } بيان لشمول علمه - ~~سبحانه لجميع شئون خلقه. أى والله - تعالى - خبير بجميع أعمالكم، مطلع ~~على نياتكم، فأخلصوا له العمل والطاعة، لتنالوا ثوابه ورضاه وعونه. وبذلك ~~نرى السورة الكريمة من أولها إلى هنا قد أعلنت براءة الله ورسوله من عهود ~~المشركين، وأعطتهم مهلة يتدبرون خلالها أمرهم، وأمرت المؤمنين بعد هذه ~~المهلة - أن يقتلوا المشركين حيث وجدوهم... ثم ساقت الأسباب التى تدعو ~~إلى مجاهدتهم، والفوائد التى تترتب على هذه المجاهدة، والحكم التى من ~~أجلها شرعت هذه المجاهدة. ثم أخذت السورة بعد ذلك فى إعلان حكم آخر يتعلق ~~بتعمير مساجد الله، فبينت أنه يحرم على المشركين أن يعمروا مساجد الله، ~~وأن المستحقين لذلك هم المؤمنين الصادقون، فقال - تعالى - { ما كان ~~للمشركين...من المهتدين }. ### || [9.17-18] # قال الجمل وسبب نزول هذه الآية أن جماعة من رؤساء قريش أسروا يوم بدر، ~~منهم العباس بن عبد المطلب، فأقبل عليهم نفر من أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يعيرونهم بالشرك. وجعل على بن أبى طالب يوبخ العباس بسب ~~قتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقطيعة الرحم. فقال العباس ما لكم ~~تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا؟ فقيل له وهل لكم محاسن؟ قال نعم. ونحن ~~أفضل منكم. إنا لنعمر المسجد الحرام. ونحجب الكعبة - أى نخدمها -، ونسقى ~~الحجيج، ونفك العانى - أى الأسير - فنزلت هذه الأية. وقال صاحب المنار ~~والمراد أن هذه الآية تتضمن الرد على ذلك القول الذى كان يقوله ويفخر به ~~العباس وغيره من كبراء المشركين، لا أنها نزلت عندما قال ذلك القول لأجل ~~الرد عليه فى أيام بدر من السنة الثانية من الهجرة، بل نزلت ms2307 فى ضمن ~~السورة بعد الرجوع من غزوة تبوك كما تقدم. وقوله { يعمروا } من ~~العمارة التى هى نقيض الخراب. يقال عمر فلان أرضه يعمرها عمارة إذا ~~تعهدها بالخدمة والاصلاح والزراعة. والمراد بعمارة المساجد، هنا ما يشمل ~~إقامة العبادة فيها، وإصلاح بنائها وخدمتها، ونظافتها، واحترامها، ~~وصيانتها عن كل مالا يتناسب مع الغرض الذى بنيت من أجله. وقوله { ~~مساجد الله } قرأ أبو عمر وابن كثير { مسجد الله } بالإفراد، فيكون ~~المراد به المسجد الحرام لأنه أشرف المساجد فى الأرض، ولأنه قلبه المساجد ~~كلها.. فلا يجوز للمشركين دخوله أو الخدمة فيه. وقرأ الجمهور { مساجد ~~الله } بالجمع، فيكون المراد من المساجد جميعها لأنها جمع مضاف فى سياق ~~النفى فيعم سائر المساجد، ويدخل فيها المسجد الحرام دخولا أوليا، لأن ~~تعميره مناط افتخارهم، وأهم مقاصدهم. وهذه القراءة آكد فى النفى، لأن نفى ~~الجمع يدل على النفى عن كل فرد، فيلزم نفيه عن الفرد المعين بطريق ~~الكناية، كما لو قلت فلان لا يقرأ كتب الله، فإن قولك هذا أنفى لقراءته ~~القرآن من تصريحك بذلك. قوله { شاهدين على أنفسهم ~~بالكفر } حال من الواو فى قوله { يعمروا }. وفائدة المجئ بهذه ~~الجملة الأشعار بأن كفرهم كفر صريح، وأنهم يعترفون به اعترافا لا يملكون ~~إنكاره، ولا يسعهم إلا إقراره. والمعنى لا ينبغى ولا يصح للمشركين أن ~~يعمروا مساجد الله التى بنيت لعبادته وحده - سبحانه. وذلك لأن هؤلاء ~~المشركين قد شهدوا على أنفسهم بالكفر شهادة نطقت بها السنتهم، وأيدتها ~~أعمالهم. فهم لا ينطقون بكلمة التوحيد، وإنما ينطقون بالكفر والاشراك. ~~وهم لا يعملون أعمال المؤمنين، وإنما يعملون الأعمال القبيحة التى تدل ~~على إصرارهم على باطلهم كسجودهم للأصنام عقب الطواف بالكعبة. قال الفخر ~~الرازى وذكروا فى تفسير هذه الشهادة وجوها الأول - وهو الأصح أنهم أقروا ~~على أنفسهم بعبادة الأوثان، وتكذيب القرآن، وإنكار نبوة محمد - عليه ~~الصلاة والسلام - وكل ذلك كفر فمن يشهد على نفسه بكل هذه الأشياء فقد شهد ~~على نفسه بما هو كفر فى نفس الأمر، وليس المراد أنهم شهدوا على أنفسهم ~~بأنهم كفرة. # الثانى. ms2308 قال السدى شهادتهم على أنفسهم بالكفر هو أن يقول عابد الوثن أنا ~~عابد الوثن. الثالث أنهم كانوا يطوفون عراة وكلما طافوا شوطا سجدوا ~~للأصنام، وكانوا يقولون لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك. ~~ثم بين - سبحانه - فى ختام الآية سوء عاقبتهم فقال { أولئك حبطت ~~أعمالهم وفي النار هم خالدون } أى أولئك المشركون ~~الشاهدون على أنفسهم بالكفر قد فسدت أعمالهم التى كانوا يفتخرون بها مثل ~~العمارة والحجابة والسقاية لأنها مع الكفر لا قيمة لها، { وفي النار ~~هم خالدون } يوم القيامة بسبب كفرهم وإصرارهم على باطلهم. ثم بين. ~~سبحانه. أن المؤمنين الصادقين هم الجديرون بعمارة مساجد الله، فقال { ~~إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم ~~الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا ~~الله }. أى ليس المشركون أهلا لعمارة مساجد الله وإنما الذين هم أهل ~~لذلك المؤمنون الصادقون الذين آمنوا بالله إيمانا حقا، وآمنوا باليوم ~~الآخر وما فيه من ثواب وعقاب، وآمنوا بما فرضه الله عليهم من فرائض ~~فأدوها بالكيفية التى أرشدهم إليها نبيهم - صلى الله عليه وسلم - فهم فى ~~صلاتهم خاشعون وللزكاة معطون بسخاء وإخلاص. وهم بجانب ذلك لا يخشون أحدا ~~إلا الله فى تبليغ ما كلفوا بتبليغه من أمور الدين ولا يقصرون فى العمل ~~بموجب أوامر الله ونواهيه. قال صاحب الكشاف فإن قلت هلا ذكر الإيمان ~~برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلت لما علم وشهر أن الإيمان بالله ~~قرينته الإيمان بالرسول. عليه الصلاة والسلام. لاشتمال كلمة الشهادة ~~والأذان والإقامة وغيرها عليهما مقترنين كأنهما شئ واحد.. انطوى تحت ذكر ~~الإيمان بالله. تعالى. الإيمان بالرسول - صلى الله عليه وسلم - فإن قلت ~~كيف قال { ولم يخش إلا الله } والمؤمن يخشى المحاذير ولا ~~يتمالك أن لا يخشاها. قلت هي الخشية والتقوى فى أبواب الدين، وأن لا ~~يختار على رضا الله رضا غيره لتوقع مخوف وإذا اعترض أمران أحدهما حق الله ~~والآخر حق نفسه، آثر حق الله على حق نفسه. وقوله - تعالى - { فعسى ~~أولئك أن يكونوا من المهتدين } تذييل ms2309 قصد به حسن ~~عاقبة المؤمنين الصادقين. أى فسعى أولئك المتصفون بتلك الصفات الجليلة من ~~الإيمان بالله واليوم الآخر.. أن يكونوا من المهتدين إلى الجنة وما أعد ~~فيها من خير عميم، ورزق كبير. قال الآلوسى وإبراز اهتدائهم لذلك - مع ما ~~بهم من تلك الصفات الجليلة - فى معرض التوقع، لحسم أطماع الكافرين عن ~~الوصول إلى مواقف الاهتداء لأن هؤلاء المؤمنين. ### || [9.19-22] # ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها ما رواه مسلم وأبو ~~داود وابن جرير وابن المنذر عن النعمان بن بشير قال كنت عند منبر النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - فى نفر من أصحابه فقال رجل ما أبالى أن لا أعمل ~~عملا بعد الإسلام إلا أن أسقى الحاج. وقال آخر بل عمارة المسجد الحرام ~~وقال آخر بل الجهاد فى سبيل الله خير مما قلتم، فزجرهم عمر وقال لا ~~ترفعوا أصواتكم عند منبر النبى - صلى الله عليه وسلم - وذلك يوم الجمعة ~~ولكن إذا صليتم الجمعة دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. فأنزل الله. تعالى { أجعلتم سقاية ~~الحاج.... } الآية. وأخرج ابن جرير عن عبيد بن سليمان قال سمعت ~~الضحاك يقول فى قوله { أجعلتم سقاية الحاج.. } أقبل ~~المسلمون على العباس وأصحابه الذين أسروا يوم بدر يعيرونهم بالشرك. فقال ~~العباس أما والله لقد كنا نعمر المسجد الحرام. ونفك العانى، ونحجب البيت، ~~ونسقى الحاج فأنزل الله. تعالى. { أجعلتم سقاية الحاج.. }. ~~وقال صاحب المنار، بعد أن ساق عددا من الروايات فى سبب نزول هذه الآيات. ~~والمعتمد فى هذه الروايات حديث النعمان لصحة سنده، وموافقة متنه لما دلت ~~عليه الآيات من كون موضوعها فى المفاضلة أو المساواة بين خدمة البيت ~~وحجابه. من أعمال البر الهينة المستلذة. وبين الإيمان والجهاد بالمال ~~والنفس والهجرة وهى أشق العبادات البدنية والمالية. والسقاية والعمارة ~~مصدران من سقى وعمر. بتخفيف الميم. والمراد بسقاية الحاج ما كانت قريش ~~تسقيه للحجاج من الزبيب المنبوذ فى الماء، وكان العباس. رضى الله عنه. هو ~~الذى يتولى إدارة هذا العمل. قال الجمل ms2310 السقاية هى المحل الذى يتخذ فيه ~~الشراب فى الموسم. كان يشترى الزبيب فينبذ فى ماء زمزم ويسقى للناس، وكان ~~يليها العباس جاهلية وإسلاما، وأقرها النبى - صلى الله عليه وسلم - له.. ~~ويظهر أن المراد بها هنا المصدر. أى إسقاء الحجاج وإعطاء الماء لهم. ~~والمراد بعمارة المسجد الحرام ما يشمل العبادة فيه، وإصلاح بنائه، ~~وخدمته، وتنظيفه... كما سبق أن بينا. والهمزة فى قوله. { أجعلتم } ~~للاستفهام الإنكارى المتضمن معنى النهى. والكلام على حذف مضاف، لأن ~~العمارة والسقاية مصدران ولا يتصور تشبيههما بالأعيان، فلا بد من تقدير ~~مضاف فى أحد الجانبين حتى يتأتى التشبيه والمعنى أجعلتم أهل سقاية الحاج ~~وأهل عمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر، وجاهد فى سبيل ~~الله؟ ويؤيده قراءة { أجعلتم سقاية الحاج } بضم السين. جمع ~~ساق. { وعمرة المسجد الحرام } بفتح العين والميم جمع عامر. وعلى هذا ~~المعنى يكون التقدير فى جانب الصفة، ويجوز أن يكون التقدير فى جانب الذات ~~فيكون المعنى. # أجعلتموهما، أى السقاية والعمارة. كإيمان من آمن وجهاد من جاهد؟ والخطاب ~~يشمل بعض المؤمنين الذين آثروا السقاية والعمارة على الجهاد كما جاء فى ~~حديث النعمان. كما يشمل المشركين الذين كانوا يتفاخرون بأنهم سقاة ~~الحجيج، وعمار المسجد الحرام. والمقصود من الجملة الكريمة إنكار التسوية ~~بين العملين وبين الفريقين. وقد جاء هذا الانكار صريحا فى قوله تعالى. { ~~لا يستوون عند الله }. أى لا يساوى الفريق الأول الفريق ~~الثانى فى حكم الله، إذ أن الفريق الثانى له بفضل إيمانه الصادق. وجهاده ~~الخالص الأجر الجزيل عند الله. فالجملة الكريمة مستأنفة لتقرير الانكار ~~المذكور وتأكيده ثم ختم - سبحانه. الآية الكريمة بقوله. { والله لا ~~يهدي القوم الظالمين }. أى. والله تعالى. لا يوفق القوم ~~الظالمين إلى معرفة الحق، وتمييزه من الباطل، لأنهم قد آثروا الشر على ~~الخير والضلالة على الهداية. وقوله. { الذين آمنوا وهاجروا ~~وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ~~أعظم درجة عند الله.. }. استئناف لبيان مراتب فضلهم زيادة ~~فى الرد، وتكميلا له. أى { الذين آمنوا } بالله - تعالى - إيمانا ~~حقا، { وهاجروا } من دار الكفر إلى ms2311 دار الإيمان فرارا بدينهم، { ~~وجاهدوا في سبيل الله } لإعلاء كلمة الله { بأموالهم ~~وأنفسهم } هؤلاء الذين توفرت فيهم هذه الصفات الجليلة { أعظم ~~درجة عند الله } أى أعلى مقاما وأشرف منزلة فى حكم الله ~~وتقديره من أهل سقاية الحاج. وعمارة المسجد { الحرام } ومن كل من لم ~~يتصف بهذه الصفات الأربعة الكريمة وهى الايمان، والهجرة، والجهاد بالمال، ~~والجهاد بالنفس. قال الفخر الرازى فان قيل لما أخبرتم أن هذه الصفات كانت ~~بين المسلمين والكافرين. كما جاء فى بعض روايات أسباب النزول. فكيف قال ~~فى وصفهم اعظم درجة مع أنه ليس للكفار درجة. قلنا. الجواب عنه من وجوه. ~~الأول أن هذا ورد على حسب ما كانوا يقدرون لأنفسهم من الدرجة والفضيلة ~~عند الله، ونظيره قوله. سبحانه # ءآلله خير أما يشركون # الثانى أن يكون المراد أن أولئك أعظم درجة من كل من لم يكن موصوفا بهذه ~~الصفات، تنبيها على أنهم لما كانوا أفضل من المؤمنين الذين ما كانوا ~~موصوفين بهذه الصفات، فبأن لا يقاسوا إلى الكفار أولى. الثالث أن يكون ~~المراد أن المؤمن المجاهد المهاجر أفضل ممن على السقاية والعمارة والمراد ~~منه ترجيح تلك الأعمال. ولا شك أن السقاية والعمارة من أعمال الخير. ~~وإنما بطل ثوابها فى حق الكفار بسبب كفرهم. وقوله { وأولئك هم ~~الفائزون } أى وأولئك الموصوفون بتلك الصفات الكريمة، هم الفائزون، ~~بثواب الله الأعظم، وبرضائه الأسمى الذى لا يصل إليه سواهم ممن لم يفعل ~~فعلهم. ثم فصل - سبحانه - هذا الفوز فقال { يبشرهم ربهم ~~برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم ~~مقيم خالدين فيهآ أبدا إن الله عنده أجر ~~عظيم }. # أى يبشرهم ربهم على لسان نبيهم - صلى الله عليه وسلم - فى الدنيا وعلى ~~لسان الملائكة عند الموت { برحمة منه } أى برحمة واسعة منه - ~~سبحانه - وبرضائه التام عنهم، وبجنات عالية لهم فيها نعيم عظيم لا يزول ~~ولا يبيد. { خالدين فيهآ أبدا } أى ماكثين فى تلك الجنات مكثا ~~أبديا. { إن الله عنده أجر عظيم } لا يقادر قدره لهؤلاء ~~الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. ms2312 قال الآلوسى ~~ذكر أبو حيان أنه - تعالى - لما وصف المؤمنين بثلاث صفات الإيمان ~~والهجرة، والجهد بالنفس والمال، قابلهم على ذلك بالتبشير بثلاث الرحمة، ~~والرضوان، والجنة. وبدأ - سبحانه - بالرحمة فى مقابلة الإيمان لتوقفها ~~عليه، ولأنها أعم النعم وأسبقها كما أن الإيمان هو السابق. وثنى - ~~سبحانه - بالرضوان الذى هو نهاية الإحسان فى مقابلة الجهاد الذى هو بذل ~~الأنفس والأموال. وثلث بالجنات فى مقابلة الهجرة وترك الأوطان، إشارة إلى ~~أنهم لما آثروا تركها - فى سبيله أعطاهم بدلها دارا عظيمة دائمة وهى ~~الجنات. وفى الحديث الصحيح يقول الله - سبحانه - # " يا أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون كيف لا نرضى وقد باعدتنا عن نارك ~~وأدخلتنا جنتك؟ فيقول - سبحانه - لكم عندى أفضل من ذلك، فيقولون وما أفضل ~~من ذلك؟ فيقول جل شأنه أحل لكم رضائى فلا أسخط عليكم بعده أبدا ". # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد بينت أنه لا تصح المساواة بين ~~المؤمنين الصادقين الذين هاجروا وجاهدوا فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، ~~وبين غيرهم ممن لم يفعل فعلهم، ولم يجاهد جهادهم.. وبعد أن بين - سبحانه ~~- ما أعده من عطاء عظيم للمؤمنين الصادقين، الذين هاجروا وجاهدوا فى ~~سبيله بأموالهم وأنفسهم... أتبع ذلك بتوجيه نداء إليهم، حثهم فيه على أن ~~يجردوا أنفسهم لعقيدتهم، وأن يقاطعوا أعداءهم فى الدين مهما بلغت درجة ~~قرابتهم منهم، وأن يؤثروا حب الله ورسوله على كل شئ من زينة الحياة ~~الدنيا فقال - تعالى - { يأيها الذين...لا يهدي القوم ~~الفاسقين }. ### || [9.23-24] # والمعنى { يأيها الذين آمنوا } إيمانا حقا { لا ~~تتخذوا آبآءكم وإخوانكم } المشركين { أوليآء } ~~وأصدقاء تفشون إليهم أسراركم، وتطلعونهم على ما لا يجوز إطلاعهم عليه من ~~شئونكم، وتلقون إليهم بالمودة... فإن ذلك يتنافى مع الإيمان الحق، ومع ~~الإخلاص للعقيدة وإيثارها على كل ما سواها من زينة الحياة. والمراد النهى ~~لكل فرد من أفراد المخاطبين عن موالاة أى فرد من أفراد المشركين، لأن ~~الجمع إذا قوبل بالجمع يوزع الفرد على الفرد، كما فى قوله - تعالى - # وما للظالمين من أنصار # قال القرطبى وخص - سبحانه - الآباء والإخوة إذ لا قرابة ms2313 أقرب منها. ~~فنفى الموالاة بينهم ليبين أن القرب قرب الأديان لا قرب الأبدان. ولم ~~يذكر الأبناء فى هذه الآية، إذ الأغلب من البشر أن الأبناء هم التبع ~~للآباء. والإحسان والهبة مستثناه من الولاية. # " قالت أسماء يا رسول الله إن أمى قدمت على راغبة وهى مشركة أفأصلها؟ ~~قال نعم. " صلى أمك ". # وقوله - سبحانه - { إن استحبوا الكفر على الإيمان } ~~قيد فى النهى عن اتخاذهم أولياء. والاستحباب طلب المحبة يقال استحب له ~~بمعنى أحبه كأنه طلب محبته. أى لا تتخذوهم أولياء إن اختاروا الكفر على ~~الإيمان وأصروا على شركهم وباطلهم.. أما إذا أقلعوا عن ذلك ودخلوا فى ~~دينكم، فلا حرج عليكم من اتخاذهم أولياء وأصفياء. وقوله { ومن ~~يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون } تذييل قصد ~~به الوعيد والتهديد لمن يفعل ذلك. أى ومن يتولهم منكم فى حال استحبابهم ~~الكفر على الإيمان. فأولئك الموالون لهم هم الظالمون لأنفسهم، لأنهم ~~وضعوا الموالاة فى غير موضعها، وتجاوزوا حدود الله التى نهاهم عن ~~تجاوزها. وسيجازيهم - سبحانه - على ذلك بما يستحقونه من عقاب. ثم أمر - ~~سبحانه - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يعلن للناس هذه الحقيقة وهى أن ~~محبة الله ورسوله يجب أن تفوق كل محبة لغيرهما فقال - تعالى - { قل } ~~يا محمد لمن اتبعك من المؤمنين { إن كان آباؤكم } الذين أنتم بضعة ~~منهم، { وأبنآؤكم } الذين هم قطعة منكم { وإخوانكم } الذين ~~تربطكم بهم وشيجة الرحم { وأزواجكم } اللائى جعل الله بينكم ~~وبينهن مودة ورحمة { وعشيرتكم } أى أقاربكم الأدنون الذين تربطكم ~~بهم رابطة المعاشرة والعصبة { وأموال اقترفتموها } أى ~~اكتسبتموها فهى عزيزة علكيم. وأصل القرف والاقتراف قشر اللحاء عن الشجر، ~~والجلدة عن الجرح ثم استعير الاقتراف للاكتساب مطلقا { وتجارة ~~تخشون كسادها } أى تخافون بوارها وعدم رواجها بسبب اشتغالكم ~~بغيرها من متطلبات الايمان. يقال كسد الشئ من باب نصر وكرم. كسادا ~~وكسودا. إذا قل رواجه وربحه. { ومساكن ترضونهآ } أى ومنازل ~~تعجبكم الإقامة فيها. قل لهم يا محمد إن كان كل ذلك - من الآباء ~~والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة، والأموال، والتجارة، والمساكن - { ~~أحب إليكم من الله ms2314 ورسوله وجهاد في سبيله ~~فتربصوا حتى يأتي الله بأمره }. # أى إن كانت هذه الأشياء أحسن فى نفوسكم وأقرب إلى قلوبكم من طاعة الله ~~وطاعة رسوله ومن الجهاد فى سبيل إعلاء كلمة الحق، فانتظروا حتى يحكم الله ~~فيكم، وهو العذاب العاجل أو العقاب الآجل. فالجملة الكريمة تهديد وتخويف ~~لمن آثر محبة الأباء والأبناء... على محبة الله ورسوله، وعلى الجهاد من ~~أجل إعلاء كلمة الدين. وقوله { والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين } تذييل قصد به تأكيد التهديد السابق أى والله - تعالى - ~~قد اقتضت حكمته أن لا يوفق القوم الخارجين عن حدود دينه وشريعته إلى ما ~~فيه مثوبته ورضاه. هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هاتين ~~الآيتين ما يأتى 1 تحريم موالاة الكافرين مهما بلغت درجة قرابتهم، ~~واعتبار - هذه الموالاة من الكبائر، لوصف فاعلها بالظلم قال - تعالى - { ~~ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون }. 2 ~~قوة إيمان الصحابة، وسرعة امتثالهم لأوامر الله، فإنهم فى سبيل عقيدتهم ~~قاطعوا أقرب الناس إليهم ممن خالفوهم فى الدين، بل وحاربوهم وقتلوهم. قال ~~ابن كثير روى الحافظ البيهقى من حديث عبد الله بن شوذب قال جعل أبو أبى ~~عبيدة بن الجراح ينعت له الآلهة يوم بدر وجعل أبو عبيدة يحيد عنه. فلما ~~أكثر الجراح، قصده ابنه أبو عبيدة فقتله، فأنزل الله فيه هذه الآية - ~~التى بآخر سورة المجادلة - # لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوآدون من حآد الله ورسوله ولو كانوا ~~آبآءهم أو أبنآءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ~~أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح ~~منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه ~~أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم ~~المفلحون # 3 إن المؤمن لا يتم إيمانه إلا إذا كانت محبته لله ورسوله مقدمة على كل ~~محبوب، وقد وردت عدة أحاديث فى هذه المعنى، # " ومن ذلك ما أخرجه البخارى والإمام أحمد بن أبى عقيل زهرة بن معبد أنه ~~سمع جده عبد الله بن هشام قال كنا مع رسول الله - صلى ms2315 الله عليه وسلم - ~~وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله لأنت أحب إلى من كل شئ إلا ~~من نفسى. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لا يؤمن أحدكم حتى ~~أكون أحب إليه من نفسه " فقال عمر فأنت والله أحب إلى من نفسى. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم " الآن يا عمر ". # 4 فى الآية الثانية دليل على أنه إذا تعارضت مصلحة من مصالح الدين مع ~~مهمات الدنيا، وجب ترجيح جانب الدين على الدنيا ليبقى الدين سليما، وهذا ~~عمل لا يستطيعه إلا الأتقياء. # . ولذا قال الإمام الزمخشرى وهذه آية شديدة لا ترى أشد منها. كأنها ~~تنعى على الناس ما هم عليه من رخاوة عقد الدين واضطراب حبل اليقين. ~~فلينصف أورع الناس وأتقاهم من نفسه، هل يجد عنده من التصلب فى ذات الله ~~والثبات على دينه، ما يستحب له دينه على الآباء والأبناء والإخوان ~~والعشائر والمال والمساكن وجميع حظوظ الدنيا ويتجرد منها لأجله؟ أم يزوى ~~الله عنه أحقر شئ منها لمصلحته، فلا يدرى أى طرفيه أطول؟ ويغويه الشيطان ~~عن أجل حظ من حظوظ الدين، فلا يبالى كأنما وقع على أنفه ذباب فطيره؟ 5 ~~قال بعض العلماء وليس المطلوب. من قوله - تعالى { قل إن كان ~~آباؤكم... } إلخ. أن ينقطع المسلم عن الأهل والعشيرة والزوج والولد ~~والمال والعمل والمتاع واللذة، ولا أن يترهبن ويزهد فى طيبات الحياة.. ~~كلا إنما تريد هذه العقيدة أن يفرغ لها القلب، ويخلص لها الحب، وأن تكون ~~هى المسيطرة الحاكمة، وهى المحركة الدافعة. فإذا تم لها هذا فلا حرج ~~عندئذ أن يستمتع المسلم بكل طيبات الحياة، على أن يكون مستعدا لنبذها ~~كلها فى اللحظة التى تتعارض مع مطالب العقيدة. ومفرق الطريق هو أن تسيطر ~~العقيدة أو يسيطر المتاع، وأن تكون الكلمة الأولى للعقيدة أو لعرض من ~~أعراض هذه الحياة؟ فإذا اطمأن المسلم إلى أن قلبه خالص لعقيدته فلا عليه ~~بعد هذا أن يستمتع بالأنباء والإخوة والعشيرة والزوج.. ولا عليه أن يتخذ ~~الأموال والمتاجر والمساكن. ولا ms2316 عليه أن يستمتع بزينة الله و الطيبات من ~~الرزق. فى غير سرف ولا مخيلة. بل إن المتاع حينئذ لمستحب، باعتباره لونا ~~من ألوان الشكر لله الذى أنعم بها ليتمتع بها عباده. وهم يذكرون أنه ~~الرازق المنعم الوهاب. ثم انتقلت السورة الكريمة من نهى المؤمنين عن ~~موالاة المشركين مهما بلغت درجة قرابتهم، وعن إيثارهم محبة الآباء ~~والأبناء على محبة الله.. انتقلت من ذلك إلى تذكيرهم بجانب من نعم الله ~~عليهم. حيث نصرهم - سبحانه - فى حنين بعد أن ولوا مدبرين دون أن تنفعهم ~~كثرتهم وقوتهم فقال - تعالى - { لقد نصركم الله...غفور ~~رحيم }. ### || [9.25-27] # قال ابن كثير. هذه أول آية نزلت من براءة يذكر - تعالى - المؤمنين فضله ~~عليهم وإحسانه لديهم فى نصره إياهم فى مواطن كثيرة من غزواتهم مع رسوله، ~~وأن ذلك من عنده - تعالى - وبتأييده وتقديره لا بعددهم، ونبههم إلى أن ~~النصر من عنده سواء قل الجمع أم كثر، فإنهم يوم حنين أعجبتهم كثرتهم ومع ~~هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئا فولوا مدبرين إلا القليل منهم... ثم أنزل لله ~~نصره على رسوله والمؤمنين. # " وقد كانت واقعة حنين بعد فتح مكة فى شوال سنة ثمان من الهجرة وذلك أنه ~~لما فرغ - صلى الله عليه وسلم - من فتح مكة، وتمهدت أمورها، وأسلم عامة ~~أهلها، وأطلقهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم بلغه أن هوزان جمعوا له ~~ليقاتلوه، معهم ثقيف بكمالها وبنو سعد بن بكر. فخرج إليهم رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فى جيشه الذى جاء للفتح وهو عشرة آلاف من المهاجرين ~~والأنصار وقبائل العرب، ومعه الذين أسلموا من أهل مكة وهم الطلقاء فى ~~ألفين. فسار بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى العدو، فالتقوا ~~بواد بين مكة والطائف يقال له حنين، فكانت فيه الموقعة فى أول النهار فى ~~غلس الصبح. انحدروا فى الوادي وقد كمنت فيه هوزان، فلما تواجهوا لم يشعر ~~المسلمون إلا بهم قد بادروهم، ورشقوا بالنبال، وأصلتوا السيوف، وحملوا ~~حملة رجل واحد.. فعند ذلك ولى المسلمون الأدبار، وثبت رسول الله - صلى ms2317 ~~الله عليه وسلم - وثبت معه من أصحابه قريب من مائة. ثم أمر - صلى الله ~~عليه وسلم - عمه العباس - وكان جهير الصوت - أن ينادى بأعلى صوته يا ~~أصحاب الشجرة - أى شجرة بيعة الرضوان التى بايعه المسلمون تحتها على أن ~~لا يفروا عنه - فجعل ينادى بهم.. فجعلوا يقولون لبيك لبيك. وانعطف الناس ~~فتراجعوا.. فأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصدقوا الحملة، ~~وأخذ قبضة من تراب ثم رمى بها القوم، فما بقى إنسان منهم إلا أصابه منها ~~فى عينيه وفمه ما شغله عن القتال، ثم انهزموا فاتبع المسلمون أقفاءهم ~~يقتلون ويأسرون، وما تراجع بقية الناس إلا والأسرى مجندلة بين يدى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ". # هذه خلاصة لغزوة حنين التى اجتمع فيها للمسلمين - للمرة الأولى - جيش ~~تعداده اثنا عشر ألفا، فلما أعجبتهم هذه الكثرة والقوة... أصيبوا ~~بالهزيمة فى أو معركة... ليعلموا أن كثرتهم لن تغنى عنهم شيئا إذا لم ~~يكن عون الله معهم. فقوله - تعالى - { لقد نصركم الله في ~~مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ~~فلم تغن عنكم شيئا } تذكير للمؤمنين ببعض نعم الله عليهم حتى ~~يداوموا على طاعته ومحبته. # وحتى لا يغتروا بقوتهم مهما كثرت. والمواطن جمع موطن. وهو المكان الذى ~~يقيم فيه الإنسان. يقال استوطن فلان بمكان كذا، إذا جعله وطنا له. ~~والمراد بالمواطن هنا الأماكن التى حدثت فيها الحروب بين المسلمين ~~وأعدائهم. قال الآلوسى وقوله { ويوم حنين } معطوف على محل مواطن ~~وعطف ظرف الزمان على ظرف المكان وعكسه جائز... وأوجب الزمخشرى كون { ~~يوم } منصوبا بفعل مضمر والعطف من قبيل عطف الجملة على الجملة.. أى " ~~ونصركم يوم حنين ". وقوله { إذ أعجبتكم كثرتكم } بدل من ~~يوم حنين، أو عطف بيان له. وأعجبتكم من الإعجاب بمعنى السرور بما يتعجب ~~منه. وسبب هذا الإعجاب أن عدد المسلمين كان اثنا عشر ألفا، وعدد أعدائهم ~~كان أربعة آلاف. وقوله { فلم تغن عنكم شيئا } بيان للأثر ~~السئ الذى أعقب الإعجاب بالكثرة، وأن سرورهم بهذه الكثرة لم يدم طويلا، ~~بل تبعه الحزن والهزيمة. وقوله ms2318 { تغن } من الغناء بمعنى النفع. تقول ~~ما يغنى عنه هذا الشئ، أى ما يجزئ عنك وما ينفعك. وقوله { وضاقت ~~عليكم الأرض بما رحبت } بيان لشدة خوفهم وفزعهم. قال ~~القرطبى والرحب - بضم الراء - السعة. تقول منه فلان رحب الصدر. والرحب - ~~بالفتح - الواسع. تقول منه بلد رحب وأرض رحبة. وقيل الباء بمعنى مع، أى ~~وضاقت عليكم الأرض مع رحبها، وقيل بمعنى على. أى على رحبها. وقيل المعنى ~~برحبها فتكون " ما " مصدرية. والمعنى اذكروا - أيها المؤمنون - نعم الله ~~عليكم، وحافظوا عليها بالشكر وحسن الطاعة، ومن مظاهر هذه النعم أنه - ~~سبحانه - قد نصركم على أعدائكم مع قلتكم. فى مواقف حروب كثيرة كغزوة بدر، ~~وغزوة بنى قينقاع والنضير.. كما نصركم. أيضا. فى يوم غزوة حنين، وهو ~~اليوم الذى راقتكم فيه كثرتكم فاعتمدتم عليها حتى قال بعضكم لن نغلب ~~اليوم من قلة.. ولكن هذه الكثرة التى أعجبتم بها لم تنفعكم شيئا من ~~النفع فى أمر العدو بل انهزمتم أمامه فى أول الأمر، وضاقت فى وجوهكم ~~الأرض مع رحابتها وسعتها بسبب شدة خوفكم، فكنتم كما قال الشاعر # كأن بلاد الله وهى عريضة عل الخائف المطلوب كفة حابل # وقوله { ثم وليتم مدبرين } تذييل مؤكد لما قبله وهو شدة ~~خوفهم. ووليتم من التولى بمعنى الإعراض. ومدبرين من الإدبار بمعنى ~~الذهاب إلى الخلف. أى ثم وليتم الكفار ظهوركم منهزمين لا تلوون على شئ. ~~وهكذا، نرى الآية الكريمة تصور ما حدث من المؤمنين فى غزوة حنين تصويرا ~~بديعا معجزا.. فهى تنتقل من تصوير سرورهم بالكثرة، إلى تصوير عدم نفعهم ~~بهذه الكثرة، إلى تصوير شدة خوفهم حتى لكأن الأرض على سعتها تضيق بهم، ~~وتقفل فى وجوههم، إلى تصوير حركاتهم الحسية التمثلة فى تولية الأدبار، ~~والنكوص على الأعقاب. # وبعد هذا الخوف الشديد الذى أصاب المؤمنين فى مبدأ لقائهم بأعدائهم فى ~~غزوة حنين، يجئ نصر الله الذى عبر عنه - سبحانه - بقوله { ثم أنزل ~~الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين... }. ~~والسكينة الطمأنينة والرحمة والأمنة وهى فعلية من السكون وهو ثبوت الشئ ~~بعد التحرك. أو من ms2319 السكن وهو كل ما سكنت إليه واطمأنت به من أهل وغيرهم. ~~أى ثم أنزل الله - تعالى - على رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى ~~المؤمنين رحمته التى تسكن إليها القلوب، وتطمئن بها اطمئنانا يستتبع ~~النصر القريب. وقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى حاجة إلى هذه ~~السكينة لأنه مع شجاعته وثباته ووقوفه فى وجه الأعداء كالطود الأشم. ~~أصابه الحزن والأسى لفرار هذا العدد الكبير من أصحابه عنه. وكان المؤمنون ~~الذين ثبتوا من حوله فى حاجة إلى هذه السكينة ليزدادوا ثباتا على ~~ثباتهم، وإيمانا على إيمانهم. وكان الذين فروا فى حاجة إلى السكينة، ~~ليعود إليهم ثباتهم، فيقبلوا على قتال أعدائهم بعد أن دعاهم رسولهم - صلى ~~الله عليه وسلم - إلى ذلك. وقوله { وأنزل جنودا لم تروها } ~~بيان لنعمة أخرى سوى إنزال السكينة. أى وأنزل مع هذه السكينة جنودا من ~~الملائكة لم تروها بأبصاركم، ولكنكم وجدتم آثرها فى قلوبكم، حيث عاد ~~إليكم ثباتكم وإقدامكم. وقوله { وعذب الذين كفروا } ، بيان ~~لنعمة ثالثة سوى السابقتين. أى أنزل سكينته وأنزل جنودا لم تروها، وعذب ~~الذين كفروا بأن سلطكم عليهم فقتلتم منهم من قتلتم، وأسرتم من أسرتم. ~~وقوله { وذلك جزآء الكافرين } أى وذلك الذى نزل بهؤلاء ~~الكافرين من التعذيب جزاء لهم على كفرهم، وصدهم عن سبيل الله. ثم بين - ~~سبحانه - بعض مظاهر قدرته ورحمته بعباده فقال - تعالى - { ثم يتوب ~~الله من بعد ذلك على من يشآء والله غفور ~~رحيم }. أى ثم يتوب الله - تعالى - من بعد هذا التعذيب للذين كفروا ~~فى الدنيا، على من يشاء أن يتوب عليهم منهم، بأن يوفقه للدخول فى ~~الإسلام، والله - تعالى - واسع المغفرة، عظيم الرحمة، لا يحاسب الكافرين ~~بعد إيمانهم على ما حصل منهم من كفر. قال - تعالى - # قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين # قال ابن كثير وقوله { ثم يتوب الله من بعد ذلك على ~~من يشآء... } قد تاب الله على بقية هوزان فأسلموا، وقدموا عليهم ~~مسلمين، ولحقوه وقد قارب مكة عند ms2320 الجعرانة، وذلك بعد الوقعة بقريب من ~~عشرين يوما فعند ذلك خيرهم بين سبيهم وبين أموالهم فاختاروا سبيهم، ~~وكانوا ستة آلاف أسير، ما بين صبى وامرأة فرده عليهم وقسم الأموال بين ~~الغانمين، ونفل أناسا من الطلقاء لكى يتألف قلوبهم على الإسلام، فأعطاهم ~~مائة مائة من الإبل، وكان من جملة من أعطاهم مائة من الإبل مالك بن عوف ~~النضرى واستعمله على قومه. # وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة قد ذكرت المؤمنين بجانب من نعم الله ~~عليهم. ومن رحمته بهم، وأرشدتهم إلى أن النصر لا يتأتى لمن أعجبوا ~~بكثرتهم فانشغلوا بها عن الاعتماد عليه - سبحانه - وإنما النصر يتأتى لمن ~~أخلصوا لله سرائرهم وعلانيتهم. وباشروا الأسباب الى شرعها - سبحانه - ~~للوصول إلى الفوز والظفر. قال ابن القيم افتتح الله - تعالى - غزوات ~~العرب بغزوة بدر، وختم غزوهم بغزوة حنين، لهذا يقرن بين هاتين بالذكر، ~~فقال بدر وحنين وإن كان بينهما سبع سنين.. وبهاتين الغزوتين طفئت جمرة ~~العرب لغزوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين. فالأولى خوفتهم ~~وكسرت من حدتهم، والثانية استفرغت قواهم، واستنفدت سهامهم، وأذلت جمعهم، ~~حتى لم يجدوا بدا من الدخول فى دين الله. وبعد هذا التذكير والتوجيه من ~~الله - تعالى - لعباده المؤمنين - وجه - سبحانه - إليهم نداء أمرهم فيه ~~بمنع المشركين من قربان المسجد الحرام، ووعدهم بالعطاء الذى يغنيهم، فقال ~~{ يأيها الذين آمنوا.... }. ### || [9.28] # وقوله { نجس } بالتحريك - مصدر نجس الشئ ينجس فهو نجس إذا كان قذرا ~~غير نظيف، وفعله من باب " تعب " وفى لغة من باب " قتل ". قال صاحب الكشاف ~~النجس مصدر. يقال نجس نجسا وقذر قذرا، لأن معهم الشرك الذى هو بمنزلة ~~النجس، ولأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاسات فهى ملابسة ~~لهم. أو جعلوا كأنهم النجاسة بعينها، مبالغة فى وصفهم بها. قيل وجوز أن ~~يكون لفظ " نجس " صفة مشبهة - وإليه ذهب الجوهرى ولا بد حينئذ من تقدير ~~موصوف مفرد لفظا مجموع معنى، ليصح الإخبار به عن الجمع. أى جنس نجس ~~ونحوه. وقوله { إنما المشركون نجس } فيه ما فيه من التعبير ~~البديع المصور ms2321 المجسم لهم، حتى لكأنهم بأرواحهم وماهيتهم وكيانهم النجس ~~يمشى على الأرض فيتحاشاه المتطهرون، ويتحاماه الأتقياء من الناس. وقوله { ~~فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } ~~تفريع على نجاستهم والمراد النهى عن الدخول إلا أنه عبر عنه بالنهى عن ~~القرب مبالغة فى إبعادهم عن المسجد الحرام. والنهى وإن كان موجها إلى ~~المشركين، إلا أن المقصود منه نهى المؤمنين عن تمكينهم من ذلك، والمراد ~~بقوله { بعد عامهم هذا } العام الذى حصل فيه النداء بالبراءة ~~من المشركين، وبعدم طوافهم بالمجسد الحرام.. وهو العام التاسع من الهجرة. ~~قال ابن كثير أمر الله عباده المؤمنين الطاهرين دينا وذاتا بنفى ~~المشركين الذين هم نجس دينا - عن المسجد الحرام، وأن لا يقربوه بعد نزول ~~هذه الآية. وكان نزولها فى سنة تسع. ولهذا بعث رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عليا صحبة أبى بكر رضى الله عنهما - عامئذ، وأمره أن ينادى فى ~~المشركين أن لا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. فأتم الله ~~ذلك وحكم به شرعا وقدرا. وقوله { وإن خفتم عيلة فسوف ~~يغنيكم الله من فضله إن شآء } بشارة من الله تعالى ~~للمؤمنين بأن سيعطيهم من فضله ما يغنيهم عن المشركين. والعيلة الفقر ~~والفاقة يقال عال الرجل يعيل عيلة فهو عائل إذا افتقر، ومنه قول الشاعر # وما يدرى الفقير متى غناه وما يدرى الغنى متى يقيل # وقرئ " عائلة " بمعنى المصدر كالعافية اسم فاعل صفة لموصوف مؤنث مقدر أى ~~حالا عائلة. قال ابن جرير - بعد أن ساق روايات فى سبب نزول الآية - عن ~~عطية العوفى قال لما قيل " ولا يحج بعد العام مشرك " قالوا قد كنا نصيب ~~من بياعاتهم فى الموسم، قال فنزلت { يأيها الذين آمنوا ~~إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف ~~يغنيكم الله من فضله. # .. } الآية. والمعنى لا تمكنوا أيها المؤمنون. المشركين من دخول المسجد ~~الحرام بعد هذه السنة، لأنهم نجس... ولا تخشوا الفقر والفاقة بسبب عدم ~~تمكينهم، حيث إنكم تتبادلون معهم التجارات والمبايعات.. لأن الله ms2322 - تعالى ~~- قد وعدكم أن يغنيكم من فضله بالعطايا والخيرات التى تكفيكم أمر ~~معاشكم.. وقد أنجز الله - تعالى - لهم وعده، فأرسل السماء عليهم مدرارا، ~~وفتح لهم البلاد، فكثرت بين أيديهم الغنائم وألوان الخيرات، ودخل فى دين ~~الله من هم أيسر حالا وأغنى مالا من هؤلاء المشركين.. قال صاحب الكشاف ~~قوله { فسوف يغنيكم الله من فضله } أى من عطائه أو من ~~تفضله بوجه آخر، فأرسل عليهم السماء مدرارا، فأغزر بها خيرهم، وأكثر ~~مسيرهم. وأسلم أهل تبالة وجرس فحملوا إلى مكة الطعام وما يعاش به فكان ~~أعود عليهم مما خافوا العيلة لفواته ". والتقييد بالمشيئة فى قوله { إن ~~شآء } ليس للتردد، بل هو لتعليم المؤمنين رعاية الأدب مع الله - تعالى ~~- كما فى قوله # لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله آمنين # ولبيان أن هذا الاغناء بإرادته - سبحانه - وحده، فعليهم أن يجعلوا ~~اعتمادهم عليه، وتضرعهم إليه لا إلى غيره، وللتنبيه على أن عطاءه سبحانه ~~لهم، هو من باب التفضل لا الوجوب، لأنه لو كان واجبا مع قيده بالمشيئة. ~~ولما كانت مشيئته - سبحانه - تجرى حسب مقتضى علمه وحكمته، فقد ختم الآية ~~بقوله { إن الله عليم حكيم }. أى إن الله عليم بأحوالكم ~~ومصالحكم، وبما يكون عليه أمر حاضركم ومستقبلكم حكيم فيما شرعه لكم. ~~فاستجيبوا له لتنالوا السعادة فى دنياكم وآخرتكم. هذا، ومن الأحكام ~~والآداب التى استنبطها العلماء من هذه الآية ما يأتى 1- أن المراد ~~بالمشركين فى الآية ما يتناول عبدة الأوثان وغيرهم من أهل الكتاب. كما هو ~~مقتضى ظاهر اللفظ، وكما يدل عليه قوله - تعالى - # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء.. # أى لا يغفر أن يشرك به بأى لون من ألوان الشرك. ويرى كثير من الفقهاء أن ~~المراد بالمشركين هنا عبدة الأوثان فحسب، لأن الحديث خاص بهم من أول ~~السورة إلى هنا. 2- يرى جمهور الفقهاء أن نجاسة المشركين مرجعها إلى خبث ~~بواطنهم لعبادتهم سوى الله - تعالى - أما أبدانهم فطاهرة. وقد بسط صاحب ~~المنار القول فى هذه المسألة فقال ما ملخصه " قال ms2323 بعضهم بنجاسة أعيان ~~المشركين، ووجوب تطهير ما تصيبه أبدانهم مع البلل. حكى هذا القول عن ابن ~~عباس والحسن البصرى.. وجمهور الظاهرية.. ويرى جمهور السلف والخلف وأصحاب ~~المذاهب الأربعة أن أعيانهم طاهرة. لأنه من المعلوم أن المسلمين كانوا ~~يعاشرون المشركين ويخالطونهم. ومع هذا فالنبى - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يأمر بغسل شئ مما أصابته أبدانهم. # . بل الثابت أنه - صلى الله عليه وسلم - توضأ من مزادة مشركة وأكل من ~~طعام اليهود.. وأطعم هو وأصحابه وفدا من الكفار ولم يأمر بغسل الأوانى ~~التى أكلوا وشربوا فيها.. وروى الإمام أحمد وأبو داود من حديث عبد الله ~~بن مسعود قال كنا نغزو مع رسول الله، فنصيب من آنية المشركين وأسقيتهم ~~فنستمتع بها ولا يعيب ذلك علينا.. " 3- اختلف الفقهاء فى المراد بالمسجد ~~الحرام فى قوله - تعالى - { فلا يقربوا المسجد الحرام ~~بعد عامهم هذا... }. فقال ابن عباس وابن جبير ومجاهد وعطاء ~~المراد به الحرم كله فيشمل المسجد الحرام ومكة، لأن المسجد الحرام حيث ~~أطلق فى القرآن فالمراد به الحرم كله. وعليه فالكافر يمنع من دخول الحرم ~~كله.. ويرى الشافعى أن المراد المسجد الحرام بخصوصه أخذا بظاهر اللفظ. ~~قال القرطبى وقال الشافعى الآية عامة فى سائر المشركين، خاصة فى المسجد ~~الحرام، ولا يمنعون من دخول غيره، فأباح دخول اليهودى والنصرانى فى سائر ~~المساجد ". ويرى الإمام مالك أن المراد المسجد الحرام بالنص وبقية ~~المساجد تقاس عليه، لأن العلة - وهى النجاسة - موجودة فى المشركين، ~~والحرمة موجودة فى كل مسجد. وعليه فلا يجوز تمكينهم لا من المسجد الحرام ~~ولا من غيره من المساجد. ويرى الأحناف أن المراد بالمسجد الحرم كله، إلا ~~أن النهى هنا ليس منصبا على دخوله وإنما هو منصب على المنع من الحج ~~والعمرة. ومن الحج إليه أى لا تمكنوا - أيها المؤمنون - المشركين من ~~الطواف بالمسجد الحرام بعد عامهم هذا. قال الآلوسى ويؤيده قوله - تعالى - ~~{ بعد عامهم هذا } ، فإن تقييد النهى يدل على اختصاص المنهى ~~عنه بوقت من أوقات العام. أى لا يحجوا ولا يعتمروا بعد حج عامهم هذا ms2324 وهو ~~عام تسعة من الهجرة.. ويدل عليه نداء على - كرم الله وجهه - يوم نادى ~~ببراءة ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك، وكذا قوله - سبحانه - { وإن ~~خفتم عيلة } أى فقرا بسبب منعهم، لما أنهم كانوا يأتون فى ~~الموسم بالمتاجر، فإنه إنما يكون إذا منعوا من دخول الحرم كما لا يخفى. ~~ثم قال والحاصل أن الإمام الأعظم يقول بالمنع عن الحج والعمرة ويحمل ~~النهى عليه، ولا يمنعون عنده من دخول المسجد الحرام ومن دخول سائر ~~المساجد ". 4- قال القرطبى فى هذه الآية دليل على أن تعلق القلب بالأسباب ~~فى الرزق جائز، وليس ذلك بمناف للتوكل، وإن كان الرزق مقدرا، ولكنه علقه ~~بالأسباب لتظهر القلوب التى تتعلق بالأسباب، من القلوب التى تتوكل على رب ~~الأرباب وقد تقدم أن السبب لا ينافى التوكل، ففى الحديث الذى أخرجه ~~البخارى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال # " لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح ~~بطانا " # - أى تغدو صباحا وهى جياع، وتعود عشية وهى ممتلئة البطون -. هذا، وبتدبر ~~آيات السورة الكريمة - من أولها إلى هنا - نراها قد وضحت العلاقات ~~النهائية بين المسلمين وعبدة الأوثان، وفصلت كثيرا من الأحكام التى تخص ~~الفريقين، ومن ذلك أنها قررت 1- براءة الله ورسوله من عهود المشركين ~~الذين مردوا على نقض المواثيق. 2- إعطاؤهم مهلة مقدارها أربعة أشهر ~~يتدبرون خلالها أمرهم، دون أن يتعرض المسلمون لهم بسوء. 3- إعلان الناس ~~جميعا يوم الحج الأكبر بهذه البراءة.. 4- أمر المؤمنين بإتمام مدة العهد ~~لمن حافظ من المشركين على عهده. 5- بيان ما يجب على المؤمنين فعله إذا ما ~~انقضت أشهر الأمان التى أعطيت للمشركين. 6- إرشاد المؤمنين إلى أن من ~~الواجب عليهم تأمين المشرك المستجير بهم حتى يسمع كلام الله، ويطلع على ~~حقيقة الإسلام.. ثم توصيله إلى موضع أمنه إن لم يسلم. 7- بيان الأسباب ~~التى تدعو إلى قتال المشركين، وإلى وجوب البراءة منهم. 8- بيان بعض الحكم ~~والأسرار التى من أجلها شرع الجهاد فى الإسلام. 9- بيان أن المشركين ~~ليسوا أهلا لعمارة مساجد الله.. وأن ms2325 الذين هم أهل لذلك المؤمنون ~~الصادقون. 10- توجيه المؤمنين إلى أن إيمانهم يحتم عليهم أن يؤثروا محبة ~~الله ورسوله على أى شئ آخر، من الآباء والأبناء والإخوان. 11- تذكيرهم ~~بجانب من نعم الله عليهم حيث نصرهم فى مواطن كثيرة ونصرهم يوم غزوة حنين، ~~بعد أن هزموا فى أول المعركة دون أن تنفعهم كثرتهم التى أعجبوا بها. 12- ~~نهيهم عن تمكين المشركين من قربان المسجد الحرام، وإزالة الوساوس التى قد ~~تخطر ببالهم بسبب هذا النهى، بأن وعدهم - سبحانه - بأنه سيعطيهم من فضله ~~ما يغنيهم عن المكاسب التى تأتيهم عن طريق تبادل المنافع مع المشركين فى ~~موسم الحج. هذه أهم الموضوعات التى تعرضت لها سورة التوبة فى ثمان وعشرين ~~آية من أولها إلى هنا. وهى موضوعات وضحت. كما أسلفنا. الأحكام النهائية ~~فى علاقات المسلمين بالمشركين عبدة الأوثان. ثم ساقت السورة الكريمة بعد ~~ذلك سبع آيات بينت فيها ما يجب أن يكون عليه موقف المسلمين من المنحرفين ~~من أهل الكتاب، كما حكت بعض أقوالهم الذميمة، وأفعالهم القبيحة، التى ~~تدعو المسلمين إلى قتالهم حتى يخضعوا لسلطان الإسلام، وقد بدئت هذه ~~الآيات بقوله - تعالى - { قاتلوا الذين لا يؤمنون.... }. ### || [9.29] # قال الإمام الرازى اعلم أنه لما ذكر - سبحانه - حكم المشركين فى إظهار ~~البراءة من عهدهم، وفى إظهار البراءة عنهم فى أنفسهم، وفى وجوب مقاتلتهم، ~~وفى تبعيدهم عن المسجد الحرام.. ذكر بعده حكم أهل الكتاب، وهو أن يقاتلوا ~~إلى أن يعطوا الجزية فحينئذ يقرون على ما هم عليه بشرائط، ويكونون عند ~~ذلك من أهل الذمة والعهد. وقال ابن كثير ما ملخصه هذه الآية أول أمر نزل ~~بقتال أهل الكتاب - اليهود والنصارى. وكان ذلك فى سنة تسع، ولهذا # " تجهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقتال الروم، ودعا الناس إلى ~~ذلك، وأظهره لهم، وبعث إلى أحياء العرب حول المدينة، فندبهم فأوعبوا معه، ~~واجتمع من المقاتلة نحو من ثلاثين ألفا، وتخلف بعض الناس من أهل المدينة. ~~ومن حولها من المنافقين وغيرهم، وكان ذلك فى عام جدب، ووقت قيظ حر. وخرج ~~رسول الله ms2326 - صلى الله عليه وسلم - يريد الشام لقتال الروم، فبلغ تبوك، ~~ونزل بها، وأقام بها قريبا من عشرين يوما، ثم استخار الله فى الرجوع، ~~فرجع عامه ذلك لضيق الحال، وضعف الناس... ". # وقوله { قاتلوا الذين... } أمر منه - سبحانه - للمؤمنين بقتال ~~أهل الكتاب، وبيان للأسباب التى اقتضت هذا الأمر، وهى أنهم أولا { لا ~~يؤمنون بالله } لأنهم لو كانوا مؤمنين به إيمانا صحيحا، ~~لاتبعوا رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم -، ولأن منهم من قال # عزير ابن الله # ومنهم من قال # المسيح ابن الله # وقولهم هذا كفر صريح، لأنه - سبحانه - منزه عما يقولون. قال - تعالى - # قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ~~ولم يكن له كفوا أحد # وثانيا أنهم " لا يؤمنون باليوم الآخر " على الوجه الذى أمر الله - ~~تعالى - به، ومن كان كذلك كان إيمانه. على فرض وجوده. كلا إيمان. قال ~~الجمل ما ملخصه فإن قلت اليهود والنصارى يزعمون أنهم يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر فكيف نفى الله عنهم ذلك؟ قلت إن إيمانهم بهما باطل لا يفيد، بدليل ~~أنهم لم يؤمنوا بالنبى - صلى الله عليه وسلم - فلما لم يؤمنوا به كان ~~إيمانهم بالله واليوم الآخر كالعدم فصح نفيه فى الآية ولأن إيمانهم بالله ~~ليس كإيمان المؤمنين، وذلك أن اليهود يعتقدون التجسيم والتشبيه، والنصارى ~~يعتقدون الحلول، ومن اعتقد ذلك فليس بمؤمن بالله بل هو مشرك. وأيضا فإن ~~إيمانهم باليوم الآخر ليس كإيمان المؤمنين، وذلك لأنهم يعقتدون بعث ~~الأرواح دون الأجساد، وأن أهل الجنة لا يأكلون فيها ولا يشربون ولا ~~ينكحون - أى أنهم يرون نعيم الجنة وعذاب النار يتعلقان بالروح فقط ولا ~~شأن للجسد بذلك. # ومن اعتقد ذلك فليس إيمانه كإيمان المؤمنين وإن زعم أنه مؤمن. وثالثا ~~أنهم { ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله } أى لا ~~يحرمون ما حرمه الله ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - فى القرآن ~~والسنة، وفضلا عن ذلك فهم لا يلتزمون ما حرمته شريعتهم على ألسنة رسلهم، ~~وإنما غيروا وبدلوا فيها على حسب ما تمليه عليهم أهواؤهم. أى أنهم لا ~~يحرمون ms2327 ما حرمه الله لا فى شريعتنا ولا فى شريعتهم. فاليهود - بجانب ~~كفرهم بشريعتنا - لم يطيعوا شريعتهم، بدليل أنهم استحلوا أكل أموال الناس ~~بالباطل مع أنها. أى شريعتهم. نهتهم عن ذلك. قال - تعالى - # وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال ~~الناس بالباطل... # والنصارى - بجانب كفرهم - أيضا - بشريعتنا - لم يطيعوا شريعتهم بدليل ~~أنهم ابتدعوا الرهبانية مع أن شريعتهم لم تشرع لهم ذلك. قال - تعالى - # ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ~~ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب ~~الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ~~ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغآء رضوان ~~الله فما رعوها حق رعايتها # ورابعا { ولا يدينون دين الحق } وقوله { يدينون } ~~بمعنى يعتقدون ويطيعون. يقال فلان يدين بكذا إذا اتخذه دينه ومعتقده ~~وأطاع أوامره ونواهيه. والمراد بدين الحق دين الإسلام الناسخ لغيره من ~~الأديان. أى أنهم لا يتخذون دين الإسلام دينا لهم، مع أنه الدين الذى ~~ارتضاه الله لعباده، والذى لا يقبل - سبحانه - دينا سواه. قال - تعالى - # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا... # وقال - تعالى - # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ~~وهو في الآخرة من الخاسرين # ويصح أن يكون المراد بدين الحق. ما يشمل دين الإسلام وغيره من الأديان ~~السماوية التى جاء بها الأنبياء السابقون. أى ولا يدينون بدين من الأديان ~~التى أنزلها الله على أنبيائه، وشرعها لعباده، وإنما هم يتبعون أحبارهم ~~ورهبانهم فيما يحلونه لهم ويحرمونه عليهم. وعبر عنهم فى قوله { ~~قاتلوا الذين لا يؤمنون.. } بالاسم الموصول للإيذان بعلية ~~ما فى حيز الصلة للأمر بالقتال. أى أن العلة فى الأمر بقتالهم، كونهم لا ~~يؤمنون بالله لا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا ~~يدينون دين الحق. وقوله { من الذين أوتوا الكتاب } بيان ~~للمتصفين بهذه الصفات الأربعة وهم اليهود والنصارى لأن الحديث عنهم، وعن ~~الأسباب التى توجب قتالهم. والمراد بالكتاب جنسه الشامل للتوراة ~~والإنجيل. أى قاتلوا من هذه صفاتهم، وهم اليهود والنصارى الذين أعطاهم ~~الله التوراة والإنجيل - عن طريق موسى وعيسى - عليهما ms2328 السلام - ولكنهم ~~لم يعملوا بتعاليمهما وإنما عملوا بما تمليه عليهم أهواؤهم وشهواتهم. ~~والمقصود بقوله { من الذين أوتوا الكتاب } تميزهم عن ~~المشركين عبدة الأوثان فى الحكم، لأن حكم هؤلاء قتالهم حتى يسلموا، أما ~~حكم أهل الكتاب فهو القتال، أو الإسلام، أو الجزية وقوله { حتى ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } غاية لإنهاء ~~القتال. # أى قاتلوا من هذه صفاتهم من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن طوع ~~وانقياد، فإن فعلوا ذلك فاتركوا قتالهم. والجزية ضرب من الخراج يدفعه أهل ~~الكتاب للمسلمين وهى - كما يقول القرطبى - من جزى يجزى - مجازاة - إذا ~~كافأ من أسدى إليه. فكأنهم أعطوها للمسلمين جزاء ما منحوا من الأمن، وهى ~~كالقعدة والجلسة، ومن هذا المعنى قول الشاعر # يجزيك أو يثنى عليك وإن من أثنى عليك بما فعلت فقد جزى # والمراد بإعطائها فى قوله { حتى يعطوا الجزية } ، التزام ~~دفعها وإن لم يذكر الوقت المحدد لذلك. واليد هنا يحتمل أن تكون كناية عن ~~الاستسلام والانقياد. أى حتى يعطوا الجزية عن خضوع وإنقياد. ويحتمل أن ~~تكون كناية و " عن " الدفع نقدا بدون تأجيل. أى حتى يعطوها نقدا بدون ~~تسويف أو تأخير. ويحتمل أن تكون على معناها الحقيقى، و " عن " بمعنى ~~الباء أى حتى يعطوها بيدهم إلى المسلمين لا أن يبعثوا بها بيد أحد سواهم. ~~وهذه المعانى لليد إنما تتأتى إذا أريد بها يد المعطى. أى يد الكتابى. ~~أما إذا أردنا بها اليد الآخذة - وهى يد الحاكم المسلم - ففى هذه الحالة ~~يكون معناها القوة والقهر والغلبة. أى حتى يعطوها عن يد غالبة قوية لا ~~قبل لهم بالوقوف أمامها. ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال قوله " عن يد " ~~إما أن يراد يد المعطى أو الآخذ فمعناه على إرادة يد المعطى حتى يعطوها ~~عن يده، أى عن يد مؤاتيه غير ممتنعة، إذ أن من أبى وامتنع لم يعط يده، ~~بخلاف المطيع المنقاد، ولذلك قالوا أعطى بيده، إذا انقاد وأصحب - أى سهل ~~بعد صعوبة - ألا ترى إلى قولهم نزع يده عن الطاعة، كما يقال خلع ربقة ms2329 ~~الطاعة عن عنقه. أو المعنى حتى يعطوها عن يد إلى يد نقدا غير نسيئة، لا ~~مبعوثا بها على يد أحد، ولكن يد المعطى إلى يد الآخذ. ومعناه على إرادة ~~يد الآخذ حتى يعطوها عن يد قاهرة مستولية - وهى يد المسلمين - أو حتى ~~يعطوها عن إنعام عليهم، لأن قبول الجزية منهم، وترك أرواحهم لهم، نعمة ~~عظيمة عليهم. وقوله { وهم صاغرون } من الصغار بمعنى الذل والهوان. ~~يقال صغر فلان يصغر صغرا وصغارا إذا ذل وهان وخضع لغيره. والمعنى ~~قاتلوا من هذه صفاتهم من أهل الكتاب حتى يدفعوا لكم الجزية عن طواعية ~~وانقياد. وهم أذلاء خاضعون لولايتكم عليهم.. فإن الذين لا يؤمنون بالله ~~ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرمه الله ورسوله. # ولا يتخذون الدين الحق دينا لهم. يستحقون هذا الهوان فى الدنيا، أما فى ~~الآخرة فعذابهم أشد وأبقى. هذا. ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه ~~الآية ما يأتى 1- إن هذه الآية أصل فى مشروعية الجزية، وأنها لا تؤخذ إلا ~~من أهل الكتاب عند كثير من الفقهاء - لأن أهل الكتاب هم الذين يخيرون بين ~~الإسلام أو القتال أو الجزية، أما غيرهم من مشركى العرب فلا يخيرون إلا ~~بين الإسلام أو القتال. قال القرطبى ما ملخصه وقد اختلف العلماء فيمن ~~تؤخذ منه الجزية فقال الشافعى لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب خاصة، ~~عربا كانوا أو عجما لهذه الآية فإنهم هم الذين خصوا بالذكر فتوجه الحكم ~~إليهم دون من سواهم، لقوله - تعالى - فى شأن المشركين # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # ولم يقل حتى يعطوا الجزية كما قال فى أهل الكتاب. وقال الشافعى وتقبل من ~~المجوس لحديث " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " أى فى أخذ الجزية منهم. وبه ~~قال وأبو ثور. وهو مذهب الثورى وأبى حنيفة وأصحابه وقال الأوزاعى تؤخذ ~~الجزية من كل عابد وثن أو نار أو جاحد أو مكذب. وكذلك مذهب مالك فإنه يرى ~~أن الجزية تؤخذ من جميع أجناس الشرك والجحد، عربيا أو عجميا تغليبا أو ~~قرشيا كائنا من كان إلا المرتد.. ms2330 " 2- أن أخذ الجزية منهم إنما هو نظير ~~ما ينالهم، وكفنا عن قتالهم، ومساهمة منهم فى رفع شأن الدولة الإسلامية ~~التى أمنتهم وأموالهم وأعراضهم ومعتقداتهم. ومقدساتهم.. وإقرار منهم ~~بالخضوع لتعاليم هذه الدولة وأنهم متى التزموا بدفعها وجب علينا حمايتهم، ~~ورعايتهم، ومعاملتهم بالعدل والرفق والرحمة.. وفى تاريخ الإسلام كثير من ~~الأمثلة التى تؤيد هذا المعنى، ومن ذلك، ما جاء فى كتاب الخراج لأبى يوسف ~~أنه قال فى خطابه لهارون الرشيد " وينبغى يا أمير المؤمنين - أيدك الله - ~~أن تتقدم فى الرفق بأهل ذمة نبيك وابن عمك محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~والتفقد لهم حتى لا يظلموا ولا يؤذوا ولا يكلفوا فوق طاقتهم، ولا يؤخذ شئ ~~من أموالهم إلا بحق يجب عليهم فقد روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال # " من ظلم من أمتى معاهدا أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه ". # وكان فيما تكلم عمر بن الخطاب عند وفاته أوصى الخليفة من بعدى بذمة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم ~~ولا يكلفوهم فوق طاقتهم ". وجاء فى كتاب " أشهر مشاهير الإسلام " أن ~~جيوش التتار، لما اكتسحت بلاد الإسلام من حدود الصين إلى الشام، ووقع فى ~~أسرهم من وقع من المسلمين والنصارى ثم خضد المسلمون شوكة التتار، ودان ~~ملوكهم بالإسلام، خاطب شيخ الإسلام ابن تيمية، أمير التتار بإطلاق ~~الأسرى فسمح له بالمسلمين وأبى أن يسمح بأهل الذمة، فقال له شيخ الإسلام ~~لا بد من إطلاق جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا ولا ~~ندع أسيرا لا من أهل الملة، ولا من أهل الذمة، فأطلقهم له ". # وجاء فى كتاب " الإسلام والنصرانية " للأستاذ الإمام محمد عبده ما ~~ملخصه "... الإسلام كان يكتفى من الفتح بإدخال الأرض المفتوحة تحت ~~سلطانه، ثم يترك الناس وما كانوا عليه من دين. ثم يكلفهم بجزية يدفعونها ~~لتكون عونا على صيانتهم والمحافظة على أمنهم فى ديارهم، وهم فى عقائدهم ~~ومعابدهم وعاداتهم بعد ذلك أحرار، لا يضايقون فى عمل، ولا يضامون فى ms2331 ~~معاملة ". خلفاء المسلمين كانوا يوصون قوادهم باحترام العباد الذين ~~انقطعوا عن العامة فى الصوامع والأديرة للعبادة، كما كانوا يوصونهم ~~باحترام دماء النساء والأطفال وكل من لم يعن على القتال. جاءت السنة ~~بالنهى عن إيذاء أهل الذمة، وبتقرير ما لهم من الحقوق على المسلمين، " ~~لهم ما لنا وعليهم ما علينا " و " من آذى ذميا فليس منا ". واستمر العمل ~~على ذلك ما استمرت قوة الإسلام. ولست أبالى إذا انحرف بعض المسلمين عن ~~هذه الأحكام عندما بدأ الضعف فى أبناء الإسلام فضيق الصدر من طبع ~~الضعيف. ثم قال أما المسيحية فترى لها حق القيام على كل دين يدخل تحت ~~سلطانها تراقب أعمال أهله، وتخصهم دون الناس بضروب من المعاملة لا ~~يحتملها الصبر مهما عظم، حتى إذا تمت لها القدرة على طردهم - بعد العجز ~~عن إخراجهم من دينهم - طردتهم عن ديارهم، وغسلت الديار من آثارهم، كما ~~حصل ويحصل فى كل أرض استولت عليها أمة مسيحية استيلاء حقيقا. ولا يمنع ~~غير المسيحى من تعدى المسيحى إلا كثرة العدد أو شدة العضد، كما شهد ~~التاريخ، وكما يشهد كاتبوه. ثم قال فأنت ترى الإسلام يكتفى من الأمم ~~والطوائف التى يغلب على أرضها، بشئ من المال، أقل مما كانوا يؤدونه من ~~قبل تغلبه عليهم، وبأن يعيشوا فى هدوء، لا يعكرون معه صفو الدولة، ولا ~~يخلون بنظام السلطة العامة، ثم يرخى لهم بعد ذلك عنان الاختيار فى شئونهم ~~الخاصة بهم، لا رقيب عليهم فيها سوى ضمائرهم ". وقال الشيخ القاسمى ما ~~ملخصه قال السيوطى استدل بقوله - تعالى - { وهم صاغرون } من قال ~~إنها تؤخذ بإهانة، بأن يجلس الآخذ ويقوم الذمى ويطأطئ رأسه، ويحنى ظهره، ~~ويقبض الآخذ لحيته... إلخ. وقد رد الإمام ابن القيم على هذا القائل ~~بقوله هذا كله مما لا دليل عليه، ولا هو من مقتضى الآية، ولا نقل عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أصحابه. # والصواب فى الآية، أن الصغار هو التزامهم بجريان أحكام الله عليهم، ~~وإعطاء الجزية، فإن ذلك هو الصغار، وبه قال الشافعى ". والذى ms2332 نراه أن ما ~~قاله الإمام ابن القيم فى رده هو عين الصواب، وأن ما نقله السيوطى عن ~~بعضهم... يتنافى مع سماحة الإسلام وعدله ورحمته بالناس. هذا، وهناك ~~أحكام أخرى تتعلق بالجزية لا مجال لذكرها هنا، فليرجع إليها من شاء فى ~~بعض كتب الفقه والتفسير. وبعد أن بين - سبحانه - بعض رذائل أهل الكتاب ~~على سبيل الإجمال، اتبع ذلك بتفصيل هذه الرذائل، فحكى أقوالهم الباطلة، ~~وأفعالهم الذميمة، ونواياهم السيئة فقال - تعالى - { وقالت ~~اليهود عزير....ولو كره المشركون }. ### || [9.30-33] # أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~سلام بن مشكم، ونعمان بن أوفى. وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف فقالوا كيف ~~نتبعك - يا محمد - وقد تركت قبلتنا، وأنت لا تزعم أن عزيرا ابن الله، ~~فأنزل الله فى ذلك { وقالت اليهود عزير ابن الله ~~وقالت النصارى المسيح ابن الله.. } الآية. و " عزير " ~~كاهن يهودى سكن بابل سنة 457 ق.م تقريبا، ومن أعامله أنه جمع أسفار ~~التوراة وأدخل الأحرف الكلدانية عوضا عن العبرانية القديمة، وألف أسفار ~~الأيام، وعزرا، ونحميا. وقد قدسه اليهود من أجل نشره لكثير من علوم ~~الشريعة، وأطلقوا عليه لقب " ابن الله ". قال البيضاوى وإنما قالوا ذلك - ~~أى عزير ابن الله - لأنه لم يبق فيهم بعد وقعة " بختصر " - سنة 586 ق.م.ه ~~من يحفظ التوارة. وهو لما أحياه الله بعد مائة عام أملى عليهم التوارة ~~حفظا فتعجبوا من ذلك وقالوا ما هذا إلا لأنه ابن الله. وقال صاحب المنار ~~ما ملخصه جاء فى دائرة المعارف اليهودية الانكليزية - طبعة 1903 - أن عصر ~~عزرا هو ربيع التاريخ الملى لليهودية الذى تفتحت فيه أزهاره، وعبق شذا ~~ورده. وأنه جدير بأن يكون هو ناشر الشريعة.. " وقد ذكر المفسرون هنا ~~أقوالا متعددة فى الأسباب التى حملت اليهود على أن يقولوا " عزير ابن ~~الله " وأغلب هذه الأقوال لا يؤيدها عقل أو نقل، ولذا فقد ضربنا عنها ~~صفحا. وقد نسب - سبحانه - القول إلى جميع اليهود مع أن القائل بعضهم، لأن ~~الذين لم يقولوا ذلك لم ينكروا ms2333 على غيرهم قولهم، فكانوا مشاركين لهم فى ~~الإثم والضلال، وفيما يترتب على ذلك من عقاب. وأما قول النصارى " المسيح ~~ابن الله " فهو شائع مشهور، ومن أسبابه أن الله - تعالى - قد خلق عيسى ~~بدون أب على خلاف ما جرت به سنته فى التوالد والتناسل، فقالوا عنه " ابن ~~الله ". وقد حاجهم - سبحانه - فى سورة آل عمران بأن آدم قد خلقه الله من ~~غير أب أو أم، فكان أولى بنسبة البنوة إليه، لكنهم لم ينسبوا إليه ذلك، ~~فينبغى أن يكون عيسى كآدم. قال - تعالى - # إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا ~~تكن من الممترين # وقوله { ذلك قولهم بأفواههم } ذم لهم على ما نطقوا به من ~~سوء يمجه العقل السليم، والفكر القويم. أى ذلك الذى قالوه فى شأن " عزير ~~والمسيح " قول تلوكه ألسنتهم فى أفواههم بدون تعقل، ولا مستند لهم فيما ~~زعموه سوى افترائهم واختلاقهم، فهو من الألفاظ الساقطة التى لا وزن لها ~~ولا قيمة، فقد قامت الأدلة السمعية والعقلية على استحالة أن يكون لله ولد ~~أو والد أو صاحبة أو شريك. # قال - تعالى - # وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا * إن كل من ~~في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا * ~~لقد أحصاهم وعدهم عدا * وكلهم آتيه يوم ~~القيامة فردا # ولقد أنذر، سبحانه، الذين نسبوا إليه الولد بالعقاب الشديد فقال # وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ما لهم ~~به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من ~~أفواههم إن يقولون إلا كذبا # وأسند، سبحانه، القول إلى الأفواه مع أنه لا يكون إلا بها، لاستحضار ~~الصورة الحسية الواقعية، حتى لكأنها مسموعة مرئية ولبيان أن هذا القول لا ~~وجود له فى عالم الحقيقة والواقع، وإنما هو قول لغو ساقط وليد الخيالات ~~والأوهام، ولزيادة التأكيد فى نسبة هذا القول إليهم، أى أنه قول صادر ~~منهم وليس محكيا عنهم. قال صاحب الكشاف، فإن قلت كل القول يقال بالفم فما ~~معنى قوله { ذلك قولهم بأفواههم }؟. قلت فيه وجهان ms2334 أحدهما ~~- أن يراد أنه قول لا يعضده برهان، فما هو إلا لفظ يفوهون به، فارغ من أى ~~معنى تحته، كالألفاظ المهملة التى هى أجراس ونغم، لا تدل على معان. وذلك ~~أن القول الدال على معنى، لفظه مقول بالفم، ومعناه مؤثر فى القلب، وما لا ~~معنى له مقول بالفم لا غير. والثانى - أن يراد بالقول المذاهب، كقولهم " ~~قول أبى حنيفة " يريدون مذهبه وما يقول به، كأنه قيل ذلك مذهبهم ودينهم ~~بأفواههم لا بقلوبهم، لأنه لا حجة معه ولا شبهة، حتى يؤثر فى القلوب، ~~وذلك أنهم اعترفوا أنه لا صاحبة له لم تبق شبهة فى انتفاء الولد ". وقوله ~~{ يضاهئون قول الذين كفروا من قبل } ذم آخر لهم على ~~تقليدهم لمن سبقوهم بدون تعقل أو تدبر. قال الجمل ما ملخصه قرأ العامة { ~~يضاهون } بضم الهاء بعدها واو - وقرأ عاصم " يضاهئون " بهاء مكسورة بعدها ~~همزة مضمومة - فقيل هما بمعنى واحد وهو المشابهة، وفيه لغتان ضاهأت ~~وضاهيت... " والمراد بالذين كفروا من قبل قيل، أهل مكة وأمثالهم من ~~المشركين السابقين الذين قالوا، الملائكة بنات الله وقيل، المراد بهم ~~قدماء أهل الكتاب، أى، أن اليهود والنصارى المعاصرين للنبى - صلى الله ~~عليه وسلم - يشابه قولهم فى العزير وعيسى قول آبائهم الأقدمين، - أى ~~المعاصرين للعهد النبوى - قد ورثوا الكفر كابرا عن كابر. والأولى من هذين ~~الوجهين أن يكون المراد بالذين كفروا من قبل. جميع الأمم التى ضلت ~~وانحرفت عن الحق، وأشركت مع الله فى العبادة آلهة أخرى. # قال صاحب المنار، وقد علمنا من تاريخ قدماء الوثنيين فى الشرق والغرب أن ~~عقيدة الابن لله والحلول والتثليت، كانت معروفة عند البراهمة فى الهند ~~وفى الصين واليابان وقدماء المصرين وقدماء الفرس. وهذه الحقيقة التاريخية ~~- والتى بينها القرآن فى هذه الآية - من معجزاته لأنه لم يكن يعرفها أحد ~~من العرب ولا ممن حولهم، بل لم تظهر إلا فى هذا الزمان ". والمعنى. أن ~~هؤلاء الضالين الذين قال بعضهم { عزير ابن الله } وقال البعض ~~الآخر { المسيح ابن الله } ليس لهم على قولهم الباطل هذا دليل ms2335 ~~ولا برهان، ولكنهم يشابهون ويتابعون فيه قول الذين كفروا من قبلهم من ~~الأمم # فهم على آثارهم يهرعون # وقوله { قاتلهم الله } تعجيب من شناعة قولهم، ودعاء عليهم ~~بالهلاك فإن من قاتله الله لا بد أن يقتل، ومن غالبه لا بد أن يغلب. وعن ~~ابن عباس، أن معنى { قاتلهم الله } لعنهم الله وكل شئ فى القرآن ~~قتل فهو لعن. وقوله { أنى يؤفكون } تعجيب آخر من انصرافهم ~~الشديد عن الحق الواضح إلى الباطل المظلم المعقد. و { أنى } بمعنى ~~كيف. و { يؤفكون } من الإفك بمعنى الانصراف عن الشئ والابتعاد عنه، ~~يقال، أفكه عن الشئ يأفكه أفكا، أى، صرفه عنه وقلبه. ويقال، أفكت الأرض ~~أفكا، أى صرف، عنها المطر. والمعنى قاتل الله هؤلاء الذين قالوا { ~~عزير ابن الله } والذين قالوا { المسيح ابن الله } ~~لأنهم بقوله هذا محل مقت العقلاء وعجبهم، إذ كيف يصرفون عن الحق إلى ~~الباطل، بعد وضوح الدليل على استحالة أن يكون له - تعالى - ولد أو والد ~~أو صاحبة أو شريك..؟! إن ما قالوه ظاهر البطلان وهو محل عجب العقلاء ~~واستنكارهم وغضبهم. وقوله - سبحانه { اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن ~~مريم } بيان للون آخر من ألوان انحراف اليهود والنصارى عن الحق إلى ~~الباطل، وتقرير لما سبقت حكايته عنهم من أقوال فاسدة، وأفعال ذميمة. ~~والضمير فى قوله { اتخذوا } يعود إلى الفريقين اللذين حكت الآية ~~السابقة ما قالوه من باطل وبهتان. والأحبار علماء اليهود جمع حبر، بكسر ~~الحاء وفتحها - وهو الذى يحسن القول ويتقنه، مأخوذ من التحبير بمعنى ~~التحسين والتزيين، ومنه ثوب محبر أى جمع الزينة والحسن، والرهبان علماء ~~النصارى جمع راهب وهو الزاهد فى متع الدنيا، المنعزل عن الناس مأخوذ من ~~الرهبة بمعنى الخشية والخوف من الله - تعالى. والمراد باتخاذهم لأحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله، أنهم أطاعوهم فيها أحلوه لهم، وفيما حرموه ~~عليهم، ولو كان هذا التحليل والتحريم مخالفا لشرع الله. وهذا التفسير ~~مأثور # " عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد روى الإمام أحمد والترمذى ~~وابن جرير من طرق ms2336 عن عدى بن حاتم أنه لما بلغته دعوة رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، فر إلى الشام وكان قد تنصر فى الجاهلية، فأسرت أخته وجماعة من ~~قومها، ثم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أخته وأعطاها. ~~فرجعت إلى أخيها، فرغبته فى الإسلام وفى القدوم على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقدم عدى المدينة، وكان رئيسا فى قومه طيئ وأبوه حاتم ~~الطائى المشهور بالكرم فتحدث الناس بقدومه، فدخل على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وفى عنق عدى صليب من فضة، وكان الرسول يقرأ هذه الآية { ~~اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله... } ". # قال عدى فقلت، إنهم لم يعبدوهم، فقال، بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال، ~~وأحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم. قال ابن كثير وهكذا ~~قال حذيفة بن اليمان وابن عباس وغيرهما فى تفسير الآية أنهم اتبعوهم فيما ~~حللوا وحرموا. وقال السدى استنصحوا الرجال، ونبذوا كتاب الله وراء ~~ظهورهم. وقال الآلوسى وقيل اتخاذهم أربابا بالسجود لهم ونحوه مما لا ~~يصلح إلا لله، تعالى، وحينئذ فلا مجاز، إلا أنه لا مقال لأحد بعد صحة ~~الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والآية ناعية على كثير من الفرق ~~الضالة الذين تركوا كتاب الله وسنة رسوله، لكلام علمائهم ورؤسائهم، والحق ~~أحق بالاتباع، فمتى ظهر الحق فعلى المسلم اتباعه وإن أخطأه اجتهاد مقلده ~~". وقوله { والمسيح ابن مريم } معطوف على قوله { ~~أحبارهم } والمفعول الثانى بالنسبة إليه محذوف أى اتخذوه ربا ~~وإلها. قال صاحب المنار ما ملخصه جمع - سبحانه. بين اليهود والنصارى فى ~~اتخاذ رجال دينهم أربابا بأن أعطوهم حتى التشريع فيهم وذكر بعد ذلك ما ~~انفرد به النصارى دون اليهود من اتخاذهم المسيح ربا وإلها يعبدونه ~~واليهود لم يعبدوا عزيرا، ولم يؤثر عمن قال منهم إنه ابن الله، أنهم عنوا ~~ما يعنيه النصارى من قولهم فى المسيح إنه هو الله الخالق المدبر لأمور ~~العباد. وقوله { ومآ أمروا إلا ليعبدوا إلها ~~واحدا لا إله إلا هو } جملة حالية أى اتخذ هؤلاء المفترون ms2337 ~~على الله الكذب من اليهود والنصارى أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، ~~بأن أطاعوهم فيما يحلونه لهم وفيما يحرمونه عليهم ولو كان مخالفا لشرع ~~الله وكذلك اتخذ النصارى المسيح ابن مريم ربا وإلها. والحال أنهم ~~جميعا ما أمروا على ألسنة رسلهم إلا بعبادة الله وحده، فهو المعبود الذى ~~لا تعنو الوجوه إلا له، ولا يكون الاعتماد إلا عليه، وكل ما سواه فهو ~~مخلوق له. وقوله { لا إله إلا هو } صفة ثانية لقوله { ~~إلها }. أو هو استئناف بيانى لتعليل الأمر بعبادة الله وحده، وأنه - ~~سبحانه - هو المستحق لذلك شرعا وعقلا. # وقوله { سبحانه عما يشركون } تنزيه له عن الشرك والشركاء ~~إثر الأمر بإخلاص العبادة له. أى تنزه الله - عز وجل - وتقدس عن الشركاء ~~والنظراء والأعوان والأضداد والأولاد، فهو رب العالمين، وخالق الخلائق ~~أجمعين.. قال صاحب الظلال عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه ومن النص ~~القرآنى الواضح الدلالة، ومن تفسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~للآية وهو فصل الخطاب، ثم من مفهومات المفسرين الأوائل والمتأخرين، تخلص ~~لنا حقائق فى العقيدة والدين ذات أهمية بالغة نشير إليها هنا بغاية ~~الاختصار وهى أن العبادة هى الاتباع فى الشرائع بنص القرآن وتفسير الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - فاليهود والنصارى لم يتخذوا الأحبار والرهبان ~~أربابا بمعنى الاعتقاد فى ألوهيتهم، أو تقديم الشعائر التعبدية إليهم.. ~~ومع هذا فقد حكم الله، سبحانه، عليهم بالشرك فى هذه الآية، وبالكفر فى ~~آية تالية فى السياق لمجرد أنهم تلقوا منهم الشرائع فأطاعوها واتبعوها - ~~فهذا وحده دون الاعتقاد والشعائر يكفى لاعتبار من يفعله مشركا بالله، ~~الشرك الى يخرجه من عداد المؤمنين، ويدخله فى عداد الكافرين. إن النص ~~القرآنى يسوى فى الوصف بالشرك واتخاذ الأرباب من دون الله، بين اليهود ~~الذين قبلوا التشريع من أحبارهم وأطاعوه واتبعوه، وبين النصارى الذين ~~قالوا بألوهية المسيح اعتقاد وقدموا إليه الشعائر فى العبادة. ثم بين - ~~سبحانه - بعد ذلك ما يهدف إليه أهل الكتاب من وراء أقاويلهم الكاذبة، ~~ودعاواهم الباطلة فقال { يريدون أن يطفئوا نور الله ~~بأفواههم ويأبى ms2338 الله إلا أن يتم نوره ولو ~~كره الكافرون }. والمراد بنور الله دين الإسلام الذى ارتضاه. ~~سبحانه - لعباده دينا وبعث به رسوله، صلى الله عليه وسلم، وأعطاه من ~~المعجزات والبراهين الدالة على صدقه، وعلى صحته ما جاء به مما يهدى ~~القلوب، ويشفى النفوس، ويجعلها لا تدين بالعبادة والطاعة إلا لله الواحد ~~القهار. وقيل المراد بنور الله حججه الدالة على وحدانيته - سبحانه - وقيل ~~المراد به، القرآن، وقيل المراد به نبوة النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~وكلها معان متقاربة. والمراد بإطفاء نور الله محاولة طمسه وإبطاله ~~والقضاء عليه، بكل وسيلة يستطيعها أعداؤه، كإثارتهم للشبهات من حول ~~تعاليمه، وكتحريضهم لأتباعهم وأشياعهم على الوقوف فى وجهه، وعلى محاربته. ~~والمراد بأفواههم. أقوالهم الباطلة الخارجة من تلك الأفواه التى تنطق بما ~~لا وزن له ولا قيمة. والمعنى يريد هؤلاء الكافرون بالحق من أهل الكتاب أن ~~يقضوا على دين الإسلام، وأن يطمسوا تعاليمه السامية التى جاء بها نبيه - ~~صلى الله عليه وسلم - عن طريق أقاويلهم الباطلة الصادرة عن أفواههم من ~~غير أن يكون لها مصداق من الواقع تنطبق عليه، أو أصل تستند إليه، وإنما ~~هى أقوال من قبيل اللغو الساقط المهمل الذى لا وزن له ولا قيمة. # . قال الآلوسى ما ملخصه فى الكلام استعارة تمثيلية، حيث شبه - سبحانه - ~~حال أهل الكتاب فى محاولة إبطال نبوة النبى، صلى الله عليه وسلم، عن طريق ~~تكذيبهم له، بحال من يريد أن ينفخ فى نور عظيم مثبت فى الآفاق ليطفئه ~~بنفخه.. وروعى فى كل من المشبه والمشبه به معنى الإفراط والتفريط، حيث ~~شبه الإبطال والتكذيب بالإطفاء بالفم، ونسب النور إلى الله - تعالى - ~~العظيم الشأن. ومن شأن النور المضاف إليه - سبحانه - أن يكون عظيما، فكيف ~~يطفأ بنفخ الفم..؟!! وقوله { ويأبى الله إلا أن يتم ~~نوره ولو كره الكافرون } بشارة منه - سبحانه - للمؤمنين، ~~وتقرير لسنته التى لا تتغير ولا تتبدل فى جعل العاقبة للحق وأتباعه. ~~والفعل { يأبى } هنا بمعنى لا يريد أو لا يرضى - أى أنه جار مجرى ~~النفى، ولذا صح الاستثناء منه. قال ms2339 أبو السعود وإنما صح الاستثناء المفرغ ~~- وهو قوله { إلا أن يتم نوره }. من الموجب، وهو قوله { ~~ويأبى الله } - لكونه بمعنى النفى، ولوقوعه فى مقابلة قوله { ~~يريدون } ، وفيه من المبالغة والدلالة على الامتناع ما ليس فى نفى ~~الإرادة، أى لا يريد شيئا من الأشياء إلا إتمام نوره فيندرج فى المسثنى ~~منه بقاؤه على ما كان عليه، فضلا عن الإطفاء. وفى إظهار " النور " فى ~~مقام الإضمار مضافا إلى ضميره - سبحانه - زيادة اعتناء بشأنه، وتشريف له ~~على تشريف، وإشعار بعلة الحكم ". وجواب { لو } فى قوله { ولو كره ~~الكافرون } محذوف لدلالة ما قبله عليه. والمعنى يريد أعداء الله أن ~~يطفئوا نور الله بأفواههم، والحال أن الله - تعالى - لا يريد إلا إتمام ~~هذا النور، ولو كره الكافرون هذا الإتمام لأتمه - سبحانه - دون أن يقيم ~~لكراهتهم وزنا. فالآية الكريمة وعد من الله، تعالى للمؤمنين بإظهار دينهم ~~وإعلاء كلمتهم لكى يمضوا قدما إلى تنفيذ ما كلفهم الله به بدون إبطاء أو ~~تثاقل، وهى فى الوقت نفسه تتضمن فى ثناياها الوعيد لهؤلا الضالين ~~وأمثالهم. - ثم أكد - سبحانه - وعده بإتمام نوره، وبين كيفية هذا ~~الإتمام فقال { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين ~~الحق ليظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون }. والمراد بالهدى القرآن الكريم المشتمل على الارشادات ~~السامية، والتوجيهات القويمة، والأخبار الصادقة، والتشريعات الحكيمة. ~~والمراد بدين الحق دين الإسلام الذى هو خاتم الأديان. وقوله { ~~ليظهره على الدين كله } من الإظهار بمعنى الإعلاء ~~والغلبة بالحجة والبرهان، والسيادة والسلطان. والجملة تعليلية لبيان سبب ~~هذا الإرسال والغاية منه. والضمير فى { ليظهره } يعود على الدين ~~الحق أو الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمعنى هو الله - سبحانه - الذى ~~أرسل رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم، بالقرآن الهادى للتى هى أقوم، ~~وبالدين الحق الثابت الذى لا ينسخه دين آخر، وكان هذا الإرسال لإظهار ~~هذا الدين الحق على سائر الأديان بالحجة والغلبة، ولاظهار رسوله، صلى ~~الله عليه وسلم، على أهل الأديان كلها، بما أوحى إليه - سبحانه - من ~~هدايات، وعبادات، وتشريعات، وآداب. # ... فى اتباعها سعادة الدنيا والآخرة. ms2340 وختم - سبحانه - هذه الآية بقوله ~~{ ولو كره المشركون } وختم التى قبلها بقوله { ولو كره ~~الكافرون } للاشعار بأن هؤلاء الذين قالوا " عزير ابن الله والمسيح ~~ابن الله " قد جمعوا بسبب قولهم الباطل هذا، بين رذيلتى الكفر والشكر، ~~وأنه، سبحانه، سيظهر أهل دينه على جميع أهل الأديان الأخرى. هذا، وقد ساق ~~الإمام ابن كثير بعض الأحاديث التى تؤيد ذلك، منها ما ثبت فى الصحيح عن ~~رسول الله. صلى الله عليه وسلم. أنه قال # " إن الله زوى لى الأرض من مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لى ~~منها ". # وروى الإمام أحمد عن مسعود بن قبيصة أو قبيصة بن مسعود يقول صلى هذا ~~الحى من محارب الصبح، فلما صلوا قال شاب منهم سمعت رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، يقول # " إنه ستفتح لكم مشارق الأرض ومغاربها، وإن عمالها فى النار، إلا من ~~اتقى الله وأدى الأمانة ". # وروى أيضا عن تميم الدارى قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول # " ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا ~~وبر إلا أدخله هذا الدين، يعز عزيزا ويذل ذليلا، عزا يعز الله به ~~الإسلام، وذلا يذل الله به الكفر " # وكان تميم الدارى يقول قد عرفت ذلك فى أهل بيتى، لقد أصاب من أسلم منهم ~~الشرف والخير والعز، ولقد أصاب من كان كافرا منهم الذل والصغار والجزية. ~~وأخرج أيضا # " عن عدى بن حاتم قال دخلت على رسول الله، صلى الله عليه وسلم فقال " يا ~~عدى أسلم تسلم " ، فقلت يا رسول الله إنى من أهل دين. قال " أنا أعلم ~~بدينك منك، فقلت أنت أعلم بدينى منى؟ قال نعم، ألست من الركوسية، وأنت ~~تأكل من مرباع قومك ". قلت بلى. قال " فإن هذا لا يحل لك فى دينك ". ثم ~~قال - صلى الله عليه وسلم - " أما إنى أعلم ما الذى يمنعك من الإسلام ~~تقول إنما اتبعه ضعفة الناس، ومن لا قوة له، ومن رمتهم العرب، أتعرف ~~الحيرة "؟ قلت لم أرها وقد سمعت بها. قال " فوالذى ms2341 نفسى بيده ليتمن الله ~~هذا الأمر، حتى تخرج الظعينة من الحيرة، حتى تطوف بالبيت من غير جوار ~~أحد، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز ". قلت كسرى بن هرمز؟ قال " نعم. كسرى بن ~~هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد ". # قال عدى بن حاتم فهذه الظعينة تخرج من الحيرة، فتطوف بالبيت من غير جوار ~~أحد. ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز، والذى نفسى بيده لتكونن ~~الثالثة، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قالها. وإلى هنا نرى ~~أن هذه الآيات الكريمة قد كذبت أهل الكتاب فى قولهم " عزير ابن الله ~~والمسيح ابن الله " ، وأرشدتهم إلى الطريق الحق الواضح المستقيم ليسيروا ~~عليه، ووبختهم على تشبههم فى هذه الأقوال الباطلة بمن سبقهم من الضالين، ~~وعلى انقيادهم لأحبارهم ورهبانهم بدون تعقل أو تدبر، وبشرت المؤمنين ~~بظهور دينهم الذى ارتضاه الله لهم على الأديان كلها. ثم ختم - سبحانه - ~~الحديث عن أهل الكتاب بتوجيه نداء إلى المؤمنين بين لهم فيه بعض الرذائل ~~التى انغمس فيها الأحبار والرهبان، وكيف جمعوا بين ضلال أنفسهم وإضلال ~~أتباعهم، حيث أمروا هؤلاء الأتباع بالانقياد لهم فيما يأتون ويذرون.. ~~فقال - تعالى - { يأيها الذين آمنوا...ما كنتم ~~تكنزون }. ### || [9.34-35] # قال الفخر الرازى اعلم أنه - تعالى - لما وصف رؤساء اليهود والنصارى ~~بالتكبر والتجبر وادعاء الربوبية والترفع على الخلق، وصفهم فى هذه الآية ~~بالطمع والحرص على أخذ أموال الناس، تنبيها على أن المقصود من إظهار تلك ~~الربوبية والتجبر والفخر، أخذ أموال الناس بالباطل. ولعمرى من تأمل أحوال ~~أهل الناموس والتزوير فى زماننا وجد هذه الآيات كأنها ما أنزلت إلا فى ~~شأنهم، وفى شرح أحوالهم، فترى الواحد منهم يدعى أنه لا يلتفت إلى الدنيا، ~~ولا يتعلق خاطره بجميع المخلوقات، وأنه فى الطهارة والعصمة مثل الملائكة ~~المقربين حتى إذا آل الأمر إلى الرغيف الواحد تراه يتهالك عليه ويتحمل ~~نهاية الذل والدناءة فى تحصيله. المراد بالأكل فى قوله { ليأكلون } ~~مطلق الأخذ والانتفاع. وعبر عن ذلك بالأكل، لأنه المقصود الأعظم من جمع ~~الأموال، فسمى الشئ باسم ما هو ms2342 أعظم مقاصده، على سبيل المجاز المرسل، ~~بعلاقة العلية والمعلولية. وأكلهم أموالهم الناس بالباطل، يتناول ما ~~كانوا يأخذونه من سفلتهم عن طريق الرشوة والتدليس أو التحايل أو الفتاوى ~~الباطلة. كما يتناول ما سوى ذلك مما كانوا يأخذونه بغير وجه حق. وأسند - ~~سبحانه - هذه الجريمة - وهى أكل أموال الناس بالباطل - إلى كثير من ~~الأحبار والرهبان ولم يسندها إلى جميعهم، إنصافا للعدد القليل منهم الذى ~~لم يفعل ذلك، فإن كل طائفة أو جماعة لا تخلو من وجود أفراد من بينها ~~يتعففون عن الحرام، ويقيدون أنفسهم بالحلال. قال صاحب المنار وإسناد هذه ~~الجريمة المزرية إلى الكثيرين منهم دون جميعهم من دقائق تحرى الحق فى ~~عبارات الكتاب العزيز، فهو لا يحكم على الأمة الكبيرة بفساد جميع أفرادها ~~أو فسقهم أو ظلمهم، بل يسند ذلك إلى الكثير أو الأكثر، أو يطلق اللفظ ~~العام ثم يستثنى منه. فمن الأول قوله - تعالى - فى اليهود # وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان ~~وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون * لولا ~~ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم ~~وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون # ومن الثانى قوله - تعالى - فى اليهود أيضا # قل يأهل الكتاب هل تنقمون منآ إلا أن آمنا ~~بالله ومآ أنزل إلينا ومآ أنزل من قبل وأن ~~أكثركم فاسقون # ومن الثالث قوله - سبحانه - فى شأن المحرفين للكلم الطاعنين فى الإسلام ~~من اليهود + أيضا - # من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ~~ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع ~~وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو ~~أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا ~~لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله ~~بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا # وقد نبهنا فى تفسير هذه الآيات وأمثالها على العدل الدقيق فى أحكام ~~القرآن على البشر وإنما نكرره لعظيم شأنه. # . " وقوله { ويصدون عن سبيل الله } جريمة من جرائمهم ~~الكثيرة. والصد المنع والصرف عن الشئ.. وسبيل الله دينه وشريعته. أى أن ~~هؤلاء الكثيرين من الأحبار والرهبان لا يكتفون بأكل أموال الناس بالباطل، ~~بل إنهم يضيفون إلى ذلك جريمة ثانية من جرائمهم ms2343 المتعددة وهى انهم ~~ينصرفون عن الدين الحق وهو دين الإسلام انقيادا لأحقادهم وشهواتهم، ~~ويصرفون أتباعهم عنه بشتى الوسائل، كأن يصفوه لهم بأنه دين باطل، أو بأن ~~رسوله - صلى الله عليه وسلم - ليس هو الرسول الذى بشرت به الكتب السماوية ~~السابقة.. إلى غير ذلك من وسائلهم المتنوعة فى صرف الناس عن الحق. والاسم ~~الموصول فى قوله { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله... } يرى بعضهم أن المراد به أولئك ~~الأحبار والرهبان، لأن الكلام مسوق فى ذمهم، وتكون هذه الجملة ذما لهم ~~على رذيلة ثالثة هى الحرص والبخل، بعد ذمهم على رذيلتى أكل أموال الناس ~~بالباطل والصد عن سبيل الله. ويرى آخرون أن المراد بهم البخلاء من ~~المسلمين، وأن الجملة مستأنفة لذم ما نعى الزكاة بقرينة قوله { ولا ~~ينفقونها في سبيل الله } ويكون نظمهم مع أهل السوء من ~~الأحبار والرهبان من باب التحذير والوعيد والإشارة إلى أن الأشحاء ~~المانعين لحقوق الله، مصيرهم كمصير الأحبار والرهبان فى استحقاق البشارة ~~بالعذاب. وترى طائفة ثالثة من العلماء أن المراد به كل من كنز المال، ولم ~~يخرج الحقوق الواجبة فيه، سواء أكان من المسلمين أم من غيرهم، لأن اللفظ ~~مطلق، فيجب إجراؤه على إطلاقه وعمومه، إذ لم ما يقيده أو يخصصه. وقوله { ~~يكنزون } من الكنز، وأصله فى اللغة العربية الضم الجمع. يقال كنزت ~~التمر فى الوعاء إذا جمعته فيه. وكل شئ مجموع بعضه إلى بعض فى بطن الأرض ~~أو على ظهرها فهو كنز، وجمعه كنوز. وخص الذهب والفضة بالذكر، لأنهما ~~الأصل الغالب فى الأموال ولأنهما اللذان يقصدان بالكنز أكثر من غيرهما. ~~وقال الفخر الرازى ما ملخصه ذكر - سبحانه - شيئين هما الذهب والفضة ثم ~~قال { ولا ينفقونها } - وكان الظاهر أن يقول " ولا ينفقونهما " ~~والجواب من وجهين الأول أن الضمير عائد إلى المعنى دون اللفظ، لأن كل ~~واحد منهما جملة وافية وعدة كثيرة ودنانير ودراهم فهو كقوله - تعالى - # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا # أو أن يكون التقدير والذين يكنزون الكنوز ولا ينفقونها فى سبيل الله، ~~فيكون ms2344 الضمير عائد إلى الكنوز المدلول عليها بالفعل { يكنزون }. ~~الثانى أن يكون الضمير عائد إلى اللفظ، ويكون ذكر أحدهما يغنى عن ذكر ~~الآخر، كقوله - تعالى - # وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها # جعل الضمير للتجارة.. وقوله { فبشرهم بعذاب أليم } خبر ~~الموصول. # والتعبير بالبشارة من باب التهكم بهم، والسخرية منهم، فهو كقولهم تحيتهم ~~الضرب وإكرامهم الشتم. وقوله { يوم يحمى عليها في نار ~~جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم.. } ~~تفصيل لهذا العذاب الأليم، وبيان لميقاته، حتى يقلع البخلاء عن بخلهم، ~~والأشحاء عن شحهم.. والظرف { يوم } منصوب بقوله { عذاب أليم } ~~أو بفعل محذوف يدل عليه هذا القول. أى يعذبون يوم يحمى عليها، أو بفعل ~~مقدر أى اذكر يوم يحمى عليها. وقوله { يحمى } يجوز أن يكون من حميت ~~وأحميت - ثلاثيا ورباعيا - يقال حميت الحديدة وأحميتها، أى أوقدت عليها ~~لتحمى. وقوله { عليها } جار مجرور فى موضع رفع لقيامه مقام الفاعل. ~~ويجوز أن يكون القائم مقام الفاعل مضمرا، أى يحمى الوقود أو الجمر عليها. ~~قال الآلوسى وأصله تحمى بالنار من قولك حميت الميسم وأحميته فجعل ~~الإحماء للنار مبالغة لأن النار فى ذاتها ذات حمى، فإذا وصفت بأنها تحمى ~~دل على شدة توقدها. ثم حذفت النار، وحول الإسناد إلى الجار والمجرور ~~تنبيها على المقصود بأتم وجه فانتقل من صيغة التأنيث إلى التذكير كما ~~تقول رفعت القصة إلى الأمير. فإذا طرحت القصة وأسند الفعل إلى الجار ~~والمجرور قلت رفع إلى الأمير، وقرأ ابن عامر { تحمي } بالتاء بإسناده إلى ~~النار كأصله. والمعنى بشر - يا محمد - أولئك الذين يكنزون الأموال فى ~~الدنيا ولا ينفقونها فى سبيل الله، بالعذاب الأليم يوم الحساب يوم تحمى ~~النار المشتعلة على تلك الأموال التى لم يؤدوا حق الله فيها { فتكوى ~~بها جباههم } أى فتحرق بها جباههم التى كانوا يستقبلون بها الناس، ~~والتى طالما ارتفعت غرورا بالمال المكنوز، وتحرق بها - أيضا - " جنوبهم " ~~التى كثيرا ما انتفخت من شدة الشبع وغيرها جائع، وتحرق بها كذلك " ظهورهم ~~" التى نبذت وراءها حقوق الله بجحود وبطر.. قال صاحب الكشاف فإن قلت ms2345 لم ~~خصت هذه الأعضاء بالكى؟ قلت لأنهم لم يطلبوا بأموالهم - حيث لم ينفقوها ~~فى سبيل الله - إلا الأغراض الدنيوية، من وجاهة عند الناس، وتقدم، وأن ~~يكون ماء وجوههم مصونا عندهم، يتلقون بالجميل ويحيون بالإكرام، ويبجلون ~~ويحتشمون، ومن أكل طيبات يتضلعون منها وينفخون جنوبهم، ومن لبس ناعمة من ~~الثياب يطرحونها على ظهورهم، كما ترى أغنياء زمانك، هذا أغراضهم وطلباتهم ~~من أموالهم، لا يخطر ببالهم قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " ذهب أهل الدثور بالأجر كله ". # وقيل لأنهم كانوا إذا أبصروا الفقير عبسوا، وإذا ضمهم وإياه مجلس ازوروا ~~عنه، وتولوا بأركانهم، وولوه ظهورهم.. " وقوله { هذا ما كنزتم ~~لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون } مقول لقول محذوف. ~~والتفسير تقول لهم ملائكة العذاب على سبيل التبكيت والتوبيخ، وهى تتولى ~~حرق جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا العذاب الأليم النازل بكم فى الآخرة هو ~~جزاء ما كنتم تكنزونه فى الدنيا من مال لمنفعة أنفسكم دون أن تؤدوا حق ~~الله فيه. # فذوقوا وحدكم وبال كنزكم. وتجرعوا غصصه، وتحملوا سوء عاقبته فأنتم الذين ~~جنيتم على أنفسكم، لأنكم لم تشكروا الله على هذه الأموال، بل استعملتموها ~~فى غير ما خلقت له. هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من ~~هاتين الآيتين ما يأتى. 1- التحذير من الانقياد لدعاة السوء، ومن تقليدهم ~~فى رذائلهم وقبائحهم ووجوب السير على حسب ما جاء به الإسلام من تعاليم ~~وتشريعات.. ولذا قال ابن كثير عند تفسيره للآية الأولى والمقصود التحذير ~~من علماء السوء، وعباد الضلال، كما قال سفيان بن عيينه من فسد من علمائنا ~~كان فيه شبه من أحبار اليهود، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من رهبان ~~النصارى. وفى الحديث الصحيح " لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة ~~" قالوا اليهود والنصارى؟ قال " فمن "؟ وفى رواية فارس والروم؟ قال " فمن ~~الناس إلا هؤلاء " والحاصل التحذير من التشبه بهم فى أقوالهم وأحوالهم. ~~هذا، ونص الحديث الصحيح الذى ذكره الإمام ابن كثير - كما رواه الشيخان - ~~هكذا عن أبى سعيد الخدرى أن النبى - صلى الله عليه وسلم ms2346 - قال # " لتتبعن سنن من قبلكم شبرا يشبر وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب ~~لسلكتموه، قلنا يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال فمن ". # أما الحديث الذى جاء فيه حذو القذة بالقذة، فقد أخرجه الإمام أحمد عن ~~شداد بن أوس ونصه " ليحملن شرار هذه الأمة على سنن الذين خلوا من قبلهم. ~~أهل الكتاب، حذو القذة بالقذة ". 2- يرى جمهور العلماء أن المقصود بالكنز ~~فى قوله، تعالى، { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها }.. ألخ المال الذى لم تؤد زكاته، أما إذا أديت زكاته فلا ~~يسمى كنزا، ولا يدخل صاحبه تحت الوعيد الذى اشتملت عليه الآية. وقد وضح ~~الإمام القرطبى هذه المسألة فقال واختلف العلماء فى المال الذى أديت ~~زكاته هل يسمى كنزا أولا؟. فقال قوم نعم. رواه أبو الضحا عن جعدة بن ~~هبيرة عن على قال أربعة آلاف فما دونها نفقة، وما كثر فهو كنز وإن أديت ~~زكاته، ،،، ولا يصح. وقال قوم ما أديت زكاته مئة أو من غيره عنه فليس ~~بكنز، قال ابن عمر ما أديت زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وكل ~~ما لم تؤد زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض. ومثله عن جابر، وهو الصحيح. ~~وروى البخارى عن أبى هريرة قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته، مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له ~~زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه - يعنى شدقيه - ثم يقول أنا ~~مالك أنا كنزك.. ". # وفيه أيضا عن أبى ذر قال انتهيت إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال # " والذى نفسى بيده، ما من رجل تكون له إبل أو بقر أو غنم، لا يؤدى حقها، ~~إلا أتى بها يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمنه، تطؤه بأخفافها، وتنطحه ~~بقرونها، كلما جازت أخراها ردت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس ". # فدل دليل خطاب هذين الحديثين على صحة ما ذكرنا. وقد بين ابن عمر فى صحيح ~~البخارى هذا المعنى. قال له أعرابى أخبرنى عن قول الله - تعالى - { ~~والذين ms2347 يكنزون الذهب والفضة.. } الآية فقال ابن عمر ~~من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له، إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما ~~أنزلت جعلها الله طهرا للأموال. وروى أبو داود # " عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية { والذين يكنزون ~~الذهب والفضة.. } كبر ذلك على المسلمين، فقال عمر أنا أفرج ~~عنكم، فانطلق فقال يا نبى الله، إنه كبر على أصحابك هذه الآية. فقال - ~~صلى الله عليه وسلم - " إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقى من ~~أموالكم، وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم " قال فكبر عمر. ثم قال له ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟ ~~المرأة الصالحة، إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها ~~حفظته ". # 3- أخذ بعض الصحابة من هذه الآية تحريم اكتناز الأموال التى تفيض عن ~~حاجات الإنسان الضرورية. قال ابن كثير كان من مذهب أبى ذر - رضى الله ~~عنه - تحريم إدخار ما زاد على نفقة العيال، وكان يفتى بذلك، ويحثهم عليه ~~ويأمرهم به، ويغلظ فى خلافه، فنهاه معاوية فلم ينته، فخشى أن يضر بالناس ~~فى هذا، فكتب يشكوه إلى أمير المؤمنين عثمان، وأن يأخذه إليه، فاستقدمه ~~عثمان إلى المدينة وأنزله بالربذة - وهى بلدة قريبة من المدينة - وبها ~~مات - رضى الله عنه - فى خلافة عثمان. وروى البخارى فى تفسير هذه الآية ~~عن زيد بن وهب قال مررت بالربذة، فإذا بأبى ذر، فقلت له ما أنزلك بهذه ~~الأرض؟ قال كنا بالشام فقرأت { والذين يكنزون الذهب ~~والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم ~~بعذاب أليم }. فقال معاوية ما هذه فينا ما هذه إلا فى أهل الكتاب. ~~قال قلت إنها لفينا وفيهم. ثم قال ابن كثير وفى الصحيح # " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأبى ذر " ما يسرنى أن عندى ~~مثل أحد ذهبا يمر على ثلاثة أيام وعندى منه شئ إلا دينار أرصده لدين " ~~فهذا - والله أعلم - هو الذى حدا أباذر على القول بهذا " ". # وقال الشيخ القاسمى قال ابن عبد ms2348 البر وردت عن أبى ذر آثار كثيرة تدل على ~~أنه كان يذهب إلى أن كل مال مجموع يفضل عن القوت وسداد العيش، فهو كنز ~~يذم فاعله، وأن آية الوعيد نزلت فى ذلك. وخالفه جمهور الصحابة ومن بعدهم، ~~وحملوا الوعيد على ما نعى الزكاة، وأصح ما تمسكوا به حديث طلحة وغيره فى ~~قصة الأعرابى حيث قال هل على غيرها؟ قال لا، إلا أن تطوع ". وحديث طلحة ~~الذى أشار إليه ابن عبد البر، قد جاء فى صحيح البخارى ونصه # " عن طلحة بن عبيد الله قال جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوى صوته ولا يفقه ما يقول حتى دنا فإذا هو ~~يسأل عن الإسلام. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " خمس صلوات فى ~~اليوم والليلة، فقال هل على غيرها؟ قال " لا.. إلا أن تطوع، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم " وصيام رمضان " قال هل على غيره؟ قال " لا إلا ~~أن تطوع " ، قال. وذكر له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الزكاة، قال. ~~هل على غيرها؟ قال " لا إلا أن تطوع ". قال، فأدبر الرجل وهو يقول. والله ~~لا أزيد على ذلك ولا أنقص. فقال، رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ~~أفلح إن صدق ". # هذا ومما استدل به جمهور الصحابة ومن بعدهم من العلماء، على عدم حرمة ~~اقتناء الأموال التى تفيض عن الحاجة - ما دام قد أدى حق الله فيها - ما ~~يأتى أ أن قواعد الشرع لا تحرم ذلك، وإلا لما شرع الله المواريث لأنه لو ~~وجب إنفاق كل ما زاد عن الحاجة، لما كان لمشروعية المواريث فائدة. ب ثبت ~~فى الحديث الصحيح # " أن سعد بن أبى وقاص عندما كان مريضا، وزاره رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال له يا رسول الله أأوصى بمالى كله؟ قال " لا. قال سعد ~~فالشطر؟ قال لا. قال سعد فالثلث؟ فقال له - صلى الله عليه وسلم - فالثلث ~~والثلث كثير. إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن ms2349 تدعهم عالة يتكففون ~~الناس.. ". # ولو كان جمع المال واقتناؤه محرما، لأقر النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~سعدا على التصدق بجميع ماله، ولأمر المسلمين أن يحذوا حذو سعد، ولكنه صلى ~~الله عليه وسلم - لم يفعل ذلك، بل قال لسعد # " إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس.. ". # وقد كان فى عهده - صلى الله عليه وسلم - من الصحابة من يملكون الكثير من ~~الأموال - كعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف وغيرهما - ومع هذا فلم ~~يأمرهم بإنفاق كل ما زاد عن حاجتهم الضرورية. قال القرطبى قرر الشرع ضبط ~~الأموال وأداء حقها، ولو كان ضبط المال ممنوعا، لكان حقه أن يخرج كله، ~~وليس فى الأمة من يلزم هذا. وحسبك حال الصحابة وأموالهم - رضوان الله ~~عليهم - وأما ما ذكر عن أبى ذر فهو مذهب له. ج ما ورد من آثام فى ذم ~~الكنز و الكانزين كان قبل أن تفرض الزكاة أو هو فى حق من امتنع عن أداء ~~حق الله فى ماله. قال صاحب الكشاف. فإن قلت فما تصنع فى قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - # " من ترك صفراء أو بيضاء كوى بها ". # قلت كان هذا قبل أن تفرض الزكاة، فأما بعد فرضيتها، فالله أعدل وأكرم من ~~أن يجمع عبده مالا من حيث أذن له فيه، ويؤدى عنه ما أوجب عليه فيه، ثم ~~يعاقبه. ولقد كان كثير من الصحابة كعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله ~~يقتنون الأموال ويتصرفون فيها، وما عابهم أحد ممن أعرض عن القنية لأن ~~الإعراض اختيار للأفضل، والاقتناء مباح موسع لا يذم صاحبه، ولكل شئ حد. ~~4- أن الإسلام وإن كان قد أباح للمسلم اقتناء المال - بعد أداء حق الله ~~فيه - إلا أنه أمر أتباعه أن يكونوا متوسطين فى حبهم لهذا الاقتناء، حتى ~~لا يشغلهم حب المال عن طاعة الله. ورحم الله الإمام الرازى، فقد قال عند ~~تفسيره لهذه الآيات ما ملخصه، اعلم أن الطريق الحق أن يقال، الأولى أن لا ~~يجمع الرجل الطالب للدين المال الكثير، إلا ms2350 أنه لم يمنع عنه فى ظاهر ~~الشرع، فالأول محمول على التقوى والثانى على ظاهر الفتوى. أما بيان أن ~~الأولى الاحتراز عن طلب المال الكثير فلوجوه منها أن كثرة المال سبب ~~لكثرة الحرص فى الطلب، والحرص متعب للروح والنفس والقلب.. والعاقل هو ~~الذى يحترز عما يتعب روحه ونفسه وقلبه. وأن كسب المال شاق شديد وحفظه بعد ~~حصوله أشد وأشق وأصعب، فيبقى الإنسان طول عمره تارة فى طلب التحصيل ~~وأخرى فى تعب الحفظ وأن كثرة الجاه والمال تورث الطغيان، كما قال - تعالى ~~- # إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى # هذا، وقد ساق الإمام ابن كثير جملة من الأحاديث فى ذم التكثر من الذهب ~~والفضة، ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد عن حسان بن عطية قال كان شداد بن ~~أوس - رضى الله عنه - فى سفر، فنزل منزلا فقال لغلامه ائتنا بالسفرة نعبث ~~بها، فأنكرت عليه ذلك. # فقال ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت إلا وأنا أخطمها وأزمها غير كلمتى هذه ~~فلا تحفظوها عنى واحفظوا ما أقول لكم سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول # " إذا كنز الناس الذهب والفضة، فاكنزوا هؤلاء الكلمات اللهم إنى أسألك ~~الثبات فى الأمر، والعزيمة على الرشد وأسألك شكر نعمتك، وأسألك حسن ~~عبادتك، وأسألك قلبا سليما، وأسألك لسانا صادقا، واسألك من خير ما تعلم، ~~وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم. إنك أنت علام الغيوب ". # وبعد فهذه سبع آيات عن أهل الكتاب، بدأت - بقوله تعالى # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر # وانتهت بقوله تعالى { فذوقوا ما كنتم تكنزون }. وقد بينت ~~هذه الآيات ما يجب أن يكون عليه موقف المؤمنين منهم، وكشفت عن أقوالهم ~~الباطلة، وعن جحود رؤسائهم للحق، وعن انقياد عامتهم للضلال، وعن استحلال ~~كثير من أحبارهم ورهبانهم لمحارم الله.. ثم عادت السورة بعد ذلك إلى ~~تكملة الحديث عن أحوال المشركين السيئة، وعن وجوب مقاتلتهم، فقال تعالى. ~~{ إن عدة الشهور....القوم الكافرين }. ### || [9.36-37] # قال صحاب المنار، هاتان الآيتان عود إلى الكلام فى أحوال المشركين، وما ~~يشرع من ms2351 معاملاتهم بعد الفتح، وسقوط عصبية الشرك، وكان الكلام قبل هاتين ~~الآيتين - فى قتال أهل الكتاب وما يجب أن ينتهى به من إعطاء الجزية من ~~قبيل الاستطراد، اقتضاه ما ذكر قبله من أحكام قتال المشركين ومعاملتهم، ~~وقد ختم الكلام فى أهل الكتاب ببيان حال كثير من رجال الدين الذين أفسدت ~~عليهم دينهم المطامع المالية، التى هى وسيلة العظمة الدنيوية والشهوات ~~الحيوانية، وإنذار من كانت هذه حالهم بالعذاب الشديد يوم القيامة وجعل ~~هذا الإنذار موجها إلينا وإليهم جميعا.. " والعدة - فى قوله. إن عدة ~~الشهور - على وزن فعله من العدد وهى بمعنى المعدود. قال الراغب العدة هى ~~الشئ المعدود، قال - تعالى # وما جعلنآ أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا ~~عدتهم إلا فتنة للذين كفروا # أى وما جعلنا عددهم إلا فتنة للذين كفروا.. والشهور جمع شهر. والمراد ~~بها هنا الشهور التى تتألف منها السنة القمرية وهى شهور. المحرم. وصفر. ~~وربيع الأول.. الخ. وهذه الشهور عليها مدار الأحكام الشرعية، وبها يعتد ~~المسلمون فى عبادتهم وأعيادهم وسائر أمورهم. والمراد بقوله { يوم ~~خلق السموت والأرض } الوقت الذى خلقهما فيه، وهو ستة أيام ~~كما جاء فى كثير من الآيات، ومن ذلك قوله - تعالى - # إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش # والمعنى إن عدد الشهور { عند الله } أى فى حكمه وقضائه { اثنا ~~عشر شهرا } هى الشهور القمرية التى عليها يدور فلك الأحكام ~~الشرعية. وقوله { في كتاب الله } ، أى فى اللوح المحفوظ. قال ~~القرطبى وأعاده بعد أن قال { عند الله } لأن كثيرا من الأشياء يوصف ~~بأنه عند الله، ولا يقال إنه مكتوب فى كتاب الله، كقوله # إن الله عنده علم الساعة # وقيل معنى { في كتاب الله } أى فيما كتبه - سبحانه - وأثبته ~~وأوجب على عباده العمل به منذ خلق السماوات والأرض. قال الجمل وقوله. { ~~في كتاب الله } صفة لاثنى عشر، وقوله { يوم خلق ~~السموت والأرض } متعلق بما تعلق به الظرف قبله من معنى الثبوت ~~والاستقرار، أو بالكتاب، إن جعل مصدرا. والمعنى أن هذا أمر ms2352 ثابت فى نفس ~~الأمر منذ خلق الله الأجرام والأزمنة أى أن المقصود من هذه الآية ~~الكريمة، بيان أن كون الشهور كذلك حكم أثبته - سبحانه - فى اللوح المحفوظ ~~منذ أوجد هذا العالم، وبينه لأنبيائه على هذا الوضع.. فمن الواجب اتباع ~~ترتيب الله لهذه الشهور، والتزام أحكامها ونبذ ما كان يفعله أهل الجاهلية ~~من تقديم بعض الشهور أو تأخيرها أو الزيادة عليها، أو انتهاك حرمة المحرم ~~منها. # وقوله { حرم } جمع حرام - كسحب جمع سحاب - مأخوذ من الحرمة وذلك لأن ~~الله تعالى - أوجب على الناس احترام هذه الشهور، ونهى عن القتال فيها وقد ~~أجمع العلماء على أن المراد بها ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، ~~وبذلك تظاهرت الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم. فقد أخرج ~~البخارى عن أبى بكر عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال فى خطبة حجة ~~الوداع # " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا ~~عشر شهرا منها أربعة حرم. ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة، والمحرم، ~~ورجب مضر الذى بين جمادى وشعبان ". # وسماه - صلى الله عليه وسلم - رجب مضر، لأن بنى ربيعة بن نزار كانوا ~~يحرمون شهر رمضان ويسمونه رجبا وكانت قبيلة مضر تحرم رجبا نفسه، لذا ~~قال - صلى الله عليه وسلم - فيه # " ورجب مضر الذى بين جمادى وشعبان ". # قال ابن كثير. وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعة ثلاث سرد. وواحد فرد ~~لأجل أداء مناسك الحج والعمرة فحرم قبل الحج شهرا وهو ذو القعدة يقعدون ~~فيه عن القتال وحرم شهر ذى الحجة لأنهم يوقعون فيه الحج، ويشتغلون بأداء ~~المناسك، وحرم بعده شهرا آخر هو المحرم، ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم ~~آمنين، وحرم رجب فى وسط الحول لأجل زيارة البيت والاعتمار به لمن يقدم ~~إليه من أقصى جزيرة العرب، فيزوره ثم يعود إلى وطنه آمنا. واسم الإشارة ~~فى قوله { ذلك الدين القيم } يعود إلى ما شرعه الله - تعالى - ~~من أن عدة الشهور اثنا عشر شهرا، ومن أن منها أربعة حرم. والقيم القائم ~~الثابت المستقيم ms2353 الذى لا التواء فيه ولا اعوجاج أى ذلك الذى شرعناه لكم ~~من كون عدة الشهور كذلك، ومن كون منها أربعة حرم هو الدين القويم، والشرع ~~الثابت الحكيم، الذى لا يقبل التغيير أو التبديل.. لا ما شرعه أهل ~~الجاهلية لأنفسهم من تقديم بعض الشهور وتأخير بعضها استجابة لأهوائهم ~~وشهواتهم، وإرضاء لزعمائهم وسادتهم. والضمير المؤنث فى قوله { فلا ~~تظلموا فيهن أنفسكم } يرى ابن عباس أنه يعود على جميع ~~الشهور أى فلا تظلموا فى الشهور الاثنى عشر أنفسهم، بأن تفعلوا فيها ~~شيئا مما نهى الله عن فعله، ويدخل فى هذا النهى هتك حرمة الأشهر الأربعة ~~الحرم دخولا أوليا. ويرى جمهور العلماء أن الضمير يعود إلى الأشهر ~~الأربعة الحرم، لأنه إليها أقرب لأن الله تعالى قد خص هذه الأربعة بمزيد ~~من الاحترام تشريفا لها. وقد رجح ابن جرير ما ذهب إليه الجمهور فقال ما ~~ملخصه وأولى الأقوال فى ذلك عندى بالصواب قول من قال فلا تظلموا فى ~~الأشهر الأربعة أنفسكم باستحلال حرامها، فإن الله عظمها وعظم حرمتها. # وعن قتادة إن الله اصطفى صفايا من خلقه، اصطفى من الملائكة رسلا، ومن ~~الناس رسلا، واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد واصطفى من ~~الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة واصطفى من ~~الليالى ليلة القدر، فعظموا ما عظم الله، فإنما تعظم الأمور بما عظمها ~~الله عند أهل الفهم.. فإن قال قائل فإن كان الأمر على ما وصفت، فقد يكون ~~مباحا لنا ظلم أنفسنا فى غيرهن من سائر شهور السنة. قيل ليس ذلك كذلك، بل ~~ذلك حرام علينا فى كل وقت ولكن الله عظم حرمة هؤلاء الأشهر وشرفهم على ~~سائر شهور السنة فخص الذنب فيهن، بالتعظيم كما خصهن بالتشريف، وذلك نظير ~~قوله - تعالى - # حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى # ولا شك أن الله قد أمرنا بالمحافظة على الصلوات المفروضات كلها بقوله # حافظوا على الصلوات # ولم يبح ترك المحافظة عليهن بأمره بالمحافظة على الصلاة الوسطى، ولكنه ~~تعالى - زادها تعظيما، وعلى المحافظة عليها توكيدا، وفى تضييعها ~~تشديدا، ms2354 فكذلك فى قوله { منهآ أربعة حرم ذلك الدين ~~القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم }. وقد كانت ~~الجاهلية تعظم هذه الأشهر الحرم وتحرم القتال فيهن، حتى لو لقى الرجل ~~منهم فيهن قاتل أبيه لم يهجه. وقال القرطبى لا يقال كيف جعلت بعض الأزمنة ~~أعظم حرمة من بعض فإنا نقول للبارى - تعالى - أن يفعل ما شاء، ويخص ~~بالفضيلة ما يشاء ليس لعمله علة، ولا عليه حجر، بل يفعل ما يريد بحكمته، ~~وقد تظهر فيه الحكمة وقد تخفى. وقوله { وقاتلوا المشركين ~~كآفة كما يقاتلونكم كآفة } تحريض للمؤمنين على قتال ~~المشركين بقلوب مجتمعه، وعزيمة صادقة. وكلمة { كآفة } مصدر فى موضع ~~الحال من ضمير الفاعل فى { قاتلوا } أو من المفعول وهو لفظ المشركين. ~~ومعناها جميعا. وقالوا وهذه الكلمة من الكلمات التى لا تثنى ولا تجمع ولا ~~تدخلها أل ولا تعرب إلا حالا فهى ملتزمة للإفراد والتأنيث مثل عامة ~~وخاصة. أى قاتلوا - أيها المؤمنون - المشركين جميعا، كما يقاتلونكم هم ~~جميعا، بأن تكونوا فى قتالكم لهم مجتمعين متعاونين متناصرين. لا مختلفين ~~ولا متخاذلين. وقوله { واعلموا أن الله مع المتقين } ~~تذييل قصد به إرشادهم إلى ما ينفعهم فى قتالهم لأعدائهم بعد أمرهم به. أى ~~واعلموا - أيها المؤمنون أن الله تعالى - مع عباده المتقين بالعون والنصر ~~والتأييد، ومن كان الله معه فلن يغلبه شئ فكونوا - أيها المؤمنين من عباد ~~الله المتقين الذين صانوا أنفسهم عن كل ما نهى عنه لتنالوا عونه وتأييده. ~~ثم نعى - سبحانه - على ما كانوا يفعلون من تحليل وتحريم للشهور على حسب ~~أهوائهم.. فقال تعالى { إنما النسيء زيادة في الكفر... ~~} والنسئ مصدر بزنة فعيل مأخوذ من نسأ الشئ إذا أخره. # ومنه نسأت الإبل عن الحوض إذا أخرتها عنه. ومنه أنسأ الله فى أجل فلان، ~~أى أخره والمراد به تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر. وقد أشار صاحب الكشاف ~~إلى الأسباب التى جعلت المشركين يحلون الأشهر الحرم فقال " كانوا أصحاب ~~حروب وغارات، فإذا جاء الشهر الحرام وهم محاربون شق عليهم ترك المحاربة، ~~فيحلونه ويحرمونه مكانه شهر آخر - وكان ms2355 يشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر ~~لا يغيرون فيها - حتى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم بالتحريم فكانوا يحرمون ~~من شتى شهور العام أربعة أشهر، وذلك قوله { ليواطئوا عدة ما ~~حرم الله } أى ليوافقو العدة التى هى الأربعة ولا يخالفوها وقد ~~خالفوا التخصيص الذى هو أحد الواجبين ". والمعنى إنما النسئ الذى يفعله ~~المشركون، من تأخيرهم حرمة شهر إلى آخر، { زيادة في الكفر } أى ~~زيادة فى كفرهم لأنهم قد ضموا إلى كفرهم بالله كفرا آخر، هو تحليلهم لما ~~حرمه الله وتحريمهم لما أحله وبذلك يكونون قد جمعوا بين الكفر فى العقيدة ~~والكفر فى التشريع. قال القرطبى وقوله { زيادة في الكفر } بيان ~~لما فعلته العرب من جمعها أنواعا من الكفر، فإنها أنكرت وجود البارى - ~~تعالى - فقالت # وما الرحمن # فى أصح الوجوه. وأنكرت البعث فقالت # من يحيي العظام وهي رميم # وأنكرت بعثة الرسل فقالوا # أبشرا منا واحدا نتبعه # وزعمت أن التحليل والتحريم إليها، فابتدعته من ذاتها مقتفية لشهواتها ~~فأحلت ما حرمه الله ولا مبدل لكلماته ولو كره المشركون. وقوله { يضل ~~به الذين كفروا } قرأه الكوفيون بضم الياء وفتح الضاد بالبناء ~~للمفعول. أى يوقع الذين كفروا بسبب ارتكابهم للنسئ فى الضلال والموقع لهم ~~فى هذا الضلال كبراؤهم وشياطينهم. وقرأه أهل الحرمين وأبو عمرو { يضل ~~} بفتح الياء وكسر الضاد بالبناء للفاعل. أى يضل الله الذين كفروا، بأن ~~يخلق فيهم الضلال بسبب مباشرتهم لما أدى إليه وهو ارتكابهم للنسئ. ويصح ~~أن يكون الفاعل هو الذين كفروا أى يضل الذين كفروا عن الحق بسبب ~~استعمالهم للنسئ الذى هو لون من ألوان استحلال محارم الله. وقوله { ~~يحلونه عاما ويحرمونه عاما } بيان وتفسير لكيفية ~~ضلالهم. والضمير المنصوب فى { يحلونه..ويحرمونه } يعود إلى ~~النسئ، أى الشهر المؤخر عن موعده. والمعنى أن هؤلاء الكافرين من مظاهر ~~ضلالهم، أنهم يحلون الشهر المؤخر عن وقته عاما من الأعوام، ويحرمون مكانه ~~شهرا آخر ليس من الأشهر الحرم، وأنهم يحرمونه أى يحافظون على حرمة الشهر ~~الحرام عاما آخر، إذا كانت مصلحتهم فى ذلك. والمواطأة الموافقة. يقال ~~واطأت فلانا ms2356 على كذا إذا وافقته عليه بدون مخالفته. والمعنى فعل ~~المشركون ما فعلوه من التحليل والتحريم للأشهر على حسب أهوائهم، ليوافقوا ~~بما فعلوه عدة الأشهر الحرم، بحيث تكون أربعة فى العدد وإن لم تكن عين ~~الأشهر المحرمة فى شريعة الله. # قال ابن عباس ما أحل المشركون شهرا من الأشهر الحرم إلا حرموا مكانه ~~شهرا من الأشهر الحلال. وما حرموا شهرا من الحلال إلا أحلوا مكانه شهرا ~~من الأشهر الحرام، لكى يكون عدد الأشهر الحرم أربعة. وقوله { ~~فيحلوا ما حرم الله } تفريع على ما تقدم. أى فيحلوا ~~بتغييرهم الشهور المحرمة، ما حرمه الله فى شرعه. فهم وإن كانوا وافقوا ~~شريعة الله فى عدد الشهور المحرمة، إلا أنهم خالفوه فى تخصيصها فقد كانوا ~~- مثلا - يستحلون شهر المحرم ويحرمون بدله شهر صفر. وقوله { زين ~~لهم سوء أعمالهم } ذم لهم على انتكاس بصائرهم، وسوء تفكيرهم. ~~أى زين لهم الشيطان سوء أعمالهم، فجعلهم يرون العمل القبيح عملا حسنا. ~~وقوله { والله لا يهدي القوم الكافرين } تذييل قصد به ~~التنفير والتوبيخ للكافرين. أى والله تعالى. اقتضت حكمته أن لا يهدى ~~القوم الكافرين إلى طريقه القويم، لأنهم بسبب سوء اختيارهم استحبوا العمى ~~على الهدى، وأثروا طريق الغى على طريق الرشاد.. فكان أمرهم فرطا. هذا، ~~ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هاتين الآيتين ما يأتى. 1- أن ~~السنة اثنا عشر شهرا، وأن شهور السنة القمرية هى المعول عليها فى ~~الأحكام لا شهور السنة الشمسية. قال الفخر الرازى، اعلم أن السنة عند ~~العرب عبارة عن اثنى عشر شهرا من الشهور القمرية، والدليل عليه هذه ~~الآية - { إن عدة الشهور } الآية، وقوله. تعالى # هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا وقدره ~~منازل لتعلموا عدد السنين والحساب... # فجعل تقدير القمر بالمنازل علة للسنين والحساب وذلك إنما يصح إذا كانت ~~السنة معلقة بسير القمر. وأيضا قوله. تعالى # يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس ~~والحج # ثم قال واعلم أن مذهب العرب من الزمان الأول أن تكون السنة قمرية لا ~~شمسية، وهذا الحكم توارثوه عن إبراهيم ms2357 وإسماعيل. عليهما السلام. فأما عند ~~اليهود والنصارى، فليس الأمر كذلك.. وقال الجمل قوله { اثنا عشر ~~شهرا } هذه شهور السنة القمرية التى هى مبنية على سير القمر فى ~~المنازل، وهى شهور العرب التى يعتد بها المسلمون فى صيامهم ومواقيت حجهم ~~وأعيادهم وسائر أمورهم وأحكامهم. وأيام هذه الشهور ثلثمائة وخمسة وخمسون ~~يوما. والسنة الشمسية عبارة عن دوران الشمس فى الفلك دورة تامة، وهى ~~ثلثمائة وخمسة وستون يوما. وربع يوم. فتنقص السنة الهلالية عن السنة ~~الشمسية عشرة أيام، فبسبب هذا النقصان تدور السنة الهلالية فيقع الصوم ~~والحج تارة فى الشتاء وتارة فى الصيف. هذا، وقد تكلم بعض المفسرين عن ~~الشهور القمرية، وعن سبسب تسميتها بما سميت به فارجع إليه إن شئت. 2- ~~وجوب التقييد بما شرعه الله من أحكام بدون زيادة أو نقصان عليها. قال ~~القرطبى ما ملخصه وضع - سبحانه - هذه الشهور وسماها بأسمائها على مارتبها ~~عليه يوم خلق السماوات والأرض، وأنزل ذلك على أنبيائه فى كتبه المنزلة، ~~وهو معنى قوله { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر ~~شهرا }. # وحكمها باق على ما كانت عليه لم يزلها عن ترتيبها تغيير المشركين ~~لأسمائها، وتقديم المقدم فى الاسم منها. والمقصود من ذلك اتباع أمر الله ~~فيها، ورفض ما كان عليه أهل الجاهلية من تأخير أسماء الشهور وتقديمها. ~~ولذا قال - صلى الله عليه وسلم - فى خطبته فى حدة الوداع # " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ". # ثم قال القرطبى كانوا يحرمون شهرا فشهرا حتى استدار التحريم على السنة ~~كلها. فقام الإسلام وقد رجع المحرم إلى موضعه الذى وضعه الله فيه. فهذا ~~معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - # " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ". # 3- أخذ بعضهم من قوله تعالى - { فلا تظلموا فيهن ~~أنفسكم } أن تحريم القتال فى الأشهر الحرم ثابت لم ينسخ، وأنه لا ~~يصح القتال فيها إلا أن يكون دفاعا. قال ابن جريج حلف بالله عطاء بن أبى ~~رباح أنه ما يحل للناس أن يغزوا فى الحرم ولا فى الأشهر ms2358 الحرم إلا أن ~~يقاتلوا فيها. وذهب جمهور العلماء إلى أن تحريم القتال فى الأشهر الحرم ~~قد نسخ، بدليل أن الله - تعالى - بعد أن نهى المؤمنين عن أن يظلموا ~~أنفسهم بالقتال فيها أمرهم بقتال المشركين من غير تقيد يزمن فقال { ~~وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة } ~~فدل ذلك على أن القتال فى الأشهر الحرم مباح. وبدليل أن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - حاصر أهل الطائف فى شهر حرام وهو شهر ذى القعدة. قال ابن ~~كثير ثبت فى الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى هوزان ~~فى شوال، فلما كسرهم.. لجأوا إلى الطائف، فعمد - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى الطائف فحاصرهم أربعين يوما، وانصرف ولم يفتتحها فثبت أنه حاصر فى ~~الشهر الحرام - أى. فى شهر ذى القعدة. ثم قال ما ملخصه وأما قوله - تعالى ~~{ وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة ~~} فيحتمل أنه منقطع عما قبله وأنه حكم مستأنف. ويكون من باب التهييج ~~للمؤمنين على قتال أعدائهم.. ويحتمل أنه أذن للمؤمنين بقتال أعدائهم فى ~~الشهر الحرام إذا كانت البداءة منهم - أى من الأعداء كما قال - تعالى - # الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص # وكما قال - تعالى - # ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى ~~يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم # وهكذا الجواب عن حصار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل الطائف ~~واستصحابه الحصار إلى أن دخل الشهر الحرام، فإنه من تتمة قتال هوازن ~~وأحلافها، فإنهم الذين بدأوا القتال للمسلمين. # . فعند ذلك قصدهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما تحصنوا بالطائف ~~ذهب إليهم لينزلهم من حصونهم فنالوا من المسلمين، وقتلوا جماعة منهم.. ~~واستمر حصار المسلمين لهم أربعين يوما، وكان ابتداؤه فى شهر حلال، ودخل ~~الشهر الحرام فاستمر فيه أياما ثم قفل عنهم، لأنه يغتفر فى الدوام مالا ~~يغتفر فى الابتداء، وهذا أمر مقرر. ومن كلام ابن كثير. رحمه الله - ~~نستنتج أنه يميل إلى القول بأن المنهى عنه هو ابتداء القتال فى الأشهر ~~الحرم، لا إتمام القتال فيها متى بدأ الاعداء ذلك وهو قريب ms2359 من قول القائل ~~لا يحل القتال فيها ولا فى الحرم إلا إن يكون دفاعا. وهذا القول هو الذى ~~تطمئن إليه النفس، لأنه لم يثبت أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بدأ ~~أعداءه القتال فى الأشهر الحرم، وإنما الثابت أن الأعداء هم الذين ~~ابتدأوا قتال المسلمين فيها، فكان موقف المسلمين هو الدفاع عن أنفسهم 4- ~~ذكر المفسرون روايات فى أول من أخر حرمة شهر إلى آخر، فعن مجاهد قال كان ~~رجل من بنى كنانة يأتى كل عام إلى الموسم على حمار له فيقول أيها الناس. ~~إنى لا أعاب ولا أخاب ولا مرد لما أقول. إنا قد حرمنا المحرم وأخرنا صفر. ~~ثم يجئ العام المقبل بعده فيقول مثل مقالته ويقول إنا قد حرمنا صفر ~~وأخرنا المحرم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم هذا رجل من بنى كنانة ~~يقال له " القلمس " وكان فى الجاهلية. وكانوا فى الجاهلية لا يغير بعضهم ~~على بعض فى الشهر الحرام. يلقى الرجل قاتل أبيه فلا يمد إليه يده. فلما ~~كان هو قال لقومه أخرجوا بنا - أى للقتال - فقالوا له هذا المحرم. قال ~~ننسئه العام، هى العام صفران. فإذا كان العام القابل قضينا.. جعلنا هما ~~محرمين. قال ففعل ذلك. فلما كان عام قابل قال لا تغزوا فى صفر. حرموه مع ~~المحرم. هما محرمان ". وقد كان بعض أهل الجاهلية يتفاخر بهذا النسئ، ومن ~~ذلك قول شاعرهم # ومنا ناسئ الشهر القلمس # قال آخر # ألسنا الناسئين على معد شهور الحل نجعلها حراما # وقد أبطل الإسلام كل ذلك، وأمر بترتيب الشهور على ما رتبها - سبحانه - ~~عليه يوم خلق السماوات والأرض. وبعد فهذه سبع وثلاثون آية من أول السورة ~~إلى هنا، نراها - فى مجموعها كما سبق أن بينا - قد حددت العلاقات ~~النهائية بين المسلمين وبين أعدائهم من المشركين وأهل الكتاب، كما نراها ~~قد أبرزت الأسباب التى دعت إلى هذا التحديد بأسلوب حكيم مؤثر، يقنع ~~العقول، ويشبع العواطف. ثم انتقلت السورة بعد ذلك إلى الحديث عن غزوة ~~تبوك وما جرى فيها من أحداث متنوعة.. وقد ms2360 استغرق هذا الحديث معظم آيات ~~السورة، لا سيما فيما يتعلق بهتك أستار المنافقين، والتحذير منهم. وقد ~~بدأت السورة حديثها عن غزوة تبوك بتوجيه نداء إلى المؤمنين نعت فيها على ~~المتثاقلين عن الجهاد، وحرضت عليه بشتى ألوان التحريض قال تعالى { ~~يأيها الذين آمنوا...إن كنتم تعلمون }. ### || [9.38-41] # قال الإمام ابن كثير هذا شروع فى عتاب فى عتاب من تخلف عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فى غزوة تبوك، حين طابت الثمار والظلال فى شدة ~~الحر، وحمارة القيظ. وتبوك اسم لمكان معروف فى أقصى بلاد الشام من ناحية ~~الجنوب، ويبعد عن المدينة المنور من الجهة الشمالية بحوالى ستمائة كيلو ~~متر. وكانت غزوة تبوك فى شهر رجب من السنة التاسعة، وهى آخر غزوة لرسول ~~الله، - صلى الله عليه وسلم -. وكان السبب فيها أن الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - بلغه أن الروم قد جمعوا له جموعا كثيرة على أطراف الشام، ~~وأنهم يريدون أن يتجهوا إلى الجنوب لمهاجمة المدينة. فاستنفر - صلى الله ~~عليه وسلم - الناس إلى قتال الروم، وكان - صلى الله عليه وسلم - قلما ~~يخرج إلى غزوة إلا ورى بغيرها حتى يبقى الأمر سرا. ولكنه فى هذه الغزوة ~~صرح للمسلمين بوجهته وهى قتال الروم، وذلك لبعد المسافة، وضيق الحال، ~~وشدة الحر، وكثرة العدو. وقد لبى المؤمنون دعوة رسولهم - صلى الله عليه ~~وسلم - لقتال الروم، وصبروا على الشدائد، والمتاعب وبذلوا الكثير من ~~أموالهم، ولم يتخلف منهم إلا القليل. أما المنافقون وكثير من الأعراب، ~~فقد تخلفوا عنها، وحرضوا غيرهم على ذلك، وحكت السورة. فى كثير من آياتها ~~الآتية. ما كان منهم من جبن ومن تخذيل الناس عن القتال، ومن تحريض لهم ~~على القعود وعدم الخروج. وبعد أن وصل الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~والمؤمنون إلى تبوك، لم يجدوا جموعا للروم. فأقاموا هناك بضع عشرة ليلة، ~~ثم عادوا إلى المدينة. وقوله - سبحانه - { انفروا } من النفر وهو ~~التنقل بسرعة من مكان إلى مكان لسبب من الأسباب الداعية لذلك. يقال نفر ~~فلان إلى الحرب ينفر وينفر نفرا ونفورا، إذا خرج ms2361 بسرعة ويقال استنفر ~~الإمام الناس، إذا حرضهم على الخروج للجهاد. ومنه قوله - صلى الله عليه ~~وسلم - # " وإذا استنفرتم فانفروا " # أى وإذا دعاكم الإمام إلى الخروج معه للجهاد فاخرجوا معه بدون تثاقل. ~~واسم القوم الذين يخرجون للجهاد النفير والنفرة والنفر. ويقال نفر فلان ~~من الشئ، إذا فزع منه، وأدبر عنه، ومنه قوله - تعالى - # وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على ~~أدبارهم نفورا # وقوله { اثاقلتم } من الثقل ضد الخفة. يقال تثاقل فلان عن الشئ، ~~إذا تباطأ عنه ولم يهتم به.. ويقال تثاقل القوم إذا لم ينهضوا لنجدة ~~المستجير بهم. وأصل { اثاقلتم } تثاقلتم، فأبدلت التاء ثاء ثم ~~أدغمت فيها، ثم اجتلبت همزة الوصل من أجل التوصل للنطق بالساكن. والمعنى ~~أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، { ما لكم إذا قيل لكم ~~انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض } أى ما ~~الذى جعلكم تباطأتم عن الخروج إلى الجهاد، حين دعاكم رسولكم - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى قتال الروم، وإلى النهوض لإعلاء كلمة الله، ونصرة دينه؟ ~~وقد ناداهم - سبحانه - بصفة الإيمان، لتحريك حرارة العقيدة فى قلوبهم، ~~وتوجيه عقولهم إلى ما يستدعيه الإيمان الصادق من طاعة لله ولرسوله. # والاستفهام فى قوله { ما لكم } لإنكار واستبعاد صدور هذا التثاقل ~~منهم، مع أن هذا يتنافى مع الإيمان والطاعة. قال الجمل و " ما " مبتدأ، ~~و " لكم " خبر، وقوله " اثاقلتم " حال. وقوله " إذا قيل لكم " ظرف لهذه ~~الحال مقدم عليها. والتقدير أى شئ ثبت لكم من الأعذار. حال كونكم ~~متثاقلين فى وقت قول الرسول لكم انفوا فى سبيل الله. وقوله. " إلى الأرض ~~" متعلق بقوله " اثاقلتم " على تضمينه معنى الميل إلى الراحة، والإخلاد ~~إلى الأرض، ولذا عدى بإلى. أى اثاقلتم مائلين إلى الراحة وإلى شهوات ~~الدنيا الفانية، وإلى الإقامة بأرضكم ودياركم، وكرهتم الجهاد مع أنه ~~ذروة سنام الإسلام. وإن التعبير بقوله، سبحانه، { اثاقلتم } لفى ~~أسمى درجات البلاغة، وأعلى مراتب التصوير الصادق، لأنه بلفظه وجرسه يمثل ~~الجسم المسترخى الثقيل الذى استقر على الأرض... والذى كلما حاول الرافعون ~~أن يرفعوه عاد إليه ثقله فسقط ms2362 من بين أيديهم، وأخلد إلى الأرض. وذلك لأن ~~ما استولى عليه من حب للذائذ الدنيا وشهواتها، أثقل بكثير من حبه لنعيم ~~الآخرة وخيراتها. وقوله، سبحانه، { أرضيتم بالحياة الدنيا ~~من الآخرة } إنكار آخر لتباطئهم عن الجهاد، وتعجب من ركونهم إلى ~~الدنيا مع أن إيمانهم يتنافى مع ذلك. وقوله. { فما متاع الحياة ~~الدنيا في الآخرة إلا قليل } بيان لحقارة متاع الدنيا ~~بالنسبة لنعيم الآخرة الدائم والمعنى أى شئ حال بينكم، أيها المؤمنون، ~~وبين المسارعة إلى الجهاد عندما دعاكم رسولكم - صلى الله عليه وسلم - ~~إليه. أرضيتم براحة الحياة الدنيا ولذائذها الناقصة. إن كان أمركم كذلك، ~~فقد أخطأتم الصواب، لأن متاع الحياة الدنيا مهما كثر فهو قليل مستحقر ~~بجانب متاع الآخرة الباقى، ونعيمها الخالد. قال الآلوسى ما ملخصه " فى " ~~من قوله { فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة } تسمى بفى ~~القياسية. لأن المقيس يوضع فى جنب ما يقاس به. وفى ترشيح الحياة الدنيا ~~بما يؤذن بنفاستها، ويستدعى الرغبة فيها. وتجريد الآخرة عن ذلك مثل ~~مبالغة فى بيان حقارة الدنيا ودناءتها وعظم شأن الآخر ورفعتها. وقد أخرج ~~أحمد ومسلم والترمذى والنسائى وغيرهم عن المستورد، أخى بنى فهر، قال قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " ما الدنيا فى الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه هذه فى اليم، فلينظر بم ~~ترجع ". # وقال الفخر الرازى اعلم أن هذه الآية تدل على وجوب الجهاد فى كل حال، ~~لأنه، سبحانه، نص على أن تثاقلهم عن الجهاد أمر منكر، ولو لم يكن الجهاد ~~واجبا لما كان هذا التثاقل منكرا. وليس لقائل أن يقول الجهاد إنما يجب فى ~~الوقت الذى يخاف هجوم الكفار فيه، لأنه عليه السلام، ما كان يخاف هجوم ~~الروم عليه، ومع ذلك فقد أوجب الجهاد معهم.. وأيضا هو واجب على الكفاية، ~~فإذا قام به البعض سقط عن الباقين. والخطاب فى الآية للمؤمنين الذين ~~تقاعسوا فى الخروج إلى غزوة تبوك مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ~~ثم هددهم، سبحانه، بالعذاب الأليم، إن لم ينفروا للجهاد فى سبيله فقال { ~~إلا ms2363 تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل ~~قوما غيركم ولا تضروه شيئا }. أى { إلا تنفروا ~~} ، أيها المؤمنون، للجهاد كما أمركم رسولكم { يعذبكم } الله { ~~عذابا أليما } فى الدنيا بإنزال المصائب، بكم، وفى الآخرة بنار ~~جهنم. وقوله { ويستبدل قوما غيركم } أى ويستبدل بكم قوما ~~يطيعون رسوله فى العسر واليسر، والمنشط والمكره.. كما قال # وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثالكم # قال صاحب المنار قيل المراد بهؤلاء القوم أهل اليمن، وقيل أهل فارس وليس ~~فى محله، فإن الكلام للتهديد، والله يعلم أنه لا يقع الشرط ولا جزاؤه. ~~وإنما المراد يطيعونه - سبحانه - ويطيعون رسوله، لأنه قد وعده بالنصر ~~وإظهار دينه، فإن لم يكن هذا الإظهار بأيديكم. فلا بد أن يكون بأيدى ~~غيركم # ولن يخلف الله وعده # وقد مضت سنته - تعالى - بأنه لا بقاء للأمم التى تتثاقل عن الدفاع عن ~~نفسها وحفظ حقيقتها وسيادتها، ولا تتم فائدة القوة الدفاعية والهجومية ~~إلا بطاعة الامام، فكيف إذا كان الأمام والقائد هو النبى الموعود من ربه ~~بالنصر. والضمير فى قوله { ولا تضروه شيئا } يعود إلى الله، ~~تعالى. أى إن تباطأتم " أيها المؤمنون " عن الجهاد، يعذبكم الله عذابا ~~أليما ويستبدل بكم قوما سواكم لنصرة نبيه، ولن تضروا الله شيئا من ~~الضرر بسبب تقاعسكم. لأنكم أنتم الفقراء إليه، وهو، سبحانه، الغنى ~~الحميد. وقيل الضمير يعود للرسول، - صلى الله عليه وسلم - أى ولا تضروا ~~الرسول شيئا ما من الضرر بسبب تثاقلكم عن الجهاد، لأن الله قد وعده ~~بالنصر ووعده كائن لا محاله. وقوله { والله على كل شيء ~~قدير } تذييل مؤكد لما قبله. أى والله، تعالى على كل شئ من الأشياء ~~قدير، ولا يعجزه أمر، ولا يحول دون نفاذ مشيئته حائل، فامتثلوا أمره ~~لتفوزوا برضوانه. فأنت ترى أن هذه الآية وسابقتها قد اشتملت على أقوى ~~الأساليب التى ترغب فى الجهاد، وترهب عن النكوص عنه، وتبعث على الطاعة ~~لله ولرسوله. # ثم ذكرهم، سبحانه، بما يعرفونه من حال الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~حيث نصره الله. تعالى، على أعدائه بدون عون منهم، وأيده بجنود ms2364 لم يروها ~~فقال، { إلا تنصروه فقد نصره الله }. قال ابن جرير. هذا ~~إعلام من الله لأصحاب رسوله - صلى الله عليه وسلم - أنه المتوكل بنصر ~~رسوله على أعداء دينه، وإظهاره عليهم دونهم، أعانوه أو لم يعينوه، وتذكير ~~منه لهم بأنه فعل ذلك به، وهو من العدد فى قلة، والعدو فى كثرة فكيف به ~~وهو من العدد فى كثرة والعدو فى قلة. والمعنى إنكم، أيها المؤمنون، إن ~~آثرتم القعود والراحة على الجهاد وشدائده، ولم تنصروا رسولكم الذى ~~استنفركم للخروج معه. فاعلموا أن الله سينصره بقدرته النافذة، كما نصره، ~~وأنتم تعلمون ذلك، وقت أن أخرجه الذين كفروا من مكة { ثاني اثنين ~~} أى أحد اثنين. والثانى أبو بكر الصديق، رضى الله عنه. يقال. فلان ثالث ~~ثلاثة، أو رابع أربعة.. أى هو من الثلاثة أو من الأربعة. فإن قيل فلان ~~رابع ثلاثة أو خامس أربعة، فمعناه أنه صير الثلاثة أربعة بإضافة ذاته ~~اليهم، أو صير الأربعة خمسة. وأسند سبحانه الإخراج إلى المشركين مع أن ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد خرج بنفسه بإذن من الله، تعالى، لأنهم ~~السبب فى هذا الخروج حيث اضطروه إلى ذلك، بعد أن تآمروا على قتله. قيل ~~وجواب الشرط فى قوله، { إلا تنصروه } محذوف وقوله { فقد ~~نصره الله } تعليل لهذا لمحذوف. والتقدير إلا تنصروه ينصره الله ~~فى كل حال. { فقد نصره } سبحانه وقت أن أخرجه الكافرون من بلده ~~ولم يكن معه سوى رجل واحد. وقال صاحب الكشاف فإن قلت. كيف يكون قوله { ~~فقد نصره الله } جوابا للشرط؟. قلت " فيه وجهان " أحدهما إلا ~~تنصروه فسينصره من نصره حين لم يكن معه إلا رجل واحد. ولا أقل من الواحد، ~~فدل بقوله. { فقد نصره الله } على أنه ينصره فى المستقبل كما ~~نصره فى ذلك الوقت. والثانى. أنه أوجب له النصرة وجعله منصورا فى ذلك ~~الوقت، فلن يخذل من بعده. وقوله { ثاني اثنين } حال من الهاء فى ~~قوله { أخرجه } أى اخرجه الذين كفروا حال كونه منفردا عن جميع ~~الناس إلا أبا بكر الصديق - رضى الله ms2365 عنه. وقوله { إذ هما في ~~الغار } بدل من قوله { إذ أخرجه }. والغار النقب العظيم يكون ~~فى الجبل. والمراد به هنا غار جبل ثور. وهو جبل فى الجهة الجنوبية لمكة، ~~وقد مكثا فيه ثلاثة أيام. وقوله { إذ يقول لصاحبه لا تحزن ~~إن الله معنا } بدل ثان من قوله { إذ أخرجه }. أى لا ~~تنصروه فقد نصره الله وقت أن أخرجه الذين كفروا من مكة، ووقت أن كان هو ~~وصاحبه أبو بكر فى الغار، ووقت أن كان - صلى الله عليه وسلم - يقول ~~لصاحبه الصديق # " لا تحزن إن الله معنا بتأييده ونصره وحمايته ". # وذلك أن أبا بكر وهو مع النبى - صلى الله عليه وسلم - فى الغار، أحسن ~~بحركة المشركين من فوق الغار، فخاف خوفا شديدا لا على حياته هو، وإنما ~~على حياة النبى - صلى الله عليه وسلم - فلما رأى النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - منه ذلك، أخذ فى تسكين روعة وجزعه وجعل يقول له لا تحزن إن الله ~~معنا. أخرج الشيخان # " عن أبى بكر قال. نظرت إلى أقدام المشركين ونحن فى الغار، وهم على ~~رءوسنا، فقلت. يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت ~~قدميه، فقال " يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن إن الله ~~معنا ". # وقوله { فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود ~~لم تروها.. } بيان لما أحاط الله به نبيه - صلى الله عليه وسلم - ~~من مظاهر الحفظ والرعاية. والسكينة من السكون، وهو ثبوت الشئ بعد التحرك. ~~أو من السكن - بالتحريك - وهو كل ما سكنت إليه نفسك، واطمأنت به من أهل ~~وغيرهم. والمراد بها هنا الطمأنينة التى استقرت فى قلب النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - فجعلته لا يبالى بجموع المشركين المحيطين بالغار، لأنه واثق ~~بأنهم لن يصلوا إليه. والمراد بالجنود المؤيدين له. الملائكة الذين ~~أرسلهم - سبحانه - لهذا الغرض والضمير فى قوله { عليه } يعود إلى ~~النبى - صلى الله عليه وسلم. أى. فأنزل الله سكينته وطمأنينته وأمنه على ~~رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأيده وقواه بجنود من الملائكة لم تروها ms2366 ~~أنتم، كان من وظيفتهم حراسته وصرف أبصار المشركين عنه. ويرى بعضهم أن ~~الضمير فى قوله { عليه } يعود إلى أبى بكر الصديق، لأن الأصل فى ~~الضمير أن يعود إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور هنا هو الصاحب ولأن الرسول ~~لم يكن فى حاجة إلى السكينة. وإنما الذى كان فى حاجة إليها هو أبو بكر، ~~بسبب ما اعتراه من فزع وخوف. وقد رد أصحاب الرأى الأول على ذلك بأن قوله ~~{ وأيده بجنود لم تروها } الضمير فيه لا يصح إلا للنبى ~~- صلى الله عليه وسلم - وهو معطوف على ما قبله فوجب أن يكون الضمير فى ~~قوله { عليه } عائدا إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - حتى لا يحصل ~~تفكك فى الكلام. أما نزول السكينة فلا يلزم منه أن يكون لدفع الفزع ~~والخوف، بل يصح أن يكون لزيادة الاطمئنان، وللدلالة على علو شأنه - صلى ~~الله عليه وسلم. قال ابن كثير قوله { فأنزل الله سكينته ~~عليه } أى. # تأييده ونصره عليه أى. على الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى أشهر ~~القولين. وقيل. على أبى بكر. قالوا لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم ~~تزل معه سكينة. وهذا لا ينافى تجدد سكينة خاصة بتلك الحال، ولهذا قال { ~~وأيده بجنود لم تروها } أى الملائكة. وقوله { وجعل ~~كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي ~~العليا } بيان لما ترتب على إنزال السكينة والتأييد بالملائكة. ~~والمراد بكلمة الذين كفروا. كلمة الشرك، أو كلمتهم التى اجتمعوا عليها فى ~~دار الندوة وهى اتفاقهم على قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم. والمراد ~~بكلمة الله دينه الذى ارتضاه لعباده، وهو دين الإسلام، وما يترتب على ~~اتباع هذا الدين من نصر وحسن عاقبة، أى كانت نتيجة إنزال السكينة ~~والتأييد بالملائكة، أن جعل كلمة الشرك هى السفلى، أى. المقهورة الذليلة. ~~وكلمة الحق والتوحيد المتمثلة فى دين الإسلام هى العليا أى هى الثابتة ~~الغالبة النافذة. وقراءة الجمهور برفع. { كلمة } على الابتداء. وقوله ~~{ هي } مبتدأ ثان وقوله { العليا } خبرها، والجملة خبر المبتدأ ~~الأول. ويجوز أن يكون الضمير { هي } ضمير فصل، ms2367 وقوله { العليا } هو ~~الخبر وقرأ الأعمش ويعقوب { وكلمة الله } بالنصب عطفا على مفعول ~~جعل وهو { كلمة الذين كفروا }. أى وجعل كلمة الذين كفروا ~~السفلى، وجعل كلمة الله هى العليا. قالوا وقراءة الرفع أبلغ وأوجه، لأن ~~الجملة الأسمية تدل. على الدوام والثبوت، ولأن الجعل لم يتطرق إلى الجملة ~~الثانية وهى قوله { وكلمة الله هي العليا } لأنها فى ذاتها ~~عالية ثابتة، بدون جعلها كذلك فى حالة معينة. بخلاف علو غيرها فهو غير ~~ذاتى، وإنما هو علو مؤقت فى حالة معينة، ثم مصيرها إلى الزوال والخذلان ~~بعد ذلك. وقوله { والله عزيز حكيم } تذييل مقرر لمضمون ما ~~قبله. أى والله - تعالى - { عزيز } لا يغلبه غالب، ولا يقهره قاهر، ~~ولا ينصر من عاقبه ناصر، { وحكيم } فى تصريفه شأن خلقه، لا قصور فى ~~تدبيره، ولا نقص فى أفعاله. هذا، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه ~~الآية الدلالة على فضل أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - وعلى علو منزلته، ~~وقوة إيمانه، وشدة إخلاصه لله - تعالى - ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -. ~~ومما يشهد لذلك، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما أذن الله له ~~بالهجرة، لم يخبر أحدا غيره لصحبته فى طريق هجرته إلى المدينة. ولقد أظهر ~~الصديق - رضى الله عنه - خلال مصاحبته للرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~الكثير من ألوان الوفاء والإخلاص وصدق العقيدة. قال الآلوسى ما ملخصه ~~واستدل بالآية على فضل أبى بكر.. فإنها خرجت مخرج العتاب للمؤمنين ما عدا ~~أبا كبر. # . فعن الحسن قال عاتب الله جميع أهل الأرض غير أبى بكر فقال { إلا ~~تنصروه فقد نصره الله } الآية. ولأن فيها النص على صحبته ~~للرسول - صلى الله عليه وسلم - ولم يثبت ذلك لأحد من الصحابة لأنه هو ~~المراد بالصاحب فى قوله { إذ يقول لصاحبه } وهذا مما وقع عليه ~~الإجماع. ومن هنا قالوا من أنكر صحبة أبى بكر فقد كفر، لإنكار كلام ~~الله، وليس ذلك لسائر الصحابة. وقد ساق الإمام الرازى، والشيخ رشيد رضا، ~~عند تفسيرهما لهذه الآية اثنى عشر وجها فى فضل أبى بكر ms2368 الصديق - رضى ~~الله عنه -، فارجع إليهما إن شئت. وبعد هذا التذكير للمؤمنين بما كان منه ~~- سبحانه - من تأييد لرسوله عند هجرته، أمرهم - جل شأنه - بالنفير فى كل ~~حال فقال { انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم ~~وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم ~~تعلمون }. قال الفخر الرازى ما ملخصه اعلم أنه - تعالى - لما توعد ~~من لا ينفر مع الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وضرب له من الأمثال ما ~~وصفنا، اتبعه بهذا الأمر الجازم فقال { انفروا خفافا وثقالا ~~}. والمراد انفروا سواء أكنتم على الصفة التى يخف عليكم الجهاد فيها، أو ~~على الصفة التى يثقل. وهذا الوصف يدخل تحته أقسام كثيرة. منها { خفافا ~~} فى النفور لنشاطكم له، و { وثقالا } عنه لمشقته عليكم. ومنها { ~~خفافا } لقلة عيالكم، و { وثقالا } لكثرتها. ومنها { خفافا } ~~من السلاح، و { وثقالا } منه. والصحيح ما ذكرنا، إذ الكل داخل فيه، ~~لأن الوصف المذكور وصف كلى يدخل فيه كل هذه الجزئيات ". والمعنى { ~~انفروا } - أيها المؤمنون - { خفافا وثقالا } أى فى حال سهولة ~~النفر عليكم، وفى حال صعوبته ومشقته. { وجاهدوا } أعداءكم ببذل ~~أموالكم. وببذل أنفسكم { في سبيل الله } أى فى سبيل إعلاء كلمة ~~الله ونصرة دينه ورسوله - صلى الله عليه وسلم -. فمن استطاع منكم الجهاد ~~بالمال والنفس وجب عليه الجهاد بهما. ومن قدر على أحدهما دون الآخر، وجب ~~عليه ما كان فى قدرته منهما. قال القرطبى روى أبو داود عن أنس أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال # " جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم ". # وهذا وصف لأكمل ما يكون الجهاد وأنفعه عند الله - تعالى - فقد حض - ~~سبحانه - على كمال الأوصاف. وقدم الأموال فى الذكر، إذ هى أول مصرف وقت ~~التجهيز، فرتب الأمر كما هو فى نفسه. واسم الإشارة فى قوله { ذلكم ~~خير لكم إن كنتم تعلمون } يعود إلى المذكور من الأمرين ~~السابقين وهما النفور والجهاد. أى ذلكم الذى أمرتم به من النفور والجهاد ~~فى سبيل الله، خير لكم فى دنياكم وفى آخرتكم من التثاقل عنهما، إن كنتم ~~من أهل العلم بحقيقة ما ms2369 بين لكم خالقكم ومربيكم على لسان رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم -. # ولقد أدرك المؤمنون الصادقون هذا الخير فامتثلوا أمر ربهم، ونفروا ~~للجهاد فى سبيله خفاقا وثقالا، بدون تباطؤ أو تقاعس. وقد ساق المفسرون ~~عند تفسيرهم لهذه الآية كثيرا من الأمثلة التى تدل على محبة السلف ~~الصالح للجهاد فى سبيل الله، ومن ذلك. ما جاء عن أنس أن أبا طلحة قرأ ~~سورة براءة، فأتى على هذه الآية { انفروا خفافا وثقالا } فقال ~~أى بنى، جهزونى جهزونى. فقال بنوه. يرحمك الله!! لقد غزوت مع النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - حتى مات، ومع أبى بكر حتى مات. ومع عمر حتى مات. فنحن ~~نغزو عنك. فقال لا، جهزونى. فغزوا فى البحر فمات فى البحر، فلم يجدوا له ~~جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام فدفنوه فيها، ولم يتغير - رضى الله ~~عنه. وقال الزهرى خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل ~~له إنك عليل فقال استنفر الله الخفيف والثقيل، فإن لم يمكنى الحرب كثرت ~~السواد وحفظت المتاع. وأخرج ابن جرير عن حيان بن زيد الشرعبى قال نفرنا ~~مع صفوان بن عمرو وكان واليا على حمص، فلقيت شيخا كبيرا هرما، على ~~راحلته فيمن نفر، فأقبلت عليه فقلت يا عماه لقد أعذر الله إليك. قال فرفع ~~حاجبيه فقال. يا ابن أخى، استنفرنا الله خفافا وثقالا، من يحبه الله ~~يبتليه، ثم يعيده فيبقيه، وإنما يبتلى الله من عباده من شكر وصبر وذكر، ~~ولم يعبد إلا الله. وعن أبى راشد الحبرانى قال. وافيت المقداد بن الأسود، ~~فارس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالسا على تابوت من توابيت ~~الصيارفة بحمص، وهو يريد الغزو - وقد تقدمت به السن - فقلت له لقد أعذر ~~الله إليك. فقال أبت علينا سورة البعوث ذلك. يعنى هذه الآية { انفروا ~~خفافا وثقالا }. هذا، ومن العلماء من يرى أن هذه الآية تجعل ~~الجهاد على الجميع حتى المريض والزمن والفقير.. وليس الأمر كذلك، فما ~~معنى هذا الأمر؟ قلت. من العلماء من حمله على الوجوب ثم ms2370 إنه نسخ بقوله - ~~تعالى - # ليس على الضعفآء ولا على المرضى # ومنهم من حمل هذا الأمر الندب. والصحيح أنها منسوخة، لأن الجهاد من فروض ~~الكفاية، ويدل عليه أن هذه الآيات نزلت فى غزوة تبوك، وأن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - خلف فى المدينة فى تلك الغزوة النساء وبعض الرجال، فدل ~~ذلك على أن الجهاد من فروض الكفايات، وأنه ليس على الأعيان. ويرى بعض ~~العلماء أن الآية ليست منسوخة، فقد قال الإمام القرطبى - ما ملخصه - ~~واختلف فى هذه الآية، فقيل إنها منسوخة بقوله - تعالى - # ليس على الضعفآء ولا على المرضى # والصحيح أنها ليست بمنسوخة. روى ابن عباس عن أبى طلحة فى قوله - تعالى - ~~{ انفروا خفافا وثقالا } قال شبانا وكهولا. ما سمع الله عذر ~~أحد. فخرج إلى الشام فجاهد حتى مات. ثم قال - بعد أن ساق نماذج متعددة ~~لمن خرجوا للجهاد خفافا وثقالا - فلهذا وما كان مثله مما روى عن الصحابة ~~والتابعين قلنا. إن النسخ لا يصح. فقد تكون هناك حالة يجب فيها نفير ~~الكل، وذلك إذا تعين الجهاد لغلبة العدو على قطر من الأقطار الإسلامية، ~~أو بحلوله فى العقر. ففى هذه الحالة يجب على جميع أهل الدار أن ينفروا ~~ويخرجوا إليه خفافا وثقالا شبابا وشيوخا، كل على قدر طافته. ولا ~~يتخلف أحد يقدر على الخروج. فإن عجز أهل تلك البلدة عن صد عدوهم كان على ~~من قاربهم أن يخرجوا معهم لصد العدو، وكذلك الشأن بالنسبة لكل من علم ~~بضعفهم عن عدوهم فالمسلمون كلهم يد على من سواهم. حتى إذا قام بدفع العدو ~~أهل الناحية التى نزل العدو عليها، سقط الفرض عن الآخرين. ثم قال - رحمه ~~الله - ومن الجهاد أيضا ما هو نافلة، وهو إخراج الإمام طائفة.. لإظهار ~~القوة، وإعزاز دين الله. ثم قال وقال ابن العربى، ولقد نزل بنا العدو - ~~قصمه الله. سنة سبع وعشرين وخمسمائة فجاس ديارنا، وأسر خيرتنا، وتوسط ~~بلادنا.. فقلت للوالى والمولى عليه عدو الله قد حصل فى الشرك والشبكة، ~~فلتكن عندكم بركة، ولتظهر منكم إلى نصرة الدين المعينة ms2371 عليكم حركة، ~~فليخرج إليه جميع الناس.. فيحاط به فيهلك. فغلبت الذنوب، ورجفت القلوب ~~بالمعاصى، وصار كل أحد من الناس ثعلبا يأوى إلى وجاره، وإن رأى المكيدة ~~بجاره. فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله. والذى ~~نراه. أن ما ذهب إليه الإمام القرطبى، من أن الآية الكريمة ليست منسوخة، ~~أولى بالاتباع. لأن الجهاد قد يكون فرض كفاية فى بعض الحالات، وقد يكون ~~فرض عين فى حالات أخرى والآية الكريمة التى معنا تدعو المؤمنين إلى ~~النفير العام فى تلك الحالات الأخرى التى يكون الجهاد فيها فرض عين وبذلك ~~يمكن الجمع بين الآيات التى تدعو إلى النفير العام. والآيات التى تعفى ~~بعض الناس من مشاقه ومتاعبه. ومن كل ما تقدم يتبين لنا أن هذه الآيات ~~الأربع قد عاتبت المؤمنين الذين تخلفوا عن الجهاد فى غزوة تبوك عتابا ~~شديدا وأنذرتهم بالعذاب الأليم إن لم ينفروا.. وذكرتهم بما كان من نصر ~~الله لنبيه حين أخرجه الذين كفروا ثانى اثنين.. وأمرتهم بالنفور إلى ~~الجهاد خفافا وثقالا. وبمجاهدة المشركين بأموالهم وأنفسهم، فذلك هو ~~الخير لهم فى عاجلتهم وآجلتهم. ثم أخذت السورة الكريمة فى بيان قبائح ~~المنافقين، ومعاذيرهم الواهية، ومسالكهم الخبيثة. وأيمانهم الفاجرة.. ~~فقال - تعالى - { لو كان عرضا قريبا... }. ### || [9.42] # قال الفخر الرازى هذه الآية نزلت فى المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة ~~تبوك والعرض. ما يعرض للانسان من منافع الدنيا وشهواتها. والسفر القاصد ~~هو السفر القريب السهل الذى لا يصاحبه ما يؤدى إلى التعب الشديد. من ~~القصد بمعنى التوسط والاعتدال فى الشئ. والشقة المسافة التى لا تقطع إلا ~~بعد تكبد المشقة والتعب، فهى مأخوذة من المشقة وشدة العناء. قال القرطبى ~~حكى أبوعبيدة وغيره أن الشقة السفر إلى أرض بعيدة. يقال منه شقة شاقة. ~~والمراد بذلك كله غزوة تبوك.. والمعنى لو كان الذى دعوتهم إليه يا محمد، ~~متاعا من متع الحياة الدنيا، وسفرا سهلا قريبا، لاتبعوك فيما دعوتهم ~~إليه، لأنه يوافق أهواءهم، ويشبع رغباتهم، ولكنهم حين عرفوا أن ما دعوتهم ~~إليه هو الجهاد فى سبيل ms2372 الله وما يصحبه من أسفار شاقة. وتضحيات جسيمة.. ~~تعللوا لك بالمعاذير الكاذبة، وتخلفوا عن الخروج معك، جبنا منهم، ~~وحبا للراحة والسلام. وشبيه بهذه الآية من حيث المعنى، قول الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - فى شأن المتخلفين عن صلاة الجماعة # " لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء ~~". # أى لو يعلم أحد هؤلاء المتخلفين عن صلاة العشاء فى جماعة، أنه يجد عند ~~حضور صلاتها فى جماعة شيئا من اللحم لحضرها. ثم حكى - سبحانه - ما ~~سيقوله هؤلاء المنافقون بعد عودة المؤمنين من الجهاد فقال { ~~وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم }. أى ~~وسيحلف هؤلاء المنافقون بالله - كذبا وزورا - قائلين. لو استطعنا أيها ~~المؤمنون أن نخرج معكم للجهاد فى تبوك لخرجنا فاننا لم نتخلف عن الخروج ~~معكم إلا مضطرين، فقد كانت لنا أعذارنا القاهرة التى حملتنا على التخلف!! ~~وأتى - سبحانه - بالسين فى قوله { وسيحلفون } لأنه من قبيل ~~الإخبار بالغيب. فقد كان نزول هذه الآية قبل رجوعه - صلى الله عليه وسلم ~~- من تبوك. وحلفهم هذا كان بعد رجوعه منها. قال الفخر الرازى قالوا ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - أخبر عنهم أنهم سيحلفون، وهذا إخبار عن ~~غيب يقع فى المستقبل، والأمر لما وقع كما أخبر كان هذا إخبارا عن الغيب ~~فكان معجزا. والمراد بالاستطاعة فى قوله { لو استطعنا } وجود ~~وسائل للجهاد معهم، من زاد وعدة وقوة فى البدن وغير ذلك مما يستلزمه ~~الجهاد فى سبيل الله. وقوله { لخرجنا معكم } ساد مسد جوابى ~~القسم والشرط. ثم بين - سبحانه - سوء مصيرهم بسبب كذبهم ونفاقهم فقال { ~~يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون }. ~~أى. أن هؤلاء المتخلفين عن الجهاد يهلكون أنفسهم بسبب حلفهم الكاذب، ~~وجرأتهم على الله. تعالى. فى اختلاق المعاذير الباطلة، مع أنه. # سبحانه. يعلم إنهم لكاذبون فى أيمانهم، وفيما انتحلوه من أعذار. قال ابن ~~جرير قوله { والله يعلم إنهم لكاذبون } فى قولهم { ~~لو استطعنا لخرجنا معكم } ، لأنهم كانوا للخروج مطيقين، ~~بوجود السبيل إلى ذلك بالذى كان عندهم من الأموال، مما يحتاج إليه الغازى ~~فى ms2373 غزوه، وصحة الأبدان، وقوة الأجسام. هذا، ومن الإحكام التى أخذها ~~العلماء من هذه الآية، أن الأيمان الكاذبة تؤدى إلى الخسران والهلاك وفى ~~الحديث الشريف # " اليمين الغموس تدع الديار بلاقع ". # ثم عاتب الله تعالى. نبيه - صلى الله عليه وسلم - عتابا رقيقا لأنه ~~اذن للمنافقين بالتخلف عن الجهاد حين طلبوا منه ذلك، دون أن يتبين ~~أحوالهم فقال. تعالى. { عفا الله عنك لم أذنت }. ### || [9.43] # قال ابن كثير. قال مجاهد. نزلت هذه الآية فى أناس قالوا استأذنوا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فإن أذن لكم فاقعدوا. وإن لم يأذن لكم ~~فاقعدوا. والعفو يطلق على التجاوز عن الذنب أو التقصير، كما يطلق على ترك ~~المؤاخذة على عدم فعل الأولى والأفضل، وهو المراد هنا. والمعنى عفا الله ~~عنك يا محمد، وتجاوز عن مؤاخذتك فيما فعلته مع هؤلاء المنافقين من سماحك ~~لهم بالتخلف عن الجهاد معك فى غزوة تبوك، حين اعتذروا إليك بالأعذار ~~الكاذبة، وكان الأولى بك أن تتريث وتتأنى فى السماح لهم بالتخلف، حتى ~~يتبين لك الذين صدقوا فى اعتذارهم من الذين كذبوا فيه، فقد كانوا - إلا ~~قليلا منهم - كاذبين فى معاذيرهم، وكانوا مصرين على القعود عن الجهاد حتى ~~ولو لم تأذن لهم به. وقدم سبحانه. العفو على العتاب. وهو قوله { لم ~~أذنت لهم } - للإشارة إلى المكانة السامية التى له - صلى الله ~~عليه وسلم - عند ربه. قال بعض العلماء هل سمعتم بعتاب أحسن من هذا؟ لقد ~~خاطبه سبحانه بالعفو قبل أن يذكر المعفو عنه. وقال العلامة أبو السعود ما ~~ملخصه وعبر - سبحانه - عن الفريق الأول بالموصول الذى صلته فعل دال على ~~الحدوث، وعن الفريق الثانى باسم الفاعل المفيد للدوام، للإيذان بأن ما ~~ظهر من الأولين صدق حادث فى أمر خاص غير مصحح لنظمهم فى سلك الصادقين، ~~وبأن ما صدر من الآخرين، وإن كان كذبا حادثا متعلقا بأمر خاص لكنه أمر ~~جار على عادتهم المستمرة، ناشئ عن رسوخهم فى الكذب. وعبر عن ظهور الصدق ~~بالتبين، وعما يتعلق بالكذب بالعلم، لما هو المشهور من أن مدلول ms2374 الخبر هو ~~الصدق، والكذب احتمال عقلى، فظهور صدق الخبر إنما هو تبين ذلك المدلول، ~~وانقطاع احتمال نقيضه بعدما كان محتملا له احتمالا عقليا، وأما كذبه ~~فأمر حادث لا دلالة للخبر عليه فى الجملة حتى يكون ظهوره تبينا له، بل ~~نقيض لمدلوله. فما يتعلق به يكون علما مستأنفا.. هذا، ومن الأمور التى ~~تكلم عنها العلماء عند تفسيرهم لهذه الآية ما يأتى 1- أن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يحكم بمقتضى اجتهاده فى بعض الوقائع. وقد بسط القول ~~فى هذه المسألة صاحب المنار فقال ما ملخصه وقد كان الإذن المعاتب عليه ~~اجتهادا منه - صلى الله عليه وسلم - فيما لا نص فيه من الوحى، وهو جائز ~~وواقع من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. وليسوا بمعصومين من الخطأ ~~فيه، وإنما العصمة المتفق عليها خاصة بتبليغ الوحى ببيانه والعمل به، ~~فيستحيل على الرسول أن يكذب أو أن يخطئ فيها يبلغه عن ربه أو يخالفه ~~بالعمل. # ويؤيده # " حديث طلحة فى تأبير النخل إذ رآهم - صلى الله عليه وسلم - يلقحونها ~~فقال " ما أظن يغنى ذلك شيئا " فأخذوا بذلك فتركوه ظنا منهم أن قوله ~~هذا من أمر الدين، فنفضت النخل وسقط ثمرها. فأخبر بذلك فقال " إن كان ~~ينفعهم ذلك فليصنعوه، فانى ظننت ظنا فلا تؤاخذونى بالظن، ولكن إذا ~~حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به، فانى لن أكذب على الله عز وجل ". # وقد صرح علماء الأصول بجواز الخطأ فى الاجتهاد على الأنبياء. عليهم ~~الصلاة والسلام قالوا ولكن لا يقرهم الله على ذلك، بل يبين لهم الصواب ~~فيه.. 2- أن من الواجب على المسلم التريث فى الحكم على الأمور. قال الفخر ~~الرازى دلت الآية على وجوب الاحتراز عن العجلة، ووجوب التثبت والتأنى، ~~وترك الاغترار بظواهر الأمور، والمبالغة فى التفحص، حتى يمكنه أن يعامل ~~كل فريق بما يستحقه من التقريب أو الإبعاد. 3- أن المتتبع لآراء العلماء ~~عند تفسيرهم لهذه الآية يرى لهم ثلاثة أقوال أما القول الأول فهو لجمهور ~~العلماء وملخصه أن المراد بالعفو فى قوله سبحانه { عفا الله عنك } ~~عدم مؤاخذته ms2375 - صلى الله عليه وسلم - فى تركه الأولى والأفضل، لأنه كان من ~~الأفضل له ألا يأذن للمنافقين فى التخلف عن الجهاد حتى يتبين أمرهم. وهذا ~~القول هو الذى نختاره ونرجحه، لأنه هو المناسب لسياق الآية ولما ورد فى ~~سبب نزولها وأما القول الثانى فهو لصاحب الكشاف وملخصه أن العفو هنا ~~كناية عن الجناية، فقد قال قوله { عفا الله عنك } كناية عن ~~الجناية لأن العفو مرادف لها، ومعناه. أخطأت وبئس ما فعلت، وقوله { لم ~~أذنت لهم } بيان لما كنى عنه بالعفو. ولم يرتض كثير من العلماء ما ~~ذهب إليه صاحب الكشاف من أن العفو هنا كناية عن الجناية، ووصفوا ما ذهب ~~إليه بالخطأ وإساءة الأدب. قال أبو السعود ولقد أخطأ وأساء الأدب وبئسما ~~فعل فيما قال وكتب من زعم أن الكلام كناية عن الجناية، وأن معناه أخطأت، ~~وبئس ما فعلت. هب أنه كناية، أليس إيثارها على التصريح بالجناية للتلطيف ~~فى الخطاب والتخفيف فى العقاب؟ وقال الشيخ أحمد بن المنير ليس له - أى ~~الزمخشرى - أن يفسر هذه الآية بهذا التفسير، وهو بين أحد أمرين إما أن لا ~~يكون هو المراد وإما أن يكون هو المراد، ولكن قد أحل الله نبيه الكريم عن ~~مخاطبته بصريح العتب، وخصوصا فى حق المصطفى - عليه الصلاة والسلام - ~~فالزمخشرى على كلا التقديرين ذهل عما يجب فى حقه - صلى الله عليه وسلم -. ~~ولقد أحسن من قال فى هذه الآية إن من لطف الله - تعالى - بنبيه، أن بدأه ~~بالعفو قبل العتب، ولو قال له ابتداء { لم أذنت لهم } لتفطر قلبه ~~- عليه الصلاة والسلام. # فمثل هذا الأدب يجب احتذاؤه فى حق سيد البشر - عليه الصلاة والسلام. ~~وأما القول الثالث فهو للامام الفخرى الرازى، ولمن حذا حذوه كالقرطبى ~~وغيره، وملخص هذا القول أنه يجوز أن يكون المراد بالعفو هنا المبالغة فى ~~تعظيم النبى - صلى الله عليه وسلم وتوقيره، أو أن قوله - سبحانه { عفا ~~الله عنك } افتتاح كلام. قال الفخر الرازى ما ملخصه لا نسلم أن قوله ~~- تعالى - { عفا الله عنك } يوجب الذنب، ولم ms2376 لا يجوز أن يقال إن ~~الله يدل على مبالغة الله، تعالى فى تعظيمه وتوقيره، كما يقول الرجل ~~لغيره إذا كان معظما عنده، عفا الله عنك ما صنعت فى أمرى.. فلا يكون غرضه ~~من هذا الكلام إلا مزيد التبجيل والتعظيم. ويؤيد ذلك قول على بن الجهم ~~يخاطب المتوكل وقد أمر بنفيه # عفا الله عنك ألا حرمة تعوذ بعفوك أن أبعد ألم ترى عبدا عدا طوره ~~ومولى عفا ورشيدا هدى أقلنى أقالك من لم يزل يقيك، ويصرف عنك الردى # وقال القرطبى قوله - تعالى - { عفا الله عنك لم أذنت لهم ~~} قيل هو افتتاح كلام كما تقول أصلحك الله وأعزك ورحمك كان كذا وكذا.. ~~والذى نراه أن القول الأول هو الراجح لما سبق أن بيناه. ثم بين - سبحانه ~~- الصفات التى يتميز بها المؤمنين الصادقون، عن غيرهم من ضعاف الإيمان، ~~فقال - تعالى - { لا يستأذنك الذين...ريبهم ~~يترددون }. ### || [9.44-45] # أى ليس من شأن المؤمنين الصادقين أن يستأذنوك - يا محمد - فى { أن ~~يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم } فى سبيل إعلاء كلمة الله، ~~ونصرة دينه.. وإنما الذى من شأنهم وعادتهم - كما أثبته واقعهم وتاريخهم - ~~أن ينفروا خفافا وثقالا عندما يدعو الداعى إلى الجهاد، دون أن ينتظروا ~~إذنا من أحد. فهم لقوة إيمانهم، وصفاء نفوسهم، يسارعون إلى الجهاد بقلوب ~~مشتاقة إليه، وبنفوس تتمنى الموت عن طريقه. وهم فى ذلك ممتثلون لقول ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - # " من خير معاش الناس رجل ممسك بعنان فرسه فى سبيل الله يطير على متنه، ~~كلما سمع هيعة - أى صيحة - وفزعا طار على متنه يبتغى القتل أو الموت فى ~~مظانه ". # وقوله { والله عليم بالمتقين } تحريض لهم على الاتصاف ~~بهذه الصفة الكريمة، وهى صفة التقوى. والمراد بالعلم هنا لازمه، وهو ~~مجازاتهم بالثواب الجزيل على تقواهم. أى والله - تعالى - عليهم بهؤلاء ~~الذين ملأت خشيته قلوبهم. وسيثيبهم على ذلك ثوابا يرضيهم. هذا، وقد ~~استنبط العلماء من هذه الآية أنه ينبغى على المؤمن أن يقوم بأداء الأعمال ~~الحسنة، والأفعال الجميلة بدون تردد أو استئذان. قال صاحب الانتصاف عند ~~تفسيره لهذه الآية ms2377 وهذا الأدب يجب أن يقتفى مطلقا، فلا يليق بالمرء أن ~~يستأذن أخاه فى أن يسدى له معروفا، ولا بالمضيف أن يستأذن ضيفه فى أن ~~يقدم إليه طعاما فإن الاستئذان فى أمثال هذه المواطن أمارة التكلف ~~والتكره. وصلوات الله وسلامه على خليله إبراهيم، فقد بلغ من كرمه وأدبه ~~مع ضيوفه أنه كان لا يتعاطى شيئا من أسباب التهيؤ للضيافة بمرأى منهم، ~~فلذلك مدحه الله - تعالى - بهذه الخلة الجميلة، فقال # فراغ إلى أهله فجآء بعجل سمين... # أى ذهب على خفاء منهم، كيلا يشعروا به.. وقال صاحب المنار وقد استنبط من ~~الآية أنه لا ينبغى الاستئذان فى أداء شئ من الواجبات، ولا فى الفضائل ~~والفواضل من العادات، كقرى الضيف، وإغاثة الملهوف، وسائر عمل المعروف. ~~ويعجبنى قول بعض العلماء ما معناه من قال لك أتأكل؟ هل آتيك بكذا من ~~الفاكهة مثلا؟ فقل له لا فإنه لو أراد أن يكرمك لما استأذنك. ثم بين ~~سبحانه - الصفات التى يعرف بها المنافقون، بعد بيانه للصفات التى يعرف ~~بها المؤمنون الصادقون فقال { إنما يستأذنك الذين لا ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم.. ~~}. أى إنما يستأذنك - يا محمد - فى القعود عن الجهاد أولئك الذين من ~~صفاتهم أنهم لا يؤمنون بالله إيمانا كاملا، ولا يؤمنون باليوم الآخر وما ~~فيه من ثواب وعقاب إيمانا يقينيا. قال الآلوسى وتخصيص الإيمان بهما - أى ~~بالله واليوم الآخر - فى الموضعين للإيذان بأن الباعث على الجهاد ~~والمانع عنه الإيمان بهما وعدم الإيمان بهما، فمن آمن بهما قاتل فى ~~سبيل دينه، وهان عليه القتل فيه لما يرجوه فى اليوم الآخر من النعيم ~~المقيم، ومن لم يؤمن كان بمعزل عن ذلك. # على أن الإيمان بهما مستلزم للإيمان بسائر ما يجب الإيمان به ". ~~وقوله { وارتابت قلوبهم } صفة ثالثة من صفاتهم الذميمة. أى ~~أنهم بجانب عدم إيمانهم بالله واليوم الآخر، رسخ الريب فى قلوبهم فصاروا ~~يشكون فى صحة ما جئت به - أيها الرسول الكريم -، ويقفون من تعاليمك ~~وتوجيهاتك، موقف المكذب المرتاب لا موقف المصدق المذعن. وأضاف الشك ~~والارتياب إلى القلوب، ms2378 لأنها محل المعرفة والإيمان. وأوثرت صيغة الماضى ~~- ارتابت، للدلالة على تحقق الريب وتوبيخهم. وأصل معنى التردد الذهاب ~~والمجئ. والمراد به هنا التحير على سبيل المجاز، لأن المتحير لا يستقر فى ~~مكان، ولا يثبت على حال. أى فهم فى شكهم الذى حل بهم يتحيرون، فنراهم كما ~~وصفهم - سبحانه - فى آية أخرى. # مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى ~~هؤلاء # أى متحيرين بين الكفر وبين الإيمان. وبذلك نرى أن هاتين الآيتين قد ~~ذكرتا السمات التى بها يتميز المؤمنون الصادقون عن غيرهم من الذين قالوا ~~آمنا وما هم بمؤمنين. ثم حكى - سبحانه - بعض المسالك الخبيثة التى كان ~~يتبعها هؤلاء المنافقون لمحاربة الدعوة الإسلامية، وكيف أنه - سبحانه - ~~أحبط مكرهم فقال - تعالى - { ولو أرادوا الخروج...وهم ~~كارهون }. ### || [9.46-48] # وقوله { ولو أرادوا الخروج.. } كلام مستأنف لبيان المزيد من ~~رذائل المنافقين. أو معطوف على قوله - سبحانه - قبل ذلك # لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك # وقوله { انبعاثهم } أى نهوضهم وانطلاقهم للخروج بنشاط وهمة. من ~~البعث وهو إثارة الإنسان أو الحيوان وتوجيهه إلى الشئ بقوة وخفة. تقول ~~بعثت البعير فانبعث إذا أثرته للقيام والسير بسرعة. وقوله " فثبطهم " أى ~~فمنعهم وحبسهم، من التثبيط " وهو رد الإنسان عن الفعل الذى هم به عن ~~طريق تعويقه عنه ومنعه منه. يقال ثبطه تثبيطا، أى قعد به عن الأمر الذى ~~يريده ومنعه منه بالتخذيل ونحوه. والمعنى ولو أراد هؤلاء المنافقون ~~الخروج معك - يا محمد - إلى تبوك لأعدوا لهذا الخروج عدته اللازمة له من ~~الزاد والراحلة، وغير ذلك من الأشياء التى لا يستغنى عنها المجاهد فى ~~سفره الطويل، والتى كانت فى مقدورهم وطاقتهم. وقوله. { ولكن كره ~~الله انبعاثهم } استدراك على ما تقدم. أى ولو أرادوا الخروج ~~لأعدوا له عدته، ولكنهم لم يريدوا ذلك، لأن الله - تعالى - كره خروجهم ~~معك، فحبسهم عنه، لما يعلمه - سبحانه - من نفاقهم وقبح نواياهم، وإشاعتهم ~~للسوء فى صفوف المؤمنين. قال صاحب الكشاف فإن قلت. كيف موقع حرف ~~الاستدراك؟ قلت لما كان قوله { ولو أرادوا الخروج } معطيا ~~معنى نفى خروجهم واستعدادهم ms2379 للغزو، قيل { ولكن كره الله ~~انبعاثهم } ، كأنه قيل ما خرجوا ولكن تثبطوا عن الخروج لكراهة ~~انبعاثهم، كما تقول. ما أحسن إلى زيد ولكن أساء إلى. وقال الجمل. وهاهنا ~~يتوجه سؤال، وهو أن خروج المنافقين مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إما أن يكون فيه مصلحة أو مفسدة، فإن كان فيه مصلحة فلم قال { ولكن ~~كره الله انبعاثهم فثبطهم } وإن كان فيه مفسدة فلماذا ~~عاتب نبيه - صلى الله عليه وسلم - فى إذنه لهم فى القعود؟ والجواب عن هذا ~~السؤال أن خروجهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان فيه مفسدة ~~عظيمة بدليل أنه - سبحانه - أخبر بتلك المفسدة بقوله { لو خرجوا ~~فيكم ما زادوكم إلا خبالا }. بقى أن يقال. فلم عاتب الله ~~نبيه بقوله # لم أذنت لهم # فنقول إنه - صلى الله عليه وسلم - اذن لهم قبل إتمام الفحص، وإكمال ~~التدبير والتأمل فى حالهم، فلهذا السبب قال - تعالى - # لم أذنت لهم # وقيل إنما عاتبه لأجل أنه أذن لهم قبل أن يوحى إليه فى أمرهم بالقعود. ~~وقوله. { وقيل اقعدوا مع القاعدين } تذييل المقصود منه ~~ذمهم ووصفهم بالجبن الخالع، والهمة الساقطة، لأنهم بقعودهم هذا سيكونون ~~مع النساء والصبيان والمرضى والمستضعفين الذين لا قدرة لهم على خوض ~~المعارك والحروب. # قال الآلوسى. وقوله { وقيل اقعدوا مع القاعدين } تمثيل ~~لخلق الله داعية القعود فيهم، وإلقائه كراهة الخروج فى قلوبهم بالأمر ~~بالقعود أو تمثيل لوسوسة الشيطان بذلك فليس هناك قول حقيقة. ويجوز أن ~~يكون حكاية قول بعضهم لبعض أو حكاية لإذن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~لهم فى القعود، فيكون القول على حقيقته. هذا، ومن الأحكام التى أخذها ~~العلماء من هذه الآية. أن الفعل يحسن بالنية ويقبح بها. أيضا.. وإن ~~استويا فى الصورة، لأن النفير واجب مع نية النصر. وقبيح مع إرادة تحصيل ~~القبيح، وذلك لأنه. تعالى. أخبر أنه كره انبعاثهم لما يحصل من إرادة ~~المكر بالمسلمين. ومنها أن للإمام أن يمنع من يتهم بمضرة المسلمين من ~~الخروج للجهاد حماية لهم من شروره مفاسده. ومنها أن إعداد ms2380 العدة للجهد ~~أمر واجب، وقد قال - تعالى - فى آية أخرى # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة # ثم بين - سبحانه - المفاسد المترتبة على خروج المنافقين فى جيش المؤمنين ~~فقال { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا } ، وأصل ~~الخبال. الاضطراب والمرض الذى يؤثر فى العقل كالجنون ونحوه. أو هو ~~الاضطراب فى الرأى. أى لو خرج هؤلاء المنافقون معكم أيها المؤمنون إلى ~~تبوك مازادوكم شيئا من الأشياء إلا اضطرابا فى الرأى وفسادا فى العمل، ~~وضعفا فى القتال، لأن هذا هو شأن النفوس المريضة التى تكره لكم الخير، ~~وتحب لكم الشر. قال الآلوسى. والاستثناء مفرغ متصل، والمستثنى منه محذوف، ~~ولا يستلزم أن يكون لهم خبال حتى لو خرجوا زادوه لأن الزيادة باعتبار أعم ~~العام الذى وقع منه الاستثناء. وقال أبو حيان إنه كان فى تلك الغزوة ~~منافقون لهم خبال فلو خرج هؤلاء أيضا اجتمعوا بهم زاد الخبال، فلا فساد ~~فى ذلك الاستلزام لو ترتب. وقوله { ولأوضعوا خلالكم } معطوف ~~على قوله " ما زادوكم ". والإيضاع. كما يقول القرطبى. سرعة السير قال ~~الراجز. # يا ليتنى فيها جذع أخب فيها وأضع # يقال وضع البعير. إذا أسرع فى السير، وأوضعته. حملته على العدو. والخلل ~~الفرجة بين الشيئين. والجمع الخلال، أى الفرج التى تكون بين الصفوف وهو ~~هنا ظرف مكان بمعنى بين، ومفعول الإيضاع محذوف، أى. ولأسرعوا بينكم ~~ركائبهم بالوشايات والنمائم والإفساد. ففى الكلام استعارة تبعية، حيث ~~شبه سرعة إفسادهم لذات البين بسرعة سير الراكب، ثم استعير لها الإيضاع ~~وهو للإبل وأصل الكلام ولأوضعوا ركائبهم، ثم حذفت الركائب. وجملة { ~~يبغونكم الفتنة } فى محل نصب على الحال من فاعل أوضعوا. أى لو ~~خرجوا فيكم ما زادوكم إلا شرا وفسادا، ولأسرعوا بينكم بالإشاعات ~~الكاذبة، والأقوال الخبيثة، حال كونهم باغين وطالبين لكم الافتتان فى ~~دينكم، والتشكيك فى صحة عقائدكم، والتثبيط عن القتال، والتخويف من قوة ~~أعدائكم، ونشر الفرقة فى صفوفكم. # فالمراد بالفتنة هنا كل ما يؤدى إلى ضعف المسلمين فى دينهم أو فى ~~دنياهم. وقوله { وفيكم سماعون لهم } بيان لأحوال المؤمنين فى ~~ذلك ms2381 الوقت. أى. وفيكم. فى ذلك الوقت. يا معشر المؤمنين، أناس كثيرو ~~السماع لهؤلاء المنافقين، سريعوا الطاعة لما يلقون إليهم من أباطيل. قال ~~ابن كثير. قوله { وفيكم سماعون لهم } أى مطيعون لهم، ~~ومستحسنون لحديثهم وكلامهم، يستنصحونهم وإن كانوا لا يعلمون حالهم، فيؤدى ~~إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير. وقال مجاهد وزيد بن أسلم وابن جرير ~~{ وفيكم سماعون لهم } أى عيون يسمعون لهم الأخبار وينقلونها ~~إليهم. وهذا لا يبقى له اختصاص بخروجهم معهم، بل هذا عام فى جمع الأحوال. ~~والمعنى الأول أظهر فى المناسبة بالسياق. وإليه ذهب قتادة وغيره من ~~المفسرين. وقال محمد بن إسحاق كان الذين استأذنوا، فيما بلغنى، من ذوى ~~الشرف، منهم عبد الله بن أبى بن سلول، والجد بن قيس، وكانوا أشرافا فى ~~قومهم، فثبطهم الله لعلمه بهم أن يخرجوا فيفسدوا عليه جنده. وكان فى جنده ~~قوم أهل محبة لهم، وطاعة فيما يدعونهم إليه لشرفهم فقال { وفيكم ~~سماعون لهم }. وقوله { والله عليم بالظالمين } ~~تذييل المقصود منه وعيد هؤلاء المنافقين وتهديدهم بسبب ما قدمت أيديهم من ~~مفاسد. أى والله - تعالى - لا تخفى عليه خافية من أحوال هؤلاء الظالمين، ~~وسيعاقبهم بالعقاب المناسب لجرائمهم ورذائلهم. وبذلك نرى أن الآية ~~الكريمة قد وضحت أن هناك ثلاث مفاسد كانت ستترتب على خروج هؤلاء ~~المنافقين مع المؤمنين إلى تبوك. أما المفسدة الأولى فهى زيادة الاضطراب ~~والفوضى فى صفوف المجاهدين. وأما المفسدة الثانية فهى الإسراع بينهم ~~بالوشايات والنمائم والإشاعات الكاذبة. وأما المفسدة الثالثة فهى الحرص ~~على تفريق كلمتهم، وتشكيكهم فى عقيدتهم. وهذه المفاسد الثلاث ما وجدت فى ~~جيش إلا وأدت إلى انهزامه وفشله. ومن هنا كان تثبيط الله - تعالى - ~~لهؤلاء المنافقين، نعمة كبرى للمؤمنين. ومن هنا - أيضا - كانت الكثرة ~~العددية فى الجيوش لا تؤتى ثمارها المرجوة منها، إلا إذا كانت متحدة فى ~~عقيدتها، وأهدافها، واتجاهاتها.. أما إذا كانت هذه الكثرة مشتملة على عدد ~~كبير من ضعاف الإيمان، فإنها فى هذه الحالة يكون ضررها أكبر من نفعها. ~~ثم ذكر الله تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم ms2382 - بطرف من الماضى المظلم ~~لهؤلاء المنافقين فقال { لقد ابتغوا الفتنة من قبل ~~وقلبوا لك الأمور حتى جآء الحق وظهر أمر ~~الله وهم كارهون }. أى لقد ابتغى هؤلاء المنافقون إيقاع الشرور ~~والمفاسد فى صفوف المسلمين، من قبل ما حدث منهم فى غزوة تبوك. ومن مظاهر ~~ذلك أنهم ساءهم انتصاركم فى غزوة بدر، وامتنعوا عن مناصرتكم فى غزوة أحد، ~~متبعين فى ذلك زعيمهم عبد الله بن أبى بن سلول، ثم واصلوا حربهم لكم سرا ~~وجهرا حتى كانت غزوة تبوك التى فضح الله فيها أحوالهم. # فالمراد بقوله { من قبل } أى من قبل هذه الغزوة التى كانت آخر غزوة ~~غزاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. أى أن ما صدر عن هؤلاء ~~المنافقين من مسالك خبيثة خلال غزوة تبوك ليس هو الأول من نوعه، بل هم ~~لهم فى هذا المضمار تاريخ مظلم بدأ منذ أوائل عهد الدعوة الإسلامية ~~بالمدينة. وقوله { وقلبوا لك الأمور } بيان لتفننهم فى وجوه ~~الأذى للنبى - صلى الله عليه وسلم - وتقليب الأمر تصريفه، وترديده، ~~وإجالة الرأى فيه، والنظر إليه من كل نواحيه لمعرفة أى ناحية منه توصل ~~إلى الهدف المنشود. والمراد أن هؤلاء المنافقين قد ابتغوا الأذى للدعوة ~~الإسلامية من قبل هذه الغزوة، ودبروا لصاحبها - صلى الله عليه وسلم - ~~المكايد، واستعملوا قصارى جهدهم، ومنتهى اجتهادهم، وخلاصة مكرهم، من أجل ~~صد الناس عن الحق الذى جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -. وقوله { ~~حتى جآء الحق وظهر أمر الله.. } غاية لمحذوف، ~~والتقدير أن هؤلاء المنافقين استمروا على حربهم للدعوة الإسلامية { ~~حتى جآء الحق } أى النصر الذى وعد الله عباده به { وظهر ~~أمر الله } أى دينه وشرعه " وهم " أى المنافقون وأشباههم " كارهون ~~" لذلك لأنهم يكرهون انتصار دين الإسلام، ويحبون هزيمته وخذلانه، ولكن ~~الله - تعالى - خيب آمالهم، وأحبط مكرهم. قال الإمام ابن كثير عندما قدم ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - المدينة، رمته العرب عن قوس واحدة، وحاربته ~~يهود المدينة ومنافقوها، فلما نصره الله يوم بدر وأعلى كلمته، قال عبد ~~الله بن أبى، واصحابه هذا ms2383 أمر قد توجه، فدخلوا فى الإسلام ظاهرا، ثم ~~كلما أعز الله الإسلام وأهله غاظهم وساءهم، ولهذا قال - تعالى - { ~~حتى جآء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون }. ثم ~~واصلت السورة الكريمة حديثها عن هؤلاء المنافقين، فحكت جانبا من أعذارهم ~~الكاذبة، ومن أقوالهم الخبيثة.. فقال - تعالى - { ومنهم من ~~يقول....معكم متربصون }. ### || [9.49-52] # روى محمد بن إسحاق ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبى بكر، وعاصم بن ~~قتادة وغيرهم قالوا # " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم وهو جهازه - أى لغزوة ~~تبوك - للجد عن قيس أخى بنى سلمة " هل لك ياجد فى جلاد بنى الأصفر "؟ - ~~يعنى الروم - فقال الجد يا رسول الله أو تأذن لى ولا تفتنى؟ فو الله لقد ~~عرف قومى ما رجل أشد عجبا بالنساء منى، وإنى أخشى إن رأيت نساء بنى ~~الأصفر ألا أصبر عنهن، فأعرض عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال ~~قد أذنت لك ". # ففى الجد بن قيس نزلت هذه الآية { ومنهم من يقول ائذن لي ~~ولا تفتني }. أى ومن هؤلاء المنافقين الذين لم ينته الحديث عنهم ~~بعد " من يقول " لك - يا محمد - " ائذن لى " فى القعود بالمدينة، " ولا ~~تفتنى " أى ولا توقعنى فى المعصية والإثم بسبب خروجى معك إلى تبوك، ~~ومشاهدتى لنساء بنى الأصفر. وعبر - سبحانه - عن قول هذا المنافق بالفعل ~~المضارع، لا ستحضار تلك الحال لغرابتها، فإن مثله فى نفاقه وفجوره لا ~~يخشى إثم الافتتان بالنساء إذ لا يجد من دينه ما نعا من غشيان الشهوات ~~الحرام. وقوله { ألا في الفتنة سقطوا } رد عليه فيما قال، وذم ~~له على ما تفوه به. أى ألا إن هذا وأمثاله فى ذات الفتنة قد سقطوا، لافى ~~أى شئ آخر مغاير لها. وبدأ - سبحانه - الجملة الكريمة بأداة التنبيه " ~~ألا " ، لتأكيد الخبر، وتوجيه الأسماع إلى ما اشتمل عليه من توبيخ لهؤلاء ~~المنافقين. وقدم الجار والمجرور على عامله للدلالة على الحصر. أى فيها لا ~~فى غيرها قد سقطوا وهووا إلى قاع سحيق. قال الآلوسى وفى التعبير عن ~~الافتتان بالسقوط فى ms2384 الفتنة، تنزيل لها منزلة المهواة المهلكة المفصحة عن ~~ترديدهم فى دركات الردى أسفل سافلين. وقال الفخرى الرازى ما ملخصه " وفيه ~~تنبيه على أن القوم إنما اختاروا القعود لئلا يقعوا فى الفتنة، فالله - ~~تعالى - بين أنهم فى عين الفتنة واقعون، لأن أعظم أنواع الفتنة الكفر ~~بالله وبرسوله، والتمرد على قبول التكاليف التى كلفنا الله بها... ". ~~وقوله { وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } وعيد وتهديد ~~لهم على أقوالهم وأفعالهم. أى وإن جهنم لمحيطة بهؤلاء الكافرين بما جاء ~~من عند الله، دون أن يكون لهم منها مهرب أو مفر. وعبر عن إحاطتها بهم ~~باسم الفاعل الدال على الحال، لإفادة تحقيق ذلك حتى لكأنه واقع مشاهد. # قالوا ويحتمل أنها محيطة بهم الآن، بأن يراد بجهنم الأسباب الموصلة ~~إليها من الكفر والنفاق وغير ذلك من الرذائل التى سقطوا فيها. وقوله { ~~إن تصبك حسنة تسؤهم.. } بيان لنوع آخر من خبث نواياهم، ~~وسوء بواطنهم. أى " إن تصبك " يا محمد حسنة من نصر أو نعمة أو غنيمة - ~~كما حدث يوم بدر - " تسؤهم " تلك الحسنة، وتورثهم حزنا وغما، بسبب شدة ~~عداوتهم لك ولأصحابك. { وإن تصبك مصيبة } من هزيمة أو شدة - ~~كما حدث يوم أحد - " يقولوا " باختيال وعجب وشماتة { قد أخذنا ~~أمرنا من قبل }. أى قد تلافينا ما يهمنا من الأمر بالحزم ~~والتيقظ، من قبل وقوع المصيبة التى حلت بالمسلمين، ولم نلق بأيدينا إلى ~~التهلكة كما فعل هؤلاء المسلمون. وقوله { ويتولوا وهم ~~فرحون } تصوير لحالهم، ولما جبلوا عليه من شماتة بالمسلمين. أى عندما ~~تصيب المسلمين مصيبة أو مكروه، ينصرف هؤلاء المنافقون إلى أهليهم وشيعتهم ~~- والفرح يملأ جوانحهم - ليبشروهم بما نزل بالمسلمين من مكروه. قال الجمل ~~فإن قلت فلم قابل الله الحسنة بالمصيبة، ولم يقابلها بالسيئة كما قال فى ~~سورة آل عمران # وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها # قلت لأن الخطاب هنا للنبى - صلى الله عليه وسلم - وهى فى حقه مصيبة يثاب ~~عليها، لا سيئة يعاتب عليها، والتى فى آل عمران خطاب للمؤمنين ". وقوله { ~~قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا هو مولانا.. ms2385 ~~} إرشاد للرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الجواب الذى يكبتهم ويزيل ~~فرحتهم. أى " قل " يا محمد - لهؤلاء المنافقين الذين يسرهم ما يصيبك من ~~شر، ويحزنهم ما يصيبك من خير، والذين خلت قلوبهم من الإيمان بقضاء الله ~~وقدره، قل لهم على سبيل التقريع والتبكيت. لن يصيبنا إلا ما كتبه الله ~~لنا وقدره علينا " هو مولانا " الذى يتولانا فى كل أمورنا، ونلجأ إليه فى ~~كل أحوالنا. وعليه وحده - سبحانه نكل أمورنا وليس على أحد سواه. وقوله { ~~قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين.. } إرشاد ~~آخر للرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الجواب الذى يخرس ألسنة هؤلاء ~~المنافقين ويزيل فرحتهم. وقوله { تربصون } التربص بمعنى الانتظار ~~فى تمهل. يقال فلان يتربص بفلان الدوائر، إذا كان ينتظر وقوع مكروه به. ~~والحسنيان مثنى الحسنى. والمراد بهما النصر أو الشهادة. أى قل يا محمد ~~لهؤلاء المنافقين - أيضا - إنكم ما تنتظرون بنا إلا إحدى العاقبتين ~~اللتين كل واحدة منهما أحسن من جميع العواقب، وهما إما النصر على ~~الأعداء، وفى ذلك الأجر والمغنم والسلامة، وإما أن نقتل بأيديهم وفى ذلك ~~الشهادة والفوز بالجنة والنجاة من النار. قال الآلوسى والحاصل أن ما ~~تنتظرونه بنا - أيها المنافقون - لا يخلوا من أحد هذين الأمرين، كل منهما ~~عاقبته حسنى لا كما تزعمون من أن ما يصيبنا من القتل فى الغزو سوء، ولذلك ~~سررتم به. # وصح من حديث أبى هريرة عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال # " تكفل الله - تعالى - لمن جاهد فى سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد ~~فى سبيله، وتصديق كلمته أن يدخله الجنة. أو يرجعه إلى مسكنه الذى خرج منه ~~مع ما نال من أجر وغنيمة ". # وقوله { ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب ~~من عنده أو بأيدينا } بيان لما ينتظر المؤمنون وقوعه ~~بالمنافقين. أى ونحن معشر المؤمنين نتربص بكم أيها المنافقون إحدى ~~السوءتين من العواقب إما " أن يصيبكم الله بعذاب " كائن " من عنده " ~~فيهلككم كما أهلك الذين من قبلكم، وإما أن يصيبكم بعذاب كائن " بأيدينا " ~~بأن يأذن لنا فى ms2386 قتالكم وقتلكم. والفاء فى قوله { فتربصوا إنا ~~معكم متربصون } للإفصاح. أى إذا كان الأمر كذلك فتربصوا بنا ~~ما هو عاقبتنا، فإنا معكم متربصون ما هو عاقبتكم، وسترون أن عاقبتنا على ~~كل حال هى الخير، وأن عاقبتكم هى الشر. وبذلك ترى أن هذه الآيات الكريمة، ~~قد حكت طرفا من رذائل المنافقين ومن مسالكهم الخبيثة لكيد الدعوة ~~الإسلامية، وردت عليهم بما يكبتهم، ويفضحهم على رءوس الأشهاد. ثم بين - ~~سبحانه - أن هؤلاء المنافقين نفقاتهم غير مقبولة، لأن قلوبهم خالية من ~~الإيمان. ولأن عباداتهم ليست خالصة لوجه الله، وأن ما ينفقونه سيكون ~~عليهم حسرة فقال - تعالى - { قل أنفقوا طوعا...وهم ~~كافرون }. ### || [9.53-55] # روى أن بعض المنافقين قال للنبى - صلى الله عليه وسلم - عندما دعاهم إلى ~~الخروج معه إلى تبوك ائذن لى فى القعود وهذا مالى أعينك به، فنزل قوله - ~~تعالى - { قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل ~~منكم.. }. والمعنى قل يا محمد لهؤلاء أنفقوا ما شئتم من أموالكم فى ~~وجوه الخير حالة كونكم طائعين، أى من غير إجبار أحد لكم، أو كارهين، أى ~~بأن تجبروا على هذا الإنفاق إجبارا، فلن يقبل منكم ذلك الإنفاق. ~~والكلام وإن كان قد جاء فى صورة الأمر، إلا أن المراد به الخبر وقد أشار ~~إلى ذلك صاحب الكشاف بقوله. فإن قلت كيف أمرهم بالإنفاق ثم قال { لن ~~يتقبل منكم }؟ قلت هو أمر فى معنى الخبر، كقوله - تعالى - # قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن ~~مدا # ومعناه لن يتقبل منكم أنفقتم طوعا أو كرها، ونحوه قوله - تعالى - # استغفر لهم أو لا تستغفر لهم # وقول الشاعر # أسيئى بنا أو أحسنى لا ملومة لدينا ولا مقلية إن تقلت # أى لن يغفر الله لهم، استغفرت لهم.. أم لم تستغفر لهم. ولا نلومك سواء ~~أسأت إلينا أم أحسنت.. وجاء الكلام فى صورة الأمر، للمبالغة فى تساوى ~~الأمرين، وعدم الاعتداد بنفقتهم سواء أقدموها عن طواعية أم عن كراهية. ~~وقوله. { لن يتقبل منكم } بيان لثمرة إنفاقهم. أى لن يتقبل ~~منكم ما أنفقتموه، ولن تنالوا عليه ثوابا. ms2387 وقوله { إنكم كنتم ~~قوما فاسقين } تعليل لعدم قبول نفقاتهم. أى لن تقبل منكم نفقاتكم ~~بسبب عتوكم فى الكفر، وتمردكم على تعاليم الإسلام وخروجكم عن الطاعة ~~والاستقامة. قال القرطبى ما ملخصه. وفى الآية دليل على أن أفعال الكافر ~~إذا كانت برا كصلة القرابة، وجبر الكسير، وإغاثة الملهوف، ولا يثاب ~~عليها، ولا ينتفع بها فى الآخرة، بيد أنه يطعم بها فى الدنيا. دليله ما ~~رواه مسلم # " عن عائشة - رضى الله عنها - قالت قلت يا رسول الله، ابن جدعان كان فى ~~الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال لا ينفعه، إنه لم ~~يقل يوما رب اغفر لى خطيئتى يوم الدين ". # وروى عن أنس قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها فى الدنيا ويجزى بها فى الآخرة، ~~وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل لله بها فى الدنيا، حتى إذا أفضى إلى ~~الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها ". # وقال الجمل وهذه الآية وإن كانت خاصة فى إنفاق المنافقين، فهى عامة فى ~~حق كل من أنفق ماله لغير وجه الله، بل أنفقه رياء وسمعة فإنه لا يقبل ~~منه. # ثم بين - سبحانه - على سبيل التفصيل لمظاهر فسقهم - أن هناك ثلاثة أسباب ~~أدت إلى عدم قبول نفقاتهم. أما السبب الأول فقد عبر عنه - سبحانه - بقوله ~~{ وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا ~~أنهم كفروا بالله وبرسوله.. }. أى وما منعهم قبول ~~نفقاتهم شئ من الأشياء إلا كفرهم بالله - تعالى - ورسوله - صلى الله عليه ~~وسلم -. فالاستثناء من أهم الأشياء. والضمير فى " منعهم " هو المفعول ~~الأول للفعل، وقوله { أن تقبل } هو المفعول الثانى، لأن الفعل " منع ~~" يتعدى لمفعولين تارة بنفسه كما هنا، وتارة يتعدى إلى المفعول الثانى ~~بحرف الجر وهو حرف " من " أو " عن ". والفاعل ما فى حيز الاستثناء وهو ~~قوله { إلا أنهم كفروا.. }. وأما السبب الثانى فقد عبر عنه - ~~سبحانه - بقوله { ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى }. ~~ولفظ " كسالى ". جمع كسلان، مأخوذ من الكسل بمعنى التثاقل عن الشئ، ms2388 ~~والفتور عن أدائه. وفعله بزنة فرح. أى ولا يأتون الصلاة التى كتبها الله ~~عليهم فى حال من الأحوال، إلا فى حال كونهم قوم خلت قلوبهم من الإيمان، ~~فصاروا لا يرجون من وراء أدائها ثوابا ولا يخشون من وراء تركها عقابا، ~~وإنما يؤدونها رياء أو تقية للمسلمين. وشبيه بهذه الجملة الكريمة قوله - ~~تعالى - فى سورة النساء # إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا ~~قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يرآءون الناس ~~ولا يذكرون الله إلا قليلا # وأما، السبب الثالث فقد عبر عنه - سبحانه - بقوله { ولا ينفقون ~~إلا وهم كارهون }. أى. ولا ينفقون نفقة فى سبيل الله إلا وهم ~~كارهون لها لأنهم يعدونها مغرما، ويعتبرون تركها مغنما، وما حملهم على ~~الإنفاق إلا الرياء أو المخادعة أو الخوف من انكشاف أمرهم، وافتضاح ~~حالهم. قال صاحب الكشاف فإن قلت الكراهية خلاف الطواعية، وقد جعلهم الله ~~- تعالى - طائعين فى قوله " طوعا " ثم وصفهم هنا بأنهم لا ينفقون إلا ~~وهم كارهون فكيف ذلك؟ قلت المراد بطوعهم أنهم يبذلون نفقتهم من غير إلزام ~~من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو من رؤسائهم، وما طوعهم ذاك إلا ~~عن كراهية واضطرار، لا عن رغبة واختيار. أى أن نفقتهم فى جميع الأحوال لا ~~يقصد بها الاستجابة لشرع الله، وإنما يقصد بها الرياء أو المخادعة، أو ~~خدمة مصالحهم الخاصة. ثم نهى الله - تعالى - المؤمنين فى شخص نبيهم - صلى ~~الله عليه وسلم - عن التطلع إلى ما فى أيدى هؤلاء المنافقين فقال. { ~~فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم.. }. والإعجاب ~~بالشئ معناه أن تسر به سرورا يجعلك راضيا به ومتمنيا له، والفاء فى ~~قوله { فلا تعجبك } للإفصاح. # أى إذا كان هذا هو شأن المنافقين، فلا تستحسن. أيها العاقل. ما أعطيناهم ~~إياه من أموال وأولاد، فإنه نوع من الاستدراج. وقوله { إنما يريد ~~الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا } تعليل للنهى ~~عن الإعجاب بما أعطاهم الله من أموال وأولاد. أى إنما يريد الله بعطائهم ~~تلك الأمول والأولاد أن يعذبهم بها فى الحياة الدنيا، وقد بسط الإمام ~~الرازى ms2389 مظاهر تعذيب المنافقين فى الدنيا بالأموال والأولاد فقال ما ملخصه ~~المنافقون يعذبهم الله بأموالهم وأولادهم فى الحياة الدنيا من وجوه أحدها ~~أن الرجل إذا آمن بالله واليوم الآخر، علم أنه خلق للآخرة لا للدنيا، ~~وبهذا العلم يفتر حبه للدنيا، وأما المنافق فإنه لما اعتقد أنه لا سعادة ~~له إلا فى هذه الخيرات العاجلة، عظمت رغبته فيها، واشتد حبه لها، وكانت ~~الآلام الحاصلة بسبب فواتها أكثر فى حقه.. فهذا النوع من العذاب حاصل لهم ~~فى الدنيا بسبب الأموال والأولاد. وثانيا أن النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- كان يكلفهم إنفاق تلك الأموال فى وجوه الخيرات، ويكلفهم إرسال أولادهم ~~إلى الجهاد والغزو، وذلك يوجب تعريض أولادهم للقتل، وهم كانوا يعتقدون أن ~~محمدا ليس صادقا فى كونه رسول، وكانوا يعتقدون أن إنفاق تلك الأموال ~~تضييع لها من غير فائدة وأن تعريض أولادهم للقتل التزام لهذا المكروه ~~الشديد من غير فائدة، ولا شك أن هذا كله تعذيب لهم. وثالثا أنهم كانوا ~~يبغضون محمدا - صلى الله عليه وسلم - بقلوبهم، ثم إنهم كانوا يحتاجون ~~إلى بذل أموالهم وأولادهم فى خدمته. ولا شك أن هذه الحالة شاقة شديدة ~~عليهم. ورابعا أنهم كانوا خائفين من أن يفتضحوا ويظهر نفاقهم وكفرهم ~~ظهورا تاما، فيصيرون أمثال سائر أهل الحرب من الكفار. وحينئذ يتعرض ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم بالقتل وسبى الأولاد.... وكل ذلك يوجب ~~ألمهم وقلقهم. وخامسا أن كثيرا من المنافقين كان لهم أولاد أتقياء ~~كحنظلة بن أبى عامر وعبد الله بن عبد الله بن أبى.. وكانوا لا يرتضون ~~طريقة آبائهم فى النفاق، ويقدحون فيهم. والإبن إذا صار هكذا عظم تأذى ~~الأب به، واستيحاشه منه، فصار حصول تلك الأولاد سببا لعذابهم.. وقوله { ~~وتزهق أنفسهم وهم كافرون } بيان لسوء مصيرهم فى الآخرة ~~بعد بيان عذابهم فى الدنيا. وزهوق النفس خروجها من الجسد بصعوبة ومشقة. ~~يقال زهقت نفسه تزهق إذا خرجت، وزهق الشئ إذا هلك واضمحل، ومنه قوله - ~~تعالى - # وقل جآء الحق وزهق الباطل... # والمعنى لا تعجبك - أيها العاقل - أموال هؤلاء المنافقين ms2390 ولا أولادهم ~~إنما يريد الله ليعذبهم بها فى الحياة الدنيا، ويريد كذلك أن تخرج ~~أراوحهم من أجسادهم وهم كافرون، فيعذبهم بسبب كفرهم عذابا أليما. # فأنت ترى أن الآية الكريمة قد توعدت المنافقين بسوء المصير فى الآخرة ~~ولن يحسد إنسان مصيره كهذا المصير. قال الإمام الرازى ومن تأمل فى هذه ~~الآيات عرف أنها مرتبة على أحسن الوجوه، فإنه - سبحانه - لما بين قبائح ~~أفعالهم، وفضائح أعمالهم، بين ما لهم فى الآخرة من العذاب الشديد، وما ~~لهم فى الدنيا من وجوه المحنة والبلية، ثم بين بعد ذلك أن ما يفعلونه من ~~أعمال البر لا ينفعون به يوم القيامة ألبتة ثم بين فى هذه الآية أن ما ~~يظنونه من منافع الدنيا، فهو فى حقيقته سبب لعذابهم وبلائهم وتشديد ~~المحنة عليهم، وعند ذلك يظهر أن النفاق جالب لجميع الآفات فى الدنيا ~~والدين، ومبطل لجميع الخيرات فى الدين والدنيا... " وبعد أن بينت السورة ~~الكريمة أن هؤلاء المنافقين قد خسروا الدنيا والآخرة، أتبعت ذلك بالحديث ~~عن رذائلهم وقبائحهم التى على رأسها الجبن والكذب فقال - تعالى - { ~~ويحلفون بالله...وهم يجمحون }. ### || [9.56-57] # أى أن هؤلاء المنافقين يحلفون بالله لكم - أيها المؤمنون - " إنهم لمنكم ~~" أى فى الدين والملة، والحق أنهم ما هم منكم، لأنهم يظهرون الإسلام ~~ويخفون الكفر، فهم كما وصفهم - سبحانه - فى قوله # إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد ~~إن المنافقين لكاذبون اتخذوا أيمانهم جنة ~~فصدوا عن سبيل الله إنهم سآء ما كانوا ~~يعملون # وقوله { ولكنهم قوم يفرقون } استدراك للرد عليهم فيما ~~قالوه وأقسموا عليه كذبا وزورا. وقوله { يفرقون } من الفرق، بمعنى ~~الفزع الشديد من أمر يتوقع حصوله. يقال فرق فرقا إذا اشتد خوفه وهلعه. أى ~~أن هؤلاء المنافقين لشدة خوفهم وهلعهم - أيها المؤمنون - يحلفون لكم كذبا ~~وزورا بأنهم منكم، والحق أنهم ما هم منكم، ولكنهم قوم جبناء. لا يستطيعون ~~مصارحتكم بالعداوة، ولا يجرؤون على مجابهتكم بما تخفيه قلوبهم لكم من ~~بغضاء. وقوله - سبحانه - { لو يجدون ملجئا أو مغارات... ~~} تأكيد لما كان ms2391 عليه أولئك المنافقون من جبن خالع. والملجأ اسم للمكان ~~الذى يلجأ إليه الخائف ليحتمى به سواء أكان حصنا أو قلعة أو غيرهما. ~~والمغارات جمع مغارة وهى المكان المنخفض فى الأرض أو فى الجبل. قال بعضهم ~~والغور - يفتح الغين - من كل شئ قعره. يقال غار الرجل غورا إذا أتى الغور ~~وهو المنخفض من الأرض. والمدخل - بتشديد الدال اسم للموضع الذى يدخلون ~~فيه، بصعوبة ومشقة لضيقه، كالنفق فى الأرض. وقوله { يجمحون } أى ~~يسرعون أشد الإسراع مأخوذ من الجموح وهو أن يغلب الفرس صاحبه فى سيره ~~وجريه. يقال جمح الفرس براكبه جموحا، إذا استعصى عليه حتى غلبه. والمعنى ~~أن هؤلاء المنافقين لو يجدون حصنا يلتجئون إليه أو مغارات يستخفون فيها. ~~أو سردابا فى الأرض ينجحرون فيه، لأقبلوا نحوه مسرعين أشد الإسراع دون ~~أن يردهم شئ، كالفرس الجموح الذى عجز صاحبه عن منعه من النفور والعدو. ~~فالآية الكريمة تصوير معجز لما كان عليه أولئك المنافقون من خوف شديد من ~~المؤمنين، ومن بغض دفين لهم، حتى إنهم لو وجدوا شيئا من هذه الأمكنة - ~~التى هى منفور منها - لأسرعوا نحوها إسراعا شديدا. ثم تمضى السورة بعد ~~ذلك فى الكشف عن الأقوال المنكرة، والأفعال القبيحة التى كانت تصدر عن ~~المنافقين فتقول. { ومنهم من يلمزك...إلى الله ~~راغبون }. ### || [9.58-59] # قال الإمام الرازى اعلم أن المقصود من هذا، شرح نوع آخر من قبائحهم ~~وفضائحهم، وهو طعنهم فى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بسبب أخذ الصدقات ~~من الأغنياء، ويقولون إنه يؤثر بها من يشاء من أقاربه وأهل مودته، ~~وينسبونه إلى أنه لا يراعى العدل. هذا، وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول ~~هاتين الآيتين روايات منها ما أخرجه البخارى والنسائى # " عن أبى سعيد الخدرى - رضى الله عنه - قال بينما النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - يقسم قسما إذ جاءه ذو الخويصرة التميمى فقال اعدل يا رسول الله، ~~فقال " ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل "؟ فقال عمر بن الخطاب - رضى الله عنه ~~- ائذن لى فأضرب عنقه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " دعه ms2392 فإن ~~له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من ~~الدين كما يمرق السهم فى الرمية.. ". # قال أبو سعيد، فنزلت فيهم { ومنهم من يلمزك في ~~الصدقات.. }. وروى ابن مردويه # " عن ابن مسعود - رضى الله عنه - قال " لما قسم النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - غنائم حين سمعت رجلا يقول إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله. ~~فأتيت النبى - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له ذلك فقال " رحمة الله على ~~موسى، لقد أوذى بأكثر من هذا فصبر " # ونزل { ومنهم من يلمزك في الصدقات }. وقوله { ~~يلمزك } أى يعيبك ويطعن عليك فى قسمة الصدقات وغيرها من الأموال، ~~مأخوذ من اللمز وهو العيب. يقال لمزه وهمزه يلمزه ويهمزه إذا عابه وطعن ~~عليه، ومنه قوله - تعالى - # ويل لكل همزة لمزة # وقيل اللمز ما كان يحضره الملموز، والهمز ما كان فى غيابه. والمعنى ومن ~~هؤلاء المنافقين - يا محمد - من يعيبك ويطعن عليك فى قسمة الصدقات ~~والغنائم، زاعمين أنك لست عادلا فى قسمتك. وقوله { فإن أعطوا ~~منها رضوا... } بيان لفساد لمزهم وطعنهم، وأن الدافع إليه إنما هو ~~الطمع والشره فى حطام الدنيا، وليس الغضب من أجل إحقاق الحق أو من أجل ~~نشر العدالة بين الناس. أى أن هؤلاء المنافقين إن أعطيتهم. يا محمد. من ~~تلك الصدقات، رضوا عنك، وحكموا على هذا العطاء بأنه عدل حتى ولو كان ~~ظلما، وإن لم تعطهم منها سخطوا عليك، واتهموك بأنك غير عادل، حتى ولو ~~كان عدم عطائهم هو الحق بعينه، فهم لا يقولون ما يقولونه فيك غضبا للعدل، ~~ولا حماسة للحق، ولا غيرة على الدين.. وإنما يقولون ما يقولون من أجل ~~مطامعهم الشخصية، ومنافعهم الذاتية. ### || [9.60] # قال الإمام ابن كثير. لما ذكر الله - تعالى - اعتراض المنافقين الجهلة ~~على النبى - صلى الله عليه وسلم - ولمزهم إياه فى قسم الصدقات. بين - ~~سبحانه - أنه هو الذى قسمها، وبين حكمها، وتولى أمرها بنفسه، ولم يكل ~~قسمها إلى أحد غيره فجزأها لهؤلاء المذكورين، كما رواه أبو داود فى سنته # " عن زياد بن الحارث ms2393 الصدائى قال. أتيت النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~فبايعته. فأتى رجل فقال. أعطنى من الصدقة فقال له. " إن الله لم يرض بحكم ~~نبى ولا غيره. فى الصدقات حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أصناف، فإن كنت ~~من تلك الأجزاء أعطيتك ". # والمراد بالصدقات هنا - عند كثير من العلماء - الزكاة المفروضة. ولفظ ~~الصدقات. مبتدأ. والخبر محذوف، والتقدير إنما الصدقات مصروفة للفقراء ~~والمساكين.. إلخ. والفقراء. جمع فقير، وهو من له أدنى شئ من المال. أو هو ~~من لا يملك المال الذى يقوم بحاجاته الضرورية من مأكل ومشرب وملبس ومسكن. ~~يقال فقر الرجل - من باب تعب - إذا قل ماله. قالوا وأصل الفقير فى اللغة ~~الشخص الذى كسر فقار ظهره، ثم استعمل فيمن قل ماله لانكساره بسبب احتياجه ~~إلى غيره. أو هو من الفقرة بمعنى الحفرة، ثم استعمل فيما ذكر لكونه أدنى ~~حالا من أكثر الناس، كما أن الحفرة أدنى من مستوى سطح الأرض المستوية. ~~والمساكين جمع مسكين، وهو من لا شئ له، فيحتاج إلى سؤال الناس لسد حاجاته ~~ومطالب حياته. وهو مأخوذ من السكون الذى هو ضد الحركة، لأن احتياجه إلى ~~غيره أسكنه وأذله. وقيل المسكين هو الذى له مال أو كسب ولكنه لا يكفيه، ~~وعلى هذا يكون قريب الشبه بالفقير. وقوله { والعاملين عليها } ~~بيان للصنف الثالث من الأصناف الذين تجب لهم الزكاة. والمراد بهم. من ~~كلفهم الإمام بجمع الزكاة وتحصيلها ممن يملكون نصابها. ويدخل فيهم ~~العريف، والحاسب، والكاتب، وحافظ المال، وكل من كلفه الإمام أو نائبه ~~بعمل يتعلق بجمع الزكاة او حفظها، أو توزيعها. وقوله. { والمؤلفة ~~قلوبهم } بيان للصنف الرابع. والمراد بهم الأشخاص الذين يرى الإمام ~~دفع شئ من الزكاة إليهم تأليفا لقلوبهم، واستمالة لنفوسهم نحو الإسلام، ~~لكف شرهم، أو لرجاء نفعهم، وهم أنواع منهم قوم من الكفار، كصفوان بن ~~أمية، فقد أعطاء النبى - صلى الله عليه وسلم - من غنائم حنين، وكان صفوان ~~يومئذ كافرا، ثم أسلم وقال والله لقد أعطانى النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- وكان أبغض الناس إلى، فما زال يعطينى. ms2394 حتى أسلمت وإنه لأحب الناس إلى. ~~ومنهم قوم كانوا حديثى عهد بالإسلام وكانوا من ذوى الشرف فى أقوامهم ~~فكان النبى - صلى الله عليه وسلم - يعطيهم، ليثبت إيمانهم، وليدخل معهم ~~فى الإسلام أتباعهم. # ومن أمثلة ذلك ما فعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع الأقرع بن حابس ~~وعيينة بن حصن، والزبرقان بن بدر، فقد أعطاهم - صلى الله عليه وسلم - ~~لمكانتهم فى عشيرتهم، ولشرفهم فى أقوامهم. وليدخل معهم فى الإسلام ~~غيرهم. ومنهم قوم كانوا ضعاف الإيمان، فكان - صلى الله عليه وسلم - ~~يعطيهم تأليفا لقلوبهم، وتقوية لإيمانهم لكى لا يسرى ضعف إيمانهم إلى ~~غيرهم. ومن أمثلة هذا الصنف العباس من مرداس السلمى، فقد أعطاه النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - تأليفا لقلبه، وتثبيتا لإيمانه. والخلاصة أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - كان يتألف قلوب بعض الناس بالعطاء، دفعا ~~لشرهم، أو أملا فى نفعهم، أو رجاء هدايتهم. وقوله { وفي الرقاب } ~~بيان لنوع خامس من مصارف الزكاة. وفى الكلام مجاز بالحذف، والتقدير وتصرف ~~الصدقات أيضا فى فك الرقاب بأن يعان المكاتبون بشئ منها علىأداء بدل ~~الكتابة لكن يصيروا أحرارا. أو بأن يشترى بجزء منها عددا من العبيد لكى ~~يعتقوا من الرق. وذلك لأن الإسلام يحبب أتباعه فى عتق الرقاب، وفى ~~مساعدة الأرقاء على أن يصيروا أحرارا. وقوله { والغارمين } من ~~الغرم بمعنى الملازمة للشئ ومنه قوله. تعالى # إن عذابها كان غراما # أى عذاب جهنم كان ملازما لأهلها من الكافرين. والمراد بالغارمين من ~~لزمتهم الديون فى غير معصية لله، ولا يجدون المال الذى يدفعونه لدائنيهم، ~~فيعطون من الزكاة ما يعينهم على سداد ديونهم. وقوله { وفي سبيل ~~الله } بيان لنوع سابع من مصارف الزكاة. والسبيل الطريق الذى فيه ~~سهولة، وجمعه سبل. وأضيف إلى الله تعالى للإشارة إلى أنه هو السبيل الحق ~~الذى لا يحوم حوله باطل، وهو الذى يوصل السائر فيه إلى مرضاة الله ~~ومثوبته. أى وتصرف الصدقات فى سبيل الله، يدفع جزء منها لمساعدة ~~المجاهدين والغزاة والفقراء الذين خرجوا لإعلاء كلمة الله. قال بعض ~~العلماء ما ملخصه قال ms2395 أبو حنيفة ومالك والشافعى. يصرف سهم سبيل الله ~~المذكور فى الآية الكريمة إلى الغزاة.. لأن المفهوم فى الاستعمال ~~المتبادر إلى الأفهام أن سبيل الله هو الغزو، وأكثر ما جاء فى القرآن ~~الكريم كذلك. وقال الإمام أحمد يجوز صرف سبيل الله إلى مريد الحج. وقال ~~بعضهم يجوز صرف سبيل الله إلى طلبة العلم. وفسره بعضهم بجميع القربات. ~~فيدخل فيه جميع وجوه الخير، مثل تكفين الموتى، وبناء القناطر، والحصون، ~~وعمارة المساجد { وفي سبيل الله } عام فى الكل.. وقوله { وابن ~~السبيل } بيان للصنف الثامن والأخير من الأصناف الذين هم مصارف ~~الزكاة. والمراد بابن السبيل المسافر المنقطع عن ماله فى سفره. ولو كان ~~غنيا فى بلده، فيعطى من الزكاة ما يساعده على بلوغ موطنه. # وقد اشترط العلماء لابن السبيل الذى يعطى من الصدقة، أن يكون سفره فى ~~غير معصية الله. فإن كان فى معصية لم يعط لأن إعطاءه يعتبر إعانة له على ~~المعصية، وهذا لا يجوز. وقد ألحقوا بابن السبيل، كل من غاب من ماله، ولو ~~كان فى بلده. وقوله. فريضة من الله، منصوب بفعل مقدر أى فرض الله لهم هذه ~~الصدقات فريضة، فلا يصح لكم أن تبخلوا بها عنهم، أو تتكاسلوا فى إعطائها ~~لمستحقيها. فالجملة الكريمة زجر للمخاطبين عن مخالفة أحكامه. سبحانه. ~~وقوله { والله عليم حكيم } تذييل قصد به بيان الحكمة من فرضية ~~الزكاة. أى والله - تعالى - عليم بأحوال عباده، ولا تخفى عليه خافية من ~~تصرفاتهم، حكيم فى كل أوامره ونواهيه، فعليكم. أيها المؤمنون. أن تأتمروا ~~بأوامره، وأن تنتهوا عن نواهيه لتنالوا رضاه. هذا، من الأحكام والآداب ~~التى أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى 1- أن المراد بالصدقات هنا ما ~~يتناول الزكاة المفروضة وغيرها من الصدقات المندوبة، وذلك لأن اللفظ عام ~~فيشمل كل صدقة سواء أكانت واجبة أم مندوبة، ولأن لفظ الصدقة فى عرف الشرع ~~وفى صدر الإسلام، كان يشمل الزكاة المفروضة، والصدقة المندوبة، ويؤيده ~~قوله - تعالى - # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها # ومن العلماء من يرى أن المراد بالصدقات فى الآية ms2396 الزكاة المفروضة، لأن ~~أل فى الصدقات للعهد الذكرى والمعهود هو الصدقات الواجبة التى أشار إليها ~~القرآن. بقوله قبيل هذه الآية. # ومنهم من يلمزك في الصدقات # ولأن الصدقات المندوبة يجوز صرفها فى غير الأصناف الثمانية كبناء ~~المساجد والمدارس. ويبدو لنا أن لفظ الصدقات فى الآية عام بحيث يتناول كل ~~صدقة، إلا أن الزكاة المفروضة تدخل فيه دخولا أوليا. 2- قال بعض العلماء ~~ظاهر الآية يقضى بالقسمة بين الثمانية الأصناف، ويؤيد هذا وجهان. الأول. ~~ما يقتضيه اللفظ اللغوى، إن قلنا. الواو للجمع والتشريك. والثانى ما رواه ~~أبو داود فى سنته من قوله - صلى الله عليه وسلم - # " إن الله لم يرض بحكم نبى ولا غيره فى الصدقات، حتى حكم فيها، فجزأها ~~ثمانية أجزاء ". # وقد ذهب إلى هذا الشافعى وعكرمة والزهرى، إلا إن استغنى أحدهما فتدفع ~~إلى الآخرين بلا خلاف. وذهبت طوائف إلى جواز الصرف فى صنف واحد. منهم عمر ~~وابن عباس وعطاء وابن جبير ومالك وأبو حنيفة. قال فى التهذيب وخرجوا عن ~~الظاهر فى دلالة الآية المذكورة والخبر بوجوه الأول أن الله - تعالى - ~~قال فى سورة البقرة # وإن تخفوها وتؤتوها الفقرآء فهو خير لكم # فدل على أن ذكر العدد هنا لبيان جنس من يستحقها. الثانى الخبر، وهو قوله ~~- صلى الله عليه وسلم - لمعاذ # " أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة فى أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد فى ~~فقرائهم ". # الثالث حديث سلمة بن صخر. فإنه - صلى الله عليه وسلم - جعل له صدقة بنى ~~زريق. الرابع أنه لم يظهر فى ذلك خلاف من جهة الصحابة فجرى كالمجمع عليه. ~~3- يرى جمهور العلماء أن الفقراء والمساكين صنفان من مصارف الزكاة لأن ~~الله. - تعالى - قد ذكر كل صنف منهما على حدة، إلا أنهم اختلفوا فى أيهما ~~أسوأ حالا من الآخر. فالشافعية يرون أن الفقير أسوأ حالا من المسكين. ومن ~~أدلتهم على ذلك، أن الله. تعالى. بدأت فى الآية بالفقراء، وهذا البدء، ~~يشير إلى أنهم أشد حاجة من غيرهم، لأن الظاهر تقديم الأهم على المهم. ~~ولأن لفظ الفقير أصله فى اللغة ms2397 المفقور الذى نزعت فقرة من فقار ظهره فلا ~~يستطيع التكسب، ومعلوم أنه لا حال فى الاقلال والبؤس آكد من هذه الحال. ~~ولأن الله. تعالى. وصف بالمسكنة من كانت له سفينة من سفن البحر فقال # أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر # أما الأحناف والمالكية فيرون أن المسكين أسوأ حالا من الفقير. ومن ~~أدلتهم على ذلك أن علماء اللغة عرفوا المسكين بأنه أسوأ حالا من الفقير، ~~وإلى هذا ذهب يعقوب بن السكيت، والقتبى، ويونس بن حبيب. ولأن الله - ~~تعالى - وصف المسكين وصفا يدل على البؤس والفاقة فقال # أو مسكينا ذا متربة # أى مسكينا ذا حاجة شديدة، حتى لكأنه قد لصق بالتراب من شدة الفاقة، ولم ~~يصف الفقير بذلك.. قال بعض العلماء وأنت إذا تأملت أدلة الطرفين وجدت ~~أنها متعارضة ومحل نظر، وأياما كان فقد اتفق الرأيان على أن الفقراء ~~والمساكين صنفان. وروى عن أبى يوسف ومحمد أنهما صنف واحد واختاره ~~الجبائى، ويكون العطف بينهما لاختلاف المفهوم. وفائدة الخلاف تظهر فيما ~~إذا أوصى لفلان وللفقراء والمساكين فمن قال إنهما صنف واحد جعل لفلان نصف ~~الموصى به، ومن قال إنهما صنفان جعل له الثلث من ذلك. 4- ظاهر الآية يدل ~~على أن الزكاة يجوز دفعها لكل من يشمله اسم الفقير والمسكين، إلا أن هذا ~~الظاهر غير مراد لأن الأحاديث الصحيحة قد قيدت هذا الإطلاق. قال القرطبى ~~اعلم أن قوله - تعالى - { للفقرآء } مطلق ليس فيه شرط وتقييد، بل ~~فيه دلالة على جواز الصرف إلى جملة الفقراء، سواء أكانوا من بنى هاشم أو ~~من غيرهم، إلا أن السنة وردت باعتبار شروط، منها ألا يكونوا من بنى هاشم، ~~وألا يكونوا ممن تلزم المتصدق نفقته، وهذا لا خلاف فيه. وشرط ثالث ألا ~~يكن قويا على الاكتساب لأنه - سبحانه - قال # " لا تحل الصدقة لغنى، ولا لذى مرة سوى ". # ولا خلاف بين علماء المسلمين فى أن الصدقة المفروضة لا تحل للنبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ولا لبنى هاشم ولا لمواليهم. # . وكذلك لا يصح أن تعطى لغير المسلمين، ففى الصحيحين عن ms2398 ابن عباس - رضى ~~الله عنهما - # " أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن " ~~أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم " # فاقتضى ذلك أن الصدقة مقصورة على فقراء المسلمين. إلا أنه نقل عن أبى ~~حنيفة جواز دفع صدقة الفطر إلى الذمى. 5- أخذ بعض العلماء من قوله - ~~تعالى { والعاملين عليها } أنه يجب على الإمام أن يرسل من ~~يراه أهلا لجمع الزكاة ممن تجب عليهم. وقد تأكد هذا الوجوب بفعل النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - فقد ثبت فى أحاديث متعددة أنه أرسل بعض الصحابة ~~لجمع الزكاة. روى البخارى عن أبى حميد الساعدى قال استعمل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - رجلا على صدقات بنى سليم يدعى ابن اللتبية، فلما ~~جاء حاسبه. 6- أخذ بعض العلماء - أيضا - من قوله - تعالى - { ~~والمؤلفة قلوبهم } أن حكمهم باق، لأنهم قد ذكروا من بين ~~مصارف الزكاة، ولأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أعطاهم، فيعطون عند ~~الحاجة. قال الإمام القرطبى ما ملخصه واختلف العلماء فى بقاء المؤلفة ~~قلوبهم. فقال عمر والحسن والشعبى وغيرهم انقطع هذا الصنف بعز الإسلام ~~وظهوره. وهذا مشهور من مذهب مالك وأصحاب الرأى. قال بعض علماء الحنفية. ~~لما أعز الله الإسلام وأهله، أجمع الصحابة فى خلافة أبى بكر على سقوط ~~سهمهم. وقال جماعة من العلماء هم باقون لأن الإمام ربما احتاج أن يستألف ~~على الإسلام وإنما قطعهم عمر لما رأى من إعزاز الدين. وقال ابن العربى. ~~الذى عندى أنه إن قوى الإسلام زالوا، وإن احتيج إليهم أعطوا سهمهم كما ~~كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطيهم، فإن فى الصحيح # " بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ ". # والذى يبدو لنا أن ما قاله ابن العربى أقرب الأقوال إلى الصواب لأن ~~مسألة إعطاء المؤلفة قلوبهم تختلف باختلاف الأحوال فإن كان الإمام يرى ~~أن من مصلحة الإسلام إعطاءهم، أعطاهم، وإن كانت المصحلة فى غير ذلك لم ~~يعطهم. 7- دلت الآية الكريمة على أن الزكاة ركن من أركان الاسلام، لقوله ~~تعالى { فريضة من الله ms2399 }. قال بعض العلماء ما ملخصه، تلك هى ~~فريضة الزكاة. ليست أمر الرسول وإنما هى أمر الله وفريضته وقسمته وما ~~الرسول فيها إلا منفذ للفريضة المقسومة من رب العالمين. وهذه الزكاة تؤخذ ~~من الأغنياء على أنها فريضة من الله، وترد على الفقراء على أنها فريضة من ~~الله، وهى محصورة فى طوائف من الناس عينهم القرآن وليست متروكة لاختيار ~~أحد حتى ولا اختيار الرسول نفسه. # وبذلك تأخذ الزكاة مكانها فى شريعة، ومكانها فى النظام الإسلامي، لا ~~تطوعا ولا تفضلا ممن فرضت عليهم، فهى فريضة محتمة، ولا منحة ولا جزافا ~~من القاسم الموزع فهى فريضة معلومة. إنها إحدى فرائض الإسلام تجمعها ~~الدولة المسلمة بنظام معين لتؤدى بها خدمة اجتماعية محددة. وهى. ليست ~~إحسانا من المعطى، وليست شحاذة من الآخذ، كلا فما قام النظام الاجتماعى ~~فى الإسلام على التسول ولن يقوم. إن قوم الحياة فى النظام الإسلامى هو ~~العمل - بكل صنوفه وألوانه - على الدولة المسلمة أن توفر العمل لكل قادر ~~عليه. والزكاة ضريبة تكافل اجتماعى بين القادرين والعاجزين، تنظمها ~~الدولة وتتولاها فى الجمع والتوزيع، متى قام المجمع على أساس الإسلام ~~الصحيح، منفذا شريعة الله لا يبتغى له شرعا ولا منهجا سواه. إن فريضة ~~الزكاة تؤدى فى صورة عبادة إسلامية، ليطهر الله بها القلوب من الشح، ~~وليجعلها شرعة تراحم وتضامن بين أفراد الأمة المسلمة. إنها فريضة من ~~الله، الذى يعلم ما يصلح لهذه البشرية، ويدير أمرها بالحكمة { والله ~~عليم حكيم }. وبعد هذا الحديث عن الصدقات التى كان المنافقون ~~يلمزون الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيها، أخذت السورة فى مواصلة ~~حديثها عن رذائل المنافقين، وعن سوء أدبهم.. فقال تعالى - { ومنهم ~~الذين يؤذون النبي... }. ### || [9.61] # روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه ابن أبى حاتم ~~عن السدى أنها نزلت فى جماعة من المنافقين منهم الجلاس بن سويد بن صامت ~~ورفاعة ابن عبد المنذر، ووديعة بن ثابت وغيرهم، قالوا مالا ينبغى فى حقه ~~- صلى الله عليه وسلم -. فقال رجل منهم لا تفعلوا فإنا نخاف ms2400 أن يبلغ ~~محمدا ما تقولونه فيقع فينا. فقال الجلاس بل نقول ما شئنا، ثم نأتيه ~~فيصدقنا بما نقول فإن محمدا أذن. فمرادهم بقولهم " هو أذن " أى كثير ~~الاستماع والتصديق لكل ما يقال له. قال صاحب الكشاف الأذن الرجل الذى ~~يصدق كل ما يسمع، ويقبل قول كل أحد سمى بالجارحة التى هى آلة السماع كأن ~~جملته أذن سامعة ونظيره قولهم للربيئة - أى الطليعة - عين ". وقال بعضهم ~~" الأذن " الرجل المستمع القابل لما يقال له. وصفوا به الذكر والانثى ~~والواحد والجمع. فيقال رجل أذن، وامرأة أذن ورجال ونساء أذن، فلا يثنى ~~ولا يجمع. إنما سموه باسم العضو تهويلا وتشنيعا فهو مجاز مرسل أطلق فيه ~~الجزء على الكل مبالغة بجعل جملته - لفرط استماعه - آلة السماع، كما سمى ~~الجاسوس عينا لذلك. والمعنى ومن هؤلاء المنافقين قوم يؤذون النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - فيقولون عنه أنه كثير السماع والتصديق لكل ما يقال له ~~بدون تمييز بين الحق والباطل. وقوله { قل أذن خير لكم } رد ~~عليهم بما يخرس ألسنتهم ويكبت أنفسهم وهو من قبيل إضافة الموصوف إلى ~~الصفة على سبيل المبالغة فى المدح كقولهم رجل صدق أى قد بلغ النهاية فى ~~الصدق والاستقامة. والمعنى قل لهم يا محمد على سبيل التوبيخ والتبكيت ~~سلمنا. كما تزعمون. أنى كثير السماع والتصديق لما يقال، لكن هذه الكثرة ~~ليست للشر والخير بدون تمييز وإنما هى للخير ولما وافق الشرع فحسب. ويجوز ~~أن تكون الإضافة فيه على معنى " فى " ، أى هو أذن فى الخير والحق، وليس ~~بأذن فى غير ذلك من وجوه الباطل والشر. وهذه الجملة الكريمة من أسمى ~~الأساليب وأحكمها فى الرد على المرجفين والفاسقين، لأنه - سبحانه - صدقهم ~~فى كونه - صلى الله عليه وسلم - أذنا، وذلك بما هو مدح له، حيث وصفه ~~بأنه أذن خير لا شر. قال صاحب الإنصاف لا شئ أبلغ من الرد عليهم بهذا ~~الوجه، لأن فى الأول إطماع لهم بالموافقة ثم كر على طمعهم بالحسم، ~~وأعقبهم فى تنقصه باليأس، منه، ولا شئ أقطع من الإطماع ثم اليأس ms2401 يتلوه ~~ويعقبه. وقوله { يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ~~ورحمة للذين آمنوا منكم } تفسير وتوضيح لكونه - صلى ~~الله عليه وسلم - أذن خير لهم لا أذن شر عليهم. # أى أن من مظاهر كونه - صلى الله عليه وسلم - أذن خير، أنه " يؤمن بالله ~~" إيمانا حقا لا يحوم حوله شئ من الرياء، أو الخداع أو غيرهما من ألوان ~~السوء " ويؤمن للمؤمنين " أى يصدقهم فيما يقولونه من أقوال توافق الشرع ~~لأنهم أصحابه الذين أطاعوه، واتبعوا النور الذى أنزل معه، فهم أهل ~~للتصديق والقبول. دون غيرهم من المنافقين والفاسقين. قال الفخر الرازى ~~فإن قيل لماذا عدى الإيمان إلى الله بالباء، وإلى المؤمنين باللام؟ قلنا ~~لأن الإيمان المعدى إلى الله المراد منه التصديق الذى هو نقيض الكفر ~~فعدى بالباء. والإيمان المعدى إلى المؤمنين المراد منه الاستماع منهم، ~~والتسليم لقولهم فعدى باللام، كما فى قوله # ومآ أنت بمؤمن لنا # أى بمصدق لنا. وقوله # أنؤمن لك واتبعك الأرذلون # وقوله # قال آمنتم له قبل أن آذن لكم # وقوله { ورحمة للذين آمنوا منكم } معطوف على قوله { ~~أذن خير لكم }. أى أن هذا الرسول الكريم بجانب أنه أذن خير لكم ~~هو رحمة للذين آمنوا منكم - أيها المنافقون - إيمانا صحيحا، لأنه عن ~~طريق إرشاده لهم إلى الخير، واتباعهم لهذا الإرشاد يصلون إلى ما يسعدهم ~~فى دنياهم وآخرتهم. وعلى هذا يكون المراد بالذين آمنوا من المنافقين ~~أولئك الذيم صدقوا فى إيمانهم، وأخلصوا لله قلوبهم، وتركوا النفاق ~~والرياء. أو أن المراد بالذين آمنوا بهم أولئك الذين أظهروا الإيمان، ~~فيكون المعنى أن هذا الرسول الكريم رحمة للذين أظهروا الإيمان منكم - ~~أيها المنافقون - حيث إنه - صلى الله عليه وسلم - عاملهم بحسب الظاهر، ~~دون أن يكشف أسرارهم، أو يهتك أستارهم لأن الحكمة تقتضى ذلك. وعلى هذا ~~المعنى سار صاحب الكشاف فقد قال وهو رحمة لمن آمن منكم، أى أظهر الإيمان ~~- أيها المنافقون -، حيث يسمع منكم، ويقبل إيمانكم الظاهر، ولا يكشف ~~أسراركم، ولا يفضحكم، ولا يفعل بكم ما يفعل بالمشركين، مراعاة لما رأى ~~الله من المصلحة فى الإبقاء عليكم.. وقوله ms2402 { والذين يؤذون ~~رسول الله لهم عذاب أليم } تذييل قصد به تهديدهم وزجرهم ~~عن التعرض لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأية إساءة. أى والذين ~~يؤذون رسول الله بأى لون من ألوان الأذى، لهم عذاب أليم فى دنياهم ~~وآخرتهم لأنهم بإيذائهم له يكونون قد استهانوا بمن أرسله الله رحمة ~~للعالمين. ثم حكى القرآن بعد ذلك لونا من جبنهم وعجزهم عن مصارحة ~~المؤمنين بالحقائق، فقال - سبحانه - { يحلفون بالله...الخزي ~~العظيم }. ### || [9.62-63] # قال القرطبى روى أن قوما من المنافقين اجتمعوا، وفيهم غلاما من الأنصار ~~يدعى عامر بن قيس، فحقروه وتكلموا فقالوا إن كان ما يقوله محمد حقا لنحن ~~شر من الحمير. فغضب الغلام وقال والله إن ما يقوله محمد - صلى الله عليه ~~وسلم لحق، ولأنتم شر من الحمير. ثم أخبر النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~بقولهم فحلفوا إن عامرا كاذب. فقال عامر هم الكذبة، وحلف على ذلك وقال ~~اللهم لا تفرق بيننا حتى يتبين صدق الصادق وكذب الكاذب. فأنزل الله هذه ~~الآية. فقوله - سبحانه - { يحلفون بالله لكم ليرضوكم } ~~خطاب للمؤمنين الذين كان المنافقون يذكرونهم بالسوء، ثم يأتون إليهم بعد ~~ذلك معتذرين. أى إن هؤلاء المنافقين يحلفون بالله لكم - أيها المؤمنون - ~~ليرضوكم، فتطمئنوا إليهم، وتقبلوا معاذيرهم. قال أبو السعود وإفراد ~~إرضائهم بالتعليل مع أن عمدة أغراضهم إرضاء الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- للإيذان بأن ذلك بمعزل عن أن يكون وسيلة لإرضائه، وأنه - عليه الصلاة ~~والسلام - إنما لم يكذبهم رفقا بهم، وسترا لعيوبهم، لا عن رضا بما فعلوا، ~~وقبول قلبى لما قالوا.. وقوله { والله ورسوله أحق أن ~~يرضوه } جملة حالية فى محل نصب من ضمير " يحلفون " جئ بها لتوبيخهم ~~على إيثارهم رضا الناس على رضا الله ورسوله. أى هم يحلفون لكم، والحال أن ~~ورسوله أحق بالإرضاء منكم لأن الله - تعالى هو خالقهم ورازقهم ومالك ~~أمرهم، وهو العليم بما ظهر وبطن من أحوالهم. ولأن رسوله - صلى الله عليه ~~وسلم - هو المبلغ لوحيه - عز وجل -. قال صاحب المنار ما ملخصه وكان ~~الظاهر أن يقال " يرضوهما " ونكتة العدول عنه ms2403 إلى " يرضوه " الإعلام بأن ~~إرضاء رسوله عين إرضائه سبحانه.. وهذا من بلاغة القرآن فى نفس الإيجاز. ~~ولو قال " يرضوهما " لما أفاد هذا المعنى إذ يجوز فى نفس العبارة أن يكون ~~إرضاء كل منهما فى غير ما يكون به إرضاء الآخر، وهو خلاف المراد هنا، ~~وكذلك لو قيل " والله أحق أن يرضوه، ورسوله أحق أن يرضوه " لا يفيد هذا ~~المعنى أيضا وفيه ما فيه من الركاكة والتطويل.. وقد خرجه علماء النحو ~~على قواعدهم.. وأقرب الأقوال إلى قواعدهم قول سيبويه إن الكلام جملتان ~~حذف خبر إحداهما لدلالة خبر الأخرى عليه، كقول الشاعر # نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأى مختلف # فهذا لا تكلف فيه من ناحية التركيب العربى، ولكن تفوت به النكتة التى ~~ذكرناها... وقوله { إن كانوا مؤمنين } تذييل قصد به بيان أن ~~الإيمان الحق لا يتم إلا بإرضاء الله ورسوله عن طريق طاعتهما والانقياد ~~لأوامرهما. # أى إن كانوا مؤمنين حقا، فليعملوا على إرضاء الله ورسوله، بأن يطيعوا ~~أوامرهما، ويجتنبوا نواهيهما، وإلا كانوا كاذبين فى دعواهم الإيمان ثم ~~توعدهم - سبحانه - بسوء المصير بسبب مخالفتهم لله ورسوله فقال { ألم ~~يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له ~~نار جهنم خالدا فيها... }. وقوله { يحادد } من المحادة ~~بمعنى المخالفة والمجانبة والمعاداة، مأخوذة من الحد بمعنى الجانب، كأن ~~كل واحد من المتخاصمين فى جانب غير جانب صاحبه. ويقال حاد فلان فلانا، ~~إذا صار فى غير حده وجهته بأن خالفه وعاداه. والاستفهام فى الآية الكريمة ~~للتوبيخ والتأنيب وإقامة الحجة. والمعنى ألم يعلم هؤلاء المنافقون الذين ~~مردوا على الفسوق والعصيان أنه من يخالف تعاليم الله ورسوله، فجزاؤه نار ~~جهنم يصلاها يوم القيامة خالدا فيها؟! إن كانوا لا يعلمون ذلك - على ~~سبيل الفرض - فأعلمهم يا محمد بسوء مصيرهم إذا ما استمروا على نفاقهم ~~ومعاداتهم لله ولرسوله. قال الجمل ما ملخصه " من " شرطية مبتدأ. وقوله { ~~فأن له نار جهنم } فى موضع المبتدأ المحذوف الخبر، ~~والتقدير. فحق أن له نار جهنم، أى فكون نار جهنم له أمر حق ثابت. وهذه ms2404 ~~الجملة جواب من الشرطية، والجملة الشرطية، أى مجموع اسم الشرط وفعله ~~والجزاء خبر أن الأولى، وهى { أنه من يحادد الله ورسوله ~~} وجملة أن الثانية واسمها وخبرها سدت مسد مفعولى يعلم إن لم يكن بمعنى ~~العرفان، ومسد مفعوله أى الواحد إن كان بمعنى العرفان. واسم الإشارة فى ~~قوله { ذلك الخزي العظيم } يعود على ما ذكر من العذاب أى ذلك ~~الذى ذكرناه من خلودهم فى النار يوم القيامة هو الذل العظيم، الذى يتضاءل ~~أمامه كل خزى وذل فى الدنيا. فأنت ترى أن هاتين الآيتين قد ذكرتا جانبا ~~من رذائل المنافقين وأكاذيبهم، وتوعدتا كل مخالف لأوامر الله روسوله بسوء ~~المصير. ثم واصلت السورة حملتها على المنافقين، فكشفت عن خباياهم، وهتكت ~~أستارهم، وأبطلت معاذيرهم، وتوعدتهم بسوء المصير فقال - تعالى - { ~~يحذر المنافقون...كانوا مجرمين }. ### || [9.64-66] # قال صاحب المنار هذه الآيات فى بيان شأن آخر من شئون المنافقين التى ~~كشفت سوأتهم فيها غزوة تبوك. أخرج ابن أبى شيبه وابن أبى حاتم وأبو الشيخ ~~عن مجاهد فى قوله - تعالى - { يحذر المنافقون أن تنزل ~~عليهم سورة }. قال كانوا يقولون القول فيما بينهم ثم يقولون عسى ~~أن لا يفشى علينا هذا. وعن قتادة قال كانت هذه السورة تسمى الفاضحة. ~~فاضحة المنافقين، وكان يقال لها المنبئة. أنبأت بمثالبهم وعوراتهم. ~~والضمير فى قوله { عليهم } وفى قوله { تنبئهم } يعود على ~~المنافقين. فيكون المعنى { يحذر المنافقون } ويخافون من { أن ~~تنزل عليهم } أى فى شأنهم وحالهم " سورة من سور القرآن الكريم ~~" ، تنبئهم بما فى قلوبهم. أى تخبرهم بما انطوت عليه قلوبهم من أسرار ~~خفية، ومن أقوال كانوا يتناقلونها فيما بينهم، ويحرصون على إخفائها عن ~~المؤمنين. وفى التعبير بقوله { تنبئهم } مبالغة فى كون السورة ~~مشتملة على أسرارهم، حتى أنها تعلم من أحوالهم الباطنة مالا يعلمونه هم ~~عن أنفسهم، فتنبئهم بهذا الذى لا يعلمونه، وتنعى عليهم قبائحهم ورذائلهم. ~~وتذيع على الناس ما كانوا يخشون ظهوره من أقوال ذميمة، وأفعال أثيمة. ~~ومنهم من يرى أن الضمير فى قوله { عليهم } وقوله { تنبئهم } ~~يعود على المؤمنين، فيكون المعنى يحذر المنافقون ms2405 ويخشون من أن تنزل على ~~المؤمنين سورة تخبرهم بما فى قلوب المنافقين من أضغان وأحقاد وفسوق عن ~~أمر الله. وقد ذكر هذين الوجهين صاحب الكشاف فقال والضمير فى " عليهم " و ~~" تنبئهم " للمؤمنين، و " فى قلوبهم " للمنافقين. وصح ذلك لأن المعنى ~~يقود إليه. ويجوز أن تكون الضمائر للمنافقين لأن السورة إذا نزلت فى ~~معناهم - أى فى شأنهم وأحوالهم - فهى نازلة عليهم. ومعنى { تنبئهم ~~بما في قلوبهم } كأنها تقول لهم فى قلوبكم كيت وكيت يعنى أنها ~~تذيع أسرارهم عليهم حتى يسمعوها مذاعة منتشرة فكأنها تخبرهم بها ". وقال ~~الإمام الرازى. فإن قيل المنافق كافر فكيف يحذر نزول الوحى على الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم -؟ قلنا فيه وجوه؟ قال أبو مسلم هذا حذر أظهره ~~المنافقون على وجه الاستهزاء حين رأوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~يذكر كل شئ، ويدعى أنه عن الوحى، وكان المنافقون يكذبون بذلك فيما بينهم، ~~فأخبر الله رسوله بذلك، وأمره أن يعلمهم أنه يظهر سرهم الذى حذروا ظهوره، ~~وفى قوله { قل استهزءوا } دلالة على ما قلناه. 2- أن القوم وإن ~~كانوا كافرين بدين الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلا أنهم شاهدوا أنه - ~~صلى الله عليه وسلم - كان يخبرهم بما يضمرونه ويكتمونه، فلهذه التجربة ~~وقع الحذر والخوف فى قلوبهم. # 3- قال الأصم. إنهم كانوا يعرفون كون الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~صادقا، إلا أنهم كفروا به حسدا وعنادا.. 4- معنى الحذر الأمر بالحذر. ~~أى ليحذر المنافقون ذلك. 5- أنهم كاوا شاكين فى صحة نبوته، وما كانوا ~~قاطعين بفسادها، والشاك خائف، فلهذا السبب خافوا أن ينزل عليه فى أمرهم ~~ما يفضحهم. والذى نراه أن الرأى الخامس أقرب الآراء إلى الصواب، لأن ~~المنافقين كانوا مترددين بين الإيمان والكفر فهم كما وصفهم الله - تعالى ~~- # مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى ~~هؤلاء.. # ومن شأن هذا التذبذب أن يغرس الخوف والحذر فى القلوب. أى أن هذا الحذر ~~والإشفاق. كما يقول بعض العلماء. أثر طبيعى للشك والارتياب، لأنهم لو ~~كانوا موقنين بتكذيب الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما خطر لهم ms2406 هذا ~~الخوف على بال، ولو كانوا موقنين بتصديقه، لما كان هناك محل لهذا الحذر " ~~لأن قلوبهم مطمئنة بالإيمان ". وقوله { قل استهزءوا إن ~~الله مخرج ما تحذرون } تهديد ووعيد لهم على نفاقهم وسوء ~~أدبهم. أى قل يا محمد لهؤلاء المنافقين المذبذبين بين الحق والباطل. قل ~~لهم، على سبيل التهديد والتبكيت افعلوا ما شئتم من الاستخفاف بتعاليم ~~الإسلام إن الله - تعالى - مهر ما تحذرونه من إنزال الآيات القرآنية ~~التى تفضحكم على رءوس الأشهاد، والتى تكشف عن أسراركم، وتهتك أستاركم، ~~وتظهر للمؤمنين ما آردتم إخفاءه عنهم. وأسند الإخراج إلى الله - تعالى - ~~للإشارة إلى أنه - سبحانه - يخرج ما يحذرونه إخراجا لا مزيد عليه من ~~الكشف والوضوح، حتى يحترس منهم المؤمنون، ولا يغتروا بأقوالهم المعسولة. ~~وقوله { ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ~~ونلعب... } بيان للون آخر من معاذيرهم الكاذبة، وجبنهم عن مواجهة ~~الحقائق. وأصل الخوض - كما يقول الآلوسى - الدخول فى مائع مثل الماء ~~والطين، ثم كثر حتى صار اسما لكل دخول فيه تلويث وأذى. أى ولئن سألت يا ~~محمد هؤلاء المنافقين عن سبب استهزائهم بتعاليم الإسلام ليقولن لك على ~~سبيل الاعتذار، إنما كنا نفعل ذلك على سبيل الممازحة والمداعبة لا على ~~سبيل الجد. وقوله { قل أبالله وآياته ورسوله كنتم ~~تستهزءون } إبطال لحجتهم، وقطع لمعاذيرهم، وتبكيت لهم على جهلهم ~~وسوء أخلاقهم. أى قل لهم يا محمد - على سبيل التوبيخ والتجهيل - ألم ~~تجدوا ما تستهزئون به فى مزاحكم ولعبكم - كما تزعمون - سوى فرائض الله ~~وأحكامه وآياته ورسوله الذى جاء لهدايتكم وإخراجكم من الظلمات إلى النور؟ ~~فالاستفهام للانكار والتوبيخ، ودفع ما تذرعوا به من معاذير واهية. قوله - ~~سبحانه - { لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم... } ~~تأكيد لإبطال ما أظهروه من معاذير. والاعتذار معناه محاولة محو أثر ~~الذنب، مأخوذ من قولهم اعتذرت المنازل إذا اندثرت وزالت، لأن المعتذر ~~يحاول إزالة أثر ذنبه. # والمعنى قل يا محمد لهؤلاء المنافقين المستهزئين بما يجب إجلاله ~~واحترامه وتوقيره قل لهم على سبيل التوبيخ والتجهيل أيضا - لا تشتغلوا ~~بتلك المعاذير الكاذبة فإنها غير مقبولة، لأنكم ms2407 بهذا الاستهزاء بالله ~~وآياته ورسوله { قد كفرتم بعد إيمانكم } أى قد ظهر كفركم ~~وثبت، بعد إظهاركم الإيمان على سبيل المخادعة، فإذا كنا قبل ذلك نعاملكم ~~معاملة المسلمين بمقتضى نطقكم بالشهادتين فنحن الآن نعاملكم معاملة ~~الكافرين بسبب استهزائكم بالله وآياتة ورسوله - صلى الله عليه وسلم - لأن ~~الاستهزاء بالدين. كما يقول الإمام الرازى. يعد من باب الكفر، إذا أنه ~~يدل على الاستخفاف، والأساس الأول فى الإيمان تعظيم الله - تعالى - ~~بأقصى الإمكان، والجمع بينهما محال. وقوله - تعالى - { إن نعف عن ~~طآئفة منكم نعذب طآئفة بأنهم كانوا ~~مجرمين } بيان لمظهر من مظاهر عدله - سبحانه - ورحمته. أى { إن ~~نعف عن طآئفة منكم } - أيها المنافقون - بسبب توبتهم ~~وإقلاعهم عن النفاق، { نعذب طآئفة } أخرى منكم بسبب إصرارهم على ~~النفاق واستمرارهم فى طريق الفسوق والعصيان. هذا، وقد ذكر المفسرون فى ~~سبب نزول هذه الآيات روايات منها ما جاء عن زيد بن أسلم # " أن رجلا من المنافقين قال لعوف بن مالك فى غزوة تبوك ما أرى قراءنا ~~هؤلاء إلا أرغبنا بطونا، وأكذبنا ألسنة وأجبننا عند اللقاء!! فقال له ~~عوف كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذهب ~~عوف إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه. ~~قال زيد قال عبد الله بن عمر فنظرت إليه - أى إلى المنافق - متعلقا بحقب ~~ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تنكبه الحجارة يقول إنما كنا نخوض ~~ونلعب، فيقول له الرسول - صلى الله عليه وسلم - " أبالله وآياته ورسوله ~~كنتم تستهزئون ". # وعن قتادة قال # " بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسير فى غزوته إلى تبوك، وبين ~~يديه ناس من المنافقين فقالوا يرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام ~~وحصونها!! هيهات هيهات. فأطلع الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال نبى ~~الله - صلى الله عليه وسلم - " أحبسوا على الركب " فأتاهم فقال لهم. قلتم ~~كذا، قلتم كذا. فقالوا " يا نبى الله إنما كنا نخوض ونلعب " # فأنزل الله تبارك وتعالى فيهم ما تسمعون. وقال ابن اسحاق # " كان جماعة من ms2408 المنافقين منهم وديعة بن ثابت.. ومنهم رجل من أشجع حليف ~~لبنى سلمة يقال له " مخشى بن حمير " يسيرون مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وهو منطلق إلى تبوك - فقال بعضهم - أتحسبون جلاد بنى الأصفر - أى ~~الروم - كقتال العرب بعضهم؟ والله لكأنا بكم غدا مقرنين فى الحبال، ~~إرجافا وترهيبا للمؤمنين. فقال مخشى بن حمير والله لوددت أن أقاضى على ~~أن يضرب كل منا مائة جلدة، وأننا أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه. وقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنى - لعمار بن ياسر - أدرك ~~القوم فإنهم قد احترقوا، فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل بلى، قلتم كذا ~~وكذا. فانطلق إليهم عمار فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يعتذرون إليه. فقال وديعة بن ثابت، ورسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - واقف على راحلته - يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب. فقال مخشى ~~بن حمير يا رسول الله - قعد بى اسمى واسم أبى، فكان الذى عفى عنه فى هذه ~~الاية مخشى بن حمير، فتسمى عبد الرحمن، وسأل الله أن يقتل شهيدا، لا ~~يعلم مكانه. فقتل يوم اليمامة ولم يوجد له أثر ". # هذه بعض الآثار التى وردت فى سبب نزول هذه الآيات، وهى توضح ما كان عليه ~~المنافقون من كذب فى المقال، وجبن عن مواجهة الحقائق. ثم مضت السورة ~~الكريمة بعد ذلك فى تقرير حقيقة المنافقين، وفى بيان جانب من صفاتهم، ~~والمصير السئ الذى ينتظرهم فقال - تعالى - { المنافقون ~~والمنافقات...عذاب مقيم }. ### || [9.67-68] # قال الإمام الرازى اعلم أن هذا شرح لنوع آخر من أنواع فضائحهم ~~وقبائحهم، والمقصود بيان أن إناثهم كذكورهم فى تلك الأعمال المنكرة، ~~والأفعال الخبيثة فقال { المنافقون والمنافقات بعضهم ~~من بعض } أى فى صفة النفاق، وذلك كما يقول إنسان لآخر أنت منى وأنا ~~منك. أى أمرنا واحد لا مباينة فيه ولا مخالفة.. وقوله { يأمرون ~~بالمنكر وينهون عن المعروف } تفصيل لجانب من رذائلهم، ~~ومن مسالكهم الخبيثة. أى يأمرون غيرهم بكل ما تستنكره الشرائع، وتستقبحه ~~العقول، وينهونه عن كل أمر ms2409 دعت إليه الأديان، وأحبته القلوب السليمة. ~~وقوله { ويقبضون أيديهم } كناية عن بخلهم وشحهم، لأن ~~الإنسان السخى يبسط يده بالعطاء، بخلاف الممسك القتور فإنه يقبض يده عن ~~ذلك. أى أن من صفات هؤلاء المنافقين أنهم بخلاء أشحاء عن بذل المال فى ~~وجوهه المشروعة. وقوله { نسوا الله فنسيهم } كناية عن رسوخهم ~~فى الكفر، وانغماسهم فى كل ما يبعدهم عن الله - تعالى -. والمقصود ~~بالنسيان هنا لازمه، وهو الترك والإهمال لأن حقيقة النسيان محالة على ~~الله - تعالى -، كما أن النسيان الحقيقى لا يذم صاحبه عليه لعدم التكليف ~~به. أى تركوا طاعة الله وخشيته ومراقبته، فتركهم - سبحانه - وحرمهم من ~~هدايته ورحمته وفضله. وقوله { إن المنافقين هم الفاسقون ~~} تذييل قصد به المبالغة فى ذمهم. أى إن المنافقون هم الكاملون فى الخروج ~~عن طاعة الله، وفى الانسلاخ عن فضائل الإيمان، ومكارم الأخلاق. وقوله - ~~سبحانه - { وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار ~~نار جهنم... } بيان لسوء مصيرهم، بعد بيان جانب من صفاتهم ~~الذميمة. أى وعد الله - تعالى - المنافقين والمنافقات والكفار المجاهرين ~~بكفرهم { نار جهنم خالدين فيها } خلودا أبديا. وقوله { ~~هي حسبهم } أى إن تلك العقوبة الشديدة كافية لإهانتهم وإذلالهم ~~بسبب فسوقهم عن أمر ربهم. وقوله { ولعنهم الله } أى طردهم ~~وأبعدهم من رحمته ولطفه. وقوله { ولهم عذاب مقيم } أى ولهم ~~عذاب دائم لا ينقطع فهم فى الدنيا يعيشون فى عذاب القلق والحذر من أن ~~يطلع المسلمون على نفاقهم، وفى الآخرة يذوقون العذاب الذى هو أشد وأبقى، ~~بسبب إصرارهم على الكفر والفسوق والعصيان. وبذلك نرى الآيتين الكريمتين ~~قد بينتا جانبا من قبائح المنافقين، ومن سوء مصيرهم فى عاجلتهم وآجلتهم. ~~ثم ساقت السورة الكريمة - لهؤلاء المنافقين - نماذج لمن حبطت أعمالهم ~~بسبب غرورهم، وضربت لهم الأمثال بمن هلك من الطغاة السابقين بسبب تكذيبهم ~~لأنبيائهم، فقال - تعالى - { كالذين من قبلكم....أنفسهم ~~يظلمون }. ### || [9.69-70] # وقوله - تعالى - { كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم ~~قوة... } جاء على أسلوب الالتفات من الغيبة إلى الخطاب لزجر ~~المنافقين، وتحريك نفوسهم إلى الاعتبار والاتعاظ. والكاف فى قوله { ~~كالذين } للتشبيه، وهى فى محل رفع ms2410 خبر لمبتدأ محذوف. والتقدير أنتم ~~- أيها المنافقون - حالكم كحال الذين خلوا من قبلكم من الطغاة فى ~~الانحراف عن الحق، والاغترار بشهوات الدنيا وزينتها، ولكن هؤلاء الطغاة ~~المهلكين، يمتازون عنكم بأنهم { كانوا أشد منكم قوة } فى ~~أبدانهم، وكانوا " أكثر " منكم { أموالا وأولادا }. وقوله { ~~فاستمتعوا بخلاقهم } بيان لموقف هؤلاء المهلكين من نعم الله ~~- تعالى - والخلاق مشتق من الخلق بمعنى التقدير. وأطلق على الحظ والنصيب ~~لأنه مقدر لصاحبه. أى كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا، ولكنهم ~~لم يشكروا الله على إحسانه، بل فتنوا بما بين أيديهم من نعم، واستمتعوا ~~بنصيبهم المقدر لهم فى هذه الحياة الدنيا، استمتاع الجاحدين الفاسقين. ~~والتعبير بالفاء المفيدة للتعقيب فى قوله { فاستمتعوا } للإشعار ~~بأن هؤلاء المهلكين بمجرد أن امتلأت أيديهم بالنعم، قد استعملوها فى غير ~~ما خلقت له، وسخروها لإرضاء شهواتهم الخسيسة، وملذاتهم الدنيئة. وقوله { ~~فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما ~~استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم } ذم للمخاطبين ~~وللذين سبقوهم لانتهاجهم جميعا طريق الشر والبطر. أى فأنتم - أيها ~~المنافقون - قد استمعتم بنصيبكم المقدر لكم من ملاذ الدنيا، وشهواتها ~~الباطلة، كما استمتع الذين من قبلكم بنصيبهم فى ذلك. وقوله { وخضتم ~~كالذي خاضوا } معطوف على ما قبله. أى وخضتم - أيها المنافقون - ~~فى حمأة الباطل وفى طريق الغرور والهوى، كالخوض الذى خاضه السابقون من ~~الأمم المهلكة. قال الآلوسى قوله " وخضتم " أى دخلتم فى الباطل { ~~كالذي خاضوا }. أى كالذين فحذفت نونه تخفيفا، كما فى قول الشاعر # إن الذى حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد # ويجوز أن يكون " الذى " صفة لمفرد اللفظ، مجموع المعنى، كالفوج والفريق، ~~فلوحظ فى الصفة اللفظ. وفى الضمير المعنى، أو هو صفة لمصدر محذوف، أى ~~كالخوض الذى خاضوه، ورجح بعدم التكلف فيه. وقال صاحب الكشاف فإن قلت أى ~~فائدة فى قوله { فاستمتعوا بخلاقهم } وقوله { كما ~~استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم } مغن عنه كما أغنى ~~قوله { كالذي خاضوا } عن أن يقال وخاضوا فخضتم كالذى خاضوا؟ قلت ~~فائدته أن يذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا ورضاهم ms2411 بها، ~~والتهائهم بشهواتهم الفانية عن النظر فى العاقبة، وطلب الفلاح فى الآخرة، ~~وأن يخسس أمر الاستمتاع، ويهجن أمر الرضا به، ثم يشبه بعد ذلك حال ~~المخاطبين بحالهم، كما تريد أن تنبه بعض الظلمة على سماجة فعله فتقول أنت ~~مثل فرعون كان يقتل بغير جرم، ويعذب ويعسف وأنت تفعل مثل ما فعله. # وأما { وخضتم كالذي خاضوا } فمعطوف على ما قبله مستند ~~إليه، مستغن باستناده إليه عن تلك التقدمة. وقوله { أولئك ~~حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم ~~الخاسرون } بيان لسوء مصيرهم فى الدارين. واسما الإشارة يعودان على ~~المتصفين بتلك الصفات القبيحة من السابقين واللاحقين. أى أولئك ~~المستمتعون بنصيبهم المقدر لهم فى الشهوات الخسيسة، والخائضون فى الشرور ~~والآثام " حبطت أعمالهم " أى فسدت وبطلت أعمالهم التى كانوا يرجون ~~منفعتها { في الدنيا والآخرة } لأن هذه الأعمال لم يكن معها إيمان ~~أو إخلاص، وإنما كان معها الرياء والنفاق، والفسوق والعصيان، والله - ~~تعالى - لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم. وقوله { ~~وأولئك هم الخاسرون } أى الكاملون فى الخسران، الجامعون لكل ~~ما من شأنه أن يؤدى إلى البوار والهلاك. ثم ساق لهم - سبحانه - من أخبار ~~السابقين ما فيه الكفاية للعظة والاعتبار لو كانوا يعقلون، فقال - تعالى ~~- { ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح ~~وعاد وثمود... }. والاستفهام للتقرير والتحذير. والمراد بنبأ ~~الذين من قبلهم أخبارهم التى تتناول أقوالهم وأعمالهم، كما تتناول ما حل ~~بهم من عقوبات، بسبب تكذيبهم لأنبيائهم. والمعنى ألم يصل إلى أسماع هؤلاء ~~المنافقين، خبر أولئك المهلكين من الأقوام السابقين بسبب عصيانهم لرسلهم، ~~ومن هؤلاء الأقوام " قوم نوح " الذين أغرقوا بالطوفان، وقوم " عاد " ~~الذين أهلكوا بريح صرصر عاتية، وقوم " ثمود " الذين أخذتهم الرجفة ~~فأصبحوا فى دارهم جاثمين، " وقوم إبراهيم " الذين سلب الله نعمه عنهم، ~~وأذل غرور زعيمهم الذى حاج إبراهيم فى ربه، و " أصحاب مدين " وهم قوم ~~شعيب الذين أخذتهم الصيحة، و " المؤتفكات " وهم أصحاب قرى قوم لوط، التى ~~جعل الله عاليها سافلها.. والائتفاك معناه الانقلاب بجعل أعلى الشئ ~~أسفله. يقال أفكه ms2412 يأفكه إذا قلبه رأسا على عقب. وذكر - سبحانه - هنا هذه ~~الطوائف الست، لأن آثارهم باقية، ومواطنهم هى الشام والعراق واليمن، وهى ~~مواطن قريبة من أرض العرب، فكانوا يمرون عليها فى أسفارهم، كما كانوا ~~يعرفون الكثير من أخبارهم. قال - تعالى - # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل ~~أفلا تعقلون # وقوله { أتتهم رسلهم بالبينات } كلام مستأنف لبيان ~~أنبائهم وأخبارهم. أى أن هؤلاء الأقوام المهلكين السابقين، قد أتتهم ~~رسلهم بالحجج الواضحات الدالة على وحدانية الله وعلى وجوب إخلاص العبادة ~~له.. والفاء فى قوله { فما كان الله ليظلمهم } للعطف على ~~كلام مقدر يدل عليه المقام. أى أتتهم رسلهم بالبينات، فكذبوا هؤلاء ~~الرسل، فعاقبهم الله - تعالى - على هذا التكذيب. وما كان من سنته - ~~سبحانه - ليظلمهم، لأنه لا يظلم الناس شيئا { ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون } بسبب كفرهم وجحودهم، واستحبابهم العمى على ~~الهدى، وإيثارهم الغى على الرشد. # هذا، ومن هاتين الآيتين الكريمتين نرى بوضوح، أن الغرور بالقوة، ~~والافتتان بالأموال والأولاد، والانغماس فى الشهوات والملذات الخسيسة. ~~والخوض فى طريق الباطل، وعدم الاعتبار بما حل بالطغاة والعصاة.. كل ذلك ~~يؤدى إلى الخسران فى الدنيا والآخرة، وإلى التعرض لسخط الله وعقابه. كما ~~نرى منها أن من سنة الله فى خلقه، أنه - سبحانه - لا يعاقب إلا بذنب، ولا ~~يأخذ العصاة والطغاة أخذ عزيز مقتدر، إلا بعد استمرارهم فى طريق الغواية، ~~وإعراضهم عن نصح الناصحين، وإرشاد المرشدين. وصدق الله إذ يقول # إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس ~~أنفسهم يظلمون # وبعد أن تحدثت السورة الكريمة عن أحوال المنافقين، وصفاتهم، وسوء ~~عاقبتهم.. أتبعت ذلك بالحديث عن المؤمنين الصادقين، وعما أعده الله لهم ~~من نعيم مقيم، فقال - سبحانه - { والمؤمنون ~~والمؤمنات...هو الفوز العظيم }. ### || [9.71-72] # قال الإمام ابن كثير لما ذكر - سبحانه - صفات المنافقين الذميمة، عطف ~~بذكر صفات المؤمنين المحمودة فقال { والمؤمنون والمؤمنات ~~بعضهم أوليآء بعض }. أى يتناصرون ويتعاضدون كما جاء فى ~~الحديث الصحيح # " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا " # وفى الصحيح - أيضا - # " مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو ~~تداعى له ms2413 سائر الجسد بالحمى والسهر ". # وقال - سبحانه - هنا { بعضهم أوليآء بعض } بينما قال فى ~~المنافقين # بعضهم من بعض # للإشعار بأن المؤمنين فى تناصرهم وتعاضدهم وتراحمهم مدفوعون بدافع ~~العقيدة الدينية التى ألفت بين قلوبهم، وجعلتهم أشبه ما يكونون بالجسد ~~الواحد، أما المنافقون فلا توجد بينهم هذه الروابط السامية، وإنما الذى ~~يوجد بينهم هو التقليد واتباع الهوى، والسير وراء العصبية الممقوتة، فهم ~~لا ولاية بينهم، وإنما الذى بينهم هو التقليد وكراهية ما أنزل الله على ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقوله { يأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر... } بيان للآثار التى تترتب على تلك ~~الولاية الخالصة، وتفصيل للصفات الحسنة التى تحلى بها المؤمنون ~~والمؤمنات. أى أن من صفات هؤلاء المؤمنين والمؤمنات الذين جمعتهم العقيدة ~~الدينية على التناصر والتراحم.. من صفاتهم أنهم { يأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر } أى يأمرون بكل خير دعا ~~إليه الشرع، وينهون عن كل شر تأباه تعاليم الإسلام الحنيف. وقوله { ~~ويقيمون الصلاة } أى يؤدونها فى أوقاتها بإخلاص وخشوع.. وقوله { ~~ويؤتون الزكاة } أى يعطونها لمستحقيها بدون من أو أذى.. وقوله ~~{ ويطيعون الله ورسوله } أى فى سائر الأحوال بدون ملل أو ~~انقطاع أو تكاسل.. وقوله { أولئك سيرحمهم الله إن ~~الله عزيز حكيم } بيان للجزاء الطيب الذى ادخره الله - تعالى - ~~لهم. أى أولئك المؤمنون والمؤمنات المتصفون بتلك الصفات السامية، سيرحمهم ~~الله - تعالى - برحمته الواسعة، إنه - سبحانه - " عزيز " لا يعجزه شئ " ~~حكيم " فى كل أفعاله وتصرفاته. قال صاحب الكشاف " والسين هنا مفيدة لوجود ~~الرحمة، فهى تؤكد الوعد، كما تؤكد الوعيد كما فى قولك سأنتقم منك يوما، ~~تعنى أنك لا تفوتنى وإن تباطأ ذلك، ونحوه # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم ~~الرحمن ودا # ثم فصل - سبحانه - مظاهر رحمته للمؤمنين والمؤمنات أصحاب تلك الصفات ~~السابقة فقال { وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات ~~تجري من تحتها الأنهار }. أى { وعد الله } بفضله وكرمه ~~{ المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار } أى من تحت بساتينها وأشجارها وقصورها { خالدين فيها ~~} فى تلك الجنات خلودا أبديا. ووعدهم كذلك " مساكن طيبة " أى منازل حسنة، ms2414 ~~تنشرح لها الصدور وتستطيبها النفوس. وقوله { في جنات عدن } أى فى ~~جنات ثابته مستقرة. # يقال فلان عدن بمكان كذا، إذا استقر به وثبت فيه، ومنه سمى المعدن معدنا ~~لاستقراره فى باطن الأرض. وقيل إن كلمة " عدن " علم على مكان مخصوص فى ~~الجنة، أى فى جنات المكان المسمى بهذا الاسلام وهو " عدن ". ثم بشرهم - ~~سبحانه - بما هو أعظم من كل ذلك فقال { ورضوان من الله ~~أكبر }. أى أن المؤمنين والمؤمنات ليس لهم هذه الجنات والمساكن ~~الطيبة فحسب وإنما لهم ما هو أكبر من ذلك وأعظم وهو رضا الله - تعالى - ~~عنهم، وتجليه عليهم، وتشرفهم بمشاهدة ذاته الكريمة، وشعورهم بأنهم محل ~~رعاية الله وكرمه. والتنكير فى قوله { ورضوان } للتعظيم والتهويل، ~~وللإشارة إلى أن الشئ اليسير من هذا الرضا الإلهى على العبد، أكبر من ~~الجنات ومن المساكن الطيبة، ومن كل حطام الدنيا. روى الشيخان عن أبى سعيد ~~الخدرى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال # " إن الله - عز وجل - يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة، فيقولون لبيك ربنا ~~وسعديك والخير فى يديك. فيقول هل رضيتم؟ فيقولون وما لنا لا نرضى يا رب، ~~وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ ~~فيقولون يا ربنا وأى شئ أفضل من ذلك؟ فيقول أحل عليكم رضوانى فلا أسخط ~~عليكم بعده أبدا ". # وروى البزار فى مسنده عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال الله - تعالى - هل تشتهون شيئا فأزيدكم؟ ~~قالوا يا ربنا وما خير مما أعطيتنا؟ قال رضوانى أكبر ". # وقوله { ذلك هو الفوز العظيم } أى ذلك الذى وعد الله به ~~المؤمنين والمؤمنات فى جنات ومساكن طيبة، ومن رضا من الله عنهم، هو الفوز ~~العظيم الذى لا يقاربه فوز، ولا يدانيه نعيم، ولا يسامى شرفه شرف.. وبهذا ~~نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد بشرتا المؤمنين والمؤمنات بأعظم ~~البشارات، ووصفتهم بأشرف الصفات، وقابلت بين جزائهم وبين جزاء الكفار ~~والمنافقين، بما يحمل العاقل ms2415 على أن يسلك طريق المؤمنين، وعلى أن ينهج ~~نهجهم، ويتحلى بأوصافهم... وبذلك يفوز بنعيم الله ورضاه كما فازوا، ويسعد ~~كما سعدوا، وينجو من العذاب الذى توعد الله به المنافقين والكافرين بسبب ~~اصرارهم على الكفر والنفاق، وإيثارهم الغى على الرشد. ثم أمر الله - ~~تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - بمجاهدة الكفار والمنافقين بكل ~~وسيلة، لأنهم جميعا لا يريدون الانتهاء عن المكر السئ بالدعوة الإسلامية ~~فقال - تعالى - { يأيها النبي... }. ### || [9.73] # قوله - سبحانه - { جاهد } من المجاهدة، بمعنى بذل الجهد فى دفع ما لا ~~يرضى، سواء أكان ذلك بالقتال أم بغيره. وقوله { واغلظ عليهم } ~~من الغلظة التى هى نقيض الرقة والرأفة. يقال أغلظ فلان فى الأمر إذا اشتد ~~فيه ولم يترفق. ونحن عندما نقرأ السيرة النبوية. نجد أنه - صلى الله عليه ~~وسلم - بعد هجرته إلى المدينة، ظل فترة طويلة يلاين المنافقين، ويغض ~~الطرف عن رذائلهم، ويصفح عن مسيئهم.. إلا أن هذه المعاملة الحسنة لهم ~~زادتهم رجسا إلى رجسهم.. لذا جاءت هذه السورة - وهى من أواخر ما نزل من ~~القرآن لتقول للنبى - صلى الله عليه وسلم - لقد آن الأوان لإحلال الشدة ~~والحزم، محل اللين والرفق، فإن للشدة مواضعها وللين مواضعه.. والمعنى ~~عليك - أيها النبى الكريم - أن تجاهد الكفار بالسيف إذا كان لا يصلحهم ~~سواه، وأن تجاهد المنافقين - الذين يظهرون الإسلام ويخفون الكفر - بما ~~تراه مناسبا لردهم وزجرهم وإرهابهم، سواء أكان ذلك باليد أم باللسان أم ~~بغيرهما، حتى تأمن شرهم. قال الإمام ابن كثير، أمر الله رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم - بجهاد الكفار والمنافقين، كما أمره أن يخفض جناحه لمن ~~اتبعه من المؤمنين.. - وقد تقدم عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب أنه ~~قال بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأربعة أسياف. سيف للمشركين # فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم... # وسيف للكفار أهل الكتاب # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا ~~يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب.. # وسيف للمنافقين { جاهد الكفار والمنافقين } وسيف للبغاة ms2416 # فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله # وهذا يقتضى أنهم يجاهدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق، وهو اختيار ابن ~~جرير. وقال ابن مسعود فى قوله { جاهد الكفار والمنافقين } ~~قال بيده، فإن لم يستطع فليكشر فى وجهه - أى فليلق المنافق بوجه عابس لا ~~طلاقة فيه ولا انبساط. وقال ابن عباس أمره الله - تعالى - بجهاد ~~المنافقين باللسان وأذهب الرفق عنهم. وقد يقال أنه لا منافاة بين هذه ~~الأقوال، لأنه تارة يؤاخذهم بهذا، وتارة بهذا على حسب الأحوال.. والضمير ~~المجرور فى قوله { واغلظ عليهم } يعود على الفريقين الكفار ~~والمنافقين أى جاهدهم بكل ما تستطيع مجاهدتهم به، مما يقتضيه الحال، ~~واشدد عليهم فى هذه المجاهدة بحيث لا تدع مجالا معهم للترفق واللين، ~~فإنهم ليسوا أهلا لذلك، بعد أن عموا وصموا عن النصحية، وبعد أن لجوا فى ~~طغيانهم. وقوله { ومأواهم جهنم وبئس المصير } تذييل ~~قصد به بيان سوء مصيرهم فى الآخرة بعد بيان ما يجب على المؤمنين نحوهم فى ~~الدنيا. # أى عليك - أيها النبى - أن تجاهدهم وأن تغلظ عليهم فى الدنيا، أما فى ~~الآخرة فإن جهنم هى دارهم وقرارهم. والمخصوص بالذم محذوف والتقدير وبئس ~~المصير مصيرهم، فانه لا مصير أسوأ من الخلود فى جهنم. ومن هذه الآية ~~الكريمة نرى أن على المؤمنين - فى كل زمان ومكان - أن يجاهدوا أعداءهم من ~~الكفار والمنافقين بالسلاح الذى يرونه كفيلا بأن يجعل كلمة الله هى ~~العليا وكلمة الذين كفروا السفلى. ثم بين - سبحانه - ما كان عليه ~~المنافقون من كذب وفجور، ومن خيانة وغدر، وفتح أمامهم باب التوبة، ~~وأنذرهم بالعذاب الأليم إذا ما استمروا فى نفاقهم فقال - سبحانه - { ~~يحلفون بالله ما قالوا... }. ### || [9.74] # ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما رواه ابن جرير عن ~~هشام بن عروة عن أبيه قال # " نزلت هذه الآية { يحلفون بالله ما قالوا }. الآية فى ~~الجلاس بن سويد بن الصامت. أقبل هو وابن امرأته مصعب من قباء. فقال ~~الجلاس إن كان ما يقول محمد حقا لنحن أشر من حمرنا هذه التى نحن عليها!! ms2417 ~~فقال مصعب أما والله يا عدو الله لأخبرن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- بما قلت قال مصعب فأتيت النبى - صلى الله عليه وسلم - وخشيت أن ينزل فى ~~القرآن أو تصيبنى قارعة.. فقلت يا رسول الله أقبلت أنا والجلاس من قباء. ~~فقال كذا وكذا، ولولا مخافة أن أخلط بخطيئة أو تصيبنى قارعة ما أخبرتك. ~~قال مصعب فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجلاس فقال له أقلت ~~الذى قال مصعب؟ فحلف الجلاس بأنه ما قال ذلك. فأنزل الله الآية ". # وأخرج ابن اسحاق وابن أبى حاتم عن كعب بن مالك قال لما نزل القرآن وفيه ~~ذكر المنافقين قال الجلاس بن سويد والله لئن كان هذا الرجل صادقا لنحن شر ~~من الحمير. فسمعه عمير بن سعد فقال والله يا جلاس إنك لأحب الناس إلى. ~~وأحسنهم عندى أثرا. ولقد قلت مقالة لئن ذكرتها لتفضحنك، ولئن سكت عنها ~~هلكت، ولإحداهما أشد على من الأخرى. فمشى عمير إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - صلى الله عليه وسلم - فذكر ما قال الجلاس. فسأل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - الجلاس عما قاله عمير، فحلف بالله ما قال ذلك، وزعم ~~أن عميرا كذب عليه فنزلت هذه الآية. وقال الإمام أحمد # " حدثنا يزيد أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جميع عن أبى الطفيل. قال لما ~~أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوة تبوك أمر مناديه فنادى إن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ طريق العقبة - وهو مكان مرتفع ضيق ~~- فلا يأخذها أحد. قال فبينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقود ~~ركابه حذيفة ويسوقه عمار، إذا أقبل رهط ملثمون على الرواحل، فغشوا عمارا ~~وهو يسوق برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأقبل عمار يضرب وجوه ~~الرواحل. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحذيفة " قد، قد ". أى ~~حسبك حسبك. حتى هبط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجع عمار. فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا عمار " هل عرفت القوم "؟ فقال لقد ~~عرفت ms2418 عامة الرواحل والقوم متلثمون. قال " هل تدرى ما أرادوا "؟ قال الله ~~ورسوله اعلم. قال " أرادوا أن ينفروا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~راحلته فيطرحوه " ". # هذه بعض الروايات التى وردت فى سبب نزول هذه الآية وهى تكشف عن كذب ~~المنافقين وغدرهم. وقوله. سبحانه { يحلفون بالله ما ~~قالوا... } استئناف مسوق لبيان جانب مما صدر عنهم من جرائم تستدعى ~~جهادهم والإغلاظ عليهم. أى يحلف هؤلاء المنافقون بالله كذاب وزورا أنهم ~~ما قالوا هذا القول القبيح الذى بلغك عنهم يا محمد. والحق أنهم قد قالوا ~~" كلمة الكفر " وهى تشمل كل ما نطقوا به من اقوال يقصدون بها إيذاءه - ~~صلى الله عليه وسلم -، كقولهم " هو أذن " وقولهم. " لئن كان ما جاء به ~~حقا فنحن أشر من حمرنا.. " وغير ذلك من الكلمات القبيحة التى نطقوا بها. ~~وأنهم قد { وكفروا بعد إسلامهم } أى أظهروا الكفر بعد ~~إظهارهم الإسلام. وأنهم قد { وهموا بما لم ينالوا } أى ~~حاولوا إلحاق الأذى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكنهم لم يستطيعوا ~~ذلك، لأن الله - تعالى - عصمة من شرورهم. وقوله { وما نقموا ~~إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله } توبيخ لهم ~~على جحودهم وكنودهم ومقابلتهم الحسنة بالسيئة. ومعنى نقموا كرهوا وعابوا ~~وأنكروا، يقال نقم منه الشئ إذا أنكره، وكرهه وعابه، وكذا إذا عاقبه ~~عليه. أى وما أنكر هؤلاء المنافقون من أمر الإسلام شيئا، إلا أنهم بسببه ~~أغناهم الله ورسوله من فضله بالغنائم وغيرها من وجوه الخيرات التى كانوا ~~لا يجدونها قبل حلول الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بينهم. وهذه ~~الجملة الكريمة جاءت على الأسلوب الذى يسميه علماء البلاغة تأكيد المدح ~~بما يشبه الذم. قال الجمل كأنه قال - سبحانه - ليس له - صلى الله عليه ~~وسلم - صفة تكره وتعاب، سوى أنه ترتب على قدومه إليهم وهجرته عندهم، ~~إغناء الله إياهم بعد شدة الحاجة، وهذه ليست صفة ذم - بل هى صفة مدح - ~~فحينئذ ليس له صفة تذم أصلا. وشبيه بهذا الاسلوب قول الشاعر يمدح قوما ~~بالشجاعة والإقدام # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ms2419 بهن فلول من قراع الكتائب # ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بترغيبهم وترهيبهم فقال { فإن ~~يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم ~~الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة... }. أى فإن يتب ~~هؤلاء المنافقون عن نفاقهم وشقاقهم وقبائح أقوالهم وأفعالهم، يكن المتاب ~~خيرا لهم فى دنياهم وآخرتهم. " وإن يتولوا " ويعرضوا عن الحق ويستمروا فى ~~ضلالهم { يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا ~~والآخرة }. # أما عذاب الدنيا فمن مظاهره حذرهم وخوفهم من أن يطلع المؤمنين على ~~أسرارهم وجبنهم عن مجابهة الحقائق، وشعورهم بالضعف أمام قوة المسلمين، ~~وإحساسهم بالعزلة والمقاطعة من جانب المؤمنين ومعاقبة الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - إياهم بالعقوبة المناسبة لجرمهم.. وأما عذاب الآخرة، فهو أشد ~~وأبقى، بسبب إصرارهم على النفاق، وإعراضهم عن دعوة الحق. وقوله { وما ~~لهم في الأرض من ولي ولا نصير } تذييل قصد به تيئيسهم ~~من كل معين أو ناصر. أى أن هؤلاء المنافقين ليس لهم أحد فى الأرض يدفع ~~عنهم عذاب الله، أو يحميهم من عقابه، لأن عقاب الله لن يدفعه دافع إلا هو ~~فعليهم أن يثوبوا إلى رشدهم، وأن يتوبوا إلى ربهم قبل أن يحل بهم عذابه. ~~ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك نماذج أخرى من جحودهم، ونقضهم لعهودهم، وبخلهم ~~بما آتاهم الله من فضله فقال - سبحانه - { ومنهم من ~~عاهد...علام الغيوب }. ### || [9.75-78] # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه وقد ذكر كثير من المفسرين منهم ابن عباس ~~والحسن البصرى، أن سبب نزول هذه الآيات أن ثعلبة ابن حاطب الانصارى قال ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا رسول الله، ادع الله أن يرزقنى ~~مالا. فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم - " ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدى ~~شكره خير من كثير لا تطيقه. ثم قال له مرة أخرى " أما ترضى أن تكون مثل ~~نبى الله؟ فو الذى نفسى بيده لو شئت أن تصير الجبال معى ذهبا وفضة لصارت ~~". فقال ثعلبة، والذى بعثك بالحق لئن دعوت الله فرزقنى مالا لأعطين كل ذى ~~حق حقه. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " اللهم ms2420 ارزق ثعلبة مالا ~~". فاتخذ ثعلبة غنما فنمت، ثم ضاقت عليه المدينة فتنحى عنها ونزل واديا ~~من أوديتها حتى جعل يصلى الظهر والعصر فى جماعة ويترك ما سواهما. ثم نمت ~~وكثرت فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، ثم ترك الجمعة.. وأنزل الله - ~~تعالى - { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ~~وتزكيهم بها } فبعث الرسول - صلى الله عليه وسلم - رجلين على ~~الصدقة من المسلمين.. وقال لهما " مرا على ثعلبة وعلى فلان. رجل من بنى ~~سليم. فخذا صدقاتهما ". فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة، وأقرآه كتاب ~~رسول الله. فقال ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية، ما أدرى ما ~~هذا؟ انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إلى. فانطلقا وسمع بهما السلمى " فنظر إلى ~~خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة. ثم استقبلهم بها. فلما رأوها قالوا له ما ~~يجب عليك هذا، وما نريد أن نأخذ هذا منك. فقال بل خذوها فإن نفسى بذلك ~~طيبة، فأخذاها منه ومرا على ثعلبة فقال لهما أرونى كتابكما فقرأه فقال ما ~~هذه إلا جزية... انطلقا حتى أرى رأيى.. فانطلقا حتى أتيا النبى - صلى ~~الله عليه وسلم -، فلما رآهما قال " يا ويح ثعلبة " قبل أن يكلمهما، ودعا ~~للسلمى بالبركة. فأخبراه بالذى صنعه ثعلبة معهما.. فأنزل الله تعالى { ~~ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله ~~لنصدقن ولنكونن من الصالحين.. }. الآيات. فسمع ~~رجل من أقارب ثعلبة هذه الآيات فذهب إليه وأخبره بما أنزل فيه من قرآن. ~~فخرج ثعلبة حتى أتى النبى - صلى الله عليه وسلم - وسأله أن يقبل منه ~~صدقته فقال له إن الله منعنى أن أقبل منك صدقتك.. ثم لم يقبلها منه بعد ~~ذلك أبو بكر أو عمر أو عثمان، وهلك ثعلبة فى خلافة عثمان. # هذا، وقد ضعف بعض العلماء هذا الحديث، لأسباب تتعلق بسنده، وبصاحب القصة ~~وهو ثعلبة بن حاطب. والذى نراه أن هذه الآيات الكريمة تحكى صورة حقيقية ~~وواقعية لبعض المنافقين المعاصرين للعهد النبوى. والذين عاهدوا الله ~~فنقضوا عهودهم معه، وقابلوا ما أعطاهم من نعم بالبخل والجحود.. وتلك ~~الصورة قد ms2421 تكون لثعلبة بن حاطب وقد تكون لغيره، لأن المهم هو حصولها فعلا ~~من بعض المنافقين. وهذه الآيات - أيضا - تنطبق فى كل زمان ومكان على من ~~يقابل نعم الله بالكفران، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وإلى ~~هذا المعنى أشار صاحب المنار بقوله هذا بيان لحال طائفة من أولئك ~~المنافقين الذين أغناهم الله ورسوله من فضله بعد الفقر والإملاق، ويوجد ~~مثلهم فى كل زمان، وهم الذين يلجأون إلى الله - تعالى - فى وقت العسرة ~~والفقر، أو الشدة والضر، فيدعونه ويعاهدونه على الشكر له، والطاعة لشرعه، ~~إذا هو كشف ضرهم، وأغنى فقرهم. فإذا استجاب لهم نكسوا على رءوسهم، ونكصوا ~~على أعقابهم، وكفروا النعمة، وبطروا الحق، وهضموا حقوق الخلق وهذا مثل من ~~شر أمثالهم ". ومعنى الآيات الكريمة ومن المنافقين قوم " عاهدوا الله " ~~وأكدوا عهودهم بالايمان المغلظة فقالوا " لئن آتانا " الله - تعالى - من ~~فضله مالا وفيرا لنصدقن منه على المحتاجين، ولنعطين كل ذى حق حقه ولنكونن ~~من عباده " الصالحين " الذين يؤدون واجبهم نحو الله والناس، والذين ~~يصلحون فى الأرض ولا يفسدون. قال الجمل وقوله { من عاهد الله } ~~فيه معنى القسم، وقوله { لئن آتانا من فضله } تفسير لقوله عاهد ~~الله. واللام موطئة لقسم مقدر. وقد اجتمع هنا قسم وشرط، فالمذكور وهو ~~قوله " لنصدقن ".. جواب القسم، وجواب الشرط محذوف... واللام فى قوله " ~~لنصدقن ".. واقعة فى جواب القسم. وقوله { فلمآ آتاهم من ~~فضله بخلوا به }.. بيان لموقفهم الجحودى من عطاء الله وكرمه. ~~أى فلما أعطى الله - تعالى - من فضله هؤلاء المنافقين ما تمنوه من مال ~~وفير " بخلوا به " أى بخلوا بهذا المال، فلم ينفقوا منه شيئا فى وجوهه ~~المشروعة، ولم يعترفوا فيه بحقوق الله أو حقوق الناس، ولم يكتفوا بذلك بل ~~{ وتولوا وهم معرضون }. أى أدبروا عن طاعة الله وعن فعل ~~الخير، وهم قوم دأبهم التولى عن سماع الحق، وشأنهم الانقياد للهوى ~~والشيطان. وقوله { فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى ~~يوم يلقونه... } تصوير للآثار الذميمة التى ترتبت على بخلهم ~~وإعراضهم عن الحق والخير. أى فجعل الله - تعالى - عاقبة ms2422 فعلهم نفاقا وسوء ~~اعتقاد فى قلوبهم إلى يوم يلقونه للحساب، فيجازيهم بما يستحقون على بخلهم ~~وإعراضهم عن الحق. فالضمير المستتر فى " أعقب " لله - تعالى - وكذا ~~الضمير المنصوب فى قوله " يلقونه ". # ويصح أن يكون الضمير فى " أعقب " يعود على البخل والتولى والإعراض، ~~فيكون المعنى فأعقبهم وأورثهم ذلك البخل والإعراض عن الحق والخير، ~~نفاقا راسخا فى قلوبهم، وممتدا فى نفوسهم إلى اليوم الذى يلقون فيه ~~ربهم، فيعاقبهم عقابا أليما على سوء أعمالهم. والباء فى قوله { بمآ ~~أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون } ~~للسببية. أى أن النفاق قد باض وفرخ فى قلوبهم إلى يوم يلقون الله - تعالى ~~-، بسبب إخلافهم لوعودهم مع خالقهم، وبسبب استمرارهم على الكذب، ~~ومداومتهم عليه. ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة، بتوبيخهم على ~~إصرارهم على المعاصى، مع علمهم بأنه - عز وجل - عليم رقيب عليهم، ومطلع ~~على أحوالهم فقال { ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ~~ونجواهم وأن الله علام الغيوب }. أى ألم يعلم هؤلاء ~~المنافقون أن الله - تعالى - يعلم ما يسرونه فى أنفسهم من نفاق، وما ~~يتناجون به فيما بينهم من أقوال فاسدة، وأنه - سبحانه - لا يخفى عليه شئ ~~فى الأرض ولا فى السماء؟ بلى إنهم ليعلمون ذلك علم اليقين، ولكنهم ~~لاستيلاء الهوى والشيطان عليهم، لم ينتفعوا بعلمهم. فالاستفهام فى قوله { ~~ألم يعلموا... } للتوبيخ والتهديد والتقرير. وتنبيهم إلى أن الله ~~عليم بأحوالهم، وسيجازيهم عليها. هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها ~~العلماء من هذه الآيات ما يأتى 1- وجوب الوفاء بالعهود، فإن نقض العهود، ~~وخلف الوعد، والكذب كل ذلك يورث النفاق، فيجب على المسلم أن يبالغ فى ~~الاحتراز عنه، فإذا عاهد الله فى أمر فليجتهد فى الوفاء به. ومذهب الحسن ~~البصرى - رحمه الله - أنه يوجب النفاق لا محالة، وتمسك فيه بهذه الآية ~~وبقوله - صلى الله عليه وسلم - # " ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن صلى وصام وزعم أنه مؤمن إذا حدث كذب، ~~وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان ". # 2- أن للإمام أن يمتنع عن قبول الصدقة من صاحبها إذا رأى المصلحة فى ~~ذلك، ms2423 اقتداء بما فعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع ثعلبة، فإنه لم ~~يقبل منه الصدقة بعد أن جاء بها. قال الإمام الرازى فإن قيل إن الله - ~~تعالى - أمره - أى ثعلبة - بإخراج الصدقة فكيف يجوز من الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - أن لا يقبلها منه؟ قلنا لا يبعد أن يقال أنه - تعالى - منع ~~رسوله عن قبول الصدقة منه على سبيل الإهانة له، ليعتبر غيره به، فلا ~~يمتنع عن أداء الصدقات. ولا يبعد - أيضا - أنه إنما أتى بها على وجه ~~الرياء لا على وجه الإخلاص وأعلم الله رسوله بذلك، فلم يقبل تلك الصدقة ~~لهذا السبب. # ويحتمل - أيضا - أنه - تعالى - لما قال # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها # وكان هذا المقصود غير حاصل فى ثعلبه مع نفاقه، فلهذا السبب امتنع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم عن أخذ تلك الصدقة. 3- أن النفس البشرية ضعيفة ~~شحيحة - إلا من عصم الله. وأن مما يعين الإنسان على التغلب على هذا ~~الضعف والشح، أن يوطن نفسه على طاعة الله، وأن يجبرها إجبارا على مخالفة ~~الهوى والشيطان، وأن يؤثر ما عند الله على كل شئ من حطام الدنيا... أما ~~إذا ترك لنفسه أن تسير على هواها، فإنها ستورده المهالك، التى لن ينفع ~~معها الندم، وستجعله أسير شهواته وأطماعه ونفاقه إلى أن يلقى الله، وصدق ~~- سبحانه - حيث يقول { فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى ~~يوم يلقونه بمآ أخلفوا الله ما وعدوه وبما ~~كانوا يكذبون }. ثم حكى - سبحانه - موقف هؤلاء المنافقين من ~~المؤمنين الصادقين الذين كانوا يبذلون أموالهم فى سبيل الله، فقال - ~~سبحانه { الذين يلمزون المطوعين... }. ### || [9.79] # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية وهذا أيضا من صفات ~~المنافقين لا يسلم أحد من عيبهم ولمزهم فى جميع الأحوال، حتى ولا ~~المتصدقون يسلمون منهم. إن جاء أحد منهم بمال جزيل، قالوا هذا مراء، وإن ~~جاء بشئ يسير قالوا إن الله لغنى عن صدقة هذا، كما روى البخارى عن أبى ~~مسعود - رضى الله عنه - قال لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل ms2424 على ظهورنا - ~~أى نؤاجر أنفسنا فى الحمل - فجاء رجل فتصدق بشئ كثير، فقالوا هذا يقصد ~~الرياء، وجاء رجل فتصدق بصاع فقالوا إن الله لغنى عن صدقة هذا، فنزلت هذه ~~الآية. وأخرج ابن جرير عن عمر بن أبى سلمة عن أبيه أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال # " تصدقوا فإنى أريد أن أبعث بعثا، - أى إلى تبوك - قال فقال عبد الرحمن ~~بن عوف يا رسول الله.. إن عندى أربعة آلاف ألفين أقرضهما الله، وألفين ~~لعيالى. قال فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " بارك الله لك فيما ~~أعطيت وبارك لك فيما أمسكت "؟! فقال رجل من الأنصار وإن عندى صاعين من ~~تمر، صاعا لربى، وصاعا لعيالى، قال فلمز المنافقون وقالوا ما أعطى أبو ~~عوف هذا إلا رياء!! وقالوا أو لم يكن الله غنيا عن صاع هذا!! فأنزل الله ~~- تعالى - { الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين ~~في الصدقات... } ". # وقال ابن اسحاق كان المطوعون من المؤمنين فى الصدقات عبد الرحمن بن عوف ~~وعاصم بن عدى - أخابنى عجلان - وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~رغب فى الصدقة وحض عليها. فقام عبد الرحمن بن عوف فتصدق بأربعة آلاف، ~~وقام عاصم بن عدى وتصدق بمائة وسق من تمر، فلمزوهما، وقالوا ما هذا إلا ~~رياء. وكان الذى تصدق بجهده أبا عقيل - أخابنى أنيف - أتى بصاع من تمر، ~~فأفرغها فى الصدقة، فتضاحكوا به، وقالوا إن الله لغنى عن صاع أبى عقيل ". ~~هذه بعض الروايات التى وردت فى سبب نزول هذه الآية، وهناك روايات أخرى، ~~قريبة فى معناها بما ذكرناها. وقوله " يلمزون " من اللمز، يقال لمز فلان ~~فلانا إذا عابه وتنقصه. والمراد بالمطوعين أغنياء المؤمنين الذين قدموا ~~أموالهم عن طواعية واختيار، من أجل إعلاء كلمة الله. والمراد بالصدقات ~~صدقات التطوع التى يقدمها المسلم زيادة على الفريضة. والمراد بالذين لا ~~يجدون إلا جهدهم فقراء المسلمين. الذين كانوا يقدمون أقصى ما يستطيعونه ~~من مال مع قلته، إذ الجهد الطاقة، وهى أقصى ما يستطيعه الإنسان. # والمعنى إن من الصفات القبيحة - أيضا ms2425 للمنافقين، أنهم كانوا يعيبون على ~~المؤمنين، إذا ما بذلوا أمولهم لله ورسوله عن طواعية نفس، ورضا قلب، ~~وسماحة ضمير.. وذلك لأن هؤلاء المنافقين - لخلو قلوبهم من الإيمان - ~~كانوا لا يدركون الدوافع السامية، والمقاصد العالية من وراء هذا البذل.. ~~ومن أجل هذا كانوا يقولون عن المكثر إنه يبذل رياء، وكانوا يقولون عن ~~المقل إن الله غنى عن صدقته، فهم - لسوء نواياهم وبخل نفوسهم، وخبث ~~قلوبهم - لا يرضيهم أن يروا المؤمنين يتنافسون فى إرضاء الله ورسوله. ~~وقوله { والذين لا يجدون إلا جهدهم } معطوف على قوله { ~~المطوعين }. أى أن هؤلاء المنافقين يلمزون الأغنياء المطوعين ~~بالمال الكثير، ويلمزون الفقراء الباذلين للمال القليل لأنه هو مبلغ ~~جهدهم، وآخر طاقتهم. وقوله { فيسخرون منهم } بيان لموقفهم ~~الذميم من المؤمنين. أى إن هؤلاء المنافقين يستهزئون بالمؤمنين عندما ~~يلبون دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الإنفاق فى سبيل الله. ~~وجاء عطف { فيسخرون } على { يلمزون } بالفاء، للإشعار بأنهم ~~قوم يسارعون إلى الاستهزاء بالمؤمنين، بمجرد أن يصدر عن المؤمنين أى عمل ~~من الأعمال الصالحة التى ترضى الله ورسوله. وقوله { سخر الله ~~منهم ولهم عذاب أليم } بيان لجزائهم وسوء عاقبتهم. أى إن ~~هؤلاء الساخرين من المؤمنين جازاهم الله على سخريتهم فى الدنيا، بأن ~~فضحهم وأخزاهم، وجعلهم محل الاحتقار والازدراء... أما جزاؤهم فىا لآخرة ~~فهو العذاب الأليم الذى لا يخف ولا ينقطع. وبذلك نرى الآية الكريمة قد ~~بينت جانبا من طبائع المنافقين وردت عليهم بما يفضحهم ويخزيهم ويبشرهم ~~بالعذاب الأليم. ثم عقب الله - تعالى - هذا الحكم عليهم بالعذاب الأليم، ~~بحكم آخر وهو عدم المغفرة لهم بسبب إصرارهم على الكفر والفسوق، فقال - ~~تعالى - { استغفر لهم أو لا تستغفر... }. ### || [9.80] # قال الجمل قال المفسرون لما نزلت الآيات المتقدمة فى المنافقين، وفى ~~بيان نفاقهم، وظهر أمرهم للمؤمنين، جاءوا إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يعتذرون إليه، ويقولون استغفر لنا فنزلت هذه الآية. وهذا كلام خرج ~~مخرج الأمر ومعناه الخبر، والتقدير استغفارك وعدمه لهم سواء. وإنما جاء ~~هذا الخبر هنا فى صورة الأمر للمبالغة ms2426 فى بيان استوائهما. وقد جاء هذا ~~الحكم فى صورة الخبر فى موضع آخر هو قوله - تعالى # سوآء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر ~~لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم ~~الفسقين # والمقصود بذكر السبعين فى قوله { إن تستغفر لهم سبعين ~~مرة } إرادة التكثير، والمبالغة فى كثرة الاستغفار، فقد جرت عادة ~~العرب فى أساليبهم على استعمال هذا العدد للتكثير لا للتحديد، فهو لا ~~مفهوم له. ونظيره قوله - تعالى - # ذرعها سبعون ذراعا... # أى مهما استغفرت لهم يا محمد فلن يغفر الله لهم. وقوله { ذلك ~~بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي ~~القوم الفاسقين } بيان للأسباب التى أدت إلى عدم مغفرة الله ~~لهم. واسم الإشارة " ذلك " يعود إلى امتناع المغفرة لهم، المفهوم من ~~قوله { فلن يغفر الله لهم }. أى ذلك الحكم الذى أصدرناه ~~عليهم بعد مغفرة ذنوبهم مهما كثر استغفارك لهم، سببه أنهم قوم { ~~كفروا بالله ورسوله } ومن كفر بالله ورسوله، فلن يغفر الله ~~له، مهما استغفر له المستغفرون، وشفع له الشافعون. وقوله { والله لا ~~يهدي القوم الفاسقين } تذييل مؤكد لما قبله، أى والله - ~~تعالى - لا يهدى إلى طريق الخير أولئك الذين فسقوا عن أمره، وخرجوا عن ~~طاعته، ولم يستمعوا إلى نصح الناصحين، وإرشاد المرشدين، وإنما آثروا ~~الغواية على الهداية. هذا، ويؤخذ من هذه الآية الكريمة، شدة شفقته - صلى ~~الله عليه وسلم - بأمته، وحرصه على هدايتها، وكثرة دعائه لها بالرحمة ~~والمغفرة، وأنه مع إيذاء المنافقين له كان يستغفر لهم - أملا فى توبتهم - ~~إلى أن نهاه الله عن ذلك. روى ابن جرير # " عن ابن عباس أنه لما نزلت هذه الآية، قال الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- أسمع ربى قد رخص لى فيهم، فوالله لأستغفرن أكثر من سبعين مرة، فلعل ~~الله أن يغفر لهم، فقال الله - تعالى - من شدة غضبه عليهم { سوآء ~~عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن ~~يغفر الله لهم... } ". # وعن قتادة لما نزلت هذه الآية قال النبى - صلى الله عليه وسلم - # " وقد خيرنى ربى فلأزيدنهم على السبعين " # فقال ms2427 الله - تعالى - { سوآء عليهم أستغفرت لهم أم ~~لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم... } وهكذا أصدر ~~الله حكمه العادل فى هؤلاء المنافقين، بعدم المغفرة لهم، بسبب كفرهم به ~~وبرسوله... وبعد هذا الحديث الطويل المتنوع عن أحوال المنافقين ومسالكهم ~~الخبيثة، أخذت السورة الكريمة فى الحديث عن حال المنافقين الذين تخلفوا ~~فى المدينة، وأبوا أن يخرجوا مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك، ~~فقال - تعالى - { فرح المخلفون...مع الخالفين }. ### || [9.81-83] # وقوله " المخلفون " اسم مفعول مأخوذ من قولهم خلف فلان فلانا وراءه إذا ~~تركه خلفه. والمراد بهم أولئك المنافقون الذين تخلفوا عن الخروج إلى غزوة ~~تبوك بسبب ضعف إيمانهم، وسقوط همتهم، وسوء نيتهم.. قال الجمل وقوله { ~~خلاف رسول الله } فيه ثلاثة أوجه أحدها أنه منصوب على المصدر ~~بفعل مقدر مدلول عليه بقوله " مقعدهم " لأنه فى معنى تخلفوا أى تخلفوا ~~خلاف رسول الله. الثانى أن خلاف مفعول لأجله والعامل فيه إما فرح إما ~~مقعد. أى فرحوا لأجل مخالفتهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث مضى ~~هو للجهاد وتخلفوا هم عنه. أو بقعودهم لمخالفتهم له، وإليه ذهب الطبرى ~~والزجاج، ويؤيد ذلك قراءة من قرأ " خلف رسول الله " - بضم الخاء واللام، ~~الثالث أن ينتصب على الظرف. أى بعد رسول الله، يقال أقام زيد خلاف القوم، ~~أى تخلف بعد ذهابهم، وخلاف يكون ظرفا، وإليه ذهب أبو عبيدة وغيره، ويؤيد ~~هذا قراءة ابن عباس، وأبى حيوه، وعمرو بن ميمون، " خلف رسول الله " - ~~بفتح الخاء وسكون اللام. والمعنى فرح المخلفون من هؤلاء المنافقين، بسبب ~~قعودهم فى المدينة، وعدم خروجهم إلى تبوك للجهاد مع الرسول صلى الله عليه ~~وسلم - والمؤمنين، وكرهوا أن يبذلوا شيئا من أموالهم وأنفسهم من أجل ~~إعلاء كلمة الله. وإنما فرحوا بهذا القعود، وكرهوا الجهاد لأنهم قوم خلت ~~قلوبهم من الإيمان بالله واليوم الآخر، وهبطت نفوسهم عن الارتفاع إلى ~~معالى الأمور، وآثروا الدنيا وشهواتها الزائلة على الآخرة ونعيمها ~~الباقى. وفى التعبير بقوله { المخلفون } تحقير لهم، وإهمال ~~لشأنهم، حتى لكأنهم شئ من سقط المتاع الذى يخلف ويترك ms2428 ويهمل لأنه لا قيمة ~~له، أو لأن ضرره أكبر من نفعه. قال الآلوسى وإيثار ما فى النظم الكريم ~~على أن يقال، وكرهوا أن يخرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إيذان ~~بأن الجهاد فى سبيل الله مع كونه من أجل الرغائب التى ينبغى أن يتنافس ~~فيها المتنافسون، قد كرهوه، كما فرحوا بأقبح القبائح وهو القعود خلاف ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم، وفى الكلام تعريض بالمؤمنين الذين آثروا ~~ذلك وأحبوه ". وقوله { وقالوا لا تنفروا في الحر } حكاية ~~لأقوالهم التى تدل على ضعفهم وجبنهم، وعلى أنهم قوم لا يصلحون للأعمال ~~التى يصلح لها الرجال. أى. وقال هؤلاء المنافقون المخلفون لغيرهم، اقعدوا ~~معنا فى المدينة، ولا تخرجوا للجهاد مع المؤمنين، فإن الحر شديد، والسفر ~~طويل، وقعودكم يريحكم من هذه المتاعب، ويحمل غيرنا وغيركم على القعود ~~معنا ومعكم، وبذلك ننال بغيتنا من تثبيط همة المجاهدين عن الجهاد فى سبيل ~~الله. # وقوله { قل نار جهنم أشد حرا } رد على أقوالهم القبيحة، ~~وأفعالهم الخبيثة، أى، قل يا محمد لهؤلاء المنافقين على سبيل التهكم بهم، ~~والتحقير من شأنهم نار جهنم أشد حرا من هذا الحر الذى تخشونه وترونه ~~مانعا من النفير بل هى أشد حرا من نار الدنيا... روى الإمام مالك عن أبى ~~الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال # " نار بنى آدم التى توقدونها. جزء من سبعين جزءا من نار جهنم ". # ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال وقوله { قل نار جهنم أشد ~~حرا } استجهال لهم، لأن من تصون مشقة ساعة، فوقع بسبب ذلك التصون فى ~~مشقة الأبد، كان أجهل من كل جاهل، ولبعضهم # مسرة أحقاب تلقيت بعدها مساءة يوم أريها شبه الصاب فكيف بأن تلقى مسرة ~~ساعة وراء تقضيها مساءة أحقاب # أى أن حزن يوم واحد يجعل المسرات الطويلة قبله تتحول إلى ما يشبه الصاب ~~مرارة، فكيف يكون الحال إذا كانت المسرات ساعة واحدة تعقبها أحقاب طويلة ~~من المساءات؟!!. وقوله { لو كانوا يفقهون } تذييل قصد به ~~الزيادة ms2429 فى توبيخهم وتحقيرهم. أى لو كانوا يفقهون أن نار جهنم أشد حرا ~~ويعتبرون بذلك، لما فرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله، ولما كرهوا الجهاد، ~~ولما قالوا ما قالوا، بل لحزنوا واكتأبوا على ما صدر منهم، ولبادروا ~~بالتوبة والاستغفار، كما فعل أصحاب القلوب والنفوس النقية من النفاق ~~والشقاق. وقوله { فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا... } ~~وعيد لهم بسوء مصيرهم، وإخبار عن عاجل أمرهم وآجله، من الضحك القليل فى ~~الدنيا والبكاء الكثير فى الآخرة. والمعنى إنهم وإن فرحوا وضحكوا طوال ~~أعمارهم فى الدنيا، فهو قليل بالنسبة إلى بكائهم فى الآخرة، لأن الدنيا ~~فانية والآخرة باقية، والمنقطع الفانى قليل بالنسبة إلى الدائم الباقى. ~~قال صاحب المنار وفى معنى الآية قوله - صلى الله عليه وسلم # " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا " # متفق عليه، بل رواه الجماعة إلا أبا داود من حديث أنس، ورواه الحاكم من ~~حديث أبى هريرة بلفظ " لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا ". ثم قال وإنما كان ~~الأمر فى الآية بمعنى الخبر، لأنه إنذار بالجزاء لا تكليف وقد قيل فى ~~فائدة هذا التعبير عن الخبر بالإنشاء، إنه يدل على أنه حتم لا يحتمل ~~الصدق والكذب كما هو شأن الخبر لذاته فى احتمالها، لأن الأصل فى الأمر أن ~~يكون للإيجاب وهو حتم.. وقوله { جزآء بما كانوا يكسبون } ~~تذييل قصد به بيان عدالته، سبحانه، فى معاملة عباده. أى أننا ما ظلمناهم ~~بتوعدنا لهم بالضحك القليل وبالبكاء الكثير، وإنما هذا الوعيد جزاء لهم ~~على ما اكتسبوه من فنون المعاصى، وما اجترحوه من محاربة دائمة لدعوة ~~الحق. وقوله { جزآء } مفعول للفعل الثانى. # أى ليبكوا جزاء، ويجوز أن يكون مصدرا حذف ناصبه. أى يجزون بما ذكر من ~~البكاء الكثير جزاء. وجمع - سبحانه - فى قوله { بما كانوا ~~يكسبون } بين صيغتى الماضى والمستقبل، للدلالة على الاستمرار ~~التجددى ما داموا فى الدنيا. ثم بين - سبحانه - ما يجب على الرسول نحو ~~هؤلاء المخلفين الكارهين للجهاد، فقال { فإن رجعك الله إلى ~~طآئفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن ~~تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا... }. ~~قوله ms2430 { رجعك } من الرجع بمعنى تصيير الشئ إلى المكان الذى كان فيه ~~أولا. والفعل رجع أحيانا يستعمل لازما كقوله - تعالى - # فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا... # وفى هذه الحالة يكون مصدر الرجوع، وأحيانا يستعمل متعديا كالآية التى ~~معنا، وكقوله - تعالى - # فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن.. # وفى هذه الحالة يكون مصدره الرجع لا الرجوع. قال الآلوسى و " رجع " هنا ~~متعد بمعنى رد ومصدره الرجع، وقد يكون لازما ومصدره الرجوع، وأوثر هنا ~~استعمال المتعدى رجوع منه إلى تأييد إلهى، ولذا أوثرت كلمة " إن " على " ~~إذا ". والمعنى فإن ردك الله - تعالى - من سفرك هذا - أيها الرسول الكريم ~~- إلى طائفة من هؤلاء المنافقين الذين تخلفوا عن الخروج معك إلى تبوك " ~~فاستأذنوك للخروج " معك فى غزوة أخرى بعد هذه الغزوة " فقل " لهم على ~~سبيل الإهانة والتحقير { لن تخرجوا معي أبدا } ما دمت على ~~قيد الحياة { ولن تقاتلوا معي عدوا } من الأعداء الذين ~~أمرنى الله بقتالهم، والسبب فى ذلك " إنكم " أيها المنافقون " رضيتم ~~بالقعود " عن الخروج معى وفرحتم به فى " أول مرة " دعيتم فيها إلى ~~الجهاد، فجزاؤهم وعقابكم أن تقعدوا " مع الخالفين " أى مع الذين تخلفوا ~~عن الغزو لعدم قدرتهم على تكاليفه كالمرضى والنساء والصبيان. أو مع ~~الأشرار الفاسدين الذين يتشابهون معكم فى الجبن والنفاق وسوء الأخلاق. ~~قال الإمام الرازى ما ملخصه، ذكروا فى تفسير الخالف وجوها الأول قال أبو ~~عبيدة الخالفون جمع، واحدهم خالف، وهو من يخلف الرجل فى قومه، ومعناه ~~فاقعدوا مع الخالفين من الرجال الذين يخلفون فى البيت فلا يبرحونه. ~~الثانى أن الخالفين فسر بالمخالفين، يقال فلان خالفة أهل بيته إذا كان ~~مخالفا لهم، وقوم خالفون أى كثيرو الخلاف لغيرهم. الثالث أن الخالف هو ~~الفاسد. قال الأصمعى يقال خلف عن كل خير يخلف خلوفا إذا فسد، وخلف اللبن ~~إذا فسد. إذا عرفت هذه الوجوه الثلاثة فلاشك أن اللفظ يصلح حمله على كل ~~واحد منها، لأن أولئك المنافقين كانوا موصوفين بجميع هذه الصفات السيئة.. ~~". # " وقال - سبحانه - { فإن رجعك الله إلى طآئفة ~~منهم... ms2431 } ولم يقل فإن رجعك الله إليهم، لأن جميع الذين تخلفوا عن ~~الخروج مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك، لم يكونوا من ~~المنافقين، بل كان هناك من تخلف بأعذار مقبولة، كالذين أتوا إلى الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - ليحملهم معه، فقال لهم " لا أجد ما أحملكم عليه " ~~فتولوا " وأعينهم تفيض من الدمع حزنا " ". # وسيأتى الحديث عنهم بعد قليل. وقوله { لن تخرجوا معي أبدا ~~ولن تقاتلوا معي عدوا } إخبار فى معنى النهى للمبالغة وجمع ~~- سبحانه - بين الجملتين زيادة فى تبكيتهم، وفى إهمال شأنهم، وفى كراهة ~~مصاحبتهم.. وذلك، لأنهم لو خرجوا مع المؤمنين ما زادوهم إلا خبالا، ولو ~~قاتلوا معهم، لكان قتالهم خاليا من الغاية السامية التى من أجلها قاتل ~~المؤمنون وهى إعلاء كلمة الله، وكل قتال خلا من تلك الغاية كان مآله إلى ~~الهزيمة.. هذا، وقد اشتملت هذه الآيات الكريمة على أسوأ صفات المنافقين، ~~كما اشتملت على أشد ألوان الوعيد لهم فى الدنيا والآخرة { جزآء بما ~~كانوا يكسبون }. قال الجمل وفى قوله - تعالى - { فإن رجعك ~~الله إلى طآئفة منهم... } الآية دليل على أن الشخص إذا ~~ظهر منه مكر وخداع وبدعة، يجب الانقطاع عنه، وترك مصاحبته، لأنه - سبحانه ~~- منع المنافقين من الخروج مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الجهاد، ~~وهو مشعر بإظهار نفاقهم وذمهم وطردهم وإبعادهم لما علم من مكرهم وخداعهم ~~إذا خرجوا إلى الغزوات. وبعد أن بين - سبحانه - ما يجب أن يفعله الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - معهم فى حياتهم، أتبع ذلك ببيان ما يجب أن يفعله ~~معهم بعد مماتهم فقال - تعالى - { ولا تصل على أحد... }. ### || [9.84] # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه " أمر الله - ~~تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يبرأ من المنافقين، وأن لا يصلى ~~على أحد منهم إذا مات، وأن لا يقوم على قبره ليستغفر له، أو يدعو له ~~لأنهم كفروا بالله ورسوله، وهذا حكم عام فى كل من عرف نفاقه، وإن كان سبب ~~نزول الآية فى عبد الله بن أبى ms2432 بن سلول رأس المنافقين ". فقد روى البخارى # " عن ابن عمر قال لما توفى عبد الله بن أبى جاء ابنه عبد الله إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فسأله أن يعطيه قميصه ليكفن فيه أباه، ~~فأعطاه إياه، ثم سأله أن يصلى عليه، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ليصلى عليه، فقام عمر، فأخذ بثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وقال يا رسول الله، تصلى عليه، وقد نهاك ربك أن تصلى عليه؟ فقال الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - " وإنما خيرنى الله " فقال { استغفر لهم ~~أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة ~~فلن يغفر الله لهم } وسأزيده على السبعين. قال إنه منافق - ~~قال فصلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله - تعالى - ~~قوله { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا... } الآية ~~". # وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال # " سمعت عمر بن الخطاب يقول لما توفى عبد الله ابن أبى دعى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - للصلاة عليه، فقام عليه " فلما وقف عليه - يريد ~~الصلاة - تحولت حتى قمت فى صدره فقلت يا رسول الله، أعلى عدو الله عبد ~~الله بن أبى القائل يوم كذا، كذا وكذا، - وأخذ يعدد أيامه. قال ورسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم يبتسم حتى إذا أكثرت عليه قال تأخر عنى يا ~~عمر. إنى خيرت فاخترت، قد قيل لى { استغفر لهم... } الآية. لو ~~أعلم أنى لو زدت على السبعين غفر له لزدت، قال ثم صلى عليه ومشى معه وقام ~~على قبره حتى فرغ منه. قال فعجبت من جرأتى على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - والله ورسوله أعلم. قال فوالله ما كان إلا يسيرا حتى نزلت { ~~ولا تصل على أحد منهم مات أبدا } الآية. قال فما ~~صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك على منافق ولا قام على ~~قبره حتى قبضه الله - عز وجل " ". # والمعنى " لا تصل " - أيها الرسول الكريم - " على أحد " من هؤلاء ~~المنافقين " مات أبدا ولا تقم على قبره ms2433 " أى ولا تقف على قبره عند الدفن ~~أو بعده بقصد الزيارة أو الدعاء له، وذلك لأن صلاتك عليهم، ووقوفك على ~~قبورهم شفاعة لهم، ورحمة بهم، وتكريم لشأنهم. وهم ليسوا أهلا لذلك. وقوله ~~{ إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم ~~فاسقون } تعليل للنهى عن الصلاة عليهم، والوقوف على قبورهم. أى ~~نهيناك - يا محمد - عن ذلك، لأن هؤلاء المنافقين قد عاشوا حياتهم كافرين ~~بالله ورسوله، ومحاربين لدعوة الحق، وماتوا وهم خارجون عن حظيرة ~~الإيمان. وجمع - سبحانه - بين وصفهم بالكفر ووصفهم بالفسق زيادة فى ~~تقبيح أمرهم، وتحقير شأنهم فهم لم يكتفوا بالكفر وحده، وإنما أضافوا إليه ~~الفسق، وهو الخروج عن كل قول طيب، وخلق حسن، وفعل كريم. قال بعضهم فإن ~~قلت الفسق أدنى حالا من الكفر، فما الفائدة فى وصفهم بالفسق بعد وصفهم ~~بالكفر؟ قلت إن الكافر قد يكون عدلا بأن يؤدى الأمانة، ولا يضمر لأحد ~~سوءا، وقد يكون خبيثا كثير الكذب والمكر والخداع وإضمار السوء للغير، ~~وهذا أمر مستقبح عن كل أحد، ولما كان المنافقون بهذه الصفة الخبيثة، ~~وصفهم الله - تعالى - بكونهم فاسقين بعد أن وصفهم بالكفر ". هذا، ومن ~~الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى 1- تحريم الصلاة على ~~الكافر، والوقوف على قبره، ومفهومه وجوب الصلاة على المسلم ودفنه ~~ومشروعية الوقوف على قبره، والدعاء له. قال الإمام ابن كثير ولما نهى ~~الله - تعالى - عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم للاستغفار ~~لهم، كان هذا الصنيع من أكبر القربات فى حق المؤمنين، فشرع ذلك وفى فعله ~~الأجر الجزيل، كما ثبت فى الصحاح وغيرها من حديث أبى هريرة أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قال # " " من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، من شهدها حتى تدفن فله ~~قيراطان، قيل وما القيراطان، قال " أصغرهما مثل أحد " # وأما القيام عند قبر المؤمن إذا مات، فروى أبو دواد عن عثمان بن عفان ~~قال # " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا فرغ من الميت وقف عليه وقال ~~" استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن ms2434 يسأل ". # 2- وجوب منع كل مظهر من مظاهر التكريم - فى الحياة وبعد الممات عن الذين ~~يحاربون دعوة الحق، ويقفون فى وجه انتشارها وظهورها أما منع تكريمهم فى ~~حياتهم فتراه فى قوله - تعالى - فى الآية السابقة # فإن رجعك الله إلى طآئفة منهم فاستأذنوك ~~للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا ~~معي عدوا # وأما منع تكريمهم بعد مماتهم فتراه فى هذه الآية { ولا تصل على ~~أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره }. ولا شك ~~أن حجب كل تكريم عن أولئك المنافقين فى العهد النبوى، كان له أثره القوى ~~فى انهيار دولتهم، وافتضاح أمرهم، وذهاب ريحهم، وتهوين شأنهم.. هذا، وما ~~فعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع عبد الله بن أبى من الصلاة عليه، ~~والقيام على قبره إنما كان قبل نزول هذه الآية.. أو أنه - صلى الله عليه ~~وسلم - فعل ذلك تطييبا لقلب ابنه الذى كان من فضلاء الصحابة وأصدقهم ~~إسلاما. فقد سبق أن ذكرنا ما رواه البخارى عن ابن عمر أنه قال لما توفى ~~عبد الله ابن أبى جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فسأله أن يعطيه قميصه ليكفن فيه أباه، فأعطاه إياه ثم سأله أن يصلى ~~عليه.. الحديث. ثم نهى الله - تعالى - كل من يصلح للخطاب عن الاغترار بما ~~عند هؤلاء المنافقين من مال وولد، فقال - تعالى - { ولا تعجبك ~~أموالهم وأولادهم.... }. ### || [9.85] # أى عليك - أيها العاقل - أن لا تغتر بما عند هؤلاء المنافقين من أموال ~~وأولاد، وأن لا يداخل قلبك شئ من الإعجاب بما بين أيديهم من نعم، فإن ~~هذه النعم - التى من أعظمها الأموال والأولاد - إنما أعطاهم الله إياها، ~~ليعذبهم بسببها فى الدنيا عن طريق التعب فى تحصيلها، والحزن عند فقدها ~~وهلاكها. وقوله { وتزهق أنفسهم وهم كافرون } بيان لسوء ~~مصيرهم فى الآخرة، بعد بيان عذابهم فى الدنيا، وزهوق النفس خروجها من ~~الجسد بمشقة وتعب. أى أنهم فى الدنيا تكون النعم التى بين أيديهم، مصدر ~~عذاب لهم، وأما فى الآخرة فعذابهم أشد وأبقى، لأن أرواحهم ms2435 قد خرجت من ~~أبدانهم وهم مصرون على الكفر والضلال. فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ~~توعدت هؤلاء المنافقين بسوء العاقبة فى الدنيا والآخرة، ومن كان مصيره ~~كهذا المصير، لا يستحق الإعجاب أو التكريم وإنما يستحق الاحتقار ~~والإهمال. وهذه الآية الكريمة، قد سبقتها فى السورة نفسها آية أخرى ~~شبيهة بها. وهى قوله - تعالى - { ولا تعجبك أموالهم ~~وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في ~~الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون }. وقد أشار صاحب ~~الكشاف إلى سر هذا التكرار فقال " وقد أعيد قوله { ولا تعجبك } ~~لأن تجدد النزول له شأنه فى تقرير ما نزل له وتأكيده، وإرادة أن يكون على ~~بال من المخاطب لا ينساه ولا يسهو عنه، وأن يعقتد أن العمل به مهم يفتقر ~~إلى فضل عناية به، لا سيما إذا تراخى ما بين النزولين، فأشبه الشئ الذى ~~أهم صاحبه، فهو يرجع إليه فى أثناء حديثه، ويتخلص إليه، وإنما أعيد هذا ~~المعنى لقوته فيما يجب أن يحذر منه ". ثم بين - سبحانه - موقف المنافقين ~~وموقف المؤمنين بالنسبة للجهاد، كما بين عاقبة كل فريق فقال - تعالى - { ~~وإذآ أنزلت سورة....الفوز العظيم }. ### || [9.86-89] # والمراد بالسورة فى قوله - سبحانه - { وإذآ أنزلت سورة } كل ~~سورة ذكر الله - تعالى - فيها وجوب الإيمان به والجهاد فى سبيله. أى أن ~~من الصفات الذميمة لهؤلاء المنافقين، أنهم كلما نزلت سورة قرآنية، تدعو ~~فى بعض آياتها الناس إلى الإيمان بالله والجهاد فى سبيله، ما كان منهم ~~عند ذلك إلا الجبن والاستخذاء والتهرب من تكاليف الجهاد... وقوله { ~~استأذنك أولوا الطول منهم... } بيان لحال هؤلاء ~~المنافقين عند نزول هذه السورة. والطول - بفتح الطاء - يطلق على الغنى ~~والثروة، مأخوذ من مادة الطول بالضم التى هى ضد القصر. والمراد بأولى ~~الطول رؤساء المنافقين وأغنياؤهم والقادرون على تكاليف الجهاد. أى عند ~~نزول السورة الداعية إلى الجهاد، يجئ هؤلاء المنافقين أصحاب الغنى ~~والثروة، إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليستأذنوا فى القعود وعدم ~~الخروج.. وليقولوا له بجبن واستخذاء { ذرنا نكن مع ~~القاعدين }. أى اتركنا يا محمد مع القاعدين فى ms2436 المدينة من العجزة ~~والنساء والصبيان، واذهب أنت وأصحابك إلى القتال. وإنما خص ذوى الطول ~~بالذكر، تخليدا لمذمتهم واحتقارهم لأنه كان المتوقع منهم أن يتقدموا ~~صفوف المجاهدين، لأنهم يملكون وسائل الجهاد والبذل، لا ليتخاذلوا ~~ويعتذروا، ويقولوا ما قالوا مما يدل على جبنهم والتوائهم. وقوله { ~~رضوا بأن يكونوا مع الخوالف } زيادة فى تحقيرهم وذمهم. ~~والخوالف جمع خالفة، ويطلق على المرأة المتخلفة عن أعمال الرجال لضعفها، ~~كما يطلق لفظ الخالفة - أيضا - على كل من لا خير فيه. والمعنى رضى هؤلاء ~~المنافقون لأنفسهم، أن يبقوا فى المدينة مع النساء، ومع كل من لا خير فيه ~~من الناس، ولا يرضى بذلك إلا من هانت كرامته، وسقطت مروءته، وألف الذل ~~والصغار. وقوله { وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون } ~~بيان لما ترتب على استمرارهم فى النفاق، وعدم رجوعهم إلى طريق الحق. أى ~~أنه ترتب على رسوخهم فى النفاق، وإصرارهم على الفسوق والعصيان أن ختم ~~الله على قلوبهم، فصارت لا تفقه ما فى الإيمان والجهاد من الخير ~~والسعادة، وما فى النفاق والشقاق من الشقاق والهلاك. وقوله - سبحانه - { ~~لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم } استدراك لبيان حال الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - والمؤمنين، بعد بيان حال المنافقين. أى إذا كان حال ~~المنافقين كما وصفنا من جبن وتخاذل وهوان... فإن حال المؤمنين ليس كذلك، ~~فإنهم قد وقفوا إلى جانب رسولهم - صلى الله عليه وسلم - فجاهدوا معه ~~بأموالهم وأنفسهم من أجل إعلاء كلمة الله، وأطاعوه فى السر والعلن، ~~وآثروا ما عند الله على كل شئ فى هذه الحياة.. وقد بين - سبحانه - جزاءهم ~~الكريم فقال { وأولئك لهم الخيرات } أى أولئك المؤمنون ~~الصادقون لهم الخيرات التى تسر النفس، وتشرح الصدر فى الدنيا والآخرة { ~~وأولئك هم المفلحون } الفائزون بسعادة الدارين. # { أعد الله } - تعالى - لهؤلاء المؤمنين الصادقين { جنات ~~تجري من } تحت ثمارها وأشجارها ومساكنها { الأنهار خالدين } ~~فى تلك الجنات خلودا أبديا، و " ذلك " العطاء الجزيل، هو { الفوز ~~العظيم } الذى لا يدانيه فوز، ولا تقاربه سعادة. وبذلك ترى أن هذه ~~الآيات الكريمة قد ذمت ms2437 المنافقين لجبنهم، وسوء نيتهم، وتخلفهم عن كل ~~خير... ومدحت الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين، الذين نهضوا ~~بتكاليف العقيدة، وأدوا ما يجب عليهم نحو خالقهم وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم من أجل إعلاء كلمته - سبحانه. وبعد أن بين - سبحانه- أحوال ~~المنافقين من سكان المدينة، أتبع ذلك بالحديث عن المنافقين من الأعراب ~~سكان البادية فقال - تعالى { وجآء المعذرون من ~~الأعراب... }. ### || [9.90] # قال القرطبى ما ملخصه قوله - تعالى - { وجآء المعذرون من ~~الأعراب } قرأ الأعرج والضحاك المعذرون مخففا، ورواها أبو كريب عن ~~أبى بكر عن عاصم.. وهى من أعذر، ومنه قد أعذر من أنذر، أى قد بالغ فى ~~العذر من تقدم إليك فأنذرك، وأما " المعذرون " بالتشديد - وهى قراءة ~~الجمهور - ففيها قولان أحدهما أنه يكون المحق، فهو فى المعنى المعتذر، ~~لأن له عذرا، فيكون " المعذرون " على هذه أصله المعتذرون، ثم أدغمت ~~التاء فى الذال.. وثانيهما أن المعذر قد يكون غير محق، وهو الذى يعتذر ~~ولا عذر له. والمعنى، أنهم اعتذروا بالكذب.. قال الجوهرى وكان ابن عباس ~~يقول لعن الله المعذرين، كان الأمر عنده أن المعذر - بالتشديد - هو ~~المظهر للعذر، اعتلالا من غير حقيقة له فى العذر.. " ومن هذه الأقوال ~~التى نقلناها عن القرطبى يتبين لنا أن من المفسرين من يرى أن المقصود من ~~المعذرين أصحاب الأعذار المقبولة. وقد رجح الإمام ابن كثير هذا الرأى ~~فقال بين الله - تعالى - حال ذوى الأعذار فى ترك الجهاد، وهم الذين جاءوا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتذرون إليه، ويبينون له ما هم فيه من ~~الضعف وعدم القدرة على الخروج وهم من أحياء العرب ممن حول المدينة. قال ~~الضحاك عن ابن عباس إنه كان يقرأ " وجاء المعذرون " - بالتخفيف، ويقول هم ~~أهل العذر.. وهذا القول أظهر فى معنى الآية لأنه - سبحانه - قال بعد هذا ~~{ وقعد الذين كذبوا الله ورسوله }. أى لم يأتوا ~~فيعتذروا... وعلى هذا الرأى تكون الآية قد ذكرت قسمين من الأعراب قسما ~~جاء معتذرا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقسما لم يجئ ولم ~~يعتذر، وهذا القسم هو الذى ms2438 توعده الله بسوء المصير. ومنهم من يرى أن ~~المقصود بالمعذرين أصحاب الأعذار الباطلة، وقد سار على هذا الرأى صاحب ~~الكشاف فقال " المعذرون " عن عذر فى الأمر، إذا قصر فيه وتوانى ولم يجد ~~فيه، وحقيقته أنه يوهم أن له عذرا فيما يفعل ولا عذر له. أو المعتذرون ~~بإدغام التاء فى الذال، وهم الذين يعتذرون بالباطل، كقوله، يعتذرن إليكم ~~إذا رجعتم إليهم.. وقرئ " المعذرون " بالتخفيف وهو الذى يجتهد فى العذر ~~ويحتشد فيه. قيل هم أسد وغطفان. قالوا إن لنا عيالا، وإن بنا جهدا فائذن ~~لنا فى التخلف. وقيل # " هم رهط عامر بن الطفيل. قالوا إن غزونا معك أغارت أعراب طئ على ~~أهالينا ومواشينا، فقال - صلى الله عليه وسلم - " سيغنينى الله عنكم " # وعن مجاهد نفر من غفار اعتذروا فلم يعذرهم الله - تعالى - وعن قتادة ~~اعتذروا بالكذب.. وعلى هذا الرأى تكون الآية الكريمة قد ذكرت قسمين - ~~أيضا - من الأعراب، إلا أن أولهما قد اعتذر بأعذار غير مقبولة، وثانيهما ~~لم يعتذر، بل قعد فى داره مصرا على كفره، ولذا قال أبو عمرو بن العلاء ~~كلا الفريقين كان سيئا قوم تكلفوا عذرا بالباطل وهم الذين عناهم الله - ~~تعالى. بقوله { وجآء المعذرون } ، وقوم تخلفوا من غير عذر ~~فقعدوا جرأة على الله وهم المنافقون، فتوعدهم الله بقوله { سيصيب ~~الذين كفروا منهم عذاب أليم }. والذين يبدو لنا أن ~~الرأى الأول أقرب إلى الصواب لتناسقه مع ما يفيده ظاهر الآية، لأن الآية ~~الكريمة ذكرت نوعين من الأعراب، أحدهما المعذرون. أى أصحاب الأعذار، ~~وثانيهما الذين قعدوا فى بيوتهم مكذبين لله ولرسوله، فتوعدهم - سبحانه - ~~بالعذاب الأليم، ولأنه لا توجد قريئة قوية تجعلنا نرجح أن المراد ~~بالمعذرين هنا، أصحاب الأعذار الباطلة، لأن التفسير اللغوى للكلمة - كما ~~نقلنا عن القرطبى - يجعلها صالحة للأعذار المقبولة، فكان الحمل على حسن ~~الظن أولى، والله، تعالى، بعد ذلك هو العليم بأحوال العباد، ما ظهر منها ~~وما بطن. وعلى هذا يكون معنى الآية الكريمة وعندما استنفر النبى، صلى ~~الله عليه وسلم، الناس إلى غزوة تبوك، جاءه أصحاب الأعذار من ms2439 الأعراب ~~ليستأذنوه فى عدم الخروج معه، فقبل - صلى الله عليه وسلم ما هو حق منها. ~~وقوله { وقعد الذين كذبوا الله ورسوله } بيان للفريق ~~الثانى من الأعراب وهو الذى لم يجئ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ~~معتذرا. أى وقعد عن الخروج إلى تبوك، وعن المجئ إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - للاعتذار، أولئك الذين كذبوا الله ورسوله فى دعوى الإيمان، ~~وهم الراسخون فى النفاق والعصيان من الأعراب سكان البادية. وقوله { ~~سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم } وعيد لهم بسوء ~~العاقبة فى الدارين. أي سيصيب الذين أصروا على كفرهم ونفاقهم من هؤلاء ~~الأعراب، عذاب أليم فى الدنيا والآخرة، أما الذين رجعوا عن كفرهم ونفاقهم ~~منهم، وتابوا إلى الله - تعالى توبة صادقة، فهؤلاء عسى الله أن يعفو عنهم ~~وكان الله عفوا غفورا. ثم ذكر - سبحانه - الأعذار الشرعية المقبولة عنده ~~وعند رسوله، والتى تجعل صاحبها لا حرج عليه إذا ما قعد معها عن القتال، ~~فقال، تعالى { ليس على الضعفآء....ما ينفقون }. ### || [9.91-92] # ذكر المفسرون فى سبب نزول هاتين الآيتين روايات، منها ما جاء عن زيد بن ~~ثابت أنه قال كنت أكتب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكنت أكتب " ~~براءة " ، فإنى لواضع القلم على أذنى، إذ أمرنا بالقتال، فجعل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ينظر ما ينزل عليه، إذ جاء أعمى فقال كيف بى يا رسول ~~الله وأنا أعمى؟ فنزلت { ليس على الضعفآء ولا على ~~المرضى... } الآية. وروى العوفى عن ابن عباس # " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر الناس أن ينبعثوا غازين معه. ~~فجاءته عصابة من أصحابه فيهم عبد الله بن مقرن المزنى، فقالوا يا رسول ~~الله، احملنا. فقال لهم " والله لا أجد ما أحملكم عليه " ، فتولوا وهم ~~يبكون وعز عليهم أن يجلسوا عن الجهاد، ولا يجدون نفقة ولا محملا، فلما ~~رأى الله حرصهم على محبته ومحبة رسوله، أنزل عذرهم فى كتابه فقال { ~~ليس على الضعفآء ولا على المرضى }.. " # الآية. وقال محمد بن إسحاق - فى سياق غزوة تبوك - ثم # " إن ms2440 رجالا من المسلمين أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم ~~البكاءون وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم.. فاستحملوا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم، وكانوا أهل حاجة فقال " لا أجد ما أحملكم عليه " تولوا ~~وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون ". # والضعفاء جمع ضعيف، وهو من ليس عنده القوة على القيام بتكاليف الجهاد، ~~كالشيوخ والنساء والصبيان. والمرضى جمع مريض، وهم الذين عرضت لهم أمراض ~~حالت بينهم وبين الاشراك فى القتال، وهؤلاء عذرهم ينتهى بزوال أمراضهم. ~~والمعنى { ليس على الضعفآء } العاجزين عن القتال لعلة فى ~~تكوينهم، أو لشيخوخة أقعدتهم، { ولا على المرضى } الذين حالت ~~أمراضهم بينهم وبين الجهاد { ولا على الذين لا يجدون ما ~~ينفقون } وهم الفقراء القادرون على الحرب، ولكنهم لا يجدون المال ~~الذين ينفقونه فى مطالب الجهاد، ولا يجدون الرواحل التى يسافرون عليها ~~أرض المعركة، ليس على هؤلاء جميعا { حرج } أى إثم أو ذنب بسبب عدم ~~خروجهم مع النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك لقتال الكافرين.. وقوله ~~{ إذا نصحوا لله ورسوله } بيان لما يجب عليهم فى حال ~~قعودهم. قال الجمل ومعنى النصح - هنا - أن يقيموا فى البلد، ويحترزوا عن ~~إنشاء الأراجيف، وإثارة الفتن، ويسعوا فى إيصال الخير إلى أهل المجاهدين ~~الذين خرجوا إلى الغزو، ويقوموا بمصالح بيوتهم، ويخلصوا الإيمان والعمل ~~لله ويتابعوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - فجملة هذه الأمور تجرى مجرى ~~النصح لله ورسوله. # وقوله { ما على المحسنين من سبيل } استئناف مقرر لمضمون ما ~~قبله. والمحسنون. جمع محسن، وهو الذى يؤدى ما كلفه الله به على وجه حسن. ~~والسبيل الطريق السهل الممهد الموصل إلى البغية. ومن، زائدة لتأكيد ~~النفى. أى ليس لأحد أى طريق يسلكها لمؤاخذة هؤلاء المحسنين، بسبب تخلفهم ~~عن الجهاد، بعد أن نصحوا لله ولرسوله، وبعد أن حالت الموانع الحقيقية ~~بينهم وبين الخروج للجهاد. قال الآلوسى والجملة استئناف مقرر لمضمون ما ~~سبق على أبلغ وجه وألطف سبك، وهو من بليغ الكلام، لأن معناه، لا سبيل ~~لعاتب عليهم، أى لا يمر بهم العاتب، ms2441 ولا يجوز فى أرضهم، فما أبعد العتاب ~~عنهم، وهو جار مجرى المثل. ويحتمل أن يكون تعليلا لنفى الحرج عنهم و { ~~المحسنين } على عمومه. أى ليس عليهم حرج، لأنه ما على جنس المحسنين ~~سبيل، وهم من جملتهم. وقال صاحب المنار " والشرع الإلهى يجازى المحسن ~~بأضعاف إحسانه، ولا يؤاخذ المسئ إلا بقدر إساءته، فإذا كان أولئك ~~المعذورون فى القعود عن الجهاد محسنين فى سائر أعمالهم بالنصح المذكور. ~~انقطعت طرق المؤاخذة دونهم والإحسان أعم من النصح المذكور فالجملة ~~الكريمة تتضمن تعليل رفع الحرج عنهم مقرونا بالدليل، فكل ناصح لله ورسوله ~~محسن، ولا سبيل إلى مؤاخذة المحسن وإيقاعه فى الحرج، وهذه المبالغة فى ~~أعلى مكانة من أساليب البلاغة. وقوله { والله غفور رحيم } أى، ~~والله تعالى - واسع المغفرة، كثير الرحمة، يستر على عباده المخلصين ما ~~يصدر عنهم من تقصير تقتضيه طبيعتهم البشرية. وقوله { ولا على ~~الذين إذا مآ أتوك لتحملهم قلت لا أجد مآ ~~أحملكم عليه.. } معطوف على ما قبله، من عطف الخاص على العام، ~~اعتناء بشأنهم، وجعلهم كأنهم لتميزهم جنس آخر، مع أنهم مندرجون مع الذين ~~وصفهم الله قبل ذلك { لا يجدون ما ينفقون }. أى لا حرج ولا إثم ~~على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون، إذا ما ~~تخلفوا عن الجهاد، وكذلك لا حرج ولا إثم - أيضا - على فقراء المؤمنين، ~~الذين إذا ما أتوك لتحملهم على الرواحل التى يركبونها لكى يخرجوا معك إلى ~~هذا السفر الطويل قلت لهم يا محمد " لا أجد ما أحملكم عليه ". وفى هذا ~~التعبير ما فيه من تطييب قلوب هؤلاء السائلين فكأنه - صلى الله عليه وسلم ~~- يقول لهم إن ما تطلبونه أنا أسأل عنه، وأفتش عليه فلا أجده، ولو وجدته ~~لقدمته إليكم. وقوله { تولوا وأعينهم تفيض من ~~الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون } بيان للآثار التى ~~ترتبت على عدم وجود ما يحملهم من رواحل لكى يخرجوا مع الرسول صلى الله ~~عليه وسلم إلى تبوك. أى أن هؤلاء المؤمنين الفقراء، عندما اعتذرت لهم ~~بقولك " لا أجد ms2442 ما أحملكم عليه " انصرفوا من مجلسك، وأعينهم تسيل بالدموع ~~من شدة الحزن لأنهم لا يجدون المال الذى ينفقونه فى مطالب الجهاد، ولا ~~الرواحل التى يركبونها فى حال سفرهم إلى تبوك. # فالجملة الكريمة تعطى صورة صادقة مؤثرة للرغبة الصادقة فى الجهاد، ~~وللألم الشديد للحرمان من نعمة أدائه. وبمثل هذه الروح ارتفعت راية ~~الإسلام، وعزت كلمته، وانتشرت دعوته. هذا، ومن الأحكام والآداب التى ~~نستطيع أن نأخذها من هاتين الآيتين ما يأتى 1- أن التكاليف الإسلامية ~~تقوم على اليسر ورفع الحرج، ومن مظاهر ذلك أن الجهاد. وهو ذروة سنام ~~الإسلام، قد أعفى الله - تعالى - منه الضعفاء والمرضى والذين يجدون ~~وسائله ومتطلباته. قال الإمام القرطبى قوله تعالى { ليس على ~~الضعفآء ولا على المرضى.. } هذه الآية أصل فى سقوط ~~التكليف عن العاجز، فكل من عجز عن شئ مسقط عنه، ولا فرق بين العجز من جهة ~~القوة أو العجز من جهة المال. ونظير هذه الآية قوله. تعالى # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # وقوله # ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا ~~على المريض حرج # 2- أنه متى وجدت النية الصادقة فى فعل الخير. حصل الثواب وإن لم يكن ~~هناك عمل، بدليل أن المؤمنين الذين لم يخرجوا للجهاد لعذر شرعى، بشرهم ~~النبى صلى الله عليه وسلم بأنهم مشاركون لمن خرج فى الأجر. قال الإمام ~~ابن كثير فى الصحيحين من حديث أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال # " إن بالمدينة أقواما ما قطعتم واديا. ولا سرتم سيرا إلا وهم معكم ~~قالوا وهم بالمدينة قال نعم حبسهم العذر ". # وروى الإمام أحمد عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لقد خلفتم بالمدينة رجالا، ما قطعتم واديا، ولا سلكتم طريقا، إلا ~~شاركوكم فى الأجر، حبسهم المرض ". # 3- أن الصحابة - رضى الله عنهم - ضربوا أروع الأمثال فى الحرص على ~~الجهاد والاستشهاد وأن أعذارهم الشرعية لم تمنع بعضهم من المشاركة فى ~~القتال.. # " فهذا عبد الله بن أم مكتوم وكان يخرج إلى غزوة أحد ويطلب أن يحمل ~~اللواء. وهذا عمرو ms2443 ابن الجموح - وكان أعرج - يخرج من مقدمة الجيوش فيقول ~~له الرسول - صلى الله عليه وسلم - " إن الله قد عذرك " فيقول " والله ~~لأحفرن بعرجتى هذه الجنة " # - أى لأتركن آثار أقدامى فيها. ومن كان يؤتى به وهو يمشى بين الرجلين ~~معتمدا عليهما من شدة ضعفه " ومع ذلك يقف فى صفوف المجاهدين. وبهذه ~~القلوب السليمة، والعزائم القوية والنفوس القوية والنفوس النقية التى ~~خالط الإيمان شغافها.. ارتفعت كلمة الحق، وعزت كلمة الإسلام. وبعد أن ~~بين - سبحانه - أحكام أصحاب الأعذار المقبولة، أتبع ذلك ببيان أحكام ~~الأعذار الكاذبة، والصفات القبيحة، فقال تعالى { إنما ~~السبيل....القوم الفاسقين }. ### || [9.93-96] # فهذه الآيات الكريمة بيان لما سيكون من أمر المنافقين الذين قعدوا فى ~~المدينة بدون عذر، بعد أن يرجع الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم ~~والمؤمنون من تبوك. والمعنى إذا كان الضعفاء والمرضى ومن فى حكمهم، لا ~~إثم ولا عقوبة عليهم بسبب تخلفهم عن الجهاد، فإن " السبيل " أى الإثم ~~والعقوبة { على الذين يستأذنونك } فى التخلف " وهم أغنياء ~~" أى يملكون كل وسائل الجهاد من مال وقوة وعدة. وقوله { رضوا بأن ~~يكونوا مع الخوالف } استئناف تعليلى مسبوق لمزيد مذمتهم. أى ~~استأذنوك مع غناهم وقدرتهم على القتال، لأنهم لخلو قلوبهم من الإيمان، ~~ولسقوط همتهم وجبنهم، رضوا لأنفسهم أن يقبعوا فى المدينة مع الخالف من ~~النساء والصبيان والعجزة. وقوله { وطبع الله على قلوبهم ~~فهم لا يعلمون } بيان لسوء مصيرهم. أى وبسبب هذا الإصرار على ~~النفاق، والتمادى فى الفسوق العصيان، ختم الله - تعالى - على قلوبهم، ~~فصارت لا تعلم ما يترتب على ذلك من مصائب دينية ودنيوية وأخروية. قوله { ~~يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم } ، إخبار عما ~~سيقولونه للمؤمنين عند لقائهم بهم. أى أن هؤلاء المنافقين المتخلفين عن ~~الجهاد مع قدرتهم عليه، سيعتذرون إليكم - أيها المؤمنون - إذا رجعتم ~~إليهم من تبوك. بأن يقولوا لكم مثلا إن قعودنا فى المدينة وعدم خروجنا ~~معكم كانت له مبرراته القوية. فلا تؤاخذونا. وهذه الجملة الكريمة من ~~الأنباء التى أنبأ الله بها نبيه - صلى الله عليه وسلم - عن أحوال ~~المنافقين وعما سيقولونه له ms2444 وللمؤمنين بعد عودتهم إليهم، وهذا يدل على أن ~~هذه الآيات نزلت فى أثناء العودة، وقبل وصول الرسول وأصحابه إلى المدينة ~~من تبوك. وقوله { قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد ~~نبأنا الله من أخباركم } ، إبطال لمعاذيرهم، وتلقين من ~~الله - تعالى - لرسوله بالرد الذى يخرس ألسنتهم. أى قل لهم - أيها الرسول ~~الكريم - عندما يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم، قل لهم دعوكم من هذه ~~المعاذير الكاذبة، ولا تتفوهوا بها أمامنا، فإننا { لن نؤمن لكم ~~} ولن نصدق أقوالكم، فإن الله، تعالى. قد كشف لنا عن حقيقتكم ووضح لنا ~~أحوالكم، وبين لنا ما أنتم عليه من نفاق وفسوق وعصيان، وما دام الأمر ~~كذلك، فوفروا على أنفسكم هذه المعاذير الكاذبة. وقال، سبحانه. { قد ~~نبأنا الله من أخباركم } ولم يقل قد نبأنى، للاشعار بأن ~~الله - تعالى - قد أمر رسوله. صلى الله عليه وسلم. أن يبلغ المؤمنين ~~بأحوال هؤلاء المنافقين حتى يكونوا على بينة من أمرهم. وقوله { وسيرى ~~الله عملكم ورسوله } تهديد لهم على نفاقهم وكذبهم. أى دعوا ~~عنكم هذه الأعذار الباطلة، فإن الله - تعالى - مطلع على أحوالكم، وسيعلم ~~سركم وجهركم علما يترتب عليه الجزاء العادل لكم، ويبلغ رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم - بأخباركم، هذا فى الدنيا، أما فى الآخرة، فأنتم " ستردون " ~~يوم القيامة { إلى عالم الغيب والشهادة } الذى لا يخفى ~~عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء { فينبئكم بما كنتم ~~تعملون } أى فيخبركم بما كنتم تعملونه فى الدنيا من أعمال قبيحة، ~~وسيجازيكم عليها بما تستحقونه من عقاب. # ثم أخبر - سبحانه - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن هؤلاء ~~المنافقين، سيؤكدون أعذارهم الكاذبة بالأيمان الفاجرة فقال { ~~سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم ~~لتعرضوا عنهم... }. أى أنهم سيحلفون بالله لكم - أيها المؤمنون ~~- إذا ما رجعتم إليهم من تبوك وذلك لكى تعرضوا عنهم فلا توبخوهم على ~~قعودهم، ولا تعنفوهم على تخلفهم. وقوله { فأعرضوا عنهم ~~إنهم رجس } تعليل لوجوب الإعراض عنهم، لا على سبيل الصفح ~~والعفو، بل على سبيل الإهمال والترك والاحتقار. أى فأعرضوا - أيها ~~المؤمنون - عن هؤلاء المنافقين المتخلفين، ms2445 لأنهم " رجس ". أى قذر ونجس ~~لسوء نواياهم، وخبث طواياهم. وقد جعلهم - سبحانه - نفس الرجس. مبالغة فى ~~نجاسة أعمالهم، وقبح بواطنهم. وقوله { ومأواهم جهنم جزآء ~~بما كانوا يكسبون } بيان لسوء مصيرهم فى الآخرة. أى أنهم فى ~~الدنيا محل الاحتقار والازدراء لنجاسة بواطنهم، أما فى الآخرة فمستقرهم ~~وموطنهم جهنم بسبب ما اكتسبوه من أعمال قبيحة، وما اجترحوه من أفعال ~~سيئة. وقوله { يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ~~ترضوا عنهم } بدل مما قبله. ولم يذكر - سبحانه - المحلوف به ~~لظهوره أى يحلفون بالله لترضوا عنهم، ولتصفحوا عن سيئاتهم.. وقوله { ~~فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم ~~الفاسقين } بيان لحكم الله - تعالى - فيهم، حتى يكون المؤمنون على ~~حذر منهم. أى إن هؤلاء المنافقين المتخلفين عن الجهاد يحلفون بالله لكم ~~بأنهم ما تخلفوا إلا لعذر، لكى تصفحوا عنهم، أيها المؤمنون، فإن صفحتم ~~عنهم على سبيل الفرض فإن الله - تعالى - لا يصفح ولا يرضى عن القوم الذين ~~فسقوا عن أمره، وخرجوا عن طاعته. وقال الآلوسى، " والمراد من الآية ~~الكريمة، نهى المخاطبين عن الرضا عنهم، وعن الاغترار بمعاذيرهم الكاذبة ~~على أبلغ وجه وآكده، فإن الرضا عمن لا يرضى عنه الله - تعالى - مما لا ~~يكاد يصدر عن المؤمنين، والآية نزلت على ما روى عن ابن عباس فى جد بن ~~قيس، ومعتب بن قشير، وأصحابها من المنافقين، وكانوا ثمانين رجلا، أمر ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - المؤمنين لما رجعوا إلى المدينة ألا ~~يجالسوهم ولا يكلموهم فامتثلوا. وقال - سبحانه - { فإن الله لا ~~يرضى عن القوم الفاسقين } ولم يقل فإن الله لا يرضى عنهم، ~~لتسجيل الفسق عليهم، وللإيذان بشمول هذا الحكم لكل من كان مثلهم فى ~~الفسوق وفى الخروج عن طاعة الله، تعالى. # وجواب الشرط فى قوله { فإن ترضوا عنهم } محذوف، والتقدير فإن ~~ترضوا عنهم على سبيل الفرض، فإن رضاكم عنهم لن ينفعهم، لأن الله تعالى. ~~لا يرضى عن القوم الذين خرجوا عن طاعته. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة ~~قد ذكرت جانبا آخر من الأحوال القبيحة للمنافقين، وردت على معاذيرهم ms2446 ~~الكاذبة، وأيمانهم الفاجرة بما يفضحهم ويخزيهم، وتوعدتهم بسوء العاقبة فى ~~الدنيا والآخرة. ثم بعد الحديث الطويل عن النفاق والمنافقين، أخذت السورة ~~الكريمة، فى الحديث عن طوائف أخرى منها الصالح، ومنها غير الصالح، وقد ~~بدأت بالحديث عن الأعراب سكان البادية، فقال - تعالى - { الأعراب ~~أشد....غفور رحيم }. ### || [9.97-99] # قال صاحب المنار قوله، سبحانه { الأعراب أشد كفرا ونفاقا ~~}. بيان مستأنف لحال سكان البادية من المنافقين، لأنه مما يسأل عنه بعد ~~ما تقدم فى منافقى الحضر من سكان المدينة وغيرها من القرى. والأعراب اسم ~~جنس لبدو العرب، واحده أعرابى، والأنثى أعرابية، والجمع أعاريب، والعرب ~~اسم جنس لهذا الجيل الذى ينطق بهذه اللغة، بدوه وحضره، واحده عربى.. ". ~~والمراد بالأعراب هنا جنسهم لا كل واحد منهم، بدليل أن الله. تعالى. قد ~~ذم من يستحق الذم منهم، ومدح من يستحق المدح منهم، فالآية الكريمة من باب ~~وصف الجنس بوصف بعض أفراده. وقد بدأ، سبحانه، بذكر المنافقين من الأعراب ~~قبل المؤمنين منهم، إلحاقا لهم بمنافقى المدينة الذين تحدثت السورة عنهم ~~قبل ذلك مباشرة حديثا مستفيضا، وبهذا الترتيب الحكيم تكون السورة ~~الكريمة قد واصلت الحديث عن منافقى الحضر والبدو. والمعنى " الأعراب " ~~سكان البادية { أشد كفرا ونفاقا } من الكفار والمنافقين الذين ~~يسكنون الحضر والقرى. وذلك، لأن ظروف حياتهم البدوية، وما يصاحبها من ~~عزلة وكر وفر فى الصحراء، وخشونة فى الحياة...كل ذلك جعلهم أقسى قلوبا، ~~وأجفى قولا، وأغلظ طبعا، وأبعد عن سماع ما يهدى نفوسهم إلى الخير من ~~غيرهم سكان المدن. وقوله { وأجدر ألا يعلموا حدود مآ ~~أنزل الله على رسوله } معطوف على ما قبله لتعديد صفاتهم ~~الذميمة. قال القرطبى قوله " وأجدر " عطف على " أشد " ومعناه أخلق، وأحق، ~~يقال فلان جدير بكذا، أى خليق به. وأنت جدير أن تفعل كذا، والجمع جدراء ~~وجديرون، وأصله من جدر الحائط وهو رفعه بالبناء فقوله هو أجدر بكذا، أى ~~أقرب إليه وأحق به. والمعنى الأعراب أشد كفرا ونفاقا من أهل الحضر الكفار ~~والمنافقين، وهم كذلك أحق وأخلق من أهل الحضر بأن لا يعلموا حدود ما أنزل ms2447 ~~الله على رسوله، بسبب ابتعادهم عن مجالس رسول الله. صلى الله عليه وسلم. ~~وعدم مشاهدتهم لما ينزل عليه. صلى الله عليه وسلم. من شرائع وآداب ~~وأحكام. وقوله { والله عليم حكيم } أى " عليم " بأحوال عباده ~~الظاهرة والباطنة لا يخفى عليه شئ من صفاتهم وطباعهم " وحكيم " فى صنعه ~~بهم، وفى حكمه عليهم، وفيما يشرعه لهم من أحكام ، وفيما يجازيهم به من ~~ثواب أو عقاب. هذا، وقد ذكر المفسرون هنا أمثلة متعددة لجفاء الأعراب ~~وجهلهم، ومن ذلك قول الإمام ابن كثير قال الأعمش عن ابراهيم قال جلس ~~أعرابى إلى زيد بن صومان، وهو يحدث أصحابه، وكانت يده قد أصيبت يوم " ~~نهاوند " فقال الأعرابى والله إن حديثك ليعجبنى وإن يدك لتريبنى!! فقال ~~زيد وما يريبك من يدى؟ إنها الشمال!! فقال الأعرابى والله ما أدرى اليمين ~~يقطعون أو الشمال!! فقال زيد صدق الله إذ يقول { الأعراب أشد ~~كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود مآ أنزل ~~الله على رسوله. # .. }. وورى الأمام عن ابن عباس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال # " من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن ". # وروى الإمام مسلم # " عن عائشة قال قدم ناس من الاعراب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فقالوا أتقبلون صبيانكم؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - نعم. فقالوا لكنا ~~والله ما نقبل!! فقال - صلى الله عليه وسلم - " وما أملك إن كان الله نزع ~~منكم الرحمة ". # ثم بين - سبحانه - حال فريق آخر من منافقى الاعراب فقال { ومن ~~الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما }. أى ومن الاعراب قوم ~~آخرون يعتبرون ما ينفقونه فى سبيل الله غرامة وخسارة عليهم لأنهم لا ~~ينفقون ما ينفقونه طمعا فى ثواب، أو خوفا من عقاب وإنما ينفقونه تقية ~~ورياء ومداراة للمسلمين، لا مساعدة للغزاة والمجاهدين ولا حبا فى انتصار ~~المؤمنين. قال الجمل وقوله { ومن الأعراب من يتخذ ما ~~ينفق مغرما } " من " مبتدأ وهى موصولة أو موصوفة، و " مغرما ". ~~مفعول ثان، لأن " اتخذ " هنا بمعنى صير، والمفعول الأول قوله " ما ينفق ms2448 ~~". والمغرم الخسران، مشتق من الغرم وهو الهلاك لأنه سببه، وقيل أصله ~~الملازمة، ومنه الغريم للزومه من يطالبه ". وقوله { ويتربص بكم ~~الدوائر } معطوف على ما قبله، والتربص الانتظار والترقب والدوائر ~~جمع دائرة. وهو ما يحيط بالإنسان من مصائب ونكبات، كما تحيط الدائرة ~~بالشئ الذى بداخلها. أى أنهم بجانب اعتبارهم ما ينفقونه غرامة وخسارة، ~~ينتظرون بكم - أيها المؤمنون - صروف الدهر ونوائبه التى تبدل حالكم من ~~الخير إلى الشر ومن النصر إلى الهزيمة، ومن الصحة إلى المرض والأسقام، ~~ومن الأمان والاطمئنان إلى القلق والاضطراب.. وقوله { عليهم ~~دآئرة السوء } جملة معترضة، جئ بها للدعاء عليهم. أى عليهم لا ~~عليكم - أيها المؤمنون - تدور دائرة السوء، التى يتبدل بها حالهم إلى ~~الهلاك والفساد. والسوء - بفتح السين - مصدر ساءه يسوءه سوءا، إذا فعل به ~~ما يكره، والسوء - بالضم - اسم منه. وقيل المفتوح بمعنى الذم، والمضموم ~~بمعنى العذاب والضرر. وإضافة الدائرة إلى السوء من إضافة الموصوف إلى ~~صفته للمبالغة، كما فى قولهم رجل صدق. وفى هذا التعبير ما فيه من الذم ~~لهؤلاء المنافقين، لأنه - سبحانه - جعل السوء كأنه دائرة تطبق عليهم فلا ~~تفلتهم، وتدور بهم فلا تدع لهم مهربا أو منجاة من عذابها وضررها. # وقوله { والله سميع عليم } تذييل قصد به تهديدهم وتحذيرهم بما ~~ارتكسوا فيه من نفاق وكفر وشقاق. والله تعالى - " سميع " لكل ما يتفوهون ~~به أقوال، " عليم " بكل ما يظهرونه وما يبطنونه من أحوال، وسيحاسبهم على ~~ما صدر منهم حسابا عسيرا يوم القيامة وينزل بهم العقاب الذى يناسب ~~جرائمهم.. وبعد أن ذكر - سبحانه - حال هؤلاء الأعراب المنافقين، أتبعه ~~ببيان حال المؤمنين الصادقين منهم فقال { ومن الأعراب من ~~يؤمن بالله واليوم الآخر }. أى ومن الأعراب قوم آخرون من ~~صفاتهم أنهم يؤمنون بالله إيمانا صادقا، ويؤمنون باليوم الآخر وما فيه من ~~ثواب وعقاب. وقوله { ويتخذ ما ينفق قربات عند الله ~~وصلوات الرسول } مدح لهم على إخلاصهم وسخائهم وطاعتهم.. ~~والقربات جمع قربة وهى ما يتقرب به الإنسان إلى خالقه من أعمال الخير، ~~والمراد بصلوات الرسول دعواته للمتقربين إلى الله ms2449 بالطاعة. أى ومن ~~الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر إيمانا حقا، ويعتبر كل ما ينفقه فى ~~سبيل الله وسيلة للتقرب إليه - سبحانه - وتعالى بالطاعة، ووسيلة للحصول ~~على دعوات الرسول - صلى الله عليه وسلم - له بالرحمة والمغفرة، وبحسنات ~~الدنيا والآخرة. ولقد كان من عادة النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو ~~للمتصدقين بالخير والبركة، فقد ورد فى الحديث الشريف # " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا لآل أبى أوفى عندما تقدموا ~~إليه بصدقاتهم فقال " اللهم صل على آل أبى أوفى " # أى ارحمهم وبارك لهم فى أموالهم.. وقوله { ألا إنها قربة ~~لهم } شهادة لهم منه سبحانه - بصدق إيمانهم، وخلوص نياتهم، وقبول ~~صدقاتهم. والضمير فى قوله { إنها } يعود على النفقة التى أنفقوها فى ~~سبيل الله { ألا } أداة استفتاح جئ بها لتأكيد الخبر والاهتمام به. أى ~~ألا إن هذه النفقات التى تقربوا بها إلى الله، مقبولة عنده - سبحانه - ~~قبولا مؤكدا، وسيجازيهم عليها بما يستحقون من أجر جزيل... وقوله { ~~سيدخلهم الله في رحمته } وعد لهم بإحاطة رحمته بهم. ~~والسين للتحقيق والتأكيد. أى أن هؤلاء المؤمنين بالله واليوم الآخر، ~~والمتقربين إليه سبحانه بالطاعات، سيغمرهم الله تعالى برحمته التى لا ~~شقاء معها. قال صاحب الكشاف وقوله { ألا إنها قربة لهم ~~سيدخلهم الله في رحمته } شهادة من الله للمتصدق بصحة ما ~~اعتقد من كون نفقته قربات وصلوات، وتصديق لرجائه على طريق الاستئناف مع ~~حرفى التنبيه والتحقيق المؤذنتين بثبات الأمر وتمكنه، وكذلك قوله { ~~سيدخلهم } وما فى السين من تحقيق الوعد. وما أدل هذا الكلام على ~~رضا الله تعالى عن المتصدقين، وأن الصدقة منه بمكان، إذا خلصت النية من ~~صاحبها. وقوله { إن الله غفور رحيم } تذييل مقرر لما قبله ~~على سبيل التعليل. أى إن الله تعالى - واسع المغفرة، كثير الرحمة ~~للمخلصين الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم. وبذلك نرى أن ~~هذه الآيات الكريمة قد ذمت من يستحق الذم من الأعراب ومدحت من يستحق ~~المدح منهم، وبينت مصير كل فريق ليكون عبرة للمعتبرين وذكرى للمتذكرين. ~~وبعد هذا التقسيم للأعراب، ms2450 انتقلت السورة للحديث عن المؤمنين الصادقين ~~الذين وقفوا إلى جانب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأطاعوه فى السر ~~والعلن، فقال تعالى { والسابقون الأولون... }. ### || [9.100] # فهذه الآية الكريمة قد مدحت ثلاث طوائف من المسلمين المعاصرين للعهد ~~النبوى. الطائفة الأولى { والسابقون الأولون من ~~المهاجرين } وهم الذين تركوا ديارهم وأموالهم بمكة، وهاجروا إلى ~~الحبشة، ثم الى المدينة من أجل إعلاء كلمة الله واستمروا فى المدينة مع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أن تم الفتح ودخل الناس فى دين ~~الله أفواجا. وقيل المراد بهم الذين صلوا إلى القبلتين، وقيل الذين شهدوا ~~غزوة بدر. والطائفة الثانية السابقون الأولون من الأنصار، وهم الذين ~~بايعوا النبى - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يهاجر اليهم إلى المدينة ~~بيعة العقبة الأولى والثانية. وكانت بيعة العقبة الأولى فى السنة الحادية ~~عشرة من البعثة، وكان عدد المشتركين فيها سبعة أفراد. أما بيعة العقبة ~~الثانية فكانت فى السنة الثانية عشرة من البعثة، وكان عدد المشتركين فيها ~~سبعين رجلا وامرأتين. ثم يلى هؤلاء أولئك المؤمنون من أهل المدينة الذين ~~دخلوا فى الإسلام على يد مصعب بن عمير، قبل وصول الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - اليها. ثم يلى هؤلاء جميعا أولئك الذين آمنوا بالنبى - صلى الله ~~عليه وسلم - بعد مقدمه إلى المدينة. والطائفة الثالثة { والذين ~~اتبعوهم بإحسان } أى الذين اتبعوا السابقين فى الإسلام من ~~المهاجرين والأنصار، اتباعا حسنا فى أقوالهم وأعمالهم وجهادهم ونصرتهم ~~لدعوة الحق. قال الآلوسى ما ملخصه وكثير من الناس ذهب إلى أن المراد ~~بالسابقين الأولين جميع المهاجرين والأنصار. ومعنى كونهم سابقين أنهم ~~أولون بالنسبة إلى سائر المسلمين. روى عن حميد بن زياد قال قلت يوما ~~لمحمد بن كعب القرظى، ألا تخبرنى عن الصحابة فيما كان بينهم من الفتن؟ ~~فقال لى إن الله - تعالى - قد غفر لجميعهم، وأوجب لهم الجنة فى كتابه، ~~محسنهم ومسيئهم، فقلت له وفى أى موضع أوجب لهم الجنة، فقال سبحان الله!! ~~ألم تقرأ قوله. تعالى - { والسابقون الأولون... } الآية فقد ~~أوجب. سبحانه لجميع الصحابة الجنة وشرط على ms2451 تابعيهم أن يقتدوا بهم فى ~~أعمالهم الحسنة وألا يقولوا فيهم إلا حسنا لا سوءا. وقوله { رضي ~~الله عنهم ورضوا عنه } بيان لسمو منزلتهم، وارتفاع ~~مكانتهم. أى رضى الله عنهم فى إيمانهم وإخلاصهم، فتقبل أعمالهم، ورفع ~~درجاتهم وتجاوز عن زلاتهم، ورضوا عنه، بما أسبغه عليهم من نعم جليلة، ~~وبما نالوه منه. سبحانه. من هداية وثواب. ثم ختم سبحانه الآية الكريمة ~~ببيان ما هيأه لهم فى الآخرة من إكرام فقال { وأعد لهم جنات ~~تجري تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا ذلك ~~الفوز العظيم }. أى أنه - سبحانه - بجانب رضاه عنهم ورضاهم عنه ~~فى الدنيا، قد أعد لهم - سبحانه - فى الآخرة جنات تجرى من تحت أشجارها ~~الأنهار خالدين فيها خلودا أبديا وذلك الرضا والخلود فى الجنات من الفوز ~~العظيم الذى لا يقاربه فوز، ولا تدانيه سعادة. # قال الإمام ابن كثير أخبر الله - تعالى - فى هذه الآية " أنه قد رضى عن ~~السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. فياويل ~~من أبغضهم، أو سبهم، أو أبغض أو سب بعضهم، ولا سيما سيد الصحابة بعد ~~الرسول، وخيرهم وأفضلهم أعنى الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن ~~أبى قحافة، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة، ~~ويبغضونهم ويسبونهم، عياذا بالله من ذلك، وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة ~~وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الايمان بالقرآن إذ يسبون من رضى الله ~~عنهم؟ وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمن رضى الله عنه، ويسبون من سبه الله ~~ورسوله، ويوالون من يوالى الله، ويعادون من يعادى الله، وهم متبعون لا ~~مبتدعون، وهؤلاء هم حزب الله المفلحون، وعباده المؤمنون. وبهذا نرى أن ~~هذه الآية الكريمة قد مدحت السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ومن ~~تبعهم بإحسان، وذلك لقوة إيمانهم، وصفاء نفوسهم وإيثارهم ما عند الله على ~~هذه الدنيا وما فيها.. ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن أصناف أخرى من الناس، ~~منهم قوم. أجادوا النفاق، ومرنوا عليه، ولجوا فيه. ومنهم قوم خلطوا عملا ~~صالحا وآخر سيئا، ومنهم قوم موقوف أمرهم إلى أن يظهر الله ms2452 حكمه فيهم فقال ~~تعالى { وآخرون اعترفوا بذنوبهم...عليم حكيم }. ### || [9.101-106] # قال القرطبى ومعنى { مردوا على النفاق } أقاموا عليه ولم ~~يتوبوا منه، أو لجوا فيه وأبوا غيره وأصل الكلمة من اللين والملاسة ~~والتجرد، فكأنهم تجردوا للنفاق، ومنه رملة مرداء أى لانبت فيها، وغصن ~~أمرد. أى لا ورق له.. ويقال مرد يمرد مرودا ومرادة. والمعنى اذكروا أيها ~~المؤمنون أن يسكن من حول مدينتكم قوم من الأعراب منافقون، فاحترسوا منهم، ~~واحترسوا - أيضا - من قوم آخرين يسكنون معكم داخل المدينة، مردوا على ~~النفاق، أى مرنوا عليه، وأجادوا فنونه، حتى بلغوا فيه الغاية. قال ~~الآلوسى ما ملخصه والمراد بالموصول. فى قوله { وممن حولكم }. ~~قبائل جهينة، ومزينة وأشجع، وأسلم.. وكانت منازلهم حول المدينة وإلى هذا ~~ذهب جماعة من المفسرين. واستشكل ذلك بأن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~مدح بعض هذه القبائل ودعا لبعضها فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة ~~أنه قال " قريش، والأنصار، وجهينة، ومزينة، وأشجع وأسلم، وغفار، موالى ~~الله - تعالى - ورسوله لا والى لهم غيره ". وأجيب ذلك باعتبار الأغلب ~~منهم. وقوله { لا تعلمهم نحن نعلمهم } بيان لتمردهم فى ~~النفاق وتمهرهم فيه. أى أنت أيها الرسول الكريم. لا تعرف هؤلاء ~~المنافقين. مع كمال فطنتك، وصدق فراستك لأنك تعامل الناس بظواهرهم، وهم ~~قد أجادوا النفاق وحذقوه، واجتهدوا فى الظهور بمظهر المؤمنين، أما نحن ~~فإننا نعلمهم لأننا لا يخفى علينا شئ من ظواهرهم أو بواطنهم.. ". قال ~~الإمام ابن كثير وقوله تعالى { لا تعلمهم نحن نعلمهم } ~~لا ينافى قوله تعالى # ولو نشآء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ~~ولتعرفنهم في لحن القول... # لأن هذا من باب التوسم فيهم بصفات يعرفون بها لا أنه يعرف جميع من عنده ~~من أهل النفاق والريب على التعيين، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يعلم ~~أن فى بعض من يخالطه من أهل المدينة نفاقا، وإن كان يراه صباحا ومساء. ~~وشاهد هذا بالصحة # " ما رواه الإمام أحمد بن جبير بن مطعم قال قلت يا رسول الله، إنهم ~~يزعمون أنه ليس لنا أجر بمكة، فقال " لتأتينكم أجوركم ولو كنتم ms2453 فى جحر ~~ثعلب " وأصغى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برأسه فقال " إن فى ~~أصحابى منافقين " # ومعناه أنه قد يبوح بعض المنافقين والمرجفين بما لا صحة له من الكلام، ~~ومن مثلهم صدر هذا الكلام الذى سمعه جبير بن مطعم. ثم قال وقد تقدم فى ~~تفسير قوله - تعالى - # وهموا بما لم ينالوا # أنه - صلى الله عليه وسلم - أعلم حذيفة بأعيان أربعة عشر أو خمسة عشر ~~منافقا. وهذا تخصيص لا يقتضى أنه اطلع على أسمائهم وأعيانهم كلهم. # وروى الحافظ بن عساكر # " عن أبى الدرداء، أن رجلا يقال له حرملة أتى النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال الإيمان ها هنا وأشار بيده إلى لسانه، والنفاق ها هنا وأشار ~~بيده إلى قلبه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " اللهم اجعل له ~~لسانا ذاكرا. وقلبا شاكرا، وارزقه حبى، وحب من يحبنى، وصير أمره إلى خير ~~". فقال الرجل يا رسول الله إنه كان لى أصحاب من المنافقين وكنت رأسا ~~فيهم، أفلا آتيك بهم؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - " ومن أتانا استغفرنا ~~له، ومن أصر فالله أولى به، ولا تخرقن على أحد سترا ". # وقال الآلوسى. واستدل بالآية على أنه لا ينبغى الإقدام على دعوى معرفة ~~الأمور الخفية من أعمال القلب ونحوها، فقد أخرج عبد الرازق وابن المنذر ~~وغيرهما عن قتادة أنه قال ما بال أقوام يتكلفون على الناس يقولون فلان فى ~~الجنة وفلان فى النار، فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال لا أدرى. لعمرى لأنت ~~بنفسك أعلم منك بأعمال الناس، ولقد تكلفت شيئا ما تكلفه نبى. فقد قال نوح ~~عليه السلام " وما علمى بما كانوا يعملون " وقال شعيب عليه السلام " وما ~~أنا عليكم بحفيظ ". وقال الله تعالى لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - { ~~لا تعلمهم نحن نعلمهم }. وهذه الآيات ونحوها أقوى دليل ~~على الرد على من يزعم الكشف والاطلاع على المغيبات بمجرد صفاء القلب، ~~وتجرد النفس عن الشواغل. ثم قال والجملة الكريمة { لا تعلمهم ~~نحن نعلمهم } تقرير لما سبق من مهارتهم فى النفاق، أى لا ms2454 يقف ~~على سرائرهم المذكورة فيهم، إلا من لا تخفى عليه خافية، لما هم عليه من ~~شدة الاهتمام بإبطان الكفر وإظهار الإخلاص. وقوله { سنعذبهم ~~مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم } وعيد لهم بسوء ~~المصير فى الدنيا والآخرة. أى هؤلاء المنافقون الذين مردوا على النفاق، ~~سنعذبهم فى الدنيا مرتين، مرة عن طريق فضحيتهم وهتك أستارهم وجعلهم ~~يعيشون فى قلق وهم دائم، والأخرى عن طريق ضرب الملائكة لوجوههم وأدبارهم ~~عند قبض أرواحهم وما يتبع ذلك من عذابهم فى قبورهم إلى أن تقوم الساعة، ~~فيجدون العذاب الأكبر الذى عبر عنه - سبحانه - بقوله { ثم يردون ~~إلى عذاب عظيم }. أى ثم يعودن ويرجعون إلى خالقهم - سبحانه - ~~يوم القيامة فيعذبهم عذابا عظيما بسبب إصرارهم على النفاق، ورسوخهم فى ~~المكر والخداع. قال أبو السعود ولعل تكرير عذابهم، لما فيهم من الكفر ~~المشفوع بالنفاق، أو النفاق المؤكد بالتمرد فيه. ويجوز أن يكون المراد ~~بالمرتين مجرد التكثير، كما فى قوله تعالى # فارجع البصر هل ترى من فطور # أى كرة بعد أخرى. # ثم بين - سبحانه - حال طائفة أخرى من المسلمين فقال { وآخرون ~~اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ~~}.. قال الآلوسى قوله وآخرون اعترفوا بذنوبهم.. بيان لحال طائفة من ~~المسلمين ضعيفة الهمم فى أمر الدين، ولم يكونوا منافقين على الصحيح. وقيل ~~هم طائفة من المنافقين إلا أنهم وفقوا للتوبة فتاب الله عليهم. والمعنى ~~ويوجد معكم أيها المؤمنون قوم آخرون من صفاتهم أنهم اعترفوا بذنوبهم أى ~~أقروا بها ولم ينكروها. وقوله { خلطوا عملا صالحا وآخر ~~سيئا } أى خلطوا عملهم الصالح وهو جهادهم فى سبيل الله قبل غزوة ~~تبوك، بعمل سئ وهو تخلفهم عن الخروج إلى هذه الغزوة. وقوله { عسى ~~الله أن يتوب عليهم } أى عسى الله تعالى أن يقبل توبتهم، ~~ويغسل، حوبتهم، ويتجاوز عن خطاياهم. وعبر - سبحانه - بعسى للإشعار بأن ~~ما يفعله تعالى ليس إلا على سبيل التفضل منه، حتى لا يتكل الشخص، بل يكون ~~على خوف وحذر. وقد قالوا إن كلمة عسى متى صدرت عن الله تعالى - فهى ~~متحققة الوقوع، لأنها ms2455 صادرة من كريم، والله تعالى أكرم من أن يطمع أحدا ~~فى شئ لا يعطيه إياه. وقوله إن الله غفور رحيم، تعليل لرجاء قبول توبتهم، ~~إذ معناه، إن الله تعالى كثير المغفرة للتائبين، واسع الرحمة للمحسنين. ~~هذا، وقد ذكر المفسرون هنا روايات متعددة فى سبب نزول هذه الآية ولعل ~~أرجح هذه الروايات ما رواه ابن جرير من # " أن هذه الآية نزلت فى أبى لبابة وأصحابه، وكانوا تخلفوا عن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - فى غزوة تبوك، فلما قفل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - من غزوته، وكان قريبا من المدينة ندموا على تخلفهم عن رسول الله ~~وقالوا نكون فى الضلال والأطعمة والنساء ونبى الله فى الجهاد واللأواء. ~~والله لنوثقن أنفسنا بالسوارى، ثم لا نطلقها حتى يكون نبى الله هو الذى ~~يطلقنا. وأوثقوا أنفسهم. وبقى ثلاثة لم يوثقوا أنفسهم بالسوارى فقدم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوته فمر بالمسجد فأبصرهم فسأل عنهم، ~~فقيل له إنه أبو لبابة وأصحابه تخلفوا عنك يا نبى الله، فصنعوا بأنفسهم ~~ما ترى، وعاهدوا الله ألا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذى تطلقهم. فقال ~~- صلى الله عليه وسلم - " لا أطلقهم حتى أؤمر بإطلاقهم، ولا أعذرهم حتى ~~يعذرهم الله، قد رغبوا بأنفسهم عن غزوة المسلمين " ، فأنزل الله تعالى { ~~وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا ~~وآخر سيئا.. } " # الآية، فأطلقهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعذرهم. ثم أمر الله ~~تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ الصدقات من هؤلاء الذين ~~اعترفوا بذنوبهم ومن غيرهم، فقال { خذ من أموالهم صدقة ~~تطهرهم وتزكيهم بها }. # أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال # " لما أطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا لبابة وأصحابه جاءوا ~~بأموالهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا له يا رسول الله ~~هذه أموالنا فتصدق بها عنا، واستغفر لنا، فقال " ما أمرت أن آخذ من ~~أموالكم شيئا ". # فأنزل الله تعالى { خذ من أموالهم صدقة... } الآية. وقال ~~الإمام ابن كثير أمر الله تعالى - رسوله أن يأخذ ms2456 من أموالهم صدقة يطهرهم ~~ويزكيهم بها. وهذا عام وإن أعاد بعضهم الضمير فى أموالهم إلى الذين ~~اعترفوا بذنوبهم. ولهذا اعتقد بعض مانعى الزكاة من أحياء العرب أن دفع ~~الزكاة إلى الإمام لا يكون، وإنما كان هذا خاصا بالرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - ولهذا احتجوا بقوله - تعالى - { خذ من أموالهم ~~صدقة.... } الآية. وقد رد عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد أبو بكر ~~الصديق وسائر الصحابة، وقاتلوهم حتى أدوا الزكاة الى الخليفة كما كانوا ~~يؤدونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى قال الصديق " الله ~~لومنعونى عناقا كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على ~~منعه ". والمعنى خذ - أيها الرسول الكريم - من أموال هؤلاء المعترفين ~~بذنوبهم، ومن غيرهم من أصحابك " صدقة " معينة، كالزكاة المفروضة، أو غير ~~معينة كصدقة التطوع. وقوله { تطهرهم وتزكيهم بها } بيان ~~للفوائد المترتبة على هذه الصدقة. أى من فوائد هذه الصدقة أنها تطهر ~~النفوس من رذائل الشح والبخل والطمع.. وتزكى القلوب من الأخلاق الذميمة، ~~وتنمى الأموال والحسنات قال بعضهم قوله " تطهرهم " قرئ مجزوما على أنه ~~جواب للأمر. وقرئ. مرفوعا على أنه حال من ضمير المخاطب فى قوله " خذ " أو ~~صفة لقوله " صدقة " والعائد على الأول محذوف ثقة بما بعده أى تطهرهم ~~بها.. وقوله " وتزكيهم " لم يقرأ إلا بإثبات الياء، على أنه خبر لمبتدأ ~~محذوف، والجملة حال من الضمير فى الأمر أو فى جوابه. أى وأنت تزكيهم بها. ~~هذا على قراءة الجزم فى " تطهرهم " ، وأما على قراءة الرفع فيكون قوله " ~~وتزكيهم بها " معطوف على قوله " تطهرهم " حالا أو صفة. وقوله وصل عليهم ~~إن صلاتك سكن لهم أى وادع لهم بالرحمة والمغفرة، وقبول التوبة، فإن دعاءك ~~لهم تسكن معه نفوسهم، وتطمئن به قلوبهم، ويجعلهم فى ثقة من أن الله - ~~تعالى - قد قبل توبتهم، فأنت رسوله الأمين، ونبيه الكريم. فالمراد ~~بالصلاة هنا الدعاء لهم بالرحمة والمغفرة. قال بعضهم " وظاهر " قوله " ~~وصل عليهم " أنه يجب على الإمام أو نائبه إذا أخذ الزكاة أن يدعو ~~للمتصدق. # وبهذا أخذ داود وأهل الظاهر. وأما ms2457 سائر الفقهاء فقد حملوا الأمر هنا على ~~الندب والاستحباب، # " لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ " أعلمهم أن عليهم صدقة ~~تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقراءهم " # ولم يأمره بالدعاء.. أما صيغة الدعاء فلم يرد فيها تعيين إلا ما رواه ~~الستة - غير الترمذى من قوله - صلى الله عليه وسلم - # " اللهم صل على آل أبى أوفى " # - عندما أخذ منهم الزكاة -. ومن هنا قال الحنابلة وداود وأهل الظاهر لا ~~مانع من أن يقول آخذ الزكاة اللهم صلى على آل فلان. وقال باقى الأئمة لا ~~يجوز أن يقال اللهم صل على آل فلان، وإن ورد فى الحديث، لأن الصلاة صارت ~~مخصوصة فى لسان السلف بالانبياء - صلوات الله عليهم -، كما أن قولنا - عز ~~وجل - صار مخصوصا بالله - تعالى -. قالوا وإنما أحدث الصلاة على غير ~~الأنبياء مبتدعو الرافضة فى بعض الأئمة، والتشبه بأهل البدع منهى عنه. ~~ولا خلاف فى أنه يجوز أن يجعل غير الأنبياء تبعا لهم فيقال اللهم صل على ~~محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته.. لأن السلف استعملوا ذلك، وأمرنا ~~به فى التشهد، ولأن الصلاة على التابع تعظيم للمتبوع.. وقوله { والله ~~سميع عليم } أى سميع لاعترافهم بذنوبهم وسميع لدعائك سماع قبول ~~وإجابة، وعليم بندمهم وتوبتهم، وبكل شئ فى هذا الكون، وسيجازى كل إنسان ~~بما يستحقه من ثواب أو عقاب. ثم حرضهم - سبحانه - على التوبة النصوح، ~~وحثهم على بذل الصدقات فقال { ألم يعلموا أن الله هو ~~يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات... }. أى ~~ألم يعلم هؤلاء التائبون من ذنوبهم، أن الله - تعالى - وحده، هو الذى ~~يقبل التوبة الصادقة من عباده المخلصين، وأنه - سبحانه - هو الذى " يأخذ ~~الصدقات ". أى يتقبلها من أصحابها قبول من يأخذ شيئا ليؤدى بدله فالتعبير ~~بالأخذ للترغيب فى بذل الصدقات، ودفعها للفقراء. والاستفهام للتقرير ~~والتحضيض على تجديد التوبة وبذل الصدقة. وقوله { وأن الله هو ~~التواب الرحيم } تذييل قصد به تقرير ما قبله وتأكيده. أى وأن ~~الله وحده هو الذى يقبل توبة عباده المرة بعد الأخرى، وأنه هو الواسع ~~الرحمة بهم، الكثير ms2458 المغفرة لهم قال ابن كثير قوله { ألم يعلموا ~~أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ ~~الصدقات.. } هذا تهييج إلى التوبة والصدقة اللتين كل منهما يحط ~~الذنوب ويمحقها، وأخبر - تعالى - أن كل من تاب إليه تاب عليه، ومن تصدق ~~بصدقة من كسب حلال فإن الله يتقبلها بيمينه، فيربيها لصاحبها حتى تصير ~~الثمرة مثل أحد، كل جاء بذلك الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-. # فعن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال # " إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربى أحدكم ~~مهره، حتى إن اللقمة لتكون مثل أحد " # وتصديق ذلك فى كتاب الله قوله { ألم يعلموا أن الله هو ~~يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات }. وقوله # يمحق الله الربا ويربي الصدقات # وعن عبد الله بن مسعود قال إن الصدقة تقع فى يد الله - تعالى - قبل أن ~~تقع فى يد السائل، ثم قرأ هذه الآية. { ألم يعلموا أن ~~الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ ~~الصدقات... }. ثم أمر - سبحانه - بالتزود من العمل الصالح، وحذر من ~~الوقوع فى العمل السئ، فقال - تعالى - { وقل اعملوا فسيرى ~~الله عملكم ورسوله والمؤمنون }. أى وقل - أيها ~~الرسول الكريم - لهؤلاء التائبين وغيرهم، قل لهم اعملوا ما تشاءون من ~~الأعمال، فإن الله مطلع عليها، وسيطلع رسوله والمؤمنون عليها كذلك. وخص - ~~سبحانه - رسوله والمؤمنين بالذكر، لأنهم هم الذين يهتم المخاطبون ~~باطلاعهم. قال الآلوسى ما ملخصه وقوله { فسيرى الله عملكم... ~~} تعليل لما قبله، أو تأكيد لما يستفاد منه من الترغييب والترهيب، والسين ~~للتأكيد.. والمراد من رؤية الله العمل - عند جمع - الاطلاع عليه، وعلمه ~~علما جليا، ونسبة ذلك للرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين، باعتبار ~~ان الله - تعالى - لا يخفى ذلك عنهم، بل يطلعهم عليه.... ". وقوله { ~~وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم ~~بما كنتم تعملون } بيان لما سيكون عليه حالهم فى الآخرة. أى ~~وسترجعون بعد موتكم إلى الله - تعالى - الذى لا يخفى عليه شئ، فينبئكم ~~بما كنتم تعملونه فى الدنيا من خير أو شر، وسيجازيكم ms2459 بما تستحقونه من ~~ثواب أو عقاب. ثم بين - سبحانه - حال قسم آخر من أقسام المتخلفين عن غزوة ~~تبوك، فقال - تعالى - { وآخرون مرجون لأمر الله إما ~~يعذبهم وإما يتوب عليهم.. }. قال الجمل قوله { ~~وآخرون مرجون.. } قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عمر وأبو بكر عن ~~عاصم " مرجأون " بهمزة مضمومة بعدها واو ساكنة. وقرأ الباقون " مرجون " ~~دون تلك الهمزة.. وهما لغتان، يقال أرجأته وأرجيته.. " وهذه الآية ~~الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك { وآخرون اعترفوا ~~بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا.. }. والمعنى ~~ومن المتخلفين عن الخروج معك إلى تبوك - يا محمد - قوم آخرون موقوف أمرهم ~~إلى أن يحكم الله فيهم بحكمه العادل، فهو - سبحانه - " إما يعذبهم " بأن ~~يميتهم بلا توبة { وإما يتوب عليهم } أى يقبل توبتهم. وهذا ~~الترديد الذى يدل عليه لفظ " إما " ، إنما هو بالنسبة للناس، وإلا فالله ~~- تعالى - عليم بما هو فاعله بهم. # والحكمة من إيهام أمرهم، إثارة الهم والخوف فى قلوبهم لتصح توبتهم لأن ~~التوبة عندما تجئ بعد ندم شديد، وتأديب نفسى.. تكون مرجوة القبول منه - ~~سبحانه -. وقوله { والله عليم } أى والله - تعالى - عليم بأحوال ~~خلقه وبما يصلحهم فى أمورهم، حكيم فيما يشرعه لهم من أحكام. قال الآلوسى ~~والمراد بهؤلاء " المرجون لأمر الله... " # " كما جاء فى الصحيحين هلال بن أمية، وكعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، ~~كانوا قد تخلفوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى غزوة تبوك، ~~وهموا باللحاق به فلم يتيسر لهم ذلك - فقعدوا فى المدينة كسلا وميلا إلى ~~الدعة - ولم يكن تخلفهم عن نفاق، فلما قدم النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~وكان ما كان من أمر المتخلفين - قالوا لا عذر لنا إلا الخطيئة، ولم ~~يعتذروا كما اعتذر غيرهم، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~باجتنابهم.. إلى أن نزل قوله - تعالى - بعد ذلك { لقد تاب الله ~~على النبي والمهاجرين والأنصار }.. { وعلى ~~الثلاثة الذين خلفوا } فأمر - صلى الله عليه وسلم - ~~بمخالطتهم، وكانت مدة وقفهم خمسين ليلة بقدر مدة التخلف، إذ كانت مدة ~~غيبته - صلى الله عليه ms2460 وسلم - عن المدينة خمسين ليلة، فلما تمتعوا ~~بالراحة فى تلك المدة مع تعب إخوانهم فى السفر، عوقبوا بهجرهم ووقفهم تلك ~~المدة.. ". # وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة قد ذكرت ثلاث طوائف من المتخلفين عن غزوة ~~تبوك. أما الطائفة الأولى فهى التى مردت على النفاق، وقد عبر عنها - ~~سبحانه - بقوله { وممن حولكم من الأعراب منافقون ~~ومن أهل المدينة مردوا على النفاق.. } وأما الطائفة ~~الثانية فهى التى سارعت إلى الاعتذار والاعتراف بالذنب، فقبل الله ~~توبتهم، وقد عبر عنها - سبحانه - بقوله { وآخرون اعترفوا ~~بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا }. وأما ~~الطائفة الثالثة فهى التى لم تجد عذرا تعتذر به، فأوقف الله أمرهم إلى أن ~~حكم بقبول توبتهم بعد خمسين ليلة، وقد عبر عنها - سبحانه - بقوله { ~~وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما ~~يتوب عليهم.. }. ثم ختمت السورة الكريمة حديثها الطويل المتنوع ~~عن النفاق والمنافقين، بالحديث عن مسجد الضرار الذى بناه المنافقون ليكون ~~مكانا للإضرار بالإسلام والمسلمين، فقال - تعالى -. { والذين ~~اتخذوا مسجدا...والله عليم حكيم }. ### || [9.107-110] # قال الإمام ابن كثير سبب نزول هذه الآيات الكريمات، أنه كان بالمدينة ~~قبل مقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليها، رجل من الخزرج يقال له ~~أبو عامر الراهب، وكان قد تنصر فى الجاهلية، وقرأ علم أهل الكتاب، وكان ~~فيه عبادة فى الجاهلية، وله شرف فى الخزرج كبير، فلما قدم رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - مهاجرا إلى المدينة، واجتمع المسلمون عليه وصار ~~للإسلام كلمة عالية، وأظهرهم الله يوم بدر، شرق اللعين أبو عامر بريقه ~~وبارز العداوة، وظاهر بها، وخرج فارا إلى كفار مكة ليمالئهم على حرب ~~المسلمين فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب، وقدموا عام " أحد " فكان ~~من أمر المسلمين ما كان، وامتحنهم الله - تعالى - وكانت العاقبة للمتقين. ~~وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين، فوقع فى إحداهن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وأصيب فى ذلك اليوم، فجرح وجهه وكسرت رباعيته ~~اليمنى والسفلى وشج رأسه. وتقدم أبو عامر فى أول المبارزة إلى قومه من ~~الأنصار، فخاطبهم، ms2461 واستمالهم إلى نصره وموافقته، فلما عرفوا كلامه قالوا ~~لا أنعم الله لك عينا يا فاسق يا عدو الله، ونالوا منه وسبوه. وكان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قد دعاه إلى الله قبل فراره - إلى مكة - ~~وقرأ عليه القرآن، فأبى أن يسلم وتمرد. فدعا عليه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يموت بعيدا طريدا فنالته هذه الدعوة. وذلك أنه لما فرغ ~~الناس من " أحد " ورأى أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى ارتفاع ~~وظهور، ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبى - صلى الله عليه وسلم ~~-، فوعده ومناه، وأقام عنده، وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل ~~النفاق والريب يعدهم ويمنيهم، أنه سيقدم بجيش ليقاتل به النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - ويغلبه، ويرده عما هو فيه. وأمرهم أن يتخذوا له معقلا يقدم ~~عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه، ويكون مرصدا له إذا قدم عليه بعد ~~ذلك. فشرعوا فى بناء مسجد مجاور لمسجد قباء، فبنوه وأحكموه، وفرغوا منه ~~قبل خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك وجاءوا فسألوه أن ~~يأتى إليهم فيصلى فى مسجدهم، ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته ~~وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم، وأهل العلة فى الليلة الشاتية!! ~~فعصمه الله من الصلاة فيه فقال " إنا على سفر ولكنا إذا رجعنا - إن شاء ~~الله - آتيناكم فصلينا لكم فيه ". # فلما قفل راجعا إلى المدينة من تبوك، ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو ~~بعض يوم، نزل عليه جبريل بخير مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر، ~~والتفريق بين جماع المؤمنين فى مسجدهم. مسجد قباء، الذى أسس من أول يوم ~~على التقوى فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مجسد الضرار من ~~هدمه قبل مقدمه إلى المدينة. وقوله { والذين اتخذوا مسجدا ~~ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين } منصوب على ~~الذم. أى وأذم الذين اتخذوا مسجدا ضرارا.. أو معطوف على ما سبق من أحوال ~~المنافقين، والتقدير ومنهم الذين اتخذوا مسجدا ضرارا. وقوله " ضرارا " ~~مفعول لأجله ms2462 أى اتخذوا هذا المسجد لا من أجل العبادة والطاعة لله تعالى. ~~وإنما اتخذوه من أجل الإضرار بالمؤمنين. وإيقاع الأذى بهم. وقوله " ~~وكفرا " معطوف على " ضرارا " وهو علة ثانية لاتخاذ هذا المسجد. أى ~~اتخذوه للإضرار بالمؤمنين، وللازدياد من الكفر الذى يضمرونه ومن الغل ~~الذى يحفونه. وقوله { وتفريقا بين المؤمنين } علة ثالثة. ~~أى واتخذوه أيضا للتفريق بين جماعة المؤمنين الذين كانوا يصلون فى مسجد ~~واحد هو مسجد قباء، فأراد هؤلاء المنافقون من بناء مسجد الضرار إلى جوار ~~مسجد قباء، أن يفرقوا وحدة المؤمنين، بأن يجعلوهم يصلون فى أماكن متفرقة. ~~حسدا لهم على نعمة الإخاء والتآلف والاتحاد التى غرسها الإسلام فى قلوب ~~أتباعه. وقوله { وإرصادا لمن حارب الله ورسوله } علة ~~رابعة لاتخاذ هذا المسجد. أى واتخذوه ليكون مكانا يرقبون فيه قوم { من ~~حارب الله ورسوله } وهو أبو عامر الراهب، الذى أعلن عداوته ~~لدعوة الإسلام " من قبل " بناء مسجد الضرار. فقد سبق أن ذكرنا فى أسباب ~~نزول هذه الآيات، أن أبا عامر هذا، كتب إلى جماعة من قومه. وهو عند هرقل. ~~يعدهم ويمنيهم، ويطلب منهم أن يتخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه فشرعوا فى ~~بناء هذا المسجد. فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة، قد ذكرت أربعة من ~~الأغراض الخبيثة التى حملت المنافقين على بناء هذا المسجد، وهى مضارة ~~المؤمنين، وتقوية الكفر، وتفريق كلمة أهل الحق وجعله معقلا لالتقاء ~~المحاربين لله ولرسوله. وقد خيب الله تعالى مسعاهم وأبطل كيدهم، بأن أمر ~~نبيه - بهدمه وإزالته. وقوله { وليحلفن إن أردنا إلا ~~الحسنى } ذم لهم على أيمانهم الفاجرة، وأقوالهم الكاذبة. أى أن ~~هؤلاء المنافقين قد بنوا مسجد الضرار لتلك المقاصد الخبيثة. ومع ذلك فهم ~~يقسمون بأغلظ الأيمان بأنهم ما أرادوا ببنائه إلا الخصلة الحسنى التى ~~عبروا عنها قبل ذلك. كذبا. بقولهم " إننا بنيناه للضعفاء، وأهل العلة فى ~~الليلة الشاتية ". وقوله { والله يشهد إنهم لكاذبون } ~~زيادة فى مذمتهم وتحقيرهم. أى والله - تعالى - يعلم ويشهد أن هؤلاء ~~المنافقين لكاذبون فى أيمانهم بأنهم ما أرادوا من بناء مسجدهم إلا ~~الحسنى، فانهم ms2463 فى الحقيقة لم يريدوا ذلك، وإنما أرادوا تلك الأغراض ~~القبيحة السابقة، وهى مضارة المؤمنين، وتفريق كلمتهم. # ثم نهى الله - تعالى - رسوله والمؤمنين عن الصلاة فى هذا المسجد نهيا ~~مؤكدا فقال - سبحانه - { لا تقم فيه أبدا }. أى لا تصل. أيها ~~الرسول الكريم. فى هذا المسجد فى أى وقت من الأوقات لأنه لم يبن لعبادة ~~الله، وإنما بنى للشقاق والنفاق. قال القرطبى قوله - تعالى - { لا ~~تقم فيه أبدا } يعنى مسجد الضرار. لا تقم فيه للصلاة، وقد يعبر ~~عن الصلاة بالقيام. يقال فلان يقوم الليل أى يصلى، ومنه الحديث الصحيح # " من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ". # وقد روى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما نزلت هذه الآية كان لا ~~يمر بالطريق التى فيها هذا المسجد، وأمر بموضعه أن يتخذ كناسة تلقى فيها ~~الجيف والأقذار.. وقوله { لمسجد أسس على التقوى من ~~أول يوم أحق أن تقوم فيه } جملة مسوقة لمدح مسجد قباء ~~وتشريفه. أى لمسجد بنى أساسه، ووضعت قواعده على تقوى الله وإخلاص العبادة ~~له منذ أول يوم بدئ فى بنائه، أحق أن تقوم للصلاة فيه من غيره. قال ~~الآلوسى ما ملخصه واللام فى قوله " لمسجد " إما للابتداء أو للقسم. أى ~~والله لمسجد، وعلى التقديرين فمسجد مبتدأ، والجملة بعده صفته، وقوله { ~~أحق أن تقوم فيه } خبر المبتدأ " وأحق " أفعل تفضيل، والمفضل ~~عليه كل مسجد. أو مسجد الضرار على الفرض والتقدير، أو على زعمهم، وقيل ~~إنه بمعنى حقيق، أى ذلك المسجد بأن تصلى فيه.. وقوله { فيه رجال ~~يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين } ~~جملة مسوقة لتكريم رواد هذا المسجد ومديحهم. أى فى هذا المسجد رجال ~~أتقياء الظاهر والباطن، إذهم يحبون الطهارة من كل رجس حسى ومعنوى، ومن ~~كان كذلك أحبه الله ورضى عنه. ثم بين - سبحانه - أنه لا يستوى من أسس ~~بنيانه على الحق، ومن أسس بنيانه على الباطل فقال { أفمن أسس ~~بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من ~~أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار ms2464 به في ~~نار جهنم }. قال صاحب الكشاف قرئ أسس بنيانه، وأسس ~~بنيانه على البناء للفاعل والمفعول. والشفا. الحرف والشفير. وحرف الوادى ~~جانبه الذى يتحفر أصله بالماء وتجرفه السيول، فيبقى واهيا، والهار وهو ~~المتصدع الذى أوشك على التهدم - وهار صفة لجرف، أى جرف موصوف بأنه هائر ~~أى متساقط. والمعنى أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة قوية محكمة، وهى الحق ~~الذى هو تقوى الله ورضوانه { خير أم من } أسسه على قاعدة هى أضعف ~~القواعد وأرخاها وأقلها بقاء، وهو الباطل والنفاق الذى مثله مثل { شفا ~~جرف هار } فى قلة الثبات والاستمساك. # وضع شفا الجرف فى مقابلة التقوى، لأنه جعل مجازا عما ينافى التقوى. فإن ~~قلت فما معنى قوله { فانهار به في نار جهنم }. قلت لما جعل ~~الجرف الهائر مجازا عن الباطل، قيل فانهار به فى نار جهنم، على معنى فطاح ~~به الباطل فى نار جهنم، إلا أنه رشح المجاز فجئ بلفظ الانهيار الذى هو ~~للجرف، وليتصور أن المبطل كأنه أسس بنيانه على شفا جرف من أودية جهنم، ~~فانهار به ذلك الجرف فهوى فى قعرها، ولا ترى أبلغ من هذا الكلام، ولا أدل ~~منه على حقيقة الباطل وكنه أمره. وقال صاحب المنار ما ملخصه والمراد ~~بالمثل هنا بيان ثبات الحق الذى هو دين الإسلام وقوته، ودوامه، وسعادة ~~أهله به، وذكره باثره وثمرته فى عمل أهله وجماعها التقوى، وبيان ضعف ~~الباطل واضمحلاله وقرب زواله، وخيبة صاحبه، وسرعة انقطاع آماله. وقد ذكر ~~فى وصف بنيان الفريق الأول وهم المؤمنون المشبه دون المشبه به لأنه هو ~~المقصود بالذات، وذكر من وصف الفريق الثانى - وهم المنافقون - الهيئة ~~المشبه بها دون المشبه، لأنه ذكر قبل ذلك مقاصدهم الخبيثة من بناء مسجد ~~الضرار. وهذا من دقائق إيجاز القرآن. وقوله { والله لا يهدي ~~القوم الظالمين } أى مضت سنة الله - تعالى - فى خلقه أنه - ~~سبحانه - لا يهدى إلى طريق الخير، أولئك الذين استحبوا العمى على الهدى ~~وظلموا أنفسهم بوضعهم الأمور فى غير مواضعها. ثم بين - سبحانه - الآثار ~~التى ترتبت على هدم مسجد ms2465 الضرار، فى نفوس هؤلاء المنافقين الأشرار فقال - ~~تعالى - { لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في ~~قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم ~~}. الريبة اسم من الريب بمعنى الشك والقلق والحيرة، وتقطع - بفتح التاء ~~- أصلها تتقطع فحذفت إحدى التاءين، من التقطع بمعنى التمزق. وقرأ بعضهم. ~~" تقطع " - بضم التاء - من التقطيع بمعنى التفريق والتمزيق. والاستثناء ~~مفرغ من أعم الأوقات والأحوال، والمستثنى منه محذوف، والتقدير لا يزال ما ~~بناه هؤلاء المنافقون موضع ريبة وقلق فى نفسهم فى كل وقت وحال إلا فى وقت ~~واحد وهو وقت أن تتمزق قلوبهم بالموت والهلاك أى أنهم لا يزالون فى قلق ~~وحيرة ما داموا أحياء، أما بعد موتهم فستتكشف لهم الحقائق، ويجدون مصيرهم ~~الأليم. والسبب فى أن هذا البناء كان مثار ريبتهم وقلقهم حتى بعد هدمه، ~~أنهم بنوه بنية سيئة، ولتلك المقاصد الأربعة الخبيثة التى بينتها الآية ~~الأولى. فكانوا يخشون أن يطلع الله نبيهم على مقاصدهم الذميمة، فهذه ~~الخشية أورثتهم القلق والريبة، فلما أطلع الله - تعالى - نبيه على ~~أغراضهم، وتم هدم مسجد الضرار، وانهار الجرف المتداعى المتساقط، استمر ~~قلقهم وريبهم لأنهم لا يدرون بعد ذلك ماذا سيفعل المؤمنون بهم. # وهكذا شأن الماكرين فى كل زمان ومكان، إنهم يعيشون طول حياتهم فى فزع ~~وقلق وخوف من أن ينكشف مكرهم، ويظهر خداعهم. وقوله { والله عليم ~~حكيم } تذييل قصد به تهديهم وزجرهم. أى والله - تعالى - عليم بكل شئ ~~فى هذا الكون، وبكل ما يقوله ويفعله هؤلاء المنافقون سرا وجهرا حكيم فى ~~كل تصرفاته وأفعاله وفى صنعه بهم، وسيجازيهم يوم القيامة بما يستحقونه من ~~عقاب. هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما ~~يأتى 1- وجوب بناء المساجد على تقوى من الله ورضوان، لأنها إذا بنيت على ~~هذا الأساس، كانت محل القبول والثواب من الله، أما إذا بنيت لأى مقصد ~~يتنافى مع آداب الإسلام وأحكامه وتشريعاته، فإنها تكون بعيدة عن رضا ~~الله - تعالى - وقبوله. قال بعض العلماء، دلت الآيات على أن كل مسجد بنى ~~على ما بنى عليه ms2466 مسجد الضرار، أنه لا حكم له ولا حركة، ولا يصح الوقف ~~عليه. وقد حرق الراضى بالله - الخليفة العباسى - كثيرا من مساجد الباطنية ~~والمشبهة والمجبرة. وقال الزمخشرى قيل كل مسجد بنى مباهاة أو رياء وسمعة، ~~أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله، أو بمال غير طيب، فهو لاحق بمسجد الضرار. ~~وعن عطاء لما فتح الله. تعالى. الأمصار على عمر بن الخطاب - رضى الله عنه ~~- أمر المسلمين أن يبنوا المساجد، وألا يتخذوا فى مدينة مسجدين، يضار ~~أحدهما صاحبه. 2- أن مسجد قباء هو المقصود بقوله - تعالى - { لمسجد ~~أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم ~~فيه... } وذلك لأن سياق الآيات فى الحديث عنه، وفى بيان أحقية الصلاة ~~فيه، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم يزوره راكبا وماشيا ويصلى ~~فيه ركعتين. ولا منافاة بين كون مسجد قباء هو المقصود هنا، وبين الأحاديث ~~التى وردت فى أن المسجد الذى أسس من أول على تقوى من الله ورضوان، هو ~~المسجد النبوى، لأن كليهما قد أسس على ذلك. قال الإمام ابن كثير وقد صرح ~~بأنه مسجد قباء جماعة من السلف منهم ابن عباس، وعروة بن الزبير، والحسن ~~البصرى، وسعيد بن جبير، وقتادة. وقد ورد فى الحديث الصحيح أن مسجد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - الذى فى جوف المدينة هو المسجد الذى أسس على ~~التقوى، وهذا صحيح. ولا منافاة بين الآية وبين هذا، أنه إذا كان مسجد ~~قباء قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بطريق الأولى والأحرى ". # 3- أن المحافظة على الطهارة من الصفات التى يحبها الله - تعالى - فقد ~~قال - تعالى - { فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله ~~يحب المطهرين }. وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه ~~الآية جملة من الأحاديث منها ما جاء # " عن ابن عباس أنه قال لما نزلت هذه الآية، بعث رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى عويم بن مساعدة فقال له " ما هذا الطهور الذى أثنى الله ~~عليكم به "؟ فقال يا رسول الله ms2467 ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا ~~غسل فرجه. فقال - صلى الله عليه وسلم - " هو هذا ". # 4- كذلك يؤخذ من الآيات الكريمة، استحباب الصلاة فى المساجد القديمة ~~المؤسسة من أول بنائها على عبادة الله وحده لا شريك له، وعلى استحباب ~~الصلاة مع الجماعة الصالحة، والعباد العاملين المحافظين على إسباغ ~~الوضوء. والتنزه عن ملابسة القاذورات. وبعد أن بين - سبحانه - أنواع ~~المتخلفين عن غزوة تبوك، أتبع ذلك بالترغيب فى الجهاد وفى بيان فضله فقال ~~- تعالى - { إن الله اشترى.. }. ### || [9.111] # قال الفخر الرازى أعلم الله - تعالى - لما شرع فى شرح فضائح المنافقين ~~وقبائحهم لسبب تخلفهم عن غزوة تبوك، فلما تمم ذلك الشرح والبيان وذكر ~~أقسامهم وفرع كل قسم ما كان لائقا به، عاد إلى بيان فضيلة الجهاد وحقيقته ~~فقال - تعالى - { إن الله اشترى من المؤمنين... } ~~الآية. وقال القرطبى # " نزلت هذه الآية فى البيعة الثانية، وهى بيعة العقبة الكبرى وهى التى ~~أناف فيها رجال الأنصار على السبعين، وذلك أنهم اجتمعوا إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عند العقبة، فقال عبد الله بن رواحة للنبى - صلى ~~الله عليه وسلم - اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - أشترط لربى أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسى أن ~~تمنعونى مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم قالوا فإذا فعلنا فمالنا؟ قال " ~~لكم الجنة " قالوا ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل فنزلت هذه الآية ". # ثم هى بعد ذلك عامة فى كل مجاهد فى سبيل الله من أمة محمد - صلى الله ~~عليه وسلم إلى يوم القيامة. وقوله - سبحانه - { إن الله اشترى ~~من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم ~~الجنة } تثميل للثواب الذى منحه الله - تعالى - للمجاهدين فى سبيله. ~~فقد صور - سبحانه - جهاد المؤمنين، وبذل أموالهم وأنفسهم فيه، وإثابته - ~~سبحانه - لهم على ذلك بالجنة، صور كل ذلك بالبيع والشراء. أى أن الله - ~~تعالى - وهو المالك لكل شئ، قد اشترى من المجاهدين أنفسهم وأموالهم التى ~~بذلوها فى سبيله، وأعطاهم فى مقابل ذلك الجنة. قال أبو السعود الآية ms2468 ~~الكريمة ترغيب للمؤمنين فى الجهاد.. وقد بولغ فى ذلك على وجه لا مزيد ~~عليه، حيث عبر عن قبول الله - تعالى - من المؤمنين أنفسهم وأموالهم التى ~~بذلوها فى سبيله - تعالى - وإثابته إياهم بمقابلتها الجنة بالشراء على ~~طريقة الاستعارة التبعية. ثم جعل المبيع الذى هو العمدة والمقصد فى العقد ~~أنفس المؤمنين وأموالهم، والثمن الذى هو الوسيلة فى الصفقة الجنة. ولم ~~يجعل الأمر على العكس بأن يقال إن الله باع الجنة من المؤمنين بأنفسهم ~~وأموالهم ليدل على أن المقصد فى العقد هو الجنة، وما بذله المؤمنون فى ~~مقابلتها من الأنفس والأموال وسيلة إليها، إيذانا بتعليق كمال العناية ~~بهم وبأموالهم. ثم إنه لم يقل " بالجنة " بل قل { بأن لهم ~~الجنة } مبالغة فى تقرير وصول الثمن إليهم " واختصاصه بهم " فكأنه ~~قيل بالجنة الثابتة لهم، المختصة بهم. وقوله { يقاتلون في سبيل ~~الله فيقتلون ويقتلون } جملة مستأنفة جئ بها لبيان ~~الوسيلة التى توصلهم إلى الجنة وهى القتال فى سبيل الله. # أى أنهم يقاتلون فى سبيل الله، فمنهم من يقتل أعداء الله، ومنهم من يقتل ~~على أيدى هؤلاء الأعداء، وكلا الفريقين القاتل والمقتول جزاؤه الجنة. ~~وقرأ حمزة والكسائى " فيقتلون ويقتلون " بتقديم الفعل المبنى للمفعول على ~~الفعل المبنى للفاعل. وهذه القراءة فيها إشارة إلى أن حرص هؤلاء المؤمنين ~~الصادقين على الاستشهاد أشد من حرصهم على النجاة من القتل لأن هذا ~~الاستشهاد يوصلهم إلى جنة عرضها السماوات والأرض، وإلى الحياة الباقية ~~الدائمة.. وقوله { وعدا عليه حقا في التوراة ~~والإنجيل والقرآن } تأكيد للثمن الذى وعدهم الله به. أى أن هذه ~~الجنة التى هى جزاء المجاهدين، قد جعلها - سبحانه - تفضلا منه وكرما، حقا ~~لهم عليه، وأثبت لهم ذلك فى الكتب السماوية التى أنزلها على رسله. قال ~~الآلوسى ما ملخصه قوله " وعدا عليه " مصدر مؤكد لمضمون الجملة وقوله " ~~حقا " نعت له، وقوله " عليه " فى موضع الحال من قوله " حقا " لتقدمه ~~عليه، وقوله { في التوراة والإنجيل والقرآن } متعلق ~~بمحذوف وقع نعتا لقوله " وعدا " أيضا. أى وعدا مثبتا فى التوراة ~~والإنجيل كما هو مثبت فى ms2469 القرآن، فالمراد إلحاق مالا يعرف بما يعرف. إذ ~~من المعلوم ثبوت هذا الحكم فى القرآن. ثم إن ما فى الكتابين إما أن يكون ~~أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بذلك، ~~أو أن من جاهد بنفسه وماله. من حقه ذلك، وفى كلا الأمرين ثبوت موافق لما ~~فى القرآن.. ". وقوله { ومن أوفى بعهده من الله } جملة ~~معترضة مسوقة لتأكيد مضمون ما قبلها من حقية الوعد وتقريره والاستفهام ~~للنفى. أى لا أحد أوفى بعهده من الله - تعالى - لأنه إذا كان خلف الوعد ~~لا يكاد يصدر من كرام الخلق مع إمكان صدوره منهم، فكيف يكون الحال من ~~جانب الخالق - عز وجل - المنزه عن كل نقص، المتصف بكل كمال. وقوله { ~~فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو ~~الفوز العظيم } تحريض على القتال، وإعلام لهم بأنهم رابحون فى ~~هذه الصفقة. والاستبشار الشعور بفرح البشرى، شعورا تنبسط له أسارير ~~الوجه. أى إذا كان الأمر كذلك فافرحوا ببيعكم الذى بايعتم به غاية الفرح، ~~وارضوا به نهاية الرضى، فإن ذلك البيع هو الفوز العظيم الذى لا فوز أعظم ~~منه. قال بعض العلماء ولا ترى ترغيبا فى الجهاد أحسن ولا أبلغ من هذه ~~الآية لأنه أبرزه فى صورة عقد عقده رب العزة، وثمنه مالا عين رأت، ولا ~~أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولم يجعل المعقود عليه كونهم مقتولين فقط ~~بل إذا كانوا قاتلين أيضا لإعلاء كلمته، ونصر دينه، وجعله مسجلا فى ~~الكتب السماوية، وناهيك به من صك. # وجعل وعده حقا، ولا أحد أوفى من وعده فنسيئته أقوى من نقد غيره، وأشار ~~إلى ما فيه من الربح والفوز العظيم وهو استعارة تمثيلية، حيث صور جهاد ~~المؤمنين، وبذل أموالهم وأنفسهم فيه وإثابة الله لهم على ذلك الجنة، ~~بالبيع والشراء وأتى بقوله " يقاتلون ".. بيانا لمكان التسليم وهو ~~المعركة وإليه الإشارة بقوله - صلى الله عليه وسلم - # " الجنة تحت ظلال السيوف " # ، ثم أمضاه بقوله { وذلك هو الفوز العظيم }. ويروى عن ~~الحسن البصرى أنه قرأ هذه الآية فقال انظروا ms2470 إلى كرم الله. تعالى. أنفس ~~هو خالقها، وأموال هو رازقها، ثم يكافئنا عليها متى بذلناها فى سبيله ~~بالجنة. ثم وصف الله - تعالى - هؤلاء المؤمنين الصادقين بجملة من الأوصاف ~~الكريمة فقال { التائبون العابدون الحامدون السائحون ~~الراكعون... }. ### || [9.112] # قال الجمل ما ملخصه ذكر الله - تعالى - فى هذه الآية تسعة أوصاف ~~للمؤمنين، الستة الأولى منها تتعلق بمعاملة الخالق، والوصفان السابع ~~والثامن يتعلقان بمعاملة المخلوق، والوصف التاسع يعم القبيلين. وقوله { ~~التائبون } فيه وجوه من الأعراب منها أنه مرفوع على المدح. فهو خبر ~~لمبتدأ محذوف وجوبا للمبالغة فى المدح أى المؤمنون المذكورون التائبون، ~~ومنها أن الخبر هنا محذوف، أى التائبون المصوفون بهذه الأوصاف من أهل ~~الجنة... " والمعنى " التائبون " عن المعاصى وعن كل ما نهت عنه شريعة ~~الله، " العابدون " لخالقهم عبادة خالصة لوجهه، " الحامدون " له - ~~سبحانه - فى السراء والضراء، وفى المنشط والمكره، وفى العسر واليسر، " ~~السائحون " فى الأرض للتدبر والاعتبار وطاعة الله. والعمل على مرضاته { ~~الراكعون الساجدون } لله - تعالى - عن طريق الصلاة التى هى عماد ~~الدين وركنه الركين " الآمرون " غيرهم " بالمعروف " أى بكل ما حسنه الشرع ~~" والناهون " له " عن المنكر " الذى تأباه الشرائع والعقول السليمة، { ~~والحافظون لحدود الله } أى لشرائعه وفرائضه وأحكامه ~~وآدابه.. هؤلاء المتصفون بتلك الصفات الحميدة، بشرهم. يا محمد. بكل ما ~~يسعدهم ويشرح صدورهم، فهم المؤمنون حقا، وهم الذين أعد الله - تعالى - ~~لهم الأجر الجزيل، والرزق الكريم. ولم يذكر - سبحانه - المبشر به فى قوله ~~{ وبشر المؤمنين } ، للاشارة إلى أنه أمر جليل لا يحيط به ~~الوصف، ولا تحده العيارة. ولم يذكر - سبحانه - فى الآية لهذه الأوصاف ~~متعلقا، فلم يقل " التائبون " من كذا، لفهم ذلك من المقام، لأن المقام ~~فى مدح المؤمنين الصادقين الذين أخلصوا نفوسهم لله، تعالى. فصاروا ~~ملتزمين طاعته فى كل أقوالهم وأعمالهم. وعبر عن كثرة صلاتهم وخشوعهم فيها ~~بقوله. { الراكعون الساجدون } للاشارة إلى أن الصلاة كأنها صفة ~~ثابتة من صفاتهم، وكأن الركوع والسجود طابع مميز لهم بين الناس. وإنما ~~عطف النهى عن المنكر على الأمر بالمعروف للإيذان بأنهما فريضة واحدة ~~لتلازمهما فى الغالب، ms2471 أو لما بينهما من تباين إذ الأمر بالمعروف طلب فعل، ~~والنهى عن المنكر طلب ترك أو كف. وكذلك جاء قوله. { والحافظون ~~لحدود الله } بحرف العطف ومما قالوه فى تعليل ذلك. أن سر العطف ~~هنا التنبيه على أن ما قبله مفصل للفضائل وهذا مجمل لها، لأنه شامل لما ~~قبله وغيره، ومثله يؤتى به معطوفا، نحو زيد وعمرو وسائر قبيلتهما كرماء، ~~فلمغايرته لما قبله بالإجمال والتفصيل والعموم والخصوص عطف عليه. هذا، ~~وما ذكرناه من أن المراد بقوله " السائحون " أى السائرون فى الأرض للتدير ~~والاعتبار والتفكر فى خلق الله، والعمل على مرضاته. # . هذا الذى ذكرناه رأى لبعض العلماء. ومنهم من يرى أن المراد بهم ~~الصائمون ومنهم من يرى أن المراد بهم المجاهدون. قال الآلوسى وقوله " ~~السائحون " أى الصائمون. فقد أخرج ابن مردويه عن أبى هريرة أن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - سئل عن ذلك فأجاب بما ذكر، وإليه ذهب جماعة من ~~الصحابة والتابعين. وجاء عن عائشة " سياحة هذه الأمة الصيام ". وأخرج ابن ~~أبى حاتم عن ابن زيد أن السائحين هم المهاجرون، وليس فى أمة محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - سياحة إلا الهجرة. وعن عكرمة أنهم طلبة العمل، لأنهم ~~يسيحون فى الأرض لطلبه. وقيل هم المجاهدون فى سبيل الله، لما أخرج الحاكم ~~وصححه والطبرانى وغيرهما، # " عن أبى أمامة أن رجلا استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى ~~السياحة فقال إن سياحة أمتى الجهاد فى سبيل الله ". # والذى نراه أقرب إلى الصواب أن المراد بالسائحين هنا السائرون فى الأرض ~~لمقصد شريف، وغرض كريم. كتحصيل العلم، والجهاد فى سبيل الله، والتدبر فى ~~ملكوته - سبحانه - والتفكر فى سنته فى كونه، والاعتبار بما اشتمل عليه ~~هذا الكون من عجائب. ولعل ما يؤيد ذلك أن لفظ " السائحون " معناه ~~السائرون، لأنه مأخوذ من السيح وهو الجرى على وجه الأرض، والذهاب فيها. ~~وهذه المادة تشعر بالانتشار، يقال ساح الماء أى جرى وانتشر. وما دام ~~الأمر كذلك فمن الأولى حمل اللفظ على ظاهره، ما دام لم يمنع مانع من ذلك، ~~وهنا ms2472 لا مانع من حمل اللفظ على حقيقته وظاهره. أما الأحاديث والآثار التى ~~استشهد بها من قال بأن المراد بالسائحين الصائمون فقد ضعفها علماء ~~الحديث. قال صاحب المنار وأقول وروى ابن جرير من حديث أبى هريرة مرفوعا ~~وموقوفا حديث " السائحون هم الصائمون " لا يصح رفعه.. وفضلا عن كل هذا، ~~فإن تفسير السائحين بأنهم السائرون فى الأرض لكل مقصد شريف، وغرض كريم... ~~يتناول الجهاد فى سبيل، كما يتناول الرحلة فى طلب العلم، وغير ذلك من ~~وجوه الخير. وما أكثر الآيات القرآنية التى حضت على السير فى الأرض، وعلى ~~التفكر فى خلق الله، ومن ذلك قوله تعالى # قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة ~~المكذبين # وقوله تعالى # أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون ~~بهآ أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ~~ولكن تعمى القلوب التي في الصدور # قال الإمام الرازى للسياحة أثر عظيم فى تكميل النفس لأن الإنسان يلقى ~~الأكابر من الناس، فيحتقر نفسه فى مقابلتهم، وقد يصل إلى المرادات ~~الكثيرة فينتقع بها، وقد يشاهد اختلاف أحوال الدنيا بسبب ما خلق الله. ~~تعالى. فى كل طرف من الأحوال الخاصة بهم فتقوى معرفته. وبالجملة فالسياحة ~~لها آثار قوية فى الدين. ثم بين - سبحانه - أنه لا يصح للنبى - صلى الله ~~عليه وسلم - ولا للمؤمنين أن يستغفروا للمشركين مهما بلغت درجة قرابتهم، ~~لأن رابطة العقيدة هى الوشيجة الأساسية فيما بينهم فقال - تعالى { ما ~~كان للنبي....من ولي ولا نصير }. ### || [9.113-116] # قال الفخر الرازى اعلم أنه - تعالى - لما بين من أول هذه السورة إلى هذا ~~الموضوع وجوب إظهار البراءة عن الكفار والمنافقين من جميع الوجوه، بين فى ~~هذه الآية أنه تجب البراءة عن أمواتهم وإن كانوا فى غاية القرب من ~~الإنسان، كما أوجبت البراءة عن أحيائهم، والمقصود منه بيان وجوب ~~مقاطعتهم على أقصى الغايات، والمنع من مواصلتهم بسبب من الأسباب. والمعنى ~~ما كان من شأن النبى - صلى الله عليه وسلم - ولا من شأن أصحابه المؤمنين، ~~أن يدعوا الله - تعالى - بأن يغفر للمشركين فى ms2473 حال من الأحوال، ولو كان ~~هؤلاء المشركون من أقرب أقربائهم { من بعد ما تبين لهم } أى ~~للرسول - صلى الله عليه وسلم - ولأصحابه، أن هؤلاء المشركين من أصحاب ~~الجحيم، بسبب موتهم على الكفر، وإصرارهم عليه، وعدم اعترافهم بدين ~~الإسلام. قال الآلوسى ما ملخصه والآية على الصحيح # " نزلت فى أبى طالب، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن المسيب بن حزن قال لما ~~حضرت أبا طالب الوفاة، دخل عليه النبى - صلى الله عليه وسلم - وعنده أبو ~~جهل وعبد الله بن أبى أمية فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - أى عم، قل ~~لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله. فقال أبو جهل يا أبا طالب أترغب ~~عن ملة عبد المطلب؟ فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرضها عليه. ~~وأبو جهل وعبد الله بن أمية يعاودانه بتلك المقالة. فقال أبو طالب آخر ما ~~كلمهم هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله. فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لأستغفرن لك ما لم أنه عن ذلك فنزلت { ما ~~كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا ~~للمشركين.. } الآية ". # ثم قال. واستبعد بعضهم ذلك، لأن موت أبى طالب كان قبل الهجرة بثلاث ~~سنين، وهذه السورة من أواخر ما نزل بالمدينة. وهذا الاستبعاد مستبعد، ~~لأنه لا بأس من أن يقال كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يستغفر لأبى ~~طالب من ذلك الوقت إلى وقت نزول هذه الآية وعليه فلا يراد من قوله " ~~فنزلت " فى الخبر أن النزول كان عقيب القول بل يراد أن ذلك سبب النزول ~~فحسب. فتكون الفاء للسببية لا للتعقيب. وقال القرطبى هذه الآية تضمنت قطع ~~موالاة الكفار حيهم وميتهم، فإن الله لم يجعل للمؤمنين أن يستغفروا ~~للمشركين. فطلب الغفران للمشرك مما لا يجوز، وقال كثير من العلماء. بأنه ~~لا بأس أن يدعو الرجل لأبويه الكافرين ما داما حيين، فأما من مات على ~~الكفر فقد انقطع عنه الرجاء فلا يدعى له. # ثم بين - سبحانه - السبب الذى حمل إبراهيم على الاستغفار لأبيه، ms2474 ثم على ~~ترك هذا الاستغفار فقال { وما كان استغفار إبراهيم ~~لأبيه إلا عن موعدة وعدهآ إياه فلما تبين ~~له أنه عدو لله تبرأ منه }. قال القرطبى روى ~~النسائى عن على بن أبى طالب قال سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان. ~~فقلت أتستغفر لهما وهما مشركان؟ فقال أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه. فأتيت ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له ذلك فنزلت { وما كان ~~استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدهآ ~~إياه } الآية. والمعنى لا حجة لكم أيها المؤمنون فى استغفار إبراهيم، ~~لأبيه، لأن استغفاره له إنما كان بسبب وعد صدر له بذلك. فلما أصر " آزر " ~~أبو إبراهيم على كفره، ومات مشركا بالله، تبرأ إبراهيم منه ومن عمله. ~~والمراد هذا الوعد ما جاء فى القرآن من قوله له # سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي ~~حفيا # وقوله # لأستغفرن لك ومآ أملك لك من الله من شيء # وقوله { إن إبراهيم لأواه حليم } جملة مستأنفة مسوقة ~~لبيان الداعى الذى دعا إبراهيم إلى الاستغفار لأبيه قبل التبين. أى إن ~~إبراهيم لكثير التأوه والتوجع من خشية الله، وكثير الحلم والصفح عمن ~~آذاه. قال الآلوسى قوله { إن إبراهيم لأواه حليم } أى ~~لكثير التأوه، وأصل التأوه قوله آه ونحوه مما يقوله الحزين.. وهو عند ~~جماعة كناية عن كمال الرأفة. ورقة القلب. وأخرج ابن جرير وابن أبى حاتم ~~وغيرهما # " عن عبد الله بن شداد، قال رجل يا رسول الله ما الأواه؟ قال " الخاشع ~~المتضرع الكثير الدعاء ". # ويؤخذ من هاتين الآيتين، أنه لا يجوز لمسلم أن يستغفر لمشرك بعد موته ~~على الشرك مهما بلغت درجة قرابته له. ثم بين - سبحانه - سنة من سننه ~~العامة فى خلقه، وهى تدل على سعة رحمته، ووافر عدله فقال { وما كان ~~الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين ~~لهم ما يتقون.. }. أى وما كان من شأن الله - تعالى - فى لطفه ~~وعدله.. أن يصف قوما بالضلال عن طريق الحق { بعد إذ هداهم } إلا ~~الإسلام، لمجرد قول أو عمل صدر عنهم عن طريق الخطأ ms2475 فى الاجتهاد. وإنما ~~يصفهم بذلك بعد أن يبين لهم ما يجب اتقاؤه من الأقوال والأفعال، فلا ~~يطيعون أمره، ولا يستجيبون لتوجيهه - سبحانه -. قال صاحب الكشاف يعنى - ~~سبحانه - أن ما أمر باتقائه واجتنا به كالاستغفار للمشركين وغيرها مما ~~نهى عنه وبين أنه محظور، لا يؤاخذ به عباده الذين هداهم للإسلام، ولا ~~يسميهم ضلالا، إلا إذا أقدموا عليه بعد بيان حظره عليهم، وعلمهم أنه واجب ~~الاتقاء والاجتناب. # وأما قبل العلم والبيان فلا سبيل عليهم، كما لا يؤاخذون بشرب الخمر، ولا ~~ببيع الصاع بصاعين قبل التحريم. وهذا بيان لعذر من خاف المؤاخذة ~~بالاستغفار للمشركين قبل ورود النهى عنه. وفى هذه الآية شديدة ما ينبغى ~~أن يغفل عنها وهى أن المهدى للإسلام إذا أقدم على بعض محظورات الله صار ~~داخلا فى حكم الإضلال ". وقال صاحب المنار أخرج ابن المنذر أن عبد الله ~~بن مسعود كان يخطب أصحابه كل عشية خميس ثم يقول فمن استطاع منكم أن يغدو ~~عالما أو متعلما فليفعل، ولا يغدو لسوى ذلك، فإن العالم والمتعلم شريكان ~~فى الخير. أيها الناس إنى والله لا أخاف عليكم أن تؤخذوا بما لم يبين ~~لكم، وقد قال - تعالى - { وما كان الله ليضل قوما بعد ~~إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون.. }. وقوله { ~~إن الله بكل شيء عليم } تعليل لما قبله، أى إن الله - ~~تعالى - عليم بكل شئ، ولا يخفى عليه شئ من أقوال الناس وأفعالهم، ~~وسيحاسبهم يوم القيامة على ذلك، وسيجازى الذين أساؤوا بما عملوا، ويجازى ~~الذين أحسنوا بالحسنى. ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات ببيان أنه - سبحانه ~~- وهو المالك لكل شئ، والخالق لكل شئ، فقال { إن الله له ملك ~~السماوات والأرض يحيي ويميت }. أى إن الله - تعالى - هو ~~المالك للسماوات والأرض وما بينهما، ولا شريك له فى خلقهما، ولا فى تدبير ~~شئونهما، وهو - سبحانه - الذى يحيى من يريد إحياءه، ويميت من يريد ~~إماتته، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه. { وما لكم من دون ~~الله من ولي ولا نصير } أى وليس لكم - أيها الناس - أحد سوى ms2476 ~~الله يتولى أمركم وينصركم على أعدائكم. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة ~~قد نهت المؤمنين عن الاستغفار للمشركين المصرين على شركهم، كما بشرتهم ~~بأنه - سبحانه - لا يؤاخذهم على استغفارهم لهم قبل نهيهم عن ذلك. كما ~~أخبرتهم بأن ملك هذا الكون إنما هو لله وحده. فعليهم أن يستجيبوا لأمره، ~~لكى ينالوا رحمته ورضاه. ثم ذكر - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على ~~عباده المؤمنين، حيث تقبل توبتهم، وتجاوز عن زلاتهم، فقال - تعالى - { ~~لقد تاب الله على النبي.... }. ### || [9.117] # قال الإمام الرازى اعلم أنه - تعالى - لما استقصى فى شرح أحوال غزوة ~~تبوك، وبين أحوال المتخلفين عنها، وأطال القول فى ذلك على الترتيب الذى ~~لخصناه فيما سبق، عاد فى هذه الآية إلى شرح ما بقى من أحكامها، ومن بقية ~~تلك الأحكام أنه قد صدر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يجرى ~~مجرى ترك الأولى، وصدر عن المؤمنين كذلك نوع زلة، فذكر - سبحانه - أنه ~~تفضل عليهم، وتاب عليهم، فى تلك الزلات، فقال - تعالى - { لقد تاب ~~الله على النبي والمهاجرين والأنصار }. وللعلماء ~~أقوال فى المراد بالتوبة التى تابها الله على النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- وعلى المهاجرين والأنصار فمنهم من يرى أن المراد بها قبول توبتهم، ~~وغفران ذنوبهم، والتجاوز عن زلاتهم التى حدثت منهم فى تلك الغزوة أو فى ~~غيرها، وإلى هذا المعنى أشارة القرطبى بقوله قال ابن عباس كانت التوبة ~~على النبى - صلى الله عليه وسلم - لأجل أنه أذن للمنافقين فى القعود، ~~بدليل قوله - سبحانه - قبل ذلك # عفا الله عنك لم أذنت لهم... # وكانت توبته على المؤمنين من ميل قلوب بعضهم إلى التخلف عنه - أى إلى ~~التخلف عن الخروج معه إلى غزوة تبوك. ومنهم من يرى أن المقصود بذكر ~~التوبة هنا التنويه بفضلها، والحض على تجديدها، وإلى هذا المعنى اتجه ~~صاحب الكشاف فقال { تاب الله على النبي } كقوله # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # وكقوله # واستغفر لذنبك # وهو بعث للمؤمنين على التوبة، وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى ms2477 التوبة ~~والاستغفار، حتى النبى والمهاجرين والأنصار، وإبانة لفضل التوبة ومقدارها ~~عند الله، وأن صفة التوابين الأوابين صفة الأنبياء كما وصفهم بالصالحين ~~ليظهر فضيلة الصلاح.. ومنهم من يرى أن المراد بالتوبة هنا دوامها لا ~~أصلها، وإلى هذا المعنى أشار بعضهم بقوله لقد تاب الله على النبى.. " أى ~~أدام توبته على النبى والمهاجرين والأنصار. وهذا جواب عما يقال من أن ~~النبى معصوم من الذنب، وأن المهاجرين والأنصار لم يفعلوا ذنبا فى هذه ~~القضية، بل اتبعوه من غير تلعثم، قلنا المراد بالتوبة فى حق الجميع ~~دوامها لا أصلها.. ". ومنهم من يرى أن ذكر النبى هنا إنما هو من باب ~~التشريف، والمراد قبول توبة المهاجرين والأنصار فيما صدر عن بعضهم من ~~زلات. وقد وضح هذا المعنى الإمام الآلوسى فقال قال أصحاب المعانى المراد ~~ذكر التوبة على المهاجرين والأنصار، إلا أنه جئ فى ذلك بالنبى - صلى الله ~~عليه وسلم - تشريفا لهم، وتعظيما لقدرهم، وهذا كما قالوا فى ذكره - تعالى ~~- فى قوله # فأن لله خمسه وللرسول # الآية أى عفا - سبحانه - عن زلات صدرت منهم يوم أحد ويوم حنين.. ويبدو ~~لنا أن الرأى الأول أقرب الآراء إلى الصواب، لأن الآية الكريمة مسوقة ~~لبيان فضل الله - تعالى - على رسوله وعلى المؤمنين، حيث غفر لهم ما فرط ~~منهم من هفوات وقعت فى هذه الغزوة وهذه الهفوات صدرت منهم بمقتضى الطبيعة ~~البشرية، وبمقتضى الاجتهاد فى أمور لم يبين الله - تعالى - حكمه فيها، ~~فهى لا تنقص من منزلة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا من منزلة أصحابه ~~الصادقين فى إيمانهم. والمعنى لقد تقبل الله - تعالى - توبة النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - كما تقبل توبة أصحابه المهاجرين والأنصار، الذين اتبعوه ~~عن طواعية واختيار وإخلاص فى ساعة العسرة. أى فى وقت الشدة والضيق، وهو ~~وقت غزوة تبوك، فالمراد بالساعة هنا مطلق الوقت. وقد كانت غزوة تبوك تسمى ~~غزوة العسرة، كما كان الجيش الذى اشترك فيها يسمى بجيش العسرة، وذلك لأن ~~المؤمنين خرجوا إليها فى سنة مجدبة، وحر شديد، وفقر فى الزاد والماء ~~والراحلة. ms2478 قال ابن كثير قال مجاهد وغير واحد نزلت هذه الآية فى غزة تبوك، ~~وذلك أنهم خرجوا إليها فى شدة من الأمر، فى سنة مجدبة، وحر شديد، وعسر فى ~~الزاد والماء. وقال قتادة خرجوا إلى الشام عام تبوك فى لهبان الحر - أى ~~شدته - على ما يعلم الله من الجهد، أصابهم فيها تعب شديد، حتى لقد ذكر ~~لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما. وقال الحسن كان العشرة منهم ~~يعتقبون بعيرا واحدا. يركب الرجل منهم ساعة ثم ينزل فيركب صاحبه كذلك، ~~وكان النفر منهم يخرجون وليس معهم إلا التمرات اليسيرة فإذا بلغ الجوع من ~~أحدهم أخذ التمرة فلاكها حتى يجد طعمها، ثم يشرب عليها جرعة من الماء.. ~~ومضوا مع النبى - صلى الله عليه وسلم - على صدقهم ويقينهم - رضى الله ~~عنهم. وقوله { من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم } ~~بيان لتناهى الشدة، وبلوغها الغاية القصوى. أى تاب - سبحانه - على الذين ~~اتبعوا رسوله من المهاجرين والأنصار من بعد أن أشرف فريق منهم على الميل ~~عن التخلف عن الخروج إلى غزوة تبوك، لما لابسها وصاحبها من عسر وشدة ~~وتعب. وفى ذكر { فريق منهم } إشارة إلى أن معظم المهاجرين ~~والأنصار، مضوا معه - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك دون أن تؤثر هذه ~~الشدائد فى قوة إيمانهم وصدق يقينهم، ومضاء عزيمتهم، وشدة إخلاصهم. قال ~~الآلوسى ما ملخصه وفى " كاد " ضمير الشأن و " قلوب " فاعل " يزيغ " ~~والجملة فى موضع الخبر لكاد.. وهذا على قراءة " يزيع " بالياء، وهى قراءة ~~حمزة، وحفص والأعمش. # وأما على قراء " تزيغ " بالتاء، وهى قراءة الباقين. فيحتمل أن يكون " ~~قلوب " اسم كاد " وتزيغ " خبرها، وهي ضمير يعود على اسمها. وقوله { ثم ~~تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم } تذييل مؤكد لقبول ~~التوبة ولعظيم فضل الله عليهم. ولطفه بهم. أى ثم تاب عليهم - سبحانه - ~~بعد أن كابدوا ما كابدوا من العسر والمشقة ومجاهدة النفس. إنه بهم رءوف ~~رحيم. قال بعضهم فإن قلت قد ذكر التوبة أولا ثم ذكرها ثانيا فما فائدة ~~التكرار؟ قلت إنه - سبحانه - ذكر ms2479 التوبة أولا قبل ذكر الذنب تفضلا منه ~~وتطييبا لقلوبهم، ثم ذكر الذنب بعد ذلك وأردفه بذكر التوبة مرة أخرى، ~~تعظيما لشأنهم، وليعلموا أنه - تعالى - قد قبل توبتهم، وعفا عنهم، ثم ~~أتبعه بقوله - سبحانه - { إنه بهم رءوف رحيم } تأكيدا ~~لذلك. والرأفة عبارة عن السعى فى إزالة الضرر، والرحمة عبارة عن السعى فى ~~إيصال النفع. وقال القرطبى قوله { ثم تاب عليهم } قيل توبته ~~عليهم أن تدارك قلوبهم حتى لم تزغ وتلك سنة الحق - سبحانه - مع أوليائه ~~إذا أشرفوا على العطب ووطنوا أنفسهم على الهلاك، أمطر عليهم سحائب الجود ~~فأحيا قلوبهم. قال الشاعر # منك أرجو ولست أعرف ربا يرتجى منه بعض ما منك أرجو وإذا اشتدت الشدائد ~~فى الأر ض على الخلق فاستغاثوا وعجوا وابتليت العباد بالخوف والجو ع، ~~وصروا على الذنوب ولجوا لم يكن لى سواك ربى ملاذ فتيقنت أننى بك أنجو # وكما تقبل الله - تعالى - توبة المهاجرين والأنصار الذين اتبعوا رسولهم ~~- صلى الله عليه وسلم - فى ساعة العسرة.. فقد تقبل توبة الثلاثة الذين ~~تخلفوا عن الاشتراك فى غزوة تبوك، فقال - تعالى - { وعلى الثلاثة ~~الذين... }. ### || [9.118] # هذه الآية الكريمة معطوفة على الآية السابقة لها. والمعنى لقد تقبل الله ~~- تعالى - بفضله وإحسانه توبة النبى والمهاجرين والأنصار، وتقبل كذلك ~~توبة الثلاثة الذين تخلفوا عن هذه الغزوة كسلا وحبا للراحة، والذين سبق ~~أن أرجأ الله حكمه فيهم بقوله # وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما ~~يتوب عليهم.. # وقوله { حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ~~وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من ~~الله إلا إليه } كناية عن شدة تحيرهم، وكثرة حزنهم، واستسلامهم ~~لحكم الله فيهم. أى حتى إذا ضاقت عليهم الأرض على سعتها، بسبب إعراض ~~الناس عنهم، ومقاطعتهم لهم، وضاقت عليهم أنفسهم، بسبب الهم والغم الذى ~~ملأها واعتقدوا أنهم ملجأ ولا مهرب لهم من حكم الله وقضائه إلا إليه. حتى ~~إذا كان أمرهم كذلك، جاءهم فرج الله، حيث قبل توبتهم، وغفر خطأهم وعفا ~~عنهم. وقوله { ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو ~~التواب الرحيم ms2480 } أى بعد هذا التأديب الشديد لهم، تقبل - سبحانه ~~- توبتهم، ليتوبوا إليه توبة صادقة نصوحا، لا تكاسل معها بعد ذلك عن طاعة ~~الله وطاعة رسوله، إن الله - تعالى - هو الكثير القبول لتوبة التائبين، ~~وهو الواسع الرحمة بعباده المحسنين. هذا، والمقصود بهؤلاء الثلاثة الذين ~~خلفوا كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع وكلهم من الأنصار. ~~وقد ذكرت قصتهم فى الصحيحين وفى غيرهما من كتب السنة والسيرة، وهاك خلاصة ~~لها قال الإمام ابن كثير روى الإمام # " أن كعب بن مالك قال، لم أتخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى ~~غزة غزاها قط إلا فى تبوك. وكان من خبرى حين تخلفت عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فى غزوة تبوك. أنى لم أكن قط أقوى ولا أيسر منى حين ~~تخلفت عنه فى تلك الغزوة. وغزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك ~~الغزوة حين طابت الثمار والضلال، وتجهز لها المؤمنون معه، فطفقت أغدو لكى ~~أتجهز معهم. فأرجع ولم أقض من جهازى شيئا.. فأقول لنفسى أنا قادر على ~~ذلك إذا أردت... ولم يزل ذلك شأنى حتى أسرعوا وتفارط الغزوة، فهممت أن ~~أرتحل فألحقهم - وليتنى فعلت - ولكن لم يقدر لى ذلك. ولم يذكرنى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بلغ تبوك فقال ما فعل كعب بن مالك؟ فقال ~~رجل من بنى سلمة حبسه برداه والنظر فى عطفيه. فقال معاذ بن جبل بئسما ~~قلت. والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا فسكت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. قال كعب فلما بلغنى أن رسول الله قد توجه قافلا من ~~تبوك، حضرنى بثى، وطفقت أتذكر الكذب وأقوال بماذا أخرج من سخط غدا؟. ~~وعندما عاد الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة جاءه المتخلفون، ~~فطفقوا يعتذرون إليه.. وجئت إليه فقال تعال.. ما خلفك؟! ألم تكن قد ~~اشتريت ظهرا؟ فقلت يا رسول الله إنى لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا ~~لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر. والله لقد علمت لئن حدثتك ms2481 اليوم بحديث كاذب ~~ترضى به عنى، ليوشكن الله أن يسخطك على. ولئن حدثتك بصدق تغضب على فيه، ~~إنى لأرجو عقبى ذلك من الله - تعالى - والله ما كان لى من عذر. قال - صلى ~~الله عليه وسلم - أما هذا فقد صدق. فقم حتى يقضى الله فيك. وكان هناك ~~رجلان قد قالا مثل ما قلت هما مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية. قال ونهى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلامنا، فاعتزلنا الناس وتغيروا لنا... ~~ولبثنا على ذلك خمسين ليلة....ثم أمرنا أن نعتزل نساءنا ففعلنا. قال ثم ~~صليت صلاة الصبح صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتها فبينا أنا على ~~الحال التى ذكرها الله عنا، قد ضاقت على نفسى.. سمعت صارخا يقول بأعلى ~~صوته أبشر يا كعب بن مالك. وذهبت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك. قال وأنزل الله - تعالى - { ~~وعلى الثلاثة الذين خلفوا } " # الآية. قال الإمام ابن كثير بعد أن ساق هذا الحديث بتمامه هذا حديث ~~صحيح ثابت متفق على صحته، وقد تضمن تفسير الآية بأحسن الوجوه وأبسطها. ~~وبذلك نرى أن هاتين الآيتين قد ذكرتا جانبا من فضل الله على عباده، حيث ~~قبل توبتهم، وغسل حوبتهم. إنه بهم رءوف رحيم. ثم وجه - سبحانه - نداء إلى ~~المؤمنين أمرهم فيه بأن يتقوا الله حق تقاته وأن يكونوا مع الصادقين، ~~وأوجب عليهم الغزو مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووعدهم عليه ~~بجزيل الثواب، وتوعد المتخلفين عنه بشديد العقاب فقال - تعالى - { ~~يأيها الذين آمنوا...ما كانوا يعملون }. ### || [9.119-121] # والمعنى يا من آمنتم بالله واليوم الآخر.. اتقوا الله حق تقاته، بأن ~~تفعلوا ما كلفكم به. وتتركوا ما نهاكم عنه، { وكونوا مع ~~الصادقين } فى دين الله نية وقولا وعملا وإخلاصا فإن الصدق ما وجد ~~فى شئ إلا زانه، وما وجد الكذب فى شئ إلا شأنه. قال القرطبى حق من فهم عن ~~الله وعقل منه أن يلازم الصدق فى الأقوال والإخلاص فى الأعمال، والصفاء ~~فى الأحوال، فمن كان ms2482 كذلك لحق بالأبرار ووصل إلى ربنا الغفار. قال - صلى ~~الله عليه وسلم - # " عليكم بالصدق فإن الصدق يهدى إلى البر وإن البر يهدى إلى الجنة، وما ~~يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا ". # والكذب على الضد من ذلك. قال - صلى الله عليه وسلم - # " إياكم والكذب فإن الكذب يهدى إلى الفجور، وإن الفجور يهدى إلى النار، ~~وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا ". # فالكذب عار، وأهله مسلوبو الشهادة، وقد رد - صلى الله عليه وسلم - شهادة ~~رجل فى كذبة كذبها. وسئل شريك بن عبد الله فقيل له يا أبا عبد الله، رجل ~~سمعته يكذب متعمدا، أصلى خلفه؟ قال لا. ثم أوجب - سبحانه - على المؤمنين ~~مصاحبة رسولهم - صلى الله عليه وسلم - فى غزواته فقال { ما كان ~~لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن ~~يتخلفوا عن رسول الله.. }. والمراد بالنفى هنا النهى. أى ~~ليس لأهل المدينة أو لغيرهم من الأعراب سكان البادية الذين يسكنون فى ~~ضواحى المدينة، كقبائل مزينة وجهينة وأشجع وغفار. ليس لهؤلاء جميعا أن ~~يتخلفوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ما خرج للجهاد، كما فعل ~~بعضهم فى غزوة تبوك، لأن هذا التخلف يتنافى مع الإيمان بالله ورسوله. ~~وليس لهم كذلك { ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه } أى ~~ليس لهم أن يؤثروا أنفسهم بالراحة على نفسه، بأن يتركوه يتعرض للآلام ~~والأخطار. دون أن يشاركوه فى ذلك، بل من الواجب عليهم أن يكونوا من حوله ~~فى البأساء والضراء، والعسر واليسر والمنشط والمكره. ورحم الله صاحب ~~الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الجملة الكريمة أمروا بأن يصحبوه على ~~البأساء والضراء، وأن يكابدوا معه الأهوال برغبة ونشاط واغتباط، وأن ~~يلقوا أنفسهم من الشدائد ما تلقاه نفسه، علما بأنها أعز نفس على الله ~~وأكرمها، فإذا تعرضت - مع كرامتها وعزتها - للخوض فى شدة وهول، وجب على ~~سائر الأنفس أن تتهافت - أى تتساقط - فيما تعرضت له، ولا يكترث لها ~~أصحابها، ولا يقيمون له وزنا، وتكون أخف شئ عليهم وأهونه، فضلا عن ms2483 أن ~~يربأوا بأنفسهم عن متابعتها ومصاحبتها ويضنوا بها على ما سمع بنفسه عليه. # وهذا نهى بليغ، مع تقبيح لأمرهم، وتوبيخ لهم عليه، وتهييج لمتابعته ~~بأنفة وحمية. واسم الإشارة فى قوله { ذلك بأنهم لا ~~يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله.. ~~} يعود على ما دل عليه الكلام من وجوب مصاحبته وعدم التخلف عنه. أى ذلك ~~الذى كلفناهم به من وجوب مصاحبته - صلى الله عليه وسلم - والنهى عن ~~التخلف عنه، سببه أنهم { لا يصيبهم ظمأ } أى عطش { ولا نصب ~~} أى تعب ومشقة { ولا مخمصة } أى مجاعة شديدة تجعل البطون خامصة ~~ضامرة { في سبيل الله } أى فى جهاد أعدائه وإعلاء كلمة الحق { ~~ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار } أى ولا يدوسون مكانا من ~~أمكنة الكفار بأرجلهم أو بحوافر خيولهم من أجل إغاظتهم وإزعاجهم.. { ~~ولا ينالون من عدو نيلا } أى ولا يصيبون من عدو من ~~أعدائهم إصابة كقتل أو أسر أو غنيمة. إنهم لا يفعلون شيئا { إلا ~~كتب لهم به عمل صالح } أى إلا كتب لهم بكل واحد مما ذكر ~~عمل صالح، ينالون بسببه الثواب الجزيل من الله، لأنه - سبحانه - { لا ~~يضيع أجر المحسنين } وإنما يكافئهم إلى إحسانهم بالأجر ~~العظيم. وقوله { ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة.. ~~} معطوف على ما قبله. أى وكذلك ولا يتصدقون بصدقة صغيرة، كالتمرة ونحوها، ~~ولا كبيرة كما فعل عثمان - رضى الله عنه - فى هذه الغزوة، فقد تصدق ~~بالكثير. { ولا يقطعون واديا } من الوديان فى مسيرهم إلى ~~عدوهم، أو فى رجوعهم عنه. لا يفعلون شيئا من ذلك أيضا { إلا كتب ~~لهم } أى إلا كتب لهم ثوابه فى سجل حسناتهم. { ليجزيهم الله ~~أحسن ما كانوا يعملون } أى أمرهم بمصاحبة نبيهم فى كل ~~غزواته، وكلفهم بتحمل مشاق الجهاد ومتاعبه ليجزيهم على ذلك أحسن الجزاء ~~وأعظمه، فأنت ترى أن الله - تعالى - قد حرض المؤمنين على الجهاد فى هاتين ~~الآيتين، وبين لهم أن كل ما يلاقونه فى جهادهم من متاعب له ثوابه العظيم، ~~وما دام الأمر كذلك فعليهم أن يصاحبوا رسولهم - صلى الله ms2484 عليه وسلم - فى ~~جميع غزواته، لأن التخلف عنه لا يليق بالمؤمنين الصادقين، فضلا عن أن هذا ~~التخلف - بدون عذر شرعى - سيؤدى إلى الخسران فى الدنيا والآخرة. وبعد أن ~~حرض الله - تعالى - المؤمنين على الجهاد فى سبيله، وحذرهم من التخلف عن ~~الخروج مع رسوله - صلى الله عليه وسلم - أتبع ذلك بالحديث عما يجب عليهم ~~إذا لم تكن المصلحة تقتضى النفير العام، فقال - تعالى - { وما كان ~~المؤمنون... }. ### || [9.122] # قال الجمل وسبب نزول هذه الآية أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لما ~~بالغ فى الكشف عن عيوب المنافقين، وفضحهم فى تخلفهم عن غزوة تبوك. قال ~~المسلمون والله لا نتخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عن ~~سرية بعثها، فلما قدم - صلى الله عليه وسلم - المدينة من تبوك، وبعث ~~السرايا، أراد المسلمون أن ينفروا جميعا للغزو وأن يتركوا النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - وحده فنزلت هذه الآية. والمعنى، وما كان من شأن ~~المؤمنين، أن ينفروا جميعا فى كل سرية تخرج للجهاد، ويتركوا الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - وحده بالمدينة، وإنما يجب عليهم النفير العام إذا ما ~~دعاهم - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك. وقوله { فلولا نفر من ~~كل فرقة منهم طآئفة... } معطوف على كلام محذوف، ولولا ~~حرف تحضيض بمعنى هلا. أى فحين لم يكن هناك موجب لنفير الكافة، فهلا نفر ~~من كل فرقة من المؤمنين طائفة للجهاد، وتبقى طائفة أخرى منهم { ~~ليتفقهوا في الدين } أى ليتعلموا أحكامه من رسولهم - صلى ~~الله عليه وسلم - { ولينذروا قومهم } أى وليعلموهم ويخبروهم ~~بما أمروا به أو نهوا عنه { إذا رجعوا إليهم } من الغزو { ~~لعلهم يحذرون } أى لعل هؤلاء الراجعين إليهم من الغزو يحذرون ~~ما نهوا عنه. أى أن على المسلمين فى حالة عدم النفير العام، أن يقسموا ~~أنفسهم إلى قسمين. قسم يبقى مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليتفقه فى ~~دينه، وقسم آخر يخرج للجهاد فى سبيل الله، فإذا ما عاد المجاهدون، فعلى ~~الباقين مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يبلغوا العائدين ما حفظوه ~~عن ms2485 الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أحكام. وبذلك يجمع المسلمون بين ~~المصلحتين مصلحة الدفاع عن الدين بالحجة والبرهان، ومصلحة الدفاع عنه ~~بالسيف والسنان. وعلى هذا التفسير الذى سار عليه جمهور العلماء يكون ~~الضمير فى قوله { ليتفقهوا...ولينذروا } يعود إلى الطائفة ~~الباقية مع الرسول - صلى الله عليه وسلم -. أما الضمير فى قوله { ~~لعلهم يحذرون } فيعود على الطائفة التى خرجت للجهاد ثم عادت. ~~ومنهم من يرى أن الضمير فى قوله { ليتفقهوا...ولينذروا } ~~يعود على الطائفة التى خرجت للجهاد. وقد رجح هذا الاتجاه الإمام ابن ~~جرير فقال وأما قوله { ليتفقهوا في الدين ولينذروا ~~قومهم إذا رجعوا إليهم } فإن أولى الأقوال فى ذلك ~~بالصواب قول من قال لتتفقه الطائفة النافرة بما تعاين من نصر الله لأهل ~~دينه ولأصحاب رسوله على أهل عداوته والكفر به، فيفقه بذلك من معاينته ~~حقيقة علم أمر الإسلام، وظهوره على الأديان، من لم يكن فقهه، { ~~ولينذروا قومهم } فيحذروهم أن ينزل بهم من بأس الله، مثل الذى ~~نزل بمن شاهدوا، ممن ظفر بهم المسلمون من أهل الشرك، إذا هم رجعوا إليهم ~~من غزوهم { لعلهم يحذرون } أى لعل قومهم إذا هم حذروهم ما ~~عاينوا من ذلك، يحذرون فيؤمنون بالله ورسوله، حذرا من أن ينزل بهم ما نزل ~~بالذين أخبروا خبرهم. # . وقد علق صاحب المنار على رأى ابن جرير هذا بقوله وهذا تأويل متكلف ~~ينبو عنه النظم الكريم، فإن اعتبار طائفة السرية بما قد يحصل لها من ~~النصر - وهو غير مضمون ولا مطرد - لا يسمى تفقها فى الدين، وإن كان يدخل ~~فى عموم معنى الفقه، فإن التفقه هو التعلم الذى يكون بالتكلف والتدرج، ~~والمتبادر من الدين علمه، ولا يصح هذا المعنى فى ذلك العهد إلا فى الذين ~~يبقون مع النبى - صلى الله عليه وسلم - فيزدادون فى كل يوم علما وفقها ~~بنزول القرآن... " هذا، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية ~~وجوب طلب العلم، والتفقه فى دين الله وتعليم الناس إياه. قال القرطبى هذه ~~الآية أصل فى وجوب طلب العلم لأن المعنى وما كان المؤمنون ms2486 لينفروا كافة ~~والنبى - صلى الله عليه وسلم - مقيم لا ينفر فيتركوه وحده " فلولا نفر " ~~بعدما علموا أن النفير لا يسع جميعهم { من كل فرقة منهم ~~طآئفة } وتبقى بقيتها مع النبى - صلى الله عليه وسلم - ليتحملوا عنه ~~الدين ويتفقهوا، فإذا رجع النافرون إليهم أخبروهم بما سمعوه وعلموه، وفى ~~هذا إيجاب التفقه، فى الكتاب والسنة، وأنه على الكفاية دون الأعيان.. " ~~ثم ختمت السورة الكريمة حديثها عن الجهاد فى سبيل الله، بدعوة المؤمنين ~~إلى قتال أعدائهم بشدة وغلظة بشدة وغلظة فقال - تعالى - { يأيها ~~الذين آمنوا قاتلوا... }. ### || [9.123] # وقوله { يلونكم } من الولى بمعنى القرب، تقول جلست مما يلى فلان أى ~~يقاربه. قال ابن كثير أمر الله المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولا فأولا، ~~الأقرب فالأقرب، إلى حوزة الإسلام، ولهذا بدأ الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - بقتال المشركين فى جزيرة العرب، فلما فرغ منهم وفتح الله عليه مكة ~~والمدينة واليمن.. وغير ذلك من أقاليم العرب، دخل الناس من سائر أحياء ~~العرب فى دين الله أفواجا، شرع فى قتال أهل الكتاب، فتجهز لغزو الروم ~~الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب، وأولى الناس بالدعوة إلى الإسلام ~~لأنهم أهل كتاب، فبلغ تبوك ثم رجع لأجل جهد الناس، وجدب البلاد، وضيق ~~الحال، ذلك سنة تسع من الهجرة، ثم اشتغل فى السنة العاشرة بحجة الوداع، ~~ثم عاجلته المنية - صلوات الله وسلامه عليه - بعد حجة الوداع بأحد ~~وثمانين يوما وسار خلفاؤه الراشدون من بعده على نهجه. وقوله { ~~وليجدوا فيكم غلظة } أى وليجد الكفار منكم غلظة عليهم فى ~~قتالكم، فإن المؤمن الكامل هو الذى يكون رفيقا بأخيه المؤمن، غليظا على ~~عدوه الكافر. قال - تعالى - # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم # وفى الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال # " أنا الضحوك القتال " # يعنى أنه ضحوك فى وجه وليه المؤمن، قتال لهامة عدوه الكافر. وقوله { ~~واعلموا أن الله مع المتقين } تذييل قصد به حض ~~المؤمنين على التسلح بسلاح الإيمان والتقوى حتى ينالوا نصر الله وعونه. ~~أى واعلموا أن ms2487 الله - تعالى - مع المتقين بنصره ومعونته، فاحرصوا على هذه ~~الصفة ليستمر معكم نصره - سبحانه - وعونه. وإنما أمر الله - تعالى - ~~المؤمنين أن يبدأوا قتالهم مع الأقرب فالأقرب من ديارهم، لأن القتال شرع ~~لتأمين الدعوة الإسلامية، وقد كانت دعوة الإسلام موجهة إلى الأقرب ~~فالأقرب، فكان من الحكمة أن يبدأوا قتالهم مع المجاورين لهم حتى يأمنوا ~~شرهم، ولأنه من المعلوم أنه ليس فى طاقة المسلمين قتال جميع الكفار، وغزو ~~جميع البلاد فى زمان واحد، فكان من قرب أولى ممن بعد. ثم ختمت السورة - ~~ايضا - حديثها الطويل المتنوع عن المنافقين ببيان موقفهم من نزول الآيات ~~القرآنية على الرسول - صلى الله عليه وسلم -. فقال - تعالى - { وإذا ~~مآ أنزلت سورة...قوم لا يفقهون }. ### || [9.124-127] # والمعنى إذا ما أنزلت سورة من سور القرآن عليك يا محمد تساءل المنافقون ~~عنها فى حذر وربية { فمنهم من يقول } لأشباهه فى الكفر والنفاق ~~على سبيل الاستهزاء والتهوين من شأن القرآن الكريم { أيكم زادته ~~هذه إيمانا } أى أى واحد منكم زادته هذه السورة النازلة إيمانا؟ ~~وهنا يجئ الرد الحاسم الذى يخرس ألسنتهم، من جهته - تعالى - فيقول { ~~فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم ~~يستبشرون }. أى فأما الذين آمنوا فزادهم نزول السورة القرآنية، ~~إيمانا على إيمانهم، وثباتا على ثباتهم، ويقينا على يقينهم، " وهم " فوق ~~ذلك " يستبشرون " ويفرحون بنزولها لما فيها من المنافع الدينية ~~والدنيوية. هذا شأن المؤمنين بالنسبة لنزول السورة القرآنية، وأما ~~المنافقون، فقد صور القرآن حالهم بقوله { وأما الذين في ~~قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم }. أى وأما ~~الذين فى قلوبهم شك ونفاق وارتياب. فزادهم نزول السورة كفرا على كفرهم ~~السابق. وسمى - سبحانه - الكفر رجسا، لأنه أقبح الأشياء وأسوؤها. وقوله { ~~وماتوا وهم كافرون } تذييل قصد به بيان سوء عاقبتهم فى الآخرة ~~بعد بيان سوء أعمالهم فى الدنيا. أى لقد قضى هؤلاء المنافقون حياتهم فى ~~الكفر والفسوق والعصيان، ثم لم يتوبوا عن ذلك ولم يرجعوا عنه، بل ماتوا ~~على الكفر والنفاق. وقوله { أولا يرون أنهم يفتنون في ~~كل عام مرة أو مرتين.. } توبيخ لهم على ms2488 قسوة قلوبهم، ~~وانطماس بصيرتهم، وغفلتهم عما يدعو إلى الاعتبار والاتعاظ. أى أبلغ الجهل ~~والسفه وعمى البصيرة بهؤلاء، أنهم صاروا لا يعتبرون ولا يتعظون بما حاق ~~من فتن واختبارات وابتلاءات، تنزل بهم فى كل عام مرة أو مرتين؟ ومن هذه ~~الفتن والامتحانات كشف مكرهم عن طريق اطلاع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - على ما يضمرونه من سوء، وما يقولونه من منكر، وما يفعلونه من ~~أفعال خبيثة، وحلول المصائب والأمراض بهم، ومشاهدتهم لانتصار المؤمنين ~~وخذلان الكافرين. قال الآلوسى والمراد من المرة والمرتين - على ما صرح به ~~بعهضم - مجرد التكثير، لا بيان الوقوع على حسب العدد المذكور. وقوله { ~~ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون } بيان لرسوخهم فى الجهل ~~والجحود. أى ثم بعد كل هذه الفتن النازلة بهم، لا يتوبون من نفاقهم { ~~ولا هم يذكرون } ويتعظون، بل يصرون على مسالكهم الخبيثة، ~~وأعمالهم القبيحة، مع أن من شأن الفتن والمصائب والمحن، أنها تحمل على ~~الاعتبار والاتعاظ، والرجوع عن طريق الشر إلى طريق الخير. ثم تصور السورة ~~الكريمة تصويرا معجزا، مشهدهم عندما تنزل السورة القرآنية على الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - وهم حاضرون فى مجلسه فتقول { وإذا مآ أنزلت ~~سورة } أو آيات منها، على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهم موجودون ~~فى مجلسه { نظر بعضهم إلى بعض } فى ريبة ومكر، وتغامزوا ~~بعيونهم وجوارحهم فى لؤم وخسة ثم تساءلوا { هل يراكم من أحد ~~} أى هل يراكم فى أحد من المسلمين إذا ما قمتم من هذا المجلس، قبل أن ~~يتلو الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذه السورة أو الآيات التى قد تفضحكم ~~وتكشف عما اسررتموه فيما بينكم. # { ثم انصرفوا } من مجلس الرسول - صلى الله عليه وسلم - متسللين ~~فى حذر حتى لا يراهم أحد من المسلمين. وقوله { صرف الله قلوبهم ~~بأنهم قوم لا يفقهون } ذم لهم لإيثارهم الغى على الرشد، ~~والضلالة على الهداية. أى صرف الله قلوبهم عن الهداية والرشاد، بسبب أنهم ~~قوم لا يفقهون ما فيه خيرهم ونفعهم. وإنما يفقهون ما فيه شقاؤهم ~~وتعاستهم. هذا، وإن الناظر ms2489 فى هذه الآيات الكريمة بتدبر وإمعان، ليراها ~~قد صورت أحوال المنافقين وأخلاقهم وحركاتهم تصويرا دقيقا معجزا، حتى إنه ~~ليخيل إلى القارئ لهذه الآيات الكريمة أو السامع لها، أنه يشاهد ~~المنافقين مشاهدة حسية وهم على تلك الحالة من التحرك المريب والنظرات ~~الخبيثة، والخروج من مجلس النبى - صلى الله عليه وسلم - فى حذر وريبة.. ~~وهذا كله مما يشهد بأن هذا القرآن إنما هو من عند الله العليم بخفايا ~~الصدور، وبطوايا النفوس. ثم ختم - سبحانه سورة التوبة، بآيتين كريمتين، ~~اشتملتا على أسمى النعوت، وأكرم الصفات للرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال - تعالى - { لقد جآءكم رسول من أنفسكم...وهو ~~رب العرش العظيم }. ### || [9.128-129] # وجمهور المفسرين على أن الخطاب فى قوله - سبحانه - { لقد جآءكم ~~رسول من أنفسكم } للعرب فهو كقوله # هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم # أى لقد جاءكم - يا معشر العرب - رسول كريم " من أنفسكم " أى جنسكم، ومن ~~نسبكم، فهو عربى مثلكم، فمن الواجب عليكم أن تؤمنوا به وتطيعوه. فالمقصود ~~من هذه الجملة الكريمة ترغيب العرب فى الإيمان بالنبى - صلى الله عليه ~~وسلم - وفى طاعته وتأييده، فإن شرفهم قد تم بشرفه، وعزهم بعزه، وفخرهم ~~بفخره، وهم فى الوقت نفسه قد شهدوا له فى صباه بالصدق والأمانة والعفاف ~~وطهارة النسب، والأخلاق الحميدة. قال القرطبى قوله { من أنفسكم } ~~يقتضى مدحا لنسب النبى - صلى الله عليه وسلم - وأنه من صميم العرب ~~وخالصها، وفى صحيح مسلم # " عن وائلة بن الأسقع قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول " ~~إن الله اصطفى كنانة من ولد اسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من ~~قرش بنى هاشم، واصطفانى من بنى هاشم " # وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " إنى من نكاح ولست من سفاح ". # وقال الزجاج إن الخطاب فى الآية الكريمة لجميع البشر، لعموم بعثته - صلى ~~الله عليه وسلم - ومعنى كونه - صلى الله عليه وسلم - " من أنفسكم " إنه ~~من جنس البشر. ويبدو لنا أن الرأى الأول ارجح لأن الآية الكريمة ليست ~~مسوقة لإثبات رسالته - صلى الله عليه وسلم - وعمومها، وإنما ms2490 هى مسوقة ~~لبيان منته وفضله - سبحانه - على العرب، حيث أرسل خاتم أنبيائه منهم، فمن ~~الواجب عليهم أن يؤمنوا به، لأنه ليس غريبا عنهم، وإذا لم يؤمنوا به تكون ~~الحجة عليهم ألزم، والعقوبة لهم أعظم. وقوله { عزيز عليه ما ~~عنتم } أى شديد وشاق عليه عنتكم ومشقتكم، لكونه بعضا منكم فهو يخاف ~~عليكم سوء العاقبة، والوقوع فى العذاب. يقال عز عليه الأمر أى صعب وشق ~~عليه، والعنت المشقة والتعب ومنه قولهم أكمة عنوت، إذا كانت شاقة مهلكة، ~~والفعل عنت بوزن فرح. وقوله { حريص عليكم } أى حريص على إيمانهم ~~وهدايتكم وعزتكم وسعادتكم فى الدنيا والآخرة. والحرص على الشئ معناه شدة ~~الرغبة فى الحصول عليه وحفظه. وقوله { بالمؤمنين رءوف رحيم ~~} أى شديد الرأفة والرحمة بكم - أيها المؤمنون - والرأفة عبارة عن السعى ~~فى إزالة الضرر. والرحمة عبارة عن السعى فى إيصال النفع، فهو - صلى الله ~~عليه وسلم - يسعى بشدة فى إيصال الخير والنفع للمؤمنين، وفى إزالة كل ~~مكروه عنهم. قال بعضهم لم يجمع الله - تعالى - لأحد من الأنبياء اسمين من ~~أسمائه إلا للنبى - صلى الله عليه وسلم - فإنه قال { بالمؤمنين ~~رءوف رحيم } وقال عن ذاته - سبحانه - # إن الله بالناس لرءوف رحيم # ثم انتقل - سبحانه - من خطاب المؤمنين إلى خطابه - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال { فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا ~~هو.. }. أى فإن أعرضوا عن الإيمان بك، وتركوا طاعتك، فلا تبتئس ولا ~~تيأس، بل قل " حسبى الله " أى هو كافينى ونصيرى { لا إله إلا ~~هو } - سبحانه - { رب العرش العظيم } الذى لا يعلم مقدار ~~عظمته إلا الله - عز وجل -. ففى هاتين الآيتين الكريمتين بيان للصفات ~~التى منحها - سبحانه - لرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، ودعوة له - ~~صلى الله عليه وسلم - إلى أن يفوض أمره إلى خالقه فهو - سبحانه - كافيه ~~وناصره. وبعد فهذه سورة التوبة. السورة التى احتوت على بيان الأحكام ~~النهائية فى العلاقات الدائمة بين المجتمع الإسلامى، والمجتمعات الأخرى. ~~السورة التى حرضت المؤمنين على الجهاد فى سبيل الله، وساقت لهم من وسائل ~~الترغيب فى ms2491 ذلك، ما يجعلهم يقدمون على قتال أعدائهم بصبر وثبات واستبشار. ~~السورة التى أوجبت على المؤمنين أن تكون محبتهم لله ولرسوله، ولإعلاء ~~كلمة الحق، فوق محبة الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة ~~والأموال. السورة التى ذكرت المؤمنين بنصر الله لهم فى مواطن كثيرة، ~~وحذرتهم من الغرور بأنفسهم. والعجب بقوتهم، وأمرتهم بنصرة رسوله فى ~~السراء والضراء والعسر واليسر، والمنشط والمكره. السورة التى أمرت ~~المؤمنين بأن يخلصوا فى دفاعهم عن دين الله وعن حرماته وعن مقدساته. ~~وبشرتهم بأنهم إذا فعلوا ذلك، فسوف يغنيهم الله من فضله. السورة التى ~~فضحت المنافقين، وكشفت عن أساليبهم الخبيثة، ومسالكهم القبيحة، وأقوالهم ~~المنكرة، وأفعالهم الأثيمة، وسجلت عليهم الخزى والعار وحذرت المؤمنين من ~~شرورهم.. السورة التى رسمت أسس التكافل الاجتماعى بين أفراد الأمة ~~الإسلامية، عن طريق مشروعية الزكاة، ووجوب أدائها لمستحقيها. السورة ~~التى ساقت ألوانا من فضل الله على عباده المؤمنين، حيث تقبل سبحانه ~~توبتهم، وغسل حوبتهم، وتجاوز عن خطئهم. السورة التى صنفت المجتمع ~~الإسلامى فى أواخر العهد النبوى تصنيفا دقيقا. فهناك السابقون الأولون ~~من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم باحسان وهناك الذين خطلوا عملا ~~صالحا وآخر سيئا. وهناك المرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم. ~~وهناك الأعراب المنافقون، وهناك الذين مردوا على النفاق من أهل المدينة. ~~وقد بينت السورة الكريمة ما يستحقه كل قسم من الأقسام من ثواب أو عقاب. ~~السورة التى أوجبت على المؤمنين أن يقيموا علاقاتهم على أساس العقيدة ~~الدينية لا على أساس القرابة الجسدية، فنهتهم أن يستغفروا للمشركين ولو ~~كانوا أولى قربى. هذا جانب من المقاصد الإجمالية التى اشتملت عليها هذه ~~السورة الكريمة ونسأل الله - تعالى - أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، وأنس ~~نفوسنا، وان يرزقنا الإخلاص والتوفيق فى القول والعمل. وصلى الله على ~~سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [10 - سورة يونس] ### || [10.1-2] # سورة يونس من السور التى افتتحت ببعض حروف التهجى. وقد وردت هذه الفواتح ~~تارة مفردة بحرف واحد، وتارة مركبة من حرفين، أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة. ~~فالسور التى افتتحت بحرف واحد ثلاثة، ms2492 وهى سورة ص، ق، ن. والسور التى ~~افتتحت بحرفين تسعة، وهي طه، طس، يس، وحم فى ست سور، هي غافر، فصلت، ~~الزخرف، الدخان، الجاثية، الأحقاف. والسور التى بدئت بثلاثة أحرف، ثلاث ~~عشرة سورة، وهى ألم فى ست سور هى البقرة، آل عمران، العنكبوت، الروم، ~~لقمان، السجدة، والر فى خمس سور هى يونس، هود، يوسف، إبراهيم، الحجر، ~~وطسم فى سورتين هما الشعراء، القصص. وهناك سورتان بدئتا بأربعة أحرف وهما ~~الأعراف، الرعد، وسورتان بدئتا بخمسة أحرف وهما مريم، والشورى. فيكون ~~مجموع السور التى افتتحت بالحروف المقطعة تسعا وعشرين سورة. هذا، وقد وقع ~~خلاف بين العلماء فى المعنى المقصود بتلك الحروف المقطعة التى افتتحت بها ~~بعض السور القرآنية، ويمكن إجمال خلافهم فى رأيين رئيسين الرأى الأول يرى ~~أصحابه أن المعنى المقصود منها غير معروف، فهى من المتشابه الذى استأثر ~~الله بعلمه. وإلى هذا الرأى ذهب ابن عباس - فى إحدى الروايات عنه - كما ~~ذهب إليه الشعبى، وسفيان الثورى، وغيرهم من العلماء. فقد أخرج ابن المنذر ~~وغيره عن الشعبى أنه سئل عن فواتح السور فقال إن لكل كتاب سرا، وإن سر ~~هذا القرآن فى فواتح السور. ويروى عن ابن عباس أنه قال عجزت العلماء عن ~~إدراكها. وعن على - رضى الله عنه - قال " إن لكل كتاب صفوة، وصفوة هذا ~~الكتاب حروف التهجى " وفى رواية أخرى عن الشعبى أنه قال " سر الله فلا ~~تطلبوه ". ومن الاعتراضات التى وجهت إلى هذا الرأى، أنه إذا كان الخطاب ~~بهذه الفواتح غير مفهوم للناس، لأنه من المتشابه، فإنه يترتب على ذلك أنه ~~كالخطاب بالمهمل، أو مثل ذلك كمثل المتكلم بلغة أعجمية مع أناس عرب لا ~~يفهمونها. وقد أجيب عن ذلك، بأن هذه الألفاظ لم ينتف الإفهام عنها عند ~~كل الناس، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يفهم المراد منها، وكذلك ~~بعض أصحابه المقربين، ولكن الذى ننفيه أن يكون الناس جميعا فاهمين لمعنى ~~هذه الحروف المقطعة فى أوئل السور. أما الرأى الثانى فيرى أصحابه أن ~~المعنى المقصود منها معلوم، وأنها ليست من ms2493 المتشابه الذى استأثر الله ~~بعلمه. وأصحاب هذا الرأى قد اختلفوا فيما بينهم فى تعيين هذا المعنى ~~المقصود على أقوال كثيرة من أهمها ما يأتى 1 - أن هذه الحروف أسماء ~~للسور، بدليل قول النبى - صلى الله عليه وسلم - " من قرأ حم السجدة حفظ ~~إلى أن يصبح ". # وبدليل اشتهار بعض السور بالتسمية بها، كسورة " ص " وسورة " يس ". ولا ~~يخلو هذا القول من الضعف، لأن كثيرا من السور قد افتتحت بلفظ واحد من هذه ~~الفواتح، والغرض من التسمية رفع الاشتباه. 2 - وقيل إن هذه الحروف قد ~~جاءت هكذا فاصلة للدلالة على انقضاء سورة، وابتداء أخرى. 3 - وقيل إنها ~~حروف مقطعة، بعضها من أسماء الله - تعالى - وبعضها من صفاته فمثلا " ألم ~~" أصلها أنا الله أعلم. 4 - وقيل إنها اسم الله الأعظم، إلى غير ذلك من ~~الأقوال التى لا تخلوا من مقال. والتى أوصلها السيوطى فى كتابه " ~~الإتقان " إلى أكثر من عشرين قولا. 5 - ولعل أقرب الأقوال إلى الصواب أن ~~يقال إن هذه الحروف المقطعة قد وردت فى افتتاح بعض السور، للإشعار بأن ~~هذا القرآن الذى تحدى الله به المشركين هو من جنس الكلام المركب من هذه ~~الحروف التى يعرفونها، ويقدرون على تأليف الكلام منها. فإذا عجزوا عن ~~الإتيان بسورة من مثله، فذلك لبلوغه فى الفصاحة والحكمة مرتبة يقف ~~فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها بمراحل شاسعة. وفضلا عن ذلك فإن تصدير بعض السور ~~بمثل هذه الحروف المقطعة يجذب أنظار المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى ~~عليهم إلى الإنصات والتدبر لأنه يطرق أسماعهم فى أول التلاوة ألفاظ غير ~~مألوفة فى مجارى كلامهم، وذلك مما يلفت أنظارهم ليتبينوا ما يراد منها، ~~فيترتب على ذلك أن يسمعوا حكما، وهدايات قد تكون سببا فى إيمانهم. ولعل ~~مما يشهد بصحة هذا الرأى أن الآيات التى تلى هذه الحروف المقطعة، تتحدث ~~عن القرآن وعن كونه معجزة للرسول - صلى الله عليه وسلم - فى أغلب ~~المواضع. ومن ذلك قوله - تعالى - فى أول سورة البقرة # الم.ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين # وقوله سبحانه فى أول ms2494 سورة هود # الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم ~~خبير # وقوله - سبحانه - فى أول سورة إبراهيم # الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من ~~الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط ~~العزيز الحميد # وهكذا نرى أن كثيرا من السور التى افتتحت بالحروف المقطعة، قد أعقبت هذا ~~الافتتاح بالحديث الصريح أو الضمنى عن القرآن الكريم، وأن هذه السور إذا ~~تأملتها من أولها إلى آخرها ترى من أهدافها الأساسية إثبات وحدانية الله، ~~وإثبات صحة الرسالة المحمدية، وإثبات أن هذا القرآن الذى هو معجزة الرسول ~~الخالدة - منزل من عند الله - تعالى -. هذه خلاصة لآراء العلماء فى ~~المراد بالحروف المقطعة التى افتتحت بها بعض السور القرآنية، ومن أراد ~~مزيدا لذلك فليرجع - مثلا - إلى كتاب " الإتقان " للسيوطى، وإلى كتاب " ~~البرهان " للزركشى، وإلى تفسير الآلوسى. # ثم قال - تعالى - { تلك آيات الكتاب الحكيم }. { تلك } ~~اسم إشارة والمشار إليه الآيات. والمراد بها آيات القرآن الكريم. ويندرج ~~فيها آيات السورة التى معنا. والكتاب مصدر كتب كالكتب، وأصل الكتب ضم ~~أديم إلى أديم بالخياطة، واستعمل عرفا فى ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط ~~والمراد به القرآن الكريم على الصحيح. قال الآلوسى " وأما حمل الكتاب على ~~الكتب التى خلت قبل القرآن من التوراة والإنجيل وغيرهما، كما أخرجه ابن ~~أبى حاتم عن قتادة فهو فى غاية البعد ". والحكيم - بزنة فعيل - مأخوذ من ~~الفعل حكم بمعنى منع. تقول حكمت الفرس أى وضعت الحكمة فى فمها لمنعها من ~~الجموح والنفور. والمقصود أن هذا الكتاب ممتنع عن الفساد، ومبرأ من الخلل ~~والتناقض والاختلاف. قال الإمام الرازى ما ملخصه " وفى وصف الكتاب بكونه ~~حكيما وجوه منها أن الحكيم هو ذو الحكمة، بمعنى اشتماله على الحكمة - ~~فيكون الوصف للنسبة كلابن وتامر - ومنها أن الحكيم بمعنى الحاكم، بدليل ~~قوله - تعالى - # وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس ~~فيما اختلفوا فيه # ومنها أن الحكيم بمعنى المحكم والإحكام معناه المنع من الفساد، فيكون ~~المراد منه أنه لا تغيره الدهور أو المراد منه براءته من الكذب والتناقض ~~". والمعنى تلك الآيات ms2495 السامية، والمنزلة عليك يا محمد، هى آيات الكتاب، ~~المشتمل على الحكمة والصواب المحفوظ من كل تحريف أو تبديل الناطق بكل ما ~~يوصل إلى السعادة الدنيوية والأخروية. وصحت الإشارة إلى آيات الكتاب مع ~~أنها لم تكن قد نزلت جميعها، لأن الإشارة إلى جميعها، حيث كانت بصدد ~~الإنزال، ولأن الله - تعالى - قد وعد رسوله - صلى الله عليه وسلم - ~~بنزول القرآن عليه، كما فى قوله - تعالى - # إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا # ووعد الله - تعالى - لا يتخلف. ثم بين - سبحانه - موقف المشركين من ~~دعوته فقال { أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل ~~منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن ~~لهم قدم صدق عند ربهم }.. روى الضحاك عن ابن عباس قال ~~لما بعث الله - تعالى - رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - أنكرت العرب ~~ذلك، أو من أنكر منهم، وقالوا الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد، ~~فأنزل الله - تعالى - { أكان للناس عجبا... الآية }. والهمزة ~~فى قوله " أكان " لإنكار تعجبهم، ولتعجب السامعين منه لوقوعه فى غير ~~موضعه. وقوله { للناس } جار ومجرور حالا من قوله { عجبا } والمراد ~~بهم مشركو مكة ومن لف لفهم فى إنكار ما جاء به النبى - صلى الله عليه ~~وسلم -. # وقوله { عجبا } خبر كان، والعجب والتعجيب - استعظام أمر خفى سببه. ~~وقوله { أن أوحينآ } فى تأويل مصدر أى إيحاؤنا، وهو اسم كان. ~~والوحى الإعلام فى خفاء، والمقصود به ما أوحاه الله - تعالى - إلى نبيه ~~- صلى الله عليه وسلم - من قرآن وغيره. وقوله { إلى رجل منهم ~~} أى إلى بشر من جنسهم يعرفهم ويعرفونه. وقوله { أن أنذر الناس } ~~الإنذار إخبار معه تخويف فى مدة تتسع التحفظ من المخوف منه، فإن لم تتسع ~~له فهو إعلام وإشعار لا إنذار، وأكثر ما يستعمل فى القرآن فى التخويف من ~~عذاب الله - تعالى - والمراد بالناس هنا جميع الذين يمكنه - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يبلغهم دعوته. وقوله { وبشر الذين آمنوا } ~~البشارة إخبار معه ما يسر فهو أخص من الخبر، سمى بذلك لأن أثره يظهر على ~~البشرة التى هى ms2496 ظاهر الجلد. وقوله { أن لهم قدم صدق عند ~~ربهم } أى أن لهم سابقة ومنزلة رفيعة عند ربهم. وأصل القدم العضو ~~المخصوص. وأطلقت على السبق، لكونها سببه وآلته، فسمى المسبب باسم السبب ~~من باب المجاز المرسل، كما سميت النعمة يدا لأنها تعطى باليد. وأصل الصدق ~~أن يكون فى الأقوال، ويستعمل أحيانا فى الأفعال فيقال فلان صدق فى ~~القتال، إذا وفاه حقه، فيعبر بصفة الصدق عن كل فعل فاضل. وإضافة القدم ~~إلى الصدق من إضافة الموصوف إلى الصفة كقولهم مسجد الجامع، والأصل قدم ~~صدق. أى محققة مقررة. وفيه مبالغة لجعلها عين الصدق. ثم جعل الصدق كأنه ~~صاحبها. ويجوز أن تكون إضافة القدم إلى الصدق من باب إضافة المسبب إلى ~~السبب، وفى ذلك تنبيه إلى أن ما نالوه من منازل رفيعة عند ربهم. إنما هو ~~بسبب صدقهم فى أقوالهم وأفعالهم ونياتهم. قال الإمام ابن جرير ما ملخصه ~~واختلف أهل التأويل فى معنى قوله { قدم صدق } فقال بعضهم معناه أن ~~لهم أجرا حسنا بسبب ما قدموه من عمل صالح.. وقال آخرون معناه أن لهم سابق ~~صدق فى اللوح المحفوظ من السعادة. وقال آخرون معنى ذلك أن محمدا - صلى ~~الله عليه وسلم - شفيع لهم. ثم قال وأولى هذه الأقوال عندى بالصواب قول ~~من قال معناه أن لهم أعمالا صالحة عند الله يستحقون بها منه الثواب، وذلك ~~أنه محكى عن العرب قولهم هؤلاء أهل القدم فى الإسلام. أى هؤلاء الذين ~~قدموا فيه خيرا، فكان لهم فيه تقديم. ويقال لفلان عندى قدم صدق وقدم سوء، ~~وذلك بسبب ما قدم إليه من خير أو شر، ومنه قول حسان بن ثابت - رضى الله ~~عنه - # لنا القدم العليا إليك وخلفنا لأولنا فى طاعة الله تابع # ومعنى الآية الكريمة أبلغ الجهل وسوء التفكير بمشركى مكة ومن على ~~شاكلتهم، أن كان إيحاؤنا إلى رجل منهم يعرفهم ويعرفونه لكى يبلغهم الدين ~~الحق، أمرا عجبا، يدعوهم إلى الدهشة والاستهزاء بالموحى إليه - صلى الله ~~عليه وسلم - حتى لكأن النبوة فى زعمهم تتنافى مع البشرية. # إن ms2497 الذى يدعو إلى العجب حقا هو ما تعجبوا منه، لأن الله - تعالى - اقتضت ~~حكمته أن يجعل رسله إلى الناس من البشر، لأن كل جنس يأنس لجنسه، وينفر من ~~غيره، وهو - سبحانه - أعلم حيث يجعل رسالته. قال صاحب الكشاف " فإن قلت ~~فما معنى اللام فى قوله { أكان للناس عجبا } وما الفرق بينه ~~وبين قولك كان عند الناس عجبا؟ قلت معناه أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتعجبون ~~منها. ونصبوه علما لهم يوجهون نحوه استهزاءهم وإنكارهم، وليس فى " عند ~~الناس " هذا المعنى. والذى تعجبوا منه أن يوحى إلى بشر. وأن يكون رجلا من ~~أفناء رجالهم دون عظيم من عظمائهم، فقد كانوا يقولون العجب أن الله لم ~~يجد رسولا يرسله إلى الناس إلا يتيم أبى طالب. وأن يذكر لهم البعث. وينذر ~~بالنار ويبشر بالجنة. وكل واحد من هذه الأمور ليس بعجب، لأن الرسل ~~المبعوثين إلى الأمم لم يكونوا إلا بشر مثلهم. وقال الله - تعالى - # قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ~~لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا # وإرسال الفقير أو اليتيم ليس بعجب - أيضا - لأن الله - تعالى - إنما ~~يختار من استحق الاختيار لجمعه أسباب الاستقلال لما ختير له من النبوة. ~~والغنى والتقدم فى الدنيا ليس من تلك الأسباب فى شىء قال - تعالى - # ومآ أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم ~~عندنا زلفى # والبعث للجزاء على الخير والشر. هو الحكمة العظمى فكيف يكون عجبا إنما ~~العجب والمنكر فى العقول، تعطيل الجزاء. وقدم - سبحانه - خبر كان وهو { ~~عجبا } على اسمها وهو { أن أوحينآ }. لأن المقصود بالإنكار فى ~~الآية إنما هو تعجبهم ودهشتهم من أن يكون الرسول بشرا. وقدم - سبحانه - ~~الإنذار على التبشير، لأن التخلية مقدمة على التحلية، وإزالة مالا ينبغى ~~مقدم فى الرتبة على فعل ما ينبغى. ولم ذكر المنذر به، لتهويله وتعميمه ~~حتى يزداد خوفهم وإقبالهم على الدين الحق، الذى يؤدى اتباعه إلى النجاة ~~من العذاب. وخص التبشير بالمؤمنين لأنهم وحدهم المستحقون له، بخلاف ~~الإنذار فإنه يشمل المؤمن والكافر. ولذا قال - سبحانه - { أن أنذر ~~الناس } أى جميع ms2498 الناس. وذكر - سبحانه - فى جانب التبشير المبشر به - ~~وهو حصولهم على المنزلة الرفيعة عند ربهم - لكى تقوى رغبتهم فى طاعته. ~~ومحبتهم لعبادته، وبذلك ينالون ما بشرهم به. ثم وضح - سبحانه - ما قاله ~~الكافرون عند مجىء الرسول - صلى الله عليه وسلم - بدعوته فقال { قال ~~الكافرون إن هذا لساحر مبين }. # أى قال الكافرون المتعجبون من أن يكون - صلى الله عليه وسلم - رسولا ~~إليهم، إن هذا الإنسان الذى يدعى النبوة لساحر بين السحر واضحه. حيث ~~إنه استطاع بقوة تأثيره فى النفوس أن يفرق بين الابن وأبيه، والأخ وأخيه. ~~وعلى هذا القراءة التى وردت عن ابن كثير والكوفيين تكون الإشارة إلى ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وقرأ الباقون { إن هذا لساحر ~~مبين } أى إن هذا القرآن لسحر واضح، لأنه خارق للعادة فى جذبه النفوس ~~إلى الإيمان بما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -. قال أبو حيان ما ~~ملخصه " ولما كان قولهم فيما لا يمكن أن يكون سحرا ظاهر الفساد، لم يحتج ~~إلى جواب، لأنهم يعلمون نشأته معهم بمكة، وخلطتهم له، - وأنه لا علم له ~~بالسحر - وقد أتاهم بعد بعثته بكتاب إلهى مشتمل على مصالح الدنيا والآخرة ~~مع الفصاحة والبلاغة التى أعجزتهم.. وقولهم هذا هو دين الكفرة مع ~~أنبيائهم. فقد قال فرعون وقومه فى موسى - عليه السلام - # إن هذا لساحر عليم # وقال قوم عيسى فيه عندما جاءهم بالبينات { هذا لساحر مبين } ~~ودعوى السحر إنما هو على سبيل العناد والجحد. وقال الآلوسى " وفى قولهم ~~هذا اعتراف منهم بأن ما عاينوه خارج عن طوق البشر، نازل من حضرة خلاق ~~القوى والقدر، ولكنهم يسمونه سحرا تماديا فى العناد، كما هو شنشنة ~~المكابر اللجوج، وشنشنة المفحم المحجوج ". وجاءت الجملة الكريمة بدون حرف ~~عطف، لكونها استئنافا مبنيا على سؤال مقدر، فكأنه قيل فماذا قالوا بعد ~~هذا التعجب؟ فكان الجواب { قال الكافرون إن هذا لساحر ~~مبين }. ويرى الإمام ابن جرير أن الآية فيها كلام محذوف، فقد قال - ~~رحمه الله - " وفى الكلام حذف استغنى بدلالة ما ذكر عما ترك ذكره، وتأويل ms2499 ~~الكلام أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين ~~آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم، فلما أتاهم بوحى الله وتلاه عليهم وبشرهم ~~وأنذرهم قال المنكرون لتوحيد الله ورسالة رسوله إن هذا الذى جاءنا به ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - لسحر مبين ". وقد اشتملت جملة { إن ~~هذا لساحر مبين } على جملة من المؤكدات، للإشارة إلى رسوخهم ~~فى الكفر، وإلى أنهم مع وضوح الأدلة على صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- لم يزدادوا إلا جحودا وعنادا، وصدق الله إذ يقول # فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات ~~الله يجحدون # ثم ساق - سبحانه - من مظاهر قدرته، ما يبطل تعجبهم فقال - تعالى - { ~~إن ربكم الله الذي خلق السماوات... } ### || [10.3-4] # قال الإمام الرازى ما ملخصه " اعلم أنه - تعالى - لما حكى عن الكفار ~~أنهم تعجبوا من الوحى والبعثة والرسالة ثم إنه - تعالى - أزال ذلك التعجب ~~بأنه لا يبعد ألبتة فى أن يبعث خالق الخلق إليهم رسولا يبشرهم وينذرهم.. ~~كان هذا الجواب إنما يتم بإثبات أمرين أحدهما إثبات أن لهذا العالم إلها ~~قاهرا قادرا، نافذ الحكم بالأمر والنهى. والثانى إثبات الحشر والنشر ~~والبعث والقيامة، حتى يحصل الثواب والعقاب اللذان أخبر الأنبياء عن ~~حصولهما. فلا جرم أنه - سبحانه - ذكر فى هذا الموضع ما يدل على تحقيق ~~هذين المطلوبين. أما الأول وهو إثبات الألوهية فبقوله - تعالى { إن ~~ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض... }. وأما ~~الثانى فهو إثبات المعاد والحشر والنشر بقوله { إليه مرجعكم ~~جميعا... }. فثبت أن هذا الترتيب فى غاية الحسن. ونهاية الكمال ". ~~والمعنى إن ربكم ومالك أمركم - الذى عجبتم من أن يرسل إليكم رسولا منكم ~~هو الذى خلق السماوات والأرض فى مقدار ستة أيام أى أوقات. فالمراد من ~~اليوم معناه اللغوى وهو مطلق الوقت. وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - أن ~~تلك الأيام من أيام الآخرة التى يوم منها كألف سنة مما تعدون. قال ~~الآلوسى " وقيل هى مقدار ستة أيام من أيام الدنيا وهو الأنسب بالمقام، ~~لما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة ms2500 بخلق هذه الأجرام العظيمة فى مثل ~~تلك المدة اليسيرة، ولأنه تعريف لنا بما نعرفه ". وقال بعض العلماء " ولا ~~ندخل فى تحديد هذه الأيام الستة، فهى لم تذكر هنا لنتجه إلى تحديد مداها ~~ونوعها، وإنما ذكرت لبيان حكمة التدبير والتقدير فى الخلق حسب مقتضيات ~~الغاية من هذا الخلق، وتهيئته لبلوغ هذه الغاية. وعلى أية حال فالأيام ~~الستة غيب من غيب الله، الذى لا مصدر لإدراكه إلا هذا المصدر، فعلينا أن ~~نقف عنده ولا نتعداه، والمقصود بذكرها هو الإشارة إلى حكمة التقدير ~~والتدبير والنظام الذى يسير مع الكون من بدئه إلى منتهاه ". وقال سعيد بن ~~جبير كان الله قادرا على أن يخلق السماوات والأرض فى لمحة ولحظة. ولكنه - ~~سبحانه - خلقهن فى ستة أيام، لكى يعلم عباده التثبت والتأنى فى الأمور. ~~وقوله { ثم استوى على العرش } معطوف على ما قبله، لتأكيد ~~مزيد قدرته وعظمته - سبحانه -. والاستواء من معانيه اللغوية الاستقرار، ~~ومنه قوله - تعالى - # واستوت على الجودي # أى استقرت، ومن معانيه - أيضا - الاستيلاء والقهر والسلطان، ومنه قول ~~الشاعر قد استوى بشر على العراق أى استولى عليه. وعرش الله - كما قال ~~الراغب - مما لا يعلمه البشر على الحقيقة إلا بالاسم وليس كما تذهب إليه ~~أوهام العامة، فإنه لو كان كذلك لكان حاملا له - تعالى الله عن ذلك - لا ~~محمولا ". # وقد ذكر العرش فى القرآن الكريم فى إحدى وعشرين آية، وذكر الاستواء على ~~العرش فى سبع آيات. أما الاستواء على العرش فذهب سلف الأمة إلى أنه صفة ~~الله - تعالى - بلا كيف ولا انحصار ولا تشبيه ولا تمثيل لاستحالة اتصافه ~~- سبحانه - بصفات المحدثين، ولوجوب تنزيهه عما لا يليق به فيجب الإيمان ~~بها كام وردت وتفويض العلم بحقيقتها إلى الله - تعالى -. فعن أم سلمة - ~~رضى الله عنها - أنها قالت فى تفسير قوله - تعالى # الرحمن على العرش استوى # الكيف غير معقول، والاستواء مجهول، والإقرار به من الإيمان، والجحود ~~به كفر. وقال الإمام مالك الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، ~~والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وقال محمد بن الحسن ms2501 اتفق الفقهاء ~~جميعا على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه. وقال الإمام الرازى ~~" إن هذا المذهب هو الذى نقول به ونختاره ونعتمد عليه ". وذهب بعض علماء ~~الخلف إلى وجوب صرف هذه الصفة وأمثالها عن الظاهر لاستحالة حملها على ما ~~يفيده ظاهر اللفظ، لأنه - سبحانه - مخالف للحوادث، ووجوب حملها على ما ~~يليق به - سبحانه -. وعليه فإن الاستواء هنا كناية عن القهر والعظمة ~~والغلبة والسلطان وقوله { يدبر الأمر } استئناف مسوق لتقرير ~~عظمته - سبحانه - ولبيان حكمة استوائه على العرش. والتدبير معناه النظر ~~فى أدبار الأمور وعواقبها لتقع على الوجه المحمود. والمراد به هنا ~~التقدير الجارى على وفق الحكمة التى اقتضتها إرادة الله ومشيئته. والمراد ~~بالأمر ما يتعلق بأمور المخلوقات كلها من إنس وجن وغير ذلك من مخلوقاته ~~التى لا تعد ولا تحصى. أى أنه سبحانه يدبر أمر مخلوقاته تدبيرا حكيما، ~~حسبما تقتضيه إرادته وعبر بالمضارع فى قوله { يدبر } للإشارة إلى تجدد ~~التدبير واستمراره، إذ أنه - سبحانه - لا يهمل شئون خلقه. وقوله { ما ~~من شفيع إلا من بعد إذنه } استئناف آخر مسوق لبيان تفرده ~~فى تدبيره وأحكامه. والشفيع مأخوذ من الشفع وهو ضم الشىء إلى مثله، وأكثر ~~ما يستعمل فى انضمام من هو أعلى منزلة إلى من هو أدنى منه لإعانته على ~~ما يريده. والاستثناء هنا مفرغ من أعم الأوقات والأحوال. أى ما من شفيع ~~يستطيع أن يشفع لغيره فى جميع الأوقات والأحوال إلا بعد إذنه - سبحانه -. ~~وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه # وقوله - سبحانه - # وكم من ملك فى السماوات لا تغني شفاعتهم ~~شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشآء ~~ويرضى # واسم الإشارة فى قوله - سبحانه - { ذلكم الله ربكم ~~فاعبدوه } يعود إلى ذات الله - تعالى - الموصوفة بتلك الصفات ~~الجليلة. أى ذلك الموصوف بالخلق والتدبير والتصرف فى شئون خلقه وفق ~~مشيئته، هو الله ربكم فأخلصوا له العبادة والطاعة ولا تشركوا معه أحدا فى ~~ذلك. ثم ختم - سبحانه - الآية بالأمر بالتذكر فقال { أفلا ~~تذكرون } أى أتعلمون أن ms2502 الله - تعالى - هو خالقكم وهو القادر على ~~كل شىء، ومع ذلك تستبعدون أن يكون الرسول بشرا، فهلا تذكرتم قدرة الله ~~وحكمته حتى تثوبوا إلى رشدكم، وتتبعوا الحق الذى جاءكم به نبيكم - صلى ~~الله عليه وسلم - وإيثار { تذكرون } على تفكرون للإيذان بظهور ~~الأمر وأنه كالمعلوم الذى لا يفتقر إلى عمق فى التفكير والبحث والتأمل. ~~إذ أن مظاهر قدرة الله وعظمته نراها واضحة جلية فى الأنفس والآفاق. وبذلك ~~نرى الآية الكريمة قد ساقت ألوانا من مظاهر قدرة الله - تعالى - وبالغ ~~حكمته، ونفاذ أحكامه حتى يخلص له الناس العبادة والطاعة. ثم بين - سبحانه ~~- أن مرجع العباد جميعا إليه، وأنه سيجازى كل إنسان بما يستحق. فقال - ~~تعالى - { إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا }. أى ~~إلى الله - تعالى - وحده مرجعكم جميعا بعد الموت ليحاسبكم على أعمالكم، ~~وقد وعد الله بذلك وعدا صدقا، ولن يخلف الله وعده. قال أبو حيان وانتصب { ~~وعد الله } و { حقا } على أنهما مصدران مؤكدان لمضمون الجملة، ~~والتقدير وعد الله وعدا، فلما حذف الناصب أضاف المصدر إلى الفاعل، وذلك ~~كقوله " صبغة الله " و " صنع الله " والتقدير فى { حقا } حق ذلك حقا ". ~~وقوله { إنه يبدأ الخلق ثم يعيده } كالتعليل لما ~~أفاده قوله - سبحانه - { إليه مرجعكم } فإن غاية البدء ~~والإعادة هو الجزاء المناسب على الأعمال الدنيوية. أى إن شأنه - سبحانه ~~- أن يبدأ الخلق عند تكوينه ثم يعيده إلى الحياة مرة أخرى بعد موته ~~وفنائه. ثم بين - سبحانه - الحكمة من الإعادة بعد الموت فقال { ~~ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط ~~والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم ~~بما كانوا يكفرون }. والقسط - كما يقول الراغب - النصيب ~~بالعدل. يقال قسط الرجل إذا جار وظلم. ومنه قوله - تعالى - # وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا # ويقال أقسط فلان إذا عدل، ومنه قوله - تعالى - # وأقسطوا إن الله يحب المقسطين # والحميم الماء الذى بلغ أقصى درجات الحرارة، قال - تعالى - # وسقوا مآء حميما فقطع أمعآءهم # أى فعل ما فعل سبحانه من بدء الخلق وإعادتهم ليجزى الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات بعدله الجزاء الطيب ms2503 الذى أعده لهم، وأما الذين كفروا فيجزيهم - ~~أيضا - بعدله ما يستحقونه من شراب حميم يقطع أمعاءهم، ومن عذاب مؤلم ~~لابدانهم، وذلك بسبب كفرهم واستحبابهم العمى على الهدى. # وقوله { بالقسط } حال من فاعل { ليجزي } ليجزيهم ملتبسا بالقسط. ~~ويصح أن يكون المعنى فعل ما فعل ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~الجزاء الحسن بسبب عدلهم وتمسكهم بتكاليف دينهم، وأما الذين كفروا فلهم ~~شراب من حميم وعذاب أليم بسبب كفرهم. قال الجمل ما ملخصه وقال - سبحانه - ~~{ والذين كفروا لهم شراب... } بتغيير فى الأسلوب للمبالغة ~~فى استحقاقهم للعقاب. وللتنبيه على أن المقصود بالذات من الإبداء ~~والإعادة هو الإثابة، والعذاب وقع بالعرض. وأنه - تعالى - يتولى إثابة ~~المؤمنين بما يليق بلطفه وكرمه، ولذلك لم يعينه، وأما عقاب الكفرة فكأنه ~~داء ساقه إليهم سوء اعتقادهم وسوء أفعالهم. وبعد أن بين - سبحانه - جانبا ~~من مظاهر قدرته فى خلق السماوات والأرض، أتبع ذلك بذكر مظاهر أخرى ~~لقدرته، تتمثل فى خلق الشمس والقمر والليل والنهار فقال - تعالى - { هو ~~الذي جعل الشمس... }. ### || [10.5-6] # ففى هاتين الآيتين - كما يقول الآلوسى - تنبيه على الاستدلال على وجوده ~~- تعالى - ووحدته وعلمه وقدرته وحكمته. بآثار صنيعه فى النيرين بعد ~~التنبيه على الاستدلال بما مر، وبيان لبعض أفراد التدبير الذى أشير إليه ~~إشارة إجمالية، وإرشاد إلى أنه - سبحانه - حين دبر أمورهم المتعلقة ~~بمعاشهم هذا التدبير البديع، فلأن يدبر مصالحهم المتعلقة بمعادهم بإرسال ~~الرسل وإنزال الكتب أولى وأحرى ". وقوله { جعل } يجوز أن يكون بمعنى أنشأ ~~وأبدع، فيكون لفظ { ضياء } حال من المفعول، ويجوز أن يكون بمعنى صير ~~فيكون اللفظ المذكور مفعولا ثانيا. وقوله { ضياء } جمع ضوء كسوط وسياط، ~~وحوض حياض، وقيل هو مصدر ضاء يضوء ضياء كقام يقوم قياما، وصام يصوم ~~صياما، وعلى كلا الوجهين فالكلام على حذف مضاف. والمعنى الله - تعالى - ~~وحده هو الذى جعل لكم الشمس ذات ضياء، وجعل لكم القمر ذا نور، لكى ~~تنتفعوا بهما فى مختلف شئونكم. قال الجمل " وخص الشمس بالضياء لأنه أقوى ~~وأكمل من النور، وخص القمر بالنور لأنه أضعف من الضياء ولأنهما ms2504 إذا ~~تساويا لم يعرف الليل من النهار، فدل ذلك على أن الضياء المختص بالشمس ~~أكمل وأقوى من النور المختص بالقمر ". هذا دليل. ومما يدل على التفرقة ~~بين الشمس والقمر فى نورهما قوله - تعالى - # وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا # وقوله - سبحانه - # تبارك الذي جعل في السمآء بروجا وجعل فيها ~~سراجا وقمرا منيرا # وقوله { وقدره منازل } معطوف على ما قبله. والتقدير جعل الشىء ~~أو الأشياء على مقادير مخصوصة فى الزمان أو المكان أو غيرهما قال - تعالى ~~- # والله يقدر اليل والنهار # المنازل جمع منزل، وهى أماكن النزول، وهى - كما يقول بعضهم - ثمانية ~~وعشرون منزلا، وتنقسم إلى اثنى عشر برجا وهى الحمل، والثور، والجوزاء، ~~والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدى، والدلو، ~~والحوت، لكل برج منها منزلان وثلث منزل، وينزل القمر فى كل ليلة منزلا ~~منها إلى انقضاء ثمانية وعشرين. ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين يوما، ~~ويستتر ليلة واحدة إن كان الشهر تسعة وعشرين يوما. والضمير فى قوله { ~~وقدره } يعود إلى القمر، كما فى قوله - تعالى - # والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون ~~القديم # أى والله - تعالى - هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا، وقدر للقمر ~~منازل ينزل فيها فى كل ليلة على هيئة خاصة، وطريقة بديعة تدل على قدرة ~~الله وحكمته. قالوا وكانت عودة الضمير إلى القمر وحده، لسرعة سيره ~~بالنسبة إلى الشمس ولأن منازله معلومة محسوسة، ولأنه العمدة فى تواريخ ~~العرب، ولأن أحكام الشرع منوطة به فى الأغلب. # وجوز بعضهم أن يكون الضمير للشمس والقمر معا، أى وقدر لهما منازل، أو ~~قدر لسيرهما منازل لا يجاوزانها فى السير، ولا يتعدى أحدهما على الآخر ~~كما قال - تعالى - # لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا اليل ~~سابق النهار وكل في فلك يسبحون # وإنما وحد الضمير للإيجاز كما فى قوله - تعالى - # والله ورسوله أحق أن يرضوه # وقوله # ولتعلموا عدد السنين والحساب # بيان للحكمة من الخلق والتقدير. أى جعل - سبحانه - الشمس ضياء، والقمر ~~نورا، وقدره منازل، لتعلموا عدد السنين التى يفيدكم علمها فى ms2505 مصالحكم ~~الدينية والدنيوية ولتعلموا الحساب بالأوقات من الأشهر والأيام لضبط ~~عباداتكم ومعاملاتكم. قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية يخبر ~~الله - تعالى - عما خلق من الآيات الدالة على كمال قدرته، وعظيم سلطانه، ~~أنه جعل الشعاع الصادر عن جرم الشمس ضياء، وجعل شعاع القمر نورا، هذا فن ~~وهذا فن آخر، ففاوت بينهما لئلا يشتبها، وجعل سلطان الشمس بالنهار وسلطان ~~القمر بالليل، وقدر القمر منازل، فأول ما يبدو القمر يكون صغيرا ثم ~~يتزايد نوره وجرمه حتى يستوسق ويكمل إبداره، ثم يشرع فى النقص حتى يرجع ~~إلى حالته الأولى. فبالشمس تعرف الأيام، وبسير القمر تعرف الشهور ~~والأعوام ". واسم الإشارة فى قوله { ما خلق الله ذلك إلا ~~بالحق } يعود إلى المذكور من جعل الشمس ضياء والقمر نورا وتقديره ~~منازل. أى ما خلق الله ذلك الذى ذكره لكم إلا خلقا ملتبسا بالحق، ومقترنا ~~بالحكمة البالغة التى تقتضيها مصالحكم. وقوله { يفصل الآيات ~~لقوم يعلمون } استئناف مسوق لبيان المنتفعين بهذه الدلائل ~~الدالة على قدرة الله ووحدانيته ورحمته بعباده. أى يفصل - سبحانه - ويوضح ~~البراهين الدالة على قدرته لقوم يعلمون الحق، فيستجيبون له، ويكثرون من ~~طاعة الله وشكره على ما خلق وأنعم. ثم بين - سبحانه - لونا آخر من ألوان ~~قدرته ورحمته فقال { إن في اختلاف اليل والنهار } طولا ~~وقصرا، وحرا وبردا، وتعاقبا دقيقا لا يسبق أحدهما معه الآخر { وما ~~خلق الله في السماوات والأرض } من أنواع الإنس والجن ~~والحيوان والنبات والنجوم وغير ذلك من المخلوقات التى لا تعد ولا تحصى.. ~~إن فى كل ذلك الذى خلقه { لآيات لقوم يتقون } أى لدلائل ~~عظيمة كثيرة دالة على قدرة الله ورحمته ووحدانيته، لقوم يتقون الله - ~~تعالى - فيحذرون عقابه، ويرجون رحمته. وخص - سبحانه - المتقين بالذكر، ~~لأنهم هم المنتفعون بنتائج التدبر فى هذه الدلائل. وبذلك نرى أن القرآن ~~الكريم قد سلك أنجع الوسائل فى مخاطبة الفطرة البشرية، حيث لفت الأنظار ~~إلى ما اشتمل عليه هذا الكون من مخلوقات شاهدة محسوسة، تدل على وحدانية ~~الله، وقدرته النافذة، ورحمته السابغة بعباده. * * * ثم بينت السورة ~~الكريمة ms2506 ما أعده الله من عذاب للكافرين، وما أعده من ثواب للطائعين، فقال ~~- تعالى - { إن الذين لا يرجون لقآءنا ورضوا... }. ### || [10.7-10] # قال الإمام الرازى " اعلم أنه - تعالى - لما أقام الدلائل على صحة ~~القول بإثبات الإله القادر الرحيم الحكيم، وعلى صحة القول بالمعاد ~~والحشر والنشر، شرع بعده فى شرح أحوال من يكفر بها وفى شرح أحوال من يؤمن ~~بها ". والمراد بلقائه - سبحانه - الرجوع إليه يوم القيامة للحساب ~~والجزاء. والمعنى إن الذين لا يرجون ولا يتوقعون لقاءنا يوم القيامة ~~لحسابهم على أعمالهم فى الدنيا { ورضوا بالحياة الدنيا } ~~رضاء جعلهم لا يفكرون إلا فى التشبع من زينتها ومتعها، وأطمأنوا بها، ~~اطمئنانا صيرهم يفرحون بها ويسكنون إليها { والذين هم عن ~~آياتنا } التنزيلية والكونية الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا { غافلون } ~~بحيث لا يخطر على بالهم شىء مما تدل عليه هذه الآيات من عبر وعظات. فأنت ~~ترى أن الله - تعالى - قد وصف هؤلاء الأشقياء بأربع صفات ذميمة. وصفهم - ~~أولا - بعدم الرجاء فى لقاء الله - بأن صاروا لا يطمعون فى ثواب، ولا ~~يخافون من عقاب، لإنكار الدار الآخرة. ووصفهم - ثانيا - بأنهم رضوا ~~بالحياة الدنيا، بأن أصبح همهم محصورا فيها، وفى لذائذها وشهواتها. قال ~~الإمام الرازى " واعلم أن الصفة الأولى إشارة إلى خلو قلبه عن اللذات ~~الروحانية، وفراغه عن طلب السعادات الحاصلة بالمعارف الربانية، وأما هذه ~~الصفة الثانية فهى إشارة إلى من استغرقه الله فى طلب اللذات الجسمانية ~~واكتفائه بها، واستغراقه فى طلبها ". ووصفهم - ثالثا - بأنهم اطمأنوا ~~بهذه الحياة، اطمئنان الشخص إلى الشىء الذى لا ملاذ له سواه، فإذا كان ~~السعداء يطمئنون إلى ذكر الله، فإن هؤلاء الأشقياء ماتت قلوبهم عن كل ~~خير، وصارت لا تطمئن إلا إلى زينة الحياة الدنيا. ووصفهم - رابعا - ~~بالغفلة عن آيات الله التى توقظ القلب، وتهدى العقل، وتحفز النفس إلى ~~التفكير والتدبير. وبالجملة فهذه الصفات الأربعة تدل دلالة واضحة على أن ~~هؤلاء الأشقياء قد آثروا دنياهم على أخراهم، واستحبوا الضلالة على الهدى، ~~واستبدلوا الذى هو أدنى بالذى هو خير. فماذا كان مصيرهم كما بينه - ~~سبحانه ms2507 - فى قوله { أولئك مأواهم النار بما كانوا ~~يكسبون }. أى أولئك المتصفون بتلك الصفات الخسيسة، مقرهم وملجأهم ~~الذى يلجأون إليه النار وبئس القرار، بسبب ما اجترحوه من سيئات وما ~~اقترفوه من منكرات. هذه هى صفات هؤلاء الأشقياء، وذلك هو جزاؤهم العادل، ~~أما السعداء فقد بين الله - تعالى - بعد ذلك صفاتهم وثوابهم فقال - تعالى ~~- { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات }. أى آمنو بما ~~يجب الإيمان به، وعملوا فى دنياهم الأعمال الصالحة التى ترفع درجاتهم ~~عند ربهم. { يهديهم ربهم بإيمانهم } أى يرشدهم ربهم ~~ويوصلهم بسبب إيمانهم وعملهم الصالح إلى غايتهم وهى الجنة. # وإنما لم تذكر تعويلا على ظهورها وانسياق النفس إليها، بعد أن عرف أن ~~مأوى الكافرين النار وبئس القرار.. قال الإمام ابن كثير " يحتمل أن تكون ~~الباء فى قوله { بإيمانهم } للسببية، فيكون التقدير بسبب إيمانهم فى ~~الدنيا يهديهم الله يوم القيامة إلى الصراط المستقيم حتى يجوزوه ويخلصوا ~~إلى الجنة، ويحتمل أن تكون للاستعانة كما قال مجاهد { يهديهم ~~ربهم بإيمانهم } أى يكون إيمانهم لهم نورا يمشون به وقال ابن ~~جريج فى الآية يمثل له عمله فى صورة حسنة وريح طيبة إذا قام من قبره ~~يعارض صاحبه ويبشره بكل خير فيقول له من أنت؟ فيقول أنا عملك، فيجعل له ~~نوره من بين يديه حتى يدخله الجنة، فذلك قوله - تعالى - { يهديهم ~~ربهم بإيمانهم }. والكافر يمثل له عمله فى صورة سيئة. وريح ~~منتنة فيلزم صاحبه حتى يقذفه فى النار.. " وقوله { تجري من ~~تحتهم الأنهار في جنات النعيم } أى تجرى من تحت ~~منازلهم أو مقاعدهم الأنهار، وهم آمنون مطمئنون فى الجنات، يتنعمون فيها ~~بما لا عين رأت ولا أذن سمعت. ولا خطر على قلب بشر. وقوله { دعواهم ~~فيها سبحانك اللهم } أى دعاؤهم فى هذه الجنات يكون بقولهم ~~سبحانك اللهم. فالدعوى ها هنا بمعنى الدعاء. يقال دعا يدعو دعاء ودعوى. ~~كما يقال شكا يشكو شكاية وشكوى. ولفظ سبحان اسم مصدر بمعنى التسبيح وهو ~~منصوب بفعل مضمر لا يكاد يذكر معه. ولفظ اللهم أصله يا الله، فلما استعمل ~~دون حرف ms2508 النداء الذى هو " يا " جعلت هذه الميم المشددة فى آخره عوضا عن ~~حرف النداء. قال الإمام الرازى " ومما يقوى أن المراد من الدعوى هنا ~~الدعاء، أنهم قالوا اللهم. وهذا نداء الله - تعالى - ومعنى قولهم سبحانك ~~اللهم. إنا نسبحك. كقول القانت فى دعاء القنوت " اللهم إياك نعبد ". ثم ~~قال ويجوز أن يراد بالدعاء العبادة، ونظيره قوله - تعالى - # وأعتزلكم وما تدعون من دون الله # أى وما تعبدون، فيكون معنى الآية أنه لا عبادة لأهل الجنة إلا أن يسبحوا ~~الله ويحمدوه، ويكون اشتغالهم بذلك الذكر لا على سبيل التكليف، بل على ~~سبيل الابتهاج بذكر الله - تعالى - ". وقوله { وتحيتهم فيها ~~سلام } معطوف على ما قبله. والتحية التكرمة بالحال الجليلة، وأصلها ~~أحياك الله حياة طيبة. والسلام بمعنى السلامة من كل مكروه. أى دعاؤهم فى ~~الجنة أن يقولوا سبحانك اللهم. وتحيتهم التى يحيون بها هى السلامة من كل ~~مكروه. وهذه التحية تكون من الله - تعالى - لهم كما فى قوله - سبحانه - # تحيتهم يوم يلقونه سلام # وتكون من الملائكة كما فى قوله - تعالى - # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب. سلام ~~عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار # وتكون منهم فيما بينهم كما يتبادر من قوله - تعالى - # لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما... # وقوله { وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ~~} أى وختام دعائهم يكون بقولهم الحمد لله رب العالمين. قال الإمام ~~القرطبى ما ملخصه " ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن التهليل والتسبيح ~~والحمد قد يسمى دعاء ". روى الشيخان عن ابن عباس # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - كان يقول عند الكرب لا إله إلا ~~الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله ~~رب السماوات والأرض، ورب العرش الكريم ". # قال الطبرى كان السلف يدعون بهذا الدعاء ويسمونه دعاء الكرب. والذى يقطع ~~النزاع ويثبت أن هذا يسمى دعاء، وإن لم يكن فيه من معنى الدعاء شىء، ~~وإنما هو تعظيم لله - تعالى - وثناء عليه، ما رواه النسائى عن سعد بن أبى ~~وقاص قال قال رسول ms2509 الله - صلى الله عليه وسلم - # " دعوة ذى النون إذ دعا بها فى بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت ~~من الظالمين، فإنه لن يدعو بها مسلم فى شىء إلا استجيب له ". # ويستحب للداعى أن يقول فى آخر دعائه كما قال الله - تعالى - حكاية عن ~~أهل الجنة { وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين }. * * * ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر لطفه ورحمته بالناس، ~~وما جبلوا عليه من صفات وطبائع فقال - تعالى - { ولو يعجل ~~الله للناس الشر... }. ### || [10.11-12] # قال صاحب المنار " هاتان الآيتان فى بيان شأن من شئون البشر وغرائزهم ~~فيما يعرض لهم فى حياتهم الدنيا من خير وشر، ونفع وضر، وشعورهم بالحاجة ~~إلى الله - تعالى - واللجوء إلى دعائه لأنفسهم وعليها، واستعجالهم الأمور ~~قبل أوانها وهو تعريض بالمشركين، وحجة على ما يأتون من شرك وما ينكرون من ~~أمر البعث، متمم لما قبله، ولذلك عطف عليه. وقوله { يعجل } من التعجيل ~~بمعنى طلب الشىء قبل وقته المحدد له والاستعجال طلب التعجيل بالشىء. ~~والأجل الوقت المحدد لانقضاء المدة. وأجل الإنسان هو الوقت المضروب ~~لانتهاء عمره. والمراد بالناس هنا - عند عدد من المفسرين - المشركون ~~الذين وصفهم الله - تعالى - قبل ذلك بأنهم لا يرجون لقاءه ورضوا بالحياة ~~الدنيا واطمأنوا بها. ولقد حكى القرآن فى كثير من آياته، أن المشركين قد ~~استعجلوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى نزول العذاب، ومن ذلك قوله - ~~تعالى - # ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى ~~لجآءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا ~~يشعرون. يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم ~~لمحيطة بالكافرين # وقوله - تعالى - # وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا ~~بعذاب أليم # والمعنى ولو يعجل الله - تعالى - لهؤلاء المشركين العقوبة التى طلبوها، ~~تعجيلا مثل استعجالهم الحصول على الخير { لقضي إليهم أجلهم ~~} أى لأميتوا وأهلكوا جميعا، ولكن الله - تعالى - الرحيم بخلقه، الحكيم ~~فى أفعاله، لا يعجل لهم العقوبة التى طلبوها كما يعجل لهم طلب الخير ~~لحكمة هو يعلمها فقد يكون من بين هؤلاء المتعجلين للعقوبة من يدخل ms2510 فى ~~الإسلام، ويتبع الرسول - صلى الله عليه وسلم -. قال الإمام الرازى " ~~فقد بين - سبحانه - فى هذه الآية أنهم لا مصلحة لهم فى تعجيل إيصال الشر ~~إليهم، لأنه - تعالى - " لو أوصل ذلك العقاب إليهم لماتوا وهلكوا، ولا ~~صلاح فى إماتتهم، فربما آمنوا بعد ذلك، وربما خرج من أصلابهم من كان ~~مؤمنا، وذلك يقتضى أن لا يعاجلهم بإيصال ذلك الشر ". ومن العلماء من يرى ~~أن المراد بالناس هنا ما يشمل المشركين وغيرهم، وأن الآية الكريمة تحكى ~~لونا من ألوان لطف الله بعباده ورحمته بهم. ومن المفسرين الذين اقتصروا ~~على هذا الاتجاه فى تفسيرهم الإمام ابن كثير، فقد قال عند تفسيره لهذه ~~الآية يخبر - تعالى - عن حلمه ولطفه بعباده أنه لا يستجيب لهم إذا دعوا ~~على أنفسهم، أو أموالهم أو أولادهم بالشر فى حال ضجرهم وغضبهم، وأنه يعلم ~~منهم عدم القصد إلى إرادة ذلك، فلهذا لا يستجيب لهم والحالة هذه لطفا ~~ورحمة، كما يستجيب لهم إذا دعوا لأنفسهم أو لأموالهم أو لأولادهم بالخير ~~والبركة والسخاء، ولهذا قال { ولو يعجل الله للناس ~~الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم. # .. } أى لو استجاب لهم جميع ما دعوه به فى ذلك لأهلكهم. ثم قال ولكن لا ~~ينبغى الإكثار من ذلك، كما جاء فى الحديث الذى رواه الحافظ أبو بكر ~~البزار فى مسنده عن جابر قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " لا تدعوا على أنفسكم، لا تدعوا على أولادكم، لا تدعوا على أموالكم، لا ~~توافقوا من الله ساعة فيها إجابة فيستجيب لكم ". # وقال مجاهد فى تفسير هذه الآية هو قول الإنسان لولده أو ماله إذا غضب ~~عليه اللهم لا تبارك فيه والعنه، فلو يعجل لهم الاستجابة فى ذلك كما ~~يستجاب لهم فى الخير لأهلكهم. أما الإمام الآلوسى فقد حكى هذين الوجهين، ~~ورجح الأول منهما فقال " قوله { ولو يعجل الله للناس ~~الشر... } وهم الذين لا يرجون لقاء الله - تعالى - المذكورون فى قوله ~~{ الذين لا يرجون لقآءنا... } والمراد لو يعجل الله لهم ~~الشر الذى كانوا يستعجلون به تكذيبا ms2511 واستهزاء... " ، وأخرج ابن جرير عن ~~قتادة أنه قال " هو دعاء الرجل على نفسه وماله بما يكره أن يستجاب له، ~~وفيه حمل الناس على العموم، والمختار الأول، ويؤيده ما قيل من أن الآية ~~نزلت فى النضر بن الحارث حين قال # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # والذى يبدو لنا أن كون لفظ الناس للجنس أولى، ويدخل فيه المشركون دخولا ~~أوليا، لأنه لا توجد قرينة تمنع من إرادة ذلك، وحتى لو صح ما قيل أن ~~الآية نزلت فى النضر بن الحارث، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ~~وقوله { استعجالهم بالخير } منصوب على المصدرية، والأصل ولو ~~يعجل الله للناس الشر تعجيلا مثل استعجالهم بالخير، فحذف تعجيلا وصفته ~~المضافة، وأقيم المضاف إليه مقامها. ثم بين - سبحانه - ما يشير إلى ~~الحكمة فى عدم تعجيل العقوبة فقال { فنذر الذين لا يرجون ~~لقآءنا في طغيانهم يعمهون }. والطغيان مجاوزة الحد فى كل ~~شىء، ومنه طغى الماء إذا ارتفع وتجاوز حده. ويعمهون من العمه، يقال عمه - ~~كفرح ومنع - عمها، إذا تحير وتردد فهو عمه وعامه. أى لا نعجل للناس ما ~~طلبوه من عقوبات، وإنما نترك الذين لا يرجون لقاءنا إلى يوم القيامة، على ~~سبيل الإمهال والاستدراج فى الدنيا فى طغيانهم يتحيرون ويترددون، بحيث ~~تلتبس عليهم الأمور فلا يعرفون الخير من الشر. ثم صور - سبحانه - طبيعة ~~الإنسان فى حالتى العسر واليسر فقال { وإذا مس الإنسان ~~الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قآئما فلما ~~كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنآ إلى ضر ~~مسه. # .. }. والمس اتصال أحد الشيئين بآخر على وجه الإحساس والإصابة. والضر ~~ما يصيب الإنسان من سوء الحال فى نفسه أو بدنه أو غيرهما مما يحبه ~~ويشتهيه. والمعنى { وإذا مس الإنسان الضر } عن طريق المرض ~~أو الفقر أو غيرها { دعانا } بإلحاح وتضرع لكى نكشفه عنه، فهو تارة ~~يدعونا وهو مضطجع على جنبه، وتارة يدعونا وهو قاعد، وتارة يدعونا وهو ~~قائم على قدميه. { فلما كشفنا عنه ضره } وما ms2512 أصابه من سوء ~~{ مر كأن لم يدعنآ إلى ضر مسه } أى مضى واستمر فى ~~غفلته الأولى حتى لكأنه لم تنزل به كروب، ولم يسبق له أن دعانا بإلحاح ~~لكشفها. وخص - سبحانه - هذه الأحوال بالذكر، لعدم خلو الإنسان عنها فى ~~العادة. وقيل يصح أن يراد بهذه الأحوال تعميم أصناف المضار، لأنها قد ~~تكون خفيفة فيدعو الله وهو قائم، وقد تكون متوسطة فيدعوه وهو قاعد، وقد ~~تكون ثقيلة فيدعوه وهو نائم. ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره ~~لهذه الآية " فإن قلت فما فائدة ذكر هذه الأحوال؟ قلت معناه أن المضرور ~~لا يزال داعيا لا يفتر عن الدعاء حتى يزول عنه الضر، فهو يدعونا فى ~~حالاته كلها، سواء أكان منبطحا عاجزا عن النهوض، أم كان قاعدا لا يقدر ~~على القيام، أم كان قائما لا يطيق المشى. ويجوز أن يراد أن من المضرورين ~~من هو أشد حالا وهو صاحب الفراش، ومنهم من هو أخف، وهو القادر على ~~القعود، ومنهم المستطيع للقيام، وكلهم لا يستغنون عن الدعاء واستدفاع ~~البلاء، لأن الإنسان للجنس.. " وفى التعبير بالمس إشارة إلى أن ما ~~أصابه من ضر حتى لو كان يسيرا فإنه لا يترك الدعاء والابتهال إلى الله ~~بأن يكشفه عنه. وقوله { لجنبه } فى موضع الحال من فاعل { دعانا } و { أو ~~} لتنويع الأحوال، أو لأصناف المضار. والتعبير بقوله - سبحانه { مر } ~~يمثل أدق تصوير لطبيعة الإنسان الذى يدعو الله عند البلاء، وينساه عند ~~الرخاء، فهو فى حالة البلاء يدعو الله فى كل الأحوال، فإذا ما انكشف عنه ~~البلاء مر واندفع فى تيار الحياة. بدون كابح، ولا زاجر، ولا مبالاة، ~~وبدون توقف ليتدبر أو ليعتبر.. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله { كذلك ~~زين للمسرفين ما كانوا يعملون } أى كما زين لهذا ~~الإنسان الدعاء عند البلاء والإعراض عند الرخاء، زين لهؤلاء المسرفين ~~المتجاوزين لحدود الله، ما كانوا يعملونه من إعراض عن ذكره، ومن غفلة عن ~~حكمته وعن سننه فى كونه. قال الآلوسى " وفى الآية ذم لمن يترك الدعاء فى ~~الرخاء، ويهرع إليه ms2513 فى الشدة، واللائق بحال العاقل التضرع إلى مولاه فى ~~السراء والضراء، فإن ذلك أرجى للإجابة. # ففى الحديث الشريف # " تعرف إلى الله فى الرخاء يعرفك فى الشدة ". # وأخرج أبو الشيخ عن أبى الدرداء قال ادع الله يوم سرائك يستجب لك يوم ~~ضرائك. وفى حديث للترمذى عن أبى هريرة ورواه الحاكم عن سلمان وقال صحيح ~~الإسناد # " من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكروب، فليكثر من الدعاء عند ~~الرخاء ". # وقال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية " وقد ذم الله - تعالى - ~~من هذه طريقته وصفته فى الدعاء. أما من رزقه الله الهداية والسداد ~~والتوفيق والرشاد فإنه مستثنى من ذلك، - لأنه يدعو الله فى الشدة والرخاء ~~-، وفى الحديث الشريف # " عجبا لأمر المؤمن لا يقضى الله له قضاء إلا كان خيرا له إن أصابته ~~ضراء فصبر كان خيرا له، وإن أصابته سراء فشكر كان خيرا له، وليس ذلك ~~لأحد إلا للمؤمن ". # وبعد أن بين - سبحانه - جانبا من شأنه مع الناس ومن شأنهم معه. أتبع ~~ذلك ببيان مصير الأمم الظالمة ليكون فى ذلك عبرة وعظة فقال - تعالى - { ~~ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما... }. ### || [10.13-14] # والخطاب فى قوله { ولقد أهلكنا.. } لأهل مكة الذين كانوا ~~معاصرين للنبى - صلى الله عليه وسلم - ومناوئين لدعوته، ويدخل فيه غيرهم ~~ممن يصلح للخطاب على سبيل التبع. والقرون جمع قرن. والقرن - كما يقول ~~القرطبى - الأمة من الناس، قال الشاعر # إذا ذهب القرن الذى كنت فيهم وخلفت فى قرن فأنت غريب # فالقرن كل عالم فى عصره، مأخوذ من الاقتران، أى عالم مقترن بعضهم إلى ~~بعض. وفى الحديث الشريف # " خير القرون قرنى - يعنى أصحابى - ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ". # فالقرن على هذا مدة من الزمان. قيل ستون عاما، وقيل سبعون، وقيل ثمانون، ~~وقيل مائة سنة، وعليه أكثر أصحاب الحديث، أن القرن مائة سنة، واحتجوا بأن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - قال لعبد الله بن بسر # " تعيش قرنا " # فعاش مائة سنة. و { لما } ظرف بمعنى حين، وهو متعلق بقوله { أهلكنا ~~}. والمعنى ولقد أهكلنا ms2514 أهل القرون السابقة عليكم يا أهل مكة. حين ~~استمروا فى ظلمهم وعنادهم، وحين أصروا على كفرهم بعد أن جاءتهم رسلهم ~~بالدلائل الدالة على وحدانية الله، وعلى صدقهم فيها يبلغونه عن ربهم، ~~فعليكم - أيها الغافلون - أن تثوبوا إلى رشدكم، وأن تتبعوا الحق الذى ~~جاءكم به نبيكم كى لا يصيبكم ما أصاب الظالمين من قبلكم. وقوله { ~~وجآءتهم رسلهم بالبينات } يدل على إفراط أولئك المهلكين ~~فى الظلم، وبلوغهم فيه أقصى الغايات، لأنهم مع وضوح الشواهد على صدق ~~الرسل، استمروا فى جحودهم وظلمهم. وقوله { وما كانوا ليؤمنوا ~~} معطوف على { ظلموا }. أى أهلكنا أهل القرون السابقين عليكم حين ~~استمروا على ظلمهم، وحين علم الله - تعالى - منهم الإصرار على الكفر، ~~فإهلاكهم كان بسبب مجموع هذين الأمرين. وقوله { كذلك نجزي ~~القوم المجرمين } تذييل قصد به التهديد والوعيد. أى مثل ذلك ~~الجزاء الأليم وهو إهلاك الظالمين، نجزى القوم المجرمين فى كل زمان ~~ومكان. وقوله - سبحانه { ثم جعلناكم خلائف في الأرض من ~~بعدهم لننظر كيف تعملون } معطوف على قوله { أهلكنا }. ~~والخلائف جمع خليفة. وهو كل من يخلف غيره ويأتى من بعده. أى ثم جعلناكم ~~أيها المكلفون باتباع النبى - صلى الله عليه وسلم - خلفاء فى الأرض من ~~بعد أولئك الأقوام المهلكين لنرى ونشاهد ونعلم أى عمل تعملون فى خلافتكم ~~فنجازيكم على ذلك بالجزاء المناسب الذى تقتضيه حكمتنا وإرادتنا، و { كيف ~~} مفعول مطلق ل { تعملون } لا { لننظر } لأن الاستفهام له الصدارة، فلا ~~يعمل فيه ما قبله. قال الآلوسى واستعمال النظر بمعنى العلم مجاز، حيث شبه ~~بنظر الناظر. وعيان المعاين فى تحققه. والمراد نعاملكم معاملة من يطلب ~~العلم بأعمالكم ليجازيكم بحسبها، كقوله - تعالى - # ليبلوكم أيكم أحسن عملا # قال قتادة صدق الله ربنا، ما جعلنا خلفاء إلا لينظر إلى أعمالنا، فأروا ~~الله من أعمالكم خيرا، بالليل والنهار. ثم حكى - سبحانه - بعض المقترحات ~~الفاسدة التى اقترحها المشركون على النبى - صلى الله عليه وسلم - ورد ~~عليها بما يبطلها فقال - تعالى - { وإذا تتلى عليهم ~~آياتنا... }. ### || [10.15-17] # قال الآلوسى ما ملخصه " عن مقاتل قال إن الآية { وإذا ms2515 تتلى ~~عليهم آياتنا.. } نزلت فى جماعة من قريش قالوا للنبى - صلى الله ~~عليه وسلم - إن كنت تريد أن نؤمن لك، فأت بقرآن ليس فيه ترك عبادة اللات ~~والعزى وليس فيه ما يعيبها. وإن لم ينزل الله - تعالى - عليك ذلك فقل أنت ~~هذا من نفسك، أو بدله فاجعل مكان آية عذاب آية رحمة، ومكان حرام حلالا، ~~ومكان حلال حراما. والمعنى وإذا تتلى على أولئك المشركين آياتنا الواضحة ~~المنزلة عليك - يا محمد - قالوا على سبيل العناد والحسد ائت بقرآن آخر ~~سوى هذا القرآن الذى تتلوه علينا، أو بدله بأن تجعل مكان الآية التى فيها ~~سب لآلهتنا، آية أخرى فيها مدح لها. وفى الآية الكريمة التفات من الخطاب ~~إلى الغيبة، إظهارا للإعراض عنهم، حتى لكأنهم غير حاضرين، وغير أهل ~~لتوجيه الخطاب إليهم. والمراد بالآيات الآيات القرآنية الدالة على ~~وحدانية الله - تعالى - وعلى صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما ~~يبلغه عن ربه، وأضافها - سبحانه - إليه على سبيل التشريف والتعظيم، وأسند ~~التلاوة إلى الآيات بصيغة المبنى للمفعول، للإشارة إلى أن هذه الآيات ~~لوضوحها، ولمعرفتهم التامة لتاليها، صارت بغير حاجة إلى تعيين تاليها - ~~صلى الله عليه وسلم -. قال صاحب الكشاف " فإن قلت فماذا كان غرضهم - وهم ~~أدهى الناس وأمكرهم - فى هذا الاقتراح؟ قلت الكيد والمكر. أما اقتراح ~~إبدال قرآن بقرآن ففيه أنه من عندك وأنك قادر على مثله، فأبدل مكانه آخر، ~~وأما اقتراح التبديل والتغيير فللطمع ولاختبار الحال، وأنه إذا وجد منه ~~تبديل، فإما أن يهلكه الله فينجوا هم منه أو لا يهلكه فيسخروا منه، ~~ويجعلوا التبديل حجة عليه، وتصحيحا لافترائه على الله ". وقوله # قل ما يكون لي أن أبدله من تلقآء نفسي إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ~~ربي عذاب يوم عظيم # هذا القول أمر من الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بأن يرد ~~عليهم بما يزهق باطلهم. وكلمة { تلقاء } مصدر من اللقاء كتبيان من ~~البيان، وكسر التاء فيهما سماعى، والقياس فى هذا المصدر فتحها كالتكرار ~~والتطواف والتجوال. والمعنى ms2516 قل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل ~~التوبيخ لا يصح لى بحال من الأحوال، أن أبدل هذا القرآن من عند نفسى ومن ~~جهتها وإنما أنا أبلغكم ما أنزل الله على منه، بدون زيادة أو نقصان، أو ~~تغيير أو تبديل. وقوله { إني أخاف إن عصيت ربي عذاب ~~يوم عظيم } تعليل لمضمون ما قبله من امتناع الإتيان بغيره أو ~~تبديله، والاقتصار على اتباع الوحى. # أى إنى أخاف إن عصيت ربى أية معصية، عذاب يوم عظيم الهول، وإذا كان شأنى ~~أن أخشاه - سبحانه - من أية معصية ولو كانت صغيرة، فكيف لا أخشاه إن عصيت ~~بتبديل كلامه استجابة لأهوائكم؟ ثم لقن الله - تعالى - رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم - ردا آخر عليهم، زيادة فى تسفيه أفكارهم فقال - تعالى - { ~~قل لو شآء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم ~~به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون ~~} وقوله { ولآ أدراكم به } بمعنى ولا أعلمكم وأخبركم به، أى بهذا ~~القرآن. يقال دريت الشىء وأدرانى الله به، أى أعلمنى وأخبرنى به. وأدرى ~~فعل ماض، وفاعله مستتر يعود على الله - عز وجل - والكاف مفعول به. ~~والمعنى قل لهم - أيضا - أيها الرسول الكريم - لو شاء الله - تعالى - أن ~~لا أتلو عليكم هذا القرآن لفعل، ولو شاء أن يجعلكم لا تدرون منه شيئا، ~~لفعل - أيضا -، فإن مرد الأمور كلها إليه، ولكنه - سبحانه - شاء وأراد أن ~~أتلوه عليكم، وأن يعلمكم به بواسطتى، فأنا رسول مبلغ ما أمرنى الله ~~بتبليغه. قال القرطبى " وقرأ ابن كثير { ولأدراكم به } بغير ألف ~~بين اللام والهمزة. والمعنى لو شاء الله لأعلمكم به من غير أن أتلوه ~~عليكم فهى لام التأكيد دخلت على ألف أفعل ". وجاءت الآية الكريمة بدون ~~عطف على ما قبلها، إظهارا لكمال شأن المأمور به، وإيذانا باستقلاله، فإن ~~ما سبق كان للرد على اقتراحهم تبديل القرآن. وهذه الآية للرد على ~~اقتراحهم الإتيان بغيره. ومفعول المشيئة محذوف. لأن جزاء الشرط ينبئ ~~عنه، أى لو شاء الله عدم تلاوته ما تلوته عليكم وقوله { فقد لبثت ~~فيكم عمرا ms2517 من قبله } تعليل للملازمة المستلزمة لكون عدم ~~التلاوة وعدم العلم منوط بمشيئة الله - تعالى - وقوله { عمرا } منصوب ~~على الظرفية وهو كناية عن المدة الطويلة. أى فأنتم تعلمون أنى قد مكثت ~~فيما بينكم، مدة طويلة من الزمان، قبل أن أبلغكم هذا القرآن، حفظتم ~~خلالها أحوالى، وأحطتم خبرا بأقوالى وأفعالى، وعرفتم أنى لم أقرأ عليكم ~~من آية أو سورة مما يشهد أن هذا القرآن إنما هو من عند الله - تعالى -. ~~والهمزة فى قوله { أفلا تعقلون } داخلة على محذوف. وهى للاستفهام ~~التوبيخى. والتقدير أجهلتم هذا الأمر الجلى الواضح، فصرتم لا تعقلون أن ~~أمثال هذه الاقتراحات المتعنتة التى اقترحتموها لا يملك تنفيذها أحد إلا ~~الله - تعالى -. قال الإمام الرازى ما ملخصه " أمر الله تعالى رسوله - ~~صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم بما جاء فى هذه الآية وتقريره أو ~~أولئك الكفار كانوا قد شاهدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أول ~~عمره إلى ذلك الوقت، وكانوا عالمين بأحواله. # وأنه ما طالع كتابا ولا تتلمذ على أستاذ ولا تعلم من أحد، ثم بعد انقراض ~~أربعين سنة على هذا الوجه، جاءهم بهذا الكتاب العظيم المشتمل على نفائس ~~علم الأصول ودقائق علم الأحكام، ولطائف علم الأخلاق، وأسرار قصص الأولين، ~~وعجز عن معارضته العلماء والفصحاء والبلغاء، وكل من له عقل سليم فإنه ~~يعرف أن مثل هذا لا يحصل إلا بالوحى والإلهام من الله - تعالى -. ثم ختم ~~- سبحانه - الرد على هؤلاء الذين لا يرجون لقاءه، بالحكم عليهم بعدم ~~الفلاح فقال - تعالى - { فمن أظلم ممن افترى على ~~الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح ~~المجرمون } والاستفهام فى قوله { فمن أظلم } للإنكار ~~والنفى. أى لا أحد أشد ظلما عند الله، وأجدر بعقابه وغضبه، ممن افترى ~~عليه الكذب، بأن نسب إليه - سبحانه - ما هو برئ منه، أو كذب بآياته وحججه ~~التى أنزلها لتأييد رسله. وقوله { إنه لا يفلح المجرمون } ~~تذييل قصد به التهديد والوعيد. أى إن حال وشأن هؤلاء المجرمين، أنهم لا ~~يفلحون. ولا يصلون إلى ما يبغون ويريدون. هذا، ms2518 وقد ساق الإمام ابن كثير ~~عند تفسيره لهذه الآيات بعض الشواهد الدالة على صدق النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - فيما بلغه عن ربه عند تفسيره لهذه الآية " لا أحد أشد ظلما ~~ممن افترى على الله كذبا، وتقول على الله، وزعم أن الله أرسله ولم يكن ~~كذلك.. ومثل هذا لا يخفى أمره على الأغبياء فكيف يشتبه حال هذا ~~بالأنبياء. فإن من قال هذه المقالة صادقا أو كاذبا. فلا بد أن الله ينصب ~~من الأدلة على بره أو فجوره ما هو أظهر من الشمس. فإن الفرق بين محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - وبين مسيلمة الكذاب لمن شاهدهما أظهر من الفرق بين ~~وقت الضحى وبين نصف الليل فى حندس الظلماء. فمن شيم كل منهما وأفعاله ~~وكلامه يستدل من له بصيرة على صدق محمد - صلى الله عليه وسلم - وكذب ~~مسيلمة.. " ثم حكى - سبحانه - أقبح رذائلهم، وهى عبادتهم لغير الله، ~~ودعواهم أن أصنامهم ستشفع لهم فقال - تعالى - { ويعبدون من دون ~~الله ما لا يضرهم... } ### || [10.18] # وهذه الآية الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك # وإذا تتلى عليهم آياتنا... # عطف القصة على القصة. والعبادة الطاعة البالغة حد النهاية فى الخضوع ~~والتعظيم. أى وهؤلاء الذين لا يرجون لقاءنا، ويطلبون قرآنا غير هذا ~~القرآن أو تبديله، بلغ من جهلهم وسفههم أنهم يعبدون من دون الله أصناما ~~لا تضرهم ولا تنفعهم، لأنها جمادات لا قدرة لها على ذلك. والمقصود بوصفها ~~بأنها لا تضر ولا تنفع بطلان عبادتها، لأن من شأن المعبود أن يملك الضر ~~والنفع، وأن يكون مثيبا على الطاعة ومعاقبا على المعصية. وقوله { من ~~دون الله } جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من فاعل { يعبدون } أى ~~يعبدونها متجاوزين الله وتاركين طاعته. و { ما } موصولة أو نكرة موصوفة. ~~والمراد بها الأصنام التى عبدوها من دون الله. قال الجمل " ونفى الضر ~~والنفع هنا عن الأصنام باعتبار الذات، وإثباتها لها فى سورة الحج فى قوله # يدعو لمن ضره أقرب من نفعه # باعتبار السبب، فلا يرد كيف نفى عن الأصنام الضر والنفع، وأثبتهما ms2519 لها ~~فى سورة الحج ". وقوله { ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله } حكاية لأقوالهم السخيفة عندما يدعون إلى عبادة الله وحده. ~~والشفعاء جمع شفيع، وهو من يشفع لغيره فى دفع ضر أو جلب نفع. أى أنهم ~~يدينون بالعبادة لأصنام لا تضرهم إن تركوا عبادتها، ولا تنفعهم إن ~~عبدوها، فإذا ما طلب منهم أن يجعلوا عبادتهم لله وحده قالوا إننا نعبد ~~هذه الأصنام لتكون شفيعة لنا عند الله فى دنيانا، بأن نتوسل إليه بها فى ~~إصلاح معاشنا، وفى آخرتنا إن كان هناك ثواب وعقاب يوم القيامة. وهنا يأمر ~~الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم بما يخرس ~~ألسنتهم فيقول { قل أتنبئون الله بما لا يعلم فى ~~السماوات ولا فى الأرض }. أى قل يا محمد لهؤلاء الجاهلين إن ~~الله - تعالى - لا يخفى عليه شىء فى هذا الكون ولا يعلم أن هناك من يشفع ~~عنده مما تزعمون شفاعته. فهل تعملون أنتم ما لا يعلمه، وهل تخبرونه بما ~~لا يعلم له وجودا فى السماوات ولا فى الأرض؟!! فالمقصود بهذه الجملة ~~الكريمة التهكم بهم، والسخرية بعقولهم وأفكارهم، ونفى أن تكون الأوثان ~~شفعاء عند الله بأبلغ وجه. والعائد فى قوله { بما لا يعلم } ~~محذوف. والتقدير بما لا يعلمه. وقوله { في السماوات ولا في ~~الأرض } حال من العائد المحذوف، وهو مؤكد للنفى، لأن ما لا يوجد فيهما ~~فهو منتف عادة. قال صاحب الكشاف " فإن قلت كيف أنبأوا الله بذلك؟ قلت هو ~~تهكم بهم، وبما ادعوه من المحال الذى هو شفاعة الأصنام، وإعلام بأن الذى ~~أنبأوا به باطل. # فكأنهم يخبرونه بشىء لا يتعلق علمه به، كما يخبر الرجل بما لا يعلمه. ~~وقوله { في السماوات ولا في الأرض } تأكيد لنفيه، لأن ما لم ~~يوجد فيهما فهو منتف معدوم ". وقوله { سبحانه وتعالى } عن كل ~~شريك، وعما قاله هؤلاء الجاهلون من أن الأصنام شفعاء عنده. وبذلك تكون ~~الآية الكريمة قد وبخت المشركين على عبادتهم لغير الله وعلى جهالاتهم ~~وتقولهم على الله بغير علم. ثم بين - سبحانه - أن عبادة الناس لغيره ms2520 - ~~تعالى - إنما حدثت بعد أن اختلفوا واتبعوا الهوى. فقال { وما كان ~~الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا... } ### || [10.19] # والمراد بالناس الجنس البشرى كله فى جملته، فإنهم كانوا أمة واحدة. ثم ~~كثروا وتفرقوا وصاروا شعوبا وقبائل. ويرى بعض المفسرين أن المراد بالناس ~~هنا العرب خاصة، فإنهم كانوا حنفاء على ملة إبراهيم، إلى أن ظهر فيهم ~~عمرو بن لحى الذى ابتدع لهم عبادة الأصنام. قال الآلوسى " قوله { وما ~~كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا } أى وما كان ~~الناس كافة من أول الأمر إلا متفقين على الحق والتوحيد من غير اختلاف، ~~وروى هذا عن ابن عباس والسدى ومجاهد.. وذلك من عهد آدم - عليه السلام - ~~إلى أن قتل قابيل هابيل. وقيل إلى زمن إدريس - عليه السلام - وقيل إلى ~~زمن نوح. وقيل كانوا كذلك فى زمنه - عليه السلام - بعد أن لم يبق على ~~الأرض من الكافرين ديار إلى أن ظهر بينهم الكفر. وقيل من لدن إبراهيم - ~~عليه السلام - إلى أن أظهر عمرو بن لحى عبادة الأصنام، وهو المروى عن ~~عطاء. وعليه فالمراد من الناس العرب خاصة. وهو الأنسب بإبراد الآية ~~الكريمة إثر حكاية ما حكى عنهم من رذائل، وتنزيه ساحة الكبرياء عن ذلك ". ~~وقوله { فاختلفوا } أى ما بين ضال ومهتد، فبعث الله إليهم رسله، ~~ليبشروا المهتدين بجزيل الثواب، ولينذروا الضالين بسوء العقاب. والفاء ~~للتعقيب، وهى لا تنافى امتداد زمان اتفاقهم على الحق، لأن المراد بيان أن ~~وقوع الاختلاف بينهم إنما حدث عقيب انتهاء مدة الاتفاق، لا عقيب حدوثه. ~~والمراد بالكلمة فى قوله { ولولا كلمة سبقت من ربك ~~لقضي بينهم... } ما قضاه الله - تعالى - وأراده من تأخير الحكم ~~بين المؤمنين وغيرهم إلى يوم القيامة. أى ولولا كلمة سبقت من ربك بتأخير ~~القضاء بين الطائعين والعاصين إلى يوم القيامة، لقضى بينهم - سبحانه - فى ~~هذه الدنيا. فيما كانوا يختلفون فيه وذلك بأن يعجل للكافرين والعصاة ~~العقوبة فى الدنيا قبل الآخرة، ولكنه - سبحانه - اقتضت حكمته عدم تعجيل ~~العقوبة فى الدنيا، وأن يجعل الدار الآخرة هى دار الجزاء والثواب ~~والعقاب. وقد ms2521 تضمنت هذه الآية الكريمة الوعيد الشديد على الاختلاف المؤدى ~~إلى التفرقة فى الدين، وإلى الشقاق والنزاع، كما تضمنت تسلية الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من قومه فكأنه - سبحانه - يقول إن ~~الاختلاف من طبيعة البشر، فلا تنتظر من الناس جميعا أن يكونوا مؤمنين. ثم ~~حكى - سبحانه - لونا آخر من ألوان تعنت المشركين وجهالاتهم فقال - تعالى ~~- { ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل ~~إنما الغيب... }. ### || [10.20] # ومرادهم بالآية التى طلبوها آية كونية سوى القرآن الكريم، بأن تكون معه ~~- صلى الله عليه وسلم - ناقة كناقة صالح - عليه السلام - أو تكون معه عصا ~~كعصا موسى - عليه السلام - وكأنهم لا يعتبرون القرآن آية كبرى، ومعجزة ~~عظمى على صدقه - صلى الله عليه وسلم -. ومرادهم بإنزالها عليه ظهورها على ~~يديه - صلى الله عليه وسلم - حتى يروا ذلك بأعينهم. أى ويقول هؤلاء ~~المشركون لنبيهم - صلى الله عليه وسلم - هلا أنزل الله عليك آية أخرى سوى ~~القرآن الكريم تكون شاهدة لك بالنبوة، كأن تعيد إلى الحياة آباءنا، وكأن ~~تحول جبال مكة إلى بساتين ". ومطالبهم هذه إنما طلبوها على سبيل العناد ~~والتعنت لا على سبيل الاسترشاد والتثبت، قال - تعالى - # ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة وكلمهم ~~الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشآء الله... # وقوله { فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني ~~معكم من المنتظرين } أمر من الله - تعالى - لرسوله - صلى ~~الله عليه وسلم - بأن يرد عليهم بما يفحمهم. أى قل لهم فى الجواب على هذه ~~المطالب المتعنتة إن هذه المطالب التى طلبتموها هى من علم الغيب الذى ~~استأثر الله به، فقد يجيبكم إليها - سبحانه - وقد لا يجيبكم، فانتظروا ~~فيما يقضيه الله فى أمر تعنتكم فى مطالبكم، إنى معكم من المنتظرين لقضائه ~~وقدره، ولما يفعله بى وبكم. فالجملة الكريمة تهديد لهم على تعنتهم ~~وجهلهم، وتهوينهم من شأن القرآن الكريم، مع أنه أصدق معجزة للرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - وأعظمها. ولقد حكى القرآن - فى آيات أخرى كثيرة - ~~المطالب المتعنتة التى طلبها المشركون من النبى - صلى ms2522 الله عليه وسلم - ~~والتى تدل على عنادهم وجحودهم، ومن ذلك قوله - تعالى - # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا. أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ~~فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا. أو تسقط السمآء ~~كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا. أو يكون لك بيت من زخرف أو ~~ترقى في السمآء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل ~~علينا كتابا نقرؤه. قل سبحان ربي هل كنت ~~إلا بشرا رسولا # كما حكى أيضا - سبحانه - أنه لو أجابهم إلى مطالبهم لما آمنوا، لأنهم ~~معاندون جاحدون فقال - تعالى - # إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون. ~~ولو جآءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم # وقال - سبحانه - # ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه ~~بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذآ إلا سحر ~~مبين # وبعد أن ساقت السورة الكريمة جانبا من أقوال الذين لا يرجون لقاء الله ~~ومن مقترحاتهم الباطلة ومن معتقداتهم الفاسدة، أتبعت ذلك بتصوير بعض ~~الطبائع البشرية تصويرا صادقا يكشف عن أحوال النفوس فى حالتى السراء ~~والضراء فقال - تعالى - { وإذآ أذقنا الناس رحمة من ~~بعد... }. ### || [10.21-23] # وقوله { أذقنا } من الذوق وحقيقته إدراك الطعام ونحوه بالذوق ~~باللسان واستعمل هنا على سبيل المجاز فى إدراك ما يسر وما يؤلم من ~~المعنويات كالرحمة والضراء. قال الآلوسى " والمراد بالناس كفار مكة على ~~ما قيل، لما روى من أن الله - تعالى - سلط عليهم القحط سبع سنين، حتى ~~كادوا يهلكون فطلبوا منه أن يدعو لهم بالخصب، ووعدوه بالإيمان، فلما دعا ~~لهم ورحمهم الله - تعالى - بالمطر، طفقوا يطعنون فى آياته - تعالى - ~~ويعاندون نبيه - صلى الله عليه وسلم -. وقيل إن الناس عام لجميع الكفار ~~". والضراء من الضر، وهو ما يصيب الإنسان فى نفسه من أمراض وأسقام. ~~والمكر هو التدبير الخفى الذى يفضى بالممكور به إلى ما لا يتوقعه من مضرة ~~وكيد. والمعنى وإذا أذقنا الناس منا رحمة كأن منحناهم الصحة والسعادة ~~والغنى من بعد ضراء أصابتهم فى أنفسهم أو فيمن يحبون، ما كان منهم إلا ~~المبادرة إلى الطعن فى ms2523 آياتنا الدالة على قدرتنا، والاستهزاء بها ~~والتهوين من شأنها. وأسند إذاقته الرحمة إلى ضمير الجلالة، وأسند المساس ~~إلى الضراء، رعاية للأدب مع الله - تعالى -، لأنه وإن كان كل شىء من ~~عنده، إلا أن الأدب معه - سبحانه - يقتضى إسناد الخير إليه والشر إلى ~~غيره كما فى قوله - تعالى - # وإذا مرضت فهو يشفين # وفى الحديث # " اللهم إن الخير بيديك والشر ليس إليك ". # وإذا الأولى شرطية، والثانية فجائية والجملة بعدها جواب الشرط. وجاء ~~التعبير بإذا الفجائية فى الجواب، للإشارة إلى توغلهم فى الجحود والكنود ~~فهم بمجرد أن حلت النعمة بهم محل النقمة، عادوا إلى عنادهم وجهلهم، ~~ونسبوا كل خير إلى غيره - تعالى -. قال الرازى " واعلم أنه - تعالى - ذكر ~~هذا المعنى بعينه فيما تقدم من هذه السورة وفى قوله - تعالى - # وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا ~~أو قآئما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم ~~يدعنآ إلى ضر مسه... # إلا أنه - تعالى - زاد فى هذه الآية التى نحن بصدد تفسيرها دقيقة أخرى ~~ما ذكرها فى تلك الآية، وتلك الدقيقة هى أنهم يمكرون عند وجدان الرحمة. ~~وفى الآية المتقدمة ما كانت هذه الدقيقة مذكورة فثبت بما ذكرنا أن عادة ~~هؤلاء الأقوام اللجاج والعناد والمكر. وقوله { قل الله أسرع ~~مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون } أمر من الله - ~~تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بأن يرد عليهم بما يبطل مكرهم. أى ~~قل يا محمد لهؤلاء الجاحدين الذين يسرعون بالمكر فى مقام الشكر، إن الله ~~- تعالى - أسرع مكرا منكم لأنه لا يخفى عليه بشىء من مكركم، ولأن الحفظة ~~من الملائكة يسجلون عليكم أقوالكم وأفعالكم، التى ستحاسبون عليها فى يوم ~~القيامة حسابا عسيرا، وسترون أن مكركم السىء لا يحيق إلا بكم. # وقوله { أسرع } أفعل تفضيل من الفعل الثلاثى سرع - كضخم وحسن -، أو ~~من الفعل الرباعى " أسرع " عند من يرى ذلك. والجملة الكريمة تحقيق ~~للانتقام منهم. وتنبيه على أن مكرهم الخفى غير خاف على الحفظة من ~~الملائكة فضلا عن الخالق - عز وجل - الذى لا تخفى عليه خافية ms2524 فى الأرض ~~ولا فى السماء. وسمى - سبحانه - إنكارهم لآياته واستهزاءهم بها مكرا، ~~لأنهم كانوا كثيرا ما يتجمعون سرا، ليتشاوروا فى المؤامرات التى ~~يعرقولن بها سير الدعوة الإسلامية، وفى الشبهات التى يوجهونها إلى النبى ~~- صلى الله عليه وسلم -. ثم ساق - سبحانه - مشهدا حيا. تراه العيون، ~~وتهتز له القلوب، ويجعل المشاعر تتجه إلى الله وحده بالدعاء فقال - تعالى ~~- { هو الذي يسيركم في البر والبحر... }. والسير ~~معناه الانتقال من مكان إلى آخر. والتسيير معناه جعل الإنسان أو الحيوان ~~أو غيرهما يسير بذاته، أو بواسطة دابة أو سفينة أو غيرهما، مما سخره الله ~~- تعالى - له بقدرته ورحمته. أى هو - سبحانه - الذي يسيركم بقدرته ورحمته ~~فى البر والبحر، بواسطة ما وهبكم من قدرة على السير، أو ما سخر لكم من ~~دواب وسفن وغيرهما مما تستعملونه فى سفركم، وكل ذلك من أجل مصلحتكم ~~ومنفعتكم. ثم قال - تعالى - { حتى إذا كنتم في الفلك ~~وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها... }. والفلك ما ~~عظم من السفن. ويستعمل هذا اللفظ عند كثير من العلماء للواحد والجمع. ~~والظاهر أن المراد به هنا الجمع، بدليل قوله { وجرين } أى السفن. ~~والمراد بالريح الطيبة الريح المناسبة لسير السفن، والموافقة لاتجاهها. ~~أى هو - سبحانه - وحده الذى ينقلكم من مكان إلى آخر فى البر والبحر، حتى ~~إذا كنتم فى إحدى مرات تسييركم راكبين فى السفن التى سخرها لكم، وجرت هذه ~~السفن بمن فيها بسبب الريح الطيبة إلى المكان الذى تقصدونه، وأنتم فى ~~حالة فرح غامر، وسرور شامل.. { جآءتها ريح عاصف وجآءهم ~~الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم... }. ~~والريح العاصف هى الريح الشديدة القوية. يقال عصفت الريح واعصفت فهى عاصف ~~إذا اشتدت فى سرعتها وهيجانها. والموج ما ارتفع من مياه البحار، والظن ~~هنا بمعنى اليقين أو الاعتقاد الراجح، وقوله { أحيط بهم } أى أحاط ~~بهم البلاء من كل ناحية. يقال لمن وقع فى بلية قد أحيط به. وأصل هذا أن ~~العدو إذا أحاط بعدوه جعله على حافة الهلاك. # أى بعد أن جرت السفن بهؤلاء القوم فى ms2525 البحر وهم فى فرح وحبور، جاءت ~~إليهم ريح عاصفة شديدة السرعة والتقلب، وارتفع إليها الموج من كل مكان، ~~واعتقد ركابها - الذين كانوا منذ قليل فرحين مبتهجين - أنهم قد أحاط بهم ~~الهلاك كما يحيط العدو بعدوه. وقوله { بهم } فيه التفات من الخطاب إلى ~~الغيبة، لأنه كان الظاهر أن يقال حتى إذا كنتم فى الفلك وجرين بكم. لكن ~~جاء الكلام على أسلوب الالتفات للمبالغة فى تقبيح أحوالهم، وسوء صنيعهم. ~~قال صاحب الكشاف " فإن قلت ما فائدة صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة؟ ~~قلت المبالغة، كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها، ويستدعى منهم ~~الإنكار والتقبيح ". وقوله { دعوا الله مخلصين له ~~الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من ~~الشاكرين } بيان لما قالوه بعد أن داهمتهم الرياح العاصفة، والأمواج ~~العالية وبعد أن أيقنوا أنهم على حافة الموت. أى فى تلك الساعات العصيبة، ~~واللحظات الحرجة، توجهوا إلى الله وحده قائلين نقسم لك يا ربنا، ويا من ~~لا يعجزك شىء، لئن أنجيتنا من تلك الأهوال التى نحن فيها، لنكونن من ~~الشاكرين لك، المطيعين لأمرك، المتبعين لشرعك. وهنا، وبعد الدعاء العريض، ~~هدأت العاصفة. وانخفضت الأمواج، وسكنت النفوس بعض السكون، ووصلت السفن ~~إلى شاطئ الأمان فماذا كانت النتيجة؟ كانت النتيجة كما صورها القرآن ~~الكريم { فلمآ أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض ~~بغير الحق.. } أى فحين أنجاهم الله - تعالى - بفضله ورحمته من ~~هذا الكرب العظيم الذى كانوا فيه، إذا هم يسعون فى الأرض فسادا. ~~ويرتكبون البغى الفاضح الذى لا يخفى قبحه على أحد. وقيد البغى بكونه بغير ~~الحق، لأنه لا يكون إلا كذلك، إذ البغى معناه تجاوز الحق، يقال بغى الجرح ~~إذا تجاوز حده فى الفساد. فقوله { بغير الحق } تأكيد لما يفيد ~~البغى من التعدى والظلم، فهو بغى ظاهر سافر لا يخفى قبحه على أحد. وقيل ~~قيده بذلك يخرج البغى على الغير فى مقابلة بغيه. فإنه يسمى بغيا فى ~~الجملة، لكنه بحق. وهو قول ضعيف، لأن دفع البغى لا يسمى بغيا وإنما يسمى ~~إنصافا من الظالم، ولذا قال القرآن الكريم ms2526 # ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من ~~سبيل # وجاء التعبير بالفاء وإذا الفجائية، للإشعار بأنهم قوم بلغ بهم اللؤم ~~والجحود، أنهم بمجرد أن وطئت أقدامهم بر الأمان، نسوا ما كانوا فيه من ~~أهوال، وسارعوا إلى الفساد فى الأرض، دون أن يردعهم رادع، أو يصدهم ترغيب ~~أو ترهيب. والتعبير بقوله { في الأرض } للإشارة إلى أن بغيهم قد شمل ~~أقطارها، ولم يقتصر على جانب من جوانبها. وقوله - سبحانه - { يأيها ~~الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة ~~الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم ~~تعملون } خطاب منه - سبحانه - لأولئك البغاة فى كل زمان ومكان، قصد ~~به التهديد والوعيد. # أى يأيها الناس الذين تضرعوا إلينا فى ساعات الشدة، وهرولوا إلى البغى ~~بعد زوال تلك الشدة، اعلموا أن بغيكم هذا مرجعه إليكم لا إلى غيركم فأنتم ~~وحدكم الذين ستتحملون سوء عاقبته فى الدنيا والآخرة. واعلموا أن هذا ~~البغى إنما تتمتعون به متاع الحياة الدنيا التى لا بقاء لها، وإنما هى ~~إلى زوال وفناء. واعلموا كذلك أن مردكم إلينا بعد هذا التمتع الفانى. ~~فنخبركم يوم الدين بكل أعمالكم، وسنجازيكم عليها بالجزاء الذى تستحقونه. ~~وقوله { إنما بغيكم } مبتدأ وخبره { على أنفسكم } أى هو ~~عليكم فى الحقيقة لا على الذين تبغون عليهم. وقوله { متاع الحياة ~~الدنيا } قرأ حفص عن عاصم { متاع } بفتح العين على أنه مصدر مؤكد ~~لفعل مقدر. أى تتمتعون به متاع الحياة الدنيا الزائلة الفانية. وقرأ ~~الجمهور بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف والتقدير هو متاع الحياة ~~الدنيا. وقوله { ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما ~~كنتم تعملون } تذييل قصد به تهديدهم على بغيهم، ووعيدهم عليه ~~بسوء المصير حتى يرتدعوا وينزجروا. هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها ~~العلماء من هذه الآيات ما يأتى 1 - أن من الواجب على العاقل أن يكثر من ~~ذكر الله فى حالتى الشدة والرخاء، وأن لا يكون ممن يدعون الله عند الضر ~~وينسونه عند العافية، ففى الحديث الشريف # " تعرف إلى الله فى الرخاء يعرفك فى الشدة ". # 2 - أن الناس جيلوا على الرجوع إلى ms2527 الله وحده عند المصائب والمحن، وفى ~~ذلك يقول الآلوسى " روى أبو داود والنسائى وغيرهما عن سعد بن أبى وقاص ~~قال لما كان يوم الفتح فر عكرمة بن أبى جهل فركب البحر فأصابتهم ريح ~~عاصف، فقال أصحاب السفينة لركابها أخلصوا فإن آلهتكم لا تغنى عنكم شيئا. ~~فقال عكرمة لئن لم ينجنى فى البحر إلا الإخلاص، ما ينجينى فى البر غيره. ~~اللهم إن لك عهدا إن أنت عافيتنى مما أنا فيه أن آتى محمدا حتى أضع يدى ~~فى يده، فلأجدنه عفوا كريما. قال فجاء فأسلم. وفى رواية ابن سعد عن أبى ~~مليكة أن عكرمة لما ركب السفينة وأخذتهم الريح فجعلوا يدعون الله - تعالى ~~- ويوحدونه فقال ما هذا؟ فقالوا هذا مكان لا ينفع فيه إلا الله - تعالى ~~-. قال " فهذا ما يدعونا إليه محمد - صلى الله عليه وسلم - فارجعوا بنا ~~". فرجع وأسلم... ". وقال الفخر الرازى " يحكى أن واحدا قال لجعفر الصادق ~~اذكر لى دليلا على إثبات الصانع؟ فقال له أخبرنى عن حرفتك فقال أنا رجل ~~أتجر فى البحر. فقال له صف لى كيفية حالك. فقال ركبت البحر فانكسرت ~~السفينة وبقيت على لوح واحد من ألواحها، وجاءت الرياح العاصفة. # فقال جعفر هل وجدت فى قلبك تضرعا ودعاء. فقال نعم. فقال جعفر فإلهك هو ~~الذى تضرعت إليه فى ذلك الوقت ". وقد ساق صاحب المنار قصة ملخصها " أن ~~رجلا إنجليزيا قرأ ترجمة قوله - تعالى - { هو الذي يسيركم ~~في البر والبحر } فراعته بلاغة وصفها لطغيان البحر.. وكان يعمل ~~قائدا لإحدى السفن.. فسأل بعض المسلمين أتعلمون أن نبيكم - صلى الله عليه ~~وسلم - قد سافر فى البحار؟ فقالوا له لا.. فأسلم الرجل لأنه اعتقد أن ~~القرآن ليس من كلام البشر وإنما هو كلام الله - تعالى.. ". 3 - دل قوله - ~~تعالى - { يأيها الناس إنما بغيكم على ~~أنفسكم... } على أن البغى يجازى أصحابه عليه فى الدنيا والآخرة. ~~فأما فى الآخرة فهو ما دل عليه إنذار أهله بأنه - سبحانه - سيجازيهم عليه ~~أسوأ الجزاء. وأما فى الدنيا فبدليل قوله - تعالى - { يأيها ~~الناس إنما بغيكم على ms2528 أنفسكم } ويؤيده ما رواه ~~البخارى فى الأدب المفرد والترمذى وابن ماجه والحاكم من حديث أبى بكر ~~الصديق - رضى الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال # " ما من ذنب يعجل الله لصاحبه العقوبة فى الدنيا مع ما يدخر له فى ~~الآخرة سوى البغى وقطيعة الرحم ". # قال الآلوسى وفى الآية من الزجر عن البغى ما لا يخفى " فقد أخرج أبو ~~نعيم والخطيب والديلمى وغيرهم عن أنس قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- # " ثلاث هن رواجع على أهلها المكر والنكث والبغى " # ثم تلا - صلى الله عليه وسلم - تعالى - { يأيها الناس إنما ~~بغيكم على أنفسكم }. وقوله - تعالى - # فمن نكث فإنما ينكث على نفسه # وقوله - تعالى - # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله # وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن عمر قالا قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - # " لو بغى جبل على جبل لدك الباغى منهما ". # وكأن المأمون يتمثل بهذين البيتين لأخيه # يا صاحب البغى إن البغى مصرعه فارجع فخير فعال المرء أعدله فلو بغى جبل ~~يوما على جبل لاندك منه أعاليه وأسفله # ثم ساق - سبحانه - مثلا لمتاع الحياة الدنيا الزائل، ولزخرفها الفانى، ~~فقال - تعالى - { إنما مثل الحياة الدنيا كمآء ~~أنزلناه... } ### || [10.24] # وقوله - سبحانه - { إنما مثل... } المثل بمعنى المثل، ~~والمثل النظير والشبيه، ثم اطلق على القول السائر بالمعروف لمماثلة ~~مضربه - وهو الذى يضرب فيه - لمورده الذى ورد فيه أولا، ولا يكون إلا ~~فيما فيه غرابة. ثم استعير للصفة أو الحال أو القصة إذا كان لها شأن عجيب ~~وفيها غرابة، وعلى هذا المعنى يحمل المثل فى هذه الآية وأشباهها. ~~والأمثال إنما تضرب لتوضيح المعنى الخفى، وتقريب الشىء المعقول من الشىء ~~المحسوس، وعرض الأمر الغائب فى صورة المشاهد، فيكون المعنى الذى ضرب له ~~المثل أوقع فى القلوب، وأثبت فى النفوس. والمعنى إنما صفة الحياة الدنيا ~~وحالها فى سرعة زوالها، وانصرام نعيمها بعد إقباله. كحال ماء { ~~أنزلناه من السمآء فاختلط به نبات الأرض } أى ~~فكثر بسببه نبات الأرض حتى التف وتشابك بعضه ببعض لازدهاره ms2529 وتجاوزه ~~ونمائه. وشبه - سبحانه - الحياة الدنيا بماء السماء دون ماء الأرض، لأن ~~ماء السماء وهو المطر لا تأثير لكسب العبد فيه بزيادة أو نقص - بخلاف ماء ~~الأرض - فكان تشبيه الحياة به أنسب. وقوله { مما يأكل الناس ~~والأنعام } معناه وهذا النبات الذى نما وازدهر بسبب نزول المطر من ~~السماء، بعضه مما يأكله الناس كالبقول والفواكه. وبعضه مما تأكله الأنعام ~~كالحشائش والأعشاب المختلفة. وجملة { مما يأكل الناس ~~والأنعام } حال من النبات. وقوله { حتى إذآ أخذت الأرض ~~زخرفها وازينت.. } تصوير بديع لما صارت عليه الأرض بعد نزول ~~الماء عليها، وبعد أن أنبتت من كل زوج بهيج. ولفظ { حتى } غاية لمحذوف أى ~~نزل المطر من السماء فاهتزت الأرض وربت وأنبتت النبات الذى ما زال ينمو ~~ويزدهر حتى أخذت الأرض زخرفها. والزخرف الذهب وكمال حسن الشىء. ومن القول ~~أحسنه، ومن الأرض ألوان نباتها. أى حتى إذا استوفت الأرض حسنها وبهاءها ~~وجمالها، وازينت بمختلف أنواع النباتات ذات المناظر البديعة، والألوان ~~المتعددة. قال صاحب الكشاف " وهو كلام فصيح. جعلت الأرض آخذة زخرفها ~~وزينتها على التمثيل بالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة من كل لون ~~فاكتستها، وتزينت بغيرها من ألوان الزينة، أصل ازينت تزينت ". وقوله { ~~وظن أهلهآ أنهم قادرون عليهآ } أى وظن أهل تلك ~~الأرض الزاخرة بالنباتات النافعة. أنهم قادرون على قطف ثمارها، ومتمكنون ~~من التمتع بخيراتها، ومن الانتفاع بغلاتها. وقوله { أتاهآ أمرنا ~~ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا.. } تصوير معجز لما أصاب ~~زرعها من هلاك بعد نضرته واستوائه و { أو } للتنويع أى تارة يأتى ليلا ~~وتارة يأتى نهارا. والجملة الكريمة جواب إذا فى قوله { حتى إذآ ~~أخذت الأرض زخرفها.. }. أى بعد أن بلغت الأرض الذروة فى ~~الجمال وفى تعلق الآمال بمنافع زروعها، أتاها قضاؤنا النافذ، وأمرنا ~~المقدر لإهلاكها بالليل وأصحابها نائمون، أو بالنهار وهم لاهون، ~~فجعلناها بما عليها كالأرض المحصودة، التي استؤصل زرعها. # وقوله { كأن لم تغن بالأمس } تأكيد لهلاكها واستئصال ما ~~عليها من نبات بصورة سريعة حاسمة. أى جعلناها كالأرض المحصودة التى قطع ~~زرعها، حتى لكأنها لم يكن ms2530 بها منذ وقت قريب الزرع النضير، والنبات ~~البهيج، الباسق، والطلع النضيد. قال القرطبى قوله " { كأن لم تغن ~~بالأمس } أى لم تكن عامرة. من غنى بالمكان إذا أقام فيه وعمره، ~~والمغانى فى اللغة المنازل التى يعمرها الناس ". وقال ابن كثير قوله { ~~كأن لم تغن بالأمس } أى كأنها ما كانت حينا قبل ذلك، وهكذا ~~الأمور بعد زوالها كأنها لم تكن، ولهذا جاء فى الحديث الشريف # " يؤتى بأنعم أهل الدنيا فيغمس فى النار غمسة فيقال له هل رأيت خيرا قط؟ ~~هل مر بك نعيم قط؟ فيقول لا. ويؤتى بأشد الناس عذابا فى الدنيا فيغمس في ~~النعيم غمسة ثم يقال له هل رأيت بؤسا قط فيقول لا ". # والمراد بالأمس هنا الوقت الماضى القريب لا خصوص اليوم الذى قبل يومك. ~~وقوله { كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون } تذييل ~~قصد به الحض على التفكير والاعتبار. أى كهذا المثل فى وضوحه وبيانه لحال ~~الحياة الدنيا، وقصر مدة التمتع بها نفصل الآيات ونضرب الأمثال الدالة ~~على وحدانيتنا وقدرتنا لقوم يحسنون التفكير والتدبر فى ملكوت السماوات ~~والأرض. قال الجمل ما ملخصه " وهذه الآية مثل ضربه الله - تعالى - ~~للمتشبث فى الدنيا الراغب فى زهرتها وحسنها.. ووجه التمثيل أن غاية هذه ~~الدنيا التى ينتفع بها المرء، كناية عن هذا النبات الذى لما عظم الرجاء ~~فى الانتفاع به، وقع اليأس منه، ولأن المتمسك بالدنيا إذا نال منها بغيته ~~أتاه الموت بغتة فسلبه ما هو فيه من نعيم الدنيا ولذتها ". وبعد أن بين - ~~سبحانه - حال الحياة الدنيا، وقصر مدة التمتع بها، أتبع ذلك بدعوة الناس ~~جميعا إلى العمل الصالح الذى يوصلهم إلى الجنة فقال - تعالى - { ~~والله يدعوا إلى دار... } ### || [10.25-27] # والمقصود بدار السلام الجنة التى أعدها الله - تعالى - لعباده المؤمنين، ~~وسميت بذلك، لأنها الدار التى سلم أهلها من كل ألم وآفة. أو لأن تحيتهم ~~فيها سلام، أو لأن السلام من أسماء الله - تعالى - فأضيفت إليه تعظيما ~~لشأنها، وتشريفا لقدرها، كما يقال للكعبة بيت الله. وقوله { والله ~~يدعوا إلى دار السلام... } معطوف على محذوف يدل ms2531 عليه ~~السياق. والتقدير الشيطان يدعوكم إلى إيثار متاع الحياة الدنيا وزخرفها، ~~والله - تعالى - يدعو الناس جميعا إلى الإيمان الحق الذى يوصلهم إلى دار ~~كرامته. وقوله { ويهدي من يشآء إلى صراط مستقيم } ~~وهو المؤدى بصاحبه إلى رضوان الله ومغفرته. والمراد بالصراط المستقيم ~~الدين الحق الذى شرعه الله لعباده. وبلغه لهم عن طريق نبيه محمد - صلى ~~الله عليه وسلم -. وقوله { للذين أحسنوا الحسنى ~~وزيادة... } بيان لحسن عاقبة الذين استجابوا لدعوته، واتبعوا صراطه ~~المستقيم. أى للمؤمنين الصادقين الذين قدموا فى دنياهم الأعمال الصالحة، ~~المنزلة الحسنى، والمئوية الحسنى وهى الجنة، ولهم زيادة على ذلك التفضل ~~من الله - تعالى - عليهم بالنظر إلى وجهه الكريم. وتفسير الزيادة بالنظر ~~إلى وجهه الكريم، مأثور عن جمع من الصحابة منهم أبو بكر، وعلى بن أبى ~~طالب، وابن مسعود، وأبو موسى الأشعرى وغيرهم - رضى الله عنهم. ومستندهم ~~فى ذلك الأحاديث النبوية التى وردت فى هذا الشأن والتى منها ما أخرجه ~~مسلم فى صحيحه عن صهيب - رضى الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - تلا هذه الآية { للذين أحسنوا الحسنى ~~وزيادة... }. وقال " # " إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد يا أهل الجنة ~~إن لكم عند الله موعدا. يريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو؟ ألم يثقل ~~موازيننا؟ ألم يبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويزحزحنا عن النار؟ قال فيكشف ~~لهم الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر ~~إليه، ولا أقر لأعينهم ". # وذكر بعضهم أن المراد بالزيادة هنا " مضاعفة الحسنات بعشر أمثالها أو ~~أكثر أو مغفرته - سبحانه - ما فرط منهم فى الدنيا، ورضوانه عليهم فى ~~الآخرة ". والحق أن التفسير الوارد عن الصحابة. والمؤيد بما جاء فى ~~الأحاديث النبوية هو الواجب الاتباع، ولا يصح العدول عنه. ولا مانع من أن ~~يمن الله عليهم بما يمن من مضاعفة الحسنات ومن المغفرة والرضوان، بعد ~~نظرهم إلى وجهه الكريم، أو قبل ذلك. ولذا قال الإمام ابن كثير ما ملخصه ~~قوله " { وزيادة } هى تضعيف ثواب الأعمال.. وأفضل من ذلك النظر ms2532 إلى وجهه ~~الكريم. فإنه زيادة أعظم من جميع ما يعطوه. # . وقد روى تفسير الزيادة بالنظر إلى وجهة الكريم عن جمع من السلف ~~والخلف، وقد وردت أحاديث كثيرة عن النبى - صلى الله عليه وسلم - فى ذلك، ~~ومنها ما رواه ابن جرير عن أبى موسى الأشعرى أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال # " إن الله يبعث يوم القيامة مناديا ينادى يا أهل الجنة - بصوت يسمعه ~~أولهم وآخرهم - إن الله وعدكم الحسنى وزيادة. فالحسنى الجنة، والزيادة ~~النظر إلى وجه الرحمن عز وجل ". # وعن أبى بن كعب أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قول الله - ~~تعالى - { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } قال # " الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله - تعالى - ". # والمقصود بقوله { ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة } ~~الإخبار عن خلوص نعيمهم من كل ما يكدر الصفو، إثر بيان ما أعطاهم من ~~رضوان. وقوله { يرهق } من الرهق بمعى الغشيان والتغطية. يقال رهقه يرهقه ~~رهقا - من باب طرب - أي غشيه وغطاه بسرعة. والقتر والقترة الغبار والدخان ~~الذى فيه سواد والذلة الهوان والصغار. يقال ذل فلان يذل ذل وذلا، إذا ~~أصابه الصغار والحقارة. أى ولا يغطى وجوههم يوم القيامة شىء مما يغطى ~~وجوه الكفار، من السواد والهوان والصغار. وهذه الجملة بما اشتملت عليه من ~~المعانى، توحى بأن فى يوم القيامة من الزحام والأهوال والكروب. ما يجعل ~~آثار الحزن أو الفرح ظاهرة على الوجوه والمشاعر، فهناك وجوه # عليها غبرة. ترهقها قترة # وهناك وجوه # ناضرة. إلى ربها ناظرة # وقوله { أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } ~~تذييل قصد به تأكيد مدحهم ومسرتهم. أى أولئك المتصفون بتلك الصفات ~~الكريمة أهم أصحاب دار السلام، وهم خالدون فيها خلودا أبديا، لا خوف معه ~~ولا زوال. ثم بين - سبحانه - مصير الظالمين، بعد أن بين حسن عاقبة ~~المحسنين، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حى عن بينة فقال - تعالى - { ~~والذين كسبوا السيئات جزآء سيئة بمثلها ~~وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم ~~كأنما أغشيت وجوههم قطعا من اليل مظلما ms2533 }. ~~أى إذا كان جزاء الذين أحسنوا الحسنى وزيادة، فإن جزاء الذين اجترحوا ~~السيئات، واقترفوا الموبقات، سيئات مثل السيئات التى ارتكبوها كما قال - ~~تعالى - # وجزآء سيئة سيئة مثلها # والمقصود أنهم كما كسبوا السيئات فى الدنيا، فإن الله - تعالى - يجازيهم ~~عليها فى الآخرة بما يستحقون من عذاب ومصير سيئ. وقوله { وترهقهم ~~ذلة } أى وتغشاهم وتغطيهم ذلة عظيمة ومهانة شديدة، وفى إسناد الرهق ~~إلى أنفسهم دون وجوههم، إيذان بأنها محيطة بهم من كل جانب. وقوله { ما ~~لهم من الله من عاصم } أى ليس لهم أحد يعصمهم أو يجيرهم أو ~~يشفع لهم، بحيث ينجون من عذاب الله - تعالى -. # وقوله { كأنما أغشيت وجوههم قطعا من اليل ~~مظلما } تصوير بديع للظلام الحسى والمعنوى الذى يبدو على وجوه هؤلاء ~~الظالمين. أى كأنما ألبست وجوههم قطعا من الليل المظلم، والسواد الحالك، ~~حتى سارت شديدة السواد واضحة الكدرة والظلمة. وقوله { أولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون } بيان لسوء عاقبتهم، وتعاسة ~~أحوالهم. أى أولئك المتصفون بتلك الصفات الذميمة، أصحاب النار هم فيها ~~خالدون خلودا أبديا لا نهاية له. وهكذا نرى فى هذه الآيات الكريمة تصويرا ~~بديعا لما عليه المؤمنون الصادقون من صفات حسنة، ومن جزاء كريم، يتجلى فى ~~رفع درجاتهم، وفى رضا الله - تعالى - عنهم كما نرى فيها - أيضا - وصفا ~~معجزا لأحوال الخارجين عن طاعته ووصفا للمصير المؤلم، الذى ينتظرهم يوم ~~القيامة، # يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ ~~لله # ثم حكى - سبحانه - جانبا من الأقوال التى تدور بين المشركين وبين ~~شركائهم يوم القيامة، فقال - تعالى - { ويوم نحشرهم جميعا ~~ثم نقول للذين... }. ### || [10.28-30] # وقوله { نحشرهم } أى نجمعهم يوم القيامة للحساب، يقال حشر القائد ~~جنده، إذا جمعهم للحرب أو لأمر من الأمور. ويوم ظرف زمان منصوب بفعل ~~مقدر. والمعنى واذكر أيها الرسول الكريم أو أيها الإنسان العاقل، يوم ~~نجمع الناس كافة، لنحاسبهم على أعمالهم فى الدنيا. { ثم نقول ~~للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركآؤكم } أى ثم نقول ~~للمشركين منهم فى هذا اليوم العصيب، الزموا مكانكم أنتم وشركاؤكم فلا ~~تبرحوه حتى يقضى ms2534 الله قضاءه، فيكم، فقوله { مكانكم } ظرف مكان منصوب بفعل ~~مقدر، وقوله { وشركآؤكم } معطوف على ضمير الفعل المقدر، وقوله { ~~أنتم } تأكيد له. أى قفوا مكانكم أنتم وشركاؤكم. وجاء العطف بثم، ~~للإشارة إلى أن بين حشرهم وبين ما يقال لهم، مواقف أخرى فيها من الأهوال ~~ما فيها، فثم هنا للتراخى النسبى. وقال - سبحانه - { مكانكم أنتم ~~وشركآؤكم } مع أن المشركين كانوا يعتبرون معبوداتهم شركاء الله - ~~من باب التهكم بهم. وللإشارة إلى أن ما عبدوهم لم يكونوا فى يوم من ~~الأيام شركاء لله، وإنما المشركون هم الذين وصفوهم بذلك افتراء وكذبا. ~~وجاء وصفهم بالشرك فى حيز الصلة، للإيذان بأنه أكبر جناياتهم وأن شركهم ~~بالله - تعالى - هو الذى أدى بهم إلى هذا المصير المؤلم. وقوله { ~~فزيلنا بينهم } أى ففرقنا بينهم، وقطعنا ما بينهم من صلات، ~~وميزنا بعضهم عن بعض كما يميز بين الخصوم عند التقاضى والمساءلة. وزيلنا ~~من التزييل بمعنى التمييز والتفريق، يقال زيلت الشىء أزيله إذا نحيته ~~وأبعدته، ومنه قوله - تعالى - # لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا ~~أليما # أى لو تميزوا وتفرقوا. وعبر بالفاء للدلالة على أن هذا التفريق والتمييز ~~قد حدث عقب الخطاب من غير مهلة وجاء الأسلوب بصيغة الماضى مع أن هذا ~~التذييل سيكون فى الآخرة، للإيذان بتحقيق الوقوع، وإلى زيادة التوبيخ ~~والتحسير لهم. وقوله { وقال شركآؤهم ما كنتم إيانا ~~تعبدون } معطوف على ما قبله. والمراد بالشركاء كل ما عبد من دون ~~الله من إنس وجن وأوثان وغير ذلك. أى وقال شركاؤهم الذين أشركوهم فى ~~العبادة مع الله - تعالى - إنكم إيها المشركون لم تكونوا لنا عابدين فى ~~الدنيا، وإنما كنتم تعبدون أشياء أخرى زينها الشيطان لكم فانقدتم له بدون ~~تدبر أو تعقل. والمقصود بقولهم هذا - التبرى من المشركين، وتوبيخهم على ~~أفكارهم الفاسدة. وقوله { فكفى بالله شهيدا بيننا ~~وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين } تأكيد لهذا ~~التبرى والإنكار، ورجوع إلى الشهادة الحق فى ذلك. و { إن } فى قوله { ~~إن كنا } مخففة من الثقيلة.. أى فكفى أن يكون الله - تعالى - شهيدا ~~وحكما بيننا ms2535 وبينكم، فهو - سبحانه - يعلم حالنا وحالكم، ويعلم أننا كنا ~~فى غفلة عن عبادتكم لنا، بحيث إننا ما فكرنا فيها ولا رضينا بها. # ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة ببيان أحوال الناس فى هذا اليوم ~~العظيم فقال { هنالك تبلوا كل نفس مآ أسلفت ~~وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما ~~كانوا يفترون }. أى هنالك فى ذلك الموقف الهائل الشديد، تختبر كل ~~نفس مؤمنة أو كافرة ما سلف منها من أعمال، فترى ما كان نافعا أو ضارا ~~من هذه الأعمال، وترى الجزاء المناسب عن كل عمل بعد أن عاد الجميع إلى ~~الله مولاهم الحق، ليقضى بينهم بقضائه العادل، وقد غاب عن المشركين فى ~~هذا الموقف ما كانوا يفترونه من أن هناك آلهة أخرى ستشفع لهم يوم ~~القيامة. وهكذا نرى الآيات الكريمة تصور أحوال الناس يوم الدين تصويرا ~~بليغا مؤثرا، يتجلى فيه موقف الشركاء من عابديهم، وموقف كل إنسان من عمله ~~الذى أسلفه فى الدنيا. وبعد هذا الحديث المعجز عن الحشر وأهواله، ساقت ~~السورة الكريمة بضع آيات فيها الأدلة المقنعة على وحدانية الله وقدرته، ~~ولكن بأسلوب السؤال والجواب، فقال - تعالى - { قل من يرزقكم ~~من السمآء... } ### || [10.31-33] # والمعنى قل يا محمد لهؤلاء المشركين من الذى يرزقكم من السماء بالأمطار ~~وما يتولد عنها، ومن الأرض وما يخرج منها من نباتات وأشجار، وغير ذلك مما ~~تخرجه الأرض. وقوله { أمن يملك السمع والأبصار } أى بل قل ~~لهم - أيضا - من الذى يملك ما تتمتعون به من سمع وبصر، ومن الذى يستطيع ~~خلقهما وتسويتهما بالطريقة التى أوجدها - سبحانه. وخص هاتين الحاستين ~~بالذكر، لأن لهما أعظم الأثر فى حياة الإنسان، ولأنهما قد اشتملتا فى ~~تركيبهما على ما بهر العقول، ويشهد بقدرته - تعالى - وعجيب صنعه فى خلقه. ~~و { أم } هنا منقطعة بمعنى بل، وهى هنا للإضراب الانتقالى لا الإبطالى، ~~وفيه تنبيه على كفاية هذا الاستفهام فى الدلالة على المقصود، وهو إثبات ~~قدرة الله - تعالى - ووجوب إخلاص العبادة له. وقوله { ومن يخرج ~~الحي من الميت ويخرج الميت من الحي } دليل ~~ثالث ms2536 على قدرة الله ووحدانيته. أى وقيل لهم كذلك من سوى الله - تعالى - ~~يملك إخراج النبات وهو كائن حى من الأرض الميتة، وإخراج الإنسان وهو ~~كائن حى من النطفة وبالعكس، وإخراج الطير من البيضة وبالعكس. وقوله { ~~ومن يدبر الأمر } دليل رابع على قدرة الله ووحدانيته أى وقل ~~لهم - أيضا - من الذى يتولى تدبير أمر هذا الكون من إحياء وأماتة، وصحة ~~ومرض، وغنى وفقر، وليل ونهار، وشمس وقمر ونجوم... هذه الجملة الكريمة من ~~باب التعميم بعد التخصيص، لأن كل ما سبق من نعم يندرج فيها. وقوله { ~~فسيقولون الله } حكاية للجواب الذى لا يستطيعون إنكاره، لأنهم ~~مقرون معترفون بأن الله - تعالى - وهو الذى خلقهم، وهو الذى يدبر أمرهم، ~~وإنما كانوا يتخذون الشركاء للزلفى، كما حكى القرآن عنهم فى قوله # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله.. # وفى قوله - سبحانه - حكاية عنهم # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى... # ولفظ الجلالة مبتدأ، والخبر محذوف والتقدير فسيقولون الله وحده هو الذى ~~فعل كل ذلك. وقوله { فقل أفلا تتقون } أمر من الله - تعالى - ~~لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بأن يرد عليهم بهذا الرد. والهمزة لإنكار ~~واقعهم الذميم، وهى داخلة على كلام مقدر، ومفعول تتقون محذوف. أى أتعلمون ~~وتعترفون بأن الله - تعالى - هو الخالق لكل ما سبق، ومع ذلك تشركون معه ~~آلهة فى العبادة، دون أن تتقوا عذابه يوم القيامة؟ إن مسلكك هذا إنما يدل ~~على ضعف فى التفكير، وانطماس فى العقول، وجهالة ليس بعدها جهالة. ثم ~~أرشدهم - سبحانه - إلى الطريق القويم لو كانوا يعقلون فقال { فذلكم ~~الله ربكم الحق... } أى فذلكم الذى فعل ما فعل من رزقكم ومن ~~تدبير أمركم، هو الله المربى لكم بنعمه، وهو الذى لا تحق العبودية ~~والألوهية إلا له وحده. # إذا كان الأمر كذلك { فماذا بعد الحق إلا الضلال } أى ~~لا يوجد غير الحق شىء يتبع سوى الضلال، فمن ترك الحق وهو عبادة الله ~~وحده، فقد وقع فى الباطل والضلال وهو عبادة غيره من الآلهة الأخرى. قال ~~القرطبى ثبت عن عائشة - رضى الله ms2537 عنها - # " أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل ~~قال " اللهم لك الحمد " # الحديث، وفيه أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك الحق، والجنة حق ~~والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق... ". فقوله أنت الحق، أى الواجب ~~الوجود، وأصله من حق الشىء إذا ثبت ووجب - وهذا الوصف لله - تعالى - ~~بالحقيقة، إذ وجوده بنفسه لم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم، وما عداه مما يقال ~~عليه هذا الاسم مسبوق بعدم، ويجوز عليه لحاق العدم، ووجوده من موجده لا ~~من نفسه. ومقابلة الحق بالضلال عرف لغة وشرعا كما فى هذه الآية.. ~~والضلال حقيقته الذهاب عن الحق مأخوذ من ضلال الطريق، وهو العدول عن ~~سمته، يقال " ضل الطريق وأضل الشىء إذا أضاعه.. " وقوله { فأنى ~~تصرفون } أى فكيف تصرفون وتتحولون عن الحق إلى الضلال، بعد اعترافكم ~~وإقراركم بأن خالقكم ورازقكم ومدبر أمركم هو الله - تعالى - وحده. فأنى ~~هنا بمعنى كيف، والاستفهام لإنكار واقعهم المخزى واستبعاده والتعجب منه. ~~ومن الأحكام التى تؤخذ من هذه الآية الكريمة أن الحق والباطل، والهدى ~~والضلال، نقيضان لا يجتمعان، لأن النقيضين يمتنع أن يكونا حقين وأن يكونا ~~باطلين فى وقت واحد بل متى ثبت أن أحدهما هو الحق، وجب أن يكون الآخر هو ~~الباطل. ثم بين - سبحانه - سنة من سننه التى لا تتخلف ولا تتبدل، فقال - ~~تعالى - { كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا ~~أنهم لا يؤمنون }. والكاف للتشبيه بمعنى مثل. وحقت بمعنى وجبت ~~وثبتت. والمراد بالكلمة هنا حكمه وقضاؤه - سبحانه -. والمعنى مثل ما ثبت ~~أن الله - تعالى - هو الرب الحق، وأنه ليس بعد الحق إلا الضلال، ثبت - ~~أيضا - الحكم والقضاء منه - سبحانه - على الذين فسقوا عن أمره، وعموا ~~وصموا عن الحق، أنهم لا يؤمنون به، لأنهم إن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه ~~سبيلا، وإن يروا سبيل الغى يتخذوه سبيلا. فالمراد بالفسق هنا التمرد فى ~~الكفر، والسير فيه إلى أقصى حدوده. ثم ساق - سبحانه - أنواعا أخرى من ~~الأدلة على وحدانية الله - تعالى وقدرته. فقال { قل هل ms2538 من ~~شركآئكم من يبدأ... } ### || [10.34-36] # أى قل يا محمد لهؤلاء الغافلين عن الحق هل من شركائكم الذين عبدتموهم من ~~دون الله، أو أشركتموهم مع الله، من له القدرة على أن يبدأ خلق الإنسان ~~من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة... ثم ينشئه خلقا آخر، ثم يعيده إلى ~~الحياة مرى أخرى بعد موته؟ قل لهم يا محمد الله وحده هو الذى يبدأ الخلق ~~ثم يعيده، أما شركاؤكم فهم أعجز من أن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له... ~~وإذا كان الأمر كذلك من الوضوح والظهور { فأنى تؤفكون } ~~والإفك الصرف والقلب عن الشىء. يقال أفكه عن الشىء يأفكه أفكا، إذا قلبه ~~عنه وصرفه. أى فكيف ساغ لكم أن تصرفوا عقولكم عن عبادة الإله الحق، إلى ~~عبادة أصنام لا تنفع ولا تضر؟! وجاءت جملة { قل هل من ~~شركآئكم... } بدون حرف العطف على ما قبلها للإيذان باستقلالها فى ~~الحصول المطلوب، وإثبات المقصود. وساق - سبحانه - الأدلة بأسلوب السؤال ~~والاستفهام، لأن الكلام إذا كان واضحا جليا ثم ذكر على سبيل الاستفهام، ~~وتفويض الجواب إلى المسئول كان ذلك أبلغ وأوقع فى القلب. وجعل - سبحانه - ~~إعادة المخلوقات بعد موتها حجة عليهم فى التدليل على قدرته مع عدم ~~اعترافهم بها، للإيذان بسطوع أدلتها، لأن القادر على البدء يكون أقدر ~~على الإعادة كما قال - تعالى - # وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه.. # فلما كان إنكارهم لهذه الحقيقة الواضحة من باب العناد أو المكابرة، نزل ~~إنكارهم لها منزلة العدم. وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله " فإن ~~قلت كيف قيل لهم هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده، وهم غير معترفين ~~بالإعادة؟ قلت قد وضعت إعادة الخلق لظهور برهانها موضع ما إن دفعه دافع ~~كان مكابرا رادا الظاهر البين الذى لا مدخل للشبهة فيه، ودلالة على أنهم ~~فى إنكارهم لها منكرون أمرا مسلما معترفا بصحته عند العقلاء. وقال لنبيه ~~- صلى الله عليه وسلم - { قل الله يبدأ الخلق ثم ~~يعيده } فأمره بأن ينوب عنهم فى الجواب. يعنى أنه لا يدعهم ms2539 لجاجهم ~~ومكابرتهم أن ينطقوا بكلمة الحق فتكلم أنت عنهم.. " وقوله { قل هل ~~من شركآئكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي ~~للحق }. حجة أخرى تدمغ جهلهم، جىء بها لتكون دليلا على قدرة الله على ~~الهداية والإضلال، عقب إقامة الأدلة على قدرته - سبحانه - على بدء الخلق ~~وإعادتهم. أى قل لهم يا محمد - أيضا - على سبيل التهكم من أفكارهم هل من ~~شركائكم من يستطيع أن يهدى غيره إلى الدين الحق، فينزل كتابا، أو يرسل ~~رسولا، أو يشرع شريعة، أو يضع نظاما دقيقا لهذا الكون. # أو يحث العقول على التدبر والتفكر فى ملكوت السماوات والأرض...؟ قل لهم ~~يا محمد الله وحده هو الذى يفعل كل ذلك، أما شركاؤكم فلا يستطيعون أن ~~يفعلوا شيئا من ذلك أو من غيره. وقوله { أفمن يهدي إلى الحق ~~أحق أن يتبع أمن لا يهدي... } توبيخ آخر لهم على ~~جهالاتهم وغفلتهم عن إدراك الأمور الواضحة. أى قل لهم يا محمد أفمن يهدى ~~غيره إلى الحق وهو الله - تعالى -. أحق أن يتبع فيما يأمر به وينهى عنه، ~~أم من لا يستطيع أن يهتدى بنفسه إلا أن يهديه غيره أحق بالاتباع؟ لا شك ~~أن الذى يهدى غيره إلى الحق أحق بالاتباع من الذى هو فى حاجة إلى أن ~~يهديه غيره. وقوله { فما لكم كيف تحكمون } استفهام قصد به ~~التعجيب من أحوالهم التى تدعو إلى الدهشة والغرابة. أى ما الذى وقع لكم، ~~وما الذى أصابكم فى عقولكم حتى صرتم تشركون فى العبادة مع الله الخالق ~~الهادى، مخلوقات لا تهدى بنفسها وإنما هى فى حاجة إلى من يخلقها ويهديها. ~~قال الإمام الرازى " واعلم أن الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أولا ثم ~~بالهداية ثانيا، عادة مطردة فى القرآن، فقد حكى - سبحانه - عن إبراهيم ~~أنه ذكر ذلك فقال # الذي خلقني فهو يهدين # وعن موسى أنه قال # ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى # وأمر محمدا - صلى الله عليه وسلم - بذلك فقال # سبح اسم ربك الأعلى. الذي خلق فسوى. والذي ~~قدر فهدى # وهو فى الحقيقة ms2540 دليل شريف، لأن الإنسان له جسد وله روح، فالاستدلال على ~~وجود الصانع بأحوال الجسد هو الخلق، والاستدلال بأحوال الروح هو الهداية، ~~فها هنا أيضا لما ذكر دليل الخلق فى الآية الأولى وهو قوله { من ~~يبدأ الخلق ثم يعيده } أتبعه بدليل الهداية فى هذه الآية. ~~وقوله { أمن لا يهدي } ورد فيه ست قراءات، منها قراءة يعقوب ~~وحفص بكسر الهاء وتشديد الدال، ومنها قراءة حمزة والكسائى بالتخفيف ~~كيرمى، ومنها قراءة ابن كثير وابن عامر وورش عن نافع " يهدى " فتح الياء ~~والهاء وتشديد الدال.. والاستثناء فى قوله { أمن لا يهدي ~~إلا أن يهدى } مفرغ من أعم الأحوال. والتقدير أفمن يهدى إلى الحق ~~أحق بالاتباع، أم من لا يستطيع الهداية إلا أن يهديه إليها غيره أحق ~~بالاتباع؟ وجاء قوله - سبحانه - { فما لكم كيف تحكمون } ~~باستفهامين متواليين، زيادة فى توبيخهم وتقريعهم، ولفت أنظارهم إلى الحق ~~الواضح الذى لا يخفى على كل ذى عقل سليم. وقوله { وما يتبع ~~أكثرهم إلا ظنا... } توبيخ آخر لهم على انقيادهم للأوهام ~~والظنون، وتسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه منهم من ~~إساءات. # أى إن هؤلاء الذين أعرضوا عن دعوتك يا محمد، لا يتبعون فى عقائدهم ~~وعبادتهم لغير خالقهم سوى الظنون والأوهام التى ورثها الأبناء عن الآباء. ~~وخص أكثرهم بالذكر، لأن هناك قلة منهم يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم، ~~ولكنهم لا يتبعونه عنادا وجحودا وحسدا، كما قال - تعالى - # فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات ~~الله يجحدون # ويجوز أن يكون - سبحانه - خص أكثرهم بالذكر، للإشارة إلى أن هناك قلة ~~منهم تعرف الحق، وستتبعه فى الوقت الذى يريده الله - تعالى. والتنكير فى ~~قوله { ظنا } للتنويع. أى لا يتبع أكثرهم إلا نوعا من الظن الواهى الذى ~~لا يستند إلى دليل أو برهان. وقوله { إن الظن لا يغني من ~~الحق شيئا } استئناف مسوق لبيان شأن الظن وبطلانه. والمراد بالظن ~~هنا ما يخالف العلم واليقين، والمراد بالحق العلم والاعتقاد الصحيح ~~المطابق للواقع. أى إن الظن الفاسد المبنى على الأوهام لا يغنى صاحبه ~~شيئا من الإغناء، ms2541 عن الحق الثابت الذى لا ريب فى ثبوته وصحته. وقوله { ~~شيئا } مفعول مطلق أى لا يغنى شيئا من الإغناء، ويجوز أن يكون مفعولا به ~~على جعل يغنى بمعنى يدفع. وقوله { إن الله عليم بما ~~يفعلون } تذييل قصد به التهديد والوعيد. أى إن الله - تعالى - عليم ~~بأقوالهم وأفعالهم، وسيحاسبهم عليها يوم القيامة، وسينالون ما يستحقونه ~~من عقاب بسبب أقوالهم الباطلة. وأفعالهم الفاسدة. قال صاحب المنار ما ~~ملخصه " استدل العلماء بهذه الآية على أن العلم اليقينى واجب فى ~~الاعتقاديات، ويدخل فى الاعتقاديات الإيمان بأركان الإسلام وغيرها من ~~الفرائض والواجبات القطعية، والإيمان بتحريم المحظورات القطعية كذلك... ~~أما ما دون العلم اليقينى مما لا يفيد إلا الظن فلا يؤخذ به فى الاعتقاد ~~وهو متروك للاجتهاد فى الأعمال، كاجتهاد الأفراد فى الأعمال الشخصية، ~~واجتهاد أولى الأمر فى الإدارة والسياسة، مع التقيد بالشورى وتحرى ~~العدل.. ". وبعد أن ساقت السورة الكريمة ألوانا من البراهين الدالة على ~~وحدانية الله - تعالى -، وعلى صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما ~~يبلغه عن ربه، وعلى أن هذا القرآن من عند الله تعالى، عادت السورة ~~الكريمة إلى الحديث عن القرآن الكريم، فتحدت أعداءه أن يأتوا بسورة مثله، ~~ووصفتهم بالجهالة وسفاهة الرأى، وصورت أحوالهم ومواقفهم من دعوة الحق ~~تصويرا بليغا. استمع إلى السورة الكريمة وهى تتحدث عن كل ذلك فتقول { ~~وما كان هذا القرآن أن... } ### || [10.37-44] # قال الإمام ابن كثير " هذا بيان لإعجاز القرآن، وأنه لا يستطيع البشر ~~أن يأتوا بمثله، ولا بعشر سور ولا بسورة من مثله لأنه بفصاحته وبلاغته ~~ووجازته وحلاوته واشتماله على المعانى الغزيرة النافعة فى الدنيا ~~والآخرة، لا يكون إلا من عند الله - تعالى - الذى لا يشبهه شىء فى ذاته ~~ولا فى صفاته، ولا فى أفعاله ولا فى أقواله، فكلامه لا يشبه كلام ~~المخلوقين، ولهذا قال - تعالى - { وما كان هذا القرآن أن ~~يفترى من دون الله }. والنفى هنا للشأن الذى هو أبلغ فى ~~النفى، وأعمق فى الدلالة على أن هذا القرآن من عند الله، من نفى الشىء فى ~~ذاته ms2542 مباشرة. أى وليس من شأن هذا القرآن المعجز، أن يخترعه أو يختلقه أحد ~~من الإنس أو الجن أو غيرهما لأن ما اشتمل عليه من إعجاز وبلاغة وتشريعات ~~حكيمة، وآداب قويمة، وهدايات جامعة... يشهد بأنه من كلام خالق القوى ~~والقدر. وقوله { ولكن تصديق الذي بين يديه ~~وتفصيل الكتاب } بيان لكمال هداية القرآن الكريم، وهيمنته على ~~الكتب السماوية السابقة. والمراد بالذى بين يديه الكتب السابقة على ~~القرآن كالتوراة والإنجيل والزبور. وقوله { بين يديه } فيه نوع ~~مجاز لأن ما بين يدى الشىء يكون أمامه، فوصف - سبحانه - ما مضى من الكتب ~~بأنها بين يدى القرآن لشدة ظهورها واشتهارها، ومعنى تصديق القرآن للكتب ~~السابقة تأييده لما اشتملت عليه من دعوة إلى وحدانية الله - تعالى -، ومن ~~أمر باتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند ظهوره. وأل فى { الكتاب } ~~للجنس، فالمراد به جنس الكتب السماوية التى أنزلها - سبحانه - على بعض ~~أنبيائه. والمعنى ليس من شأن هذا الكتاب فى إعجازه وهدايته أن يكون من ~~عند غير الله، لأن غيره - سبحانه - لا يقدر على ذلك، ولكن من شأنه أن ~~يكون مؤيدا للكتب السماوية السابقة فيما دعت إليه من إخلاص العبودية لله ~~- تعالى - ومن اتباع لرسله، وأن يكون مفصلا وموضحا لما اشتملت عليه هذه ~~الكتب من تشريعات وآداب وأحكام. وقوله { تصديق } منصوب على أنه معطوف على ~~خبر كان، أو على أنه خبر لكان المقدرة أى ولكن كان تصديق. وقوله { لا ~~ريب فيه من رب العالمين } بيان لمصدره. أى هذا الكتاب لا ~~ريب ولا شك فى كونه منزلا على رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - من الله ~~- تعالى - رب العالمين. وفصلت جملة { لا ريب فيه } عما قبلها لأنها ~~مؤكدة له، ومقررة لمضمونه. ونفى - سبحانه - عن القرآن الريب على سبيل ~~الاستغراق مع وقوع الريب فيه من المشركين، حيث وصفوه بأنه أساطير ~~الأولين، لأنه لروعة بيانه، وسطوع حجته، ووضوح دلائله، لا يرتاب ذو عقل ~~متدبر فى كونه وحيا سماويا، ومصدر هداية وإصلاح. # فجملة { لا ريب فيه } تنفى الريب فى القرآن عمن شأنهم أن ms2543 يتدبروه، ~~ويقبلوا على النظر فيه بروية ومن ارتاب فيه فلأنه لم يقبل عليه بأذن ~~واعية، أو بصيرة نافذة أو قلب سليم. وقوله - سبحانه { أم يقولون ~~افتراه } انتقال من بيان كون القرآن من عند الله، إلى بيان مزاعمهم ~~فيه. وأم هنا منقطعة بمعنى بل والهمزة للاستفهام، أى بل أيقولون إن ~~محمدا - صلى الله عليه وسلم - هو الذى أتى بهذا القرآن من عند نفسه لا ~~من عند الله. وقوله { قل فأتوا بسورة مثله وادعوا ~~من استطعتم من دون الله }. أمر من الله - تعالى - لنبيه - ~~صلى الله عليه وسلم - بأن يرد عليهم بما يكبتهم ويخرس ألسنتهم. أى قل لهم ~~يا محمد على سبيل التبكيت والتحدى إن كان الأمر كما زعمتم من أنى أنا ~~الذى اختلقت هذا القرآن، فأتوا أنتم يا فصحاء العرب بسورة مثل سوره فى ~~البلاغة والهداية وقوة التأثير، وقد أبحت لكم مع ذلك أن تدعو لمعاونتكم ~~ومساعدتكم فى بلوغ غايتكم كل من تستطيعون دعوته سوى الله - تعالى - وجاءت ~~كلمة " سورة " منكرة، للإشارة إلى أنه لا يطالبهم بسورة معينة، وإنما ~~أباح لهم أن يأتوا بأية سورة من مثل سور القرآن، حتى ولو كانت كأصغر سورة ~~منه. والضمير فى { مثله } يعود إلى القرآن الكريم، والمراد بمثله هنا ما ~~يشابهه فى حسن النظم، وجمال الأسلوب، وسداد المعنى، وقوة التأثير. وقوله ~~{ وادعوا } من الدعاء، والمراد به هنا طلب حضور المدعو أى نادوهم. وكلمة ~~{ من } فى قوله { من استطعتم } تشمل آلهتهم وبلغاءهم وشعراءهم ~~وكل من يتوسمون فيه العون والمساعدة. وكلمة { دون } هنا بمعنى غير أى ~~ادعوا لمساعدتكم كل من تستطيعون دعوته غير الله - تعالى - فإنه وحده ~~القادر على أن يأتى بمثله. وقوله { إن كنتم صادقين } جملة شرطية، ~~وجوابها محذوف لدلالة الكلام السابق عليه، أى إن كنتم صادقين فى دعواكم ~~أنى افتريت هذا القرآن، فهاتوا سورة مثله مفتراة، فإنكم مثلى فى العربية ~~والفصاحة. فأنت ترى أن الآية الكريمة قد تحدتهم وأثارت حماستهم، وأرخت ~~لهم الحبل، وعرضت بعدم صدقهم، حتى تتوافر دواعيهم على المعارضة التى ~~زعموا أنهم أهل ms2544 لها. قال الآلوسى " هذه الآية دلالة على إعجاز القرآن، ~~لأنه - صلى الله عليه وسلم - تحدى مصاقع العرب بسورة ما منه، فلم يأتوا ~~بذلك، وإلا فلو أتوا بذلك لنقل إلينا، لتوفر الدواعى على نقله ". هذا وقد ~~عقد صاحب الظلال فصلا طويلا للحديث عن إعجاز القرآن فقال " وقد ثبت هذا ~~التحدى، وثبت العجز عنه، وما يزال ثابتا ولن يزال، والذين يدركون بلاغة ~~هذه اللغة، ويتذوقون الجمال الفنى والتناسق فيها، يدركون أن هذا النسق من ~~القول لا يستطيعه إنسان وكذلك الذين يدرسون النظم الاجتماعية، والأصول ~~التشريعية، ويدرسون النظام الذى جاء به هذا القرآن، يدركون أن النظرة فيه ~~إلى تنظيم الحاجة الإنسانية ومقتضيات حياتها من جميع جوانبها، والفرص ~~المدخرة فيه لمواجهة الأطوار والتقلبات فى يسر ومرونة كل أولئك أكبر من ~~أن يحيط به عقل بشرى واحد، أو مجموعة من العقول فى جيل واحد أو فى جميع ~~الأجيال، ومثلهم الذين يدرسون النفس الإنسانية ووسائل الوصول إلى ~~التأثير فيها وتوجيهها، ثم يدرسون وسائل القرآن وأساليبه. # فليس هو إعجاز اللفظ والتعبير وأسلوب الأداء وحده، ولكنه الإعجاز ~~المطلق الذى يلمسه الخبراء فى هذا وفى النظم والتشريعات والتقسيمات وما ~~إليها... " ثم انتقلت السورة الكريمة من توبيخهم على كذبهم وجحودهم، إلى ~~توبيخهم على جهلهم وغباوتهم فقال - تعالى - { بل كذبوا بما لم ~~يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله... }. أى أن ~~هؤلاء الأشقياء لم يكتفوا بما قالوه فى شأن القرآن الكريم من أقاويل ~~فاسدة، بل هرولوا إلى تكذيب ما فيه من هدايات سامية، وآداب عالية، وأخبار ~~صادقة، بدون فهم أو تدبر، وبدون انتظار لتفسير معانيه وأخباره التى لم ~~يهتدوا إلى معرفتها بعد. قال صاحب الكشاف قوله { بل كذبوا بما ~~لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله } أى بل ~~سارعوا إلى التكذيب بالقرآن قبل أن يفقهوه ويعلموا كنه أمره، وقبل أن ~~يتدبروه ويقفوا على تأويله ومعانيه، وذلك لفرط نفورهم عما يخالف دينهم، ~~وشرادهم عن مفارقة دين آبائهم كالناشئ على التقليد من الحشوية، إذا أحس ~~بكلمة لا توافق ما نشأ عليه وألفه، وإن كانت أضوأ من ms2545 الشمس فى ظهور الصحة ~~وبيان الاستقامة أنكرها فى أول وهلة، واشمأز منها قبل أن يحسن إدراكها ~~بحاسة سمعه من غير فكر فى صحة أو فساد، لأنه لم يشعر قلبه إلا صحة مذهبه، ~~وفساد ما عداه من المذاهب.. فإن قلت فما معنى التوقع فى قوله { ولما ~~يأتهم تأويله } قلت معناه أنهم كذبوه به على البديهة قبل ~~التدبر ومعرفة التأويل، تقليدا للآباء، وكذبوه بعد التدبر تمردا، وعنادا ~~فذمهم بالتسرع إلى التكذيب قبل العلم. ويجوز أن يكون معنى { ولما ~~يأتهم تأويله } ولم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإخبار ~~بالغيوب، يعنى أنه كتاب معجز من جهتين من جهة إعجاز نظمه، ومن جهة ما فيه ~~من الإخبار بالغيوب، فتسرعوا إلى التكذيب به قبل أن ينظروا فى نظمه ~~وبلوغه حد الإعجاز، وقبل أن يخبروا إخباره بالمغيبات وصدقه وكذبه ". ~~وقال الآلوسى وعبر - سبحانه - بقوله { بل كذبوا بما لم ~~يحيطوا بعلمه } دون أن يقال. # بل كذبوا به من غير أن يحيطوا بعلمه أو نحوه للإيذان بكمال جهلهم به، ~~وأنهم لم يعلموه إلا بعنوان عدم العلم به، وبأن تكذيبهم به إنما هو بسبب ~~عدم إحاطتهم بعلمه، لما أن تعليق الحكم بالموصول مشعر بعلية ما فى حيز ~~الصلة له، وأصل الكلام بما لم يحيطوا به علما، إلا أنه عدل منه إلى ما فى ~~النظم الكريم لأنه أبلغ. ونفى إتيان التأويل بكلمة { لما } الدالة على ~~توقع منفيها بعد نفى الإحاطة بعلمه بكلمة " لم " لتأكيد الذم، وتشديد ~~التشنيع، فإن الشناعة فى تكذيب الشىء، قبل علمه المتوقع إتيانه أفحش منها ~~فى تكذيبه قبل علمه مطلقا ". وقوله { كذلك كذب الذين من ~~قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين } تهديد لهم ~~ووعيد على التمادى فى العناد. أى كما كذب المشركون نبيهم محمدا - صلى ~~الله عليه وسلم - عن جهل وجحود كذب الذين من قبلهم أنبياءهم، كقوم نوح ~~وعاد وثمود، فكانت نتيجة هذا التكذيب أن أخذهم الله - تعالى - أخذ عزيز ~~مقتدر. قال - تعالى - فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من ~~أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ~~ومنهم من ms2546 خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا ~~وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون. ثم فصل - سبحانه - أحوالهم ومواقفهم من القرآن الكريم فقال ~~{ ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به ~~وربك أعلم بالمفسدين }. أى ومن هؤلاء الذين بعثت إليهم ~~يا محمد من يؤمن بهذا القرآن، ويتبعك وينتفع بما أرسلت به، ومنهم من لا ~~يؤمن به أبدا لاستحبابه العمى على الهدى. وعليه يكون المراد بمن يؤمن به، ~~أولئك الذين وفقهم الله لاتباع الحق عن يقين وإذعان. وقيل إن المعنى ومن ~~قومك يا محمد أناس مؤمنون فى قرارة نفوسهم بأن هذا القرآن من عند الله، ~~ولكنهم يكذبونك جحودا وعنادا ومنهم من لا يؤمن به أصلا لانطماس بصيرته، ~~وإيثاره الغى على الرشد. وعلى هذا التفسير يكون المراد بمن يؤمن به أولئك ~~الذين يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم، ولكن الغرور والجهل والحسد حال ~~بينهم وبين اتباعه. وقوله { وربك أعلم بالمفسدين } أى ~~وربك أعلم بالمفسدين فى الأرض بالشرك والظلم والفجور، وسيحاسبهم على ذلك ~~يوم الدين حسابا عسيرا، ويذيقهم العذاب الذى يستحقونه، فالمراد بالعلم ~~هنا لازمه وهو الحساب والعقاب. وقوله { وإن كذبوك فقل لي ~~عملي ولكم عملكم أنتم بريئون ممآ أعمل ~~وأنا بريء مما تعملون } إرشاد من الله - تعالى - لنبيه ~~- صلى الله عليه وسلم - إذا ما لج أعداؤه فى طغيانهم. أى وإن تمادى هؤلاء ~~الأشرار فى طغيانهم وفى تكذيبهم لك يا محمد، فقل لهم أنا مسئول عن عملى ~~أمام الله، وأنتم مسئولون عن أعمالكم أمامه - سبحانه - وأنتم بريئون مما ~~أعمله فلا تؤاخذونى عليه، وأنا برئ كذلك من أعمالكم فلا يؤاخذنى الله ~~عليها. # فالآية الكريمة تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من قومه. ~~وإعلام له بأن وظيفته البلاغ، أما حسابهم على أعمالهم فعلى الله - تعالى ~~-. ثم صور - سبحانه - ما عليه أولئك الجاحدون من جهالات مطبقة، وغباء ~~مستحكم فقال - تعالى - { ومنهم من يستمعون إليك ~~أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون. ومنهم ~~من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا ~~يبصرون }. أى ومن ms2547 هؤلاء المشركين - يا محمد - من يستمعون إليك وأنت ~~تقرأ عليهم القرآن وترشدهم إلى ما ينفعهم، ولكنهم يستمعون بلا تدبر أو ~~فهم، فهل أنت - يا محمد - فى إمكانك أن تسمع الصم، ولو انضم إلى صممهم ~~عدم تعقلهم، لأن الأصم العاقل - كما يقول صاحب الكشاف - ربما تفرس واستدل ~~إذا وقع فى صماخه دوى الصوت، فإذا اجتمع سلب السمع والعقل جميعا فقد تم ~~الأمر. ومنهم - أيضا - من ينظر إليك، ويشاهد البراهين الدالة على صدقك، ~~فإن وجهك ليس بوجه كذاب، ولكنه لا يتبع دعوتك جحودا وعنادا، فهل أنت فى ~~إمكانك أن تهدى العمى ولو انضم إلى فقدان بصرهم فقدان بصيرتهم فأنت ترى ~~أن هاتين الآيتين قد نعتا على المشركين جهالاتهم، وانطماس بصيرتهم، بحيث ~~صاروا لا ينتفعون بنعم الله التى أنعم بها عليهم. فقد وصمهم - سبحانه - ~~بفقدان السمع والبصر والعقل، مع أنهم يسمعون ويبصرون ويعقلون، لأنهم لما ~~لم يستعملوا نعم الله فيما خلقت له، صارت هى والعدم سواء. والاستفهام فى ~~الآيتين للإنكار والاستبعاد. وجواب { لو } فى الآيتين محذوف لدلالة ما ~~قبله عليه، والجملة معطوفة على جملة مقدرة مقابلة لها. أى أفأنت تسمع ~~الصم لو كانوا يعقلون ولو كانوا لا يعقلون، على معنى أفأنت تستطيع ~~إسماعهم فى الحالتين؟ كلا لا تستطيع ذلك وإنما القادر على ذلك هو الله ~~وحده. ثم بين - سبحانه - سنة من سننه التى لا تتخلف فقال { إن الله ~~لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم ~~يظلمون }. أى إن الله - تعالى - قد اقتضت سننه فى خلقه، أن لا ~~يظلمهم شيئا، كأن يعذبهم - مثلا - مع إيمانهم وطاعتهم له، أو كأن ينقصهم ~~شيئا من الأسباب التى يهتدون باستعمالها إلى ما فيه خيرهم.. ولكن الناس ~~هم الذين يظلمون أنفسهم، بإيرادها موارد المهالك عن طريق اجتراح السيئات، ~~واقتراف الموبقات، الموجبة للعقوبات فى الدنيا والآخرة. وبذلك نرى أن هذه ~~الآية الكريمة، قد نفت تصور أن يكون هذا القرآن من عند غير الله، وتحدث ~~المشركين أن يأتوا بسورة مثله، ووصمتهم بالتسرع فى الحكم على شىء لم ~~يحيطوا بعلمه، وأمرت النبى ms2548 - صلى الله عليه وسلم - أن يثبت على دعوة ~~الحق، سواء استجاب له الناس أم لم يستجيبوا، وأن الله - تعالى - قد اقتضت ~~حكمته ألا يعذب الناس إلا إذا فعلوا ما يوجب العقوبة، وصدق الله إذ يقول # ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ~~وكان الله شاكرا عليما # وبعد أن بينت السورة الكريمة أحوال أولئك المشركين فى الدنيا، ومواقفهم ~~من الدعوة الإسلامية، أتبعت ذلك بالحديث عن أحوالهم يوم الحشر، ومن ~~استعجالهم للعذاب، وعن رد الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليهم، فقال - ~~تعالى - { ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ~~ساعة... }. ### || [10.45-49] # وقوله - سبحانه - { ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا ~~إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم } بيان ~~لأحوالهم السيئة عند جمعهم لحساب يوم القيامة. إذ الحشر - كما يقول ~~الراغب - إخراج الجماعة عن مقرهم وإزعاجهم عنه إلى الحرب ونحوها ". ~~والمراد به هنا إخراج الناس من قبورهم وجمعهم فى الموقف لحسابهم على ~~أعمالهم الدنيوية. والمقصود بالساعة هنا المدة القليلة من الزمان، فقد ~~جرت العادة أن يضرب بها المثل فى الوقت القصير. والمعنى واذكر يا أيها ~~الرسول الكريم، وذكرهؤلاء المشركين الذين عموا وصموا عن الحق، يوم يجمعهم ~~الله - فى الآخرة للحساب والعقاب، فيشتد كربهم، وينسون تلك الملذات ~~والشهوات.. التي استمتعوا بها فى الدنيا، حتى لكأنهم لم يلبثوا فيها وفى ~~قبورهم، إلا ساعة من النهار أى إلا مدة قصيرة من النهار، يتعارفون بينهم، ~~أى لا تتسع تلك المدة إلا للتعارف فيما بينهم. وقوله { كأن لم ~~يلبثوا } جملة حالية من ضمير الجمع فى يحشرهم. وخصت الساعة بكونها ~~من النهار، لأنها أعرف لهم من ساعات الليل. والمقصود بالتشبيه بيان أن ~~هذه السنوات الطويلة التى قضاها هؤلاء المشركون فى الدنيا يتمتعون بلهوها ~~ولعبها، ويستبعدون معها أن هناك بعثا وحسابا.. قد زالت عن ذاكرتهم فى يوم ~~القيامة، حتى لكأنهم لم يمكثوا فيها سوى وقت قصير لا يتسع لأكثر من ~~التعارف القليل مع الأقارب والجيران والأصدقاء، حتى لكأن ذلك النعيم الذى ~~تقلبوا فيه دهرا طويلا لم يروه من قبل... وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى ms2549 ~~- فى سورة الأحقاف # كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ~~ساعة من نهار # وقوله - سبحانه، فى سورة الروم # ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا ~~غير ساعة # فإن قيل إن هناك بعض الآيات ذكرت أنهم عندما يسألون يحسبون بأنهم لبثوا ~~فى الدنيا يوما أو بعض يوم، أو عشية أو ضحاها كما فى قوله - تعالى - # قال كم لبثتم فى الأرض عدد سنين. قالوا لبثنا ~~يوما أو بعض يوم # وكما فى قوله - تعالى - # كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية ~~أو ضحاها # فكيف نجمع بين هذه الآيات التى اختلفت إجابتهم فيها؟ فالجواب أن أهل ~~الموقف يختلفون فى تقدير الزمن الذى لبثوه فى الدنيا على حسب اختلاف ~~أحوالهم، وعلى حسب أهوال كل موقف، فإن فى يوم القيامة مواقف متعددة بعضها ~~أشد من بعض. وقوله { يتعارفون بينهم } جملة حالية أيضا من ~~ضمير الجمع فى يحشرهم. قال القرطبى " وهذا التعارف توبيخ وافتضاح، يقول ~~بعضهم لبعض أنت أضللتنى وأغويتنى وحملتنى على الكفر، وليس تعارف شفقة ~~ورحمة وعطف... والصحيح أنه لا ينقطع هذا التعارف التوبيخى عند مشاهدة ~~أهوال القيامة، لقوله - تعالى - # ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم ~~يرجع بعضهم إلى بعض القول # فأما قوله # ولا يسأل حميم حميما # وأشباهه فمعناه لا يسأله سؤال رحمة وشفقة.. " وقوله { قد خسر ~~الذين كذبوا بلقآء الله وما كانوا مهتدين } ~~جملة مستأنفة مسوقة لبيان حكم الله عليهم فى آخرتهم بعد أن ضيعوا دنياهم. ~~والمراد بلقاء الله مطلق الحساب والجزاء الكائن فى يوم القيامة. أى أن ~~هؤلاء الأشقياء الذين أعرضوا عن الحق وأنكروا الحشر، قد خسروا سعادتهم ~~الأبدية، وحق عليهم العذاب المهين، بسبب كفرهم وطغيانهم، وعدم اهتدائهم ~~إلى طريق النجاة. وقوله { وإما نرينك بعض الذي ~~نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم } تأكيد ~~لخسرانهم، ولوقوع العذاب بهم، وتسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما ~~أصابه منهم و " إن " شرطية. و " ما " مزيدة لتأكيد معنى الشرط، وجملة { ~~فإلينا مرجعهم } جواب للشرط وما عطف عليه. والمعنى إن هؤلاء ~~المشركين الذين ناصبوك العداوة أيها الرسول الكريم ms2550 لا يخفى علينا أمرهم ~~ونحن إما نرينك ببصرك بعض الذى نعدهم به من العذاب الدنيوى، وإما ~~نتوفينك، قبل ذلك، وفى كلتا الحالتين فإن مرجعهم إلينا وحدنا فى الآخرة، ~~فنعاقبهم العقوبة التى يستحقونها. وقال - سبحانه - { بعض الذي ~~نعدهم } للإشارة إلى أن ما سينزل بهم من عذاب دنيوى، هو جزء من ~~العذاب المدخر لهم فى الآخرة. وقد أنجز الله - تعالى - وعده لنبيه - صلى ~~الله عليه وسلم - فسلط عليهم القحط والمجاعة، حتى كانوا لشدة جوعهم يرون ~~كأن بينهم وبين السماء دخانا. ونصر المسلمين عليهم فى غزوتى بدر والفتح، ~~وكل ذلك حدث فى حياة النبى - صلى الله عليه وسلم. وقال - سبحانه - { ~~بعض الذي نعدهم } ولم يقل بعض الذى وعدناهم، لاستحضار صورة ~~العذاب، والدلالة على تجدده واستمراره. أى نعدهم وعدا متجددا على حسب ما ~~تقتضيه حكمتنا ومشيئتنا، من إنذار عقب إنذار، ومن وعيد بعد وعيد. والمراد ~~من الشهادة فى قول { ثم الله شهيد على ما يفعلون } ~~لازمها وهو المعاقبة والمجازاة، فكأنه - سبحانه - يقول ثم الله - تعالى - ~~بعد ذلك معاقب لهم على ما فعلوه من سيئات، وما يرتكبونه من منكرات. قال ~~صاحب الكشاف " فإن قلت الله شهيد على ما يفعلون فى الدارين فما معنى ثم؟ ~~قلت ذكرت الشهادة والمراد مقتضاها ونتيجتها وهو العقاب، فكأنه قال ثم ~~الله معاقبهم على ما يفعلون. ويجوز أن يراد أن الله مؤد شهادته على ~~أفعالهم يوم القيامة حين ينطق جلودهم وألسنتهم وأيديهم فتكون شاهدة عليهم ~~". هذا، وفى معنى هذه الآية وردت آيات أخرى منها قوله - تعالى - # وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو ~~نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب # وقوله - تعالى - # فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك بعض ~~الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون # ثم بين - سبحانه - أن من مظاهر رحمته بعباده، أن جعل لكل أمة رسولا ~~يهديها إلى الحق وإلى الطريق المستقيم فقال - تعالى - { ولكل ~~أمة رسول فإذا جآء رسولهم قضي بينهم ~~بالقسط وهم لا يظلمون }. أى أنه - سبحانه - اقتضت حكمته ~~ورحمته أن يجعل لكل جماعة من الناس، رسولا ms2551 يبلغهم ما أمره الله بتبليغه، ~~ويشهد عليهم بذلك يوم القيامة، فإذا جاء رسولهم وشهد بأنه قد بلغهم ما ~~أمره الله به، قضى - سبحانه - بينه وبينهم بالعدل، فحكم بنجاة المؤمن ~~وبعقوبة الكافر، ولا يظلم ربك أحدا. قال الإمام ابن كثير عند تفسير لهذه ~~الآية " فكل أمة تعرض على الله - تعالى - بحضرة رسولها، وكتاب أعمالها من ~~خير أو شر شاهد عليهم، وحفظتهم من الملائكة شهود أيضا أمة بعد أمة، وهذه ~~الأمة الشريفة وإن كانت آخر الأمم فى الخلق، إلا أنها أول الأمم يوم ~~القيامة، يفصل بينهم ويقضى لهم كما جاء فى الصحيحين عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال # " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، المقضى لهم قبل الخلائق، فأمته ~~إنما حازت قصب السبق بشرف رسولها - صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى ~~يوم الدين ". # وقوله { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ~~} حكاية لأقوالهم الدالة على طغيانهم وفجورهم. أى أن هؤلاء لم يكتفوا ~~بالإعراض عن دعوة الحق، بل قالوا لرسولهم - صلى الله عليه وسلم - الذى ~~حذرهم من عذاب الله إذا ما استمروا فى كفرهم متى يقع علينا هذا العذاب ~~الأليم الذى تهددنا؟ إننا نتعجله فأت به إن كنت أنت وأصحابك من الصادقين ~~فى دعواكم أن هناك عذابا ينتظرنا. وهذا القول منهم يدل على توغلهم فى ~~الكفر والجحود، وعدم اكتراثهم بما يخبرهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~-. ولذا أمر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم فقال ~~{ قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شآء ~~الله... }. أى قل يا محمد لهؤلاء الجاهلين المتعاجلين للعذاب إننى لا ~~أملك لنفسى - فضلا عن غيرها - شيئا من الضر فأدفعه عنها، ولا شيئا من ~~النفع فأجلبه لها، لكن الذى يملك ذلك هو الله وحده، فهو - سبحانه - الذى ~~يملك أن ينزل العذاب بكم فى أى وقت يشاء، فلماذا تطلبون منى ما ليس فى ~~قدرتى. وعلى هذا التفسير يكون الاستثناء منقطعا. ويجوز أن يكون متصلا ~~فيكون المعنى قل لهم يا محمد إننى لا ms2552 أملك لنفسى شيئا من الضر أو النفع، ~~إلا ما شاء الله - تعالى - أن يجعلنى قادرا عليه منهما، فإننى أملكه ~~بمشيئته وإرادته. # وقدم - سبحانه - الضر على النفع هنا، لأن الآية مسوقة للرد على ~~المشركين، الذين تعجلوا نزول العذاب الذى هو نوع من الضر. أما الآية التى ~~فى سورة الأعراف، وهى قوله - تعالى - { قل لا أملك لنفسي ~~ضرا ولا نفعا إلا ما شآء الله.. } فقد قدم النفع على ~~الضر، لأنها مسوقة لبيان الحقيقة فى ذاتها. وهى أن الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - لا يملك لنفسه شيئا من التصرف فى هذا الكون، وللإشعار بأن ~~النفع هو المقصود بالذات من تصرفات الإنسان. وقوله { لكل أمة ~~أجل إذا جآء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون } تأكيد لما قبله، وتقرير لقدرة الله - تعالى - النافذة. ~~أى لكل أمة من الأمم أجل قدره الله - تعالى - لانتهاء حياتها، فإذا حان ~~وقت هذا الأجل هلكت فى الحال دون أن تتقدم على الوقت المحدد لموتها ساعة ~~أو تتأخر أخرى. * * * ثم ساقت السورة الكريمة ألوانا أخرى من الأجوبة ~~التى لقنها الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - لكى يرد بها ~~على المشركين الذين تعجلوا العذاب كما صورت أحوالهم عندما يرون العذاب، ~~فقال - تعالى - { قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا ~~أو نهارا... } ### || [10.50-54] # وقوله " أرأيتم " بمعنى أخبرونى. وكلمة أرأيت تستعمل فى القرآن للتنبيه ~~والحث على الرؤية والتأمل، فهو استفهام للتنبيه مؤداه أرأيت كذا أو ~~عرفته؟ إن لم تكن أبصرته أو عرفته فانظره وتأمله وأخبرنى عنه. ولما كانت ~~الرؤية للشىء سببا لمعرفته وللإخبار عنه، أطلق السبب وأريد المسبب فهو ~~مجاز مرسل علاقته السببية والمسببية. وقوله بياتا أى ليلا، ومنه البيت ~~لأنه يبات فيه. يقال بات يبيت بيتا وبياتا. والمعنى أخبرونى أيها ~~الجاهلون الحمقى أى دافع جعلكم تستعجلون نزول العذاب؟ إن وقوع العذاب ~~سواء أكان بالليل أم بالنهار لا يمكن دفعه، ولا يمكن أن يتعجله عاقل، ~~لأنه - كما يقول صاحب الكشاف - كل مكروه، مر المذاق، موجب للنفار منه، ~~فكيف ساغ لكم أن تستعجلوا نزول شىء ms2553 فيه هلاككم ومضرتكم؟!! وقال - سبحانه ~~- { بياتا } ولم يقل ليلا، للإشعار بمجئ العذاب فى وقت غفلتهم ونومهم ~~بحيث لا يشعرون به، فهم قد يقضون جانبا من الليل فى اللهو واللعب، ثم ~~ينامون فيأتيهم العذاب فى هذا الوقت الذى هجعوا فيه. فالآية الكريمة ~~توبيخ لهم على استعجالهم وقوع شىء من شأن العقلاء أنهم يرجون عدم وقوعه. ~~ولذا قال القرطبى " قوله { ماذا يستعجل منه المجرمون } ~~استفهام معناه التهويل والتعظيم. أى ما أعظم ما يستعجلون به. كما يقال ~~لمن يطلب أمرا تستوخم عاقبته ماذا تجنى على نفسك ". وجواب الشرط لقوله { ~~إن أتاكم... } محذوف والتقدير إن أتاكم عذابه فى أحد هذين الوقتين ~~أفزعكم وأهلككم فلماذا تستعجلون وقوع شىء هذه نتائجه؟ وقد ذكر صاحب ~~الكشاف وجها آخر بعد أن ذكر هذا الوجه فقال فإن قلت فهلا قيل ماذا ~~يستعجلون منه؟ قلت أريدت الدلالة على موجب ترك الاستعجال وهو الإجرام، ~~لأن من شأن المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه، ويهلك فزعا من مجيئه وإن ~~أبطأ - فضلا عن أن يستعجله - ويجوز أن يكون { ماذا يستعجل ~~منه المجرمون } جوابا للشرط كقولك إن أتيتك ماذا تطعمنى. وقوله ~~- سبحانه - { أثم إذا ما وقع آمنتم به... } زيادة فى ~~تجهيلهم وتأنيبهم والهمزة داخلة على محذوف، و { ثم } حرف عطف يدل على ~~الترتيب والتراخى وجىء به هنا للدلالة على زيادة الاستبعاد. والمعنى إنكم ~~أيها الجاهلون لستم بصادقين فيما تطلبون، لأنكم قبل وقوع العذاب تتعجلون ~~وقوعه، فإذا ما وقع وشاهدتم أهواله. وذقتم مرارته.. آمنتم بأنه حق، وتحول ~~استهزاؤكم به إلى تصديق وإذعان وتحسر. وقوله { الآن وقد كنتم به ~~تستعجلون } قصد به زيادة إيلامهم وحسرتهم ولفظ { الآن } ظرف زمان ~~يدل على الحال الحاضرة، وهو فى محل نصب على أنه ظرف لفعل مقدر. أى قيل ~~لهم عند إيمانهم بعد وقوع العذاب الآن آمنتم بأنه حق؟ مع أنكم قبل ذلك ~~كنتم به تستهزئون، وتقولون للرسول - صلى الله عليه وسلم - ولأتباعه # متى هذا الوعد إن كنتم صادقين # ألا فلتعلموا أن إيمانكم فى هذا الوقت غير مقبول، لأنه جاء فى ms2554 غير ~~أوانه، وصدق الله إذ يقول # فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ~~وكفرنا بما كنا به مشركين. فلم يك ينفعهم ~~إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد ~~خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون # وقوله { ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد ~~هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون } تأكيد لتوبيخهم ~~وتأنيبهم بعد أن نزل بهم العذاب، وهو معطوف على لفظ " قيل " المقدر قبل ~~لفظ { الآن }. أى قيل لهم الآن آمنتم بأن العذاب حقيقة بعد أن كنتم به ~~تستعجلون؟ ثم قيل لهؤلاء الظالمين الذين أصروا على الكفر واقتراف ~~المنكرات ذوقوا عذاب الخلد أى العذاب الباقى الدائم، إذ الخلد والخلود ~~مصدر خلد الشىء إذا بقى على حالة واحدة لا يتغير. والاستفهام فى قوله { ~~هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون } للنفى والإنكار. أى ~~لا تجزون إلا بالجزاء المناسب لما كنتم تكسبونه فى الدنيا من كفر بالحق، ~~وإيذاء للدعاة إليه، وتكذيب بوحى الله - تعالى -. ثم قال - سبحانه - { ~~ويستنبئونك أحق هو } النبأ كما يقول الراغب. خبر ذو فائدة ~~عظيمة، يحصل به علم أو غلبة ظن. والاستنباء طلب الأخبار الهامة. أى إن ~~هؤلاء الضالين يطلبون منك - أيها الرسول الكريم - على سبيل التهكم ~~والاستهزاء، أن تخبرهم عن هذا العذاب الذى توعدتهم به، أهو واقع بهم على ~~سبيل الحقيقة، أم هو غير واقع ولكنك تحدثهم عنه على سبيل الإرهاب ~~والتهديد؟ وقوله { قل إي وربي إنه لحق ومآ أنتم ~~بمعجزين } إرشاد من الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى الجواب الذى يرد به عليهم. ولفظ { أي } بكسر الهمزة وسكون الياء - ~~حرف جواب وتصديق بمعنى نعم، إلا أنه لا يستعمل إلا مع القسم. أى قل لهم ~~يا محمد نعم وحق ربى إن العذاب الذى أخبرتكم به لا محيص لكم عنه وما أنتم ~~بمعجزى الله - تعالى - إذا أراد أن ينزله بكم فى أى وقت يريده، بل أنتم ~~فى قبضته وتحت سلطانه وملكه، فاتقوا الله، بأن تخلصوا به العبادة، ~~وتتبعوا رسوله - صلى الله عليه وسلم - فيما جاءكم به من عنده ms2555 - سبحانه -. ~~وقد أكد سبحانه - الجواب عليهم بأتم وجوه التأكيد، لأنهم كانوا قوما ~~ينكرون أشد الإنكار أن يكون هناك عذاب وحساب وبعث وجنة ونار. قال ابن ~~كثير " وهذه الآية ليس لها نظير فى القرآن إلا آيتان أخريان، يأمر الله - ~~تعالى - رسوله فيهما أن يقسم به على من أنكر المعاد، أما الآية الأولى ~~فهى قوله - تعالى - # وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى ~~وربي لتأتينكم.. # وأما الآية الثانية فهى قوله - تعالى - # زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي ~~لتبعثن.. # وجملة { ومآ أنتم بمعجزين } إما معطوفة على جواب القسم، أو ~~مستأنفة سبقت لبيان عجزهم عن الخلاص، وتأكيد وقوع العذاب عليهم. ثم بين - ~~سبحانه - أنهم لن يستطيعوا افتداء أنفسهم من العذاب عند وقوعه فقال - ~~تعالى - { ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض ~~لافتدت به }. أى ولو أن لكل نفس تلبست بالظلم بسبب شركها وفسوقها، ~~جميع ما فى الأرض من مال ومتاع، وأمكنها أن تقدمه كفداء لها من العذاب ~~يوم القيامة، لقدمته سريعا دون أن تبقى منه شيئا حتى تفتدى ذاتها من ~~العذاب المهين. ومفعول { افتدت } محذوف. أى لافتدت نفسها به. ولو هنا ~~امتناعية، أى امتنع افتداء كل نفس ظالمة، لامتناع ملكها لما تفدى به ~~ذاتها وهو جميع ما فى الأرض من أموال، ولامتناع قبول ذلك منها فيما لو ~~ملكته على سبيل الفرض. وقوله { وأسروا الندامة لما ~~رأوا العذاب } بيان لما انتابهم من حسرات عند مشاهدتهم لأهوال ~~العذاب المعد لهم. و { أسروا } من الإسرار بمعنى الإخفاء ~~والكتمان. يقال أسر فلان الحديث. أى خفض صوته به، ويقابله الإعلان ~~والجهر، ومنه قوله - تعالى - # وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات ~~الصدور # والندامة والندم ما يجده الإنسان فى نفسه من آلام وحسرات على أقوال أو ~~أفعال سيئة، فات أوان تداركها. أى وأخفى هؤلاء الظالمون الندامة حين رأوا ~~بأبصارهم مقدمات العذاب، وحين أيقنوا أنهم لا نجاة لهم منه، ولا مصرف لهم ~~عنه. قال صاحب الكشاف " قوله - سبحانه - { وأسروا الندامة ~~لما رأوا العذاب } لأنهم بهتوا ms2556 لرؤيتهم ما لم يحتسبوه، ولم ~~يخطر ببالهم، وعاينوا من شدة الأمر وتفاقمه، ما سلبهم قواهم، وبهرهم، فلم ~~يطيقوا عنده بكاء ولا صراخا ولا ما يفعله الجازع، سوى إسرار الندم ~~والحسرة فى القلوب، كما ترى المقدم للصلب يثخنه ما دهمه من فظاعة الخبط ~~ويغلب، حتى لا ينبس بكلمة ويبقى جامدا مبهوتا. وقيل أسر رؤساؤهم الندامة ~~من سفلتهم الذين أضلوهم، حياء منهم وخوفا من توبيخهم.. وقيل أسروا ~~الندامة أظهروها من قولهم أسر الشىء إذا أظهره وليس هناك تجلد ". وقوله { ~~وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } بيان لعدالة ~~الله فى أحكامه بين عباده. أى وقضى الله - تعالى - بين هؤلاء الضالمين ~~وبين غيرهم بالعدل دون أن يظلم أحدا. ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدل ~~على كمال قدرته، وسعة رحمته،، وعلى أنه وحده الذى يملك التحليل والتحريم، ~~ويعلم السر وأخفى فقال - تعالى - { ألا إن لله ما في ~~السماوات... } ### || [10.55-61] # أى ألا إن لله وحده لا لغيره، ملك ما فى السماوات والأرض من مخلوقات، ~~وهو - سبحانه - يتصرف فيها وفق إرادته ومشيئته كما يتصرف المالك فيما ~~يملكه، فهو يعطى من يشاء ويغفر لمن يشاء، ويتوب على من يشاء # لا يسأل عما يفعل وهم يسألون # وقوله { ألا إن وعد الله حق } أى ألا إن كل ما وعد الله ~~به الناس من ثواب وعقاب وغيرهما، ثابت ثبوتا لا ريب فيه، وواقع وقوعا لا ~~محيص عنه. وصدرت الآية الكريمة بأداة الاستفتاح { ألا } الدالة على ~~التنبيه، لحض الغافلين عن هذه الحقيقة على التذكر والاعتبار والعودة إلى ~~طريق الحق. وأعيد حرف التنبيه فى جملة { ألا إن وعد الله ~~حق } لتمييزها بهذا التنبيه عن سابقتها، لأنها مقصودة بذاتها إذ أن ~~المشركين كانوا يظنون أن ما وعدهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو ~~من باب الترغيب والترهيب وليس من باب الحقائق الثابتة. ثم ختم - سبحانه - ~~الآية بقوله { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أى ولكن أكثر ~~هؤلاء الناس الذين بعثت إليهم يا محمد، لا يعلمون ما جئت به علما نافعا ~~لسوء استعدادهم، وضعف عقولهم، ms2557 وخبث نفوسهم. وقال { أكثرهم } إنصافا ~~للقلة المؤمنة التى علمت الحق فاتبعته وصدقته، ووقفت إلى جانب الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - تؤيده وتفتدى دعوته بالنفس والمال. وقوله { هو ~~يحيي ويميت وإليه ترجعون } بيان لكمال قدرته، إثر بيان ~~عظم ملكوته، ونفاذ وعده. أى هو - سبحانه - الذى يحيى من يريد إحياءه ~~ويميت من يريد إماتته وإليه وحده ترجعون جميعا، فيحاسبكم على أعمالكم، ~~ويجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. ثم وجه - ~~سبحانه - نداء إلى الناس، أمرهم فيه بالانتفاع بما اشتمل عليه القرآن ~~الكريم، من خيرات وبركات فقال - تعالى - { يأيها الناس قد ~~جآءتكم موعظة من ربكم وشفآء لما في ~~الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين }. والموعظة معناها ~~التذكير بالتزام الحق والخير، واجتناب الباطل والشر، بأسلوب يلين القلوب، ~~ويرقق النفوس. والشفاء هو الدواء الشافى من كل ما يؤذى، ويجمع على أشفيه. ~~والهدى هو الإرشاد والدلالة بلطف إلى ما يوصل إلى المقصد والبغية، ~~والرحمة معناها الإحسان، أو إرادة الإحسان. والمعنى يا أيها الناس قد ~~جاءكم من الله - تعالى - كتاب جامع لكل ما تحتاجون إليه من موعظة حسنة ~~ترق لها القلوب، وتخشع لها النفوس. وتصلح بها الأخلاق ومن شفاء لأمراض ~~صدوركم. ومن هداية لكم إلى طريق الحق والخير، ومن رحمة للمؤمنين ترفعهم ~~إلى أعلى الدرجات وتكفر ما حدث منهم من سيئات. وجاء هذا الإرشاد ~~والتوجيه عن طريق النداء، استمالة لهم إلى الحق بألطف أسلوب، وأكمل بيان، ~~حتى يثوبوا إلى رشدهم، ويتنبهوا من غفلتهم. # ووصفت الموعظة بأنها من ربكم، لتذكيرهم بما يزيدهم تعظيما وقبولا، لأنها ~~لم تصدر عن مخلوق تحتمل توجيهاته الخطأ والصواب، وإنما هى صادرة من خالق ~~النفوس ومربيها، العليم بما يصلحها ويشفيها. وقيد الرحمة بأنها للمؤمنين، ~~لأنهم هم المستحقون لها، بسبب إيمانهم وتقواهم. قال الآلوسى ما ملخصه " ~~واستدل بالآية على أن القرآن يشفى من الأمراض البدنية كما يشفى من ~~الأمراض القلبية، فقد أخرج ابن مردويه عن أبى سعيد الخدرى قال # " جاء رجل إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال إنى اشتكى صدرى، فقال ~~- عليه الصلاة والسلام ms2558 - " اقرأ القرآن، يقول الله - تعالى - شفاء لما فى ~~الصدور ". # وأخرج البيهقى فى الشعب عن وائلة بن الأسقع أن رجلا شكا إلى النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - وجع حلقه، فقال له # " عليك بقراءة القرآن ". # وأنت تعلم أن الاستدلال بهذه الآية على ذلك مما لا يكاد يسلم، والخبر ~~الثانى لا يدل عليه، إذ ليس فيه أكثر من أمره - صلى الله عليه وسلم - ~~الشاكى بقراءة القرآن إرشادا له إلى ما ينفعه ويزول به وجعه. ونحن لا ~~ننكر أن لقراءة القرآن بركة، قد يذهب الله بسببها الأمراض والأوجاع، ~~وإنما ننكر الاستدلال بالآية على ذلك. والخبر الأول وإن كان ظاهرا فى ~~المقصود، لكن ينبغى تأويله، كأن يقال لعله - صلى الله عليه وسلم - اطلع ~~على أن فى صدر الرجل مرضا معنويا قلبيا، قد صار سببا للمرض الحسى البدنى، ~~فأمره - صلى الله عليه وسلم - بقراءة القرآن ليزول عنه الأول فيزول ~~الثانى. والحسن البصرى ينكر كون القرآن شفاء للأمراض، فقد أخرج أبو الشيخ ~~عنه أنه قال " إن الله - تعالى - جعل القرآن شفاء لما فى الصدور، ولم ~~يجعله شفاء لأمراضكم، والحق ما ذكرناه ". وقوله { قل بفضل الله ~~وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما ~~يجمعون } حض للناس على اغتنام ما فى تعاليم الإسلام من خيرات، ~~وإيثارها على ما فى الدنيا من شهوات. أى قل يا محمد لمن يؤثرون الحياة ~~الدنيا على الآخرة اجعلوا فرحكم الأكبر، وسروركم الأعظم، بفضل الله الذى ~~شرع لكم هذا الدين على لسان رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، وبرحمته ~~التى وسعت كل شىء وهى بالمؤمنين أوسع، لا بما تجمعون فى هذه الدنيا من ~~أموال زائلة ومتع فانية. وقد فسر بعضهم فضل الله ورحمته بالقرآن، ومنهم ~~من فسر فضل الله بالقرآن، ورحمته بالإسلام. ومنهم من فسرهما بالجنة ~~والنجاة من النار. ولعل تفسيرهما بما يشمل كل ذلك أولى لأنه لم يرد نص ~~صحيح عن الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - يحدد المراد منهما، وما ~~دام الأمر كذلك فحملهما على ما يشمل الإسلام والقرآن والجنة أولى. # قال ابن كثير ms2559 قوله - تعالى - { قل بفضل الله وبرحمته ~~فبذلك فليفرحوا } أى بهذا الذى جاءهم من الله من الهدى ودين ~~الحق فليفرحوا فإنه أولى مما يفرحون به من حطام الدنيا وما فيها من ~~الزهرة الفانية والذاهبة لا محالة. فعن أيفع بن عبد الكلاعى قال لما قدم ~~خراج العراق إلى عمر - رضى الله عنه - خرج عمر ومولى له، فجعل يعد ~~الإبل، فإذا هى أكثر من ذلك، فجعل عمر يقول الحمد لله - تعالى - ويقول ~~مولاه هذا والله من فضل الله ورحمته. فقال عمر كذبت ليس هذا هو الذى يقول ~~الله - تعالى - { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك ~~فليفرحوا هو خير مما يجمعون }. أى ليس هذا المال هو ~~المعنى بهذه الآية، وإنما فضل الله ورحمته يتمثل فيما جاءهم من الله - ~~تعالى - من دين قويم، ورسول كريم، وقرآن مبين. ودخلت الباء على كل من ~~الفضل والرحمة، للإشعار باستقلال كل منهما بالفرح به. والجار والمجرور ~~فى كل منهما متعلق بمحذوف، وأصل الكلام قل لهم يا محمد ليفرحوا بفضل الله ~~وبرحمته، ثم قدم الجار والمجرور على الفعل لإفادة الاختصاص، وأدخلت ~~الفاء لإفادة السببية، فكأنه قيل إن فرحوا بشىء فليكن بسبب ما أعطاهم ~~الله - تعالى - من فضل ورحمته، لا بسبب ما يجمعون من زينة الحياة الدنيا. ~~قال القرطبى " والفرح لذة فى القلب بإدراك المحبوب. وقد ذم الله الفرح فى ~~مواضع، كقوله - سبحانه - # إن الله لا يحب الفرحين # وكقوله # إنه لفرح فخور # ولكنه مطلق. فإذا قيد الفرح لم يكن ذما، لقوله - تعالى # فرحين بمآ آتاهم الله من فضله # وكقوله - سبحانه - هنا { فبذلك فليفرحوا } أى بالقرآن ~~والإسلام فليفرحوا... ". ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يرد أيضا على أولئك الذين أحلوا وحرموا على حسب أهوائهم دون أن ~~يأذن الله لهم بذلك فقال { قل أرأيتم مآ أنزل الله ~~لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل ~~ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون } أى قل لهم يا ~~محمد - أيضا - أخبرونى أيها المبدلون لشرع اله على حسب أهوائكم إن الله - ~~تعالى - قد ms2560 أفاض عليكم ألوانا من الرزق الحلال فجئتم أنتم، وقسمتم هذا ~~الرزق الحلال، فجعلتم منه حلالا وجعلتم منه حراما. وقد حكى الله - تعالى ~~- فعلهم هذا فى آيات متعددة، منها قوله - تعالى - # وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة ~~لذكورنا ومحرم على أزواجنا # قال الإمام ابن كثير " قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعبد الرحمن ~~بن زيد بن أسلم وغيرهم، نزلت إنكارا على المشركين فيما كانوا يحلون ~~ويحرمون من البحائر والسوائب والوصائل كقوله - تعالى - # وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام ~~نصيبا... # الآيات. وقال الإمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبى إسحاق، ~~سمعت أبا الأحوص وهو # " عوف بن مالك بن نضلة يحدث عن أبيه قال أتيت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وأنا رث الهيئة فقال هل لك مال؟ قلت نعم. قال من أى المال؟ قال ~~قلت من كل المال. من الإبل والرقيق والخيل والغنم. فقال إذا آتاك الله ~~مالا فلير عليك ثم قال هل تنتج إبلك صحاحا آذانها، فتعمد إلى موسى فتقطع ~~آذانها فتقول هذه بحر. وتشق جلودها وتقول هذه صرم وتحرمها عليك وعلى ~~أهلك. قال نعم. قال فإن ما آتاك الله لك حل. ساعد الله أشد من ساعدك. ~~وموسى الله أحد من موساك ". # وقوله { قل ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون } ~~استفهام قصد به التوبيخ والزجر أى قل لهم يا محمد على سبيل التوبيخ ~~والزجر إن الله وحده هو الذى يملك التحليل والتحريم، فهل هو - سبحانه - ~~أذن لكم فى ذلك، أو إنما أنتم الذين حللتم وحرمتم على حسب أهوائكم. لأنه ~~لو أذن لكم فى ذلك لبينه على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -. قال ~~صاحب الكشاف " وقوله { ءآلله أذن لكم } متعلق بأرأيتم، وقل. ~~تكرير للتوكيد. والمعنى أخبرونى آلله أذن لكم فى التحليل والتحريم، فأنتم ~~تفعلون ذلك بإذنه، أم تكذبون على الله فى نسبة ذلك إليه. ويجوز أن تكون ~~الهمزة للإنكار وأم منقطعة، بمعنى بل أتفترون على الله، تقريرا للافتراء. ~~ثم قال وكفى بهذه الآية زاجرا بليغا ms2561 عن التجوز فيما يسأل عنه من الأحكام، ~~وباعثة على وجوب الاحتياط فيه، وأن لا يقول أحد فى شىء جائز أو غير جائز ~~إلا بعد إيقان وإتقان، ومن لم يوقن فليتق الله وليصمت وإلا فهو مفتر على ~~الله ". ثم توعدهم - سبحانه - بسوء المصير على جرأتهم وكذبهم فقال { ~~وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم ~~القيامة... }. أى هؤلاء الذين أحلوا وحرموا افتراء على الله ماذا ~~يظنون أن الله سيفعل بهم يوم القيامة؟ أيظنون أن الله سيتركهم بدون عقاب؟ ~~كلا إن عقابهم لشديد بسبب افترائهم عليه الكذب. وأبهم - سبحانه - هذا ~~العقاب للتهويل والتعظيم، حيث أباحوا لأنفسهم ما لم يأذن به الله - تعالى ~~- وقال - سبحانه - { وما ظن... } بصيغة الماضى لتحقيق الوقوع، وأكثر ~~أحوال القيامة يعبر عنها بهذه الصيغة لهذا الغرض. # وقوله { إن الله لذو فضل على الناس ولكن ~~أكثرهم لا يشكرون } تذييل قصد به حض الناس على شكر خالقهم، ~~واتباع شريعته فيما أحل وحرم. أى إن الله لذو فضل عظيم على عباده، حيث ~~خلقهم ورزقهم، وشرع لهم ما فيه مصلحتهم ومنفعتهم، ولكن أكثرهم لا يشكرونه ~~على هذه النعم، لأنهم يستعملونها فى غير ما خلقت له. وبعد أن ذكر - ~~سبحانه - عباده بفضله، وما يجب عليهم من شكره، عطف على ذلك تذكيره إياهم ~~بإحاطة علمه بكل صغير وكبير فى هذا الكون فقال { وما تكون في ~~شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من ~~عمل إلا كنا عليكم شهودا... }. أى وما تكون - أيها ~~الرسول الكريم - فى شأن من الشئون أو فى حال من الأحوال. وما تتلو من أجل ~~ذلك الشأن من قرآن يهدى إلى الرشد. ولا تعملون - أيها الناس - عملا ما ~~صغيرا أو كبيرا، إلا كنا عليكم مطلعين. ومن فى قوله { منه } للتعليل، ~~والضمير يعود إلى الشأن، إذ التلاوة أعظم شئونه - صلى الله عليه وسلم - ~~ولذا خصت بالذكر. ويجوز أن يعود للقرآن الكريم، ويكون الإضمار قبل الذكر ~~لتفخيم شأنه، وتعظيم أمره. ومن فى قوله { من قرآن } مزيدة لتأكيد ~~النفى. وقال الآلوسى " والخطاب الأول خاص برأس ms2562 النوع الإنسانى، وسيد ~~المخاطبين - صلى الله عليه وسلم - هذا. وقوله { ولا تعملون... } ~~عام يشمل سائر العباد برهم وفاجرهم وقد روعى فى كل من المقامين ما يليق ~~به، فعبر فى مقام الخصوص فى الأول بالشأن، لأن عمل العظيم عظيم، وفى ~~الثانى بالعمل العام للجليل والحقير. وقيل الخطاب الأول عام للأمة أيضا ~~كما فى قوله - تعالى - # يأيها النبي إذا طلقتم # وقوله { إلا كنا عليكم شهودا } استثناء مفرغ من أعم أحوال ~~المخاطبين بالأفعال الثلاثة. أى وما تلابسون بشىء منها فى حال من الأحوال ~~إلا حال كوننا رقباء مطلعين عليه، حافظين له ". وقوله { إذ تفيضون ~~فيه } أى تخوضون وتندفعون فى ذلك العمل، لأن الإفاضة فى الشىء معناها ~~الاندافع فيه بكثرة وقوة. وقوله { وما يعزب عن ربك من ~~مثقال ذرة في الأرض ولا في السمآء } بيان لشمول علمه ~~- سبحانه - لكل شىء. ويعزب أى يبعد ويغيب، وأصله من قولهم عزب الرجل يعزب ~~بإبله إذا أبعد بها وغاب فى طلب الكلأ والعشب. والكلام على حذف مضاف. أى ~~وما يغيب ويخفى عن علم ربك مثقال ذرة فى الوجود علويه وسفلية ولا أصغر من ~~ذلك ولا أكبر، إلا وهو معلوم ومسجل عنده فى كتاب عظيم الشأن، تام البيان. ~~وقوله { من مثقال ذرة } تمثيل لقلة الشىء ودقته، ومن فيه ~~لتأكيد النفى وقدمت الأرض على السماء هنا، لأن الكلام فى حال أهلها، ~~والمقصود إقامة البرهان على إحاطة علمه - سبحانه - بتفاصيلها. # فكأنه - سبحانه - يقول إن من يكون هذا شأنه لا يخفى عليه شىء من أحوال ~~أهل الأرض مع نبيهم - صلى الله عليه وسلم -. وقوله { ولا أصغر من ~~ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين } جملة مستقلة لسيت ~~معطوفة على ما قبلها. و { لا } نافية للجنس و { أصغر } اسمها منصوب لشبهه ~~بالمضاف، و { أكبر } معطوف عليه. و { في كتاب مبين } متعلق ~~بمحذوف خبرها. وقدم ذكر الأصغر على الأكبر، لأنه هو الأهم فى سياق العلم ~~بما خفى من الأمور. وقرأ حمزة ويعقوب وخلف { ولا أصغر } بالرفع على ~~أنه خبر لمبتدأ محذوف. أى ولا ما ms2563 هو أصغر من ذلك. والمراد بالكتاب المبين ~~علم الله الذى وسع كل شىء، أو اللوح المحفوظ الذى حفظ الله فيه كل شىء. ~~وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد أقامت الأدلة على شمول قدرة الله - ~~تعالى - لكل شىء، وعلى دعوة الناس إلى الانتفاع بما جاء به القرآن من ~~خيرات وبركات، وعلى وجوب التزامهم بما شرعه - سبحانه - وعلى إحاطة علمه ~~بما ظهر وبطن من الأمور. وبعد أن وجه - سبحانه - نداء إلى الناس دعاهم ~~فيه إلى الانتفاع بما جاء فى القرآن من خيرات، وتوعد الذين شرعوا شرائع ~~لم يأذن بها الله، وأقام الأدلة على نفاذ قدرته، وشمول علمه. بعد كل ذلك، ~~بشر أولياءه بحسن العاقبة، وأنذر أعداءه بسوء المصير، ورد على الذين ~~قالوا اتخذ الله ولدا بما يكبتهم ويخرس ألسنتهم فقال - تعالى - { ألا ~~إن أوليآء... }. ### || [10.62-70] # والأولياء جمع ولى مأخوذ من الولى بمعنى القرب والدنو، يقال تباعد فلان ~~من بعد ولى أى بعد قرب. والمراد بهم أولئك المؤمنون الصادقون الذى صلحت ~~أعمالهم، وحسنت بالله - تعالى - صلتهم، فصاروا يقولون ويفعلون كل ما ~~يحبه، ويجتنبون كل ما يكرهه. قال الفخر الرازى " ظهر فى علم الاشتقاق أن ~~تركيب الواو واللام والياء يدل على معنى القرب، فولى كل شىء هو الذى يكون ~~قريبا منه. والقرب من الله إنما يتم إذا كان القلب مستغرقا فى نور ~~معرفته، فإن رأى رأى دلائل قدرته، وإن سمع سمع آيات وحدانيته، وإن نطق ~~نطق بالثناء عليه، وإن تحرك تحرك فى خدمته، وإن اجتهد اجتهد فى طاعته، ~~فهنالك يكون فى غاية القرب من الله - تعالى - ويكون وليا له - سبحانه -. ~~وإذا كان كذلك كان الله - وليا له - أيضا - كما قال # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور # وقد افتتحت الآية الكريمة بأداة الاستفتاح { ألا } وبحرف التوكيد { إن } ~~لتنبيه الناس إلى وجوب الاقتداء بهم، حتى ينالوا ما ناله أولئك الأولياء ~~الصالحون من سعادة دنيوية وأخروية. وقوله { لا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون } تمييز لهم عن غيرهم ممن لم يبلغوا درجتهم. والخوف ~~حالة ms2564 نفسية تجعل الإنسان مضطرب المشاعر لتوقعه حصول ما يكرهه. والحزن ~~اكتئاب نفسى يحدث للإنسان من أجل وقوع ما يكرهه. أى أن الخوف يكون من ~~أجل مكروه يتوقع حصوله، بينما الحزن يكون من أجل مكروه قد وقع فعلا. ~~والمعنى ألا إن أولياء الله الذين صدق إيمانهم، وحسن عملهم، لا خوف علهيم ~~من أهوال الموقف وعذاب الآخرة، ولا هم يحزنون على ما تركوا وراءهم من ~~الدنيا، لأن مقصدهم الأسمى رضا الله - سبحانه -، فمتى فعلوا ما يؤدى إلى ~~ذلك هان كل ما سواه. وقوله { الذين آمنوا وكانوا يتقون } ~~استئناف مسوق لتوضيح حقيقتهم فكأن سائلا قال ومن هم أولياء الله؟ فكان ~~الجواب هم الذين توفر فيهم الإيمان الصادق، والبعد التام عن كل ما نهى ~~الله - تعالى - عنه. وعبر عن إيمانهم بالفعل الماضى، للإشارة إلى أنه ~~إيمان ثابت راسخ. لا تزلزله الشكوك، ولا تؤثر فيه الشبهات. وعبر عن ~~تقواهم بالفعل الدال على الحال والاستقبال للإيذان بأن اتقاءهم ~~وابتعادهم عن كل ما يغضب الله من الأقوال والأفعال، يتجدد ويستمر دون أن ~~يصرفهم عن تقواهم وخوفهم منه - سبحانه - ترغيب أو ترهيب. وقوله - سبحانه ~~- { لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة } زيادة ~~تكريم وتشريف لهم. والبشرى والبشارة الخبر السار، فهو أخص من الخبر، وسمى ~~بذلك لأن أثره يظهر على البشرة وهى ظاهر جلد الإنسان، فيجعله متهلل ~~الوجه، منبسط الأسارير، مبتهج النفس. # أى لهم ما يسرهم ويسعدهم فى الدنيا من حياة آمنة طيبة، ولهم - أيضا - ~~فى الآخرة ما يسرهم من فوز برضوان الله، ومن دخول جنته. قال الآلوسى ما ~~ملخصه " والثابت فى أكثر الروايات، أن البشرى فى الحياة الدنيا، هى ~~الرؤيا الصالحة.. فقد أخرج الطيالسى وأحمد الدارمى والترمذى.. وغيرهم عن ~~عبادة بن الصامت قال سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قوله - ~~تعالى - { لهم البشرى في الحياة الدنيا } فقال " هى ~~الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له ". وقيل المراد بالبشرى البشرى ~~العاجلة نحو النصر والغنيمة والثناء الحسن، والذكر الجميل، ومحبة الناس، ~~وغير ذلك. ثم قال وأنت تعلم أنه ms2565 لا ينبغى العدول عما ورد عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فى تفسير ذلك إذا صح. وحيث عدل من عدل لعدم وقوفه ~~على ذلك فيما أظن، فالأولى أن تحمل البشرى فى الدارين على البشارة بما ~~يحقق نفى الخوف والحزن كائنا ما كان... " وقوله { لا تبديل ~~لكلمات الله } أى لا تغيير ولا خلف لأقوال الله - تعالى - ولا ~~لما وعد به عباده الصالحين من وعود حسنة، على رأسها هذه البشرى التى ~~تسعدهم فى الحياة الدنيا وفى الآخرة. واسم الإشارة فى قوله - تعالى - { ~~ذلك هو الفوز العظيم } يعود إلى ما ذكر من البشرى فى ~~الدارين. أى ذلك المذكور من أن لهم البشرى فى الحياة الدنيا وفى الآخرة، ~~هو الفوز العظيم الذى لا فوز وراءه، والذى لا يفوته نجاح أو فضل. هذا، ~~وقد نقل الشيخ القاسمى - رحمه الله - كلاما حسنا من كتاب " الفرقان بين ~~أولياء الرحمن وأولياء الشيطان " فقال ما ملخصه هذه الآيات أصل فى بيان ~~أولياء الله، وقد بين - سبحانه - فى كتابه، وبين رسوله فى سنته أن لله ~~أولياء من الناس، كما أن للشيطان أولياء. وإذا عرف أن الناس فيهم أولياء ~~الرحمن، وأولياء الشيطان، فيجب أن يفرق بين هؤلاء وهؤلاء، كما فرق الله ~~ورسوله بينهما، فأولياء الله هم المؤمنون المتقون. كما فى هذه الآية، وفى ~~الحديث الصحيح " من عادى لى وليا فقد بارزنى بالمحاربة، أو فقد آذنته ~~بالحرب... " والولاية ضد العداوة، وأصل الولاية المحبة والقرب، وأصل ~~العداوة البغض والبعد، وأفضل أولياء الله هم أنبياؤه، وأفضل أنبيائه هم ~~المرسلون منهم، وأفضلهم محمد - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين.. فلا ~~يكون وليا إلا من آمن به واتبعه، ومن خالفه كان من أولياء الشيطان... ~~وإذا كان أولياء الله هم المؤمنون المتقون، فبحسب إيمان العبد وتقواه ~~تكون ولايته لله - تعالى - فمن كان أكمل إيمانا وتقوى، كان أكمل ولاية ~~لله. # فالناس متفاضلون فى ولاية الله - عز وجل - بحسب تفاضلهم فى الإيمان ~~والتقوى. ومن أظهر الولاية وهو لا يؤدى الفرائض، ولا يجتنب المحارم، كان ~~كاذبا فى دعواه، أو ms2566 كان مجنونا. وليس لأولياء الله شىء يتميزون به عن ~~الناس فى الظاهر من الأمور المباحات، فلا يتميزون بلباس دون لباس، ولا ~~بحلق شعر أو تقصير.. بل يوجدون فى جميع طبقات الأمة. فيوجدون فى أهل ~~القرآن، وأهل العلم، وفى أهل الجهاد والسيف، وفى التجار والزراع ~~والصناع... وليس من شرط الولى أن يكون معصوما لا يغلط ولا يخطئ، بل يجوز ~~أن يخفى عليه بعض علم الشريعة، ويجوز أن يشتبه عليه بعض أمور الدين.. " ~~وبعد أن بين - سبحانه - ما عليه أولياؤه من سعادة دنيوية وأخروية، أتبع ~~ذلك بتسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - عما لقيه من أعدائه من أذى ~~فقال { ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا ~~هو السميع العليم }. أى ولا يحزنك يا محمد ما قاله أعداؤك فى ~~شأنك، من أنك ساحر أو مجنون، لأن قولهم هذا إنما هو من باب حسدهم لك، ~~وجحودهم لدعوتك. والنهى عن الحزن - وهو أمر نفسى لا اختيار للإنسان فيه ~~- المراد به هنا النهى عن لوازمه، كالإكثار من محاولة تجديد شأن ~~المصائب، وتعظيم أمرها، وبذلك تتجدد الآلام، ويصعب نسيانها. وفى هذه ~~الجملة الكريمة تسلية له - صلى الله عليه وسلم- وتأنيس لقلبه، وإرشاد له ~~إلى ما سيقع له من أعدائه من شرور، حتى لا يتأثر بها عند وقوعها. وقوله { ~~إن العزة لله جميعا هو السميع العليم } تعليل ~~للنهى على طريقة الاستئناف، فكأنه - صلى الله عليه وسلم - قد قال وما لى ~~لا أحزن وهم قد كذبوا دعوتى؟ فكان الجواب إن الغلبة كلها، والقوة كلها ~~لله وحده لا لغيره، فهو - سبحانه - القدير على أن يغلبهم ويقهرهم ويعصمك ~~منهم، وهو { السميع } ، لأقوالهم الباطلة، { العليم } بأفعالهم القبيحة، ~~وسيعاقبهم على ذلك يوم القيامة عقابا أليما. ولا تعارض بين قوله - ~~سبحانه - { إن العزة لله جميعا } وبين قوله فى آية أخرى # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين # لأن كل عزة لغيره - سبحانه - فهى مستمدة من عزته، وكل قوة من تأييده ~~وعونه، والرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنون، إنما صاروا أعزاء بفضل ~~ركونهم إلى عزة الله - تعالى - وإلى الاعتماد ms2567 عليه، وقد أظهرها - سبحانه ~~- على أيديهم تكريما لهم. ولذا قال القرطبى - رحمه الله - قوله { إن ~~العزة لله جميعا } أى القوة الكاملة، والغلبة الشاملة، ~~والقدرة التامة لله وحده، فهو ناصرك ومعينك ومانعك. # و { جميعا } نصب على الحال، ولا يعارض هذا قوله # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين # فإن كل عزة بالله فهى كلها لله، قال - سبحانه - # سبحان ربك رب العزة عما يصفون # ثم قال - تعالى - { ألا إن لله من في السماوات ومن في ~~الأرض } أى ألا إن لله وحده ملك جميع من فى السماوات ومن فى الأرض من ~~إنس وجن وملائكة. وجاء التعبير القرآنى هنا بلفظ { من } الشائع فى ~~العقلاء، للإيذان بعدم الحاجة إلى التصريح بغيرهم، لأنهم إذا كانوا مع ~~شرفهم وعلو منزلتهم مملوكين لله - تعالى - كان غيرهم ممن لا يعقل أولى ~~بذلك. قال صاحب الكشاف قوله { ألا إن لله من في السماوات ~~ومن في الأرض } يعنى العقلاء المميزين وهم الملائكة والثقلان، ~~وإنما خصهم بالذكر ليؤذن أن هؤلاء إذا كانوا له وفى ملكه، فهم عبيد كلهم، ~~وهو - سبحانه - ربهم، ولا يصلح أحد منهم للربوبية، ولا أن يكون شريكا له ~~فيها، فما وراءهم مما لا يعقل أحق أن لا يكون له ندا وشريكا، وليدل على ~~أن من اتخذ غيره ربا من ملك أو إنس، فضلا عن صنم أو غير ذلك، فهو مبطل ~~تابع لما أدى إليه التقليد وترك النظر ". وقوله { وما يتبع ~~الذين يدعون من دون الله شركآء }. أى وما يتبع هؤلاء ~~المشركون فى عبادتهم لغير الله شركاء فى الحقيقة، وإنما يتبعون أشياء ~~أخرى سموها من عند أنفسهم شركاء جهلا منهم، لأن الله - تعالى - تنزه ~~وتقدس عن أن يكون له شريك أو شركاء فى ملكه أو فى عبادته. وعلى هذا ~~التفسير تكون { ما } فى قوله { وما يتبع } نافية، وقوله { ~~شركآء } مفعول يتبع، ومفعول يدعون محذوف لدلالة ما قبله عليه، أى وما ~~يتبع الين يدعون من دون الله آلهة شركاء. ويجوز أن تكون { ما } استفهامية ~~منصوبة بقوله { يتبع } ، ويكون قوله { شركآء } منصوب بقوله { ~~يدعون } وعليه ms2568 يكون المعنى. أى شىء يتبع هؤلاء المشركون فى عبادتهم؟ ~~إنهم يعبدون شركاء سموهم بهذا الاسم من عند أنفسهم، أما هم فى الحقيقة ~~فلا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا. وقوله { إن يتبعون إلا ~~الظن وإن هم إلا يخرصون } أى ما يتبعون فى عبادتهم لغير ~~الله إلا الظن الذى لا يغنى عن الحق شيئا، وإلا الخرص المبنى على الوهم ~~الكاذب، والتقدير الباطل. وأصل الخرص الحزر والتقدير للشىء على سبيل الظن ~~لا على سبيل الحقيقة. قال الراغب وحقيقة ذلك أن كل قول مقول عن ظن وتخمين ~~يقال له خرص، سواء أكان مطابقا للشىء أو مخالفا له، من حيث إن صاحبه لم ~~يقله عن علم ولا غلبة ظن ولا سماع، بل اعتمد فيه على الظن والتخمين كفعل ~~الخارص فى خرصه - أى كفعل من يخرص الثمرعلى الشجر - وكل من قال قولا على ~~هذا النحو قد يسمى كاذبا وإن كان قوله مطابقا للمقول المخبر عنه. # وقيل الخرص الكذب كما فى قوله - تعالى - { وإن هم إلا ~~يخرصون } أى يكذبون. ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر نعمه على ~~عباده فقال - تعالى - { هو الذي جعل لكم اليل ~~لتسكنوا فيه والنهار مبصرا... } أى الله وحده - سبحانه ~~- هو الذى جعل لكم الليل مظلما، لكى تستقروا فيه بعد طول الحركة فى ~~نهاركم من أجل معاشكم، وهو الذى جعل لكم النهار مضيئا لكى تبصروا فيه ~~مطالب حياتكم. والجملة الكريمة بيان لمظاهر رحمة الله - تعالى - بعباده، ~~بعد بيان سعة علمه، ونفاذ قدرته، وشمولها لكل شىء فى هذا الكون. وقوله { ~~إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون } أى إن فى ذلك الجعل ~~المذكور لدلائل واضحات لقوم يسمعون ما يتلى عليهم سماع تدبر وتعقل، يدل ~~على سعة رحمة الله - تعالى - بعباده، وتفضله عليهم بالنعم التى لا تحصى. ~~ثم شرع - سبحانه - فى بيان أقبح الرذائل التى تفوه بها المشركون فقال { ~~قالوا اتخذ الله ولدا... } والمراد بهؤلاء القائلين اليهود ~~الذين قالوا عزير ابن الله - والنصارى الذين قالوا المسيح ابن الله، ~~وكفار العرب الذين قالوا الملائكة بنات الله، وغيرهم ممن ms2569 نحا نحوهم فى ~~تلك الأقوال الشائنة. وقوله { سبحانه هو الغني له ما في ~~السماوات وما في الأرض } تنزيه له - عز وجل - عما قالوا، فى ~~حقه من أقاويل باطلة. أى تنزه وتقدس عن أن يكون له ولد، لأنه هو الغنى ~~بذاته عن الولد وعن كل شىء، وهو المالك لجميع الكائنات علويها وسفليها، ~~وهو الذى لا يحتاج إلى غيره، وغيره محتاج إليه، وخاضع لسلطان قدراته. قال ~~- تعالى - # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا. وما ينبغي ~~للرحمن أن يتخذ ولدا. إن كل من في السماوات ~~والأرض إلا آتي الرحمن عبدا. لقد أحصاهم ~~وعدهم عدا. وكلهم آتيه يوم القيامة فردا # وقوله { إن عندكم من سلطان بهذآ } تجهيل لهم ورد ~~عليهم. و { إن } هنا نافية، و { من } مؤكدة لهذا النفى، ومفيدة للعموم، ~~والسلطان الحجة والبرهان. أى ما عندكم دليل ولا شبهة دليل على ما زعمتوه ~~من أن لله ولدا، وإنما قلتم ما قلتم لانطماس بصيرتكم، واستحواذ الشيطان ~~على نفوسكم. وقوله - سبحانه - { أتقولون على الله ما لا ~~تعلمون } توبيخ آخر لهم على جهلهم وكذبهم. أى أتقولون على الله - ~~تعالى - قولا، لا علم لكم به، ولا معرفة لكم بحقيقته؟ إن قولكم هذا لهو ~~دليل على جهلكم وعلى تعمدكم الكذب والبهتان. قال الآلوسى " وفى الآية ~~دليل على أن كل قول لا دليل عليه فهو جهالة. # وأن العقائد لا بد لها من قاطع، وأن التقليد بمعزل من الاهتداء ". وقوله ~~{ قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا ~~يفلحون } إنذار لهم بسوء العاقبة إذا ما استمروا على شركهم. أى قل ~~لهؤلاء المشركين على سبيل الإنذار والتهديد إن الذين يفترون على الله ~~الكذب بنسبة الولد إليه، والشريك له، لا يفلحون ولا يفوزون بمطلوب أصلا. ~~وقوله - سبحانه - { متاع في الدنيا } بيان لتفاهة ما يحرصون عليه ~~من شهوات الحياة الدنيا، وهو خبر لمبتدأ محذوف. أى أن ما يتمتعون به فى ~~الدنيا من شهوات وملذات، هو متاع قليل مهما كثر، لأنه إلى فناء واندثار. ~~ثم بين - سبحانه - سوء مصيرهم بعد أن غرتهم الدنيا بشهواتها فقال { ثم ms2570 ~~إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما ~~كانوا يكفرون }. أى ثم إلينا لا إلى غيرنا مرجعهم يوم القيامة، ~~ثم نحاسبهم حسابا عسيرا على أقوالهم الذميمة، وأفعالهم القبيحة، ثم ~~نذيقهم العذاب الشديد بسبب كفرهم بآياتنا، وتكذيبهم لنبينا - صلى الله ~~عليه وسلم -. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة، قد مدحت أولياء الله ~~الصالحين، وبشرتهم بالسعادة الدنيوية والأخروية، وأقامت الأدلة على قدرة ~~الله النافذة ورحمته الواسعة، وردت على افتراءات المشركين بما يبطل ~~أقوالهم، ويفضح مزاعمهم. وبعد أن ساقت السورة الكريمة ما ساقت من الأدلة ~~على وحدانية الله وعلى صدق رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى حسن عاقبة ~~المؤمنين وسوء عاقبة المكذبين.. بعد كل ذلك تحدثت عن بعض قصص الأنبياء مع ~~أقوامهم، فبدأت بجانب من قصة نوح - عليه السلام - مع قومه، وكيف أن الله ~~- تعالى - أغرقهم بعد أن تمادوا فى ضلالهم، فقال - سبحانه - { واتل ~~عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه... }. ### || [10.71-73] # قال الإمام الرازى " اعلم أنه - سبحانه - لما بالغ فى تقرير الدلائل ~~والبينات وفى الجواب عن الشبه والسؤالات، شرع بعد ذلك فى بيان بعض قصص ~~الأنبياء - عليهم السلام - لوجوه أحدها أن الكلام إذا طال فى تقرير نوع ~~من أنواع العلوم، فربما حصل نوع من أنواع الملالة، فإذا انتقل الإنسان ~~من ذلك الفن من العلم إلى فن آخر، انشرح صدره، ووجد فى نفسه رغبة جديدة. ~~وثانيها ليكون للرسول - صلى الله عليه وسلم - ولأصحابه، أسوة بمن سلف من ~~الأنبياء، فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا سمع أن معاملة الكفار ~~لأنبيائهم سيئة.. خف ذلك على قلبه، لأن المصيبة إذا عمت خفت. وثالثها أن ~~الكفار إذا سمعوا هذه القصص، وعلموا أن العاقبة للمتقين كان ذلك سببا فى ~~انكسار قلوبهم، ووقوع الخوف والوجل فى نفوسهم. وحينئذ يقلعون عن أنواع ~~الإيذاء والسفاهة... ". ونوح - عليه السلام - واحد من أولى العزم من ~~الرسل، وينتهى نسبه إلى شيث بن آدم - عليه السلام - وقد ذكر فى القرآن فى ~~ثلاثة وأربعين موضعا. وكان قومه يعبدون الأصنام، فأرسل الله إليهم نوحا ~~ليدلهم على طريق الرشاد. ms2571 وقد تكررت قصته مع قومه فى سورة الأعراف، وهود، ~~والمؤمنون، ونوح.. بصورة أكثر تفضيلا. أما هنا فى سورة يونس فقد جاءت ~~بصورة مجملة، لأن الغرض منها هنا، إبراز جانب التحدى من نوع لقومه، بعد ~~أن مكث فيهم زمانا طويلا، يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة ~~غيره. والمعنى واتل - يا محمد - على مسامع هؤلاء المشركين الذين مردوا ~~على افتراء الكذب، نبأ نوح - عليه السلام - مع قومه المغترين بأموالهم ~~وكثرتهم ليتدبروا ما فى هذا النبأ من عظات وعبر. وليعلموا أن سنة الله - ~~تعالى - قد اقتضت أن يجعل العاقبة للمتقين. والمقصود من هذه التلاوة، ~~دعوة مشركى مكة وأمثالهم، إلى التدبر فيما جرى للظالمين من قبلهم، لعلهم ~~بسبب هذا التدبر والتأمل يثوبون إلى رشدهم ويتبعون الدين الحق الذى جاءهم ~~به نبيهم محمد - صلى الله عليه وسلم -. وقوله { يقوم إن كان ~~كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى ~~الله توكلت.. } بيان لما قاله لهم بعد أن مكث فيهم زمنا طويلا،، ~~وسمع منهم ما سمع من استهزاء بدعوته،، وتطاول على أتباعه. أى قال نوح ~~لقومه بعد أن دعاهم ليلا ونهارا يا قوم إن كان { كبر عليكم }. أى ~~شق وعظم عليكم { مقامي } فيكم ووجودى بين أظهركم عمرا طويلا { ~~وتذكيري } إياكم بآيات الله الدالة على وحدانيته وقدرته،، والتى ~~تستلزم منكم إخلاص العبادة له والشكر لنعمه. # إن كان كبر عليكم ذلك فعلى الله وحده توكلت، وإليه وحده فوضت أمرى ولن ~~يصرفنى عن الاستمرار فى تبليغ ما أمرنى بتبليغه وعد أو وعيد منكم. ~~وخاطبهم - عليه السلام - بقوله { يقوم } استمالة لقلوبهم، وإشعار لهم ~~بأنهم أهله وأقرباؤه الذين يحب لهم الخير، ويكره لهم الشر. وجملة { ~~فعلى الله توكلت } جواب الشرط. وقيل جواب الشرط محذوف ~~والتقدير إن كان كبر عليكم ذلك فافعلوا ما شئتم فإنى على الله وحده توكلت ~~فى تبليغ دعوته لكم. وقوله { فأجمعوا أمركم وشركآءكم ~~} معطوف على ما قبله. والفعل { أجمعوا } بقطع الهمزة مأخوذ من أجمعت على ~~الأمر إذا عزمت عليه عزما مؤكدا ووطنت نفسك على المضى فيه بدون تردد ms2572 أو ~~تقاعس. والمراد بالأمر هنا المكر والكيد والعداوة وما يشبه ذلك. والمراد ~~بشركائهم أصنامهم التى عبدوها من دون الله وظنوا فيها النفع والضرر ~~والتمسوا فيها العون والنصرة. والمعنى أن نوحا - عليه السلام - قد قال ~~لقومه بصراحة ووضوح يا قوم إن كان قد شق عليكم مقامى فيكم، وتذكيرى بآيات ~~الله الدالة على وحدانيته فأجمعوا ما تريدون جمعه من مكر وكيد بى، ثم ~~ادعوا شركاءكم ليساعدوكم فى ذلك فإنى ماض فى طريقى الذى أمرنى الله به، ~~بدون مبالاة بمكركم وبدون اهتمام بكيدكم. قال الآلوسى " وقوله { ~~وشركآءكم } منصوب على أنه مفعول معه لأن الشركاء عازمون لا معزوم ~~عليهم. وقيل إنه منصوب بالعطف على قوله { أمركم } بحذف المضاف أى ~~فأجمعوا أمركم وأمر شركائكم. وقرأ نافع فاجمعوا بوصل الهمزة وفتح الميم ~~من جمع وعطف الشركاء على الأمر فى هذه القراءة ظاهر بناء على أنه يقال ~~جمعت شركائى، كما يقال جمعت أمرى... " وقوله { ثم لا يكن ~~أمركم عليكم غمة } معطوف على ما قبله، ومؤكد لمضمونه. ~~وكلمة { غمة } بمعنى الستر والخفاء. يقال غم على فلان الأمر أى خفى ~~عليه واستتر. ومنه الحديث الشريف # " صوموا لرؤيته - أى الهلال - وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة ~~شعبان ثلاثين يوما " # أى فإن استتر وخفى عليكم الهلال وحال دون رؤيتكم له حائل من غيم أو ضباب ~~فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما. أى أجمعوا ما تريدون جمعه لى من مكر وكيد ~~واستعينوا على ذلك بشركائكم ثم لا يكن أمركم، الذى أجمعتم على تنفيذه فيه ~~شىء من الستر أو الخفاء أو الالتباس الذى يجعلكم مترددين فى المضى فيه أو ~~متقاعسين عن مجاهرتى بما تريدون فعله معى. ومنهم من يرى أن كلمة { ~~غمة } هنا بمعنى الغم كالكربة بمعنى الكرب أى ثم لا يكن حالكم غما ~~كائنا عليكم بسبب مقامى فيكم وتذكيرى إياكم بآيات الله. وقد أشار صاحب ~~الكشاف إلى هذين الوجهين فقال " فإن قلت ما معنى الأمرين أمرهم الذى ~~يجمعونه وأمرهم الذى لا يكون عليهم غمة؟ قلت أما الأمر الأول فالقصد إلى ~~إهلاكه يعنى ms2573 فاجمعوا ما تريدون من إهلاكى واحتشدوا فيه، وابذلوا وسعكم فى ~~كيدى. # وإنما قال ذلك إظهارا لقلة مبالاته بهم وثقته بما وعده به ربه من كلاءته ~~وعصمته إياه، وأنهم لن يجدوا إليه سبيلا. وأما الثانى ففيه وجهان أحدهما ~~أن يراد مصاحبتهم له وما كانوا فيه معه من الحال الشديدة عليهم، المكروهة ~~عندهم. يعنى ثم أهلكونى لئلا يكون عيشكم بسببى غصة عليكم. وحالكم عليكم ~~غمة. أى غما وهما. والغم والغمة كالكرب والكربة. وثانيهما أن يراد به ما ~~أريد بالأمر الأول. والغمة السترة من غمة إذا ستره، وفى الحديث # " لا غمة في فرائض الله " # أى لا تستر ولكن يجاهر بها. يعنى ولا يكن قصدكم إلى إهلاكى مستورا ~~عليكم. ولكن مكشوفا مشهورا تجاهروننى به ". وقوله { ثم اقضوا ~~إلي ولا تنظرون } زيادة فى تحديهم وإثارتهم. والقضاء هنا بمعنى ~~الأداء، من قولهم قضى المدين للدائن دينه، إذا أداه إليه، وقضى فلان ~~الصلاة. أى أداها بعد مضى وقتها. أى ثم أدوا إلى ذلك الامر الذى تريدون ~~أداءه من إيذائى أو إهلاكى بدون إنظار أو إمهال. ويصح أن يكون القضاء هنا ~~بمعنى الحكم، أى ثم احكموا على بما تريدون من أحكام، ولا تتركوا لى مهلة ~~فى تنفيذها، بل نفذوها على فى الحال. فأنت ترى فى هذه الآية الكريمة كيف ~~أن نوحا - عليه السلام - كان فى نهاية الشجاعة فى مخاطبته لقومه، بعد أن ~~مكث فيهم مكث وهو يدعوهم إلى عبادة الله - تعالى - وحده. فهو - أولا - ~~يصارحهم بأنه ماض فى طريقه الذى أمره الله بالمضى فيه، وهو تذكيرهم ~~بالدلائل الدالة على وحدانية الله، وعلى وجوب إخلاص العبادة له سواء أشق ~~عليهم هذا التذكير أم لم يشق، وأنه لا اعتماد له على أحد إلا على الله ~~وحده. وهو - ثانيا - يتحداهم بأن يجمعوا أمرهم وأمر شركائهم وأن يأخذوا ~~أهبتهم لكيده وحربه. وهو - ثالثا - يطالبهم بأن يتخذوا قراراتهم بدون ~~تستر أو خفاء، فإن الأمر لا يحتاج إلى غموض أو تردد، لأن حاله معهم قد ~~أصبح واضحا وصريحا. وهو - رابعا - يأمرهم بأن يبلغوه ما ms2574 توصلوا إليه من ~~قرارات وأحكام وأن ينفذوها عليه بدون تريث أو انتظار، حتى لا يتركوا له ~~فرصة للاستعداد للنجاة من مكرهم. وهكذا نرى نوحا - عليه السلام - يتحدى ~~قومه تحديا صريحا مثيرا. حتى إنه ليغريهم بنفسه، ويفتح لهم الطريق ~~لإيذائه وإهلاكه - إن استطاعوا ذلك -. وما لجأ - عليه السلام - إلى هذا ~~التحدى الواضح المثير إلا لأنه كان معتمدا على الله - تعالى - الذى ~~تتضاءل أمام قوته كل قوة وتتهاوا إزاء سطوته كل سطوة ويتصاغر كل تدبير ~~وتقدير أمام تدبيره وتقديره. # وهكذا نرى القرآن الكريم يسوق للدعاة فى كل زمان تلك المواقف المشرفة ~~لرسل الله - عليهم الصلاة والسلام - لكى يقتدوا بهم فى شجاعتهم، وفى ~~اعتمادهم على الله وحده، وفى ثباتهم أمام الباطل مهما بلغت قوته، واشتد ~~جبروته. ومتى فعلوا ذلك، كانت العاقبة لهم لأنه - سبحانه - تعهد أن ينصر ~~من ينصره. ولنمض مع القصة حتى النهاية لنرى الدليل على ذلك فقد حكى - ~~سبحانه - ما دار بين نوح وبين قومه بعد هذا التحدى السافر لهم فقال { ~~فإن توليتم } أى فإن أعرضتم - أيها الناس - عن قولى، وعن تذكيرى ~~إياكم بآيات الله بعد وقوفكم على أمرى وعلى حقيقة حالى. فما سألتكم من ~~أجر، أى فإنى ما سألتكم فى مقابل تذكيرى لكم، أو دعوتى إياكم إلى الحق، ~~ومن أجر تؤدونه لى - { إن أجري إلا على الله } وحده، فهو ~~الذى يثيبنى على قولى وعملى وهو الذى يعطينى من الخير ما يغنينى عن أجركم ~~وعطائكم وهو - سبحانه - الذى أمرنى { أن أكون من المسلمين } ~~أى المنقادين لأمره. المتبعين لهديه، المستسلمين لقضائه وقدره. ثم بين - ~~سبحانه - العاقبة الطيبة التى آل إليها أمر نوح عليه السلام والعاقبة ~~السيئة التى انتهى إليها حال قومه فقال { فكذبوه } أى فكذب قوم نوح ~~نبيهم نوحا بعد أن دعاهم إلى الحق ليلا ونهارا وسرا وعلانية. فماذا كانت ~~نتيجة هذا التكذيب؟ كانت نتيجته كما حكته السورة الكريمة { ~~فنجيناه ومن معه في الفلك } أى فنجينا نوحا ومن معه من ~~المؤمنين، بأن أمرناهم أن يركبوا فى السفينة التى صنعوها بأمر الله، حتى ms2575 ~~لا يغرقهم الطوفان الذى أغرق المكذبين. وقوله { وجعلناهم ~~خلائف } أى وجعلنا هؤلاء الناجين خلفاء فى الأرض لأولئك المغرقين ~~الذين كذبوا نبيهم نوحا - عليه السلام - وعموا وصموا عن الحق الذى جاءهم ~~به ودعاهم إليه. هذه هى عاقبة نوح والمؤمنين معه أما عاقبة من كذبوه فقد ~~بينها - سبحانه - فى قوله { وأغرقنا الذين كذبوا ~~بآياتنا } أى وأغرقنا بالطوفان الذين كذبوا بآياتنا الدالة على ~~وحدانيتنا وقدرتنا. { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } ~~أى فانظر وتأمل - أيها العاقل - كيف كانت نتيجة تكذيب هؤلاء المنذرين ~~الذين لم تنفع معهم النذر والآيات التى جاءهم بها نبيهم نوح - عليه ~~السلام -. فالمراد بالأمر بالنظر هنا التأمل والاتعاظ والاعتبار لا مجرد ~~النظر الخالى عن ذلك. وهكذا نجد أن من العبر والعظات التى من أجلها ساق ~~الله - تعالى - قصة نوح - عليه السلام - بهذه الصورة الموجزة هنا إبراز ~~ما كان عليه نوح - عليه السلام - من شجاعة وقوة وهو يبلغ رسالة الله إلى ~~الناس، واعتماده التام على خالقه، وتوكله عليه وحده وتحديه السافر ~~للمكذبين الذين وضعوا العراقيل والعقبات فى طريق دعوته، وتحريضه لهم ~~بمثيرات القول على مهاجمته إن كان فى إمكانهم ذلك ومصارحته لهم بأنه فى ~~غنى عن أموالهم لأن خالقه - سبحانه - قد أغناه عنهم، وبيان أن سنة الله ~~لا تتخلف ولا تتبدل وهذه السنة تتمثل فى أنه - سبحانه - قد جعل حسن ~~العاقبة للمؤمنين وسوء العاقبة للمكذبين. # ثم حكت السورة الكريمة أن الله - تعالى - قد أرسل رسلا كثيرين بعد نوح - ~~عليه السلام - فكان موقف أقوامهم منهم مشابها لموقف قوم نوح منه، فقال - ~~تعالى - { ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم... }. ### || [10.74] # أى ثم بعثنا من بعد نوح - عليه السلام - رسلا كثيرين ذوى قدر عظيم إلى ~~أقوامهم، ليخرجوهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان فهود - عليه السلام - ~~أرسلناه إلى قوم عاد، وصالح - عليه السلام - أرسلناه إلى ثمود، وهكذا ~~أرسلنا رسلا كثيرين إلى أقوامهم. وقوله { فجآءوهم بالبينات } ~~أى فأتى كل رسول قومه بالمعجزات الواضحات، وبالحجج الساطعات الدالة على ~~صدقه فيما يبلغه عن ربه. وقوله - { فما كانوا ms2576 ليؤمنوا بما ~~كذبوا به من قبل } بيان لموقف هؤلاء الأقوام الجاحدين من ~~رسلهم الذين جاءوا لهدايتهم وسعادتهم. وللمفسرين فى معنى هذه الجملة ~~الكريمة أقوال فمنهم من يرى أن الضمائر فى " كانوا، ويؤمنوا، وكذبوا " ~~تعود على أقوام الرسل الذين جاءوا من بعد نوح - عليه السلام - وأن المراد ~~بقوله { من قبل } أى من قبل مجئ الرسل إليهم. والمعنى على هذا الرأى ثم ~~بعثنا من بعد نوح - عليه السلام - رسلا كثيرين إلى أقوامهم فجاءوهم ~~بالمعجزات الدالة على صدقهم، إلا أن هؤلاءا لأقوام الأشقياء. استمروا على ~~كفرهم وعنادهم، وامتنعوا عن الإيمان بما كذبوا به من قبل مجئ الرسل ~~إليهم وهو إفراد الله - تعالى بالعبادة والطاعة فكان حالهم فى الإصرار ~~على الكفر والجحود قبل مجئ الرسل إليهم، كحالهم بعد أن جاءوهم بالهدى ~~ودين الحق، حتى لكأنهم لم يأتهم من بشير ولا نذير. ومن المفسرين الذين ~~قالوا بهذا الرأى الإمام البيضاوى فقد قال " قوله { فما كانوا ~~ليؤمنوا } أى فما استقام لهم أن يؤمنوا لشدة شكيمتهم فى الكفر، ~~وخذلان الله إياهم.. بما كذبوا به من قبل، أى بسبب تعودهم تكذيب الحق، ~~وتمرنهم عليه قبل بعثة الرسل - عليهم الصلاة والسلام - ". ومنهم من يرى - ~~أيضا - أن الضمائر تعود على أقوام الرسل الذين جاءوا من بعد نوح - عليه ~~السلام - إلا أن المراد بقوله { من قبل } أى من قبل ابتداء دعوة ~~الرسل لهؤلاء الأقوام. وعليه يكون المعنى ثم بعثنا من بعد نوح - عليه ~~السلام - رسلا كثيرين إلى أقوامهم، فجاءهم بالأدلة الواضحة الدالة على ~~صدقهم، إلا أن هؤلاء الأقوام قابلوا رسلهم بالتكذيب من أول يوم، واستمروا ~~على ذلك حتى آخر أحوالهم معهم، فكان تكذيبهم لهم فى آخر أحوالهم معهم، ~~يشبه تكذيبهم لهم من قبل أى فى أول مجيئهم إليهم. ومن المفسرين الذين ~~قالوا بهذا الرأى الإمام ابن كثير فقد قال " قوله { فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل } أى فما كانت الأمم ~~لتؤمن بما جاءتهم به رسلهم، بسبب تكذيبهم إياهم أول من أرسلوا إليهم، كما ~~قال - تعالى - # ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما ms2577 لم يؤمنوا ~~به أول مرة # ومنهم من يرى أن الضمير فى قوله " كانوا ويؤمنوا " يعود على أقوام الرسل ~~الذين جاءوا من بعد نوح - عليه السلام - وأن الضمير فى قوله " كذبوا " ~~يعود إلى قوم نوح، وعلى هذا الرأى يكون المعنى ثم بعثنا من بعد نوح - ~~عليه السلام - رسلا إلى أقوامهم. فجاءوهم بالآيات البينات الدالة على ~~صدقهم، ولكن هؤلاء الأقوام استمروا فى كفرهم وعنادهم، وأبوا أن يؤمنوا ~~بوحدانية الله التى كذب بها قوم نوح من قبل. ومن المفسرين الذين قالوا ~~بهذا الرأى الإمام ابن جرير فقد قال " قوله { فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل } يقول " فما كانوا ~~ليصدقوا بما جاءتهم به رسلهم وبما كذب به قوم نوح ومن قبلهم من الأمم ~~الخالية.. " وعلى أية حال فهذه الأقوال الثلاثة، تدل على أن هؤلاء ~~الأقوام عموا وصموا عن الحق، واستمروا على ذلك دون أن تحولهم الآيات ~~البينات التى جاءهم بها الرسل عن عنادهم وضلالهم. وقوله { كذلك ~~نطبع على قلوب المعتدين } بيان لسنة الله - تعالى - فى ~~خلقه التى لا تتخلف ولا تتبدل. والطبع الختم والاستيثاق بحيث لا يخرج من ~~الشىء ما دخل فيه، ولا يدخل فيه ما خرج منه. أى مثل ذلك الطبع المحكم ~~نطبع على قلوب المعتدين المتجاوزين للحدود فى الكفر والجحود، وذلك ~~بخذلانهم، وتخليتهم وشأنهم، لانهماكهم فى الغواية والضلال. ثم ساقت ~~السورة الكريمة بعد ذلك، جانبا من قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون ~~وملئه، فبدأت بحكاية بعض المحاورات التى دارت بينه وبينهم، فقال - تعالى ~~- { ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون... }. ### || [10.75-78] # وقوله - سبحانه - { ثم بعثنا.. } معطوف على ما قبله وهو قوله ~~ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم... من باب عطف ~~القصة على القصة، وهو من قبيل عطف الخاص على العام، لما فى هذا الخاص من ~~عبر وعظات. والمعنى ثم بعثنا من بعد هؤلاء الرسل الكرام الذين جاءوا ~~لأقوامهم بالأدلة والبينات. { موسى وهارون } عليهما السلام.. { ~~إلى فرعون } الذى قال لقومه " أنا ربكم الأعلى " وإلى { ملئه } ~~أى خاصته وأشراف مملكته وأركان دولته، ms2578 ولذلك اقتصر عليهم، لأن غيرهم ~~كالتابع لهم. { بآياتنا } أى بعثناهما إليهم مؤيدين بآياتنا، الدالة ~~على قدرتنا ووحدانيتنا وعلى صدقهما فيما يبلغانه عنا من هدايات وتوجيهات. ~~ويرى كثير من المفسرين أن المراد بقوله { بآياتنا } الآيات التسع ~~التى جاء ذكرها فى قوله تعالى فى سورة الإسراء # ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات... # قال الجمل " وتقدم فى الأعراف منها ثمانية، ثنتان فى قوله - تعالى - # فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين # وقوله # ونزع يده فإذا هي بيضآء للناظرين # وواحدة فى قوله - تعالى - # ولقد أخذنآ آل فرعون بالسنين ونقص من ~~الثمرات لعلهم يذكرون # وخمسة فى قوله - تعالى - # فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل ~~والضفادع والدم... # والتاسعة فى هذه السورة - سورة يونس - فى قوله - تعالى - # ربنا اطمس على أموالهم # ثم بين - سبحانه - موقف فرعون وملئه من دعوة موسى لهم فقال { ~~فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين }. والاستكبار ادعاء ~~الكبر من غير استحقاق، والفاء فصيحة، والتقدير ثم بعثنا من بعد أولئك ~~الرسل موسى وهارون إلى فرعون وملئه، فأتياهم ليبلغاهم دعوة الله، ~~ويأمراهم بإخلاص العبادة له، فاستكبروا عن طاعتهما، وأعجبوا بأنفسهم، ~~وكانوا قوما شأنهم وديدنهم الإجرام، وهو ارتكاب ما عظم من الذنوب، وقبح ~~من الأفعال. ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الجملة " ~~فاستكبروا عن قبولها، وهو أعظم الكبر أن يتهاون العبيد برسالة ربهم بعد ~~تبينها، ويتعظموا عن تقبلها ". ثم بين - سبحانه - ما تفوهوا به من أباطيل ~~عندما جاءهم موسى بدعوته فقال { فلما جآءهم الحق من ~~عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين }. أى فلما وصل ~~إليهم الحق الذى جاءهم به موسى - عليه السلام - من عندنا لا من غيرنا { ~~قالوا } على سبيل العناد والحقد والغرور { إن هذا } الذى جئت به ~~يا موسى { لسحر مبين } أى لسحر واضح ظاهر لا يحتاج إلى تأمل أو ~~تفكير. والتعبير بقوله { جآءهم } يفيد أن الحق قد وصل إليهم بدون تعب ~~منهم، فكان من الواجب عليهم - لو كانوا يعقلون - أن يتقبلوه بسرور ~~واقتناع. # وفى قوله { من عندنا } تصوير لشناعة الجريمة التى ارتكبوها فى جانب ~~الحق، الذى ms2579 جاءهم من عند الله - تعالى - لا من عند غيره. والمراد بالحق ~~هنا الآيات والمعجزات التي جاءهم بها موسى - عليه السلام - لتكون دليلا ~~على صدقه فيما يبلغه عن ربه. وقولهم - كما حكى القرآن عنهم - { إن ~~هذا لسحر مبين } بالقسم المؤكد يدل على تبجحهم الذميم، ~~وكذبهم الأثيم، حيث وصفوا الحق الذى لا باطل معه بأنه سحر واضح، وهكذا ~~عندما تقسو القلوب وتفسق النفوس، تتحول الحقائق فى زعمها إلى أكاذيب ~~وأباطيل. ثم حكى القرآن الكريم رد موسى - عليه السلام - على مفترياتهم ~~فقال { قال موسى أتقولون للحق لما جآءكم أسحر ~~هذا ولا يفلح الساحرون }. وفى الآية الكريمة كلام محذوف ~~دل عليه المقام، والتقدير قال موسى لفرعون وملئه منكرا عليهم غرورهم ~~وكذبهم، { أتقولون للحق } الذى هو أبعد ما يكون عن السحر، حين ~~مشاهدتكم له. أتقولون عنه { إن هذا لسحر مبين }. يا سبحان ~~الله!! أفلا عقل لكم يحجزكم عن هذا القول الذى يدل على الجهالة والغباء، ~~انظروا وتأملوا { أسحر هذا } الذى ترون حقيقته بأعينكم، وترتجف ~~من عظمته قلوبكم، والحال أنه { ولا يفلح الساحرون } فى أى عمل ~~من شأنه أن يهدى إلى الخير والحق. فقد حذفت جملة { إن هذا ~~لسحر مبين } لدلالة قوله { أسحر هذا } عليه. قال صاحب ~~الكشاف " فإن قلت هم قطعوا بقولهم إن هذا لسحر مبين، على أنه سحر فكيف ~~قيل لهم أتقولون أسحر هذا؟ قلت فيه أوجه أن يكون معنى قوله { أتقولون ~~للحق } أتعيبونه وتطعنون فيه، وكان عليكم أن تذعنوا له وتعظموه، من ~~قولهم فلان يخاف القالة، وبين الناس تقاول، إذا قال بعضهم لبعض ما يسوءه. ~~وأن يحذف مفعول أتقولون وهو ما دل عليه قولهم { إن هذا لسحر ~~مبين } كأنه قيل أتقولون ما تقولون يعنى قولهم إن هذا لسحر مبين، ثم ~~قيل أسحر هذا؟ وأن يكون جملة قوله " أسحر هذا ولا يفلح الساحرون " حكاية ~~لكلامهم، كأنهم قالوا أجئتما إلينا بالسحر تطلبان به الفلاح { ولا ~~يفلح الساحرون.. }. وقال الجمل " قوله - تعالى - { قال ~~موسى أتقولون.. } أى قال جملا ثلاثة الأولى { أتقولون ~~للحق لما جآءكم } والثانية { أسحر ms2580 هذا } والثالثة { ~~ولا يفلح الساحرون }. وقوله { الحق } أى فى شأنه ولأجله، ~~وقوله { لما جآءكم } أى حين مجيئه إياكم من أول الأمر من غير تأمل ~~وتدبر، وهذا مما ينافى القول المذكور. وقوله { قال موسى أتقولون ~~للحق لما جآءكم } هنا مقول القول محذوف لدلالة ما قبله عليه، ~~وإشارة إلى أنه لا ينبغى أن يتفوه به. وقوله - سبحانه - حكاية عن موسى { ~~أسحر هذا } مبتدأ وخبر، وهو استفهام إنكار مستأنف من جهته - عليه ~~السلام - تكذيبا لقولهم، وتوبيخا إثر توبيخ، وتجهيلا بعد تجهيل ". # وقوله { ولا يفلح الساحرون } جملة حالية من ضمير المخاطبين، ~~وقد جئ بها تأكيدا للإنكار السابق، وما فيه من معنى التوبيخ والتجهيل. ~~أى أتقولون للحق إنه سحر، والحال أنه لا يفلح فاعله، أى لا يظفر بمطلوب، ~~ولا ينجو من مكروه، وأنا قد أفلحت، وفزت بالحجة، ونجوت من الهلكة. ثم كشف ~~القرآن الكريم عن حقيقة الدوافع التي جعلتهم يصفون الحق بأنه سحر مبين ~~فقال - تعالى - { قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا ~~عليه آباءنا وتكون لكما الكبريآء في الأرض وما ~~نحن لكما بمؤمنين }. واللفت الصرف واللى يقال لفته يلفته ~~لفتا، أى صرفه عن وجهته إلى ذات اليمين أو الشمال. أى قال فرعون وملؤه ~~لموسى - عليه السلام - بعد أن جاءهم بالحق المبين أجئتنا يا موسى بما ~~جئتنا به { أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه ~~آباءنا } أى لتصرفنا عن الدين الذى وجدنا عليه آباءنا، وتكون لك ~~ولأخيك هارون { الكبريآء في الأرض } أى السيادة والرياسة ~~والزعامة الدينية والدنيوية فى الأرض بصفة عامة، وفى أرض مصر بصفة خاصة. ~~ثم أكدوا إنكارهم لما جاءهم به موسى - عليه السلام - من الدين الحق ~~فقالوا - كما حكى القرآن عنهم - { وما نحن لكما بمؤمنين } ~~أى وما نحن لكما بمصدقين فيما جئتما به، لأن تصديقنا لكما يخرجنا عن ~~الدين الذى وجدنا عليه آباءنا، وينزع منا ملكنا الذى تتمتع بكبريائه ~~خاصتنا، وتعيش تحت سلطانه وقهره عامتنا. وأفردوا موسى - عليه السلام - ~~بالخطاب فى قولهم { أجئتنا لتلفتنا.. } لأنه هو الذى كان ~~يجابههم بالحجج التى تقطع دابر باطلهم، ويرد على أكاذيبهم ms2581 بما يفضحهم ~~ويكشف عن غرورهم وغبائهم. وجمعوا بين موسى وهارون - عليهما السلام - فى ~~قولهم { وتكون لكما الكبريآء في الأرض وما نحن ~~لكما بمؤمنين } باعتبار شمول الكبرياء والرياسة والملك لهما، ~~وباعتبار أن الإيمان بأحدهما يستلزم الإيمان بالآخر. هذا، والذى يتدبر ~~هذه الآية الكريمة، يرى أن التهمة التى وجهها فرعون وملؤه إلى موسى ~~وهارون - عليهما السلام - هى تهمة قديمة جديدة فقوم نوح - مثلا - يمتنعون ~~عن قبول دعوته، لأنه فى نظرهم جاء بما جاء به بقصد التفضل عليهم، وفى هذا ~~يقول القرآن الكريم # ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يقوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا ~~تتقون. فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما ~~هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم # أى يريد أن تكون له السيادة والفضل عليكم، فيكون زعيما وأنتم له تابعون. ~~ولقد أفاض فى شرح هذا المعنى صاحب الظلال - رحمه الله - عند تفسيره لهذه ~~الآية الكريمة فقال ما ملخصه وإذن فهو الخوف من تحطيم معتقداتهم ~~الموروثة، التى يقوم عليها نظامهم السياسى والاقتصادى، وهو الخوف على ~~السلطان فى الأرض، هذا السلطان الذى يستمدونه من خرافات عقائدهم ~~الموروثة. # إنها العلة القديمة الجديدة التى تدفع بالطغاة إلى مقاومة دعوات ~~الإصلاح ورمى الدعاة بأشنع التهم والفجور فى مقاومة الدعوات والدعاة.. ~~إنها هى " الكبرياء فى الأرض " وما تقوم عليه من معتقدات باطلة، يحرص ~~المتجبرون على بقائها متحجرة فى قلوب الجماهير، بكل ما فيها من زيف ~~وفساد، وأوهام وخرافات، لأن تفتح القلوب على العقيدة الصحيحة، خطر على ~~القيم الجاهلية الموروثة. وما كان رجال من أذكياء قريش - مثلا - ليخطئوا ~~إدراك ما فى رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - من صدق وسمو، وما فى ~~عقيدة الشرك من تهافت وفساد، ولكنهم كانوا يخشون على مكانتهم الموروثة، ~~القائمة على ما فى تلك العقيدة من خرافات وتقاليد، كما خشى الملأ من قوم ~~فرعون على سلطانهم فى الأرض، فقالوا متبجحين { وما نحن لكما ~~بمؤمنين }. ثم حكت الآيات الكريمة بعد ذلك ما طلبه فرعون من ملئه، ~~وما دار بين موسى ms2582 - عليه السلام - وبين السحرة من محاورات فقال - تعالى - ~~{ وقال فرعون ائتوني... }. ### || [10.79-82] # أى وقال فرعون لخاصته بعد أن رأى من موسى الإصرار على دعوته ودعوة قومه ~~إلى عبادة الله وحده، وبعد أن شاهد عصاه وقد تحولت إلى ثعبان مبين. قال ~~فرعون لخاصته بعد أن رأى كل ذلك من موسى - عليه السلام - { ائتوني } ~~أيها الملأ { بكل ساحر عليم } أى بكل ساحر من أفراد مملكتى ~~تكون عنده المهارة التامة فى فن السحر، والخبرة الواسعة بطرقه وأساليبه. ~~وقوله { فلما جآء السحرة... } معطوف على كلام محذوف يستدعيه ~~المقام والتقدير، فامتثال القوم أمر فرعون وأسرعوا فى إحضار السحرة، فلما ~~جاءوا والتقوا بموسى - عليه السلام - وخيروه بقوله # إمآ أن تلقي وإمآ أن نكون أول من ألقى # { قال لهم موسى } على سبيل التحدى { ألقوا مآ أنتم ~~ملقون } من ألوان سحركم، ليرى الناس حقيقة فعلكم، وليميزوا بين حقى ~~وباطلكم. { فلمآ ألقوا } أى فلما ألقى السحرة حبالهم وعصيهم. { ~~قال } لهم { موسى } على سبيل السخرية مما صنعوه. { ما جئتم ~~به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح ~~عمل المفسدين } أى قال لهم موسى أيها السحرة، إن الذى جئتم به ~~هو السحر بعينه، وليس الذى جئت به أنا مما وصفه فرعون وملؤه بأنه سحر ~~مبين. وإن الذى جئتم به سيمحقه الله ويزيل أثره من النفوس، عن طريق ما ~~أمرنى الله به - سبحانه - من إلقاء عصاى، فقد جرت سنته - سبحانه - أنه ~~لايصلح عمل الذين يفسدون فى الأرض ولا يصلحون وصنيعكم هذا هو من نوع ~~الإفساد وليس من نوع الإصلاح. وقوله { ويحق الله الحق ~~بكلماته ولو كره المجرمون } تأكيد لسنة الله - تعالى - ~~فى تنازع الحق والباطل، والصلاح والفساد. أى أنه جرت سنة الله تعالى - أن ~~لا يصلح عمل المفسدين، بل يمحقه ويبطله، وأنه - سبحانه - يحق الحق أى ~~يثبته ويقويه ويؤيده { بكلماته } النافذة، وقضائه الذى لا يرد، ~~ووعده الذى لا يتخلف { ولو كره المجرمون } ذلك لأن كراهيتهم ~~لإحقاق الحق وإبطال الباطل، لا تعطيل مشيئة الله، ولا تحول بين تنفيذ ~~آياته وكلماته وقد كان ms2583 الأمر كذلك فقد أوحى الله إلى موسى # أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون. فوقع ~~الحق وبطل ما كانوا يعملون # ثم انتقلت السورة الكريمة للحديث عن جانب مما دار بين موسى - عليه ~~السلام - وبين قومه بنى إسرائيل، إثر الحديث عن جابر مما دار بينه وبين ~~فرعون وملئه وسحرته فقال - تعالى - { فمآ آمن لموسى إلا ~~ذرية من قومه... } ### || [10.83-87] # قال الجمل " قوله - سبحانه - { فمآ آمن لموسى إلا ذرية ~~من قومه... }. لما ذكر الله - تعالى - ما أتى به موسى - عليه ~~السلام - من المعجزات العظيمة الباهرة، أخبر - سبحانه - أنه مع مشاهدة ~~هذه المعجزات، ما آمن لموسى إلا ذرية من قومه. وإنما ذكر الله هذا تسلية ~~لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - لأنه كان كثير الاهتمام بإيمان قومه، ~~وكان يغتم بسبب إعراضهم عن الإيمان به، واستمرارهم على الكفر والتكذيب، ~~فبين الله له أن له أسوة بالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -. لأن ما جاء ~~به موسى من المعجزات، كان أمرا عظيما. ومع ذلك فما آمن له إلا ذرية من ~~قومه ". والآية الكريمة معطوفة على كلام محذوف يدل عليه السياق، والتقدير ~~لقد أتى موسى - عليه السلام - بالمعجزات التى تشهد بصدقه، والتى على ~~رأسها، أن ألقى عصاه فإذا هى تبتلع ما فعله السحرة، ومع كل تلك البراهين ~~الدالة على صدقه، فما آمن به إلا ذرية من قومه. والمراد بالذرية هنا ~~العدد القليل من الشباب، الذين آمنوا بموسى، بعد أن تخلف عن الإيمان ~~آباؤهم وأغنياؤهم. قال الآلوسى قوله { إلا ذرية من قومه } ~~أى إلا أولاد بعض بنى إسرائيل حيث دعا - عليه السلام - الآباء فلم يجيبوه ~~خوفا من فرعون، وأجابته طائفة من شبابهم فالمراد من الذرية الشبيان لا ~~الأطفال. والضمير فى قوله { من قومه } يعود لموسى - عليه السلام - ~~وعليه يكون المعنى فما آمن لموسى - عليه السلام - فى دعوته إلى وحدانية ~~الله، إلا عدد قليل من شباب قومه بنى إسرائيل، الذين كانوا يعيشون فى ~~مصر، والذين كان فرعون يسومهم سوء العذاب، أما آباؤهم وأصحاب الجاه فيهم، ~~فقد انحازوا إلى فرعون ms2584 طمعا فى عطائه، وخوفا من بطشه بهم. ويرى بعض ~~المفسرين أن الضمير فى قوله { من قومه } يعود إلى فرعون لا إلى ~~موسى. فيكون المعنى فما آمن لموسى إلا عدد قليل من شباب قوم فرعون. قال ~~ابن كثير ما ملخصه مرجحا هذا الرأى " يخبر الله - تعالى - أنه لم يؤمن ~~بموسى - عليه السلام - مع ما جاء به الآيات والحجج، إلا قليل من قوم ~~فرعون، من الذرية - وهم الشباب -، على وجل وخوف منه ومن ملئه. قال العوفى ~~عن ابن عباس " إن الذرية التى آمنت لموسى من قوم فرعون منهم امرأته، ~~ومؤمن آل فرعون، وخازنه، وامرأة خازنه ". ثم قال " واختار ابن جرير قول ~~مجاهد فى الذرية، أنها من بنى إسرائيل، لا من قوم فرعون. # لعود الضمير على أقرب مذكور. وفى هذا نظر، لأن من المعروف أن بنى ~~إسرائيل كلهم آمنوا بموسى. واستبشروا به، فقد كانوا يعرفون نعته وصفته ~~والبشارة به. وإذا تقرر هذا فكيف يكون المراد إلا ذرية من قوم موسى وهم ~~بنو إسرائيل؟ ". والذى نراه أن ما اختاره ابن جرير من عودة الضمير إلى ~~موسى - عليه السلام - أرجح، لأن هناك نوع خفاء فى إطلاق كلمة الذرية على ~~من آمن من قوم فرعون، ومنهم زوجته، وامرأة خازنه. ولأنه لا دليل على أن ~~بنى إسرائيل كلهم قد آمنوا بموسى، بل الحق أن منهم من آمن به ومنهم من ~~كفر به، كقارون والسامرى وغيرهما. ولأن رجوع الضمير إلى موسى - هو الظاهر ~~المتبادر من الآية، لأنه أقرب مذكور، وليس هناك ما يدعو إلى صرف الآية ~~الكريمة عن هذا الظاهر. ورحم الله ابن جرير فقد قال فى ترجيحه لما ذهب ~~إليه من عودة الضمير إلى موسى - عليه السلام - ما ملخصه وأولى هذه ~~الأقوال عندى بتأويل الآية، القول الذى ذكرته عن مجاهد وهو أن الذرية فى ~~هذا الموضع، أريد بها ذرية من أرسل إليه موسى من بنى إسرائيل، وإنما قلت ~~هذا القول أولى بالصواب، لأنه لم يجر فى هذه الآية ذكر لغير موسى، فلأن ~~تكون الهاء فى قوله { من ms2585 قومه } من ذكر موسى لقربها من ذكره أولى ~~من أن تكون من ذكر فرعون، لبعد ذكره منها. ولأن فى قوله { على خوف ~~من فرعون وملئهم } الدليل الواضح على أن الهاء فى قوله { ~~إلا ذرية من قومه } من ذكر موسى لا من ذكر فرعون، لأنها ~~لو كانت من ذكر فرعون لكان الكلام على خوف منه، ولم يكن على خوف من ~~فرعون... ". وقوله { على خوف من فرعون وملئهم أن ~~يفتنهم.. } حال من كلمة { ذرية } و { على } هنا بمعنى مع. والضمير ~~فى قوله { وملئهم } يعود إلى ملأ الذرية، وهم كبار بنى إسرائيل ~~الذين لاذوا بفرعون طمعا فى عطائه أو خوفا من عقابه ولم يتبعوا موسى - ~~عليه السلام -. والمعنى فما آمن لموسى إلا عدد قليل من شباب قومه، والحال ~~أن إيمانهم كان مع خوف من فرعون ومن أشراف قومهم أن يفتنوهم عن دينهم، أى ~~يعذبوهم ليحملوهم على ترك اتباع موسى - عليه السلام. والضمير فى { يفتنهم ~~} يعود إلى فرعون خاصة، لأنه هو الآمر بالتعذيب ولأن الملأ إنما كانوا ~~يأتمرون بأمره، وينتهون عن نهيه، فهم كالآلة فى يده يصرفها كيف يشاء. ~~وجملة { أن يفتنهم } فى تأويل مصدر، بدل اشتمال من فرعون، أى على ~~خوف من فرعون فتنته. وقوله { وإن فرعون لعال في الأرض ~~وإنه لمن المسرفين } اعتراض تذييلى مؤكد لمضمون ما قبله، ~~ومقرر لطغيان فرعون وعتوه. # أى وإن فرعون المتكبر متجبر فى أرض مصر كلها، وإنه لمن المسرفين ~~المتجاوزين لكل حد فى الظلم والبغى وادعاء ما ليس له. والمتجبرون ~~والمسرفون يحتاجون فى مقاومتهم إلى إيمان عميق، واعتماد على الله وثيق، ~~وثبات يزيل المخاوف ويطمئن القلوب إلى حسن العاقبة، ولذا قال موسى ~~لأتباعه المؤمنين { يقوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه ~~توكلوا إن كنتم مسلمين }. أى قال موسى لقومه تطمينا ~~لقلوبهم، وقد رأى الخوف من فرعون يعلو وجوه بعضهم يا قوم { إن كنتم ~~آمنتم بالله } حق الإيمان، وأسلمتم وجوهكم له حق الإسلام فعليه ~~وحده اعتمدوا، وبجنابه وحده تمسكوا، فإن من توكل على الله واتجه إليه، ~~كان الله معه ms2586 بنصره وتأييده. ثم حكى القرآن الكريم جوابهم الذى يدل على ~~صدق يقينهم فقال { فقالوا } أى مجيبين لنصيحة نبيهم { على الله ~~} وحده لا على غيره { توكلنا } واعتمدنا وفوضنا أمورنا إليه. { ~~ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين } أى يا ~~ربنا لا تجعلنا موضوع فتنة وعذاب للقوم الظالمين. بأن تمكنهم منا ~~فيسوموننا سوء العذاب، وعندئذ يعتقدون أنهم على الحق ونحن على الباطل، ~~لأننا لو كنا على الحق - فى زعمهم - لما تمكنوا منا، ولما انتصروا علينا. ~~ثم أضافوا إلى هذا دعاء آخر، أكثر صراحة من سابقه فى المباعدة بينهم وبين ~~الظالمين فقالوا { ونجنا برحمتك من القوم الكافرين ~~}. أى نحن لا نلتمس منك يا مولانا ألا تجعلنا فتنة لهم فقط، بل نلتمس منك ~~- أيضا - أن تنجينا من شرور القوم الكافرين، وأن تخلصنا من سوء جوارهم، ~~وأن تفرق بيننا وبينهم كما فرقت بين أهل المشرق وأهل المغرب. قال الإمام ~~الشوكانى " وفى هذا الدعاء الذى تضرعوا به إلى الله - دليل على أنه كان ~~لهم اهتمام بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم ". وبعد هذا الدعاء ~~المخلص، وجه الله - تعالى - نبيه موسى وأخاه هارون - عليهما السلام - إلى ~~ما يوصل إلى نصرهما ونصر أتباعهما فقال - تعالى - { وأوحينآ إلى ~~موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا ~~واجعلوا بيوتكم قبلة.. } وقوله { تبوءا } من التبؤ وهو ~~اتخاذ المباءة أى المنزل، كالتوطن بمعنى اتخاذ الوطن. يقال بوأته وبوأت ~~له منزلا إذا أنزلته فيه، وهيأته له. والمعنى وأوحينا إلى موسى وأخيه ~~هارون بعد أن لج فرعون فى طغيانه وفى إنزال العذاب بالمؤمنين - أن اتخذا ~~لقومكما المؤمنين بيوتا خاصة بهم فى مصر، ينزلون بها، ويستقرون فيها، ~~ويعتزلون فرعون وجنده، إلى أن يقضى الله أمرا كان مفعولا. وقوله { ~~واجعلوا بيوتكم قبلة } أى واجعلوا هذه البيوت التى حللتم ~~بها مكانا لصلاتكم وعبادتكم، بعد أن حال فرعون وجنده بينكم وبين أداء ~~عباداتكم فى الأماكن المخصصة لذلك. قال القرطبى " المراد صلوا فى بيوتكم ~~سرا لتأمنوا، وذلك حين أخافهم فرعون، فأمروا بالصبر واتخاذ المساجد فى ~~البيوت، والإقدام على الصلاة، والدعاء، إلى ms2587 أن ينجز الله وعده، وهو ~~المراد بقوله # قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا # وكان من دينهم أنهم لا يصلون إلا فى البيع والكنائس ما داموا على أمن، ~~فإذا خافوا فقد أذن لهم أن يصلوا فى بيوتهم... ". وقوله { وأقيموا ~~الصلاة } أى داوموا عليها، وأدوها فى أوقاتها بخشوع وإخلاص، فإن فى ~~أدائها بهذه الصورة. وسيلة إلى تفريج الكروب، وفى الحديث الشريف # " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا حز به أمر صلى ". # وقوله { وبشر المؤمنين } تذييل قصد به بعث الأمل فى نفوسهم ~~متى أدوا ما كلفوا به. أى وبشر المؤمنين بالنصر والفلاح فى الدنيا، ~~وبالثواب الجزيل فى الآخرة. قال صاحب الكشاف " فإن قلت كيف نوع الخطاب ~~فثنى أولا، ثم جمع، ثم وحد آخرا؟ قلت " خوطب موسى وهارون - عليهما السلام ~~- أن يتبوآ لقومهما بيوتا ويختاراها للعبادة، وذلك مما يفوض إلى ~~الأنبياء. ثم سيق الخطاب عاما لهما ولقومهما باتخاذ المساجد والصلاة ~~فيها، لأن ذلك واجب على الجمهور. ثم خص موسى - عليه السلام - بالبشارة ~~التى هى الغرض تعظيما لها، وللمبشر بها ". ولأن بشارة الأمة - كما يقول ~~الآلوسى - وظيفة صاحب الشريعة، وهى من الأعظم أسر وأوقع فى النفس. ~~هذا، ومن التوجيهات الحكيمة التى نأخذها من هذه الآية الكريمة، أن مما ~~يعين المؤمنين على النصر والفلاح، أن يعتزلوا أهل الكفر والفسوق ~~والعصيان، إذا لم تنفع معهم النصيحة، وأن يستعينوا على بلوغ غايتهم ~~بالصبر والصلاة، وأن يقيموا حياتهم فيما بينهم على المحبة الصادقة، وعلى ~~الأخوة الخالصة، وأن يجعلوا توكلهم على الله وحده # ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ ~~أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا # ثم حكى القرآن الكريم بعد ذلك، ما تضرع به موسى - عليه السلام - إلى ~~الله - تعالى - من دعوات خاشعات، بعد أن يئس من إيمان فرعون وملئه فقال - ~~سبحانه - { وقال موسى ربنآ إنك آتيت فرعون... } ### || [10.88-89] # والزينة اسم لما يتزين به الإنسان من ألوان اللباس وأوانى الطعام ~~والشراب، ووسائل الركوب.. وغير ذلك مما يستعمله الإنسان فى زينته ~~ورفاهيته. والمال يشمل أصناف ms2588 الزينة، ويشمل غير ذلك مما يتملكه الإنسان. ~~والمعنى وقال موسى - عليه السلام - مخاطبا ربه، بعد أن فقد الأمل فى ~~إصلاح فرعون وملئه يا ربنا إنك أعطيت فرعون وأشراف قومه وأصحاب الرياسات ~~منهم، الكثير من مظاهر الزينة والرفاهية والتنعم، كما أعطيتهم الكثير من ~~الأموال فى هذه الحياة الدنيا. وهذا العطاء الجزيل لهم قد يضعف الإيمان ~~فى بعض النفوس، إما بالإغراء الذى يحدثه مظهر النعمة فى نفوس الناظرين ~~إليها، وإما بالترهيب الذى يملكه هؤلاء المنعمون، بحيث يصيرون قادرين على ~~إذلال غيرهم. واللام فى قوله { ربنا ليضلوا عن سبيلك } ~~لام العاقبة والصيرورة أى أعطيتهم ما أعطيتهم من الزينة والمال، ليخلصوا ~~لك العبادة والطاعة، وليقابلوا هذا العطاء بالشكر، ولكنهم لم يفعلوا بل ~~قابلوا هذه النعم بالجحود والبطر، فكانت عاقبة أمرهم الخسران والضلال، ~~فأزل يا مولانا هذه النعم من بين أيديهم. قال القرطبى " اختلف فى هذه ~~اللام، وأصح ما قيل فيها - وهو قول الخليل وسيبويه - أنها لام العاقبة ~~والصيرورة، وفى الخبر " إن لله - تعالى - ملكا ينادى كل يوم لدوا للموت ~~وابنو للخراب " أى لما كان عاقبة أمرهم إلى الضلال، صار كأنه أعطاهم ~~ليضلوا ". وقال صاحب المنار " قوله { ربنا ليضلوا عن ~~سبيلك } أى لتكون عاقبة هذا العطاء إضلال عبادك عن سبيلك الموصلة إلى ~~مرضاتك باتباع الحق والعدل والعمل الصالح، ذلك لأن الزينة سبب الكبر ~~والخيلاء والطغيان على الناس، وكثرة الأموال تمكنهم من ذلك وتخضع رقاب ~~الناس لهم، كما قال - تعالى - # إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى # فاللام فى قوله { ليضلوا } تسمى لام العاقبة والصيرورة، وهى ~~الدالة على أن ما بعدها أثر وغاية فعلية لمتعلقها، يترتب عليه بالفعل لا ~~بالسببية، ولا بقصد فاعل الفعل الذى تتعلق به كقوله - تعالى - # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا... # ومنهم من يرى أن هذه اللام للتعليل، والفعل منصوب بها، فيكون المعنى ~~وقال موسى مخاطبا ربه يا ربنا إنك قد أعطيت فرعون وملأه زينة وأموالا فى ~~الحياة الدنيا، وإنك يا ربنا قد أعطيتهم ذلك على سبيل الاستدراج ليزدادوا ~~طغيانا على طغيانهم، ms2589 ثم تأخذهم أخذ عزيز مقتدر. وشبيه بهذه الجملة فى هذا ~~المعنى قوله - تعالى - # ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير ~~لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ~~ولهم عذاب مهين # وقد رجح هذا المعنى الإمام ابن جرير فقال " والصواب من القول فى ذلك ~~عندى أنها لام كى، ومعنى الكلام ربنا أعطيتهم ما أعطيتهم من زينة الحياة ~~الدنيا والأموال لتفتنهم فيه، ويضلوا عن سبيلك عبادك عقوبة منك لهم، وهذا ~~كما قال جل ثناؤه # لأسقيناهم مآء غدقا. لنفتنهم فيه # ومنهم من يرى أن هذه اللام هى لام الدعاء، وأنها للدعاء عليهم بالزيادة ~~من الإضلال والغواية فيكون المعنى وقال موسى يا ربنا إنك أعطيت فرعون ~~وملأه زينة وأموالا فى الحياة الدنيا اللهم يا ربنا زدهم ضلالا على ~~ضلالهم. وقد سار على هذا الرأى صاحب الكشاف. فقد قال ما ملخصه " فإن قلت ~~ما معنى قوله { ليضلوا عن سبيلك }؟ قلت هو دعاء بلفظ الأمر ~~كقوله ربنا اطمس واشدد. وذلك أنه لما عرض عليهم آيات الله وبيناته عرضا ~~مكررا، وردد عليهم النصائح والمواعظ زمانا طويلا. وحذرهم من عذاب الله ~~ومن انتقامه، وأنذرهم سوء عاقبة ما كانوا عليه من الكفر والضلال، ورآهم ~~لا يزيدون على عرض الآيات إلا كفرا وعلى الإنذار إلا استكبارا، وعن ~~النصيحة إلا نبوا، ولم يبق له مطمع فيهم. وعلم بالتجربة وطول الصحبة أو ~~بوحى من الله، أنه لا يجئ منهم إلا الغى والضلال. لما رأى منهم كل ذلك ~~اشتد غضبه عليهم، وكره حالهم، فدعا الله عليهم بما علم أنه لا يكون غيره ~~وهو ضلالهم. فكأنه قال " ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال.. ". وعلى أية ~~حال فهذه الأقوال الثلاثة، لكل واحد منها اتجاهه فى التعبير عن ضيق موسى ~~- عليه السلام - لإصرار فرعون وشيعته على الكفر، ولما هم فيه من نعم لم ~~يقابلوها بالشكر، بل قابلوها بالجحود والبطر. وإن كان الرأى الأول هو ~~أظهرها فى الدلالة على ذلك، وأقربها إلى سياق الآية الكريمة. قال ~~الشوكانى " وقرأ الكوفيون { ليضلوا } بضم الياء. أى ليوقعوا ~~الإضلال على ms2590 غيرهم. وقرأ الباقون بالفتح أى يضلون فى أنفسهم ". وقوله { ~~ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم ~~فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم } دعا عليهم ~~بما يستحقونه من عقوبات بسبب إصرارهم على الكفر والضلال. والطمس الإهلاك ~~والإتلاف ومحو أثر الشىء يقال طمس الشىء ويطمس طموسا إذا زال بحيث لا ~~يرى ولا يعرف لذهاب صورته. والشد الربط والطبع على الشئ، بحيث لا يخرج ~~منه ما هو بداخله، ولا يدخل فيه ما هو خارج منه. والمعنى وقال موسى ~~مخاطبا ربه يا ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا فى الحياة الدنيا، ~~وقد أعطيتهم ذلك ليشكروك، ولكنهم لم يفعلوا، بل قابلوا عطاءك بالجحود، ~~اللهم يا ربنا اطمس على أموالهم بأن تهلكها وتزيلها وتمحقها من بين ~~أيديهم، حتى ترحم عبادك المؤمنين، من سوء استعمال الكافرين لنعمك فى ~~الإفساد والأذى. { واشدد على قلوبهم } بأن تزيدها قسوة على ~~قسوتها، وعنادا على عنادها مع استمرارها على ذلك، حتى يأتيهم العذاب ~~الأليم الذى لا ينفع عند إتيانه إيمان، ولا تقبل معه توبة، لأنهما حدثا ~~فى غير وقتهما. # قال الجمل " وهذا الطمس هو أحد الآيات التسع التى أوتيها موسى - عليه ~~السلام -. وقال الإمام ابن كثير " وهذه الدعوة كانت من موسى - عليه ~~السلام - غضبا لله - تعالى - ولدينه على فرعون وملئه، الذين تبين له أنه ~~لا خير فيهم، كما دعا نوح - عليه السلام - على قومه فقال # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا.. # ولهذا استجاب الله - تعالى - لموسى - عليه السلام - هذه الدعوة فيهم.. " ~~فقال { قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا ~~تتبعآن سبيل الذين لا يعلمون }. أى قال الله - تعالى ~~- لموسى هارون - عليهما السلام - أبشرا فقد أجبت دعوتكما فى شأن فرعون ~~وملئه { فاستقيما } على أمرى، وامضيا فى دعوتكما الناس إلى الحق، ~~واثبتا على ما أنتما عليه من الإيمان بى والطاعة لأمرى. { ولا ~~تتبعآن سبيل الذين لا يعلمون } ما جرت به سنتى فى ~~خلقى، ولا يدركون طريق الخير من طريق البشر. وكان الجواب من الله - تعالى ~~- لموسى وهارون، مع أن الداعى موسى فقط ms2591 كما صرحت الآيات السابقة، لأن ~~هارون كان يؤمن على دعاء أخيه موسى والتأمين لون من الدعاء. هذا، ومن ~~الحكم والعظات التى نأخذها من هاتين الآيتين الكريمتين أن من علامات ~~الإيمان الصادق. أن يكون الإنسان غيورا على دين الله، ومن مظاهر هذه ~~الغيرة أن يتمنى زوال النعمة من بين أيدى المصرين على جحودهم وفسوقهم ~~وبطرهم لأن وجود النعم بين أيديهم كثيرا ما يكون سببا فى إيذاء المؤمنين، ~~وإدخال القلق والحيرة على نفوس بعضهم. وأن الداعى متى توجه إلى الله - ~~تعالى - بقلب سليم، ولسان صادق، كان دعاؤه مرجو القبول عنده - سبحانه -. ~~ثم ختم - سبحانه قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون فى هذه السورة ~~الكريمة ببيان سنة من سننه التى لا تتخلف، وهى حسن عاقبة المؤمنين وسوء ~~عاقبة المكذبين فقال - تعالى - { وجاوزنا ببني إسرائيل ~~البحر... } ### || [10.90-93] # قوله سبحانه - { وجاوزنا } هو من جاوز المكان، إذا قطعه وتخطاه ~~وخلفه وراء ظهره وهو متعد بالباء إلى المفعول الأول الذى كان فاعلا فى ~~الأصل، وإلى الثانى بنفسه. والمراد بالبحر هنا بحر القلزم، وهو المسمى ~~الآن بالبحر الأحمر. وقوله { بغيا وعدوا } أى ظلما واعتداء. يقال ~~بغى فلان على فلان بغيا، إذا تطاول عليه وظلمه. ويقال عدا عليه عدوا ~~وعدوانا إذا سلبه حقه. وهما مصدران منصوبان على الحالية بتأويل اسم ~~الفاعل. أى باغين وعادين. أو على المفعولية لأجله أى من أجل البغى ~~والعدوان. والمعنى وجاوزنا ببنى إسرائيل البحر، وهم تحت رعايتنا وقدرتنا، ~~حيث جعلناه لهم طريقا يبسا، فساروا فيه حتى بلغوا نهايته، فأتبعهم فرعون ~~وجنوده لا لطلب الهداية والإيمان، ولكن لطلب البغى والعدوان. قال ~~الآلوسى " وذلك أن الله - تعالى - لما أخبر موسى وهارون - عليهما السلام ~~- بإجابته دعوتهما، أمرهما بإخراج بنى إسرائيل من مصر ليلا، فخرجا بهم ~~على حين غفلة من فرعون وملئه، فلما أحس بذلك، خرج هو وجنوده على أثرهم ~~مسرعين، فالتفت القوم فإذا الطامة الكبرى وراءهم، فقالوا يا موسى، هذا ~~فرعون وجنوده وراءنا. وهذا البحر أمامنا فكيف الخلاص، فأوحى الله - تعالى ~~- إلى موسى، أن اضرب بعصاك البحر، فضربه ms2592 فانلفق اثنى عشر فرقا كل فرق ~~كالطود العظيم، وصار لكل سبط طريق فسلكوا، ووصل فرعون ومن معه إلى الساحل ~~وبنو إسرائيل قد خرجوا من البحر ومسلهكم باق على حاله، فسلكه فرعون ~~وجنوده، فلما دخل آخرهم وهم أولهم بالخروج من البحر، انطبق عليهم وغشيهم ~~من اليم ما غشيهم ". ثم حكى - سبحانه - ما قاله فرعون عندما نزل به قضاء ~~الله الذى لا يرد فقال - تعالى - { حتى إذآ أدركه الغرق ~~قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا ~~إسرائيل وأنا من المسلمين }. أى لقد اتبع فرعون وجنوده ~~بنى إسرائيل بغيا وعدوا، فانطبق عليه البحر، ولفه تحت أمواجه ولججه، حتى ~~إذا أدركه الغرق وعاين الموت وأيقن أنه لا نجاة له منه، قال آمنت وصدقت. ~~بأنه لا معبود بحق سوى الإله الذى آمنت به بنو إسرائيل، وأنا من القوم ~~الذين أسلموا نفوسهم لله وحده وأخلصوها لطاعته. ولما كان هذا القول قد ~~جاء فى غير أوانه، وأن هذا الإيمان لا ينفع لأنه جاء عند معاينة الموت، ~~فقد رد الله - تعالى - على فرعون بقوله - سبحانه - { آلآن وقد ~~عصيت قبل وكنت من المفسدين }. أى آلآن تدعى الإيمان ~~حين يئست من الحياة، وأيقنت بالموت، والحال أنك كنت قبل ذلك من العصاة ~~المفسدين فى الأرض، المصرين على تكذيب الحق الذى جاءكم به رسولنا موسى - ~~عليه السلام - والظرف " آلآن " متعلق بمحذوف متأخر، والاستفهام للتقريع ~~والتوبيخ والإنكار. # وقوله { وقد عصيت قبل } جملة حالية من فاعل الفعل المقدر، أى ~~آلآن تدعى الإيمان والحال أنك عصيت قبل وكنت من المفسدين. قال الإمام ~~ابن كثير " وهذا الذى حكاه الله - تعالى - عن فرعون من قوله هذا فى حاله ~~ذاك. من أسرار الغيب التى أعلم الله - تعالى - بها رسوله - صلى الله عليه ~~وسلم -، ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله. حدثنا سليمان بن ~~حرب، حدثنا حماد بن سلمة، عن على بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس ~~قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لما قال فرعون آمنت أنه لا ~~إله ms2593 إلا الذى آمنت به بنو إسرائيل، قال جبريل لى يا محمد لو رأيتنى وقد ~~أخذت حالا من حال البحر - أى طينا أسود من طين البحر - فدسسته فى فمه ~~مخافة أن تناله الرحمة ". ورواه الترمذى، وابن جرير، وابن أبى حاتم فى ~~تفاسيرهم، من حديث، حماد بن سلمة وقال الترمذى حديث حسن. ثم ساق ابن كثير ~~بعد ذلك جملة من الأحاديث فى هذا المعنى ". وقوله - سبحانه - { ~~فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية.. } ~~تهكم به، وتخييب لآماله، وقطع لدابر أطماعه، والمعنى إن دعواك الإيمان ~~الآن مرفوضة، لأنها جاءت فى غير وقتها، وإننا اليوم بعد أن حل بك الموت، ~~نلقى بجسمك الذى خلا من الروح على مكان مرتفع من الأرض لتكون عبرة وعظة ~~للأحياء الذين يعيشون من بعدك سواء أكانوا من بنى إسرائيل أم من غيرهم، ~~حتى يعرف الجميع بالمشاهدة أو الإخبار، سوء عاقبة المكذبين، وأن ~~الألوهية لا تكون إلا لله الواحد الأحد، الفرد الصمد. قال الإمام ~~الشوكانى " قوله { فاليوم ننجيك ببدنك... } قرئ ننجيك ~~بالتخفيف، والجمهور على التثقيل. أى نلقيك على نجوة من الأرض. وذلك ان ~~بنى إسرائيل لم يصدقوا أن فرعون قد غرق، وقالوا هو أعظم شأنا من ذلك، ~~فألقاه الله على نجوة من الأرض أى مكان مرتفع من الأرض حتى شاهدوه. ومعنى ~~{ ببدنك } بجسدك بعد سلب الروح منه. وقيل معناه بدرعك والدرع يسمى بدنا، ~~ومنه قول كعب بن مالك # ترى الأبدان فيها مسبغات على الأبطال واليلب الحصينا # أراد بالأبدان الدروع - وباليلب - بفتح الياء واللام - الدروع اليمانية ~~كانت تتخذ من الجلود. وقوله { وإن كثيرا من الناس عن ~~آياتنا لغافلون } تذييل قصد به دعوة الناس جميعا إلى التأمل ~~والتدبر، والاعتبار بآيات الله، وبمظاهر قدرته. أى وإن كثيرا من الناس ~~لغافلون عن آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا على إهلاك كل ظالم جبار. # قال ابن كثير " وكان هلاك فرعون يوم عاشوراء. كما قال البخارى حدثنا ~~محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير، عن ~~ابن عباس قال قدم النبى ms2594 - صلى الله عليه وسلم - المدينة واليهود تصوم يوم ~~عاشوراء فقالوا هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون. فقال النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - لأصحابه أنتم أحق بموسى منهم فصوموه ". ثم بين - سبحانه - ~~بعد ذلك بعض مظاهر نعمه على بنى إسرائيل بعد أن أهلك عدوهم فرعون فقال - ~~تعالى - { ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ~~ورزقناهم من الطيبات }. وقوله { بوأنا } أى أنزلنا ~~وأسكنا، من التبوء، وهو اتخاذ المباءة أى المنزل والمسكن. وفى إضافة ~~ألمبوأ إلى الصدق مدح له، فقد جرت عادة العرب على أنهم إذا مدحوا شيئا ~~أضافوه إلى الصدق فقالوا رجل صدق إذا كان متحليا بمكارم الأخلاق. قال ~~الآلوسى " والمراد بهذا المبوأ، كما رواه ابن المنذر وغيره عن الضحاك ~~الشام ومصر، فإن بنى إسرائيل الذين كانوا فى زمان موسى - عليه السلام - ~~وهم المرادون هنا، ملكوا ذلك حسبما ذهب إليه جمع من الفضلاء. وأخرج أبو ~~الشيخ وغيره عن قتادة أن المراد به الشام وبيت المقدس، واختاره بعضهم، ~~بناء على أن أولئك لم يعودوا إلى مصر بعد ذلك. وينبغى أن يراد ببنى ~~إسرائيل على القولين، ما يشمل ذريتهم بناء على أنهم ما دخلوا الشام فى ~~حياة موسى - عليه السلام - إنما دخلها أبناؤهم - بقيادة يوشع بن نون. ~~وقيل المراد به أطراف المدينة إلى جهة الشام، وببنى إسرائيل الذين كانوا ~~على عهد نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -. والمعنى ولقد أنزلنا بنى ~~إسرائيل بعد هلاك عدوهم فرعون منزلا صالحا مرضيا، فيه الأمان، والأطمئنان ~~لهم، وأعطيناهم فوق ذلك الكثير من ألوان المأكولات والمشروبات الطيبات ~~التى أحللناها لهم. وقوله { فما اختلفوا حتى جآءهم ~~العلم... } توبيخ لهم على موقفهم الجحودى من هذه النعم التى أنعم ~~الله بها عليهم. أى أنهم ما تفرقوا فى أمور دينهم ودنياهم على مذاهب شتى، ~~إلا من بعد ما جاءهم العلم الحاسم لكل شبهة، وهو ما بين أيديهم من الوحى ~~الذى أمرهم الله - تعالى - أن يتلوه حق تلاوته، وأن لا يستخدموه فى ~~التأويلات الباطلة. فالجملة الكريمة توبخهم على جعلهم العلم الذى كان من ~~الواجب ms2595 عليهم أن يستعملوه - فى الحق والخير - وسيلة للاختلاف والابتعاد ~~عن الطريق المستقيم. وقوله { إن ربك يقضي بينهم يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } تذييل قصد به الزجر ~~عن الاختلاف واتباع الباطل. أى إن ربك يفصل بين هؤلاء المختلفين، فيجازى ~~أهل الحق بما يستحقونه من ثواب، ويجازى أهل الباطل بما يستحقونه من عقاب. ~~وبعد هذا الحديث المتنوع عن قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه، ~~ومع قومه بنى إسرائيل، وجه القرآن خطابا إلى النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- تثبيتا لقلبه، وتسلية له عما أصابه من أذى، فقال - تعالى - { فإن ~~كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك فاسأل الذين... } ### || [10.94-97] # والمراد { ممآ أنزلنآ إليك } هنا ما أوحاه الله - تعالى - ~~إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - من قصص حكيم يتعلق بأنبياء الله - تعالى ~~- ورسله. قال الآلوسى " وخصت القصص بالذكر، لأن الأحكام المنزلة عليه - ~~صلى الله عليه وسلم - ناسخة لأحكامهم، ومخالفة لها فلا يتصور سؤالهم عنها ~~". والمراد بالكتاب جنسه فيشمل التوراة والإنجيل. والمعنى فإن كنت أيها ~~الرسول الكريم - على سبيل الفرض والتقدير - فى شك مما أنزلنا إليك من قصص ~~حكيم كقصة موسى ونوح وغيرهما { فاسأل الذين يقرءون ~~الكتاب من قبلك } وهم علماء أهل الكتاب، فإن ما قصصناه عليك ~~ثابت فى كتبهم. فليس المراد من هذه الآية ثبوت الشك للرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - وإنما المراد على سبيل الفرض والتقدير، لا على سبيل الثبوت. ~~قال ابن كثير " قال قتادة بن دعامة بلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال " لا أشك ولا أسأل ". وكذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ~~البصرى، وهذا فيه تثبيت للأمة، وإعلام لهم بأن صفة نبيهم - صلى الله عليه ~~وسلم - موجودة فى الكتب المتقدمة التى بأيدى أهل الكتاب، كما قال - تعالى ~~- # الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل... # وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فى شأن عيسى - عليه السلام - # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ms2596 ليس لي ~~بحق إن كنت قلته فقد علمته... # فعيسى - عليه السلام - يعلم علم اليقين أنه لم يقل ذلك، وإنما يفرض قوله ~~فرضا. ليستدل عليه بأنه لو قاله لعلمه الله - تعالى - منه. أى إن كنت ~~قلته - على سبيل الفرض والتقدير - فقولى هذا لا يخفى عليك. قال صاحب ~~الكشاف ما ملخصه فإن قلت كيف قال الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه ~~وسلم - { فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك... }؟ قلت ~~هو على سبيل الفرض والتمثيل. كأنه قيل فإن وقع لك شك - مثلا - وخيل لك ~~الشيطان خيالا منه تقديرا { فاسأل الذين يقرءون الكتاب ~~}. والمعنى أن الله - عز وجل - قدم ذكر بنى إسرائيل، وهم قرأة الكتاب ~~ووصفهم بأن العلم قد جاءهم، لأن أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~مكتوب عندهم فى التوراة والإنجيل، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم فأراد ~~أن يؤكد علمهم بصحة القرآن، وصحة نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~ويبالغ فى ذلك فقال فإن وقع لك شك فرضا وتقديرا. # فسل علماء أهل الكتاب يعنى أنهم من الإحاطة بصحة ما أنزل إليك، بحيث ~~يصلحون لمراجعة مثلك، فضلا عن غيرك. فالغرض وصف الأحبار بالرسوخ فى العلم ~~بصحة ما أنزل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا وصفه بالشك فيه. ~~ويجوز أن يكون على طريق التهييج والإلهاب كقوله # فلا تكونن ظهيرا للكافرين... # ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - عند نزوله " لا أشك ولا أسأل بل أشهد ~~أنه الحق ". وقيل خوطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمراد خطاب ~~أمته. ومعناه " فإن كنتم فى شك مما أنزلنا إليكم.... ". وقوله { لقد جآءك ~~الحق من ربك فلا تكونن من الممترين } كلام مستأنف مؤكد لاجتثاث إرادة ~~الشك. والتقدير أقسم لقد جاءك الحق الذى لا لبس فيه من ربك لا من غيره، ~~فلا تكونن من الشاكين المترددين فى صحة ذلك. وقوله { ولا تكونن ~~من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من ~~الخاسرين } تعريض بأولئك الشاكين والمكذبين له - صلى الله عليه وسلم ~~- من قومه. أى ولا تكونن من القوم الذين ms2597 كذبوا بآيات الله الدالة على ~~صدقك فيما تبلغه عنا، فتكون بذلك من الخاسرين الذين أضاعوا دنياهم ~~وأخراهم. قال الآلوسى " وفائدة النهى فى الموضعين التهييج والإلهاب نظير ~~ما مر. والمراد بذلك الإعلام بأن الامتراء والتكذيب قد بلغا فى القبح ~~والمحذورية إلى حيث ينبغى أن ينهى عنهما من لا يمكن أن يتصف بهما، فكيف ~~بمن يمكن اتصافه بذلك.. " وقوله { إن الذين حقت عليهم ~~كلمت ربك لا يؤمنون. ولو جآءتهم كل آية ~~حتى يروا العذاب الأليم } توبيخ للكافرين على إصرارهم على ~~الكفر، وجحودهم للحق. والمراد بكلمة ربك حكمه النافذ، وقضاؤه الذى لا ~~يرده، وسنته التى لا تتغير ولا تتبدل فى الهداية والإضلال. والمراد ~~بالآية المعجزات والبراهين الدالة على صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~-. أى إن الذين حكم الله - تعالى - عليهم بعدم الإيمان - لأنهم استحبوا ~~العمى على الهدى - لا يؤمنون بالحق الذى جئت به - أيها الرسول الكريم.. ~~مهما سقت لهم من معجزات وبراهين دالة على صدقك.. ولكنهم سيؤمنون بأن ما ~~جئت به هو الحق، حين يرون العذاب الأليم وقد نزل بهم من كل جانب. وهنا ~~سيكون إيمانهم كلا إيمان، لأنه جاء فى غير وقته، وصدق الله إذ يقول # فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا.. # وسيكون حالهم كحال فرعون، الذى عندما أدركه الغرق قال آمنت. وبذلك ترى ~~الآيات الكريمة قد نهت عن الشك والافتراء فى شأن الحق الذى جاء به الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - بأبلغ أسلوب، وأقوى بيان، كما بينت سنة من سنن ~~الله فى خلقه، وهى أن من لا يأخذ بأسباب الهدى لا يهتدى، ومن لا يفتح ~~بصيرته للنور لا يراه، فتكون نهايته إلى الضلال، مهما تكن الآيات ~~والبينات الدالة على طريق الحق. # ثم فتحت السورة الكريمة للمكذبين باب الأمل والنجاة، فذكرتهم بقوم يونس ~~- عليه السلام - الذين نجوا من العذاب بسبب إيمانهم، كما ذكرتهم بإرادة ~~الله التامة، وقدرته النافذة، ودعتهم إلى الاعتبار والاتعاظ بما اشتمل ~~عليه هذا الكون. استمع إلى السورة الكريمة وهى تسوق كل ذلك وغيره ~~بأسلوبها البليغ المؤثر فتقول ms2598 { فلولا كانت قرية آمنت ~~فنفعهآ إيمانها... }. ### || [10.98-103] # قال القرطبى ما ملخصه " روى فى قصة يونس - عليه السلام - عن جماعة من ~~المفسرين، أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل - بالعراق - وكانوا ~~يعبدون الأصنام، فأرسل الله إليهم يونس يدعوهم إلى الإسلام، وترك ما هم ~~عليه فأبوا، فقيل إنه قام يدعوهم تسع سنين فيئس من إيمانهم. فقيل له ~~أخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ثلاث ففعل. وقالوا هو رجل لا يكذب فارقبوه، ~~فإن أقام معكم وبين أظهركم فلا عليكم، ون ارتحل عنكم، فهو نزول العذاب لا ~~شك.. فلما كان الليل تزود يونس وخرج عنهم، فأصبحوا فلم يجدوه، فآمنوا ~~وتابوا، ودعوا الله ولبسوا المسوح، وفرقوا بين الأمهات والأولاد من الناس ~~والبهائم، وردوا المظالم.. قال الزجاج إنهم لم يقع بهم العذاب، وإنما ~~رأوا العلامة التى تدل على العذاب، ولو رأوا العذاب لما نفعهم الإيمان ~~". وكلمة { لولا } فى قوله - سبحانه - { فلولا كانت قرية ~~آمنت... } للحث والتحضيض، فهى بمعنى هلا. والمقصود بالقرية أهلها وهم ~~أقوام الأنبياء السابقين، وهى اسم كان. وقوله { آمنت } خبرها. وقوله { ~~فنفعهآ إيمانها } معطوف على { آمنت }. والمعنى فهلا عاد ~~المكذبون إلى رشدهم وصوابهم، فآمنوا بالحق الذى جاءتهم به رسلهم، فنجوا ~~بذلك من عذاب الاستئصال الذى حل بهم فقطع دابرهم، كما نجا منه قوم يونس - ~~عليه السلام - فإنهم عندما رأوا أمارات العذاب الذى أنذرهم به نبيهم ~~آمنوا وصدقوا، فكشف الله عنهم هذا العذاب الذى كاد ينزل بهم، ومتعهم ~~بالحياة المقدرة لهم، إلى حين انقضاء آجالهم فى هذه الدنيا. قال الإمام ~~الشوكانى والاستثناء بقوله { إلا قوم يونس.. } منقطع، وهو ~~استثناء من القرية لأن المراد أهلها. والمعنى فهلا قرية واحدة من القرى ~~التى أهلكناها آمنت إيمانا معتدا به - وذلك بأن يكون خالصا لله - قبل ~~معاينة العذاب، ولم تؤخره كما أخره فرعون، لكن قوم يونس " لما آمنوا " ~~إيمانا معتدا به قبل معاينة العذاب، أو عند أول المعاينة قبل حلوله بهم " ~~كشفنا عنهم عذاب الخزى " أى الذل والهوان. وقيل يجوز أن يكون متصلا، ~~والجملة فى معنى النفى، كأنه قيل ms2599 " ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا ~~قوم يونس... " وقال الشيخ القاسمى ما ملخصه " وما يرويه بعض المفسرين ~~هنا من أن العذاب نزل عليهم، وجعل يدور على رءوسهم.. ونحو هذا، ليس له ~~أصل لا فى القرآن ولا فى السنة... وفى الآية إشارة إلى أنه لم توجد قرية ~~آمنت بأجمعها بنبيها المرسل إليها من سائر القرى، سوى قوم يونس. والبقية ~~دأبهم التكذيب، كلهم أو أكثرهم، كما قال - تعالى - # وكذلك مآ أرسلنا من قبلك في قرية من نذير ~~إلا قال مترفوهآ إنا وجدنآ آبآءنا على أمة ~~وإنا على آثارهم مقتدون # وفى الحديث الصحيح # " عرض على الأنبياء، فجعل النبى يمر ومعه الفئام من الناس - أى العدد ~~القليل - والنبى معه الرجل، والنبى معه الرجلان، والنبى ليس معه أحد ". # وفى الآية الكريمة - أيضا - تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - عما ~~أصابه من حزن بسبب إعراض قومه عن دعوته، وفيها كذلك تعريض بأهل مكة، ~~وإنذارهم من سوء عاقبة الإصرار على الكفر والجحود، وحض لهم على أن ~~يكونوا كقوم يونس - عليه السلام - الذين آمنوا قبل نزول العذاب فنفعهم ~~إيمانهم. ثم أضاف - سبحانه - إلى هذه التسلية لرسوله - صلى الله عليه ~~وسلم - تسلية أخرى فقال { ولو شآء ربك لآمن من في الأرض ~~كلهم جميعا... } ومفعول المشيئة محذوف والتقدير ولو شاء ربك - يا ~~محمد - إيمان أهل الأرض كلهم جميعا لآمنوا دون أن يتخلف منهم أحد، ولكنه ~~- سبحانه - لم يشأ ذلك، لأنه مخالف للحكمة التى عليها أساس التكوين ~~والتشريع، والإثابة والمعاقبة، فقد اقتضت حكمته - سبحانه - أن يخلق ~~الكفر والإيمان، وأن يحذر من الكفر ويحض على الإيمان، ثم بعد ذلك من ~~كفر فعليه تقع عقوبة كفره، ومن آمن فله ثواب إيمانه. والهمزة فى قوله - ~~سبحانه - { أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ~~} للاستفهام الإنكارى، والفاء للتفريع. والمراد بالناس المصرين على ~~كفرهم وعنادهم. والمعنى تلك هى مشيئتنا لو أردنا إنفاذها لنفذناها، ~~ولكننا لم نشأ ذلك فهل أنت يا محمد فى وسعك أن تكره الناس الذين لم يرد ~~الله هدايتهم على الإيمان؟ لا، ليس ذلك ms2600 فى وسعك ولا فى وسع الخلق جميعا، ~~بل الذى فى وسعك هو التبليغ لما أمرناك بتبليغه. وفى هذه الجملة الكريمة ~~تسلية أخرى للرسول - صلى الله عليه وسلم - ودفع لما يضيق به صدره، من ~~إعراض بعض الناس عن دعوته. وقوله - سبحانه - { وما كان لنفس أن ~~تؤمن إلا بإذن الله... } تأكيد لما اشتملت عليه الآية ~~السابقة من قدرة نافذة لله - تعالى - أى " وما صح وما استقام لنفس من ~~الأنفس، أن تؤمن فى حال من الأحوال، إلا بإذن الله " أى إلا بإرادته ~~ومشيئته وتوفيقه وهدايته. وقوله { ويجعل الرجس على الذين ~~لا يعقلون }. معطوف على محذوف يدل عليه الكلام السابق دلالة الضد ~~على الضد، والرجس يطلق على الشىء القبيح المستقذر. والمعنى وما كان لنفس ~~أن تؤمن إلا بإذن الله، فيأذن لمن يشاء من تلك الأنفس بالإيمان، ويجعل ~~الرجس أى الكفر وما يترتب عليه من عذاب على القوم الذين لم يستعملوا ~~عقولهم فيما يهدى إلى الحق والخير، بل استعملوها فيما يوصل إلى الأباطيل ~~والشرور. # ولما كان التأمل فى ملكوت السماوات والأرض، يعين على التفكير السليم، ~~وعلى استعمال العقل فيما يهدى إلى الحق والخير، أمر الله - تعالى - الناس ~~بالنظر والاعتبار فقال - سبحانه - { قل انظروا ماذا في ~~السماوات والأرض.. } أى قل - أيها الرسول الكريم - لقومك ~~انظروا وتأملوا وتفكروا فيما اشتملت عليه السماوات من شموس وأقمار، ~~وكواكب ونجوم، وسحاب وأمطار.. وفيما اشتملت عليه الأرض من زروع وأنهار، ~~ومن جبال وأشجار، ومن حيوانات ودواب متنوعة. انظروا إلى كل ذلك وتفكروا، ~~فإن هذا التفكر يهدى أصحاب العقول السليمة إلى أن لهذا الكون إلها واحدا ~~عليما قديرا، هو وحده المستحق للعبادة والطاعة. وقوله { وما تغني ~~الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون } توبيخ للغافلين عن ~~النظر السليم الذى يؤدى إلى الهداية. و { ما } نافية، والمراد بالآيات ما ~~أشار إليه - سبحانه - قبل ذلك بقوله { ماذا في السماوات ~~والأرض } والنذر جمع نذير، وهو من يخبر غيره بأمر مخوف حتى يحذره. ~~والمعنى انظرو وتفكروا واعتبروا بما فى السماوات والأرض من آيات بينات ~~دالة على وحدانية ms2601 الخالق وقدرته. ومع ذلك فإن الآيات مهما اتضحت، والنذر ~~مهما تعددت، لا تجدى شيئا، بالنسبة لمن تركوا الإيمان، وأصروا على ~~الجحود والعناد. ويجوز أن تكون { ما } للاستفهام الإنكارى، فيكون المعنى ~~وأى شىء تجدى الآيات السماوية والأرضية، والنذر بحججها وبراهينها، أمام ~~قوم جاحدين معاندين، قد استحبوا الكفر على الإيمان؟ ثم ساق - سبحانه - ~~للمكذبين برسوله - صلى الله عليه وسلم - تهديدا يخلع قلوبهم فقال { ~~فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من ~~قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين ~~}. قال القرطبى " الأيام هنا بمعنى الوقائع، يقال فلان عالم بأيام العرب ~~أى بوقائعهم قال قتادة يعنى وقائع الله فى قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، ~~والعرب تسمى العذاب أياما والنعم أياما، كقوله - تعالى - # وذكرهم بأيام الله # وكل ما مضى لك من خير أو شر فهو أيام ". والمعنى إذا كان الأمر كما ~~قصصنا عليك من إثابتنا للمؤمنين، وجعل الرجس على الذين لا يعقلون، فهل ~~ينتظر هؤلاء المكذبين لدعوتك، إلا العذاب الذى نزل بالمكذبين لدعوة الرسل ~~من قبلك؟ فالاستفهام للتهكم والتقريع. وقوله { قل فانتظروا ~~إني معكم من المنتظرين } أمر من الله - تعالى - لنبيه - ~~صلى الله عليه وسلم - بأن يستمر فى تهديدهم ووعيدهم. أى قل - يا محمد - ~~لهؤلاء الجاحدين للحق الذى جئت به إذا فانتظروا العذاب الذى نزل ~~بالسابقين من أمثالكم، وإنى معكم من المنتظرين لوعد ربى لى، ولوعيده لكم. ~~ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة ببيان سنة من سننه التى لا تتخلف ~~ولا تتبدل فقال { ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا ~~كذلك حقا علينا ننج المؤمنين }. # والجملة الكريمة عطف على محذوف، والتقدير تلك سنتنا فى خلقنا نهلك الأمم ~~المكذبة { ثم ننجي رسلنا } الذين أرسلناهم لإخراج الناس من ~~ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وننجى - أيضا - الذين آمنوا برسلنا ~~وصدقوهم وقوله { كذلك حقا علينا ننج المؤمنين } الكاف ~~فى { كذلك } بمعنى مثل، وهى صفة لمصدر محذوف، واسم الإشارة يعود على ~~الإتجاه الذى تكفل الله به للرسل السابقين ولمن آمن بهم ولفظ { حقا } ~~منصوب بفعل مقدر أى حق ذلك علينا حقا أى ms2602 مثل ذلك الإنجاء الذى تكفلنا به ~~لرسلنا ولمن آمن بهم، ننج المؤمنين بك - أيها الرسول الكريم -، ونعذب ~~المصرين على تكذيبك، وهذا وعد أخذناه على ذاتنا فضلا منا وكرما. # سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد ~~لسنتنا تحويلا # وبذلك ترى الآيات الكريمة قد حضت الضالين على الاقتداء بقوم يونس - عليه ~~السلام - لكى ينجوا من العذاب، وذكرتهم بنفاذ إرادة الله وقدرته، ودعتهم ~~إلى التفكر فى ملكوت السماوات والأرض، وأخبرتهم بأن سنة الله ماضية فى ~~إنجاء المؤمنين، وفى إهلاك المكذبين. وبعد هذا الحديث المتنوع الذى زخرت ~~به سورة يونس - عليه السلام - عن وحدانية الله وقدرته، وعن صدق الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم -، وعن النفس الإنسانية وأحوالها، وعن يوم القيامة ~~وأهوالها.. بعد كل ذلك وجهت فى ختامها نداءين إلى الناس أمرتهم فيهما ~~بإخلاص العبادة لله - تعالى - وبالاعتماد عليه وحده، وبتزكية نفوسهم.. ~~استمع إلى السورة الكريمة فى ختامها وهى تقول { قل يأيها الناس ~~إن كنتم... } ### || [10.104-109] # والمعنى { قل } أيها الرسول الكريم، لجميع من ارتاب فى دينك. { ~~يأيها الناس إن كنتم في شك من ديني } الذى جئتكم به ~~من عند الله - تعالى -، وترغبون فى تحويلى عنه، فاعلموا أنى برئ من شككم ~~ومن أديانكم التى أنتم عليها. وما دام الأمر كذلك، فأنا " لا أعبد الذين ~~تعبدون من دون الله " من آلهة باطلة فى حال من الأحوال. { ولكن ~~أعبد الله } - تعالى - الذى خلقكم و { الذي يتوفاكم } ~~عند انقضاء آجالكم، ويعاقبكم على كفركم. وقوله { وأمرت أن أكون ~~من المؤمنين } تأكيد لإخلاص عبادته - صلى الله عليه وسلم - لله ~~وحده. أى وأمرت من قبل خالقى - عز وجل - بأن أكون من المؤمنين بأنه لا ~~معبود بحق سواه. وأوثر الخطاب باسم الجنس " الناس " مع تصديره بحرف ~~التنبيه، تعميما للخطاب، وإظهارا لكمال العناية بشأن المبلغ إليهم. وعبر ~~عن شكهم " بإن " المفيدة لعدم اليقين، مع أنهم قد شكوا فعلا فى صحة هذا ~~الدين بدليل عدم إيمانهم به، تنزيلا للمحقق منزلة المشكوك فيه، وتنزيها ~~لساحة هذا الدين عن أن يتحقق الشك فيه من أى ms2603 أحد، وتوبيخا لهم على وضعهم ~~الأمور فى غير مواضعها. وقدم - سبحانه - ترك عبادة الغير على عبادته - عز ~~وجل -، إيذانا بمخالفتهم من أول الأمر، ولتقديم التخلية على التحلية. ~~وتخصيص التوفى بالذكر، للتهديد والترهيب، أى ولكن أعبد الله الذى يتوفاكم ~~فيفعل بكم ما يفعل من العذاب الشديد، ولأنه أشد الأحوال مهابة فى القلوب. ~~وقوله { وأن أقم وجهك للدين حنيفا... } معطوف على قوله ~~{ أن أكون من المؤمنين }. و { حنيفا } حال من الدين أو من ~~الوجه، والحنيف هو المائل عن كل دين من الأديان إلى دين الإسلام. وخص ~~الوجه بالذكر، لأنه أشرف الأعضاء. والمعنى أن الله - سبحانه - أمره ~~بالاستقامة فى الدين. والثبات عليه، وعدم التزلزل عنه بحال من الأحوال. ~~قال الآلوسى " إقامة الوجه للدين، كناية عن توجيه النفس بالكلية إلى ~~عبادته - تعالى -، والإعراض عما سواه، فإن من أراد أن ينظر إلى شىء نظر ~~استقصاء، يقيم وجهه فى مقابلته، بحيث لا يلتفت يمينا ولا شمالا، إذ لو ~~التفت بطلت المقابلة، فلذا كنى به عن صرف العمل بالكلية إلى الدين، ~~فالمراد بالوجه الذات. أى " اصرف ذاتك وكليتك للدين... ". وقوله - تعالى ~~- { ولا تكونن من المشركين } تأكيد للأمر بإخلاص العبادة ~~لله - تعالى - وحده. وهو معطوف على { أقم }. أى استقم على ما أنت عليه من ~~إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده واثبت على ذلك، ولا تكونن من الذين ~~أشركوا مع الله آلهة أخرى. # ثم أضاف - سبحانه - إلى ذلك تأكيدا آخر فقال { ولا تدع من دون ~~الله ما لا ينفعك ولا يضرك }. أى ولا تدع من دون الله فى ~~أى وقت من الأوقات { ما لا ينفعك } إذا دعوته لدفع مكروه أو جلب ~~محبوب { ولا يضرك } إذا تركته وأهملته. { فإن فعلت } شيئا ~~مما نهيناك عنه { فإنك إذا } تكون { من الظالمين } الذين ~~ظلموا أنفسهم بإيرادها مورد المهالك، لإشراكها مع الله - تعالى - آلهة ~~أخرى. ثم بين - سبحانه - أنه وحده هو الضار والنافع فقال { وإن ~~يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن ~~يردك بخير فلا رآد لفضله يصيب به من يشآء ~~من عباده ms2604 وهو الغفور الرحيم }. " المس " أعم من اللمس ~~فى الاستعمال، يقال مسه السوء والكبر والعذاب والتعب، أى أصابه ذلك ونزل ~~به. والضر اسم للألم والحزن وما يفضى إليهما أو إلى أحدهما، كما أن النفع ~~اسم للذة والسرور وما يفضى إليهما أو إلى أحدهما. والخير اسم لكل ما كان ~~فيه منفعة أو مصلحة حاضرة أو مستقبلة. والمعنى { وإن يمسسك ~~الله بضر } كمرض وتعب وحزن، فلا كاشف له، أى لهذا الضر { إلا ~~هو } - سبحانه -. { وإن يردك بخير } كمنحة وغنى وقوة { فلا ~~رآد لفضله } أى فلا يستطيع أحد أن يرد هذا الخير عنك. وعبر - ~~سبحانه - بالفضل مكان الخير للإرشاد إلى تفضله على عباده بأكثر مما ~~يستحقون من خيرات. وقوله { يصيب به من يشآء من عباده } أى ~~يصيب بذلك الفضل والخير { من يشآء } إصابته { من عباده }. { ~~وهو الغفور الرحيم } أى وهو الكثير المغفرة والرحمة لمن تاب ~~إليه، وتوكل عليه، وأخلص له العبادة. وفى معنى هذه الآية جاء قوله - ~~تعالى - # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز ~~الحكيم # وقال ابن كثير " وروى ابن عساكر عن أنس قال قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - # " اطلبوا الخير دهركم كله، وتعرضوا لنفحات ربكم، فإن لله نفحات من ~~رحمته، يصيب بها من يشاء من عباده، واسألوه أن يستر عوراتكم، ويؤمن ~~روعاتكم ". # ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بنداء آخر - أمر رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يوجهه للناس فقال { قل يأيها الناس قد ~~جآءكم الحق من ربكم... }. أى قل - يا أيها الرسول الكريم ~~- مخاطبا جميع الناس، سواء منهم من سمع نداءك أو من سيبلغه هذا النداء من ~~بعدك قل لهم جميعا { قد جآءكم الحق } المتمثل فى كتاب الله وفى ~~سنتى { من ربكم } وليس من أحد سواه. # { فمن اهتدى } إلى هذا الحق، وعمل بمقتضاه { فإنما ~~يهتدي لنفسه } أى فإنما تكون منفعة هدايته لنفسه لا لغيره. { ~~ومن ضل } عن هذا الحق وأعرض عنه { فإنما يضل عليها } ~~أى فإنما يكون وبال ضلاله ms2605 على نفسه. { ومآ أنا عليكم بوكيل ~~} أى بحفيظ يحفظ أموركم، وإنما أنا بشير ونذير والله وحده هو الذى يتولى ~~محاسبتكم على أعمالكم. ثم أمره - سبحانه - باتباع ما أوحاه إليه فقال { ~~واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله ~~وهو خير الحاكمين }. أى { واتبع } - أيها الرسول الكريم - ~~فى جميع شئونك { ما يوحى إليك } من ربك من تشريعات حكيمة، وآداب ~~قويمة.. { واصبر } على مشاق الدعوة وتكاليفها... { حتى يحكم ~~الله } بينك وبين قومك، { وهو خير الحاكمين }. لأنه هو ~~العليم بالظواهر والبواطن، وهو الذى لا معقب لحكمه. وبعد فهذه هى سورة ~~يونس - عليه السلام - رأينا ونحن نفسرها كيف أقامت الأدلة على وحدانية ~~الله - عز وجل - وعلى كمال قدرته، وشمول علمه، ونفاذ إرادته، وسعة رحمته، ~~وسمو عزته.. وكيف أنها أقامت الأدلة - أيضا - على صدق الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - فيما يبلغه عن ربه، وعلى أن هذا القرآن من عنده - سبحانه. ~~وكيف أنها ساقت الأدلة على أن يوم القيامة حق، وعلى أحوال الناس فيه، مما ~~يرقق القلوب القاسية، ويبعث فى النفوس الخشية وحسن الاستعداد لهذا اليوم ~~الهائل الشديد، وكيف أنها ساقت جانبا من أحوال بعض الأنبياء مع أممهم، ~~وقررت سنة من سنن الله التى لا تتخلف، وهى نجاة رسل الله والمؤمنين بهم، ~~وجعل الرجس على الذين لا يعقلون. وكيف أنها بينت أحوال الناس فى السراء ~~والضراء... بيانا صادقا قويا مؤثرا، من شأنه أن يحملهم على التحلى ~~بالأخلاق الكريمة والتخلى عن الأخلاق الذميمة. ### | [11 - سورة هود] ### || [11.1-5] # سورة هود - عليه السلام - من السور التى افتتحت ببعض حروف التهجى، وقد ~~سبق أن تكلمنا بشىء من التفصيل عند تفسيرنا لسور البقرة، وآل عمران، ~~والأعراف، ويونس، عن آراء العلماء فى المراد بهذه الحروف المقطعة التى ~~افتتحت بها بعض السور. ورجحنا أن هذه الحروف المقطعة، قد وردت فى افتتاح ~~بعض سور القرآن، على سبيل الإيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن. فكأن ~~الله - تعالى - يقول لأولئك المعارضين فى أن القرآن من عند الله - تعالى ~~- هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ms2606 ما تؤلفون به كلامكم، ~~ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم، فإن ~~كنتم فى شك من كونه منزلا من عند الله فهاتوا مثله، وادعوا من شئتم من ~~الخلق لكى يعاونكم فى ذلك، أو هاتوا عشر سور من مثله، أو هاتوا سورة ~~واحدة. فلما عجزوا - وهم أهل الفصاحة والبيان - ثبت أن غيرهم أعجز، وأن ~~هذا القرآن من عند الله، { ولو كان من عند غير الله ~~لوجدوا فيه اختلافا كثيرا }. وقوله { أحكمت آياته ~~} من الإحكام - بكسر الهمزة - وهذه المادة تستعمل فى اللغة لمعان ~~متعددة، ترجع إلى شئ واحد هو المنع. يقال أحكم الأمر. أى أتقنه ومنعه من ~~الفساد. أى منع نفسه ومنع الناس عما لا يليق ويقال أحكم الفرس، إذا جعل ~~له حكمة تمنعه من الجموح والاضطراب. وقوله { ثم فصلت } من ~~التفصيل، بمعنى التوضيح والشرح للحقائق والمسائل المراد بيانها، بحيث لا ~~يبقى فيها اشتباه أو لبس. والمعنى هذا الكتاب الذى أنزلناه إليك يا محمد، ~~هو كتاب عظيم الشأن، جليل القدر، فقد أحكم الله آياته إحكاما بديعا، ~~وأتقنها إتقانا معجزا، بحيث لا يتطرق إليها خلل فساد. ثم فصل - سبحانه - ~~هذه الآيات تفصيلا حكيما، بأن أنزلها نجوما، وجعلها سورا سورا، مشتملة ~~على ما يسعد الناس فى دنياهم وآخرتهم، من شئون العقائد، والعبادات، ~~والمعاملات، والآداب، والأحكام. قال صاحب الكشاف ما ملخصه { أحكمت ~~آياته } أى نظمت نظما رصينا محكما، بحيث لا يقع فيه نقض ولا خلل، ~~كالبناء المحكم المرصف.. وقيل منعت من الفساد، من قولهم أحكمت الدابة، ~~إذا وضعت عليها الحكمة لتمنعها من الجماح، قال جرير # أبنى حنيفة أحكموا سفاءكم إنى أخاف عليكم أن أغضبا # { ثم فصلت } كما تفصل القلائد بالفرائد، ومن دلائل التوحيد ~~والأحكام والمواعظ والقصص، أو جعلت فصولا سورة سورة، وآية آية، أو فرقت ~~فى التنزيل ولم تنزل جملة واحدة ". و { ثم } فى قوله - سبحانه - " ثم ~~فصلت " للتراخى فى الرتبة كما هو شأنها فى عطف الجمل، لما فى التفصيل من ~~الاهتمام لدى النفوس، لأن العقول ترتاح إلى التفصيل بعد ms2607 الإجمال، ~~والتوضيح بعد الإيجاز. # وجملة { من لدن حكيم خبير } صفة أخرى للكتاب، وصف بها، ~~لإظهار شرفه من حيث مصدره، بعد أن وصف بإحكام آياته وتفصيلها الدالين ~~على علو مرتبته من حيث الذات أى هذا الكتاب الذى أتقنت آياته إتقانا ~~بديعا، وفصلت تفصيلا رصينا، ليس هو من عند أحد من الخلق، وإنما هو من عند ~~الخلق الحكيم فى كل أقواله وأفعاله، الخبير بظواهر الأمر وبواطنها. قال ~~الشوكانى وفى قوله { من لدن حكيم خبير } لف ونشر، لأن المعنى ~~أحكمها حكيم، وفصلها خبير، عالم بمواقع الأمور. وقوله { ألا ~~تعبدوا إلا الله } جملة تعليلية، أى أنه - سبحانه - فعل ما ~~فعل من إحكام الكتاب وتفصيله وتنزيله من لدن حكيم خبير، لكى تخلصوا له ~~العبادة والطاعة، وتتركوا عبادة غيره لأن من أنزل هذا الكتاب المعجز، من ~~حقه أن يفرد بالخضوع والاستعانة. وقوله { إنني لكم منه ~~نذير وبشير } بيان لوظيفة الرسول - صلى الله عليه وسلم -. والضمير ~~المجرور فى " منه " يعود على الله - تعالى -. أى عليكم - أيها الناس - أن ~~تخلصوا لله - تعالى - العبادة والطاعة، فإنه - سبحانه - قد أرسلنى إليكم ~~لكى أنذر الذين فسقوا عن أمره بسوء العاقبة، وأبشر الذين استجابوا لدعوته ~~بحسن المثوبة. وقدم - سبحانه - الإنذار على التبشير لأن الخطاب موجه إلى ~~الكافرين، الذين أشركوا مع الله آلهة أخرى. قال بعضهم " والجمع بين ~~النذارة والبشارة، لمقابلة ما نضمته الجملة الأولى من طلب ترك عبادة غير ~~الله. بطريق النهى، وطلب عبادة الله بطريق الاستثناء، فالنذارة ترجع إلى ~~الجزء الأول، والبشارة ترجع إلى الجزء الثانى ". ثم بين - سبحانه - ما ~~يترتب على طاعته من خيرات فقال { وأن استغفروا ربكم ثم ~~توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل ~~مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله.. }. والاستغفار طلب ~~المغفرة والرحمة من الله - تعالى -. والتوبة الإقلاع عن كل ما نهى الله، ~~مع التصميم على عدم العودة إلى ذلك فى المستقبل. ويمتعكم من الإمتاع، ~~وأصل الإمتاع الإطالة، ومنه أمتعنا الله بك أى أطال لنا بقاءك. والآية ~~الكريمة معطوفة على قوله - سبحانه - قبل ذلك { ألا تعبدوا ~~إلا ms2608 الله.. }. والمعنى وعليكم - أيها الناس - بعد أن نبذتم كل ~~عبادة لغير الله، أن تديموا طلب مغفرته ورحمته، وأن تتوبوا إليه توبة ~~نصوحا، فإنكم إن فعلتم ذلك { يمتعكم } الله - تعالى - { متاعا ~~حسنا } بأن يبدل خوفكم أمنا، وفقركم غنى، وشقاؤكم سعادة. قوله { ~~إلى أجل مسمى } أى إلى نهاية حياتكم التى قدرها الله لكم فى ~~هذه الدنيا. وقوله { ويؤت كل ذي فضل فضله } أى ويعط كل ~~صاحب عمل صالح جزاء عمله. # فالمراد بالفضل الأول العمل الصالح. والمراد بالفضل الثانى الثواب ~~الجزيل من الله - تعالى -. فالجملة الكريمة، وعد كريم عن الله - تعالى - ~~لكل من آمن وعمل صالحا. وجملة { ثم توبوا إليه } معطوفة على ~~استغفروا. و { ثم } هنا على بابها من التراخى، لأن الإنسان يستغفر أولا ~~ربه من الذنوب، ثم يتوب إليه التوبة الصادقة النصوح التى لا رجعة معها ~~إلى ارتكاب الذنوب مرة أخرى. ووصف المتاع بالحسن، ليدل على أنه عطاء ليس ~~مشوبا بالمكدرات والمنغصات التى تقلق الإنسان فى دنياه، وإنما هو عطاء ~~يجعل المؤمن يتمتع بنعم الله التى أسبغها عليه، مع المداومة على شكره - ~~سبحانه - على هذه النعم. قال - تعالى - # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم ~~بأحسن ما كانوا يعملون # ثم حذر - سبحانه - من الإعراض عن طاعته فقال { وإن تولوا ~~فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير }. أى ذكرهم أيها ~~الرسول الكريم بأن فى إخلاصهم العبادة لله، وفى طاعتهم له، سعادتهم ~~الدنيوية والأخروية، وفى إعراضهم عن ذلك شقاؤهم وحلول العذاب بهم. أى إن ~~تتولوا - أيها الناس - عن الحق الذى جئتكم به، فإنى أخاف عليكم عذاب يوم ~~القيامة، الذى هو عذاب كبير هوله، عظيم وقعه، كما أخاف عليكم عذاب ~~الدنيا. فتنكير { يوم } للتهويل والتعميم، حتى يشمل عذاب الدنيا وعذاب ~~الآخرة، حيث إنهم كانوا ينكرون البعث والحساب، فتخويفهم بالعذابين أزجر ~~لنفوسهم القاسية، وقلوبهم العاتية. وفى وصفه بالكبر، زيادة - أيضا - فى ~~تهويله وشدته، حتى يثوبوا إلى رشدهم، ويقلعوا عن غيهم وعنادهم. وقوله - ~~سبحانه - { إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء ms2609 ~~قدير } تحذير آخر لهم، إثر التحذير من الإعراض عما جاءهم به نبيهم - ~~صلى الله عليه وسلم -. والمرجع مصدر ميمى بمعنى الرجوع الذى لا انفكاك ~~لهم منه، ولا محيد لهم عنه. أى إلى الله - تعالى - وحده رجوعكم مهما طالت ~~حياتكم، ليحاسبكم على أعمالكم، ويجازيكم عليها بما تستحقونه من جزاء، وهو ~~- سبحانه - على كل شيء قدير، لا يعجزه أمر ولا يحول بينه وبين نفاذ ~~إرادته حائل. وما دام الأمر كذلك، فأخلصوا لله العبادة، واستغفروه ثم ~~توبوا إليه لتظفروا بالسعادة العاجلة والآجلة. ثم حكى - سبحانه - جانبا ~~من جهالات المنحرفين عن الحق، ومن أوهامهم الباطلة فقال - تعالى - { ألا ~~إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين ~~يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون ~~إنه عليم بذات الصدور }. وقوله { يثنون } من الثنى ~~بمعنى الطى والستر. يقال ثنيت الثوب إذا طويته على ما فيه من الأشياء ~~المستورة. وثنى الصدور إمالتها وطأطأتها وحنيها بحيث تكون القامة غير ~~مستقيمة، والاستخفاء محاولة الاختفاء عن الأعين، ومنه قوله - تعالى - # يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو ~~معهم.. # وقوله { يستغشون ثيابهم.. } أى يتدثرون ويتغطون بها، مبالغة ~~فى الاستخفاء عن الأعين. فالسين والتاء فيه للتأكيد، كما فى قوله - تعالى ~~- # واستغشوا ثيابهم... # أى جعلوها كالغشاء عليهم. وقد ذكر بعض المفسرين فى سبب نزول هذه الآية ~~روايات منها أنه كان الرجل من الكفار يدخل بيته، ويرخى ستره، ويحنى ظهره، ~~ويتغشى بثوبه ثم يقول هل يعلم الله ما فى قلبى فنزلت هذه الآية. وقيل ~~نزلت فى المنافقين، كان أحدهم إذا مر بالنبى - صلى الله عليه وسلم - ثنى ~~صدره، وتغشى بثوبه لئلا يراه. وقيل " نزلت فى الأخنس بن شريق، وكان رجلا ~~حلو المنطق، حسن السياق للحديث، يظهر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~المحبة، ويضمر فى قلبه ما يضادها.. " وعلى أية الحال فإن الآية الكريمة ~~تصور تصويرا بديعا جهالات بعض الضالين بعلم الله - تعالى - المحيط بكل ~~شىء، كما تصور تصويرا دقيقا أوضاعهم الحسية حين يأوون إلى فراشهم، وحين ~~يلتقون بالنبى - صلى الله عليه وسلم -. والضمير المجررو ms2610 فى قوله { منه } ~~يعود إلى الله - تعالى - وعليه يكون المعنى ألا إن هؤلاء المشركين يلوون ~~صدورهم عن الحق الذى جاءهم به نبيهم - صلى الله عليه وسلم - توهما متهم ~~أن فعلهم هذا يخفى على الله - تعالى -. ومنهم من يرى أن الضمير فى قوله { ~~منه } يعود إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - وعليه يكون المعنى ألا إن ~~هؤلاء المشركين يعرضون عن لقاء النبى - صلى الله عليه وسلم - ويطأطئون ~~رءوسهم عند رؤيته، ليستخفوا منه، حتى لا يؤثر فيهم بسحر بيانه. ومع أن ~~كلا القولين له وجاهته وله من سبب النزول ما يؤيده، إلا أننا نميل إلى ~~كون الضمير يعود على الله - تعالى - لأن قوله - بعد ذلك { يعلم ما ~~يسرون وما يعلنون } يؤيد عودة الضمير إليه - سبحانه - إذ علم ~~السر والعلن مرده إليه وحده. وافتتحت الآية الكريمة بحرف التنبيه { ألا } ~~وجئ به مرة أخرى فى قوله { ألا حين يستغشون ثيابهم.. } ~~للاهتمام بمضمون الكلام، وللفت أنظار السامعين إلى ما بلغه هؤلاء الضالون ~~من جهل وانطماس بصيرة. ثم بين - سبحانه - أنه لا يخفى عليه شئ من أحوالهم ~~فقال { ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون ~~وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور }. أى ألا يعلم ~~هؤلاء الجاهلون أنهم حين يأوون إلى فراشهم، ويتدثرون بثيابهم، يعلم الله ~~- تعالى - ما يسرونه فى قلوبهم من أفكار، وما يعلنونه بأفواههم من أقوال، ~~لأنه - سبحانه - محيط بما تضمره النفوس من خفايا، وما يدور بها من أسرار. # وجملة { إنه عليم بذات الصدور } تعليلية لتأكيد ما قبلها ~~من علمه - سبحانه - بالسر والعلن. والمراد بذات الصدور الأسرار المستكنة ~~فيها. هذا، وقد ذكر ابن كثير رواية أخرى فى سبب نزول هذه الآية فقال قال ~~ابن عباس كانوا يكرهون أن يستقبلوا السماء بفروجهم وحال وقاعهم، فأنزل ~~الله هذه الآية رواه البخارى من حديث ابن جريج. وفى لفظ آخر له قال ابن ~~عباس " أناس كانوا يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء، وأن يجامعوا ~~نساءهم فيفضوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم... " وظاهر من هذا الكلام ~~المنقول عن ابن عباس ms2611 أنها نزلت فى شأن جماعة من المسلمين هذا شأنهم، ولعل ~~مراده أن الآية تنطبق على صنيعهم وليس فعلهم هو سبب نزولها، لأن الآية ~~مسوقة للتوبيخ والذم، والذين يستحقون ذلك هم أولئك المشركون وأشباههم ~~الذين أعرضوا عن الحق، وجهلوا صفات الله - تعالى -. قال الجمل بعد أن ذكر ~~قول ابن عباس " وتنزيل الآية على هذا القول بعيد جدا، لأن الاستحياء من ~~الجماع وقضاء الحاجة فى حال كشف العورة إلى جهة السماء، أمر مستحسن شرعا، ~~فكيف يلام عليه فاعله ويذم بمقتضى سياق الآية ". وإذا فالذى يستدعيه ~~السياق ويقتضيه ربط الآيات، كون الآية فى ذم المشركين ومن على شاكلتهم من ~~المنحرفين عن الطريق المستقيم. ثم ساق - سبحانه - ما يدل على كمال قدرته، ~~وسابغ فضله، وشمول علمه فقال - تعالى - { وما من دآبة في ~~الأرض... }. ### || [11.6-7] # قال الآلوسى ما ملخصه الدابة اسم لكل حيوان ذى روح، ذكرا كان أو أنثى، ~~عاقلا أو غيره، مأخوذ من الدبيب وهو فى الأصل المشى الخفيف.. واختصت فى ~~العرف بذوات القوائم الأربع. والمراد بها هنا المعنى اللغوى باتفاق ~~المفسرين... " قال - تعالى - # والله خلق كل دآبة من مآء فمنهم من يمشي ~~على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم ~~من يمشي على أربع يخلق الله ما يشآء إن ~~الله على كل شيء قدير # والمراد برزقها طعامها وغذاؤها الذى به قوام حياتها. والمعنى وما من ~~حيوان يدب على الأرض، إلا على الله - تعالى - غذاؤه ومعاشه، فضلا منه - ~~سبحانه - وكرما على مخلوقاته. وقدم - سبحانه - الجار والمجرور { على ~~الله } على متعلقه وهو { رزقها } لإفادة القصر. أى على الله وحده ~~لا على غيره رزقها ومعاشها. وكون رزقها ومعاشها على الله - تعالى - لا ~~ينافى الأخذ بالأسباب، والسعى فى سبيل الحصول على وسائل العيش، لأنه - ~~سبحانه - وإن كان قد تكفل بأرزاق خلقه، إلا أنه أمرهم بالاجتهاد فى ~~استعمال كافة الوسائل المشروعة من أجل الحصول على ما يغنيهم ويسد حاجتهم. ~~قال - تعالى - # هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في ~~مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور # وجملة { ويعلم مستقرها ms2612 ومستودعها } بيان لشمول علمه ~~- سبحانه - لكل شئ فى هذا الكون. والمستقر والمستودع اسما مكان لمحل ~~الاستقرار والإيداع للدابة فى هذا الكون، سواء أكان ذلك فى الأصلاب أم ~~فى الأرحام أم فى القبور أم فى غيرها. قال الشوكانى أخرج عبد الرزاق وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس فى قوله { ~~ويعلم مستقرها } قال حيث تأوى. ومستودعها قال حيث تموت. ~~وأخرج ابن أبى شيبة وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن مسعود ~~قال مستقرها فى الأرحام ومستودعها حيث تموت. قال ويؤيد هذا التفسير الذى ~~ذهب إليه ابن مسعود ما أخرجه الترمذى الحكيم فى نوادر الأصول والحاكم ~~وصححه وابن مردويه والبيهقى فى الشعب عن ابن مسعود عن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - قال # " إذا كان أجل أحدكم بأرض، أتيحت له إليها حاجة، حتى إذا بلغ أقصى أثره ~~منها فيقبض، فتقول الأرض يوم القيامة هذا ما استودعتنى ". # وقوله { كل في كتاب مبين } تذييل قصد به بيان دقة علمه - ~~سبحانه - بعد بيان شمول هذا العلم وإحاطته بكل شئ. والتنوين فى { كل } هو ~~تنوين العوض، أى كل ما يتعلق برزق هذه الدواب ومستقرها ومستودعها مسجل فى ~~كتاب مبين، أى فى كتاب واضح جلى ظاهر فى علم الله - سبحانه -، بحيث لا ~~يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وهذا الكتاب هو اللوح المحفوظ. # ثم ساق - سبحانه - ما يشهد بعظيم قدرته فقال - تعالى - { وهو الذي ~~خلق السماوات والأرض في ستة أيام... }. والأيام جمع ~~يوم، والمراد به هنا مطلق الوقت الذى لا يعلم مقداره إلا الله - تعالى -. ~~أى وهو - سبحانه - الذى أنشأ السماوات والأرض وما بينهما، على غير مثال ~~سابق، فى ستة أيام من أيامه - تعالى -، التى لا يعلم مقدار زمانها إلا ~~هو. وقيل أنشأهن فى مقدار ستة أيام من أيام الدنيا. قال سعيد بن جبير - ~~رضى الله عنه - كان الله قادرا على خلق السماوات والأرض وما بينهما فى ~~لمحة ولحظة، فخلقهن فى ستة أيام، تعليما لعباده التثبت والتأنى فى ~~الأمور. وقد جاءت آيات ms2613 تدل على أنه - سبحانه - خلق الأض فى يومين، وخلق ~~السماوات فى يومين وخلق ما بينهما فى يومين، وهذه الآيات هى قوله - تعالى ~~- # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين. ~~وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين. ~~ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا ~~طآئعين. فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى ~~في كل سمآء أمرها... # وجملة { وكان عرشه على المآء } اعتراضية بين قوله { خلق ~~السماوات والأرض } وبين { ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا } ويجوز أن تكون حالية من فاعل خلق وهو الله - تعالى - وعرش الله ~~- تعالى - من الألفاظ التى لا يعلمها البشر إلا بالاسم. وقد جاء ذكر ~~العرش فى القرآن الكريم إحدى وعشرين مرة. ونحن مكلفون بأن نؤمن بأن له - ~~سبحانه - عرشا، أما كيفيته فنفوض علمها إليه - تعالى -. والمعنى أن الله ~~- تعالى - خلق السماوات والأرض فى ستة أيام، وكان عرشه قبل خلقهما ليس ~~تحته شئ سوى الماء. قالوا وفى ذلك دليل على أن العرش والماء كانا موجودين ~~قبل وجود السماوات والأرض. قال القرطبى قوله { وكان عرشه على ~~المآء } بين - سبحانه - أن خلق العرش والماء، كان قبل خلق الأرض ~~والسماء... ثم قال وروى البخارى عن عمران بين حصين قال كنت عند النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه قوم من بنى تميم فقال # " " اقبلوا البشرى يا بنى تميم " قالوا بشرتنا فأعطنا. فدخل ناس من أهل ~~اليمن فقالوا جئنا لنتفقه فى الدين، ولنسألك عن هذا الدين ونسألك عن أول ~~هذا الأمر. قال " إن الله ولم يكن شئ غيره، وكان عرشه على الماء. ثم خلق ~~السماوات والأرض، وكتب فى الذكر كل شئ " ". # وقال ابن كثير بعد هذا الحديث وغيره وفى صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ~~ابن العاص قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف ~~سنة، وكان عرشه على ms2614 الماء ". # وروى الإمام أحمد عن لقيط بن عامر العقبلى قال قلت يا رسول الله، أين ~~كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال كان فى عماء، ما تحته هواء، وما فوقه ~~هواء، ثم خلق العرش بعد ذلك. والعماء السحاب الرقيق، أى فوق سحاب مدبرا ~~له، وعاليا عليه. والسحاب ليس تحته سوى الهواء، وليس فوقه سوى الهواء. ~~والمراد أنه ليس مع الله - تعالى - شئ آخر. وقوله - سبحانه - { ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا } جملة تعليلية. ويبلوكم من ~~الابتلاء بمعنى الاختبار والامتحان. أى خلق ما خلق من السماوات والأرض ~~وما فيهما من كائنات، ورتب فيهما جميع ما تحتاجون إليه من أسباب معاشكم، ~~ليعاملكم معاملة من يختبر غيره، ليتميز المحسن من المسئ، والمطيع من ~~العاصى، فيجازى المسحنين والطائعين بما يستحقون من ثواب، ويعاقب المسيئين ~~والعاصين بما هم أهله من عقاب. قال صاحب الكشاف فإن قلت كيف قيل { ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا } وأعمال المؤمنين هى التي ~~تتفاوت إلى حسن وأحسن، فأما أعمال المؤمنين والكافرين فتفاوتها إلى حسن ~~وقبيح؟ قلت الذين هم أحسن عملا هم المتقون وهم الذين استبقوا إلى تحصيل ~~ما هو مقصود الله - تعالى - من عباده، فخصهم بالذكر، وطرح ذكر من وراءهم، ~~تشريفا لهم، وتنبيها على مكانهم منه، وليكون ذلك لطفا للسامعين، وترغيبا ~~فى حيازة فضلهم. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان موقف الكافرين من ~~البعث والحساب فقال { ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد ~~الموت ليقولن الذين كفروا إن هذآ إلا سحر ~~مبين }. أى ولئن قلت يا محمد لهؤلاء الكافرين الذين أرسلك الله ~~لإخراجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، لئن قلت لهم { إنكم ~~مبعوثون } يوم القيامة { من بعد الموت } الذى سيدرككم فى ~~هذه الدنيا عند نهاية آجالكم { ليقولن } لك هؤلاء الكافرون على ~~سبيل الأنكار والتهكم ما هذا الذى تقوله يا محمد { إلا سحر ~~مبين } أى إلا سحر واضح جلى ظاهر لا لبس فيه ولا غموض. وقرأ حمزة ~~والكسائى وخلف { إلا سحر مبين } فتكون الإشارة بقوله { هذا } ~~إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أى أنه فى ms2615 زعمهم يقول كلاما ليسحرهم ~~به، وليصرفهم عما كان عليه آباؤهم وأجدادهم. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ~~لونا من ألوان غرور المشركين، كما بين أحوال بعض الناس فى حالتى السراء ~~والضراء فقال - تعالى - { ولئن أخرنا عنهم العذاب... } ### || [11.8-11] # قال القرطبى ما ملخصه الأمة اسم مشترك يقال على ثمانية أوجه فالأمة تكون ~~الجماعة، كقوله - تعالى - # وجد عليه أمة من الناس.. # والأمة أيضا أتباع الأنبياء عليهم السلام، والأمة الرجل الجامع للخير ~~الذى يقتدى به، كقوله - تعالى - # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا # والأمة الدين والملة، كقوله - تعالى - # إنا وجدنآ آبآءنا على أمة # والأمة الحين والزمان كقوله - تعالى - # وادكر بعد أمة # والأمة القامة وهو طول الإنسان وارتفاعه، يقال من ذلك فلان حسن الأمة، ~~أى القامة، والأمة الرجل المنفرد بدينه وحده، لا يشركه فيه أحد. قال - ~~صلى الله عليه وسلم - # " يبعث زيد بن عمرو بن نفيل أمة وحده " # والأمة الأم. يقال " هذه أمة زيد، أى أم زيد... " والمراد بالأمة هنا ~~الحين والزمان والمدة. والمعنى ولئن أخرنا - بفضلنا وكرمنا - عن هؤلاء ~~المشركين " العذاب " المقتضى لجحودهم لآياتنا، وتكذيبهم لرسلنا " إلى أمة ~~معدودة " أى إلى وقت معين من الزمان على حساب إرادتنا وحكمتنا " ليقولن " ~~على سبيل التهكم والاستهزاء، واستعجال العذاب، " ما يحبسه " أى ما الذى ~~جعل هذا العذاب الذى حذرنا منه محمد - صلى لله عليه وسلم - محبوسا عنا، ~~وغير نازل بنا.. ولا شك أن قولهم هذا، يدل على بلوغهم أقصى درجات الجهالة ~~والطغيان، حيث قابلوا رحمة الله - تعالى - المتمثلة هنا فى تأخير العذاب ~~عنهم، بالاستهزاء والاستعجال، ولذا رد الله - تعالى - عليهم بقوله { ~~ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزءون } أى ألا إن ذلك العذاب الذى استعجلوه ~~واستخفوا به، يوم ينزل بهم، لن يصرفه عنهم صارف، ولن يدفعه عنهم دافع، بل ~~سيحيط بهم من كل جانب، بسبب استهزائهم به وإعراضهم عمن حذرهم منه. واللام ~~فى قوله { ولئن أخرنا عنهم العذاب } موظئة للقسم، وجواب ~~القسم قوله " ليقولن ما يحبسه ". والأقرب إلى سياق الآية أن ms2616 يكون المراد ~~بالعذاب هنا عذاب الاستئصال الدنيوى، إذ هو الذى استعجلوا نزوله، أما ~~عذاب الآخرة فقد كانوا منكرين له أصلا، كما حكى عنهم - سبحانه - فى الآية ~~السابقة فى قوله # ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ~~ليقولن الذين كفروا إن هذآ إلا سحر مبين # قال الآلوسى والظاهر بأن المراد العذاب الشامل للكفرة، ويؤيد ذلك ما ~~أخرجه ابن المنذر وابن أبى حاتم عن قتادة قال لما نزل # اقترب للناس حسابهم # قال ناس إن الساعة قد اقتربت فتناهوا، فتناهى القوم قليلا، ثم عادوا إل ~~أعمالهم السوء فأنزل الله - تعالى - # أتى أمر الله فلا تستعجلوه # فقال أناس من أهل الضلالة هذا أمر الله - تعالى - قد أتى، فتناهى القوم ~~ثم عادوا إلى مكرهم مكر السوء، فأنزل الله هذه الآية ". وفى قوله - ~~سبحانه - { إلى أمة معدودة } إيماء إلى أن تأخير العذاب ~~عنهم ليس لمدة طويلة، لأن ما يحصره العد جرت العادة فى أساليب العرب أن ~~يكون قليلا، ويؤيد ذلك أنه بعد فترة قليلة من الزمان نزل بهم فى غزوة بدر ~~القتل الذى أهلك صناديهم، والأسر الذى أذل كبرياءهم. وافتتحت جملة { ~~ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم } بأداة الاستفتاح ~~{ ألا } للاهتمام بمضون الخبر، وللإشارة إلى تحقيقه، وإدخال الروع فى ~~قلوبهم. وعبر بالماضى { حاق } مع أنه لم ينزل بهم بعد، للإشارة، إلى أنه ~~آت لا ريب فيه، عندما يأذن الله - تعالى - بذلك. ثم بين - سبحانه - جانبا ~~من طبيعة بنى آدم إلا من عصم الله فقال - تعالى - { ولئن أذقنا ~~الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ~~ليئوس كفور... } والمراد بالإنسان هنا الجنس على أرجح الأقوال، ~~فيشمل المسلم وغيره، بدليل الاستثناء الآتى بعد ذلك فى قوله { إلا ~~الذين صبروا وعملوا الصالحات } قال الفخر الرازى ما ~~ملخصه المراد بالإنسان هنا مطلق الإنسان ويدل عليه وجوه الأول أنه - ~~تعالى - استثنى منه قوله { إلا الذين صبروا وعملوا ~~الصالحات } والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل، فثبت أن ~~الإنسان المذكور فى هذه الآية داخل فيه المؤمن والكافر. الثانى أن هذه ~~الآية موافقة على ms2617 هذا التقرير لقوله - سبحانه - # والعصر. إن الإنسان لفى خسر. إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات... # الثالث أن مزاج الإنسان مجبول على الضعف والعجز. قال ابن جريج فى تفسير ~~هذه الآية " يا بن آدم إذا نزلت بك نعمة من الله فأنت كفور، فإذا نزعت ~~منك فيؤوس قنوط ". وقيل المراد بالإنسان هنا جنس الكفار فقط، لأن هذه ~~الأوصاف تناسبهم وحدهم. والمراد بالرحمة هنا رحمة الدنيا، وأطلقت على ~~أثرها وهو النعمة كالصحة والغنى والأمان وما يشبه ذلك من ألوان النعم. ~~واليؤوس والكفور صيغتا مبالغة للشخص الكثير اليأس، والكفر، والقنوط ~~الشديد الجحود لنعم الله - تعالى - يقال يئس من الشئ ييأس، إذا قنط منه. ~~والمعنى ولئن منحنا الإنسان - بفضلنا وكرمنا - بعض نعمنا، كالصحة والغنى ~~والسلطان والأمان { ثم نزعناها منه } أى ثم سلبناها منه، لأن ~~حكمتنا تقتضى ذلك. { إنه } فى هذه الحالة { ليئوس كفور } أى لشديد ~~اليأس والقنوط من أن يرجع إليه ما سلب منه أو مثله، ولكثير الكفران ~~والجحود لما سبق أن تقلب فيه من نعم ومنن. قال الشوكانى وفى التعبير ~~بالذوق ما يدل على أنه يكون منه ذلك عند سلب أدنى نعمة ينعم الله بها ~~عليه " لأن الإذاقة والذوق أقل ما يوجد به الطعم ". # وفى قوله " ثم نزعناها منه " إشارة إلى شدة تعلقه بهذه النعم، وحرصه على ~~بقائها معه. وجملة { إنه ليئوس كفور } جواب القسم، وأكدت بإن ~~وباللام، لقصد تحقيق مضمونها، وأنه حقيقة ثابتة. وهى تصوير بليغ صادق لما ~~يعترى نفس هذا الإنسان عندما تسلب منه النعمة بعد أن ذاقها، - فهو - ~~لقلة إيمانه وضعف ثقته بربه - قد فقد كل أمل فى عودة هذه النعمة إليه، ~~ولكأن هذه النعمة التى سلبت منه لم يرها قبل ذلك. ثم بين - سبحانه - حالة ~~هذا الإنسان اليؤوس الكفور، عندما تأتيه السراء بعد الضراء فقال { ~~ولئن أذقناه نعمآء بعد ضرآء مسته ليقولن ~~ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور }. والنعماء ~~النعمة التى يظهر أثرها على صاحبها، واختبر لفظ النعماء لمقابلته للضراء. ~~والضراء ما يصيب الإنسان من مصائب يظهر أثرها السئ عليه. والمراد ms2618 ~~بالسيئات الأضرار التى لحقته كالفقر والمرض. والمعنى ولئن أذقنا هذا ~~الإنسان اليؤوس الكفور { نعماء } بعد ضراء مسته كصحة بعد مرض، وغنى بعد ~~فقر، وأمن بعد خوف، ونجاح بعد فشل. { ليقولن ذهب السيئات ~~عني } أى ليقولن فى هذه الحالة الجديدة ببطر وأشر، وغرور وتكبر، لقد ~~ولت المصائب عنى الأدبار، ولن تعود إلى. وعبر - سبحانه - فى جانب الضراء ~~بالمس، للإشارة إلى أن الإصابة بها أخف مما تذوقه من نعماء، وأن لطف ~~الله شامل لعباده فى كل الأحوال. وجملة { إنه لفرح فخور } ~~جواب القسم. أى إنه لشديد الفرح والبطر بالنعمة كثير التباهى والتفاخر ~~بما أعطى منها، مشغول بذلك عن القيام بما يجب عليه نحو خالقه من شكر ~~وثناء عليه - سبحانه -. وإنها - أيضا - لصورة صادقة لهذا الإنسان العجول ~~القاصر، الذى يعيش فى لحظته الحاضرة، فلا يتذكر فيما مضى، ولا يتفكر فيما ~~سيكون عليه حاله بعد الموت، ولا يعتبر بتقلبات الأيام، فهو يؤوس كفور إذا ~~نزعت منه النعمة، وهو بطر فخور إذا عادت إليه، وهذا من أسوأ ما تصاب به ~~النفس الإنسانية من أخلاق مرذولة. وقوله { إلا الذين صبروا ~~وعملوا الصالحات.. } استثناء من هؤلاء الناس الذين لا يصبرون ~~عند الشدة، ولا يشكرون عند الرخاء. أى إلا الذين صبروا على النعمة كما ~~صبروا على الشدة، وعملوا فى الحالتين الأعمال الصالحات التى ترضى الله - ~~تعالى -. { أولئك } الموصوفون بذلك { لهم } من الله - تعالى - ~~{ مغفرة } عظيمة تمسح ذنوبهم { وأجر كبير } منه - سبحانه - ~~لهم. جزاء صبرهم الجميل، وعملهم الصالح. وفى الصحيحين أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال # " والذى نفسى بيده، لا يقضى الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له، إن ~~أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وليس ~~ذلك لأحد غير المؤمن ". # ثم بين - سبحانه - بعض أقوال المشركين، التى كان النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - يضيق بها صدره، ويحزن منها نفسه، فقال - تعالى - { فلعلك ~~تارك بعض ما يوحى إليك وضآئق... }. ### || [11.12] # قال الفخر الرازى - رحمه الله - روى عن ابن عباس - رضى الله ms2619 عنهما أن ~~رؤساء مكة قالوا يا محمد، اجعل لنا جبال مكة ذهبا إن كنت رسولا. وقال ~~آخرون " ائتنا بالملائكة يشهدون بنبوتك. فقال لا أقدر على ذلك فنزلت هذه ~~الآية ". ولفظ { لعل } - كما يقول الآلوسى - للترجى، وهو يقتضى التوقع، ~~ولا يلزم من توقع الشئ وقوعه ولا ترجح وقوعه، لجواز أن يوجد ما يمنع منه، ~~فلا يشكل بأن توقع ترك التبليغ منه - صلى الله عليه وسلم - مما لا يليق ~~بمقام النبوة، لأن المانع منه هنا ثبوت عصمته - صلى الله عليه وسلم - عن ~~كتم شئ أمر بتبليغه... والمقصود بهذا الأسلوب هنا تحريضه - صلى الله عليه ~~وسلم - وتهييج داعيته لأداء الرسالة، ويقال نحو ذلك فى كل توقع نظير هذا ~~التوقع ". و { تارك } اسم فاعل من الفعل ترك، و { ضائق } اسم فاعل من ~~الفعل ضاق، وهو معطوف على { تارك }. والمراد ببعض ما يوحى إليه - صلى ~~الله عليه وسلم - فى قوله - سبحانه - { فلعلك تارك بعض ما ~~يوحى إليك } ما أنزل عليه من قرآن فيه استهزاء بآلهتهم، وتسفيه ~~لعقولهم التى استساغت أن تشرك مع الله - تعالى - فى عبادتها آلهة أخرى ". ~~والضمير المجرور فى قوله - سبحانه - { وضآئق به صدرك } يعود ~~إلى بعض الموحى به، وقيل يعود للتبليغ، وقيل للتكذيب. وجملة { أن ~~يقولوا } فى محل نصب على أنها مفعول لأجله، أى كراهة أو خشية أن ~~يقولوا. والكنز يطلق على المال الكثير المجموع بعضه إلى بعض سواء أكان فى ~~بطن الأرض أم فى ظهرها، ومرادهم بإنزاله هنا أن ينزل على الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - من السماء مال كثير يغنيه هو وأصحابه، ويجعلهم فى رغد ~~من العيش، بدل ما يبدو على بعضهم من فقر وفاقة.. والمعنى ليس خافيا علينا ~~- أيها الرسول الكريم - ما يفعله المشركون معك، من تكذيب لدعوتك، ومن ~~جحود لرسالتك، ومن مطالب متعنته يطلبونها منك... ليس خافيا علينا شيئا من ~~ذلك، ولعلك إزاء مسالكهم القبيحة هذه، تارك تبليغ بعض ما يوحى إليك، وهو ~~ما يثير غضبهم، وضائق صدرك بهذا التبليغ، كراهة تكذيبهم لوحى الله، ~~واستهزائهم بدعوتك، وقولهم لك ms2620 على سبيل التعنت هلا أنزل إليك من السماء ~~مال كثير تستغنى به وتغنى أتباعك، وهلا كان معك ملك يصاحبك فى دعوتك، ~~ويشهد أمامنا بصدقك ويؤيدك فى تحصيل مقصودك. لا - أيها الرسول الكريم - ~~لا تترك شيئا من تبليغ ما أمرك الله بتبليغه لهؤلاء المشركين، ولا يضيق ~~صدرك بأفعالهم الذميمة، وبأقوالهم الباطلة، بل واصل دعوتك لهم إلى طريق ~~الحق، فما عليك إلا الإنذار، أما نحن فإلينا إيابهم، وعلينا حسابهم. # وعبر - سبحانه - عن تأثر الرسول - صلى الله عليه وسلم - من مواقفهم ~~المتعنتة باسم الفاعل { ضائق } لا بالصفة المشبهة " ضيق " لمراعاة ~~المقابل وهو قوله { تارك } ، وللإشارة إلى أن هذا الضيق مما يعرض له - ~~صلى الله عليه وسلم - أحيانا، وليس صفة ملازمة له، لأن اسم الفاعل يقتضى ~~الحدوث والانقطاع، بخلاف الصفة المشبهة فتقتضى الثبات والدوام. وأبرز - ~~سبحانه - هنا صفة الإنذار للرسول - صلى الله عليه وسلم - مع أن وظيفته ~~الإنذار والتبشير، لأن المقام هنا يستوجب ذلك، إذ أن هؤلاء المشركين قد ~~تجاوزوا كل حد فى الإساءة إليه - صلى الله عليه وسلم -. وقوله - سبحانه ~~- { والله على كل شيء وكيل } تذييل قصد به زيادة تثبيته ~~وتحريضه على المضى فى تبليغ دعوته. أى سر فى طريقك - أيها الرسول الكريم ~~- غير مبال بما يصدر عنهم من مضايقات لك، والله - تعالى - حافظ لأحوالك ~~وأحوالهم، وسيجازيهم بالجزاء الذى يتناسب مع جرائمهم وكفرهم. والمتأمل فى ~~هذه الآية الكريمة يراها تعبر أكمل تعبير عن الفترة الحرجة التى نزلت ~~فيها هذه السورة الكريمة، فقد سبق أن قلنا عند التعريف بها، إنها نزلت فى ~~الفترة التى أعقبت وفاة النصيرين الكبيرين للرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~وهما أبو طالب وخديجة - رضى الله عنها - وكانت هذه الفترة من أشق الفترات ~~على الرسول - صلى الله عليه وسلم - حيث تكاثر فيها إيذاء المشركين له ~~ولأصحابه... فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة تحث النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - على الثبات والصبر، وعلى تبليغ ما يوحى إليه، مع عدم المبالاة بما ~~يضعه المشركون فى طرقه من عقبات.. هذا، وقد سبق أن بينا ms2621 عند التعريف بهذه ~~السورة - أيضا - أن من العلماء من يرى أن هذه الآية مدنية، ولعلك معى - ~~أيها القارئ الكريم - فى أنه لا يوجد أى دليل نقلى أو عقلى يؤيد ذلك، بل ~~الذى تؤيده الأدلة ويؤيده سبب النزول أن الآية مكية كبقية السورة. وهناك ~~أيات أخرى مكية تشبه هذه الآية فى أسلوبها وموضوعها، ومن هذه الآيات قوله ~~- تعالى - # وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا. ~~أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل ~~منها... # ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك زعما آخر من مزاعمهم الكثيرة، وهو دعواهم أن ~~القرآن مفترى، وتحداهم أن يأتوا بعشر سور من أمثال هذا القرآن فى زعمهم، ~~فقال - تعالى - { أم يقولون افتراه قل فأتوا... }. ### || [11.13-14] # و { أم } هنا منقطعة بمعنى بل التى للإضراب وهو انتقال المتكلم من ~~غرض إلى آخر والافتراء الكذب المتعمد الذى لا توجد أدنى شبهة لقائله. ~~والمعنى إن هؤلاء المشركين لم يكتفوا بما طلبوه منك يا محمد، بل تجاوزوا ~~ذلك إلى ما هو أشد جرما، وهو قولهم إنك افتريت القرآن الكريم، واخترعته ~~من عند نفسك. وقوله { قل فأتوا بعشر سور مثله ~~مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله... } ~~أمر من الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم بأن يرد عليهم بما ~~يخرس ألسنتهم، ويكبت نفوسهم. أى قل لهم يا محمد على سبيل التحدى إن كان ~~الأمر كما تزعمون من أنى قد افتريت هذا القرآن، فأنا واحد منكم وبشر ~~مثلكم فهاتوا أنتم عشر سور مختلقات من عند أنفسكم، تشبه ما جئت به فى حسن ~~النظم، وبراعة الأسلوب، وحكمة المعنى، وادعوا لمعاونتكم فى بلوغ هذا ~~الأمر كل من تتوسمون فيه المعاونة غير الله - تعالى - لأنه هو - سبحانه - ~~القادر على أن يأتى بمثله. وجواب الشرط فى قوله - سبحانه - { إن كنتم ~~صادقين } محذوف دل عليه ما تقدم. أى إن كنتم صادقين فى زعمكم أنى ~~افتريت هذا القرآن، فهاتوا أنتم عشر سور مثله مفتريات من عند أنفسكم. ~~والمتأمل لآيات القرآن ms2622 الكريم، يرى أن الله - تعالى - قد تحدى المشركين ~~تارة بأن يأتوا بمثله كما فى سورتى الإسراء والطور. ففى سورة الإسراء ~~يقول - سبحانه - # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا # وفى سورة الطور يقول - سبحانه - # فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين # وتارة تحداهم بأن يأتوا بعشر سور من مثله كما فى هذه السورة، وتارة ~~تحداهم بأن يأتوا بسورة واحدة من مثله كما فى سورتى البقرة ويونس، ففى ~~سورة البقرة # وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ~~فأتوا بسورة من مثله... # وفى سورة يونس يقول - سبحانه - # أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله ~~وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم ~~صادقين # وقد عجزوا عن الإتيان بمثل أقصر سورة، وهم من هم فى فصاحتهم، فثبت أن ~~هذا القرآن من عند الله - تعالى -. وقوله - سبحانه - { فإلم ~~يستجيبوا لكم فاعلموا أنمآ أنزل بعلم الله ~~وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون } إرشاد ~~لهؤلاء المشركين إلى طريق الحق والسعادة لو كانوا يعقلون، إذ الخطاب موجه ~~إليهم لعلهم يثوبون إلى الرشد. ***والمعنى قل - أيها الرسول الكريم - ~~لهؤلاء الذين تحديتهم أن يأتوا بعشر سور من مثل القرآن، وأبحث لهم أن ~~يستعينوا فى ذلك بمن شاءوا من البشر، قل لهم فإن لم يستجب لدعوتكم من ~~استعنتم بهم فى الإتيان بعشر سور من مثل القرآن. # . وهم لن يستجيبوا لكم قطعا - { فاعلموا } أيها الناس أن هذا ~~القرآن { أنزل بعلم الله } وحده، وبقدرته وحدها. ولا يقدر على ~~إنزاله بتلك الصورة أحد سواه. واعلموا - أيضا - أنه { لا إله ~~إلا هو } - سبحانه - فهو الإله الحق، الذى تعنوا له الوجوه، وتخضع ~~له القلوب، وتتجه إليه النفوس بالعبادة والطاعة. { فهل أنتم } أيها ~~المشركون بعد كل تلك الأدلة الواضحة الدالة على وحدانية الله، وعلى أن ~~هذا القرآن من عنده { مسلمون } أى داخلون فى الإسلام، متبعون لما ~~جاءكم به الرسول - صلى الله عليه وسلم -. والمراد بالعلم فى قوله { ~~فاعلموا أنمآ أنزل... } الاعتقاد الجازم ms2623 البالغ نهاية ~~اليقين، أى فأيقنوا أن هذا القرآن ما أنزل إلا ملابسا لعلم الله - تعالى ~~- المحيط بكل شئ. والفاء فى قوله { فهل أنتم مسلمون } ~~للتفريع، والاستفهام هنا المقصود به الحض على الفعل وعدم تأخيره. أى فهل ~~أنتم بعد كل هذه الأدلة على صدق ما جاءكم به نبينا محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - تشكون فى أن الإسلام هو الدين الحق؟ إن الشك فى ذلك لا يكون من ~~عاقل، فبادروا إلى الدخول فى الإسلام إن كنتم من ذوى العقول التى تعقل ~~ما يقال لها. ويرى بعض العلماء أن الخطاب فى هذه الآية موجه إلى النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - والمسلمين، أو إليه وحده - صلى الله عليه وسلم - ~~وعلى سبيل التعظيم وعليه يكون المعنى " فإن لم يستجب لكم - أيها المؤمنون ~~- هؤلاء الذين أعرضوا عن دعوة الحق، بعد أن ثبت عجزهم عن الإتيان بما ~~تحديتموهم به { فاعلموا } أى فازدادوا علما ويقينا وثباتا، بأن هذا ~~القرآن " إنما أنزل بعلم الله " الذى لا يعزب عنه شئ، وازدادوا علما بأنه ~~لا إله إلا هو - سبحانه - مستحق للعبادة والطاعة، فهل أنتم بعد كل ذلك { ~~مسلمون } أى ثابتون على الإسلام، وملتزمون بكل أوامره ونواهيه. ~~ومع أننا نرى أن القولين صحيحان من حيث المعنى، إلا أننا نفضل الرأى ~~الأول القائل بأن الخطاب للمشركين، لأن سياق الآيات السابقة فى شأنهم ~~فلأن يكون الخطاب لهم هنا أولى. ثم بين - سبحانه - سوء مصير الذين لا ~~يريدون بأقوالهم وأعمالهم وجه الله - تعالى - فقال { من كان يريد ~~الحياة الدنيا... } ### || [11.15-16] # أى من كان يريد بأقواله الحسنة وبأعماله الطيبة على حسب الظاهر، الحصول ~~على الحياة الدنيا وزينتها من مال وجاه ومنصب وغير ذلك من المتع ~~الدنيوية، بدون التفات إلى ما يقربه من ثواب الآخرة. من كانوا يريدون ذلك ~~{ نوف إليهم أعمالهم فيها } أى نوصل إليهم - بإرادتنا ~~ومشيئتنا - ثمار جهودهم وأعمالهم فى هذه الدنيا. والتعبير بكان فى قوله { ~~من كان يريد... } يفيد أنهم مستمرون على إرادة الدنيا بأعمالهم، ~~بدون تطلع إلى خير الآخرة. وعدى الفعل { نوف } بإلى، ms2624 مع أنه يتعدى بنفسه، ~~لتضمينه معنى نوصل. وقوله - سبحانه - { وهم فيها لا يبخسون } ~~تذييل قصد به تأكيد ما سبقه، وتبيين مظهر من مظاهر عدل الله - تعالى - مع ~~عباده فى دنياهم. والبخس نقص الحق ظلما. يقال بخس فلان فلانا حقه إذا ~~ظلمه ونقصه. أى وهم فى هذه الدنيا لا ينقصون شيئا من نتائج جهودهم ~~وأعمالهم، حتى ولو كانت جهودا لا إخلاص معها ولا إيمان. ثم بين - سبحانه ~~- سوء مصيرهم فى الآخرة فقال { أولئك الذين ليس لهم في ~~الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما ~~كانوا يعملون }. أى أولئك الذين أرادوا بأقوالهم وأعمالهم الحياة ~~الدنيا وزينتها، ليس لهم فى الآخرة إلا النار، لأنهم استوفوا ما تقتضيه ~~صور أعمالهم الحسنة فى الدنيا وبقيت عليهم أوزار نياتم السيئة فى الآخرة. ~~{ وحبط ما صنعوا فيها } أى وفسد ما صنعوه فى الدنيا من أعمال ~~الخير، لأنهم لم يقصدوا بها وجه الله - تعالى - وإنما قصدوا بها الرياء ~~ورضى الناس... وقوله { وباطل ما كانوا يعملون } أى وباطل ~~فى نفسه ما كانوا يعملونه فى الدنيا من أعمال ظاهرها البر والصلاح، لأنه ~~لا ثمرة له ولا ثواب فى الآخرة لأن الأعمال بالنيات، ونيات هؤلاء ~~المرائين، لم تكن تلتفت إلى ثواب الله، وإنما كانت متجهة اتجاها كليا إلى ~~الحياة الدنيا وزينتها، إلى رضاء المخلوق لا الخالق. وشبيهة بهاتين ~~الآيتين قوله - تعالى - # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # وقوله - تعالى - # من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشآء ~~لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما ~~مدحورا. ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو ~~مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا. كلا نمد ~~هؤلاء وهؤلاء من عطآء ربك وما كان عطآء ~~ربك محظورا. انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ~~وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا # هذا ومن العلماء من يرى أن هاتين الآيتين مسوقتان فى شأن الكفار ومن على ~~شاكلتهم من الضالة كاليهود والنصارى والمنافقين. # .. لأن ms2625 قوله - تعالى - { أولئك الذين ليس لهم في ~~الآخرة إلا النار... } لا يليق إلا بهم. والذى نراه أن هاتين ~~الآيتين تتناولان الكفار ومن على شاكلتهم تناولا أوليا، ولكن هذا لا يمنع ~~من أنهما يندرج تحت وعيدهما كل من قصد بأقواله وأعماله الحياة الدنيا ~~وزينتها، ونبذ كل معانى الإخلاص والطاعة لله رب العالمين. ومما يشهد ~~لذلك أن هناك أحاديث كثيرة، حذرت من الرياء، وتوعدت مقترفة بأشد بأنواع ~~العقوبات ومن هذه الأحاديث ما رواه أبو داود عن أبى هريرة قال قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - # " من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من ~~الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة " # - أى رائحتها -. وصفوة القول أن الآيتين الكريمتين تسوقان سنة من سنن ~~الله مع عباده فى هذه الدنيا، هى أن الله - تعالى - لا ينقص الناس شيئا ~~من ثمار جهودهم وأعمالهم فى هذه الدنيا، إلا أن هذه الجهود وتلك الأعمال ~~التى ظاهرها الصلاح، إن كان المقصود بها الحياة الدنيا وزينتها وجدوا ~~نتائجها فى الدنيا فحسب. وإن كان المقصود بها رضا الله - تعالى - وثواب ~~الآخرة، وجدوا ثمارها ونتائجها الحسنة يوم القيامة، بجانب تمتعهم بما ~~أحله الله لهم فى الدنيا من طيبات. وذلك لأن العمل للحياة الأخرى - فى ~~شريعة الإسلام - لا يحول بين العمل النافع فى الحياة الدنيا، ولا ينقص ~~شيئا من آثاره وثماره، بل إنه يزكيه وينميه ويباركه.. ورحم الله القائل ~~ليس أحد يعمل حسنة إلا وفى ثوابها فإن كان مسلما مخلصا وفى ثوابها ~~فى الدنيا والآخرة، وإن كان كافرا وفى ثوابها فى الدنيا. وبعد أن بين - ~~سبحانه - حال الذين يريدون الحياة الدنيا وزينتها، أتبع ذلك بيان حال ~~الذين يريدون الحق والصواب فيما يفعلون ويتركون فقال - تعالى - { أفمن ~~كان على بينة من ربه ويتلوه... }. ### || [11.17] # قال صاحب المنار ما ملخصه البينة ما تبين به الحق من كل شئ بحسبه ~~كالبرهان فى العقليات والنصوص فى النقليات، والخوارق فى الإلهيات، ~~والتجارب فى الحسيات، والشهادات فى القضائيات، والاستقراء فى إثبات ms2626 ~~الكليات، وقد نطق القرآن بأن الرسل قد جاءوا أقوامهم بالبينات وأن كل نبى ~~منهم كان يحتج على قومه بأنه على بينة من ربه وأنه جاءهم ببينة من ربهم، ~~كما ترى فى قصصهم فى هذه السورة وفى غيرها.. وقوله { ويتلوه... } من ~~التلو بمعنى الاقتفاء والاتباع. يقال تلا فلان فلانا إذا كان تابعا له ~~ومقتفيا أثره. والمراد به هنا التأييد والتقوية. وللمفسرين أقوال متعددة ~~فى المقصود بقوله - تعالى - { أفمن كان على بينة من ~~ربه } وبقوله - سبحانه - { ويتلوه شاهد منه }. وفى مرجع ~~الضمائر فى قوله " ربه - ويتلوه - ومنه "... وأقرب هذه الأقوال إلى ~~الصواب أن يكون المقصود بقوله - تعالى - { أفمن كان على ~~بينة من ربه } الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه ~~المؤمنون. وبقوله تعالى - { ويتلوه شاهد منه } القرآن الكريم ~~الذى أنزله الله - تعالى - على نبيه - صلى الله عليه وسلم - ليكون معجزة ~~له شاهدة بصدقه. والضمير فى قوله من ربه يعود إلى النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - وفى قوله { ويتلوه } يعود إلى القرآن الكريم، وفى قوله { منه ~~} يعود إلى الله - تعالى -. وعلى هذا القول يكون المعنى أفمن كان على حجة ~~واضحة من عند ربه تهديه إلى الحق والصواب فى كل أقواله وأفعاله، وهو هذا ~~الرسول الكريم وأتباعه ويؤيده ويقويه فى دعوته شاهد من ربه هو هذا القرآن ~~الكريم المعجز لسائر البشر.. أفمن كان هذا شأنه كمن ليس كذلك؟ أو أفمن ~~كان هذا شأنه كمن استحوذ عليه الشيطان فجعله لا يريد إلا الحياة الدنيا ~~وزينتها؟ كلا إنهما لا يستويان. وشهادة القرآن الكريم بصدق الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - فى دعوته، تتجلى فى إعجازه، فقد تحدى النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - أعداءه أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا مع فصاحتهم وبلاغتهم، ~~فثبت بذلك أن هذا القرآن من عند الله - تعالى -. وإنما جعلنا هذا القول ~~أقرب الأقوال إلى الصواب، لأنه هو الذى يتسق مع ما يفيده ظاهر الآية ~~الكريمة، ولأننا عندما نقرأ هذه السورة الكريمة وغيرها، نجد الرسل الكرام ~~كثيرا ما يؤكدون لأقوامهم - أنهم - أى الرسل على بينة ms2627 من ربهم. فهذا نوح ~~- عليه السلام - يقول لقومه # قال يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ~~وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم ~~أنلزمكموها وأنتم لها كارهون # وهذا صالح - عليه السلام - يقول لقومه # قال يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ~~وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن ~~عصيته... # وهذا شعيب - عليه السلام - يقول لقومه # قال يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ~~ورزقني منه رزقا حسنا... # وهكذا نجد كل نبى يؤكد لقومه أنه جاءهم على بينة من ربه وما دام الأمر ~~كذلك فسيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو أفضل من جاء قومه على ~~بينة من ربه، والمؤمنون به - صلى الله عليه وسلم - يقتدون به فى ذلك. ~~ويرى بعضهم أن المراد بالبينة القرآن الكريم، وبالشاهد إعجازه، وبالموصول ~~مؤمنوا أهل الكتاب، وأن الضمير فى قوله " ويتلوه - ومنه " يعودان إلى ~~القرآن الكريم وإعجازه. وعلى هذا الرأى يكون المعنى أفمن كان على برهان ~~جلى من ربه يدل على حقية الإسلام وهو القرآن، ويؤيده ويقويه - أى القرآن ~~- شاهد منه على كونه من عند الله وهذا الشاهد هو إعجازه للبشر عن أن ~~يأتوا بسورة من مثله. قال الآلوسى ما ملخصه قوله { أفمن كان على ~~بينة من ربه } أصل البينة الدالة الواضحة عقلية كانت أو ~~محسوسة، وتطلق على الدليل مطلقا.. والتنوين فيها للتعظيم، أى بينة عظيمة ~~الشأن والمراد بها القرآن، وباعتبار ذلك أو البرهان جاء الضمير الراجع ~~إليها فى قوله { ويتلوه } أى يتبعه { شاهد } عظيم يشهد بكونه من ~~عند الله وهو إعجازه.. ومعنى كون ذلك الشاهد تابعا له أنه وصف له لا ينفك ~~عنه.. وكذا الضمير فى " منه " - يعود إلى القرآن - وهو متعلق بمحذوف وقع ~~صفته لشاهد ومعنى كونه منه أنه غير خارج عنه.. " ومن المفسرين من يرى أن ~~المراد بالبينة القرآن الكريم - أيضا - ويرى أن المراد بالشاهد جبريل - ~~عليه السلام - وأن قوله - سبحانه - { ويتلوه } من التلاوة بمعنى ~~القراءة لا من التلو بمعنى الاتباع. وعلى هذا الرأى يكون المعنى أفمن ~~كان ms2628 على برهان جلى من ربه يدل على حقية الإسلام وهو القرآن ويتلوا هذا ~~القرآن على الرسول - صلى الله عليه وسلم - شاهد من الله - تعالى - هو ~~جبريل - عليه السلام -. فالضمير فى { ويتلوه } على هذا الرأى يعود ~~إلى جبريل - عليه السلام - وفى " منه " يعود على الله تعالى -. وهناك ~~أقوال أخرى فى تفسير الآية الكريمة رأينا من الخير أن نضرب عنها صفحا ~~لضعفها. وقوله { ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة } ~~دليل آخر على صدق النبى - صلى الله عليه وسلم - فى دعوته. وهو معطوف على ~~شاهد والضمير فى قوله { ومن قبله. # .. } يعود على شاهد - أيضا -. وقوله { إماما ورحمة } منصوبان ~~على الحالية من قوله { كتاب }. والمعنى ومن قبل هذا الشاهد على صدق ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو القرآن الكريم أنزل الله - تعالى - ~~على موسى كتابه التوراة مشتملا على صفات الرسول - صلى الله عليه وسلم - و ~~{ إماما } يؤتم به فى أمور الدين والدنيا ورحمة لبنى إسرائيل من ~~العذاب إذا ما آمنوا به واتبعوا تعاليمه. قال الشوكانى وإنما قدم الشاهد ~~على كتاب موسى مع كونه متأخرا فى الوجود لكونه - أى الشاهد بمعنى المعجز ~~- وصفا لازما غير مفارق، فكان أغرق فى الوصفية من كتاب موسى. وهى شهادة ~~كتاب موسى وهو التوراة أنه بشر بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وأخبر بأنه ~~رسول من الله - تعالى -. واسم الإشارة فى قوله { أولئك ~~يؤمنون به } يعود إلى الموصوفين بأنهم على بينة من ربهم وهم النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - وأتباعه المؤمنون الصادقون. أى أولئك الموصوفون ~~بأنهم على بينة من ربهم يؤمنون بأن الإسلام هو الدين الحق، وبأن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - رسول صدق وبأن القرآن من عند الله - تعالى - ~~وحده. فالضمير فى قوله { به } يعود على كل ما جاء به الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - من عند ربه ويدخل فى ذلك دخولا أوليا القرآن الكريم. وقوله { ~~ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده } بيان لسوء ~~عاقبة الكافرين بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد بيان حسن ~~عاقبة ms2629 المؤمنين به. والأحزاب جمع حزب وهم الذين تحزبوا وتجمعوا من أهل ~~مكة وغيرهم لمحاربة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ودعوته. أى ومن يكفر ~~بهذا القرآن وبما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من هدايات فإن ~~نار جهنم هى المكان الذى ينتظره وينتظر كل متحزب ضد دعوته - صلى الله ~~عليه وسلم -. وفى جعل النار موعدا لهذا الكافر بالقرآن إشعار بأن فيها ما ~~لا يحيط به الوصف من ألوان العذاب الذى يجعله لا يموت فيها ولا يحيا. ثم ~~ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالحض على النظر الصحيح الذى يؤدى إلى ~~اليقين بأن ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الحق الذى لا ~~يشوبه باطل فقال - تعالى - { فلا تك في مرية منه إنه ~~الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون }. ~~أى فلا تك - أيها العاقل - فى شك من أن هذا القرآن من عند الله ومن أن ما ~~جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الصدق، بل عليك أن تعتقد ~~اعتقادا جازما فى صحة ذلك، لأن ما جاء به - صلى الله عليه وسلم - هو الحق ~~الثابت من عند ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون بذلك لانطماس بصائرهم، ~~ولتقليدهم لآبائهم، ولإيثارهم الغى على الرشد. # وبذلك نرى الآية الكريمة قد ميزت بين من كان على الحق ومن كان على ~~الباطل وساقت حشودا من الأدلة الدالة على صدق الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - فى دعوته، وعلى صحة ما عليه أتباعه، وأمرتهم بالثبات على الحق ~~الذى آمنوا به، وتوعدت المتحزبين ضد دعوة الإسلام بنار جهنم التى هى بئس ~~القرار. هذا، وهذه الآية الكريمة هى من الآيات التى قيل بأنها مدنية، ~~وبمراجعتنا لتفسيرها لم نجد ما يؤيد ذلك، بل الذى نراه أن السورة كلها ~~مكية كما سبق أن أشرنا إلى ذلك فى المقدمة. ثم وصف - سبحانه - الكافرين ~~بالإسلام ببضعة عشر وصفا. وبين سوء مصيرهم كما بين حسن عاقبة المؤمنين ~~وضرب مثلا لحال الفريقين فقال - تعالى - { ومن أظلم ممن ~~افترى على... }. ### || [11.18-24] # قال الإمام الرازى اعلم ms2630 أن الكفار كانت لهم عادات كثيرة، وطرق مختلفة ~~فمنها شدة حرصهم على الدنيا، ورغبتهم فى تحصيلها، وقد أبطل الله - تعالى ~~- هذه الطريقة بقوله # من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها... # إلى آخر الآية. ومنها أنهم كانوا ينكرون نبوة الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - ويقدحون فى معجزاته وقد أبطل الله - تعالى - ذلك بقوله # أفمن كان على بينة من ربه... # ومنها أنهم كانوا يزعمون فى الأصنام أنها شفعاؤهم عند الله، وقد أبطل ~~الله - تعالى - ذلك بهذه الآيات وذلك لأن هذا الكلام افتراء على الله... ~~" وجملة { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا... ~~} معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك # ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده # والاستفهام للإنكار والنفى، والتقدير لا أحد أشد ظلما ممن تعمد الكذب ~~على الله - تعالى - بأن زعم بأن الأصنام تشفع لعابديها عنده، أو زعم بأن ~~الملائكة بنات الله، أو أن هذا القرآن ليس من عنده - سبحانه -. وقوله { ~~أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد ~~هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة ~~الله على الظالمين } بيان لما يقال لهؤلاء الظالمين على سبيل ~~التشهير والتوبيخ يوم القيامة والأشهاد جمع شهيد كشريف وأشراف. أو جمع ~~شاهد بمعنى حاضر كصاحب وأصحاب والمراد بهم - على الراجح - جميع أهل ~~الموقف من الملائكة الذين كانوا يسجلون عليهم أقوالهم وأعمالهم، ومن ~~الأنبياء والمؤمنين. والمعنى أولئك الموصوفون بافتراء الكذب على الله - ~~تعالى - يعرضون يوم الحساب، على ربهم ومالك أمرهم، كما يعرض المجرم ~~للقصاص منه، ولفضيحته أمام الناس. { ويقول الأشهاد } الذين ~~يشهدون عليهم بأنهم قد افتروا الكذب على الله { هؤلاء } المجرمون ~~هم { الذين كذبوا على ربهم } بأن نسبوا إليه ما هو منزه ~~عنه. { ألا لعنة الله على الظالمين } الذين وضعوا الأمور ~~فى غير مواضعها، فأوردوا أنفسهم المهالك ". وجئ باسم الإشارة { ~~هؤلاء } زيادة فى التشنيع عليهم، وفى تمييزهم عن غيرهم وصدرت جملة { ~~ألا لعنة الله على الظالمين } بأداة الاستفتاح { ألا } ~~لتأكيد الدعاء عليهم بالطرد والإبعاد عن رحمة الله - تعالى - بسبب ~~افترائهم الكذب. والظاهر أن هذه الجملة من كلام الأشهاد ويؤيد ذلك ms2631 ما ~~أخرجه الشيخان عن صفوان بن محرز قال # " كنت آخذا بيد ابن عمر إذ عرض له رجل فقال كيف سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول فى النجوى يوم القيامة؟ قال سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول " إن الله - عز وجل - يدنى المؤمن فيضع عليه كنفه ~~- أى ستره وعفوه - ويستره من الناس ويقرره بذنوبه ويقول له أتعرف ذنب ~~كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه ورأى فى نفسه أنه قد هلك قال ~~فإنى قد سترتها عليك فى الدنيا وإنى أغفرها لك اليوم ثم يعطى كتاب ~~حسناته، وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد { هؤلاء الذين ~~كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين ~~} ". # ويجوز أن تكون هذه الجملة من كلام الله - تعالى - على سبيل الاستئناف ~~بعد أن قال الأشهاد { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ~~}. ثم بين - سبحانه - جانبا آخر من أفعالهم الشنيعة فقال { الذين ~~يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا... } و { ~~يصدون } من صد بمعنى صرف الغير عن الشئ ومنعه منه. يقال صد يصد ~~صدودا وصدا. و { سبيل الله } طريقة الموصولة إلى رضائه. والمراد ~~بها ملة الإسلام. { ويبغونها عوجا } أى يطلبون لها العوج، يقال ~~بغيت لفلان كذا إذا طلبته له. والعوج - بكسر العين - الميل والزيغ فى ~~الدين والقول والعمل. وكل ما خرج عن طريق الهدى إلى طريق الضلال فهو عوج. ~~والعوج - بفتح العين - يكون فى المحسوسات كالميل فى الحائط والرمح وما ~~يشبههما. أى أن مكسور العين يكون فى المعانى ومفتوحها يكون فى المحس. ~~والمعنى ألا لعنة الله وخزيه على الظالمين الذين من صفاتهم أنهم لا ~~يكتفون بانصرافهم عن الحق بل يحاولون صرف غيرهم عنه ويطلبون لملة ~~الإسلام العوج ويصفونها بذلك تنفيرا للناس منها، وقوله عوجا مفعول ثان ~~ليبغون، أو حال من سبيل الله. وقوله { وهم بالآخرة هم ~~كافرون } بيان لعقيدتهم الباطلة فى شأن البعث والحساب. أى وهم ~~بالآخرة وما فيها من حساب وثواب وعقاب كافرون. وكرر الضمير { هم } لتأكيد ~~كفرهم وللإشارة إلى أنهم بلغوا فيه مبلغا لم يبلغه ms2632 أحد سواهم حتى لكأن ~~كفر غيرهم يسير بالنسبة لكفرهم. ثم بين - سبحانه - أنه كان قادرا على ~~تعذيبهم فى الدنيا قبل الآخرة ولكنه أخر عذابهم إملاء لهم فقال { ~~أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان ~~لهم من دون الله من أوليآء يضاعف لهم ~~العذاب... }. وقوله معجزين من الإعجاز بمعنى عدم المقدرة على الشئ. ~~أى أولئك الذين افتروا على الله الكذب لم يكن - سبحانه - عاجزا عن إنزال ~~العذاب الشديد بهم فى الدنيا. وما كان لهم من غيره من نصراء ينصرونهم من ~~بأسه لو أراد إهلاكهم. قال الإمام الرازى قال الواحدى معنى الإعجاز ~~المنع من تحصيل المراد، يقال أعجزنى فلان. أى منعنى عن مرادى.. والمقصود ~~أن قوله { أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض } دل ~~على أنه لا قدرة لهم على الفرار. وقوله { وما كان لهم من دون ~~الله من أوليآء } دل على أن أحدا لا يقدر على تخليصهم من ~~عذابه. # فجمع - سبحانه - بين ما يرجع إليهم وبين ما يرجع إلى غيرهم، ووضح بذلك ~~انقطاع حيلهم فى الخلاص من عذاب الدنيا والآخرة ". وقوله { يضاعف ~~لهم العذاب } جملة مستأنفة لبيان أن من حكمة تأخير العذاب عنهم فى ~~الدنيا مضاعفة العذاب لهم فى الآخرة. وقوله { ما كانوا ~~يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون } تصوير بليغ ~~لاستحواذ الشيطان عليهم. أى أن هؤلاء المجرمين بلغ بهم الجهل والعناد ~~والجحود أنهم ما كانوا يستطيعون السماع للحق الذى جاءهم من ربهم لثقله ~~على نفوسهم الفاسدة، وما كانوا يبصرون المعجزات الدالة على صدق نبيهم - ~~صلى الله عليه وسلم -. فليس المراد نفى السماع والإبصار الحسيين عنهم ~~وإنما المراد أنهم لانطماس بصائرهم صاروا كمن لا يسمع ولا يرى. ثم أكد - ~~سبحانه - سوء مصيرهم فقال { أولئك الذين خسروا ~~أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون } أى أولئك ~~الذين استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله، هم الذين خسروا أنفسهم ~~وأوردوها المهالك بسبب تعمدهم الكذب على الله، { وضل عنهم } أى ~~وغاب عنهم ما كانوا يفترونه فى الدنيا من اعتقادات باطلة وادعاءات فاسدة. ~~وقوله { لا جرم أنهم في ms2633 الآخرة هم الأخسرون } زيادة ~~فى تأكيد خسرانهم. وكلمة { لا جرم } وردت فى القرآن الكريم فى خمسة ~~مواضع. وفى كل موضع جاءت متلوة بأن واسمها. وجمهور النحاة على أن هذه ~~الكلمة مركبة من " لا " و " جرم " تركيب خمسة عشر ومعناها بعد هذا ~~التركيب معنى الفعل حق أو ثبت، والجملة بعدها هى الفاعل لهذا الفعل. أى ~~وثبت كونهم فى الآخرة هم الأخسرون. ومن النحاة من يرى أن " لا " نافية ~~للجنس و " جرم " اسمها وما بعدها خبرها. والمعنى. لا محالة ولا شك فى ~~أنهم فى الآخرة هم الأخسرون. ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين بعد ~~بيان سوء عاقبة الكافرين فقال - تعالى - { إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك ~~أصحاب الجنة هم فيها خالدون }. قال الجمل والإخبات فى ~~اللغة هو الخشوع والخضوع وطمأنينة القلب. ولفظ الإخبات يتعدى بإلى ~~وباللام. فإذا قلت أخبت فلان إلى كذا فمعناه اطمأن إليه. وإذا قلت أخبت ~~له فمعناه خشع وخضع له. فقوله { إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } إشارة إلى جميع أعمال الجوارح. وقوله { وأخبتوا ~~إلى ربهم } إشارة إلى أعمال القلوب وهى الخشوع والخضوع لله - ~~تعالى -. والمعنى إن الذين آمنوا بالله - تعالى - إيمانا حقا وعملوا ~~الأعمال الصالحات التى ترضيه - سبحانه - واطمأنوا إلى قضاء ربهم وخشعوا ~~له أولئك الموصوفون بذلك هم أصحاب الجنة وهم الخالدون فيها خلودا أبديا ~~وهم الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه. # ثم ضرب - سبحانه - مثلا لفريق الكافرين ولفريق المؤمنين فقال { مثل ~~الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل ~~يستويان مثلا أفلا تذكرون }. وقوله { مثل ~~الفريقين... } أى حالهم وصفتهم. وأصل المثل بمعنى المثل. والمثل ~~النظير والشبيه ثم أطلق على القول السائر المعروف لمماثلة مضربه - وهو ~~الذى يضرب فيه - لمورده - أى الذى ورد فيه أولا. ولا يكون إلا فيما فيه ~~غرابة. ثم استعير للصفة أو الحال أو القصة إذا كان لها شأن عجيب وفيها ~~غرابة. وإنما تضرب الأمثال لإيضاح المعنى الخفى، وتقريب المعقول من ~~المحسوس وعرض الغائب فى صورة الشاهد. فيكون المعنى الذى ضرب له المثل ~~أوقع فى ms2634 القلوب وأثبت فى النفوس. والمعنى حال الفريقين المذكورين قبل ذلك ~~وهما الكافرون والمؤمنون كحال الضدين المختلفين كل الاختلاف. أما ~~الكافرون فحالهم وصفتهم كحال وصفة من جمع بين العمى والصمم. لأنهم مع ~~كونهم يرون ويسمعون لكنهم لم ينتفعوا بذلك فصاروا كالفاقد لهما. وأما ~~المؤمنون فحالهم وصفتهم كحال وصفة من جمع بين البصر السليم والسمع الواعى ~~لأنهم انتفعوا بما رأوا من دلائل تدل على وحدانية الله وقدرته وبما سمعوا ~~من توجيهات تدل على صحة تعاليم الإسلام. والمقصود من هذا التمثيل. تنبيه ~~الكافرين إلى ما هم عليه من ضلال وجهالة لعلهم بهذا التنبيه يتداركون ~~أمرهم، فيدخلون فى دين الإسلام وتثبيت المؤمنين على ما هم عليه من حق، ~~وبذلك يزدادون إيمانا على إيمانهم. والاستفهام فى قوله { هل ~~يستويان مثلا } للإنكار والنفى، أى هل يستوى فى الصفة والحال ~~من كان ذا سمع وبصر بمن فقدهما؟ كلا إنهما لا يستويان حتى عند أقل ~~العقلاء عقلا. وقوله { أفلا تذكرون } حض على التذكر والتدبر ~~والتفكر. أى أتشكون فى عدم استواء الفريقين؟ لا إن الشك فى عدم استوائهما ~~لا يليق بعاقل وإنما اللائق به هو اعتقاد تباين صفتيهما والدخول فى صفوف ~~المؤمنين الذين عملوا الأعمال الصالحات وأخبتوا إلى ربهم. وبذلك نرى أن ~~هذه الآيات الكريمة قد بينت حال الكافرين وذكرت من أوصافهم أربعة عشر ~~وصفا أولهما افتراء الكذب... وآخرها الخسران فى الآخرة. كما بينت حال ~~المؤمنين وبشرتهم بالخلود فى الجنة ثم ضربت مثلا لكل فريق وشبهت حاله بما ~~يناسبه من صفات.. وفى ذلك ما فيه من الهداية إلى الطريق المستقيم، لمن ~~كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد. وبعد هذا الحديث المتنوع عن مظاهر ~~قدرة الله ووحدانيته وعن إعجاز القرآن الكريم وعن حسن عاقبة المؤمنين ~~وسوء عاقبة المكذبين ساقت السورة الكريمة بترتيب حكيم قصص بعض الأنبياء ~~مع أقوامهم وقد استغرق هذا القصص معظم الآيات الباقية فيها فقد حدثتنا عن ~~قصة نوح مع قومه وعن قصة هود مع قومه، وعن قصة صالح مع قومه، وعن قصة لوط ~~مع قومه، ms2635 وعن قصة شعيب مع قومه، كما تحدثت عن قصة إبراهيم مع رسل الله ~~الذين جاءوه بالبشرى، وعن جانب من قصة موسى مع فرعون. # قال الإمام الرازى إعلم أنه - تعالى - لما ذكر فى تقرير المبدأ والمعاد ~~دلائل ظاهرة، وبينات قاهرة، وبراهين باهرة، أتبعها بذكر قصص الأنبياء ~~وفيه فوائد أحدها التنبيه على أن إعراض الناس عن قبول هذه الدلائل ~~والبينات ليس من خواص قوم النبى - صلى الله عليه وسلم -، بل هذه العادة ~~المذمومة كانت حاصلة فى جميع الأمم السالفة، والمصيبة إذا عمت خفت. فكان ~~ذكر قصصهم وحكاية إصرارهم وعنادهم يفيد تسلية النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- وتخفيف ذلك على قلبه. وثانيها أنه - تعالى - يحكى فى هذه القصص أن ~~عاقبة أمر أولئك المنكرين كان إلى اللعن فى الدنيا والخسارة فى الآخرة. ~~وعاقبة أمر المحقين إلى الدولة فى الدنيا والسعادة فى الآخرة، وذلك يقوى ~~قلوب المحقين، ويكسر قلوب المبطلين. وثالثها التنبيه على أنه - تعالى - ~~وإن كان يمهل هؤلاء المبطلين، ولكنه لا يهملهم، بل ينتقم منهم على أكمل ~~الوجوه. ورابعها بيان أن هذه القصص دالة على نبوة النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - لأنه كان أميا، وما طالع كتابا ولا تتلمذ على أستاذ، فإذا ذكر هذه ~~القصص على هذا الوجه من غير تحريف ولا خطأ، دل ذلك على أنه إنما عرفه ~~بالوحى من الله - تعالى -. وقد بدأت السورة الكريمة قصصها بقصة نوح مع ~~قومه، وقد وردت هذه القصة فى سور متعددة منها سورة الأعراف، وسورة ~~المؤمنون، وسورة نوح... إلا أنها وردت هنا بصورة أكثر تفصيلا من غيرها. { ~~ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه... }. ### || [11.25-27] # وقوله { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه... } جواب لقسم ~~محذوف. أى والله لقد أرسلنا نوحا إلى قومه. والدليل على هذا القسم وجود ~~لامه فى بدء الجملة. وافتتحت القصة بصيغة القسم لأن المخاطبين بها لما لم ~~يحذروا ما نزل بقوم نوح بسبب كفرهم نزلوا منزلة المنكر لرسالته. وينتهى ~~نسب نوح - عليه السلام - إلى شيث بن آدم - عليه السلام - وقد ذكر نوح فى ~~القرآن فى ثلاثة ms2636 وأربعين موضعا. وقوم الرجل هم أقرباؤه الذين يجتمعون معه ~~فى جد واحد وقد يقيم الرجل بين الأجانب فيسميهم قومه مجازا للمجاورة. ~~وكان قوم نوح يعبدون الأصنام فأرسل الله إليهم نوحا ليدلهم على طريق ~~الرشاد. قال ابن كثير قال ابن عباس وغير واحد من علماء التفسير كان أول ~~ما عبدت الأصنام أن قوما صالحين ماتوا. فبنى قومهم عليهم مساجد، وصوروا ~~صور أولئك الصالحين فيها ليتذكروا حالهم وعبادتهم فيتشبهوا بهم. فلما طال ~~الزمان جعلوا أجسادا على تلك الصور فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام ~~وسموها بأسماء أولئك الصالحين ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا فلما تفاقم ~~الأمر بعث الله - تعالى - رسوله نوحا فأمرهم بعبادة الله وحده ". وقوله { ~~إني لكم نذير مبين. أن لا تعبدوا إلا ~~الله... } بيان للوظيفة التى من أجلها أرسل الله - تعالى - نوحا إلى ~~قومه. قال الشوكانى قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائى بفتح الهمزة فى { ~~إنى } على تقدير حرف الجر أى أرسلناه بأنى. أى أرسلناه متلبسا بذلك ~~الكلام وهو أنى لكم نذير مبين. وقرأ الباقون بالكسر على إرادة القول. أى ~~أرسلناه قائلا لهم { إني لكم نذير مبين }. ونذير من ~~الإنذار وهو إخبار معه تخويف.. ومبين من الإبانة بمعنى التوضيح ~~والإظهار.. أى أرسلناه إلى قومه فقال لهم يا قوم إنى لكم محذر تحذيرا ~~واضحا من موجبات العذاب التى تتمثل فى عبادتكم لغير الله - تعالى -. ~~واقتصر على الإنذار لأنهم لم يعملوا بما بشرهم به وهو الفوز برضا الله - ~~تعالى - إذا ما أخلصوا له العبادة والطاعة. وجملة { أن لا ~~تعبدوا إلا الله } بدل من قوله { إني لكم نذير ~~مبين } أى أرسلناه بأن لا تعبدوا إلا الله. وقوله { إني أخاف ~~عليكم عذاب يوم أليم } جملة تعليلية، تبين حرص نوح الشديد ~~على مصلحة قومه ومنفعتهم. أى إنى أحذركم من عبادة غير الله، لأن هذه ~~العبادة ستؤدى بكم إلى وقوع العذاب الأليم عليكم، وما حملنى على هذا ~~التحذير الواضح إلا خوفى عليكم، وشفقتى بكم، فأنا منكم وأنتم منى بمقتضى ~~القرابة والنسب. ووصف اليوم بالأليم على سبيل ms2637 المجاز العقلى، وهو أبلغ من ~~أن يوصف العذاب بالأليم، لأن شدة العذاب لما بلغت الغاية والنهاية فى ~~ذلك، جعل الوقت الذى تقع فيه وقتا أليما أى مؤلما. # ثم حكى - سبحانه - ما رد به قوم نوح عليه فقال { فقال الملأ ~~الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا ~~وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي ~~الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم ~~كاذبين }. والمراد بالملأ أصحاب الجاه والغنى من قوم نوح. وهذا اللفظ ~~اسم جمع لا واحد له من لفظه كرهط وهو - كما يقول الآلوسى - مأخوذ من ~~قولهم فلان ملئ بكذا إذا كان قادرا عليه... أو لأنهم متمالئون أى ~~متظاهرون متعاونون، أو لأنهم يملأون القلوب والعيون... ووصفهم بالكفر، ~~لتسجيل ذلك عليهم من أول الأمر زيادة فى ذمهم. أى بعد هذا النصح الحكيم ~~الذى وجهه نوح - عليه السلام - لقومه، رد عليه أغنياؤهم وسادتهم بقولهم { ~~ما نراك } يا نوح إلا بشر مثلنا، أى إلا إنسانا مثلنا، ليست فيك مزية ~~تجعلك مختصا بالنبوة دوننا... فهم - لجهلهم وغبائهم - توهموا أن النبوة ~~لا تجامع البشرية، مع أن الحكمة تقتضى أن يكون الرسول بشرا من جنس المرسل ~~إليهم، حتى تتم فائدة التفاهم معه، والاقتداء به فى أخلاقه وسلوكه. وقد ~~حكى القرآن قولهم هذا فى أكثر من موضع، ومن ذلك قوله - تعالى - # وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا ~~بلقآء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما ~~هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ~~ويشرب مما تشربون. ولئن أطعتم بشرا مثلكم ~~إنكم إذا لخاسرون... # ثم إنهم فى التعليل لعدم اتباع نبيهم لم يكتفوا بقولهم ما نراك إلا بشر ~~مثلنا بل أضافوا إلى ذلك قولهم { وما نراك اتبعك إلا ~~الذين هم أراذلنا بادي الرأي } ومرادهم بقولهم { ~~أراذلنا } أى فقراؤنا ومن لا وزن لهم فينا. قال الجمل ولفظ { ~~أراذلنا } فيه وجهان أحدهما أنه جمع الجمع فهو جمع أرذل - بضم الذال ~~- جمع رذل - بسكونها - نحو كلب وأكلب وأكالب... ثانيهما أنه جمع مفرد وهو ~~أرذل كأكبر وأكابر.. والأرذل ms2638 هو المرغوب عنه لرداءته ". ومرادهم بقولهم { ~~بادي الرأي } أى أوله من البدء. يقال بدأ يبدأ إذا فعل الشئ أولا ~~وعليه تكون الياء مبدلة من الهمزة لانكسار ما قبلها ويؤيده قراءة أبى ~~عمرو " بادئ الرأى ". أى وما نراك اتبعك يا نوح إلا الذين هم أقلنا شأنا ~~وأحقرنا حالا من غير أن يثبتوا من حقيقة أمرك، ولو تثبتوا وتفكروا ما ~~اتبعوك ويصح أن يكون مرادهم بقولهم { بادي الرأي } أى اتبعوك ~~ظاهرا لا باطنا، ويكون لفظ { بادى } من البدو بمعنى الظهور. يقال بدا ~~الشئ يبدو بدوا وبدوءا وبداء أى ظهور وعليه يكون المعنى وما نراك ~~اتبعك يا نوح إلا الذين هم أهوننا أمرا، ومع ذلك فإن اتباعهم لك إنما هو ~~فى ظاهر أمرهم، أما بواطنهم فهى تدين بعقيدتنا. # وشبيه بهذه الجملة قوله - تعالى - # قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون # قال صاحب الكشاف وإنما استرذلوا المؤمنين لفقرهم وتأخرهم فى الأسباب ~~الدنيوية لأنهم أى الملأ من قوم نوح - كانوا جهالا ما كانوا يعلمون إلا ~~ظاهرا من الحياة الدنيا فكان الأشرف عندهم من له جاه ومال كما ترى أكثر ~~المتسمين بالإسلام، يعتقدون ذلك ويبنون عليه إكرامهم وإهانتهم، ولقد زال ~~عنهم أن التقدم فى الدنيا - مع ترك الآخرة - لا يقرب أحدا من الله وإنما ~~يبعده، ولا يرفعه بل يضعه، فضلا عن أن يجعله سببا فى الاختيار للنبوة ~~والتأهيل لها... ثم أضافوا إلى مزاعمهم السابقة زعما جديدا فقالوا { ~~وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين ~~}. والفضل الزيادة فى الشرف والغنى وغيرهما مما يتميز به الإنسان عن ~~غيره. والمراد هنا آثاره التى تدل عليه. أى أنت يا نوح لست إلا بشرا ~~مثلنا، وأتباعك هم أحقرنا شأنا، وما نرى لك ولمتبعيك شيئا من الزيادة ~~علينا لا فى العقل ولا فى غيره، بل إننا لنعتقد أنكم كاذبون فى دعواكم ~~أنكم على الحق، لأن الحق فى نظرنا هو فى عبادة هذه الأصنام التى عبدها من ~~قبلنا آباؤنا. وهكذا نرى أن الملأ من قوم نوح - عليه السلام - قد عللوا ~~كفرهم بما جاءهم ms2639 به بثلاث علل، أولها أنه بشر مثلهم وثانيها أن أتباعه من ~~فقرائهم وثالثها أنه لا مزية له ولأتباعه عليهم.. وهى كلها علل باطلة، ~~تدل على جهلهم، وانطماس بصيرتهم، ويدل على ذلك، رد نوح - عليه السلام - ~~الذى حكاه القرآن فى قوله - تعالى - { قال يقوم أرأيتم إن ~~كنت على بينة... }. ### || [11.28-31] # { قال يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ~~ربي... } أى قال نوح - عليه السلام - فى رده على الملأ الذين كفروا ~~من قومه { قال يقوم } أى يا أهلى وعشيرتى الذين يسرنى ما يسرهم ~~ويؤلمنى ما يؤلمهم. { أرأيتم إن كنت على بينة من ~~ربي } أى اخبرونى إن كنت على بصيرة من أمرى، وحجة واضحة من ربى، بها ~~يتبين الحق من الباطل. { وآتاني رحمة من عنده } أى ومنحنى ~~بفضله وإحسانه النبوة التى هى طريق الرحمة لمن آمن بها، واتبع من اختاره ~~الله لها. فالمراد بالرحمة هنا النبوة { فعميت عليكم } أى ~~فأخفيت عليكم هذه الرحمة، وغاب عنكم الانتفاع بهداياتها، لأنكم ممن استحب ~~العمى على الهدى. يقال عمى على فلان الأمر أى أخفى عليه حتى صار ~~بالنسبة إليه كالأعمى قال صاحب المنار قرأ الجمهور فعميت - بالتخفيف - ~~كخفيت وزنا ومعنى. قال - تعالى - # فعميت عليهم الأنبآء يومئذ فهم لا ~~يتسآءلون # وقرأ حمزة والكسائى وحفص بالتشديد والبناء للمفعول { فعميت } أى ~~فحجبها عنكم جهلكم وغروركم.. والتعبير بعميت مخففة ومشددة أبلغ من ~~التعبير بخفيت وأخفيت، لأنه مأخوذ من العمى المقتضى لأشد أنواع الخفاء. ~~والاستفهام فى قوله { أنلزمكموها وأنتم لها كارهون } ~~للإنكار والنفى. أى إذا كانت الهداية إلى الخير التى جئتكم بها قد خفيت ~~عليكم مع وضوحها وجلائها، فهل استطيع أنا وأتباعى أن نجبركم إجبارا، ~~ونقسركم قسرا على الإيمان بى، وعلى التصديق بنبوتى، والحال أنكم كارهون ~~لها نافرون منها. كلا إننا لا نستطيع ذلك لأن الإيمان الصادق يكون عن ~~اقتناع واختيار لا عن إكراه وإجبار. قال صاحب الظلال ما ملخصه واللفظ فى ~~القرآن قد يرسم بجرسه صورة كاملة للتناسق الفنى بين الألفاظ، ومن أمثله ~~ذلك قوله - تعالى - فى قصة نوح مع قومه ms2640 { أنلزمكموها... } فأنت ~~تحس أن كلمة انلزمكموها تصور جو الإكراه، بإدماج كل هذه الضمائر فى ~~النطق، وشد بعضها إلى بعض كما يدمج الكارهون مع ما يكرهون، ويشدون إليه ~~وهم نافرون، وهكذا يبدو لون من التناسق فى التعبير أعلى من البلاغة ~~الظاهرية، وأرفع من الفصاحة اللفظية. ثم وجه نوح - عليه السلام - نداء ~~ثانيا إلى قومه زيادة فى التلطف معهم، وطمعا فى إثارة وجدانهم نحو الحق ~~فقال { ويقوم لا أسألكم عليه مالا }. أى لا أطلب منكم ~~شيئا من المال فى مقابل تبليغ ما أمرنى ربى بتبليغه إليكم لأن طلبى هذا ~~قد يجعلكم تتوهمون أنى محب للمال. { إن أجري إلا على الله ~~} - تعالى وحده، فهو الذى يثيبنى على دعوتى إلى عبادتكم له، وفى هذه ~~الجملة إشارة إلى أنه لا يسأل الله - تعالى - مالا، وإنما يسأله ثوابا، ~~إذ ثواب الله يسمى أجرا، لأنه جزاء على العمل الصالح. # وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فى سورة الشعراء # ومآ أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على ~~رب العالمين # وجملة { ومآ أنا بطارد الذين آمنوا } معطوفة على جملة ~~{ لا أسألكم عليه مالا } لأن مضمونها كالنتيجة لمضمون ~~المعطوف عليها، إذ أن زهده فى مالهم يقتضى تمسكه بأتباعه المؤمنين. الطرد ~~الأمر بالبعد عن مكان الحضور تحقيرا أو زجرا. أى وما أنا بطارد الذين ~~آمنوا بدعوتى، سواء أكانوا من الفقراء أم من الأغنياء، لأن من استغنى عن ~~مال الناس وعطائهم لا يقيسهم بمقياس الغنى والجاه والقوة... وإنما يقيسهم ~~بمقياس الإيمان والتقوى. قال الآلوسى والمروى عن ابن جريح أنهم قالوا له ~~" يا نوح إن أحببت أن نتبعك فاطرد هؤلاء الأراذل - وإلا فلن نرضى أن نكون ~~نحن وهم فى الأمر سواء. وذلك كما قال زعماء قريش للنبى - صلى الله عليه ~~وسلم - فى شأن فقراء الصحابة اطرد هؤلاء عن مجلسك ونحن نتبعك فإنا نستحى ~~أن نجلس معهم فى مجلسك... " وجملة { إنهم ملاقو ربهم } ~~تعليل لنفى طردهم. أى لن أطردهم عن مجلسى أبدا، لأنهم قد آمنوا بى، ولأن ~~مصيرهم إلى الله - تعالى -، فيحاسبهم على سرهم ms2641 وعلنهم، أما أنا فأكتفى ~~منهم بظواهرهم التى تدل على صدق إيمانهم، وشدة إخلاصهم. وجاءت هذه الجملة ~~بصيغة التأكيد، لأن الملأ الذين كفروا من قومه كانوا ينكرون البعث ~~والحساب. وقوله { ولكني أراكم قوما تجهلون } استدراك ~~مؤكد لمضمون ما قبله. أى لن اطردهم، لأن ذلك ليس من حقى بعد أن آمنوا، ~~وبعد أن تكفل الله بمحاسبتهم ولكنى مع هذا البيان المنطقى الواضح، أراكم ~~قوما تجهلون القيم الحقيقية التى يقدر بها الناس عند الله، وتجهلون أن ~~مرد الناس جميعا إليه وحده - سبحانه - ليحاسبهم على أعمالهم، وتتطاولون ~~على المؤمنين تطاولا يدل على طغيانكم وسفاهتكم. وحذف مفعول { تجهلون ~~} للعلم به، وللإشارة إلى شدة جهلهم. أى تجهلون كل ما ينبغى ألا يجهله ~~عاقل. ثم وجه إليهم نداء ثالثا لعلهم يفيئون إلى رشدهم فقال { ويقوم ~~من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون } ~~أى افترضوا يا قوم أنى طردت هؤلاء المؤمنين الفقراء من مجلسى، فمن ذا ~~الذى يحمينى ويجبرنى من عذاب الله، لأنه - سبحانه - ميزانه فى تقييم ~~الناس ليس كميزانكم، إن أكرم الناس عنده هو أتقاكم وليس أغناهم، وهؤلاء ~~المؤمنون هم أكرم عنده - سبحانه - منكم، فكيف أطردهم؟ والاستفهام فى قوله ~~{ أفلا تذكرون } لتوبيخهم وزجرهم. والجملة معطوفة على مقدر. أى ~~أتصرون على جهلكم فلا تتذكرون أن لهم ربا ينصرهم إن طردتهم؟ إنكم إن ~~بقيتم على هذا الإصرار سيكون أمركم فرطا، وستتعرضون للعذاب الأليم الذى ~~يهلككم. # ثم أخذ نوح - عليه السلام - فى تفنيد شبهاتهم، وفى دحض مفترياتهم، وفى ~~تعريفهم بحقيقة أمره فقال { ولا أقول لكم عندي خزآئن ~~الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك... } ~~والخزائن جمع خزانة - بكسر الخاء - وهو المكان الذى يخزن فيه الماء أو ~~الطعام أو غيرهما خشية الضياع، والمراد منها هنا أنواع رزقه - سبحانه - ~~التى يحتاج إليها عباده، وأضيفت إليه - سبحانه - لاختصاصه بها. وملكيته ~~لها. أى إنى لا أقول لكم إن النبوة التى وهبنى الله إياها، تجعلنى أملك ~~خزائن أرزاقه - سبحانه - فأصير بذلك من الأثرياء، وأعطى من أشاء بغير ~~حساب... كلا. إنى لا أملك شيئا ms2642 من ذلك، وإنما أنا عبد الله ورسوله، ~~أرسلنى لأخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. وهذه الجملة الكريمة رد ~~على قولهم السابق! # وما نرى لكم علينا من فضل # وأيضا لا أقول لكم إنى أعلم الغيوب التى اختص الله بعلمها، فأدعى قدرة ~~ليست للبشر، أو أزعم أن لى صلة بالله - تعالى - غير صلة النبوة - أو أدعى ~~الحكم على قلوب الناس وعلى منزلتهم عند الله، كما ادعيتم أنتم فقلتم # ما نراك إلا بشرا مثلنا # ولم يكتف نوح - عليه السلام - بهذا الرد المبطل لدعاواهم الفاسدة، بل ~~أضاف إلى ذلك - كما حكى القرآن عنه - { ولا أقول لكم عندي ~~خزآئن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ~~ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم ~~الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا ~~لمن الظالمين }. وقوله { تزدري } من الازدراء بمعنى ~~التحقير والانتقاص، يقال ازدرى فلان فلانا إذا احتقره وعابه. أى أنا لا ~~أقول لكم بأنى أملك خزائن الله، أو بأنى أعلم الغيب، أو بأنى ملك من ~~الملائكة، ولا أقول لكم - أيضا - فى شأن الذين تنظرون إليهم نظرة احتقار ~~واستصغار إنهم - كما تزعمون - { لن يؤتيهم الله خيرا } ~~يسعدهم فى دينهم ودنياهم وآخرتهم، بل أقول لكم إنه - سبحانه - سيؤتيهم ~~ذلك - إذا شاء - لأنه - سبحانه - هو الأعلم بما فى نفوسهم من خير أو شر - ~~أما أنا فلا علم لى إلا بظواهرهم التى تدل على إيمانهم وإخلاصهم و { ~~إني إذا لمن الظالمين } لنفسى ولغيرى إذا ادعيت أية دعوى ~~من هذه الدعاوى. قال البيضاوى ما ملخصه، وأسند - سبحانه - الازدراء إلى ~~الأعين فى قوله { تزدري أعينكم } للمبالغة والتنبيه على أنهم ~~استرذلوهم بادى الرؤية - أى بمجرد نظرهم إليهم - من غير روية بسبب ما ~~عاينوه من رثاثة حالهم وقلة منالهم، دون تأمل فى معانيهم وكمالاتهم. وهذا ~~الإسناد من باب المجاز العقلى، لأن الازدراء ينشأ عن مشاهدة الصفات ~~الحقيرة " فى نظر الناظر " فتكون الأعين سببا فى هذا الازدراء. # وأكد جملة { إني إذا لمن الظالمين } بعدة مؤكدات، تحقيقا ~~لظلم كل من يدعى شيئا من ms2643 هذه الدعاوى، وتكذيبا لأولئك الكافرين الذين ~~احتقروا المؤمنين، وزعموا أن الله - تعالى - لن يؤتيهم خيرا. وهكذا نجد ~~نوحا - عليه السلام - يشرح لقومه بأسلوب مهذب حكيم حقيقة أمره، ويرد على ~~شبهاتهم بما يزهقها... وعندما وجدوا أنفسهم عاجزين عن الرد على نبيهم ~~بأسلوب مقارعة الحجة بالحجة، لجأوا - على عادة طبقتهم - إلى أسلوب التحدى ~~وقد أخذتهم العزة بالإثم فقالوا - كما حكى القرآن عنهم { قالوا ~~ينوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا... } ### || [11.32-34] # أى قال قوم نوح - عليه السلام - له بعد أن غلبهم بحجته، وعجزوا عن ~~الدفاع عن أنفسهم { ينوح قد جادلتنا فأكثرت ~~جدالنا... } أى خاصمتنا ونازعتنا فأكثرت فى ذلك حتى لم تترك لنا ~~منفذا للرد عليك، والجدال هو المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة. ~~وأصله - كما يقول الآلوسى - من جدلت الحبل إذا أحكمت فتله، ومنه الجديل - ~~أى الحبل المفتول - وجدلت البناء أحكمته، والأجدل الصقر المحكم البنية، ~~والمجدل - كمنبر القصر المحكم البناء... وسميت المنازعة فى الرأى جدالا، ~~لأن كل واحد من المتجادلين كأنما، يفتل الآخر عن رأيه - أى بصرفه عنه ~~-... وقيل الأصل فى الجدال الصراع، وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة - ~~بفتح الجيم - أى الأرض الصلبة ". ثم أضافوا إلى هذا العجز عن مجابهة ~~الحجة سفاهة فى القول فقالوا { فأتنا بما تعدنآ إن كنت من ~~الصادقين }. أى لقد سئمنا مجادلتك لنا ومللناها، فأتنا بالعذاب الذى ~~تتوعدنا به، إن كنت من الصادقين فى دعواك النبوة، وفى وعيدك لنا بعقاب ~~الله، فإننا مصرون على عبادة آلهتنا، وكارهون لما تدعونا إليه. وهذا شأن ~~الجاهل المعاند، إنه بشهر السيف إذا أعجزته الحجة، ويعلن التحدى إذا يئس ~~عن مواجهة الحق... ولكن نوحا - عليه السلام - لم يخرجه هذا التحدى عن ~~سمته الكريم، ولم يعقده عناد قومه عن مداومة النصح لهم، وإرشادهم إلى ~~الحقيقة التى ضلوا عنها، فقد رد عليهم بقوله { إنما يأتيكم به ~~الله إن شآء ومآ أنتم بمعجزين }. أى إنما يأتيكم بهذا ~~العذاب الذى تستعجلونه الله - تعالى - وحده، إن شاء ذلك، لأنه هو الذى ~~يملكه { ومآ أنتم بمعجزين } أى وما أنتم بمستطيعين الهروب من ms2644 ~~عذابه متى اقتضت مشيئته - سبحانه - إنزاله لكم، لأنه - تعالى - لا يعجزه ~~شئ. ثم أضاف إلى هذا الاعتراف بقدرة الله - تعالى - اعترافا آخر بشمول ~~إرادته فقال { ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح ~~لكم }. والنصح معناه تحرى الصلاح والخير للمنصوح مع إخلاص النية من ~~شوائب الرياء. يقال نصحته ونصحت له... أى أرشدته إلى ما فيه صلاحه. ويقال ~~رجل ناصح الجيب إذا كان نقى القلب طاهر السريرة. والناصح الخالص من كل ~~شئ. أى إنى قد دعوتكم إلى طاعة الله ليلا ونهارا، ولم أقصر معكم فى ~~النصيحة ومع ذلك فإن نصحى الدائم لن يفيدكم شيئا، ما دامت قلوبكم فى عمى ~~عنه، وأسماعكم فى صمم منه، ونفوسكم على غير استعداد له. وجواب الشرط فى ~~قوله { إن أردت أن أنصح لكم } محذوف لدلالة ما قبله عليه. ~~وقوله { إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم ~~وإليه ترجعون } زيادة تأكيد منه - عليه السلام - لعموم قدرة ~~الله وإرادته. # أى إن كان الله - تعالى - يريد أن يضلكم عن طريق الحق، ويصرفكم عن ~~الدخول فيه، بسبب إصراركم على الجحود والعناد، فعل ذلك، لأنه هو ربكم ~~ومالك أمركم، وإليه وحده ترجعون يوم القيامة، ليجازيكم الجزاء الذى ~~تستحقونه. وهكذا نجد نوحا - عليه السلام - قد سلك فى دعوته إلى الله، ~~أحكم السبل، واستعمل أبلغ الأساليب، وصبر على سفاهة قومه صبرا جميلا. ~~وعند هذا الحد من قصة نوح مع قومه، تنتقل السورة الكريمة انتقالا سريعا ~~بقارئها إلى الحديث عن مشركى مكة، الذين أنكروا أن يكون القرآن من عند ~~الله، ووقفوا من نبيهم - صلى الله عليه وسلم - موقفا يشبه موقف قوم نوح ~~منه - عليه السلام - فترد عليهم بقوله - تعالى - { أم يقولون ~~افتراه قل... }. ### || [11.35] # وأم هنا منقطعة بمعنى بل التى للإضراب، وهو انتقال المتكلم من غرض إلى ~~آخر. والافتراء الكذب المتعمد الذى لا توجد أدنى شبهة لقائله. والإجرام ~~اكتساب الجرم وهو الشئ القبيح الذى يستحق فاعله العقاب. يقال أجرم فلان ~~وجرم واجترم، بمعنى اقتراف الذنب الموجب للعقوبة وللمفسرين فى معنى هذه ~~الآية اتجاهان الاتجاه ms2645 الأول يرى أصحابه أنها معترضة بين أجزاء قصة نوح ~~مع قومه، وأنها فى شأن مشركى مكة الذين أنكروا أن يكون القرآن من عند ~~الله. وعليه يكون المعنى. لقد سقنا لك يا محمد من أخبار السابقين ما هو ~~الحق الذى لا يحوم حوله باطل، ولكن المشركين من قومك لم يعتبروا بذلك، بل ~~يقولون إنك قد افتريت هذا القرآن، قل لهم إن كنت قد افتريته - على سبيل ~~الفرض - فعلى وحدى تقع عقوبة إجرامى وافترائى الكذب، وأنا برئ من عقوبة ~~إجرامكم وافترائكم الكذب. أما الاتجاه الثانى فيرى أصحابه أن الآية ~~الكريمة ليست معترضة، وإنما هى من قصة نوح عليه السلام - وعليه يكون ~~المعنى بل أيقول قوم نوح إن نوحا - عليه السلام - قد افترى واختلق ما جاء ~~به من عند نفسه ثم نسبه إلى الله - تعالى - قل لهم إن كنت قد افتريته ~~فعلى سوء عاقبة إجرامى وكذبى، وأنا برئ مما تقترفونه من منكرات، وما ~~تكتبسونه من ذنوب. ويبدو لنا أن الاتجاه الأول أرجح، لأن التعبير عن ~~أفكارهم بيقولون، وعن الرد عليهم بقل، الدالين على الحال والاستقبال، ~~يقوى أن الآية الكريمة فى شأن مشركى مكة. وقد اقتصر الإمام ابن جرير على ~~الاتجاه الأول، ولم يذكر شيئا عن الاتجاه الثانى مما يدل على ترجيحه ~~للاتجاه الأول فقال ما ملخصه يقول - تعالى - ذكره " أيقول يا محمد هؤلاء ~~المشركون من قومك افترى محمد هذا القرآن وهذا الخبر عن نوح، قل لهم إن ~~افتريته فتخرصته واختلقته فعلى إثمى فى افترائى ما اقتريت على ربى ~~دونكم.. وأنا برئ مما تذنبون وتأثمون فى حقى وحق ربكم... " وإلى هنا نرى ~~الآيات الكريمة قد حكت لنا جانبا من مجادلة قوم نوح له، ومن تطاولهم ~~عليه، ومن تحديهم لدعوته، كما حكت لنا رده عليهم بأسلوب حكيم، جعلهم ~~يعجزون عن مجابهته فماذا كان من شأنه وشأنهم بعد ذلك؟ * * * لقد تابعت ~~السورة الكريمة حديثها عن هذه القصة، فبينت بعد ذلك قضاء الله العادل فى ~~هؤلاء الظالمين، حيث حكت لنا ما أوحاه الله إلى نوح - عليه السلام ms2646 - فى ~~شأنهم، وما أمره بصنعه... فقال - تعالى - { وأوحي إلى نوح ~~أنه لن يؤمن... }. ### || [11.36-39] # وقوله - سبحانه - { وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من ~~قومك إلا من قد آمن } على قوله # قالوا ينوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا.. # أى بعد أن لج قوم نوح فى طغيانهم، وصموا آذانهم عن سماع دعوته.. أوحى ~~الله - تعالى - إلى نوح بأن يكتفى بمن معه من المؤمنين، فإنه لم يبق فى ~~قومه من يتوقع إيمانه بعد الآن، وبعد أن مكث زمنا طويلا يدعوهم إلى ~~الدخول فى الدين الحق، فلم يزدهم دعاؤه إلا فرارا.. وقوله { فلا ~~تبتئس بما كانوا يفعلون } تسلية له - عليه السلام - عما ~~أصابه منهم من أذى. والابتئاس الحزن. يقال ابتأس فلان بالأمر، إذا بلغه ~~ما يكرهه ويغمه، والمبتئس الكاره الحزين فى استكانة. أى فلا تحزن بسبب ~~إصرارهم على كفرهم، وتماديهم فى سفاهاتهم وطغيانهم، فقد أن الأوان ~~للانتقام منهم. قال الإمام ابن كثير يخبر الله - تعالى - فى هذه الآية، ~~أنه أوحى إلى نوح لما استعجل قومه نقمة الله بهم، وعذابه لهم، فدعا عليهم ~~نوح دعوته وهى # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # فمنذ ذلك أوحى الله - تعالى - إليه { أنه لن يؤمن من قومك ~~إلا من قد آمن } فلا تحزن عليهم، ولا يهمنك أمرهم ". وقوله { ~~واصنع الفلك بأعيننا ووحينا... } معطوف على قوله.. { ~~فلا تبتئس... } والفلك ما عظم من السفن، ويستعمل هذا اللفظ ~~للواحد والجمع، والمراد به هنا سفينة واحدة عظيمة قام بصنعها نوح - عليه ~~السلام -. والباء فى قوله { بأعيننا } للملابسة، والجار والمجرور ~~فى موضع الحال من ضمير اصنع. أى واصنع الفلك يا نوح، حالة كونك بمرأى ~~منا، وتحت رعايتنا وتوجيهنا وإرشادنا عن طريق وحينا. وقوله - سبحانه - { ~~ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون } ~~نهى له عن المراجعة بشأنهم. أى ولا تخاطبنى يا نوح فى شأن هؤلاء ~~الظالمين، بأن ترجونى فى رحمتهم أو فى دفع العذاب عنهم، فقد صدر قضائى ~~بإغراقهم ولا راد لقضائى. وقوله - تعالى - { واصنع الفلك } بيان ~~لامتثال نوح لأمر ربه. وجاء التعبير بالفعل ms2647 المضارع مع أن الصنع كان فى ~~الماضى استحضارا لصورة الصنع، حتى لكأن نوحا - عليه السلام - يشاهد الآن ~~وهو يصنعها. ثم بين - سبحانه - موقف قومه منه وهو يصنعها وقال { ~~وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه... } ~~والسخرية الاستهزاء. يقال سخر فلان من فلان وسخر به، إذا استخف به وضحك ~~منه. أى امتثل نوح لأمر ربه، فطفق يصنع الفلك، فكان الكافرون من قومه ~~كلما مروا به وهو يصنعها استهزأوا به، وتعجبوا من حاله، وقالوا له على ~~سبيل التهكم به، يا نوح صرت نجارا بعد أن كنت نبيا، كما جاء فى بعض ~~الآثار. # وهنا يرد عليهم نوح بقوله { إن تسخروا منا فإنا نسخر ~~منكم كما تسخرون }. أى قال نوح لهم إن تسخروا منى ومن أتباعى ~~اليوم لصنعنا السفينة، وتستجهلوا منا هذا العمل، فإنا سنسخر منكم فى ~~الوقت القريب سخرية محققة فى مقابل سخريتكم الباطلة. قال الإمام الرازى ~~وقوله { إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما ~~تسخرون } فيه وجوه الأول التقدير إن تسخروا منا فى هذه الساعة فإنا ~~نخسر منكم سخرية مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق فى الدنيا والخزى فى ~~الآخرة. الثانى إن حكمتم علينا بالجهل فيما نصنع فإنا نحكم عليكم بالجهل ~~فيما أنتم عليه من الكفر والتعرض لسخط الله وعذابه، فأنتم أولى بالسخرية ~~منا. الثالث إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم، واستجهالكم أقبح وأشد، لأنكم لا ~~تستجهلون إلا لأجل الجهل بحقيقة الأمر، والاغترار بظاهر الحال، كما هو ~~عادة الأطفال. ثم أضاف نوح - عليه السلام - إلى تهديدهم تهديدا آخر فقال ~~{ فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل ~~عليه عذاب مقيم }. أى فسوف تعلمون عما قريب، من منا الذى ~~سينزل عليه العذاب المخزى المهين فى الدنيا، ومن منا الذى سيحل عليه ~~العذاب الدائم الخالد فى الآخرة. وبهذا نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ~~قررت حكم الله الفاضل فى شأن قوم نوح - عليه السلام - بعد أن لبث فيهم ~~زمنا طويلا يدعوهم إلى الحق، ولكنهم صموا آذانهم عنه فماذا كان من أمره ~~وأمرهم بعد ذلك. كان من ms2648 أمره وأمرهم بعد ذلك أن أمر الله - تعالى - نوحا ~~- عليه السلام - أن يحمل فى السفينة بعد أن أتم صنعها من كل نوع من أنواع ~~الحيوانات ذكرا وأنثى، ثم نزل الطرفان، وسارت السفينة بمن فيها، وأغرق ~~الله - تعالى - الظالمين، وقد حكى - سبحانه - كل ذلك فقال - تعالى { ~~حتى إذا جآء أمرنا... } ### || [11.40-44] # فقوله - سبحانه - { حتى إذا جآء أمرنا وفار التنور ~~قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين... } بيان لمرحلة ~~جديدة من مراحل قصة نوح - عليه السلام - مع قومه. و { حتى } هنا حرف غاية ~~لقوله - تعالى - قبل ذلك { ويصنع الفلك...إلخ }. والمراد بالأمر ~~فى قوله - سبحانه - { حتى إذا جآء أمرنا... } حلول وقت نزول ~~العذاب بهم، فهو مفرد الأمور، أى حتى إذا حل بهم وقت عذابنا.. قلنا احمل ~~فيها من كل زوجين اثنين. ويصح أن يكون المراد به الأمر بالشئ على أنه ~~مفرد الأوامر، فيكون المعنى حتى إذا جاء أمرنا لنوح بركوب السفينة، ~~وللأرض بتفجير عيونها، وللسماء بإنزال أمطارها.. قلنا احمل فيها... ~~وجملة، وفار التنور، معطوفة على { جآء أمرنا } وكلمة { فار } من ~~الفور والفوران، وهو شدة الغليان للماء وغيره. قال صاحب المنار ما ملخصه ~~" والفور والفوران ضرب من الحركة والارتفاع والقوى، يقال فى الماء إذا ~~غلا وارتفع... ويقال فى النار إذا هاجت قال - تعالى - # إذآ ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور # ومن المجاز فار الغضب، إذا اشتد... وللمفسرين فى المراد بلفظ { التنور } ~~أقوال منها أن المراد به الشئ الذى يخبز فيه الخبز، وهو ما يسمى بالموقد ~~أو الكانون... ومنها أن المراد به وجه الأرض... ومنها أن المراد به موضع ~~اجتماع الماء فى السفينة... ومنها أن المراد به طلوع الفجر من قولهم تنور ~~الفجر... ومنها أن المراد به أعالى الأرض والمواضع المرتفعة فيها.. وقيل ~~إن الكلام على سبيل المجاز، والمراد بقوله - سبحانه - { وفار ~~التنور } التمثيل بحضور العذاب، كقولهم، حمى الوطيس، إذا اشتد ~~القتال. وأرجح هذه الأقوال أولها، لأن التنور فى اللغة يطلق على الشئ ~~الذى يخبز فيه، وفورانه معناه نبع الماء منه بشدة مع الارتفاع ms2649 والغليان، ~~كما يفور الماء فى القدر عند الغليان، ولعل ذلك كان علامة لنوح - عليه ~~السلام - على اقتراب وقت الطوفان. وقد رجح هذا القول المحققون من ~~المفسرين، فقد قال الإمام ابن جرير بعد أن ذكر جملة من الأقوال فى معنى ~~التنور " وأولى الأقوال عندنا بتأويل قوله { التنور } قول من قال هو ~~التنور الذى يخبز فيه، لأن هذا هو المعروف من كلام العرب، وكلام الله لا ~~يوجه إلا إلى الأغلب الأشهر من معانيه عند العرب، إلا أن تقوم حجة على شئ ~~منه بخلاف ذلك، فيسلم لها. وذلك لأنه جل ثناؤه إنما خاطبهم بما خاطبهم به ~~لإفهامهم معنى ما خاطبهم به. أى قلنا لنوح حين جاء عذابنا قومه... وفار ~~التنور الذى جعلنا فورانه بالماء آية مجئ عذابنا.. احمل فيها - أى ~~السفينة من كل زوجين اثنين. # . وقال الإمام الرازى ما ملخصه فإن قيل فما الأصح من هذه الأقوال - فى ~~معنى التنور...؟ قلنا الأصل حمل الكلام على حقيقته، ولفظ التنور حقيقة فى ~~الموضع الذى يخبز فيه، فوجب حمل اللفظ عليه... ثم قال والذى روى من أن ~~فور التنور كان علامة لهلاك القوم لا يمتنع لأن هذه واقعة عظيمة، وقد وعد ~~الله - تعالى - المؤمنين النجاة فلا بد أن يجعل لهم علامة بها يعرفون ~~الوقت المعين " فلا يبعد جعل هذه الحالة علامة لحدوث هذه الواقعة ". ~~وجملة { قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ~~وأهلك } جواب إذا. ولفظ { زوجين } تثنية زوج، والمراد به هنا الذكر ~~والأنثى من كل نوع. قراءة الجمهور { من كل زوجين اثنين } ~~بدون تنوين للفظ كل، وإضافته إلى زوجين. وقرأ حفص { من كل زوجين ~~اثنين } بتنوين لفظ كل وهو تنوين عوض عن مضاف إليه، والتقدير احمل ~~فيها من كل نوع من أنواع المخلوقات التى أنت فى حاجة إليها ذكرا وأنثى. ~~ويكون لفظ { زوجين } مفعولا لقوله { احمل } واثنين صفة له. والمراد بأهله ~~أهل بيته كزوجته وأولاده، وأكثر ما يطلق لفظ الأهل على الزوجة، كما فى ~~قوله - # فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب ~~الطور ms2650 نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا... # والمراد بأهله من كان مؤمنا منهم. وجملة { إلا من سبق عليه ~~القول } استثناء من الأهل. أى احمل فيها أهلك إلا من سبق عليه قضاؤنا ~~بكفره منهم فلا تحمله. والمراد بمن سبق عليه القول زوجته التى جاء ذكرها ~~فى سورة التحريم فى قوله - تعالى - # ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح ~~وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا ~~صالحين فخانتاهما.. # وابنه الذى أبى أن يركب معه السفينة. قال الآلوسى عند تفسيره لهذه ~~الجملة والمراد زوجة له أخرى تسمى واعلة بالعين المهملة، وفى رواية والقه ~~وابنه منها واسمه كنعان.. وكانا كافرين " وجملة { ومن آمن } معطوفة ~~على قوله { وأهلك } أى واحمل معك من آمن بك من قومك. والمعنى للآية ~~الكريمة لقد امتثل نوح أمر ربه له بصنع السفينة، حتى إذا ما تم صنعها، ~~وحان وقت نزول العذاب بالكافرين من قومه، وتحققت العلامات الدالة على ~~ذلك، قال الله - تعالى - لنوح احمل فيها من كل نوع من أنواع المخلوقات ~~التى أنت فى حاجة إليها ذكر و أنثى، واحمل فيها أيضا من آمن بك من أهل ~~بيتك دون من لم يؤمن، واحمل فيها كذلك جميع المؤمنين الذين اتبعوا دعوتك ~~من غير أهل بيتك. وقد ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على قلة عدد ~~من آمن به فقال { ومآ آمن معه إلا قليل }. # أى وما آمن معه إلا عدد قليل من قومه بعد أن لبث فيهم قرونا متطاولة ~~يدعوهم إلى الدين الحق ليلا ونهارا، وسرا وعلانية. قال الآلوسى بعد أن ~~ساق أقوالا فى عدد من آمن بنوح - عليه السلام - من قومه... والرواية ~~الصحيحة أنهم كانوا تسعة وسبعين زوجته، وبنوه الثلاثة ونساؤهم، واثنان ~~وسبعون رجلا وامرأة من غيرهم... " ثم حكى - سبحانه - ما قاله نوح ~~للمؤمنين عند ركوبهم السفينة فقال { وقال اركبوا فيها بسم ~~الله مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيم }. ~~ومجريها ومرساها، قرأهما الجمهور بضم الميمين فيهما، وهما مصدران من جرى ~~وأرسى. والباء فى { بسم الله } للملابسة، والآية الكريمة معطوفة ~~على ms2651 جملة، قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين. أى قلنا له ذلك فامتثل ~~أمرنا، وقال لمن معه من المؤمين سلموا أمركم لمشيئة الله - تعالى - ~~وقولوا عند ركوب السفينة باسم الله جريها فى هذا الطوفان العظيم، وباسم ~~الله إرساءها فى المكان الذى يريد الله - تعالى - إرساءها فيه. قال الشيخ ~~الفاضل ابن عاشور وعدى فعل { اركبوا } بفى، جريا على الأسلوب الفصيح، ~~فإنه يقال ركب الدابة إذا علاها. وأما ركوب الفلك فيعدى بفى، لأن إطلاق ~~الركوب عليه مجاز، وإنما هو جلوس واستقرار، فلا يقال ركب السفينة فأرادوا ~~التفرقة بين الركوب الحقيقى والركوب المشابه له، وهى تفرقة حسنة ". وجملة ~~{ إن ربي لغفور رحيم } تعليل للأمر بالركوب المصاحب لذكر ~~الله - تعالى - أى إن ربى لعظيم المغفرة ولعظيم الرحمة لمن كان مطيعا له ~~مخلصا فى عبادته. قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه ~~يقول الله - تعالى - إخبارا عن نوح أنه قال للذين أمر بحملهم معه فى ~~السفينة { اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها.. } ~~وقال - سبحانه - فى موضع آخر # فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل ~~الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين. وقل ~~رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين # ولهذا تستحب التسمية فى ابتداء الأمور عند الركوب فى السفينة وعلى ~~الدابة. فقد روى الطبرانى عن ابن عباس عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~قال " أمان أمتى من الغرق إذا ركبوا فى السفن أن يقولوا بسم الله الملك.. ~~بسم الله مجريها ومرساهها، إن ربى لغفور رحيم ". ثم بين - سبحانه - حال ~~السفينة وهى تمخر بهم عباب الماء فقال { وهي تجري بهم في ~~موج كالجبال }. والموج ما ارتفع من ماء البحر عند اضطرابه. وأصله ~~من ماج الشئ يموج إذا اضطرب ومنه قوله - تعالى - # وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض # قال صاحب الكشاف فإن قلت. # بم اتصل قوله - تعالى - { وهي تجري بهم }؟ قلت اتصل بمحذوف دل ~~عليه اركبوا فيها باسم الله، كأنه قيل فركبوا فيها وهم يقولون باسم الله، ~~وهى تجرى بهم. أى تجرى بهم ms2652 وهم فيها فى موج كالجبال، يريد موج الطوفان، ~~شبه كل موجه بالجبل فى تراكمها وارتفاعها.. وقوله - سبحانه - { ونادى ~~نوح ابنه وكان في معزل يبني اركب معنا ولا ~~تكن مع الكافرين } تصوير لتلك اللحظة الرهيبة الحاسمة التى ~~أبصر فيها نوح - عليه السلام - ابنه الكافر وهو منعزل عنه وعن جماعة ~~المؤمنين. والمعزل مكان العزلة، أى الانفراد. أى وقبل أن يشتد الطوفان ~~وترتفع أمواجه، رأى نوح ابنه كنعان، وكان هذا الابن فى مكان منعزل، فقال ~~له نوح بعاطفة الأبوة الناصحة الملهوفة يا بنى اركب معنا فى السفينة، ولا ~~تكن مع القوم الكافرين الذين سيلفهم الطوفان بين أمواجه عما قريب. ولكن ~~هذه النصيحة الغالية من الأب الحزين على مصير ابنه. لم تجد أذنا واعية من ~~هذا الابن العاق المغرور، بل رد على أبيه { قال سآوي إلى جبل ~~يعصمني... }. أى قال سألتجئ إلى جبل من الجبال الشاهقة، لكى أتحصن ~~به من وصول الماء إلى. وهنا يرد عليه أبوه الرد الأخير فيقول - كما حكى ~~القرآن عنه - { قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا ~~من رحم.. } أى قال نوح لابنه لا معصوم اليوم من عذاب الله إلا من ~~رحمه - سبحانه - بلطفه وإحسانه، وأما الجبال وأما الحصون.. وأما غيرهما ~~من وسائل النجاة، فسيعلوها الطوفان، ولن تغنى عن المحتمى بها شيئا. وعبر ~~عن العذاب بأمر الله، تهويلا لشأنه. وقوله { وحال بينهما ~~الموج فكان من المغرقين } بيان للعاقبة السيئة التى آل ~~إليها أمر الابن الكافر. أى وحال وفصل الموج بهديره وسرعته بين الابن ~~وأبيه، فكانت النتيجة أن صار الابن الكافر من بين الكافرين المغرقين. ~~والتعبير بقوله { وحال... } يشعر بسرعة فيضان الماء واشتداده، حتى ~~لكأن هذه السرعة لم تمهلهما ليكملا حديثهما. والتعبير بقوله { فكان ~~من المغرقين } يشير إلى أنه لم يغرق وحده، وإنما غرق هو وغرق معه ~~كل من كان على شاكلته فى الكفر. وهكذا تصور لنا هذه الآية الكريمة ما دار ~~بين نوح وابنه من محاورات فى تلك اللحظات الحاسمة المؤثرة، التى يبذل ~~فيها كل أب ما يستطيع بذله ms2653 من جهود لنجاة ابنه من هذا المصير المؤلم. ~~وبعد أن غرق الكافرون، ونجا نوح ومن معه من المؤمنين، وجه الله - تعالى - ~~أمره إلى الأرض وإلى السماء.. فقال { وقيل يأرض ابلعي مآءك ~~ويسمآء أقلعي وغيض المآء وقضي الأمر واستوت ~~على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين }. أى وبعد ~~أن أدى الطوفان وظيفته فأغرق بأمر الله - تعالى - الكافرين، قال الله - ~~تعالى - للأرض { يأرض ابلعي مآءك }. # أى اشربى أيتها الأرض ما على وجهك من ماء، وابتعليه بسرعة فى باطنك كما ~~يبتلع الإنسان طعامه فى بطنه بدون استقرار فى الفم. وقال - سبحانه - ~~للسماء { ويسمآء أقلعي } أى أمسكى عن إرسال المطر يقال أقلع ~~فلان عن فعله إقلاعا، إذا كف عنه وترك فعله. ويقال أقلعت الحمى عن فلان، ~~إذا تركته. فامتثلتا - أى الأرض والسماء - لأمر الله - فى الحال، فهو ~~القائل وقوله الحق # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # وقوله { وغيض المآء } أى نقص ونضب. يقال غاض الماء يغيض، إذا قل ~~ونقص. والمراد به هنا الماء الذى نشأ عن الطوفان. وقوله { وقضي ~~الأمر } أى تم ونفذ ما وعد الله - تعالى - به نبيه نوحا - عليه السلام ~~- من إهلاكه للقوم الظالمين. والضمير فى قوله { واستوت على ~~الجودي } للسفينة، والجودى، جبل بشمال العراق بالقرب من مدينة ~~الموصل. وقيل هو جبل بالشام. أى واستقرت السفينة التى تحمل نوحا ~~والمؤمنين بدعوته، على الجبل المعروف بهذا الاسم، بعد أن أهلك الله ~~أعداءهم. قال ابن كثير ما ملخصه وكان خروجهم من السفينة فى يوم عاشوراء ~~من المحرم، فقد روى الإمام أحمد عن أبى هريرة قال # " مر النبى - صلى الله عليه وسلم - بأناس من اليهود، وقد صاموا يوم ~~عاشوراء، فقال لهم ما هذا الصوم؟ قالوا، هذا اليوم الذى نجى الله موسى ~~وبنى إسرائيل من الغرق، وغرق فيه فرعون. وهذا يوم استوت فيه السفينة على ~~الجودى. فصامه نوح وموسى - عليه السلام - شكرا لله. فقال النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - " أنا أحق بموسى، وأحق بصوم هذا اليوم " فصامه، وقال ~~لأصحابه من كان أصبح منكم ms2654 صائما فليتم صومه، ومن كان قد أصاب من غذاء ~~أهله، فليتم بقية يومه ". # ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله وقيل بعدا للقوم الظالمين. أى ~~هلاكا وسحقا وطردا من رحمة الله - تعالى - للقوم الذين ظلموا أنفسهم ~~بإيثارهم الكفر على الإيمان، والضلالة على الهداية. قال الجمل { وبعدا } ~~مصدر بعد - بكسر العين -، يقال بعد بعدا - بضم فسكون - وبعدا - بفتحتين ~~- إذا بعد بعدا بعيدا بحيث لا يرجى عوده، ثم استعير للهلاك، وخص بدعاء ~~السوء، وهو منصوب على المصدر بفعل مقدر. أى وقيل بعدا بعدا... " هذا ~~وقد تكلم بعض العلماء عن أوجه البلاغة والفصاحة فى هذه الآية كلاما ~~طويلا، نكتفى بذكر جانب مما قاله فى ذلك الشيخ القاسمى فى تفسيره. قال - ~~رحمه الله - ما ملخصه " هذه الآية بلغت من أسرار الإعجاز غايتها، وحوت ~~من بدائع الفوائد نهايتها. # وقد اهتم علماء البيان بإبراز ذلك، ومن أوسعهم مجالا فى مضمار معارفها ~~الإمام " السكاكى " فقد أطال وأطنب فى كتابه " المفتاح " فى الحديث ~~عنها. فقد قال - عليه الرحمة - فى بحث البلاغة والفصاحة وإذ قد وقفت على ~~البلاغة، وعثرت على الفصاحة، فأذكر لك على سبيل الأنموذج، آية أكشف لك ~~فيها من وجوهها ما عسى أن يكون مستورا عنك، وهذه الآية هى قوله - تعالى - ~~{ وقيل يأرض ابلعي مآءك ويسمآء أقلعي وغيض ~~المآء وقضي الأمر.. }. والنظر فى هذه الآية من أربع جهات من ~~جهة علم البيان، ومن جهة علم المعانى، ومن جهة الفصاحة المعنوية، ومن جهة ~~الفصاحة اللفظية. أما النظر فيها من جهة علم البيان.. فتقول إنه - عز ~~سلطانه - لما أراد أن يبين معنى هو أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى ~~بطنها فارتد، وأن نقطع طوفان السماء فانقطع، وأن نغيض الماء النازل من ~~السماء فغاض لما أراد ذلك بنى الكلام على التشبيه، بأن شبه الأرض والسماء ~~بالمأمور الذى لا يتأتى منه أن يعصى أمره.. وكأنهما عقلاء مميزون فقال { ~~يأرض ابلعي مآءك ويسمآء أقلعي... }. ثم قال { ماءك } ~~بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز، تشبيها لاتصال الماء بالأرض، ~~باتصال الملك بالمالك. ms2655 ثم اختار لاحتباس المطر لفظ الإقلاع الذى هو ترك ~~الفاعل للفعل. وأما النظر فيها من حيث علم المعانى.. فذلك أنه اختير { يا ~~} دون سائر أخواتها، لكونها أكثر فى الاستعمال.. واختير لفظ " ابلعى " ~~على " ابتلعى " لكونه أخصر. ثم أطلق الظلم ليتناول كل نوع منه، حتى يدخل ~~فيه ظلمهم لأنفسهم. وأما النظر فيها من جانب الفصاحة المعنوية فهى كما ~~ترى. نظم للمعانى لطيف، وتأدية لها ملخصة مبينة، لا تعقيد يعثر الفكر فى ~~طلب المراد، ولا التواء يشيك الطريق إلى المرتاد، بل إذا جربت نفسك عند ~~استماعها، وجدت ألفاظها تسابق معانيها، ومعانيها تسابق ألفاظها، فما من ~~لفظة فى تركيب الآية ونظمها تسبق إلى أذنك، إلا ومعناها أسبق إلى قلبك. ~~وأما النظر فيها من جانب الفصاحة اللفظية فألفاظها على ما ترى عربية، ~~مستعملة جارية على قوانين اللغة، سليمة من التنافر، بعيدة عن البشاعة. ~~ولا تظن الآية مقصورة على ما ذكرت، فلعل ما تركت أكثر مما ذكرت. ثم ختم - ~~سبحانه - قصة نوح مع قومه فى هذه السورة، بتلك الضراعة التى تضرع بها نوح ~~- عليه السلام - بشأن ولده، وبذلك الرد الحكيم الذى رد به الخالق - عز ~~وجل - على نوح - عليه السلام، وبتعقيب على القصة يدل على وحدانية الله - ~~تعالى -، وعلى صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغه عن ربه قال ~~- تعالى - { ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من ~~أهلي... } ### || [11.45-49] # والمراد بالنداء فى قوله - سبحانه - { ونادى نوح ربه... } ~~الدعاء والضراعة إلى الله - تعالى -. والجملة الكريمة معطوفة على ما ~~قبلها. أى وبعد أن تخلف ابن نوح عليه السلام عن الركوب معه فى السفينة، ~~وقضى الأمر بهلاك الكافرين ونجاة المؤمنين.. تضرع نوح - عليه السلام - ~~إلى ربه فقال فى استعطاف ورجاء يا رب! إن ابنى " كنعان " { من أهلي ~~} فهو قطعة منى، فأسألك أن ترحمه برحمتك { وإن وعدك الحق } ~~أى وإن كل وعد تعده لعبادك هو الوعد الحق وأنت - يا ربى - قد وعدتنى ~~بنجاة أهلى إلا من سبق عليه القول منهم، لكنى فى هذا الموقف العصيب أطمع ~~فى ms2656 عفوك عن ابنى وفى رحمتك له. وقوله { وأنت أحكم الحاكمين } ~~أى وأنت يا إلهى - لا راد لما تحكم به، ولا معقب لحكمك، وحكمك هو الحق ~~والعدل، وهو المنزه عن الخطأ والمحاباة، لأنه صادر عن كمال العلم ~~والحكمة. واكتفى نوح - عليه السلام - بأن يقول { رب إن ابني من ~~أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين } دون ~~أن يصرح بمطلوبه وهو نجاة ابنه تأدبا مع الله - تعالى - وحياء منه - ~~سبحانه - واعتقادا منه بأنه - سبحانه - عليم بما يريده، وخبير بما يجول ~~فى نفسه. وهذا لون من الأدب السامى، سلكه الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام ~~- فى مخاطبتهم لربهم - عز وجل - ومن أولى منهم بذلك؟!! ولعل نوحا - عليه ~~السلام - عندما تضرع إلى ربه - سبحانه - بهذا الدعاء لم يكن يعلم أن طلب ~~الرحمة أو النجاة لابنه الكافر ممنوع، فكان حاله فى ذلك كحال النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - عندما قال لعمه أبى طالب # " لأستغفرن لك ما لم أنه عن ذلك " # واستمر يستغفر له إلى أن نزل قوله - تعالى - # ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا ~~للمشركين ولو كانوا أولي قربى... # وقال الشيخ القاسمى وإنما قال نوح ذلك - أى رب إن ابنى من أهلى.. ألخ - ~~لفهمه - من الأهل ذوى القرابة الصورية، والرحمة النسبية، وغفل - لفرط ~~التأسف على ابنه - عن استثنائه - تعالى - بقوله # إلا من سبق عليه القول # ولم يتحقق أن ابنه هو الذى سبق عليه القول، فاستعطف ربه بالاسترحام، ~~وعرض بقوله { وأنت أحكم الحاكمين } إلى أن العالم العادل ~~الحكيم لا يخلف وعده. وقوله - سبحانه - { قال ينوح إنه ليس ~~من أهلك.. } رد من الله - تعالى - على نوح فيما طلبه منه. أى قال ~~الله - تعالى - مجيبا لنوح - عليه السلام - فيما سأله إياه يا نوح إن ~~ابنك هذا { ليس من أهلك } لأن مدار الأهلية مبنى على القرابة ~~الدينية، وقد انقطعت بالكفر، فلا علاقة بين مسلم وكافر. # أو ليس من أهلك الذين وعدتك بنجاتهم، بل هو ممن سبق عليه القول بسبب ~~كفره. فالمراد نفى أن يكون من أهل دينه واعتقاده، وليس المراد ms2657 نفى أن ~~يكون من صلبه، لأن ظاهر الآية يدل على أنه ابنه من صلبه، ومن قال بغير ~~ذلك فقوله ساقط ولا يلتفت إليه، لخلوه عن الدليل. قال ابن كثير وقد نص ~~غير واحد من الأئمة على تخطئة من ذهب فى تفسير هذا إلا أنه ليس بابنه، ~~وإنما كان ابن زنية. وقال ابن عباس وغير واحد من السلف ما زنت امرأة نبى ~~قط، ثم قال وقوله { ليس من أهلك } أى الذين وعدتك بنجاتهم. وقول ~~ابن عباس فى هذا هو الحق الذى لا محيد عنه فإن الله - تعالى - أغير من أن ~~يمكن امرأة نبى من الفاحشة. وجملة { إنه عمل غير صالح } ~~تعليل لنفى الأهلية. وقد قرأ الجمهور عمل بفتح الميم وتنوين اللام - على ~~أنه مصدر مبالغة فى ذمه حتى لكأنه هو نفس العمل غير الصالح وأصل الكلام ~~إنه ذو عمل غير صالح، فحذف المضاف للمبالغة بجعله عين عمله الفاسد ~~لمداومته عليه. وقرأ الكسائى ويعقوب { عمل } بوزن فرح بصيغة الفعل الماضى ~~- أى إنه عمل غير صالح وهو الكفر والعصيان، فحذف الموصوف وأقيمت صفته ~~مقامه. قال صاحب الكشاف وقوله { إنه عمل غير صالح } تعليل ~~لانتفاء كونه من أهله. وفيه إيذان بأن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب، ~~وأن نسيبك فى دينك ومعتقدك من الأباعد فى المنصب وإن كان حبشيا وكنت ~~قرشيا لصيقك وخصيصك، ومن لم يكن على دينك وإن كان أمس أقاربك رحما فهو ~~أبعد بعيد منك. وقال الفخر الرازى هذه الآية تدل على أن العبرة بقرابة ~~الدين لا بقرابة النسب، فإن فى هذه الصورة كانت قرابة النسب حاصلة من ~~أقوى الوجوه، ولكن لما انتفت قرابة الدين، لا جرم نفاه الله - تعالى - ~~بأبلغ الألفاظ وهو قوله { إنه ليس من أهلك }. والفاء فى ~~قوله { فلا تسئلن ما ليس لك به علم.. } للتفريع. أى ما ~~دمت قد وقفت على حقيقة الحال، فلا تلتمس منى ملتمسا لا تعلم على وجه ~~اليقين، أصواب هو أم غير صواب، بل عليك أن تتثبت من صحة ما تطلبه، قبل أن ~~تقدم على ms2658 طلبه. وجملة { إني أعظك أن تكون من الجاهلين ~~} تأكيد لما قبلها، ونهى له عن مثل هذا السؤال فى المستقبل، بعد أن أعلمه ~~بحقيقة حال ابنه. أى إن أنهاك يا نوح عن أن تكون من القوم الجاهلين، ~~الذين يسألون عن أشياء لا يتحققون وجه الصواب فيها. # وهنا بين الله - تعالى - أن نوحا - عليه السلام - قد تنبه إلى ما أرشده ~~إليه ربه، فبادر بطلب العفو والصفح منه - سبحانه - فقال { قال رب ~~إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم... }. ~~أى قال نوح - عليه السلام - ملتمسا الصفح من ربه رب إن أستجير بك، وأحتمى ~~بجنابك من أن أسألك شيئا بعد الآن، ليس عندى علم صحيح بأنه جائز ولائق { ~~وإلا تغفر لي } ما فرط منى من قول، وما صدر عنى من فعل. { ~~وترحمني } برحمتك الواسعة التى وسعت كل شئ. { أكن من ~~الخاسرين } الذين خسروا أنفسهم بالاحتجاب عن علمك وحكمتك. ثم بشر - ~~سبحانه - نبيه نوحا - عليه السلام - بقبول توبته فقال { قيل ينوح ~~اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن ~~معك.. } والسلام التحية المقرونة بالأمان والاطمئنان، وأصله ~~السلامة، والباء فيه للمصاحبة والبركات. جمع بركة وهى ثبوت الخير ونماؤه ~~وزيادته، واشتقاقها من البرك، وهو صدر البعير. يقال برك البعير إذا ألقى ~~بركه أى صدره على الأرض وثبت. ومنه البركة لثبوت الماء فيها. والأمم جمع ~~أمة، وهى الجماعة الكثيرة من الناس، يجمعها نسب واحد أو لغة واحدة، أو ~~موطن واحد. أى قال الله - تعالى - مبشرا نوحا - عليه السلام - بقبول ~~توبته يا نوح اهبط من السفينة مصحوبا منا بالأمان مما تكره، وبالخيرات ~~النامية والنعم الثابتة عليك، وعلى أمم متشعبة ومتفرعة وناشئة من الأمم ~~المؤمنة التى ستهبط معك، بعد أن أنجاكم الله - تعالى - بفضله ورحمته من ~~العذاب، الذى حل بالكافرين من قومك. وكان مقتضى الظاهر أن يقال قال يا ~~نوح اهبط بسلام.. ولكن جاء التعبير بقيل، مسايرة للتعبيرات السابقة فى ~~أجزاء القصة، مثل قوله - سبحانه - # وقيل يأرض ابلعي مآءك... # وقوله # وقيل بعدا للقوم الظالمين # وقوله { اهبط بسلام.. ms2659 } فيه إشارة إلى أنه كان قبل الهبوط فى ~~ضيافة الله ورعايته، وأنه لولا عناية الله به وبمن معه من المؤمنين، لما ~~نجت السفينة من ذلك الطوفان العظيم. والتعبير بقوله { منا } لزيادة ~~التكريم، وتأكيد السلام. أى انزل بسلام ناشئ من عندنا، وليس من عند غيرنا ~~لأن كل سلام من غيرنا لا قيمة له بجانب سلامنا. وقوله { عليك ~~وعلى أمم ممن معك } متعلق بسلام وبركات. وفى هذا إشارة ~~إلى أنه - سبحانه - سيجعل من ذرية نوح ومن ذرية من معه من المؤمنين، أمما ~~كثيرة ستكون محل كرامة الله وأمانه وبركاته. وقوله - سبحانه - { وأمم ~~سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم } كلام ~~مستأنف مسوق للاحتراز والتحذير من سوء عاقبة المخالفة لأمر الله. أى أن ~~الأمم التى ستكون من نسلك ومن نسل أتباعك يا نوح على قسمين قسم منهم له ~~منا السلام، وعليه البركات بسبب إيمانه وعمله الصالح. # وقسم آخر سنمتعه فى الدنيا وبالكثير من زينتها وخيراتها، ثم يصيبه يوم ~~القيامة عذاب أليم بسبب جحوده لنعمنا، وعصيانه لرسلنا. فعلى كل عاقل أن ~~يجتهد فى أن يكون من القسم الأول، وأن يتجنب القسم الثانى. ثم اختتم الله ~~- تعالى - قصة نوح - عليه السلام - مع قومه فى هذه السورة، بقوله { ~~تلك من أنبآء الغيب نوحيهآ إليك ما كنت ~~تعلمهآ أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن ~~العاقبة للمتقين } واسم الإشارة { تلك } يعود إلى ما قصه ~~الله - تعالى - من قصة نوح مع قومه فى هذه السورة. والأنباء جمع نبأ وهو ~~الخبر الهام. والغيب مصدر غاب، وهو مالا تدركه الحواس ولا يعلم ببداهة ~~العقل. أى تلك القصة التى قصصناها عليك يا محمد بهذا الأسلوب الحكيم، من ~~أخبار الغيب الماضية، التى لا يعلم دقائقها وتفاصيلها أحد سوانا. ونحن { ~~نوحيهآ إليك } ونعرفك بها عن طريق وحينا الصادق الأمين. وهذه ~~القصة وأمثالها { ما كنت تعلمهآ } أنت يا محمد، وما كان يعلمها { ~~قومك } أيضا، بهذه الصورة الصادقة الحكيمة، الخالية من الأساطير ~~والأكاذيب. { من قبل } هذا الوقت الذى أوحيناها إليك فيه. وما دام ~~الأمر كذلك ms2660 { فاصبر } صبرا جميلا على تبليغ رسالتك، وعلى أذى قومك ~~كما صبر أخوك نوح من قبل. وجملة { إن العاقبة للمتقين } ~~تعليل للأمر بالصبر. والعاقبة الحالة التى تعقب حالة قبلها، وقد شاعت عند ~~الإطلاق فى حالة الخير كما فى قوله - تعالى - # والعاقبة للتقوى # وأل فيها للجنس، واللام فى قوله { للمتقين } للاختصاص. أى أن ~~العاقبة الحسنة الطيبة فى الدنيا والآخرة، للمتقين الذين صانوا أنفسهم عن ~~كل مالا يرضى الله - تعالى - وليست لغيرهم ممن استحبوا العمى على الهدى. ~~والآية الكريمة تعقيب حكيم على قصة نوح - عليه السلام - قصد به الامتنان ~~على النبى - صلى الله عليه وسلم - والموعظة، والتسلية. فالامتنان نراه فى ~~قوله - تعالى - { ما كنت تعلمهآ أنت ولا قومك من قبل ~~هذا }. والموعظة نراها فى قوله - سبحانه - { فاصبر }. والتسلية نراها ~~فى قوله - عز وجل - { إن العاقبة للمتقين }. وبعد، فهذه ~~قصة نوح - عليه السلام - كما وردت فى هذه السورة الكريمة، ومن العبر ~~والعظات والهدايات والحقائق التى نأخذها منها ما يأتى 1 - الدلالة على ~~صدق النبى - عليه السلام - فيما يبلغه عن ربه، وعلى أن هذا القرآن من عند ~~الله - تعالى -، فقد أخبرنا عن قصة نوح - عليه السلام - مع قومه، وعن ~~غيرها من القصص، التى هى من أنباء الغيب، والتى لا يعلم حقيقتها ~~وتفاصيلها أحد سوى الله - عز وجل -. # 2 - أن نوحا - عليه السلام - قد سلك فى دعوته إلى الله - تعالى - أحسن ~~الأساليب وأحكمها، فقد دعا قومه إلى عبادة الله - تعالى - وحده فى الليل ~~وفى النهار، وفى السر وفى العلانية، وأقام لهم ألوانا من الأدلة على ~~صدقه، ورغبهم فى الإيمان بشتى ألوان الترغيب، وحذرهم من الكفر بشتى ~~أنواع التحذير، وصبر على آذاهم صبرا جميلا، ورد على سفاهاتهم وأقوالهم ~~بمنطق سليم، أبطل به حججهم.. مما جعلهم يكفون عن مناقشته، ويلجأون إلى ~~التحدى والتعنت. وما أحوج الدعاة إلى الله - عز وجل - إلى التماس العبرة ~~والعظة من قصة نوح مع قومه. 3 - أن النسب مهما شرف وعظم لن ينفع صاحبه ~~عند الله، إلا إذا كان معه الإيمان والعمل الصالح، وأن ms2661 الإيمان والصلاح ~~ليسا مرتبطين بالوراثة والأنساب لأنه لو كان الأمر كذلك لكانت ذرية نوح ~~ومن معه من المؤمنين الذين نجوا معه فى السفينة. كلها من المؤمنين ~~الصالحين، مع أن المشاهد غير ذلك. ورحم الله الإمام القرطبى فقد قال - ~~ما ملخصه - عند تفسيره لقوله - تعالى - { قال ينوح إنه ليس ~~من أهلك.. } " وفى هذه الآية تسلية للآباء فى فساد أبنائهم وإن كان ~~الآباء صالحين " ، فقد روى أن ابنا لمالك بن أنس ارتكب أمرا لا يليق ~~بمسلم، فعلم بذلك مالك فقال " الأدب أدب الله، لا أدب الأباء والأمهات، ~~والخير خير الله، لا خير الآباء والأمهات.. " 4 - أن سؤال نوح - عليه ~~السلام - ما سأله لابنه لم يكن - كما قال صاحب المنار معصية لله - تعالى ~~- خالف فيها أمره أو نهيه، وإنما كان خطأ فى اجتهاده رأى بنية صالحة. ~~وإنما عدها الله - تعالى - ذنبا له لأنها كانت دون مقام العلم الصحيح ~~اللائق بمنزلته من ربه، هبطت بضعفه البشرى، وما غرس فى الفطرة من الرحمة ~~والرأفة بالأولاد إلى اتباع الظن، ومثل هذا الاجتهاد لم يعصم منه ~~الأنبياء، فيقعون فيه أحيانا ليشعروا بحاجتهم إلى تأديب ربهم وتكميله ~~إياهم آنا بعد آن، بما يصعدون به فى معارج العرفان. 5 - إن القرآن فى ~~إيراده للقصص والأخبار، لا يهتم إلا بإبراز النافع المفيد منها، أما ما ~~عدا ذلك مما لا فائدة من ذكره، فيهمل القرآن الحديث عنه. فمثلا فى قصة ~~نوح - عليه السلام - هنا، لم يتعرض القرآن لبيان المدة التى قضاها نوح فى ~~صنع السفينة، ولا لبيان طول السفينة وعرضها وارتفاعها، ولا لتفاصيل ~~الأنواع التى حملها معه فى السفينة، ولا لبيان الفترة التى عاشها نوح ومن ~~معه فيها. ولا لبيان المكان الذى هبط فيه نوح بعد أن استوت السفينة على ~~الجودى. # . ولا لبيان الزمان الذى استغرقه الطوفان فوق الأرض. وما ورد فى ذلك من ~~أقوال وأخبار، أكثرها من الإسرائيليات التى لا يؤيدها دليل من الشرع أو ~~العقل. ومن المسائل التى تكلم عنها كثير من العلماء، وذهبوا بشأنها مذاهب ~~شتى مسألة الطوفان. ms2662 وقد أصدر الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده - رحمه ~~الله - فتوى فى هذا الشأن، ملخصها كما يقول صاحب المنار أن ظواهر القرآن ~~الكريم والأحاديث أن الطوفان كان عاما شاملا لقوم نوح الذين لم يكن فى ~~الأرض غيرهم فيجب اعتقاده، ولكنه لا يقتضى أن يكون عاما للأرض، إذ لا ~~دليل على أنهم كانوا يملأون الأرض. وهذه المسائل التاريخية ليست من مقاصد ~~القرآن، ولذلك لم يبينها بنص قطعى، فنحن نقول بما تقدم إنه ظاهر النصوص، ~~ولا نتخذه عقيدة دينية قطعية، فإن أثبت العلم خلافه لا يضرنا، لأنه لا ~~ينقض نصا قطعيا عندنا. 6 - أن سنة الله - تعالى - فى خلقه لا تتخلف ولا ~~تتبدل وهى أن العاقبة للمتقين، مهما طال الصراع بين الحق والباطل، وبين ~~الأخيار والأشرار. فلقد لبث نوح - عليه السلام - فى قومه ألف سنة إلا ~~خمسين عاما يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وقد لقى خلال تلك المدة الطويلة ~~ما لقى من الأذى... ولكن كانت النتيجة فى النهاية نجاته ومن معه من ~~المؤمنين، وإغراق أعدائه بالطوفان العظيم. ولقد أفاض صاحب الظلال - رحمه ~~الله - وهو يتحدث عن هذا المعنى فقال ما ملخصه " ثم نقف الوقفة الأخيرة ~~مع قصة نوح، لنرى قيمة الحفنة المسلمة فى ميزان الله - سبحانه -. إن حفنة ~~من المسلمين من أتباع نوح - عليه السلام - تذكر بعض الروايات، أنهم اثنا ~~عشر، هم كانوا حصيلة دعوة نوح فى ألف سنة إلا خمسين عاما. إن هذه الحفنة ~~- وهى ثمرة ذلك العمر الطويل والجهد الطويل -، قد استحقت أن يغير الله ~~لها المألوف من ظواهر هذا الكون، وأن يجرى لها ذلك الطوفان الذى يغمر كل ~~شئ... وأن يجعل هذه الحفنة وحدها هى وارثة الأرض بعد ذلك، وبذرة العمران ~~فيها. وهذه هى عبرة الحادث الكونى العظيم. إنه لا ينبغى لأحد يواجه ~~الجاهلية بالإسلام، أن يظن أن الله تاركه للجاهلية وهو يدعو إلى إفراد ~~الله - سبحانه - بالربوبية. كما أنه لا ينبغى له أن يقبس قوته الذاتية ~~إلى قوى الجاهلية فيظن أن الله تاركه لهذه القوى، وهو عبده الذى يستنصر ms2663 ~~به حين يغلب فيدعوه # أني مغلوب فانتصر # إن القوى فى حقيقتها ليست متكافئة ولا متقاربة.. إن الجاهلية تملك ~~قواها.. ولكن الداعى إلى الله يستند إلى قوة الله. والله يملك أن يسخر له ~~بعض القوى الكونية - حينما يشاء وكيفما يشاء - وأيسر هذه القوى يدمر على ~~الجاهلية من حيث لا تحتسب!!. # والذين يسلكون السبيل إلى الله ليس عليهم أن يؤدوا واجبهم كاملا، ثم ~~يتركوا الأمور لله فى طمأنينة وثقة. وعندما يغلبون عليهم أن يلجأوا إلى ~~الناصر المعين، وأن يجأروا إليه وحده كما جأر عبده الصالح نوح # فدعا ربه أني مغلوب فانتصر # ثم عليهم أن ينتظروا فرج الله القريب، وانتظار الفرج من الله عبادة، فهم ~~على هذا الانتظار مأجورون.. والعاقبة للمتقين. ثم تابعت السورة الكريمة ~~حديثها عن قصة هود - عليه السلام - مع قومه، بعد حديثها عن قصة نوح - ~~عليه السلام - مع قومه، فقال - تعالى - { وإلى عاد أخاهم ~~هودا... }. ### || [11.50-60] # تلك هى قصة هود - عليه السلام - مع قومه كما حكتها هذه السورة، وقد وردت ~~قصته معهم فى سور أخرى منها سورة الأعراف، والشعراء، والأحقاف. وينتهى ~~نسب هود إلى نوح - عليهما السلام - فهو - كما قال بعض المؤرخين - هود بن ~~عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوض بن إرم بن سام بن نوح. وقومه ~~هم قبيلة عاد - نسبة إلى أبيهم الذى كان يسمى بهذا الاسم -، وكانت ~~مساكنهم بالأحقاف - جمع حقف وهو الرمل الكثير المائل -، وهذا المكان يسمى ~~الآن بالربع الخالى جنوب الجزيرة العربية. وكان قوم هود - عليه السلام - ~~يعبدون الأصنام، فأرسله الله إليهم لهدايتهم. ويقال إن هودا - عليه ~~السلام - قد أرسله الله إلى عاد الأولى، أما عاد الثانية فهم قوم صالح، ~~وبينهما زهاء مائة سنة. وقوله - سبحانه - { وإلى عاد أخاهم ~~هودا قال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره.. } معطوف على قصة نوح التى سبق الحديث عنها. أى وكما أرسلنا ~~نوحا إلى قومه ليأمرهم بعبادة الله وحده، أرسلنا إلى قبيلة عاد أخاهم ~~هودا، فقال لهم ما قاله كل نبى لقومه { يقوم اعبدوا ms2664 الله ما ~~لكم من إله غيره.. }. ووصفه - سبحانه - بأنه { أخاهم } ~~لأنه من قبيلتهم فى النسب، أو لأنه أخوهم فى الإنسانية وناداهم بقوله { ~~يقوم } زيادة فى التلطف معهم، استجلابا لقلوبهم، وترضية لنفوسهم، ~~وجملة { ما لكم من إله غيره } فى معنى العلة لما قبله. ~~أى أنا آمركم بعبادة الله وحده، لأنه ليس هناك إله آخر يستحق العبادة ~~سواه، فهو الذى خلقكم ورزقكم، وهو الذى يحييكم ويميتكم. ثم ختم - سبحانه ~~- الآية بقوله { إن أنتم إلا مفترون }. والافتراء الكذب ~~المتعمد الذى لا شبهة لصاحبه فى النطق به. أى ما أنتم إلا معتمدون للكذب ~~فى جعلكم الألوهية لغير الله - تعالى -. ثم بين لهم بعد ذلك أنه لا يريد ~~منهم جزاء ولا شكورا فى مقابل دعوته إياهم إلى الحق فقال { يقوم لا ~~أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي ~~فطرني... } وفطرنى أى خلقنى وأبدعنى على غير مثال سابق، يقال فطر ~~الأمر. أى ابتدأه وأنشأه. وفطر الله الخلق أى خلقهم وأوجدهم. وأصل الفطر ~~الشق، ثم استعمل فى الخلق والإنشاء مجازا. والمعنى ويا قوم لا أريد منكم ~~على ما أدعوكم إليه أجرا منكم، وإنما أجرى تكفل به الله الذى خلقنى ~~بقدرته، فهو وحده الذى أطلب منه الأجر والعطاء. ومقصده من هذا القول، ~~إزالته ما عسى أن يكون قد حاك فى نفوسهم، من أنه ما دعاهم إلى ما دعاهم ~~إليه، إلا أنه رجل يبتغى منهم الأجر الذى يجعله موسرا فيهم. # . والهمزة فى قوله { أفلا تعقلون } للاستفهام الإنكارى، وهى ~~داخله على محذوف. أى أتجهلون ما هو واضح من الأمور، فلا تعقلون أن أجر ~~الناصحين المخلصين، إنما هو من الله - تعالى - رب العالمين ورازقهم. ثم ~~أرشدهم إلى ما يؤدى إلى زيادة غناهم وقوتهم، وحذرهم من سوء عاقبة البطر ~~والأشر فقال { ويقوم استغفروا ربكم ثم توبوا ~~إليه يرسل السمآء عليكم مدرارا ويزدكم ~~قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين }. ~~والاستغفار طلب المغفرة من الله - تعالى - وعدم المؤاخذة على الخطايا ~~والتوبة العزم على الإقلاع عن الذنب، مع الندم على ما حصل منه فى ms2665 ~~الماضى. أى ويا قوم استغفروا ربكم مما فرط منكم من شرك وعصيان، ثم عودوا ~~إليه بالتوبة الصادقة النصوح. وثم هنا للترتيب الرتبى، لأن الإقلاع عن ~~الذنب مع المداومة على ذلك مقدم على طلب المغفرة. وجملة { يرسل ~~السمآء عليكم مدرارا } جواب الأمر فى قوله { ~~استغفروا }. والمراد بالسماء هنا السحاب أو المطر، تسمية للشئ باسم ~~مصدره. ومدرارا مأخوذ من الدر أى سيلان اللبن وكثرته. ثم استعير للمطر ~~الغزير يقال درت السماء بالمطر تدر وتدر درا... إذا كثر نزول المطر منها. ~~وهو حال من السماء، ولم يؤنث مع أنه حال من مؤنث، باعتبار أن المراد ~~بالسماء هنا المطر أو السحاب. والمعنى أن هودا - عليه السلام - قال لقومه ~~يا قوم اعبدوا الله واستغفروه وتوبوا إليه.. فإنكم إن فعلتم ذلك أرسل ~~الله - تعالى - عليكم المطر غزيرا متتابعا فى أوقات حاجتكم إليه لتشربوا ~~منه وتسقوا به دوابكم وزروعكم. وجملة { ويزدكم قوة إلى ~~قوتكم } معطوفة على ما قبلها. أى وأيضا إن فعلتم ذلك زادكم الله - ~~تعالى - عزا إلى عزكم، وشدة إلى شدتكم التى عرفتم بها، ووهبكم الأموال ~~الطائلة، والذرية الكثيرة. قال الآلوسى " رغبهم - عليه السلام - بكثرة ~~المطر، وزيادة القوة، لأنهم كانوا أصحاب زروع وبساتين وعمارات. وقيل " ~~حبس الله عنهم المطر وأعقم أرحام نسائهم ثلاث سنين، فوعدهم هود على ~~الاستغفار والتوبة كثرة الأمطار، ومضاعفة القوة بالتناسل.. ". ثم حذرهم ~~من مقابلة نعم الله بالكفر والجحود فقال { ولا تتولوا ~~مجرمين } والتولى هو الإعراض عن الشئ بإصرار وعناد. أى ولا تتولوا ~~عما دعوتكم إليه وأنتم مصرون على ما أنتم عليه من إجرام وجحود وعناد. ~~وإلى هنا يكون هود - عليه السلام - قد وضح لقومه دعوته، ورغبهم فى ~~الاستجابة لها، وحذرهم من الإعراض عنها، وناداهم بلفظ - يا قوم - ثلاث ~~مرات، توددوا إليهم، وتذكيرا لهم بآصرة القرابة التى تجمعهم وإياه. لعل ~~ذلك يستثير مشاعرهم، ويحقق اطمئنانهم إليه، فإن الرائد لا يكذب أهله. # ولكن قوم هود - عليه السلام - قابلوا كل ذلك بالتطاول عليه، والسخرية ~~منه فقالوا { قالوا يهود ما جئتنا ببينة.. }. والبينة ~~ما يتبين به ms2666 الحق من الباطل. أى قالوا له يا هود إنك لم تجئنا بحجة ~~تقنعنا بأنك على الحق فيما تدعو إليه، وترضى نفوسنا وطباعنا وعاداتنا. ثم ~~أضافوا إلى ذلك قولهم { وما نحن بتاركي آلهتنا عن ~~قولك }. أى وما نحن بتاركى آلهتنا بسبب قولك لنا الخالى عن الدليل ~~اتركوا عبادتها واجعلوا عبادتكم لله وحده. ثم أكدوا إصرارهم على كفرهم ~~بقولهم { وما نحن لك بمؤمنين } أى بمستجيبين لك ومصدقين. ثم ~~أضافوا إلى إصرارهم هذا استخفافا به وبما يدعو إليه فقالوا " إن نقول إلا ~~اعتراك بعض آلهتنا بسوء.. " ومعنى اعتراك أصابك ومسك. يقال عراه الأمر ~~واعتراه أى أصابه، وأصله من قولهم عراه يعروه، أى غشيه وأصابه. ومنه قول ~~الشاعر # وإنى لتعرونى لذكراك هزة.. # أى تصيبنى. أى ما نحن تباركى آلهتنا عن قولك، وما نحن لك بمتبعين، بل ~~عليك أن تيأس يأسا تاما من استجابتنا لك، وحالتك التى نراها بأعيننا ~~تجعلنا نقول لك إن سبك لآلهتنا جعل بعضها - لا كلها - يتسلط عليك، ويوجه ~~قدرته نحوك، فيصيبك بالجنون والهذيان والأمراض. ولم يقولوا " اعتراك ~~آلهتنا بسوء " بل قالوا { بعض آلهتنا } تهديدا له وإشارة إلى أنه ~~لو تصدت له جميع الآلهة لأهلكته إهلاكا. وهكذا نراهم قد ردوا على نبيهم ~~ومرشدهم بأربعة ردود، تدرجوا فيها من السئ إلى الأسوأ، ومن القبيح إلى ~~الأقبح.. مما يدل على توغلهم فى الطغيان، وبلوغهم النهاية فى العناد ~~والكفر والجحود. قال صاحب الكشاف ما ملخصه " ان نقول الا اعتراك بعض ~~آلهتنا بسوء.. " أى مسك بجنون لسبك إياها، وصدك عنها، وعداوتك لها، ~~مكافأة لك منها على سوء فعلك بسوء الجزاء، فمن ثم صرت تتكلم بكلام ~~المجانين وتهذى بهذيان المبرسمين. ثم قال. وقد دلت ردودهم المتقدمة على ~~أن القوم كانوا جفاة غلاظ الأكباد، لا يبالون بالبهت، ولا يلتفتون إلى ~~النصح، ولا تلين شكيمتهم للرشد. وهذا الأخير دال على جهل مفرط، وبله ~~متناه، حيث اعتقدوا فى حجارة أنها تنتصر وتنتقم... " والآن وبعد أن ~~استمع هود - عليه السلام - إلى ردودهم القبيحة ماذا كان موقفه منهم؟ لقد ~~كان موقفه منهم ms2667 موقف المتبرئ من شركهم، والمتحدى لطغيانهم والمعتمد على ~~الله - تعالى - وحده فى الانتصار عليهم، ولقد حكى القرآن رده عليهم فقال ~~{ قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما ~~تشركون. من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون. ~~إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دآبة ~~إلا هو آخذ بناصيتهآ إن ربي على صراط ~~مستقيم. فإن تولوا فقد أبلغتكم مآ أرسلت ~~به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا ~~تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ } أى ~~قال هود - عليه السلام - للطغاة من قومه بعزة وثقة { إني أشهد ~~الله } الذى لا رب سواه على براءتى من عبادتكم لغيره. # { واشهدوا } أنتم أيضا على { أني بريء مما تشركون من ~~دونه }. أى على براءتى من كل عبادة تعبدونها لغير الله - تعالى - ~~لأنها عبادة باطلة. يحتقرها العقلاء، ويتنزه عنها كل إنسان يحترم نفسه. ~~فأنت تراه فى هذه الآية الكريمة يعلن احتقاره لآلهتهم، وبراءته من شركهم، ~~واستخفافه بأصنامهم التى زعموا أن بعضها قد أصابه بسوء، ويوثق هذه ~~البراءة بإشهاد الله - تعالى - وإشهادهم. وذلك كما يقول الرجل لخصمه إذا ~~لم يبال به أشهد الله وأشهدك على أنى فعلت بك كذا وكذا، وقلت فى حقك كذا ~~وكذا.. فافعل أنت ما بدا لك!! ثم ينتقل من براءته من شركهم، إلى تحديهم ~~بثقة واطمئنان فيقول { فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون }. أى ~~لقد أعلنت أمامكم بكل قوة ووضوح أنى برئ من شرككم، وها أنذا فى مواجهتكم، ~~فانضموا إلى آلهتكم، وحاربونى بما شئتم من ألوان المحاربة والأذى بدون ~~تريث أو إمهال، فإنى لن أكف عن الجهر بدعوتى، ولن أتراجع عن احتقار ~~الباطل الذى أنتم عليه. وهذا - كما يقول صاحب الكشاف - من أعظم الآيات، ~~أن يواجه بهذا الكلام رجل واحد أمة عطاشا إلى إراقة دمه، يرمونه عن قوس ~~واحدة وذلك لثقته بربه، وأنه يعصمه منهم، فلا تنشب فيه مخالبهم... ثم ~~ينتقل بعد ذلك إلى بيان السبب الذى دعاه إلى البراءة من شركهم، وإلى عدم ~~المبالاة بهم فقال - كما حكى القرآن عنه - { إني توكلت ms2668 على ~~الله ربي وربكم.. }. أى إنى فوضت أمرى إلى الله الذى هو ربى ~~وربكم، ومالك أمرى وأمركم، والذى لا يقع فى هذا الكون شئ إلا بإرادته ~~ومشيئته. وفى قوله { ربي وربكم } مواجهة لهم بالحقيقة التى ~~ينكرونها، لإفهامهم أن إنكارهم لا قيمة له، وأنه إنكار عن جحود وعناد.. ~~فهو - سبحانه - ربهم سواء أقبلوا ذلك أم رفضوه. وقوله { ما من ~~دآبة إلا هو آخذ بناصيتهآ } تصوير بديع لشمول قدرته - ~~سبحانه - والأخذ هو التناول للشئ عن طريق الغلبة والقهر. والناصية منبت ~~الشعر فى مقدم الرأس، ويطلق على الشعر النابت نفسه. قال الإمام الرازى ~~واعلم أن العرب إذا وصفوا إنسانا بالذلة والخضوع قالوا ما ناصية فلان إلا ~~بيد فلان. أى أنه مطيع له، لأن كل من أخذت بناصيته فقد قهرته. وكانوا إذا ~~أسروا أسيرا وأرادوا إطلاقه جزوا ناصيته ليكون ذلك علامة لقهره فخوطبوا ~~فى القرآن بما يعرفون.. والمعنى إنى اعتمدت على الله ربى وربكم ما من ~~دابة تدب على وجه الأرض إلا والله - تعالى - مالكها وقاهر لها، وقادر ~~عليها، ومتصرف فيها كما يتصرف المالك فى ملكه. # وفى هذا التعبير الحكيم صورة حسية بديعة تناسب المقام، كما تناسب غلظة ~~قوم هود وشدتهم. وصلابة أجسامم وبنيتهم، وجفاف حسهم ومشاعرهم.. فكأنه - ~~عليه السلام - يقول لهم إنكم مهما بلغتم من القوة والبطش، فما أنتم إلا ~~دواب من تلك الدواب التى يأخذ ربى بناصيتها، ويقهرها بقوته قهرا يهلكها ~~- إذا شاء ذلك - فكيف أخشى دوابا مثلكم مع توكلى على الله ربى وربكم؟! ثم ~~يتبع هذا الوصف الدال على شمول قدرة الله - تعالى - بوصف آخر يدل على ~~عدالته وتنزهه عن الظلم فيقول { إن ربي على صراط ~~مستقيم }. أى إن ربى قد اقتضت سنته أن يسلك فى أحكامه طريق الحق ~~والعدل وما دام الأمر كذلك فلن يسلطكم على لأنه - حاشاه - أن يسلط من كان ~~متمسكا بالباطل، على من كان متمسكا بالحق. واكتفى هنا بإضافة الرب إلى ~~نفسه، للإشارة إلى أن لطفه - سبحانه - يشمل هودا وحده ولا يشملهم، لأنهم ~~أشركوا معه فى العبادة ms2669 آلهة أخرى. ثم ختم هود - عليه السلام - رده على ~~قومه، بتحذيرهم من سوء عاقبة إصرارهم على كفرهم فقال { فإن تولوا ~~فقد أبلغتكم مآ أرسلت به إليكم... } أى فإن ~~تتولوا عن دعوتى، وتعرضوا عن الحق الذى جئتكم به من عند ربى، فتكون ~~عاقبتكم خسرا، وأمركم فرطا. أما أنا فقد أديت واجبى، وأبلغتكم ما أرسلت ~~به إليكم من عند ربى بدون تكاسل أو تقصير. وقوله { ويستخلف ربي ~~قوما غيركم ولا تضرونه شيئا } وعيد لهم بإهلاكهم ~~وإحلال غيرهم محلهم. أى وهو - سبحانه - سيهلككم بسبب إصراركم على كفركم ~~فى الوقت الذى يشاؤه، ويستخلف من بعدكم قوما آخرين سواكم، يرثون دياركم ~~وأموالكم، ولن تضروا الله شيئا من الضرر بسبب إصراركم على كفركم، وإنما ~~أنتم الذين تضرون أنفسكم بتعريضها للدمار فى الدنيا، وللعذاب الدائم فى ~~الآخرة. وقوله { إن ربي على كل شيء حفيظ } أى إن ربى ~~قائم على كل شئ بالحفظ والرقابة والهيمنة، وقد اقتضت سنته - سبحانه - أن ~~يحفظ رسله وأولياءه، وأن يخذل أعداءه. وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد ~~ساقت لنا بأسلوب بليغ حكيم، جانبا من الحوار الذى دار بين هود وقومه وهو ~~يدعوهم إلى عبادة الله وحده، فماذا كانت نتيجة هذا الحوار والجدال؟ لقد ~~كانت نتيجته إنجاء هود والذين آمنوا معه، وإهلاك أعدائهم. قال - تعالى - ~~{ ولما جآء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا ~~معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ. ~~وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله ~~واتبعوا أمر كل جبار عنيد. وأتبعوا في ~~هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادا ~~كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود } والمراد ~~بالأمر فى قوله - سبحانه - { ولما جآء أمرنا } الأمر بنزول ~~العذاب بهم. # أى وحين جاء أمرنا بتحقيق وعيدنا فى قوم هود، وبتنفيذ ما أردناه من ~~إهلاكهم وتدميرهم { نجينا هودا والذين آمنوا معه } ~~تنجية مصحوبة { برحمة } عظيمة كائنة { منا } بسبب إيمانهم وعملهم الصالح. ~~{ ونجيناهم } كذلك { من عذاب غليظ } أى من عذاب ضخم ~~شديد مضاعف ترك هؤلاء الطغاة وراءه صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية. ووصف ~~العذاب بأنه غليظ، ms2670 بهذا التصوير المحسوس، يتناسب كل التناسب مع جو هذه ~~القصة، ومع ما عرف عن قوم هود من ضخامة فى الأجسام، ومن تفاخر بالقوة. ~~قال تعالى - # فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق ~~وقالوا من أشد منا قوة... # وكان عذابهم كما جاء فى آيات أخرى بالريح العقيم، ومن ذلك قوله - تعالى ~~- # وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية. سخرها ~~عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى ~~القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية.. # واسم الإشارة فى قوله - سبحانه - { وتلك عاد... } يعود إلى ~~القبيلة أو إلى آثارهم التى خلفوها من بعدهم. أى وتلك هى قصة قبيلة عاد ~~مع نبيها هود - عليه السلام - وتلك هى عاقبتها وكانت الإشارة للبعيد ~~تحقيرا لهم، وتهوينا من شأنهم بعد أن انتهوا، وبعدوا عن الأنظار ~~والأفكار، وقد كانوا يقولون من أشد منا قوة. وقوله { جحدوا بآيات ~~ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار ~~عنيد.. } بيان لجرائمهم التى استحقوا بسببها العذاب الغليظ. والجحد ~~الإنكار الشديد للحق الواضح. وآيات ربهم الحجج والبراهين التى جاء بها ~~الأنبياء من ربهم للدلالة على صدقهم. والجبار هو الشخص المتعالى المتعاظم ~~على الناس، المترفع عن الاستجابة للحق. والعنيد المعاند الطاغى الذى يعرف ~~الحق ولكنه لا يتبعه. أى وتلك هى قصة قبيلة عاد مع نبيها، كفروا بآيات ~~ربهم الدالة على صدق أنبيائه، وعصوا رسله الذين جاءوا لهدايتهم، واتبع ~~سفلتهم وعوامهم أمر كل رئيس متجبر متكبر معاند منهم، بدون تفكر أو تدبر. ~~وقال - سبحانه - { وعصوا رسله } مع أنهم قد عصوا رسولا واحدا هو ~~هود - عليه السلام -، للإشارة إلى أن معصيتهم لهذا الرسول كأنها معصية ~~للرسل جميعا، لأنهم قد جاءوا برسالة واحدة فى جوهرها وهى عبادة الله - ~~تعالى - وحده، والتقيد بأوامره ونواهيه. والإشارة أيضا إلى ضخامة ~~جرائمهم، وإبراز شناعتها حيث عصوا رسلا لا رسولا. وقد وصفهم - سبحانه - ~~فى هذه الآية بثلاث صفات هى أعظم الصفات فى القبح والشناعة أولها جحودهم ~~لآيات ربهم. وثانيها عصيانهم لرسله. وثالثها اتباعهم أمر رؤسائهم الطغاة. ~~ثم ختم - سبحانه - قصتهم مع نبيهم فى هذه السورة ms2671 بقوله { وأتبعوا ~~في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة }. # والإتباع اقتفاء أثر الشئ بحيث لا يفوته. يقال أتبع فلان فلانا إذا ~~اقتفى أثره لكى يدركه أو يسير على نهجه. واللعنة الطرد بإهانة وتحقير. أى ~~أنهم هلكوا مشيعين ومتبوعين باللعن والطرد من رحمة الله فى الدنيا ~~والآخرة. وقوله { ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا ~~لعاد قوم هود } تسجيل لحقيقة حالهم، ودعاء عليهم بدوام الهلاك، ~~وتأكيد لسخط الله عليهم. أى ألا إن قوم عاد كفروا بنعم ربهم عليهم، ألا ~~سحقا وبعدا لهم عن رحمة الله، جزاء جحودهم للحق، وإصرارهم على الكفر، ~~واستحبابهم العمى على الهدى. وتكرير حرف التنبيه " ألا " وإعادة لفظ " ~~عاد " للمبالغة فى تهويل حالهم وللحض على الاعتبار والاتعاظ بمآلهم. هذا، ~~ومن العبر البارزة فى هذه القصة 1 - أن الداعى إلى الله، عليه أن يذكر ~~المدعوين بما يستثير مشاعرهم، ويحقق اطمئنانهم إليه، ويرغبهم فى اتباع ~~الحق، ببيان أن اتباعهم لهذا الحق سيؤدى إلى زيادة غناهم وقوتهم وأمنهم ~~وسعادتهم. وأن الانحراف عنه سيؤدى إلى فقرهم وضعفهم وهلاكهم. انظر إلى ~~قول هود - عليه السلام - { ويقوم استغفروا ربكم ثم ~~توبوا إليه يرسل السمآء عليكم مدرارا ~~ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا ~~مجرمين }. 2 - وأن الداعى إلى الله - عندما يخلص لله دعوته، ويعتمد ~~عليه - سبحانه - فى تبليغ رسالته، ويغار عليها كما يغار على عرضه أو أشد. ~~فإنه فى هذه الحالة سيقف فى وجه الطغاة المناوئين للحق، كالطود الأشم، ~~دون مبالاة بتهديدهم ووعيدهم.. لأنه قد آوى إلى ركن شديد. وهذه العبرة من ~~أبرز العبر فى قصة هود عليه السلام. ألا تراه وهو رجل فرد يواجه قوما ~~غلاظا شدادا طغاة، إذا بطشوا بطشوا جبارين، يدلون بقوتهم ويقولون فى زهو ~~وغرور من أشد منا قوة. ومع كل ذلك عندما يتطاولون على عقيدته ويراهم قد ~~أصروا على عصيانه. يواجههم بقوله { إني أشهد الله ~~واشهدوا أني بريء مما تشركون. من دونه ~~فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون.. } أرأيت كيف واجه هود - ~~عليه السلام - هؤلاء الغلاظ الشداد بالحق الذى يؤمن به دون ms2672 مبالاة ~~بوعيدهم أو تهديدهم..؟ وهكذا الإيمان بالحق عندما يختلط بالقلب.. يجعل ~~الإنسان يجهر به دون أن يخشى أحدا إلا الله - تعالى -. ثم واصلت السورة ~~الكريمة حديثها عن قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم فتحدثت عن قصة صالح - ~~عليه السلام - مع قومه، فقال - تعالى - { وإلى ثمود أخاهم ~~صالحا... }. ### || [11.61-68] # هذه قصة صالح - عليه السلام - مع قومه كما ذكرتها هذه السورة، وقد وردت ~~هذه القصة فى سور أخرى منها سورة الأعراف، والشعراء، والنمل، والقمر. ~~وصالح - عليه السلام - ينتهى نسبه إلى نوح - عليه السلام - فهو صالح بن ~~عبيد بن آسف بن ماسح بن عبيد بن حاذر بن ثمود.. بن نوح. وثمود اسم ~~للقبيلة التى منها صالح، سميت باسم جدها ثمود، وقيل سميت بذلك لقلة ~~مائها، لأن الثمد هو الماء القليل. وكانت مساكنهم بالحجر - بكسر الحاء ~~وسكون الجيم - وهو مكان يقع بين الحجاز والشام إلى وادى القرى، وموقعه ~~الآن - تقريبا - المنطقة التى بين الحجاز وشرق الأردن، وما زال المكان ~~الذى كانوا يسكنونه يسمى بمدائن صالح حتى اليوم. وقبيلة صالح من القبائل ~~العربية، وكانوا خلفاء لقوم هود - عليه السلام فقد قال - سبحانه - # واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد عاد ~~وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا ~~وتنحتون الجبال بيوتا... # وكانوا يعبدون الأصنام، فأرسل الله - تعالى - إليهم صالحا ليأمرهم ~~بعبادة الله وحده. وقوله { وإلى ثمود أخاهم صالحا قال ~~يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره.. } ~~معطوف على ما قبله من قصتى نوح وهود - عليهما السلام -. أى وأرسلنا إلى ~~قبيلة ثمود أخاهم فى النسب والموطن صالحا - عليه السلام - فقال لهم تلك ~~الكلمة التى قالها كل نبى لقومه يا قوم اعبدوا الله وحده، فهو الإله ~~الذى خلقكم ورزقكم، وليس هناك من إله سواه يفعل ذلك. ثم ذكرهم بقدرة الله ~~- تعالى - وبنعمه عليهم فقال { هو أنشأكم من الأرض ~~واستعمركم فيها } والإنشاء الإيجاد والإحداث للشئ على غير ~~مثال سابق. واستعمركم من الإعمار ضد الخراب فالسين والتاء للمبالغة. ~~يقال أعمر فلان فلانا فى المكان واستعمره، أى جعله يعمره بأنواع البناء ~~والغرس ms2673 والزرع. أى اعبدوا الله - تعالى - وحده، لأنه - سبحانه - هو الذى ~~ابتدأ خلقكم من هذه الأرض، وأبوكم آدم ما خلق إلا منها وهو الذى جعلكم ~~المعمرين لها، والساكنين فيها # تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال ~~بيوتا... # قال - تعالى - فى شأنهم.. # أتتركون في ما هاهنآ آمنين. في جنات وعيون. ~~وزروع ونخل طلعها هضيم. وتنحتون من الجبال ~~بيوتا فارهين. فاتقوا الله وأطيعون # فأنت ترى أن صالحا - عليه السلام - قد ذكرهم بجانب من مظاهر قدرة الله ~~ومن أفضاله عليهم، لكى يستميلهم إلى التفكر والتدبر، وإلى تصديقه فيما ~~يدعوهم إليه. والفاء فى قوله { فاستغفروه ثم توبوا ~~إليه } للتفريع على ما تقدم. أى إذا كان الله - تعالى - هو الذى ~~أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فعليكم أن تخلصوا له العبادة، وأن تطلبوا ~~مغفرته عما سلف منكم من ذنوب. # ثم تتوبوا إليه توبة صادقة تجعلكم تندمون على ما كان منكم فى الماضى من ~~شرك وكفر، وتعزمون على التمسك بكل ما يرضى الله - تعالى - فى المستقبل. ~~ثم فتح أمامهم باب الأمل فى رحمة الله - تعالى - فقال { إن ربي ~~قريب مجيب } أى إن ربى قريب الرحمة من المحسنين، مجيب دعاء ~~الداعين المخلصين، فاقبلوا على عبادته وطاعته، ولا تقنطوا من رحمة الله. ~~ثم حكى القرآن ما رد به قوم صالح عليه فقال { قالوا يصالح قد ~~كنت فينا مرجوا قبل هذا.. }. أى قال قوم صالح له بعد أن ~~دعاهم لما يسعدهم يا صالح لقد كنت فينا رجلا فاضلا نرجوك لمهمات الأمور ~~فينا لعلمك وعقلك وصدقك.. قبل أن تقول ما قلته، أما الآن وبعد أن جئتنا ~~بهذا الدين الجديد فقد خاب رجاؤنا فيك، وصرت فى رأينا رجلا مختل التفكير. ~~فالإشارة فى قوله { قبل هذا } إلى الكلام الذى خاطبهم به حين ~~بعثه الله إليهم. والاستفهام فى قولهم { أتنهانآ أن نعبد ما ~~يعبد آباؤنا } للتعجيب والإنكار. أى أجئتنا بدعوتك الجديدة ~~لتنهانا عن عبادة الآلهة التى كان يعبدها آباؤنا من قبلنا؟ لا، إننا لن ~~نستجيب لك، وإنما نحن قد وجدنا آباءنا على دين وإننا على آثارهم ms2674 نسير. ثم ~~ختموا ردهم عليه بقولهم { وإننا لفي شك مما تدعونآ ~~إليه مريب }. ومريب اسم فاعل من أراب. تقول أربت فلانا فأنا ~~أريبه، إذا فعلت به فعلا يوجب لديه الريبة أى القلق والاضطراب. أى لن ~~نترك عبادة الأصنام التى كان يعبدها آباؤنا، وإننا لفى شك كبير، وريب ~~عظيم من صحة ما تدعونا إليه. فانظر كيف قابل هؤلاء السفهاء الدعوة إلى ~~الحق بالتصميم على الباطل، ولكن صالحا - عليه السلام - لم ييأس بل يرد ~~عليهم بأسلوب حكيم فيقول { قال يقوم أرأيتم إن كنت على ~~بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من ~~الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير }. أى قال ~~صالح - عليه السلام - لقومه يا قوم أخبرونى إن كنت على حجة واضحة من ربى ~~ومالك أمرى. { وآتاني منه رحمة } أى وأعطانى من عنده لا من عند ~~غيره رحمة عظيمة حيث اختارنى لحمل رسالته. وتبليغ دعوته. وجملة { فمن ~~ينصرني من الله إن عصيته } جواب الشرط وهو قوله { إن ~~كنت على بينة }. أى إذا كان الله - تعالى - قد منحنى كل هذه ~~النعم، وأمرنى بأن أبلغكم دعوته فمن ذا الذى يجيرنى ويعصمنى من غضبه، إذا ~~أنا خالفت أمره أو قصرت فى تبليغ دعوته، احتفاظا برجائكم فى، ومسايرة لكم ~~فى باطلكم؟ لا، إننى سأستمر فى تبليغ ما أرسلت به إليكم، ولن يمنعنى عن ~~ذلك ترغيبكم أو ترهيبكم. # وقوله { فما تزيدونني غير تخسير } تصريح منه بأن ما عليه ~~هو الحق الذى لا يقبل الشك أو الريب، وأن مخالفته توصل إلى الهلاك ~~والخسران. والتخسير مصدر خسر، يقال خسر فلان فلانا إذا نسبه إلى الخسران. ~~أى فما تزيدوننى بطاعتكم ومعصية ربى غير الوقوع فى الخسران، وغير التعرض ~~لعذاب الله وسخطه وحاشاى أن أخالف أمر ربى إرضاء لكم. فالآية الكريمة ~~تصور تصويرا بليغا ما كان عليه صالح - عليه السلام - من إيمان عميق بالله ~~- تعالى -، ومن ثبات على دعوته ومن حرص على طاعته - سبحانه -. ثم أرشد ~~صالح - عليه السلام - إلى المعجزة الدالة على صدقه فيما يبلغه عن ربه ~~فقال ms2675 { ويقوم هذه ناقة الله لكم آية.. } أى معجزة، ~~واضحة دالة على صدقى وفى إضافة الناقة إلى الله - تعالى - تعظيم لها ~~وتشريف لحالها، وتنبيه على أنها ناقة مخصوصة ليست كغيرها من النوق التى ~~تستعمل فى الركوب والنحر وغيرهما. لأن الله - تعالى - قد جعلها معجزة ~~لنبيه صالح - عليه السلام - ولم يجعلها كغيرها. وقد ذكر بعض المفسرين من ~~صفات هذه الناقة وخصائصها. ما لا يؤيده نقل صحيح، لذا أضربنا عن كل ذلك ~~صفحا، ونكتفى بأن نقول بأنها كانت ناقة ذات صفات خاصة مميزة، تجعل قوم ~~صالح يعلمون عن طريق هذا التمييز لها عن غيرها أنها معجزة دالة على صدق ~~نبيهم - عليه السلام - فيما يدعوهم إليه. وقوله { فذروها تأكل ~~في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب ~~قريب } أمر لهم بعدم التعرض لها بسوء وتحذير لهم من نتائج مخالفة ~~أمره. أى اتركوا الناقة حرة طليقة تأكل فى أرض الله الواسعة ومن رزقه ~~الذى تكفل به لكل دابة، واحذروا أن تمسوها بشئ من السوء مهما كان قليلا، ~~فإنكم لو فعلتم ذلك عرضتم أنفسكم لعذاب الله العاجل القريب. والتعبير ~~بقوله { فيأخذكم } بفاء التعقيب وبلفظ الأخذ، يفيد سرعة الأخذ ~~وشدته، لأن أخذه - سبحانه - أليم شديد. ولكن قوم صالح - عليه السلام - لم ~~يستمعوا إلى تحذيره، بل قابلوه بالطغيان والعصيان، { فعقروها } أى ~~فعقروا الناقة # وعتوا عن أمر ربهم وقالوا ياصالح ائتنا بما ~~تعدنآ إن كنت من المرسلين # والفاء معطوفة على محذوف أى فخالفوا ما نهاهم عنه نبيهم فعقروها أى ~~نحروها وأصل العقر قطع عرقوب البعير، ثم استعمل فى النحر لأن ناحر البعير ~~يعقله ثم ينحره فقال لهم صالح - عليه السلام - بعد عقرها { تمتعوا ~~في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب }. ~~والتمتع الانتفاع بالمتاع، وهو اسم لما يحتاج إليه الإنسان فى هذه ~~الحياة من مأكل ومشرب وغيرهما. # والمراد بدارهم أماكن سكناهم التى يعيشون فيها. أى قال لهم نبيهم بعد ~~نحرهم للناقة عيشوا فى بلدكم هذا، متمتعين بما فيه من نعم لمدة ثلاثة ~~أيام فقط، فهى آخر ما بقى لكم ms2676 من متاع هذه الدنيا، ومن أيام حياتكم. { ~~ذلك } الوعد بنزول العذاب بكم بعد هذه المدة القصيرة. { وعد غير ~~مكذوب } فيه لأنه صادر من الله - تعالى - الذى لا يخلف وعده. وعبر عن ~~قرب نزول العذاب بهم بالوعد على سبيل التهكم بهم. قال الجمل " ومكذوب " ~~يجوز أن يكون مصدرا على وزن مفعول، وقد جاء منه ألفاظ نحو المجلود ~~والمعقول والمنشور والمغبون، ويجوز أن يكون اسم مفعول على بابه وفيه ~~تأويلان أحدهما غير مكذوب فيه، ثم حذف حرف الجر فاتصل الضمير مرفوعا ~~مستترا فى الصفة ومثله يوم مشهود. والثانى أنه جعل هو نفسه غير ~~مكذوب،لأنه قد وفى به، وإذا وفى به فقد صدق ". ولقد تحقق ما توعدهم به ~~نبيهم، فقد حل بهم العذاب فى الوقت الذى حدده لهم، قال - تعالى - { ~~فلما جآء أمرنا } أى فلما جاء أمرنا بإنزال العذاب بهم فى ~~الوقت المحدد. { نجينا صالحا والذين آمنوا معه ~~برحمة منا } أى برحمة عظيمة كائنة منا. ونجيناهم أيضا { ومن ~~خزي يومئذ } أى من خزى وذل ذلك اليوم الهائل الشديد الذى نزل فيه ~~العذاب بالظالمين من قوم صالح - عليه السلام - فأبادهم. فالتنوين فى قوله ~~{ يومئذ } عوض عن المضاف إليه المحذوف. وقوله - سبحانه - { إن ربك ~~هو القوي العزيز } تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~وللمؤمنين عما أصابهم من أذى. أى إن ربك - أيها الرسول الكريم - هو القوى ~~الذى لا يعجزه شئ، العزيز الذى لا يهون من يتولاه ويرعاه، فلا تبتئس عما ~~أصابك من قومك، فربك قادر على أن يفعل بهم، ما فعله بالظالمين السابقين ~~من أمثالهم. ثم صور القرآن الكريم حال هؤلاء الظالمين تصويرا يدعو إلى ~~الاعتبار والاتعاظ فقال { وأخذ الذين ظلموا الصيحة ~~فأصبحوا في ديارهم جاثمين. كأن لم يغنوا ~~فيهآ ألا إن ثمودا كفروا ربهم ألا بعدا ~~لثمود } والصيحة الصوت المرتفع الشديد. يقال صاح فلان إذا رفع صوته ~~بقوة. وأصل ذلك تشقيق الصوت، من قولهم انصاح الخشب والثوب، إذا انشق فسمع ~~له صوت. و { جاثمين } من الجثوم وهو للناس وللطير بمنزلة البروك للإبل. ~~يقال جثم ms2677 الطائر يجثم جثما وجثوما فهو جاثم.. إذا وقع على صدره، ولزم ~~مكانه فلم يبرحه. ويغنوا فيها أى يقيموا فيها. يقال غنى فلان بالمكان ~~يغنى إذا أقام به وعاش فيه فى نعمة ورغد. أى وأخذ الذين ظلموا من قوم ~~صالح - عليه السلام - عن طريق الصحة الشديدة التى صيحت بهم بأمر الله - ~~تعالى - { فأصبحوا } بسببها { في ديارهم جاثمين } أى ~~هلكى صرعى، ساقطين على وجوههم، بدون حركة. # .. { كأن لم يغنوا فيهآ } أى كأن هؤلاء القوم الظالمين لم ~~يقيموا فى ديارهم عمرا طويلا وهم فى رخاء من عيشهم. { ألا إن ~~ثمودا كفروا ربهم ألا بعدا لثمود } أى ألا إن ~~هؤلاء الظالمين من قبيلة ثمود، كفروا نعمة ربهم وجحودها ألا بعدا وسحقا ~~وهلاكا لهؤلاء المجرمين من قبيلة ثمود. وفى تكرار حرف التنبيه { ألا } ~~وتكرار لفظ { ثمود } تأكيد لطردهم من رحمة الله، وتسجيل لما ارتكبوه من ~~منكرات. وبذلك انطوت صفحة أولئك الظالمين من قوم صالح - عليه السلام - ~~كما انطوت من قبلهم صحائف قوم نوح وهود - عليهما السلام -. ومن أبرز ~~العبر والعظات التى نأخذها من قصة صالح مع قومه كما وردت فى هذه السورة ~~الكريمة أن النفوس إذا انطمست، والعقول إذا انتكست، تعجب مما لا عجب فيه ~~وتستنكر ما هو حق وصدق، وتسئ ظنها بالشخص الذى كان بالأمس القريب موضع ~~رجائها وثقتها، لأنه أتاهم بما لم يألفوه... حتى ولو كان ما أتاهم به فيه ~~سعادتهم وهدايتهم... فصالح - عليه السلام - كان مرجوا فى قومه قبل أن ~~يكون نبيا، فلما صار نبيا وبلغهم ما أرسله الله به، خاب أملهم فيه، ~~وساء ظنهم به، وجاهروه بالعداوة والعصيان... مع أنه أتاهم بما يسعدهم... ~~وصدق الله إذ يقول # سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض ~~بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ~~وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن ~~يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم ~~كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين # هذا، وقد وردت أحاديث تصرح بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد مر على ~~ديار ثمود وهو فى ms2678 طريقه إلى غزوة تبوك. ومن هذه الأحاديث ما رواه الشيخان ~~عن ابن عمر قال # " لما مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحجر قال لا تدخلوا على ~~هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين، فلا تدخلوا ~~عليهم، لئلا يصيبكم ما أصابهم. ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى جاوز الوادى ~~". # ثم ساقت السورة الكريمة جانبا من قصة إبراهيم - عليه السلام - مع ~~الملائكة، الذين جاءوه بالبشارة، فقال - تعالى - { ولقد جآءت ~~رسلنآ إبراهيم... }. ### || [11.69-76] # هذه قصة إبراهيم - عليه السلام - مع الملائكة الذين جاءوا لبشارته بابنه ~~إسحاق، وبإخباره بإهلاك قوم لوط - عليه السلام -. وقد وردت هذه القصة فى ~~سور أخرى منها سورة الحجر فى قوله - تعالى - # ونبئهم عن ضيف إبراهيم. إذ دخلوا عليه ~~فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون... # ومنها سورة الذاريات فى قوله - تعالى - # هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين. إذ ~~دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم ~~منكرون... # والمراد بالرسل فى قوله - سبحانه - { ولقد جآءت رسلنآ ~~إبراهيم بالبشرى } جماعة من الملائكة الذين أرسلهم الله - ~~تعالى - لتبشير إبراهيم بابنه إسحاق. وقد اختلفت الروايات فى عددهم فعن ~~ابن عباس أنهم ثلاثة وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل، وعن الضحاك أنهم كانوا ~~تسعة، وعن السدى أنهم كانوا أحد عشر ملكا.. والحق أنه لم يرد فى عددهم ~~نقل صحيح يعتمد عليه، فلنفوض معرفة عددهم إلى الله - تعالى -. والبشرى ~~اسم للتبشير والبشارة وهى الخبر السار، فهى أخص من الخبر، وسميت بذلك لأن ~~آثارها تظهر على بشرة الوجه أى جلده. وجاءت هذه الجملة الكريمة بصيغة ~~التأكيد للاهتمام بمضمونها، وللرد على مشركى قريش وغيرهم ممن كان ينكر ~~هذه القصة وأمثالها. والباء فى قوله - سبحانه - { بالبشرى } ~~للمصاحبة والملابسة، أى جاءوه مصاحبين وملتبسين بالبشرى. وقوله { ~~قالوا سلاما قال سلام } حكاية لتحيتهم له ولرده عليهم. { ~~وسلاما } منصوب بفعل محذوف. أى قالوا نسلم عليك سلاما. { وسلام } مرفوع ~~على أنه خبر لمبتدأ محذوف. أى قال أمرى سلام. وقرأ حمزة والكسائى قال سلم ~~وهو اسم للمسالمة. ثم بين - سبحانه - ما فعل إبراهيم مع هؤلاء ms2679 الرسل من ~~مظاهر الحفاوة والتكريم فقال { فما لبث أن جآء بعجل حنيذ ~~}. و " ما " فى قوله { فما لبث } نافية، والفاء للتعقيب، واللبث فى ~~المكان معناه عدم الانتقال عنه. والعجل الصغير من البقر. والحنيذ السمين ~~المشوى على الحجارة المحماة فى حفرة من الأرض. يقال حنذ الشاة يحنذها ~~حنذا أى شواها بهذه الطريقة. أى فما أبطأ وما تأخر إبراهيم - عليه ~~السلام - عن إكرامهم، بل بمجرد أن انتهى من رد التحية عليهم، أسرع إلى ~~أهله فجاءهم بعجل حنيذ... وهذا الفعل منه - عليه السلام - يدل على سعة ~~جوده، وعظيم سخائه، فإن من آداب الضيافة، تعجيل القرى للضيف.. قال أبو ~~حيان والأقرب فى إعراب { فما لبث أن جآء... } أن تكون { ما } ~~نافية، ولبث معناه تأخر وأبطأ و { أن جآء } فاعل لبث والتقدير فما ~~تأخر مجيئه.. ويجوز أن يكون فاعل لبث ضمير إبراهيم، وأن جاء على إسقاط ~~حرف الجر، أى فما تأخر فى أن جاء بعجل حنيذ. # .. ". ثم بين - سبحانه - حال إبراهيم عندما رأى ضيوفه لا يأكلون من ~~طعامه فقال { فلما رأى أيديهم لا تصل إليه ~~نكرهم وأوجس منهم خيفة... }. ومعنى { نكرهم } نفر ~~منهم، وكره تصرفهم. نقول فلان نكر حال فلان - كعلم - وأنكره نكرا ~~ونكورا... إذا وجده على غير ما يعهده فيه، ويتوقعه منه. { وأوجس } ~~من الوجس وهو الصوت الخفى، والمراد به هنا الإحساس الخفى بالخوف والفزع ~~الذى يقع فى النفس عند رؤية ما يقلقها ويخيفها. أى فلما رأى إبراهيم - ~~عليه السلام - ضيوفه لا تمتد أيديهم إلى الطعام الذى قدمه لهم، نفر منهم، ~~وأحس فى نفسه من جهتهم خوفا ورعبا لأن امتناع الضيف عن الأكل من طعام ~~مضيفه - بدون سبب مقنع - يشعر بأن هذا الضيف ينوى شرا به... والتقاليد ~~فى كثير من البلاد إلى الآن تؤيد ذلك. ولذا قالت الملائكة لإبراهيم ~~عندما لاحظوا ما يساور نفسه من الخوف { لا تخف إنا أرسلنا ~~إلى قوم لوط } أى لا تخف يا إبراهيم فإنا لسنا ضيوفا من البشر، ~~وإنما نحن رسل من الله - تعالى - أرسلنا إلى قوم لوط لإهلاكهم. ms2680 وقد جاء ~~فى بعض الآيات أنه صارحهم بالخوف منهم، ففى سورة الحجر قال - تعالى - # ونبئهم عن ضيف إبراهيم. إذ دخلوا عليه ~~فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون. قالوا لا ~~توجل إنا نبشرك بغلام عليم... # ثم حكى - سبحانه - ما حدث بعد ذلك فقال { وامرأته قآئمة ~~فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن ورآء إسحاق ~~يعقوب }. والمراد بامرأته - كما يقول القرطبى - " سارة بنت هاران بن ~~ناحور، ابن شاروع، بن أرغو، ابن فالغ، وهى بنت عم إبراهيم ". وقيامها كان ~~لأجل قضاء مصالحها، أو لأجل خدمة الضيوف... أو لغير ذلك من الأمور التى ~~تحتاجها المرأة فى بيتها. والمراد بالضحك هنا حقيقته. أى فضحكت سرورا ~~وابتهاجا بسبب زوال الخوف عن إبراهيم، أو بسبب علمها بأن الضيوف قد ~~أرسلهم الله لإهلاك قوم لوط، أو بهما معا... قال الشوكانى والضحك هنا هو ~~الضحك المعروف الذى يكون للتعجب والسرور كما قاله الجمهور. وقال مجاهد ~~وعكرمة إنه الحيض، ومنه قول الشاعر # وإنى لآتى العرس عند طهورها وأهجرها يوما إذا تك ضاحكا # وقد أنكر بعض اللغويين أن يكون فى كلام العرب ضحكت بمعنى حاضت. أى وفى ~~أعقاب قول الملائكة لإبراهيم لا تخف... كانت امرأته قائمة لقضاء بعض ~~حاجاتها، فلما سمعت ذلك " ضحكت " سرورا وفرحا لزوال خوفه { ~~فبشرناها } عقب ذلك بمولودها { إسحاق } كما بشرناها بأن إسحاق ~~سيكون من نسله { يعقوب } ، فهى بشارة مضاعفة. إذ أنها تحمل فى طياتها ~~أنها ستعيش حتى ترى ابن ابنها... ولا شك أن المرأة عندما تكون قد بلغت سن ~~اليأس. # ولم يكن لها ولد، ثم تأتيها مثل هذه البشارة يهتز كيانها، ويزداد عجبها، ~~ولذا قالت على سبيل الدهشة والاستغراب { يويلتى أألد وأنا ~~عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب }. ~~وكلمة { يويلتى } تستعمل فى التحسر والتألم والتفجع عند نزول ~~مكروه. والمراد بها هنا التعجب لا الدعاء على نفسها بالويل والهلاك، وهى ~~كلمة كثيرة الدوران على أفواه النساء إذا طرأ عليهن ما يدهشن له، ويتعجبن ~~منه. أى قالت بدهشة وعجب عندما سمعت بشارة الملائكة لها بالولد وبولد ~~الولد يا للعجب أألد ms2681 وأنا امرأة عجوز، قد بلغت سن اليأس من الحمل منذ زمن ~~طويل، { وهذا بعلي } أى زوجى إبراهيم " شيخا " كبيرا متقدما فى ~~السن. قال الجمل وهاتان الجملتان - { وأنا عجوز وهذا بعلي ~~شيخا } - فى محل النصب على الحال من الضمير المستتر فى { أألد } ، ~~وشيخا حال من بعلى، والعامل فيه اسم الإشارة لما فيه من معنى الفعل ". ~~وقوله - كما حكى القرآن عنها - { إن هذا لشيء عجيب } أى إن ~~هذا الذى بشرتمونى به من حصول الولد لى فى تلك السن المتقدمة { لشيء ~~عجيب } فى مجرى العادة عند النساء وقد رد عليها الملائكة بقولهم { ~~قالوا أتعجبين من أمر الله }؟!! أى أتستبعدين على قدرة ~~الله - تعالى - أن يرزقك الولد وأنت وزوجك فى هذه السن المتقدمة؟ لا إنه ~~لا ينبغى لك أن تستبعدى ذلك، لأن قدرة الله لا يعجزها شئ. فالاستفهام هنا ~~المراد به إنكار تعجبها واستبعادها البشارة، وإزالة أثر ذلك من نفسها ~~إزالة تامة. وقوله { رحمة الله وبركاته عليكم أهل ~~البيت } حكاية لما قالته الملائكة لها، زيادة فى سرورها وفى إدخال ~~الطمأنينة على قلبها. أى رحمة الله الواسعة، وبركاته وخيراته النامية ~~عليكم أهل البيت الكريم وهو بيت إبراهيم - عليه السلام -. قال صاحب ~~الكشاف وإنما أنكرت عليها الملائكة تعجبها، لأنها كانت فى بيت الآيات، ~~ومهبط المعجزات، والأمور الخارقة للعادات، فكان عليها أن تتوقر، ولا ~~يزدهيها ما يزدهى سائر النساء الناشئات فى غير بيت النبوة وأن تسبح الله ~~وتمجده، مكان التعجب. وإلى ذلك أشارت الملائكة فى قولهم { رحمة ~~الله وبركاته عليكم أهل البيت }. أرادوا أن هذه ~~وأمثالها مما يكرمكم به رب العزة، ويخصكم بالإنعام به يا أهل بيت ~~النبوة، فليس بمكان عجب. والكلام مستأنف علل به إنكار التعجب. كأنه قيل " ~~إياك والتعجب، فإن أمثال هذه الرحمة والبركة متكاثرة من الله عليكم ". ~~وقوله - سبحانه - { إنه حميد مجيد } تذييل بديع قصد به وجوب ~~مداومتها على حمد الله وتمجيده على أن وهبها الولد بعد أن بلغت سن اليأس ~~من الحمل. أى إنه - سبحانه - { حميد } أى مستحق للحمد لكثرة نعمه على ~~عباده ms2682 { مجيد } أى كريم واسع الإحسان، فليس بعيدا منه أن يعطى ~~الولد للآباء بعد الكبر. # قال صاحب المنار ما ملخصه وأصل المجد فى اللغة أن تقع الإبل فى أرض ~~واسعة المرعى، كثيرة الخصب، يقال مجدت الإبل تمجد من باب نصر - مجدا ~~ومجادة، وأمجدها الراعى. والمجد فى البيوت والأنساب ما يعده الرجل من سعة ~~كرم آبائه وكثرة نوالهم. ووصف الله كتابه بالمجيد، كما وصف نفسه بذلك، ~~لسعة هداية كتابه، وسعة كرمه وفضله على عباده... " ثم حكى - سبحانه - ما ~~كان من إبراهيم بعد أن سكن خوفه، واطمأن إلى ضيوفه فقال { فلما ~~ذهب عن إبراهيم الروع } أى الخوف والفزع، بسبب اطمئنانه ~~إلى ضيوفه، وعلمه أنهم ليسوا من البشر. { وجآءته البشرى } منهم ~~بالولد، واتصال النسل، فازداد سرورا بهم. بعد كل ذلك، أخذ إبراهيم { ~~يجادلنا في قوم لوط } أى يجادل رسلنا ويحاورهم فى شأن قوم ~~لوط، وفى كيفية عقابهم، بعد أن أخبروه بأنهم ذاهبون لإهلاكهم. وأضاف - ~~سبحانه - المجادلة إلى نفسه مع أنها كانت مع الملائكة، لأن نزولهم ~~لإهلاك قوم لوط إنما كان بأمره - تعالى -، فمجادلة إبراهيم لهم هى ~~مجادلة فى تنفيذ أمره - تعالى -. وقال - سبحانه - { يجادلنا } مع أنها ~~كانت فى الماضى، لتصوير هذه الحالة فى الذهن تصويرا حاضرا، حتى تزداد ~~منه العبرة والعظة. وهذه المجادلة التى كانت بين إبراهيم وبين الملائكة ~~الذين أرسلوا لإهلاك قوم لوط، قد حكاها - سبحانه - فى سورة العنكبوت فى ~~قوله # ولما جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى قالوا ~~إنا مهلكو أهل هذه القرية # أى القرية التى يسكنها قوم لوط # إن أهلها كانوا ظالمين. قال إن فيها لوطا ~~قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله ~~إلا امرأته كانت من الغابرين # الآيتان 31 - 32. وهذا التفسير للمجادلة التى دارت بين إبراهيم ~~والملائكة فى عقاب قوم لوط هو الصحيح لأن خير تفسير للقرآن هو ما كان ~~بالقرآن. وما ورد من أقوال تخالف ذلك فلا يلتفت إليها، لعدم استنادها إلى ~~النقل الصحيح. وقوله - سبحانه - { إن إبراهيم لحليم أواه ~~منيب } بيان للدواعى التى حملت إبراهيم - عليه السلام - على مجادلة ~~الملائكة ms2683 فى شأن إهلاك قوم لوط. والحليم هو الصبور على الأذى، الصفوح عن ~~الجناية، المقابل لها بالإحسان. والأواه هو الذى يكثر التأوه من خشية ~~الله. قال الآلوسى وأصل التأوه قوله آه ونحوه مما يقوله المتوجع الحزين. ~~وهو عند جماعة كناية عن كمال الرأفة ورقة القلب. وأخرج ابن جرير وابن أبى ~~حاتم وغيرهما عن عبد الله بن شداد قال رجل يا رسول الله ما الآواه؟ قال " ~~الخاشع المتضرع الكثير الدعاء ". والمنيب السريع الرجوع إلى الله - تعالى ~~- بالتوبة والاستغفار. # أى أن إبراهيم لصبور على الأذى، صفوح عن الجناية، كثير التضرع إلى الله، ~~سريع الرجوع إليه فى كل ما يحبه ويرضاه. ولكن حلم إبراهيم وإنابته... لم ~~يرد قضاء الله العادل فى شأن قوم لوط ولذا قالت الملائكة له - كما حكى ~~القرآن عنهم - { يإبرهيم أعرض عن هذآ إنه قد ~~جآء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود }. ~~أى قالت الملائكة لإبراهيم { يإبرهيم أعرض عن هذآ } ~~الجدال فى أمر قوم لوط، وفى طلب إمهال عقوبتهم { إنه قد جآء ~~أمر ربك } بإهلاكهم { وإنهم } بسبب إصرارهم على ارتكاب الفواحش { ~~آتيهم } من ربهم { عذاب } شديد { غير مردود } عنهم لا بسبب ~~الجدال ولا بأى سبب سواه، فإن قضاء الله لا يرد عن القوم المجرمين. هذا، ~~وقد ذكر الشيخ القاسمى بعض الفوائد والأحكام التى أخذها العلماء من هذه ~~الآيات فقال قال بعض المفسرين لهذه الآيات ثمرات وفوائد. منها أن حصول ~~الولد المخصص بالفضل نعمة، وأن هلاك العاصى نعمة - أيضا - لأن البشرى قد ~~فسرت بولادة إسحاق لقوله { فبشرناها بإسحاق } وفسرت بهلاك ~~قوم لوط، لقوله { قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم ~~لوط }. ومنها استحباب نزول المبشر - بالكسر - على المبشر - بالفتح - ~~لأن الملائكة أرسلهم الله - تعالى - لذلك. ومنها أنه يستحب للمبشر أن ~~يتلقى البشارة بالشكر لله - تعالى - على ما بشر به. فقد حكى عن الأصم أنه ~~قال جاؤوه فى أرض يعمل فيها، فلما فرغ غرز مسحاته، وصلى ركعتين. ومنها أن ~~السلام مشروع، وأنه ينبغى أن يكون الرد أفضل لقول إبراهيم { سلام } ~~بالرفع وهو ms2684 أدل على الثبات والدوام. ومنها مشروعية الضيافة، والمبادرة ~~إليها، واستحباب مبادرة الضيف بالأكل منها. ومنها استحباب خدمة الضيف ولو ~~للمرأة، لقول مجاهد وامرأته قائمة أى فى خدمة أضياف إبراهيم... وخدمة ~~الضيفان من مكارم الأخلاق. ومنها جواز مراجعة الأجانب فى القول، وأن ~~صوتها ليس بعورة. ومنها أن امرأة الرجل من أهل بيته، فيكون أزواجه - صلى ~~الله عليه وسلم - من أهل بيته ومنها - كما يقول الإمام ابن كثير - استدل ~~على أن الذبيح هو إسماعيل لا إسحاق، وأنه يمتنع أن يكون هو إسحاق، لأنه ~~وقعت البشارة به، وأنه سيولد له يعقوب، فكيف يؤمر إبراهيم بذبحه وهو طفل ~~صغير، ولم يولد له بعد يعقوب الموعود بوجوده، ووعد الله حق لا خلف فيه، ~~فيمتنع أن يؤمر بذبح إسحاق والحالة هذه، فتعين أن يكون الذبيح إسماعيل، ~~وهذا من أحسن الاستدلال وأصحه ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عما ~~دار بين لوط وبين الملائكة وبينه وبين قومه من حوار وجدال فقال - تعالى - ~~{ ولما جآءت رسلنا لوطا... } ### || [11.77-83] # - تلك هى قصة لوط مع الرسل الذين جاءوا لإهلاك قومه ومع قومه المجرمين، ~~كما حكتها سورة هود. - وقد وردت هذه القصة فى سور أخرى وبأساليب متنوعة، ~~ومنها سورة الأعراف، والحجر، والشعراء، والنمل، والعنكبوت، والصافات، ~~والذاريات، والقمر.. قال الإمام ابن كثير ولوط ابن هاران بن آزر، فهو ~~ابن أخى إبراهيم، وكان قد آمن مع عمه إبراهيم وهاجر معه إلى أرض الشام، ~~فبعثه الله إلى أهل بلدة سدوم وما حولها يدعوهم إلى وحدانية الله - تعالى ~~-، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عما كانوا يرتكبونه من المآثم والمحارم ~~والفواحش التى اخترعوها دون أن يسبقهم بها أحد من بنى آدم ولا من غيرهم، ~~وهو إتيان الذكور دون الإناث، وهذا شئ لم يكن أحد من بنى آدم يعهده ولا ~~يألفه ولا يخطر بباله، حتى صنع ذلك أهل سدوم - " وهم قرية بوادى الأردن ~~عليهم لعائن الله " - وقد بدأ - سبحانه - القصة هنا بتصوير ما اعترى ~~لوطا - عليه السلام - من ضيق وغم عندما جاءته الرسل فقال { ولما ~~جآءت رسلنا لوطا سيء ms2685 بهم... } - أى وحين جاء الملائكة ~~إلى لوط - عليه السلام - بعد مفارقتهم لإبراهيم، ساءه وأحزنه مجيئهم، ~~لأنه كان لا يعرفهم، ويعرف أن قومه قوم سوء، فخشى أن يعتدى قومه عليهم، ~~بعادتهم الشنيعة، وهو عاجز عن الدفاع عنهم.. قال ابن كثير ما ملخصه " ~~يخبر الله - تعالى - عن قدوم رسله من الملائكة إلى لوط - عليه السلام - ~~بعد مفارقتهم لإبراهيم.. فأتوا لوطا - عليه السلام - وهو على ما قيل فى ~~أرض له. وقيل فى منزله، ووردوا عليه وهم فى أجمل صورة تكون، على هيئة ~~شبان حسان الوجوه، ابتلاء من الله، وله الحكمة والحجة البالغة، فساءه ~~شأنهم... " - وقوله { وضاق بهم ذرعا } تصوير بديع لنفاد حيلته، ~~واغتمام نفسه وعجزه عن وجود حيلة للخروج من المكروه الذى حل بهم. قال ~~القرطبى والذرع مصدر ذرع. وأصله أن يذرع البعير بيديه فى سيره ذرعا على ~~قدر سعة خطوه فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق عن ذلك وضعف ومد عنقه. ~~فضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع. وقيل هو من ذرعه القئ أى غلبه. أى ضاق عن ~~حبسه المكروه فى نفسه. وإنما ضاق ذرعه بهم لما رأى من جمالهم، وما يعلمه ~~من فسوق قومه... ". - و { ذرعا } تمييز محول عن الفاعل. أى ضاق بأمرهم ~~ذرعه. { وقال هذا يوم عصيب } أى وقال لوط - عليه السلام - ~~فى ضجر وألم هذا اليوم الذى جاءنى فيه هؤلاء الضيوف، يوم " عصيب " أى ~~شديد هوله وكربه. # وأصل العصب الشد والضغط، فكأن هذا اليوم لشدة وقعه على نفسه قد عصب به ~~الشر والبلاء، أى شد به. قال صاحب تفسير التحرير والتنوير ومن بديع ترتيب ~~هذه الجمل أنها جاءت على ترتيب حصولها فى الوجود، فإن أول ما يسبق إلى ~~نفس الكاره للأمر أن يساء به ويتطلب المخلص منه، فإذا علم أنه لا مخلص له ~~منه ضاق به ذرعا. ثم يصدر تعبيرا عن المعانى يريح به نفسه ". - ثم بين ~~- سبحانه - ما كان من قوم لوط - عليه السلام - عندما علموا بوجود هؤلاء ~~الضيوف عنده فقال { وجآءه قومه يهرعون إليه ومن ~~قبل كانوا ms2686 يعملون السيئات... } - ويهرعون - بضم الياء ~~وفتح الراء على صيغة المبنى للمفعول - أى يدفع بعضهم بعضا بشدة، كأن ~~سائقا يسوقهم إلى المكان الذى فيه لوط وضيوفه. يقال هرع الرجل وأهرع - ~~بالبناء للمفعول فيهما - إذا أعجل وأسرع لدافع يدفعه إلى ذلك. قال ~~الآلوسى والعامة على قراءته مبنيا للمفعول، وقرأ جماعة يهرعون - بفتح ~~الياء مع البناء للفاعل - من هرع - بفتح الهاء والراء - وأصله من الهرع ~~وهو الدم الشديد السيلان، كأن بعضه يدفع بعضا. أى وبعد أن علم قوم لوط ~~بوجود هؤلاء الضيوف عند نبيهم، جاءوا إليه مسرعين يسوق بعضهم بعضا إلى ~~بيته من شدة الفرح، ومن قبل هذا المجئ، كان هؤلاء القوم الفجرة، يرتكبون ~~السيئات الكثيرة، التى من أقبحها إتيانهم الرجال شهوة من دون النساء. وقد ~~طوى القرآن الكريم ذكر الغرض الذى جاءوا من أجله، وأشار إليه بقوله { ~~ومن قبل كانوا يعملون السيئات } للإشعار بأن تلك ~~الفاحشة صارت عادة من العادات المتأصلة فى نفوسهم الشاذة، فلا يسعون إلا ~~من أجل قضائها. ثم حكى القرآن بعد ذلك ما بادرهم به نبيهم بعد أن رأى ~~هياجهم وتدافعهم نحو داره فقال { يقوم هؤلاء بناتي هن ~~أطهر لكم... }... والمراد ببناته هنا زوجاتهم ونساؤهم اللائى ~~يصلحن للزواج، وأضافهن إلى نفسه لأن كل نبى أب لأمته من حيث الشفقة وحسن ~~التربية والتوجيه. قال ابن كثير قوله - تعالى - { يقوم هؤلاء ~~بناتي هن أطهر لكم... } يرشدهم إلى نسائهم، فإن النبى للأمة ~~بمنزلة الولد، فأرشدهم إلى ما هو أنفع لهم، كما قال لهم فى آية أخرى # أتأتون الذكران من العالمين. وتذرون ما خلق ~~لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون # قال مجاهد لم يكن بناته، ولكن كن من أمته، وكل نبى أبو أمته... وقال ~~سعيد بن جبير يعنى نساؤهم، هن بناته وهو أب لهم... ومنهم من يرى أن ~~المراد ببناته هنا بناته من صلبه، وأنه عرض عليهم الزواج بهن... ويضعف ~~هذا الرأى أن لوطا - عليه السلام - كان له بنتان أو ثلاثة - كما جاء فى ~~بعض الروايات - وعدد المتدافعين من قومه إلى ms2687 بيته كان كثيرا، فكيف ~~تكفيهم بنتان أو ثلاثة للزواج. # ..؟ ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب، وقد رجحه الإمام الرازى ~~بأن قال ما ملخصه " وهذا القول عندى هو المختار، ويدل عليه وجوه. منها ~~أنه قال { هؤلاء بناتي هن أطهر لكم } وبناته اللاتى ~~من صلبه لا تكفى للجمع العظيم، أما نساء أمته ففيهن كفاية للكل.. ومنها ~~أنه صحت الرواية أنه كان له بنتان وهما " زنتا وزعورا، وإطلاق لفظ البنات ~~على البنتين لا يجوز، لما ثبت أن أقل الجمع ثلاثة... ". والمعنى أن لوطا ~~- عليه السلام - عندما رأى تدافعهم نحو بيته لارتكاب الفاحشة التى ما ~~سبقهم بها من أحد من العالمين، قال لهم برجاء ورفق { يقوم } هؤلاء ~~نساؤكم اللائى بمنزلة بناتى ارجعوا إليهن فاقضوا شهوتكم معهن فهن أطهر ~~لكم نفسا وحسيا من التلوث برجس اللواط، وأفعل التفضيل هنا وهو { أطهر } ~~ليس على بابه، بل هو للمبالغة فى الطهر. قال القرطبى وليس ألف أطهر ~~للتفضيل، حتى يتوهم أن فى نكاح الرجال طهارة، بل هو كقولك الله أكبر - أى ~~كبير -... ولم يكابر الله - تعالى - أحد حتى يكون الله - تعالى - أكبر ~~منه... " ثم أضاف إلى هذا الإرشاد لهم إرشادا آخر فقال { فاتقوا ~~الله ولا تخزون في ضيفي... } قال الجمل ولفظ الضيف فى ~~الأصل مصدر، ثم أطلق على الطارق ليلا إلى المضيف، ولذا يقع على المفرد ~~والمذكر وضديهما بلفظ واحد، وقد يثنى فيقال ضيفان، ويجمع فيقال " أضياف ~~وضيوف... ". وتخزون من الخزى وهو الإهانة والمذلة. يقال خزى الرجل يخزى ~~خزيا.... إذا وقع فى بلية فذل بذلك. أى بعد أن أرشدهم إلى نسائهم، أمرهم ~~بتقوى الله ومراقبته، فقال لهم فاتقوا الله. ولا تجعلونى مخزيا مفضوحا ~~أمام ضيوفى بسبب اعتدائكم عليهم، فإن الاعتداء على الضيف كأنه اعتداء على ~~المضيف. ويبدو أن لوطا - عليه السلام - قد قال هذه الجملة ليلمس بها ~~نخوتهم إن كان قد بقى فيهم بقية من نخوة، ولكنه لما رأى إصرارهم على ~~فجورهم وبخهم بقوله { أليس منكم رجل رشيد } يهدى إلى ~~الرشد والفضيلة. وينهى عن الباطل والرذيلة. ms2688 فيقف إلى جانبى، ويصرفكم عن ~~ضيوفى؟ ولكن هذا النصح الحكيم من لوط لهم لم يحرك قلوبهم الميتة الآسنة. ~~ولا فطرتهم الشاذة المنكوسة. بل ردوا عليه بقولهم { قالوا لقد ~~علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما ~~نريد }. أى قال قوم لوط له بسفاهة ووقاحة لقد علمت يا لوط علما لا شك ~~معه، أننا لا رغبة لنا فى النساء، لا عن طريق الزواج ولا عن أى طريق آخر، ~~فالمراد بالحق هنا الرغبة والشهوة. # قال الشوكانى قوله { ما لنا في بناتك من حق } أى ما لنا ~~فيهن من شهوة ولا حاجة، لأن من احتاج إلى شئ فكأنه حصل له فيه نوع حق، ~~ومعنى ما نسبوه إليه من العلم أنه قد علم منهم المكالبة على إتيان الذكور ~~وشدة الشهوة إليهم، فهم من هذه الحيثية كأنهم لا حاجة لهم إلى النساء. ~~ويمكن أن يريدوا أنه لا حق لنا فى نكاحهن... " وقولهم { وإنك ~~لتعلم ما نريد } إشارة خبيثة منهم إلى العمل الخبيث الذى ألفوه، ~~وهو إتيان الذكور دون النساء أى وإنك لتعلم علما يقينيا الشئ الذى نريده ~~فلماذا ترجعنا؟! وقولهم هذا الذى حكته الآية الكريمة عنهم، يدل دلالة ~~واضحة على أنهم قد بلغوا النهاية فى الخبث والوقاحة وتبلد الشعور... لذا ~~رد عليهم لوط - عليه السلام - رد اليائس من ارعوائهم عن غيهم، المتمنى ~~لوجود قوة إلى جانبه تردعهم وتكف فجورهم... { قال لو أن لي ~~بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد } والقوة ما يتقوى به ~~الإنسان على غيره. وآوى أى ألجأ وأنضوى تقول أويت إلى فلان فأنا آوى ~~إليه أويا أى انضممت إليه. والركن فى الأصل القطعة من البيت أو ~~الجبل، والمراد به هنا الشخص القوى الذى يلجأ إليه غيره لينتصر به... ولو ~~شرطية وجوابها محذوف، والتقدير قال لوط - عليه السلام - بعد أن رأى من ~~قومه الاستمرار فى غيهم، ولم يقدر على دفعهم - على سبيل التفجع والتحسر ~~لو أن معى قوة أدفعكم بها لبطشت بكم. ويجوز أن تكون لو للتمنى فلا تحتاج ~~إلى جواب ms2689 أى ليت معى قوة أستطيع بمناصرتها لى دفع شركم. وقوله { أو ~~آوي إلى ركن شديد } معطوف على ما قبله، أو ليتنى أستطيع أن ~~أجد شخصا قويا من ذوى المنعة والسلطان أحتمى به منكم ومن تهديدكم لى... ~~قالوا وإنما قال لوط - عليه السلام - ذلك لأنه كان غريبا عنهم، ولم يكن ~~له نسب أو عشيرة فيهم. وهنا - وبعد أن بلغ الضيق بلوط ما بلغ - كشف له ~~الملائكة عن حقيقتهم، وبشروه بما يدخل الطمأنينة على قلبه { قالوا ~~يلوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك } أى إنا رسل ربك ~~أرسلنا إليك لنخبرك بهلاكهم، فاطمئن فإنهم لن يصلوا إليك بسوء فى نفسك أو ~~فينا. روى أن الملائكة لما رأوا ما لقيه لوط - عليه السلام - من الهم ~~والكرب بسببهم قالوا له يا لوط إن ركنك لشديد... ثم ضربهم جبريل بجناحه ~~فطمس أعينهم، فارتدوا على أدبارهم يقولون النجاء، وإليه الإشارة بقوله - ~~تعالى - فى سورة القمر # ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنآ أعينهم فذوقوا ~~عذابي ونذر # وقوله { فأسر بأهلك بقطع من اليل } أى فاخرج من هذه ~~القرية مصحوبا بالمؤمنين من أهلك فى جزء من الليل يكفى لابتعادك عن ~~هؤلاء المجرمين. قال القرطبى قرئ " فاسر وفأسر بوصل الهمزة وقطعها لغتان ~~فصيحتان. قال - تعالى - # واليل إذا يسر # وقال # سبحان الذي أسرى بعبده... # وقيل " فأسر " بالقطع تقال لمن سار من أول الليل... وسرى لمن سار فى ~~آخره، ولا يقال فى النهار إلا سار... " وقوله { ولا يلتفت ~~منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها مآ ~~أصابهم.... } معطوف على ما قبله وهو قوله { فأسر بأهلك... ~~}. أى فأسر بأهلك فى جزء من الليل، ولا يلتفت منكم أحد إلى ما وراءه، ~~اتقاء لرؤية العذاب، { إلا امرأتك } يا لوط فاتركها ولا تأخذها ~~معك لأنها كافرة خائنة، ولأنها سيصيبها العذاب الذى سينزل بهؤلاء ~~المجرمين. فيهلكها معهم. قال الإمام الرازى ما ملخصه قوله { إلا ~~امرأتك } قرأ ابن كثير وأبو عمرو { إلا امرأتك } بالرفع، ~~وقرأ الباقون بالنصب. قال الواحدى من نصب فقد جعلها مستثناة من الأهل، ~~على معنى فأسر بأهلك إلا ms2690 امرأتك أى فلا تأخذها معك... وأما الذين رفعوا ~~فالتقدير ولا يلتفت منكم أحد لكن امرأتك تلتفت فيصيبها ما أصابهم. روى عن ~~قتادة أنه قال إنها كانت مع لوط حين خرج من القرية، " فلما سمعت العذاب ~~التفتت وقالت واقوماه فأصابها حجر فأهلكها ". وقوله - سبحانه - { إن ~~موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب } بشارة أخرى للوط ~~- عليه السلام - الذى تمنى النصرة على قومه. أى إن موعد هلاك هؤلاء ~~المجرمين يبتدئ من طلوع الفجر وينتهى مع طلوع الشمس، أليس الصبح بقريب من ~~هذا الوقت الذى نحدثك فيه؟ قال - تعالى - فى سورة الحجر # فأخذتهم الصيحة مشرقين # أى وهم داخلون فى وقت الشروق. فكان ابتداء العذاب عند طلوع الصبح ~~وانتهاؤه وقت الشروق. والجملة الكريمة { إن موعدهم الصبح... ~~} كالتعليل للأمر بالإسراء بأهله بسرعة، أو جواب عما جاش بصدره من ~~استعجاله العذاب لهؤلاء المجرمين. والاستفهام فى قوله - سبحانه - { ~~أليس الصبح بقريب } للتقرير أى بلى إنه لقريب. قال الآلوسى ~~روى أنه - عليه السلام - سأل الملائكة عن موعد هلاك قومه فقالوا له ~~موعدهم الصبح. فقال أريد أسرع من ذلك. فقالوا له أليس الصبح بقريب. ولعله ~~إنما جعل ميقات هلاكهم الصبح لأنه وقت الدعة والراحة فيكون حلول العذاب ~~حينئذ أفظع، ولأنه أنسب بكون ذلك عبرة للناظرين. ثم حكى - سبحانه - فى ~~نهاية القصة ما حل بهؤلاء المجرمين من عذاب فقال { فلما جآء ~~أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها ~~حجارة من سجيل منضود. مسومة عند ربك وما ~~هي من الظالمين ببعيد }. أى " فلما أمرنا " بإهلاك هؤلاء ~~القوم المفسدين { جعلنا عاليها سافلها } أى جعلنا أعلى ~~بيوتهم أسفلها، بأن قلبناها عليهم، وهى عقوبة مناسبة لجريمتهم حيث قلبوا ~~فطرتهم، فأتوا الذكران من العالمين وتركوا ما خلق لهم ربهم من أزواجهم. # .. وقوله { وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود ~~} زيادة فى عقوبتهم ولعنهم. أى جعلنا أعلى قراهم أسفلها، وأمطرنا عليها ~~حجارة { من سجيل } أى من حجر وطين مختلط، قد تحجر وتصلب { ~~منضود } أى متتابع فى النزول بدون انقطاع موضوع بعض على بعض، من ~~النضد وهو وضع الأشياء بعضها إلى ms2691 بعض. { مسومة عند ربك } أى ~~معلمة بعلامات من عند ربك لا يعلمها إلا هو، ومعدة إعدادا خاصا لإهلاك ~~هؤلاء القوم. { وما هي } أى تلك القرى المهلكة { من الظالمين ~~} وهم مشركو مكة { ببعيد } أى ببعيدة عنهم، بل هى قريبة منهم، ويمرون ~~عليها فى أسفارهم إلى الشام. قال - تعالى - # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين. وباليل ~~أفلا تعقلون # أى وإنكم يا أهل مكة لتمرون على هؤلاء القوم المهلكين من قوم لوط فى وقت ~~الصباح أى النهار، وتمرون عليهم بالليل أفلا تعقلون ذلك فتعتبروا ~~وتتعظوا؟؟ ويجوز أن يكون الضمير فى قوله { وما هي } يعود إلى الحجارة ~~التى أهلك الله بها هؤلاء القوم. أى وما هى تلك الحجارة الموصوفة بما ذكر ~~من الظالمين ببعيد، بل هى حاضرة مهيئة بقدرة الله - تعالى - لإهلاك ~~الظالمين بها. والمراد بالظالمين ما يشمل قوم لوط، ويشمل كل من عصى الله ~~وتجاوز حدوده، ولم يتبع ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وهكذا ~~كانت نهاية قوم لوط، فقد انطوت صفحتهم كما انطوت من قبلهم صفحات قوم نوح ~~وهود وصالح - عليهم الصلاة والسلام -. هذا ومن العبر والأحكام التى ~~نأخذها من هذه الآيات الكريمة، أنه لا بأس على المسلم من أن يستعين بغيره ~~لنصرة الحق الذى يدعو إليه، ولخذلان الباطل الذى ينهى عنه. فلوط - عليه ~~السلام - عندما رأى من قومه الإصرار على غوايتهم ومفاسدهم تمنى لو كانت ~~معه قوة تزجرهم وتردعهم وتمنعهم عن فسادهم. وقد علق الإمام ابن حزم على ~~ما جاء فى الحديث الشريف بشأن لوط - عليه السلام - فقال ما ملخصه وظن بعض ~~الفرق أن ما جاء فى الحديث الصحيح من قوله - صلى الله عليه وسلم - # " رحم الله لوطا لقد كان يأوى إلى ركن شديد " # إنما هو من باب الإنكار على لوط - عليه السلام - فى قوله { لو أن ~~لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد }. والحق أنه لا ~~تخالف بين القولين، بل كلاهما حق، لأن لوطا - عليه السلام - إنما أراد ~~منعة عاجلة يمنع بها قومه مما هم عليه من الفواحش. # من ms2692 قرابة أو عشيرة أو أتباع مؤمنين، وما جهل قط لوط - عليه السلام - أنه ~~يأوى من ربه - تعالى - إلى أمنع قوة، وأشد ركن. ولا جناح على لوط - عليه ~~السلام - فى طلب قوة من الناس - فقد قال الله - تعالى - # ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت ~~الأرض # وقد طلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأنصار نصرته حتى يبلغ ~~كلام ربه، فكيف ينكر على لوط أمرا هو فعله؟!! تالله ما أنكر ذلك رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنما أخبر أن لوطا كان يأوى إلى ركن شديد، ~~يعنى من نصر الله له بالملائكة، ولم يكن لوط علم بأنه ملائكة... ثم ~~انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك فقصت علينا ما كان بين شعيب - عليه السلام ~~- وقومه وكيف أنه دعاهم إلى عبادة الله - تعالى - وحده بأسلوب بليغ حكيم، ~~ولكنهم لم يستجيبوا له، فكانت عاقبتهم الهلاك كالذين من قبلهم قال - ~~تعالى - { وإلى مدين أخاهم شعيبا... } ### || [11.84-95] # تلك هى قصة شعيب - عليه السلام - كما حكتها هذه السورة الكريمة، وقد ~~وردت هذه القصة فى سور أخرى منها سورتى الأعراف والشعراء.. ومدين اسم ~~للقبيلة التى تنتسب إلى مدين بن إبراهيم - عليه السلام -. وكانوا يسكنون ~~فى المنطقة التى تسمى معان وتقع بين حدود الحجاز والشام. وأهل مدين يسمون ~~أيضا بأصحاب الأيكة. والأيكة منطقة مليئة بالشجر كانت مجاورة لقرية ~~معان، وكان يسكنها بعض الناس فأرسل الله شعيبا إليهم جميعا. وشعيب هو ~~ابن ميكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم، فهو أخوهم فى النسب. وكان النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - إذا ذكر شعيب قال # " ذلك خطيب الأنبياء " # لحسن مراجعته لقومه، وقوة حجته. وكان قومه يعبدون الأصنام. ويطففون فى ~~الكيل والميزان... فدعاهم إلى عبادة الله وحده، ونهاهم عن الخيانة وسوء ~~الأخلاق. ويرى بعض العلماء أن شعيبا أرسل إلى أمتين أهل مدين الذين ~~أهلكوا بالصيحة وأصحاب الأيكة الذين أخذهم الله بعذاب يوم الظلة، وأن ~~الله - تعالى - لم يبعث نبيا مرتين سوى شعيب - عليه السلام -. ولكن ~~المحققين من العلماء اختاروا أنهما أمة واحدة، فأهل ms2693 مدين هم أصحاب ~~الأيكة، أخذتهم الرجفة والصيحة وعذاب يوم الظلة - أى السحابة - وأن كل ~~عذاب كان كالمقدمة للآخر. هذا، وقوله - سبحانه - { وإلى مدين ~~أخاهم شعيبا... } معطوف على ما سبقه من قصة صالح - عليه السلام - ~~عطف القصة على القصة. أى وكما أرسلنا صالحا - عليه السلام - إلى ثمود، ~~فقد أرسلنا إلى أهل مدين أخاهم شعيبا - عليه السلام - فقال لهم مقالة كل ~~نبى لقومه يا قوم اعبدوا الله وحده، فإنكم لا إله لكم على الحقيقة سواه، ~~فهو الذى خلقكم، وهو الذى رزقكم، وهو الذى إليه مرجعكم... ثم بعد أن ~~أمرهم بإخلاص العبادة لله، نهاهم عن التطفيف فى الكيل والميزان فقال { ~~ولا تنقصوا المكيال والميزان } والمكيال والميزان اسمان ~~للآلة التى يكال بها ويوزن. ونقص الكيل والميزان يكون من وجهين أحدهما أن ~~يكون الاستنقاص من جهتهم إذا باعوا لغيرهم. وثانيهما أن يكون الاستنقاص ~~من جهة غيرهم إذا اشتروا منه، بأن يأخذوا منه أكثر من حقهم. فكأنه - عليه ~~السلام - يقول لهم لا تنقصوا المكيال والميزان لا عند الأخذ ولا عند ~~الإعطاء، فلا تعطوا غيركم أقل من حقه إذا بعتم، ولا تأخذوا منه أكثر من ~~حقكم إذا اشتريتم. وإلى هذين الأمرين أشار قوله - تعالى - # ويل للمطففين. الذين إذا اكتالوا على الناس ~~يستوفون. وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون... # ثم بين لهم الأسباب التى دعته إلى أمرهم ونهيهم فقال { إني ~~أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم ~~محيط }. # والخير كلمة جامعة لكل ما يرضى الإنسان ويغنيه ويسره. ومحيط أى شامل ~~بحيث لا يستطيع أحد الإفلات منه. كما يحيط الظرف بالمظروف... أى أخلصوا ~~لله عبادتكم، والتزموا العدل فى معاملاتكم، فإنى أراكم تملكون الوفير من ~~المال، وتعيشون فى رغد من العيش، وفى بسطة من الرزق، ومن كان كذلك فمن ~~الواجب عليه أن يقابل هذه النعم بالشكر لواهبها وهو الله - تعالى - وأن ~~يستعملها استعمالا يرضيه، وأن يعطى كل ذى حق حقه. وإنى - أيضا - أخاف ~~عليكم إذا ما تماديتم فى مخالفة ما آمركم به وما أنهاكم عنه، عذاب يوم ~~أهواله وآلامه شاملة لكل ms2694 ظالم، بحيث لا يستطيع أن يهرب منها... قال ~~الشوكانى وصف - سبحانه - اليوم بالإحاطة، والمراد العذاب لأن العذاب ~~واقع فى اليوم، ومعنى إحاطة عذاب اليوم بهم، أنهم لا يشذ منهم أحد عنه، ~~ولا يجدون منه ملجأ ولا مهربا ". فأنت ترى أن شعيبا - عليه السلام - بعد ~~أن أمرهم بما يصلح عقيدتهم ونهاهم عما يفسد معاملاتهم وأخلاقهم.. ذكرهم ~~بما هم فيه من نعمة وغنى قطعا لعذرهم حتى لا يقولوا له نحن فى حاجة إلى ~~تطفيف المكيال والميزان لفقرنا، ثم أخبرهم بأنه ما حمله على هذا النصح ~~لهم إلا خوفه عليهم. ثم واصل شعيب - عليه السلام - نصحه لقومه، فأمرهم ~~بالوفاء بعد أن نهاهم عن النقص على سبيل التأكيد، وزيادة الترغيب فى ~~دعوته فقال { ويقوم أوفوا المكيال والميزان ~~بالقسط }.. أى ويا قوم أوفوا عند معاملاتكم أدوات كيلكم وأدوات ~~وزنكم، ملتزمين فى كل أحوالكم العدل والقسط. { ولا تبخسوا ~~الناس أشيآءهم... } أى ولا تنقصوهم شيئا من حقوقهم. يقال بخس ~~فلان فلانا حقه إذا ظلمه وانتقصه. وهو يشمل النقص والعيب فى كل شئ.. ~~والجملة الكريمة تعميم بعد تخصيص، لكى تشمل غير المكيل والموزون كالمزروع ~~والمعدود، والجيد والردئ... قال الجمل ما ملخصه وقد كرر - سبحانه - نهيهم ~~عن النقص والبخس وأمرهم بالوفاء.. لأن القوم لما كانوا مصرين على ذلك ~~العمل القبيح، وهو تطفيف الكيل والميزان ومنع الناس حقوقهم، احتيج فى ~~المنع منه إلى المبالغة فى التأكيد، ولا شك أن التكرير يفيد شدة الاهتمام ~~والعناية بالمأمور والمنهى عنه، فلهذا كرر ذلك ليقوى الزجر والمنع من ذلك ~~الفعل.. " وقوله { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } تحذير ~~لهم من البطر والغرور واستعمال نعم الله فى غير ما خلقت له. قال ابن جرير ~~" وأصل العثى شدة الإفساد، بل هو أشد الإفساد. يقال عثى فلان فى الأرض ~~يعنى - كرضى يرضى - إذا تجاوز فى الإفساد... " أى ولا تسعوا فى أرض ~~الله بالفساد، وتقابلوا نعمه بالمعاصى، فتسلب عنكم ثم أرشدهم إلى أن ما ~~عند الله خير وأبقى مما يجمعونه عن الطريق الحرام فقال { بقية ~~الله خير لكم إن ms2695 كنتم مؤمنين ومآ أنا عليكم ~~بحفيظ }. # ولفظ { بقية } اسم مصدر من الفعل بقى، ضد فنى. وإضافتها إلى الله - ~~تعالى - إضافة تشريف وتيمن. أى ما يبقيه الله لكم من رزق حلال، ومن حال ~~صالح، ومن ذكر حسن، ومن أمن وبركة فى حياتكم... بسبب التزامكم بالقسط فى ~~معاملاتكم، هو خير لكم من المال الكثير الذى تجمعونه عن طريق بخس الناس ~~أشياءهم. وجملة " إن كنتم مؤمنين " معترضة لبيان أن هذه الخيرية لا تتم ~~إلا مع الإيمان. أى ما يبقيه الله لكم من الحلال... هو خير لكم، إن كنتم ~~مصدقين بما أرسلت به إليكم، أما إذا لم تكونوا كذلك فلن تكون بقية الله ~~خيرا لكم، لأنها لا تكون إلا للمؤمنين، فاستجيبوا لنصيحتى لتسعدوا فى ~~دنياكم وآخرتكم. وجملة " وما أنا عليكم بحفيظ " تحذير لهم من مخالفته بعد ~~أن أدى ما عليه من بلاغ. أى وما أنا عليكم بحفيظ أحفظ لكم أعمالكم ~~وأحاسبكم عليها، وأجازيكم بها الجزاء الذى تستحقونه، وإنما أنا ناصح ~~ومبلغ ما أمرنى ربى بتبليغه، وهو وحده - سبحانه - الذى سيتولى مجازاتكم. ~~وإلى هنا نجد شعيبا - عليه السلام - قد أرشد قومه إلى ما يصلحهم فى ~~عقائدهم، وفى معاملاتهم، وفى صلاتهم بعضهم ببعض، وفى سلوكهم الشخصى، ~~بأسلوب حكيم جامع لكل ما يسعد ويهدى للتى هى أقوم... فماذا كان رد قومه ~~عليه؟ لقد كان ردهم عليه - كما حكاه القرآن الكريم - طافحا بالاستهزاء ~~به، والسخرية منه، فقد قالوا له { يشعيب أصلوتك تأمرك ~~أن نترك ما يعبد ءاباؤنآ أو أن نفعل في ~~أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد }. أى ~~قال قوم شعيب له - على سبيل التهكم والاستهزاء - يا شعيب أصلاتك - التى ~~تزعم أن ربك كلفك بها والتى أنت تكثر منها - تأمرك أن نترك عبادة الأصنام ~~التى وجدنا عليها آباءنا؟ والاستفهام للإنكار والتعجب من شأنه.. وأسندوا ~~الأمر إلى الصلاة من بين سائر العبادات التى كان يفعلها، لأنه - عليه ~~السلام - كان كثير الصلاة، وكانوا إذا رأوا يصلى سخروا منه. وجملة " أو ~~أن نفعل فى أموالنا ما نشاء " إنكار منهم لترك ms2696 ما تعودوه من نقص الكيل ~~والميزان بعد إنكارهم لترك عبادة الأصنام. أى أصلاتك تأمرك أن نترك عبادة ~~الأصنام، وتأمرك أن نترك ما تعودنا فعله فى أموالنا من التطفيف فى الكيل ~~والميزان.... إن كانت صلاتك تأمرك بذلك، فهى فى نظرنا صلاة باطلة، لا وزن ~~لها عندنا، بل نحن نراها لونا من ألوان جنونك وهذيانك. وجملة " إنك لأنت ~~الحليم الرشيد " زيادة منهم فى السخرية منه - عليه السلام - وفى التهكم ~~عليه، فكأنهم - قبحهم الله - يقولون له كيف تأمرنا بترك عبادة الأصنام، ~~وبترك النقص فى الكيل والميزان، مع علمك اليقينى بأن هذين الأمرين قد ~~بنينا عليهما حياتنا، ومع زعمك لنا بأنك الحليم الذى يتأنى ويتروى فى ~~أحكامه، الرشيد الذى يرشد غيره إلى ما ينفعه؟ إن هذين الوصفين لا يليقان ~~بك، ما دمت تأمرنا بذلك، وإنما اللائق بك أضدادهما، أى الجهالة والسفه ~~والعجلة فى الأحكام. # قال صاحب الكشاف وأرادوا بقولهم { إنك لأنت الحليم الرشيد ~~} نسبته إلى غاية السفه والغى، فعكسوا ليتهكموا به، كما يتهكم بالشحيح ~~الذى لا يبض حجره، فيقال له لو أبصرك حاتم لسجد لك. وقيل معناه إنك ~~للمتواصف بالحلم والرشد فى قومك. يعنون أن ما تأمر به لا يطابق حالك وما ~~اشتهرت به... ". هكذا رد قوم شعيب عليه، وهو رد يحمل السخرية فى كل مقطع ~~من مقاطعه، ولكنها سخرية الشخص الذى انطمست بصيرته، وقبحت سريرته!! ومع ~~كل هذه السفاهة ترى شعيبا - عليه السلام - وهو خطيب الأنبياء - يتغاضى عن ~~سفاهاتهم، لأنه يحس بقصورهم وجهلهم، كما يحس بقوة الحق الذى أتاهم به من ~~عند ربه، فيرد عليهم بقوله { قال يقوم أرأيتم إن كنت ~~على بينة من ربي.. } والبينة ما يتبين به الحق من الباطل، ~~ويتميز به الهدى من الضلال. أى قال شعيب لقومه بأسلوب مهذب حكيم يا قوم ~~أخبرونى إن كنت على حجة واضحة، وبصيرة مستنيرة منحنى إياها ربى ومالك ~~أمرى. { ورزقني منه } - سبحانه -، { رزقا حسنا } يتمثل فى ~~النبوة التى كرمنى بها، وفى المال الحلال الذى بين يدى، وفى الحياة ~~الطيبة التى أحياها. وجواب الشرط ms2697 محذوف والتقدير أخبرونى إن كنت كذلك، هل ~~يليق بى بعد ذلك أن أخالف أمره مسايرة لأهوائكم؟ كلا إنه لا يليق بى ذلك، ~~وإنما اللائق بى أن أبلغ جميع ما أمرنى بتبليغه دون خوف أو تقصير. ثم ~~يكشف لهم عن أخلاقه وسلوكه معهم فيقول { ومآ أريد أن ~~أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه... } أى ما أريد بأمرى لكم ~~بعبادة الله وحده، وبنهيى إياكم عن التطفيف والبخس، مجرد مخالفتكم ~~ومنازعتكم ومعاكستكم، أو أن آمركم بشئ ثم لا أفعله، أو أنهاكم عنه ثم ~~أفعله، من أجل تحقيق منفعة دنيوية.. كلا، كلا إنى لا أريد شيئا من ذلك ~~وإنما أنا إنسان يطابق قولى فعلى، وأختار لكم ما أختاره لنفسى. قال صاحب ~~الكشاف ما ملخصه قوله { ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ ~~أنهاكم عنه } يقال خالفنى فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه. ~~وخالفنى عنه إذا ولى عنه وأنت تقصده. ويلقاك الرجل صادرا عن الماء فتسأله ~~عن صاحبه فيقول خالفنى إلى الماء، يريد أنه ذهب إليه واردا، وهو ذهب عنه ~~صادرا، ومنه قوله - سبحانه - { ومآ أريد أن أخالفكم إلى ~~مآ أنهاكم عنه } يعنى ما أريد أن أسبقكم إلى شهواتكم التى ~~نهيتكم عنها لأستبد بها دونكم ". # وقال الإمام ابن كثير، وعن مسروق أن امرأة جاءت إلى ابن مسعود - رضى ~~الله عنه - فقالت له أأنت الذى تنهى عن الواصلة - أى التى تصل شعرها بشعر ~~آخر -؟ قال نعم. فقالت فلعله فى بعض نسائك، فقال ما حفظت إذا وصية العبد ~~الصالح { ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم ~~عنه }. ثم بين لهم أنه ما يريد لهم إلا الإصلاح فيقول { إن أريد ~~إلا الإصلاح ما استطعت... } أى ما أريد بما أنصحكم به إلا ~~إصلاحكم وسعادتكم، وما دمت أستطيع ذلك، وأقدر عليه، فلن أقصر فى إسداء ~~الهداية لكم. ثم يفوض الأمور إلى الله - تعالى - فيقول { وما ~~توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ~~}. أى وما توفيقى فيما أدعوكم إليه من خير أو أنهاكم عنه من شر إلا ~~بتأييد الله وعونه، فهو ms2698 وحده الذى عليه أتوكل وأعتمد فى كل شئونى، وهو ~~وحده الذى إليه أرجع فى كل أمورى. ثم يواصل شعيب - عليه السلام - نصحه ~~لقومه، فينتقل بهم إلى تذكيرهم بمصارع السابقين، محذرا إياهم من أن يكون ~~مصيرهم كمصير الظالمين من قبلهم فيقول { ويقوم لا يجرمنكم ~~شقاقي أن يصيبكم مثل مآ أصاب قوم نوح أو قوم ~~هود أو قوم صالح... } ومعنى { لا يجرمنكم } لا ~~يحملنكم، مأخوذ من جرمه على كذا، إذا حمله عليه. أو بمعنى لا يكسبنكم من ~~جرم بمعنى كسب، غير أنه لا يكون إلا فى كسب ما لا خير فيه، ومنه ~~الجريمة، وهى اقتراف الجرم والذنب. وأصل الجرم قطع الثمرة من الشجرة، ~~وأطلق على الكسب، لأن الكاسب لشئ ينقطع له. وقوله { شقاقي } من ~~الشقاق بمعنى الخلاف والعداوة، كأن لك واحد من المتعاديين فى شق غير الشق ~~الذى يكون فيه الآخر، والشق الجانب. والمعنى ويا قوم لا تحملنكم عداوتكم ~~لى، على افتراء الكذب على، وعلى التمادى فى عصيانى ومحاربتى. فإن ذلك ~~سيؤدى بكم إلى أن يصيبكم العذاب الذى أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم ~~صالح. وقوله { وما قوم لوط منكم ببعيد } تذكير لهم بأقرب ~~المهلكين إليهم. أى إذا كنتم تتعظوا بما أصاب قوم نوح من غرق، وبما أصاب ~~قوم هود من ريح دمرتهم، وبما أصاب قوم صالح من صيحة أهلكتهم، فاتعظوا بما ~~أصاب قوم لوط من عذاب جعل أعلى مساكنهم أسفلها، وهم ليسوا بعيدين عنكم لا ~~فى الزمان ولا فى المكان. والمراد بالبعد - في قوله { وما قوم لوط ~~منكم ببعيد } - بعد الزمن والمكان والنسب. # فزمن لوط - عليه السلام - غير بعيد من زمن شعيب - عليه السلام -. وديار ~~قوم لوط قريبة من ديار قوم شعيب، إذ منازل مدين عند عقبة أيلة بجوار معان ~~مما يلى الحجاز، وديار قوم لوط بناحية الأردن إلى البحر الميت. وكان مدين ~~بن إبراهيم - عليهما السلام - وهو جد قبيلة شعيب، المسماة باسمه، متزوجا ~~بابنة لوط ". ثم فتح لهم بعد ذلك باب الأمل فى رحمة الله، إن هم تابوا ms2699 ~~إليه - سبحانه - وأنابوا فقال { واستغفروا ربكم ثم ~~توبوا إليه إن ربي رحيم ودود }. أى واستغفروا ربكم ~~من كل ما فرط منكم من ذنوب ثم توبوا إليه توبة صادقة نصوحا { إن ~~ربي } ومالك أمرى { رحيم } أى واسع الرحمة لمن تاب إليه، { ودود ~~} أى كثير الود والمحبة لمن أطاعه. وهكذا نجد شعيبا - عليه السلام - وهو ~~خطيب الأنبياء - يلون لقومه النصح، وينوع لهم المواعظ، ويطوف بهم فى ~~مجالات الترغيب والترهيب.. ولكن القوم كانوا قد بلغوا من الفساد نهايته، ~~ومن الجهل أقصاه... فقد ردوا على هذه النصائح الغالية بقولهم { قالوا ~~يشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول... } أى قال قوم شعيب ~~له على سبيل التحدى والتكذيب يا شعيب إننا لا نفهم الكثير من قولك، لأنه ~~قول لم نألفه ولم تتقبله نفوسنا، ولقد أطلت فى دعوتنا إلى عبادة الله ~~وترك النقص فى الكيل والميزان حتى مللنا دعوتك وسئمناها، وصارت ثقيلة على ~~مسامعنا، وخافية على عقولنا.. فمرادهم بهذه الجملة الاستهانة به، والصدود ~~عنه، كما يقول الرجل لمن لا يعبأ بحديثه لا أدرى ما تقوله، ولا أفهم ما ~~تتفوه به من ألفاظ. قال أبو السعود ما ملخصه والفقه معرفة غرض المتكلم من ~~كلامه، أى ما نفهم مرادك وإنما قالوا ذلك بعد أن سمعوا منه دلائل الحق ~~البين على أحسن وجه وأبلغه، وضاقت عليهم الحيل، فلم يجدوا إلى محاورته ~~سبيلا... كما هو ديدن المفحم المحجوج، يقابل النصائح البينات بالسب ~~والإبراق والإرعاد... إذ جعلوا كلامه المشتمل على الحكم من قبيل ما لا ~~يفهم معناه... ". ثم قالوا له - ثانيا - { وإنا لنراك فينا ~~ضعيفا } أى لا قوة لك إلى جانب قوتنا، ولا قدرة عندك على مقاومتنا إن ~~أردنا قتلك أو طردك من قريتنا. ثم قالوا له.. ثالثا - { ولولا ~~رهطك لرجمناك } ورهط الرجل قومه وعشيرته الأقربون. ومنه الراهط ~~لجحر اليربوع، لأنه يحتمى فيه... ولفظ الرهط اسم جمع يطلق غالبا على ~~العصابة دون العشرة من الرجال ليس فيهم امرأة. أى ولولا عشيرتك التى هى ~~على ملتنا وشريعتنا لرجمناك بالحجارة حتى تموت، ولكن مجاملتنا لعشيرتك ms2700 ~~التى كفرت بك هى التى جعلتنا نبقى عليك. ثم قالوا له - رابعا - { ومآ ~~أنت علينا بعزيز } أى وما أنت علينا بمكرم أو محبوب أو قوى حتى ~~نمتنع عن رجمك، بل أنت فينا الضعيف المكروه. # . وهنا نجد شعيبا - عليه السلام - ينتقل فى أسلوب مخاطبته لهم من اللين ~~إلى الشدة، ومن التلطف إلى الإنكار، دفاعا عن جلال ربه - سبحانه - فيقول ~~لهم { قال يقوم أرهطي أعز عليكم من الله... } ~~أى أرهطى وعشيرتى الأقربون، الذين من أجلهم لم ترجمونى، أعز وأكرم عندكم ~~من الله - تعالى - الذى هو خالقكم ورازقكم ومميتكم ومحييكم. { ~~واتخذتموه ورآءكم ظهريا } أى وجعلتم أوامره ونواهيه ~~التى جئتكم بها من لدنه - سبحانه - كالشئ المنبوذ المهمل الملقى من وراء ~~الظهر بسبب كفركم وطغيانكم { إن ربي بما تعملون محيط } ~~أى إن ربى قد أحاط علمه بأقوالكم وأعمالكم السيئة، وسيجازيكم عليها بما ~~تستحقون من عذاب مهين. ثم زاد فى توبيخهم وتهديدهم فقال { ويقوم ~~اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من ~~يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني ~~معكم رقيب } والمكانة مصدر مكن ككرم، يقال مكن فلان من الشئ ~~مكانه، إذا تمكن منه أبلغ تمكن، والأمر فى قوله { اعملوا } للتهديد ~~والوعيد. أى اعملوا كل ما فى إمكانكم عمله معى، وابذلوا فى تهديدى ووعيدى ~~ما شئتم، فإن ذلك لن يضيرنى، وكيف يضيرنى وأنا المتوكل على الله المعتمد ~~على عونه ورعايته...؟ وإنى سأقابل عملكم السئ هذا بعمل آخر حسن من جانبى، ~~وهو الدعوة إلى وحدانية الله - تعالى - وإلى مكارم الأخلاق. وقوله { ~~سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو ~~كاذب... } استئناف مؤكد لتهديده لهم. أى اعملوا ما شئتم وأنا سأعمل ما ~~شئت فإنكم بعد ذلك سوف تعلمون من منا الذى سينزل به عذاب يخزيه ويفضحه ~~ويهينه، ومن منا الذى هو كاذب فى قوله وعمله. { وارتقبوا } عاقبة ~~تكذيبكم للحق { إني معكم رقيب } أى إنى معكم منتظر ومراقب لما ~~سيفعله الله - تعالى - بكم. وبذلك نرى شعيبا - عليه السلام - فى هاتين ~~الآيتين، قد استعمل مع قومه أسلوبا آخر فى ms2701 المخاطبة، يمتاز بالشدة عليهم ~~والتهديد لهم، لا غضبا لنفسه، وإنما لأجل حرمات الله - تعالى -، والدفاع ~~عن دينه. ولم يطل انتظار شعيب - عليه السلام - ومراقبته لما يحدث لقومه، ~~بل جاء عقاب الله - تعالى - لهم بسرعة وحسم، بعد أن لجوا فى طغيانهم، وقد ~~حكى - سبحانه - ذلك فقال { ولما جآء أمرنا نجينا ~~شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا.. } أى وحين ~~جاء أمرنا بعذابهم، وحل أوان هذا العذاب، نجينا نبينا شعيبا ونجينا الذين ~~آمنوا به وصدقوه، حالة كونهم مصحوبين برحمة عظيمة كائنة منا لا من غيرنا. ~~{ وأخذت الذين ظلموا } من قومه { الصيحة } التى ~~زلزلتهم وأهلكتهم { فأصبحوا في ديارهم } التى كانوا ~~يسكنونها. # { جاثمين } أى هامدين ميتين لا تحس لهم حركة، ولا تسمع لهم ركزا.. ~~من الجثوم وهو للناس والطير بمنزلة البروك للإبل، يقال، جثم الطائر يجثم ~~جثما وجثوما فهو جاثم إذا وقع على صدره ولزم مكانه فلم يبرحه. { كأن ~~لم يغنوا فيهآ } أى كأن هؤلاء الهلكى من قوم شعيب، لم يعيشوا ~~فى ديارهم قبل ذلك عيشة ملؤها الرغد والرخاء والأمان... يقال غنى فلان ~~بالمكان، إذا أقام به وعاش فيه فى نعمة ورغد... { ألا بعدا ~~لمدين كما بعدت ثمود } أى ألا هلاكا مصحوبا بالخزى ~~واللعنة والطرد من رحمة الله لقبيلة مدين، كما هلكت من قبلهم قبيلة ثمود. ~~وهكذا طويت صفحة أخرى من صفحات الظالمين وهم قوم شعيب.. عليهم السلام - ~~كما طويت من قبلهم صفحات قوم نوح وهود وصالح ولوط - عليهم السلام-. هذا، ~~ومن أهم العبر والعظات التى تتجلى واضحة فى قصة شعيب مع قومه كما جاءت فى ~~هذه السورة الكريمة أن الداعى إلى الله لكى ينجح فى دعوته، عليه أن ينوع ~~خطابه للمدعوين، بحيث يشتمل توجيهه على الترغيب والترهيب، وعلى الأسباب ~~وما تؤدى إليه من نتائج، وعلى ما يقنع العقل ويقنع العاطفة... ففى هذه ~~القصة نجد شعيبا - عليه السلام - يبدأ دعوته بأمر قومه بعبادة الله - ~~تعالى -، ثم ينهاهم عن أبرز الرذائل التى كانت منتشرة وهى نقص المكيال ~~والميزان، ثم يبين لهم الأسباب التى حملته على ذلك ms2702 { إني أراكم ~~بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط }. ثم ~~ينهاهم نهيا عاما عن الإفساد فى الأرض { ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين }. ثم يرشدهم إلى أن الرزق الحلال مع الإيمان والاستقامة، ~~خير لهم من التشبع بزينة الحياة الدنيا بدون تمييز بين ما هو صالح وما هو ~~طالح " وبقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين.. " ثم يذكرهم بأنه لا يأمرهم ~~إلا بما يأمر به نفسه، ولا ينهاهم إلا عما ينهاها عنه وأنه ليس ممن ~~يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم { ومآ أريد أن أخالفكم ~~إلى مآ أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما ~~استطعت... }. ثم يذكرهم بمصارع السابقين، ويحذرهم من أن يسلكوا ~~مسلكهم، لأنهم لو فعلوا ذلك لهلكوا كما هلك الذين من قبلهم { ويقوم ~~لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل مآ أصاب ~~قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح... }. ثم يفتح لهم ~~باب الأمل فى عفو الله عنهم متى استغفروه وتابوا إليه { واستغفروا ~~ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود }. ثم ~~تراه يثور عليهم عندما يراهم يتجاوزون حدودهم بالنسبة لله - تعالى - ~~وللحق الذى جاءهم به من عنده - سبحانه - { أرهطي أعز عليكم ~~من الله واتخذتموه ورآءكم ظهريا إن ربي ~~بما تعملون محيط. # ويقوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف ~~تعلمون... }. وهكذا نجد شعيبا - عليه السلام - وهو خطيب الأنبياء ~~كما وصفه الرسول - صلى الله عليه وسلم - يرشد قومه إلى ما يصلحهم ويسعدهم ~~بأسلوب حكيم، جامع لكل ألوان التأثير، والتوجيه السديد. وليت الدعاة إلى ~~الله فى كل زمان ومكان يتعلمون من قصة شعيب.. عليه السلام - مع قومه ~~أسلوب الدعوة إلى الله - تعالى. ثم ختمت السورة الكريمة حديثها عن قصص ~~الأنبياء مع أقوامهم، بالإشارة إلى قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون ~~وملته، فقال - تعالى - { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا... } ### || [11.96-99] # وموسى - عليه السلام - هو ابن عمران، من نسل " لاوى " بن يعقوب. ويرى ~~بعض المؤرخين أن ولادة موسى كانت فى حوالى القرن الثالث عشر قبل الميلاد، ~~وأن بعثته كانت فى عهد منفتاح بن رمسيس الثانى. ms2703 والمراد بالآيات الآيات ~~التسع المشار إليها فى قوله - تعالى - # ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات... # وهى العصا، واليد البيضاء، والسنون العجاف، ونقص الثمرات، والطوفان، ~~والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. والسلطان المبين الحجة الواضحة، ~~والبرهان الظاهر على صدقه، وسمى ذلك سلطانا لأن صاحب الحجة والبرهان على ~~ما يدعى، يقهر ويغلب من لا حجة ولا برهان معه، كما يقهر السلطان غيره. ~~والمعنى ولقد أرسلنا نبينا موسى - عليه السلام - بمعجزاتنا الدالة على ~~صدقه، وبحجته القوية الواضحة، الشاهدة على أنه رسول من عندنا، إلى فرعون ~~وملئه الذين هم خاصته، وسادات قومه وكبراؤهم... وخصهم بالذكر مع فرعون، ~~لأنهم هم الذين كانوا ينفذون أوامره، ويعاونونه على فساده والضمير فى ~~قوله { فاتبعوا أمر فرعون } يعود إلى الملأ. أى فاتبعوا ~~أمره فى كل ما قرره من كفر، وفى كل ما أشار به من فساد. وفى هذه الجملة ~~الكريمة - كما يقول الزمخشرى - تجهيل لهم، حيث شايعوه على أمره، وهو ضلال ~~مبين لا يخفى على من فيه أدنى مسكة من العقل، وذلك أنه ادعى الألوهية وهو ~~بشر مثلهم، وجاهر بالعسف والظلم والشر الذى لا يأتى إلا من شيطان مارد، ~~فاتبعوه وسلموا له دعواه، وتتابعوا على طاعته. وقال - سبحانه - { ~~فاتبعوا أمر فرعون } ولم يقل فاتبعوا أمره، للتشهير به، ~~والإعلان عن ذمه الذى صرح به فى قوله - سبحانه - { ومآ أمر ~~فرعون برشيد }. والرشيد بزنة - فعيل - رشد من باب نصر وفتح هو ~~الشخص المتصف بإصابة الرأى، وجودة التفكير، وأضيف الرشد إلى الأمر على ~~سبيل المجاز، مبالغة فى اشتمال أمر فرعون على ما يناقض الرشد والسداد، ~~ويطابق الغى والفساد. أى ما شأن فرعون وأمره بذى رشد وهدى، بل هو محض ~~الغى والضلال، فكان من الواجب على ملئه أن ينبذوه ويهملوه، بدل أن يطيعوه ~~ويتبعوه... ثم بين - سبحانه - سوء مصيره ومصير أتباعه فقال { يقدم ~~قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس ~~الورد المورود } ويقدم - كينصر - بمعنى يتقدم مأخوذ من الفعل ~~قدم - بفتح الدال - تقول قدم الرجل يقدم قدما وقدوما بمعنى تقدم، ومنه ~~قادمة الرحل بمعنى مقدمته. وقوله ms2704 { فأوردهم } من الإيراد وهو جعل ~~الشئ واردا إلى المكان - وداخلا فيه. والورد - بكسر الواو - يطلق على ~~الماء الذى يرد إليه الإنسان والحيوان للشرب. والمعنى يتقدم فرعون قومه ~~يوم القيامة إلى جهنم، كما كان يتقدمهم فى الكفر فى الدنيا، فأوردهم ~~النار، أى فدخلها وأدخلهم معه فيها. # وعبر بالماضى مع أن ذلك سيكون يوم القيامة لتحقيق الوقوع وتأكده، وقد ~~صرح القرآن بأنهم سيدخلون النار بمجرد موتهم فقال - تعالى - # النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم ~~الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب # وقوله وبئس الورد المورود، أى وبئس الورد الذى يردونه النار، لأن الورد ~~- الذى هو النصيب المقدر للإنسان من الماء - إنما يذهب إليه قاصده ~~لتسكين عطشه، وإرواء ظمته، وهؤلاء إنما يذهبون إلى النار التى هى الضد من ~~ذلك. ثم صرح - سبحانه - بلعنهم فى الدارين فقال { وأتبعوا في ~~هذه لعنة ويوم القيامة }.. أى إن اللعنة والفضيحة لحقت ~~بهم واتبعتهم فى الدنيا وفى الأخرى، كما قال - تعالى - فى آية أخرى # وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ~~هم من المقبوحين # وجملة { بئس الرفد المرفود } مستأنفة لإنشاء ذم اللعنة، ~~والمخصوص بالذم محذوف دل عليه ذكر اللعنة، أى بئس الرفد هى. الرفد العطاء ~~والعون يقال رفد فلان فلانا يرفده رفدا أى أعطاه وأعانه على قضاء مصالحه، ~~أى بئس العطاء المعطى لهم تلك اللعنة المضاعفة التى لابستهم فى الدنيا ~~والآخرة. وسميت اللعنة رفدا على سبيل التهكم بهم، كما فى قول القائل تحية ~~بينهم ضرب وجيع. فكأنه - سبحانه - يقول هذه اللعنة هى العطاء المعطى من ~~فرعون لأتباعه الذين كانوا من خلفه كقطيع الأغنام الذى يسير خلف قائده ~~بدون تفكر أو تدبر... وبئس العطاء عطاؤه لهم... وإلى هنا تكون هذه السورة ~~الكريمة قد حدثتنا عن قصة نوح مع قومه، وعن قصة هود مع قومه، وعن قصة ~~صالح مع قومه، وعن قصة إبراهيم مع الملائكة، وعن قصة لوط مع قومه ومع ~~الملائكة، وعن قصة شعيب مع قومه، وعن قصة موسى مع فرعون وملئه. ويلاحظ أن ~~السورة الكريمة قد ساقت لنا ms2705 تلك القصص حسب ترتيبها التاريخى والزمنى، ~~لأهداف من أهمها 1 - إبراز وحدة العقيدة فى دعوة الأنبياء جميعا، فكل نبى ~~قد قال لقومه اعبدوا اله مالكم من إله غيره... ثم يسوق لهم الأدلة على ~~صدقه فيما بلغه عن ربه. 2 - إبراز أن الناس فى كل زمان ومكان فيهم ~~الأخيار الذين يتبعون الرسل، وفيهم الأشرار الذين يحاربون الحق... 3 - ~~بيان العاقبة الحسنة التى انتهى إليها المؤمنون بسبب إيمانهم وصدقهم ~~وعملهم الصالح... والعاقبة السيئة التى انتهى إليها الكافرون بسبب كفرهم ~~وإعراضهم عن الحق... قال - تعالى - # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان ~~الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # ثم ساقت السورة بعد ذلك حتى نهايتها آيات كريمة اشتملت على تعليقات ~~وتعقيبات متنوعة، وهذه التعليقات والتعقيبات قوية الصلة بما سبقها من ~~آيات... وكان التعقيب الأول يهدف إلى بيان أن هذه القرى المهلكة التى ~~منها ما هو قائم ومنها ما هو حصيد، ما ظلم الله - تعالى - أهلها، ولكن هم ~~الذين ظلموا أنفسهم بعصيانهم الرسل، وإصرارهم على الكفر والعناد، قال - ~~تعالى - { ذلك من أنبآء القرى نقصه... }. ### || [11.100-102] # أى ذلك الذى قصصناه عليك - أيها الرسول الكريم - فى هذه السورة الكريمة، ~~وهو جزء { من أنبآء القرى } المهلكة. ونحن نقصه عليك، فى هذا ~~القرآن عن طريق وحينا الصادق، ليعتبر به الناس، وليعلموا أن هذا القرآن ~~المشتمل على هذا القصص الذى لا علم لهم به من عند الله. وافتتح - سبحانه ~~- الكلام باسم الإشارة المفيد للبعد، للتنويه بشأن هذه الأنباء التى سبق ~~الحديث عنها، وللإشعار بأنها أنباء هامة فيها الكثير من العظات والعبر ~~لقوم يعقلون. والضمير فى قوله منها قائم وحصيد، يعود إلى تلك القرى ~~المهلكة، والجملة مستأنفة للتحريض على النظر والاعتبار، فكأن سائلا سأل ~~ما حال هذه القرى الباقية آثارها أم عفى عليها الزمن؟ فكان الجواب منها ~~قائم وحصيد. أى من هذه القرى المهلكة ما آثارها قائمة يراها الناظر ~~إليها، كآثار قوم ثمود. ومنها ما ms2706 أثارها عفت وزالت وانطمست وصارت كالزرع ~~المحصود الذى استؤصل بقطعه، فلم تبق منه باقية، كديار قوم نوح. ففى هذه ~~الجملة الكريمة تشبيه بليغ، حيث شبه - سبحانه - القرى التى بعض آثارها ما ~~زال باقيا بالزرع القائم على ساقه، وشبه ما زال منها واندثر بالزرع ~~المحصود. وحصيد مبتدأ محذوف الخبر لدلالة ما قبله عليه، أى منها قائم ~~ومنها حصيد. وقوله - سبحانه - { وما ظلمناهم ولكن ~~ظلموا أنفسهم.. } بيان لمظاهر عدله فى قضائه وأحكامه. والضمير ~~المنصوب فى { ظلمناهم } يعود إلى أهل هذه القرى، لأنهم هم ~~المقصودون بالحديث. أى وما ظلمنا أهل هذه القرى بإهلاكنا إياهم، ولكنهم ~~هم الذين ظلموا أنفسهم، بسبب إصرارهم على الكفر، وجحودهم للحق، ~~واستهزائهم بالرسل الذين جاءوا لهدايتهم... ثم بين - سبحانه - موقف ~~آلهتهم المخزى منهم فقال { فما أغنت عنهم آلهتهم التي ~~يدعون من دون الله من شيء لما جآء أمر ربك.. ~~}. أى أن هؤلاء المهلكين عندما نزل بهم العذاب، لم تنفعهم أصنامهم التى ~~كانوا يعبدونها من دون الله شيئا من النفع... بل هى لم تنفع نفسها فقد ~~اندثرت معهم كما اندثروا. والفاء فى قوله - سبحانه - { فما أغنت } ~~للتفريع على ظلمهم لأنفسهم، لأن اعتمادهم على شفاعة الأصنام، وعلى دفاعها ~~عنهم... من مظاهر جهلهم وغبائهم وظلمهم لأنفسهم. و { من } فى قوله { من ~~شيء } لتأكيد انتفاء النفع والإغناء أى لم تغن عنهم شيئا ولو قليلا ~~من الإغناء ولم تنفعهم لا فى قليل ولا كثير... وجملة { وما زادوهم ~~غير تتبيب } تأكيد لنفى النفع، وإثبات للضر والخسران. والتتبيب ~~مصدر تب بمعنى خسر، وتبب فلان فلانا إذا أوقعه فى الخسران. ومنه قوله - ~~تعالى - # تبت يدآ أبي لهب وتب # أى هلكتا وخسرتا كما قد هلك وخسر هو. # أى وما زادتهم أصنامهم التى كانوا يعتمدون عليها فى دفع الضر سوى ~~الخسران والهلاك. قال الإمام الرازى والمعنى " أن الكفار كانوا يعتقدون ~~فى الأصنام أنها تعين على تحصيل المنافع ودفع المضار، ثم إنه - تعالى - ~~أخبر أنهم عند مساس الحاجة إلى المعين، ما وجدوا منها شيئا لا جلب نفع ~~ولا دفع ضر، ms2707 ثم كما لم يجدوا ذلك فقد وجدوا ضده، وهو أن ذلك الاعتقاد ~~زالت عنهم به منافع الدنيا والآخرة، وجلب لهم مضارهما، فكان ذلك من أعظم ~~موجبات الخسران ". ثم بين - سبحانه - سنته فى عقاب الظالمين فى كل زمان ~~ومكان فقال { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ~~ظالمة... } والكاف فى { وكذلك } بمعنى مثل، والمراد بالقرى أهلها ~~الظالمون. والأخذ هو العقاب المباغت السريع يقال أخذ فلان الموت، إذا نزل ~~به بسرعة وقوة. أى ومثل ذلك الأخذ والإهلاك للظالمين السابقين، يكون أخذ ~~ربك وعقابه لكل ظالم يأتى بعدهم وينهج نهجهم. وجملة، وهى ظالمة، فى موضع ~~الحال من القرى، وفائدة هذه الحال الإشعار بأن عقابهم كان بسبب ظلمهم، ~~وفى ذلك ما فيه من التحذير لكل ظالم لا يبادر بالإقلاع عن ظلمه قبل فوت ~~الآوان. والمراد بالظلم ما يشمل الكفر وغيره من الجرائم والمعاصى التى ~~نهى الله عنها، كالكذب وشهادة الزور، وأكل أموال الناس بالباطل. وقوله { ~~إن أخذه أليم شديد } زيادة فى التحذير من الوقوع فى الظلم. ~~أى إن أخذه - سبحانه - للظالمين عظيم إيلامه، شديد وقعه، لا هوادة فيه، ~~ولا مخلص منه. روى الشيخان عن أبى موسى الأشعرى أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال # " إن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى ~~وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد } ". # ثم بين - سبحانه - أن ما ساقه فى هذه القرآن عن أحوال السابقين فيه ~~العبرة لمن اعتبر، وفيه العظة لمن خاف عذاب الآخرة الذى ينقسم الناس فيه ~~إلى شقى وسعيد، فقال - تعالى - { إن في ذلك لآية لمن ~~خاف... } ### || [11.103-107] # أى { إن في ذلك } القصص الذى قصصناه عليك - يا محمد - والمشتمل ~~على بيان سنة الله التى لا تتخلف فى إهلاك الظالمين. { لآية } أى لعبرة ~~عظيمة، وعظة بليغة، وحجة واضحة. { لمن خاف عذاب الآخرة } ~~لأنه هو المنتفع بالعبر والعظات لصدق إيمانه، وصفاء نفسه، وإيقانه بأن ~~هناك فى الآخرة ثوابا وعقابا، وحسابا على الأعمال ms2708 الدنيوية.. أما الذى ~~ينكر الآخرة وما فيها من ثواب وعقاب، فإنه لا يعتبر بما أصاب الظالمين من ~~عذاب دنيوى دمرهم تدميرا، بل ينسب ذلك إلى طبيعة أو فلكية أو غيرهما، لا ~~علاقة لها بكفرهم وظلمهم وطغيانهم... " لأن الخائف من عذاب الآخرة، عندما ~~يرى ما حل بالمجرمين فى الدنيا من عقاب، يزداد إيمانا على إيمانه، ~~وتصديقا على تصديقه، بأن الله - تعالى - قادر على أن يعذبهم فى الآخرة ~~عذابا أشد وأبقى من عذاب الدنيا... ثم بين - سبحانه - أن يوم القيامة آت ~~لا ريب فيه فقال { ذلك يوم مجموع له الناس وذلك ~~يوم مشهود } واسم الإشارة فى الموضعين، يعود إلى يوم القيامة ~~المدلول عليه بذكر عذاب الآخرة قبل ذلك، واللام فى قوله - سبحانه - { ~~مجموع له } لام العلة. أى ذلك اليوم وهو يوم القيامة، يوم يجمع ~~الناس فيه لأجل محاسبتهم ومجازاتهم على أعمالهم، ويشهده جميع الخلائق ~~الذين يؤمرون بشهوده، دون أن يغيب منهم أحد قال صاحب الكشاف و { الناس } ~~رفع باسم المفعول الذى هو { مجموع } كما يرفع بفعله إذا قلت يجمع له ~~الناس. فإن قلت لأى فائدة أوثر اسم المفعول على فعله؟ قلت لما فى اسم ~~المفعول من دلالة على ثبات معنى الجمع لليوم، وأنه يوم لا بد من أن يكون ~~ميعادا مضروبا لجمع الناس له، وأنه الموصوف بذلك صفة لازمة، وهو أثبت - ~~أيضا - لإسناد الجمع إلى الناس وأنهم لا ينفكون منه. ونظيره قول المهدد ~~إنك لمنهوب مالك، محروب قومك، فيه من تمكن الوصف وثباته ما ليس فى ~~الفعل... والمراد بالمشهود الذى كثر شاهدوه، ومنه قولهم لفلان مجلس ~~مشهود، وطعام محضور... والغرض من ذلك، وصف هذا اليوم بالهول والعظم ~~وتميزه من بين الأيام، بأنه اليوم الذى يشهد فيه الخلائق الموقف لا يغيب ~~عنه أحد... ". ثم قال - تعالى - { وما نؤخره إلا لأجل ~~معدود }. والأجل فى اللغة الوقت المضروب لانتهاء مدة معينة، فأجل ~~الإنسان هو الوقت المحدد لانقضاء عمره. والمعدود أصله المحسوب، والمراد ~~به هنا المحدد بمدة معينة لا يزيد عليها ولا يتأخر عنها. أى أننا ms2709 لا نؤخر ~~هذا اليوم إلا لوقت محدد معلوم لنا، فإذا ما جاء موعد هذا الوقت، حل هذا ~~اليوم الهائل الشديد وهو يوم القيامة، الذى اقتضت حكمتنا عدم إطلاع أحد ~~على موعده. # ثم ذكر - سبحانه - جانبا من أهوال هذا اليوم، ومن أحوال الناس فيه فقال ~~{ يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم ~~شقي وسعيد } والشقى صفة مشبهة من الفعل شقى، وهو الشخص المتلبس ~~بالشقاوة، والشقاء أى سوء الحال - بسبب إيثاره الضلالة على الهداية، ~~والباطل على الحق... والسعيد هو الشخص المتلبس بالسعادة، وبالأحوال ~~الحسنة بسبب إيمانه وعمله الصالح. والمعنى حين يأتى هذا اليوم وهو يوم ~~القيامة، لا تتكلم فيه نفس بأى كلام إلا بإذن الله - تعالى - ويكون الناس ~~فيه منقسمين إلى قسمين قسم شقى معذب بسبب كفره، وسوء عمله، وتفريطه فى ~~حقوق الله... وقسم سعيد منعم بسبب إيمانه وعمله الصالح... فإن قيل كيف ~~نجمع بين هذه الآية التى تنفى الكلام عن كل نفس إلا بإذن الله وبين قوله ~~- تعالى - # يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها... # فالجواب أن فى يوم القيامة مواقف متعددة، ففى بعضها يجادل الناس عن ~~أنفسهم، وفى بعضها يكفون عن الكلام إلا بإذن الله، وفى بعضها يختم على ~~أفواههم، وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون... وفى هذه الآية ~~الكريمة إبطال لما زعمه المشركون من أن أصنامهم ستدافع عنهم، وستشفع لهم ~~يوم القيامة. قال الإمام ابن كثير قوله - تعالى - { يوم يأت لا ~~تكلم نفس إلا بإذنه... } أى يوم يأتى هذا اليوم وهو يوم ~~القيامة، لا يتكلم أحد إلا بإذن الله - تعالى - كما قال - سبحانه - # يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون ~~إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا # وقال - سبحانه - # وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا # - فى الصحيحين # " عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى حديث الشفاعة الطويل - ولا ~~يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوة الرسل يومئذ اللهم سلم سلم ". # ثم فصل - سبحانه - أحوال الأشقياء والسعداء فقال { فأما الذين ~~شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق }. قال ms2710 الآلوسى ~~قال الراغب الزفير ترديد النفس حتى تنتفخ الضلوع منه مأخوذ من زفر فلان ~~إذا حمل حملا بمشقة فتردد فيه نفسه، ومنه قيل للإماء الحاملات الماء ~~زوافر. والشهيق رد النفس إلى الصدر بصعوبة وعناء. والمراد بهما الدلالة ~~على شدة كربهم وغمهم، وتشبيه حالهم بحال من استولت على قلبه الحرارة، ~~واستبد به الضيق حتى صار فى كرب شديد. والمعنى فأما الذين كان نصيبهم ~~الشقاء فى الآخرة، بسبب كفرهم واقترافهم للمعاصى فى الدنيا، فمصيرهم إلى ~~الاستقرار فى النار، لهم فيها من ضيق الأنفاس. وحرج الصدور، وشدة الكروب ~~ما يجعلهم يفضلون الموت على ما هم فيه من هم وغم. # وخص - سبحانه - من بين أحوالهم الأليمة حالة الزفير والشهيق تنفيرا من ~~الأسباب التى توصل إلى النار، وتبشيعا لتلك الحالة التى فيها ما فيها من ~~سوء المنظر، وتعاسة الحال... ثم أكد - سبحانه - خلودهم فى النار فقال { ~~خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض... } أى أن ~~الأشقياء لهم فى النار العذاب الأليم، وهم ماكثون فيها مكث بقاء وخلود لا ~~يبرحونها مدة دوام السماوات التى تظلهم، والأرض التى تقلهم فهو فى معنى ~~قوله - تعالى - # خالدين فيهآ أبدا # قال الآلوسى ما ملخصه والمقصود من هذا التعبير التأبيد ونفى الانقطاع ~~على منهاج قول العرب لا أفعل كذا، ما لاح كوكب، وما أضاء الفجر، وما ~~اختلف الليل والنهار... إلى غير ذلك من كلمات التأبيد عندهم... وليس ~~المقصود منه تعليق قرارهم فيها بدوام هذه السماوات والأرض، فإن النصوص ~~القاطعة دالة على تأبيد قرارهم فيها. وجوز أن يحمل ذلك على التعليق، ~~ويراد بالسماوات والأرض، سماوات الآخرة وأرضها، وهما دائمتان أبدا... أما ~~قوله - سبحانه - { إلا ما شآء ربك } فقد ذكر العلماء فى ~~المقصود به أقوالا متعددة أوصلها بعضهم إلى ثلاثة عشر قولا من أشهرها أن ~~هذا الأستثناء فى معنى الشرط فكأنه - سبحانه - يقول 1 - خالدين فيها ~~خلودا أبديا إن شاء ربك ذلك إذ كل شئ خاضع لمشيئة ربك وإرادته.. وعليه ~~يكون المقصود من هذا الاستثناء وأمثاله إرشاد العباد إلى وجوب تفويض ~~الأمور إليه - سبحانه ms2711 - وإعلامهم بأن كل شئ خاضع لإرادته ومشيئته فهو ~~الفاعل المختار الذى لا يجب عليه شئ ولا حق لأحد عليه { إن ربك ~~فعال لما يريد }. وليس المقصود من هذا الاستثناء وأمثاله نفى ~~خلودهم فى النار لأنه لا يلزم من الاستثناء المعلق على المشيئة وقوع ~~المشيئة ولأنه قد أخبرنا - سبحانه - فى كتابه بخلود الكافرين خلودا أبديا ~~فى النار. قال - تعالى - # إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر ~~لهم ولا ليهديهم طريقا. إلا طريق جهنم ~~خالدين فيهآ أبدا وكان ذلك على الله يسيرا # وشبيه بهذا الاستثناء ما حكاه - سبحانه - عن نبيه شعيب - عليه السلام - ~~فى قوله # قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك ~~يشعيب والذين آمنوا معك من قريتنآ أو ~~لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين. قد ~~افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد ~~إذ نجانا الله منها وما يكون لنآ أن نعود فيهآ ~~إلا أن يشآء الله ربنا وسع ربنا كل شيء ~~علما... # فشعيب - عليه السلام - مع ثقته المطلقة فى أنه لن عود هو وأتباعه على ~~ملة الكفر، نراه يفوض الأمر إلى مشيئة الله تأدبا معه - سبحانه. # . فيقول وما يكون لنا أن نعود فيها - أى ملة الكفر - إلا أن يشاء ربنا ~~شيئا غير ذلك وهذا من الأدب العالى فى مخاطبة الأنبياء لخالقهم - عز وجل. ~~وقد ذكر كثير من المفسرين هذا القول ضمن الأقوال فى معنى الآية، وبعضهم ~~اقتصر عليه ولم يذكر سواه، ومن هذا البعض صاحب المنار، وصاحب محاسن ~~التأويل... أما صاحب المنار فقد قال قوله { إلا ما شآء ربك } ~~أى أن هذا الخلود الدائم هو المعد لهم فى الآخرة... إلا ما شاء ربك من ~~تغيير فى هذا النظام فى طور آخر، فهو إنما وضع بمشيئته، وسيبقى فى قبضة ~~مشيئته، وقد عهد مثل هذا الاستثناء فى سياق الأحكام القطعية للدلالة على ~~تقييد تأبيدها بمشيئة الله - تعالى.. فقط، لا لإفادة عدم عمومها... " ~~وأما صاحب محاسن التأويل فقد قال فإن قلت ما معنى الاستثناء بالمشيئة، ~~وقد ثبت خلود أهل الدارين ms2712 فيهما من غير استثناء؟ فالجواب أن الاستثناء ~~بالمشيئة قد استعمل فى أسلوب القرآن، للدلالة على الثبوت والاستمرار. ~~والنكتة فى الاستثناء بيان أن هذه الأمور الثابتة الدائمة، إنما كانت ~~كذلك بمشيئة الله - تعالى - لا بطبيعتها فى نفسها، ولو شاء - تعالى - أن ~~يغيرها لفعل. وابن كثير قد أشار إلى ذلك بقوله " يعنى أن دوامهم فيها ليس ~~أمرا واجبا بذاته، بل هو موكول إلى مشيئته - تعالى - ". 2 - أن الاستثناء ~~هنا خاص بالعصاة من المؤمنين. ومن العلماء الذين رجحوا هذا القول ~~الإمامان ابن جرير وابن كثير. " وأولى الأقوال فى تأويل هذه الآية ~~بالصواب، القول الذى ذكرناه عن الضحاك وقتادة من أن ذلك استثناء فى أهل ~~التوحيد من أهل الكبائر، أنه يدخلهم النار خالدين فيها أبدا، إلا ما شاء ~~تركهم فيها أقل من ذلك، ثم يخرجهم فيدخلهم الجنة - أى العصاة من ~~المؤمنين... " وأما ابن كثير فقد وضح ما اختاره، ابن جرير ورجحه فقال ما ~~ملخصه وقد اختلف المفسرون فى المراد من هذا الاستثناء على أقوال ~~كثيرة... نقل كثيرا منها الإمام ابن جرير، واختار أن الاستثناء عائد على ~~العصاة من أهل التوحيد، ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين، من ~~الملائكة والنبيين والمؤمنين، حين يشفعون فى أصحاب الكبائر، ثم تأتى رحمة ~~أرحم الراحمين، فتخرج من النار من لم يعمل خيرا قط، وقال يوما من الدهر ~~لا إله إلا الله، كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة المستفيضة عن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، ولا يبقى بعد ذلك فى النار إلا من وجب عليه ~~الخلود فيها، ولا محيد له عنها، وهذا الذى عليه كثير من العلماء قديما ~~وحديثا فى تفسير هذه الآية الكريمة ". # وقد ذكر الشيخ الشوكانى هذا القول ضمن أحد عشر قولا فقال ما ملخصه وقوله ~~{ إلا ما شآء ربك } قد اختلف أهل العلم فى هذا الاستثناء على ~~أقوال منها أ أنه من قوله { ففي النار } كأنه قال إلا ما شاء ربك من ~~تأخير قوم عن ذلك... ب أن الاستثناء إنما هو للعصاة من الموحدين وإنهم ~~يخرجون ms2713 بعد مدة من النار، وعلى هذا يكون قوله { فأما الذين ~~شقوا } عاما فى الكفرة والعصاة، ويكون الاستثناء من خالدين، وتكون { ~~ما } بمعنى " من " ، وقد ثبت بالأحاديث المتواترة تواترا يفيد العلم ~~الضرورى بأنه يخرج من النار أهل التوحيد، فكان ذلك مخصصا لكل عموم. ج أن ~~الاستثناء من الزفير والشهيق، أى لهم فيها زفير وشهيق { إلا ما شآء ~~ربك } من أنواع العذاب غير الزفير والشهيق... " ويبدو لنا أن الرأى ~~الأول أرجح الآراء، ويشهد لهذا قوله - تعالى - بعد ذلك { إن ربك ~~فعال لما يريد } أى فهو إن شاء غير ذلك فعله، وإن شاء ذلك ~~فعله، ما شاء من الأفعال كان وما لم يشاء لم يكن. وجاء - سبحانه - بصيغة ~~المبالغة { فعال } للإشارة إلى أنه - سبحانه - لا يتعاصى عليه فعل من ~~الأفعال بأى وجه من الوجوه. ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة السعداء فقال # وأما الذين سعدوا # أى فى الآخرة بسبب إيمانهم وتقواهم فى الدنيا، # ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات ~~والأرض إلا ما شآء ربك عطآء غير مجذوذ # أى عطاء منه - سبحانه - لهم غير مقطوع عنهم، يقال جذ الشئ يجذه جذا، أى ~~كسره وقطعه، ومنه الجذاذ - بضم الجيم - لما تكسر من الشئ كما فى قوله - ~~تعالى - حكاية عما فعله إبراهيم - عليه السلام - بالأصنام # فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم # وبذلك نرى أن هذه الآيات قد فصلت أحوال السعداء والأشقياء، تفصيلا يدعو ~~العقلاء إلى أن يسلكوا طريق السعداء، وأن يتجنبوا طريق الأشقياء. * * * ~~ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك من الآيات ما فيه تسلية للنبى - صلى الله عليه ~~وسلم - عما أصابه من قومه من أذى، وما فيه تثبيت لقلوب المؤمنين، وما فيه ~~إرشاد لهم إلى ما يقربهم من الخير، ويبعدهم عن الشر فقال - تعالى { ~~وأما الذين سعدوا ففي... }. ### || [11.108-115] # قال الفخر الرازى اعلم أنه - تعالى - لما شرح أقاصيص عبدة الأوثان ثم ~~أتبعه بأحوال الأشقياء وأحوال السعداء شرح للرسول صلى الله عليه وسلم - ~~أحوال الكفار من قومه فقال { فلا تك في مرية.. } والمعنى فلا ~~تكن، إلا أنه حذف النون ms2714 لكثرة الاستعمال، ولأن حرف النون إذا وقع على طرف ~~الكلام، لم يبق عند التلفظ به إلا مجرد الغنة، فلا جرم أسقطوه.. ". ~~والمرية بكسر الميم - الشك المتفرع عن محاجة ومجادلة بين المتخاصمين. ~~والمعنى لقد قصصنا عليك أيها الرسول الكريم الكثير من أخبار السابقين ~~وبينا لك مصير السعداء والأشقياء... وما دام الأمر كذلك، فلا تك فى شك من ~~أن عبادة هؤلاء المشركين لأصنامهم إنما هى تقليد لما كان يعبده آباؤهم من ~~قبل، وهذه العبادة لغير الله - تعالى - ستؤدى بالجميع إلى سوء العاقبة ~~وإلى العذاب الأليم. والخطاب وإن كان للرسول - صلى الله عليه وسلم - على ~~سبيل التسلية والتثبيت، إلا أن التحذير فيه يندرج تحته كل من يصلح ~~للخطاب. وهذا الأسلوب كثير ما يكون أوقع فى النفس، وأشد تأثيرا فى ~~القلب، لأنه يشعر المخاطب بأن ما بينه الله - تعالى - لرسوله - صلى الله ~~عليه وسلم - إنما هو من قبيل القضايا الموضوعية التى لا تحتاج إلى جدال ~~مع أحد، ومن جادل فيها فإنما يجادل فى الحق الواضح بدافع الحسد والعناد، ~~لأن الواقع يشهد بصحة ما بينه الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه ~~وسلم -. وجملة { ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من ~~قبل } مستأنفة، لبيان أن الخلف قد ساروا فى الجهالة والجحود على طريقة ~~السلف. وعبر عن عبادة الآباء بالمضارع، مع أنها كانت فى الماضى بقرينة { ~~من قبل }. للدلالة على استمرارهم على هذه العبادة الباطلة حتى ~~موتهم، وأن أبناءهم لم ينقطعوا عنها، بل واصلوا السير على طريق آبائهم ~~الضالين بدون تفكر أو تدبر. والمضاف إليه فى قوله { من قبل } محذوف، ~~والتقدير من قبلهم. وقوله { وإنا لموفوهم نصيبهم غير ~~منقوص } تذييل قصد به تأكيد العقاب الذى سينزل بهم فى الآخرة بسبب ~~عبادتهم لغير الله. وموفوهم من التوفية، وهى إعطاء الشئ كاملا بدون نقص. ~~والمراد بالنصيب هنا المقدار المعد لهم من العذاب، وسماه نصيبا على سبيل ~~التهكم بهم. أى وإنا لمعطو هؤلاء الذين نهجوا منهج آبائهم فى عبادة غير ~~الله، نصيبهم وحظهم من عذاب الآخرة كاملا بدون إنقاص شئ ms2715 منه، كما ساروا ~~هم على طريقة سلفهم فى الضلال دون أن يغيروا شيئا منها... ومنهم من جعل ~~المراد بالنصيب هنا ما يشمل الجزاء على الأعمال الدنوية والأخروية. # قال صاحب المنار " أى، وإنا لمعطوهم نصيبهم من جزاء أعمالهم فى الدنيا ~~والآخرة وافيا تاما لا ينقص منه شئ، كما وفينا آباءهم الأولين من قبل، ~~فإنه ما من خير يعمله أحد منهم كبر الوالدين وصلة الأرحام... إلا ~~ويوفيهم الله جزاءهم عليه فى الدنيا بسعة الرزق، وكشف الضر جزاء تاما، لا ~~ينقصه شئ يجزون عليه فى الآخرة... ". ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى ~~الصواب، لأن سياق الآية الكريمة يؤيده إذ الكلام فيها فى شأن جزاء الذين ~~ساروا على نهج آبائهم فى الضلال، وليس فى بيان الجزاء العام فى الدنيا ~~والآخرة. ثم بين - سبحانه - أن اختلاف الناس فى الحق موجود قبل بعثة ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال { ولقد آتينا موسى ~~الكتاب فاختلف فيه.. }. أى كما اختلف قومك - أيها الرسول ~~الكريم - فى شأن القرآن الكريم فمنهم من وصفه بأنه أساطير الأولين، فقد ~~اختلف قوم موسى من قبلك فى شأن التوراة التى أنزلها الله على نبيهم موسى ~~لهدايتهم، إذ منهم من آمن بها ومنهم من كفر... وما دام الأمر كذلك، فلا ~~تحزن - أيها الرسول الكريم - لاختلاف قومك فى شأن القرآن الكريم، فإن هذا ~~الاختلاف شأن الناس فى كل زمان ومكان والمصيبة إذا عمت خفت. فالجملة ~~الكريمة تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من مشركى قومه. ~~وجاء الفعل { اختلف } بصيغة المبنى للمجهول، لأن ذكر فاعل الاختلاف لا ~~يتلعق به غرض، وإنما الذى يتعلق به الغرض هو ما نجم عن هذا الاختلاف من ~~كفر وضلال. ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله ورحمته بخلقه فقال { ~~ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم... }. ~~والمراد بالكلمة التى سبقت تأخير العذاب عنهم إلى يوم القيامة، وعدم ~~إهلاكهم بعذاب الاستئصال فى الدنيا. قال الشوكانى قوله - سبحانه - { ~~ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم... } أى ~~لولا أن الله - تعالى - قد ms2716 حكم بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة لما علم فى ~~ذلك من الصلاح، لقضى بينهم، أى بين قومك، أو بين قوم موسى، فيما كانوا ~~فيه مختلفين، فأثيب المحق وعذب المبطل، أو الكلمة هى أن رحمته سبحانه ~~سبقت غضبه، فأمهلهم ولم يعاجلهم لذلك. وقيل إن الكلمة هى أنهم لا يعذبون ~~بعذاب الاستئصال، وهذا من جملة التسلية له - صلى الله عليه وسلم - ". ثم ~~ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { وإنهم لفي شك منه ~~مريب }. والمريب اسم فاعل من أراب. يقال أربته فأنا أريبه إذا فعلت به ~~فعلا يوجب لديه الريبة والحيرة. أى وإن هؤلاء المختلفين فى شأن الكتاب ~~لفى شك منه، وهذا الشك قد أوقعهم فى الريبة والتخبط والاضطراب. # وهذا شأن المعرضين عن الحق، لا يجدون مجالا لنقده وإنكاره، فيحملهم ~~عنادهم وجحودهم على التشكيك فيه، وتأويله تأويلا سقيما يدعو إلى الريبة ~~والقلق. وبعض المفسرين يرى عودة الضمير فى قوله { وإنهم } إلى قوم موسى، ~~وفى قوله { منه } إلى كتابهم التوراة. وبعضهم يرى عودة الضمير الأول إلى ~~قوم النبى - صلى الله عليه وسلم - والثانى إلى القرآن الكريم. والذى يبدو ~~لنا أن الرأى الأول أظهر فى معىن الآية، لأن الكلام فى موسى - عليه ~~السلام - وقومه الذين اختلفوا فى شأن كتابهم التوراة اختلافا كبيرا، وعود ~~الضمير إلى المتكلم عنه أولى بالقبول. وهذا لا يمنع أن بعض المكذبين ~~للرسول - صلى الله عليه وسلم - كانوا فى شك من القرآن، أوقعهم هذا الشك ~~فى الريبة والحيرة. فتكون الجملة الكريمة من باب التسلية للرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - عما قاله بعض المشركين فى شأن القرآن الكريم. ثم بين - ~~سبحانه - أن هؤلاء المختلفين فى شأن الكتاب، الشاكين فى صدقه، سوف يجمعهم ~~الله - تعالى - مع غيرهم يوم القيامة للجزاء والحساب على أعمالهم فقال - ~~تعالى - { وإن كلا لما ليوفينهم ربك ~~أعمالهم إنه بما يعملون خبير }. وقد وردت فى هذه ~~الآية الكريمة عدة قراءات متواترة منها قراءة ابن عامر وحمزة وحفص عن ~~عاصم بتشديد، إن ولما، وقد قيل فى تخريجها إن لفظ، { كلا } ، اسم { إن } ~~، والتنوين ms2717 فيه عوض عن المضاف إليه، واللام فى، { لما } ، هى الداخلة فى ~~خبر { إن } وما بعد اللام هو حرف " من " الذى هو من حروف الجر، و " ما " ~~موصولة أو نكره موصوفة والمراد بها من يعقل، فيكون تقدير الكلام وإن كلا ~~" لمن ما " ، فقلبت النون ميما للإدغام فاجتمع ثلاث ميمات، فحذفت واحدة ~~منها للتخفيف، فصارت " لما " والجار والمجرور خبر " إن " ، واللام فى { ~~ليوفينهم } ، جواب قسم مضمر، والجملة صلة أو صفة { لما }. والتقدير وإن ~~كلا من أولئك المختلفين وغيرهم لمن خلق الله الذين هم بحق ربك ليوفينهم - ~~سبحانه - جزاء أعمالهم دون أن يفلت منهم أحد، إنه - سبحانه - لا يخفى ~~عليه شئ منها. وفى الآية الكريمة توكيدات متنوعة، حتى لا يشك فى نزول ~~العذاب بالظالمين مهما تأجل، وحتى لا يشك أحد - أيضا - فى أن ما عليه ~~المشركون هو الباطل الذى لا يعرفه الحق، وأنه الكفر الذى تلقاه الخلف عن ~~السلف. وكان مقتضى حال الدعوة الإسلامية فى تلك الفترة التى نزلت فيها ~~هذه السورة - وهى فترة ما بعد حادث الإسراء والمعراج وقبل الهجرة - ~~يستلزم هذه التأكيدات تثبيتا لقلوب المؤمنين، وتوهينا للشرك والمشركين. # قال الإمام الفخر الرازى عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه سمعت بعض ~~الأفاضل قال إنه - تعالى - لما أخبر عن توفية الأجزية على المستحقين فى ~~هذه الآية، ذكر فيها سبعة أنواع من التأكيدات أولها كلمة " إن " وهى ~~للتأكيد، وثانيها كلمة " كل " وهى أيضا للتأكيد، وثالثها اللام الداخلة ~~على خبر " إن " وهى تفيد التأكيد - أيضا -، ورابعها حرف " ما " إذا ~~جعلناه على قول الفراء موصولا، وخامسها القسم المضمر فإن تقدير الكلام ~~وإن جميعهم والله ليوفينهم وسادسها اللام الثانية الداخلة على جواب ~~القسم، وسابعها النون المؤكدة فى قوله " ليوفينهم ". فجميع هذه المؤكدات ~~السبعة تدل على أن أمر القيامة والحساب والجزاء حق... " ثم أمر الله - ~~تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه بالتزام الصراط المستقيم ~~فقال - سبحانه - { فاستقم كمآ أمرت ومن تاب معك ولا ~~تطغوا إنه بما تعملون بصير }. والفاء للتفريع على ما ~~تقدم من الأوامر والنواهى. والاستقامة ms2718 - كما يقول القرطبى - هى الاستمرار ~~فى جهة واحدة من غير أخذ فى جهة اليمين والشمال... " والطغيان مجاوزة ~~الحد. ومنه طغى الماء، أى ارتفع وتجاوز الحدود المناسبة. والمعنى لقد ~~علمت - أيها الرسول الكريم - حال السعداء وحال الأشقياء، وعرفت أن كل ~~مكلف سيوفى جزاء أعماله. وما دام الأمر كذلك فالزم أنت ومن معك من ~~المؤمنين طريق الاستقامة على الحق، وداوموا على ذلك كما أمركم الله، بدون ~~إفراط أو تفريط، واحذروا أن تتجاوزوا حدود الاعتدال فى كل أقوالكم ~~وأعمالكم. ووجه - سبحانه - الأمر بالاستقامة إلى النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - تنويها بشأنه، وليبنى عليه قوله - { كمآ أمرت } ، فيشير ~~بذلك إلى أنه - عليه الصلاة والسلام - هو وحده المتلقى للأوامر الشرعية ~~من الله - تعالى -. وقد جمع قوله - تعالى - { فاستقم كمآ أمرت ~~} أصول الإصلاح الدينى وفروعه، كما جمع قوله - تعالى - " ولا تطغوا " ~~أصول النهى عن المفاسد وفروعه، فكانت الآية الكريمة بذلك جامعة لإقامة ~~المصالح ولدرء المفاسد. قال الإمام ابن كثير ما ملخصه يأمر الله - تعالى ~~- رسوله وعباده المؤمنين فى هذه الآية بالثبات والدوام على الاستقامة، ~~لأن ذلك من العون على النصر على الأعداء، وينهاهم عن الطغيان وهو البغى، ~~لأنه مصرعة حتى ولو كان على مشرك ". وقال الآلوسى والاستقامة كلمة جامعة ~~لكل ما يتعلق بالعلم والعمل وسائر الأخلاق. أخرج ابن أبى حاتم وأبو الشيخ ~~عن الحسن أنه قال، لما نزلت هذه الآية قال - صلى الله عليه وسلم - # " شمروا شمروا، وما رؤى بعد ضاحكا ". # وعن ابن عباس قال " ما نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آية ~~أشد من هذه الآية ولا أشق ". وفى صحيح مسلم عن سفيان # " عن عبد الله الثقفى قال قلت يا رسول الله، قل لى فى الإسلام قولا لا ~~أسأل عنه أحدا بعدك. قال " قل آمنت بالله ثم استقم ". # وجملة { إنه بما تعملون بصير } تعليل للأمر بالاستقامة ~~وللنهى عن الطغيان. أى الزموا المنهج القويم، وابتعدوا عن الطغيان، لأنه ~~- سبحانه - مطلع على أعمالكم اطلاع المبصر، العليم بظواهرها وبواطنها، ~~وسيجازيكم يوم القيامة عليها بما تستحقون من ms2719 ثواب أو عقاب. ثم نهى - ~~سبحانه - بعد ذلك عن الميل إلى الظالمين فقال { ولا تركنوا إلى ~~الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون ~~الله من أوليآء ثم لا تنصرون }. والركون إلى الشئ ~~الميل إليه. يقال ركن فلان إلى فلان، إذا مال إليه بقلبه، واعتمد عليه فى ~~قضاء مصالحه. والمراد بالذين ظلموا هنا ما يتناول المشركين وغيرهم من ~~الظالمين الذين يعتدون على حقوق الغير، ويستحلون من محارم الله. والمعنى ~~واحذروا - أيها المؤمنون - أن تميلوا إلى الظالمين، أو تسكنوا إليهم لأن ~~ذلك يؤدى إلى تقوية جانبهم. وإضعاف جانب الحق والعدل. قال بعض العلماء ~~ويستثنى من ذلك للضرورة صحبة الظالم على التقية مع حرمة الميل القلبى ~~إليه. وقوله { فتمسكم النار } أى فتصيبكم النار بسبب ميلكم ~~إليهم، والاعتماد عليهم، والرضا بأفعالهم. وقوله { وما لكم من ~~دون الله من أوليآء } فى موضع الحال من ضمير { تمسكم }. أى ~~والحال أنه ليس لكم من غير الله من نصراء ينصرونكم من العذاب النازل بكم، ~~بسبب ركونكم إلى الذين ظملوا ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم. وثم فى قوله ~~{ ثم لا تنصرون } للتراخى الرتبى. أى ثم لا تجدون بعد ذلك من ~~ينصركم بأى حال من الأحوال، لأن الظالمين ما لهم من أنصار. قال بعض ~~العلماء الآية أبلغ ما يتصور فى النهى عن الظلم، والتهديد عليه، لأن هذا ~~الوعيد الشديد إذا كان فيمن يركن إلى الذين ظلموا فكيف يكون حال من ينغمس ~~فى حمأته؟!! ثم قال وقد وسع العلماء فى ذلك وشددوا، والحق أن الحالات ~~تختلف، والأعمال بالنيات، والتفصيل أولى. فإن كانت المخالطة لدفع منكر، ~~أو للاستعانة على إحقاق الحق، أو الخير. فلا حرج فى ذلك. وإن كانت ~~لإيناسهم وإقرارهم على ظلمهم فلا... " ثم أرشد - سبحانه - عباده ~~المؤمنين إلى ما يعينهم على الاستقامة وعلى عدم الركون إلى الظالمين، ~~فقال { وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من اليل ~~إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى ~~للذاكرين }. والمراد بإقامتها الإتيان بها فى أوقاتها كاملة ~~الأركان والخشوع والإخلاص لله رب العالمين. والمراد بالصلاة هنا الصلاة ~~المفروضة. # قال ms2720 القرطبى لم يختلف أحد من أهل التأويل فى أن الصلاة فى هذه الآية، ~~المراد بها الصلوات المفروضة. وخصها بالذكر لأنها ثانية أركان الإسلام، ~~وإليها يفزع فى النوائب، وكان النبى - صلى الله عليه وسلم - " إذا حزبه ~~أمر فزع إلى الصلاة ". وطرفى النهار أى أول النهار وآخره، لأن طرف الشئ ~~منتهاه من أوله أو من آخره. والنهار يتناول ما بين مطلع الفجر إلى غروب ~~الشمس. سمى بذلك لأن الضياء ينهر فيه أى يبرز كما يبرز النهر. والصلاة ~~التى تكون فى هذين الوقتين، تشمل صلاة الغداة وهى صلاة الصبح، وصلاة ~~العشى وهى صلاة الظهر والعصر، لأن لفظ العشى يكون من الزوال إلى الغروب. ~~وقيل الصلاة التى تكون فى هذين الوقتين هى صلاة الصبح والمغرب. وقوله { ~~وزلفا من اليل } معطوف على طرفى النهار. والزلف جمع زلفة كغرف ~~وغرفة - والمراد بها الساعات القريبة من آخر النهار، إذا الإزلاف معناه ~~القرب ومنه قوله - تعالى - # وأزلفت الجنة للمتقين... # أى قربت منهم. وتقول أزلفنى فلان منه أى قربنى. فمعنى { وزلفا من ~~اليل } طائفة من أوله. وصلاة الزلف تطلق على صلاتى المغرب والعشاء ~~قال ابن كثير ما ملخصه وقوله { وزلفا من اليل } يعنى صلاة ~~المغرب والعشاء. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " هما زلفتا الليل المغرب والعشاء ". # ويحتمل أن تكون هذه الآية نزلت قبل فرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، ~~فإنه إنما كان يجب من الصلاة صلاتان صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل ~~غروبها، وفى أثناء الليل قيام عليه وعلى الأمة، ثم نسخ فى حق الأمة، وثبت ~~وجوبه عليه، ثم نسخ عنه أيضا فى قول ". وجملة { إن الحسنات ~~يذهبن السيئات } مسوقة مساق التعليل للأمر بإقامة الصلاة، ~~وأكدت بحرف { إن } للاهتمام وتحقيق الخبر، والحسنات صفة لموصوف محذوف، ~~وكذلك السيئات. والمعنى إن الأعمال الحسنة - كالصلاة والزكاة والصيام ~~والحج، والاستغفار.. يذهبن الأعمال السيئات، أى يذهبن المؤاخذة عليها، ~~ويذهبن الاتجاه إليها ببركة المواظبة على الأعمال الحسنة. والمراد ~~بالسيئات هنا صغار الذنوب، لقوله - تعالى - # إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم وندخلكم ms2721 مدخلا كريما # ولقوله - تعالى - # الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا ~~اللمم إن ربك واسع المغفرة... # ولأن كبائر الذنوب لا تكفرها إلا التوبة الصادقة. وقوله { ذلك ~~ذكرى للذاكرين } أى ذلك الذى أمرناك به من وجوب إقامة الصلاة، ~~ومن الاستقامة على أمر الله.. فيه التذكرة النافعة، لمن كان شأنه التذكر ~~والاعتبار، لا الإعراض والعناد. وهذه الآية الكريمة من الآيات التى قال ~~عنها بعض المفسرين بأنها مدنية، وقد ذكرنا فى التمهيد بين يدى السورة، أن ~~سورة هود ترجح أنها كلها مكية، وليس فيها آيات مدنية. # ومما يؤيد أن هذه الآية مكية أنها مسوقة مع ما سبقها من آيات لتسلية ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ولإرشاده وأتباعه إلى ما يعينهم على ~~الاستقامة، وعدم الركون إلى الظالمين. ولأن بعض الروايات التى وردت فى ~~شأنها لم تذكر أنها نزلت فى المدينة، بل ذكرت أن الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - تلاها على السائل، ومن هذه الروايات ما رواه الإمام أحمد ومسلم ~~وأبو داود والترمذى والنسائى وابن جرير - وهذا لفظه - عن ابن مسعود قال # " جاء رجل إلى البني - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله إنى وجدت ~~امرأة فى بستان، ففعلت بها كل شئ، غير أنى لم أجامعها، فافعل بى ما شئت، ~~فلم يقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا، فذهب الرجل، فقال عمر ~~لقد ستر الله عليه لو ستر على نفسه، فأتبعه الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- بصره ثم قال ردوه على فردوه عليه فقرأ عليه { وأقم الصلاة ~~طرفي النهار وزلفا من اليل.. } الآية، فقال معاذ - ~~وفى رواية عمر - يا رسول الله، أله وحده أم للناس كافة؟ فقال بل للناس ~~كافة " # والروايات التى ورد فيها فأنزل عليه هذه الآية، فى الإمكان أن تؤول أن ~~المراد أنزل عليه شمول عموم الحسنات والسيئات لقضية السائل، لجميع ما ~~يماثلها من إصابة الذنوب سوى الكبائر. هذا، ثم ختم - سبحانه - هذه ~~التوجيهات الحكيمة بقوله { واصبر فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين }. أى واصبر أيها الرسول الكريم أنت ومن معك من ms2722 المؤمنين ~~على مشاق التكاليف التى كلفكم الله - تعالى - بها، فإنه - سبحانه - لا ~~يضيع أجر من أحسن عملا، بل موفى الصابرين أجرهم بغير حساب. قال الآلوسى ~~ومن البلاغة القرآنية أن الأوامر بأفعال الخير أفردت للنبى - صلى الله ~~عليه وسلم - وإن كانت عامة فى المعنى، والمناهى جمعت للأمة، للدلالة على ~~عظم منزلة الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند ربه. ثم ختم - سبحانه - ~~السورة الكريمة بهذه الآيات الدالة على سنن الله - تعالى - فى خلقه، وعلى ~~الحكم التى من أجلها ساق الله - تعالى - تلك القصص فى كتابه فقال - تعالى ~~- { فلولا كان من القرون من قبلكم... }. ### || [11.116-123] # قوله - تعالى - { فلولا كان من القرون من قبلكم ~~أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا ~~قليلا ممن أنجينا منهم... } إرشاد إلى أن الأمم إذا خلت ~~من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، حلت بها المصائب والنكبات.. ~~ولولا حرف تحضيض بمعنى هلا. والمقصود بالتحضيض هنا تحذير المعاصرين للنبى ~~- صلى الله عليه وسلم - ومن سيأتى بعدهم من الوقوع فيما وقع فيه أهل ~~القرون الماضية من ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، حتى لا يصيب ~~اللاحقين ما أصاب السابقين. والقرون جمع قرن، والمراد به الأمة من الناس ~~الذين يجمعهم زمان واحد، والراجح أن القرن مائة عام. و { أولوا ~~بقية } أى أصحاب مناقب حميدة، وخصال كريمة، وعقول راجحة... وأصل ~~البقية ما يصطفيه الإنسان لنفسه من أشياء نفيسة يدخرها لينتفع بها، ومنه ~~قولهم فلان من بقية القوم، أى من خيارهم وأهل الفضل فيهم، قال الشاعر # إن تذنبوا ثم تأتينى بقيتكم فما على بذنب منكم فوت # وفى الأمثال فى الزوايا خبايا، وفى الرجال بقايا. والفساد فى الأرض يشمل ~~ما يكون فيها من المعاصى واختلال الأحوال وارتكاب المنكرات والبعد عن ~~الصراط المستقيم. والمعنى فلا وجد من أولئك الأقوام الذين كانوا من ~~قبلكم، رجال أصحاب خصال كريمة، وعقول سليمة، تجعلهم هذه الخصال وتلك ~~العقول ينهون أنفسهم وغيرهم عن الإفساد فى الأرض، وعن انتهاك الحرمات؟ ~~كلا إنهم لم يكن فيهم هؤلاء الرجال الذين ينهون عن الفساد فى ms2723 الأرض، إلا ~~عددا قليلا منهم أنجيناهم بسبب إيمانهم ونهيهم عن الفساد فى الأرض. وفى ~~هذا من التوبيخ لأهل مكة ولكل من تقاعس عن الأمر بالمعروف والنهى عن ~~المنكر ما فيه، لأن الله - تعالى - بين أن عذاب الاستئصال الذى حل ~~بالظالمين السابقين، كان من أسبابه عدم نهيهم عن الفساد فى الأرض. قال ~~الشوكانى والاستثناء فى قوله { إلا قليلا... } منقطع، أى لكن قليلا ~~ممن أنجينا منهم كانوا ينهون عن الفساد فى الأرض، وقيل هو متصل، لأن فى ~~حرف التحضيض معنى النفى، فكأنه قال ما كان فى القرون أولو بقية ينهون عن ~~الفساد فى الأرض، إلا قليلا ممن أنجينا منهم، ومن فى قوله { ممن ~~أنجينا منهم } بيانية، لأنه لم ينج إلا الناهون ". وقال ابن كثير ~~ولهذا أمر الله - تعالى - هذه الأمة الشريفة أن يكون فيها من يأمر ~~بالمعروف وينهى عن المنكر وأولئك هم المفلحون، وفى الحديث " إن الناس إذا ~~رأوا المنكر فلم يغيروه، أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده " ولهذا قال { ~~فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ~~ينهون عن الفساد في الأرض... } وقوله { واتبع ~~الذين ظلموا مآ أترفوا فيه. # .. } إشارة إلى أن هؤلاء القاعدين عن النهى عن الإفساد فى الأرض، قد ~~استمروا على فجورهم وفسقهم دون أن يلتفتوا إلى خصال الخير، وإلى سبيل ~~الصلاح. وأترفوا من الترف ومعناه التقلب فى نعم الله - تعالى - مع ترك ~~شكره - سبحانه - عليها. والمترف هو الشخص الذى أبطرته النعمة، فانغمس فى ~~الشهوات والمعاصى، وأعرض عن الأعمال الصالحة.. والجملة الكريمة معطوفة ~~على كلام مقدر يقتضيه الكلام، والمعنى أن هؤلاء الذين لم يكن فيهم أولو ~~بقية ينهون عن الفساد فى الأرض إلا من استثنى، قد استمروا فى طغيانهم، ~~واتبعوا ما أنعموا فيه من الثروة والعيش الهنئ والشهوات العاجلة، فكفروا ~~النعمة، واستكبروا وفسقوا عن أمر ربهم، وكانوا قوما مجرمين، أى مصرين على ~~ارتكاب الجرائم والمنكرات، فحق عليهم العقاب الذى يستحقونه بسبب هذه ~~السيئات. ثم بين - سبحانه - أن رحمته بعباده تقتضى عدم ظلمه لهم فقال { ~~وما كان ربك ليهلك ms2724 القرى بظلم وأهلها ~~مصلحون }. والمراد بالظلم هنا ما يشمل الإشراك بالله - تعالى - ~~وغيره من الوقوع فى المعاصى والمنكرات. والباء فى { بظلم } للملابسة، ~~والتنوين فيه للإشعار بأن إهلاك المصلحين ظلم عظيم يتنزه الله - تعالى - ~~عنه على أبلغ وجه، وإن كانت أفعاله - عز وجل - لا ظلم فيها أيا كانت هذه ~~الأفعال. والمعنى وما كان من شأن ربك - أيها الرسول الكريم - أن يهلك أهل ~~قرية من القرى إهلاكا متلبسا بظلم منه لها، والحال أن أهلها قوم ~~مصلحون، لأن ذلك الإهلاك مع تلك الحال يتنافى مع ما كتبه على نفسه من ~~الرحمة والعدل. قال - تعالى - # كتب ربكم على نفسه الرحمة... # وقال - تعالى - # ولا يظلم ربك أحدا # وقال - تعالى - # وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون # ومنهم من فسر الظلم هنا بالشرك، وجعل الباء للسببية، فيكون المعنى ليس ~~من شأن ربك أن يهلك أهل قرية من القرى بسبب كفرهم وحده، مع صلاحهم فى ~~تعاطى الحقوق فيما بينهم، وإنما يهلكهم عندما يضمون إلى الكفر الإفساد ~~فى الأرض كما أهلك قوم شعيب لشركهم وإنقاصهم المكيال والميزان. وقد ساق ~~ابن جرير - رحمه الله - القولين دون أن يرجح بينهما فقال القول فى تأويل ~~قوله - تعالى - { وما كان ربك ليهلك القرى بظلم ~~وأهلها مصلحون } يقول - تعالى - ذكره وما كان ربك يا محمد ~~ليهلك القرى التى أهلكها والتى قص عليك نبأها ظلما وأهلها مصلحون فى ~~أعمالهم غير مسيئين، فيكون إهلاكه إياهم مع إصلاحهم فى أعمالهم وطاعتهم ~~ربهم ظلما، ولكنه أهلكها بكفر أهلها بالله وتماديهم فى غيهم.. وقد قيل ~~معنى ذلك لم يكن ليهلكهم بشركهم بالله وذلك قوله بظلم يعنى بشرك، وأهلها ~~مصلحون فيما بينهم لا يتظالمون، ولكنهم يتعاطون الحق بينهم وإن كانوا ~~مشركين، وإنما يهلكهم إذا تظالموا ". # والذى نراه أن القول الأول أقرب إلى الصواب، لأن حمل الظلم هنا على ~~الشرك تخصيص بدون مخصص، حيث لم يرد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~حديث صحيح يخصصه بذلك، فوجب حمل الظلم على معناه الحقيقى الذى يتناول ~~الشرك وغيره. ثم أخبر - سبحانه ms2725 - بأن قدرته لا يعجزها شئ فقال { ولو ~~شآء ربك لجعل الناس أمة واحدة }. والأمة القوم ~~المجتمعون على أمر واحد يقتدى فيه بعضهم ببعض، وهذا اللفظ مأخوذ من " أم ~~" بمعنى قصد، لأن كل واحد من أفراد القوم يؤم المجموع ويقصده فى مختلف ~~شئونه. ولو شرطية امتناعية، ومفعول فعل المشيئة محذوف والتقدير ولو شاء ~~ربك - أيها الرسول الكريم الحريص على إيمان قومه - أن يجعل الناس جميعا ~~أمة واحدة مجتمعة على الدين الحق لجعلهم، ولكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك، ~~ليتميز الخبيث من الطيب، وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا... # وقوله - سبحانه - # ولو شآء الله لجمعهم على الهدى... # وقوله { ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ربك } ~~تأكيد لما اقتضته سنته من اختلاف الناس. أى ولا يزالون ما بقيت الدنيا ~~مختلفين فى شأن الدين الحق، فمنهم من دخل فيه وآمن به، ومنهم من أعرض ~~عنه، إلا الذين رحمهم ربك منهم بهدايتهم إلى الصراط المستقيم من أول ~~الأمر، فإنهم لم يختلفوا، بل اتفقوا على الإيمان بالدين الحق فعصمهم ~~الله - تعالى - من الاختلاف المذموم. قال الإمام ابن كثير وقوله { ~~إلا من رحم ربك } أى إلا المرحومين من أتباع الرسل، الذين ~~تمسكوا بما أمروا به من الدين الذى أخبرتهم به رسل الله إليهم، ولم يزل ~~ذلك دأبهم، حتى كان النبى - صلى الله عليه وسلم - الأمى خاتم الرسل ~~والأنبياء، فاتبعوه وصدقوه ونصروه، ففازوا بسعادة الدنيا والآخرة لأنهم ~~الفرقة الناجية، كما جاء فى الحديث المروى فى المسانيد والسنن، من طرق ~~يشد بعضها بعضا # " إن اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن النصارى افترقوا على ~~اثنتين وسبعين فرقة. وستفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة، كلها فى النار ~~إلا فرقة واحدة. قالوا ومن هم يا رسول الله، قال " ما أنا عليه وأصحابى " # واسم الإشارة فى قوله { ولذلك خلقهم } يعود على المصدر ~~المفهوم من مختلفين قال الآلوسى فكأنه قيل وللاختلاف خلق الناس، على معنى ~~لثمرة الاختلاف من كون فريق فى الجنة وفريق فى السعير خلقهم. ms2726 واللام لام ~~العاقبة والصيرورة، لأن حكمة خلقهم ليس هذا، لقوله - سبحانه - # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # ولأنهم لو خلقهم له - أى للاختلاف - لم يعذبهم على ارتكاب الباطل... ". ~~ومنهم من جعل الإشارة إلى الرحمة لأنها أقرب مذكور، فيكون التقدير إلا ~~من رحم ربك ولرحمته - سبحانه - خلق الناس. وصح تذكير اسم الإشارة مع ~~عودته إلى الرحمة لكون تأنيثها غير حقيقى. ومنهم من جعل الإشارة إلى ~~مجموع الاختلاف والرحمة، لأنه لا مانع من الإشارة بها إلى شيئين كما فى ~~قوله # عوان بين ذلك # أى بين الفارض والبكر. فيكون المعنى " وللاختلاف والرحمة خلقهم " أى أنه ~~- سبحانه - خلق أهل الرحمة للرحمة وأهل الاختلاف للاختلاف. وقد رجح ~~الإمام القرطبى هذا الوجه فقال قوله " ولذلك خلقهم " قال الحسن ومقاتل ~~وعطاء الإشارة إلى الاختلاف، أى وللاختلاف خلقهم. وقال ابن عباس ومجاهد ~~وقتادة والضحاك الإشارة إلى الرحمة أى ولرحمته خلقهم. وقيل الإشارة إلى ~~الاختلاف والرحمة، وقد يشار بذلك إلى شيئين متضادين، كما فى قوله - تعالى ~~- # والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ~~وكان بين ذلك قواما # وهذا أحسن الأقوال - إن شاء الله - لأنه يعم. أى ولما ذكر خلقهم.. أى ~~خلقهم ليكون فريق فى الجنة وفريق فى السعير. أى خلق أهل الاختلاف ~~للاختلاف وأهل الرحمة للرحمة.. والمراد بكلمة ربك فى قوله - سبحانه - { ~~وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين } فاللازم دخول جميع تابعيه فى جهنم، والقرآن ~~يفسر بعضه بعضا.. ". ثم بين - سبحانه - أهم الفوائد التى تعود على الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - من وراء إخباره بأحوال الأنبياء السابقين مع ~~أقوامهم فقال { وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ~~ما نثبت به فؤادك... }. والتنوين فى قوله { وكلا } للعوض عن ~~المضاف إليه. والأنباء جمع نبأ وهو الخبر الهام أى وكل نبأ من أنباء ~~الرسل الكرام السابقين نقصه عليك - أيها الرسول الكريم - ونخبرك عنه. ~~فالمقصود به تثبيت قلبك، وتقوية يقينك، وتسلية نفسك ونفوس أصحابك عما ~~لحقكم من أذى فى سبيل تبليغ دعوة الحق إلى الناس. وقوله - سبحانه - { ~~وجآءك في هذه الحق ms2727 وموعظة وذكرى ~~للمؤمنين } بيان لما اشتملت هذه السورة الكريمة من أخبار صادقة، ~~وعظات بليغة. أى وجاءك - أيها الرسول الكريم - فى هذه السورة الكريمة ~~وغيرها من سور القرآن الكريم الحق الثابت المطابق للواقع، والعظات ~~الحكيمة، والذكرى النافعة للمؤمنين بما جئت به. وأما الذين فى قلوبهم مرض ~~فقد زادتهم هذه السورة وأمثالها رجسا إلى رجسهم، وماتوا وهم كافرون. ثم ~~أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالسير فى طريق الحق ~~بدون مبالاة بتهديد أعدائه فقال { وقل للذين لا يؤمنون ~~اعملوا على مكانتكم إنا عاملون. # وانتظروا إنا منتظرون } والأمر فى هذه الآية الكريمة ~~للتهديد. ومكانتكم مصدر مكن - بزنة كرم - مكانة، إذا تمكن من الأمر أبلغ ~~التمكن. أى و قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين الذين يضعون ~~العقبات فى طريق دعوتك، قل لهم اعملوا ما تستطيعون عمله من الكيد لى ~~ولدعوتى، فإنى وأصحابى مستمرون على السير فى طريق الحق الذى هدانا الله ~~إليه، بدون التفات إلى كيدكم وقل لهم - أيضا - انتظروا ما يأتى به الله ~~من عقاب، فإنا منتظرون معكم ذلك. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه ~~الآية الجامعة فقال { ولله غيب السماوات والأرض ~~وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه ~~وما ربك بغافل عما تعملون }. أى ولله - تعالى - وحده ~~علم جميع ما غاب عن الحواس فى السماوات والأرض، وإليه وحده يرجع الأمر ~~كله من إحياء وإماتة، وهداية وضلال، وصحة ومرض، ونصر وهزيمة. وما دام ~~الأمر كذلك { فاعبده وتوكل عليه } أى فأخلص له العبادة، ~~واجعل توكلك عليه وحده. { وما ربك بغافل عما تعملون } ~~بل هو مطلع وبصير بأعمال عباده جميعا، لا يعزب عنه مثقال ذرة منها، ~~وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. ### | [12 - سورة يوسف] ### || [12.1-6] # افتتحت سورة يوسف - عليه السلام - ببعض الحروف المقطعة. وقد سبق أن ~~تكلمنا عن آراء العلماء فى هذه الحروف فى سورة البقرة، وآل عمران، ~~والأعراف، ويونس، وهود. وقلنا ما ملخصه لعل أقرب الأقوال إلى الصواب، أن ~~هذه الحروف المقطعة، قد وردت فى افتتاح بعض السور ms2728 على سبيل الايقاظ ~~والتنبيه إلى إعجاز القرآن الكريم. فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك ~~المعارضين فى أن القرآن من عند الله - تعالى - هاكم القرآن ترونه مؤلفا ~~من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم، ومنظوما من حروف هى من جنس ~~الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم.. فإن كنتم فى شك من كونه منزلا ~~من عند الله فهاتوا مثله، وادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك. ~~ومما يشهد لصحة هذا الرأى أن الآيات التى تلى هذه الحروف المقطعة تراها ~~تتحدث - صراحة أو ضمنا - عن القرآن الكريم وعن كونه من عند الله - تعالى ~~- وعن كونه معجزة للرسول - صلى الله عليه وسلم - ففى مطلع سورة البقرة # الم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين... # وفى مطلع سورة آل عمران # الم. الله لا إله إلا هو الحي القيوم. نزل ~~عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه ~~وأنزل التوراة والإنجيل.. # وفى أول سورة الأعراف # المص. كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج ~~منه # وفى أول سورة يونس # الر تلك آيات الكتاب الحكيم. أكان للناس عجبا ~~أن أوحينآ إلى رجل منهم أن أنذر الناس ~~وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ~~ربهم... # وفى أول سورة هود # الر. كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم ~~خبير... # وهكذا نجد أن معظم الآيات التى تلى الحروف المقطعة، منها ما يتحدث عن أن ~~هذا الكتاب من عند الله - سبحانه - ومنها ما يتحدث عن وحدانية الله - ~~تعالى -، ومنها ما يتحدث عن صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى ~~دعوته.. وهذا كله لتنبيه الغافلين إلى أن هذا القرآن من عند الله، وأنه ~~المعجزة الخالدة للرسول - صلى الله عليه وسلم -. ثم قال - تعالى - { ~~تلك آيات الكتاب المبين } و " تلك " اسم إشارة، المشار ~~إليه الآيات، والمراد بها آيات القرآن الكريم ويندرج فيها آيات السورة ~~التى معنا. والكتاب مصدر كتب كالكتب. وأصل الكتب ضم أديم إلى آخر ~~بالخياطة. واستعمل عرفا فى ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط، والمراد به ~~القرآن ms2729 الكريم. والمبين أى الواضح الظاهر من أبان بمعنى بان أى ظهر. ~~والمعنى تلك الآيات التى نتلوها عليك - أيها الرسول الكريم - فى هذه ~~السورة وفى غيرها، هى آيات الكتاب الظاهر أمره، الواضح إعجازه، بحيث لا ~~تشتبه على العقلاء حقائقه، ولا تلتبس عليهم هداياته. # وصحت الإشارة إلى آيات الكتاب الكريم، مع أنها لم تكن قد نزلت جميعها، ~~لأن الإشارة إلى بعضها كالإشارة إلى جميعها، حيث كانت بصدد الإنزال، ~~ولأن الله - تعالى - قد وعد رسوله - صلى الله عليه وسلم - بنزول القرآن ~~عليه، كما فى قوله # إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا # ووعد الله - تعالى - لا يتخلف. ثم بين - سبحانه - الحكمة من إنزاله ~~بلسان عربى مبين فقال { إنآ أنزلناه قرآنا عربيا ~~لعلكم تعقلون }. أى إنا أنزلنا هذا الكتاب الكريم على نبينا ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - بلسان عربى مبين، لعلكم أيها المكلفون ~~بالإيمان به، تعقلون معانيه، وتفهمون ألفاظه، وتنتفعون بهداياته، ~~وتدركون أنه ليس من كلام البشر، وإنما هو كلام خالق القوى والقدر وهو ~~الله - عز وجل -. فالضمير فى " أنزلناه " يعود إلى الكتاب، وقرآنا حال من ~~هذا الضمير أو بدلا منه. والتأكيد بحرف إن متوجه إلى خبرها وهو أنزلناه، ~~للرد على أولئك المشركين الذين أنكروا أن يكون هذا القرآن من عند الله. ~~وجملة { لعلكم تعقلون } بيان لحكمة إنزاله بلغة العرب وحذف ~~مفعول " تعقلون " للإشارة إلى أن نزوله بهذه الطريقة، يترتب عليه حصول ~~تعقل أشياء كثيرة لا يحصيها العد. قال الإمام ابن كثير ما ملخصه قوله { ~~إنآ أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون } ~~وذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات، وأبينها وأوسعها، وأكثرها تأدية للمعانى ~~التى تقوم بالنفوس، فلهذا أنزل أشرف الكتب، بأشرف اللغات، على أشرف ~~الرسل، بسفارة أشرف الملائكة، وكان ذلك فى أشرف بقاع الأرض، وفى أشرف ~~شهور السنة، فكمل له الشرف من كل الوجوه ". وقال الجمل " واختلف العلماء ~~هل يمكن أن يقال فى القرآن شئ غير عربى. قال أبو عبيدة من قال بأن فى ~~القرآن شئ غير عربى فقد أعظم على الله القول. واحتج بهذه الآية. وروى ms2730 عن ~~ابن عباس ومجاهد وعكرمة بأن فيه من غير العربى مثل سجيل، والمشكاة، ~~واليم، وإستبرق ونحو ذلك. وهذا هو الصحيح المختار، لأن هؤلاء أعلم من أبى ~~عبيدة بلسان العرب. وكلا القولين صواب - إن شاء الله -. ووجه الجمع ~~بينهما أن هذه الألفاظ لما تكلمت بها العرب، ودارت على ألسنتهم صارت ~~عربية فصيحة، وإن كانت غير عربية فى الأصل، لكنهم لما تكلموا بها نسبت ~~إليهم، وصارت لهم لغة، فظهر بهذا البيان صحة القولين، وأمكن الجمع بينهما ~~". ثم بين - سبحانه - أن هذا القرآن مشتمل على أحسن القصص وأحكمها ~~وأصدقها فقال - تعالى - { نحن نقص عليك أحسن القصص ~~بمآ أوحينآ إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله ~~لمن الغافلين }. # قال الفخر الرازى ما ملخصه " القصص إتباع الخبر بعضه بعضا، وأصله فى ~~اللغة المتابعة قال - تعالى - # وقالت لأخته قصيه.. # أى اتبعى أثره. وقال - تعالى - # فارتدا على آثارهما قصصا # أى اتباعا. وإنما سميت الحكاية قصصا، لأن الذى يقص الحديث يذكر تلك ~~القصة شيئا فشيئا، كما يقال " تلا فلان القرآن، أى قرأه آية فآية ". ~~والمعنى نحن نقص عليك - أيها الرسول الكريم " أحسن القصص " أى أحسن أنواع ~~البيان، وأوفاه بالغرض الذى سيق من أجله. وإنما كان قصص القرآن أحسن ~~القصص، لاشتماله على أصدق الأخبار، وأبلغ الأساليب، وأجمعها للحكم والعبر ~~والعظات. والباء فى قوله { بمآ أوحينآ إليك هذا ~~القرآن } للسبيبة متعلقة بنقص، و { ما } مصدرية. أى نقص عليك أحسن ~~القصص، بسبب إيحائنا إليك هذا القرآن الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ~~ولا من خلفه، والذى هو فى الذروة العليا فى بلاغته وتأثيره فى النفوس. ~~وجملة { وإن كنت من قبله لمن الغافلين } فى موضع الحال ~~من كاف الخطاب فى { إليك } و " إن " مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن ~~محذوف. والضمير فى قوله { من قبله } يعود إلى الإيحاء المفهوم من ~~قوله { أوحينآ }. والمعنى نحن نقص عليك أحسن القصص بسبب ما أوحيناه ~~إليك من هذا القرآن. والحال أنك كنت قبل إيحائنا إليك بهذا القرآن، من ~~الغافلين عن تفاصيل هذا القصص، وعن دقائق ms2731 أخباره وأحداثه، شأنك فى ذلك ~~شأن قومك الأميين. قال تعالى # تلك من أنبآء الغيب نوحيهآ إليك ما كنت ~~تعلمهآ أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن ~~العاقبة للمتقين # ثم حكى - سبحانه - قصة يوسف - عليه السلام - كمثال لأحسن القصص فقال - ~~تعالى - { إذ قال يوسف لأبيه يأبت إني رأيت أحد ~~عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ~~}. و { إذ } ظرف متعلق بمحذوف تقديره اذكر. ويوسف اسم أعجمى، مشتق - كما ~~يقول الآلوسى - من الأسف، وسمى به لأسف أبيه عليه. وأبوه هو يعقب بن ~~إسحاق بن إبراهيم. وفى الحديث الصحيح عن ابن عمر - رضى الله عنهما - أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال # " الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن ~~إبراهيم ". # وقوله { يأبت } أصله يا أبى، فحذفت الياء وعوض عنها تاء التأنيث، ~~ونقلت إليها كسرة الباء، ثم فتحت الباء لمناسبة تاء التأنيث. والمعنى ~~اذكر - أيها الرسول الكريم أو أيها المخاطب - وقت أن قال يوسف لأبيه، يا ~~أبت إنى رأيت فى منامى { أحد عشر كوكبا } تسجد لى ورأيت كذلك ~~{ والشمس والقمر } لى { ساجدين }. # ولم يدرج الشمس والقمر فى الكواكب مع أنهما منها، لإظهار مزيتهما ورفعا ~~لشأنهما، وجملة { رأيتهم لي ساجدين } مستأنفة لبيان الحالة ~~التى رآهم عليها. وأجريت هذه الكواكب مجرى العقلاء فى الضمير المختص بها، ~~لوصفها بوصفهم حيث إن السجود من صفات العقلاء، والعرب تجمع ما لا يعقل ~~جمع من يعقل إذا أنزلوه منزلته. قال ابن كثير " وقد تكلم المفسرون على ~~تعبير هذا المنام أن الأحد عشر كوكبا عبارة عن إخوته، وكانوا أحد عشر ~~رجلا، والشمس والقمر عبارة عن أبيه وأمه. روى هذا عن ابن عباس، والضحاك، ~~وقتادة وسفيان الثورى، وعبد الرحمن بن زيد، وقد وقع تفسيرها بعد أربعين ~~سنة، وقيل بعد ثمانين سنة، وذلك حين رفع أبويه على العرش، وهو سريره. ~~وإخوته بين يديه.. وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياى من قبل، قد ~~جعلها ربى حقا... ". ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما قاله ms2732 يعقوب لابنه يوسف ~~بعد أن قص عليه رؤياه فقال { قال يبني لا تقصص رؤياك ~~على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان ~~للإنسان عدو مبين }. وقوله { يبني } تصغير ابن. ~~والتصغير هنا سببه صغر سنه مع الشفقة عليه، والتلطيف معه. وقوله { ~~رؤياك } من الرؤيا التى هى مصدر رأى العلمية الدالة على ما وقع ~~للإنسان فى نومه، أما رأى البصرية فيقال فى مصدرها الرؤية. وقوله " ~~فيكيدوا لك.. " من الكيد وهو الاحتيال الخفى بقصد الإضرار والفعل كاد ~~يتعدى بنفسه، فيقال كاده يكيده كيدا، إذا احتال لإهلاكه. ولتضمنه معنى ~~احتال عدى باللام. والمعنى قال يعقوب لابنه يوسف - عليهما السلام - بشفقة ~~ورحمة، بعد أن سمع منه ما رآه فى منامه " يا بنى " لا تخبر إخوتك بما ~~رأيته فى منامك فإنك إن أخبرتهم بذلك احتالوا لإهلاكك احتيالا خفيا، لا ~~قدرة لك على مقاومته أو دفعه.. وإنما قال له ذلك، لأن هذه الرؤيا تدل على ~~أن الله - تعالى - سيعطى يوسف من فضله عطاء عظيما. ويهبه منصبا جليلا، ~~ومن شأن صاحب النعمة أن يكون محسودا من كثير من الناس، فخاف يعقوب من حسد ~~إخوة يوسف له، إذا ما قص عليهم رؤياه، ومن عدوانهم عليه. والتنوين فى ~~قوله " كيدا " للتعظيم والتهويل، زيادة فى تحذيره من قص الرؤيا عليهم. ~~وجملة " إن الشيطان للإنسان عدو مبين " واقعة موقع التعليل للنهى عن قص ~~الرؤيا على إخوته، وفيها إشارة إلى أن الشيطان هو الذى يغريهم بالكيد له ~~إذا ما قص عليهم ما رآه، وهو بذلك لا يثير فى نفسه الكراهة لإخوته. أى ~~لا تخبر إخوتك بما رأيته فى منامك، فيحتالوا للإضرار بك حسدا منهم لك، ~~وهذا الحسد يغرسه الشيطان فى نفوس الناس، لتتولد بينهم العداوة والبغضاء، ~~فيفرح هو بذلك، إذ كل قبيح يقوله أو يفعله الناس يفرح له الشيطان. # هذا، وقد أخذ العلماء من هذه الآية أحكاما منها أنه يجوز للإنسان فى بعض ~~الأوقات أن يخفى بعض النعم التى أنعم الله بها عليه، خشية حسد الحاسدين، ~~أو عدوان المعتدين. وأن الرؤيا الصادقة حالة يكرم ms2733 الله بها بعض عباده ~~الذين زكت نفوسهم فيكشف لهم عما يريد أن يطلعهم عليه قبل وقوعه. ومن ~~الأحاديث التى وردت فى فضل الرؤيا الصالحة ما رواه البخارى عن عائشة - ~~رضى الله عنها - أنها قالت # " أول ما بدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الوحى الرؤيا ~~الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.. ". # وفى حديث آخر # " الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح، جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ~~". # وفى حديث ثالث # " لم يبق من النبوة إلا المبشرات، وهى الرؤيا الصالحة للرجل الصالح، ~~يراها أو ترى له ". # كذلك أخذ جمهور العلماء من هذه الآية أن إخوة يوسف لم يكونوا أنبياء. ~~قال الآلوسى عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه " والظاهر أن القوم - أى ~~إخوة يوسف - كانوا بحيث يمكن أن يكون للشيطان عليهم سبيل، ويؤيد هذا أنهم ~~لم يكونوا أنبياء. وهذا ما عليه الأكثرون سلفا وخلفا. أما السلف فإنه لم ~~ينقل عن أحد من الصحابة أو التابعين أنه قال بنبوتهم. وأما الخلف فكثير ~~منهم نفى عنهم أن يكونوا أنبياء، وعلى رأى من قال بذلك الإمام ابن ~~تيمية، فى مؤلف له خاص بهذه المسألة، وقد قال فيه الذى يدل عليه القرآن ~~واللغة والاعتبار، أن إخوة يوسف ليسوا بأنبياء، وليس فى القرآن ولا فى ~~السنة ما يشير إلى أنهم كانوا أنبياء... " ثم حكى - سبحانه - ما توقعه ~~يعقوب لابنه يوسف من خير وبركة فقال { وكذلك يجتبيك ربك ~~ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك ~~وعلى آل يعقوب كمآ أتمهآ على أبويك من قبل ~~إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم } والكاف فى ~~قوله { وكذلك } حرف تشبيه بمعنى مثل، وهى داخله على كلام محذوف. ~~وقوله { يجتبيك } من الاجتباء بمعنى الاصطفاء والاختيار، مأخوذ من ~~جبيت الشئ إذا اخترته لما فيه من النفع والخير. و { تأويل ~~الأحاديث } معناه تفسيرها صحيحا، إذا التأويل مأخوذ من الأول بمعنى ~~الرجوع، وهو رد الشئ إلى الغاية المرادة منه. والأحاديث جمع تكسير مفرده ~~حديث، وسميت الرؤى أحاديث باعتبار حكايتها والتحدث بها. ms2734 والمعنى وكما ~~اجتباك ربك واختارك لهذه الرؤيا الحسنة، فإنه - سبحانه - يجتبيك ويختارك ~~لأمور عظام فى مستقبل الأيام، حيث يهبك من صدق الحس، ونفاذ البصيرة، ما ~~يجعلك تدرك الأحاديث إدراكا سليما، وتعبر الرؤى تعبيرا صحيحا صادقا. # " ويتم نعمته عليك " بالنبوة والرسالة والملك والرياسة " وعلى آل يعقوب ~~" وهم إخوته وذريتهم، بأن يسبغ عليهم الكثير من نعمه. { كمآ أتمهآ ~~على أبويك من قبل } أى من قبل هذه الرؤيا أو من قبل هذا ~~الوقت. وقوله " إبراهيم وإسحاق " بيان لأبويه. أى يتم نعمته عليك إتماما ~~كائنا كإتمام نعمته على أبويك من قبل، وهما إبراهيم وإسحاق بأن وهبهما - ~~سبحانه - النبوة والرسالة. وعبر عنهما بأنهما أبوان ليوسف، مع أن ~~إبراهيم جد أبيه، وإسحاق جده، للإشعار بكمال ارتباطه بالأنبياء عليهم ~~السلام -، وللمبالغة فى إدخال السرور على قلبه، ولأن هذا الاستعمال مألوف ~~فى لغة العرب، فقد كان أهل مكة يقولون للنبى - صلى الله عليه وسلم - يا ~~ابن عبد المطلب، وأثر عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " أنا النبى لا كذب - أنا ابن عبد المطلب " # وجملة { إن ربك عليم حكيم } مستأنفة لتأكيد ما سبقها من ~~كلام. أى إن ربك عليم بمن يصطفيه لحمل رسالته، وبمن هو أهل لنعمه ~~وكرامته، حكيم فى صنعه وتصرفاته. وبذلك نرى الآيات الكريمة قد نوهت بشأن ~~القرآن الكريم، وساقت بأسلوب حكيم ما قاله يعقوب لابنه يوسف - عليهما ~~السلام - بعد أن قص ما رآه فى المنام. ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك حالة ~~إخوة يوسف وهم يتآمرون عليه، وحالتهم وهم يجادلون أباهم فى شأنه. وحالتهم ~~وهم ينفذون مؤامراتهم المنكرة وحالتهم بعد أن نفذوهاوعادوا إلى أبيهم ~~ليلا يتباكون فقال - تعالى - { لقد كان في يوسف وإخوته ~~آيات... }. ### || [12.7-15] # وقوله - سبحانه - { لقد كان في يوسف وإخوته آيات ~~للسائلين } شروع فى حكاية قصة يوسف مع إخوته، بعد أن بين - سبحانه ~~- صفة القرآن الكريم، وبعد أن أخبر عما رآه يوسف فى منامه، وما قاله أبوه ~~له. وإخوة يوسف هم رأو بين، وشمعون، ولاوى، ويهوذا، ويساكر، وزبولون، ~~ودان، ونفتالى، وجاد، وأشير، وبنيامين. والآيات ms2735 جمع آية والمراد بها هنا ~~العبر والعظات والدلائل الدالة على قدرة الله - تعالى - ووجوب إخلاص ~~العبادة له. والمعنى لقد كان فى قصة يوسف مع إخوته عبر وعظات وعظيمة، ~~ودلائل تدل على قدرة الله القاهرة، وحكمته الباهرة، وعلى ما للصبر وحسن ~~الطوية من عواقب الخير والنصر، وعلى ما للحسد والبغى من شرور وخذلان. ~~وقوله " للسائلين " أى لمن يتوقع منهم السؤال، بقصد الانتفاع بما ساقه ~~القرآن الكريم من مواعظ وأحكام. أى لقد كان فيما حدث بين يوسف وإخوته، ~~آيات عظيمة، لكل من سأل عن قصتهم، وفتح قلبه للانتفاع بما فيها من حكم ~~وأحكام، تشهد بصدق النبى - صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغه عن ربه. وهذا ~~الافتتاح لتلك القصة، كفيل بتحريك الانتباه لما سيلقى بعد ذلك منها، ومن ~~تفصيل لأحداثها، وبيان لما جرى فيها. وقوله - سبحانه - { إذ قالوا ~~ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة.. ~~}. بيان لما قاله إخوة يوسف فيما بينهم، قبل أن ينفذوا جريمتهم. و " إذ " ~~ظرف متعلق بالفعل " كان " فى قوله - سبحانه - قبل ذلك { لقد كان ~~في يوسف وإخوته.. }. واللام فى قوله { ليوسف } لتأكيد أن زيادة ~~محبة أبيهم ليوسف وأخيه، أمر ثابت، لا يقبل التردد أو التشكك. والمراد ~~بأخيه أخوه من أبيه وأمه وهو " بنيامين " وكان أصغر من يوسف - عليه ~~السلام - أما بقيتهم فكانوا إخوة له من أبيه فقط. ولم يذكروه باسمه، ~~للاشعار بأن محبة يعقوب له، من أسبابها كونه شقيقا ليوسف، ولذا كان حسدهم ~~ليوسف أشد. وجملة " نحن عصبة " حالية. والعصبة كلمة تطلق على ما بين ~~العشرة إلى الأربعين من الرجال، وهى مأخوذة من العصب بمعنى الشد، لأن كلا ~~من أفرادها يشد الآخر ويقويه ويعضده، أو لأن الأمور تعصب بهم. أى تشتد ~~وتقوى. أى قال إخوة يوسف وهم يتشاورون فى المكر به ليوسف وأخوه " بنيامين ~~" أحب إلى قلب أبينا منا، مع أننا نحن جماعة من الرجال الأقوياء الذين ~~عندهم القدرة على خدمته ومنفعته والدفاع عنه دون يوسف وأخيه. وقولهم - ~~كما حكى القرآن عنهم - { إن أبانا لفي ضلال مبين ms2736 } تذييل ~~قصدوا به درء الخطأ عن أنفسهم فيما سيفعلونه بيوسف وإلقائه على أبيه الذى ~~فرق بينهم - فى زعمهم - فى المعاملة. # والمراد بالضلال هنا عدم وضع الأمور المتعلقة بالأبناء فى موضعها ~~الصحيح، وليس المراد به الضلال فى العقيدة والدين. أى إن أبانا لفى خطأ ~~ظاهر، حيث فضل فى المحبة صبيين صغيرين على مجموعة من الرجال الأشداء ~~النافعين له القادرين على خدمته. قال القرطبى لم يريدوا بقولهم { إن ~~أبانا لفي ضلال مبين } الضلال فى الدين إذ لو أرادواه لكانوا ~~كفارا، بل أرادوا إن أبانا لفى ذهاب عن وجه التدبير فى إيثاره اثنين على ~~عشرة، مع استوائهم فى الانتساب إليه ". وهذا الحكم منهم على أبيهم ليس فى ~~محله، لأن يعقوب - عليه السلام - كان عنده من أسباب التفضيل ليوسف عليهم ~~ما ليس عندهم. قال الآلوسى ما ملخصه يروى أن يعقوب - عليه السلام - كان ~~يوسف أحب إليه لما يرى فيه من المناقب الحميدة، فلما رأى الرؤيا تضاعفت ~~له المحبة. وقال بعضهم إن زيادة حبه ليوسف وأخيه، صغرهما، وموت أمهما، ~~وقد قيل لإحدى الأمهات أى بنيك أحب إليك؟ قالت الصغير حتى يكبر، والغائب ~~حتى يقدم، والمريض حتى يشفى. ولا لوم على الوالد فى تفضيله بعض ولده على ~~بعض فى المحبة لمثل ذلك وقد صرح غير واحد أن المحبة ليست مما يدخل تحت ~~وسع البشر.. ". ثم أخبر - سبحانه - عما اقترحوه للقضاء على يوسف فقال - ~~تعالى - { اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم ~~وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين }. ولفظ ~~" اطرحوه " مأخوذ من الطرح، ومعناه رمى الشئ وإلقاؤه بعيدا، ولفظ " ~~أرضا " منصوب على نزع الخافض، والتنوين فيه للإبهام. أى أرضا مجهولة. ~~والمعنى لقد بالغ أبونا فى تفضيل يوسف وأخيه علينا، مع أننا أولى بذلك ~~منهما وما دام هو مصرا على ذلك، فالحل أن تقتلوا يوسف، أو أن تلقوا به ~~فى أرض بعيدة مجهولة حتى يموت فيها غريبا. قال الآلوسى " وحاصل المعنى ~~اقتلوه أو غربوه، فإن التغريب كالقتل فى حصول المقصود، ولعمرى لقد ذكروا ~~أمرين مرين، فإن الغربة ms2737 كربة أية كربة، ولله - تعالى - در القائل # حسنوا القول وقالوا غربة إنما الغربة للأحرار ذبح # وجملة " يخل لكم وجه أبيكم " جواب الأمر. والخلو معناه الفراغ. يقال خلا ~~المكان يخلو خلوا وخلاء، إذا لم يكن به أحد. والمعنى اقتلوا يوسف أو ~~اقذفوا به فى أرض بعيدة مجهولة حتى يموت، فإنكم إن فعلتم ذلك، خلصت لكم ~~محبة أبيكم دون أن يشارككم فيها أحد، فيقبل عليكم بكليته، ويكن كل توجهه ~~إليكم وحدكم، بعد أن كان كل توجهه إلى يوسف. قال صاحب الكشاف " يخل ~~لكم وجه أبيكم " أى يقبل عليكم إقبالة واحدة، لا يلتفت عنكم ~~إلى غيركم والمراد سلامة محبته لهم ممن يشاركهم فيها، وينازعهم إياها، ~~فكان ذكر الوجه لتصوير معنى إقباله عليهم، لأن الرجل إذا أقبل على الشئ ~~أقبل عليه بوجهه. # .. " وقوله { وتكونوا من بعده قوما صالحين } معطوف ~~على جواب الأمر. أى وتكونوا من بعد الفراغ من أمر يوسف بسبب قتله أو طرحه ~~فى أرض بعيدة، قوما صالحين فى دينكم، بأن تتوبوا إلى الله بعد ذلك فيقبل ~~الله توبتكم، وصالحين فى دنياكم بعد أن خلت من المنغصات التى كان يثيرها ~~وجود يوسف بينكم. وهكذا النفوس عندما تسيطر علها الأحقاد، وتقوى فيها ~~رذيلة الحسد، تفقد تقديرها الصحيح للأمور، وتحاول التخلص ممن يزاحمها ~~بالقضاء عليه، وتصور الصغائر فى صورة الكبائر، والكبائر فى صورة الصغائر. ~~فإخوة يوسف هنا، يرون أن محبة أبيهم لأخيهم جرم عظيم، يستحق إزهاق روح ~~الأخ. وفى الوقت نفسه يرون أن هذا الإزهاق للروح البريئة شئ هين، فى ~~الإمكان أن يعودوا بعده قوما صالحين أمام خالقهم، وأمام أبيهم، وأمام ~~أنفسهم. وقوله - سبحانه - { قال قآئل منهم لا تقتلوا ~~يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض ~~السيارة إن كنتم فاعلين } بيان للرأى الذى اقترحه أحدهم، ~~واستقر عليه أمرهم. قال القرطبى ما ملخصه قوله { وألقوه في ~~غيابة الجب } قرأ أهل مكة وأهل البصرة وأهل الكوفة " فى غيابة ~~الجب " بالإفراد - وقرأ أهل المدينة " فى غيابات الجب " - بالجمع-. وكل ~~شئ غيب عنك شيئا فهو غيابة، ومنه قيل للقبر ms2738 غيابة - قال الشاعر # فإن أنا يوما غيبتنى غيابتى فسيروا بسيرى فى العشيرة والاهل # والجب الركية - أى الحفرة - التى لم تطو - أى لم تبن بالحجارة - فإذا ~~طويت فهى بئر. وسميت جبا لأنها قطعت فى الأرض قطعا. وجمع الجب جببه وجباب ~~وأجباب. وجمع بين الغيابة والجبن، لأنه أراد ألقوه فى موضع مظلم من الجب ~~حتى لا يلحقه نظر الناظرين... ". والسيارة جمع سيار، والمراد بهم جماعة ~~المسافرين الذين يبالغون فى السير ليصلوا إلى مقصودهم. والمعنى قال قائل ~~من إخوة يوسف أفزعه ما هم مقدمون عليه بشأن أخيهم الصغير لا تقتلوا يوسف، ~~لأن قتله جرم عظيم، وبدلا من ذلك، ألقوه فى قعر الجب حيث يغيب خبره، إلى ~~أن يلتقطه من الجب بعض المسافرين، فيذهب به إلى ناحية بعيدة عنكم، وبذلك ~~تستريحون منه ويخل لكم وجه أبيكم. ولم يذكر القرآن اسم هذا القائل أو ~~وصفه، لأنه لا يتعلق بذكر ذلك غرض، وقد رجح بعض المفسرين أن المراد بهذا ~~القائل " يهوذا " والفائدة فى وصفه بأنه منهم، الإخبار بأنهم لم يجمعوا ~~على قتله أو طرحه فى أرض بعيدة حتى يدركه الموت. وأتى باسم يوسف دون ~~ضميره، لاستدرار عطفهم عليه، وشفقتهم به، واستعظام أمر قتله. # وجواب الشرط فى قوله " إن كنتم فاعلين " محذوف لدلالة " وألقوه ~~" عليه. والمعنى إن كنتم فاعلين ما هو خير وصواب، فألقوه فى غيابة الجب، ~~ولا تقتلوه ولا تطرحوه أرضا. وفى هذه الجملة من هذا القائل، محاولة منه ~~لتثبيطهم عما اقترحوه من القتل أو التغريب بأسلوب بليغ، حيث فوض الأمر ~~إليهم، تعظيما لهم، وحذرا من سوء ظنهم به، فكان أمثلهم رأيا، وأقربهم إلى ~~التقوى. قالوا وفى هذا الرأى عبرة فى الاقتصاد عند الانتقام، والاكتفاء ~~بما حصل به الغرض دون إفراط، لأن غرضهم إنما هو إبعاد يوسف عن أبيهم. ~~وهذا الإبعاد يتم عن طريق إلقائه فى غيابة الجب. ثم حكى - سبحانه - ~~محاولاتهم مع أبيهم، ليأذن لهم بخروج يوسف معهم فقال { قالوا ~~يأبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له ~~لناصحون. أرسله معنا غدا يرتع ويلعب ms2739 وإنا ~~له لحافظون }. أى قال إخوة يوسف لأبيهم - محاولين استرضاءه ~~لاستصحاب يوسف معهم - يا أبانا { ما لك لا تأمنا على يوسف ~~} أى أى شئ جعلك لا تأمنا على أخينا يوسف فى خروجه معنا، والحال أننا له ~~لناصحون، فهو أخونا ونحن لا نريد له إلا الخير الخالص، والود الصادق. وفى ~~ندائهم له بلفظ " يا أبانا " استمالة لقلبه، وتحريك لعطفه، حتى يعدل عن ~~تصميمه على عدم خروج يوسف معهم. والاستفهام فى قولهم { ما لك لا ~~تأمنا... } للتعجيب من عدم ائتمانهم عليه مع أنهم إخوته، وهو يوحى ~~بأنهم بذلوا محاولات قبل ذلك فى اصطحابه معم ولكنها جميعا باءت بالفشل. ~~ثم أضافوا إلى ذلك قولهم { أرسله معنا غدا يرتع ~~ويلعب... }. والرتع والرتوع هو الاتساع فى الملاذ والتنعم فى العيش، ~~يقال رتع الإنسان فى النعمة إذا أكل ما يطيب له ورتعت الدابة إذا أكلت ~~حتى شبعت، وفعله كمنع والمراد باللعب هنا الاستجمام ورفع السآمة، ~~كالتسابق عن طريق العدو، وما يشبه ذلك من ألوان الرياضة المباحة. أى ~~أرسله معنا غدا ليتسع فى أكل الفواكه ونحوها، وليدفع السآمة عن نفسه عن ~~طريق القفز والجرى والتسابق معنا. { وإنا له لحافظون } كل ~~الحفظ من أن يصيبه مكروه، أو يمسه سوء. وقد أكدو هذه الجملة والتى قبلها ~~وهى قوله { وإنا له لناصحون } بألوان من المؤكدات، لكى ~~يستطيعوا الحصول على مقصودهم فى اصطحاب يوسف معهم. وهو أسلوب يبدو فيه ~~التحايل الشديد على أبيهم، لإقناعة بما يريدون تنفيذه وتحقيقه من مآرب ~~سيئة. ثم أخبر - سبحانه - عما رد به عليهم أبوهم فقال { قال إني ~~ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب ~~وأنتم عنه غافلون }. والحزن الغم الحاصل لوقوع مكروه أو فقد ~~محبوب. والخوف فزع النفس من مكروه يتوقع حصوله. # والذئب حيوان معروف بعدوانه على الضعاف من الإنسان ومن الحيوان، وأل ~~فيه للجنس، والمراد به أى فرد من أفراد الذئاب. أى قال يعقوب لأبنائه ردا ~~على إلحاحهم فى طلب يوسف للذهاب معهم يا أبنائى إننى ليحزننى حزنا ~~شديدا فراق يوسف لى، وفضلا عن ms2740 ذلك فإننى أخشى إذا أخذتموه معكم فى ~~رحلتكم أن يأكله الذئب، وأنتم عنه غافلون، بسبب اشتغالكم بشئون أنفسكم، ~~وقلة اهتمامكم برعايته وحفظه. قالوا وخص الذئب بالذكر من بين سائر ~~الحيوانات، ليشعرهم بأن خوفه عليه مما هو أعظم من الذئب توحشا وافتراسا ~~أشد وأولى. أو خصه بالذكر لأن الأرض التى عرفوا بالنزول فيها كانت كثيرة ~~الذئاب. وقوله - سبحانه - { قالوا لئن أكله الذئب ونحن ~~عصبة إنآ إذا لخاسرون } رد مؤكد من إخوة يوسف على تخوف ~~أبيهم وتردده فى إرساله معهم. إذ اللام فى قوله " لئن " موطئة للقسم، ~~وجواب القسم قوله { إنآ إذا لخاسرون }. أى قال إخوة يوسف ~~لأبيهم محاولين إدخال الطمأنينة على قلبه، وإزالة الحزن والخوف عن نفسه ~~يا أبانا والله لئن أكل الذئب يوسف وهو معنا، ونحن عصابة من الرجال ~~الأقوياء الحريصين على سلامته، إنا إذا فى هذه الحالة لخاسرون خسارة ~~عظيمة، نستحق بسببها عدم الصلاح لأى شئ نافع. وأخيرا استسلم الأب، ~~لإلحاح أبنائه الكبار، ليتحقق قدر الله الذى قدره على يوسف. ولتسير قصة ~~حياته فى الطريق الذى شاء الله تعالى - له أن تسير فيه. وقد حكى القرآن ~~ذلك بأسلوبه البليغ فقال { فلما ذهبوا به وأجمعوا أن ~~يجعلوه في غيبت الجب وأوحينآ إليه ~~لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون }. أى ~~فلما أقنعوا أباهم بإرسال يوسف معهم، وذهبوا به فى الغد إلى حيث يريدون، ~~وأجمعوا أمرهم على أن يلقوا به فى قعر الجب، فعلوا به ما فعلوا من الأذى، ~~ونفذوا ما يريدون تنفيذه بدون رحمة أو شفقة. فالفاء فى قوله فلما للتفريع ~~على كلام مقدر، وجواب " لما " محذوف، دل عليه السياق. وفعل " أجمع " ~~يتعدى إلى المفعول بنفسه، ومعناه العزم والتصميم على الشئ، تقول أجمعت ~~المسير أى عزمت عزما قويا عليه. وقوله " أن يجعلوه " مفعول أجمعوا. قال ~~الآلوسى " والروايات فى كيفية إلقائه فى الجب، وما قاله لإخوته عند ~~إلقائه وما قالوه له كثيرة، وقد تضمنت ما يلين له الصخر، لكن ليس فها ما ~~له سند يعول عليه ". والضمير فى قوله، وأوحينا إليه يعود ms2741 على يوسف - عليه ~~السلام -. أى وأوحينا إليه عند إلقائه فى الجب عن طريق الإلهام القلبى، ~~أو عن طريق جبريل - عليه السلام - أو عن طريق الرؤيا الصالحة. { ~~لتنبئنهم بأمرهم هذا } أى لتخبرنهم فى الوقت الذى ~~يشاؤه الله - تعالى - فى مستقبل الأيام، بما فعلوه معك فى صغرك من إلقائك ~~فى الجب، ومن إنجاء الله - لك، فالمراد بأمرهم هذا إيذاؤهم له وإلقاؤهم ~~إياه فى قعر الجب، ولم يصرح - سبحانه - به، لشدة شناعته. # وجملة " وهم لا يشعرون " حالية، أى والحال أنهم لا يحسون ولا ~~يشعرون فى ذلك الوقت الذى تخبرهم فيه بأمرهم هذا، بأنك أنت يوسف. ~~لاعتقادهم أنك قد هلكت ولطول المدة التى حصل فيها الفراق بينك وبينهم، ~~ولتباين حالك وحالهم فى ذلك الوقت، فأنت ستكون الأمين على خزائن الأرض، ~~وهم سيقدمون عليك فقراء يطلبون عونك ورفدك. وقد تحقق كل ذلك - كما سيأتى ~~- عند تفسير قوله تعالى - # فلما دخلوا عليه قالوا يأيها العزيز مسنا ~~وأهلنا الضر... # وكان هذ الإيحاء - على الراجح - قبل أن يبلغ سن الحلم، وقبل أن يكون ~~نبيا. وكان المقصود منه، إدخال الطمأنينة على قلبه، وتبشيره بما سيصير ~~إليه أمره من عز وغنى وسلطان. قالوا وكان هذا الجب الذى ألقى فيه يوسف ~~على بعد ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب - عليه السلام - بفلسطين. ثم حكى - ~~سبحانه - أقوالهم لأبيهم بعد أن فعلوا فعلتهم وعادوا إليه ليلا يبكون ~~فقال { وجآءوا أباهم عشآء... }. ### || [12.16-18] # فقوله { وجآءوا أباهم عشآء يبكون }. والعشاء وقت غيبوبة ~~الشفق الباقى من بقايا شعاع الشمس، وبدء حلول الظلام والمراد بالبكاء هنا ~~البكاء المصطنع للتمويه والخداع لأبيهم، حتى يقنعوه - فى زعمهم - أنهم لم ~~يقصروا فى حق أخيهم. أى وجاءوا أباهم بعد ان أقبل الليل بظلامه يتباكون، ~~متظاهرين بالحزن والأسى لما حدث ليوسف، وفى الأمثال " دموع الفاجر بيديه ~~". { قالوا يأبانآ إنا ذهبنا نستبق } أى نتسابق عن ~~طريق الرمى بالسهام، أو على الخيل، أو على الأقدام. يقال فلان وفلان ~~استبقا أى تسابقا حتى ينظر أيهما يسبق الآخر. { وتركنا يوسف ~~عند متاعنا } أى عند الأشياء التى نتمتع ms2742 بها وننتفع فى رحلتنا، ~~كالثياب والأطعمة، وما يشبه ذلك. { فأكله الذئب } فى تلك الفترة ~~التى تركناه فيها عند متاعنا. والمراد قتله الذئب، ثم أكله دون أن يبقى ~~منه شيئا ندفنه. { ومآ أنت بمؤمن لنا ولو كنا ~~صادقين } أى وما أنت بمصدق لنا فيما أخبرناك به من أن يوسف قد أكله ~~الذئب، حتى ولو كنا صادقين فى ذلك، لسوء ظنك بنا، وشدة محبتك له. وهذه ~~الجملة الكريمة توحى بكذبهم على أبيهم، وبمخادعتهم له، ويكاد المريب أن ~~يقول خذونى - كما يقولون -. ولكنهم لم يكتفوا بهذا التباكى وبهذا القول، ~~بل أضافوا إلى ذلك تمويها آخر حكاه القرآن فى قوله { وجآءوا على ~~قميصه بدم كذب... } أى بدم ذى كذب، فهو مصدر بتقدير مضافه، أو ~~وصف الدم بالمصدر مبالغة، حتى لكأنه الكذب بعينه، والمصدر هنا بمعنى ~~المفعول، كالخلق بمعنى المخلوق، أى بدم مكذوب. والمعنى وبعد أن ألقوا ~~بيوسف فى الجب، واحتفظوا بقميصه معهم، ووضعوا على هذا القميص دما مصطنعا ~~ليس من جسم يوسف، وإنما من جسم شئ آخر قد يكون ظبيا وقد يكون خلافه. وقال ~~- سبحانه - { على قميصه } للإشعار بأنه دم موضوع على ظاهر القميص ~~وضعا متكلفا مصطنعا، ولو كان من أثر افتراس الذئب لصاحبه، لظهر التمزق ~~والتخريق فى القميص، ولتغلغل الدم فى قطعة منه. ولقد أدرك يعقوب - عليه ~~السلام - من قسمات وجوههم، ومن دلائل حالهم، ومن نداء قلبه المفجوع أن ~~يوسف لم يأكله الذئب، وأن هؤلاء المتباكين هم الذين دبروا له مكيدة ما، ~~وأنهم قد اصطنعوا هذه الحيلة المكشوفة مخادعة له، ولذا جابههم بقوله { ~~قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا... }. والتسويل التسهيل ~~والتزيين. يقال سولت لفلان نفسه هذا الفعل أى زينته وحسنته له، وصورته له ~~فى صورة الشئ الحسن مع أنه قبيح. أى قال يعقوب لأبنائه بأسى ولوعة بعد أن ~~فعلوا ما فعلوا وقالوا ما قالوا قال لهم ليس الأمر كما زعمتم من أن يوسف ~~قد أكله الذئب، وإنما الحق أن نفوسكم الحاقدة عليه هى التى زينت لكم أن ~~تفعلوا معه فعلا سيئا قبيحا، ms2743 ستكشف الأيام عنه بإذن ربى ومشيئته. # ونكر الأمر فى قوله { بل سولت لكم أنفسكم أمرا } ~~لاحتماله عدة أشياء مما يمكن أن يؤذوا به يوسف، كالقتل، أو التغريب، أو ~~البيع فى الأسواق لأنه لم يكن يعلم على سبيل اليقين ما فعلوه به. وفى هذا ~~التنكير والإبهام - أيضا - ما فيه من التهويل والتشنيع لما اقترفوه فى ~~حق أخيهم. وقوله { فصبر جميل } أى فصبرى صبر جميل، وهو الذى لا ~~شكوى فيه لأحد سوى الله - تعالى - ولا رجاء معه إلا منه - سبحانه -. ثم ~~أضاف إلى ذلك قوله { والله المستعان على ما تصفون } أى ~~والله - تعالى - هو الذى أستعين به على احتمال ما تصفون من أن ابنى يوسف ~~قد أكله الذئب. أو المعنى والله - تعالى - وحده هو المطلوب عونه على ~~إظهار حقيقة ما تصفون، وإثبات كونه كذبا، وأن يوسف مازال حيا، وأنه - ~~سبحانه - سيجمعنى به فى الوقت الذى يشاؤه. قال الآلوسى " أخرج ابن ابى ~~حاتم وأبو الشيخ عن قتادة أن إخوة يوسف - بعد أن ألقوا به فى الجب - ~~أخذوا ظبيا فذبحوه، ولطخوا بدمه قميصه، ولما جاءوا به إلى أبيهم جعل ~~يقلبه ويقول تا الله ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا الذئب!! أكل ابنى ~~ولم يمزق عليه قميصه... ". وقال القرطبى " استدل الفقهاء بهذه الآية فى ~~إعمال الأمارات فى مسائل الفقه كالقسامة وغيرها، وأجمعوا على أن يعقوب - ~~عليه السلام - قد استدل على كذب أبنائه بصحة القميص، وهكذا يجب على ~~الحاكم أن يلحظ الأمارات والعلامات... ". وقال الشيخ القاسمى ما ملخصه " ~~وفى الآية من الفوائد أن الحسد يدعو إلى المكر بالمحسود وبمن يراعيه... ~~وأن الحاسد إذا ادعى النصح والحفظ والمحبة، لم يصدق، وأن من طلب مراده ~~بمعصية الله - تعالى - فضحه الله - عز وجل -، وأن القدر كائن، وأن الحذر ~~لا ينجى منه... ". وإلى هنا نجد الآيات الكريمة قد حكت لنا بأسلوبها ~~البليغ، وتصويرها المؤثر، ما تآمر به إخوة يوسف عليه، وما اقترحوه لتنفيذ ~~مكرهم، وما قاله لهم أوسطهم عقلا ورأيا، وما تحايلوا به على أبيهم لكى ~~يصلوا إلى مآربهم، ms2744 وما رد به عليهم أبوهم، وما قالوه له بعد أن نفذوا ~~جريمتهم فى أخيهم. بأن ألقوا به فى الجب.. ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ~~ذلك، لتقص علينا مرحلة أخرى من مراحل حياة يوسف - عليه السلام - حيث ~~حدثتنا عن انتشاله من الجب، وعن بيعه بثمن بخس وعن وصية الذى اشتراه ~~لامرأته، وعن مظاهر رعاية الله - تعالى - له فقال - سبحانه - { ~~وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه... ~~} ### || [12.19-22] # فقوله - سبحانه - { وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم ~~فأدلى دلوه... } شروع فى الحديث عما جرى ليوسف من أحداث بعد أن ~~ألقى به إخوته فى الجب. والسيارة جماعة المسافرين، وكانوا - كما قيل - ~~متجهين من بلاد الشام إلى مصر. والوارد هو الذى يرد الماء ليستقى للناس ~~الذين معه. ويقع هذا اللفظ على الفرد والجماعة. فيقال لكل من يرد الماء ~~وارد، كما يقال للماء مورود. وقوله { فأدلى } من الإدلاء بمعنى ~~إرسال الدلو فى البئر لأخذ الماء. والدلو إناء معروف يوضع فيه الماء. وفى ~~الآية الكريمة كلام محذوف دل عليه المقام، والتقدير وبعد أن ألقى إخوة ~~يوسف به فى الجب وتركوه وانصرفوا لشأنهم، جاءت إلى ذلك المكان قافلة من ~~المسافرين، فأرسلوا واردهم ليبحث لهم عن ماء ليستقوا، فوجد جبا، فأدلى ~~دلوه فيه، فتعلق به يوسف، فلما خرج ورآه فرح به وقال يا بشرى هذا غلام. ~~وأوقع النداء على البشرى، للتعبير عن ابتهاجه وسروره، حتى لكأنها شخص ~~عاقل يستحق النداء، أى يا بشارتى أقبلى فهذا أوان إقبالك. وقيل المنادى ~~محذوف والتقدير يا رفاقى فى السفر أبشروا فهذا غلام، وقد خرج من الجب. ~~وقرأ أهل المدينة ومكة يا بشراى هذا غلام. بإضافة البشرى إلى ياء ~~المتكلم. والضمير المنصوب وهو الهاء فى قوله { وأسروه بضاعة } ~~يعود إلى يوسف. أما الضمير المرفوع فيعود إلى السيارة، وأسر من الإسرار ~~الذى هو ضد الإعلان. والبضاعة عرضو التجارة ومتاعها. وهذا اللفظ مأخوذ ~~من البضع بمعنى القطع، وأصله جملة من اللحم تبضع أى تقطع. وهو حال من ~~الضمير المنصوب فى { وأسروه }. والمعنى وأخفى جماعة المسافرين خبر التقاط ~~يوسف من ms2745 الجب مخافة أن يطلبه أحد من السكان المجاورين للجب، واعتبره ~~بضاعة سرية لهم، وعزموا على بيعه على أنه من العبيد الأرقاء. ولعل يوسف - ~~عليه السلام - قد أخبرهم بقصته بعد إخراجه من الجب. ولكنهم لم يلتفتوا ~~إلى ما أخبرهم به طمعا فى بيعه والانتفاع بثمنه. ومن المفسرين من يرى أن ~~الضمير المرفوع فى قوله { وأسروه } يعود على الوارد ورفاقه، فيكون المعنى ~~وأسر الوارد ومن معه أمر يوسف عن بقية أفراد القافلة، مخافة أن يشاركوهم ~~فى ثمنه إذا علموا خبره، وزعموا أن أهل هذا المكان الذى به الجب دفعوه ~~إليهم ليبيعوه لهم فى مصر على أنه بضاعة لهم. ومنهم من يرى أن الضمير ~~السابق يعود إلى إخوة يوسف. قال الشوكانى ما ملخصه وذلك أن يهوذا كان ~~يأتى إلى يوسف كل يوم بالطعام، فأتاه يوم خروجه من الجب فلم يجده، فأخبر ~~إخوته بذلك، فأتوا إلى السيارة وقالوا لهم " إن الغلام الذى معكم عبد لنا ~~قد أبق، فاشتروه منهم بثمن بخس، وسكت يوسف مخافة أن يأخذه إخوته فيقتلوه ~~". # وعلى هذا الرأى يكون معنى { وأسروه بضاعة } أخفى إخوة يوسف ~~كونه أخا لهم، واعتبروه عرضا من عروض التجارة القابلة للبيع والشراء. ~~ويكون المراد بقوله - تعالى - بعد ذلك { وشروه بثمن بخس } ~~الشراء الحقيقى، بمعنى أن السيارة اشتروا يوسف من إخوته بثمن بخس. والحق ~~أن الرأى الأول هو الذى تطمئن إليه النفس، لأنه هو الظاهر من معنى الآية، ~~ولأنه بعيد عن التكلف الذى يرى واضحا فى القولين الثانى والثالث. وقوله { ~~والله عليم بما يعملون } أى لا يخفى عليه شئ من إسرارهم. ~~ومن عملهم السئ فى حق يوسف. حيث إنهم استرقوه وباعوه بثمن بخس، وهو ~~الكريم ابن الكريم ابن الكريم، كما جاء فى الحديث الشريف. وقوله - سبحانه ~~- { وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه ~~من الزاهدين } بيان لما فعله السيارة بيوسف بعد أن أسروه بضاعة. ~~وقوله { شروه } هنا بمعنى باعوه. والبخس النقص، يقال بخس فلان فلانا حقه، ~~إذا نقصه وعابه. وهو هنا بمعنى المبخوس. و { دراهم } جمع درهم، وهى ms2746 بدل ~~من { ثمن }. و { معدودة } صفة لدراهم، وهى كناية عن كونها قليلة، لأن ~~الشئ القليل يسهل عده، بخلاف الشئ الكثير، فإنه فى الغالب يوزن وزنا. ~~والمعنى أن هؤلاء المسافرين بعد أن أخذوا يوسف ليجعلوه عرضا من عروض ~~تجارتهم، باعوه فى الأسواق بثمن قليل تافه، وهو عبارة عن دراهم معدودة، ~~ذكر بعضهم أنها لا تزيد على عشرين درهما. وقوله { وكانوا فيه من ~~الزاهدين } بيان لعدم حرصهم على بقائه معهم، إذ أصل الزهد قلة ~~الرغبة فى الشئ، تقول زهدت فى هذا الشئ، إذا كنت كارها له غير مقبل عليه. ~~أى وكان هؤلاء الذين باعوه من الزاهدين فى بقائه معهم، الراغبين فى ~~التخلص منه بأقل ثمن قبل أن يظهر من يطالبهم به. قال الآلوسى ما ملخصه " ~~وزهدهم فيه سببه أنهم التقطوه من الجب، والملتقط للشئ متهاون به لا يبالى ~~أن يبيعه بأى ثمن خوفا من أن يعرض له مستحق ينزعه منه.. " وقوله - ~~سبحانه - { وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته ~~أكرمي مثواه عسى أن ينفعنآ أو نتخذه ولدا... ~~} بيان لبعض مظاهر رعاية الله - تعالى - ليوسف - عليه السلام -. والذى ~~اشتراه، قالوا إنه كان رئيس الشرطة لملك مصر فى ذلك الوقت ولقبه القرآن ~~بالعزيز كما سيأتى فى قوله - تعالى - # قالت امرأت العزيز الآن حصحص الحق... # و { من مصر } صفة لقوله { الذي اشتراه }. وامرأته المراد ~~بها زوجته، واسمها كما قيل زليخا أو راعيل. ومثواه من المثوى وهو مكان ~~الإقامة والاستقرار. يقال ثوى فلان بمكان كذا، إذا أطال الإقامة به. ~~ومنه قوله - تعالى - # وما كنت ثاويا في أهل مدين... # أى مقيما معهم. أى وقال الرجل المصرى الذى اشترى يوسف لامرأته اجعلى محل ~~إقامته كريما، وأنزليه منزلا حسنا مرضيا. وهذا كناية عن وصيته لها ~~بإكرامه على أبلغ وجه، لأن من أكرم المحل بتنظيفه وتهيئته تهيئة حسنة فقد ~~أكرم صاحبه. قال صاحب الكشاف قوله { أكرمي مثواه } أى اجعلى ~~منزله ومقامه عندنا كريما أى حسنا مرضيا بدليل قوله بعد ذلك # إنه ربي أحسن مثواي # والمراد تفقديه بالإحسان، وتعهديه بحسن الملكة، حتى ms2747 تكون نفسه طيبة فى ~~صحبتنا، ساكنة فى كنفنا. ويقال للرجل كيف أبو مثواك وأم مثواك؟ لمن ينزل ~~به من رجل أو امرأة، يراد هلى تطيب نفسك بثوائك عنده وهل يراعى حق نزولك ~~به؟ واللام فى { لامرأته } متعلق بقال... ". وقوله { عسى أن ~~ينفعنا أو نتخذه ولدا... } بيان لسبب أمره لها بإكرام ~~مثواه. أى عسى هذا الغلام أن ينفعنا فى قضاء مصالحنا، وفى مختلف شئوننا، ~~أو نتبناه فيكون منا بمنزلة الولد، فإنى أرى فيه علامات الرشد والنجابة، ~~وأمارات الأدب وحسن الخلق. قالوا وهذه الجملة { أو نتخذه ولدا ~~} توحى بأنهما لم يكن عندهما أولاد. والكاف فى قوله - سبحانه - { ~~وكذلك مكنا ليوسف في الأرض } فى محل نصب، على أنه نعت ~~لمصدر محذوف والإشارة إلى ما تقدم من إنجائه من إخوته، وانتشاله من ~~الجب، ومحبة العزيز له.. و " مكنا " من التمكين بمعنى التثبيت، والمراد ~~بالأرض أرض مصر التى نزل فيها. أى ومثل ذلك التمكين البديع الدال على ~~رعايتنا له، مكنا ليوسف فى أرض مصر، حتى صار أهلا للأمر والنهى فيها. ~~وقوله - سبحانه - { ولنعلمه من تأويل الأحاديث } علة ~~لمعلل محذوف، فكأنه قيل وفعلنا ذلك التمكين له، لنعلمه من تأويل ~~الأحاديث، بأن نهبه من صدق اليقين، واستنارة العقل، ما يجعله يدرك معنى ~~الكلام إدراكا سليما، ويفسر الرؤى تفسيرا صحيحا صادقا. وقوله { والله ~~غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~} تذييل قصد به بيان قدرة الله - تعالى - ونفاذ مشيئته. فأمر الله هنا هو ~~ما قدره وأراده. أى والله - تعالى - متمم ما قدره وأراده، لا يمنعه من ~~ذلك مانع، ولا ينازعه منازع، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك حق العلم، ~~فيما يأتون ويذرون من أقوال وأفعال. والتعبير بقوله { ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون } احتراس لإنصاف ومدح القلة من الناس ~~الذين يعطيهم الله - تعالى - من فضله ما يجعلهم لا يندرجون فى الكثرة ~~التى لا تعلم، بل هو - سبحانه - يعطيهم من فضله ما يجعلهم يعلمون مالا ~~يعلمه غيرهم. ثم بين - سبحانه - مظهرا آخر من مظاهر إنعامه على يوسف فقال ~~{ ولما ms2748 بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك ~~نجزي المحسنين }. # والأشد قوة الإنسان، وبلوغه النهاية فى ذلك، مأخوذ من الشدة بمعنى ~~القوة والارتفاع، يقال شد النهار إذا ارتفع. ويرى بعضهم أنه مفرد جاء ~~بصيغة الجمع ويرى آخرون أنه جمع لا واحد له من لفظه وقيل هو جمع شدة ~~كأنعم ونعمة. والمعنى وحين بلغ يوسف - عليه السلام - منتهى شدته وقوته، ~~وهى السن التى كان فيها - على ما قيل - ما بين الثلاثين والأربعين. { ~~آتيناه } أى أعطيناه بفضلنا وإحساننا. { حكما } أى حكمة، وهى الإصابة فى ~~القول والعمل أو هى النبوة. و { علما } أى فقها فى الدين، وفهما سليما ~~لتفسير الرؤى، وإدراكا واسعا لشئون الدين والدنيا. وقوله { وكذلك ~~نجزي المحسنين } أى ومثل هذا الجزاء الحسن والعطاء الكريم، نعطى ~~ونجازى الذين يحسنون أداء ما كلفهم الله - تعالى - به، فكل من أحسن فى ~~أقواله وأعماله أحسن الله - تعالى - جزاءه. ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ~~ذلك، لتحدثنا عن مرحلة من أدق المراحل وأخطرها، فى حياة يوسف - عليه ~~السلام - وهى مرحلة التعرض للفتن والمؤامرات بعد أن بلغ أشده، وآتاه الله ~~- تعالى - حكما وعلما، وقد واجه يوسف - عليه السلام - هذه الفتن بقلب ~~سليم، وخلق قويم، فنجاه الله - تعالى - منها. استمع إلى السورة الكريمة ~~وهى تحكى بأسلوبها البليغ ما فعلته معه امرأة العزيز من ترغيب وترهيب، ~~وإغراء وتهديد... فتقول { وراودته التي هو في بيتها عن ~~نفسه وغلقت... } ### || [12.23-29] # وقوله - سبحانه - { وراودته التي هو في بيتها عن ~~نفسه... } رجوع إلى شرح ما جرى ليوسف فى منزل العزيز بعد أن أمر ~~امرأته بإكرام مثواه، وما كان من حال تلك المرأة مع يوسف، وكيف أنها نظرت ~~إليه بعين، تخالف العين التى نظر بها إليه زوجها. والمراودة - كما يقول ~~صاحب الكشاف - مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب، كأن المعنى خادعته عن ~~نفسه، أى فعلت معه ما يفعله المخادع لصاحبه عن الشئ الذى لا يريد أن ~~يخرجه من يده، يحتال أن يغلبه عليه ويأخذه منه، وهو عبارة عن التحايل ~~لمواقعته إياها. والتعبير عن حالها معه بالمراودة ms2749 المقتضية لتكرار ~~المحاولة، للإشعار بأنها كان منها الطلب المستمر، المصحوب بالإغراء ~~والترفق والتحايل على ما تشتهيه منه بشتى الوسائل والحيل. وكان منه - ~~عليه السلام - الإباء والامتناع عما تريده خوفا من الله - تعالى.. وقال ~~- سبحانه - { التي هو في بيتها } دون ذكر لاسمها، سترا لها، ~~وابتعادا عن التشهير بها، وهذا من الأدب السامى الذى التزمه القرآن فى ~~تعبيراته وأساليبه، حتى يتأسى أتباعه بهذا اللون من الأدب فى التعبير. ~~والمراد ببيتها بيت سكناها، والإخبار عن المراودة بأنها كانت فى بيتها. ~~أدعى لإظهار كمال نزاهته عليه السلام - فإن كونه فى بيتها يغرى ~~بالاستجابة لها، ومع ذلك فقد أعرض عنها، ولم يطاوعها فى مرادها. وعدى فعل ~~المراودة بعن، لتضمنه معنى المخادعة. قال بعض العلماء و " عن " هنا ~~للمجاوزة، أى راودته مباعدة له عن نفسه، أى بأن يجعل نفسه لها، والظاهر ~~أن هذا التركيب من مبتكرات القرآن الكريم، فالنفس هنا كناية عن غرض ~~المواقعة، قاله ابن عطيه، أى فالنفس أريد به عفافه وتمكينها منه لما ~~تريد، فكأنها تراوده عن أن يسلم إليها إرادته وحكمه فى نفسه ". وقوله { ~~وغلقت الأبواب } أى أبواب بيت سكناها الذى تبيت فيه بابا ~~فبابا، قيل كانت الأبواب سبعة. والمراد أنها أغلقت جميع الأبواب الموصلة ~~إلى المكان الذى راودته فيه إغلاقا شديدا محكما، كما يشعر بذلك التضعيف ~~فى " غلقت " زيادة فى حمله على الاستجابة لها. ثم أضافت إلى كل تلك ~~المغريات أنها قالت له هيت لك، أى هأنذا مهيئة لك فأسرع فى الإقبال ~~على... وهذه الدعوة السافرة منها له، تدل على أنه تلك المرأة كانت قد ~~بلغت النهاية فى الكشف عن رغبتها، وأنها قد خرجت من المألوف من بنات ~~جنسها، فقد جرت العادة أن تكون المرأة مطلوبة لا طالبة... و " هيت " اسم ~~فعل أمر بمعنى أقبل وأسرع، فهى كلمة حض وحث على الفعل، واللام فى " لك " ~~لزيادة بيان المقصود بالخطاب، كما فى قولهم سقيا لك وشكرا لك. # وهى متعلقة بمحذوف فكأنما تقول إرادتى كائنة لك. قال الجمل ما ملخصه " ~~ورد فى هذه الكلمة ms2750 قراءات " هيت " كليت، و " هيت " كفيل و " هيت " ~~كحيث، و " هيئت " بكسر الهاء وضم التاء، و " هئت " بكسر الهاء وفتح ~~التاء. ثم قال فالقراءات السبعية خمسة، وهذه كلها لغات فى هذه الكلمة، ~~وهى فى كلها اسم فعل بمعنى هلم أى أقبل وتعال. وقوله - سبحانه - { قال ~~معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا ~~يفلح الظالمون } بيان لما رد به يوسف عليها، بعد أن تجاوزت فى ~~إثارته كل حد. و " معاذ " مصدر أضيف إلى لفظ الجلالة، وهو منصوب بفعل ~~محذوف أى قال يوسف فى الرد عليها أعوذ بالله معاذا مما تطلبينه منى، ~~وأعتصم به اعتصاما مما تحاولينه معى، فإن ما تطلبينه وتلحين فى طلبه ~~يتنافى مع الدين والمروءة والشرف.. ولا يفعله إلا من خبث منبته، وساء ~~طبعه، وأظلم قلبه. وقوله { إنه ربي أحسن مثواي } تعليل ~~لنفوره مما دعته إليه، واستعاذ بالله منه. والضمير فى " إنه " يصح أن ~~يعود إلى الله - تعالى - فيكون لفظ ربى بمعنى خالقى. والتقدير قال يوسف ~~فى الرد عليها معاذ الله أن أفعل الفحشاء والمنكر، بعد أن أكرمنى الله - ~~تعالى - بما أكرمنى به من النجاة من الجب، ومن تهيئة الأسباب التى جعلتنى ~~أعيش معززا مكرما، وإذا كان - سبحانه - قد حبانى كل هذه النعم فيكف أرتكب ~~ما يغضبه؟ وجوز بعضهم عودة الضمير فى " إنه " إلى زوجها، فيكون لفظ ربى ~~بمعنى سيدى ومالكى، والتقدير معاذ الله أن أقابل من اشترانى بماله، وأحسن ~~منزلى، وأمرك بإكرامى - بالخيانة له فى عرضه. وفى هذه الجملة الكريمة ~~تذكير لها بألطف أسلوب بحقوق الله - تعالى - وبحقوق زوجها، وتنبيه لها ~~إلى وجوب الإقلاع عما تريده منه من مواقعتها، لأنه يؤدى إلى غضب الله ~~وغضب زوجها عليها. وجملة { إنه لا يفلح الظالمون } تعليل ~~آخر لصدها عما تريده منه. والفلاح الظفر وإدراك المأمول. أى إن كل من ~~ارتكب ما نهى الله - تعالى - عنه، تكون عاقبته الخيبة والخسران وعدم ~~الفلاح فى الدنيا والآخرة فكيف تريدين منى أن أكون كذلك؟ هذا، والمتأمل ~~فى هذه الآية الكريمة يرى أن القرآن الكريم ms2751 قد قابل دواعى الغواية الثلاث ~~التى جاهرت بها امرأة العزيز والمتمثلة فى المراودة، وتغليق الأبواب، ~~وقولها، هيت لك بدواعى العفاف الثلاث التى رد بها عليها يوسف، والمتمثلة ~~فى قوله - كما حكى القرآن عنه - { معاذ الله إنه ربي ~~أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون }. # وذلك ليثبت أن الاعتصام بالعفاف والشرف والأمانة، كان سلاح - يوسف - ~~عليه السلام - فى تلك المعركة العنيفة بين نداء العقل ونداء الشهوة... ~~ولكن نداء العقل ونداء الشهوة الجامحة لم ينته عند هذا الحد، بل نرى ~~القرآن الكريم يحكى لنا بعد ذلك صداما آخر بينهما فيقول { ولقد ~~همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه... }. ~~وهذه الآية الكريمة من الآيات التى خلط المفسرون فيها بين الأقوال ~~الصحيحة والأقوال السقيمة. وسنبين أولا الرأى الذى نختاره فى تفسيرها، ثم ~~نتبعه بعد ذلك بغيره فنقول ألهم المقاربة من الفعل من غير دخول فيه، ~~تقول هممت على فعل هذا الشئ، إذا أقبلت نفسك عليه دون أن تفعله. وقال بعض ~~العلماء الهم نوعان هم ثابت معه عزم وعقد ورضا، وهو مذموم مؤاخذ به ~~صاحبه، وهم بمعنى خاطر وحديث نفس، من غير تصميم وهو غير مؤاخذ به ~~صاحبه، لأن خطور المناهى فى الصدور، وتصورها فى الأذهان، لا مؤاخذة بها ~~ما لم توجد فى الأعيان. روى الشيخان وأهل السنن عن أبى هريرة، عن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها، ما لم تتكلم به، أو تعمل به ~~". # وقد أجمع العلماء على أن هم امرأة العزيز بيوسف كان هما بمعصية، وكان ~~مقرونا بالعزم والجزم والقصد، بدليل المراودة وتغليق الأبواب، وقولها " ~~هيت لك ". كما أجمعوا على أن يوسف - عليه السلام - لم يأت بفاحشة، وأن ~~همه كان مجرد خاطرة قلب بمقتضى الطبيعة البشرية من غير جزم وعزم... وهذا ~~اللون من الهم لا يدخل تحت التكليف، ولا يخل بمقام النبوة، كالصائم يرى ~~الماء البارد فى اليوم الشديد الحرراة، فتميل نفسه إليه، ولكن دينه يمنعه ~~من الشرب منه، فلا يؤاخذ بهذا الميل. ms2752 والمراد ببرهان ربه هو ما غرسه الله ~~- تعالى - فى قلبه من العلم المصحوب بالعمل، بأن هذا الفعل الذى دعته ~~إليه امرأة العزيز قبيح، ولا يليق به. أو هو - كما يقول ابن جرير - رؤيته ~~من آيات الله ما زجره عما كان هم به.. والمعنى ولقد همت به، أى ولقد ~~قصدت امرأة العزيز مواقعة يوسف - عليه السلام - قصدا جازما، بعد أن ~~أغرته بشتى الوسائل فلم يستجب لها... { وهم بها لولا أن رأى ~~برهان ربه } أى ومال إلى مطاوعتها بمقتضى طبيعته البشرية وبمقتضى ~~توفر كل الدواعى لهذا الميل... ولكن مشاهدته للأدلة على شناعة المعصية، ~~وخوفه لمقام ربه، وعون الله - تعالى - له على مقاومة شهوته... كل ذلك حال ~~بينه وبين تنفيذ هذا الميل، وصرفه عنه صرفا كليا، وجعله يفر هاربا طالبا ~~النجاة مما تريده منه تلك المرأة. # هذا هو الرأى الذى نختاره فى تفسير هذه الآية الكريمة، وقد استخلصناه من ~~أقوال المفسرين القدامى والمحدثين. فمن المفسرين القدامى الذين ذكروا هذا ~~الرأى صاحب الكشاف، فقد قال ما ملخصه. وقوله - تعالى - { ولقد ~~همت به } معناه ولقد همت بمخالطته " وهم بها " أى وهم بمخالطتها { ~~لولا أن رأى برهان ربه } جوابه محذوف تقديره لولا أن رأى ~~برهان ربه لخالطها، فحذف لأن قوله وهم بها يدل عليه، كقولك هممت بقتله ~~لولا أنى خفت الله. معناه لولا أنى خفت الله لقتلته. فإن قلت كيف جاز على ~~نبى الله أن يكون منه هم بالمعصية؟ قلت المراد أن نفسه مالت إلى ~~المخالطة، ونازعت إليها عن شهوة الشباب، ميلا يشبه الهم به، وكما تقتضيه ~~تلك الحال التى تكاد تذهب بالعقول والعزائم، وهو يكسر ما به، ويرده ~~بالنظر فى برهان الله المأخوذ على المكلفين بوجوب اجتناب المحارم، ولو لم ~~يكن ذلك الميل الشديد المسمى هما لشدته، لما كان صاحبه ممدوحا عند الله ~~بالامتناع، لأن استعظام الصبر على الابتلاء، على حسب عظم الابتلاء وشدته، ~~ولو كان همه كهمها عن عزيمة لما مدحه بأنه من عباده المخلصين " ومن ~~المفسرين المحدثين الذين ذكروا هذا الرأى الإمام الآلوسى، ms2753 فقد قال ما ~~ملخصه قوله { ولقد همت به } أى بمخالطته.. والمعنى أنها قصدت ~~المخالطة وعزمت عليها عزما جازما، لا يلويها عنها صارف بعدما باشرت ~~مباديها... والتأكيد - باللام وقد - لدفع ما يتوهم من احتمال إقلاعها عما ~~كانت عليه. { وهم بها } أى مال إلى مخالطتها بمقتضى الطبيعة ~~البشرية... ومثل ذلك لا يكاد يدخل تحت التكليف، وليس المراد أنه قصدها ~~قصدا اختياريا، لأن ذلك أمر مذموم تنادى الآيات بعدم اتصافه به، وإنما ~~عبر عنه بالهم لمجرد وقوعه فى صحبة همها فى الذكر على سبيل المشاكلة لا ~~لشبهه به... { لولا أن رأى برهان ربه } أى محبته الباهرة ~~الدالة على كمال قبح الزنا، وسوء سبيله. والمراد برؤيته له كمال إيقانه ~~به، ومشاهدته له مشاهدة وصلت إلى مرتبة عين اليقين... ". ومن المفسرين من ~~يرى أن المراد بهما به الهم بضربه نتيجة عصيانه لأمرها. وأن المراد بهمه ~~بها الدفاع عن نفسه برد الاعتداء، ولكنه آثر الهرب. وقد قرر هذا الرأى ~~ودافع عنه وأنكر سواه صاحب المنار، فقد قال ما ملخصه { ولقد همت ~~به } أى وتالله لقد همت المرأة بالبطش به لعصيانه لأمرها، وهى فى نظرها ~~سيدته وهو عبدها، وقد أذلت نفسها له بدعوته الصريحة إلى نفسها، بعد ~~الاحتيال عليه بمراودته عن نفسه... فخرجت بذلك عن طبع أنوثتها فى ~~التمنع.. مما جعلها تحاول البطش به بعد أن أذل كرامتها، وهو انتقام معهود ~~من مثلها، وممن دونها فى كل زمان ومكان. # . وكاد يرد صيالها ويدفعه بمثله، وهو قوله - تعالى - { وهم بها ~~لولا أن رأى برهان ربه } ولكنه رأى من برهان ربه فى سريرة ~~نفسه، ما هو مصداق قوله - تعالى - # والله غالب على أمره # وهو إما النبوة... وإما معجزتها.. وإما مقدمتها من مقام الصديقية ~~العليا، وهى مراقبته لله - تعالى - ورؤيته ربه متجليا له، ناظرا إليه ". ~~وما ذهب إليه صاحب المنار من تفسير الهم منها بالبطش بيوسف، وتفسير الهم ~~منه برد الاعتداء الذى وقع عليه منها... أقول ما ذهب إليه صاحب المنار من ~~تفسير الهم بذلك، لا أرى دليلا عليه من ms2754 الآية، لا عن طريق الإشارة، ولا ~~عن طريق العبارة... ولعل صاحب المنار - رحمه الله - أراد بهذا التفسير أن ~~يبعد يوسف - عليه السلام - عن أن يكون قد هم بها هم ميل بمقتضى الطبيعة ~~البشرية، ونحن لا نرى مقتضيا لهذا الإبعاد، لأن خطور المناهى فى ~~الأذهان، لا مؤاخذة عليها، ما دامت لم يصاحبها عزم أو قصد - كما سبق أن ~~أشرنا إلى ذلك من قبل. هذا وهناك أقوال أخرى لبعض المفسرين فى معنى الآية ~~الكريمة، رأينا أن نضرب عنها صفحا لأنه لا دليل عليها لا من العقل ولا من ~~النقل ولا من اللغة... وإنما هى من الأوهام الإسرائيلية التى تتنافى كل ~~التنافى مع أخلاق عباد الله المخلصين، الذين على رأسهم يوسف - عليه ~~السلام. قوله - سبحانه - { كذلك لنصرف عنه السوء ~~والفحشآء إنه من عبادنا المخلصين } بيان لمظهر من ~~مظاهر رحمة الله - تعالى - به، ورعايته له. والكاف نعت لمصدر محذوف ~~والإشارة بذلك إلى الإراءة المدلول عليها بقوله { لولا أن رأى ~~برهان ربه } أو إلى التثبيت المفهوم من ذلك. والصرف نقل الشئ من ~~مكان إلى مكان والمراد به هنا الحفظ من الوقوع فيما نهى الله عنه، أى ~~أريناه مثل هذه الإراءة أو ثبتناه تثبيتا مثل هذا التثبيت لنعصمه ونحفظه ~~ونصونه عن الوقوع فى السوء - أى فى المنكر والفجور والمكروه - والفحشاء - ~~أى كل ما فحش وقبح من الأفعال كالزنا ونحوه. { إنه من عبادنا ~~المخلصين } - بفتح اللام - أى إنه من عبادنا الذين أخلصناهم ~~لطاعتنا وعصمناهم من كل ما يغضبنا. وقرأ ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو " ~~المخلصين " - بكسر اللام - أى إنه من عبادنا الذين أخلصوا دينهم لنا. ~~والجملة الكريمة على القراءتين تعليل لحكمة صرفه - عليه السلام - عن ~~السوء والفحشاء. وقوله - سبحانه - { واستبقا الباب... } متصل ~~بقوله - سبحانه - قبل ذلك { ولقد همت به... } وقوله { كذلك ~~لنصرف عنه السوء والفحشآء... } اعتراض جئ به بين ~~المتعاطفين تقريرا لنزاهته. # وقوله { واستبقا.. } من الاستباق وهو افتعال من السبق بمعنى أن كل ~~واحد منهما يحاول أن يكون هو السابق إلى الباب. ووجه تسابقهما أن يوسف ms2755 - ~~عليه السلام - أسرع بالفرار من أمامها إلى الباب هروبا من الفاحشة التى ~~طلبتها منه. وهى أسرعت خلفه لتمنعه من الوصول إلى الباب ومن الخروج منه. ~~وأفرد - سبحانه - الباب هنا، وجمعه فيما تقدم، لأن المراد به هنا الباب ~~الخارجى، الذى يخلص منه يوسف إلى خارج الدار، وهو منصوب هنا على نزع ~~الخافض أى واستبقا إلى الباب. وجملة { وقدت قميصه من دبر } ~~حالية، والقد القطع والشق، وأكثر استعماله فى الشق والقطع الذى يكون ~~طولا، وهو المراد هنا، لأن الغالب أنها جذبته من الخلف وهو يجرى أمامها ~~فانخرق القميص إلى أسفله. وقوله { وألفيا سيدها لدى الباب ~~} أى وصادفا ووجدا زوجها عند الباب الذى تسابقا للوصول إليه. قالوا ~~والتعبير عن الزوج بالسيد، كان عادة من عادات القوم فى ذلك الوقت، فعبر ~~عنه القرآن بذلك حكاية لدقائق ما كان متبعا فى التاريخ القديم. وقال - ~~سبحانه - { وألفيا سيدها } لأن ملك العزيز ليوسف - عليه السلام ~~- لم يكن ملكا صحيحا، فيوسف ليس رقيقا يباع ويشترى، وإنما هو الكريم ابن ~~الكريم ابن الكريم، وبيع السيارة له، إنما كان على سبيل التخلص منه بعد ~~أن التقطوه من الجب. وقوله - سبحانه - { قالت ما جزآء من ~~أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم } ~~حكاية لما قالته لزوجها عندما فوجئت به عند الباب وهى تسرع وراء يوسف. أى ~~قالت تلك المرأة لزوجها عندما فوجئت به لدى الباب ليس من جزاء لمن أراد ~~بأهلك - تعنى نفسها - سوءا، أى ما يسوءك ويؤلمك، إلا أن يسجن، عقوبة له، ~~أو أن يعذب عذابا أليما عن طريق الضرب أو الجلد، لتجاوزه الحدود، ~~واعتدائه على أهلك. وهذه الجملة الكريمة التى حكاها القرآن الكريم عنها، ~~تدل على أن تلك المرأة كانت فى نهاية المكر والدهاء والتحكم فى إرادة ~~زوجها... ورحم الله الآلوسى فقد علق على قولها هذا الذى حكاه القرآن عنها ~~بقوله ما ملخصه " ولقد آتت - تلك المرأة - فى هذه الحالة التى يدهش فيها ~~الفطن اللوذعى - حيث شاهدها زوجها على تلك الحالة المريبة - بحيلة جمعت ~~فيها غرضيها، وهما ms2756 تبرئة ساحتها مما يلوح من ظاهر حالها، واستنزال يوسف ~~عن رأيه فى استعصائه عليها، وعدم طاعته لها، بإلقاء الرعب فى قلبه... ولم ~~تصرح بالاسم، بل أتت بلفظ عام { من أراد بأهلك سوءا... } ~~تهويلا للأمر، ومبالغة فى التخويف، كأن ذلك قانون مطرد فى حق كل من أراد ~~بأهله سوءا. وذكرت نفسها بعنوان أهلية العزيز، إعظاما للخطب... ثم إن ~~حبها الشديد ليوسف - عليه السلام - حملها على أن تبدأ بذكر السجن، وتؤخر ~~ذكر العذاب لأن المحب لا يسعى فى إيلام المحبوب، لا سيما أن قولها " إلا ~~أن يسجن. # .. " قد يكون المراد منه السجن لمدة يوم أو يومين... ". والحق أن هذه ~~الجملة التى حكاها القرآن عنها، تدل على اكتمال قدرتها على المكر والدهاء ~~- كما سبق أن أشرنا - ومن مظاهر ذلك، محاولتها إيهام زوجها بأن يوسف قد ~~اعتدى عليها بما يسوؤها ويسوؤه، ولكن بدون تصريح بهذا العدوان - شأن ~~العاشق مع معشوقه - حتى لا يسعى زوجها فى التخلص منه ببيعه - مثلا -. وفى ~~الوقت نفسه إفهام يوسف عن طريق مباشر، بأن أمره بيدها لا بيد زوجها، ~~وأنها هى الآمرة الناهية، فعليه أن يخضع لما تريده منه، وإلا فالسجن أو ~~العذاب الأليم هو مصيره المحتوم. وهنا نجد يوسف - عليه السلام - لا يجد ~~مفرا من الرد على هذا الاتهام الباطل، فيقول - كما حكى القرآن عنه - { ~~قال هي راودتني عن نفسي... }. أى قال يوسف مدافعا عن نفسه ~~إنى ما أردت بها سوءا كما تزعم وإنما هى التى بالغت فى ترغيبى وإغرائى ~~بارتكاب ما لا يليق معها.. ثم قال - تعالى - { وشهد شاهد من ~~أهلهآ إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من ~~الكاذبين. وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت ~~وهو من الصادقين }. وهذا الشاهد ذهب بعضهم إلى أنه كان ابن خال ~~لها، وقيل ابن عم لها.. قال صاحب المنار " ولكن الرواية عن ابن عباس ~~وسعيد بن جبير والضحاك، أنه كان صبيا فى المهد، ويؤيدها ما رواه أحمد ~~وابن جرير والبيهقى فى الدلائل عن ابن عباس عن النبى - صلى الله ms2757 عليه ~~وسلم - قال # " تكلم فى المهد أربعة وهم صغار ابن ماشطة ابنة فرعون. وشاهد يوسف وصاحب ~~جريج وعيسى بن مريم ". # وروى ابن جرير عن أبى هريرة قال " عيسى ابن مريم وصاحب يوسف وصاحب جريج ~~تكلموا فى المهد " وهذا موقوف، والمرفوع ضعيف، وقد اختاره ابن جرير، ~~وحكاه ابن كثير بدون تأييد ولا تضعيف.. " وعلى أية حال فالذى يهمنا أن ~~الله - تعالى - قد سخر فى تلك اللحظة الحرجة، من يدلى بشهادته لتثبت ~~براءة يوسف أمام العزيز. وألقى الله - تعالى - هذه الشهادة على لسان من ~~هو من أهلها، لتكون أوجب للحجة عليها، وأوثق لبراءة يوسف، وأنفى للتهمة ~~عنه. وقد قال هذا الشاهد فى شهادته - كما حكى القرآن عنه - { إن كان ~~قميصه قد من قبل } أى من أمام { فصدقت } فى أنه أراد بها ~~سوءا، لأن ذلك يدل على أنها دافعته من الأمام وهو يريد الاعتداء عليها. # { وهو من الكاذبين } فى قوله { هي راودتني عن نفسي ~~}. { وإن كان قميصه قد من دبر } أى من خلف { فكذبت ~~} فى دعواها على أنه أراد بها سوءا، لأن ذلك يدل على أنه حاول الهرب ~~منها، فتعقبته حتى الباب، وأمسكت به من الخلف { وهو من الصادقين ~~} فى دعواه أنها راودته عن نفسه. وسمى القرآن الكريم ذلك الحكم بينهما ~~شهادة، لأن قوله هذا يساعد على الوصول إلى الحق فى قضية التبس فيها الأمر ~~على العزيز. وقدم الشاهد فى شهادته الغرض الأول وهو - إن كان قميصه قد من ~~قبل - لأنه إن صح يقتضى صدقها، وقد يكون هو حريصا على ذلك بمقتضى قرابته ~~لها، إلا أن الله - تعالى - أظهر ما هو الحق، تكريما ليوسف - عليه السلام ~~- أو يكون قد قدم ذلك باعتبارها سيدة، ويوسف فتى، فمن باب اللياقة أن ~~يذكر الفرض الأول رحمة بها. وزيادة جملة { وهو من الكاذبين } ~~بعد " فصدقت " وزيادة جملة { وهو من الصادقين } بعد " فكذبت " ~~تأكيد لزيادة تقرير الحق كما هو الشأن فى إصدار الأحكام. وقوله - سبحانه ~~- { فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من ~~كيدكن إن كيدكن عظيم... ms2758 } بيان لما قاله زوجها بعد أن ~~انكشفت له الحقيقة انكشافا تاما. أى فلما رأى العزيز قميص يوسف قد قطع من ~~الخلف. وجه كلامه إلى زوجته معاتبا إياها بقوله إن محاولتك اتهام يوسف ~~بما هو برئ منه، هو نوع من " كيدكن " ومكركن وحيلكن { إن كيدكن ~~عظيم } فى بابه، لأن كثيرا من الرجال لا يفطنون إلى مراميه. وهكذا ~~واجه ذلك الرجل خيانة زوجه له بهذا الأسلوب الناعم الهادئ، بأن نسب كيدها ~~ومكرها لا إليها وحدها بل الجنس كله { إنه من كيدكن }. ثم وجه ~~كلامه إلى يوسف فقال له { يوسف أعرض عن هذا } أى يا يوسف ~~أعرض عن هذا الأمر الذى دار بينك وبينها فاكتمه. ولا تتحدث به خوفا من ~~الفضيحة، وحفاظا على كرامتى وكرامتها. وقوله { واستغفري لذنبك ~~إنك كنت من الخاطئين } خطاب منه لزوجته التى ثبتت عليها ~~الجريمة ثبوتا تاما. أى واستغفرى الله من ذنبك الذى وقع منك، بإساءتك فعل ~~السوء مع يوسف، ثم اتهامك له بما هو برئ منه. وجملة { إنك كنت من ~~الخاطئين } تعليل لطلب الاستغفار. أى توبى إلى الله مما حدث منك، ~~لأن ما حدث منك مع يوسف جعلك من جملة القوم المتعمدين لارتكاب الذنوب، ~~وجعلها من جملة الخاطئين للتخفيف عليها فى المؤاخذة. وهكذا نجد هذا الرجل ~~- صاحب المنصب الكبير - يعالج الجريمة التى تثور لها الدماء فى العروق، ~~وتستلزم حسما وجزما فى الأحكام، بهذا الأسلوب الهادئ البارد، شأن ~~المترفين فى كل زمان ومكان، الذين يهمهم ظواهر الأمور دون حقائقها ~~وأشكالها دون جواهرها، فهو يلوم امرأته لوما خفيفا يشبه المدح، ثم يطلب ~~من يوسف كتمان الأمر، ثم يطلب منها التوبة من ذنوبها المتعمدة. # . ثم تستمر الأمور بعد ذلك على ما هى عليه من بقاء يوسف معها فى بيتها، ~~بعد أن كان منها معه ما يستلزم عدم اجتماعهما. هذا ومن العبر والعظات ~~والأحكام التى نأخذها من هذه الآيات الكريمة 1 - أن اختلاط الرجال ~~بالنساء. كثيرا ما يؤدى إلى الوقوع فى الفاحشة وذلك لأن ميل الرجل إلى ~~المرأة وميل المرأة إلى الرجل ms2759 أمر طبيعى، وما بالذات لا يتغير. ووجود ~~يوسف - عليه السلام - مع امرأة العزيز تحت سقف واحد فى سن كانت هى فيه ~~مكتملة الأنوثة، وكان هو فيها فتى شابا جميلا.. أدى إلى فتنتها به، وإلى ~~أن تقول له فى نهاية الأمر بعد إغراءات شتى له منها { هيت لك }. ولا ~~شك أن من الأسباب الأساسية التى جعلتها تقول هذا القول العجيب وجودهما ~~لفترة طويلة تحت سقف واحد. لذا حرم الإسلام تحريما قاطعا الخلوة ~~بالأجنبية، سدا لباب الوقوع فى الفتن، ومنعا من تهيئة الوسائل للوقوع فى ~~الفاحشة. ومن الأحاديث التى وردت فى ذلك ما رواه الشيخان عن عقبة بن ~~عامر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال # " إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار، أفرأيت الحمو يا رسول ~~الله؟ قال الحمو الموت " # والحمو هو قريب الزوج كأخيه وابن عمه. وسئلت امرأة انحرفت عن طريق ~~العفاف، لماذا كان منك ذلك فقالت قرب الوساد، وطول السواد. أى حملنى على ~~ذلك قربى ممن أحبه وكثرة محادثتى له! 2 - أن هم الإنسان بالفعل، ثم ~~رجوعه عنه قبل الدخول فى مرحلة التصميم والتنفيذ، لا مؤاخذة فيه. قال ~~القرطبى ما ملخصه " الهم الذى هم به يوسف، من نوع ما يخطر فى النفس، ولا ~~يثبت فى الصدر، وهو الذى رفع الله فيه المؤاخذة عن الخلق، إذ لا قدرة ~~للمكلف على دفعه ". وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " قالت الملائكة يا ربنا ذلك عبدك يريد أن يعمل السيئة - وهو أبصر به - ~~فقال ارقبوه فإن عملها فاكتبوها له بمثلها وإن تركها فاكتبوها له حسنة ~~إنما تركها من أجلى ". # وفى الصحيح # " إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به ". # 3 - أن من الواجب على المؤمن إذا ما دعى إلى معصية أن يستعيذ بالله من ~~ذلك، وأن يذكر الداعى له بضررها، وبسوء عاقبة المرتكب لها. # . كما قال يوسف - عليه السلام - { معاذ الله إنه ربي ~~أحسن ms2760 مثواي إنه لا يفلح الظالمون }. 4 - أن يوسف - ~~عليه السلام - قد خرج من هذه المحنة مشهودا له بالبراءة ونقاء العرض، من ~~الله - تعالى - ومن خلقه الذين سخرهم لهذه الشهادة. قال الإمام الرازى ~~ما ملخصه واعلم أن الذين لهم تعلق بهذه الواقعة، يوسف - عليه السلام - ~~وتلك المرأة وزوجها، ورب العالمين.. والكل شهد ببراءة يوسف عن المعصية، ~~أما يوسف - عليه السلام - فقد قال { قال هي راودتني عن ~~نفسي } وقال { قال رب السجن أحب إلي مما ~~يدعونني إليه }.. وأما امرأة العزيز فقد قالت # أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين # وأما زوجها فقد قال { إنه من كيدكن إن كيدكن ~~عظيم.. } أما شهادة رب العالمين ببراءته ففى قوله - تعالى - { ~~كذلك لنصرف عنه السوء والفحشآء إنه من ~~عبادنا المخلصين }. فقد شهد الله - تعالى - على طهارته فى هذه ~~الآية أربع مرات، أولها " لنصرف عنه السوء " وثانيها " الفحشاء " وثالثها ~~" إنه من عبادنا " ورابعها " المخلصين ". 5 - أن موقف العزيز من امرأته ~~كان موقفا ضعيفا متراخيا.. وهذا الموقف هو الذى جعل تلك المرأة المتحكمة ~~فى زمام زوجها، تقول بعد ذلك بكل تبجح وتكشف واستهتار # ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم ~~يفعل مآ آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين # 6 - أن القرآن الكريم صور تلك المحنة فى حياة يوسف وامرأة العزيز، ~~تصويرا واقعيا صادقا، ولكن بأسلوب حكيم، بعيد عما يخدش الحياء أو يجرح ~~الشعور. قال بعض العلماء " والذى خطر لى أن قوله - تعالى - { ولقد ~~همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه } هو ~~نهاية موقف طويل من الإغراء، بعدما أبى يوسف فى أول الأمر واستعصم، وهو ~~تصوير واقعى صادق لحالة النفس البشرية الصالحة فى المقاومة والضعف، ثم ~~الاعتصام بالله فى النهاية والنجاة، ولكن السياق القرآنى لم يفصل فى تلك ~~المشاعر البشرية المتداخلة المتعارضة المتغالبة، لأنه المنهج القرآنى لا ~~يريد أن يجعل من هذه اللحظة معرضا يستغرق أكثر من مساحته المناسبة فى ~~محيط القصة وفى محيط الحياة البشرية المكتملة كذلك فذكر طرفى الموقف بين ~~الاعتصام فى أوله والاعتصام فى نهايته، ms2761 مع الإلمام بلحظة الضعف بينهما، ~~ليكتمل الصدق والواقعية والجو النظيف جميعا.. " ثم حكت السورة الكريمة ~~بعد ذلك ما قالته بعض النساء، بعد ان شاع خبر امرأة العزيز مع فتاها، وما ~~فعلته معهن من أفعال تدل على شدة مكرها ودهائها، وما قاله يوسف - عليه ~~السلام - بعد أن سمع ما سمع من تهديدهن وإغرائهن.. قال - تعالى - { ~~وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز... }. ### || [12.30-34] # قوله - سبحانه - { وقال نسوة في المدينة امرأة ~~العزيز تراود فتاها عن نفسه.. } حكاية لما تناقلته ~~الألسنة عن امرأة العزيز، فقد جرت العادة بين النساء، أن يتحدثن عن أمثال ~~هذه الأمور فى مجالسهن، ولا يكتمنها خصوصا إذا كانت صاحبة الحادثة من ~~نساء الطبقة المرموقة.. كامرأة العزيز. والنسوة اسم جمع لا واحد له من ~~لفظه، ومفرده حيث المعنى امرأة. والمراد بالمدينة مدينة مصر التى كان ~~يعيش فيها العزيز وزوجته والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لنسوة. أى ~~وقال نسوة من نساء مدينة مصر - على سبيل النقد والتشهير والتعجب - إن ~~امرأة العزيز، صاحبة المكانة العالية، والمنزلة الرفيعة، بلغ بها الحال ~~فى انقيادها لهواها، وفى خروجها عن طريق العفة.. أنها تراود فتاها عن ~~نفسه، أى تطلب منه مواقعتها، وتتخذ لبلوغ غرضها شتى الوسائل والحيل. ولم ~~يبين لنا القرآن الكريم عدد هؤلاء النسوة ولا صفاتهم، لأنه لا يتعلق بذلك ~~غرض نافع، ولأن الذى يهدف إليه القرآن الكريم هو بيان أن ما حدث بين يوسف ~~وامرأة العزيز، قد شاع أمره بين عدد من النساء فى مدينة كبيرة كمصر وفى ~~وصفها بأنها " امرأة العزيز " زيادة فى التشهير بها. فقد جرت ~~العادة بين الناس، بأن ما يتعلق بأصحاب المناصب الرفيعة من أحداث، يكون ~~أكثر انتشارا بينهم، وأشد فى النقد والتجريح. والتعبير بالمضارع فى قوله ~~- سبحانه - { تراود } يشعر بأنها كانت مستمرة على ذلك، دون أن يمنعها ~~منه افتضاح أمرها، وقول زوجها لها { واستغفري لذنبك إنك ~~كنت من الخاطئين } والمراد بفتاها يوسف - عليه السلام - ~~ووصفته بذلك لأنه كان فى خدمتها، والمبالغة فى رميها بسوء السلوك، حيث ~~بلغ بها الحال فى ms2762 احتقار نفسها، أن تكون مراودة لشخص هو خادم لها.. وجملة ~~{ قد شغفها حبا } بيان لحالها معه، وهى فى محل نصب حال من فاعل ~~تراود أو من مفعوله والمقصود بها تكرير لومها، وتأكيد انقيادها لشهواتها. ~~وشغف مأخوذ من الشغاف - بكسر الشين - وهو غلاف القلب، أو سويداؤه أو ~~حجابه، يقال شغف الهوى قلب فلان شغفا، أى بلغ شغافه. والمراد أن حبها ~~إياه قد شق شغاف قلبها. وتمكن منه تمكنا لا مزيد عليه و " حبا " تمييز ~~محول عن الفاعل، والأصل شغفها حبها إياه. وجملة { إنا لنراها في ~~ضلال مبين } مقررة لمضمون ما قبلها من لوم امرأة العزيز، وتحقير ~~سلوكها، والمراد بالضلال مخالفة طريق الصواب. أى إنا لنرى هذه المرأة ~~بعين بصيرتنا، وصادق علمنا. فى خطأ عظيم واضح بحيث لا يخفى على أحد من ~~العقلاء، لأنها - وهى المرأة المرموقة وزوجة الرجل الكبير - تراود خادمها ~~عن نفسه. # والتعبير " بإنا لنراها.. " للإشعار بأن حكمهن عليها بالضلال ليس عن ~~جهل، وإنما هو عن علم وروية، مع التلويح بأنهن يتنزهن عن مثل هذا الضلال ~~المبين الصادر عنها. قال صاحب المنار " وهن ما قلن هذا إنكارا للمنكر، ~~وكرها للرذيلة، ولا حبا فى المعروف، ونصرا للفضيلة. وإنما قلنه مكرا ~~وحيلة، ليصل إليها قولهن فيحملها على دعوتهن، وإراءتهن بأعين أبصارهن، ما ~~يبطل ما يدعين رؤيته بأعين بصائرهن، فيعذرنها فيما عذلنها عليه فهو مكر ~~لا رأى ". وهنا تحكى السورة الكريمة كيف قابلت تلك المرأة الداهية ~~الجريئة، مكر بنات جنسها وطبقتها بمكر أشد من مكرهن بها فقال - تعالى - { ~~فلما سمعت بمكرهن } أى باغتيابهن لها. وسوء مقالتهن فيها، ~~وسمى ذلك مكرا لشبهه به فى الإخفاء والخداع. أو قصدن بما قلنه - كما سبق ~~أن أشرنا - إثارتها، لكى تطلعهن على فتاها الذى راودته عن نفسه، ليعرفن ~~السر فى هذه المراودة، وعلى هذا يكون المكر على حقيقته. ومثل هذا المكر ~~ليس غريبا على النساء فى مثل هذه الأحوال. وقوله { أرسلت ~~إليهن.. } الخ بيان لما فعلته معهن. أى أرسلت إلى النسوة اللائى ~~وصفنها بأنها فى ضلال مبين، ودعتهن ms2763 إلى الحضور إليها فى دارها لتناول ~~الطعام. { وأعتدت لهن متكئا } أى وهيأت لهن فى مجلس ~~طعامها، ما يتكئن عليه من الوسائد والنمارق وما يشبه ذلك. فالمتكأ اسم ~~مفعول من الإتكاء، وهو الميل إلى أحد الجانبين فى الجلوس كما جرت بذلك ~~عادة المترفين عند تناول الطعام، وعندما يريدون إطالة المكث مع انتصاب ~~قليل فى النصف الأعلى من الجسم والاستراحة بعد الأكل. أخرج ابن شيبة عن ~~جابر عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى أن يأكل الرجل بشماله، وأن ~~يأكل متكئا. { وآتت كل واحدة منهن سكينا } أى وأعطت ~~كل واحدة من هؤلاء النسوة سكينا ليقطعن به ما يأكلن من لحم وفاكهة. ويؤخذ ~~من هذه الآية الكريمة أن الحضارة المادية فى مصر فى ذلك الوقت كانت قد ~~بلغت شأوا بعيدا، وأن الترف فى القصور كان عظيما، فإن استعمال السكاكين ~~فى الأكل قبل هذه الآلاف من السنين له قيمته فى تصوير الترف والحضارة ~~المادية ". وهنا نجد المرأة الجريئة الماكرة، تقول ليوسف - عليه السلام - ~~كما حكى القرآن عنها { اخرج عليهن } أى ابرز لهن، وادخل عليهن، ~~وهن على تلك الحالة من الأكل والاتكاء وتقطيع ما يحتاج إلى تقطيع ~~الطعام.. وهى ترمى من وراء خروجه عليهن إلى إطلاعهن عليه حتى يعذرنها فى ~~حبها له وقد كان لهذه المفاجأة من يوسف لهن وهن مشغولات بما يقطعنه ~~ويأكلنه، أثرها الشديد فى نفوسهن، وهذا ما حكاه القرآن الكريم فى قوله { ~~فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن ~~حاش لله ما هذا بشرا إن هذآ إلا ملك كريم }. # والجملة الكريمة معطوفة على كلام محذوف دل عليه السياق، والتقدير قالت ~~امرأة العزيز ليوسف اخرج عليهن، فخرج عليهن وهن على تلك الحالة فلما ~~رأينه أكبرنه، أى أعظمنه، ودهشن لهيئته، وجمال طلعته وحسن شمائله. { ~~وقطعن أيديهن } أى جرحن أيديهن وخدشنها بالسكاكين التى فى ~~أيديهن دون أن يشعرن بذلك، لشدة دهشتهن المفاجئة بهيئة يوسف.. { وقلن ~~حاش لله ما هذا بشرا } وحاش فعل ماض، واللام فى " لله " ~~للتعليل، والمراد بهذه الجملة الكريمة التعبير عن عجيب صنع ms2764 الله فى خلقه ~~أى وقلن عندما فوجئن بخروج يوسف عليهن تنزه الله - تعالى - تنزيها كبيرا ~~عن صفات العجز، ونتعجب تعجبا شديدا من قدرته - سبحانه - على خلق هذا ~~الجمال البديع، وما هذا الذى نراه أمامنا بشرا كسائر البشر، لتفوقه فى ~~الحسن عنهم، وإنما هو ملك كريم من الملائكة المقربين تمثل فى هذه الصورة ~~البديعة التى تخلب الألباب. ووصفوه بذلك بناء على ما ركز فى الطباع من ~~تشبيه ما هو مفرط فى الجمال والعفة بالملك وتشبيه ما هو شديد القبح ~~والسوء بالشيطان. وهنا شعرت امرأة العزيز بانتصارها على بنات جنسها، ~~الائى عذلنها فى حبها ليوسف، فقالت لهن على سبيل التفاخر والتشفى، وبدون ~~استحياء أو تلميح { قالت فذلكن الذي لمتنني فيه }. ~~والفاء هنا فصيحة، والخطاب للنسوة اللائى قطعن أيديهن دهشا من جمال يوسف، ~~والإشارة إليه - عليه السلام -. أى قالت لهن على سبيل التشفى والتباهى ~~والاعتذار عما صدر منها معه إن كان الأمر كما قلتن، فذلك هو الملك الكريم ~~الذى لمتننى فى حبى له، وقلتن ما قلتن فى شأنى لافتتانى به، فالآن بعد ~~رؤيتكن له، وتقطيع أيديكن ذهولا لطلعته، قد علمتن أنى معذورة فيما حدث ~~منى معه.. ثم جاهرت أمامهن بأنها أغرته بمواقعتها فلم يستجب فقالت { ~~ولقد راودته عن نفسه فاستعصم.. } أى والله لقد ~~حاولت معه بشتى المغريات أن يطوع نفسه لى، فأبى وامتنع امتناع بليغا، ~~وتحفظ تحفظا شديدا. والتعبير بقوله " فاستعصم " للمبالغة فى عصمته لنفسه ~~من الزلل، فالسين والتاء للمبالغة، وهو من العصمة بمعنى المنع. يقال عصمه ~~الطعام أى منعه من الجوع، وعصم القربة أى شدها بالعصام ليمنع نزول الماء ~~منها. وفى الآية - كما يقول الآلوسى - دليل على أنه - عليه السلام - لم ~~يصدر منه ما سود به القصاص وجوه الطروس - أى الأوراق. ثم قالت أمامهن ~~بعد ذلك فى تبجح واستهتار وتهديد { ولئن لم يفعل مآ آمره ~~ليسجنن وليكونا من الصاغرين } أى والله لقد راودته عن ~~نفسه فاستعصم، والله لئن لم يفعل ما آمر به، - وأنا سيدته الآمرة الناهية ~~لا غيرى - ليسجنن عقوبة له، ms2765 وليكونا من الصاغرين، أى من الأذلاء المهانين ~~المقهورين، من الصغار. # يقال صغر فلان - كفرح - يصغر صغارا، إذا ذل وهان. قالوا وأكدت السجن ~~بالنون الثقيلة وبالقسم لتحققه فى نظرها، وأكدت الصغار بالنون الخفيفة ~~لأنه غير متحقق فيه، ولأنه من توابع السجن ولوازمه. وفى هذا التهديد ما ~~فيه من الدلالة على ثقتها من سلطانها على زوجها، وأنه لا يستطيع أن يعصى ~~لها أمرا، مع أنه عزيز مصر.. ويترامى على مسامع يوسف - عليه السلام - هذا ~~التهديد السافر.. فيلجأ إلى ربه مستجيرا به، ومحتميا بحماه ويقول { قال ~~رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه... } أى ~~قال يوسف - عليه السلام - متضرعا إلى ربه - تعالى - يا رب السجن الذى ~~هددتنى به تلك المرأة ومن معها، أحب إلى، وآثر عندى مما يدعوننى إليه من ~~ارتكاب الفواحش. وقال أحب إلى مما يدعوننى إليه، ولم يقل مما تدعونى إليه ~~امرأة العزيز، لأنهن جميعا كن مشتركات فى دعوته إلى الفاحشة سواء بطريق ~~مباشر أو غير مباشر، بعد أن شاهدن هيئته وحسنه، وبعد أن سمعن ما قالته فى ~~شأنه ربة الدار.. قال الآلوسى " وإسناد الدعوة إليهن، لأنهن خوفنه من ~~مخالفتها، وزين له مطاوعتها. فقد روى أنهن قلن له أطع مولاتك، واقض ~~حاجتها، لتأمن عقوبتها.. وروى أن كل واحدة منهن طلبت الخلوة به لنصيحته، ~~فلما خلت به دعته إلى نفسها.. وقوله { وإلا تصرف عني ~~كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين } واعتراف ~~منه - عليه السلام - بضعفه البشرى الذى لا قدرة له على الصمود أمام ~~الإغراء، إذا لم يكن معه عون الله - تعالى - وعنايته ورعايته. و { أصب } ~~من الصبوة وهى الميل إلى الهوى، يقال صبا فلان يصبو صبوا وصبوة، إذا مال ~~إلى شهوات نفسه واتبع طريق الشر، ومنه ريح الصبا، وهى التى تميل إليها ~~النفوس لطيب نسيمها واعتدال هوائها. والمعنى وإلا تدفع عنى يا إلهى كيد ~~هؤلاء النسوة، ومحاولاتهن إيقاعى فى حبائلهن، أمل إليهن. وأطاوعهن على ما ~~يردنه منى، وأكن بذلك من الجاهلين السفهاء الذين يخضعون لأهوائهم ~~وشهواتهم، فيقعون فى القبائح والمنكرات. وقوله - سبحانه ms2766 - { فاستجاب ~~له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع ~~العليم } بيان لتقبل الله - تعالى - لدعائه بفضله ورحمته. أى فاستجاب ~~الله - تعالى - ليوسف دعاءه وضراعته، فدفع عنه بلطفه وقدرته كيد هؤلاء ~~النسوة ومكرهن، بأن أدخل اليأس فى نفوسهن من الطمع فى استجابته لهن، وبأن ~~زاده ثباتا على ثباته، وقوة على قوته، فلم ينخدع بمكرهن، ولم تلن له قناة ~~أمام ترغيبهن أو ترهيبهن. " إنه " سبحانه " هو السميع " لدعاء الداعين، ~~والمجيب لضراعة المخلصين " العليم " بأحوال القلوب، وبما تنطوى عليه من ~~خير أو شر. # وقال - سبحانه - { فاستجاب } بفاء التعقيب للإشارة إلى أنه - سبحانه - ~~بفضله وكرمه، قد أجاب دعاء عبده يوسف - عليه السلام - بدون تأخير أو ~~إبطاء. قال الإمام ابن كثير وقوله - سبحانه - { فاستجاب له ~~ربه فصرف عنه كيدهن... }. وذلك لأن يوسف - عليه السلام ~~- عصمه الله عصمة عظيمة، وحماه فامتنع منها أشد الامتناع، واختار السجن ~~على ذلك، وهذا فى غاية مقامات الكمال، أنه مع شبابه وجماله وكماله، تدعوه ~~سيدته، وهى امرأة عزيز مصر، وهى مع هذا فى غاية الجمال والمال والرياسة، ~~فيمتنع من ذلك ويختار السجن خوفا من الله، ورجاء فى ثوابه. ولهذا ثبت فى ~~الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال # " سبعة يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل، وشاب نشأ فى ~~عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا فى الله اجتمعا عليه ~~وتفرقا عليه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ~~ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال ~~إنى أخاف الله ". # ثم ساقت لنا السورة الكريمة بعد ذلك قصة دخول يوسف - عليه السلام - ~~السجن، مع ثبوت براءته، مما نسب إليه، وكيف أنه وهو فى السجن لم ينس ~~الدعوة إلى عبادة الله - تعالى - وحده، وترك عبادة ما سواه، وكيف أنه ~~أقام الأدلة على صحة ما يدعو إليه، وفسر لصاحبيه فى السجن رؤياهما تفسيرا ~~صادقا صحيحا.. استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى كل ذلك بأسلوبه البليغ ~~المؤثر فيقول ms2767 { ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ~~ليسجننه... }. ### || [12.35-42] # وقوله - سبحانه - { ثم بدا لهم من بعد ما رأوا ~~الآيات ليسجننه حتى حين } بيان لما فعله العزيز وحاشيته ~~مع يوسف - عليه السلام - بعد أن ثبتت براءته. وبدا هنا من البداء - ~~بالفتح - وهو - كما يقول الإمام الرازى - عبارة عن تغير الرأى عما كان ~~عليه فى السابق. والضمير فى " لهم " يعود إلى العزيز وأهل مشورته. ~~والمراد بالآيات الحجج والبراهين الدالة على براءة يوسف ونزاهته، كانشقاق ~~قميصه من دبر، وقول امرأة العزيز ولقد راودته عن نفسه فاستعصم، وشهادة ~~الشاهد بأن يوسف هو الصادق وهى الكاذبة... والحين الزمن غير المحدد بمدة ~~معينة. والمعنى ثم ظهر للعزيز وحاشيته، من بعد ما رأوا وعاينوا البراهين ~~المتعددة الدالة على صدق يوسف - عليه السلام - وطهارة عرضه.. بدا لهم بعد ~~كل ذلك أن يغيروا رأيهم فى شأنه، وأن يسجنوه فى المكان المعد لذلك، إلى ~~مدة غير معلومة من الزمان. واللام فى قوله " ليسجننه " جواب لقسم محذوف ~~على تقدير القول أى ظهر لهم من بعد ما رأوا الآيات قائلين، والله ليسجننه ~~حتى حين. ولا شك أن الأمر بسجن يوسف - عليه السلام - كان بتأثير من امرأة ~~العزيز، تنفيذا لتهديدها بعد أن صمم يوسف - عليه السلام - على عصيانها ~~فيما تدعوه إليه، فقد سبق أن حكى القرآن عنها قولها # ولئن لم يفعل مآ آمره ليسجنن وليكونا من ~~الصاغرين # ولا شك - أيضا - أن هذا القرار بسجن يوسف يدل على أن المرأة العزيز كانت ~~مالكة لقياد زوجها صاحب المنصب الكبير، فهى تقوده حيث تريد كما يقود ~~الرجل دابته. ولقد عبر عن هذا المعنى صاحب الكشاف فقال ما ملخصه قوله { ~~ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات... } وهى الشواهد ~~على براءته، وما كان ذلك إلا باستنزال المرأة لزوجها، وفتلها منه فى ~~الذروة والغارب، وكان مطواعا لها، وجملا ذلولا زمامه فى يدها، حتى أنساه ~~ذلك ما عاين من الآيات، وعمل برأيها فى سجنه، لإلحاق الصغار به كما ~~أوعدته، وذلك لما أيست من طاعته لها، وطمعت فى ms2768 أن يذلله السجن ويسخره ~~لها. ثم بين - سبحانه - جانبا من أحواله بعد أن دخل السجن فقال { ~~ودخل معه السجن فتيان.. } والفتيان تثنية فتى، وهو من ~~جاوز الحلم ودخل فى سن الشباب. قالوا وهذان الفتيان كان أحدهما خبازا ~~للملك وصاحب طعامه وكان الثانى ساقيا للملك، وصاحب شرابه. وقد أدخلهما ~~الملك السجن غضبا عليهما، لأنهما اتهما بخيانته. والجملة الكريمة عطف على ~~كلام محذوف يفهم من السياق، والتقدير بعد أن بدا للعزيز وحاشيته سجن ~~يوسف. # نفذا ما بدا لهم فسجنوه، ودخل معه فى السجن فتيان من خدم الملك " قال ~~أحدهما " وهو ساقى الملك ليوسف - عليه السلام - { إني أراني ~~أعصر خمرا } أى إنى رأيت فيما يرى النائم. إنى أعصر عنبا ليصير ~~خمرا. سماه بما يؤول إليه. { وقال الآخر إني أراني أحمل ~~فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه } أى وقال الثانى وهو ~~خباز الملك، إنى رأيت فى المنام أنى أحمل فوق رأسى سلالا بها خبز، وهذا ~~الخبز تأكل الطير منه وهو فوق رأسى. والضمير المجرور فى قوله { ~~نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين } يعود إلى ~~المرئى فى المنام أى أخبرنا بتفسير ما رأيناه فى منامنا، إذ نراك ونعتقدك ~~من القوم الذين يحسنون تأويل الرؤى، كما أننا نتوسم فيك الخير والصلاح، ~~لإحسانك إلى غيرك، من السجناء الذين أنت واحد منهم. وقبل أن يبدأ يوسف - ~~عليه السلام - فى تأويل رؤياهما، أخذ يمهد لذلك بأن يعرفهما بنفسه، ~~وبعقيدته، ويدعوهما إلى عبادة الله وحده ويقيم لهما الأدلة على ذلك.. ~~وهذا شأن المصلحين العقلاء المخلصين لعقيدتهم الغيورين على نشرها بين ~~الناس، إنهم يسوقون لغيرهم من الكلام الحكيم ما يجعل هذا الغير يثق بهم، ~~ويقبل عليهم، ويستجيب لهم.. وهذا ما كان من يوسف - عليه السلام - فقد بدأ ~~فى رده عليهما بقوله { قال لا يأتيكما طعام ترزقانه ~~إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما.. }. أى ~~قال يوسف لرفيقيه فى السجن اللذين سألاه أن يفسر لهما رؤياهما " لا ~~يأتيكما " أيها الرفيقان { طعام ترزقانه } فى سجنكما، فى ~~حال من الأحوال، إلا وأخبرتكما بماهيته وكيفيته وسائر ms2769 أحواله قبل أن يصل ~~إليكما. وإنما قال لهما ذلك ليبرهن على صدقه فيما يقول،فيستجيبا لدعوته ~~لهما إلى وحدانية الله بعد ذلك. وقوله { ذلكما مما علمني ~~ربي } نفى لما قد يتبادر إلى ذهنهما من أن علمه مأخوذ عن الكهانة أو ~~التنجيم أو غير ذلك مما لا يقره الدين. أى ذلك التفسير الصحيح للرؤيا، ~~والأخبار عن المغيبات، كأخباركما عن أحوال طعامكما قبل أن يصل إليكما.. ~~ذلك كله إنما هو العلم الذى علمنى إياه ربى وخالقى ومالك أمرى، وليس عن ~~طريق الكهانة أو التنجيم كما يفعل غيرى. وقوله { مما علمني ~~ربي } فيه إشعار بأن ما أخبرهما به من مغيبات هو جزء من علوم كثيرة ~~علمها إياه ربه - عز وجل - فضلا منه - سبحانه - وكرما. ثم أضاف إلى ذلك ~~قوله { إني تركت ملة قوم } أى دين قوم { لا يؤمنون ~~بالله } أى لا يدينون بالعبودية لله - تعالى - وحده الذى خلقهم ~~ورزقهم، وإنما يدينون بالعبودية لآلهة أخرى لا تنفع ولا تضر. { وهم ~~بالآخرة } وما فيها من ثواب وعقاب { هم كافرون } جاحدون لما ~~يجب الإيمان به. # وفى هذه الجملة الكريمة تعريض بما كان عليه العزيز وقومه، من إشراك ~~وكفر، ولم يواجه الفتيان بأنهما على دين قومهما، وإنما ساق كلامه على ~~سبيل العموم، لكى يزيد فى استمالتهما إليه، وإقبالهما عليه.. وهذا شأن ~~الدعاة العقلاء، يلتزمون فى دعوتهم إلى الله الحكمة والموعظة الحسنة، ~~بدون إحراج أو تنفير. ولما كان تركه لملة هؤلاء القوم، يقتضى دخوله فى ~~ملة قوم آخرين، تراه يصرح بالملة التى اتبعها فيقولك { واتبعت ~~ملة آبآئي } الكرام المؤمنين بوحدانية الله وبالآخرة وما فيها من ~~حساب وجزاء. { إبراهيم وإسحاق ويعقوب }. وسماهم آباء ~~جميعا، لأن الأجداد آباء، وقدم الجد الأعلى ثم الجد الأقرب ثم الأب، لكون ~~إبراهيم هو أصل تلك الملة التى اتبعها، ثم تلقاها عنه إسحاق، ثم تلقاها ~~عن إسحاق يعقوب - عليهم السلام -. وفى هذه الجملة الكريمة، بيان منه - ~~عليه السلام - لرفيقيه فى السجن، بأنه من سلسلة كريمة، كلها أنبياء، فحصل ~~له بذلك الشرف الذى ليس بعده شرف، وقوله ms2770 { ما كان لنآ أن نشرك ~~بالله من شيء } تنزه عن الشرك بأبلغ وجه. أى ما صح وما استقام ~~لنا أن نشرك بالله - تعالى - أى شئ من الإشراك، فنحن أهل بيت النبوة ~~الذين عصمهم الله - تعالى - عن ذلك. و " من " فى قوله { من شيء } ~~لتأكيد النفى وتعميمه. أى ما كان لنا أهل هذا البيت الكريم أن نشرك بالله ~~شيئا من الإشراك، قليلا ذلك الشئ أو حقيرا. وقوله { ذلك من فضل ~~الله علينا وعلى الناس... } اعتراف منه - عليه السلام - ~~برعاية الله - تعالى - له ولآبائه. واسم الإشارة. يعود إلى الإيمان ~~بالله - تعالى - المدلول عليه بنفى الشرك. أى ذلك الإخلاص لله - تعالى - ~~فى العبادة، كائن من فضله - سبحانه - علينا معاشر هذا البيت، وعلى غيرنا ~~من الناس، الذين هداهم إلى الإيمان الحق. وقوله { ولكن أكثر ~~الناس لا يشكرون } إنصاف للقلة الشاكرة لله - تعالى -. أى ولكن ~~أكثر الناس لا يشكرون الله - تعالى - على نعمه الجزيلة وآلائه التى لا ~~تحصى. وبعد أن عرف يوسف صاحبيه فى السجن بنفسه وبملته وبآبائه. شرع يقيم ~~لهم الأدلة على صحة عقيدته، وعلى فساد عقيدتهما فقال - كما حكى القرآن ~~عنه { يصاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير أم ~~الله الواحد القهار }. أى يا صاحبى ورفيقى فى السجن أخبرانى ~~بربكما، أعبادة عدد من الأرباب المتفرقة فى ذواتها وصفاتها " خير " لكما ~~" أم " عبادة الله - تعالى - " الواحد " فى ذاته وصفاته " القهار " لكل ~~من غالبه أو نازعه؟ وكرر نداءهما بالصحبة ليتحبب إليهما بهذه الصفة التى ~~فيها إيناس للقلوب، وليسترعى انتباههما إلى ما سيقوله لهما. # قال صاحب المنار ما ملخصه " وقوله { ءأرباب متفرقون ~~خير... } هذا استفهام تقرير بعد تخيير، ومقدمة لأظهر برهان على ~~التوحيد، وكان المصريون المخاطبون به، يعبدون كغيرهم من الأمم أربابا ~~متفرقين فى ذواتهم وفى صفاتهم وفى الأعمال التى يسندونها إليهم بزعمهم، ~~فهو يقول لصاحبيه أأرباب متفرقون، أى عديدون هذا شأنهم فى التفرق ~~والانقسام " خير " لكما ولغيركما { أم الله الواحد ~~القهار.. } ولا شك أن الجواب الذى لا يختلف فيه عاقلان، أن عبادة ~~الله - تعالى - الواحد القهار، هى ms2771 العبادة الصحيحة التى توافق الفطرة ~~السليمة والعقول القويمة. ثم انتقل يوسف - عليه السلام - إلى تفنيد ~~العقائد الباطلة والأوهام الكاذبة فقال { ما تعبدون من دونه } ~~أى من دون الله - تعالى - المستحق للعبادة. { إلا أسمآء } أى ~~ألفاظا فارغة لا قيمة لها. { سميتموهآ } آلهة بزعمكم { أنتم ~~وآبآؤكم } أما هى فليس لها من هذا الاسم المزعوم ظل من الحقيقة، ~~لأنها مخلوقة وليست خالقة، ومرزوقة وليست رازقة، وزائلة وليست باقية، وما ~~كان كذلك لا يستحق أن يكون إلها. ومفعول { سميتموهآ } الثانى ~~محذوف. والتقدير سميتموها آلهة. وقوله { وآبآؤكم } لقطع عذرهم، حتى ~~لا يقولوا إنا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون، فكأنه - تعالى - يقول لهم إن ~~آباءكم كانوا أشد منكم جهلا وضلالا، فلا يصح لكم أن تقتدوا بهم. والمراد ~~بالسلطان فى قوله - تعالى - { مآ أنزل الله بها من سلطان ~~} الحجة والبرهان. أى ما أنزل الله - تعالى - بتسميتها أربابا - كما ~~سميتموها بزعمكم - من برهان أو دليل يشعر بتسميتها بذلك، وإنما أنتم ~~الذين خلعتم عليها هذه الأسماء. وقوله { إن الحكم إلا لله } ~~إبطال لجميع التصرفات المزعومة لآلهتهم.. أى ما الحكم فى شأن العقائد ~~والعبادات والمعاملات وفى صحتها أو عدم صحتها إلا الله - تعالى - وحده، ~~لأنه الخالق لكل شئ، والعليم بكل شئ. وقوله { أمر ألا تعبدوا ~~إلا إياه } انتقال من الأدلة الدالة على وحدانيته - سبحانه - إلى ~~الأمر بإخلاص العبادة له وحده. أى أمر - سبحانه - عباده أن لا يجعلوا ~~عبادتهم إلا له وحده، لأنه هو خالقهم ورازقهم، وهو يحييهم ويمييتهم. ثم ~~ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { ذلك الدين القيم ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون }. أى ذلك الذى أمرناكم ~~به من وجوب إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده، هو الدين القيم. أى الحق ~~المستقيم الثابت، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك حق العلم، لاستيلاء ~~الشهوات والمطامع على نفوسهم. وبعد أن عرف يوسف صاحبيه فى السجن بنفسه، ~~وأقام لهما الأدلة على أن عبادة الله - تعالى - وحده هى الدين الحق ~~ودعاهما إلى الدخول فيه.. بعد كل ذلك شرع فى تفسير رؤياهما ثقة فى قوله، ~~فقال { يصاحبي السجن ms2772 أمآ أحدكما } وهو ساقى الملك، ~~فيخرج من السجن بريئا ويسقى " ربه " أى سيده الملك " خمرا ". # { وأما الآخر } وهو خباز الملك وصاحب طعامه " فيصلب " أى فيقتل ثم ~~يصلب { فتأكل الطير من رأسه } بعد موته. ولم يعين يوسف - ~~عليه السلام - من هو الذى سيسقى ربه خمرا، ومن هو الذى سيصلب، وإنما ~~اكتفى بقوله " أما أحدكما... وأما الآخر " تلطفا معهما، وتحرجا من مواجهة ~~صاحب المصير السئ بمصيره، وإن كان فى تعبيره ما يشير إلى مصير كل منهما ~~بطريق غير مباشر. ثم أكد لهما الأمر واثقا من صدق العلم الذى علمه الله ~~إياه، فقال { قضي الأمر الذي فيه تستفتيان }. ~~والاستفتاء مصدر استفتى إذا طلب الفتوى من غيره فى أمر خفى عليه فهمه أى ~~تم التفسير الصحيح لرؤييكما اللتين سألتمانى عن تأويلهما. ثم ختم يوسف - ~~عليه السلام - حديثه مع صاحبيه فى السجن، بأن أوصى الذى سينجو منهما ~~بوصية حكاها القرآن فى قوله { وقال للذي ظن أنه ناج ~~منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ~~ربه فلبث في السجن بضع سنين }. أى " وقال " يوسف - ~~عليه السلام - للفتى الذى اعتقد أنه سينجو منهما وهو ساقى الملك، أيها ~~الساقى بعد أن تخرج من السجن وتعود إلى عملك عند سيدك الملك، اذكر حقيقة ~~حالى عنده، وأنى سجين مظلوم. ولكن الساقى بعد أن عاد إلى عمله عند الملك، ~~لم ينفذ الوصية، لأن الشيطان أنساه ما قاله له يوسف، فكانت النتيجة أن ~~لبث يوسف - عليه السلام - فى السجن مظلوما بضع سنين. والبضع - بالكسر - ~~من ثلاث إلى تسع، وهو مأخوذ من البضع - بالفتح - بمعنى القطع والشق. يقال ~~بضعت الشئ أى قطعته. وقد اختلفوا فى المدة التى قضاها يوسف فى السجن على ~~أقوال من أشهرها أنه لبث فيه سبع سنين. وعلى هذا التفسير يكون الضمير فى ~~" فأنساه " يعود إلى ساقى الملك، ويكون المراد بربه أى سيده ملك مصر. ~~وهناك من يرى أن الضمير فى قوله " فأنساه " يعود إلى يوسف - عليه السلام ~~- وأن المراد بالرب هنا الخالق - عز وجل -، وعليه يكون المعنى. وقال يوسف ms2773 ~~- عليه السلام - للفتى الذى اعتقد نجاته وهو ساقى الملك اذكر مظلمتى عند ~~سيدك الملك عندما تعود إليه. واذكر له إحسانى لتفسير الرؤى.. وقوله { ~~فأنساه الشيطان ذكر ربه } أى فأنسى الشيطان يوسف أن ~~يذكر حاجته لله وحد، ولا يذركها للساقى ليبلغها إلى الملك. فكانت النتيجة ~~أن لبث يوسف فى السجن بضع سنين بسبب هذا الاعتماد على المخلوق. والذى ~~يبدو لنا أن التفسير الأول أقرب إلى الصواب، لأنه هو الظاهر من معنى ~~الآية الكريمة، ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك { وقال الذي نجا ~~منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله ~~فأرسلون. # .. } يدل دلالة واضحة على أن الضمير فى قوله " فأنساه " يعود إلى ساقى ~~الملك، وأن المراد بربه أى سيده. وقد علق الإمام الرازى على هذه الآية ~~تعليقا يشعر بترجيحه للرأى الثانى فقال ما ملخصه " واعلم أن الاستعانة ~~بالناس فى دفع الظلم جائزة فى الشريعة، إلا أن حسنات الأبرار سيئات ~~المقربين، فهذا وإن كان جائزا لعامة الخلق، إلا أن الأولى بالصديقين أن ~~يقطعوا نظرهم عن الأسباب بالكلية، وألا يشتغلوا إلا بمسبب الأسباب.. ثم ~~قال والذى جربته من أول عمري إلى آخره أن الإنسان كلما عول فى أمر من ~~الأمور على غير الله، صار ذلك سببا إلى البلاء وإلى المحنة.. وإذا عول ~~العبد على الله ولم يرجع إلى أحد من الخلق حصل ذلك المطلوب على أحسن ~~الوجوه، فهذه التجربة قد استمرت لى من أول عمرى إلى هذا الوقت الذى بلغت ~~فيه السابعة والخمسين من عمرى. ثم قال واعلم أن الحق هو قول من قال إن ~~الضمير فى قوله { فأنساه الشيطان ذكر ربه } راجع إلى ~~يوسف.. والمعنى أن الشيطان أنسى يوسف أن يذكر ربه وخالقه.. ". ونحن مع ~~احترامنا لرأى الفخر الرازى، إلا أننا ما زلنا نرى أن عودة الضمير فى ~~قوله " فأنساه " إلى الساقى الذى ظن يوسف أنه هو الناجى من العقوبة، أولى ~~لما سبق أن ذكرناه. قال ابن كثير وقوله { اذكرني عند ربك ~~فأنساه الشيطان ذكر ربه... } أى " قال يوسف اذكر قصتى ~~عند ربك وهو ms2774 الملك، فنسى ذلك الموصى أن يذكر مولاه بذلك، وكان نسيانه من ~~جملة مكايد الشيطان.. هذا هو الصواب أن الضمير فى قوله " فأنساه ".. عائد ~~على الناجى كما قال مجاهد ومحمد بن إسحاق وغير واحد... ". وإلى هنا تكون ~~الآيات الكريمة قد قصت علينا بأسلوبها المشوق الحكيم جانبا من حياة يوسف ~~- عليه السلام - فى السجن فماذا كان بعد ذلك؟ لقد كان بعد ذلك أن أراد ~~الله - تعالى - فتح باب الفرج ليوسف - عليه السلام -، وكان من أسباب ذلك ~~أن رأى الملك فى منامه رؤيا أفزعته، ولم يستطع أحد تأويلها تأويلا صحيحا ~~سوى يوسف - عليه السلام - استمع إلى القرآن وهو يقص ذلك فيقول { وقال ~~الملك إني أرى سبع... }. ### || [12.43-49] # فقوله - سبحانه - { وقال الملك إني أرى سبع بقرات ~~سمان يأكلهن سبع عجاف } شروع فى حكاية الرؤيا التى رآها ~~ملك مصر فى ذلك الوقت.. قال ابن كثير " هذه الرؤيا من ملك مصر، مما قدر ~~الله - تعالى - أنها كانت سببا لخروج يوسف - عليه السلام - من السجن ~~معززا مكرما، وذلك أن الملك رأى هذه الرؤيا، فهالته وتعجب من أمرها، وما ~~يكون تفسيرها فجمع الكهنة وكبراء دولته وأمراءها، وقص عليهم ما رأى، ~~وسألهم عن تأويلها، فلم يعرفوا ذلك.. ". وقوله " عجاف " جمع عجفاء والعجف ~~- بفتح العين والجيم - ذهاب السمن، يقال هذا رجل أعجف وامرأة عجفاء، إذا ~~ظهر ضعفهما وهزالهما.. أى وقال ملك مصر فى ذلك الوقت لكبار رجال ممكلته ~~إنى رأيت فيما يرى النائم " سبع بقرات " قد امتلأن شحما ولحما { ~~يأكلهن سبع عجاف } أى يأكل هذه البقرات السبع السمان، سبع ~~بقرات أخرى عجاف أى مهازيل ضعاف. ورأيت - أيضا - فيما يرى النائم { ~~سبع سنبلات خضر } قد امتلأت حبا، ورأيت إلى جانبها سبع سنبلات ~~{ أخر يابسات } قد ذهبت نضارتها وخضرتها، ومع هذا فقد التوت ~~اليابسات على الخضر حتى غلبتها. { يأيها الملأ } أى الأشراف ~~والعلماء من قومى { أفتوني في رؤياي } أى فسروا لى رؤياى هذه ~~وبينوا لى ما تدل عليه. { إن كنتم للرؤيا تعبرون } أى إن ~~كنتم تعرفون تفسيرها وتأويلها معرفة سليمة، وتعلمون تعبيرها ms2775 علما مستمرا. ~~و " تعبرون " من العبر، وهو اجتياز الطريق أو النهر من جهة إلى أخرى وسمى ~~المفسر للرؤيا عابرا، لأنه يتأمل فيها وينتقل من كل طرف فيها إلى الطرف ~~الآخر، كما ينتقل عابر النهر أو الطريق من جهة إلى أخرى. قال بعض العلماء ~~والتعريف فى " الملك " للعهد، أى ملك مصر، وسماه القرآن هنا ملكا ولم ~~يسمه فرعون، لأن هذا الملك لم يكن من الفراعنة ملوك مصر القبط، وإنما كان ~~ملكا لمصر أيام أن حكمها " الهكسوس " وهم العمالقة الذين ملكوا مصر من ~~1900 قبل الميلاد إلى سنة 1525 ق.م. فالتعبير عنه بالملك هنا، دون ~~التعبير عنه بفرعون مع أنه عبر عن مالك مصر فى زمن موسى بفرعون، يعتبر من ~~دقائق إعجاز القرآن العلمى. وقال " إنى أرى " بصيغة المضارع مع أنه قد ~~رأى بالفعل، استحضارا لصورة الرؤيا حتى لكأنها ماثلة أمامه. وقال { ~~وأخر يابسات } بدون إعادة لفظ سبع كما فى البقرات، للاكتفاء ~~بدلالة المقابل فى البقرات عليه. قال صاحب الكشاف فإن قلت هل فى الآية ~~دليل على أن السنبلات اليابسة كانت سبعا كالخضر؟ قلت الكلام مبنى على ~~انصبابه إلى هذا العدد فى البقرات السمان والعجاف والسنابل الخضر، فوجب ~~أن يتناول معنى الأخر السبع، ويكون قوله { وأخر يابسات } بمعنى ~~وسبعا أخر يابسات ". # وفى نداء الملك لقومه قوله { يأيها الملأ أفتوني... } تشريف ~~لهم، وحض على استعمال عقولهم وعلومهم فى تفسير هذه الرؤيا التى أزعجته. ~~واللام فى قوله " للرؤيا " لتقوية الفعل " تعبرون " حيث تأخر عن معموله. ~~ويبدو أن القوم فى ذلك الزمان، كان بعضهم يشتغل بتفسر الرؤى، وكان لهذا ~~التفسير مكانته الهامة فيهم... فقد مرت بنا رؤيا يوسف، ورؤيا رفيقيه فى ~~السجن، ثم جاءت رؤيا الملك هنا، وهذا يشعر بأن انفراد يوسف - عليه السلام ~~- بتأويل رؤيا الملك، فى زمن كثر فيه البارعون فى تأويل الرؤى، كان ~~بمثابة معجزة أو ما يشبه المعجزة من الله - تعالى - ليوسف - عليه السلام ~~- حتى تزداد مكانته عند الملك وحاشيته. وقوله - سبحانه - { قالوا ~~أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ~~} حكاية ms2776 لما رد به الكهان والأشراف على ما طلبه الملك منهم. والأضغاث ~~جمع ضغث - بكسر الضاد - وهو ما جمع فى حزمة واحدة من مختلف النيات وأعواد ~~الشجر، فصار خليطا غير متجانس. والأحلام جمع حلم وحلم - بإسكان اللام ~~وضمها تبعا للحاء - وهو ما يراه النائم فى منامه، وتطلق كثيرا على ما ليس ~~بحسن، ففى الحديث الصحيح " الرؤيا من الله والحلم الشيطان ". أى قال ~~الملأ للملك ما رأيته أيها الملك فى نومك ما هو إلا تخاليط أحلام ومنامات ~~باطلة، فلا تهتم بها. فهم قد شبهوا ما رآه بالأضغاث فى اختلاطها، وعدم ~~التجانس بين أطرافها. ثم أضافوا إلى ذلك قولهم { وما نحن ~~بتأويل الأحلام بعالمين }. أى إننا لسنا من أهل العلم ~~بتفسير تخاليط الأحلام، وإنما نحن من أهل العلم بتفسير المنامات المعقولة ~~المفهومة. وقولهم هذا إنما هو اعتذار عن جهلهم، بمعرفة تفسير رؤيا الملك، ~~ويبدو أن الملك كان يتوقع منهم هذا الجهل، كما يشعر به قوله - تعالى - { ~~إن كنتم للرؤيا تعبرون } فقد أتى بإن المفيدة للشك. قال ~~صاحب الكشاف " فإن قلت ما هو إلا حلم واحد فلماذا قالوا أضغاث أحلام ~~فجمعوا!؟ قلت هو كما تقول فلان يركب الخيل، ويلبس عمائم الخز، لمن لا ~~يركب إلا فرسا واحدا وماله إلا عمامة فردة، تزيدا فى الوصف، فهؤلاء أيضا ~~تزيدوا فى وصف الحلم بالبطلان فجعلوه أضغاث أحلام - ويجوز أن يكون قد قص ~~عليهم مع هذه الرؤيا سواها ". ثم بين - سبحانه - ما حدث بعد أن عجز الملأ ~~من قوم الملك عن تأويل رؤياه فقال { وقال الذي نجا منهما } ~~أى وقال أحد الرجلين اللذين كانا مع يوسف فى السجن ثم خرج منه بريئا وهو ~~ساقى الملك. # { وادكر بعد أمة } وتذكر بعد حين طويل من الزمان كيف فسر له ~~يوسف رؤياه تفسيرا صادقا أيام أن كان معه فى السجن. وأصل " ادكر " اذتكر ~~بوزن افتعل، مأخوذ من الذكر - بتشديد الذال وضمها - قلبت تاء الافتعال ~~دالا لثقلها ولتقارب مخرجيهما، ثم قلبت الذال دالا ليتأتى إدغامها فى ~~الدال، لأنها أخف من الذال. والأمة ms2777 الجماعة التى تؤم وتقصد لأمر ما، ~~والمراد بها هنا المدة المتطاولة من الزمان وكان هذا الساقى قد نسى ما ~~أوصاه به يوسف من قوله # اذكرني عند ربك # فلما قال الملك ما قاله بشأن رؤياه، تذكر هاذا الساقى حال يوسف. قالوا ~~وكان ذلك بعد سنتين من خروجه من السجن. وقوله { أنا أنبئكم ~~بتأويله فأرسلون } أى قال الساقى للملك وحاشيته أنا أخبركم ~~بتأويله بتفسير رؤيا الملك التى خفى تفسيرها على الملأ من قومه. فأرسلون، ~~أى فابعثونى إلى من عنده العلم الصحيح الصادق بتفسيرها. ولم يذكر لهم اسم ~~المرسل إليه، وهو يوسف - عليه السلام - لأنه أراد أن يفاجئهم بخبره بعد ~~حصول تأويله للرؤيا، فيكون ذلك أوقع فى قلوبهم، وأسمى لشأن يوسف - عليه ~~السلام -. وقال { فأرسلون } ليشعرهم أن هذا التأويل ليس من عند ~~نفسه، وإنما هو من عند من سيرسلونه إليه وهو يوسف - عليه السلام. وقوله { ~~يوسف أيها الصديق أفتنا... } من بديع الإيجاز بالحذف فى ~~القرآن الكريم، لأن المحذوف لا يتعلق بذكره غرض. والتقدير قال لهم أنا ~~أنبئكم بتأويله فأرسلون إلى من عنده العلم بذلك، فأرسلوه فجاء إلى يوسف ~~فى السجن فقال له يا يوسف يأيها الصديق. والصديق هو الإنسان الذى صار ~~الصدق دأبه وشيمته فى كل أحواله، ووصفه بذلك لأنه جرب منه الصدق التام ~~أيام أن كان معه فى السجن. وقوله " أفتنا " أى فسر لنا تلك الرؤيا التى ~~رآها الملك، والتى عجز الناس عن تفسيرها، وهى أن الملك رأى فى منامه { ~~سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع ~~سنبلات خضر وأخر يابسات }. وقوله { لعلي أرجع ~~إلى الناس لعلهم يعلمون } تعليل لطلب الفتوى، وبيان ~~لأهميتها بالنسبة له وليوسف - عليه السلام. أى فسر لنا هذه الرؤيا { ~~لعلي أرجع إلى الناس } وهم الملك وأهل الحل والعقد فى ~~مملكته، { لعلهم يعلمون } تأويلها، فينتفعون به، وترتفع ~~منزلتك عندهم. وهنا تجد يوسف - عليه السلام - لا يكتفى بتأويل الرؤيا ~~تأويلا مجردا بل يؤولها تأويلا صادقا صحيحا، ومعه النصح والإرشاد إلى ما ~~يجب عمله فى مثل هذه الأحوال، فقال - كما حكى ms2778 القرآن عنه - { قال ~~تزرعون سبع سنين دأبا... } وتزرعون ها هنا خبر فى معنى ~~الأمر، بدليل قوله بعد ذلك " فذروه ". # وعبر عن الأمر بالمضارع مبالغة فى التعبير عن استجابتهم لنصيحته، فكأنهم ~~قد امتثلوا أمره، وهو يخبر عن هذا الامتثال. و { دأبا } مصدر دأب على ~~الشئ إذا استمر عليه ولازمه يقال دأب فلان على فعل هذا الشئ يدأب دأبا ~~ودأبا إذا داوم عليه، وهو حال من ضمير " تزرعون " أى قال يوسف للساقى ~~فارجع إلى قومك فقل لهم إن يوسف يأمركم أن تزرعوا أرضكم سبع سنين زراعة ~~مستمرة على حسب عادتكم. { فما حصدتم } من زرعكم فى كل سنة، فذروه ~~فى سنبله، أى فاتركوا الحب فى سنبله ولا تخرجوه منها حتى لا يتعرض للتلف ~~بسبب السوس أو ما يشبهه إلا قليلا مما تأكلون، أى اتركوا الحب فى سنبله ~~فلا تخرجوه منها، إلا شيئا قليلا منه فأخرجوه من السنابل لحاجتكم إليه فى ~~مأكلكم. وفى هذه الجملة إرشاد لهم إلى أن من الواجب عليهم أن يقتصدوا فى ~~مأكولاتهم إلى أقصى حد ممكن لأن المصلحة تقتضى ذلك. قال القرطبى هذه ~~الآية أصل فى القول بالمصالح الشرعية التى هي حفظ الأديان والنفوس ~~والعقول والأنساب والأموال، فكل ما تضمن تحصيل شئ من هذه الأمور فهو ~~مصلحة، وكلما يفوت شيئا منها فهو مفسدة ودفعه مصلحة ولا خلاف، فإن مقصود ~~الشرائع إرشاد الناس إلى مصالحهم الدنيوية ليحصل لهم التمكن من معرفة ~~الله - تعالى - وعبادته الموصلتين إلى السعادة الأخروية، ومراعاة ذلك فضل ~~من الله - عز وجل - ورحمة رحم بها عباده... " وقوله { ثم يأتي من ~~بعد ذلك } أى من بعد تلك السنين السبع المذكورات التى تزرعونها على ~~عادتكم المستمرة فى الزراعة. { سبع شداد } أى سبع سنين صعاب على ~~الناس، لما فيهن من الجدب والقحط، { يأكلن ما قدمتم لهن } ، أى يأكل أهل ~~تلك السنين الشداد، كل ما ادخروه فى السنوات السبع المتقدمة من حبوب فى ~~سنابلها. وأسند الأكل إلى السنين على سبيل المجاز العقلى، من إسناد الشئ ~~إلى زمانه. وقوله { إلا قليلا مما تحصنون ms2779 } أى أن تلك ~~السنين المجدبة ستأكلون فيها ما ادخرتموه فى السنوات السابقة، إلا شيئا ~~قليلا منه يبقى محرزا، لتنتفعوا به فى زراعتكم لأرضكم. فقوله { ~~تحصنون } من الإحصان بمعنى الإحراز والادخار، يقال أحصن فلان ~~الشئ، إذا جعله فى الحصن، وهو الموضع الحصين الذى لا يوصل إليه إلا ~~بصعوبة. وحاصل تفسير يوسف - عليه السلام - لتلك الرؤيا أنه فسر البقرات ~~السمان والسنبلات الخضر، بالسنين السبع المخصبة. وفسر البقرات العجاف ~~والسنبلات اليابسات بالسنين السبع المجدبة التى ستأتى فى أعقاب السنين ~~المخصبة وفسر ابتلاع البقرات العجاف للبقرات السمان، بأكلهم ما جمع فى ~~السنين المخصبة، فى السنين المجدبة. ولقد كان هذا التأويل لرؤيا الملك ~~تأويلا صحيحا صادقا من يوسف - عليه السلام - بسببه أنقذ الله - تعالى - ~~مصر من مجاعة سبع سنين. # وقوله { ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس ~~وفيه يعصرون } تبشير لهم بأن الخير سيأتيهم، بعد تلك السنوات ~~الشداد، فقد جرت سنة الله - تعالى - أن يعقب العسر باليسر. ولفظ { يغاث } ~~من الغوث بمعنى إزالة الهم والكرب عن طريق الأمطار التى يسوقها الله - ~~تعالى - لهم بعد تلك السنوات الشداد التى قل فيها المطر. يقال غاث الله - ~~تعالى - البلاد غيثا، إذا ساق لها المطر بعد أن يئسوا من نزوله، ويعصرون ~~من العصر وهو الضغط على ما من شأنه أن يعصر، لإخراج ما فيه من مائع سواء ~~كان هذا المائع زيتا أم ماء أم غيرهما. أى ثم يأتى من بعد تلك السنين ~~السبع الشداد، عام فيه تزول الهموم والكروب ونقص الأموال عن الناس، بسبب ~~إرسال الله - تعالى - المطر عليهم، فتخضر الأرض وتنبت من كل زوج بهيج، ~~وفيه يعصرون من ثمار مزروعاتهم ما من شأنه أن يعصر كالزيتون وما يشبهه. ~~وهذا كناية عن بدء حلول الرخاء بهم، بعد تلك السنوات الشداد، وما قاله ~~يوسف - عليه السلام - عن هذا العام الذى يأتى فى أعقاب السنوات السبع ~~الشداد، لا مقابل له فى رؤيا الملك، بل هو خارج عنها، وذلك لزيادة ~~التبشير للملك والناس، ولإفهامهم أن هذا العلم إنما بوحى من ms2780 الله - ~~تعالى - الذى يجب أن يخلص له الجميع العبادة والطاعة. وإلى هنا نرى أن ~~يوسف - عليه السلام - قد فسر رؤيا الملك تفسيرا سليما حكيما، من نتائجه ~~الخير للملك وقومه... فماذا فعل الملك مع يوسف - عليه السلام - بعد ذلك؟ ~~لقد قص علينا القرآن الكريم ما طلبه الملك من حاشيته وما رد به يوسف - ~~عليه السلام - على رسول الملك، وما قالته النسوة وامرأة العزيز فى شأن ~~يوسف وما طلبه - عليه السلام - من الملك، استمع إلى القرآن الكريم وهو ~~يحكى كل ذلك بأسلوبه الخاص فيقول { وقال الملك ائتوني به ~~فلما جآءه الرسول... }. ### || [12.50-57] # فقوله - سبحانه - { وقال الملك ائتوني به... } حكاية لما ~~طلبه الملك فى ذلك الوقت من معاونيه فى شأن يوسف - عليه السلام -، وفى ~~الكلام حذف يفهم من المقام، والتقدير وقال الملك بعد أن سمع من ساقيه ما ~~قاله يوسف فى تفسير الرؤيا أحضروا لى يوسف هذا لأراه وأسمع منه، وأستفيد ~~من علمه. وهذا يدل - كما يقول الإمام الرازى - على فضيلة العلم، فإنه - ~~سبحانه - جعل ما علمه ليوسف سببا لخلاصه من المحنة الدنيوية، فكيف لا ~~يكون العلم سببا للخلاص من المحن الأخروية. وقوله - سبحانه - { فلما ~~جآءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال ~~النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي ~~بكيدهن عليم } بيان لما قاله يوسف - عليه السلام - لرسول ~~الملك... أى فلما جاء رسول الملك إلى يوسف بأناة وإباء ارجع إلى ربك، أى ~~إلى سيدك الملك " فاسأله " قبل خروجى من السجن وذهابى إليه { ما بال ~~النسوة اللاتي قطعن أيديهن } أى ما حالهن، وما حقيقة ~~أمرهن معى، لأن الجميع أننى برئ، وأننى نقى العرض طاهر الذيل. والمراد ~~بالسؤال فى قوله { ارجع إلى ربك فاسأله } الحث والتحريض ~~على معرفة حقيقة أمر النسوة اللائى قطعن أيديهن... ولم يكشف له يوسف عن ~~حقيقة أمرهن معه لزيادة تهييجه على البحث والتقصى إذ من شأن الإنسان - ~~خصوصا إذا كان - حاكما - أن يأنف من أن يسأل عن شئ مهم، ثم لا يهتم ~~بالإجابة عنه. وقد آثر يوسف - عليه السلام - أن ms2781 يكون هذا السؤال وهو فى ~~السجن لتظهر الحقيقة خالصة ناصعة، دون تدخل منه فى شأنها. وجعل السؤال عن ~~النسوة اللائى قطعن أيديهن دون امرأة العزيز، وفاء لحق زوجها، واحترازا ~~من مكرها، ولأنهن كن شواهد على إقرارها بأنها قد راودته عن نفسه، فقد ~~قالت أمامهن بكل تبجح وتكشف # فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن ~~نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل مآ آمره ~~ليسجنن وليكونا من الصاغرين # واكتفى بالسؤال عن تقطيع أيديهن، دون التعرض لكيدهن له، سترا لهن، ~~وتنزها منه - عليه السلام - عن ذكرهن بما يسؤوهن. ولذا فقد اكتفى ~~بالإشارة الإجمالية إلى كيدهن، وفوض أمرهن إلى الله - تعالى - فقال { ~~إن ربي بكيدهن عليم }. أى إن ربى وحده هو العليم بمكرهن ~~بى، وكيدهن لى، وهو - سبحانه - هو الذى يتولى حسابهن على ذلك. ولا شك فى ~~امتناع يوسف - عليه السلام - عن الذهاب إلى الملك إلا بعد التحقيق فى ~~قضيته، يدل دلالة واضحة على صبره، وسمو نفسه، وعلو همته... ولقد أجاد ~~صاحب الكشاف فى تعليله لامتناع يوسف عن الخروج من السجن للقاء الملك إلا ~~بعد أن تثبت براءته فقال " إنما تأنى وتثبت يوسف فى إجابة الملك، وقدم ~~سؤال النسوة، ليظهر براءة ساحته عما قذف به وسجن فيه، لئلا يتسلق به ~~الحاسدون إلى تقبيح أمره عنده. # ويجعلوه سلما إلى حط منزلته لديه، ولئلا يقولوا ما خلد فى السجن إلا ~~لأمر عظيم، وجرم كبير، حق به أن يسجن ويعذب، ويستكف شره. وفيه دليل على ~~أن الاجتهاد فى نفى التهم، واجب وجوب اتقاء الوقوف فى مواقفها " وقد ساق ~~الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية بعض الأحاديث فى فضل يوسف - عليه ~~السلام - فقال ما ملخصه وقد وردت السنة بمدحه على ذلك - أى على امتناعه ~~من الخروج من السجن حتى يتحقق الملك ورعيته من براءة ساحته ونزاهة عرضه - ~~ففى الصحيحين عن أبى هريرة قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال رب أرنى كيف تحيى الموتى؟ قال أو لم ~~تؤمن؟ قال بلى ms2782 ولكن ليطمئن قلبى، ويرحم الله لوطا، لقد كان يأوى إلى ركن ~~شديد، ولو لبثت فى السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعى ". # وروى الإمام أحمد عن أبى هريرة فى قوله - تعالى - { فاسأله ما ~~بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن... } أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم - قال " لو كنت أنا لأسرعت الإجابة، وما ابتغيت ~~العذر ". وروى عبد الرزاق عن عكرمة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~- # " لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه والله يغفر له حين سئل عن البقرات ~~العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى اشترط أن يخرجونى. ولقد ~~عجبت من يوسف وصبره وكرمه والله يغفر له، حين أتاه الرسول، ولو كنت مكانه ~~لبادرتهم إلى الباب، ولكنه أراد أن يكون له العذر ". # هذا، وقوله - سبحانه - { قال ما خطبكن إذ راودتن ~~يوسف عن نفسه } حكاية لما فعله الملك بعد أن بلغه الرسول بما ~~طلبه يوسف منه. وفى الكلام حذف يفهم من السياق، والتقدير وبعد أن رجع ~~رسول الملك إليه وأخبره بما قاله يوسف، استجاب الملك لما طلبه يوسف منه، ~~فأحضر النسوة وقال لهن ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه. والخطب مصدر خطب ~~يخطب، ويطلق - غالبا - على الأمر المهم الذى يجعل الناس يتحدثون فيه ~~كثيرا، وجمعه خطوب. والمعنى بعد أن جمع الملك النسوة قال لهن ما الأمر ~~الهام الذى حملكن فى الماضى على أن تراودن يوسف عن نفسه؟ وهل وجدتن فيه ~~ميلا إلى الاستجابة لكن.. " قال صاحب الظلال ما ملخصه " والخطب الأمر ~~الجلل. # .. فكأن الملك كان قد استقصى فعلم أمرهن قبل أن يواجههن، وهو المعتاد فى ~~مثل هذه الأحوال، ليكون الملك على بينة من الأمر وظروفه قبل الخوض فيه، ~~فهو يواجههن مقررا الاتهام، ومشيرا إلى أمر لهن جلل.. ومن هذا نعلم شيئا ~~بما دار فى حفل الاستقبال فى بيت الوزير، وما قالته النسوة ليوسف، وما ~~لمحن به وأشرن إليه، من الإغراء الذى بلغ حد المراودة. ومن هذا نتخيل ~~صورة لهذه الأوساط ونسائها حتى فى ذلك العهد الموغل فى التاريخ، ms2783 ~~فالجاهلية هى الجاهلية دائما، وأنه حيثما كان الترف، وكانت القصور ~~والحاشية، كان التحلل والتميع والفجور الناعم الذى يرتدى ثياب ~~الأرستقراطية ". وأمام هذه المواجهة التى واجههن بها الملك، لم يملكن ~~الإنكار، بل قلن بلسان واحد { حاش لله } أى معاذ الله. { ما ~~علمنا عليه من سوء } قط، وإنما الذى علمناه منه هو الاستعصام ~~عن كل سوء. وهنا { قالت امرأت العزيز } ويبدو أنها كانت ~~حاضرة، معهم عند الملك. { الآن حصحص الحق } أى الآن ظهر الحق ~~وانكشف انكشافا تاما بعد أن كان خافيا والفعل حصحص أصله حص، كما قيل، ~~كبكب فى كب، وهو مأخوذ من الحص بمعنى الاستئصال والإزالة، تقول فلان حص ~~شعره إذا استأصله وأزاله فظهر ما كان خافيا من تحته... ثم أضافت إلى ذلك ~~قولها { أنا راودته عن نفسه } أى أنا التى طلبت منه ما ~~طلبت { وإنه لمن الصادقين } فى قوله # هي راودتني عن نفسي # وهكذا يشاء الله - تعالى - أن تثبت براءة يوسف على رءوس الأشهاد، بتلك ~~الطريقة التى يراها الملك، وتنطق بها امرأة العزيز، والنسوة اللائى قطعن ~~أيديهن. قال صاحب الكشاف " ولا مزيد على شهادتهن له بالبراءة والنزاهة، ~~واعترافهن على أنفسهن بأنه لم يتعلق بشئ مما قذفنه به لأنهن خصومة، وإذا ~~اعترف الخصم بأن صاحبه على الحق وهو على الباطل لم يبق لأحد مقال " - إذ ~~الفضل ما شهدت به الأعداء -. ثم وصلت امرأة العزيز حديثها فقالت { ذلك ~~ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا ~~يهدي كيد الخائنين }. أى ذلك الذى قلته واعترفت به على نفسى ~~من أنى راودته عن نفسه، إنما قلته ليلعم يوسف أنى لم أخنه فى غيبته، ولم ~~أقل فيه شيئا يسوؤه بعد أن فارقنى، ولبث بعيدا عنى فى السجن بضع سنين، ~~وإنما أنا أقرر أمام الملك وحاشيته بأنه من الصادقين... وإنما قررت ذلك ~~لأن الله - تعالى - لا يهدى كيد الخائنين، أى لا ينفذ كيدهم ولا يسدده، ~~بل يفضحه ويزهقه ولو بعد حين من الزمان. لذا فأنا التزمت الأمانة فى ~~الحديث عنه، وابتعدت عن الخيانة، لأن الله - تعالى ms2784 - لا يرضاها ولا ~~يقبلها. فأنت ترى أن هذه المرأة التى شهدت على نفسها شهادة لا تبالى بما ~~يترتب عليها بشأنها، قد عللت شهادتها هذه بعلتين إحداهما كراهتها أن ~~تخونه فى غيبته بعد أن فقد الدفاع عن نفسه وهو فى السجن. # . وثانيتهما علمها بأن الله - تعالى - لا يهدى كيد الخائنين ولا يسدده، ~~وإنما يبطله ويزهقه... ثم أضافت إلى كل ذلك قولها { ومآ أبرىء ~~نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ~~ربي إن ربي غفور رحيم }. أى ومع أنى أعترف بأنه من ~~الصادقين، وأعترف بأنى لم أخنه بالغيب، إلا أنى مع كل ذلك لا أبرئ نفسى ~~ولا أنزهها عن الميل إلى الهوى، وعن محاولة وصفه بما هو برئ منه، فأنا ~~التى قلت لزوجى فى حالة دهشتى وانفعالى الشديد، # ما جزآء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو ~~عذاب أليم # وما حملنى على هذا القول إلا هواى وشهواتى، ونفسى إن النفس البشرية ~~لكثيرة الأمر لصاحبها بالسوء إلا نفسا رحمها الله وعصمها من الزلل ~~والانحراف، كنفس يوسف - عليه السلام -. وجملة { إن ربي غفور ~~رحيم } تعليل لما قبلها، أى إن ربى كثير الغفران وكثير الرحمة، لمن ~~يشاء أن يغفر له ويرحمه من عباده. والذى يتأمل هذا الكلام الذى حكاه ~~القرآن عن امرأة العزيز، يراه زاخرا بالصراحة التى ليس بعدها صراحة، ~~وبالمشاعر والانفعالات الدالة على احترامها ليوسف الذى خاف مقام ربه ونهى ~~النفس عن الهوى، رغم الإغراءات المصحوبة بالترغيب والترهيب، ويبدو لنا - ~~والله أعلم - أن هذا الكلام ما قالته امرأة العزيز، إلا بعد أن استقرت ~~عقيدة الإيمان التى آمن بها يوسف فى قلبها، وبعد أن رأت فيه إنسانا ~~يختلف فى استعصامه بالله وفى سمو نفسه، عن غيره من الناس الذين رأتهم. ~~هذا، ويرى كثير من المفسرين أن كلام امرأة العزيز قد انتهى عند قوله - ~~تعالى - { وإنه لمن الصادقين } وأن قوله - تعالى - بعد ذلك ~~{ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب... } إلى قوله - ~~تعالى - { إن ربي غفور رحيم } هو من كلام يوسف - عليه ~~السلام -، فيكون المعنى ms2785 وذلك ليعلم " أى العزيز " أنى لم أخنه، فى أهله { ~~بالغيب } أى في غيبته { وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ~~} من النساء والرجال، بل يبطل هذا الكيد ويفضحه. { ومآ أبرىء ~~نفسي } أى ولا أنزهها عن السوء، وهذا من باب التواضع منه - عليه ~~السلام - { إن النفس لأمارة بالسوء } أى إن هذا الجنس ~~من الأنفس البشرية، شأنه الأمر بالسوء والميل إلى الشهوات. { إلا ما ~~رحم ربي } من النفوس فعصمها عن أن تكون أمارة بالسوء. { إن ~~ربي غفور رحيم } لمن شاء أن يغفر له ويرحمه من خلقه. والذى ~~نراه أن الرأى الأول الذى سرنا عليه هو الجدير بالقبول، لأنه هو المناسب ~~لسياق الآيات من غير تكلف، ولأنه لا يؤدى إلى تفكك الكلام وانقطاع بعضه ~~عن بعض، بخلاف الرأى الثانى الذى يرى أصحابه أن كلام امرأة العزيز قد ~~انتهى عند قوله - تعالى - { وإنه لمن الصادقين } فإنه يؤدى ~~إلى تفكك الكلام، وعدم ارتباط بعضه ببعض، فضلا عن أن وقائع التاريخ لا ~~تؤيده، لأن يوسف - عليه السلام - كان فى السجن عندما أحضر الملك النسوة ~~وقال لهن { ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه. # .. } وعندما قالت امرأة العزيز أمام الملك وأمامهن { الآن حصحص ~~الحق.. } إلى قوله - تعالى - { إن ربي غفور رحيم }. ومن ~~المفسرين الذين أيدوا الرأى الأول الإمام ابن كثير فقد قال ما ملخصه { ~~ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب.. } نقول إنما ~~اعترفت بهذا على نفسى، بأنى راودت هذا الشاب فامتنع، { ومآ أبرىء ~~نفسي... } تقول المرأة ولست أبرئ نفسى، فإن النفس تتحدث وتتمنى، ~~ولهذا راودته لأنها أمارة بالسوء. { إلا ما رحم ربي } أى من ~~عصمه الله - تعالى -... ثم قال " وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب ~~بسياق القصه ومعانى الكلام. لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز ~~بحضرة الملك، ولم يكن يوسف - عليه السلام - عندهم، بل بعد ذلك أحضره ~~الملك ". وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حدثتنا عن القسم الأول من حياة ~~يوسف - عليه السلام - القسم الذى تعرض خلاله لألوان من المحن والآلام، ~~بعضها من إخوته، وبعضها من ms2786 امرأة العزيز، وبعضها من السجن ومرارته... ثم ~~بدأت بعد ذلك فى الحديث عن الجانب الثانى من حياته عليه السلام. وهو جانب ~~الرخاء والعز والتمكين فى حياته، فقال - تعالى - { وقال الملك ~~ائتوني به أستخلصه لنفسي... } وفى الكلام إيجاز بالحذف، ~~والتقدير وبعد أن انكشفت للملك براءة يوسف - عليه السلام - انكشافا تاما، ~~بسبب ما سمعه عنه من النسوة ومن امرأة العزيز، وبعد أن سمع تفسيره للرؤيا ~~وأعجب به، كما أعجب بسمو نفسه وإبائه.. بعد كل ذلك قال الملك لخاصته ~~ائتونى بيوسف هذا، ليكون خالصا لنفسى، وخاصا بى فى تصويف أمورى، وكتمان ~~أسرارى، وتسيير دفة الحكم فى مملكتى. والسين والتاء فى قوله " أستخلصه " ~~للمبالغة فى الخلوص له، فهما للطلب كما فى استجاب، والاستخلاص طلب خلوص ~~الشئ من شوائب الشركة. فكأن الملك قد شبه يوسف - عليه السلام - بالشئ ~~النفيس النادر، الذى يجب أن يستأثر به الملك دون أن يشاركه فيه أحد سواه. ~~والفاء فى قوله { فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا ~~مكين أمين } معطوفة على محذوف يفهم من السياق. والضمير المنصوب فى ~~" كلمه " يعود على الملك - على الراجح -. # والمراد باليوم الزمان الذى حدث فيه التخاطب بين الملك ويوسف. و { مكين ~~} صفة مشبهة من الفعل مكن - بضم الكاف -، بمعنى صاحب مكانة ومرتبة عظيمة، ~~يقال مكن فلان مكانة إذا ارتفعت منزلته، ويقال مكنت فلانا من هذا الشئ ~~إذا جعلت له عليه سلطانا وقدرة. { أمين } بزنة فعيل بمعنى مفعول، أى ~~مأمون على ما نكلفك به، ومحل ثقتنا. والمعنى وقال الملك لجنده ائتونى ~~بيوسف هذا أستخلصه لنفسى فأتوه به إلى مجلسه. فازداد حب الملك له وتقديره ~~إياه وقال له إنك منذ اليوم عندنا صاحب الكلمة النافذة، والمنزلة ~~الرفيعة، التى تجعلنا نأتمنك على كل شئ فى هذه المملكة، وتلك المقالة من ~~الملك ليوسف، هى أولى بشائر عاقبة الصبر وعزة النفس، وطهارة القلب، ~~والاستعصام بحبل الله المتين... وهنا طلب يوسف - عليه السلام - من الملك ~~بعزة وإباء أن يجعله فى الوظيفة التى يحسن القيام بأعبائها { قال ~~اجعلني على خزآئن الأرض إني حفيظ ms2787 عليم } والخزائن ~~جمع خزانة - بكسر الخاء وهى اسم للمكان الذى يخزن فيه الشئ، والمراد ~~بالأرض أرض مصر. أى قال يوسف - عليه السلام - للملك اجعلنى - أيها الملك ~~- المتصرف الأول فى خزائن أرض مملكتك، المشتملة على ما يحتاج إليه الناس ~~من أموال وأطعمة، لأنى شديد الحفظ لما فيها، عليم بوجوه تصريفها فيما ~~يفيد وينفع... فأنت ترى أن يوسف - عليه السلام - لم يسأل الملك شيئا ~~لنفسه من أعراض الدنيا، وإنما طلب منه أن يعينه فى منصب يتمكن بواسطته من ~~القيام برعاية مصالح الأمة، وتدبير شئونها... لأنها مقبلة على سنوات ~~عجاف، تحتاج إلى خبرة يوسف وأمانته وكفاءته وعلمه... قال صاحب الكشاف " ~~وصف يوسف نفسه بالأمانة والكفاية اللتين هما طلبة الملوك ممن يولونه، ~~وإنما قال ذلك ليتوصل إلى إمضاء أحكام الله تعالى - وإقامة الحق، وبسط ~~العدل، والتمكن مما لأجله تبعث الأنبياء إلى العباد، ولعلمه أن أحدا غيره ~~لا يقوم مقامه فى ذلك، فطلب التولية ابتغاء وجه الله - لا لحب الملك ~~والدنيا " وقال القرطبى ما ملخصه " ودلت الآية - أيضا - على جواز أن ~~يطلب الإنسان عملا يكون له أهلا. فإن قيل فإن ذلك يعارضه ما جاء عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى الأحاديث الصحيحة من نهيه عن طلب ~~الإمارة... فالجواب أولا أن يوسف - عليه السلام - إنما طلب الولاية ~~لأنه علم أنه لا أحد يقوم مقامه فى العدل والإصلاح وتوصيل الفقراء إلى ~~حقوقهم، فرأى أن ذلك فرض متعين عليه، فإنه لم يكن هناك غيره... الثانى ~~أنه لم يقل اجعلنى على خزائن الأرض لأنى حسيب كريم، وإن كان كذلك، ولم ~~يقل إنى جميل مليح... وإنما قال { إني حفيظ عليم } فسألها ~~بالحفظ والعلم لا بالنسب والجمال. # الثالث إنما قال ذلك عند من لا يعرفه فأراد تعريف نفسه، وصار ذلك مستثنى ~~من قوله - تعالى - # فلا تزكوا أنفسكم.. # والخلاصة أن يوسف - عليه السلام - إنما قال ما قال للملك، وطلب ما طلب ~~منه، لأنه علم أن هذا المنصب لا يصلح له أحد سواه فى ذلك الوقت وفى تلك ~~الظروف، فهو يريد ms2788 من ورائه خدمة الأمة لأجل منفعة شخصية لنفسه... وما ~~قاله إنما هو من باب التحدث بنعمة الله - تعالى - الذى أعطاه هذه الصفات ~~الكريمة، والمناقب العالية، وليس من باب تزكية النفس المحظورة. هذا، ~~وقوله - سبحانه - { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض... } ~~بيان لسنة الله - تعالى - فى خلقه، من كونه - سبحانه - لا يضيع أجر ~~الصابرين المحسنين أى ومثل هذا التمكين العظيم. مكنا ليوسف فى أرض مصر، ~~بعد أن مكث فى سجنها بضع سنين، لا لذنب اقترفه، وإنما لاستعصامه بأمر ~~الله. وقوله { يتبوأ منها حيث يشآء } تفصيل للتمكين الذى ~~منحه الله - تعالى - ليوسف فى أرض مصر، والتبوأ اتخاذ المكان للنزول به. ~~يقال بوأ فلان فلانا منزلا. أى مكنه منه وأنزله به أى ومثل هذا التمكين ~~العظيم، مكنا ليوسف فى أرض مصر، حيث هيأنا له أن يتنقل فى أماكنها ~~ومنازلها حيث يشاء له التنقل، دون أن يمنعه مانع من الحلول فى أى مكان ~~فيها. فالجملة الكريمة كناية عن قدرته على التصرف والتنقل فى جميع أرض ~~مصر، كما يتصرف ويتنقل الرجل فى منزله الخاص. وقوله { نصيب ~~برحمتنا من نشآء... } بيان لكمال قدرته ونفاذ إرادته - سبحانه ~~- أى نصيب برحمتنا وفضلنا وعطائنا من نشاء عطاءه من عبادنا بمقتضى حكمتنا ~~ومشيئتنا. { ولا نضيع أجر المحسنين } الذين يتقنون أداء ما ~~كلفهم الله بأدائه، بل نوفيهم أجورهم على إحسانهم فى الدنيا قبل الآخرة ~~إذا شئنا ذلك. { ولأجر الآخرة خير } وأبقى { للذين ~~آمنوا } بالله - إيمانا حقا { وكانوا يتقون } خالقهم - عز ~~وجل - فى كل ما يأتون وما يذرون، بأن يصونوا أنفسهم عن كل ما يغضبه. ~~وهكذا كافأ الله - تعالى - يوسف على صبره وتقواه وإحسانه، بما يستحقه من ~~خير وسعادة فى الدنيا والآخرة. ثم تطوى السورة بعد ذلك أحداثا تكل ~~معرفتها إلى فهم القارئ وفطنته، فهى لم تحدثنا - مثلا - عن الطريقة التى ~~اتبعها يوسف فى إدراته لخزائن أرض مصر، اكتفاء بقوله { إني حفيظ ~~عليم } للدلالة على كفايته وأمانته. كذلك لم تحدثنا عن أحوال الناس فى ~~السنوات السبع العجاف، وفى السنوات الخضر لأن هذا مقرر ms2789 ومعروف فى دنيا ~~الناس. كذلك لم تحدثنا عن صلة الملك وحاشيته بيوسف، بعد أن صار أمينا ~~على خزائن الأرض، بل أفسحت المجال كله للحديث عن يوسف، إنزالا للناس ~~منازلهم، إذ هو صاحب التفسير الصحيح لرؤيا الملك، وصاحب الأفكار الحكيمة ~~التى أنقذت الأمة من فقر سبع سنوات شداد، وصاحب الدعوة إلى وحدانية الله ~~- تعالى - وإخلاص العبادة له، بين قوم يشركون مع الله فى العبادة آلهة ~~أخرى. لم تحدثنا السورة الكريمة عن كل ذلك، فى أعقاب حديثها عن تمكين ~~الله - تعالى - ليوسف فى الأرض، وإنما انتقلت بنا بعد ذلك مباشرة إلى ~~الحديث عن لقاء يوسف بإخوته، وعما دار بينه وبينهم من محاورات، وعن ~~إكرامه لهم... قال تعالى { وجآء إخوة يوسف فدخلوا... } ### || [12.58-62] # قال الفخر الرازى - رحمه الله - اعلم أنه لما عم القحط فى البلاد، ووصل ~~أيضا إلى البلدة التى كان يسكنها يعقوب - عليه السلام - وصعب الزمان ~~عليهم فقال لبنيه إن بمصر صالحا يمير الناس - أى يعطيهم الطعام وما هم ~~فى حاجة إليه فى معاشهم - فاذهبوا إليه بدراهمكم، وخذوا منه الطعام، ~~فخرجوا إليه وهم عشرة وبقى " بنيامين " مع أبيه، ودخلوا على يوسف - عليه ~~السلام - وصارت هذه الواقعة كالسبب فى اجتماع يوسف مع إخوته، وظهور صدق ~~ما أخبره الله - تعالى - عنه فى قوله ليوسف حال ما ألقوه فى الجب # لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون # وقد جاءوا إليه جميعا - ما عدا " بنيامين " وهو الشقيق الأصغر ليوسف ~~ليحصلوا منه على أكبر كمية من الطعام على حسب عددهم، وليكون عندهم القدرة ~~عل صد العدوان إذا ما تعرض لهم قطاع الطرق الذين يكثرون فى أوقات الجدب ~~والجوع. وعبر عن معرفة يوسف لهم بالجملة الفعلية، وعن جهلهم له بالجملة ~~الإسمية للإشعار بأن معرفته لهم حصلت بمجرد رؤيته لهم، أما هم فعدم ~~معرفتهم له كان أمرا ثابتا متمكنا منهم. قال صاحب الكشاف " لم يعرفوه ~~لطول العهد، ومفارقته إياهم فى سن الحداثة ولاعتقادهم أنه قد هلك، ~~ولذهابه عن أوهامهم لقلة فكرهم فيه، واهتمامهم بشأنه، ولبعد حاله التى ~~بلغها من الملك ms2790 والسلطان عن حاله التى فارقوه عليها طريحا فى البئر، حتى ~~لو تخيلوا أنه هو لكذبوا أنفسهم وظنونهم، ولأن الملك مما يبدل الزى، ~~ويلبس صاحبه من التهيب والاستعظام ما ينكر له المعروف... " ويؤخذ من هذه ~~الآية الكريمة أن المجاعة التى حدثت فى السبع السنين الشداد شملت مصر وما ~~جاورها من البلاد - كما سبق أن أشرنا -. كما يؤخذ منها أن مصر كانت محط ~~أنظار المعسرين من مختلف البلاد بفضل حسن تدبير يوسف - عليه السلام - ~~وأخذه الأمور بالعدالة والرحمة وسهره على مصالح الناس، ومراقبته لشئون ~~بيع الطعام، وعدم الاعتماد على غيره حتى إن إخوته قد دخلوا عليه وحده، ~~دون غيره من المسئولين فى مصر. وقوله - سبحانه - { ولما جهزهم ~~بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم... } بيان ~~لما فعله يوسف معهم بعد أن عرفهم دون أن يعرفوه. وأصل الجهاز - بفتح ~~الجيم وكسرها قليل - ما يحتاج إليه المسافر من زاد ومتاع، يقال جهزت ~~المسافر، أى هيأت له جهازه الذى يحتاج إليه فى سفره، ومنه جهاز العروس ~~وهو ما تزف به إلى زوجها، وجهاز الميت وهو ما يحتاج إليه فى دفنه... ~~والمراد أن يوسف بعد ان دخل عليه إخوته وعرفهم، أكرم وفادتهم. # وعاملهم معاملة طبية جعلتهم يأنسون إليه، وهيأ لهم ما هم فى حاجة إليه ~~من الطعام وغيره، ثم استدرجهم بعد ذلك فى الكلام حتى عرف منهم على وجه ~~التفصيل أحوالهم. وذلك لأن قوله لهم { ائتوني بأخ لكم من ~~أبيكم } يستلزم أن حديثا متنوعا نشأ بينه وبينهم، عرف منه يوسف، أن ~~لهم أخا من أبيهم لم يحضر معهم وإلا فلو كان هذا الطلب منه لهم بعد ~~معرفته لهم مباشرة، لشعروا بأنه يعرفهم وهو لا يريد ذلك. ومن هنا قال ~~المفسرون إن قوله { ائتوني بأخ لكم من أبيكم } يقتضى ~~كلاما دار بينه وبينهم نشأ عنه هذا الطلب، ومما قالوه فى توضيح هذا ~~الكلام ما روى من أنهم بعد أن دخلوا عليه قال لهم من أنتم وما شأنكم؟ ~~فقالوا نحن قوم من أهل الشام، جئنا نمتار، ولنا أب ms2791 شيخ صديق نبى من ~~الأنبياء اسمه يعقوب، فقال لهم كم عددكم قالوا عشرة، وقد كنا اثنى عشر، ~~فذهب أخ لنا إلى البرية فهلك، وكان أحبنا إلى أبينا، وقد سكن بعده إلى أخ ~~له أصغر منه، هو باق لديه يتسلى به، فقال لهم حينئذ { ائتوني بأخ ~~لكم من أبيكم }. ويروى أنه قال لهم ذلك بعد أن طلبوا منه شيئا ~~زائدا عن عددهم، لأن لهم أخا لم يحضر معهم، فأعطاهم ما طلبوه، واشترط ~~عليهم إحضار أخيهم هذا معهم، ليتأكد من صدقهم ". والمعنى وبعد أن أعطى ~~يوسف إخوته ما هم فى حاجة إليه، وعرف منهم أن لهم أخا من أبيهم قد تركوه ~~فى منازلهم ولم يحضر معهم، قال لهم أنا أريدكم فى الزيارة القادمة لى، أن ~~تحضروه معكم لأراه... وقوله { من أبيكم } حال من قوله { بأخ ~~لكم } أى أخ لكم حاله كونه من أبيكم، وليس شقيقا لكم، فإن هذا هو ~~الذى أريده ولا أريد غيره. وهذا من باب المبالغة فى عدم الكشف لهم عن ~~نفسه، حتى لكأنه لا معرفة له بهم ولا به إلا من ذكرهم إياه له. وقوله { ~~ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين ~~} تحريض لهم على الإتيان به، وترغيب لهم فى ذلك حتى ينشطوا فى إحضاره ~~معهم. أى ألا ترون أنى أكرمت وفادتكم، وأعطيتكم فوق ما تريدون من الطعام، ~~وأنزلتكم ببلدى منزلا كريما... وما دام أمرى معكم كذلك، فلا بد من أن ~~تأتونى معكم بأخيكم من أبيكم فى المرة القادمة، لكى أزيد فى إكرامكم ~~وعطائكم. والمراد بإيفاء الكيل إتمامه بدون تطفيف أو تنقيص. وعبر بصيغة ~~الاستقبال { ألا ترون... } مع كونه قد قال هذا القول بعد تجهيزه ~~لهم. للدلالة على أن إيفاءه هذا عادة مستمرة له معهم كلما أتوه. وجملة { ~~وأنا خير المنزلين } حالية، والمنزل المضيف لغيره. # أى والحال أنى خير المضيفين لمن نزل فى ضيافتى، وقد شاهدتم ذلك بأنفسكم. ~~ثم أتبع هذا الترغيب والترهيب فقال { فإن لم تأتوني به فلا ~~كيل لكم عندي ولا تقربون }. أى لقد رأيتم منى ms2792 كل خير فى ~~لقائكم معى هذا، وقد طلبت منكم أن تصحبوا معكم أخاكم من أبيكم فى لقائكم ~~القادم معى، فإن لم تأتونى به معكم عند عودتكم إلى، فإنى لن أبيعكم شيئا ~~مما تريدونه من الأطعمة وغيرها، وفضلا عن ذلك فإنى أحذركم من أن تقربوا ~~بلادى فضلا عن دخولها. هذا التحذير منه - عليه السلام - لهم، يشعر بأن ~~إخوته قد ذكروا له بأنهم سيعودون إليه مرة أخرى، لأن ما معهم من طعام لا ~~يكفيهم إلا لوقت محدود من الزمان. وقوله - سبحانه - { قالوا ~~سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون } حكاية لما رد به ~~إخوة يوسف عليه. أى قال إخوة يوسف له بعد أن أكد لهم وجوب إحضار أخيهم ~~لأبيهم معهم { سنراود عنه أباه } أى سنطلب حضوره معنا من أبيه ~~برفق ولين ومخادعة ومحايلة { وإنا لفاعلون } هذه المراودة ~~باجتهاد لا كلل ولا ملل معه وفاء لحقك علينا. وقولهم هذا يدل دلالة واضحة ~~على أنهم كانوا يشعرون بأن إحضار أخيهم لأبيهم معهم - وهو " بنيامين " ~~الشقيق الأصغر ليوسف -، ليس أمرا سهلا أو ميسورا، وإنما يحتاج إلى جهد ~~كبير مع أبيهم حتى يقنعوه بإرساله معهم. ثم بين - سبحانه - ما فعله يوسف ~~مع إخوته وهم على وشك الرحيل فقال { وقال لفتيانه اجعلوا ~~بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونهآ إذا ~~انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون }. والفتيان ~~جمع فتى والمراد بهم هنا من يقومون بخدمته ومساعدته فى عمله. والبضاعة فى ~~الأصل القطعة الوفيرة من الأموال التى تقتنى للتجارة، مأخوذة من البضع ~~بمعنى القطع. والمراد بها هنا أثمان الطعام الذى أعطاه لهم يوسف - عليه ~~السلام -. والرحال جمع رحل، وهو ما يوضع على البعير من متاع الراكب. ~~والمعنى وقال يوسف - عليه السلام - لفتيانه الذين يقومون بتلبية مطالبه ~~أعيدوا إلى رحال هؤلاء القوم - وهم إخوته - الأثمان التى دفعوها لنا فى ~~مقابل ما أخذوه منا من طعام، وافعلوا ذلك دون أن يشعروا بكم، لعل هؤلاء ~~القوم عندما يعودون إلى بلادهم، ويفتحون أمتعتهم، فيجدون فيها الأثمان ~~التى دفعوها لنا فى مقابل ما أخذوه من طعام وغيره. لعلهم ms2793 حينئذ يرجعون ~~إلينا مرة أخرى، ليدفعوها لنا فى مقابل ما أخذوه. وكأن يوسف - عليه ~~السلام - أراد بفعله هذا حملهم على الرجوع إليه ومعهم " بنيامين " لأن من ~~شأن النفوس الكبيرة أن تقابل الإحسان بالإحسان وأن تأنف من أخذ المبيع ~~دون أن تدفع لصاحبه ثمنه. وقوله { لعلهم يعرفونهآ إذا ~~انقلبوا إلى أهلهم } تعليل لأمره فتيانه بجعل البضاعة فى ~~رحال إخوته. # إذ أن معرفتهم بأن بضاعتهم قد ردت إليهم لا يتم إلا بعد انقلابهم - أى ~~رجوعهم - إلى أهلهم، وبعد تفريغها عندهم. وقوله { لعلهم ~~يرجعون } جواب للأمر. أى اجعلوها كذلك، لعلهم بعد اكتشافهم أنهم ما ~~دفعوا لنا ثمن ما أخذوه، يرجعون إلينا ليدفعوا لنا حقنا. وإلى هنا تكون ~~السورة الكريمة قد حدثتنا عما دار بين يوسف وإخوته بعد أن دخلوا عليه ~~فعرفهم وهم له منكرون، وبعد أن طلب منهم بقوة أن يعودوا إليه ومعهم أخوهم ~~لأبيهم... فماذا كان بعد ذلك؟ لقد حكت لنا السورة الكريمة ما دار بين ~~إخوة يوسف وبين أبيهم من محاورات طلبوا خلالها منه أن يأذن لهم فى اصطحاب ~~" بنيامين " معهم فى رحلتهم القادمة إلى مصر، كما حكت ما رد به أبوهم ~~عليهم. قال - تعالى - { فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا... ~~} ### || [12.63-68] # وقوله - سبحانه - { فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا ~~يأبانا منع منا الكيل فأرسل معنآ أخانا ~~نكتل... } حكاية لما قاله إخوة يوسف لأبيهم فور التقائهم به. والمراد ~~بالكيل الطعام المكيل الذى هم فى حاجة إليه. والمراد بمنعه الحيلولة ~~بينهم وبينه فى المستقبل، لأن رجوعهم بالطعام قرينة على ذلك. والآية ~~الكريمة معطوفة على كلام محذوف، يدرك من السياق والتقدير ترك إخوة يوسف ~~مصر، وعادوا إلى بلادهم، بعد أن وعدوه بتنفيذ ما طلبه منهم، فلما وصلوا ~~إلى بلادهم، ودخلوا على أبيهم قالوا له بدون تمهل. { يأبانا } لقد ~~حكم عزيز مصر بعدم بيع أى طعام لنا بعد هذه المرة إذا لم نأخذ معنا أخانا ~~" بنيامين " ليراه عند عودتنا إليه فقد قال لنا مهددا عند مغادرتنا له { ~~فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا ms2794 ~~تقربون }. وأنت تعلم أننا لا بد من عودتنا إليه، لجلب احتياجاتنا من ~~الطعام وغيره، فنرجوك أن توافقنا على اصطحاب " بنيامين " معنا { وإنا ~~له لحافظون } حفظا تاما من أن يصيبه مكروه. والآية الكريمة ~~واضحة الدلالة على أن قولهم هذا لأبيهم، كان بمجرد رجوعهم إليه، وكان قبل ~~أن يفتحوا متاعهم ليعرفوا ما بداخله... وكأنهم فعلوا ذلك ليشعروه بأن ~~إرسال بنيامين معهم عند سفرهم إلى مصر، أمر على أكبر جانب من الأهمية، ~~وأن عدم إرساله سيترتب عليه منع الطعام عنهم. وقرأ حمزة والكسائى { فأرسل ~~معنا أخانا يكتل } - بالياء - أى فأرسله معنا ليأخذ نصيبه من الطعام ~~المكال، لأن عزيز مصر طعاما لمن كان غائبا. وعلى كلا القراءتين فالفعل ~~مجزوم فى جواب الطلب. وقالوا له { وإنا له لحافظون } بالجملة ~~الإسمية، لتأكيد حفظهم له وأن ذلك أمر ثابت عندهم ثبوتا لا مناص منه. ~~ولكن يبدو أن قولهم هذا قد حرك كوامن الأحزان والآلام فى نفس يعقوب، فهم ~~الذين سبق أن قالوا له فى شأن يوسف - أيضا - # أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له ~~لحافظون # لذا نجده يرد عليهم فى استنكار وألم بقوله { قال هل آمنكم ~~عليه إلا كمآ أمنتكم على أخيه من قبل... }. أى ~~قال يعقوب لأولاده بعد أن طلبوا منه بإلحاح إرسال أخيهم معهم، وبعد أن ~~تعهدوا بحفظه أتريدون أن أأتمنكم على ابنى " بنيامين " كما أئتمنتكم على ~~شقيقه يوسف من قبل هذا الوقت، فكانت النتيجة التى تعرفونها جمعا، وهى ~~فراق يوسف لى فراقا لا يعلم مداه إلا الله - تعالى -؟!! لا، إننى لا أثق ~~بوعودكم بعد الذى حدث منكم معى فى شأن يوسف. فالاستفهام فى قوله { هل ~~آمنكم... } للإنكار والنفى. وقوله { فالله خير حافظا ~~وهو أرحم الراحمين } تفريع على استنكاره لطلبهم إرسال " ~~بنيامين " معهم، وتصريح منه لهم بأن حفظ الله - تعالى - خير من حفظهم. # أى إننى لا أثق بوعودكم لى بعد الذى حدث منكم بالنسبة ليوسف، وإنما أثق ~~بحفظ الله ورعايته { فالله } - تعالى - { خير حافظا } لمن يشاء ~~حفظه، فمن حفظه سلم، ومن لم يحفظه لم يسلم، ms2795 كما لم يسلم أخوه يوسف من قبل ~~حين ائتمنتكم عليه " وهو " - سبحانه - { أرحم الراحمين } لخلقه، ~~فأرجو أن يشملنى برحمته، ولا يفجعنى فى " بنيامين " ، كما فجعت فى شقيقه ~~يوسف من قبل. ويبدو أن الأبناء قد اقتنعوا برد أبيهم عليهم، واشتموا من ~~هذا الرد إمكان إرساله معهم، لذا لم يراجعوه مرة أخرى. قال الآلوسى ما ~~ملخصه " وهذا - أى رد يعقوب عليهم - ميل منه - عليه السلام - إلى الإذن ~~والإرسال لما رأى فيه من المصلحة، وفيه أيضا من التوكل على الله - ~~تعالى - ما لا يخفى، ولذا روى أن الله - تعالى - قال # " وعزتى وجلالى لأردهما عليك إذ توكلت على... " # وقرأ أكثر السبعة { فالله خير حفظا... } وقرأ حمزة والكسائى وحفص { ~~حافظا... } وعلى القراءتين فهو منصوب على أنه تمييز... " ثم اتجه ~~الأبناء بعد هذه المحاورة مع أبيهم إلى أمتعتهم ليفتحوها ويخرجوا ما بها ~~من زاد حضروا به من مصر، فكانت المفاجأة التى حكاها القرآن فى قوله { ~~ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت ~~إليهم... } أى وحين فتحوا أوعيتهم التى بداخلها الطعام الذى اشتروه ~~من عزيز مصر. فوجئوا بوجود أثمان هذا الطعام قد رد إليهم معه، ولم يأخذها ~~عزيز مصر، بل دسها داخل أوعيتهم دون أن يشعروا، فدهشوا وقالوا لأبيهم ~~متعجبين { يأبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت ~~إلينا } أى يا أبانا ماذا نطلب من الإحسان والكرم أكثر من هذا الذى ~~فعله معنا عزيز مصر؟ لقد أعطانا الطعام الذى نريده، ثم رد إلينا ثمنه ~~الذى دفعناه له دون أن يخبرنا بذلك. فما فى قوله { ما نبغي } ~~استفهامية، والاستفهام للتعجب من كرم عزيز مصر، وهى مفعول نبغى، ونبغى من ~~البغاء - بضم الباء - وهو الطلب. والمراد ببضاعتهم الثمن الذى دفعوه ~~للعزيز فى مقابل ما أخذوه منه من زاد. وجملة { هذه بضاعتنا ~~ردت إلينا } مستأنفة لتوضيح ما دل عليه الاستفهام من التعجب، ~~بسبب ما فعله معهم عزيز مصر من مروءة وسخاء. فكأنهم قالوا لأبيهم كيف لا ~~نعجب وندهش، وهذه بضاعتنا ردت إلينا من حيث لا ندرى ومعها الأحمال التى ~~اشتريناها من عزيز مصر ms2796 لم ينقص منها شئ؟ وقوله { ونمير أهلنا } ~~معطوف على مقدر يفهم من الكلام، أى { هذه بضاعتنا ردت ~~إلينا } فننتفع بها فى معاشنا، ونمير أهلنا، أى نجلب لهم الميرة - ~~بكسر الميم وسكون الياء - وهى الزاد الذى يؤتى به من مكان إلى آخر. # { ونحفظ أخانا } عند سفره معنا من أى مكروه. { ونزداد } ~~بوجوده معنا عند الدخول على عزيز مصر. { كيل بعير } أى ويعطينا ~~العزيز حمل بعير من الزاد، زيادة على هذه المرة نظرا لوجود أخينا معنا. ~~ولعل قولهم هذا كان سببه أن يوسف - عليه السلام - كان يعطى من الطعام على ~~عدد الرءوس، حتى يستطيع أن يوفر القوت للجميع فى تلك السنوات الشداد. ~~واسم الإشارة فى قوله - سبحانه - { ذلك كيل يسير } يعود إلى ~~الزاد الذى أحضروه من مصر أى ذلك الطعام الذى أعطانا إياه عزيز مصر طعام ~~يسير، لا يكفينا إلا لمدة قليلة من الزمان، ويجب أن نعود إلى مصر لنأتى ~~بطعام آخر. وفى هذه الجمل المتعددة التى حكاها القرآن عنهم، تحريض واضح ~~منهم لأبيهم على أن يسمح لهم باصطحاب " بنيامين " معهم فى رحلتهم القادمة ~~إلى مصر ومن مظاهر هذا التحريض مدحهم لعزيز مصر الذى رد لهم أثمان ~~مشترياتهم، وحاجتهم الملحة إلى استجلاب طعام جديد، وتعهدهم بحفظ أخيهم ~~وازدياد الأطعمة بسبب وجوده معهم. ولكن يعقوب - عليه السلام - مع كل هذا ~~التحريض والإلحاح، لم يستجب لهم إلا على كره منه، واشترط لهذه الاستجابة ~~ما حكاه القرآن فى قوله { لن أرسله معكم حتى تؤتون ~~موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم ~~}. والموثق العهد الموثق باليمين، وجمعه مواثيق. أى قال يعقوب - عليه ~~السلام - لهم والله لن أرسل معكم " بنيامين " إلى مصر، حتى تحلفوا لى ~~بالله، بأن تقولوا والله لنأتينك به عند عودتنا، ولن نتخلى عن ذلك، { ~~إلا أن يحاط بكم } أى إلا أن نهلك جميعا، أو أن نغلب عليه بما ~~هو فوق طاقتنا. يقولون أحيط بفلان إذا هلك أو قارب الهلاك، وأصله من ~~إحاطة العدو بالشخص، واستعمل فى الهلاك، لأن من أحاط به العدو ms2797 يهلك ~~غالبا. وسمى الحلف بالله - تعالى - موثقا، لأنه مما تؤكد به العهود ~~وتقوى وقد أذن الله - تعالى - بذلك عند وجود ما يقتضى الحلف به - سبحانه ~~-. وقوله { لتأتنني به } جواب لقسم محذوف والاستثناء فى قوله { ~~إلا أن يحاط بكم } مفرغ من أعم الأحوال، والتقدير لن أرسله ~~معكم حتى تحلفوا بالله وتقولوا والله لنأتينك به معنا عند عودتنا، فى ~~جميع الأحوال والظروف إلا فى حال هلاككم أو فى حال عجزكم التام عن مدافعة ~~أمر حال بينكم وبين الإتيان به معكم. وقوله { فلمآ آتوه ~~موثقهم } أى فلما أعطى الأبناء أباهم العهد الموثق باليمين بأن ~~أقسموا له بأن يأتوا بأخيهم معهم عند عودتهم من مصر. " قال " لهم على ~~سبيل التأكيد والحض على وجوب الوفاء الله - تعالى - على ما نقول أنا ~~وأنتم وكيل، أى مطلع ورقيب، وسيجازى الأوفياء خيرا، وسيجازى الناقضين ~~لعهودهم بما يستحقون من عقاب. # قال ابن كثير " وإنما فعل ذلك، لأنه لم يجد بدا من بعثهم لأجل الميرة ~~التى لا غنى لهم عنها فبعثه معهم ". ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما وصى به ~~يعقوب أبناءه عند سفرهم فقال { وقال يبني لا تدخلوا من ~~باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة... }. أى وقال ~~يعقوب - الأب العطوف - لأبنائه وهو يودعهم يا بنى إذا وصلتم إلى مصر، فلا ~~تدخلوا كلكم من باب واحد، وأنتم أحد عشر رجلا بل ادخلوا من أبوابها ~~المتفرقة، بحيث يدخل كل اثنين أو ثلاثة من باب. قالوا وكانت أبواب مصر فى ~~ذلك الوقت أربعة أبواب. وقد ذكر المفسرون أسبابا متعددة لوصية يعقوب هذه ~~لأبنائه، وأحسن هذه الأسباب ما ذكره الآلوسى فى قوله نهاهم عن الدخول من ~~باب واحد، حذرا من إصابة العين، أى من الحسد، فإنهم كانوا ذوى جمال ~~وشارة حسنة.. فكانوا مظنة لأن يعانوا - أى لأن يحسدوا - إذا ما دخلوا ~~كوكبة واحدة... ثم قال والعين حق، كما صح عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وصح أيضا بزيادة # " ولو كان شئ يسبق القدر سبقته العين ". # وقد ورد أيضا # " إن العين لتدخل الرجل ms2798 القبر، والجمل القدر ". # وقيل إن السبب فى وصية يعقوب لأبنائه بهذه الوصية، خوفه عليهم من أن ~~يسترعى عددهم حراس مدينة مصر إذا ما دخلوا من باب واحد، فيترامى فى ~~أذهانهم أنهم جواسيس أو ما شابه ذلك، فربما سجنوهم، أو حالوا بينهم وبين ~~الوصول إلى يوسف - عليه السلام -... وقوله { ومآ أغني عنكم من ~~الله من شيء } اعتراف منه - عليه السلام - بأن دخولهم من الأبواب ~~المتفرقة، لن يحول بينهم وبين ما قدره - تعالى - وأراده لهم، وإنما هو ~~أمرهم بذلك من باب الأخذ بالأسباب المشروعة. أى وإنى بقولى هذا لكم، لا ~~أدفع عنكم شيئا قدره الله عليكم، ولو كان هذا الشئ قليلا. { إن ~~الحكم إلا لله } أى ما الحكم فى كل شئ إلى لله - تعالى - وحده ~~لا ينازعه فى ذلك منازع. ولا يدافعه مدافع. { عليه } وحده { توكلت } فى ~~كل أمورى. { وعليه } وحده { فليتوكل المتوكلون } أى ~~المريدون للتوكل الحق، والاعتماد الصدق الذى لا يتعارض مع الأخذ بالأسباب ~~التى شرعها الله وأمر بها. إذ أن كلا من التوكل والأخذ بالأسباب مطلوب من ~~العبد، إلا أن العاقل عندما يأخذ فى الأسباب يجزم بأن الحكم لله وحده فى ~~كل الأمور، وأن الأسباب ما هى إلا أمور عادية، يوجد الله - تعالى - معها ~~ما يريد إيجاده، ويمنع ما يريد منعه، فهو الفعال لما يريد. # ويعقوب - عليه السلام - عندما أوصى أبناءه بهذه الوصية، أراد بها ~~تعليمهم الاعتماد على توفيق الله ولطفه، مع الأخذ بالأسباب المعتادة ~~الظاهرة تأدبا مع الله - تعالى - واضع الأسباب ومشرعها... ثم بين - ~~سبحانه - أن الأبناء قد امتثلوا أمر أبيهم لهم فقال { ولما دخلوا ~~من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من ~~الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها }. ~~والمراد بالحاجة هنا نصيحته لأبنائه بأن يدخلوا من أبواب متفرقة، خوفا ~~عليهم من الحسد. ومعنى { قضاها } أظهرها ولم يستطع كتمانها يقال قضى فلان ~~حاجة لنفسه إذا أظهر ما أضمره فيها. أى وحين دخل أبناء يعقوب من الأبواب ~~المتفرقة التى أمرهم أبوهم بالدخول منها، { ما كان } هذا ms2799 الدخول { ~~يغني عنهم } أى يدفع عنهم من قدر { الله من شيء } قدره ~~عليهم، ولكن الذى حمل يعقوب على أمرهم بذلك، حاجة أى رغبة خطرت فى نفسه { ~~قضاها } أى أظهرها ووصاهم بها ولم يستطع إخفاءها لشدة حبه لهم مع اعتقاده ~~بأن كل شئ بقضاء الله وقدره. وقوله - سبحانه - { وإنه لذو علم ~~لما علمناه } ثناء من الله - تعالى - على يعقوب بالعلم وحسن ~~التدبير. أى وإن يعقوب - عليه السلام - لذو علم عظيم، للشئ الذى علمناه ~~إياه عن طريق وحينا، فهو لا ينسى منه شيئا إلا ما شاء الله. وقوله { ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أى لا يعلمون ما يعلمه ~~يعقوب - عليه السلام - من أن الأخذ بالأسباب لا يتنافى مع التوكل على ~~الله - تعالى - أو ولكن أكثر الناس لا يعلمون ما أعطاه الله - تعالى - ~~لأنبيائه وأصفيائه من العلم والمعرفة وحسن التأتى للأمور. وإلى هنا تكون ~~الآيات الكريمة قد فصلت الحديث عما دار بين إخوة يوسف وبين أبيهم فى شأن ~~سفر أخيهم معهم... فماذا كان بعد ذلك؟ لقد كان بعد ذلك أن سافر إخوة يوسف ~~إلى مصر، ومعهم " بنيامين " الشقيق الأصغر ليوسف، والتقوا هناك بيوسف، ~~وتكشف هذا اللقاء عن أحداث مثيرة، زاخرة بالانفعالات والمفاجآت ~~والمحاورات... التى حكاها القرآن فى قوله - تعالى - { ولما دخلوا ~~على يوسف... }. ### || [12.69-82] # وقوله - سبحانه - { ولما دخلوا على يوسف آوى إليه ~~أخاه... } شروع فى بيان ما دار بين يوسف - عليه السلام - وبين شقيقه " ~~بنيامين " بعد أن حضر مع إخوته. وقوله { آوى } من الإيواء بمعنى الضم. ~~يقال آوى فلان فلانا إذا ضمه إلى نفسه، ويقال تأوت الطير وتآوت، إذا ~~تضامت وتجمعت. وقوله { فلا تبتئس } افتعال من البؤس وهو الشدة ~~والضر. يقال بئس - كسمع - فلان بؤسا وبئوسا، إذا اشتد حزنه وهمه. ~~والمعنى وحين دخل إخوة يوسف عليه، ما كان منه إلا أن ضم إليه شقيقه وقال ~~له مطمئنا ومواسيا إنى أنا أخوك الشقيق. فلا تحزن بسبب ما فعله إخوتنا ~~معنا من الحسد والأذى، فإن الله - تعالى - قد عوض صبرنا خيرا، وأعطانا ~~الكثير من خيره ms2800 وإحسانه. قال الإمام ابن كثير يخبر الله - تعالى - عن ~~إخوة يوسف لما قدموا على يوسف ومعهم أخوه " بنيامين " وأدخلهم دار كرامته ~~ومنزل ضيافته وأفاض عليهم الصلة والإحسان، واختلى بأخيه فأطلعه على شأنه ~~وما جرى له وقال { فلا تبتئس } أى لا تأسف على ما صنعوا بى، وأمره ~~بكتمان هذا عنهم، وأن لا يطلعهم على ما أطلعه عليه من أنه أخوه وتواطأ ~~معه أنه سيحتال على أن يبقيه عنده معززا مكرما معظما. ثم بين - سبحانه ~~- ما فعله يوسف - عليه السلام - مع إخوته، لكى يبقى أخاه معه فلا يسافر ~~معهم عند رحيلهم فقال { فلما جهزهم بجهازهم جعل ~~السقاية في رحل أخيه... } والجهاز كما سبق أن بينا ما يحتاج ~~إليه المسافر من زاد ومتاع.. والسقاية إناء كان الملك يشرب فيه، وعادة ما ~~يكون من معدن نفيس ولقد كان يوسف - عليه السلام - يكتال به فى ذلك الوقت ~~نظرا لقلة الطعام وندرته. وهذه السقاية هى التى أطلق عليها القرآن بعد ~~ذلك لفظ الصواع أى وحين أعطى يوسف إخوته ما هم فى حاجة إليه من زاد ~~وطعام، أوعز إلى بعض فتيانه أن يدسوا الصواع فى متاع أخيه " بنيامين " ~~دون أن يشعر بهم أحد.. وقوله { ثم أذن مؤذن أيتها ~~العير إنكم لسارقون } بيان لما قاله بعض أعوان يوسف لإخوته ~~عندما تهيئوا للسفر، وأوشكوا على الرحيل. والمراد بالمؤذن هنا المنادى ~~بصوت مرتفع ليعلم الناس ما يريد إعلامهم به. والمراد بالعير هنا أصحابها. ~~والأصل فيها أنها اسم للإبل التى تحمل الطعام وقيل العير تطلق فى الأصل ~~على قافلة الحمير، ثم تجوز فيها فأطلقت على كل قافلة تحمل الزاد وألوان ~~التجارة. أى ثم نادى مناد على إخوة يوسف - عليه السلام - وهم يتجهزون ~~للسفر، أو وهم منطلقون إلى بلادهم بقوله يا أصحاب هذه القافلة توقفوا حتى ~~يفصل فى شأنكم فأنتم متهمون بالسرقة. # قال الآلوسى ما ملخصه " والذى يظهر أن ما فعله يوسف، من جعله السقاية فى ~~رحل أخيه. ومن اتهامه لإخوته بالسرقة.. إنما كان بوحى من الله - تعالى - ~~لما علم - سبحانه - فى ms2801 ذلك من الصلاح، ولما أراد من امتحانهم بذلك. ~~ويؤيده قوله - تعالى - { كذلك كدنا ليوسف }. ثم بين - سبحانه ~~- ما قاله إخوة يوسف بعد أن سمعوا المؤذن يستوقفهم ويتهمهم بالسرقة فقال ~~- تعالى - { قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون }. ~~وتفقدون من الفقد، وهو غيبة الشئ عن الحس بحيث لا يعرف مكانه. أى قال ~~إخوة يوسف بدهشة وفزع لمن ناداهم وأخبرهم بأنهم سارقون، قالوا لهم ماذا ~~تفقدون - أيها الناس - من أشياء حتى اتهمتمونا بأننا سارقون؟!!! وهنا رد ~~عليهم المؤذن ومن معه من حراس { قالوا نفقد صواع الملك } ~~أى صاعه الذى يشرب فيه، ويكتال به للممتارين. { ولمن جآء به } أى ~~بهذا الصاع، أو دل على سارقه. { حمل بعير } من الطعام زيادة على ~~حقه كمكافأة له. { وأنا به زعيم } أى وأنا بهذا الحمل كفيل بأن ~~أدفعه لمن جاءنا بصواع الملك. ويبدو أن القائل لهذا القول هو المؤذن ~~السابق، ولعله قد قال ذلك بتوجيه من يوسف - عليه السلام -. وهنا نجد إخوة ~~يوسف يردون عليهم ردا يدل على استنكارهم لهذه التهمة وعلى تأكدهم من ~~براءتهم فيقولون { قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا ~~لنفسد في الأرض وما كنا سارقين }. أى قال إخوة يوسف ~~للمنادى ومن معه الذين اتهموهم بالسرقة تالله يا قوم، لقد علمتم من حالنا ~~وسلوكنا وأخلاقنا، أننا ما جئنا إلى بلادكم، لكى نفسد فيها أو نرتكب ما ~~لا يليق، وما كنا فى يوم من الأيام ونحن فى أرضكم لنرتكب هذه الجريمة، ~~لأنها تضرنا ولا تنفعنا، حيث إننا فى حاجة إلى التردد على بلادكم لجلب ~~الطعام، والسرقة تحول بيننا وبين ذلك، لأنكم بسببها ستمنعوننا من دخول ~~أرضكم، وهذه خسارة عظيمة بالنسبة لنا. وهنا يرد عليهم المنادى وأعوانه ~~بقولهم { قالوا فما جزآؤه إن كنتم كاذبين }. أى قال ~~المنادى وأعوانه لإخوة يوسف الذين نفوا عن أنفسهم تهمة السرقة نفيا ~~تاما. إذا فما جزاء وعقاب هذا السارق لصواع الملك فى شريعتكم، إن وجدنا ~~هذا الصواع فى حوزتكم، وكنتم كاذبين فى دعواكم أنكم ما كنتم سارقين. فرد ~~عليهم إخوة يوسف ببيان حكم هذا ms2802 السارق فى شريعتهم بقولهم { قالوا ~~جزآؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي ~~الظالمين }. والمراد بالجزاء العقاب الذى يعاقب به السارق فى ~~شريعتهم، والضمير فى قوله { جزاؤه } يعود إلى السارق. أى قال إخوة يوسف ~~جزاء السارق الذى يوجد صواع الملك فى رحله ومتاعه أن يسترق لمدة سنة، هذا ~~هو جزاؤه فى شريعتنا. # قال الشوكانى ما ملخصه وقوله { جزاؤه } مبتدأ، وقوله { من وجد في ~~رحله } خبر المبتدأ. والتقدير جزاء السرقة للصواع أخذ من وجد فى رحله ~~- أى استرقاقه لمدة سنة -، وتكون جملة { فهو جزاؤه } لتأكيد ~~الجملة الأولى وتقريرها. قال الزجاج وقوله { فهو جزاؤه } زيادة فى ~~البيان. " أى جزاؤه أخذ السارق فهو جزاؤه لا غيره ". وقالوا { جزآؤه ~~من وجد في رحله } ولم يقولوا جزاء السارق أو جزاء سرقته، ~~للإشارة إلى كمال نزاهتهم، وبراءة ساحتهم من السرقة، حتى لكأن ألسنتهم ~~لا تطاوعهم بأن ينطقوا بها فى هذا المقام. وقوله { كذلك نجزي ~~الظالمين } مؤكد لما قبله، أى مثل هذا الجزاء العادل، وهو الاسترقاق ~~لمدة سنة، نجازى الظالمين الذين يعتدون على أموال غيرهم. وقوله - سبحانه ~~- { فبدأ بأوعيتهم قبل وعآء أخيه ثم ~~استخرجها من وعآء أخيه } معطوف على كلام محذوف يفهم من ~~المقام. والتقدير وبعد هذه المحاورة التى دارت بين إخوة يوسف وبين الذين ~~اتهموهم بالسرقة أخبر الإخوة بتفتيش أمتعتهم للبحث عن الصواع بداخلها. ~~" فبدأ " المؤذن بتفتيش أوعيتهم، قبل أن يفتش وعاء " بنيامين " فلم يجد ~~شيئا بداخل أوعيتهم. فلما وصل إلى وعاء " بنيامين " وقام بتفتيشه وجد ~~السقاية بداخله، فاستخرجها منه على مشهد منهم جميعا. ويبدو أن هذا ~~الحوار من أوله كان بمشهد ومرأى من يوسف - عليه السلام - وكان أيضا ~~بتدبير وتوجيه منه للمؤذن ومن معه، فهو الذى أمر المؤذن بأن ينادى { ~~أيتها العير إنكم لسارقون } وهو الذى أشار عليه بأن ~~يسألهم عن حكم السارق فى شريعتهم، وهو الذى أمره بأن يبدأ بتفتيش أوعيتهم ~~قبل أن يفتش وعاء شقيقه " بنيامين " دفعا للتهمة، ونفيا للشبهة... روى ~~أنه لما بلغت النوبة إلى وعاء " بنيامين " لتفتيشه قال يوسف - عليه ms2803 ~~السلام - ما أظن هذا أخذ شيئا؟ فقالوا " والله لا تتركه حتى تنظر فى ~~رحله، فإنه أطيب لنفسك وأنفسنا ". ويطوى القرآن ما اعترى إخوة يوسف من ~~دهشة وخزى، بعد أن وجدت السقاية فى رحل " بنيامين " وبعد أن أقسموا بالله ~~على براءتهم من تهمة السرقة.. يطوى القرآن كل ذلك، ليترك للعقول أن ~~تتصوره... ثم يعقب على ما حدث ببيان الحكمة التى من أجلها ألهم الله - ~~تعالى - يوسف أن يفعل ما فعل من دس السقاية فى رحل أخيه، ومن سؤال إخوته ~~عن جزاء السارق فى شريعتهم فيقول { كذلك كدنا ليوسف ما كان ~~ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشآء الله... } ~~و " كدنا " من الكيد وأصله الاحتيال والمكر، وهو صرف غيرك عما يريده ~~بحيلة، وهو مذموم إن تحرى به الفاعل الشر والقبيح، ومحمود إن تحرى به ~~الفاعل الخير والجميل. # والمراد به هنا النوع المحمود، واللام فى " ليوسف " للتعليل. والمراد ~~بدين الملك شريعته التى يسير عليها فى الحكم بين الناس. والمعنى مثل هذا ~~التدبير الحكيم دبرنا من أجل يوسف ما يوصله إلى غرضه ومقصده، وهو احتجاز ~~أخيه بنيامين معه، بأن ألهمناه بأن يضع السقاية فى رحل أخيه، وبأن يسأل ~~إخوته عن حكم السارق فى شريعتهم.. وما كان يوسف ليستطيع أن يحتجز أخاه ~~معه، لو نفذ شريعة ملك مصر، لأن شريعته لا تجيز استرقاق السارق سنة كما ~~هو الحال فى شريعة يعقوب، وإنما تعاقب السارق بضربه وتغريمه قيمة ما ~~سرقه. وما كان يوسف ليفعل كل ذلك التدبير الحكيم فى حال من الأحوال، إلا ~~فى حال مشيئة الله ومعونته وإذنه بذلك، فهو - سبحانه - الذى ألهمه أن يدس ~~السقاية فى رحل أخيه، وهو - سبحانه - الذى ألهمه أن يسأل إخوته عن عقوبة ~~السارق فى شريعتهم حتى يطبقها على من يوجد صواع الملك فى رحله منهم. ~~والجملة الكريمة بيان لمظهر من مظاهر فضل الله - تعالى - على يوسف حيث ~~ألهمه ما يوصله إلى مقصوده بأحكم أسلوب. قال الآلوسى ما ملخصه قوله { ~~كذلك كدنا ليوسف } أى مثل ذلك الكيد العجيب وهو ms2804 إرشاد الإخوة ~~إلى الإفتاء المذكور... دبرنا وصنفنا من أجل يوسف ما يحصل به غرضه... ~~وقوله { ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك } أى فى حكمه ~~وقضائه والكلام استئناف وتعليل لذلك الكيد، كأنه قيل لماذا فعل؟ فقيل ~~لأنه لم يكن ليأخذ أخاه جزاء وجود الصواع عنده فى دين الملك فى أمر ~~السارق إلا بذلك الكيد، لأن جزاء السارق فى دينه أن يضاعف عليه الغرم... ~~دون أن يسترق كما هو الحال فى شريعة يعقوب. وقوله { إلا أن يشآء ~~الله } أى لم يكن يوسف ليتمكن من أخذ أخيه فى حال من الأحوال، إلا فى ~~حال مشيئته - تعالى - التى هى عبارة عن ذلك الكيد المذكور... " قالوا ~~وفى الآية دليل على جواز التوصل إلى الأغراض الصحيحة بما صورته صورة ~~الحيلة والمكيدة إذا لم يخالف ذلك شرعا ثابتا ". وقوله - سبحانه - { ~~نرفع درجات من نشآء وفوق كل ذي علم عليم } ~~استئناف لبيان قدرة الله - تعالى - وسعة رحمته وعطائه. أى نرفع من نشاء ~~رفعه من عبادنا إلى درجات عالية من العلوم والمعارف والعطايا والمواهب.. ~~كما رفعنا درجات يوسف - عليه السلام -. { وفوق كل ذي علم } من ~~أولئك المرفوعين { عليم } يزيد عنهم فى علمهم وفى مكانتهم عند الله - ~~تعالى - فهو - سبحانه - العليم بأحوال عباده، وبمنازلهم عنده، وبأعلاهم ~~درجة ومكانة. # وقال - سبحانه - { نرفع } بصيغة الاستقبال وللأشعار بأن ذلك سنة من سننه ~~الإلهية التى لا تتخلف ولا تتبدل، وأن عطاءه - سبحانه - لا يناله إلا ~~الذين تشملهم إرادته ومشيئته كما تقتضيه حكمته. وجاءت كلمة { درجات } ~~بالتنكير، للإشارة إلى عظمها وكثرتها. ثم حكى - سبحانه - ما قاله إخوة ~~يوسف فى أعقاب ثبوت تهمة السرقة على أخيه " بنيامين " فقال - تعالى - { ~~قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل... } أى ~~قال إخوة يوسف - عليه السلام - بعد هذا الموقف المحرج لهم. إن يسرق ~~بنيامين هذا الصواع الخاص بالملك فقد سرق أخ له من قبل - وهو يوسف - ما ~~يشبه ذلك. وقولهم هذا يدل على أن صنيعهم بيوسف وأخيه ما زال متمكنا من ~~نفوسهم. وقد ذكر المفسرون هنا روايات ms2805 متعددة فى مرادهم بقولهم هذا، ومن ~~بين هذه الروايات ما أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس عن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال فى الآية " سرق يوسف - عليه السلام - صنما لجده ~~وكان هذا الصنم من ذهب وفضه، فكسره وألقاه فى الطريق، فعير إخوته بذلك ". ~~وقوله { فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم ~~قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون } ~~بيان لموقفه من مقالتهم، والضمير فى " فأسرها " يعود إلى تلك المقالة ~~التى قالوها. أى سمع يوسف - عليه السلام - ما قاله إخوته فى حقه وفى حق ~~شقيقه فساءه ذلك، ولكنه كظم غيظه، ولم يظهر لهم تأثره مما قالوه وإنما رد ~~عليهم بقوله " بل أنتم " أيها الإخوة " شر مكانا " أى موضعا ومنزلا ممن ~~نسبتموه إلى السرقة وهو برئ، لأنكم أنتم الذين كذبتم على أبيكم وخدعتموه، ~~وقلتم له بعد أن ألقيتم أخاكم فى الجب، لقد أكله الذئب. { والله } - ~~تعالى - { أعلم } منى ومنكم " بما تصفون " به غيركم من الأوصاف التى ~~يخالفها الحق، ولا يؤيدها الواقع. ثم حكى - سبحانه - ما قالوا ليوسف على ~~سبيل الرجاء والاستعطاف لكى يطلق لهم أخاهم حتى يعود معهم إلى أبيهم فقال ~~{ قالوا يأيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا ~~فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين }. أى ~~قال إخوة يوسف له على سبيل الاستعطاف { يأيها العزيز } الذى ~~أكرمنا وأحسن إلينا { إن } أخانا الذى أخذته على سبيل الاسترقاق لمدة ~~سنة، قد ترك من خلفه فى بلادنا { أبا شيخا كبيرا } متقدما فى ~~السن، وهذا الأب يحب هذا الابن حبا جما فإذا كان ولا بد من أن تأخذ ~~واحدا على سبيل الاسترقاق بسبب هذه السرقة { فخذ أحدنا مكانه ~~} حتى لا نفجع أبانا فيه. # وإننا ما طلبنا منك هذا الطلب، إلا لأننا { نراك من المحسنين ~~} إلينا، المكرمين لنا، فسر على طريق هذا الإحسان والإكرام، وأطلق سراح ~~أخينا " بنيامين " ليسافر معنا. ولكن هذا الرجاء والتلطف والاستعطاف منهم ~~يوسف، لم ينفعهم شيئا، فقد رد عليهم فى حزم وحسم بقوله { قال معاذ ~~الله أن نأخذ إلا ms2806 من وجدنا متاعنا عنده.. } و " ~~معاذ " منصوب بفعل محذوف. أى قال يوسف لهم نعوذ بالله - تعالى - معاذا، ~~من أن نأخذ فى جريمة السرقة إلا الشخص الذى وجدنا صواع الملك عنده وهو " ~~بنيامين " وأنتم الذين أفتيتم بأن السارق فى شريعتكم عقوبته استرقاقه ~~لمدة سنة، فنحن نسير فى هذا الحكم تبعا لشريعتكم. { إنآ إذا ~~لظالمون } إذا أخذنا شخصا آخر سوى الذى وجدنا متاعنا عنده، والظلم ~~تأباه شريعتنا كما تأباه شريعتكم، فاتركوا الجدال فى هذا الأمر الذى لا ~~ينفع معه الجدال، لأننا لا نريد أن نكون ظالمين. وبهذا الرد الحاسم قطع ~~يوسف حبال آمال إخوته فى العفو عن بنيامين أو فى أخذ أحدهم مكانه، ~~فانسحبوا من أمامه تعلوهم الكآبة، وطفقوا يفكرون فى مصيرهم وفى موقفهم من ~~أبيهم عند العودة إليه. وقد حكى القرآن ذلك بأسلوبه البليغ فقال { ~~فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ~~ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا ~~من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف... }. وقوله " ~~استيأسوا " يئسوا يأسا تاما فالسين والتاء للمبالغة. و " خلصوا " من ~~الخلوص بمعنى الانفراد. و " نجيا " حال من فاعل خلصوا. وهو مصدر أطلق على ~~المتناجين فى السر على سبيل المبالغة. والفاء فى قوله { فلما ~~استيأسوا منه... } معطوفة على محذوف يفهم من الكلام. والتقدير ~~لقد بذل إخوة يوسف أقصى جهودهم معه ليطلق لهم سراح أخيهم بنيامين، فلما ~~يئسوا يأسا تاما من الوصول إلى مطلوبهم، انفردوا عن الناس ليتشاوروا ~~فيما يفعلونه، وفيما سيقولونه لأبيهم عندما يعودون إليه ولا يجد معهم " ~~بنيامين ". هذه الجملة الكريمة وهى قوله - تعالى - { فلما ~~استيأسوا منه خلصوا نجيا } من أبلغ الجمل التى اشتمل ~~عليها القرآن الكريم، ومن العلماء الذين أشاروا إلى ذلك الإمام الثعالبى ~~فى كتاب " الإيجاز والإعجاز " فقد قال من أراد أن يعرف جوامع الكلم، ~~ويتنبه لفضل الاختصار ويحيط ببلاغة الإيجاز، ويفطن لكفاية الإيجاز، ~~فليتدبر القرآن وليتأمل علوه على سائر الكلام. ثم قال فمن ذلك قوله - ~~تعالى - فى إخوة يوسف { فلما استيأسوا منه خلصوا ~~نجيا } وهذه صفة اعتزالهم جميع الناس، ms2807 وتقليبهم الآراء ظهرا لبطن، ~~وأخذهم فى تزوير ما يلقون به أباهم عند عودتهم إليه، وما يوردون عليه من ~~ذكر الحادث. # فتضمنت تلك الكلمات القصيرة، معانى القصة الطويلة ". وقوله { قال ~~كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم... } إلخ بيان لما قاله ~~لهم أحدهم خلال تناجيهم مع بعهضم فى عزلة عن الناس. ولم يذكر القرآن اسم ~~كبيرهم، لأنه لا يتعلق بذكره غرض منهم، وقد ذكر بعض المفسرين أن المراد ~~به " روبيل " لأنه أسنهم، وذكر بعضهم أنه " يهوذا " لأنه كبيرهم فى ~~العقل.. أى وحين اختلى إخوة يوسف بعضهم مع بعض لينظروا فى أمرهم بعد أن ~~احتجز عزيز مصر أخاهم بنيامين، قال لهم كبيرهم { ألم تعلموا } ~~وأنتم تريدون الرجعو إلى أبيكم وليس معكم " بنيامين ". { أن أباكم ~~قد أخذ عليكم موثقا من الله } عندما أرسله معكم، ~~بأن تحافظوا عليه، وأن لا تعودوا إليه بدونه إلا أن يحاط بكم. وألم ~~تعلموا كذلك أنكم فى الماضى قد فرطتم وقصرتم فى شأن يوسف، حيث عاهدتم ~~أباكم على حفظه، ثم ألقيتم به فى الجب. والاستفهام فى قوله { ألم ~~تعلموا... } للتقرير. أى لقد علمتم علما يقينا بعهد أبيكم عليكم ~~بشأن بنيامين، وعلمتم علما يقينا بخيانتكم لعهد أبيكم فى شأن يوسف، فبأى ~~وجه ستعودون إلى أبيكم وليس معكم أخوكم بنيامين؟ قال الشوكانى قوله { ~~ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا ~~من الله } أى عهدا من الله - تعالى - بحفظ ابنه ورده إليه. ومعنى ~~كونه من الله أنه بإذنه. وقوله { ومن قبل ما فرطتم في ~~يوسف } معطوف على ما قبله. والتقدير ألم تعلموا أن أباكم... وتعلموا ~~تفريطكم فى يوسف، فقوله " ومن قبل " متعلق بتعلموا. أى تعلموا تفريطكم فى ~~يوسف من قبل. على أن ما مصدرية. وقوله { فلن أبرح الأرض ~~حتى يأذن لي... } حكاية للقرار الذى اتخذه كبيرهم بالنسبة ~~لنفسه. أى قال كبير إخوة يوسف لهم لقد علمتم ما سبق أن قلته لكم، فانظروا ~~فى أمركم، أما أنا { فلن أبرح الأرض } أى فلن أفارق مصر { ~~حتى يأذن لي أبي } بمفارقتها، لأنه قد أخذ علينا العهد ms2808 الذى ~~تعلمونه بشأن أخى بنيامين. { أو يحكم الله لي } بالخروج منها ~~وبمفارقتها على وجه لا يؤدى إلى نقض الميثاق مع أبى " وهو " - سبحانه - { ~~خير الحاكمين } لأنه لا يحكم إلا بالحق والعدل. ثم واصل كبيرهم ~~حديثه معهم فقال { ارجعوا } يا إخوتى { إلى أبيكم } يعقوب { ~~فقولوا } له برفق وتلطف. { يأبانا إن ابنك } بنيامين { سرق ~~} صواع الملك، ووجد الصواع فى رحله وقولوا له أيضا إننا { وما ~~شهدنآ إلا بما علمنا } أى وما شهدنا على أخينا بهذه الشهادة ~~إلا على حسب علمنا ويقيننا بأنه سرق. { وما كنا للغيب ~~حافظين } أى وما كنا نعلم الغيب بأنه سيسرق صواع الملك، عندما ~~أعطيناك عهودنا ومواثيقنا بأن نأتيك به معنا إلا أن يحاط بنا. # وقولوا كذلك على سبيل زيادة التأكيد، إن كنت فى شك من قولنا هذا فاسأل { ~~القرية التي كنا فيها } والمراد بالقرية أهلها. أى فأرسل من ~~تريد إرساله إلى أهل القرية التى حصلت فيها حادثة السرقة فإنهم سيذكرون ~~لك تفاصيلها. قالوا ومرادهم بالقرية مدينة مصر التى حدث فيها ما حدث، ~~وعبروا عنها بالقرية لأنهم يقصدون مكانا معينا منها، وهو الذى حصل فيه ~~التفتيش لرحالهم، والمراجعة بينهم وبين عزيز مصر ومعاونيه. وقوله { ~~والعير التي أقبلنا فيها } معطوف على ما قبله. أى اسأل ~~أهل القرية التى كنا فيها، واسأل { العير } أى قوافل التجارة التى كنا ~~فيها عند ذهابنا وإيابنا فإن أصحاب هذه القوافل يعلمون ما حدث من ابنك " ~~بنيامين ". وقوله { وإنا لصادقون } أى وإنا لصادقون فى كل ما ~~أخبرناك به. فكن واثقا من صدقنا. وقد ختم كبيرهم كلامه بهذه الجملة، ~~زيادة فى تأكيد صدقهم، لأن ماضيهم معه يبعث على الريبة والشك، فهم الذين ~~قالوا له قبل ذلك فى شأن يوسف # أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له ~~لحافظون # ثم ألقوا به الجب، # وجآءوا أباهم عشآء يبكون # وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد صورت بأسلوب حافل بالإثارة والمحاورة، ~~والأخذ والرد، والترغيب والترهيب.. ما دار بين يوسف وإخوته عندما قدموا ~~إليه للمرة الثانية ومعهم شقيقة " بنيامين ". * * * فماذا كان بعد ذلك؟ ms2809 ~~لقد كان بعد ذلك أن عاد الإخوة إلى أبيهم وتركوا بمصر كبيرهم وأخاهم ~~بنيامين، ويطوى القرآن الحكيم - على عادته فى هذه السورة الكريمة - أثر ~~ذلك على قلب أبيهم المفجوع، إلا أنه يسوق لنا رده عليهم، الذى يدل على ~~كمال إيمانه، وسعة آماله فى رحمة الله - تعالى - فيقول { قال بل ~~سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل... } ### || [12.83-87] # أى { قال } يعقوب لبنيه، الذين حضروا إليه من رحلتهم، فأخبروه بما هيج ~~أحزانه... قال لهم { بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر ~~جميل } أى ليس الأمر كما تدعون، ولكن أنفسكم هى التى زينت لكم أمرا ~~أنتم أردتموه، فصبرى على ما قلتم صبر جميل، أى لا جزع معه، ولا شكوى إلا ~~الله - تعالى -. قال ابن كثير " قال لهم كما قال لهم حين جاءوا على قميص ~~يوسف بدم كذب { بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر ~~جميل } ". قال محمد بن إسحاق لما جاءوا يعقوب وأخبروه بما جرى، ~~اتهمهم، وظن أن ما فعلوه ببنيامين يشبه ما فعلوه بيوسف فقال { بل ~~سولت لكم أنفسكم أمرا... } وقال بعض الناس لما كان ~~صنيعهم هذا مرتبا على فعلهم الأول، سحب حكم الأول عليه، وصح قوله { بل ~~سولت لكم أنفسكم أمرا... } والخلاصة أن الذى حمل يعقوب ~~- عليه السلام - على هذا القول لهم، المفيد لتشككه فى صدق ما أثبتوه ~~لأنفسهم من البراءة، هو ماضيهم معه، فإنهم قد سبق لهم أن فجعوه فى يوسف ~~بعد أن عاهدوه على المحافظة عليه. ولكن يعقوب هنا أضاف إلى هذه الجملة ~~جملة أخرى تدل على قوة أمله فى رحمة الله، وفى رجائه الذى لا يخيب فى أن ~~يجمع شمله بأبنائه جميعا فقال - عليه السلام - { عسى الله أن ~~يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم }. أى ~~عسى الله - تعالى - أن يجمعنى بأولادى جميعا - يوسف وبنيامين وروبيل ~~الذى تخلف عنهم فى مصر - إنه - سبحانه - هو العليم بحالى، الحكيم فى كل ~~ما يفعله ويقضى به. وهذا القول من يعقوب - عليه السلام - يدل دلالة واضحة ~~على كمال إيمانه، وحسن صلته بالله - تعالى - وقوة رجائه ms2810 فى كرمه وعطفه ~~ولطفه - سبحانه -. وكأنه بهذا القول يرى بنور الله الذى غرسه فى قلبه، ما ~~يراه غيره بحواسه وجوارحه. ثم يصور - سبحانه - ما اعترى يعقوب من أحزانه ~~على يوسف، جددها فراق بنيامين له فقال - تعالى - { وتولى عنهم ~~وقال يأسفى على يوسف وابيضت عيناه من ~~الحزن فهو كظيم }. وقوله { يأسفى } من الأسف وهو أشد ~~الحزن والتحسر على ما فات من أحداث. يقال أسف فلان على كذا يأسف أسفا، ~~إذا حزن حزنا شديدا. وألفه بدل من ياء المتكلم للتخفيف والأصل يا أسفى. ~~وكظيم بمعنى مكظوم، وهو الممتلئ بالحزن ولكنه يخفيه من الناس ولا يبديه ~~لهم. ومنه قوله - تعالى - # والكاظمين الغيظ # أى المخففين له، مأخوذ من كظم فلان السقاء إذا سده على ما بداخله. # والمعنى وبعد أن استمع يعقوب إلى ما قاله له أبناؤه، ورد عليهم.. ~~انتابته الأحزان والهموم، وتجددت فى قلبه الشجون.. فتركهم واعتزل مجلسهم ~~وقال { يأسفى على يوسف } أى يا حزنى الشديد على يوسف أقبل ~~فهذا أوان إقبالك. { وابيضت } عينا يعقوب من شدة الحزن على يوسف ~~وأخيه حتى ضعف بصره، حيث انقلب سواد عينيه بياضا من كثرة البكاء. { ~~فهو كظيم } أى ممتلئ زنا على فراق يوسف له، إلا أنه كاتم لهذا ~~الحزن لا يبوح به لغيره من الناس. قالوا وإنما تأسف على يوسف دون أخويه - ~~بنيامين وروبيل - مع أن الرزء الأحدث أشد على النفس... لأن الرزء فى يوسف ~~كان قاعدة مصيباته التى ترتبت عليها الرزايا والخطوب ولأن حبه ليوسف كان ~~حبا خاصا لا يؤثر فيه مرور الأعوام... ولأن من شأن المصيبة الجديدة أن ~~تذكر بالمصيبة السابقة عليها، وتهيج أحزانها، وقد عبر عن هذا المعنى متمم ~~ابن نويرة فى رثائه لأخيه مالك فقال # لقد لامنى عند القبور على البكا رفيقى لتذراف الدموع السوافك فقال ~~أتبكى كل قبر رأيته لقبر ثوى بين اللوى والد كادك فقلت له إن الشجى يبعث ~~الشجى فدعنى، فهذا كله قبر مالك # وقال صاحب الكشاف " فإن قلت كيف جاز لنبى الله يعقوب أن يبلغ به الجزع ~~ذلك المبلغ؟ ms2811 " قلت الإنسان مجبول على أن لا يملك نفسه عند الشدائد من ~~الحزن. ولقد بكى النبى - صلى الله عليه وسلم - على ولده إبراهيم وقال إن ~~العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا ~~إبراهيم لمحزونون. وإنما الجزع المذموم ما يقع من الجهلة من الصياح ~~والنياحة، ولطم الصدور والوجوه وتمزيق الثياب. وعن الحسن أنه بكى على ~~ولده له، فقيل له فى ذلك؟ فقال " ما رأيت الله جعل الحزن عارا على يعقوب ~~" ثم يحكى القرآن ما قاله أبناء يعقوب له، وقد رأوه على هذه الصورة من ~~الهم والحزن فيقول { قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف ~~حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين }. قال ~~الشوكانى قوله { تفتأ } أى لا تفتأ، فحذف حرف النفى لأمن اللبس. قال ~~الكسائى فتأت وفيئت أفعل كذا أى مازلت أفعل كذا. وقال الفراء إن " لا ~~" مضمرة، أى لا تفتأ.. ومنه قول الشاعر # فقلت يمين الله أبرح قاعدا ولو قطعوا رأسى لديك وأوصالى # أى " لا أبرح قاعدا... " و { حرضا } مصدر حرض. كتعب - والحرض ~~الإشراف على الهلاك من شدة الحزن أو المرض أو غيرهما. والمعنى قال أبناء ~~يعقوب له بعد أن سمعوه وهو يتحسر على فراق يوسف له تالله - يا أبانا - ما ~~تزال تذكر يوسف بهذا الحنين الجارف، والحزن المضنى، { حتى تكون ~~حرضا } أى مشرفا على الموت لطول مرضك. { أو تكون من ~~الهالكين } المفارقين لهذه الدنيا. # وهنا يرد عليهم الأب الذى يشعر بغير ما يشعرون به من ألم وأمل... { ~~قال إنمآ أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من ~~الله ما لا تعلمون } و " البث " ما ينزل بالإنسان من مصائب ~~يعظم حزن صاحبها بسببها. حتى أنه لا يستطيع إخفاء هذا الحزن، وأصله ~~التفريق وإثارة الشئ ومنه قولهم بثت الريح التراب إذا فرقته. قالوا ~~والإنسان إذا قدر على كتم ما نزل به من المصائب كان حزنا، وإذا لم يقدر ~~على كتمه كان بثا... والمعنى قال يعقوب لأولاده الذين لاموه على شدة ~~حزنه على يوسف إنما أشكو، { بثى } أى همى الذى ms2812 انطوى عليه صدرى { إلى ~~الله } - تعالى - وحده، لا إلى غيره، فهو العليم بحالى، وهو القادر على ~~تفريج كربى، فاتركونى وشأنى مع ربى وخالقى. فإنى { وأعلم من ~~الله } أى من لطفه وإحسانه وثوابه على الصبر على المصيبة { ما لا ~~تعلمون } أنتم، وإنى لأرجو أن يرحمنى وأن يلطف بى، وأن يجمع شملى ~~بمن فارقنى من أولادى، فإن حسن ظنى به - سبحانه - عظيم. قال صاحب الظلال ~~" وفى هذه الكلمات - التى حكاها القرآن عن يعقوب - عليه السلام - يتجلى ~~الشعور بحقيقة الألوهية فى هذا القلب الموصول، كما تتجلى هذه الحقيقة ~~ذاتها بجلالها الغامر، ولألائها الباهر. إن هذا الواقع الظاهر الميئس من ~~يوسف، وهذا المدى الطويل الذى يقطع الرجاء من حياته فضلا عن عودته إلى ~~أبيه... إن هذا كله لا يؤثر شيئا فى شعور الرجل الصالح بربه، فهو يعلم ~~من حقيقة ربه ومن شأنه ما لا يعلمه هؤلاء المحجوبون عن تلك الحقيقة... ~~وهذه قيمة الإيمان بالله... إن هذه الكلمات { وأعلم من الله ~~ما لا تعلمون } تجلو هذه الحقيقة بما لا تملك كلماتنا نحن أن ~~تجلوها. وتعرض مذاقا يعرفه من ذاق مثله، فيدرك ماذا تعنى هذه الكلمات فى ~~نفس العبد الصالح يعقوب... والقلب الذى ذاق هذا المذاق، لا تبليغ الشدائد ~~منه - مهما - بلغت إلا أن يتعمق اللمس والمشاهدة والمذاق... " ثم يمضى ~~يعقوب - عليه السلام - فى رده على أولاده فيأمرهم أن يواصلوا بحثهم عن ~~يوسف وأخيه، وأن لا يقنطوا من رحمة الله فيقول { يبني اذهبوا ~~فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح ~~الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم ~~الكافرون }. والتحسس هو طلب الشئ بطريق الحواس بدقة وحكمة وصبر على ~~البحث. أى قال يعقوب لأبنائه يا بنى { اذهبوا } إلى أرض مصر وإلى أى مكان ~~تتوقعون فيه وجود يوسف وأخيه { فتحسسوا } أمرهما. وتخبروا خبرهما، ~~وتعرفوا نبأهما بدون كلل أو ملل. وفى التعبير بقوله { فتحسسوا } ~~إشارة إلى أمره لهم بالبحث الجاد الحكيم المتأنى { ولا تيأسوا من ~~روح الله } أى ولا تقنطوا من فرج الله وسعة رحمته، وأصل ms2813 معنى ~~الروح التنفس. # يقال أراح الإنسان إذا تنفس، ثم استعير لحلول الفرج. وكلمة { روح } - ~~بفتح الراء - أدل على هذا المعنى، لما فيها من ظل الاسترواح من الكرب ~~الخانق بما تتنسمه الأرواح من رحمة الله. وقوله { إنه لا ييأس ~~من روح الله إلا القوم الكافرون } تعليل لحضهم على ~~التحسس أى لا تقصروا فى البحث عن يوسف وأخيه، ولا تقنطوا من رحمة الله، ~~فإنه لا يقنط من رحمة الله إلا القوم الكافرون، لعدم علمهم بالله - تعالى ~~- وبصفاته وبعظيم قدرته، وبواسع رحمته... أما المؤمنون فإنهم لا ييأسوا ~~من فرج الله أبدا، حتى ولو أحاطت بهم الكروب، واشتدت عيهم المصائب... ~~واستجاب الأبناء لنصيحة أبيهم، فأعدوا عدتهم للرحيل إلى مصر للمرة ~~الثالثة، ثم ساروا فى طريقهم حتى دخلوها، والتقوا بعزيز مصر الذى احتجز ~~أخاهم بنيامين، وتحكى السورة الكريمة ما دار بينهم وبينه فتقول { ~~فلما دخلوا عليه قالوا يأيها العزيز... }. ### || [12.88-98] # وقوله - تعالى - { فلما دخلوا عليه قالوا يأيها ~~العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة ~~مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينآ... } حكاية ~~لما قاله إخوة يوسف له، بعد أن امتثلوا أمر أبيهم، فخرجوا إلى مصر للمرة ~~الثالثة، ليتحسسوا من يوسف وأخيه، وليشتروا من عزيزها ما هم فى حاجة إليه ~~من طعام. والبضاعة هى القطعة من المال، يقصد بها شراء شئ. والمزجاة هى ~~القليلة الرديئة التى ينصرف عنها التجار إهمالا لها. وقالوا وكانت ~~بضاعتهم دراهم زيوفا لا تؤخذ إلا بوضيعة - أى بأقل قيمة - وقيل غير ذلك. ~~وأصل الإزجاء السوق والدفع قليلا قليلا، ومنه قوله - تعالى - # ألم تر أن الله يزجي سحابا... # أى يرسله رويدا رويدا... وسميت البضاعة الرديئة القلية مزجاة، لأنها ترد ~~وتدفع ولا يقبلها التجار إلى بأبخس الأثمان. والمعنى وقال إخوة يوسف له ~~بأدب واستعطاف، بعد أن دخلوا عليه للمرة الثالثة { يأيها العزيز ~~} أى الملك صاحب الجاه والسلطان والسعة فى الرزق، { مسنا وأهلنا ~~الضر } أى أصابنا وأصاب أهلنا معنا الفقر والجدب والهزل من شدة ~~الجوع. { وجئنا ببضاعة مزجاة } أى وجئنا معنا من بلادنا ~~ببضاعة قليلة رديئة يردها ms2814 وينصرف عنها كل من يراها من التجار، إهمالا ~~لها، واحتقارا لشأنها. وإنما قالوا له ذلك استدرارا لعطفه، وتحريكا ~~لمروءته وسخائه، قبل أن يخبروه بمطلبهم الذى حكاه القرآن فى قوله { ~~فأوف لنا الكيل وتصدق علينآ... } أى هذا هو حالنا ~~شرحناه لك، وهو يدعو إلى الشفقة والرحمة، ما دام أمرنا كذلك، فأتمم لنا ~~كيلنا ولا تنقص منه شيئا، وتصدق علينا فوق حقنا بما أنت أهل له من كرم ~~ورحمة { إن الله يجزي المتصدقين } على غيرهم جزاء كريما ~~حسنا. ويبدو أن يوسف - عليه السلام - قد تأثر بما أصابهم من ضر وضيق حال، ~~تأثرا جعله لا يستطيع أن يخفى حقيقته عنهم أكثر من ذلك، فبادرهم بقوله { ~~قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم ~~جاهلون }. أىقال لهم يوسف - عليه السلام - على سبيل التعريض بهم، ~~والتذكير بأخطائهم هل علمتم ما فعلتموه بيوسف وأخيه من أذى وعدوان ~~عليهما، وقت أن كنتم تجهلون سوء عاقبة هذا الأذى والعدوان. قالوا وقوله ~~هذا يدل على سمو أخلاقه حتى لكأنه يلتمس لهم العذر، لأن ما فعلوه معه ومع ~~أخيه كان فى وقت جهلهم وقصور عقولهم، وعدم علمهم بقبح ما أقدموا عليه... ~~وقيل نفى عنهم العلم وأثبت لهم الجهل، لأنهم لم يعملوا بمقتضى علمهم. ~~والأول أولى وأقرب إلى ما يدل عليه سياق الآيات بعد ذلك، من عفوه عنهم، ~~وطلب المغفرة لهم. وهنا يعود إلى الإخوة صوابهم، وتلوح لهم سمات أخيهم ~~يوسف، فيقولون له فى دهشة وتعجب { قالوا أإنك لأنت يوسف }؟ ~~أى أئنك لأنت أخونا يوسف الذى أكرمنا. # .. والذى فارقناه وهو صغير فأصبح الآن عزيز مصر، والمتصرف فى شئونها؟.. ~~فرد عليهم بقوله { قال أنا يوسف } الذى تتحدثون عنه. والذى فعلتم ~~معه ما فعلتم... { وهذا أخي } بنيامين الذى ألهمنى الله الفعل ~~الذى عن طريقه احتجزته عندى، ولم أرسله معكم... { قد من الله } - ~~تعالى - { علينا } حيث جمعنا بعد فراق طويل، وبدل أحوالنا من عسر إلى يسر ~~ومن ضيق إلى فرج... ثم علل ذلك بما حكاه القرآن عنه فى قوله { إنه ~~من يتق ويصبر ms2815 فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين }. أى إن من شأن الإنسان الذى يتقى الله - تعالى - ويصون ~~نفسه عن كل ما لا يرضاه، ويصبر على قضائه وقدره، فإنه - تعالى - يرحمه ~~برحمته، ويكرمه بكرمه، لأنه - سبحانه - لا يضيع أجر من أحسن عملا، وتلك ~~سنته - سبحانه - التى لا تتخلف... وهنا يجسد فى أذهان إخوة يوسف ما فعلوه ~~معه فى الماضى، فينتابهم الخزى والخجل، حيث قابل إساءتهم إليه بالإحسان ~~عليهم، فقالوا له فى استعطاف وتذلل { قالوا تالله لقد آثرك ~~الله علينا وإن كنا لخاطئين } أى نقسم بالله - تعالى - ~~لقد اختارك الله - تعالى - لرسالته، وفضلك علينا بالتقوى وبالصبر وبكل ~~الصفات الكريمة. أما نحن فقد كنا خاطئين فيما فعلناه معك، ومتعمدين لما ~~ارتكبناه فى حقك من جرائم، ولذلك أعزك الله - تعالى - وأذلنا، وأغناك ~~وأفقرنا، ونرجو منك الصفح والعفو. فرد عليهم يوسف - عليه السلام - بقوله ~~{ قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم ~~وهو أرحم الراحمين }. والتثريب التعيير والتوبيخ والتأنيب. ~~وأصله كما يقول الآلوسى من الثرب، وهو الشحم الرقيق فى الجوف وعلى ~~الكرش... فاستعير للتأنيب الذى يمزق الأعراض ويذهب بهاء الوجه، لأنه ~~بإزالة الشحم يبدو الهزال، كما أنه بالتأنيب واللوم تظهر العيوب، فالجامع ~~بينهما طريان النقص بعد الكمال. أى قال يوسف لإخوته على سبيل الصفح ~~والعفو يا إخوتى لا لوم ولا تأنيب ولا تعيير عليكم اليوم، فقد عفوت عما ~~صدر منكم فى حقى وفى حق أخى من أخطاء وآثام وأرجو الله - تعالى - أن يغفر ~~لكم ما فرط منكم من ذنوب وهو - سبحانه - أرحم الراحمين بعباده. وقوله { ~~لا تثريب } اسم لا النافية للجنس، و { عليكم } متعلق بمحذوف ~~خبر لا، و { اليوم } متعلق بذلك الخبر المحذوف. أى لا تقريع ولا ~~تأنيب ثابت أو مستقر عليكم اليوم. وليس التقييد باليوم لإفادة أن ~~التقريع ثابت فى غيره، بل المراد نفيه عنهم فى كل ما مضى من الزمان، لأن ~~الإنسان إذا لم يوبخ صاحبه فى أول لقاء معه على أخطائه فلأن يترك ذلك ~~بعد أول لقاء أولى. # ثم انتقل يوسف - عليه السلام ms2816 - من الحديث عن الصفح عنهم إلى الحديث عن ~~أبيه الذى ابيضت عيناه عليه من الحزن فقال { اذهبوا بقميصي ~~هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني ~~بأهلكم أجمعين }. أى اذهبوا يا إخوتى بقميصى هذا { ~~فألقوه على وجه أبي } الذى طال حزنه بسبب فراقى له { يأت ~~بصيرا } أى يرتد إيله كامل بصره، بعد أن ضعف من شدة الحزن. { وأتونى } ~~معه إلى هنا ومعكم أهلكم جميعا من رجال ونساء وأطفال. وقول يوسف هذا إنا ~~هو بوحى من الله - تعالى - فهو - سبحانه - الذى ألهمه أن إلقاء قميصه على ~~وجه أبيه يؤدى إلى ارتداد بصره إليه كاملا، وهذا من باب خرق العادة ~~بالنسبة لهذين النبيين الكريمين. واستجاب الإخوة لتوجيه يوسف، فأخذوا ~~قميصه وعادوا إلى أوطانهم ويصور القرآن ما حدث فيقول { ولما فصلت ~~العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن ~~تفندون }. و { فصلت العير } أى خرجت من مكان إلى مكان آخر. ~~يقال فصل فلان من بلده كذا فصولا، إذا جاوز حدودها إلى حدود بلدة أخرى. ~~و { تفندون } من الفند وهو ضعف العقل بسبب المرض والتقدم فى السن. ~~والمعنى وحين غادرت الإبل التى تحمل إخوة يوسف حدود مصر، وأخذت طريقها ~~إلى الأرض التى يسكنها يعقوب وبنوه، قال يعقوب - عليه السلام - لمن كان ~~جالسا معه من أهله وأقاربه، استمعوا إلى { إني لأجد ريح يوسف ~~}. أى رائحته التى تدل عليه، وتشير إلى قرب لقائى به. و { لولا } أن ~~تنسبونى إلى الفند وضعف العقل لصدقتمونى فيما قلت، أو لولا أن تنسبونى ~~إلى ذلك لقلت لكم إنى أشعر أن لقائى بيوسف قد اقترب وقته وحان زمانه. ~~فجواب لولا محذوف لدلالة الكلام عليه. وقد أشم الله - تعالى - يعقوب - ~~عليه السلام - ما عبق من القميص من رائحة يوسف من مسيرة أيام، وهى معجزة ~~ظاهرة له - عليه السلام -. وقال الإمام مالك - رحمه الله - أوصل الله - ~~تعالى - ريح قميص يوسف ليعقوب، كما أوصل عرش بلقيس إلى سليمان قبل أن ~~يرتد إلى سليمان طرفه. ولكن المحيطين بيعقوب الذين قال لهم هذا القول، لم ms2817 ~~يشموا ما شمه، ولم يجدوا ما وجده، فردوا عليه بقولهم { قالوا ~~تالله إنك لفي ضلالك القديم }. قالوا له على سبيل ~~التسلية إنك يا يعقوب مازلت غارقا فى خطئك القديم الذى لا تريد أن ~~يفارقك. وهو حبك ليوسف وأملك فى لقائه والإكثار من ذكره. وتحقق ما وجده ~~يعقوب من رائحة يوسف.. وحل أوان المفاجأة التى حكاها القرآن فى قوله { ~~فلمآ أن جآء البشير ألقاه على وجهه فارتد ~~بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما ~~لا تعلمون }. # أى وحين أقترب أبناء يعقوب من دار أبيهم، تقدم البشير الذى يحمل قميص ~~يوسف إلى يعقوب، فألقى القميص على وجهه فعاد إلى يعقوب بصره كأن لم يكن ~~به ضعف أو مرض من قبل ذلك. وهذه معجزة أكرم الله - تعالى - بها نبيه ~~يعقوب - عليه السلام - حيث رد إليه بصره بسبب إلقاء قميص يوسف على وجهه. ~~وهنا قال يعقوب لأبنائه ولمن أنكر عليه قوله { إني لأجد ريح ~~يوسف } { ألم أقل } قبل ذلك { إني أعلم من الله } ~~أى من رحمته وفضله وإحسانه { ما لا تعلمون } أنتم. وهنا قال ~~الأبناء لأبيهم فى تذلل واستعطاف { يأبانا استغفر لنا ~~ذنوبنآ }. أى تضرع إلى الله - تعالى - أن يغفر لنا ما فرط منا من ~~ذنوب فى حقك وفى حق أخوينا يوسف وبنيامين. { إنا كنا خاطئين } ~~فى حقك وفى حق أخوينا، ومن شأن الكريم أن يصفح ويعفو عمن اعترف له ~~بالخطأ. فكان رد أبيهم عليهم أن قال لهم { سوف أستغفر لكم ~~ربي } أى سوف أتضرع إلى ربى لكى يغفر لكم ذنوبكم. { إنه } - ~~سبحانه - { هو الغفور } أى الكثير المغفرة { الرحيم } أى ~~الكثير الرحمة لمن شاء أن يغفر له ويرحمه من عباده. وهكذا صورت لنا ~~السورة الكريمة ما دار بين يوسف وإخوته، وبين يعقوب وبنيه فى هذا اللقاء ~~المثير الحافل بالمفاجآت والبشارات. ولكن الأمر لم ينته عند هذا الحد، ~~فقد كانت هناك مفاجآت وبشارات أخرى تحققت معها رؤيا يوسف وهو صغير، كما ~~تحقق معها تأويل يعقوب لها فقد هاجر يعقوب ببنيه وأهله إلى ms2818 مصر للقاء ~~ابنه يوسف، وهناك اجتمع شملهم واستمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى ذلك فى ~~نهاية القصة فيقول { فلما دخلوا على يوسف... }. ### || [12.99-101] # وقوله - سبحانه - { فلما دخلوا على يوسف آوى إليه ~~أبويه... } معطوف على كلام محذوف والتقدير استجاب إخوة يوسف لقوله ~~لهم # اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت ~~بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين # فأتوا بأهلهم أجمعين، حيث رحلوا جميعا من بلادهم إلى مصر ومعهم أبوهم، ~~فلما وصلوا إليها ودخلوا على يوسف، ضم إليه أبويه وعانقهما عناقا ~~حارا. وقال للجميع { ادخلوا } بلاد { مصر إن شآء الله ~~آمنين } من الجوع والخوف. وقد ذكر المفسرون هنا كلاما يدل على أن ~~يوسف - عليه السلام - وحاشيته ووجهاء مصر، عندما بلغهم قدوم يعقوب بأسرته ~~إلى مصر، خرجوا جميعا لاستقبالهم كما ذكروا أن المراد بأبويه أبوه ~~وخالته، لأن أمه ماتت وهو صغير. إلا أن ابن كثير قال " قال محمد بن إسحاق ~~وابن جرير كان أبوه وأمه يعيشان، وأنه لم يقم دليل على موت أمه، وظاهر ~~القرآن يدل على حياتها ". ثم قال " وهذا الذى ذكره ابن جرير، هو الذى يدل ~~عليه السياق ". والمراد بدخول مصر الاستقرار بها، والسكن فى ربوعها. ~~قالوا وكان عدد أفراد أسرة يعقوب الذين حضروا معه ليقيموا فى مصر ما بين ~~الثمانين والتسعين. والمراد بالعرش فى قوله { ورفع أبويه على ~~العرش } السرير الذى يجلس عليه. أى وأجلس يوسف أبويه معه على السرير ~~الذى يجلس عليه، تكريما لهما، وإعلاء من شأنهما. { وخروا له ~~سجدا } أى وخر يعقوب وأسرته ساجدين من أجل يوسف، وكان ذلك جائزا فى ~~شريعتهم على أنه لون من التحية، وليس المقصود به السجود الشرعى لأنه لا ~~يكون إلا لله - تعالى -. " وقال " يوسف متحدثا بنعمة الله { يأبت ~~هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا... ~~} أى وقال يوسف لأبيه هذا السجود الذى سجدتموه لى الآن، هو تفسير رؤياى ~~التى رأيتها فى صغرى، فقد جعل ربى هذه الرؤيا حقا، وأرانى تأويلها ~~وتفسيرها بعد أن مضى عليها الزمن الطويل. قالوا وكان بين الرؤيا وبين ms2819 ~~ظهور تأويلها أربعون سنة. والمراد بهذه الرؤيا ما أشار إليه القرآن فى ~~مطلع هذه السورة فى قوله # يأبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس ~~والقمر رأيتهم لي ساجدين # ثم قال يوسف لأبيه أيضا { وقد أحسن بي } ربى - عز وجل - { ~~إذ أخرجني من السجن } بعد أن مكثت بين جدرانه بضع سنين. ~~وعدى فعل الإحسان بالباء مع أن الأصل فيه أن يتعدى بإلى، لتضمنه معنى ~~اللطف ولم يذكر نعمة إخراجه من الجب، حتى لا يجرح شعور إخوته الذين سبق ~~أن قال لهم # لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم # وقوله { وجآء بكم من البدو } معطوف على ما قبله تعدادا ~~لنعم الله - تعالى -. # أى وقد أحسن بى ربى حيث أخرجنى من السجن، وأحسن بى أيضا حيث يسر لكم ~~أموركم، وجمعنى بكم فى مصر، بعد أن كنتم مقيمين فى البادية فى أرض كنعان ~~بفلسطين. وقوله { من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين ~~إخوتي } أى جمعنى بكم من بعد أن أفسد الشيطان بينى وبين إخوتى، حيث ~~حملهم على أن يلقوا بى فى الجب. وأصل { نزغ } من النزغ بمعنى النخس ~~والدفع. يقال نزغ الراكب دابته إذا نخسها ودفعها لتسرع فى سيرها. وأسند ~~النزغ إلى الشيطان، لأنه هو الموسوس به، والدافع إليه، ولأن فى ذلك سترا ~~على إخوته وتأدبا معهم. وقوله { إن ربي لطيف لما يشآء ~~إنه هو العليم الحكيم } تذييل قصد به الثناء على الله - ~~تعالى - بما هو أهله. أى إن ربى وخالقى، لطيف التدبير لما يشاء تدبيره من ~~أمور عباده، رفيق بهم فى جميع شئونهم من حيث لا يعلمون. إنه - سبحانه - ~~هو العليم بأحوال خلقه علما تاما، الحكيم في جميع أقواله وأفعاله. ثم ~~ختم يوسف - عليه السلام - ثناءه على الله - تعالى - بهذا الدعاء الذى ~~حكاه القرآن عنه فى قوله { رب قد آتيتني من الملك } أى يا ~~رب قد أعطيتنى شيئا عظيما من الملك والسلطان بفضلك وكرمك. { ~~وعلمتني } - أيضا - شيئا كثيرا { من تأويل الأحاديث } ~~أى من تفسيرها وتعبيرها تعبيرا صادقا بتوفيقك وإحسانك. { فاطر ~~السماوات والأرض } أى ms2820 خالقهما على غير مثال سابق، وهو منصوب على ~~النداء بحرف مقدر أى يا فاطر السماوات والأرض. { أنت وليي } وناصرى ~~ومعينى { في الدنيا والآخرة }. { توفني } عندما يدركنى ~~أجلى على الإسلام، وأبقنى { مسلما } مدة حياتى. { وألحقني } ~~فى قبرى ويوم الحساب { بالصالحين } من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين وحسن أولئك رفيقا. وبهذا الدعاء الجامع الذى توجه به يوسف إلى ~~ربه - تعالى - يختتم القرآن الكريم قصة يوسف مع أبيه ومع إخوته ومع غيرهم ~~ممن عاشرهم والتقى بهم وهو دعاء يدل على أن يوسف - عليه السلام - لم ~~يشغله الجاه والسلطان ولم يشغله لقاؤه عن طاعة ربه، وعن تذكر الآخرة وما ~~فيها من حساب.. وهذا هو شأن المصطفين الأخيار الذين نسأل الله - تعالى - ~~أن يحشرنا معهم، ويحلقنا بهم، ويوفقنا للسير على نهجهم... ثم يختتم الله ~~- تعالى - هذه السورة الكريمة بما يدل على أن هذا القرآن من عند الله - ~~تعالى - وبما يدخل التسلية على قلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبما ~~يفتح له باب الأمل فى النصر على أعدائه... فيقول { ومآ أكثر ~~الناس ولو حرصت... } ### || [12.102-111] # اسم الإشارة فى قوله - سبحانه - { ذلك من أنبآء الغيب ~~نوحيه إليك... } يعود على ما ذكره الله - تعالى - فى هذه السورة ~~من قصص يتعلق بيوسف وإخوته وأبيه وغيرهم، أى ذلك الذى قصصناه عليك - أيها ~~الرسول الكريم - فى هذه السورة، وما قصصناه عليك فى غيرها { من ~~أنبآء الغيب } أى من الأخبار الغيبية التى لا يعلمها علما تاما ~~شاملا إلا الله - تعالى - وحده. ونحن { نوحيه إليك } ونعلمك به ~~لما فيه من العبر والعظات. وقوله { وما كنت لديهم إذ ~~أجمعوا أمرهم وهم يمكرون } مسوق للتدليل على أن هذا ~~القصص من أنباء الغيب الموحاة إلى النبى - صلى الله عليه وسلم -. أى ومما ~~يشهد بأن هذا الذى قصصناه عليك فى هذه السورة من أنباء الغيب، أنك - أيها ~~الرسول الكريم - ما كنت حاضرا مع إخوة يوسف، وقت أن أجمعوا أمرهم للمكر ~~به، ثم استقر رأيهم على إلقائه فى الجب، وما كنت حاضرا أيضا وقت أن ~~مكرت امرأة العزيز بيوسف، ms2821 وما كنت مشاهدا لتلك الأحداث المتنوعة التى ~~اشتملت عليها هذه السورة الكريمة، ولكنا أخبرناك بكل ذلك لتقرأه على ~~الناس، ولينتفعوا بما فيه من حكم وأحكام، وعبر وعظات. وشبيه بهذه الآية ~~قوله - تعالى - فى خلال قصة نوح - عليه السلام - # تلك من أنبآء الغيب نوحيهآ إليك ما كنت ~~تعلمهآ أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن ~~العاقبة للمتقين # وقوله - تعالى - فى خلال قصة موسى - عليه السلام - # وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى ~~الأمر وما كنت من الشاهدين # وقوله - تعالى - فى خلال حديثه عن مريم # ذلك من أنبآء الغيب نوحيه إليك وما كنت ~~لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ~~وما كنت لديهم إذ يختصمون # إلى غير ذلك من الآيات التى تدل على أن هذا القرآن من عند الله - تعالى ~~- لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يكن معاصرا لمن جاء القرآن ~~بقصصهم، ولم يطلع على كتاب فيه خبرهم، فلم يبق لعلمه - صلى الله عليه ~~وسلم - بذلك طريق إلا طريق الوحى. ثم ساق - سبحانه - ما يبعث التسلية ~~والتعزية فى قلب النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال { ومآ أكثر ~~الناس ولو حرصت بمؤمنين }. أى لقد جئت - أيها الرسول - ~~للناس بدين الفطرة، الذى ترتاح له النفوس وتتقبله القلوب بسرور وانشراح. ~~ولكن أكثر الناس قد استحوذ عليهم الشيطان، فمسخ نفوسهم وقلوبهم،، فصاروا ~~مع حرصك على إيمانهم، ومع حرصك على دعوتهم إلى الحق على بصيرة، لا يؤمنون ~~بك، ولا يستجيبون لدعوتك، لاستيلاء المطامع والشهوات والأحقاد على ~~نفوسهم. # وفى التعبير بقوله - سبحانه - { ومآ أكثر الناس... } إشعار بأن ~~هناك قلة من الناس قد استجابت بدون تردد لدعوة النبى - صلى الله عليه ~~وسلم -، فدخلت فى الدين الحق، عن طواعية واختيار. وقوله { ولو ~~حرصت } جملة معترضة لبيان أنه مهما بالغ النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- فى كشف الحق، فإنهم سادرون، فى ضلالهم وكفرهم، إذ الحرص طلب الشئ ~~باجتهاد. قال الآلوسى ما ملخصه " سألت قريش واليهود رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن قصة يوسف، فنزلت مشروحة شرحا وافيا، ms2822 فأمل النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يكون ذلك سببا فى إسلامهم، فلما لم يفعلوا حزن - ~~صلى الله عليه وسلم - فعزاه الله - تعالى - بذلك ". وقوله { وما ~~تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر ~~للعالمين } زيادة فى تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفى ~~إعلاء شأنه. أى أنك - أيها الرسول الكريم - ما تسألهم على هذا القرآن ~~الذى تتلوه عليهم لهدايتهم وسعادتهم من أجر ولو كان زهيدا ضئيلا. كما ~~يفعل غيرك من الكهان والأحبار والرهبان... وإنما تفعل ابتغاء رضا الله - ~~تعالى - ونشر دينه. وقوله { إن هو إلا ذكر للعالمين } ~~أى ما هذا القرآن الذى تقرؤه عليهم إلا تذكير وعظة وهداية للعالمين كافة ~~لا يختص به قوم دون قوم، ولا جنس دون جنس. قالوا وهذه الجملة كالتعليل ~~لما قبلها، لأن التذكير العام لكل الناس، يتنافى مع أخذ الأجرة من البعض ~~دون البعض، وإنما تتأتى الأجرة، إذا كانت الدعوة خاصة وليست عامة. ثم بين ~~- سبحانه - أن هؤلاء المشركين تطالعهم الدلائل والبراهين الدالة على ~~وحدانية الله - تعالى - وقدرته، ولكنهم فى عمى عنها فقال { وكأين ~~من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم ~~عنها معرضون }. و { كأين } كلمة مركبة من كاف التشبيه وأى ~~الاستفهامية المنونة، ثم تنوسى معنى جزئيتها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم ~~الخبرية المفيدة للتكثير. والمراد بالآية هنا العبرة والعظمة الدالة على ~~وحدانية الله وقدرته يمر بها هؤلاء المشركون فلا يلتفتون إليها، ولا ~~يتفكرون فيها، ولا يعتبرون بها، لأن بصائرهم قد انطمست بسبب استحواذ ~~الأهواء والشهوات والعناد عليها. قال ابن كثير ما ملخصه يخبر - تعالى - ~~فى هذه الآية عن غفلة أكثر الناس عن التفكير فى آيات الله ودلائل توحيده، ~~بما خلقه - سبحانه - فى السماوات من كواكب زاهرات، وسيارات وأفلاك.... ~~وفى الأرض من حدائق وجنات، وجبال راسيات، وبحار زاخرات، وحيوانات ~~ونبات... فسبحان الواحد الأحد، خالق أنواع المخلوقات، المنفرد بالدوام ~~والبقاء والصمدية. # .. ". ثم بين - سبحانه - أنهم بجانب غفلتهم وجهالتهم، لا يؤمنون إيمانا ~~صحيحا فقال - تعالى - { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا ~~وهم مشركون }. أى وما يؤمن ms2823 أكثر هؤلاء الضالين بالله فى إقرارهم ~~بوجوده، وفى اعترافهم بأنه هو الخالق، إلا وهم مشركون به فى عقيدتهم وفى ~~عبادتهم وفى تصرفاتهم، فإنهم مع اعترافهم بأن خالقهم وخالق السماوات ~~والأرض هو الله لكنهم مع ذلك كانوا يتقربون إلى أصنامهم بالعبادة ويقولون # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # والآية تشمل كل شرك سواء أكان ظاهرا أم خفيا، كبيرا أم صغيرا. وقد ~~ساق ابن كثير هنا جملة من الأحاديث فى هذا المعنى، كلها تنهى عن الشرك ~~أيا كان لونه، منها # " قوله صلى الله عليه وسلم عندما سئل أى الذنب أعظم؟ قال " أن تجعل لله ~~ندا وهو خلقك " ومنها قوله " إن الرقى والتمائم والتولة شرك ". # ومنها قوله صلى الله عليه وسلم # " إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا ما الشرك الأصغر؟ قال ~~الرياء ". # ومنها # " قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه - عز وجل - يقول الله - ~~تعالى - أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معى غيرى، ~~تركته وشركه ". # فالآية الكريمة تنهى عن كل شرك، وتدعو إلى إخلاص العبادة والطاعة لله رب ~~العالمين. ثم هددهم - سبحانه - بحلول قارعة تدمرهم تدميرا فقال - تعالى ~~- { أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله ~~أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون }. ~~والغاشية كل ما يغطى الشئ ويستره، والمراد بها ما يغشاهم ويغمرهم من ~~العذاب. والاستفهام للتوبيخ والتقريع. والمعنى أفأمن هؤلاء الضالون، أن ~~يأتيهم عذاب من الله - تعالى - يغشاهم ويغمرهم ويشمل كل أجزائهم، وأمنوا ~~أن تأتيهم الساعة فجأة دون أن يسبقها ما يدل عليها، بحيث لا يشعرون ~~بإتيانها إلا عند قيامها. إن كانوا قد أمنوا كل ذلك، فهم فى غمرة ساهون، ~~وفى الكفر والطغيان غارقون، فإنه # فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون # ثم أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم إن يسير فى طريقه الذى ~~رسمه له، وأن يدعو الناس إليه فقال { قل هذه سبيلي أدعو ~~إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني... } ~~والبصيرة المعرفة التى يتميز بها الحق من الباطل. أى ms2824 قل - أيها الرسول ~~الكريم - للناس هذه طريقى وسبيلى واحدة مستقيمة لا عوج فيها ولا شبهة، ~~وهى أنى أدعو إلى إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده، ببصيرة مستنيرة، ~~وحجة واضحة، وكذلك أتباعى يفعلون ذلك... ولن نكف عن دعوتنا هذه مهما ~~اعترضتنا العقبات. واسم الإشارة { هذه } مبتدأ، و { سبيلى } خبر، وجملة ~~{ أدعو إلى الله على بصيرة. # .. } حالية، وقد جئ بها على سبيل التفسير للطريقة التى انتهجها الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - فى دعوته. وقوله { وسبحان الله ومآ ~~أنا من المشركين } تنزيه لله - تعالى - عن كل ما لا يليق به ~~على أبلغ وجه. أى وأنزه الله - تعالى - تنزيها كاملا عن الشرك ~~والشركاء، وما أنا من المشركين به فى عبادته أو طاعته فى أى وقت من ~~الأوقات. ثم بين - سبحانه - أن رسالته - صلى الله عليه وسلم - ليست بدعا ~~من بين الرسالات السماوية، وإنما قد سبقه إلى ذلك رجال يشبهونه فى الدعوة ~~إلى الله، فقال - تعالى - { ومآ أرسلنا من قبلك إلا ~~رجالا نوحي إليهم من أهل القرى... } أى وما ~~أرسلنا من قبلك - أيها الرسول الكريم - لتبليغ أوامرنا ونواهينا إلى ~~الناس، إلا رجالا مثلك، وهؤلاء الرجال اختصصناهم بوحينا ليبلغوه إلى من ~~أرسلوا إليهم واصطفيناهم من بين أهل القرى والمدائن، لكونهم أصفى عقولا ~~وأكثر حلما. وإنما جعلنا الرسل من الرجال ولم نجعلهم من الملائكة أو من ~~الجن أو من غيرهم، لأن الجنس إلى جنسه أميل، وأكثرهم تفهما وإدراكا لما ~~يلقى عليه من أبناء جنسه. ثم نعى - سبحانه - على هؤلاء المشركين غفلتهم ~~وجهالتهم فقال { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف ~~كان عاقبة الذين من قبلهم... } أى أوصلت الجهالة ~~والغفلة بهؤلاء المشركين، أنهم لم يتعظوا بما أصاب الجاحدين من قبلهم من ~~عذاب دمرهم تدميرا، وهؤلاء الجاحدين الذين دمروا ما زالت آثار بعضهم ~~باقية وظاهرة فى الأرض. وقومك - يا محمد - يمرون عليهم فى الصباح وفى ~~المساء وهم فى طريقهم إلى بلاد الشام، كقوم صالح وقوم لوط - عليهما ~~السلام -. فالجملة توبيخ شديد لأهل مكة على عدم اعتبارهم بسوء مصير من ~~كان على ms2825 شاكلتهم فى الشرك والجحود. وقوله { ولدار الآخرة } وما ~~فيها من نعيم دائم { خير للذين اتقوا } الله - تعالى - ~~وصانوا أنفسهم عن كل ما لا يرضيه. { أفلا تعقلون } أيها المشركون ~~ما خاطبناكم به فيحملكم هذا التعقل والتدبر إلى الدخول فى الإيمان، ونبذ ~~الكفر والطغيان. ثم حكى - سبحانه - سنة من سننه التى لا تتخلف ولا تتبدل ~~فقال { حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد ~~كذبوا جآءهم نصرنا... } وفى قوله { قد كذبوا } وردت ~~قراءتان سبعيتان إحداهما بتشديد الذال والثانية بالتخفيف. وعلى القراءتين ~~فالغاية فى قوله - تعالى - { حتى إذا استيأس الرسل } غاية ~~لكلام محذوف دل عليه السياق. والمعنى على القراءة التى بالتشديد. لقد ~~أرسلنا رسلنا لهداية الناس، فأعرض الكثيرون منهم عن دعوتهم، ووقفوا منهم ~~موقف المنكر والمعاند والمحارب لهدايتهم، وضاق الرسل ذرعا بموقف هؤلاء ~~الجاحدين، حتى إذا استيأس الرسل الكرام من إيمان هؤلاء الجاحدين، وظنوا - ~~أى الرسل - أن أقوامهم الجاحدين قد كذبوهم فى كل ما جاءوهم به لكثرة ~~إعراضهم عنهم، وإيذائهم لهم. # .. أى حتى إذا ما وصل الرسل إلى هذا الحد من ضيقهم بأقوامهم الجاحدين ~~جاءهم نصرنا الذى لا يتخلف. والمعنى على القراءة الثانية التى هى ~~بالتخفيف حتى إذا يئس الرسل من إيمان أقوامهم يأسا شديدا، وظن هؤلاء ~~الأقوم أن الرسل قد كذبوا عليهم فيما جاءوهم به، وفيما هددوهم به من عذاب ~~إذا ما استمروا على كفرهم.. حتى إذا ما وصل الأمر بالرسل وبالأقوام إلى ~~هذا الحد، جاء نصرنا الذى لا يتخلف إلى هؤلاء الرسل، فضلا منا وكرما... ~~فالضمير فى قوله { كذبوا } بالتشديد يعود على الرسل، أما على قراءة ~~التخفيف { كذبوا } فيعود إلى الأقوام الجاحدين. ومنهم من جعل الضمير - ~~أيضا - على قراءة { كذبوا } بالتخفيف يعود على الرسل، فيكون المعنى حتى ~~إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظنوا - أى الرسل - أن نفوسهم قد كذبت ~~عليهم فى تحديد موعد انتصارهم على أعدائهم لأن البلاء قد طال. والنصر قد ~~تأخر.. جاءهم - أى الرسل - نصرنا الذى لا يتخلف. قال الشيخ القاسمى فى ~~بيان هذا المعنى قال الحكيم الترمذى ووجهه ms2826 - أى هذا القول السابق - أن ~~الرسل كانت تخاف بعد أن وعدهم الله النصر، أن يتخلف النصر، لا عن تهمة ~~بوعد الله، بل عن تهمة لنفوسهم أن تكون قد أحدثت حدثا ينقض ذلك الشرط، ~~فكان النصر إذا طال انتظاره واشتد البلاء عليهم، دخلهم الظن من هذه الجهة ~~". وهذا يدل على شدة محاسبة الرسل - عليهم الصلاة والسلام - لنفوسهم، ~~وحسن صلتهم بخالقهم - عز وجل -. وقوله - سبحانه - { فنجي من ~~نشآء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين } معطوف ~~على ما قبله، ومتفرع عليه. أى جاءهم نصرنا الذى وعدناهم به، بأن أنزلنا ~~العذاب على أعدائهم، فنجا من نشاء إنجاءه وهم المؤمنون بالرسل، ولا يرد ~~بأسنا وعذابنا عن القوم المجرمين عند نزوله بهم. ثم ختم - سبحانه - هذه ~~السورة الكريمة بقوله { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي ~~الألباب } أى لقد كان فى قصص أولئك الأنبياء الكرام وما جرى لهم من ~~أقوامهم، عبرة وعظة لأصحاب العقول السليمة، والأفكار القويمة، بسبب ما ~~اشتمل عليه هذا القصص من حكم وأحكام، وآداب وهدايات. و { ما كان } هذا ~~المقصوص فى كتاب الله - تعالى - { حديثا يفترى } أى يختلق. { ~~ولكن } كان { تصديق الذي بين يديه } من الكتب السابقة ~~عليه، كالتوراة والإنجيل والزبور، فهو المهيمن على هذه الكتب، والمؤيد ~~لما فيها من أخبار صحيحة، والمبين لما وقع فيها من تحريف وتغيير، والحاكم ~~عليها بالنسخ أو بالتقرير. { وتفصيل كل شيء } أى وكان فى هذا ~~الكتاب - أيضا - تفصيل وتوضيح كل شئ من الشرائع المجملة التى تحتاج إلى ~~ذلك. { وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } أى وكان هداية تامة، ~~ورحمة شاملة، لقوم يؤمنون به، ويعملون بما فيه من أمر ونهى، وينتفعون بما ~~اشتمل عليه من وجوه العبر والعظات. وبعد فهذا تفسير لسورة يوسف - عليه ~~السلام - تلك السورة الزاخرة بالحكم والأحكام، وبالآداب والأخلاق، ~~وبالمحاورات والمجادلات، وبأحوال النفوس البشرية فى حبها وبغضها، وعسرها ~~ويسرها، وخيرها وشرها. وعطائها ومنعها وسرها وعلانيتها، ورضاها وغضبها، ~~وحزنها وسرورها. ### | [13 - سورة الرعد] ### || [13.1-4] # لقد افتتحت سورة الرعد ببعض الحروف المقطعة، وقد سبق أن تكلمنا عن آراء ~~العلماء فى ms2827 هذه الحروف فى سور البقرة، وآل عمران، والأعراف، ويونس، وهود، ~~ويوسف. وقلنا ما ملخصه إن أقرب الأقوال إلى الصواب، أن هذه الحروف ~~المقطعة، قد وردت فى افتتاح بعض السور على سبيل الإيقاظ والتنبيه إلى ~~إعجاز القرآن. فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك المعارضين فى أن القرآن ~~من عند الله هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون من ~~كلامكم، ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الجهائية التى تنظمون منها ~~كلماتكم. فإن كنتم فى شك من كونه منزلا من عند الله فهاتوا مثله، وادعوا ~~من شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك، فإن لم تستطيعوا أن تأتوا بمثله ~~فهاتوا عشر سور من مثله، فإن لم تستطيعوا فهاتوا سورة واحدة من مثله.. ~~ومع كل هذا التساهل معهم فى التحدى، فقد عجزوا وانقلبوا خاسرين، فثبت ~~بذلك أن هذا القرآن من عند الله - تعالى -. { تلك } اسم إشارة، والمشار ~~إليه الآيات، والمراد بها آيات القرآن الكريم، ويدخل فيها آيات السورة ~~التى معنا. والمراد بالكتاب القرآن الكريم الذى أنزله - سبحانه - على ~~نبيه - صلى الله عليه وسلم - لإخراج الناس من ظلمات الجاهلية إلى نور ~~الإسلام. وقوله { والذي أنزل إليك من ربك الحق } ~~تنويه بشأن القرآن الكريم، ورد على المشركين الذين زعموا أنه أساطير ~~الأولين. أى تلك الآيات التى نقرؤها عليك - يا محمد - فى هذه السورة هى ~~آيات الكتاب الكريم، وما أنزله الله - تعالى - عليك فى هذا الكتاب، هو ~~الحق الخالص الذى لا يلتبس به باطل، ولا يحوم حول صحته شك أو التباس. وفى ~~قوله - سبحانه - { من ربك } مزيد من التلطف فى الخطاب معه - صلى ~~الله عليه وسلم - فكأنه - سبحانه - يقول له إن ما نزل عليك من قرآن هو من ~~عند ربك الذى تعهدك بالرعاية والتربية حتى بلغت درجة الكمال. واسم ~~الموصول { الذى } مبتدأ، والجملة بعده صلة، والحق هو الخبر... وقوله { ~~ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } استدراك لبيان موقف ~~أكثر الناس من هذا القرآن الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ~~أى ms2828 لقد أنزلنا عليك يا محمد هذا القرآن بالحق، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ~~به لانطماس بصائرهم، واستيلاء العناد على نفوسهم... وفى هذا الاستدراك، ~~مدح لتلك القلة المؤمنة من الناس، وهم أولئك الذين فتحوا قلوبهم للحق منذ ~~أن وصل إليهم، فآمنوا به، واعتصموا بحبله، ودافعوا عنه بأموالهم وأنفسهم ~~وعلى رأس هذه القلة التى آمنت بالحق منذ أن بلغها أبو بكر الصديق وغيره ~~من السابقين إلى الإسلام. # ثم أقام - سبحانه - الأدلة المتنوعة، عن طريق المشاهدة - على كمال ~~قدرته، وعلى وجوب إخلاص العبادة له فقال - تعالى - { الله الذي ~~رفع السماوات بغير عمد ترونها }. والعمد جمع عماد، ~~وهو ما تقام عليه القبة أو البيت. وجملة { ترونها } فى محل نصب حال من ~~السماوات. أى الله - سبحانه - هو الذى رفع هذه السماوات الهائلة فى صنعها ~~وفى ضخامتها، بغير مستند يسندها، وبغير أعمدة تعتمد عليها، وأنتم ترون ~~ذلك بأعينكم بجلاء ووضوح. والمراد بقوله { رفع } أى خلقها مرتفعة منذ ~~البداية، وليس المراد أنه - سبحانه - رفعها بعد أن كانت منخفضة. ولا شك ~~أن خلق السماوات على هذه الصورة من أكبر الأدلة على أن لهذا الكون خالقا ~~قادرا حكيما، هو المستحق للعبادة والطاعة. وقوله - سبحانه - { ثم ~~استوى على العرش } معطوف على ما قبله، وهو دليل آخر على قدرة ~~الله - تعالى - عن طريق الغائب الهائل الذى تتقاصر دونه المدارك بعد أن ~~أقام الأدلة على ذلك عن طريق الحاضر المشاهد. الاستواء فى اللغة يطلق على ~~معان منها الاستقرار كما فى قوله - تعالى # واستوت على الجودي # أى استقرت، وبمعنى الاستيلاء والقهر. وعرش الله - تعالى - مما لا يعلمه ~~البشر إلا بالاسم - كما يقول الراغب -. وقد ذكر لفظ العرش فى إحدى وعشرين ~~آية، كما ذكر الاستواء على العرش فى سبع آيات من القرآن الكريم. والمعنى ~~ثم استوى على العرش استواء يليق بذاته - تعالى - بلا كيف ولا انحصار ولا ~~تشبيه ولا تمثيل، لاستحالة اتصافه - سبحانه - بصفات المحدثين. قال ~~الإمام مالك - رحمه الله - " الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، ~~والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة ". ثم بين ms2829 - سبحانه - بعض مظاهر ~~نعمه على عباده فقال { وسخر الشمس والقمر كل يجري ~~لأجل مسمى }. والتسخير التذليل والخضوع. أى أن من مظاهر فضله ~~أنه - سبحانه - سخر ذلك وأخضع لقدرته الشمس والقمر، بأن جعلهما طائعين ~~لما أراده منهما من السير فى منازل معينة، ولأجل معين محدد لا يتجاوزانه ~~ولا يتعديانه. بل يقفان عند نهاية المدة التى حددها - سبحانه - لوقوفهما ~~وأفولهما. قال - تعالى - # لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا اليل ~~سابق النهار وكل في فلك يسبحون # ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { يدبر الأمر يفصل ~~الآيات لعلكم بلقآء ربكم توقنون } وتدبير الأمر ~~تصريفه على أحسن الوجوه وأحكمها وأكملها. والآيات جمع آية. والمراد بها ~~هنا ما يشمل الآيات القرآنية، والبراهين الكونية الدالة على وحدانيته ~~وقدرته - سبحانه -. # أى أنه - سبحانه - يقضى ويقدر ويتصرف فى أمر خلقه على أكمل الوجوه وأنه ~~- سبحانه - ينزل آياته القرآنية واضحة مفصلة، ويسوق الأدلة الدالة على ~~وحدانيته وقدرته بطرق متعددة، وبوجوه متنوعة. وقد فعل - سبحانه - ما فعل ~~- من رفعه السماء بلا عمد، ومن تسخيره للشمس والقمر، ومن تدبيره لأمور ~~خلقه، ومن تفصيله للآيات لعكلم عن طريق التأمل والتفكير فيما خلق، توقنون ~~بلقائه، وتعتقدون أن من قدر على إيجاد هذه المخلوقات العظيمة، لا يعجزه ~~أن يعيدكم إلى الحياة بعد موتكم، لكى يحاسبكم على أعمالكم. وقال - سبحانه ~~- { يدبر } و { يفصل } بصيغة المضارع. وقال قبل ذلك { رفع ~~السماوات } و { وسخر الشمس والقمر } بصيغة الماضى. ~~لأن التدبير للأمور، والتفصيل للآيات، يتجددان بتجدد تعلق قدرته - سبحانه ~~- بالمقدورات. وأما رفع السماوات، وتسخير الشمس والقمر، فهى أمور قد تمت ~~واستقرت دفعة واحدة. وبعد أن ذكر - سبحانه - بعض مظاهر قدرته فى عالم ~~السماوات، أتبعه بذكر بعض هذه المظاهر فى عالم الأرض فقال - تعالى - { ~~وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ~~ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين } والمد ~~البسط والسعة. ومنه ظل مديد أى متسع. والرواسى الجبال مأخوذ من الرسو، ~~وهو ثبات الأجسام الثقيلة، يقال رسا الشئ يرسو رسوا ورسوا، إذا ثبت ~~واستقر، وأرسيت الوتد فى ms2830 الأرض إذا أثبته فيها. ولفظ رواسى صفة لموصوف ~~محذوف. وهو من الصفات التى تغنى عن ذكر موصوفها. والأنهار جمع نهر، وهو ~~مجرى الماء الفائض، ويطلق على الماء السائل على الأرض. والمراد بالثمرات ~~ما يشملها هى وأشجارها، وإنما ذكرت الثمرات وحدها، لأنها هى موضع المنة ~~والعبرة. والمراد بالزوجين الذكر والأنثى، وقيل المراد بهما الصنفان فى ~~اللون أو فى الطعم أو فى القدر وما أشبه ذلك. والمعنى وهو - سبحانه - ~~الذى بسط الأرض طولا وعرضا إلى المدى الذى لا يدركه البصر، ليتيسر ~~الاستقرار عليها. ولا تنافى بين مدها وبسطها، وبين كونها كروية، لأن مدها ~~وبسطها على حسب رؤية العين، وكرويتها حسب الحقيقة. وجعل فى هذه الأرض ~~جبالا ثوابت راسخات، لتمسكها من الاضطراب، وجعل فيها - أيضا - أنهارا، ~~لينتفع الناس والحيوان وغيرهما بمياه هذه الأنهار. وجعل فيها كذلك من كل ~~نوع من أنواع الثمرات ذكرا وأنثى. قال صاحب الكشاف " أى خلق فيها من جميع ~~أنواع الثمرات زوجين زوجين حين مدها، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوعت. وقيل ~~أراد بالزوجين، الأسود والأبيض، والحلو والحامض، والصغير والكبير، وما ~~أشبه ذلك من الأوصاف المختلفة ". وقال صاحب الظلال " وهذه الجملة تتضمن ~~حقيقة لم تعرف للبشر من طريق علمهم وبحثهم إلا قريبا، وهى أن كل الأحياء ~~وأولها النبات تتألف من ذكر وأنثى، حتى النباتات التى كان مظنونا أنه ~~ليس لها من جنسها ذكور، تبين أنها تحمل فى ذاتها الزوج الآخر، فتضم أعضاء ~~التذكير وأعضاء التأنيث مجتمعة فى زهرة، أو متفرقة فى العود. # .. " وقوله { يغشي اليل النهار } بيان لمظهر آخر من مظاهر ~~قدرته - سبحانه - ورحمته بعباده. ولفظ { يغشى } من التغشية بمعنى التغطية ~~والستر. والمعنى أن من مظاهر قدرته - سبحانه - أنه يجعل الليل غاشيا ~~للنهار مغطيا له فيذهب بنوره وضيائه، فيصير الكون مظلما بعد أن كل ~~مضيئا. ويجعل النهار غاشيا لليل، فيصير الكون مضيئا بعد أن كان ~~مظلما، وفى مكان من منافع الناس ما فيه، إذ بذلك يجمع الناس بين العمل ~~والراحة، وبين السعى والسكون. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { ~~إن في ms2831 ذلك لآيات لقوم يتفكرون }. أى إن فى ذلك الذى ~~فعله الله - تعالى - من بسط الأرض طولا وعرضا ومن تثبيتها بالرواسى، ~~ومن شقها بالأنهار... لآيات باهرة، ودلائل ظاهرة على قدرة الله - تعالى - ~~ورحمته بعباده، لقوم يحسنون التفكر، ويطيلون التأمل فى ملكوت السماوات ~~والأرض. ثم ساق - سبحانه - مظاهر أخرى لقدرته فقال - تعالى - { وفي ~~الأرض قطع متجاورات }. والقطع جمع قطعة - بكسر القاف - وهى ~~الجزء من الشئ، تشبيها لها، بما يقتطع من الشئ. ومتجاورات أى متلاقيات ~~ومتقاربات. وليس هذا الوصف مقصودا لذاته، بل المقصود أنها من تجاورها ~~وتقاربها مختلفة فى أوصافها مما يشهد بقدرة الله - تعالى - العظيمة. ولذا ~~قال ابن كثير ما ملخصه { وفي الأرض قطع متجاورات } أى ~~أراض يجاور بعضها بعضا، مع أن هذه طيبة تنبت ما ينتفع به الناس، وهذه ~~سبخة مالحة لا تنبت شيئا، وهذه تربتها حمراء، وتلك تربتها سوداء... وهذه ~~محجرة وتلك سهلة... والكل متجاورات، فهذا كله مما يدل على الفاعل ~~المختار، لا إله إلا هو ولا رب سواه. وقال - سبحانه - { وفي الأرض ~~قطع متجاورات } بإعادة اسم الأرض الظاهر، ولم يقل وفيها قطع ~~متجاورات كما قال { جعل فيها زوجين اثنين } فى الآية ~~السابقة، وذلك ليكون كاملا مستقلا، وليتجدد الأسلوب فيزداد حلاوة ~~وبلاغة. وقوله { وجنات من أعناب وزرع ونخيل ~~صنوان وغير صنوان يسقى بمآء واحد ونفضل ~~بعضها على بعض في الأكل... } بيان لمظهر آخر من مظاهر ~~قدرته - سبحانه - ورحمته بعباده. والجنات جمع جنة، والمراد بها البستان ~~ذو الشجر المتكاثف، الملتف الأغصان الذى يظلل ما تحته ويستره. والأعناب ~~جمع عنب وهو شجر الكرم. والمراد بالزرع أنواع الحبوب على اختلاف ألوانها ~~وطعومها وصفاتها وقوله { صنوان } صفة لنخيل، وهو جمع صنو. والصنو الفرع ~~الذى يجمعه مع غيره أصل واحد، فإذا خرجت نخلتان أو أكثر من أصل واحد، فكل ~~واحدة منهن يطلق عليها اسم صنو. # ويطلق على الاثنتين صنوان - بكسر النون - ويطلق على الجمع صنوان - بضم ~~النون-. والصنو بمعنى المثل ومنه قيل لعم الرجل صنو أبيه، أى مثله، فأطلق ~~على كل غصن صنو لمماثلته للآخر ms2832 فى التفرع من أصل واحد " والأكل " اسم لما ~~يؤكل من الثمار والحب. والمعنى أن من مظاهر قدرت الله - أيضا - ومن ~~الأدلة على وحدانيته - سبحانه - أنه جعل فى الأرض بقاعا كثيرة متجاورة ~~ومع ذلك فهى مختلفة فى أوصافها وفى طبيعتها.. وفيها أيضا بساتين كثيرة من ~~أعناب ومن كل نوع من أنواع الحبوب. وفيها كذلك نخيل يجمعها أصل واحد فهى ~~صنوان، ونخيل أخرى لا يجمعها أصل واحد فهى غير صنوان. والكل من الأعناب ~~والزرع والنخيل وغيرها { يسقى بمآء واحد } لا اختلاف فى ذاته ~~سواء أكان السقى من ماء الأمطار أم من ماء الأنهار ومع وجود أسباب ~~التشابه، فإننا لعظيم قدرتنا وإحساننا { ونفضل بعضها على ~~بعض } آخر منها { في الأكل } أى فى اختلاف الطعوم. قال الإمام ~~الرازى " قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم { وزرع ونخيل ~~صنوان وغير صنوان } كلها بالرفع عطفا على قوله { وجنات } ~~وقرأ الباقون بالجر عطفا على الأعناب... " وخص - سبحانه - النخيل بوصفه ~~بصنوان، لأن العبرة به أقوى، إذ المشاهدة له أكثر من غيره. ووجه زيادة { ~~غير صنوان } تجديد العبرة باختلاف الأحوال، واقتصر - سبحانه - فى ~~التفاضل على الأكل، لأنه أعظم المنافع. وقوله - سبحانه - { إن في ~~ذلك لآيات لقوم يعقلون } تذييل قصد به الحض على التعقل ~~والتدبر. أى إن فى ذلك الذى فصل الله - تعالى - أحواله من اختلاف أجناس ~~الثمرات والزروع فى أشكالها وألوانها وطعومها وأوراقها... مع أنها تسقى ~~بماء واحد. وتنبت فى أرض متجاورة، إن فى ذلك كله لدلائل باهرة، على قدرة ~~الله - تعالى - واختصاصه بالعبادة، لقوم يستعملون عقولهم فى التفكير ~~السليم، والتأمل النافع. أما الذين يستعملون عقولهم فيما لا ينفع، فإنهم ~~يمرون بالعبر والعظات وهم عنها معرضون. وبذلك نرى أن الله - تعالى - قد ~~ساق فى هذه الآيات أدلة متعددة ومتنوعة من العالم العلوى والسفلى، وكلها ~~تدل على عظيم قدرته، وجليل حكمته. وهذه الأدلة منها 1 - خلقه السماوات ~~مرتفعة بغير عمد. 2 - تسخيره الشمس والقمر لمنافع الناس. 3 - خلقه الأرض ~~بتلك الصورة الصالحة للاستقرار عليها. 4 - خلقه الجبال فيها لتثبيتها. ms2833 5 ~~- خلقه الأنهار فيها لمنفعة الإنسان والحيوان والنبات. 6 - خلقه زوجين ~~اثنين من كل نوع من أنواع الثمار. 7 - معاقبته بين الليل والنهار. 8 - ~~خلقه بقاعا فى الأرض متجاورة مع اختلافها فى الطبيعة والخواص. 9 - خلقه ~~أنواعا من الزروع المختلفة فى ثمارها وأشكالها. 10 - خلقه النخيل ~~صنوانا وغير صنوان، وجميعها تسقى بماء واحد. ومع كل ذلك فضل - سبحانه - ~~بعضها على بعض فى الأكل. وهذه الأدلة يشاهدها الناس بأبصارهم، ويحسونها ~~بحواسهم، تبصرة وذكرى لكل عبد منيب. وبعد هذا الحديث المتنوع عن مظاهر ~~قدرة الله فى خلقه، ساق - سبحانه - بعض أقوال المشركين الفاسدة، ورد ~~عليها بما يدحضها فقال - تعالى - { وإن تعجب فعجب قولهم ~~أإذا كنا ترابا أإنا لفي... }. ### || [13.5-7] # قال القرطبى قوله - تعالى - { وإن تعجب فعجب قولهم } أى ~~إن تعجب يا محمد من تكذيبهم لك بعدما كنت عندهم الصادق الأمين. فأعجب منه ~~تكذيبهم بالبعث - لأن من شاهد ما عدد - سبحانه - من الآيات الدالة على ~~قدرته. أيقن بأن من قدر على إنشائها، كانت الإعادة أهون شئ عليه وأيسره، ~~والله - تعالى - لا يتعجب، ولا يجوز عليه التعجب، لأنه - أى التعجب - ~~تغير النفس بما تخفى أسبابه، وذلك فى حقه - تعالى - محال، وإنما ذكر ذلك ~~ليتعجب منه نبيه والمؤمنون ". وجوز بعضهم أن يكون الخطاب لكل من يصلح له، ~~أى وإن تعجب أيها العاقل لشئ بعد أن شاهدت من مظاهر قدرة الله فى هذا ~~الكون ما شاهدت فازدد تعجبا ممن ينكر بعد كل هذا قدرته - سبحانه - على ~~إحياء الموتى. قال الجمل وقوله { فعجب قولهم } فيه وجهان أحدهما ~~أنه خبر مقدم وقولهم مبتدأ مؤخر، ولا بد من حذف صصفة لتتم الفائدة، أى ~~فعجب أى عجب قولهم. أو فعجب غريب قولهم. والثانى أنه مبتدأ، وسوغ ~~الابتداء ما ذكرته من الوصف المقدر، ولا يضر حينئذ كون خبره معرفة. ~~والتنكير فى قوله { فعجب } للتهويل والتعظيم. وجملة { أإذا كنا ~~ترابا أإنا لفي خلق جديد } فى محل نصب مقول القول. أى وإن ~~تعجب من شئ - أيها الرسول الكريم - فاعجب من قول أولئك المشركين ms2834 أئذا ~~صرنا ترابا وعظاما نخرة بعد موتنا أئنا بعد ذلك لنعاد إلى الحياة مرة ~~أخرى من جديد. والاستفهام للإنكار، لاستبعادهم الشديد إعادتهم إلى ~~الحياة مرة أخرى لمحاسبتهم على أعمالهم، كما حكى القرآن عنهم قولهم فى ~~آية أخرى # أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد # وكرر همزة الاستفهام فى { أئذا } ، { وأئنا } لتأكيد هذا الإنكار. ثم ~~بين - سبحانه - بعد ذلك جزاءهم على هذا القول الباطل فقال - تعالى - { ~~أولئك الذين كفروا بربهم... } أى أولئك المنكرون ~~لقدرة الله - تعالى - على البعث، هم الذين كفروا بربهم { وأولئك ~~الأغلال في أعناقهم } والأغلال جمع غل. وهو قيد من حديد تشد ~~به اليد إلى العنق، وهو أشد أنواع القيود. أى وأولئك هم الذين توضع ~~الأغلال والقيود فى أيديهم وأعناقهم يوم القيامة، عندما يساقون إلى النار ~~بذلة وقهر، بسبب إنكارهم لقدرة الله على إعادتهم إلى الحياة، وبسبب ~~جحودهم لنعم خالقهم ورازقهم. قال - تعالى - # إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون. في ~~الحميم ثم في النار يسجرون # وقيل إن الجملة الكريمة تمثيل لحالهم فى الدنيا، حيث شبه - سبحانه - ~~امتناعهم عن الإيمان، وعدم التفاتهم إلى الحق، بحال قوم فى أعناقهم قيود ~~لا يستطيعون معها التفاتا أو تحركا. # والأول أولى لأن حمل الكلام على الحقيقة واجب، ما دام لا يوجد مانع يمنع ~~منه، وهنا لا مانع، بل صريح القرآن يشهد له. وقوله { وأولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون } أى وأولئك الموصوفون بما ~~ذكر، هم أصحاب النار التى لا ينفكون عنها. ولا يخرجون منها. وكرر - ~~سبحانه - اسم الإشارة، للتنبيه على أنهم أحرياء بما سيرد بعده من ~~عقوبات. وجاء به للبعيد، للإشارة إلى بعد منزلتهم فى الجحود والضلال. ثم ~~حكى - سبحانه - لونا آخر من طغيانهم واستهزائهم برسولهم - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال { ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة ~~وقد خلت من قبلهم المثلات... }. والمراد بالسيئة الحالة ~~السيئة كالعقوبات والمصائب التى تسوء من تنزل به. والمراد بالحسنة الحالة ~~الحسنة كالعافية والسلامة. والمثلات جمع مثلة - بفتح الميم وضم الثاء ~~كسمرة، وهى العقوبة الشديدة الفاضحة التى تنزل بالإنسان فتجعله مثالا ms2835 ~~لغيره فى الزجر والردع. والاستعجال طلب حصول الشئ قبل حلول وقته. أى أن ~~هؤلاء المشركين بلغ بهم الحال فى الطغيان، أنهم كانوا إذا هددهم الرسول. ~~- صلى الله عليه وسلم - بعقاب الله إذا ما استمروا فى كفرهم، سخروا منه، ~~وتهكموا به وقالوا له على سبيل الاستهزاء ائتنا بما تعدنا به من عذاب إن ~~كنت من الصادقين. وشبيه بهذا قوله - تعالى - # ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى ~~لجآءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا ~~يشعرون. يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم ~~لمحيطة بالكافرين # وقوله - تعالى - # وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا ~~بعذاب أليم # والجملة الكريمة تحكى لونا عجيبا من ألوان توغلهم فى الجحود والضلال، ~~حيث طلبوا من الرسول - صلى الله عليه وسلم - تعجيل العقوبة التى توعدهم ~~بها، بدل أن يطلبوا منه الدعاء لهم بالسلامة والأمان والخير والعافية. ~~وجملة { وقد خلت من قبلهم المثلات } فى موضع الحال، ~~لزيادة التعجب من جهلهم وطغيانهم، لأن آثار الأقوام المهلكين بسبب كفرهم ~~ما زالت ماثلة أمام أبصارهم، وهم يمرون عليها فى أسفارهم، فكان من الواجب ~~عليهم - لو كانوا يعقلون - أن يعتبروا بها. وقوله - سبحانه - { وإن ~~ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك ~~لشديد العقاب } بيان لرحمة الله - تعالى - بعباده، ولشدة عقابه ~~للمصرين على الكفر منهم أى وإن ربك - أيها الرسول الكريم - لذو مغفرة ~~عظيمة للناس مع ظلمهم لأنفسهم، حيث أطاعوها فى ارتكاب الذنوب والمعاصى. ~~ومن مظاهر هذه المغفرة أنه - سبحانه - لم يعاجلهم بالعقوبة. بل صبر ~~عليهم، وأمهلهم، لعلهم يتوبون إليه ويستغفرونه، ويقلعون عن ذنوبهم. قال - ~~تعالى - # ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ~~ظهرها من دآبة... # وإن ربك - أيها الرسول الكريم - لشديد العقاب للمصرين على كفرهم وضلالهم ~~ومعاصيهم. وقدم - سبحانه - مغفرته على عقوبته، فى مقابل تعجل هؤلاء ~~الكافرين للعذاب، ليظهر الفارق الضخم بين الخير الذى يريده - سبحانه - ~~لهم، وبين الشر الذى يريدونه لأنفسهم بسبب انطماس بصائرهم... قال ابن ~~كثير ما ملخصه قوله - سبحانه - { وإن ربك لذو مغفرة ms2836 ~~للناس على ظلمهم }. أى إنه ذو عفو وصفح وستر للناس مع أنهم ~~يظلمون ويخطئون بالليل والنهار. ثم قرن هذا الحكم بأنه شديد العقاب، ~~ليعتدل الرجاء والخوف. كما قال - تعالى - # فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا ~~يرد بأسه عن القوم المجرمين # وقال - تعالى - # نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن ~~عذابي هو العذاب الأليم # وعن سعيد بن المسيب قال لما هذه الآية { وإن ربك لذو ~~مغفرة للناس على ظلمهم... } قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - # " لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحدا العيش. ولولا وعيده وعقابه لاتكل ~~كل أحد ". # ثم حكى - سبحانه - لونا آخر من رذائلهم، وهو عدم اعتدادهم بالقرآن ~~الكريم، الذى هو أعظم الآيات والمعجزات فقال - تعالى - { ويقول ~~الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه... } ~~و { لولا } هنا حرف تحضيض بمعنى هلا. ومرادهم بالآية معجزة كونية كالتى ~~جاء بها موسى من إلقائه العصى فإذا هى حية تسعى، أو كالتى جاء بها عيسى ~~من إبرائه الأكمه والأبرص وإحيائه الموتى بإذن الله، أو كما يقترحون هم ~~من جعل جبل الصفا ذهبا... لأن القرآن - فى زعمهم - ليس كافيا لكونه ~~معجزة دالة على صدقه - صلى الله عليه وسلم -. أى ويقول هؤلاء الكافرون ~~الذين عموا وصموا على الحق واستعجلوا العذاب. هلا أنزل على محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - آية أخرى غير القرآن الكريم تدل على صدقه. ولقد حكى ~~القرآن مطالبهم المتعنتة فى آيات كثيرة، منها قوله - تعالى - # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا. أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ~~فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا... # وقد رد الله - تعالى - عليهم ببيان وظيفة النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال { إنمآ أنت منذر... }. أى أن وظيفتك - أيها الرسول الكريم ~~- هى إنذار هؤلاء الجاحدين بسوء المصير، إذا ما لجوا فى طغيانهم، وأصروا ~~على كفرهم وعنادهم وليس من وظيفتك الإتيان بالخوارق التى طلبوها منك. ~~وإنما قصر - سبحانه - هنا وظيفة النبى - صلى الله عليه وسلم - على ~~الإنذار، لأنه هو المناسب لأحوال المشركين الذين ms2837 أنكروا كون القرآن ~~معجزة. # وقوله { ولكل قوم هاد } أى ولكل قوم نبى يهديهم إلى الحق ~~والرشاد بالوسيلة التى يراها مناسبة لأحوالهم، وأنا - أيها الرسول الكريم ~~- قد جئتهم بهذا القرآن الكريم الهادى للتى هى أقوم. والذى هو خير وسيلة ~~لإرشاد الناس إلى ما يسعدهم فى دينهم ودنياهم وآخرتهم. قال الشيخ ~~القاسمى " أو المعنى ولكل قوم هاد عظيم الشأن، قادر على هدايتهم. هو الله ~~- تعالى - فما عليك إلا إنذارهم لا هدايتهم كما قال - تعالى - # ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشآء... # أو المعنى { ولكل قوم هاد } أى قائد يهديهم إلى الرشد، وهو ~~الكتاب المنزل عليهم، الداعى بعنوان الهداية إلى ما فيه صلاحهم. يعنى أن ~~سر الإرسال وآيته الفريدة إنما هو الدعاء إلى الهدى، وتبصير سبله، ~~والإنذار من الاسترسال فى مساقط الردى. وقد أنزل عليك من الهدى أحسنه. ~~فكفى بهدايته آية كبرى وخارقة عظمى. وأما الآيات المقترحة فأمرها إلى ~~الله وحده... ". * * * ثم صور - سبحانه - سبعة علمه تصويرا عميقا، ~~تقشعر منه الجلود، وترتجف له المشاعر، وساق سنة من سننه التى لا تتغيير ~~ولا تتبدل، فقال - تعالى - { الله يعلم ما تحمل كل ~~أنثى وما تغيض... }. ### || [13.8-11] # فقوله - سبحانه - { الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما ~~تغيض الأرحام وما تزداد } كلام مستأنف مسوق لبيان كمال علمه ~~وقدرته - سبحانه -. { وتغيض } من الغيض بمعنى النقص. يقال غاض الماء إذا ~~نقص. و { ما } موصولة والعائد محذوف. أى الله وحده هو الذى يعلم ما تحمله ~~كل أنثى فى بطنها من علقة أو مضغة ومن ذكر أو أنثى... وهو وحده - سبحانه ~~- الذى يعلم ما يكون فى داخل الأرحام من نقص فى الخلقة أو زيادة فيها، ~~ومن نقص فى مدة الحمل أو زيادة فيها، ومن نقص فى العدد أو زيادة فيه... ~~قال ابن كثير " قوله { وما تغيض الأرحام وما تزداد } قال ~~البخارى حدثنا إبراهيم بن المنذر. حدثنا معن، حدثنا مالك عن عبد الله بن ~~دينار عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال # " مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها ms2838 إلا الله لا يعلم ما فى غد إلا الله، ولا ~~يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتى المطر إلا الله، ولا ~~تدرى نفس بأى أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله ". # وقال العوفى عن ابن عباس { وما تغيض الأرحام } يعنى السقط { ~~وما تزداد }. يقول ما زادت الرحم فى الحمل على ما غاضت حتى ولدته ~~تماما. وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر، ومنهن من تحمل تسعة أشهر، ~~ومنهم من تزيد فى الحمل ومنهن من تنقص. فذلك الغيض والزيادة التى ذكر ~~الله - تعالى - وكل ذلك بعلمه - سبحانه-. وقوله { وكل شيء عنده ~~بمقدار } أى وكل شئ عنده - سبحانه - بقدر وحد لا يجاوزه ولا ينقص ~~عنه، كما قال - تعالى - # إنا كل شيء خلقناه بقدر # وكما قال - تعالى - # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله ~~إلا بقدر معلوم # فهو - سبحانه - يعلم كمية كل شئ وكيفيته وزمانه ومكانه وسائر أحواله. ~~وقوله { عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال } ~~تأكيد لعموم علمه - سبحانه - ودقته. والغيب مصدر غاب يغيب، وكثيرا ما ~~يستعمل بمعنى الغائب، وهو ما لا تدركه الحواس ولا يعلم ببداهة العقل. ~~والشهادة مصدر شهد يشهد، وهى هنا بمعنى الأشياء المشهودة. والمتعال ~~المستعلى على كل شئ فى ذاته وفى صفاته وفى أفعاله - سبحانه -. أى أنه - ~~سبحانه - هو وحده الذى يعلم أحوال الأشياء الغائبة عن الحواس كما يعلم ~~أحوال المشاهدة منها، وهو العظيم الشأن، المستعلى على كل شئ. وقوله - ~~سبحانه { سوآء منكم من أسر القول ومن جهر به ~~ومن هو مستخف باليل وسارب بالنهار } تأكيد آخر ~~لشمول - علمه - - سبحانه - لأحوال عباده. # وسواء اسم مصدر بمعنى الاستواء، والمراد به هنا اسم الفاعل. أى مستو. ~~قال الجمل " وفيه وجهان أحدهما أنه خبر مقدم، ومن أسر ومن جهر هو ~~المبتدأ، وإنما لم يثن الخبر لأنه فى الأصل مصدر، وهو هنا بمعنى مستو. ~~والثانى أنه مبتدأ، وجاز الابتداء به لوصفه بقوله { منكم }. { وسارب ~~بالنهار } أى ظاهر بالنهار. يقال سرب فى الأرض يسرب سربا وسروبا. أى ~~ذهب ms2839 فى سربه - بسكون الراء وكسر السين وفتحها - أى طريقه. والمعنى أنه - ~~تعالى - مستو فى عمله من أسر منكم القول، ومن جهر به بأن أعلنه لغيره. ~~ومستو فى علمه - أيضا - من هو مستتر فى الظلمة الكائنة فى الليل، ومن هو ~~ذاهب فى سربه وطريقه بالنهار بحيث يبصره غيره. وذكر - سبحانه - الاستخفاء ~~مع الليل لكونه أشد خفاء، وذكر السروب مع النهار لكونه أشد ظهورا. ثم بين ~~- سبحانه - بعض مظاهر رعايته لعباده فقال - تعالى - { له معقبات ~~من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ~~إن الله... }. والضمير فى { له } يعود إلى { من } فى قوله { من ~~أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف باليل ~~} باعتبار تأويله بالمذكور. و " معقبات " صفة لموصوف محذوف أى ملائكة ~~معقبات. قال الشوكانى " والمعقبات المتناوبات التى يخلف كل واحد منها ~~صاحبه ويكون بدلا منه. وهم الحفظة من الملائكة فى قول عامة المفسرين. قال ~~الزجاج المعقبات ملائكة يأتى بعضهم بعقب بعض، وإنما قال " معقبات " مع ~~كون الملائكة ذكورا لأن الجماعة من الملائكة يقال لها معقبة، ثم جمع ~~معقبة على معقبات. قال الجوهرى والتعقب العود بعد البدء قال الله - تعالى ~~- # ولى مدبرا ولم يعقب # يقال عقب الفرس فى عدوه، أى جرى بعد جريه. وعقبه تعقيبا. أى جاء عقبه. و ~~" من " فى قوله { من أمر الله } بمعنى باء السببية. والمعنى لكل ~~واحد من هؤلاء المذكورين ممن يسرون القول أو يجهرون به، ملائكة يتعاقبون ~~عليه بالليل والنهار ويحيطون به من جميع جوانبه لحفظه ورعايته، ولكتابة ~~أقواله وأعماله، وهذا التعقيب والحفظ، إنما هو بسبب أمر الله - تعالى - ~~لهم بذلك. قال ابن كثير وفى الحديث الصحيح # " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون فى صلاة الصبح ~~وصلاة العصر، فيصعد الذين باتوا فيكم فيسألهم - سبحانه - وهو أعلم بهم ~~كيف تركتم عبادى؟ فيقولون أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون ". # وفى الحديث الآخر # " إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع، فاستحيويهم ~~وأكرموهم " # أى فاستحيوا منهم وأكرموهم بالتستر وغيره. # وقال عكرمة عن ابن عباس " يحفظونه ms2840 من أمر الله، قال ملائكة يحفظونه من ~~بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه ". ثم ساق - سبحانه - سنة ~~من سننه التى لا تتخلف فقال { إن الله لا يغير ما بقوم ~~حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله ~~بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من ~~وال }. أى إن الله - تعالى - قد اقتضت سنته، أنه - سبحانه - لا يغير ما ~~بقوم من نعمة وعافية وخير بضده، حتى يغيروا ما بأنفسهم من طاعة إلى معصية ~~ومن جميل إلى قبيح، ومن صلاح إلى فساد. وإذا أراد - سبحانه - بقوم سوءا ~~من عذاب أو هلاك أو ما يشبهها بسبب إيثارهم الغى على الرشد، فلا راد ~~لقضائه، ولا دافع لعذابه. وما لهم من دونه - سبحانه - من وال أى من ناصر ~~ينصرهم منه - سبحانه - ويرفع عنهم عقابه، ويلى أمورهم ويلتجئون إليه عند ~~الشدائد. فالجملة الكريمة بيان لمظهر من مظاهر عدل الله فى شئون عباده، ~~وتحذير شديد لهم من الإصرار على الشرك والمعاصى وجحود النعمة، فإنه - ~~سبحانه - لا يعصم الناس من عذابه عاصم. ولا يدفعه دافع. قال الإمام ابن ~~كثير " قال ابن أبى حاتم أوحى الله إلى نبى من أنبياء بنى إسرائيل أن قل ~~لقومك إنه ليس من أهل قرية، ولا أهل بيت يكونون على طاعة الله، فيتحولون ~~منها إلى معصية الله، إلا تحول الله لهم مما يحبون إلى ما يكرهون. ثم قال ~~إن مصداق ذلك فى كتاب الله { إن الله لا يغير ما بقوم ~~حتى يغيروا ما بأنفسهم }. وعن عمير بن عبد الملك قال ~~خطبنا على بن أبى طالب على منبر الكوفة فقال كنت إذا سكت عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ابتدأنى، وإذا سألته عن الخبر أنبأنى، وإنه حدثنى ~~عن ربه - عز وجل - قال # " قال الرب وعزتى وجلالى وارتفاعى فوق عرشى، ما من أهل قرية ولا أهل بيت ~~كانوا على ما كرهت من معصيتى، ثم تحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتى، إلا ~~تحولت لهم عما يكرهون من عذابى إلى ما ms2841 يحبون من رحمتى ". # ثم لفت - سبحانه - أنظار عباده إلى أنواع متعددة من الظواهر الكونية ~~الدالة على قدرته ووحدانيته، وبين أن هذه الظواهر قد تكون نعما، وقد تكون ~~نقما، وأنها وغيرها تسبح بحمد الله، وتخضع لسلطانه فقال - تعالى - { هو ~~الذي يريكم البرق خوفا... }. ### || [13.12-15] # والبرق ما يراه الرائى من نور لامع يظهر من خلال السحاب، وخوفا وطمعا ~~حالان من الكاف فى يريكم، أو هما فى محل المفعول لأجله. والمعنى هو الله ~~- تعالى - وحده الذى يريكم بقدرته البرق، فيترتب على ذلك أن بعضكم يخاف ~~ما ينجم عنه من صواعق، أو سيل مدمر، وبعضكم يطمع فى الخير من ورائه، فقد ~~يعقبه المطر النافع، والغيث المدرار. فمن مظاهر حكمة الله - تعالى - فى ~~خلقه، أنه جعل البرق علامة إنذار وتبشير معا، لأنه بالإنذار والتبشير ~~تعود النفوس إلى الحق، وتفئ إلى الرشد. وجملة { وينشىء السحاب ~~الثقال } بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته - سبحانه - وإنشاء السحاب ~~تكوينه من العدم. والسحاب الغيم المنسحب فى الهواء، وهو اسم جنس واحده ~~سحابة، فلذلك وصف بالجمع وهو { الثقال } جمع ثقيلة. أى وهو - سبحانه - ~~الذى ينشئ السحاب المثقل بالماء، فيرسله من مكان إلى مكان على حسب حكمته ~~ومشيئته. قال - تعالى - # وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ~~حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت ~~فأنزلنا به المآء فأخرجنا به من كل الثمرات ~~كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون # وقوله - سبحانه - { ويسبح الرعد بحمده } بيان لمظهر ثالث ~~من مظاهر قدرته. والرعد اسم للصوت الهائل الذى يسمع إثر تفجير شحنة ~~كهربية فى طبقات الجو. وعطف - سبحانه - الرعد على البرق والسحاب، لأنه ~~مقارن لهما فى كثير من الأحوال. والتسبيح مشتق من السبح وهو المرور ~~السريع فى الماء أو فى الهواء وسمى الذاكر الله - تعالى - مسبحا، لأنه ~~مسرع فى تنزيهه سبحانه عن كل نقص. وتسبيح الرعد - وهو هذا الصوت الهائل - ~~بحمد الله، يجب أن نؤمن به، ونفوض كيفيته إلى الله - تعالى - لأنه من ~~الغيب الذى لا يعلمه إلا هو - سبحانه - وقد بين لنا - سبحانه - فى ms2842 كتابه ~~أن كل شئ يسبح بحمده فقال # تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن ~~وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا # وقد فصل القول فى معنى هذه الجملة الكريمة الإمام الآلوسى فقال - رحمه ~~الله - ما ملخصه وقوله { ويسبح الرعد } قيل هو اسم للصوت ~~المعلوم، والكلام على حذف مضاف أى ويسبح سامعو الرعد بحمده - سبحانه - ~~رجاء للمطر. ثم قال والذى اختاره أكثر المحدثين كون الإسناد حقيقيا بناء ~~على أن الرعد اسم للملك الذى يسوق السحاب، فقد أخرج أحمد والترمذى وصححه ~~والنسائى وآخرون عن ابن عباس أن اليهود سألوا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقالوا أخبرنا ما هذا الرعد؟ فقال " ملك من ملائكة الله - تعالى - ~~موكل بالسحاب، بيديه مخراق من نار يزجر به السحاب يسوقه حيث أمره الله - ~~تعالى - قالوا. # فما هذا الصوت الذى نسمع؟ قال صوته - قالوا صدقت ". ثم قال واستشكل بأنه ~~لو كان علما للملك لما ساغ تنكيره، وقد نكر فى سورة البقرة فى قوله - ~~تعالى - # أو كصيب من السمآء فيه ظلمات ورعد وبرق # وأجيب بأن له إطلاقين ثانيهما إطلاقه على نفس الصوت، والتنكير على هذا ~~الإطلاق... ". والذى نراه أن تسبيح الرعد بحمد الله يجب الإيمان به، ~~سواء أكان الرعد اسما لذلك الصوت المخصوص أم اسما لملك من الملائكة، أما ~~كيفية هذا التسبيح فمردها إلى الله. قال الإمام الشوكانى { ويسبح ~~الرعد بحمده } أى يسبح الرعد نفسه بحمد الله. أى متلبسا بحمده، ~~وليس هذا بمستبعد، ولا مانع من أن ينطقه الله بذلك. وأما على تفسير الرعد ~~بملك من الملائكة فلا استبعاد فى ذلك، ويكون ذكره على الإفراد مع ذكر ~~الملائكة بعده لمزيد خصوصية له. وعناية به ". وقال الإمام ابن كثير قال ~~الإمام أحمد حدثنا عفان.. عن سالم عن أبيه قال # " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سمع الرعد والصواعق قال ~~اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك ". # وقال أبو جعفر بن جرير حدثنا أحمد بن إسحاق.. عن أبى ms2843 هريرة # " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سمع صوت الرعد قال سبحان ~~من يسبح الرعد بحمده ". # وقوله - سبحانه - { والملائكة من خيفته } نوع رابع من ~~الأدلة الدالة على وحدانية الله وقدرته. أى ويسبح الرعد بحمد الله، ويسبح ~~الملائكة - أيضا - بحمد الله، خوفا منه - تعالى - وإجلالا لمقامه وذاته. ~~و { من } فى قوله - تعالى - { من خيفته } للتعليل، أى يسبحون لأجل ~~الخوف منه. وقوله { ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشآء ~~} نوع خامس من الظواهر الكونية الدالة على كما قدرته - سبحانه -. ~~والصواعق جمع صاعقة، وهى - كما يقول ابن جرير - كل أمر هائل رآه الرائى ~~أو أصابه، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل... ". ~~والمراد بها هنا النار النازلة من السماء. أى ويرسل - سبحانه - الصواعق ~~المهلكة فيصيب بها من يشاء إصابته من خلقه. وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول ~~هذه الآية روايات منها أنها نزلت فى رجل من طواغيت العرب، بعث النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - نفرا يدعونه إلى الإسلام، فقال لهم أخبرونى عن رب ~~محمد ما هو، أمن فضه أم من حديد؟ فبينا النفر ينازعونه ويدعونه إذا ~~ارتفعت سحابة فكانت فوق رءوسهم فرعدت وأبرقت ورمت بصاعقة فأهلكت الكافر ~~وهم جلوس. # فرجعوا إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فاستقبلهم بعض الصحابة فقالوا ~~لهم احترق صاحبكم؟ فقالوا من أين علمتم؟ قالوا أوحى الله إلى النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - { ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشآء ~~} وضمير الجماعة فى قوله { وهم يجادلون في الله وهو ~~شديد المحال } يعود إلى أولئك الكافرين الذين سبق أن ساق القرآن ~~بعض أقوالهم الباطلة، والتى منها قولهم # أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد # والمجادلة المخاصمة والمراجعة بالقول. والمراد بمجادلتهم فى الله ~~تكذيبهم للنبى - صلى الله عليه وسلم - فيما أمرهم به من وجوب إخلاص ~~عبادتهم لله - تعالى - وإيمانهم بيوم القيامة وما فيه من ثواب وعقاب. ~~والمحال الكيد والمكر، والتدبير والقوة، والعقاب.. يقال محل فلان بفلان - ~~بتثليث الحاء - محلا ومحالا، إذا كاده وعرضه للهلاك. قال القرطبى قال ms2844 ابن ~~الأعرابى المحال المكر وهو من الله - تعالى - التدبير بالحق أو إيصال ~~المكروه إلى من يستحقه من حيث لا يشعر. وقال الأزهرى المحال أى القوة ~~والشدة. وقال أبو عبيد المحال العقوبة والمكروه ". أى أن هؤلاء الكافرين ~~يجادلونك - أيها الرسول فى ذات الله وفى صفاته، وفى وحدانيته، وفى شأن ~~البعث، وينكرون ما جئتهم به من بينات والحال أن الله - تعالى - شديد ~~المماحلة والمكايدة والمعاقبة لأعدائه. قال - تعالى - # ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون. ~~فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم ~~وقومهم أجمعين # ثم بين - سبحانه - أن دعوته هى الدعوة الحق، وما عداها فهو باطل ضائع ~~فقال { له دعوة الحق } أى له وحده - سبحانه - الدعوة الحق ~~المطابقة للواقع، لأنه هو الذى يجيب المضطر إذا دعاه، وهو الحقيق ~~بالعبادة والالتجاء. فإضافة الدعوة إلى الحق من إضافة الموصوف إلى صفته، ~~وفى هذه الإضافة إيذان بملابستها للحق، واختصاصها به، وأنها بمعزل عن ~~الباطل. ومعنى كونها له أنه - سبحانه - شرعها وأمر بها. قال الشوكانى ~~قوله { له دعوة الحق } إضافة الدعوة إلى الحق للملابسة. أى ~~الدعوة الملابسة للحق، المختصة به التى لا مدخل للباطل فيها بوجه من ~~الوجوه. وقيل الحق هو الله - تعالى - والمعنى أنه لله - تعالى - دعوة ~~المدعو الحق وهو الذى يسمع فيجيب. وقيل المراد بدعوة الحق ها هنا كلمة ~~التوحيد والإخلاص والمعنى لله من خلقه أن يوحدوه ويخلصوا له العبادة. ~~وقيل دعوة الحق، دعاؤه - سبحانه - عند الخوف، فإنه لا يدعوى فيه سواه، ~~كما قال - تعالى - # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه # وقيل الدعوة الحق، أى العبادة الحق فإن عبادة الله هى الحق والصدق ". ثم ~~بين - سبحانه - حال - من يعبد غيره فقال { والذين يدعون من ~~دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه ~~إلى المآء ليبلغ فاه وما هو ببالغه }. والمراد ~~بالموصول " والذين " الأصنام التى يعبدها المشركون من دون الله. والضمير ~~فى يدعون، للمشركين، ورابط الصلة ضمير نصب محذوف أى يدعونهم. والمعنى لله ~~- تعالى - العبادة الحق، والتضرع الحق النافع، أما الأصنام ms2845 التى يعبدها ~~هؤلاء المشركون من غير الله. فإنها لا تجيبهم إلى شئ يطلبونه منها، إلا ~~كإجابة الماء لشخص بسط كفيه إليه من بعيد، طالبا منه أن يبلغ فمه وما ~~الماء ببالغ فم هذا الشخص الأحمق، لأن الماء لا يحس ولا يسمع نداء من ~~يناديه. والمقصود من الجملة الكريمة نفى استجابة الأصنام لما يطلبه ~~المشركون منها نفيا قاطعا، حيث شبه - سبحانه - حال هذه الآلهة الباطلة ~~عندما يطلب المشركون منها ما هم فى حاجة إليه، بحال إنسان عطشان ولكنه ~~غبى أحمق لأنه يمد يده إلى الماء طالبا منه أن يصل إلى فمه دون أن يتحرك ~~هو إليه. فلا يصل إليه شئ من الماء لأن الماء لا يسمع نداء من يناديه. ~~ففى هذه الجملة الكريمة تصوير بليغ لخيبة وجهالة من يتوجه بالعبادة ~~والدعاء لغير الله - تعالى -. وأجرى - سبحانه - على الأصنام ضمير العقلاء ~~فى قوله { لا يستجيبون } مجاراة للاستعمال الشائع عند المشركين، ~~لأنهم يعاملون الأصنام معاملة العقلاء. ونكر شيئا فى قوله { لا ~~يستجيبون لهم بشيء } للتحقير. والمراد أنهم لا يستجيبون لهم ~~أية استجابة حتى ولو كانت شيئا تافها. والاستثناء فى قوله { إلا ~~كباسط كفيه إلى المآء... } من أعم الأحوال. أى لا يستجيب ~~الأصنام لمن طلب منها شيئا، إلا استجابة كاستجابة الماء لملهوف بسط كفيه ~~إليه يطلب منه أن يدخل فمه، والماء لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه ولا يقدر ~~أن يجيب طلبه ولو مكث على ذلك طوال حياته. والضمير " هو " فى قوله { ~~وما هو ببالغه } للماء، والهاء فى " ببالغه " للفم أى وما الماء ~~ببالغ فم هذا الباسط لكفيه. وقيل الضمير " هو " للباسط، والهاء للماء، أى ~~وما الباسط لكفيه ببالغ الماء فمه. قال القرطبى " وفى معنى هذا المثل ~~ثلاثة أوجه أحدها أن الذى يدعو إلها من دون الله كالظمآن الذى يدعو الماء ~~إلى فيه من بعيد يريد تناوله ولا يقدر عليه بلسانه، ويشير إليه بيده فلا ~~يأتيه أبدا لأن الماء لا يستجيب، وما الماء ببالغ إليه، قاله مجاهد. ~~الثانى أنه كالظمآن الذى يرى خياله فى ms2846 الماء وقد بسط كفه فيه ليبلغ فاه ~~وما هو ببالغه، لكذب ظنه وفساد توهمه. # قاله ابن عباس. الثالث أنه كباسط كفيه إلى الماء ليقبض عليه، فلا يجد فى ~~كفه شيئا منه. وقد ضربت العرب مثلا لمن سعى فيما لا يدركه، بالقبض على ~~الماء كما قال الشاعر # ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض على الماء، خانته فروج الأصابع # وقوله - سبحانه - { وما دعآء الكافرين إلا في ضلال } ~~أى وما عبادة الكافرين للأصنام، والتجاؤهم إليها فى طلب الحاجات، إلا فى ~~ضياع وخسران لأن هذه الآلهة الباطلة لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا، فضلا ~~عن أن تملك ذلك لغيرها. ثم بين - سبحانه - أن هذا الكون كله خاضع له - عز ~~وجل - فقال { ولله يسجد من في السماوات والأرض ~~طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال }. والمراد ~~بالسجود له - سبحانه - الانقياد والخضوع لعظمته. وظلالهم جمع ظل وهو صورة ~~الجسم المنعكس إليه نور. والغدو جمع غدوة وهو ما بين طلوع الفجر وطلوع ~~الشمس. والآصال جمع أصيل وهو ما بين العصر وغروب الشمس. والمعنى ولله - ~~تعالى - وحده يخضع وينقاد جميع من فى السماوات والأرض من الملائكة ~~والإنس والجن وغيرهم. وقوله { طوعا وكرها } منصوبان على الحال من ~~" من " ، أى أن جميعهم يسجدون لله، وينقادون لعظمته، حال كونهم طائعين ~~وراضين بهذا السجود والانقياد، وحال كونهم كارهين وغير راضين به، لأنهم ~~لا يستطيعون الخروج على حكمه لا فى الإيجاد ولا فى الإعدام ولا فى ~~الصحة ولا فى المرض، ولا فى الغنى ولا فى الفقر.. فهم خاضعون لأمره شاءوا ~~أم أبوا. ويستوى فى هذا الخضوع المؤمن والكافر، إلا أن المؤمن خاضع عن ~~طواعية بذاته وبظاهره وبباطنه لله - تعالى -. أما الكافر فهو خاضع لله - ~~تعالى - بذاته، ومتمرد وجاحد وفاسق عن أمر ربه بظاهره، والضمير فى قوله - ~~سبحانه - { وظلالهم } يعود على { من في السماوات والأرض ~~}. أى لله - تعالى - يخضع من فى السماوات والأرض طوعا وكرها ويخضع له - ~~أيضا - بالغدو والآصال ظلال من له ظل منهم، لأن هذه الظلال لازمة ~~لأصحابها والكل تحت قهره ومشيئته فى الامتداد ms2847 والتقلص والحركة والسكون. ~~قال - تعالى - # أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ~~ظلاله عن اليمين والشمآئل سجدا لله وهم ~~داخرون # وقال تعالى # أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في ~~السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون # ثم وجه - سبحانه - عن طريق نبيه - صلى الله عليه وسلم - أسئلة تهكمية ~~إلى هؤلاء المشركين المجادلين فى ذات الله - تعالى - وفى صفاته، وساق لهم ~~أمثلة للحق والباطل، وبين لهم حسن عاقبة المستجيبين لدعوة الحق، وسوء ~~عاقبة المعرضين عنها فقال - تعالى - { قل من رب السماوات... ~~}. ### || [13.16-18] # قال الفخر الرازى " اعلم أنه - تعالى - لما بين أن كل من فى السماوات ~~والأرض ساجد له، عاد إلى الرد على عبدة الأصنام فقال { قل من رب ~~السماوات والأرض قل الله }. ولما كان هذا الجواب جوابا يقر ~~به المسئول ويعترف به ولا ينكره، أمر - سبحانه - نبيه - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يكون هو الذاكر لهذا الجواب تنبيها على أنهم لا ينكرونه ~~البتة... ". أى قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين، من رب هذه ~~الأجرام العظيمة العلوية والسفلية؟ فإذا ما أبوا الرد عليك عنادا وصلفا، ~~فجابههم بالحقيقة التى لا يستطيعون إنكارها، وهى أن الله وحده هو رب هذه ~~الأجرام، لأنه هو خالقها وموجدها على غير مثال سابق. وقوله - سبحانه - { ~~قل أفاتخذتم من دونه أوليآء لا يملكون ~~لأنفسهم نفعا ولا ضرا } أمر ثالث منه - تعالى - لنبيه - ~~صلى الله عليه وسلم - لإفحامهم وتبكيتهم. فالهمزة للاستفهام التوبيخى، ~~والفاء للعطف على مقدر بعد الهمزة. والمعنى أعلمتم حق العلم أن الله - ~~تعالى - هو الخالق للسماوات والأرض، فتركتم عبادته - سبحانه - واتخذتم من ~~دونه " أولياء " أى نصراء عاجزين، لا يملكون لأنفسهم - فضلا عن أن يملكوا ~~لغيرهم - نفعا يجلبونه لها، ولا ضرا يدفعون عنها. وجملة { لا ~~يملكون } صفة لأولياء، والمقصود بها تنبيه السامعين للنظر فى تلك ~~الصفة، فإنهم إن أحسنوا التفكير فى هؤلاء الأولياء، أيقنوا أنهم أحقر من ~~أن يلتفت إليهم، فضلا عن أن يطلبوا منهم شيئا. ثم أمره - سبحانه - للمرة ~~الرابعة أن يبرهن لهم على بطلان معتقداتهم ms2848 عن طريق ما هو مشاهد بالحواس ~~فقال { قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي ~~الظلمات والنور }. أى قل لهم - أيضا - أيها الرسول الكريم كما ~~أنه لا يستوى فى عرف كل عاقل الأعمى والبصير، والظلمات والنور، فكذلك لا ~~يستوى الكفر والإيمان، فإن الكفر انطماس فى البصيرة، وظلمات فى القلب، ~~أما الإيمان فهو نور فى القلب وإشراق فى النفس. فالمراد بالأعمى الكافر ~~وبالبصير المؤمن، كما أن المراد بالظلمات الكفر وبالنور الإيمان. وعبر ~~القرآن الكريم فى جانب الظلمات بصيغة الجمع، وفى جانب النور بصيغة ~~الإفراد، لأن النور واحد ومن نتائجه الكشف والظهور. وتعدد أسبابه لا ~~يغير حقيقته. أما الظلمة فإنها متنوعة بتنوع أسبابها، فهناك ظلمة الليل، ~~وهناك ظلمة السجون، وهناك ظلمة القبور، وهناك ظلمة العقول التى كان من ~~نتائجها تعدد أنواع الكفر والضلال، كما هو الحال فى شأن اليهود والنصارى ~~والمجوس وغيرهم من الذين انحرفوا عن طريق الحق. ثم انتقل - سبحانه - إلى ~~التهكم بهم عن طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة إعراضا عنهم، وإهمالا ~~لشأنهم فقال - تعالى - { أم جعلوا لله شركآء خلقوا ~~كخلقه فتشابه الخلق عليهم. # . }. وأم هنا بمعنى بل، والاستفهام للإنكار. أى إنهم ما اتخذوا لله - ~~تعالى - شركاء يخلقون مثل خلق الله - تعالى - حتى نقول إن ما خلقوه تشابه ~~مع خلقه - تعالى - فنلتمس لهم شيئا من العذر، ولكنهم اتخذوا معه - سبحانه ~~- آلهة أخرى # لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم ~~الذباب شيئا لا يستنقذوه منه # فالجملة الكريمة تنعى عليهم جهلهم. حيث عبدوا من دون الله مخلوقا مثلهم، ~~وتنفى أى عذر يعتذرون به يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم. ~~وقوله { كخلقه } فى معنى المفعول المطلق. أى خلقوا خلقا شبيها بما ~~خلقه الله - تعالى -. وجملة { فتشابه } معطوفة على جملة { خلقوا ~~} ثم أمر - سبحانه - نبيه - صلى الله عليه وسلم - للمرة الخامسة بأن ~~يقذفهم بالحق الذى يدفع باطلهم فقال - تعالى - { قل الله خالق ~~كل شيء وهو الواحد القهار }. أى قل لهم - أيها الرسول ~~الكريم - الله - تعالى - هو الخالق لكل شئ فى هذا ms2849 الكون، وهو - سبحانه - ~~الواحد الأحد الفرد الصمد، القهار لكل ما سواه، والغالب لكل من غالبه. ثم ~~ضرب - سبحانه - مثلين للحق هما الماء الصافى والجوهر النقى اللذان ينتفع ~~بهما، ومثلين للباطل هما زبد الماء وزبد الجوهر اللذان لا نفع فيهما فقال ~~- تعالى - { أنزل من السمآء مآء فسالت أودية ~~بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا }. والأودية جمع ~~واد وهو الموضع المتسع الممتد من الأرض الذى يسيل فيه الماء بكثرة. ~~والسيل الماء الجارى فى تلك الأودية. والزبد هو الغثاء الذى يعلو على وجه ~~الماء عند اشتداد حركته واضطرابه أو ما يعلو القدر عند الغليان ويسمى ~~بالرغوة والوضر والخبث لعدم فائدته، ورابيا من الربو بمعنى العلو ~~والارتفاع. والمعنى أنزل الله - تعالى - من السماء ماء كثيرا. ومطرا ~~مدرارا، فسالت أودية بقدرها، أى فسالت المياه فى الأدوية بسبب هذا ~~الإنزال، بمقدارها الذى حدده الله - تعالى - واقتضته حكمته فى نفع ~~الناس. أو بمقدارها قلة وكثرة، بحسب صغر الأودية وكبرها، واتساعها وضيقها ~~{ فاحتمل السيل زبدا رابيا } أى فحمل الماء السائل فى ~~الأودية بكثرة وقوة، غثاء عاليا مرتفعا فوق الماء طافيا عليه، لا نفع فيه ~~ولا فائدة منه. وإلى هنا يكون قد انتهى المثل الأول، حيث شبه - سبحانه - ~~الحق وأهله فى الثبات والنفع بالماء الصافى الذى ينزل من السماء فتمتلئ ~~به الأودية ويبقى محل انتفاع الناس به إلى الوقت المحدد فى علم الله - ~~تعالى -. # وشبه الباطل وشيعته فى الاضمحلال وعدم النفع، بزبد السيل المنتفخ ~~المرتفع فوق سطح الماء، فإنه مهما علا وارتفع فإنه سرعان ما يضمحل ويفنى ~~وينسلخ عن المنفعة والفائدة. ثم ابتدأ - سبحانه - فى ضرب المثل الثانى ~~فقال { ومما يوقدون عليه في النار ابتغآء حلية ~~أو متاع زبد مثله }. و " من " فى قوله { ومما ~~يوقدون } لابتداء الغاية، وما موصولة، ويوقدون من الإيقاد وهو جعل ~~الحطب وما يشبهه فى النار ليزيد اشتعالها. والجملة فى محل رفع خبر مقدم، ~~وقوله " زبد " مبتدأ مؤخر. والحلية ما يتحلى به الإنسان من الذهب والفضة ~~وغيرهما. والمتاع ما يتمتع به فى حياته من الأوانى والآلات ms2850 المتخذة من ~~الحديد والرصاص وأشباههما. والضمير فى قوله { مثله } يعود إلى الزبد فى ~~قوله - تعالى - { زبدا رابيا }. وقد قرأ حمزة والكسائى وحفص { ~~يوقدون } وقرأ الباقون توقدون بالتاء. والضمير للناس، واضمر مع عدم سبق ~~ذكره لظهوره. والمعنى وشبيه بالمثل السابق فى خروج الزبد والخبث وطرحه ~~بعيدا عن الأشياء النافعة، ما توقدون عليه النار من المعادن والجواهر، ~~لكى تستخرجوا منها ما ينفعكم من الحلى والأمتعة المتنوعة، فإنكم فى مثل ~~هذه الحالة، تبقون على النقى النافع منها، وتطرحون الزبد والخبث الذى ~~يلفظه الكير، والذى هو مثل زبد السيل فى عدم النفع. فقد شبه - سبحانه - ~~فى هذا المثل الثانى الحق وأهله فى البقاء والنفع بالمعادن النافعة ~~الباقية، وشبه الباطل وحزبه فى الفناء وعدم النفع بخبث الحديد الذى يطرحه ~~كير الحداد، ويهمله الناس. ثم بين - سبحانه - المقصود من ضرب هذه الأمثال ~~فقال { كذلك يضرب الله الحق والباطل }. أى مثل ذلك ~~البيان البديع، يضرب الله الأمثلة للحق وللباطل إذا اجتمعا بأن يبين بأنه ~~لاثبات للباطل - مهما علا وانتفخ - مع وجود الحق، كما انه لاثبات للزبد ~~مع الماء الصافى، ولا مع المعادن النقية. والكلام على حذف مضاف والتقدير ~~يضرب الله مثل الحق ومثل الباطل. وسر الحذف الإنباء عن كمال التماثل بين ~~الممثل والممثل به، حتى لكأن المثل المضروب هو عين الحق وعين الباطل. ثم ~~شرع - سبحانه - فى تقسيم المثل فقال { فأما الزبد فيذهب ~~جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض } أى ~~فأما الزبد الذى لفظه السيل والحديد فيذهب { جفاء } مرميا به، مطروحا ~~بعيدا، لأنه لا نفع فيه. يقال جفأ الماء بالزبد، إذا قذفه ورمى به، وجفأت ~~الريح الغيم، إذا مزقته وفرقته، والجفاء بمعنى الغثاء. وأما ما ينفع ~~الناس من الماء الصافى، والمعدن النقى الخالى من الخبث { فيمكث في ~~الأرض } أى فيبقى فيها لينتفع الناس به. وبدأ - سبحانه - بالزبد فى ~~البيان فقال { فأما الزبد فيذهب } مع أنه متأخر فى الكلام ~~السابق لأن الزبد هو الظاهر المنظور أولا لأعين الناس، أما الجوهر فهو ~~مستتر خلفه لأنه هو الباقى ms2851 النافع. # أو لأنه جرت العادة فى التقسيم أن يبدأ بالمتأخر كما فى قوله - تعالى - # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين ~~اسودت وجوههم # وقوله { كذلك يضرب الله الأمثال } تفخيم لشأن هذا ~~التمثيل الذى اشتملت عليه الآية الكريمة. أى مثل ذلك البيان البديع الذى ~~اشتملت عليه الآية الكريمة يضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتفكرون، ~~فيحملهم هذا التفكير على الإيمان الحق، وحسن التمييز بين الخير والشر، ~~والمعروف والمنكر، والحق والباطل. قال الإمام الشوكانى " هذان مثلان ~~ضربهما الله - تعالى - فى هذه الآية للحق وللباطل يقول إن الباطل وإن ظهر ~~على الحق فى بعض الأحوال وعلاه، فإن الله - تعالى - سيمحقه ويبطله ويجعل ~~العاقبة للحق وأهله. كالزبد الذى يعلو الماء فيلقيه الماء، وكخبث هذه ~~الأجسام، فإنه وإن علا عليها فإن الكير يقذفه ويدفعه، فهذا مثل الباطل. ~~وأما الماء الذى ينفع الناس وينبت المراعى فيمكث فى الأرض، وكذلك الصافى ~~من هذه الأجسام فإنه يبقى خالصا لا شوب فيه، وهو مثل الحق. وقال الزجاج ~~فمثل المؤمن واعتقاده ونفع الإيمان كمثل هذا الماء المنتفع به فى نبات ~~الأرض وحياة كل شئ، وكمثل نفع الفضة والذهب وسائر الجواهر لأنها كلها ~~تبقى منتفعا بها. ومثل الكافر وكفره كمثل الزبد الذى يذهب جفاء، وكمثل ~~خبث الحديد وما تخرجه النار من وسخ الفضة والذهب الذى لا ينتفع به " ثم ~~بين - سبحانه - بعد ذلك عاقبة أهل الحق، وعاقبة أهل الباطل فقال - تعالى ~~- { للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم ~~يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ~~ومثله معه لافتدوا به.. } أى للمؤمنين الصادقين، الذين ~~أطاعوا ربهم فى كل ما أمرهم به أو نهاهم عنه، المثوبة الحسنى، وهى الجنة. ~~فالحسنى يصح أن تكون صفة لموصوف محذوف، ويصح أن تكون مبتدأ مؤخرا، وخبره ~~{ للذين استجابوا لربهم }. { والذين لم ~~يستجيبوا له } - سبحانه - ولم ينقادوا لأمره أو نهيه وهم الكفار ~~{ لو أن لهم ما في الأرض جميعا } من أصناف الأموال، ~~ولهم أيضا { ومثله معه لافتدوا به } أى لهان عليهم - مع ~~نفاسته وكثرته - أن يقدموه فداء لأنفسهم ms2852 من عذاب يوم القيامة. فالضمير فى ~~قوله { ومثله معه } يعود إلى ما فى الأرض جميعا من أصناف الأموال ~~وفى ذلك ما فيه من تهويل ما سيلقونه من عذاب أليم جزاء كفرهم وجحودهم. ثم ~~بين - سبحانه - سوء مصيرهم فقال { أولئك لهم سوء الحساب ~~} أى أولئك الذين لم يستجيبوا لربهم لهم الحساب السيئ الذى لا رحمة معه، ~~ولا تساهل فيه. { ومأواهم جهنم } أى ومرجعهم الذى يرجعون إليه ~~جهنم. { وبئس المهاد } أى وبئس المستقر الذى يستقرون فيه. ~~والمخصوص بالذم محذوف أى مهادهم أو جهنم. وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ~~أقامت أوضح الأدلة وأحكمها على وحدانية الله - تعالى - وقدرته، وبينت حسن ~~عاقبة المؤمنين، وسوء عاقبة المكذبين. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أنه لا ~~يستوى الأعمى والبصير، ومدح أولى الألباب بما هم أهله من مدح، وذم ~~أضدادهم بما يستحقون من ذم، فقال - تعالى - { أفمن يعلم أنمآ ~~أنزل إليك من ربك... }. ### || [13.19-26] # قال الإمام الرازى " قوله - تعالى - { أفمن يعلم أنمآ ~~أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى... } إشارة ~~إلى المثل المتقدم ذكره - فى قوله - تعالى - # أنزل من السماء مآء # وهو أن العالم بالشئ كالبصير، والجاهل به كالأعمى، وليس أحدهما كالآخر، ~~لأن الأعمى إذا أخذ يمشى من غير قائد، فربما يقع فى المهالك.. أما البصير ~~فإنه يكون آمنا من الهلاك والإهلاك ". والمراد بالأعمى هنا الكافر الذى ~~انطمست بصيرته، فأصبح لا يفرق بين الحق والباطل. والاستفهام للانكار ~~والاستبعاد. المعنى أفمن يعلم أن ما أنزل إليك - أيها الرسول الكريم - من ~~وحى هو الحق الذى يهدى للتى هى أقوم، كمن هو أعمى القلب مطموس البصيرة؟؟ ~~فالآية الكريمة تنفى بأبلغ أسلوب، مساواة الذين علموا الحق فاتبعوه، بمن ~~جهلوه وأعرضوا عنه، وصموا آذانهم عن سماعه. وقوله { إنما يتذكر ~~أولوا الألباب } مدح لأصحاب العقول السليمة، الذين ذكروا بالحق ~~فتذكروه، وآمنوا به، وتعليل لإعراض الكافرين عنه، ببيان أن سبب إعراضهم، ~~أنهم ليسوا أهلا للتذكر، لأن التذكر إنما هو من شأن أولى الألباب. ~~والألباب جمع لب وهو الخالص من كل شئ. أى إنما يتذكر ms2853 وينتفع بالتذكير، ~~أصحاب العقول السليمة وهم المؤمنون الصادقون. ثم مدح - سبحانه - أصحاب ~~هذه العقول السليمة، بجملة من الخصال الكريمة فقال { الذين يوفون ~~بعهد الله ولا ينقضون الميثاق }. وعهد الله فرائضه ~~وأوامره ونواهيه. والوفاء بها يتأتى باتباع ما أمر به - سبحانه - باجتناب ~~ما نهى عنه. وينقضون من النقض، بمعنى الفسخ والحل لما كان مركبا أو ~~موصولا. والميثاق العهد الموثق باليمين، للتقوية والتأكيد. أى إنما يتذكر ~~أولوا الألباب، الذين من صفاتهم أنهم يوقنون بعهد الله - تعالى -، بأن ~~يؤدوا كل ما كلفهم بأدائه، ويجتنبوا كل ما أمرهم باجتنابه ولا ينقضون ~~شيئا من العهود والمواثيق التى التزموا بها. وصدر - سبحانه - صفات أولى ~~الألباب، بصفة الوفاء بعهد الله، وعدم النقض للمواثيق، لأن هذه الصفة تدل ~~على كمال الإيمان، وصدق العزيمة، وصفاء النفس. وأضاف - سبحانه - العهد ~~إلى ذاته، للتشريف وللتحريض على الوفاء به. وجملة { ولا ينقضون ~~الميثاق } تعميم بعد تخصيص، لتشمل عهودهم مع الله - تعالى - ومع غيره ~~من عباده. ثم بين - سبحانه - صفات أخرى لهم فقال { والذين يصلون ~~مآ أمر الله به أن يوصل }. أى أن من صفات أولى الألباب - ~~أيضا - أنهم يصلون كل ما أمر الله - تعالى - بوصله كصلة الأرحام، وإفشاء ~~السلام، وإعانة المحتاج، والإحسان إلى الجار. وقوله { ويخشون ~~ربهم } خشية تحملهم على امتثال أمره واجتناب نهيه. # { ويخافون سوء الحساب } أى ويخافون أهوال يوم القيامة، وما ~~فيه من حساب دقيق، فيحملهم ذلك على أن يحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا. ~~قال الآلوسى ما ملخصه " وهذا من قبيل ذكر الخاص بعد العام للاهتمام، ~~والخشية والخوف قيل بمعنى. وفرق الراغب بينهما فقال الخشية خوف يشوبه ~~تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك من علم. وقال بعضهم الخشية أشد الخوف، لأنها ~~مأخوذة من قولهم شجرة خشية، أى يابسة. ثم قال الآلوسى والحق أن مثل هذه ~~الفروق أغلبى لا كلى.. ". ثم أضاف - سبحانه - إلى الصفات السابقة لأولى ~~الألباب صفات أخرى حميدة فقال { والذين صبروا ابتغاء وجه ~~ربهم } أى أن من صفاتهم أنهم صبروا على طاعة الله، وصبروا عن ~~معصيته، وصبروا على المصائب ms2854 وآلامها، صبرا غايته رضا ربهم وخالقهم، لا ~~رضا أحد سواه. أى أن صبرهم فى كل مجال يحمد فيه الصبر لم يكن من أجل ~~الرياء أو المباهاة أو المجاملة أو غير ذلك، وإنما كان صبرهم من أجل رضا ~~الله - تعالى - وطلب ثوابه. وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله { ~~والذين صبروا } فيما يصبر عليه من المصائب فى النفوس والأموال ~~ومشاق التكليف { ابتغاء وجه ربهم } لا ليقال ما أصبره وأحمله ~~للنوازل، وأوقره عند الزلازل، ولا لئلا يعاب بالجزع، ولئلا يشمت به ~~الاعداء، كقوله # وتجلدى للشامتين أريهم أنى لريب الدهر لا أتزعزع # ولا لأنه لا طائل تحت الهلع، ولا مرد فيه للفائت. وكل عمل له وجوه يعمل ~~عليها، فعلى المؤمن أن ينوى منها ما به كان حسنا عند الله - تعالى - وإلا ~~لم يستحق به ثوابا وكان فعلا كلا فعل. { وأقاموا الصلاة } أى ~~أدوها فى أوقاتها كاملة الأركان والسنن والأذكار، بخشوع وإخلاص. { ~~وأنفقوا } بسخاء وطيب نفس { مما رزقناهم } أى مما ~~أعطيناهم من عطائنا الواسع العميم. { سرا وعلانية } أى ينفقون ~~مما رزقناهم سرا. حيث يحسن السر، كإعطاء من لم يتعود الأخذ من غيره، ~~وينفقون { علانية } حيث تحسن العلانية، كأن ينفقوا بسخاء فى مجال التنافس ~~فى الخير، ليقتدى بهم غيرهم { ويدرءون بالحسنة السيئة ~~} والدرء الدفع والطرد. يقال درأه درءا، إذا دفعه. أى أن من صفات أولى ~~الألباب - أيضا - أنهم يدفعون بالعمل الصالح العمل السئ، كما فى قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - # " وأتبع السيئة الحسنة تمحها " # أو أنهم يدفعون سيئة من أساء إليهم بالإحسان إليه، أو بالعفو عنه، متى ~~كان هذا الإحسان أو العفو لا يؤدى إلى مفسدة. قال صاحب الظلال ما ملخصه ~~" وفى الآية إشارة خفية إلى مقابلة السيئة بالحسنة، عندما يكون فى هذا ~~درء السيئة ودفعها لا إطماعها واستعلاؤها، فأما حين تحتاج السيئة إلى ~~القمع، ويحتاج الشر إلى الدفع، فلا مكان لمقابلتهما بالحسنة، لئلا ينتفش ~~الشر ويتجرأ ويستعلى. # ودرء السيئة بالحسنة يكون غالبا فى المعاملة الشخصية بين المتماثلين ~~فأما فى دين الله فلا. إن المستعلى ms2855 الغاشم لا يجدى معه إلى الدفع الصارم، ~~والمفسدون فى الأرض لا يجدى معهم إلا الأخذ الحاسم، والتوجيهات القرآنية ~~متروكة لتدبر المواقف، واستشارة الألباب، والتصرف بما يرجح أنه الخير ~~والصواب. " وجملة { أولئك لهم عقبى الدار } بيان ~~الجزاء الحسن، الذى أعده الله - تعالى - لهؤلاء الأخيار. والعقبى مصدر ~~كالعاقبة، وهى الشئ الذى يقع عقب شئ آخر. والمراد بالدار الدنيا. وعقباها ~~الجنة. وقيل المراد بالدار الدار الآخرة. وعقباها الجنة للطائعين، والنار ~~للعاصين. أى أولئك الموصوفون بتلك الصفات الكريمة، لهم العاقبة الحسنة ~~وهى الجنة. والجملة الكريمة خبر عن { الذين يوفون بعهد ~~الله... } وما عطف عليها. وقوله - سبحانه - { جنات عدن ~~يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم ~~وذرياتهم } تفصيل للمنزلة العالية التى أعدها - سبحانه - لهم. ~~أى أولئك الذين قدموا ما قدموا فى دنياهم من العمل الصالح، لهم جنات ~~دائمة باقية، يدخلونها هم { ومن صلح } أى ومن كان صالحا لدخولها { ~~من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم }. أى من أصولهم ~~وفروعهم وأزواجهم على سبيل التكريم والزيادة فى فرحهم ومسيرتهم. وفى قوله ~~- سبحانه - { ومن صلح من آبائهم... } دليل على أن هؤلاء ~~الأقارب لا يستحقون دخول الجنة، إلا إذا كانت أعمالهم صالحة، أما إذا ~~كانت غير ذلك فإن قرابتهم وحدها لا تنفعهم فى هذا اليوم الذى لا ينفع فيه ~~مال ولا بنون # إلا من أتى الله بقلب سليم # قال الإمام ابن كثير وقوله { ومن صلح من آبائهم ~~وأزواجهم وذرياتهم } أى يجمع بينهم وبين أحبابهم فيها من ~~الآباء والأهلين والأبناء، ممن هو صالح لدخول الجنة من المؤمنين، لتقر ~~أعينهم بهم، حتى إنه ترفع درجة الأدنى إلى درجة الأعلى، من غير تنقيص ~~لذلك الأعلى عن درجته، بل امتنانا من الله وإحسانا، كما قال - تعالى - # والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ~~ألحقنا بهم ذريتهم ومآ ألتناهم من عملهم ~~من شيء كل امرىء بما كسب رهين # وقوله - سبحانه - { والملائكة يدخلون عليهم من كل ~~باب سلام عليكم... } زيادة فى تكريمهم، وحكاية لما تحييهم به ~~الملائكة. أى والملائكة يدخلون على هؤلاء الأوفياء الصابرين.. من كل باب ~~من أبواب منازلهم فى ms2856 الجنة، قائلين لهم { سلام عليكم } أى أمان ~~دائم عليكم { بما صبرتم } أى بسبب صبركم على كل ما يرضى الله - ~~تعالى -. { فنعم عقبى الدار } أى فنعم العاقبة عاقية دنياكم، ~~والمخصوص بالمدح محذوف لدلالة المقام عليه، أى الجنة. وفى قوله - سبحانه ~~- { يدخلون عليهم من كل باب } إشارة إلى كثرة قدوم ~~الملائكة عليهم، وإلى كثرة أبواب بيوتهم، تكريما وتشريفا وتأنيسا لهم. ~~وجملة { سلام عليكم } مقول لقول محذوف، وهو حال من فاعل يدخلون ~~وهم الملائكة. # وهى بشارة لهم بدوام السلامة. وفى قوله { بما صبرتم } إشارة إلى ~~أن صبرهم على مشاق التكاليف، وعلى الأذى، وعلى كل ما يحمد فيه الصبر، كان ~~على رأس الأسباب التى أوصلتهم إلى تلك المنازل العالية. هذا ومن الأحاديث ~~التى ذكرها الإمام ابن كثير هنا، ما رواه الإمام أحمد - بسنده - عن عبد ~~الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال ~~أول من يدخل الجنة من خلق الله الفقراء المهاجرون، الذين تسد بهم الثغور، ~~وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته فى صدره لا يستطيع لها قضاء، ~~فيقول الله لمن يشاء من ملائكته ائتوهم فحيوهم، فتقول الملائكة نحن سكان ~~سمائك وخيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتى هؤلاء فنسلم عليهم؟ قال إنهم ~~كانوا عبادا يعبدوننى لا يشركون بى شيئا، وتسد بهم الثغور، وتتقى بهم ~~المكاره، ويموت أحدهم وحاجته فى صدره، فلا يستطيع لها قضاء. قال فتأتيهم ~~الملائكة عند ذلك، فيدخلون عليهم من كل باب { سلام عليكم بما ~~صبرتم } ". # وبعد أن ذكر - سبحانه صفات هؤلاء الأوفياء، وما أعد لهم من ثواب جزيل، ~~أتبع ذلك ببيان سوء عاقبة الناقضين لعهودهم، القاطعين لما أمر الله ~~بوصله. المفسدين فى الأرض فقال - تعالى - { والذين ينقضون ~~عهد الله من بعد ميثاقه }. ونقض العهد إبطاله وعدم الوفاء ~~به. وقوله { من بعد ميثاقه } زيادة فى تشنيع النقض أى ينقضون عهد ~~الله تعالى ولا يوفون به. من بعد أن أكدوا التزامهم به وقبولهم ms2857 لهم. ~~وقوله { ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل } أى ويقطعون ~~كل ما أوجب الله - تعالى - وصله، ويدخل فيه وصل الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - بالاتباع والموالاة، ووصل المؤمنين بالمعاونة، والمحبة، ووصل أولى ~~الارحام بالمودة والتعاطف، فالجملة الكريمة بيان لحال هؤلاء الأشقياء ~~بأنهم كانوا على الضد من أولئك الأوفياء الأخيار الذين كانوا يصلون ما ~~أمر الله به أن يوصل. وقوله { ويفسدون في الأرض } بيان لصفة ~~ثالثة من صفاتهم القبيحة. أى أنهم كانوا يفسدون فى الأرض عن طريق حربهم ~~لدعوة الحق، واعتدائهم على المؤمنين، وغير ذلك من الأمور التى كانوا ~~يقترفونها مع أن الله - تعالى - قد حرمها ونهى عنها. وقوله - تعالى - { ~~أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار } إخبار عن ~~العذاب الشديد الذى سيلقونه فى آخرتهم. أى أولئك الموصوفون بتلك الصفات ~~الذميمة { لهم } من الله - تعالى - { اللعنة } والطرد من رحمته. { ولهم } ~~فوق ذلك، الدار السيئة وهى جهنم التى ليس فيها إلا ما يسوء الصائر إليها. # ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن الغنى والفقر بيده، وأن العطاء والمنع ~~بأمره فقال - تعالى - { الله يبسط الرزق لمن يشآء ~~ويقدر.. }. وبسط الرزق كناية عن سعته ووفرته وكثرته. ومعنى " يقدر " ~~يضيق ويقلل. قال الإمام الشوكانى " لما ذكر - سبحانه - عاقبة المشركين ~~بقوله { أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار } كان ~~لقائل أن يقول قد نرى كثيرا منهم قد وفر الله له فى الرزق وبسط له فيه. ~~فأجاب - سبحانه - عن ذلك { الله يبسط الرزق لمن يشآء ~~ويقدر } فقد يبسط الرزق لمن كان كافرا، ويقتره على من كن مؤمنا ~~ابتلاء وامتحانا، ولا يدل البسط على الكرامة، ولا القبض على الإهانة.. " ~~أى الله - تعالى - وحده هو الذى يبسط الرزق لمن يشاء من خلقه، وهو وحده - ~~أيضا - الذى يضيقه على من يشاء منهم لحكم هو يعلمها، ولا تعلق لذلك ~~بالكفر أو الإيمان، فقد يوسع على الكافر استدراجا له، وقد يضيق على ~~المؤمن امتحانا له، أو زيادة فى أجره. والضمير فى قوله { وفرحوا ~~بالحياة الدنيا } يعود إلى مشركى مكة، وإلى كل من كان على ms2858 ~~شاكلتهم فى الكفر والطغيان. والمراد بالفرح هنا الأشر والبطر وجحود ~~النعم. أى وفرح هؤلاء الكافرون بربهم، الناقضون لعهودهم، بما أوتوا من ~~بسطة فى الرزق فى دنياهم، فرح بطر وأشر ونسيان للآخرة لا فرح سرور بنعم ~~الله، وشكر له - سبحانه - عليها، وتذكر للآخرة وما فيها من ثواب وعقاب.. ~~وقوله - سبحانه - { وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا ~~متاع } بيان لقلة نعيم الدنيا بالنسبة لنعيم الآخرة. والمتاع ما يتمتع ~~به الإنسان فى دنياه من مال وغيره لمدة محددة ثم ينقضى. أى إن هؤلاء ~~الفرحين بنعم الله عليهم فى الدنيا، فرح بطر وأشر وجحود، لن يتمتعوا بها ~~طويلا، لأن نعيم الدنيا ليس إلا شيئا قليلا بالنسبة لنعيم الآخرة. وتنكير ~~" متاع " للتقليل، كقوله - تعالى - فى آية أخرى # لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد. ~~متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد # قال الآلوسى ما ملخصه قوله { وما الحياة الدنيا في الآخرة ~~} أى كائنة فى جنب نعيم الآخرة، فالجار والمجرور فى موضع الحال، و " فى " ~~هذه معناها المقايسة وهى كثيرة فى الكلام، كما يقال ذنوب العبد فى رحمة ~~الله - تعالى - كقطرة فى بحر، وهى الداخلة بين مفضول سابق، وفاضل لاحق... ~~والمراد بقوله { إلا متاع } أى إلا شيئا يسيرا يتمتع به كزاد ~~الراعى. والمعنى أنهم رضوا بحظ الدنيا معرضين عن نعيم الآخرة، والحال أن ~~ما فرحوا به فى جنب ما أعرضوا عنه قليل النفع، سريع النفاد. أخرج الترمذى ~~وصححه عن عبد الله بن مسعود قال # " نام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على حصير، فقام وقد أثر فى ~~جنبه، فقلنا يا رسول الله لو اتخذنا لك؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - " ~~مالى وللدنيا، ما أنا فى الدنيا إلا كراكب استظل بشجرة ثم راح وتركها... ~~". # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد بينت صفات المؤمنين وحسن عاقبتهم، وصفات ~~الكافرين وسوء مصيرهم كما وضحت أن الأرزاق بيد الله - تعالى - يعطيها ~~بسعة لمن يشاء من عباده، ويعطيها بقلة لغيرهم.. ثم حكى - سبحانه - بعد ~~ذلك بعض المطالب المعنتة التى طلبها الكافرون من النبى ms2859 - صلى الله عليه ~~وسلم -، ورد عليها بما يبطلها، ومدح المؤمنين لاطمئنان قلوبهم إلى سلامة ~~دينهم من كل نقص، وأيأسهم من إيمان أعدائهم لاستيلاء العناد والجحود على ~~قلوبهم، فقال - تعالى - { ويقول الذين كفروا لولا... }. ### || [13.27-31] # وقوله - سبحانه - { ويقول الذين كفروا لولا أنزل ~~عليه آية من ربه } حكاية لما طلبه مشركو مكة من رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - على سبيل التعنت والطغيان. ومرادهم بالآية آية ~~كونية كإحياء الموتى وإزاحة الجبال من أماكنها، " لولا " هنا حرف تحضيض ~~بمعنى هلا. أى ويقول الكافرون على سبيل العناد والجحود، هلا أنزل على هذا ~~الرسول آية كونية تدل على صدقه، كأن يحيى لنا موتانا، أو أن يحول لنا جبل ~~الصفا ذهبا.. وكأنهم يرون أن القرآن الذى نزل عليه - صلى الله عليه وسلم ~~- لا يكفى - فى زعمهم - أن يكون آية ومعجزة شاهدة على صدقه. وقد أمر الله ~~- تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم بقوله { قل إن ~~الله يضل من يشآء ويهدي إليه من أناب }. أى قل ~~لهم أيها الرسول الكريم على سبيل التعجيب من أحوالهم ومن شدة ضلالهم إن ~~الله - تعالى - يضل عن طريق الحق من يريد إضلاله، لاستحباب هذا الضال ~~العمى على الهدى، ويهدى إلى صراطه المستقيم، من أناب إليه - سبحانه - ~~ورجع إلى الحق الذى جاء به رسوله - صلى الله عليه وسلم - بقلب سليم. وعقل ~~متفتح لمعرفة الصواب والرشاد. فالجملة الكريمة تعجيب من أقوالهم الباطلة، ~~ومن غفلتهم عن الآيات الباهرة التى أعطاها الله - تعالى - لرسوله - صلى ~~الله عليه وسلم - وعلى رأسها القرآن الكريم الذى هو آية الآيات، وحض لهم ~~على الإقلاع عما هم عليه من العتو والعناد. والإنابة الرجوع إلى الشئ ~~بعد تردد، فقد جرت عادة كثيرة من النفوس البشرية أن يعرض عليها الحق ~~فتتردد فى قبوله فى أول الأمر، ثم تعود إلى قبوله واعتناقه بعد قيام ~~الدلائل على صحته وسلامته من الفساد. قال صاحب الكشاف فإن قلت كيف طابق ~~قولهم { لولا أنزل عليه آية من ربه } قوله { قل ~~إن الله يضل من ms2860 يشآء... }؟ قلت هو كلام يجرى مجرى التعجب ~~من قولهم، وذلك أن الآيات الباهرة والمتكاثرة التى أوتيها رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - لم يؤتها نبى قبله، وكفى بالقرآن وحده آية وراء كل ~~آية. فإذا جحدوها ولم يهتدوا بها وجعلوه كأن آية لم تنزل عليه قط، كان ~~موضعا للتعجب والاستنكار، فكأنه قيل لهم ما أعظم عنادكم وما أشد تصميمكم ~~على كفركم، إن الله يضل من يشاء ممن كان على صفتكم من التصميم وشدة ~~الشكيمة فى الكفر، فلا سبيل إلى اهتدائهم وإن أنزلت كل آية { ويهدي ~~إليه من } كان على خلاف صفتكم { أناب } أقبل إلى الحق وحقيقته ~~دخل فى نوبة الخير ". # ثم رسم القرآن صورة مشرقة للقلوب المؤمنة، وللجزاء الحسن الذى أعده الله ~~لها فقال - تعالى - { الذين آمنوا } حق الإيمان، { وتطمئن ~~قلوبهم بذكر الله } أى تستقر قلوبهم وتسكن، بسبب تدبرهم ~~لكلامه المعجز وهو القرآن الكريم وما فيه من هدايات. وإطلاق الذكر على ~~القرآن الكريم ورد فى آيات منها قوله - تعالى - # وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون # وقوله - تعالى - # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # وقوله { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } أى ألا بذكره ~~وحده دون غيره من شهوات الحياة تسكن القلوب أنسا به، ومحبة له. ويصح أن ~~يراد بذكر الله هنا ما يشمل القرآن الكريم، ويشمل ذكر الخالق - عز وجل - ~~باللسان، فإن إجراءه على اللسان ينبه القلوب إلى مراقبته - سبحانه - كما ~~يصح أن يراد به خشيته - سبحانه - ومراقبته بالوقوف عند أمره ونهيه. إلا ~~أن الأظهر هنا أن يراد به القرآن الكريم، لأنه الأنسب للرد على المشركين ~~الذين لم يكتفوا به كمعجزة دالة على صدقه - صلى الله عليه وسلم - وقالوا ~~لولا أنزل عليه آية من ربه. واختير الفعل المضارع فى قوله - سبحانه - { ~~تطمئن } مرتين فى آية واحدة، للإشارة إلى تجدد الاطمئنان واستمراره، ~~وأنه لا يتخلله شك ولا تردد. وافتتحت جملة { ألا بذكر الله ~~تطمئن القلوب } بأداة الاستفتاح المفيدة للتنبيه، للاهتمام ~~بمضمونها، وللإغراء بالإكثار من ذكره - عز وجل -، ولإثارة الكافرين ~~إلى الاتسام ms2861 بسمة المؤمنين لتطمئن قلوبهم. ولا تنافى بين قوله - تعالى - ~~هنا { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } وبين قوله فى ~~سورة الأنفال # إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم... # أى خافت. لأن وجلهم إنما هو عند ذكر الوعيد والعقاب والطمأنينة عند ذكر ~~الوعد والثواب. أو وجلت من هيبته وخشيته - سبحانه - وهو لا ينافى اطمئنان ~~الاعتماد والرجاء. وقوله - تعالى - { الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات طوبى لهم وحسن مآب } بيان للثواب الجزيل الذى ~~أعده - سبحانه - للمؤمنين الصادقين. وطوبى مصدر كبشرى وزلفى من الطيب، ~~وأصله طيبى، فقلبت الباء واوا لوقوعها ساكنة إثر ضمة، كما قلبت فى ~~موقن وموسر وهو من اليقين واليسر. وقيل طوبى، اسم شجرة فى الجنة. قال ابن ~~كثير ما ملخصه قوله { طوبى لهم } قال ابن عباس أى فرح وقرة عين ~~لهم. وقال الضحاك أى غبطة لهم. وقال إبراهيم النخعى أى خير لهم. وقال ~~قتادة طوبى، كلمة عربية. يقول الرجل لغيره طوبى لك أى أصبت خيرا. وقال ~~سعيد بن جبير بن ابن عباس { طوبى لهم } قال هى أرض الجنة بالحبشية. ~~وقال سعيد بن مشجوج " طوبى " اسم الجنة بالهندية. # وروى ابن جرير عن شهر بن حوشب قال " طوبى " شجرة فى الجنة كل شجر الجنة ~~منها... وهكذا روى عن ابن عباس وأبى هريرة وغير واحد من السلف، " أن طوبى ~~شجرة فى الجنة، فى كل دار فى الجنة غصن منها ". والمآب المرجع والمنقلب ~~من الأوب وهو الرجوع. يقال آب يئوب أوبا وإبابا ومآبا إذا رجع. والمعنى ~~الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات لهم فى آخرتهم، عيش طيب. وخير كامل، ~~ومرجع حسن يرجعون به إلى ربهم وخالقهم. ثم بين - سبحانه - أن إرسال محمد ~~- صلى الله عليه وسلم - إلى الناس ليس بدعا، فقد سبقه رسل كثيرون إلى ~~أقوامهم فقال - تعالى - { كذلك أرسلناك في أمة قد ~~خلت من قبلهآ أمم لتتلوا عليهم الذي ~~أوحينآ إليك }. فالكاف فى قوله { كذلك } للتشبيه حيث شبه - ~~سبحانه - إرساله - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس، بإرسال الرسل ~~السابقين إلى أقوامهم. واسم الإشارة يعود إلى الإرسال ms2862 المأخوذ من فعل { ~~أرسلناك }. والمراد بالأمة هنا أمة الدعوة التى أرسل إليها الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - فآمن من آمن من أفرادها، وكفر من كفر. أى كما ~~أرسلنا رسلا سابقين إلى أقوامهم، أرسلناك يا محمد إلى قومك الذين قد ~~سبقهم أقوام ورسل كثيرون لكى تقرأ على مسامعهم هذا القرآن العظيم الذى ~~أوحيناه إليك من لدنا، ولتبين لهم ما اشتمل عليه من هدايات وتشريعات، كما ~~بين الرسل الذين سبقوك لأقوامهم ما أمرهم الله - تعالى - ببيانه. وفى ~~قوله - تعالى - { قد خلت من قبلهآ أمم } تعريض بمشركى مكة، ~~وأنهم إذا ما استمروا فى طغيانهم، فسيصيبهم ما أصاب الأمم الخالية. وقوله ~~{ لتتلوا عليهم الذي أوحينآ إليك } المقصود منه ~~تفخيم شأن القرآن الكريم، وأنه هو المعجزة الكبرى للرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - وأن وظيفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - قراءته عليهم قراءة تدبر ~~واستجابة لما يدعوهم إليه. وأن قول المشركين { لولا أنزل عليه ~~آية من ربه } إنما هو قول يدل على عنادهم وغبائهم وجحودهم للحق ~~بعد أن تبين. وجملة { وهم يكفرون بالرحمن } حالية. أى ~~أرسلناك أيها الرسول الكريم إلى هؤلاء الضالين، لتتلو عليهم ما ينقذهم من ~~الضلال، ولكنهم عموا وصموا عن سماعه، والحال أنهم يكفرون بالرحمن أى ~~العظيم الرحمة، الذى وسعت رحمته كل شئ. وأوثر اختيار اسم الرحمن من بين ~~أسمائه - تعالى - للإشارة إلى أن إرساله - صلى الله عليه وسلم - مبعثه ~~الرحمة كما قال - تعالى - # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # وللرد عليهم فى إنكارهم أن يكون الله - تعالى - رحمانا، فقد حكى القرآن ~~عنهم ذلك فى قوله # وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما ~~الرحمن # وقد ثبت فى الحديث الصحيح أنهم لم يرضوا بكتابة هذا الاسم الكريم فى صلح ~~الحديبية، فعندما قال - صلى الله عليه وسلم - لعلى اكتب { بسم الله ~~الرحمن الرحيم } قال أحد زعمائهم. ما ندرى ما الرحمن الرحيم.. ~~وقد أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم بما ~~يبطل كفرهم فقال { قل هو ربي لا إله إلا هو عليه ~~توكلت وإليه ms2863 متاب } أى قل لهم أيها الرسول الكريم الرحمن ~~الذى تتجافون النطق باسم الكريم هو وحده ربى وخالقى، لا إله مستحق ~~للعبادة سواه، عليه لا على أحد سواه توكلت فى جميع أمورى، وإليه لا إلى ~~غيره مرجعى وتوبتى وإنابتى. فهذه الجملة الكريمة اشتملت على أبلغ رد على ~~أولئك المشركين الذين أنكروا أن يكون الإله - جل وعلا - رحمانا، وأنه - ~~سبحانه - هو المستحق للعبادة. ثم أشار - سبحانه - إلى عظمة هذا القرآن ~~الذى أوحاه إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال { ولو أن ~~قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو ~~كلم به الموتى... }. والمراد بالقرآن هنا معناه اللغوى، أى ~~الكلام المقروء. وجواب لو محذوف لدلالة المقام عليه. والمعنى ولو أن ~~كتابا مقروءا من الكتب السماوية، { سيرت به الجبال } أى تحركت ~~من أماكنها، { أو قطعت به الأرض } أى شققت وصارت قطعا، { ~~أو كلم به الموتى } بأن يعودوا إلى الحياة بعد قراءته ~~عليهم. ولو أن كتابا مقروءا كان من وظيفته أن يفعل ذلك لكان هذا القرآن، ~~لكونه الغاية القصوى فى الهداية والتذكير، والنهاية العظمى فى الترغيب ~~والترهيب. وعلى هذا المعنى يكون الغرض من الآية الكريمة بيان عظم شأن ~~القرآن الكريم، وإبطال رأى الكافرين الذين طلبوا من الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - آية كونية سواه. ويصح أن يكون المعنى ولو أن كتابا مقروءا من ~~الكتب السماوية نزل عليك يا محمد فسيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو ~~كلم به الموتى، لما آمن هؤلاء المعاندون. قال - تعالى - # ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة وكلمهم ~~الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشآء الله... # وعلى هذا المعنى يكون المقصود من الآية الكريمة، بيان غلوهم فى العناد ~~والطغيان، وتماديهم فى الكفر والضلال، وأن سبب عدم إيمانهم ليس مرده إلى ~~عدم ظهور الدلائل الدالة على صدقه - صلى الله عليه وسلم - وإنما سببه ~~الحسد والعناد والمكابرة. ووجه تخصيص هذه الأشياء الثلاثة من بين الخوارق ~~التى طلبوها منه - صلى الله عليه وسلم - ما ذكره الإمام ابن كثير ms2864 من أن ~~المشركين قالوا للنبى - صلى الله عليه وسلم - يا محمد، لو سيرت لنا جبال ~~مكة حتى تتسع فنحرث فيها، أو قطعت لنا الأرض كما كان سليمان يقطع لقومه ~~بالريح، أو أحييت لنا الموتى كما كان عيسى يحيى الموتى لقومه، فأنزل الله ~~- تعالى - هذه الآية. # وقوله - سبحانه - { بل لله الأمر جميعا } إضراب عن مطالبهم ~~المتعنتة إلى بيان أن الأمور كلها بيد الله، وأن قدرته - سبحانه - لا ~~يعجزها شئ. أى إن الله - تعالى - لا يعجزه أن يأتى بالمقترحات التى ~~اقترحوها، ولكن إرادته - سبحانه - لم تتعلق بما اقترحوه، لعلمه - سبحانه ~~- بعتوهم ونفورهم عن الحق مهما أوتوا من آيات. وقوله - سبحانه - { ~~أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشآء الله ~~لهدى الناس جميعا } تيئيس للمؤمنين من استجابة أولئك الجاحدين ~~للحق، إلا أن شاء الله لهم الهداية، والاستفهام للإنكار. وأصل اليأس قطع ~~الطمع فى الشئ والقنوط من حصوله. وللعلماء فى تفسير هذه الجملة الكريمة ~~اتجاهان أحدهما يرى أصحابه أن الفعل ييأس على معناه الحقيقى وهو قطع ~~الطمع فى الشئ، وعليه يكون المعنى أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان كفار ~~قريش، ويعلموا أن الله - تعالى - لو يشاء هداية الناس جميعا لاهتدوا، ~~ولكنه لم يشأ ذلك، ليتميز الخبيث من الطيب. وعلى هذا الاتجاه سار الإمام ~~ابن كثير فقد قال - رحمه الله - وقوله - تعالى { أفلم ييأس ~~الذين آمنوا } أى من إيمان جميع الخلق ويعلموا أن يتبينوا { أن ~~لو يشآء الله لهدى الناس جميعا } فإنه ليس هناك حجة ~~ولا معجزة أبلغ ولا أنجع فى النفوس والعقول من هذا القرآن، الذى لو أنزله ~~الله على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله. وثبت فى الصحيح أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال # " ما من نبى إلا وقد أوتى ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذى أوتيته ~~وحيا أوحاه الله إلى، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة ". # ويؤيد هذا الاتجاه ما ذكره السيوطى فى تفسيره من أن بعض الصحابة قالوا ~~للرسول صلى الله عليه وسلم يا رسول الله، ms2865 اطلب لهم - أى للمشركين - ما ~~اقترحوه عسى أن يؤمنوا. أما الاتجاه الثانى فيرى أصحابه أن الفعل ييأس ~~بمعنى يعلم، وعليه يكون المعنى أفلم يعلم المؤمنون أنه - سبحانه - لو شاء ~~هداية الناس جميعا لآمنوا. وهذا الاتجاه صدر به الآلوسى تفسيره فقال ما ~~ملخصه ومعنى قوله - سبحانه - { أفلم ييأس الذين آمنوا } ~~أفلم يعلموا. وهى كما قال القاسم بن معن لغة هوازن. وقال الكلبى هى لغة ~~حى من النخع، وأنشدوا على ذلك قول سيحم بن وئيل الرباحى # أقول لهم بالشعب إذ يأسروننى ألم تيأسوا أنى ابن فارس زهدم # وقول رباح بن عدى # ألم ييأس الأقوام أنى أنا ابنه وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا # والظاهر أن استعمال اليأس فى ذلك حقيقه. وقيل مجاز لأنه متضمن للعلم فإن ~~الآيس عن الشئ عالم بأنه لا يكون.. والفاء للعطف على مقدر. أى أغفلوا عن ~~كون الأمر جميعه لله - تعالى - فلم يعلموا أن لو يشاء الله لهدى الناس ~~جميعا.. ثم حذر - سبحانه - الكافرين من التمادى فى كفرهم، وبشر المؤمنين ~~بحسن العاقبة فقال - تعالى - { ولا يزال الذين كفروا ~~تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من ~~دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف ~~الميعاد }. والقارعة من القرع، وهو ضرب الشئ بشئ آخر بقوة وجمعها ~~قوارع. والمراد بها الرزية والمصيبة والكارثة. أى ولا يزال الذين كفروا ~~من أهل مكة وغيرهم تصيبهم بسبب ما صنعوه من الكفر والضلال " قارعة " أى ~~مصيبة تفجؤهم وتزعجهم أو تحل تلك المصيبة فى مكان قريب من دارهم، فيتطاير ~~شرها إليهم، حتى يأتى وعد الله بهلاكهم وهزيمتهم ونصر المؤمنين عليهم، إن ~~الله - تعالى - لا يخلف الميعاد، أى موعوده لرسله ولعباده المؤمنين. ~~وأبهم - سبحانه - ما يصيب الكافرين من قوارع، لتهويله وبيان شدته. ~~والتعبير بقوله { ولا يزال } يشير إلى أن ما أصابهم من قوارع كان موجودا ~~قبل نزول هذه الآية، واستمرت إصابته لهم بعد نزولها، لأن الفعل { لا يزال ~~} يدل على الإخبار باستمرار شئ واقع. ولعل هذه الآية الكريمة كان نزولها ~~فى خلال سنى الجدب التى ms2866 حلت بقريش والتى أشار إليها القرآن بقوله # فارتقب يوم تأتي السمآء بدخان مبين. يغشى ~~الناس هذا عذاب أليم... # وعبر - سبحانه - عما أصابهم من بلاء بالقارعة، للمبالغة فى شدته وقوته. ~~حتى إنه ليقرع قلوبهم فجأة فيبهتهم ويزعجهم، ولذلك سميت القيامة ~~بالقارعة، لأنها تقرع القلوب بأهوالها. وقال - سبحانه - { أو تحل ~~قريبا من دارهم } لبيان أنهم بين أمرين أحلاهما مر لأن ~~القارعة إما أن تصيبهم بما يكرهونه ويتألمون له، وإما أن تنزل قريبا منهم ~~فتفزعهم، وتقلق أمنهم، وهم مستمرون على ذلك حتى يقضى الله أمرا كان ~~مفعولا. ولقد قضى الله - تعالى - أمره، بهزيمتهم فى بدر وفى غيرها، وأتم ~~نصره على المؤمنين بفتح مكة. وبدخول الناس فى دين الله أفواجا. ثم أخذت ~~السورة الكريمة بعد ذلك فى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وفى إقامة ~~الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وعلى بطلان الشرك، وفى بيان ما أعده ~~للكافرين من عقاب، وما أعده للمتقين من ثواب فقال تعالى { ولقد ~~استهزئ برسل... }. ### || [13.32-35] # وقوله - سبحانه - { ولقد استهزئ برسل من قبلك.... } ~~تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من حزن بسبب تعنت المشركين ~~معه. ومطالبتهم له بالمطالب السخيفة التى لا صلة لها بدعوته، كطلبهم منه ~~تسيير الجبال وتقطيع الأرض، وتكليم الموتى. والاستهزاء المبالغة فى ~~السخرية والتهكم من المستهزأ به. والإملاء الإمهال والترك لمدة من ~~الزمان. والتنكير فى قوله { برسل } للتكثير، فقد استهزأ قوم نوح به، ~~وكانوا كلما مروا عليه وهو يصنع السفينة سخروا منه. واستهزأ قوم شعيب به ~~وقالوا له # فأسقط علينا كسفا من السمآء إن كنت من ~~الصادقين # واستهزأ قوم هود به وقالوا له # إنا لنراك في سفاهة... # واستهزأ فرعون بموسى فقال # أم أنآ خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد ~~يبين # والمعنى ولقد استهزأ الطغاة والجاحدون برسل كثيرين من قبلك -أيها الرسول ~~الكريم - { فأمليت للذين كفروا } أى فأمهلتهم وتركتهم مدة ~~من الزمان فى أمن ودعة. { ثم أخذتهم } أخذ عزيز مقتدر { ~~فكيف كان عقاب } فانظر كيف كان عقابى إياهم، لقد كان عقابا ~~رادعا دمرهم ms2867 تدميرا. فالاستفهام للتعجيب مما حل بهم، والتهويل من شدته ~~وفظاعته وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم ~~أخذتها وإلي المصير # قال ابن كثير وفى الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " وإن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ صلى الله عليه ~~وسلم { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ~~ظالمة إن أخذه أليم شديد } ". # ثم أقام - سبحانه - الأدلة الساطعة على وحدانيته وعلى وجوب إخلاص ~~العبادة له - تعالى - فقال { أفمن هو قآئم على كل نفس ~~بما كسبت... }. والمراد بالقيام هنا الحفظ والهيمنة على جميع شئون ~~الخلق والاستفهام للإنكار، والخبر محذوف والتقدير { أفمن هو ~~قآئم } أى رقيب ومهيمن { على كل نفس } كائنة ما كانت، عالم ~~بما تعمله من خير أو شر فمجازيها به كمن ليس كذلك؟ وحذف الخبر هنا وهو ~~قولنا - كمن ليس كذلك - لدلالة السياق عليه، كما فى قوله - تعالى - # أفمن شرح الله صدره للإسلام # أى كمن قسا قلبه. وحسن حذف الخبر هنا لأنه مقابل للمبتدأ هو { من } ولأن ~~قوله - تعالى - { وجعلوا لله شركآء } يدل عليه. والمقصود من ~~الآية الكريمة إنكار المماثلة بين الخالق العظيم، العليم بأحوال ~~النفوس... وبين تلك الأصنام التى أشركوها مع الله - تعالى - فى العبادة ~~والتى هى لا تسمع ولا تبصر، ولا تملك لنفسها - فضلا عن غيرها - نفعا ولا ~~ضرا. وجملة { وجعلوا لله شركآء } حالية، والتقدير أفمن هذه ~~صفاته، وهو الله - تعالى - كمن ليس كذلك، والحال أن هؤلاء الأغبياء قد ~~جعلوا له شركاء فى العبادة وغيرها. # فالمقصود من هذه الجملة الكريمة، زيادة توبيخهم، وتسفيه أفكارهم ~~وعقولهم. وقوله - سبحانه - { قل سموهم } تبكيت لهم إثر تبكيت. أى ~~قل لهم - أيها الرسول الكريم - سموهم شركاء إن شئتم، فإن هذه التسمية لا ~~وجود لها فى الحقيقة والواقع، ولا تخرجهم عن كونهم لا يملكون لأنفسهم - ~~فضلا عن غيرهم - نفعا ولا ضرا، لأن الله - تعالى - واحد لا شريك له. وهذه ~~التسمية إنما هى من عند أنفسكم ما أنزل الله بها من سلطن، ms2868 كما قال تعالى # إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ ~~أنزل الله بها من سلطان # فالأمر فى قوله { سموهم } مستعمل فى الإباحة المصحوبة بالتهديد، ~~للإشارة إلى عدم الاكتراث بهم وبآلهتهم التى سموها شركاء. وهذا كما يقول ~~العاقل للأحمق الذى لا يحسن الكلام قل ما شئت فإن كلامك لا وزن له، ولا ~~خير فيه. قال الإمام الرازى عند تفسيره لهذه الآية " واعلم أنه - تعالى - ~~لما قرر هذه الحجة - وهى أن القائم على كل نفس ليس كمن لا يملك شيئا - ~~زاد فى الحجاج فقال { قل سموهم } وإنما يقال ذلك فى الأمر ~~المستحقر الذى بلغ فى الحقارة إلى أن لا يذكر ولا يوضع له اسم فعند ذلك ~~يقال سمه إن شئت. يعنى إنه أخس من أن يسمى ويذكر، ولكنك إن شئت أن تضع له ~~اسما فافعل. فكأنه - تعالى - قال سموهم بالآلهة، والمعنى سواء أسميتموهم ~~بهذا الاسم أم لم تسموهم به، فإنها فى الحقارة بحيث لا تستحق أن يلتفت ~~العاقل إليها ".. والاستفهام فى قوله - تعالى - { أم تنبئونه ~~بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول } ~~للإنكار والتوبيخ. أى قل أيها الرسول لهؤلاء الذين جعلوا لله شركاء ~~وسموهم بهذا الاسم قل لهم على سبيل الإنكار والتوبيخ أتخبرون الله بشركاء ~~لا وجود لهم فى الأرض، لأنهم لو كان لهم وجود لعلمهم، لأنه - سبحانه - لا ~~يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء. أم أنكم سميتموهم شركاء بظاهر من ~~القول أى بظن من القول لا حقيقة له فى الواقع ونفس الأمر. قال الآلوسى ما ~~ملخصه وقوله { أم تنبئونه } أى بل أتخبرون الله - تعالى - { ~~بما لا يعلم في الأرض } أى بشركاء مستحقين للعبادة لا يعلمهم ~~- سبحانه - والمراد نفيها بنفى لازمها على طريق الكناية، لأنه - سبحانه - ~~إذا كان لا يعلمها - وهو الذى لا يعزب عن علمه شئ - فهى لا حقيقة لها ~~أصلا. وتخصيص الأرض بالذكر، لأن المشركين زعموا أنه - سبحانه - له شركاء ~~فيها. # وقوله { أم بظاهر من القول } أى بل أتسمونهم شركاء بظاهر من ~~القول من غير ms2869 معنى متحقق فى نفس الأمر، كتسمية الزنجى كافورا. وروى عن ~~الضحاك وقتادة، أن الظاهر من القول الباطل منه، كما فى قول القائل # أعيرتنا ألبانها ولحومها وذلك عار يابن ربطة ظاهر # أى باطل زائد.... وقوله - سبحانه - { بل زين للذين كفروا ~~مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما ~~له من هاد } إضراب عن حجاجهم، وإهمال لشأنهم و " زين " من التزيين ~~وهو تصيير الشئ زينا أى حسنا. والمكر صرف الغير عما يريده بحيلة. والمراد ~~به هنا كفرهم ومسالكهم الخبيثة ضد الإسلام والمسلمين. والمعنى دع عنك ~~أيها الرسول الكريم - مجادلتهم، لأنه لا فائدة من ورائها، فإن هؤلاء ~~الكافرين قد زين لهم الشيطان ورؤساؤهم فى الفكر مكرهم وكيدهم للإسلام ~~وأتباعه، وصدوهم عن السبيل الحق، وعن الصراط المستقيم، ومن يضلله الله - ~~تعالى - بأن يخلق فيه الضلال لسوء استعداده، فما له من هاد يهديه ويرشده ~~إلى ما فيه نجاته. هذا، وقد اشتملت هذه الآية على ألوان من الحجج الساطعة ~~التى تثبت وجوب إخلاص العبادة لله، وتبطل الشركة والشركاء أشار إليها بعض ~~المفسرين فقال قال الطيبى فى هذه الآية الكريمة احتجاج بليغ مبنى على ~~فنون من علم البيان أولها { أفمن هو قآئم على كل نفس ~~بما كسبت } كمن ليس كذلك، احتجاج عليهم وتوبيخ لهم على القياس ~~الفاسد لفقد الجهة الجامعة لهما. ثانيها { وجعلوا لله شركآء ~~} من وضع المظهر موضع المضمر، للتنبيه على أنهم جعلوا شركاء لمن هو فرد ~~واحد لا يشاركه أحد فى أسمائه. ثالثها { قل سموهم } أى عينوا ~~أسماءهم فقولوا فلان وفلان، فهو إنكار لوجودها على وجه برهانى.. رابعها { ~~أم تنبئونه بما لا يعلم } احتجاج من باب نفى الشئ أعنى ~~العلم بنفى لازمه وهو المعلوم وهو كناية. خامسها { أم بظاهر من ~~القول } احتجاج من باب الاستدراج لبعثهم على التفكر. أى أتقولون ~~بأفواهكم من غير روية، وأنتم ألباء، فتفكروا فيه لتقفوا على بطلانه. ~~سادسها التدرج فى كل من الإضرابات على ألطف وجه، وحيث كانت الآية مشتملة ~~على هذه الأساليب البديعة مع اختصارها، كان الاحتجاج المذكور مناديا على ms2870 ~~نفسه بالإعجاز وأنه ليس كلام البشر ". ثم بين - سبحانه - سوء مصير هؤلاء ~~الكافرين فقال { لهم عذاب في الحياة الدنيا } أى لهم ~~عذاب شديد فى الحياة الدنيا، ينزله الله - تعالى - بهم تارة عن طريق ~~القوارع والمصائب التى يرسلها عليهم، وتارة عن طريق الهزائم التى يوقعها ~~بهم المؤمنون، هذا فى الدنيا { ولعذاب الآخرة أشق } من عذاب ~~الدنيا لشدته ودوامه { وما لهم من الله } - تعالى - ومن عذاب ~~الآخرة { من واق } أى من حائل يحول بينهم وبين عذابه - سبحانه -. # ثم أعقب ذلك ببيان حسن عاقبة المؤمنين فقال { مثل الجنة ~~التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار ~~أكلها دآئم وظلها... }. والمراد بالمثل هنا الصفة العجيبة، ~~أى صفة الجنة التى وعد الله إياها من اتقاه وصان نفسه عن كل مالا يرضيه، ~~أنها تجرى من تحت أشجارها ومساكنها الأنهار، وأنها أكلها دائم، أى ما ~~يؤكل فيها لا انقطاع لأنواعه " وظلها " كذلك دائم. قال بعضهم وجملة { ~~تجري من تحتها الأنهار } خبر عن " مثل " باعتبار أنها من ~~أحوال المضاف إليه، فهى من أحوال المضاف لشدة الملابسة بين المتضايفين، ~~كما يقال صفة زيد أسمر. وجملة " أكلها دائم " خبر ثان. واسم الإشارة فى ~~قوله { تلك عقبى الذين اتقوا } يعود على الجنة التى أعدها ~~الله - تعالى - للمتقين. أى تلك الجنة المنعوتة بما ذكر هى مآل المتقين ~~الذين استقاموا على الطريق الحق، وهى منتهى أمرهم. أما مآل الكافرين ~~ومنتهى أمرهم فهى النار، وبئس القرار. هذا، وقد ساق الإمام ابن كثير عند ~~تفسيره لهذه الآية، جملة من الأحاديث فى صفة الجنة فقال وفى الصحيحين من ~~حديث ابن عباس فى صلاة الكسوف، وفيه # " قالوا يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا من مقامك هذا، ثم رأيناك ~~تكعكعت - أى توقفت وأحجمت؟ فقال " إنى رأيت الجنة - أو أريت الجنة - ~~فتناولت منها عنقودا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا ". # وروى الطبرانى عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الرجل إذا نزع ثمرة من الجنة عادت مكانها أخرى ". # وبذلك ترى الآيات الكريمة قد ساقت من ms2871 التوجيهات ما فيه التسلية للرسول ~~صلى الله عليه وسلم عما أصابه من قومه، وما فيه أوضح الدلائل والبراهين ~~وأبلغها عن وحدانية الله - تعالى - ووجوب إفراده بالعبادة، وما فيه ~~البشارة للمؤمنين، والتهديد للكافرين. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، ~~ببيان موقف أهل الكتاب من القرآن الكريم، وبأمر الرسول صلى الله عليه ~~وسلم أن يعلن منهجه بصراحة وثبات، دون التفات إلى أهواء معارضيه، وبالرد ~~على الشبهات التى أثارها أعداؤه حوله وحول دعوته، وبتهديد هؤلاء الأعداء ~~وبسوء العاقبة إذا ما استمروا فى طغيانهم فقال - تعالى - { والذين ~~آتيناهم الكتاب يفرحون بمآ... } ### || [13.36-43] # وقوله - سبحانه - { والذين آتيناهم الكتاب يفرحون ~~بمآ أنزل إليك } ثناء منه - سبحانه - على الذين عرفوا الحق من ~~أهل الكتاب فاتبعوه. والمراد بالكتاب هنا التوراة والإنجيل. والمعنى ~~والذين أعطيناهم التوراة والإنجيل، فآمنوا بما فيهما من بشارات تتعلق بك ~~- أيها الرسول الكريم -، ثم آمنوا بك عند إرسالك رحمة للعالمين. هؤلاء ~~الذين تلك صفاتهم، يفرحون بما أنزل إليك من قرآن، لأن ما فيه من هدايات ~~وبراهين على صدقك، يزيدهم إيمانا على إيمانهم، ويقينا على يقينهم. وقيل ~~المراد بالكتاب القرآن الكريم، وبالموصول أتباع النبى صلى الله عليه وسلم ~~من المسلمين. فيكون المعنى والذين آتيناهم الكتاب - وهو القرآن - فآمنوا ~~بك وصدقوك يفرحون بكل ما ينزل عليك منه، لأنه يزيدهم هداية على هدايتهم. ~~ويبدو لنا أن الرأى الأول أرجح، لأن الآية الكريمة سيقت بعد الحديث عن ~~عاقبة الذين اتقوا وهم المؤمنون الصادقون، وعاقبة الكافرين. ولأن فرح ~~المؤمنين بنزول القرآن أمر مسلم به فلا يحتاج إلى الحديث عنه. ومن ~~المفسرين الذين اقتصروا فى تفسيرهم للآية على الرأى الأول الإمام ابن ~~كثير فقد قال يقول الله - تعالى - { والذين آتيناهم الكتاب ~~} وهم قائمون بمقتضاه { يفرحون بمآ أنزل إليك } أى من ~~القرآن، لما فى كتبهم من الشواهد على صدقه صلى الله عليه وسلم والبشارة ~~به، كما قال تعالى # الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته ~~أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم ~~الخاسرون # وقوله { ومن الأحزاب من ينكر بعضه } بيان لمن بقى على ms2872 ~~كفره من أهل الكتاب وغيرهم. والأحزاب جمع حزب ويطلق على مجموعة من الناس ~~اجتمعوا من أجل غاية معينة أى ومن أحزاب الكفر والضلال من ينكر بعض ما ~~أنزل إليك لأنه يخالف أهواءهم وأطماعهم وشهواتهم.. ولم يذكر القرآن هذا ~~البعض الذى ينكرونه، إهمالا لشأنهم، ولأنه لا يتعلق بذكره غرض. وقوله - ~~سبحانه - { قل إنمآ أمرت أن أعبد الله ولا أشرك ~~به إليه أدعو وإليه مآب } أمر منه - تعالى - لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم بأن يصدع بما يأمره دون تردد أو وجل. أى قل - أيها الرسول ~~الكريم - لكل من خالفك فيما تدعو إليه { إنمآ أمرت أن أعبد ~~الله } وحده { ولا أشرك به } بوجه من الوجوه إليه وحده " أدعو ~~" الناس لكى يخلصوا له العبادة والطاعة { وإليه مآب } أى وإليه ~~وحده إيابى ومرجعى لا إلى أحد غيره. فالآية تضمنت المدح لمن عرف الحق ~~ففرح بوجوده. والذم لمن أنكره جحودا وعنادا، والأمر للنبى صلى الله عليه ~~وسلم بالسير فى طريقه بدون خشية من أحد. ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك بعض ~~الفضائل التى امتاز بها القرآن الكريم فقال - تعالى - { وكذلك ~~أنزلناه حكما عربيا. # .. }. والكاف للتشبيه، واسم الإشارة يعود إلى الإنزال المأخوذ من { ~~أنزلناه } وضمير الغائب فى أنزلناه يعود إلى { مآ أنزل إليك } فى ~~قوله فى الآية السابقة { يفرحون بمآ أنزل إليك... } وقوله ~~{ حكما عربيا } حالان من ضمير الغائب. والمعنى ومثل ذلك الإنزال ~~البديع الجامع لألوان الهداية والإعجاز، أنزلنا عليك القرآن يا محمد { ~~حكما } أى حاكما بين الناس { عربيا } أى بلسان عربى مبين هو لسانك ولسان ~~قومك. ومنهم من يرى أن اسم الإشارة يعود إلى الكتب السماوية السابقة، ~~فيكون المعنى وكما أنزلنا الكتب السماوية على بعض رسلنا بلغاتهم وبلغات ~~أقوامهم أنزلنا عليك القرآن حاكما بين الناس بلغتك وبلغة قومك، وهى اللغة ~~العربية ليسهل عليهم فهمه وحفظه. وعلى كلا القولين فأنت ترى أن هذه ~~الجملة الكريمة قد اشتملت على فضيلتين للقرآن الكريم فضيلة من جهة معانيه ~~ومقاصده وهداياته وحكمه وأحكامه وتشريعاته، وهو المعبر عنها بكونه " حكما ~~". وفضيلة من جهة ms2873 ألفاظه ومفرداته وتراكيبه، وهى المعبر عنها بكونه " ~~عربيا ". أى نزل بلغة العرب التى هى أفصح اللغات وأغناها وأجملها. ثم فى ~~كونه " عربيا " امتنان على العرب المخاطبين به ابتداء، حيث إنه نزل ~~بلغتهم، فكان من الواجب عليهم أن يقابلوه بالفرح والتسليم لأوامره ~~ونواهيه، فهو الكتاب الذى فيه شرفهم وعزهم، قال - تعالى - # لقد أنزلنآ إليكم كتابا فيه ذكركم # أى فيه بقاء شرفكم # أفلا تعقلون # وقال - تعالى - # وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون # وفى ذلك تعريض بغباء مشركى العرب، حيث لم يشكروا الله - تعالى - على هذه ~~النعمة، بل قابلوا من أنزل عليه هذا القرآن بالعناد والعصيان. ثم ساق - ~~سبحانه - تحذيرا للأمة كلها فى شخص نبيها صلى الله عليه وسلم من اتباع ~~أهواء كل كافر أو فاسق فقال - تعالى - { ولئن اتبعت ~~أهواءهم بعد ما جآءك من العلم ما لك من الله ~~من ولي ولا واق }. واللام فى قوله { ولئن } موطئة للقسم لتأكيد ~~ما تضمنته من عقاب شديد لمتبع أهواء الكافرين. والأهواء جمع هوى، والمراد ~~بها آراؤهم المنحرفة عن الحق، ومطالبهم المتعنتة، والمراد بما جاءه من ~~العلم ما بلغه وعلمه من الدين عن طريق الوحى الصادق. والولى الناصر ~~والمعين والقريب والحليف. والواقى المدافع عن غيره. والمعنى " ولئن اتبعت ~~" - يا محمد - على سبيل الفرض والتقدير أهواء هؤلاء الكافرين فيما ~~يطلبونه منك، " من بعد ما جاءك من العلم " اليقينى بأن الإسلام هو الدين ~~الحق، " مالك من الله " أى من عقباه " من ولى " يلى أمرك وينصرك " ولا ~~واق " يقيك من حسابه. # وسيق هذا التحذير فى صورة الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم للتأكيد من ~~مضمونه. فكأنه - سبحانه يقول لو اتبع أهواءهم - على سبيل الفرض - أكرم ~~الناس عندى لعاقبته، وأحق بهذا العقاب من كان دونه فى الفضل والمنزلة، ~~وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن ~~أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين # ثم بين - سبحانه - أن اعتراض المشركين على بشرية الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ليس إلا من قبيل التعنت والجحود، لأن الرسل جميعا ms2874 كانوا من البشر، ~~فقال - تعالى - { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك ~~وجعلنا لهم أزواجا وذرية... } أى " ولقد أرسلنا رسلا ~~" كثيرين " من قبلك " يا محمد " وجعلنا لهم " أى لهؤلاء الرسل " أزواجا " ~~يسكنون إليهن " وذرية " أى وأولادا تقر بهم أعينهم. قال الشوكانى " وفى ~~هذا الرد على من كان ينكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجه ~~بالنساء. أى هذا شأن رسل الله المرسلين قبل هذا الرسول فما بالكم تنكرون ~~عليه ما كانوا عليه ". وقوله - سبحانه - { وما كان لرسول أن ~~يأتي بآية إلا بإذن الله... } رد على ما طلبوه منه صلى ~~الله عليه وسلم من معجزات. أى وما صح وما استقام لرسول من الرسل أن يأتى ~~لمن أرسل إليهم بمعجزة كائنة ما كانت إلا بإذن الله وإرادته المبنية على ~~الحكم والمصالح التى عليها يدور أمر الكائنات. وقوله - سبحانه - { ~~لكل أجل كتاب } تهديد للمشركين الذين كانوا يتعجلون حصول ~~المقترحات التى طلبوها منه صلى الله عليه وسلم. أى لكل وقت من الأوقات " ~~كتاب " أى حكم معين يكتب على الناس حسبما تقتضيه مشيئته - سبحانه -. ثم ~~بين - سبحانه - بعد ذلك مظهرا من مظاهر شمول قدرته، وسعة علمه، وعظيم ~~حكمته فقال { يمحوا الله ما يشآء ويثبت وعنده أم ~~الكتاب }. وقوله { يمحوا } من المحو وهو إذهاب أثر الشئ بعد ~~وجوده. وقوله { ويثبت } من الإثبات وهو جعل الشئ ثابتا قارا فى مكان ما. ~~وأم الكتاب أصل الكتاب والمراد بأم الكتاب اللوح المحفوظ، أو علمه - ~~سبحانه - المحيط بكل شئ. قال الفخر الرازى " والعرب تسمى كل ما يجرى مجرى ~~الأصل للشئ أما له ومنه أم الرأس للدماغ، وأم القرى لمكة، وكل مدينة ~~فهى أم لما حولها من القرى فكذلك أم الكتاب هو الذى يكون أصلا لجميع ~~الكتب ". والمعنى يمحو الله - تعالى - ما يشاء محوه، ويثبت ما يريد ~~إثباته من الخير أو الشر ومن السعادة أو الشقاوة، ومن الصحة أو المرض، ~~ومن الغنى أو الفقر، ومن غير ذلك مما يتعلق بأحوال خلقه. # وعنده - سبحانه - الأصل الجامع لكل ما يتعلق بأحوال هذا الكون. قال ms2875 - ~~تعالى - # مآ أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا ~~في كتاب من قبل أن نبرأهآ إن ذلك على الله ~~يسير... # وقال - تعالى - # ألم تعلم أن الله يعلم ما في السمآء والأرض ~~إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير # وللمفسرين فى معنى هذه الآية كلام طويل، لخصه الإمام الشوكانى تلخيصا ~~حسنا فقال قوله - سبحانه - { يمحوا الله ما يشآء ويثبت } ~~أى يمحو من ذلك الكتاب ويثبت ما يشاء منه، وظاهر النظم القرآنى العموم فى ~~كل شئ مما فى الكتاب، فيمحو ما يشاء محوه من شقاوة أو سعادة أو رزق أو ~~عمر.. ويبدل هذا بهذا، ويجعل هذا مكان هذا. لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ~~وإلى هذا ذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس وقتادة وغيرهم. وقيل ~~الآية خاصة بالسعادة والشقاوة. وقيل يمحو ما يشاء من ديوان الحفظة، وهو ~~ما ليس فيه ثواب ولا عقاب، ويثبت ما فيه الثواب والعقاب. وقيل " يمحو ما ~~يشاء من الشرائع فينسخه، ويثبت ما لا يشاء فلا ينسخه.. والأول أولى كما ~~تفيده " ما " فى قوله " ما يشاء " من العموم مع تقدم ذكر الكتاب فى قوله ~~" لكل أجل كتاب " ومع قوله " وعنده أم الكتاب " أى أصله وهو اللوح ~~المحفوظ. فالمراد من الآية أنه يمحو ما يشاء مما فى اللوح المحفوظ فيكون ~~كالعدم، ويثبت ما يشاء مما فيه فيجرى فيه قضاؤه وقدره على حسب ما تقتضيه ~~مشيئته. وهذا لا ينافى ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من قوله " جف ~~القلم " ، وذلك لأن المحو والإثبات هو من جملة ما قضاه - سبحانه -. وقيل ~~إن أم الكتاب هو علم الله - تعالى - بما خلق وبما هو خالق. وقوله - ~~سبحانه - { وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو ~~نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ~~} حض له صلى الله عليه وسلم على المضى فى دعوته بدون تسويف أو تأجيل. و " ~~ما " فى قوله " وإما نرنيك " مزيدة لتأكيد معنى الشرط، والأصل وإن نرك، ~~والإراءة هنا بصرية، والكاف مفعول أول، وبعض الذى نعدهم ms2876 مفعول ثان، وجاب ~~الشرط، محذوف. والمعنى وإما نرينك - يا محمد - بعض الذى توعدنا به أعداءك ~~من العذاب الدنيوى، فذاك شفاء لصدرك وصدور أتباعك. وقوله " أو نتوفينك " ~~شرط آخر لعطفه على الشرط السابق، وجوابه - أيضا - محذوف والتقدير أو ~~نتوفينك قبل ذلك فلا تهتم، واترك الأمر لنا. # وقوله { فإنما عليك البلاغ } تعليل لهذا الجواب المحذوف، ~~أى سواء أرأيت عذابهم أم لم تره، فإنما عليك فقط تبليغ ما أمرناك بتبليغه ~~للناس. { وعلينا } وحدنا { الحساب } أى محاسبتهم ومجازاتهم على أعمالهم ~~السيئة. وقوله - سبحانه - { بعض الذي نعدهم } للإشارة إلى أن ~~ما يصيبهم من عذاب دنيوى هو بعض العذاب المعد لهم، أما البعض الآخر وهو ~~عذاب الآخرة فهو أشد وأبقى. ولقد صدق الله - تعالى - وعده لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم فأراه قبل أن يفارق هذه الدنيا، جانبا من العذاب الذى أنزله ~~بأعدائه، فسلط على مشركى مكة الجدب والقحط الذى جعلهم يأكلون العظام ~~والميتة والجلود. كما سلط عليهم المؤمنين فهزموهم فى غزوة بدر وفى غزوة ~~الفتح وفى غيرهما. ثم وبخ - سبحانه - المشركين لعدم تفكرهم وتدبرهم ~~واتعاظهم بآثار من قبلهم، فقال - تعالى - { أولم يروا أنا ~~نأتي الأرض ننقصها من أطرافها... } والهمزة للاستفهام ~~الإنكارى، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام. والخطاب لمشركى مكة ومن ~~كان على شاكلتهم فى الكفر والضلال. والمراد بالأرض هنا أرض الكفرة ~~والظالمين. والأطراف جمع طرف وهو جانب الشئ. والمعنى أعمى هؤلاء الكافرون ~~عن التفكير والاعتبار، ولم يروا كيف أن قدرة الله القاهرة، قد أتت على ~~الأمم القوية الغنية - حين كفرت بنعمه - سبحانه -، فصيرت قوتها ضعفا ~~وغناها فقرا، وعزها ذلا، وأمنها خوفا.. وحصرتها فى رقعة ضيقة من الأرض، ~~بعد أن كانت تملك الأراضى الفسيحة، والأماكن المترامية الأطراف. فالآية ~~الكريمة بشارة للمؤمنين، وإنذار للكافرين. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى ~~- # أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافهآ ~~أفهم الغالبون # قال الآلوسى ما ملخصه " وروى عن ابن عباس أن المراد بانتقاص الأرض موت ~~أشرافها وكبرائها وذهاب العلماء منها. وعليه يكون المراد بالأرض جنسها ~~وبالأطراف الأشراف والعلماء، وشاهده قول ms2877 الفرزدق # واسأل بنا وبكم، إذا وردت منى أطراف كل قبيلة، من يتبع؟ # يريد أشراف كل قبيلة. وتقرير الآية عليه أو لم يروا أنا نحدث فى الدنيا ~~من الاختلافات خرابا بعد عمارة، وموتا بعد حياة، وذلا بعد عز.. فما الذى ~~يؤمنهم أن يقلب الله - تعالى - الأمر عليهم فيجعلهم أذلة بعد أن كانوا ~~أعزة.. ثم قال وهو كما ترى والأول - وهو أن يكون المراد بالأرض أرض ~~الكفر، وبالأطراف الجوانب - أوفق بالمقام، ولا يخفى ما فى التعبير ~~بالإتيان المؤذن بعظيم الاستيلاء من الفخامة، وجملة " ننقصها " فى موضع ~~الحال من فاعل نأتى.. ". وقوله - سبحانه - { والله يحكم لا ~~معقب لحكمه } بيان لعلو شأن حكمه - تعالى - ونفاذ أمره. ~~والمعقب هو الذى يتعقب فعل غيره، أو قوله فيبطله أو يصححه. أى والله - ~~تعالى - يحكم ما يشاء أن يحكم به فى خلقه، لا راد لحكمه، ولا دافع ~~لقضائه، ولا يتعقب أحد ما حكم به بتغيير أو تبديل، وقد حكم - سبحانه - ~~بعزة الإسلام، وعلو شأنه وشأن أتباعه على سائر الأمم والأديان. # . وقوله { وهو سريع الحساب } أى وهو - سبحانه - سريع المحاسبة ~~والمجازاة، لأنه لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه غيره من الإحصاء والعد، إذ ~~هو - سبحانه - محيط بكل شئ، فلا تستبطئ. عقابهم - أيها الرسول الكريم - ~~فإن ما وعدناك به واقع لا محالة. ثم زاد - سبحانه - فى تسلية رسوله صلى ~~الله عليه وسلم وفى تثبيت فؤاده فقال { وقد مكر الذين من ~~قبلهم فلله المكر جميعا... }. والمكر صرف الغير عما ~~يريده بحيلة، أو إيصال المكروه للممكور به خفية، والمراد بمكر الذين من ~~قبلهم إضمارهم السوء لرسلهم. والمراد بمكر الله - تعالى - هنا علمه - ~~سبحانه - بما بيتوه، وإحباطه لمكرهم، وإنجاؤه لرسله - عليهم الصلاة ~~والسلام -. أى وقد مكر الكفار الذين سبقوا قومك - يا محمد - برسلهم ~~وحاولوا إيقاع المكروه بهم، ولكن ربك - سبحانه - نصر رسله لأنه - عز وجل ~~- له المكر جميعا، ولا اعتداد بمكر غيره لأنه معلوم له. وقال الجمل ما ~~ملخصه " وقوله { فلله المكر جميعا } تعليل لمحذوف تقديره فلا ~~عبرة بمكرهم، ولا تأثير له، فحذف ms2878 هذا اكتفاء بدلالة القصر المستفاد من ~~تعليله بقوله { فلله المكر جميعا } أى لا تأثير لمكرهم أصلا ~~لأنه معلوم لله - تعالى - وتحت قدرته.. وجملة " يعلم ما تكسب كل نفس " ~~بمنزلة التعليل لجملة { فلله المكر جميعا }. أى هو - سبحانه ~~- له المكر جميعا، لأنه لا تخفى عليه خافية من أحوال كل نفس، وسيجازيها ~~بما تستحقه من خير أو شر. وقوله { وسيعلم الكفار لمن ~~عقبى الدار } تهديد للكافرين بالحق الذى جاءهم به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. أى وسيعلم الكافرون عندما ينزل بهم العذاب، لمن تكون ~~العاقبة الحميدة أهى لهم - كما يزعمون - أم للمؤمنين؟ لا شك أنها ~~للمؤمنين. فالجملة الكريمة تحذير للكافرين من التمادى فى كفرهم، وتبشير ~~للمؤمنين بأن العاقبة لهم. وفى قراءة سبعية " وسيعلم الكافر ". فيكون ~~المراد به جنس الكافر. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالشهادة للرسول ~~صلى الله عليه وسلم بأنه صادق فى رسالته فقال { ويقول الذين ~~كفروا لست مرسلا }. أى لست مرسلا من عند الله - تعالى -، وقد ~~حكى - سبحانه - قولهم الباطل هذا بصيغة الفعل المضارع، للإشارة إلى ~~تكرار هذا القول منهم، ولاستحضار أحوالهم العجيبة الدالة على إصرارهم على ~~العناد والجحود. وقوله { قل كفى بالله شهيدا بيني ~~وبينكم ومن عنده علم الكتاب } أمر من الله - تعالى - ~~لرسوله بأن يرد عليهم بما يخرس ألسنتهم. # والباء الداخلة على اسم الجلالة الذى هو فاعل { كفى } فى المعنى، مزيدة ~~للتأكيد، وقوله { ومن عنده علم الكتاب } معطوف على اسم ~~الجلالة، والمراد بالموصول وبالكتاب الجنس. والمعنى قل لهم - أيها الرسول ~~الكريم - تكفى شهادة الله بينى وبينكم، فهو يعلم صدق دعوتى، ويعلم كذبكم، ~~ويعلم ذلك - أيضا - كل من كان على علم بالكتب السماوية السابقة فإنها قد ~~بشرت برسالتى، وجاءت أوصافى فيها... وممن شهد لى بالنبوة ورقة بن نوفل، ~~فأنتم تعلمون أنه قال لى عندما أخبرته بما حدث لى فى غار حراء " هذا هو ~~الناموس - أى الوحى - الذى أنزله الله على موسى "... وقيل المراد بمن ~~عنده علم الكتاب المسلمون، وبالكتاب القرآن، والأول أرجح لشموله لكل من ~~كان عنده بالكتب ms2879 السماوية السابقة، إذ هذا الشمول أكثر دلالة على صدق ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه. وبعد فهذه هى سورة الرعد. ~~وهذا تفسير وسيط لآياتها.. ### | [14 - سورة ابراهيم] ### || [14.1-4] # سورة إبراهيم - عليه السلام - من السور القرآنية التى افتتحت بحرف من ~~الحروف المقطعة وهو قوله - تعالى - { الر }. وقد سبق أن ذكرنا آراء ~~العلماء فى هذه الحروف عند تفسيرنا لسور آل عمران، والأعراف، ويونس، ~~وهود، ويوسف، والرعد. وقلنا ما خلاصته لعل أقرب الأقوال إلى الصواب، أن ~~هذه الحروف المقطعة، قد وردت فى افتتاح بعض سور القرآن، على سبيل ~~الإيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن. فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك ~~المعاندين والمعارضين فى أن القرآن من عند الله. هاكم القرآن ترونه مؤلفا ~~من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم، ومنظوما من حروف هى من جنس ~~الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم، فإن كنتم فى شك من كونه منزلا ~~من عند الله فهاتوا مثله، وادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك، ~~فإن لم تستطيعوا فهاتوا عشر سور من مثله، فإن عجزتم فهاتوا سورة واحدة من ~~مثله. قال - تعالى - # وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ~~فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهدآءكم من دون ~~الله إن كنتم صادقين # وقوله { كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من ~~الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط ~~العزيز الحميد } تنويه بشأن القرآن الكريم، وبيان للغرض السامى ~~الذى أنزله الله - تعالى - من أجله. والظلمات جمع ظلمة، والمراد بها ~~الكفر والضلال، والمراد بالنور الإيمان والهداية. والباء فى { بإذن ~~ربهم } للسببية، والجار والمجرور متعلق بقوله { لتخرج }. ~~والصراط الجادة والطريق، من سرط الشئ إذا ابتلعه، وسمى الطريق بذلك، لأنه ~~يبتلع المارين فيه، وأبدلت سينه صادا على لغة قريش. والمعنى هذا كتاب ~~جليل الشأن، عظيم القدر، أنزلناه إليك يا محمد، لكى تخرج الناس من ظلمات ~~الكفر والجهالة والضلال، إلى نور الإيمان والعلم والهداية وهذا الإخراج ~~إنما هو بإذن ربهم ومشيئته وإرادته وأمره. وقوله { إلى صراط ~~العزيز الحميد } بدل من ms2880 قوله { إلى النور }. أى لتخرج الناس ~~من ظلمات الكفر والضلال إلى طريق الله { العزيز } أى الذى يغلب ولا ~~يغلب { الحميد } أى المحمود بكل لسان. وأسند - سبحانه - الإخراج ~~إلى النبى صلى الله عليه وسلم باعتباره المبلغ لهذا الكتاب المشتمل على ~~الهداية التى تنقل الناس من الكفر إلى الإيمان، ومن الجهالة إلى الهداية ~~وشبه الكفر بالظلمات - كما يقول الإمام الرازى -، لأنه ما يتحير الرجل ~~فيه عن طريق الهداية، وشبه الإيمان بالنور، لأنه نهاية ما ينجلى به طريق ~~هدايته ". وفى جمع " الظلمات " وإفراد " النور " إشارة إلى أن للكفر طرقا ~~كثيرة، وأما الإيمان فطريق واحد. وقوله - سبحانه - { بإذن ربهم ~~} احتراس لبيان أن نقل الناس من حال إلى حال إنما هو بإرادة الله - تعالى ~~- ومشيئته، وأن الرسول ما هو إلا مبلغ فقط، أما الهداية فمن الله وحده. # ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر قدرته فقال { الله الذي له ما في ~~السماوات وما في الأرض.. } أى الله - تعالى - وحده هو الذى ~~له ما فى السماوات وما فى الأرض ملكا وملكا وخلقا لا يشاركه فى ذلك ~~مشارك، ولا ينازعه منازع. ولفظ الجلالة قرأه الجمهور بالجر على أنه بدل ~~أو عطف بيان من العزيز الحميد. وقرأه نافع وابن عامر بالرفع على أنه خبر ~~لمبتدأ محذوف أى هو الذى له ما فى السماوات وما فى الأرض. وجملة " وويل ~~للكافرين من عذاب شديد " تهديد ووعيد لمن كفر بالحق وأعرض عنه. ولفظ " ~~ويل " مصدرلا يعرف له فعل من لفظه مثل " ويح " وجاء مرفوعا للدلالة على ~~الثبات والدوام، ومعناه الهلاك أو الفضيحة أو الحسرة، أى الله - تعالى - ~~هو الذى له ما فى السماوات وما فى الأرض، وويل للكافرين بما أنزلناه إليك ~~- أيها الرسول الكريم - من عذاب شديد سينزل بهم، فيجعلهم يستغيثون دون أن ~~يجدوا من يغيثهم. ثم وصف - سبحانه - هؤلاء الكافرين بجملة من الصفات ~~الذميمة، التى أردتهم وأهلكتهم فقال - تعالى - { الذين ~~يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن ~~سبيل الله ويبغونها عوجا... } ويستحبون بمعنى يحبون، ~~فالسين والتاء للتأكيد، أى يختارون ويؤثرون ولذا عداه ms2881 بعلى. أى يختارون ~~شهوات الحياة الدنيا، ويؤثرون لذائذها ومتعها على الدار الآخرة وما فيها ~~من نعيم وخيرات.. " ويصدون " من الصد، وهو صرف الغير عن الشئ ومنعه منه ~~يقال صد فلان فلانا عن فعل الشئ، إذا منعه من فعله. وسبيل الله طريقه ~~الموصلة إليه وهو ملة الإسلام. ويبغون من البغاء - بضم الباء - بمعنى ~~الطلب. يقال بغيت لفلان كذا، إذا طلبته له، وبغيت الشئ أبغيه بغاء وبغى ~~وبغية إذا طلبته. والعوج - بكسر العين وفتحها - مصدر عوج - كتعب. إلا أن ~~بعضهم يرى أن مكسور العين يكون فيما ليس بمرئى كالآراء والأقوال ~~والعقائد، وأن مفتوحها يكون فى المرئيات كالأجساد والمحسوسات. أى أن ~~هؤلاء الكافرين يؤثرون شهوات الدنيا على الآخرة ونعيمها، ولا يكتفون بذلك ~~بل يضعون العراقيل فى طريق دعوة الحق حتى يبتعد الناس عنها، ويطلبون لها ~~العوج والميل تبعا لزيغ نفوسهم، مع أنها أقوم طريق، وأعدل سبيل، والضمير ~~المنصوب فى قوله " يبغونها " يعود إلى سبيل الله، أى يبغون لها العوج، ~~فحذف الجار وأوصل الفعل إلى الضمير، كما فى قوله # وإذا كالوهم... # أى كالوا لهم. وقوله { عوجا } مفعول به ليبغون. # وبعضهم جعل الضمير المنصوب فى " يبغونها " ، وهو الهاء هو المفعول، وجعل ~~" عوجا " حال من سبيل الله أى ويريدونها أن تكون فى حال اعوجاج واضطراب. ~~وقوله { أولئك في ضلال بعيد } بيان الحكم العادل الذى ~~أصدره - سبحانه - عليهم. أى أولئك الموصوفون بما ذكر فى ضلال بعيد عن ~~الحق. والإشارة بأولئك الدالة على البعد، للتنبيه على أنهم أحرياء بما ~~وصفوا به بسبب تلبسهم بأقبح الخصال، وأبشع الرذائل. وعبر بفى الظرفية ~~للدلالة على تمكن الضلال منهم، وأنه محيط بهم كما يحيط الظرف بالمظروف. ~~قال الآلوسى وفى الآية من المبالغة فى ضلالهم ما لا يخفى، حيث أسند فيها ~~إلى المصدر ما هو لصاحبه مجازا كجد جده... ويجوز أن يقال إنه أسند فيها ~~ما للشخص إلى سبب اتصافه بما وصف به، بناء على أن البعد فى الحقيقة صفة ~~له باعتبار بعد مكانه عن مقصده، وسبب بعده ضلاله، لأنه لو لم يضل ms2882 لم يبعد ~~عنه، فيكون كقولك قتل فلانا عصيانه، والإسناد مجازى وفيه المبالغة ~~المذكورة أيضا. ثم بين - سبحانه - منه أخرى من مننه على عباده فقال { ~~ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين ~~لهم... }. قال الإمام الرازى ما ملخصه " اعلم أنه - تعالى - لما ذكر ~~فى أول السورة { كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من ~~الظلمات إلى النور... } كان هذا إنعاما على الرسول، من حيث إنه ~~فوض إليه هذا المنصب العظيم، وإنعاما على الخلق من حيث إنه أرسل إليهم من ~~خلصهم من ظلمات الكفر... ثم ذكر فى هذه الآية ما يجرى مجرى تكميل النعمة ~~والإحسان فى الوجهين أما بالنسبة إلى الرسول، فلأن بعثته كانت إلى الناس ~~عامة.. وأما بالنسبة لعامة الخلق، فلأنه - سبحانه - ما بعث رسولا إلى قوم ~~إلا بلسانهم... " والباء فى قوله " بلسان " للملابسة، والمراد باللسان ~~اللغة التى يتخاطب بها الرسول مع قومه.. والمعنى وما أرسلنا من قبلك - ~~أيها الرسول الكريم - رسولا من الرسل إلى قوم من الأقوام، إلا وكانت لغته ~~كلغتهم، لكى يتيسر لهم أن يفهموا عندما يريد أن يبلغهم إياه من الأوامر ~~والنواهى... قال ابن كثير " هذا من لطفه - تعالى - بخلقه أنه يرسل إليهم ~~رسلا منهم بلغتهم ليفهموا عنهم ما يريدون، وما أرسلوا به إليهم كما قال ~~الإمام أحمد. حدثنا وكيع، عن عمر بن أبى ذر قال قال مجاهد عن أبى ذر قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لم يبعث الله - عز وجل - نبيا إلا بلغة قومه ". # وقال صاحب الكشاف " فإن قلت لم يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~العرب وحدهم، وإنما بعث إلى الناس جميعا، وهم على ألسنة مختلفة. # فإن لم تكن للعرب حجة، فلغيرهم الحجة. وإن لم تكن لغيرهم حجة، فلو نزل ~~بالعجمية لم تكن للعرب حجة - أيضا - قلت لا يخلو إما أن ينزل بجميع ~~الألسنة أو بواحد منها، فلا حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة لأن الترجمة ~~تنوب عن ذلك وتكفى التطويل، فبقى أن ينزل بلسان واحد. فكان أول الألسنة ~~لسان قوم الرسول صلى ms2883 الله عليه وسلم لأنهم أقرب إليه. فإذا فهموا عنه ~~وتبينوه وتنوقل عنهم وانتشر، قامت التراجم ببيانه وتفهيمه، كما ترى الحال ~~وتشاهدها من نيابة التراجم فى كل أمة من أمم العجم، مع ما فى ذلك من ~~اتفاق أهل البلاد المتباعدة، والأجيال المتفاوتة على كتاب واحد، ~~واجتهادهم فى تعلم لفظه وتعلم معانيه، وما يتشعب من ذلك من جلائل ~~الفوائد، ولأنه أبعد من التحريف والتبديل، وأسلم من التنازع والاختلاف... ~~" وقال الشوكانى ما ملخصه " وقد قيل فى هذه الآية إشكال، لأن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - أرسل إلى الناس جمعيا، ولغاتهم متباينة... وأجيب بأنه - ~~صلى الله عليه وسلم - وإن كان مرسلا إلى الثقلين، لكن لما كان قومه ~~العرب، وكانوا أخص به وأقرب إليه، كان إرساله بلسانهم أولى من إرساله ~~بلسان غيرهم، وهم يبينونه لمن كان على غير لسانهم. ولو نزل القرآن بجميع ~~لغات من أرسل إليهم، وبينه الرسول لكل قوم بلسانهم، لكان ذلك مظنة ~~للاختلاف، وفتحا لباب التنازع، لأن كل أمة قد تدعى من المعانى فى لسانها ~~ما لا عرفه غيرها. وربما كان ذلك - أيضا - مفضيا إلى التحريف والتصحيف، ~~بسبب الدعاوى الباطلة التى يقع فيها المتعصبون ". وجملة { فيضل ~~الله من يشآء ويهدي من يشآء } مستأنفة. أى فيضل الله من ~~يشاء إضلاله، أى يخلق فيه الضلال لوجود أسبابه المؤدية إليه فيه. ويهدى ~~من يشاء هدايته، لا راد لمشيئته، ولا معقب لحكمه. " وهو " سبحانه " ~~العزيز " الذى لا يغلبه غالب " الحكيم " فى كل أفعاله وتصرفاته. قال صاحب ~~تفسير التحرير والتنوير وتفريع قوله " فيضل الله من يشاء... إلخ " على ~~مجموع جملة { ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ~~ليبين لهم } ، ولذلك جاء فعل " يضل " مرفوعا غير منصوب، إذ ليس ~~عطفا على فعل " ليبين " لأن الإضلال لا يكون معلولا للتبين ولكنه مفرع ~~على الإرسال المعلل بالتبيين. والمعنى أن الإرسال بلسان قومه لعلة ~~التبيين. وقد يحصل أثر التبيين بمعرفة الاهتداء، وقد لا يحصل أثره بسبب ~~ضلال المبين لهم. وبذلك نرى الآيات الكريمة قد بينت وظيفة القرآن الكريم، ~~ووظيفة الرسول - صلى ms2884 الله عليه وسلم - كما توعدت الكافرين بسوء المصير ~~إذا ما استمروا فى كفرهم وغيهم، كما وضحت بعض مظاهر قدرة الله - تعالى - ~~ولطفه بعباده، وفضله عليهم. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك، أن رسالة موسى - ~~عليه السلام - كانت أيضا لإخراج قومه من الظلمات إلى النور، ولتذكيرهم ~~بنعم خالقهم عليهم، وبغناه عنهم، فقال تعالى { ولقد أرسلنا ~~موسى بآياتنآ أن أخرج.... }. ### || [14.5-8] # قال الإمام الرازى " اعلم أنه - تعالى - لما بين أنه أرسل محمدا - صلى ~~الله عليه وسلم - إلى الناس ليخرجهم من الظلمات إلى النور وذكر كمال ~~إنعامه عليه وعلى قومه فى ذلك الإرسال وفى تلك البعثة، أتبع ذلك بشرح ~~بعثة سائر الأنبياء إلى أقوامهم، وكيفية معاملة أقوامهم معهم. تصبيرا له ~~- صلى الله عليه وسلم - على أذى قومه، وبدأ - سبحانه - بقصة موسى فقال { ~~ولقد أرسلنا موسى بآياتنآ أن أخرج قومك من ~~الظلمات إلى النور... }. وموسى - عليه السلام - هو ابن عمران، ~~ابن يصهر، ابن ماهيث... وينتهى نسبه إلى لاوى بن يعقوب عليه السلام. ~~وكانت ولادة موسى - عليه السلام - فى حوالى القرن الرابع عشر قبل ~~الميلاد. والمراد بالآيات فى قوله { بآياتنآ } الآيات التسع التى ~~أيده الله تعالى بها قال تعالى # ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات... # وهى العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والجدب ~~- أى فى بواديهم، والنقص من الثمرات - أى فى مزارعهم. قال - تعالى - # فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين. ونزع يده ~~فإذا هي بيضآء للناظرين # وقال - تعالى - # ولقد أخذنآ آل فرعون بالسنين ونقص من ~~الثمرات # وقال - تعالى - # فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل ~~والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا ~~وكانوا قوما مجرمين # ومنهم من يرى أنه يصح أن يراد بالآيات هنا آيات التوراة التى أعطاها ~~الله - تعالى - لموسى - عليه السلام -. قال الآلوسى ما ملخصه " قوله { ~~ولقد أرسلنا موسى بآياتنآ } أى ملتبسا بها. وهى كما أخرج ~~ابن جرير وغيره، عن مجاهد وعطاء وعبيد بن عمير، الآيات التسع التى أجراها ~~الله على يده - عليه السلام - وقيل يجوز أن يراد بها آيات التوراة ". ~~ويبدو لنا أنه لا مانع من ms2885 حمل الآيات هنا على ما يشمل الآيات التسع، ~~وآيات التوراة، فالكل كان لتأييد موسى - عليه السلام - فى دعوته. و " أن ~~" فى قوله { أن أخرج قومك } تفسير بمعنى أى لأن فى الإرسال ~~معنى القول دون حروفه. والمراد بقومه من أرسل لهدايتهم وإخراجهم من ظلمات ~~الكفر إلى نور الإيمان، وهم بنو إسرائيل وفرعون وأتباعه. وقيل المراد ~~بقومه بنو إسرائيل خاصة، ولا نرى وجها لهذا التخصيص، لأن رسالة موسى - ~~عليه السلام - كانت لهم ولفرعون وقومه. والمعنى وكما أرسلناك يا محمد ~~لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، أرسلنا من قبلك أخاك موسى إلى قومه ~~لكى يخرجهم - أيضا - من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. فالغاية التى من ~~أجلها أرسلت - أيها الرسول الكريم - هى الغاية التى من أجلها أرسل كل نبى ~~قبلك، وهى دعوة الناس إلى إخلاص العبادة لله - تعالى - وخص - سبحانه - ~~موسى بالذكر من بين سائر الرسل. # لأن أمته أكثر الأمم المتقدمة على هذه الأمة الإسلامية. وأكد - سبحانه - ~~الإخبار عن إرسال موسى بلام القسم وحرف التحقيق قد، لتنزيل المنكرين ~~لرسالة النبى - صلى الله عليه وسلم - منزلة من ينكر رسالة موسى - عليه ~~السلام - وقوله - تعالى - { وذكرهم بأيام الله } معطوف ~~على قوله { أن أخرج قومك }. والتذكير إزالة نسيان الشئ، وعدى ~~بالباء لتضمينه معنى الإنذار والوعظ أى ذكرهم تذكير عظة بأيام الله. ومن ~~المفسرين من يرى أن المراد بأيام الله نعمه وآلاؤه. قال ابن كثير قوله { ~~وذكرهم بأيام الله } أى بأياديه ونعمه عليهم، فى إخراجه ~~إياهم من أسر فرعون وقهره وظلمه وغشمه، وإنجائه إياهم من عدوهم، وفلقه ~~لهم البحر، وتظليله إياهم الغمام، وإنزاله عليهم المن والسلوى ". ومنهم ~~من يرى أن المراد بها، نقمه وبأساؤه. قال صاحب الكشاف قوله { ~~وذكرهم بأيام الله } أى وأنذرهم بوقائعه التى وقعت على ~~الأمم قبلهم، كما وقع على قوم نوح وعاد وثمود، ومنه أيام العرب لحروبها ~~وملاحمها، كيوم ذى قار، ويوم الفجار، وهو الظاهر " ومنهم من يرى أن ~~المراد بها ما يشمل أيام النعمة، وأيام النقمة. قال الإمام الرازى ما ~~ملخصه " أما قوله { وذكرهم ms2886 بأيام الله } فاعلم أنه - ~~تعالى - أمر موسى فى هذا المقام بشيئين، أحدهما أن يخرجهم من الظلمات إلى ~~النور. والثانى أن يذكرهم بأيام الله. ويعبر عن الأيام بالوقائع العظيمة ~~التى وقعت فيها.. # وتلك الأيام نداولها بين الناس # فالمعنى عظهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد، فالترغيب والوعد، أن ~~يذكرهم بنعم الله عليهم وعلى من قبلهم ممن آمن بالرسل... والترهيب ~~والوعيد. أن يذكرهم بأس الله وعذابه وانتقامه، ممن كذب الرسل من الأمم ~~السالفة.. ثم قال واعلم أن أيام الله فى حق موسى - عليه السلام - منها ما ~~كان أيام المحنة والبلاء، وهى الأيام التى كانت بنو إسرائيل فيها تحت قهر ~~فرعون، ومنها ما كان أيام الراحة والنعماء مثل إنزال المن والسلوى ~~عليهم.. ". وقال الآلوسى " قوله { وذكرهم بأيام الله } أى ~~بنعمائه وبلائه، كما روى عن ابن عباس - رضى الله عنهما - واختاره الطبرى، ~~لأنه الأنسب بالمقام والأوفق بما سيأتى من الكلام ". وما ذهب إليه ~~الإمامان الرازى والآلوسى، هو الذى تسكن إليه النفس، لأن الأيام كلها ~~وإن كانت لله، إلا أن المراد بها هنا أيام معينة، وهى التى برزت فيها ~~السراء أو الضراء بروزا ظاهرا، كانت له آثاره على الناس الذين عاشوا فى ~~تلك الأيام. # وبنو إسرائيل - على سبيل المثال - مرت عليهم فى تاريخهم الطويل، أيام ~~غمروا فيها بالنعم، وأيام أصيبوا فيها بالنقم. فالمعنى ذكر يا موسى قومك ~~بنعم الله لمن آمن وشكر، وبنقمه على من جحد وكفر، لعل هذا التذكير يجعلهم ~~يثوبون إلى رشدهم، ويتبعونك فيما تدعوهم إليه. واسم الإشارة فى قوله { ~~إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } يعود على التذكير ~~بأيام الله. والصبار الكثير الصبر على البلاء. والصبر حبس النفس على ما ~~يقتضيه الشرع فعلا أو تركا. يقال صبره عن كذا يصبره إذا حبسه. والشكور ~~الكثير الشكر لله - تعالى - على نعمه، والشكر عرفان الإحسان ونشره ~~والتحدث به، وأصله من شكرت الناقة - كفرح - إذا امتلأ ضرعها باللبن، ومنه ~~أشكر الضرع إذا امتلأ باللبن. أى إن فى ذلك التذكير بنعم الله ونقمه، ~~لآيات واضحات، ودلائل بينات على ms2887 وحدانية الله - تعالى - وقدرته وعلمه، ~~وحكمته، لكل إنسان كثير الصبر على البلاء، وكثير الشكر على النعماء. ~~وتخصيص الآيات بالصبار والشكور لأنهما هما المنتفعان بها وبما تدل عليه ~~من دلائل على وحدانية الله وقدرته، لا لأنها خافية على غيرهما، فإن ~~الدلائل على ذلك واضحة لجميع الناس. وجمع - سبحانه - بينهما، للإشارة ~~إلى ان المؤمن الصادق لا يخلو حاله عن هذين الأمرين ففى الحديث الصحيح عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " إن أمر المؤمن كله عجب، لا يقضى الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن ~~أصابته ضراء صبر فكان خيرا له. وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ". # وقدم - سبحانه - صفة الصبر على صفة الشكر، لما أن الصبر مفتاح الفرج ~~المقتضى للشكر، أو لأن الصبر من قبيل الترك، والتخلية مقدمة على التحلية. ~~ثم بين - سبحانه - بعد ذلك موسى - عليه السلام - قد امتثل أمر ربه فقال { ~~وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم ~~إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ~~ويذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم... } و " إذ ~~" ظرف لما مضى من الزمان، وهو متعلق بمحذوف تقديره اذكر. والمراد بقوله { ~~اذكروا نعمة الله عليكم } تنبهوا بعقولكم وقلوبكم لتلك ~~المنن التى امتن الله بها عليكم، وقوموا بحقوقها، وأكثروا من الحديث عنها ~~بألسنتكم. فإن التحدث بنعم الله فيه إغراء بشكرها. " آل فرعون " حاشيته ~~وخاصته من قومه. وفرعون لقب لملك مصر فى ذلك الوقت، كما يقال لملك الروم ~~قيصر... ويسومونكم من السوم وهو مطلق الذهاب أو الذهاب فى ابتغاء الشئ، ~~يقال سامت الإبل فهى سائمة. أى ذهبت فى المرعى، وسام السلعة إذا طلبها ~~وابتغاها. وسامه خسفا، إذا أذله واحتقره وكلفه فوق طاقته. # و { سوء العذاب } أشده. والسوء - بالضم - كل ما يدخل الحزن والغم ~~على نفس الإنسان. وهو فى الأصل مصدر، ويؤنث بالألف فيقال السوأى. وقوله ~~{ ويستحيون نسآءكم } من الاستحياء بمعنى الاستبقاء، يقال ~~استحيا فلان فلانا أى استبقاه وأصله طلب له الحياة والبقاء. والمعنى ~~واذكر - أيها الرسول الكريم - أو أيها المخاطب وقت أن قال ms2888 موسى - عليه ~~السلام - لقومه على سبيل الإرشاد والتوجيه إلى الخير يا قوم { ~~اذكروا نعمة الله عليكم } أى داوموا على شكر الله، فقد ~~أسبغ عليكم نعما كثيرة من أبرزها أنه - سبحانه - أنجاكم من آل فرعون ~~الذين كانوا يصبون عليكم أشد العذاب وأفظعه، وكانوا يذبحون أبناءكم ~~الصغار، ويستبقون نساءكم.. وجعل - سبحانه - النجاة هنا من آل فرعون ولم ~~تجعل منه، مع أنه الآمر بتعذيب بنى إسرائيل للتنبيه على أن حاشيته ~~وبطانته كانت عونا فى إذاقتهم سوء العذاب. وجعلت الآية الكريمة استحياء ~~النساء عقوبة لبنى إسرائيل، لأن هذا الإبقاء عليهم كان المقصود منه ~~الاعتداء عليهن، واستعمالهن فى الخدمة بالاسترقاق، فبقاؤهن بعد فقد ~~الذكور بقاء ذليل، وعذاب أليم، تأباه النفوس الكريمة. قال الآلوسى قوله { ~~ويستحيون نسآءكم } أى ويبقونهن فى الحياة مع الذل. ولذلك عد ~~من جملة البلاء، أو لأن إبقاؤهن دون البنين رزية فى ذاته كما قيل # ومن أعظم الرزء فيما أرى بقاء البنات وموت البنينا # وقد رجح كثير من المفسرين أن المراد بالأبناء هنا الأطفال الصغار، لأن ~~اللفظ من حيث وضعه يفيد ذلك، ولأن قتل جميع الرجال لا يفيدهم حيث إن ~~فرعون وآله، كانوا يستعملونهم فى الأعمال الشاقة والحقيرة، ولأنه لو كان ~~المقصود بالذبح الرجال، لما قامت أم موسى بإلقائه فى البحر وهو طفل صغير ~~لتنجيه من الذبح. وقال - سبحانه - هنا { يسومونكم سوء ~~العذاب ويذبحون أبنآءكم } لأن المقصود هنا تعداد المحن ~~التى حلت ببنى اسرائيل، فكان المراد بجملة { يسومونكم سوء ~~العذاب } نوعا منه، وكان المراد بجملة { ويذبحون ~~أبنآءكم } نوعا آخر منه، لذا وجب العطف، لأن الجملة الثانية ليست ~~مفسرة للأولى، وإنما هى تمثل نوعا آخر من العذاب الذى حل ببنى إسرائيل. ~~بخلاف قوله - تعالى - فى سورة البقرة # يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبنآءكم # بدون واو العطف، لأن الجملة الثانية بيان وتفسير للجملة الأولى. فيكون ~~المراد من سوء العذاب فى سورة البقرة تذبيح الأبناء واستحياء النساء. ~~واسم الإشارة فى قوله { وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ~~} يعود إلى المذكور من النعم والنقم، والبلاء الامتحان والاختبار، ويكون ms2889 ~~فى الخير والشر. قال - تعالى - # ونبلوكم بالشر والخير فتنة # أى وفى ذلكم العذاب وفى النجاة منه امتحان عظيم لكم من ربكم بالسراء ~~لتشكروا وبالضراء لتصبروا، ولتقلعوا عن السيئات التى تؤدى بكم إلى الشفاء ~~والهوان. ثم حكى - سبحانه - أن موسى - عليه السلام - قد أرشد قومه إلى ~~سنة من سنن الله التى لا تتخلف فقال { وإذ تأذن ربكم لئن ~~شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ~~}. # . وقوله { تأذن } بمعنى آذن أى أعلم، يقال آذن الأمر بالأمر أى ~~أعلمه، إلا أن صيغة التفعل تفيد المبالغة فى الإعلام، فيكون معنى " تأذن ~~" أعلم إعلاما واضحا بليغا لا التباس معه ولا شبهة. واللام فى قوله { ~~لئن شكرتم } موطئة للقسم. وحقيقة الشكر الاعتراف بنعم الله - ~~تعالى - واستعمالها فى مواضعها التى أرشدت الشريعة إليها. وقوله { ~~لأزيدنكم } ساد مسد جوابى القسم والشرط. والمراد بالكفر فى قوله { ~~ولئن كفرتم } كفر النعمة وجحودها، وعدم نسبتها إلى واهبها ~~الحقيقى وهو الله - تعالى - كما قال قارون # إنمآ أوتيته على علم عندي # وعدم استعمالها فيما خلقت له، إلى غير ذلك من وجوه الانحراف بها عن ~~الحق. وجملة { إن عذابي لشديد } دليل على الجواب المحذوف لقوله ~~{ ولئن كفرتم } إذ التقدير ولئن كفرتم لأعذبنكم، إن عذابى لشديد. ~~قال الجمل " وإنما حذف هنا وصرح به فى جانب الوعد، لأن عادة أكرم ~~الأكرمين أن يصرح بالوعد ويعرض بالوعيد ". والمعنى واذكر أيها المخاطب ~~وقت أن قال موسى لقومه يا قوم إن ربكم قد أعلمكم إعلاما واضحا بليغا ~~مؤكدا بأنكم إن شكرتموه على نعمه، زادكم من عطائه وخيره ومننه، وإن ~~جحدتم نعمه وغمطتموها واستعملتموها فى غير ما يرضيه، محقها من بين ~~أيديكم، فإنه - سبحانه - عذابه شديد، وعقابه أليم. هذا، وقد ساق الإمام ~~ابن كثير هنا جملة من الأحاديث الموجبة للشكر، والمحذرة من الجحود فقال ~~وقد جاء فى الحديث الشريف # " إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ". # وروى الإمام أحمد عن أنس قال # " أتى النبى - صلى الله عليه وسلم - سائل فأمر له بتمرة فلم يأخذها - أو ~~وحش بها أى رماها - قال وأتاه ms2890 آخر فأمر له بتمرة فقال السائل سبحان ~~الله!! تمرة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال للجارية إذهبى إلى ~~أم سلمة فأعطيه الأربعين درهما التى عندها ". # ثم بين - سبحانه - أن موسى قد أخبر قومه أن ضرر كفرهم إنما يعود عليهم، ~~لأن الله - تعالى - غنى عن العالمين فقال - تعالى - { وقال موسى ~~إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله ~~لغني حميد }. أى وقال موسى - عليه السلام - لقومه إن تجحدوا نعم ~~الله أنتم ومن فى الأرض جميعا من الخلائق، فلن تضروا الله شيئا، وإنما ~~ضرر ذلك يعود على الجاحد لنعمه، والمنحرف عن طريقه، فإن الله - تعالى - ~~لغنى عن شكركم وشكرهم، مستحق للحمد من جميع المخلوقين طوعا وكرها. # ويبدو من سياق الآية الكريمة أن موسى - عليه السلام - إنما قال لقومه ~~ذلك، بعد أن شاهد منهم علامات الإصرار على الكفر والفساد، وترجح لديه ~~أنهم قوم لا ينفعهم الترغيب ولا التعريض بالترهيب، ولمس منهم أنهم يمنون ~~عليه أو على الله - تعالى - بطاعاتهم فأراد بهذا القول أن يزجرهم عن ~~الإدلال بإيمانهم، والمن بطاعتهم. فالغرض الذى سبقت له الآية إنما هو ~~بيان أن منفعة الطاعة والشكر والإيمان إنما تعود على الطائعين الشاكرين ~~المؤمنين، وأن مضرة الجحود والكفران إنما تعود على الجاحدين الكافرين. ~~أما الله - تعالى - فلن تنفعه طاعة المطيع، ولن تضره معصية العاصى. ففى ~~الحديث القدسى الذى رواه الإمام مسلم فى صحيحه عن أبى ذر الغفارى، عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه - عز وجل - أنه قال # " يا عبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل ~~واحد منكم ما زاد ذلك فى ملكى شيئا. يا عبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم ~~وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكى شيئا. يا ~~عبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا على صعيد واحد فسألونى ~~فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندى إلا كما ينقص المخيط إذا ~~أدخل البحر ". # وبذلك نرى الآيات ms2891 الكريمة قد زخرت بالتوجيهات القرآنية الحكيمة، التى ~~ساقها الله - تعالى - على لسان موسى - عليه السلام - وهو يعظ قومه، ~~ويذكرهم بأيام الله، وبسننه فى خلقه، وبغناه عنهم... ثم حكى - سبحانه - ~~جانبا من أحوال بعض الرسل مع أقوامهم، ومن المحاورات التى دارت بين الرسل ~~وبين من أرسلوا إليهم فقال - تعالى - { ألم يأتكم نبأ ~~الذين من قبلكم قوم... } ### || [14.9-12] # وقوله - سبحانه - { ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم ~~قوم نوح وعاد وثمود... } يرى بعض المفسرين أنه من تتمة كلام ~~موسى - عليه السلام - فيكون المعنى أن موسى - عليه السلام - بعد أن ذكر ~~بأيام الله - تعالى -، وبنعمه عليهم، وبسننه - سبحانه - فى خلقه... بعد ~~كل ذلك شرع فى تذكيرهم وتخويفهم عن طريق ما حل بالمكذبين من قبلهم، فقال ~~لهم - كما حكى القرآن عنه - { ألم يأتكم نبأ الذين من ~~قبلكم.. } ومنهم من يرى أن الآية الكريمة كلام مستأنف، والخطاب فيه ~~لأمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيكون المعنى أن الله - تعالى - بعد ~~أن بين للناس أنه قد أنزل كتابه على رسوله - صلى الله عليه وسلم - ~~لإخراجهم من الظلمات إلى النور، وبين - سبحانه - أن له ما فى السماوات ~~وما فى الأرض، وهدد الكافرين بالعذاب الشديد، وحكى ما قاله موسى لقومه. ~~بعد كل ذلك وجه - سبحانه - الخطاب إلى مشركى مكة وإلى كل من كان على ~~شاكلتهم فقال { ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم... }. ~~قال الفخر الرازى ما ملخصه " يحتمل أن يكون هذا خطابا من موسى لقومه، ~~والمقصود منه أنه - عليه السلام - كان يخوفهم بمثل هلاك من تقدم. ويجوز ~~أن يكون مخاطبة من الله - تعالى - على لسان موسى لقومه، يذكرهم أمر ~~القرون الأولى. والمقصود إنما هو حصول العبرة بأحوال المتقدمين، وهذا ~~المقصود حاصل على التقديرين، إلا أن الأكثرين ذهبوا إلى أنه ابتداء ~~مخاطبة لقوم الرسول - صلى الله عليه وسلم -. ومع أننا نؤيد الإمام ~~الرازى فى أن المقصود إنما حصول العبرة بأحوال المتقدمين إلا أننا نميل ~~مع الأكثرين إلى الرأى الثانى، لأن قوم الرسول - صلى الله عليه وسلم - هم ~~المقصودون قصدا أوليا ms2892 بالخطاب القرآنى، ولأن الإمام ابن كثير - يرى أنه ~~لم يرد ذكر فى التوراة لقوم عاد وثمود، فقد قال قال ابن جرير " هذا من ~~تمام قول موسى لقومه... وفيما قال ابن جرير نظر والظاهر أنه خبر مستأنف ~~من الله - تعالى - لهذه الأمة، فإنه قد قيل إن قصة عاد وثمود ليست فى ~~التوراة، فلو كان هذا من كلام موسى لقومه وقصه عليهم، فلا شك حينئذ أن ~~تكون هاتان القصتان فى التوراة. والاستفهام فى قوله { ألم ~~يأتكم... } للتقرير لأنهم قد بلغتهم أخبارهم، فقوم نوح بلغتهم ~~أخبارهم بسبب خبر الطوفان الذى كان مشهورا بينهم، وقوم عاد وثمود بلغتهم ~~أخبارهم لأنهم من العرب، ومساكنهم فى بلادهم، وهم يمرون على ديار قوم ~~صالح فى أسفارهم إلى بلاد الشام للتجارة. # والمراد بالذين من بعدهم أولئك الأقوام الذين جاءوا من بعد قوم نوح وعاد ~~وثمود، كقوم إبراهيم وقوم لوط وغيرهم. وقوله { لا يعلمهم إلا ~~الله } أى لا يعلم عدد الأقوام الذين جاءوا بعد قوم نوح وعاد وثمود ~~ولا يعلم ذواتهم وأحوالهم إلا الله تعالى. وقوله { والذين من ~~بعدهم } مبتدأ، وقوله { لا يعلمهم إلا الله } خبره، ~~والجملة اعتراض بن المفسر - بفتح السين - وهو { نبأ الذين من ~~قبلكم } وتفسيره وهو { جآءتهم رسلهم بالبينات }. ~~والمعنى لقد علمتم يا أهل مكة ما حل بقوم نوح وعاد وثمود، كما علمتم ما ~~حل بالمكذبين من بعدهم كقوم لوط وقوم شعيب، وكغيرهم ممن لا يعلم أحوالهم ~~وعددهم إلا الله - تعالى - وما دام الأمر كذلك فاعتبروا واتعظوا واتبعوا ~~هذا الرسول الكريم الذى جاء لسعادتكم، لكى تنجوا من العذاب الأليم الذى ~~حل بالظالمين من قبلكم. وجملة { جآءتهم رسلهم بالبينات ~~} مستأنفة فى جواب سؤال مقدر، كأنه قيل ما قصة هؤلاء الأقوام وما خبرهم؟ ~~فكان الجواب جاء كل رسول إلى قومه بالحجج الواضحات، وبالمعجزات الظاهرات، ~~الدالة على صدقه فيما يبلغه عن ربه. وقوله { فردوا أيديهم ~~في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بمآ أرسلتم ~~به... }. بيان لموقف الأقوام المكذبين من رسلهم الذين أرسلهم الله ~~لهدايتهم. والضمائر فى " ردوا " و " أيديهم " و ms2893 " أفواههم " تعود على ~~الأقوام الذين جاءتهم رسلهم بالبينات. وهذه الجملة الكريمة ذكر المفسرون ~~فى معناها وجوها متعددة أوصلها بعضهم إلى عشرة أقوال منها أن الكفار ~~وضعوا أناملهم فى أفواههم فعضوها غيظا وبغضا مما جاء به الرسل، وقالوا ~~لهم بغضب وضجر إنا كفرنا بما أرسلتم به وبما جئتمونا به من معجزات، ~~فاغربوا عن وجوهنا، واتركونا وشأننا. ومن المفسرين الذين رجحوا هذا الوجه ~~الإمام ابن جرير، فقد قال " وقوله { فردوا أيديهم في ~~أفواههم... } اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك، فقال بعضهم معنى ~~ذلك، فعضوا على أصابعهم تغيظا عليهم فى دعائهم إياهم إلى ما دعوهم إليه.. ~~روى ذلك عن ابن مسعود وغيره. ثم قال بعد أن ساق عددا من الأقوال الأخرى ~~وأشبه هذه الأقوال عندى الصواب فى تأويل هذه الآية، القول الذى ذكرناه عن ~~عبد الله بن مسعود أنهم ردوا أيديهم فى أفواههم، فعضوا عليها غيظا على ~~الرسل، كما وصف الله عز وجل به إخوانهم من المنافقين فقال { وإذا ~~خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ } فهذا هو ~~الكلام المعروف، والمعنى المفهوم من رد الأيدى إلى الأفواه. ومنها أن ~~الكفار وضعوا أيديهم على أفواههم إشارة منهم إلى أنفسهم وإلى ما يصدر ~~عنها، وقالوا للرسل على سبيل التحدى والتكذيب. { إنا كفرنا بمآ ~~أرسلتم به } أى لا جواب لكم عندنا سوى ما قلناه لكم بألسنتنا ~~هذه. # ومن المفسرين الذين رجحوا هذا القول الإمام الآلوسى، فقد صدر الأقوال ~~التى ذكرها به، فقال ما ملخصه قوله { فردوا أيديهم في ~~أفواههم } أى أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقت به، وقالوا لهم ~~{ إنا كفرنا بمآ أرسلتم به } أى على زعمكم، وهى البينات ~~التى أظهرها حجة على صحة رسالتهم، ومرادهم بالكفر بها الكفر بدلالتها على ~~صحة رسالتهم... ثم قال بعد أن ساق عددا من الأقوال والذى يطابق المقام، ~~وتشهد له البلاغة هو الوجه الأول، ونص غير واحد على أنه الوجه القوى، ~~لأنهم حاولوا الإنكار على الرسل كل الإنكار، حيث جمعوا فى الإنكارين ~~الفعل والقول، ولذا أتى بالفاء تنبيها على أنهم لم ms2894 يتمهلوا، بل عقدوا ~~دعوتهم بالتكذيب... ". ومنها أن الكفار لما سمعوا أقوال الرسل لهم، وضعوا ~~أيديهم على أفواههم استهزاء وتعجبا. وقد رجح هذا الوجه الشيخ محمد الطاهر ~~بن عاشور فقال " وهذا التركيب لا أعهد مثله فى كلام العرب فلعله من ~~مبتكرات القرآن ومعنى { فردوا أيديهم في أفواههم }. ~~يحتمل عدة وجو أنهاها فى الكشاف إلى سبعة، وفى بعضها بعد، وأولاها ~~بالاستخلاص أن يكون المعنى أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم إخفاء لشدة ~~الضحك من كلام الرسل، كراهية أن تظهر دواخل أفواههم، وذلك تمثيل لحالة ~~الاستهزاء بالرسل. ومنها أن الكفار لما سمعوا أقوال الرسل لهم، لم يردوا ~~عليهم، بل تركوهم إهمالا لشأنهم. وقد رجح الشوكانى هذا الاتجاه فقال ما ~~ملخصه " وقال أبو عبيدة - ونعم ما قال - هو ضرب مثل. أى لم يؤمنوا ولم ~~يجيبوا. والعرب تقول الرجل إذا أمسك عن الجواب وسكت قد رد يده فى فيه. ~~وهكذا قال الأخفش، واعترض على ذلك القتيبى فقال لم يسمع أحد من العرب ~~يقول رد يده فى فيه، إذا ترك ما أمر به وإنما المعنى عضوا على الأيدى ~~حنقا وغيظا.. فإن صح ما ذكره أبو عبيدة والأخفش فتفسير الآية به أقرب... ~~وهذه الأقوال جميعها وإن كانت تتفق فى أن الآية الكريمة، قد أخبرت بأبلغ ~~عبارة عما قابل به الأقوام المكذبون رسلهم من سوء أدب. إلا أننا نميل إلى ~~ما ذهب إليه الإمام ابن جرير، لأنه أظهر الأقوال فى معناها، وقد استشهد ~~له بعضهم بأشعار العرب، ومنها قول الشاعر # ترون فى فيه غش الحسو د حتى يعض على الأكفا # يعنى أنهم يغيظون الحسود حتى على أصابعه وكفيه. وقوله - سبحانه - { ~~وإنا لفي شك مما تدعوننآ إليه مريب } معطوف على ~~قوله { إنا كفرنا بمآ أرسلتم به }. ومريب اسم فاعل من ~~أراب. تقول أربت فلانا فأنا أريبه، إذا فعلت به فعلا يوجب لديه الريبة، ~~فمعنى مريب موقع فى الريبة أى فى القلق والاضطراب. أى قال المكذبون ~~لرسلهم إنا كفرنا بما جئتم به من المعجزات والبينات. # وإنا لفى شك كبير موقع فى ms2895 الريبة مما تدعوننا إليه من الإيمان بوحدانية ~~الله، وبإخلاص العبادة له.. قال الجمل ما ملخصه " فإن قيل إنهم أكدوا ~~كفرهم بما أرسل به الرسل. ثم ذكروا بعد ذلك أنهم شاكون مرتابون فى صحة ~~قولهم فكيف ذلك؟ فالجواب كأنهم قالوا أنا كفرنا بما أرسلتم به أيها الرسل ~~فإن لم نكن كذلك، فلا أقل من أن نكون شاكين مرتابين فى صحة نبوتكم. أو ~~يقال المراد بقولهم { إنا كفرنا بمآ أرسلتم به } أى ~~بالمعجزات والبينات، وبقولهم { وإنا لفي شك مما ~~تدعوننآ إليه مريب } وهو الإيمان والتوحيد. أو يقال إنهم ~~كانوا فرقتين إحداهما جزمت بالكفر، والأخرى شكت... ثم بين - سبحانه - ما ~~رد به الرسل على المكذبين من أقوامهم فقال { قالت رسلهم أفي ~~الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر ~~لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى.. } ~~والاستفهام فى قوله { أفي الله شك } للتوبيخ والإنكار، ومحل ~~الانكار هو وقوع الشك فى وجود الله - تعالى - وفى وحدانيته. وقوله { ~~فاطر السماوات والأرض } من الفطر بمعنى الخلق والإبداع من ~~غير سبق مثال وأصله الشق وفصل شئ عن شئ، ومنه فطر ناب البعير أى طلع ~~وظهر، واستعمل فى الإيجاد والإبداع والخلق لاقتضائه التركيب الذى سبيله ~~الشق والتأليف، أو لما فيه من الإخراج من العدم إلى الوجود. والمعنى قال ~~الرسل لأقوامهم على سبيل الإنكار والتعجب من أقوالهم الباطلة أفى وجود ~~الله - تعالى - وفى وجوب إخلاص العبادة له شك، مع أنه - سبحانه - هو { ~~فاطر السماوات والأرض } أى خالقهما ومبدعهما ومبدع ما فيهما ~~على أحكم نظام، وعلى غير مثال سابق.. وهو - سبحانه - فضلا منه وكرما " ~~يدعوكم " إلى الإيمان بما جئناكم به من لدنه { ليغفر لكم } سبب ~~هذا الإيمان { من ذنوبكم ويؤخركم } فى هذه الدنيا { ~~إلى أجل مسمى } أى إلى وقت معلوم عنده تنتهى بانتهائه ~~أعماركم، دون أن يعاجلكم خلال حياتكم بعذاب الاستئصال " رحمة بكم " وأملا ~~فى هدايتكم. فأنت ترى أن الرسل الكرام قد أنكروا على أقوامهم أن يصل بهم ~~انطماس البصيرة إلى الدرجة التى تجعلهم ينكرون وجود الله مع أن الفطرة ~~شاهدة ms2896 بوجوده، وينكرون وحدانيته مع أنه وحده الخالق لكل شئ، ويشركون معه ~~فى العبادة آلهة أخرى، مع أن هذه الآلهة لا تضر ولا تنفع. وجملة { ~~فاطر السماوات والأرض } جئ بها كدليل على نفى الشك فى وجوده ~~- سبحانه - وفى وجوب إخلاص العبادة له، لأن وجودهما على هذا النسق البديع ~~يدل دلالة قاطعة على أن لهما خالقا قادرا حكيما، لاستحالة صدور تلك ~~المخلوقات من غير فاعل مختار. وجملة { يدعوكم... } حال من اسم الجلالة، ~~واللام فى قوله { ليغفر لكم من ذنوبكم } متعلقة بالدعاء. # أى يدعوكم إلى الإيمان بنا لكى يغفر لكم. قال الشوكانى ما ملخصه " ومن ~~" فى قوله { من ذنوبكم } قال أبو عبيدة إنها زائدة، ووجه ذلك قوله - ~~تعالى - فى موضع آخر # إن الله يغفر الذنوب جميعا # وقال سيبويه هى للتبعيض، ويجوز أن يذكر البعض ويراد منه الجميع، وقيل ~~التبعيض على حقيقته ولا يلزم من غفران الذنوب لأمة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - غفران جميعها لغيرهم.. وقيل هى للبدل، أى لتكون المغفرة بدلا من ~~الذنوب... وقال الجمل " ويحتمل أن يضمن " ويغفر " معنى يخلص أى يخلصكم من ~~ذنوبكم، ويكون مقتضاه غفران جميع الذنوب، وهو أولى من دعوى زيادتها ". ~~وقوله - سبحانه - { قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا ~~تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آبآؤنا فأتونا ~~بسلطان مبين } حكاية لرد آخر من الردود السيئة التى قابل بها ~~المكذبون رسلهم. أى قال الظالمون لرسلهم الذين جاءوا لهدايتهم، ما أنتم ~~إلا بشر مثلنا فى الهيئة والصورة والمأكل والمشرب، تريدون بما جئتمونا به ~~أن تصرفونا وتمنعونا عن عبادة الآلهة التى ورثنا عبادتها عن آبائنا.. فإن ~~كنتم صادقين فى دعواكم هذه { فأتونا بسلطان مبين } أى بحجة ~~ظاهرة تدل على صدقكم وتتسلط هذه الحجة بقوتها على نفوسنا وتجذبها إلى ~~اليقين، من السلاطة وهى التمكن من القهر. وكأن هؤلاء الظالمين بقولهم ~~هذا، يرون أن الرسل لا يصح أن يكونوا من البشر، وإنما يكونون من ~~الملائكة. وكأن ما أتاهم به الرسل من حجج باهرة تدل على صدقهم، ليس كافيا ~~فى زعم هؤلاء المكذبين للإيمان ms2897 بهم، بل عليهم أن يأتوهم بحجج محسوسة ~~أخرى، وهكذا الجحود العقلى، والانطماس النفسى يحمل أصحابه على قلب ~~الحقائق، وإيثار طريق الضلالة على طريق الهداية. وهنا يحكى القرآن أن ~~الرسل - عليهم السلام - قد قابلوا هذا السفه من أقوالهم بالمنطق الحكيم، ~~وبالأسلوب المهذب فيقول { قالت لهم رسلهم إن نحن إلا ~~بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشآء من ~~عباده.. }. أى قال الرسل لمكذبيهم على سبيل الإرشاد والتنبيه نحن ~~نوافقكم كل الموافقة على أننا بشر مثلكم كما قلتم، ولكن هذه المماثلة ~~بيننا وبينكم فى البشرية، لا تمنع من أن يتفضل الله على من يشاء التفضل ~~عليه من عباده، بأن يمنحه النبوة أو غيرها من نعمه التى لا تحصى. فأنت ~~ترى أن الرسل - عليهم السلام - قد سلموا للمكذبين دعواهم المماثلة فى ~~البشرية، فى أول الأمر، ثم بعد ذلك بينوا لهم جهلهم وسوء تفكيرهم، بأن ~~أفهومهم بطريق الاستدراك، أن المشاركة فى الجنس لا تمنع التفاضل، فالبشر ~~كلهم عباد الله، ولكنه - سبحانه - يمن على بعضهم بنعم لم يعطها لسواهم. # . فالمقصود بالاستدارك دفع ما توهمه المكذبون، من كون المماثلة فى ~~البشرية تمنع اختصاص بعض البشر بالنبوة. قال الآلوسى قوله - تعالى - { ~~قالت لهم رسلهم } مجاراة لأول مقالتهم { إن نحن إلا ~~بشر مثلكم } كما تقولون، وهذا كالقول بالموجب، لأن فيه إطماعا ~~فى الموافقة، ثم كروا على قولهم بالإبطال فقالوا { ولكن الله ~~يمن على من يشآء من عباده }. أى إنما اختصنا الله - ~~تعالى - بالرسالة بفضل منه وامتنان، والبشرية غير مانعة لمشيئته - جل ~~وعلا -. وفيه دليل على أن الرسالة عطائية، وأن ترجيح بعض الجائز على بعض ~~بمشيئته - تعالى - ولا يخفى ما فى العدول عن { ولكن الله ~~يمن على من يشآء من عباده } ، إلى ما فى النظم الجليل ~~منهم - عليهم السلام -. وقوله - سبحانه - { وما كان لنآ أن ~~نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله } حكاية لرد الرسل ~~على قول المكذبين { فأتونا بسلطان مبين }. أى وقال الرسل ~~للمكذبين من أقوامهم - أيضا - وما صح وما استقام لنا نحن الرسل أن نأتيكم ~~- أيها الضالون - بحجة من ms2898 الحجج، أو بخارق من الخوارق التى تقترحونها ~~علينا، إلا بإذن الله وإرادته وأمره لنا بالإتيان بما اقترحتم، فنحن ~~عباده ولا نتصرف إلا بإذنه. ثم أكد الرسل تمسكهم بالمضى فى دعوتهم فقالوا ~~- كما حكى القرآن عنهم - { وعلى الله فليتوكل ~~المتوكلون }. والتوكل على الله معناه الاعتماد عليه، وتفويض ~~الأمور إليه، مع مباشرة الأسباب التى أمر - سبحانه - بمباشرتها. أى وعلى ~~الله وحده دون أحد سواه، فيتوكل المؤمنون، الصادقون، دون أن يعبأوا ~~بعنادكم ولجاجكم، ونحن الرسل على رأس هؤلاء المؤمنين الصادقين. فالجملة ~~الكريمة أمر من الرسل لمن آمن من قومهم بالتوكل على الله وحده، وقد قصدوا ~~بهذا الأمر أنفسهم قصدا أوليا، بدليل قولهم بعد ذلك - كما حكى القرآن ~~عنهم - { وما لنآ ألا نتوكل على الله وقد هدانا ~~سبلنا }. أى وما عذرنا إن تركنا التوكل على الله - تعالى - والحال ~~أنه - عز وجل - قد فعل بنا ما يوجب توكلنا عليه، فقد هدانا لأقوم الطريق ~~وأوضحها وأبينها، وهى طريق إخلاص العبادة له والاعتماد عليه وحده فى كل ~~شئوننا. فالجملة الكريمة تدل على اطمئنانهم إلى سلامة مواقفهم فى تفويض ~~أمورهم إلى الله، وإلى رعاية الله - تعالى - حيث هداهم إلى طريق النجاة ~~والسعادة. ثم أضافوا إلى ذلك تيئيس أعدائهم من التأثر بأذاهم، فقالوا { ~~ولنصبرن على مآ آذيتمونا }. أى والله لنصبرن صبرا جميلا ~~فى حاضرنا ومستقبلنا - كما صبرنا فى ماضينا - على إيذائكم لنا. والذى من ~~مظاهره عصيانكم لأقوالنا، ونفوركم من نصحنا، واستهزاؤكم بنا، ومحاربتكم ~~لنا.. ثم ختموا أقوالهم بتأكيد تصميمهم على الثبات فى وجه الباطل فقالوا ~~{ وعلى الله فليتوكل المتوكلون }. # أى وعلى الله وحده دون أحد سواه، فليثبت المتوكلون على توكلهم. وليفوضوا ~~أمورهم إلى خالقهم، فهو القاهر فوق عباده، وهو الذى لا يعجزه شئ. وتقديم ~~الجار والمجرور فى الجملة الكريمة وفيما يشبهها مؤذن بالحصر، وأن هؤلاء ~~الرسل الكرام لا يرجون نصرا من غير الله - تعالى -. وبهذا نرى أن الآيات ~~الكريمة، قد حكت لنا بأسلوب مؤثر حكيم، جانبا من المحاورات التى دارت بين ~~الرسل وبين مكذبيهم، وبينت لنا كيف دافع الرسل ms2899 عن عقيدتهم، وكيف ردوا على ~~الأقوال السيئة، والأفعال القبيحة، التى واجههم بها المكذبون، وكيف ~~أعلنوا فى قوة وعزم وإصرار ثباتهم فى وجوه أعدائهم، ومقابلتهم الأذى ~~بالصبر الذى لا جزع معه، مهما صنع الأعداء فى طريقهم من عقبات، ومهما ~~أثاروا من أباطيل وشبهات.. ثم حكت السورة بعد ذلك جانبا آخر من تلك ~~المحاورات التى دارت بين الرسل وبين أعدائهم، وجانبا مما وعد الله به ~~رسله - عليهم السلام - وجانبا من العذاب الذى أعده للظالمين فقال - تعالى ~~- { وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم... } ### || [14.13-17] # فقوله - سبحانه - { وقال الذين كفروا لرسلهم ~~لنخرجنكم من أرضنآ أو لتعودن في ملتنا... ~~} حكاية لما هدد به رءوس الكفر رسلهم، بعد أن أفحمهم الرسل بالحجة ~~البالغة، وبالمنطق الحكيم. واللام فى { لنخرجنكم } هى الموطئة ~~للقسم. و " أو " للتخيير بين الأمرين. أى وقال الذين عتوا فى الكفر - على ~~سبيل التهديد - لرسلهم، الذين جاءوا لهدايتهم، والله لنخرجنكم - أيها ~~الرسل - من أرضنا، أو لتعودن فى ديننا وملتنا. قال الإمام الرازى " اعلم ~~أنه - تعالى - لما حكى عن الأنبياء - عليهم السلام - أنهم قد اكتفوا فى ~~دفع شرور أعدائهم بالتوكل عليه، والاعتماد على حفظه وحياطته، حكى عن ~~الكفار أنهم بالغوا فى السفاهة وقالوا للأنبياء ولنخرجنكم من أرضنا أو ~~لتعودن فى ملتنا ". والمعنى ليكونن أحد الأمرين لا محالة، إما إخراجكم ~~وإما عودكم إلى ملتنا. والسبب فيه أن أهل الحق فى كل زمان يكونون قليلين. ~~وأهل الباطل يكونون كثيرين والظلمة والفسقة يكونون متعاونين متعاضدين، ~~فلهذه الأسباب قدروا على هذه السفاهة. والتعبير بقوله - سبحانه - { أو ~~لتعودن في ملتنا } يفيد بظاهره أن الرسل كانوا على ملة ~~الكافرين ثم تركوها، فإن العود معناه الرجوع إلى الشئ بعد مفارقته. وهذا ~~محال، فإن الأنبياء معصومون - حتى قبل النبوة - عن ارتكاب الكبائر، فضلا ~~عن الشرك. وقد أجيب عن ذلك بإجابات منها أن الخطاب وإن كان فى الظاهر مع ~~الرسل، إلا أن المقصود به أتباعهم المؤمنون، الذين كانوا قبل الإيمان ~~بالرسل على دين أقوامهم، فكأنهم يقولون لهؤلاء الاتباع لقد كنتم على ~~ملتنا ثم تركتموها، فإما أن ms2900 تعودوا إليها وإما أن تخرجوا من ديارنا، إلا ~~أن رءوس الكفر وجهوا الخطاب إلى الرسل من باب التغليب. ومنها أن العود ~~هنا بمعنى الصيرورة، إذ كثيرا ما يرد " عاد " بمعنى صار، فيعمل عمل كان، ~~ولا يستدعى الرجوع إلى حالة سابقة، بل يستدعى الانتقال من حال سابقة إلى ~~حال جديدة مستأنفة، فيكون المعنى لنخرجنكم من أرضنا أو لتصيرن كفارا ~~مثلنا. ومنها أن هذا القول من الكفار جار على توهمهم وظنهم، أن الرسل ~~كانت قبل دعوى النبوة على ملتهم، لسكوتهم قبل البعثة عن الإنكار عليهم، ~~فلهذا التوهم قالوا ما قالوا، وهم كاذبون فيما قالوه. وشبيه بهذه الآية ~~قول قوم شعيب - عليه السلام - له # لنخرجنك يشعيب والذين آمنوا معك من ~~قريتنآ أو لتعودن في ملتنا... # وقول قوم لوط له # أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس ~~يتطهرون # وقوله - سبحانه - { فأوحى إليهم ربهم لنهلكن ~~الظالمين. ولنسكننكم الأرض من بعدهم.. } بشارة ~~عظيمة من الله - تعالى - لرسله، ووعد لهم بالنصر على أعدائهم. # .. أى فأوحى الله - تعالى - إلى الرسل - بعد أن قال لهم الكافرون - ما ~~قالوا - أبشروا أيها الرسل { لنهلكن الظالمين } الذين هددوكم ~~بالإخراج من الديار، أو بالعودة إلى ملتهم، { ولنسكننكم } - ~~أيها الرسل { الأرض } أى أرضهم { من بعدهم } أى من بعد إهلاكهم ~~واستئصال شأفتهم. قال الآلوسى ما ملخصه " وأوحى هنا يحتمل أن يكون بمعنى ~~فعل الإيحاء فلا مفعول له ". وقوله { لنهلكن } على إضمار القول، ~~أى قائلا لنلهكن، ويحتمل أن يكون جاريا مجرى القول لكونه ضربا منه، ~~وقوله { لنهلكن } مفعوله... وخص - سبحانه - الظالمين من الذين ~~كفروا، لأنه من الجائز أن يؤمن من الكفرة الذين قالوا تلك المقالة أناس ~~معينون، فالتوعد لإهلاك من خلص للظلم ". وأكد - سبحانه - إهلاك الظالمين ~~وإسكان الرسل أرضهم، بلام القسم ونون التوكيد.. زيادة فى إدخال السرور ~~على نفوس الرسل، وفى تثبيت قلوبهم على الحق، وردا على أولئك الظالمين ~~الذين أقسموا بأن يخرجوا الرسل من ديارهم، أو يعودوا إلى ملتهم. قال صاحب ~~الكشاف " والمراد بالأرض فى قوله { ولنسكننكم الأرض من ~~بعدهم } أرض الظالمين وديارهم، ونحوه # وأورثنا ms2901 القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق ~~الأرض ومغاربها # وأورثكم أرضهم وديارهم # وعن النبى - صلى الله عليه وسلم - # " من آذى جاره ورثه الله داره ". # ثم قال ولقد عاينت هذا فى مدة قريبة، كان لى خال يظلمه عظيم القرية التى ~~أنا منها ويؤذينى فيه، فمات ذلك العظيم وملكنى الله ضيعته، فنظرت يوما ~~إلى أبناء خالى يترددون فيها، ويدخلون فى دورها ويخرجون ويأمرون وينهون، ~~فذكرت قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " وحدثتهم به، وسجدنا شكرا لله ". # واسم الإشارة فى قوله - سبحانه - { ذلك لمن خاف مقامي ~~وخاف وعيد } يعود إلى ما قضى الله به من إهلاك الظالمين، وتمكين ~~الرسل وأتباعهم من أرضهم. أى ذلك الذى قضيت به كائن لمن خاف قيامى عليه، ~~ومراقبتى له، ومكان وقوفه بين يدى للحساب، وخاف وعيدى بالعذاب لمن عصانى. ~~قال الجمل " ومقامى فيه ثلاثة أوجه أحدها أنه مقحم - وهو بعيد إذ الأسماء ~~لا تقحم، أى ذلك لمن خافنى - الثانى أنه مصدر مضاف للفاعل. قال الفراء ~~مقامى مصدر مضاف لفاعله، أى قيامى عليه بالحفظ. الثالث أنه اسم مكان، قال ~~الزجاج مكان وقوفه بين يدى الحساب ". وقوله - سبحانه - { واستفتحوا } من ~~الاستفتاح بمعنى الاستنصار، أى طلب النصر من الله - تعالى - على الأعداء. ~~والسين والتاء للطلب. ومنه قوله - تعالى - # إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح... # وقوله - تعالى - # وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا... # أو يكون { واستفتحوا } من الفتاحة بمعنى الحكم والقضاء، أى واستحكموا ~~الله - تعالى - وطلبوا منه القضاء والحكم، ومنه قوله - تعالى - # ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت ~~خير الفاتحين # والجملة الكريمة معطوفة على { فأوحى إليهم ربهم } ، ~~والضمير يعود إلى الرسل. والمعنى والتمس الرسل من خالقهم - عز وجل - أن ~~ينصرهم على أعدائه وأعدائهم، وأن يحكم بحكمه العادل بينهم وبين هؤلاء ~~المكذبين. قالوا ومما يؤيد ذلك قراءة ابن عباس ومجاهد وابن محيصن { ~~واستفتحوا } - بكسر التاء - أمرا للرسل. ومنهم من يرى أن الضمير يعود ~~للفريقين الرسل ومكذبيهم. أى أن كل فريق دعا الله أن ينصره على الفريق ~~الآخر. وقوله { وخاب كل جبار عنيد } بيان ms2902 لنتيجة الاستفتاح. ~~والجبار الإنسان المتكبر المغرور المتعالى على غيره، المدعى لمنزلة أو ~~لشئ ليس من حقه. والعنيد مأخوذ من العند - بفتح النون - بمعنى الميل. ~~يقال عند فلان عن الطريق - كنصر وضرب وكرم - عنودا، إذا مال عنها. وعند ~~فلان عن الحق، إذا خالفه. والجملة الكريمة معطوفة على محذوف، والتقدير ~~واستفتحوا فنصر الله - تعالى - رسله على أعدائهم، وخاب وخسر، كل متكبر ~~متجبر معاند للحق. قال ابن كثير قوله { وخاب كل جبار عنيد } ~~أى متجبر فى نفسه معاند للحق، كما قال - تعالى - # ألقيا في جهنم كل كفار عنيد. مناع للخير ~~معتد مريب. الذي جعل مع الله إلها آخر ~~فألقياه في العذاب الشديد # وفى الحديث # " يؤتى بجهنم يوم القيامة، فتنادى الخلائق فتقول إنى وكلت بكل جبار ~~عنيد... ". # وقال - سبحانه - { وخاب كل جبار عنيد } ولم يقل وخاب الذين ~~كفروا كما هو مقتضى الظاهر من السياق، للتنبيه على أن الذين كفروا كانوا ~~جبابرة معاندين للحق، وأن كل من كان كذلك فلا بد من أن تكون عاقبته ~~الخيبة والخسران. وقوله { من ورآئه جهنم } صفة لجبار عنيد. ~~والمراد بقوله { من ورآئه } أى من أمامه، أو من بعد هلاكه. أى من ~~أمام خيبة هذا الجبار العنيد جهنم، تنتظر ليحل بها، بسبب كفره وظلمه. قال ~~صاحب أضواء البيان قوله { من ورآئه جهنم... } الوراء هنا ~~بمعنى الأمام كما هو ظاهر، ومنه قوله - تعالى - # وكان ورآءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا # أى وكان أمامهم ملك.. ومنه قول الشاعر # أترجو بنو مروان سمعى وطاعتى وقومى تميم والفلاة ورائيا # أى والفلاة أماميا. وقال بعضهم قوله { من ورآئه } أى من بعد ~~هلاكه، ومنه قول النابغة # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وليس وراء الله للمرء مذهب # أى وليس بعد الله للمرء مذهب، والأول هو الظاهر وهو الحق. وعلى أية حال ~~فإن الجملة الكريمة تدل على أن جنهم تنتظر هذا الجبار العنيد، وتترصد له، ~~وتتبعه حيث كان، بحيث لا يستطيع الفرار منها، أو الهرب عنها. # وجملة { ويسقى من مآء صديد } معطوفة على مقدر، أى من ورائه ~~جهنم ms2903 يلقى فيها مذءوما مدحورا، ويسقى من ماء مخصوص ليس كالمياه ~~المعهودة، هو الصديد، أى ما يسيل من أجساد هذا النار من دم مختلط بقيح، ~~واشتقاقه من الصد، لأنه يصد الناظرين عن رؤيته. وهو بدل أو عطف بيان من ~~ماء. وقوله { يتجرعه ولا يكاد يسيغه.. } بيان لحالة هذا ~~الجبار العنيد عند تعاطيه الصديد. والتجرع تكلف الجرع وهو بلع الماء، ~~وفعله - كسمع ومنع -. ويسيغه من السوغ وهو انحدار الشراب فى الحلق بسهولة ~~وقبول. يقال ساغ الشراب سوغا وسواغا، إذا كان سهل المدخل. أى يتكلف بلع ~~هذا الصديد مرة بعد أخرى لمرارته وقبحه، ولا يقارب أن يسيغه فضلا عن ~~الإساغة. بل يغص به فيشربه بعد عناء ومشقة جرعة عقب جرعة ". وقوله { ~~ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ~~ورآئه عذاب غليظ } معطوف على قوله { يتجرعه } لبيان ~~حالة أخرى من أحوال شقائه وعذابه. أى وتأتيه الأسباب المؤدية للموت ~~والهلاك من كل جهة من الجهات، ومن كل موضع من مواضع بدنه، وما هو بميت ~~فيستريح من هذا الشقاء والعذاب، ومن وراء كل ذلك عذاب غليظ أى شاق شديد ~~لا يقل فى ألمه عما هو فيه من نكال. وشبيه بهذه الجملة قوله - تعالى - # والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم ~~فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك ~~نجزي كل كفور # وقوله - تعالى - # ويتجنبها الأشقى. الذى يصلى النار الكبرى. ~~ثم لا يموت فيها ولا يحيا # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد صورت لنا سوء عاقبة المكذبين للحق تصويرا ~~مؤثرا، تهتز له النفس، وتوجل منه القلوب. ثم ضرب - سبحانه - مثلا ~~لأعمال الكافرين فى حبوطها وذهابها يوم القيامة، وساق الأدلة الدالة على ~~قدرته القاهرة، وصور أحوال الكافرين يوم يقوم الناس لرب العالمين، وحكى ~~ما يقوله الضعفاء للمستكبرين وما يقوله الشيطان لأتباعه فى هذا اليوم ~~العصيب، وما أعده الله للمؤمنين الصادقين فى هذا اليوم فقال - تعالى - { ~~مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم... }. ### || [14.18-23] # قال الإمام الرازى " اعلم أنه - تعالى - لما ذكر أنواع عذابهم فى الآية ~~المتقدمة، بين فى هذه ms2904 الآية وهى قوله - تعالى - { مثل الذين ~~كفروا بربهم... } أن أعمالهم بأسرها ضائعة باطلة، لا ينتفعون ~~بشئ منها. وعند هذا يظهر كمال خسرانهم، لأنهم لا يجدون فى القيامة إلا ~~العقاب الشديد وكل ما عملوه فى الدنيا وجدوه ضائعا باطلا ". والمثل ~~النظير والشبيه. ثم أطلق على القول السائر المعروف، لمماثلة مضربه ~~بمورده، ولا يكون إلا فيما فيه غرابة، ثم استعير للصفة، أو الحال، أو ~~القصة إذا كان لها شأن عجيب، وفيها غرابة. والمراد بأعمال الذين كفروا فى ~~الآية الكريمة ما كانوا يقومون به فى الدنيا من أعمال حسنة كإطعام ~~الطعام، ومساعدة المحتاجين، وإكرام الضيف، إلى غير ذلك من الأعمال ~~الطيبة. والرماد ما يتبقى من الشئ بعد احتراق أصله، كالمتبقى من الخشب أو ~~الحطب بعد احتراقهما. والعاصف من العصف وهو اشتداد الريح، وقوة هبوبها. ~~قال الجمل " وقوله { مثل الذين كفروا... } فيه أوجه للإعراب ~~أحدها وهو مذهب سيبويه أنه مبتدأ محذوف الخبر تقديره فيما يتلى عليكم مثل ~~الذين كفروا، وتكون الجملة من قوله { أعمالهم كرماد... } ~~مستأنفة جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل كيف مثلهم..؟ فقيل كيت وكيت. والثانى ~~أن يكون " مثل " مبتدأ و " أعمالهم " مبتدأ ثان، و " كرماد " خبر المبتدأ ~~الثانى، والمبتدأ الثانى وخبره خبر المبتدأ الأول... ". والمعنى حال ~~أعمال الذين كفروا فى حبوطها وذهابها وعدم انتفاعهم بشئ منها فى الآخرة، ~~كحال الرماد المكدس الذى أتت عليه الرياح العاصفة، فمحقته وبددته، ومزقته ~~تمزيقا لا يجرى معه اجتماع. فالآية الكريمة تشبيه بليغ لما يعمله ~~الكافرون فى الدنيا من أعمال البر والخير. ووجه الشبه الضياع والتفرق ~~وعدم الانتفاع فى كل، فكما أن الريح العاصف تجعل الرماد هباء منثورا، ~~فكذلك أعمال الكافرين فى الآخرة تصير هباء منثورا، لأنها أعمال بنيت على ~~غير أساس من الإيمان وإخلاص العبادة لله - تعالى -. ووصف - سبحانه - ~~اليوم بأنه عاصف - مع أن العصف شدة الريح - للمبالغة فى وصف زمانها - وهو ~~اليوم - بذلك كما يقال يوم حار ويوم بارد، مع أن الحر والبرد فيهما وليس ~~منهما. وقوله - سبحانه - { لا يقدرون مما كسبوا على ~~شيء } بيان ms2905 للمقصود من التشبيه، وهو أن هؤلاء الكافرين، لا يقدرون يوم ~~القيامة، على الانتفاع بشئ مما فعلوه فى الدنيا من أفعال البر والخير، ~~لأن كفرهم أحبطها فذهب سدى دون أن يستفيدوا منها ثوابا، أو تخفف عنهم ~~عذابا. قال الآلوسى وفى الصحيح # " عن عائشة - رضى الله عنها - أنها قالت يا رسول الله. إن ابن جدعان فى ~~الجاهلية كان يصل الرحم، ويطعم المسكين، هل ذلك نافعه؟ قال " لا ينفعه ~~لأنه لم يقل رب اغفر لى خطيئتى يوم الدين " ". # وقال الإمام ابن كثير ما ملخصه " هذا مثل ضربه الله - تعالى - لأعمال ~~الكفار الذين عبدوا مع الله غيره، وكذبوا رسله، وبنوا أعمالهم على غير ~~أساس صحيح، فانهارت وعدموها وهم أحوج ما كانوا إليها... كما قال - تعالى ~~- # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # وكما قال تعالى - # مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ~~ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم ~~فأهلكته # واسم الإشارة فى قوله { ذلك هو الضلال البعيد } يعود إلى ~~ما دل عليه التمثيل من بطلان أعمالهم، وذهاب أثرها. أى ذلك الحبوط ~~لأعمالهم، وعدم انتفاعهم بشئ منها، هو الضلال البعيد. أى البالغ أقصى ~~نهايته، والذى ينتهى بصاحبه إلى الهلاك والعذاب المهين. ووصف - سبحانه - ~~الضلال بالبعد، لأنه يؤدى إلى خسران لا يمكن تداركه، ولا يرجى الخلاص ~~منه. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك، بعض مظاهر قدرته التى لا يعجزها شئ فقال ~~- تعالى - { ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض ~~بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد. وما ~~ذلك على الله بعزيز }. والخطاب فى قوله { ألم تر... } ~~لكل من يصلح له بدون تعيين. والاستفهام للتقرير. والرؤية مستعملة فى ~~العلم الناشئ عن النظر والتفكير والتأمل فى ملكوت السماوات والأرض. قال ~~الآلوسى ما ملخصه قوله - تعالى - { ألم تر... } هذا التعبير قد يذكر ~~لمن تقدم عمله فيكون للتعجب، وقد يذكر لمن لا يكون كذلك، فيكون لتعريفه ~~وتعجيبه، وقد اشتهر فى ذلك حتى أجرى مجرى المثل فى هذا الباب، بأن شبه من ~~لم ير الشئ بحال من ms2906 رآه فى أنه لا ينبغى أن يخفى عليه، وأنه ينبغى أن ~~يتعجب منه، ثم أجرى الكلام معه، كما يجرى مع من رأى، قصدا إلى المبالغة ~~فى شهرته وعراقته فى التعجب... ". والمعنى ألم تعلم - أيها العاقل - أن ~~الله - تعالى - { خلق السماوات والأرض بالحق } أى خلقهما ~~بالحكمة البالغة المنزهة عن العبث، وبالوجه الصحيح الذى تقتضيه إرادته، ~~وهو - سبحانه - { إن يشأ يذهبكم } أى - يهلككم أيها الناس - { ~~ويأت بخلق جديد } سواكم، لأن القادر على خلق السماوات والأرض ~~وما فيهما من أجرام عظيمة، يكون على خلق غيرهما أقدر، كما قال - تعالى - # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ~~ولكن أكثر الناس... # وقوله - سبحانه - { وما ذلك على الله بعزيز } معطوف على ~~ما قبله، ومؤكد لمضمونه. # أى إن يشأ - سبحانه - يهلككم - أيها الناس - ويأت بمخلوقين آخرين غيركم، ~~وما ذلك الإذهاب بكم، والإتيان بغيركم بمتعذر على الله، أو بمتعاص ~~عليه، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شئ، ولا يحول دون نفاذ قدرته حائل. وشبيه ~~بهذا قوله - تعالى - # يأيها الناس أنتم الفقرآء إلى الله والله هو ~~الغني الحميد. إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق ~~جديد. وما ذلك على الله بعزيز # وقوله - تعالى - # وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثالكم # وقوله - تعالى - # إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان ~~الله على ذلك قديرا # ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك جانبا من الحوار الذى يدور يوم القيامة بين ~~الضعفاء والمستكبرين، بين الأتباع والمتبوعين.. فقال - تعالى - { ~~وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين ~~استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون ~~عنا من عذاب الله من شيء... } وقوله { وبرزوا } من ~~البروز بمعنى الظهور، مأخوذ من البراز وهو الفضاء الواسع، الذى يظهر فيه ~~الناس بدون استتار. أى وخرج الكافرون جميعا من قبورهم يوم القيامة ~~وظهروا ظهورا لا خفاء معه، لكى يحاسبهم - سبحانه - على أعمالهم فى ~~الدنيا. وقال - سبحانه - { وبرزوا } بلفظ الفعل الماضى مع أن الحديث ~~عن يوم القيامة، للتنبيه على تحقق وقوع هذا الخروج، وأنه كائن لا محالة. ~~وعبر - سبحانه - بهذا التعبير، مع أنهم لا ms2907 يخفون عليه سواء أبرزوا أم لم ~~يبرزوا، لأنهم كانوا فى الدنيا يستترون عن العيون عند اجتراحهم السيئات ~~ويظنون أن ذلك يخفى على الله - عز وجل -. ثم بين - سبحانه - ما سيقوله ~~الضعفاء للمستكبرين فى هذا الموقف العصيب فقال { فقال الضعفاء } ~~وهم العوام والأتباع الذين فقدوا نعمة التفكير، ونعمة حرية الإرادة، ~~فهانوا وذلوا.. قال هؤلاء الضعفاء { للذين استكبروا } وهم ~~السادة المتبوعون الذين كانوا يقودون أتباعهم إلى طريق الغى والضلال. { ~~إنا كنا لكم } - أيها السادة - { تبعا } جمع تابع كخادم وخدم. ~~أى إنا كنا فى الدنيا تابعين لكم، ومنقادين لأمركم، فى تكذيب الرسل، وفى ~~كل ما تريدونه منا. والاستفهام فى قوله - سبحانه - { فهل أنتم ~~مغنون عنا من عذاب الله من شيء } للتقريع والتفجع. ~~ومغنون من الإغناء بمعنى الدفاع والنصرة. قال الشوكانى " يقال أغنى عنه ~~إذا دفع عنه الأذى، وأغناه إذا أوصل إليه النفع ". أى فهل أنتم - أيها ~~المستكبرون - دافعون عنا شيئا من عذاب الله النازل بنا، حتى ولو كان هذا ~~الشئ المدفوع قليلا؟ إن كان فى إمكانكم ذلك فاظهروه لنا، فقد كنتم فى ~~الدنيا سادتنا وكبراءنا، وكنتم تزعمون أنكم أصحاب الحظوة يوم القيامة. ~~قال صاحب الكشاف " فإن قلت أى فرق بين " من " فى { من عذاب الله ~~} وبينه فى { من شيء }؟ قلت الأولى للتبيين، والثانية للتبعيض، كأنه ~~قيل هل أنتم مغنون عنا بعض الشئ الذى هو عذاب الله؟ ويجوز أن يكون ~~للتبعيض معا بمعنى هل أنتم مغنون عنا بعض شئ، هو بعض عذاب الله؟ أى بعض ~~بعض عذاب الله ". # ثم حكى - سبحانه - رد المستكبرين على المستضعفين فقال { قالوا لو ~~هدانا الله لهديناكم... } أى قال المستكبرون - بضيق وتحسر ~~- فى ردهم على المستضعفين لو هدانا الله - تعالى - إلى الإيمان الموصل ~~إلى النجاة من هذا العذاب الأليم { لهديناكم } إليه، ولكن ضللنا ~~عنه وأضللناكم معنا، واخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا، ولو كنا نستطيع ~~النفع لنفعنا أنفسنا. ثم أضافوا إلى ذلك قولهم { سوآء علينآ ~~أجزعنآ أم صبرنا ما لنا من محيص }. والجزع حزن يصرف ~~الإنسان عما هو بصدده لشدة اضطرابه ms2908 وذهوله. يقال جزع فلان يجزع جزعا ~~وجزوعا، إذا ضعف عن حمل ما نزل به ولم يجد صبرا. والمحيص المهرب والمنجى ~~من العذاب. يقال حاص فلان عن الشئ يحيص حيصا ومحيصا، إذا عدل عنه على جهة ~~الهرب والفرار. أى مستو عندنا الجزع مما نحن فيه من عذاب، أو الصبر على ~~ذلك، وليس لنا من مهرب أو منجى من هذا المصير الأليم. فالآية الكريمة ~~تحكى أقوال الضعفاء يوم القيامة، وهى أقوال يبدو فيها طابع الذلة ~~والمهانة كما هو شأنهم فى الدنيا، كما تحكى رد المستكبرين عليهم، وهو رد ~~يبدو فيه التبرم والتفجع والتأنيب من طرف خفى لهؤلاء الضعفاء، والتسليم ~~بالواقع الأليم الذى لا محيص لهم عنه. قال الإمام ابن كثير " قال عبد ~~الرحمن بن زيد بن أسلم إن أهل النار قال بعضهم لبعض تعالوا، فإنما إدرك ~~أهل الجنة الجنة ببكائهم وتضرعهم إلى الله - تعالى -، تعالوا نبك ونتضرع ~~إلى الله، فبكوا وتضرعوا، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا تعالوا، فإنما ~~أدرك أهل الجنة الجنة بالصبر، تعالوا حتى نصبر، فصبروا صبرا لم ير مثله، ~~فلم ينفعهم ذلك. فعند ذلك قالوا { سوآء علينآ أجزعنآ أم ~~صبرنا ما لنا من محيص }. ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما يقوله ~~الشيطان لأتباعه يوم القيامة، فقال - تعالى - # وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم ~~وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم.. # والمراد بالشيطان هنا إبليس - لعنه الله -. قال الفخر الرازى " وأما ~~الشيطان فالمراد به إبليس لأن لفظ الشيطان مفرد فيتناول الواحد، وإبليس ~~رأس الشياطين ورئيسهم، فحمل اللفظ عليه أولى. ولا سيما وقد قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - " إذا جمع الله الخلق وقضى بينهم، يقول الكافر قد ~~وجد المسلمون من يشفع لهم فمن يشفع لنا، ما هو إلا إبليس، فهو الذى ~~أضلنا، فيأتونه ويسألونه فعند ذلك يقول هذا القول. # .. ". والمراد بقوله - سبحانه - { لما قضي الأمر } أى حين تم ~~الحساب، وعرف أهل الجنة ثوابهم، وعرف أهل النار مصيرهم، كل فريق فى ~~المكان الذى أعده الله تعالى له. والمقصود من حكاية ما ms2909 يقوله الشيطان ~~للكافرين فى هذا اليوم. تحذير المؤمنين من وسوسته وإغوائه، حتى ينجوا من ~~العذاب الذى سيحل بأتباعه يوم القيامة. والمراد بالحق فى قوله { إن ~~الله وعدكم وعد الحق } الصدق والوفاء بما وعدكم به على ~~ألسنة رسله. والمراد بالإخلاف فى قوله { ووعدتكم ~~فأخلفتكم } الكذب والغدر وعدم الوفاء بما مناهم به، من أمانى ~~باطلة. قال - تعالى - # يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا ~~غرورا # وإضافة الوعد إلى الحق من إضافة الموصوف إلى الصفة أى إن الله - تعالى - ~~وعدكم الوعد الحق الذى لا نقض له، وهو أن الجزاء حق، والبعث حق، والجنة ~~حق، والنار حق، ووعدتكم وعدا باطلا بأنه لا بعث ولا حساب.. فأخلفتكم ما ~~وعدتكم به، وظهر كذبى فيما قلته لكم. ثم أضاف إلى ذلك قوله - كما حكى ~~القرآن عنه - { وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن ~~دعوتكم فاستجبتم لي }... والسلطان اسم مصدر بمعنى التسلط ~~والقهر والغلبة. أى وما كان لى فيما وعدتكم به من تسلط عليكم، أو إجبار ~~لكم، لكنى دعوتكم إلى ما دعوتكم إليه من باطل وغواية، فانقدتم لدعوتى ~~واستجبتم لوسوستى عن طواعية واختيار. فالاستثناء فى قوله { إلا أن ~~دعوتكم } استثناء منقطع، لأن ما بعد حرف الاستثناء ليس من جنس ما ~~قبله، وبعضهم يرى أن الاستثناء متصل. قال الجمل " وفى هذا الاستثناء ~~وجهان أظهرهما أنه استثناء منقطع، لأن دعاءه ليس من جنس السلطان وهو ~~الحجة البينة، والثانى أنه متصل لأن القدرة على حمل الإنسان على الشئ ~~تارة تكون بالقهر، وتارة تكون بتقوية الداعية فى قلبه بإلقاء الوساوس ~~إليه. فهو نوع من التسليط " وقوله { فلا تلوموني ولوموا ~~أنفسكم } زيادة فى تأنيبهم وفى حسراتهم على انقيادهم له. أى فلا ~~تلومونى بسبب وعودى إياكم. ولوموا أنفسكم، لأنكم تقبلتم هذه الوعود ~~الكاذبة بدون تفكر أو تأمل، وأعرضتم عن الحق الواضح الذى جاءكم من عند ~~ربكم، ومالك أمركم. ثم ينفض يده منهم، ويخلى بينهم وبين مصيرهم السئ ~~فيقول { مآ أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي } أى ما ~~أنا بمغيثكم ومنقذكم مما أنتم فيه من عذاب، ms2910 وما أنتم بمغيثى مما أنا فيه ~~من عذاب - أيضا - فقد انقطعت بيننا الأواصر والصلات... قال القرطبى ما ~~ملخصه " والصارخ والمستصرخ هو الذى يطلب النصرة والمعاونة، والمصرخ هو ~~المغيث لغيره.. قال أمية بن أبى الصلت # ولا تجزعا إنى لكم غير مصرخ وليس لكم عندى غناء ولا نصر # ويقال صرخ فلان أى استغاث يصرخ صرخا وصراخا وصرخة.. ومنه استصرخنى فلان ~~فأصرخته، أى استغاث بى فأغثته.. وجملة { إني كفرت بمآ ~~أشركتمون من قبل.. } مستأنفة، لإظهار المزيد من التنصل ~~والتبرى من كل علاقة بينه وبينهم. و " ما " فى قوله { بمآ ~~أشركتمون } الظاهر أنها مصدرية.. قال الآلوسى ما ملخصه " وأراد ~~بقوله { إني كفرت } أى إنى كفرت اليوم { بمآ أشركتمون ~~من قبل }. أى من قبل هذا اليوم، يعنى فى الدنيا و " ما " مصدرية و " ~~من قبل " متعلق بأشركتمون. والمعنى إنى كفرت بإشراككم إياى لله - تعالى - ~~فى الطاعة، لأنهم كانوا يطيعون الشيطان فيما يزينه لهم من عبادة غير الله ~~- تعالى -، ومن أفعال الشر.. ومراد اللعين أنه إن كان إشراككم لى مع الله ~~- تعالى -، هو الذى أطعمكم فى نصرتى لكم.. فإنى متبرئ من هذا الشرك، لم ~~يبق بينى وبينكم علاقة.. فالكلام محمول على إنشاء التبرى منهم يوم ~~القيامة. ثم قال وجوز غير واحد أن تكون " ما " موصولة بمعنى من، والعائد ~~محذوف، و " من قبل " متعلق بكفرت. أى إنى كفرت من قبل - حين أبيت السجود ~~لآدم - بالذى أشركتمونيه. أى جعلتمونى شريكا له فى الطاعة وهو الله - عز ~~وجل -. والكلام على هذا إقرار من اللعين بقدم كفره، وبسبق خطيئته فلا ~~يمكنه أن يقدم لهم عونا أو نصرا... وجملة { إن الظالمين لهم ~~عذاب أليم } فى موقع التعليل لما تقدم، والظاهر أنها ابتداء كلام ~~من جهته - تعالى - لبيان سوء عاقبة الظالمين. ويجوز أن تكون من تتمة كلام ~~إبليس - الذى حكاه القرآن عنه -، ويكون الغرض منها قطع أطماعهم فى ~~الإغاثة أو النصر، وتنبيه المؤمنين فى كل زمان ومكان إلى عداوة الشيطان ~~لهم وتحذيرهم من اتباع خطواته. قال الشيخ الشوكانى - رحمه الله - ما ~~ملخصه ms2911 " لقد قام الشيطان للكافرين فى هذا اليوم مقاما يقصهم ظهورهم، ~~ويقطع قلوبهم، فأوضح لهم أولا أن مواعيده التى كان يعدهم بها فى الدنيا ~~باطلة معارضة لوعد الحق من الله - تعالى - وأنه أخلفهم ما وعدهم به.. ثم ~~أوضح لهم ثانيا بأنهم قبلوا قوله بما لا يتفق مع العقل، لعدم الحجة التى ~~لا بد للعاقل منها فى قبول قول غيره. ثم أوضح لهم ثالثا بأنه لم يكن منه ~~إلا مجرد الدعوة العاطلة عن البرهان، الخالية عن أيسر شئ مما يتمسك به ~~العقلاء. ثم نعى عليهم رابعا ما وقعوا فيه، ودفع لومهم له، وأمرهم بأن ~~يلوموا أنفسهم، لأنهم هم الذين قبلوا الباطل البحت الذى لا يلتبس بطلانه ~~على من له أدنى عقل. # ثم أوضح لهم خامسا بأنه لا نصر عنده ولا إغاثة.. بل هو مثلهم فى الوقوع ~~فى البلية.. ثم صرح لهم سادسا بأنه قد كفر بما اعتقدوه فيه وأثبتوه له، ~~وهو إشراكه مع الله - تعالى - فتضاعفت عليهم الحسرات، وتوالت عليهم ~~المصائب. وإذا كانت جملة { إن الظالمين لهم عذاب أليم } ~~من تتمة كلامه - كما ذهب إليه البعض - فهو نوع سابع من كلامه الذى خاطبهم ~~به، فيكون قد أثبت لهم الظلم، وذكر لهم جزاءه ". وبعد هذا الحديث عن سوء ~~عاقبة الكافرين.. بين - سبحانه ما أعده للمؤمنين من ثواب جزيل، وأجر عظيم ~~فقال - تعالى - { وأدخل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها بإذن ربهم }. أى وأدخل الله - تعالى - فى هذا اليوم، وهو ~~يوم القيامة، الذين آمنوا بكل ما يجب الإيمان به، وعملوا الأعمال ~~الصالحة، أدخلهم - سبحانه - جنات تجرى تجرى من تحت ثمارها وأشجارها ~~الأنهار، حالة كونهم خالدين فيها خلودا أبديا لا موت معه ولا تعب. وجاء ~~التعبير بصيغة الماضى لتحقيق الوقوع، وتعجيل البشارة، وقوله، { بإذن ~~ربهم } أى بإرادته - سبحانه - وتوفيقه وهدايته لهم. وقوله { ~~تحيتهم فيها سلام } أى تحيتهم فى الجنة سلام لهم من خالقهم - ~~عز وجل - ومن الملائكة، ومن بعضهم لبعض. كما قال - تعالى - # تحيتهم يوم يلقونه سلام # وكما قال - تعالى ms2912 - # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب. سلام ~~عليكم... # وكما قال - سبحانه - # ويلقون فيها تحية وسلاما # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد بينت بأبلغ أسلوب بوار أعمال الذين كفروا، ~~وسوء أحوالهم يوم القيامة، كما بينت حسن عاقبة المؤمنين، ليهلك من هلك عن ~~بينة ويحيى من حى عن بينة. وبعد أن بين - سبحانه - حال السعداء والأشقياء ~~يوم القيامة، أتبع ذلك بضرب مثل لهما زيادة فى التوضيح والتقرير فقال - ~~تعالى - { ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة... }. ### || [14.24-27] # والخطاب فى قوله { ألم تر... } للرسول - صلى الله عليه وسلم - أو ~~لكل من يصلح للخطاب، والاستفهام للتقرير، والرؤية مستعملة فى العلم ~~الناشئ عن التأمل والتفكر فى ملكوت السماوات والأرض. قال الآلوسى ما ~~ملخصه قوله - تعالى - { ألم تر... } هذا التعبير قد يذكر لمن تقدم ~~علمه فيكون للتعجب، وقد يذكر لمن ليس كذلك، فيكون لتعريفه وتعجيبه، وقد ~~اشتهر فى ذلك حتى أجرى مجرى المثل فى ذلك، بأن شبه من لم ير الشئ بحال من ~~رآه فى أنه لا ينبغى أن يخفى عليه، ثم أجرى الكلام معه كما يجرى مع من ~~رأى، قصدا إلى المبالغة فى شهرته وعراقته فى التعجب ". والمثل يطلق على ~~القول السائر المعروف للماثلة مضربه لمورده. وقوله { مثلا } انتصب على ~~أنه مفعول به لضرب، وقوله { كلمة } بدل منه أو عطف بيان. والمراد بالكلمة ~~الطيبة كلمة الإسلام، وما يترتب عليها من عمل صالح، وقول طيب. قال ~~الآلوسى ما ملخصه " والمراد بالشجرة الطيبة - المشبه بها - النخلة عند ~~الأكثرين وروى ذلك عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وعكرمة والضحاك وابن ~~زيد.. وأخرج عبد الرزاق والترمذى وغيرهما عن شعيب بن الحجاب قال كنا عند ~~أنس، فأتينا بطبق عليه رطب، فقال أنس لأبى العالية كل يا أبا العالية، ~~فإن هذا من الشجرة التى ذكرها الله - تعالى - فى كتابه { ألم تر ~~كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة ~~طيبة... } وأخرج الترمذى - أيضا - والنسائى وابن حبان والحاكم ~~وصححه عن أنس قال # " أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقناع من بسر - أى بطبق ms2913 من تمر ~~لم ينضج بعد فقال " مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة.. قال هى النخلة ". # وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنها شجرة جوز الهند. وأخرج ابن حرير وابن ~~أبى حاتم أنها شجرة فى الجنة، وقيل كل شجرة مثمرة كالنخلة، وكشجرة التين ~~والعنب والرمان وغير ذلك ثم قال " وأنت تعلم أنه إذا صح الحديث ولم يتأت ~~حمل ما فيه على التمثيل لا ينبغى العدول عنه ". وكأن الإمام الآلوسى ~~بهذا القول يريد أن يرجح أن المراد بالشجرة الطيبة النخلة، لتصريح الآثار ~~بذلك. وقد رجح ابن جرير - أيضا - أن المراد بها النخلة فقال ما ملخصه " ~~واختلفوا فى المراد بالشجرة الطيبة، فقال بعضهم هى النخلة.. وقال آخرون ~~هى شجرة فى الجنة.. وأولى القولين بالصواب فى ذلك قول من قال هى النخلة، ~~لصحة الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى ذلك... " والمعنى ~~ألم تر - أيها المخاطب - كيف اختار الله - تعالى - مثلا، وضعه فى موضعه ~~اللائق به، والمناسب له، وهذا المثل لكلمتى الإيمان والكفر، حيث شبه - ~~سبحانه - الكلمة الطيبة وهى كلمة الإسلام، بالشجرة الطيبة، أى النافعة ~~فى جميع أحوالها، وهى النخلة. # ثم وصف - سبحانه - هذه الشجرة بصفات حسنة فقال { أصلها ثابت }. ~~أى ضارب بعروقه فى باطن الأرض فصارت بذلك راسخة الأركان ثابتة البنيان. { ~~وفرعها } أى أعلاها وما امتد منها من أغصان، مشتق من الافتراع بمعنى ~~الاعتلاء { في السمآء } أى فى جهة السماء من حيث العلو والارتفاع، ~~وهذا ما يزيد الشجرة جمالا وحسن منظر. والمراد بالأكل فى قوله - تعالى - ~~{ تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.. } المأكول، وهو ~~الثمر الناتج عنها. والمراد بالحين الوقت الذى حدده الله - تعالى - ~~للانتفاع بثمارها من غير تعيين بزمن معين من صباح أو مساء. قال الشوكانى ~~ما ملخصه " قوله { تؤتي أكلها كل حين } كل وقت { بإذن ~~ربها } بإرادته ومشيئته ". وقيل المراد بكونها تؤتى أكلها كل حين أى ~~كل ساعة من الساعات من ليل أو نهار فى جميع الأوقات من غير فرق بين شتاء ~~وصيف. وقيل المراد فى أوقات مختلفة من غير ms2914 تعيين. وقيل كل غدوة وعشية، ~~وقيل كل شهر... وهذه الأقوال متقاربة. لأن الحين عند جمهور أهل اللغة ~~بمعنى الوقت يقع لقليل الزمان وكثيره. وبهذا نرى أن الله - تعالى - قد ~~وصف هذه الشجرة بأربع صفات، أولها أنها طيبة، وثانيها أن أصلها ثابت، ~~وثالثها أن فرعها فى السماء، ورابعها أنها تؤتى ثمارها كل حين بإذن ربها. ~~وهذه الأوصاف تدل على فخامة شأنها، وجمال منظرها، وطيب ثمرها، ودوام ~~نفعها كما تدل على أن المشبه وهو الكلمة الطيبة، مطابق فى هذه الأوصاف ~~للمشبه به وهو الشجرة الطيبة. وقوله - سبحانه - { ويضرب الله ~~الأمثال للناس لعلهم يتذكرون } بيان للحكمة التى من ~~أجلها سيقت الأمثال، وهى التذكر والتفكير والاعتبار. أى ويضرب الله - ~~تعالى - الأمثال للناس رجاء أن يعتبروا ويتعظوا ويتذكروا ما أمرهم - ~~سبحانه - بتذكره إذ ضرب الأمثال تقريب للبعيد، وتقرير للقريب، وتصوير ~~للمعانى المعقولة بالصور المحسوسة. وبعد أن بين - سبحانه - مثال كلمة ~~الإيمان، أتبعه بمثال كلمة الكفر فقال { ومثل كلمة خبيثة } ~~وهى كلمة الكفر. { كشجرة خبيثة } أى قبيحة لا نفع فيها، ولا خبر ~~يرجى منها. { اجتثت من فوق الأرض } أى اقتلعت جثتها وهيئتها ~~من فوق الأرض، لقرب عروقها وجذورها من سطحها. يقال اجتثثت الشئ اجتثاثا، ~~إذا اقتلعته واستأصلته، وهو افتعال من لفظ الجثة وهى ذات الشئ. وقوله { ~~ما لها من قرار } تأكيد لمعنى الاجتثاث لأن اجتثاث الشئ بسهولة، ~~سببه عدم وجود أصل له. # أى ليس لها استقرار وثبات على الأرض، وكذلك الكفر لا أصل له ولا فرع، ~~ولا يصعد للكافر عمل، ولا يتقبل منه شئ. والمراد بهذه الشجرة الخبيثة ~~شجرة الحنظل فعن أنس بن مالك أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال # " ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة هى الحنظلة... ". # وقيل شجرة الثوم، وقيل شجرة الشوك... وقيل كل شجر لا يطيب له ثمر، وفى ~~رواية عن ابن عباس أنها شجرة لم تخلق على الارض.. وقال ابن عطية الظاهر ~~أن التشبيه وقع بشجرة غير معينة جامعة لتلك الأوصاف التى وصفها الله بها. ~~وقوله سبحانه - { يثبت الله الذين آمنوا بالقول ms2915 ~~الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة } بيان لفضل الله ~~- تعالى - على هؤلاء المؤمنين، ولحسن عاقبتهم.. والمراد بالحياة الدنيا ~~مدة حياتهم فى هذه الدنيا. والمراد بالآخرة ما يشمل سؤالهم فى القبر ~~وسؤالهم فى مواقف القيامة. والمعنى يثبت الله - تعالى - الذين آمنوا ~~بالقول الثابت أى الصادق الذى لا شك فيه، فى الحياة الدنيا، بأن يجعلهم ~~متمسكين بالحق، ثابتين عليه دون أن يصرفهم عن ذلك ترغيب أو ترهيب. ~~ويثبتهم أيضا بعد مماتهم، بأن يوفقهم إلى الجواب السديد عند سؤالهم فى ~~القبر وعند سؤالهم فى مواقف يوم القيامة. قال الآلوسى ما ملخصه " قوله - ~~تعالى - { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ~~} أى الذى ثبت عندهم وتمكن فى قلوبهم، وهو الكلمة الطيبة التى ذكرت صفتها ~~العجيبة... { في الحياة الدنيا } أى يثبتهم بالبقاء على ذلك مدة ~~حياتهم، فلا يزالون عند الفتنة.. { وفي الآخرة } أى بعد الموت وذلك ~~فى القبر الذى هو أول منزل من منازل الآخرة، وفى مواقف القيامة، فلا ~~يتلعثمون إذا سئلوا عن معتقدهم هناك، ولا تدهشهم الأهوال... ". هذا، وقد ~~ساق الإمام ابن كثير هنا جملة من الأحاديث التى وردت فى سؤال القبر، ~~منها قوله قال البخارى حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، أخبرنى علقمة بن ~~مرثد قال سمعت سعد بن عبيدة عن البراء بن عازب أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال # " " المسلم إذا سئل فى القبر شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله فذلك قوله " يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت فى الحياة الدنيا ~~وفى الآخرة ". # وقوله { ويضل الله الظالمين } بيان لسوء عاقبة أصحاب المثل ~~الثانى وهم الكافرون. أى ويخلق فيهم الضلال عن الحق بسبب إيثارهم الكفر ~~على الإيمان. { ويفعل الله ما يشآء } فعله، عن تثبيت من يريد ~~تثبيته، وإضلال من يريد إضلاله، حسبما تقتضيه إرادته وحكمته، لا راد ~~لأمره، ولا معقب لحكمه. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك مصير الجاحدين الذين ~~قابلوا نعم الله بالكنود والجحود، وأمر المؤمنين بأداء ما كلفهم به - ~~سبحانه - من عبادات وقربات، وساق لهم ألوانا من الآلاء ms2916 التى تفضل بها على ~~عباده، فقال - تعالى - { ألم تر إلى الذين بدلوا... }. ### || [14.28-34] # وقوله - سبحانه - { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة ~~الله كفرا.. } الخطاب فيه للنبى - صلى الله عليه وسلم - أو لكل من ~~يصلح للخطاب. والاستفهام للتعجيب من أحوالهم الذميمة. وبدلوا من التبديل ~~بمعنى التغيير والتحويل، والمراد به وضع الشئ فى غير وضعه ومقابلة نعم ~~الله بالجحود وعدم الشكر. ونعمة الله التى بدلوها، تشمل كفرهم بالرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - الذى أرسله الله - تعالى - لإخراجهم من الظلمات ~~إلى النور، كما تشمل إكرام الله لهم - أى أهل مكة - بأن جعلهم فى حرم ~~آمن، وجعلهم سدنة بيته.. ولكنهم لم يشكروا الله على هذه النعم، بل أشركوا ~~معه فى العبادة آلهة أخرى. قال صاحب الكشاف ما ملخصه " قوله { بدلوا ~~نعمة الله } لأن شكرها الذى وجب عليهم وضعوا مكانه كفرا، فكأنهم ~~غيروا الشكر إلى الكفر وبدلوه تبديلا. وهم أهل مكة أسكنهم الله حرمه، ~~وجعلهم قوام بيته، وأكرمهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فكفروا نعمة ~~الله بدل ما لزمهم من الشكر العظيم، أو أصابهم الله بالنعمة فى الرخاء ~~والسعة لإيلافهم الرحلتين، فكفروا نعمته، فضربهم بالقحط سبع سنين، فحصل ~~لهم الكفر بدل النعمة، وكذلك حين أسروا وقتلوا يوم بدر، قد ذهبت النعمة ~~عنهم، وبقى الكفر طوقا فى أعناقهم.. " وقال الإمام ابن كثير ما ملخصه " ~~قال البخارى قوله { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة ~~الله كفرا.. } حدثنا على بن عبد الله حدثنا سفيان، عن عمرو، عن ~~عطاء، سمع ابن عباس قال هم كفار أهل مكة. ثم قال ابن كثير وهذا هو ~~الصحيح، وإن كان المعنى يعم جميع الكفار، فإن الله - تعالى - " بعث محمدا ~~- صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين، ونعمة للناس فمن قبلها وقام ~~بشكرها دخل الجنة، ومن ردها وكفرها دخل النار.. ". وما ذهب إليه صاحب ~~الكشاف وابن كثير - رحمهما الله - هو الذى تطمئن إليه النفس، لأن مشركى ~~مكة ومن سار على شاكلتهم تنطبق عليهم هذه الآية الكريمة. وقد أورد بعض ~~المفسرين هنا روايات فى أن المراد ms2917 بهؤلاء الذين بدلوا نعمة الله كفرا، ~~بنو أمية وبنو مخزوم.. ولكن هذه الروايات بعيدة عن الصواب، ولا سند لها ~~من النقل الصحيح ". وقوله { وأحلوا قومهم دار البوار } ~~معطوف على { بدلوا } لبيان رذيلة أخرى من رذائلهم المتعددة والمراد ~~بقومهم أتباعهم وشركاؤهم فى الكفر والعناد حتى ماتوا على ذلك. والبوار ~~الهلاك والخسران، ويطلق أيضا على الكساد. يقال بار المتاع بوارا، إذا ~~كسد، إذ الكاسد فى حكم الهالك. والمعنى ألم تر - أيها العاقل - إلى حال ~~هؤلاء المشركين، الذين قابلوا نعم الله عليهم بالكفر والجحود، وكانوا ~~سببا فى إنزال قومهم دار الهلاك والخسران. # وقوله - سبحانه - { جهنم يصلونها وبئس القرار } بيان ~~لدار بوارهم وهلاكهم أى جهنم يصلون حرها وسعيرها، وبئس القرار قرارهم ~~فيها. فقوله { جهنم } عطف بيان لدار البوار، وقوله { يصلونها ~~} فى محل نصب حال من { جهنم } يقال صلى فلان النار - من باب تعب - ~~إذا ذاق حرها، وتقول صليت اللحم أصليه - من باب رمى - إذا شويته. ~~والمخصوص بالذم محذوف. أى بئس القرار هى أى جهنم. وفيه إشارة إلى أن ~~حلولهم فيها كائن على وجه الدوام والاستمرار. ثم بين - سبحانه - لونا ~~ثالثا من ألوان أعمالهم القبيحة، وعقائدهم الباطلة فقال { وجعلوا ~~لله أندادا ليضلوا عن سبيله.. }. والأنداد جمع ند وهو ~~مثل الشئ الذى يضاده وينافره ويتباعد عنه. وأصله من ند البعير يند - بكسر ~~النون - ندا - بالفتح - إذا نفر وذهب على وجهه شاردا. وقوله { ليضلوا } ~~قرأ الجمهور - بضم الياء - من أضل غيره إذا جعله ضلالا. أى أن هؤلاء ~~الخاسرين لم يكتفوا بمقابلة نعمة الله بالجحود، وإحلال قومهم دار البوار، ~~بل أضافوا إلى ذلك أنهم جعلوا لله - تعالى - أمثالا ونظراء، ليصرفوا ~~غيرهم عن الطريق الحق، والصراط المستقيم، الذى هو إخلاص العبادة لله - ~~تعالى - وحده. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { ليضلوا } - بفتح الياء - أى ~~ليستمروا فى ضلالهم، فإنهم حين جعلهم الأنداد لله - تعالى - كانوا ضالين، ~~وجهلوا ذلك فاستمروا فى ضلالهم توهما منهم أنهم على صواب. قال صاحب ~~الكشاف قرئ { ليضلوا } بفتح الياء وضمها. فإن قلت الضلال لم يكن غرضهم فى ms2918 ~~اتخاذ الأنداد فما معنى اللام؟ قلت لما كان الضلال والإضلال نتيجة ~~اتخاذا الأنداد، كما كان الإكرام فى قولك، جئتك لتكرمنى نتيجة المجئ، ~~دخلته اللام، وإن لم يكن غرضا، على طريق التشبيه والتقريب. وقوله - ~~سبحانه - { قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار } أمر ~~منه - عز وجل - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بأن يهددهم بهذا المصير ~~الأليم. والتمتع بالشئ الانتفاع به مع التلذذ والميل إليه. أى قل - أيها ~~الرسول الكريم - لهؤلاء الخاسرين، تمتعوا بما شئتم التمتع به من شهوات ~~ولذائذ، فإن مصيركم إلى النار لا محالة. قال صاحب فتح القدير ما ملخصه ~~قوله { قل تمتعوا } بما أنتم فيه من الشهوات، وبما زينته لكم ~~أنفسكم من كفران للنعم { فإن مصيركم إلى النار } أى مرجعكم ~~إليها ليس إلا. ولما كان هذا حالهم، وقد صاروا لفرط تهالكهم عليه لا ~~يقلعون عنه. جعل - سبحانه - الأمر بمباشرته مكان النهى عن قربانه، إيضاحا ~~لما تكون عليه عاقبتهم، وأنهم لا محالة صائرون إلى النار. # فجعله { فإن مصيركم إلى النار } تعليل للأمر بالتمتع، ~~وفيه من التهديد ما لا يقادر قدره. ويجوز أن تكون هذه الجملة جوابا ~~لمحذوف دل عليه السياق كأنه قيل قل تمتعوا فإن دمتم على ذلك فإن مصيركم ~~إلى النار. والأول أولى والنظم القرآنى عليه أدل، وذلك كما يقال لمن يسعى ~~فى مخالفة السلطان " اصنع ما شئت من المخالفة فإن مصيرك إلى السيف ". ~~وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار # وقوله - تعالى - # نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ # وقوله - تعالى - # لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد. ~~متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد # وبعد هذا الأمر من الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بتهديد ~~الكافرين، وجه - سبحانه - أمرا آخر له - صلى الله عليه وسلم - طلب منه ~~فيه، مواصلة دعوة المؤمنين إلى الاستمرار فى التزود من العمل الصالح فقال ~~- تعالى - { قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة ~~وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن ~~يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال ms2919 }. قال الجمل " قوله { ~~قل لعبادي... إلخ } مفعول قل محذوف يدل عليه جوابه، أى قل لهم ~~أقيموا الصلاة وأنفقوا - وقوله يقيموا وينفقوا مجزومان فى جواب الأمر، أى ~~إن قلت لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا.. يقيموا وينفقوا. ويجوز أن يكون قوله ~~" يقيموا وينفقوا " مجزومين بلام الأمر المقدرة. أى ليقيموا الصلاة ~~ولينفقوا... ". والمراد بإقامة الصلاة المواظبة على أدائها فى أوقاتها ~~المحددة لها، مع استيفائها لأركانها وسننها وآدابها وخشوعها، ومع إخلاص ~~النية عند أدائها الله - تعالى -. والمراد بالإنفاق ما يشمل جميع وجوه ~~الإنفاق الواجبة والمستحبة. والمراد بقوله { سرا وعلانية } ما ~~يتناول عموم الأحوال فى الحرص على بذل المال فى وجوهه المشروعة. والمعنى ~~قل - أيها الرسول الكريم - لعبادى المخلصين، الذين آمنوا إيمانا حقا، قل ~~لهم ليستزيدوا من المواظبة على أداء الصلاة، وعلى الإنفاق مما رزقناهم ~~فى جميع الأحوال، بأن يجعلوا نفقتهم فى السر إذا كانت آداب الدين ~~وتعاليمه تقتضى ذلك، وأن يجعلوها فى العلن إذا كانت المنفعة فى ذلك. ~~والإضافة فى قوله { لعبادى } للتشريف والتكريم لهؤلاء العباد المخلصين. ~~ولم تعطف هذه الآية الكريمة على ما قبلها وهو قوله { قل تمتعوا ~~فإن مصيركم إلى النار } للإيذان بتباين حال الفريقين، ~~واختلاف شأنهما. ومفعول { ينفقوا } محذوف والتقدير ينفقوا شيئا مما ~~رزقناهم. وعبر - سبحانه - بمن المفيدة للتبعيض فى قوله { مما ~~رزقناهم } للاشعار بأنهم قوم عقلاء يبتعدون فى إنفاقهم عن الإسراف ~~والتبذير، عملا بقوله - تعالى - # والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ~~وكان بين ذلك قواما # وهذا التعبير - أيضا - يشعر بأن هذا المال الذى بين أيدى عباده - سبحانه ~~- ما هو إلا رزق رزقهم الله إياه، ونعمة أنعم بها عليهم، فعليهم أن ~~يقابلوا هذه النعمة بالشكر، بأن ينفقوا جزءا منها فى وجوه الخير. وقوله { ~~سرا وعلانية } منصوبان على الحال أى مسرين ومعلنين، أو على ~~المصدر أى إنفاق سر وإنفاق علانية. وقدم - سبحانه - إنفاق السر على ~~العلانية للتنبيه على أنه أولى الأمرين فى معظم الأحوال لبعده عن خواطر ~~الرياء، ولأنه استر للمتصدق عليه. وقوله - سبحانه - { من قبل أن ~~يأتي يوم لا بيع فيه ms2920 ولا خلال } مؤكد لمضمون ما قبله ~~من الأمر بإقامة الصلاة وبالإنفاق فى وجوه الخير بدون تردد أو إبطاء. ~~ولفظ " خلال " مصدر خاللت بمعنى صاحبت وصادقت، أو جمع خليل بمعنى صديق، ~~أو جمع خلة بمعنى الصداقة كقلة وقلال. أى قل لهم - أيها الرسول الكريم - ~~بأن من الواجب عليهم أن يكثروا ويداوموا على إقامة الصلاة وعلى الإنفاق ~~مما رزقهم - سبحانه -، من قبل أن يفاجئهم يوم القيامة، ذلك اليوم الذى لا ~~تقبل فيه المعاوضات، ولا تنفع فيه شفاعة الصديق لصديقه، وإنما الذى يقبل ~~وينفع فى هذا اليوم هو العمل الصالح الذى قدمه المسلم فى دنياه. فالجملة ~~الكريمة تفيد حضا آخر على إقامة الصلاة وعلى الإنفاق عن طريق التذكير ~~للناس بهذا اليوم الذى تنتهى فيه الأعمال، ولا يمكن فيه استدراك ما ~~فاتهم، ولا تعويض ما فقدوه من طاعات. كما تفيد أن المواظبة على أداء ~~هاتين الشعيرتين، من أعظم القربات التى يتقرب بها المسلم إلى خالقه - ~~سبحانه - والتى تكون سببا فى رفع الدرجات يوم القيامة. وشبيه بهذه الآية ~~قوله - تعالى - # يأيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من ~~قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا ~~شفاعة والكافرون هم الظالمون # ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ألوانا من نعمه التى تستوجب شكره وطاعته ~~وإخلاص العبادة له والتى تدل على كمال قدرته وعلمه ووحدانيته فقال - ~~تعالى - { الله الذي خلق السماوات والأرض.. }. أى الله ~~- تعالى - وحده هو الذى أوجد السماوات والأرض وما فيهما من أجرام علوية ~~وسفلية بدون مثال سابق. وافتتحت الآية الكريمة بلفظ الجلالة، لما فى ذلك ~~من تربية المهابة، ومن لفت أنظار المشركين إلى ما هم فيه من ضلال حتى ~~يقلعوا عنه. وجاء الخبر بصيغة الموصول، لأن الصلة معلومة الثبوت له - ~~سبحانه - والمشركون لا ينازعون فى ذلك، كما قال - تعالى - # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله # وقوله { وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من ~~الثمرات رزقا لكم. # . } بيان للون آخر من ألوان نعمه على خلقه. والمراد بالسماء هنا السحاب، ~~أو جهة العلو. أى ms2921 وأنزل - سبحانه - من المزن أو السحاب { ماء } كثيرا هو ~~المطر، { فأخرج به } أى بذلك الماء { من الثمرات } ~~المتعددة الأنواع والأصناف { رزقا لكم } تنتفعون به، وتتمتعون ~~بجمال منظره وطيب مطعمه. ثم حكى - سبحانه - ألوانا أخرى من نعمه فقال { ~~وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره ~~وسخر لكم الأنهار. وسخر لكم الشمس والقمر ~~دآئبين وسخر لكم اليل والنهار } وقوله " سخر " من ~~التسخير بمعنى التذليل والتطويع والقدرة على التصرف فى الشئ والانتفاع ~~به. والفلك ما عظم من السفن. ويستعمل لفظه فى الواحد والجمع، والظاهر أن ~~المراد به هنا الجمع لقوله - سبحانه - " لتجرى " بتاء التأنيث. أى { ~~وسخر لكم } - سبحانه - السفن الضخمة العظيمة، بأن ألهمكم صنعها، ~~وأقدركم على استعمالها { لتجري في البحر } إلى حيث تريدون " ~~بأمره " وإذنه ومشيئته، لا بإذنكم ومشيئتكم، إذ لو شاء - سبحانه - لقلبها ~~بكم. { وسخر لكم الأنهار } بأن جعلها معدة لانتفاعكم، إذ ~~منها تشربون، ومنها تسقون دوابكم وزروعكم، وعليها تسيرون بسفنكم إلى حيث ~~تريدون. { وسخر لكم الشمس والقمر دآئبين } أى دائمين ~~فى إصلاح ما يصلحان من الأبدان والنبات وغيرهما أو دائمين فى مدارهما ~~المقدر لهما بدون اضطراب أو اختلال. ولا يفتران عن ذلك ما دامت الدنيا. ~~وأصل الدأب الدوام والعادة المستمرة على حالة واحدة. يقال دأب فلان على ~~كذا يدأب دأبا، إذا داوم عليه وجد فيه. و { وسخر لكم اليل ~~والنهار } بأن جعلهما متعاقبين، يأتى أحدهما فى أعقاب الآخر، ~~فتنتفعون بكل منهما بما يصلح أحوالكم. فالليل تنتفعون به فى راحتكم ~~ومنامكم.. والنهار تنتفعون به فى معاشكم وطلب رزقكم قال - تعالى - # وجعلنا اليل لباسا. وجعلنا النهار معاشا # تم ختم - سبحانه - هذه النعم بقوله { وآتاكم من كل ما ~~سألتموه.. } أى وأعطاكم - فضلا عما تقدم من النعم - بعضا من جميع ~~ما سألتموه إياه من نعم، على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته التى لا ~~تعلمونها كما قال - تعالى - # ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ~~ولكن ينزل بقدر ما يشآء إنه بعباده خبير ~~بصير # قال الجمل ما ملخصه " قوله { وآتاكم من كل ما سألتموه } ~~أى ms2922 كل نوع أو كل صنف سألتموه أى شأنكم أن تسألوه لاحتياجكم إليه، وإن لم ~~تسألوه بالفعل. وفى " من " قولان أحدهما أنها زائدة فى المفعول الثانى، ~~أى آتاكم كل ما سألتموه. والثانى أن تكون تبعيضية أى وآتاكم بعض جميع ما ~~سألتموه وعلى هذا فالمفعول محذوف تقديره وآتاكم شيئا من كل ما سألتموه، ~~وهو رأى سيبويه. # . " وجملة { وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها } مؤكدة ~~لمضمون ما قبلها. أى وإن تحاولوا عد نعم الله عليكم، وتحاولوا تحديد هذا ~~العدد، لن تستطيعوا ذلك لكثرة هذه النعم، وخفاء بعضه عليكم. والإحصاء ~~ضبط العدد وتحديده، مأخوذ من الحصا وهو صغار الحجارة لأن العرب كانوا ~~يعدون الأعداد الكثيرة بالحصى تجنبا للخطأ. قال ابن كثير " يخبر - سبحانه ~~- عن عجز العباد من تعداد نعمه فضلا عن القيام بشكرها، كما قال طلق بن ~~حبيب - رحمه الله - إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله ~~أكثر من أن يحصيها العباد ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين ". وفى صحيح ~~البخارى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول # " لك الحمد غير مكفى - أى لم يكفه غيره بل هو - سبحانه - يكفى غيره - ~~ولا مودع - أى متروك حمده -، ولا مستغنى عنه ربنا - أى هو الذى يحتاج ~~إليه الخلق.. ". # والمراد بالإنسان فى قوله { إن الإنسان لظلوم كفار } نوع ~~معين منه وهو الكافر كما فى قوله - تعالى - # ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا # أى إن الإنسان الكافر الشديد الظلم لنفسه بعبادته لغير الله - تعالى -، ~~ولشديد الجحود والكفران لنعمه - عز وجل. ويرى بعضهم أن المراد بالإنسان ~~هنا الجنس. قال الشوكانى قوله - سبحانه { إن الإنسان لظلوم } ~~أى لنفسه بإغفاله لشكر نعم الله عليه، وظاهره شمول كل إنسان، وقال الزجاج ~~إن الإنسان هنا اسم جنس يقصد به الكافر خاصة، كما فى قوله - تعالى - # والعصر إن الإنسان لفى خسر # " كفار " أى شديد كفران نعم الله عليه، جاحد لها، غير شاكر لله عليها ~~كما ينبغى ويجب عليه ". وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ابتدأت ms2923 ببيان ~~سوء عاقبة الذين بدلوا نعمة الله كفرا، وثنت بأمر النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - بأن يحض المؤمنين الصادقين على الاستزادة من إقامة الصلاة ومن ~~الانفاق فى سبيل الله. ثم ساقت عشر نعم تدل دلالة واضحة على وحدانية الله ~~- تعالى - وعلمه وقدرته، وهذه النعم هى خلق السماوات والأرض، وإنزال ~~المطر من السماء، وإخراج الثمرات به، وتسخير الفلك فى البحار، وتسخير ~~الأنهار، وتسخير الليل والنهار. ثم ختمت ببيان أنه - سبحانه - قد أعطى ~~الناس - فضلا عن كل ذلك - جميع ما يحتاجون إليه فى مصالحهم على حسب حكمته ~~ومشيئته ولكن الناس - إلا من عصم الله - لا يقابلون نعمه - سبحانه - بما ~~تستحقه من شكر، لشدة ظلمهم وكثرة جحودهم. ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك بعض ~~الدعوات التى تضرع بها إبراهيم - عليه السلام - إلى ربه، وهى دعوات تدل ~~على شكره لخالقه، وحسن صلته به، ورجائه فى فضله.. فقال - تعالى - { ~~وإذ قال إبراهيم رب اجعل... }. ### || [14.35-41] # هذه بعض الدعوات التى ابتهل بها إبراهيم - عليه السلام - إلى ربه، وقد ~~تقبلها الله - تعالى - منه قبولا حسنا. وفى هذه الدعوات تنبيه لمشركى مكة ~~الذين بدلوا نعمة الله كفرا، والذين جحدوا نعم الله عليهم، بأن من الواجب ~~عليهم أن يثوبوا إلى رشدهم، وأن يستجيبوا لدعوة الحق، وأن يقتدوا ~~بإبراهيم - عليه السلام - فى إيمانه وشكره لخالقه - سبحانه -. و " إذ " ~~ظرف لما مضى من الزمان، وهو منصوب على المفعولية لفعل محذوف. و " رب " ~~منادى بحرف نداء محذوف أى يا رب. والمراد بالبلد مكة المكرمة شرفها الله ~~- تعالى -. والمعنى واذكر - أيها العاقل - وقت أن قال إبراهيم مناديا ربه ~~يا رب اجعل هذا البلد ذا أمن وسلام واستقرار. وقدم إبراهيم - عليه السلام ~~- فى دعائه نعمة الأمن على غيرها - لأنها أعظم أنواع النعم، ولأنها إذا ~~فقدها الإنسان، اضطرب فكره، وصعب عليه أن يتفرغ لأمور الدين أو الدنيا ~~بنفس مطمئنة، وبقلب خال من المنغصات والمزعجات. قال الإمام الرازى " سئل ~~بعض العلماء الأمن أفضل أم الصحة؟ فقال الأمن أفضل، والدليل عليه أن شاة ~~لو انكسرت رجلها فإنها تصح ms2924 بعد زمان، ولا يمنعها هذا الكسر من الإقبال ~~على الرعى والأكل والشرب. ولو أنها ربطت - وهى سليمة - فى موضع، وربط ~~بالقرب منها ذئب، فإنها تمسك عن الأكل والشرب، وقد تستمر على ذلك إلى أن ~~تموت. وذلك يدل على أن الضرر الحاصل من الخوف، أشد من الضرر الحاصل من ~~ألم الجسد. وقال الإمام ابن كثير ما ملخصه " يذكر الله - تعالى - فى هذا ~~المقام - محتجا على مشركى مكة الذين كانوا يزعمون أنهم على ملة إبراهيم - ~~بأن مكة إنما وضعت أول ما وضعت على عبادة الله - تعالى - وحده، وأن ~~إبراهيم قد تبرأ ممن عبد غير الله، وأنه دعا لمكة بالأمن وقد استجاب الله ~~له فقال - تعالى - # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم.. # وقال - تعالى - # إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا ~~وهدى للعالمين. فيه آيات بينات مقام ~~إبراهيم ومن دخله كان آمنا.. # وقال صاحب الكشاف " فإن قلت أى فرق بين قوله - تعالى - فى سورة البقرة # رب اجعل هذا بلدا آمنا.. # وبين قوله هنا { رب اجعل هذا البلد آمنا... }. قلت قد ~~سأل فى الأول أن يجعله من جملة البلاد التى يأمن أهلها ولا يخافون، وسأل ~~فى الثانى أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن، كأنه ~~قال هو بلد مخوف فاجعله آمنا. # . " وقوله - سبحانه - { واجنبني وبني أن نعبد ~~الأصنام } حكاية لدعوة أخرى من الدعوات التى تضرع بها إبراهيم - عليه ~~السلام - إلى خالقه - سبحانه -. وقوله { واجنبنى } بمعنى وأبعدنى مأخوذ ~~من قولك جنبت فلانا عن كذا، إذا أبعدته عنه، وجعلته فى جانب آخر، وفعله ~~جنب من باب نصر. والمراد ببنيه أولاده من صلبه، أو هم من تناسل معهم. ~~والأصنام جمع صنم، وهو التمثال الذى كان مشركو العرب يصنعونه من الحجر ~~الحجر ونحوه لكى يعبدوه من دون الله. والمعنى أسألك يا ربى أن تجعل مكة ~~بلدا آمنا، كما أسألك أن تعصمنى وتعصم ذريتى من بعدى من عبادة الأصنام، ~~وأن تجعل عبادتنا خالصة لوجهك الكريم. وقد بين - سبحانه - فى ms2925 آيات أخرى، ~~أنه قد أجابه فى بعض ذريته دون بعض. ومن ذلك قوله - تعالى - # سلام على إبراهيم. كذلك نجزي المحسنين. إنه ~~من عبادنا المؤمنين. وبشرناه بإسحاق نبيا ~~من الصالحين. وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ~~ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين # وقوله { رب إنهن أضللن كثيرا من الناس.. } تعليل ~~لسؤال إبراهيم ربه أن يجنبه وذريته عبادة الأصنام. أى يا رب لقد تضرعت ~~إليك بأن تعصمنى وبنى عن عبادة الأصنام، لأنها كانت سببا فى إضلال كثير ~~من الناس عن اتباع الحق، وعن الهداية إلى الصراط المستقيم. وأسند ~~الإضلال إليها مع أنها جمادات لا تعقل، لأنها كانت سببا فى إضلال كثير ~~من الناس، فكأنها أضلتهم، فنسبة الإضلال إليها مجازية من باب نسبة الشئ ~~إلى سببه، كما يقال فلان فتنته الدنيا وأضلته، وهو إنما فتن وضل بسببها. ~~وقوله - سبحانه - { فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني ~~فإنك غفور رحيم } بيان لموقفه - عليه السلام - من المهتدين ~~والضالين. أى فمن تبعنى من الناس فى دينى وعقيدتى، فإنه يصير بهذا ~~الاتباع من أهل دينى وهو دين الإسلام، ومن عصانى ولم يقبل الدخول فى ~~الدين الحق، فإنى أفوض أمره إليك، فأنت - سبحانك - لا تسأل عما تفعل ~~وغيرك يسأل. فالجملة الكريمة تدل على الأدب السامى، والخلق العالى، الذى ~~كان يتحلى به إبراهيم - عليه السلام - فى مخاطبته لربه - عز وجل - حيث ~~فوض الأمور إليه دون أن يقطع فيها برأى، كما تدل على رقة قلبه وشفقته على ~~العصاة من الوقوع فى العذاب الأليم. وشبيه بهذه الآية ما حكاه - سبحانه - ~~عن عيسى - عليه السلام - فى قوله # إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم # هذا، ولا نرى وجها لما ذهب إليه بعض المفسرين، من أن قول إبراهيم - عليه ~~السلام - { ومن عصاني فإنك غفور رحيم } كان قبل أن ~~يعلم بأن الله لا يغفر الشرك، أو أن المراد بالمعصية هنا ما دون الشرك، ~~أو أن المغفرة مقيدة بالتوبة من الشرك. # . " نقول لا نرى وجها لكل ذلك، لأن الجملة الكريمة ليس المقصود بها ~~الدعاء ms2926 بالمغفرة لمن عصى، وإنا المقصود بها تفويض أمر العصاة إلى الله - ~~تعالى - إن شاء غفر لهم ورحمهم، وإن شاء عذبهم. ثم حكى - سبحانه - دعاء ~~آخر من تلك الأدعية التى تضرع بها إبراهيم إليه - تعالى - فقال { ~~ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ~~عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة.. } و " ~~من " فى قوله { من ذريتي } للتبعيض. والوادى هو المكان المنخفض ~~بين مرتفعات، والمقصود به وادى مكة المكرمة. والمعنى يا ربنا إنى أسكنت ~~بعض ذريتى وهو ابنى إسماعيل ومن سيولد له، بواد غير ذى زرع قريبا من بيتك ~~المحرم، أى الذى حرمت التعرض له بسوء توقيرا وتعظيما، والذى جعلته مثابة ~~للناس وأمنا، وفضلته على غيره من الأماكن. وقوله { ربنا ليقيموا ~~الصلاة } بيان للباعث الذى دفعه لإسكان بعض ذريته فى هذا المكان ~~الطيب. أى يا ربنا إنى أسكنتهم، هذا المكان ليتفرغوا لإقامة الصلاة فى ~~جوار بيتك، وليعمروه بذكرك وطاعتك. فاللام فى قوله { ليقيموا } للتعليل ~~وهى متعلقة بأسكنت. وخصت الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات، لمزيد ~~فضلها، ولكمال العناية بشأنها. قال القرطبى " تضمنت هذه الآية أن الصلاة ~~بمكة أفضل من الصلاة بغيرها، لأن معنى { ربنا ليقيموا ~~الصلاة } أى أسكنتهم عند بيتك المحرم ليقيموا الصلاة فيه. وقد اختلف ~~العلماء هل الصلاة بمكة أفضل أو فى مسجد النبى - صلى الله عليه وسلم -؟ ~~فذهب عامة أهل الأثر إلى أن الصلاة فى المسجد الحرام أفضل من الصلاة فى ~~مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمائة صلاة، واحتجوا بحديث عبد الله ~~بن الزبير قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد ~~الحرام، وصلاة فى المسجد الحرام أفضل من صلاة فى مسجدى هذا بمائة صلاة ". # وقد روى عن ابن عمر عن النبى - صلى الله عليه وسلم - حديث ابن الزبير " ~~وقوله { فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ~~وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون } دعاء جامع ~~لمطالب الدين والدنيا، لأن الناس يذهبون إلى البيت الحرام للتقرب إلى ms2927 ~~الله - تعالى -، وليتبادلوا المنافع عن طريق التجارة وغيرها مع السكان ~~المجاورين لهذا البيت المعمور. والأفئدة جمع فؤاد، والمراد بها القلوب ~~والنفوس. والمراد بالناس فى قوله { من الناس } المؤمنون منهم، ~~لأنهم هم الذين يذهبون إلى البيت الحرام، ليشهدوا منافع لهم، وليتقربوا ~~إليه - سبحانه - بحج بيته. # وتهوى إليهم أى تسرع إليهم، يقال هوى - بفتح الواو - يهوى - بكسرها - ~~إذا أسرع فى السير، ومنه قولهم هوت الناقة تهوى هويا، إذا عدت عدوا ~~شديدا. والأصل فيه أن يتعدى باللام، وعدى هنا بإلى لتضمنه معنى تميل ~~وتسرع. أى يا ربنا إنى تركت بعض ذريتى فى جوار بتيك، فأسألك يا إلهى أن ~~تجعل نفوس الناس وقلوبهم تحن إلى هذا المكان، وتطير فرحا إليه، وارزق من ~~تركتهم وديعة فى جوار بيتك من الثمرات المختلفة ما يغنيهم لعلهم بهذا ~~العطاء الجزيل يزدادون شكرا لك، ومسارعة فى طاعتك وعبادتك. وقال - سبحانه ~~- { فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم } ولم يقل ~~فاجعل الناس تهوى إليهم، للإشارة إلى أن سعى الناس إليهم يكون عن شوق ~~ومحبة حتى لكأن المسرع إلى هذا الجوار الطيب هو القلب والروح وليس الجسد ~~وحده. قال صاحب الكشاف ما ملخصه " وقد أجاب الله - تعالى - دعوة إبراهيم ~~- عليه السلام - فجعل البيت الحرام حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شئ رزقا ~~من لدنه، ثم فضله ثم وجود أصناف الثمار فيه على كل ريف وعلى أخصب البلادء ~~وأكثرها ثمارا، وفى أى بلد من الشرق والغرب، ترى الأعجوبة التى يريكها ~~الله بواد غير ذى زرع - وهى اجتماع البواكير والفواكه المختلفة والأزمان ~~من الربيعية والصيفية والخريفية فى يوم واحد، وليس ذلك من آياته عجيب، ~~متعنا الله بسكنى حرمه، ووفقنا لشكر نعمه وأدام لنا التشرف بالدخول تحت ~~دعوة إبراهيم، ورزقنا طرفا من سلامة ذلك القلب السليم ". هذا، وقد ساق ~~الإمام الآلوسى عند تفسيره لهذه الآية قصة إسكان إبراهيم لبعض ذريته فى ~~هذا المكان فقال ما ملخصه " وهذا الإسكان إنما كان بعد أن حدث ما حدث ~~بين إبراهيم وبين زوجه سارة، وذلك أن هاجر أم إسماعيل ms2928 كانت أمة من القبط ~~لسارة فوهبتها - لإبراهيم عليه السلام - فتزوجها فولدت له إسماعيل. فدبت ~~الغيرة فى قلب سارة ولم تصبر على بقائها معها فأخرج إبراهيم - عليه ~~السلام - هاجر وابنها إلى أرض مكة، فوضعهما عند البيت، عند دوحه فوق زمزم ~~فى أعلى المسجد، وليس يومئذ أحد، وليس بها ماء، ووضع عندهما جرابا فيه ~~تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفى منطلقا فتبعته هاجر،فقالت له يا إبراهيم أين ~~تذهب وتتركنا بهذا الوادى الذى ليس فيه أنيس. قالت له ذلك مرارا وهو لا ~~يلتفت إليها، فقالت له آلله أمرك بهذا؟ قال نعم. قالت إذا لا يضيعنا، ثم ~~رجعت. وانطلق إبراهيم - عليه السلام - حتى إذا كان عند الثنية حيث لا ~~يرونه، استقبل بوجهه البيت - وكان إذ ذاك مرتفعا من الأرض كالرابية - ثم ~~دعا بهذه الدعوات، ورفع يديه فقال { ربنآ إني أسكنت من ~~ذريتي بواد غير ذي زرع. # .. } الآية. ثم إنها جعلت ترضع ابنها وتشرب مما فى السقاء حتى إذا نفد ~~ما فى السقاء، عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلبط - أى يتلوى ويتمرغ ~~- من شدة العطش، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل فى ~~الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادى تنظر هل ترى أحدا. فلم تر ~~أحدا، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادى، رفعت طرف درعها، ثم سعت سعى ~~الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادى، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ~~ترى أحدا، فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات، ولذلك سعى الناس بينهما ~~سبعا. فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت صه! تريد نفسها ثم تسمعت ~~فسمعت أيضا صوتا فقالت قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هى بالملك عند ~~موضع زمزم، فبحث بعقبه حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتغرف منه فى سقائها ~~وهو يفور، فشربت وأرضعت ولدها، وقال لها الملك لا تخافى الضيعة، فإن ~~هاهنا بيت الله - تعالى - يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله - تعالى - لن ~~يضيع أهله. ثم إنه مرت بهما رفقة من جرهم، فرأوا طائرا عائفا - أى ms2929 يتردد ~~على الماء ولا يمضى - فقالوا لا طير إلا على الماء، فبعثوا رسولهم فنظر ~~فإذا بالماء، فأتاهم فقصدوه وأم إسماعيل عنده، فقالوا أشركينا فى مائك ~~نشركك فى ألباننا، ففعلت، فلما أدرك إسماعيل - عليه السلام - زوجوه امرأة ~~منهم ". ثم حكى - سبحانه - دعاء آخر من تلك الدعوات الخاشعة التى تضرع ~~بها إبراهيم إلى ربه فقال { ربنآ إنك تعلم ما نخفي وما ~~نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا ~~في السمآء }. أى يا ربنا إنك وحدك العليم بما تخفيه نفوسنا من أسرار ~~وما تعلنه وتظهره من أقوال، لأن الظاهر والمضمر بالنسبة إليك سواء، فأنت ~~يا إلهى لا يخفى عليك شئ من الأشياء، سواء أكان هذا الشئ فى الأرض أم فى ~~السماء أم فى غيرهما. وإنما ذكر السماء والأرض لأنهما المشاهدتان للناس، ~~وإلا فعلمه - سبحانه - محيط بكل ما فى هذا الكون. ثم حكى - سبحانه - ما ~~قاله إبراهيم - عليه السلام - فى مقام شكره لله على نعمه فقال - تعالى - ~~{ الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل ~~وإسحاق إن ربي لسميع الدعآء }. والحمد هو الثناء ~~باللسان على من صدرت منه النعمة، وأل فيه للاستغراق أى جميع أجناس الحمد ~~ثابتة لله رب العالمين، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء والحمد فهو ~~صادر عنه - سبحانه - إذ هو الخالق لكل شئ. # وعلى فى قوله { على الكبر } للاستعلاء المجازى وهى بمعنى مع. أى ~~وهب لى مع الكبر الذى لا تحصل معه فى الغالب ولادة. وإسماعيل هو الابن ~~الأكبر لإبراهيم، وقد رزقه الله به من زوجه هاجر كما سبق أن أشرنا -، أما ~~إسحاق فكان أصغر من إسماعيل، وقد رزقه الله به من زوجه ساره. قال الفخر ~~الرازى " اعلم أن القرآن يدل على أنه - تعالى - إنما أعطى إبراهيم - عليه ~~السلام - هذين الولدين على الكبر والشيخوخة، فأما مقدار ذلك السن فغير ~~معلوم من القرآن. وإنما يرجع فيه الروايات فقيل لما ولد إسماعيل كان سن ~~إبراهيم تسعا وتسعين سنة، ولما ولد إسحاق كان سنه مائة واثنتى عشرة سنة. ~~وإنما ذكر ms2930 قوله " على الكبر لأن المنة بهبة الولد فى هذا السن أعظم، من ~~حيث إن هذا الزمان زمان وقوع اليأس من الولادة، والظفر بالحاجة فى وقت ~~اليأس من أعظم النعم، ولأن الولادة فى هذه السن المتقدمة كانت آية ~~لإبراهيم ". وجملة { إن ربي لسميع الدعآء } تعليل لجملة { ~~وهب لي على الكبر } أى وهب لى على الكبر هذين الولدين، لأنه - ~~سبحانه - سمع دعائى وتقبله، وأجاب طلبى دون أن يخيبنى. فالسميع هنا ~~مستعمل على سبيل المجاز فى إجابة المطلوب، ومنه قول القائل سمع الملك ~~كلام فلان، إذا اعتد به وقبله وعمل بمقتضاه، وهو من إضافة الصفة المتضمنة ~~للمبالغة إلى المفعول. أى إن ربى يسمع دعائى ويجيبه. ثم ختم إبراهيم - ~~عليه السلام - تلك الدعوات الطيبات التى تضرع بها إلى ربه، بما حكاه الله ~~عنه فى قوله { رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ~~ربنا وتقبل دعآء. ربنا اغفر لي ولوالدي ~~وللمؤمنين يوم يقوم الحساب } أى يا رب اجعلنى من ~~عبادك الذين يؤدون الصلاة فى أوقاتها بإخلاص وخشوع، واجعل من ذريتى من ~~يقتدى بى فى ذلك، كما أسألك يا رب أن تتقبل دعائى ولا تخيبنى فى مطلوب ~~أسألك إياه. كما أسألك - يا إلهى - أن تغفر لى ذنوبى، وأن تغفر لوالدى ~~وللمؤمنين، يوم يقوم الناس للحساب، فتجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب ~~أو عقاب. وإنما طلب إبراهيم لوالديه المغفرة، قبل أن يتبين له أن والده ~~عدو لله. فلما تبين له ذلك تبرأ منه. قال - تعالى - # وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة ~~وعدهآ إياه فلما تبين له أنه عدو لله ~~تبرأ منه # أما أمه فقال بعضهم إنها كانت مؤمنة، وقال آخرون لعلها توفيت قبل نبوته. ~~وبعد أن حكى - سبحانه - تلك الدعوات الطيبات التى تضرع بها إبراهيم إلى ~~ربه، والتى تضمنت أمهات الفضائل، كسلامة القلب، وطهارة النفس، ورقة ~~العاطفة، وحسن المراقبة، وحب الخير لغيره. بعد كل ذلك حكى - سبحانه - ~~أحوال الظالمين يوم القيامة، وأقوالهم فى ذلك اليوم الشديد، ورده - تعالى ~~- عليهم، والأسباب التى أدت إلى خسرانهم.. فقال ms2931 - تعالى - { ولا ~~تحسبن الله غافلا... }. ### || [14.42-52] # قال الإمام القرطبى " قوله - تعالى - { ولا تحسبن الله ~~غافلا عما يعمل الظالمون... } هذا تسلية للنبى - صلى الله ~~عليه وسلم - بعد أن عجبه من أفعال المشركين، ومخالفتهم دين إبراهيم، أى ~~اصبر كما صبر إبراهيم، وأعلم المشركين أن تأخير العذاب ليس للرضا ~~بأفعالهم، بل سنة الله إمهال العصاة مدة. قال ميمون بن مهران هذا وعيد ~~للظالم. وتعزية للمظلوم ". والخطاب { ولا تحسبن } ، يجوز أن يكون ~~للنبى - صلى الله عليه وسلم - لقصد زيادة تثبيته على الحق، ودوامه على ~~ذلك، ويجوز أن يكون لكل من يصلح للخطاب. والغفلة سهر يعترى الإنسان بسبب ~~قلة تيقظه وانتباهه، ولا شك أن ذلك محال فى حق الله - تعالى -، لذا وجب ~~حمل المعنى على أن المراد بالغفلة هنا ترك عقاب المجرمين. والمراد ~~بالظالمين كل من انحرفوا عن طريق الحق، واتبعوا طريق الباطل، ويدخل فيهم ~~دخولا أوليا مشركو مكة، الذين أبوا الدخول فى الإسلام الذى جاءهم به ~~النبى - صلى الله عليه وسلم -. وقوله { إنما يؤخرهم ليوم ~~تشخص فيه الأبصار } استئناف وقع تعليلا للنهى السابق. وقوله { ~~تشخيص } من الشخوص بمعنى رفع البصر بدون تحرك يقال شخص بصر فلان - من باب ~~خضع - فهو شاخص، إذا فتح عينيه وجعل لا يطرف من شدة الخوف والفزع. ~~والمعنى ولا تحسبن - أيها الرسول الكريم - أن الله تعالى - تارك عقاب ~~هؤلاء الظالمين، الذين كذبوك فى دعوتك، كلا لن يترك الله - تعالى - ~~عقابهم، وإنما يؤخره ليوم هائل شديد، هو يوم القيامة الذى ترتفع فيه ~~أبصار أهل الموقف، فلا تطرف أجفانهم من هول ما يرونه. ثم بين - سبحانه - ~~بعض أحوال هؤلاء الظالمين فى هذا اليوم العظيم فقال - تعالى - { ~~مهطعين مقنعي رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم ~~وأفئدتهم هوآء }. والإهطاع السير السريع. يقال أهطع فلان فى ~~مشيه فهو يهطع إهطاعا إذا أسرع فى سيره بذلة واضطراب. و { مقنعي ~~رءوسهم } أى رافعيها، يقال أهطع فلان رأسه، إذا نصبه ورفعه دون أن ~~يلتفت يمينا أو شمالا. وقيل، إقناع الرءوس طأطأتها وانتكاسها. الأفئدة ~~جمع فؤاد، والمراد بها القلوب. والمعنى ms2932 أن هؤلاء الظالمين يخرجون من ~~قبورهم فى هذا اليوم مسرعين إلى الداعى بذلة واستكانة، كإسراع الأسير ~~الخائف، رافعى رءوسهم إلى السماء مع إدامة النظر بأبصارهم إلى ما بين ~~أيديهم من غير التفات إلى شئ. { لا يرتد إليهم طرفهم } ~~أى لا تتحرك أجفان عيونهم، بل تبقى مفتوحة بدون حراك لهول ما يشاهدونه فى ~~هذا اليوم العصيب. { وأفئدتهم هوآء } أى وقلوبهم فارغة خالية ~~عن الفهم، بحيث لا تعى شيئا من شدة الفزع والدهشة، ومنه قولهم فى شأن ~~الأحمق والجبان قلبهما هواء، أى لا رأى فيه ولا قوة. # وأفرد هواء وإن كان خبرا عن جمع لأنه فى معنى فارغة أو خالية. قال - ~~تعالى - # وأصبح فؤاد أم موسى فارغا... # أى خاليا من كل شئ إلا من التفكير فى شأن مصير ابنها موسى - عليه السلام ~~-. فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هؤلاء الظالمين فى هاتين الآيتين ~~بجملة من الصفات الدالة على فزعهم وحيرتهم. وصفهم أولا بشخوص الأبصار، ~~ووصفهم ثانيا بالإسراع إلى الداعى فى ذلة وانكسار، ووصفهم ثالثا برفع ~~رءوسهم فى حيرة واضطراب، ووصفهم رابعا بانفتاح عيونهم دون أن تطرف من شدة ~~الوجل، ووصفهم خامسا بخلو قلوبهم من إدراك أى شئ بسبب ما اعتراهم من دهشة ~~ورعب. وقوله - سبحانه - { وأفئدتهم هوآء } من باب التشبيه ~~البليغ الذى حذفت فيه الأداة، والتقدير وقلوبهم كالهواء فى الخلو من ~~الإدراك من شدة الهول. ثم أمر الله تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - ~~أن يحذر الناس من أهوال هذا اليوم، وأن يقدموا العمل الصالح الذى ينفعهم ~~فقال - تعالى - { وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب ~~فيقول الذين ظلموا ربنآ أخرنآ إلى أجل ~~قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل.. } والإنذار ~~التخويف من ارتكاب شئ تسوء عاقبته. والمراد بالناس جميعهم، وقيل المراد ~~بهم الكفار. ويبدوا أن الأول أرجح لأن الإنذار يكون للمؤمن كما يكون ~~للكافر، إلا أن المؤمن يستجيب للنصح فينجو من العقاب، والكافر لا يستجيب ~~فيحل عليه العذاب. والمعنى وخوف - أيها الرسول الكريم - الناس من أهوال ~~يوم القيامة، ومرهم بأن يستعدوا له بالإيمان والعمل ms2933 الصالح، من قبل أن ~~يحل عذابه بالظالمين منهم فيقولون يا ربنا أعدنا إلى الحياة مرة أخرى، ~~وأخر أعمارنا وحسابنا إلى وقت قريب، حتى نستطيع فيه أن نستجيب لدعوتك ~~التى تأمرنا بإخلاص العبادة لك، وأن نتبع رسلك فى كل ما أمرونا به ~~ونتدارك ما فرطنا فيه من أعمال الدنيا. قال الجمل " وقوله { يوم ~~يأتيهم العذاب... } مفعول ثان لأنذر على حذف المضاف، أى أنذرهم ~~أهواله وعظائمه، فهو مفعول به لا مفعول فيه، إذ لا إنذار فى ذلك اليوم، ~~وإنما الإنذار يقع فى الدنيا.. " وإنما اقتصر - سبحانه - على ذكر إتيان ~~العذاب فى هذا اليوم. مع كون الثواب يحصل فيه - أيضا - لأن المقام مقام ~~تهديد وزجر، فكان من المناسب ذكر أهواله وشدائده. وجمع لفظ الرسل فقال { ~~نجب دعوتك ونتبع الرسل } للإشارة إلى أن الرسل جميعا ~~قد جاءوا برسالة واحدة فى جوهرها وأصولها، وهى إخلاص العبادة لله - تعالى ~~-، والدعوة إلى مكارم الأخلاق. وفى معنى هذه الآية الكريمة جاءت آيات ~~كثيرة ومنها قوله - تعالى - # حتى إذا جآء أحدهم الموت قال رب ارجعون. ~~لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة ~~هو قآئلها ومن ورآئهم برزخ إلى يوم يبعثون # وقوله - تعالى - # ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ~~ربهم ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل ~~صالحا إنا موقنون # وجملة { أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من ~~زوال } مقول لقول محذوف. والزوال الانتقال من مكان إلى آخر، أو من حال ~~إلى حال، والمراد به هنا انتقالهم من قبورهم إلى الحساب يوم القيامة. ~~والمعنى أن هؤلاء الظالمين عندما يقولون يا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب ~~دعوتك ونتبع الرسل. يقال لهم من قبل الله والملائكة على سبيل التوبيخ ~~والتبكيت أو لم تكونوا - أيها الظالمون - تقسمون بالأيمان المغلظة فى ~~الدنيا، بأنكم بعد موتكم ستبقون فى قبوركم إلى أن تبلى أجسادكم، وأنه ليس ~~بعد ذلك من بعث ولا حساب، ولا ثواب ولا عقاب. قال - تعالى - # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من ~~يموت... # فالجملة الكريمة تحكى رفض مطالبهم بأبلغ أسلوب، ms2934 حتى يزدادوا حزنا على ~~حزنهم، وحسرة على حسرتهم. وجملة { ما لكم من زوال } جواب القسم. ~~وقوله - سبحانه - { وسكنتم في مسكن الذين ظلموا ~~أنفسهم... } معطوف على " أقسمتم.. ". والمراد بالسكنى الحلول فى ~~أماكن الظالمين لوقت يكفى للاتعاظ والاعتبار وكفار قريش كانوا يمرون ~~بديار قوم ثمود فى رحلتهم إلى الشام، وكانوا يحطون رحالهم هناك، كما ~~كانوا يمرون على ديار قوم عاد فى رحلتهم إلى اليمن. والمعنى لقد أقسمتم - ~~أيها الضالون - بأنكم مالكم من انتقال من دار الدنيا إلى دار الآخرة، ~~وحللتم فى مساكن القوم الظالمين. { وتبين لكم } عن طريق المشاهدة وتواتر ~~الأخبار. { كيف فعلنا بهم } من الإهلاك والتدمير بسبب كفرهم ~~وفسوقهم. { وضربنا لكم الأمثال } بما فعلوه وبما فعلناه بهم، ~~عن طريق كتابنا، وعلى لسان رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم -. وكان من ~~الواجب عليكم بعد كل ذلك أن تعتبروا وتتعظوا وتثوبوا إلى رشدكم، وتدخلوا ~~فى الإسلام، ولكنكم كنتم قوما فاسقين، سائرين على نهج هؤلاء المهلكين فى ~~الكفر والفجور، فاليوم ذوقوا العذاب بسبب جحودكم للحق فى الدنيا. قال ~~الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية " أى قد رأيتم وبلغكم ما أحللنا ~~بالأمم المكذبة قبلكم، ومع هذا لم يكن لكم فيهم معتبر، ولم يكن فيما ~~أوقعنا بهم مزدجر لكم. قال - تعالى - # حكمة بالغة فما تغن النذر # ثم بين - سبحانه - بعد ذلك لونا آخر من ألوان عراقتهم فى الكفر والجحود ~~فقال { وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم }. ~~والمكر تبييت فعل السوء بالغير وإضماره، مع إظهار ما يخالف ذلك. # وانتصب " مكرهم " الأول على أنه مفعول مطلق لمكروا، لبيان النوع، ~~والإضافة فيه من إضافة المصدر لفاعله. أى أن هؤلاء الظالمين جاءتهم ~~العبر فلم يعتبروا، بل أضافوا إلى ذلك أنهم مكروا بالرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - مكرهم العظيم الذى استفرغوا فيه جهدهم لإبطال الحق، وإحقاق ~~الباطل، والذى كان من مظاهره محاولتهم قتل الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~-. وقوله { وعند الله مكرهم } أى وفى علم الله - تعالى - الذى ~~لا يغيب عنه شئ مكرهم، وسيجازيهم عليه بما يستحقونه من عذاب مهين. ms2935 وقوله ~~- تعالى { وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال } قرأ ~~الجمهور { لتزول } - بكسر اللام على أنها لام الجحود والفعل منصوب بعدها. ~~بأن مضمرة وجوبا، و " إن " فى قوله { وإن كان مكرهم } نافية ~~بمعنى ما. والمعنى ولقد مكر هؤلاء الكافرون مكرهم الشديد الذى اشتهروا ~~به، وفى علم الله - تعالى - مكرهم، وما كان مكرهم - مهما عظم واشتد - ~~لتنتقل منه الجبال من أماكنها، لأنه لم يتجاوز أمثالهم ممن دمرناهم ~~تدميرا. وعلى هذه القراءة يكون المقصود بهذه الجملة الكريمة، الاستخفاف ~~بهم وبمكرهم، وبيان أن ما يضمرونه من سوء ليس خافيا على الله - تعالى - ~~ولن يزلزل المؤمنين فى عقيدتهم، لأن إيمانهم كالجبال الرواسى فى ثباته ~~ورسوخه. وقرأ " السكائى " { لتزول } - بفتح اللام على أنها لام ~~الابتداء، ورفع الفعل بعدها - و " إن " مخففة من الثقيلة. فيكون المعنى ~~وقد مكروا مكرهم، وعند الله مكرهم، وإن مكرهم من الشدة بحيث تزول منه ~~الجبال وتنقلع من أماكنها، لو كان لها أن تزول أو تنقلع. وعلى هذه ~~القراءة يكون المراد بهذه الجملة الكريمة التعظيم والتهويل من شأن مكرهم، ~~وأنه أمر شنيع أو شديد فى بابه، كما فى قوله - تعالى - # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا. لقد جئتم شيئا ~~إدا. تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا.. # وقوله - سبحانه - { فلا تحسبن الله مخلف وعده ~~رسله... } تفريع على ما تقدم من قوله - تعالى - { ولا تحسبن ~~الله غافلا عما يعمل الظالمون.. } وتأكيد لتسلية ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولتثبيت يقينه. وقوله { مخلف } اسم فاعل ~~من الأخلاف، بمعنى عدم الوفاء بالوعد وهو مفعول ثان لتحسب والمراد بالوعد ~~هنا ما وعد الله - تعالى - به أنبياءه ورسله من نصره إياهم، ومن جعل ~~العاقبة لهم. قال - تعالى - # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد # وقال - تعالى - # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي ~~عزيز # والمعنى لقد وعدناك - أيها الرسول الكريم - بعذاب الظالمين، وأخبرناك ~~بجانب من العذاب الذى سيحل بهم يوم القيامة، وما دام الأمر كذلك فاثبت ~~على الحق أنت وأتباعك، وثق بأن الله - تعالى ms2936 - لن يخلف ما وعدك به من نصر ~~على أعدائك. # قال صاحب الكشاف فإن قلت هلا قيل مخلف رسله وعده، ولم قدم المفعول ~~الثانى لمخلف - وهو وعده - على المفعول الأول - وهو رسله -؟ قلت قدم ~~الوعد ليعلم أنه - سبحانه - لا يخلف الوعد أصلا، كقوله - تعالى - # إن الله لا يخلف الميعاد # ثم قال { رسله } ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحدا، وليس من شأنه إخلاف ~~المواعيد، فكيف يخلفه مع رسله الذين هم خيرته وصفوته من خلقه.. " ويرى ~~صاحب الانتصاف أن تقدم المفعول الثانى هنا، إنما هو للإيذان بالعناية ~~به، لأن الآية فى سياق الإنذار والتهديد للظالمين بما توعدهم الله - ~~تعالى - به على ألسنة رسله، فكان المهم فى هذه الحال تقديم ذكر الوعيد ~~على غيره. وقوله - سبحانه - { إن الله عزيز ذو انتقام } ~~تعليل للنهى عن الحسبان المذكور. والعزيز الغالب على كل شئ. أى إن الله - ~~تعالى - غالب على كل شئ، وذو انتقام شديد من أعدائه لأنهم تحت قدرته، وما ~~دام الأمر كذلك فإخلاف الوعد منتف فى حقه - تعالى -. ثم بين - سبحانه - ~~بعد ذلك بعض العلامات التى تدل على قرب قيام الساعة فقال - تعالى - { ~~يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا ~~لله الواحد القهار }. والظرف { يوم } متعلق بمحذوف تقديره ~~اذكر. وقوله { تبدل } من التبديل بمعنى التغيير، وهذا التغيير والتبديل ~~لهما قد يكون فى ذواتهما كما فى قوله - تعالى - # إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا ~~كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب.. # وقد يكون فى صفاتهما كقولك " بدلت الحلقة خاتما " وقد يكون فيهما معا ~~وقد ذكر الإمام ابن كثير جملة من الأحاديث عند تفسيره لهذه الآية الكريمة ~~فقال " وقال الإمام أحمد، حدثنا محمد بن عدى، عن داود، عن الشعبى، عن ~~مسروق، # " عن عائشة أنها قالت أنا أول الناس سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- عن هذه الآية { يوم تبدل الأرض.. } قالت قلت أين الناس ~~يومئذ يا رسول الله؟ قال على الصراط ". # وفى رواية # " أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لها لقد سألتنى عن ms2937 شئ ما سألنى عنه ~~أحد من أمتى، ذاك أن الناس - يومئذ يكونون - على جسر جهنم ". # والمعنى اذكر - أيها العاقل، لتتعظ وتعتبر يوم يتغير هذا العالم المعهود ~~بعالم آخر جديد، يأتى به الله - تعالى - على حسب إرادته ومشيئته ويوم ~~يخرج الخلائق جميعا من قبورهم ليستوفوا جزاءهم، وليجازوا على أعمالهم. # من الله - تعالى - الواحد الأحد، الذى قهر كل شئ وغلبه، ودانت له ~~الرقاب، وخضعت له الألباب. وختمت الآية الكريمة بهذين الوصفين لله - ~~تعالى - للرد على المشركين الذين جعلوا مع الله آلهة أخرى يشركونها معه ~~فى العبادة، ويتوهمون أن هذه الآلهة سوف تدافع عنهم يوم القيامة. ثم بين ~~- سبحانه - بعد ذلك ما سيحل بالمجرمين يوم القيامة من عذاب عنيف مهين ~~يناسب إجرامهم وكفرهم فقال { وترى المجرمين يومئذ ~~مقرنين في الأصفاد. سرابيلهم من قطران وتغشى ~~وجوههم النار } وقوله { مقرنين } جمع مقرن، وهو من جمع مع غيره ~~فى قرن ووثاق واحد يربطان به. والأصفاد جمع صفد - بفتح الفاء - وهو القيد ~~الذى يوضع فى الرجل، أو الغل - بضم الغين - الذى تضم به اليد والرجل إلى ~~العنق. والسرابيل جمع سربال وهو القميص. والقطران مادة حارة نتنة شديدة ~~الاشتعال تصلى بها جلود الإبل الجربى، ليزول الجرب منها. أى وترى - أيها ~~العاقل - المجرمين فى هذا اليوم العسير عليهم { مقرنين في ~~الأصفاد } أى قد قرن بعضهم مع بعض، وضم كل قرين إلى من يشبهه فى ~~الكفر وفى الفسوق وفى العصيان، وقد قيدوا جميعا بالأصفاد والقيود ~~والأغلال. قال - تعالى - # احشروا الذين ظلموا وأزواجهم.. # أى وأمثالهم من العصاة، فعابد الصنم يكون مع عابد الصنم، وشارب الخمر مع ~~شارب الخمر. ويصح أن يكون اقترانهم مع الشياطين كما قال - تعالى - # فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم ~~حول جهنم جثيا # هذا عن مشهد المجرمين وهم مقرنون فى الأصفاد، وهو مشهد مهين مذل ولكنه ~~ليس كافيا فى عقابهم، بل يضاف إليه أن ملابسهم من قطران، ليجتمع لهم ~~لذعته، وقبح لونه، ونتن ريحه، وسرعة اشتعاله، وفوق كل ذلك فإن وجوههم ~~تعلوها وتحيط بها النار التى تستعر بأجسادهم المسربلة ms2938 بالقطران. وخص - ~~سبحانه الوجوه بغشيان النار لها، لكونها أعز موضع فى البدن وأشرفه. وقوله ~~- سبحانه - { ليجزي الله كل نفس ما كسبت.. } متعلق ~~بمحذوف، والتقدير فعل ما فعل - سبحانه - من إثابة المؤمنين، ومعاقبة ~~المجرمين، ليجازى كل نفس بما تستحقه من خير أو شر، دون أن يظلم ربك أحدا. ~~وقوله { إن الله سريع الحساب } أى إنه - سبحانه - سريع ~~المحاسبة لعباده، لأنه لا يشغله شأن عن شأن، بل جميع الخلق بالنسبة ~~لقدرته كالنفس الواحدة. قال - تعالى - # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة... # ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله - تعالى - { هذا بلاغ ~~للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله ~~واحد وليذكر أولوا الألباب }. واسم الإشارة " هذا " ~~يعود إلى ما أنزله الله - تعالى - من قرآن فى هذه السورة وفى غيرها. # و { بلاغ } مصدر بمعنى التبليغ. والإنذار التخويف من سوء عاقبة ارتكاب ~~الشرور والآثام. والألباب جمع لب وهو الخالص من كل شئ، والمراد بها ~~العقول. أى هذا القرآن الكريم الذى أنزلناه عليك يا محمد، فيه التبليغ ~~الكافى لهداية الناس، وفيه ما يخوفهم من سوء عاقبة الكفر والفسوق ~~والعصيان، وفيه ما يجعلهم يعلمون عن طريق توجيهاته وهداياته ودلائله، أن ~~الله - تعالى - واحد لا شريك له، وفيه ما يجعل أصحاب العقول السليمة ~~يتعظون ويعتبرون، فيترتب على ذلك سعادتهم فى الدنيا والآخرة. وخص - ~~سبحانه - بالتذكر أولى الألباب، لأنهم هم الذين ينتفعون بهداية القرآن ~~الكريم، أما غيرهم فهم كالأنعام بل هم أضل. وقد رتب - سبحانه - فى هذه ~~الآية الكريمة، وسائل الدعوة إلى الحق ترتيبا عقليا حكيما، فبدأ بالصفة ~~العامة وهى التبليغ، ثم ثنى بما يعقب ذلك من إنذار وتخويف، ثم ثلث بما ~~ينشأ عنهما من العلم بوحدانية الله - تعالى - ثم ختم الثناء على أصحاب ~~العقول السليمة الذين ينتفعون بما يسمعون وبما يبصرون. قال الإمام ~~الرازى " هذه الآية دالة على أنه لا فضيلة للإنسان، ولا منقبة له، إلا ~~بسبب عقله، لأنه - تعالى - بين أنه إنما أنزل هذه الكتب، وإنما بعث ~~الرسل، لتذكير أولى الألباب.. ". ### | [15 - سورة الحجر] ### || [15.1-15] # سورة الحجر ms2939 من السور التى افتتحت ببعض حروف التهجى { الر }. وقد بينا - ~~بشئ من التفصيل - عند تفسيرنا لسورة البقرة، وآل عمران، والأعراف... آراء ~~العلماء فى هذه الحروف التى افتتحت بها بعض سور القرآن الكريم. وقلنا ما ~~خلاصته من العلماء من يرى أن المعنى المقصود منها غير معروف لأنها من ~~المتشابه الذى استأثر الله بعلمه... ومنهم من يرى أن المعنى المقصود منها ~~معلوم، وأنها ليست من المتشابه، بل هى أسماء للسور التى افتتحت بها... أو ~~هى حروف مقطعة بعضها من أسماء الله، وبعضها من صفاته... ثم قلنا ولعل ~~أقرب الآراء إلى الصواب أن يقال إن هذه الحروف المقطعة، قد وردت فى ~~افتتاح بعض السور للإشعار بأن هذا القرآن الذى تحدى الله به المشركين، ~~هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التى يعرفونها، ويقدرون على تأليف ~~الكلام منها، فإذا عجزوا عن الإتيان بسورة من مثله، فذلك لبلوغه فى ~~الفصاحة والحكمة مرتبة يقف فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها بمراحل. وفضلا عن ~~ذلك فإن تصدير بعض السور بمثل هذه الحروف المقطعة، يجذب أنظار المعرضين ~~عن استماع القرآن حين يتلى عليهم إلى الإنصات والتدبر، لأنه يطرق ~~أسماعهم فى أول التلاوة ألفاظ غير مألوفة فى مجارى كلامهم وذلك مما يلفت ~~أنظارهم ليتبينوا ما يراد منها، فيسمعوا حكما وهدايات قد تكون سببا فى ~~استجابتهم للحق، كما استجاب صالحو الجن الذين حكى الله - تعالى - عنهم ~~أنهم عندما استمعوا إلى القرآن قالوا # إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا ~~به ولن نشرك بربنآ أحدا.... # واسم الإشارة { تلك } يعود إلى الآيات التى تضمنتها هذه السورة، أو إلى ~~جميع الآيات القرآنية التى نزلت قبل ذلك. والمراد بالكتاب القرآن الكريم، ~~ولا يقدح فى هذا، ذكر لفظ القرآن بعده، لأنه - سبحانه - جمع له بين ~~الاسمين تفخيما لشأنه، وتعظيما لقدره. و { مبين } اسم فاعل من أبان ~~الذى هو بمعنى بان، مبالغة فى الوضوح والظهور. قال صاحب الصحاح يقال " ~~بان الشئ يبين بيانا، أى اتضح، فهو بين وكذا أبان الشئ فهو مبين... ". ~~والمعنى تلك - أيها الناس - آيات ms2940 بينات من الكتاب الكامل فى جنسه، ومن ~~القرآن العظيم الشأن، الواضح فى حكمه وأحكامه، المبين فى هدايته وإعجازه ~~فأقبلوا عليها بالحفظ لها، وبالعمل بتوجيهاتها، لتنالوا السعادة فى ~~دنياكم وآخرتكم. قال الآلوسى " وفى جمع وصفى الكتابية والقرآنية من تفخيم ~~شأن القرآن ما فيه، حيث أشير بالأول إلى اشتماله على صفات كمال جنس الكتب ~~الإلهية فكأنه كلها، وبالثانى إلى كونه ممتازا عن غيره، نسيجا وحده، ~~بديعا فى بابه، خارجا عن دائرة البيان، قرآنا غير ذى عوج. # . ". ثم بين - سبحانه - أن الكافرين سيندمون بسبب كفرهم فى وقت لا ينفع ~~فيه الندم، فقال - تعالى - { ربما يود الذين كفروا لو ~~كانوا مسلمين }. قال الشوكانى ما ملخصه قرأ نافع وعاصم بتخفيف ~~الباء من { ربما } ، وقرأ الباقون بتشديدها.. وأصلها أن تستعمل فى القليل ~~وقد تستعمل فى الكثير. قال الكوفيون أى يود الكفار فى أوقات كثيرة لو ~~كانوا مسلمين. وقيل " هى هنا للتقليل، لأنهم ودوا ذلك فى بعض المواضع لا ~~فى كلها لشغلهم بالعذاب.... ". وقد حاول بعض المفسرين الجمع بين القولين ~~فقال من قال بأن { ربما } هنا للتكثير نظر إلى كثرة تمنيهم أن لو كانوا ~~مؤمنين، ومن قال بأنها للتقليل نظر إلى قلة زمان إفاقتهم من العذاب ~~بالنسبة إلى زمان دهشتهم منه، وهذا لا ينافى أن التمنى يقع كثيرا منهم ~~فى زمن إفاقتهم القليل، فلا تخالف بين القولين. والمعنى ود الذين كفروا ~~عندما تنكشف لهم الحقائق، فيعرفون أنهم على الباطل، وأن المؤمنين على ~~الحق، أن لو كانوا مسلمين، حتى ينجوا من الخزى والعقاب. ودخلت { رب } هنا ~~على الفعل المضارع { يود } مع اختصاصها بالدخول على الفعل الماضى، ~~للإشارة إلى أن أخبار الله - تعالى - بمنزلة الواقع المحقق سواء أكانت ~~للمستقبل أم لغيره. قال صاحب الكشاف " فإن قلت لم دخلت على المضارع وقد ~~أبوا دخولها إلا على الماضى؟ قلت لأن المترقب فى أخبار الله - تعالى - ~~بمنزلة الماضى المقطوع به فى تحققه، فكأنه قيل " ربما ود الذين كفروا.. " ~~". و { لو } فى قوله { لو كانوا مسلمين } يصح أن تكون ~~امتناعية، وجوابها محذوف، والتقدير ms2941 لو كانوا مسلمين لسروا بذلك. ويصح أن ~~تكون مصدرية، والتقدير ود الذين كفروا كونهم مسلمين. وعلى كلا المعنيين ~~فهى مستعملة فى التمنى الذى هو طلب حصول الأمر الممتنع الحصول. وقال - ~~سبحانه - { لو كانوا... } بفعل الكون الماضى، للإشعار بأنهم يودون ~~الدخول فى الإسلام، بعد مضى وقت التمكن من الدخول فيه. وعبر - سبحانه - ~~عن متمناهم بالغيبة { كانوا } ، نظرا لأن الكلام مسوق بصدد الإخبار ~~عنهم، وليس بصدد الصدور منهم، ولو كان كذلك لقيل لو كنا مسلمين. هذا، ~~وللمفسرين أقوال فى الوقت الذى ود فيه الكافرون أن لو كانوا مسلمين، ~~فمنهم من يرى أن ودادتهم هذه تكون فى الدنيا، ومنهم من يرى أنها تكون عند ~~الموت، ومنهم من يرى أنها تكون عند الحساب، وعند عفو الله عن عصاة ~~المؤمنين. والحق أن هذه الودادة تكون فى كل موطن يعرف فيه الكافرون بطلان ~~كفرهم، وفى كل وقت ينكشف لهم فيه أن الإسلام هو الدين الحق. فهم تمنوا ~~أن لو كانوا مسلمين فى الدنيا، عندما رأوا نصر الله لعباده المؤمنين، فى ~~غزوة بدر وفى غزوة الفتح وفى غيرهما، فعن ابن مسعود - رضى الله عنه - " ~~ود كفار قريش ذلك يوم بدر حين رأوا نصر الله للمسلمين ". # وهم تمنوا ذلك عند الموت كما حكى عنهم - سبحانه - ذلك فى آيات كثيرة ~~منها قوله - تعالى - # حتى إذا جآء أحدهم الموت قال رب ارجعون ~~لعلي أعمل صالحا فيما تركت... # وهم يتمنون ذلك عندما يعرضون على النار يوم القيامة. قال - تعالى - # ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يليتنا ~~نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من ~~المؤمنين # وهم يتمنون ذلك عندما يرون عصاة المؤمنين، وقد أخرجهم الله - تعالى ~~برحمته من النار. وقد ذكر الإمام ابن كثير هنا جملة من الأحاديث الدالة ~~على ذلك منها ما أخرجه الطبرانى عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " إن ناسا من أهل " لا إله إلا الله " يدخلون النار بذنوبهم، فيقول لهم ~~أهل اللات والعزى ما أغنى عنكم قولكم " لا إله إلا الله ms2942 " وأنتم معنا فى ~~النار؟ قال فيغضب الله لهم، فيخرجهم، فيلقيهم فى نهر الحياة فيبرأون من ~~حرقهم كما يبرأ القمر من خسوفه، فيدخلون الجنة. ويسمون فيها الجهنميين ". # فقال رجل يا أنس، أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال ~~أنس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " # نعم، أنا سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول هذا. قال بعض العلماء ~~وأقوال العلماء فى هذا الآية راجعة إلى شئ واحد، لأن من يقول إن الكافر ~~إذا احتضر تمنى أن لو كان مسلما، ومن يقول إنه إذا عاين النار تمنى أن ~~لو كان مسلما.. كل ذلك راجع إلى أن الكفار إذا عاينوا الحقيقية ندموا ~~على الكفر وتمنوا أنهم لو كانوا مسلمين. وفى هذه الآية ما فيها من تثبيت ~~المؤمنين، ومن تبشيرهم بأنه على الحق، ومن حض للكافرين على الدخول فى ~~الإسلام قبل فوات الأوان، ومن تحذير لهم من سوء عاقبة الكفر والطغيان. ~~ثم أمر - سبحانه - الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يذرهم فى طغيانهم ~~يعمهون، بعد أن ثبت أنهم قوم لا ينفع فيهم إنذار فقال - تعالى - { ~~ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف ~~يعلمون }. وذر فعل أمر بمعنى اترك، ومضارعه يذر، ولا يستعمل له ماض ~~إلا فى النادر، ومن هذا النادر ما جاء فى الحديث الشريف # " ذروا الحبشة ما وذرتكم ". # و { يتمتعوا } من المتاع بمعنى الانتفاع بالشئ بتلذذ وعدم نظر إلى ~~العواقب. { ويلههم } من الانشغال عن الشئ ونسيانه، يقال فلان ألهاه كذا ~~عن أداء واجبه، أى شغله. # والأمل الرغبة فى الحصول على الشئ، وأكثر ما يستعمل فيما يستبعد حصوله. ~~والمعنى اترك - أيها الرسول الكريم - هؤلاء الكافرين، وخلهم وشأنهم، ~~ليأكلوا كما تأكل الأنعام، وليتمتعوا بدنياهم كما يشاءون، وليشغلهم أملهم ~~الكاذب عن اتباعك، فسوف يعلمون سوء عاقبة صنيعهم فى العاجل أو الآجل. قال ~~صاحب الكشاف وقوله { ذرهم } يعنى اقطع طمعك من ارعوائهم، ودعهم من النهى ~~عما هم عليه، والصد عنه بالتذكرة والنصيحة، واتركهم { يأكلوا ms2943 ويتمتعوا } ~~بدنياهم، وتنفيذ شهواتهم ويشغلهم أملهم وتوقعهم لطول الأعمار واستقامة ~~الأحوال وألا يلقوا فى العاقبة إلا خيرا فسوف يعلمون سوء صنيعهم. وإنما ~~أمره - سبحانه - بذلك، لعدم الرجاء فى صلاحهم، بعد أن مكث فيهم الرسول ~~صلى الله عليه وسلم زمنا طويلا، يدعوهم إلى الحق، بأساليب حكيمة. وفى ~~تقديم الأكل على غيره، إيذان بأن تمتعهم إنما هو من قبيل تمتع البهائم ~~بالمآكل والمشارب. قال - تعالى - # ...والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل ~~الأنعام والنار مثوى لهم # كما أن فيه تعييرا لهم بما تعارفوا عليه من أن الاقتصار فى الحياة على ~~إشباع اللذات الجسدية، دون التفات إلى غيرها من مكارم الأخلاق، يدل على ~~سقوط الهمة، وبلادة الطبع. قال الخطيئة يهجو الزبرقان بن عمرو # دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسى # أى واقعد عن طلب المكارم والمعالى فإنك أنت المطعوم المكسو من جهة غيرك. ~~والفعل { يأكلوا } وما عطف عليه مجزوم فى جواب الأمر { ذرهم } ، وبعضهم ~~يجعله مجزوم بلام الأمر المحذوفة، الدالة على التوعد والتهديد، ولا ~~يستحسن جعله مجزوما فى جواب الأمر، لأنهم يأكلون ويتمتعون سواء أترك ~~الرسول صلى الله عليه وسلم دعوتهم أم دعاهم. والفاء فى قوله - سبحانه - { ~~فسوف يعلمون } للتفريع الدال على الزجر والإنذار. والاستجابة للحق قبل ~~فوات الأوان. أى ذرهم فيما هم فيه من حياة حيوانية، لا تفكر فيها ولا ~~تدبر، ومن آمال خادعة براقة شغلتهم عن حقائق الأمور، فسوف يعلمون سوء ~~عاقبة ذلك وسوف يرون ما يحزنهم ويشقيهم ويبكيهم طويلا بعد أن ضحكوا ~~قليلا... وفى ذلك إشارة إلى أن لإمهالهم أجلا معينا ينقضى عنده، ثم ~~يأتيهم العذاب الأليم. قال الآلوسى - رحمه الله - وفى هذه الآية إشارة ~~إلى أن التلذذ والتنعم، وعدم الاستعداد للآخرة، والتأهب لها، ليس من ~~أخلاق من يطلب النجاة. وجاء عن الحسن ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل. ~~وأخرج أحمد فى الزهد، والطبرانى فى الأوسط، والبيهقى فى شعب الإيمان عن ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - لا أعلمه إلا رفعه - قال " صلاح أول هذه ~~الأمة ms2944 بالزهد واليقين، ويهلك آخرها بالبخل وطول الأمل ". وفى بعض الآثار ~~عن على - كرم الله وجهه - " إنما أخشى عليكم اثنين طول الأمل، واتباع ~~الهوى، فإن طول الأمل ينسى الآخرة، واتباع الهوى يصد عن الحق ". # هذا، وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم ~~الذي يوعدون # وقوله - تعالى - # فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون # وقوله - تعالى - # قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار # ثم قرر - سبحانه - أن هلاك الأمم الظالمة، موقوف بوقت محدد فى علمه، وأن ~~سنته فى ذلك ماضية لا تتخلف، فقال - تعالى - { ومآ أهلكنا من ~~قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة ~~أجلها وما يستأخرون }. و { من } فى قوله { من قرية } و { من ~~أمة } للتأكيد. والمراد بالقرية أهلها. والمراد بالكتاب المعلوم الوقت ~~المحدد فى علم الله - تعالى - لهلاكها، شبه بالكتاب لكونه لا يقبل ~~الزيادة أو النقص. والأجل مدة الشئ. أى وما أهلكنا من قرية من القرى ~~الظالم أهلها، إلا ولهلاكها وقت محدد فى علمنا المحيط بكل شئ، ومحال أن ~~تسبق أمة من الأمم أجلها المقدر لها أو تتأخر عنه. قال ابن جرير - رحمه ~~الله - عند تفسيره لهاتين الآيتين ما ملخصه " يقول - تعالى - ذكره - { ~~وما أهلكنا } يا محمد { من } أهل { قرية } من القرى التى أهلكنا أهلها ~~فيما مضى { إلا ولها كتاب معلوم } أى أجل مؤقت ومدة ~~معروفة، لا نهلكهم حتى يبلغوها، فإذا بلغوها أهلكناهم عند ذلك.. دون أن ~~يتقدم هلاكهم عن ذلك أو يتأخر ". وجملة { إلا ولها كتاب ~~معلوم } فى محل نصب على الحال من قرية، وصح ذلك لأن كلمة قرية وإن ~~كانت نكرة، إلا أن وقوعها فى سياق النفى سوغ مجىء الحال منها. أى ما ~~أهلكناها فى حال من الأحوال، إلا فى حال بلوغها نهاية المدة المقدرة ~~لبقائها دون تقديم أو تأخير. قال - تعالى - # ولكل أمة أجل فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ~~ساعة ولا يستقدمون # وجملة { ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون } ~~بيان لجملة { إلا ولها كتاب معلوم } لتأكيد التحديد، فى ~~بدئه وفى نهايته. ms2945 وحذف متعلق { يستأخرون } للعلم به، أى وما يستأخرون ~~عنه. والآيتان الكريمتان تدلان بوضوح، على أن إمهال الظالمين ليس معناه ~~ترك عقابهم، وإنما هو رحمة من الله بهم لعلهم أن يثوبوا إلى رشدهم، ~~ويسلكوا الطريق القويم... فإذا ما لجوا فى طغيانهم، حل بهم عقاب الله - ~~تعالى - فى الوقت المحدد فى علمه - سبحانه -. قال صاحب الظلال ولقد يقال ~~إن أمما لا تؤمن ولا تحسن ولا تصلح ولا تعدل. وهى مع ذلك قوية ثرية ~~باقية، وهذا وهم. فلا بد من بقية من خير فى هذه الأمم، ولو كان هو خير ~~العمارة للأرض، وخير العدل فى حدوده الضيقة بين أبنائها، وخير الإصلاح ~~المادى والإحسان المحدود بحدودها. # فعلى هذه البقية من الخير تعيش حتى تستنفدها، فلا تبقى فيها من الخير ~~بقية ثم تنتهى حتما إلى المصير المعلوم. إن سنة الله لا تتخلف. ولكل أمة ~~أجل معلوم. ثم حكى - سبحانه - سوء أدب هؤلاء الكافرين مع رسولهم صلى الله ~~عليه وسلم فقال - تعالى - { وقالوا يأيها الذي نزل ~~عليه الذكر إنك لمجنون لو ما تأتينا ~~بالملائكة إن كنت من الصادقين } والقائلون هم بعض مشركى ~~قريش. قال مقاتل نزلت الآيتان فى عبد الله بن أمية، والنضر بن الحارث، ~~ونوفل بن خويلد، والوليد بن المغيرة. والمراد بالذكر القرآن الكريم. قال ~~- تعالى - # وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون # و { مجنون } اسم مفعول من الجنون، وهو فساد العقل. و { لوما } حرف تحضيض ~~مركب من لو المفيدة للتمنى، ومن ما الزائدة فأفاد المجموع الحث على ~~الفعل. والمعنى وقال الكافرون لرسولهم صلى الله عليه وسلم على سبيل ~~الاستهزاء والتهكم { يأيها } المدعى بأن الوحى ينزل عليك بهذا القرآن ~~الذى تتلوه علينا، { إنك لمجنون } بسبب هذه الدعوى التى تدعيها. وبسبب ~~طلبك منا اتباعك وتركنا ما وجدنا عليه آباءنا... هلا إن كنت صادقا فى ~~دعواك، أن تحضر معك الملائكة، ليخبرونا بأنك على حق فيما تدعيه، وبأنك من ~~الصادقين فى تبليغك عن الله - تعالى - ما أمرك بتبليغه؟ وأكدوا الحكم على ~~الجنون بإن واللام، لقصدهم تحقيق ذلك فى ms2946 نفوس السامعين ممن هم على ~~شاكلتهم فى الكفر والضلال، حتى ينصرفوا عن الاستماع إليه صلى الله عليه ~~وسلم. قال الآلوسى يعنون يا من يدعى مثل هذا الأمر العظيم، الخارق للعادة ~~إنك بسبب تلك الدعوى تحقق جنونك على أتم وجه. وهذا كما يقول الرجل لمن ~~يسمع منه كلاما يستبعده، أنت مجنون. فأنت ترى أن الآيتين الكريمتين قد ~~حكتا ألوانا من سوء أدبهم، منها مخاطبتهم له صلى الله عليه وسلم بهذا ~~الأسلوب الدال على التهكم والاستخفاف، حيث قالوا { يأيها الذي ~~نزل عليه الذكر } ، مع أنهم لا يقرون بنزول شئ عليه. ووصفهم ~~له بالجنون، وهو صلى الله عليه وسلم أرجح الناس عقلا، وأفضلهم فكرا.. ~~وشكهم فى صدقه، حيث طلبوا منه - على سبيل التعنت - أن يحضر معه الملائكة ~~ليعاضدوه فى دعواه كما قال تعالى فى آيات أخرى منها قوله - تعالى - # وقال الذين لا يرجون لقآءنا لولا أنزل علينا ~~الملائكة أو نرى ربنا... # وقوله - تعالى - # ...لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا # وقد رد الله - تعالى - عليهم بما يكبتهم ويخرس ألسنتهم فقال { ما ~~ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا ~~منظرين }. وقرأ الجمهور { ما تنزل } - بفتح التاء والزاى على أن ~~أصله تتنزل - ورفع الملائكة على الفاعلية. # وقرأ أبو بكر عن عاصم { ما تنزل } - بضم التاء وفتح الزاى على البناء ~~للمجهول - ورفع الملائكة على أنه نائب فاعل. وقرأ الكسائى وحفص عن عاصم { ~~ما ننزل } - بنون فى أوله وكسر الزاى - ونصب الملائكة على المفعولية ~~والباء فى قوله { إلا بالحق } للملابسة. أى ما ننزل الملائكة إلا تنزيلا ~~ملتبسا بالحق، أى بالوجه الذى تقتضيه حكمتنا وجرت به سنتنا، كأن ننزلهم ~~لإهلاك الظالمين، أو لتبليغ وحينا إلى رسلنا، أو لغير ذلك من التكاليف ~~التى نريدها ونقدرها، والتى ليس منها ما اقترحه المشركون على رسولنا صلى ~~الله عليه وسلم من قولهم { لو ما تأتينا بالملائكة إن ~~كنت من الصادقين } ، ولذا اقتضت حكمتنا ورحمتنا عدم إجابة ~~مقترحاتهم. وقوله { وما كانوا إذا منظرين } بيان لما سيحل ~~بهم فيما لو أجاب الله - تعالى - مقترحاتهم. ms2947 و { إذا } حرف جواب وجزاء. و ~~{ منظرين } من الإنظار بمعنى التأخير والتأجيل. وهذه الجملة جواب لجملة ~~شرطية محذوفة، تفهم من سياق الكلام، والتقدير ولو أنزل - سبحانه - ~~الملائكة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وبقى هؤلاء المشركون على شركهم ~~مع ذلك، لعوجلوا بالعقوبة المدمرة لهم، وما كانوا إذا ممهلين أو مؤخرين، ~~بل يأخذهم العذاب بغتة. قال الإمام الشوكانى " قوله { وما كانوا ~~إذا منظرين } فى الكلام حذف. والتقدير ولو أنزلنا الملائكة ~~لعوجلوا بالعقوبة، وما كانوا إذا منظرين. فالجملة المذكورة جزاء للجملة ~~الشرطية المحذوفة ". وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا ~~لقضي الأمر ثم لا ينظرون # ثم بين - سبحانه - أنه قد تكفل بحفظ هذا القرآن الذى سبق للكافرين أن ~~استهزءوا به، وبمن نزل عليه فقال - تعالى - { إنا نحن نزلنا ~~الذكر وإنا له لحافظون }. أى إنا نحن بقدرتنا وعظم شأننا ~~نزلنا هذا القرآن الذى أنكرتموه على قلب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم { ~~وإنا } لهذا القرآن { لحافظون } من كل ما يقدح فيه، كالتحريف والتبديل، ~~والزيادة والنقصان والتناقض والاختلاف، ولحافظون له بالإعجاز، فلا يقدر ~~أحد على معارضته أو على الإتيان بسورة من مثله، ولحافظون له بقيام طائفة ~~من أبناء هذه الأمة الإسلامية باستظهاره وحفظه والذب عنه إلى أن يرث ~~الله الأرض ومن عليها. قال صاحب الكشاف " قوله { إنا نحن ~~نزلنا الذكر } رد لانكارهم واستهزائهم فى قولهم { يأيها ~~الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون } ، ولذلك قال ~~إنا نحن، فأكد عليهم أنه هو المنزل على القطع والبتات، وأنه هو الذى بعث ~~به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم ومن بين يديه ومن خلفه رصد حتى نزل ~~وبلغ محفوظا من الشياطين، وهو حافظه فى كل وقت من كل زيادة ونقصان. # .. ". وقال الآلوسى ما ملخصه " ولا يخفى ما فى سبك الجملتين - { إنا ~~نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } من الدلالة ~~على كمال الكبرياء والجلالة، وعلى فخامة شأن التنزيل، وقد اشتملتا على ~~عدة من وجوه التأكيد. و { نحن } ليس ضمير فصل لأنه لم ms2948 يقع بين اسمين، ~~وإنما هو إما مبتدأ أو توكيد لاسم إن. والضمير فى { له } للقرآن كما هو ~~الظاهر، وقيل هو للنبى صلى الله عليه وسلم... ". هذا ونحن ننظر فى هذه ~~الآية الكريمة، من وراء القرون الطويلة منذ نزولها فنرى أن الله - تعالى ~~- قد حقق وعده فى حفظ كتابه، ومن مظاهر ذلك 1- أن ما أصاب المسلمين من ~~ضعف ومن فتن، ومن هزائم، وعجزوا معها عن حفظ أنفسهم وأموالهم وأعراضهم.. ~~هذا الذى أصابهم فى مختلف الأزمنة والأمكنة، لم يكن له أى اثر على قداسة ~~القرآن الكريم، وعلى صيانته من أى تحريف. ومن أسباب هذه الصيانة أن الله ~~- تعالى - قيض له فى كل زمان ومكان، من أبناء هذه الأمة، من حفظه عن ظهر ~~قلب، فاستقر بين الأمة بمسمع من النبى صلى الله عليه وسلم، وصار حفاظه ~~بالغين عدد التواتر فى كل مصر وفى كل عصر. قال الفخر الرازى فإن قيل ~~فلماذا اشتغل الصحابة بجمع القرآن فى المصحف، وقد وعد الله بحفظه، وما ~~حفظه الله فلا خوف عليه؟ فالجواب أن جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله ~~- تعالى - إياه، فإنه - سبحانه - لما أن حفظه قيضهم لذلك..... 2- أن ~~أعداء هذا الدين - سواء أكانوا من الفرق الضالة المنتسبة للإسلام أم من ~~غيرهم - امتدت أيديهم الأثيمة إلى أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم ~~فأدخلوا فيها ما ليس منها... وبذل العلماء العدول الضابطون ما بذلوا من ~~جهود لتنقية السنة النبوية مما فعله هؤلاء الأعداء.. ولكن هؤلاء الأعداء، ~~لم يقدروا على شئ واحد، وهو إحداث شئ فى هذا القرآن، مع أنهم وأشباههم فى ~~الضلال، قد أحدثوا ما أحدثوا فى الكتب السماوية السابقة.. قال بعض ~~العلماء. سئل القاضى إسماعيل البصرى عن السر فى تطرق التغيير للكتب ~~السالفة، وسلامة القرآن من ذلك فأجاب بقوله إن الله أوكل للأحبار حفظ ~~كتبهم فقال # بما استحفظوا من كتاب الله # وتولى - سبحانه - حفظ القرآن بذاته فقال { إنا نحن نزلنا ~~الذكر وإنا له لحافظون }. وقد ذكر الإمام القرطبى ما ~~يشبه ذلك نقلا عن سفيان بن عيينه ms2949 فى قصة طويلة. والخلاصة، أن سلامة ~~القرآن من أى تحريف - رغم حرص الأعداء على تحريفه ورغم ما أصاب المسلمين ~~من أحداث جسام، ورغم تطاول القرون والدهور - دليل ساطع على أن هناك قوة ~~خارقة - خارجة عن قوة البشر - قد تولت حفظ هذا القرآن، وهذه القوة هى قوة ~~الله - عز وجل - ولا يمارى فى ذلك إلا الجاحد الجهول. # .. ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك من الآيات ما فيه تعزية وتسلية للرسول صلى ~~الله عليه وسلم عما أصابه من سفهاء قومه، فأخبره بأن ما أصابه منهم يشبه ~~ما فعله المكذبون السابقون مع رسلهم، فقال - تعالى - { ولقد ~~أرسلنا من قبلك في شيع الأولين وما يأتيهم من ~~رسول إلا كانوا به يستهزئون كذلك نسلكه في ~~قلوب المجرمين لا يؤمنون به وقد خلت سنة ~~الأولين }. قال الجمل " لما أساءوا فى الأدب، وخاطبوه صلى الله عليه ~~وسلم خطاب السفاهة، حيث قالوا له { إنك لمجنون } ، سلاه الله فقال له إن ~~عادة الجهال مع جميع الأنبياء كانت هكذا، وكانوا يصبرون على أذى الجهال. ~~ويستمرون على الدعوة والإنذار، فاقتد أنت بهم فى ذلك... ". والشيع جمع ~~شيعة وهى الطائفة من الناس المتفقة على طريقة ومذهب واحد، من شاعه إذا ~~تبعه، وأصله - كما يقول القرطبى - مأخوذ من الشياع وهو الحطب الصغار توقد ~~به الكبار. والمعنى ولقد أرسلنا من قبلك - أيها الرسول الكريم - رسلا ~~كثيرين، فى طوائف الأمم الأولين، فدعا الرسل أقوامهم إلى ما دعوت إليه ~~أنت قومك من وجوب إخلاص العبادة لله - تعالى -، فما كان من أولئك ~~المدعوين السابقين إلا إن قابلت كل فرقة منهم رسولها بالسخرية ~~والاستهزاء، كما قابلك سفهاء قومك. وذلك لأن المكذبين فى كل زمان ومكان ~~يتشابهون فى الطباع الذميمة، وفى الأخلاق القبيحة كمال قال - تعالى - # كذلك مآ أتى الذين من قبلهم من رسول إلا ~~قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم ~~طاغون # والجار والمجرور { من قبلك } متعلق بأرسلنا، أو بمحذوف وقع نعتا لمفعوله ~~المحذوف. أى ولقد أرسلنا رسلا كائنة من قبلك. وإضافة الشيع إلى الأولين ~~من إضافة ms2950 الموصوف إلى صفته عند بعض النحاة، أو من حذف الموصوف عند البعض ~~الآخر، أى شيع الأمم الأولين. وعبر بقوله - سبحانه - { إلا كانوا ~~به يستهزئون } للإشعار بأن الاستهزاء بالرسل كان طبيعة فيهم - ~~كما يومئ إليه لفظ كان، وأنه متكرر منهم - كما يفيده التعبير بالفعل ~~المضارع - والكاف فى قوله { كذلك نسلكه.. } للتشبيه، واسم الإشارة { ذلك ~~} يعود إلى السلك المأخوذ من نسلكه. والسلك مصدر سلك - من باب نصر - وهو ~~إدخال الشئ فى الشئ، كإدخال الخيط فى المخيط. والضمير المنصوب فى { نسلكه ~~} يعود إلى القرآن الكريم الذى سبق الحديث عنه. والمراد بالمجرمين فى ~~قوله { في قلوب المجرمين } مشركو قريش ومن لف لفهم. والمعنى ~~كما سلكنا كتب الرسل السابقين فى قلوب أولئك المستهزئين نسلك القرآن فى ~~قلوب هؤلاء المجرمين من قومك يا محمد، بأن نجعلهم يسمعونه ويفهمونه ~~ويدركون خصائصه دون أن يستقر فى قلوبهم استقرار تصديق وإذعان لاستيلاء ~~الجحود والعناد والحسد عليهم. # وقوله { لا يؤمنون به } بيان للسلك المشبه به، أو حال من ~~المجرمين. أى أدخلنا القرآن فى قلوبهم ففهموه، ولكنهم لا يؤمنون به ~~عنادا وجحودا. وعلى هذا التفسير يكون الضمير فى { نسلكه } وفى { به } ~~يعودان إلى القرآن الكريم، الذى سبق الحديث عنه فى قوله - تعالى - { ~~إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون }. ومن ~~المفسرين الذين ذكروا هذا الوجه ولم يذكروا سواه صاحب الكشاف، فقد قال " ~~والضمير فى قوله { نسلكه } ، للذكر أى مثل ذلك السلك ونحوه نسلك الذكر { ~~في قلوب المجرمين } على معنى أن يلقيه فى قلوبهم مكذبا ~~مستهزئا به غير مقبول، كما لو أنزلت بلئيم حاجة فلم يجبك إليها فقلت ~~كذلك أنزلها باللئام تعنى مثل هذا الإنزال أنزلها بهم مردودة غير مقضية. ~~ومحل قوله { لا يؤمنون به } النصب على الحال، أى غير مؤمن به. أو ~~هو بيان لقوله { كذلك نسلكه.. }. وقد زكى هذا الوجه صاحب الانتصاف فقال ~~والمراد - والله أعلم - إقامة الحجة على المكذبين، بأن الله - تعالى - ~~سلك القرآن فى قلوبهم، وأدخله فى سويدائها، كما سلك ذلك فى قلوب المؤمنين ~~المصدقين، فكذب به هؤلاء، ms2951 وصدق به هؤلاء، كل على علم وفهم # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة... # ولئلا يكون للكفار حجة بأنهم ما فهموا وجوه الإعجاز كما فهمها من ~~آمن... ". ويرى بعض المفسرين - كالإمام ابن جرير - أن الضمير فى نسلكه ~~يعود إلى الكفر الذى سلكه الله فى قلوب المكذبين السابقين، أما الضمير فى ~~{ به } فيعود إلى القرآن الكريم، فقد قال قوله - تعالى - { كذلك ~~نسلكه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به... } يعنى ~~كما سلكنا الكفر فى قلوب شيع الأولين بالاستهزاء بالرسل، كذلك نفعل ذلك ~~فى قلوب مشركى قومك الذين أجرموا بسبب الكفر بالله. { لا يؤمنون ~~به } يقول لا يصدقون بالذكر الذى أنزل إليك. ومع أن هذا التفسير الذى ~~ارتضاه شيخ المفسرين ابن جرير له وجاهته، إلا أننا نميل إلى التفسير ~~الأول الذى ارتضاه صاحب الكشاف، لأنه هو المتبادر من معنى الآية، ومن ~~المفسرين الذين رجحوا ذلك الفخر الرازى، فقد قال - رحمه الله - خلال كلام ~~طويل ما ملخصه " التأويل الصحيح أن الضمير فى قوله - تعالى - { كذلك ~~نسلكه } عائد إلى الذكر، الذى هو القرآن، فإنه - تعالى - قال قبل هذه ~~الآية { إنا نحن نزلنا الذكر } وقال بعده { كذلك نسلكه } ~~أى هكذا نسلك القرآن فى قلوب المجرمين. # والمراد من هذا السلك، هو أنه - تعالى - يسمعهم هذا القرآن، ويخلق فى ~~قلوبهم حفظه والعلم بمعانيه. إلا أنهم مع هذه الأحوال لا يؤمنون به ~~عنادا وجهلا.. ويدل على صحة هذا التأويل، أن الضمير فى قوله { لا ~~يؤمنون به } عائد على القرآن بالإجماع، فوجب أن يكون الضمير فى { ~~نسلكه } عائدا إليه - أيضا - لأنهما ضميران متعاقبان فيجب عودهما إلى ~~شئ واحد.... وقوله - سبحانه - { وقد خلت سنة الأولين } ~~تهديد لهؤلاء المكذبين من كفار مكة ومن سار على شاكلتهم، وتكملة للتسلية ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم. أى وقد مضت سنة الله التى لا تتخلف ~~وطريقته المألوفة بأن ينزل عذابه بالمجرمين، كما أنزله بالأمم الماضية، ~~بسبب تكذيبها لرسلها، واستهزائها بهم فلا تحزن - أيها الرسول الكريم - ~~لما أصابك من سفهاء قومك فسننصرك عليهم. ms2952 وأضاف - سبحانه - السنة إلى ~~الأولين، باعتبار تعلقها بهم، وإنما هى سنة الله فيهم لأنها المقصود هنا، ~~والإضافة لأدنى ملابسة. ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة برسم صورة ~~عجيبة لعناد هؤلاء المكذبين ولجحودهم للحق بعدما تبين فقال { ولو ~~فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه ~~يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن ~~قوم مسحورون }. وقوله - سبحانه - { ولو فتحنا عليهم ~~بابا من السماء.. } معطوف على قوله { لا يؤمنون به.. } ~~لإبطال معاذيرهم، ولبيان أن سبب عدم إيمانهم هو الجحود والعناد، وليس ~~نقصان الدليل والبرهان على صحة ما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم. قال ~~الإمام الرازى. وقوله - تعالى - { فظلوا فيه يعرجون } يقال ~~ظل فلان نهاره يفعل كذا، إذا فعله بالنهار، ولا تقول العرب ظل يظل إلا ~~لكل عمل بالنهار، كما لا يقولون بات يبيت إلا بالليل، والمصدر الظلول. ~~ويعرجون من العروج، وهو الذهاب فى صعود، وفعله من باب دخل، يقال عرج فلان ~~إلى الجبل يعرج إذا صعد، ومنه المعراج والمعارج أى المصاعد. وقوله { سكرت ~~} من السكر - بفتح السين المشددة وسكون الكاف - بمعنى السد والحبس ~~والمنع، يقال سكرت الباب أسكره سكرا، إذا سددته، والتشديد فى { سكرت ~~} للمبالغة، وهو قراءة الجمهور. وقرأ ابن كثير { سكرت } ، بكسر الكاف ~~بدون تشديد. وقوله { مسحورون } اسم مفعول من السحر، بمعنى الخداع ~~والتخييل والصرف عن الشئ إلى غيره. والمعنى أن هؤلاء المشركين بلغ بهم ~~الغلو فى الكفر والعناد، أننا لو فتحنا لهم بابا من أبواب السماء، ~~ومكناهم من الصعود إليه، فظلوا فى ذلك الباب يصعدون، ويطلعون على ملكوت ~~السماوات وما فيها من الملائكة والعجائب لقالوا بعد هذا التمكين والاطلاع ~~- لفرط عنادهم وجحودهم - إنما أبصارنا منعت من الإبصار، وما نراه ما هو ~~إلا لون من الخداع والتخييل والصرف عن إدراك الحقائق بسبب سحر محمد صلى ~~الله عليه وسلم لنا وعلى هذا التفسير الذى سار عليه جمهور المفسرين، يكون ~~الضمير فى قوله { فظلوا } يعود إلى هؤلاء المشركين المعاندين. # وقيل الضمير للملائكة، فيكون المعنى فظل الملائكة فى هذا الباب يعرجون، ~~والكفار يشاهدونهم ms2953 وينظرون إليهم، فقالوا - أى الكفار - بعد كل ذلك، { ~~إنما سكرت أبصارنا.. }. وعلى كلا الرأيين فالآية الكريمة ~~تصور أكمل تصوير، مكابرة الكافرين وعنادهم المزرى. وعبر - سبحانه - بقوله ~~{ فظلوا.. } ليدل على أن عروجهم كان فى وضح النهار، بحيث لا يخفى عليهم ~~شئ مما يشاهدونه. وجمعوا فى قولهم بين أداة الحصر { إنما } وبين أداة ~~الإضراب { بل } للدلالة على البت بأن ما يرونه لا حقيقة له، بل هو باطل، ~~وما يرونه ما هو إلا من تخيلات المسحور. وقالوا { بل نحن قوم ~~مسحورون } ولم يقولوا بل نحن مسحورون، للإشعار بأن السحر قد تمكن ~~منهم جميعا، ولم يخص بعضا منهم دون بعض. قال الشوكانى " وفى هذا البيان ~~لعنادهم العظيم الذى لا يقلعهم عنه شئ من الأشياء كائنا ما كان، فإنهم ~~إذا رأوا آية توجب عليهم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، نسبوا إلى ~~أبصارهم أن إدراكها غير حقيقى لعارض الانسداد أو أن عقولهم قد سحرت فصار ~~إدراكهم غير صحيح. ومن بلغ فى التعنت إلى هذا الحد، فلا تنفع فيه موعظة ~~ولا يهتدى بآية ". وبذلك نجد السورة الكريمة قد حدثتنا فى خمس عشرة آية ~~من مطلعها إلى هنا، عن سمو منزلة القرآن الكريم، وعن حسرات الكافرين يوم ~~تتجلى لهم الحقائق، وعن استهزائهم بالرسول صلى الله عليه وسلم، وعن رد ~~القرآن عليهم وعن تسلية الله - تعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم عما ~~أصابه منهم... ثم انتقلت السورة بعد ذلك، فساقت ألوانا من النعم الدالة ~~على وحدانية الله - تعالى - وعظيم قدرته، وبديع صنعه، وشمول علمه، فقال - ~~تعالى - { ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها ~~للناظرين.. }. ### || [15.16-25] # قال الإمام القرطبى ما ملخصه لما ذكر - سبحانه - كفر الكافرين، وعجز ~~أصنامهم، ذكر كمال قدرته ليستدل بها على وحدانيته. والبروج القصور ~~والمنازل. قال ابن عباس. أى جعلنا فى السماء بروج الشمس والقمر، أى ~~منازلهما. وأسماء هذه البروج الحمل والثور والجوزاء والسرطان، والأسد، ~~والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدى، والدلو، والحوت. والعرب ~~تعد المعرفة لمواقع النجوم وأبوابها من أجل العلوم، ويستدلون بها على ~~الطرقات والأوقات والخصب والجدب... ms2954 وقال الحسن وقتادة البروج النجوم، ~~وسميت بذلك لظهورها وارتفاعها... وقيل البروج الكواكب العظام.... قال بعض ~~العلماء ومرجع الأقوال كلها إلى شئ واحد، لأن أصل البروج فى اللغة ~~الظهور، ومنه تبرج المرأة، بإظهار زينتها، فالكواكب ظاهرة، والقصور ~~ظاهرة، ومنازل الشمس والقمر كالقصور بجامع أن الكل محل ينزل فيه... و { ~~جعلنا } أى خلقنا وأبدعنا، فيكون قوله { فى السماء } متعلقا به، وجوز أن ~~يكون بمعنى التصيير، فيكون قوله. فى السماء. متعلقا بمحذوف على أنه ~~مفعول ثان له و { بروجا } هو المفعول الأول. أى ولقد خلقنا وأبدعنا ~~منازل وطرقا فى السماء، تسير فيها الكواكب بقدراتنا، وإرادتنا، وحكمتنا، ~~دون خلل أو اضطراب. وفى ذلك الخلق ما فيه من منافع لكم، حيث تستعملون هذه ~~البروج فى ضبط المواقيت وفى تحديد الجهات، وفى غير ذلك من المنافع، كما ~~قال - تعالى - # هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا وقدره ~~منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق ~~الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم ~~يعلمون # وافتتح - سبحانه - الآية الكريمة بلام القسم وقد، تنزيلا للمخاطبين ~~الذاهلين عن الالتفات إلى مظاهر قدرة الله - تعالى - منزلة المنكرين، ~~فأكد لهم الكلام بمؤكدين لينتبهوا ويعتبروا. والضمير فى قوله { ~~وزيناها... } يعود إلى السماء. أى وزينا السماء بتلك البروج المختلفة ~~الأشكال والأضواء، لتكون جميلة فى عيون الناظرين إليها، وآية للمتفكرين ~~فى دلائل قدرة الله - تعالى - وبديع صنعه. وهذه الجملة الكريمة، تلفت ~~الأنظار إلى أن الجمال غاية مقصودة فى خلق هذا الكون، كما تشعر المؤمنين ~~بأن من الواجب عليهم أن يجعلوا حياتهم مبنية على الجمال فى الظاهر وفى ~~الباطن، تأسيا بسنة الله - تعالى - فى خلق هذا الكون. ثم وضح - سبحانه - ~~بأن هذا التزيين للسماء، مقرون بالحفظ والصيانة والطهارة من كل رجس فقال ~~- تعالى - { وحفظناها من كل شيطان رجيم }. والمراد ~~بالشيطان هنا المتمرد من الجن، مشتق من شطن بمعنى بعد، إذ الشيطان بعيد ~~بطبعه عن كل خير. والرجيم، أى المرجوم المحقر، مأخوذ من الرجم، لأن العرب ~~كانوا إذا احتقروا أحدا رجموه بالقطع من الحجارة، وقد كان العرب يرجمون ms2955 ~~قبر أبى رغال الثقفى، الذى أرشد جيش الحبشة إلى مكة لهدم الكعبة. # قال جرير # إذا مات الفرزدق فارجموه كما ترمون قبر أبى رغال # والمعنى ولقد جعلنا فى السماء منازل وطرقا للكواكب، وزيناها - أى السماء ~~- للناظرين إليها، وحفظناها من كل شيطان محقر مطرود من رحمتنا بأن منعناه ~~من الاستقرار فيها، ومن أن ينفث فيها شروره ومفاسده، لأنها موطن الأخيار ~~الأطهار. قال - تعالى - # إنا زينا السمآء الدنيا بزينة الكواكب ~~وحفظا من كل شيطان مارد # وقال - تعالى - # ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح وجعلناها ~~رجوما للشياطين.... # وقوله - سبحانه - { إلا من استرق السمع فأتبعه ~~شهاب مبين } فى محل نصب على الاستثناء واستراق السمع اختلاسه ~~وسرقته، والمراد به الاستماع إلى المتحدث خفية، حتى لكأن المستمع يسرق من ~~المتكلم كلامه الذى يخفيه عنه، فالسمع هنا بمعنى المسموع من الكلام. ~~والشهاب هو الشعلة الساطعة من النار، المنفصلة من الكواكب التى ترى فى ~~السماء ليلا، كأنها كوكب ينقض بأقصى سرعة. وجمعه شهب.. أصله من الشهبة، ~~وهى بياض مختلط بسواد. و { مبين } أى ظاهر واضح للمبصرين. والاستثناء ~~منقطع، فيكون المعنى وحفظنا السماء من كل شيطان رجيم لكن من اختلس السمع ~~من الشياطين، بأن حاول الاقتراب منها، فإنه يتبعه شهاب واضح للناظرين ~~فيحرقه، أو يحول بينه وبين استراق السمع. قال القرطبى قوله - تعالى - { ~~إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين } أى. ~~لكن من استرق السمع، أى الخطفة اليسيرة، فهو استثناء منقطع. وقيل هو ~~متصل، أى إلا ممن استرق السمع. أى حفظنا السماء من الشياطين أن تسمع ~~شيئا من الوحى وغيره، إلا من استرق السمع فإنا لم نحفظها منه أن تسمع ~~الخبر من أخبار السماء سوى الوحى، فأما الوحى فلا تسمع منه شيئا لقوله - ~~تعالى - # إنهم عن السمع لمعزولون # وإذا استمع الشياطين إلى شئ ليس بوحى، فإنهم يقذفونه إلى الكهنة فى أسرع ~~من طرفة عين، ثم تتبعهم الشهب فتقتلهم أو تخبلهم... وشبيه بهذه الآية ~~قوله - تعالى - # إنا زينا السمآء الدنيا بزينة الكواكب ~~وحفظا من كل شيطان مارد لا يسمعون إلى ~~الملإ الأعلى ms2956 ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم ~~عذاب واصب إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ~~ثاقب # قال بعض العلماء ما ملخصه والمقصود منع الشياطين من الاطلاع على ما أراد ~~الله عدم اطلاعهم عليه.. وربما استدرج الله - تعالى - الشياطين ~~وأولياءهم، فلم يمنع الشياطين من استراق شئ قليل يلقونه إلى الكهان فلما ~~أراد - سبحانه - عصمة الوحى منعهم من ذلك بتاتا.. وفى سورة الجن دلالة ~~على أن المنع الشديد من استراق السمع كان بعد البعثة النبوية، وبعد نزول ~~القرآن، إحكاما لحفظ الوحى من أن يلتبس على الناس بالكهانة. # . قال - تعالى - # وأنا لمسنا السمآء فوجدناها ملئت حرسا ~~شديدا وشهبا وأنا كنا نقعد منها مقاعد ~~للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا # وعلى ذلك يكون ما جاء فى بعض الأحاديث من استراق الجن السمع - وصفا ~~للكهانة السابقة، ويكون قوله صلى الله عليه وسلم # " ليسوا بشئ... " # وصفا لآخر أمرهم.. # " أن ناسا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكهانة، فقال " ليسوا ~~بشئ ". - أى لا وجود لما يزعمونه - فقيل - يا رسول الله، فإنهم يحدثون ~~أحيانا بالشئ فيكون حقا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " تلك ~~الكلمة من الحق يخطفها الجنى فيقرها فى أذن وليه قر الدجاجة - أى ~~فيلقيها بصوت خافت كالدجاجة عندما تخفى صوتها - فيخلطون فيها أكثر من ~~مائة كذبة ". # وبعد أن بين - سبحانه - بعض الدلائل السماوية الدالة على قدرته ~~ووحدانيته، أتبع ذلك ببيان بعض الدلائل الأرضية فقال - تعالى - { ~~والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا ~~فيها من كل شيء موزون }. وقوله { رواسى } من الرسو وهو ~~ثبات الأجسام الثقيلة. يقال رسا الشئ يرسو أى ثبت. أى ومن الأدلة - أيضا ~~- على وحدانيتنا وقدرتنا، أننا مددنا الأرض وفرشناها وبسطناها، لتتيسر ~~لكم الحياة عليها قال - تعالى - # والأرض فرشناها فنعم الماهدون # وأننا - أيضا وضعنا فيها جبالا ثوابت راسخات تمسكها عن الاضطراب وعن ~~أن تميد بكم. قال - تعالى - # خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في ~~الأرض رواسي أن تميد بكم... # وأننا - أيضا - أنبتنا فى الأرض من كل شئ { موزون } أى مقدر ms2957 بمقدار ~~معين وموزون بميزان الحكمة، بحيث تتوفر فيه كل معانى الجمال والتناسق. ~~قال - تعالى - # إنا كل شيء خلقناه بقدر # وأننا - كذلك - { جعلنا لكم فيها معايش... } والمعايش جمع ~~معيشة، وهى فى الأصل مصدر عاش يعيش عيشا وعيشة ومعاشا، ومعيشة، إذا ~~صار ذا حياة. ثم استعمل هذا اللفظ فيما يعاش به، أو فيما يتوصل به إلى ~~العيش. أى وجعلنا لكم فى الأرض ما تعيشون به من المطاعم والمشارب ~~والملابس وغيرها، مما تقتضيه ضرورات الحياة التى تحيونها. وجملة { ومن ~~لستم له برازقين } معطوفة على { معايش }. والمراد بمن لستم ~~له برازقين ما يشمل الأطفال والعجزة والأنعام وغير ذلك من مخلوقات الله ~~التى تحتاج إلى العون والمساعدة. أى وجعلنا لكم فى الأرض ما تعيشون به أو ~~ما تتوصلون به إلى ذلك من المكاسب والتجارات، وجعلنا لكم فيها - أيضا - ~~من لستم له برازقين من العيال والخدم والدواب... وإنما الرازق لهم هو ~~الله - تعالى - رب العالمين، إذ ما من دابة فى الأرض إلا على الله وحده ~~رزقها. # وما يزعمه الجاهلون من أنهم هم الرازقون لغيرهم، هو لون من الغرور ~~والافتراء، لأن الرازق للجميع هو الله رب العالمين. وعبر بمن فى قوله { ~~ومن لستم } تغليبا للعقلاء على غيرهم. قال الإمام ابن كثير " والمقصود ~~- من هذه الجملة - أنه - تعالى - يمتن عليهم بما يسر لهم من أسباب ~~المكاسب ووجوه الأسباب، وصنوف المعاشات وبما سخر لهم من الدواب التى ~~يركبونها والأنعام التى يأكلونها، والعبيد والإماء التى يستخدمونها، ~~ورزقهم على خالقهم لا عليهم، فلهم هم المنفعة، والرزق على الله - تعالى - ~~". ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن كل شئ فى هذا الكون، خاضع لإرادته ~~وقدرته، وتصرفه.. فقال - تعالى - { وإن من شيء إلا عندنا ~~خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم }. و " إن " ~~نافية بمعنى ما، و " من " مزيدة للتأكيد. و { خزائنه } جمع خزانة، وهى فى ~~الأصل تطلق على المكان الذى توضع فيه نفائس الأموال للمحافظة عليها. ~~والمعنى وما من شئ من الأشياء الموجودة فى هذا الكون، والتى يتطلع الناس ~~إلى الانتفاع بها. إلا ونحن ms2958 قادرون على إيجادها وإيجاد أضعافها بلا تكلف ~~أو إبطاء، كما قال - تعالى - # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # فقد شبه - سبحانه - اقتداره على إيجاد كل شئ، بالخزائن المودعة فيها ~~الأشياء، والمعدة لإخراج ما يشاء إخراجه منها بدون كلفة أو إبطاء. ~~والمراد بالإنزال فى قوله { وما ننزله إلا بقدر ~~معلوم }. الإيجاد والإخراج إلى هذه الدنيا، مع تمكين الناس من ~~الحصول عليه. أى وما نخرج هذا الشىء إلى حيز الوجود بحيث يتمكن الناس من ~~الانتفاع به إلا ملتبسا بمقدار معين، وفى وقت محدد، تقتضيه حكمتنا، ~~وتستدعيه مشيئتنا، ويتناسب مع حاجات العباد وأحوالهم، كما قال - تعالى - # ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ~~ولكن ينزل بقدر ما يشآء إنه بعباده خبير ~~بصير # ثم انتقل - سبحانه - من الاستدلال على وحدانيته وقدرته بظواهر السماء ~~وبظواهر الأرض، إلى الاستدلال على ذلك بظواهر الرياح والأمطار فقال - ~~تعالى - # وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السمآء ماء ~~فأسقيناكموه ومآ أنتم له بخازنين # والآية الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك { وجعلنا لكم ~~فيها معايش } وما بينهما اعتراض لتحقيق ما سبق ذكره من النعم. ~~والمراد بإرسال الرياح هنا نقلها من مكان إلى آخر بقدرة الله - تعالى - ~~وحكمته. وقوله { لواقح } يصح أن يكون جمع لاقح. وأصل اللاقح الناقة التى ~~قبلت اللقاح فحملت الجنين فى بطنها.. ووصف - سبحانه - الرياح بكونها ~~لواقح. لأنها حوامل تحمل ما يكون سببا فى نزول الأمطار كما تحمل النوق ~~الأجنة فى بطونها. # أى وأرسلنا بقدرتنا ورحمتنا الرياح حاملة للسحاب وللأمطار ولغيرهما، مما ~~يعود على الناس بالنفع والخير والبركة. ويصح أن يكون لفظ { لواقح } جمع ~~ملقح - اسم فاعل - وهو الذى يلقح غيره، فتكون الرياح ملقحة لغيرها كما ~~يلقح الذكر الأنثى. قال الإمام ابن كثير قوله { وأرسلنا ~~الرياح لواقح } أى تلقح السحب فتدر ماء، وتلقح الأشجار فتتفتح عن ~~أوراقها وأكمامها. وقال بعض العلماء ومعنى الإلقاح أن الرياح تلقح ~~السحاب بالماء بتوجيه عمل الحرارة والبرودة متعاقبين، فينشأ عن ذلك ~~البخار الذى يصير ماء فى الجو، ثم ينزل ms2959 مطرا على الأرض، وأنها تلقح ~~الشجر ذا الثمرة، بأن تنقل إلى نوره غبرة دقيقة من نور الشجر الذكر، ~~فتصلح ثمرته أو تثبت.. وهذا هو الإبار. وبعضه لا يحصل إلا بتعليق الطلع ~~الذكر على الشجرة المثمرة. وبعضه يكتفى منه بغرس شجرة ذكر فى خلال شجر ~~الثمر ومن بلاغة الآية الكريمة، إيراد هذا الوصف - لواقح - لإفادة كلا ~~العملين اللذين تعملهما الرياح - وهما الحمل للسحاب والمطر وغيرهما، أو ~~التلقيح لغيرها -. وقوله { فأنزلنا من السمآء ماء ~~فأسقيناكموه.. } تفريع على ما تقدم. أى وأرسلنا الرياح بقدرتنا ~~من مكان إلى آخر، حالة كونها حاملة للسحاب وغيره، فأنزلنا - بسبب هذا ~~الحمل - من جهة السماء، ماء كثيرا هو المطر، لتنتفعوا به فى شرابكم، وفى ~~معاشكم، وفى غير ذلك من ضرورات حياتكم. قال - تعالى - # هو الذي أنزل من السماء مآء لكم منه شراب ~~ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع ~~والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات... # وقوله { ومآ أنتم له بخازنين } تتميم لنعمة إنزال الماء. ~~أى أنزلنا المطر من السماء، وليست خزائنه عندكم. وإنما نحن الخازنون له، ~~ونحن الذين ننزله متى شئنا، ونحن الذين نمنعه متى شئنا، كما قال - تعالى ~~- قبل ذلك { وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ~~ننزله إلا بقدر معلوم }. ويصح أن يكون المعنى أنزلنا ~~المطر من السماء فجعلناه لسقياكم، وأنتم لستم بقادرين على خزنه وحفظه فى ~~الآبار والعيون وغيرها، وإنما نحن القادرون على ذلك. قال - تعالى - # وأنزلنا من السمآء مآء بقدر فأسكناه في ~~الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون # ثم بين - سبحانه - أن الإحياء والإماتة بيده وحده، فقال - تعالى - { ~~وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون }. أى وإنا ~~وحدنا القادرون على إيجاد الحياة فى المخلوقات، والقادرون على سلبها ~~عنها، ونحن الوارثون لهذا الكون بعد فنائه، الباقون بعد زواله. قال - ~~تعالى - # إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير # وقال - تعالى - # إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا ~~يرجعون # وشبه - سبحانه - بقاءه بعد زوال كل شئ سواه بالوارث، لأن الوارث هو الذى ~~يرث غيره بعد موته. # وأكد - سبحانه ms2960 - الآية الكريمة بإن واللام وضمير الفصل { نحن } تحقيقا ~~للخبر الذى اشتملت عليه، وردا على المشركين الذين زعموا أنه لا حياة ولا ~~ثواب ولا عقاب بعد الموت. ثم أكد - سبحانه - شمول علمه لكل شئ بعد أن أكد ~~شمول قدرته فقال - تعالى - # ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا ~~المستأخرين # والمراد بالمستقدمين من تقدم على غيره ولادة وموتا، كما أن المراد ~~بالمستأخرين من تأخر عن غيره فى ذلك، ولم يمت بعد، أو لم يوجد بعد فى ~~عالم الأحياء. والسين والتاء فى اللفظين للتأكيد. وقيل المراد بهما ~~الأحياء والأموات، وقيل المراد بالمستقدمين من تقدم فى الوجود على الأمة ~~الإسلامية، وبالمستأخرين الأمة الإسلامية. وقيل المراد بهما من قتل فى ~~الجهاد ومن لم يقتل، وقيل المراد بهما من تقدم فى صفوف الصلاة ومن ~~تأخر... قال الإمام ابن جرير بعد أن ساق جملة من الأقوال فى ذلك " وأولى ~~الأقوال عندى بالصحة، قول من قال ولقد علمنا الأموات منكم يا بنى آدم ~~فتقدم موته، ولقد علمنا المستأخرين الذين تأخر موتهم ممن هو حى ومن هو ~~حادث منكم ممن لم يحدث بعد... ". ثم بين - سبحانه - أن مرجع الخلق جميعا ~~إليه فقال { وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم ~~}. أى وإن ربك - وحده - أيها المخاطب - هو الذى يتولى حشر الأولين ~~والآخرين، وجمعهم يوم القيامة للحساب والثواب والعقاب، إنه - سبحانه - { ~~حكيم } فى كل تصرفاته وأفعاله { عليم } بأحوال خلقه ما ظهر منها وما بطن. ~~وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة، قد اشتملت على ألوان من الأدلة الدالة ~~على وحدانية الله - تعالى - وعظيم قدرته، وبديع صنعه، وشمول علمه، مما ~~يوجب الإيمان به - سبحانه - وإخلاص العبادة له، ومقابلة نعمه بالشكران ~~لا بالكفران، وبالطاعة لا بالمعصية... وبعد أن ساق - سبحانه - ألوانا من ~~الأدلة على وحدانيته وقدرته، عن طريق خلقه للسماء وما فيها من بروج ~~وشهب.. وللأرض وما عليها من جبال ونبات.. وللرياح وما تحمله من سحب ~~وأمطار... أتبع ذلك بأدلة أخرى على كمال ذاته وصفاته عن طريق خلقه ~~للإنسان وللجن وللملائكة.. فقال - تعالى - { ولقد خلقنا ms2961 ~~الإنسان من صلصال من حمإ مسنون }. ### || [15.26-44] # والمراد بالإنسان فى قوله - سبحانه - { ولقد خلقنا الإنسان ~~من صلصال } آدم - عليه السلام - لأنه أصل النوع الإنسانى، وأول فرد ~~من أفراده. والصلصال الطين اليابس الذى يصلصل، أى يحدث صوتا إذا حرك أو ~~نقر عليه، كما يحدث الفخار قال - تعالى - # خلق الإنسان من صلصال كالفخار # وقيل الصلصال الطين المنتن، مأخوذ من قولهم صل اللحم وأصل، إذا ~~أنتن.. قال الإمام ابن جرير " والذى هو أولى بتأويل الآية، أن يكون ~~الصلصال فى هذا الموضع، الطين اليابس الذى لم تصبه النار، فإذا نقرته صل ~~فسمعت له صلصلة - وذلك أن الله - تعالى - وصفه فى موضع آخر فقال # خلق الإنسان من صلصال كالفخار # فشبهه - تعالى ذكره - بأنه كالفخار فى يبسه، ولو كان معناه فى ذلك ~~المنتن لم يشبهه بالفخار، لأن الفخار ليس بمنتن فيشبه به فى النتن غيره ~~". والحمأ الطين إذا اشتد سواده وتغيرت رائحته. والمسنون المصور من سن ~~الشئ إذا صوره. قال الآلوسى ما ملخصه قوله { من حمأ } أى من طين تغير ~~واسود من مجاورة الماء، ويقال للواحدة حمأة - بسكون الميم -... وقوله { ~~مسنون } أى مصور من سنة الوجه وهى صورته. وأنشد لذلك ابن عباس قول ~~عمه حمزة يمدح النبى صلى الله عليه وسلم # أغر كأن البدر سنة وجهه جلا الغيم عنه ضوؤه فتبددا # وقيل مسنون " أى مصبوب، من سن الماء بمعنى صبه. ويقال شن - بالشين ~~أيضا - أى مفرغ على هيئة الإنسان... وقيل المسنون المنتن... ". والذى ~~يتدبر القرآن الكريم يرى أن الله - تعالى - قد وضح فى آيات متعددة أطوار ~~خلق آدم - عليه السلام -، فقد بين فى بعض الآيات أنه خلقه من تراب، كما ~~فى قوله - تعالى - # إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون... # وبين فى آيات أخرى أنه - سبحانه - خلقه من طين، كما فى قوله - تعالى - # الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان ~~من طين # وبين هنا أنه - سبحانه - خلقه { من صلصال من حمإ مسنون ~~}. قال الجمل " وهذا الطور آخر ms2962 أطوار آدم الطينية، وأول ابتدائه أنه كان ~~ترابا متفرق الأجزاء، ثم بل - أى التراب - فصار طينا، ثم ترك حتى أنتن ~~وأسود فصار حمأ مسنونا. أى متغيرا، ثم يبس فصار صلصالا، وعلى هذه ~~الأحوال والأطوار تتخرج الآيات الواردة فى أطواره الطينية، كآية خلقه من ~~تراب، وآية { بشرا من طين } وهذه الآية التى نحن فيها ". والمقصود ~~من هذه الآيات الكريمة، التنبيه على عجيب صنع الله - تعالى - وعظيم ~~قدرته، حيث أخرج - سبحانه - الجملة الكريمة بلام القسم وقد، لزيادة ~~التحقيق، وللإرشاد إلى أهمية هذا الخلق، وأنه بهذه الصفة. # و { من } فى قوله { من صلصال } لابتداء الغاية أو للتبعيض، وفى قوله { ~~من حمأ } ابتدائية. والجار والمجرور صفة لصلصال أى من صلصال كائن من حمأ، ~~ومسنون صفة لحمأ. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك المادة التى خلق منها الجان ~~فقال - سبحانه - # والجآن خلقناه من قبل من نار السموم # والمراد بالجان هنا أبو الجن عند جمهور المفسرين. وقيل هو إبليس. وقيل ~~هو اسم لجنس الجن. وسمى جانا لتواريه عن الأعين، واستتاره عن بنى آدم. أى ~~والجان خلقناه { من قبل } أى من قبل خلق آدم { من نار السموم } ~~أى من الريح الحارة التى تقتل. وسميت سموما، لأنها لشدة حرارتها، وقوة ~~تأثيرها تنفذ فى مسام البدن. قال ابن كثير وقد ورد فى الحديث الصحيح # " خلقت الملائكة من نور، وخلقت الجان من مارج من نار، وخلق بنو آدم ~~مما وصف لكم ". # ثم حكى - سبحانه - ما أمر به ملائكته عندما توجهت إرادته - سبحانه - ~~لخلق آدم، فقال - تعالى - { وإذ قال ربك للملآئكة إني ~~خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون فإذا ~~سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين }. ~~أى واذكر - أيها العاقل - وقت أن قال ربك - سبحانه - للملائكة - الذين لا ~~يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون - { إنى خالق } بقدرتى { بشرا } ~~أى إنسانا، وعبر عنه بذلك اعتبارا بظهور بشرته وهى ظاهر الجلد { من ~~صلصال من حمإ مسنون }. { فإذا سويته } أى سويت خلق هذا ~~البشر، وكملت أجزاءه، وجعلته فى أحسن تقويم... { ونفخت فيه ms2963 من ~~روحي } أى وضعت فيه ما به حياته وحركته وهو الروح، الذى لا يعلم ~~حقيقته أحد سواى. قال القرطبى قوله { ونفخت فيه من روحي } ~~النفخ إجراء الريح فى الشئ. والروح جسم لطيف، أجرى الله العادة بأن يخلق ~~الحياة فى البدن مع ذلك الجسم. وحقيقته إضافة خلق إلى خالق، فالروح خلق ~~من خلقه أضافه - سبحانه - إلى نفسه تشريفا وتكريما، كقوله، أرضى وسمائى ~~وبيتى وناقة الله وشهر الله.... وقوله { فقعوا له ساجدين } أمر ~~منه - سبحانه - للملائكة بالسجود لآدم. أى فإذا سويت خلقه، وأفضت عليه ما ~~به حياته، فاسقطوا وخروا له ساجدين، سجود تحية وتكريم، لا سجود عبادة، ~~فإن سجود العبادة لى وحدى. وقال - سبحانه - { فقعوا.. } بفاء التعقيب، ~~للإشعار بأن سجودهم له واجب عليهم عقب التسوية والنفخ من غير إبطاء أو ~~تأخير. وهذا نوع من تكريم الله - تعالى - لعبده آدم - عليه السلام -، وله ~~- سبحانه - أن يكرم بعض عباده بما يشاء، وكيف شاء. # . # لا يسأل عما يفعل وهم يسألون # ثم بين - سبحانه - ما كان من الملائكة بعد ذلك فقال { فسجد ~~الملائكة كلهم أجمعون } أى امتثل الملائكة لأمر الله بعد ~~أن خلق - سبحانه - آدم وسواه ونفخ فيه من روحه، فسجدوا له كلهم أجمعون ~~دون أن يتخلف منهم أحد. وجمع - سبحانه - بين لفظى التوكيد { كلهم أجمعون ~~} للمبالغة فى ذلك، ولإزالة أى التباس بأن أحدا شذ عن طاعة الله - ~~تعالى -. وقوله { إلا إبليس أبى أن يكون مع ~~الساجدين } بيان لموقف إبليس من أمر الله - تعالى -. وإبليس اسم ~~مشتق من الإبلاس، وهو الحزن الناشئ عن شدة اليأس، وفعله أبلس، والراجح ~~أنه اسم أعجمى، ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. وهو كائن حى، وقد أخطأ ~~من حمله على معنى داعى الشر الذى يخطر فى النفوس، لأنه ليس من المعقول أن ~~يكون الأمر كذلك مع أن القرآن أخبرنا بأنه يرى الناس ولا يرونه. قال - ~~تعالى - # إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم... # وقوله { أبى } من الإباء وهو الامتناع عن فعل الشئ مع القدرة على فعله، ~~بسبب الغرور والتكبر والتعاظم. أى ms2964 فسجد الملائكة كلهم أجمعون، امتثالا ~~وطاعة لله - تعالى -، إلا إبليس فإنه امتنع عن أن يكون مع الساجدين. ~~تكبرا وغرورا وعصيانا لأمر الله - تعالى -. وللعلماء فى كون إبليس من ~~الملائكة، أم لا، قولان أحدهما أنه كان منهم، لأنه - سبحانه - أمرهم ~~بالسجود لآدم، ولولا أنه كان منهم لما توجه إليه الأمر بالسجود، ولو لم ~~يتوجه إليه الأمر بالسجود لما كان عاصيا، ولما استحق الطرد واللعنة، ~~ولأن الأصل فى المستثنى أن يكون داخلا تحت اسم المستثنى منه، حتى يقوم ~~دليل على أنه خارج عنه. وعلى هذا الرأى اختاره ابن عباس وابن مسعود ~~وغيرهما يكون الاستثناء متصلا. والثانى أنه لم يكن من الملائكة، لقوله - ~~تعالى - # وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا ~~إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه.. # فهو أصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس، ولأنه خلق من نار، والملائكة ~~خلقوا من نور، ولأن له ذرية، والملائكة لا ذرية لهم.. وعلى هذا الرأى ~~الذى اختاره الحسن وقتادة وغيرهما يكون الاستثناء منقطعا. قال الشيخ ~~القاسمى " وقد حاول الإمام ابن القيم - رحمه الله - أن يجمع بين الرأيين ~~فقال والصواب التفصيل فى هذه المسألة، وأن القولين فى الحقيقة قول واحد. ~~فإن إبليس كان مع الملائكة بصورته وليس منهم بمادته وأصله فإن أصله من ~~نار وأصل الملائكة من نور، فالنافى كونه من الملائكة والمثبت كونه منهم ~~لم يتواردا على محل واحد ". # والذى نميل إليه فى هذه المسألة أن إبليس لم يكن من الملائكة، بدليل ~~الحديث الصحيح الذى يقول فيه النبى صلى الله عليه وسلم # " خلقت الملائكة من نور. وخلقت الجان من مارج من نار، وخلق بنو آدم مما ~~وصف لكم " # والآية الكريمة - وهى قوله - تعالى - # إلا إبليس كان من الجن # صريحة فى أنه كان من الجن ولم يكن من الملائكة. ومع هذا فإن الأمر ~~بالسجود يشمله، بدليل قوله - تعالى - # قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك... # فهذه الآية تدل دلالة صريحة على أن الله - تعالى - قد أمر إبليس بالسجود ~~لآدم... ووجود إبليس مع الملائكة لا ms2965 يستلزم أن يكون منهم، ومثل ذلك كمثل ~~أن تقول حضر بنو فلان إلا محمدا، ومحمد ليس من بنى فلان هؤلاء، وإنما هو ~~معهم بالمجاورة أو المصاحبة أو غير ذلك. هذا ما نختاره ونميل إليه، ~~إستنادا إلى ظاهر الآيات وظاهر الأحاديث، والله - تعالى - أعلم. وقوله - ~~سبحانه - { قال يإبليس ما لك ألا تكون مع ~~الساجدين قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من ~~صلصال من حمإ مسنون } بيان لما وبخ الله - تعالى - به ~~إبليس، ولرد إبليس - لعنه الله - على خالقه - عز وجل -. أى قال الله - ~~تعالى - لإبليس على سبيل التوبيخ والزجر أى سبب حملك على مخالفة أمرى، ~~وجعلك تمتنع عن السجود لمن أمرتك بالسجود له؟ فكان رد إبليس ما كان ليليق ~~بشأنى ومنزلتى أن أسجد مع الساجدين لبشر خلقته - أيها الخالق العظيم - من ~~صلصال من حمأ مسنون. ومقصود إبليس بهذا الرد إثبات أنه خير من آدم، كما ~~حكى عنه - سبحانه - ذلك فى قوله - تعالى - # قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من ~~طين # وهذا الرد منه يدل على عصيانه لأمر ربه، وعدم الرضا بحكمه، وسوء أدبه مع ~~خالقه - سبحانه -. قال الآلوسى وقد أخطأ اللعين حيث ظن أن الفضل كله ~~باعتبار المادة، وما درى أنه يكون باعتبار الفاعل، وباعتبار الصورة، ~~وباعتبار الغاية، بل إن ملاك الفضل والكمال هو التخلى عن الملكات الردية، ~~والتحلى بالمعارف الربانية. # فشمال والكأس فيها يمين ويمين لا كأس فيها شمال # وقوله - سبحانه - { قال فاخرج منها فإنك رجيم وإن ~~عليك اللعنة إلى يوم الدين } بيان للحكم العادل الذى ~~أصدره الله - تعالى - على إبليس. والضمير فى قوله { منها } يعود إلى ~~السماء لأنها مسكن الطائعين الأخيار، أو إلى الجنة لأنها لا يسكنها إلا ~~من أطاع الله - تعالى -، أو إلى المنزلة التى كان فيها قبل طرده من رحمة ~~الله. # . أى قال الله - تعالى - لإبليس على سبيل الزجر والتحقير فاخرج من جنتى ~~ومن سمائى فإنك { رجيم } مطرود من كل خير وكرامة، وإن عليك اللعنة ~~والإبعاد من رحمتى إلى يوم الدين، وهو يوم الحساب والجزاء. ms2966 وليس المراد ~~أن تنقطع عنه اللعنة يوم الدين، بل المراد أن هذه اللعنة مستمرة عليه إلى ~~يوم الدين، فإذا ما جاء هذا اليوم استمرت هذه اللعنة، وأضيف إليها العذاب ~~الدائم المستمر الباقى، بسبب عصيانه لأمر ربه، فذكر يوم الدين، إنما هو ~~للمبالغة فى طول مدة هذه اللعنة ودوامها ما دامت الحياة الدنيا. وعبر - ~~سبحانه - بعلى فى قوله { وإن عليك اللعنة } للإشعار بتمكنها ~~منه، واستعلائها عليه، حتى لكأن اللعنة فوقه يحملها دون أن تفارقه فى ~~لحظة من اللحظات. ثم حكى - سبحانه - ما طلبه إبليس من ربه، ومارد الله به ~~عليه، فقال - تعالى - { قال رب فأنظرني إلى يوم ~~يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت ~~المعلوم }. والفاء فى قوله { فأنظرنى } للتفريع وهى متعلقة بمحذوف ~~يدل عليه سياق الكلام. والإنظار التأخير والإمهال ومنه قوله - تعالى - # وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة # أى قال إبليس لربه. عز وجل ما دمت قد أخرجتنى من جنتك ومن سمائك، ~~وجعلتنى مرجوما ملعونا إلى يوم الدين، فأخر موتى إلى يوم يبعث آدم ~~وذريته للحساب وخاطب الله - تعالى - بصفة الربوبية تخضعا وتذللا لكى يجاب ~~طلبه. وقد أجاب الله - تعالى - له طلبه فقال { فإنك } يا إبليس من جملة { ~~المنظرين } أى الذين أخرت موتهم { إلى يوم الوقت المعلوم ~~} وهو يوم القيامة الذى استأثرت بعلم وقته، والذى وصفت أحواله للناس، كى ~~يستعدوا له بالإيمان والعمل الصالح. ويصح أن يكون المراد بالوقت المعلوم ~~وقت النفخة الأولى حين يموت كل الخلائق ويموت هو معهم. قال ابن كثير ~~أجابه الله - تعالى - إلى ما سأل، لما له فى ذلك من الحكمة والإرادة ~~والمشيئة التى لا تخالف. ولا تمانع ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب. وقال ~~بعض العلماء وهذا الإنظار رمز إلهى على أن ناموس الشر لا ينقضى من عالم ~~الحياة الدنيا، وأن نظامها قائم على التصارع بين الخير والشر، وبين ~~الأخيار والأشرار. قال - تعالى - # بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو ~~زاهق... # ولذلك لم يستغن نظام العالم عن إقامة قوانين العدل والصلاح، وإيداعها ms2967 ~~إلى الكفاة لتنفيذها والذود عنها. ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت ~~إبليس على طلب تأخير موته إلى يوم القيامة، والتى من أهمها الانتقام من ~~آدم وذريته فقال - تعالى - { قال رب بمآ أغويتني ~~لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين ~~إلا عبادك منهم المخلصين }. والباء فى قوله { بمآ ~~أغويتني لأزينن لهم. # . } للسببية أو للقسم. قال الإمام الرازى ما ملخصه الباء ههنا بمعنى ~~السبب، أى بسبب كونى غاويا لأزينن لهم كقول القائل أقسم فلان بمعصيته ~~ليدخلن النار، وبطاعته ليدخلن الجنة. أو للقسم وما مصدرية وجواب القسم ~~لأزينن لهم. والمعنى أقسم بإغوائك لى لأزينن لهم. ونظيره قوله - تعالى - # قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين # وقوله { أغويتنى } من الإغواء، وهو خلق الغى فى القلوب. وأصل الغى ~~الفساد، ومنه غوى الفصيل - كرضى - إذا بشم من اللبن ففسدت معدته. أو منع ~~من الرضاع فهزل وكاد يهلك، ثم استعمل فى الضلال. يقال غوى فلان يغوى غيا ~~وغواية فهو غاو إذا ضل عن الطريق المستقيم. وأغواه غيره وغواه أضله. ~~وقوله { لأزينن لهم } من التزيين بمعنى التحسين والتجميل، وهو تصيير الشى ~~زينا، أى حسنا حتى ترغب النفوس فيه وتقبل عليه. والضمير فى { لهم } ~~يعود على ذرية آدم، وهو مفهوم من السياق وإن لم يجر لهم ذكر، وقد جاء ذلك ~~صريحا فى قوله - تعالى - فى آية أخرى # قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن ~~أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته ~~إلا قليلا # وحذف مفعول { لأزينن } لدلالة المقام عليه. أى لأزينن لهم المعاصى ~~والسيئات، بأن أحسن لهم القبيح. وأزين لهم المنكر. وأحبب الشهوات إلى ~~نفوسهم حتى يتبعوها، وأبذل نهاية جهدى فى صرفهم عن طاعتك... وقال - ~~سبحانه - { فى الأرض } لتحديد مكان إغوائه، إذ هى المكان الذى صار ~~مستقرا له ولآدم وذريته، كما قال - تعالى - فى آية أخرى # فأزلهما الشيطان عنها # - أى الجنة - فأخرجهما - أى آدم وحواء - مما كانا فيه، # وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في ~~الأرض مستقر ومتاع إلى حين # وقوله { ولأغوينهم أجمعين } مؤكدا لما قبله. أى والله لأغوينهم جميعا ~~مادمت قادرا على ذلك، ms2968 ولأعملن على إضلالهم بدون فتور أو يأس، كما قال - ~~تعالى - فى آية أخرى # ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمانهم وعن شمآئلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين # قال القرطبى وروى ابن لهيعة عبد الله عن دراج أبى السمح، عن أبى الهيثم، ~~عن أبى سعيد الخدرى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن إبليس قال يارب وعزتك وجلالك لا أزال أغوى بنى آدم ما دامت أرواحهم ~~فى أجسامهم، فقال الرب وعزتى وجلالى لا أزال أغفر لهم ما استغفرونى ". # وقوله - سبحانه - { إلا عبادك منهم المخلصين } اعتراف ~~من إبليس بأن من عباد الله - تعالى - قوما لا يستطيع أن يغويهم، ولا ~~يقدر على إضلالهم. وكلمة { المخلصين } قرأها نافع وحمزة وعاصم والكسائى - ~~بفتح اللام -، فيكون المعنى لأغوينهم أجمعين إلا عبادك الذين استخلصتهم ~~لطاعتك، وصنتهم عن اقتراف ما نهيتهم عنه. # وقرأها ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو - بكسر اللام -، فيكون المعنى ~~لأضلنهم جميعا، إلا عبادك الذين أخلصوا لك العمل، وابتعدوا عن الرياء فى ~~أقوالهم وأفعالهم. وهذا الاستثناء الذى اعترف به إبليس بعد أن أدرك أنه ~~لا محيص له عنه - هو سنة الله - تعالى - فى خلقه، فقد جرت سنته التى لا ~~تغيير ولا تبديل لها، بأن يستخلص لذاته من يخلص له قلبه، وأن يرعى من ~~يرعى حدوده، ويحفظ من يحفظ تكاليفه، ولذا كان جوابه - سبحانه - على ~~إبليس، هو قوله - تعالى - { قال هذا صراط علي مستقيم ~~إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك ~~من الغاوين }. واسم الإشارة { هذا } يعود إلى الاستثناء السابق وهو ~~قوله { إلا عبادك منهم المخلصين }. وقد اختار هذا الرأى ~~الإمام الآلوسى فقال قال الله - تعالى - { هذا صراط علي } أى ~~حق لابد أن أراعيه { مستقيم } لا انحراف فيه فلا يعدل عنه إلى غيره. ~~والإشارة إلى ما تضمنه الاستثناء وهو تخليص المخلصين من إغوائه وكلمة ~~على تستعمل فى الوجوب. والمعتزلة يقولون به حقيقة لقولهم بوجوب الأصلح ~~عليه - تعالى -. وقال أهل السنة، إن ذلك وإن كان تفضلا منه - سبحانه - ~~إلا أنه شبه بالحق ms2969 الواجب لتأكد ثبوته وتحقق وقوعه، بمقتضى وعده - عز وجل ~~-، فجئ بعلى لذلك. ثم قال وقرأ الضحاك ومجاهد ويعقوب.. { هذا صراط ~~علي } - بكسر اللام وضم الياء المشددة وتنوينها - أى عال لارتفاع ~~شأنه. وقد اختار صاحب الكشاف عودة اسم الإشارة إلى ما بعده فقال قال ~~الله - تعالى - { هذا صراط علي مستقيم } أى هذا طريق حق ~~على أن أراعيه، وهو أن لا يكون لك سلطان على عبادى، إلا من اختار اتباعك ~~منهم لغوايته. ويرى ابن جرير أن على هنا بمعنى إلى، فقد قال - رحمه الله ~~- قوله - تعالى - { هذا صراط علي مستقيم } بمعنى هذا طريق ~~إلى مستقيم. فكان معنى الكلام هذا طريق مرجعه إلى، فأجازى كلا بأعمالهم، ~~كما قال - تعالى - # إن ربك لبالمرصاد # وذلك نظير قول القائل لمن يتوعده ويتهدده طريقك على وأنا على طريقك، ~~فكذلك قوله { هذا صراط } معناه هذا طريق على وهذا طريق إلى.... ويبدوا ~~لنا أن الآية الكريمة مسوقة لبيان المنهاج القويم الذى كتبه الله - تعالى ~~- على نفسه فضلا منه وكرما، والميزان العادل الذى وضعه - سبحانه - ~~لتمييز الخبيث من الطيب. فكأنه - سبحانه - يقول فى الرد على إبليس الذى ~~اعترف بعجزه عن إغواء المخلصين من عباد الله يا إبليس، إن عدم قدرتك على ~~إغواء عبادى المخلصين منهج قويم من مناهجى التى اقتضتها حكمتى وعدالتى ~~ورحمتى، وسنة من سننى التى آليت على نفسى أن ألتزم بها مع خلقى. # إن عبادى المخلصين لا قوة ولا قدرة لك على إغوائهم، لأنهم حتى إذا مسهم ~~طائف منك. أسرعوا بالتوبة الصادقة إلى، فقبلتها منهم. وغفرت لهم زلتهم... ~~ولكنك تستطيع إغواء أتباعك الذين استحوذت عليهم فانقادوا لك... وفى هاتين ~~الآيتين ما فيهما من التنويه بشأن عباد الله المخلصين، ومن المديح لهم ~~بقوة الإيمان، وعلو المنزلة، وصدق العزيمة وضبط النفس... قال - تعالى - # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك ~~وكيلا # قال الآلوسى وقوله # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان... # أى تصرف وتسلط، والمراد بالعباد المشار إليهم بالمخلصين، فالإضافة ~~للعهد والاستثناء على هذا فى قوله { إلا من اتبعك من ms2970 ~~الغاوين } منقطع. واختار هذا غير واحد... وجوز أن يكون بالعباد ~~العموم والاستثناء متصل، والكلام كالتقرير لقوله إلا عبادك منهم ~~المخلصين، ولذا لم يعطف على ما قبله، وتغيير الوضع لتعظيم المخلصين، ~~بجعلهم هم الباقين بعد الاستثناء.... ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة ~~المتبعين لإبليس فقال { وإن جهنم لموعدهم أجمعين ~~لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم }. ~~والضمير فى قوله { لموعدهم } يعود إلى الغاوين، أو إلى { من اتبعك } ~~والموعد مكان الوعد. والمراد به هنا المكان الذى سينتهون إليه حتما بعد ~~أن كانوا غافلين عنها فى الدنيا، وهو جهنم أى وإن جهنم لمكان محتوم ~~لهؤلاء الذين أغواهم إبليس دون أن يفلت أحد من سعيرها. وجملة { لها ~~سبعة أبواب } مستأنفة لوصف حال جهنم وأبوابها. وجملة { لكل ~~باب منهم جزء مقسوم } صفة لأبواب، وضمير { منهم } يعود ~~إلى الغاوين أتباع إبليس. والمقسوم من القسم وهو إفراز النصيب عن غيره ~~تقول قسمت كذا قسما وقسمة إذا ميزت كل قسم عن سواه. والمعنى إن لجهنم ~~سبعة أبواب، لكل باب منها، فريق معين من الغاوين يدخلون منه، على حسب ~~تفاوتهم فى الغواية وفى متابعة إبليس ويرى كثير من المفسرين أن المراد ~~بالأبواب هنا الأطباق والدركات. أى لجهنم سبعة أطباق أو دركات بعضها فوق ~~بعض، ينزلها الغاوون، بحسب أصنافهم وتفاوت مراتبهم فى الغى والضلال. قال ~~الإمام ابن كثير قوله - تعالى { لكل باب منهم جزء ~~مقسوم } أى قد كتب لكل باب منها جزء من أتباع إبليس، يدخلونه لا ~~محيد لهم عنه - أجارنا الله منها - وكل يدخل من باب بحسب عمله، ويستقر فى ~~درك بقدر فعله.... ثم قال وعن عمرة بن جندب - رضى الله عنه - عن النبى ~~صلى الله عليه وسلم فى قوله { لكل باب منهم جزء مقسوم ~~} قال # " إن من أهل النار من تأخذه النار إلى كعبيه، وإن منهم من تأخذه النار ~~إلى حجزته، ومنهم من تأخذه النار إلى تراقيه... ". # وبعد فهذه قصة خلق الإنسان، وقصة خلق الجان - كما بينتها هذه السورة ~~الكريمة - ومن الدروس والعظات التى نأخذها منها 1- دلالتها على ms2971 كمال قدرة ~~الله - تعالى -، وبديع خلقه، وبليغ حكمته، حيث خلق - سبحانه - الإنسان ~~من مادة تختلف عن المادة التى خلق منها الجان، وحيث كرم الإنسان بخاصية ~~أخرى أشار إليها القرآن فى قوله - تعالى - # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي.. # وهذه الخاصية هى التى تجعل من هذا الإنسان، إنسانا ينفرد بخصائصه عن ~~كل الأحياء الأخرى التى تشاركه فى هذه الحياة.. 2- أن خلق الجان سابق على ~~خلق الإنسان، بدليل قوله - تعالى { ولقد خلقنا الإنسان من ~~صلصال من حمإ مسنون والجآن خلقناه من قبل ~~من نار السموم }. 3- إن الملائكة عباد مكرمون، لا يعصون الله ما ~~أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فهم بمجرد أن أمرهم الله - تعالى - بالسجود ~~لآدم، سجدوا جميعا دون أن يشذ منهم أحد. 4- أن الإصرار على معصية الله ~~- تعالى - يؤدى إلى الطرد من رحمته - سبحانه - ومن الخروج من رضوانه ~~ومغفرته. 5- أن التكبر والغرور والحسد، من أبرز الصفات الذميمة التى حملت ~~إبليس على الامتناع عن السجود لآدم، وعلى مخالفة أمر ربه - عز وجل -. 6- ~~أن إجابته - سبحانه - لطلب إبليس فى تأخير موته، لم يكن لكرامة له عنده - ~~عز وجل -، وإنما كان استدراجا له وإمهالا، وابتلاء لبنى آدم ليتميز قوى ~~الإيمان من ضعيفه. 7- أن العداوة بين إبليس وقبيله، وبين آدم وذريته، ~~باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأن إبليس وجنوده لم ولن يتركوا ~~باب من أبواب الشر إلا وزينوه وجملوه لبنى آدم، وحرضوهم على الدخول فيه، ~~ليكتسبوا السيئات التى نهاهم الله - تعالى - عنها. قال - تعالى - # إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما ~~يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير # 8- أن عدالة الله - تعالى - ورحمته قد اقتضت أن يحمى عباده المخلصين من ~~تسلط الشيطان عليهم، لأنهم منه فى حمى، ولأن مداخله إلى نفوسهم مغلقة، إذ ~~أنهم خافوا مقام ربهم ونهوا أنفسهم عن الهوى.. أما الذين يستطيع الشيطان ~~التسلط عليهم، والتأثير فيهم، فهم أولئك الذين انقادوا لوساوسه، ~~واستجابوا لنزعاته، وصاروا مطية له يسخرها كما يشاء... وهؤلاء هم الذين ~~تنتظرهم جهنم بأبوابها السبعة.. قال - تعالى - { إن عبادي ليس ms2972 ~~لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ~~وإن جهنم لموعدهم أجمعين لها سبعة أبواب ~~لكل باب منهم جزء مقسوم }. هذه هى عاقبة الغاوين ~~أتباع إبليس، أما عاقبة المخلصين الذين أخلصوا نفوسهم لله - تعالى - ~~وأطاعوه فى السر والعلن، فقد بينها - سبحانه - بعد ذلك فى قوله { إن ~~المتقين في جنات وعيون.. }. ### || [15.45-48] # وقوله - سبحانه - { إن المتقين... } كلام مستأنف لإظهار حسن عاقبة ~~المتقين، بعد بيان سوء عاقبة الغاوين. والمتقون جمع متق اسم فاعل من ~~اتقى. وأصله اوتقى - بزنة افتعل - من وقى الشىء وقاية، أى صانه وحفظه مما ~~يضره ويؤذيه. والجنات جمع جنة، وهى كل بستان ذى شجر متكاثف، ملتف ~~الأغصان، يظلل ما تحته ويستره. من الجن وهو ستر الشىء عن الحاسة.. ~~والمراد بها هنا الدار التى أعدها الله - تعالى - لتكريم عباده المؤمنين ~~فى الآخرة. والعيون جمع عين. والمقصود بها هنا المياه المنتشرة فى ~~الجنات. والمعنى { إن المتقين } الذين صانوا أنفسهم عن الشرك. وقالوا ~~ربنا الله ثم استقاموا { فى جنات } عالية، فيها ما تشتهيه الأنفس، وفيها ~~منابع للماء تلذ لها الأعين. وجملة { ادخلوها بسلام آمنين } ~~معمولة لقول محذوف. والباء فى قوله { بسلام } للمصاحبة. أى وتقول لهم ~~الملائكة - على سبيل التكريم - والتحية - لهؤلاء المتقين عند دخولهم ~~الجنات واستقرارهم فيها ادخلوها - أيها المتقون - تصاحبكم السلامة من ~~الآفات، والنجاة من المخافات. ثم بين - سبحانه - ما هم عليه فى الجنة من ~~صفاء نفسى، ونقاء قلبى فقال { ونزعنا ما في صدورهم من ~~غل إخوانا على سرر متقابلين }. والنزع القلع يقال ~~نزع فلان هذا الشىء من مكانه إذا قلعه منه، وفعله من باب ضرب والغل الحقد ~~والضغينة، وأصله من الغلالة، وهى ما يلبس بين الثوبين الشعار والدثار. أو ~~من الغلل وهو الماء المتخلل بين الأشجار. ويقال غل صدر فلان يغل - بالكسر ~~- غلا إذا كان ذا غش، أو ضغن، أو حقد. والسرر جمع سرير وهو المكان المهيأ ~~لراحة الجالس عليه وإدخال السرور على قلبه. أى وقلعنا ما فى صدور هؤلاء ~~المتقين من ضغائن وعداوات كانت موجودة فيها فى الدنيا، وجعلناهم ms2973 يدخلون ~~الجنة إخوانا متحابين متصافين، ويجلسون متقابلين، على سرر مهيأة لراحتهم ~~ورفاهيتهم وإدخال السرور على نفوسهم. وقوله { إخوانا على سرر ~~متقابلين } حال عن فاعل { ادخلوها }. وعبر بقوله { متقابلين } لأن ~~مقابلة الوجه للوجه أدخل فى الإيناس، وأجمع للقلوب. والآية الكريمة تشعر ~~بأنهم فى الجنة ينشئهم الله - تعالى - نشأة أخرى جديدة وتكون قلوبهم فيها ~~خالية من كل ما كان يخالطهم فى الدنيا من ضغائن وعداوات وأحقاد وأطماع ~~وغير ذلك من الصفات الذميمة، ويصلون بسبب هذه النشأة الجديدة إلى منتهى ~~الرقى البشرى... وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية عددا من ~~الأحاديث والآثار منها ما رواه القاسم عن أبى أمامة قال يدخل أهل الجنة ~~على ما فى صدورهم فى الدنيا من الشحناء والضغائن، حتى إذا توافوا ~~وتقابلوا نزع الله ما فى صدورهم فى الدنيا من غل، ثم قرأ { ونزعنا ~~ما في صدورهم من غل. # . }. ومنها ما رواه أبو مالك الأشجعى عن أبي حبيبة - مولى لطلحة - قال ~~دخل عمران ابن طلحة على الإمام على بن أبى طالب بعد ما فرغ من أصحاب ~~الجمل، فرحب على - رضى الله عنه - به، وقال إنى لأرجو أن يجعلنى الله ~~وإياك من الذين قال الله فيهم { ونزعنا ما في صدورهم من ~~غل إخوانا على سرر متقابلين... }. ثم ختم - سبحانه - ~~بيان جزائهم بقوله { لا يمسهم فيها نصب وما هم منها ~~بمخرجين }. والنصب التعب والإعياء. يقال نصب الرجل نصبا - من باب ~~طرب - إذا نزل به التعب والهم. ويقال فلان فى عيش ناصب، أى فيه كد وجهد. ~~قال ابن كثير قوله - تعالى - { لا يمسهم فيها نصب } يعنى ~~مشقة وأذى كما جاء فى الصحيحين، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال # " إن الله أمرنى أن أبشر خديجة ببيت فى الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب ~~". # وقوله { وما هم منها بمخرجين } - بل هم باقون فى الجنات ~~بقاء سرمديا دائما لا ينقطع - كما جاء فى الحديث # " يقال - لأهل الجنة - يا أهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا تمرضوا أبدا، ms2974 ~~وإن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، ~~وإن لكم أن تقيموا فلا تظعنوا أبدا ". # فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد اشتملت على بشارات للمؤمنين ~~الصادقين، هذه البشارات مقرونة بالتعظيم، خالية من الشوائب والأضرار، ~~باقية لا انقطاع لها. أما البشارات فتراها فى قوله - تعالى - { إن ~~المتقين في جنات وعيون }. وأما اقترانها بالتعظيم ~~والتكريم، فتراه فى قوله - تعالى - { ادخلوها بسلام آمنين }. ~~وأما خلوها من الشوائب والأضرار، فتراه فى قوله - تعالى - { ونزعنا ~~ما في صدورهم من غل إخوانا... }. وأما بقاؤها ~~واستمرارها، فتراه فى قوله - تعالى - { وما هم منها ~~بمخرجين }. هذا، وشبيه بهذه الآيات قوله - تعالى - # إن المتقين في جنات وعيون آخذين مآ آتاهم ~~ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين... # وقوله - تعالى - # ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم ~~الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا ~~وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله... # وقوله - تعالى - # وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ~~ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من ~~فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب # وقوله - تعالى - # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم ~~جنات الفردوس نزلا خالدين فيها لا يبغون عنها ~~حولا # ثم بين - سبحانه - نماذج لمن شملتهم رحمته لإيمانهم وعملهم الصالح، ~~ولمن شملتهم نقمته لكفرهم وعملهم الطالح، ومن هذه النماذج تبشيره ~~لإبراهيم - وهو شيخ كبير - بغلام عليم، وإنجاؤه لوطا ومن آمن معه من ~~العذاب المهين، وإهلاكه المجرمين من قومه.. قال - تعالى - { نبىء ~~عبادي أني أنا الغفور الرحيم... }. ### || [15.49-60] # والخطاب فى قوله - تعالى - { نبئ عبادى.. } للرسول صلى الله عليه وسلم ~~والنبأ الخبر العظيم. والمراد ب { عبادي } المؤمنون منهم، والإضافة ~~للتشريف. أى أخبر - أيها الرسول الكريم - عبادى المؤمنين أنى أنا الله - ~~تعالى - الكثير المغفرة لذنوبهم، الواسع الرحمة لمسيئهم، وأخبرهم - أيضا ~~- أن عذابى هو العذاب الشديد الإيلام، فعليهم أن يقدموا القول الطيب، ~~والعمل الصالح، لكى يظفروا بمغفرتى ورحمتى، وينجو من عذابى ونقمتى. فأنت ~~ترى أن الله - تعالى - قد جمع فى ms2975 هاتين الآيتين بين المغفرة والعذاب، ~~وبين الرحمة والانتقام، وبين الوعد والوعيد، لبيان سنته - سبحانه - فى ~~خلقه، ولكى يعيش المؤمن حياته بين الخوف والرجاء، فلا يقنط من رحمة الله، ~~ولا يقصر فى أداء ما كلفه - سبحانه - به. وقدم - سبحانه - نبأ الغفران ~~والرحمة، على نبأ العذاب والانتقام، جريا على الأصل الذى ارتضته مشيئته، ~~وهو أن رحمته سبقت غضبه، ومغفرته سبقت انتقامه. والضمير " أنا " و " هو " ~~فى الآيتين الكريمتين، للفصل لإفادة تأكيد الخبر. قال الإمام الرازى ما ~~ملخصه وفى الآيتين لطائف إحداها أنه أضاف - سبحانه - العباد إلى نفسه ~~بقوله { عبادى } وهذا تشريف عظيم لهم... وثانيها. أنه لما ذكر الرحمة ~~والمغفرة بالغ فى التأكيد بألفاظ ثلاثة أولها قوله { أنى } وثانيها قوله ~~{ أنا } ، وثالثها. إدخال حرف الألف واللام على قوله { الغفور الرحيم } ، ~~ولما ذكر العذاب لم يقل إنى أنا المعذب، بل قال { وأن عذابي هو ~~العذاب الأليم }. وثالثها أنه أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن ~~يبلغ إليهم هذا المعنى، فكأنه أشهده على نفسه فى التزام المغفرة والرحمة. ~~ورابعها أنه لما قال { نبئ عبادى } كان معناه نبئ كل من كان معترفا ~~بعبوديتى، وهذا كما يدخل فيه المؤمن المطيع. فكذلك يدخل فيه المؤمن ~~العاصى، وكل ذلك يدل على تغليب جانب الرحمة من الله - تعالى -. وقال ~~الآلوسى وأخرج الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال # " إن الله - تعالى - خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعة ~~وتسعين رحمة، وأرسل فى خلقه كلهم رحمة واحدة فلو يعلم الكافر كل الذى ~~عنده من رحمة لم ييأس من الرحمة، ولو يعلم المؤمن بكل الذى عند الله - ~~تعالى - من العذاب، لم يأمن من النار ". # وأخرج عبد بن حميد وجماعة عن قتادة أنه قال فى الآية بلغنا أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال # " لو يعلم العبد قدر عفو الله - تعالى - لما تورع من حرام، ولو يعلم قدر ~~عذابه لبخع نفسه ". # وقوله - سبحانه - { ونبئهم عن ضيف إبراهيم... } معطوف ~~على قوله قبل ذلك { نبئ عبادى... ms2976 }. قال الجمل وأصل الضيف الميل، يقال ~~أضفت إلى كذا إذا ملت إليه. والضيف من مال إليك نزولا بك، وصارت الضيافة ~~فى القرى وأصل الضيف مصدر، ولذلك استوى فيه الواحد والجمع فى غالب ~~كلامهم. وقد يجمع فيقال أضياف وضيوف.... والمراد بضيف إبراهيم هنا ~~الملائكة الذين نزلوا عنده ضيوفا فى صورة بشرية، وبشروه بغلام عليم، ثم ~~أخبروه بأنهم أرسلوا إلى قوم لوط لإهلاكهم... ثم فصل - سبحانه - ما دار ~~بين إبراهيم وضيوفه فقال { إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما.. ~~}. والظرف " إذ " منصوب على أنه مفعول به لفعل مقدر. أى ونبئهم - أيضا - ~~أيها الرسول الكريم - عن ضيف إبراهيم، وقت أن دخلوا عليه، فقالوا له على ~~سبيل الدعاء أو التحية { سلاما } أى سلمت سلاما. أو سلمنا سلاما. فلفظ { ~~سلاما } منصوب بفعل محذوف. وقوله - سبحانه - { قال إنا منكم ~~وجلون } بيان لما رد به إبراهيم - عليه السلام - على الملائكة. و { ~~وجلون } جمع وجل، والوجل اضطراب يعترى النفس لتوقع حدوث مكروه. يقال وجل ~~الرجل وجلا فهو وجل إذا خاف. أى قال لهم إبراهيم بعد أن دخلوا عليه ~~وبادروه بالتحية إنا منكم خائفون. وقال { إنا منكم... } بصيغة الجمع، ~~لأنه قصد أن الخوف منهم قد اعتراه هو، واعترى أهله معه. وكان من أسباب ~~خوفه منهم، أنهم دخلوا عليه بدون إذن، وفى غير وقت الزيارة وبدون معرفة ~~سابقة لهم، وأنهم لم يأكلوا من الطعام الذى قدمه إليهم.. هذا، وقد ذكر - ~~سبحانه فى سورة الذاريات أنه رد عليهم السلام فقال - تعالى - # هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ ~~دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم ~~منكرون # كما بين - سبحانه - فى سورة هود أن من أسباب خوفه منهم، عدم أكلهم من ~~طعامه. قال - تعالى - # فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس ~~منهم خيفة... # أى خاف إبراهيم لما رأى أيدى الضيف لا تصل إلى طعامه. ثم حكى - سبحانه - ~~ما قالته الملائكة لإدخال الطمأنينة على قلب إبراهيم فقال - تعالى - { ~~قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم }. أى قالت ~~الملائكة لإبراهيم على سبيل البشارة وإدخال السرور ms2977 على قلبه لا تخف منا ~~يا إبراهيم، إنا جئنا إليك لنبشرك بغلام ذى علم كثير بشريعة الله - تعالى ~~- وبأوامره ونواهيه، وهو إسحق - عليه السلام -. وجملة { إنا نبشرك.. } ~~مستأنفة لتعليل النهى عن الوجل. وقد حكى - سبحانه - هنا أن البشارة كانت ~~له، وفى سورة هود أن البشارة كانت لامرأته، ومعنى ذلك أنها كانت لهما ~~معا، إما فى وقت واحد، وإما فى وقتين متقاربين بأن بشروه هو أولا، ثم ~~جاءت امرأته بعد ذلك فبشروها أيضا، ويشهد لذلك قوله - تعالى - # وامرأته قآئمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن ~~ورآء إسحاق يعقوب... # ثم حكى - سبحانه - ما قاله إبراهيم للملائكة بعد أن بشروه بهذا الغلام ~~العليم، فقال - تعالى - { قال أبشرتموني على أن مسني ~~الكبر فبم تبشرون }. والاستفهام للتعجب. كأنه عجب من أن ~~يرزقه الله - تعالى - بغلام عليم بعد أن مسه الكبر، وبلغ سن الشيخوخة. و ~~{ على } بمعنى مع، والمس اتصال شئ بآخر على وجه الإحساس والإصابة. أى ~~قال إبراهيم للملائكة، بعد أن بشروه بالولد، أبشرتمونى بذلك مع أن الكبر ~~قد أصابنى، والشيخوخة قد اعترتنى فبأى شىء عجيب قد بشرتمونى. وتعجب ~~إبراهيم إنما هو من كمال قدرة الله - تعالى - ونفاذ أمره، حيث وهبه هذا ~~الغلام فى تلك السن المتقدمة بالنسبة له ولامرأته، والتى جرت العادة أن ~~لا يكون معها إنجاب الأولاد. وقد حكى القرآن هذا التعجب على لسان امرأة ~~إبراهيم فى قوله - تعالى - # قالت يويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي ~~شيخا إن هذا لشيء عجيب.. # قال الإمام الرازى ما ملخصه والسبب فى هذا الاستفهام أن العادة جارية ~~بأنه لا يحصل الولد حال الشيخوخة التامة... وهناك جواب آخر، وهو أن ~~الإنسان إذا كان عظيم الرغبة فى شىء، وفاته الوقت الذى يغلب على ظنه ~~حصول ذلك المراد فيه، فإذا بشر بعد ذلك بحصوله ازداد فرحه وسروره، ويصير ~~ذلك الفرح القوى كالمدهش له وربما يجعله هذا الفرح يعيد السؤال ليسمع تلك ~~البشارة مرة أخرى، طلبا للالتذاذ بسماعها.... وقوله - سبحانه - { ~~قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين }. أى ~~قال الملائكة لإبراهيم لزيادة اطمئنانه، ms2978 ولتأكيد بشارته بالغلام العليم ~~يا إبراهيم إنا بشرناك بالأمر المحقق الوقوع، وباليقين الذى لا خلف معه، ~~وهو أن الله - تعالى - سيهبك الولد مع تقدم سنك وسن زوجك، فلا تكن من ~~الآيسين من رحمة الله - تعالى - فإن قدرته - عز وجل - لا يعجزها شىء. ~~وهنا دفع إبراهيم - عليه السلام - عن نفسه رذيلة اليأس من رحمة الله. ~~فقال على سبيل الإنكار والنفى { ومن يقنط من رحمة ربه ~~إلا الضآلون } أى أنا ليس بى قنوط أو يأس من رحمة الله، لأنه لا ~~ييأس من رحمة الله - تعالى - إلا القوم الضالون عن طريق الحق والصواب، ~~الذين لا يعرفون سعة رحمته - تعالى - ونفاذ قدرته، ولكن هذه البشارة ~~العظيمة - مع تقدم سنى وسن زوجى - هى التى جعلتنى - من شدة الفرح والسرور ~~- أعجب من كمال قدرة الله - تعالى -، ومن جزيل عطائه، ومن سابغ مننه، حيث ~~رزقنى الولد فى هذه السن التى جرت العادة بأن لا يكون معها إنجاب أو ~~ولادة. # ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما قاله إبراهيم للملائكة، بعد أن اطمأن ~~إليهم، فقال { قال فما خطبكم أيها المرسلون }. والخطب ~~مصدر خطب يخطب، ومنه قولهم هذا خطب يسير، وخطب جلل، وجمعه خطوب، وخصه ~~بعضهم بما له خطر من الأمور. وأصله الأمر العظيم الذى يكثر فيه التخاطب ~~ويخطب له. أى قال إبراهيم - عليه السلام - للملائكة على سبيل الاستيضاح ~~بالتفصيل عن سبب مجيئهم فما شأنكم الخطير الذى من أجله جئتم إلينا سوى ~~هذه البشارة. وكأنه قد فهم أن مجيئهم إليه ليس لمجرد البشارة، بل من وراء ~~البشارة أمر آخر جاءوا من أجله. وهنا بادره الملائكة بقولهم - كما حكى ~~القرآن عنهم - { قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين ~~}. أى قالوا له إنا أرسلنا - بأمر الله - تعالى - إلى قوم شأنهم ~~الإجرام، ودأبهم الفجور، والمراد بهم قوم لوط - عليه السلام - وكانوا ~~يسكنون مدينة " سدوم " بمنطقة وادى الأردن وقوله { إلا آل لوط ~~إنا لمنجوهم أجمعين } استثناء من القوم المجرمين الذين ~~أرسل الملائكة لإهلاكهم. والمراد بآل لوط أتباعه الذين آمنوا به وصدقوه. ~~ولم يشاركوا قومهم فى ms2979 كفرهم وشذوذهم. أى إنا أرسلنا إلى قوم لوط ~~لإهلاكهم، إلا من آمن منهم فإنا لمنجوهم أجمعين. وقد وضح هذا المعنى ~~صاحب الكشاف فقال فإن قلت قوله - تعالى - { إلا آل لوط } استثناء ~~متصل أم منقطع؟ قلت لا يخلو من أن يكون استثناء من قوم فيكون منقطعا، ~~لأن القوم موصوفون بالإجرام فاختلف لذلك الجنسان، وأن يكون استثناء من ~~الضمير فى { مجرمين } فيكون متصلا، كأنه قيل قد أرسلنا إلى قوم قد ~~أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم، كما قال # فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين # فإن قلت فهل يختلف المعنى لاختلاف الاستثناءين؟ قلت نعم، وذلك أن آل لوط ~~مخرجون فى المنقطع من حكم الإرسال، وعلى أنهم أرسلوا إلى القوم المجرمين ~~خاصة، ولم يرسلوا إلى آل لوط أصلا... كأنه قيل إنا أهلكنا قوما مجرمين، ~~ولكن آل لوط أنجيناهم. وأما فى المتصل، فهم داخلون فى حكم الإرسال، وعلى ~~أن الملائكة أرسلوا إليهم جميعا ليهلكوا هؤلاء، وينجوا هؤلاء، فلا يكون ~~الإرسال مخلصا بمعنى الإهلاك والتعذيب كما فى الوجه الأول... وقوله - ~~سبحانه - { إلا امرأته قدرنآ إنها لمن الغابرين ~~} استثناء من الضمير فى { لمنجوهم } ، إخراجا لها من التنجية. أى إلا ~~امرأة لوط - عليه السلام - فليست ممن سننجيه، بل هى ممن سنهلكه مع القوم ~~المجرمين. ومعنى { قدرنا } قضينا وحكمنا. # والغابر الباقى، يقال غبر الشىء غبورا إذا بقى وأصله من الغبرة وهى ~~بقية اللبن فى الضرع. وقد يستعمل فى الماضى فيكون هذا اللفظ من الأضداد. ~~ونسب الملائكة التقدير إليهم فقالوا { إلا امرأته قدرنآ... ~~} مع أنه فعل الله - تعالى - لما لهم من الزلفى عنده - سبحانه -، ولأنهم ~~ما أرسلوا لإهلاك المجرمين وإنجاء المؤمنين إلا بأمره. قال الآلوسى ما ~~ملخصه والظاهر أن قوله - تعالى - { إلا امرأته قدرنآ... } ~~من كلام الملائكة، وأسندوا التقدير إلى أنفسهم - وهو فعل الله - سبحانه - ~~لما لهم من القرب والاختصاص، وهذا كما يقول أحد حاشية السلطان أمرنا ~~بكذا.. والآمر فى الحقيقة هو السلطان. وقيل - ولا يخفى بعده - هو من كلام ~~الله - تعالى - فلا يحتاج إلى تأويل، وكذا لا يحتاج ms2980 إلى تأويل إذا أريد ~~بالتقدير العلم. قال بعض العلماء وفى هذه الآية الكريمة دليل واضح لما ~~حققه علماء الأصول من جواز الاستثناء من الاستثناء، لأنه - تعالى - ~~استثنى آل لوط من إهلاك المجرمين بقوله { إلا آل لوط إنا ~~لمنجوهم أجمعين } ثم استثنى من هذا الاستثناء امرأة لوط ~~بقوله { إلا امرأته قدرنآ إنها لمن الغابرين }. ~~وبهذا نرى أن الآيات الكريمة قد حكت لنا بأسلوب بليغ حكيم، ما دار بين ~~إبراهيم وبين الملائكة الذين جاءوا لتبشيره بغلام عليم، وإخباره بإهلاك ~~القوم المجرمين، وهم قوم لوط - عليه السلام -.. ثم حكت السورة بعد ذلك ما ~~دار بينهم وبين لوط - عليه السلام - بعد أن جاءوا إليه، وما دار بين لوط ~~- عليه السلام - وبين قومه المجرمين من مجادلات ومحاورات، وما حل بهؤلاء ~~المجرمين من عذاب جعل أعلى مدينتهم أسفلها.. فقال - تعالى - { فلما ~~جآء آل لوط المرسلون }. ### || [15.61-74] # قال الآلوسى وقوله - تعالى - { فلما جآء آل لوط المرسلون ~~} شروع فى بيان إهلاك المجرمين، وتنجية آل لوط. ووضع الظاهر موضع الضمير، ~~للإيذان بأن مجيئهم لتحقيق ما أرسلوا به من ذلك. والآية الكريمة معطوفة ~~على كلام محذوف يفهم من السياق، والتقدير وخرج الملائكة من عند إبراهيم - ~~بعد أن بشروه بغلامه، وبعد أن أخبروه بوجهتهم - فاتجهوا إلى المدينة التى ~~يسكنها لوط - عليه السلام - وقومه. فلما دخلوا عليه قال لهم { إنكم ~~قوم منكرون }. أى إنكم قوم غير معروفين لى، لأنى لم يسبق لى أن ~~رأيتكم، ولا أدرى من أى الأقوام أنتم، ولا أعرف الغرض الذى من أجله ~~أتيتم، وإن نفسى ليساورها الخوف والقلق من وجودكم عندى... ويبدو أن لوطا ~~- عليه السلام - قد قال لهم هذا الكلام بضيق نفس، لأنه يعرف شذوذ ~~المجرمين من قومه، ويخشى أن يعلموا بوجود هؤلاء الضيوف أصحاب الوجوه ~~الجميلة عنده، فيعتدوا عليهم دون أن يملك الدفاع عنهم... وقد صرح القرآن ~~الكريم بهذا الضيق النفسى، الذى اعترى لوطا بسبب وجود هؤلاء الضيوف عنده، ~~ومن ذلك قوله - تعالى - # ولما جآءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ~~ذرعا وقال هذا يوم عصيب ms2981 # وقال - سبحانه - { فلما جآء آل لوط المرسلون } مع أن ~~المجئ كان للوط - عليه السلام - والخطاب كان معه، تشريفا وتكريما ~~للمؤمنين من قوم لوط، فكأنهم كانوا حاضرين ومشاهدين لوجود الملائكة ~~بينهم، ولما دار بينهم وبين لوط - عليه السلام -. وقوله - سبحانه - { ~~قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون وآتيناك ~~بالحق وإنا لصادقون }. حكاية لما رد به الملائكة على لوط، ~~لكى يزيلوا ضيقه بهم، وكراهيته لوجودهم عنده. وقوله { يمترون } من ~~الامتراء، وهو الشك الذى يدفع الإنسان إلى المجادلة المبنية على الأوهام ~~لا على الحقائق. وهو - كما يقول الإمام الفخر الرازى - مأخوذ من قول ~~العرب " مريت الناقة والشاة إذا أردت حلبها، فكأن الشاك يجتذب بشكه مراء، ~~كاللبن الذى يجتذب عند الحلب. يقال قد مارى فلان فلانا، إذا جادله كأنه ~~يستخرج غضبه ". أى قال الملائكة للوط لإدخال الطمأنينة على نفسه يا لوط ~~نحن ما جئنا لإزعاجك أو إساءتك، وإنما جئناك بأمر كان المجرمون من قومك، ~~يشكون فى وقوعه، وهو العذاب الذى كنت تحذرهم منه إذا ما استمروا فى كفرهم ~~وفجورهم... وإنا ما أتيناك إلا بالأمر الثابت المحقق الذى لا مرية فيه ~~ولا تردد، وهو إهلاك هؤلاء المجرمين من قومك، وإنا لصادقون فى كل ما ~~قلناه لك، وأخبرناك به، فكن آمنا مطمئنا. فالإضراب فى قوله { قالوا ~~بل جئناك. # .. } إنما هو لإزالة ما وقر فى قلب لوط - عليه السلام - تجاه الملائكة ~~من وساوس وهواجس. فكأنهم قالوا له نحن ما جئناك بشئ تكرهه أو تخافه.. ~~وإنما جئناك بما يسرك ويشفى غليلك من هؤلاء القوم المنكوسين. وعبر عن ~~العذاب بقوله { بما كانوا فيه يمترون } زيادة فى إدخال الأنس ~~على نفسه وتحقيقا لوقوع العذاب بهم. وقوله { وأتيناك بالحق ~~وإنا لصادقون } تأكيد على تأكيد. وهذه التأكيدات المتعددة ~~والمتنوعة تشعر بأن لوطا - عليه السلام - كان فى غاية الهم والكرب لمجئ ~~الملائكة إليه بهذه الصورة التى تغرى المجرمين بهم دون أن يملك حمايتهم ~~أو الدفاع عنهم. لذا كانت هذه التأكيدات من الملائكة له فى أسمى درجات ~~البلاغة، حتى يزول خوفه، ويزداد اطمئنانه إليهم، ms2982 قبل أن يخبروه بما أمرهم ~~الله - تعالى - بإخباره به، وهو قوله - تعالى - { فأسر بأهلك ~~بقطع من اليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت ~~منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون }. قال القرطبى قوله { ~~فأسر.. } قرئ فاسر وقرئ فأسر، بوصل الهمزة وقطعها لغتان فصيحتان. قال - ~~تعالى - # واليل إذا يسر.. # وقال # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا.. # وقيل فأسر تقال لمن سار من أول الليل.. وسرى لمن سار فى آخره، ولا يقال ~~فى النهار إلا سار. وقوله { بقطع من اليل.. } أى بجزء من ~~الليل. والمراد به الجزء الأخير منه. أى قال الملائكة للوط - عليه السلام ~~- بعد أن أزالوا خوفه منه يا لوط إنا نأمرك - بإذن الله تعالى - أن تخرج ~~من هذه المدينة التى تسكنها مع قومك وأن يخرج معك أتباعك المؤمنون، وليكن ~~خروجكم فى الجزء الأخير من الليل. وقوله { واتبع أدبارهم } أى وكن وراءهم ~~لتطلع عليهم وعلى أحوالهم. قال الإمام ابن كثير يذكر الله - تعالى - عن ~~الملائكة أنهم أمروا لوطا أن يسرى بأهله بعد مضى جانب من الليل، وأن يكون ~~لوط - عليه السلام - يمشى وراءهم ليكون أحفظ لهم. وهكذا كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يمشى فى الغزاة يزجى الضعيف، ويحمل المنقطع. وقوله { ~~ولا يلتفت منكم أحد } أى ولا يلتفت منكم أحد أيها المؤمنون ~~- خلفه، حتى لا يرى العذاب المروع النازل بالمجرمين. وإنما أمرهم - ~~سبحانه - بعدم الالتفات إلى الخلف، لأن من عادة التارك لوطنه، أن يلتفت ~~إليه عند مغادرته، كأنه يودعه. قال صاحب الكشاف فإن قلت ما معنى أمره ~~باتباع أدبارهم ونهيهم عن الالتفات؟ قلت قد بعث الله الهلاك على قوم لوط، ~~ونجاه وأهله إجابة لدعوته عليهم وخرج مهاجرا فلم يكن له بد من الاجتهاد ~~فى شكر الله، وإدامة ذكره وتفريغ باله لذلك، فأمر بأن يقدمهم لئلا ~~يشتغل بمن خلفه قلبه، وليكون مطلعا عليهم وعلى أحوالهم، فلا تفرط منهم ~~التفاتة احتشاما منه ولا غيرها من الهفوات فى تلك الحال المهولة ~~المحذورة، ولئلا يتخلف منهم أحد لغرض له فيصيبه العذاب، وليكون مسيره ~~مسير الهارب الذى يقدم سربه ms2983 ويفوت به. # ونهوا عن الالتفات لئلا يروا ما ينزل بقومهم من العذاب فيرقوا له، ~~وليوطنوا نفوسهم على المهاجرة، ويمضوا قدما غير ملتفتين إلى ما وراءهم، ~~كالذى يتحسر على مفارقة وطنه... أو جعل النهى عن الالتفات، كناية عن ~~مواصلة السير، وترك التوانى والتوقف، لأن من يتلفت لا بد له فى ذلك من ~~أدنى وقفة. وقوله { وامضوا حيث تؤمرون } إرشاد من الملائكة ~~للوط - عليه السلام - إلى الجهة التى أمره الله - تعالى - بالتوجه إليها. ~~أى وامضوا فى سيركم إلى الجهة التى أمركم الله - تعالى - بالسير إليها، ~~مبتعدين عن ديار القوم المجرمين، تصحبكم رعاية الله وحمايته. قيل أمروا ~~بالتوجه إلى بلاد الشام، وقيل إلى الأردن، وقيل إلى مصر. ولم يرد حديث ~~صحيح يحدد الجهة التى أمروا بالتوجه إليها، ولكن الذى نعتقده أنهم ذهبوا ~~بأمر الله - تعالى - إلى مكان آخر، أهله لم يعملوا ما كان يعمله العادون ~~من قوم لوط - عليه السلام -. وقوله - سبحانه - { وقضينآ إليه ~~ذلك الأمر أن دابر هؤلآء مقطوع مصبحين } بيان ~~لجانب آخر من جوانب الرعاية والتكريم للوط - عليه السلام -. وعدى " قضينا ~~" بإلى، لتضمنه معنى أوحينا. والمراد بذلك الأمر إهلاك الكافرين من قوم ~~لوط - عليه السلام -. وجملة { أن دابر هؤلآء مقطوع ~~مصبحين } مفسرة ومبينة لذلك الأمر. وعبر عن عذابهم وإهلاكهم ~~بالإبهام أولا. ثم بالتفسير والتوضيح ثانيا، للإشعار بأنه عذاب هائل ~~شديد. ودابرهم أى آخرهم الذى يدبرهم. يقال فلان دبر القوم يدبرهم دبورا ~~إذا كان آخرهم فى المجئ. والمراد أنهم استؤصلوا بالعذاب استئصالا. وقوله ~~{ مصبحين } أى داخلين فى الصباح، مأخوذ من أصبح التامة، وصيغة أفعل تأتى ~~للدخول فى الشئ، نحو أنجد وأتهم، أى دخل فى بلاد نجد وفى بلاد تهامة، وهو ~~حال من اسم الإشارة هؤلاء، والعامل فيه معنى الإضافة. والمعنى وقضينا ~~الأمر بإبادتهم، وأوحينا إلى نبينا لوط - عليه السلام - أن آخر هؤلاء ~~المجرمين مقطوع ومستأصل ومهلك مع دخول وقت الصباح. وفى هذا التعبير ما ~~فيه من الدلالة على أن العذاب سيمحقهم جميعا، بحيث لا يبقى منهم أحدا، ~~لا من كبيرهم ولا من ms2984 صغيرهم، ولا من أولهم ولا من آخرهم. ثم حكى - سبحانه ~~- ما حدث من القوم المجرمين، بعد أن تسامعوا بأن فى بيت لوط - عليه ~~السلام - شبانا فيهم جمال ووضاءة فقال - تعالى - { وجآء أهل ~~المدينة يستبشرون }. والمراد بأهل المدينة أهل مدينة سدوم ~~التى كان يسكنها لوط وقومه. # ويستبشرون أى يبشر بعضهم بعضا بأن هناك شبانا فى بيت لوط - عليه ~~السلام -، من الاستبشار وهو إظهار الفرح والسرور. وهذا التعبير الذى ~~صورته الآية الكريمة، يدل دلالة واضحة على أن القوم قد وصلوا إلى الدرك ~~الأسفل من الانتكاس والشذوذ وانعدام الحياء... إنهم لا يأتون لارتكاب ~~المنكر فردا أو أفرادا، وإنما يأتون جميعا - أهل المدينة - وفى فرح ~~وسرور، وفى الجهر والعلانية، لا فى السر والخفاء... ولأى غرض يأتون؟ إنهم ~~يأتون لارتكاب الفاحشة التى لم يسبقهم إليها أحد من العالمين. وهكذا ~~النفوس عندما ترتكس وتنتكس، تصل فى مجاهرتها بإتيان الفواحش، إلى ما لم ~~تصل إليه بعض الحيوانات... ويقف لوط - عليه السلام - أمام شذوذ قومه ~~مغيظا مكروبا، يحاول أن يدفع عن ضيفه شرورهم، كما يحاول أن يحرك فيهم ~~ذرة من الآدمية فيقول لهم { إن هؤلآء ضيفي فلا تفضحون }. ~~وتفضحون من الفضح والفضيحة. يقال فضح فلان فلانا فضحا وفضيحة، إذا أظهر ~~من أمره ما يلزمه العار بسببه. أى قال لوط - عليه السلام - لمن جاءوا ~~يهرعون إليه من قومه لارتكاب الفاحشة مع ضيوفه يا قوم إن هؤلاء الموجودين ~~عندى ضيوفى الذين يلزمنى حمايتهم، فابتعدوا عن دارى وعودوا إلى دياركم، ~~ولا تفضحون عندهم بتعرضكم لهم بالفاحشة فأهون فى نظرهم، لعجزى عن ~~حمايتهم، وأنتم تعلمون أن كرامة الضيف جزء من كرامة مضيفه... وعبر لوط - ~~عليه السلام - عن الملائكة بالضيف لأنه لم يكن قد علم أنهم ملائكة ولأنهم ~~قد جاءوا إليه فى هيئة الآدميين. ثم أضاف لوط - عليه السلام - إلى رجاء ~~قومه رجاء آخر، حيث ذكرهم بتقوى الله فقال { واتقوا الله ولا ~~تخزون }. أى واتقوا الله وصونوا أنفسكم عن عذابه وغضبه، ولا تخزون مع ~~ضيفى، وتذلونى وتهينونى أمامهم. يقال خزى الرجل يخزى وخزى، ms2985 إذا وقع ~~فى مصيبة فذل لذلك. ولكن هذه النصائح الحكيمة من لوط - عليه السلام - ~~لقومه، لم تجد أذنا صاغية، بل قابلوها بسوء الأدب معه، وبالتطاول عليه، ~~شأن الطغاة الفجرة { قالوا أو لم ننهك عن العالمين }. ~~والاستفهام للإنكار. والواو للعطف على محذوف، والعالمين جمع عالم، وهو ~~كل موجود سوى الله - تعالى - والمراد بالعالمين هنا الرجال الذين كانوا ~~يأتون معهم الفاحشة من دون النساء. أى قال قوم لوط له بوقاحة وسوء أدب. ~~أو لم يسبق لنا يا لوط أننا نهيناك عن أن تحول بيننا وبين من نريد ارتكاب ~~الفاحشة معه من الرجال، وإذا كان الأمر كذلك فكيف ساغ لك بعد هذا النهى ~~أن تمنعنا عما نريده من ضيوفك وأنت تعلم ما نريده منهم؟ ولكن لوطا - عليه ~~السلام - مع شناعة قولهم هذا، لم ييأس من محاولة منعهم عما يريدونه من ~~ضيوفه، فأخذ يرشدهم إلى ما تدعو إليه الفطرة السليمة فقال { هؤلآء ~~بناتي إن كنتم فاعلين }. # والمراد ببناته هنا زوجاتهم ونساؤهم اللائى يصلحن للزواج. وأضافهن إلى ~~نفسه لأن كل نبى أب لأمته من حيث الشفقة والرعاية وحسن التربية. قال ابن ~~كثير ما ملخصه يرشد لوطا - عليه السلام - قومه إلى نسائهم فإن النبى ~~للأمة بمنزلة الوالد، فأرشدهم إلى ما هو أنفع لهم، كما قال - تعالى - فى ~~آية أخرى # أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق ~~لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون # وقيل المراد ببناته هنا بناته من صلبه، وأنه عرض عليهم الزواج بهن. ~~ويضعف هذا الرأى أن لوطا - عليه السلام - كان له بنتان أو ثلاثة كما جاء ~~فى بعض الروايات، وعدد المتدافعين من قومه إلى بيته كان كثيرا، كما يرشد ~~إليه قوله - تعالى - { وجآء أهل المدينة يستبشرون } ~~فكيف تكفيهم بنتان أو ثلاثة للزواج بهن؟ قال الإمام الرازى فى ترجيح ~~الرأى الأول ما ملخصه " وهذا القول عندى هو المختار، ويدل عليه وجوه منها ~~أنه قال هؤلاء بناتى.. وبناته اللاتى من صلبه لا تكفى هذا الجمع العظيم، ~~أما نساء أمته ففيهم كفاية للكل، ومنها أنه ms2986 صحت الرواية أنه كان له بنتان ~~وهما " زنتا وزاعورا " وإطلاق لفظ البنات على البنتين لا يجوز، لما ثبت ~~أن أقل الجمع ثلاثة ". والمعنى أن لوطا - عليه السلام - لما رأى هيجان ~~قومه، وإصرارهم على ارتكاب الفاحشة مع ضيوفه، قال لهم على سبيل الإرشاد ~~إلى ما يشبع الفطرة السليمة يا قوم هؤلاء نساؤكم اللاتى هن بمنزلة بناتى، ~~فاقضوا معهن شهوتكم إن كنتم فاعلين لما أرشدكم إليه من توجيهات وآداب. ~~وعبر بإن فى قوله { إن كنتم فاعلين } لشكه فى استجابتهم لما ~~يدعوهم إليه فكأنه يقول لهم إن كنتم فاعلين لما أطلبه منكم، وما أظنكم ~~تفعلونه لانتكاس فطرتكم، وانقلاب أمزجتكم.. وجواب الشرط محذوف، أى إن ~~كنتم فاعلين ما أرشدكم إليه فهو خير لكم. وقوله - سبحانه - { لعمرك ~~إنهم لفي سكرتهم يعمهون } يرى جمهور المفسرين أنه كلام ~~معترض بين أجزاء قصة لوط - عليه السلام - مع قومه، لبيان أن الموعظة لا ~~تجدى مع القوم الغاوين، ولتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من ~~سفهاء قومه. فالخطاب فيه للنبى صلى الله عليه وسلم واللام فى { لعمرك } ~~لام القسم، والمقسم به حياته صلى الله عليه وسلم والعمر - بفتح العين - ~~لغة فى العمر - بضمها، ومعناهما مدة حياة الإنسان وبقائه فى هذه الدنيا، ~~إلا أنهم ألزموا مفتوح العين فى القسم، وهو مبتدأ وخبره محذوف وجوبا ~~والتقدير لعمرك قسمى أو يمبنى. # والسكرة ذهاب العقل، مأخوذة من السكر - بفتح السين وإسكان الكاف - وهو ~~السد والإغلاق. وأطلقت هنا على الغواية والضلالة لإزالتهما الرشد ~~والهداية عن عقل الإنسان و { يعمهون } من العمه بمعنى التحير والتردد فى ~~الأمر. وهو للبصيرة بمنزلة العمى للبصر. يقال عمه فلان - كفرح - عمها، ~~إذا تردد وتحير، فهو عمه وعامه، وهم عمهون وعمه - كركع - والمعنى بحق ~~حياتك - أيها الرسول الكريم - إن هؤلاء المكذبين لك، لفى غفلتهم وغوايتهم ~~يترددون ويتحيرون، شأنهم فى ذلك شأن الضالين من قبلهم كقوم لوط وقوم شعيب ~~وقوم صالح، وغيرهم من المتكبرين فى الأرض بغير الحق.. قال الآلوسى " ~~وقوله { لعمرك } قسم من الله - تعالى - بعمر نبينا صلى الله ms2987 عليه وسلم ~~على ما عليه جمهور المفسرين. وأخرج البيهقى فى الدلائل، وأبو نعيم وابن ~~مردويه وغيرهم عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال ما خلق الله - تعالى - ~~وما ذرأ وما برأ نفسا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم وما سمعت ~~الله - تعالى - أقسم بحياة أحد غيره، قال - تعالى - { لعمرك ~~إنهم لفي سكرتهم يعمهون } وقيل هو قسم من الملائكة ~~بعمر لوط - عليه السلام -، وهو مع مخالفته للمأثور محتاج لتقدير القول، ~~أى. قالت الملائكة للوط - عليه السلام - لعمرك.. وهو خلاف الأصل وإن كان ~~سياق القصة شاهدا له وقرينة عليه.. ". ثم ختم - سبحانه - القصة ببيان ~~النهاية الأليمة لهؤلاء المفسدين من قوم لوط فقال - تعالى - { ~~فأخذتهم الصيحة مشرقين فجعلنا عاليها ~~سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل }. والصيحة ~~من الصياح وهو الصوت الشديد. يقال صاح فلان إذا رفع صوته بشدة. وأصل ذلك ~~تشقيق الصوت من قولهم انصاح الخشب أو الثوب، إذا انشق فسمع منه صوت. ~~قالوا وكل شئ أهلك به قوم فهو صيحة وصاعقة. و { مشرقين } اسم فاعل من ~~أشرقوا إذا دخلوا فى وقت شروق الشمس، أى أن الله - تعالى - بعد أن أخبر ~~لوطا - عليه السلام - بإهلاك قومه، وأمره عن طريق الملائكة - بالخروج ~~ومعه المؤمنون من هذه المدينة.. جاءت الصيحة الهائلة من السماء فأهلكتهم ~~جميعا وهم داخلون فى وقت شروق الشمس. وقال - سبحانه - قبل ذلك { ~~وقضينآ إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلآء مقطوع ~~مصبحين } وقال هنا { فأخذتهم الصيحة مشرقين } ~~للإشارة إلى أن ابتداء عذابهم كان عند الصباح وانتهاءه باستئصال شأفتهم ~~كان مع وقت الشروق. والضمير فى قوله { عاليها سافلها } يعود إلى المدينة ~~التى كان يسكنها المجرمون من قوم لوط. أى فجعلنا بقدرتنا عالى هذه ~~المدينة سافلها، بأن قلبناها قلبا كاملا { وأمطرنا عليهم } أى على ~~هؤلاء المجرمين من قوم لوط { حجارة } كائنة { من سجيل } أى من طين متحجر. # فهلكوا جميعا. وهكذا أخذ الله - تعالى - هؤلاء المجرمين أخذ عزيز ~~مقتدر، حيث أهلكهم بهذه العقوبة التى تتناسب مع جريمتهم، فهم قلبوا ~~الأوضاع، فأتوا بفاحشة لم يسبقوا ms2988 إليها، فانتقم الله - تعالى - منهم بهذه ~~العقوبة التى جعلت أعلى مساكنهم أسفلها. ثم ساقت السورة الكريمة بعض ~~العبر والعظات التى يهتدى بها العقلاء من قصتى إبراهيم ولوط - عليهما ~~السلام - كما ساقت بعد ذلك جانبا من قصتى شعيب وصالح - عليهما السلام - ~~فقال - تعالى - { إن في ذلك لآيات للمتوسمين... }. ### || [15.75-84] # فاسم الإشارة فى قوله - سبحانه - { إن في ذلك لآيات ~~للمتوسمين } يعود إلى ما تضمنته القصة السابقة من عبر وعظات. ~~والآيات جمع آية، والمراد بها هنا الأدلة والعلامات الدالة على ما يوصل ~~إلى الحق والهداية. والمتوسمون جمع المتوسم، وهو المتأمل فى الأسباب ~~وعواقبها، وفى المقدمات ونتائجها.. قال القرطبى ما ملخصه التوسم تفعل من ~~الوسم، وهى العلامة التى يستدل بها على مطلوب غيره. يقال توسمت فى فلان ~~الخير، إذا رأيت ميسم ذلك فيه، ومنه قول عبد الله ابن رواحة للنبى صلى ~~الله عليه وسلم. # إنى توسمت فيك الخير أعرفه والله يعلم أنى ثابت البصر # وأصل التوسم التثبت والتفكر، مأخوذ من الوسم وهو التأثير بحديدة فى جلد ~~البعير وغيره.. وذلك يكون بجودة القريحة، وحدة الخاطر، وصفاء الفكر، ~~وتطهير القلب من أدناس المعاصى. والمراد بالمتوسمين " المتفرسين، أو ~~المتفكرين، أو المعتبرين، أو المتبصرين.. والمعنى متقارب.. ". والمعنى إن ~~فى ذلك الذى سقناه فى قصتى إبراهيم ولوط - عليهما السلام - لأدلة واضحة ~~على حسن عاقبة المؤمنين وسوء عاقبة الغاوين، لمن كان ذا فكر سليم، وبصيرة ~~نافذة تتأمل فى حقائق الأشياء، وتتعرف على ما يوصلها إلى الهداية والطريق ~~القويم. قال بعض العلماء عند تفسيره لهذه الآية هذه الآية أصل فى ~~الفراسة. أخرج الترمذى من حديث أبى سعيد مرفوعا # " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " # ثم قرأ صلى الله عليه وسلم هذه الآية... وقد أجاد الكلام فى الفراسة، ~~الراغب الأصفهانى فى كتابه " الذريعة " حيث قال فى الباب السابع وأما ~~الفراسة فالاستدلال بهيئة الإنسان وأشكاله وألوانه وأقواله، على أخلاقه ~~وفضائله ورذائله... وقد نبه - سبحانه - على صدقها بقوله { إن في ~~ذلك لآيات للمتوسمين } وبقوله # تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا # وبقوله # ولو نشآء ms2989 لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ~~ولتعرفنهم في لحن القول # ولفظها مأخوذ من قولهم " فرس السبع الشاه " فكأن الفراسة اختلاف ~~المعارف. وفى هذه الآية الكريمة تعريض لمن تمر عليهم العبر والعظات. ~~والأدلة الدالة على وحدانية الله - تعالى -، وكمال قدرته... فلا يعتبرون ~~ولا يتعظون ولا يتفكرون فيها، لانطماس بصيرتهم، واستيلاء الأهواء ~~والشهوات على نفوسهم، كما قال - تعالى - # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون وما يؤمن أكثرهم ~~بالله إلا وهم مشركون # والضمير فى قوله - سبحانه - { وإنها لبسبيل مقيم } يعود ~~إلى المدينة أو القرى التى كان يسكنها قوم لوط - عليه السلام -. أى وإن ~~هذه المساكن التى كان يسكنها هؤلاء المجرمون، لبطريق ثابت واضح يسلكه ~~الناس، ويراه كل مجتاز له وهو فى سفره من الحجاز إلى الشام، كما قال - ~~تعالى - # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وباليل ~~أفلا تعقلون # والمقصود تذكير كفار قريش وغيرهم بعاقبة الظالمين، حتى يقلعوا عن كفرهم ~~وجحودهم، وحتى يعتبروا ويتعظوا، ويدخلوا مع الداخلين فى دين الإسلام. ~~وقوله - سبحانه - { إن في ذلك لآية للمؤمنين } تذييل قصد ~~به التعميم بعد التخصيص، لأن اسم الإشارة هنا يعود إلى جميع ما تقدم من ~~قصتى إبراهيم ولوط - عليهما السلام - وإلى ما انضم إليهما من التذكير ~~بآثار الأقوام المهلكين. أى إن فيما ذكرناه فيما سبق من أدلة واضحة على ~~حسن عاقبة المتقين، وسوء نهاية الظالمين، لعبرة واضحة، وحكمة بالغة، ~~للمؤمنين الصادقين. وخصهم بالذكر لأنهم هم المنتفعون بالأدلة والعظات، ~~وللتنبيه على أن التفرس فى الأمور لمعرفة أسبابها ونتائجها من صفاتهم ~~وحدهم. وجمع الآيات قبل ذلك فى قوله { إن في ذلك لآيات ~~للمتوسمين } وأفردها هنا فقال { إن في ذلك لآية ~~للمؤمنين } للأشعار بأن المؤمنين الصادقين تكفى لهدايتهم، ولزيادة ~~إيمانهم، آية واحدة من الآيات. الدالة على أن دين الإسلام هو الدين ~~الحق، وفى ذلك ما فيه من الثناء عليهم، والمدح لهم، بصدق الإيمان، ~~وسلامة اليقين... ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانبا من قصة أصحاب الأيكة ~~لزيادة العظات والعبر، فقال - تعالى - { وإن كان أصحاب ~~الأيكة لظالمين فانتقمنا منهم وإنهما ~~لبإمام ms2990 مبين } و { إن } هى المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير ~~الشأن المحذوف. وأصحاب الأيكة، هم قوم شعيب - عليه السلام -، والأيك ~~الشجر الكثير الملتف واحدته أيكة - كتمر وتمره -. والمراد بها البقعة ~~الكثيرة الأشجار التى كانت فيها مساكنهم، قرب مدين قرية شعيب - عليه ~~السلام -. وجمهور العلماء على أن أهل مدين وأصحاب الأيكة قبيلة واحدة، ~~وأرسل الله - تعالى - إليهم جميعا شعيبا - عليه السلام - لأمرهم بإخلاص ~~العبادة لله - تعالى -، ونهيهم عن تطفيف الكيل والميزان، وعن قطع ~~الطريق... وكانوا جميعا يسكنون فى المنطقة التى تسمى بمعان، على حدود ~~الحجاز والشام، أو أن بعضهم كان يسكن الحاضرة وهم أهل مدين، والبعض الآخر ~~كان يسكن فى البوادى المجاورة لها والمليئة بالأشجار. وقيل إن شعيبا - ~~عليه السلام - أرسل إلى أمتين أهل مدين، وأصحاب الأيكة، وهذه خصوصية له - ~~عليه السلام -. وعلى أية حال فالعلماء متفقون على أن أصحاب الأيكة هم قوم ~~شعيب - عليه السلام -. والإمام الطريق الواضح المعالم. وسمى الطريق ~~إماما لأن المسافر يأتم به، ويهتدى بمسالكه، حتى يصل إلى الموضع الذى ~~يريده. والمعنى وإن الشأن والحال أن أصحاب الأيكة كانوا ظالمين متجاوزين ~~لكل حد، فاقتضت عدالتنا أن ننتقم منهم، بسبب كفرهم وفجورهم. { وإنهما } ~~أى مساكن قوم لوط، ومساكن قوم شعيب { لبإمام مبين } أى لبطريق واضح يأتم ~~به أهل مكة فى سفرهم من بلادهم إلى بلاد الشام. # قال ابن كثير وقد كانوا - أى أصحاب الأيكة - قريبا من قوم لوط، بعدهم ~~فى الزمان، ومسامتين لهم فى المكان، ولهذا لما أنذر شعيب قومه قال فى ~~إنذاره لهم # وما قوم لوط منكم ببعيد # ثم ختمت السورة الكريمة حديثها عن قصص الأنبياء مع أقوامهم بجانب من قصة ~~صالح - عليه السلام - مع قومه. فقال - تعالى - { ولقد كذب ~~أصحاب الحجر المرسلين }... وأصحاب الحجر هم ثمود قوم صالح - ~~عليه السلام -. والحجر واد بين الشام والمدينة المنورة، كان قوم صالح ~~يسكنونه. والحجر فى الأصل كل مكان أحاطت به الحجارة، أو كل مكان محجور أى ~~ممنوع من الناس بسبب اختصاص بعضهم به. وما زال هذا المكان يعرف إلى الآن ms2991 ~~باسم مدائن صالح على الطريق من خيبر إلى تبوك، كما أشرنا إلى ذلك عند ~~التعريف بالسورة الكريمة. وقال - سبحانه - { ولقد كذب أصحاب ~~الحجر المرسلين } مع أنهم لم يكذبوا إلا رسولهم - عليه السلام ~~-، لأن تكذيب رسول واحد، تكذيب لجميع الرسل، حيث إن رسالتهم واحدة، وهى ~~الأمر بإخلاص العبادة لله - تعالى - وحده، والدعوة إلى مكارم الأخلاق، ~~والنهى عن الرذائل والمفاسد. ثم بين - سبحانه - مظاهر هذا التكذيب ~~لرسولهم - عليه السلام - فقال { وآتيناهم آياتنا فكانوا ~~عنها معرضين }. أى وأعطينا قوم صالح - عليه السلام - آياتنا ~~الدالة على صدقه وعلى أنه رسول من عندنا، والتى من بينها الناقة التى ~~أخرجها الله - تعالى - لهم ببركة دعاء نبيهم { فكانوا عنها } أى عن هذه ~~الآيات الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا { معرضين } لا يلتفتون إليها، ولا ~~يفكرون فيها، ولهذا عقروا الناقة # وعتوا عن أمر ربهم وقالوا ياصالح ائتنا بما ~~تعدنآ إن كنت من المرسلين # ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر حضارتهم وتحصنهم فى بيوتهم المنحوتة فى ~~الجبال فقال - تعالى - { وكانوا ينحتون من الجبال ~~بيوتا آمنين }. وينحتون من النحت وهو برى الحجر من وسطه أو جوانبه، ~~لإعداده للبناء أو للسكن أى وكانوا لقوتهم وغناهم يتخذون لأنفسهم بيوتا ~~فى بطون الجبال وهم آمنون مطمئنون، أو يقطعون الصخر منها ليتخذوه بيوتا ~~لهم. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين # أى حاذقين فى نحتها. وقوله - تعالى - # واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد عاد ~~وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا ~~وتنحتون الجبال بيوتا # قال ابن كثير ذكر - تعالى - أنهم { كانوا ينحتون من ~~الجبال بيوتا آمنين } أى من غير خوف ولا احتياج إليها، بل بطرا ~~وعبثا،كما هو المشاهد من صنيعهم فى بيوتهم بوادى الحجر، الذى مر به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب إلى تبوك فقنع رأسه - أى غطاها بثوبه - ~~وأسرع دابته، وقال لأصحابه # " لا تدخلوا بيوت القوم المعذبين، إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تبكوا ~~فتباكوا خشية أن يصيبكم ما أصابهم ". # ولكن ماذا كانت نتيجة هذه القوة الغاشمة، والثراء الذى ليس ms2992 معه شكر لله ~~- تعالى - والإصرار على الكفر والتكذيب لرسل الله - تعالى -، والإعراض ~~عن الحق...؟ لقد بين القرآن عاقبة ذلك فقال { فأخذتهم الصيحة ~~مصبحين فمآ أغنى عنهم ما كانوا يكسبون }. أى ~~فكانت نتيجة تكذيب أصحاب الحجر لرسولهم صالح - عليه السلام - أن أهلكهم ~~الله - تعالى - وهم داخلون فى وقت الصباح، عن طريق الصيحة الهائلة، التى ~~جعلتهم فى ديارهم جاثمين، دون أن يغنى عنهم شيئا ما كانوا يكسبونه من ~~جمع الأموال، وما كانوا يصنعونه من نحت البيوت فى الجبال. وهكذا نرى أن ~~كل وقاية ضائعة، وكل أمان ذاهب، وكل تحصن زائل أمام عذاب الله المسلط على ~~أعدائه المجرمين. وهكذا تنتهى تلك الحلقات المتصلة من قصص بعض الأنبياء ~~مع أقوامهم والتى تتفق جميعها فى بيان سنة من سنن الله - تعالى - فى ~~خلقه، وهى أن النجاة والسعادة والنصر للمؤمنين، والهلاك والشقاء والهزيمة ~~للمكذبين. ثم ختمت السورة الكريمة ببيان كمال قدرة الله - تعالى -، ~~وببيان جانب من النعم التى منحها - سبحانه - لنبيه صلى الله عليه وسلم، ~~وبتهديد المشركين الذين جعلوا القرآن عضين، والذين جعلوا مع الله إلها ~~آخر، وبتسليته صلى الله عليه وسلم عما لحقه منهم من أذى، فقال - تعالى - ~~{ وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهمآ إلا ~~بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح ~~الجميل... }. ### || [15.85-99] # فقوله - سبحانه - { وما خلقنا السماوات والأرض وما ~~بينهمآ إلا بالحق } توجيه للناس إلى التأمل فى مظاهر قدرة ~~الله - تعالى -، وإلى الحق الأكبر الذى قام عليه هذا الوجود، بعد أن بين ~~- سبحانه - قبل ذلك، سنته التى لا تتخلف، وهى أن حسن العاقبة للمتقين، ~~وسوء المصير للمكذبين. والحق هو الأمر الثابت الذى تقتضيه عدالة الله - ~~تعالى - وحكمته. والباء فيه للملابسة. أى وما خلقنا السماوات والأرض وما ~~بينهما من كائنات لا يعلمها إلا الله، إلا خلقا ملتبسا بالحق الذى لا ~~يحوم حوله باطل، وبالعدل الذى لا يخالطه جور وبالحكمة التى تتنزه عن ~~العبث، وتأبى استمرار الفساد، واستبقاء ضعف الحق أمام الباطل. والمراد ~~بالساعة فى قوله - تعالى - { وإن الساعة لآتية } ساعة البعث ~~والحساب والثواب والعقاب فى ms2993 الآخرة. أى وإن ساعة إعطاء كل ذى حق حقه، ~~ومعاقبة كل ذى باطل على باطله، لآتية لا ريب فيها، فمن فاته أخذ حقه فى ~~الدنيا فسيأخذه وافيا غير منقوص فى الآخرة، ومن أفلت من عقوبة الدنيا ~~فسينال ما هو أشد وأخزى منها فى يوم الحساب. فالجملة الكريمة انتقال من ~~تهديد المجرمين بعذاب الدنيا، إلى تهديدهم بعذاب الآخرة، والمقصود من ذلك ~~تسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه من المكذبين من أذى. وأكد - سبحانه ~~- هذه الجملة بإن وبلام التوكيد، ليدل على أن الساعة آتية لا محالة، ~~وليخرس ألسنة الذين ينكرون وقوعها وحدوثها... وجملة { فاصفح ~~الصفح الجميل } تفريع على ما قبلها. والصفح الجميل ترك المؤاخذة ~~على الذنب، وإغضاء الطرف عن مرتكبه بدون معاتبة. أى ما دام الأمر كما ~~ذكرنا لك أيها الرسول الكريم - من أن هذا الكون قد خلقناه بالحق، ومن أن ~~الساعة آتية لا ريب فيها... فاصفح عن هؤلاء المكذبين لك صفحا جميلا، لا ~~عتاب معه ولا حزن ولا غضب... حتى يحكم الله بينك وبينهم. وهذا التعبير ~~فيه ما فيه من تسليته صلى الله عليه وسلم وتكريمه، لأنه - سبحانه - أمره ~~بالصفح الجميل عن أعدائه، ومن شأن الذى يصفح عن غيره، أن يكون أقوى وأعز ~~من هذا الغير - فكأنه - سبحانه - يقول له اصفح عنهم فعما قريب ستكون لك ~~الكلمة العليا عليهم. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون # وقوله - سبحانه - # ... فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن ~~الله على كل شيء قدير # وقوله - سبحانه - { إن ربك هو الخلاق العليم } تعليل ~~للأمر بالصفح الجميل عنهم. والخلاق والعليم صيغتا مبالغة من الخلق ~~والعلم، للدلالة على كثرة خلقه، وشمول علمه. # أى { إن ربك } أيها الرسول الكريم، الذى رباك برعايته وعنايته، واختارك ~~لحمل رسالته { هو } - سبحانه - { الخلاق } لك ولهم ولكل شئ فى هذا ~~الوجود. { العليم } بأحوالك وبأحوالهم، وبما يصلح لك ولهم ولكل الكائنات. ~~وقد علم - سبحانه - أن الصفح عنهم فى هذا الوقت فيه المنفعة لك ولهم، ~~فحقيق بك - أيها الرسول الكريم - أن ms2994 تطيعه - سبحانه -، وأن تكل الأمور ~~إليه. ولقد تحقق الخير من وراء هذا التوجيه السديد من الله - تعالى - ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم فقد نرتب على هذا الصفح النصر للنبى صلى الله ~~عليه وسلم وللمؤمنين، والهداية لبعض الكافرين وهم الذين دخلوا فى ~~الإسلام بعد نزول هذه الآية، وصاروا قوة للدعوة الإسلامية بعد أن كانوا ~~حربا عليها، وتحقق - أيضا - قوله صلى الله عليه وسلم # " لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله - عز وجل - ". # ثم أتبع - سبحانه - هذه التسلية والبشارة للرسول صلى الله عليه وسلم، ~~بمنة ونعمة أجل وأعظم من كل ما سواها، ليزيده اطمئنانا وثقة بوعد الله - ~~تعالى - فقال { ولقد آتيناك سبعا من المثاني ~~والقرآن العظيم }. والمراد بالسبع المثانى صورة الفاتحة. وسميت ~~بذلك، لأنها سبع آيات، ولأنها تثنى أى تكرر فى كل ركعة من ركعات الصلاة. ~~قال صاحب الكشاف " والمثانى من التثنية وهى التكرير للشئ، لأن الفاتحة ~~تكرر قراءتها فى الصلاة. أو من الثناء، لاشتمالها على ما هو ثناء على ~~الله - تعالى -... ". والمعنى ولقد أعطيناك - أيها الرسول الكريم - سورة ~~الفاتحة التى هى سبع آيات، والتى تعاد قراءتها فى كل ركعة من ركعات ~~الصلاة، وأعطيناك - أيضا - القرآن العظيم الذى يهدى للطريق التى هى ~~أقوم. وأوثر فعل { آتيناك } بمعنى أعطيناك على أوحينا إليك، أو أنزلنا ~~عليك لأن الإعطاء أظهر فى الإكرام والإنعام. وقوله { والقرآن العظيم } ~~معطوف على { سبعا } من باب عطف الكل على الجزء، اعتناء بهذا الجزء. ووصف ~~- سبحانه - القرآن بأنه عظيم، تنويها بشأنه، وإعلاء لقدره. ومما يدل على ~~أن المراد بالسبع المثانى سورة الفاتحة ما أخرجه البخارى بسنده # " عن أبى سعيد بن المعلى قال مر بى النبى صلى الله عليه وسلم وأنا أصلى، ~~فدعانى فلم آته حتى صليت، ثم أتيته فقال ما منعك أن تأتينى؟ فقلت كنت ~~أصلى. فقال ألم يقل الله { يأيها الذين آمنوا استجيبوا ~~لله وللرسول إذا دعاكم }. ثم قال ألا أعلمك أعظم سورة فى ~~القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟ ثم ذهب النبى صلى الله عليه وسلم ليخرج، ms2995 ~~فذكرته فقال { الحمد لله رب العالمين } هى السبع المثانى ~~والقرآن العظيم الذى أوتيته ". # وروى البخارى - أيضا - عن أبى هريرة قال قال النبى صلى الله عليه وسلم # " أم القرآن هى السبع المثانى والقرآن العظيم ". # هذا، وهناك أقوال أخرى فى المقصود بالسبع المثانى، ذكرها بعض المفسرين ~~فقال اختلف العلماء فى السبع المثانى فقيل الفاتحة. قاله على بن أبى ~~طالب، وأبو هريرة، والربيع بن أنس، وأبو العالية، والحسن وغيرهم. وروى عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة من حديث أبى بن كعب وأبى سعيد بن ~~المعلى... وقال ابن عباس هى السبع الطوال البقرة، وآل عمران، والنساء، ~~والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال والتوبة معا... وأنكر قوم هذا ~~وقالوا أنزلت هذه الآية بمكة، ولم ينزل من السبع الطوال شئ إذ ذاك. وقيل ~~المثانى القرآن كله، قال الله - تعالى - # كتابا متشابها مثاني # هذا قول الضحاك وطاووس، وقاله ابن عباس. وقيل له مثانى، لأن الأنباء ~~والقصص ثنيت فيه... وقيل المراد بالسبع المثانى أقسام القرآن من الأمر ~~والنهى والتبشير والإنذار.. ثم قال والصحيح الأول لأنه نص. وقد قدمنا فى ~~الفاتحة أنه ليس فى تسميتها بالمثانى ما يمنع من تسمية غيرها بذلك، إلا ~~أنه إذا ورد عن النبى صلى الله عليه وسلم وثبت عنه نص فى شئ لا يحتمل ~~التأويل، كان الوقوف عنده. والذى نراه، أن المقصود بالسبع المثانى هنا ~~سورة الفاتحة، لثبوت النص الصحيح بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ومتى ثبت النص الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم فى شئ فلا كلام لأحد معه أو ~~بعده صلى الله عليه وسلم. ثم نهى الله - تعالى - المسلمين فى شخص نبيهم ~~صلى الله عليه وسلم عن التطلع إلى زينة الحياة الدنيا، فقال - تعالى - { ~~لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم }... قال صاحب الكشاف فإن قلت كيف وصل هذا بما قبله؟ قلت يقول ~~الله - تعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم قد أوتيت النعمة العظمى التى ~~كل نعمة وإن عظمت فهى إليها حقيرة ضئيلة، وهى القرآن العظيم، ms2996 فعليك أن ~~تستغنى به، ولا تمدن عينيك إلى متاع الدنيا... قال أبو بكر الصديق من ~~أوتى القرآن، فرأى أن أحدا أوتى من الدنيا أفضل مما أوتى، فقد صغر ~~عظيما، وعظم صغيرا. وقال ابن كثير وقال ابن أبى حاتم ذكر عن وكيع بن ~~الجراح، قال حدثنا موسى بن عبيدة، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبى ~~رافع صاحب النبى صلى الله عليه وسلم قال # " أضاف النبى صلى الله عليه وسلم ضيفا، ولم يكن عنده صلى الله عليه وسلم ~~شئ يصلحه، فأرسل إلى رجل من اليهود يقول لك محمد رسول الله أسلفنى دقيقا ~~إلى هلال رجب. قال اليهودى لا إلا برهن. فأتيت النبى صلى الله عليه وسلم ~~فأخبرته، فقال أما والله إنى لأمين من فى السماء، وأمين من فى الأرض، ~~ولئن أسلفنى أو باعنى لأؤدين إليه. فلما خرجت من عنده نزلت هذه الآية. { ~~لا تمدن عينيك } كأنه - سبحانه - يعزيه عن الدنيا ". # وقوله - سبحانه - { تمدن } من المد، وأصله الزيادة. واستعير هنا للتطلع ~~إلى ما عند الغير برغبة وتمن وإعجاب. يقال مد فلان عينه إلى مال فلان، ~~إذا اشتهاه وتمناه وأراده. والمراد بالأزواج الأصناف من الكفار الذين ~~متعهم الله بالكثير من زخارف الدنيا. والمعنى لا تحفل - أيها الرسول ~~الكريم - ولا تطمح ببصرك طموح الراغب فى ذلك المتاع الزائل، الذى متع ~~الله - تعالى - به أصنافا من المشركين فإن ما بين أيديهم منه شئ سينتهى ~~عما قريب، وقد آتاهم الله - تعالى - إياه على سبيل الاستدراج والإملاء، ~~وأعطاك ما هو خير منه وأبقى، وهو القرآن العظيم. قال صاحب الظلال والعين ~~لا تمتد. إنما يمتد البصر أى يتوجه. ولكن التعبير التصويرى يرسم صورة ~~العين ذاتها ممدودة إلى المتاع. وهى صورة طريفة حين يتخيلها المتخيل.. ~~والمعنى وراء ذلك، ألا يحفل الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك المتاع الذى ~~آتاه الله - تعالى - لبعض الناس... ولا يلقى إليه نظرة اهتمام، أو نظرة ~~استجمال، أو نظرة تمن. وقال - سبحانه - هنا { لا تمدن... } بدون واو ~~العطف، وقال فى سورة طه { ولا ms2997 تمدن... } بواو العطف، لأن الجملة هنا ~~مستأنفة استئنافا بيانيا، جوابا لما يختلج فى نفوس بعض المؤمنين من ~~تساؤل عن أسباب الإملاء والعطاء الدنيوى لبعض الكافرين. ولأن الجملة ~~السابقة عليها وهى قوله { ولقد آتيناك سبعا من ~~المثاني... } كانت بمنزلة التمهيد لها، والإجمال لمضمونها. أما فى ~~سورة طه، فجملة { ولا تمدن... } معطوفة على ما سبقها من طلب وهو قوله - ~~تعالى - # فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل ~~طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آنآء الليل ~~فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى ولا تمدن ~~عينيك إلى ما متعنا به أزواجا... # وقوله - سبحانه - { ولا تحزن عليهم } نهى له صلى الله عليه ~~وسلم عن الاهتمام بالمصير السيئ الذى ينتظر أعداءه. أى ولا تحزن - أيها ~~الرسول الكريم - لكفر من كفر من قومك، أو لموتهم على ذلك، أو لأعراضهم عن ~~الحق الذى جئتهم به، فإن القلوب بأيدينا نصرفها كيف نشاء، أما أنت فعليك ~~البلاغ. وقوله - سبحانه - { واخفض جناحك للمؤمنين } بيان ~~لما يجب عليه نحو أتباعه، بعد بيان ما يجب عليه نحو أعدائه. وخفض الجناح ~~كناية عن اللين والمودة والعطف. أى وكن متواضعا مع أتباعك المؤمنين، ~~رءوفا بهم، عطوفا عليهم. # قال الشوكانى وخفض الجناح كناية عن التواضع ولين الجانب... وأصله أن ~~الطائر إذا ضم فرخه إليه بسط جناحه ثم قبض على الفرخ، فجعل ذلك وصفا ~~لتواضع الإنسان لأتباعه... والجناحان من ابن آدم جانباه. وقوله - سبحانه ~~- { وقل إني أنا النذير المبين } معطوف على ما قبله. أى ~~لا تحزن - أيها الرسول الكريم - على مصير الكافرين، وتواضع لأتباعك ~~المؤمنين، وقل للناس جميعا ما قاله كل نبى قبلك لقومه إنى أنا المنذر ~~لكم من عذاب الله إذا ما بقيتم على كفركم، الموضح لكم كل ما يخفى عليكم. ~~فالنذير هنا بمعنى المنذر، والمبين بمعنى الكاشف والموضح. وفى الصحيحين ~~عن أبى موسى الأشعرى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال # " إنما مثلى ومثل ما بعثنى الله به، كمثل رجل أتى قومه فقال يا قوم، إنى ~~رأيت الجيش بعينى، وإنى أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعه ms2998 ~~طائفة من قومه فأدلجوا، وانطلقوا على مهلهم فنجوا. وكذبه طائفة منهم ~~فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعنى ~~واتبع ما جئت به، ومثل من عصانى وكذب ما جئت به من الحق ". # ثم هدد - سبحانه - الذين يحاربون دعوة الحق، ويصفون القرآن بأوصاف لا ~~تليق به فقال - تعالى - { كمآ أنزلنا على المقتسمين ~~الذين جعلوا القرآن عضين }.. والكاف فى قوله { كما } ~~للتشبيه، و { ما } موصوله أو مصدرية وهى المشبه به أما المشبه فهو ~~الإيتاء المأخوذ من قوله - تعالى - { ولقد آتيناك سبعا من ~~المثاني }. ولفظ { المقتسمين } افتعال من القسم بمعنى تجزئة الشئ ~~وجعله أقساما.. والمراد بهم بعض طوائف أهل الكتاب، الذين آمنوا ببعضه ~~وكفروا بالبعض الآخر. أو المراد بهم - كما قال ابن كثير " { المقتسمين } ~~أى المتحالفين، أى الذين تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم... ~~". ولفظ { عضين } جمع عضة - بزنة عزة -، وهى الجزء والقطعة من الشئ. تقول ~~عضيت الشئ تعضية، أى فرقته وجعلته أجزاء كل فرقة عضة. قال القرطبى ما ~~ملخصه وواحد العضين عضة، من عضيت الشئ تعضية أى فرقته، وكل فرقة عضة. قال ~~الشاعر وليس دين الله بالمعضى. أى بالمفرق. والعضة والعضين فى لغة قريش ~~السحر. وهم يقولون للساحر عاضه، وللساحرة عاضهة... وفى الحديث # " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة أى الساحرة ~~والمستسحرة " # . وقيل هو من العضة، وهى التميمة. والعضيهة البهتان... يقال أعضهت يا ~~فلان أى جئت بالبهتان ". والمعنى ولقد آتيناك - أيها الرسول الكريم - ~~السبع المثانى والقرآن العظيم، مثل ما أنزلنا على طوائف أهل الكتاب ~~المقتسمين، أى الذين قسموا كتابهم أقساما، فأظهروا قسما وأخفوا آخر، ~~والذين جعلوا - أيضا - القرآن أقساما، فآمنوا ببعضه، وكفروا بالبعض ~~الآخر. # . فجعله { الذين جعلوا القرآن عضين } بيان وتوضيح ~~للمقتسمين. ومنهم من يرى أن قوله - تعالى - { كمآ أنزلنا على ~~المقتسمين... } متعلق بقوله - تعالى - قبل ذلك، { وقل إني ~~أنا النذير المبين } ، فيكون المشبه الإنذار بالعقاب المفهوم ~~من الآية الكريمة. وأن المراد بالمقتسمين جماعة من مشركى قريش، قسموا ~~أنفسهم أقساما لصرف الناس عن الإيمان بالنبى صلى الله ms2999 عليه وسلم. ~~والمعنى وقل - أيها الرسول الكريم - إنى أنا النذير المبين لكم من عذاب ~~مثل عذاب المقتسمين... وقد فصل الإمام الآلوسى القول عند تفسيره لهاتين ~~الآيتين فقال ما ملخصه قوله - تعالى - { كمآ أنزلنا على ~~المقتسمين... } متعلق بقوله - تعالى - { ولقد آتيناك ~~سبعا... } على أن يكون فى موضع نصب نعتا لمصدر من آتينا محذوف أى ~~آتيناك سبعا من المثانى إيتاء كما أنزلنا، وهو فى معنى أنزلنا عليك ذلك ~~إنزالا كإنزالنا على أهل الكتاب { الذين جعلوا القرآن ~~عضين } أى قسموه إلى حق وباطل.. وقيل هو متعلق بقوله - تعالى - { ~~وقل إني أنا النذير المبين }.. وجوز أن يراد بالمقتسمين ~~جماعة من قريش... أرسلهم الوليد بن المغيرة، أيام موسم الحج، ليقفوا على ~~مداخل طرق مكة، لينفروا الناس عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فانقسموا على هاتيك المداخل، يقول بعضهم لا تغتروا بالخارج فإنه ساحر.. ~~أى وقل إنى أنا النذير عذابا مثل العذاب الذى أنزلناه على المقتسمين. ~~وقيل المراد بالمقتسمين، الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحا - أى ~~يقتلوه ليلا - فأهلكهم الله... ثم قال - رحمه الله - والأقرب من الأقوال ~~المذكورة أن قوله { كما أنزلنا.. } متعلق بقوله - تعالى - { ولقد ~~آتيناك سبعا... } وأن المراد بالمقتسمين أهل الكتابين، وأن ~~الموصول مع صلته، صفة مبينة لكيفية اقتسامهم... والمعنى لقد آتيناك سبعا ~~من المثانى والقرآن العظيم، إيتاء مماثلا لإنزال الكتابين على ~~أهلهما.... ويبدو لنا أن من الأفضل أن يكون المراد بالمقتسمين، ما يشمل ~~أهل الكتابين وغيرهم من المشركين المتحالفين على مخالفة الأنبياء ~~وتكذيبهم وأذاهم - كما قال ابن كثير - وقد ذهب إلى ذلك الإمام ابن جرير، ~~فقد قال - رحمه الله - بعد سرده للأقوال فى ذلك ما ملخصه " والصواب من ~~القول فى ذلك عندى أن يقال إن الله - تعالى - أمر نبيه صلى الله عليه ~~وسلم أن يعلم قومه الذين عضوا القرآن ففرقوه، أنه نذير لهم من سخط الله ~~وعقوبته، أن يحل بهم ما حل بالمقتسمين من قبلهم ومنهم "... وجائز أن يكون ~~عنى بالمقتسمين أهل الكتابين. # . وجائز أن يكون عنى بذلك المشركين من ms3000 قريش، لأنهم اقتسموا القرآن، ~~فسماه بعضهم شعرا، وسماه بعضهم كهانة... وجائز أن يكون عنى به ~~الفريقين... وممكن أن يكون عنى به المقتسمين على صالح من قومه. لأنه ليس ~~فى التنزيل ولا فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فى فطرة العقل، ~~ما يدل على أنه عنى به أحد الفرق الثلاثة دون الآخرين، وإذا فكل من اقتسم ~~كتابا لله بتكذيب بعض وتصديق بعض، كان داخلا فى هذا التهديد ~~والوعيد.... ثم أكد - سبحانه - هذا التهديد والوعيد فقال { فوربك ~~لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون }. والفاء ~~هنا متفرعة على ما سبق تأكيده فى قوله { وإن الساعة لآتية... ~~} إذ فى هذا اليوم يكون سؤالهم. والواو للقسم، أى فوحق ربك - أيها الرسول ~~الكريم - الذى خلقك فسواك فعدلك، لنسألن هؤلاء المكذبين جميعا، سؤال ~~توبيخ وتقريع وتبكيت، عما كانوا يعملونه فى الدنيا من أعمال قبيحة وعما ~~كانوا يقولونه من أقوال فاسدة، ثم لننزلن بهم جميعا العقوبة المناسبة ~~لهم. فالمقصود من هذه الآية الكريمة زيادة التسلية للرسول صلى الله عليه ~~وسلم وتأكيد التهديد للمشركين. ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه ~~وسلم بأن يمضى فى طريقه، وأن يجهر بدعوته وأن يعرض عن المشركين، فقد كفاه ~~- سبحانه - شرهم فقال - تعالى - { فاصدع بما تؤمر وأعرض ~~عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين الذين ~~يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون }. وقوله ~~{ فاصدع.. } من الصدع بمعنى الإظهار والإعلان. ومنه قولهم انصدع الصبح، ~~إذا ظهر بعد ظلام الليل والصديع الفجر لانصداعه أى ظهوره. ويقال صدع فلان ~~بحجته، إذا تكلم بها جهارا. أى فاجهر - أيها الرسول الكريم - بدعوتك، ~~وبلغ ما أمرناك بتبليغه علانية، وأعرض عن سفاهات المشركين وسوء أدبهم. ~~قال عبد الله بن مسعود ما زال النبى صلى الله عليه وسلم مستخفيا بدعوته ~~حتى نزلت هذه الآية. فخرج هو وأصحابه، وقوله { إنا كفيناك ~~المستهزئين } تعليل للأمر بالجهر بالدعوة، بعد أن مكث صلى الله ~~عليه وسلم يدعو الناس إلى الاسلام سرا ثلاث سنين أو أكثر. وقوله { ~~كفيناك.. } من الكفاية. تقول كفيت فلانا المؤنة إذا توليتها ms3001 عنه، ولم ~~تحوجه إليها. وتقول كفيتك عدوك أى كفيتك بأسه وشره. والمراد بالمستهزئين ~~أكابر المشركين فى الكفر والعداوة والاستهزاء بالرسول صلى الله عليه ~~وسلم. أى إنا كفيناك الانتقام من المستهزئين بك وبدعوتك، وأرحناك منهم، ~~بإهلاكهم. وذكر بعضهم أن المراد بهم خمسة من كبرائهم، وهم الوليد بن ~~المغيرة، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والحارث بن عيطل، ~~والعاص بن وائل وقد أهلكهم الله جميعا بمكة، وكان هلاكهم العجيب من أهم ~~الصوارف لأتباعهم عن الاستهزاء بالنبى صلى الله عليه وسلم. # قال الإمام الرازى واعلم أن المفسرين قد اختلفوا فى عدد هؤلاء ~~المستهزئين، وفى أسمائهم، وفى كيفية طريق استهزائهم، ولا حاجة إلى شئ ~~منها. والقدر المعلوم أنهم طبقة لهم قوة وشوكة ورياسة، لأن أمثالهم هم ~~الذين يقدرون على إظهار مثل هذه السفاهة، مع مثل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فى علو قدره، وعظم منصبه، ودل القرآن على أن الله - تعالى - أفناهم ~~وأبادهم وأزال كيدهم. ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المستهزئين قد أضافوا ~~إلى ذلك الشرك والكفر فقال { الذين يجعلون مع الله ~~إلها آخر } فى عباداتهم وفى عقيدتهم. { فسوف يعلمون } ما يترتب على ~~ذلك فى الآخرة من عذاب شديد لهم، بعد أن أهلكناهم فى الدنيا وقطعنا ~~دابرهم. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتسلية أخرى له صلى الله عليه ~~وسلم، وبإرشاده إلى ما يزيل همه. ويشرح صدره، فقال - تعالى - { ولقد ~~نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ~~ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى ~~يأتيك اليقين }. وضيق الصدر كناية عن كدر النفس، وتعرضها للهموم ~~والأحزان. أى ولقد نعلم - أيها الرسول الكريم - أن أقوال المشركين ~~الباطلة فيك وفيما جئت به من عندنا، تحزن نفسك، وتكدر خاطرك. وقال - ~~سبحانه - { ولقد نعلم.. } بلام القسم وحرف التحقيق، لتأكيد الخبر، وإظهار ~~مزيد من الاهتمام والعناية بالمخبر عنه صلى الله عليه وسلم فى الحال ~~والاستقبال. والفاء فى قوله { فسبح بحمد ربك... } واقعة فى ~~جواب شرط. والتسبيح لله - تعالى - معناه تنزيهه - عز وجل - عن كل ما لا ~~يليق به. ms3002 والتحميد له - تعالى - معناه الثناء عليه بما هو أهله من صفات ~~الكمال والجلال. أى إن ضاق صدرك - أيها الرسول الكريم - بسبب أقوال ~~المشركين القبيحة، فافزع إلينا بالتسبيح والتحميد، بأن تكثر من قول سبحان ~~الله، والحمد لله. قال بعض العلماء فهذه الجملة الكريمة قد اشتملت على ~~الثناء على الله بكل كمال لأن الكمال يكون بأمرين أحدهما التخلى عن ~~الرذائل، والتنزه عما لا يليق، هذا معنى التسبيح. والثانى التحلى ~~بالفضائل، والاتصاف بصفات الكمال، وهذا معنى الحمد. فتم الثناء بكل كمال. ~~ولأجل هذا المعنى ثبت فى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال # " كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان فى الميزان، حبيبتان إلى الرحمن ~~سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم... ". # والمراد بالسجود فى قوله - تعالى - { وكن من الساجدين } ~~الصلاة. وعبر عنها بذلك من باب التعبير بالجزء عن الكل، لأهمية هذا الجزء ~~وفضله، ففى صحيح مسلم عن أبى هريرة - رضى الله عنه - أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال # " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء ". # ويؤخذ من هذه الآية الكريمة، أن ترتيب الأمر بالتسبيح والتحميد والصلاة ~~على ضيق الصدر دليل على أن هذه العبادات، بسببها يزول المكروه بإذنه - ~~تعالى -، وتنقشع الهموم... ولذا كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر لجأ ~~إلى الصلاة. وروى الإمام أحمد وأبو داود والنسائى من حديث نعيم بن عمار ~~- رضى الله عنه - أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول # " قال الله - تعالى - يا بن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار، ~~أكفك آخره ". # فينبغى للمسلم إذا أصابه مكروه أن يفزع إلى الله - تعالى - بأنواع ~~الطاعات من صلاة وتسبيح وتحميد وغير ذلك من ألوان العبادات. والمراد ~~بالأمر بالعبادة فى قوله تعالى { واعبد ربك حتى يأتيك ~~اليقين } المداومة عليها وعدم التقصير فيها. والمراد باليقين الموت، ~~سمى بذلك لأنه أمر متيقن لحوقه بكل مخلوق. أى ودم - أيها الرسول الكريم - ~~على عبادة ربك وطاعته ما دمت حيا، حتى يأتيك الموت الذى لا مفر من مجيئه ms3003 ~~فى الوقت الذى يريده الله - تعالى -. ومما يدل على أن المراد باليقين هنا ~~الموت قوله - تعالى - حكاية عن المجرمين # قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم ~~المسكين وكنا نخوض مع الخآئضين وكنا نكذب ~~بيوم الدين حتى أتانا اليقين # أى الموت. ويدل على ذلك أيضا ما رواه البخارى # " عن أم العلاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على عثمان بن ~~مظعون وقد مات، قالت قلت رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتى عليك لقد ~~أكرمك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وما يدريك أن الله قد ~~أكرمه... أما هو فقد جاءه اليقين - أى الموت - وإنى لأرجو له الخير ". # قال الإمام ابن كثير ويستدل بهذه الآية الكريمة، على أن العبادة ~~كالصلاة ونحوها، واجبة على الإنسان ما دام عقله ثابتا، فيصلى بحسب ~~حاله، كما ثبت فى صحيح البخارى عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال # " صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب ". # ويستدل بها أيضا على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين ~~المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة، سقط عنه التكليف عندهم. وهذا كفر ~~وضلال وجهل... ". ### | [16 - سورة النحل] ### || [16.1-9] # افتتحت السورة الكريمة، بتهديد الكافرين الذين كانوا ينكرون البعث، وما ~~يترتب عليه من ثواب أو عقاب، ويستبعدون نصر الله - تعالى - لأوليائه، ~~فقال - تعالى - { أتى أمر الله فلا تستعجلوه } والفعل ~~{ أتى } هنا، بمعنى قرب ودنا بدليل { فلا تستعجلوه } ، لأن المنهى عن ~~الاستعجال يقتضى أن الأمر الذى استعجل حصوله لم يحدث بعد. والمراد بأمر ~~الله ما اقتضته سنته وحكمته - سبحانه - من إثابة المؤمنين ونصرهم، وتعذيب ~~الكافرين ودحرهم. والفاء فى قوله { فلا تستعجلوه } للتفريع. والاستعجال ~~طلب حصول الشئ قبل وقته. والضمير المنصوب فى { تستعجلوه } يعود على { أمر ~~الله } ، لأنه هو المتحدث عنه، أو على { الله } - تعالى -، فلا تستعجلوا ~~الله فيما قضاه وقدره. والمعنى قرب ودنا مجئ أمر الله - تعالى - وهو ~~إكرام المؤمنين بالنصر والثواب، وإهانة الكافرين بالخسران والعقاب، فلا ms3004 ~~تستعجلوا - أيها المشركون - هذا الأمر، فإنه آت لا ريب فيه، ولكن فى ~~الوقت الذى يحدده الله تعالى - ويشاؤه. وعبر عن قرب إتيان أمر الله - ~~تعالى - بالفعل الماضى { أتى } للإشعار بتحقق هذا الإتيان، وللتنويه ~~بصدق المخبر به، حتى لكأن ما هو واقع عن قريب، قد صار فى حكم الواقع ~~فعلا. وفى إبهام أمر الله، إشارة إلى تهويله وتعظيمه، لإضافته إلى من لا ~~يعجزه شئ فى الأرض ولا فى السماء. قوله { فلا تستعجلوه } زيادة فى ~~الإنذار والتهديد، أى فلا جدوى من استعجالكم، فإنه نازل بكم سواء ~~استعجلتم أم لم تستعجلوا. والظاهر أن الخطاب هنا للمشركين، لأنهم هم ~~الذين كانوا يستعجلون قيام الساعة، ويستعجلون نزول العذاب بهم، وقد حكى ~~القرآن عنهم ذلك فى آيات منها قوله - تعالى - # يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين ~~آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا ~~إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد # ومنها قوله - سبحانه - # ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده ~~وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون # وقال بعض العلماء و " يجوز أن يكون الخطاب هنا شاملا للمؤمنين، لأن عذاب ~~الله - تعالى - وإن كان الكافرون يستعجلونه، تهكما به، لظنهم أنه غير آت، ~~فإن المؤمنين يضمرون فى نفوسهم استبطاءه، ويحبون تعجيله للكافرين ". ~~وقوله { سبحانه وتعالى عما يشركون } جملة مستأنفة، قصد ~~بها إبطال إشراكهم، وزيادة توبيخهم وتهديدهم. أى تنزه الله - تعالى - ~~وتعاظم بذاته وصفاته، عن إشراك المشركين، المؤدى بهم إلى الأقوال ~~الفاسدة، والأفعال السيئة، والعاقبة الوخيمة، والعذاب المهين. وقوله { ~~يشركون } قراءة الجمهور، وفيها التفات من الخطاب فى قوله { فلا تستعجلوه ~~} إلى الغيبة، تحقيرا لشأن المشركين، وحطا من درجتهم عن رتبة الخطاب، ~~وحكاية لشنائعهم التى يتبرأ منها العقلاء. # وقرأ حمزة والكسائى { تشركون } تبعا لقوله - تعالى - { فلا تستعجلوه } ~~وعلى قراءتهما لا التفات فى الآية. ثم بين - سبحانه - لونا من ألوان ~~قدرته، ورحمته بعباده، حيث أرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، فقال تعالى ~~- { ينزل الملائكة بالروح من أمره على من ~~يشآء من عباده... }. والمراد بالملائكة هنا جبريل - عليه السلام ~~- ومن ms3005 معه من حفظة الوحى. أو المراد بهم جبريل خاصة، ولا مانع من ذلك، ~~لأن الواحد قد يسمى باسم الجمع إذا كان رئيسا عظيما. والمراد بالروح كلام ~~الله - تعالى - ووحيه الذى ينزل به جبريل، ليبلغه إلى من أمره الله ~~بتبليغه إياه. وقد جاء ذكر الروح بمعنى الوحى فى آيات منها قوله - تعالى ~~- # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت ~~تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا ~~نهدي به من نشآء من عبادنا... # والمعنى ينزل - سبحانه - الملائكة بكلامه ووحيه، على من يشاء إنزالهم ~~إليه من عباده المصطفين الأخيار. وأطلق - سبحانه - على وحيه اسم الروح، ~~على سبيل التشبيه، ووجه الشبه أن بسببهما تكون الحياة الحقة. فكما أن ~~بالروح تحيا الأبدان والأجساد، فكذلك بالوحى تحيا القلوب والنفوس وتؤدى ~~رسالتها فى هذه الحياة. وفى قوله - سبحانه - { من أمره } إشارة إلى أن ~~نزول الملائكة بالوحى، لا يكون إلا بسبب أمر الله لهم بذلك، كما قال - ~~تعالى - حكاية عنهم # وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا ~~وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا # وقوله { على من يشآء من عباده } رد على مطالب المشركين ~~المتعنتة، والتى من بينها ما حكاه الله تعالى - عنهم فى قوله # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم... # فالآية الكريمة تبين أن نزول الملائكة بالوحى، إنما هو على من يختاره ~~الله - تعالى - لنزول الوحى عليه، لا على من يختارونه هم، وأن النبوة هبة ~~من الله - تعالى - لمن يصطفيه من عباده. قال - تعالى - # الله أعلم حيث يجعل رسالته # وقوله { أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا ~~فاتقون } بيان للمقصود من نزول الملائكة بالوحى على الأنبياء. أى ~~أنزل - سبحانه - ملائكته بوحيه على أنبيائه، لكى ينذر هؤلاء الأنبياء ~~الناس، ويخوفوهم من سوء عاقبة الإشراك بالله، ويدعوهم إلى أن يخلصوا ~~العبادة لله - تعالى - وحده، ويبينوا لهم أن الألوهية لا يصح أن تكون ~~لغيره - سبحانه -. قال الآلوسى ما ملخصه وقوله { أن أنذروا } بدل من { ~~الروح } على أن " أن " هى التى ms3006 من شأنها أن تنصب المضارع، وصلت بالأمر ~~كما وصلت به فى قولهم كتبت إليه بأن قم. # وجوز بعضهم كون " أن " هنا مفسرة، فلا موضع لها من الإعراب، وذلك لما ~~فى " ينزل الملائكة بالوحى، من معنى القول، كأنه قيل يقول - سبحانه - ~~بواسطة الملائكة لمن يشاء من عباده أن أنذروا... ". واقتصر هنا على ~~الإنذار الذى هو بمعنى التخويف، لأن الحديث مع المشركين، الذين استعجلوا ~~العذاب، واتخذوا مع الله - تعالى - آلهة أخرى. والفاء فى قوله { فاتقون } ~~فصيجة أى، إذا كان الأمر كذلك، من أن الألوهية لا تكون لغير الله، فعليكم ~~أن تتقوا عقوبتى لمن خالف أمرى، وعبد غيرى. قال الجمل " وفى قوله { ~~فاتقون } تنبيه على الأحكام الفرعية بعد التنبيه على الأحكام العلمية ~~بقوله، { أنه لا إله إلا أنا } ، فقد جمعت الآية بين ~~الأحكام الأصلية والفرعية ". وبعد أن بين - سبحانه - أنه منزه عن أن يكون ~~له شريك، وأنه قد أنزل الملائكة بوحيه على من يشاء من عباده، وأنه لا إله ~~يستحق العبادة سواه. بعد كل ذلك، بين الأدلة الدالة على قدرته ووحدانيته، ~~بأسلوب بديع، جمع فيه بين دلالة المخلوق على الخالق، ودلالة النعمة على ~~منعمها، ووبخ المشركين على شركهم، تارة عن طريق خلقه وحده - سبحانه - ~~للسماوات والأرض، وتارة عن طريق خلقه للإنسان، وتارة عن طريق خلقه ~~للحيوان وللنبات، ولغير ذلك من المخلوقات التى لا تحصى. قال - تعالى - { ~~خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما ~~يشركون }. والباء فى قوله { بالحق } للملابسة. والحق ضد الباطل، وهو ~~هنا بمعنى الحكمة والجد الذى لا هزل فيه ولا عبث معه، كما قال - تعالى - # وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ~~ما خلقناهمآ إلا بالحق... # أى خلق - سبحانه - بقدرته النافذة السماوات وما أظلت، والأرض وما أقلت، ~~خلقا ملتبسا بالحكمة الحكيمة، وبالجدية التى لا يحوم حولها لهو أو عبث. ~~وقوله { تعالى عما يشركون } تنزيه وتقدير لذاته وصفاته، عما ~~قاله المشركون فى شأنه - عز وجل - من أن له ولدا أو شريكا. قال - تعالى - # ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله ms3007 إذا ~~لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على ~~بعض سبحان الله عما يصفون # وقد صدر - سبحانه - هذه الأدلة الدالة على وحدانيته وقدرته، بخلق ~~السماوات والأرض، لأن خلقهما أعظم من خلق غيرهما، ولأنهما حاويتان لما لا ~~يحصى من مخلوقاته - سبحانه -. قال - تعالى - # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون # ثم ساق - سبحانه - دليلا آخر على انفراده بالألوهية عن طريق خلق ~~الإنسان فقال { خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم ~~مبين }. والمراد بالإنسان هنا جنس الإنسان. وأصل النطفة الماء ~~الصافى. # أو الماء القليل الذى يبقى فى الدلو أو القربة، وجمعها نطف ونطاف. يقال ~~نطفت القربة إذا قطرت، أى سال منها الماء وتقاطر. والمراد بالنطفة هنا ~~المنى الذى هو مادة التلقيح من الرجل للمرأة. والخصيم الكثير الخصام ~~لغيره، فهو صيغة مبالغة. يقال خصم الرجل يخصم - من باب تعب - إذا أحكم ~~الخصومة، فهو خصم وخصيم. والمبين. المظهر للحجة، المفصح عما يريده بألوان ~~من طريق البيان. أى خلق - سبحانه - الإنسان. من منى يمنى، أو من ~~ماء مهين خلقا عجيبا فى أطوار مختلفة، لا يجهلها عاقل، ثم أخرجه بقدرته ~~من بطن أمه إلى ضياء الدنيا، ثم رعاه برعايته ولطفه إلى أن استقل وعقل. ~~حتى إذا ما وصل هذا الإنسان إلى تلك المرحلة التى يجب معها الشكر لله - ~~تعالى - الذى رباه ورعاه، إذا به ينسى خالقه، ويجحد نعمه، وينكر شريعته، ~~ويكذب رسله ويخاصم ويجادل بلسان فصيح من بعثه الله - تعالى - لهدايته ~~وإرشاده، ويقول - كما حكى القرآن عنه - # من يحيي العظام وهي رميم.. # وإذا فى قوله - سبحانه - { فإذا هو خصيم مبين }. هى التى ~~تسمى بإذا الفجائية التى يؤتى بها لمعنى ترتب الشئ، على غير ما يظن أن ~~يترتب عليه. وجئ بها هنا لزيادة التعجيب من حال الإنسان، لأنه كان ~~المنتظر منه بعد أن خلقه الله - تعالى - بقدرته، ورباه برحمته ورعايته، ~~أن يشكر خالقه على ذلك، وأن يخلص العبادة له، لكنه لم يفعل ما كان منتظرا ~~منه، بل فعل ما يناقض ذلك من ms3008 الإشراك والمجادلة فى أمر البعث وغيره. ~~وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله - تعالى - # ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل ~~وكان الإنسان أكثر شيء جدلا # وقوله - تعالى - # ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم ~~وكان الكافر على ربه ظهيرا # وبعد أن بين - سبحانه - ما يدل على وحدانيته وقدرته عن طريق خلقه ~~للسماوات وللأرض وللإنسان، أتبع ذلك ببيان أدلة وحدانيته وقدرته عن طريق ~~خلق الحيوان فقال - تعالى - { والأنعام خلقها، لكم فيها ~~دفء، ومنافع، ومنها تأكلون }. والأنعام جمع نعم، وهى ~~الإبل والبقر والغنم، وقد تطلق على الإبل خاصة. وانتصب الأنعام عطفا ~~على الانسان فى قوله { خلق الإنسان من نطفة } ، أو هو منصوب ~~بفعل مقدر يفسره المذكور بعده. أى وخلق الأنعام خلقها. والدفء السخونة. ~~ويقابله شدة البرد، يقال دفئ الرجل - من باب طرب - فهو دفأ - كتعب ~~- ودفآن، إذا لبس ما يدفئه، ويبعد عنه البرد. والمراد بالدفء هنا ما يتخذ ~~من أصواف الأنعام وأوبارها وأشعارها لهذا الغرض. وعطف { منافع } على { ~~دفء } من باب عطف العام على الخاص، إذ المنافع تشمل ما يستدفأ به منها ~~وغيره. # وخص الدفء بالذكر من عموم المنافع، للعناية به وللتنويه بأهميته فى حياة ~~الناس. أى ومن مظاهر نعم الله - تعالى - عليكم - أيها الناس -، أن الله - ~~تعالى - خلق الأنعام، وجعل لكم فيها ما تستدفئون به، من الثياب المأخوذة ~~من أصوافها وأوبارها وأشعارها، فتقيكم برودة الجو وجعل لكم فيها منافع ~~متعددة، حيث تتخذون من ألبانها شرابا سائغا للشاربين، ومن لحومها أكلا ~~نافعا للآكلين. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في ~~بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون # وقوله - سبحانه - { ولكم فيها جمال حين تريحون وحين ~~تسرحون } بيان لنوع آخر من أنواع منافع الحيوان للانسان. قال أبو ~~حيان فى البحر والجمال مصدر جمل - بضم الميم -، يقال رجل جميل وامرأة ~~جميلة وجملاء، قال الشاعر # فهى جملاء كبدر طالع بذت الخلق جميعا بالجمال # والجمال يكون فى الصورة بحسن التركيب، بحيث يدركه البصر فتتعلق به ~~النفس. ويكون ms3009 فى الأخلاق، باشتمالها على الصفات المحمودة، كالعلم والعفة ~~والحلم. ويكون فى الأفعال، بوجودها ملائمة لمصالح الخلق، وجلب المنفعة ~~لهم وصرف الشر عنهم.. ". وجمال الأنعام من النوع الأول، ومن جمالها - ~~أيضا - كثرتها ودلالتها على أن صاحبها من أهل السعة واليسار. وقوله { ~~تريحون } من الإراحة، يقال أراح فلان ماشيته إراحة، إذا ردها إلى ~~المراح، وهو منزلها الذى تأوى إليه، وتبيت فيه. و { تسرحون } من السروح، ~~وهو الخروج بها غدوة من حظائرها إلى مسارحها ومراعيها. يقال سرحت ~~الماشية أسرحها سرحا وسروحا، إذا أخرجتها إلى المرعى. ومفعول الفعلين " ~~تريحون وتسرحون " محذوف للعلم به. والمعنى ولكم - أيها الناس - فى هذه ~~الأنعام جمال وزينة، حين تردونها بالعشى من مسارحها إلى معاطنها التى ~~تأوى إليها، وحين تخرجونها بالغداة من معاطنها إلى مسارحها ومراعيها. وخص ~~- سبحانه - هذين الوقتين بالذكر، لأنهما الوقتان اللذان تتراءى الأنعام ~~فيهما، وتتجاوب أصواتها ذهابا وجيئة، ويعظم أصحابها فى أعين الناظرين ~~إليها. وقدم - سبحانه - الإراحة على التسريح، لأن الجمال عند الإراحة ~~أقوى وأبهج، حيث تقبل من مسارحها وقد امتلأت بطونها، وحفلت ضروعها، ~~وازدانت مشيتها. وقال - سبحانه - { حين تريحون وحين تسرحون ~~}. بالفعل المضارع، لإفادة التجديد والتكرار، وفى ذلك ما يزيد السرور ~~بها، ويحمل على شكر الله - تعالى - على وافر نعمه. قال صاحب الكشاف " ~~من الله بالتجمل بها، كما من بالانتفاع بها لأنه من أغراض أصحاب ~~المواشى. بل هو من معاظمها لأن الرعيان إذا روحوها بالعشى، وسرحوها ~~بالغداة فزينت إراحتها وتسريحها الأفنية وتجاوب فيها الثغاء والرغاء، ~~آنست أهلها، وفرحت أربابها. وأجلتهم فى عيون الناظرين إليها، وأكسبتهم ~~الجاه والحرمة عند الناس. # فإن قلت لم قدمت الإراحة على التسريح - مع تأخر الإراحة فى الوجود؟. ~~قلت لأن الجمال فى الإراحة أظهر، إذا أقبلت ملأى البطون، حافلة الضروع، ~~ثم أوت إلى الحظائر حاضرة لأهلها ". ثم بين - سبحانه - منفعة ثالثة من ~~منافع الأنعام، التى سخرها الله - تعالى - للإنسان فقال { وتحمل ~~أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق ~~الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم }. والضمير فى قوله { ~~وتحمل } يعود إلى الإبل خاصة، لأنها ms3010 هى التى يحمل عليها. والأثقال جمع ~~ثقل. وهو ما يثقل الإنسان حمله من متاع وغيره. والمراد بالبلد جنسه ~~ولأن الارتحال قد يكون إلى الشام أو إلى اليمن أو إلى غيرهما. والشق - ~~بالكسر - المشقة ومن كل شئ نصفه، والباء للملابسة. أى إلا بمشقة شديدة، ~~كأن نفوسكم قد ذهب نصفها خلال تلك الرحلة الطويلة الشاقة التى لم ~~تستخدموا فيها الأنعام. قال القرطبى وشق الأنفس مشقتها وغاية جهدها. ~~وقراءة العامة بكسر الشين. قال المهدوى وكسر الشين وفتحها فى " شق " ~~متقاربان. وهما بمعنى المشقة. وقرأ أبو جعفر { إلا بشق الأنفس } - بفتح ~~الشين - وهما لغتان مثل رق ورق. والشق - أيضا - بالكسر - النصف. وقد ~~يكون المراد من الآية هذا المعنى. أى لم تكونوا بالغيه إلا بنقص من القوة ~~وذهاب شق منها... ". والمعنى ومن فوائد هذه الأنعام - أيضا - أنها تحمل ~~أمتعتكم وأثقالكم من بلد إلى بلد آخر بعيد، هذا البلد الآخر البعيد. لم ~~تكونوا واصلين إليه بدونها، إلا بعد تعب شديد، وجهد مضن، وكلفة يذهب معها ~~نصف قوتكم. والتنكير فى { بلد } لإفادة معنى البعد، لأن بلوغ المسافر ~~إليه بمشقة، هو من شأن البلد البعيد، الذى يصعب الوصول إليه بدون راحلة. ~~وجملة { لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس } التى هى ~~صفة لبلد، تشير إلى هذا المعنى. وشبيه بهذه الآية قوله تعالى - # الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ~~ومنها تأكلون ولكم فيها منافع ولتبلغوا ~~عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك ~~تحملون # وقوله - سبحانه - # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ ~~أنعاما فهم لها مالكون # وجملة { إن ربكم لرؤوف رحيم } تعليل لخلقه - سبحانه - ~~الأنعام لخدمة الإنسان. أى خلق لكم هذه الأنعام لأنه رءوف رحيم بكم، حيث ~~لم يترككم تحملون أثقالكم بأنفسكم، وتقطعون المسافات الطويلة على أرجلكم، ~~بل أوجد هذه الأنعام لمنافعكم ومصالحكم. ثم ذكر - سبحانه - أنواعا أخرى ~~من الحيوان المنتفع به، فقال - تعالى - { والخيل والبغال ~~والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون ~~}. قال الجمل " الخيل اسم جنس لا واحد له من لفظه، بل من معناه وهو فرس، ms3011 ~~وسميت خيلا لاختيالها فى مشيها. # والبغال جمع بغل وهو المتولد بين الخيل والحمير.. ". واللام فى قوله { ~~لتركبوها } للتعليل. ولفظ { وزينة } مفعول لأجله، معطوف على محل { ~~لتركبوها }. والزينة اسم لما يتزين به الإنسان. قال القرطبى " هذا ~~الجمال والتزيين وإن كان من متاع الدنيا، إلا أن الله تعالى - أذن به ~~لعباده، ففى الحديث الشريف # " الإبل عز لأهلها، والغنم بركة، والخيل فى نواصيها الخير " # خرجه البرقانى وابن ماجة فى السنن،.. ". والمعنى ومن مظاهر فضله عليكم، ~~ورحمته بكم، أنه خلق لمنفعتكم - أيضا - الخيل والبغال والحمير، لتركبوها ~~فى غزوكم وتنقلاتكم، ولتكون زينة لكم فى أفراحكم ومسراتكم. وأتى - سبحانه ~~- باللام فى { لتركبوها } دون ما بعدها، للإشارة إلى أن الركوب هو ~~المقصود الأصلى بالنسبة لهذه الدواب، أما التزين بها فهو أمر تابع للركوب ~~ومتفرع منه. قال صاحب الظلال وفى الخيل والبغال والحمير، تلبية للضرورة ~~فى الركوب، وتلبية لحاسة الجمال فى الزينة. وهذه اللفتة لها قيمتها فى ~~بيان نظرة القرآن ونظرة الإسلام للحياة، فالجمال - المتمثل فى الزينة - ~~عنصر له قيمة فى هذه النظرة، وليست النعمة هى مجرد تلبية الضرورات من ~~طعام وشراب وركوب، بل تلبية الأشواق الزائدة عن الضرورات. تلبية حاسة ~~الجمال ووجدان الفرح والشعور الإنسانى المرتفع على ميل الحيوان، وحاجة ~~الحيوان ". وقال بعض العلماء وقد استدل بهذه الآية، القائلون بتحريم لحوم ~~الخيل قائلين بأن التعليل بالركوب والزينة يدل على أنها مخلوقة لهذه ~~المصلحة دون غيرها. وأجاب المجوزن لأكلها، بأن ذكر ما هو الأغلب من ~~منافعها - وهو الركوب والزينة - لا ينافى غيره. وقد ورد فى حل أكل لحوم ~~الخيل أحاديث منها ما فى الصحيحين وغيرهما، من حديث أسماء قالت نحرنا على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا فأكلناه. وثبت - أيضا - فى ~~الصحيحين من حديث جابر قال # " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن فى ~~الخيل ". # وقد بسط الإمام القرطبى القول فى هذه المسألة، ورجح حل أكل لحوم الخيل، ~~وساق الأدلة والأحاديث فى ذلك ثم قال " وكل تأويل من غير ترجيح فى ms3012 مقابلة ~~النص، فإنما هو دعوى، لا يلتفت إليه، ولا يعرج عليه ". ويعجبنى فى هذا ~~المقام قول الإمام البغوى ليس المراد من الآية بيان التحليل والتحريم، ~~بل المراد منها تعريف الله عباده نعمه، وتنبيههم على كمال قدرته وحكمته، ~~والدليل الصحيح المعتمد عليه فى إباحة لحوم الخيل أن السنة مبينة للكتاب. ~~ولما كان نص الآية يقتضى أن الخيل والبغال والحمير مخلوقة للركوب ~~والزينة، وكان الأكل مسكوتا عنه، ودار الأمر فيه على الإباحة والتحريم، ~~وردت السنة النبوية بإباحة لحوم الخيل، وبتحريم لحوم البغال والحمير فوجب ~~الأخذ بما جاء فى السنة التى هى بيان للكتاب. # هذا وقد ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على عظيم قدرته، وسعة ~~علمه، فقال { ويخلق ما لا تعلمون }. أى ويخلق - سبحانه - فى ~~الحال والاستقبال، ما لا تعلمونه - أيها الناس - من أنواع المخلوقات ~~المختلفة سوى هذه الدواب، كالسفن التى تمخر عباب الماء، والطائرات التى ~~تشق أجواز الفضاء، والسيارات التى تنهب الأرض نهبا لسرعتها، وغير ذلك من ~~أنواع المخلوقات التى لا يعلمها سواه - سبحانه - والتى أوجدها لمنفعتكم ~~ومصلحتكم. وهذه الجملة الكريمة تدل على أن القرآن من عند الله - تعالى - ~~فقد أوجد - سبحانه - العقول البشرية، التى ألهمها صنع الكثير من ~~المخترعات النافعة فى البر وفى البحر وفى الجو، والتى لم يكن للناس معرفة ~~بها عند نزول القرآن الكريم. وتشير - أيضا - إلى مزيد فضل الله - تعالى - ~~على الناس، حيث أخبرهم بأنه سيخلق لهم فى مستقبل الأيام من وسائل الركوب ~~وغيرها، ما فيه منفعة لهم، سوى هذه الدواب التى ذكرها. فعليهم أن ~~يستعملوا هذه الوسائل فى طاعة الله - تعالى - لا فى معصيته وعليهم أن ~~يتقبلوا هذه الوسائل، وأن يفتحوا عقولهم لكل ما هو نافع. ورحم الله صاحب ~~الظلال، فقد قال عند تفسيره الآية ما ملخصه يعقب الله - تعالى - على خلق ~~الأنعام والخيل والبغال والحمير بقوله { ويخلق ما لا تعلمون ~~} ليظل المجال مفتوحا فى التصور البشرى، لتقبل أنماط جديدة من أدوات ~~الحمل والركوب والزينة. وحتى لا يقول بعض الناس إنما استخدم آباؤنا ~~الأنعام والخيل والبغال ms3013 والحمير، فلا نستخدم سواها، وإنما نص القرآن على ~~هذه الأصناف فلا نستخدم ما عداها. ولقد جدت وسائل للحمل والنقل والركوب ~~والزينة، لم يكن يعلمها أهل ذلك الزمان، وستجد وسائل أخرى لا يعلمها أهل ~~هذا الزمان والقرآن يهيئ لها القلوب والأذهان، بلا جمود ولا تحجر، { ~~ويخلق ما لا تعلمون }. وبعد أن بين - سبحانه - دلائل ~~وحدانيته وقدرته، عن طريق خلق السماوات والأرض والإنسان والدواب.. أتبع ~~ذلك ببيان أنه - عز وجل - كفيل بالإرشاد إلى الطريق المستقيم لمن يتجه ~~إليه فقال - تعالى - { وعلى الله قصد السبيل، ومنها ~~جآئر، ولو شآء لهداكم أجمعين }. والقصد الاستقامة. ~~والسبيل الطريق والقصد منه هو المستقيم الذى لا اعوجاج فيه. يقال سبيل ~~قصد وقاصد، أى مستقيم، قال الشاعر # ومن الطريقة جائر وهدى قصد السبيل، ومنه ذو دخل # قال الجمل ما ملخصه " { وعلى الله } أى تفضلا { قصد السبيل } على تقدير ~~مضاف، أى وعلى الله بيان قصد السبيل. وهو بيان طريق الهدى من الضلالة، ~~وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، والقصد مصدر يوصف به. # يقال سبيل قصد وقاصد أى مستقيم، كأنه يقصد الوجه الذى يؤمه السالك لا ~~يعدل عنه. والمراد بالسبيل جنسه.. ". والضمير فى قوله { ومنها جائر } ~~يعود إلى السبيل. والجائر المائل عن الاستقامة، المنحرف عن الجادة وهو ~~صفة لموصوف محذوف. أى ومنها سبيل جائر. أى وعلى الله - تعالى - وحده، ~~تفضلا منه وكرما، بيان الطريق المستقيم وهو طريق الحق، الذى يوصل من سلكه ~~إلى السعادة فى الدنيا والآخرة. وهذا الطريق الحق هو الذى جاء به محمد ~~صلى الله عليه وسلم. ومن الطريق ما هو حائد عن الاستقامة، وهو كل طريق ~~يخالف ما جاء به خاتم الرسل، صلى الله عليه وسلم من عقائد وشرائع وآداب. ~~قال - تعالى - # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله.. # فالمراد بالطريق القصد الطريق الموصل إلى الإسلام، والمراد بالطريق ~~الجائر الطريق الموصل إلى غيره من ملل الكفر والضلال. ثم ختم - سبحانه - ~~الآية الكريمة، ببيان أن الهداية والإضلال بقدرته ومشيئته، فقال - تعالى ~~- { ولو شآء لهداكم ms3014 أجمعين }. أى ولو شاء - سبحانه - ~~هدايتكم - أيها الناس - إلى الطريق المستقيم، لهداكم جميعا، ولكنه - عز ~~وجل - لم يشأ ذلك، بل اقتضت حكمته أن يخلق الناس، مستعدين للهدى والضلال، ~~وأن يترك لهم اختيار أحد الطريقين فكان منهم من استحب العمى على الهدى، ~~وكان منهم من سلك الطريق المستقيم. وسيجازى - سبحانه - الذين أساءوا بما ~~عملوا، وسيجازى الذين أحسنوا بالحسنى. قال تعالى - # إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه ~~فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل إما ~~شاكرا وإما كفورا # وقال - سبحانه - # ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا.. # وبعد أن بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على عباده عن طريق خلق ~~الأنعام وغيرها من البهائم، التى لهم فيها منافع، أتبع ذلك ببيان نعمه ~~عليهم فى إنزال المطر، فقال - تعالى - { هو الذي أنزل من ~~السماء مآء لكم منه شراب ومنه شجر فيه ~~تسيمون... }. ### || [16.10-11] # والمراد بالسماء السحاب المرتفع فى طبقات الجو، حيث ينزل منه الماء ~~بقدرة الله - تعالى - والشراب اسم للمشروب الذى يشربه الإنسان والحيوان ~~وغيرهما. والشجر يطلق على النبات ذى الساق الصلبة على سبيل الحقيقة، ~~ويطلق على العشب والكلأ على سبيل المجاز، وهو المراد هنا، لأنه هو الذى ~~ترعاه الأنعام. والضمير فى قوله - سبحانه - { ومنه شجر } يعود على الماء، ~~باعتباره السبب فى وجود الشجر. قال الآلوسى قوله - سبحانه - { ومنه شجر } ~~أى نبات مطلقا سواء أكان له ساق أم لا، كما نقل عن الزجاج، وهو حقيقة فى ~~الأول، ومن استعماله فى الثانى قول الراجز # نعلفها اللحم إذا عز الشجر والخيل فى إطعامها اللحم ضرر # فإنه قيل الشجر فيه بمعنى الكلأ، لأنه الذى يعلف.. ". وقوله { تسيمون } ~~من الإسامة، بمعنى إطلاق الإبل وغيرها للسوم، أى الرعى. يقال أسام فلان ~~إبله للرعى إسامة، إذا أخرجها إلى المرعى. وسامت هى تسوم سوما، إذا رعت ~~حيث شاءت وأصل السوم الإبعاد فى المرعى. والمعنى هو - سبحانه - وحده وليس ~~غيره الذى غمركم بنعمه، حيث أنزل لكم من السحاب ماء كثيرا، هذا الماء ~~الكثير المنزل بقدر معلوم، منه تأخذون ما ms3015 تشربونه وما تنتفعون فى حوائجكم ~~الأخرى، وبسببه تخرج المراعى التى ترعون فيها دوابكم. فالآية الكريمة ~~دليل آخر من الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته، وبديع خلقه، حيث ~~أنزل - سبحانه - المطر من السماء، ولو شاء لأمسكه، أو لأنزله غير صالح ~~للشراب. قال - تعالى - # أفرأيتم المآء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه ~~من المزن أم نحن المنزلون لو نشآء جعلناه ~~أجاجا فلولا تشكرون # وأتى - سبحانه - بلفظ " فى " المفيدة للظرفية، فى قوله - تعالى - { فيه ~~تسيمون } للإشارة إلى أن الرعى فى هذا الشجر، قد يكون عن طريق أكل ~~الدواب منه، وقد يكون عن طريق أكل ما تحته من الأعشاب. وقوله - سبحانه - ~~{ ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل ~~والأعناب ومن كل الثمرات.. } تفصيل لأهم منافع الماء. أى ~~يخرج لكم من الأرض، بسبب الماء الذى أنزله عليها من السماء { الزرع } ~~الذى هو أصل أغذيتكم، وعماد معاشكم، كالقمح والشعير وغيرهما { والزيتون } ~~الذى تستعملونه إداما فى أغذيتكم { والنخيل والأعناب } اللذين فيهما ~~الكثير من الفوائد، ومن التلذذ عند أكل ثمارها. وأخرج لكم - أيضا - بسبب ~~هذا الماء { من كل الثمرات } التى تشتهونها وتنتفعون بها، والتى ~~تختلف فى أنواعها، وفى مذاقها، وفى روائحها، وفى ألوانها، مع أن الماء ~~الذى سقيت به واحد، والأرض التى نبتت فيها متجاورة. ولا شك أن فى هذا ~~الانبات بتلك الطريقة، أكبر دليل على قدرة الله - تعالى -. # لأنه لا يقدر على ذلك سواء - سبحانه -. وأسند - سبحانه - الإنبات إليه ~~فقال { ينبت لكم به... } لأنه الفاعل الحقيقى لهذا الإنبات ~~والإخراج للزروع من الأرض أما غيره - سبحانه - فيلقى الحب فى الأرض، ~~ويرجو الثمار والإنبات منه - عز وجل -. قال - تعالى # أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن ~~الزارعون لو نشآء لجعلناه حطاما فظلتم ~~تفكهون إنا لمغرمون بل نحن محرومون # وقال - سبحانه - # وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب ~~وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بمآء ~~واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ~~ذلك لآيات لقوم يعقلون # وقال - عز وجل - # أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من ~~السمآء مآء فأنبتنا به حدآئق ms3016 ذات بهجة ما كان ~~لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم ~~قوم يعدلون # وختم - سبحانه - الآية بقوله { إن في ذلك لآية لقوم ~~يتفكرون } للحض على التفكر والتأمل فى عظيم قدرته - سبحانه - حتى ~~يصل المتأمل إلى إخلاص العبادة له - عز وجل. أى إن فى ذلك المذكور، من ~~إنزال الماء من السماء، وإنبات الزروع والثمار بسببه، لآية باهرة، ودلالة ~~عظيمة، على وحدانية الله - تعالى - وقدرته، لقوم يحسنون التفكير، ويجيدون ~~التأمل فى خلقه، أما الذين لا يحسنون التفكير والتأمل، فهم كالأنعام بل ~~هم أضل. قال الآلوسى ما ملخصه وقال - سبحانه - { لقوم يتفكرون } لأن من ~~تفكر فى أن الحبة والنواة، تقع فى الأرض، وتصل إليها نداوة تنفذ فيها، ~~فينشق أسفلها، فيخرج منه عروق تنبسط فى أعماق الأرض، وينشق أعلاها وإن ~~كانت منتكسة فى الوقوع... من تفكر فى ذلك علم أن من هذه آثاره وأفعاله، ~~لا يمكن أن يشبهه غيره فى صفة من صفات الكمال، فضلا عن أن يشاركه فى أخص ~~صفاته التى هى الألوهية واستحقاق العبادة. وحيث كان الاستدلال بما ذكر، ~~مشتملا على أمر خفى محتاج إلى التفكر والتدبر لمن له نظر سديد، ختم - ~~سبحانه - الآية بالتفكر. ثم ساق - سبحانه - دلائل أخرى مما خلق لنفع ~~الإنسان، تدل على وحدانيته وقدرته، فقال - تعالى { وسخر لكم ~~اليل والنهار والشمس والقمر والنجوم ~~مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم ~~يعقلون... }. ### || [16.12-13] # وقوله { سخر } من التسخير بمعنى التذليل والتكليف، يقال. سخر فلان فلانا ~~تسخيرا، إذا كلفه عملا بلا أجرة، والمراد به هنا الإعداد والتهيئة لما ~~يراد الانتفاع به أى ومن آياته سبحانه الدالة على وحدانيته وقدرته، أنه { ~~سخر لكم اليل والنهار } يتعاقبان فيكم لتسكنوا فى الليل، ~~ولتبتغوا الرزق بالنهار. وأنه - سبحانه - سخر لكم { الشمس والقمر } ~~يدأبان فى سيرهما بدون كلل أو اضطراب، بل يسيران من أجل منفعتكم ومصلحتكم ~~بنظام ثابت، كما قال - تعالى - # لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا اليل ~~سابق النهار وكل في فلك يسبحون # وأنه - سبحانه - أوجد النجوم مسخرات بأمره وإذنه، لكى ms3017 تهتدوا بها فى ~~ظلمات البر والبحر. هذا وقد قرأ جمهور القراء هذه الأسماء الليل ~~والنهار... إلخ بالنصب على المفعولية لفعل { سخر } كما قرأ الجمهور. ~~أيضا. { مسخرات } بالنصب على الحالية. وقرأ ابن عامر { والشمس والقمر ~~والنجوم } بالرفع على الابتداء، وقرأ - أيضا قوله - { مسخرات } ، بالرفع ~~على أنه خبر عنها. وقرأ حفص برفع النجوم ومسخرات، على أنهما مبتدأ وخبر ~~أما بقية الأسماء السابقة فقرأها بالنصب. وقوله { بأمره } متعلق بمسخرات. ~~والمراد بأمره إرادته ومشيئته وتدبيره، الجارى على هذا الكون وفق حكمته ~~وإذنه. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله { إن في ذلك لآيات ~~لقوم يعقلون }. أى إن فى ذلك المذكور من تسخير الليل والنهار ~~وغيرهما لمنفعتكم ومصلحتكم - يا بنى آدم - لآيات بينات، ودلائل واضحات، ~~على وجوب العبادة لله - تعالى - وحده، لقوم يعقلون نعم الله - تعالى -، ~~ويستدلون بها على وحدانيته - سبحانه - وقدرته. وشبيه بهذه الآية قوله - ~~تعالى - # إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي اليل ~~النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم ~~مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك ~~الله رب العالمين # وقوله - سبحانه - { وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ~~ألوانه }.. معطوف على ما قبله من النعم وأصل الذرأ الخلق بالتناسل ~~والتوالد عن طريق الحمل والتفريخ. قال القرطبى ذرأ الله الخلق يذرؤهم ~~ذرءا، أى خلقهم، ومنه الذرية وهى نسل الثقلين، والجمع الذرارى، ويقال ~~أنمى الله ذرأك وذروك أى ذريتك. والمعنى وسخر لكم - أيضا - ما أوجده فى ~~الأرض من أجل منفعتكم من عجائب الأمور، ومختلف الأشياء، من حيوان ونبات، ~~ومعادن مختلفة الألوان والأجناس والخواص. ولا شك أن فى اختلاف الألوان ~~والمناظر والهيئات وغير ذلك، فيه الدلالة الواضحة على قدرة الله - تعالى ~~- وعلى أنه الخالق لكل شئ. قال - تعالى - # ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ~~ألسنتكم وألوانكم... # ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { إن في ذلك لآية ~~لقوم يذكرون } أى إن فى ذلك الذى بيناه لكم، لآية واضحة على ~~قدرة الله - تعالى - لقوم يعتبرون، ويتذكرون آلاء الله ونعمه، فيشكرونه ~~عليها، ويخلصون له ms3018 العبادة. وبعد أن ذكر - سبحانه - جملة من نعمه التى ~~أوجدها لعباده فى البر، أتبع ذلك ببيان جانب من نعمه عليهم عن طريق خلقه ~~للبحر، فقال - تعالى - { وهو الذي سخر البحر لتأكلوا ~~منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية ~~تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من ~~فضله ولعلكم تشكرون }. ### || [16.14] # ففى هذه الآية الكريمة بين - سبحانه - أربع نعم على عباده فى تسخير ~~البحر لهم. أما النعمة الأولى فتتجلى فى قوله - تعالى - { وهو الذي ~~سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا }. والطرى ضد ~~اليابس، والمصدر الطراوة، وفعله طرو بوزن خشن وقرب. أى وهو - سبحانه - ~~وحده الذى ذلل لكم البحر، بحيث مكنكم من الانتفاع به، وأقدركم على الركوب ~~عليه، وعلى الغوص فيه، وعلى الصيد منه، لتأكلوا من أسماكه لحما. طريا غضا ~~شهيا. ووصف - سبحانه - لحم أسماكه بالطراوة، لأن أكله فى هذه الحالة أكثر ~~فائدة، وألذ مذاقا، فالمنة بأكله على هذه الحالة أتم وأكمل. وقال بعض ~~العلماء وفى وصفه بالطراوة، تنبيه إلى أنه ينبغى المسارعة إلى أكله، لأنه ~~يسرع إليه الفساد والتغير، وقد أثبت الطب أن تناوله بعد ذهاب طراوته من ~~أضر الأشياء، فسبحان الخبير بخلقه، ومعرفته ما يضر استعماله وما ينفع، ~~وفيه أيضا إيماء إلى كمال قدرته - تعالى - فى خلقه الحلو الطرى فى الماء ~~المر الذى لا يشرب. وقد كره العلماء أكل الطافى منه على وجه الماء، وهو ~~الذى يموت حتف أنفه فى الماء فيطفو على وجهه، لحديث جابر - رضى الله عنه ~~- عن النبى صلى الله عليه وسلم # " ما نضب عنه الماء فكلوا، وما لفظه فكلوا، وما طفا فلا تأكلوا ". # فالمراد من ميتة البحر فى الحديث # " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " # ما لفظه البحر لا ما مات فيه من غير آفة. وقوله { وتستخرجوا ~~منه حلية تلبسونها } نعمة ثانية من نعم الله - تعالى - ~~للإنسان فى تسخير البحر له. والحلية - بالكسر - اسم لما يتحلى به الناس. ~~وجمعها حلى وحلى - بضم الحاء وكسرها - يقال تحلت المرأة إذا لبست ~~الحلى، أى ومن فوائد تسخير البحر لكم أنه سبحانه أقدركم ms3019 على الغوص فيه، ~~لتستخرجوا منه ما يتحلى به نساؤكم كاللؤلؤ والمرجان وما يشبههما. قال - ~~تعالى - # مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا ~~يبغيان فبأي آلاء ربكما تكذبان يخرج ~~منهما اللؤلؤ والمرجان # والتعبير بقوله - سبحانه - { تستخرجوا.. } يشير إلى كثرة الإخراج ~~فالسين والتاء للتأكيد، مثل استجاب بمعنى أجاب. كما يشير إلى أن من ~~الواجب على المسلمين أن يباشروا بأنفسهم استخراج ما فى البحر من كنوز ~~وألا يتركوا ذلك لأعدائهم. وأسند - سبحانه - لباس الحلية إلى ضمير جمع ~~الذكور فقال { تلبسونها } على سبيل التغليب، وإلا فإن هذه الحلية يلبسها ~~النساء فى معظم الأحيان. قال الآلوسى ما ملخصه وقوله { تلبسونها } أى ~~تلبسها نساؤكم، وأسند الفعل إلى ضمير الرجال، لاختلاطهم بهم، وكونهم ~~متبوعين، أو لأنهم سبب لتزينهن، فإنهن يتزين ليحسن فى أعين الرجال، فكأن ~~ذلك زينتهم ولباسهم. # قال القرطبى " امتن، الله - تعالى - على الرجال والنساء امتنانا عاما ~~بما يخرج من البحر، فلا يحرم عليهم شئ منه، وإنما حرم الله - تعالى - على ~~الرجال الذهب والحرير، ففى الصحيح عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه فى الدنيا لم يلبسه فى الآخرة ". # وروى البخارى عن ابن عمر # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ذهب..، فاتخذ الناس ~~مثله، فرمى به وقال " لا ألبسه أبدا ". ثم اتخذ خاتما من فضة فاتخذ الناس ~~خواتم الفضة... ". # وقوله - سبحانه - { وترى الفلك مواخر فيه } نعمة ثالثة من ~~نعمه - تعالى - فى تسخير البحر للناس وأصل المخر الشق. يقال مخر الماء ~~الأرض إذا شقها. ويقال مخرت السفينة تمخر، وتمخر، مخرا، ومخورا، إذا ~~جرت فى الماء وأخذت تشقه بمقدمتها. أى وترى - أيها العاقل - بعينيك السفن ~~وهى تشق البحر بسرعة، متجهة من بلد إلى بلد، ومن قطر إلى آخر، لا تحرسها ~~إلا رعاية الله تعالى وقدرته، كما قال - سبحانه - # وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك ~~المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون وإن ~~نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون ms3020 إلا ~~رحمة منا ومتاعا إلى حين # والتعبير بقوله { وترى.. } لاستحضار الحالة العجيبة عن طريق الرؤية ~~البصرية، وهى حالة تدل على قدرة الله تعالى ورحمته بعباده. حيث سخر لهم ~~السفن لتجرى فى البحر بأمره. ثم بين - سبحانه - النعمة الرابعة من نعم ~~تسخير البحر للناس فقال تعالى { ولتبتغوا من فضله } ~~والابتغاء الطلب للشئ عن رغبة ومحبة. أى وسخر لكم البحر - أيضا - ~~لتستخرجوا منه الحلية، ولتطلبوا فضل الله تعالى ورزقه، عن طريق التجارات ~~والأسفار على ظهر البحر من مكان إلى آخر. سعيا وراء الربح. ثم ختم - ~~سبحانه - الآية الكريمة بحض الناس على شكره على نعمه فقال { ولعلكم ~~تشكرون }. أى ولعلكم تشكرون الله - تعالى - على آلائه، حيث سخر لكم ~~البحر، وجعله وسيلة من وسائل منفعتكم ومعاشكم. ثم انتقلت السورة الكريمة ~~إلى الحديث عن فوائد الجبال والأنهار والسبل والنجوم، فقال - تعالى - { ~~وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا ~~وسبلا لعلكم تهتدون... }. ### || [16.15-16] # ولفظ { رواسى } جمع راس من الرسو - بفتح الراء وسكون السين - بمعنى ~~الثبات والتمكن فى المكان، يقال رسا الشئ يرسو إذا ثبت. وهو صفة لموصوف ~~محذوف. أى جبالا رواسى. و { تميد } أى تضطرب وتميل. يقال ماد الشئ يميد ~~ميدا، إذا تحرك، ومادت الأغصان إذا تمايلت أى وألقى - سبحانه - فى الأرض ~~جبالا ثوابت لكى تقر وتثبت ولا تضطرب. فقوله { أن تميد بكم } ~~تعليل لإلقاء الجبال فى الأرض. قال القرطبى وروى الترمذى بسنده عن أنس ~~بن مالك عن النبى صلى الله عليه وسلم قال # " لما خلق الله الأرض جعلت تميد وتضطرب، فخلق الجبال عليها فاستقرت، ~~فعجبت الملائكة من شدة الجبال. قالوا يا رب هل من خلقك شئ أشد من الجبال؟ ~~قال نعم، الحديد. قالوا يا رب فهل من خلقك شئ أشد من الحديد؟ قال نعم ~~النار. قالوا يا رب فهل من خلقك شئ أشد من النار؟ قال نعم الماء، قالوا ~~يا رب فهل من خلقك شئ أشد من الماء؟ قال نعم الريح. قالوا يا رب فهل من ~~خلقك شئ أشد من الريح؟ قال نعم، ابن ms3021 آدم إذا تصدق بصدقة بيمينه يخفيها عن ~~شماله ". # هذا، ومن الآيات التى تشبه هذه الآية قوله - تعالى - # خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في ~~الأرض رواسي أن تميد بكم.. # وقوله - تعالى - # ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا # ثم بين - سبحانه - نعما أخرى لما ألقاه فى الأرض فقال { وأنهارا ~~وسبلا لعلكم تهتدون }. أى وجعل فى الأرض { أنهارا } تجرى ~~من مكان إلى آخر، فهى تنبع فى مواضع. وتصب فى مواضع أخرى، وفيها نفع عظيم ~~للجميع، إذ منها يشرب الناس والدواب والأنعام والنبات. وجعل فيها كذلك ~~طرقا ممهدة، يسير فيها السائرون من مكان إلى آخر. { لعلكم تهتدون } بتلك ~~السبل إلى المكان الذى تريدون الوصول إليه. بدون تحير أو ضلال. وقد كرر ~~القرآن الكريم هذا المعنى فى آيات كثيرة، منها قوله تعالى - # والله جعل لكم الأرض بساطا لتسلكوا منها ~~سبلا فجاجا # والمراد بالعلامات فى قوله - تعالى - { وعلامات وبالنجم هم ~~يهتدون } الأمارات والمعالم التى يضعها الناس على الطرق بإلهام من ~~الله - تعالى - للاهتداء بها عند السفر. والمراد بالنجم الجنس، فيشمل كل ~~نجم يهتدى به المسافر. أى ومن مظاهر نعمه - أيضا -، أنه - سبحانه - جعل ~~فى الأرض معالم وأمارات من جبال كبار، وآكام صغار، وغير ذلك، ليهتدى بها ~~المسافرون فى سفرهم، وتكون عونا لهم على الوصول إلى غايتهم، وبمواقع ~~النجوم هم يهتدون فى ظلمات البر والبحر، إلى الأماكن التى يبغون الوصول ~~إليها. # والضمير " هم " فى قوله { وبالنجم هم يهتدون } يشمل كل ~~سالك فى ظلمات البر والبحر، ويدخل فيه دخولا أوليا أهل مكة، لأنهم كانوا ~~كثيرى الأسفار للتجارة، كما كانوا معروفين بالاهتداء فى سيرهم بمواقع ~~النجوم. وقدم - سبحانه - المتعلق وهو { وبالنجم } للاهتمام به، إذ أن ~~الاهتداء بالنجوم، أمر هام فى حياة المسافرين ولا سيما الذين يسافرون فى ~~البحر. وعدل - سبحانه - عن الخطاب إلى الغيبة فى قوله { هم يهتدون } على ~~سبيل الالتفات، ليزداد الكلام طلاوة وانتباها إلى ما اشتمل عليه. وشبيه ~~بهذه الآية قوله - تعالى - # وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ~~ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات ms3022 لقوم ~~يعلمون # وإلى هنا نرى السورة الكريمة، التى هى سورة النعم، قد حدثتنا فى بضع ~~عشرة آية. عن ألوان متنوعة من نعم الله - تعالى - على عباده. حدثتنا عن ~~نعمة الروح الذى يحيى القلوب الميتة وينقذها من الكفر والضلال. وحدثتنا ~~عن نعمة خلق الإنسان، وخلق السماوات والأرض. وحدثتنا عن نعمة خلق ~~الأنعام، والخيل والبغال والحمير. وحدثتنا عن نعمة إنزال الماء من ~~السماء، وما يترتب على هذه النعمة من فوائد ومنافع. وحدثتنا عن نعمة ~~تسخير الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم لمصلحة الإنسان. وحدثتنا عن ~~نعمة تسخير البحر وتذليله للانتفاع بخيراته. وحدثتنا عن كل ذلك وغيره. ~~لكى يخلص الإنسان عبادته لخالقه، ولكى يطيعه حق الطاعة، ويشكره عليها، ~~ويستعملها فيما خلقت له. وبعد أن حدثتنا السورة عن كل ذلك، ساقت لنا جملة ~~من صفات الله - تعالى - ووبخت المشركين على شركهم، وأبطلته بأبلغ أسلوب، ~~ودعتهم إلى الدخول فى الدين الحق، فقال - تعالى - { أفمن يخلق ~~كمن لا يخلق أفلا تذكرون }. ### || [16.17-23] # والاستفهام فى قوله - سبحانه - { أفمن يخلق كمن لا ~~يخلق.. } للإنكار والتوبيخ لأولئك المشركين الذين عبدوا غير الله - ~~تعالى - أى أفمن يخلق هذه الأشياء العجيبة، والمخلوقات البديعة، التى ~~بينا لكم بعضها، وهو الله - عز وجل - كمن لا يخلق شيئا على سبيل ~~الإطلاق، بل هو مخلوق، كتلك الأصنام والأوثان وغيرها، التى أشركتموها فى ~~العبادة مع الله - تعالى -؟ إن فعلكم هذا لدليل واضح على جهلكم - أيها ~~المشركون - وعلى انطماس بصيرتكم، وقبح تفكيركم. قال صاحب الكشاف فإن قلت ~~من لا يخلق أريد به الأصنام، فلماذا جئ بمن الذى هو لأولى العلم؟. قلت ~~فيه أوجه أحدها أنهم سموها آلهة وعبدوها فأجروها مجرى أولى العلم. الثانى ~~المشاكلة بينه وبين من يخلق. الثالث أن يكون المعنى أن من يخلق ليس كمن ~~لا يخلق من أولى العلم، فكيف بما لا علم عنده. كقوله - تعالى - # ألهم أرجل يمشون بهآ.. # يعنى أن الآلهة - التى عبدوها - حالهم منحطة عن حال من لهم أرجل وأيد ~~وآذان وقلوب لأن هؤلاء أحياء وهم أموات، فكيف تصح لهم العبادة، لا ms3023 أنها ~~لو صحت لهم هذه الأعضاء لصح أن يعبدوا. فإن قلت الآية إلزام للذين عبدوا ~~الأوثان وسموها آلهة تشبيها بالله - تعالى - فكان من حق الإلزام أن يقال ~~أفمن لا يخلق كمن يخلق؟ قلت حين جعلوا غير الله مثل الله فى تسميته باسمه ~~والعبادة له، وسووا بينه، فقد جعلوا الله من جنس المخلوقات وشبيها بها، ~~فأنكر عليهم ذلك بقوله { أفمن يخلق كمن لا يخلق.. }. ~~وقوله - سبحانه - { أفلا تذكرون } زيادة فى توبيخهم وفى التهكم بهم. أى ~~أبلغ بكم السفه والجهل أنكم سويتم فى العبادة بين من يخلق ومن لا يخلق، ~~والحال أن هذه التسوية لا يقول بها عاقل، لأن من تفكر أدنى تفكر، وتأمل ~~أقل تأمل، عرف وتيقن أنه لا يصح التسوية فى العبادة بين الخالق والمخلوق، ~~فهلا فكرتم قليلا فى أمركم، لكى تفيئوا إلى رشدكم، فتخلصوا العبادة لله ~~الخلاق العليم. ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمه على سبيل الإجمال، بعد أن فصل ~~جانبا منها فى الآيات السابقة فقال - تعالى - { وإن تعدوا ~~نعمة الله لا تحصوهآ }. والمراد بالنعمة هنا جنسها، الذى ~~يشمل كل نعمه، لأن لفظ العدد والإحصاء قرينة على ذلك، وعلماء البيان ~~يعدون استعمال المفرد فى معنى الجمع اعتمادا على القرينة - من أبلغ ~~الأساليب الكلامية. أى وإن تعدوا نعمة الله - تعالى - التى أنعمها عليكم، ~~فى أنفسكم، وفيما سخره لكم لا تستطيعون حصر هذه النعم لكثرتها ولتنوعها. # وما دام الأمر كذلك فاشكروه عليها ما استطعتم، وأخلصوا له العبادة ~~والطاعة. وقوله { إن الله لغفور رحيم } استئناف قصد به فتح ~~باب الأمل أمامهم لكى يتداركوا ما فرط منهم من جحود وتقصير فى حقه - ~~سبحانه -. أى إن الله - تعالى - لغفور لعباده على ما فرط منهم متى تابوا ~~إليه توبة نصوحا، رحيم بهم، حيث لم يؤاخذهم بذنوبهم. بل منحهم نعمه مع ~~تقصيرهم فى شكره - تعالى. قال ابن كثير - رحمه الله - قوله " { إن ~~الله لغفور رحيم } أى يتجاوز عنكم، ولو طالبكم بشكر جميع نعمه ~~لعجزتم عن القيام بذلك، ولو أمركم به لضعفتم وتركتم، ولو عذبكم لعذبكم ~~وهو غير ظالم ms3024 لكم، ولكنه غفور رحيم، يغفر الكثير، ويجازى على اليسير ". ~~وقوله - سبحانه - { والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ~~} بيان لكمال علمه - تعالى - وتحذير من الوقوع فيما نهى عنه، لأنه - ~~تعالى - لا تخفى عليه خافية. أى والله - تعالى - وحده، يعلم ما تسرونه من ~~أقوال وأفعال، وما تظهرونه منها، وهو محص عليكم ذلك، وسيجازى كل إنسان ~~بما يستحقه من خير أو شر. ثم وصف - سبحانه - الأوثان التى يعبدها ~~المشركون من دونه، بثلاثة أوصاف. تجعلها بمعزل عن النفع، فضلا عن ~~استحقاقها للعبادة، فقال - تعالى - { والذين يدعون من دون ~~الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير ~~أحيآء وما يشعرون أيان يبعثون }. فوصفها - أولا - ~~بالعجز التام، فقال - تعالى - { والذين يدعون من دون الله ~~لا يخلقون شيئا.. }. أى وهذه الآلهة التى تعبدونها من دون الله ~~- تعالى - لا تخلق شيئا من المخلوقات مهما صغرت، بل هم يخلقون بأيديكم، ~~فأنتم الذين تنحتون الأصنام. كما قال - سبحانه - حكاية عن إبراهيم - عليه ~~السلام - الذى قال لقومه على سبيل التهكم بهم # قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما ~~تعملون # وإذا كان الأمر كذلك فكيف تعبدون شيئا أنتم تصنعونه بأيديكم، أو هو ~~مفتقر إلى من يوجده؟! وهذه الآية الكريمة أصرح فى إثبات العجز للمعبودات ~~الباطلة من سابقتها التى تقول { أفمن يخلق كمن لا يخلق.. ~~} لأن الآية السابقة نفت عن المعبودات الباطلة أنها تخلق شيئا، أما هذه ~~الآية التى معنا فنفت عنهم ذلك، وأثبتت أنهم مخلوقون لغيرهم وهو الله - ~~عز وجل -، أو أن الناس يصنعونهم عن طريق النحت والتصوير، فهم أعجز من ~~عبدتهم، وعليه فلا تكرار بين الآيتين. وأما الصفة الثانية لتلك الأصنام ~~فهى قوله - تعالى - { أموات غير أحيآء }. أى هؤلاء المعبودون ~~من دون الله - تعالى -، هم أموات لا أثر للحياة فيهم، فهم لا يسمعون، ولا ~~يبصرون، ولا يغنون عن عابديهم شيئا، فقد دلت هذه الصفة على فقدانهم ~~للحياة فقدانا تاما. # وجملة { غير أحياء } جئ بها لتأكيد موتهم، وللدلالة على عراقة وصفهم ~~بالموت، حيث إنه لا توجد شائبة للحياة فيهم، ولم يكونوا أحياء ms3025 - كعابديهم ~~- ثم ماتوا، بل هم أموات أصلا. أو جئ بها على سبيل التأسيس، لأن بعض ما ~~لا حياة فيه من المخلوقات، قد تدركه الحياة فيما بعد، كالنطفة التى يخلق ~~الله - تعالى - منها حياة، أما هذه الأصنام فلا يعقب موتها حياة، وهذا ~~أتم فى نقصها، وفى جهالة عابديها. وأما الصفة الثالثة لتلك الأصنام فهى ~~قوله - تعالى - { وما يشعرون أيان يبعثون }. ولفظ { أيان ~~} ظرف زمان متضمن معنى متى. وهذه الصفة تدل على جهلهم المطبق، وعدم ~~إحساسهم بشئ. أى أن من صفات هذه المعبودات الباطلة، أنها لا تدرى متى ~~يبعثها الله - تعالى - لتكون وقودا للنار. وبعضهم يجعل الضمير فى { ~~يشعرون } يعود على الأصنام، وفى { يبعثون } يعود على العابدين لها، فيكون ~~المعنى وما تدرى هذه الأصنام التى تعبد من دون الله - تعالى - متى تبعث ~~عبدتها للحساب يوم القيامة. قال صاحب فتح القدير ما ملخصه قوله { وما ~~يشعرون أيان يبعثون } الضمير فى { يشعرون } للآلهة وفى { ~~يبعثون } للكفار الذين يعبدون الأصنام. والمعنى وما تشعر هذه الجمادات من ~~الأصنام أيان يبعث عبدتهم من الكفار، ويكون هذا على طريقة التهكم بهم، ~~لأن شعور الجماد مستحيل بما هو من الأمور الظاهرة. فضلا عن الأمور التى ~~لا يعلمها إلا الله - سبحانه -. ويجوز أن يكون الضمير فى الفعلين للآلهة. ~~أى وما تشعر هذه الأصنام أيان تبعث. ويدل على ذلك قوله تعالى - # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم.. # وبعد أن أبطل - سبحانه - عبادة غيره بهذا الأسلوب المنطقى الحكيم، صرح ~~بأنه لا معبود بحق سواه، فقال { إلهكم إله واحد }. أى إلهكم ~~المستحق للعبادة والطاعة هو إله واحد لا شريك له، لا فى ذاته ولا فى ~~صفاته فأخلصوا له العبادة، ولا تجعلوا له شركاء. ثم بين - سبحانه - ~~الأسباب التى جعلت المشركين يصرون على كفرهم ويستحبون العمى على الهدى، ~~فقال - تعالى - { فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم ~~منكرة وهم مستكبرون }. أى فالكافرون الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة، وما فيها من ثواب وعقاب قلوبهم منكرة للحق، جاحدة لنعم الله، ~~منصرفة عن وحدانية الله - تعالى - وعن الأدلة ms3026 الدالة عليها، وحالهم فوق ~~ذلك أنهم مستكبرون مغرورون، لا يستمعون إلى موعظة واعظ، ولا إلى إرشاد ~~مرشد. ومتى استولت على إنسان هاتان الصفتان - الجحود والاستكبار -، حالفه ~~البوار والخسران، وآثر سبيل الغى على سبيل الرشد. والتعبير عن المشركين ~~بالموصول وصلته { فالذين لا يؤمنون بالآخرة. # . } دون التصريح بذواتهم، لاشتهارهم بتلك الصفات القبيحة، وللإيمان بأن ~~عدم إيمانهم بالآخرة، هو أساس خيبتهم، وخسرانهم وجحودهم... وعبر بالجملة ~~الاسمية فى قوله { قلوبهم منكرة وهم مستكبرون } ~~للدلالة على تأصل صفتى الجحود والاستكبار فى قلوبهم، وعلى أن الإنكار ~~للحق سمة من سماتهم التى لا يتحولون عنها مهما وضحت لهم الأدلة على ~~بطلانها، وعلى أن التعالى والغرور لا ينفك عنهم، وأنهم ممن قال - سبحانه ~~- فيهم # إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون ~~جهنم داخرين # أى صاغرين أذلاء. ثم بين - سبحانه - سوء مصيرهم، فقال { لا جرم ~~أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا ~~يحب المستكبرين }. وكلمة { لا جرم } وردت فى القرآن فى خمسة ~~مواضع، وفى كل موضع كانت متلوة بأن واسمها، وليس بعدها فعل. وجمهور ~~النحاة على أنها مركبة من { لا } و { جرم } تركيب خمسة عشر ومعناها بعد ~~التركيب معنى الفعل حق وثبت، والجملة بعدها فاعل. قال الخليل لا جرم، ~~كلمة تحقيق ولا تكون إلا جوابا، يقال فعلوا ذلك، فيقال لا جرم سيندمون. ~~وقال الفراء { لا جرم } كلمة كانت فى الأصل بمنزلة لا بد ولا محالة، فجرت ~~على ذلك وكثرت حتى تحولت إلى معنى القسم، وصارت بمنزلة حقا فلذلك يجاب ~~عنها باللام، كما يجاب بها عن القسم ألا تراهم يقولون لا جرم لآتينك. ~~والمعنى حق وثبت أن الله - تعالى - يعلم ما يسره هؤلاء المشركون وما ~~يعلنونه من أقوال وأفعال، وسيجازيهم على ذلك بما يستحقونه من عقوبات، ~~لأنه - سبحانه - لا يحب المستكبرين عن الاستجابة للحق، المغرورين ~~بأموالهم وأولادهم، الجاحدين لنعم الله وآلائه. قال القرطبى قال العلماء ~~وكل ذنب يمكن التستر منه وإخفاؤه، إلا الكبر، فإنه فسق يلزمه الإعلان، ~~وهو أصل العصيان كله. وفى الحديث الصحيح # " إن المتكبرين يحشرون أمثال الذر ms3027 يوم القيامة، يطؤهم الناس بأقدامهم ~~لتكبرهم " # أو كما قال صلى الله عليه وسلم # " تصغر لهم أجسامهم فى المحشر حتى يضرهم صغرها، وتعظم لهم فى النار حتى ~~يضرهم عظمها ". # وبعد أن أقامت السورة الكريمة الأدلة الساطعة، على وحدانية الله، ~~وقدرته، وعلى بطلان عبادة غيره.. أتبعت ذلك بحكاية بعض أقاويل المشركين، ~~وردت عليها بما يدحضها، وببيان سوء عاقبتهم، وعاقبة أشباههم من قبلهم، ~~فقال - تعالى - { وإذا قيل لهم ماذآ أنزل ربكم ~~قالوا أساطير الأولين... }. ### || [16.24-29] # وقوله - سبحانه - { وإذا قيل لهم ماذآ أنزل ربكم ~~قالوا أساطير الأولين } حكاية لبعض ما كان يدور بين أولئك ~~المستكبرين، وبين غيرهم من أسئلة واستفسارات حول القرآن الكريم. ~~والأساطير جمع أسطورة، كأعاجيب وأعجوبة، وأحاديث وأحدوثة. والمراد بها ~~الأكاذيب والترهات التى لا أصل لها، والتى كانت مبثوثة فى كتب الأولين. ~~والمعنى وإذا قال قائل لهؤلاء الكافرين المستكبرين، أى شئ أنزل ربكم على ~~نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. قالوا له على سبيل الجحود للحق لم ينزل ~~عليه شئ، وإنما هذا القرآن الذين يتلوه محمد صلى الله عليه وسلم على ~~أتباعه، هو من أساطير الكهنة الأولين، نقله من كتبهم ثم قرأه على من ~~يستمع إليه. روى ابن أبى حاتم عن السدى قال " اجتمعت قريش فقالوا إن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم رجل حلو اللسان إذا كلمه الرجل ذهب بعقله، ~~فانظرو أناسا من أشرافكم المعدودين المعروفة أنسابهم، فابعثوهم فى كل ~~طريق من طرق مكة على رأس ليلة أو ليلتين، فمن جاءه يريده ردوه عنه. فخرج ~~ناس فى كل طريق، فكان إذا أقبل الرجل وافدا لقومه ينظر ما يقول محمد صلى ~~الله عليه وسلم ووصل إليهم، قال أحدهم أنا فلان بن فلان، فيعرفه نسبه، ثم ~~يقول للوافد أنا أخبرك عن محمد صلى الله عليه وسلم إنه رجل كذاب لم يتبعه ~~على أمره إلا السفهاء والعبيد ومن لا خير فيهم، وأما شيوخ قومه وخيارهم ~~فمفارقون له، فيرجع الوافد. فذلك قوله - تعالى - { وإذا قيل لهم ~~ماذآ أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين }. فإن كان ~~الوافد ممن ms3028 عزم الله له الرشاد، فقالوا له مثل ذلك قال بئس الوافد لقومى ~~أنا، إن كنت جئت حتى إذا بلغت مسيرة يوم - من مكة - رجعت قبل أن ألقى هذا ~~الرجل، وأنظر ما يقول، وآتى قومى ببيان أمره. فيدخل مكة، فيلقى المؤمنين ~~فيسألهم ماذا يقول محمد صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون خيرا.. ". وعبر - ~~سبحانه - بالفعل { قيل } المبنى للمجهول، للإشارة إلى أن هذا القول الذى ~~تفوه به عتاة الكافرين، كانوا يقولونه لكل من يسألهم عن القرآن الكريم، ~~لكى يصدوه عن الدخول فى الإسلام. وجملة { ماذآ أنزل ربكم } ~~نائب فاعل لقيل. وقولهم - كما حكى القرآن عنهم - { أساطير الأولين } خبر ~~لمبتدأ محذوف. أى قالوا هو أساطير الأولين أو المسئول عنه أساطير ~~الأولين. ولقد حكى القرآن قولهم الباطل هذا، ورد عليه بما يدحضه فى آيات ~~كثيرة، ومن ذلك قوله - تعالى - # وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى ~~عليه بكرة وأصيلا قل أنزله الذي يعلم السر ~~في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما # ثم بين - سبحانه - عاقبة كفرهم، ونطقهم بالباطل، فقال - تعالى - { ~~ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة... }. واللام ~~فى قوله - { ليحملوا } هى التى تسمى بلام العاقبة، وذلك لأنهم لما وصفوا ~~القرآن بأنه أساطير الأولين، كانت عاقبتهم تلك العاقبة السيئة. والأوزار ~~جمع وزر - بكسر الواو وسكون الزاى - بمعنى الشئ الثقيل. المراد بها ~~الذنوب والآثام التى يثقل حملها على صاحبها يوم القيامة، كما قال - تعالى ~~- # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ~~وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون # والمعنى قالوا ذلك فى القرآن الكريم، لتكون عاقبتهم أن يحملوا أوزارهم ~~كاملة غير منقوصة يوم القيامة. قال الآلوسى ما ملخصه وقوله { ليحملوا } ~~متعلق - بقالوا - كما هو الظاهر.. واللام للعاقبة، لأن الحمل مترتب على ~~قولهم وليس باعثا ولا غرضا لهم. وعن ابن عطية أنها تحتمل أن تكون لام ~~التعليل ومتعلقة بفعل مقدر لا بقالوا، أى قدر صدور ذلك منهم ليحملوا... ~~وقال - سبحانه - { كاملة } لتأكيد أنه لا يرفع عنهم شئ من ذنوبهم، بل ~~سيعاقبون عليها جميعها دون أن ينقص منها شئ. قال الفخر الرازى وهذا يدل ms3029 ~~على أن الله - تعالى - قد يسقط بعض العقاب على المؤمنين، إذ لو كان هذا ~~المعنى حاصلا فى حق الكل، لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل ~~معنى... وقال بعض العلماء " ويصور التعبير هذه الذنوب بكونها أحمالا ذات ~~ثقل - وساءت أحمالا وأثقالا -، فهى توقر النفوس كما توقر الأحمال الظهور، ~~وهى تثقل القلوب، كما تثقل الأحمال العواتق، وهى تتعب وتشقى كما تتعب ~~الأثقال حاملها، بل هى أدهى وأنكى ". وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم أنه ~~بلغه أنه يتمثل للكافر عمله فى صورة أقبح ما خلق الله وجها، وأنتنه ريحا، ~~فيجلس إلى جنبه كلما أفزعه شئ زاده فزعا، وكلما تخوف من شئ زاده خوفا. ~~فيقول له بئس الصاحب أنت ومن أنت؟ فيقول له وما تعرفنى؟ فيقول لا. فيقول ~~أنا عملك كان قبيحا فلذلك ترانى قبيحا، وكان منتنا فلذلك ترانى منتنا. ~~طأطئ إلى أركبك، فطالما ركبتنى فى الدنيا، فيركبه، وهو قوله - تعالى - { ~~ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة.. }. وقوله { ~~ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم } بيان ~~لأثقال أخرى يحملونها فوق أثقالهم. أى أن أولئك المستكبرين، قالوا فى ~~القرآن إنه أساطير الأولين، فكانت عاقبة قولهم الباطل أن حملوا آثامهم ~~الخاصة، وأن حملوا فوقها جانبا من آثام من كانوا سببا فى ضلالهم. قال ابن ~~كثير أى يصير عليهم خطيئة ضلالهم فى أنفسهم، وخطيئة إغوائهم لغيرهم، ~~واقتداء أولئك بهم، كما جاء فى الحديث # " من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، لا ينقص ذلك من ~~أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه لا ~~ينقص ذلك من آثامهم شيئا ". # كما قال - تعالى - # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ~~وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون # فهذه الآية وأمثالها، لا تعارض بينها وبين قوله - تعالى - # ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى # لأن هؤلاء المستكبرين لم يكتفوا بضلالهم فى أنفسهم، بل تسببوا فى إضلال ~~غيرهم، فعوقبوا على هذا التسبب السيئ، الذى هو فعل من أفعالهم القبيحة. ms3030 ~~وقوله { بغير علم } فى موضع الحال من الضمير المنصوب فى قوله { يضلونهم ~~}. أى يضلون ناسا لا علم عندهم، فهم كالأنعام بل هم أضل، وفى ذلك ما فيه ~~من مدح أهل العلم والتفكير، لأن الآية الكريمة قد بينت أن أئمة الكفر، ~~يستطيعون إضلال من لا علم عنده، أما أصحاب العقول السليمة فلن يستطيعوا ~~إضلالهم. قالوا واستدل بالآية على أن المقلد يجب عليه أن يبحث، وأن يميز ~~بين الحق والباطل، ولا يعذر بسبب جهله. وقيل إن قوله { بغير علم } فى ~~موضع الحال من الضمير المرفوع فى قوله { يضلونهم }. أى هم يضلون غيرهم ~~حالة كونهم غير عالمين بما يترتب على ذلك من آثام وعقاب، إذ لو علموا ذلك ~~لما أقدموا على هذا الإضلال لغيرهم. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ~~بقوله { ألا سآء ما يزرون }. قال الجمل و { ساء } فعل ماض ~~لإنشاء الذم بمعنى بئس، و " ما " تمييز بمعنى شيئا، أو فاعل بساء و { ~~يزرون } صفة لما والعائد محذوف، أو " ما " اسم موصول، وقوله { يزرون } ~~صلة الموصول، والعائد محذوف أى يزرونه، والمخصوص بالذم محذوف. والتقدير ~~بئس شيئا يزرونه ويحملونه نتيجة كفرهم وكذبهم وإضلالهم لغيرهم وافتتحت ~~الجملة الكريمة بأداة الاستفتاح " ألا " للاهتمام بما تضمنه التحذير، حتى ~~يقلعوا عن كفرهم، ويثوبوا إلى رشدهم، ويحترسوا عن الوقوع فى الباطل من ~~القول. ثم سلى الله - تعالى - نبيه والمؤمنين، فبين لهم أن هؤلاء ~~المستكبرين الذين قالوا فى القرآن إنه أساطير الأولين، سيحيق بهم مكرهم ~~السيئ، كما حاق بالذين من قبهلم، فقال - تعالى { قد مكر الذين ~~من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد ~~فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب ~~من حيث لا يشعرون }. وقوله - سبحانه - { مكر } من المكر، وهو ~~التدبير المحكم، أو صرف الغير عما يريده بحيلته، وهو مذموم إن تحرى به ~~الماكر الشر والباطل، ومحمود إن تحرى به الخير والحق. والمراد به هنا ~~النوع الأول. والمراد بالذين من قبلهم الكفار الذين كانوا قبل كفار مكة، ~~كقوم نوح وهود وصالح. وقوله { فأتى الله بنيانهم.. } أى ~~أهلكهم، كما فى قوله ms3031 - تعالى - # ... فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا.. # ويقال أتى فلان من مأمنه أى نزل به الهلاك من جهة أمنه. وأتى عليه ~~الدهر. أى أهلكه وأفناه. ومنه الأتو. وهو الموت والبلاء. يقال أتى على ~~فلان أتو، أى موت أو بلاء يصيبه. والقواعد جمع قاعدة. وهى أساس البناء، ~~وبها يكون ثباته واستقراره. والمعنى لا تهتم - أيها الرسول الكريم - بما ~~يقوله المستكبرون من قومك فى شأن القرآن الكريم لكى يصرفوا الناس عن ~~الدخول فى الإسلام، فقد مكر الذين من قبلهم بأنبيائهم، فكانت عاقبة ~~مكرهم أن أتى الله بنيانهم من القواعد، بأن اجتث هذا البنيان من أصله ~~واقتلعه من أساسه { فخر عليهم السقف من فوقهم } أى ~~فسقط عليهم سقف بنيانهم فأهلكهم { وأتاهم العذاب } المبير المدمر { من ~~حيث لا يشعرون } ولا يحتسبون بأنه سيأتيهم من هذه الجهة، بل ~~كانوا يتوقعون أن ما شيدوه سيحميهم من المهالك. فالآية الكريمة تصور ~~بأسلوب بديع معجز، كيف أن هؤلاء الماكرين، قد حصنوا أنفسهم بالبناء ~~المحكم المتين، ليتقوا ما يؤذيهم، إلا أن جميع هذه التحصينات قد هوت ~~وتساقطت على رءوسهم، أمام قوة الله - تعالى - التى لا ترد، فإذا بالبناء ~~الذى بنوه ليحتموا به، قد صار مقبرة لهم. وصدق الله إذ يقول # ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون ~~فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم ~~وقومهم أجمعين فتلك بيوتهم خاوية بما ~~ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون # وقال - سبحانه - { فخر عليهم السقف من فوقهم } مع أن ~~السقف لا يكون إلا من فوق، لتأكيد الكلام وتقويته. وقال القرطبى قال ابن ~~الأعرابى وكد ليعلمك أنهم كانوا حالين تحته، والعرب تقول خر علينا سقف، ~~ووقع علينا حائط، إذا كان يملكه وإن لم يكن وقع عليه. فجاء بقوله { من ~~فوقهم } ليخرج هذا الشك الذى فى كلام العرب، فقال { من فوقهم } أى عليهم ~~وقع وكانوا تحته فهلكوا وما أفلتوا... هذا ومن المفسرين الذين رجحوا أن ~~الآية مسوقة على سبيل التمثيل، الفخر الرازى فقد قال وفى قوله - سبحانه - ~~{ فأتى الله بنيانهم من القواعد } قولان الأول ms3032 أن ~~هذا محض التمثيل. والمعنى أنهم رتبوا حيلا ليمكروا بها على أنبياء الله، ~~فجعل الله - تعالى - حالهم فى تلك الحيل، مثل حال قوم بنوا بنيانا وعموده ~~بالأساطين، فانهدم ذلك البناء، وضعفت تلك الأساطين، فسقط السقف عليهم، ~~ونظيره قولهم من حفر بئرا لأخيه أوقعه الله فيه. - ووجه الشبه أن ما عدوه ~~سبب بقائهم، صار سبب استئصالهم وفنائهم. الثانى أن المراد منه ما دل عليه ~~الظاهر، وهو أن الله - تعالى - أسقط عليهم السقف وأماتهم تحته. والأول ~~أقرب إلى المعنى. ومن المفسرين الذين رجحوا أن الكلام على حقيقته، ~~الإمام ابن جرير فقد قال - بعد أن سرد بعض الأقوال - وأولى الأقوال ~~بتأويل الآية قول من قال معنى ذلك، تساقطت عليهم سقوف بيوتهم، إذ أتى على ~~أصولها وقواعدها أمر الله، فانكفأت بهم منازلهم، لأن ذلك هو الكلام ~~المعروف من قواعد البنيان وخر السقف. # وتوجيه معانى كلام الله إلى الأشهر الأعرف منها، أولى من توجيهها إلى ~~غير ذلك ما وجد إليه سبيل ". ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن جرير - رحمه ~~الله - أولى بالقبول، لأنه ما دام اللفظ صالحا للحمل على الحقيقة، فلا ~~داعى لصرفه عن ذلك. وقد حكى لنا القرآن الكريم صنوفا من العذاب الذى ~~أنزله الله - تعالى - بالظالمين، ومن ذلك قوله - تعالى - # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان ~~الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # ثم بين - سبحانه - مصيرهم فى الآخرة، بعد أن بين عاقبة مكرهم فى الدنيا ~~فقال - تعالى - { ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول ~~أين شركآئي الذين كنتم تشاقون فيهم.. }. أى هذا ~~هو مصير هؤلاء المستكبرين فى الدنيا، أما مصيرهم فى الآخرة فإن الله - ~~تعالى - يذلهم ويهينهم ويفضحهم على رؤوس الأشهاد، ويقول لهم على سبيل ~~التقريع والتوبيخ أين شركائى فى العبادة والطاعة، الذين كنتم تعادون ~~وتخاصمون المؤمنين فى شأنهم، قائلين لهم إنكم لا بد لكم من إشراكهم معى ~~فى العبادة. وجئ بثم المفيدة للترتيب النسبى، للإشارة إلى ما ms3033 بين ~~الجزاءين من تفاوت فإن خزى الآخرة أشد وأعظم مما نزل بهم من دمار فى ~~الدنيا. والاستفهام فى قوله { أين شركائى.. } للتهكم بهم وبمعبوداتهم ~~الباطلة التى كانوا يعبدونها فى الدنيا، فانهم كانوا يقولون للمؤمنين إن ~~صح ما تقولونه من العذاب فى الآخرة، فان الأصنام ستشفع لنا. أى أين هؤلاء ~~الشركاء ليدفعوا عنكم ما نزل بكم من خزى وذلة وعذاب مهين؟! وأضاف - ~~سبحانه - الشركاء إليه، لزيادة توبيخهم، لأنهم فى هذا اليوم العظيم، ~~يعلمون علم اليقين أنه لا شركاء له - سبحانه - وشبيه بهذه الآية قوله - ~~تعالى - # ويوم يناديهم فيقول أين شركآئي الذين كنتم ~~تزعمون # قال الجمل ما ملخصه وقوله { تشاقون } من المشاقة وهى عبارة عن كون كل ~~واحد من الخصمين فى شق غير شق صاحبه. وقرأ نافع { تشاقون } بكسر النون ~~خفيفه، وقرأ الباقون بفتح النون، ومفعوله محذوف. أى تشاقون المؤمنين، أو ~~تشاقون الله، بدليل القراءة الأولى... ". ثم حكى - سبحانه - ما يقوله ~~أولو العلم فى هذا الموقف الهائل الشديد فقال - تعالى - { قال ~~الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء ~~على الكافرين }. # والمراد بالذين أوتوا العلم، كل من اهتدى إلى الحق فى الدنيا وأخلص لله ~~- تعالى - العبادة والطاعة. أى قال الذين هداهم الله - تعالى - إلى صراطه ~~المستقيم، فى هذا اليوم العصيب، إن الخزى الكامل، فى هذا اليوم، والسوء ~~الذى ليس بعده سوء، على هؤلاء الكافرين، أصحاب القلوب المنكرة للحق، ~~والنفوس الجاحدة لليوم الآخر وما فيه من حساب. وجئ بجمله { قال ~~الذين أوتوا العلم.. } غير معطوفة على ما قبلها، لأنها واقعة ~~موقع الجواب لقوله - سبحانه - { أين شركائى... } وللتنبيه على أن الذين ~~أوتوا العلم سارعوا بالجواب بعد أن وجم المستكبرون، وعجزوا عن الإجابة. ~~وقولهم هذا يدل على شماتتهم بأعداء الله - تعالى -، وتوبيخهم لهم على ~~كفرهم، واستكبارهم عن الإستماع إلى كلمة الحق. وقال - سبحانه - { قال ~~الذين أوتوا العلم... } بلفظ الماضى، مع أن هذا القول سيكون ~~فى الآخرة، للإشارة إلى تحقق وقوعه، وأنه كائن لا محالة. ثم صور - سبحانه ~~- أحوال هؤلاء الكافرين ساعة انتزاع أرواحهم من أجسادهم وساعة ms3034 وقوفهم ~~للحساب، فقال - تعالى -، { الذين تتوفاهم الملائكة ~~ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من ~~سوء...... }. قال الآلوسى " وفى الموصول أوجه الإعراب الثلاثة الجر ~~على أنه صفة للكافرين، أو بدل منه، أو بيان له، والنصب والرفع على القطع ~~للذم. وجوز بعضهم كونه مرتفعا بالابتداء، وجملة { فألقوا } خبره.. ". ~~والمراد بالملائكة عزرائيل ومن معه من الملائكة. والمراد بظلمهم لأنفسهم ~~إشراكهم مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة. أى إن أشد أنواع الخزى ~~والعذاب يوم القيامة على الكافرين، الذين تنتزع الملائكة أرواحهم من ~~أجسادهم وهم ما زالوا باقين على الكفر والشرك دون أن يتوبوا منهما، أو ~~يقلعوا عنهما. وقوله { ظالمى أنفسهم } حال من مفعول تتوفاهم. وفى وصف ~~هؤلاء الكافرين بكونهم { ظالمى أنفسهم } إشعار إلى أن الملائكة تنتزع ~~أرواحهم من جنوبهم بغلظة وقسوة، ويشهد لذلك قوله - تعالى - # ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ~~يضربون وجوههم وأدبارهم... # وقوله { فألقوا السلم } بيان لما صار إليه هؤلاء المستكبرون من ذل وخضوع ~~فى الآخرة، بعد أن كانوا مغترين متجبرين فى الدنيا. وأصل الإلقاء يكون ~~فى الأجسام والمحسات فاستعير هنا لإظهار كمال الخضوع والطاعة، حيث شبهوا ~~بمن ألقى سلاحه أمام الأقوى منه، بدون أية مقاومة أو حركة. والمراد ~~بالسلم الاستسلام والاستكانة. أى أنهم عندما عاينوا الموت، وتجلت لهم ~~الحقائق يوم القيامة، خضعوا واستكانوا واستسلموا وانقادوا، وقالوا ما كنا ~~فى الدنيا نعمل عملا سيئا، توهما منهم أن هذا القول ينفعهم. وقد حكى الله ~~- تعالى - عنهم فى آيات أخرى ما يشبه هذا القول، ومن ذلك قوله - تعالى - # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ~~ما كنا مشركين # وقوله - سبحانه - { بلى إن الله عليم بما كنتم ~~تعملون } تكذيب لهم فى دعواهم أنهم ما كانوا يعملون السوء لأن لفظ { ~~بلى } لإبطال ما نفوه. أى بلى كنتم تعملون السوء، لأن الله - تعالى - لا ~~تخفى عليه خافية من أعمالكم، وسيجازيكم عنها بما تستحقون وهذا التكذيب ~~لهم قد يكون من الملائكة بأمر الله - تعالى - وقد يكون من قبله - سبحانه ~~-. وقوله - سبحانه - { فادخلوا أبواب ms3035 جهنم خالدين ~~فيها... } بيان لما انتهى إليه أمرهم من عذاب مهين. وأبواب جهنم قد ذكر ~~- سبحانه - عددها فى قوله - تعالى - # لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم # أى فادخلوا - أيها الكافرون - من أبواب جهنم، حالة كونكم خالدين فيها ~~خلودا أبديا { فلبئس مثوى المتكبرين } أى فلبئس مقام ~~المتعاظمين عن الإيمان بالله جهنم. وبذلك نرى الآيات الكريمة. قد بينت ~~بأسلوب مؤثر، مصير المستكبرين الذين وصفوا القرآن بأنه أساطير الأولين، ~~والذين جادلوا المؤمنين بالباطل ليدحضوا به الحق. وبعد أن بين - سبحانه - ~~أقوال المستكبرين، وأحوالهم، وسوء عاقبتهم أتبع ذلك ببيان أحوال المتقين، ~~وببيان ما أعده لهم من خيرات فقال - تعالى - { وقيل للذين ~~اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين ~~أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ~~ولنعم دار المتقين... }. ### || [16.30-32] # فقوله - سبحانه - { وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ~~ربكم قالوا خيرا.. } بيان لما رد به المؤمنون الصادقون، على ~~من سألهم عما أنزله الله - تعالى - على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. ~~وهو معطوف على ما قبله، للمقابلة بين ما قاله المتقون، وما قاله ~~المستكبرون. ووصفهم بالتقوى، للاشعار بأن صيانتهم لأنفسهم عن ارتكاب ما ~~نهى الله - تعالى - عنه، وخوفهم منه - سبحانه - ومراقبتهم له، كل ذلك ~~حملهم على أن يقولوا هذا القول السديد. وكلمة { خيرا } مفعول لفعل محذوف ~~أى أنزل خيرا. أى رحمة وبركة ونورا وهداية، إذ لفظ { خيرا } من الألفاظ ~~الجامعة لكل فضيلة. قال صاحب الكشاف فان قلت لم نصب هذا ورفع الأول؟. قلت ~~فصلا بين جواب المقر وجواب الجاحد، يعنى أن هؤلاء لما سئلوا لم ~~يتلعثموا وأطبقوا الجواب على السؤال بينا مكشوفا مفعولا للإنزال، فقالوا ~~خيرا. أى أنزل خيرا. وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا هو أساطير ~~الأولين وليس من الإنزال فى شئ. وقوله - سبحانه - { للذين ~~أحسنوا في هذه الدنيا حسنة } جملة مستأنفة لبيان ما ~~وعدهم به - تعالى - على أعمالهم الصالحة من أجر وثواب. أى هذه سنتنا فى ~~خلقنا أننا نجازى الذين يعملون الصالحات بالجزاء الحسن الكريم، دون أن ~~نضيع من أعمالهم شيئا. ms3036 وقوله { حسنة } صفة لموصوف محذوف أى مجازاة حسنة ~~بسبب أعمالهم الصالحة. كما قال - تعالى - فى آية أخرى # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم ~~بأحسن ما كانوا يعملون # ثم بين - سبحانه - جزاءهم فى الآخرة فقال { ولدار الآخرة خير ~~ولنعم دار المتقين }. والمراد بدار المتقين الجنة ونعيمها. ~~و { خير } صيغة تفضيل، حذفت همزتها لكثرة الاستعمال على سبيل التخفيف، ~~كما قال ابن مالك # وغالبا أغناهم خير وشر عن قولهم أخير منه وأشر # ونعم فعل ماض لإنشاء المدح، وهو ضد بئس. والمعنى ولدار الآخرة وما فيها ~~من عطاء غير مقطوع، خير لهؤلاء المتقين مما أعطيناهم فى الدنيا، ولنعم ~~دارهم هذه الدار. قال - تعالى - # بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى # ووصفها - سبحانه - بالآخرة، لأنها آخر المنازل، فلا انتقال عنها إلى دار ~~أخرى، كما قال - تعالى - # خالدين فيها لا يبغون عنها حولا # والمخصوص بالمدح محذوف لتقدم ما يدل عليه، والتقدير ولنعم دار المتقين، ~~دار الآخرة. ثم وصف - سبحانه - ما أعده لهم من نعيم فقال { جنات ~~عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار }. والعدن ~~الإقامة الدائمة يقال عدن فلان ببلد كذا، إذا توطن فيه وأقام دون أن ~~يبرحه أى لهؤلاء المتقين جنات دائمة باقية، يدخلونها بسرور وحبور، تجرى ~~من تحتها بساتينها وأشجارها الأنهار. # { لهم فيها ما يشآؤون } مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين { ~~كذلك يجزي الله المتقين } أى مثل هذا الجزاء الحسن، يجزى ~~الله - تعالى - عباده المتقين، الذين جنبوا أنفسهم ما لا يرضيه. ثم حكى - ~~سبحانه - ما تحييهم به الملائكة فقال { الذين تتوفاهم ~~الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم.. }. أى هذا ~~الجزاء الحسن لهؤلاء المتقين، الذين تتوفاهم الملائكة، أى تقبض أرواحهم، ~~حال كونهم { طيبين } أى مطهرين من دنس الشرك والفسوق والعصيان. { يقولون ~~} أى الملائكة لهؤلاء المتقين عند قبض أرواحهم، { سلام عليكم } أى أمان ~~عليكم من كل شر ومكروه. { ادخلوا الجنة بما كنتم ~~تعملون } أى بسبب ما قدمتموه من أعمال صالحة. وشبيه بهذه الآية قوله ~~- تعالى - # إن الذين قالوا ربنا الله ثم ms3037 استقاموا ~~تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون # هذا، ولا تعارض بين قوله تعالى - { تتوفاهم الملائكة } وبين قوله فى آية ~~أخرى # قل يتوفاكم ملك الموت # وبين قوله فى آية ثالثة # الله يتوفى الأنفس حين موتها # لأن إسناد التوفى إلى ذاته - تعالى -، باعتبار أن أحدا لا يموت إلا ~~بمشيئته - تعالى -، وإسناده إلى ملك الموت باعتباره هو المأمور بقبض ~~الأرواح، وإسناده إلى الملائكة باعتبارهم أعوانا له، ولا تعارض - أيضا - ~~بين قوله - تعالى - { ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ~~} وبين ما جاء فى الحديث الصحيح # " لن يدخل أحدا عمله الجنة.. ". # لأن الأعمال الصالحة إنما هى أسباب عادية لدخول الجنة، أما السبب ~~الحقيقى فهو فضل الله - تعالى - ورحمته، حيث قبل هذه الأعمال، وكافأ ~~أصحابها عليها. وبعد أن بينت السورة الكريمة جانبا من أقوال المتقين، ~~وبشرتهم بما يسرهم ويشرح صدورهم، عادت مرة أخرى لتهديد الكافرين، لعلهم ~~يزدجرون أو يتذكرون، فقال - تعالى - { هل ينظرون إلا أن ~~تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك ~~فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون... }. ### || [16.33-34] # والاستفهام فى قوله - سبحانه - { هل ينظرون.. } إنكارى فى معنى النفى. { ~~ينظرون } هنا بمعنى ينتظرون، من الإنظار بمعنى الإمهال، والضمير ~~المرفوع يعود إلى أولئك المتكبرين الذين وصفوا القرآن بأنه أساطير ~~الأولين، والذين تتوفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم، كما جاء فى الآيات ~~السابقة. أى ما ينتظر أولئك المتكبرون الذين لا يؤمنون بالآخرة، إلا أن ~~تأتيهم الملائكة لنزع أرواحهم من أجسادهم، أو يأتى أمر ربك - أيها الرسول ~~الكريم - بإهلاكهم، أو بإنزال العذاب بهم من حيث لا يشعرون. وليس المراد ~~من الجملة الكريمة، أنهم ينتظرون ذلك على سبيل الحقيقة، لأن إصرارهم على ~~الكفر جعلهم يستهينون بهذا التهديد وإنما المراد أنهم حين أصروا على ~~الكفر مع ظهور البراهين على بطلانه، صار حالهم كحال المترقب لنزول أحد ~~الأمرين قبض الملائكة لأرواحهم، أو نزول العذاب بهم. فالجملة الكريمة ~~تهديد لهم فى تماديهم فى الكفر، وتحريض لهم على الإيمان قبل فوات ~~الأوان. قال الجمل " و " أو ms3038 " فى قوله { أو يأتي أمر ربك } ~~مانعة خلو، فإن كلا من الموت والعذاب يأتيهم وإن اختلف الوقت، وإنما عبر ~~بأو دون الواو، للاشارة إلى كفاية كل واحد من الأمرين فى تعذيبهم... ". ~~وقوله - سبحانه - { كذلك فعل الذين من قبلهم }. تسلية ~~للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم من أذى. أى مثل هذا الفعل ~~الشنيع الذى صدر عن الكافرين من قومك - يا محمد - فعل الذين من قبلهم من ~~أقوام الرسل السابقين، كقوم نوح وقوم هود، وقوم صالح، فإنهم قد آذوا ~~رسلهم. كما آذاك قومك. وقد أنزلنا بهم ما يستحقون من عقاب دنيوى، ولعذاب ~~الآخرة أشد وأبقى. وقوله - سبحانه - { وما ظلمهم الله ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون }. بيان لعدالة الله - تعالى - وأنه - ~~سبحانه - لا يظلم الناس شيئا. أى وما ظلمهم الله حين أنزل بهم عقابه ولكن ~~هم الذين ظلموا أنفسهم بترديهم فى الكفر، وإصرارهم عليه، ومحاربتهم لمن ~~جاء لإخراجهم من الظلمات إلى النور. وقوله - سبحانه - { فأصابهم ~~سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به ~~يستهزئون } معطوف على قوله { كذلك فعل الذين من ~~قبلهم } وما بينهما اعتراض. وحاق بمعنى أحاط، من الحيق بمعنى ~~الإحاطة، وبابه باع، يقال حاق يحيق، وخص فى الاستعمال بإحاطة الشر، ومنه ~~قوله - تعالى - # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله # أى هكذا تمادى أسلافهم فى الكفر والجحود، فأصابهم جزاء سيئات أعمالهم، ~~وأحاط بهم العذاب من كل جانب، بسبب كفرهم وسخريتهم بالرسل وبما أخبروهم ~~به من حساب وثواب وعقاب فى الآخرة، وسيقال لهؤلاء المجرمين يوم القيامة ~~وهم يردون النار # هذه النار التي كنتم بها تكذبون # وبذلك نرى أن هاتين الآيتين، قد هددتا الكافرين ودعتهما إلى الدخول فى ~~الحق، وحذرتاهم من انتهاج نهج الظالمين من قبلهم. ثم حكى - سبحانه - بعض ~~أقاويلهم الباطلة، ومعاذيرهم الفاسدة، ورد عليهم بما يدحضها ويدمغها، ~~فقال - تعالى - { وقال الذين أشركوا لو شآء الله ما ~~عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا ~~حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من ~~قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ms3039 }. ### || [16.35-37] # إن هذه الآيات الكريمة، تعالج شبهة من الشبهات القديمة الحديثة. قديمة، ~~لأن كثيرا من مجادلى الرسل - عليهم الصلاة والسلام - جادلوا بها. وحديثة، ~~لأنها كثيرا ما تراود الذين يتمسكون بالأوهام، إرضاء لنزواتهم وشهواتهم. ~~إنهم جميعا يقولون عند ارتكابهم للقبائح والمنكرات هذا أمر الله وهذا ~~قضاؤه، وتلك مشيئته وإرادته، ولو شاء الله عدم فعلنا لهذه الأشياء لما ~~فعلناها وما دام الله - تعالى - قد قضى علينا بها فما ذنبنا؟ ولماذا ~~يعاقبنا عليها ما دام قد شاءها لنا؟ استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى ~~هذه الشبهة بأسلوبه الخاص فيقول { وقال الذين أشركوا لو ~~شآء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا ~~آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء... }. أى وقال الذين ~~أشركوا، مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة، لنبيهم صلى الله عليه ~~وسلم لو شاء الله - تعالى - لنا عبادته وحده لعبدناه نحن وآباؤنا الذين ~~هم قدوتنا. ولو شاء لنا ولآبائنا - أيضا - ألا نحرم شيئا مما حرمناه من ~~البحائر والسوائب وغيرهما، لتمت مشيئته، ولما حرمنا شيئا لم يأذن به - ~~سبحانه -. ولكنه - عز وجل - لم يشأ ذلك، بل شاء لنا أن نشرك معه فى ~~العبادة هذه الأصنام، وأن نحرم بعض الأنعام، وقد رضى لنا ذلك، فلماذا ~~تطالبنا يا محمد صلى الله عليه وسلم بتغيير مشيئة الله، وتدعونا إلى ~~الدخول فى دين الإسلام والذى لم يشأ لنا الله - تعالى - الدخول فيه؟ هذه ~~حجتهم، ولا شك أنها حجة داحضة، لأنهم يحيلون شركهم وفسوقهم على مشيئة ~~الله - تعالى - مع أن مشيئته - تعالى - لم يطلع عليها أحد من خلقه حتى ~~يقولوا ما قالوا. وإنما الذى أطلعنا عليه - سبحانه - أنه أرسل رسوله صلى ~~الله عليه وسلم لهدايتنا، ومنحنا العقول التى نميز بها بين الحق والباطل، ~~فمن أطاع الرسول صلى الله عليه وسلم سعد وفاز، ومن أعرض عن هدايته خسر ~~وخاب، قال - تعالى - # إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه ~~فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل إما ~~شاكرا وإما كفورا # وقال - سبحانه # وقل الحق من ربكم فمن شآء ms3040 فليؤمن ومن شآء ~~فليكفر.. # ولقد حكى - سبحانه - شبهة المشركين هذه فى آيات أخرى ورد عليها، ومن ذلك ~~قوله - تعالى - # وقالوا لو شآء الرحمن ما عبدناهم ما لهم ~~بذلك من علم إن هم إلا يخرصون # وقوله - سبحانه - # سيقول الذين أشركوا لو شآء الله مآ أشركنا ~~ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين ~~من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من ~~علم فتخرجوه لنآ إن تتبعون إلا الظن وإن ~~أنتم إلا تخرصون قل فلله الحجة البالغة ~~فلو شآء لهداكم أجمعين.. # هذا، وقد قلنا عند تفسيرنا لهذه الآيات ما ملخصه ونريد أن نزيد هذه ~~الشبهة القديمة الحديثة تمحيصا وكشفا ودفعا، فنقول لأولئك الذين يبررون ~~ارتكابهم للموبقات بأنها واقعة بمشيئة الله. نقول لهم " نحن معكم فى أنه ~~لا يقع فى ملكه - سبحانه - إلا ما يشاؤه. فالطائع تحت المشيئة، والعاصى ~~تحت المشيئة، ولكن هذه المشيئة لم تجبر أحدا على طاعة أو معصية، وقضاء ~~الله هو علمه بكل ما هو كائن قبل أن يكون وليس العلم صفة تأثير وجبر. ~~ولقد شاء - سبحانه - أن يجعل فى طبيعة البشر الاستعداد للخير والشر، ~~ووهبهم العقل ليهتدوا به، وأرسل إليهم الرسل لينموا فيهم استعدادهم، وسن ~~لهم شريعة لتكون مقياسا ثابتا لما يأخذون وما يدعون، كى لا يتركهم ~~لعقولهم وحدها. وإذا فمشيئة الله متحققة حسب سنته التى ارتضاها، سواء ~~اتخذ العبد طريقه إلى الهدى أم إلى الضلال، وهو مؤاخذ إن ضل، ومأجور إذا ~~اهتدى، غير أن سنة الله اقتضت أن من يفتح عينيه يبصر النور، ومن يغمضهما ~~لا يراه. كذلك من يفتح قلبه لإدراك دلائل الإيمان يهتدى، ومن يحجب قلبه ~~عنها يضل. سنة الله ولن تجد لسنته تبديلا. وإذا فزعم الزاعمين بأن الله ~~شاء هذا، على معنى أنه أجبرهم عليه، فهم لا يستطيعون عنه فكاكا، إنما هو ~~زعم باطل لا سند له من العلم والتفكير الصحيح.. ". وقوله - سبحانه - { ~~كذلك فعل الذين من قبلهم } تسلية لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عما قاله هؤلاء المشركون من كذب، وما نطقوا ms3041 به من باطل. واسم ~~الإشارة { كذلك } يعود إلى إشراكهم وتحريمهم لما أحله الله - تعالى - أى ~~مثل ذلك الفعل الشنيع الذى فعله قومك معك يا محمد، فعل أشباههم السابقون ~~مع أنبيائهم الذين أرسلهم الله - تعالى - لهدايتهم، فلا تبتئس - أيها ~~الرسول الكريم - مما فعله معك مشركو قومك. فإننا لولا وجودك فيهم، ~~لأنزلنا بهم ما أنزلنا على سابقيهم من عذاب. والاستفهام فى قوله - تعالى ~~- { فهل على الرسل إلا البلاغ المبين }. إنكارى فى ~~معنى النفى. والبلاغ اسم مصدر بمعنى الإبلاغ. والمبين الواضح الصريح. أى ~~ما على الرسل الكرام الذين أرسلهم الله - تعالى - لإرشاد أقوامهم إلى ~~الصراط المستقيم إلا الإبلاغ الواضح، المظهر لأحكام الله، المميز بين ~~الحق والباطل، أما إجبار الناس على الدخول فى الحق فليس من وظيفتهم. قال ~~- تعالى - # وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو ~~نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب # وقال - تعالى - # ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشآء.. # ثم بين - سبحانه - أن من رحمته بعباده، أن أرسل إليهم الرسل مبشرين ~~ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، فقال - تعالى - { ~~ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله ~~واجتنبوا الطاغوت.. }. والطاغوت اسم لكل معبود من دون الله - ~~تعالى -، كالأصنام والأوثان وغير ذلك من المعبودات الباطلة، مأخوذ من طغا ~~يطغى طغوا.. إذا جاوز الحد فى الضلال. أى ولقد اقتضت حكمتنا ورحمتنا أن ~~نبعث فى كل أمة، من الأمم السالفة { رسولا } من رسلنا الكرام، ليرشدوا ~~الناس إلى الحق والخير، وليقولوا { أن اعبدوا الله } - تعالى - ~~وحده، { واجتنبوا } عبادة { الطاغوت } الذى يضل ولا يهدى. وأكد - سبحانه ~~- الجملة باللام وقد، للرد على ما زعمه المشركون من أن الله - تعالى - لم ~~ينكر عليهم عبادتهم لغيره، وأنه - سبحانه - راض لتحريمهم لما أحله. حيث ~~بين لهم - عز وجل - أنه قد أرسل الرسل للدعوة إلى عبادته وحده، ولتجنب ~~عبادة أحد سواه. و " أن " فى قوله { أن اعبدوا.. } تفسيرية، لأن البعث ~~يتضمن معنى القول، إذ هو بعث للتبليغ. ثم بين - سبحانه - موقف هؤلاء ~~الأقوام من رسلهم فقال - تعالى ms3042 - { فمنهم من هدى الله ~~ومنهم من حقت عليه الضلالة.. }. أى بعثنا فى كل أمة ~~من الأمم السابقة رسولا لهداية أبنائها فمن هؤلاء الأبناء من هداهم الله ~~- تعالى - إلى الحق وإلى الصراط المستقيم. بأن وفقهم إليه، لانشراح ~~صدورهم له، ومنهم من ثبتت وحقت عليه الضلالة، لاستحبابه العمى على الهدى. ~~وأسند - سبحانه - هداية بعض أفراد هذه الأمم إليه، مع أنه أمر جميعهم - ~~على ألسنة رسله - بالدخول فى طريق الهدى، للرد على المشركين الذين أحالوا ~~شركهم وفسوقهم على مشيئة الله، إذ أن الله - تعالى - قد بين للناس جميعا ~~طرق الخير وطرق الشر، فمنهم من استجاب للأولى، ومنهم من انحدر إلى ~~الثانية، وكلاهما لم يقسره الله - تعالى - قسرا على الهدى أو الضلال. ~~فاهتداء المهتدين إنما هو بسبب اختيارهم لذلك، واتباعهم الرسل، وضلال ~~الضالين إنما هو بسبب استحواذ الشيطان عليهم. وعبر - سبحانه - فى جانب ~~الضالين بقوله { ومنهم من حقت عليه الضلالة } ~~للإشارة إلى أنهم لم يستجيبوا لما أرشدهم - سبحانه - إليه، بل ظلوا ~~ثابتين مصممين على البقاء فى طريق الضلالة، # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي ~~القوم الفاسقين # وقوله - سبحانه - { فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان ~~عاقبة المكذبين }. تحريض لهم على التأمل فى آثار المكذبين، ~~لعلهم عن طريق هذا التأمل والتدبر يثوبون إلى رشدهم، ويعودون إلى صوابهم، ~~ويدركون سنة من سنن الله فى خلقه، وهى أن العاقبة الطيبة للمتقين، ~~والعاقبة السيئة للكافرين. # والفاء فى قوله { فسيروا.. } للتفريع، وقد جئ بها للإشعار بوجوب ~~المبادرة إلى التأمل والاعتبار. أى إن كنتم فى شك مما أخبرناكم به، ~~فسارعوا إلى السير فى الأرض، لتروا بأعينكم آثار المجرمين، الذين كذبوا ~~الرسل وأسندوا شركهم إلى مشيئة الله. لقد نزل بهؤلاء المكذبين عذاب الله، ~~فدمرهم تدميرا # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وباليل أفلا ~~تعقلون # ثم أخبر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم بأن حرصه على هداية ~~المصرين على ضلالهم، لن يغير من واقع أمرهم شيئا، فقال - تعالى - { إن ~~تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل.. }. ~~والفعل المضارع { تحرص } بكسر ms3043 الراء، ماضيه " حرص " بفتحها كضرب يضرب. ~~والحرص شدة الرغبة فى الحصول على الشئ، والاستئثار به. وقوله { فإن ~~الله لا يهدي من يضل } تعليل لجواب الشرط المحذوف، والتقدير ~~إن تحرص - أيها الرسول الكريم - على هداية هؤلاء المصرين على كفرهم لن ~~ينفعهم حرصك. فإن الله - تعالى - قد اقتضت حكمته أن لا يهدى من يخلق فيه ~~الضلالة بسبب سوء اختياره، وفساد استعداده. وفى الجملة الكريمة إشارة إلى ~~ما جبل عليه النبى صلى الله عليه وسلم من مكارم الأخلاق، فإنه مع ما لقيه ~~من مشركى قومه من أذى وعناد وتكذيب... كان حريصا على ما ينفعهم ويسعدهم. ~~قال الآلوسى ما ملخصه وقوله { فإن الله لا يهدي من يضل } ~~جواب الشرط على معنى فاعلم ذلك، أو علة للجواب المحذوف، أى إن تحرص على ~~هداهم لن ينفع حرصك شيئا، فإن الله لا يهدى من يضل. والمراد بالموصول ~~كفار قريش المعبر عنهم قبل ذلك بالذين أشركوا، ووضع الموصول موضع ضميرهم ~~للتنصيص على أنهم ممن حقت عليهم الضلالة وللإشعار بعلة الحكم. ومعنى ~~الآية أنه - سبحانه - لا يخلق الهداية جبرا وقسرا فيمن يخلق فيه الضلالة ~~بسوء اختياره. و " من " على هذا. مفعول { يهدى } وضمير الفاعل فى { يضل } ~~لله - تعالى - والعائد محذوف، أى من يضله. وقرأ غير واحد من السبعة { ~~فإن الله لا يهدي.. } بضم الياء وفتح الدال - على البناء ~~للمفعول. و " من " على هذا نائب فاعل، والعائد وضمير الفاعل كما مر.. ". ~~والمعنى على هذه القراءة إن تحرص على هداهم - يا محمد - لن ينفعهم حرصك، ~~فإن من أضله الله - تعالى - لا يهديه أحد. وقوله { وما لهم من ~~ناصرين } تذييل مؤكد لما قبله. أى وليس لهؤلاء الضالين من ناصر يدفع ~~عنهم عذاب الله - تعالى - إن نزل بهم، أو يصرفهم عن سبيل الغى الذى آثروه ~~على سبيل الرشد. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله ~~شيئا.. # وقوله - تعالى - # من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في ~~طغيانهم يعمهون # ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك مقولة أخرى من ms3044 مقولاتهم الباطلة، التى أكدوها ~~بالأيمان المغلظة، ورد عليها بما يدمغها، فقال - تعالى - { ~~وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جآءتهم آية ~~ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما ~~يشعركم أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون... }. ### || [16.38-40] # قوله - سبحانه - { وأقسموا بالله جهد أيمانهم... } ~~معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك # وقال الذين أشركوا لو شآء الله ما عبدنا من ~~دونه من شيء نحن ولا آباؤنا # للإيذان بأنهم قد جمعوا بين إنكار التوحيد وإنكار البعث بعد الموت. ~~والقسم الحلف وسمى الحلف قسما، لأنه يكون عند انقسام الناس إلى مصدق ~~ومكذب والجهد - بفتح الجيم - المشقة. يقال جهد فلان دابته وأجهدها، إذا ~~حمل عليها فوق طاقتها. وجهد الرجل فى كذا، إذا جد فيه وبالغ، وبابه قطع. ~~والمراد بقوله { جهد أيمانهم } أنهم أكدوا الأيمان ووثقوها بكل ألفاظ ~~التأكيد والتوثيق، على أنه لا بعث ولا حساب بعد الموت، لأنهم يزعمون أن ~~إعادة الميت إلى الحياة بعد أن صار ترابا وعظاما نخرة، أمر مستحيل. وقد ~~أكدوا زعمهم هذا بالقسم، للتدليل على أنهم متثبتون مما يقولونه، ومتيقنون ~~من صحة ما يدعونه، من أنه لا يبعث الله من يموت. قال القرطبى. قوله - ~~تعالى - { وأقسموا بالله جهد أيمانهم.. } هذا تعجيب ~~من صنعهم، إذ أقسموا بالله وبالغوا فى تغليظ اليمين بأن الله لا يبعث من ~~يموت. ووجه العجب أنهم يظهرون تعظيم الله فيقسمون به ثم يعجزونه عن بعث ~~الأموات. وقال أبو العالية كان لرجل من المسلمين على مشرك دين فتقاضاه، ~~وكان فى بعض كلامه والذى أرجوه بعد الموت إنه لكذا، فأقسم المشرك بالله ~~لا يبعث الله من يموت، فنزلت الآية. وفى البخارى عن أبى هريرة عن النبى ~~صلى الله عليه وسلم # " قال الله - تعالى - كذبنى ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمنى ولم يكن له ~~ذلك، فأما تكذيبه إياى فقوله لن يعيدنى كما بدأنى، وأما شتمه إياى فقوله ~~اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ~~". # وقوله - سبحانه - { بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون ms3045 } تكذيب لهم فيما زعموه من أن الله - تعالى - ~~لا يبعث من يموت، ورد عليهم فيما قالوه بغير علم. و { بلى } حرف يؤتى به ~~لإبطال النفى فى الخبر والاستفهام. أى بلى سيبعث الله - تعالى - الأموات ~~يوم القيامة، وقد وعد بذلك وعدا صدقا لا خلف فيه ولا تبديل، ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون هذه الحقيقة لجهلهم بكمال قدرة الله - تعالى - وعموم ~~علمه، ونفاذ إرادته، وسمو حكمته. قال الجمل " وقوله { وعدا عليه ~~حقا } هذان المصدران منصوبان على المصدر المؤكد، أى وعد ذلك وعدا، وحق ~~حقا. وقيل حقا نعتا لوعدا، والتقدير، بلى يبعثهم وعد بذلك وعدا حقا ". # وجئ بقوله { عليه } لتأكيد هذا الوعد، تفضلا منه - سبحانه - وكرما. ~~والمراد بالحق هنا الصدق الذى لا يتخلف، والثابت الذى لا يتبدل. أى وعدا ~~صادقا ثابتا لا يقبل الخلف، لأن البعث من مقتضيات حكمته - سبحانه -. ~~والمراد بأكثر الناس المشركون ومن كان على شاكلتهم فى إنكار البعث ~~والحساب والثواب والعقاب يوم القيامة. وفى التنصيص على أكثر الناس، مدح ~~للأقلية منهم، الذين آمنوا بالبعث وبالآخرة وما فيها من حساب، وهم ~~المؤمنون الصادقون. هذا، وقد حكى - سبحانه - مزاعم المشركين ورد عليها فى ~~آيات كثيرة ومن ذلك قوله - تعالى - # زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي ~~لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم.. # وقوله - تعالى - # وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام ~~وهي رميم قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة.. # ثم بين - سبحانه - الحكمة من بعث الناس يوم القيامة، فقال - تعالى - { ~~ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين ~~كفروا أنهم كانوا كاذبين }. واللام فى قوله { ليبين ~~لهم.. } وفى قوله { وليعلم.. } متعلقة بما دل عليه حرف { بلى } وهو ~~يبعثهم. أى بلى يبعث الله - تعالى - الموتى، ليظهر لهم وجه الحق فيما ~~اختلفوا فيه فى شأن البعث وغيره، وليعلم الذين كفروا علم مشاهدة ومعاينة، ~~أنهم كانوا كاذبين فى قسمهم أن الله - تعالى - لا يبعث من يموت، وفى غير ~~ذلك من أقوالهم الباطلة. وفى إظهار الحق، وفى بيان كذبهم يوم البعث، حسرة ~~وندامة لهم، ms3046 حيث ظهر لهم ما أنكروه فى الدنيا، وما كانوا يستهزئون به، ~~عندما كان الرسل - عليهم الصلاة والسلام - يدعونهم إلى نبذ الشرك، وإلى ~~إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده. فالآية الكريمة قد بينت حكمتين لبعث ~~الناس للحساب يوم القيامة، الأولى إظهار ما اختلفوا فيه فى شأن البعث ~~وغيره مما جاءتهم به الرسل. والثانية إظهار كذب الكافرين الذين أنكروا ~~البعث واستهزأوا بمن دعاهم إلى الإيمان به. وقوله - سبحانه - { إنما ~~قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن فيكون ~~} استئناف لتأكيد قدرة الله - تعالى - النافذة، وشمولها لكل شئ من بعث ~~وغيره، وذلك لأن الكفار لما أقسموا بالله جهد أيمانهم بأنه - سبحانه - لا ~~يبعث الموتى، ورد عليهم بما يبطل مزاعمهم، أتبع ذلك ببيان أن قدرته - ~~تعالى - لا يتعاصى عليها شئ، ولا يحول دون نفاذها حائل. قال الإمام ابن ~~كثير " أخبر - سبحانه - عن قدرته على ما يشاء، وأنه لا يعجزه شئ فى الأرض ~~ولا فى السماء، وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له { كن فيكون }. ~~والمراد من ذلك إذا أراد كونه، فإنما يأمر به مرة واحدة فيكون كما يشاء، ~~قال - تعالى - # ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر # وقال - سبحانه - # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة # وقال - سبحانه - فى هذه الآية { إنما قولنا لشيء إذآ ~~أردناه أن نقول له كن فيكون } أى يأمر به دفعة واحدة ~~فإذا هو كائن قال الشاعر # إذا ما أراد الله أمرا فإنما يقول له " كن " قولة فيكون # أى " أنه - تعالى - لا يحتاج إلى تأكيد فيما يأمر به، فإنه - سبحانه - ~~لا يمانع ولا يخالف، لأنه الواحد القهار العظيم، الذى قهر سلطانه وجبروته ~~وعزته كل شئ.. ". وقال بعض العلماء " وعبر - تعالى - عن المراد قبل وقوعه ~~باسم الشئ، لأن تحقق وقوعه كالوقوع بالفعل، فلا تنافى الآية إطلاق الشئ - ~~على خصوص الموجود دون المعدوم، لأنه لما سبق فى علم الله أنه يوجد ذلك ~~الشئ - وأنه يقول كن فيكون -، كان تحقق وقوعه بمنزلة وقوعه. أو لأنه أطلق ~~عليه اسم الشئ باعتبار وجوده المتوقع كتسمية العصير ms3047 خمرا فى قوله # إني أراني أعصر خمرا.. # نظرا لما يؤول إليه.. ". وقوله { فيكون } قرأه الجمهور بالرفع على أنه ~~خبر لمبتدأ محذوف، أى فهو يكون. وقرأ ابن عامر والكسائى { فيكون } بالنصب ~~عطفا على قوله { أن نقول له.. }. وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكت ~~جانبا من أقوال المشركين، وردت عليها بما يبطلها، ويزيد المؤمنين إيمانا ~~على إيمانهم. وبعد أن عرضت السورة الكريمة لأقاويل المشركين وردت عليها.. ~~أتبعت ذلك بذكر جانب من الثواب العظيم الذى أعده الله - تعالى - للمؤمنين ~~الصادقين، الذين فارقوا الدار والأهل والخلان، من أجل إعلاء كلمة الله - ~~تعالى -، فقال - سبحانه - { والذين هاجروا في الله من ~~بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ~~ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون... }. ### || [16.41-42] # أخرج ابن جرير عن قتادة قال قوله - تعالى - { والذين هاجروا ~~في الله من بعد ما ظلموا.. } هؤلاء أصحاب محمد صلى الله ~~عليه وسلم. ظلمهم أهل مكة فأخرجوهم من ديارهم، حتى لحق طائفة منهم ~~بالحبشة، ثم بوأهم الله - تعالى - المدينة فجعلها لهم دار هجرة، وجعل لهم ~~أنصارا من المؤمنين. وعن ابن عباس هم قوم هاجروا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من أهل مكة، بعد أن ظلمهم المشركون،. والذى نراه أن الآية ~~الكريمة تشمل هؤلاء، وتشمل غيرهم ممن هاجر من بلده إلى غيرها، رجاء ثواب ~~الله، وخدمة لدينه. والمهاجرة فى الأصل تطلق على المفارقة والمتاركة ~~للديار وغيرها، واستعملت شرعا فى المهاجرة من دار الكفر إلى دار ~~الإيمان، أو من دار الكفر إلى غيرها لنشر دعوة الإسلام. وقوله { ~~لنبوئنهم } من التبوؤ بمعنى الإحلال والإسكان والإنزال يقال بوأ فلان ~~فلانا منزلا، إذا أسكنه فيه، وهيأه له. { وحسنة } صفة لموصوف محذوف أى ~~لنبوئنهم تبوئة حسنة، أو دارا حسنة. والمراد بهذه الحسنة ما يشمل نزولهم ~~فى المدينة، ونصرهم على أعدائهم، وإبدال خوفهم أمنا. قال القرطبى فى ~~المراد بالحسنة هنا ستة أقوال " نزول المدينة قاله ابن عباس والحسن.. ~~الثانى الرزق الحسن. قاله مجاهد. الثالث النصر على عدوهم، قاله الضحاك، ~~الرابع لسان صدق، حكاه ابن جريج. الخامس ms3048 ما استولوا عليه من البلاد.. ~~السادس ما بقى لهم فى الدنيا من ثناء، وما صار فيها لأولادهم من الشرف. ~~ثم قال وكل ذلك قد اجتمع لهم بفضل الله - تعالى - ". والمعنى والذين ~~هاجروا فى سبيل الله، وفارقوا قومهم وأوطانهم وأموالهم وأولادهم.. من أجل ~~إعلاء كلمته، بعد أن تحملوا الكثير من أذى المشركين وظلمهم وطغيانهم. ~~هؤلاء الذين فعلوا ذلك من أجل نصرة ديننا، لنسكننهم فى الدنيا مساكن حسنة ~~يرضونها، ولنعطينهم عطاء حسنا يسعدهم، ولننصرنهم على أعدائهم نصرا مؤزرا. ~~وقوله { فى الله } أى فى سبيله، ومن أجل نصرة دينه. فحرف " فى " مستعمل ~~للتعليل، كما فى قوله صلى الله عليه وسلم # " دخلت امرأة النار فى هرة حبستها... ". # والمقصود أن هذا الأجر الجزيل إنما هو للمهاجرين من أجل إعلاء كلمة ~~الله، ومن أجل نصرة الحق، وليس لمن هاجر لنشر الظلم أو الفساد فى الأرض. ~~وأسند فعل { ظلموا } إلى المجهول، لظهور الفاعل من السياق وهو المشركون. ~~وفى ذلك إشارة إلى أن هؤلاء المهاجرين لم يفارقوا ديارهم، إلا بعد أن ~~أصابهم ظلم أعدائهم لهم، كتعذيبهم إياهم، وتضييقهم عليهم، إلى غير ذلك من ~~صنوف الأذى. وأكد - سبحانه - الجزاء الحسن اذى وعدهم به باللام وبنون ~~التوكيد { لنبوئنهم. # . } ، زيادة فى إدخال السرور والطمأنينة على قلوبهم، وجبرا لكل ما ~~اشتملت عليه الهجرة من مصاعب وآلام وأضرار. إذ الحسنة - كما قلنا - تشمل ~~كل حسن أعطاه الله - تعالى - للمهاجرين فى هذه الدنيا. أما فى الآخرة ~~فأجرهم أعظم، وثوابهم أجزل، كما قال - تعالى - { ولأجر الآخرة ~~أكبر لو كانوا يعلمون }. والضمير فى قوله { لو كانوا ~~يعلمون } يعود على أعدائهم الظالمين. أى ولثواب الله - تعالى - لهم ~~فى الآخرة على هجرتهم من أجل إعلاء كلمته، أكبر وأعظم، ولو كان أعداؤهم ~~الظالمون يعلمون ذلك لدخلوا فى دين الإسلام، ولأقلعوا عن ظلمهم لهؤلاء ~~المهاجرين. وكأن جملة { لو كانوا يعلمون } جوابا عن سؤال ~~تقديره كيف لم يقتد بهم من بقى على الكفر مع هذا الثواب الذى أعده الله ~~لهؤلاء المهاجرين؟ فكان الجواب لو كان هؤلاء الكافرين يعلمون ذلك لأقلعوا ~~عن ms3049 كفرهم. ويصح أن يكون الضمير يعود على المهاجرين، فيكون المعنى لو ~~كانوا يعلمون علم مشاهدة ومعاينة ما أعده الله لهم، لما حزنوا على مفارقة ~~الأوطان والأولاد والأموال، ولازدادوا حبا وشوقا واجتهادا فى المهاجرة. ~~أخرج ابن جرير وابن المنذر عن عمر بن الخطاب، أنه كان إذا أعطى الرجل من ~~المهاجرين عطاء يقول له " خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله فى ~~الدنيا، وما ذخره لك فى الآخرة أفضل " ، ثم تلا هذه الآية. وجوز بعضهم أن ~~يكون الضمير يعود للمتخلفين عن الهجرة أى لو علم هؤلاء المتخلفون عن ~~الهجرة، ما أعده - سبحانه - من أجر للمهاجرين، لما تخلفوا عن ذلك. وعلى ~~أية حال فلا مانع من أن يكون الضمير يعود على كل من يتأتى له العلم، بهذا ~~الثواب الجزيل لهؤلاء المهاجرين فى سبيل الله - تعالى -. ثم وصف - سبحانه ~~- هؤلاء المهاجرين بوصفين كريمين فقال { الذين صبروا وعلى ~~ربهم يتوكلون } أى هذا الأجر العظيم لهؤلاء المهاجرين الذين ~~صبروا على ما أصابهم من عدوان وظلم، وفوضوا أمرهم إلى خالقهم، فاعتمدوا ~~عليه وحده، ولم يعتمدوا على أحد سواه. وصفتا الصبر والتوكل على الله. إذا ~~دخلا فى قلب، حملاه على اعتناق كل فضيلة، واجتناب كل رذيلة. وعبر عن صفة ~~الصبر بصيغة الماضى للدلالة على أن صبرهم قد آذن بالانتهاء لانقضاء ~~أسبابه وهو ظلم أعدائهم لهم، لأن الله - تعالى - قد جعل لهم مخرجا ~~بالهجرة، وذلك بشارة لهم. وعبر عن صفة التوكل بصيغة المضارع للإشارة إلى ~~أن هذه الصفة ديدنهم فى كل وقت، فهم متوكلون عليه - سبحانه - وحده فى ~~السراء والضراء، وفى العسر واليسر، وفى المنشط والمكره. والمتأمل فى ~~هاتين الآيتين الكريمتين، يراهما قد غرستا فى النفوس محبة هذا الدين، ~~والاستهانة بكل ألم أو ضر أو مصيبة فى سبيل إعلاء كلمته، والرغبة فيما ~~عند الله - تعالى - من أجر وثواب. ثم رد - سبحانه - على المشركين الذين ~~أنكروا أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم من البشر، فبين - سبحانه - أن ~~الرسل السابقين الذين لا ينكر المشركون نبوتهم كانوا من البشر، ms3050 فقال - ~~تعالى - { ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي ~~إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون... }. ### || [16.43-44] # قال الإمام ابن كثير عن ابن عباس - رضى الله عنهما - لما بعث الله - ~~تعالى - محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا، أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر ~~منهم، وقالوا الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا، فأنزل الله # أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم.. # وقال { ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي ~~إليهم.. }. أى وما أرسلنا من قبلك - أيها الرسول الكريم - لهداية ~~الناس وإرشادهم إلى الحق إلا رجالا مثلك، وقد أوحينا إليهم بما يبلغونه ~~إلى أقوامهم، من نصائح وتوجيهات وعبادات وتشريعات، وقد لقى هؤلاء الرسل ~~من أقوامهم، مثل ما لقيت من قومك من أذى وتكذيب وتعنت فى الأسئلة. ~~فالمقصود من الآية الكريمة تسلية النبى صلى الله عليه وسلم والرد على ~~المشركين فيما أثاروه حوله صلى الله عليه وسلم من شبهات. وقد حكى القرآن ~~فى مواطن عدة إنكار المشركين لبشرية الرسل ورد عليهم بما يخرسهم، ومن ذلك ~~قوله - تعالى - # ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ~~من أهل القرى.. # وقوله - تعالى - # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا # وقوله - تعالى - # ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات ~~فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا ~~واستغنى الله والله غني حميد # والمراد بأهل الذكر فى قوله { فاسألوا أهل الذكر إن ~~كنتم لا تعلمون } علماء أهل الكتاب أى لقد اقتضت حكمتنا أن يكون ~~الرسول من البشر فى كل زمان ومكان، فإن كنتم فى شك من ذلك - أيها ~~المكذبون - فاسألوا علماء أهل الكتب السابقة من اليهود والنصارى، ~~فسيبينون لكم أن الرسل جميعا كانوا من البشر ولم يكونوا من الملائكة. ~~وهذه الجملة الكريمة معترضة بين قوله - تعالى - { وما أرسلنا.. } وبين ~~قوله بعد ذلك { بالبينات والزبر.. } للمبادرة إلى توبيخ المشركين وإبطال ~~شبهتهم، لأنه قد احتج عليهم، بمن كانوا يذهبون إليهم لسؤالهم عن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم. وفى قوله - تعالى - { إن كنتم ms3051 لا تعلمون } ~~إيماء إلى أنهم كانوا يعلمون أن الرسل لا يكونون إلا من البشر، ولكنهم ~~قصدوا بإنكار ذلك الجحود والمكابرة، والتمويه لتضليل الجهلاء، ولذا جئ فى ~~الشرط بحرف " إن " المفيد للشك. وجواب الشرط لهذه الجملة محذوف، دل عليه ~~ما قبله. أى إن كنتم لا تعلمون، فأسألوا أهل الذكر. وقيل المراد بأهل ~~الذكر هنا المسلمون مطلقا، لأن الذكر هو القرآن، وأهله هم المسلمون. ونحن ~~لا ننكر أن الذكر يطلق على القرآن الكريم، كما فى قوله - تعالى - # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # إلا أن المراد بأهل الذكر هنا علماء أهل الكتاب، لأن المشركين كانوا ~~يستفسرون منهم عن أحوال النبى صلى الله عليه وسلم، أكثر من استفسارهم من ~~المسلمين. قال الآلوسى ما ملخصه قوله - تعالى - { فاسألوا أهل ~~الذكر.. } أى أهل الكتاب من اليهود والنصارى. قاله ابن عباس والحسن ~~والسدى وغيرهم. وقال أبو حيان فى البحر " والمراد من لم يسلم من أهل ~~الكتاب، لأنهم الذين لا يتهمون عند المشركين فى إخبارهم بأن الرسل كانوا ~~رجالا، فإخبارهم بذلك حجة عليهم. والمراد كسر حجتهم وإلزامهم، وإلا فالحق ~~واضح فى نفسه لا يحتاج إلى إخبار هؤلاء.. ". قالوا وفى الآية دليل على ~~وجوب الرجوع إلى أهل العلم فيما لا يعلم، وعلى أن الرسل جميعا كانوا من ~~الرجال ولم يكن من بينهم امرأة قط. والجار والمجرور فى قوله { بالبينات ~~والزبر }.... متعلق بقوله { وما أرسلنا.. } وداخل تحت حكم الاستثناء مع { ~~رجالا }. والمراد بالبينات الحجج والمعجزات الدالة على صدق الرسل. والزبر ~~جمع زبور بمعنى مزبور أى مكتوب. يقال زبرت الكتاب.. من باب نصر وضرب - أى ~~كتبته كتابة عظيمة. أى وما أرسلنا من قبلك - أيها الرسول الكريم - إلا ~~رجال مؤيدين بالمعجزات الواضحات، وبالكتب العظيمة المشتملة على التشريعات ~~الحكيمة والآداب الحميدة، والعقائد السليمة، التى تسعد الناس فى دينهم ~~وفى دنياهم. وقوله - سبحانه - { وأنزلنا إليك الذكر ~~لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم ~~يتفكرون }. بيان للحكم التى من أجلها أنزل الله - تعالى - القرآن ~~على النبى صلى الله عليه وسلم. أى وأنزلنا إليك - أيها ms3052 الرسول الكريم - ~~القرآن، لتعرف الناس بحقائق وأسرار ما أنزل لهدايتهم فى هذا القرآن من ~~تشريعات وآداب وأحكام ومواعظ ولعلهم بهذا التعريف والتبيين يتفكرون فيما ~~أرشدتهم إليه، ويعملون بهديك ويقتدون بك فى أقوالك وأفعالك، وبذلك يفوزون ~~ويسعدون. فأنت ترى أن الجملة الكريمة قد اشتملت على حكمتين من الحكم التى ~~أنزل الله - تعالى - من أجلها القرآن على النبى صلى الله عليه وسلم. أما ~~الحكمة الأولى فهى تفسير ما اشتمل عليه هذا القرآن من آيات خفى معناها ~~على أتباعه، بأن يوضح لهم صلى الله عليه وسلم ما أجمله القرآن الكريم من ~~أحكام أو يؤكد لهم صلى الله عليه وسلم هذه الأحكام. ففى الحديث الشريف عن ~~المقدام بن معد يكرب، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " ألا وإنى أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول ~~عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام ~~فحرموه... ". # وأما الحكمة الثانية فهى التفكر فى آيات هذا القرآن، والاتعاظ بها، ~~والعمل بمقتضاها، قال - تعالى - # كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ~~وليتذكر أولوا الألباب # والمراد بالناس فى قوله - تعالى - { لتبين للناس } العموم، ويدخل فيهم ~~المعاصرون لنزول القرآن الكريم دخولا أوليا. وأسند - سبحانه - التبيين ~~إلى النبى صلى الله عليه وسلم لأنه هو المبلغ عن الله - تعالى - ما أمره ~~بتبليغه. قال الجمل " قوله - تعالى - { وأنزلنا إليك الذكر ~~لتبين للناس ما نزل إليهم.. }. يعنى أنزلنا إليك - ~~يا محمد - الذكر الذى هو القرآن، وإنما سماه ذكرا، لأن فيه مواعظ وتنبيها ~~للغافلين، { لتبين للناس ما نزل إليهم } يعنى ما ~~أجمل إليك من أحكام القرآن، وبيان الكتاب يطلب من السنة، والمبين لذلك ~~المجمل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال بعضهم متى وقع تعارض ~~بين القرآن والحديث، وجب تقديم الحديث، لأن القرآن مجمل والحديث مبين، ~~بدلالة هذه الآية، والمبين مقدم على المجمل ". وبعد أن ردت السورة ~~الكريمة على ما أثاره المشركون من شبهات حول الدعوة الإسلامية، أتبعت ~~ذلك بتهديدهم من سوء ms3053 عاقبة ما هم فيه من كفر وعصيان وعناد، فقال - تعالى ~~- { أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله ~~بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا ~~يشعرون... }. ### || [16.45-47] # قال الآلوسى ما ملخص قوله - تعالى - { أفأمن الذين مكروا ~~السيئات } هم عند أكثر المفسرين، مشركو مكة، الذين مكروا برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وراموا صد أصحابه عن الإيمان. وقيل هم الذين ~~احتالوا لهلاك الأنبياء... والمعول عليه ما عليه أكثر المفسرين،. ~~والاستفهام فى الآية الكريمة للتعجيب والتوبيخ. والفاء للعطف على مقدر دل ~~عليه المقام. قال بعضهم ما ملخصه " كل ما جاء فى القرآن الكريم، من همزة ~~استفهام بعدها واو العطف أو فاؤه. فالأظهر فيه، أن الفاء والواو كلتاهما ~~عاطفة ما بعدها على محذوف دل عليه المقام. والتقدير هنا أجهل الذين مكروا ~~السيئات وعيد الله لهم بالعقاب، فأمنوا مكره ". والمراد بمكرهم هنا سعيهم ~~بالفساد بين المؤمنين، على سبيل الإخفاء والخداع. والسيئات صفة لمصدر ~~محذوف، أى مكروا المكرات السيئات. والمكرات - بفتح الكاف - جمع مكرة - ~~بسكونها - وهى المرة من المكر. ويجوز أن تكون كلمة السيئات مفعولا به ~~بتضمين { مكروا } معنى فعلوا. والخسف التغييب فى الأرض، بحيث يصير ~~المخسوف به فى باطنها. يقال خسف الله بفلان الأرض، إذا أهلكه بتغييبه ~~فيها. ومنه قوله - تعالى - # فخسفنا به وبداره الأرض.... # والمعنى أجهل الذين اجترحوا السيئات وعيدنا، فأمنوا عقابنا وتوهموا أنهم ~~لن يصيبهم شئ من عذابنا، الذى من مظاهره خسف الأرض بهم كما خسفناها ~~بقارون من قبلهم؟!!. إن جهلهم هذا لدليل على انطماس بصيرتهم، واستحواذ ~~الشيطان عليهم. وقوله { أو يأتيهم العذاب من حيث لا ~~يشعرون } بيان للون آخر من ألوان تهديدهم. أى فى قدرتنا أن نخسف بهم ~~الأرض، وفى قدرتنا أيضا أن نرسل عليهم العذاب فجأة فيأتيهم من جهة لا ~~يتوقعون مجيئه منها، ولا يترقبون الشر من ناحيتها. وفى الجملة الكريمة ~~إشارة إى أن هذا العذاب الذى يأتيهم من حيث لا يشعرون. عذاب لا يمكن دفعه ~~أو الهرب منه، لأنه أتاهم بغتة، ومن جهة لا يترقبون الشر منها. وشبيه ~~بهذا ms3054 قوله - سبحانه - # فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا... # وقوله - سبحانه - # أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين # بيان لنوع ثالث من أنواع التهديدات التى هددهم الله - تعالى - بها. ~~والأخذ فى الأصل حوز الشئ وتحصيله، والمراد به هنا القهر والإهلاك ~~والتدمير ومنه قوله - تعالى - # فأخذهم أخذة رابية # وقوله - تعالى - # كذبوا بئاياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز ~~مقتدر # والتقلب الحركة السريعة إقبالا وإدبارا، من أجل السعى فى شئون الحياة من ~~متاجرة ومعاملة وسفر وغير ذلك. ومنه قوله - تعالى - # لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد # أى فى قدرتنا أن نخسف بهم الأرض، وأن نرسل عليهم العذاب من حيث لا ~~يشعرون، وفى قدرتنا كذلك أن نهلكهم وهم يتحركون فى مناكب الأرض خلال ~~سفرهم أو إقامتهم، فإنهم فى جميع الأحوال لا يعجزنا أخذهم، ولا مهرب لهم ~~مما نريده بهم. # وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا ~~وهم نآئمون أو أمن أهل القرى أن يأتيهم ~~بأسنا ضحى وهم يلعبون أفأمنوا مكر الله فلا ~~يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون # وقوله - سبحانه - { أو يأخذهم على تخوف فإن ~~ربكم لرؤوف رحيم }. قال بعض العلماء " والتخوف فى اللغة ~~يأتى مصدر تخوف القاصر، بمعنى خاف، ويأتى مصدر تخوف المتعدى بمعنى تنقص. ~~وهذا الثانى لغة هذيل، وهى من اللغات الفصيحة التى جاء بها القرآن ". ~~والمعنى على الأول أو يأخذهم وهم فى حالة خوف وتوقع لنزول العذاب بهم، ~~كما نزل بالذين من قبلهم. وإلى هذا المعنى أشار ابن كثير بقوله " وقوله { ~~أو يأخذهم على تخوف }. أى أو يأخذهم الله - تعالى - فى ~~حال خوفهم من أخذه لهم، فإنه يكون أبلغ وأشد حالات الأخذ، فإن حصول ما ~~يتوقع مع الخوف شديد... ". والمعنى على الثانى أو يأخذهم وهم فى حالة ~~تنقص فى أنفسهم وأموالهم وأولادهم حتى يهلكوا، فيكون هلاكهم قد سبقه ~~الفقر والقحط والمرض، وفى ذلك ما فيه من عذاب لهم، وحسرة عليهم. قال ~~القرطبى وقال سعيد بن المسيب " بينما عمر بن الخطاب - رضى الله عنه على ~~المنبر قال أيها ms3055 الناس ما تقولون فى قول الله - عز وجل - { أو ~~يأخذهم على تخوف }. فسكت الناس. فقال شيخ من بنى هذيل هى ~~لغتنا يا أمير المؤمنين. التخوف التنقص. فقال عمر أتعرف العرب ذلك فى ~~أشعارهم؟ قال نعم قال شاعرنا أبو كبير الهذلى يصف ناقة تنقص السير ~~سنامها بعد اكتنازه # تخوف الرحل منها تامكا قردا كما تخوف عود النبعة ~~السفن # فقال عمر أيها الناس عليكم بديوانكم شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم ~~ومعانى كلامكم ". وختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { فإن ~~ربكم لرؤوف رحيم } لبيان فضله - سبحانه - على عباده، حيث لم ~~يعاجلهم بالعقوبة، بل أمهلهم لعلهم يتوبون إليه ويستغفرونه. وبذلك ترى أن ~~هذه الآيات الكريمة قد حذرت الكافرين من التمادى فى كفرهم، وهددتهم بخسف ~~الأرض بهم. أو بنزول العذاب عليهم من حيث لا يشعرون، أو بإهلاكهم وهم فى ~~الأرض يكدحون، أو بأخذهم وهم للأخذ متوقعون. وبعد أن خوف - سبحانه - ~~الماكرين بما خوف، أتبع ذلك بما يدل على كمال قدرته وعظمته وجلاله، حيث ~~خضعت جميع المخلوقات لذاته - سبحانه - فقال - تعالى - { أولم ~~يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ظلاله ~~عن اليمين والشمآئل سجدا لله وهم داخرون... ~~}. ### || [16.48-50] # قرأ جمهور القراء { أولم يروا.. } وقرأ حمزة والكسائى { أو لم ~~تروا } بالتاء، على الخطاب، على طريقة الالتفات. وقوله { من شئ } بيان ~~للإبهام الذى فى " ما " الموصولة فى قوله { إلى ما خلق الله ~~}. وقوله { يتفيؤا } من التفيؤ، بمعنى الرجوع. يقال فاء فلان يفئ إذا رجع ~~وفاء الظل فيئا، إذا عاد بعد إزالة ضوء الشمس له. وتفيؤ الظلال تنقلها من ~~جهة إلى أخرى بعد شروق الشمس، وبعد زوالها. والظلال جمع ظل، وهو صورة ~~الجسم المنعكس إليه نور. و { داخرون } من الدخور بمعنى الانقياد والخضوع، ~~يقال دخر فلان يدخر دخورا، ودخر - بزنة فرح - يدخر دخرا، إذا انقاد لغيره ~~وذل له. والمعنى أعمى هؤلاء المشركون الذين مكروا السيئات، ولم يروا ما ~~خلق الله - تعالى - من الأشياء ذوات الظلال - كالجبال والأشجار وغيرها - ~~وهى تتنقل ظلالها. من جانب إلى جانب، ومن جهة إلى ms3056 جهة، باختلاف الأوقات ~~وهى فى كل الأحوال والأوقات منقادة لأمر الله - تعالى - جارية على ما ~~أراده لها من امتداد وتقلص وغير ذلك، خاضعة كل الخضوع لما سخرت له. قال ~~ابن كثير - رحمه الله - يخبر - تعالى - عن عظمته وجلاله، الذى خضع له كل ~~شئ ودانت له الأشياء والمخلوقات بأسرها، جمادها وحيواناتها ومكلفوها من ~~الإنس والجن والملائكة، فأخبر أن كل ماله ظل يتفيأ ذات اليمين وذات ~~الشمال - أى بكرة وعشيا -، فإنه ساجد بظله لله - تعالى -. والاستفهام فى ~~قوله - تعالى - { أولم يروا.. } للإنكار والتوبيخ، والرؤية ~~بصرية. أى قد رأوا كل ذلك، ولكنهم لم ينتفعوا بما رأوا، ولم يتعظوا بما ~~شاهدوا. والمراد بقوله { عن اليمين والشمآئل } جهتهما، وليس ~~المراد التقييد بذلك، إذ أن الظل أحيانا يكون أمام الإنسان وأحيانا يكون ~~خلفه. وإنما ذكر اليمين والشمائل اختصارا للكلام. وأفرد اليمين، لأن ~~المراد به جنس الجهة، كما يقال المشرق، أى جهة المشرق، وجمع { الشمائل } ~~- مفرده شمال -، لأن المقصود تعدد هذه الجهة باعتبار تعدد أصحابها. قال ~~الشوكانى قال الفراء وحد اليمين، لأنه أراد واحدا من ذوات الأظلال، وجمع ~~الشمائل، لأنه أراد كلها. وقال الواحدى وحد اليمين والمراد به الجميع ~~إيجازا فى اللفظ، كقوله # ويولون الدبر # ودلت الشمائل على أن المراد به الجمع. وقيل إن العرب إذا ذكرت صيغتى جمع ~~عبرت عن إحداهما بلفظ الواحد، كما فى قوله - تعالى - # وجعل الظلمات والنور... # وقوله - سبحانه - { سجدا لله وهم داخرون }. حال من { ~~ظلاله } أى حال كون هذه الأشياء وظلالها سجدا لله - تعالى -، وحال كون ~~الجميع لا يمتنع عن أمر الله - تعالى -، بل الكل خاضع له - سبحانه - كل ~~الخضوع. # وجاء قوله - تعالى - { وهم داخرون }. بصيغة الجمع الخاصة بالعقلاء، ~~تغليبا لهم على غيرهم ثم أتبع - سبحانه - هذه الآية الكريمة، بآيات أخرى ~~مؤكدة لها، ومبينة أن كل المخلوقات لن تمتنع عن السجود لله - تعالى -، ~~سواء أكانت لها ظلال أم لا، فقال - سبحانه - { ولله يسجد ما ~~في السماوات وما في الأرض من دآبة والملائكة ~~وهم لا يستكبرون.. }. والدابة كل ما يدب على وجه الأرض، ms3057 مشتقة ~~من الدب بمعنى الحركة. قال الجمل " قال العلماء، السجود على نوعين سجود ~~طاعة وعبادة كسجود المسلم لله - عز وجل - وسجود انقياد وخضوع كسجود ~~الظلال فقوله { ولله يسجد ما في السماوات وما في ~~الأرض }. يحتمل النوعين، لأن سجود كل شئ بحسبه، فسجود المسلمين ~~والملائكة سجود طاعة وعبادة، وسجود غيرهم سجود خضوع وانقياد.. ". وأوثرت ~~" ما " الموصولة على من، تغليبا لغير العقلاء، لكثرتهم ولإرادة العموم. ~~وقوله { من دابة } بيان لما فى الأرض، إذ الدابة ما يدب على الأرض أو - ~~كما يقول الآلوسى - " بيان لما فيهما، بناء على أن الدبيب هو الحركة ~~الجسمانية، سواء أكانت فى أرض أم سماء.. ". وقوله { والملائكة } معطوف ~~على " ما " فى قوله { ما في السماوات وما في الأرض } من باب ~~عطف الخاص على العام. وخصهم - سبحانه - بالذكر تشريفا لهم. ورفعا ~~لمنزلتهم، وتعريضا بالمشركين الذين عبدوا الملائكة. أو قالوا هم بنات ~~الله. قوله { وهم لا يستكبرون } أى والملائكة لا يستكبرون عن ~~إخلاص العبادة له، وعن السجود لذاته - سبحانه - بل هم عباد مكرمون # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # ثم وصفهم - سبحانه - بالخشية منه، وبالخوف من عقابه فقال { يخافون ~~ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون }. أى أن من ~~صفات الملائكة، أنهم يخافون ربهم الذى هو من فوقهم بجلاله وقهره وعلوه - ~~بلا تشبيه ولا تمثيل -، ويفعلون ما يؤمرون به من الطاعات، ومن كل ما ~~يكلفهم به - سبحانه - دون أن تصدر منهم مخالفة. وبذلك نرى الآيات الكريمة ~~قد وصفت الله - تعالى - بما هو أهل له - سبحانه - من صفات القدرة والجلال ~~والكبرياء، حتى يفئ الضالون إلى رشدهم، ويخلصوا العبادة لخالقهم - عز وجل ~~-. وبعد أن بين - سبحانه - أن كل شئ فى هذا الكون خاضع لقدرته، أتبع ذلك ~~بالنهى عن الشرك، وبوجوب إخلاص العبادة له، فقال - تعالى - { وقال ~~الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله ~~واحد فإياي فارهبون... }. ### || [16.51-55] # قال الإمام الرازى اعلم أنه - سبحانه - لما بين فى الآيات الأولى، أن ~~ما سوى الله - تعالى - سواء أكان من عالم الأرواح أم من عالم ms3058 الأجسام، ~~منقاد وخاضع لجلاله - تعالى - وكبريائه - أتبعه فى هذه الآية بالنهى عن ~~الشرك، وببيان أن كل ما سواه واقع فى ملكه وتحت تصرفه، وأنه غنى عن الكل، ~~فقال - تعالى - { وقال الله لا تتخذوا إلهين ~~اثنين... }. أى وقال الله - تعالى - لعباده عن طريق رسله - عليهم ~~الصلاة والسلام - لا تتخذوا شركاء معى فى العبادة والطاعة، بل اجعلوهما ~~لى وحدى، فأنا الخالق لكل شئ والقادر على كل شئ. قال الآلوسى وقوله { ~~وقال الله.. } معطوف على قوله - سبحانه - # ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض.. # وإظهار الفاعل، وتخصيص لفظ الجلالة بالذكر، للإيذان بأنه - تعالى - ~~متعين الألوهية. والمنهى عنه هو الاشراك به، لا أن المنهى عنه هو مطلق ~~اتخاذ إلهين.. ". { اثنين } صفة للفظ إلهين أو مؤكد له. وخص هذا العدد ~~بالذكر، لأنه الأقل، فيعلم انتفاء اتخاذ ما فوقه بالطريق الأولى. وقوله - ~~سبحانه - { إنما هو إله واحد } بيان وتوكيد لما قبله، وهو ~~مقول لقوله - سبحانه - { وقال الله }. أى وقال الله لا تتخذوا معى فى ~~العبادة إلها آخر، وقال - أيضا - إنما المستحق للعبادة إله واحد، والقصر ~~فى الجملة الكريمة من قصر الموصوف على الصفة، أى الله وحده هو المختص ~~بصفة الوحدانية. وقد نهى - سبحانه - عن الشرك فى آيات كثيرة، وأقام ~~الأدلة على بطلانه ومن ذلك قوله - تعالى - # ... ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في ~~جهنم ملوما مدحورا # وقوله - سبحانه - # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان ~~الله رب العرش عما يصفون # والفاء فى قوله { فإياى فارهبون } واقعة فى جواب شرط مقدر و { إياى } ~~مفعول به لفعل محذوف يقدر مؤخرا، يدل عليه قوله { فارهبون }. والرهبة ~~الخوف المصحوب بالتحرز، وفعله رهب بزنة طرب. والمعنى إن رهبتم شيئا فإياى ~~فارهبوا دون غيرى، لأنى أنا الذى لا يعجزنى شئ. وفى الجملة الكريمة ~~التفات من الغيبة إلى الخطاب، للمبالغة فى التخويف، إذ تخويف الحاضر أبلغ ~~من تخويف الغائب، لا سيما بعد أن وصف - سبحانه - ذاته بما وصف من صفات ~~القهر والغلبة والكبرياء. وقدم المفعول وهو إياى لإفادة الحصر، وحذف ms3059 ~~متعلق الرهبة، للعموم. أى ارهبونى فى جميع ما تأتون وما تذرون. والمتأمل ~~فى هذه الآية الكريمة يراها قد اشتملت على ألوان من المؤكدات للنهى عن ~~الشرك، والأمر بإخلاص العبادة لله - تعالى - وحده، تارة عن طريق التقرير ~~{ وقال الله. # . } وتارة عن طريق النهى الصريح، وتارة عن طريق القصر وتارة عن طريق ~~التخصيص. وذلك لكى يقلع الناس عن هذه الرذيلة النكراء، ويؤمنوا بالله ~~الواحد القهار. ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدل على كمال قدرته، ونفاذ ~~إرادته، فقال - تعالى - { وله ما في السماوات والأرض ~~وله الدين واصبا.. }. والمراد بالدين هنا الطاعة والخضوع ~~بامتثال أمره واجتناب نهيه، وقد أتى الدين بمعنى الطاعة فى كثير من كلام ~~العرب، ومن ذلك قول عمرو بن كلثوم فى معلقته # وأياما لنا غرا كراما عصينا الملك فيها أن ندينا # أى عصيناه وامتنعنا عن طاعته وعن الخضوع له. قوله { واصبا } من الوصوب ~~بمعنى الدوام والثبات، يقال وصب الشئ يصب - بكسر الصاد - وصوبا، إذا دام ~~وثبت. ومنه قوله - تعالى - # دحورا ولهم عذاب واصب # أى دائم. أى ولله - تعالى - وحده ما فى السماوات وما فى الأرض ملكا ~~وخلقا، لا شريك له فى ذلك، ولا منازع له فى أمره أو نهيه.. وله - أيضا - ~~الطاعة الدائمة، والخضوع الباقى الثابت الذى لا يحول ولا يزول. والآية ~~الكريمة معطوفة على قوله { إنما هو إله واحد }. والاستفهام ~~فى قوله { أفغير الله تتقون } للإنكار والتعجيب، والفاء ~~للتعقيب، وهى معطوفة على محذوف، والتقدير، أفبعد أن علمتم أن الله - ~~تعالى - له ما فى السماوات والأرض، وله الطاعة الدائمة.. تتقون غيره، أو ~~ترهبون سواه؟ إن من يفعل ذلك لا يكون من جملة العقلاء، وإنما يكون من ~~الضالين الجاهلين. ثم بين - سبحانه - أن كل نعمة فى هذا الكون، هو - ~~سبحانه - مصدرها وموجدها، فقال { وما بكم من نعمة فمن ~~الله.. }. أى وكل نعمة عندكم كعافية فى أبدانكم، ونماء فى مالكم، ~~وكثرة فى أولادكم، وصلاح فى بالكم.. فهى من الله - تعالى - وحده. فالمراد ~~بالنعمة هنا النعم الكثيرة التى أنعم بها - سبحانه - على الناس، ms3060 لأنه لم ~~يقم دليل على أن المراد بها نعمة معينة، وعلماء البيان يعدون استعمال ~~المفرد فى معنى الجمع - اعتمادا على القرينة - من أبلغ الأساليب ~~الكلامية، و " ما " موصولة مبتدأ، متضمنة معنى الشرط. وقوله { فمن الله } ~~خبرها. وقوله { من نعمة } بيان لما اشتملت عليه " ما " من إبهام. وقوله - ~~سبحانه - { ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ثم ~~إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم ~~يشركون } بيان لطبيعة الإنسان، ولموقفه من خالقه - عز وجل - والضر ~~يشمل المرض والبلاء والفقر وكل ما يتضرر منه الإنسان. وقوله { تجأرون } ~~من الجؤار بمعنى - رفع الصوت بالاستغاثة وطلب العون، يقال جأر فلان يجأر ~~جأرا وجؤارا، إذا رفع صوته بالدعاء وتضرع واستغاث وأصله صياح الوحش. # ثم استعمل فى رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة. أى كل ما يصاحبكم من نعمة ~~فهو من الله - تعالى - فكان من الواجب عليكم أن تشكروه على ذلك، ولكنكم ~~لم تفعلوا، فإنكم إذا نزل بكم الضر، صحتم بالدعاء، ورفعتم أصواتكم ~~بالتضرع، ليكشف عنكم ما حل بكم، فإذا ما كشف - سبحانه - عنكم الضر، سرعان ~~ما يقع فريق منكم فى الشرك الذى نهى الله - تعالى - عنه. و " ثم " فى ~~هاتين الآيتين للتراخى الرتبى، لبيان الفرق الشاسع بين حالتهم الأولى ~~وحالتهم الثانية. والتعبير بالمس فى قوله { ثم إذا مسكم ~~الضر.. } للإيماء بأنهم بمجرد أن ينزل بهم الضر ولو نزولا يسيرا، ~~جأروا إلى الله - تعالى - بالدعاء لكشفه. وقدم - سبحانه - الجار والمجرور ~~فى قوله { فإليه تجأرون } لإفادة القصر، أى إليه وحده ترفعون أصواتكم ~~بالدعاء ليرفع عنكم ما نزل بكم من بلاء، لا إلى غيره لأنكم تعلمون أنه لا ~~كاشف للضر إلا هو - سبحانه -. و " إذا " الأولى فى قوله { ثم إذا ~~كشف.. } شرطية والثانية وهى قوله { إذا فريق منكم.. } ~~فجائية، وهى جواب الأولى. وهذا التعبير يشير إلى مسارعة فريق من الناس، ~~إلى جحود نعم الله - تعالى - بمجرد أن يكشف عنهم الضر بدون تريث أو تمهل. ~~وقال - سبحانه - { فريق منكم بربهم يشركون } لتسجيل ~~الشرك على هذا الفريق ولإنصاف غيره من المؤمنين الصادقين، الذين ms3061 يشكرون ~~الله - تعالى - فى جميع الأحوال، ويواظبون على أداء ما كلفهم به فى ~~السراء والضراء. وهذا المعنى الذى تضمنته هاتان الآيتان، قد جاء ما يشبهه ~~فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى # وإذآ أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه ~~وإذا مسه الشر فذو دعآء عريض # وقوله - سبحانه - # وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا ~~أو قآئما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم ~~يدعنآ إلى ضر مسه.. # فهذه الآيات الكريمة تصور الطبائع البشرية أكمل تصوير وأصدقه، إذ الناس ~~- إلا من عصم الله - يجأرون إلى الله - تعالى - بالدعاء عند الشدائد ~~والمحن، وينسونه عند السراء والرخاء. واللام فى قوله { ليكفروا ~~بمآ آتيناهم.. } يصح أن تكون للتعليل، وأن تكون هى التى تسمى بلام ~~العاقبة أو الصيرورة. قال الشوكانى " واللام فى { ليكفروا بمآ ~~آتيناهم.. } لام كى. أى لكى يكفروا بما آتيناهم من نعمة كشف الضر، ~~حتى لكأن هذا الكفر منهم الواقع فى موقع الشكر الواجب عليهم، غرض لهم ~~ومقصد من مقاصدهم. وهذا غاية فى العتو والعناد ليس وراءها غاية. وقيل ~~اللام للعاقبة يعنى ما كانت عاقبة تلك التضرعات إلا الكفر.. ". وقوله - ~~سبحانه - { فتمتعوا فسوف تعلمون } تهديد ووعيد لهم على ~~جحودهم لنعم الله - تعالى - والجملة الكريمة معمولة لقول محذوف. أى قل ~~لهم - أيها الرسول الكريم - اعملوا ما شئتم وانتفعوا من متاع الدنيا كما ~~أردتم فسوف تعلمون سوء عاقبتكم يوم القيامة. ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ~~جانبا من عقائدهم الباطلة، وأفعالهم القبيحة التى تمجها العقول السليمة، ~~والأفكار القويمة، فقال - تعالى - { ويجعلون لما لا يعلمون ~~نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم ~~تفترون... }. ### || [16.56-60] # وقوله - سبحانه - { ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا ~~مما رزقناهم... }. معطوف على ما سبقه بحسب المعنى، لتسجيل ~~رذائلهم، وتعداد جناياتهم. وضمير الجمع فى قوله { لما لا يعلمون ~~} يصح أن يعود إلى الكفار، كالذى قبله فى { ويجعلون }. فيكون المعنى إن ~~هؤلاء المشركين يفعلون ما يفعلون من إشراكهم بالله - تعالى - ومن التضرع ~~إليه عند الضر ونسيانه عند الرخاء.. ولا يكتفون بذلك، بل ويجعلون للأصنام ~~التى لا ms3062 يعلمون منها ضرا ولا نفعا، نصيبا مما رزقناهم من الحرث والأنعام ~~وغيرهما. ويصح أن يعود ضمير الجمع فى قوله { لما لا يعلمون } ~~للأصنام، فيكون المعنى ويجعلون للأصنام التى لا تعلم شيئا لأنها جماد لا ~~يعقل ولا يسمع ولا يبصر.. يجعلون لها نصيبا مما رزقناهم. قال الآلوسى " ~~قوله { لما لا يعلمون } أى لآلهتهم التى لا يعلمون أحوالها وأنها ~~لا تضر ولا تنفع، على أن " ما " موصولة، والعائد محذوف وضمير الجمع ~~للكفار، أو لآلهتهم التى لا علم لها بشئ لأنها جماد. على أن " ما " ~~موصوله - أيضا - عبارة عن الآلهة، وضمير { يعلمون } عائد عليها ومفعول { ~~يعلمون } متروك لقصد العموم، وصيغة جمع العقلاء لوصفهم الآلهة بصفاتهم.. ~~". وقال - سبحانه - { نصيبا } بالتنكير، للايماء بأنه نصيب كبير وضعوه فى ~~غير موضعه ووصفه بأنه مما رزقهم - سبحانه - لتهويل جهلهم وظلمهم، حيث ~~تركوا التقرب إلى الرازق الحقيقى - جل وعلا -، وتقربوا بجانب كبير مما ~~رزقهم به - سبحانه - إلى جمادات لا تغنى عنهم شيئا. وما أجملته هذه الآية ~~الكريمة عن جهالتهم، فصلته آيات أخرى منها قوله - تعالى - فى سورة ~~الأنعام # وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام ~~نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا ~~لشركآئنا فما كان لشركآئهم فلا يصل إلى الله ~~وما كان لله فهو يصل إلى شركآئهم سآء ما ~~يحكمون # وقوله - سبحانه - { تالله لتسألن عما كنتم ~~تفترون } تهديد ووعيد لهم على سوء أفعالهم. أى أقسم بذاتى لتسألن - ~~أيها المشركون - سؤال توبيخ وتأنيب فى الآخرة، عما كنتم تفترونه من ~~أكاذيب فى الدنيا، ولأعاقبنكم العقاب الذى تستحقونه بسبب افترائكم ~~وكفركم. وصدرت الجملة الكريمة بالقسم، لتأكيد الوعيد، ولبيان أن العقاب ~~أمر محقق بالنسبة لهم وجاءت الجملة الكريمة بأسلوب الالتفات من الغيبة ~~إلى الخطاب، لأن توبيخ الحاضر أشد من توبيخ الغائب. وقوله - سبحانه - { ~~ويجعلون لله البنات سبحانه } بيان لرذيلة أخرى من ~~رذائلهم الكثيرة، وهو معطوف على ما قبله. وسؤالهم يوم القيامة عما ~~اجترحوه - مع أنه سؤال تقريع وتأنيب - إلا أنه يدل على عدل الله - تعالى ~~- مع هؤلاء الظالمين، لأنه لم يعاقبهم إلا بعد أن ms3063 سألهم، وبعد أن ثبت ~~إجرامهم وفى ذلك ما فيه من تعليم العباد أن يكونوا منصفين فى أحكامهم. # وهذه الآية الكريمة تحكى ما كان شائعا فى بعض قبائل العرب، من أنهم ~~كانوا يزعمون أن الملائكة بنات الله. قالوا وكانت قبيلة خزاعة، وقبيلة ~~كنانة تقولان بذلك فى الجاهلية. أى أن هؤلاء المشركين لم يكتفوا بجعل ~~نصيب مما رزقناهم لآلهتهم، بل أضافوا إلى ذلك رذيلة أخرى، وهى أنهم زعموا ~~أن الملائكة بنات الله - تعالى -، وأشركوها معه فى العبادة. قوله { ~~سبحانه } مصدر نائب عن الفعل، وهو منصوب على المفعولية المطلقة، وهو فى ~~محل جملة معترضة، وقعت جوابا عن مقالتهم السيئة، التى حكاها الله - تعالى ~~- عنهم، وهى { ويجعلون لله البنات }. أى تنزه وتقدس الله - ~~عز وجل - عن أن يكون له بنات أو بنين، فهو الواحد الأحد، الفرد الصمد، ~~الذى لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. والمراد بما يشتهونه فى قوله ~~- عز وجل - { ولهم ما يشتهون } الذكور من الأولاد. أى أن ~~هؤلاء المشركين يجعلون لأصنامهم نصيبا مما رزقناهم، ويجعلون لله - تعالى ~~- البنات، أما هم فيجعلون لأنفسهم الذكور، ويختارونهم ليكونوا خلفاء لهم. ~~وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله - تعالى - # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون ~~وقالوا لو شآء الرحمن ما عبدناهم ما لهم ~~بذلك من علم إن هم إلا يخرصون # ثم صور - سبحانه - حالتهم عندما يبشرون بولادة الأنثى، وحكى عاداتهم ~~الجاهلية المنكرة فقال - تعالى - { وإذا بشر أحدهم ~~بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من ~~القوم من سوء ما بشر به.. }. قال الآلوسى " قوله { ~~وإذا بشر أحدهم بالأنثى.. } أى أخبر بولادتها. وأصل ~~البشارة الإخبار بما يسر. لكن لما كانت ولادة الأنثى تسوءهم حملت على ~~مطلق الإخبار. وجوز أن يكون ذلك بشارة باعتبار الولادة، بقطع النظر عن ~~كونها أنثى.. ". وقوله { كظيم } من الكظم بمعنى الحبس. يقال كظم فلان ~~غيظه، إذا حبسه وهو ممتلئ به وفعله من باب ضرب. والمعنى وإذا أخبر أحد ~~هؤلاء الذين يجعلون لله البنات، بولادة الأنثى دون ms3064 الذكر، صار وجهه مسودا ~~كئيبا كأن عليه غبرة، ترهقه قترة - أى تعلوه ظلمه وسواد -، وصار جسده ~~ممتلئا بالحزن المكتوم، والغيظ المحبوس، وأصبح يتوارى ويتخفى عن أعين ~~الناس خجلا وحياء، من أجل أن زوجته ولدت له أنثى ولم تلد له ذكرا. وقوله ~~- سبحانه - { أيمسكه على هون أم يدسه في التراب } ~~تصوير بليغ لموقف ذلك المشرك مما بشر به وهو ولادة الأنثى. # فالضمير المنصوب فى قوله " أيمسكه، ويدسه " يعود على المبشر به وهو ~~الأنثى. والهون بمعنى الهوان والذل. ويدسه من الدس بمعنى الإخفاء للشئ ~~فى غيره. والمراد به. دفن الأنثى حية فى التراب حتى تموت، وهو المشار ~~إليه فى قوله - تعالى - # وإذا الموءودة سئلت بأى ذنب قتلت # أى أن هذا المشرك بعد أن يبشر بولادة الأنثى، يدور بذهنه أحد أمرين إما ~~أن يمسكها ويبقيها على هوان وذل، وإما أن يدسها ويخفيها فى التراب، بأن ~~يدفنها فيه وهى حية حتى تموت. والجار والمجرور فى قوله { على هون } يصح ~~أن يكون حالا من الفاعل وهو المشرك أى أيمسك المبشر به مع رضاه - أى ~~المشرك - بهوان نفسه وذلتها بسبب هذا الإمساك. ويصح أن يكون حالا من ~~المفعول وهو الضمير المنصوب. أى أيمسك هذه الأنثى ويبقيها بقاء ذلة وهوان ~~لها، بحيث لا يورثها شيئا من ماله، ولا يعاملها معاملة حسنة. ومن بلاغة ~~القرآن أنه عبر بقوله { أيمسكه على هون } ليشمل حالة المشرك ~~وحالة المبشر به وهو الأنثى. وقوله - تعالى - { ألا سآء ما ~~يحكمون }. ذم لهم على صنيعهم السيئ، وعلى جهلهم الفاضح. أى بئس ~~الحكم حكمهم، وبئس الفعل فعلهم، حيث نسبوا البنات إلى الله - تعالى -، ~~وظلموهن ظلما شنيعا، حيث كرهوا وجودهن، وأقدموا على قتلهن بدون ذنب أو ما ~~يشبه الذنب. وصدر - سبحانه - هذا الحكم العادل عليهم بحرف " ألا " ~~الاستفتاحية لتأكيد هذا الحكم، ولتحقيق أن ما أقدموا عليه، إنما هو جور ~~عظيم، قد تمالئوا عليه بسبب جهلهم الفاضح، وتفكيرهم السيئ. أسند - سبحانه ~~- الحكم إلى جميعهم، مع أن من فعل ذلك كان بعضا منهم، لأن ترك هذا البعض ~~يفعل ms3065 ذلك الفعل القبيح، هذا الترك هو فى ذاته جريمة يستحق عليها الجميع ~~العقوبة، لأن سكوتهم على هذا الفعل مع قدرتهم على منعه يعتبر رضا به. ثم ~~أتبع - سبحانه -هذا الذم لهم بذم آخر على سبيل التأكيد فقال - تعالى - { ~~للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله ~~المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم }. والمثل الحال ~~والصفة العجيبة فى الحسن والقبح. والسوء مصدر ساءه يسوءه سوءا، إذا عمل ~~معه ما يكره، وإضافة المثل إلى السوء للبيان. والمراد بمثل السوء أفعال ~~المشركين القبيحة التى سبق الحديث عنها. والمعنى للذين لا يؤمنون بالآخرة ~~وما فيها من حساب وثواب وعقاب.. صفة السوء، التى هى كالمثل فى القبح، وهى ~~وأدهم البنات، وجعلهم لآلهتهم. نصيبا مما رزقناهم، وقولهم الملائكة بنات ~~الله، وفرحهم بولادة الذكور للاستظهار بهم. فهذه الصفات تدل على غبائهم ~~وجهلهم وقبح تفكيرهم. أما الله - عز وجل - فله المثل الأعلى أى الصفة ~~العليا، وهى أنه الواحد الأحد، المنزه عن الوالد والولد والمبرأ من ~~مشابهة الحوادث، والمستحق لكل صفات الكمال والجلال فى الوحدانية، والقدرة ~~والعلم. # . وغير ذلك مما يليق به - سبحانه -. وهو - عز وجل - { العزيز } فى ملكه ~~بحيث لا يغلبه غالب { الحكيم } فى كل أفعاله وأقواله. وبعد أن ساق - ~~سبحانه - ما يدل على جهالات المشركين، وانطماس بصائرهم، وسوء تفكيرهم، ~~أتبع ذلك بالحديث عن مظاهر رحمته بخلقه وعن جانب من جرائم المشركين، وعن ~~وظيفة القرآن الكريم، فقال - تعالى - { ولو يؤاخذ الله ~~الناس بظلمهم ما ترك عليها من دآبة ولكن ~~يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جآء أجلهم لا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون... }. ### || [16.61-64] # و " لو " فى قوله - تعالى - { ولو يؤاخذ الله الناس ~~بظلمهم.. } حرف امتناع لامتناع. أى حرف شرط يدل على امتناع وقوع ~~جوابه، لأجل امتناع وقوع شرطه، وقد امتنع هنا إهلاك الناس، لامتناع إرادة ~~الله - تعالى - ذلك. وقوله { يؤاخذ } مفاعلة من المؤاخذة بمعنى العقوبة، ~~فالمفاعلة فيه بمعنى الفعل المجرد. فمعنى آخذ الله - تعالى - الناس ~~يؤاخذهم أخذهم وعاقبهم بسبب ذنوبهم. والأخذ بمعنى العقاب قد جاء فى ~~القرآن الكريم فى آيات كثيرة ms3066 ومن ذلك قوله - تعالى - # وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ~~إن أخذه أليم شديد # والباء فى { بظلمهم } للسببية، والظلم مجاوزة الحدود التى شرعها الله - ~~تعالى - وأعظمه الإشراك بالله - تعالى - كما قال - تعالى - # إن الشرك لظلم عظيم # والمراد من المؤاخذة بسبب ظلمهم تعجيل العقوبة لهم فى الدنيا. والضمير ~~فى قوله - سبحانه - { عليها } يعود على الأرض. وصح عود الضمير عليها مع ~~أنه لم يسبق ذكر لها، لأن قوله { من دابة } يدل على ذلك لأنه من المعلوم، ~~أن الدواب تدب على الأرض. ونظيره قوله - تعالى - فى آية أخرى # ما ترك على ظهرها من دآبة # وقوله # حتى توارت بالحجاب # أى الشمس. فإنه وإن كان لم يجر لها ذكر إلا أن المقام يدل عليها. ورجوع ~~الضمير إلى غير مذكور فى الكلام إلا أن المقام يدل عليه كثير فى كلام ~~العرب، ومنه قول حاتم الطائى # أماوى ما يغنى الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # فقوله حشرجت وضاق بها، المقصود به الروح أو النفس، ولم يجر لها ذكر، إلا ~~أن قوله وضاق بها الصدر، يعين أن المراد بها النفس. والمراد بالساعة فى { ~~لا يستأخرون ساعة } مطلق الوقت الذى هو غاية فى القلة. ~~والمعنى ولو عاجل الله - تعالى - الناس بالعقوبة، بسبب ما اجترحوه من ظلم ~~وآثام، لأهلكهم جميعا، وما ترك على ظهر الأرض من دابة تدب عليها، ولكنه - ~~سبحانه - فضلا منه وكرما، لا يعاجلهم بالعقوبة التى تستأصلهم بل يؤخرهم { ~~إلى أجل مسمى } أى إلى وقت معين محدد تنتهى عنده حياتهم، وهذا ~~الوقت المحدد لا يعلمه إلا هو - سبحانه - { فإذا جآء أجلهم }. ~~أى فإذا حان الوقت المحدد لهلاكهم، فارقوا هذه الدنيا بدون أدنى تقديم أو ~~تأخير عن هذا الوقت. هذا، ومن العلماء من ذهب إلى أن المراد بالناس هنا ~~الكفار خاصة، لأنهم هم الذين أشركوا مع الله آلهة أخرى. ويبدو لنا أن ~~المراد بالناس هنا العموم، لأن قوله { من دابة } يشمل كل ما يطلق عليه ~~اسم الدابة، ولأن النكرة فى سياق النفى إذا زيدت ms3067 قبلها لفظة " من " تكون ~~نصا صريحا فى العموم. # وإلى العموم أشار ابن كثير عند تفسيره للآية بقوله " يخبر الله - تعالى ~~- عن حلمه بخلقه مع ظلمهم، وأنه لو يؤاخذهم بما كسبوا ما ترك على ظهر ~~الأرض من دابة، أى لأهلك جميع دواب الأرض تبعا لإهلاك بنى آدم. ولكن ~~الرب - جل وعلا - يحلم ويستر وينظر.. ". وقال القرطبى فإن قيل فكيف يعم ~~بالهلاك مع أن فيهم مؤمنا ليس بظالم؟ فالجواب يجعل هلاك الظالم انتقاما ~~وجزاء، وهلاك المؤمن معوضا بثواب الآخرة، وفى صحيح مسلم عن عبد الله بن ~~عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " إذا أراد الله - تعالى - بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا ~~على نياتهم - وأعمالهم - " # وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله - تعالى - # وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما ~~كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن ~~يجدوا من دونه موئلا # وقوله - تعالى - # ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ~~إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار # وقوله - تعالى - # إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر لو كنتم ~~تعلمون # ثم حكى - سبحانه - رذيلة أخرى من رذائل المشركين فقال - تعالى - { ~~ويجعلون لله ما يكرهون... }. أى أن هؤلاء المشركين لا ~~يكتفون بإنكارهم البعث وبجحود نعم الله - تعالى - بل أضافوا إلى ذلك أنهم ~~يثبتون له - سبحانه وينسبون إليه كذبا وزورا - ما يكرهونه لأنفسهم، فهم ~~يكرهون أن يشاركهم أحد فى أموالهم أو فى مناصبهم ومع ذلك يشركون مع الله ~~- تعالى - فى العبادة آلهة أخرى، ويكرهون أراذل الأموال، ومع ذلك يجعلون ~~لله - تعالى - أراذل أموالهم. ويجعلون لأصنامهم أكرمها، ويكرهون البنات، ~~ومع ذلك ينسبونهن إليه - سبحانه -. فالجملة الكريمة تنعى عليهم أنانيتهم، ~~وسوء أدبهم مع خالقهم - عز وجل - وقوله - سبحانه - { وتصف ~~ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى... } تصوير بليغ لما ~~جبلوا عليه من كذب صريح، وبهتان واضح. ومعنى { تصف } تقول وتذكر بشرح ~~وبيان وتفصيل، حتى لكأنها تذكر أوصاف الشئ، وجملة { أن لهم ~~الحسنى } بدل من { الكذب }. والحسنى تأنيث الأحسن، والمراد بها ~~زعمهم أنه إن كانت ms3068 الآخرة حقا، فسيكون لهم فيها أحسن نصيب وأعظمه، كما ~~كان لهم فى الدنيا ذلك، فقد روى أنهم قالوا إن كان محمد صلى الله عليه ~~وسلم صادقا فيما يخبر عنه من أمر البعث، فلنا الجنة... والمعنى أن هؤلاء ~~المشركين يجعلون لله - تعالى - ما يكرهونه من الأولاد والأموال والشركاء، ~~وتنطق ألسنتهم بالكذب نطقا واضحا صريحا إذ زعموا أنه إن كانت الآخرة حقا، ~~فسيكون لهم فيها أحسن نصيب. # . وهذا الزعم قد حكاه القرآن عنهم فى آيات متعددة منها قوله - تعالى - # وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن ~~بمعذبين # وقوله - تعالى - # أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا ~~وولدا... # قال صاحب الكشاف فإن قلت ما معنى وصف ألسنتهم الكذب؟ قلت هو من فصيح ~~الكلام وبليغه. جعل قولهم كأنه عين الكذب ومحضه، فإذا نطقت به ألسنتهم ~~فقد حلت الكذب بحليته، وصورته بصورته. كقولهم وجهها يصف الجمال، وعينها ~~تصف السحر. وقال بعض العلماء والتعبير القرآنى فى قوله { وتصف ~~ألسنتهم الكذب } يجعل ألسنتهم ذاتها كأنها الكذب ذاته، أو ~~كأنها صورة له، تحكيه وتصفه بذاتها، كما تقول فلان قوامه يصف الرشاقة.. ~~لأن ذلك القوام بذاته تعبير عن الرشاقة، مفصح عنها. كذلك قال - سبحانه - ~~{ وتصف ألسنتهم الكذب... } فهى بذاتها تعبير عن الكذب، ~~لطول ما قالت الكذب، ولكثرة ما عبرت عنه، حتى صارت رمزا عليه، ودلالة له. ~~وقوله - سبحانه - { لا جرم أن لهم النار وأنهم ~~مفرطون } تكذيب لهم فيما زعموه من أن لهم الحسنى، ووعيد لهم ~~بإلقائهم فى النار. وكلمة { لا جرم } وردت فى القرآن الكريم فى خمسة ~~مواضع، متلوة بأن واسمها وليس بعدها فعل. وجمهور النحاة على أنها مركبة ~~من " لا " و { جرم } تركيب خمسة عشر. ومعناها بعد التركيب معنى حق وثبت. ~~والجملة بعدها فاعل، أى حق وثبت كونهم لهم النار وأنهم مفرطون فيها. ~~وقوله - سبحانه - { مفرطون } قرأها الجمهور - بسكون الفاء وفتح الراء - ~~بصيغة اسم المفعول من أفرطه بمعنى قدمه. يقال أفرطته إلى كذا. أى قدمته ~~إليه. قال القرطبى والفارط الذى يتقدم غيره إلى الماء. ومنه قول النبى ~~صلى ms3069 الله عليه وسلم # " أنا فرطكم على الحوض " # أى متقدمكم.... أو من أفرط إذا نسيه وتركه. تقول أفرطت فلانا خلفى، إذا ~~تركته ونسيته. والمعنى أن هؤلاء الذين يزعمون أن لهم الحسنى فى الآخرة ~~كذبوا فى زعمهم، وفجروا فى إفكهم، فإنهم ليس لهم شئ من ذلك، وإنما الأمر ~~الثابت الذى لا شك فيه، أن لهم فى الآخرة النار، وأنهم مفرطون فيها، ~~مقدمون إليها بدون إمهال، ومتروكون فيها بدون اكتراث بهم، كما يترك الشئ ~~الذى لا قيمة له. قال - تعالى - # فاليوم ننساهم كما نسوا لقآء يومهم هذا # وقرأ نافع { وأنهم مفرطون } - بسكون الفاء وكسر الراء - بصيغة اسم ~~الفاعل. من أفرط اللازم بمعنى أسرف وتجاوز الحد. يقال أفرط فلان فى كذا، ~~إذا تجاوز الحدود المشروعة. فيكون المعنى لا جرم أن لهم النار، وأنهم ~~مفرطون ومسرفون فى الأقوال والأعمال التى جعلتهم حطبا لها، ووقودا ~~لنيرانها كما قال - تعالى - # وأن المسرفين هم أصحاب النار # ثم وجه - سبحانه - خطابا لنبيه صلى الله عليه وسلم على سبيل التسلية ~~والتثبيت، حيث بين له أنه ما أصابه من مشركى قومه، قد فعل ما يشبهه ~~المشركون السابقون مع أنبيائهم، فقال - تعالى - { تالله لقد ~~أرسلنآ إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان ~~أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم }. ~~وقوله { فزين } من التزيين وهو تصيير الشئ زينا، أى حسنا والزينة هى ما ~~فى الشئ من محاسن ترغب الناس فيه. والمعنى أقسم لك - أيها الرسول الكريم ~~- بذاتى، لقد أرسلنا رسلا كثيرين إلى أمم كثيرة من قبلك، فكانت النتيجة ~~أن استحوذ الشيطان على نفوس عامة هؤلاء المرسل اليهم، حيث زين لهم ~~الأفعال القبيحة، وقبح لهم الأعمال الحسنة، وجعلهم يقفون من رسلهم موقف ~~المكذب لأقوالهم، المعرض عن إرشاداتهم، المحارب لدعوتهم. وقوله - سبحانه ~~- { فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم } بيان لسوء ~~عاقبة هؤلاء الذين زين لهم الشيطان سوء أعمالهم فرأوه حسنا. قال الإمام ~~الشوكانى ما ملخصه " والمراد باليوم فى قوله - تعالى - { فهو ~~وليهم اليوم } يحتمل أن يكون المراد به زمان الدنيا - أى مدة ~~أيام الدنيا - فيكون ms3070 المعنى فهو قرينهم فى الدنيا. ويحتمل أن يكون اليوم ~~عبارة عن يوم القيامة وما بعده. فيكون للحال الآتية. ويكون الولى بمعنى ~~الناصر. والمراد نفى الناصر عنهم بأبلغ الوجوه، لأن الشيطان لا يتصور منه ~~النصرة أصلا فى الآخرة. ويحتمل أن يكون المراد باليوم بعض زمان الدنيا، ~~وهو على وجهين الأول أن يراد البعض الذى مضى، وهو الذى وقع فيه التزيين ~~للأمم الماضية من الشيطان، فيكون على طريق الحكاية للحال الماضية.. ~~الثانى أن يراد البعض الحاضر، وهو وقت نزول الآية. والمراد تزيين الشيطان ~~لكفار قريش أعمالهم، فيكون الضمير فى { وليهم } لكفار فريش. فيكون المعنى ~~فهو ولى هؤلاء المشركين اليوم أى معينهم على الكفر والمعاصى لهم ~~ولأمثالهم عذاب أليم فى الآخرة ". ثم بين - سبحانه - أهم الوظائف التى من ~~أجلها أنزل كتابه على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فقال { ومآ ~~أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي ~~اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون }. أى وما ~~أنزلنا عليك - أيها الرسول الكريم - هذا القرآن، إلا من أجل أن تبين لمن ~~أرسلت اليهم وجه الصواب فيما اختلفوا فيه من أمور العقائد والعبادات ~~والمعاملات والحلال والحرام... وبذلك يعرفون الحق من الباطل، والخير من ~~الشر. وسيقت هذه المعانى بأسلوب القصر، لقصد الإحاطة بأهم الغايات التى ~~من أجلها أنزل الله - تعالى - كتابه على نبيه الكريم، ولترغيب السامعين ~~فى تقبل إرشادات هذا الكتاب بنفس منشرحة، وقلب متفتح. # وقوله { وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } ثناء آخر على هذا ~~الكتاب الكريم. أى أنزلنا هذا الكتاب يا محمد، لتبين للناس عن طريقه وجه ~~الحق فيما اختلفوا فيه من أمور الدين، وليكون هذا الكتاب هداية إلى ~~الطريق القويم، ورحمة لقوم يؤمنون به، ويسيرون فى كل أمورهم على هدى ~~تعاليمه وإرشاداته وتشريعاته. وقال - سبحانه - { لقوم يؤمنون } للإشارة ~~إلى أن الظفر بما اشتمل عليه القرآن من خيرات، إنما هو لقوم قد توجهت ~~نفوسهم إلى الإيمان به، وتفتحت قلوبهم لاستقبال هداياته. وبذلك نرى أن ~~هذه الآيات الكريمة قد بينت لنا جانبا من مظاهر فضل الله - تعالى - على ~~عباده، ms3071 وردت على المشركين فيما زعموه من أن لهم فى الآخرة العاقبة ~~الحسنى، وسلت النبى صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم من أذى، وبينت أهم ~~الوظائف التى من أجلها أنزل الله - تعالى - كتابه. ثم ساقت السورة ~~الكريمة ألوانا من نعم الله - تعالى - على خلقه، ومن ذلك نعمة إنزال ~~الماء من السماء، ونعمة خلق الأنعام، ونعمة إيجاد النخيل والأعناب، فقال ~~- تعالى - { والله أنزل من السمآء مآء فأحيا به ~~الأرض بعد موتهآ إن في ذلك لآية لقوم يسمعون ~~}. ### || [16.65-67] # والمراد بالسماء فى قوله - تعالى - { والله أنزل من ~~السمآء مآء } جهة العلو أو السحاب المنتشر فى طبقات الجو العليا ~~والذى تنزل منه الأمطار. والمراد بإحياء الأرض تحرك القوى النامية فيها، ~~وإظهار ما أودعه الله - تعالى - فيها من نبات وأزهار، وثمرات، وغير ذلك ~~مما تنبته الأرض. والمراد بموتها خلوها من ذلك، بسبب استيلاء القحط ~~والجدب عليها. قال - تعالى - # وترى الأرض هامدة فإذآ أنزلنا عليها المآء ~~اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج # أى وكما أنزل الله - تعالى - كتابه ليكون هداية ورحمة لقوم يؤمنون، أنزل ~~- سبحانه - أيضا الماء من السماء على الأرض، فتحولت بسبب نزول هذا الماء ~~المبارك الكثير عليها، من أرض جدباء خامدة، إلى أرض خضراء رابية. ثم حرض ~~- سبحانه - عباده على التدبر والشكر فقال - تعالى - { إن في ذلك ~~لآية لقوم يسمعون }. أى إن فى ذلك الذى فعلناه بقدرتنا وحدها، ~~من إنزل الماء من السماء، وإحياء الأرض به من بعد موتها، لآية عظيمة، ~~وعبرة جليلة، ودلالة واضحة تدل على وحدانيتنا وقدرتنا وحكمتنا، { لقوم ~~يسمعون } ما يتلى عليهم من كلام الله - تعالى - سماع تدبر واعتبار، ~~فيعملون بما اشتمل عليه من توجيهات حكيمة وإرشادات سديدة. فالمراد بالسمع ~~سمع القلوب والعقول، لا سمع الآذان فقط، إذ سمع الآذان بدون وعى واستجابة ~~للحق، لا قيمة له، ولا فائدة ترجى من ورائه. ثم أرشد - سبحانه - إلى مظهر ~~آخر من مظاهر وحدانيته، وعظيم قدرته وعجيب صنعه، وسعة رحمته، حيث خلق ~~للناس الأنعام، وسقاهم من ألبانها، فقال - تعالى - { وإن لكم في ms3072 ~~الأنعام لعبرة... }. والأنعام تطلق على الإبل والبقر والغنم من ~~الحيوان، ويدخل فى الغنم المعز. والعبرة مصدر بمعنى العبور، أى التجاوز ~~من محل إلى آخر، والمراد بها هنا العظة والاعتبار والانتقال من الجهل إلى ~~العلم، ومن الغفلة إلى اليقظة. أى وإن لكم - أيها الناس - فى خلق ~~الأنعام، وفيما يخرج منها من ألبان لعبرة عظيمة، وعظة بليغة، ومنفعة ~~جليلة توجب عليكم إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده، ومداومة الشكر له ~~على نعمه. فالتنكير فى قوله { لعبرة } للتفخيم والتهويل. وقوله - تعالى - ~~{ نسقيكم مما في بطونه } استئناف بيانى، كأنه قيل وما وجه ~~العبرة فى الأنعام؟ فكان الجواب نسقيكم مما فى بطونه. قال الآلوسى " ~~والضمير فى { بطونه } يعود للأنعام، وهو اسم جمع، واسم الجمع يجوز تذكيره ~~وإفراده باعتبار معناه... ". وقوله - سبحانه - { من بين فرث ~~ودم لبنا خالصا سآئغا للشاربين } بيان لموطن العبرة ~~ومحل النعمة، ومظهر الدلالة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ورحمته. # والفرث الطعام المتبقى فى أمعاء الحيوان بعد هضمه. وأصل الفرث التفتيت. ~~يقال فرثت كبده. أى فتتتها. قال الجمل ما ملخصه " والفرث الأشياء ~~المأكولة المنهضمة بعض الانهضام فى الكرش - بفتح الكاف وكسر الراء - فإذا ~~خرجت من الكرش لا تسمى فرثا بل تسمى روثا. وقوله { لبنا } مفعول ثان ~~لنسقيكم، والأول هو الكاف ". والخالص النقى الصافى الخالى من الشوائب ~~والأكدار. يقال خلص الشئ من التلف خلوصا - من باب قعد - إذا سلم منه. ~~والسائغ اللذيذ الطعم، السهل المدخل إلى الحلق. يقال ساغ الشراب يسوغ ~~سوغا، من باب قال - إذا سهل مدخله فى الحلق. أى نسقيكم من بين الفرث ~~والدم الذى اشتملت عليه بطون الأنعام، { لبنا } نافعا لأبدانكم { خالصا } ~~من رائحة الفرث، ومن لون الدم، مع أنه موجود بينهما { سائغا للشاربين } ~~بحيث يمر فى الحلوق بسهولة ويسر، ويشعر شاربه بلذة وارتياح. وقدم - ~~سبحانه - قوله { من بين فرث ودم } على قوله { لبنا } ، لأن ~~خروج اللبن من بينهما هو موطن العبرة، وموضع الدليل الأسمى على قدرة الله ~~- تعالى - ووحدانيته. قال صاحب الكشاف قوله - تعالى - { من بين ~~فرث ودم } أى يخلق الله ms3073 اللبن وسيطا بين الفرث والدم يكتنفانه، ~~وبينه وبينهما برزخ من قدرة الله - تعالى -، بحيث لا يبغى أحدهما عليه ~~بلون ولا طعم ولا رائحة، بل هو خالص من ذلك كله... فسبحان الله ما أعظم ~~قدرته، وألطف حكمته، لمن تفكر وتأمل. وسئل " شقيق " عن الإخلاص فقال ~~تمييز العمل من العيوب كتمييز اللبن من بين فرث ودم. ثم قال - رحمه الله ~~- فإن قلت أى فرق بين " من " الأولى والثانية؟. قلت الأولى للتبعيض، لأن ~~اللبن بعض ما فى بطونها... والثانية لابتداء الغاية، لأن بين الفرث والدم ~~مكان الإسقاء الذى منه يبتدأ... وإنما قدم قوله { من بين فرث ~~ودم } لأنه موضع العبرة، فهو قمن بالتقديم ". وقال الآلوسى عند تفسيره ~~لهذه الآية " ومن تدبر فى بدائع صنع الله - تعالى - فيما ذكر من الأخلاط ~~والألبان وإعداد مقارها ومجاريها، والأسباب المولدة لها، وتسخير القوى ~~المتصرفة فيها... اضطر إلى الاعتراف بكمال علمه - سبحانه - وقدرته، ~~وحكمته، وتناهى رأفته ورحمته # حكم حارت البرية فيها وحقيق بأنها تحتار # والحق، أن هذه الآية الكريمة من أكبر الأدلة على وحدانية الله تعالى ~~ونفاذ قدرته، وعجيب صنعته، حيث استخرج - سبحانه - من بين فرث ودم فى بطون ~~الأنعام، لبنا خالصا سائغا للشاربين. وهذا الاستخراج قد تكلم العلماء ~~المتخصصون عن كيفيته وعن مراحله.. كلاما يقوى إيمان المؤمنين، ويدفع باطل ~~الملحدين. # هذا، وفى الآية الكريمة إشارة إلى أن اللبن نعمة جزيلة من نعم الله - ~~تعالى - على خلقه. قال القرطبى ما ملخصه روى أبو داود وغيره عن ابن عباس ~~قال # " أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلبن فشرب، ثم قال " إذا أكل أحدكم ~~طعاما فليقل، اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه، وإذا سقى لبنا فليقل ~~اللهم بارك لنا فيه، وزدنا منه، فإنه ليس شئ يجزئ عن الطعام والشراب إلا ~~اللبن ". # ثم قال الإمام القرطبى قال علماؤنا فكيف لا يكون كذلك، وهو أول ما ~~يغتذى به الإنسان، وتنمو به الأبدان، فهو قوت به قوام الأجسام، وقد جعله ~~الله - تعالى - علامة لجبريل على هداية هذه الأمة، ففى الحديث الصحيح ms3074 أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " فجاءنى جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن. فقال لى جبريل ~~اخترت الفطرة... ". # ثم انتقلت السورة الكريمة الى الحديث عن نعمة أخرى من نعم الله التى لا ~~تحصى، وهى نعمة ثمرات النخيل والأعناب، فقال - تعالى - { ومن ثمرات ~~النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا ~~حسنا... }. قال الجمل ما ملخصه قوله - سبحانه - { ومن ثمرات ~~النخيل والأعناب.. } خبر مقدم، ومن تبعيضية، والمبتدأ محذوف ~~تقديره ثمر، وقوله { تتخذون } نعت لهذا المبتدأ المحذوف، أى ومن ثمرات ~~النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا. ويجوز أن يكون الجار ~~والمجرور متعلقا بمحذوف، والتقدير ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب، أى ~~من عصيرهما، وحذف لدلالة نسقيكم قبله عليه، وقوله { تتخذون منه ~~سكرا ورزقا حسنا } بيان وكشف عن كيفية الإسقاء. والضمير فى ~~قوله { منه } يعود على المضاف المحذوف الذى هو العصير، أو على المبتدأ ~~المحذوف وهو الثمر. والسكر - بفتح السين والكاف - اسم من أسماء الخمر، ~~يقال سكر فلان - بوزن فرح - يسكر سكرا، إذا غاب عقله وإدراكه فهو سكران ~~وسكر - بفتح السين وكسر الكاف -. وأما الرزق الحسن، فالمراد به ما كان ~~حلالا من ثمرات النخيل والأعناب كالتمر والزبيب وغير ذلك مما أحله الله - ~~تعالى - من ثمارهما. وعلى هذا المعنى سار جمهور العلماء من السلف والخلف. ~~قال الآلوسى ما ملخصه والسكر الخمر. قال الأخطل. # بئس الصحاة وبئس الشرب شربهم إذا جرى فيهم المزاء والسكر # والمزاء نوع من الأشربة. والسكر ما يسكر وهو الخمر. وفسروا الرزق الحسن. ~~بالخل والتمر والزبيب وغير ذلك. ثم قال وتفسير " السكر " بالخمر، هو ~~المروى عن ابن مسعود، وابن عمر، وأبى رزين، والحسن، ومجاهد، والشعبى.. ~~والنخعى.. مع خلق آخرين... وعلى هذا التفسير الذى قاله جمهور العلماء ~~يكون السكر غير الرزق الحسن، ويكون العطف للتغاير. # ومن العلماء من فسر السكر بأنه اسم للخل، أو للعصير غير المسكر، أو لما ~~لا يسكر من الأنبذة، وقد بسط الإمام القرطبى القول فى هذه المسألة فقال ~~ما ملخصه قوله - تعالى - { سكرا } السكر ما ms3075 يسكر، هذا هو المشهور فى ~~اللغة. قال ابن عباس نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر. والمراد بالسكر ~~الخمر. وبالرزق الحسن جميع ما يؤكل ويشرب حلالا من هاتين الشجرتين. وقد ~~قيل إن السكر الخل بلغة الحبشة. والرزق الحسن الطعام. وقيل السكر العصير ~~الحلو الحلال، وسمى سكرا، لأنه قد يصير مسكرا إذا بقى، فإذا بلغ الإسكار ~~حرم... وقال الحنفيون. المراد بقوله { سكرا } ما لا يسكر من الأنبذة. ~~والدليل عليه أن الله - سبحانه - امتن على عباده بما خلق لهم من ذلك، ولا ~~يقع الامتنان إلا بمحلل لا بمحرم، فيكون ذلك دليلا على جواز شرب ما دون ~~المسكر من النبيذ، فإذا انتهى إلى السكر لم يجز. وعضدوا هذا من السنة بما ~~روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال # " حرم الله الخمر بعينها والسكر من غيرها ". # وأصحاب هذا الرأى كأنهم يرون أن عطف الرزق الحسن على السكر من باب عطف ~~الشئ على مرادفه، كما فى قوله - تعالى - # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا # وليس من باب العطف المقتضى للمغايرة، فالسكر عندهم ليس هو الخمر، وإنما ~~هو الخل أو العصير أو النبيذ غير المسكر. ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ~~الجمهور من أن السكر هو الخمر أولى بالقبول، لأن هذا التفسير هو المروى ~~عن جمع من الصحابة ومن التابعين، ولأن الأصل فى العطف أنه يقتضى ~~المغايرة. قال ابن العربى أسد هذه الاقوال قول ابن عباس نزلت هذه الآية ~~قبل تحريم الخمر، والمراد بالسكر الخمر، فتكون هذه الآية منسوخة لأنها ~~مكية باتفاق العلماء، وتحريم الخمر مدنى. وقال صاحب تفسير آيات الأحكام ~~بعد أن ذكر أدلة الاحناف ورد عليها والحاصل أننا نرى أن الآية ليس فيها ~~ما يشهد بالحل، إذ الكلام فى الامتنان بخلق الأشياء لمنافع الانسان، ولم ~~تنحصر المنافع فى حل التناول، فقد قال الله - تعالى - فى شأن الخمر # يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم ~~كبير ومنافع للناس.. # فهل انحصرت منافع السكر - على فرض أنه النبيذ - فى الشرب؟. ثم ختم - ~~سبحانه - الآية الكريمة بقوله { إن ms3076 في ذلك لآية لقوم ~~يعقلون } أى فى ذلك الذى ذكرناه لكم من إخراج اللبن من بين فرث ودم، ~~ومن اتخاذ السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب، { لآية } باهرة، ~~ودلالة واضحة، على قدرة الله - تعالى - ووحدانيته، { لقوم يعقلون } هذه ~~التوجيهات الحكيمة، فيدركون أن من يفعل كل ذلك وغيره، هو المستحق للعبادة ~~والطاعة # ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين # ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدل - أيضا - على وحدانيته وقدرته، عن ~~طريق إخراج العسل الذى فيه شفاء للناس بواسطة حشرة ضعيفة وهى النحلة، ~~فقال - تعالى - { وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي ~~من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون... }. ### || [16.68-69] # وقوله - سبحانه - { وأوحى } من الوحى، وهو هنا بمعنى الإلهام، وهو - ~~كما يقول القرطبى - ما يخلقه الله - تعالى - فى القلب ابتداء من غير سبب ~~ظاهر. ومنه قوله - تعالى - # ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها # ومن ذلك إلهام البهائم لفعل ما ينفعها، وترك ما يضرها، وتدبير معاشها... ~~وقال صاحب الكشاف والإيحاء إلى النحل إلهامها والقذف فى قلوبها على وجه ~~هو أعلم به، لا سبيل لأحد إلى الوقوف عليه، وإلا فتأنقها فى صنعتها ~~ولطفها فى تدبير أمرها، وإصابتها فيما يصلحها دلائل شاهدة على أن الله - ~~تعالى - أودعها علما بذلك وفطنها، كما أودع أولى العقول عقولهم... ~~والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ويشمل كل من يصلح للخطاب من الأمة ~~الإسلامية. والنحل اسم جنس يفرق بينه وبين واحده بالتاء، ويطلق على ~~الذكر والأنثى، وسمى بذلك لأن الله - تعالى - نحله أى منحه العسل الذى ~~يخرج منه. وقوله - سبحانه - { أن اتخذي من الجبال بيوتا ~~ومن الشجر ومما يعرشون } بيان لما ألهمه الله النحل من ~~أوامر. ولما كلفها به من أعمال. و " أن " مفسرة لأن الإيحاء فيه معنى ~~القول دون حروفه وما بعدها لا محل له من الإعراب، ويجوز بأن تكون مصدرية ~~فيكون ما بعدها فى محل نصب على تقدير الجار. أى بأن اتخذى. والمعنى وألهم ~~ربك النحل وأرشدها وهداها إلى أن تتخذ من فجوات الجبال بيوتا تسكن ms3077 فيها، ~~وكذلك من تجاويف الأشجار ومما يرفعه الناس ويعرشونه من السقوف وغيرها. ~~يقال عرش الشئ يعرشه - بكسر الراء وضمها - إذا رفعه عن الأرض، ومنه ~~العريش الذى صنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر لمشاهدة سير ~~المعركة. قال صاحب الكشاف فإن قلت ما معنى " من " فى قوله { أن ~~اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما ~~يعرشون }؟ وهلا قيل فى الجبال وفى الشجر؟. قلت أريد معنى البعضية، ~~وأن لا تبنى بيوتها فى كل جبل، وكل شجر، وكل ما يعرش، ولا فى كل مكان ~~منها. وقد علق الشيخ ابن المنير على هذا الكلام بقوله " ويتزين هذا ~~المعنى الذى نبه عليه الزمخشرى فى تبعيض " من " المتعلقة باتخاذ البيوت ~~بإطلاق الأكل، كأنه - تعالى - وكل الأكل إلى شهوتها واختيارها فلم يحجر ~~عليها فيه، وإن حجر عليها فى البيوت، وأمرت باتخاذها فى بعض المواضع دون ~~بعض لأن مصلحة الأكل على الإطلاق باستمرار مشتهاها منه، وأما البيوت فلا ~~تحصل مصلحتها فى كل موضع. ولهذا المعنى دخلت ثم فى قوله { ثم كلى... } ~~لتفاوت الأمر بين الحجر عليها فى اتخاذ البيوت، والإطلاق لها فى تناول ~~الثمرات، كما تقول راع الحلال فيما تأكله ثم كل أى شئ شئت. # فتوسط ثم لتفاوت. الحجر والإطلاق فسبحان اللطيف الخبير ". وقوله { ~~ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا.. ~~} بيان للون آخر من الإلهامات التى ألهمها الله - تعالى - إياها. والسبل ~~جمع سبيل. والمراد بها الطرق التى تسلكها النحلة فى خروجها من بيتها وفى ~~رجوعها إليه وأضاف - سبحانه - السبل إليه، لأنه هو خالقها وموجدها. وذللا ~~جمع ذلول وهو الشئ الممهد المنقاد، وهو حال من السبل، أى فاسلكى سبل ربك ~~حال كونها ممهدة لك، لا عسر فى سلوكها عليك، وإن كانت صعبة بالنسبة ~~لغيرك. قالوا ربما أجدب عليها ما حولها، فتنتجع الأماكن البعيدة للمرعى، ~~ثم تعود إلى بيوتها دون أن تضل عنها. وقيل إن { ذللا } حال من النحلة أى ~~ثم كلى من كل الثمرات، فاسلكى سبل ربك، حالة كونك منقادة لما يراد منك، ~~مطيعة ms3078 لما سخرك الله له من أمور تدل على قدرته وحكمته - سبحانه -. وقوله ~~- تعالى - { يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه ~~فيه شفآء للناس } كلام مستأنف، عدل به من خطاب النحلة الى خطاب ~~الناس، تعديدا للنعم، وتعجيبا لكل سامع، وتنبيها على مواطن العظات والعبر ~~الدالة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته وعجيب صنعه فى خلقه. أى يخرج ~~من بطون النحل - بعد أكلها من كل الثمرات وبعد اتخاذها بيوتها - شراب هو ~~العسل، مختلف ألوانه ما بين أبيض وأصفر وغير ذلك من ألوان العسل، على حسب ~~اختلاف مراعيها ومآكلها وسنها، وغير ذلك بما اقتضته حكمته - سبحانه -. ~~والضمير فى قوله - تعالى - { فيه شفآء للناس } يعود على الشراب ~~المستخرج من بطونها وهو العسل. أى فى العسل شفاء عظيم للناس من أمراض ~~كثيرة تعرض لهم. وقيل الضمير يعود إلى القرآن الكريم، والتقدير فيما ~~قصصنا عليكم فى هذا القرآن الشفاء للناس. وهذا القيل وإن كان صحيحا فى ~~ذاته، إلا أن السياق لا يدل عليه، لأن الآية تتحدث عما يخرج من بطون ~~النحل وهو العسل، ولا وجه للعدول عن الظاهر، ومخالفة المرجع الواضح. قال ~~الإمام ابن كثير والدليل على أن المراد بقوله { فيه شفآء للناس ~~} هو العسل، الحديث الذى رواه البخارى ومسلم فى صحيحيهما عن أبى سعيد ~~الخدرى - رضى الله عنه -، # " أن رجلا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال إن أخى استطلق ~~بطنه فقال " اسقه عسلا " ، فذهب فسقاه عسلا ثم جاء فقال يا رسول الله، ~~سقيته عسلا فما زاده إلا استطلاقا. قال " اذهب فاسقه عسلا ". فذهب فسقاه ~~عسلا ثم جاء فقال يا رسول الله، سقيته عسلا فما زاده إلا استطلاقا. فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " صدق الله وكذب بطن أخيك. اذهب فاسقه ~~عسلا " فذهب فسقاه عسلا فبرئ ". # ثم ساق الإمام ابن كثير بعد ذلك جملة من الأحاديث فى هذا المعنى منها ~~ما رواه البخارى عن ابن عباس قال # " الشفاء فى ثلاثة فى شرطة محجم أو شربة عسل أو كية بنار، وأنهى أمتى عن ~~الكى ". # وروى ms3079 البخارى - أيضا - عن جابر بن عبد الله قال # " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن كان فى شئ من أدويتكم - ~~أو يكون فى شئ من أدويتكم - خير ففى شرطة محجم، أو شربة عسل، أو لذعة ~~بنار، توافق الداء، وما أحب أن أكتوى ". # وقال صاحب فتح البيان وقد اختلف أهل العلم هل هذا الشفاء الذى جعله الله ~~فى العسل عام لكل داء، أو خاص ببعض الأمراض. فقال طائفة هو على العموم فى ~~كل حال ولكل أحد. وقالت طائفة أخرى إن ذلك خاص ببعض الأمراض، ولا يقتضى ~~العموم فى كل علة وفى كل إنسان، وليس هذا بأول لفظ خصص فى القرآن فالقرآن ~~مملوء منه، ولغة العربى يأتى فيها العام كثيرا بمعنى الخاص، والخاص بمعنى ~~العام. ومما يدل على هذا، أن العسل نكرة فى سياق الإثبات فلا يكون عاما ~~باتفاق أهل اللسان. ومحققى أهل الأصول. وتنكيره إن أريد به التعظيم لا ~~يدل إلا على أن فيه شفاء عظيما لمرض، أو أمراض، لا لكل مرض، فإن تنكير ~~التعظيم لا يفيد العموم. ثم قال قلت وحديث البخارى أن أخى استطلق بطنه.. ~~أوضح دليل على ما ذهبت إليه طائفة من تعميم الشفاء، لأن قوله صلى الله ~~عليه وسلم " صدق الله " أى أنه شفاء فلو كان لبعض دون بعض لم يكرر الأمر ~~بالسقيا. والذى نراه، أن من الواجب علينا أن نؤمن إيمانا جازما بأن العسل ~~المذكور فيه شفاء للناس، كما صرح بذلك القرآن الكريم، وكما أرشد إلى ذلك ~~النبى صلى الله عليه وسلم. وعلينا بعد ذلك أن نفوض أمر هذا الشفاء ~~وعموميته وخصوصيته لعلم الله - تعالى - وقدرته وحكمته ويكفينا يقينا فى ~~هذا المجال، إصرار النبى صلى الله عليه وسلم على أن يقول للرجل الذى ~~استطلق بطن أخيه أكثر من مرة، " اذهب فاسقه عسلا ". وقد تولى كثير من ~~الأطباء شرح هذه الآية الكريمة شرحا علميا وافيا، وبينوا ما اشتمل عليه ~~عسل النحل من فوائد. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { إن في ~~ذلك لآية لقوم يتفكرون ms3080 }. أى إن فى ذلك الذى ذكرناه لكم ~~من أمر النحل من إلهامها اتخاذ البيوت العجيبة، ومن إدارتها لشئون حياتها ~~بدقة متناهية، ومن سلوكها الطرق التى جعلها الله مذللة فى ذهابها وإيابها ~~للحصول على قوام حياتها، ومن خروج العسل من بطونها. # .. إن فى ذلك وغيره، لآية باهرة، وعبرة ظاهرة، ودلالة جلية، على وحدانية ~~الله - تعالى - وقدرته، وحكمته، لقوم يحسنون التفكير فيما أخبرهم الله - ~~تعالى - عنه، ويوقنون بأن لهذا الكون ربا واحدا لا إله إلا هو # تبارك الله رب العالمين # وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد ساقت لنا ألوانا من عجائب صنع الله فى ~~خلقه، كاستخراج اللبن من بين فرث ودم، وكاتخاذ السكر والرزق الحسن من ~~ثمرات النخيل والأعناب، وكاستخراج العسل الذى فيه شفاء للناس من بطون ~~النحل. فهذه الأشربة قد أخرجها الله - تعالى - من أجساد مخالفة لها فى ~~شكلها، وقد ساقها - سبحانه - فى آيات جمع بينها التناسق الباهر فى عرض ~~هذه النعم، مما يدل على أن هذا القرآن من عند الله، # .. ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا # وبعد هذا الحديث المتنوع عن عجائب خلق الله - تعالى - فى الأنعام ~~والأشجار والنحل.. ساقت السورة الكريمة ألوانا أخرى من مظاهر قدرته - ~~تعالى - فى خلق الإنسان، وفى التفاضل فى الأرزاق، ومن نعمه على عباده فى ~~إيجاد الأزواج والبنين والحفدة.. فقال - تعالى - { والله خلقكم ~~ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ~~لكي لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم ~~قدير... }. ### || [16.70-72] # قال الإمام الرازى - رحمه الله - " لما ذكر - سبحانه - بعض عجائب أحوال ~~الحيوانات، ذكر بعده بعض عجائب أحوال الناس، ومنها ما هو مذكور فى هذه ~~الآية { والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من ~~يرد إلى أرذل العمر } - وهو إشارة إلى مراتب عمر ~~الإنسان. والعقلاء ضبطوها فى أربع مراتب أولها سن النشوء والنماء، ~~وثانيها سن الوقوف وهو سن الشباب، من ثلاث وثلاثين سنة إلى أربعين سنة -، ~~وثالثها سن الانحطاط القليل وهو سن الكهولة - وهو من الأربعين إلى الستين ~~- ورابعها سن الانحطاط الكبير ms3081 - وهو سن الشيخوخة - وهو من الستين إلى ~~نهاية العمر - ". والمعنى { والله } - تعالى - هو الذى { خلقكم } بقدرته، ~~ولم تكونوا قبل ذلك شيئا مذكورا. " ثم " هو وحده الذى { يتوفاكم } وينهى ~~حياتكم من هذه الدنيا عند انقضاء آجالكم. وقوله { ومنكم من يرد ~~إلى أرذل العمر.. } معطوف على مقدر. أى والله - تعالى - هو ~~الذى خلقكم، فمنكم من يبقى محتفظا بقوة جسده وعقله حتى يموت، ومنكم من ~~يرد إلى أرذل العمر.. والمراد بأرذل العمر أضعفه وأوهاه وهو وقت الهرم ~~والشيخوخة، الذى تنقص فيه القوى، وتعجز فيه الحواس عن أداء وظائفها. يقال ~~رذل الشئ يرذل - بضم الذال فيهما - رذالة.. إذا ذهب جيده وبقى ~~رديئه. وقوله { لكي لا يعلم بعد علم شيئا } تعليل للرد ~~إلى أرذل العمر. أى فعلنا ما فعلنا من إبقاء بعض الناس فى هذه الحياة إلى ~~سن الشيخوخة لكى يصير إلى حالة شبيهة بحالة طفولته فى عدم إدراك الأمور ~~إدراكا تاما وسليما. ويجوز أن تكون اللام للصيرورة والعاقبة. أى ليصير ~~أمره بعد العلم بالأشياء، إلى أن لا يعلم شيئا منها علما كاملا. ولقد ~~استعاذ النبى صلى الله عليه وسلم من أن يصل عمره إلى هذه السن، لأنها سن ~~تتكاثر فيها الآلام والمتاعب. وقد يصير الإنسان فيها عالة على غيره. ~~وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف ~~قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ~~ما يشآء وهو العليم القدير # قال الإمام ابن كثير روى البخارى عند تفسير هذه الآية، عن أنس بن مالك، ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو فيقول # " اللهم إنى أعوذ بك من البخل، والكسل، والهرم، وأرذل العمر، وعذاب ~~القبر، وفتنة الدجال، وفتنة المحيا والممات ". # وقال زهير بن أبى سلمى فى معلقته المشهورة # سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولا لا أبا لك يسأم رأيت المنايا ~~خبط عشواء من تصب تمته، ومن تخطئ يعمر فيهرم # ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على كمال علمه، وتمام قدرته، ~~فقال - تعالى - { إن ms3082 الله عليم قدير } أى إن الله - تعالى - ~~عليم بأحوال مخلوقاته، لا يخفى عليه شئ من تصرفاتهم { قدير } على تبديل ~~الأمور كما تقتضى حكمته وإرادته. ويؤخذ من هذه الآية الكريمة إمكان البعث ~~وأنه حق، لأن الله - تعالى - القادر على خلق الإنسان وعلى نقله من حال ~~إلى حال.. قادر - أيضا - على إحيائه بعد موته. ثم انتقلت السورة الكريمة ~~من الحديث عن خلق الإنسان، وتقلبه فى أطوار عمره، إلى الحديث عن التفاوت ~~بين الناس فى أرزاقهم، فقال - تعالى - { والله فضل بعضكم ~~على بعض في الرزق... } فجعل منكم الغنى والفقير، والمالك ~~والمملوك، والقوى والضعيف، وغير ذلك من ألوان التفاوت بين الناس، لحكمة ~~هو يعلمها - سبحانه -. ثم بين - سبحانه - موقف المفضلين فى الرزق من ~~غيرهم فقال { فما الذين فضلوا برآدي رزقهم على ~~ما ملكت أيمانهم فهم فيه سوآء.. }. أى فليس الذين ~~فضلهم الله - تعالى - فى الرزق على غيرهم { برادى } أى بمانحى وباذلى { ~~رزقهم } الذى رزقهم الله إياه على مماليكهم أو خدمهم الذين هم إخوة لهم ~~فى الإنسانية { فهم } أى الأغنياء الذين فضلوا فى الرزق ومماليكهم وخدمهم ~~{ فيه } أى فى هذا الرزق { سواء } من حيث إنى أنا الرازق للجميع. فالجملة ~~الكريمة يجوز أن تكون دعوة من الله - تعالى - للذين فضلوا على غيرهم فى ~~الرزق، بأن ينفقوا على مماليكهم وخدمهم، لأن ما ينفقونه عليهم هو رزق ~~أجراه الله للفقراء على أيدى الأغنياء. وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف ~~بقوله عند تفسير الآية أى جعلكم متفاوتين فى الرزق، فرزقكم أفضل مما رزق ~~مماليككم وهم بشر مثلكم، وإخوانكم، فكان ينبغى أن تردوا فضل ما رزقتموه ~~عليهم، حتى تتساووا فى الملبس والمطعم، كما يحكى عن أبى ذر أنه سمع النبى ~~صلى الله عليه وسلم يقول # " " إنما هم إخوانكم، فاكسوهم مما تلبسون، وأطعموهم مما تطعمون " فما ~~رؤى عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه، وإزاره إزاره من غير تفاوت ". # ويجوز أن تكون الآية الكريمة توبيخا للذين يشركون مع الله - تعالى - ~~آلهة أخرى فى العبادة. فيكون المعنى لقد فضل الله - تعالى - بعضكم على ms3083 ~~بعض فى الرزق - أيها الناس -، ومع ذلك فالمشاهد الغالب بينهم، أن ~~الاغنياء لا يردون أموالهم على خدمهم وعبيدهم بحيث يتساوون معهم فى ~~الرزق، وإذا ردوا عليهم شيئا، فإنما هو شئ قليل يسير يدل على بخلهم ~~وحرصهم.. مع أنى أنا الرازق للجميع. وإلى هذا المعنى أشار ابن كثير بقوله ~~عند تفسيره للآية " يبين - تعالى - للمشركين جهلهم وكفرهم فيما زعموه لله ~~من شركاء وهم يعترفون بأنهم عبيد له، كما كانوا يقولون فى تلبيتهم فى ~~حجهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك، فقال - تعالى - ~~منكرا عليهم أنتم لا ترضون أن تساووا عبيدكم فيما رزقناكم، فكيف يرضى هو ~~تعالى - بمساواة عبيد له فى الإلهية والتعظيم، كما قال - تعالى - فى آية ~~أخرى # ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ~~ملكت أيمانكم من شركآء في ما رزقناكم فأنتم ~~فيه سوآء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم.. # وقال العوفى عن ابن عباس فى هذه الآية يقول لم يكونوا ليشركوا عبيدهم فى ~~أموالهم ونسائهم، فكيف يشركون معى عبيدى فى سلطانى.. ". وهذا المعنى ~~الثانى هو الأقرب إلى سياق آيات السورة الكريمة، لأن السورة الكريمة ~~مكية، ومن أهدافها الأساسية دعوة الناس إلى إخلاص العبادة لله - عز وجل ~~-، ونبذ الإشراك والمشركين، وإقامة الأدلة المتنوعة على بطلان كل عبادة ~~لغير الله - تعالى -. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { ~~أفبنعمة الله يجحدون }. والاستفهام هنا للتوبيخ والتقريع، ~~والفاء معطوفة على مقدر أى أيشركون به - سبحانه - فيجحدون نعمه، ~~وينكرونها، ويغمطونها حقها، مع أنه - تعالى - هو الذى وهبهم هذه النعم، ~~وهو الذى منحهم ما منحهم من أرزاق؟!!. ثم ذكرت السورة الكريمة بعد ذلك ~~نعمة أخرى من نعم الله - تعالى - على الناس، فقال - تعالى - { والله ~~جعل لكم من أنفسكم أزواجا }. أى والله - تعالى - هو ~~وحده الذى جعل لكم { من أنفسكم } أى من جنسكم ونوعكم { أزواجا } لتسكنوا ~~إليها، وتستأنسوا بها، فإن الجنس إلى الجنس آنس وأسكن. قال - تعالى - # ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ~~لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة... # قال الإمام ms3084 ابن كثير " يذكر - تعالى - نعمه على عبيده، بأن جعل لهم من ~~أنفسهم أزواجا، أى من جنسهم وشكلهم، ولو جعل الأزواج من نوع آخر ما حصل ~~الائتلاف والمودة والرحمة، ولكن من رحمته أنه خلق من بنى آدم ذكورا ~~وإناثا، وجعل الإناث أزواجا للذكور... ". وقوله - سبحانه - { وجعل ~~لكم من أزواجكم بنين وحفدة } بيان لنعمة أخرى من نعمه ~~- تعالى - والحفدة، جمع حافد يقال، حفد فلان يحفد حفدا من باب ضرب إذا ~~أسرع فى خدمة غيره وطاعته. ومن دعاء القنوت " وإليك نسعى ونحفد " أى نسرع ~~فى طاعتك يا ربنا. والمراد بالحفدة أبناء الأبناء. روى عن ابن عباس إنه ~~قال الحفيد ولد الابن والبنت، ذكرا كان أو أنثى. # وقيل المراد بهم الخدم والأعوان، وقيل المراد بهم الأختان والأصهار أى ~~أزواج البنات وأقارب الزوجة. قال الجمل بعد أن نقل جملة من أقوال ~~المفسرين فى ذلك وكل هذه الأقوال متقاربة، لأن اللفظ يحتمل الكل بحسب ~~المعنى المشترك. وبالجملة فالحفدة غير البنين، لأن الأصل فى العطف ~~المغايرة. وقوله - سبحانه - { ورزقكم من الطيبات } بيان ~~لنعمة ثالثة من النعم المذكورة فى هذه الآية. أى ورزقكم - سبحانه - من ~~الطيبات التى تستلذونها وتشتهونها، وقد أحل لكم التمتع بها فضلا منه ~~وكرما. ثم ختم - تعالى - الآية الكريمة بتأنيب الذين يؤثرون الغى على ~~الرشد فقال - تعالى - { أفبالباطل يؤمنون وبنعمت ~~الله هم يكفرون }. والباطل يشمل كل اعتقاد أو قول أو فعل يخالف ~~الحق والرشاد والاستفهام للتوبيخ والتقريع، والفاء معطوفة على مقدر. ~~والمعنى أيجحدون نعم الله - تعالى - فيؤمنون بالباطل، ويكفرون بكل ما ~~سواه من الحق والهدى والرشاد. وفى تقديم الباطل على الفعل { يؤمنون } ~~إشارة إلى أنهم قد اختلط الباطل بدمائهم فأصبحوا لا يؤمنون إلا به، ولا ~~ينقادون إلا له. والمراد بنعمة الله عموم النعم التى أنعم الله بها ~~عليهم، والتى لا تعد ولا تحصى. وفى تقديم النعمة وتوسيط ضمير الفصل، ~~إشعار بأن كفرهم بالنعم مستمر وإنكارهم لها لا ينقطع، لأنهم # استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله # وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد ذكرت الناس بعجائب خلقهم ms3085 وبأطوار ~~حياتهم، وبتفاوت أرزاقهم، وببعض نعم الله - تعالى - عليهم لعلهم عن طريق ~~هذا التذكير يفيئون إلى رشدهم، ويخلصون العبادة لخالقهم - سبحانه -، ~~ويستعملون نعمه فيما خلقت له. ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك لونا من ~~ألوان العقول المنحرفة عن الطريق الحق، كما ساقت مثلين للرب الخالق ~~العظيم، وللمملوك العاجز الضعيف، لعل فى ذلك عبرة لمن يعتبر، وهداية لمن ~~يريد الصراط المستقيم، فقال - تعالى - { ويعبدون من دون الله ~~ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ~~ولا يستطيعون... }. ### || [16.73-76] # والمراد بقوله سبحانه { ويعبدون من دون الله..... } كل ~~معبود سوى الله - تعالى - من صنم أو وثن أو غير ذلك من المعبودات ~~الباطلة. والجملة الكريمة داخلة تحت مضمون الاستفهام الانكارى، ومعطوفة ~~عليه وهو قوله - تعالى - # أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون # أى أن هؤلاء الجاحدين لنعم الله - تعالى -، بلغ من جهالتهم وسفاهاتهم ~~أنهم يؤمنون بالباطل، ويكفرون بالحق، ويعبدون من دون الله - تعالى - ~~أصناما وأوثانا لا تملك لعابدها أى شئ من الرزق فهى لا تنزل مطرا من ~~السماء ولا تخرج نباتا من الأرض، ولا تستطيع أن تنفع أو تضر.. و " ما " ~~فى قوله - تعالى - { ما لا يملك.. } كناية عن معبوداتهم الباطلة ~~فهى مفردة لفظا، مجموعة معنى. والتنكير فى قوله - سبحانه - { رزقا } ~~للاشعار بقلته وتفاهته، وأن معبوداتهم لا تملك لهم أى شئ من الرزق، حتى ~~ولو كان تافها حقيرا. وقوله { شيئا } منصوب على المصدر، أى ويعبدون من ~~دون الله ما لا يملك لهم ملكا، أى شيئا من الملك. والضمير فى قوله { ولا ~~يستطيعون } يعود إلى { ما } وجمع بصيغة العقلاء بناء على زعمهم الفاسد، ~~من أن هذه الأصنام فى إمكانها النفع والضر. وجاءت جملة { ولا يستطيعون } ~~بعد قوله - تعالى - { ما لا يملك لهم رزقا من ~~السماوات والأرض.. } لتأكيد عجز هذه المعبودات عن فعل أى شئ فهى ~~لا تملك شيئا، وليس فى استطاعتها أن تملك لأنها ليست أهلا لذلك. وقوله - ~~سبحانه - { فلا تضربوا لله الأمثال.. } نهى منه - سبحانه ~~- عن أن يشبه فى ذاته أو صفاته بغيره، وقد ms3086 جاء هذا النهى فى صورة ~~الالتفات من الغائب إلى المخاطب للاهتمام بشأن هذا النهى، والفاء لترتيب ~~النهى على ما عدد من النعم التى وردت فى هذه السورة والتى لم ينته الحديث ~~عنها بعد. والأمثال جمع مثل، وهو النظير والشبيه لغيره، ثم أطلق على ~~القول السائر المعروف، لمماثلة مضربه - وهو الذى يضرب فيه -، لمورده - ~~وهو الذى ورد فيه أولا. وتضرب الأمثال لتوضيح الشئ الغريب، وتقريب المعنى ~~المعقول من المعنى المحسوس، وعرض ما هو غائب فى صورة ما هو مشاهد، فيكون ~~المعنى الذى ضرب له المثل أوقع فى القلوب، وأثبت فى النفوس. وقوله - ~~تعالى - { إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون } تعليل ~~لهذا النهى عن ضرب الأمثال لله - عز وجل -. أى فلا تتجاسروا، وتتطاولوا، ~~وتضربوا لله - تعالى - الأمثال، كما يضرب بعضكم لبعض، فإن الله - تعالى - ~~هو الذى يعلم كيف تضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون ذلك. # قال الزجاج ورد أن المشركين كانوا يقولون إن إله العالم أجل من أن يعبده ~~الواحد منا، فكانوا يتوسلون إلى الأصنام والكواكب، كما أن أصاغر الناس ~~يخدمون أكابر حضرة الملك، وأولئك الأكابر يخدمون الملك، فنهوا عن ذلك. ثم ~~وضح لهم - سبحانه - كيف تضرب الأمثال، فساق مثلين حكيمين يدلان على ~~وحدانية الله - تعالى - وقدرته.. أما المثل الأول فيتجلى فى قوله - عز ~~وجل - { ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر ~~على شيء.. }. أى ذكر الله - تعالى - وبين ووضح لكم مثلا تستدلون به ~~على وحدانيته - سبحانه - وهو أن هناك عبدا رقيقا مملوكا لغيره، وهذا ~~العبد لا يقدر على شئ من التصرفات حتى ولو كانت قليلة. وقوله - سبحانه - ~~{ عبدا } بدل من { مثلا } و { مملوكا } صفة للعبد. ووصف - سبحانه - العبد ~~بأنه مملوك، ليحصل الامتياز بينه وبين الحر، لأن كليهما يشترك فى كونه ~~عبدا لله - تعالى -. ووصفه أيضا - بأنه لا يقدر على شئ للتمييز بينه وبين ~~المكاتب والعبد المأذون له فى التصرف، لأنهما يقدران على بعض التصرفات. ~~هذا هو الجانب الأول من المثل، أما الجانب الثانى فيتجلى فى قوله - تعالى ~~- { ومن رزقناه منا رزقا حسنا ms3087 فهو ينفق منه ~~سرا وجهرا... }. قال الآلوسى و " من " فى قوله { ومن رزقناه } ~~نكرة موصوفة، ليطابق عبدا فإنه نكرة موصوفة - أيضا -، وقيل إنها موصولة، ~~والأول اختيار الأكثرين أى حرا رزقناه بطريق الملك، والالتفات إلى التكلم ~~- فى { رزقناه } للإشعار باختلاف حال ضرب المثل والرزق... ". أى ذكر ~~الله - تعالى - لكم لتتعظوا وتتفكروا، حال رجلين أحدهما عبد مملوك لا ~~يقدر على شئ. والثانى حر مالك رزقه الله - تعالى - رزقا واسعا حلالا ~~حسنا، { فهو } أى هذا الحر ينفق على غيره من هذا الرزق الحسن { سرا وجهرا ~~} واختار - سبحانه - ضمير العظمة فى قوله { رزقناه } للإشعار بكثره هذا ~~الرزق وعظمته، ويزيده كثرة وعظمة قوله - تعالى - بعد ذلك { منا } أى ~~من عندنا وحدنا وليس من عند غيرنا. ووصف - سبحانه - الرزق بالحسن، ~~للإشارة إلى أنه مع كثرته فهو حلال طيب مستحسن فى الشرع وفى نظر الناس. ~~وقال - سبحانه - { فهو ينفق } بصيغة الجملة الاسمية، للدلالة على ثبوت ~~هذا الإنفاق ودوامه. وقوله { سرا وجهرا } منصوبان على المصدر، أى إنفاق ~~سر وجهر، أو على الحالية، أى فهو ينفق منه فى حالتى السر والجهر. والمراد ~~أنه إنسان كريم، لا يبخل بشئ مما رزقه الله، بل ينفق منه فى عموم ~~الأحوال، وعلى من تحسن معه النفقة سرا، وعلى من تحسن معه النفقة جهرا. # هذان هما الجانبان المتقابلان فى هذا المثل، والفرق بينهما واضح وعظيم ~~عند كل ذى قلب سليم، ولذا جاء بعدهما بالاستفهام الإنكارى التوبيخى فقال ~~{ هل يستوون }؟ أى هل يستوى فى عرفكم أو فى عرف أى عاقل، هذا العبد ~~المملوك العاجز الذى لا يقدر على شئ.. مع هذا الإنسان الحر. المالك الذى ~~رزقه الله - سبحانه - رزقا واسعا حلالا، فشكر الله عليه، واستعمله فى ~~وجوه الخير. إن مما لا شك فيه أنهما لا يستويان حتى فى نظر من عنده أدنى ~~شئ من عقل. وما دام الأمر كذلك، فكيف سويتم - أيها المشركون الجهلاء - فى ~~العبادة، بين الخالق الرازق الذى يملك كل شئ، وبين غيره من المعبودات ~~الباطلة التى لا تسمع ولا تبصر، ولا تعقل، ms3088 ولا تملك شيئا. وقال - سبحانه ~~- { هل يستوون } مع أن المتقدم اثنان، لأن المراد جنس العبيد والأحرار، ~~المدلول عليهما بقوله { عبدا } وبقوله { ومن رزقناه }. فالمقصود بالمثل ~~كل من اتصف بهذه الأوصاف المذكورة من الجنسين المذكورين لا فردان معينان. ~~وقوله { الحمد لله } ثناء منه - سبحانه - على ذاته، حيث ساق - سبحانه - ~~هذه الأمثال الواضحة للتمييز بين الحق والباطل. أى قل - أيها الانسان ~~المؤمن العاقل - { الحمد } كله { لله } - تعالى - على إرشاده لعباده ~~المؤمنين، وتعليمهم كيف يقذفون بحقهم على باطل أعدائهم فإذا هو زاهق. ثم ~~ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { بل أكثرهم لا يعلمون ~~} أى بل أكثر هؤلاء الكافرين الضالين، لا يعلمون كيف يميزون بين الحق ~~والباطل لانطماس بصائرهم، واستيلاء الجحود والحسد والعناد على قلوبهم. ~~وقال - سبحانه - { بل أكثرهم.. } للإشعار بأن من هؤلاء الكافرين من يعلم ~~الحق ويعرفه كما يعرف أبناءه، ولكن الهوى والغرور والتقليد الباطل.. حال ~~بينه وبين اتباع الحق. هذا هو المثال الأول الذى ذكره الله - تعالى - ~~للاستدلال على بطلان التسوية بين عبادة الله - تعالى - الخالق لكل شئ ~~والمالك لكل شئ.. وبين عبادة غيره من الأصنام والجمادات التى لا تخلق ~~شيئا، ولا تملك شيئا، ولا تضر ولا تنفع. أما المثال الثانى فهو أشد وضوحا ~~من سابقه على وحدانية الله - تعالى - ورحمته بعباده، وعلى الفرق الشاسع ~~بين المؤمن والكافر، ويتجلى هذا المثال فى قوله - عز وجل - { وضرب ~~الله مثلا رجلين أحدهمآ أبكم لا يقدر على ~~شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت ~~بخير.. }. أى وذكر الله - تعالى - مثلا آخر لرجلين، { أحدهما أبكم } ~~أى لا يستطيع النطق أو الكلام، ضعيف الفهم والتفهيم لغيره. { لا ~~يقدر على شيء } أى لا يقدر على فعل شئ من الأشياء المتعلقة ~~بنفسه وبغيره. # { وهو } أى هذا الرجل { كل على مولاه } أى حمل ثقيل، وهم كبير ~~على مولاه الذى يتولى شئونه من طعام وشراب وكساء وغير ذلك. وهذا بيان ~~لعدم قدرته على القيام بمصالح نفسه، بعد بيان عدم قدرته على القيام بفعل ~~أى شئ على الإطلاق. قال القرطبى قوله ms3089 { وهو كل على مولاه } ~~أى ثقل على وليه وقرابته، ووبال على صاحبه وابن عمه، وقد يسمى اليتيم كلا ~~لثقله على من يكفله، ومنه قول الشاعر # أكول لمال الكل قبل شبابه إذا كان عظم الكل غير شديد # فالكل هو الإنسان العاجز الضعيف الذى يكون محتاجا إلى من يرعى شئونه. ~~وقوله { أينما يوجهه لا يأت بخير } أى أن هذا الرجل ~~حيثما يوجهه مولاه وكافله لقضاء أمر من الأمور يعود خائبا، لعجزه، وضعف ~~حيلته، وقلة إدراكه.. فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هذا الرجل بأربع ~~صفات، تدل على سوء فهمه، وقلة حيلته، وثقله على ولى أمره، وانسداد طرق ~~الخير فى وجهه.. هذا هو الجانب الأول من المثل، أما الجانب الثانى فيتجلى ~~فى قوله - تعالى - { هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل ~~وهو على صراط مستقيم.. }. أى { هل يستوي هو } أى ~~هذا الرجل الأبكم العاجز.. مع رجل آخر { يأمر } غيره بالعدل " وهو " أى ~~هذا الرجل الآخر فى نفسه { وهو على صراط مستقيم } أى على ~~دين قويم، وخلق كريم فقد جمع بذلك بين فضيلتين جليلتين نفعه لغيره، ~~وصلاحه فى ذاته. لا شك أن هذين الرجلين لا يستويان فى عقل أى عاقل، إذ أن ~~أولهما أبكم عاجز خائب.. وثانيهما منطيق، ناصح لغيره، جامع لخصال الخير ~~فى نفسه. وما دام الامر كذلك فكيف سويتم - أيها المشركون الضالون ~~المكذبون - فى العبادة بين الله - تعالى - وهو الخالق لكل شئ، وبين تلك ~~الأصنام التى لا تسمع ولا تبصر ولا تغنى عن عابديها شيئا. أو كيف سويتم ~~بين المؤمن الجامع لكل مكرمة، وبين الكافر الغبى الأبله الذى آثر الغى ~~على الرشد، فتكون الآية الكريمة مسوقة لبيان الفرق الشاسع بين المؤمن ~~والكافر. وقد قابل - سبحانه - الأوصاف الأربعة للرجل الأول، بهذين ~~الوصفين للرجل الثانى، لأن حاصل أوصاف الأول أنه غير مستحق لشئ، وحاصل ~~وصفى الثانى أنه مستحق لكل فضل وخير. وقوله { ومن يأمر ~~بالعدل... } معطوف على الضمير المستتر فى قوله { هل يستوى... }. ~~وجملة { وهو على صراط مستقيم } فى محل نصب على الحال. ~~وبذلك ms3090 نرى أن الآيتين الكريمتين قد ساقتا مثلين واضحين، لبيان الفرق ~~الشاسع بين ذات الله - تعالى - الخلاق العليم، الرزاق الكريم.. وبين تلك ~~المعبودات الباطلة التى أشركها الضالون فى العبادة مع الله - عز وجل -. # أو بين المؤمن الذى هو على بصيرة من أمره، وبين الكافر الذى استحب العمى ~~على الهدى.. أو بين الحق فى وضوحه وجماله وجلاله، وبين الباطل فى ظلامه ~~وقبحه وخسته. هذا، وما ذكره بعضهم من أن المثلين فى الآيتين الكريمتين، ~~قد وردا فى أشخاص معينين من المؤمنين أو الكافرين، لا يعول عليه، لضعف ~~الروايات التى وردت فى ذلك، ولأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قال ~~الآلوسى ما ملخصه " وما روى من أن الأبكم أبو جهل والآمر بالعدل عمار، أو ~~بالأبكم أبى بن خلف، والآمر بالعدل عثمان بن مظعون لا يصح إسناده.. ". ~~وبهذين المثلين تكون السورة الكريمة قد أقامت أعظم الأدلة وأسطعها على ~~صحة قوله - تعالى - قبل ذلك # وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو ~~إله واحد... # ثم ساقت السورة بعد ذلك ما يدل على إحاطة علمه - سبحانه - بكل شئ، وعلى ~~شمول قدرته، وعلى سابغ نعمته، فقال - تعالى - { ولله غيب ~~السماوات والأرض ومآ أمر الساعة إلا كلمح ~~البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير ~~}. ### || [16.77-83] # والمراد بالغيب فى قوله - سبحانه - { ولله غيب السماوات ~~والأرض... } ما لا تدركه الحواس، ولا تحيط بكنهه العقول لأنه غائب عن ~~مدارك الخلائق. والكلام على حذف مضاف، والتقدير لله - تعالى - وحده، علم ~~جميع الأمور الغائبة عن مدارك المخلوقين، والتى لا سبيل لهم إلى معرفتها ~~لا عن طريق الحس، ولا عن طريق العقل. ومن كانت هذه صفته، كان مستحقا ~~للعبادة والطاعة، لا تلك المعبودات الباطلة التى لا تعلم من أمرها أو من ~~أمر غيرها شيئا. وقوله - سبحانه - { ومآ أمر الساعة إلا ~~كلمح البصر أو هو أقرب } بيان لسرعة نفاذ أمره بدون ~~مهلة. والساعة فى الأصل اسم لمقدار قليل من الزمان غير معين. والمراد بها ~~هنا يوم القيامة وما يحدث فيه من أهوال. ms3091 وسمى يوم القيامة بالساعة لوقوعه ~~بغتة، أو لسرعة ما يقع فيه من حساب أو لأنه على طوله زمنه يسير عند الله ~~- تعالى -. واللمح النظر الذى هو فى غاية السرعة. يقال لمحه لمحا ولمحانا ~~إذا رآه بسرعة فائقة، ولمح البصر التحرك السريع لطرف العين من جهة الى ~~جهة، أو من أعلى إلى أسفل. و " أو " هنا للتخيير بالنسبة لقدرة الله - ~~تعالى - أو للإضراب. أى ولله - سبحانه - وحده علم جميع ما غاب فى ~~السماوات والأرض من أشياء، وما أمر قيام الساعة فى سرعته وسهولته، وما ~~يترتب عليه من إماتة وإحياء، وحساب، وثواب وعقاب... ما أمر ذلك كله إلا ~~كتحرك طرف العين من جهة إلى جهة، أو هو - أى أمر قيامها - أقرب من ذلك ~~وأسرع، بحيث يكون فى نصف هذا الزمان أو أقل من ذلك، لأن قدرته لا يعجزها ~~شئ، قال - تعالى - { إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن ~~نقول له كن فيكون }. والمقصود من هذه الجملة الكريمة بيان ~~سرعة تأثير قدرة الله - عز وجل - متى توجهت إلى شئ من الأشياء. ثم ختم - ~~سبحانه - الآية الكريمة بما يؤكد شمول قدرته فقال - تعالى - { إن ~~الله على كل شيء قدير } أى إن الله - تعالى - لا يعجز ~~قدرته شئ سواء أكان هذا الشئ يتعلق بأمر قيام الساعة فى أسرع من لمح ~~البصر.. أم بغير ذلك من الأشياء. ثم ساق - تعالى - بعد ذلك أنواعا من ~~نعمه على عباده فقال { والله أخرجكم من بطون ~~أمهاتكم لا تعلمون شيئا }. أى والله - تعالى - وحده هو ~~الذى أخرجكم - أيها الناس - من بطون أمهاتكم إلى هذه الدنيا، وأنتم لا ~~تعلمون شيئا لا من العلم الدنيوى ولا من العلم الدينى، ولا تعرفون ما ~~يضركم أو ينفعكم، والجملة الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك # والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا.. # وجملة { لا تعلمون شيئا } حال من الكاف فى { أخرجكم }. وقوله - ~~سبحانه - { وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~لعلكم تشكرون } نعمة ثانية من نعمة الله - سبحانه - التى لا ~~تحصى. أى أن من نعمة الله - تعالى - أنه ms3092 أخرجكم من بطون أمهاتكم - بعد أن ~~مكثتم فيها شهورا تحت كلاءته ورعايته - وأنتم لا تعرفون شيئا، وركب فيكم ~~بقدرته النافذة، وحكمته البالغة، { السمع } الذى تسمعون به، والبصر الذى ~~بواسطته تبصرون، { والأفئدة } التى عن طريقها تعقلون وتفقهون، لعلكم بسبب ~~كل هذه النعم التى أنعمها عليكم، تشكرونه حق الشكر، بأن تخلصوا له ~~العبادة والطاعة، وتستعملوا نعمه فى مواضعها التى وجدت من أجلها. قال ~~الجمل وجملة { وجعل لكم السمع والأبصار... } ابتدائية، ~~أو معطوفة على ما قبلها، والواو لا تقتضى ترتيبا، فلا ينافى أن هذا الجعل ~~قبل الإخراج من البطون. ونكتة تأخيره - أى الجعل - أن السمع ونحوه من ~~آلات الادراك، إنما يعتد به إذا أحس الإنسان وأدرك وذلك لا يكون إلا بعد ~~الإخراج. وقدم السمع على البصر، لأنه طريق تلقى الوحى، أو لأن إدراكه ~~أقدم، من إدراك البصر. وإفراده - أى السمع - باعتبار كونه مصدرا فى ~~الأصل.... وقال الإمام ابن كثير " وهذه القوى والحواس تحصل للإنسان على ~~التدريج قليلا قليلا حتى يبلغ أشده. وإنما جعل - تعالى - هذه الحواس فى ~~الإنسان ليتمكن بها من عبادة ربه، فيستعين بكل جارحة وعضو وقوة على طاعة ~~مولاه كما جاء فى صحيح البخارى عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال يقول تعالى - # " من عادى لى وليا فقد بارزنى بالحرب. وما تقرب إلى عبدى بشئ أفضل مما ~~افترضت عليه، ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته ~~كنت سمعه الذى يسمع به، وبصره الذى يبصر به، ويده التى يبطش بها، ورجله ~~التى يمشى بها، ولئن سألنى لأعطينه، ولئن دعانى لأجيبنه ولئن استعاذ بى ~~لأعيذنه، وما ترددت فى شئ أنا فاعله ترددى فى قبض نفس عبدى المؤمن، يكره ~~الموت، وأكره مساءته، ولا بد له منه ". # فمعنى الحديث أن العبد إذا أخلص الطاعة، صارت أفعاله كلها لله، فلا يسمع ~~إلا لله، ولا يبصر إلا لله أى لما شرعه الله له... وشبيه بهذه الآية قوله ~~- تعالى - # قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة قليلا ما ms3093 تشكرون # ثم حض - سبحانه - عباده على التفكر فى مظاهر قدرته فقال - تعالى - { ~~ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السمآء ما ~~يمسكهن إلا الله. # . }. والطير جمع طائر كركب وراكب. و { مسخرات } من التسخير بمعنى ~~التذليل والانقياد أى ألم ينظر هؤلاء الذين أشركوا مع الله آلهة أخرى فى ~~العبادة، إلى الطيور وهن يسبحن فى الهواء المتباعد بين الأرض والسماء، ما ~~يمسكهن فى حال قبضهن وبسطهن لأجنحتهن إلا الله - تعالى -، بقدرته ~~الباهرة، وبنواميسه التى أودعها فى فطرة الطير. إنهم لو نظروا نظر تأمل ~~وتعقل، لعلموا أن المسخر لهن هو الله الذى لا معبود بحق سواه وفى قوله - ~~تعالى - { مسخرات } إشارة إلى أن طيرانها فى الجو ليس بمقتضى طبعها، ~~وإنما هو بتسخير الله تعالى لها وبسبب ما أوجد لها من حواس ساعدتها على ~~ذلك، كالأجنحة وغيرها. وأضاف - سبحانه - الجو إلى السماء لارتفاعه عن ~~الأرض، ولإظهار كمال قدرته - سبحانه -. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ~~بقوله { إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون }. أى إن فى ذلك ~~التسخير والتذليل للطير على هذه الصفة { لآيات } بينات على قدرة الله - ~~تعالى - ووحدانيته، { لقوم يؤمنون } بالحق، ويفتحون قلوبهم له ويسمون ~~بأنفسهم عن التقليد الباطل. ثم ساقت السورة الكريمة ألوانا من النعم، ~~منها ما يتعلق بنعمة المسكن فقال - تعالى - { والله جعل لكم ~~من بيوتكم سكنا... }. قال القرطبى قوله - تعالى - { جعل لكم } ~~معناه صير، وكل ما علاك فأظلك فهو سقف وسماء، وكل ما أقلك فهو أرض، وكل ~~ما سترك من جهاتك الأربع فهو جدار، فإذا انتظمت واتصلت فهو بيت، وهذه ~~الآية فيها تعديد نعم الله تعالى على الناس فى البيوت وقوله { سكنا } أى ~~تسكنون فيها وتهدأ جوارحكم من الحركة.... والحق أن نعمة السكن فى البيوت ~~والاستقرار فيها، والشعور بداخلها بالأمان والاطمئنان، هذه النعمة لا ~~يقدرها حق قدرها، إلا أولئك الذين فقدوها، وصاروا يعيشون بلا مأوى ~~يأويهم، أو منزل يجمع شتاتهم. والتعبير بقوله عز وجل { سكنا } فيه ما فيه ~~من السمو بمكانة البيوت التى يسكنها الناس. فالبيت مكان السكينة النفسية، ~~والراحة الجسدية، ms3094 هكذا يريده الإسلام، ولا يريده مكانا للشقاق والخصام، ~~لأن الشقاق والخصام ينافى كونه { سكنا }. والبيت له حرمته التى جعل ~~الإسلام من مظاهرها، عدم اقتحامه بدون استئذان، وعدم التطلع إلى ما ~~بداخله، وعدم التجسس على من بداخله. وصيانة حرمة البيت - كما أمر الاسلام ~~- تجعله { سكنا } آمنا، يجد فيه أصحابه كل ما يريدون من الراحة النفسية ~~والشعورية. وقوله - تعالى - { وجعل لكم من جلود الأنعام ~~بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم } ~~بيان لنعمة أخرى تتمثل فى البيوت الخفيفة المتنقلة، بعد الحديث عن البيوت ~~الثابتة المستقرة. والأنعام جمع نعم. وتشمل الإبل والبقر والغنم، ويدخل ~~فى الغنم المعز. # والظعن بسكون العين وفتحها التحول والانتقال والرحيل من مكان إلى آخر ~~طلبا للكلأ، أو لمساقط الغيث، أو لغير ذلك من الأغراض. أى ومن نعمه أيضا ~~أنه أوجد لكم من جلود الأنعام بيوتا { تستخفونها } أى تجدونها خفيفة { ~~يوم ظعنكم } أى يوم سفركم ورحيلكم من موضع إلى آخر { ويوم إقامتكم } فى ~~مكان معين بحيث يمكنكم أن تنصبوها لترتاحوا بداخلها، بأيسر السبل، وذلك ~~كالقباب والخيام والأخبية، وغير ذلك من البيوت التى يخف حملها. ثم ختم - ~~سبحانه - الآية بإبراز نعمة ثالثة، تتمثل فيما يأخذونه من الأنعام فقال - ~~تعالى - { ومن أصوافها وأوبارها وأشعارهآ أثاثا ~~ومتاعا إلى حين }. والأثاث متاع البيت الكثير، وأصله من أث الشئ ~~- بفتح الهمزة وتشديد الثاء مع الفتح - إذا كثر وتكاتف، ومنه قول الشاعر. # وفرع يزين المتن أسود فاحم أثيث كقنو النخلة المتعثكل # ويشمل جميع أصناف المال كالفرش وغيرها. والمتاع ما يتمتع به من حوائح ~~البيت الخاصة كأدوات الطعام والشراب، فيكون عطف المتاع على الأثاث من عطف ~~الخاص على العام. وقيل هما بمعنى واحد. والعطف لتنزيل تغاير اللفظ بمنزله ~~تغاير المعنى. أى ومن أصواف الغنم، وأوبار الإبل، وأشعار المعز، تتخذون ~~لأنفسكم { أثاثا } كثيرا تستعملونه فى مصالحكم المتنوعة، كما تتخذون من ~~ذلك ما تتمتعون به فى بيوتكم وفى معاشكم { إلى حين } أى إلى وقت معين ~~قدره الله - تعالى - لكم فى تمتعكم بهذه الأصواف والأوبار والأشعار. وبعد ~~الحديث عن نعمة البيوت ms3095 والأنعام جاء الحديث عن نعمة الظلال والجبال ~~واللباس، فقال - تعالى - { والله جعل لكم مما خلق ~~ظلالا... }. والظلال جمع ظل، وهو ما يستظل به الإنسان. أى والله - ~~تعالى - بفضله وكرمه جعل لكم ما تستظلون به من شدة الحر والبرد، كالأبنية ~~والأشجار، وغير ذلك من الأشياء التى تستظلون بها. وقوله - تعالى - { ~~وجعل لكم من الجبال أكنانا... } نعمة ثانية. والأكنان ~~جمع كن - بكسر الكاف - وأصله السترة، والجمع أكنان وأكنة، ومنه ~~قوله - تعالى - # وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه... # أى فى أستار وأغطية فلا يصل إليها قولك... والمراد بالأكنان هنا ~~المغارات والأسراب والكهوف المنحوتة فى بطون الجبال. أى وجعل لكم - ~~سبحانه - من الجبال مواضع تستترون فيها من الحر أو البرد أو المطر، أو ~~غير ذلك من وجوه انتفاعكم بتلك الأكنان. وقوله - سبحانه - { وجعل ~~لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم ~~} نعمة ثالثة. والسرابيل جمع سربال وهى كل ما يتسربل به أى يلبسه الناس ~~للتستر والوقاية كالقمصان والثياب والدروع وغيرها. أى وجعل لكم من فضله ~~وكرمه ملابس تتقون بها ضرر الحر وضرر البرد، وملابس أخرى هى الدروع وما ~~يشبهها - تتقون بها الضربات والطعنات التى تسدد إليكم فى حالة الحرب. # وقال - سبحانه - { تقيكم الحر } مع أنها تقى من الحر والبرد، اكتفاء ~~بذكر أحد الضدين عن الآخر، أو اكتفى بذكر الحر لأنه الأهم عندهم، إذ من ~~المعروف أن بلاد العرب يغلب عليها الحر لا البرد. قال صاحب الكشاف لم ~~يذكر البرد، لأن الوقاية من الحر أهم عندهم، وقلما يهمهم البرد لكونه ~~يسيرا محتملا، وقيل ما يقى من الحر يقى من البرد، فدل ذكر الحر على ~~البرد. وقال القرطبى قال العلماء فى قوله - تعالى - { وسرابيل ~~تقيكم بأسكم } دليل على اتخاذ الناس عدة الجهاد ليستعينوا بها ~~على قتال الأعداء. وقد لبسها النبى صلى الله عليه وسلم فى حروبه... ثم ~~ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { كذلك يتم نعمته ~~عليكم لعلكم تسلمون } أى كذلك الإتمام السابغ للنعم ~~التى أنعم بها - سبحانه - على عباده يتم نعمته عليكم المتمثلة فى نعم ~~الدين ms3096 والدنيا، لعلكم بذلك تسلمون وجوهكم لله - عز وجل -، وتدخلون فى دين ~~الإسلام عن اختيار واقتناع، فإن من شاهد كل هذه النعم، لم يسعه إلا ~~الدخول فى الدين الحق. ثم سلى الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم ~~عما أصابه من أعدائه فقال { فإن تولوا فإنما عليك ~~البلاغ المبين }. وجواب الشرط محذوف، والتقدير فإن استمر هؤلاء ~~المشركون فى إعراضهم عن دعوتك بعد هذا البيان والامتنان، فلا لوم عليك، ~~فأنت عليك البلاغ الواضح ونحن علينا محاسبتهم، ومعاقبتهم بما يستحقون من ~~عقاب. وقوله - سبحانه - { يعرفون نعمت الله ثم ~~ينكرونها وأكثرهم الكافرون } استئناف مسوق لبيان الموقف ~~الجحودى الذى وقفه المشركون من نعم الله - تعالى -. والمراد بالكفر فى ~~قوله - تعالى - { وأكثرهم الكافرون } الستر لنعم الله عن معرفة لها، ~~وغمطها عن تعمد وإصرار. أى إن هؤلاء المشركين، يعرفون نعم الله التى ~~عددها فى هذه السورة، كما أنهم يعترفون بأن خالقهم وخالق السماوات والأرض ~~هو الله، ولكنهم ينكرون هذه النعم بأفعالهم القبيحة، وأقوالهم الباطلة، ~~كقولهم هذه النعم من الله ولكنها بشفاعة آلهتنا الأصنام، أو كقولهم هذه ~~النعم ورثناها عن آبائنا. وجاء التعبير بثم لاستبعاد الإنكار بعد ~~المعرفة بالنعم، فإن من شأن العالم بالنعمة أن يؤدى الشكر لمسديها، وأن ~~يستعملها فيما خلقت له. وقوله { وأكثرهم الكافرون } أى وأكثر هؤلاء ~~الضالين. جاحدون لنعم الله عن علم بها لا عن جهل، وعن تذكر لا عن نسيان. ~~وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا.. # قال صاحب فتح البيان وعبر هنا بالأكثر فى قوله - تعالى - { وأكثرهم ~~الكافرون } والمراد الكل، لأنه قد يذكر الأكثر ويراد به الجميع، أو أراد ~~بالاكثر العقلاء دون الأطفال ونحوهم، أو أراد كفر الجحود، ولم يكن كفر ~~كلهم كذلك، بل كان كفر أقلهم عن جهل، وكفر أكثرهم بسبب تكذيبهم للرسول ~~صلى الله عليه وسلم عنادا أو حسدا. # .. وبذلك ترى الآيات الكريمة قد ساقت لنا ألوانا من نعم الله - تعالى - ~~على عباده، وأدلة متعددة على وحدانيته وقدرته، وجانبا من موقف الكافرين ~~من هذه النعم. ثم تحدثت ms3097 السورة الكريمة بعد ذلك عن حال الظالمين يوم ~~القيامة وعن الأقوال التى يقولونها عندما يرون أصنامهم فى هذا اليوم ~~العصيب.. قال تعالى { ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ~~ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون }. ### || [16.84-89] # قال الإمام الرازى اعلم أنه - تعالى - لما بين حال القوم، أنهم عرفوا ~~نعمة الله ثم أنكروها، وذكر أيضا من حالهم أن أكثرهم الكافرون أتبعه ~~بالوعيد، فذكر حال يوم القيامة فقال { ويوم نبعث من كل ~~أمة شهيدا... } وذلك يدل على أن أولئك الشهداء يشهدون عليهم بذلك ~~الإنكار، وبذلك الكفر، والمراد بهؤلاء الشهداء الأنبياء، كما قال - ~~تعالى - # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # والمعنى واذكر - أيها العاقل لتعتبر وتتعظ - { يوم نبعث من ~~كل أمة } أى جماعة من الناس، { شهيدا } يشهد للمؤمن بالإيمان ~~ويشهد على الكافر بالكفر. قال ابن عباس شهيد كل أمة نبيها يشهد لهم ~~بالإيمان والتصديق، وعليهم بالكفر والتكذيب. وقوله { ثم لا يؤذن ~~للذين كفروا } بيان للمصير السيئ الذى ينتظر هؤلاء الكافرين يوم ~~القيامة. أى ثم لا يؤذن للذين كفروا يوم القيامة فى الاعتذار، عما كانوا ~~عليه فى الدنيا من عقائد زائفة، وأقوال باطلة، وأفعال قبيحة، كما قال - ~~تعالى - فى سورة أخرى # هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون # أو المعنى ثم لا يؤذن لهم فى الرجوع إلى الدنيا ليتداركوا ما فاتهم من ~~عقائد سليمة وأعمال صالحة، لأنهم قد تركوها ولا عودة لهم إليها. أى ثم لا ~~يؤذن لهم فى الكلام، بعد أن ثبت بطلانه، وقامت عليهم الحجة والتعبير بثم ~~للاشعار بأن مصيبتهم بسبب عدم قبول أعذارهم، أشد من مصيبتهم بسبب شهادة ~~الأنبياء عليهم. قال صاحب الكشاف فإن قلت ما معنى " ثم " هذه؟. قلت ~~معناها أنهم يبتلون بعد شهادة الأنبياء بما هو أطم منها، وهو أنهم يمنعون ~~الكلام، فلا يؤذن لهم فى إلقاء معذرة ولا إدلاء بحجة. وقوله - سبحانه - { ~~ولا هم يستعتبون } تيئيس آخر لهم فى الحصول على شئ من رحمة ~~الله - تعالى -. أى لا يؤذن لهم ms3098 فى الاعتذار، ولا يقبل منهم أن يزيلوا ~~عتب ربهم، أى غضبه وسخطه عليهم، لأن العتاب إنما يطلب لأجل معاودة الرضا ~~من العاتب، وهؤلاء قد انسد عليهم هذا الطريق، لأن الله - تعالى - قد سخط ~~عليهم سخطا لا مجال لإزالته، بعد أن أصروا على كفرهم فى الدنيا وماتوا ~~على ذلك. قال القرطبى قوله { ولا هم يستعتبون } أى لا يكلفون ~~أن يرضوا ربهم لأن الآخرة ليست بدار تكليف، ولا يتركون إلى رجوع الدنيا ~~فيتوبون. وأصل الكلمة من العتب - بفتح العين وسكون التاء - وهى ~~الموجدة. يقال عتب عليه يعتب، إذا وجد عليه، فإذا فاوضه فيما عتب ~~عليه فيه، قيل عاتبه، فإذا رجع الى مسرتك فقد أعتب، والاسم العتبى، وهو ~~رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضى العاتب. # قال النابغة # فإن كنت مظلوما فعبدا ظلمته وإن كنت ذا عتبى فمثلك يعتب # وبذلك ترى الآية الكريمة قد نفت عن الذين كفروا قبول أعذارهم، وقبول ~~محاولتهم إرضاء ربهم عما كانوا عليه من كفر وزيغ فى الدنيا. ثم نفى - ~~سبحانه - عنهم - أيضا - تخفيف العذاب أو تأخيره فقال { وإذا رأى ~~الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ~~ينظرون }. أى وإذا أبصر الذين ظلموا العذاب الذى أعد لهم فى الآخرة ~~بسبب ظلمهم وكفرهم فى الدنيا، فزعوا وخافوا، ولكن خوفهم وفزعهم لن يغير ~~من الأمر شيئا، إذ لا يخفف عنهم العذاب بسبب خوفهم أو فزعهم ولا هم ~~يمهلون أو يؤخرون عنه. وعلق - سبحانه - الرؤية بالعذاب، للإشعار بأن ~~فجيعتهم الكبرى كانت عند إبصاره ومشاهدته. ثم حكى سبحانه بعض ما يدور ~~بينهم وبين معبوداتهم الباطلة يوم القيامة، فقال - تعالى - { وإذا ~~رأى الذين أشركوا شركآءهم قالوا ربنا هؤلآء ~~شركآؤنا الذين كنا ندعوا من دونك.. }. قال القرطبى " ~~قوله - تعالى - { وإذا رأى الذين أشركوا شركآءهم } أى ~~أصنامهم وأوثانهم التى عبدوها، وذلك أن الله يبعث معبوديهم فيتبعونهم حتى ~~يوردوهم النار. وفى صحيح مسلم # " من كان يعبد شيئا فليتبعه " # فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع ~~من كان يعبد الطواغيت الطواغيت... ". وقال ms3099 الآلوسى " والمراد بشركائهم كل ~~من اتخذوه شريكا له - عز وجل - من صنم، ووثن، وشيطان، وآدمى، وملك.. ~~وإضافتهم إلى ضمير المشركين لهذا الاتخاذ - أى لاتخاذهم إياهم شركاء لله ~~فى العبادة - أو لأنهم جعلوا لهم نصيبا من أموالهم وأنعامهم ". أى وإذا ~~أبصر المشركون يوم القيامة شركاءهم الذين أشركوهم مع الله - تعالى - فى ~~العبادة، { قالوا } أى المشركون على سبيل التحسر والتفجع يا ربنا هؤلاء ~~شركاؤنا الذين كنا فى الدنيا نعبدهم من دونك، ونتقرب بهم إليك، فلا تجعل ~~يا ربنا العذاب علينا وحدنا بل خففه أو ارفعه عنا فهؤلاء الشركاء هم ~~الذين أضلونا. قال أبو مسلم ومقصود المشركين بهذا القول إحالة الذنب على ~~تلك الأصنام تعللا بذلك واسترواحا، مع كونهم يعلمون أن العذاب واقع بهم ~~لا محالة، ولكن الغريق يتعلق بكل ما تقع يده عليه. وقوله - تعالى - { ~~فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون } حكاية لما رد ~~به الشركاء على المشركين. أى فرد أولئك الشركاء من الأصنام وغيرها على ~~المشركين بقولهم إنكم لكاذبون - أيها المشركون - فى إحالتكم الذنب علينا، ~~فإننا ما دعوناكم لعبادتنا، ولا أجبرناكم على الإشراك بالله - تعالى -، ~~ولكنكم أنتم الذين اخترتم هذا الطريق المعوج، تقليدا لآبائكم واستجابة ~~لأهوائكم وشهواتكم، وإيثارا للباطل على الحق وما رد به الشركاء على ~~المشركين هنا، قد جاء ما يشبهه فى آيات كثيرة، منها قوله - تعالى - # واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا ~~كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا # وقوله - تعالى - # وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم ~~وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي ~~عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ~~فلا تلوموني ولوموا أنفسكم.. # قال القرطبى وقوله - تعالى - { فألقوا إليهم القول... } أى ~~ألقت إليهم الآلهة القول، أى نطقت بتكذيب من عبدها. بأنها لم تكن آلهة، ~~ولا أمرتهم بعبادتها، فينطق الله الأصنام حتى تظهر عند ذلك فضيحة الكفار. ~~وقال الجمل فإن قلت كيف أثبت للأصنام نطقا هنا، ونفاه عنها فى قوله - ~~تعالى - فى سورة الكهف # ويوم يقول نادوا شركآئي الذين زعمتم ~~فدعوهم فلم يستجيبوا لهم.. # فالجواب ms3100 أن المثبت لهم هنا النطق بتكذيب المشركين فى دعوى عبادتهم لها، ~~والمنفى عنهم فى الكهف النطق بالإجابة إلى الشفاعة لهم ودفع العذاب عنهم ~~فلا تنافى. والتعبير بقوله - تعالى - { فألقوا إليهم ~~القول... } يشعر بأن الشركاء قد ردوا على المشركين قولهم بسرعة وبدون ~~إبطاء حيث أتى - سبحانه - بالفاء فى قوله { فألقوا } واشتملت جملة { إنكم ~~لكاذبون } على جملة من المؤكدات، لإفحام المشركين، وتكذيبهم فى قولهم ~~تكذيبا قاطعا لا يحتمل التأويل. ولذا وجدنا المشركين يعجزون عن الرد على ~~شركائهم، بدليل قوله - تعالى - بعد ذلك { وألقوا إلى الله ~~يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون }. أى ~~وألقى المشركون يوم القيامة { السلم } أى الاستسلام والخضوع والانقياد، ~~لقضاء الله - تعالى - العادل فيهم، وغاب وذهب عنهم ما كانوا يفترونه ~~ويزعمونه فى الدنيا من أن آلهتهم ستشفع لهم، أو ستنفعهم يوم القيامة. ~~وقيل إن الضمير فى قوله - تعالى - { وألقوا } يعود على المشركين ~~وشركائهم. أى. استسلم العابدون والمعبدون وانقادوا لحكم الله الواحد ~~القهار فيهم. ثم بين - سبحانه - مصير الذين لم يكتفوا بالكفر، بل ضموا ~~إليه رذائل أخرى فقال - تعالى - { الذين كفروا وصدوا عن ~~سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا ~~يفسدون } أى الذين لم يكتفوا بكفرهم، بل أضافوا إلى ذلك أنهم { صدوا ~~} غيرهم ومنعوه { عن سبيل الله } أى عن اتباع الصراط المستقيم، ~~والطريق القويم وهو طريق الإسلام.. هؤلاء الأشقياء الذين فعلوا ذلك { ~~زدناهم عذابا } شديدا { فوق العذاب } الذى يستحقونه { بما كانوا ~~يفسدون } أى بسبب فسادهم فى الأرض وكفرهم بالحق، وصدهم الناس عن ~~اتباعه. وهذه الزيادة فى عذابهم، وردت آثار عن بعض الصحابة فى بيانها. ~~ومن ذلك ما روى عن ابن مسعود - رضى الله عنه - أنه قال " زيدوا عقارب لها ~~أنياب كالنخل الطوال ينهشونهم فى جهنم ". # قال ابن كثير وهذا دليل على تفاوت الكفار فى عذابهم، كما يتفاوت ~~المؤمنون فى منازلهم فى الجنة ودرجاتهم. ثم أكد - سبحانه - أمر البعث، ~~وأنه آت لا ريب فيه، فقال - تعالى - { ويوم نبعث في كل ~~أمة شهيدا عليهم من أنفسهم }. والمراد بالشهيد هنا ~~كل نبى ms3101 بعثه الله - تعالى - لأمة من الأمم السابقة كنوح، وإبراهيم، ~~وموسى، وعيسى، وغيرهم من الأنبياء السابقين - عليهم الصلاة والسلام -. ~~والظرف { يوم } متعلق بمحذوف تقديره اذكر. والمعنى واذكر - أيها العاقل ~~لتتعظ وتعتبر - يوم القيامة - يوم نبعث فى كل أمة من الأمم السابقة، ~~نبيها الذى أرسل إليها فى الدنيا، ليشهد عليها الشهادة الحق، بأن يشهد ~~لمؤمنها بالإيمان، ولكافرها بالكفر. وقوله - سبحانه - { من أنفسهم } أى ~~من جنسهم وبيئتهم، ليكون أتم للحجة، وأقطع للمعذرة، وأدعى إلى العدالة ~~والإنصاف. قال الآلوسى ولا يرد لوط - عليه السلام - فإنه لما تأهل فيهم ~~وسكن معهم عد منهم - أيضا -. وقال ابن عطية يجوز أن يبعث الله شهداء من ~~الصالحين مع الأنبياء - عليهم السلام -. وقد قال بعض الصحابة إذا رأيت ~~أحدا على معصية فانهه فإن أطاعك وإلا كنت شهيدا عليه يوم القيامة. وقوله ~~- سبحانه - { وجئنا بك شهيدا على هؤلآء } خطاب للنبى ~~صلى الله عليه وسلم على سبيل التشريف والتكريم. أى وجئنا بك - أيها ~~الرسول الكريم - يوم القيامة شهيدا على هؤلاء الذين أرسلك الله - تعالى - ~~لإخراجهم من الظلمات إلى النور. وإيثار لفظ المجئ على البعث، لكمال ~~العناية بشأنه صلى الله عليه وسلم. قال ابن كثير قوله { وجئنا بك ~~شهيدا على هؤلآء } يعنى أمتك. أى اذكر ذلك اليوم وهوله، وما ~~منحك الله فيه من الشرف العظيم، والمقام الرفيع. وهذه الآية شبيهة بالآية ~~التى انتهى إليها # " عبد الله بن مسعود حين قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم صدر سورة ~~النساء فلما وصل إلى قوله - تعالى - { فكيف إذا جئنا من كل ~~أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم " حسبك ". فقال ابن مسعود فالتفت فإذا ~~عيناه صلى الله عليه وسلم تذرفان. أى بالدموع... ". # والمراد بشهادته على أمته صلى الله عليه وسلم تصريحه بأنه قد بلغ ~~الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لأمته، وتزكيته لأعمال الصالحين منها، ~~ورجاؤه من الله - تعالى - فى هذا اليوم العصيب أن يغفر للعصاة من هذه ~~الأمة. ويرى بعضهم أن المراد بهؤلاء فى قوله { وجئنا ms3102 بك شهيدا ~~على هؤلآء } أى على الأنبياء السابقين وأممهم. # ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب، لأنه هو الظاهر من معنى ~~الجملة الكريمة، ولأن آية سورة النساء # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد # تؤيده. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان ما أنزله عليه من وحى فيه ~~الشفاء للصدور، والموعظة للنفوس فقال - تعالى - { ونزلنا عليك ~~الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى ~~للمسلمين }. والتبيان مصدر يدل على التكثير. قالوا ولم يجئ من ~~المصادر على هذه الزنة إلا لفظان لفظ التبيان، ولفظ التلقاء. أى { ونزلنا ~~عليك } - أيها الرسول الكريم - { الكتاب } الكامل الجامع وهو القرآن ~~الكريم { تبيانا }. أى بيانا بليغا شاملا { لكل شئ } على سبيل الإجمال ~~تارة، وعلى سبيل التفصيل تارة أخرى. وقوله { وهدى ورحمة ~~وبشرى للمسلمين } صفات أخرى للكتاب. أى أنزلنا عليك القرآن ~~ليكون تبيانا لكل شئ وليكون هداية للناس إلى طريق الحق والخير، ورحمة لهم ~~من العذاب، وبشارة لمن أسلموا وجوههم لله - تعالى - وأحسنوا القول ~~والعمل، لا لغيرهم ممن آثروا الكفر على الإيمان، والغى على الرشد. قال ~~الجمل ما ملخصه وقوله { تبيانا لكل شيء } أى بيانا بليغا، ~~فالتبيان أخص من مطلق البيان على القاعدة أن زيادة المبنى تدل على زيادة ~~المعنى. وهذا التبيان إما فى نفس الكتاب، أو بإحالته على السنة لقوله - ~~تعالى - # ... ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا... # أو بإحالته على الاجماع كما قال - تعالى - # ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ~~ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى... # أو على القياس كما قال # فاعتبروا يأولي الأبصار # والاعتبار النظر والاستدلال اللذان يحصل بهما القياس. فهذه أربعة طرق لا ~~يخرج شئ من أحكام الشريعة عنها، وكلها مذكورة فى القرآن، فكان تبيانا لكل ~~شئ فاندفع ما قيل كيف قال الله - تعالى - { ونزلنا عليك ~~الكتاب تبيانا لكل شيء } ونحن نجد كثيرا من أحكام ~~الشريعة لم يعلم من القرآن نصا، كعدد ركعات الصلاة، ومقدار حد الشرب، ~~ونصاب السرقة وغير ذلك.... وبعد أن مدح - سبحانه - القرآن الكريم، بأن ~~فيه ms3103 تبيان كل شئ، وأنه هداية ورحمة وبشرى للمسلمين، أتبع ذلك بآيات كريمة ~~أمرت المسلمين بأمهات الفضائل، وبجماع مكارم الأخلاق، ونهتهم عن الفواحش ~~والرذائل لتكون كالدليل على ما فى هذا الكتاب من تبيان وهدى ورحمة فقال - ~~تعالى - { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآء ~~ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ~~يعظكم لعلكم تذكرون... }. ### || [16.90-93] # قال القرطبى ما ملخصه قوله - تعالى - { إن الله يأمر ~~بالعدل والإحسان } اختلف العلماء فى تأويل العدل والإحسان، ~~فقال ابن عباس العدل لا إله إلا الله، والإحسان أداء الفرائض. وقيل ~~العدل الفرض. والإحسان النافلة، وقال على بن أبى طالب العدل الإنصاف. ~~والإحسان التفضل. وقال ابن العربى العدل بين العبد وربه إيثار حقه - ~~تعالى - على حظ نفسه، وتقديم رضاه على هواه، والاجتناب للزواجر والامتثال ~~للأوامر. وأما العدل بينه وبين نفسه فمنعه ما فيه هلاكها.. وأما العدل ~~بينه وبين غيره فبذل النصيحة، وترك الخيانة فيما قل أو كثر، والإنصاف من ~~نفسك لهم بكل وجه. وأما الإحسان فهو مصدر أحسن يحسن إحسانا. ويقال على ~~معنيين أحدهما متعد بنفسه، كقولك أحسنت كذا، أى حسنته وأتقنته وكملته، ~~وهو منقول بالهمزة من حسن الشئ. وثانيهما متعد بحرف جر، كقولك أحسنت إلى ~~فلان، أى أوصلت إليه ما ينتفع به. وهو فى هذه الآية مراد بالمعنيين ~~معا... ومن هذا الكلام الذى نقلناه بشئ من التلخيص عن الإمام القرطبى، ~~يتبين لنا أن العدل هو أن يلتزم الإنسان جانب الحق والقسط فى كل أقواله ~~وأعماله، وأن الإحسان يشمل إحسان الشئ فى ذاته سواء أكان هذا الشئ يتعلق ~~بالعقائد أم بالعبادات أم بغيرهما، كما يشمل إحسان المسلم إلى غيره. ~~فالإحسان أوسع مدلولا من العدل لأنه إذا كان العدل معناه أن تعطى كل ذى ~~حق حقه، بدون إفراط أو تفريط، فإن الإحسان يندرج تحته أن تضيف إلى ذلك ~~العفو عمن أساء إليك، والصلة لمن قطعك، والعطاء لمن حرمك. وإيثار صيغة ~~المضارع فى قوله { إن الله يأمر... } لإفادة التجدد ~~والاستمرار. ولم يذكر - سبحانه - متعلقات العدل والإحسان ليعم الأمر ~~جميع ما يعدل ms3104 فيه، وجميع ما يجب إحسانه وإتقانه من أقوال وأعمال، وجميع ~~ما ينبغى أن تحسن إليه من إنسان أو حيوان أو غيرهما. وقوله - تعالى - { ~~وإيتآء ذي القربى } فضيله ثالثة معطوفة على ما قبلها من عطف ~~الخاص على العام، إذ هى مندرجة فى العدل والإحسان. وخصها - سبحانه - ~~بالذكر اهتماما بأمرها، وتنويها بشأنها، وتعظيما لقدرها. والإيتاء مصدر ~~بمعنى الإعطاء، وهو هنا مصدر مضاف لمفعوله. والمعنى إن الله - يأمركم - ~~أيها المسلمون - أمرا دائما وواجبا، أن تلتزموا الحق والإنصاف فى كل ~~أقوالكم وأفعالكم وأحكامكم، وأن تلتزموا التسامح والعفو والمراقبة لله - ~~تعالى - فى كل أحوالكم. كما يأمركم أن تقدموا لأقاربكم على سبيل ~~المعاونة والمساعدة، ما تستطيعون تقديمه لهم من خير وبر.. لأن هذه ~~الفضائل متى سرت بينكم، نلتم السعادة فى دينكم ودنياكم، إذ بالعدل ينال ~~كل صاحب حق حقه، وبالإحسان يكون التحاب والتواد والتراحم، وبصلة الأقارب ~~يكون التكافل والتعاون. # .. وبعد أن أمر - سبحانه - بأمهات الفضائل، نهى عن رءوس الرذائل فقال - ~~تعالى - { وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي.. }. ~~والفحشاء كل ما اشتد قبحه من قول أو فعل. وخصها بعضهم بالزنا. والمنكر ~~كل ما أنكر الشرع بالنهى عنه، فيعم جميع المعاصى والرذائل والدناءات على ~~اختلاف أنواعها. والبغى هو تجاوز الحد فى كل شئ يقال بغى فلان على غيره، ~~إذا ظلمه وتطاول عليه. وأصله من بغى الجرح إذا ترامى إليه الفساد... أى ~~كما أمركم - سبحانه - بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى، فإنه - تعالى - ~~ينهاكم عن كل قبيح وعن كل منكر، وعن كل تجاوز لما شرعه الله - عز وجل -. ~~وذلك لأن هذه الرذائل ما شاعت فى أمة إلا وكانت عاقبتها خسرا، وأمرها ~~فرطا، والفطرة البشرية النقية تأبى الوقوع أو الاقتراب من هذه الرذائل، ~~لأنها تتنافى مع العقول السليمة، ومع الطباع القويمة. ومهما روج الذين ~~لم ينبتوا نباتا حسنا لتلك الرذائل، فإن النفوس الطاهرة، تلفظها بعيدا ~~عنها، كما يلفظ الجسم الأشياء الغريبة التى تصل إليه. ثم ختم - سبحانه - ~~الآية الكريمة بقوله { يعظكم لعلكم تذكرون } أى ينبهكم ~~- سبحانه - أكمل تنبيه وأحكمه إلى ما يصلحكم ms3105 عن طريق اتباع ما أمركم به ~~وما نهاكم عنه، لعلكم بذلك تحسنون التذكر لما ينفعكم، وتعملون بمقتضى ما ~~علمكم - سبحانه. هذا، وقد ذكر المفسرون فى فضل هذه الآية كثيرا من ~~الآثار والأقوال، ومن ذلك ما أخرجه الحافظ أبو يعلى فى كتاب معرفة ~~الصحابة.. قال # " بلغ أكثم بن صيفى مخرج النبى صلى الله عليه وسلم فأراد أن يأتيه، فأبى ~~قومه أن يدعوه وقالوا له أنت كبيرنا لم تكن لتخف إليه. قال فليأته من ~~يبلغه عنى ويبلغنى عنه. فانتدب رجلان فأتيا النبى صلى الله عليه وسلم ~~فقال له نحن رسل أكثم بن صيفى وهو يسألك من أنت وما أنت؟ فقال النبى صلى ~~الله عليه وسلم " أما أنا فمحمد ابن عبد الله، وأما ما أنا، فأنا عبد ~~الله ورسوله ". ثم تلا عليهم هذه الآية { إن الله يأمر ~~بالعدل والإحسان.. } الآية. فقالوا ردد علينا هذا القول، فردده ~~عليهم حتى حفظوه، فأتيا أكثم فقالا له أبى أن يرفع نسبه فسألنا عن نسبه ~~فوجدناه زاكى النسب.. وقد رمى إلينا بكلمات قد سمعناها فلما سمعهن أكثم ~~قال إنى أراه يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن ملائمها، فكونوا فى هذا الامر ~~رءوسا، ولا تكونوا فيه أذنابا ". # وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال أعظم آية فى كتاب الله # الله لا إله إلا هو الحي القيوم.. # وأجمع آية فى كتاب الله للخير والشر { إن الله يأمر ~~بالعدل والإحسان } وأكثر آية فى كتاب الله تفويضا # ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب.. # وأشد آية فى كتاب الله رجاء # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا.. # ثم أمرهم - سبحانه - بالوفاء بالعهود فقال { وأوفوا بعهد ~~الله إذا عاهدتم.. }. والعهد ما من شأنه أن يراعى ويحفظ، ~~كاليمين والوصية وما يشبههما. وعهد الله أوامره ونواهيه وتكاليفه ~~الشرعية التى كلف الناس بها، والوفاء بعهد الله - تعالى - يتأتى بتنفيذ ~~أوامره وتكاليفه، واجتناب ما نهى عنه. قال القرطبى قوله - تعالى - { ~~وأوفوا بعهد الله... } لفظ عام ms3106 لجميع ما يعقد باللسان، ~~ويلتزمه الإنسان من بيع أو صلة، أو مواثقة فى أمر موافق للديانة. وهذه ~~الآية مضمن قوله - تعالى - { إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان } لأن المعنى فيها افعلوا كذا، وانتهوا عن كذا، فعطف على ~~ذلك التقدير. وقد قيل إنها نزلت فى بيعة النبى صلى الله عليه وسلم على ~~الإسلام. وقيل نزلت فى التزام الحلف الذى كان فى الجاهلية، وجاء ~~الإسلام بالوفاء به - كحلف الفضول -. والعموم يتناول كل ذلك.... ~~والمعنى إن الله يأمركم - أيها المسلمون - بالعدل والإحسان وإيتاه ذى ~~القربى، ويأمركم - أيضا - بالوفاء بالعهود التى التزمتم بها مع الله - ~~تعالى - أو مع الناس. والآيات التى وردت فى وجوب الوفاء بالعهود كثيرة ~~ومن ذلك قوله - تعالى - # وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا # وخص - سبحانه - الأمر بالوفاء بالعهد بالذكر - مع أنه داخل فى المأمورات ~~التى اشتملت عليها الآية السابقة كما أشار إلى ذلك القرطبى فى كلامه ~~السابق - لأن الوفاء بالعهود من آكد الحقوق وأوجبها على الإنسان. وقوله ~~تعالى # وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون # ومن الأحاديث التى وردت فى ذلك ما رواه الشيخان عن أبى هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال # " آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان ". # وقوله - سبحانه - { ولا تنقضوا الأيمان بعد ~~توكيدها... } تأكيد للأمر بالوفاء، وتحذير من الخيانة والغدر. ~~والنقض فى اللغة حقيقة فى فسخ ما ركب بفعل يعاكس الفعل الذى كان به ~~التركيب. واستعمل هنا على سبيل المجاز فى إبطال العهد. والأيمان جمع ~~يمين. وتطلق بمعنى الحلف والقسم. وأصل ذلك أن العرب كانوا إذا أرادوا ~~توثيق عهودهم بالقسم يقسمونه، ووضع كل واحد من المتعاهدين يمينه فى يمين ~~صاحبه. # أى كونوا أوفياء بعهودكم، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها، أى بعد ~~توثيقها وتغليظها عن طريق تكرارها بمرة ومرتين، أو عن طريق الإتيان فيها ~~ببعض أسماء الله - تعالى - وصفاته. وقوله - تعالى - { بعد توكيدها } ~~للإشعار بأن نقض الأيمان وإن كان قبيحا فى كل حالة، فهو فى حالة توكيد ~~الأيمان وتغليظها أشد قبحا. ولذا ms3107 قال بعض العلماء " وهذا القيد لموافقة ~~الواقع، حيث كانوا يؤكدون أيمانهم فى المعاهدة، وحينئذ فلا مفهوم له، فلا ~~يختص النهى عن النقض بحالة التوكيد، بل نقض اليمين منهى عنه مطلقا. أو ~~يراد بالتوكيد القصد، ويكون احترازا عن لغو اليمين. وهى الصادرة عن غير ~~قصد للحلف ". وقال الإمام ابن كثير ما ملخصه " ولا تعارض بين هذه الآية ~~وبين قوله صلى الله عليه وسلم فيما ثبت عنه فى الصحيحين أنه قال # " إنى والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها، إلا ~~أتيت الذى هو خير وتحللتها " # وفى رواية # " وكفرت عن يمينى " # لأن هذه الأيمان المراد بها فى الآية الداخلة فى العهود والمواثيق، لا ~~الأيمان التى هى واردة فى حث أو منع... ". والخلاصة، أن الآية الكريمة ~~تنهى المؤمن عن نقض الأيمان نهيا عاما، إلا أن السنة النبوية الصحيحة قد ~~خصصت هذا التعميم بإباحة نقض اليمين إذا كانت مانعة من فعل الخير، ويؤيد ~~هذا التخصيص قوله - تعالى - # ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا ~~وتتقوا وتصلحوا بين الناس.. # وجملة { وقد جعلتم الله عليكم كفيلا.. } حال من فاعل ~~{ تنقضوا } ، وهى مؤكدة لمضمون ما قبلها من وجوب الوفاء بالعهود والنهى ~~عن نقضها. والكفيل من يكفل غيره، أى يضمنه فى أداء ما عليه. أى ولا ~~تنقضوا الأيمان بعد توكيدها، والحال أنكم قد جعلتم الله - تعالى - ضامنا ~~لكم فيما التزمتم به من عهود، وشاهدا ورقيبا على أقوالكم وأعمالكم. ~~فالجملة الكريمة تحذر المتعاهدين من النقض بعد أن جعلوا الله - تعالى - ~~كفيلا عليهم. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بهذا التهديد الخفى فقال - ~~تعالى - { إن الله يعلم ما تفعلون }. أى إن الله - تعالى ~~- يعلم ما تفعلون من الوفاء أو النقض، وسيجازيكم بما تستحقون من خير أو ~~شر، فالمراد من العلم لازمه، وهو المجازاة على الأعمال. ثم ضرب - سبحانه ~~- مثلا لتقبيح نقض العهد، فقال - تعالى - { ولا تكونوا كالتي ~~نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا }. وقوله { غزلها } اى ~~مغزولها، فهو مصدر بمعنى المفعول. والفعل منه غزل يغزل - بكسر الزاى. ms3108 # . من باب ضرب. يقال غزلت المرأة الصوف أو القطن غزلا. والجار والمجرور ~~فى قوله { من بعد قوة } متعلق بالفعل { نقضت } أى نقضته وأفسدته ~~من بعد إبرامه وإحكامه. و { أنكاثا } حال مؤكدة من { غزلها } ، ويجوز أن ~~يكون مفعولا ثانيا، بتضمين الفعل نقضت معنى صيرت أو جعلت. والأنكاث جمع ~~نكث - بكسر النون -، بمعنى منكوث أى منقوض، وهو ما نقض وحل فتله ليغزل ~~ثانيا، والجمع أنكاث كحمل وأحمال. يقال نكث الرجل العهد نكثا - من باب ~~قتل - إذا نقضه ونبذه، ومنه قوله - تعالى - # فمن نكث فإنما ينكث على نفسه # قال ابن كثير هذه امرأة خرقاء كانت بمكة، كلما غزلت شيئا نقضته بعد ~~إبرامه. وقال مجاهد وقتادة وابن زيد هذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده. ~~وهذا أرجح وأظهر سواء أكان بمكة امرأة تنقض غزلها أم لا. والمعنى كونوا ~~- أيها المسلمون - أوفياء بعهودكم، ولا تنقضوها بعد إبرامها، فإنكم إن ~~نقضتموها كان مثلكم كمثل تلك المرأة الحمقاء، التى كانت تفتل غزلها فتلا ~~محكما، ثم تنقضه بعد ذلك، وتتركه مرة أخرى قطعا منكوثة محلولة.. فالجملة ~~الكريمة تحقر فى كل جزئية من جزئياتها، حال من ينقض العهد، وتشبهه على ~~سبيل التنفير والتقبيح بحال امرأة ملتاثه فى عقلها، مضطربة فى تصرفاتها. ~~وقوله - سبحانه - { تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن ~~تكون أمة هي أربى من أمة }. إبطال للأسباب التى كان ~~يتخذها بعض الناس ذرائع ومبررات لنقض العهود. والدخل - بفتح الخاء - ~~المكر والغش والخديعة. وهو فى الأصل اسم للشئ الذى يدخل فى غيره وليس ~~منه. قال الراغب والدخل كناية عن الفساد والعداوة المستبطنة، كالدغل، ~~وعن الدعوة فى النسب... ومنه قيل شجرة مدخولة - أى ليست من جنس الأشجار ~~التى حولها. وقوله { أن تكون أمة... } متعلق بقوله { تتخذون }. ~~وقوله { أربى } مأخوذ من الربو بمعنى الزيادة والكثرة. يقال ربا الشئ ~~يربوا إذا زاد وكثر. والمعنى لا تكونوا مشبهين لامرأة هذا شأنها، حالة ~~كونكم متخذين أيمانكم وأقسامكم وسيلة للغدر والخيانة، من أجل أن هناك ~~جماعة أوفر عددا وأكثر مالا من جماعة أخرى. قال القرطبى قال المفسرون ms3109 ~~نزلت هذه الآية فى العرب الذين كانت القبيلة منهم إذا حالفت أخرى، ثم ~~جاءت إحداهما قبيلة أخرى كبيرة قوية فداخلتها غدرت بالأولى ونقضت عهدها، ~~ورجعت إلى هذه الكبرى، فنهاهم الله - تعالى - أن ينقضوا العهود من أجل أن ~~طائفة أكثر من طائفة أخرى، أو أكثر أموالا... وقال الفراء المعنى لا ~~تغدروا بقوم لقلتهم وكثرتكم، أو لقلتكم وكثرتهم وقد عززتموهم بالأيمان. ~~وقال ابن كثير قال مجاهد كانوا يحالفون الحلفاء، فيجدون أكثر منهم وأعز، ~~فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون أولئك الذين هم أكثر وأعز، فنهوا عن ذلك. # والخلاصة أن الآية الكريمة تدعو إلى وجوب الوفاء بالعهود فى جميع ~~الأحوال، وتنهى عن اللجوء إلى الذرائع الباطلة، من أجل نقض العهود، إذ ~~الإسلام لا يقر هذه الذرائع وتلك المبررات، بدعوى أن هناك جماعة أقوى من ~~جماعة، أو دولة أعز من دولة، وإنما الذى يقره الإسلام هو مراعاة الوفاء ~~بالعهود، وعدم اتخاذ الأيمان وسيلة للغش والخداع. والضمير المجرور فى ~~قوله { إنما يبلوكم الله به } يعود على مضمون الجملة ~~المتقدمة وهى قوله - تعالى - { أن تكون أمة هي أربى من ~~أمة }. أى إنما يبلوكم الله ويختبركم بكون أمة أربى من أمة، لينظر ~~أتفون بعهودكم أم لا. وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله قوله - ~~تعالى - { إنما يبلوكم الله به } الضمير لقوله { أن ~~تكون أمة... } لأنه فى معنى المصدر. أى إنما يختبركم بكونهم أربى، ~~لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله، وما عقدتم على أنفسكم ووكدتم من ~~أيمان البيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أم تغترون بكثرة قريش ~~وثروتهم وقوتهم. وقلة المؤمنين وفقرهم وضعفهم. ويجوز أن يعود إلى ما أمر ~~الله به من الوفاء بالعهد، فيكون المعنى إنما يبلوكم الله ويختبركم بما ~~أمركم به من الوفاء بالعهود، ومن النهى عن النقض ليظهر لكم المطيع من ~~العاصى، وقوى الإيمان من ضعيفه. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان ~~أن مرد الفصل بين العباد فيما اختلفوا فيه إليه - تعالى - وحده، فقال { ~~وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه ~~تختلفون } فيجازى أهل الحق بما ms3110 يستحقون من ثواب، ويجازى أهل الباطل ~~بما هم أهله من عقاب. ثم بين - سبحانه - أن قدرته لا يعجزها شئ فقال - ~~تعالى - { ولو شآء الله لجعلكم } أيها الناس { أمة واحدة } ~~متفقة على الحق { ولكن } لحكم يعلمها ولا تعلمونها، ولسنن وضعها فى خلقه ~~{ يضل من يشآء } إضلاله لاستحبابه العمى على الهدى، وإيثاره الغى ~~على الرشد { ويهدي من يشآء } هدايته لحسن استعداده، وسلامة ~~اختياره، ونهيه النفس عن الهوى. { ولتسألن } أيها الناس يوم القيامة سؤال ~~محاسبة ومجازاة { عما كنتم تعملون } فى الدنيا، فيثيب ~~الطائعين بفضله، ويعاقب العصاة بعدله. وبعد أن أمر - سبحانه - بالوفاء ~~بالعهود ونهى عن نقضها بصفة عامة، أتبع ذلك بالنهى عن الحنث فى الإيمان ~~بصفة خاصة، فقال تعالى { ولا تتخذوا أيمانكم دخلا ~~بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء ~~بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم... }. ### || [16.94-97] # فقوله - سبحانه - { ولا تتخذوا أيمانكم دخلا ~~بينكم } تصريح بالنهى عن اتخاذ الإيمان من أجل الغش والخديعة، بعد ~~النهى عن نقض العهود بصفة عامة. أى ولا تتخذوا - أيها المؤمنون - الحلف ~~بالله - تعالى - ذريعة إلى غش الناس وخداعهم واستلاب حقوقهم، فقد جرت ~~عادة الناس أن يطمئنوا إلى صدق من يقسم بالله - تعالى -، فلا تجعلوا هذا ~~الاطمئنان وسيلة للكذب عليهم، ولإفساد ما بينكم وبينهم من مودة. ثم رتب ~~- سبحانه - على هذا النهى ما من شأنه أن يردع النفوس عن اتخاذ الأيمان ~~دخلا فقال { فتزل قدم بعد ثبوتها } وأصل الزلل الخروج عن ~~الطريق السليم. يقال زل فلان يزل زللا وزلولا، إذا دحضت قدمه ولم تصب ~~موضعها الصحيح أى لا تتخذوا أيمانكم وسيلة للخديعة والإفساد بين الناس، ~~فتزل أقدامكم عن طريق الإسلام بعد ثبوتها عليها، ورسوخها فيها، قالوا ~~والجملة الكريمة مثل يضرب لكل من وقع فى بلية ومحنة، بعد أن كان فى ~~عافية ونعمة. قال صاحب الكشاف فإن قلت لم وحدت القدم ونكرت؟ قلت لاستعظام ~~أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق. بعد أن ثبتت عليه، فكيف بأقدام كثيرة؟. ~~وقوله { وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله } ~~بيان لما ms3111 يصيبهم من عذاب دنيوى بسبب اتخاذ أيمانهم دخلا بينهم. أى ~~وتذوقوا السوء وهو العذاب الدنيوى من المصائب والخوف والجوع، بسبب صدودكم ~~وإعراضكم عن أوامر الله ونواهيه، أو بسبب صدكم لغيركم عن الدخول فى دين ~~الله، حيث رأى منكم ما يجعله ينفر منكم ومن دينكم. والتعبير بتذوقوا فيه ~~إشارة إلى أن العذاب الدنيوى الذى سينزل بهم بسبب اتخاذهم أيمانهم دخلا ~~بينهم، سيكون عذابا شديدا يحسون آلامه إحساسا واضحا، كما يحس الشارب للشئ ~~المر مرارته، ويتذوق آلامه. قال ابن كثير حذر الله - تعالى - عباده عن ~~اتخاذ الأيمان دخلا، أى خديعة ومكرا، لئلا تزل قدم بعد ثبوتها مثل لمن ~~كان على الاستقامة وحاد عنها، وزل عن طريق الهدى بسبب الأيمان الحانثة، ~~المشتملة على الصد عن سبيل الله، لأن الكافر إذا رأى أن المؤمن قد عاهده ~~ثم غدر به، لم يبق له وثوق بالدين، فانصد بسببه عن الدخول فى الإسلام. ~~وقوله { ولكم عذاب عظيم } لا يعلم مقدار شدته وهوله إلا الله - ~~عز وجل - فأنت ترى أن الآية الكريمة قد رتبت على اتخاذ الأيمان دخلا، ~~انقلاب حالة الإنسان من الخير إلى الشر، ونزول العذاب الدنيوى والأخروى ~~به. ثم نهاهم - سبحانه - عن أن يبيعوا دينهم بدنياهم فقال - تعالى - { ~~ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا }. والاشتراء هنا ~~استعارة للاستبدال، والذى استبدل به الثمن القليل هو الوفاء بعهد الله. # والمراد بعهد الله - تعالى - أوامره ونواهيه التى كلفنا بالتزامها ~~والعمل بمقتضاها. والمراد بالثمن القليل حظوظ الدنيا وشهواتها وزينتها من ~~الأموال وغيرها. والمعنى ولا تستبدلوا بأوامر الله - تعالى - ونواهيه، ~~عرضا قليلا من أعراض الدنيا الزائلة، بأن تنقضوا عهودكم فى مقابل منفعة ~~دنيوية زائلة. وليس وصف الثمن بالقلة فى قوله { ثمنا قليلا } من الأوصاف ~~المخصصة للنكرات، بل هو من الأوصاف اللازمة للثمن المحصل فى مقابل عدم ~~الوفاء بالعهد، إذ لا يكون إلا قليلا وإن بلغ ما بلغ من أعراض الدنيا ~~بجانب رضا الله - تعالى -. ورحم الله الإمام ابن كثير، فقد قال عند ~~تفسيره لهذه الآية الكريمة { ولا تشتروا بعهد الله ثمنا ms3112 ~~قليلا } أى لا تعتاضوا عن الأيمان بالله عرض الحياة الدنيا وزينتها، ~~فإنها قليلة، ولو حيزت لابن آدم الدنيا بحذافيرها لكان ما عند الله هو ~~خير له. ثم رغبهم - سبحانه - فيما عنده فقال { إنما عند الله ~~هو خير لكم إن كنتم تعلمون }. أى إن ما ادخره الله - ~~تعالى - لكم من ثواب عظيم، وأجر جزيل، وحياة طيبة، هو خير لكم من ذلك ~~الثمن القليل الذى تتطلعون إليه، وتنقضون العهود من أجله، إن كنتم من أهل ~~العلم والفطنة، الذين يؤثرون الباقى على الفانى. قال الآلوسى قوله { إن ~~كنتم تعلمون } أى إن كنتم من أهل العلم والتمييز. فالفعل منزل ~~منزلة اللازم. وقيل متعد، والمفعول محذوف، وهو فضل ما بين العوضين، ~~والأول أبلغ ومستغن عن التقدير. ثم أضاف - سبحانه - إلى ترغيبهم فى العمل ~~بما يرضيه ترغيبا آخر فقال { ما عندكم ينفد وما عند الله ~~باق }. أى ما عندكم من متاع الدنيا وزهرتها يفنى وينقضى ويزول، وما عند ~~الله - تعالى - فى الآخرة من عطاء باق لا يفنى ولا يزول، فآثروا ما يبقى ~~على ما ينفد. يقال نفد الشئ بكسر الفاء - ينفد - بفتحها - نفادا ونفودا، ~~إذا ذهب وفنى. ثم بشر - سبحانه - الصابرين على طاعته بأعظم البشارات فقال ~~{ ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما ~~كانوا يعملون }. أى ولنجزين الذين صبروا على طاعتنا، واجتنبوا ~~معصيتنا، ووفوا بعهودنا، بجزاء أفضل وأكرم مما كانوا يعملونه فى الدنيا ~~من خيرات وطاعات. وأكد - سبحانه - هذه البشارة بلام القسم، ونون التوكيد، ~~لترغيبهم فى الثبات على فضيلة الصبر، وعلى الوفاء بالعهد. قال الجمل ما ~~ملخصه وقوله { أجرهم } مفعول ثان لنجزى. وقوله { بأحسن } نعت لمحذوف، أى ~~بجزاء أحسن من عملهم الذى كانوا يعملونه فى الدنيا، والباء بمعنى على. ثم ~~بين - سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين الذين يحرصون على العمل الصالح فقال - ~~تعالى - { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو ~~مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم ~~أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون }. # أى من عمل عملا صالحا، بأن يكون خالصا لوجه الله - تعالى - وموافقا لما ~~جاء به النبى صلى ms3113 الله عليه وسلم سواء أكان هذا العامل المؤمن ذكرا أم ~~أنثى، فلنحيينه حياة طيبة، يظفر معها بصلاح البال، وسعادة الحال. وقال - ~~سبحانه - { من ذكر أو أنثى } مع أن لفظ " من " فى قوله { من ~~عمل } يتناول الذكور والإناث للتنصيص على النوعين، حتى يكون أغبط لهما، ~~ولدفع ما قد يتوهم من أن الخطاب للذكور وحدهم. ولذا قال صاحب الكشاف فإن ~~قلت " من " متناول فى نفسه للذكر والأنثى فما معنى تبيينه بهما؟ قل هو ~~مبهم صالح على الإطلاق للنوعين، إلا أنه إذا ذكر كان الظاهر تناوله ~~للذكور، فقيل { من ذكر أو أنثى } على التبيين ليعم الوعد ~~النوعين جميعا. وقيد - سبحانه - العامل بكونه مؤمنا فقال { وهو مؤمن } ~~لبيان أن العمل لا يكون مقبولا عند الله - تعالى - إلا إذا كان مبنيا على ~~العقيدة الصحيحة، وكان صاحبه يدين بدين الإسلام، وقد أوضح القرآن هذا ~~المعنى فى آيات كثيرة، منها قوله - تعالى - # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # والمراد بالحياة الطيبة فى قوله - تعالى - { فلنحيينه حياة ~~طيبة } الحياة الدنيوية التى يحياها المؤمن إلى أن ينقضى أجله. قال ~~ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه هذا وعد من الله - تعالى - لمن ~~عمل صالحا من ذكر أو أنثى، بأن يحييه الله حياة طيبة فى الدنيا.. والحياة ~~الطيبة تشمل وجوه الراحة من أى جهة كانت. وقد روى عن ابن عباس وجماعة ~~أنهم فسروها بالرزق الحلال، وعن على بن أبى طالب أنه فسرها بالقناعة. ~~والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله، كما جاء فى الحديث الذى رواه ~~الإمام أحمد عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه ". # وقيل المراد بالحياة الطيبة هنا الحياة الأخروية، وقد صدر الشيخ الآلوسى ~~تفسيره بهذا الرأى فقال ما ملخصه قوله - تعالى - { فلنحيينه ~~حياة طيبة } والمراد بالحياة الطيبة التى تكون فى الجنة، إذ هناك ~~حياة بلا موت، وغنى بلا فقر، وصحة بلا سقم، وسعادة بلا شقاوة.. فعن الحسن ~~لا تطيب ms3114 الحياة لأحد إلا فى الجنة. وقال شريك هى حياة تكون فى البرزخ.. ~~وقال غير واحد هى فى الدنيا. ويبدو لنا أن تفسير الحياة الطيبة هنا بأنها ~~الحياة الدنيوية أرجح، لأن الحياة الأخروية جاء التصريح بها بعد ذلك فى ~~قوله - تعالى - { ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا ~~يعملون }. # فلو فسرنا الحياة الطيبة بالحياة الأخروية لكان فى الآية الكريمة ما ~~يشبه التكرار، ولكننا لو فسرناها بالحياة الدنيوية لكانت الآية الكريمة ~~مبينة لجزاء المؤمنين فى الدارين. وأيضا فإن قول النبى صلى الله عليه ~~وسلم السابق # " قد أفلح من أسلم ورزق كفافا " # يشير إلى أن المراد بالحياة الطيبة، الحياة الدنيوية، لأن من نال الفلاح ~~نال حياة طيبة. وعلى ذلك يكون المعنى الإجمالى للآية الكريمة من عمل ~~عملا صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة فى الدنيا، يظفر ~~معها بالسعادة وصلاح البال، والأمان والاطمئنان، أما فى الآخرة فسنجزيه ~~جزاء أكرم وأفضل مما كان يعمله فى الدنيا من أعمال صالحة. قال صاحب ~~الكشاف قوله { حياة طيبة } يعنى فى الدنيا، وهو الظاهر لقوله { ولنجزينهم ~~} وعدهم الله ثواب الدنيا والآخرة، كقوله # فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة... # وذلك أن المؤمن مع العمل الصالح موسرا كان أو معسرا، يعيش عيشا طيبا، إن ~~كان موسرا فلا مقال فيه، وإن كان معسرا فمعه ما يطيب عيشه وهو القناعة ~~والرضا بقسمة الله. وأما الفاجر فأمره على العكس. إن كان معسرا فلا إشكال ~~فى أمره، وإن كان موسرا، فالحرص لا يدعه أن يتهنأ بعيشه. ثم أشار - ~~سبحانه - إلى أن من الأعمال الصالحة، أن يستعيذ المسلم عند قراءته للقرآن ~~الكريم من الشيطان الرجيم، فقال - تعالى { فإذا قرأت القرآن ~~فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم... }. ### || [16.98-100] # والمراد بقوله - تعالى - { فإذا قرأت القرآن.. } أى فإذا ~~أردت قراءته. فالكلام على حذف الإرادة، وذلك لأن المعنى الذى طلبت من ~~أجله الاستعاذة وهو دفع وسوسة الشيطان يقتضى أن يبدأ القارئ بها - أى ~~بالاستعاذة - قبل القراءة لا بعدها وشبيه بهذه الآية فى حذف الإرادة ~~لدلالة المقام عليها قوله ms3115 - تعالى - # يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق.. # أى إذا أردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا. وقوله - تعالى - { وكم من ~~قرية أهلكناها فجآءها بأسنا بياتا أو هم ~~قآئلون } أى أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا. والمعنى فإذا أردت - أيها ~~المسلم - قراءة القرآن { فاستعذ بالله } أى فاستجر بالله، والتجئ إلى ~~حماه { من الشيطان الرجيم }. قال ابن كثير " والشيطان فى لغة ~~العرب، كل متمرد من الجن والإنس والدواب وكل شئ، وهو مشتق من شطن بمعنى ~~بعد، فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر، وبعيد بفسقه عن كل خير... ". والرجيم ~~بزنة فعيل بمعنى مفعول. أى أنه مرجوم ومطرود من رحمة الله - تعالى -. قال ~~بعض العلماء وإنما خصت القراءة بطلب الاستعاذة، مع أنه قد أمر بها على ~~وجه العموم فى جميع الشئون، لأن القرآن مصدر هداية، والشيطان مصدر ضلال، ~~فهو يقف للإنسان بالمرصاد فى هذا الشأن على وجه خاص، فيثير أمامه ألوانا ~~من الشكوك فيما يفيد من قراءته، وفيما يقصد بها، فيفوت عليه الانتفاع ~~بهدى الله وآياته. فعلمنا الله - تعالى - أن نتقى ذلك كله بهذه الاستعاذة ~~التى هى فى الواقع عنوان صادق، وتعبير حق، عن امتلاء قلب المؤمن بمعنى ~~اللجوء إلى الله. وقوة عزيمته فى طرد الشيطان ووساوسه، واستقبال هدايته ~~بقلب طاهر، وعقل واع وإيمان ثابت. وكيفية الاستعاذة أن يقول القارئ عند ~~إرادة قراءته للقرآن، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقد تضافرت الروايات ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الصيغة. قال الآلوسى. وروى الثعلبى ~~والواحدى # " أن ابن مسعود قرأ عن النبى صلى الله عليه وسلم فقال أعوذ بالله السميع ~~العليم من الشيطان الرجيم، فقال له النبى صلى الله عليه وسلم " يابن أم ~~عبد، قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هكذا أقرأنى جبريل.. ". # وقال صاحب تفسير آيات الأحكام والأمر بها - أى بالاستعاذة - للندب عند ~~الجمهور. وعن الثورى أنها واجبة. وظاهر الآية يؤيده، إذ الأمر للوجوب. ~~والجمهور يقولون إنه صرفها عن الوجوب ما ورد من أنه صلى الله عليه وسلم ~~لم يعلمها ms3116 للأعرابى - أى الذى سأله عن كيفية الصلاة - وأيضا فقد روى أنه ~~كان صلى الله عليه وسلم يتركها. # .. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن وسوسة الشيطان لا أثر لها على المؤمنين ~~الصادقين فقال - تعالى - { إنه ليس له سلطان على ~~الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } أى إن الشيطان ~~مهما تمرد وعتا فإنه { ليس له سلطان } أى ليس له تسلط واستيلاء ~~واستحواذ بالقهر والغلبة، على نفوس الذين آمنوا بالله - تعالى - حق ~~الإيمان والذين هم عليه - تعالى - وحده يتوكلون ويعتمدون لا على غيره. ~~وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من ~~اتبعك من الغاوين # وقوله - تعالى - # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك ~~وكيلا # وبعد أن نفى - سبحانه - أن يكون للشيطان سلطان على نفوس المؤمنين ~~الصادقين، أثبت - سبحانه - أن تسلط الشيطان إنما هو على نفوس الضالين، ~~فقال - تعالى - { إنما سلطانه على الذين يتولونه ~~والذين هم به مشركون }. أى إنما تسلط الشيطان وتأثيره على ~~الضالين الفاسقين الذين { يتولونه } أى يتقربون منه، ويجعلونه واليا ~~عليهم، فيحبونه ويطيعونه ويتبعون خطواته. فقوله { يتولونه } من الولى - ~~بفتح الواو وسكون اللام - بمعنى القرب والنصرة وقوله { والذين هم ~~به مشركون } أى والذين هم بسبب الشيطان وإغوائه لهم، مشركون مع ~~الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة. فالضمير فى " به " يعود إلى ~~الشيطان، والباء للسببية. ويرى بعضهم أن الضمير فى " به " يعود على الله ~~- تعالى، وأن الباء للتعدية، فيكون المعنى إنما سلطان الشيطان على الذين ~~يطيعونه، والذين هم بالله - تعالى - مشركون. قالوا، والأول أرجح لاتحاد ~~الضمائر فيه، ولأنه هو المتبادر إلى الذهن. وبذلك نرى الآيات الكريمة، ~~تأمر المؤمنين بأن يستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم، عند قراءتهم للقرآن ~~الكريم، كما نراها تبشرهم بأنه لا سلطان للشيطان عليهم ما داموا معتصمين ~~بحبل الله - تعالى - ومنفذين لأوامره، ومعتمدين عليه. ثم حكى - سبحانه - ~~بعد ذلك بعض الأقاويل التى قالها المشركون عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~وعن القرآن الكريم، ورد عليها بما يخرس ألسنتهم فقال تعالى { وإذا ~~بدلنآ آية مكان آية ms3117 والله أعلم بما ينزل ~~قالوا إنمآ أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون... ~~}. ### || [16.101-105] # وقوله - تعالى - { وإذا بدلنآ آية مكان آية... } ~~التبديل رفع الشئ مع وضع غيره مكانه. فتبديل الآية رفعها بآية أخرى. ~~وجمهور المفسرين على أن المراد بالآية هنا الآية القرآنية. وعلى أن ~~المراد بتبديلها نسخها. قال صاحب الكشاف تبديل الآية مكان الآية هو ~~النسخ، والله - تعالى - ينسخ الشرائع بالشرائع لأنها مصالح، وما كان ~~مصلحة بالأمس يجوز أن يكون مفسدة اليوم وخلافه مصلحة. والله - تعالى - ~~عالم بالمصالح والمفاسد، فيثبت ما يشاء، وينسخ ما يشاء بحكمته... وقال ~~الجمل قوله - تعالى - { وإذا بدلنآ آية مكان آية... } ~~وذلك أن المشركين من أهل مكة قالوا إن محمدا صلى الله عليه وسلم يسخر ~~بأصحابه، يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدا، ما هذا إلا مفترى يتقوله من ~~تلقاء نفسه، فأنزل الله - تعالى - { وإذا بدلنآ آية مكان ~~آية... } والمعنى وإذا نسخنا حكم آية فأبدلنا مكانه حكما آخر. وقال ~~الآلوسى قوله - تعالى - { وإذا بدلنآ آية مكان آية } أى ~~وإذا نزلنا آية من القرآن مكان آية منه. وجعلناها بدلا منها بأن نسخناها ~~بها... ومنهم من يرى أن المراد بالآية هنا " الآية الكونية " أى المعجزة ~~التى أتى بها كل نبى لقومه وأن المراد بتبديلها الإتيان بمعجزة أخرى ~~سواها. قال الشيخ القاسمى عند تفسيره لهذه الآية وذهب قوم إلى أن المعنى ~~تبديل آية من آيات الأنبياء المتقدمين. كآية موسى وعيسى وغيرهما من ~~الآيات الكونية الآفاقية، بآية أخرى نفسية علمية، وهى كون المنزل هدى ~~ورحمة وبشارة يدركها العقل. فبدلت تلك - وهى الآيات الكونية - بآية هو ~~كتاب العلم والهدى من نبى أمى صلى الله عليه وسلم. ويبدو لنا أن الرأى ~~الأول أقرب إلى الصواب، لأن قوله - تعالى - بعد ذلك { قل نزله ~~روح القدس من ربك... } يدل دلالة واضحة على أن المراد ~~بالآية، الآية القرآنية. وقوله - سبحانه - { والله أعلم بما ~~ينزل } جملة معترضة بين الشرط وجوابه للمسارعة إلى توبيخ المشركين ~~وتجهيلهم. أى والله - تعالى - أعلم من كل مخلوق بما هو أصلح لعباده، وبما ~~ينزله ms3118 من آيات، وبما يغير ويبدل من أحكام، فكل من الناسخ والمنسوخ منزل ~~حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة، # لا يسأل عما يفعل وهم يسألون # وقوله - تعالى - { قالوا إنمآ أنت مفتر } جواب الشرط، وهو ~~حكاية لما تفوهوا به من باطل وبهتان وقوله { مفتر } من الافتراء وهو أشنع ~~أنواع الكذب. أى قال المشركون للنبى صلى الله عليه وسلم عند تبديل آية ~~مكان آية إنما أنت يا محمد تختلق هذا القرآن من عند نفسك، وتفتريه من ~~إنشائك واختراعك. # . وقوله - تعالى - { بل أكثرهم لا يعلمون } تسلية للنبى ~~صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم. أى لا تهتم - أيها الرسول الكريم - ~~بما قاله هؤلاء المشركون فى شأنك وفى شأن القرآن الكريم، فإن أكثرهم ~~جهلاء أغبياء، لا يعلمون ما فى تبديلنا للآيات من حكمة، ولا يفقهون من ~~أمر الدين الحق شيئا. وقال - سبحانه - { بل أكثرهم لا ~~يعلمون } للإشارة إلى أن هناك قلة منهم تعرف الحق وتدركه، ولكنها ~~تنكره عنادا وجحودا وحسدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ما آتاه ~~الله من فضله. ثم لقن الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم الرد الذى ~~يقذفه على باطلهم فيزهقه فقال { قل نزله روح القدس من ~~ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى ~~للمسلمين } وروح القدس هو جبريل - عليه السلام -، والإضافة فيه ~~إضافة الموصوف إلى الصفة. أى الروح المقدس. ووصف بالقدس لطهارته وبركته. ~~وسمى روحا لمشابهته الروح الحقيقى فى أن كلا منهما مادة الحياة للبشر، ~~فجبريل من حيث ما يحمل من الرسالة الإلهية تحيا به القلوب، والروح تحيا ~~به الأجسام. والمعنى قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاهلين، إن هذا ~~القرآن الذى تزعمون أننى افتريته، قد نزل به الروح الأمين على قلبى من ~~عند ربى، نزولا ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل، ليزيد المؤمنين ~~ثباتا فى إيمانهم، وليكون هداية وبشارة لكل من أسلم وجهه لله رب ~~العالمين. وفى قوله { من ربك } تكريم وتشريف للرسول صلى الله عليه وسلم ~~حيث اختص - سبحانه - هذا النبى الكريم بإنزال القرآن عليه، بعد أن رباه ms3119 ~~برعايته، وتولاه بعنايته. وقوله { بالحق } فى موضع الحال، أى نزله إنزالا ~~ملتبسا بالحكمة المقتضية له، بحيث لا يفارقها ولا تفارقه. وقوله { ~~ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين } ~~بيان للوظيفة التى من أجلها نزل القرآن الكريم، وهى وظيفة تسعد المؤمنين ~~وحدهم، أما الكافرون فهم بعيدون عنها. ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك مقولة ~~أخرى من مقولات المشركين فقال - تعالى - { ولقد نعلم أنهم ~~يقولون إنما يعلمه بشر... }. قال الإمام ابن كثير عند ~~تفسيره لهذه الآية ما ملخصه يقول - تعالى - مخبرا عن المشركين ما كانوا ~~يقولونه من الكذب والافتراء إن محمدا صلى الله عليه وسلم إنما يعلمه هذا ~~الذى يتلوه علينا من القرآن بشر، ويشيرون إلى رجل أعجمى كان بياعا يبيع ~~عند الصفا، وربما كان النبى صلى الله عليه وسلم يجلس إليه ويكلمه بعض ~~الشئ، وذاك كان أعجمى اللسان لا يعرف إلا اليسير من العربية. وعن عكرمة ~~وقتادة كان اسم ذلك الرجل " يعيش " ، وعن ابن عباس كان اسمه " بلعام " ، ~~وكان أعجمى اللسان، وكان المشركون يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يدخل عليه ويخرج من عنده، فقالوا إنما يعلمه بلعام، فأنزل الله هذه ~~الآية. # والمعنى ولقد نعلم - أيها الرسول الكريم - علما مستمرا لا يعزب عنه شئ ~~مما يقوله المشركون فى شأنك، من أنك تتعلم القرآن من واحد من البشر. قال ~~الآلوسى وإنما لم يصرح القرآن باسم من زعموا أنه يعلمه - عليه الصلاة ~~والسلام - مع أنه أدخل فى ظهور كذبهم، للإيذان بأن مدار خطئهم، ليس ~~بنسبته صلى الله عليه وسلم إلى التعلم من شخص معين، بل من البشر كائنا من ~~كان، مع كونه صلى الله عليه وسلم معدنا لعلوم الأولين والآخرين. وقوله - ~~تعالى - { لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا ~~لسان عربي مبين } رد عليهم فيما زعموه وافتروه. والمراد ~~باللسان هنا الكلام الذى يتكلم به الشخص، واللغة التى ينطق بها. وقوله { ~~يلحدون } من الإلحاد بمعنى الميل. يقال لحد وألحد، إذا مال عن القصد، ~~وسمى الملحد بذلك، لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها. والأعجمى نسبة إلى ~~الأعجم ms3120 وهو الذى لا يفصح فى كلامه سواء أكان من العرب أم من العجم. وزيدت ~~فيه ياء النسب على سبيل التوكيد. والمعنى لقد كذبتم - أيها المشركون - ~~كذبا شنيعا صريحا، حيث زعمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمه ~~القرآن بشر، مع أن لغة هذا الإنسان الذى زعمتم أنه يعلم الرسول صلى الله ~~عليه وسلم لغة أعجمية، ولغة هذا القرآن لغة عربية فى أعلى درجات البلاغة ~~والفصاحة، فقد أعجزكم بفصاحته وبلاغته، وتحداكم وأنتم أهل اللسن والبيان ~~أن تأتوا بسورة من مثله. فخبرونى بربكم، من أين للأعجمى أن يذوق بلاغة ~~هذا التنزيل وما حواه من العلوم، فضلا عن أن ينطق به، فضلا عن أن يكون ~~معلما له!!. ثم هدد - سبحانه - المعرضين عن آياته بقوله { إن ~~الذين لا يؤمنون بآيات الله } الدالة على وحدانيته - ~~سبحانه - وعلى صدق نبيه صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عنه. { لا ~~يهديهم الله } إلى طريق الحق فى الدنيا، بسبب زيغهم وعنادهم ~~وإيثارهم الغى على الرشد. { ولهم } فى الآخرة عذاب أليم جزاء إصرارهم على ~~الباطل، وإعراضهم عن الآيات التى لو تأملوها واستجابوا لها لاهتدوا إلى ~~الصراط المستقيم. ثم بين - سبحانه - أن افتراء الكذب لا يصدر عن المؤمنين ~~فضلا عن الرسول الأمين، وإنما يصدر عن الكافرين فقال - تعالى - { ~~إنما يفتري الكذب } أى يختلقه ويخترعه { الذين لا ~~يؤمنون بآيات الله } الدالة على وحدانيته وعلى وجوب إخلاص ~~العبادة له، وعلى صدق رسله، وعلى صحة البعث يوم القيامة، لأن عدم إيمانهم ~~بذلك يجعلهم لا يخافون عقابا، ولا يرجون ثوابا. # { وأولئك } الكافرون بما يجب الإيمان به { هم الكاذبون } فى قولهم عن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يعلمه بشر، وفى قولهم { إنمآ أنت ~~مفتر } وفى غير ذلك من أقوالهم الباطلة، التى حاربوا بها دعوة الحق. ~~قال بعض العلماء ولا يخفى ما فى الحصر بعد القصر من العناية بمقامه - ~~صلوات الله عليه -، وقد كان أصدق الناس وأبرهم.. بحيث كانوا يلقبونه ~~بالصادق الأمين. ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان فقال له - من ~~بين ما ms3121 قال - هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال لا. فقال ~~هرقل ما كان ليدع الكذب على الناس، ويكذب على الله - تعالى -. وفى هذه ~~الآية دلالة على أن الكذب من أكبر الكبائر، وأفحش الفواحش. والدليل عليه ~~أن كلمة " إنما " للحصر. # " وروى أن النبى صلى الله عليه وسلم قيل له هل يكذب المؤمن؟ قال " لا، ~~ثم قرأ هذه الآية ". # ثم بين - سبحانه - بعد ذلك حكم من أكره على النطق بكلمة الكفر، وحكم من ~~استحب الكفر على الإيمان فقال - تعالى - { من كفر بالله من ~~بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم ~~غضب من الله ولهم عذاب عظيم... }. ### || [16.106-109] # ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { من كفر بالله من ~~بعد إيمانه... } روايات منها قول الآلوسى # " روى أن قريشا أكرهوا عمارا وأبويه ياسرا، وسمية، على الارتداد فأبوا، ~~فربطوا سمية بين بعيرين... ثم قتلوها وقتلوا ياسرا، وهما أول شهيدين فى ~~الإسلام. وأما عمار فأعطاهم بلسانه ما أكرهوه عليه، فقيل يا رسول الله ~~إن عمارا قد كفر. فقال صلى الله عليه وسلم " كلا، إن عمارا ملئ إيمانا من ~~قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه ". فأتى عمار رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو يبكى، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه ~~وقال له " مالك، إن عادوا فعد لهم بما قلت ". وفى رواية أنه قال له " كيف ~~تجد قلبك؟ قال مطمئن بالإيمان قال صلى الله عليه وسلم إن عادوا فعد ". ~~فنزلت هذه الآية ". # ثم قال الآلوسى والآية دليل على جواز التكلم بكلمة الكفر عند الإكراه، ~~وإن كان الأفضل أن يتجنب عن ذلك إعزازا للدين ولو تيقن القتل، كما فعل ~~ياسر وسمية، وليس ذلك من إلقاء النفس إلى التهلكة، بل هو كالقتل فى الغزو ~~كما صرحوا به. و " من " فى قوله { من كفر بالله } مبتدأ أو ~~شرطية، والخبر أو جواب الشرط محذوف والتقدير فعليه غضب من الله، أو فله ~~عذاب شديد، ويدل عليهما قوله - تعالى ms3122 - بعد ذلك { ولكن من شرح ~~بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله }. والمعنى من ~~كفر بالله - تعالى - من بعد إيمانه بوحدانيته - سبحانه - وبصدق رسوله صلى ~~الله عليه وسلم فإنه بسبب هذا الكفر يكون قد ضل ضلالا بعيدا، يستحق من ~~أجله العذاب المهين. وقوله { إلا من أكره وقلبه ~~مطمئن بالإيمان } استثناء متصل من الجملة السابقة أى إلا من ~~أكره على النطق بكلمة الكفر، والحال أن قلبه مطمئن بالإيمان، ثابت عليه، ~~متمكن منه.. فإنه فى هذه الحالة لا يكون ممن يستحقون عقوبة المرتد. قال ~~بعض العلماء وأما قوله { إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان } فهو استثناء متصل من " من " لأن الكفر أعم من أن يكون ~~اعتقادا فقط، أو قولا فقط، أو اعتقادا وقولا... وأصل الاطمئنان سكون بعد ~~انزعاج، والمراد به هنا السكون والثبات على الإيمان بعد الانزعاج الحاصل ~~بسبب الإكراه... وقوله { ولكن من شرح بالكفر صدرا ~~فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم } بيان لسوء ~~مصير من استحب الكفر على الإيمان باختياره ورضاه. و " من " فى قوله { من ~~شرح } شرطية، وجوابها { فعليهم غضب من الله }. # أى حكم من تلفظ بكلمة الكفر مكرها أنه لا يعتبر مرتدا، ولكن حكم من طابت ~~نفوسهم بالكفر، وانشرحت له صدورهم، واعتقدوا صحته، أنهم عليهم من الله - ~~تعالى - غضب شديد لا يعلم مقداره إلا هو، ولهم يوم القيامة عذاب عظيم ~~الهول، يتناسب مع عظيم جرمهم. هذا، وقد ذكر الإمام ابن كثير عند تفسيره ~~لهذه الآية جملة من الأخبار التى حكت ما تعرض له المسلمون الأولون من فتن ~~وآلام. فقال ما ملخصه ولهذا اتفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز ~~له أن يوالى إبقاء لمهجته، ويجوز له أن يأبى كما كان بلال - رضى الله عنه ~~- يأبى عليهم ذلك، وهم يفعلون به الأفاعيل، حتى إنهم ليضعون الصخرة ~~العظيمة على صدره فى شدة الحر ويأمرونه بالشرك بالله، فيأبى عليهم وهو ~~يقول أحد، أحد، ويقول والله لو أعلم كلمة هى أغيظ لكم منها لقلتها. وقوله ~~- سبحانه - { ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا ~~على ms3123 الآخرة } بيان للأسباب التى جعلتهم محل غضب الله ونقمته. واسم ~~الإشارة " ذلك " يعود إلى كفرهم بعد إيمانهم، أو إلى ما توعدهم الله - ~~تعالى - به من غضب عليهم، وعذاب عظيم لهم. أى ذلك الذى جعلهم يرتدون عن ~~دينهم، ويكونون محل غضب الله ونقمته، من أسبابه أنهم آثروا الحياة الدنيا ~~وشهواتها على الآخرة وما فيها من ثواب. { وأن الله } - تعالى - { لا ~~يهدي القوم الكافرين } إلى الصراط المستقيم، لأنهم حين زاغوا ~~عن الحق أزاغ الله قلوبهم. ثم أضاف - سبحانه - إلى رذائلهم رذيلة أخرى ~~فقال { أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ~~وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون }. ~~والطبع الختم والوسم بطابع ونحوه على الشئ، لكى لا يخرج منه ما هو ~~بداخله، ولا يدخل فيه ما هو خارج عنه. أى أولئك الذين شرحوا صدورهم ~~بالكفر، وطابوا به نفسا، قد طبع الله تعالى على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، ~~فصارت ممنوعة من وصول الحق إليها، وعاجزة عن الانتفاع به، وأولئك هم ~~الكاملون فى الغفلة والبلاهة، إذ لا غفلة أشد من غفلة المعرض عن عاقبة ~~أمره، ولا بلاهة أفدح من بلاهة من آثر الفانية على الباقية. ثم ختم - ~~سبحانه - الآيات الكريمة بالحكم العادل عليهم فقال { لا جرم ~~أنهم في الآخرة هم الخاسرون }. أى لا شك ولا محالة فى أن ~~هؤلاء الذين اختاروا الكفر على الإيمان سيكونون يوم القيامة من القوم ~~الخاسرين لأنهم لم يقدموا فى دنياهم ما ينفعهم فى أخراهم. وكلمة { لا جرم ~~} قد وردت فى القرآن فى خمسة مواضع، متلوة فى كل موضع بأن واسمها، وليس ~~بعدها فعل. وجمهور النحاة على أن هذه الكلمة مركبة من " لا " و " جرم " ~~تركيب خمسة عشر، ومعناها بعد التركيب معنى الفعل حق، أو ثبت، أو ما يشبه ~~ذلك، أى حق وثبت كونهم فى الآخرة من الخاسرين. # والذى يتدبر هذه الآيات، يراها قد توعدت المرتدين عن دينهم بألوان من ~~العقوبات المغلظة، لقد توعدتهم بغضب الله - تعالى - وبعذابه العظيم، ~~وبعدم هدايتهم إلى طريق الحق، وبالطبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، ~~وبالغفلة التى ليس بعدها غفلة، وبالخسران ms3124 الذى لا شك فيه يوم القيامة، ~~نعوذ بالله - تعالى - من ذلك. ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر لطفه ~~ورأفته لقوم هاجروا من بعد ما فتنوا، فقال - تعالى - { ثم إن ~~ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم ~~جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ~~}. ### || [16.110-111] # وقوله - سبحانه - { من بعد ما فتنوا } أى عذبوا وأوذوا من أجل ~~أن يرتدوا إلى الكفر. وأصل الفتن إدخال الذهب فى النار لتظهر جودته من ~~رداءته، ثم استعمل فى الاختبار والامتحان بالمحن والشدائد، وبالمنح ~~واللطائف، لما فيه من إظهار الحال والحقيقة، وأكثر ما تستعمل الفتنة فى ~~الامتحان والمحن وعليه يحمل بعضهم تفسير الفتنة بالمحنة. والمراد بهؤلاء ~~الذين هاجروا من بعد ما فتنوا - كما يقول ابن كثير - جماعة كانوا ~~مستضعفين بمكة، مهانين فى قومهم، فوافقوهم على الفتنة، ثم إنهم أمكنهم ~~الخلاص بالهجرة، فتركوا بلادهم وأهليهم وأموالهم ابتغاء رضوان الله ~~وغفرانه، وانتظموا فى سلك المؤمنين، وجاهدوا معهم الكافرين، وصبروا.. ~~والمعنى { ثم إن ربك } - أيها الرسول الكريم - تكفل بالولاية ~~والمغفرة لهؤلاء الذين هاجروا من دار الكفر إلى دار الإسلام، من بعد أن ~~عذبهم المشركون لكى يرتدوا عن دينهم. قال الآلوسى وقرأ ابن عامر { من ~~بعد ما فتنوا } بالبناء للفاعل، وهو ضمير المشركين عند غير واحد، ~~أى عذبوا المؤمنين، كالحضرمى، أكره مولاه " جبرا " حتى ارتد، ثم أسلما ~~وهاجرا... وقوله - تعالى - { ثم جاهدوا وصبروا } أى جاهدوا ~~المشركين حتى تكون كلمة الله هى العليا، وصبروا على البلاء والأذى طلبا ~~لرضا الله - تعالى -. والضمير فى قوله { من بعدها } يعود إلى ما سبق ذكره ~~من الهجرة والفتنة والجهاد والصبر. أى إن ربك - أيها الرسول الكريم - من ~~بعد هذه الأفعال لكثير المغفرة والرحمة لهم، جزاء هجرتهم وجهادهم وصبرهم ~~على الأذى. وقوله - سبحانه - { يوم تأتي كل نفس تجادل ~~عن نفسها... } منصوب على الظرفية بقوله { رحيم } أو منصوب على ~~المفعولية بفعل محذوف تقديره اذكر. والمراد باليوم يوم القيامة. ~~والمجادلة هنا بمعنى المحاجة والمدافعة، والسعى فى الخلاص من أهوال ذلك ~~اليوم الشديد. والمعنى إن ربك - أيها الرسول ms3125 الكريم - من بعد تلك ~~المذكورات من الهجرة والفتنة والجهاد والصبر، لغفور رحيم، يوم تأتى كل ~~نفس مشغولة بأمرها، مهتمة بالدفاع عن ذاتها، بدون التفات إلى غيرها، ~~ساعية فى الخلاص من عذاب ذلك اليوم. والمتأمل فى هذه الجملة الكريمة، ~~يراها تشير بأسلوب مؤثر بليغ إلى ما يعترى الناس يوم القيامة من خوف وفزع ~~يجعلهم لا يفكرون إلا فى ذواتهم ولا يهمهم شأن آبائهم أو أبنائهم. قال ~~صاحب الكشاف فإن قلت ما معنى النفس المضافة إلى النفس؟. قلت يقال لعين ~~الشئ وذاته نفسه، وفى نقيضه غيره، والنفس الجملة كما هى، فالنفس الأولى ~~هى الجملة، والثانية عينها وذاتها، فكأنه قيل يوم يأتى كل إنسان يجادل عن ~~ذاته، لا يهمه شأن غيره، كل يقول نفسى نفسى. # ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها، كقولهم # ما كنا مشركين # وكقولهم # هؤلاء أضلونا.. # وقوله - سبحانه - { وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا ~~يظلمون } بيان لمظهر من مظاهر عدل الله - تعالى - فى قضائه بين ~~عباده. أى وفى هذا اليوم تعطى كل نفس جزاء ما عملته من أعمال فى الدنيا ~~وافيا غير منقوص، بدون ظلم أو حيف أو ميل عن العدل والقسطاس، ولن ينفع ~~نفسا مجادلتها عن ذاتها، واعتذارها بالمعاذير الباطلة، وإنما الذى ينفعها ~~هو عملها. وبذلك ترى الآيتين الكريمتين، قد بينتا بأسلوب بليغ جانبا من ~~مظاهر فضل الله - تعالى - على عباده، وجانبا من أهوال يوم القيامة، ومن ~~القضاء العادل الذى يحكم الله به بين الناس. ثم ضرب - سبحانه - مثلا لسوء ~~عاقبة الذين يجحدون نعم الله، ويكذبون بآياته، فقال - تعالى - { وضرب ~~الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها ~~رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله ~~فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا ~~يصنعون... }. ### || [16.112-113] # والفعل ضرب فى قوله - تعالى - { وضرب الله مثلا قرية... } ~~متضمن معنى جعل، ولذا عدى إلى مفعولين. والمثل - بفتح الثاء - بمعنى ~~المثل - بسكونها - أى النظير والشبيه. ويطلق على القول السائر المعروف، ~~لمماثلة مضربه - وهو الذى يضرب فيه لمورده الذى ورد فيه، ثم استعير للصفة ~~والحال كما فى ms3126 الآية التى معنا. والمراد بالقرية أهلها، فالكلام على ~~تقدير مضاف. وللمفسرين اتجاهان فى تفسير هذه الآية. فمنهم من يرى أن هذه ~~القرية غير معينة، وإنما هى مثل لكل قوم قابلوا نعم الله بالجحود ~~والكفران. وإلى هذا المعنى اتجه صاحب الكشاف حيث قال قوله - تعالى - { ~~وضرب الله مثلا قرية... } أى جعل القرية التى هذه حالها ~~مثلا لكل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة. فكفروا وتولوا، فأنزل ~~الله بهم نقمته، فيجوز أن تراد قرية مقدرة على هذه الصفة، وأن تكون فى ~~قرى الأولين قرية كانت هذه حالها، فضرب بها الله مثلا لمكة إنذارا من مثل ~~عاقبتها. ومنهم من يرى أن المقصود بهذه القرية مكة، وعلى هذا الاتجاه سار ~~الامام ابن كثير حيث قال ما ملخصه هذا مثل أريد به أهل مكة، فإنها كانت ~~آمنة مطمئنة مستقرة، يتخطف الناس من حولها، ومن دخلها كان آمنا... فجحدت ~~آلاء الله عليها، وأعظمها بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فأذاقها الله ~~لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. ويبدو لنا أن الاتجاه الأول أقرب ~~إلى الصواب، لتنكير لفظ قرية، ولشموله الاتجاه الثانى، لأنه يتناول كل ~~قرية بدلت نعمة الله كفرا، ويدخل فى ذلك كفار مكة دخولا أوليا. فيكون ~~المعنى وجعل الله قرية موصوفة بهذه الصفات مثلا لكل قوم أنعم الله عليهم ~~بهذه النعم، فلم يشكروا الله - تعالى - عليها، فأخذهم أخذ عزيز مقتدر. ~~وقوله { كانت آمنة مطمئنة } أى كانت تعيش فى أمان لا يشوبه ~~خوف، وفى سكون واطمئنان لا يخالطهما فزع أو انزعاج. وقوله { يأتيها ~~رزقها رغدا من كل مكان } بيان لسعة عيشها، أى يأتيها ما ~~يحتاج إليه أهلها واسعا لينا سهلا من كل مكان من الأمكنة. يقال رغد - ~~بضم الغين - عيش القوم، أى اتسع وطاب فهو رغد ورغيد... وأرغد القوم، أى ~~أخصبوا وصاروا فى رزق واسع. فالآية الكريمة قد تضمنت أمهات النعم الأمان ~~والاطمئنان ورغد العيش. قال بعضهم # ثلاثة ليس لها نهاية الأمن والصحة والكفاية # وقوله - تعالى - { فكفرت بأنعم الله } بيان لموقفها ~~الجحودى من نعم الله - تعالى ms3127 - أى فكان موقف أهل هذه القرية من تلك النعم ~~الجليلة، أنهم جحدوا هذه النعم، ولم يقابلوها بالشكر، وإنما قابلوها ~~بالإشراك بالله - تعالى - مسدى هذه النعم. # قال القرطبى " والأنعم جمع النعمة. كالأشد جمع الشدة، وقيل جمع ~~نعمى، مثل بؤسى وأبؤس ". وقوله - سبحانه - { فأذاقها الله ~~لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون } بيان للعقوبة ~~الأليمة التى حلت بأهلها بسبب كفرهم وبطرهم. أى فأذاق - سبحانه - أهلها ~~لباس الجوع والخوف، بسبب ما كانوا يصنعونه من الكفر والجحود والعتو عن ~~أمر الله ورسله. وذلك بأن أظهر أثرهما عليهم بصورة واضحة، تجعل الناظر ~~إليهم لا يخفى عليه ما هم فيه من فقر مدقع، وفزع شديد. ففى الجملة ~~الكريمة تصوير بديع لما أصابهم من جوع وخوف، حتى لكأن ما هم فيه من هزال ~~وسوء حال، يبدو كاللباس الذى يلبسه الإنسان، ويجعلهم يذوقون هذا اللباس ~~ذوقا يحسون أثره إحساسا عميقا. ورحم الله صاحب الكشاف فقد أجاد فى تصوير ~~هذا المعنى فقال " فإن قلت الإذاقة واللباس استعارتان فما وجه صحتهما؟ ~~والإذاقة المستعارة موقعة على اللباس المستعار، فما وجه صحة إيقاعها ~~عليه؟. قلت أما الإذاقة فقد جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها فى البلايا ~~والشدائد وما يمس الناس منها. فيقولون ذاق فلان البؤس والضر، وأذاقه ~~العذاب. شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم بما يدرك من الطعم المر البشع. ~~وأما اللباس فقد شبه به لاشتماله على اللابس، ما غشى الإنسان والتبس به ~~من بعض الحوادث. وأما إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف، فلأنه لما ~~وقع عبارة عما يغشى منهما ويلابس، فكأنه قيل فأذاقهم ما غشيهم من الجوع ~~والخوف... ثم بين - سبحانه - رذيلة أخرى من رذائل أهل هذه القرية الكافرة ~~بأنعم الله فقال { ولقد جآءهم رسول منهم فكذبوه }. ~~أى ولقد جاء إلى أهل هذه القرية رسول من جنسهم، يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم، فأمرهم بطاعة الله وشكره، ولكنهم كذبوه وأعرضوا عنه. والتعبير ~~بقوله { جاءهم } يدل على أن هذا الرسول وصل إليهم وبلغهم رسالة ربه، دون ~~أن يكلفهم الذهاب إليه، أو البحث عنه. والتعبير بالفاء ms3128 فى قوله { فكذبوه ~~} يشعر بأنهم لم يتمهلوا ولم يتدبروا دعوة هذا الرسول، وإنما قابلوها ~~بالتكذيب السريع بدون روية، مما يدل على غباوتهم وانطماس بصيرتهم. وقوله ~~- تعالى - { فأخذهم العذاب وهم ظالمون } بيان للعاقبة ~~السيئة التى حاقت بهم. أى فكانت نتيجة تكذيبهم السريع لنبيهم أن أخذهم ~~العذاب العاجل الذى استأصل شأفتهم، والحال أنهم هم الظالمون لأنفسهم، لأن ~~هذا العذاب ما نزل بهم إلا بعد أن كفروا بأنعم الله، وكذبوا رسوله. هذا، ~~والذى يتأمل هاتين الآيتين الكريمتين يراهما وإن كانتا تشملان حال كل قوم ~~بدلوا نعمة الله كفرا.. إلا أنهما ينطبقان تمام الانطباق على كفار مكة. ~~وقد بين ذلك الإمام الآلوسى - رحمه الله - فقال ما ملخصه وحال أهل مكة - ~~سواء أضرب المثل لهم خاصة، أم لهم ولمن سار سيرتهم كافة - أشبه بحال أهل ~~تلك القرية من الغراب بالغراب، فقد كانوا فى حرم آمن ويتخطف الناس من ~~حولهم، وكانت تجبى إليهم ثمرات كل شئ رزقا، ولقد جاءهم رسول منهم تحار فى ~~سمو مرتبته العقول صلى الله عليه وسلم فأنذرهم وحذرهم فكفروا بأنعم الله، ~~وكذبوه صلى الله عليه وسلم فأذاقهم الله لباس الجوع والخوف، حيث أصابهم ~~بدعائه صلى الله عليه وسلم # " اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف " # - ما أصابهم من جدب شديد، فاضطروا إلى أكل الجيف.. وكان أحدهم ينظر إلى ~~السماء فيرى شبه الدخان من الجوع، وقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت من ~~سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كانوا يغيرون عليهم... ثم أمرهم ~~- سبحانه - بأن يأكلوا مما أحله لهم، وأن يشكروه على نعمه، وأن يجتنبوا ~~ما حرمه عليهم، فقال - تعالى - { فكلوا مما رزقكم الله ~~حلالا طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه ~~تعبدون... }. ### || [16.114-115] # والفاء فى قوله { فكلوا... } للتفريع على ما تقدم من التمثيل بالقرية ~~التى كفرت بأنعم الله، والتى أصابها ما أصابها بسبب ذلك أى لقد ظهر لكم ~~حال الذين بدلوا نعمة الله كفرا، ورأيتم كيف أذاقهم الله لباس الجوع ~~والخوف، فاحذروا أن تسيروا على شاكلتهم، وكلوا ms3129 من الحلال الطيب الذى ~~رزقكم الله - تعالى - إياه. واشكروا نعمة الله التى أنعم بها عليكم، بأن ~~تستعملوها فيما خلقت له، وبأن تقابلوها بأسمى ألوان الطاعة لمسديها - عز ~~وجل -. { إن كنتم إياه } سبحانه - تعبدونه حق العبادة، ~~وتطيعونه حق الطاعة. ثم بين - سبحانه - ما حرمه على عباده رعاية لمصالحهم ~~فقال { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير ومآ أهل لغير الله به.. }. والميتة فى عرف ~~الشرع ما مات حتف أنفه، أو قتل على هيئة غير مشروعة، فيدخل فيها المنخنقة ~~والموقوذة والمتردية والنطيحة، وما عدا عليها السبع. وكان الأكل من ~~الميتة محرما، لفساد جسمها بسبب ذبول أجزائه وتعفنها، ولأنها أصبحت بحالة ~~تعافها الطباع السليمة لقذارتها وضررها. والدم المحرم هو ما يسيل من ~~الحيوان الحى كثيرا كان أم قليلا وكذلك يحرم من دم الحيوان ما جرى منه ~~بعد ذبحه، وهو الذى عبر عنه القرآن بالمسفوح.. والحكمة فى تحريم الدم ~~المسفوح، أنه تستقذره النفوس الكريمة، ويفضى شربه أو أكله إلى الإضرار ~~بالنفس. وحرمة الخنزير شاملة للحمه ودمه وشحمه وجلده. وإنما خص لحمه ~~بالذكر لأنه المقصود بالأكل، ولأن سائر أجزائه كالتابعة للحمه... ومن ~~الحكم فى تحريم لحم الخنزير قذارته، واشتماله على دودة تضر بآكله، كما ~~أثبت ذلك العلم الحديث. وقوله { ومآ أهل لغير الله به } ~~معطوف على ما قبله من المحرمات. والفعل { أهل } مأخوذ من الإهلال بمعنى ~~رفع الصوت، وكانوا فى الجاهلية إذا أرادوا ذبح ما قربوه إلى آلهتهم، سموا ~~عليها أسماءها فيقولون باسم اللات أو باسم العزى، رافعين بذلك أصواتهم. ~~فأنت ترى أن تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير كان لعله ذاتية فى تلك ~~الأشياء، أما تحريم ما أهل لغير الله به، بسبب التوجه بالمذبوح إلى غير ~~الله - عز وجل -. وقوله - تعالى - { فمن اضطر غير باغ ولا ~~عاد فإن الله غفور رحيم } بيان لحالات الضرورة التى يباح ~~للإنسان فيها أن يأكل من تلك المحرمات. واضطر من الاضطرار وهو الاحتياج ~~إلى الشئ بشدة. والمعنى فمن ألجأته الضرورة إلى أكل شئ من هذه المحرمات، ~~حالة كونه { غير باغ ms3130 } ، أى غير طالب للمحرم وهو يجد غيره، أو غير طالب ~~له على جهة الاستئثار به على مضطر آخر، { ولا عاد } أى ولا متجاوز فى ~~أكله ما يسد الجوع ويحفظ الحياة { فإن الله } - تعالى - { غفور } واسع ~~المغفرة لعبادة { رحيم } كثير الرحمة بهم. ثم نهى - سبحانه - عن القول ~~على الله - تعالى - بغير علم اتباعا للظن والأوهام، فقال { ولا ~~تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال ~~وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن ~~الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون... }. ### || [16.116-117] # قال الآلوسى ما ملخصه قوله { ولا تقولوا لما تصف ~~ألسنتكم الكذب.. } " ما " موصولة، والعائد محذوف، أى ولا ~~تقولوا - فى شأن الذى تصفه ألسنتكم من البهائم بالحل والحرمة - هذا حلال ~~وهذا حرام، من غير ترتب ذلك الوصف على ملاحظة وفكر، فضلا عن استناده إلى ~~وحى أو قياس مبنى عليه، بل مجرد قول باللسان. ولفظ " الكذب " منتصب على ~~أنه مفعول به ل { تقولوا } وقوله - سبحانه - { هذا حلال ~~وهذا حرام } بدل منه... والمعنى ولا تقولوا - أيها الجاهلون - ~~للشئ الكذب الذى تصفه ألسنتكم، وتحكيه وتنطق به بدون بينة أو برهان. هذا ~~الشئ حلال وهذا الشئ حرام. وقد حكى الله - تعالى - عن هؤلاء الجاهلين فى ~~آيات كثيرة، أنهم حللوا وحرموا أشياء من عند أنفسهم ومن ذلك قوله - تعالى ~~- # وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة ~~لذكورنا ومحرم على أزواجنا.. # وقوله - سبحانه - # قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق ~~فجعلتم منه حراما وحلالا قل ءآلله أذن لكم ~~أم على الله تفترون # قال صاحب الكشاف فإن قلت ما معنى وصف ألسنتهم الكذب؟ قلت هو من فصيح ~~الكلام وبليغه، جعل قولهم كأنه عين الكذب ومحضه. فإذا نطقت به ألسنتهم ~~فقد حلت الكذب بحليته، وصورته بصورته، كقولهم وجهها يصف الجمال، وعينها ~~تصف السحر... وقال بعض العلماء ما ملخصه ويصح أن يكون لفظ الكذب مفعولا ~~لتصف، وأن يكون قوله { هذا حلال وهذا حرام } مفعولا ~~لتقولوا. وعلى هذا الوجه يكون فى وصف ألسنتهم الكذب، مبالغة فى وصف ~~كلامهم بالكذب، حتى لكأن ماهية ms3131 الكذب كانت مجهولة، فكشفت عنها ألسنتهم ~~ووضحتها ووصفتها ونعتتها بالنعوت التى جلتها.. ومنه قول الشاعر # أضحت يمينك من جود مصورة لا، بل يمينك منها صور الجود # واللام فى قوله { لتفتروا على الله الكذب } هى لام ~~الصيرورة والعاقبة، أو هى - كما يقول صاحب الكشاف - من التعليل الذى لا ~~يتضمن معنى الغرض، لأن ما صدر عنهم من تحليل وتحريم دون أن يأذن به الله، ~~ليس الغرض منه افتراء الكذب فحسب، بل هناك أغراض أخرى، كظهورهم بمظهر ~~أولى العلم، وكحبهم للتباهى والتفاخر.. وقوله { تفتروا } من الافتراء وهو ~~أشنع أنواع الكذب، لأنه اختلاق للكذب الذى لا يستند إلى شئ من الواقع. أى ~~ولا تقولوا لما تحكيه ألسنتكم من أقوال وأحكام لا صحة لها، هذا حلال وهذا ~~حرام، لتنسبوا ذلك إلى الله - تعالى - كذبا وزورا. قال الإمام ابن كثير ~~ويدخل فى الآية كل من ابتدع بدعة، ليس له فيها مستند شرعى، أو حلل شيئا ~~مما حرم الله أو حرم شيئا مما أباح الله، بمجرد رأيه وتشهيه. # وقال الآلوسى وحاصل معنى الآية لا تسموا ما لم يأتكم حله ولا حرمته عن ~~الله - تعالى - ورسوله صلى الله عليه وسلم حلالا ولا حراما، فتكونوا ~~كاذبين على الله، لأن مدار الحل والحرمة ليس إلا حكمه - سبحانه -. ومن ~~هنا قال أبو نضرة لم أزل أخاف الفتيا منذ أن سمعت هذه الآية إلى يومى ~~هذا. وقال ابن العربى كره مالك وقوم أن يقول المفتى هذا حلال وهذا حرام ~~فى المسائل الاجتهادية. وإنما يقال ذلك فيما نص الله عليه. ويقال فى ~~المسائل الاجتهادية إنى أكره كذا وكذا ونحو ذلك. وقوله - سبحانه - { ~~إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون } ~~بيان لسوء عاقبتهم، وخيبة مسعاهم. أى إن الذين يختلقون الكذب وينسبونه ~~إلى الله - تعالى - لا يفوزون بمطلوب، ولا يفلحون فى الوصول إلى مأمول. ~~وقوله - تعالى - { متاع قليل } بيان لخسة ما يسعون للحصول إليه من منافع ~~الدنيا، وهو خبر لمبتدأ محذوف أى متاعهم فى الدنيا متاع قليل، لأنهم عما ~~قريب سيتركونه لغيرهم بعد رحيلهم ms3132 عن هذه الدنيا. ثم بين - سبحانه - سوء ~~مصيرهم فى الآخرة فقال { ولهم عذاب أليم } أى ولهم فى الآخرة ~~عذاب شديد الألم. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ # وقوله - تعالى - # ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب ~~النار وبئس المصير # ثم بين - سبحانه - بعد ذلك، أن ما حرمه على اليهود من طيبات، كان بسبب ~~ظلمهم وبغيهم، وأن رحمته - تعالى - تسع العصاة متى تابوا وأصلحوا، فقال - ~~تعالى - { وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا ~~عليك من قبل وما ظلمناهم ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون }. ### || [16.118-119] # قال ابن كثير - رحمه الله - لما ذكر - تعالى - أنه إنما حرم علينا ~~الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، وإنما أرخص فيه عند ~~الضرورة وفى ذلك توسعة لهذه الأمة التى يريد الله بها اليسر ولا يريد بها ~~العسر -، ذكر - سبحانه - بعد ذلك ما كان حرمه على اليهود فى شريعتهم قبل ~~أن ينسخها، وما كانوا فيه من الآصار والتضييق والأغلال والحرج، فقال { ~~وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من ~~قبل.. }. أى فى سورة الأنعام فى قوله # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن ~~البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهمآ إلا ما ~~حملت ظهورهما أو الحوايآ أو ما اختلط بعظم ~~ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون # والمعنى وعلى اليهود بصفة خاصة، دون غيرهم من الأمم، حرمنا بعض الطيبات ~~التى سبق أن بيناها لك فى هذا القرآن الكريم، وما كان تحريمنا إياها ~~عليهم إلا بسبب بغيهم وظلمهم. وفى الآية الكريمة إبطال لمزاعمهم، حيث ~~كانوا يقولون لسنا أول من حرمت عليه هذه الطيبات، وإنما كانت محرمة على ~~نوح وإبراهيم وغيرهما ممن جاء بعدهما. وقوله { من قبل } متعلق بحرمنا، أو ~~بقصصنا. وبذلك يتبين أن ما حرمه الله - تعالى - على الأمة الإسلامية، ~~كالميتة والدم ولحم الخنزير.. كان من باب الرحمة بها، والحرص على ~~مصلحتها.. أما ما حرمه - سبحانه - على اليهود، فقد كان بسبب بغيهم ~~وظلمهم. وقوله - تعالى - { وما ظلمناهم ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون } بيان لمظهر من ms3133 مظاهر عدل الله - تعالى - فى ~~معاملته لعباده. أى وما ظلمنا هؤلاء اليهود بتحريم بعض الطيبات عليهم، ~~ولكن هم الذين ظلموا أنفسهم، حيث تركوها تسير فى طريق الشيطان، ولم ~~يوقفوها عند حدود الله - تعالى -، فاستحقوا بسبب ذلك ما استحقوا من ~~عقوبات. وصدق الله إذ يقول # إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس ~~أنفسهم يظلمون # وقوله - سبحانه - { ثم إن ربك للذين عملوا السوء ~~بجهالة.. } بيان لسعة رحمته - سبحانه - بعباده، ورأفته بهم. والمراد ~~بالجهالة الجهل والسفه اللذان يحملان صاحبهما على ارتكاب ما لا يليق ~~بالعقلاء، وليس المراد بها عدم العلم. قال مجاهد كل من عصى الله - تعالى ~~- عمدا أو خطأ فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته. وقال ابن عطيه الجهالة هنا ~~بمعنى تعدى الطور، وركوب الرأس لا ضد العلم. ومنه ما جاء فى الخبر # " اللهم إنى أعوذ بك من أن أجهل، أو يجهل على ". # ومنه قول الشاعر # ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلين # والمعنى ثم إن ربك - أيها الرسول الكريم -، لكثير الغفران والرحمة ~~لأولئك الذين عملوا الأعمال السيئة، بدافع الجهل والسفه والطيش وعدم تدبر ~~العواقب، ثم إنهم بعد ذلك تابوا توبة صادقة عن تلك الأعمال السيئة، ولم ~~يكتفوا بذلك بل أصلحوا من شأن أنفسهم، حيث أوقفوها عند حدود الله - تعالى ~~- وأجبروها على تنفيذ أوامره، واجتناب نواهيه. قال الآلوسى والتقييد ~~بالجهالة قيل لبيان الواقع، لأن كل من يعمل السوء لا يعمله إلا بجهالة. ~~وقال العسكرى ليس المعنى أنه - تعالى - يغفر لمن يعمل السوء بجهالة، ولا ~~يغفر لمن عمله بدون جهالة، بل المراد أن جميع من تاب فهذه سبيله. وإنما ~~خص من يعمل السوء بجهالة، لأن أكثر من يأتى الذنوب يأتيها بقلة فكر فى ~~عاقبة الأمر، أو عند غلبة الشهوة، أو فى جهالة الشباب فذكر الأكثر على ~~عادة العرب فى مثل ذلك. واسم الاشارة فى قوله { ثم تابوا من ~~بعد ذلك وأصلحوا } يعود إلى الأعمال السيئة التى عملوها قبل ~~التوبة والإصلاح. أى ثم تابوا توبة صادقة من بعد أن عملوا ما ms3134 عملوا من ~~سيئات، وأصلحوا نفوسهم فهيأوها للسير على الطريق المستقيم. والضمير فى ~~قوله { إن ربك من بعدها } يعود إلى التوبة وما يصاحبها من ~~فعل للطاعات ومن اجتناب للسيئات. أى إن ربك - أيها الرسول الكريم - من ~~بعد هذه التوبة النصوح، لكثير المغفرة والرحمة للتائبين. والتعبير - بثم ~~- فى قوله { ثم إن ربك للذين... } وقوله {... ثم ~~تابوا من بعد ذلك } لبيان الفرق الشاسع بين رحمة الله - تعالى ~~- بعباده، وبين ما يصدر عن بعضهم من كفران وارتكاب للمعاصى، وبين المصرين ~~على فعل السوء، وبين التائبين عنه. وكرر - سبحانه - { إن ربك } مرتين فى ~~الآية الواحدة، لتأكيد الوعد وإظهار كمال العناية بإنجازه. وشبيه بهذه ~~الآية الكريمة قوله - تعالى - # إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء ~~بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب ~~الله عليهم وكان الله عليما حكيما # ثم مدح - سبحانه - خليله ابراهيم مدحا عظيما، وأنه بشره بالعطاء الذى ~~يسعده فى دنياه وآخرته، وأمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم باتباع ملة ~~أبيه إبراهيم، فقال - تعالى - { إن إبراهيم كان أمة ~~قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين }. ### || [16.120-124] # فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف خليله ابراهيم - عليه السلام - بجملة ~~من الصفات الفاضلة. والمناقب الحميدة. وصفه أولا - بأنه { كان أمة }. ~~ولفظ { أمة } يطلق فى اللغة بإطلاقات متعددة، منها الجماعة، كما فى قوله ~~- تعالى - # ولما ورد مآء مدين وجد عليه أمة من الناس ~~يسقون # أى جماعة من الناس... ومنها الدين والملة، كما فى قوله - تعالى - { ~~إنا وجدنآ آبآءنا على أمة.. } أى على دين وملة. ومنها ~~الحين والزمان كما فى قوله - سبحانه - # ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة # أى إلى زمان معين. والمراد بقوله - سبحانه - { إن إبراهيم كان ~~أمة.. } أى كان عنده من الخير ما كان عند أمة، أى جماعة كثيرة من ~~الناس، وهذا التفسير مروى عن ابن عباس. وقال مجاهد سمى - عليه السلام - ~~أمة لانفراده بالإيمان فى وقته مدة ما. وفى صحيح البخارى أنه قال لزوجته ~~سارة ليس على الأرض اليوم مؤمن غيرى وغيرك. ويصح أن ms3135 يكون المراد بقوله - ~~تعالى - { إن إبراهيم كان أمة.. } أى كان إماما يقتدى به ~~فى وجوه الطاعات. وفى ألوان الخيرات، وفى الأعمال الصالحات، وفى إرشاد ~~الناس إلى أنواع البر، قال - تعالى - # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ~~قال إني جاعلك للناس إماما.. # ووصفه ثانيا - بأنه كان { قانتا لله } أى مطيعا لله، خاضعا لأوامره ~~ونواهيه، من القنوت وهو الطاعة مع الخضوع. ووصفه - ثالثا - بأنه كان، ~~حنيفا، أى مائلا عن الأديان الباطلة إلى الدين الحق. من الحنف بمعنى ~~الميل والاعوجاج، يقال فلان برجله حنف أى اعوجاج وميل. ومنه قول أم ~~الأحنف بن قيس وهى تداعبه # والله لولا حنف برجله ما كان فى فتيانكم من مثله # ووصفه - رابعا - بأنه منزه عن الإشراك بالله - تعالى - فقال { ولم ~~يك من المشركين }. أى ولم يكن ابراهيم - عليه السلام - من ~~الذين أشركوا مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة أو الطاعة، أو فى ~~أى من الأمور، بل أخلص عبادته لخالقه - عز وجل -. وقال - كما حكى القرآن ~~عنه - # إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ~~حنيفا ومآ أنا من المشركين # ووصفه - خامسا - بقوله - سبحانه - { شاكرا لأنعمه } أى معترفا بفضل الله ~~- تعالى - عليه، ومستعملا نعمه فيما خلقت له، ومؤديا حقوق خالقه فيها. ~~قال - تعالى - # وإبراهيم الذي وفى # أى قام بأداء جميع ما كلفه الله به. وبعد أن مدح - سبحانه - إبراهيم ~~بتلك الصفات الجامعة لمجامع الخير، أتبع ذلك ببيان فضله - تعالى - عليه ~~فقال { اجتباه } أى اختاره واصطفاه للنبوة. # من الاجتباء بمعنى الاصطفاء والاختيار. واجتباء الله - تعالى - لعبده ~~معناه اختصاصه ذلك العبد بخصائص ومزايا يحصل له عن طريقها أنواع من النعم ~~بدون كسب منه. { وهداه إلى صراط مستقيم } أى وأرشده إلى ~~الطريق القويم، الذى دعا الصالحون ربهم أن يرشدهم إليه، حيث قالوا فى ~~تضرعهم # اهدنا الصراط المستقيم # وهو طريق الإسلام. { وآتيناه في الدنيا حسنة } أى ~~وجمعنا له خير الدنيا من كل ما يحتاج المؤمن إليه ليحيا حياة طيبة، ~~كهدايته إلى الدين الحق، ومنحه نعمة النبوة، وإعطائه الذرية الصالحة، ~~والسيرة الحسنة، والمال الوفير. ms3136 وقد أشار القرآن الكريم إلى جانب من هذه ~~النعم، كما فى قوله - تعالى - # واجعل لي لسان صدق في الآخرين # وكما فى قوله - تعالى - # فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا ~~له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا.. # { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } أى وإنه فى الدار ~~الآخرة لمندرج فى عباد الله الصالحين، الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه، ~~والذين كانت لهم جنات الفردوس نزلا. ثم ختم - سبحانه - هذه النعم التى ~~منحها لخليله إبراهيم، بأمر نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يتبع ملة ~~إبراهيم - عليه السلام - فقال - تعالى - { ثم أوحينآ إليك ~~أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من ~~المشركين }. والمراد بملة إبراهيم شريعته التى أمره الله - تعالى - ~~باتباعها فى عقيدته وعبادته ومعاملاته، وهى شريعة الإسلام، التى عبر ~~عنها آنفا بالصراط المستقيم فى قوله - تعالى - { اجتباه وهداه ~~إلى صراط مستقيم }. والمراد باتباع الرسول صلى الله عليه ~~وسلم له فى ذلك الاقتداء به فى التوحيد وفى أصول الدين، الثابتة فى كل ~~الشرائع، لا الفروع الشرعية التى تختلف من شريعة إلى أخرى، بحسب المصالح ~~التى يريدها الله - تعالى - لعباده. أى ثم أوحينا إليك - أيها الرسول ~~الكريم - بأن تتبع فى عقيدتك وشريعتك { ملة إبراهيم حنيفا } ~~أى شريعته التى هى شريعة الإسلام. قال صاحب الكشاف قوله - تعالى - { ~~ثم أوحينآ إليك.. } فى " ثم " هذه ما فيها من تعظيم منزلة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإجلال محله، والإيذان بأن أشرف ما أوتى ~~خليل الله إبراهيم من الكرامة، وأجل ما أوتى من النعمة، اتباع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لملته، من جهة أنها دلت على تباعد هذا النعت فى ~~المرتبة، من بين سائر النعوت التى أثنى الله عليه بها. وقال القرطبى وفى ~~هذه الآية دليل على جواز اتباع الأفضل للمفضول فيما يؤدى إلى الصواب، ولا ~~درك على الفاضل فى هذا، فإن النبى صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء، وقد ~~أمر بالاقتداء بهم، قال - تعالى - # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده.. # وقال - سبحانه - هنا { ثم أوحينآ ms3137 إليك أن اتبع ~~ملة إبراهيم حنيفا.. }. وقوله { حنيفا } حال من إبراهيم، أى ~~من المضاف إليه، وصح ذلك لأن المضاف هنا وهو { ملة } كالجزء من المضاف ~~إليه وهو إبراهيم من حيث صحة الاستغناء بالثانى عن الأول، لأن قولك أن ~~اتبع إبراهيم حنيفا كلام تام.. وقد أشار ابن مالك - رحمه الله - إلى هذا ~~المعنى بقوله # ولا تجز حالا من المضاف له إلا إذا اقتضى المضاف عمله أو كان جزء ~~ماله أضيفا أو مثل جزئه فلا تحيفا # وقوله - سبحانه - { وما كان من المشركين } تنزيه لإبراهيم ~~- عليه السلام - عن أى لون من ألوان الإشراك بالله - تعالى -. أى وما ~~كان إبراهيم - عليه السلام - من المشركين مع الله - تعالى - آلهة أخرى لا ~~فى عقيدته ولا فى عبادته ولا فى أى شأن من شئونه. وفى ذلك رد على ~~المشركين الذين زعموا أنهم على ملة ابراهيم، ورد - أيضا - على اليهود ~~والنصارى الذين زعموا أن إبراهيم - عليه السلام - كان على ملتهم. قال - ~~تعالى - # ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان ~~حنيفا مسلما وما كان من المشركين # وبعد أن بين - سبحانه - حقيقة عقيدة إبراهيم، ومدحه بجملة من الصفات ~~الجليلة، وبين جانبا من مظاهر فضله - سبحانه - عليه، أتبع ذلك ببيان أن ~~تحريم العمل فى يوم السبت أمر خاص باليهود، ولا علاقة له بشريعة إبراهيم ~~أو بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم فقال - تعالى - { إنما جعل ~~السبت على الذين اختلفوا فيه... }. والمراد بالسبت ~~اليوم المسمى بهذا الاسم، وأصله - كما يقول ابن جرير - الهدوء والسكوت فى ~~راحة ودعة، ولذلك قيل للنائم مسبوت لهدوئه وسكون جسده واستراحته، كما قال ~~- جل ثناؤه - # وجعلنا نومكم سباتا # أى راحة لأبدانكم... والكلام على حذف مضاف، والمعنى إنما جعل تعظيم يوم ~~السبت، والتخلى فيه للعبادة، { على الذين اختلفوا فيه } ~~وهم اليهود، حيث أمرهم نبيهم موسى - عليه السلام - بتعظيم يوم الجمعة، ~~فخالفوه واختاروا السبت. قال الجمل ما ملخصه قوله - سبحانه - { على ~~الذين اختلفوا فيه } أى خالفوا نبيهم، حيث أمرهم أن يعظموا ~~يوم الجمعة بالتفرغ للعبادة فيه، وشدد عليهم بتحريم ms3138 الاصطياد فيه، فليس ~~المراد بالاختلاف أن بعضهم رضى، وبعضهم لم يرض، بل المراد به امتناع ~~الجميع - حيث قالوا لا نريد يوم الجمعة، واختاروا السبت. ثم قال وفى معنى ~~الآية قول آخر. قال قتادة إن الذين اختلفوا فيه هم اليهود، حيث استحله ~~بعضهم وحرمه بعضهم، فعلى هذا القول يكون معنى قوله { إنما جعل ~~السبت. # . }. أى وبال يوم السبت ولعنته { على الذين اختلفوا فيه } ~~، وهم اليهود، حيث استحله بعضهم فاصطادوا فيه، فعذبوا ومسخوا.. وثبت ~~بعضهم على تحريمه فلم يصطد فيه، فلم يعذبوا.. والقول الأول أقرب إلى ~~الصحة. وقال الإمام ابن كثير وقد ثبت فى الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال # " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم - أى أهل الكتاب - أوتوا ~~الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذى فرض الله عليهم - أى يوم الجمعة - ~~فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا والنصارى ~~بعد غد ". # ثم بين - سبحانه - حكمه العادل فيهم فقال { وإن ربك ليحكم ~~بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون }. ~~أى وإن ربك - أيها الرسول الكريم - ليحكم بين هؤلاء المختلفين يوم ~~القيامة، بأن ينزل بهم العقوبة التى يستحقونها بسبب مخالفتهم لنبيهم، ~~وإعراضهم عن طاعته فيما أمرهم به من تعظيم يوم الجمعة. ويصح أن يكون ~~المعنى وإن ربك ليحكم بحكمه العادل بين هؤلاء اليهود الذين اختلفوا فى ~~شأن يوم السبت، حيث استحله بعضهم، وحرمه البعض الآخر، فيجازى كل فريق بما ~~يستحقه من ثواب أو عقاب. وبذلك نرى الآيات الكريمة قد مدحت إبراهيم - ~~عليه السلام - مدحا عظيما، وذكرت جانبا من المآثر التى أكرمه الله - ~~تعالى - بها، وبرأته مما ألصقه به المشركون وأهل الكتاب من تهم باطلة، ~~ودعاوى كاذبة. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتلك الآيات الجامعة ~~لآداب الدعوة إلى الله، والهادية إلى مكارم الأخلاق، فقال - تعالى - { ~~ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ~~وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ~~ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين }. ### || [16.125-128] # والخطاب فى قوله - تعالى ms3139 - { ادع إلى سبيل ربك ~~بالحكمة } للرسول صلى الله عليه وسلم ويدخل فيه كل مسلم يصلح ~~للدعوة إلى الله - عز وجل -. أى ادع - أيها الرسول الكريم - الناس إلى ~~سبيل ربك أى إلى دين ربك وشريعته التى هى شريعة الإسلام { بالحكمة } أى ~~بالقول المحكم الصحيح الموضح للحق، المزيل للباطل، الواقع فى النفس أجمل ~~موقع. وحذف - سبحانه - مفعول الفعل { ادع } للدلالة على التعميم، أى، ادع ~~كل من هو أهل للدعوة إلى سبيل ربك. وأضاف - سبحانه - السبيل إليه. ~~للإشارة إلى أنه الطريق الحق، الذى من سار فيه سعد وفاز، ومن انحرف عنه ~~شقى وخسر. وقوله - تعالى - { والموعظة الحسنة } وسيلة ثانية للدعوة إلى ~~الله - تعالى - أى وادعهم - أيضا - إلى سبيل ربك بالأقوال المشتملة على ~~العظات والعبر التى ترقق القلوب، وتهذب النفوس، وتقنعهم بصحة ما تدعوهم ~~إليه، وترغبهم فى الطاعة لله - تعالى - وترهبهم من معصيته - عز وجل - ~~وقوله - تعالى - { وجادلهم بالتي هي أحسن } بيان لوسيلة ~~ثالثة من وسائل الدعوة السليمة. أى وجادل المعاند منهم بالطريقة التى هى ~~أحسن الطرق وأجملها، بأن تكون مجادلتك لهم مبنية على حسن الإقناع، وعلى ~~الرفق واللين وسعة الصدر فإن ذلك أبلغ فى إطفاء نار غضبهم، وفى التقليل ~~من عنادهم، وفى إصلاح شأن أنفسهم، وفى إيمانهم بأنك إنما تريد من وراء ~~مجادلتهم، الوصول إلى الحق دون أى شئ سواه. وبذلك نرى الآية الكريمة قد ~~رسمت أقوم طرق الدعوة إلى الله - تعالى - وعينت أحكم وسائلها، وأنجعها فى ~~هداية النفوس. إنها تأمر الدعاة فى كل زمان ومكان أن تكون دعوتهم إلى ~~سبيل الله لا إلى سبيل غيره إلى طريق الحق لا طريق الباطل، وإنها تأمرهم ~~- أيضا - أن يراعوا فى دعوتهم أحوال الناس، وطباعهم، وسعة مداركهم، وظروف ~~حياتهم، وتفاوت ثقافاتهم. وأن يخاطبوا كل طائفة بالقدر الذى تسعه عقولهم، ~~وبالأسلوب الذى يؤثر فى نفوسهم، وبالطريقة التى ترضى قلوبهم وعواطفهم. ~~فمن لم يقنعه القول المحكم، قد تقنعه الموعظة الحسنة، ومن لم تقنعه ~~الموعظة الحسنة. قد يقنعه الجدال بالتى هى أحسن. ولذلك كان من الواجب على ~~الدعاة إلى ms3140 الحق، أن يتزودوا بجانب ثقافتهم الدينية الأصيلة الواسعة - ~~بالكثير من ألوان العلوم الأخرى كعلوم النفس والاجتماع والتاريخ، وطبائع ~~الأفراد والأمم.. فإنه ليس شئ أنجع فى الدعوة من معرفة طبائع الناس ~~وميولهم، وتغذية هذه الطبائع والميول بما يشبعها من الزاد النافع، وبما ~~يجعلها تقبل على فعل الخير، وتدبر عن فعل الشر. وكما أن أمراض الأجسام ~~مختلفة، ووسائل علاجها مختلفة - أيضا -، فكذلك أمراض النفوس متنوعة، ~~ووسائل علاجها متباينة. # فمن الناس من يكون علاجه بالمقالة المحكمة ومنهم من يكون علاجه بالعبارة ~~الرقيقة الرفيقة التى تهز المشاعر، وتثير الوجدان، ومنهم من يكون علاجه ~~بالمحاورة والمناقشة والمناظرة والمجادلة بالتى هى أحسن، لأن النفس ~~الإنسانية لها كبرياؤها وعنادها، وقلما تتراجع عن الرأى الذى آمنت به. ~~إلا بالمجادلة بالتى هى أحسن. والحق أن الدعاة إلى الله - تعالى - إذا ~~فقهوا هذه الحقائق فتسلحوا بسلاح الإيمان والعلم، وأخلصوا لله - تعالى - ~~القول والعمل، وفطنوا إلى أنجع الأساليب فى الدعوة إلى الله، وخاطبوا ~~الناس على قدر عقولهم واستعدادهم.. نجحوا فى دعوتهم، وذلك فضل الله يؤتيه ~~من يشاء. قال الآلوسى وإنما تفاوتت طرق دعوته صلى الله عليه وسلم لتفاوت ~~مراتب الناس، فمنهم خواص، وهم أصحاب نفوس مشرقة، قوية الاستعداد لإدراك ~~المعانى، مائلة إلى تحصيل اليقين على اختلاف مراتبه، وهؤلاء يدعون ~~بالحكمة. ومنهم عوام، أصحاب نفوس كدرة ضعيفة الاستعداد، شديدة الإلف ~~بالمحسوسات، قوية التعلق بالرسوم والعادات، قاصرة عن درجة البرهان، لكن ~~لا عناد عندهم، وهؤلاء يدعون بالموعظة الحسنة. ومنهم من يعاند ويجادل ~~بالباطل ليدحض به الحق، لما غلب عليه من تقليد الأسلاف، ورسخ فيه من ~~العقائد الباطلة، فصار بحيث لا تنفعه المواعظ والعبر، بل لا بد من إلقامه ~~الحجر بأحسن طرق الجدال، لتلين عريكته، وتزول شكيمته، وهؤلاء الذين أمر ~~صلى الله عليه وسلم بجدالهم بالتى هى أحسن. وقوله - سبحانه - { إن ~~ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم ~~بالمهتدين } بيان لكمال علم الله - تعالى - وإحاطته بكل شئ، ~~وإرشاد للدعاة فى شخص نبيهم صلى الله عليه وسلم إلى أن عليهم أن يدعوا ~~الناس ms3141 بالطريقة التى بينها - سبحانه - لهم، ثم يتركوا النتائج له - تعالى ~~- يسيرها كيف يشاء. والظاهر أن صيغة التفضيل { أعلم } فى هذه الآية ~~وأمثالها، المراد بها مطلق الوصف لا المفاضلة، لأن الله - تعالى - لا ~~يشاركه أحد فى علم أحوال خلقه، من شقاوة وسعادة، وهداية وضلال. والمعنى ~~إن ربك - أيها الرسول الكريم - هو وحده العليم بمن ضل من خلقه عن صراطه ~~المستقيم، وهو وحده العليم بالمهتدين منهم إلى السبيل الحق وسيجازى كل ~~فريق منهم بما يستحقه من ثواب أو عقاب. وما دام الأمر كذلك، فعليك - أيها ~~الرسول الكريم - أن تسلك فى دعوتك إلى سبيل ربك، الطرق التى أرشدك إليها، ~~من الحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتى هى أحسن، ومن كان فيه خير - ~~كما يقول صاحب الكشاف - كفاه الوعظ القليل، والنصيحة اليسيرة، ومن لا خير ~~فيه عجزت عنه الحيل، وكأنك تضرب منه فى حديد بارد. # وبعد أن بين - سبحانه - أنجع أساليب الدعوة إلى سبيله فى حالة المسالمة ~~والمجادلة بالحجة والبرهان، أتبع ذلك ببيان ما ينبغى على المسلم أن يفعله ~~فى حالة الاعتداء عليه أو على دعوته فقال - تعالى - { وإن عاقبتم ~~فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به... }. أى وإن أردتم معاقبة ~~من ظلمكم واعتدى عليك، فعاقبوه بمثل ما فعله بكم، ولا تزيدوا على ذلك، ~~فإن الزيادة حيف يبغضه الله - تعالى -. ثم أرشدهم - سبحانه - إلى ما هو ~~أسمى من مقابلة الشر بمثله فقال { ولئن صبرتم لهو خير ~~للصابرين }. والضمير فى قوله { لهو } يعود إلى المصدر فى قوله { ~~صبرتم } ، والمصدر إما أن يراد به الجنس فيكون المعنى ولئن صبرتم فالصبر ~~خير للصابرين، وأنتم منهم. وإما أن يراد به صبرهم الخاص فيكون المعنى ~~ولئن صبرتم عن المعاقبة بالمثل، لصبركم خير لكم، فوضع - سبحانه - ~~الصابرين موضع لكم على سبيل المدح لهم، والثناء عليهم بصفة الصبر. هذا، ~~وقد ذكر جمع من المفسرين أن هذه الآية الكريمة نزلت فى أعقاب غزوة أحد، ~~بعد أن مثل المشركون بحمزة - رضى الله عنه -. قال الإمام ابن كثير ما ~~ملخصه روى الحافظ البزار عن أبى هريرة - رضى ms3142 الله عنه - # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة بن عبد المطلب حين ~~استشهد. فنظر الى منظر لم ينظر أوجع للقلب منه. وقد مثل المشركون به. ~~فقال صلى الله عليه وسلم رحمة الله عليك، لقد كنت وصولا للرحم، فعولا ~~للخيرات. والله لولا حزن من بعدك عليك لسرنى أن أتركك حتى يحشرك الله من ~~بطون السباع. أما والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك. فنزلت هذه الآية. فكفر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يمينه ". # ثم قال ابن كثير بعد روايته لهذا الحديث وهذا إسناد فيه ضعف لأن أحد ~~رواته وهو " صالح بن بشير المرى " ضعيف عند الأئمة. وقال البخارى هو منكر ~~الحديث. ثم قال ابن كثير - رحمه الله - وروى عبد الله بن الإمام أحمد فى ~~مسند أبيه عن أبى بن كعب، قال # " لما كان يوم أحد قتل من الأنصار ستون رجلا، ومن المهاجرين ستة، فقال ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن كان لنا يوم مثل هذا اليوم من ~~المشركين لنمثلن بهم، فلما كان يوم الفتح قال رجل لا تعرف قريش بعد ~~اليوم. فنادى مناد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمن الأبيض ~~والأسود إلا فلانا وفلانا - ناسا سماهم -، فنزلت الآية. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم " نصبر ولا نعاقب ". # والذى نراه أن الآية الكريمة - حتى ولو كان سبب نزولها ما ذكر - إلا أن ~~التوجيهات التى اشتملت عليها صالحة لكل زمان ومكان، لأن العبرة بعموم ~~اللفظ لا بخصوص السبب، وعلى رأس هذه التوجيهات السامية التى اشتملت عليها ~~دعوة المسلمين الى التزام العدالة فى أحكامهم، وحضهم على الصبر والصفح ما ~~دام ذلك لا يضر بمصلحتهم ومصلحة الدعوة الإسلامية. # وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله - تعالى - # وجزآء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح ~~فأجره على الله... # ثم أمر - سبحانه - بالصبر أمرا صريحا، بعد أن بين حسن عاقبته فقال { ~~واصبر وما صبرك إلا بالله... }. أى واصبر - أيها الرسول ~~الكريم - على أذى قومك، وما صبرك فى حال من الأحوال ms3143 بمؤت ثماره المرجوة ~~منه إلا بتوفيق الله - تعالى - لك، وبتثبيته إياك، وما دام الأمر كذلك ~~فالجأ إليه وحده، واستعن به - سبحانه - فى كل أمورك، فالاستثناء مفرغ من ~~أعم الأحوال. ثم نهاه - سبحانه - عن الحزن بسبب كفر الكافرين، فإن ~~الهداية والإضلال بقدرة الله وحده فقال - تعالى - { ولا تحزن ~~عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون }. أى ولا تحزن ~~بسبب كفر الكافرين، وإصرارهم على ذلك، وإعراضهم عن دعوتك، ولا يضق صدرك ~~بمكرهم، فإن الله - تعالى - ناصرك عليهم، ومنجيك من شرورهم. وقوله - ~~تعالى - { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم ~~محسنون } تعليل لم سبق من أمره بالصبر، ومن نهيه عن الحزن وضيق ~~الصدر. أى إن الله - تعالى - بمعونته وتأييده مع الذين اتقوه فى كل ~~أحوالهم، وصانوا أنفسهم عن كل ما لا يرضاه. ومع الذين يحسنون القول ~~والعلم، بأن يؤدوهما بالطريقة التى أمر الإسلام بها، ومن كان الله - ~~تعالى - معه، سعد فى دنياه وفى أخراه. وقد قيل لبعض الصالحين وهو يحتضر ~~أوص. فقال إنما الوصية من المال. ولا مال لى، ولكنى أوصيكم بالعمل ~~بخواتيم سورة النحل. ### | [17 - سورة الإسراء] ### || [17.1] # افتتحت سورة الإسراء بتنزيه الله - تعالى - عن كل ما لا يليق بجلاله، ~~كما يدل على ذلك لفظ " سبحان " الذى من أحسن وجوه إعرابه، أنه اسم مصدر ~~منصوب - على أنه مفعول مطلق - بفعل محذوف، والتقدير سبحت الله - تعالى - ~~سبحانا أى تسبيحا، بمعنى نزهته تنزيها عن كل سوء. قال القرطبى # " وقد روى طلحة بن عبيد الله الفياض أحد العشرة - أى المبشرين بالجنة - ~~أنه قال للنبى صلى الله عليه وسلم ما معنى سبحان الله؟ فقال " تنزيه الله ~~من كل سوء ". # وقوله { أسرى } من الإسراء، وهو السير بالليل خاصة. قال الجمل يقال ~~أسرى وسرى، بمعنى سار فى الليل، وهما لازمان، لكن مصدر الأول الإسراء ~~ومصدر الثانى السرى - بضم السين كالهدى - فالهمزة ليست للتعدية إلى ~~المفعول، وإنما جاءت التعدية هنا من الباء. ومعنى أسرى به، صيره ساريا فى ~~الليل. والمراد { بعبده } خاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم، ~~والإضافة ms3144 للتشريف والتكريم. وأوثر التعبير بلفظ العبد، للدلالة على أن ~~مقام العبودية لله - تعالى - هو أشرف صفات المخلوقين وأعظمها وأجلها، إذ ~~لو كان هناك وصف أعظم منه فى هذا المقام لعبر به، وللإشارة - أيضا - إلى ~~تقرير هذه العبودية لله - تعالى - وتأكيدها، حتى لا يلتبس مقام العبودية ~~بمقام الألوهية، كما التبسا فى العقائد المسيحية، حيث ألهوا عيسى - عليه ~~السلام -، وألهوا أمه مريم، مع أنهما بريئان من ذلك.. قال الشيخ ~~القاسمى نقلا عن الإمام ابن القيم فى كتاب " طريق الهجرتين " أكمل الخلق ~~أكملهم عبودية لله - تعالى -، ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم أقرب ~~الخلق إلى الله - تعالى - وأعظمهم عنده جاها، وأرفعهم عنده منزلة، لكماله ~~فى مقام العبودية. وكان صلى الله عليه وسلم يقول # " أيها الناس ما أحب أن ترفعونى فوق منزلتى. إنما أنا عبد " # وكان يقول # " لا تطرونى كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد ~~الله ورسوله ". # وذكره - سبحانه - بسمة العبودية فى أشرف مقاماته فى مقام الإسراء حيث ~~قال { سبحان الذي أسرى بعبده }. وفى مقام الدعوة حيث قال # وأنه لما قام عبد الله يدعوه # وفى مقام التحدى حيث قال # وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا # وقوله { ليلا } ظرف زمان لأسرى. قال صاحب الكشاف " فإن قلت الإسراء لا ~~يكون إلا بالليل فما معنى ذكر الليل؟. قلت أراد بقوله ليلا بلفظ التنكير، ~~تقليل مدة الإسراء، وأنه أسرى به بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة ~~أربعين ليلة، وذلك أن التنكير فيه قد دل على معنى البعضية. # .. ". وقوله { من المسجد الحرام إلى المسجد ~~الأقصى } بيان لابتداء الإسراء وانتهائه. أى جل شأن الله - عز وجل - ~~وتنزه عن كل نقص، حيث أسرى بعبده محمد صلى الله عليه وسلم فى جزء من ~~الليل، من المسجد الحرام الذى بمكة إلى المسجد الأقصى الذى بفلسطين. ووصف ~~مسجد مكة بالحرام، لأنه لا يحل انتهاكه بقتال فيه، ولا بصيد صيده، ولا ~~بقطع شجره. ووصف مسجد فلسطين بالأقصى، لبعده عن المسجد الحرام، إذ ~~المسافة بينهما كان يقطعها ms3145 الراكب للإبل فى مدة شهر أو أكثر. قال ~~الآلوسى ووصفه بالأقصى - أى الأبعد - بالنسبة إلى من بالحجاز. وقال غير ~~واحد إنه سمى به لأنه أبعد المساجد التى تزار من المسجد الحرام وبينهما ~~زهاء أربعين ليلة. وقيل - وصف بذلك - لأنه ليس وراءه موضع عبادة فهو أبعد ~~مواضعها... وظاهر الآية يفيد أن الإسراء كان من المسجد الحرام، فقد أخرج ~~الشيخان والترمذى والنسائى من حديث أنس بن مالك - رضى الله عنه - أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال # " بينا أنا فى الحجر - وفى رواية - فى الحطيم، بين النائم واليقظان، إذ ~~أتانى آت فشق ما بين هذه إلى هذه، فاستخرج قلبى فغسله ثم أعيد، ثم أتيت ~~بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض يقال له البراق فحملت عليه ". # وقيل أسرى به من بيت أم هانئ بنت أبى طالب، فيكون المراد بالمسجد ~~الحرام الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به. فعن ابن عباس - رضى الله ~~عنهما - الحرم كله مسجد. ويمكن الجمع بين هذه الروايات، بأن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بقى فى بيت أم هانئ لفترة من الليل، ثم ترك فراشه عندها ~~وذهب إلى المسجد، فلما كان فى الحجر أو فى الحطيم بين النائم واليقظان، ~~أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السماوات ~~العلا. ثم عاد إلى فراشه قبل أن يبرد - كما جاء فى بعض الروايات. وبذلك ~~يترجح لدينا أن وجود الرسول صلى الله عليه وسلم فى تلك الليلة فى بيت أم ~~هانئ، لا ينفى أن الإسراء بدأ من المسجد الحرام، كما تقرر الآية ~~الكريمة. وقوله { الذي باركنا حوله } صفة مدح للمسجد الأقصى. ~~أى جل شأن الله الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد ~~الأقصى، الذى أحطنا جوانبه بالبركات الدينية والدنيوية. أما البركات ~~الدينية فمن مظاهرها أن هذه الأرض التى حوله، جعلها الله - تعالى - مقرا ~~لكثير من الأنبياء، كإبراهيم وإسحاق ويعقوب، وداود وسليمان، وزكريا ويحيى ~~وعيسى. قال - تعالى - # ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض ~~التي باركنا فيها.. # وقال - سبحانه ms3146 - فى شأن إبراهيم # ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها ~~للعالمين # والمقصود بهذه الأرض أرض الشام، التى منها فلسطين. وأما البركات ~~الدنيوية فمن مظاهرها كثرة الأنهار والأشجار والثمار والزروع فى تلك ~~الأماكن. قال بعض العلماء وقد قيل فى خصائص المسجد الأقصى أنه متعبد ~~الأنبياء السابقين، ومسرى خاتم النبيين، ومعراجه إلى السماوات العلا.. ~~وأولى القبلتين وثاني المسجدين، وثالث الحرمين، لا تشد الرحال بعد ~~المسجدين إلا إليه. وقوله - سبحانه - { لنريه من آياتنآ } ~~إشارة الى الحكمة التى من أجلها أسرى الله - تعالى - بنبيه صلى الله عليه ~~وسلم فقوله { لنريه } متعلق بأسرى. و " من " للتبعيض لأن ما رآه النبى ~~صلى الله عليه وسلم وإن كان عظيما إلا أنه مع عظمته بعض آيات الله ~~بالنسبة لما اشتمل عليه هذا الكون من عجائب. أى أسرينا بعبدنا محمد ليلا ~~من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذى باركنا حوله، ثم عرجنا به إلى ~~السماوات العلا، لنطلعه على آياتنا، وعلى عجائب قدرتنا، والتى من بينها ~~مشاهدته لأنبيائنا الكرام، ورؤيته لما نريد أن يراه من عجائب وغرائب هذا ~~الكون. ولقد وردت أحاديث متعددة فى بيان ما أراه الله - تعالى - لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم فى تلك الليلة المباركة، ومن ذلك ما رواه البخارى عن ~~أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # "... ووجدت فى السماء الدنيا آدم فقال لى جبريل هذا أبوك آدم فسلم عليه ~~فسلمت عليه ورد على آدم السلام فقال مرحبا وأهلا بابنى، فنعم الابن أنت.. ~~". # وفى رواية للإمام أحمد عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لما عرج بى ربى - عز وجل - مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون ~~وجوههم وصدورهم، فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال هؤلاء الذين يأكلون لحوم ~~الناس، ويقعون فى أعراضهم.. ". # ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على سعة علمه، ومزيد فضله فقال ~~- تعالى - { إنه هو السميع البصير }. أى إنه - سبحانه - هو ~~السميع لأقوال عباده مؤمنهم وكافرهم، مصدقهم ومكذبهم. بصير بما يسرونه ~~ويعلنونه، وسيجازى كل إنسان ms3147 بما يستحقه من ثواب أو عقاب، بدون ظلم أو ~~محاباة. هذا وقد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآية جملة من المسائل ~~منها 1- أن هذه الآية دلت على ثبوت الإسراء للنبى صلى الله عليه وسلم من ~~المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وأما العروج به صلى الله عليه وسلم إلى ~~السماوات العلا فقد استدل عليه بعضهم بآيات سورة النجم، وهى قوله - تعالى ~~- # والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ~~ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه ~~شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ~~ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ~~فأوحى إلى عبده مآ أوحى ما كذب الفؤاد ما ~~رأى أفتمارونه على ما يرى # وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية أحاديث كثيرة بأسانيدها ~~ومتونها، وقال فى أعقاب ذكر بعضها قال البيهقى وفى هذا السياق دليل على ~~أن المعراج كان ليلة أسرى به - عليه الصلاة والسلام - من مكة إلى بيت ~~المقدس، وهذا الذى قاله هو الحق الذى لا شك فيه ولا مرية. وقال القرطبى ~~ثبت الإسراء فى جميع مصنفات الحديث، وروى عن الصحابة فى كل أقطار ~~الإسلام، فهو من المتواتر بهذا الوجه، وذكر النقاش ممن رواه عشرين ~~صحابيا. 2- قال بعض العلماء ما ملخصه ذهب الاكثرون إلى أن الإسراء كان ~~بعد المبعث، وأنه قبل الهجرة بسنة. قاله الزهرى وابن سعد وغيرهما. وبه ~~جزم النووى، وبالغ ابن حزم فنقل الإجماع فيه. وقال كان فى رجب سنة اثنتى ~~عشرة من النبوة. وإختار الحافظ المقدسى أنه كان فى ليلة السابع والعشرين ~~من شهر رجب. والذى تطمئن إليه النفس أن حادث الإسراء والمعراج، كان بعد ~~وفاة أبى طالب والسيدة خديجة - رضى الله عنها -. ووفاتهما كانت قبل ~~الهجرة بسنتين أو ثلاثة. وفى هذه الفترات التى أعقبت وفاتهما اشتد أذى ~~المشركين بالنبى صلى الله عليه وسلم فكان هذا الحادث لتسليته صلى الله ~~عليه وسلم عما أصابه منهم، ولتشريفه وتكريمه.. 3- من المسائل التى ثار ~~الجدل حولها، مسألة أكان الإسراء والمعراج فى اليقظة ms3148 أم فى المنام؟ ~~وبالروح والجسد أم بالروح فقط؟. وقد لخص بعض المفسرين أقوال العلماء فى ~~هذه المسألة فقال اعلم أن هذا الإسراء به صلى الله عليه وسلم المذكور فى ~~هذه الآية الكريمة زعم بعض أهل العلم أنه بروحه دون جسده، زاعما أنه فى ~~المنام لا فى اليقظة، لأن رؤيا الأنبياء وحى. وزعم بعضهم أن الإسراء ~~بالجسد، والمعراج بالروح دون الجسد. ولكن ظاهر القرآن يدل على أنه بروحه ~~وجسده صلى الله عليه وسلم يقظة لا مناما، لأنه قال { بعبده } والعبد ~~مجموع الروح والجسد. ولأنه قال { سبحان } والتسبيح إنما يكون عند الأمور ~~العظام، فلو كان مناما لم يكن له كبير شأن حتى يتعجب منه. ولأنه لو كان ~~رؤيا منام لما كان فتنة، ولا سببا لتكذيب قريش له صلى الله عليه وسلم لأن ~~رؤيا المنام ليست محل إنكار لأن المنام قد يرى فيه ما لا يصح. ولأنه - ~~سبحانه - قال { لنريه من آياتنآ } والظاهر أن ما أراه الله - ~~تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم إنما كان رؤيا عن طريق العين ويؤيده ~~قوله - تعالى - { ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من ~~آيات ربه الكبرى } ولأنه ثبت فى الأحاديث الصحيحة أن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم قد استعمل فى رحلته البراق، واستعماله البراق يدل على ~~أن هذا الحادث كان بالروح والجسد وفى اليقظة لا فى المنام. # وما ثبت فى الصحيحين عن طريق شريك عن أنس - رضى الله عنه - أن الإسراء ~~المذكور وقع مناما، لا ينافى ما ذكرنا مما عليه أهل السنة والجماعة، ودلت ~~عليه نصوص الكتاب والسنة من أنه كان يقظة وبالروح والجسد، لإمكان أنه ~~صلى الله عليه وسلم رأى الإسراء المذكور مناما، ثم جاءت تلك الرؤيا كفلق ~~الصبح، فأسرى به يقظة تصديقا لتلك الرؤيا المنامية. هذا، ومن العلماء ~~الذين فصلوا القول فى تلك المسألة تفصيلا محققا، القاضى عياض فى كتابه " ~~الشفا " فقد قال - رحمه الله - بعد أن ساق الآراء فى ذلك والحق فى هذا ~~والصحيح - إن شاء الله - أنه إسراء بالروح والجسد فى القصة ms3149 كلها، وعليه ~~تدل الآية وصحيح الأخبار والاعتبار. ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى ~~التأويل إلا عند الاستحالة، وليس فى الإسراء بجسده وروحه حال يقظته ~~استحالة.... وما قاله القاضى عياض - رحمه الله - فى هذه المسألة هو الذى ~~نعتقده، ونلقى الله - تعالى - عليه. وبعد أن بين الله - سبحانه - جانبا ~~من مظاهر تكريمه وتشريفه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم عن طريق إسرائه ~~به. أتبع ذلك بالحديث عما أكرم به نبيه موسى - عليه السلام - فقال { ~~وآتينآ موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ~~ألا تتخذوا من دوني وكيلا... }. ### || [17.2-3] # والواو فى قوله - تعالى - { وآتينآ موسى الكتاب } ، ~~استئنافية، أو عاطفة على قوله # سبحان الذي أسرى.. # والمراد بالكتاب التوراة التى أنزلها الله - تعالى - على نبيه موسى - ~~عليه السلام - والضمير المنصوب فى قوله { وجعلناه } يعود إلى الكتاب. ~~وقوله { لبنى إسرائيل } متعلق بهدى. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من ~~لقآئه وجعلناه هدى لبني إسرائيل # و { أن } فى قوله { ألا تتخذوا من دوني وكيلا } يصح أن ~~تكون زائدة وتكون الجملة مقولة لقول محذوف، والمعنى وآتينا موسى الكتاب ~~من أجل أن يكون هداية لبنى إسرائيل إلى الصراط المستقيم. وقلنا لهم لا ~~تتخذوا غير الله - تعالى - وكيلا، أى معبودا، تفوضون إليه أموركم، وتكلون ~~إليه شئونكم، فهو - سبحانه - # رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو ~~فاتخذه وكيلا # قال الإمام الرازى ما ملخصه قرأ أبو عمرو { ألا يتخذوا } بالياء خبرا ~~عن بنى إسرائيل وقرأ الباقون بالتاء على الخطاب، أى قلنا لهم لا تتخذوا. ~~ويصح أن تكون { أن } ناصبة للفعل فيكون المعنى وجعلناه هدى لئلا ~~تتخذوا... وأن تكون { أن } بمعنى أى التى للتفسير - أى هى مفسرة لما ~~تضمنه الكتاب من النهى عن اتخاذ وكيل سوى الله - تعالى -. وقوله { ~~ذرية من حملنا مع نوح... } منصوب على الاختصاص، أو على ~~النداء والمقصود بهذه الجملة الكريمة إثارة عزائمهم نحو الإيمان والعمل ~~الصالح، وتنبيههم إلى نعمه - سبحانه - عليهم، حيث جعلهم من ذرية أولئك ~~الصالحين الذين آمنوا بنوح - عليه السلام - وحضهم ms3150 على السير على منهاجهم ~~فى الإيمان والعمل الصالح، فإن شأن الأبناء أن يقتدوا بالآباء فى التقوى ~~والصلاح. والمعنى لا تتخذوا يا بنى إسرائيل معبودا غير الله - تعالى -، ~~فأنتم أبناء أولئك القوم الصالحين، الذين آمنوا بنوح - عليه السلام - ~~فأنجاهم الله - تعالى - مع نبيهم من الغرق. قال الآلوسى وفى التعبير بما ~~ذكر إيماء إلى علة النهى من أوجه أحدها تذكيرهم بالنعمة فى إنجاء آبائهم. ~~والثانى تذكيرهم بضعفهم وحالهم المحوج إلى الحمل والثالث أنهم أضعف منهم ~~- أى من آبائهم - لأنهم متولدون عنهم وفى إيثار لفظ الذرية الواقعة على ~~الأطفال والنساء فى العرف الغالب مناسبة تامة لما ذكر. وقوله { إنه ~~كان عبدا شكورا } تذييل قصد به الثناء على نوح - عليه السلام - ~~أى إن نوحا - عليه السلام - كان من عبادنا الشاكرين لنعمنا، المستعملين ~~لها فيما خلقت له، المتوجهين إلينا بالتضرع والدعاء فى السراء والضراء. ~~قال صاحب الكشاف فإن قلت قوله { إنه كان عبدا شكورا } ما وجه ~~ملاءمته لما قبله؟. # قلت كأنه قيل لا تتخذوا من دونى وكيلا، ولا تشركوا بى، لأن نوحا كان ~~عبدا شكورا، وأنتم من آمن به وحمل معه، فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم ~~أسوتهم، ويجوز أن يكون تعليلا لاختصاصهم، والثناء عليهم بأنهم أولاد ~~المحمولين مع نوح - عليه السلام - فهم متصلون به، فاستأهلوا لذلك ~~الاختصاص... وبذلك نرى الآيتين الكريمتين قد دعتا إلى إخلاص العبادة لله ~~- تعالى - بأسلوب يرضى العقول السليمة، والعواطف الشريفة. ثم بين - ~~سبحانه - بعد ذلك قضاءه العادل فى بنى إسرائيل وساق سنة من سننه التى لا ~~تتخلف فى خلقه فقال - تعالى - { وقضينآ إلى بني إسرائيل ~~في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن ~~علوا كبيرا... }. ### || [17.4-8] # وقوله - سبحانه - { وقضينآ إلى بني إسرائيل في ~~الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين... } إخبار من الله - ~~تعالى - لهم، بما سيكون منهم، حسب ما وقع فى علمه المحيط بكل شئ، والذى ~~ليس فيه إجبار أو قسر، وإنما هو صفة انكشافية، تنبئ عن مآلهم وأحوالهم. ~~قال أبو حيان والفعل { قضى } يتعدى بنفسه إلى مفعول، كقوله - تعالى - { ~~فلما قضى موسى ms3151 الأجل.. } ولما ضمن هنا معنى الإيحاء أو ~~الإنفاذ تعدى بإلى أى وأوحينا أو أنفذنا إلى بنى إسرائيل فى القضاء ~~المحتوم المثبوت وعن ابن عباس وأعلمناهم... والمراد بالكتاب التوراة، ~~وقيل اللوح المحفوظ. واللام فى قوله { لتفسدن... } جواب قسم محذوف تقديره ~~والله لتفسدن. ويجوز أن تكون جوابا لقوله - تعالى - { وقضينا... } لأنه ~~مضمن معنى القسم، كما يقول القائل قضى الله لأفعلن كذا، فيجرى القضاء ~~والقدر مجرى القسم... والمقصود بالأرض عمومها أو أرض الشام. و { مرتين } ~~منصوب على أنه مفعول مطلق لقوله { لتفسدن } من غير لفظه، والمراد لتفسدن ~~إفسادتين وقوله - عز وجل - { ولتعلن.. } من العلو وهو ضد السفل، والمراد ~~به هنا التكبر والتجبر والبغى والعدوان. والمعنى وأخبرنا بنى إسرائيل فى ~~كتابهم التوراة خبرا مؤكدا وأوحينا إليهم بواسطة رسلنا، بأن قلنا لهم ~~لتفسدن فى الأرض مرتين، ولتستكبرون على الناس بغير حق، استكبارا كبيرا، ~~يؤدى بكم إلى الخسران والدمار. والتعبير عما يكون منهم من إفساد بالقضاء ~~وأنه فى الكتاب، يدل على ثبوته، إذ أصل القضاء - كما يقول القرطبى - ~~الإحكام للشئ والفراغ منه. وأكد إفسادهم واستعلاءهم بلام القسم، ~~للإشعار بأنه مع ثبوته ووجوده فهو مصحوب بالتجبر والتكبر والبغى ~~والعدوان. وكان من مظاهر إفسادهم فى الأرض تحريفهم للتوراة، وتركهم العمل ~~بما فيها من أحكام، وقتلهم الأنبياء والمصلحين. ثم بين - سبحانه - أنه ~~يسلط عليهم بعد إفسادهم الأول فى الأرض، من يقهرهم ويستبيح حرماتهم، ~~ويدمرهم تدميرا، فقال - تعالى - { فإذا جآء وعد أولاهما ~~بعثنا عليكم عبادا لنآ أولي بأس شديد فجاسوا ~~خلال الديار وكان وعدا مفعولا }. والمراد بالوعد ~~الموعد المحدد لعقابهم بسبب إفسادهم فى الأرض، فالكلام على حذف مضاف، ~~والضمير فى { أولاهما } يعود على المرتين المعبر عنهما بقول { ~~لتفسدن في الأرض مرتين }. وقوله { فجاسوا } معطوف على { ~~بعثنا } وأصل الجوس طلب الشئ باستقصاء واهتمام لتنفيذ ما من أجله كان ~~الطلب. والمعنى فإذا حان وقت عقابكم - يا بنى إسرائيل - على أولى مرتى ~~إفسادكم بعثنا عليكم ووجهنا إليكم { عبادا لنآ أولي بأس ~~شديد } أى أصحاب بطش شديد فى الحروب والقتال، فأذلوكم وقهروكم، وفتشوا ~~عنكم ms3152 بين المساكن والديار، لقتل من بقى منكم على قيد الحياة، وكان البعث ~~المذكور وما ترتب عليه من قتلكم وسلب أموالكم، وهتك أعراضكم، وتخريب ~~دياركم. # .. وعدا نافذا لا مرد له، ولا مفر لكم منه. قال الآلوسى واختلف فى تعيين ~~هؤلاء العباد - الذين بعثهم الله لمعاقبة بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول ~~- فعن ابن عباس وقتادة هم جالوت وجنوده، وقال ابن جبير وابن إسحاق هم ~~سنحاريب ملك بابل وجنوده. وقيل هم العمالقة، وقيل بختنصر. وسنبين رأينا ~~فيمن سلطه الله - تعالى - عليهم فى المرتين، بعد تفسيرنا لهذه الآيات ~~الكريمة. فإن قال قائل وما فائدة أن يخبر الله - تعالى - بنى إسرائيل فى ~~التوراة أنهم يفسدون فى الأرض مرتين. وأنه يعاقبهم على ما كان منهم من ~~استعلاء وطغيان، بأن يسلط عليهم من يذلهم ويقهرهم ويقضى عليهم؟. فالجواب ~~أن إخبارهم بذلك يفيد أن الله - عز وجل - لا يظلم الناس شيئا، وإنما ~~يعاقبهم على ما يكون منهم من إفساد ويعفو عن كثير، وأن رحمته مفتوحة ~~للعصاة متى تابوا وأنابوا وأصلحوا من شأن أنفسهم. وهناك فائدة أخرى لهذا ~~الإخبار، وهو تنبيه العقلاء فى جميع الأمم أن يحذروا من مواقعة المعاصى ~~التى تؤدى إلى الهلاك، وأن يحذروا أممهم من ذلك، ويبصروهم بسوء عاقبة ~~السير فى طريق الغى، حتى لا يعرضوا أنفسهم لعقاب الله - عز وجل -. ومن ~~فوائد إيراد هذا الخبر فى القرآن الكريم، تنبيه اليهود المعاصرين للنبى ~~صلى الله عليه وسلم ومن على شاكلتهم فى الفسوق والعصيان من المشركين، إلى ~~سنة من سنن الله فى خلقه، وهى أن الإفساد عاقبته الخسران. فعلى اليهود ~~وغيرهم من الناس أن يتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم الذى ثبتت نبوته ~~ثبوتا لا شك فيه، لكى يسعدوا فى دنياهم وآخرتهم. ثم أشار - سبحانه - إلى ~~الفائدة الثالثة من هذا الإخبار، وهى أن الأمم المغلوبة على أمرها. ~~تستطيع أن تسترد مجدها، متى أصلحت من شأن أنفسها، ومتى استقامت على أمر ~~الله - تعالى - فقال - سبحانه - { ثم رددنا لكم الكرة ~~عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم ~~أكثر نفيرا }. ففى هذه ms3153 الآية الكريمة تذكير لبنى إسرائيل بجملة من ~~نعم الله عليهم، بعد أن أصابهم ما أصابهم من أعدائهم. أما النعمة الأولى ~~فقد عبر عنها - سبحانه - بقوله { ثم رددنا لكم الكرة ~~عليهم }. والكرة المرة من الشئ وأصلها من الكر وهو الرجوع، ~~مصدر كريكر - من باب قتل -، يقال كر الفارس كرا، إذا فر للجولان ثم ~~عاد للقتال. والمراد بالكرة هنا الدولة والغلبة على سبيل المجاز. أى ثم ~~أعدنا لكم - يا بنى إسرائيل - الدولة والغلبة على أعدائكم الذين قهروكم ~~وأذلوكم، بعد أن أحسنتم العمل، ورجعتم إلى الله - تعالى - واتبعتم ما ~~جاءكم به رسلكم. # والتعبير بثم لإفادة الفرق الشاسع بين ما كانوا فيه من ذل وهوان، وما ~~أفاءه الله عليهم بعد ذلك من نصر وظفر. قال أبو حيان وجعل - سبحانه - { ~~رددنا } موضع نرد - إذ وقت إخبارهم لم يقع الأمر بعد - لأنه لما كان وعد ~~الله فى غاية الثقة فى كونه سيقع، عبر عن المستقبل بالماضى. وأما النعمة ~~الثانية فقد عبر عنها - سبحانه - بقوله { وأمددناكم بأموال ~~وبنين }. أى لم نكتف بأن جعلنا النصر لكم على أعدائكم، بل فضلا عن ~~ذلك، أمددناكم بالكثير من الأموال والأولاد، بعد أن نهب أعداؤكم أموالكم، ~~وقتلوا الكثيرين من أبنائكم. وأما النعمة الثالثة فتتجلى فى قوله - تعالى ~~- { وجعلناكم أكثر نفيرا }. والنفير من ينفر مع الرجل من ~~قومه لنصرته ومؤازرته، وهو منصوب على التمييز. والمفضل عليه محذوف، ~~والتقدير وجعلناكم أكثر عددا وقوة من أعدائكم الذين جاسوا خلال دياركم.. ~~فمن الواجب عليكم أن تقدروا هذه النعم، وأن تحسنوا الاستفادة منها، بأن ~~تشكروا الله - تعالى - وتخلصوا له العبادة والطاعة، فقد نصركم بعد ~~هزيمتكم، وأغناكم بعد فقركم، وكثركم بعد قتلكم. ثم ساق - سبحانه - بعد ~~ذلك سنة من سننه التى لا تتخلف، وهى أن الإحسان عاقبته الفلاح، والعصيان ~~عاقبته الخسران، وأن كل إنسان مسئول عن عمله، ونتائج هذا العمل - سواء ~~أكانت خيرا أم شرا - لا تعود إلا عليه، فقال - تعالى - { إن ~~أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها }. ~~أى إن أحسنتم - أيها الناس - أعمالكم، بأن أديتموها بالطريقة التى ms3154 ترضى ~~الله - تعالى - أفلحتم وسعدتم، وجنيتم الثمار الطيبة التى تترتب على هذا ~~الإحسان للعمل، وإن أسأتم أعمالكم، بأن آثرتم الأعمال السيئة على ~~الأعمال الحسنة، خسرتم وشقيتم وتحملتم وحدكم النتائج الوخيمة التى تترتب ~~على إتيان الأعمال التى لا ترضى الله - تعالى -. وقد رأيتم كيف أن ~~الإفساد كانت عاقبته أن { بعثنا عليكم عبادا لنآ أولي ~~بأس شديد فجاسوا خلال الديار }. وكيف أن الإحسان كانت ~~عاقبته أن { رددنا لكم الكرة } على أعدائكم { ~~وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر ~~نفيرا }. قال صاحب البحر ما ملخصه وجواب { وإن أسأتم } قوله { فلها } ~~وهو خبر لمبتدأ محذوف أى فالإساءة لها. قال الكرمانى قال - سبحانه - { ~~فلها } باللام ازدواجا. أى أنه قابل { لأنفسكم } بقوله { فلها }. وقال ~~الطبرى اللام بمعنى إلى أى فإليها ترجع الإساءة. وقيل اللام بمعنى على. ~~أى فعليها، كما فى قول الشاعر فخر صريعا لليدين وللفم. ثم بين - سبحانه - ~~ما يحل بهم من دمار، بعد إفسادهم للمرة الثانية، فقال - تعالى - { ~~فإذا جآء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم ~~وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ~~وليتبروا ما علوا تتبيرا }. # والكلام أيضا هنا على حذف مضاف، وجواب إذا محذوف دل عليه ما تقدم وهو ~~قوله { بعثنا عليكم عبادا لنآ } فإذا جاء وقت عقوبتكم يا ~~بنى إسرائيل على إفسادكم الثانى فى الأرض، بعثنا عليكم أعداءكم ليسوءوا ~~وجوهكم أى ليجعلوا آثار المساءة والحزن بادية على وجوهكم، من شدة ما ~~تلقونه منهم من إيداء وقتل. قال الجمل ما ملخصه وقوله { ليسوءوا } الواو ~~للعباد أولى البأس الشديد. وفى عود الواو على العباد نوع استخدام، إذ ~~المراد بهم أولا جالوت وجنوده، والمراد بهم هنا بختنصر وجنوده. وقرأ ابن ~~عامر وحمزة بالياء المفتوحة والهمزة المفتوحة آخر الفعل " ليسوء " ~~والفاعل إما الله - تعالى - وإما الوعد، وإما البعث. وقرأ الكسائى لنسوء ~~- بنون العظمة. أى لنسوء نحن وهو موافق لما قبله، من قوله بعثنا، ورددنا، ~~وأمددنا، ولما بعده من قوله عدنا، وجعلنا، وقرأ الباقون. ليسوءوا، مسندا ~~إلى ضمير الجمع العائد على العباد، وهو موافق لما بعده من قوله { ~~وليدخلوا المسجد } { وليتبروا ms3155 }. وقال الإمام الرازى ويقال ساءه يسوءه ~~إذا أحزنه، وإنما عزا - سبحانه - الإساءة إلى الوجوه، لأن آثار الأعراض ~~النفسية الحاصلة فى القلب إنما تظهر على الوجه، فإن حصل الفرح فى القلب ~~ظهر الإشراق فى الوجه، وإن حصل الحزن والخوف فى القلب، ظهر الكلوح فى ~~الوجه. وقوله - سبحانه - { وليدخلوا المسجد كما دخلوه ~~أول مرة } معطوف على ما قبله وهو قوله - سبحانه - { ليسوءوا ~~وجوهكم }. والمراد بالمسجد المسجد الأقصى الذى ببيت المقدس، وقوله { كما ~~دخلوه } صفة لمصدر محذوف. والمعنى وليدخلوا المسجد دخولا كائنا كدخولهم ~~إياه أول مرة. قال أبو حيان ومعنى { كما دخلوه أول مرة } ~~أى بالسيف والقهر والغلبة والإذلال. أى أن المراد من التشبيه، بيان أن ~~الأعداء فى كل مرة أذلوا بنى إسرائيل وقتلوهم وقهروهم. وقوله - تعالى - { ~~وليتبروا ما علوا تتبيرا } يشعر بشدة العقوبة التى ~~أنزلها أولئك العباد ببنى إسرائيل، إذ التتبير معناه الإهلاك والتدمير ~~والتخريب لكل ما تقع عليه. ومنه قول الشاعر # وما الناس إلا عاملان فعامل يتبر ما يبنى وآخر رافع # أى يخرب ويهد ما يبنى. و " ما " فى قوله { ما علوا } اسم موصول مفعول ~~يتبروا وهو عبارة عن البلاد والأماكن التى هدموها، والعائد محذوف، ~~وتتبيرا مفعول مطلق مؤكد لعامله. أى وليدمرا ويخربوا البلاد والأماكن ~~التى علوا عليها، وصارت فى حوزتهم، تدميرا تاما لا مزيد عليه. وبذلك نرى ~~أن العباد الذين سلطهم الله - تعالى - على بنى إسرائيل، عقب إفسادهم ~~الثانى فى الأرض، لم يكتفوا بجوس الديار، بل أضافوا إلى ذلك إلقاء الحزن ~~والرعب فى قلوبهم، ودخول المسجد الأقصى فاتحين ومخربين، وتدمير كل ما ~~وقعت عليه أيديهم تدميرا فظيعا لا يوصف. # ثم ختم - سبحانه - الآيات الكريمة ببيان أن هذا الدمار الذى حل ببنى ~~إسرائيل بسبب إفسادهم فى الأرض مرتين، قد يكون طريقا لرحمتهم، وسببا فى ~~توبتهم وإنابتهم، إن فتحوا قلوبهم للحق، واعتبروا بالأحداث الماضية، ~~وفهموا عن الله - تعالى - سنته التى لا تتخلف، وهى أن الإحسان يؤدى إلى ~~الفلاح والظفر، والإفساد يؤدى إلى الخسران والهلاك. وقد عبر القرآن ~~الكريم عن هذه المعانى أبلغ ms3156 تعبير وأحكمه. فقال - تعالى - { عسى ~~ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا ~~جهنم للكافرين حصيرا }. أى عسى ربكم أن يرحمكم ويعفو عنكم ~~يا بنى إسرائيل متى أخلصتم له العبادة والطاعة، وأصلحتم أقوالكم ~~وأعمالكم، فقد علمتم أنه - سبحانه - لا ينزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفعه ~~إلا بتوبة. قال أبو حيان وهذه الترجية ليست لرجوع دولة، وإنما هى من باب ~~ترحم المطيع منهم، وكان من الطاعة أن يتبعوا عيسى ومحمدا - عليهما السلام ~~- ولكنهم لم يفعلوا. وقوله - سبحانه - { وإن عدتم عدنا } إنذار ~~لهم بإنزال العقوبات عليهم، إن عادوا إلى فسادهم وإفسادهم. أى وإن عدتم ~~إلى المعاصى ومخالفة أمرى، وانتهاك حرماتى، بعد أن تداركتكم رحمتى، عدنا ~~عليكم بالقتل والتعذيب وخراب الديار. ولقد عادوا إلى الكفر والفسوق ~~والعصيان، حيث أعرضوا عن دعوة الحق التى جاءهم بها الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، ولم يكتفوا بهذا الإعراض بل هموا بقتله صلى الله عليه وسلم وأيدوا ~~كل متربص بالإسلام والمسلمين، فكانت نتيجة ذلك أن عاقبهم النبى صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه بما يستحقون من إجلاء وتشريد وقتل.. قال ابن عباس - ~~رضى الله عنهما - " عادوا فسلط الله عليهم المؤمنين ". ثم بين - سبحانه - ~~عقوبتهم فى الآخرة فقال { وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ~~} أى إن عدتم إلى معصيتنا فى الدنيا عدنا عليكم بالعقوبة الرادعة، أما فى ~~الآخرة فقد جعلنا جهنم للكافرين منكم ومن غيركم { حصيرا } أى سجنا حاصرا ~~لكم لا تستطيعون الهروب منه، أو الفكاك عنه، أو فراشا تفترشونه، كما قال ~~- تعالى - # لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك ~~نجزي الظالمين # قال بعض العلماء " قوله { حصيرا } فيه وجهان الأول أن الحصير المحبس ~~والسجن. من الحصر وهو الحبس يقال حصره يحصره حصرا، إذا ضيق عليه وأحاط ~~به. والثانى أن الحصير البساط والفراش، من الحصير الذى يفرش، لأن العرب ~~تسمى البساط الصغير حصيرا.. ". وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد حكت لنا ~~قضاء الله - تعالى - فى بنى إسرائيل، وساقت لنا لكى نعتبر ونتعظ ألوانا ~~من سنن الله - تعالى - التى لا تتخلف، والتى من أبرزها أن ms3157 الإيمان ~~والصلاح عاقبتهما الفلاح، وأن الكفر والفساد عاقبتهما الشقاء، ولعذاب ~~الآخرة أشد وأبقى. # هذا، والذى يراجع ما قاله المفسرون فى بيان العباد الذين سلطهم الله - ~~تعالى - على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول والثانى فى الأرض، يرى أقوالا ~~متعددة يبدو على كثير منها الاضطراب والضعف. ومن ذلك ما أخرجه ابن جرير ~~عن ابن عباس وابن مسعود - رضى الله عنهما - أن الله - تعالى - عهد إلى ~~بنى إسرائيل فى التوراة { لتفسدن في الأرض مرتين } فكان ~~أول الفسادين قتل زكريا، فبعث الله عليهم ملك النبط، وكان يدعى " صحابين ~~" فبعث الجنود، وكانوا من أهل فارس.. فتحصنت بنو إسرائيل.. ودخل فيهم " ~~بختنصر " - أحد جنود صحابين - وسمع أقوالهم.. الخ. وهذا الأثر من وجوه ~~ضعفه، أن غزو النبط ومعهم بختنصر لبنى إسرائيل سابق على زمان زكريا - ~~عليه السلام - بحوالى ستة قرون. لأن الثابت تاريخيا أن بختنصر غزا بنى ~~إسرائيل وانتصر عليهم ثلاث مرات الأولى فى سنة 606 ق. م والثانية فى سنة ~~599 ق. م، والثالة فى سنة 588 ق. م. وفى هذه المرة الثالثة أكثر القتل ~~فيهم، وساق الأحياء منهم أسارى إلى أرض بابل. أما زكريا - عليه السلام - ~~فمن المعروف أنه كان معاصرا لعيسى - عليه السلام - أو مقاربا لعصره فقد ~~أخبرنا القرآن الكريم أن زكريا هو الذى تولى كفالة مريم أم عيسى. وإذا ~~فالقول بأن إفسادهم الأول كان لقتلهم زكريا، وأن المسلط عليهم ملك النبط ~~ومع " بختنصر " يتنافى مع الحقائق التاريخية. وفضلا عن ذلك، فإن هذا ~~الأثر اضطرابه ظاهر، لأن " صحابين " ملك النبط، هو الذى يسميه المؤرخون " ~~سنحاريب " وكان ملكا للأشوريين، وهو الذى غزا مملكة يهوذا سنة 713 ق. م ~~أى قبل غزو بختنصر لها بأكثر من مائة سنة، أى أن بختنصر لم يكن معاصرا ~~له. والرأى الذى نختاره هو أن العباد الذين سلطهم الله على بنى إسرائيل ~~بعد إفسادهم الأول، هم جالوت وجنوده. ونستند فى اختيارنا لهذا الرأى إلى ~~أمور من أهمها ما يلى 1- ذكر القرآن الكريم فى سورة البقرة، عند عرضه ~~لقصة القتال الذى دار ms3158 بين طالوت قائد بنى إسرائيل، وبين " جالوت " قائد ~~أعدائهم، ما يدل على أن بنى اسرائيل كانوا قبل ذلك مقهورين مهزومين من ~~أعدائهم. ويتجلى هذا المعنى فى قوله - تعالى - # ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى ~~إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في ~~سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ~~ألا تقاتلوا قالوا وما لنآ ألا نقاتل في سبيل ~~الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنآئنا.. # فقولهم - كما حكى القرآن عنهم - { وما لنآ ألا نقاتل في ~~سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنآئنا. # . } يدل دلالة قوية، على أنهم كانوا قبل قتالهم لجالوت مهزومين هزيمة ~~اضطرتهم إلى الخروج عن ديارهم، وإلى مفارقة أبنائهم. 2- قوله - تعالى - { ~~ثم رددنا لكم الكرة عليهم } صريح فى أن الله - تعالى ~~- نصر بنى إسرائيل - بعد أن تابوا وأنابوا - على أعدائهم. وهذا المعنى ~~ينطبق على ما قصه القرآن علينا، من أن بنى إسرائيل بقيادة طالوت قد ~~انتصروا على جالوت وجنوده. قال - تعالى - # ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنآ أفرغ ~~علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم ~~الكافرين فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت ~~وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشآء.. # ولقد كان هذا النصر نعمة كبرى لبنى إسرائيل، فقد جاءهم بعد أن أخرجوا من ~~ديارهم وأبنائهم، وبعد أن اعترضوا على اختيار طالوت ملكا عليهم، وبعد أن ~~قاتل مع طالوت عدد قليل منهم. ولا شك أن النصر فى هذه الحالة، أدعى لطاعة ~~الله - تعالى - وشكره على آلائه. 3- قوله - تعالى - { وأمددناكم ~~بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا } أكثر ما يكون ~~انطباقا على عهد حكم طالوت، وداود، وسليمان لهم. ففى هذا العهد الذى دام ~~زهاء ثمانين سنة، ازدهرت مملكتهم، وعز سلطانهم وأمدهم الله خلاله ~~بالأموال الوفيرة، وبالبنين الكثيرة، وجعلهم أكثر من أعدائهم عددا وقوة. ~~أما بعد هذا العهد، بل وقبل هذا العهد، فقد كانت حياتهم سلسلة من المآسى ~~والنكبات. فبعد موت سليمان - عليه السلام - سنة 975 ق. م تقريبا، انقسمت ~~مملكتهم إلى قسمين مملكة يهوذا فى الجنوب، ms3159 ومملكة إسرائيل فى الشمال، ~~واستمرتا فى صراع ونزاع حتى قضى الأشوريون سنة 721 ق. م على مملكة ~~إسرائيل، وقضى " بختنصر " على مملكة يهوذا سنة 588 ق. م. 4- ذكر بعض ~~المفسرين أن العباد الذين سلطهم الله عليهم بعد إفسادهم الأول هم جالوت ~~وجنوده. أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن ابن عباس فى قوله { فإذا ~~جآء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنآ أولي ~~بأس شديد } قال بعث الله عليهم فى الأولى جالوت، فجاس خلال ديارهم، ~~فسألوا الله - تعالى - أن يبعث لهم ملكا، فبعث لهم طالوت، فقاتلوا جالوت، ~~وانتصروا عليه، وقتل داود جالوت، ورجع إلى بنى اسرائيل ملكهم. فلما ~~أفسدوا بعث الله عليهم فى المرة الآخرة " بختنصر " فخرب المساجد، وتبر ما ~~علوا تتبيرا... هذه بعض الأدلة التى تجعلنا نرجح أن المراد بالعباد الذين ~~سلطهم الله - تعالى - على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول فى الأرض، هم ~~جالوت وجنوده. أما العباد الذين سلطهم الله عليهم بعد إفسادهم الثانى، ~~فيرى كثير من المفسرين أنهم " بختنصر " وجنوده. # وهذا الرأى ليس ببعيد عن الصواب، لما ذكرنا قبل ذلك من تنكيله بهم، ~~وسوقهم أسارى إلى بابل سنة 588 ق. م. إلا أننا نؤثر على هذا الرأى، أن ~~يكون المسلط عليهم بعد إفسادهم الثانى، هم الرومان بقيادة زعيمهم، تيطس ~~سنة 70 م. لأمور من أهمها. 1- أن الذى يتتبع التاريخ يرى أن رذائل بنى ~~إسرائيل فى الفترة التى سبقت تنكيل " تيطس " بهم، أشد وأكبر من الرذائل ~~التى سبقت إذلال " بختنصر " لهم. فهم - على سبيل المثال - قبيل بطش ~~الرومان بهم، كانوا قد قتلوا من أنبياء الله زكريا ويحيى - عليهما السلام ~~-، وكانوا قد حاولوا قتل عيسى - عليه السلام - ولكن الله - تعالى - نجاه ~~من شرورهم. 2- ضربات الرومان - فى ذاتها - كانت أشد وأقسى على بنى ~~اسرائيل. من ضربات " بختنصر " لهم. فمثلا عدد القتلى من اليهود على يد ~~الرومان بقيادة " تيطس " بلغ مليون قتيل، وبلغ عدد الأسرى نحو مائة ألف ~~أسير. بينما عدد القتلى والأسرى منهم على يد " بختنصر " كان أقل من هذا ~~العدد بكثير. ms3160 ولقد وصف المؤرخون النكبة التى أوقعها الرومان بهم، بأوصاف ~~تفوق بكثير ما أوقعه البابليون بقيادة بختنصر بهم. يقول أحد الكتاب واصفا ~~ما حل باليهود على يد " تيطس " الرومانى كان " تيطس " فى الثلاثين من ~~عمره، حين وقف سنة 70 م أمام أسوار أورشليم على رأس جيشه، بعد أن بدأت ~~المدينة تعانى من أهوال الحصار. وبعد أن اقتحم " تيطس " وجنوده المدينة، ~~أصدر أمره إليهم أن احرقوا وانهبوا واقتلوا، فأموال اليهود وأعراضهم حلال ~~لكم، وقد أحرق الرومان معبد اليهود ودمروه، وتحققت نبوءة المسيح - عليه ~~السلام - حين قال ستلقى هذه الأرض بؤسا وعنتا، وسيحل الغضب على أهلها، ~~وسيسقطون صرعى على حد السيف، ويسيرون عبيدا إلى كل مصر، وستطأ أورشليم ~~الأقدام. 3- النكبة التى أنزلها الرومان بهم - من حيث آثارها - أشنع ~~بكثير من النكبة التى أنزلها بختنصر بهم. لأنهم بعد تنكيل بختنصر بهم ~~وأخذهم أسرى إلى بلاده وبقائهم فى الأسر زهاء خمسين سنة عادوا إلى ديارهم ~~مرة أخرى، بمساعدة " قورش " ملك الفرس، الذى انتصر على " بختنصر " سنة ~~538 ق. م تقريبا، وبدأوا يتكاثرون من جديد. أما بعد تنكيل " تيطس " بهم ~~فلم تقم لهم قائمة، ومزقوا فى الأرض شر ممزق، وانقطع دابرهم كأمة. وقد ~~صرح بهذا المعنى صاحب تاريخ الإسرائيليين فقال بعد وصفه لما أوقعه " ~~تيطس " بهم من ضربات إلى هنا ينتهى تاريخ الإسرائيليين كأمة، فإنهم بعد ~~خراب أورشليم على يد " تيطس " تفرقوا فى جميع بلاد الله، وتاريخهم بعد ~~ذلك ملحق بتاريخ الممالك التى توطنوها أو نزلوا فيها. # .. ولهذه الأسباب نرجح أن يكون العباد الذين سلطهم الله على بنى إسرائيل ~~بعد إفسادهم الثانى فى الأرض، هم الرومان بقيادة " تيطس ". هذا، ومع ~~ترجيحنا بأن المسلط عليهم فى المرة الأولى، هم جالوت وجنوده وفى المرة ~~الثانية هم الرومان بقيادة " تيطس ". أقول مع ترجيحنا لذلك، إلا أننا نحب ~~فى نهاية حديثنا عن هذه الآيات الكريمة، أن نقرر ما يأتى 1- أنه لم يصح ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث فى بيان المراد بالعباد الذين ~~سلطهم الله على بنى إسرائيل ms3161 عقب مرتى إفسادهم، وإلا لذكره المفسرون. 2- ~~أن الإفساد فى الأرض قد حدث كثيرا من بنى اسرائيل، وأن المقصود من قوله ~~- تعالى - { لتفسدن في الأرض مرتين } إنما هو أظهر ~~وأبرز مرتين حدث فيهما الإفساد منهم. ومما يدل على أن هذا الإفساد قد ~~تكرر منهم قوله - تعالى - { وإن عدتم عدنا } وقوله - تعالى - # وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم ~~القيامة من يسومهم سوء العذاب # 3- أن المقصود من سياق الآيات، إنما هو بيان سنة من سنن الله فى الأمم ~~حال صلاحها وفسادها. وقد ساق القرآن الكريم هذا المعنى بأحكم عبارة، وذلك ~~فى قوله - تعالى - { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ~~وإن أسأتم فلها }. ولا شك أن هذه السنة ماضية فى الأمم دون ~~تبديل أو تحويل فى كل زمان ومكان. وما دام هذا هو المقصود، ففهمه لا ~~يتوقف على تحديد مرتى إفسادهم، وتحديد المسلط عليهم عقب كل مرة. ويعجبنى ~~فى هذا المقام، قول الإمام ابن كثير " وقد وردت فى هذا - أى فى المسلط ~~عليهم فى المرتين - آثار كثيرة إسرائيلية، لم أر تطويل الكتاب بذكرها، ~~لأن منها ما هو موضوع من وضع زنادقتهم، ومنها ما قد يحتمل أن يكون صحيحا، ~~ونحن فى غنية عنها، ولله الحمد، وفيما قص الله علينا فى كتابه غنية عما ~~سواه من بقية الكتب قبله، ولم يحوجنا الله ولا رسوله إليهم وقد أخبر الله ~~- تعالى - أنهم لما بغوا وطغوا سلط عليهم عدوهم، فاستباح بيضتهم وسلك ~~خلال بيوتهم وأذلهم وقهرهم، جزاء وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد، فإنهم ~~كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقا من الأنبياء والعلماء ". وقول الإمام ~~الرازى " واعلم أنه لا يتعلق كثير غرض فى معرفة أولئك الأقوام بأعيانهم، ~~بل المقصود هو أنهم لما أكثروا من المعاصى. سلط عليهم أقواما قتلوهم ~~وأفنوهم ". وقد بسطنا فى تفسير هذه الآيات الكريمة، بصورة أكثر تفصيلا فى ~~غير هذا المكان، فليرجع إليه من شاء الاستزادة. وبعد أن بين - سبحانه - ~~أنه قد آتى موسى - عليه السلام - التوراة لتكون هداية لبنى إسرائيل، وأنه ~~- عز وجل - قد قضى فيهم بقضائه العادل. ms3162 أتبع ذلك بالثناء على القرآن ~~الكريم، فقال - تعالى - { إن هذا القرآن يهدي للتي ~~هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون ~~الصالحات أن لهم أجرا كبيرا... }. ### || [17.9-10] # قال الفخر الرازى اعلم أنه - تعالى - لما شرح ما فعله فى حق عباده ~~المخلصين، وهو الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وإيتاء الكتاب ~~لموسى - عليه السلام -، وما فعله فى حق العصاة والمتمردين وهو تسليط ~~أنواع البلايا عليهم، كان ذلك تنبيها على أن طاعة الله توجب كل خير ~~وكرامة، ومعصيته توجب كل بلية وغرامة، لا جرم أثنى - سبحانه - على القرآن ~~فقال { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم }. ~~والفعل { يهدى } مأخوذ من الهداية، ومعناها الإرشاد والدلالة بلطف إلى ~~ما يوصل إلى البغية. والمفعول محذوف. أى يهدى الناس. وقوله - سبحانه - { ~~للتي هي أقوم } صفة لموصوف محذوف، أى يهدى الناس إلى الطريقة ~~أو الملة التى هى أقوم. قال صاحب الكشاف { للتي هي أقوم } أى ~~للحالة التى هى أقوم الحالات وأسدها، أو للملة أو للطريقة. وأينما قدرت ~~لم تجد مع الإثبات ذوق البلاغة الذى تجده مع الحذف، لما فى إيهام ~~الموصوف بحذفه من فخامة تفقد مع إيضاحه. والمعنى إن هذا القرآن الكريم، ~~الذى أنزله الله - تعالى - عليك يا محمد صلى الله عليه وسلم، يرشد الناس ~~ويدلهم ويهديهم - فى جميع شئونهم الدينية والدنيوية - إلى الملة التى هى ~~أقوم الملل وأعدلها، وهى ملة الإسلام. فمنهم من يستجيب لهذه الهداية ~~فيظفر بالسعادة، ومنهم من يعرض عنها فيبوء بالشقاء. قال صاحب الظلال ما ~~ملخصه إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم فى عالم الضمير والشعور، بالعقيدة ~~الواضحة التى لا تعقيد فيها ولا غموض، والتى تطلق الروح من أثقال الوهم ~~والخرافة، وتطلق الطاقات البشرية الصالحة للعمل والبناء، وتربط بين ~~نواميس الكون الطبيعية، ونواميس الفطرة البشرية فى تناسق واتساق. ويهدى ~~للتى هى أقوم، فى التنسيق بين ظاهر الإنسان وباطنه، وبين مشاعره وسلوكه ~~وبين عقيدته وعمله. ويهدى للتى هى أقوم فى عالم العبادة، بالموازنة بين ~~التكاليف والطاقة، فلا تشق التكاليف على النفس حتى تمل، ولا ms3163 تسهل حتى ~~تشيع فى النفس الرخاوة والاستهتار، ولا تتجاوز القصد والاعتدال وحدود ~~الاحتمال. ويهدى للتى هى أقوم، فى علاقات الناس بعضهم ببعض أفرادا ~~وأزواجا وحكومات وشعوبا، ودولا وأجناسا. ويهدى للتى هى أقوم فى نظام ~~الحكم، ونظام المال، ونظام الاجتماع، ونظام التعامل.. وقوله - سبحانه - { ~~ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن ~~لهم أجرا كبيرا } صفة ثانية من صفات القرآن الكريم. أى أن هذا ~~القرآن بجانب هدايته للتى هى أقوم، فهو - أيضا - يبشر المؤمنين الذين ~~يعملون الأعمال الصالحات بأن لهم أجرا كبيرا من خالقهم - عز وجل - أجرا ~~كبيرا لا يعلم مقداره إلا مسديه ومانحه، وهو الله رب العالمين. # وقوله - سبحانه - { وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~أعتدنا لهم عذابا أليما } بيان لسوء عاقبة الذين لا ~~يستجيبون لهداية القرآن الكريم، وهو معطوف على قوله - تعالى - { أن ~~لهم أجرا كبيرا }. أى أن هذا القرآن يبشر المؤمنين بالأجر ~~الكبير، ويبشر - على سبيل التهكم - الذين لا يؤمنون بالآخرة وما فيها من ~~حساب وثواب وعقاب بالعذاب الأليم. قال الآلوسى ما ملخصه وتخصيص الآخرة ~~بالذكر من بين سائر ما لم يؤمن به الكفرة، لكونها أعظم ما أمروا ~~بالإيمان به، ولمراعاة التناسب بين أعمالهم وجزائها، الذى أنبأ عنه قوله ~~- تعالى - { أعتدنا لهم عذابا أليما } وهو عذاب جهنم. أى ~~أعددنا وهيأنا لهم، فيما كفروا به وأنكروا وجوده من الآخرة عذابا أليما. ~~والآية معطوفة على قوله { أن لهم أجرا كبيرا } فيكون إعداد ~~العذاب الأليم للذين لا يؤمنون بالآخرة مبشرا به كثبوت الأجر الكبير ~~للمؤمنين، ومصيبة العدو سرور يبشر به، فكأنه قيل يبشر المؤمنين بثوابهم ~~وعقاب أعدائهم... ثم بين - سبحانه - بعض الأحوال التى قد يقدم الإنسان ~~فيها على طلب ما يضره بسبب عجلته واندفاعه فقال - تعالى - { ويدع ~~الإنسان بالشر دعآءه بالخير وكان الإنسان ~~عجولا }. ### || [17.11] # والمراد بالإنسان هنا الجنس وليس واحدا معينا. قال الآلوسى وقوله { ~~دعاءه بالخير } أى دعاء كدعائه بالخير، فحذف الموصوف وحرف التشبيه وانتصب ~~المجرور على المصدرية. والمعنى ويدعو الإنسان حال غضبه وضجره، على نفسه، ~~أو على غيره، { بالشر } كأن يقول " اللهم ms3164 أهلكنى، أو أهلك فلانا.. ". { ~~دعاءه بالخير } أى يدعو بالشر على نفسه أو على غيره، كدعائه بالخير، كأن ~~يقول اللهم اغفر لى ولوالدى وللمؤمنين. قال ابن كثير يخبر - تعالى - عن ~~عجلة الإنسان، ودعائه فى بعض الأحيان على نفسه أو ولده، أو ماله، { ~~بالشر } أى بالموت أو الهلاك والدمار واللعنة ونحو ذلك، فلو استجاب له ~~ربه لهلك بدعائه، كما قال - تعالى -. # ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم ~~بالخير لقضي إليهم أجلهم.. # وفى الحديث # " لا تدعوا على أنفسكم ولا على أموالكم، أن توافقوا من الله ساعة إجابة ~~يستجيب فيها ". # وقيل المراد بالإنسان هنا الكافر، أو الفاسق الذى يدعو الله - تعالى - ~~بالشر، كأن يسأله بأن ييسر له أمرا محرما كالقتل والسرقة والزنا وما يشبه ~~ذلك. وقد أشار القرطبى إلى هذا الوجه بقوله " وقيل نزلت فى النضر بن ~~الحارث، كان يدعو ويقول - كما حكى القرآن عنه - # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # وقيل هو أن يدعو فى طلب المحظور، كما يدعو فى طلب المباح. كما فى قول ~~الشاعر # أطوف بالبيت فيمن يطوف وأرفع من مئزرى المسبل واسجل بالليل حتى ~~الصباح وأتلوا من المحكم المنزل عسى فارج الهم عن يوسف يسخر لى ~~ربة المحمل # ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب، لأنه المأثور عن بعض الصحابة ~~والتابعين وهم أدرى بتفسير كتاب الله من غيرهم. قال ابن جرير - رحمه الله ~~- عند تفسيره لهذه الآية عن ابن عباس قال فى قوله - تعالى - { ويدع ~~الإنسان بالشر دعآءه بالخير.. } يعنى قول الإنسان ~~اللهم العنه واغضب عليه، فلو يعجل له الله ذلك كما يعجل له الخير لهلك... ~~وقال قتادة يدعو على ماله فيلعن ماله، ويدعو على ولده، ولو استجاب الله ~~له لأهلكه. وقال مجاهد ذلك دعاء الإنسان بالشر على ولده وعلى امرأته ولا ~~يحب أن يجاب. وقوله - تعالى - { وكان الإنسان عجولا } بيان ~~للسبب الذى حمل الإنسان على أن يدعو بالشر كما يدعو بالخير. والعجول من ~~العجل - بفتح العين والجيم ms3165 - وهو الإسراع فى طلب الشئ قبل وقته. يقال ~~عجل - بزنة تعب - يعجل فهو عجلان، إذا أسرع. أى وكان الإنسان متسرعا فى ~~طلب كل ما يقع فى قلبه، ويخطر بباله، لا يتأنى فيه تأنى المتبصر، ولا ~~يتأمل تأمل المتدبر. وشبيه بهذه الجملة قوله - تعالى - # خلق الإنسان من عجل سأوريكم آياتي فلا ~~تستعجلون # ثم ساق - سبحانه - ما يدل على كمال قدرته، وسعة رحمته بعباده، ومجازاتهم ~~على أعمالهم يوم القيامة فقال - تعالى - { وجعلنا اليل ~~والنهار آيتين فمحونآ آية اليل وجعلنآ آية ~~النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ~~ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء ~~فصلناه تفصيلا }. ### || [17.12-15] # قال أبو حيان قوله - تعالى - { وجعلنا اليل والنهار ~~آيتين.. } لما ذكر - سبحانه - القرآن وأنه هاد إلى الطريقة ~~المستقيمة، ذكر ما أنعم به مما لم يمكن الانتفاع إلا به، وما دل على ~~توحيده من عجائب العالم العلوى. وأيضا لما ذكر عجلة الإنسان، وانتقاله ~~من حال إلى حال ذكر أن كل هذا العالم كذلك فى الانتقال لا يثبت على حال، ~~فنور عقب ظلمة وبالعكس، وازدياد نور وانتقاص آخر. والمراد بالآيتين هنا ~~العلامتان الواضحتان، الدالتان على قدرة الله - تعالى - ووحدانيته. وقوله ~~{ فمحونا } من المحو بمعنى إزالة أثر الشئ، يقال محا فلان الشئ محوا - من ~~باب قتل - إذا أزال أثره. وللعلماء فى تفسير هذه الآية اتجاهات أما ~~الاتجاه الأول فيرى أصحابه، أن المراد بالآيتين نفس الليل والنهار، وأن ~~الكلام ليس فيه حذف. فيكون المعنى وجعلنا الليل والنهار - بهيئاتهما ~~الثابتة، وتعاقبهما الدائم، واختلافهما طولا وقصرا - آيتين كونيتين ~~كبيرتين، دالتين على أن لهما صانعا قادرا، حكيما، هو الله رب العالمين. ~~وقوله - سبحانه - { فمحونآ آية اليل } أى فجعلنا الآية التى هى ~~الليل. ممحوة الضوء، مظلمة الهيئة، مختفية فيها الأشياء، ساكنة فيها ~~الحركات. وقوله - تعالى - { وجعلنآ آية النهار مبصرة } ~~أى وجعلنا الآية التى هى النهار مضيئة، تبصر فيها الأشياء وترى بوضوح ~~وجلاء. وعلى هذا الاتجاه، تكون إضافة الآية إلى الليل والنهار من إضافة ~~الشئ إلى نفسه، مع اختلاف اللفظ، تنزيلا لاختلاف اللفظ منزلة الاختلاف فى ms3166 ~~المعنى، كما فى قوله - تعالى - # شهر رمضان # فرمضان هو نفس الشهر. وأما الاتجاه الثانى فيرى أصحابه أن الكلام على ~~حذف مضاف، وأن المراد بالآيتين الشمس والقمر، فيكون المعنى وجعلنا نيرى ~~الليل والنهار - وهما الشمس والقمر - آيتين دالتين على قدرة الله - تعالى ~~- ووحدانيته، فمحونا آية الليل - وهى القمر -، بأن أزلنا عنه شعاعه ~~وضياءه، ولم نجعله كالشمس فى ذلك، وجعلنا آية النهار - وهى الشمس - ~~مبصرة، أى ذات شعاع وضياء يبصر فى ضوئها الشئ على حقيقته. وقد ذكر صاحب ~~الكشاف هذين الوجهين دون أن يرجح بينهما فقال قوله - تعالى - { ~~وجعلنا اليل والنهار آيتين.. } فيه وجهان أحدهما أن ~~يراد أن الليل والنهار آيتان فى أنفسهما، فتكون الإضافة فى آية الليل ~~وآية النهار للتبيين، كإضافة العدد إلى المعدود، أى فمحونا الآية التى هى ~~الليل، وجعلنا الآية التى هى النهار مبصرة. والثانى أن يراد وجعلنا نيرى ~~الليل والنهار آيتين، يريد الشمس والقمر... أى فمحونا آية الليل التى هى ~~القمر، حيث لم نخلق له شعاعا كشعاع الشمس تبصر به الأشياء، وجعلنا الشمس ~~ذات شعاع يبصر فى ضوئها كل شئ. # والذى نراه أن الاتجاه الأول أقرب إلى الصواب، لأنه هو الظاهر من معنى ~~الآية الكريمة ولأنه لا يحتاج إلى تقدير، وما كان كذلك أولى مما يحتاج ~~إلى تقدير، ولأن الليل والنهار هما بذاتهما من أظهر العلامات والأدلة على ~~قدرة الله - تعالى - ووحدانيته. وهناك عشرات الآيات القرآنية فى هذا ~~المعنى، ومن ذلك قوله - تعالى - # وآية لهم اليل نسلخ منه النهار فإذا هم ~~مظلمون # وقوله - تعالى - # ومن آياته اليل والنهار والشمس والقمر... # وقال - تعالى - # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف اليل ~~والنهار لآيات لأولي الألباب # إلى غير ذلك من الآيات الكريمة التى أوردها الله - تعالى - فى هذا ~~المعنى. وقوله - سبحانه - { لتبتغوا فضلا من ربكم } ~~بيان لمظهر من مظاهر حكمته - تعالى - ورحمته بعباده. والجملة الكريمة ~~متعلقة بما قبلها، وهو قوله - سبحانه - { وجعلنآ آية النهار ~~مبصرة } أى جعلنا النهار مضيئا، لتطلبوا فيه ما تحتاجونه من أمور ~~معاشكم، ومن الأرزاق التى قسمها الله ms3167 بينكم. قال الآلوسى ما ملخصه وفى ~~التعبير عن الرزق بالفضل، وعن الكسب بالابتغاء دلالة على أنه ليس للعبد ~~فى تحصيل الرزق تأثير سوى الطلب، وإنما الإعطاء من الله - تعالى - بطريق ~~التفضل... وشبيه بهذه الجملة الكريمة قوله - تعالى - # ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا ~~فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون # فقوله - تعالى - { لتسكنوا فيه } يعود إلى الليل. وقوله - تعالى - { ~~ولتبتغوا من فضله } يعود على النهار. ثم بين - سبحانه - حكمة ~~أخرى ونعمة أخرى لجعله الليل والنهار على هذه الهيئة فقال { ~~ولتعلموا عدد السنين والحساب }. أى وجعلنا الليل ~~والنهار على هذه الصفة من التعاقب والاختلاف فى الطول والقصر لتعرفوا عن ~~طريق ذلك عدد الأيام والشهور والأعوام، التى لا تستغنون عن معرفتها فى ~~شئون حياتكم، ولتعرفوا - أيضا - الحساب المتعلق بها فى معاملاتكم، وبيعكم ~~وشرائكم، وأخذكم وعطائكم، وصلاتكم، وصيامكم، وزكاتكم، وحجكم، وأعيادكم.. ~~وغير ذلك مما تتوقف معرفته على تقلب الليل والنهار. وولوج أحدهما فى ~~الآخر. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { وكل شيء ~~فصلناه تفصيلا }. والتفصيل من الفصل بمعنى القطع. والمراد به ~~هنا الإبانة التامة للشئ بحيث يظهر ظهورا لا خفاء معه ولا التباس. ولفظ ~~{ كل } منصوب على الاشتغال بفعل يفسره ما بعده. أى وفصلنا كل شئ تحتاجون ~~إليه فى أمور دينكم ودنياكم، تفصيلا، واضحا جليا، لا خفاء معه ولا ~~التباس، فقد أقمنا هذا الكون على التدبير المحكم، وعلى الصنع المتقن، ~~وليس على المصادفات التى لا تخضع لنظام أو ترتيب. ثم ساق - سبحانه - صورة ~~من صور هذا التفصيل المحكم فى كل شئ فقال - تعالى - { وكل إنسان ~~ألزمناه طآئره في عنقه }. # والمراد بطائره عمله الصادر عنه باختياره وكسبه، حسبما قدره الله - ~~تعالى - عليه من خير وشر. أى وألزمنا كل إنسان مكلف عمله الناتج عنه، ~~إلزاما لا فكاك له منه، ولا قدرة له على مفارقته. وعبر - سبحانه - عن عمل ~~الإنسان بطائره، لأن العرب كانوا - كما يقول الآلوسى - يتفاءلون بالطير، ~~فإذا سافروا ومر بهم الطير زجروه، فإن مر بهم سانحا - أى من جهة الشمال ~~إلى اليمين - تيمنوا ms3168 وتفاءلوا، وإن مر بارحا، أى من جهة اليمين الى ~~الشمال تشاءموا، فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر، استعير استعارة ~~تصريحية، لما يشبههما من قدر الله - تعالى - وعمل العبد، لأنه سبب للخير ~~والشر. وقوله - سبحانه - { فى عنقه } تصوير لشدة اللزوم وكمال الارتباط ~~بين الإنسان وعمله. وخص - سبحانه - العنق بالذكر من بين سائر الأعضاء، ~~لأن اللزوم فيه أشد، ولأنه العضو الذى تارة يكون عليه ما يزينه كالقلادة ~~وما يشبهها، وتارة يكون فيه ما يشينه كالغل والقيد وما يشبههما. قال ~~الامام ابن كثير وطائره هو ما طار عنه من عمله كما قال ابن عباس ومجاهد، ~~وغير واحد - من خير أو شر، يلزم به ويجازى عليه كما قال - تعالى - # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # وكما قال - تعالى - # إنما تجزون ما كنتم تعملون # والمقصود أن عمل ابن آدم محفوظ عليه، قليله وكثيره ويكتب عليه ليلا ~~ونهارا، صباحا ومساء. وقوله - سبحانه - { ونخرج له يوم ~~القيامة كتابا يلقاه منشورا } بيان لحاله فى الآخرة بعد ~~بيان حاله فى الدنيا. والمراد بالكتاب هنا صحائف أعماله التى سجلت عليه ~~فى الدنيا. أى ألزمنا كل إنسان مكلف عمله الصادر عنه فى الدنيا، وجعلناه ~~مسئولا عنه دون غيره. أما فى الآخرة فسنخرج له ما عمله من خير أو شر " فى ~~كتاب يلقاه منشورا " أى مفتوحا بحيث يستطيع قراءته، ومكشوفا بحيث لا يملك ~~إخفاء شئ منه، أو تجاهله، أو المغالطة فيه. كتاب ظهرت فيه الخبايا ~~والأسرار ظهورا يغنى عن الشهود والجدال. كتاب مشتمل على كل صغيرة وكبيرة ~~من أعمال الإنسان، كما قال - تعالى - # ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم ~~نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا ~~بها وكفى بنا حاسبين # ثم بين - سبحانه - ما يخاطب به الإنسان بعد أن فتح كتابه أمامه، فقال - ~~تعالى - { اقرأ كتبك كفى بنفسك اليوم عليك ~~حسيبا }. أى ويقال له بعد أن وجد كتابه منشورا أمامه، اقرأ كتابك هذا، ~~وما اشتمل عليه من أعمال صدرت عنك فى الدنيا، كفى ms3169 بنفسك اليوم عليك ~~حسيبا. # أى محاسبا، كجليس بمعنى مجالس، أو حاسبا وعادا كصريم بمعنى صارم يقال ~~حسب فلان على فلان قوله، إذا عده عليه. ولفظ { كفى } هنا لازم، ويطرد فى ~~هذه الحالة جر فاعله بالباء المزيدة لتوكيد الكفاية و { حسيبا } تمييز، ~~وعليك متعلق به. وتارة يأتى لفظ { كفى } متعديا، كما فى قوله - تعالى - # وكفى الله المؤمنين القتال # ثم ساق - سبحانه - قاعدة كلية، لتحمل كل إنسان نتيجة عمله، فقال - تعالى ~~- { من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل ~~فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى }. ~~والفعل { تزر } من الوزر بمعنى الإثم والحمل والثقل. يقال وزر يزر وزرا، ~~أى أثم، أو حمل حملا ثقيلا، ومنه سمى الوزير، لأنه يحمل أعباء تدبير شئون ~~الدولة. أى من اهتدى إلى الطريق المستقيم، وقدم فى حياته العمل الصالح ~~فثمرة هدايته راجعة إلى نفسه، ومن ضل عن الطريق القويم، وفسق عن أمر ربه ~~فوبال ضلاله راجع إليه وحده، ولا تحمل نفس آثمة، إثم نفس أخرى، وإنما ~~تسأل كل نفس عن آثامها فحسب. وقد تكرر هذا المعنى فى كثير من آيات القرآن ~~الكريم ومن ذلك قوله - تعالى - # ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى # وقوله - تعالى - # ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى ~~حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى.. # ولا يتنافى هذا مع قوله - تعالى - # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم.. # وقوله - تعالى - # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم.. # لأن المقصود فى هاتين الآيتين وأشباههما، أن دعاة الكفر والفسوق ~~والعصيان، يحملون ذنوبهم يوم القيامة، ويحملون فوق ذلك جانبا من ذنوب من ~~كانوا هم سببا فى ضلالهم، لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل ~~بها - كما جاء فى الحديث الصحيح - فهم يحملون آثام أنفسهم، والآثام التى ~~كانوا سببا فى ارتكاب غيرهم لها. كذلك لا يتنافى قوله - تعالى - { ولا ~~تزر وازرة وزر أخرى } مع ما ثبت فى الحديث الصحيح عن ابن ~~عمر رضى الله ms3170 عنهما من # " أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه.. ". # لأن العلماء حملوا الحديث على أن يكون الميت قد أوصى بذلك قبل موته، أو ~~أن يهمل نهيهم عن النوح عليه قبل موته، مع أنه يعلم أنهم سينوحون عليه ~~ويشقون الجيوب، ويلطمون الخدود.. فتعذيبه بسبب تفريطه، وعدم تنفيذه لقوله ~~- تعالى - # يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا ~~وقودها الناس والحجارة.. # وقوله - تعالى - { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ~~} بيان لمظهر من مظاهر رحمة الله - تعالى - بعباده - ورأفته بهم، وكرمه ~~معهم. # قال الآلوسى قوله { وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا } بيان للعناية الربانية إثر بيان آثار الهداية والضلالة ~~بأصحابها، وعدم حرمان المهتدى من ثمرات هدايته. وعدم مؤاخذة النفس بجناية ~~غيرها. أى وما صح وما استقام منا، بل استحال فى سنتنا المبنية على الحكم ~~البالغة.. أن نعذب أحدا بنوع ما من العذاب دنيويا كان أو أخرويا، على فعل ~~شئ أو ترك شئ أصليا كان أو فرعيا، حتى نبعث إليه { رسولا } يهدى إلى ~~الحق، ويردع عن الضلال، ويقيم الحجج، ويمهد الشرائع... وقد وردت آيات ~~كثيرة فى القرآن الكريم، تشبه هذه الآية، فى بيان أن الله - تعالى - لا ~~يعذب أحدا من خلقه، حتى يبعث إليه رسولا يبشره وينذره، فيعصى ذلك الرسول، ~~ويستمر فى كفره وضلاله بعد التبشير والإنذار. ومن هذه الآيات قوله - ~~تعالى - # رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما # وقوله - تعالى - # ولو أنآ أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ~~من قبل أن نذل ونخزى # وقوله - تعالى - # يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم ~~على فترة من الرسل أن تقولوا ما جآءنا من ~~بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير.. # قال ابن كثير عند تفسيره لقوله - تعالى - { وما كنا معذبين ~~حتى نبعث رسولا } هذا إخبار عن عدله - تعالى - وأنه لا يعذب ~~أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه، بإرسال الرسول إليه، كما قال - تعالى - # كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتهآ ألم ~~يأتكم نذير ms3171 قالوا بلى قد جآءنا نذير فكذبنا ~~وقلنا ما نزل الله من شيء.. # إلى غير ذلك من الآيات التى تدل على أن الله - تعالى - لا يدخل أحدا ~~النار إلا بعد إرسال الرسول إليه... هذا، وما ذهب إليه الإمام ابن كثير، ~~والإمام الآلوسى، من أن الله - تعالى - اقتضت رحمته وعدالته، أنه لا ~~يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه، عن طريق إرسال الرسل، هو الذى ~~نعتقده، وتطمئن إليه نفوسنا، لأنه هو الظاهر من معانى الآيات الكريمة، ~~ولأنه هو المناسب لرحمة الله - تعالى - التى وسعت كل شئ. وهناك من يرى أن ~~من مات على الكفر فهو فى النار، ولو لم يرسل الله - تعالى - إليه رسولا، ~~واستدلوا بأدلة لا مجال لذكرها هنا. ثم ساق - سبحانه سنة من سننه فى ~~إهلاك الأمم، وفى حال الذين يريدون العاجلة وحال الذين يريدون الآجلة، ~~فقال - تعالى - { وإذآ أردنآ أن نهلك قرية أمرنا ~~مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول ~~فدمرناها تدميرا }. ### || [17.16-22] # قال أبو حيان - رحمه الله - لما ذكر - تعالى - فى الآية السابقة، أنه لا ~~يعذب أحدا حتى يبعث إليه رسولا، بين بعد ذلك علة إهلاكهم، وهى مخالفة أمر ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، والتمادى على الفساد - فقال، سبحانه - { ~~وإذآ أردنآ أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ~~ففسقوا فيها.. }. وقوله - سبحانه - { أمرنا } من الأمر الذى هو ضد ~~النهى، والمأمور به هو الإيمان والعمل الصالح، والشكر لله رب العالمين، ~~وحذف لظهوره والعلم به. وقوله { مترفيها } جمع مترف، وهو المتنعم الذى لا ~~يمنع من تنعمه، بل يترك يفعل ما يشاء. يقال ترف فلان - كفرح - أى تنعم، ~~وفلان أترفته النعمة، أى أطغته وأبطرته لأنه لم يستعملها فى وجوهها ~~المشروعة. والمراد بهم، أصحاب الجاه والغنى والسلطان، الذين أحاطت بهم ~~النعم من كل جانب، ولكنهم استعملوها فى الفسوق والعصيان، لا فى الخير ~~والإحسان. والمعنى وإذا قرب وقت إرادتنا إهلاك أهل قرية، أمرنا مترفيها، ~~وأهل الغنى والسلطان فيها بالإيمان والعمل الصالح، والمداومة على طاعتنا ~~وشكرنا، فلم يستجيبوا لأمرنا، بل فسقوا فيها، وعاثوا فى الأرض فسادا. ~~وهذا ms3172 الأمر إنما هو على لسان الرسول المبعوث إلى أهل تلك القرية، وعلى ~~ألسنة المصلحين المتبعين لهذا الرسول والآمرين بالمعروف والناهين عن ~~المنكر. وقال - سبحانه - { وإذآ أردنآ أن نهلك قرية... ~~} مع أن الهلاك لأهلها، للإشارة إلى أن هذا الهلاك لن يصيب أهلها فقط، ~~بل سيصيبهم ويصيب معهم مساكنهم وأموالهم وكل ما احتوته تلك القرية، بحيث ~~تصير هى وسكانها أثرا بعد عين. وخص مترفيها بالذكر مع أن الأمر بالطاعة ~~للجميع، لأن هؤلاء المترفين هم الأئمة والقادة، فإذا ما استجابوا للأمر ~~استجاب غيرهم تبعا لهم فى معظم الأحيان، ولأنهم فى أعم الأحوال هم الأسرع ~~إلى ارتكاب ما نهى الله عنه، وإلى الانغماس فى المتع والشهوات. والحكمة ~~من هذا الأمر، هو الإعذار والإنذار، والتخويف والوعيد. كما قال - تعالى ~~- # رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل.. # وهذا التفسير للآية الكريمة، سار عليه جمهور المفسرين. ولصاحب الكشاف ~~رأى يخالف ذلك، فهو يرى أن الأمر فى الآية الكريمة مجاز عن إمدادهم ~~بالنعم الكثيرة التى أبطرتهم. قال - رحمه الله - قوله - تعالى - { وإذا ~~أردنا } وإذا دنا وقت إهلاك قوم، ولم يبق من زمان إمهالهم إلا قليل ~~أمرناهم { ففسقوا } أى أمرناهم بالفسق ففعلوا. والأمر مجاز لأن حقيقة ~~أمرهم بالفسق أن يقول لهم افسقوا، وهذا لا يكون، فبقى أن يكون مجازا، ~~ووجه المجاز أنه صب عليهم النعمة صبا، فجعلوها ذريعة إلى المعاصى واتباع ~~الشهوات، فكأنهم مأمورون بذلك لتسبب إيلاء النعمة فيه، وإنما خولهم إياها ~~ليشكروا ويعملوا فيها الخير، ويتمكنوا من الإحسان والبر، كما خلقهم ~~أصحاء أقوياء، وأقدرهم على الخير والشر، وطلب منهم إيثار الطاعة، على ~~المعصية، فآثروا الفسوق، فلما فسقوا حق عليهم القول وهو كلمة العذاب ~~فدمرهم. # .. ومن المفسرين من يرى أن قوله - تعالى - { أمرنا } بمعنى كثرنا - ~~بتشديد الثاء - وقرئ { أمرنا } بتشديد الميم، أى كثرنا مترفيها وجعلناهم ~~أمراء مسلطين.. ولكن هذه القراءة. وقراءة { آمرنا } بمعنى " كثرنا " ~~أيضا، ليستا من القراءات السبعة أو العشرة، وإنما هما من القراءات ~~الشاذة. قال الإمام ابن جرير وأولى القراءات فى ذلك عندى ms3173 بالصواب، قراءة ~~من قرأ { أمرنا } بقصر الألف وتخفيف الميم - لإجماع الحجة من القراء ~~بتصويبها دون غيرها وإذا كان ذلك هو الأولى بالصواب بالقراءة، فأولى ~~التأويلات به من تأوله أمرنا أهلها بالطاعة فعصوا وفسقوا فيها. فحق عليهم ~~القول، لأن الأغلب من معنى { أمرنا } الأمر الذى هو خلاف النهى دون غيره. ~~وتوجيه معانى كلام الله - جل ثناؤه - إلى الأشهر الأعرف من معانيه، أولى ~~ما وجد إليه سبيل من غيره... ويبدو لنا أن الرأى الأول الذى سار عليه ~~جمهور المفسرين، وعلى رأسهم الإمام ابن جرير، أولى بالقبول، لأسباب منها ~~ان القرآن الكريم يؤيده فى كثير من آياته، ومن ذلك قوله - تعالى - # وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليهآ آباءنا ~~والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر ~~بالفحشآء.. # فقوله - تعالى - # قل إن الله لا يأمر بالفحشآء # دليل واضح على أن قوله - سبحانه - { أمرنا مترفيها ففسقوا ~~فيها.. } معناه أمرناهم بالطاعة ففسقوا، وليس معناه أمرناهم بالفسق ~~ففسقوا لأنه - سبحانه - لا يأمر لا بالفسق ولا بالفحشاء. ومنها أن ~~الأسلوب العربى السليم يؤيده لأنك إذا قلت أمرته فعصانى كان المعنى ~~المتبادر والظاهر من هذه الجملة، أمرته بالطاعة فعصانى، وليس معناه. ~~أمرته بالعصيان فعصانى. ومنها أن حمل الكلام على الحقيقة - كما سار جمهور ~~المفسرين - أولى من حمله على المجاز - كما ذهب صاحب الكشاف -. وقوله - ~~سبحانه - { فحق عليها القول فدمرناها تدميرا } ~~بيان لما نزل بهذه القرية وأهلها من عذاب محاها من الوجود، إذ التدمير هو ~~الإهلاك مع طمس الأثر، وهدم البناء. أى أمرنا مترفيها بطاعتنا وشكرنا، ~~فعصوا أمرنا وفسقوا فيها، فثبت وتحقق عليها عذابنا، فأهلكناها إهلاكا ~~استأصل شأفتها، وأزال آثارها. وأكد - سبحانه - فعل التدمير بمصدره، ~~للمبالغة فى إبراز شدة الهلاك الواقع على تلك القرية الظالم أهلها. قال ~~الآلوسى ما ملخصه والآية تدل على إهلاك أهل القرية على أتم وجه، وإهلاك ~~جميعهم، لصدور الفسق منهم جميعا، فإن غير المترف يتبع المترف عادة. # .. وقيل هلاك الجميع لا يتوقف على التبعية فقد قال - تعالى - # واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم ~~خآصة... # وقد ms3174 صح # " عن أم المؤمنين زينب بنت جحش أنها قالت قلت، يا رسول الله، أنهلك ~~وفينا الصالحون؟ قال نعم، إذا كثر الخبث ". # ثم بين - سبحانه - أن هذه القرية لم تكن بدعا فى نزول العذاب بها، بل ~~هناك قرى كثيرة عتت عن أمر ربها فأخذها - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، فقال ~~- تعالى - { وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح... }. ~~و { كم } هنا خبرية أى أن معناها الإخبار عن عدد كثير، وهى فى محل نصب ~~مفعول به لجملة { أهلكنا } و " من " فى قوله - تعالى - { من القرون } ~~بيان للفظ { كم } وتمييز له كما يميز العدد بالجنس. وأما " من " فى قوله ~~- تعالى - { من بعد نوح } فهى لابتداء الغاية. والقرون جمع قرن، ~~ويطلق على القوم المقترنين فى زمان واحد. والمشهور أن مدته مائة سنة. أى ~~أن هذه القرية المدمرة بسبب فسوق أهلها، وعصيانهم لأمرنا، ليست هى القرية ~~الوحيدة التى نزل بها عذابنا، بل إننا قد أهلكنا كثيرا من القرى من بعد ~~زمن نوح - عليه السلام - كقوم عاد وثمود وغيرهم ممن استحبوا العمى على ~~الهدى، وآثروا الكفر على الإيمان والغى على الرشد. وخص نوح - عليه ~~السلام - بالذكر، لأنه أول رسول كذبه قومه وآذوه وسخروا منه.. فأهلكهم ~~الله - تعالى - بالطوفان. قال ابن كثير ودل هذا على أن القرون التى كانت ~~بين آدم ونوح على الإسلام، كما قاله ابن عباس كان بين آدم ونوح عشرة ~~قرون كلهم على الإسلام. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالتهديد ~~الشديد لمن يخالف أمره فقال - تعالى - { وكفى بربك بذنوب ~~عباده خبيرا بصيرا }. أى وكفى بربك - أيها الرسول الكريم - ~~إحاطة واطلاعا وعلما بما يقدمه الناس من خير أو شر، فإنه - سبحانه - يعلم ~~السر وأخفى. والآية الكريمة بجانب أنها تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ~~فهى - أيضا - تهديد للمشركين، وإنذار لهم بأنهم إذا ما استمروا على ~~كفرهم، ومعاداتهم للحق، وتطاولهم على من جاء به وهو الرسول صلى الله عليه ~~وسلم فسيكونون محلا لغضب الله - تعالى - وسخطه، ولنزول عذابه الذى أهلك ~~به أمثالهم فى الشرك والكفر والجحود. وشبيه ms3175 بهذه الآية قوله - تعالى - # أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين ~~أمثالها # وقوله - تعالى - # ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ~~ونحن أقرب إليه من حبل الوريد # ثم بين - سبحانه - بعد ذلك مصير الذين يؤثرون العاجلة على الآجلة، فقال ~~- تعالى - { من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما ~~نشآء لمن نريد }. # والمراد بالعاجلة دار الدنيا، وهى صفة لموصوف محذوف أى الدار العاجلة ~~التى ينتهى كل شئ فيها بسرعة وعجلة. أى من كان يريد بقوله وعمله وسعيه، ~~زينة الدار العاجلة وشهواتها فحسب، دون التفات إلى ثواب الدار الآخرة، { ~~عجلنا له فيها } أى عجلنا لذلك الإنسان فى هذه الدنيا، { ما ~~نشاء } تعجيله له من زينتها ومتعها.. وهذا العطاء العاجل المقيد بمشيئتنا ~~ليس لكل الناس، وإنما هو { لمن نريد } عطاءه منهم، بمقتضى حكمتنا ~~وإرادتنا. فأنت ترى أنه - سبحانه - قد قيد العطاء لمن يريد العاجلة ~~بمشيئته وإرادته. ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية " ~~من كانت العاجلة همه، ولم يرد غيرها كالكفرة وأكثر الفسقة، تفضلنا عليه ~~من منافعها بما نشاء لمن نريد. فقيد الأمر تقييدين أحدهما تقييد المعجل ~~بمشيئته، والثانى تقييد المعجل له بإرادته. وهكذا الحال، ترى كثيرا من ~~هؤلاء يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضا منه، وكثيرا منهم يتمنون ذلك ~~البعض وقد حرموا فاجتمع عليهم فقر الدنيا وفقر الآخرة وأما المؤمن التقى ~~فقد اختار مراده، وهو غنى الآخرة فما يبالى أوتى حظا من الدنيا أو لم ~~يؤت. فإن أوتى فيها شكر، وإن لم يؤت صبر، فربما كان الفقر خيرا له، وأعون ~~على مراده. وقوله { لمن نريد } بدل من { له } وهو بدل البعض من الكل، لأن ~~الضمير يرجع إلى { من } وهو فى معنى الكثرة ومفعول نريد محذوف. أى لمن ~~نريد عطاءه. وقوله { ثم جعلنا له جهنم يصلاها ~~مذموما مدحورا } بيان لسوء مصير هذا المريد للعاجلة فى الآخرة. ~~و { يصلاها } أى يلقى فيها ويذوق حرها وسعيرها يقال صليت الشاة شويتها ~~وصلى فلان ms3176 بالنار - من باب تعب - إذا وجد حرها. و { مذموما } من الذم ~~الذى هو ضد المدح. و { مدحورا } من الدحور بمعنى الطرد واللعن. يقال دحره ~~دحرا ودحورا، إذا طرده وأبعده. أى من كان يريد بسعيه الدنيا وزينتها ~~أعطيناه منها ما نشاء إعطاءه له، أما فى الآخرة فقد جعلنا له جهنم ~~يدخلها، ويصلى حرها ولهيبها، حالة كونه { مذموما } أى مبغوضا بسبب سوء ~~صنيعه، { مدحورا } أى مطرودا ومبعدا من رحمة الله - تعالى -. قال الإمام ~~الرازى ما ملخصه وفى لفظ هذه الآية فوائد منها أن العقاب عبارة عن مضرة ~~مقرونة بالإهانة والذم، بشرط أن تكون دائمة وخالية عن شوب المنفعة فقوله ~~{ ثم جعلنا له جهنم يصلاها } إشارة إلى المضرة العظيمة. ~~وقوله { مذموما } إشارة إلى الإهانة والذم. وقوله { مدحورا } إشارة إلى ~~البعد والطرد عن رحمة الله - تعالى -. وهى تفيد كون تلك المضرة خالية عن ~~شوب النفع والرحمة، وتفيد كونها دائمة وخالية عن التبدل بالراحة والخلاص. # .. وقوله - سبحانه - { ومن أراد الآخرة وسعى لها ~~سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا } ~~بيان لحسن عاقبة المؤمنين الصادقين بعد بيان سوء عاقبة المؤثرين لمتع ~~الدنيا وشهواتها. أى ومن أراد بقوله وعمله ثواب الدار الآخرة، وما فيها ~~من عطاء غير مقطوع، وسعى لهذه الدار سعيها الذى يوصله إلى مرضاة الله - ~~تعالى - حالة كونه مؤمنا بالله - تعالى - وبكل ما يجب الإيمان به، { ~~فأولئك } الذى فعلوا ذلك، { كان سعيهم } للدار الآخرة سعيا { مشكورا } من ~~الله - تعالى -، حيث يقبله - سبحانه - منهم، ويكافئهم عليه بما يستحقون ~~من ثواب لا يعلم مقداره إلا هو - سبحانه - وعبر - عز وجل - بالسعى عن ~~أعمالهم الصالحة، للإشعار بجدهم وحرصهم على أداء ما يرضيه - تعالى - ~~بدون إبطاء أو تأخير، إذ السعى يطلق على المشى الذى تصاحبه السرعة. وأشار ~~- سبحانه - إليهم بأولئك، للإشعار بعلو درجاتهم وسمو مراتبهم. قال بعض ~~العلماء ما ملخصه وفى الآية الدليل الواضح على أن الأعمال الصالحة لا ~~تنفع إلا مع الإيمان بالله - تعالى - لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة. ~~ولذا قال - سبحانه - { ومن أراد الآخرة وسعى ms3177 لها ~~سعيها وهو مؤمن.. }. وقد أوضح - سبحانه - هذا فى آيات كثيرة، ~~منها قوله - تعالى - # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فلنحيينه حياة طيبة # ومفهوم هذه الآية وأمثالها، أن غير المؤمن إذا قدم عملا صالحا فى الدنيا ~~لا ينفعه فى الآخرة لفقد شرط الإيمان، قال - تعالى - # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # وروى الإمام مسلم فى صحيحه عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها فى الدنيا، ويجزى بها فى الآخرة. ~~وأما الكافر فيطعم بحسناته ما عمل بها لله فى الدنيا، حتى إذا أفضى إلى ~~الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها ". # ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدل على كمال قدرته، وسعة عطائه فقال { ~~كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطآء ربك وما ~~كان عطآء ربك محظورا } ولفظ " كلا " هنا مفعول به للفعل نمد ~~والتنوين عوض عن المضاف إليه. أى نمد كل واحد من الفريقين. وقوله { نمد } ~~من الإمداد بمعنى الزيادة. يقال أمد القائد الجيش بالجند، إذا زاده ~~وقواه. والمراد باسم الإشارة الأول { هؤلاء } المؤثرون للعاجلة، والمراد ~~بالثانى الراغبون فى ثواب الآخرة. والمعنى كلا من الفريقين نمده من فضلنا ~~وإحساننا فنعطى ما نريد إعطاءه لمن يريد العاجلة ولمن يريد الآجلة دون أن ~~ينقص مما عندنا شئ، ودون أن يخرج عن مشيئتنا شئ. # { وما كان عطآء ربك } أيها الرسول الكريم { محظورا } أى ~~ممنوعا لا عن المؤمن ولا عن الكافر، ولا فى الدنيا ولا فى الآخرة. من ~~الحظر بمعنى المنع يقال حظره يحظره - من باب قتل - فهو محظور، أى ممنوع. ~~ثم أمر - سبحانه - عباده بالنظر والتأمل فى أحوال خلقه، ليزدادوا عظة ~~وعبرة، فقال { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ~~وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا }. أى انظر - ~~أيها العاقل - نظر تأمل وتدبر واعتبار فى أحوال الناس، لترى عن طريق ~~المشاهدة كيف فضل الله - تعالى - بعض الناس على بعض فى هذه الحياة، فهذا ~~غنى وذاك فقير، وهذا ms3178 قوى وذاك ضعيف، وهذا ذكى وذاك خامل، وهذا مالك وذاك ~~مملوك. إلى غير ذلك من الأحوال التى تدل على تفاوت الناس فى هذه الدنيا، ~~على حسب ما تقتضيه إرادة الله - تعالى - وحكمته، ومشيئته. أما فى الآخرة ~~فالناس فيها أكبر تفاضلا وتفاوتا فى الدرجات والمنازل، مما كانوا عليه فى ~~الدنيا. قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه وقوله { ~~وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا } أى ولتفاوتهم ~~فى الدار الآخرة أكبر من الدنيا، فإن منهم من يكون فى الدركات فى جهنم ~~وسلاسلها وأغلالها، ومنهم من يكون فى الدرجات العلا ونعيمها وسرورها. ثم ~~أهل الدركات يتفاوتون فيما هم فيه، كما أن أهل الدرجات يتفاوتون، فإن فى ~~الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض. وفى الصحيحين # " إن أهل الدرجات العلا ليرون أهل عليين، كما ترون الكوكب الغابر فى أفق ~~السماء ". # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت لنا سنة من سنن الله - تعالى - فى ~~إهلاك الأمم، وأنه - تعالى - ما أهلكها إلا بعد أن عتت عن أمره، وعصت ~~رسله، كما أنها بينت لنا سوء عاقبة الذين يؤثرون متع الدنيا على طاعة ~~الله - تعالى -، وحسن عاقبة الذين يريدون الآخرة وما فيها من ثواب جزيل، ~~وأن الفريقين لا ينالون مما يطلبونه إلا ما قدره الله - تعالى - لهم، وأن ~~عطاءه للناس جميعا لا ينقص مما عنده شيئا، وأن حكمته - سبحانه - قد اقتضت ~~تفضيل بعض الناس على بعض فى الدنيا والآخرة، وصدق - عز وجل - حيث يقول { ~~انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة ~~أكبر درجات وأكبر تفضيلا }. قال الإمام الرازى ما ~~ملخصه بعد أن بين - سبحانه - أن الناس فريقان فريق يريد بعمله الدنيا ~~فقط، وفريق يريد بعمله طاعة الله، ثم شرط ذلك بشرائط ثلاثة أولها إرادة ~~الآخرة، وثانيها أن يسعى سعيا موافقا لطلب الآخرة، وثالثها أن يكون ~~مؤمنا. # لا جرم فصل فى هذه الآيات تلك المجملات فبدأ أولا بشرح حقيقة ~~الإيمان... ثم ذكر عقبيه سائر الأعمال.... والخطاب فى قوله - تعالى - { ~~لا تجعل... } لكل من ms3179 يصلح له. والقعود فى قوله { فتقعد } قيل بمعنى المكث ~~كما يقول القائل فلان قاعد فى أسوأ حال، أى ماكث فى أسوأ حال، سواء أكان ~~قاعدا أم غير قاعد. وقيل بمعنى العجز، لأن العرب تقول فلان ما أقعده عن ~~المكارم، أى ما أعجزه عنها، وقيل هو بمعنى الصيرورة، من قولهم فلان شحذ ~~الشفرة حتى قعدت كأنها حربة، أى صارت. والذى تطمئن إليه النفس أن القعود ~~على حقيقته، لأن من شأن المذموم المخذول أن يقعد حائرا نادما على ما فرط ~~منه. وقوله - سبحانه - { مخذولا } من الخذلان، وهو ترك النصرة عند الحاجة ~~اليها. يقال خذل فلان صديقه، أى امتنع عن نصره وعونه مع حاجته الشديدة ~~إليهما. والمعنى لا تجعل - أيها المخاطب - مع الله - تعالى - إلها آخر فى ~~عبادتك أو خضوعك، فتقعد جامعا على نفسك مصيبتين مصيبة الذم من الله - ~~تعالى - ومن أوليائه، لأنك تركت عبادة من له الخلق والأمر، وعبدت ما لا ~~يملك لنفسه نفعا ولا ضرا. ومصيبة الخذلان، بحيث لا تجد من يعينك أو ~~ينصرك، فى ساعة أنت أحوج ما تكون فيها إلى العون والنصر. وجاء الخطاب فى ~~قوله - تعالى - { لا تجعل } عاما، لكى يشعر كل فرد يصلح للخطاب أن هذا ~~النهى موجه إليه، وصادر إلى شخصه. لأن سلامة الاعتقاد مسألة شخصية، مسئول ~~عنها كل فرد بذاته وسيحمل وحده تبعة انحرافه عن طريق الحق # يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله ~~بقلب سليم # وقوله { فتقعد } منصوب لأنه وقع بعد الفاء جوابا للنهى. وقوله { مذموما ~~مخذولا } حالان من الفاعل. وفى هذه الجملة الكريمة تصوير بديع لحال ~~الإنسان المشرك، وقد حط به الذم والخذلان، فقعد مهموما مستكينا عاجزا عن ~~تحصيل الخيرات، ومن السعى فى تحصيلها. قال الآلوسى وفى الآية الكريمة ~~إشعار بأن الموحد جامع بين المدح والنصرة. ثم ساق - سبحانه - بضع عشرة ~~آية، تناولت مجموعة من التكاليف تزيد على عشرين أمرا ونهيا. وهذه ~~التكاليف قد افتتحت بالنهى عن الإشراك بالله - تعالى - وبالأمر ~~بالإحسان إلى الوالدين قال - تعالى - { وقضى ربك ألا ~~تعبدوا ms3180 إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما ~~يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل ~~لهمآ أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما... ~~}. ### || [17.23-25] # وبعد أن ذكر - سبحانه - الأساس فى قبول الأعمال، وهو إخلاص العبادة له - ~~عز وجل - وحده، أتبع ذلك بتأكيد هذا الأساس بما هو من شرائط الإيمان ~~الحق وشعائره فقال - تعالى - { وقضى ربك ألا تعبدوا ~~إلا إياه وبالوالدين إحسانا.. }. قال القرطبى ما ~~ملخصه { قضى } أى أمر وألزم وأوجب... والقضاء يستعمل فى اللغة على وجوه، ~~فالقضاء بمعنى الأمر، كما فى هذه الآية والقضاء بمعنى الخلق كقوله # فقضاهن سبع سماوات في يومين # يعنى خلقهن، والقضاء بمعنى الحكم، كقوله - تعالى - # فاقض مآ أنت قاض # يعنى احكم ما أنت تحكم. والقضاء بمعنى الفراغ من الشئ، كقوله # قضي الأمر الذي فيه تستفتيان # أى فرغ منه. والقضاء بمعنى الارادة. كقوله - تعالى - # إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون.. # والمعنى لقد نهى ربك عن الاشراك به نهيا قاطعا، وأمر أمرا محكما لا ~~يحتمل النسخ، بأن لا تعبدوا أحدا سواه، إذ هو الخالق لكل شئ، والقادر على ~~كل شئ، وغيره مخلوق وعاجز عن فعل شئ إلا بإذنه - سبحانه -. فالجملة ~~الكريمة أمر لازم لإخلاص العبادة لله، بعد النهى عن الإشراك به فى قوله ~~- تعالى - # لا تجعل مع الله إلها آخر.. # وقد جاء هذا الأمر بلفظ { قضى } زيادة فى التأكيد، لأن هذا اللفظ هنا ~~يفيد الوجوب القطعى الذى لا رجعة فيه، كما أن اشتمال الجملة الكريمة على ~~النفى والاستثناء - وهما أعلا مراتب القصر - يزيد هذا الأمر تأكيدا ~~وتوثيقا. ثم أتبع - سبحانه - الأمر بوحدانيته، بالأمر بالإحسان إلى ~~الوالدين فقال { وبالوالدين إحسانا }. أى وقضى - أيضا - بأن تحسنوا - ~~أيها المخاطبون - إلى الوالدين إحسانا كاملا لا يشوبه سوء أو مكروه. وقد ~~جاء الأمر بالاحسان إلى الوالدين عقب الأمر بوجوب إخلاص العبادة لله، فى ~~آيات كثيرة. منها قوله - تعالى - # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا ~~تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا.. # وقوله - تعالى - # وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا ~~الله وبالوالدين ms3181 إحسانا.. # ولعل السر فى ذلك هو الإشعار للمخاطبين بأهمية هذا الأمر المقتضى لوجوب ~~الإحسان إلى الوالدين، حيث إنهما هما السبب المباشر لوجود الإنسان فى ~~هذه الحياة، وهما اللذان لقيا ما لقيا من متاعب من أجل راحة أولادهما، ~~فيجب أن يقابل ما فعلاه بالشكر والاعتراف بالجميل. قال بعض العلماء وقد ~~جاءت هذه الوصية بأسلوب الأمر بالواجب المطلوب، وهو الإحسان إلى ~~الوالدين، ولم تذكر بأسلوب النهى سموا بالإنسان عن أن تظن به الإساءة ~~إلى الوالدين، وكأن الاساءة إليهما، ليس من شأنها أن تقع منه حتى يحتاج ~~إلى النهى عنها. # .. ثم فصل - سبحانه - مظاهر هذا الإحسان فقال { إما يبلغن ~~عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهمآ ~~أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما.. }. و { إما ~~} حرف مركب من " إن " الشرطية، ومن " ما " المزيدة عليها للتأكيد، وقوله ~~{ أحدهما } فاعل يبلغن. وقرأ حمزة والكسائى { إما يبلغان } فيكون قوله { ~~أحدهما } بدل من ألف الاثنين فى { يبلغان }. وقوله { فلا تقل ~~لهمآ أف } جواب الشرط. قال الآلوسى و { أف } اسم صوت ينبئ عن ~~التضجر، أو اسم فعل مضارع هو أتضجر.. وفيه نحو من أربعين لغة. والوارد ~~من ذلك فى القراءات سبع ثلاث متواترة، وأربعة شاذة. فقرأ نافع وحفص ~~بالكسر والتنوين، وهو للتنكير فالمعنى فلا تقل أتضجر تضجرا ما. وقرأ ~~ابن كثير وابن عامر بالفتح دون تنوين، والباقون بالكسر بدون تنوين... ~~وقوله { ولا تنهرهما } من النهر بمعنى الزجر، يقال نهر فلان فلانا إذا ~~زجره بغلظة. والمعنى كن - أيها المخاطب - محسنا إحسانا تاما بأبويك. ~~فإذا ما بلغ { عندك } أى فى رعايتك وكفالتك { أحدهما أو ~~كلاهما } سن الكبر والضعف { فلا تقل لهمآ أف } أى قولا ~~يدل على التضجر منهما والاستثقال لأى تصرف من تصرفاتهما. قال البيضاوى ~~والنهى عن ذلك يدل على المنع من سائر أنواع الايذاء قياسا بطريق الأولى، ~~وقيل عرفا كقولك فلان لا يملك النقير والقطمير - فإن هذا القول يدل على ~~أنه لا يملك شيئا قليلا أو كثيرا. وقوله { ولا تنهرهما } أى ولا تزجرهما ~~عما يتعاطيانه من الأفعال التى ms3182 لا تعجبك. فالمراد من النهى الأول المنع ~~من إظهار التضجر منهما مطلقا. والمراد من النهى الثانى المنع من إظهار ~~المخالفة لهما على سبيل الرد والتكذيب والتغليظ فى القول. والتعبير ~~بقوله { عندك } يشير إلى أن الوالدين قد صارا فى كنف الابن وتحت رعايته، ~~بعد أن بلغ أشده واستوى، وبعد أن أصبح مسئولا عنهما، بعد أن كانا هما ~~مسئولين عنه. قال صاحب الكشاف فإن قلت ما معنى { عندك } قلت هو أن يكبرا ~~ويعجزا، وكانا كلا على ولدهما لا كافل لهما غيره، فهما عنده فى بيته ~~وكنفه، وذلك أشق عليه وأشد احتمالا وصبرا، وربما تولى منهما ما كانا ~~يتوليانه منه فى حالة الطفولة، فهو مأمور بأن يستعمل معهما وطاءة الخلق، ~~ولين الجانب، حتى لا يقول لهما إذا أضجره ما يستقذر منهما، أو يستثقل من ~~مؤنهما أف، فضلا عما يزيد عليه. والتقييد بحالة الكبر فى قوله - تعالى - ~~{ إما يبلغن عندك الكبر } جرى مجرى الغالب، إذ أنهما ~~يحتاجان إلى الرعاية فى حالة الكبر، أكثر من احتياجهما إلى ذلك فى حالة ~~قوتهما وشبابهما، وإلا فالإحسان إليهما، والعناية بشأنهما. # واجب على الأبناء سواء كان الآباء فى سن الكبر أم فى سن الشباب أم فى ~~غيرهما. وقوله - سبحانه - { وقل لهما قولا كريما } أمر ~~بالكلام الطيب معهما. بعد النهى عن الكلام الذى يدل على الضجر والقلق من ~~فعلهما. أى وقل لهما بدل التأفيف والزجر، قولا كريما حسنا، يقتضيه حسن ~~الأدب معهما، والاحترام لهما والعطف عليهما. وقوله { واخفض لهما ~~جناح الذل من الرحمة.. } زيادة فى تبجيلهما والتلطف معهما ~~فى القول والفعل والمعاملة على اختلاف ألوانها. أى وبجانب القول الكريم ~~الذى يجب أن تقوله لهما، عليك أن تكون متواضعا معهما، متلطفا فى ~~معاشرتهما، لا ترفع فيهما عينا، ولا ترفض لهما قولا، مع الرحمة التامة ~~بهما، والشفقة التى لا نهاية لها عليهما. قال الإمام الرازى ما ملخصه ~~وقوله { واخفض لهما جناح الذل من الرحمة } المقصود ~~منه المبالغة فى التواضع. وذكر القفال فى تقريره وجهين الأول أن الطائر ~~إذا أراد ضم فرخه إليه ms3183 للتربية خفض له جناحه، ولهذا السبب صار خفض الجناح ~~كناية عن حسن التربية. فكأنه قال للولد اكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك ~~كما فعلا ذلك بك فى حال صغرك. والثانى أن الطائر إذا أراد الطيران ~~والارتفاع نشر جناحه، وإذا أراد ترك الطيران وترك الارتفاع خفض جناحه. ~~فصار خفض الجناح كناية عن التواضع. وإضافة الجناح إلى الذل إضافة بيانية، ~~أى اخفض لهما جناحك الذليل و { من } فى قوله { من الرحمة } ابتدائية. أى ~~تواضع لهما تواضعا ناشئا من فرط رحمتك عليهما. قال الآلوسى وإنما احتاجا ~~إلى ذلك، لافتقارهما إلى من كان أفقر الخلق إليهما، واحتياج المرء إلى من ~~كان محتاجا إليه أدعى إلى الرحمة، كما قال الشاعر # يامن أتى يسألنى عن فاقتى ما حال من يسأل من سائله؟ ما ذلة السلطان ~~إلا إذا أصبح محتاجا إلى عامله # وقوله { وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا } تذكير ~~للإنسان بحال ضعفه وطفولته، وحاجته إلى الرعاية والحنان. أى وقل فى ~~الدعاء لهما يا رب ارحمهما برحمتك الواسعة، واشملهما بمغفرتك الغامرة، ~~جزاء ما بذلا من رعاية لى فى صغرى، فأنت القادر على مثوبتهما ومكافأتهما. ~~قال الجمل والكاف فى قوله { كما ربيانى.. } فيها قولان أحدهما أنها نعت ~~لمصدر محذوف. أى ارحمهما رحمة مثل رحمتهما لى، والثانى أنها للتعليل. أى ~~ارحمهما لأجل تربيتهما لى، كما فى قوله # واذكروه كما هداكم # ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات التى سمت بمنزلة الوالدين، بما يدل على ~~كمال علمه، وعلى التحذير من عقابه، فقال - تعالى - { ربكم أعلم ~~بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان ~~للأوابين غفورا }. والأوابون جمع أواب. وهو الكثير الأوبة ~~والتوبة والرجوع إلى الله - تعالى - يقال آب فلان يئوب إذا رجع. # قال ابن جرير بعد أن ساق الأقوال فى ذلك وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب، ~~قول من قال الأواب هو التائب من الذنب، الراجع عن معصية الله إلى طاعته، ~~ومما يكرهه إلى ما يرضاه، لأن الأواب إنما هو فعال من قول القائل آب فلان ~~من سفره إلى منزله، كما قال الشاعر ms3184 # وكل ذى غيبة يئوب وغائب الموت لا يؤوب # أى ربكم - أيها الناس - أعلم بما فى نفوسكم، وضمائركم، سواء أكان خيرا ~~أو شرا، وسواء أكنتم تضمرون البر بآبائكم أم تخفون الإساءة إليهما، ومع ~~ذلك فإنكم إن تكونوا صالحين - أى قاصدين الصلاح والبر بهما، والرجوع عما ~~فرط منكم فى حقهما أو فى حق غيرهما - فالله - تعالى - يقبل توبتكم، فإنه ~~- سبحانه - بفضله وكرمه كان للأوابين - أى الرجاعين إليه بالتوبة مما فرط ~~منهم - غفورا لذنوبهم. فالآية الكريمة وعيد لمن تهاون فى حقوق أبويه، ~~وفى كل حق أوجبه الله عليه، ووعد لمن رجع إليه - سبحانه - بالتوبة ~~الصادقة. وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أمرت بالإحسان إلى الوالدين، ~~بأسلوب يستجيش عواطف البر والرحمة فى قلوب الأبناء، ويبعثهم على ~~احترامهما ورعايتهما والتواضع لهما، وتحذيرهم من الإساءة إليهما، ويفتح ~~باب التوبة أمام من قصر فى حقهما أو حق غيرهما. وقد كرر القرآن هذا ~~الأمر للأبناء بالإحسان إلى الآباء، ولم يفعل ذلك مع الآباء. وذلك لأن ~~الحياة - كما يقول بعض العلماء - وهى مندفعة فى طريقها بالأحياء، توجه ~~اهتمامهم القوى إلى الأمام. إلى الذرية. إلى الناشئة الجديدة، إلى الجيل ~~المقبل. وقلما توجه اهتمامهم إلى الوراء. إلى الأبوة، إلى الحياة المولية ~~إلى الجيل الذاهب. ومن ثم تحتاج البنوة إلى استجاشة وجدانها بقوة لتنعطف ~~إلى الخلف، وتتلفت إلى الآباء والأمهات. إن الوالدين يندفعان بالفطرة إلى ~~رعاية الأولاد. إلى التضحية بكل شئ حتى بالذات، وكما تمتص النابتة ~~الخضراء كل غذاء فى الحبة فإذا هى فتات، ويمتص الفرخ كل غذاء فى البيضة ~~فإذا هى قشر، كذلك يمتص الأولاد، كل رحيق، وكل عافية، وكل جهد، وكل ~~اهتمام من الوالدين، فإذا هما شيخوخة فانية - إن أمهلهما الأجل - وهما مع ~~ذلك سعيدان. فأما الاولاد فسرعان ما ينسون هذا كله ويندفعون بدورهم إلى ~~الأمام. إلى الزوجات والذرية... وهكذا تندفع الحياة. ومن ثم لا يحتاج ~~الآباء إلى توصية بالأبناء. إنما يحتاج هؤلاء إلى استجاشة وجدانهم بقوة، ~~ليذكروا واجب الجيل الذى أنفق رحيقه كله حتى أدركه الجفاف. وهنا يجئ ~~الأمر بالإحسان ms3185 إلى الوالدين، فى صورة قضاء من الله يحمل معنى الأمر ~~المؤكد، بعد الأمر المؤكد بعبادة الله. هذا، وقد ساق المفسرون عند ~~تفسيرهم لهذه الآيات، كثيرا من الأحاديث والآثار التى توجه الأبناء إلى ~~رعاية الآباء، واحترامهم، والعطف عليهم، والرحمة بهم، والاهتمام بشئونهم. # قال الإمام ابن كثير وقد جاء فى بر الوالدين أحاديث كثيرة، منها الحديث ~~المروى من طرق عن أنس وغيره # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صعد المنبر قال آمين. آمين. ~~آمين. فقالوا يا رسول الله، علام أمنت؟ قال " أتانى جبريل فقال يا محمد، ~~رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك، فقل آمين فقلت آمين. ثم قال رغم ~~أنف امرئ دخل عليه شهر رمضان ثم خرج ولم يغفر له، قل آمين. فقلت آمين. ثم ~~قال رغم أنف امرئ أدرك أبويه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة. قل آمين، فقلت ~~آمين ". # وعن مالك بن ربيعة الساعدى قال # " بينما أنا جالس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه رجل من ~~الأنصار فقال يا رسول الله، هل بقى على من بر أبوى شئ بعد موتهما أبرهما ~~به؟ قال " نعم خصال أربع. الصلاة عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، ~~وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التى لا رحم لك إلا من قبلهما، فهو الذى ~~بقى عليك بعد موتهما من برهما ". # وقال القرطبى أمر الله - سبحانه - بعبادته وتوحيده، وجعل بر الوالدين ~~مقرونا بذلك. كما قرن شكرهما بشكره، فقال { وقضى ربك ألا ~~تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا }. وقال # أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير # وفى صحيح البخارى # " عن عبدالله قال سألت النبى صلى الله عليه وسلم أى الأعمال أحب إلى ~~الله - تعالى -؟. قال " الصلاة على وقتها ". قلت ثم أى؟ قال " بر ~~الوالدين " ، قلت ثم أى قال " الجهاد فى سبيل الله ". # ثم قال القرطبى - رحمه الله - ومن عقوق الوالدين مخالفتهما فى أغراضهما ~~الجائزة لهما، كما أن من برهما موافقتهما على أغراضهما. وعلى هذا إذا ~~أمرا أو أحدهما ولدهما بأمر وجبت طاعتهما فيه. ما لم يكن ذلك ms3186 الأمر ~~معصية، ولا يختص برهما بأن يكونا مسلمين، بل إن كانا كافرين يبرهما ويحسن ~~إليهما. ففى صحيح البخارى ع # " ن أسماء قالتقدمت أمى وهى مشركة فاستفتيت النبى صلى الله عليه وسلم ~~فقلت إن أمى قدمت وهى راغبة أفأصلها؟ - أى وهى راغبة فى برى وصلتى، أو ~~وهى راغبة عن الإسلام كارهة له - قال " نعم صلى أمك ". # ثم قال القرطبى ومن الإحسان إليهما والبر بهما، إذا لم يتعين الجهاد ~~ألا يجاهد إلا بإذنهما. فعن عبد الله بن عمرو قال # " جاء رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم يستأذنه فى الجهاد فقال " أحى ~~والداك؟ قال نعم، قال ففيهما فجاهد " ". # قال ابن المنذر فى هذا الحديث النهى عن الخروج بغير إذن الأبوين ما لم ~~يقع النفير، فإذا وقع وجب الخروج على الجميع. ثم قال ومن تمام برهما صلة ~~أهل ودهما، ففى الصحيح عن ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول # " إن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولى ". # وكان صلى الله عليه وسلم يهدى لصديقات خديجة برا بها ووفاء لها وهى ~~زوجته، فما ظنك بالوالدين. وبعد أن بين - سبحانه - ما يجب على الإنسان ~~نحو خالقه - عز وجل - ونحو والديه، أتبع ذلك ببيان ما يجب على هذا ~~الإنسان نحو أقاربه، ونحو المسكين وابن السبيل، ونحو ماله الذى هو نعمة ~~من نعم الله عليه. فقال - تعالى - { وآت ذا القربى حقه ~~والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا }. ### || [17.26-30] # قال أبو حيان فى البحر " لما أمر الله - تعالى - ببر الوالدين، أمر بصلة ~~القرابة. قال الحسن نزلت فى قرابة النبى صلى الله عليه وسلم. والظاهر أنه ~~خطاب لمن خوطب بقوله # إما يبلغن عندك الكبر... # وألحق هنا ما يتعين له من صلة الرحم، وسد الخلة، والمواساة عند الحاجة ~~بالمال والمعونة بكل وجه. قال نحوه ابن عباس وعكرمة والحسن وغيرهم ". ~~والمراد بذوى القربى من تربطك بهم صلة القرابة سواء أكانوا من المحارم أم ~~لا. والمسكين هو من لا يملك شيئا من المال، أو ms3187 يملك ما لا يسد حاجته، ~~وهذا النوع من الناس فى حاجة إلى العناية والرعاية، لأنهم فى الغالب ~~يفضلون الاكتفاء بالقليل، على إراقة ماء وجوههم بالسؤال. وفى الصحيحين عن ~~أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " ليس المسكين الذى يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان، والتمرة ~~والتمرتان، قالوا فما المسكين يا رسول الله؟ قال الذى لا يجد غنى يغنيه، ~~ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئا ". # وابن السبيل هو المسافر المنقطع عن ماله سمى بذلك - كما يقول الآلوسى - ~~لملازمته السبيل - أى الطريق - فى السفر. أو لأن الطريق تبرزه فكأنها ~~ولدته. وهذا النوع من الناس - أيضا - فى حاجة إلى المساعدة والمعاونة، ~~حتى يستطيع الوصول إلى بلده. وفى هذا الامر تنبيه إلى أن المسلمين وإن ~~اختلفت أوطانهم ينبغى أن يكونوا فى التعاطف والتعاون على متاعب الحياة ~~كالأسرة الواحدة. والمعنى وأعط - أيها العاقل - ذوى قرباك حقوقهم الثابتة ~~لهم من البر، وصلة الرحم، والمعاونة، والزيارة، وحسن المعاشرة، والوقوف ~~إلى جانبهم فى السراء والضراء، ونحو ذلك مما توجبه تعاليم دينك الحنيف. ~~وأعط - كذلك - المسكين وابن السبيل حقوقهما التى شرعها الله - تعالى - ~~لهما، من الإحسان إليهما، ومعاونتهما على ما يسد حاجتهما. وقدم - سبحانه ~~- الأقارب على غيرهم، لأنهم أولى بالمعروف، ولأن إعطاءهم إحسان وصلة رحم. ~~روى الإمام أحمد والترمذى والنسائى وغيرهم، عن سليمان بن عامر قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الصدقة على المسكين صدقة. وعلى ذى الرحم اثنتان صدقة وصلة ". # وقوله - سبحانه - { ولا تبذر تبذيرا } نهى عن وضع المال فى ~~غير موضعه الذى شرعه الله - تعالى - مأخوذ من تفريق البذر وإلقائه فى ~~الأرض كيفما كان من غير تعهد لمواقعه، ثم استعير لتضييع المال فى غير ~~وجوهه. قال صاحب الكشاف التبذير تفريق المال فيما لا ينبغى، وإنفاقه على ~~وجه الإسراف، وكانت الجاهلية تنحر إبلها وتتياسر عليها، وتبذر أموالها ~~فى الفخر والسمعة، وتذكر ذلك فى أشعارها، فأمر الله - تعالى - بالنفقة فى ~~وجوهها، مما يقرب منه ويزلف. # .. وقال ابن كثير وقوله { ولا ms3188 تبذر تبذيرا } لما أمر ~~بالإنفاق نهى عن الإسراف فيه، بل يكون وسطا، كما قال - تعالى - # والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ~~وكان بين ذلك قواما # وقال ابن مسعود التبذير الإنفاق فى غير حق. وكذا قال ابن عباس. وقال ~~مجاهد لو أنفق إنسان ماله كله فى الحق لم يكن مبذرا. ولو أنفق مدا فى ~~غير حقه كان تبذيرا. وقوله { إن المبذرين كانوا إخوان ~~الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا } تعليل للنهى عن ~~التبذير، وتنفير منه بأبلغ أسلوب. والمراد بأخوة الشياطين المماثلة لهم ~~فى الصفات السيئة، والسلوك القبيح. قال الإمام الرازى والمراد من هذه ~~الأخوة، التشبه بهم فى هذا الفعل القبيح، وذلك لأن العرب يسمون الملازم ~~للشئ أخا له، فيقولون فلان أخو الكرم والجود. وأخو السفر، إذا كان مواظبا ~~على هذه الأعمال. أى كن - أيها العاقل - متوسطا فى نفقتك، ولا تبذر ~~تبذيرا. لأن المبذرين يماثلون ويشابهون الشياطين فى صفاتهم القبيحة، وكان ~~الشيطان فى كل وقت وفى كل حال جحودا لنعم ربه، لا يشكره عليها، بل يضعها ~~فى غير ما خلقت له هذه النعم. وفى تشبيه المبذر بالشيطان فى سلوكه السيئ، ~~وفى عصيانه لربه، إشعار بأن صفة التبذير من أقبح الصفات التى يجب على ~~العاقل أن يبتعد عنها، حتى لا يكون مماثلا للشيطان الجاحد لنعم ربه. ثم ~~بين - سبحانه - بعد ذلك ما يجب على المؤمن فعله فى حال عدم قدرته على ~~تقديم العون للأقارب والمحتاجين، فقال - تعالى - { وإما تعرضن ~~عنهم ابتغآء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم ~~قولا ميسورا }. ولفظ { إما } مركب من " إن " الشرطية، ومن " ما " ~~المزيدة. أى إن تعرض عنهم. وقوله { تعرضن } من الإعراض، بمعنى صرف الوجه ~~عن السائل حياء منه وبسبب عدم القدرة على تلبية طلبه. وقوله { ابتغاء } ~~مفعول لأجله منصوب بتعرضن، وهو من باب وضع المسبب موضع السبب. لأن الأصل ~~وإما تعرضن عنهم لإعسارك. والمراد بالرحمة انتظار الحصول على الرزق، ~~وحلول الفرج بعد الضيق. والميسور اسم مفعول من يسر الأمر - بالبناء ~~للمفعول - مثل سعد الرجل، ومعناه السهل اللين. والمعنى ms3189 وإما تعرضن - أيها ~~المخاطب - عن ذى قرابتك وعن المسكين وابن السبيل، بسبب إعسارك وانتظارك ~~لرزق يأتيك من الله - عز وجل - فقل لهم فى هذه الحالة قولا لينا رفيقا ~~يدل على اهتمامك بشأنهم، ويدخل السرور على نفوسهم، كأن تقول لهم مثلا - ~~ليس عندى اليوم ما أقدمه لكم، وإن يرزقنى الله بشئ فسأجعل لكم نصيبا منه. # قال القرطبى ما ملخصه وهو تأديب عجيب، وقول لطيف بديع، أى لا تعرض عنهم ~~إعراض مستهين عن ظهر غنى وقدرة فتحرمهم، وإنما يجوز أن تعرض عنهم عند عجز ~~يعرض، وعائق يعوق، وأنت عند ذلك ترجو من الله - تعالى - فتح باب الخير، ~~لتتوصل به إلى مواساة السائل، فإن قعد بك الحال { فقل لهم قولا ~~ميسورا } أى لينا لطيفا.. ولقد أحسن من قال # إلا تكن ورق يوما أجود بها للسائلين فإنى لين العود لا يعدم ~~السائلون الخير من خلقى إما نوالى وإما حسن مردود # ثم أرشد - سبحانه - عباده إلى أفضل الطرق لإنفاق أموالهم والتصرف فيها، ~~فقال - تعالى - { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ~~ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا }. ~~وقوله { مغلولة } من الغل - بضم الغين - وأصله الطوق الذى يجعل فى العنق ~~وتربط به اليد، كما يربط المذنب والأسير وهو كناية عن البخل والتقتير. ~~قال صاحب الكشاف ما ملخصه غل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ولا يقصد ~~من يتكلم به إثبات يد ولا غل ولا بسط. ولا فرق عنده بين هذا الكلام وبين ~~ما وقع مجازا عنه، لأنهما كلامان معتقبان على حقيقة واحدة. حتى أنه ~~يستعمله فى ملك لا يعطى عطاء قط، ولا يمنعه إلا بإشارته من غير استعمال ~~يد وقبضها وبسطها. ولو أعطى الأقطع إلى المنكب عطاء جزيلا لقالوا ما أبسط ~~يده بالنوال لأن بسط اليد وقبضها عبارتان معاقبتان للبخل والجود... وقوله ~~{ محسورا } من الحسور بمعنى الانقطاع عن الشئ، والعجز عن الحصول عليه. ~~يقال فلان حسره السير، إذا أثر فيه أثرا بليغا جعله يعجز عن اللحاق ~~برفقائه. ويقال بعير محسور. أى ذهبت قوته وأصابه الكلل والإعياء. ms3190 فصار ~~لا يستطيع النهوض بما يوضع عليه من أحمال. والمقصود من الآية الكريمة ~~الأمر بالتوسط والاعتدال فى الإنفاق والنهى عن البخل والإسراف. فقد شبه ~~- سبحانه - مال البخيل، بحال من يده مربوطة إلى عنقه ربطا محكما بالقيود ~~والسلاسل، فصار لا يستطيع تحريكها أو التصرف بها. وشبه حال المسرف ~~والمبذر، بحال من مد يده وبسطها بسطا كبيرا، بحيث أصبحت لا تمسك شيئا ~~يوضع فيها سواء أكان قليلا أم كثيرا. والمعنى كن - أيها الإنسان - ~~متوسطا فى كل أمورك، ومعتدلا فى إنفاق أموالك بحيث لا تكون بخيلا ولا ~~مسرفا، فان الإسراف والبخل يؤديان بك إلى أن تصير ملوما. أى مذموما من ~~الخلق والخالق، محسورا، أى مغموما منقطعا عن الوصول إلى مبتغاك بسبب ضياع ~~مالك، واحتياجك إلى غيرك. قال الآلوسى ما ملخصه فالآية الكريمة تحض على ~~التوسط، وذلك هو الجود الممدوح، فخير الأمور أوساطها. وأخرجه أحمد وغيره ~~عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما عال من اقتصد " # وأخرجه البيهقى عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " الاقتصاد فى النفقة نصف المعيشة " # وفى رواية عن أنس مرفوعا # " التدبير نصف المعيشة، والتودد نصف العقل، والهم نصف الهرم، وقلة ~~العيال أحد اليسارين " # وكما يقال حسن التدبير مع الكفاف، خير من الغنى مع الإسراف. ثم بين - ~~سبحانه - أن مرجع الأمور كلها اليه، فهو المعطى وهو المانع، فقال - تعالى ~~- { إن ربك يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر إنه ~~كان بعباده خبيرا بصيرا }. أى إن ربك - أيها الانسان - ~~العاقل - يبسط الرزق ويوسعه لمن يشاء أن يبسطه له ويمسك الرزق ويضيقه ~~ويقدره على من يشاء من خلقه. إذ كل شئ فى هذا الكون يسير على حسب ما ~~تقتضيه حكمته ومشيئته، وهو - سبحانه - العليم ببواطن الناس وبظواهرهم، لا ~~يخفى عليه شئ من أحوالهم، ولا يعطى أو يمنع، إلا لحكمة هو يعلمها. قال - ~~تعالى - # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز ~~الحكيم # وبذلك نرى الآيات ms3191 الكريمة، قد حضت على إيتاء ذوى القربى والمساكين وابن ~~السبيل حقوقهم. وعلى الاعتدال فى إنفاق المال، ونهت عن الشح والتبذير، ~~وأسندت العطاء والمنع إلى الله - تعالى - الخبير البصير بالظواهر ~~والبواطن. ثم يسوق - سبحانه - جملة من النواهى التى يؤدى الوقوع فيها إلى ~~فساد أحوال الأفراد والجماعات، وإلى شيوع الفاحشة فى الأمم، مما يؤدى إلى ~~اضمحلالها وذهاب ريحها، فقال - تعالى - { ولا تقتلوا ~~أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن ~~قتلهم كان خطئا كبيرا... }. ### || [17.31-39] # وقوله - سبحانه - { ولا تقتلوا أولادكم خشية ~~إملاق... } نهى عن قتل الأولاد بعد بيان أن الأرزاق بيده - سبحانه -، ~~يبسطها لمن يشاء، ويضيقها على من يشاء. والإملاق الفقر. يقال أملق الرجل ~~إذا افتقر قال الشاعر. # وإنى على الإملاق يا قوم ماجد أعد لأضيافى الشواء المصهبا # قال الآلوسى وظاهر اللفظ النهى عن جميع أنواع قتل الأولاد، ذكورا أو ~~إناثا مخافة الفقر والفاقة. لكن روى أن من أهل الجاهلية من كان يئد ~~البنات مخافة العجز عن النفقة عليهن، فنهى فى الآية عن ذلك، فيكون المراد ~~بالأولاد البنات، وبالقتل الوأد... أى ولا تقتلوا - أيها الآباء - ~~أولادكم خشية فقر متوقع، فنحن قد تكفلنا برزقهم ورزقكم، وأرزاق غيركم من ~~مخلوقاتنا التى لا تحصى. قال - تعالى - # وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها.. # ولا شك أن الحياة حق لهؤلاء الصغار كما أنها حق لكم، فمن الظلم البين ~~الاعتداء على حقوقهم، والتخلص منهم خوفا من الفقر المتوقع فى المستقبل، ~~مع أن الله - تعالى - هو الرازق لهم ولكم فى كل زمان ومكان. وقد ورد ~~النهى عن قتل الاولاد هنا بهذه الصيغة، وورد فى سورة الأنعام بصيغة أخرى، ~~هى قوله - تعالى - # ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم ~~وإياهم # وليست أحدهما تكرارا للأخرى وإنما كل واحدة منهما تعالج حالة معينة. ~~فهنا يقول - سبحانه - { ولا تقتلوا أولادكم خشية ~~إملاق نحن نرزقهم وإياكم } لأن النهى موجه بالأصالة ~~إلى الموسرين الذين يقتلون أولادهم لا من أجل فقر كائن فيهم، وإنما من ~~أجل فقر هم يتوهمون حصوله فى المستقبل بسبب الأولاد، ms3192 لذا قال - سبحانه - ~~{ نحن نرزقهم وإياكم } فقدم رزق الأولاد لأنهم سبب توقع ~~الفقر، فى زعم آبائهم - لكى يمتنع الآباء عن هذا التوقع ولكى يضمن ~~للأولاد رزقهم ابتداء مستقلا عن رزق الآباء. وقال - سبحانه - هناك { من ~~إملاق } لأن النهى متوجه أصالة إلى الآباء المعسرين أى لا تقتلوهم بسبب ~~الفقر الموجود فيكم - أيها الآباء -، فقد يجعل الله بعد عسر يسرا، ولذا ~~قال - سبحانه - { نحن نرزقهم وإياكم } فجعل الرزق للآباء ~~ابتداء. لكى يطمئنهم - سبحانه - على أنه هو الكفيل برزقهم وبرزق أولادهم. ~~وفى كلتا الحالتين، القرآن الكريم ينهى عن قتل الأولاد، ويغرس فى نفوس ~~الآباء الثقة بالله - تعالى - والاعتماد عليه. وجملة { نحن ~~نرزقهم وإياكم } تعليل للنهى عن قتل الأولاد، بإبطال موجبه - ~~فى زعمهم - وهو الفقر. أى نحن نرزقهم لا أنتم، ونرزقكم أنتم معهم، وما ~~دام الأمر كذلك فلا تقدموا على تلك الجريمة النكراء وهى قتل الأولاد، لأن ~~الأولاد، قطعة من أبيهم، والشأن - حتى فى الحيوان الأعجم - أنه يضحى من ~~أجل أولاده ويحميهم، ويتحمل الصعاب فى سبيلهم. # وقوله { إن قتلهم كان خطئا كبيرا } تعليل آخر للنهى عن ~~قتل الأولاد جئ به على سبيل التأكيد. والخطء هو الإثم - وزنا ومعنى -، ~~مصدر خطئ خطئا كأثم إثما من باب علم. أى أن قتل الأولاد كان عند ~~الله - تعالى - إثما كبيرا فاحشا، يؤدى إلى التعاسة والشقاء فى الدنيا ~~والآخرة والحق أن المجتمع الذى يبيح قتل الأولاد، خوفا من الفقر أو ~~العار، لا يمكن أن يصلح شأنه، لأنه مجتمع نفعى تسوده الأثرة والأنانية ~~والتشاؤم والأوهام، لأن أفراده يظنون أن الله يخلق خلقا لا يدبر لهم ~~رزقهم، ويعتدون على روح بريئة طاهرة، تخوفا من فقر أو عار مترقب، وذلك هو ~~الضلال المبين. ورحم الله الإمام الرازى فقد قال عند تفسيره لهذه الآية ~~ما ملخصه إن قتل الأولاد إن كان لخوف الفقر، فهو سوء ظن بالله. وإن كان ~~لأجل الغيرة على البنات فهو سعى فى تخريب العالم. فالأول ضد التعظيم لأمر ~~الله - تعالى - والثانى ضد الشفقة على خلقه، وكلاهما مذموم. ولقد أمر ms3193 ~~النبى صلى الله عليه وسلم برعاية الأبناء، وحذر من الاعتداء عليهم فى ~~أحاديث كثيرة، ومن ذلك ما جاء فى الصحيحين # " عن عبد الله بن مسعود قال قلت يا رسول الله، أى الذنب أعظم؟ قال أن ~~تجعل لله ندا وهو خلقك. قلت ثم أى؟ قال أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. ~~قلت ثم أى؟ قال أن تزنى بحليلة جارك ". # وبعد أن نهى - سبحانه - عن قتل الأولاد المؤدى إلى إفناء النسل، أتبع ~~ذلك بالنهى عن فاحشة الزنا المؤدية إلى اختلاط الأنساب فقال - تعالى - # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وسآء سبيلا # والزنا وطء المرأة بدون عقد شرعى يجيز للرجل وطأها. والفاحشة ما عظم ~~قبحه من الأقوال والأفعال. يقال فحش الشئ، فحشا، كقبح قبحا - وزنا ومعنى ~~-، ويقال أفحش الرجل، إذا أتى الفحش بضم الفاء وسكون الحاء -، وهو القبيح ~~من القول أو الفعل. وأكثر ما تكون الفاحشة إطلاقا على الزنا. وتعليق ~~النهى بقربانها، للمبالغة فى الزجر عنها، لأن قربانها قد يؤدى إلى الوقوع ~~فيها، فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. وهذا لون حكيم من ألوان إصلاح ~~النفوس، لأنه إذا حصل النهى عن القرب من الشئ، فلأن ينهى عن فعله من باب ~~أولى. فكأنه - سبحانه - يقول كونوا - أيها المسلمون بعيدين عن كل ~~المقدمات التى تفضى إلى فاحشة الزنا كمخالطة النساء، والخلوة بهن، والنظر ~~إليهن. # .. فإن ذلك يفتح الطريق إلى الوقوع فيها. قال بعض العلماء وكثيرا ما ~~يتعلق النهى فى القرآن بالقربان من الشئ، وضابطه بالاستقراء أن كل منهى ~~عنه من شأنه أن تميل النفوس إليه، وتدفع إليه الأهواء، جاء النهى فيه عن ~~القربان، ويكون القصد التحذير من أن يأخذ ذلك الميل فى النفس مكانة تصل ~~بها إلى اقتراف المحرم، ومن ذلك قوله - تعالى - # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن... # { ولا تقربوا الزنى... } # ولا تقربوهن حتى يطهرن.. # أما المحرمات التى لم يؤلف ميل النفوس إليها، ولا اقتضاء الشهوات لها، ~~فإن الغالب فيها، أن يتعلق النهى عنها بنفس الفعل لا بالقربان منه. ms3194 ومن ~~ذلك قوله - تعالى - { ولا تقتلوا أولادكم خشية ~~إملاق... } وقوله - تعالى - { ولا تقتلوا النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق.. }. فهذه وإن كانت فواحش، إلا أنها ~~ليست ذات دوافع نفسية، يميل إليها الإنسان بشهوته. بل هى فى نظر العقل ~~على المقابل من ذلك، يجد الإنسان فى نفسه مرارة ارتكابها، ولا يقدم ~~عليها إلا وهو كاره لها، أو فى حكم الكاره... وقوله { إنه كان ~~فاحشة وسآء سبيلا } تعليل للنهى عن الاقتراب منه، أى ابتعدوا ~~عن مقدمات الزنا فضلا عن الوقوع فيه ذاته، لأنه كان - وما زال - فى شرع ~~الله، وفى نظر كل عقل سليم فعلة فاحشة ظاهرة القبح وبئس الطريق طريقه، ~~فإنها طريق تؤدى إلى غضب الله - تعالى - وسخطه. ومما لا شك فيه أن فاحشة ~~الزنا من أقبح الفواحش التى تؤدى إلى شيوع الفساد والأمراض الخبيثة فى ~~الأفراد والمجتمعات، وما وجدت فى أمة إلا وكانت عاقبتها خسرا. ولقد تحدث ~~الإمام الرازى عن تلك المفاسد التى تترتب على الزنا فقال ما ملخصه الزنا ~~اشتمل على أنواع من المفاسد، أولها اختلاط الأنساب واشتباهها، فلا يعرف ~~الإنسان أن الولد الذى أتت به الزانية، أهو منه أو من غيره... وثانيا ~~أنه إذا لم يوجد سبب شرعى لأجله يكون هذا الرجل لتلك المرأة، لم يبق فى ~~حصول ذلك الاختصاص إلا التواثب والتقاتل. وثالثها أن المرأة إذا باشرت ~~الزنا، استقذرها كل طبع سليم، وحينئذ لا تحل الألفة والمحبة، ولا يتم ~~السكن والازدواج.. ورابعها أنه إذا فتح باب الزنا، فحينئذ لا يبقى لرجل ~~اختصاص بامرأة وحينئذ لا يبقى بين نوع الإنسان، وبين سائر البهائم فرق ~~فى هذا الباب. وخامسها أنه ليس المقصود من المرأة قضاء الشهوة، بل أن ~~تصير شريكة للرجل فى ترتيب المنزل وإعداد مهماته.. وهذه المهمات لا تتم ~~إلا إذا كانت مقصورة الهمة على هذا الرجل الواحد، منقطعة الطمع عن سائر ~~الرجال، وذلك لا يحصل إلا بتحريم الزنا. # .. فثبت بما ذكرنا أن العقول السليمة تقضى على الزنا بالقبح. ولقد سد ~~الإسلام جميع المنافذ التى تؤدى إلى ارتكاب ms3195 هذه الفاحشة، وسلك لذلك ~~وسائل من أهمها 1- تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية، ومنع الاختلاط بين ~~الرجال والنساء إلا فى حدود الضرورة الشرعية، ومن الأحاديث التى وردت فى ~~هذا المعنى، ما رواه الشيخان عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال # " لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذى محرم ". # وروى الشيخان - أيضا - عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال # " " إياكم والدخول على النساء ". فقال رجل من الأنصار أفرأيت الحمو - ~~بفتح الحاء وسكون الميم - وهو قريب الزوج كأخيه وابن عمه فقال صلى الله ~~عليه وسلم " الحمو الموت " " # أى دخوله قد يؤدى إلى الموت. 2- تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية. ووجوب ~~غض البصر. قال - تعالى - # قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا ~~فروجهم.. # وقال - سبحانه - # وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن ~~فروجهن.. # وروى الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى مدرك ذلك لا محالة العينان زناهما ~~النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام... والقلب يهوى ~~ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه ". # 3- وجوب التستر والاحتشام للمرأة فإن التبرج والسفور يغرى الرجال ~~بالنساء، ويحرك الغريزة الجنسية بينهما. قال - تعالى - # يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونسآء ~~المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك ~~أدنى أن يعرفن فلا يؤذين.. # 4- الحض على الزواج، وتيسير وسائله، والبعد عن التغالى فى نفقاته، ~~وتخفيف مؤنه وتكاليفه.. فإن الزواج من شأنه أن يحصن الإنسان، ويجعله ~~يقضى شهوته فى الحلال.. فإذا لم يستطع الشاب الزواج، فعليه بالصوم فإنه ~~له وقاية - كما جاء فى الحديث الشريف -. 5- إقامة حدود الله بحزم وشدة ~~على الزناة سواء أكانوا من الرجال أم من النساء، كما قال - تعالى - # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة ~~جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن ~~كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد ~~عذابهما طآئفة من المؤمنين # وهذا الجلد إنما هو بالنسبة للبكر ذكرا كان أو أنثى، أما بالنسبة للمحصن ~~وهو المتزوج أو الذى سبق له ms3196 الزواج، فعقوبته الرجم ذكرا كان أو أنثى، وقد ~~ثبت ذلك بالأحاديث الصحيحة. ففى الصحيحين # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فى زان لم يتزوج وزانية متزوجة، ~~بقوله لوالد الرجل " على ابنك مائة جلدة وتغريب عام " ثم قال صلى الله ~~عليه وسلم لأحد أصحابه واسمه أنيس " اغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن ~~اعترفت فارجمها " فغدا عليها فاعترفت فرجمها ". # ومما لا شك أنه لو تم تنفيذ حدود الله - تعالى - على الزناة، لمحقت هذه ~~الفاحشة محقا، لأن الشخص إن لم يتركها خوفا من ربه - عز وجل - لتركها ~~خوفا من تلك العقوبة الرادعة، ومن فضيحته على رءوس الأشهاد. هذه بعض ~~وسائل الوقاية من تلك الفاحشة القبيحة، ولو اتبعها المسلمون، لطهرت أمتهم ~~من رجسها، ولحفظت فى دينها ودنياها. ثم نهى - سبحانه - عن قتل النفس ~~المعصومة الدم، بعد نهيه عن قتل الأولاد، وعن الاقتراب من فاحشة الزنا ~~فقال - تعالى - { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله ~~إلا بالحق }. أى ولا تقتلوا النفس التى حرم الله قتلها، إلا بالحق ~~الذى يبيح قتلها شرعا، كردة، أو قصاص، أو زنا يوجب الرجم. قال الإمام ~~ابن كثير يقول - تعالى - ناهيا عن قتل النفس بغير حق شرعى، كما ثبت فى ~~الصحيحين - عن عبد الله بن مسعود - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا ~~بإحدى ثلاث النفس بالنفس، والزانى المحصن، والتارك لدينه المفارق للجماعة ~~". # وفى السنن # " لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مسلم ". # وقوله { إلا بالحق } متعلق بلا تقتلوا، والباء للسببية، والاستثناء مفرغ ~~من أعم الأحوال أى لا تقتلوها فى حال من الأحوال، إلا فى حال ارتكابها ~~لما يوجب قتلها. وذلك لأن الإسلام ينظر إلى وجود الإنسان على أنه بناء ~~بناه الله - تعالى - فلا يحل لأحد أن يهدمه إلا بحق. وبهذا يقرر الإسلام ~~عصمة الدم الإنسانى، ويعتبر من يعتدى على نفس واحدة، فكأنما قد اعتدى ~~على الناس جميعا. قال - تعالى - # من أجل ms3197 ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من ~~قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما ~~قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا ~~الناس جميعا.. # وقوله - سبحانه - { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا ~~لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان ~~منصورا } إرشاد لولى المقتول إلى سلوك طريق العدل عند المطالبة بحقه. ~~والمراد بوليه من يلى أمر المقتول، كأبيه وابنه وأخيه وغيرهم من أقاربه ~~الذين لهم الحق فى المطالبة بدمه. فإن لم يكن للمقتول ولى، فالحاكم وليه. ~~والمراد بالسلطان القوة التى منحتها شريعة الله - تعالى - لولى المقتول ~~على القاتل، حيث جعلت من حق هذا الولى المطالبة بالقصاص من القاتل، أو ~~أخذ الدية منه، أو العفو عنه، ولا يستطيع أحد أن ينازعه فى هذا الحق، أو ~~أن يجبره على التنازل عنه. # والمعنى ومن قتل مظلوما، أى بدون سبب يوجب قتله، فإن دمه لم يذهب هدرا، ~~فقد شرعنا { لوليه سلطانا } على القاتل، لأنه - أى الولى - إن شاء طالب ~~بالقصاص منه، وإن شاء أخذ الدية، وإن شاء عفا عنه. وبذلك يصير الولى هو ~~صاحب الكلمة الأولى فى التصرف فى القاتل، حتى لكأنه مملوك له. وما دامت ~~شريعة الله - تعالى - قد أعطت الولى هذا السلطان على القاتل، فعليه أن لا ~~يسرف فى القتل، وأن لا يتجاوز ما شرعه الله - تعالى -. ومن مظاهر هذا ~~التجاوز أن يقتل اثنين - مثلا - فى مقابل قتيل واحد أو أن يقتل غير ~~القاتل، أو أن يمثل بالقاتل بعد قتله. قال الآلوسى ما ملخصه كان من ~~عادتهم فى الجاهلية، أنهم إذا قتل منهم واحدا، قتلوا قاتله، وقتلوا معه ~~غيره... وأخرج البيهقى فى سننه عن زيد بن أسلم أنه قال إن الناس فى ~~الجاهلية كانوا إذا قتل من ليس شريفا شريفا، لم يقتلوه به، وقتلوا شريفا ~~من قومه، فنهوا عن ذلك، كما نهوا عن المثلة بالقاتل. وقرأ حمزة والكسائى ~~{ فلا تسرف } بالخطاب للولى على سبيل الالتفات. وقوله { إنه كان ~~منصورا } تذييل المقصود به تعليل النهى عن الإسراف فى القتل. ~~والضمير يعود إلى الولى ms3198 - أيضا -. أى فلا يسرف هذا الولى فى القتل، لأن ~~الله - تعالى - قد نصره عن طريق ما شرعه له من سلطان عظيم، من مظاهره ~~المطالبة بالقصاص من القاتل، أو بأخذ الدية، ومن مظاهره - أيضا - وقوف ~~الحاكم وغيره إلى جانبه حتى يستوفى حقه من القاتل، دون أن ينازعه منازع ~~فى هذا الحق. ومنهم من يرى أن الضمير فى قوله { إنه } يعود إلى المقتول ~~ظلما، على معنى أن الله - تعالى - قد نصره فى الدنيا بمشروعية القصاص ~~والدية حتى لا يضيع دمه، ونصره فى الآخرة بالثواب الذى يستحقه، وما دام ~~الأمر كذلك فعلى وليه أن لا يسرف فى القتل. ويبدو لنا أن الرأى الأول ~~أقرب إلى الصواب. لأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة. قال ابن جرير ~~بعد أن ساق الأقوال فى ذلك وأشبه ذلك بالصواب عندى، قول من قال عنى بها - ~~أى بالهاء فى إنه - الولى، وعليه عادت، لأنه هو المظلوم ووليه المقتول، ~~وهى إلى ذكره أقرب من ذكر المقتول، وهو المنصور - أيضا - لأن الله - جل ~~ثناؤه - قضى فى كتابه المنزل، أن سلطه على قاتل وليه، وحكمه فيه، بأن جعل ~~إليه قتله إن شاء، واستبقاءه على الدية إن أحب، والعفو عنه إن رأى. وكفى ~~بذلك نصرة له من الله - تعالى -، فلذلك هو المعنى بالهاء التى فى قوله { ~~إنه كان منصورا }. # والمتأمل فى هذه الآية الكريمة التى هى أول آية نزلت فى شأن القتل كما ~~قال الضحاك يراها قد عالجت هذه الجريمة علاجا حكيما. فهى أولا تنهى عن ~~القتل، لأنه من أكبر الكبائر التى تؤدى إلى غضب الله - تعالى - وسخطه، ~~قال - تعالى - { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه ~~جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه ~~وأعد له عذابا عظيما }. وجاء النهى عنه فى بعض الآيات بعد ~~النهى عن الإشراك بالله - عز وجل -. قال - سبحانه - # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا ~~يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق.. # كما جاء النهى عنه فى كثير من الأحاديث النبوية، ومن ذلك ما جاء فى ~~الصحيحين عن ms3199 ابن مسعود - رضى الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال # " أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة فى الدماء ". # وفى حديث آخر يقول صلى الله عليه وسلم # " الآدمى بنيان الرب، ملعون من هدم بنيان الرب ". # وفى حديث ثالث # " لو اجتمع أهل السماوات والأرض على قتل رجل مسلم، لأكبهم الله فى النار ~~". # وهذا النهى الشديد عن قتل النفس من أسبابه، أنه يؤدى إلى شيوع الغل ~~والبغض والتقاتل... بين الأفراد والجماعات إذ النفس البشرية فى كل زمان ~~ومكان، يؤلمها، ويثير غضبها وانتقامها، أن ترى قاتل عزيز لديها يمشى على ~~الأرض.. وهى ثانيا تسوق لولى المقتول من التوجيهات الحكيمة، ما يهدئ ~~نفسه، ويقلل من غضبه، ويطفئ من نار ثورته المشتعلة. وقد أجاد صاحب الظلال ~~- رحمه الله - فى توضيح هذا المعنى فقال " وفى تولية صاحب الدم على ~~القصاص من القاتل، وتجنيد سلطان الشرع وتجنيد الحاكم لنصرته، تلبية ~~للفطرة البشرية، وتهدئة للغليان الذى تستشعره نفس الولى، الغليان الذى قد ~~يجرفه ويدفعه إلى الضرب يمينا وشمالا، فى حمى الغضب والانفعال على غير ~~هدى. فأما حين يحس أن الله قد ولاه على دم القاتل. وأن الحاكم مجند ~~لنصرته على القصاص، فإن ثائرته تهدأ، ونفسه تسكن، ويقف عند حد القصاص ~~العادل الهادئ ". والإنسان إنسان، فلا يطالب بغير ما ركب فى فطرته من ~~الرغبة العميقة فى القصاص. لذلك يعترف الإسلام بهذه الفطرة ويلبيها فى ~~الحدود المأمونة، ولا يتجاهلها فيفرض التسامح فرضا. إنما هو يدعو إلى ~~التسامح ويؤثره، ويحبب فيه، ويأجر عليه، ولكن بعد أن يعطى الحق. فلولى ~~الدم أن يقتص أو يصفح. وشعور ولى الدم بأنه قادر على كليهما، قد يجنح به ~~إلى الصفح والتسامح، أما شعوره بأنه مرغم على الصفح فقد يهيج نفسه، ويدفع ~~به إلى الغلو والجموح. هذا، والذى نعتقده وندين الله - تعالى - عليه، أنه ~~لا علاج لجريمة القتل - وغيرها - إلا بتطبيق شريعة الله - تعالى - التى ~~جمعت بين الرحمة والعدل. # وبالرحمة والعدل تتلاقى القلوب بعد التفرق، وتلتئم بعد التصدع، وتتسامى ~~عن الانتقام إلى ما ms3200 هو أعلى منه وهو العفو. وبعد أن نهى - سبحانه - عن ~~إتلاف النفوس عن طريق القتل والزنا، أتبع ذلك بالنهى عن إتلاف الأموال ~~التى هى قوام الحياة، وبدأ - سبحانه - بالنهى عن الاقتراب من مال اليتيم ~~إلا بالتى هى أحسن، ثم ثنى بالأمر بإيفاء الكيل والميزان عند التعامل، ~~فقال - تعالى - { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي ~~هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن ~~العهد كان مسؤولا وأوفوا الكيل إذا كلتم ~~وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن ~~تأويلا }. واليتيم هو الصغير الذى مات أبوه مأخوذ من اليتم بمعنى ~~الانفراد، ومنه الدرة اليتيمة. والخطاب فى قوله { ولا تقربوا... } ~~لأولياء اليتيم، والأوصياء على ماله. والأشد قوة الإنسان، واشتعال ~~حرارته، ومن الشدة بمعنى القوة. يقال شد النهار إذا ارتفع واكتمل، وهو ~~مفرد جاء بصيغة الجمع. أو هو جمع لا واحد له من لفظه، أو جمع شدة كأنعم ~~ونعمة. أى ولا تقربوا - أيها الأولياء على اليتيم - ماله الذى منحه الله ~~إياه عن طريق الميراث أو غيره، إلا بالطريقة التى هى أحسن الطرق، والتى ~~من شأنها أن تنفعه، كالمحافظة عليه، واستثماره له، وإنفاقه فى الوجوه ~~المشروعة. واعلموا أن كل تصرف مع اليتيم أو فى ماله لا يقع فى تلك ~~الدائرة - دائرة الأنفع والأحسن - فهو تصرف محظور ومنهى عنه، وسيحاسبكم ~~الله - تعالى - عليه. وتعليق النهى بالقربان، للمبالغة فى الزجر عن ~~التصرف فى مال اليتيم، إلا بالطريقة التى هى أحسن. وقوله { حتى ~~يبلغ أشده } ليس غاية للنهى، إذ ليس المعنى فإذا بلغ أشده ~~فاقربوه، لأن هذا المعنى يقتضى إباحة أكل الولى لمال اليتيم بعد بلوغه، ~~وإنما هو غاية لما يفهم من النهى، فيكون المعنى لا تقربوا مال اليتيم إلا ~~بالطريقة التى هى أحسن، واستمروا على ذلك حتى يبلغ أشده، أى حتى يصير ~~بالغا عاقلا رشيدا، فإذا ما صار كذلك، فسلموا إليه ماله بأمانة واستعفاف ~~عن التطلع إلى شئ منه. هذا، وقد أمرت شريعة الإسلام، بحسن رعاية اليتيم، ~~وبالمحافظة على حقوقه، ونهت عن الإساءة إليه، بأى لون من ألوان ~~الإساءة. ms3201 قال - تعالى - # ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير ~~وإن تخالطوهم فإخوانكم.. # وقال - سبحانه - # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الحديث الذى رواه الإمام البخارى ~~عن سهل بن سعد رضى الله عنه # " أنا وكافل اليتيم فى الجنة هكذا " # وأشار بالسبابة والوسطى. وروى الشيخان عن أبى هريرة - رضى الله عنه - عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال # " اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال الشرك بالله، ~~والسحر، وقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال ~~اليتيم، والتولى يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات ". # ومن الحكم التى من أجلها أمر الاسلام بالعطف على اليتيم ونهى عن ظلمه، ~~أنه إنسان ضعيف فقد الأب الحانى، والعائل والنصير منذ صغره.. فإذا نشأ فى ~~بيئة ترعاه وتكرمه.. شب محبا لمن حوله، وللمجتمع الذى يعيش فيه. وإذا نشأ ~~فى بيئة تقهره وتذله وتظلمه.. نظر إلى من حوله، وإلى المجتمع الذى يعيش ~~فيه، نظرة العدو إلى عدوه.. وكأنه يقول لنفسه إذا كان الناس لم يحسنوا ~~إلى فى صغرى وفى حالة ضعفى، فلماذا أحسن إليهم فى حال كبرى وقوتى!! وإذا ~~كانوا قد حرمونى حقى الذى منحه الله لى فلماذا أعطيهم شيئا من خيرى ~~وبرى!!. هذه بعض الأسباب التى من أجلها أمر الإسلام أتباعه برعاية ~~اليتيم وإكرامه، وصيانة حقوقه من أى اعتداء أو ظلم. وبعد أن نهى - سبحانه ~~- عن الاقتراب من مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن، أمر بالوفاء بالعهود ~~فقال { وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا }. ~~والعهد ما من شأنه أن يراعى ويحفظ، كالوصية واليمين. وعهد الله أوامره ~~ونواهيه وعهد الناس ما يتعاهدون عليه من معاملات وعقود وغير ذلك مما ~~تقتضيه شئون حياتهم. أى وأوفوا بالعهود التى بينكم وبين الله - تعالى -، ~~والتى بينكم وبين الناس، بأن تؤدوها كاملة غير منقوصة، وأن تقوموا بما ~~تقتضيه من حقوق شرعية. وقوله { إن العهد كان مسؤولا } تعليل ~~لوجوب الوفاء بالعهد. أى ms3202 كونوا أوفياء بعهودكم لأن صاحب العهد كان مسئولا ~~عنه، أمام الله - تعالى - وأمام الناس، فالكلام على حذف مضاف كما فى قوله ~~- سبحانه - { واسأل القرية }. وقال - سبحانه - { وأوفوا بالعهد ~~إن العهد... } بالإظهار دون الإضمار للإشعار بكمال العناية ~~بشأن الوفاء بالعهود. ويجوز أن يكون المعنى وأوفوا بالعهد إن العهد كان ~~مسئولا، أى كان مطلوبا بالوفاء به وقد مدح الله - تعالى - الذين يوفون ~~بعهودهم فى آيات كثيرة، منها قوله - تعالى - # إنما يتذكر أولوا الألباب الذين يوفون ~~بعهد الله ولا ينقضون الميثاق # وقوله - تعالى - # والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في ~~البأسآء والضراء وحين البأس أولئك الذين ~~صدقوا وأولئك هم المتقون # وبعد أن أمر - سبحانه - بالوفاء بصفة عامة، أتبع ذلك بالوفاء فى شئون ~~البيع والشراء، فقال - تعالى - { وأوفوا الكيل إذا كلتم ~~وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن ~~تأويلا }. # والقسطاس الميزان الذى يوزن به فى حالتى البيع والشراء. قال صاحب الكشاف ~~قرئ { بالقسطاس } بكسر القاف وضمها.. قيل كل ميزان صغر أو كبر من موازين ~~الدراهم وغيرها. وقال الآلوسى ما ملخصه وهذا اللفظ رومى معرب.. وقيل ~~عربى.. وعلى القول بأنه رومى معرب - وهو الصحيح - لا يقدح استعماله فى ~~القرآن فى عربيته المذكورة فى قوله - تعالى - # إنآ أنزلناه قرآنا عربيا # لأنه بعد التعريب والسماع فى فصيح الكلام، يصير عربيا، فلا حاجة إلى ~~إنكار تعريبه... وقوله { تأويلا } من الأول - بفتح الهمزة وسكون الواو - ~~بمعنى الرجوع. يقال آل هذا الأمر إلى كذا، إذا رجع إليه. والمعنى وأتموا ~~أيها المؤمنون الكيل إذا كلتم لغيركم عند بيعكم لهم ما تريدون بيعه، ~~وزنوا لهم كذلك بالميزان المستقيم العادل ما تريدون وزنه لهم. وقيد - ~~سبحانه - الأمر بوجوب إتمام الكيل والميزان فى حالة البيع، لأنها الحالة ~~التى يكون فيها التطفيف فى العادة، إذ أن البائع هو الذى غالبا ما يطفف ~~للمشترى فى المكيال والميزان ولا يعطيه حقه كاملا. قال - تعالى - # ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس ~~يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون # أى ذلك الذى أمرناكم به. من وجوب إتمام المكيال والميزان عند التعامل، ms3203 ~~خير لكم فى الدنيا، لأنه يرغب الناس فى التعامل معكم، أما فى الآخرة فهو ~~أحسن عاقبة ومآلا، لما يترتب عليه من الثواب الجزيل لكم من الله - عز وجل ~~-. ثم ختم - سبحانه - تلك التوجيهات السامية السديدة، بالنهى عن تتبع ما ~~لا علم للإنسان به، وعن الفخر والتكبر والخيلاء.. فقال - تعالى - { ~~ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر ~~والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ولا تمش في ~~الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ ~~الجبال طولا كل ذلك كان سيئه عند ربك ~~مكروها ذلك ممآ أوحى إليك ربك من الحكمة ~~ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ~~ملوما مدحورا }. قال القرطبى - رحمه الله - ما ملخصه قوله - ~~تعالى - { ولا تقف ما ليس لك به علم } أى ولا تتبع ما لا ~~تعلم ولا يعنيك - من قول أو فعل - قال قتادة لا تقل رأيت وأنت لم تر، ~~وسمعت وأنت لم تسمع، وعلمت وأنت لم تعلم.. ثم قال وأصل القفو البهت، ~~والقذف بالباطل. ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام - # " نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا، ولا ننتفى من أبينا " # أى لا نسب أمنا. وقال قفوته أقفوه... إذا اتبعت أثره. وقافية كل شئ ~~آخره، ومنه اسم النبى صلى الله عليه وسلم المقفى، لأنه آخر الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام -، ومنه القائف، وهو الذى يتبع الأثر. # .. وقال صاحب الكشاف - رحمه الله - قوله { ولا تقف ما ليس لك ~~به علم } يعنى، ولا تكن فى اتباعك ما لا علم لك به من قول أو فعل، ~~كمن يتبع مسلكا لا يدرى أنه يوصله إلى مقصده فهو ضال. والمراد النهى عن ~~أن يقول الرجل ما لا يعلم، وأن يعمل بما لا يعلم. ويدخل فيه النهى عن ~~التقليد الأعمى دخولا ظاهرا لأنه اتباع لما لا يعلم صحته من فساده... ~~وقوله { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك ~~كان عنه مسؤولا } تحذير شديد من أن يقول الإنسان قولا لا علم ~~له به، أو أن يفعل فعلا بدون تحقق، أو ms3204 أن يحكم حكما بلا بينة أو دليل. أى ~~إن السمع الذى تسمع به - أيها المكلف -، والبصر الذى تبصر به، والفؤاد - ~~أى القلب - الذى تحيا به، كل أولئك الأعضاء ستكون مسئولا عن أفعالها يوم ~~القيامة، وسيقال لك بتأنيب وتوبيخ لماذا سمعت ما لا يحل لك سماعه، ونظرت ~~إلى ما لا يجوز لك النظر إليه، وسعيت إلى ما لا يصح لك أن تسعى إليه!!. ~~وعلى هذا التفسير يكون السؤال فى قوله - تعالى - { كان عنه ~~مسؤولا } للإنسان الذى تتبع ما ليس له به علم من قول أو فعل. ومن ~~الآيات التى تشهد لهذا التفسير قوله - تعالى - # فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون # ومنهم من يرى أن السؤال موجه إلى تلك الأعضاء، لتنطق بما اجترحه صاحبها، ~~ولتكون شاهدة عليه، فيكون المعنى. إن السمع والبصر والفؤاد، كل واحد من ~~أولئك الأعضاء، كان مسئولا عن فعله، بأن يقال له هل استعملك صاحبك فيما ~~خلقت من أجله أو لا؟. ويكون هذا السؤال للأعضاء من باب التوبيخ ~~لأصحابها، كما قال - تعالى - # اليوم نختم على أفواههم وتكلمنآ أيديهم ~~وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون # وكما قال - سبحانه - # ويوم يحشر أعدآء الله إلى النار فهم يوزعون ~~حتى إذا ما جآءوها شهد عليهم سمعهم ~~وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون # واسم الإشارة { أولئك } على التفسيرين يعود إلى السمع والبصر والفؤاد، ~~إما لأن هذا الاسم يشار به إلى العقلاء ويشار به إلى غير العقلاء، كما فى ~~قول الشاعر # ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأيام # وإما لأن هذه الأعضاء أخذت حكم العقلاء، لأنها جزء منهم، وشاهدة عليهم. ~~وعلى كلا التفسيرين أيضا، يتمثل التحذير الشديد للإنسان عن أن يتبع ما ~~ليس له به علم. قال الجمل وقوله - تعالى - { كل أولئك } مبتدأ، خبره جملة ~~{ كان عنه مسؤولا } ، والضمير فى " كان " وفى " عنه " وفى { ~~مسئولا } يعود على كل. # أى كان كل واحد منها مسئولا عن نفسه، يعنى عما فعل به صاحبه ويجوز أن ~~يكون الضمير فى " عنه " لصاحب السمع والبصر والفؤاد... وشبيه بهذه الآية ~~فى ms3205 النهى عن اتباع ما لا علم للإنسان به. قوله - تعالى - # قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا ~~بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على ~~الله ما لا تعلمون # وقوله - سبحانه - # يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ~~ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو ~~مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشآء وأن ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون # قال الإمام ابن كثير ومضمون ما ذكروه - فى معنى قوله - تعالى - { ولا ~~تقف ما ليس لك به علم.. } أن الله - تعالى - نهى عن القول ~~بلا علم، كما قال - سبحانه - # اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم.. # وفى الحديث # " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث... " # وفى سنن أبى داود # " بئس مطية الرجل زعموا " # وفى الحديث الآخر # " إن أفرى الفرى - أى أكذب الكذب - أن يرى الرجل عينيه ما لم ~~تريا ". # وقال بعض العلماء وهذه الكلمات القليلة - التى اشتملت عليها الآية - ~~تقيم منهجا كاملا للقلب والعقل، يشمل المنهج العلمى الذى عرفته البشرية ~~حديثا جدا، ويضيف إليه استقامة القلب، ومراقبة الله، ميزة الإسلام على ~~المناهج العقلية الجافة!. فالتثبت من كل خبر، ومن كل ظاهرة، ومن كل حركة، ~~قبل الحكم عليها، هو دعوة القرآن الكريم، ومنهج الإسلام الدقيق.. فلا ~~يقول اللسان كلمة، ولا ينقل رواية، ولا يروى حادثة، ولا يحكم العقل حكما، ~~ولا يبرم الإنسان أمرا. إلا وقد تثبت من كل جزئية، ومن كل ملابسة ومن كل ~~نتيجة، فلم يبق هنالك شك ولا شبهة فى صحتها... ثم ينتقل القرآن الكريم من ~~النهى عن أن يتبع الإنسان ما لا علم له به، إلى النهى عن التفاخر ~~والتكبر والإعجاب فى النفس فيقول { ولا تمش في الأرض ~~مرحا... }. والمرح فى الأصل شدة الفرح، والتوسع فيه، مع الخيلاء ~~والتعالى على الناس، يقال مرح - بزنة فرح - يمرح مرحا، إذا اشتد فرحه ~~ومشى مشية المتكبرين. وهو مصدر وقع موقع الحال. أى ولا تمش - أيها ~~الانسان - فى الأرض مشية الفخور المتكبر المختال بل ms3206 كن متواضعا متأدبا ~~بأدب الإسلام فى سلوكك. وتقييد النهى بقوله { فى الأرض } للتذكير ~~بالمبدأ والمعاد، المانعين من الكبر والخيلاء، إذ من الأرض خلق وإليها ~~يعود، ومن كان كذلك كان جديرا به أن يتواضع لا أن يتكبر. قال - تعالى - # منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم ~~تارة أخرى # وقوله - سبحانه - { إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ ~~الجبال طولا } تعليل للنهى عن التفاخر مع السخرية والتهكم من ~~المتفاخر المغرور. أى إنك - أيها الماشى فى الأرض مرحا - لن تخرق الأرض ~~بوطئك عليها، أو بمشيك فوقها، ولن تبلغ - مهما ارتفعت قامتك - الجبال فى ~~الطول والعلو. وما دام شأنك كذلك، فكن متواضعا، فمن تواضع لله - تعالى - ~~رفعه. وقوله { طولا } تمييز محول عن الفاعل. أى لن يبلغ طولك الجبال. ~~وشبيه بهذه الآية فى النهى عن التعالى والتطاول، قوله - تعالى - # ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا ~~إن الله لا يحب كل مختال فخور # وقد أمر النبى صلى الله عليه وسلم بالتواضع، ونهى عن التكبر والغرور، ~~وبين سوء عاقبة ذلك فى أحاديث كثيرة، منها ما رواه مسلم فى صحيحه عن عياض ~~بن حمار قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله - تعالى - أوحى إلى أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا ~~يبغى أحد على أحد ". # وروى الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا ". # وروى الترمذى عن سلمة بن الأكوع قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا يزال الرجل يذهب بنفسه - أى يرتفع ويتكبر - حتى يكتب فى الجبارين - ~~فيصيبه ما أصابهم ". # ورحم الله القائل # ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا فكم تحتها قوم همو منك أرفع وإن كنت فى ~~عز وحرز ومنعة فكم مات من قوم همو منك أمنع # ثم ختم - سبحانه - تلك التكاليف التى يغلب عليها طابع النهى عن الرذائل ~~بقوله { كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها }. واسم ~~الإشارة { ذلك } يعود إلى ما تقدم ms3207 ذكره من التكاليف والأوامر والنواهى. ~~التى لا يتطرق إليها النسخ، والتى تبلغ خمسة وعشرين تكليفا، تبدأ بقوله - ~~تعالى - { لا تجعل مع الله إلها آخر } ثم يأتى بعد ذلك ~~النهى عن عقوق الوالدين، والأمر بصلة الأرحام، وبالعطف على المسكين وابن ~~السبيل، ثم النهى عن البخل، والإسراف، وقتل الأولاد، والاقتراب من ~~الزنا، وقتل النفس إلا بالحق، والاعتداء على مال اليتيم.. الخ. والضمير ~~فى { سيئه } يعود إلى ما نهى الله عنه من أفعال، كالشرك، وعقوق الوالدين، ~~والزنا. أى كل ذلك الذى بيناه لك فيما سبق، كان الفعل السيئ منه، عند ربك ~~مكروها، أى مبغوضا عنده - سبحانه - وأما الفعل الحسن كالوفاء بالعهد، ~~وإعطاء ذى القربى حقه، فهو محمود عند ربك - عز وجل -. قال الآلوسى ووصف ~~ذلك بمطلق الكراهة مع أن أكثره من الكبائر - كالشرك والزنا. # .. - للإيذان بأن مجرد الكراهة عنده - تعالى - كافية فى وجوب الكف عن ~~ذلك. وتوجيه الإشارة إلى الكل، ثم تعيين البعض دون توجيهها إليه ابتداء، ~~لما قيل من أن البعض المذكور ليس بمذكور جملة، بل على وجه الاختلاط لنكتة ~~اقتضته، وفيه إشعار بكون ما عداه مرضيا عنده - سبحانه -. وإنما لم يصرح ~~بذلك، إيذانا بالغنى عنه، أو اهتماما بشأن التنفير من النواهى... وقرأ ~~ابن كثير وأبو عمرو { كل ذلك كان سيئة } بالتاء والتنوين. وعلى ~~هذه القراءة يكون اسم الإشارة، يعود إلى المنهيات السابقة فقط، ويكون ~~المعنى كل ذلك الذى نهيناك عنه فى الآيات السابقة، من الإشراك بالله، ~~وعقوق الوالدين، واتباع ما ليس لك به علم.. كان اقترافه سيئة من السيئات ~~المبغوضة عند ربك، المحرمة فى شرعه، المعاقب مرتكبها. ثم ختم - سبحانه - ~~تلك الأحكام المحكمة، والتكاليف السامية، بقوله { ذلك ممآ أوحى ~~إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله ~~إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا }. أى ~~ذلك الذى أمرناك به، ونهيناك عنه - أيها الرسول الكريم - بعض ما أوحاه ~~الله - تعالى - عليك { من الحكمة } التى هى علم الشرائع ومعرفة الحق، ~~والعمل به، وحذار أن تجعل بعد هذا البيان الحكيم، مع الله - تعالى - إلها ms3208 ~~آخر - أيها المخاطب - فتلقى وتطرح فى جهنم، ملوما من نفسك ومن غيرك، ~~مدحورا أى مبعدا من رحمة الله - تعالى -. قال صاحب الكشاف ولقد جعل الله ~~- تعالى - فاتحتها - أى تلك الآيات المشتملة على تلك الأوامر والنواهى - ~~وخاتمتها، النهى عن الشرك، لأن التوحيد هو رأس كل حكمة وملاكها ومن عدمه ~~لم تنفعه حكمه وعلومه وإن بذ فيها الحكماء، وحك بيافوخه السماء، وما ~~أغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم وهم عن دين الله أضل من النعم. وبذلك نرى ~~أن هذه الآيات الكريمة التى اشتملت على بضع وعشرين تكليفا، والتى ابتدأت ~~بقوله - تعالى - { لا تجعل مع الله إلها آخر } وانتهت ~~بقوله - سبحانه - { ولا تجعل مع الله إلها آخر.. } قد ~~ربطت قواعد السلوك والآداب والتكاليف الفردية والاجتماعية، بإخلاص ~~العبادة لله - تعالى - لأن هذا الإخلاص لله - تعالى - فى العقيدة ~~والعبادة والقول والعمل.. هو رأس كل حكمة وملاكها. كما قال صاحب الكشاف - ~~رحمه الله -. وبعد أن ذكر - سبحانه - ما ذكر من الأوامر والنواهى فى ~~الآيات السابقة، التى بدأها وختمها بالنهى عن الإشراك بالله - تعالى - ~~أتبع ذلك بإقامة الأدلة على استحالة أن يكون له شريك أو ولد، بل كل من فى ~~السماوات ومن الأرض، خاضع لسلطانه، وما من شئ إلا ويسبح بحمده، فقال - ~~تعالى - { أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من ~~الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما }. ### || [17.40-44] # والخطاب فى قوله - تعالى - { أفأصفاكم.. } للكافرين الذين قالوا، ~~الملائكة بنات الله. والإصفاء بالشئ جعله خالصا. يقال أصفى فلان فلانا ~~بالشئ، إذا آثره به. ويقال للأشياء التى يختص السلطان بها نفسه الصوافى. ~~وفعله صفا يصفو، وتضمن هنا معنى التخصيص. والاستفهام للإنكار والتوبيخ ~~والتهكم. والمعنى - كما يقول صاحب الكشاف - أفخصكم ربكم على وجه الخلوص ~~والصفاء بأفضل الأولاد، وهم الذكور، ولم يجعل فيهم نصيبا لنفسه، واتخذ ~~أدونهم، وهن البنات، وأنتم لا ترضونهن لأنفسكم، بل تئدوهن وتقتلونهن!! ~~فهذا خلاف الحكمة وما عليه معقولكم وعادتكم. فإن العبيد لا يؤثرون ~~بأجود الأشياء وأصفاها من الشوب، ويكون أردؤها وأدونها للسادات. والمقصود ~~من الجملة الكريمة نفى ما زعموه من أن الملائكة ms3209 بنات الله بأبلغ وجه، أى ~~لم يخصكم ربكم بالبنين، ولم يتخذ من الملائكة إناثا، لأنه - سبحانه - ~~تنزه عن الشريك والولد والوالد والشبيه. قال - تعالى - # لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما ~~يخلق ما يشآء سبحانه هو الله الواحد القهار # وقال - تعالى - # ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى # وقوله - سبحانه - { إنكم لتقولون قولا عظيما } تسفيه ~~لأقوالهم الباطلة وأفكارهم الفاسدة وعقولهم السقيمة. أى إنكم بنسبتكم ~~البنات إلى الله - تعالى -، لتقولون قولا عظيما فى قبحه وشناعته، وفى ~~استهجان العقول السليمة له، وفيما يترتب عليه من عقوبات أليمة من الله - ~~تعالى - لكم. قال - تعالى - # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا ~~إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ~~ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في ~~السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد ~~أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة ~~فردا # ثم بين - سبحانه - أن هذا القرآن الذى أنزله على نبيه محمد صلى الله ~~عليه وسلم قد اشتمل على ألوان متعددة من الهدايات والآداب والأحكام، فقال ~~- تعالى - { ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا ~~وما يزيدهم إلا نفورا }. وقوله - تعالى - { صرفنا } من ~~التصريف وهو فى الأصل صرف الشئ من حالة إلى أخرى، ومن جهة إلى أخرى. ~~والمراد به هنا بينا، وكررنا، ومفعوله محذوف للعلم به. والمعنى ولقد بينا ~~وكررنا فى هذا القرآن أنواعا من الوعد والوعيد، والقصص، والأمثال، ~~والمواعظ والأخبار، والآداب والتشريعات، ليتذكر هؤلاء الضالون ويتعظوا ~~ويعتبروا، ويوقنوا بأنه من عند الله - تعالى - فيهديهم ذلك إلى اتباع ~~الحق، والسير فى الطريق القويم. وقوله - تعالى - { وما يزيدهم ~~إلا نفورا } تصوير بديع لإصرارهم على كفرهم وعنادهم، وإيثارهم ~~الغى على الرشد. # والنفور التباعد والإعراض عن الشئ. يقال نفرت الدابة تنفر - بكسر الفاء ~~وضمها - نفورا، إذا جزعت وتباعدت وشردت. أى وما يزيدهم هذا البيان ~~والتكرار الذى اشتمل عليه القرآن الكريم، إلا تباعدا عن الحق، وإعراضا ~~عنه، وعكوفا على باطلهم، بسبب جحودهم وعنادهم وحسدهم للرسول صلى الله ~~عليه ms3210 وسلم على ما آتاه الله من فضله. وكان بعض الصالحين إذا قرأ هذه ~~الآية قال زادنى لك خضوعا، ما زاد أعداءك نفورا. ثم أمر الله - تعالى - ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوبخهم على شركهم، وأن يسوق لهم الدليل ~~الواضح على فساد عقولهم، فقال - تعالى - { قل لو كان معه ~~آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش ~~سبيلا }. وقد قرأ جمهور القراء { كما تقولون } وقرأ ابن كثير وحفص عن ~~عاصم { كما يقولون }. وللمفسرين فى تفسير هذه الآية اتجاهان، أما الاتجاه ~~الأول فيرى أصحابه أن المعنى. قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء ~~المشركين، لو كان مع الله - تعالى - آلهة أخرى - كما يزعمون - إذا لطلبوا ~~إلى ذى العرش - وهو الله عز وجل - طريقا وسبيلا لتوصلهم إليه، لكى ~~ينازعوه فى ملكه، ويقاسموه إياه، كما هى عادة الشركاء، وكما هو ديدن ~~الرؤساء والملوك فيما بينهم. قال - تعالى - # ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا ~~لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على ~~بعض سبحان الله عما يصفون # وقال سبحانه - # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان ~~الله رب العرش عما يصفون # وهذا الاتجاه قد صدر به صاحب الكشاف كلامه فقال ما ملخصه قوله { إذا ~~لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا } جواب عن مقالة المشركين ~~وجزاء للو. أى إذا لطلبوا إلى من له الملك والربوبية سبيلا بالمغالية، ~~كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض... وأما الاتجاه الثانى فيرى أصحابه أن ~~المعنى قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين، لو كان مع الله - تعالى - آلهة ~~أخرى - كما يزعمون -، إذا لابتغوا - أى الآلهة المزعومة - إلى ذى العرش ~~سبيلا وطريقا ليقتربوا إليه، ويعترفوا بفضله، ويخلصوا له العبادة، كما ~~قال - تعالى - # أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون ~~عذابه إن عذاب ربك كان محذورا # وقد اقتصر ابن كثير على هذا الوجه فى تفسيره للآية فقال يقول - تعالى - ~~قل يا محمد لهؤلاء المشركين الزاعمين أن لله شريكا من خلقه، لو كان الأمر ~~كما تقولون، ms3211 من أن معه آلهة تعبد.. لكان أولئك المعبودون يعبدونه ~~ويتقربون إليه يبتغون إليه الوسيلة والقربة. ومع وجاهة الرأيين، إلا أن ~~الرأى الأول أظهر، لأن فى الآية فرض المحال، وهو وجود الآلهة مع الله - ~~تعالى -، وافتراض وجودها المحال لا يظهر منه أنها تتقرب إليه - سبحانه -، ~~بل الذى يظهر منه أنها تنازعه لو كانت موجودة، ولأن هذا الرأى يناسبه - ~~أيضا - قوله - تعالى - بعد ذلك { سبحانه وتعالى عما ~~يقولون علوا كبيرا }. # أى تنزه الله - تعالى - عما يقوله المشركون فى شأنه وتباعد، وعلا علوا ~~كبيرا، فإنه - جل شأنه - لا ولد له، فلا شريك له... قال - تعالى - # قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ~~ولم يكن له كفوا أحد # والتعبير بقوله - سبحانه - { إذا لابتغوا إلى ذي العرش ~~سبيلا } يشير إلى الارتفاع والتسامى على تلك الآلهة المزعومة، وأنها ~~دون عرشه - تعالى - وتحته، وليست معه.. ثم بين - سبحانه - أن جميع ~~الكائنات تسبح بحمده فقال - تعالى - { تسبح له السماوات ~~السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم }. والتسبيح مأخوذ ~~من السبح، وهو المر السريع فى الماء أو فى الهواء، فالمسبح مسرع فى تنزيه ~~الله وتبرئته من السوء، ومن كل ما لا يليق به - سبحانه -. أى تنزه الله - ~~تعالى - وتمجده السماوات السبع، والأرض، ومن فيهن من الإنس والجن ~~والملائكة وغير ذلك، وما من شئ من مخلوقاته التى لا تحصى إلا ويسبح بحمد ~~خالقه - تعالى -، ولكن أنتم يا بنى آدم { ولكن لا تفقهون ~~تسبيحهم } لأن تسبيحهم بخلاف لغتكم، وفوق مستوى فهمكم، وإنما الذى ~~يعلم تسبيحهم هو خالقهم عز وجل، وصدق - سبحانه - إذ يقول # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # والمتدبر فى هذه الآية الكريمة، يراها تبعث فى النفوس الخشية والرهبة من ~~الخالق - عز وجل -، لأنها تصرح تصريحا بليغا بأن كل جماد، وكل حيوان، وكل ~~طير، وكل حشرة.. بل كل كائن فى هذا الوجود يسبح بحمده - تعالى -. وهذا ~~التصريح يحمل كل إنسان عاقل على طاعة الله، وإخلاص العبادة له، ومداومة ~~ذكره.. ms3212 حتى لا يكون - وهو الذى كرمه ربه وفضله - أقل من غيره طاعة لله - ~~تعالى -. وقوله { إنه كان حليما غفورا } تذييل قصد به بيان ~~فضل الله - تعالى - ورحمته بعباده مع تقصيرهم فى تسبيحه وذكره. أى { ~~إنه كان حليما } لا يعاجل المقصر بالعقوبة، بل يمهله لعله ~~يرعوى وينزجر عن تقصيره ومعصيته، { غفورا } لمن تاب وآمن وعمل صالحا ~~واهتدى إلى صراطه المستقيم. هذا، ومن العلماء من يرى أن تسبيح هذه ~~الكائنات بلسان الحال. قال بعض العلماء تسبيح هذه الكائنات لله - تعالى - ~~هو دلالتها - بإمكانها وحدوثها، وتغير شئونها، وبديع صنعها - على وجود ~~مبدعها، ووحدته وقدرته، وتنزهه عن لوازم الإمكان والحدوث، كما يدل الأثر ~~على المؤثر. # فهى دلالة بلسان الحال، لا يفقهها إلا ذوو البصائر. أما الكافرون فلا ~~يفقهون هذا التسبيح، لفرط جهلهم وانطماس بصيرتهم... ومنهم من يرى أن ~~تسبيحها بلسان المقال، أى أن التسبيح بمعناه الحقيقى، فالكل يسبح بحمد ~~الله، ولكن بلغته الخاصة التى لا يفهمها الناس. قال الإمام ابن كثير ما ~~ملخصه وقوله { وإن من شيء إلا يسبح بحمده } أى وما ~~من شئ من الملخوقات إلا يسبح بحمد الله { ولكن لا تفقهون ~~تسبيحهم } أى لا تفقهون تسبيحهم - أيها الناس - لأنها بخلاف لغتكم ~~وهذا عام فى الحيوانات والنبات والجماد. وهذا أشهر القولين كما ثبت فى ~~صحيح البخارى وغيره، عن ابن مسعود أنه قال كنا نسمع تسبيح الطعام وهو ~~يؤكل. وفى حديث أبى ذر # " أن النبى صلى الله عليه وسلم أخذ فى يده حصيات، فسمع لهن تسبيح كحنين ~~النحل. وكذا فى يد أبى بكر وعمر وعثمان - رضى الله عنهم - " # وهو حديث مشهور فى المسانيد... ثم قال ويشهد لهذا القول آية السجدة فى ~~أول سورة الحج - وهو قوله - تعالى - # ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن ~~في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال ~~والشجر والدوآب وكثير من الناس وكثير حق ~~عليه العذاب.. # وقال القرطبى قوله - تعالى - { تسبح له السماوات السبع ~~والأرض ومن فيهن } أعاد على السماوات والأرض ضمير من يعقل، لما ~~أسند اليها فعل ms3213 العاقل وهو التسبيح. وقوله { ومن فيهن } يريد الملائكة ~~والإنس والجن، ثم عمم بعد ذلك الأشياء كلها فى قوله { وإن من شيء ~~إلا يسبح بحمده }. واختلف فى هذا العموم هل هو مخصص أو لا. ~~فقالت فرقة ليس مخصوصا، والمراد به تسبيح الدلالة، كل محدث يشهد على نفسه ~~بأن الله - عز وجل - خالق قادر. وقالت طائفة هذا التسبيح حقيقة، وكل شئ ~~على العموم يسبح تسبيحا لا يسمعه البشر ولا يفقهونه، ولو كان ما قاله ~~الأولون من أنه أثر الصفة والدلالة، لكان أمرا مفهوما، والآية تنطق بأن ~~هذا التسبيح لا يفقه.. ويستدل لهذا القول من الكتاب بقوله - تعالى - # ولقد آتينا داوود منا فضلا يجبال أوبي معه ~~والطير.. # وقوله - تعالى - # واذكر عبدنا داوود ذا الأيد إنه أواب إنا ~~سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق # ثم قال فالصحيح أن الكل يسبح للأخبار الدالة على ذلك، ولو كان ذلك ~~التسبيح تسبيح دلالة، فأى تخصيص لداود، وإنما ذلك تسبيح المقال، بخلق ~~الحياة والإنطاق بالتسبيح. وقد نصت السنة على ما دل عليه ظاهر القرآن من ~~تسبيح كل شئ فالقول به أولى. والذى تطمئن إليه النفس أن التسبيح حقيقى ~~وبلسان المقال، لأن هذا هو الظاهر من الآية الكريمة، ولأن الآيات ~~القرآنية والأحاديث النبوية تؤيد ذلك. وبعد أن أقام - سبحانه - الأدلة ~~على وحدانيته، وأثبت أن كل شئ يسبح بحمده، أتبع ذلك ببيان أحوال المشركين ~~عند سماعهم للقرآن الكريم، وببيان ما جعله الله - تعالى - على حواسهم ~~بسبب جحودهم وعنادهم، فقال - تعالى - { وإذا قرأت القرآن ~~جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~حجابا مستورا }. ### || [17.45-48] # والخطاب فى قوله - تعالى - { وإذا قرأت القرآن... } للرسول ~~صلى الله عليه وسلم وقوله { حجابا } من الحجب بمعنى المنع. قال صاحب ~~المصباح حجبه حجبا - من باب قتل - منعه. ومنه قيل للستر حجاب لأنه يمنع ~~المشاهدة. وقيل للبواب حاجب، لأنه يمنع من الدخول. والأصل فى الحجاب جسم ~~حائل بين جسدين، وقد استعمل فى المعانى فقيل العجز حاجب، أى بين الإنسان ~~ومراده... وقوله { مستورا } ساترا، فهو من إطلاق اسم المفعول ms3214 وإرادة اسم ~~الفاعل. كميمون بمعنى يامن. ومشئوم بمعنى شائم. واختار بعضهم أن مستورا ~~على معناه الظاهر، من كونه اسم مفعول، لأن ذلك الحجاب مستور عن أعين ~~الناس فلا يرونه، أو مستورا به القارئ فلا يراه غيره، ويجوز أن يكون ~~مستورا، أى ذا ستر فهو للنسب كمكان مهول ذو هول.. وللمفسرين فى تفسير هذه ~~الآية أقوال، أشهرها قولان أولهما يرى أصحابه، أن المراد بالحجاب المستور ~~ما حجب الله به قلوب هؤلاء الكافرين عن الانتفاع بهدى القرآن الكريم، ~~بسبب جحودهم وجهلهم وإصرارهم على كفرهم. فهو حجاب معنوى خفى، حال بينهم ~~وبين الانتفاع بالقرآن. فهم يستمعون إليه، ولكنهم يجاهدون قلوبهم ألا ترق ~~له، ويمانعون فطرتهم عن التأثر به، فكان استماعهم له كعدمه، وعاقبهم الله ~~على ذلك بأن طمس بصائرهم عن فقهه. والمعنى وإذا قرأت - أيها الرسول ~~الكريم - القرآن الهادى إلى الطريق التى هى أقوم، جعلنا - بقدرتنا، ~~ومشيئتنا -، بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة، حجابا يحجبهم ويمنعهم عن ~~إدراك أسراره وهداياته، وساترا بينك وبينهم، بحيث لا يصل القرآن إلى ~~قلوبهم وصول انتفاع وهداية. ويشهد لهذا المعنى قوله - تعالى - # وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي ~~آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا ~~عاملون # ومن المفسرين الذين اكتفوا بهذا القول، فلم يذكروا غيره، الإمام ~~البيضاوى، فقد قال - رحمه الله قوله وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا يحجبهم عن فهم ما تقرؤه عليهم { مستورا } ~~ذا ستر كقوله - تعالى - # إنه كان وعده مأتيا # أى مستورا عن الحس... أما القول الثانى فيرى أصحابه أن المراد بالحجاب ~~المستور، أن الله - تعالى - يحجب نبيه صلى الله عليه وسلم عن أعين ~~المشركين، بحيث لا يرونه فى أوقات معينة، لحكم منها النجاة من شرورهم. ~~فيكون المعنى وإذا قرأت القرآن - أيها الرسول الكريم - جعلنا بينك وبين ~~هؤلاء الكافرين، حجابا ساترا لك عنهم بحيث لا يرونك، عندما تكون المصلحة ~~فى ذلك. وقد استشهد أصحاب هذا القول بما أخرجه الحافظ أبو يعلى عن أسماء ~~بنت أبى بكر قالت ms3215 # " لما نزلت سورة { تبت يدآ أبي لهب وتب } جاءت العوراء ~~أم جميل ولها ولولة، وفى يدها فهر - أى حجر - وهى تقول مذمما أتينا، ~~وأمره عصينا، ودينه قلينا ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، وأبو ~~بكر إلى جنبه. فقال أبو بكر يا رسول الله، لقد أقبلت هذه وأخاف أن تراك، ~~فقال صلى الله عليه وسلم " إنها لن ترانى " وقرأ قرآنا اعتصم به منها، ~~ومما قرأه - { وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا }. فجاءت ~~حتى قامت على أبى بكر، فلم تر النبى صلى الله عليه وسلم، فقالت يا أبا ~~بكر، بلغنى أن صاحبك هجانى فقال أبو بكر لا ورب هذا البيت ما هجاك. ~~فانصرفت وهى تقول لقد علمت قريش أنى بنت سيدها ". # ومن المفسرين الذين استظهروا هذا القول، الإمام القرطبى، فقد قال بعد ~~أن ذكر ما روى عن أسماء بنت أبى بكر - رضى الله عنها - وقال سعيد بن جبير # " لما نزلت سورة { تبت يدآ أبي لهب وتب } جاءت امرأة أبى ~~لهب إلى النبى صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر، فقال أبو بكر لو تنحيت ~~عنها لئلا تسمعك ما يؤذيك فإنها امرأة بذية. فقال صلى الله عليه وسلم ~~" إنه سيحال بينى وبينها " فلم تره. فقالت لأبى بكر يا أبا بكر هجانا ~~صاحبك. فقال أبو بكر والله ما ينطق بالشعر ولا يقوله. فاندفعت راجعة. ~~فقال أبو بكر يا رسول الله، أما رأتك؟. قال لا. ما زال ملك بينى وبينها ~~يسترنى حتى ذهبت ". # ثم قال القرطبى وقيل الحجاب المستور، طبع الله على قلوبهم حتى لا ~~يفقهوه ولا يدركوا ما فيه من الحكمة. قاله قتادة. وقال الحسن أى أنهم ~~لإعراضهم عن قراءتك، وتغافلهم عنك كمن بينك وبينه حجاب فى عدم رؤيتهم ~~لك، حتى كأن على قلوبهم أغطية... ثم قال والقول الأول أظهر فى الآية. ~~ويبدو لنا أن كلا القولين صحيح فى ذاته، وأن كل واحد منهما يحكى حالات ~~معينة، ويشهد لذلك ما نقله الجمل فى حاشيته على الجلالين عن ms3216 شيخه فقد قال ~~- رحمه الله -. قوله { حجابا مستورا } ، أى ساترا لك عنهم فلا يرونك وهذا ~~بالنسبة لبعضهم، كان يحجب بصره عن رؤية النبى صلى الله عليه وسلم إذا ~~أراده بمكروه وهو يقرأ القرآن وبعضهم كان يحجب قلبه عن إدراك معانى ~~القرآن.. وبعضهم كان ينفر عند قراءة القرآن... وقوله - تعالى - { ~~وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ~~آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ~~ولوا على أدبارهم نفورا } يؤكد أن المشركين كانوا طوائف ~~متعددة بالنسبة لموقفهم من القرآن الكريم، ومن النبى صلى الله عليه وسلم. # أى وجعلنا على قلوب هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة { أكنة أن ~~يفقهوه } أى أغطية تسترها وتمنعها من فقه القرآن الكريم، وفهمه فهما ~~سليما. وجعلنا - أيضا - { وفي آذانهم وقرا } أى صمما وثقلا ~~عظيما يمنعهم من سماعه سماعا ينفعهم. وقوله - سبحانه - { وإذا ~~ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على ~~أدبارهم نفورا } بيان لرذيلة أخرى من رذائلهم المتعددة. أى وإذا ~~ذكرت أيها الرسول الكريم - ربك فى القرآن وحده، دون أن تذكر معه آلهتهم ~~المزعومة انفضوا من حولك ورجعوا على أعقابهم نافرين شاردين # كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة # وبذلك ترى أن هاتين الآيتين قد صورتا قبائح المشركين المتنوعة أبلغ ~~تصوير، لتزيد فى فضيحتهم وجهلهم، ولتجعل المؤمنين يزدادون إيمانا على ~~إيمانهم. ثم ساق - سبحانه - ما يدل على كمال علمه. وأنه - تعالى - سيجازى ~~هؤلاء الكافرين بما يستحقون من عقاب، فقال - عز وجل - { نحن أعلم ~~بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم ~~نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا ~~مسحورا }. والباء فى قوله - سبحانه - { بما يستمعون } متعلقة بأعلم، ~~ومفعول { يستمعون } محذوف، تقديره، القرآن. قال الآلوسى قوله { نحن ~~أعلم بما يستمعون به } أى متلبسين به من اللغو والاستخفاف، ~~والاستهزاء بك وبالقرآن. يروى أنه صلى الله عليه وسلم كان يقوم عن يمينه ~~رجلان من بنى عبد الدار، وعن يساره رجلان منهم، فيصفقون ويصفرون ويخلطون ~~عليه بالأشعار - إذا قرأ القرآن -. ويجوز أن تكون الباء للسببية أو بمعنى ~~اللام. أى نحن أعلم بما ms3217 يستمعون بسببه أو لأجله من الهزء، وهم متعلقة ~~بيستمعون.. وأفعل التفضيل فى العلم والجهل يتعدى بالباء، وفى سوى ذلك ~~يتعدى باللام، فيقال هو أكسى للفقراء، والمراد من كونه - سبحانه - أعلم ~~بذلك الوعيد لهم... وإذ فى قوله { إذ يستمعون إليك وإذ ~~هم نجوى } ظرف لأعلم. ولفظ { نجوى } مصدر بمعنى التناجى والمسارة ~~فى الحديث. وقد جعلوا عين النجوى على سبيل المبالغة، كما فى قولهم قوم ~~عدل. ويجوز أن يكون جمع نجى، كقتلى جمع قتيل أى وإذ هم متناجون فى ~~أمرك. والمعنى نحن - أيها الرسول الكريم - على علم تام بأحوال المشركين ~~عند استماعهم للقرآن الكريم. حين تتلوه عليهم، وبالطريقة التى يستمعون ~~بها وبالغرض الذى من أجله يستمعون إليك. وعلى علم تام بأحوالهم حين ~~يستمعون إليك فرادى وحين يستمعون إليك ثم يتناجون فيما بينهم بالإثم ~~والعدوان، والتواصى بمعصيتك. فالجملة الكريمة وعيد شديد للمشركين على ~~استماعهم المصحوب بالاستهزاء والسخرية من الرسول صلى الله عليه وسلم ومن ~~القرآن. وتسلية له صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم، وبيان لشمول علم ~~الله - تعالى - لكل أحوالهم الظاهرة والخفية. # وقوله - تعالى - { إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا ~~رجلا مسحورا } بدل من قوله - تعالى - { وإذ هم نجوى }. ~~والمسحور. هو الذى سحر فاختلط عقله، وزالت عنه الهيئة السوية. أى ونحن ~~أعلم بهؤلاء الأشقياء - أيضا - عندما يقول بعضهم لبعض لا تتبعوا محمدا ~~صلى الله عليه وسلم فيما يدعوا إليه، فإنكم إن اتبعتموه تكونون قد اتبعتم ~~رجلا مسحورا، أصابه السحر فأخرجه عن وعيه وعقله. وقال - سبحانه - { إذ ~~يقول الظالمون } بالإظهار دون الإضمار، لتسجيل الظلم عليهم ~~فيما تفوهوا به، وأنهم سيستحقون عقوبة الظالم. وقوله - تعالى - { انظر ~~كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون ~~سبيلا } تسلية عظيمة للرسول صلى الله عليه وسلم، وتثبيت له وللمؤمنين ~~على الطريق الحق الذى هداهم الله - تعالى - إليه. أى انظر وتأمل - أيها ~~الرسول الكريم - كيف أن هؤلاء المشركين. قد بلغ بهم الجحود والفجور، أنهم ~~مثلوا لك الأمثال، فوصفوك تارة بأنك مسحور، وتارة بأنك شاعر. وهم فى ~~وصفهم هذا، قد ضلوا ms3218 عن الحق ضلالا بعيدا، وصاروا كالحيران الذى التبست ~~عليه الطرق، فأمسى لا يعرف السبيل الذى يسلكه. هذا، وقد ذكر الإمام ابن ~~كثير رحمة الله - عند تفسيره لهذه الآيات، ما يدل على أن المشركين كانوا ~~يستمعون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم عند قراءته للقرآن. فقال قال محمد ~~بن إسحاق فى السيرة حدثنى محمد بن مسلم بن شهاب الزهرى، أنه حدث أن ~~أبا سفيان بن حرب، وأبا جهل بن هشام، والأخنس بن شريق.. خرجوا ليلة ~~ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلى بالليل فى بيته، فأخذ ~~كل واحد منهم مجلسا يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون ~~له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا. حتى إذا جمعتهم الطريق، تلاوموا، وقال ~~بعضهم لبعض لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم فى نفسه شيئا، ثم ~~انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة التالية، عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، ~~فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا. حتى إذا جمعتهم الطريق، ~~قال بعضهم لبعض مثل ما قال أول مرة، ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة ~~الثالثة، أخذ كل رجل منهم مجلسه. فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر ~~تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض لا نبرح حتى نتعاهد لا نعود ~~فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا. فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج ~~حتى أتى أبا سفيان بن حرب فى بيته، فقال أخبرنى يا أبا حنظلة عن رأيك ~~فيما سمعت من محمد صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبو سفيان يا أبا ثعلبة، ~~والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت ~~معناها. # ولا ما يراد بها. فقال الأخنس وأنا والذى حلفت به، قال ثم خرج من عنده ~~حتى أتى أبا جهل. فدخل عليه بيته فقال يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت ~~من محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف ~~الشرف أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا ms3219 ~~على الركب، وكنا كفرسى رهان قالوا منا نبى يأتيه الوحى من السماء، ~~فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه. قال فقام عنه الأخنس ~~وتركه. ثم حكى - سبحانه - أقوالهم الباطلة، فى شأن البعث والحساب يوم ~~القيامة ورد عليها بما يزهق باطلهم، فقال - تعالى - { وقالوا ~~أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا ~~جديدا }. ### || [17.49-52] # قال الإمام الرازى اعلم أنه تعالى لما تكلم أولا فى الإلهيات، ثم ~~أتبعه بذكر شبهاتهم فى النبوات، ذكر فى هذه الآيات شبهات القوم فى إنكار ~~المعاد والبعث والقيامة... والرفات ما تكسر وبلى من كل شئ كالفتات. ~~يقال رفت فلان الشئ يرفته - بكسر الفاء وضمها -، إذا كسره وجعله يشبه ~~التراب. والاستفهام فى قوله - تعالى - { أئذا كنا... } وفى قوله { أئنا ~~لمبعوثون.. } للاستبعاد والإنكار. أى وقال الكافرون المنكرون لوحدانية ~~الله - تعالى -، ولنبوة النبى صلى الله عليه وسلم، وللبعث والحساب، قالوا ~~للنبى صلى الله عليه وسلم على سبيل الإنكار والاستبعاد، أئذا كنا يا ~~محمد، عظاما بالية، ورفاتا يشبه التراب فى تفتته ودقته، أئنا لمعادون إلى ~~الحياة مرة أخرى، بحيث تعود إلينا أرواحنا، وتدب الحياة فينا ثانية، ~~ونبعث على هيئة خلق جديد، غير الذى كنا عليه فى الدنيا؟. وقولهم هذا، يدل ~~على جهلهم المطبق، بقدرة الله - تعالى - التى لا يعجزها شئ، وكرر - ~~سبحانه - الاستفهام فى الآية الكريمة، للإشعار بإيغالهم فى الجحود ~~والإنكار. والعامل فى { إذا } محذوف، والتقدير أنبعث أو أنحشر إذا كنا ~~عظاما ورفاتا، وقد دل على هذا المحذوف قوله - تعالى - { أئنا لمبعوثون }. ~~وقوله - سبحانه - { قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا ~~مما يكبر في صدوركم } أمر من الله - تعالى - لرسوله صلى ~~الله عليه وسلم بالرد عليهم فيما استبعدوه وأنكروه من إعادتهم إلى الحياة ~~بعد موتهم. أى قل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل الرد على ~~استبعادهم، والتحقير من شأنهم، والتعجيز لهم { كونوا } - إن استطعتم - { ~~حجارة } كالتى تعبدونها من دون الله، { أو حديدا } كالذى تستعملونه فى ~~شئون حياتكم، { أو } كونوا { خلقا } أى مخلوقا سوى الحجارة والحديد { مما ~~يكبر } أى يعظم ms3220 ويستبعد - { فى صدوركم } المظلمة - قبوله للحياة، قل لهم ~~كونوا أى شئ من ذلك أو غيره إن استطعتم، فإن الله - تعالى - لا يعجزه أن ~~يعيدكم إلى الحياة مرة أخرى، لكى يحاسبكم على أعمالكم، ويجازيكم عليها ~~بما تستحقون من عقاب. فالمقصود من الجملة الكريمة، بيان أن قدرة الله - ~~تعالى - لا يعجزها شئ.. قال الجمل أجابهم الله - تعالى - بما معناه ~~تحولوا بعد الموت إلى أى صفة تزعمون أنها أشد منافاة للحياة، وأبعد عن ~~قبولها، كصفة الحجرية والحديدية ونحوهما. فليس المراد الأمر، بل المراد ~~أنكم لو كنتم كذلك لما أعجزتم الله - تعالى - عن الإعادة. وقوله - تعالى ~~- { فسيقولون من يعيدنا } أى فسيقولون لك - أيها الرسول ~~الكريم - من يعيدنا إلى الحياة مرة أخرى بعد أن نكون حجارة أو حديدا أو ~~غيرهما؟. # وقوله - سبحانه - { قل الذي فطركم أول مرة } رد على ~~جهالاتهم وإنكارهم للبعث والحساب. أى قل لهم الله - تعالى - الذى فطركم ~~وخلقكم، أول مرة، على غير مثال سابق، قادر على أن يعيدكم الى الحياة مرة ~~أخرى. كما قال - تعالى - # وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض ~~وهو العزيز الحكيم # ثم بين - سبحانه - ما يكون منهم من استهزاء وسوء أدب عندما يسمعون من ~~الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الإجابات السديدة، فقال { ~~فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو... }. أى ~~فسيحركون إليك رءوسهم عندما يسمعون ردك عليهم، ويقولون على سبيل ~~الاستهزاء والسخرية والتكذيب متى هو؟ أى ما ذكرته من الإعادة بعد الموت، ~~أو متى هو ذلك اليوم الذى سنعود فيه إلى الحياة بعد أن نصير عظاما ~~ورفاتا. فالجملة الكريمة تصور تصويرا بليغا ما جبلوا عليه من تكذيب بيوم ~~القيامة ومن استهزاء بمن يذكرهم بأحوال ذلك اليوم العصيب. ومن استبعاد ~~لحصوله كما قال - تعالى - حكاية عنهم فى آية أخرى # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين # وقوله - تعالى - { قل عسى أن يكون قريبا } تذييل قصد به ~~التهديد والوعيد لهم. أى قل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل التأنيب ~~والوعيد عسى هذا ms3221 اليوم الذى تستبعدون حصوله، يكون قريبا جدا وقوعه. ولا ~~شك فى أنه قريب، لأن عسى فى كلام الله - تعالى - لما هو محقق الوقوع، وكل ~~ما هو محقق الوقوع فهو قريب، ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال # " بعثت أنا والساعة كهاتين " # - وأشار بالسبابة والوسطى. ثم بين - سبحانه - أحوالهم عندما يدعون ~~فى هذا اليوم الهائل الشديد فقال { يوم يدعوكم فتستجيبون ~~بحمده... }. والظرف { يوم } منصوب بفعل مضمر أى اذكروا يوم يدعوكم.. ~~ويجوز أن يكون منصوبا على البدلية من { قريبا }. والداعى لهم هو " ~~إسرافيل " - عليه السلام - عندما يأذن الله - تعالى - له بالنفخ فى ~~الصور، كما قال - تعالى - # ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في ~~الأرض إلا من شآء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا ~~هم قيام ينظرون # وكما قال - سبحانه - # فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر ~~خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم ~~جراد منتشر مهطعين إلى الداع يقول الكافرون ~~هذا يوم عسر # وقوله { بحمده } حال من ضمير المخاطبين وهم الكفار، والباء للملابسة. أى ~~اذكروا - أيها المكذبون - يوم يدعوكم الداعى إلى البعث والنشور فتلبون ~~نداءه بسرعة وانقياد، حال كونكم حامدين الله - تعالى - على كمال قدرته، ~~وناسين ما كنتم تزعمون فى الدنيا من أنه لا بعث ولا حساب. # قال صاحب الكشاف وقوله { بحمده } حال منهم. أى حامدين، وهى مبالغة فى ~~انقيادهم للبعث، كقولك لمن تأمره بركوب ما يشق عليه فيتأبى ويتمنع، ~~ستركبه وأنت حامد شاكر، يعنى أنك تحمل عليه وتقسر قسرا. حتى أنك تلين لين ~~المسمح - أى الذليل - الراغب فيه، الحامد عليه. وعن سعيد بن جبير ينفضون ~~التراب عن رءوسهم ويقولون سبحانك اللهم وبحمدك. وقوله { فتستجيبون } ~~بمعنى تجيبون، إلا أن الاستجابة تقتضى طلب الموافقة، فهى أوكد من ~~الإجابة، وأسرع فى التلبية. وجملة { وتظنون إن لبثتم ~~إلا قليلا } حالية، أى والحال أنك تظنون عند بعثكم أنكم ما لبثتم ~~فى الدنيا أو فى قبوركم إلا زمنا قليلا. قال قتادة إن الدنيا تحقرت فى ~~أعينهم وقلت، حين رأوا يوم القيامة، لهول ما يرون فقالوا ms3222 هذه المقالة. ~~وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # .. قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا ~~لبثنا يوما أو بعض يوم فسئل العآدين # وقوله - تعالى - # ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ~~ينسلون قالوا يويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ~~ما وعد الرحمن وصدق المرسلون # وقوله - تعالى - # كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية ~~أو ضحاها # ثم ترك القرآن الكريم أولئك الذين كفروا بالبعث والنشور فى طغيانهم ~~يعمهون، ووجه خطابه إلى المؤمنين، آمرا إياهم بأن يقولوا الكلمة الطيبة، ~~ومبينا لهم ولغيرهم، أن مصائرهم بيد الله - تعالى - وحده، فقال - تعالى - ~~{ وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن ~~الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان ~~عدوا مبينا }. ### || [17.53-55] # قال القرطبى قوله - تعالى - { وقل لعبادي يقولوا التي ~~هي أحسن... } الآية نزلت فى عمر بن الخطاب. وذلك أن رجلا من العرب ~~شتمه، وسبه عمر وهم بقتله، فكادت تثير فتنة، فأنزل الله فيه { وقل ~~لعبادي يقولوا التي هي أحسن }. وقيل # " نزلت لما قال المسلمون ائذن لنا يا رسول الله فى قتال المشركين، فقد ~~طال إيذاؤهم لنا فقال " لم أومر بعد بالقتال ". # والمعنى قل - أيها الرسول الكريم - لعبادى المؤمنين، أن يقولوا عند ~~محاورتهم لغيرهم، الكلمة التى هى أحسن، والعبارة التى هى أرق وألطف. وذلك ~~لأن الكلمة الطيبة، تزيد فى المودة التى بين المؤمنين، وتكسر حدة العداوة ~~التى بينهم وبين أعدائهم. قال - تعالى - # ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي ~~أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ~~ولي حميم # قال الآلوسى ومقول فعل الأمر محذوف، أى قل لهم قولوا التى هى أحسن ~~يقولوا ذلك. فجزم يقولوا لأنه جواب الأمر. وإلى هذا ذهب الأخفش. وقال ~~الزجاج إن قوله { يقولوا } هو المقول، وجزمه بلام الأمر محذوفة، أى قل ~~لهم ليقولوا.... وقوله - سبحانه - { إن الشيطان ينزغ ~~بينهم } تعليل للأمر السابق. أى إن الشيطان يتربص بكم، ويتلمس ~~السقطات التى تقع من أفواهكم، والعثرات التى تنطق بها ألسنتكم، لكى يشيع ~~الشر بينكم، ويبذر بذور الشر والبغضاء فى صفوفكم، ويهيج أعداءكم ms3223 عليكم. ~~وينزغ بمعنى يفسد. يقال نزغه - كنفعه - ينزغه، إذا طعن فيه واغتابه، ~~وقوله { إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا } ~~تعليل لحرص الشيطان على الإفساد بينهم. أى إن الشيطان حريص على الإفساد ~~بين الناس، لأنه ظاهر العداوة لهم منذ القدم ولقد حذرنا الله - سبحانه - ~~من الشيطان وكيده فى كثير من آيات القرآن الكريم، ومن ذلك قوله - تعالى - # إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما ~~يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير # وقوله - تعالى - # يابني ءادم لا يفتننكم الشيطان كمآ أخرج ~~أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ~~ليريهما سوءاتهمآ إنه يراكم هو وقبيله من ~~حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أوليآء ~~للذين لا يؤمنون # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه يأمر الله - تبارك وتعالى - عبده ورسوله ~~صلى الله عليه وسلم أن يأمر عباد الله المؤمنين، أن يقولوا فى مخاطباتهم ~~ومحاوراتهم الكلام الأحسن، والكلمة الطيبة، فإنهم إن لم يفعلوا ذلك نزغ ~~الشيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال، ووقع الشر والمخاصمة والمقاتلة، ~~فإنه عدو لآدم وذريته.. وعداوته ظاهرة بينة، ولهذا نهى أن يشير الرجل إلى ~~أخيه المسلم بحديدة، فإن الشيطان ينزغ فى يده. # أى فربما أصابه بها. روى الإمام أحمد عن أبى هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال # " لا يشيرن أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدرى أحدكم، لعل الشيطان أن ~~ينزغ فى يده، فيقع فى حفرة من النار ". # ثم بين - سبحانه - أن مصير جميع الخلائق إليه، وأنه محيط بأحوالهم فقال. ~~{ ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ ~~يعذبكم }... أى ربكم - أيها الناس - أعلم بكم من أنفسكم، وهو - ~~سبحانه - إن يشأ بفضله يرحمكم، بأن يوفقكم لطاعته وتقواه، وإن يشأ بعدله ~~يعذبكم، بسبب معاصيكم وفسوقكم عن أمره، لا يسأل - عز وجل - عما يفعل، # ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين # وقوله - تعالى - { ومآ أرسلناك عليهم وكيلا } بيان ~~لوظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم. أى وما أرسلناك - أيها الرسول الكريم ~~- إلى الناس، لتكون حفيظا ورقيبا. وموكولا إليك أمرهم فى إجبارهم ~~وإكراههم ms3224 على الدخول فى الإسلام، وإنما أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا. ~~وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. ثم انتقل - سبحانه - من بيان كمال ~~علمه بأحوال الناس، إلى بيان كمال علمه بجميع من فى السماوات والأرض، ~~فقال - تعالى - { وربك أعلم بمن في السماوات ~~والأرض }. أى وربك - أيها الرسول الكريم - أعلم بأحوال من فى ~~السماوات والأرض من إنس وجن وملك، وغير ذلك، ولا يخفى عليه شئ من ظواهرهم ~~أو بواطنهم، ولا يعزب عن علمه - تعالى - شئ من طاعتهم أو معصيتهم، ولا ~~يعلم أحد سواه من هو أهل منهم للتشرف بحمل رسالته، وتبليغ وحيه كما قال - ~~تعالى - # الله * الله أعلم حيث يجعل رسالته # وقوله - سبحانه - { ولقد فضلنا بعض النبيين على ~~بعض وآتينا داوود زبورا } بيان لمظهر من مظاهر علمه المطلق، ~~وفضله العميم وعطائه الواسع. والزبور هو الكتاب الذى أنزله الله - تعالى ~~- على داود - عليه السلام. أى ولقد فضلنا - على علم وحكمة منا - بعض ~~النبيين على بعض، بأن جعلنا منهم من كلم الله، ومنهم من اتخذناه خليلا ~~لنا، ومنهم من آتيناه البينات وأيدناه بروح القدس، ومنهم من آتيناه ~~الزبور وهو داود - عليه السلام -. قال الإمام ابن كثير وقوله - تعالى - ~~{ ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض } وقوله - ~~تعالى - # تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض... # لا ينافى ما ثبت من الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا تفضلوا بين الأنبياء " # فإن المراد من ذلك هو التفضيل بمجرد التشهى والعصبية، لا بمقتضى الدليل، ~~فإذا دل الدليل على شئ وجب اتباعه، ولا خلاف أن الرسل أفضل عن بقية ~~الأنبياء، وأن أولى العزم منهم أفضلهم، وهم الخمسة المذكورون نصا فى قوله ~~- تعالى - # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن ~~نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم.. # ولا خلاف فى أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضلهم... وإنما خص كتاب داود ~~بالذكر، لأن اليهود زعموا أنه لا نبى بعد موسى، ولا كتاب بعد التوراة، ~~فكذبهم الله - تعالى - فى ذلك، ولأن فى هذا الإيتاء إشارة إلى أن تفضيل ~~داود لم يكن ms3225 بسبب ما أعطاه الله من ملك، بل بسبب ما أعطاه من كتاب فيه ~~إشارة إلى تفضيل الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته، قال - تعالى - # ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض ~~يرثها عبادي الصالحون # والمراد بالعباد الصالحين محمد صلى الله عليه وسلم وأمته. قال صاحب ~~الكشاف فإن قلت هلا عرف الزبور، كما عرف فى قوله # ولقد كتبنا في الزبور... # قلت يجوز أن يكون الزبور وزبور، كالعباس وعباس، والفضل وفضل. ويجوز أن ~~يريد وآتينا داود بعض الزبر - وهى الكتب، وأن يريد ما ذكر فيه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من الزبور، فسمى ذلك زبورا، لأنه بعضها كما سمى بعض ~~القرآن قرآنا. ثم أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتحدى ~~المشركين، بأن يبين لهم أن آلهتهم المزعومة لا تملك دفع الضر عنهم، أو ~~جلب الخير لهم، بل إن هذه الآلهة لتخاف عذاب الله، وترجو رحمته، فقال - ~~سبحانه - { قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا ~~يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا }. ### || [17.56-57] # أورد المفسرون فى سبب نزول هاتين الآيتين روايات منها قال ابن كثير قال ~~العوفى عن ابن عباس فى قوله { قل ادعوا الذين زعمتم من ~~دونه... }. قال كان أهل الشرك يقولون نعبد الملائكة والمسيح وعزيرا. ~~وروى البخارى وغيره عن ابن مسعود فى قوله { أولئك الذين ~~يدعون } قال كان ناس من الإنس يعبدون ناسا من الجن، فأسلم الجن ~~وتمسك هؤلاء - أى الإنس - بدينهم.. فنزلت هذه الآية. وقال القرطبى لما ~~ابتليت قريش بالقحط، وشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنزل ~~الله هذه الآية { قل ادعوا الذين زعمتم من دونه... }. ~~والمراد بالزعم هنا الظن الكاذب الذى لا أساس له من الحقيقة والواقع. قال ~~الآلوسى ما ملخصه والزعم قريب من الظن، ويقال إنه القول المشكوك فيه، ~~ويستعمل بمعنى الكذب، حتى قال ابن عباس كل ما ورد فى القرآن زعم فهو كذب. ~~وقد يطلق على القول المحقق، والصدق الذى لا شك فيه... فقد ورد عن النبى ~~صلى الله عليه ms3226 وسلم أنه قال # " زعم جبريل كذا... ". # وهو مما يتعدى إلى مفعولين، وقد حذفا هنا، أى زعمتموهم آلهة.. والظاهر ~~أن المراد من الموصول - الذين - كل من عبد من دون الله من العقلاء ". ~~والمعنى قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين الذين أشركوا مع الله ~~- تعالى - آلهة أخرى فى العبادة. قل لهم على سبيل الإرشاد والتحدى هذه ~~الآلهة التى تعبدونها، اطلبوا منها أن تدفع عنكم ما نزل بكم من ضر كمرض ~~أو فقر أو قحط أو أن تحوله منكم إلى غيركم... فإذا لم تستطع ذلك - وهى ~~بكل تأكيد لا تستطيع ولن تستطيع - فاتركوا عبادتها، وأخلصوا العبادة ~~والطاعة لمن هو على كل شئ قدير، وهو الله - عز وجل -. واكتفى - سبحانه - ~~بذكر كشف الضر، لأنه هو الذى تتطلع إليه النفوس عند نزول المصائب، أكثر ~~من تطلعها إلى جلب النفع، إذ عند نزول الضر، لا تشتغل الألسنة والقلوب ~~إلا برجاء كشفه. ثم بين - سبحانه - أن كل معبود - سوى الله - عز وجل - ~~يفتقر إلى عونه - سبحانه -، وإلى رجاء الثواب منه، وإلى دفع العذاب عنه، ~~فقال - تعالى - { أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ~~ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه.. } واسم الإشارة { أولئك } يعود على المعبودين ~~من دون الله، وهو مبتدأ، وخبره. قوله { يبتغون } وما عطف عليه من قوله { ~~ويرجون رحمته ويخافون عذابه }. والضمير فى { يدعون } ~~يعود إلى المشركين، وفى يبتغون يعود إلى المعبودين و { أيهم } بدل من واو ~~الفاعل فى يبتغون، و { أقرب } خبر لمبتدأ محذوف، تقديره هو، أى يبتغيها ~~الذى هو أقرب، والجملة صلة أى. # والوسيلة ما يتقرب به الإنسان إلى خالقه من الأعمال الصالحة. والمعنى ~~أولئك المعبودون الذين يزعم المشركون أنهم آلهة. ويسمونهم أربابا، ~~وينادونهم لكشف الضر عنهم، هؤلاء المعبودون { يبتغون إلى ~~ربهم الوسيلة }. أى يتقربون إلى خالقهم ومالك أمرهم بصالح ~~الأعمال، ويبتغى أكثرهم صلاحا وطاعة لله - تعالى - الرضا منه - عز وجل ~~-. وإذا كان هذا شأن أكثرهم قربا فكيف يكون حال من هو أقل منه؟ لا شك ~~أنه يكون أشد طلبا لرضا الله - تعالى - وعفوه، ms3227 وأشد حرصا على طاعته. ~~وقوله - تعالى - { ويرجون رحمته ويخافون عذابه } ~~زيادة بيان لشدة حرص هؤلاء المعبودين على طاعة الله - تعالى - أى وهم فوق ~~ذلك يرجون رحمة الله - تعالى - وفضله، بأن يحشرهم مع الأبرار، ويخشون ~~عذابه ونقمته، ويتضرعون إليه أن يجنبهم عذاب النار، وبالرجاء والخشية ~~يحيا الصالحون الأخيار، إذ الرجاء يدفع المؤمن إلى الإكثار من العمل ~~الصالح، والخشية تمنعه من الوقوع فى المعاصى. وقوله - تعالى - { إن ~~عذاب ربك كان محذورا } تذييل قصد به التعليل لما قبله وهو ~~خوف العذاب. أى إن عذاب ربك كان جديرا وقمينا بأن يحذره، ويحترز منه كل ~~عاقل. وقدم - سبحانه - الرجاء على الخوف، لأن متعلقه أسبق، ولأنه بجانب ~~الله - تعالى - أظهر، ففى الحديث القدسى # " إن رحمتى سبقت غضبى ". # هذا، وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون ~~مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم ~~فيهما من شرك وما له منهم من ظهير # وبذلك نرى أن هاتين الآيتين قد قررتا بأسلوب منطقى بليغ، أن الله - ~~تعالى - هو الخالق لكل شئ، وأنه وحده هو المتصرف فى شئون عباده، وأن كل ~~مخلوق سواه - سبحانه - محتاج إلى عونه وعفوه ورضاه، وأن الذين زعمهم ~~المشركون آلهة كعيسى وعزير والملائكة... ما هم إلا من عباد الله الذين ~~يبتغون إليه الوسيلة، ويرجون رحمته ويخافون عذابه. ثم ساق - سبحانه - سنة ~~من سننه التى لا تتخلف، وبين جانبا من مظاهر فضله على هذه الأمة ونبيها ~~صلى الله عليه وسلم. فقال - تعالى - { وإن من قرية إلا نحن ~~مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا ~~شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا }. ### || [17.58-60] # والمقصود بالقرية فى قوله - تعالى - { وإن من قرية إلا ~~نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها ~~عذابا شديدا } قرى الكفار والظالمين، كما ذهب إلى ذلك بعض ~~المفسرين، فيكون المعنى وما من قرية من قرى الظالمين، إلا نحن مهلكوها ~~قبل يوم القيامة بالموت أو الخراب، أو معذبوها عذابا شديدا، يستأصل ~~شأفتها، ويقطع دابرها، كما فعلنا مع قوم نوح وعاد ms3228 وثمود وغيرهم. ومن ~~المفسرين الذين ساروا على ذلك، الإمام ابن كثير، فقد قال عند تفسيره ~~لهذه الآية هذا إخبار من الله - عز وجل -، بأنه قد حتم وقضى، بما كتب ~~عنده فى اللوح المحفوظ، أنه ما من قرية إلا سيهلكها بأن يبيد أهلها ~~جميعهم، أو يعذبهم عذابا شديدا، إما بقتل أو ابتلاء بما يشاء، وإنما ~~يكون ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم، كما قال - تعالى - عن الأمم الماضية # وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ~~إن أخذه أليم شديد # ويرى آخرون، أن المقصود بالقرية هنا القرى كلها سواء أكانت للمؤمنين أم ~~للكافرين. ومن المفسرين الذين ذهبوا إلى ذلك الآلوسى - رحمه الله - فقد ~~قال قوله - تعالى - " { وإن من قرية } الظاهر العموم، لأن { إن } ~~نافية، و { من } زائدة لاستغراق الجنس. أى وما من قرية من القرى. { ~~إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة } بإماتة أهلها ~~حتف أنوفهم { أو معذبوها عذابا شديدا } بالقتل وأنواع ~~البلاء.. وروى عن مقاتل أنه قال الهلاك للصالحة والعذاب للطالحة... ". ~~ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب، لأن هناك آيات كثيرة تؤيده، ~~ومن ذلك قوله - تعالى - # وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون # وقوله - سبحانه - # ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم ~~وأهلها غافلون # وقوله - عز وجل - # وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها ~~مصلحون # ولأن الله - تعالى - قيد الإهلاك بكونه قبل يوم القيامة، وكونه كذلك ~~يقتضى أنه للقرى الظالمة. إذ الإهلاك يوم القيامة يشمل جميع القرى، سواء ~~أكان أهلها مؤمنين أم كافرين، بسبب انقضاء عمر الدنيا. وقوله - سبحانه - ~~{ كان ذلك في الكتاب مسطورا } تأكيد لقضاء الله النافذ، ~~وحكمه الثابت. أى { كان ذلك } الإهلاك والتعذيب، فى الكتاب، وهو اللوح ~~المحفوظ { مسطورا } أى مكتوبا وثابتا. قال القرطبى " { مسطورا } أى ~~مكتوبا. والسطر الخط والكتابة، وهو فى الأصل مصدر. والسطر - بالتحريك - ~~مثله، وجمعه أسطار، مثل سبب وأسباب، وجمع السطر - بسكون الطاء - أسطر ~~وسطور مثل أفلس وفلوس. والكتاب هنا يراد به اللوح المحفوظ ". ثم بين - ~~سبحانه - بعض مظاهر فضله على الأمة الإسلامية، ورحمته بها، ms3229 فقال - تعالى ~~- { وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون. # .. }. وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية آثارا منها ما أخرجه ~~الإمام أحمد عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال # " سأل أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا، ~~وأن ينحى الجبال عنهم فيزرعوا. فقيل له إن شئت أن تستأنى بهم، وإن شئت أن ~~يأتيهم الذى سألوا. فإن كفروا، هلكوا كما أهلكت من كان قبلهم من الأمم. ~~فقال صلى الله عليه وسلم " لا.. بل استأنى بهم " ، وأنزل الله قوله { ~~وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون... } ". # قال الآلوسى والمنع لغة كف الغير وقسره عن فعل يريد أن يفعله، ولاستحالة ~~ذلك فى حقه - تعالى - لاستلزامه العجز المحال المنافى للربوبية قالوا إنه ~~مستعار هنا للصرف والترك.... وقوله { أن نرسل } فى محل نصب لأنه مفعول ~~ثان لمنعنا، أو فى محل جر، على حذف الجار، أى من أن نرسل، وقوله { إلا ~~أن كذب بها } فى محل رفع لأنه فاعل منعنا، والتقدير وما منعنا من ~~إرسال الآيات إلا تكذيب الأولين. والمراد بالآيات ما اقترحه المشركون على ~~النبى صلى الله عليه وسلم من قلب الصفا ذهبا، ومن إزاحة الجبال عن مكة ~~ليزرعوا مكانها... والمعنى وما كان سبب تركنا لإجابة المقترحات التى ~~طلبها المشركون منك - أيها الرسول الكريم - إلا علمنا بأنهم سيكذبون بها ~~إذا جاءتهم، كما كذب بأمثالها أشباههم الأولون، وفى هذه الحالة فإنهم ~~سيستحقون مثلهم عذاب الاستئصال كما جرت بذلك سنتنا. وقد اقتضت حكمتنا ~~ورحمتنا - بأمتك أيها الرسول الكريم -، ألا نعذبهم عذاب الاستئصال ~~والمحو، بل نؤخر عذاب الضالين منهم إلى يوم القيامة. قالوا ومن الحكم فى ~~هذا التأخير الإظهار لمزيد شرف النبى صلى الله عليه وسلم، كما قال - ~~تعالى - # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم # والرعاية لشأن من سيولد من بعضهم من المؤمنين، ولمن سيؤمن من هؤلاء ~~المقترحين، إلى غير ذلك من الحكم التى لا يعلمها إلا هو - سبحانه -. قال ~~صاحب الكشاف استعير المنع لترك ms3230 إرسال الآيات من أجل صارف الحكمة... ~~والمراد الآيات التى اقترحتها قريش من قلب الصفا ذهبا، ومن إحياء الموتى، ~~وغير ذلك. وعادة الله فى الأمم، أن من اقترح منهم آية فأجيب إليها. ثم لم ~~يؤمن، أن يعاجل بعذاب الاستئصال. فالمعنى وما صرفنا عن إرسال ما يقترحونه ~~من الآيات إلا أن كذب بها الذين هم أمثالهم من المطبوع على قلوبهم، كعاد ~~وثمود، وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك، وقالوا هذا سحر مبين، كما ~~يقولون فى غيرها. # واستوجبوا العذاب المستأصل. وقد عزمنا أن نؤخر أمر من بعثت إليهم إلى ~~يوم القيامة ". ثم ساق - سبحانه - مثالا للسابقين الذين أجيبوا إلى ما ~~اقترحوه، ولكنهم لم يؤمنوا، فأخذهم عذاب الاستئصال، فقال - تعالى - { ~~وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها }. وثمود هم ~~قوم صالح - عليه السلام -، وخصهم بالذكر، لأنهم معروفون لأهل مكة أكثر من ~~غيرهم، لمرورهم على ديارهم عند أسفارهم إلى بلاد الشام. والناقة المراد ~~بها ناقة صالح - عليه السلام - التى طلبها قومه منه، فأخرجها الله - ~~تعالى - لهم لتكون معجزة له، ولكنهم لم يؤمنوا به، بل عقروا الناقة وعتوا ~~عن أمر ربهم، فأهلكهم الله - تعالى - بالصيحة التى جعلتهم فى دارهم ~~جاثمين. وقوله { مبصرة } أى معجزة واضحة، يراها الناس بأعينهم بدون خفاء ~~أو لبس.. قال الجمل " { مبصرة } بكسر الصاد - باتفاق السبعة، والإسناد ~~مجازى. أى يبصرونها خارجة من الصخرة. وقرئ شاذا بفتح الصاد. ثم قال وفى ~~السمين مبصرة حال. وهو إسناد مجازى، إذ المراد إبصار أهلها، ولكنها لما ~~كانت سببا فى الإبصار نسب إليها، والظاهر أن المراد الإبصار المعنوى، ~~وهو الاهتداء بها، والتوصل بها، إلى تصديق نبيهم، وعلى هذا تظهر السببية، ~~فإن وجودها سبب فى هذا المعنى... ". وقال الآلوسى " وقوله { مبصرة } على ~~صيغة اسم الفاعل حال من الناقة، والمراد ذات إبصار، أو ذات بصيرة يبصرها ~~الغير ويتبصر بها، فالصيغة للنسب.... ". والمعنى لقد تركنا إجابة المطالب ~~التى اقترحها قومك - يا محمد -، رحمة بهم، لأننا لو أعطيناهم إياهم ثم ~~استمروا فى تكذيبهم لك لأهلكناهم كما أهلكنا السابقين. فقد أجبنا قوم ~~صالح ms3231 - عليه السلام - إلى ما طلبوه من نبيهم، بأن أخرجنا لهم الناقة، ~~وجعلناها معجزة واضحة نيرة فى الدلالة على صدقه، فقابلوها بالتكذيب ~~والجحود، وظلموا أنفسهم وعرضوها للهلاك بسبب عقرها. قال - تعالى - # فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا ~~ياصالح ائتنا بما تعدنآ إن كنت من المرسلين ~~فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين # وقال - سبحانه - # كذبت ثمود بطغواهآ إذ انبعث أشقاها فقال ~~لهم رسول الله ناقة الله وسقياها فكذبوه ~~فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ~~ولا يخاف عقباها # وقوله - سبحانه - { وما نرسل بالآيات إلا تخويفا } ~~تذييل قصد به الزجر عن تكذيب ما يأتى به الأنبياء من هدايات ومعجزات تدل ~~على صدقهم. والباء فى قوله { بالآيات } للملابسة، ومفعول، نرسل، محذوف، و ~~{ تخويفا } مفعول لأجله. قال القرطبى قوله " { وما نرسل ~~بالآيات إلا تخويفا } فيه خمسة أقوال الأول العبر والمعجزات ~~التى جعلها الله على أيدى الرسل، من دلائل الإنذار تخويفا للمكذبين. ~~الثانى أنها آيات الانتقام تخويفا من المعاصى. # الثالث أنها تقلب الأحوال من صغر إلى شباب ثم إلى تكهل ثم إلى مشيب، ~~لتعتبر بتقلب أحوالك فتخاف عاقبة أمرك. الرابع القرآن، الخامس الموت ~~الذريع ". والمعنى وما نرسل رسلنا ملتبسين بالآيات والمعجزات الدالة على ~~صدقهم، إلا تخويفا لأقوامهم من سوء تكذيبهم لها. فإنهم إن كذبوها يصيبهم ~~من العذاب ما يصيبهم. ثم ذكر - سبحانه - ما يزيد النبى صلى الله عليه ~~وسلم ثباتا على ثباته، ويقينا على يقينه، وما يدل على شمول علمه - ~~تعالى - ونفاذ قدرته، وبليغ حكمته فقال { وإذ قلنا لك إن ~~ربك أحاط بالناس... }. أى واذكر - أيها الرسول الكريم - وقت ~~أن قلنا لك على لسان وحينا. إن ربك - عز وجل - قد أحاط بالناس علما ~~وقدرة. فهم فى قبضته، وتحت تصرفه، وقد عصمك منهم، فامض فى طريقك. وبلغ ~~رسالة ربك، دون أن تخشى من كفار مكة أو من غيرهم، عدوانا على حياتك، فقد ~~عصمك - سبحانه - منهم. وفى هذه الجملة ما فيها من التسلية للنبى صلى الله ~~عليه وسلم، ومن التبشير له ولأصحابه، بأن العاقبة ستكون لهم، ومن الحض ms3232 ~~لهم على المضى فى طريقهم دون أن يخشوا أحدا إلا الله. والمراد بالرؤيا ~~فى قوله - تعالى - { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك ~~إلا فتنة للناس } ما رآه النبى صلى الله عليه وسلم وعاينه ~~بعينيه من عجائب، ليلة الإسراء والمعراج. أى وما جعلنا ما رأيته وعاينته ~~ليلة إسرائنا بك من غرائب، إلا فتنة للناس. ليتميز قوى الإيمان من ~~ضعيفه، وسليم القلب من مريضه. وأطلق - سبحانه - على ما أراه لنبيه ليلة ~~الإسراء لفظ الرؤيا مع أنه كان يقظة " لأن هذا اللفظ يطلق حقيقة على ~~رؤيا المنام، وعلى رؤية اليقظة ليلا فإنه قد يقال لرؤية العين رؤيا، كما ~~فى قول الشاعر يصف صائدا وكبر للرؤيا وهش فؤاده.. أى وسر لرؤيته للصيد ~~الذى سيصيده. أو أطلق عليه لفظ الرؤيا على سبيل التشبيه بالرؤيا ~~المنامية، نظرا لما رآه فى تلك الليلة من عجائب سماوية وأرضية، أو أطلق ~~عليه ذلك بسبب أن ما رآه قد كان ليلا. وقد كان فى سرعته كأنه رؤيا ~~منامية. وكان ما رآه صلى الله عليه وسلم فى تلك الليلة فتنة للناس، لأنه ~~لما قص عليهم ما رآه، ارتد بعضهم عن الإسلام، وتردد البعض الآخر فى ~~قبوله، وضاقت عقولهم عن تصديقه، زاعمة أنه لا يمكن أن يذهب صلى الله عليه ~~وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم يعرج إلى السماوات العلا.. ~~ثم يعود إلى مكة، كل ذلك فى ليلة واحدة. وبعضهم يرى أن المراد بالرؤيا ~~هنا ما رآه النبى صلى الله عليه وسلم من أنه سيدخل مكة هو وأصحابه. # . وبعضهم يرى أن المراد بها هنا ما أراه الله - تعالى - لنبيه فى منامه، ~~من مصارع المشركين قبل غزوة بدر فقد قال صلى الله عليه وسلم قبل بدء ~~المعركة والله لكأنى أنظر إلى مصارع القوم. ثم أومأ إلى الأرض وقال هذا ~~مصرع فلان. وهذا مصرع فلان. والذى نرجحه هو الرأى الأول، لأنه هو الظاهر ~~من معنى الآية الكريمة، ولأنه على الرأيين الثانى والثالث يترجح أن الآية ~~مدنية، لأن غزوة بدر وفتح مكة كانا بعد ms3233 الهجرة، والتحقيق أن هذه الآية ~~مكية. قال القرطبى ما ملخصه قوله - تعالى - { وما جعلنا الرؤيا ~~التي أريناك إلا فتنة للناس.. } لما بين أن إنزال ~~آيات القرآن تتضمن التخويف، ضم إليه ذكر آية الإسراء، وهى المذكورة فى ~~صدر السورة. وفى البخارى والترمذى عن ابن عباس فى قوله - تعالى - { وما ~~جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } ~~قال هى رؤيا عين أريها النبى صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به إلى بيت ~~المقدس... وكانت الفتنة ارتداد قوم كانوا أسلموا حين أخبرهم النبى صلى ~~الله عليه وسلم أنه أسرى به. وقيل كانت رؤيا نوم. وهذه الآية تقضى ~~بفساده، وذلك أن رؤيا المنام لا فتنة فيها، وما كان أحد لينكرها. وعن ابن ~~عباس قال الرؤيا التى فى هذه الآية، رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه يدخل مكة فى سنة الحديبية - فرده المشركون عن دخولها فى تلك السنة -، ~~فافتتن بعض المسلمين لذلك، فنزلت هذه الآية.. وفى هذا التأويل ضعف. لأن ~~السورة مكية، وتلك الرؤيا كانت بالمدينة... ". وقوله - سبحانه - { ~~والشجرة الملعونة في القرآن } معطوف على الرؤيا. أى وما ~~جعلنا الرؤيا التى أريناك والشجرة الملعونة فى القرآن إلا فتنة للناس. ~~والمراد بالشجرة الملعونة هنا شجرة الزقوم، المذكورة فى قوله - تعالى - # أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم إنا ~~جعلناها فتنة للظالمين إنها شجرة تخرج في ~~أصل الجحيم طلعها كأنه رءوس الشياطين # والمراد بلعنها لعن الآكلين منها وهم المشركون، أو هى ملعونة لأنها تخرج ~~فى أصل الجحيم. أو هى ملعونة لأن طعامها مؤذ وضار، والعرب تقول لكل طعام ~~ضار إنه ملعون. قال الآلوسى وروى فى جعلها فتنة لهم أنه لما نزل فى شأنها ~~فى سورة الصافات وغيرها ما نزل، قال أبو جهل وغيره هذا محمد يتوعدكم بنار ~~تحرق الحجارة، ثم يقول ينبت فيها الشجر. وما نعرف الزقوم إلا بالتمر ~~والزبد، ثم أمر جارية له فأحضرت تمرا وزبدا، وقال لأصحابه تزقموا. ~~وافتتن بهذه الآية أيضا بعض الضعفاء، ولقد ضلوا فى ذلك ضلالا بعيدا.... ~~وقوله - تعالى - { ونخوفهم فما يزيدهم ms3234 إلا طغيانا ~~كبيرا } تذييل قصد به بيان ما جبل عليه هؤلاء المشركون من جحود، وقسوة ~~قلب. # .. أى ونخوف هؤلاء المشركين بعذاب الدنيا، وبعذاب الآخرة وبشجرة الزقوم ~~التى طلعها كأنه رءوس الشياطين... فما يزيدهم هذا التخويف والتهديد إلا ~~طغيانا متجاوزا فى ضخامته وكبره كل حد، وكل عقل سليم. وعبر - سبحانه - ~~بصيغة المضارع الدالة على الاستقبال، مع أن تخويفهم وازدياد طغيانهم قد ~~وقعا، للإشعار بالتجدد والاستمرار. وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت من ~~سنن الله - تعالى - فى خلقه، ومن فضله على هذه الأمة، ومن تبشيره ~~وإنذاره، ووعده ووعيده، ما يزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم، وما يصرف ~~الطاغين عن طيغانهم لو كانوا يعقلون. ثم ساق - سبحانه - جانبا من قصة ~~آدم وإبليس، لزيادة التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وللإشعار بأن ~~الحسد والغرور، كما منعا إبليس من السجود لآدم، فقد منعا مشركى مكة من ~~الإيمان بالنبى صلى الله عليه وسلم فقال - تعالى - { وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس قال ~~أأسجد لمن خلقت طينا... }. ### || [17.61-65] # وقوله - سبحانه - { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا ~~لأدم... } تذكير لبنى آدم بما جرى بين أبيهم وبين إبليس، ليعتبروا ~~ويتعظوا، ويستمروا على عداوتهم لإبليس وجنده. أى واذكروا - يا بنى آدم - ~~وقت أن قلنا للملائكة { اسجدوا لآدم } سجود تحية وتكريم، فسجدوا امتثالا ~~لأمر الله - تعالى -، بدون تردد أو تلعثم، { إلا إبليس } فإنه أبى السجود ~~لآدم - عليه السلام - { وقال } بتكبر وعصيان لأمر ربه - عز وجل - { أأسجد ~~} وأنا المخلوق من نار { لمن خلقت طينا } أى أأسجد لمن خلقته من ~~طين، مع أننى أفضل منه. والتعبير بقوله { فسجدوا } بفاء التعقيب، يفيد أن ~~سجودهم - عليهم السلام - كان فى أعقاب أمر الله - تعالى - لهم مباشرة، ~~بدون تأخير أو تسويف. وقوله - تعالى - { قال أأسجد... } استئناف بيانى، ~~فكأنه قيل فماذا كان موقف إبليس من هذا الأمر؟ فكان الجواب أن إبليس فسق ~~عن أمر ربه وقال ما قال. والاستفهام فى { أأسجد } للإنكار والتعجب، لأن ~~يرى - لعنه الله - أنه أفضل من آدم. وقوله { طينا } منصوب بنزع الخافض أى ~~من طين. ms3235 وقد جاء التصريح بإباء إبليس عن السجود لآدم، بأساليب متنوعة، ~~وفى آيات متعددة، منها قوله - تعالى - # وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا ~~إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين # وقوله - تعالى - # فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى ~~أن يكون مع الساجدين # ثم فصل - سبحانه - ما قاله إبليس فى اعتراضه على السجود لآدم فقال { ~~قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن ~~أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته ~~إلا قليلا }. ورأى هنا علمية فتتعدى إلى مفعولين، أولهما { هذا } ~~والثانى محذوف لدلالة الصلة عليه، والكاف حرف خطاب مؤكد لمعنى التاء ~~قبله، والاسم الموصول { الذى } بدل من { هذا } أو صفة له، والمراد من ~~التكريم فى قوله { كرمت على } التفضيل. والمعنى قال إبليس فى الرد على ~~خالقه - عز وجل - أخبرنى عن هذا الإنسان المخلوق من الطين، والذى فضلته ~~على، لماذا فضلته على وأمرتنى بالسجود له مع أننى أفضل منه، لأنه مخلوق ~~من طين، وأنا مخلوق من نار!! وجملة هذا الذى كرمت على، واقعة موقع ~~المفعول الثانى. ومقصود إبليس من هذا الاستفهام، التهوين من شأن آدم - ~~عليه السلام - والتقليل من منزلته. ولم يجبه - سبحانه - على سؤاله، ~~تحقيرا له. وإهمالا لشخصه، بسبب اعتراضه على أمر خالقه - عز وجل -. ثم ~~أكد إبليس كلامه فقال { لئن أخرتن إلى يوم القيامة ~~لأحتنكن ذريته إلا قليلا }. إذ أن اللام فى قوله { ~~لئن. # .. } موطئة للقسم، وجوابه لأحتنكن. وأصل الاحتناك الاستيلاء على الشئ أو ~~الاستئصال له. يقال حنك فلان الدابة يحتنكها - بكسر النون ورفعها - إذا ~~وضع فى حنكها - أى فى ذقنها - الرسن ليقودها به. ويقال احتنك الجراد ~~الأرض، إذا أكل نباتها وأتى عليه. والمعنى قال إبليس - متوعدا ومهددا - ~~لئن أخرتن - يا إلهى - إلى يوم القيامة، لأستولين على ذرية آدم، ~~ولأقودنهم إلى ما أشاء من المعاصى والشهوات، إلا عددا قليلا منهم فإنى ~~لا أستطيع ذلك بالنسبة لهم، لقوة إيمانهم، وشدة إخلاصهم. وهذا الذى ذكره ~~- سبحانه - عن إبليس فى هذه الآية من قوله { لأحتنكن ذريته ~~إلا قليلا } شبيه به قوله - تعالى - # ثم لآتينهم من ms3236 بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمانهم وعن شمآئلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين # وقوله - تعالى - # قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك ~~منهم المخلصين # قال بعض العلماء وقول إبليس فى هذه الآية { لأحتنكن ذريته... } قاله ظنا ~~منه أنه سيقع. وقد تحقق له هذا الظن - فى كثير من بنى آدم - كما قال - ~~تعالى # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا ~~فريقا من المؤمنين # وقوله - تعالى - { قال اذهب فمن تبعك منهم فإن ~~جهنم جزآؤكم جزاء موفورا } بيان لما توعد الله - ~~سبحانه - به إبليس وأتباعه. والأمر فى قوله { اذهب } للإهانة والتحقير. ~~أى قال الله - تعالى - لإبليس { اذهب } مطرودا ملعونا، وقد أخرناك إلى ~~يوم القيامة، فافعل ما بدالك مع بنى آدم، فمن أطاعك منهم، فإن جهنم جزاؤك ~~وجزاؤهم، جزاء مكملا متمما لا نقص فيه. وقال - سبحانه - { فإن ~~جهنم جزآؤكم } مع أنه قد تقدم غائب ومخاطب فى قوله { فمن ~~تبعك منهم } ، تغليبا لجانب المخاطب - وهو إبليس - على جانب ~~الغائب وهم أتباعه. لأنه هو السبب فى إغواء هؤلاء الأتباع. وقوله { جزاء ~~} مفعول مطلق، منصوب بالمصدر قبله. وقوله { موفورا } اسم مفعول، من قولهم ~~وفر الشئ فهو وافر وموفور أى مكمل متمم. وهو صفة لقوله { جزاء }. وهذا ~~الوعيد الذى توعد الله - تعالى - به إبليس وأتباعه، جاء ما يشبههه فى ~~آيات كثيرة، منها قوله - سبحانه - # قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك ~~وممن تبعك منهم أجمعين # ثم أضاف - سبحانه - إلى إهانته وتحقيره لإبليس أوامر أخرى، فقال - ~~تعالى - { واستفزز من استطعت منهم بصوتك ~~وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في ~~الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان ~~إلا غرورا }. قال الجمل أمر الله - تعالى - إبليس بأوامر خمسة، ~~القصد بها التهديد والاستدراج، لا التكليف، لأنها كلها معاص، والله لا ~~يأمر بها. وهذه الأوامر الخمسة هى اذهب، واستفزز... وأجلب... وشاركهم... ~~وعدهم. # وقوله واستفزز، من الاستفزاز، بمعنى الاستخفاف والإزعاج، يقال استفز ~~فلان فلانا إذا استخف به، وخدعه، وأوقعه فيما أراده منه. ويقال فلان ~~استفزه الخوف، إذا أزعجه. وقوله { وأجلب عليهم بخيلك ~~ورجلك } أصل الإجلاب الصياح بصوت مسموع. ms3237 يقال أجلب فلان على فرسه ~~وجلب عليه، إذا صاح به ليستحثه على السرعة فى المشى. قال الآلوسى " قوله ~~{ وأجلب عليهم } أى صح عليهم من الجلبة وهى الصياح. قاله الفراء وأبو ~~عبيدة. وقال الزجاج أجلب على العدو جمع عليه الخيل. وقال ابن السكيت جلب ~~عليه أعان عليه. وقال ابن الأعرابى أجلب على الرجل، إذا توعده الشر، وجمع ~~عليه الجمع. والخيل يطلق على الأفراس حقيقة ولا واحد له من لفظه، وعلى ~~الفرسان مجازا، وهو المراد هنا. ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم فى ~~بعض غزواته لأصحابه # " يا خيل الله اركبى " # والرجل - بكسر الجيم - بمعنى راجل - كحذر بمعنى حاذر - هو الذى يمشى ~~رجلا، أى غير راكب... ". والمعنى. قال الله - تعالى - لإبليس اذهب أيها ~~اللعين مذءوما مدحورا. فإن جهنم هى الجزاء المعد لك ولأتباعك من ذرية ~~آدم، وافعل ما شئت معهم من الاستفزاز والخداع والإزعاج ولهو الحديث ~~وأجلب عليهم ما تستطيع جلبه من مكايد، وما تقدر عليه من وسائل، كأن ~~تناديهم بصوتك ووسوستك إلى المعاصى، وكأن تحشد جنودك على اختلاف أنواعهم ~~لحربهم وإغوائهم وصدهم عن الطريق المستقيم. قال صاحب الكشاف " فإن قلت ما ~~معنى استفزاز إبليس بصوته، وإجلابه بخيله ورجله؟ قلت هو كلام وارد مورد ~~التمثيل شبهت حاله فى تسلطه على من يغويه، بمغوار أوقع على قوم، فصوت بهم ~~صوتا يستفزهم من أماكنهم، ويقلقهم عن مراكزهم، وأجلب عليهم بجنده، من ~~خيالة ورجالة حتى استأصلهم، وقيل بصوته، أى بدعائه إلى الشر، وبخيله، ~~ورجله أى كل راكب وماش من أهل العبث. وقيل يجوز أن يكون لإبليس خيل ~~ورجال ". وعلى أية حال، فالجملة الكريمة تصوير بديع، لعداوة إبليس لآدم ~~وذريته، وأنه معهم فى معركة دائمة، يستعمل فيها كل وسائل شروره، ليشغلهم ~~عن طاعة ربهم، وليصرفهم عن الصراط المستقيم، ولكنه لن يستطيع أن يصل إلى ~~شئ من أغراضه الفاسدة، ما داموا معتصمين بدين ربهم - عز وجل -. وقوله - ~~سبحانه - { وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم } ، ~~معطوف على ما قبله. أى وشاركهم فى الأموال، بأن تحضهم على جمعها من الطرق ms3238 ~~الحرام، وعلى إنفاقها فى غير الوجوه التى شرعها الله، كأن يستعملوها فى ~~الربا والرشوة وغير ذلك من المعاملات المحرمة. وشاركهم فى الأولاد بأن ~~تحثهم على أن ينشئوهم تنشئة تخالف تعاليم دينهم الحنيف وبأن تيسر لهم ~~الوقوع فى الزنا الذى يترتب عليه ضياع الأنساب، وبأن تظاهرهم على أن ~~يسموا أولادهم بأسماء يبغضها الله - عز وجل -، إلى غير ذلك من وساوسك ~~التى تغرى الآباء بأن يربوا أبناءهم تربية يألفون معها الشرور والآثام، ~~والفسوق والعصيان. # قال الإمام ابن جرير بعد أن ساق عددا من الأقوال فى ذلك " وأولى ~~الأقوال بالصواب أن يقال كل مولود ولدته أنثى، عصى الله فيه، بتسميته بما ~~يكرهه الله، أو بإدخاله فى غير الدين الذى ارتضاه الله، أو بالزنا بأمه، ~~أو بقتله أو وأده، أو غير ذلك من الأمور التى يعصى الله بفعله به أو فيه، ~~فقد دخل فى مشاركة إبليس فيه، من ولد ذلك الولد له أو منه، لأن الله لم ~~يخصص بقوله { وشاركهم في الأموال والأولاد } معنى الشركة ~~فيه، بمعنى دون معنى، فكل ما عصى الله فيه أو به، أو أطيع الشيطان فيه أو ~~به فهو مشاركة... ". وقد علق الإمام ابن كثير على كلام ابن جرير بقوله ~~وهذا الذى قاله - ابن جرير - متجه، فقد ثبت فى صحيح مسلم أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال # " يقول الله - عز وجل - إنى خلقت عبادى حنفاء، فجاءتهم الشياطين ~~فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم ". # وفى الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتى أهله قال باسم الله اللهم جنبنا الشيطان ~~وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد فى ذلك لم يضره الشيطان ~~أبدا ". # وقوله { وعدهم } أى وعدهم بما شئت من المواعيد الباطلة الكاذبة. كأن ~~تعدهم بأن الدنيا هى منتهى آمالهم. فعليهم أن يتمتعوا بها كيف شاءوا بدون ~~تقيد بشرع أو دين أو خلق. وكأن تعدهم بأنه ليس بعد الموت حساب أو ثواب أو ~~عقاب، أو جنة أو ms3239 نار... وقوله سبحانه { وما يعدهم الشيطان ~~إلا غرورا } تحذير من الله تعالى لعباده من اتباع الشيطان، ومن ~~السير وراء خطواته. وأصل الغرور تزين الباطل بما يوهم أنه حق. يقال غر ~~فلان فلانا فهو يغره غرورا إذا خدعه، وأصله من الغر، وهو الأثر ~~الظاهر من الشئ، ومنه غرة الفرس لأنها أبرز ما فيه. ولفظ { غرورا } صفة ~~لموصوف محذوف. والتقدير وعدهم - أيها الشيطان - بما شئت من الوعود ~~الكاذبة، وما يعد الشيطان بنى آدم إلا وعدا غرورا. ويجوز أن يكون مفعولا ~~لأجله فيكون المعنى وما يعدهم الشيطان إلا من أجل الغرور والمخادعة. وفى ~~الجملة الكريمة التفات من الخطاب إلى الغيبة، إهمالا لشأن الشيطان، ~~وبيانا لحاله مع بنى آدم حتى يحترسوا منه ويحذروه. ثم ختم - سبحانه - ~~الآيات بغرس الطمأنينة فى قلوب المؤمنين الصادقين، فقال - تعالى - { ~~إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك ~~وكيلا }. # أى إن عبادى الصالحين الذين أخلصوا دينهم لى، ليس لك - يا إبليس - تسلط ~~واقتدار على إغوائهم وإضلالهم، وصرفهم عن السبيل الحق إلى السبيل الباطل. ~~قال - تعالى - # إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ~~ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين ~~يتولونه والذين هم به مشركون # وقال - سبحانه - # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من ~~اتبعك من الغاوين # والإضافة فى قوله { إن عبادى... } للتشريف والتكريم حيث خصهم - سبحانه ~~- بهذا اللون من الرعاية والحماية. وقوله { وكفى بربك وكيلا ~~} أى وكفى بربك وكيلا يتوكلون عليه، ويفوضون إليه أمورهم، ويعتصمون به ~~لكى يقيهم وساوس الشيطان ونزغاته. قال الإمام ابن كثير قوله { وكفى ~~بربك وكيلا } أى حافظا ومؤيدا ونصيرا. روى الإمام أحمد عن ~~أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن المؤمن لينضى شيطانه - أى ليقهره - كما ينضى أحدكم بعيره فى ~~السفر ". # وقال الجمل فى حاشيته " وهذه الآية تدل على أن المعصوم من عصمه الله. ~~وأن الإنسان لا يمكنه أن يحترز بنفسه عن مواقع الضلال، لأنه لو كان ~~الإقدام على الحق، والإحجام عن الباطل إنما يحصل للإنسان من نفسه، ~~لوجب أن ms3240 يقال وكفى بالإنسان نفسه فى الاحتراز عن الشيطان. فلما لم يقل ~~ذلك، بل قال وكفى بربك وكيلا. علمنا أن الكل من الله. ولهذا قال ~~المحققون لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعته إلا ~~بقوته ". وبعد أن بين - سبحانه - لبنى آدم ما يبيته إبليس من عداوة ~~وبغضاء، أتبع ذلك ببيان جانب من نعمه - تعالى - عليهم فى البر والبحر وفى ~~السراء والضراء فقال - عز وجل - { ربكم الذي يزجي لكم ~~الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان ~~بكم رحيما }. ### || [17.66-69] # وقوله - تعالى - { ربكم الذي يزجي لكم الفلك في ~~البحر لتبتغوا من فضله... } بيان لمظهر من مظاهر رحمة ~~الله - تعالى - بعباده، وفضله عليهم. و { يزجى } من الإزجاء، وهو السوق ~~شيئا فشيئا. يقال أزجى فلان الإبل، إذا ساقها برفق، وأزجت الريح ~~السحاب، أى ساقته سوقا رفيقا، ومنه قوله - تعالى - # ألم تر أن الله يزجي سحابا... # و { الفلك } ما عظم من السفن. قال الجمل ما ملخصه ويستعمل لفظ الفلك ~~للواحد والجمع، ويذكر ويؤنث. قال - تعالى - { وآية لهم أنا ~~حملنا ذريتهم في الفلك المشحون } فأفرد وذكر. وقال ~~- سبحانه - # والفلك التي تجري في البحر # فأنث، ويحتمل الإفراد والجمع. قال - تعالى - # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم... # فجمع.... و { البحر } يطلق على الماء الكثير عذبا كان أو ملحا. وأكثر ~~ما يكون إطلاقا على الماء الملح. أى اذكروا - أيها الناس - لتعتبروا ~~وتشكروا ربكم الذى من مظاهر نعمته عليكم، أنه يسوق لكم - بلطفه وقدرته - ~~السفن التى تركبونها فى البحر لكى تطلبوا من وراء ركوبها الرزق الذى يصلح ~~معاشكم، والذى هو لون من ألوان فضل الله عليكم. وقوله لتبتغوا من فضله، ~~تعليل لإزجاء الفلك، وتصريح بوجوه النفع التى تفضل الله - تعالى - بها ~~عليهم. وقوله { إنه كان بكم رحيما } تعليل ثان لهذا ~~الإزجاء. أى يزجى لكم الفلك فى البحر، لتطلبوا من وراء ذلك ما ينفعكم، ~~ولأنه - سبحانه - كان أزلا وأبدا، بكم دائم الرحمة والرأفة. ثم انتقل - ~~سبحانه - من الحديث عن مظاهر نعمه عليهم، فى حال سوق ms3241 السفن ودفعها بهم فى ~~البحر برفق وأناة، إلى بيان رعايته لهم فى حال اضطرابها وتعرضها للغرق، ~~بسبب هيجان البحر وارتفاع أمواجه، فقال - تعالى - { وإذا مسكم ~~الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه... }. ~~والمس اتصال أحد الشيئين بآخر على وجه الإحساس والإصابة، والمراد به ~~هنا ما يعتريهم من خوف وفزع، وهم يرون سفينتهم توشك على الغرق. والمراد ~~بالضر هنا اضطراب الفلك، وارتفاع الأمواج، واشتداد العواصف، وتعرضهم ~~للموت من كل مكان. المعنى وإذا أحاطت بكم الأمواج من كل جانب وأنتم على ~~ظهور سفنكم وأوشكتم على الغرق.. ذهب وغاب عن خواطركم وأذهانكم، كل معبود ~~سوى الله - عز وجل - لكى ينقذكم مما أنتم فيه من بلاء، بل إياه وحده - ~~سبحانه - تدعون ليكشف عنكم ما نزل بكم من سوء. فالجملة الكريمة تصوير ~~مؤثر بديع لبيان أن الإنسان عند الشدائد والمحن لا يتجه بدعائه وضراعته ~~إلا إلى الله - تعالى - وحده. قال القرطبى " { ضل } معناه تلف وفقد ~~وهى عبارة عن تحقير لمن يدعى إلها من دون الله. # والمعنى فى هذه الآية أن الكفار إنما يعتقدون فى أصنامهم أنها شافعة، ~~وأن لها فضلا، وكل واحد منهم بالفطرة يعلم علما لا يقدر على مدافعته أن ~~الأصنام لا فعل لها فى الشدائد، فوقفهم الله من ذلك على حالة البحر حيث ~~تنقطع الحيل ". وقال الإمام ابن كثير " يخبر تبارك وتعالى أن الناس إذا ~~مسهم ضر دعوه منيبين إليه مخلصين له الدين، ولهذا قال - تعالى - { ~~وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه } أى ذهب عن قلوبكم كل ما تعبدون غير الله - تعالى - كما اتفق ~~لعكرمة بن أبى جهل، لما ذهب فارا من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~فتح مكة، فذهب هاربا فركب فى البحر ليدخل الحبشة، فجاءتهم ريح عاصف، ~~فقال القوم بعضهم لبعض إنه لا يغنى عنكم إلا أن تدعو الله وحده. فقال ~~عكرمة فى نفسه والله إن كان لا ينفع فى البحر غيره، فإنه لا ينفع فى البر ~~غيره، اللهم لك على عهد لئن أخرجتنى ms3242 منه، لأذهبن فلأضعن يدى فى يد محمد ~~صلى الله عليه وسلم فلأجدنه رءوفا رحيما. فخرجوا من البحر، فرجع إلى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فأسلم وحسن إسلامه - رضى الله عنه ". وقوله - ~~تعالى - { فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان ~~الإنسان كفورا } بيان لطبيعة الإنسان إلا من عصم الله. أى فلما ~~نجاكم الله - تعالى - بلطفه وإحسانه من الغرق، وأوصلكم سالمين إلى البر، ~~أعرضتم عن طاعته، وتركتم دعاءه والضراعة إليه، وكان الإنسان الفاسق عن ~~أمر ربه، { كفورا } أى كثير الكفران والجحود لنعم ربه - عز وجل -. قال ~~الألوسى ما ملخصه " وقوله { وكان الإنسان كفورا } كالتعليل ~~للإعراض، ويعلم منه حكم أولئك المخاطبين، وفيه لطافة حيث أعرض - سبحانه ~~- عن خطابهم بخصوصهم، وذكر أن جنس الإنسان مجبول على الكفران، فلما ~~أعرضوا أعرض الله - تعالى - عنهم ". وفى معنى هذه الآية جاءت آيات كثيرة. ~~منها قوله - تعالى - # فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون # وقوله - سبحانه - # وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين ~~له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم ~~مقتصد وما يجحد بآياتنآ إلا كل ختار كفور # ثم بين - سبحانه - أن قدرته لا يعجزها شئ، لا فى البحر ولا فى البر ولا ~~فى غيرهما فقال { أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر ~~أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا ~~} والهمزة فى قوله { أفأمنتم } للاستفهام الإنكارى، والفاء عاطفة على ~~محذوف، والتقدير أنجوتم فأمنتم. # وقوله { يخسف } من الخسف وهو انهيار الأرض بالشئ، وتغييبه فى باطنها و { ~~جانب البر } ناحية أرض، وسماه - سبحانه - جانبا، لأن البحر يمثل جانبا ~~من الأرض، والبر يمثل جانبا آخر. والحاصب الريح الشديدة، التى ترمى ~~بالحصباء، وهى الحجارة الصغيرة. يقال. حصب فلان فلانا، إذا رماه ~~بالحصباء. والمعنى أنجوتم من الغرق - أيها الناس - ففرحتم وأمنتم ونسيتم ~~أن الله - تعالى - إذا كان قد أنجاكم من الغرق، فهو قادر على أن يخسف بكم ~~جانب الأرض، وقادر كذلك على أن يرسل عليكم ريحا شديدة ترميكم بالحصباء ~~التى تهلككم ثم لا تجدوا ms3243 لكم وكيلا تكلون إليه أموركم، ونصيرا ينصركم ~~ويحفظكم من عذاب الله - تعالى -. إن كنتم قد أمنتم عذاب الله بعد نجاتكم ~~من الغرق، فأنتم جاهلون، لأن قدرة الله - تعالى - لا يعجزها أن تأخذكم ~~أخذ عزيز مقتدر سواء أكنتم فى البحر أم فى البر أم فى غيرهما، إذ جميع ~~جوانب هذا الكون فى قبضة الله - تعالى - وتحت سيطرته. قال صاحب الكشاف " ~~فإن قلت فما معنى ذكر الجانب؟ قلت معناه، أن الجوانب والجهات كلها فى ~~قدرته سواء، وله فى كل جانب برا كان أو بحرا سبب مرصد من أسباب الهلكة، ~~ليس جانب البحر وحده مختصا بذلك، بل إن كان الغرق فى جانب البحر، ففى ~~جانب البر ما هو مثله وهو الخسف، لأنه تغييب تحت التراب، كما أن الغرق ~~تغييب تحت الماء فالبر والبحر عنده سيان، يقدر فى البر على نحو ما يقدر ~~عليه فى البحر، فعلى العاقل أن يستوى خوفه من الله فى جميع الجوانب وحيث ~~كان ". ثم ساق - سبحانه - مثالا آخر للدلالة على شمول قدرته، فقال - ~~تعالى - { أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى ~~فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما ~~كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا }. و { ~~أم } هنا يجوز أن تكون متصلة بمعنى أى الأمرين حاصل. ويجوز أن تكون ~~منقطعة بمعنى بل. والقاصف من الريح هو الريح العاتية الشديدة التى تقصف ~~وتحطم كل ما مرت به من أشجار وغيرها. يقال قصف فلان الشئ، إذا كسره. ~~والتبيع فعيل بمعنى فاعل، وهو المطالب غيره بحق سواء أكان هذا الحق دينا ~~أم ثأرا أم غيرهما، مع مداومته على هذا الطلب. والمعنى بل أأمنتم - أيها ~~الناس - { أن يعيدكم } الله - تعالى - { فيه } أى فى البحر، لسبب من ~~الأسباب التى تحملكم على العودة إليه مرة أخرى { فيرسل عليكم } - سبحانه ~~- وأنتم فى البحر { قاصفا من الريح } العاتية الشديدة التى تحطم ~~سفنكم { فيغرقكم } بسبب كفركم وجحودكم لنعمه، { ثم لا تجدوا ~~لكم علينا به تبيعا } أى إننا من السهل علينا أن نفعل معكم ~~ذلك وأكثر منه، ثم ms3244 لا تجدوا لكم أحدا ينصركم علينا، أو يطالبنا بحق لكم ~~علينا، فنحن لا نسأل عما نفعل، وأنتم المسئولون. # فالاستفهام هنا - أيضا - للإنكار والتوبيخ. وقال - سبحانه - { أن ~~يعيدكم فيه } ولم يقل أن يعيدكم إليه، للإشعار باستقرارهم فيه، ~~وأنه - تعالى - لا يعجزه أن يفعل ذلك. والتعبير بقوله { قاصفا من ~~الريح } فيه من الترهيب والإنذار ما فيه لأن لفظ القصف يدل بمعناه ~~اللغوى على التحطيم والتكسير. وقال - سبحانه - { بما كفرتم } لبيان أن ~~الله - تعالى - ما ظلمهم بإهلاكهم، وإنما هم الذين عرضوا أنفسهم لذلك ~~بسبب كفرهم وإعراضهم عن طاعته - سبحانه -. والضمير فى { به } يعود إلى ~~الإهلاك بالإغراق المفهوم من قوله { فيغرقكم بما كفرتم } ~~أى لا تجدون تبيعا يتبعنا بثأركم بسبب ذلك الإغراق الذى أوقعناه بكم. ~~وبذلك نرى أن الآيات الكريمة قد ساقت ألونا من نعم الله - تعالى - على ~~الناس، وحذرتهم من جحود هذه النعم، حتى لا يتعرضوا لعذاب الله، الذى قد ~~ينزل بهم وهم فى البحر أو فى البر أو فى غيرهما. ثم ذكر - سبحانه - ~~تكريمه لبنى آدم، وتفضيلهم على كثير من مخلوقاته، وأحوالهم فى الآخرة، ~~فقال - تعالى - { ولقد كرمنا بني ءادم وحملناهم في ~~البر والبحر ورزقناهم من الطيبات ~~وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا... }. ### || [17.70-72] # قال الآلوسى " قوله { ولقد كرمنا بني ءادم... } أى ~~جعلناهم قاطبة برهم وفاجرهم، ذوى كرم، أى شرف ومحاسن جمة لا يحيط بها ~~نطاق الحصر.. ". ومن مظاهر تكريم الله - تعالى - لبنى آدم، أنه خلقهم فى ~~أحسن تقويم، كما قال - تعالى - # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # وأنه ميزهم بالعقل والنطق والاستعدادات المتعددة، التى جعلتهم أهلا ~~لحمل الأمانة، كما قال - سبحانه - # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان... # وأنه سخر الكثير من مخلوقاته لمنفعتهم ومصلحتهم، قال - تعالى - # الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من ~~السمآء مآء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ~~وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره ~~وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر ~~دآئبين وسخر لكم اليل والنهار وآتاكم من كل ms3245 ~~ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها ~~إن الإنسان لظلوم كفار # وأنه سجل هذا التكريم فى القرآن الكريم، الذى لا يأتيه الباطل من بين ~~يديه ولا من خلفه، وكفاهم بذلك شرفا وفخرا. وقوله - تعالى - { ~~وحملناهم في البر والبحر } بيان لنوع من أنواع هذا ~~التكريم. أى وحملناهم بقدرتنا ورعايتنا فى البر على الدواب وغير ذلك من ~~وسائل الانتقال كالقطارات والسيارات وغيرها، وحملناهم فى البحر على السفن ~~وعابرات البحار التى تنقلهم من مكان إلى آخر. وقوله { ورزقناهم ~~من الطيبات } بيان لنوع آخر من أنواع التكريم. أى ورزقناهم ~~بفضلنا وإحساننا من طيبات المطاعم والمشارب والملابس، التى يستلذونها، ~~ولا يستغنون عنها فى حياتهم. وقوله { وفضلناهم على كثير ~~ممن خلقنا تفضيلا } بيان لنوع ثالث من أنواع التكريم، أى ~~وبسبب هذا التكريم فضلناهم على كثير من مخلوقاتنا التى لا تحصى، تفضيلا ~~عظيما. وعلى هذا التفسير يكون التفضيل لونا من ألوان التكريم الذى منحه ~~الله - تعالى - لبنى آدم. وبعضهم يرى أن هناك فرقا بين التكريم ~~والتفضيل، ومن هذا البعض الإمام الفخر الرازى، فقد قال - رحمه الله - ما ~~ملخصه " لقد قال الله - تعالى - فى أول الآية { ولقد كرمنا ~~بني ءادم } وقال فى آخرها { وفضلناهم على كثير ~~ممن خلقنا تفضيلا }. ولا بد من الفرق بين هذا التكريم ~~والتفضيل وإلا لزم التكرار. والأقرب أن يقال إنه - تعالى - فضل الإنسان ~~على سائر الحيوانات بأمور خلقية طبيعية ذاتية، مثل العقل، والنطق، ~~والصورة الحسنة.. ثم إنه - تعالى - عرضه بواسطة ذلك لاكتساب العقائد ~~الحقة، والأخلاق الفاضلة فالأول هو التكريم، والثانى هو التفضيل ". وكأن ~~الفخر الرازى يرى أن التكريم يرجع إلى الصفات الخلقية التى امتاز بها بنو ~~آدم، أما التفضيل فيرجع إلى ما اكتسبوه من عقائد سليمة، وأخلاق قويمة. # هذا، وقد أخذ صاحب الكشاف من هذه الجملة وهى قوله - تعالى - { ~~وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } أن ~~الملائكة أفضل من البشر، لأنهم - أى الملائكة - هم المقصودون بالقليل ~~الذى لم يفضل عليه بنو آدم. قال - رحمه الله - " قوله { وفضلناهم ~~على كثير ممن خلقنا... } هو ما ms3246 سوى الملائكة وحسب بنى آدم ~~تفضيلا، أن ترفع عليهم الملائكة - وهم هم -، ومنزلتهم عند الله ~~منزلتهم... ". ويرى كثير من المفسرين أن المراد بالتفضيل هنا تفضيل ~~الجنس، ولا يلزم منه تفضيل كل فرد على كل فرد. قال الجمل ما ملخصه " { ~~وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } المراد ~~تفضيل جنس البشر على أجناس غيره كالملائكة، ولا يلزم من تفضيل جنس البشر ~~على جنس الملك تفضيل الأفراد، إذ الملائكة فى جملتهم أفضل من البشر غير ~~الأنبياء. وصلحاء البشر - كالصديق - أفضل من عوام الملائكة، أى غير ~~الرؤساء منهم، على المعتمد من طريقة التفضيل ". والذى تطمئن إليه النفس ~~فى هذه المسألة - والله أعلم - أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ~~أفضل من الملائكة جميعا، لأن الله - تعالى - قد أمر الملائكة بالسجود ~~لآدم الذى جعله خليفة له فى أرضه، دون غيره من الملائكة... وأن الرسل من ~~الملائكة - كجبريل وإسرافيل وعزرائيل وميكائيل - أفضل من عموم البشر - ~~سوى الأنبياء -، لأن هؤلاء الرسل قد اصطفاهم الله - تعالى - واختارهم ~~لوظائف معينة، قال - تعالى - # الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس # وأن صلحاء البشر - كالعشرة المبشرين بالجنة - أفضل من عامة الملائكة، ~~لأن الملائكة ليست فيهم شهوة تدفعهم إلى مخالفة ما أمر الله به... أما ~~بنو آدم فقد ركب الله - تعالى - فيهم شهوة داعية إلى ارتكاب المعصية، ~~ومقاومة هذه الشهوات جهاد يؤدى إلى رفع الدرجات... ومن العلماء الذين ~~بسطوا القول فى هذه المسألة الإمام الفخر الرازى، فليرجع إليه من شاء. ~~وقوله - سبحانه - { يوم ندعوا كل أناس بإمامهم } شروع ~~فى بيان تفاوت أحوال بنى آدم فى الآخرة، بعد بيان حالهم فى الدنيا. ولفظ ~~{ يوم } منصوب بفعل محذوف، أى واذكر يوم ندعو كل أناس بإمامهم. والمراد ~~بإمامهم هنا كتاب أعمالهم. وقد اختار هذا القول الإمام ابن كثير ورجحه ~~فقال يخبر الله - تعالى - عن يوم القيامة، أنه يحاسب كل أمة بإمامهم، وقد ~~اختلفوا فى ذلك. فقال مجاهد وقتادة أى بنبيهم، وهذا كقوله - تعالى - # ولكل أمة رسول فإذا جآء رسولهم قضي ~~بينهم بالقسط # وقال ابن زيد بإمامهم أى ms3247 بكتابهم الذى أنزل على نبيهم من التشريع، ~~واختاره ابن جرير... وروى العوفى عن ابن عباس فى قوله { يوم ندعوا ~~كل أناس بإمامهم } أى بكتاب أعمالهم... وهذا القول هو الأرجح ~~لقوله - تعالى - # وكل شيء أحصيناه في إمام مبين # وقال - تعالى - # ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه # ويحتمل أن المراد بإمامهم أن كل قوم بمن يأتمون به، فأهل الإيمان ~~ائتموا بالأنبياء - عليهم السلام -، وأهل الكفر ائتموا بأئمتهم فى ~~الكفر... وفى الصحيحين # " لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فيتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت... " # الحديث... ثم قال - رحمه الله - ولكن المراد ها هنا بالإمام، هو كتاب ~~الأعمال. والمعنى واذكر - أيها العاقل لتعتبر وتتعظ - يوم ندعو كل أناس ~~من بنى آدم الذين كرمناهم وفضلناهم على كثير من خلقنا، بكتاب أعمالهم ~~الذى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة ~~الذين أخلصوا دينهم لله فقال - تعالى - { فمن أوتي كتابه ~~بيمينه فأولئك يقرؤون كتابهم ولا يظلمون ~~فتيلا }. أى فمن أوتى من بنى آدم يوم القيامة، كتابه بيمينه، بأن ثقلت ~~موازين حسناته على سيئاته، فأولئك السعداء يقرءون كتابهم بسرور وابتهاج، ~~ولا ينقصون من أجورهم قدر فتيل، وهو الخيط المستطيل فى شق النواة، وبه ~~يضرب المثل فى الشئ القليل و { من } فى قوله { فمن أوتى } يجوز أن تكون ~~شرطية، وأن تكون موصولة، ودخلت الفاء فى الخبر وهو { فأولئك } لشبهه ~~بالشرط. وجاء التعبير فى قوله { أوتي كتابه بيمينه } ~~بالإفراد، حملا على لفظ من، وجاء التعبير بالجمع فى { أولئك } حملا على ~~معناها. وفى قوله - سبحانه - { بيمينه } تشريف وتبشير لصاحب هذا الكتاب ~~الملئ بالإيمان والعمل الصالح وقال - سبحانه - { فأولئك ~~يقرؤون كتابهم } بالإظهار، ولم يقل يقرءونه، لمزيد العناية ~~بهؤلاء السعداء، ولبيان أن هذا الكتاب تبتهج النفوس بتكرار اسمه. ثم بين ~~- سبحانه - سوء عاقبة من أوتى كتابه بشماله فقال { ومن كان في ~~هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا }. ~~والمراد بالعمى هنا عمى القلب لا عمى العين، بدليل قوله - تعالى - # فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ms3248 ~~التي في الصدور # والمعنى ومن كان من بنى آدم فى هذه الدنيا أعمى القلب، مطموس البصيرة، ~~بسبب إيثاره الكفر على الإيمان، فهو فى الدار الآخرة أشد عمى، وأضل ~~سبيلا منه فى الدنيا، لأنه فى الدنيا كان فى إمكانه أن يتدارك ما فاته ~~أما فى الآخرة فلا تدارك لما فاته. وعبر - سبحانه - عن الذى أوتى كتابه ~~بشماله بقوله - { ومن كان في هذه أعمى } للإرشاد إلى ~~العلة التى بسببها أصابه الشقاء فى الآخرة، وهى - فقدانه النظر السليم، ~~وإيثاره الغى على الرشد، والباطل على الحق. # . ومما يدل على أن المراد به من أوتى كتابه بشماله، مقابلته لمن أوتى ~~كتابه بيمينه، كما جاء فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى - # فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هآؤم ~~اقرؤا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه فهو ~~في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانية ~~كلوا واشربوا هنيئا بمآ أسلفتم في الأيام ~~الخالية وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول ~~يليتني لم أوت كتابيه # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت لبنى آدم من التكريم والتفضيل ما من ~~شأنه أن يحملهم على إخلاص العبادة لخالقهم، وعلى امتثال أمره، واجتناب ~~نهيه، لكى يكونوا من السعداء فى دنياهم وآخرتهم. ثم حكى - سبحانه - ~~جانبا من المسالك الخبيثة، التى سلكها المشركون مع النبى صلى الله عليه ~~وسلم لزحزحته عن التمسك بدعوته، وكيف أن الله - تعالى - قد عصمه من ~~كيدهم، فقال - سبحانه - { وإن كادوا ليفتنونك عن الذي ~~أوحينآ إليك لتفتري علينا غيره وإذا ~~لاتخذوك خليلا }. ### || [17.73-77] # ذكر المفسرون فى سبب نزول الآية الأولى من هذه الآيات روايات منها ما ~~جاء عن سعيد بن جبير أنه قال كان النبى صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر ~~الأسود فى طوافه، فمنعته قريش وقالوا لا ندعك تستلم حتى تلم بآلهتنا... ~~فأبى الله - تعالى - ذلك، وأنزل عليه هذه الآية. وروى عطاء عن ابن عباس ~~قال نزلت فى وفد ثقيف، أتوا النبى صلى الله عليه وسلم فسألوه شططا وقالوا ~~متعنا بآلهتنا سنة حتى نأخذ ما يهدى لها. وحرم وادينا كما ms3249 حرمت مكة، حتى ~~تعرف العرب فضلنا عليهم... فنزلت هذه الآية. و { إن } فى قوله { وإن ~~كادوا ليفتنونك... } مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن. و { ~~كاد } من أفعال المقاوبة. و { يفتنونك } من الفتنة، وأصلها الاختبار ~~والامتحان. يقال فتن الصائغ الذهب، أى اختبره ليعرف جيده من خبيثه، ويقال ~~فتنت الرجل عن رأيه، إذا أزلته عما كان عليه، وهو المراد هنا. والمعنى ~~وإن شأن هؤلاء المشركين، أنهم قاربوا فى ظنهم الباطل، وزعمهم الكاذب، أن ~~يخدعوك ويفتنوك - أيها الرسول الكريم - عما أوحينا إليك من هذا القرآن، ~~لكى تفترى علينا غيره، وتتقول علينا أقوالا ما أنزل الله بها من سلطان. ~~وقوله { وإذا لاتخذوك خليلا } بيان لحالهم مع الرسول صلى ~~الله عليه وسلم لو أنه أطاعهم فيما اقترحوه عليه. قال الجمل ما ملخصه " ~~وإذا حرف جواب وجزاء يقدر بلو الشرطية. وقوله { لاتخذوك } جواب قسم ~~محذوف تقديره والله لاتخذوك، وهو مستقبل فى المعنى، لأن إذا تقتضى ~~الاستقبال، إذ معناها المجازاة، وهذا كقوله - تعالى - # ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من ~~بعده يكفرون # أى ليظلوا. والمعنى لو أنك - أيها الرسول الكريم - وافقتهم على ~~مقترحاتهم الفاسدة لأحبوا ذلك منك، ولصاروا أصدقاء لك فى مستقبل أيامك. ~~وقد بين القرآن الكريم فى كثير من آياته، أن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أعرض عن مقرحاتهم ورفضها، ولم يلتفت إليها، ومن ذلك قوله - تعالى - # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا ~~يرجون لقآءنا ائت بقرآن غير هذآ أو بدله ~~قل ما يكون لي أن أبدله من تلقآء نفسي إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ~~ربي عذاب يوم عظيم قل لو شآء الله ما تلوته ~~عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من ~~قبله أفلا تعقلون # ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على نبيه صلى الله عليه وسلم فقال { ~~ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا ~~قليلا }. أى ولولا تثبيتنا إياك - أيها الرسول الكريم - على ما أنت ~~عليه من الحق والصدق، بأن عصمناك من كيدهم لقاربت أن ms3250 تميل ميلا قليلا، ~~بسبب شدة احتيالهم وخداعهم. # قال بعض العلماء وهذه الآية أوضحت غاية الإيضاح، براءة نبينا صلى الله ~~عليه وسلم من مقاربة الركون إلى الكفار، فضلا عن نفس الركون لأن { لولا ~~} حرف امتناع لوجود، فمقاربة الركون منعتها { لولا } الامتناعية لوجود ~~التثبيت من الله - تعالى - لأكرم خلقه صلى الله عليه وسلم فاتضح يقينا ~~انتفاء مقاربة الركون - أى الميل -، فضلا عن الركون نفسه. وهذه الآية ~~تبين ما قبلها، وأنه صلى الله عليه وسلم لم يقارب الركون إليهم مطلقا. ~~لأن قوله { لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا } أى ~~قاربت تركن إليهم، هو عين الممنوع بلولا الامتناعية. ومما يشهد بأن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقارب الركون من مقترحات الكافرين، قول ابن ~~عباس - رضى الله عنهما - كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوما، ولكن ~~هذا تعريف للأمة، لئلا يركن أحد منهم إلى المشركين فى شئ من أحكام الله - ~~تعالى - وشرائعه. وعن قتادة أنه قال # " لما نزلت هذه الآية، قال النبى صلى الله عليه وسلم " اللهم لا تكلنى ~~إلى نفسى طرفة عين ". # ثم بين - سبحانه - ما كان سيترتب على الركون إليهم - على سبيل الفرض من ~~عقاب فقال - تعالى - { إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف ~~الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا }. والضعف عبارة عن ~~أن يضم إلى شئ مثله. أى لو قاربت - أيها الرسول الكريم - أن تركن إليهم ~~أقل ركون، أو تميل إليهم أدنى ميل، لأنزلنا بك عذابا مضاعفا فى الدنيا ~~وعذابا مضاعفا فى الآخرة، ثم لا تجد لك بعد ذلك نصيرا ينصرك علينا، أو ~~ظهيرا يدفع عنك عذابنا، أو يحميك منه، كما قال - تعالى - # ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه ~~باليمين ثم لقطعنا منه الوتين # والسبب فى تضعيف العذاب، أن الخطأ يعظم بمقدار عظم صاحبه، ويصغر بمقدار ~~صغره، ورحم الله القائل # وكبائر الرجل الصغير صغائر وصغائر الرجل الكبير كبائر # والرسول صلى الله عليه وسلم هو أعظم الخلق على الإطلاق، لذا توعده الله ~~- تعالى - بمضاعفة العذاب، لو ركن إلى المشركين أدنى ركون. ms3251 وقريب من هذا ~~المعنى قوله - تعالى - # ينسآء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة ~~يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله ~~يسيرا # قال صاحب الكشاف وفى ذكر الكيدودة وتقليلها، مع إتباعها الوعيد الشديد ~~بالعذاب المضاعف فى الدارين، دليل بين على أن القبيح يعظم قبحه بمقدار ~~عظم شأن فاعله وارتفاع منزلته، وفيه دليل على أن أدنى مداهنه للغواة، ~~مضادة لله وخروج عن ولايته وسبب موجب لغضبه ونكاله. فعلى المؤمن إذا تلا ~~هذه الآيات أن يجثو عندها ويتدبرها فهى جديرة بالتدبر وبأن يستشعر الناظر ~~فيها الخشية وازدياد التصلب فى دين الله. # ثم ذكر - سبحانه - مكيدة أخرى من مكايد المشركين، وهى محاولتهم إخراج ~~النبى صلى الله عليه وسلم من بلده، لكى يعكفوا على عبادة آلهتهم الباطلة ~~دون أن ينهاهم عن ذلك أحد، فقال - تعالى - { وإن كادوا ~~ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها... }. قال ~~الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه قيل نزلت فى اليهود إذ ~~أشاروا على النبى صلى الله عليه وسلم بسكنى الشام، بلاد الأنبياء وترك ~~سكنى المدينة وهذا القول ضعيف لأن هذه الآية مكية وسكنى المدينة كان بعد ~~ذلك... ثم قال وقيل نزلت فى كفار قريش، حين هموا بإخراج الرسول صلى الله ~~عليه وسلم من بين أظهرهم، فتوعدهم الله - تعالى - بهذه الآية وأنهم لو ~~أخرجوه لما لبثوا بعده بمكة إلا زمنا يسيرا.... وما ذهب إليه ابن كثير - ~~رحمه الله - من أن الآية مكية، هو الذى تسكن إليه النفس. فيكون المعنى { ~~وإن كادوا } أى كفار مكة { ليستفزونك من الأرض } أى ~~ليزعجونك ويحملونك على الخروج من الأرض التى على ترابها ولدت وفيها نشأت، ~~وهى أرض مكة. وقوله { وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا ~~} بيان لسوء مصيرهم إذا ما أخرجوه صلى الله عليه وسلم من مكة. أى ولو ~~أنهم استفزوك وأجبروك على الخروج إجبارا، لما لبثوا { خلافك } أى بعد ~~خروجك إلا زمنا قليلا، ثم يصيبهم ما يصيبهم من الهلاك والنقم. ومع أن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم قد خرج من مكة مهاجرا بأمر ms3252 ربه إلا أنه - ~~سبحانه - قد مكن نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مشركى مكة فى غزوة ~~بدر، فقتلوا منهم سبعين، وأسروا نحو ذلك، وكانت المدة بين هجرته صلى الله ~~عليه وسلم وبين غزوة بدر تقل عن سنتين. وهكذا حقق الله - تعالى - وعده ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم وأنزل وعيده بأعدائه. ثم بين - سبحانه - أن ~~نصرة رسله سنة من سننه التى لا تتخلف فقال { سنة من قد ~~أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا ~~تحويلا }. ولفظ { سنة } منصوب على أنه مصدر مؤكد، أى سن الله ما قصه ~~عليك سنة، وهذه السنة هى أننا لا نترك بدون عقاب أمة أخرجت رسولها من ~~أرضه، وقد فعلنا ذلك مع الأقوام السابقين الذين أخرجوا أنبياءهم من ~~ديارهم ولا تجد - أيها الرسول الكريم - لسنتنا وطريقتنا تحويلا أو ~~تبديلا، ولولا أننا قد منعنا عن قومك عذاب الاستئصال لوجودك فيهم، ~~لأهلكناهم بسبب إيذائهم لك، وتطاولهم عليك. قال - تعالى - # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم... # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا جانبا من المسالك الخبيثة التى ~~اتبعها المشركون مع النبى صلى الله عليه وسلم كما حكت لنا ألوانا من فضل ~~الله - تعالى - على نبيه صلى الله عليه وسلم حيث عصمه من أى ركون إليهم ~~ووعده بالنصر عليهم. ثم أرشد الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم ~~إلى ما يعينه على التغلب على كيد المشركين، وإلى ما يزيده رفعة فى ~~الدرجة، وبشره بأن ما معه من حق، سيزهق ما مع أعدائه من باطل فقال - ~~تعالى - { أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق اليل ~~وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا... }. ### || [17.78-81] # قال الإمام الرازى ما ملخصه وفى نظم هذه الآيات مع ما قبلها وجوه، ~~الأول أنه - تعالى - لما قرر الإلهيات والمعاد والنبوات، أردفها بذكر ~~الأمر بالطاعات. وأشرف الطاعات. بعد الإيمان الصلاة فلهذا أمر بها. ~~الثانى أنه - تعالى - لما قال { وإن كادوا ليستفزونك من ~~الأرض ليخرجوك منها } أمره - تعالى - بالإقبال على عبادته ~~لكى ينصره عليهم.. كما قال - تعالى - # ولقد نعلم ms3253 أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح ~~بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى ~~يأتيك اليقين... # وقوله - سبحانه - { أقم الصلاة لدلوك الشمس } أى داوم - ~~أيها الرسول الكريم - على إقامة الصلاة، من وقت زوالها وميلها عن وسط ~~السماء لجهة الغرب. يقال دلكت الشمس تدلك - بضم اللام - إذا مالت وانتقلت ~~من وسط السماء إلى ما يليه. ومادة { دلك } تدل على التحول والانتقال. ~~ولذلك سمى الدلاك بهذا الاسم. لأن يده لا تكاد تستقر على مكان معين من ~~الجسم. وتفسير دلوك الشمس هذا بمعنى ميلها وزوالها عن كبد السماء، مروى ~~عن جمع من الصحابة والتابعين منهم عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وأنس، ~~وابن عباس، والحسن، ومجاهد. وقيل المراد بدلوك الشمس هنا غروبها. وقد روى ~~ذلك عن على، وابن مسعود، وابن زيد. قال بعض العلماء والقول الأول عليه ~~الجمهور، وقالوا الصلاة التى أمر بها ابتداء من هذا الوقت، هى صلاة ~~الظهر، وقد أيدوا هذا القول بوجوه منها ما روى # " عن جابر أنه قال طعم عندى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ثم ~~خرجوا حين زالت الشمس، فقال صلى الله عليه وسلم هذا حين دلكت الشمس ". # ومن الوجوه - أيضا - النقل عن أهل اللغة، فقد قالوا إن الدلوك فى كلام ~~العرب الزوال، ولذا قيل للشمس إذا زالت. دالكة. وقوله { إلى غسق ~~اليل } أى إلى شدة ظلمته. قال القرطبى يقال غسق الليل غسوقا. وأصل ~~الكلمة من السيلان. يقال غسقت العين إذ سالت تغسق. وغسق الجرح غسقانا، ~~أى سال منه ماء أصفر... وغسق الليل اجتماع الليل وظلمته. وقال أبو عبيدة ~~الغسق سواد الليل... ". والمراد من الصلاة التى تقام من بعد دلوك الشمس ~~إلى غسق الليل صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء. وقوله - تعالى - { ~~وقرآن الفجر } معطوف على مفعول { أقم } وهو الصلاة. والمراد بقرآن الفجر ~~صلاة الفجر. وسميت قرآنا، لأن القراءة ركن من أركانها، من تسمية الشئ ~~باسم جزئه، كتسمية الصلاة ركوعا وسجودا وقنوتا. وقوله { إن قرآن ~~الفجر كان مشهودا } تنويه بشأن صلاة الفجر، وإعلاء من شأنها. ~~أى داوم ms3254 - أيها الرسول الكريم - على أداء صلاة الظهر والعصر والمغرب ~~والعشاء، وداوم على صلاة الفجر - أيضا - فإن صلاتها مشهودة من الملائكة ~~ومن الصالحين من عباد الله - عز وجل -. # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه وقد ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تواترا من أفعاله وأقواله بتفاصيل هذه الأوقات على ما عليه أهل ~~الإسلام اليوم، مما تلقوه خلفا عن سلف، وقرنا بعد قرن. روى البخارى عن ~~أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال # " فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد، خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة ~~الليل وملائكة النهار فى صلاة الفجر ". # يقول أبو هريرة اقرأوا إن شئتم { وقرآن الفجر إن قرآن ~~الفجر كان مشهودا... }. وقال الإمام الفخر الرازى " وفى الآية ~~احتمال، وهو أن يكون المراد من قوله - تعالى - { إن قرآن الفجر ~~كان مشهودا } الترغيب فى أن تؤدى هذه الصلاة بالجماعة. ويكون ~~المعنى إن صلاة الفجر مشهودة بالجماعة الكثيرة ". وقوله - سبحانه - { ~~ومن اليل فتهجد به نافلة لك } إرشاد إلى عبادة أخرى ~~من العبادات التى تطهر القلب، وتسمو بالنفس إلى مراقى الفلاح، وتعينها ~~على التغلب على الهموم والآلام. والجار والمجرور { ومن الليل } متعلق ~~بقوله { فتهجد } أى. تهجد بالقرآن بعض الليل. أو متعلق بمحذوف تقديره وقم ~~قومة من الليل فتهجد، و { من } للتبعيض. قال الجمل " والمعروف فى كلام ~~العرب أن الهجود عبارة عن النوم بالليل. يقال هجد فلان، إذا نام بالليل. ~~ثم لما رأينا فى عرف الشرع أنه يقال لمن انتبه بالليل من نومه وقام إلى ~~الصلاة أنه متهجد، وجب أن يقال سمى ذلك متهجدا من حيث أنه ألقى الهجود. ~~فالتهجد ترك الهجود وهو النوم... ". والضمير فى { به } يعود إلى القرآن ~~الكريم، المذكور فى قوله - تعالى - { وقرآن الفجر } ، إلا أنه ذكر فى ~~الآية السابقة بمعنى الصلاة، وذكر هنا بمعناه المشهور، ففى الكلام ما ~~يسمى فى البلاغة بالاستخدام. والنافلة الزيادة على الفريضة، والجمع ~~نوافل. يقال تنفل فلان على أصحابه، إذا أخذ زيادة عنهم. أى واجعل - أيها ~~الرسول الكريم - جانبا من الليل، تقوم ms3255 فيه، لتصلى صلاة زائدة على ~~الصلوات الخمس التى فرضها الله - تعالى - عليك وعلى أمتك. قال - تعالى - # يأيها المزمل قم اليل إلا قليلا نصفه أو ~~انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ~~ترتيلا # قالوا وقيام الليل كان واجبا فى حقه صلى الله عليه وسلم بصفة خاصة، ~~زيادة على الصلاة المفروضة. أخرج البيهقى فى سننه عن عائشة أن النبى صلى ~~الله عليه وسلم قال # " ثلاث هن على فرائض، وهن لكم سنة الوتر، والسلوك، وقيام الليل ". # ومن العلماء من يرى أن قيام الليل كان مندوبا فى حقه صلى الله عليه ~~وسلم كما هو الشأن فى أمته، ومعنى { نافلة لك } أى زيادة فى رفع درجاتك، ~~فإن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، أما غيرك فقد شرعنا له ~~النافلة تكفيرا لخطاياه. وقوله - عز وجل - { عسى أن يبعثك ~~ربك مقاما محمودا } بيان لما يترتب على أدائه للصلوات بخشوع ~~وخضوع، من سمو فى المكانة، ورفعة فى الدرجة. وكلمة عسى فى كلام العرب ~~تفيد التوقع، أما فى كلام الله - تعالى - فتفيد الوجوب والقطع. قال الجمل ~~" اتفق المفسرون على أن كلمة { عسى } من الله - تعالى - تدخل فيما هو ~~قطعى الوقوع، لأن لفظ عسى يفيد الإطماع، ومن أطمع إنسانا فى شئ، ثم ~~حرمه، كان عارا عليه والله - تعالى - أكرم من أن يطمع أحدا ثم لا يعطيه ~~ما أطمعه فيه ". أى داوم أيها الرسول الكريم على عبادة الله وطاعته ~~لنبعثك يوم القيامة ونقيمك مقاما محمودا، ومكانا عاليا، يحمدك فيه ~~الخلائق كلهم. والمراد بالمقام المحمود هنا، هو مقام الشفاعة العظمى يوم ~~القيامة. ليريح الناس من الكرب الشديد، فى موقف الحساب. وقد ساق الإمام ~~ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث فى هذا منها ما أخرجه ~~البخارى عن ابن عمر قال إن الناس يصيرون يوم القيامة جثا - جمع جثوة ~~كخطوة وخطا - أى جماعات - كل أمة تتبع نبيها، يقولون يا فلان اشفع، يا ~~فلان اشفع، حتى تنتهى الشفاعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فذلك يوم ~~يبعثه ms3256 الله مقاما محمودا ". وروى الإمام أحمد والترمذى عن أبى بن كعب ~~عن النبى صلى الله عليه وسلم قال # " إذا كان يوم القيامة، كنت إمام الأنبياء وخطيبهم. وصاحب شفاعتهم غير ~~فخر ". # " وروى ابن جرير عن أبى هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله ~~- تعالى - { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } فقال ~~" هو المقام الذى أشفع لأمتى فيه ". # وقال الآلوسى والمراد بذلك المقام، مقام الشفاعة العظمى فى فصل القضاء ~~حيث لا أحد إلا وهو تحت لوائه صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج البخارى ~~وغيره عن ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " إن الشمس لتدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينما هم كذلك، استغاثوا ~~بآدم، فيقول لست بصاحب ذلك، ثم موسى فيقول كذلك. ثم محمد فيشفع فيقضى ~~الله - تعالى - بين الخلق، فيمشى صلى الله عليه وسلم حتى يأخذ بحلقة باب ~~الجنة، فيومئذ يبعثه الله - تعالى - مقاما محمودا، يحمده أهل الجمع ~~كلهم ". # ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يكثر من اللجوء ~~إليه عن طريق الدعاء، بعد أن أمره بذلك عن طريق المداومة على الصلاة، ~~فقال - تعالى - { وقل رب أدخلني مدخل صدق ~~وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا ~~نصيرا }. والمدخل والمخرج - يضم الميم فيهما - مصدران بمعنى الإدخال ~~والإخراج، فهما كالمجرى والمرسى وإضافتهما إلى الصدق من إضافة الموصوف ~~لصفته. قال الآلوسى واختلف فى تعيين المراد من ذلك، فأخرج الزبير بن بكار ~~عن زيد بن أسلم، أن المراد بالإدخال دخول المدينة، وبالإخراج الخروج من ~~مكة، ويدل عليه ما أخرجه أحمد، والطبرانى، والترمذى وحسنه، والحاكم ~~وصححه، وجماعة، عن ابن عباس قال كان النبى صلى الله عليه وسلم بمكة، ثم ~~أمر بالهجرة، فأنزل الله - تعالى - عليه هذه الآية. وبدأ بالإدخال لأنه ~~الأهم... ثم قال والأظهر أن المراد إدخاله - عليه الصلاة والسلام - ~~إدخالا مرضيا فى كل ما يدخل فيه ويلابسه من مكان أو أمر، وإخراجه - من ~~كل ما يخرج منه خروجا مرضيا - كذلك -، فتكون الآية عامة ms3257 فى جميع ~~الموارد والمصادر... ". ويبدو لنا أن المعنى الذى أشار إليه الآلوسى - ~~رحمه الله - بأنه الأظهر، هو الذى تسكن إليه النفس، ويدخل فيه غيره ~~دخولا أوليا، ويكون المعنى وقل - أيها الرسول الكريم - متضرعا إلى ربك ~~يا رب أدخلنى إدخالا مرضيا صادقا فى كل ما أدخل فيه من أمر أو مكان، ~~وأخرجنى كذلك إخراجا طيبا صادقا من كل أمر أو مكان. والمراد بالسلطان ~~فى قوله - تعالى - { واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا } ~~الحجة البينة الواضحة التى تقنع العقول، والقوة الغالبة التى ترهب ~~المبطلين. أى واجعل لى - يا إلهى - من عندك حجة تنصرنى بها على من ~~خالفنى، وقوة تعيننى بها على إقامة دينك، وإزالة الشرك والكفر. وقد وضح ~~صاحب الكشاف هذا المعنى فقال قوله { واجعل لي من لدنك ~~سلطانا نصيرا } أى حجة تنصرنى على من خالفنى، أو ملكا وعزا ~~قويا ناصرا للإسلام على الكفر، مظهرا له عليه، فأجيبت دعوته بقوله # والله يعصمك من الناس # فإن حزب الله هم الغالبون # ليظهره على الدين كله # ليستخلفنهم في الأرض # ووعده لينزعن ملك فارس والروم فيجعله له. # " وعنه صلى الله عليه وسلم أنه استعمل " عتاب بن أسيد " على أهل مكة ~~وقال انطلق فقد استعملتك على أهل الله، فكان شديدا على المريب. لينا ~~على المؤمن، وقال لا والله لا أعلم متخلفا يتخلف عن الصلاة فى جماعة إلا ~~ضربت عنقه، فإنه لا يتخلف عن الصلاة إلا منافق. فقال أهل مكة يا رسول ~~الله لقد استعملت على أهل الله " عتاب بن أسيد " أعرابيا جافيا. فقال ~~صلى الله عليه وسلم " إنى رأيت فيما يرى النائم كأن عتاب بن أسيد أتى باب ~~الجنة، فأخذ بحلقة الباب فقلقلها قلقالا شديدا، حتى فتح له فدخلها، ~~فأعز الله به الإسلام لنصرته المسلمين على من يريد ظلمهم، فذلك السلطان ~~النصير " ". # وقال ابن كثير - بعد أن ساق بعض الأقوال فى معنى الآية الكريمة - قوله { ~~واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا } قال الحسن البصرى فى ~~تفسيرها وعده ربه لينزعن ملك فارس والروم وليجعلنه له. وقال قتادة فيها ms3258 ~~إن نبى الله علم أن لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان. فسأل سلطانا ~~نصيرا لكتاب الله. ولحدود الله، ولفرائض الله، ولإقامة دين الله، فإن ~~السلطان رحمة من الله جعله بين أظهر عباده، ولولا ذلك لأغار بعضهم على ~~بعض فأكل شديدهم ضعيفهم... ثم قال ابن كثير واختار ابن جرير قول الحسن ~~وقتادة، وهو الأرجح، لأنه لا بد مع الحق من قهر لمن عاداه وناوأه، ولهذا ~~يقول - تعالى - # لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا ~~الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس... # وفى الحديث # " إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن " # أى ليمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام، ما لا يمتنع كثير من ~~الناس عن ارتكابه بالقرآن وما فيه من الوعيد الأكيد، والتهديد الشديد، ~~وهذا هو الواقع ". وفى قوله - تعالى - { واجعل لي من لدنك } ~~تصوير بديع لشدة القرب والاتصال بالله - تعالى - واستمداد العون منه - ~~سبحانه - مباشرة، واللجوء إلى حماه بدون وساطة من أحد. ثم بشره - سبحانه ~~- بأن النصر له آت لا ريب فيه فقال - تعالى - { وقل جآء الحق ~~وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا }. والحق فى لغة ~~العرب الشئ الثابت الذى ليس بزائل ولا مضمحل. والباطل على النقيض منه. ~~والمراد بالحق هنا حقائق الإسلام وتعاليمه التى جاء بها النبى صلى الله ~~عليه وسلم من عند ربه - عز وجل -. والمراد بالباطل الشرك والمعاصى التى ~~ما أنزل الله بها من سلطان، والمراد بزهوقه ذهابه وزواله. يقال فلان زهقت ~~روحه، إذا خرجت من جسده وفارق الحياة. أى وقل - أيها الرسول الكريم - على ~~سبيل الشكر لربك، والاعتراف له بالنعمة، والاستبشار بنصره، قل جاء الحق ~~الذى أرسلنى به الله - تعالى - وظهر على كل ما يخالفه من شرك وكفر، وزهق ~~الباطل، واضمحل وجوده وزالت دولته، إن الباطل كان زهوقا، أى كان غير ~~مستقر وغير ثابت فى كل وقت. كما قال - تعالى - # قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب قل جآء ~~الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد # وكما قال - سبحانه - # بل نقذف بالحق ms3259 على الباطل فيدمغه فإذا هو ~~زاهق... # وقد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآية أحاديث منها ما أخرجه الشيخان ~~عن ابن مسعود - رضى الله عنه - قال # " دخل النبى صلى الله عليه وسلم مكة - عند فتحها - وحول البيت ستون ~~وثلثمائة صنم. فجعل يطعنها بعود فى يده ويقول { جآء الحق وزهق ~~الباطل إن الباطل كان زهوقا } { قل جآء الحق ~~وما يبدىء الباطل وما يعيد } ". # وأخرج ابن أبى شيبة وأبو يعلى وابن المنذر عن جابر قال # " دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وحول البيت ثلاثمائة ~~وستون صنما، فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكبت على وجهها. ~~وقال { جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان ~~زهوقا } ". # وقال القرطبى فى هذه الآية دليل على كسر نصب المشركين، وجميع الأوثان ~~إذا غلب عليهم، ويدخل بالمعنى كسر آلة الباطل كله، وما لا يصلح إلا ~~لمعصية الله كالطنابير والعيدان والمزامير التى لا معنى لها إلا اللهو ~~بها عن ذكر الله تعالى... وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد أمرت ~~المسلمين فى شخص نبيهم صلى الله عليه وسلم بالمداومة على كل ما يقربهم من ~~الله - تعالى -، ولا سيما الصلاة التى هى صلة بين العبد وربه، وبشرت ~~النبى صلى الله عليه وسلم بمنحه المقام المحمود من ربه - عز وجل، وبأن ما ~~معه من حق وصدق، سيزهق ما مع أعدائه من باطل وكذب، فإن سنة الله - تعالى ~~- قد اقتضت أن تكون العاقبة للمتقين. ثم مدح - سبحانه - القرآن الكريم ~~الذى أنزله على قلب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وبين أحوال الإنسان فى ~~حالتى اليسر والعسر، والرخاء والشدة، وأن كل إنسان يعمل فى هذه الدنيا ~~على حسب طبيعته ونيته وميوله، فقال - تعالى - { وننزل من ~~القرآن ما هو شفآء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد ~~الظالمين إلا خسارا }. ### || [17.82-84] # قال الفخر الرازى - رحمه الله - اعلم أنه - تعالى - لما أطنب فى شرح ~~الإلهيات والنبوات، والحشر والمعاد والبعث، وإثبات القضاء والقدر، ثم ~~أتبعه بالأمر بالصلاة، ونبه على ما فيها من الأسرار، وإنما ذكر ms3260 كل ذلك فى ~~القرآن، أتبعه ببيان كون القرآن شفاء ورحمة. فقال - تعالى - { ~~وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين.. }. ثم قال ولفظة { من } ها هنا ليست للتبعيض، بل هى ~~للجنس كقوله # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # والمعنى وننزل من هذا الجنس الذى هو قرآن ما هو شفاء، فجميع القرآن شفاء ~~ورحمة للمؤمنين. ومما لا شك فيه، أن قراءة القرآن، والعمل بأحكامه وآدابه ~~وتوجيهاته.. شفاء للنفوس من الوسوسة، والقلق، والحيرة، والنفاق، والرذائل ~~المختلفة، ورحمة للمؤمنين من العذاب الذى يحزنهم ويشقيهم. إنه شفاء ورحمة ~~لمن خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان، فأشرقت بنور ربها، وتفتحت لتلقى ما فى ~~القرآن من هدايات وإرشادات. إنه شفاء للنفوس من الأمراض القلبية كالحسد ~~والطمع والانحراف عن طريق الحق، وشفاء لها من الأمراض الجسمانية. قال ~~القرطبى عند تفسيره لهذه الآية اختلف العلماء فى كونه - أى القرآن - شفاء ~~على قولين أحدهما أنه شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها وإزالة الريب، ولكشف ~~غطاء القلب من مرض الجهل. الثانى أنه شفاء من الأمراض الظاهرة بالرقى ~~والتعوذ ونحوه، وقد روى الأئمة - واللفظ للدار قطنى - # " عن أبى سعيد الخدرى قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سرية ~~ثلاثين راكبا. قال فنزلنا على قوم من العرب فسألناهم أن يضيفونا فأبوا. ~~قال فلدغ سيد الحى، فأتونا فقالوا أفيكم أحد يرقى من العقرب؟ قال قلت ~~أنا نعم، ولكن لا أفعل حتى تعطونا فقالوا فإنا نعطيكم ثلاثين شاة. قال ~~فقرأت عليه { الحمد لله رب العالمين } سبع مرات فبرئ. ~~فبعثوا إلينا بالنزل وبعثوا إلينا بالشاء. فأكلنا الطعام أنا وأصحابى، ~~وأبوا أن يأكلوا من الغنم، حتى أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأخبرته الخبر، فقال " ما يدريك أنها رقية "؟ قلت يا رسول الله، شئ ألقى ~~فى روعى. قال " كلوا وأطعمونا من الغنم ". # والذى تطمئن إليه النفس أن قراءة القرآن الكريم، والعمل بما فيه من ~~هدايات وإرشادات وتشريعات.. كل ذلك يؤدى - بإذن الله تعالى - إلى الشفاء ~~من أمراض القلوب ومن أمراض الأجسام. قال بعض العلماء " وقوله - تعالى - ~~فى هذه ms3261 الآية { ما هو شفآء } يشمل كونه شفاء للقلب من أمراضه، ~~كالشك والنفاق وغير ذلك. وكونه شفاء للأجسام إذا رقى عليه به، كما تدل له ~~قصة الذى رقى الرجل اللديغ بالفاتحة، وهى صحيحة مشهورة ". # وبعد أن بين - سبحانه - أثر القرآن بالنسبة للمؤمنين، أتبع ذلك ببيان ~~أثره بالنسبة للظالمين، فقال { ولا يزيد الظالمين إلا ~~خسارا }. أى ولا يزيد ما ننزله من قرآن الظالمين إلا خسارا وهلاكا، ~~بسبب عنادهم وجحودهم للحق بعد إذ تبين. قال الآلوسى وإسناد الزيادة ~~المذكورة إلى القرآن. مع أنهم المزدادون فى ذلك لسوء صنيعهم، باعتباره ~~سببا لذلك، وفيه تعجيب من أمره من حيث كونه مدارا للشفاء والشقاء. # كماء صار فى الأصداف درا وفى ثغر الأفاعى صار سما # وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم ~~إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم ~~مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم ~~كافرون # وقوله - تعالى - # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى ~~أولئك ينادون من مكان بعيد # ثم صور - سبحانه - حال الإنسان عند اليسر والعسر، وعند الرخاء والشدة ~~فقال - تعالى - { وإذآ أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى ~~بجانبه وإذا مسه الشر كان يئوسا }. أى { وإذآ ~~أنعمنا على الإنسان } بنعمة الصحة والغنى وما يشبههما مما يسره ~~ويبهجه { أعرض } عن طاعتنا وشكرنا { ونأى بجانبه } أى وابتعد عنا، وولانا ~~ظهره والنأى البعد، يقال مكان ناء، أى بعيد، ونأى فلان عن الشئ نأيا إذا ~~ابتعد عنه. وقوله - تعالى - { نأى بجانبه } تأكيد للإعراض، لأن الإعراض ~~عن الشئ أن يوليه عرض وجهه، والنأى بالجانب أن يلوى عنه عطفه، ويوليه ~~ظهره، ويظهر الاستكبار والغرور. وقوله - تعالى - { وإذا مسه ~~الشر كان يئوسا } أى وإذا مس الشر هذا الإنسان من فقر أو مرض، ~~كان يئوسا وقنوطا من رحمه الله - تعالى -. فهو فى حالة الصحة والغنى ~~يبطر ويتكبر ويطغى. وفى حالة الفقر والمرض ييئس ويقنط ويستولى عليه الحزن ~~والهم. والمراد بالإنسان هنا جنسه، ms3262 إذ ليس جميع الناس على هذه الحالة، ~~وإنما منهم المؤمنون الصادقون الذين يشكرون الله - تعالى - على نعمه، ~~ويذكرونه ويطيعونه فى السراء والضراء. قال - تعالى - # ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها ~~منه إنه ليئوس كفور ولئن أذقناه نعمآء بعد ~~ضرآء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه ~~لفرح فخور إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات ~~أولئك لهم مغفرة وأجر كبير # فأنت ترى أن الله - تعالى - قد استثنى الذين صبروا وعملوا الصالحات، من ~~رذيلة الجحود عند اليسر، واليأس عند العسر. قال الآلوسى ما ملخصه والمراد ~~بالإنسان فى قوله - تعالى - { وإذآ أنعمنا على الإنسان ~~أعرض ونأى بجانبه... } جنسه، إذ يكفى فى صحة الحكم وجوده فى ~~بعض الأفراد، ولا يضر وجود نقيض فى البعض الآخر، وقيل المراد به الوليد ~~بن المغيرة ". # وفى إسناد المساس إلى الشر بعد إسناد الإنعام إلى ضميره - تعالى - ~~إيذان بأن الخير مراد بالذات، والشر ليس كذلك لأن ذلك هو الذى يقتضيه ~~الكرم المطلق، والرحمة الواسعة، وإلى ذلك الإشارة بقوله صلى الله عليه ~~وسلم # " اللهم إن الخير بيديك والشر ليس إليك ". # وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # لا يسأم الإنسان من دعآء الخير وإن مسه ~~الشر فيئوس قنوط # وقوله - سبحانه - # وإذآ أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم ~~سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون # ثم بين - سبحانه - أنه لا يخفى عليه شئ من أحوال الناس وأعمالهم فقال { ~~قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن ~~هو أهدى سبيلا }. والتنوين فى قوله { كل } عوض عن المضاف إليه. ~~أى كل فرد. وقوله { شاكلته } أى طريقته ومذهبه الذى يشاكل ويناسب حاله فى ~~الهداية أو الضلالة. مأخوذ من قولهم طريق ذو شواكل، وهى الطرق التى تتشعب ~~منه وتتشابه معه فى الشكل، فسميت عادة المرء بها، لأنها تشاكل حاله. قال ~~القرطبى قوله { قل كل يعمل على شاكلته } قال ابن عباس ~~على ناحيته. وقال مجاهد على طبيعته. وقال قتادة على نيته وقال ابن زيد ~~على دينه. وقال الفراء على طريقته ومذهبه الذى جبل عليه.. وقيل هو مأخوذ ~~من ms3263 الشكل. يقال لست على شكلى ولا شاكلتى. فالشكل هو المثل والنظير، كقوله ~~- تعالى - # وآخر من شكله أزواج # والشكل - بكسر الشين - الهيئة. يقال جارية حسنة الشكل. أى الهيئة. وهذه ~~الأقوال كلها متقاربة. والمعنى قل - أيها الرسول الكريم - للناس كل واحد ~~منكم - أيها الناس - يعمل على شاكلته وطريقته التى تشاكل حاله، وتناسب ~~اتجاهه، وتتلاءم مع سلوكه وعقيدته، فربكم الذى خلقكم وتعهدكم بالرعاية، ~~أعلم بمن هو أهدى سبيلا، وأقوم طريقا، وسيجازى - سبحانه - الذين أساءوا ~~بما عملوا ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. فالآية الكريمة تبشر أصحاب ~~النفوس الطاهرة والأعمال الصالحة، بالعاقبة الحميدة، وتهدد المنحرفين عن ~~طريق الحق، المتبعين لخطوات الشيطان، بسوء المصير، لأن الله - تعالى - لا ~~تخفى عليه خافية، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك جانبا من الأسئلة التى كانت توجه إلى الرسول ~~صلى الله عليه وسلم، كما ذكر الإجابة عليها لكى يجابه النبى صلى الله ~~عليه وسلم بها السائلين، فقال - تعالى - { ويسألونك عن الروح ~~قل الروح من أمر ربي ومآ أوتيتم من العلم ~~إلا قليلا }. ### || [17.85-89] # ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { ويسألونك عن ~~الروح } روايات منها ما أخرجه الشيخان # " عن عبد الله بن مسعود قال بينما أنا أمشى مع النبى صلى الله عليه وسلم ~~فى حرث وهو متوكئ على عسيب - أى على عصا - إذ مر اليهود، فقال بعضهم لبعض ~~سلوه عن الروح، فقالوا يا محمد ما لروح فأمسك النبى صلى الله عليه وسلم ~~فلم يرد عليهم شيئا، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامى، فلما نزل الوحى ~~قال { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ~~ربي... ". # قال الإمام ابن كثير بعد أن ذكر هذه الرواية وغيرها وهذا السياق يقتضى ~~فيما يظهر بادى الرأى، أن هذه الآية مدنية، وأنها نزلت حين سأله اليهود ~~عن ذلك بالمدينة، مع أن السورة كلها مكية. وقد يجاب عن هذا بأنه قد تكون ~~نزلت عليه بالمدينة مرة ثانية، كما نزلت عليه بمكة قبل ms3264 ذلك. أو أنه نزل ~~عليه الوحى بأنه يجيبهم عما سألوه بالآية المتقدم إنزالها عليه، وهى هذه ~~الآية { ويسألونك عن الروح... } ". ومما يدل على نزول هذه ~~الآية بمكة ما أخرجه الإمام أحمد عن ابن عباس قال " قالت قريش ليهود. ~~أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل؟ فقالوا سلوه عن الروح، فسألوه فنزلت ~~ويسألونك عن الروح.. الآية ". وكلمة الروح تطلق فى القرآن الكريم على ~~أمور منها الوحى، كما فى قوله - تعالى - # يلقي الروح من أمره على من يشآء من عباده... # ومنها القوة والثبات كما فى قوله - تعالى - # أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح ~~منه... # ومنها جبريل، كما فى قوله - تعالى - # نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من ~~المنذرين... # ومنها القرآن كما فى قوله - سبحانه - # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا... # ومنها عيسى ابن مريم، كما فى قوله - تعالى - # إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ~~وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه... # وجمهور العلماء على أن المراد بالروح فى قوله - تعالى - { ~~ويسألونك عن الروح... } ما يحيا به بدن الإنسان، وبه تكون ~~حياته، وبمفارقته للجسد يموت الإنسان، وأن السؤال إنما هو عن حقيقة ~~الروح، إذ معرفة حقيقة الشئ. تسبق معرفة أحواله. وقيل المراد بالروح هنا ~~القرآن الكريم، وقيل جبريل، وقيل عيسى إلى غير ذلك من الأقوال التى ~~أوصلها بعضهم إلى أكثر من عشرة أقوال. ويبدو لنا أن ما ذهب إليه جمهور ~~المفسرين، أولى بالاتباع، لأن قوله - تعالى - بعد ذلك { قل الروح ~~من أمر ربي } يؤيد هذا الاتجاه. # قال الآلوسى " الظاهر عند المنصف، أن السؤال كان عن حقيقة الروح الذى هو ~~مدار البدن الإنسانى، ومبدأ حياته، لأن ذلك من أدق الأمور التى لا يسع ~~أحدا إنكارها، ويشرئب الجميع إلى معرفتها، وتتوافر دواعى العقلاء إليها، ~~وتكل الأذهان عنها، ولا تكاد تعلم إلا بوحى.. ". و { من } فى قوله { ~~قل الروح من أمر ربي } بيانية. والمراد بالأمر هنا. الشأن. ~~والمعنى ويسألك بعض الناس - أيها الرسول - عن حقيقة الروح، قل لهم على ~~سبيل الإرشاد والزجر الروح شئ من ms3265 جنس الأشياء التى استأثر الله - تعالى ~~- وحده بعلم حقيقتها وجوهرها. وقال - سبحانه - { قل الروح } بالإظهار، ~~لكمال العناية بشأن المسئول عنه. وإضافة كلمة { أمر } إلى لفظ الرب - عز ~~وجل -، من باب الاختصاص العلمى، إذ الرب وحده هو العليم بشأنها، وليس من ~~باب الاختصاص الوجودى، لأن الروح وغيرها من مخلوقات الله - تعالى -. وفى ~~هذه الإضافة ما فيها من تشريف المضاف، حيث أضيف هذا الأمر إلى الله - ~~تعالى - وحده. قال القرطبى وقوله - تعالى - { قل الروح من أمر ~~ربي } دليل على خلق الروح، أى هو أمر عظيم، وشأن كبير من أمر الله - ~~تعالى -، مبهما له وتاركا تفصيله، ليعرف الإنسان على القطع عجزه عن ~~علم حقيقة نفسه مع العلم بوجودها. وإذا كان الإنسان فى معرفة نفسه هكذا، ~~كان عجزه عن إدراك حقيقة الحق أولى. وحكمة ذلك تعجيز العقل عن إدراك ~~معرفة مخلوق مجاور له، دلالة على أنه عن إدراك خالقه أعجز. وقوله { ومآ ~~أوتيتم من العلم إلا قليلا } من جملة الجواب الذى أمر ~~الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرد به على السائلين عن ~~حقيقة الروح. أى وما أوتيتم - أيها السائلون عن الروح - من العلم إلا ~~علما قليلا، بالنسبة إلى علمه - تعالى - الذى وسع كل شئ، ولا يخفى عليه ~~شئ. وإن علمكم مهما كثر فإنه لا يمكنه أن يتعلق بحقيقة الروح وأحوالها، ~~لأن ذلك شئ استأثر الله - تعالى - به وحده، واقتضت حكمته - عز وجل - أن ~~يجعله فوق مستوى عقولكم. قال صاحب الظلال عند تفسيره لهذه الآية والمنهج ~~الذى سار عليه القرآن - وهو المنهج الأقوم - أن يجيب الناس عما هم فى ~~حاجة إليه، وما يستطيع إدراكهم البشرى بلوغه ومعرفته، فلا يبدد الطاقة ~~العقلية التى وهبها الله لهم فيما لا ينتج ولا يثمر، وفى غير مجالها الذى ~~تملك وسائله، وبعضهم عندما سأل النبى صلى الله عليه وسلم عن الروح، أمره ~~الله أن يجيبهم بأن الروح من أمره- سبحانه -... وليس فى هذا حجر على ~~العقل البشرى أن يعمل، ولكن فيه توجيها لهذا العقل أن يعمل فى حدوده، ms3266 ~~وفى مجاله الذى يدركه. # والروح غيب من غيب الله لا يدركه سواه.. ولقد أبدع الإنسان فى هذه ~~الأرض ما أبدع، ولكنه وقف حسيرا أمام ذلك السر اللطيف - الروح - لا يدرى ~~ما هو؟ ولا كيف جاء؟ ولا كيف يذهب؟ ولا أين كان ولا أين يكون، إلا ما ~~يخبر به العليم الخبير فى التنزيل ". وقال بعض العلماء وفى هذه الآية ما ~~يزجر الخائضين فى شأن الروح، المتكلفين لبيان ماهيته، وإيضاح حقيقته، ~~أبلغ زجر، ويردعهم أعظم ردع، وقد أطالوا المقال فى هذا البحث، بما لا ~~يتسع له المقام، وغالبه، بل كله من الفضول الذى لا يأتى بنفع فى دين أو ~~دنيا.. فقد استأثر الله - تعالى - بعلم الروح، ولم يطلع عليه أنبياءه، ~~ولم يأذن لهم بالسؤال عنه، ولا البحث عن حقيقته، فضلا عن أممهم المقتدين ~~بهم... ". ثم بين - سبحانه - مظهرا من مظاهر قدرته، بعد أن بين أن الروح ~~من أمره، فقال - تعالى - { ولئن شئنا لنذهبن بالذي ~~أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا }. ~~واللام فى قوله { ولئن شئنا... } موطئة لقسم محذوف، جوابه { لنذهبن }. أى ~~والله لئن شئنا لنذهبن بهذا القرآن الذى أوحيناه إليك - أيها الرسول ~~الكريم -، بحيث نزيله عن صدرك، ومن صدور أتباعك، ونمحوه من الصحف حتى لا ~~يبقى له أثر إذ أن قدرتنا لا يعجزها، ولا يحول دون تنفيذ ما نريده حائل.. ~~ثم لا تجد لك بعد ذلك من يكون وكيلا عنا فى رد القرآن إليك بعد ذهابه ~~ومحوه، ومن يتعهد بإعادته بعد رفعه وإزالته. قال الآلوسى " وعبر عن ~~القرآن بالموصول فى قوله { بالذي أوحينا إليك } ، تفخيما ~~لشأنه، ووصفا له بما فى حيز الصلة ابتداء، إعلاما بحاله من أول الأمر، ~~وبأنه ليس من قبيل كلام المخلوق... ". وقوله { إلا رحمة من ~~ربك } استثناء واستدراك على قوله { لنذهبن بالذي ~~أوحينا إليك.. }. أى والله إن شئنا إذهاب القرآن من صدرك ~~لأذهبناه، دون أن تجد أحدا يرده عليك، لكننا لم نشأ ذلك بل أبقيناه فى ~~صدرك رحمة من ربك. قال الجمل وفى هذا الاستثناء قولان ms3267 أحدهما أنه استثناء ~~متصل لأن الرحمة تندرج فى قوله { وكيلا }. أى إلا رحمة منا فإنها إن ~~نالتك فلعلها تسترده عليك والثانى أنه منقطع، فيتقدر بلكن أو ببل، و { من ~~ربك } يجوز أن يتعلق بمحذوف صفة لرحمة - أى لكن رحمة ربك تركته غير مذهوب ~~به. وقوله { إن فضله كان عليك كبيرا } بيان لما امتن ~~الله به على نبيه صلى الله عليه وسلم. أى إن فضله كان عليك كبيرا، حيث ~~أنزل القرآن عليك، وأبقاه فى صدرك دون أن يزيله منه، وجعلك سيد ولد آدم، ~~وخاتم رسله، وأعطاك المقام المحمود يوم القيامة. # قال صاحب الكشاف " وهذا امتنان عظيم من الله - تعالى - ببقاء القرآن ~~محفوظا، بعد المنة العظيمة فى تنزيله وتحفيظه. فعلى كل ذى علم أن لا ~~يغفل عن هاتين المنتين والقيام بشكرهما. وهما منة الله عليه بحفظه العلم، ~~ورسوخه فى صدره، ومنته عليه فى بقاء المحفوظ ". ثم أمر الله - تعالى - ~~نبيه أن يتحدى المشركين بهذا القرآن فقال - تعالى - { قل لئن ~~اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا ~~القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ~~ظهيرا }. أى قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين الذين قالوا - ~~كما حكى الله عنهم - # لو نشآء لقلنا مثل هذا # قل لهم على سبيل التحدى والتعجيز والله لئن اجتمعت الإنس والجن، ~~واتفقوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، الذى أنزله الله - تعالى - من ~~عنده على قلبى.. لا يستطيعون ذلك. ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ومعينا ~~ومناصرا، فى تحقيق ما يتمنونه من الإتيان بمثله. وخص - سبحانه - { ~~الإنس والجن } بالذكر، لأن المنكر كون القرآن من عند الله، من جنسهما لا ~~من جنس غيرهما كالملائكة - مثلا -، فإنهم عباد مكرمون لا يعصون الله ما ~~أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ولأن التحدى إنما هو للإنس والجن الذين أرسل ~~الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم، لهدايتهم إلى الصراط المستقيم. وقال - ~~سبحانه - { لا يأتون بمثله } فأظهر فى مقام الإضمار، ولم يكتف ~~بأن يقول لا يأتون به، لدفع توهم أن يتبادر إلى الذهن أن له مثلا ~~معينا، ms3268 وللإشعار بأن المقصود نفى المثل على أى صفة كانت هذه المثلية، ~~سواء أكانت فى بلاغته، أم فى حسن نظمه، أم فى إخباره عن المغيبات، أم فى ~~غير ذلك من وجوه إعجازه. وقوله { ولو كان بعضهم لبعض ~~ظهيرا } معطوف على مقدر، أى لا يستطيعون الإتيان بمثله لو لم يكن ~~بعضهم ظهيرا ونصيرا لبعض، ولو كان بعضهم ظهيرا ونصيرا لبعض لما استطاعوا ~~أيضا. والمقصود أنهم لا يستطيعون الإتيان بمثله على أية حال من الأحوال ~~وبأية صورة من الصور، لأنه متى انتفى إتيانهم بمثله مع المظاهرة ~~والمعاونة، انتفى من باب الأولى الإتيان بمثله مع عدمهما. وقوله { لبعض ~~} متعلق بقوله { ظهيرا }. ولقد بين - سبحانه - فى آيات أخرى أنهم لن ~~يستطيعوا الإتيان بعشر سور من مثله، بل بسورة واحدة من مثله. قال - ~~تعالى - # أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله ~~مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن ~~كنتم صادقين # وقال - سبحانه - # وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ~~فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهدآءكم من دون ~~الله إن كنتم صادقين # ومع عجز المشركين عن الإتيان بسورة من مثل القرآن الكريم إلا أنهم ~~استمروا فى طغيانهم يعمهون، وأبوا التذكر والتدبر، ولقد صور - سبحانه - ~~أحوالهم أكمل تصوير فقال { ولقد صرفنا للناس في هذا ~~القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا ~~}. أى ولقد صرفنا وكررنا ونوعنا للناس فى هذا القرآن من كل مثل، أى من كل ~~معنى بديع، هو كالمثل فى بلاغته، وإقناعه للنفوس، وشرحه للصدور، واشتماله ~~على الفوائد الجمة... ومفعول { صرفنا } محذوف، والتقدير ولقد صرفنا ~~الهدايات والعبر بوجوه متعددة.. وقوله - سبحانه - { فأبى أكثر ~~الناس إلا كفورا } بيان لموقف الفاسقين عن أمر ربهم من هدايات ~~القرآن الكريم وتوجيهاته، وأوامره ونواهيه. أى فأبى أكثر الناس الاستجابة ~~لهديه، وامتنعوا عن الإيمان بأنه من عند الله - تعالى - وجحدوا آياته ~~وإرشاداته، وعموا وصموا عن الحق الذى جاءهم به من نزل عليه القرآن، ~~وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال - سبحانه - { فأبى أكثر ~~الناس } بالإظهار فى مقام ms3269 الإضمار، للتأكيد والتوضيح. والمراد بأكثر ~~الناس أولئك الذين بلغهم القرآن الكريم، واستمعوا إلى آياته وتوجيهاته ~~وتشريعاته وآدابه، ولكنهم استحبوا الكفر على الإيمان، وآثروا الضلالة ~~على الهداية. وعبر - سبحانه - بالأكثر، إنصافا للقلة المؤمنة التى فتحت ~~صدورها للقرآن، فآمنت به، وعملت بما فيه من أوامر ونواه.. قال الجمل فإن ~~قيل كيف جاز قوله { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } حيث ~~وقع الاستثناء المفرغ فى الإثبات. مع أنه لا يصح، إذ لا يصح أن تقول ~~ضربت إلا زبدا. فالجواب أن لفظة { أبى } تفيد النفى، فكأنه قيل فلم يرضوا ~~إلا كفورا. وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت ما يدل على وحدانية الله - ~~تعالى - وقدرته، وعلمه، وفضله على نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى الناس، ~~وعلى أن هذا القرآن من عند الله، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا. ثم حكى - سبحانه - بعض المطالب المتعنتة التى طلبها ~~المشركون من النبى صلى الله عليه وسلم فقال - تعالى - { وقالوا لن ~~نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا... }. ### || [17.90-93] # ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات رواية طويلة ملخصها # " أن نفرا من زعماء قريش اجتمعوا عند الكعبة، وطلبوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فجاءهم، فقالوا له يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك، وإنا ~~والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك!! لقد ~~شتمت الآباء، وعبت الدين. وسفهت الأحلام، وشتمت الآلهة... فإن كنت جئت ~~بهذا الحديث تطلب مالا، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن ~~كنت تطلب شرفا فينا، سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا... ~~فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بى شئ مما تقولون، ولكن الله ~~بعثنى إليكم رسولا، وأنزل على كتابا، وأمرنى أن أكون بشيرا ونذيرا، ~~فبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم، فإن تقبلوا منى فهو حظكم من الدنيا ~~والآخرة، وإن تردوه على أصبر لأمر الله - تعالى - حتى يحكم بينى وبينكم. ~~فقالوا له يا محمد فإن كنت صادقا فيما تقول، ms3270 فسل لنا ربك الذى بعثك، ~~فليسير عنا هذا الجبل الذى قد ضيق علينا، وليبسط لنا بلادنا، ويفجر فيها ~~الأنهار، ويبعث من مضى من آبائنا، فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل.. ~~وسله أن يبعث معك ملكا يصدقك، واسأله أن يجعل لك جنانا وقصورا أو كنوزا ~~من ذهب وفضة. تعينك على معاشك. فقال صلى الله عليه وسلم ما بعثت بهذا. ~~فقالوا فأسقط السماء - كما زعمت - علينا كسفا... وقال أحدهم لا أومن بك ~~أبدا، حتى تتخذ لك سلما إلى السماء ترقى فيه، ونحن ننظر إليك.. فانصرف ~~صلى الله عليه وسلم عنهم حزينا، لما رأى من تباعدهم عن الهدى، فأنزل ~~الله عليه هذه الآيات تسلية له... ". # والمعنى وقال المشركون الذين لا يرون لقاءنا لرسولنا صلى الله عليه وسلم ~~يا محمد { لن نؤمن لك } ونتبعك فيما تدعونا إليه. { حتى ~~تفجر لنا من الأرض ينبوعا } أى حتى تخرج لنا من أرض مكة ~~القليلة المياه، { ينبوعا } أى عينا لا ينضب ماؤها ولا يغور. يقال نبع ~~الماء من العين ينبع - بتثليث الباء فيهما - إذا خرج وظهر وكثر. وقرأ بعض ~~السبعة { تفجر } بالتخفيف - من باب نصر - وقرأ البعض الآخر { تفجر } ~~بتشديد الجيم، من فجر بالتشديد، والتضعيف للتكثير. والتعريف فى لفظ { ~~الأرض } للعهد، لأن المراد بها أرض مكة. وعبر بكلمة { ينبوعا } للإشعار ~~بأنهم لا يريدون من الماء ما يكفيهم فحسب، وإنما هم يريدون ماء كثيرا لا ~~ينقص فى وقت من الأوقات، إذ الياء زائدة للمبالغة، وقوله - سبحانه - { ~~أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر ~~الأنهار خلالها تفجيرا } بيان لاقتراح آخر من مقترحاتهم ~~السخيفة. # والمعنى أو تكون لك بصفة خاصة يا محمد، { جنة } أى حديقة ملتفة الأغصان، ~~مشتملة على الكثير من أشجار النخيل والأعناب تجرى الأنهار فى وسطها جريا ~~عظيما هائلا.. وخصوا النخيل والأعناب بالذكر - كما حكى القرآن عنهم -، ~~لأن هذين الصنفين يعتبران من أهم الثمار عندهم، ولأنهما على رأس الزروع ~~المنتشرة فى أراضيهم، والتى لها الكثير من الفوائد. وقوله { خلالها } ~~منصوب على الظرفية، لأنه بمعنى وسطها وبمعنى ثناياها. ms3271 والتنوين فى قوله { ~~تفجيرا } للتكثير، أى تفجيرا كثيرا زاخرا، بحيث تكون تلك الجنة الخاصة ~~بك، غنية بالمياه التى تنفعها وترويها. وقوله - عز وجل - { أو تسقط ~~السمآء كما زعمت علينا كسفا... } اقتراح ثالث من ~~مقترحاتهم الفاسدة. ولفظ { كسفا } أى قطعا جمع كسفة - بكسر الكاف وسكون ~~الشين، يقال كسفت الثوب أى قطعته وهو حال من السماء، والكاف فى قوله { ~~كما } صفة لموصوف محذوف. والمعنى أو تسقط أنت علينا السماء إسقاطا ~~مماثلا لما هددتنا به، من أن فى قدرة ربك - عز وجل - أن ينزل علينا ~~عذابا متقطعا من السماء. ولعلهم يعنون بذلك قوله - تعالى - # أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم ~~من السمآء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو ~~نسقط عليهم كسفا من السمآء... # وقيل يعنون بذلك، أنك وعدتنا أن يوم القيامة تنشق فيه السماء، فعجل لنا ~~ذلك فى الدنيا، وأسقطها علينا، كما حكى عنهم القرآن ذلك فى قوله - تعالى ~~- # وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا ~~بعذاب أليم... # فهم يتعجلون العذاب، والرسول صلى الله عليه وسلم، يرجو لهم من الله - ~~تعالى - الرحمة والهداية وتأخير العذاب عنهم، لعله - سبحانه - أن يخرج من ~~أصلابهم من يخلص له العبادة والطاعة. وقوله - تعالى - { أو تأتي ~~بالله والملائكة قبيلا } تسجيل لمطلب رابع من مطالبهم ~~القبيحة. قال الآلوسى { قبيلا } أى مقابلا، كالعشير والمعاشر، وأرادوا - ~~كما جاء عن ابن عباس - عيانا. وهذا كقولهم # لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا # وفى رواية أخرى عنه وعن الضحاك تفسير القبيل بالكفيل، أى كفيلا بما ~~تدعيه. يعنون شاهدا يشهد لك بصحة ما قلته. وهو على الوجهين حال من لفظ ~~الجلالة.. وعن مجاهد القبيل الجماعة كالقبيلة، فيكون حالا من الملائكة - ~~أى أو تأتى بالله وبالملائكة قبيلة قبيلة. ثم حكى - سبحانه - بقية ~~مطالبهم التى لا يقرها عقل سليم فقال { أو يكون لك بيت من ~~زخرف }. أى من ذهب، والزخرف، يطلق فى الأصل على الزينة، وأطلق هنا ~~على الذهب لأن الذهب أثمن ما ms3272 يتزين به فى العادة. # { أو ترقى في السمآء } أى تصعد إليها. يقال رقى فلان فى ~~السلم يرقى رقيا ورقيا أى صعد، { ولن نؤمن لرقيك } وصعودك ~~إليها مع مشاهدتنا لذلك { حتى تنزل علينا } منها { كتابا ~~نقرؤه } ونفهم ما فيه، أى يكون هذا الكتاب بلغتنا التى نفهمها وبأسلوب ~~مخاطباتنا، وفيه ما يدل دلالة قاطعة على أنك رسول من عند الله - تعالى -، ~~وما يدعونا إلى الإيمان بك. ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات، بأن أمر نبيه ~~محمدا صلى الله عليه وسلم بأن يرد عليهم بما يخرس ألسنتهم، فقال { قل ~~سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا }. أى قل - أيها ~~الرسول الكريم - على سبيل التعجب من سوء تفكير هؤلاء الجاحدين يا سبحان ~~الله هل أنا إلا بشر كسائر البشر، ورسول كسائر الرسل، وليس من شأن من كان ~~كذلك أن يأتى بتلك المطالب المتعنتة التى طلبتموها، وإنما من شأنه أن ~~يبلغ ما أمره الله بتبليغه من هدايات. تخرج الناس من ظلمات الكفر والجهل. ~~إلى نور الإيمان والعلم. فالاستفهام فى قوله { هل كنت... } للنفى، أى ما ~~كنت إلا رسولا كسائر الرسل، وبشرا مثلهم. وقوله { سبحان ربى } يفيد ~~التعجيب من فرط حماقتهم، ومن بالغ جهلهم، حيث طلبوا تلك المطالب، التى ~~تضمنت ما يعتبر من أعظم المستحيلات، كطلبهم إتيان الله - عز وجل - ~~والملائكة إليهم، ورؤيتهم لذاته - سبحانه -، على سبيل المعاينة ~~والمقابلة. وهذا التعنت والعناد الذى حكاه الله - تعالى - عن هؤلاء ~~الجاحدين، قد جاء ما يشبهه فى آيات أخرى. كما جاء ما يدل على أنهم حتى لو ~~أعطاهم الله - تعالى - مطالبهم. لما آمنوا، ومن ذلك قوله - تعالى - # ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة وكلمهم ~~الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشآء الله ولكن أكثرهم ~~يجهلون # وقوله - سبحانه - # إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون * ~~ولو جآءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم # وقوله - عز وجل - # ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه ~~يعرجون * لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن ~~قوم مسحورون # ثم حكى - سبحانه ms3273 - بعد ذلك شبهة من شبهاتهم الفاسدة والمتعددة، وهى ~~زعمهم أن الرسول لا يكون من البشر بل يكون ملكا. وقد أمر الله - تعالى - ~~رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يرد عليهم بما يبطل مدعاهم فقال { وما ~~منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى إلا أن ~~قالوا أبعث الله بشرا رسولا... }. ### || [17.94-96] # قال الفخر الرازى اعلم أنه - تعالى - لما حكى شبهة القوم فى اقتراح ~~المعجزات الزائدة، وأجاب عنها، حكى عنهم شبهة أخرى، وهى أن القوم ~~استبعدوا أن يبعث الله إلى الخلق رسولا من البشر، بل اعتقدوا أن الله - ~~تعالى - لو أرسل رسولا إلى الخلق، لوجب أن يكون ذلك الرسول من الملائكة، ~~فأجاب الله - تعالى - عن هذه الشبهة فقال { وما منع الناس أن ~~يؤمنوا إذ جآءهم الهدى إلا أن قالوا... }. ~~والمراد بالناس هنا المشركون منهم، الذين استبعدوا واعتقدوا أن الرسول لا ~~يكون من البشر، ويدخل فيهم دخولا أوليا كفار مكة. وجملة { أن يؤمنوا } ~~فى محل نصب، لأنها مفعول ثان لمنع. وقوله { إلا أن قالوا } هو ~~الفاعل، و " إذ " ظرف للفعل منع، أو لقوله { أن يؤمنوا }. والمعنى وما ~~صرف المشركين عن الإيمان بالدين الحق وقت أن جاءتهم به الرسل، إلا ~~اعتقاد هؤلاء المشركين أن الله - تعالى - لا يبعث إليهم رجلا من البشر ~~لكى يبلغهم وحيه، وإنما يبعث إليهم ملكا من الملائكة لكى يبلغهم ذلك. ~~وعبر عن اعتقادهم الباطل هذا بالقول فقال { إلا أن قالوا.. } ~~للإشعار بأنه مجرد قول لاكته ألسنتهم، دون أن يكون معهم أى مستند ~~يستندون إليه لإثبات قبوله عند العقلاء. وجاء التعبير عن اعتقادهم ~~الباطل هذا بصيغة الحصر، لبيان أنه مع بطلانه - هو من أهم الموانع ~~والصوارف، التى منعتهم وصرفتهم عن الدخول فى الدين الحق، الذى جاءتهم به ~~الرسل - عليهم الصلاة والسلام -، وهذا لا يمنع أن هناك صوارف أخرى حالت ~~بينهم وبين الإيمان كالحسد والعناد. قال صاحب الكشاف " والمعنى. وما ~~منعهم من الإيمان بالقرآن، وبنبوة النبى صلى الله عليه وسلم إلا شبهة ~~تلجلجت فى صدورهم، وهى إنكارهم أن يرسل الله البشر. والهمزة ms3274 فى { أبعث ~~الله } للإنكار، وما أنكروه فخلافه هو المنكر عند الله - تعالى - لأن ~~قضية حكمته، أن لا يرسل ملك الوحى إلا إلى أمثاله، أو إلى الأنبياء ". ~~والمتدبر فى القرآن الكريم، يرى أن هذه الشبهة - وهى إنكار المشركين كون ~~الرسول بشرا - قد حكاها فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى - # أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم ~~أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم ~~قدم صدق عند ربهم... # وقوله - تعالى - # ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات ~~فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا ~~واستغنى الله والله غني حميد # ومما لا شك فيه أن هذه الشبهة تدل، على أن هؤلاء الكافرين، لم يدركوا ~~قيمة بشريتهم وكرامتها عند الله - تعالى -، وذلك بسبب انطماس بصائرهم، ~~وكثرة جهلهم، وعكوفهم على موروثاتهم الفاسدة. # ولذا أمر الله - تعالى - بأن يرد عليهم بما يزهق هذه الشبهة فقال - ~~سبحانه - { قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون ~~مطمئنين لنزلنا عليهم من السمآء ملكا ~~رسولا }. والمعنى قل - يا محمد - لهؤلاء الجاهلين لو ثبت ووجد ملائكة ~~فى الأرض، يمشون على أقدامهم كما يمشى الإنس، ويعيشون فوقها { مطمئنين } ~~أى مستقرين فيها مقيمين بها. لو ثبت ذلك، لاقتضت حكمتنا أن نرسل إليهم من ~~السماء ملكا رسولا، يكون من جنسهم، ويتكلم بلسانهم، وبذلك يتمكنون من ~~مخاطبته، ومن الأخذ عنه، ومن التفاهم معه لأن الجنس إلى الجنس أميل، ~~والرسول يجب أن يكون من جنس المرسل إليهم، فلو كان المرسل إليهم ملائكة، ~~لكان الرسول إليهم ملكا مثلهم، ولو كان المرسل إليهم من البشر، لكان ~~الرسول إليهم بشرا مثلهم. فكيف تطلبون أيها الجاهلون - أن يكون الرسول ~~إليكم ملكا، وتستبعدون أن يكون بشرا مع أنكم من البشر؟!! قال الآلوسى " ~~قوله { لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا } أى ~~يعلمهم ما لا تستقل عقولهم بعلمه، وليسهل عليهم الاجتماع به، والتلقى ~~منه، وأما عامة البشر فلا يسهل عليهم ذلك، لبعد ما بين الملك وبينهم... ~~". وهذا المعنى الذى وضحته الآية الكريمة - وهو أن الرسول يجب أن يكون من ~~جنس المرسل إليهم - قد جاء ما ms3275 يشبهه ويؤكده فى آيات كثيرة منها قوله - ~~تعالى - # وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا ~~لقضي الأمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا ~~لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون # وقوله - سبحانه - # ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ~~فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # وقوله - عز وجل # ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين ~~لهم... # ثم أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم للمرة الثانية، أن يحسم ~~الجدال معهم، بتفويض أمره وأمرهم إلى الله - عز وجل -، فهو خير الحاكمين ~~فقال { قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه ~~كان بعباده خبيرا بصيرا }. أى قل لهم فى هذه المرة من جهتك، ~~بعد أن قلت لهم فى المرة السابقة من جهتنا قل لهم - أيها الرسول الكريم - ~~يكفينى ويرضينى ويسعدنى، أن يكون الله - تعالى - هو الشهيد والحاكم بينى ~~وبينكم يوم نلقاه جميعا فهو - سبحانه - يعلم أنى قد بلغتكم ما أرسلت به ~~إليكم، إنه - تعالى - كان وما زال خبيرا بصيرا. أى محيطا إحاطة تامة ~~بظواهرهم وبواطنهم، لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء. وفى هذه ~~الآية الكريمة تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم من أذى، ~~وتهديد لهم بسوء المصير، حيث آذوا نبيهم الذى جاء لهدايتهم وسعادتهم. # وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد حكت بعض الشبهات الفاسدة التى تذرع بها ~~الكافرون فى البقاء على كفرهم، كما حكت ما اقتضته حكمته - سبحانه - فى ~~إرسال الرسل، وهددت المصرين على كفرهم بسوء العاقبة. ثم ساق - سبحانه - ~~شبهة أخرى من شبهات المشركين التى حكاها عنهم كثيرا، ورد عليها بما ~~يبطلها، وبين أحوالهم السيئة يوم القيامة، بعد أن بين أن الهداية ~~والإضلال من شأنه وحده فقال - تعالى - { ومن يهد الله فهو ~~المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أوليآء من دونه ~~ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا ~~وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم ~~سعيرا }. ### || [17.97-100] # وقوله - سبحانه - { ومن يهد الله فهو المهتد ومن ~~يضلل فلن تجد لهم أوليآء من دونه } كلام مستأنف ms3276 منه ~~- تعالى - لبيان نفاذ قدرته ومشيئته. أى ومن يهده الله - تعالى - إلى ~~طريق الحق، فهو الفائز بالسعادة، المهدى إلى كل مطلوب حسن، { ومن يضلل } ~~أى ومن يرد الله - تعالى - إضلاله { فلن تجد لهم } أيها الرسول ~~الكريم { أولياء } أى نصراء ينصرونهم ويهدونهم إلى طريق الحق { من دونه } ~~عز وجل، إذ أن الله - تعالى - وحده هو الخالق للهداية والضلالة، على حسب ~~ما تقتضيه حكمته ومشيئته. وجاء قوله - تعالى - { فهو المهتد } بصيغة ~~الإفراد حملا على لفظ { من } فى قوله { ومن يهد الله } وجاء ~~قوله { فلن تجد لهم } بصيغة الجمع حملا على معناها فى قوله { ومن ~~يضلل }. قالوا ووجه المناسبة فى ذلك - والله أعلم - أنه لما كان الهدى ~~شيئا واحدا غير متشعب السبل، ناسبه الإفراد، ولما كان الضلال له طرق ~~متشعبة، كما فى قوله - تعالى - # ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله # ناسبه الجمع. ثم بين - سبحانه - الصورة الشنيعة التى يحشر عليها الضالون ~~يوم القيامة فقال { ونحشرهم يوم القيامة على ~~وجوههم عميا وبكما وصما.. }. والحشر الجمع. يقال حشرت ~~الجند حشرا. أى جمعتهم. وقوله { على وجوههم } حال من الضمير المنصوب فى ~~نحشرهم. وقوله { عميا وبكما وصما } أحوال من الضمير المستكن ~~فى قوله { على وجوههم }. أى نجمع هؤلاء الضالين يوم القيامة، حين يقومون ~~من قبورهم، ونجعلهم - بقدرتنا - يمشون على وجوههم، أو يسحبون عليها، ~~إهانة لهم وتعذيبا، ويكونون فى هذه الحالة عميا لا يبصرون، وبكما لا ~~ينطقون، وصما لا يسمعون. قال الآلوسى ما ملخصه قوله - تعالى - { ~~نحشرهم يوم القيامة على وجوههم } إما مشيا، بأن ~~يزحفوا منكبين عليها. ويشهد له ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن أنس قال # " قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يحشر الناس على وجوههم؟ فقال " ~~الذى أمشاهم على أرجلهم، قادر على أن يمشيهم على وجوههم ". # وإما سحبا بأن تجرهم الملائكة منكبين عليها، كقوله - تعالى - # يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس ~~سقر # ويشهد له ما أخرجه أحمد والنسائى والحاكم - وصححه - # " عن أبى ذر، أنه تلا هذه الآية. { ونحشرهم يوم القيامة ~~على وجوههم ms3277 } فقال حدثنى الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أن ~~الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج فوج طاعمين كاسين راكبين، وفوج ~~يمشون ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم ". # وجائز أن يكون الأمران فى حالين الأول عند جمعهم وقبل دخولهم النار، ~~والثانى عند دخولهم فيها. # .. ثم قال وزعم بعضهم أن الكلام على المجاز، وذلك كما يقال للمنصرف عن ~~أمر وهو خائب مهموم انصرف على وجهه.. وإياك أن تلتفت إلى - هذا الزعم - ~~أو إلى تأويل نطقت السنة النبوية بخلافه، ولا تعبأ بقوم يفعلون ذلك ". ~~فإن قيل كيف نوفق بين هذه الآية التى تثبت لهؤلاء الضالين يوم حشرهم ~~العمى والبكم والصمم، وبين آيات أخرى تثبت لهم فى هذا اليوم الرؤية ~~والكلام والسمع، كما فى قوله - تعالى - # ورأى المجرمون النار.. # وكما فى قوله - سبحانه - # دعوا هنالك ثبورا # وكما فى قوله - عز وجل - # سمعوا لها تغيظا وزفيرا # فالجواب أن المراد فى الآية هنا أنهم يحشرون عميا لا يرون ما يسرهم، ~~وبكما لا ينطقون بحجة تنفعهم، وصما لا يسمعون ما يرضيهم.. أو أنهم ~~يحشرون كذلك، ثم تعاد لهم حواسهم بعد ذلك عند الحساب وعند دخولهم النار. ~~أو أنهم عندما يحشرون يوم القيامة، ويرون ما يرون من أهوال، تكون أحوالهم ~~كأحوال العمى الصم البكم، لعظم حيرتهم، وشدة خوفهم، وفرط ذهولهم. ثم بين ~~- سبحانه - مآلهم بعد الحشر والحساب فقال { مأواهم جهنم ~~كلما خبت زدناهم سعيرا }. ومعنى { خبت } هدأت وسكن ~~لهيبها. يقال خبت النار تخبو إذا هدأ لهيبها. أى أن هؤلاء المجرمين ~~مأواهم ومسكنهم ومقرهم جهنم، كلما سكن لهيب جهنم وهدأ، بأن أكلت جلودهم ~~ولحومهم، زدناهم توقدا، بأن تبدل جلودهم ولحومهم بجلود ولحوم أخرى، فتعود ~~النار كحالتها الأولى ملتهبة مستعرة. وخبو النار وسكونها لا ينقص شيئا ~~من عذابهم، وعلى ذلك فلا تعارض بين هذه الآية وبين قوله - عز وجل - # خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ~~ينظرون # وفى هذه الآية ما فيها من عذاب للكافرين تقشعر من هوله الأبدان، وترتجف ~~من تصويره النفوس والقلوب، نسأل الله - تعالى - بفضله ms3278 ورحمته أن يجنبنا ~~هذا المصير المؤلم. وقوله - عز وجل - { ذلك جزآؤهم بأنهم ~~كفروا بآياتنا وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا ~~أإنا لمبعوثون خلقا جديدا } بيان للأسباب التى أفضت بهم ~~إلى تلك العاقبة السيئة. أى ذلك الذى نزل بهم من العذاب الشديد، المتمثل ~~فى حشرهم على وجوههم وفى اشتعال النار بهم، سببه أنهم كفروا بآياتنا ~~الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا وقالوا بإنكار وجهالة أئذا كنا عظاما ~~نخرة، ورفاتا أى وصارت أجسادنا تشبه التراب فى تفتتها وتكسرها، أئنا بعد ~~ذلك لمعادون إلى الحياة ومبعوثون على هيئة خلق جديد. فالآية الكريمة تحكى ~~تصميمهم على الكفر، وإنكارهم للبعث والحساب إنكارا لا مزيد عليه، لذا ~~كانت عقوبتهم شنيعة، وعذابهم أليما. فقد سلط الله - تعالى - عليهم النار ~~تأكل أجزاءهم، وكلما سكن لهيبها، أعادها الله - تعالى - ملتهبة مشتعلة ~~على جلود أخرى لهم، كما قال - تعالى - # إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا ~~كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب... # ثم رد - سبحانه - على ما استنكروه من شأن البعث ردا يقنع كل ذى عقل ~~سليم، فقال - تعالى - { أولم يروا أن الله الذي خلق ~~السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم... }. ~~والهمزة للاستفهام التوبيخى، وهى داخلة على محذوف، والمراد بمثلهم إياهم، ~~فيكون المعنى أعموا عن الحق، ولم يعلموا كما يعلم العقلاء، أن الله - ~~تعالى - الذى خلق السماوات والأرض بقدرته، وهما أعظم من خلق الناس، قادر ~~على إعادتهم إلى الحياة مرة أخرى بعد موتهم، لكى يحاسبهم على أعمالهم فى ~~الدنيا. إن عدم علمهم بذلك، وإنكارهم له، لمن أكبر الأدلة على جهلهم ~~وانطماس بصيرتهم، لأن من قدر على خلق ما هو أعظم وأكبر - وهو السماوات ~~والأرض فهو على إعادة ما هو دونه - وهو الناس - أقدر. قال الشيخ الجمل ما ~~ملخصه قوله { أولم يروا.. } هذا رد لإنكارهم البعث، ولما ~~استبعدوه من شأنه، يعنى أن من خلق السماوات والأرض، كيف يستبعد منه أن ~~يقدر على إعادتهم بأعيانهم.. وأراد - سبحانه -.. بمثلهم إياهم، فعبر عن ~~خلقهم بلفظ المثل كقول المتكلمين إن الإعادة مثل الابتداء، وذلك أن ms3279 مثل ~~الشئ مساو له فى حاله، فجاز أن يعبر به عن الشئ نفسه يقال مثلك لا يفعل ~~كذا، أى أنت لا تفعله. ويجوز أن يكون المعنى أنه - سبحانه - قادر على أن ~~يخلق عبيدا غيرهم يوحدونه ويقرون بكمال حكمته، ويتركون هذه الشبهات ~~الفاسدة، كما فى قوله - تعالى - # وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثالكم # والأول أشبه بما قبله. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات ~~والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي ~~الموتى بلى إنه على كل شيء قدير # وقوله - سبحانه - # أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على ~~أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم... # وبعد أن أقام - سبحانه - الدليل الواضح على أن البعث حق، وعلى أن إعادة ~~الناس إلى الحياة بعد موتهم أمر ممكن، أتبع ذلك ببيان أن لهذه الإعادة ~~وقتا معلوما يجريه حسب حكمته - تعالى - فقال { وجعل لهم أجلا ~~لا ريب فيه }. أى وجعل لهم ميقاتا محددا لا شك فى حصوله، وعند ~~حلول هذا الميقات يخرجون من قبورهم للحساب والجزاء، كما قال - تعالى - # وما نؤخره إلا لأجل معدود يوم يأت لا ~~تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد # والجملة الكريمة وهى قوله { وجعل لهم... } معطوفة على قوله { أولم ~~يروا. # . } لأنه فى قوة قولك قد رأوا وعلموا. قال صاحب الكشاف فإن قلت علام عطف ~~قوله { وجعل لهم أجلا }؟ قلت على قوله { أولم يروا } ~~لأن المعنى قد علموا بدليل العقل، أن من قدر على خلق السماوات والأرض، ~~فهو قادر على خلق أمثالهم من الإنس لأنهم ليسوا بأشد خلقا منهن، كما ~~قال # أأنتم أشد خلقا أم السمآء # وقوله - سبحانه - { فأبى الظالمون إلا كفورا } بيان ~~لإصرارهم على جحود الحق مع علمهم بأنه حق. أى فأبى هؤلاء الظالمون ~~المنكرون للبعث، إلا جحودا له وعنادا لمن دعاهم إلى الإيمان به، شأن ~~الجاهلين المغرورين الذين استحبوا العمى على الهدى. ثم ختم - سبحانه - ~~الآيات الكريمة بأمر النبى صلى الله عليه وسلم بأن يجابه هؤلاء الظالمين ~~بما جبلوا عليه من ms3280 بخل وشح، بعد أن طلبوا منه ما طلبوا من مقترحات ~~متعنتة، فقال - تعالى - { قل لو أنتم تملكون خزآئن ~~رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان ~~الإنسان قتورا }. والمراد بخزائن رحمة ربى أرزاقه التى وزعها على ~~عباده، ونعمه التى أنعم بها عليهم. و { قتورا } من التقتير بمعنى البخل. ~~يقال قتر فلان يقتر - بضم التاء وكسرها - إذا بالغ فى الإمساك والشح. أى ~~قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الظالمين الذين أعرضوا عن دعوتك، ~~وطالبوك بما ليس فى وسعك من تفجير الأرض بالأنهار، ومن غير ذلك من ~~مقترحاتهم الفاسدة، قل لهم على سبيل التقريع والتبكيت لو أنكم تملكون - ~~أيها الناس - التصرف فى خزائن الأرزاق التى وزعها الله على خلقه، إذا ~~لبخلتم وأمسكتم فى توزيعها عليهم، مخافة أن يصيبكم الفقر لو أنكم توسعتم ~~فى العطاء، مع أن خزائن الله لا تنفد أبدا، ولكن لأن البخل من طبيعتكم ~~فعلتم ذلك. قال بعضهم قوله { لو أنتم تملكون } فيه وجهان ~~أحدهما أن المسألة من باب الاشتغال. فأنتم مرفوع بفعل مقدر يفسره هذا ~~الظاهر، لأن لو لا يليها إلا الفعل ظاهرا أو مضمرا. فهى كإن فى قوله - ~~تعالى - # وإن أحد من المشركين استجارك فأجره # والأصل لو تملكون، فحذف الفعل لدلالة ما بعده عليه - والثانى أنه مرفوع ~~بكان، وقد كثر حذفها بعد لو، والتقدير لو كنتم تملكون.... والمقصود ~~بالإمساك هنا إمساكهم عن العطاء فى الدنيا، وهذا لا ينافى قوله - تعالى ~~- # ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ~~ومثله معه لافتدوا به... # لأن ذلك حكاية عن أحوالهم فى الآخرة عندما يرون العذاب، ويتمنون أن ~~يفتدوا أنفسهم منه بأى شئ. وقوله { إذا } ظرف لتملكون. وقوله { لأمسكتم ~~} جواب لو، وقوله { خشية الإنفاق } علة للإمساك والبخل. وقوله { ~~وكان الإنسان قتورا } أى مبالغا فى البخل والإمساك. قال ~~الإمام ابن كثير والله - تعالى - يصف الإنسان من حيث هو، إلا من وفقه ~~الله وهداه، فإن البخل والجزع والهلع صفة له، كما قال - تعالى - # إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا ~~وإذا مسه الخير منوعا إلا ms3281 المصلين # ولهذا نظائر كثيرة فى القرآن الكريم، وهذا يدل على كرمه - تعالى - ~~وإحسانه. وقد جاء فى الصحيحين يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل ~~والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يغض ما فى ~~يمينه. وقال الآلوسى " وقد بلغت هذه الآية من الوصف بالشح الغاية القصوى ~~التى لا يبلغها الوهم، حيث أفادت أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله - تعالى ~~- التى لا تتناهى، وانفردوا بملكها من غير مزاحم، لأمسكوا عن النفقة من ~~غير مقتض إلا خشية الفقر، وإن شئت فوازن بقول الشاعر # ولو ان دارك أنبتت لك أرضها إبرا يضيق بها فناء المنزل وأتاك يوسف ~~يستعيرك إبرة ليخيط قد قميصه لم تفعل # مع أن فيه من المبالغات ما يزيد على العشرة، ترى التفاوت الذى لا ~~يحصر... ". ثم بين - سبحانه - ما يدل على أن العبرة فى الإيمان، ليست ~~بعظم الخوارق ووضوحها، وإنما العبرة بتفتح القلوب للحق، واستعدادها ~~لقبوله، وساق - سبحانه - مثلا لذلك من قصة موسى - عليه السلام - فقد ~~أعطاه من المعجزات البينة ما يشهد بصدقه، ولكن فرعون وجنده لم تزدهم تلك ~~المعجزات إلا كفرا وعنادا، فقال - تعالى - { ولقد آتينا موسى ~~تسع آيات بينات فسئل بني إسرائيل إذ جآءهم ~~فقال له فرعون إني لأظنك يموسى مسحورا }. ### || [17.101-104] # والمراد بالآيات التسع فى قوله - تعالى - { ولقد آتينا موسى ~~تسع آيات بينات... } العصا، واليد، والسنون، والبحر، والطوفان، ~~والجراد، والقمل، والضفادع والدم. قال ذلك ابن عباس ومجاهد وقتادة ~~وغيرهم. وقد جاء الحديث عن هذه الآيات فى مواضع أخرى من القرآن الكريم، ~~منها قوله - تعالى - # فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده ~~فإذا هي بيضآء للناظرين # وقوله - تعالى - # ولقد أخذنآ آل فرعون بالسنين ونقص من ~~الثمرات... # وقوله - سبحانه - # فأوحينآ إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ~~فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم # وقوله - عز وجل - # فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل ~~والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا ~~وكانوا قوما مجرمين # والمعنى لا تظن - أيها الرسول الكريم - أن إيمان هؤلاء المشركين من ~~قومك، متوقف على إجابة ما ms3282 طلبوه منك. وما اقترحوه عليك من أن تفجر لهم من ~~الأرض ينبوعا، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب.. الخ. لا تظن ذلك فإن ~~الخوارق مهما عظمت لا تنشئ الإيمان فى القلوب الجاحدة الحاقدة، بدليل ~~أننا قد أعطينا أخاك موسى تسع معجزات، واضحات الدلالة على صدقه فى نبوته، ~~ولكن هذه المعجزات لم تزد المعاندين من قومه إلا كفرا على كفرهم ورجسا ~~على رجسهم. فاصبر - أيها الرسول - على تعنت قومك وأذاهم، كما صبر أولو ~~العزم من الرسل قبلك. وتحديد الآيات بالتسع، لا ينفى أن هناك معجزات أخرى ~~أعطاها الله - تعالى - لموسى - عليه السلام - إذ من المعروف عند علماء ~~الأصول، أن تحديد العدد بالذكر، لا يدل على نفى الزائد عنه. قال الإمام ~~ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية وهذا القول - المروى عن ابن عباس وغيره - ~~ظاهر جلى حسن قوى.. فهذه الآيات التسع، التى ذكرها هؤلاء الأئمة، هى ~~المرادة هنا... وقد أوتى موسى - عليه السلام - آيات أخرى كثيرة منها ضربه ~~الحجر بالعصا، وخروج الماء منه.. وغير ذلك مما أوتوه بنوا إسرائيل بعد ~~خروجهم من مصر، ولكن ذكر هنا هذه الآيات التسع التى شاهدها فرعون وقومه ~~من أهل مصر وكانت حجة عليهم فخالفوها وعاندوها كفرا وجحودا. ثم قال وقال ~~الإمام أحمد حدثنا يزيد، حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة، قال سمعت عبد الله ~~بن سلمة يحدث عن صفوان بن عسال المرادى قال # " قال يهودى لصاحبه اذهب بنا إلى هذا النبى حتى نسأله عن هذه الآية { ~~ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات... } فسألاه فقال ~~النبى صلى الله عليه وسلم " لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا ولا ~~تزنوا، ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق، ولا تسخروا، ولا ~~تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببرئ إلى ذى سلطان ليقتله، ولا تقذفوا محصنة، ~~ولا تفروا من الزحف ".. فقبلا يديه ورجليه ". # ثم قال " أما هذا الحديث فهو حديث مشكل. وعبد الله بن سلمة فى حفظه شئ، ~~وتكلموا فيه، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات، بالعشر الكلمات، فإنها ~~وصايا فى التوراة، ms3283 لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون... ". والحق أن ما ~~رجحه الإمام ابن كثير من أن المراد بالآيات التسع هنا ما آتاه الله - ~~تعالى - لنبيه موسى - عليه السلام - من العصا، واليد... هو االذى تسكن ~~إليه النفس، لأن قوله - تعالى - بعد ذلك { قال لقد علمت مآ ~~أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصآئر... ~~} يؤيد أن المراد بها ما تقدم من العصا، واليد، والسنين.. ولأنها هى التى ~~فيها الحجج، والبراهين والمعجزات الدالة على صدق موسى - عليه السلام -. ~~أما تلك الوصايا التى وردت فى الحديث فلا علاقة لها بقيام الحجة على ~~فرعون - كما قال الإمام ابن كثير. هذا، والخطاب فى قوله - تعالى - { ~~فسئل بني إسرائيل إذ جآءهم } يرى بعضهم أنه للنبى صلى ~~الله عليه وسلم والمسئولون هم المؤمنون من بنى إسرائيل كعبد الله بن سلام ~~وأصحابه. وعلى هذا التفسير يكون قوله { إذ جاءهم } ظرف لقوله { آتينا } ~~وجملة { فسئل بني إسرائيل } معترضة بين العامل والمعمول. ~~والمعنى ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات، وقت أن أرسله الله - تعالى - ~~إلى فرعون وقومه، فاسأل - أيها الرسول الكريم - المؤمنين من بنى إسرائيل ~~عن ذلك، ستجد منهم الجواب عما جرى بين موسى وأعدائه عن طريق ما طالعوه فى ~~التوراة. والمقصود بسؤالهم الاستشهاد بهم حتى يزداد المؤمنون إيمانا على ~~إيمانهم، لأن من شأن الأدلة إذا تضافرت وتعددت، أن تكون أقوى وأثبت فى ~~تأييد المدعى. قال الآلوسى " والمعنى فاسأل يا محمد مؤمنى أهل الكتاب عن ~~ذلك، إما لأن تظاهر الأدلة أقوى - فى التثبيت -، وإما من باب التهييج ~~والإلهاب، وإما للدلالة على أنه أمر محقق عندهم ثابت فى كتابهم. وليس ~~المقصود حقيقة السؤال. بل كونهم - أعنى المسئولين - من أهل علمه، ولهذا ~~يؤمر مثلك بسؤالهم ". ويرى آخرون أن الخطاب لموسى - عليه السلام -، وعليه ~~يكون السؤال إما بمعناه المشهور أو بمعنى الطلب، ويكون قوله { إذ جاءهم } ~~ظرفا لفعل مقدر. والمعنى ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات، فقلنا له حين ~~مجيئه إلى بنى إسرائيل اسألهم عن أحوالهم مع فرعون، أو اطلب منهم أن ~~يؤمنوا بك ms3284 ويصدقوك، ويخرجوا معك حين تطلب من فرعون ذلك. والفاء فى قوله { ~~فقال له فرعون إني لأظنك يموسى مسحورا } هى ~~الفصيحة. # إذ المعنى فامتثل موسى أمرنا، وسأل بنى إسرائيل عن أحوالهم، وطلب من ~~فرعون أن يرسلهم معه، بعد أن أظهر له من المعجزات ما يدل على صدقه، فقال ~~فرعون لموسى على سبيل التعالى والتهوين من شأنه - عليه السلام - يا موسى ~~إنى لأظنك مسحورا. أى سحرت فخولط عقلك واختل، وصرت تتصرف تصرفا يتنافى ~~مع العقل السليم، وتدعى دعاوى لا تدل على تفكير قويم. فقوله { مسحورا } ~~اسم مفعول. يقال سحر فلان فلانا يسحره سحرا فهو مسحور، إذا اختلط عقله. ~~ويجوز أن يكون قوله { مسحورا } بمعنى ساحر، فيكون المعنى إنى لأظنك يا ~~موسى ساحرا، عليما بفنون السحر فقد أتيت بأشياء عجيبة يشير بذلك إلى ~~انقلاب العصا حية بعد أن ألقاها - عليه السلام -. وهذا شأن الطغاة فى كل ~~زمان ومكان، عندما يرون الحق قد أخذ يحاصرهم، ويكشف عن ضلالهم وكذبهم... ~~يرمون أهله - زورا وبهتانا - بكل نقيصة. وعندما يحكى القرآن الكريم ما ~~رد به موسى على فرعون فيقول { قال لقد علمت مآ أنزل ~~هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصآئر }. أى قال ~~موسى لفرعون ردا على كذبه وافترائه لقد علمت يا فرعون أنه ما أوجد هذه ~~الآيات التسع إلا الله - تعالى - خالق السماوات والأرض، وقد أوجدها - ~~سبحانه - بصورة واضحة جلية، حتى لكأتها البصائر فى كشفها للحقائق ~~وتجليتها. فقوله { بصائر } حال من { هؤلاء } أى أنزل هذه الآيات حال ~~كونها بينات واضحات تدلك على صدقى. وفى هذا الرد توبيخ لفرعون على تجاهله ~~الحقائق، حيث كان يعلم علم اليقين أن موسى - عليه السلام - ليس مسحورا ~~ولا ساحرا، وأن الآيات التى جاء بها إنما هى من عند الله - تعالى -، كما ~~قال - سبحانه - مخاطبا موسى # وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضآء من غير سوء ~~في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا ~~قوما فاسقين فلما جآءتهم آياتنا مبصرة قالوا ~~هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتهآ ~~أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة ms3285 ~~المفسدين # وقوله { وإني لأظنك يفرعون مثبورا } توبيخ آخر ~~لفرعون، وتهديد له لأنه وصف نبيا من أنبياء الله - تعالى - بأنه مسحور. ~~ومثبورا بمعنى مهلك مدمر. يقال ثبر الله - تعالى - الظالم يثبره ثبورا، ~~إذا أهلكه. أو بمعنى مصروفا عن الخير. مطبوعا على الشر من قولهم ما ~~ثبرك يا فلان عن هذا الأمر؟ أى ما الذى صرفك ومنعك عنه. والظن هنا بمعنى ~~اليقين، والمعنى وإنى لأعتقد يا فرعون أن مصيرك إلى الهلاك والتدمير، ~~بسبب إصرارك على الكفر والطغيان، من بعد إتيانى بالمعجزات الدالة على ~~صدقى فيما أبلغه عن ربى الذى خلقنى وخلقك وخلق كل شئ. # ثم حكى القرآن بعد ذلك ما هم به فرعون، بعد أن أخرسه موسى - عليه السلام ~~- بقوة حجته، وثبات جنانه فقال { فأراد أن يستفزهم من ~~الأرض }.. والاستفزاز الإزعاج والاستخفاف، والمراد - به هنا الطرد ~~والقتل. والضمير المنصوب فى { يستفزهم } يعود إلى موسى وقومه بنى ~~إسرائيل. أى فأراد فرعون بعد أن وبخه موسى وهدده، أن يطرده وقومه من أرض ~~مصر التى يسكنون معه فيها. وأن يقطع دابرهم، كما أشار إلى ذلك - سبحانه - ~~فى قوله # وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ~~ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل ~~أبنآءهم ونستحيي نسآءهم وإنا فوقهم ~~قاهرون # ثم حكى - سبحانه - ما ترتب على ما أراده فرعون من استفزاز لموسى وقومه ~~فقال { فأغرقناه ومن معه جميعا وقلنا من بعده ~~لبني إسرائيل اسكنوا الأرض... }. أى أراد فرعون أن يطرد ~~موسى وقومه من أرض مصر، وأن يهلكهم.. فكانت النتيجة أن عكسنا عليه مكره ~~وبغيه، حيث أهلكناه هو وجنده بالغرق، دون أن نستثنى منهم أحدا. وقلنا من ~~بعد هلاكه لبنى إسرائيل على لسان نبينا موسى - عليه السلام - اسكنوا ~~الأرض التى أراد أن يستفزكم منها فرعون وهى أرض مصر. قال الآلوسى وهذا ~~ظاهر إن ثبت أنهم دخلوها بعد أن خرجوا منها، وبعد أن أغرق الله فرعون ~~وجنده. وإن لم يثبت فالمراد من بنى إسرائيل ذرية أولئك الذين أراد فرعون ~~استفزازهم، واختار غير واحد أن المراد من الأرض. الأرض ms3286 المقدسة، وهى أرض ~~الشام. وعلى أية حال فالآية الكريمة تحكى سنة من سنن الله - تعالى - فى ~~إهلاك الظالمين، وفى توريث المستضعفين الصابرين أرضهم وديارهم. ورحم الله ~~الإمام ابن كثير، فقد قال عند تفسيره لهذه الآية. وفى هذا بشارة لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم بفتح مكة. مع أن هذه السورة نزلت قبل الهجرة، وكذلك ~~وقع، فإن أهل مكة هموا بإخراج الرسول صلى الله عليه وسلم منها، كما قال - ~~تعالى - # وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك ~~منها... # ولهذا أورث الله - تعالى - رسوله مكة، فدخلها، وقهر أهلها، ثم أطلقهم ~~حلما وكرما، كما أورث الله القوم الذين كانوا مستضعفين من بنى إسرائيل، ~~مشارق الأرض ومغاربها. وأورثهم بلاد فرعون.... ثم ختم - سبحانه - الآيات ~~الكريمة بقوله { فإذا جآء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا ~~}. أى فإذا جاء وعد الدار الآخرة، أى الموعد الذى حدده الله - تعالى - ~~لقيام الساعة، أحييناكم من قبوركم، وجئنا بكم جميعا أنتم وفرعون وقومه ~~مختلطين أنتم وهم، ثم نحكم بينكم وبينهم بحكمنا العادل. واللفيف اسم جمع ~~لا واحد له من لفظه، ومعناه الجماعة التى اجتمعت من قبائل شتى. يقال هذا ~~طعام لفيف، إذا كان مخلوطا من جنسين فصاعدا. وبذلك نرى الآيات الكريمة ~~قد حكت لنا جانبا مما دار بين موسى - عليه السلام - وبين فرعون من ~~محاورات ومجادلات، وبينت لنا سنة من سنن الله - تعالى - التى لا تتخلف فى ~~نصرة المؤمنين، ودحر الكافرين. ثم عادت السورة الكريمة إلى التنوية بشأن ~~القرآن الكريم، وأثنت على المؤمنين من أهل الكتاب الذين تأثروا تأثرا ~~بليغا عند سماعه، فقال - تعالى - { وبالحق أنزلناه ~~وبالحق نزل ومآ أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا ~~}. ### || [17.105-109] # قال الآلوسى " قوله - تعالى - { وبالحق أنزلناه ~~وبالحق نزل.. } عود إلى شرح حال القرآن الكريم، فهو مرتبط بقوله # لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل ~~هذا القرآن لا يأتون بمثله.. # وهكذا طريقة العرب فى كلامها، تأخذ فى شئ وتستطرد منه إلى آخر، ثم إلى ~~آخر، ثم إلى آخر، ثم تعود إلى ما ذكرته أولا، والحديث شجون... ". ~~والمراد بالحق الأول ms3287 الحكمة الإلهية التى اقتضت إنزاله، والمراد بالحق ~~الثانى ما اشتمل عليه هذا القرآن من عقائد وعبادات وآداب وأحكام ~~ومعاملات... والباء فى الموضعين للملابسة، والجار والمجرور فى موضع الحال ~~من ضمير القرآن الذى دل الكلام على أن الحديث عنه. والمعنى وإن هذا ~~القرآن ما أنزلناه إلا ملتبسا بالحق الذى تقتضيه حكمتنا، وما أنزلناه ~~إلا وهو مشتمل على كل ما هو حق من العقائد والعبادات وغيرهما. فالحق سداه ~~ولحمته، والحق مادته وغايته. قال بعض العلماء بين - جل وعلا - فى هذه ~~الآية الكريمة، أنه أنزل هذا القرآن بالحق، أى ملتبسا به متضمنا له، ~~فكل ما فيه حق، فأخباره صدق. وأحكامه عدل، كما قال - تعالى - # وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل ~~لكلماته... # وكيف لا، وقد أنزله - سبحانه - بعلمه، كما قال - تعالى - # لكن الله يشهد بمآ أنزل إليك أنزله ~~بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا # وقوله { وبالحق نزل } يدل على أنه لم يقع فيه تغيير ولا تبديل فى طريق ~~إنزاله، لأن الرسول المؤتمن على إنزاله قوى لا يغلب عليه، حتى يغير فيه، ~~أمين لا يغير ولا يبدل، كما أشار إلى هذا - سبحانه - بقوله # إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش ~~مكين مطاع ثم أمين # وقوله - سبحانه - { ومآ أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا } ~~ثناء على الرسول صلى الله عليه وسلم الذى نزل عليه القرآن، بعد الثناء ~~على القرآن فى ذاته. أى وما أرسلناك - أيها الرسول الكريم - إلا مبشرا ~~لمن أطاعنا بالثواب، وإلا منذرا لمن عصانا بالعقاب. ولم نرسلك لتخلق ~~الهداية فى القلوب، فإن ذلك من شأن الله تعالى. ثم بين - سبحانه - الحكم ~~التى من أجلها أنزل القرآن مفصلا ومنجما، فقال { وقرآنا ~~فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه ~~تنزيلا }. ولفظ { قرآنا } منصوب بفعل مضمر أى وآتيناك قرآنا. وقوله { ~~فرقناه } أى فصلناه. أو فرقنا فيه بين الحق والباطل. أو أنزلناه منجما ~~مفرقا. قال الجمل وقراءة العامة { فرقناه } بالتخفيف. أى بينا حلاله ~~وحرامه... وقرأ على وجماعة من الصحابة وغيرهم بالتشديد وفيه وجهان أحدهما ~~أن التضعيف للتكثير. ms3288 أى فرقنا آياته بين أمر ونهى وحكم وأحكام. # ومواعظ وأمثال وقصص وأخبار. والثانى أنه دال على التفريق والتنجيم ". ~~وقوله { على مكث } أى على تؤدة وتمهل وحسن ترتيل، إذ المكث التلبث فى ~~المكان، والإقامة فيه انتظارا لأمر من الأمور. والمعنى " ولقد أنزلنا ~~إليك - أيها الرسول - هذا القرآن، مفصلا فى أوامره ونواهيه، وفى أحكامه ~~وأمثاله... ومنجما فى نزوله لكى تقرأه على الناس على تؤدة وتأن وحسن ~~ترتيل، حتى يتيسر لهم حفظه بسهولة، وحتى يتمكنوا من تطبيق تشريعاته ~~وتوجيهاته تطبيقا عمليا دقيقا. وهكذا فعل الصحابة - رضى الله عنهم - ~~فإنهم لم يكن القرآن بالنسبة لهم متعة عقلية ونفسية فحسب، وإنما كان ~~القرآن بجانب حبهم الصادق لقراءته وللاستماع إليه منهجا لحياتهم، يطبقون ~~أحكامه وأوامره ونواهيه وآدابه... فى جميع أحوالهم الدينية والدنيوية. ~~قال أبو عبد الرحمن السلمى حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن، أنهم ~~كانوا يستقرئون عن النبى صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا تعلموا عشر آيات ~~لم يتركوها حتى يعملوا بما فيها " فتعلمنا القرآن والعمل جميعا ". وقوله ~~- سبحانه - { ونزلناه تنزيلا } أى ونزلناه تنزيلا مفرقا منجما عليك ~~يا محمد فى مدة تصل إلى ثلاث وعشرين سنة، على حسب ما تقتضيه حكمتنا، وعلى ~~حسب الحوادث والمصالح، وليس من أجل تيسير حفظه فحسب. ثم أمر الله - تعالى ~~- نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخاطب المشركين بما يدل على هوان شأنهم. ~~وعلى عدم المبالاة بهم، فقال - تعالى - { قل آمنوا به أو لا ~~تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا ~~يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا... }. أى قل - ~~أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاهلين. الذين طلبوا منك ما هو خارج عن ~~رسالتك، والذين وصفوا القرآن بأنه أساطير الأولين قل لهم آمنوا بهذا ~~القرآن أو لا تؤمنوا به، لأن إيمانكم به، لا يزيده كمالا، وعدم إيمانكم ~~به لا ينقص من شأنه شيئا، فإن علماء أهل الكتاب الذين آتاهم الله العلم ~~قبل نزول هذا القرآن، وميزوا بين الحق والباطل، كانوا إذا تلى عليهم هذا ~~القرآن، - كأمثال عبد الله بن سلام وأصحابه { يخرون للأذقان ~~سجدا ms3289 } أى يسقطون على وجوههم ساجدين لله - تعالى - شكرا له على ~~إنجاز وعده، بإرسالك - أيها الرسول الكريم - وبإنزال القرآن عليك، كما ~~وعد بذلك - سبحانه - فى كتبه السابقة. فالجملة الكريمة { إن الذين ~~أوتوا العلم.. } تعليل لعدم المبالاة بهؤلاء المشركين الجاهلين، ~~والضمير فى قوله { من قبله } يعود إلى القرآن الكريم. وقوله { يخرون ~~للأذقان سجدا } يدل على قوة إيمانهم، وعلى سرعة تأثرهم بهذا ~~القرآن، فهم بمجرد تلاوته عليهم، يسقطون على وجوههم ساجدين لله - تعالى ~~-. وخصت الأذقان بالذكر، لأن الذقن أول جزء من الوجه يقرب من الأرض عند ~~السجود، ولأن ذلك يدل على نهاية خضوعهم لله - تعالى - وتأثرهم بسماع ~~القرآن الكريم ثم حكى - سبحانه - ما يقولونه فى سجودهم فقال { ~~ويقولون سبحان ربنآ إن كان وعد ربنا لمفعولا ~~}. # أى ويقولون فى سجودهم، ننزه ربنا - عز وجل - عن كل ما يقوله الجاهلون ~~بشأنه، إنه - تعالى - كان وعده منجزا ومحققا لا شك فى ذلك. ثم كرر - ~~سبحانه - مدحه لهم فقال { ويخرون للأذقان يبكون ~~ويزيدهم خشوعا } أى سماع القرآن { خشوعا } وخضوعا لله - عز ~~وجل. وكرر - سبحانه - خرورهم على وجوههم ساجدين لله - تعالى - لاختلاف ~~السبب، فهم أولا أسرعوا بالسجود لله تعظيما له - سبحانه - وشكرا له على ~~إنجازه لوعده. وهم ثانيا أسرعوا بالسجود، لفرط تأثرهم بمواعظ القرآن ~~الكريم. فأنت ترى هاتين الآيتين قد أمرتا النبى صلى الله عليه وسلم ~~بالإعراض عن المشركين، وباحتقارهم وبازدراء شأنهم، فإن الذين هم خير ~~منهم وأفضل وأعلم قد آمنوا. وفى ذلك ما فيه من التسلية لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فكأن الله - تعالى - يقول له يا محمد تسل عن إيمان ~~هؤلاء الجهلاء، بإيمان العلماء. هذا، وقد أخذ العلماء من هاتين الآيتين ~~أن البكاء من خشية الله، يدل على صدق الإيمان، وعلى نقاء النفس، ومن ~~الأحاديث التى وردت فى فضل ذلك، ما أخرجه الترمذى عن ابن عباس قال سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس فى سبيل ~~الله ". # ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ms3290 بآيتين دالتين على تفرده - سبحانه - ~~بالتقديس والتعظيم والتمجيد والعبادة، فقال - تعالى - { قل ادعوا ~~الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله ~~الأسمآء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت ~~بها وابتغ بين ذلك سبيلا }. ### || [17.110-111] # ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { قل ادعوا الله أو ~~ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسمآء ~~الحسنى.. } ذكروا روايات منها ما أخرجه ابن جرير وابن مردويه عن ابن ~~عباس قال # " وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ذات يوم فدعا الله - تعالى - ~~فقال يا الله، يا رحمن، فقال المشركون انظروا إلى هذا الصابئ ينهانا أن ~~ندعو إلهين وهو يدعو إلهين فنزلت ". # ومعنى ادعوا، سموا، و { أو } للتخيير. و { أيا } اسم شرط جازم منصوب على ~~المفعولية بقوله { ادعوا } والمضاف إليه محذوف، أى أى الاسمين. و { ~~تدعوا } مجزوم على أنه فعل الشرط لأيا، وجملة { فله الأسمآء ~~الحسنى } واقعة موقع جواب الشرط، و { ما } مزيدة للتأكيد. والحسنى ~~مؤنث الأحسن الذى هو أفعل تفضيل. والمعنى قل يا محمد للناس سموا المعبود ~~بحق بلفظ الله أو بلفظ الرحمن بأى واحد منهما سميتموه فقد أصبتم، فإنه - ~~تعالى - له الأسماء الأحسن من كل ما سواه، وقال - سبحانه - { فله ~~الأسمآء الحسنى } للمبالغة فى كمال أسمائه - تعالى - وللدلالة ~~على أنه ما دامت أسماؤه كلها حسنة، فلفظ الله ولفظ الرحمن كذلك، كل واحد ~~منهما حسن. وقد ذكر الجلالان عند تفسيرهما لهذه الآية، أسماء الله ~~الحسنى، فارجع إليها إن شئت. وقوله - سبحانه - { ولا تجهر ~~بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا } ~~تعليم من الله - تعالى - لنبيه كيفية أفضل طرق القراءة فى الصلاة. ~~فالمراد بالصلاة هنا القراءة فيها. والجهر بها رفع الصوت أثناءها، ~~والمخافتة بها خفضه بحيث لا يسمع. يقال خفت الرجل بصوته إذا لم يرفعه، ~~والكلام على حذف مضاف. والمعنى ولا تجهر يا محمد فى قراءتك خلال الصلاة، ~~حتى لا يسمعها المشركون فيسبوا القرآن، ولا تخافت بها، حتى لا يسمعها من ~~يكون خلفك، بل أسلك فى ذلك طريقا وسطا بين الجهر والمخافتة. ومما ms3291 يدل على ~~أن المراد بالصلاة هنا القراءة فيها، ما رواه الشيخان وغيرهما عن ابن ~~عباس. قال نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختف بمكة، فكان إذا صلى ~~بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع ذلك المشركون، سبوا القرآن، ومن ~~أنزله ومن جاء به، فأمره الله بالتوسط. وقيل المراد بالصلاة هنا الدعاء. ~~أى لا ترفع صوتك وأنت تدعو الله، ولا تخافت به. وقد روى ذلك عن عائشة، ~~فقد أخرج الشيخان عنها أنها نزلت فى الدعاء. ويبدو لنا أن التوجيهات التى ~~بالآية الكريمة تتسع للقولين، أى أن على المسلم أن يكون متوسطا فى رفع ~~صوته بالقراءة فى الصلاة، وفى رفع صوته حال دعائه. ثم ختم - سبحانه - ~~السورة الكريمة بهذه الآية { وقل الحمد لله الذي لم ~~يتخذ ولدا. # .. }. أى وقل - أيها الرسول الكريم - الحمد الكامل، والثناء الجميل، لله ~~- تعالى - وحده، الذى لم يتخذ ولدا لأنه هو الغنى، كما قال - تعالى - # قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في ~~السماوات والأرض.. # ولم يكن له، - سبحانه - { شريك في الملك } بل هو المالك لكل شىء ~~ليس له فى هذا الكون من يزاحمه أو يشاركه فى ملكه أو فى عبادته. كما قال ~~- تعالى - # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا سبحانه وتعالى عما ~~يقولون علوا كبيرا # وكما قال - عز وجل - # ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا ~~لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على ~~بعض سبحان الله عما يصفون # { ولم يكن له ولي من الذل } أى ولم يكن له - سبحانه ~~- ناصر ينصره من ذل أصابه أو نزل به، لأنه - عز وجل - هو أقوى الأقوياء، ~~وقاهر الجبابرة، ومذل الطغاة، # ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين # { وكبره تكبيرا } أى وعظمه تعظيما تاما كاملا، يليق بجلاله عز وجل. ~~قال الإمام ابن كثير عن قتادة أنه قال ذكر لنا أن النبى صلى الله عليه ~~وسلم كان يعلم أهله كبيرهم وصغيرهم هذه الآية. { الحمد لله ~~الذي لم يتخذ ms3292 ولدا... }. ثم قال ابن كثير وقد جاء فى حديث ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماها آية العز. ### | [18 - سورة الكهف] ### || [18.1-8] # سورة الكهف هى إحدى السور الخمس، التى افتتحت بتقرير الحقيقة الأولى فى ~~كل دين، وهى أن المستحق للحمد المطلق، والثناء التام، هو الله رب ~~العالمين. والسور الأربع الأخرى التى افتتحت بقوله - تعالى - { الحمد لله ~~} هى الفاتحة، والأنعام، وسبأ، وفاطر. وقد بينا عند تفسيرنا لسورة ~~الأنعام، أن هذه السورة وإن كانت قد اشتركت فى هذا الافتتاح، إلا أن لكل ~~سورة طريقتها فى بيان الأسباب التى من شأنها أن تقنع الناس، بأن المستحق ~~للحمد المطلق هو الله - تعالى - وحده. وإنما كان الحمد مقصورا فى الحقيقة ~~على الله - تعالى -، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر عنه، ~~ومرجعه إليه إذ هو الخالق لكل شئ، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء ~~إحسانهم، فهو فى الحقيقة حمد لله، لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك، ~~وأعانهم عليه. وقد بين بعض المفسرين الحكمة فى افتتاح بعض السور بلفظ ~~الحمد دون المدح أو الشكر فقال ما ملخصه " أعلم أن المدح أعم من الحمد، ~~وأن الحمد أعم من الشكر، أما بيان أن المدح أعم من الحمد، فلأن المدح ~~يحصل للعاقل ولغير العاقل، فقد يمدح الرجل لعقله، ويمدح اللؤلؤ لحسن ~~شكله. وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار، على ما يصدر منه من ~~الإنعام، فثبت أن المدح أعم من الحمد. وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر، ~~فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإنعام، سواء ~~أكان ذلك الإنعام واصلا إليك أم إلى غيرك، وأما الشكر فهو عبارة عن ~~تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك وحدك، فثبت أن الحمد أعم من الشكر. وكان قوله ~~{ الحمد لله } تصريحا بأن المؤثر فى وجود العالم هو الفاعل المختار، الذى ~~وصلت نعمه إلى جميع خلقه، لا إلى بعضهم..،. وقوله { الذي أنزل ~~على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما.. } ~~بيان للأسباب التى توجب ms3293 على الناس أن يجعلوا حمدهم وعبادتهم لله - تعالى ~~- وحده، إذ الوصف بالموصول، يشعر بعلية ما فى حيز الصلة لما قبله. والعوج ~~- بكسر العين - أكثر ما يكون استعمالا فى المعانى، تقول، هذا كلام لا عوج ~~فيه، أى لا ميل فيه. أما العوج - بفتح العين - فأكثر ما يكون استعمالا فى ~~الأعيان تقول هذا حائط فيه عوج. وقوله { قيما } أى مستقيما معتدلا لا ميل ~~فيه ولا زيغ وهما - أى عوجا وقيما - حالان من الكتاب ويصح أن يكون قوله { ~~قيما } منصوبا بفعل محذوف أى جعله قيما. والمعنى الحمد الكامل، والثناء ~~الدائم، لله - تعالى - وحده، الذى أنزل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم ~~القرآن الكريم، ولم يجعل فيه شيئا من العوج أو الاختلاف أو التناقض، لا ~~فى لفظه، ولا فى معناه، وإنما جعله فى أسمى درجات الاستقامة والإحكام. # وإنما أمر الله - تعالى - الناس بأن يحمدوه لإنزال الكتاب على عبده ~~محمد صلى الله عليه وسلم لأن فى هذا الكتاب من الهدايات ما يخرجهم من ~~الظلمات إلى النور، وما يسعدهم فى دينهم ودنياهم وآخرتهم. وفى التعبير عن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبد، مضافا إلى ضميره - تعالى -، تعظيم ~~وتشريف له صلى الله عليه وسلم وإشعار بأنه مهما سمت منزلته، وعلت مكانته ~~" فهو عبد الله - تعالى -، وأن الذين بعدوا أو أشركوا مع الله - تعالى - ~~بعض مخلوقاته، قد ضلوا ضلالا بعيدا ". والتعبير عن القرآن الكريم ~~بالكتاب، إشارة إلى كماله وشهرته، أى أنزل - سبحانه - على عبده محمد صلى ~~الله عليه وسلم الكتاب الكامل فى بابه، الغنى عن التعريف، الحقيق باختصاص ~~هذا الاسم به، المعروف بهذا الاسم من بين سائر الكتب. والمراد به إما ~~جميع القرآن الكريم سواء منه ما نزل فعلا وما هو مترقب النزول، وإما ما ~~نزل منه فقط حتى نزول هذه الآية فيكون من باب التعبير عن البعض بالكل ~~تحقيقا للنزول للجميع. وجاء لفظ { عوجا } بصيغة التنكير، ليشمل النهى ~~جميع أنواع الميل والعوج، إذ النكرة فى سياق النفى تعم، أى لم يجعل له - ~~سبحانه - أى شئ من ms3294 العوج. وقوله { قيما } تأكيد فى المعنى لقوله - سبحانه ~~- { ولم يجعل له عوجا } لأنه قد يكون الشئ مستقيما فى ~~الظاهر، إلا أنه لا يخلو عن اعوجاج فى حقيقة الأمر، ولذا جمع - سبحانه - ~~بين نفى العوج، وإثبات الاستقامة. قال صاحب الكشاف فإن قلت ما فائدة ~~الجمع بين نفى العوج وإثبات الاستقامة، وفى أحدهما غنى عن الآخر؟ قلت ~~فائدته التأكيد، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة، ولا يخلو من أدنى عوج ~~عند السبر والتصفح، وقيل قيما على سائر الكتب، مصدقا لها، شاهدا بصحتها، ~~وقيل قيما بمصالح العباد وما لا بد لهم منه من الشرائع. وشبيه بهذه الآية ~~فى مدح القرآن الكريم قوله - تعالى - # كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات ~~إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد # وقوله - سبحانه -. # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم.. # وقوله - عز وجل # ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ~~لعلهم يتذكرون قرآنا عربيا غير ذي عوج ~~لعلهم يتقون # وقوله - تعالى - # أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا # ثم شرع - سبحانه - فى بيان وظيفة القرآن الكريم، بعد أن وصفه بالاستقامة ~~والإحكام، فقال { لينذر بأسا شديدا من لدنه. # .. }. والإنذار الإعلام المقترن بتخويف وتهديد، فكل إنذار إعلام، وليس ~~كل إعلام إنذارا. واللام فى قوله { لينذر } متعلقة بأنزل، والبأس العذاب، ~~وهو المفعول الثانى للفعل ينذر، ومفعوله الأول محذوف. والمعنى أنزل - ~~سبحانه - على عبده الكتاب حالة كونه لم يجعل له عوجا بل جعله مستقيما، ~~لينذر الذين كفروا عذابا شديدا، صادرا من عنده - تعالى -. والتعبير بقوله ~~{ من لدنه } يشعر بأنه عذاب ليس له دافع، لأنه من عند الله تعالى - ~~القاهر فوق عباده. أما وظيفة القرآن بالنسبة للمؤمنين، فقد بينها - ~~سبحانه - بعد ذلك فى قوله { ويبشر المؤمنين الذين ~~يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين ~~فيه أبدا }. أى أنزل الله هذا القرآن، ليخوف به الكافرين من عذابه، ~~وليبشر به المؤمنين الذين يعملون الأعمال الصالحات، أن لهم من خالقهم - ~~عز وجل - أجرا حسنا هو الجنة ونعيمها، ms3295 { ماكثين فيه أبدا } أى ~~مقيمين فيه إقامة باقية دائمة لا انتهاء لها، فالضمير فى قوله { فيه } ~~يعود إلى الأجر الذى يراد به الجنة. قال - تعالى - # فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين ~~وتنذر به قوما لدا # ثم خص - سبحانه - بالإنذار فرقة من الكافرين، نسبوا إلى الله - تعالى - ~~ما هو منزه عنه، فقال { وينذر الذين قالوا اتخذ الله ~~ولدا ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت ~~كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا }. ~~فقوله - سبحانه - هنا { وينذر الذين قالوا اتخذ الله ~~ولدا.. } معطوف على قوله قبل ذلك { لينذر بأسا شديدا من ~~لدنه } من باب عطف الخاص على العام لأن الانذار فى الآية الأولى ~~يشمل جميع الكافرين ومن بينهم الذين نسبوا إلى الله - تعالى - الولد. ~~والمراد بهم اليهود والنصارى، وبعض مشركى العرب، قال - تعالى - # وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى ~~المسيح ابن الله # وقال - سبحانه - # ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما ~~يشتهون # قال الألوسى وترك - سبحانه - إجراء الموصول على الموصوف هنا، حيث لم يقل ~~وينذر الكافرين الذين قالوا.. كما قال فى شأن المؤمنين ويبشر المؤمنين ~~الذين.. للإيذان بكفاية ما فى حيز الصلة فى الكفر على أقبح الوجوه. ~~وإيثار صيغة الماضى فى الصلة، للدلالة، على تحقيق صدور تلك الكلمة ~~القبيحة عنهم فيما سبق. وقوله - تعالى - { ما لهم به من علم ~~ولا لآبائهم } توبيخ لهم على تفوههم بكلام يدل على إيغالهم فى ~~الجهل والبهتان. أى ما نسبوه إلى الله - تعالى - من الولد، ليس لهم بهذه ~~النسبة علم، وكذلك ليس لآبائهم بهذه النسبة علم، لأن ذلك مستحيل له - ~~تعالى -، كما قال - عز وجل - # وجعلوا لله شركآء الجن وخلقهم وخرقوا له ~~بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما ~~يصفون بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ~~ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل ~~شيء عليم # و " من " فى قوله { ما لهم به من علم } مزيدة لتأكيد النفى، ~~والجملة مستأنفة، و " لهم " خبر مقدم، و { من علم } مبتدأ مؤخر، وقوله { ~~ولا لآبائهم } معطوف ms3296 على الخبر. أى ما لهم بذلك شئ من العلم أصلا، وكذلك ~~الحال بالنسبة لآبائهم، فالجملة الكريمة تنفى ما زعموه نفيا يشملهم ويشمل ~~الذين سبقوهم وقالوا قولهم. قال الكرخى فإن قيل اتخاذ الولد محال فى ~~نفسه، فكيف قال { ما لهم به من علم؟ } فالجواب أن انتفاء ~~العلم بالشئ قد يكون للجهل بالطريق الموصل إليه، وقد يكون لأنه فى نفسه ~~محال لا يمكن تعلق العلم به، ونظيره قوله - تعالى - # ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به # وقوله - تعالى - { كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن ~~يقولون إلا كذبا } ذم شديد لهم على ما نطقوا به من كلام يدل ~~على فرط جهلهم، وعظم كذبهم. وكبر فعل ماض لإنشاء الذم، فهو من باب نعم ~~وبئس، وفاعله ضمير محذوف، مفسر بالنكرة بعده وهى قوله { كلمة } المنصوبة ~~على أنها تمييز، والمخصوص بالذم محذوف. والتقدير كبرت هى كلمة خارجة من ~~أفواههم تلك المقالة الشنعاء التى تفوهوا بها، وهى قولهم اتخذ الله ولدا ~~فإنهم ما يقولون إلا قولا كاذبا محالا على الله - تعالى - ومخالفا للواقع ~~ومنافيا للحق والصواب. وفى هذا التعبير ما فيه من استعظام قبح ما نطقوا ~~به، حيث وصفه - سبحانه - بأنه مجرد كلام لاكته ألسنتهم، ولا دليل عليه ~~سوى كذبهم وافترائهم. قال صاحب الكشاف قوله { كبرت كلمة } قرئ، كبرت كلمة ~~بالرفع على الفاعلية، وبالنصب على التمييز، والنصب أقوى وأبلغ، وفيه معنى ~~التعجب كأنه قيل ما أكبرها كلمة. وقوله { تخرج من أفواههم } ~~صفة للكلمة تفيد استعظاما لاجترائهم على النطق به، وإخراجها من أفواههم، ~~فإن كثيرا مما يوسوسه الشيطان فى قلوب الناس ويحدثون أنفسهم به من ~~المنكرات، لا يتمالكون أن يتفوهوا به، ويطلقوا به ألسنتهم، بل يكظمون ~~عليه تشورا من إظهاره فكيف بهذا المنكر؟ فإن قلت إلام يرجع الضمير فى ~~{ كبرت }؟ قلت إلى قولهم اتخذ الله ولدا. وسميت كلمة كما يسمون القصيدة ~~بها. وشبيه بهذه الآية فى استعظام ما نطقوا به من قبح قوله - تعالى - # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا ~~إدا تكاد السماوات يتفطرن ms3297 منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ~~ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا # ثم ساق - سبحانه - ما يسلى الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من حزن ~~بسبب إعراض المشركين عن دعوة الحق، فقال - تعالى - { فلعلك باخع ~~نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث ~~أسفا }. قال بعض العلماء ما ملخصه اعلم - أولا - أن لفظة { لعل } تكون ~~للترجى فى المحبوب، وللإشفاق فى المحذور. واستظهر أبو حيان أن { لعل } ~~هنا للإشفاق عليه صلى الله عليه وسلم أن يبخع نفسه لعدم إيمانهم. وقال ~~بعضهم إن { لعل } هنا للنهى. أى لا تبخع نفسك لعدم إيمانهم.. وهو الأظهر، ~~لكثرة ورود النهى صريحا عن ذلك، قال - تعالى - # فلا تذهب نفسك عليهم حسرات.. # وقوله { باخع } من البخع، وأصله أن تبلغ بالذبح البخاع - بكسر الباء - ~~وهو عرق يجرى فى الرقبة. وذلك أقصى حد الذبح. يقال بخع فلان نفسه بخعا ~~وبخوعا. أى قتلها من شدة الغيظ والحزن، وقوله { على آثارهم } أى على أثر ~~توليهم وإعراضهم عنك، وقوله { أسفا } أى هما وغما مع المبالغة فى ذلك، ~~وهو مفعول لأجله. والمعنى لا تهلك نفسك - أيها الرسول الكريم - هما وغما، ~~بسبب عدم إيمان هؤلاء المشركين. وبسبب إعراضهم عن دعوتك # فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب # و # إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشآء # قال الزمخشرى شبهه - سبحانه - وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به، وما ~~داخله من الوجد والأسف على توليهم، برجل فارقته أحبته وأعزته فهو يتساقط ~~حسرات على آثارهم ويبخع نفسه وجدا عليهم، وتلهفا على فراقهم. وقوله - ~~تعالى - { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ~~لنبلوهم أيهم أحسن عملا وإنا لجاعلون ما ~~عليها صعيدا جرزا } تعليل للنهى المقصود من الترجى فى قوله { ~~فلعلك باخع... } وزيادة فى تسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه من غم ~~وحزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم. أى إنا بمقتضى حكمتنا - أيها الرسول ~~الكريم - قد جعلنا ما على الأرض من حيوان ونبات وأنهار وبنيان.. زينة لها ~~ولأهلها { لنبلوهم أيهم أحسن عملا ms3298 } أى لنختبرهم عن ~~طريق ما جعلنا زينة للأرض ولأهلها أيهم أتبع لأمرنا ونهينا، وأسرع فى ~~الاستحابة لطاعتنا، وأبعد عن الاغترار بشهواتها ومتعها. وإنا - أيضا - ~~بمقتضى حكمتنا، لجاعلون ما عليهم من هذه الزينة فى الوقت الذى نريده ~~لنهاية هذه الدنيا، { صعيدا } ، أى ترابا { جرزا } أى لا نبات فيه، يقال ~~أرض جرز، أى لا تنبت، أو كان بها نبات ثم زال. ويقال جرزت الأرض إذا ~~ذهب نباتها بسبب القحط، أو الجراد الذى أتى على نباتها قال تعالى # أولم يروا أنا نسوق المآء إلى الأرض الجرز ~~فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم ~~أفلا يبصرون # والمقصود من الآيتين الزيادة فى تثبيت قلب النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~وفى تسليته عما لحقه من حزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم. # فكأنه - سبحانه - يقول له امض أيها الرسول الكريم فى تبليغ ما أوحيناه ~~إليك، ولا تبال بإصرار الكافرين على كفرهم، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، ~~فإن حكمتنا قد اقتضت أن نجعل ما على الأرض من كل ما يصلح أن يكون زينة ~~لها ولهم موضع ابتلاء واختبار للناس، ليتميز المحسن من المسئ، كما اقتضت ~~حكمتنا - أيضا أن نصير ما على هذه الأرض عند انقضاء عمر الدنيا ترابا ~~قاحلا لا نبات فيه، ويعقب ذلك الجزاء على الأعمال، وسننتقم لك من أعدائك # فاصبر صبرا جميلا إنهم يرونه بعيدا ونراه ~~قريبا # وفى التعبير عما على الأرض بالزينة، إشارة إلى أن ما عليها مهما حسن ~~شكله، وعظم ثمنه.. فهو إلى زوال، شأنه فى ذلك شأن ما يتزين به الرجال ~~والنساء من ملابس وغيرها، يتزينون بها لوقت ما ثم يتركونها وتتركهم. ~~وقوله { لنبلوهم أيهم أحسن عملا } تعليل لما اقتضته ~~حكمته من جعل ما على الأرض زينة لها. أى فعلنا ذلك لنختبر الناس على ~~ألسنة رسلنا، أيهم أحسن عملا، بحيث يكون عمله مطابقا لما جئت به - أيها ~~الرسول الكريم -، وخالصا لوجهنا، ومبنيا على أساس الإيمان والعقيدة ~~الصحيحة. قال تعالى # تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء ~~قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ms3299 أيكم ~~أحسن عملا # وفى الحديث الشريف # " إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، ~~واتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بنى إسرائيل كانت فى النساء ~~". # وقوله - سبحانه - { وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا ~~جرزا } زيادة فى التزهيد فى زينتها، حيث إن مصيرها إلى الزوال، وحض ~~على التزود من العمل الصالح الذى يؤدى بالإنسان إلى السعادة الباقية ~~الدائمة. وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد قررت أن الثناء الكامل إنما هو ~~لله - عز وجل -، وأن الكتاب الذى أنزله على عبده ونبيه صلى الله عليه ~~وسلم لا عوج فيه ولا ميل، وأن وظيفة هذا الكتاب إنذار الكافرين بالعقاب، ~~وتبشير المؤمنين بالثواب، كما أن من وظيفته تثبيت قلبه صلى الله عليه ~~وسلم وتسليته عما أصابه من أعدائه، ببيان أن الله - تعالى - قد جعل هذه ~~الدنيا بما فيها من زينة، دار اختبار وامتحان ليتبين المحسن من المسئ، ~~وليجازى - سبحانه - الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا ~~بالحسنى. ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك قصة أصحاب الكهف، وبين أن قصتهم ليست ~~عجيبة بالنسبة لقدرته - عز وجل - فقد أوجد - سبحانه - ما هو أعجب وأعظم ~~من ذلك، فقال - تعالى - { أم حسبت أن أصحاب الكهف ~~والرقيم كانوا من آياتنا عجبا... }. ### || [18.9-12] # قال الإمام الرازى " اعلم أن القوم تعجبوا من قصة أصحاب الكهف، وسألوا ~~عنها الرسول صلى الله عليه وسلم على سبيل الامتحان، فقال - تعالى - { ~~أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من ~~آياتنا عجبا }؟ لا تحسبن ذلك فإن آياتنا كلها عجب فإن من كان قادرا ~~على خلق السماوات والأرض، وعلى تزيين الأرض بما عليها من نبات وحيوان ~~ومعادن، ثم يجعلها بعد ذلك صعيدا جرزا خالية من الكل، كيف يستبعد من ~~قدرته وحفظه ورحمته حفظ طائفة من الناس مدة ثلاثمائة سنة وأكثر فى ~~النوم.. ". وعلى ذلك يكون المقصود بهذه الآيات الكريمة، بيان أن قصة ~~أصحاب الكهف ليست شيئا عجبا بالنسبة لقدرة الله - تعالى -. وقد ذكر ~~المفسرون فى سبب نزول قصة أصحاب الكهف روايات ملخصها أن قريشا بعثت النضر ~~بن ms3300 الحارث، وعقبة بن أبى معيط، إلى أحبار اليهود بالمدينة، فقالوا لهم ~~سلوهم عن محمد صلى الله عليه وسلم، وصفوا لهم صفته، وأخبروهم بقوله، ~~فإنهم أهل الكتاب الأول. وعندهم من العلم ما ليس عندنا من علم الأنبياء. ~~فخرجا حتى قدما المدينة، فسألا أحبار اليهود عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ووصفوا لهم أمره صلى الله عليه وسلم فقالوا لهما سلوه عن ثلاث ~~نأمركم بهن. فإن أخبركم بهن، فهو نبى مرسل وإن لم يفعل فالرجل متقول. ~~سلوه عن فتية ذهبوا فى الدهر الأول ماذا كان من خبرهم. فإنهم قد كان لهم ~~حديث عجيب. وسلوه عن رجل طواف طاف المشارق والمغارب ماذا كان من خبره؟ ~~وسلوه عن الروح، ما هو؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبى فاتبعوه. فأقبل النضر ~~وعقبة حتى قدما على قريش. فقالا يا معشر قريش، قد جئناكم بفصل ما بينكم ~~وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور. ثم جاءوا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد أخبرنا، ثم سألوه عما قالته لهم ~~يهود. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سأجيبكم غدا بما سألتم عنه ~~ولم يستثن - أى. ولم يقل إن شاء الله - فانصرفوا عنه. ومكث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة. لا يحدث الله إليه فى ذلك وحيا، ولا يأتيه ~~جبريل - عليه السلام - حتى أرجف أهل مكة وقالوا وعدنا محمد غدا، واليوم ~~خمسة عشر قد أصبحنا فيها، لا يخبرنا بشئ عما سألناه عنه. وحتى أحزن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحى عنه، وشق عليه ما تكلم به أهل ~~مكة، ثم جاءه جبريل من عند الله بسورة أصحاب أصحاب الكهف، فيها معاتبته ~~إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف، ~~وقول الله - تعالى - # ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ومآ ~~أوتيتم من العلم إلا قليلا # والخطاب فى قوله - تعالى - { أم حسبت... } للرسول صلى الله عليه وسلم ~~ويدخل فيه غيره من المكلفين. ms3301 و " أم " فى هذه الآية هى المنقطعة، وتفسر ~~عند الجمهور بمعنى بل والهمزة، أى بل أحسبت، وعند بعض العلماء تفسر بمعنى ~~بل، فتكون للانتقال من كلام إلى آخر، أى بل حسبت. ويرى بعضهم أنها هنا ~~بمعنى الهمزة التى للاستفهام الإنكارى أى أحسبت أن أصحاب الكهف والرقيم. ~~والكهف هو النقب المتسع فى الجبل، فإن لم يكن فيه سعة فهو غار، وجمعه ~~كهوف. والمراد به هنا ذلك الكهف الذى اتخذه هؤلاء الفتية مستقرا لهم. ~~وأما الرقيم فقد ذكروا فى المراد به أقوالا متعددة منها أنه اسم كلبهم، ~~ومنها أنه اسم الجبل أو الوادى الذى كان فيه الكهف، ومنها أنه اسم القرية ~~التى خرج منها هؤلاء الفتية. ولعل أقرب الأقوال إلى الصواب أن المراد به ~~اللوح الذى كتبت فيه أسماؤهم وأنسابهم وقصتهم، فيكون الرقيم بمعنى ~~المرقوم - فهو فعيل بمعنى مفعول - ومأخوذ من رقمت الكتاب إذا كتبته. ومنه ~~قوله - تعالى - # كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين ومآ أدراك ~~ما عليون كتاب مرقوم # أى مكتوب. قال بعض العلماء " والظاهر أن أصحاب الكهف والرقيم طائفة ~~واحدة أضيفت إلى شيئين أحدهما معطوف على الآخر، خلافا لمن قال أن أصحاب ~~الكهف طائفة، وأصحاب الرقيم طائفة أخرى، وأن الله قص على نبيه فى هذه ~~السورة الكريمة قصة أصحاب الكهف، ولم يذكر له شيئا عن أصحاب الرقيم. ~~وخلافا لمن زعم أن أصحاب الكهف هم الثلاثة الذين سقطت عليهم صخرة فسدت ~~عليهم باب الكهف فدعوا الله بصالح أعمالهم فانفرجت، وهم البار بوالديه، ~~والعفيف، والمستأجر، وقصتهم مشهورة ثابتة فى الصحيح، إلا أن تفسير الآية ~~بأنهم هم المراد بعيد كما ترى ". والمعنى أظننت - أيها الرسول الكريم - ~~أن ما قصصناه عليك من شأن هؤلاء الفتية، كان من بين آياتنا الدالة على ~~قدرتنا شيئا عجبا؟ لا، لا تظن ذلك فإن قدرتنا لا يعجزها شئ. ثم حكى - ~~سبحانه - ما قالوه عندما حطوا رحالهم فى الكهف فقال إذ أوى الفتية إلى ~~الكهف فقالوا { ربنآ آتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا ~~من أمرنا رشدا }. و " إذ " هنا ظرف ms3302 منصوب بفعل تقديره اذكر. و { ~~أوى } فعل ماض - من باب ضرب - تقول أوى فلان إلى مسكنه يأوى، إذا نزله ~~بنفسه. واستقر فيه. و { الفتية } جمع قلة لفتى. وهو وصف للإنسان عندما ~~يكون فى مطلع شبابه. وقوله { وهيىء لنا من أمرنا } من ~~التهيئة بمعنى تيسير الأمر وتقريبه وتسهيله حتى لا يخالطه عسر أو مشقة. # والمراد بالأمر هنا ما كانوا عليه من تركهم لأهليهم ومساكنهم، ومن ~~مفارقتهم لما كان عليه أعداؤهم من عقائد فاسدة. والرشد الاهتداء إلى ~~الطريق المستقيم مع البقاء عليه. وهو ضد الغى. يقال رشد فلان يرشد رشدا ~~ورشادا، إذا أصاب الحق. أى واذكر - أيها الرسول الكريم - للناس ليعتبروا، ~~وقت أن خرج هؤلاء الفتية من مساكنهم، تاركين كل شئ خلفهم من أجل سلامة ~~عقيدتهم فالتجأوا إلى الكهف، واتخذوه مأوى لهم، وتضرعوا إلى خالقهم ~~قائلين يا ربنا آتنا من لدنك رحمة، تهدى بها قلوبنا، وتصلح بها شأننا، ~~وترد بها الفتن عنا، كما نسألك يا ربنا أن تهيئ لنا من أمرنا الذى نحن ~~عليه - وهو فرارنا بديننا. وثباتنا على إيماننا - ما يزيدنا سدادا ~~وتوفيقا لطاعتك. وقال - سبحانه - { إذ أوى الفتية.. } بالإظهار ~~- مع أنه قد سبق الحديث عنهم بأنهم أصحاب الكهف لتحقيق ما كانوا عليه من ~~فتوة، وللتنصيص على وصفهم الدال على قلتهم، وعلى أنهم شباب فى مقتبل ~~أعمارهم، ومع ذلك ضحوا بكل شئ فى سبيل عقيدتهم. والتعبير بالفعل { أوى } ~~يشعر بأنهم بمجرد عثورهم على الكهف. ألقوا رحالهم فيه واستقروا به ~~استقرار من عثر على ضالته، وآثروه على مساكنهم المريحة، لأنه واراهم عن ~~أعين القوم الظالمين. والتعبير بالفاء فى قوله - سبحانه - { فقالوا ~~ربنآ آتنا من لدنك رحمة.. } يدل على أنهم بمجرد استقرارهم ~~فى الكهف ابتهلوا إلى الله - تعالى - بهذا الدعاء الجامع لكل خير. ~~والتنوين فى قوله { رحمة } للتهويل والتنويع. أى آتنا يا ربنا من عندك ~~وحدك لا من غيرك. رحمة عظيمة شاملة لجميع أحوالنا وشئوننا. فهى تشمل ~~الأمان فى المنزل، والسعة فى الرزق والمغفرة للذنب. قال القرطبى ما ملخصه ~~هذه الآية صريحة فى ms3303 الفرار بالدين وهجرة الأهل والأوطان.. خوف الفتنة، ~~ورجاء السلامة بالدين والنجاة من فتنة الكافرين... ثم بين - سبحانه - ما ~~حدث لهؤلاء الفتية بعد أن لجأوا إلى الكهف، وبعد أن دعوا الله بهذا ~~الدعاء الشامل لكل خير. فقال { فضربنا على آذانهم في ~~الكهف سنين عددا }. وأصل الضرب فى كلام العرب يرجع إلى معنى ~~التقاء ظاهر جسم، بظاهر جسم آخر بشدة. يقال ضرب فلان بيده الأرض إذا ~~ألصقها بها بشدة، وتفرعت عن هذا المعنى معان أخرى ترجع إلى شدة اللصوق. ~~والمراد بالضرب هنا النوم الطويل الذى غشاهم الله - تعالى - به فصاروا لا ~~يحسون شيئا مما حولهم، ومفعول ضربنا محذوف. والمعنى بعد أن استقر هؤلاء ~~الفتية فى الكهف، وتضرعوا إلينا بهذا الدعاء العظيم، ضربنا على آذانهم ~~وهم فى الكهف حجابا ثقيلا مانعا من السماع، فصاروا لا يسمعون شيئا ~~يوقظهم، واستمروا فى نومهم العميق هذا { سنين } ذات عدد كثير، بينها - ~~سبحانه - بعد ذلك فى قوله { ولبثوا في كهفهم ثلاث مئة ~~سنين وازدادوا تسعا }. # وخص - سبحانه - الآذان بالضرب، مع أن مشاعرهم كلها كانت محجوبة عن ~~اليقظة، لأن الآذان هى الطريق الأول للتيقظ. ولأنه لا يثقل النوم إلا ~~عندما تتعطل وظيفة السمع. # " وقد ورد أن النبى صلى الله عليه وسلم عندما علم أن رجلا لا يستيقظ ~~مبكرا أن قال فى شأنه " ذلك رجل قد بال الشيطان فى أذنه " " # أى فمنعها من التبكير واليقظة قبل طلوع الشمس. والتعبير بالضرب - كما ~~سبق أن أشرنا - للدلالة على قوة المباشرة، وشدة اللصوق واللزوم، ومنه ~~قوله تعالى - # وضربت عليهم الذلة والمسكنة # أى التصقتا بهم التصاقا لا فكاك لهم منه، ولا مهرب لهم عنه. ثم بين - ~~سبحانه - ما حدث لهم بعد هذا النوم الطويل فقال { ثم بعثناهم ~~لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا }. وأصل ~~البعث فى اللغة إثارة الشئ من محله وتحريكه بعد سكون. ومنه قولهم بعث ~~فلان الناقة - إذا أثارها من مبركها للسير، ويستعمل بمعنى الإيقاظ وهو ~~المقصود هنا من قوله { بعثناهم } أى أيقظناهم بعد رقادهم الطويل. وقوله { ~~لنعلم أي الحزبين ms3304 } بيان للحكمة التى من أجلها أيقظهم الله ~~من نومهم. وكثير من المفسرين على أن الحزبين أحدهما أصحاب الكهف والثانى ~~أهل المدينة الذين أيقظ الله أهل الكهف من رقادهم فى عهدهم، وكان عندهم ~~معرفة بشأنهم. وقيل هما حزبان من أهل المدينة الذين بعث هؤلاء الفتية فى ~~زمانهم، إلا أن أهل هذه المدينة كان منهم حزب مؤمن وآخر كافر. وقيل هما ~~حزبان من المؤمنين كانوا موجودين فى زمن بعث هؤلاء الفتية، وهذان الحزبان ~~اختلفوا فيما بينهم فى المدة التى مكثها هؤلاء الفتية رقودا. والذى ~~تطمئن إليه النفس أن الحزبين كليهما من أصحاب الكهف، لأن الله - تعالى - ~~قد قال بعد ذلك - { وكذلك بعثناهم } أى الفتية { قال قائل منهم ~~كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ~~ربكم أعلم بما لبثتم.. }. قال الآلوسى { ثم بعثناهم } أى ~~أيقظناهم وأثرناهم من نومهم { لنعلم أي الحزبين } أى منهم، ~~وهم القائلون { لبثنا يوما أو بعض } والقائلون { ربكم ~~أعلم بما لبثتم }. وقيل أحد الحزبين الفتية الذين ظنوا قلة ~~زمان لبثهم، والثانى أهل المدينة الذين بعث الفتية على عهدهم وكان عندهم ~~تاريخ غيبتهم.. والظاهر الأول لأن اللام للعهد، ولا عهد لغير من سمعت. ~~والمراد بالعلم فى قوله { لنعلم.. } إظهار المعلوم، أى ثم بعثناهم لنعلم ~~ذلك علما يظهر الحقيقة التى لا حقيقة سواها للناس. ويجوز أن يكون العلم ~~هنا بمعنى التمييز، أى ثم بعثناهم لنميز أى الحزبين أحصى لما لبثوا أبدا. # فهو من باب ذكر السبب وإرادة المسبب، إذ العلم سبب للتمييز. ولفظ { أحصى ~~} يرى صاحب الكشاف ومن تابعه أنه فعل ماض، ولفظ { أمدا } مفعوله، و " ما ~~" فى قوله { لما لبثوا } مصدرية، فيكون المعنى، ثم بعثناهم لنعلم أى ~~الحزبين أضبط أمدا - أى مدة - للبثهم فى الكهف. قال صاحب الكشاف و { أحصى ~~} فعل ماض، أى أيهم أضبط { أمدا } لأوقات لبثهم. فإن قلت فما تقول فيمن ~~جعله من أفعل التفضيل؟ قلت ليس بالوجه السديد، وذلك أن بناءه من غير ~~الثلاثى المجرد ليس بقياس.. والقياس على الشاذ فى غير القرآن ممتنع فكيف ~~به... ms3305 وبعضهم يرى أن لفظ { أحصى } صيغة تفضيل، وأن قوله { أمدا } منصوب ~~على أنه تمييز وفى إظهار هذه الحقيقة للناس، وهى أن الله - تعالى - قد ~~ضرب النوم على آذان هؤلاء الفتية ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا، ثم بعثهم ~~بعد ذلك دون أن يتغير حالهم، أقول فى إظهار هذه الحقيقة دليل واضح على ~~قدرة الله - تعالى - وعلى وجوب إخلاص العبادة له، وعلى أن البعث بعد ~~الموت حق لا ريب فيه. وبذلك تكون هذه الآيات قد ساقت لنا قصة أصحاب الكهف ~~على سبيل الإجمال والاختصار، ثم جاءت آيات بعد ذلك لتحكى لنا قصتهم على ~~سبيل التفصيل والبسط، وهذه الآيات هى قوله - تعالى - { نحن نقص ~~عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم ~~وزدناهم هدى... }. ### || [18.13-16] # أى " نحن " وحدنا يا محمد، نقص عليك وعلى أمتك خبر هؤلاء الفتية قصصا ~~لحمته وسداه والحق والصدق، لأنه قصص من ربك الذى لا يخفى عليه شئ فى ~~الأرض ولا فى السماء. وقوله { إنهم فتية آمنوا بربهم ~~وزدناهم هدى } كلام مستأنف جواب عن سؤال تقديره ما قصتهم وما ~~شأنهم بالتفصيل؟ أى إنهم فتية أخلصوا العبادة لخالقهم، وأسلموا وجوههم ~~لبارئهم، وآمنوا بربوبيته - سبحانه - إيمانا عمقيا ثابتا، فزادهم الله ~~ببركة هذا الإخلاص والثبات على الحق، هداية على هدايتهم، وإيمانا على ~~إيمانهم. وقوله - سبحانه - { نحن نقص عليك نبأهم ~~بالحق } إيماء إلى أن قصة هؤلاء الفتية كانت معروفة لبعض الناس، إلا ~~أن معرفتهم بها كانت مشوبة بالخرافات والأباطيل. قال ابن كثير ما ملخصه ~~ذكر الله - تعالى - أنهم كانوا فتية - أى شبابا -، وهم أقبل للحق من ~~الشيوخ، الذين عتوا فى دين الباطل، ولهذا كان اكثر المستجيبين لله ~~ولرسوله شبابا، وأما المشايخ من قريش، فعامتهم بقوا على دينهم، ولم يسلم ~~منهم إلا القليل. واستدل غير واحد من الأئمة كالبخارى وغيره بقوله { ~~وزدناهم هدى } إلى أن الإيمان يزيد وينقص... ثم حكى - سبحانه - جانبا من ~~مظاهر هدايته لهم فقال { وربطنا على قلوبهم إذ قاموا ~~}. وأصل الربط الشد، يقال، ربطت الدابة، أى شددتها برباط، والمراد به هنا ~~ما غرسه الله ms3306 فى قلوبهم من قوة، وثبات على الحق، وصبر على فراق أهليهم، ~~ومنه قولهم فلان رابط الجأش، إذا كان لا يفزع عند الشدائد والكروب. ~~والمراد بقيامهم عقدهم العزم على مفارقة ما عليه قومهم من باطل، وتصميمهم ~~على ذلك تصميما لا تزحزحه الخطوب مهما كانت جسيمة. ويصح أن يكون المراد ~~بقيامهم وقوفهم فى وجه ملكهم الجبار بثبات وقوة، دون أن يبالوا به عندما ~~أمرهم بعبادة ما يعبده قومهم، وإعلانهم دين التوحيد، ونبذهم لكل ما سواه ~~من شرك وضلال. قال القرطبى ما ملخصه قوله - تعالى - { إذ قاموا } يحتمل ~~ثلاثة معان. أحدها أن يكون هذا وصف مقامهم بين يدى الملك الكافر، وهو ~~مقام يحتاج إلى الربط على القلب حيث خالفوا دينه، ورفضوا ما دعاهم إليه. ~~والمعنى الثانى فيما قيل إنهم أولاد عظماء تلك المدينة فخرجوا واجتمعوا ~~وراءها من غير ميعاد، وتعاهدوا على عبادة الله وحده. والمعنى الثالث أن ~~يعبر بالقيام عن انبعاثهم بالعزم إلى الهروب إلى الله - تعالى - ومنابذة ~~الناس، كما تقول قام فلان إلى أمر كذا، إذا عزم عليه بغاية الجد. وعلى ~~أية حال فالجملة الكريمة تفيد أن هؤلاء الفتية كانت قلوبهم ثابتة راسخة، ~~مطمئنة إلى الحق الذى اهتدت إليه، معتزة بالإيمان الذى أشربته، مستبشرة ~~بالإخاء الذى جمع بينها على غير ميعاد، وصدق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذ يقول # " الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ". # ثم حكى - سبحانه - ما قالوه بعد أن استقر الإيمان فى نفوسهم فقال { ~~فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من ~~دونه إلها.. }. أى أعلنوا براءتهم من كل خضوع لغير الله - عز وجل ~~- حين قاموا فى وجه أعدائهم، وقالوا بكل شجاعة وجرأة ربنا - سبحانه - هو ~~رب السماوات والأرض، وهو خالقهما وخالق كل شئ، ولن نعبد سواه أى معبود ~~آخر. ونفوا عبادتهم لغيره - سبحانه - بحرف - " لن " للإشعار بتصميمهم ~~على ذلك فى كل زمان وفى كل مكان، إذ النفى بلن أبلغ من النفى بغيرها. قال ~~الآلوسى وقد يقال إنهم أشاروا بالجملة الأولى - وهى ربنا ms3307 رب السماوات ~~والأرض - إلى توحيد الربوبية، وأشاروا بالجملة الثانية - لن ندعو من دونه ~~إلها - إلى توحيد الألوهية، وهما أمران متغايران، وعبدة الأوثان لا ~~يقولون بهذا، ويقولون بالأول # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله # وحكى - سبحانه - عنهم أنهم يقولون # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # وصح أنهم كانوا يقولون لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك. ~~وقوله - سبحانه - { لقد قلنا إذا شططا } تأكيد لبراءتهم من ~~كل عبادة لغير الله - تعالى -. والشطط مصدر معناه مجاوزة الحد فى كل شئ، ~~ومنه أشط فلان فى السوم إذا جاوز الحد، وأشط فى الحكم إذا جاوز حدود ~~العدل وهو صفة لموصوف محذوف، وفى الكلام قسم مقدر، واللام فى " لقد " ~~واقعة فى جوابه، و " إذا " حرف جواب وجزاء فتدل على شرط مقدر. أى ربنا رب ~~السماوات والأرض، لن ندعو من دونه إلها. ولو فرض أننا دعونا وعبدنا من ~~دونه إلها آخر، والله لنكونن فى هذه الحالة قد قلنا إذا قولا شططا، أى ~~بعيدا بعدا واضحا عن دائرة الحق والصواب. والأية الكريمة تدل على قوة ~~إيمان هؤلاء الفتية، وعلى أن من كان كذلك ثبت الله - تعالى - قلبه، وقواه ~~على تحمل الشدائد، كما تدل على أن من أشرك مع الله - تعالى - إلها آخر، ~~يكون بسبب هذا الإشراك، قد جاء بأمر شطط بعيد كل البعد عن الحق والصواب ~~وصدق الله إذ يقول # ومن يشرك بالله فكأنما خر من السمآء ~~فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق # ثم حكى - سبحانه - عن هؤلاء الفتية أنهم لم يكتفوا بإعلان إيمانهم ~~الصادق، بل أضافوا إلى ذلك استنكارهم لما عليه قومهم من شرك فقال { ~~هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا ~~يأتون عليهم بسلطان بين. # . }. و { هؤلاء } مبتدأ، و { قومنا } عطف بيان، وجملة { اتخذوا من ~~دونه آلهة } هى الخبر. و " لولا " للتحضيض، وهو الطلب بشدة ~~والمقصود بالتحضيض هنا الإنكار والتعجيز، إذ من المعلوم أن قومهم لن ~~يستطيعوا أن يقيموا الدليل على صحة ما هم عليه من ms3308 شرك. والمراد بالسلطان ~~البين الحجة الواضحة. أى أن أولئك الفتية بعد أن اجتمعوا، وتعاهدوا على ~~عبادة الله - تعالى - وحده، ونبذ الشرك والشركاء قالوا على سبيل الإنكار ~~والاحتقار لما عليه قومهم هؤلاء قومنا بلغ بهم السفه والجهل، أنهم اتخذوا ~~مع الله - تعالى - أصناما يشركونها معه فى العبادة، هلا أتى هؤلاء ~~السفهاء بحجة ظاهرة تؤيد دعواهم بأن هذه الأصنام تصلح آلهة لا شك أنهم لن ~~يستطيعوا ذلك. قال صاحب الكشاف وقوله { لولا يأتون عليهم ~~بسلطان بين } تبكيت لأن الإتيان بالسلطان على صحة عبادة ~~الأوثان محال، وهو دليل على فساد التقليد، وأنه لا بد فى الدين من حجة ~~حتى يصح ويثبت. وشبيه بهذه الآية فى تعجيز المشركين وتجهيلهم قوله تعالى # قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنآ إن تتبعون ~~إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون # وقوله - سبحانه - # قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا ~~خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني ~~بكتاب من قبل هذآ أو أثارة من علم إن كنتم ~~صادقين # ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على تكذيبهم لقومهم، ووصفهم ~~إياهم بالظلم فقال { فمن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا }. أى لا أحد أشد ظلما من قوم افتروا على الله - تعالى- الكذب، ~~حيث زعموا أن له شريكا فى العبادة والطاعة، مع انه - جل وعلا - منزه عن ~~الشريك والشركاء # ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين # ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما تناجوا به فيما بينهم، بعد أن وضح موقفهم ~~وضوحا صريحا حاسما، وبعد أن أعلنوا كلمة التوحيد بصدق وقوة.. فقال - ~~تعالى - { وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله ~~فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ~~ويهيئ لكم من أمركم مرفقا }. و " إذ " يبدو أنها ~~هنا للتعليل. والاعتزال تجنب الشئ سواء أكان هذا التجنب بالبدن أم ~~بالقلب. و " ما " فى قوله { وما يعبدون إلا الله } اسم ~~موصول فى محل نصب معطوف على الضمير فى قوله { اعتزلتموهم } وقوله { إلا ~~الله } استثناء متصل، بناء على أن القوم كانوا يعبدون ms3309 الله - تعالى - ~~ويشكرون معه فى العبادة الأصنام. و " من " قالوا إنها بمعنى البدلية. ~~وقوله { مرفقا } من الارتفاق بمعنى الانتفاع، وقرأ نافع وابن عامر مرفقا ~~- بفتح الميم وكسر الفاء. # والمعنى أن هؤلاء الفتية بعد أن أعلنوا كلمة التوحيد، وعقدوا العزم على ~~مفارقة قومهم المشركين تناجوا فيما بينهم وقالوا ولأجل ما أنتم مقدمون ~~عليه من اعتزالكم لقومكم الكفار، واعتزالكم الذى يعبدونه من دون الله ~~لأجل ذلك فالجأوا إلى الكهف، واتخذوه مأوى ومستقرا لكم، ينشر لكم ربكم ~~الكثير من الخير بفضله ورحمته، ويهيئ لكم بدلا من أمركم الصعب. أمرا آخر ~~فيه اليسر والنفع. وفى التعبير بقولهم - كما حكى القرآن عنهم.. { ~~ينشر لكم ربكم من رحمته.. } دلالة واضحة على صدق ~~إيمانهم وحسن ظنهم الذى لا حدود له، بربهم - عز وجل - فهم عندما فارقوا ~~أهليهم وأموالهم وزينة الحياة، وقرروا اللجوء إلى الكهف الضيق الخشن ~~المظلم.. لم ييأسوا من رحمة الله، بل أيقنوا أن الله - تعالى - سيرزقهم ~~فيه الخير الوفير، وييسر لهم ما ينتفعون به، ببركة إخلاصهم وصدق إيمانهم. ~~وهكذا الإيمان الصادق، يجعل صاحبه يفضل المكان الخالى من زينة الحياة، ~~من أجل سلامة عقيدته، على المكان الملئ باللين والرخاء الذى يحس فيه ~~بالخوف على عقيدته. فالآية الكريمة تدل على أن اعتزال الكفر والكافرين من ~~أجل حماية الدين، يؤدى إلى الظفر برحمة الله وفضله وعطائه العميم وصدق ~~الله إذ يقول فى شأن إبراهيم - عليه السلام - # وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي ~~عسى ألا أكون بدعآء ربي شقيا فلما اعتزلهم ~~وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ~~ويعقوب وكلا جعلنا نبيا ووهبنا لهم من ~~رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا # ثم تنتقل السورة الكريمة إلى الحديث عن أحوال هؤلاء الفتية بعد أن ~~استقروا فى الكهف وبعد أن ألقى الله - تعالى - عليهم بالنوم الطويل فتقول ~~{ وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات ~~اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في ~~فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو ~~المهتد ومن يضلل فلن تجد ms3310 له وليا مرشدا... }. ### || [18.17-18] # قال الآلوسى " قوله { وترى الشمس.. } بيان لحالهم بعد ما أووا إلى ~~الكهف.. والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن يصلح، وهو ~~للمبالغة فى الظهور، وليس المراد الإخبار بوقوع الرؤية، بل المراد ~~الإخبار بكون الكهف لو رأيته ترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات ~~اليمين... ". وقوله { تزاور } من الزور بمعنى الميل. ومنه قولهم زار فلان ~~صديقه، أى مال إليه. ومنه شهادة الزور، لأنها ميل عن الحق إلى الباطل. ~~ويقال فلان أزور، إذا كان مائل الصدر، ويقال تزاور فلان عن الشئ، إذا ~~انحرف عنه. وفى هذا اللفظ ثلاث قراءات سبعية. فقد قرأ ابن عامر { تزور } ~~بزنة تحمر. وقرأ الكوفيون - عاصم وحمزة والكسائى - { تزاور } بفتح الزاى ~~- وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو { تزاور } بتشديد الزاى -. وأصله ~~تتزاور فحذفت إحدى التاءين تخفيفا. ومعنى { تقرضهم } تقطعهم وتتجاوزهم ~~وتتركهم، من القرض بمعنى القطع والصرم، يقال قرض المكان، أى عدل عنه ~~وتركه. والمعنى إنك - أيها المخاطب - لو رأيت أهل الكهف، لرأيتهم على هذه ~~الصورة، وهى أن الشمس إذا طلعت من مشرقها، مالت عن كهفهم جهة اليمين، ~~وإذا غربت، تراها عند غروبها، تميل عنهم كذلك، فهى فى الحالتين لا تصل ~~إليهم، حماية من الله - تعالى - لهم، حتى لا تؤذيهم بحرها، بأن تغير ~~ألوانهم، وتبلى ثيابهم. وقوله { وهم في فجوة منه } جملة ~~حالية. أى والحال أنهم فى مكان متسع من الكهف وهو وسطه، والفجوة هى ~~المكان المتسع، مأخوذة من الفجا، وهو تباعد ما بين الفخذين، ومنه قولهم ~~رجل أفجى، وامرأة فجواء. وللمفسرين فى تأويل هذه الآية اتجاهان لخصهما ~~الإمام الرازى فقال " للمفسرين هنا قولان أولهما أن باب ذلك الكهف كان ~~مفتوحا إلى جانب الشمال، فإذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف، وإذا غربت ~~كانت على شماله، فضوء الشمس ما كان يصل إلى داخل الكهف، وكان الهواء ~~الطيب والنسيم الموافق يصل. والثانى يرى أصحابه أنه ليس المراد ذلك، ~~وإنما المراد أن الشمس إذا طلعت منع الله - تعالى - ضوءها من الوقوع ~~عليهم، ms3311 وكذا القول فى حال غروبها، وكان ذلك فعلا خارقا للعادة، وكرامة ~~عظيمة خص الله بها أصحاب الكهف.. ". ومن هذين الرأيين يتبين لنا أن أصحاب ~~الرأى الأول، يرجعون عدم وصول حر الشمس إلى هؤلاء الفتية إلى أسباب ~~طبيعية حماهم الله - تعالى - بها ومن بينها أن الكهف كان مفتوحا إلى جهة ~~الشمال. أما أصحاب الرأى الثانى فيردون عدم وصول أشعة الشمس إليهم إلى ~~أسباب غير طبيعية، بمعنى أن الفتية كانوا فى متسع من الكهف، أى فى مكان ~~تصيبه الشمس، إلا أن الله - تعالى - بقدرته التى لا يعجزها شئ، منع ضوء ~~الشمس وحرها من الوصول إليهم، خرقا للعادة على سبيل التكريم لهم. # ومع وجاهة الرأيين، إلا أن النفس أميل إلى الرأى الثانى، لأن قوله - ~~تعالى - { وهم في فجوة منه } يشير إلى أنهم مع اتساع المكان ~~الذى ينامون فيه - وهو الفجوة - لا تصيبهم الشمس لا عند الطلوع ولا عند ~~الغروب، وهذا أمر خارق للعادة، ويدل على عجيب حالهم، كما أن قوله - تعالى ~~- بعد ذلك { ذلك من آيات الله } يشعر بأن أمر هؤلاء الفتية فيه ~~غرابة، وليس أمرا عاديا مألوفا. قال الآلوسى " وأكثر المفسرين على أنهم ~~لم تصبهم الشمس أصلا، وإن اختلفوا فى منشأ ذلك واختار جمع منهم، أنه لمحض ~~حجب الله - تعالى - الشمس على خلاف ما جرت به العادة، والإشارة تؤيد ذلك ~~أتم تأييد، والاستبعاد مما لا يلتفت إليه، لا سيما فيما نحن فيه، فإن شأن ~~أصحاب الكهف كله على خلاف العادة.. ". وعلى هذا الرأى الثانى يكون اسم ~~الإشارة فى قوله { ذلك من آيات الله } إلى ما فعله الله - ~~تعالى - معهم، من حجب ضوء الشمس عنهم مع أنهم فى متسع من الكهف. أى ذلك ~~الذى فعلناه معهم من آياتنا الدالة على قدرتنا الباهرة، وإرادتنا التى لا ~~يعجزها شئ. وأما على الرأى الأول فيكون اسم الاشارة مرجعه إلى ما سبق من ~~الحديث عنهم، كهدايتهم إلى التوحيد، وإخراجهم من بين عبدة الأوثان، ~~ولجوئهم إلى الكهف، وجعل باب الكهف على تلك الكيفية، إلى غير ذلك مما ذكر ms3312 ~~- سبحانه - عنهم. أى ذلك الذى ذكرناه لك عنهم - أيها الرسول الكريم - هو ~~من آيات الله الدالة على وحدانيته وقدرته. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله ~~{ من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد ~~له وليا مرشدا }. أى من يهده الله إلى طريق الحق، ويوفقه إلى ~~الصواب، فهو المهتد، أى فهو الفائز بالحظ الأوفر فى الدارين، ومن يضلله ~~الله - تعالى - عن الطريق المستقيم، فلن تجد له - يا محمد - نصيرا ينصره، ~~ومرشدا يرشده إلى طريق الحق. كما قال تعالى- # من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك ~~هم الخاسرون # وكما قال - سبحانه - # ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد ~~لهم أوليآء من دونه... # ثم صور - سبحانه - بعد ذلك مشهدا عجيبا من أحوال هؤلاء الفتية فقال { ~~وتحسبهم أيقاظا وهم رقود... }. والحسبان بمعنى الظن، ~~والأيقاظ جمع يقظ وهو ضد النائم، والرقود جمع راقد والمراد به هنا ~~النائم. # أى وتظنهم - أيها المخاطب لو قدر لك أن تراهم - أيقاظا منتبهين، والحال ~~أنهم رقود أى نيام. وقالوا وسبب هذا الظن والحسبان، أن عيونهم كانت ~~مفتوحة، وأنهم كانوا يتقلبون من جهة إلى جهة، كما قال - تعالى - بعد ذلك ~~{ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال }. أى ونحركهم وهم ~~رقود إلى الجهة التى تلى أيمانهم، وإلى الجهة التى تلى شمائلهم، رعاية ~~منا لأجسامهم حتى لا تأكل الأرض شيئا منها بسبب طول رقادهم عليهم. وعدد ~~مرات هذا التقليب لا يعلمه إلا الله - تعالى - وما أورده المفسرون فى ذلك ~~لم يثبت عن طريق النقل الصحيح، لذا ضربنا صفحا عنه. ثم بين - سبحانه - ~~حالة - كلبهم فقال { وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد }. ~~والمراد بالوصيد - على الصحيح - فناء الكهف قريبا من الباب، أو هو من ~~الباب نفسه، ومنه قول الشاعر بأرض فضاء لا يسد وصيدها. أى لا يسد بابها. ~~أى وكلبهم الذى كان معهم فى رحلتهم ماد ذراعيه بباب الكهف حتى لكأنه ~~يحرسهم ويمنع من الوصول إليهم. وما ذكره بعض المفسرين هنا عن اسم الكلب ~~وصفاته، لم نهتم بذكره لعدم فائدته. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله ms3313 { ~~لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت ~~منهم رعبا }. أى. لو عاينتهم وشاهدتهم - أيها المخاطب - لأعرضت ~~بوجهك عنهم من هول ما رأيت. ولملئ قلبك خوفا ورعبا من منظرهم. وقد أخذ ~~العلماء من هذه الآية أحكاما منها أن صحبة الأخيار لها من الفوائد ما ~~لها. قال ابن كثير - رحمه الله - ربض كلبهم على الباب كما جرت به عادة ~~الكلاب وهذا من سجيته وطبيعته حيث يربض ببابهم كأنه يحرسهم، وكان جلوسه ~~خارج الباب. لأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب - كما ورد فى الصحيح.. ~~وشملت كلبهم بركتهم، فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال، وهذا ~~فائدة صحبة الأخيار، فإنه صار لهذا الكلب ذكر وخبر وشأن. وقال القرطبى - ~~رحمه الله - ما ملخصه قال ابن عطية وحدثنى أبى قال سمعت أبا الفضل ~~الجوهرى فى جامع مصر يقول على منبر وعظه سنة تسع وستين وأربعمائة إن من ~~أحب أهل الخير نال من بركتهم، كلب أحب أهل فضل وصحبهم فذكره الله فى محكم ~~تنزيله. قلت - أى القرطبى - إذا كان بعض الكلام نال هذه الدرجة العليا ~~بصحبة ومخالطة الصلحاء والأولياء حتى أخبر الله بذلك فى كتابه، فما ظنك ~~بالمؤمنين المخالطين المحبين للأولياء. والصالحين!! بل فى هذا تسلية وأنس ~~للمؤمنين المقصرين عن درجات الكلمات المحبين للنبى صلى الله عليه وسلم ~~وآله خير آله. روى فى الصحيح # " عن أنس قال بينا أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم خارجان من المسجد، ~~فلقينا رجل عند سدة المسجد، فقال يا رسول الله. متى الساعة؟ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم " ما أعددت لها؟ " قال فكأن الرجل استكان، ثم ~~قال يا رسول الله، ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكنى ~~أحببت الله ورسوله قال صلى الله عليه وسلم " فأنت مع من أحببت " # وفى رواية قال أنس # " فما فرحنا بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبى صلى الله عليه وسلم " ~~فأنت مع من أحببت ". قال أنس. فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر، فأرجو ~~أن أكون معهم، وإن ms3314 لم أعمل بأعمالهم ". # قلت وهذا الذى تمسك به أنس يشمل من المسلمين كل ذى نفس، فلذلك تعلقت ~~أطماعنا بذلك، وإن كنا مقصرين، ورجونا رحمة الرحمن، وإن كنا غير ~~مستأهلين. ثم حكى - سبحانه - حال هؤلاء الفتية بعد أن أعاد إليهم الحياة، ~~فذكر بعض أقوالهم فيما بينهم فقال - تعالى - { وكذلك بعثناهم ~~ليتسآءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم ~~قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم ~~أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم ~~هذه إلى المدينة فلينظر أيهآ أزكى طعاما ~~فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن ~~بكم أحدا... }. ### || [18.19-20] # وقوله - سبحانه - { وكذلك بعثناهم ليتسآءلوا ~~بينهم } ، بيان للعلة التى من أجلها بعث أصحاب الكهف من نومهم ~~الطويل. أى وكما أنمناهم تلك المدة الطويلة، بعثناهم من نومهم بعدها، ~~ليسأل بعضهم بعضا، وكأنهم قد أحسوا بأن نومهم قد طال. والاقتصار على ~~التساؤل الذى حصل الإيقاظ من أجله، لا ينفى أن يكون هناك أسباب أخرى ~~غيره حصل من أجلها إيقاظهم، وإنما أفرده - سبحانه - بالذكر لاستتباعه ~~لسائر الآثار الأخرى. ثم حكى - سبحانه - بعض تساؤلهم فقال { قال ~~قائل منهم كم لبثتم } أى كم مكثتم مستغرقين فى النوم فى ~~هذا الكهف. فأجابه بعضهم بقوله { لبثنا يوما } لظنهم أن الشمس قد غربت، ~~فلما رأوها لم تغرب بعد قالوا { أو بعض يوم } أى مكثنا نائمين ~~بعض ساعات اليوم. ويصح أن تكون أو للشك. أى قال بعضهم فى الرد على سؤال ~~السائل كم لبثتم، لبثنا فى النوم يوما أو بعض يوم، لأننا لا ندرى على ~~الحقيقة كم مكثنا نائمين. ثم حكى القرآن أن بعضهم رد علم مقدار مدة ~~نومهم على جهة اليقين إلى الله - تعالى - فقال { قالوا ربكم ~~أعلم بما لبثتم } أى ربكم وحده هو العليم بمقدار الزمن الذى ~~قضيتموه نائمين فى هذا الكهف. قال الآلوسى وهذا رد منهم على الأولين، على ~~أحسن ما يكون من مراعاة حسن الأدب، وبه كما قيل يتحقق التحزب إلى الحزبين ~~المعهودين فيما سبق فى قوله - تعالى - # لنعلم أي الحزبين # وقال بعضهم وقد استدل ابن عباس على أن ms3315 عدد الفتية سبعة بهذه الآية، لأنه ~~قد قال فى الآية قال قائل منهم، وهذا واحد، وقالوا فى جوابه لبثنا يوما، ~~أو بعض يوم وهو جمع وأقله ثلاثة، ثم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم، وهذا قول ~~جمع آخرين فصاروا سبعة. ثم بين - سبحانه - ما قالوه بعد أن تركوا الحديث ~~فى مسألة الزمن الذى قضوه نائمين فى الكهف فقال - تعالى - { فابعثوا ~~أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر ~~أيهآ أزكى طعاما فليأتكم برزق منه ~~وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا }. أى كفوا عن الحديث ~~فى مسألة المدة التى نمتموها، فعلمها عند الله، وابعثوا أحدكم { بورقكم ~~}. أى بدراهمكم المضروبة من الفضة، { إلى المدينة } التى يوجد بها الطعام ~~الذى نحن فى حاجة إليه، والتى هى أقرب مكان إلى الكهف. قالوا والمراد بها ~~مدينتهم التى كانوا يسكنونها قبل أن يلجأوا إلى الكهف فرارا بدينهم. { ~~فلينظر أيهآ أزكى طعاما } أى ومتى وصل إلى المدينة، ~~فليتفقد أسواقها، وليتخير أى أطعمتها أحل وأطهر وأجود وأكثر بركة. { ~~فليأتكم برزق منه وليتلطف } أى فليأتكم بما يسد ~~جوعكم من ذلك الأزكى طعاما، فيكون الضمير فى " منه " للطعام الأزكى. # ويصح أن يكون للدراهم المضروبة المعبر عنها { بورقكم } ، أى فليأتكم ~~بدلا منها بطعام تأكلونه، وليتلطف، أى وليتكلف اللطف فى الاستخفاء، ~~والدقة فى استعمال الحيل حال دخوله وخروجه من المدينة، حتى لا يعرفه أحد ~~من أهلها. { ولا يشعرن بكم أحدا } أى ولا يفعلن فعلا يؤدى ~~إلى معرفة أحد من أهل المدينة بنا. وقوله { إنهم إن يظهروا ~~عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن ~~تفلحوا إذا أبدا } تعليل للأمر والنهى السابقين. أى قولوا لمن ~~تختارونه لشراء طعامكم من المدينة عليه أن يتخير أزكى الطعام، وعليه كذلك ~~أن لا يخبر أحدا بأمركم من أهل المدينة، لأنهم { إن يظهروا ~~عليكم } أى يطلعوا عليكم. أو يظفروا بكم. وأصل معنى ظهر. أى صار على ~~ظهر الأرض. ولما كان ما عليها مشاهدا متمكنا منه، استعمل تارة فى ~~الاطلاع، وتارة فى الظفر والغلبة، وعدى بعلى. { يرجموكم } أى إن يعرفوا ~~مكانكم، يرجموكم بالحجارة حتى ms3316 تموتوا { أو يعيدوكم في ~~ملتهم } الباطلة التى نجاكم الله - تعالى - منها. { ولن ~~تفلحوا إذا أبدا } أى وإن عدتم إليها بعد إذ نجاكم الله - ~~تعالى - منها وعصمكم من اتباعها، فلن تفلحوا إذا أبدا، لا فى الدنيا ولا ~~فى الآخرة. وهكذا نجد هاتين الآيتين تصوران لنا بأسلوب مؤثر بليغ حال ~~الفتية وهم يتناجون فيها بينهم، بعد أن استيقظوا من رقادهم الطويل. ~~ونراهم فى تناجيهم - بعد أن تركوا الحديث عن المدة التى لبثوها فى نومهم ~~- نراهم حذرين خائفين، ولا يدرون أن الأعوام قد كرت. وأن عجلة الزمن قد ~~دارت، وأن أجيالا قد تعاقبت، وأن مدينتهم التى يعرفونها قد تغيرت ~~معالمها. وأن أعداءهم الكافرين قد زالت دولتهم. ثم تمضى السورة الكريمة ~~لتحدثنا عن مشهد آخر من أحوال هؤلاء الفتية. مشهد تتجلى فيه قدرة الله ~~- تعالى - على أبلغ وجه، كما تتجلى فيه حكمته ووحدانيته، استمع إلى ~~القرآن الكريم وهو يحدثنا عن ذلك فيقول { وكذلك أعثرنا ~~عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن ~~الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم ~~فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم ~~قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم ~~مسجدا }. ### || [18.21] # فقوله - سبحانه - { وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا ~~أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها } بيان ~~للحكمة التى من أجلها أطلع الله - تعالى - الناس على هؤلاء الفتية. قال ~~الآلوسى ما ملخصه وأصل العثور السقوط للوجه، يقال عثر عثورا وعثارا إذا ~~سقط لوجهه، ومنه قولهم فى المثل الجواد لا يكاد يعثر. ثم تجوز به فى ~~الاطلاع على أمر من غير طلبه. وقال بعضهم لما كان كل عاثر ينظر إلى موضع ~~عثرته، ورد العثور بمعنى الاطلاع والعرفان، فهو فى ذلك مجاز مشهور بعلاقة ~~السببية. ومفعول { أعثرنا } محذوف لقصد العموم، أى وكذلك أطلعنا الناس ~~عليهم،. والمعنى وكما أنمناهم تلك المدة الطويلة، وبعثناهم هذا البعث ~~الخاص، أطلعنا الناس عليهم ليعلم هؤلاء الناس عن طريق المعاينة ~~والمشاهدة، { أن وعد الله } بالبعث { حق } وصدق وليعلموا كذلك ~~أن الساعة، أى القيامة، آتية لا ريب فيها، ولا ms3317 شك فى حصولها، فإن من شاهد ~~أهل الكهف، وعرف أحوالهم، أيقن بأن من كان قادرا على إنامتهم تلك المدة ~~الطويلة ثم على بعثهم بعد ذلك. فهو قادر على إعادة الحياة إلى الموتى، ~~وعلى بعث الناس يوم القيامة للحساب والجزاء. وقد ذكروا فى كيفية إطلاع ~~الناس عليهم روايات ملخصها " أن زميلهم الذى أرسلوه بالدراهم إلى السوق ~~ليشترى لهم طعاما عندما وصل إلى سوق المدينة، عمد إلى رجل ممن يبيع ~~الطعام، فدفع إليه ما معه من نقود لكى يأخذ فى مقابلها طعاما، فلما رأى ~~البائع النقود أنكرها - لأنها مصنوعة منذ زمن بعيد - وأخذ يطلع عليها ~~بقية التجار، فقالوا له أين وجدت هذه الدراهم؟ فقال لهم بعت بها أمس شيئا ~~من التمر، وأنا من أهل هذه المدينة، وقد خرجت أنا وملائى إلى الكهف خوفا ~~من إيذاء المشركين لنا، فأخذوه إلى ملكهم وقصوا عليه قصته. فسر الملك به، ~~وذهب معه إلى الكهف ليرى بقية زملائه فلما رآهم سلم عليهم.. ثم أماتهم ~~الله - تعالى - ". ثم بين - سبحانه - ما كان من أمرهم بعد وفاتهم واختلاف ~~الناس فى شأنهم، فقال { إذ يتنازعون بينهم أمرهم ~~فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم ~~}. والظرف " إذ " متعلق بمحذوف تقديره اذكر، و { يتنازعون } من التنازع ~~بمعنى التخاصم والاختلاف، والضمير فى { أمرهم } يعود إلى الفتنة. والمعنى ~~لقد قصصنا عليك - أيها الرسول الكريم - قصة هؤلاء الفتية. وبينا لك ~~أحوالهم عند رقادهم، وبعد بعثهم من نومهم، وبعد الإعثار عليهم، وكيف أن ~~الذين عثروا عليهم صاروا يتنازعون فى شأنهم. فمنهم من يقول إنهم وجدوا فى ~~زمن كذا، ومنهم من يقول إنهم مكثوا فى كهفهم كذا سنة، ومنهم من يقول نبنى ~~حولهم بنيانا صفته كذا. # ويجوز أن يكون الضمير فى { أمرهم } يعود إلى الذين أطلعهم الله على ~~الفتية، فيكون المعنى اذكر وقت تنازع هؤلاء الذين عثروا على الفتية ~~وتخاصمهم فيما بينهم، حيث إن بعضهم كان مؤمنا. وبعضهم كان كافرا، وبعضهم ~~كان يؤمن ببعث الأرواح والأجساد، وبعضهم كان يؤمن ببعث الأجساد فقط. ~~وقوله - تعالى - { فقالوا ابنوا عليهم ms3318 بنيانا } تفسير ~~للمتنازع فيه، وبيان لما قاله بعض الذين اطلعوا على أمر الفتية. أى اختلف ~~الذين عثروا على الفتية فقال بعضهم ابنوا على باب كهفهم بنيانا. حتى لا ~~يصل الناس إليهم، وحتى نصونهم من الأذى. وقوله - تعالى - { ربهم ~~أعلم بهم } يحتمل أنه حكاية لكلام طائفة من المتنازعين فى شأن ~~أصحاب الكهف، وقد قالوه ليقطعوا النزاع فى شأنهم، وليفوضوا أمرهم إلى ~~الله - تعالى -. ويحتمل أن يكون من كلام الله - تعالى - ردا للخائضين فى ~~شأنهم. أى اتركوا أيها المتنازعون ما أنتم فيه من تنازع، فإنى أعلم منكم ~~بحال أصحاب الكهف. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { قال ~~الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم ~~مسجدا }. أى أن الذين أعثرهم الله على أصحاب الكهف قال بعضهم ابنوا ~~على هؤلاء الفتية بنيانا يسترهم.. وقال الذين غلبوا على أمرهم، وهم أصحاب ~~الكلمة النافذة، والرأى المطاع، لنتخذن على هؤلاء الفتية مسجدا، أى معبدا ~~تبركا بهم. قال الآلوسى واستدل بالاية على جواز البناء على قبور الصلحاء، ~~واتخاذ مسجد عليها، وجواز الصلاة فى ذلك وممن ذكر ذلك الشهاب الخفاجى فى ~~حواشيه على البيضاوى. وهو قول باطل عاطل، فاسد كاسد. فقد روى أحمد وأبو ~~داود والترمذى والنسائى وابن ماجه، عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج ". # وزاد مسلم # " ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد فإنى أنهاكم ~~عن ذلك ". # وروى الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.. ". # ثم حكت السورة بعد ذلك ما أثير من جدل حول عدد أصحاب الكهف وأمرت النبى ~~صلى الله عليه وسلم أن يكل ذلك إلى الله - تعالى - وحده، فقال - سبحانه - ~~{ سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة ~~سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة ~~وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما ~~يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مرآء ~~ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا }. ### || [18.22] # أى سيختلف - الناس ms3319 فى عدة أصحاب الكهف - أيها الرسول الكريم - فمن الناس ~~من سيقول إن عدتهم ثلاثة رابعهم كلبهم، ومنهم من يقول إنهم خمسة سادسهم ~~كلبهم. فالضمير فى قوله { سيقولون } وفى الفعلين بعده. يعود لأولئك ~~الخائضين فى قصة أصحاب الكهف وفى عددهم، على عهد النبى صلى الله عليه ~~وسلم. قال الجمل قيل إنما أتى بالسين فى هذا لأن فى الكلام طيا وإدماجا ~~تقديره فإذا أجبتهم عن سؤالهم عن قصة أهل الكهف، فسلهم عن عددهم فإنهم ~~سيقولون ثلاثة. ولم يأت بها فى بقية الأفعال، لأنها معطوفة على ما فيه ~~السين فأعطيت حكمه من الاستقبال. وقال صاحب الكشاف، فإن قلت لماذا جاء ~~بسين الاستقبال فى الأول دون الآخرين؟. قلت فيه وجهان أن تدخل الآخرين فى ~~حكم السين، كما تقول قد أكرم وأنعم. تريد معنى التوقع فى الفعلين جميعا، ~~وأن تريد بيفعل معنى الاستقبال الذى هو صالح له. وقوله، ثلاثة. خبر ~~لمبتدأ محذوف، أى هم ثلاثة. وقوله - تعالى - { رجما بالغيب } رد على ~~القائلين بأنهم ثلاثة رابعهم كلبهم، وعلى القائلين بأنهم خمسة سادسهم ~~كلبهم. وأصل الرجم الرمى بالحجارة، والمراد به هنا القول بالظن والحدس ~~والتخمين بدون دليل أو برهان. قال صاحب الكشاف قوله " { رجما بالغيب } ، ~~أى رميا بالخبر الخفى وإتيانا به. كقوله # ويقذفون بالغيب من مكان بعيد # أى يأتون به. أو وضع الرجم، موضع الظن فكأنه قيل ظنا بالغيب. لأنهم ~~أكثروا أن يقولوا رجم بالظن، مكان قولهم ظن. حتى لم يبق عندهم فرق بين ~~العبارتين. ألا ترى إلى قول زهير وما هو عنها بالحديث المرجم.. أى ~~المظنون ". وقوله { رجما } منصوب بفعل مقدر. والباء فى { بالغيب } ~~للتعدية. أى يرمون رميا بالخبر الغائب عنهم، والذى لا اطلاع لهم على ~~حقيقته، شأنهم فى ذلك شأن من يرمى بالحجارة التى لا تصيب المرمى المقصود. ~~ثم حكى - سبحانه - القول الذى هو أقرب الأقوال إلى الصواب فقال { ~~ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم }. أى وبعض الناس - وهم ~~المؤمنون - يقولون إن عدد أصحاب الكهف سبعة أفراد وثامنهم كلبهم. قال ابن ~~كثير - يقول - تعالى - مخبرا عن اختلاف ms3320 الناس فى عدة أصحاب الكهف. فحكى ~~ثلاثة أقوال، فدل على أنه لا قائل برابع. ولما ضعف القولين الأولين بقوله ~~{ رجما بالغيب }. أى قول بلا علم، كمن يرمى إلى مكان لا يعرفه، فإنه لا ~~يكاد يصيب. وإذا أصاب فبلا قصد، ثم حكى الثالث وسكت عليه أو قرره بقوله { ~~وثامنهم كلبهم } دل على صحته، وأنه هو الواقع فى نفس الأمر. وقال الآلوسى ~~ما ملخصه والجملة الواقعة بعد العدد فى قوله - تعالى - { ويقولون ~~سبعة وثامنهم كلبهم } فى موضع الصفة له، والواو الداخلة ~~على الجملة الواقعة صفة للنكرة، كما تدخل فى الواقعة حالا عن المعرفة فى ~~قولك جاءنى رجل ومعه آخر، ومررت بزيد وفى يده سيف، ومنه قوله - تعالى - # ومآ أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم # وفائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن اتصافه بها أمر ~~ثابت مستقر وهى التى أذنت هنا بأن قائلى ما ذكر، قالوه عن ثبات علم، ~~وطمأنينة نفس، ولم يرجموا بالظن كما رجم غيرهم فهو الحق دون القولين ~~الأولين.... ثم أمر الله - تعالى - النبى صلى الله عليه وسلم أن يخبر ~~الخائضين فى عدة أصحاب الكهف، بما يقطع التنازع الذى دار بينهم فقال { ~~قل ربي أعلم بعدتهم }. أى قل - أيها الرسول الكريم - لمن ~~خاضوا فى عدة أصحاب الكهف ربى - عز وجل - أقوى علما منكم بعدتهم - أيها ~~المتنازعون، فإنكم إن علمتم عنهم شيئا علما ظنيا. فإن علم ربى بهم هو علم ~~تفصيلى يقينى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. ثم أثبت - سبحانه - ~~علم عددهم لقليل من الناس فقال { ما يعلمهم إلا قليل } أى ~~ما يعلم عدة أصحاب الكهف إلا عدد قليل من الناس. ولا تعارض بين هذه ~~الجملة وبين سابقتها، لأن علم هذا العدد القليل من الناس بعدة أصحاب ~~الكهف، هو علم إجمالى ظنى.. أما علم الله - تعالى - فهو علم تفصيلى يقينى ~~شامل لجميع الأزمنة. فضلا عن أن علم هؤلاء القلة من الناس بعدة أصحاب ~~الكهف، نابع من إعلام الله - تعالى - لهم عن طريق الوحى كالرسول صلى الله ~~عليه ms3321 وسلم أو من يطلعه الرسول صلى الله عليه وسلم على عدتهم. قال ابن ~~عباس - رضى الله عنهما - أنا من أولئك القليل، كانوا سبعة، ثم ذكر ~~أسماءهم. ثم نهى الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم عن الجدال ~~المتعمق فى شأنهم، كما نهاه عن استفتاء أحد فى أمرهم فقال - تعالى - { ~~فلا تمار فيهم إلا مرآء ظاهرا ولا تستفت فيهم ~~منهم أحدا }. والمراء هو الجدال والمحاجة فيما فيه مرية، أى ~~تردد. مأخوذ من مريت الناقة إذا كررت مسح ضرعها للحلب. والاستفتاء طلب ~~الفتيا من الغير. والفاء فى قوله { فلا تمار } للتفريع. أى إذا كان الشأن ~~كما أخبرناك عن حال أصحاب الكهف، فلا تجادل فى أمرهم أحدا من الخائضين ~~فيه إلا جدالا واضحا لا يتجاوز حدود ما قصصناه عليك - أيها الرسول الكريم ~~- ولا تطلب الفتيا فى شأنهم من أحد، لأن ما قصصناه عليك من خبرهم، يغنيك ~~عن السؤال. وعن طلب الإيضاح من أهل الكتاب أو من غيرهم. ثم نهى الله - ~~تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم عن الإخبار عن فعل شئ فى المستقبل إلا ~~بعد تقديم مشيئة الله - عز وجل - فقال { ولا تقولن لشيء ~~إني فاعل ذلك غدا... }. ### || [18.23-24] # قال القرطبى قال العلماء عاتب الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم ~~على قوله للكفار حين سألوه عن الروح والفتية وذى القرنين غدا أخبركم ~~بجواب أسئلتكم، ولم يستثن فى ذلك. فاحتبس الوحى عنه خمسة عشر يوما حتى شق ~~ذلك عليه، وأرجف الكفار به، فنزلت عليه هذه السورة مفرجة. وأمر فى ~~هذه الآية ألا يقول فى أمر من الأمور إنى أفعل غدا كذا وكذا، إلا أن يعلق ~~ذلك بمشيئة الله - عز وجل - حتى لا يكون محققا لحكم الخبر، فإنه إذا قال ~~لأفعلن ذلك ولم يفعل كان كاذبا، وإذا قال، لأفعلن ذلك - إن شاء الله - ~~خرج عن أن يكون محققا للمخبر عنه. والمراد بالغد ما يستقبل من الزمان، ~~ويدخل فيه اليوم الذى يلى اليوم الذى أنت فيه دخولا أوليا. وعبر عما ~~يستقبل من الزمان بالغد للتأكيد. ms3322 أى ولا تقولن - أيها الرسول الكريم - ~~لأجل شئ تعزم على فعله فى المستقبل إنى فاعل ذلك الشئ غدا، إلا وأنت مقرن ~~قولك هذا بمشيئة الله - تعالى - وإذنه، بأن تقول سأفعل هذا الشئ غدا بإذن ~~الله ومشيئته، فإن كل حركة من حركاتك - ومن حركات غيرك - مرهونة بمشيئة ~~الله - وإرادته، وما يتعلق بمستقبلك ومستقبل غيرك من شئون، هو فى علم ~~الله - تعالى - وحده. وليس المقصود من الآية الكريمة نهى الإنسان عن ~~التفكير فى أمر مستقبله، وإنما المقصود نهيه عن الجزم بما سيقع فى ~~المستقبل، لأن ما سيقع علمه عند الله - تعالى - وحده. والعاقل من الناس ~~هو الذى يباشر الأسباب التى شرعها الله - تعالى - سواء أكانت هذه الأسباب ~~تتعلق بالماضى أم بالحاضر أم بالمستقبل، ثم يقرن كل ذلك بمشيئة الله - ~~تعالى - وإرادته. فلا يقول سأفعل غدا كذا وكذا لأننى أعددت العدة لذلك، ~~وإنما يقول سأفعل غدا كذا وكذا إذا شاء الله - تعالى - ذلك وأراد، وأن ~~يوقن بأن إرادة الله فوق إرادته، وتدبيره - سبحانه - فوق كل تدبير. وكم ~~من أمور أعد الإنسان لها أسبابها التى تؤدى إلى قضائها.. ثم جاءت إرادة ~~الله - تعالى - فغيرت ما أعده ذلك الإنسان، لأنه لم يستشعر عند إعداده ~~للأسباب أن. إرادة الله - تعالى - فوق إرادته، وأنه - سبحانه - القادر ~~على خرق هذه الأسباب، وخرق ما تؤدى إليه، ولأنه لم يقل عندما يريد فعله ~~فى المستقبل، إن شاء الله. وقوله { واذكر ربك إذا نسيت } ~~تأكيد لما قبله أى لا تقولن أفعل غدا إلا ملتبسا بقول إن شاء الله، واذكر ~~ربك - سبحانه - إذا نسيت تعليق القول بالمشيئة، أى عند تذكرك بأنك لم ~~تقرن قولك بمشيئة الله، فأت بها. # قال الآلوسى قوله { واذكر ربك } أى مشيئة ربك، فالكلام على حذف مضاف، ~~إذا نسيت، أى إذا فرط منك نسيان ذلك ثم تذكرته. فهو أمر بالتدارك عند ~~التذكر... وقال بعض العلماء ما ملخصه للمفسرين فى تفسير قوله - تعالى - { ~~واذكر ربك إذا نسيت } قولان الأول - أن هذه الجملة مرتبطة ~~ومتعلقة بما قبلها والمعنى إنك إن قلت ms3323 سأفعل غدا كذا ونسيت أن تقول إن ~~شاء الله، ثم تذكرت بعد ذلك فقل إن شاء الله. أى اذكر ربك معلقا على ~~مشيئته ما تقول إنك ستفعله غدا إذا تذكرت بعد النسيان. وهذا القول هو ~~الظاهر، لأنه يدل عليه ما قبله، وهو قوله - تعالى - { ولا تقولن ~~لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشآء الله } وهو ~~قول الجمهور. الثانى أن هذه الجملة لا تعلق لها بما قبلها، وأن المعنى ~~إذا وقع منك النسيان لشئ فاذكر ربك، لأن النسيان من الشيطان، كما قال - ~~تعالى - عن فتى موسى # ومآ أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره.... # وعلى هذا القول يكون المراد بالذكر التسبيح والاستغفار، وعلى الأول ~~المراد به أن تقول إن شاء الله أو ما يشبه ذلك. والمقصود من هذه الآية ~~الكريمة بيان أن تعليق الأمور بمشيئة الله - تعالى - هو الذى يجب أن ~~يفعل، لأنه - تعالى - لا يقع شئ إلا بمشيئته فإذا نسى المسلم ثم تذكر، ~~فإنه يقول إن شاء الله، ليخرج بذلك من عهدة عدم التعليق بالمشيئة، وبذلك ~~يكون قد فوض أمره إلى الله - تعالى -. وليس المقصود بها التحلل من يمين ~~قد وقعت، لأن تداركها قد فات بالانفصال، ولأن الاستثناء المتأخر لا أثر ~~له ولا تحل به اليمين. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { وقل ~~عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا } أى قدم - ~~أيها الرسول الكريم - مشيئة ربك عند إرادة فعل شئ، وأت بها إذا نسيت ذلك ~~عند التذكر، وقل عسى أن يوفقنى ربى ويهدينى ويدلنى على شئ أقرب فى ~~الهداية والإرشاد من هذا الذى قصصته عليكم من أمر أصحاب الكهف. قال صاحب ~~الكشاف وقوله { لأقرب من هذا.. } اسم الإشارة يعود إلى نبأ ~~أصحاب الكهف ومعناه لعل الله يؤتينى من البينات والحجج على أنى نبى صادق، ~~ما هو أعظم فى الدلالة وأقرب رشدا من نبأ أصحاب الكهف. وقد فعل - سبحانه ~~- ذلك، حيث آتاه من قصص الأنبياء، والإخبار بالغيوب، ما هو أعظم من ذلك ~~وأدل،. ثم بين - سبحانه - على وجه اليقين، المدة ms3324 التى قضاها أصحاب الكهف ~~راقدين فى كهفهم، فقال - تعالى - { ولبثوا في كهفهم ثلاث ~~مائة سنين وازدادوا تسعا... }. ### || [18.25-26] # أى أن أصحاب الكهف مكثوا فى كهفهم راقدين ثلاثمائة سنين، وازدادوا فوق ~~ذلك تسع سنين. فالآية الكريمة إخبار منه - سبحانه - عن المدة التى لبثها ~~هؤلاء الفتية مضروبا على آذانهم. وقوله { قل الله أعلم بما ~~لبثوا } تقرير وتأكيد لكون المدة التى لبثوها هى ما سبق بيانه فى ~~الآية السابقة. فكأنه - سبحانه - يقول هذا هو فصل الخطاب فى المدة التى ~~لبثوها راقدين فى كهفهم، وقد أعلمك الله - تعالى - بذلك - أيها الرسول ~~الكريم -، وما أعلمك به فهو الحق الصحيح الذى لا يحوم حوله شك، فلا تلتفت ~~إلى غيره من أقوال الخائضين فى أمر هؤلاء الفتية، فإن الله - تعالى - هو ~~الأعلم بحقيقة ذلك. ويرى بعضهم أن قوله - تعالى - { ولبثوا في ~~كهفهم } حكاية لكلام أهل الكتاب فى المدة التى لبثها أهل الكهف ~~نياما فى كهفهم، وأن قوله { قل الله أعلم بما لبثوا } ~~للرد عليهم. وقد حكى الإمام ابن كثير القولين. ورجح الأول منهما فقال ~~هذا خبر من الله - تعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم بمقدار ما لبث ~~أصحاب الكهف فى كهفهم، منذ أن أرقدهم الله إلى أن بعثهم وأعثر عليهم أهل ~~ذلك الزمان. كان مقداره ثلاثمائة سنين وتسع سنين بالهلالية وهى ثلاثمائة ~~سنة بالشمسية، فإن تفاوت ما بين كل مائة سنة بالقمرية إلى الشمسية ثلاث ~~سنين، فلهذا قال بعد الثلاثمائة { وازدادوا تسعا }. وقال قتادة فى قوله { ~~ولبثوا في كهفهم.. } وهذا قول أهل الكتاب وقد رده الله - ~~تعالى - بقوله { قل الله أعلم بما لبثوا }. وفى هذا الذى ~~قاله قتادة نظر، فإن الذى بأيدى أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة من ~~غير تسع ولو كان الله - تعالى - قد حكى قولهم لما قال { وازدادوا تسعا } ~~، وظاهر الآية أنه خبر عن الله لا حكاية عنهم... وقوله - تعالى - { له ~~غيب السماوات والأرض } تأكيد لاختصاصه - عز وجل - بعلم المدة ~~التى لبثوها، أى له - سبحانه - وحده علم ما خفى وغاب من أحوال السماوات ~~والأرض، ms3325 وأحوال أهلهما، كما قال - تعالى - # إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في ~~السمآء # وقوله - سبحانه - { أبصر به وأسمع } صيغتا تعجب أى ما أبصره ~~وما أسمعه - تعالى - والمراد أنه - سبحانه - لا يغيب عن بصره وسمعه شئ. ~~وجاءت هذه الجملة الكريمة بصيغة التعجب للدلالة على أن أمره - تعالى - فى ~~الإدراك خارج عما عليه إدراك المبصرين والسامعين. إذ لا يحجبه شئ، ولا ~~يتفاوت عنده لطيف وكثيف، وصغير وكبير، وجلى وخفى. # ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { ما لهم من دونه من ~~ولي ولا يشرك في حكمه أحدا }. أى ليس لأهل السماوات ~~ولا لأهل الأرض ولا لغيرهما غير الله - تعالى - نصير ينصرهم، أو ولى يلى ~~أمرهم. ولا يشرك - سبحانه - فى حكمه أو قضائه أحدا كائنا من كان من خلقه. ~~كما قال - تعالى - # ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين # هذا، وقد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات مسائل منها. أ مكان ~~الكهف الذى لجأ إليه هؤلاء الفتية، والزمن الذى ظهروا فيه، أما مكان ~~الكهف فللعلماء فيه أقوال من أشهرها أنه كان بالقرب من مدينة تسمى " ~~أفسوس " وهى من مدن تركيا الآن، قالوا إنها تبعد عن مدينة " أزمير " ~~بحوالى أربعين ميلا، وتعرف الآن باسم " أيازبوك ". وقيل إنه كان ببلدة ~~تدعى " أبسس " - بفتح الهمزة وسكون الباء وضم السين - وهذه البلدة من ~~ثغور " طرسوس " بين مدينة حلب بسوريا، وبلاد أرمينية وأنطاكية. وقيل إنه ~~كان ببلدة تسمى " بتراء " بين خليج العقبة وفلسطين.. إلى غير ذلك من ~~الأقوال الكثيرة، التى لا نرى داعيا لذكرها، لقلة فائدتها. وأما الزمن ~~الذى ظهروا فيه، فيرى كثير من المفسرين أنه كان فى القرن الثالث الميلادى ~~فى عهد الإمبراطور الرومانى " دقيانوس " الذى كان يحمل الناس حملا على ~~عبادة الأصنام، ويعذب من يخالف ذلك. ب العبر والعظات والأحكام التى تؤخذ ~~من هذه القصة - ومن أهمها 1- إثبات صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما ~~يبلغه عن ربه، حيث أخبر - عن طريق ما أوحاه الله إليه من قرآن - عن قصة ~~هؤلاء الفتية، وبين ms3326 وجه الحق فى شأنهم ورد على ما خاضه الخائضون فى ~~أمرهم، وصدق الله إذ يقول # نحن نقص عليك نبأهم بالحق... # 2- الكشف عن جانب من بلاغة القرآن الكريم فى قصصه، حيث ساق هذه القصة ~~مجملة فى الآيات الأربع الأولى منها، ثم ساقها مفصلة بعد ذلك تفصيلا ~~حكيما. وفى ذلك ما فيه من تمكن أحداثها وهداياتها فى القلوب. والمرشد ~~العاقل هو الذى ينتفع بهذا الأسلوب القرآنى فى وعظه وإرشاده. 3- بيان أن ~~الإيمان متى استقر فى القلوب، هان كل شئ فى سبيله. فهؤلاء الفتية آثروا ~~الفرار بدينهم، على البقاء فى أوطانهم، لكى تسلم لهم عقيدتهم.. فهم كما ~~قال - سبحانه - فى شأنهم # إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى # 4- بيان أن على المؤمن أن يلجأ إلى الله بالدعاء - لا سيما عند الشدائد ~~والكروب، وأنه متى اتقى الله - تعالى - وأطاعه، جعل له - سبحانه - من كل ~~ضيق فرجا، ومن كل هم مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب، وصانه من السوء. # فهؤلاء الفتية عندما لجأوا إلى الكهف، تضرعوا إلى الله بقولهم { ~~ربنآ آتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمرنا ~~رشدا }. فأجاب الله دعاءهم، حيث ضرب على آذانهم فى الكهف سنين عددا، ~~وجعل الشمس لا تصل إليهم مع أنهم فى فجوة من الكهف، وصان أجسادهم من ~~البلى والتعفن بأن قلبهم ذات اليمين وذات الشمال، وأنام كلبهم بعتبة باب ~~الكهف حتى لكأنه حارس لهم وألقى الهيبة عليهم بحيث لو رآهم الرائى لولى ~~منهم فرارا. ولملئ قلبه رعبا من منظرهم. وسخر أصحاب النفوذ والقوة للدفاع ~~عنهم. وللتعبير عن تكريمهم لهم بقولهم # لنتخذن عليهم مسجدا # 5- بيان أن التفكير السليم - المصحوب بالنية الطيبة والعزيمة الصادقة، ~~يؤدى إلى الاهتداء إلى الحق، وأن القلوب النقية الطاهرة تتعاون على البر ~~والتقوى لا على الإثم والعدوان. وأن فضح الباطل والكشف عن زيفه.. دليل ~~على سلامة اليقين. فهؤلاء الفتية اجتمعوا على الحق، وربط الله على قلوبهم ~~إذ قاموا للوقوف فى وجه الباطل، وهداهم تفكيرهم السليم إلى أن المستحق ~~للعبادة هو ربهم رب السماوات والأرض، وأن من يعبد ms3327 غيره يكون قد افترى على ~~الله كذبا. وأن اعتزال الكفر يوصل إلى نشر الرحمة، والظفر بالسداد ~~والتوفيق. ولذا تواصوا فيما بينهم بقولهم # فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ~~ويهيئ لكم من أمركم مرفقا # 6- بيان أن مباشرة الأسباب المشروعة لا تنافى التوكل على الله. فهؤلاء ~~الفتية عندما خرجوا من ديارهم، أخذوا معهم بعض النقود، وبعد بعثهم من ~~رقادهم أرسلوا أحدهم إلى المدينة ليحضر لهم طعاما طاهرا حلالا، وأوصوه ~~بالتلطف فى أخذه وعطائه وبكتمان أمره وأمرهم حتى لا يعرف الأعداء مكانهم. ~~وهكذا العقلاء، لا يمنعهم توكلهم على الله - تعالى - من أخذ الحيطة ~~والحذر فى كل شئونهم التى تستدعى ذلك. 7- إقامة أوضح الأدلة وأعظمها على ~~أن البعث حق. فقد أطلع الله - تعالى - الناس على هؤلاء الفتية، ليوقنوا ~~بأنه - سبحانه - قادر على إحياء الموتى.. لأن من يقدر على بعث الراقدين ~~من رقادهم بعد مئات السنين، فهو قادر على إحياء الموتى يوم القيامة. 8- ~~بيان أن من الواجب على المؤمن إذا أراد فعل شئ أن يقرن ذلك بمشيئة الله - ~~تعالى - لأنه - سبحانه - بيده الأمر كله، وصدق الله إذ يقول # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا # هذه بعض العظات والأحكام التى ترشدنا إليها هذه القصة، وقد ذكرنا جانبا ~~آخر منها خلال تفسيرنا للآيات التى اشتملت عليها. ومن أراد المزيد فليرجع ~~إلى ما كتبه المفسرون فى ذلك. ثم أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه ~~وسلم بمداومة التلاوة لما أوحاه إليه - سبحانه -، فإن فيه فصل الخطاب ~~وبالحفاوة بالمؤمنين الصادقين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى، وبإعلان ~~كلمة الحق فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر فقال - تعالى - { واتل مآ ~~أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ~~ولن تجد من دونه ملتحدا... }. ### || [18.27-31] # قال الإمام الرازى ما ملخصه قوله - تعالى - { واتل مآ أوحي ~~إليك.. } اعلم أن من هذه الآية إلى قصة موسى - عليه السلام - والخضر، ~~كلام واحد فى قصة واحدة وذلك أن أكابر كفار قريش احتجوا وقالوا لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إن أردت أن نؤمن ms3328 بك فاطرد هؤلاء الفقراء.. فنهاه ~~الله عن طردهم لأنه مطلوب فاسد.. ثم إنه - سبحانه - أمره بالمواظبة على ~~تلاوة كتابه، وأن لا يلتفت إلى اقتراح المقترحين، وتعنت المتعنتين. قوله ~~- سبحانه - { واتل }... فعل أمر من التلاوة بمعنى القراءة. أى وعليك أيها ~~الرسول الكريم - أن تواظب وتداوم على قراءة ما أوحيناه إليك من هذا ~~القرآن الكريم، وأن تتبع إرشاداته وتوجيهاته، فإن فى ذلك ما يهديك إلى ~~الطريق الحق، وما يغنيك عن السؤال والاستفتاء، قال - تعالى - # إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة ~~وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون ~~تجارة لن تبور # وصيغة الأمر فى قوله - سبحانه - { واتل.. } لإبقاء الفعل لا لإيجاده، ~~كما فى قوله - تعالى - # اهدنا الصراط المستقيم # و " من " فى قوله { من كتاب ربك } بيانية. وقوله { لا ~~مبدل لكلماته } أى ليس فى هذا الكون أحد فى إمكانه أن يغير أو ~~يبدل شيئا من الكلمات التى أوحاها الله - تعالى - إليك - أيها الرسول ~~الكريم -، لأننا قد تكفلنا بحفظ هذا الكتاب الذى أوحيناه إليك. قال - ~~تعالى - # وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل ~~لكلماته وهو السميع العليم # وقال - سبحانه - # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # فالجملة الكريمة وهى قوله - سبحانه - { لا مبدل لكلماته } ~~نفت قدرة أحد على تبديل كلمات الله، لأن أخبارها صدق، وأحكامها عدل، ~~وإنما الذى يقدر على التغيير والتبديل هو الله - تعالى - وحده. والضمير ~~فى { كلماته } يعود على الله - تعالى -، أو على الكتاب. ثم ختم - سبحانه ~~- الآية الكريمة بقوله { ولن تجد من دونه ملتحدا }. وأصل ~~الملتحد مكان الالتحاد وهو افتعال من اللحد بمعنى الميل. ومنه اللحد فى ~~القبر، لأنه ميل فى الحفر. ومنه قوله - تعالى - # إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينآ.. # أى يميلون فى آياتنا. فالمراد بالملتحد المكان الذى يميل فيه إلى ملجأ ~~للنجاة. والمعنى وداوم أيها الرسول الكريم على تلاوة ما أوحيناه إليك من ~~كتابنا الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، واعلم أنك إن ~~خالفت ذلك لن تجد غير الله - تعالى - ملجأ تلجأ إليه، أو ms3329 مأوى تأوى إليه، ~~لكى تنجو مما يريده بك. # فالجملة الكريمة تذييل قصد به التحذير الشديد - فى شخص الرسول صلى الله ~~عليه وسلم لكل من يقصر فى تلاوة كتاب الله، أو يحاول التبديل فى ألفاظه ~~ومعانيه. ثم ساقت السورة الكريمة لونا من الأدب السامى، والتوجيه العالى، ~~حيث بينت أن أولى الناس بالرعاية والمجالسة هم المؤمنون الصادقون، وأمرت ~~النبى صلى الله عليه وسلم بأن يصبر نفسه معهم، فقال - تعالى - # واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم ~~تريد زينة الحياة الدنيا.. # وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها أنها نزلت فى أشراف ~~قريش، حين طلبوا من النبى صلى الله عليه وسلم أن يجلس معهم وحده، ولا ~~يجالسهم مع ضعفاء أصحابه كبلال وعمار وابن مسعود. وليفرد أولئك بمجلس على ~~حدة، فنهاه الله - تعالى - عن ذلك.. وأمره أن يصبر نفسه فى الجلوس مع ~~هؤلاء الفقراء فقال { واصبر نفسك مع الذين يدعون ~~ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه }. وصبر النفس ~~معناه حبسها وتثبيتها على الشئ، يقال صبرت فلانا أصبره صبرا، أى ~~حبسته. والغداة أول النهار. والعشى. آخره. والمعنى عليك - أيها الرسول ~~الكريم - أن تحبس نفسك وتعودها على مجالسة أصحابك { الذين يدعون ~~ربهم } أى يعبدونه ويتقربون إليه بشتى أنواع القربات، فى الصباح ~~والمساء، ويداومون على ذلك، دون أن يريدوا شيئا من وراء هذه العبادة، سوى ~~رضا الله - تعالى - عنهم ورحمته بهم. وفى تخصيص الغداة والعشى بالذكر ~~إشعار بفضل العبادة فيهما لأنهما محل الغفلة والاشتغال بالأمور الدنيوية ~~غالبا. ويصح أن يكون ذكر هذين الوقتين المقصود به مداومة العبادة. وإلى ~~هذا المعنى أشار الآلوسى بقوله قوله { يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي } أى يعبدونه دائما. وشاع استعمال مثل هذه العبارة للدوام. ~~وهى نظير قولهم ضرب زيد الظهر والبطن. يريدون به ضرب جميع البدن. وأبقى ~~غير واحد اللفظين على ظاهرهما أى يعبدونه فى طرفى النهار. وقوله { يريدون ~~وجهه } مدح لهم بالإخلاص والبعد عن الرياء والمباهاة.. فهم لا يتقربون ~~إلى الله - تعالى - بالطاعات من ms3330 أجل دنيا يصيبونها. أو من أجل إرضاء ~~الناس. وإنما هم يبتغون بعبادتهم رضا الله - تعالى - وحده، لا شيئا آخر ~~من حظوظ الدنيا. وقوله - سبحانه - { ولا تعد عيناك عنهم ~~تريد زينة الحياة الدنيا.. } نهى له صلى الله عليه وسلم - ~~عن الغفلة عنهم، بعد أمره بحبس نفسه عليهم. والفعل { تعد } بمعنى ~~تصرف. يقال عداه عن الأمر عدوا إذا صرفه عنه وشغله. أى احبس نفسك مع ~~هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه - ~~سبحانه - ولا تصرف عيناك النظر عنهم، وتتجاوزهم إلى غيرهم من الأغنياء، ~~طمعا فى إسلامهم. # فالمراد بإرادة الحياة الدنيا الحرص على مجالسة أهل الغنى والجاه حبا فى ~~إيمانهم. وجملة { تريد زينة الحياة الدنيا } فى موضع الحال ~~من الضمير المضاف إليه فى قوله { عيناك } ، وإنما ساغ ذلك لأن المضاف هنا ~~جزء من المضاف إليه. وقوله - تعالى - { ولا تطع من أغفلنا ~~قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا } ~~نهى آخر مؤكد لما قبله من حبس نفسه صلى الله عليه وسلم على هؤلاء ~~المؤمنين الفقراء، وعدم صرف نظره عنهم إلى غيرهم من المتغطرسين الأغنياء. ~~والفرط - بضم الفاء والراء - مجاوزة الحد، ونبذ الحق والصواب، واتباع ~~الباطل والضلال. أى ولا تطع - أيها الرسول الكريم - فى تنحية المؤمنين ~~الفقراء عن مجلسك أقوال أولئك الغافلين عن طاعتنا وعبادتنا لاستحواذ ~~الشيطان عليها، والذين اتبعوا أهواءهم فآثروا الغى على الرشد. والذين كان ~~أمرهم. فرطا أى مخالفا للحق، ومجاوزا للصواب، ومؤديا للضياع والخسران. ~~قال ابن جرير - " بعد أن ذكر جملة من الأقوال فى معنى قوله - تعالى - { ~~فرطا } وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب قول من قال معناه ضياعا وهلاكا. من ~~قولهم أفرط فلان فى هذا الأمر إفراطا، إذا أسرف فيه. وتجاوز قدره. وكذلك ~~قوله { وكان أمره فرطا }. معناه وكان أمر هذا الذى أغفلنا قلبه ~~عن ذكرنا فى الرياء والكبر واحتقار أهل الإيمان سرفا قد تجاوز حده، فضيع ~~بذلك الحق وهلك ". فالآية الكريمة تسوق للناس توجيها حكيما فى بيان القيم ~~الحقيقية للناس وهى أنها تتمثل فى الإيمان والتقوى، لا ms3331 فى الغنى والجاه. ~~فالمؤمن الصادق فى إيمانه، الكريم فى أخلاقه.. هو الذى يحرص على مخالطة ~~أهل الإيمان والتقوى. ولا يمنعه فقرهم من مجالستهم ومصاحبتهم ومؤانستهم ~~والتواضع لهم، والتقدم إليهم بما يسرهم ويشرح صدورهم. ولقد ربى النبى صلى ~~الله عليه وسلم أصحابه على هذا الخلق الكريم، روى الشيخان عن سهل بن سعد ~~الساعدى قال # " مر رجل على النبى صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده جالس " ما رأيك ~~فى هذا؟ " فقال رجل من أشرف الناس، هذا والله حرى إن خطب أن يزوج، وإن ~~شفع أن يشفع. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مر رجل آخر فقال له ~~صلى الله عليه وسلم " ما رأيك فى هذا "؟ فقال يا رسول الله، هذا رجل من ~~فقراء المسلمين هذا والله حرى إن خطب أن لا يزوج، وإن شفع ألا يشفع، وإن ~~قال أن لا يسمع لقوله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هذا خير من ~~ملء الأرض مثل هذا ". # ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجهر بكلمة الحق فى ~~وجوه المستكبرين، فقال. # { وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء ~~فليكفر.. }. أى وقل أيها الرسول - لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ~~ذكرنا، واتبعوا أهواءهم، وكان أمرهم فرطا، قل لهم هذا الذى جئتكم به من ~~قرآن هو الحق من ربكم وخالقكم.. فقوله { الحق من ربكم } خبر ~~لمبتدأ محذوف. أو أن لفظ { الحق } مبتدأ، والجار والمجرور خبره. أى الحق ~~الذى جئتكم به فى هذا القرآن العظيم، كائن مبدؤه من ربكم، وليس من أحد ~~سواه. وليس المراد من قوله { فمن شآء فليؤمن ومن شآء ~~فليكفر } التخيير بين الإيمان والكفر، بل المراد به التهديد ~~والتخويف، بدليل قوله - تعالى - بعد ذلك { إنا أعتدنا ~~للظالمين نارا }.. إلخ. أى قل لهم جئتكم من ربكم بالحق الذى يجب ~~اتباعه، فمن شاء أن يؤمن به فليفعل فإن عاقبته الخير والثواب، ومن شاء أن ~~يكفر به فليكفر فإن عاقبته الخسران والعقاب، كما بين - سبحانه - ذلك فى ~~قوله { إنا ms3332 أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم ~~سرادقها }. والسرادق كل ما أحاط بغيره، كالحائط أو السور الذى يحيط ~~بالبناء، فيمنع من الوصول إلى ما بداخله. أى إنا هيأنا وأعددنا للكافرين ~~بهذا الحق نارا مهولة عظيمة، أحاط بهم سياجها إحاطة تامة بحيث لا ~~يستطيعون الخروج منه، وإنما هم محصورون بداخله. كما ينحصر الشئ بداخل ما ~~يحدق به من كل جانب. وقوله { وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء ~~كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وسآءت مرتفقا ~~} بيان لما ينزل بهم من عذاب عندما يطلبون الغوث مما هم فيه من كروب. ~~والمهل فى اللغة يطلق على ما أذيب من جواهر الأرض. كالحديد، والرصاص، ~~والنحاس، ونحو ذلك كما يطلق - أيضا - على الماء الغليظ كدردى الزيت أى ما ~~تعكر منه. وقيل. هو نوع من القطران أو السم. والمرتفق المتكأ، من ~~الارتفاق وهو الاتكاء على مرفق اليد. أى إن هؤلاء الكافرين، إن يطلبوا ~~الغوث عما هم فيه من كرب وعطش، يغاثوا بماء كالمهل فى شدة حرارته ونتنه ~~وسواده، هذا الماء { يشوى الوجوه } أى يحرقها. { بئس الشراب } ذلك الماء ~~الذى يغاثون به { وساءت } النار منزلا ينزلون به، ومتكأ يتكئون عليه. ~~فالآية الكريمة تصور ما ينزل بهؤلاء الظالمين من عذاب، تصويرا ترتجف من ~~هوله الأبدان، ويدخل الرعب والفزع على النفوس. قال بعضهم " فإن قيل، أى ~~إغاثة لهم فى ماء كالمهل مع أنه من أشد العذاب، وكيف قال - سبحانه -، { ~~يغاثوا بمآء كالمهل }؟ فالجواب إن هذا من أساليب اللغة ~~العربية التى نزل بها القرآن ونظيره من كلام العرب قول عمرو بن معد يكرب. # وخيل قد دلفت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع # أى لا تحية لهم إلا الضرب الوجيع، وإذا كان هؤلاء الظالمون لا يغاثون ~~إلا بماء كالمهل، علم من ذلك أنهم لا إغاثة لهم مطلقا ". # والمخصوص بالذم فى قوله { بئس الشراب وسآءت مرتفقا } ~~محذوف، بئس الشراب ذلك الماء الذى يغاثون به، وساءت النار مكانا للارتفاق ~~والاتكاء. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك حسن عاقبة المؤمنين فقال { إن ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر ms3333 ~~من أحسن عملا }. ثم بين - سبحانه - ما أعده لهؤلاء الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات من ألوان النعيم فقال { أولئك لهم جنات ~~عدن تجري من تحتهم الأنهار }. ولفظ { عدن } بمعنى إقامة ~~لا رحيل بعدها ولا تحول. وأصله من عدن فلان بالمكان. إذ أقام به واستقر ~~فيه. أى أولئك الذين عمروا دنياهم بالإيمان والعمل الصالح لهم جنات ~~يقيمون فيها إقامة دائمة، تجرى من تحت مساكنهم الأنهار. { يحلون ~~فيها من أساور من ذهب } والأساور جمع سوار. وهو نوع من الحلى ~~يلبس بزند اليد. أى يلبسون فى تلك الجنات أساور من ذهب على سبيل التزين ~~والتكريم. ولا مانع من أن يضاف إلى هذه الأساور الذهبية، أساور أخرى من ~~فضة، وثالثة من لؤلؤ كما فى قوله - تعالى - # وحلوا أساور من فضة # وقوله - سبحانه - # يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا.. # وفى الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء ". # وقوله { ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق } ~~معطوف على ما قبله. والسندس ما رق من الحرير واحده سندسة. والإستبرق ما ~~غلظ منه وثخن، واحده إستبرقة. أى يتزينون فى الجنات بأساور من ذهب، ~~ويلبسون فيها ثيابا خضرا من رقيق الحرير ومن غليظه. ثم ختم - سبحانه - ~~الآية بقوله { متكئين فيها على الأرآئك نعم الثواب ~~وحسنت مرتفقا }. والأرائك جمع أريكة. وهو كل ما يتكأ عليه من ~~سرير أو فراش. أى متكئين فى الجنات على الأرائك شأن المتنعمين المترفهين ~~{ نعم الثواب } ذلك الذى وعدهم الله - تعالى - به { وحسنت } تلك الأرائك ~~فى الجنات { مرتفقا }. أى متكأ ومقرا ومجلسا ومسكنا. وبذلك نرى الآية ~~الكريمة قد اشتملت على ألوان متعددة من التكريم والثواب لأولئك المؤمنين ~~الذين عمروا دنياهم بالعمل الصالح. فقد بشرهم - سبحانه - بجنات عدن، ثم ~~بشرهم ثانيا بأن الأنهار تجرى من تحتهم، ثم بشرهم ثالثا بأنهم يحلون فيها ~~من أساور من ذهب، ثم بشرهم رابعا بأنهم يلبسون ثيابا خضرا من سندس ~~وإستبرق، ثم بشرهم خامسا، بأنهم يتكئون فى تلك الجنات على الأرائك. ms3334 وفى ~~هذه البشارات ما فيها من الحض على المسارعة إلى العمل الصالح، الذى يرفع ~~درجات المؤمن إلى أعلى عليين، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو ~~الفضل العظيم، نسأل الله - تعالى - أن يرزقنا هذا الفضل، فهو أكرم مسئول، ~~وأعظم مأمور. ثم ساقت السورة الكريمة مثلا للنفس الإنسانية المغرورة ~~المتفاخرة بزينة الحياة الدنيا، الجاحدة لنعم الله... وللنفس الإنسانية ~~المتواضعة، المعتزة بعقيدتها السليمة، الشاكرة لربها... لكى يكون فى هذا ~~المثل عبرة وعظة لمن كان له قلب، فقال - تعالى - { واضرب لهم ~~مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب ~~وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا }. ### || [18.32-36] # والمثل فى اللغة الشبيه والنظير، وهو فى عرف القرآن الكريم الكلام ~~البليغ المشتمل على تشبيه بديع. وضرب المثل إيراده، وعبر عن إيراده ~~بالضرب، لشدة ما يحدث عنه من التأثير فى نفس السامع. أى واضرب - أيها ~~الرسول الكريم - مثلا للمؤمنين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون ~~وجهه، وللكافرين الذين غرتهم الحياة الدنيا، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا ~~من حى عن بينة. قال الآلوسى " والمراد بالرجلين، إما رجلان مقدران على ما ~~قيل، وضرب المثل لا يقتضى وجودهما. وإما رجلان موجودان وهو المعول عليه. ~~فقيل هما رجلان من بنى إسرائيل أحدهما كافر.. والآخر مؤمن. ثم قال ~~والمراد ضربهما مثلا للفريقين المؤمنين والكافرين، لا من حيث أحوالهما ~~المستفادة مما ذكر آنفا، بل من أن للمؤمنين فى الآخرة كذا، وللكافرين ~~فيها كذا، من حيث عصيان الكفرة مع تقلبهم فى نعم الله، وطاعة المؤمنين مع ~~مكابدتهم مشاق الفقر ". أى واضرب لهم مثلا من حيثية العصيان مع النعمة، ~~والطاعة مع الفقر، حال رجلين { جعلنا لأحدهما } وهو الكافر { جنتين } أى ~~بستانين، ولم يعين - سبحانه - مكانهما، لأنه لم يتعلق بهذا التعيين غرض. ~~ثم بين ما اشتملت عليه هاتان الجنتان من خيرات فقال { من أعناب } جمع ~~عنب، والعنبة الحبة منه. والمراد من كروم متنوعة. وقوله { ~~وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا } بيان لما ~~أضيف إلى الجنتين من مناظر تزيدهما بهجة وفائدة. والحف بالشئ الإحاطة ~~به. يقال فلان حفه ms3335 القوم، أى أحاطوا به، ومنه قوله - تعالى - # وترى الملائكة حآفين من حول العرش... # أى جعلنا لأحد الرجلين، وهو الكافر منهما جنتين من أعناب، وأحطناهما ~~بنخل ليكون كالحماية النافعة لهما، وجعلنا فى وسطهما زرعا وبذلك تكون ~~الجنتان جامعتين للأقوات والفواكه، مشتملتين على ما من شأنه أن يشرح ~~الصدر، ويفيد الناس. ثم ذكر - سبحانه - ما يزيد من جودة الجنتين، ومن ~~غزارة خيرهما فقال { كلتا الجنتين آتت أكلها ولم ~~تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا } وكلتا اسم ~~مفرد اللفظ مثنى المعنى عند البصريين، وهو المذهب المشهور، ومثنى لفظا ~~ومعنى عند غيرهم. أى أن كل واحدة من الجنتين { آتت أكلها } أى أعطت ~~ثمارها التى يأكلها الناس من العنب والتمر وغيرهما من صنوف الزرع { ~~ولم تظلم منه شيئا } أى ولم تنقص من هذا المأكول شيئا فى ~~سائر السنين، بل كان أكل كل واحدة منهما وافيا كثيرا فى كل سنة، على خلاف ~~ما جرت به عادة البساتين، فإنها فى الغالب تكثر ثمارها فى أحد الأعوام ~~وتقل فى عام آخر. وفى التعبير بكلمة { تظلم } بمعنى تنقص وتمنع، مقابلة ~~بديعة لحال صاحبهما الذى ظلم نفسه بجحوده لنعم الله - تعالى - واستكباره ~~فى الأرض. # وقوله { وفجرنا خلالهما نهرا } أى وشققنا فى وسطهما نهرا ~~ليمدهما بما يحتاجان إليه من ماء بدون عناء وتعب. فأنت ترى أن الله - ~~تعالى - قد وصف هاتين الجنتين بما يدل على جمال منظرهما، وغزارة عطائهما، ~~وكثرة خيراتهما، واشتمالهما على ما يزيدهما بهجة ومنفعة. ثم بين - سبحانه ~~- أن صاحب هاتين الجنتين كانت له أموال أخرى غيرهما فقال { وكان له ~~ثمر }. قال الآلوسى ما ملخصه " { وكان له } أى للأحد المذكور وهو صاحب ~~الجنتين { ثمر } أى أنواع من المال.. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائى.. { ~~ثمر } بضم الثاء والميم، وهو جمع ثمار - بكسر الثاء -.. أى أموال كثيرة ~~من الذهب والفضة والحيوان وغير ذلك، وبذلك فسره ابن عباس وقتادة ~~وغيرهما.. ". وقوله - سبحانه - { قال لصاحبه وهو يحاوره ~~أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا } حكاية لما تفوه به هذا ~~الكافر من ألفاظ تدل على ms3336 غروره وبطره. والمحاورة المراجعة للكلام من ~~جانبين أو أكثر. يقال تحاور القوم، إذا تراجعوا الكلام فيما بينهم. ويقال ~~كلمته فما أحار إلى جوابا، أى ما رد جوابا. والنفر من ينفر - بضم الفاء - ~~مع الرجل من قومه وعشيرته لقتال عدوه. أى فقال صاحب الجنتين لصاحبه ~~المؤمن الشاكر أنا أكثر منك مالا وأعز منك عشيرة وحشما وأعوانا. وهذا شأن ~~المطموسين المغرورين، تزيدهم شهوات الدنيا وزينتها.. بطرا وفسادا فى ~~الأرض. وما أصدق قول قتادة - رضى الله عنه - " تلك - والله - أمنية ~~الفاجر كثرة المال وعزة النفر ". ثم انتقل صاحب الجنتين من غروره هذا إلى ~~غرور أشد. حكاه القرآن فى قوله { ودخل جنته وهو ظالم ~~لنفسه قال مآ أظن أن تبيد هذه أبدا ومآ ~~أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي ~~لأجدن خيرا منها منقلبا }. أى أن هذا الكافر لم يكتف ~~بتطاوله على صاحبه المؤمن، بل سار به نحو جنته حتى دخلها وهو ظالم لنفسه ~~بسبب كفره وجحوده وغروره. قال صاحب الكشاف فإن قلت فلم أفرد الجنة بعد ~~التثنية؟ قلت معناه ودخل ما هو جنته، ما له جنة غيرها يعنى أنه لا نصيب ~~له فى الجنة التى وعدها الله للمؤمنين، فما ملكه فى الدنيا هو جنته لا ~~غير، ولم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما. وقوله { وهو ظالم ~~لنفسه } أى وهو معجب بما أوتى مفتخر به، كافر لنعمة ربه، معرض بذلك ~~نفسه لسخط الله، وهو أفحش الظلم... وقوله { قال مآ أظن أن ~~تبيد هذه أبدا } أى قال هذا الكافر لصاحبه ما أظن أن هذه ~~الجنة تفنى أو تهلك أبدا. يقال باد الشئ يبيد بيدا وبيودا إذا هلك ~~وفنى. # ثم ختم هذا الكافر محاورته لصاحبه بقوله { ومآ أظن الساعة ~~قائمة } أى كائنة ومتحققة. فهو قد أنكر البعث وما يترتب عليه من حساب ~~بعد إنكاره لفناء جنته، ثم أكد كلامه بجملة قسمية فقال { ولئن ~~رددت إلى ربي } أى والله لئن رددت إلى ربى على سبيل الفرض ~~والتقدير كما أخبرتنى يا صاحبى بأن هناك بعثا وحسابا { لأجدن ~~خيرا منها ms3337 } أى من هذه الجنة { منقلبا } أى مرجعا وعاقبة. اسم ~~مكان من الانقلاب بمعنى الرجوع والانصراف عن الشئ إلى غيره. وشبيه بهذه ~~الآية قوله - تعالى - # أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا ~~وولدا # وقوله - سبحانه - # وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن ~~بمعذبين # والمتدبر لحال صاحب الجنتين يراه، - أولا - قد زعم أن مدار التفاضل هو ~~الثروة والعشيرة، ويراه - ثانيا - قد بنى حياته على الغرور والبطر، ~~واعتقاد الخلود لزينة الحياة الدنيا، ويراه - ثالثا - قد أنكر البعث ~~والحساب، والثواب والعقاب. ويراه - رابعا - قد توهم أن غناه فى الدنيا ~~سيكون معه مثله فى الآخرة قال صاحب الكشاف " وأخبر عن نفسه بالشك فى ~~بيدودة جنته، لطول أمله، واستيلاء الحرص عليه، وتمادى غفلته، واغتراره ~~بالمهلة، واطراحه النظر فى عواقب أمثاله، وترى أكثر الأغنياء من ~~المسلمين، وإن لم يطلقوا بمثل هذا ألسنتهم، فإن ألسنة أحوالهم ناطقة به، ~~منادية عليه. وأقسم على أنه إن رد إلى ربه - على سبيل الفرض والتقدير - ~~ليجدن فى الآخرة خيرا من جنته فى الدنيا، تطمعا وتمنيا على الله.. ". ثم ~~حكى - سبحانه - بعد ذلك ما قاله الرجل المؤمن لصاحب الجنتين، الذى نطق ~~بأفحش، وأفجر الفجور، فقال - تعالى - { قال له صاحبه وهو ~~يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من ~~نطفة ثم سواك رجلا... }. ### || [18.37-41] # أى قال الرجل الفقير المؤمن، فى رده على صاحبه الجاحد المغرور، منكرا ~~عليه كفره قال له على سبيل المحاورة والمجاوبة يا هذا { أكفرت } بالله ~~الذى { خلقك } بقدرته { من تراب }. أى خلق أباك الأول من تراب، كما قال ~~سبحانه # إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون # { ثم من نطفة } أى خلق أباك آدم من تراب، ثم أوجدك أنت من نطفة ~~عن طريق التناسل والمباشرة بين الذكر والأنثى. { ثم سواك رجلا ~~} أى ثم صيرك إنسانا كاملا، ذا صورة جميلة، وهيئة حسنة. كما قال - سبحانه ~~- # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # والاستفهام فى قوله { أكفرت.. } للإنكار والاستبعاد، لأن خلق الله - ~~تعالى - له من تراب ثم ms3338 نطفة، ثم تسويته إياه رجلا، يقتضى منه الإيمان ~~بهذا الخالق العظيم، وإخلاص العبادة له، وشكره على نعمائه. قالوا ولا ~~يستلزم قول صاحب الجنتين قبل ذلك # ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها ~~منقلبا # أنه كان مؤمنا، لأنه قال ذلك على سبيل الفرض والتقدير، لا على سبيل ~~الاعتقاد واليقين، بدليل تردده فى إمكان قيام الساعة، ولأن اعترافه بوجود ~~الله - تعالى - لا يستلزم الإيمان الحق، فالكفار كانوا يعترفون بأن الله ~~- تعالى - هو الخالق للسماوات والأرض، ومع هذا يشركون معه فى العبادة ~~آلهة أخرى. وجاء التعبير بحرف " ثم " فى الآية، للاشارة إلى أطوار خلق ~~الإنسان التى فصلها - سبحانه - فى آيات أخرى، منها قوله - تعالى - # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم ~~جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة ~~علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة ~~عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا ~~آخر فتبارك الله أحسن الخالقين # ثم يعلن الرجل الصالح موقفه بشجاعة ووضوح، فيقول لصاحبه صاحب الجنتين { ~~لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا }. أى ~~إن كنت أنت يا هذا قد كفرت بالله الذى خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك ~~رجلا، فإنى لست بكافر، ولكنى أنا مؤمن، أعترف له بالعبادة والطاعة وأقول ~~هو الله - تعالى - وحده ربى، ولا أشرك معه أحدا من خلقه لا فى الربوبية، ~~ولا فى الألوهية، ولا فى الذات ولا فى الصفات. وقوله - سبحانه - فى هذه ~~الآية { لكنا... } أصله " لكن أنا " أى لكن أنا أقول هو الله ربى. فحذفت ~~همزة " أنا " وأدغمت نون " لكن " فى نون أنا بعد حذف الهمزة. وجمهور ~~القراء يقرءون فى الوصل " لكن " بدون ألف بعد النون المشددة وقرأ أبو ~~عامر فى الوصل " لكنا " بالألف - أما فى حالة الوقف فقد اتفق الجميع على ~~إثبات الألف. # قال صاحب الكشاف قوله { لكنا هو الله ربي } أصله لكن أنا ~~فحذفت الهمزة، وألقيت حركتها على نون لكن، فتلاقت النونان فكان الإدغام، ~~ونحوه قول القائل # وترميننى بالطرف أى أنت مذنب وتقليننى، لكن إياك لا أقلى # أى لكن ms3339 أنا لا أقليك. و " هو " ضمير الشأن أى والشأن أن الله ربى ~~والجملة خبر أنا. والراجع منها إليه ياء الضمير. فإن قلت هو استدراك لأى ~~شئ؟ قلت لقوله { أكفرت.. } قال لأخيه أنت كافر بالله، لكنى مؤمن موحد، ~~كما تقول زيد غائب لكن عمرا حاضر ". ثم أرشده إلى ما كان يجب عليه أن ~~يقوله عند دخوله جنته فقال { ولولا إذ دخلت جنتك قلت ~~ما شآء الله لا قوة إلا بالله... }. قال الإمام ابن ~~كثير هذا تحضيض وحث على ذلك. أى هلا إذ أعجبتك جنتك حين دخلتها ونظرت ~~إليها، حمدت الله على ما أنعم به عليك وأعطاك من المال والولد ما لم يعط ~~غيرك وقلت { ما شآء الله لا قوة إلا بالله } ، ولهذا ~~قال بعض السلف من أعجبه شئ من حاله أو ولده أو ماله، فليقل ما شاء الله ~~لا قوة إلا بالله.. وهذا مأخوذ من هذه الآية الكريمة. وقد روى فيه حديث ~~مرفوع.. فعن أنس - رضى الله عنه - قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد فيقول ما شاء الله لا ~~قوة إلا بالله، فيرى فيه آفة دون الموت ". # وقال الآلوسى وقوله " ما شاء الله، أى الأمر ما شاء الله، أو ما شاء ~~الله - تعالى - كائن، على أن " ما " موصولة مرفوعة المحل. إما على أنها ~~خبر مبتدأ محذوف. أو على أنها مبتدأ محذوف الخبر.. وأيما كان فالمراد ~~تحضيضه على الاعتراف بأن جنته وما فيها بمشيئة الله - تعالى - إن شاء ~~أبقاها وإن شاء أبادها ". وبعد أن حضه على الشكر لله - تعالى - رد على ~~إفتخاره وغرروه بقوله - كما حكى القرآن عنه - { إن ترن أنا ~~أقل منك مالا وولدا فعسى ربي أن يؤتين خيرا ~~من جنتك }. أى إن ترن - أيها المغرور - أنا أقل منك فى المال ~~والولد فإنى أرجو الله الذى لا يعجزه شئ، أن يرزقنى ما هو خير من جنتك فى ~~الدنيا والآخرة. { ويرسل عليها حسبانا من السمآء } ~~أى عذابا من ms3340 جهة السماء كالصواعق والسموم وغيرها مما يشاء الله - تعالى - ~~إرساله عليها من المهلكات التى تذرها قاعا صفصفا. # قال صاحب الكشاف والحسبان مصدر كالغفران والبطلان بمعنى الحساب. أى ~~ويرسل عليها مقدارا قدره الله وحسبه، وهو الحكم بتخريبها. { فتصبح } بعد ~~اخضرارها ونضارتها { صعيدا } أى أرضا { زلقا } أى جرداء ملساء لا نبات ~~فيها، ولا يثبت عليها قدم. والمراد أنها تصير عديمة النفع من كل شئ حتى ~~من المشى عليها. يقال مكان زلق، أى دحض، وهو فى الأصل مصدر زلقت ~~رجله تزلق زلقا، ومعناه الزلل فى المشى لوحل ونحوه. { أو يصبح ~~مآؤها غورا } أى غائرا ذاهبا فى الأرض. فالغور مصدر وصف به على ~~سبيل المبالغة وهو بمعنى الفاعل. يقال غار الماء يغور غورا أى سفل فى ~~الأرض وذهب فيها. ومنه قوله - تعالى - # قل أرأيتم إن أصبح مآؤكم غورا فمن يأتيكم ~~بمآء معين # { فلن تستطيع له طلبا } أى فلن تستطيع أن تحصل عليه أو ~~تطلبه بأية حيلة من الحيل، لأنه لا يقدر على الإتيان بهذا الماء الغائر ~~إلا الله - عز وجل -. وإلى هنا نجد أن الرجل المؤمن قد رد على صاحبه ~~الكافر، بما يذكره بمنشئه، وبما يوجهه إلى الأدب الذى يجب أن يتحلى به مع ~~خالقه ورازقه، وبما يحذره من سوء عاقبة بطره. وهكذا الإيمان الحق، يجعل ~~المؤمن يعتز بعقيدته، ويتجه إلى الله وحده الذى تعنو له الجباه، ويرجو ~~منه وحده ما هو خير من بساتين الدنيا وزينتها. ثم يختتم - سبحانه - هذه ~~القصة ببيان العاقبة السيئة التى حلت بذلك الرجل الجاحد المغرور صاحب ~~الجنتين فيقول { وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه ~~على مآ أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول ~~يليتني لم أشرك بربي أحدا... }. ### || [18.42-44] # أى وكانت نتيجة جحود صاحب الجنتين لنعم ربه، أن أهلكت أمواله وأبيدت ~~كلها. فصار يقلب كفيه ظهرا لبطن أسفا وندما، على ما أنفق فى عمارتها ~~وتزيينها من أموال كثيرة ضاعت هباء، ومن جهد كبير ذهب سدى. وقوله - ~~سبحانه - { وأحيط بثمره } معطوف على مقدر محذوف لدلالة السباق والسياق ~~عليه. وأصل الإحاطة ms3341 مأخوذة من إحاطة العدو بعدوه من جميع جوانبه ~~لإهلاكه واستئصاله. والمعنى فحدث ما توقعه الرجل الصالح من إرسال ~~الحسبان على بستان صاحبه الجاحد المغرور { وأحيط بثمره } بأن هلكت أمواله ~~وثماره كلها. وجاء الفعل { أحيط } مبنيا للمجهول، للإشعار بأن فاعله ~~متيقن وهو العذاب الذى أرسله الله - تعالى - أى وأحاط العذاب بجنته. ~~وقوله { فأصبح يقلب كفيه على مآ أنفق فيها } ~~تصوير بديع لما اعتراه من غم وهم وحسرة وندامة. وتقليب اليدين عبارة عن ~~ضرب إحداهما على الأخرى، أو أن يبدى ظهرهما ثم بطنهما ويفعل ذلك مرارا، ~~وأياما كان ففعله هذا كناية عن الحسرة الشديدة، والندم العظيم. " وهى ~~" أى الجنة التى أنفق فيها ما أنفق { خاوية على عروشها } أى ~~ساقطة ومتهدمة على دعائمها وعلى سقوفها. وأصل الخواء السقوط والتهدم. ~~يقال خوى البيت إذا سقط. كما يطلق على الخلاء من الشئ. يقال خوى بطن فلان ~~من الطعام أى خلا منه، وخوت الدار إذا خلت من سكانها. والعروش جمع عرش، ~~وهو سقف البيت. والمقصود أن الجنة بجميع ما اشتملت عليه، صارت حطاما ~~وهشيما تذروه الرياح. وجملة { ويقول يليتني لم أشرك ~~بربي أحدا } معطوفة على جملة { يقلب كفيه.. }. أى صار يقلب كفيه ~~حسرة وندامة لهلاك جنته، ويقول زيادة فى الحسرة والندامة يا ليتنى اتبعت ~~نصيحة صاحبى فلم أشرك مع ربى - سبحانه - أحدا فى العبادة أو الطاعة. ~~وهكذا حال أكثر الناس، يذكرون الله - تعالى - عند الشدائد والمحن، ~~وينسونه عند السراء والعافية. والمتدبر لهذه الآية الكريمة يراها قد صورت ~~فجيعة الرجل الجاحد فى جنته تصويرا واقعيا بديعا. فقد جرت عادة الإنسان ~~أنه إذا نزل به ما يدهشه ويؤلمه. أن يعجز عن النطق فى أول وهلة. فإذا ما ~~أفاق من دهشته بدأ فى النطق والكلام. وهذا ما حدث من ذلك الرجل - كما ~~صوره القرآن الكريم - فإنه عندما رأى جنته وقد تحطمت أخذ يقلب كفيه حسرة ~~وندامة دون أن ينطق، ثم بعد أن أفاق من صدمته جعل يقول يا ليتنى لم أشرك ~~بربى أحدا. فيا له من تصوير بديع. يدل ms3342 على أن هذا القرآن من عند الله - ~~تعالى -. ثم ختم - سبحانه - هذه القصة ببيان عظيم قدرته ونفاذ إرادته ~~فقال. # { ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما ~~كان منتصرا هنالك الولاية لله الحق هو خير ~~ثوابا وخير عقبا }. أى ولم تكن لهذا الجاحد المغرور بعد أن خوت ~~جنته على عروشها، عشيرة، أو أعوان ينصرونه، أو يدفعون عنه ما حل به، ~~وإنما القادر على ذلك هو الله - تعالى - وحده، وما كان هذا الرجل الذى ~~جحد نعم ربه منتصرا لأنه - سبحانه - قد حجب عنه كل وسيلة تؤدى إلى نصره ~~وعونه، بسبب إيثاره الغى على الرشد، والكفر على الإيمان. فالآية الكريمة ~~تبين بجلاء ووضوح، عجز كل قوة عن نصرة ذلك الرجل المخذول سوى قوة الله - ~~عز وجل -، وعجز ذلك الرجل فى نفسه عن رد انتقام الله - تعالى - منه. ~~وقوله - سبحانه - { هنالك الولاية لله الحق.. } تقرير ~~وتأكيد للآية السابقة. ولفظ هنالك ظرف مكان. وكلمة { الولاية } قرأها ~~الجمهور بفتح الواو، بمعنى الموالاة والصلة والنصرة كما قرأ الجمهور كلمة ~~{ الحق } بالجر على أنها نعت للفظ الجلالة. فيكون المعنى فى ذلك المقام ~~وتلك الحال تكون الولاية - أى الموالاة والصلة - من كل الناس، لله - ~~تعالى - وحده إذ الكافر عندما يرى العذاب يعترف بوحدانية الله - تعالى - ~~كما قال - سبحانه - # فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ~~وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم ~~إيمانهم لما رأوا بأسنا # ويجوز أن يكون المعنى فى ذلك المقام وتلك الحال تكون الولاية أى ~~الموالاة لله - تعالى - وحده. فيوالى المؤمنين برحمته ومغفرته وينصرهم ~~على أعدائهم. كما قال - سبحانه - # ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن ~~الكافرين لا مولى لهم # وقرأ حمزة والكسائى { الولاية } بكسر الواو، بمعنى الملك والسلطان كما ~~قرأ أبو عمرو والكسائى لفظ { الحق } بالرفع على أنه نعت للولاية. فيكون ~~المعنى فى ذلك المقام تكون الولاية الحق، والسلطان الحق، لله رب ~~العالمين، كما قال - سبحانه - # الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على ~~الكافرين عسيرا # قال بعض العلماء وقوله { هنالك } يرى بعضهم ms3343 أنه متعلق بما بعده، والوقف ~~تام على قوله { وما كان منتصرا }. ويرى آخرون أنه متعلق بما ~~قبله. فعلى القول الأول يكون الظرف { هنالك } عامله ما بعده أى الولاية ~~كائنة لله هنالك. وعلى القول الثانى فالعامل فى الظرف اسم الفاعل الذى هو ~~{ منتصرا }. أى لم يكن انتصاره واقعا هنالك. وقوله - سبحانه - { هو ~~خير ثوابا وخير عقبا } أى هو - عز وجل - خير إثابة وإعطاء ~~لأوليائه، وخير عاقبة لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى. وعاقبة الأمر ~~آخره وما يصير إليه منتهاه. و { ثوابا } و { عقبا } منصوبان على التمييز، ~~بعد صيغة التفضيل { خير } التى حذفت منها الهمزة تخفيفا لكثرة الاستعمال ~~كما قال ابن مالك - رحمه الله - # وغالبا أغناهم خير وشر عن قولهم أخير منه وأشر # وبذلك نرى أن هذه القصة التى ضربها الله - تعالى - مثلا للأخيار ~~والأشرار قد بينت لنا بأسلوب بليغ أخاذ، صور عاقبة الجاحدين المغرورين ~~وحسن عاقبة الشاكرين المتواضعين، كما بينت لنا الآثار الطيبة التى تترتب ~~على الإيمان والعمل الصالح، والآثار السيئة التى يفضى إليها الكفر وسوء ~~العمل، كما بينت لنا أن المتفرد بالولاية والقدرة هو الله - عز وجل - ~~فلا قوة إلا قوته، ولا نصر إلا نصره، ولا مستحق للعبادة أحد سواه، ولا ~~ثواب أفضل من ثوابه ولا عاقبة لأوليائه خير من العاقبة التى يقدرها لهم، ~~وصدق - سبحانه - حيث يقول { هنالك الولاية لله الحق ~~هو خير ثوابا وخير عقبا }. ثم تنتقل السورة الكريمة من ~~ضرب المثل الجزئى الشخصى، إلى ضرب مثال آخر عام كلى، فبينت أن الحياة ~~الدنيا فى قصرها وذهاب زينتها.. كتلك الجنة التى أصبحت حطاما، بعد ~~اخضرارها وكثرة ثمرها، كما بينت أن هناك زينة فانية، وأن هنالك أعمالا ~~صالحة باقية قال - تعالى - { واضرب لهم مثل الحياة ~~الدنيا كمآء أنزلناه من السماء فاختلط به ~~نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان ~~الله على كل شيء مقتدرا }. ### || [18.45-46] # قال الإمام الرازى " اعلم أن المقصود اضرب لهم مثلا آخر يدل على حقارة ~~الدنيا، وقلة بقائها. والكلام متصل بما تقدم من قصة المشركين ms3344 المتكبرين ~~على فقراء المؤمنين.. ". والمعنى. واذكر لهم - أيها الرسول الكريم - ما ~~يشبه هذه الحياة الدنيا فى حسنها ونضارتها، ثم فى سرعة زوال هذا الحسن ~~والنضارة، لكى لا يركنوا إليها، ولا يجعلوها أكبر همهم، ومنتهى آمالهم. ~~وقوله { كمآء أنزلناه من السماء.. } بيان للمثل الذى شبه ~~الله - تعالى - به الحياة الدنيا أى مثلها فى ازدهارها ثم فى زوال هذا ~~الازدهار، كهيئة أو كصفة ماء أنزلناه بقدرتنا من السماء، فى الوقت الذى ~~نريد إنزاله فيه. { فاختلط به نبات الأرض } والاختلاط ~~والخلط امتزاج شيئين فأكثر بعضهما ببعض. أى كماء أنزلناه من السماء، ~~فاختلط وامتزج بهذا الماء نبات الأرض، فارتوى منه وصار قويا بهيجا يعجب ~~الناظرين إليه. وفى التعبير بقوله { فاختلط به نبات الأرض } ~~دون قوله فاختلط بنبات الأرض إشارة إلى كثرة الماء النازل من السماء، ~~وإلى أنه السبب الأساسى فى ظهور هذا النبات، وفى بلوغه قوته ونضارته. ~~وقوله { فأصبح هشيما تذروه الرياح } بيان لما صار إليه ~~هذا النبات من يبوسته وتفتته، بعد اخضراره وشدته وحسنه. قال القرطبى ما ~~ملخصه { هشيما } أى متكسرا متفتتا، يعنى بانقطاع الماء عنه، فحذف ذلك ~~إيجازا لدلالة الكلام عليه، والهشم، كسر الشئ اليابس. والهشيم من النبات ~~اليابس المتكسر.. ورجل هشيم ضعيف البدن. و { تذروه الرياح } أى تفرقه ~~وتنسفه.. يقال ذرت الريح الشئ تذروه ذروا، إذا طارت به وأذهبته ". أى ~~فأصبح النبات بعد اخضراره، يابسا متفتتا، تفرقه الرياح وتنسفه وتذهب به ~~حيث شاءت وكيف شاءت. فأنت ترى أن الآية الكريمة قد شبهت حال الدنيا فى ~~حسنها وجمال رونقها، ثم فى سرعة زوالها وفنائها بعد ذلك، بحال النبات ~~الذى نزل عليه الماء فاخضر واستوى على سوقه، ثم صار بعد ذلك يابسا متفتتا ~~تذهب به الرياح حيث شاءت. والتعبير بالفاء فى قوله - سبحانه - فاختلط. ~~فأصبح.. يزيد الأسلوب القرآنى جمالا وبلاغة، لأن فاء التعقيب هنا تدل على ~~قصر المدة التى استمر فيها النبات نضرا جميلا، ثم صار هشيما تذروه ~~الرياح. وهكذا الحياة تبدو للمتشبثين بها، جميلة عزيزة، ولكنها سرعان ما ~~تفارقهم ويفارقونها، حيث ينزل ms3345 بهم الموت فيجعل آمالهم تحت التراب. ثم ختم ~~- سبحانه - الآية بقوله، { وكان الله على كل شيء ~~مقتدرا } أى وكان الله - تعالى - وما زال - على كل شئ من الأشياء ~~التى من جملتها الإنشاء والإفناء كامل القدرة، لا يعجزه شئ فى الأرض ~~ولا فى السماء. # وقد ذكر - سبحانه - ما يشبه هذه الآية فى سور كثيرة، ومن ذلك قوله - ~~تعالى - # إنما مثل الحياة الدنيا كمآء أنزلناه من ~~السمآء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس ~~والأنعام حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها ~~وازينت وظن أهلهآ أنهم قادرون عليهآ ~~أتاهآ أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن ~~لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم ~~يتفكرون # ثم بين - سبحانه - القيمة الحقيقية للمال وللبنين فقال { المال ~~والبنون زينة الحياة الدنيا }. والمال اسم لكل ما يتموله ~~الإنسان ويتملكه من النقود والعقار والحرث والأنعام.. إلخ والبنون جمع ~~ابن. والزينة مصدر. والمراد بها هنا، ما فى الشئ من محاسن ترغب الإنسان ~~فى حبه. أى المال والبنون زينة يتزين بها الإنسان فى هذه الحياة الدنيا، ~~ويتباهى بها على غيره. وإنما كانا كذلك، لأن فى المال - كما يقول القرطبى ~~- جمالا ونفعا، وفى البنين قوة ودفعا. قال الآلوسى " وتقديم المال على ~~البنين - مع كونهم أعز منه عند أكثر الناس لعراقته فيما نيط به من الزينة ~~والإمداد وغير ذلك.. ولأنه زينة بدونهم من غير عكس فإن من له بنون بغير ~~مال فهو فى أضيق حال.. ". وفى التعبير بقوله - سبحانه - زينة، بيان بديع. ~~وتعبير دقيق لحقيقتهما، فهما زينة وليسا قيمة، فلا يصح أن توزن بهما ~~أقدار الناس، وإنما توزن أقدار الناس بالإيمان والعمل الصالح، كما قال - ~~تعالى - # إن أكرمكم عند الله أتقاكم # ولذا جاء التعقيب منه - سبحانه - بقوله { والباقيات الصالحات ~~خير عند ربك ثوابا وخير أملا }. أى المال والبنون ~~زينة يتزين ويتفاخر بها كثير من الناس فى هذه الحياة الدنيا، وإذا كان ~~الأمر كذلك فى عرف كثير منهم. فإن الأقوال الطيبة، والأعمال الحسنة، هى ~~الباقيات الصالحات، التى تبقى ثمارها للإنسان، وتكون عند الله - تعالى - ~~{ خير ms3346 } من الأموال والأولاد، ثوابا وجزاء وأجرا { وخير أملا } حيث ينال ~~بها صاحبها فى الآخرة ما كان يؤمله ويرجوه فى الدنيا من فوز بنعيم الجنة، ~~أما المال والبنون فكثيرا ما يكونان فتنة. وقد ساق الإمام ابن كثير جملة ~~من الآثار فى تعيين المراد بالباقيات الصالحات فقال قال ابن عباس وسعيد ~~بن جبير وغير واحد من السلف والباقيات الصالحات الصلوات الخمس. وقال عطاء ~~بن أبى رياح وسعيد بن جبير عن ابن عباس { والباقيات الصالحات } سبحان ~~الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر... ويبدو لنا أن قوله - ~~تعالى - { والباقيات الصالحات } لفظ عام، يشمل كل قول، أو عمل يرضى الله ~~- عز وجل - ويدخل فى ذلك دخولا أوليا الصلوات الخمس وغيرها مما ذكره ~~المفسرون من أقوال. وسمى - سبحانه - ما يرضيه. # من أقوال، وأعمال بالباقيات الصالحات لأنها باقية لصاحبها غير زائلة ولا ~~فانية، بخلاف زينة الحياة الدنيا فإنها زائلة فانية. قال الإمام ابن جرير ~~- رحمه الله - وأولى الأقوال بالصواب قول من قال هن جميع أعمال الخير.. ~~لأن ذلك كله من الصالحات التى تبقى لصاحبها فى الآخرة، وعليها يجازى ~~ويثاب. وإن الله - عز وجل - لم يخصص من قوله { والباقيات ~~الصالحات خير.. } بعضا دون بعض فى كتاب، ولا بخبر عن رسوله الله ~~صلى الله عليه وسلم. ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن أهوال يوم ~~القيامة، ذلك اليوم الذى تنفع فيه الباقيات الصالحات، وليس الأموال ولا ~~الأولاد، فقال - تعالى - { ويوم نسير الجبال وترى ~~الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم ~~أحدا... }. ### || [18.47-49] # والظرف فى قوله - تعالى - { ويوم نسير الجبال } منصوب بفعل ~~محذوف تقديره " اذكر ". والمراد بتسيير الجبال اقتلاعها من أماكنها، ~~وصيرورتها كالعهن المنفوش. أى واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ، أهوال ~~يوم القيامة، يوم نقتلع الجبال من أماكنها، ونذهب بها حيث شئنا، ونجعلها ~~فى الجو كالسحاب، كما قال - سبحانه - # وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر ~~السحاب # وكما قال - عز وجل - # وسيرت الجبال فكانت سرابا # وقوله { وترى الأرض بارزة.. } بيان لحالة ثانية من أهوال يوم ~~القيامة. أى وترى ms3347 - أيها المخاطب - الأرض ظاهرة للأعين دون أن يسترها شئ ~~من جبل، أو شجر، أو بنيان. يقال برز الشئ برزوا، أى خرج إلى البراز - ~~بفتح الباء - أى الفضاء وظهر بعد الخفاء. قال - تعالى - # فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض ~~والجبال فدكتا دكة واحدة فيومئذ وقعت ~~الواقعة # ثم بين - سبحانه - حالة ثالثة من أهوال يوم القيامة فقال { ~~وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا }. أى وحشرنا الخلائق ~~جميعا، بأن جمعناهم فى المكان المحدد لجمعهم، دون أن نترك منهم أحدا، بل ~~أخرجناهم جميعا من قبورهم لنحاسبهم على أعمالهم. والفعل { نغادر } من ~~المغادرة بمعنى الترك، ومنه الغدر لأنه ترك الوفاء والأمانة وسمى الغدير ~~من الماء غديرا، لأن السيل ذهب وتركه. ثم تذكر السورة الكريمة حالة رابعة ~~من أهوال يوم القيامة، هى حالة العرض بعد حالة الجمع فتقول { وعرضوا ~~على ربك صفا }. أى وأحضروا جميعا إلى ربك مصفوفين فى صف واحد ~~أو فى صفوف متعددة، ليقضى فيهم - سبحانه - بقضائه العادل. قال الآلوسى ~~أخرج ابن منده فى التوحيد عن معاذ بن جبل، أن النبى صلى الله عليه وسلم ~~قال # " إن الله - تعالى - ينادى يوم القيامة، يا عبادى أنا الله لا إله إلا ~~أنا أرحم الراحمين. وأحكم الحاكمين، وأسرع الحاسبين. أحضروا حجتكم ويسروا ~~جوابكم. فإنكم مسئولون محاسبون. يا ملائكتى أقيموا عبادى صفوفا على أطراف ~~أنامل أقدامهم للحساب ". # وفى الحديث الصحيح # " يجمع الله - تعالى - الأولين والآخرين فى صعيد واحد صفوفا يسمعهم ~~الداعى وينفذهم البصر.. ". # وقوله - سبحانه - # ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة.. # مقول لقول محذوف، وجملة { كما خلقناكم } نعت لمصدر محذوف. والمعنى ونقول ~~لمنكرى البعث والحساب بعد عرضهم علينا على سبيل التوبيخ والتأنيب لقد ~~جئتمونا - أيها المكذبون - مجيئا كائنا كمجيئكم عند خلقنا إياكم أول مرة. ~~أى حفاة عراة لا مال معكم ولا ولد. وعبر - سبحانه - بالماضى فى قوله { ~~لقد جئتمونا.. } لتحقق الوقوع وتنزيله منزلة الواقع بالفعل. # وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ~~وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى ~~معكم شفعآءكم ms3348 الذين زعمتم أنهم فيكم ~~شركآء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم ~~تزعمون # ثم ختم - سبحانه - الآية بالانتقال من توبيخهم هذا إلى توبيخ أشد وأقسى ~~فقال { بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا }. أى بل ~~زعمتم أيها المكذبون بالبعث - أن لن نجعل لكم زمانا أو مكانا نجازيكم فيه ~~على أعمالكم، وأنكرتم إنكارا مصحوبا بقسم أننا لا نبعث من يموت. قال - ~~تعالى - # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من ~~يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون # ثم صور - سبحانه - أحوال المجرمين عندما يرون مصيرهم السيئ فقال - تعالى ~~- { ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما ~~فيه ويقولون يويلتنا مال هذا الكتاب لا ~~يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها }. والمراد ~~بالكتاب جنسه، فيشمل جميع الصحف التى كتبت فيها أعمال المكلفين فى دار ~~الدنيا. أى وأحضرت صحائف أعمال العباد، ووضعت فى ميزانهم { فترى } - أيها ~~المخاطب - { المجرمين } كافة، مشفقين، خائفين، مما فيه من جرائم وذنوب { ~~ويقولون } على سبيل التفجع والتحسر عند معاينتهم لثقل ميزان سيئاتهم، ~~وخفة ميزان حسناتهم. { يا ويلتنا }. والويلة الهلاك وحلول الشر والقبح ~~والحسرة، وهو - أى لفظ الويلة - مصدر لا فعل له من لفظه. وهذا النداء على ~~التشبيه بشخص يطلب إقباله. أى ويقولون بأسف وندامة وحسرة يا هلاكنا أقبل ~~فهذا أوان إقبالك. ثم يقولون على سبيل التعجب والدهشة من دقة ما اشتمل ~~عليه هذا الكتاب { مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ~~ولا كبيرة إلا أحصاها }؟ أى أى شئ ثبت لهذا الكتاب، حيث ~~نراه لا يترك معصية صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها علينا، وسجلها فى صحف ~~أعمالنا. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على شمول علمه. ونفاذ ~~قدرته وكمال عدله، فقال { ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا ~~يظلم ربك أحدا }. أى ووجدوا ما عملوه فى الدنيا حاضرا ومسطورا ~~فى صحائف أعمالهم، ولا يظلم ربك أحدا من العباد، وإنما يجازى كل إنسان ~~على حسب ما يستحقه من ثواب أو عقاب كما قال - سبحانه - # ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم ~~نفس شيئا وإن ms3349 كان مثقال حبة من خردل أتينا ~~بها وكفى بنا حاسبين # وكما قال - عز وجل - # إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة ~~يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما # قال الإمام ابن كثير وقوله { ولا يظلم ربك أحدا } أى ~~فيحكم بين عباده فى أعمالهم جميعها، ولا يظلم أحدا من خلقه، بل يغفر ~~ويصفح ويرحم، ويعذب من يشاء، بقدرته وحكمته وعدله. # وقال الإمام أحمد حدثنا يزيد أخبرنا همام بن يحيى، عن القاسم بن عبد ~~الواحد المكى، عن عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد الله ~~يقول بلغنى حديث عن رجل سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتريت ~~بعيرا ثم شددت عليه رحلى، فسرت إليه شهران حتى قدمت عليه الشام، فإذا ~~عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب قل له جابر على الباب، فقال ابن عبد الله؟ ~~فقلت نعم، فخرج يطأ ثوبه، فاعتنقنى واعتنقته، فقلت حديث بلغنى عنك أنك ~~سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فى القصاص فخشيت أن تموت أو أموت ~~قبل أن أسمعه، فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " يحشر الله - عز وجل - الناس يوم القيامة، عراة غرلا بهما، أى ~~ليس معهم شئ، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد، كما يسمعه من قرب أنا ~~الملك، أنا الديان، لا ينبغى لأحد من أهل النار أن يدخل النار، وله عند ~~أحد من أهل الجنة حق، حتى أقصه منه، أى حتى أمكنه من أخذ القصاص، وهو أن ~~يفعل به مثل فعله، ولا ينبغى لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، وله عند ~~رجل من أهل النار حق، حتى أقصه منه، حتى اللطمة. قال قلنا كيف وإنما نأتى ~~الله - عز وجل - عراة غرلا بهما؟ قال بالحسنات والسيئات ". # وبعد أن وضح - سبحانه - من أهوال الحشر ما تخشع له النفوس، وتهتز له ~~القلوب، أتبع ذلك بالنهى عن اتخاذ إبليس وذريته أولياء، وببيان جانب من ~~المصير الأليم الذى ينتظر المجرمين وشركاءهم فقال - تعالى - { وإذ ~~قلنا للملائكة اسجدوا ms3350 لأدم فسجدوا إلا ~~إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ~~أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني وهم لكم ~~عدو بئس للظالمين بدلا... }. ### || [18.50-53] # فقوله - سبحانه - { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم ~~فسجدوا إلا إبليس } تذكير لبنى آدم بالعداوة القديمة بين ~~أبيهم آدم وبين إبليس وذريته. والمقصود بهذا التذكير تحذيرهم من وساوسه، ~~وحضهم على مخالفته، كما قال - تعالى - # إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما ~~يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير # والملائكة جمع ملك. وهم - كما وصفهم الله تعالى - # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # وآدم اسم لأبى البشر، قيل إنه اسم عبرانى مشتق من أدمه بمعنى التراب. ~~والسجود لغة التذلل والخضوع. وخص فى الشرع بوضع الجبهة على الأرض بقصد ~~العبادة. وإبليس اسم مشتق من الإبلاس، وهو الحزن الناشئ عن شدة اليأس ~~وفعله أبلس، والراجح أنه اسم أعجمى. ومنعه من الصرف للعلمية والعجمة. ~~والمعنى - واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ، وقت أن قلنا للملائكة ~~اسجدوا لآدم، سجود تحية واحترام وتوقير، لا سجود عبادة وطاعة لأن ذلك لا ~~يكون إلا لله رب العالمين. فامتثلوا أمرنا وسجدوا جميعا، كما قال - ~~تعالى - # فسجد الملائكة كلهم أجمعون # وجاء العطف فى قوله { فسجدوا } بالفاء المفيدة للتعقيب، للإشارة إلى أن ~~الملائكة قد بادروا بالامتثال بدون تردد، استجابة لأمر خالقهم - عز وجل. ~~وقوله - تعالى - { إلا إبليس كان من الجن ففسق عن ~~أمر ربه } بيان لموقف إبليس من أمر الله تعالى، وهو أنه أبى ~~واستكبر وامتنع عن السجود لآدم. وظاهر الآية يفيد أن سبب فسقه عن أمر ربه ~~كونه من الجن لا من الملائكة إذ من المقرر فى علم الأصول أن الفاء من ~~الحروف الدالة على التعليل، كما فى قولهم، سرق فقطعت يده. والمعنى امتثل ~~الملائكة جميعا أمرنا فسجدوا لآدم، إلا إبليس فإنه أبى واستكبر ولم يسجد ~~لأنه كان من الجن ولم يكن من الملائكة { ففسق عن أمر ربه } ~~أى. فخرج بذلك عن طاعتنا، واستحق لعنتنا وغضبنا. وأصل الفسق الخروج عن ~~الطاعة مأخوذ من قولهم فسق الرطب فسوقا إذا ms3351 خرج عن قشره وهو أعم من ~~الكفر، فيقال للعاصى فاسق، وللكافر فاسق. قال بعض العلماء ما ملخصه ~~والخلاف فى كون إبليس من الملائكة أولا مشهور عند أهل العلم. وحجة من قال ~~إنه ليس منهم أمران أحدهما عصمة الملائكة من ارتكاب الكفر الذى ارتكبه ~~إبليس، فهم - كما قال الله عنهم # لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون # والثانى أن الله - تعالى - صرح فى هذه الآية الكريمة بأنه كان من الجن، ~~والجن غير الملائكة. قالوا وهو نص قرآنى فى محل النزاع. واحتج من قال ~~بأنه منهم، بما تكرر فى الآيات القرآنية من قوله # فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس # قالوا فإخراجه بالاستثناء من لفظ الملائكة دليل على أنه منهم، والظواهر ~~إذا كثرت صارت بمنزلة النص ومن المعلوم أن الأصل فى الاستثناء الاتصال لا ~~الانقطاع. قالوا ولا حجة لمن خالفنا فى قوله - تعالى - { كان من ~~الجن } ، لأن الجن قبيلة من الملائكة، خلقوا من بين الملائكة من نار ~~السموم. وأظهر الحجج فى المسألة. حجة من قال إنه ليس من الملائكة، لأن ~~قوله - تعالى - { إلا إبليس كان من الجن } هو أظهر شئ فى ~~الموضوع من نصوص الوحى، والعلم عند الله - تعالى -. ومن المفسرين الذين ~~يدل كلامهم على أن إبليس لم يكن من الملائكة. الإمام ابن كثير، فقد قال ~~- رحمه الله - قوله { فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ~~} أى خانه أصله، فإنه خلق من مارج من نار، وأصل خلق الملائكة من نور، كما ~~ثبت فى صحيح مسلم، عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال # " خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف ~~لكم " # فعند الحاجة نضح كل إناء بما فيه، وخانه الطبع عند الحاجة، وذلك أنه قد ~~توسم بأفعال الملائكة، وتشبه بهم، وتعبد وتنسك فلهذا دخل فى خطابهم، وعصى ~~بالمخالفة. ونبه - تعالى - ها هنا على أنه { من الجن } أى " أنه خلق من ~~نار.. ". ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالإنكار والتوبيخ والتعجيب ~~ممن يتبع خطوات إبليس وذريته فقال ms3352 { أفتتخذونه وذريته ~~أوليآء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين ~~بدلا }. أى أفبعد أن ظهر لكم - يا بنى آدم - ما ظهر من فسوق إبليس عن ~~أمر ربه، تتخذونه وذريته الذين نهجوا نهجه، أولياء، وأصفياء من دونى، ~~فتطيعونهم بدل أن تطيعونى، والحال أن إبليس وذريته لكم عدو؟ لا شك أن من ~~يفعل ذلك منكم يكون قد استبدل الذى هو أدنى بالذى هو خير، وآثر الغى على ~~الرشد، والضلالة على الهداية، والفسوق على الإيمان!!. فالجملة الكريمة ~~تستبعد من كل عاقل، أن يطيع إبليس وذريته، بعد أن تبين له عداوتهم إياه، ~~وحرصهم على إيقاعه فى موارد الهلكة والسوء. وقوله { وذريته } يدل على أن ~~لإبليس ذرية، إلا أن الطريقة التى بواسطتها كانت له الذرية، لم يرد بها ~~نص صحيح يعتمد عليه، لذا وجب تفويض علمها إلى - الله تعالى -. قال ~~الآلوسى عند تفسيره لهذه الآية والظاهر أن المراد من الذرية الأولاد ~~فتكون الآية دالة على أن له أولادا، وبذلك قال جماعة.. وعن قتادة أنه قال ~~إنه ينكح وينسل كما ينسل بنو آدم. ثم قال الآلوسى ولا يلزمنا أن نعلم ~~كيفية ولادته، فكثير من الأشياء مجهول الكيفية عندنا، ونقول به. # وقوله - تعالى - { بئس للظالمين بدلا } حكم منه - سبحانه - ~~بسوء التفكير والمصير على المتخذين إبليس وذريته أولياء من دونه - تعالى ~~- وبئس فعل يفيد الذم، والبدل العوض عن الشئ. أى بئس للظالمين، الواضعين ~~الشئ فى غير موضعه، ما فعلوه من تركهم طاعة الله - تعالى - وأخذهم فى ~~مقابل ذلك طاعة إبليس وذريته. والمخصوص بالذم محذوف دل عليه المقام ~~والتقدير بئس البدل والعوض عن طاعة الله - تعالى - طاعة إبليس وذريته. ثم ~~ساق - سبحانه - ما يدل على كمال علمه وقدرته، وعلى عجز وجهالة المعبودين ~~من دونه، فقال - تعالى - { مآ أشهدتهم خلق السماوات ~~والأرض ولا خلق أنفسهم }. والضمير فى قوله { ما أشهدتهم } ~~يعود إلى إبليس وذريته، والإشهاد بمعنى الإحضار والإعلام. أى ما أشهدت ~~إبليس وذريته خلق السماوات والأرض، لأنى خلقتهما دون أن أستعين فى خلقهما ~~بأحد، أو لأنى خلقتهما قبل خلقهم، { ولا ms3353 خلق أنفسهم } أى ولا ~~أشهدت بعضهم خلق بعض، لأنى لا أستعين بأحد حين أخلق ما أشاء، ولا أستشير ~~أحدا حين أقدر ما أشاء. وما دام الأمر كذلك فكيف تتخذونهم أولياء وشركاء ~~من دونى وأنا الخالق لكل شئ والقاهر فوق كل شئ؟. فالجملة الكريمة استئناف ~~مسوق لبيان كمال علمه وقدرته - سبحانه -، ولبيان عدم استحقاق إبليس ~~وذريته للاتخاذ المذكور فى أنفسهم، بعد بيان المواقع والصوارف التى تمنع ~~وتصرف عن اتخاذهم أولياء، من خباثة أصلهم، وفسوقهم عن أمر ربهم. وهذا ~~المعنى الذى صرحت به الآية الكريمة من تفرد الله - تعالى - بالخلق ~~والقدرة. قد جاء فى آيات أخرى منها قوله - تعالى - # هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه ~~بل الظالمون في ضلال مبين # وقوله - سبحانه - { وما كنت متخذ المضلين عضدا } مؤكد ~~لما قبله من تفرده - سبحانه - بالخلق والقدرة والعلم. والعضد - بفتح ~~العين وضم الضاد - فى الأصل، يطلق على العضد المعروف ما بين المرفق إلى ~~الكتف، ويستعار للمعين والناصر فيقال فلان عضدى، أى نصيرى. ومنه قوله - ~~تعالى - لنبيه موسى - عليه السلام - { سنشد عضدك بأخيك } أى ~~سنقويك ونعينك بأخيك هارون وذلك لأن اليد قوامها العضد، فإذا فقدته ~~أصابها العجز. أى وما كنت متخذ المضلين عن سبيلى أعوانا وأنصارا فى شأن ~~من شئونى، وخص - سبحانه - المضلين بالذكر، زيادة فى ذمهم وتوبيخهم، ~~وتقريعا لأمثالهم، لأنه - عز وجل - ليس له أعوان ولا أنصار فيما يفعله لا ~~من المضلين ولا من المهتدين. ولم يقل - سبحانه - وما كنت متخذهم.. ~~بالإضمار، كما قال { ما أشهدتهم } بل أظهر فى مقام الإضمار، لتسجيل ~~الضلال عليهم، حتى ينصرف عنهم كل عاقل، وللتنبيه على أن الضالين المضلين ~~لا تصح الاستعانة بهم. # ولقد حكى الله - تعالى - عن نبيه موسى - عليه السلام - براءته من ~~المجرمين فقال # قال رب بمآ أنعمت علي فلن أكون ظهيرا ~~للمجرمين # والظهير الناصر والمعين لغيره. ثم ساقت السورة الكريمة مشهدا من مشاهد ~~القيامة - يكشف عن سوء المصير الذى ينتظر الشركاء وينتظر المجرمين. فقال ~~- تعالى - { ويوم يقول نادوا شركآئي الذين زعمتم ~~فدعوهم فلم ms3354 يستجيبوا لهم... }. أى واذكر - أيها العاقل ~~- يوم يقول الله - تعالى - للمجرمين والكافرين على سبيل التوبيخ والتقريع ~~أيها الكافرون، نادوا شركائى الذين زعمتم أنهم ينفعونكم ويشفعون لكم فى ~~هذا الموقف العصيب { فدعوهم } أى فأطاعوا أمر خالقهم، ودعوا شركاءهم لكى ~~يستغيثوا بهم { فلم يستجيبوا لهم } أى فلم يجدوا منهم أدنى ~~استجابة فضلا عن النفع أو العون. وقوله { وجعلنا بينهم ~~موبقا } أى وجعلنا بين الداعين والمدعوين مهلكا يشتركون فيه جميعا ~~وهو جهنم. فالموبق اسم مكان من وبق وبوقا - كوثب وثوبا - أو وبق وبقا ~~كفرح فرحا - إذا هلك. ويقال فلان أوبقته ذنوبه أى أهلكته. ومنه قوله - ~~تعالى - # أو يوبقهن بما كسبوا # أى يهلكهن. ومنه الحديث الشريف # " كل يغدو فموبق نفسه " # - أى مهلكها - ومنه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم # " اجتنبوا السبع الموبقات " # أى المهلكات. وقيل الموبق اسم واد فى جهنم فرق الله به بينهم، أى بين ~~الداعين والمدعوين. وقيل كل حاجز بين شيئين فهو موبق. قال ابن جرير - ~~رحمه الله - بعد أن ذكر جملة من الأقوال فى ذلك " وأولى الأقوال فى ذلك ~~بالصواب، القول الذى ذكرناه من أن الموبق بمعنى المهلك وذلك أن العرب ~~تقول فى كلامها قد أوبقت فلانا إذا أهلكته.. ". ثم بين - سبحانه - حالة ~~المجرمين عندما يبصرون النار فقال { ورأى المجرمون النار ~~فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها ~~مصرفا }. ورأى هنا بصرية. والظن بمعنى اليقين والعلم، لأنهم أبصروا ~~الحقائق، وشاهدوا واقعهم الأليم مشاهدة لا لبس فيها ولا خفاء. أى وشاهد ~~المجرمون بأعينهم النار، فأيقنوا أنهم مخالطوها وواقعون فيها. بسبب سوء ~~أعمالهم، وانكشاف الحقائق أمامهم، ولم يجدوا عنها مصرفا أى مكانا ينصرفون ~~إليه، ويعتصمون به ليتخذوه ملجأ لهم منها. فالمصرف اسم مكان للجهة التى ~~ينصرف إليها الإنسان للنجاة من ضر أحاط به. وعبر - سبحانه - عن رؤيتهم ~~للنار بالفعل الماضى، لتحقق الوقوع. وقال - سبحانه - { ورأى المجرمون } ~~فوضع المظهر موضع المضمر، لتسجيل الإجرام عليهم، ولزيادة الذم لهم. وقد ~~ذكر - سبحانه - هنا أن المجرمين يرون النار، وذكر فى آية أخرى أنها تراهم ~~- أيضا - قال - تعالى - # إذا ms3355 رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا ~~وزفيرا # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا فسوق إبليس عن أمر ربه، وحذرتنا من ~~اتخاذه وليا، ومن الانقياد لوسوسته وإغراءاته، كما حكت لنا جانبا من ~~أحوال المشركين وشركائهم، وكيف أن الشركاء قد تخلوا عن عابديهم فى هذا ~~اليوم العصيب، بعد أن أحاطت النار بالجميع، وأيقن المجرمون أنه لا فكاك ~~لهم منها، ولا نجاة لهم من لهيبها. نسأل الله - تعالى - بفضله وكرمه أن ~~ينجينا من هذا الموقف الرهيب. ثم مدحت السورة الكريمة القرآن، فوصفته بأن ~~الله - تعالى - قد أكثر فيه من ضرب الأمثال، ونوعها لتشمل جميع الأحوال، ~~وبينت سنة الله - تعالى - فى الأمم السابقة، كما بينت وظيفة الرسل - ~~عليهم الصلاة والسلام - وسوء عاقبة المكذبين لهم، ومظاهر رحمة الله - ~~تعالى - بالناس. استمع إلى السورة الكريمة وهى تحكى كل هذه المعانى ~~بأسلوبها البليغ المؤثر فتقول { ولقد صرفنا في هذا ~~القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر ~~شيء جدلا... }. ### || [18.54-59] # وقوله - سبحانه - { صرفنا } من التصريف بمعنى التنويع والتكرير. والمثل ~~هو القول الغريب السائر فى الآفاق الذى يشبه مضربه مورده. وقد أكثر ~~القرآن من ضرب الأمثال لإيضاح المعنى الخفى وتقريب الأمر المعقول من ~~الأمر المحسوس، وعرض الأمر الغائب فى صورة الحاضر. والمعنى ولقد كررنا ~~ورددنا ونوعنا فى هذا القرآن من أجل هداية الناس، ورعاية مصلحتهم ~~ومنفعتهم، من كل مثل من الأمثال التى تهدى النفوس، وتشفى القلوب، لعلهم ~~بذلك يسلكون طريق الحق، ويتركون طريق الباطل. فالمقصود بهذه الجملة ~~الكريمة، الشهادة من الله - تعالى - بأن هذا القرآن الذى أنزله - سبحانه ~~- على نبيه صلى الله عليه وسلم فيه من الأمثال الكثيرة المتنوعة النافعة، ~~ما يرشد الناس إلى طريق الحق والخير، متى فتحوا قلوبهم له. وأعملوا ~~عقولهم لتدبره وفهمه. ومفعول { صرفنا } محذوف، و " من " لابتداء الغاية، ~~أى ولقد صرفنا البينات والعبر والحكم فى هذا القرآن، من أنواع ضرب المثل ~~لمنفعة الناس ليهتدوا ويذكروا. ثم بين - سبحانه - موقف الإنسان من هذه ~~الأمثال فقال { وكان الإنسان أكثر شيء جدلا }. والمراد ~~بالإنسان الجنس، ms3356 ويدخل فيه الكافر والفاسق دخولا أوليا. والجدل الخصومة ~~والمنازعة مع الغير فى مسألة من المسائل. أى وكان الإنسان أكثر شئ مجادلة ~~ومنازعة لغيره، أى أن جدله أكثر من جدل كل مجادل. قال الإمام ابن كثير ~~عند تفسيره لهذه الآية ولقد بينا للناس فى هذا القرآن، ووضحنا لهم ~~الأمور، وفصلناها، كيلا يضلوا عن الحق.. ومع هذا البيان، فالإنسان كثير ~~المجادلة والمعارضة للحق بالباطل، إلا من هدى الله وبصره لطريق النجاة. ~~قال الإمام أحمد # " حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب. عن الزهرى قال أخبرنى على بن الحسين، ~~أن الحسين بن على أخبره، أن على بن أبى طالب أخبره. أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم طرق عليا وفاطمة ليلة فقال " ألا تصليان؟ " فقلت يا رسول ~~الله، إنما أنفسنا بيد الله.. فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا. فانصرف حين قلت ~~ذلك ولم يرفع إلى بشئ ثم سمعته وهو مول يضرب فخذه ويقول " وكان الإنسان ~~أكثر شئ جدلا ". # وفى التعبير عن الإنسان فى هذه الجملة بأنه { شئ } وأنه { أكثر ~~شيء جدلا } إشعار لهذا الإنسان بأن من الواجب عليه أن يقلل من ~~غروره وكبريائه. وأن يشعر بأنه خلق من مخلوقات الله الكثيرة، وأن ينتفع ~~بأمثال القرآن ومواعظه وهداياته.. لا أن يجادل فيها بالباطل. ومنهم من ~~يرى أن المراد بالإنسان هنا الكافر، أو شخص معين، قيل هو النضر بن ~~الحارث، وقيل أبى بن خلف. لكن الظاهر أن المراد به العموم - كما أشرنا - ~~ويدخل فيه هؤلاء دخولا أوليا. # ثم حكى - سبحانه - الأسباب التى منعت بعض الناس من الإيمان فقال { ~~وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة ~~الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا }. والمراد بالناس ~~كفار مكة ومن حذا حذوهم فى الشرك والضلال والمراد بسنة الأولين ما أنزله ~~- سبحانه - بالأمم السابقة من عذاب بسبب إصرارها على الكفر والجحود. ~~والمعنى وما منع الكفار من الإيمان وقت أن جاءهم الهدى عن طريق نبيهم ~~صلى الله عليه وسلم ومن أن يستغفروا ربهم من ذنوبهم، إلا ما سبق ms3357 فى ~~علمنا، من أنهم لا يؤمنون، بل يستمرون على كفرهم حتى تأتيهم سنة الأولين، ~~أى سنتنا فى إهلاكهم بعذاب الاستئصال بسبب إصرارهم على كفرهم. ويجوز أن ~~يكون الكلام على حذف مضاف، و " أن " وما بعدها فى قوله { إلا أن ~~تأتيهم } فى تأويل فاعل الفعل { منع }. والمعنى وما منع الناس من ~~الإيمان والاستغفار وقت مجئ الهدى إليهم، إلا طلب إتيان سنة الأولين، كأن ~~يقولوا - كما حكى الله - تعالى - عن بعضهم # فأسقط علينا كسفا من السمآء إن كنت من ~~الصادقين # فسنة الأولين أنهم طلبوا من أنبيائهم تعجيل العذاب، فأخذهم الله أخذ ~~عزيز مقتدر. وقوله { أو يأتيهم العذاب قبلا } بيان لعذاب ~~آخر ينتظرونه. وكلمة { قبلا } قرأها عاصم والكسائى وحمزة - بضم القاف ~~والباء - على أنها جمع قبيل وهو النوع فيكون المعنى أو يأتيهم العذاب على ~~صنوف وأنواع مختلفة، ومن جهات متعددة يتلو بعضها بعضا. وقرأها الباقون { ~~قبلا } - بكسر القاف وفتح الباء - بمعنى عيانا ومواجهة. والمعنى أو ~~يأتيهم العذاب عيانا وجهارا، وأصله من المقابلة، لأن المتقابلين يعاين ~~ويشاهد كل منهما الآخر. وهى على القراءتين منصوبة على الحالية من العذاب. ~~فحاصل معنى الآية الكريمة أن هؤلاء الجاحدين لا يؤمنون ولا يستغفرون إلا ~~حين نزول العذاب الدنيوى بهم وهو ما اقتضته سنة الله - تعالى - فى ~~أمثالهم، أو حين نزول أصناف العذاب بهم فى الآخرة. ثم بين - تعالى - ~~وظيفة الرسل فقال { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ~~ومنذرين }. أى تلك هى وظيفة الرسل الكرام الذين نرسلهم لهداية الناس ~~وإخراجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. فهم يبشرون المؤمنين بحسن ~~العاقبة وجزيل الثواب، وينذرون الفاسقين والكافرين بسوء العاقبة، وشديد ~~العقاب. وقوله - تعالى - { ويجادل الذين كفروا بالباطل ~~ليدحضوا به الحق } بيان لموقف الكافرين من الرسل - عليهم ~~الصلاة والسلام -. ويجادل من المجادلة بمعنى المخاصمة والمنازعة. ومفعوله ~~محذوف. والباطل هو الشئ الزائل المضمحل الذى هو ضد الحق والعدل. والحق هو ~~الشئ الثابت القويم الذى تؤيده شريعة الله - عز وجل -. # والدحض الطين الذى لا تستقر عليه الأقدام. فمعنى يدحضوا يزيلوا ويبطلوا ~~تقول العرب دحضت ms3358 رجل فلان، إذا زلت وزلقت.. ومنه قوله - تعالى - # حجتهم داحضة عند ربهم # والمعنى ويجادل الذين كفروا رسلهم بالجدال الباطل، ليزيلوا به الحق الذى ~~جاء به هؤلاء الرسل ويدحضوه ويبطلوه، والله - تعالى - متم نوره ولو كره ~~الكافرون، فإن الباطل مهما طال فإن مصيره إلى الاضمحلال والزوال. وقوله - ~~تعالى - { واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا } معطوف على ~~ما قبله لبيان رذيلة أخرى من رذائل هؤلاء الكافرين. والمراد بآيات الله ~~تلك المعجزات التى أيد الله - تعالى - بها رسله سواء أكانت قولا أم فعلا، ~~ويدخل فيها القرآن دخولا أوليا. أى أن هؤلاء الكافرين لم يكتفوا بجدال ~~رسلهم بالباطل، بل أضافوا إلى ذلك أنهم اتخذوا الآيات التى جاء بها الرسل ~~كدليل على صدقهم، واتخذوا ما أنذروهم به من قوارع إذا ما استمروا على ~~كفرهم. اتخذوا كل ذلك { هزوا } أى اتخذوها محل سخريتهم ولعبهم ولهوهم ~~واستخفافهم، كما قال - سبحانه - # وقال الرسول يرب إن قومي اتخذوا هذا ~~القرآن مهجورا # ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة المعرضين عن التذكير وعن آيات الله فقال { ~~ومن أظلم ممن ذكر بآيت ربه فأعرض عنها ~~ونسي ما قدمت يداه }. والاستفهام هنا للنفى والإنكار ~~والمراد بالآيات آيات القرآن الكريم. لقوله - تعالى - بعد ذلك { أن ~~يفقهوه }. والمراد بالنسيان الترك والإهمال وعدم التفكر والتدبر فى ~~العواقب. أى ولا أحد أشد ظلما وبغيا. من إنسان ذكره مذكر ووعظه بآيات ~~الله التى أنزلها على رسوله صلى الله عليه وسلم فأعرض عنها دون أن يقبلها ~~أو يتأملها. بل نبذها وراء ظهره، ونسى ما قدمت يداه من السيئات والمعاصى، ~~نسيان ترك وإهمال واستخفاف. ثم بين - سبحانه - علة هذا الإعراض والنسيان ~~فقال { إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه ~~وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن ~~يهتدوا إذا أبدا }. والأكنة جمع كنان بمعنى غطاء والوقر الثقل ~~والصمم. يقال فلان وقرت أذنه، أى ثقل سمعها وأصيبت بالصمم. أى إنا جعلنا ~~على قلوب هؤلاء الظالمين المعرضين عن الحق، أغطية تمنع قلوبهم عن وصول ~~النور إليها، وتحجبها عن فقه آياته - سبحانه - وجعلنا - أيضا - فى ms3359 آذانهم ~~صمما وثقلا عن سماع ما ينفعهم وذلك يسبب استحبابهم العمى على الهدى، ~~وإيثارهم الكفر على الإيمان. { وإن تدعهم } أيها الرسول الكريم { إلى ~~الهدى } والرشد فلن، يستجيبوا لك، ولن { يهتدوا إذا أبدا } ~~إلى الحق وإلى الصراط المستقيم، بسبب زيغ قلوبهم، واستيلاء الكفر والجحود ~~والعناد عليها. والضمير فى قوله { أن يفقهوه } يعود إلى الآيات، وتذكيره ~~وإفراده باعتبار المعنى، إذ المراد منها القرآن الكريم. وجاءت الضمائر فى ~~أول الآية بالإفراد، كما فى قوله، { ذكر } و { فأعرض عنها ~~ونسي ما قدمت يداه } باعتبار لفظ " من " فى قوله { ومن أظلم ~~} وجاءت بعد ذلك بالجمع كما فى قوله سبحانه - { إنا جعلنا على ~~قلوبهم أكنة. # . } باعتبار المعنى. وهذا الأسلوب كثير فى القرآن الكريم، ومنه قوله - ~~تعالى - # ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا قد ~~أحسن الله له رزقا # فالضمير فى قوله " يؤمن ويعمل ويدخله " جاء بصيغة الإفراد باعتبار لفظ ~~" من " ، وفى قوله { خالدين فيها } جاء بصيغة الجمع باعتبار معنى " من ". ~~ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدل على سعة رحمته، وعظيم فضله فقال { ~~وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا ~~لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من ~~دونه موئلا }. أى وربك - أيها الرسول الكريم - هو صاحب المغفرة ~~الكثيرة، وصاحب الرحمة التى وسعت كل شئ. لو يؤاخذ الناس بما كسبوا من ~~الذنوب والمعاصى، لعجل لهم العذاب بسبب ما يرتكبونه من كفر وآثام. ولكنه ~~- سبحانه - لم يعجل لهم العذاب رحمة منه وحلما. وجملة { بل لهم ~~موعد.. } معطوفة على مقدر، فكأنه - سبحانه - قال لكنه - سبحانه - لم ~~يؤاخذهم، بل جعل وقتا معينا لعذابهم، لن يجدوا من دون هذا العذاب موئلا. ~~أى ملجأ يلتجئون إليه، أو مكانا يعتصمون به. فالموئل اسم مكان. يقال ~~وأل فلان إلى مكان كذا يئل وألا.. إذا لجأ إليه ليعتصم به من ضر ~~متوقع. فالآية الكريمة تبين أن الله - تعالى - بفضله وكرمه لا يعاجل ~~الناس. بالعقاب، ولكنه - عز وجل - ليس غافلا عن أعمالهم، بل يؤخرهم إلى ~~الوقت ms3360 الذى تقتضيه حكمته، لكى يعاقبهم على ما ارتكبوه من ذنوب وآثام. وفى ~~معنى هذه الآية وردت آيات كثيرة، منها قوله - تعالى - # ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ~~ظهرها من دآبة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ~~فإذا جآء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا # وقوله - تعالى - # وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ~~ربك لشديد العقاب # ثم بين - سبحانه - سننه فى الأمم الماضية فقال { وتلك القرى ~~أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا ~~}. واسم الاشارة " تلك " تعود إلى القرى المهلكة بسبب كفرها وفسوقها عن ~~أمر ربها، كقرى قوم نوح وهود وصالح - عليهم السلام -. والقرى جمع قرية ~~والمراد بها أهلها الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والجحود. أى وتلك القرى ~~الماضية التى أصر أهلها على الكفر والفسوق والعصيان أهلكناهم بعذاب ~~الاستئصال فى الدنيا، بسبب هذا الكفر والظلم، وجعلنا لوقت هلاكهم موعدا ~~لا يتأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون. # ولفظ " تلك " مبتدأ، والقرى صفة له أو عطف بيان، وجملة { أهلكناهم } هى ~~الخبر. وقوله { لما ظلموا } بيان للأسباب التى أدت بهم إلى الهلاك ~~والدمار، أى أهلكناهم بسبب وقوع الظلم منهم واستمرارهم عليه. وجئ باسم ~~الاشارة " تلك " للإشعار بإن أهل مكة يمرون على تلك القرى الظالمة ~~المهلكة، ويعرفون أماكنهم معرفة واضحة عند أسفارهم من مكة إلى بلاد ~~الشام. قال - تعالى - # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وباليل أفلا ~~تعقلون # وقوله { وجعلنا لمهلكهم موعدا } قرأ الجمهور، { لمهلكهم ~~} ، - بضم الميم وفتح اللام - على صيغة اسم المفعول، وهو محتمل أن يكون ~~مصدرا ميميا. أى وجعلنا لإهلاكهم موعدا. ويحتمل أن يكون اسم زمان، أى ~~وجعلنا لزمان إهلاكهم موعدا. وقرأ حفص عن عاصم { لمهلكهم } بفتح الميم ~~وكسر اللام - فيكون اسم زمان، وقرأ شعبة عن عاصم. { لمهلكهم } - بفتح ~~الميم واللام - فيكون مصدرا ميميا. وإلى هنا نجد الآيات الكريمة قد وضحت ~~أن القرآن الكريم قد نوع الله - تعالى - فيه الأمثال لقوم يعقلون، كما ~~بينت أن الإنسان مجبول على المجادلة والمخاصمة. وأن المشركين قد أصروا ~~على شركهم بسبب انطماس بصائرهم. وزيغهم عن الحق، وأن الرسل ms3361 - عليهم ~~الصلاة والسلام - وظيفتهم البلاغ والتبشير والإنذار، وأن عاقبة الجاحدين ~~الذين ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم هى النار وبئس القرار، وأن الله - ~~تعالى - يمهل الظالمين ولا يهملهم، فهو كما قال - سبحانه - # نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي ~~هو العذاب الأليم # ثم ساق - سبحانه - قصة فيها ما فيها من الأحكام والعظات، ألا وهى قصة ~~موسى - عليه السلام - مع عبد من عباد الله الصالحين، فقال - تعالى - { ~~وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع ~~البحرين أو أمضي حقبا... }. ### || [18.60-65] # قال الإمام الرازى ما ملخصه اعلم أن هذا ابتداء قصة ثالثة ذكرها الله - ~~تعالى - فى هذه السورة، وهى أن موسى - عليه السلام - ذهب إلى الخضر ~~ليتعلم منه، وهذا وإن كان كلاما مستقلا فى نفسه إلا أنه يعين على ما هو ~~المقصود فى القصتين السابقتين أما نفع هذه القصة فى الرد على الكفار ~~الذين افتخروا على فقراء المسلمين، فهو أن موسى مع كثرة علمه وعمله.. ذهب ~~إلى الخضر لطلب العلم وتواضع له. وأما نفع هذه القصة فى قصة أصحاب الكهف، ~~فهو أن اليهود قالوا لكفار مكة " إن أخبركم محمد صلى الله عليه وسلم عن ~~هذه القصة فهو نبى وإلا فلا وهذا ليس بشىء. لأنه لا يلزم من كونه نبيا أن ~~يكون عالما بجميع القصص كما أن كون موسى نبيا لم يمنعه من الذهاب ليتعلم ~~منه ". وموسى - عليه السلام - هو ابن عمران، وهو أحد أولى العزم من ~~الرسل، وينتهى نسبه إلى يعقوب - عليه السلام -. وفتاه هو يوشع بن نون، ~~وسمى بذلك لأنه كان ملازما لموسى - عليه السلام - ويأخذ عنه العلم. وقوله ~~{ لا أبرح } أى لا أزال سائرا. ومنه قوله - تعالى - # لن نبرح عليه عاكفين # من برح الناقص. قال الجمل " واسمها مستتر وجوبا، وخبرها محذوف، تقديره ~~لا أبرح سائرا، وقوله { حتى أبلغ }.. غاية لهذا المقدر. ويحتمل أنها تامة ~~فلا تستدعى خبرا، بمعنى لا أزول عما أنا عليه من السير والطلب ولا أفارقه ~~حتى أبلغ.. ". و { مجمع البحرين } المكان الذى فيه يلتقى البحر ms3362 الأحمر ~~بالبحر الأبيض المتوسط. قال الآلوسى " والمجمع الملتقى، وهو اسم مكان.. ~~والبحران بحر فارس والروم، كما روى عن مجاهد وقتادة وغيرهما وملتقاهما ~~مما يلى المشرق ولعل المراد مكان يقرب فيه التقاؤهما.. وقيل البحران بحر ~~الأردن وبحر القلزم.. ". وقال بعض العلماء " والأرجح - والله أعلم - أن ~~مجمع البحرين بحر الروم وبحر القلزم. أى البحر الأبيض والبحر الأحمر. ~~ومجمعهما مكان التقائهما فى منطقة البحيرات المرة وبحيرة التمساح. أو أنه ~~مجمع خليجى العقبة والسويس فى البحر الأحمر. فهذه المنطقة كانت مسرح ~~تاريخ بنى إسرائيل بعد خروجهم من مصر، وعلى أية حال فقد تركها القرآن ~~مجملة فنكتفى بهذه الإشارة ". والمعنى واذكر - أيها الرسول الكريم - ~~لقومك لكى يعتبروا ويتعظوا وقت أن قال أخوك موسى - عليه السلام - لفتاه ~~يوشع بن نون، اصحبنى فى رحلتى هذه فإنى لا أزال سائرا حتى أصل إلى مكان ~~التقاء البحرين، فأجد فيه بغيتى ومقصدى، { أو أمضى } فى سيرى { حقبا } أى ~~زمنا طويلا، إن لم أجد ما أبتغيه هناك. # والحقب - بضم الحاء والقاف - جمعه أحقاب، وفى معناه الحقبة - بكسر الحاء ~~- وجمعها حقب - كسدرة وسدر - والحقبة - بضم الحاء - وجمعها حقب كغرفة ~~وغرف - قيل مدتها ثمانون عاما. وقيل سبعون. وقيل زمان من الدهر مبهم غير ~~محدد. والآية الكريمة تدل بأسلوبها البليغ، على أن موسى - عليه السلام - ~~كان مصمما على بلوغ مجمع البحرين مهما تكن المشقة فى سبيل ذلك، ومهما يكن ~~الزمن الذى يقطعه فى سبيل الوصول إلى غايته وهو يعبر عن هذا التصميم بما ~~حكاه عنه القرآن بقوله { أو أمضي حقبا }. وقد أشار الآلوسى - ~~رحمه الله - إلى سبب تصميم موسى على هذه الرحلة فقال وكأن منشأ عزيمة ~~موسى - عليه السلام - على ما ذكره ما رواه الشيخان وغيرهما من حديث ابن ~~عباس عن أبى بن كعب، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " إن موسى - عليه السلام - قام خطيبا فى بنى إسرائيل فسئل أى الناس ~~أعلم؟ فقال أنا. فعاتبه الله - تعالى - عليه، إذ لم يرد العلم إليه - ~~سبحانه - فأوحى الله - تعالى - إليه إن لى ms3363 عبدا بمجمع البحرين هو أعلم ~~منك ". # وفى رواية أخرى عنه عن أبى - أيضا - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أن موسى - عليه السلام - سأل ربه فقال أى رب إن كان فى عبادك أحد هو ~~أعلم منى فدلنى عليه فقال له " نعم فى عبادى من هو أعلم منك، ثم نعت له ~~مكانه وأذن له فى لقائه ". # ثم تقص علينا السورة الكريمة ما حدث بعد ذلك فتقول { فلما بلغا ~~مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في ~~البحر سربا }. والفاء فى قوله { فلما بلغا } وفى قوله { فاتخذ ~~سبيله.. } هى الفصيحة. والسرب النفق الذى يكون تحت الأرض. أو القناة التى ~~يدخل منها الماء إلى البستان لسقى الزرع. والمعنى وبعد أن قال موسى لفتاه ~~ما قال، أخذا فى السير إلى مجمع البحرين، فلما بلغا هذا المكان { نسيا ~~حوتهما } أى نسيا خبر حوتهما ونسيا تفقد أمره، فحيى الحوت، وسقط فى ~~البحر، واتخذ { سبيله } أى طريقه { في البحر سربا }. أى واتخذ ~~الحوت طريقه فى البحر، فكان هذا الطريق مثل السرب أى النفق فى الأرض بحيث ~~يسير الحوت فيه، وأثره واضح. قال الإمام ابن كثير قوله { فلما ~~بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما } وذلك أنه كان قد أمر ~~بحمل حوت مملوح - أى مشوى - معه وقيل له متى فقدت الحوت، فهو ثمة - أى ~~الرجل الصالح الذى هو أعلم منك يا موسى فى هذا المكان - فسارا حتى بلغا ~~مجمع البحرين. # وهناك عين يقال لها عين الحياة، فناما هناك، وأصاب الحوت من رشاش ذلك ~~الماء فاضطرب، وكان فى مكتل مع يوشع، وطفر من المكتل إلى البحر، فاستيقظ ~~يوشع، وسقط الحوت فى البحر، وجعل يسير فيه، والماء له مثل الطاق - أى مثل ~~البناء المقوس كالقنطرة - لا يلتئم بعده، ولهذا قال { فاتخذ ~~سبيله في البحر سربا } أى مثل السرب فى الأرض. وقال الإمام ~~البيضاوى قوله { نسيا حوتهما } أى نسى موسى أن يطلبه ويتعرف حاله، ونسى ~~يوشع أن يذكر له ما رأى من حياته ووقوعه فى البحر. ثم بين - سبحانه - ما ~~كان منهما بعد ms3364 ذلك فقال { فلما جاوزا } أى المكان الذى فيه مجمع البحرين. ~~{ قال } موسى - عليه السلام - لفتاه يوشع بن نون { آتنا غداءنا } أى أحضر ~~لنا ما نأكله من هذا الحوت المشوى الذى معنا ثم علل موسى - عليه السلام - ~~هذا الطلب بقوله { لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا } أى ~~تعبا وإعياء. واسم الإشارة " هذا " مشار به إلى سفرهما المتلبسين به. ~~قالوا ولكن باعتبار بعض أجزائه، فقد صح أنه صلى الله عليه وسلم قال # " لم يجد موسى شيئا من التعب حتى جاوز المكان الذى أمر به ". # وقوله - سبحانه - { قال أرأيت إذ أوينآ إلى الصخرة ~~فإني نسيت الحوت } حكاية لما رد به يوشع على موسى - عليه ~~السلام - عندما طلب منه الغداء. والاستفهام فى قوله { أرأيت } للتعجب مما ~~حدث أمامه من شأن الحوت حيث عادت إليه الحياة، وقفز فى البحر، ومع ذلك ~~نسى يوشع أن يخبر موسى عن هذا الأمر العجيب. أى قال يوشع لموسى - عليه ~~السلام - تذكر وانتبه واستمع إلى ما سألقيه عليك من خبر هذا الحوت، أرأيت ~~ما دهانى فى وقت أن أوينا ولجأنا إلى الصخرة التى عند مجمع البحرين، فإنى ~~هناك نسيت أن أذكر لك ما شاهدته منه من أمور عجيبة، فقد عادت إليه ~~الحياة، ثم قفز فى البحر. وقال { إذ أوينآ إلى الصخرة } دون ~~أن يذكر مجمع البحرين، زيادة فى تحديد المكان وتعيينه. وأوقع النسيان على ~~الحوت دون الغداء الذى طلبه منه موسى، للإشعار بأن الغداء الذى طلبه ~~موسى منه، هو ذلك الحوت الذى فقداه. وقوله { ومآ أنسانيه إلا ~~الشيطان أن أذكره } جملة معترضة جئ بها لبيان ما يجرى مجرى ~~السبب فى وقوع النسيان منه. وقوله { أن أذكره } بدل اشتمال من الهاء فى { ~~أنسانيه }. أى وما أنسانى تذكيرك بما حدث من الحوت إلا الشيطان الذى ~~يوسوس للإنسان، بوساوس متعددة، تجعله يذهل وينسى بعض الأمور الهامة. ~~وقوله { واتخذ سبيله في البحر عجبا } معطوف على قوله { ~~فإني نسيت الحوت }. # أى نسيت أن أخبرك بأن الحوت عندما أوينا إلى الصخرة عادت إليه الحياة، ~~واتخذ طريقه ms3365 فى البحر اتخاذا عجيبا، حيث صار يسير فيه وله أثر ظاهر فى ~~الماء، والماء من حوله كالقنطرة التى تنفذ منها الأشياء. وعلى هذا تكون ~~جملة، { واتخذ سبيله في البحر عجبا } ، من بقية كلام ~~يوشع للتعجب مما حدث من الحوت، حيث عادت إليه الحياة بقدرة الله - تعالى ~~-، واتخذ طريقه فى البحر بتلك الصورة العجيبة. وقيل إن هذه الجملة من ~~كلام الله - تعالى - لبيان طرف آخر من أمر هذا الحوت العجيب، بعد بيان ~~أمره قبل ذلك بأنه اتخذ سبيله فى البحر سربا. ويبدو لنا أن الرأى الأول ~~أرجح، لأن سياق الآية يدل عليه، لذا اكتفى به بعض المفسرين دون أن يشير ~~إلى غيره. قال الامام الرازى قوله { واتخذ سبيله في البحر ~~عجبا } فيه وجوه الأول أن قوله { عجبا } صفة لمصدر محذوف، كأنه قيل ~~واتخذ سبيله فى البحر اتخاذا عجبا، ووجه كونه عجبا، انقلابه من المكتل ~~وصيرورته حيا وإلقاء نفسه فى البحر. الثانى أن يكون المراد منه ما ذكرنا ~~من أنه - تعالى - جعل الماء عليه كالطاق وكالسراب. الثالث قيل إنه تم ~~الكلام عند قوله { واتخذ سبيله في البحر } ثم قال بعده { ~~عجبا } والمقصود منه تعجب يوشع من تلك الحالة العجيبة التى رآها، ثم من ~~نسيانه لها... وهنا يحكى القرآن ما يدل على أن موسى - عليه السلام - قد ~~أدرك أنه تجاوز المكان الذى حدده له ربه - تعالى - للقاء العبد الصالح ~~فقال { قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما ~~قصصا }. أى قال موسى لفتاه ذلك الذى ذكرته لى من أمر نسيانك لخبر ~~الحوت هو الذى كنا نبغيه ونطلبه، فإن العبد الصالح الذى نريد لقاءه موجود ~~فى ذلك المكان الذى فقدنا فيه الحوت. { فارتدا على آثارهما ~~قصصا } أى فرجعا من طريقهما الذى أتيا منه، يتتبعان آثارهما لئلا يضلا ~~عنه، حتى انتهيا عائدين مرة أخرى إلى موضع الصخرة التى فقد الحوت عندها. ~~وقصصا من القص بمعنى اتباع الأثر. يقال قص فلان أثر فلان قصا وقصصا إذا ~~تتبعه. ثم حكى القرآن ما تم لهما بعد أن عادا ms3366 إلى مكانهما الأول فقال { ~~فوجدا عبدا من عبادنآ آتيناه رحمة من عندنا ~~وعلمناه من لدنا علما }. أى وبعد أن عادا إلى مكان ~~الصخرة عند مجمع البحرين مرة أخرى وجدا { عبدا من عبادنآ } ~~الصالحين. والتنكير فى { عبدا } للتفخيم، والإضافة فى { عبادنا } ~~للتشريف والتكريم. { آتيناه رحمة من عندنا } أى هذا العبد ~~الصالح منحناه وأعطيناه رحمة عظيمة من عندنا وحدنا لا من عند غيرنا ~~واختصصناه بها دون غيره. # وهذه الرحمة تشمل النعم التى أنعم الله - تعالى - بها عليه - كنعمة ~~الهداية والطاعة وغيرهما. { وعلمناه من لدنا علما } أى ~~وعلمناه من عندنا لا من عند غيرنا علما خاصا، لا يتيسر إلا لمن نريد ~~تيسيره ومنحه له. والمراد بهذا العبد الخضر - عليه السلام - كما دلت على ~~ذلك الأحاديث الصحيحة. ومن العلماء من يرى أنه كان نبيا، ومنهم من يرى ~~أنه كان عبدا صالحا اختصه الله بلون معين من العلم اللدنى. أخرج البخارى ~~وغيره عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال # " إنما سمى الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هى تهتز من خلفه خضراء ~~". # ويرى المحققون من العلماء أنه قد مات كما يموت سائر الناس. وإلى ذلك ذهب ~~الإمام البخارى وشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم وغيرهم. ~~ويرى آخرون أنه حى وسيموت فى آخر الزمان. قال ابن القيم إن الأحاديث التى ~~يذكر فيها أنه حى كلها كذب، ولا يصح فى ذلك حديث واحد. وهذه المسألة من ~~المسائل التى فصل العلماء الحديث عنها. فارجع إلى أقوالهم فيها إن شئت. ~~ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك، ما دار بين موسى والخضر - عليهما السلام - ~~بعد أن التقيا فقال - تعالى - { قال له موسى هل أتبعك ~~على أن تعلمن مما علمت رشدا... }. ### || [18.66-70] # أى قال موسى للخضر - عليهما السلام - بعد أن التقيا { هل أتبعك } أى هل ~~تأذن لى فى مصاحبتك واتباعك. بشرط أن تعلمنى من العلم الذى علمك الله ~~إياه شيئا أسترشد به فى حياتى، وأصيب به الخير فى دينى. فأنت ترى أن موسى ~~- عليه السلام - قد راعى ms3367 فى مخاطبته للخضر أسمى ألوان الأدب اللائق ~~بالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - حيث خاطبه بصيغة الاستفهام الدالة ~~على التلطف، وحيث أنزل نفسه منه منزلة المتعلم من المعلم، وحيث استأذنه ~~فى أن يكون تابعا له، ليتعلم منه الرشد والخير. قال بعض العلماء فى هذه ~~الآية دليل على أن المتعلم تبع للعالم، وإن تفاوتت المراتب، ولا يظن أن ~~فى تعلم موسى من الخضر ما يدل على أن الخضر كان أفضل من موسى، فقد يأخذ ~~الفاضل عن الفاضل، وقد يأخذ الفاضل عن المفضول، إذا اختص الله - تعالى - ~~أحدهما بعلم لا يعلمه الآخر، فقد كان علم موسى يتعلق بالأحكام الشرعية ~~والقضاء بظاهرها، وكان علم الخضر يتعلق ببعض الغيب ومعرفة البواطن... ثم ~~حكى - سبحانه - ما رد به الخضر على موسى فقال { قال إنك لن ~~تستطيع معي صبرا }. أى قال الخضر لموسى إنك يا موسى إذا ~~اتبعتنى ورافقتنى، فلن تستطيع معى صبرا، بأى وجه من الوجوه. قال ابن كثير ~~" أى إنك لا تقدر يا موسى أن تصاحبنى، لما ترى من الأفعال التى تخالف ~~شريعتك، لأنى على علم من علم الله - تعالى - ما علمك إياه، وأنت على علم ~~من علم الله - تعالى - ما علمنى إياه، فكل منا مكلف بأمور من الله دون ~~صاحبه، وأنت لا تقدر على صحبتى ". وقوله { وكيف تصبر على ما ~~لم تحط به خبرا } تعليل لعدم استطاعة الصبر معه. أى وكيف تصبر ~~يا موسى على أمور ستراها منى. هذه الأمور ظاهرها أنها منكرات لا يصح ~~السكوت عليها، وباطنها لا تعلمه لأن الله لم يطلعك عليه؟ فالخبر بمعنى ~~العلم. يقال خبر فلان الأمر يخبره أى علمه. والاسم الخبر، وهو العلم ~~بالشئ، ومنه الخبير، أى العالم. وكأن الخضر يريد بهذه الجملة الكريمة أن ~~يقول لموسى إنى واثق من أنك لن تستطيع معى صبرا، لأن ما سأفعله سيصطدم ~~بالأحكام الظاهرة، وبالمنطق العقلى، وبغيرتك المعهودة فيك، وأنا مكلف أن ~~أفعل ما أفعل، لأن المصلحة الباطنة، فى ذلك، وهى تخفى عليك. ولكن موسى - ~~عليه السلام - الحريص على تعلم العلم النافع، ms3368 يصر على مصاحبة الرجل ~~الصالح، فيقول له فى لطف وأدب، مع تقديم مشيئة الله - تعالى - { ~~ستجدني إن شآء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا }. # أى قال موسى للخضر { ستجدني إن شآء الله صابرا } معك، ~~غير معترض عليك، ولا أعصى لك أمرا من الأمور التى تكلفنى بها. وقدم موسى ~~- عليه السلام - المشيئة، أدبا مع خالقه - عز وجل - واستعانة به - سبحانه ~~- على الصبر وعدم المخالفة. وهنا يحكى القرآن الكريم أن الخضر، قد أكد ما ~~سبق أن قاله لموسى، وبين له شروطه إذا أراد مصاحبته، فقال { قال فإن ~~اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ~~ذكرا }. أى قال الخضر لموسى على سبيل التأكيد والتوثيق يا موسى إن ~~رافقتنى وصاحبتنى، ورأيت منى أفعالا لا تعجبك، لأن ظاهرها يتنافى مع ~~الحق. فلا تعترض عليها، ولا تناقشنى فيها، بل اتركنى وشأنى، حتى أبين لك ~~فى الوقت المناسب السبب فى قيامى بتلك الأفعال، وحتى أكون أنا الذى أفسره ~~لك. قالوا " وهذا من الخضر تأديب وإرشاد لما يقتضى دوام الصحبة، فلو صبر ~~موسى ودأب لرأى العجب ". ثم تحكى السورة بعد ذلك ثلاثة أحداث فعلها الخضر ~~ولكن موسى لم يصبر عليها، بل اعترض وناقش، أما الحادث الأول فقد بينه - ~~سبحانه - بقوله { فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة ~~خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت ~~شيئا إمرا... }. ### || [18.71-73] # وقوله { فانطلقا } بيان لما حدث منهما بعد أن استمع كل واحد منهما إلى ~~ما قاله صاحبه. أى فانطلق موسى والخضر - عليهما السلام - على ساحل البحر، ~~ومعهما يوشع بن نون، ولم يذكر فى الآية لأنه تابع لموسى. ويرى بعضهم أن ~~موسى - عليه السلام - صرف فتاه بعد أن التقى بالخضر. أخرج الشيخان عن ابن ~~عباس أنهما انطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت بهما سفينة فكلموهم أن ~~يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوهما بغير نول أى أجر،. وقوله { حتى ~~إذا ركبا في السفينة خرقها } بيان لما فعله الخضر ~~بالسفينة. أى فانطلقا يبحثان عن سفينة، فلما وجداها واستقرا فيها، ما كان ~~من الخضر إلا أن خرقها. ms3369 قيل بأن قلع لوحا من ألواحها. وهنا ما كان من ~~موسى إلا أن قال له على سبيل الاستنكار والتعجب مما فعله { أخرقتها ~~لتغرق أهلها.. }. أى أفعلت ما فعلت لتكون عاقبة الراكبين فيها ~~الغرق والموت بهذه الصورة المؤلمة؟ { لقد جئت شيئا إمرا } ، ~~والإمر الداهية. وأصله كل شئ شديد كبير، ومنه قولهم إن القوم قد ~~أمروا. أى كثروا واشتد شأنهم. ويقال هذا أمر إمر، أى منكر ~~غريب. أى قال موسى للخضر بعد خرقه للسفينة لقد جئت شيئا عظيما، وارتكبت ~~أمرا بالغا فى الشناعة. حيث عرضت ركاب السفينة لخطر الغرق. وهنا أجابه ~~الخضر بقوله { ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي ~~صبرا } أى ألم أقل لك سابقا إنك لن تستطيع مصاحبتى، ولا قدرة لك على ~~السكوت على تصرفاتى التى لا تعرف الحكمة من ورائها؟ ولكن موسى - عليه ~~السلام - رد معتذرا لما فرط منه وقال { لا تؤاخذنى } أيها العبد الصالح، ~~بما نسيت، أى بسبب نسيانى لوصيتك فى ترك السؤال والاعتراض حتى يكون لى ~~منك البيان. { ولا ترهقني من أمري عسرا } أى ولا تكلفنى ~~من أمرى مشقة فى صحبتى إياك. يقال أرهق فلان فلانا. إذا أتعبه وأثقل عليه ~~وحمله ما لا يطيقه. والمراد التمس لى عذرا بسبب النسيان، ولا تضيق على ~~الأمر، فإن فى هذا التضييق ما يحول بيني وبين الانتفاع بعلمك. وكأن موسى ~~- عليه السلام - الذى اعتزم الصبر وقدم المشيئة، ورضى بشروط الخضر فى ~~المصاحبة.. كأنه قد نسى كل ذلك أمام المشاهدة العملية، وأمام التصرف ~~الغريب الذى صدر من الخضر دون أن يعرف له سببا. وهكذا الطبيعة البشرية ~~تلتقى فى أنها تجد للتجربة العملية وقعا وطعما، يختلف عن الوقع والطعم ~~الذى تجده عند التصور النظرى. فموسى - عليه السلام - وعد الخضر بأنه ~~سيصبر... إلا أنه بعد أن شاهد ما لا يرضيه اندفع مستنكرا. أما الحادث ~~الثانى الذى لم يستطع موسى أن يقف أمامه صامتا، فقد حكاه القرآن فى قوله ~~{ فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال ~~أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا ~~نكرا... ms3370 }. ### || [18.74-76] # أى فانطلق موسى والخضر للمرة الثانية بعد خروجهما من السفينة، وبعد أن ~~قبل الخضر اعتذار موسى. { حتى إذا لقيا غلاما فقتله } ~~فى طريقهما، ما كان من الخضر إلا أن أخذه { فقتله }. وهنا لم يستطع موسى ~~- عليه السلام - أن يصبر على ما رأى، أو أن يكظم غيظه، فقال باستنكار ~~وغضب { أقتلت نفسا زكية } أى طاهرة بريئة من الذنوب { بغير ~~نفس }. أى بغير أن ترتكب ما يوجب قتلها، لأنها لم تقتل غيرها حتى تقتص ~~منها. أى أن قتلك لهذا الغلام كان بغير حق. { لقد جئت } أيها الرجل { ~~شيئا نكرا } أى منكرا عظيما. يقال. نكر الأمر، أى صعب واشتد. والمقصود ~~لقد جئت شيئا أشد من الأول فى فظاعته واستنكار العقول له. ومرة أخرى ~~يذكره الخضر بالشرط الذى اشترطه عليه. وبالوعد الذى قطعه على نفسه، فيقول ~~له { ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا }. وفى ~~هذه المرة لا يكتفى الخضر بقوله { ألم أقل إنك.. } بل يضيف لفظ ~~لك، زيادة فى التحديد والتعيين والتذكير. أى ألم أقل لك أنت يا موسى لا ~~لغيرك على سبيل التأكيد والتوثيق إنك لن تستطيع معى صبرا، لأنك لم تحط ~~علما بما أفعله. ويراجع موسى نفسه. فيجد أنه قد خالف ما اتفق عليه مع ~~الرجل الصالح مرتين، فيبادر بإخبار صاحبه أن يترك له فرصة أخيرة فيقول { ~~إن سألتك } أيها الصديق { عن شيء بعدها } أى بعد هذه المرة ~~الثانية { فلا تصاحبنى } أى فلا تجعلنى صاحبا أو رفيقا لك، فإنك { قد ~~بلغت من لدني عذرا } أى فإنك قد بلغت الغاية التى تكون ~~معذورا بعدها فى فراقى، لأنى أكون قد خالفتك مرارا. وهذا الكلام من موسى ~~- عليه السلام - يدلك على اعتذاره الشديد للخضر، وعلى شدة ندمه على ما ~~فرط منه، وعلى الاعتراف له بخطئه. قال القرطبى # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعا لأحد بدأ بنفسه فقال يوما " ~~رحمة الله علينا وعلى موسى، لو صبر على صاحبه لرأى العجب، ولكنه قال { ~~إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني.. } ". # ثم ms3371 تسوق لنا السورة الكريمة الحادث الثالث والأخير فى تلك القصة الزاخرة ~~بالمفاجآت والعجائب فتقول { فانطلقا حتى إذآ أتيآ أهل ~~قرية استطعمآ أهلها فأبوا أن يضيفوهما ~~فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو ~~شئت لتخذت عليه أجرا... }. ### || [18.77-78] # أى فانطلق موسى والخضر - عليهما السلام - يتابعان سيرهما. حتى إذا أتيا ~~أهل قرية قيل هى " أنطاكية " ، وقيل هى قرية بأرض الروم. { استطعما أهلها ~~} والاستطعام سؤال الطعام. والمراد به هنا سؤال الضيافة لأنه هو المناسب ~~لمقام موسى والخضر - عليهما السلام - ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك { ~~فأبوا أن يضيفوهما } يشهد له. أى فأبى وامتنع أهل تلك ~~القرية عن قبول ضيافتهما بخلا منهم وشحا. وقوله - تعالى - { فوجدا ~~فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه } معطوف على { أتيا } ~~أى وبعد أن امتنع أهل القرية عن استضافتهما، تجولا فيها { فوجدا ~~فيها جدارا } أى بناء مرتفعا { يريد أن ينقض } أى ينهدم ~~ويسقط { فأقامه } أى الخضر بأن سواه وأعاد إليه اعتداله، أو بأن نقضه ~~وأخذ فى بنائه من جديد. وهنا لم يتمالك موسى - عليه السلام - مشاعره، ~~لأنه وجد نفسه أمام حالة متناقضة، قوم بخلاء أشحاء لا يستحقون العون.. ~~ورجل يتعب نفسه فى إقامة حائط مائل لهم.. هلا طلب منهم أجرا على هذا ~~العمل الشاق، خصوصا وهما جائعان لا يجدان مأوى لهما فى تلك القرية! لذا ~~بادر موسى - عليه السلام - ليقول للخضر { لو شئت لتخذت ~~عليه أجرا }. أى هلا طلبت أجرا من هؤلاء البخلاء على هذا العمل، ~~حتى تنتفع به. وأنت تعلم أننا جائعان وهم لم يقدموا لنا حق الضيافة. ~~فالجملة الكريمة تحريض من موسى للخضر على أخذ الأجر على عمله، ولوم له ~~على ترك هذا الأجر مع أنهما فى أشد الحاجة إليه. وكان هذا التحريض من ~~موسى للخضر - عليهما السلام - هو نهاية المرافقة والمصاحبة بينهما، ولذا ~~قال الخضر لموسى { هذا فراق بيني وبينك } أى هذا الذى ~~قلته لى، يجعلنا نفترق، لأنك قد قلت لى قبل ذلك # إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني # وها أنت تسألنى وتحرضنى على أخذ ms3372 الأجر. ومع ذلك فانتظر سأنبئك، قبل ~~مفارقتى لك { بتأويل } أى بتفسير وبيان ما خفى عليك من الأمور الثلاثة ~~التى لم تستطع عليها صبرا، لأنك لم يكن عندك ما عندى من العلم بأسرارها ~~الباطنة التى أطلعنى الله - تعالى - عليها. ثم حكى القرآن الكريم ما قاله ~~الخضر لموسى عليهما السلام - فى هذا الشأن فقال - تعالى - { أما ~~السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ~~فأردت أن أعيبها وكان ورآءهم ملك يأخذ كل ~~سفينة غصبا }. ### || [18.79] # أى قال الخضر لموسى { أما السفينة } التى خرقتها ولم ترض عنه، { ~~فكانت لمساكين يعملون في البحر } أى لضعفاء من الناس ~~لا يستطيعون دفع الظلم عنهم، ولم يكن لهم مال يتعيشون منه سواها، فكان ~~الناس يركبون فيها ويدفعون لهؤلاء المساكين الأجر الذين ينتفعون به. { ~~فأردت أن أعيبها } أى أن أجعلها ذات عيب بالخرق الذى خرقتها ~~فيه، ولم أرد أن أغرق أهلها كما ظننت يا موسى، والسبب فى ذلك أنه { كان ~~ورآءهم ملك } ، ظالم، من دأبه أن يتعقب السفن الصالحة الصحيحة، ~~ويستولى عليها، ويأخذها اغتصابا وقسرا من أصحابها. فهذا العيب الذى ~~أحدثته فى السفينة. كان سببا فى نجاتها من يد الملك الظالم، وكان سببا فى ~~بقائها فى أيدى أصحابها المساكين. فالضرر الكبير الذى أحدثته بها، كان ~~دفعا لضرر أكبر كان ينتظر أصحابها المساكين لو بقيت سليمة. ويرى بعضهم أن ~~المراد بالوراء الأمام. ويرى آخرون أن المراد به الخلف. وقال الزجاج وراء ~~يكون للخلف والأمام. ومعناه ما توارى عنك واستتر. وظاهر قوله - تعالى - { ~~يأخذ كل سفينة غصبا } ، يفيد أن هذا الملك كان يأخذ كل ~~سفينة سواء أكانت صحيحة أم معيبة، ولكن هذا الظاهر غير مراد. وإنما ~~المراد يأخذ كل سفينة سليمة. بدليل فأردت أن أعيبها، أى لكى لا يأخذها، ~~ومن هنا قالوا إن لفظ { سفينة } هنا موصوف لصفة محذوفة. أى يأخذ كل سفينة ~~صحيحة. و { غصبا } ، منصوب على أنه مصدر مبين لنوع الأخذ. والغصب - من ~~باب ضرب - أخذ الشئ ظلما وقهرا. ثم بين - سبحانه - ما رد به الخضر على ~~موسى فى اعتراضه ms3373 على الحادثة الثانية فقال - تعالى - { وأما ~~الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينآ أن يرهقهما ~~طغيانا وكفرا... }. ### || [18.80-81] # أى { وأما الغلام } الذى سبق لى أن قتلته، واعترضت على فى قتله يا موسى ~~{ فكان أبواه مؤمنين } ولم يكن هو كذلك فقد أعلمنى الله - ~~تعالى - أنه طبع كافرا. { فخشينآ أن يرهقهما طغيانا ~~وكفرا } ، والخشية الخوف الذى يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون عن علم بما ~~يخشى منه. و { يرهقهما } من الإرهاق وهو أن يحمل الإنسان ما لا ~~يطيقه. أى فخشينا لو بقى حيا هذا الغلام أن يوقع أبويه فى الطغيان ~~والكفر، لشدة محبتهما له، وحرصهما على إرضائه. { فأردنآ أن ~~يبدلهما ربهما خيرا منه } والإبدال رفع شئ. وإحلال ~~آخر محله. أى { فأردنا } بقتله { أن يبدلهما ربهما } بدل هذا ~~الغلام الكافر الطاغى، ولدا آخر { خيرا منه } أى من هذا الغلام، زكاة " ~~أى " طهارة وصلاحا { وأقرب رحما } أى وأقرب فى الرحمة بهما. والعطف ~~عليهما، والطاعة لهما. ثم ختم - سبحانه - القصة، ببيان ما قاله الخضر ~~لموسى فى تأويل الحادثة الثالثة فقال - تعالى - { وأما الجدار ~~فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته ~~كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن ~~يبلغآ أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ~~ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم ~~تسطع عليه صبرا }. ### || [18.82] # أى { وأما الجدار } الذى أتعبت نفسى فى إقامته، ولم يعجبك هذا منى. { ~~فكان لغلامين يتيمين } مات أبوهما وهما صغيران، وهذان ~~الغلامان يسكنان فى تلك المدينة، التى عبر عنها القرآن بالقرية سابقا فى ~~قوله # فانطلقا حتى إذآ أتيآ أهل قرية # قالوا ولعل التعبير عنها بالمدينة هنا، لإظهار نوع اعتداد بها، باعتداد ~~ما فيها من اليتيمين، وما هو من أهلها وهو أبوهما الصالح،. وكان تحته أى ~~تحت هذا الجدار { كنز لهما } أى مال مدفون من ذهب وفضة.. ولعل أباهما هو ~~الذى دفنه لهما. { وكان أبوهما صالحا } أى رجلا من أصحاب ~~الصلاح والتقوى، فكان ذلك منه سببا فى رعاية ولديه، وحفظ مالهما. { فأراد ~~ربك } ومالك أمرك ومدير شئونك، والذى يجب عليك أن تستسلم وتنقاد ms3374 ~~لإرادته. { أن يبلغآ أشدهما } أى كمال رشدهما، وتمام نموهما ~~وقوتهما. ويستخرجا كنزهما من تحت هذا الجدار وهما قادران على حمايته، ~~ولولا أنى أقمته لانقض وخرج الكنز من تحته قبل اقتدارهما على حفظه وعلى ~~حسن التصرف فيه. { رحمة من ربك } أى وما أراده ربك - يا موسى ~~- بهذين الغلامين، هو الرحمة التى ليس بعدها رحمة، والحكمة التى ليس ~~بعدها حكمة. فقوله { رحمة } مفعول لأجله. ثم ينفض الخضر يده من أن يكون ~~قد تصرف بغير أمر ربه فيقول { وما فعلته عن أمري ذلك ~~تأويل ما لم تسطع عليه صبرا }. أى وما فعلت ما فعلته ~~عن اجتهاد منى، أو عن رأيى الشخصى، وإنما فعلت ما فعلت بأمر ربى ومالك ~~أمرى، وذلك الذى ذكرته لك من تأويل تلك الأحداث هو الذى لم تستطع عليه ~~صبرا، ولم تطق السكوت عليه، لأنك لم يطلعك الله - تعالى - على خفايا تلك ~~الأمور وبواطنها.. كما أطلعنى. وحذفت التاء من { تسطع } تخفيفا. يقال ~~استطاع فلان هذا الشئ واستطاعه بمعنى أطاقه وقدر عليه. وبذلك انكشف ~~المستور لموسى عليه السلام - وظهر ما كان خافيا عليه. هذا، وقد ساق ~~الإمام ابن كثير عند تفسيره لآيات تلك القصة جملة من الأحاديث، منها ما ~~رواه الشيخان، ومنها ما رواه غيرهما، ونكتفى هنا بذكر حديث واحد. قال - ~~رحمه الله - قال البخارى حدثنا الحميدى، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بن ~~دينار، أخبرنى سعيد بن جبير قال. قلت لابن عباس إن نوفا البكالى يزعم أن ~~موسى صاحب الخضر ليس هو موسى نبى بنى إسرائيل. قال ابن عباس كذب عدو ~~الله، حدثنا أبى بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " إن موسى قام خطيبا فى بنى إسرائيل، فسئل أى الناس أعلم؟ فقال أنا. ~~فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه. فأوحى الله إليه إن عبدا بمجمع ~~البحرين هو أعلم منك. فقال موسى يا رب، وكيف لى به؟ قال تأخذ معك حوتا، ~~تجعله بمكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثم ". # فأخذ حوتا، فجعله فى مكتل، ثم انطلق وانطلق ms3375 معه بفتاه يوشع بن نون. حتى ~~إذا أتيا الصخرة وضعا رءوسهما فناما، واضطرب الحوت فى المكتل، فخرج منه ~~فسقط فى البحر، واتخذ سبيله فى البحر سربا، وأمسك الله عن الحوت جرية ~~الماء، فصار عليه مثل الطاق. فلما استيقظ نسى صاحبه أن يخبره بالحوت. ~~فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، فلما كان الغد قال موسى لفتاه # آتنا غدآءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا # ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذى أمره الله به. قال له فتاه # أرأيت إذ أوينآ إلى الصخرة فإني نسيت الحوت ~~ومآ أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ ~~سبيله في البحر عجبا # قال فكان للحوت سربا ولموسى وفتاه عجبا. فقال موسى # ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا # قال فرجعا يقصان أثرهما، حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى - أى ~~مغطى - بثوب، - فسلم عليه موسى، فقال الخضر وأنى بأرضك السلام. قال أنا ~~موسى قال موسى نبى إسرائيل قال نعم، أتيتك لتعلمنى مما علمت رشدا، قال ~~إنك لن تستطيع معى صبرا. يا موسى إنى على علم من علم الله علمنيه، لا ~~تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه. قال موسى ~~ستجدنى إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا. قال الخضر فإن اتبعتنى فلا ~~تسألنى عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا. فانطلقا يمشيان، فمرت سفينة فكلمهم ~~أن يحملوه، فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نول - أى بغير أجر - فلما ركبا فى ~~السفينة، لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم. فقال ~~له موسى قد حملونا بغير نول، فعمدت إلى سفينتهم فخرقتها، لتغرق أهلها، ~~لقد جئت شيئا إمرا. قال له الخضر ألم أقل إنك لن تستطيع معى صبرا. قال ~~لا تؤاخدنى بما نسيت ولا ترهقنى من أمرى عسرا. قال وقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، # " كانت الأولى من موسى نسيانا " # ، قال وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة. فنقر فى البحر نقرة. فقال له ~~الخضر ما علمى وعلمك فى علم الله إلا ms3376 مثل ما نقص هذا العصفور من البحر. ~~ثم خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل، إذ أبصر الخضر غلاما ~~يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه فاقتلعه بيده فقتله - فقال له موسى # أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا ~~نكرا # قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبرا. قال وهذ أشد من الأولى. قال # قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني # فانطلقا حتى إذآ أتيآ أهل قرية استطعمآ ~~أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا ~~يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لتخذت ~~عليه أجرا قال هذا فراق بيني وبينك ~~سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " وددنا أن موسى كان قد صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما ". # وقد أخذ العلماء من هذه القصة أحكاما وآدابا من أهمها ما يأتى 1- أن ~~الإنسان مهما أوتى من العلم، فعليه أن يطلب المزيد، وأن لا يعجب بعلمه، ~~فالله - تعالى - يقول # ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا # وطلب من نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتضرع إليه بطلب الزيادة من العلم ~~فقال # وقل رب زدني علما # 2- أن الرحلة فى طلب العلم من صفات العقلاء. فموسى - عليه السلام - وهو ~~من أولى العزم من الرسل، تجشم المشاق والمتاعب لكى يلتقى بالرجل الصالح ~~لينتفع بعلمه، وصمم على ذلك مهما كانت العقبات بدليل قوله - تعالى - ~~حكاية عنه # لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي ~~حقبا # قال القرطبى عند تفسيره لهذه الآية فى هذا من الفقه رحلة العالم فى طلب ~~الازدياد من العلم، والاستعانة على ذلك بالخادم والصاحب واغتنام لقاء ~~الفضلاء والعلماء وإن بعدت أقطارهم. وذلك كان دأب السلف الصالح، وبسبب ~~ذلك وصل المرتحلون لطلب العلم إلى الحظ الراجح وحصلوا على السعى الناجح، ~~فرسخت لهم فى العلوم أقدام. وصح لهم من الذكر والأجر والفضل أفضل ~~الأقسام. قال البخارى ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن ~~أنيس فى طلب حديث. 3- جواز إخبار الإنسان عما ms3377 هو من مقتضى الطبيعة ~~البشرية، كالجوع والعطش والتعب والنسيان فقد قال موسى لفتاه # آتنا غدآءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا # ورد عليه فتاه بقوله # أرأيت إذ أوينآ إلى الصخرة فإني نسيت الحوت ~~ومآ أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره.. # وفى هذا الرد - أيضا - من الأدب ما فيه، فقد نسب سبب النسيان إلى ~~الشيطان، وإن كان الكل بقضاء الله - تعالى - وقدره. 4- أن العلم على ~~قسمين علم مكتسب يدركه الإنسان باجتهاده وتحصيله.. بعد عون الله تعالى - ~~له. وعلم لدنى يهبه الله - سبحانه - لمن يشاء من عباده فقد قال - تعالى - ~~فى شأن الخضر # وعلمناه من لدنا علما # أى علما خاصا أطلعه الله عليه يشمل بعض الأمور الغيبية. 5- أن على ~~المتعلم أن يخفض جناحه للمعلم، وأن يخاطبه بأرق العبارات وألطفها، حتى ~~يحصل على ما عنده من علم بسرور وارتياح. قال بعض العلماء ما ملخصه وتأمل ~~ما حكاه الله عن موسى فى قوله للخضر # هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا # فقد أخرج الكلام بصورة الملاطفة والمشاورة، فكأنه يقول له هل تأذن لى فى ~~ذلك أو لا، مع إقراره بأنه يتعلم منه، بخلاف ما عليه أهل الجفاء أو ~~الكبر، الذى لا يظهر للمعلم افتقاره إلى علمه... 6- أنه لا بأس على ~~العالم، إذا اعتذر للمتعلم عن تعليمه، لأن المتعلم لا يطيق ذلك، لجهله ~~بالأسباب التى حملت العالم على فعل تلك الأمور التى ظاهرها يخالف الحق ~~والعدل والمنطق العقلى، وأن معرفة الأسباب تعين على الصبر. فقد قال الخضر ~~لموسى # إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما ~~لم تحط به خبرا # فقد جعل الموجب لعدم صبره عدم إحاطته خبرا بالأمر. 7- إن من علامات ~~الإيمان القوى، أن يقدم الإنسان المشيئة عند الإقدام على الأعمال، وأن ~~العزم على فعل الشئ ليس بمنزلة فعله، فقد قال موسى للخضر # ستجدني إن شآء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا # ومع ذلك فعندما رأى منه أفعالا يخالف ظاهرها الحق والصلاح، لم يصبر. ~~وأنه لا بأس على العالم أن يشترط على المتعلم ms3378 أمورا معينة قبل أن يبدأ فى ~~تعليمه. فقد قال الخضر لموسى # إن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك ~~منه ذكرا # 8- أنه يجوز دفع الضرر الأكبر بارتكاب الضرر الأصغر، فإن خرق السفينة ~~فيه ضرر ولكنه أقل من أخذ الملك لها غصبا، وإن قتل الغلام شر، ولكنه أقل ~~من الشر الذى سيترتب على بقائه. وهو إرهاقه لأبويه، وحملهما على الكفر. ~~كما يجوز للإنسان أن يعمل عملا فى ملك غيره بدون إذنه بشرط أن يكون هذا ~~العمل فيه مصلحة لذلك الغير كأن يرى حريقا فى دار إنسان فيقدم على إطفائه ~~بدون إذنه. ويدفع ضرر الحريق بضرر أقل منه، فقد خرق الخضر السفينة، لكى ~~تبقى لأصحابها المساكين. 9- أن التأنى فى الأحكام. والتثبت من الأمور، ~~ومحاولة معرفة العلل والأسباب... كل ذلك يؤدى إلى صحة الحكم، وإلى سلامة ~~القول والعمل. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول # " رحمة الله علينا وعلى موسى، لو صبر على صاحبه لرأى العجب ". # 10- أن من دأب العقلاء الصالحين. استعمال الأدب مع الله - تعالى - فى ~~التعبير، فالخضر قد أضاف خرقه للسفينة إلى نفسه فقال # فأردت أن أعيبها.. # وأضاف الخير الذى فعله من أجل الغلامين اليتيمين إلى الله فقال # فأراد ربك أن يبلغآ أشدهما ويستخرجا ~~كنزهما رحمة من ربك # وشبيه بهذا ما حكاه الله - تعالى - عن صالحى الجن فى قولهم # وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد ~~بهم ربهم رشدا # 11- قال القرطبى قوله - تعالى - # يريد أن ينقض # أى قرب أن يسقط. وهذا مجاز وتوسع. وقد فسره فى الحديث بقوله " مائل " ~~فكان فيه دليل على وجود المجاز فى القرآن، وهو مذهب الجمهور. # وجميع الأفعال التى حقها أن تكون للحى الناطق إذا أسندت إلى جماد أو ~~بهيمة، فإنما هى استعارة. أى لو كان مكانها إنسان لكان ممتثلا لذلك ~~الفعل، وهذا فى كلام العرب وأشعارهم كثير، كقول الأعشى # أتنهون ولا ينهى ذوى شطط كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل # والشطط الجور والظلم، يقول لا ينهى الظالم عن ظلمه إلا الطعن ms3379 العميق ~~الذى يغيب فيه الفتل - فأضاف النهى إلى الطعن. وذهب قوم إلى منع المجاز ~~فى القرآن فإن كلام الله عز وجل - وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم حمله ~~على الحقيقة أولى بذى الفضل والدين، لأنه يقص الحق كما أخبر الله - تعالى ~~- فى كتابه... وقد صرح صاحب أضواء البيان أنه لا مجاز فى القرآن فقال ما ~~ملخصه قوله - تعالى - # فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه # هذه الآية من أكبر الأدلة التى يستدل بها القائلون بأن المجاز فى ~~القرآن، زاعمين أن إرادة الجدار الانقضاض لا يمكن أن تكون حقيقة وإنما هى ~~مجاز. وقد دلت آيات من كتاب الله على أنه لا مانع من أن تكون إرادة ~~الجدار حقيقة، لأن الله - تعالى - يعلم للجمادات إرادات وأفعالا وأقوالا ~~لا يدركها الخلق، كما صرح - تعالى - بأنه يعلم من ذلك ما لا يعلمه خلقه ~~فى قوله - سبحانه - # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم.. # فصرح بأننا لا نفقه تسبيحهم، وتسبيحهم واقع عن إرادة لهم يعلمها - ~~سبحانه - ونحن لا نعلمها. ومن الأحاديث الدالة على ذلك ما ثبت فى صحيح ~~مسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم قال # " إنى لأعرف حجرا كان يسلم على بمكة " # وما ثبت فى صحيح البخارى من حنين الجذع الذى كان يخطب عليه صلى الله ~~عليه وسلم حزنا لفراقه. فتسليم ذلك الحجر، وحنين ذلك الجزع، كلاهما ~~بإرادة وإدراك يعلمه الله ونحن لا نعلمه... 12- أن صلاح الأباء ينفع ~~الأبناء. بدليل قوله - تعالى - { وكان أبوهما صالحا }. قال ~~الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية فيه دليل على أن الرجل الصالح ~~يحفظ فى ذريته وتشمل بركة عبادته ما ينفعهم فى الدنيا والآخرة، بشفاعته ~~فيهم، ورفع درجتهم إلى أعلى درجة فى الجنة لتقر عينه بهم، كما جاء فى ~~القرآن ووردت السنة به. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس حفظا بصلاح أبيهما. ~~13- أن على الصاحب أن لا يفارق صاحبه حتى يتبين له الأسباب التى حملته ~~على ذلك، فأنت ترى أن الخضر قد قال لموسى ms3380 # هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم ~~تستطع عليه صبرا # أى قبل مفارقتى لك سأخبرك عن الأسباب التى حملتنى على فعل ما فعلت مما ~~لم تستطع معه صبرا. # ويفهم من ذلك أن موافقة الصاحب لصاحبه - فى غير معصية الله - تعالى - ~~على رأس الأسباب التى تعين على دوام الصحبة وتقويتها، كما أن عدم ~~الموافقة، وكثرة المخالفة، تؤدى إلى المقاطعة. كما يفهم من ذلك - أيضا - ~~أن المناقشة والمحاورة متى كان الغرض منها الوصول إلى الحق، وإلى المزيد ~~من العلم، وكانت بأسلوب مهذب، وبنية طيبة، لا تؤثر فى دوام المحبة ~~والصداقة، بل تزيدهما قوة وشدة. نسأل الله - تعالى - أن يؤدبنا بأدبه، ~~وأن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، وأنس نفوسنا. ثم ساق - سبحانه - قصة ذى ~~القرنين، وهى القصة الرابعة والأخيرة فى السورة فقد سبقتها قصة أصحاب ~~الكهف. وقصة صاحب الجنتين وقصة موسى والخضر. استمع إلى القرآن الكريم وهو ~~يقص علينا بأسلوبه البليغ المؤثر خبر ذى القرنين فيقول { ويسألونك ~~عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا... }. ### || [18.83-98] # وقوله - سبحانه - { ويسألونك عن ذي القرنين.. } معطوف ~~على قصة موسى والخضر - عليهما السلام - عطف القصة على القصة. قال البقاعى ~~كانت قصة موسى مع الخضر مشتملة على الرحلات من أجل العلم، وكانت قصة ذى ~~القرنين مشتملة على الرحلات من أجل الجهاد فى سبيل الله، ولما كان العلم ~~أساس الجهاد تقدمت قصة موسى والخضر على قصة ذى القرنين... والسائلون هم ~~كفار قريش بتلقين من اليهود، فقد سبق أن ذكرنا عند تفسيرنا لقصة أصحاب ~~الكهف. أن اليهود قالوا لوفد قريش سلوه - أى الرسول صلى الله عليه وسلم ~~عن ثلاث نأمركم بهن.. سلوه عن فتية ذهبوا فى الدهر الأول ماذا كان من ~~أمرهم.. وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها.. وسلوه عن الروح. ~~وجاء التعبير بصيغة المضارع - مع أن الآيات نزلت بعد سؤالهم - لاستحضار ~~الصورة الماضية، أو للدلالة على أنهم استمروا فى لجاجهم إلى أن نزلت ~~الآيات التى ترد عليهم. أما ذو القرنين، فقد اختلفت فى شأنه أقوال ~~المفسرين اختلافا ms3381 كبيرا، لعل أقربها إلى الصواب ما أشار إليه الآلوسى ~~بقوله وذكر أبو الريحان البيرونى فى كتابه المسمى " بالآثار الباقية عن ~~القرون الخالية " ، أن ذا القرنين هو أبو كريب الحميرى، وهو الذى افتخر ~~به تبع اليمنى حيث قال # قد كان ذو القرنين جدى مسلما ملكا علا فى الأرض غير مفند بلغ المغارب ~~والمشارق يبتغى أسباب ملك من حكيم مرشد # ثم قال أبو الريجان ويشبه أن يكون هذا القول أقرب، لأن ملوك اليمن كانوا ~~يلقبون بكلمة ذى. كذى نواس، وذى يزن. إلخ.. ومن المقطوع به أن ذا القرنين ~~هذا ليس هو الإسكندر المقدونى الملقب بذى القرنين. تلميذ أرسطو، فإن ~~الإسكندر هذا كان وثنيا.. بخلاف ذى القرنين الذى تحدث عنه القرآن، فإنه ~~كان مؤمنا بالله - تعالى - ومعتقدا بصحة البعث والحساب. والرأى الراجح ~~أنه كان عبدا صالحا، ولم يكن نبيا. ويرى بعضهم أنه كان بعد موسى - عليه ~~السلام -، ويرى آخرون غير ذلك ومن المعروف أن القرآن الكريم يهتم فى قصصه ~~ببيان العبر والعظات المستفادة من القصة، لا ببيان الزمان أو المكان ~~للأشخاص. وسمى بذى القرنين - على الراجح - لبلوغه فى فتوحاته قرنى الشمس ~~من أقصى المشرق والمغرب. والمعنى ويسألك قومك - يا محمد - عن خبر ذى ~~القرنين وشأنه. { قل } لهم - على سبيل التعليم والرد على تحديهم لك. { ~~سأتلوا عليكم منه ذكرا }. والضمير فى " منه " يعود على ~~ذى القرنين و " من " للتبعيض. أى قل لهم سأتلو عليكم من خبره - وسأقص ~~عليكم من أنبائه عن طريق هذا القرآن الذى أوحاه الله إلى ما يفيدكم ويكون ~~فيه ذكرى وعبرة لكم إن كنتم تعقلون. # ثم بين - سبحانه - ما أعطاه الله لذى القرنين من نعم فقال { إنا ~~مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا ~~فأتبع سببا }. وقوله { مكنا } من التمكين بمعنى إعطائه الوسائل ~~التى جعلته صاحب نفوذ وسلطان فى أقطار الأرض المختلفة. والمفعول محذوف، ~~أى إنا مكنا له أمره من التصرف فيها كيف يشاء. بأن أعطيناه سلطانا وطيد ~~الدعائم، وآتيناه من كل شئ أراده فى دنياه لتقوية ملكه { سببا ms3382 } أى سبيلا ~~وطريقا يوصله إلى مقصوده، كآلات السير، وكثرة الجند، ووسائل البناء ~~والعمران. وهذه الأسباب التى أعطاها الله إياه، لم يرد حديث صحيح ~~بتفصيلها، فعلينا أن نؤمن بأن الله - تعالى - قد أعطاه وسائل عظيمة ~~لتدعيم، ملكه، دون أن نلتفت إلى ما ذكره هنا بعض المفسرين من إسرائيليات ~~لا قيمة لها. والفاء فى قوله { فأتبع سببا } فصيحة. أى فأراد أن يزيد فى ~~تدعيم ملكه، فسلك طريقا لكى يوصله إلى المكان الذى تغرب فيه الشمس. { ~~حتى إذا بلغ مغرب الشمس } أى حتى إذا وصل إلى منتهى ~~الأرض المعمورة فى زمنه من جهة المغرب. { وجدها تغرب في عين ~~حمئة } أى رآها فى نظره عند غروبها، كأنها تغرب فى عين مظلمة، وإن لم ~~تكن هى فى الحقيقة كذلك. وهذا هو المعتاد لمن كان بينه وبين أفق الشمس ~~ماء فإنه يراها كأنها تشرق منه وتغرب فيه، كما أن الذى يكون فى أرض ملساء ~~واسعة، يراها كأنها تطلع من الأرض وتغيب فيها. وحمئة أى ذات حمأة وهى ~~الطين الأسود. يقال حمأت البئر تحمأ حمأ، إذا صارت فيها الحمأة ~~وهى الطينة السوداء. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائى { وجدها تغرب في عين ~~حامية } أى حارة. اسم فاعل من حمى يحمى حميا. { ووجد ~~عندها قوما } أى ووجد عند تلك العين على ساحل البحر قوما. الظاهر ~~أن هؤلاء القوم كانوا من أهل الفترة، فدعاهم ذو القرنين إلى عبادة الله - ~~تعالى - وحده، فيهم من آمن وفيهم من كفر، فخيره الله - تعالى - فيهم فقال ~~{ قلنا يذا القرنين إمآ أن تعذب وإمآ أن ~~تتخذ فيهم حسنا }. أى قال الله - تعالى - له عن طريق الالهام، ~~أو على لسان ملك أخبره بذلك يا ذا القرنين إما أن تعذب هؤلاء القوم ~~الكافرين أو الفاسقين بالقتل أو غيره، وإما أن تتخذ فيهم أمرا ذا حسن، ~~أو أمرا حسنا، تقتضيه المصلحة والسياسة الشرعية. ثم حكى الله - تعالى - ~~عنه فى الجواب ما يدل على سلامة تفكيره، فقال { قال أما من ~~ظلم.. } أى قال ذو القرنين فى الرد على تخيير ms3383 ربه له فى شأن هؤلاء ~~القوم، يا رب أما من ظلم نفسه بالإصرار على الكفر والفسوق والعصيان { ~~فسوف نعذبه } فى هذه الدنيا بالقتل وما يشبهه. # ثم يرد هذا الظالم نفسه إلى ربه - سبحانه - فيعذبه فى الآخرة عذابا { ~~نكرا } أى عذابا فظيعا عظيما منكرا وهو عذاب جهنم. { وأما من آمن ~~وعمل صالحا } يقتضيه إيمانه { فله } فى الدارين { جزاء الحسنى } ~~أى فله المثوبة الحسنى، أو الفعلة الحسنى وهى الجنة. { وسنقول له } أى ~~لمن آمن وعمل صالحا { من أمرنا } أى مما نأمره به قولا { يسرا } لا صعوبة ~~فيه ولا مشقة ولا عسر. فأنت ترى أن ذا القرنين قد رد بما يدل على أنه قد ~~اتبع فى حكمه الطريق القويم، والأسلوب الحكيم، الذى يدل على قوة ~~الإيمان، وصدق اليقين، وطهارة النفس. إنه بالنسبة للظالمين، يعذب، ~~ويقتص، ويرهب النفوس المنحرفة، حتى تعود إلى رشدها، وتقف عند حدودها. ~~وبالنسبة للمؤمنين الصالحين، يقابل إحسانهم بإحسان وصلاحهم بصلاح ~~واستقامتهم بالتكريم والقول الطيب، والجزاء الحسن. وهكذا الحاكم الصالح ~~فى كل زمان ومكان الظالمون والمعتدون.. يجدون منه كل شدة تردعهم وتزجرهم ~~وتوقفهم عند حدودهم. والمؤمنون والمصلحون يجدون منه كل تكريم وإحسان ~~واحترام وقول طيب. وقوله { ثم أتبع سببا } بيان لما فعله بعد ~~أن بلغ مغرب الشمس. أى وبعد أن بلغ مغرب الشمس، ونال مقصده، كر راجعا من ~~جهة غروب الشمس إلى جهة شروقها. { حتى إذا بلغ مطلع ~~الشمس } أى حتى إذا كر راجعا وبلغ منتهى الأرض المعمورة فى زمنه من ~~جهة المشرق. { وجدها } أى الشمس { تطلع على قوم لم نجعل ~~لهم من دونها سترا } أى لم نجعل لهم من دون الشمس ما يستترون ~~به من البناء أو اللباس، فهم قوم عراة يسكنون الأسراب والكهوف فى نهاية ~~المعمورة من جهة المشرق. وقوله { كذلك } خبر لمبتدأ محذوف، أى أمر ذى ~~القرنين كذلك من حيث إنه آتاه الله من كل شئ سببا، فبلغ ملك مشارق الأرض ~~ومغاربها. وقوله { وقد أحطنا بما لديه خبرا } بيان لشمول ~~علم الله - تعالى - بأحوال ذى القرنين الظاهرة والباطنة، ms3384 ولأحوال غيره. ~~أى كذلك كان شأن ذى القرنين. وقد أحطنا إحاطة تامة وعلمنا علما لا يعزب ~~عنه شئ، بما كان لدى ذى القرنين من جنود وقوة وآلات... وغير ذلك من أسباب ~~الملك والسلطان. وقوله - سبحانه - { ثم أتبع سببا } بيان لما ~~فعله بعد أن بلغ مغرب الشمس ومشرقها. أى ثم بعد أن بلغ مغرب الشمس ~~ومشرقها... سار فى طريق ثالث معترض بين المشرق والمغرب، آخذا فيه { ~~حتى إذا بلغ } فى مسيره ذلك { بين السدين } أى الجبلين، وسمى ~~الجبل سدا، لأنه سد فجا من الأرض. قالوا والسدان هما جبلان من جهة ~~أرمينية وأذربيجان، وقيل هما فى نهاية أرض الترك مما يلى المشرق { وجد ~~من دونهما } أى من دون السدين ومن ورائهما { قوما } أى أمة من الناس ~~لغتهم لا تكاد تعرف لبعدهم عن بقية الناس، ولذا قال - سبحانه -. # { لا يكادون يفقهون قولا } أى لا يكاد هؤلاء القوم يفهمون ~~أو يقرءون ما يقوله الناس لهم، لغرابة لغتهم وقلة فطنتهم، ولا يعرف الناس ~~- أيضا - ما يقوله هؤلاء القوم لهم، لشدة عجمتهم. { قالوا } أى هؤلاء ~~القوم لذى القرنين { يذا القرنين إن يأجوج ومأجوج ~~مفسدون في الأرض }. ويأجوج ومأجوج اسمان أعجميان، قيل مأخوذان ~~من الأوجة وهى الاختلاط أو شدة الحر وقيل من الأوج وهو سرعة الجرى. ~~واختلف فى نسبهم، فقيل هم من ولد يافث بن نوح والترك منهم. وقيل يأجوج من ~~الترك، ومأجوج من الديلم. أى قال هؤلاء القوم - الذين لا يكادون يفقهون ~~قولا - لذى القرنين، بعد أن توسموا فيه القوة والصلاح.. يا ذا القرنين إن ~~قبيلة يأجوج ومأجوج مفسدون فى الأرض بشتى أنواع الفساد والنهب والسلب. ~~وفى الصحيحين من حديث زينب بنت جحش - رضى الله عنها - قالت # " استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من نومه وهو محمر وجهه وهو يقول ~~" لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ~~ومأجوج مثل هذه " ، وحلق - بين أصابعه - قلت يا رسول الله، أنهلك وفينا ~~الصالحون؟ قال " نعم إذا كثر الخبث ". # وقوله - تعالى ms3385 - { فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل ~~بيننا وبينهم سدا } حكاية لما عرضه هؤلاء القوم على ذى ~~القرنين من عروض تدل على ثقتهم فيه وحسن أدبهم معه، حيث خاطبوه بصيغة ~~الاستفهام الدالة على أنهم يفوضون الأمر إليه. والخرج اسم لما يخرجه ~~الإنسان من ماله لغيره. وقرأ حمزة والكسائى خراجا وهما بمعنى واحد، وقيل ~~الخرجة الجزية. والخراج اسم لما يخرجه عن الأرض. أى فهل نجعل لك مقدارا ~~كبيرا من أموالنا على سبيل الأجر، لكى تقيم بيننا وبين قبيلة يأجوج ~~ومأجوج سدا يمنعهم من الوصول إلينا. ويحول بيننا وبينهم؟ وهنا يرد عليهم ~~ذو القرنين - كما حكى القرآن عنه بما يدل على قوة إيمانه وحرصه على إحقاق ~~الحق وإبطال الباطل. فيقول { قال ما مكني فيه ربي خير... ~~}. أى قال ذو القرنين لهؤلاء القوم الذين لا يكادون يفقهون قولا إن ما ~~بسطه الله - تعالى - لى من الرزق والمال والقوة.. خير من خرجكم ومالكم ~~الذى تريدون أن تجعلوه لى فى إقامة السد بينكم وبين يأجوج ومأجوج، فوفروا ~~عليكم أموالكم، وقفو إلى جانبى { فأعينونى } بسواعدكم وبآلات البناء { ~~بقوة } أى بكل ما أتقوى به على المقصود وهو بناء السد، لكى { أجعل بينكم ~~} وبين يأجوج ومأجوج { ردما }. # أى حاجزا حصينا. وجدارا متينا، يحول بينكم وبينهم. والردم الشئ الذى ~~يوضع بعضه فوق بعض حتى يتصل ويتلاصق. يقال ثوب مردم، أى فيه رقاع فوق ~~رقاع. وسحاب مردم، أى متكاتف بعضه فوق بعض. ويقال ردمت الحفرة، إذا وضعت ~~فيها من الحجارة والتراب وغيرهما ما يسويها بالأرض. قال ابن عباس الردم ~~أشد الحجاب. وجملة { أجعل بينكم وبينهم ردما } جواب ~~الأمر فى قوله { فأعينونى بقوة }. ثم شرع فى تنفيذ ما راموه منه من عون ~~فقال { آتوني زبر الحديد.. }. والزبر - كالغرف - جمع زبره - ~~كغرفة - وهى القطعة الكبيرة من الحديد وأصل الزبر. الاجتماع ومنه زبرة ~~الأسد لما اجتمع من الشعر على كاهله. ويقال زبرت الكتاب أى كتبته وجمعت ~~حروفه. أى أحضروا لى الكثير من قطع الحديد الكبيرة، فأحضروا له ما أراد { ~~حتى إذا ساوى بين ms3386 الصدفين } أى بين جانبى الجبلين. ~~وسمى كل واحد من الجانبين صدفا. لكونه مصادفا ومقابلا ومحاذيا للآخر، ~~مأخوذ من قولهم صادفت الرجل أى قابلته ولاقيته، ولذا لا يقال للمفرد صدف ~~حتى يصادفه الآخر، فهو من الأسماء المتضايفة كالشفع والزوج. وقوله { ~~قالوا انفخوا } أى النار على هذه القطع الكبيرة من الحديد الموضوع بين ~~الصدفين. وقوله { حتى إذا جعله نارا } أى حتى إذا صارت قطع ~~الحديد الكبيرة كالنار فى احمرارها وشدة توهجها { قال آتوني ~~أفرغ عليه قطرا } أى نحاسا أو رصاصا مذابا، وسمى بذلك لأنه ~~إذا أذيب صار يقطر كما يقطر الماء. أى قال لهم أحضروا لى قطع الحديد ~~الكبيرة، فلما أحضروها له، أخذ يبنى شيئا فشيئا حتى إذا ساوى بين جانبى ~~الجبلين بقطع الحديد، قال لهم أوقدوا النار وانفخوا فيها بالكيران وما ~~يشبهها لتسخين هذه القطع من الحديد وتليينها، ففعلوا ما أمرهم به، حتى ~~صارت تلك القطع تشبه النار فى حرارتها وهيئتها، قال أحضروا لى نحاسا ~~مذابا، لكى أفرغه على تلك القطع من الحديد لتزداد صلابة ومتانة وقوة. ~~وبذلك يكون ذو القرنين قد لبى دعوة أولئك القوم فى بناء السد. وبناه لهم ~~بطريقة محكمة سليمة، اهتدى بها العقلاء فى تقوية الحديد والمبانى فى ~~العصر الحديث. وكان الداعى له لهذا العمل الضخم، الحيلولة بين هؤلاء ~~القوم، وبين يأجوج ومأجوج الذين يفسدون فى الأرض ولا يصلحون. ولقد أخبر ~~القرآن الكريم بأن ذا القرنين بهذا العمل جعل يأجوج ومأجوج يقفون عاجزين ~~أمام هذا السد الضخم المحكم فقال { فما اسطاعوا أن يظهروه ~~وما استطاعوا له نقبا }. أى فما استطاع قوم يأجوج ومأجوج أن ~~يرتفعوا على ظهر السد، أو يرقوا فوقه لملاسته وارتفاعه، وما استطاعوا - ~~أيضا - أن يحدثوا فيه نقبا أو خرقا لصلابته ومتانته وثخانته. # ووقف ذو القرنين أمام هذا العمل العظيم، مظهرا الشكر لله - تعالى -، ~~والعجز أمام قدرته - عز وجل - شأن الحكام الصادقين فى إيمانهم، الشاكرين ~~لخالقهم توفيقه إياهم لكل خير. وقف ليقول بكل تواضع وخضوع لخالقه.. { ~~هذا رحمة من ربي }. أى هذا الذى فعلته من ms3387 بناء السد وغيره، ~~أثر من آثار رحمة ربى التى وسعت كل شئ. { فإذا جآء وعد ربي } ~~الذى حدده لفناء هذه الدنيا ونهايتها، أو الذى حدده لخروجهم منه { جعله ~~دكاء } أى جعل هذا السد أرضا مستوية، وصيره مدكوكا أى بمساواة الأرض. ~~ومنه قولهم ناقة دكاء أى لا سنام لها. { وكان وعد ربي حقا } ~~أى وكان كل ما وعد الله - تعالى - به عباده من ثواب وعقاب وغيرهما، وعدا ~~حقا لا يتخلف ولا يتبدل، كما قال - سبحانه - # وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون # وبذلك نرى فى قصة ذى القرنين ما نرى من الدروس والعبر والعظات، التى من ~~أبرزها. أن التمكين فى الأرض نعمة يهبها الله لمن يشاء من عباده. وأن ~~السير فى الأرض لإحقاق الحق وإبطال الباطل من صفات المؤمنين الصادقين، ~~وأن الحاكم العادل من صفاته ردع الظالمين عن ظلمهم، والإحسان إلى ~~المستقيمين المقسطين، والعمل على ما يجعلهم يزدادون استقامة وفضلا، وأن ~~من معالم الخلق الكريم، أن يعين الإنسان المحتاج إلى عونه، وأن يقدم له ~~ما يصونه عن الوقوع تحت وطأة الظالمين المفسدين، وأن من الأفضل أن يحتسب ~~ذلك عند الله - تعالى -. وألا يطلب من المحتاج إلى عونه أكثر من طاقته. ~~كما أن من أبرز صفات المؤمنين الصادقين أنهم ينسبون كل فضل إلى الله - ~~تعالى - وإلى قدرته النافذة، وأنهم يزدادون شكرا وحمدا له - تعالى - ~~كلما زادهم من فضله، وما أجمل وأحكم أن تختتم قصة ذى القرنين بقوله - ~~تعالى - { قال هذا رحمة من ربي فإذا جآء وعد ~~ربي جعله دكآء وكان وعد ربي حقا }. ثم تسوق ~~السورة الكريمة بعد قصة ذى القرنين آيات تذكر الناس بأهوال يوم القيامة، ~~لعلهم يتوبون ويتذكرون. استمع إلى السورة الكريمة وهى تصور ذلك فتقول { ~~وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في ~~الصور فجمعناهم جمعا... }. ### || [18.99-102] # وقوله { وتركنا } بمعنى جعلنا وصيرنا، والضمير المضاف فى قوله { بعضهم } ~~يعود إلى يأجوج ومأجوج، والمراد ب { يومئذ } يوم تمام بناء السد الذى ~~بناه ذو القرنين. وقوله - سبحانه - { يموج ms3388 } من الموج بمعنى الاضطراب ~~والاختلاط يقال ماج البحر إذا اضطرب موجه وهاج واختلط. ويقال ماج القوم ~~إذا اختلط بعضهم ببعض وتزاحموا حائرين فزعين. والمعنى وجعلنا وصيرنا ~~بمقتضى حكمتنا وإرادتنا وقدرتنا، قبائل يأجوج ومأجوج يموج بعضهم فى بعض. ~~أى يتزاحمون ويضطربون من شدة الحيرة لأنهم بعد بناء السد، صاروا لا يجدون ~~مكانا ينفذون منه إلى ما يريدون النفاذ إليه، فهم خلفه فى اضطراب وهرج. ~~ويجوز أن يكون المراد بيومئذ يوم مجئ الوعد بخروجهم وانتشارهم فى الأرض، ~~وهذا الوعد قد صرحت به الآية السابقة فى قوله - تعالى - # فإذا جآء وعد ربي جعله دكآء وكان وعد ربي ~~حقا # فيكون المعنى وتركنا قبائل يأجوج ومأجوج، يوم جاء وعد الله بجعل السد ~~مدكوكا ومتساويا مع الأرض، يموج بعضهم فى بعض، بعد أن خرجوا منتشرين فى ~~الأرض، وقد تزاحموا وتكاثروا واختلط بعضهم ببعض. قال الفخر الرازى " اعلم ~~أن الضمير فى قوله { بعضهم } يعود إلى يأجوج ومأجوج. وقوله { يومئذ } فيه ~~وجوه الأول أن يوم السد ماج بعضهم فى بعض خلفه لما منعوا من الخروج. ~~الثانى أنه عند الخروج يموج بعضهم فى بعض. قيل إنهم حين يخرجون من وراء ~~السد يموجون مزدحمين فى البلاد. الثالث أن المراد من قوله { يومئذ } يوم ~~القيامة. وكل ذلك محتمل، إلا أن الأقرب أن المراد به الوقت الذى جعل الله ~~فيه السد دكا فعنده ماج بعضهم ونفخ فى الصور، وصار ذلك من آيات القيامة ~~". وقال القرطبى قوله - تعالى - { وتركنا بعضهم يومئذ ~~يموج في بعض } الضمير فى { تركنا } لله - تعالى - أى تركنا الجن ~~والإنس يوم القيامة يموج بعضهم فى بعض. وقيل تركنا يأجوج ومأجوج { يومئذ ~~} أى يوم كمال السد يموج بعضهم فى بعض، واستعارة الموج لهم عبارة عن ~~الحيرة وتردد بعضهم فى بعض. وقيل تركنا يأجوج ومأجوج يوم انفتاح السد ~~يموجون فى الدنيا مختلطين لكثرتهم. فهذه أقوال ثلاثة أظهرها أوسطها ~~وأبعدها آخرها. وحسن الأول، لأنه تقدم ذكر القيامة فى تأويل قوله - تعالى ~~- { فإذا جآء وعد ربي }. وقوله - سبحانه - { ونفخ في ~~الصور فجمعناهم جمعا } بيان ms3389 لعلامة من علامات قيام الساعة. ~~والنفخ لغة إخراج النفس من الفم لإحداث صوت معين. والصور القرن الذى ~~ينفخ فيه إسرافيل - عليه السلام - نفخة الصعق والموت، ونفخة البعث ~~والنشور، كما قال - تعالى - # ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في ~~الأرض إلا من شآء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا ~~هم قيام ينظرون # والمعنى وتركنا يأجوج ومأجوج يموج بعضهم فى بعض. وأمرنا إسرافيل بالنفخ ~~فى الصور، فجمعناهم وجميع الخلائق جمعا تاما، دون أن نترك أحدا من ~~الخلائق بدون إعادة إلى الحياة، بل الكل مجموعون ليوم عظيم هو يوم البعث ~~والحساب. والمراد بالنفخ هنا النفخة الثانية التى يقوم الناس بعدها من ~~قبورهم للحساب، كما أشارت إلى ذلك آية سورة الزمر السابقة. وفى التعبير ~~بقوله { فجمعناهم جمعا }. أى جمعناهم جمعا تاما كاملا لا يشذ عنه أحد، ~~ولا يفلت منه مخلوق، كما قال - سبحانه - # قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات ~~يوم معلوم # هذا، وهنا مسألة تكلم عنها العلماء، وهى وقت خروج يأجوج ومأجوج. فمنهم ~~من يرى أنه لا مانع من أن يكونوا قد خرجوا، بدليل ما جاء فى الحديث ~~الصحيح من أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال # " ويل للعرب من شر قد اقترب. فتح اليوم من سد يأجوج ومأجوج مثل هذا، ~~وحلق أى بين أصابعه ". # ولأن الآيات الكريمة تقول # فإذا جآء وعد ربي جعله دكآء.. # ووعد الله لا مانع من أن يكون قد أتى. قال الشيخ القاسمى " والغالب أن ~~المراد بخروجهم هذا خروج المغول التتار. وهم من نسل يأجوج ومأجوج - وهو ~~الغزو الذى حصل منهم للأمم فى القرن السابع الهجرى. وناهيك بما فعلوه إذ ~~ذاك فى الأرض من فساد.. ". وقال الشيخ المراغى عند تفسير قوله - تعالى - # وكان وعد ربي حقا # وقد جاء وعده - تعالى - بخروج جنكيز خان وسلائله فعاثوا فى الأرض ~~فسادا.. وأزالوا معالم الخلافة من بغداد... وقال صاحب الظلال " وبعد، ~~فمن يأجوج ومأجوج؟ وأين هم الآن؟ وماذا كان من أمرهم وماذا سيكون؟ كل هذه ~~أسئلة تصعب الإجابة عليها على وجه ms3390 التحقيق، فنحن لا نعرف عنهم إلا ما ~~ورد فى القرآن، وفى بعض الأثر الصحيح. والقرآن يذكر فى هذا الموضع ما ~~حكاه من قول ذى القرنين # فإذا جآء وعد ربي جعله دكآء وكان وعد ربي ~~حقا # وهذا النص لا يحدد زمانا ووعد الله بمعنى وعده بدك السد، ربما يكون قد ~~جاء منذ أن هجم التتار وانساحوا فى الأرض. ودمروا الممالك تدميرا. وفى ~~موضع آخر من سورة الأنبياء # حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ~~ينسلون واقترب الوعد الحق # وهذا النص - أيضا - لا يحدد زمانا معينا لخروجهم، فاقتراب الوعد الحق، ~~بمعنى اقتراب الساعة قد وقع منذ زمن الرسول صلى الله عليه وسلم فقد جاء ~~فى القرآن # اقتربت الساعة وانشق القمر # والزمان فى الحساب الإلهى غيره فى حساب البشر، فقد تمر بين اقتراب ~~الساعة ووقوعها ملايين السنين أو القرون. # وإذا فمن الجائز أن يكون السد قد فتح ما بين { اقتربت الساعة } ، ويومنا ~~هذا. وتكون غارات المغول والتتار التى اجتاحت الشرق، هى انسياح يأجوج ~~ومأجوج.. وكل ما نقوله ترجيح لا يقين. هذه بعض حجج القائلين بأنه لا مانع ~~من أن يكون يأجوج ومأجوج قد خرجوا. وهناك فريق آخر من العلماء، يرون أن ~~يأجوج ومأجوج لم يخرجوا بعد، وأن خروجهم إنما يكون قرب قيام الساعة. ومن ~~العلماء الذين أيدوا ذلك صاحب أضواء البيان، فقد قال - رحمه الله - ما ~~ملخصه اعلم أن هذه الآية # فإذا جآء وعد ربي جعله دكآء # وآية الأنبياء # حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج # قد دلتا فى الجملة على أن السد الذى بناه ذو القرنين، دون يأجوج ومأجوج، ~~إنما يجعله الله دكا عند مجئ الوقت الموعود بذلك فيه. وقد دلتا على أنه ~~بقرب يوم القيامة.. لأن المراد بيومئذ فى قوله { وتركنا بعضهم ~~يومئذ يموج في بعض } أنه يوم مجئ وعد ربى بخروجهم وانتشارهم ~~فى الأرض. وآية الأنبياء تدل فى الجملة على ما ذكرنا هنا. وذلك يدل على ~~بطلان قول من قال إنهم " روسيا " وأن السد فتح منذ زمن طويل. والاقتراب ~~الذى ms3391 جاء فى قوله - تعالى - # اقتربت الساعة # وفى الحديث # " ويل للعرب من شر قد اقترب " # لا يستلزم اقترانه من دك السد، بل يصح اقترابه مع مهلة. وهذه الآيات لا ~~يتم الاستدلال بها على أن يأجوج ومأجوج لم يخرجوا بعد - إلا بضميمة ~~الأحاديث النبوية لها. ومن ذلك ما رواه الإمام مسلم فى صحيحه فى ذلك، ~~وفيه خروج الدجال وبعث عيسى، وقتله للدجال.. ثم يبعث الله يأجوج ومأجوج ~~وهم من كل حدب ينسلون. فينحاز عيسى ومن معه من المؤمنين إلى الطور.. ثم ~~يرسل الله على يأجوج ومأجوج النغف فى رقابهم فيموتون. وهذا الحديث الصحيح ~~قد رأيت فيه تصريح النبى صلى الله عليه وسلم بأن الله يوحى إلى عيسى ابن ~~مريم بخروج يأجوج ومأجوج بعد قتله الدجال فمن يدعى أنهم " روسيا " وأن ~~السد قد اندك منذ زمان، فهو مخالف لما أخبر به النبى صلى الله عليه وسلم ~~مخالفة صريحة لا وجه لها، ولا شك أن كل خبر يخالف الصادق المصدوق صلى ~~الله عليه وسلم فهو باطل، لأن نقيض الخبر الصادق. كاذب ضرورة كما هو ~~معلوم. ولم يثبت فى كتاب الله ولا فى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم شئ ~~يعارض هذا الحديث الذى رأيت صحة سنده، ووضوح دلالته على المقصود.. ". ~~والذى يبدو لنا أن ما ذهب إليه صاحب أضواء البيان، أقرب إلى الحق والصواب ~~للأسباب التى ذكرها، ولقرينة تذييل الآيات التى تحدثت عن يأجوج ومأجوج عن ~~أهوال يوم القيامة. ففى سورة الكهف يقول الله - تعالى - فى أعقاب الحديث ~~عنهم { وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ ~~في الصور فجمعناهم جمعا }. # وفى سورة الأنبياء يقول الله - تعالى - # حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ~~ينسلون واقترب الوعد الحق.. # وفضلا عن كل ذلك فإن الحديث الذى رواه الإمام مسلم عنهم، صريح فى أن ~~خروجهم سيكون من علامات الساعة، والله - تعالى - أعلم. ثم بين - سبحانه - ~~ما أعده للكافرين من عذاب يوم القيامة فقال # وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا الذين ~~كانت أعينهم في غطآء عن ذكري ms3392 وكانوا لا ~~يستطيعون سمعا # وقوله { وعرضنا }.. أى أظهرنا وأبرزنا يقال عرض القائد جنده إذا أظهرهم ~~ليشاهدهم الناس. أى جمعنا الخلائق يوم البعث والنشور جمعا تاما كاملا. ~~وأبرزنا وأظهرنا جهنم فى هذا اليوم للكافرين إبرازا هائلا فظيعا، حيث ~~يرونها ويشاهدونها بدون لبس أو خفاء، فيصيبهم ما يصيبهم من رعب وفزع عند ~~مشاهدتها. وتخصيص العرب بهم، مع أن غيرهم - أيضا - يراها، لأنها ما عرضت ~~إلا من أجلهم، ومن أجل أمثالهم ممن فسقوا عن أمر ربهم. ويرى بعضهم أن ~~اللام فى { للكافرين } بمعنى على، لأن العرض يتعدى بها، قال - تعالى - # ويوم يعرض الذين كفروا على النار.. # وقال - سبحانه - # النار يعرضون عليها غدوا وعشيا... # ثم وصفهم - سبحانه - بما يدل على استحقاقهم دخول النار فقال { الذين ~~كانت أعينهم في غطآء عن ذكري }. أى أبرز جهنم فى هذا ~~اليوم العصيب للكافرين الذين كانت أعينهم فى الدنيا فى { غطاء } كثيف ~~وغشاوة غليظة، { عن ذكرى } أى عن الانتفاع بالآيات التى تذكرهم بالحق، ~~وتهديهم إلى الرشاد، بسبب استحواذ الشيطان عليهم. وفى التعبير بقوله { ~~غطاء } إشعار بأن الحائل والساتر الذى حجب أعينهم عن الإبصار، كان حائلا ~~شديدا، إذ الغطاء هو ما يغطى الشئ ويستره من جميع جوانبه. والمراد بالذكر ~~القرآن الكريم، أو ما يشمله ويشمل كل ما فى الكون من آيات يؤدى التفكر ~~فيها إلى الإيمان بالله - تعالى -. وقوله { وكانوا لا ~~يستطيعون سمعا } صفة أخرى من صفاتهم الذميمة، أى وكانوا فى ~~الدنيا - أيضا - لا يستطيعون سمعا للحق أو الهدى، بسبب إصرارهم على ~~الباطل، وإيغالهم فى الضلال والعناد، بخلاف الأصم فإنه قد يستطيع السماع ~~إذا صيح به. قال الآلوسى فالجملة الكريمة نفى لسماعهم على أتم وجه، ولذا ~~عدل عن وكانوا صما مع أنه أخصر، لأن المراد أنهم مع ذلك كفاقدى السمع ~~بالكلية وهو مبالغة فى تصوير إعراضهم عن سماع ما يرشدهم إلى ما ينفعهم ~~بعد تصوير تعاميهم عن الآيات المشاهدة بالأبصار... ثم يعقب - سبحانه - ~~على هذا الوعيد الشديد للكافرين، بالتهكم اللاذع لهم فيقول { أفحسب ~~الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني ms3393 أوليآء ~~}. # فالاستفهام للإنكار والتوبيخ. والحسبان بمعنى الظن. والمراد بعبادى هنا ~~الملائكة وعيسى وعزير ومن يشبههم من عباد الله الصالحين، إذ مثل هذه ~~الاضافة تكون غالبا للتشريف والتكريم. وفى الآية الكريمة حذف دل عليه ~~المقام. والتقدير أفحسب الذين كفروا بى أن يتخذوا عبادى الصالحين آلهة ~~يستنصرون بهم من دونى، أو يعبدونهم من دونى، ثم لا أعذبهم - أى هؤلاء ~~الكافرين بى - على هذا الاتخاذ الشديد الشناعة. إن كان هؤلاء الكافرون بى ~~يحسبون ذلك، فقد ضلوا ضلالا بعيدا، فإنى لا بد أن أعذبهم على كفرهم ~~وشركهم. أو التقدير أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادى من دونى أولياء، ~~لكى يشفعوا لهم يوم القيامة؟ كلا لن يشفعوا لهم بل سيتبرأون منهم، كما ~~قال - سبحانه - # كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا # ثم بين - سبحانه - ضلال هذا الحسبان الباطل فقال { إنآ أعتدنا ~~جهنم للكافرين نزلا }. والنزل ما يقدم للضيف عند نزوله، ~~والقادم عند قدومه، على سبيل التكريم والترحيب. أى إنا أعتدنا جنهم ~~لهؤلاء الكافرين بى، المتخذين عبادى من دونى أولياء، لتكون معدة لهم عند ~~قدومهم تكريما لهم. فالجملة الكريمة مسوقة على سبيل التهكم بهم، والتقريع ~~لهم، لأن جهنم ليست نزل إكرام للقادم عليها، بل هى عذاب مهين له. وشبيه ~~بهذه الجملة قوله - تعالى - # فبشرهم بعذاب أليم # وقوله # وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه # ويجوز أن يكون النزل بمعنى المنزل، أى إنا هيأنا جهنم للكافرين لتكون ~~مكانا وحيدا لنزولهم فيها، إذ ليس لهم منزل سواها. ثم يأمر الله - تعالى ~~- نبيه صلى الله عليه وسلم فى أواخر السورة الكريمة، بأن يبين للناس من ~~هم الأخسرون أعمالا، ومن هم الأسوأ عاقبة فيقول { قل هل ننبئكم ~~بالأخسرين أعمالا... }. ### || [18.103-106] # أى قل - أيها الرسول الكريم لهؤلاء الكافرين الذين أعجبتهم أعمالهم ~~وتصرفاتهم الباطلة. قل لهم ألا تريدون أن أخبركم خبرا هاما، كله الصدق ~~والحق، وأعرفكم عن طريقه من هم الأخسرون أعمالا فى الدنيا والآخرة؟ وجاء ~~هذا الإخبار فى صورة الاستفهام لزيادة التهكم بهم، وللفت أنظارهم إلى ما ~~سيلقى عليهم. والأخسرون جمع أخسر، ms3394 صيغة تفضيل من الخسران، وأصله نقص مال ~~التاجر. والمراد به هنا خسران أعمالهم وضياعها بسبب إصرارهم على كفرهم. ~~وجمع الأعمال، للإشعار بتنوعها، وشمول الخسران لجميع أنواعها. وقوله - ~~سبحانه - { الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم ~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا }. جواب عن السؤال الذى ~~اشتملت عليه الآية السابقة وهى { قل هل ننبئكم.. }. فكأنه قيل ~~نبئنا عن هؤلاء الأخسرين أعمالا؟ فكان الجواب هم { الذين ضل ~~سعيهم } أى بطل وضاع بالكلية سعيهم وعملهم فى هذه الحياة الدنيا ~~بسبب إصرارهم على كفرهم وشركهم، فالجملة الكريمة خبر لمبتدأ محذوف. وقوله ~~{ وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا } أى والحال أنهم ~~يظنون أنهم يقدمون الأعمال الحسنة التى تنفعهم. فالجملة الكريمة حال من ~~فاعل { ضل } أى ضل وبطل سعيهم، والحال أنهم يظنون العكس. كما قال - تعالى ~~- # أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا # وهذا هو الجهل المركب بعينه، لأن الذى يعمل السوء ويعلم أنه سوء قد ترجى ~~استقامته. أما الذى يعمل السوء ويظنه عملا حسنا فهذا هو الضلال المبين. ~~والتحقيق أن المراد بالأخسرين أعمالا هنا ما يشمل المشركين واليهود ~~والنصارى، وغيرهم ممن يعتقدون أن كفرهم وضلالهم صواب وحق. وقوله - سبحانه ~~- { أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه ~~فحبطت أعمالهم }. كلام مستأنف لزيادة التعريف بهؤلاء الأخسرين ~~أعمالا، ولبيان سوء مصيرهم. أى أولئك الذين كفروا بآيات ربهم الدالة على ~~وحدانيته وقدرته وكفروا بالبعث والحشر والحساب وما يتبع ذلك من ثواب ~~وعقاب، فكانت نتيجة هذا الكفر أن { حبطت أعمالهم } أى فسدت وبطلت. وأصل ~~الحبوط انتفاخ بطن الدابة بسبب امتلائها بالغذاء الفاسد الذى يؤدى إلى ~~هلاكها. والتعبير بالحبوط هنا فى أعلى درجات البلاغة، لأن هؤلاء الكافرين ~~ملأوا صحائف أعمالهم بالأقوال والأفعال القبيحة التى ظنوها حسنة، فترتب ~~على ذلك هلاكهم وسوء مصيرهم. وقوله { فلا نقيم لهم يوم ~~القيامة وزنا } تصريح بهوانهم والاستخفاف بهم، واحتقار شأنهم. أى ~~فلا نلتفت إليهم يوم القيامة، ولا نعبأ بهم احتقارا لهم، بل نزدريهم ولا ~~نقيم لهم ولا لأعمالهم وزنا، لأنهم لا توجد لهم أعمال صالحة توضع فى ~~ميزانهم، كما قال ms3395 تعالى - # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # وفى الصحيحين من حديث أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إنه ليأتى الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح ~~بعوضة " # وقال # " اقرأوا إن شئتم قوله تعالى - { فلا نقيم لهم يوم ~~القيامة وزنا } ". # ثم ختم - سبحانه - الآيات الكريمة ببيان مآل أمرهم فقال { ذلك ~~جزآؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي ~~هزوا }. فاسم الإشارة " ذلك " مشار به إلى عقابهم السابق المتمثل فى ~~حبوط أعمالهم واحتقار شأنهم. وهو خبر لمبتدأ محذوف. أى أمرهم وشأنهم ذلك ~~الذى بيناه سابقا. وقوله { جزاؤهم جهنم } جملة مفسرة لاسم الإشارة لا ~~محل لها من الإعراب أو هو جملة مستقلة برأسها مكونة من مبتدأ وخبر. ~~وقوله { بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا } ~~بيان للأسباب التى جعلتهم وقودا لجهنم. أى أن مصيرهم إلى جهنم بسبب كفرهم ~~بكل ما يجب الإيمان به، وبسبب اتخاذهم آيات الله الدالة على وحدانيته، ~~وبسبب اتخاذهم رسله الذين أرسلهم لهدايتهم، محل استهزاء وسخرية. فهم لم ~~يكتفوا بالكفر بل أضافوا إلى ذلك السخرية بآيات الله - تعالى - ~~والاستهزاء بالرسل الكرام - عليهم الصلاة والسلام -. ثم أتبع - سبحانه - ~~هذا الوعيد الشديد للكافرين، بالوعد الحسن للمؤمنين فقال - تعالى - { ~~إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم ~~جنات الفردوس نزلا... }. ### || [18.107-108] # وجنات الفردوس هى أفضل الجنات وأعلاها. ولفظ الفردوس لفظ عربى ويجمع على ~~فراديس، ومنه قولهم صدر مفردس، أى واسع. قال الآلوسى ما ملخصه عن مجاهد ~~أن الفردوس هو البستان بالرومية، وعن عكرمة أن الفردوس هو الجنة ~~بالحبشية. ونص الفراء على أن هذا اللفظ عربى ومعناه البستان الذى فيه ~~كرم. وقال المبرد هى - أى كلمة الفردوس - فيما سمعت من العرب الشجر ~~الملتف والأغلب عليه العنب. وأخرج الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال # " إذا سألتم الله - تعالى - فأسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلى ~~الجنة، وفوقه عرش الرحمن. ومنه تفجر أنهار الجنة ". # والمعنى إن الذين آمنوا بالله - تعالى - وبكل ما يجب الإيمان ms3396 به، ~~وعملوا الأعمال الصالحات بإخلاص واتباع لما جاء به الصادق المصدوق صلى ~~الله عليه وسلم كانت لهم عند الله - تعالى - جنات الفردوس، التى هى أفضل ~~الجنات وأرفعها درجة { نزلا } أى هدية تقدم لهم منه يوم القيامة، ومكانا ~~ينزلون به تكريما وتشريفا لهم. { خالدين فيها } خلودا أبديا، حالة كونهم ~~{ لا يبغون عنها حولا } أى لا يطلبون تحولا أو انتقالا منها ~~إلى مكان آخر، لكونها أطيب المنازل وأعلاها. وفى قوله - تعالى - { لا ~~يبغون عنها حولا } لفتة دقيقة عميقة للإجابة على ما يعترى ~~النفس البشرية من حب للانتقال والتحول من مكان إلى مكان، ومن حال إلى ~~حال. فكأنه - سبحانه - يقول إن ما جبلت عليه النفوس فى الدنيا من حب ~~للتحول والتنقل. قد زال وانتهى بحلولها فى الآخرة فى الجنة، فالنفس ~~الإنسانية عندما تستقر فى الجنة - ولا سيما جنة الفردوس - لا تريد تحولا ~~أو انتقالا عنها، لأنها المكان الذى لا تشتاق النفوس إلى سواه، لأنها تجد ~~فيه ما تشتهيه وما تبتغيه، نسأل الله - تعالى - أن يرزقنا جميعا جنات ~~الفردوس. وكما افتتح - سبحانه - السورة الكريمة بالثناء على ذاته، ختمها ~~- أيضا - بالثناء والحمد، فقد أثبت - عز وجل - أن علمه شامل لكل شئ. وأن ~~قدرته نافذة على كل شئ، وأنه - تعالى - هو المستحق للعبادة والطاعة، فقال ~~{ قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد ~~البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا ~~بمثله مددا... }. ### || [18.109-110] # والمراد بالبحر جنسه، والمداد فى الأصل اسم لكل ما يمد به الشئ، واختص ~~فى العرف لما تمد به الدواة من الحبر. والمراد بكلمات ربى علمه وحكمته ~~وكلماته التى يصرف بها هذا الكون. وقوله { لنفد البحر } أى لفنى وفرغ ~~وانتهى. يقال نفد الشئ ينفد نفادا، إذا فنى وذهب، ومنه قولهم أنفد فلان ~~الشئ واستنفده، أى أفناه. والمعنى قل - أيها الرسول الكريم - للناس لو ~~كان ماء البحر مدادا للأقلام التى تكتب بها كلمات ربى ومعلوماته ~~وأحكامه.. لنفد ماء البحر ولم يبق منه شئ - مع سعته وغزارته - قبل أن ~~تنفد كلمات ربى، وذلك لأن ماء ms3397 البحر ينقص وينتهى أما كلمات الله - تعالى ~~- فلا تنقص ولا تنتهى. وقوله - سبحانه - { ولو جئنا بمثله ~~مددا } زيادة فى المبالغة وفى التأكيد لما قبله من شمول علم الله - ~~تعالى - لكل شئ، وعدم تناهيه. أى وبعد نفاد ماء البحر السابق، لو جئنا ~~بماء بحر آخر مثله فى السعة والغزارة، وكتبنا به كلمات الله - تعالى - ~~لنفد - أيضا - ماء البحر الثانى دون أن تنفد كلمات ربى. فالآية الكريمة ~~تصور شمول علم الله - تعالى - لكل شئ، وعدم تناهى كلماته، تصويرا ~~بديعا، يقرب إلى العقل البشرى بصورة محسوسة كمال علم الله - تعالى - ~~وعدم تناهيه. قال الآلوسى وقوله { ولو جئنا بمثله مددا } ~~هذا كلام من جهته - تعالى شأنه - غير داخل فى الكلام الملقن، جئ به ~~لتحقيق مضمونه، وتصديق مدلوله على أتم وجه. والواو لعطف الجملة على ~~نظيرتها المستأنفة المقابلة لها المحذوفة لدلالة ما ذكر عليها دلالة ~~واضحة أى لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته - تعالى - لو لم نجئ بمثله ~~مددا، ولو جئنا بمثله مددا - لنفد أيضا -. وقال بعض العلماء وهذا من ~~باب تقريب المعنى إلى الأذهان، لأن هذه الأشياء مخلوقة، وجميع المخلوقات ~~منقضية منتهية، وأما كلام الله - تعالى - فهو من جملة صفاته، وصفاته غير ~~مخلوقة ولا لها حد ولا منتهى، فأى سعة وعظمة تصورتها القلوب، فالله - ~~تعالى - فوق ذلك، وهكذا سائر صفات الله - سبحانه - كعلمه وحكمته وقدرته ~~ورحمته. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر ~~يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات ~~الله إن الله عزيز حكيم # ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بأمر آخر منه - تعالى - لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم فقال { قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى ~~إلي أنمآ إلهكم إله واحد }. أى قل - أيها الرسول ~~الكريم - للناس، مبينا لهم حقيقة أمرك، بعد أن بينت لهم عدم تناهى كلمات ~~ربك. # قل لهم إنما أنا بشر مثلكم أوجدنى الله - تعالى - بقدرته من أب وأم كما ~~أوجدكم. وينتهى نسبى ونسبكم إلى آدم الذى خلقه الله - تعالى - من تراب. ~~ولكن الله ms3398 - عز وجل - اختصنى بوحيه وبرسالته - وهو أعلم حيث يجعل رسالته ~~- وأمرنى أن أبلغكم أن إلهكم وخالقكم ورازقكم ومميتكم، هو إله واحد لا ~~شريك له لا فى ذاته، ولا فى أسمائه، ولا فى صفاته. فعليكم أن تخلصوا له ~~العبادة والطاعة، وأن تستجيبوا لما آمركم به، ولما أنهاكم عنه، فإنى مبلغ ~~عنه ما كلفنى به. فالآية الكريمة وإن كانت تثبت للرسول صلى الله عليه ~~وسلم صفة البشرية وتنفى عنه أن يكون ملكا أو غير بشر.. إلا أنها تثبت له ~~- أيضا - أن الله - تعالى - قد فضله على غيره من البشر بالوحى إليه، ~~وبتكليفه بتبليغ ما أمره الله - تعالى - بتبليغه للعالمين. كما قال - ~~سبحانه - # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # وكما قال - عز وجل - # قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله ولا أعلم ~~الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما ~~يوحى إلي # ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتلك الجملة الجامعة لكل خير فقال { ~~فمن كان يرجوا لقآء ربه فليعمل عملا صالحا ~~ولا يشرك بعبادة ربه أحدا }. أى قل - أيها الرسول ~~الكريم - للناس إنما أنا واحد مثلكم فى البشرية إلا أن الله - تعالى - قد ~~خصنى واصطفانى عليكم برسالته ووحيه، وأمرنى أن أبلغكم أن إلهكم إله واحد. ~~فمن كان منكم يرجو لقاء الله - تعالى - ويأمل فى ثوابه ورؤية وجهه ~~الكريم، والظفر بجنته ورضاه، فليعمل عملا صالحا، بأن يكون هذا العمل ~~خالصا لوجه الله - تعالى - ومطابقا لما جئت به من عنده - عز وجل - ولا ~~يشرك بعبادة ربه أحدا من خلقه سواء أكان هذا المخلوق نبيا أم ملكا أم ~~غير ذلك من خلقه - تعالى -. وقد حمل بعض العلماء الشرك هنا على الرياء فى ~~العمل، فيكون المعنى " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا، ولا ~~يرائى الناس فى عمله، لأن العمل الذى يصاحبه الرياء هو نوع من أنواع ~~الشرك بالله تعالى ". والذى يبدو لنا أن حمل الشرك هنا على ظاهره أولى، ~~بحيث يشمل الإشراك الجلى كعبادة غير الله - تعالى - والإشراك الخفى ~~كالرياء وما يشبهه. أى ولا ms3399 يعبد ربه رياء وسمعة، ولا يصرف شيئا من حقوق ~~خالقه لأحد من خلقه، لأنه - سبحانه - يقول # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما ~~عظيما # وقد ساق الإمام ابن كثير جملة من الأحاديث عند تفسيره لقوله - تعالى - ~~{ فمن كان يرجوا لقآء ربه فليعمل عملا صالحا ~~ولا يشرك بعبادة ربه أحدا }. ومن هذه الأحاديث ما ~~رواه ابن أبى حاتم، من حديث معمر، عن عبد الكريم الجزرى، عن طاووس قال ~~قال رجل يا رسول الله، إنى أقف المواقف أريد وجه الله، وأحب أن يرى ~~موطنى، فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا حتى نزلت هذه ~~الآية { فمن كان يرجوا لقآء ربه فليعمل عملا ~~صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا }. ### | [19 - سورة مريم] ### || [19.1-6] # سورة مريم من السور القرآنية التى افتتحت ببعض حروف التهجى. وقد سبق أن ~~تكلمنا بشىء من التفصيل، عن آراء العلماء فى المراد بهذه الحروف التى ~~افتتحت بها بعض السور، وذلك عند تفسيرنا لسور البقرة، وآل عمران، ~~والأعراف، ويونس.. ورجحنا أن هذه الحروف المقطعة، قد وردت فى افتتاح بعض ~~سور القرآن، على سبيل الإيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن. فكأن الله - ~~تعالى - يقول لأولئك المعارضين فى أن القرآن من عند الله - تعالى -، هاكم ~~القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون به كلامكم، ومنظوما من ~~حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم، فإن كنتم فى شك ~~من كونه منزلا من عند الله فهاتوا مثله. أو عشر سور من مثله، بل بسورة ~~واحدة من مثله، وادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك... فلما ~~عجزوا - وهم أهل الفصاحة والبيان - ثبت أن غيرهم أعجز، وأن هذا القرآن من ~~عند الله # ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا # وقوله - تعالى - { ذكر رحمة ربك عبده زكريآ } خبر ~~لمبتدأ محذوف. أى المتلو عليك ذكر رحمة ربك عبده زكريا. ولفظ { ذكر } ~~مصدر مضاف لمفعوله. ms3400 ولفظ { رحمة } مصدر مضاف لفاعله وهو ربك، و { ~~عبده } مفعول به للمصدر الذى هو رحمة. و { زكريآ } هو واحد من ~~أنبياء الله الكرام، وينتهى نسبه إلى يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - عليه ~~السلام -. والمعنى هذا الذى نذكره لك يا محمد، هو جانب من قصة عبدنا ~~زكريا، وطرف من مظاهر الرحمة التى اختصصناه بها، ومنحناه إياها. وقوله { ~~إذ نادى ربه ندآء خفيا } ظرف لرحمة ربك. والمراد بالنداء ~~الدعاء الذى تضرع به زكريا إلى ربه - عز وجل -. أى هذا الذى قرأناه عليك ~~يا محمد فى أول هذه السورة، وذكرناه لك، هو جانب من رحمتنا لعبدنا زكريا. ~~وقت أن نادانا وتضرع إلينا فى خفاء وستر، ملتمسا منا الذرية الصالحة. ~~وإنما أخفى زكريا دعاءه، لأن هذا الإخفاء فيه بعد عن الرياء، وقرب من ~~الإخلاص، وقد أمر الله - تعالى - به فى قوله # ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب ~~المعتدين # ويبدو أن هذا الدعاء قد تضرع به زكريا إلى ربه فى أوقات تردده على مريم، ~~واطلاعه على ما أعطاها الله - تعالى - من رزق وفير. ويشهد لذلك قوله - ~~تعالى - # فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا ~~حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا ~~المحراب وجد عندها رزقا قال يمريم أنى لك ~~هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من ~~يشآء بغير حساب هنالك دعا زكريا ربه قال ~~رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع ~~الدعآء # ثم بين - سبحانه - ما نادى به زكريا ربه فقال { قال رب إني ~~وهن العظم مني... } والوهن الضعف. يقال وهن الجسم يهن - من باب ~~وعد - إذا ضعف. وخص العظم بالذكر، لأنه دعامة البدن، وعماد الجسم، وبه ~~قوامه، فإذ ضعف كان غيره من أجزاء الجسم أضعف. وإفراد لفظ العظم لإرادة ~~الجنس. { واشتعل الرأس شيبا } والمراد باشتعال الرأس شيبا ~~انتشار بياض الشيب فيه. والألف واللام فى لفظ { الرأس } قاما مقام ~~المضاف إليه. والمراد واشتعل رأسى شيبا، وهذا يدل على تقدم السن، كما ~~يشهد له قوله - تعالى - # وقد بلغت من الكبر عتيا ms3401 # وقوله - عز وجل - # وقد بلغني الكبر.. # قال صاحب الكشاف " شبه الشيب بشواظ النار فى بياضه وإنارته وانتشاره فى ~~الشعر... باشتعال النار، ثم أخرجه مخرج الاستعارة، ثم أسند الاشتعال إلى ~~مكان الشعر ومنبته وهو الرأس، وأخرج الشيب مميزا ولم يضف إلى الرأس ~~اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا، فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها ~~بالبلاغة... ". وقوله { ولم أكن بدعآئك رب شقيا } أى ~~ولم أكن فيما مضى من عمرى مخيب الدعاء وإنما تعودت منك يا إلهى إجابة ~~دعائى، وما دام الأمر كذلك فأجب دعائى فى الزمان الآتى من عمرى، كما ~~أجبته فى الزمان الماضى منه. فأنت ترى أن زكريا - عليه السلام - قد أظهر ~~فى دعائه أسمى ألوان الأدب مع خالقه، حيث توسل إليه - سبحانه - بضعف ~~بدنه، وبتقدم سنه، وبما عوده إياه من إجابة دعائه فى الماضى. ثم حكى - ~~سبحانه - بعض الأسباب الأخرى لإلحاح زكريا فى الدعاء فقال { وإني ~~خفت الموالي من ورآئي وكانت امرأتي عاقرا فهب ~~لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب.. }. ~~والموالى جمع مولى، والمراد بهم هنا عصبته وأبناء عمومته الذين يلون أمره ~~بعد موته، وكان لا يثق فيهم لسوء سلوكهم. والعاقر العقيم الذى لا يلد، ~~ويطلق على الرجل والمرأة، يقال أمراة عاقر، ورجل عاقر. أى وإنى - يا إلهى ~~- قد خفت ما يفعله أقاربى { من ورآئي } أى من بعد موتى، من تضييع ~~لأمور الدين، ومن عدم القيام بحقه { وكانت امرأتي عاقرا } لا ~~تلد قط فى شبابها ولا فى غير شبابها، { فهب لي من لدنك } أى من ~~عندك { وليا } أى ولدا من صلبى، هذا الولد { يرثني } فى العلم ~~والنبوة { ويرث } أيضا { من آل يعقوب } ابن إسحاق بن إبراهيم ~~العلم والنبوة والصفات الحميدة { واجعله } يا رب { رضيا } أى ~~مرضيا عندك فى أقواله وأفعاله وسائر تصرفاته. ففى هاتين الآيتين نرى ~~زكريا يجتهد فى الدعاء بأن يرزقه الله الولد، لا من أجل شهوة دنيوية، ~~وإنما من أجل مصلحة الدين والخوف من تضييعه وتبديله والحرص على من ريثه ~~فى علمه ونبوته، ويكون ms3402 مرضيا عنده - عز وجل -. # قال الآلوسى ما ملخصه " وقوله { من ورآئي } المراد به من بعد موتى، ~~والجار والمجرور متعلق بمحذوف ينساق إليه الذهن أى خفت فعل الموالى من ~~ورائي أو جور الموالى. وهم عصبة الرجل... وكانوا على سائر الأقوال شرار ~~بنى إسرائيل، فخاف أن لا يحسنوا خلافته فى أمته ". وفى قوله { فهب لي ~~من لدنك وليا } اعتراف عميق بقدرة الله - تعالى - لأن مثل هذا ~~العطاء لا يرجى إلا منه - عز وجل -، بعد أن تقدمت بزكريا السن، وبعد أن ~~عهد من زوجه العقم وعدم الولادة. وقد أشار - سبحانه - فى آية أخرى إلى ~~أنه أزال عنها العقم وأصلحها للولادة فقال # وزكريآ إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت ~~خير الوارثين فاستجبنا له ووهبنا له يحيى ~~وأصلحنا له زوجه... # أى وجعلناها صالحة للولادة بعد أن كانت عقيما من حين شبابها إلى ~~شيبها.. والمراد بالوراثة فى قوله { يرثني } وراثة العلم والنبوة ~~والصفات الحميدة. قال الإمام ابن كثير ما ملخصه " وقوله { وإني ~~خفت الموالي من ورآئي } قرأ الأكثرون بنصب الياء من الموالى ~~على أنه مفعول، وعن الكسائى أنه سكن الياء.. ووجه خوفه أنه خشى أن ~~يتصرفوا من بعده فى الناس تصرفا سيئا. فسأل الله ولدا يكون نبيا من ~~بعده ليسوسهم بنبوته.. لا أنه خشى من وراثتهم له ماله. فإن النبى أعظم ~~منزلة وأجل قدرا من أن يشفق على ماله إلى هذا الحد، وأن يأنف من وراثة ~~عصبته له، ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم. وقد ثبت فى الصحيحين ~~من غير وجه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال # " لا نورث ما تركنا صدقة " # وفى رواية عند الترمذى بإسناد صحيح # " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ". # وعلى هذا فتعين حمل قوله { فهب لي من لدنك وليا يرثني ~~} على ميراث النبوة ولهذا قال { ويرث من آل يعقوب } كقوله # وورث سليمان داوود # أى فى النبوة، إذ لو كان فى المال لما خصه من بين إخوته بذلك، ولما كان ~~فى الإخبار بذلك كبير فائدة، إذ من ms3403 المعلوم المستقر فى جميع الشرائع ~~والملل، أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها، وكل هذا ~~يقرره ويثبته ما صح فى الحديث # " نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة ". # وقال بعض العلماء ما ملخصه ومعنى { يرثني } أى إرث علم ونبوة، ودعوة ~~إلى الله والقيام بدينه، لا إرث مال، ويدل لذلك أمران أحدهما قوله { ~~ويرث من آل يعقوب } ومعلوم أن آل يعقوب انقرضوا من زمان، فلا ~~يورث عنهم إلا العلم والنبوة والدين. # والأمر الثانى ما جاء من الأدلة أن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم ~~- لا يورث عنهم المال، وإنما يورث عنهم العلم والدين، فمن ذلك ما أخرجه ~~الشيخان عن أبى بكر الصديق أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال # " لا نورث ما تركنا صدقة ". # ثم بين القرآن الكريم أن الله - تعالى - قد أجاب بفضله وكرمه دعاء عبده ~~زكريا. كما بين ما قاله زكريا عندما بشره ربه بغلام اسمه يحيى فقال - ~~تعالى - { يزكريآ إنا نبشرك بغلام.... }. ### || [19.7-11] # قال القرطبى قوله - تعالى - { يزكريآ } فى الكلام حذف، أى فاستجاب ~~الله دعاءه فقال { يزكريآ إنا نبشرك بغلام اسمه ~~يحيى... } فتضمنت هذه البشارة ثلاثة أشياء أحدها إجابة دعائه وهى ~~كرامة. الثانى إعطاؤه الولد وهو قوة. الثالث أن يفرد بتسميته... ". وقد ~~بين - سبحانه - فى آيات أخرى أن الذى بشر زكريا هو بعض الملائكة، وأن ذلك ~~كان وهو قائم يصلى فى المحراب، قال - تعالى - # فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب ~~أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من ~~الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين # وقوله - سبحانه - { اسمه يحيى } يدل على أن هذه التسمية قد سماها ~~الله - تعالى - ليحيى، ولم يكل تسميته لزكريا أو لغيره، وهذا لون من ~~التشريف والتكريم. وقوله - تعالى - { لم نجعل له من قبل ~~سميا } أى لم نجعل أحدا من قبل مشاركا له فى هذا الاسم، بل هو أول ~~من تسمى بهذا الاسم الجميل. قال بعض العلماء " وقول من قال إن معناه لم ~~نجعل له من قبل سميا، أى نظيرا ms3404 يساويه فى السمو والرفعة غير صواب، لأنه ~~ليس بأفضل من إبراهيم ونوح وموسى فالقول الأول هو الصواب، وممن قال به ~~ابن عباس، وقتادة، والسدى، وابن أسلم وغيرهم... ". ثم حكى - سبحانه - بعد ~~ذلك ما قاله زكريا بعد هذه البشارة السارة. فقال - تعالى - { قال رب ~~أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد ~~بلغت من الكبر عتيا }. فالجملة الكريمة استئناف مبنى على ~~سؤال تقديره فماذا قال زكريا عندما بشره الله - تعالى - بيحيى؟ ولفظ { ~~أنى } بمعنى كيف. أو بمعنى من أين. أى قال زكريا مخاطبا ربه بعد أن ~~بشره بابنه يحيى يا رب كيف يكون لى غلام، وحال امرأتى أنها كانت عاقرا ~~فى شبابها وفى شيخوختها، وحالى أنا أننى قد بلغت من الكبر عتيا، أى قد ~~تقدمت فى السن تقدما كبيرا يقال عتى الشيخ يعتو عتيا - بكسر العين ~~وضمها - إذا بلغ النهاية فى الكبر. قال ابن جرير " قوله { وقد ~~بلغت من الكبر عتيا } يقول وقد عتوت من الكبر فصرت نحيل ~~العظام يابسها، يقال منه للعود اليابس عات وعاس. وقد عتا يعتو عتوا ~~وعتيا... وكل متناه فى كبر أو فساد أو كفر فهو عات... ". فإن قيل " ما ~~المراد باستفهام زكريا - عليه السلام - مع علمه بقدرة الله - تعالى - على ~~كل شىء؟ فالجواب أن استفهامه إنما هو على سبيل الاستعلام والاستخبار، ~~لأنه لم يكن يعلم أن الله - تعالى - سيرزقه بيحيى عن طريق زوجته العاقر، ~~أو عن طريق الزواج بامرأة أخرى، فاستفهم عن الحقيقة ليعرفها. # ويصح أن يكون المقصود بالاستفهام التعجب والسرور بهذا الأمر العجيب حيث ~~رزقه الله الولد مع تقدم سنه وسن زوجته. ويجوز أن يكون المقصود ~~بالاستفهام الاستبعاد لما جرت به العادة من أن يأتى الغلام مع تقدم سنه ~~وسن زوجته. وليس المقصود به استحالة ذلك على قدرة الله - تعالى - لأنه - ~~سبحانه - لا يعجزه شىء. ثم حكى - سبحانه - ما رد به على استفهام زكريا ~~فقال { قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد ~~خلقتك من قبل ولم تك شيئا }. وقوله { كذلك } خبر ~~لمبتدأ محذوف، أى ms3405 الأمر كذلك. قال الآلوسى وذلك إشارة إلى قول زكريا - ~~عليه السلام - وجملة { هو علي هين } مفعول { قال } الثانى ~~وجملة " الأمر كذلك " مع جملة { قال ربك } إلخ مفعول { قال } ~~الأول... ". والمعنى قال الله - تعالى - مجيبا على استفهام زكريا، الأمر ~~كما ذكرت يا زكريا من كون امرأتك عاقرا، وأنت قد بلغت من الكبر عتيا، ~~ولكن ذلك لا يحول بيننا وبين تنفيذ إرادتنا فى منحك هذا الغلام، فإن ~~قدرتنا لا يعجزها شىء، ولا تخضع لما جرت به العادات. وهذا الأمر وهو ~~إيجاد الولد منك ومن زوجتك هذه لا من غيرها { هو علي هين } أى ~~يسير سهل. ثم ذكر له - سبحانه - ما هو أعجب مما سأل عنه فقال { وقد ~~خلقتك من قبل ولم تك شيئا }. أى لا تعجب يا زكريا من أن ~~يأتيك غلام وأنت وزوجك بتلك الحالة، فإنى أنا الله الذى أوجدتك من العدم، ~~ومن أوجدك من العدم، فهو قادر على أن يرزقك بهذا الغلام المذكور. فالآية ~~الكريمة قد ساقت بطريق منطقى برهانى، ما يدل على كمال قدرة الله - تعالى ~~- وما يزيد فى اطمئنان قلب زكريا - عليه السلام -. ثم حكى - سبحانه - بعد ~~ذلك ما التمسه زكريا - عليه السلام - من خالقه فقال { قال رب اجعل ~~لي آية... }. أى اجعل لى علامة أستدل بها على وقوع ما بشرتنى به، ~~لأزداد سرورا واطمئنانا. ولأعرف الوقت الذى تحمل فيه امرأتى بهذا ~~الغلام فأكثر من شكرك وذكرك. فأجابه الله - تعالى - بقوله { قال ~~آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا }. أى قال ~~الله - تعالى - لعبده زكريا يا زكريا. علامة وقوع ما بشرتك به، أنك تجد ~~نفسك عاجزا عن أن تكلم الناس بلسانك، لمدة ثلاث ليال بأيامهن حال كونك ~~سوى الخلق، سليم الحواس ليس بك من خرس، أو بكم ولكنك ممنوع من الكلام ~~بأمرنا وقدرتنا على سبيل خرق العادة. # فقوله { سويا } حال من فاعل " تكلم " وهو زكريا أى حال كونك يا ~~زكريا سوى الخلق، سليم الجوارح، لا علة تمنعك من ذلك سوى قدرتنا. ثم بين ~~- سبحانه - ما كان من زكريا ms3406 بعد ذلك فقال { فخرج على قومه ~~من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة ~~وعشيا }. والمحراب المصلى، أو الغرفة التى كان يجلس فيها فى بيت ~~المقدس، أو هو المسجد، فقد كانت مساجدهم تسمى المحاريب. لأنها الأماكن ~~التى تحارب فيها الشياطين. أى فخرج زكريا - عليه السلام - على قومه من ~~المكان الذى كان يصلى فيه، { فأوحى إليهم } أى فأشار إليهم أو ~~كتب لهم دون أن ينطق بلسانه { أن سبحوا } الله - تعالى - وقدسوه { ~~بكرة } أى فى أوائل النهار { وعشيا } أى فى أواخره. وقد ذكر - ~~سبحانه - فى آية أخرى، ما يشير إلى أن هذا المحراب الذى خرج منه زكريا - ~~عليه السلام - على قومه. هو ذلك المكان الذى بشره الله - تعالى - فيه ~~بيحيى. قال - تعالى - # فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب ~~أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من ~~الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا بأسلوبها البليغ جانبا من رحمة ~~الله - تعالى - بعبده زكريا، ومن الدعوات التى تضرع بها إلى خالقه - عز ~~وجل -، وأن الله - تعالى - قد أجاب له دعاءه، وبشره بيحيى، وعرفه ~~بالعلامة التى بها يعرف وقوع ما بشره به، زيادة فى اطمئنانه وسروره. ثم ~~انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن يحيى، فبينت ما أمره الله - تعالى ~~به، وما منحه من صفات فاضلة. فقال - تعالى - { ييحيى... }. ### || [19.12-15] # وقوله - سبحانه - { ييحيى خذ الكتاب بقوة } مقول لقول ~~محذوف، والسر فى حذفه المسارعة إلى الإخبار بإنجاز الوعد الكريم. ~~والتقدير وبعد أن ولد يحيى، ونما وترعرع قلنا له عن طريق وحينا { ~~ييحيى خذ الكتاب } الذى هو التوراة { بقوة } أى بجد ~~واجتهاد، وتفهم لمعناه على الوجه الصحيح، وتطبيق ما اشتمل عليه من أحكام ~~وآداب، فإن بركة العلم فى العمل به. والجار والمجرور { بقوة } حال ~~من فاعل خذ وهو يحيى، والباء للملابسة أى خذه حالة كونك ملتبسا بحفظه ~~وتنفيذ أحكامه بشدة وثبات. وقوله { وآتيناه الحكم صبيا } أى ~~وأعطيناه بقدرتنا وفضلنا { الحكم } أى فهم الكتاب والعمل بأحكامه، ~~وهو فى سن الصبا. قيل كان سنه ثلاث ms3407 سنين، وقيل سبع سنين. قال الآلوسى " ~~أخرج أبو نعيم، وابن مردويه، والديلمى، عن ابن عباس، عن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال فى ذلك # " أعطى الفهم والعبادة وهو ابن سبع سنين ". # وقال الجمل فى حاشيته " فإن قلت كيف يصح حصول العقل والفطنة والنبوة حال ~~الصبا؟. قلت لأن أصل النبوة مبنى على خرق العادات. إذا ثبت هذا. فلا تمنع ~~صيروة الصبى نبيا. وقيل أراد بالحكم فهم الكتاب فقرأ التوراة وهو صغير... ~~والذى تطمئن إليه النفس وعليه جمهور المفسرين أن المراد بالحكم هنا العلم ~~النافع مع العمل به، وذلك عن طريق حفظ التوراة وفهمها وتطبيق أحكامها. ~~قال ابن كثير { وآتيناه الحكم صبيا } أى الفهم والعلم والجد ~~والعزم، والإقبال على الخير، والإكباب عليه، والاجتهاد فيه، وهو صغير ~~حدث. قال عبد الله بن المبارك قال معمر قال الصبيان ليحيى بن زكريا اذهب ~~بنا نلعب، فقال ما للعب خلقنا. قال فلهذا أنزل الله { وآتيناه ~~الحكم صبيا }. وقوله - تعالى - { وحنانا من لدنا ~~وزكاة وكان تقيا } معطوف على { الحكم }. أى وأعطيناه ~~الحكم صبيا، وأعطيناه حنانا... قال القرطبى ما ملخصه " الحنان، الشفقة ~~والرحمة والمحبة، وهو فعل من أفعال النفس... وأصله من حنان الناقة على ~~ولدها... قال طرفة # أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشر أهون من بعض # والمعنى منحنا { ييحيى } الحكم صبيا، ومنحناه من عندنا وحدنا رحمة ~~عظيمة عليه، ورحمة فى قلبه جعلته يعطف على غيره، وأعطيناه كذلك زكاة أى ~~طهارة فى النفس، أبعدته عن ارتكاب ما نهى الله عنه، وجعلته سباقا لفعل ~~الخير { وكان تقيا } أى مطيعا لنا فى كل ما نأمره به، أو ننهاه ~~عنه. ثم أضاف - سبحانه - إلى تلك الصفات الكريمة ليحيى صفات أخرى فقال { ~~وبرا بوالديه } أى وجعلناه كثير البر بوالديه، والإحسان ~~إليهما. { ولم يكن جبارا } أى مستكبرا متعاليا مغرورا { ~~عصيا } أى ولم يكن ذا معصية ومخالفة لأمر ربه. # ثم ختم - سبحانه - هذه الصفات ببيان العاقبة الحسنة التى ادخرها ليحيى - ~~عليه السلام - فقال { وسلام عليه يوم ولد } أى وتحية وأمان ~~له منا ms3408 يوم ولادته { ويوم يموت } ويفارق هذه الدنيا { ويوم ~~يبعث حيا } للحساب يوم القيامة. وخص - سبحانه - هذه الأوقات ~~الثلاثة بالذكر، لأنها أحوج إلى الرعاية من غيرها. قال سفيان بن عيينة ~~أحوج ما يكون المرء فى ثلاثة مواطن يوم يولد فيرى نفسه خارجا مما كان ~~فيه. ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم. ويوم يبعث فيرى نفسه فى محشر ~~عظيم. وبعد هذا الحديث عن جانب من قصة زكريا ويحيى - عليهما السلام -، ~~انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن قصة أخرى أعجب من قصة ميلاد يحيى، ~~ألا وهى قصة مريم وميلادها لابنها عيسى - عليه السلام - فقال - تعالى - { ~~واذكر في الكتاب... }. ### || [19.16-21] # قال ابن كثير " لما ذكر الله تعالى - قصة زكريا - عليه السلام - وأنه ~~أوجد منه فى حال كبره وعقم زوجته ولدا زكيا طاهرا مباركا، وعطف بذكر ~~قصة مريم، فى إيجاده ولدها عيسى - عليه السلام - منها من غير أب. وهى ~~مريم ابنة عمران - من سلالة داود - عليه السلام - وكانت من بيت طاهر فى ~~بنى إسرائيل... ونشأت نشأة عظيمة، فكانت إحدى العابدات الناسكات... وكانت ~~فى كفالة زوج أختها زكريا - عليه السلام - ورأى لها من الكرامات الهائلة ~~ما بهره... ". والمعنى { واذكر } - أيها الرسول الكريم - { في ~~الكتاب } أى فى هذه السورة الكريمة، أو فى القرآن الكريم، خبر مريم ~~وقصتها { إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا } أى وقت أن ~~تنحت عنهم واعتزلتهم فى مكان يلى الناحية الشرقية من بيت المقدس، أو من ~~بيتها الذى كانت تسكنه. وفى التعبير بقوله - تعالى - { إذ انتبذت ~~من أهلها } إشارة إلى شدة عزلتها عن أهلها إذ النبذ معناه الطرح ~~والرمى، فكأنها ألقت بنفسها فى هذا المكان لتتخلى للعبادة والطاعة، ~~والتقرب إلى الله - تعالى - بصالح الأعمال. قال القرطبى واختلف الناس لم ~~انتبذت؟ فقال السدى انتبذت لتطهر من حيض أو نفاس. وقال غيره لتعبد الله ~~وهذا حسن. وذلك أن مريم كانت وقفا على سدانة المعبد وخدمته والعبادة فيه، ~~فتنحت من الناس لذلك، ودخلت فى المسجد إلى جانب المحراب فى شرقيه لتخلو ~~للعبادة.. فقوله { مكانا شرقيا } أى ms3409 مكانا من جانب الشرق. والشرق ~~- بسكون الراء - المكان الذى تشرق فيه الشمس. والشرق - بفتح الراء - ~~الشمس. وإنما خص المكان بالشرق، لأنهم كانوا يعظمون جهة المشرق، حيث تطلع ~~الأنوار... ". وقوله { فاتخذت من دونهم حجابا } تأكيد ~~لانتباذها من أهلها، واعتزالها إياهم. أى اذكر وقت أن اعتزلت أهلها. فى ~~مكان يلى شرق بيت المقدس، فاتخذت بينها وبينهم حجابا وساترا للتفرغ ~~لعبادة ربها. ثم بين - سبحانه - ما أكرمها به فى حال خلوتها فقال { ~~فأرسلنآ إليهآ روحنا فتمثل لها بشرا سويا }. ~~أى فأرسلنا إليها روحنا وهو جبريل - عليه السلام - فتشبه لها فى صورة بشر ~~سوى معتدل الهيئة، كامل البنية، كأحسن ما يكون الإنسان. يقال رجل سوى، ~~إذا كان تام الخلقة عظيم الخلق، لا يعيبه فى شأن من شئونه إفراد أو ~~تفريط. والإضافة فى قوله { روحنا } للتشريف والتكريم، وسمى جبريل - ~~عليه السلام - روحا لمشابهة الروح الحقيقية فى أن كلا منهما مادة الحياة ~~للبشر. فجبريل من حيث ما يحمل من الرسالة ألإلهية تحيا به القلوب، والروح ~~تحيا به الأجسام. # وإنما تمثل لها جبريل - عليه السلام - فى صورة بشرى سوى، لتستأنس ~~بكلامه، وتتلقى منه ما يلقى إليها من كلماته، ولو بدا لها فى صورته التى ~~خلقه الله - تعالى - عليها. لنفرت منه، ولم تستطع مكالمته. وقوله { ~~بشرا سويا } حالان من ضمير الفاعل فى قوله { فتمثل لها }. ~~ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما دار بين مريم وبين جبريل من حوار ونقاش ~~فقال { قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت ~~تقيا }. أى " قالت لجبريل - عليه السلام - الذى تمثل لها فى صورة بشر ~~سوى إنى أعوذ وألتجىء إلى الرحمن منك، إن كنت ممن يتقى الله ويخشاه. وخصت ~~الرحمن بالذكر، لتثير مشاعر التقوى فى نفسه، إذ من شأن الإنسان التقى أن ~~ينتفض وجدانه عند ذكر الرحمن، وأن يرجع عن كل سوء يخطر بباله. وجواب هذا ~~الشرط محذوف، أى إن كنت تقيا، فابتعد عنى واتركنى فى خلوتى لأتفرغ لعبادة ~~الله - تعالى -. وبهذا القول الذى حكاه القرآن عن مريم. تكون قد جمعت بين ~~الاعتصام بربها، ms3410 وبين تخويف من تخاطبه وترهيبه من عذاب الله. إن سولت له ~~نفسه إرادتها بسوء. كما أن قولها هذا، يدل على أنها قد بلغت أسمى درجات ~~العفة والطهر والبعد عن الريبة، فهى تقول له هذا القول، وهى تراه بشرا ~~سويا، وفى مكان بمعزل عن الناس... وهنا يجيبها جبريل - كما حكى القرآن ~~عنه - بقوله { قال إنمآ أنا رسول ربك لأهب لك ~~غلاما زكيا }. أى قال لها جبريل ليدخل السكون والاطمئنان على ~~قلبها إنما أنا يا مريم رسول ربك الذى استعذت به، والتجأت إليه، فلا ~~تخافى ولا تجزعى وقد أرسلنى - سبحانه - إليك، لأهب لك بإذنه وقدرته ~~غلاما زكيا، أى ولدا طاهرا من الذنوب والمعاصى، كثير الخير والبركات. ~~ونسب الهبة لنفسه، لكونه سببا فيها. وقرأ نافع وأبو عمرو ليهب لك بالياء ~~المفتوحة بعد اللام أى ليهب لك ربك غلاما زكيا. وهنا تزداد حيرة مريم، ~~ويشتد عجبها فتقول { أنى يكون لي غلام ولم يمسسني ~~بشر ولم أك بغيا }. أى قالت على سبيل التعجب مما سمعته كيف ~~يكون لى غلام، والحال أنى لم يمسنى بشر من الرجال عن طريق الزواج الذى ~~أحله الله - تعالى -، ولم أك فى يوم من الأيام بغيا، أى فاجرة تبغى ~~الرجال. أو يبغونها للزنا بها. يقال بغت المرأة تبغى إذا فجرت وتجاوزت ~~حدود الشرف والعفاف. قال صاحب الكشاف جعل المس عبارة عن النكاح الحلال، ~~لأنه كناية عنه. كقوله - تعالى - # من قبل أن تمسوهن # والزنا ليس كذلك، إنما يقال فيه فجر بها وخبث بها وما أشبه ذلك، وليس ~~بقمن أن تراعى فيه الكنايات والآداب. # والبغى الفاجرة التى تبغى الرجال... ". وعلى هذا الرأى الذى ذهب إليه ~~صاحب الكشاف، يكون ما حكاه القرآن عن مريم من قولها { ولم يمسسني ~~بشر... } المقصود به النكاح الحلال. ويرى آخرون أن المقصود به ما يشمل ~~الحلال والحرام، أى ولم يمسسنى بشر كائنا من كان لا بنكاح ولا بزنى، ~~ويكون قوله { ولم أك بغيا } من باب التخصيص بعد التعميم، ويؤيد ~~هذا الرأى قوله - تعالى - # قالت رب أنى يكون لي ولد ms3411 ولم يمسسني بشر ~~قال كذلك الله يخلق ما يشآء إذا قضى أمرا ~~فإنما يقول له كن فيكون # ويؤيده أيضا أن لفظ { بشر } نكرة فى سياق النفى فيعم كل بشر سواء ~~أكان زوجا أم غير زوج. قال القرطبى قوله { ولم أك بغيا } أى ~~زانية. وذكرت هذا تأكيدا لأن قولها { ولم يمسسني بشر } يشمل ~~الحلا والحرام... وقال الجمل فى حاشيته ما ملخصه وإنما تعجبت مما بشرها ~~به جبريل لأنها عرفت بالعادة أن الولادة لا تكون إلا بعد الاتصال برجل. ~~فليس فى قولها هذا دلالة على أنها لم تعلم أنه - تعالى - قادر على خلق ~~الولد ابتداء. كيف وقد عرفت أن أبا البشر قد خلقه الله - تعالى - من غير ~~اب أو أم... ". وقوله - تعالى - # قال كذلك قال ربك هو علي هين... # رد من جبريل عليها. أى قال الأمر كذلك أى كما ذكرت من أن بشرا لم يمسسك ~~ومن أنك لم تكونى فى يوم من الأيام بغيا. أو الأمر كذلك من أنى أرسلنى ~~ربك لأهب لك غلاما زكيا من غير أن يكون له أب. وقوله { قال ربك ~~هو علي هين } بيان لمظهر من مظاهر قدرة الله - تعالى - التى لا ~~يعجزها شىء، أى { قال ربك هو } أى خلق ولدك من غير أب { علي ~~هين } أى سهل يسير لأن قدرتنا لا يعجزها شىء. وقوله - سبحانه - { ~~ولنجعله آية للناس } تعليل لمعلل محذوف، أى ولنجعل وجود ~~الغلام منك من غير أن يمسك بشر { آية } عظيمة، وأمرا عجيبا يدل دلالة ~~واضحة على قدرتنا، أمام الناس جميعا، فإن قدرتنا لا يعجزها ذلك، كما لا ~~يعجزها أن توجد بشرا من غير أب وأم كما فعلنا مع آدم. أو من غير أم كما ~~فعلنا مع حواء، أو من أب وأم كما فعلنا مع سائر البشر. وقوله { ~~ورحمة منا } معطوف على ما قبله، أى ولنجعل هذا الغلام الذى ~~وهبناه لك من غير أب رحمة عظيمة منا لمن آمن به، واتبع دعوته. { وكان ~~} وجود هذا الغلام منك على هذه الكيفية { أمرا مقضيا } أى ~~مقدرا فى ms3412 الأزل مسطورا فى اللوح المحفوظ، ولا بد من وقوعه بدون تغيير ~~أو تبديل. وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة، قد حكت لنا جانبا من حالة ~~مريم ومن الحوار الذى جرى بينها وبين جبريل - عليه السلام - الذى تمثل ~~لها فى صورة بشر سوى. ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن مشهد آخر ~~من مشاهد تلك القصة العجيبة، حكت فيها حالتها عند حملها بعيسى، وعندما ~~جاءها المخاض. فقال - تعالى - { فحملته فانتبذت... }. ### || [19.22-26] # قال ابن كثير رحمه الله يقول - تعالى - مخبرا عن مريم، أنها لما قال ~~لها جبريل عن الله - تعالى - ما قال أنها استسلمت لقضائه - تعالى -، فذكر ~~غير واحد من علماء السلف، أن الملك وهو جبريل - عليه السلام - عند ذلك ~~نفخ فى جيب درعها، فنزلت النفخة حتى ولجت فى الفرج، فحملت بالولد بإذن ~~الله - تعالى -... والمشهور عن الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر. قال ~~عكرمة ثمانية أشهر. وعن ابن عباس أنه قال لم يكن إلا أن حملت فوضعت، وهذا ~~غريب، وكأنه مأخوذ من ظاهر قوله - تعالى - { فحملته فانتبذت ~~به مكانا قصيا فأجآءها المخاض إلى جذع ~~النخلة }. فالفاء وإن كانت للتعقيب، لكن تعقيب كل شىء بحسبه. ~~فالمشهور الظاهر - والله على كل شىء قدير - أنها حملت به كما تحمل النساء ~~بأولادهن... ". والفاء فى قوله - تعالى - { فحملته.. } هى الفصيحة ~~أى وبعد أن قال جبريل لمريم إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا... ~~نفخ فيها فحملته، أى عيسى، فانتبذت به، أى فتنحت به وهو فى بطنها { ~~مكانا قصيا } أى إلى مكان بعيد عن المكان الذى يسكنه أهلها. يقال ~~قصى فلان عن فلان قصوا وقصوا، إذا بعد عنه. ويقال فلان بمكان ~~قصى، أى بعيد. وجمهور العلماء علىأن هذا المكان القصى، كان بيت لحم ~~بفلسطين. قال ابن عباس أقصى الوادى، وهو وادى بيت لحم، فرارا من قومها ~~أن يعيروها بولادتها من غير زوج ". ثم حكى - سبحانه - ما اعتراها من حزن ~~عندما أحست بقرب الولادة فقال { فأجآءها المخاض إلى جذع ~~النخلة قالت يليتني مت قبل هذا وكنت نسيا ~~منسيا ms3413 }. وقوله { فأجآءها } أى فألجأها، يقال أجأته إلى كذا، ~~بمعنى ألجأته واضطرته إليه. ويقال جاء فلان. وأجاءه غيره، إذا حمله على ~~المجىء، ومنه قول الشاعر # وجار سار معتمدا علينا أجاءته المخافة والرجاء # قال صاحب الكشاف " أجاء منقول من جاء، إلا أن استعماله قد تغير بعد ~~النقل إلى معنى الإلجاء. ألا تراك تقول جئت المكان وأجاءنيه زيد، كما ~~تقول بلغته وأبلغنيه.. ". والمخاض وجع الولادة. يقال مخضت المرأة - بكسر ~~الخاء - تمخض - بفتحها - إذا دنا وقت ولادتها مأخوذ من المخض، وهو الحركة ~~الشديدة، وسمى بذلك لشدة تحرك الجنين فى بطن الأم عند قرب خروجه. وجذع ~~النخلة ساقها الذى تقوم عليه. أى وبعد أن حملت مريم بعيسى، وابتعدت به - ~~وهو محمول فى بطنها - عن قومها، وحان وقت ولادتها. ألجأها المخاض إلى جذع ~~النخلة لنتكىء عليه عند الولادة... فاعتراها فى تلك الساعة ما اعتراها من ~~هم وحزن وقالت { يليتني مت قبل هذا } الحمل والمخاض الذى ~~حل بى { وكنت نسيا منسيا } أى وكنت شيئا منسيا متروكا، لا ~~يهتم به أحد، وكل شىء نسى وترك ولم يطلب فهو نسى ونسي. # قال القرطبى " والنسى فى كلام العرب الشىء الحقير الذى من شأنه أن ~~ينسى ولا يتألم لفقده كالوتد، والحبل للمسافر، وقرىء { نسيا } بكسر ~~النون وهما لغتان مثل الوتر والوتر... ". قال الآلوسى ما ملخصه " وإنما ~~قالت ذلك مع أنها كانت تعلم ما جرى بينها وبين جبريل من الوعد الكريم، ~~استحياء من الناس، وخوفا من لائمتهم، أو حذرا من وقوع الناس فى المعصية ~~بسبب كلامهم فى شأنها. وتمنى الموت لمثل ذلك لا كراهة فيه - لأنه يتعلق ~~بأمر دينى - نعم يكره أن يتمنى المرء الموت لأمر دنيوى كمرض أو فقر.. ففى ~~صحيح مسلم، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " لا يتمنين أحدكم الموت لضرر نزل به، فإن كان لا بد متمنيا فليقل الله ~~أحينى ما كانت الحياة خيرا لى، وتوفنى إذا كانت الوفاة خيرا لى ". # ومن ظن أن تمنى مريم الموت كان لشدة الوجع فقد اساء الظن. ثم ذكر - ~~سبحانه - جانبا ms3414 من إكرامه لمريم فى تلك الساعات العصيبة من حياتها فقال ~~{ فناداها من تحتهآ ألا تحزني قد جعل ربك ~~تحتك سريا وهزى إليك بجذع النخلة تساقط ~~عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا... }. ~~والذى ناداها يرى بعضهم أنه جبريل - عليه السلام -. وقوله { من ~~تحتهآ } فيه قراءتان سبعيتان إحداهما بكسر الميم فى لفظ { من } على ~~أنه حرف جر، وخفض تاء { تحتهآ } على أنه مجرور بحرف الجر والفاعل ~~محذوف أى فناداها جبريل من مكان تحتها، أى أسفل منها... والثانية بفتح فى ~~لفظ { من } على أنه اسم موصول، فاعل نادى وبفتح التاء فى { تحتهآ } ~~على الظرفية، أى فنادها الذى هو تحتها، وهو جبريل - عليه السلام -. قال ~~القرطبى قوله - تعالى - { فناداها من تحتهآ }. قال ابن عباس ~~المراد بمن تحتها جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها... ففى هذا لها ~~آية وأمارة أن هذا من الأمور الخارقة للعادة، التى لله - تعالى - فيها ~~مراد عظيم ". ويرى بعض المفسرين أن المنادى هو عيسى - عليه السلام - ~~فيكون المعنى فناداها ابنها عيسى الذى كان عندما وضعته موجودا تحتها. ~~وقد رجح الإمام ابن جرير هذا الرأى فقال " وأولى القولين فى ذلك عندنا ~~قول من قال الذى ناداها ابنها عيسى، وذلك أنه من كناية - أى ضمير - ذكره ~~أقرب منه من ذكر جبريل، فرده على الذى هو أقرب إليه أولى من رده على الذى ~~هو أبعد منه، ألا ترى أنه فى سياق قوله - تعالى - { فحملته ~~فانتبذت به مكانا قصيا. # . } ثم قيل فناداها نسقا على ذلك، ولعلة أخرى وهى قوله # فأشارت إليه.. # ولم تشر إليه - إن شاء الله - إلا وقد علمت أنه ناطق فى حاله تلك... ". ~~ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن جرير من كون الذى نادى مريم هو ابنها عيسى، ~~أقرب إلى الصواب، لأن هذا النداء منه لها فى تلك الساعة، فيه ما فيه من ~~إدخال الطمأنينة والسكينة على قلبها. أى فناداها ابنها عيسى الذى كان ~~أسفل منها عندما وضعته. مطمئنا إياها بعد أن قالت يا ليتنى مت قبل هذا ~~الذى ms3415 حدث لى... ناداها بقوله { ألا تحزني } يا أماه { قد جعل ~~ربك تحتك سريا } أى جدولا صغيرا من الماء، لتأخذى منه ما ~~أنت فى حاجة إليه، وسمى النهر الصغير من الماء سريا، لأن الماء يسرى فيه. ~~وقيل المراد بالسرى عيسى - عليه السلام - مأخوذ من السرو بمعنى الرفعة ~~والشرف. يقال سرو الرجل يسرو - كشرف يشرف - فهو سرى، إذا علا قدره ~~وعظم أمره ومنه قول الشاعر # لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا # أى قد جعل ربك تحتك يا مريم إنسانا رفيع القدر، وهو ابنك عيسى، والجلمة ~~الكريمة تعليل لانتفاء الحزن المفهوم من النهى بقوله { ألا تحزني ~~} قال بعض العلماء ما ملخصه " وأظهر القولين عندى أن السرى فى الآية ~~النهر الصغير لأمرين أحدهما القرينة من القرآن، لأن قوله بعد ذلك { ~~فكلي واشربي } قرينة على أن ذلك المأكول والمشروب هو ما تقدم ~~الامتنان به فى قوله { قد جعل ربك تحتك سريا }. الثانى ~~ما جاء عن ابن عمر من أنه سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول # " إن السرى الذى قال الله لمريم { قد جعل ربك تحتك ~~سريا } نهر أخرجه الله لها لتشرب منه ". # فهذا الحديث - وإن كانت طرقه لا يخلو شىء منها من ضعف - أقرب إلى الصواب ~~من دعوى أن السرى عيسى بغير دليل يجب الرجوع إليه ". وقوله - سبحانه - { ~~وهزى إليك بجذع النخلة }. معطوف على ما قاله عيسى لأمه ~~مريم. والباء فى قوله { بجذع } مزيدة للتوكيد، لأن فعل الهز يتعدى ~~بنفسه. أى وحركى نحوك أو جهة اليمين أو الشمال جذع النخلة { تساقط ~~عليك رطبا } وهو ما نضج واستوى من الثمر { جنيا } أى صالحا ~~للأخذ والاجتناء { فكلي } من ذلك الرطب { واشربي } من ذلك السرى، ~~{ وقري عينا } أى طيبى نفسا بوجودى تحتك، واطردى عنك الأحزان. ~~يقال قرت عين فلان، إذا رأت ما كانت متشوقة إلى رؤيته. مأخوذ من القرار ~~بمعنى الاستقرار والسكون، لأن العين إذا رأت ما تحبه سكنت إليه، ولم تنظر ~~إلى غيره. # وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة، ms3416 أن مباشرة الأسباب فى طلب الرزق ~~أمر واجب وأن ذلك لا ينافى التوكل على الله، لأن المؤمن يتعاطى الأسباب ~~امتثالا لأمر ربه مع علمه ويقينه أنه لا يقع فى ملكه - سبحانه - إلا ما ~~يشاؤه ويريده. وهنا قد أمر الله - تعالى - مريم - على لسان مولودها - بأن ~~تهز النخلة ليتساقط لها الرطب، مع قدرته - سبحانه - على إنزال الرطب ~~إليها من غير هز أو تحريك، ورحم الله القائل # ألم تر أن الله قال لمريم وهزى إليك الجذع يساقط الرطب ولو شاء أن ~~تجنيه من غير هزه جنته، ولكن كل شىء له سبب # كما أخذوا منها أن خير ما تأكله المرأة بعد ولادتها الرطب، قالوا لأنه ~~لو كان شىء أحسن للنفساء من الرطب لأطعمه الله - تعالى لمريم. وقوله - ~~سبحانه - { فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني ~~نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا } ~~حكاية منه - تعالى - لبقية كلام عيسى لأمه. ولفظ { إما } مركب من إن ~~الشرطية، و ما المزيدة لتوكيد الشرط و { ترين } فعل الشرط، وجوابه { ~~فقولي } وبين هذا الجواب وشرطه كلام محذوف يرشد إليه السياق. والمعنى ~~أن عيسى - عليه السلام - قال لأمه لا تحزنى يا أماه بسبب وجودى بدون أب، ~~وقرى عينا، وطيبى نفسا لذلك، فإما ترين من البشر أحدا كائنا من كان ~~فسألك عن أمرى وشأنى فقولى له { إني نذرت للرحمن صوما ~~} أى صمتا عن الكلام { فلن أكلم اليوم إنسيا } لا فى شأن ~~هذا المولود ولا فى شأن غيره، وإنما سأترك الكلام لابنى ليشرح لكم حقيقة ~~أمره. قالوا إنما منعت من الكلام لأمرين أحدهما ان يكون عيسى هو المتكلم ~~عنها ليكون أقوى لحجتها فى إزالة التهمة عنها، وفى هذا دلالة على تفويض ~~الكلام إلى الأفضل. والثانى " كراهة مجادلة السفهاء، وفيه أن السكوت عن ~~السفيه واجب، ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافها ". وبذلك نرى أن هذه ~~الآيات الكريمة قد حكت لنا بأسلوبها البليغ الحكيم ما فعلته مريم عندما ~~شعرت بالحمل وما قالته عندما أحست بقرب الولادة، وما قاله لها مولودها ~~عيسى من ms3417 كلام جميل طيب، لإدخال الطمأنينة على قلبها. ثم انتقلت السورة ~~الكريمة إلى الحديث عن مشهد آخر من مشاهد تلك القصة العجيبة مشهد مريم ~~عندما جاءت بوليدها إلى قومها، وما قالوه لها، وما قاله وليدها لهم... ~~استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى ذلك فيقول { فأتت به ~~قومها... }. ### || [19.27-33] # وقوله - سبحانه - { فأتت به قومها تحمله... } معطوف على ~~كلام محذوف يفهم من سياق القصة. والتقدير وبعد أن استمعت مريم إلى ما ~~قاله ابنها عيسى - عليه السلام - اطمأنت نفسها، وقرت عينها، فأتت به أى ~~بمولودها عيسى إلى قومها. وهى تحمله معها من المكان القصى الذى اعتزلت ~~فيه قومها. قال الآلوسى أى جاءتهم مع ولدها حاملة إياه، على أن الباء ~~للمصاحبة، وجملة { تحمله } فى موضع الحال من ضمير مريم... وكان هذا ~~المجىء على ما أخرج سعيد بن منصور، وابن عساكر عن ابن عباس بعد أربعين ~~يوما حين طهرت من نفاسها... وظاهر الآية والأخبار " أنها جاءتهم به من ~~غير طلب منهم.. ". ثم حكى - سبحانه - ما قاله قومها عندما رأوها ومعها ~~وليدها فقال { يمريم لقد جئت شيئا فريا }. أى قالوا ~~لها على سبيل الإنكار يا مريم لقد جئت أى فعلت شيئا منكرا عجيبا فى ~~بابه، حيث أتيت بولد من غير زوج نعرفه لك. والفرى مأخوذ من فريت الجلد ~~إذا قطعته، أى شيئا قاطعا وخارقا للعادة، ومرادهم أنها أتت بولدها عن ~~طريق غير شرعى، كما قال - تعالى - فى آية أخرى # وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما # ويدل على أن مرادهم هذا، قولهم بعد ذلك { يأخت هارون ما كان ~~أبوك امرأ سوء }. أى ما كان أبوك رجلا زانيا أو معروفا ~~بالفحش { وما كانت أمك بغيا } أى تتعاطى الزنا. يقال بغت ~~المرأة، إذا فجرت وابتعدت عن طريق الطهر والعفاف. وليس المراد بهارون ~~هارون بن عمران أخا موسى، وإنما المراد به رجل من قومها معروف بالصلاح ~~والتقوى، فشبهت به، أى يا أخت هارون فى الصلاح والتقوى. أو المراد به أخ ~~لها كان يسمى بهذا الاسم. قال الآلوسى ما ملخصه " وقوله { يأخت ms3418 ~~هارون } استئناف لتجديد التعيير، وتأكيد التوبيخ، وليس المراد بهارون ~~أخا موسى بن عمران - عليهما السلام - لما أخرج أحمد، ومسلم، والترمذى، ~~والنسائى، والطبرانى، وابن حبان، وغيرهم عن المغيرة بن شعبة قال بعثنى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل نجران فقالوا أرأيت ما تقرأون ~~{ يأخت هارون } وموسى قبل عيسى بكذا وكذا. قال فرجعت فذكرت ذلك ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال # " ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم ". # وعن قتادة قال " هو رجل صالح فى بنى إسرائيل، والأخت على هذا بمعنى ~~المشابهة، وشبهوها به تهكما، أو لما رأوا قبل من صلاحها... ". وعلى أية ~~حال فإن مرادهم بقولهم هذا، هو اتهام مريم بما هى بريئة منه، والتعجب من ~~حالها، حيث انحدرت من أصول صالحة طاهرة، ومع ذلك لم تنهج نهجهم. # وهنا نجد مريم تبدأ فى الدفاع عن نفسها، عن طريق وليدها { فأشارت ~~إليه }. أى فأشارت إلى ابنها عيسى، ولسان حالها يقول لهم وجهوا ~~كلامكم إليه فإنه سيخبركم بحقيقة الأمر. ولكنهم لم يقتنعوا بإشارتها بل ~~قالوا لها { كيف نكلم من كان في المهد صبيا }. ~~والمهد اسم للمضطجع الذى يهيأ للصبى فى رضاعه. وهو فى الأصل مصدر مهده ~~يمهده إذا بسطه وسواه. أى كيف نكلم طفلا صغيرا ما زال فى مهده وفى حال ~~رضاعه. والفعل الماضى وهو { كان } ههنا بمعنى الفعل المضارع المقترن ~~بالحال، كما يدل عليه سياق القصة. ولكن عيسى - عليه السلام - أنطقه الله ~~- تعالى - بما يدل على صدق مريم وطهارتها فقال { قال إني عبد ~~الله.. } أى قال عيسى فى رده على المنكرين على أمه إتيانها به إنى عبد ~~الله، خلقنى بقدرته، فأنا عبده وأنتم - أيضا - عبيده، وهذا الخالق ~~العظيم { آتاني الكتاب } أى سبق فى قضائه إيتائى الكتاب أى ~~الإنجيل أو التوراة أو مجموعهما. وعبر فى هذه الجملة وفيما بعدها بالفعل ~~الماضى عما سيقع فى المستقبل، تنزيلا لتحقق الوقوع منزلة الوقوع الفعلى. ~~وهذا التعبير له نظائر كثيرة فى القرآن الكريم، منها قوله - تعالى - # أتى أمر الله فلا تستعجلوه # وقوله - سبحانه ms3419 - # ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في ~~الأرض إلا من شآء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا ~~هم قيام ينظرون # وقوله { وجعلني نبيا } أدعو الناس إلى عبادته وحده { ~~وجعلني } أيضا بجانب نبوتى { مباركا } أى كثير الخير والبركة { ~~أين ما كنت } أى حينما حللت جعلنى مباركا، فأينما شرطية وجوابها ~~محذوف لدلالة ما قبله عليه. { وأوصاني بالصلاة والزكاة } ~~أى بالمحافظة على أدائهما { ما دمت حيا } فى هذه الدنيا. وقوله { ~~وبرا بوالدتي } ، أى وجعلنى كذلك مطيعا والدتى، وبارا بها، ~~ومحسنا إليها، { ولم يجعلني } سبحانه - فضلا منه وكرما { ~~جبارا شقيا } أى ولم يجعلنى مغرروا متكبرا مرتكبا للمعاصى ~~والموبقات. { والسلام } والأمان منه - تعالى - { علي يوم ~~ولدت ويوم أموت } مفارقا هذه الدنيا { ويوم أبعث ~~حيا } للحساب والجزاء يوم القيامة. فأنت ترى أن عيسى - عليه السلام - ~~قد وصف نفسه بمجموعة من الصفات الفاضلة، افتتحها بصفة العبودية لله رب ~~العالمين، لإرشاد الناس إلى تلك الحقيقة التى لا حق سواها. ولتحذير ~~أعدائه من وصفه بأنه هو الله، أو هو ابن الله، أو هو مشارك له فى ~~العبادة... واختتمها برجاء الأمان له من الله - تعالى - فى كل أطوار ~~حياته. ثم ختم - سبحانه - هذه القصة ببيان وجه الحق فيها، وأنذر الذين ~~وصفوا عيسى وأمه بما هما بريئان منه بسوء المصير. فقال - تعالى - { ~~ذلك عيسى... }. ### || [19.34-40] # اسم الإشارة { ذلك } فى قوله { ذلك عيسى ابن مريم } إشارة ~~إلى ما ذكره الله - تعالى - قبل ذلك لعيسى من صفات حميدة، ومن أخبار ~~صادقة وهو مبتدأ، وعيسى خبره، وابن مريم صفته. ولفظ { قول } فيه ~~قراءتان سبعيتان إحداهما قراءة الجمهور بضم اللام، والثانية قراءة ابن ~~عامر وعاصم، بفتحها. وعلى القراءة بالرفع يكون { قول الحق } خبر ~~لمبتدأ محذوف. فيكون المعنى ذلك الذى أخبرناك عنه بشأن عيسى وأمه هو قول ~~الحق - عز وجل - وهو قول لا يحوم حوله باطل، ولا يخاطله ريب أو شك. فلفظ ~~{ الحق } يصح أن يراد به الله - سبحانه - لأنه من أسمائه، ويصح أن ~~يراد به ما هو ضد الباطل، وهو الصدق والثبوت. وعلى ms3420 قراءة النصب يكون لفظ ~~{ قول } مصدرا مؤكدا لمضمون الجملة، أى ذلك الذى قصصناه عليك - أيها ~~الرسول الكريم - من شأن عيسى ابن مريم، هو القول الثابت الصادق. الذى ~~أقول فيه قول الحق. والإضافة من باب إضافة الموصوف إلى صفته أى القول ~~الحق، كقوله - تعالى - # وعد الصدق # أى الوعد الصدق. وقوله { الذي فيه يمترون } بيان لموقف ~~الكافرين من هذا القول الحق الذى ذكره الله - تعالى - عن عيسى وأمه. و { ~~الذي } صفة للقول. أو للحق. و { يمترون } يشكون من المرية بمعنى ~~الشك والجدل... أى ذلك الذى ذكرناه لك من خبر عيسى هو القول الحق، الذى ~~شك فى صدقه الكافرون، وتنازع فيه الضالون، فلا تلتفت إلى شكهم وكفرهم بل ~~ذرهم فى طغيانهم يعمهون. ثم نزه - سبحانه - ذاته عن أن يكون له ولد فقال ~~{ ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه... } أى ما يصح ~~وما يستقيم وما يتصور فى حقه - تعالى - أن يتخذ ولدا، لأنه منزه عن ذلك، ~~لأن الولد إنما يتخذه الفانون للامتداد، ويتخذه الضعفاء للنصرة، والله - ~~تعالى - هو الباقى بقاء أبديا، وهو القوى القادر الذى لا يعجزه شىء. و { ~~من } فى قوله { من ولد } لتأكيد هذا النفى وتعميمه. وفى معنى هذه ~~الآيات جاءت آيات كثيرة منها قوله - تعالى - فى هذه السورة # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا ~~إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ~~ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا # ثم بين - سبحانه - ما يدل على غناه عن الولد والوالد والصاحب والشريك ~~فقال { إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } أى ~~لا يتصور فى حقه - سبحانه - اتخاذ الولد، لأنه إذا أراد قضاء أمر، فإنما ~~يقول له كن، فيكون فى الحال، بدون تأخير أو تردد. # وقوله - تعالى - { وإن الله ربي وربكم فاعبدوه... ~~} قرأه ابن عامر والكوفيون بكسر همزة { إن } على الاستئناف، أى وإن ~~عيسى - عليه السلام - قد قال لقومه - أيضا - وإن الله - تعالى - هو ربى ~~وهو ربكم فأخلصوا له العبادة والطاعة، وهذا الذى أمرتكم ms3421 به هو الصراط ~~المستقيم الذى لا يضل سالكه. وقرأ الباقون بفتح همزة { أن } بتقدير ~~حذف حرف الجر أى وقال عيسى لقومه ولأن الله ربى وربكم فاعبدوه... كما فى ~~قوله - تعالى - # وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا # أى ولأن المساجد لله.. ثم بين - سبحانه - موقف أهل الكتاب من عيسى - ~~عليه السلام - فقال { فاختلف الأحزاب من بينهم فويل ~~للذين كفروا من مشهد يوم عظيم }. والأحزاب جمع حزب ~~والمراد بهم فرق اليهود والنصارى الذين اختلفوا فى شأنه - عليه السلام - ~~فمنهم من اتهم أمه بما هى بريئة منه، وهم اليهود كما فى قوله # وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما # ومنهم من قال هو ابن الله، أو هو الله، أو إله مع الله، أو هو ثالث ~~ثلاثة... إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة التى حكاها القرآن عن الضالين ~~وهم النصارى. ولفظ { ويل } مصدر لا فعل له من لفظه، وهو كلمة عذاب ~~ووعيد. و { مشهد } يصح أن يكون مصدرا ميما بمعنى الشهود والحضور. ~~والمعنى هكذا قال عيسى - عليه السلام - لقومه # اعبدوا الله ربي وربكم # ولكن الفرق الضالة من اليهود والنصارى اختلفوا فيما بينهم فى شأنه ~~اختلافا كبيرا، وضلوا ضلالا بعيدا، حيث وصفوه بما هو برىء منه، فويل ~~لهؤلاء الكافرين من شهود ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة، حيث سيلقون ~~عذابا شديدا من الله بسبب ما نطقوا به من زور وبهتان. وعبر عنهم ~~بالموصول فى قوله { للذين كفروا } إيذانا بكفرهم جميعا، ~~وإشعارا بعلة الحكم. قال أبو حيان " ومعنى { من بينهم } أن ~~الاختلاف لم يخرج عنهم، بل كانوا هم المختلفين دون غيرهم ". وجاء التعبير ~~فى قوله { من مشهد يوم عظيم } بالتنكير، للتهويل من شأن هذا ~~المشهد، ومن شأن هذا اليوم وهو يوم القيامة، الذى يشهده الثقلان وغيرهما ~~من مخلوقات الله - تعالى -. وقوله - سبحانه - { أسمع بهم ~~وأبصر يوم يأتوننا... } تهكم بهم، وتوعد لهم بالعذاب ~~الشديد، فهو تأكيد لما قبله. و { أسمع بهم وأبصر } صيغتا ~~تعجب، لفظهما لفظ الأمر، ومعناهما التعجيب، أى حمل المخاطب على التعجيب، ~~وفاعلهما الضمير ms3422 المجرور بالباء، وهى زائدة فيهما لزوما، والمعنى ما أسمع ~~هؤلاء الكافرين وما أبصرهم فى ذلك اليوم، لما يخلع قلوبهم، ويسود وجوههم، ~~مع أنهم كانوا فى الدنيا صما وعميانا عن الحق الذى جاءتهم به رسلهم. # فالمراد باليوم فى قوله { لكن الظالمون اليوم في ضلال ~~مبين } هو ما كانوا فيه فى الدنيا من ضلال وغفلة عن الحق. أى أن ~~هؤلاء القوم ما أعجب حالهم إنهم لا يسمعون ولا يبصرون فى الدنيا حين يكون ~~السمع والبصر وسيلة للهدى والنجاة. وهم أسمع ما يكون السمع وأبصر ما يكون ~~البصر، عندما يكون السمع والبصر وسيلة للخزى والعذاب فى الآخرة. تم أمر ~~الله - تعالى - نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - بأن يخوف المشركين من ~~أهوال يوم القيامة، فقال { وأنذرهم يوم الحسرة إذ ~~قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون }. والإنذار ~~الإعلام بالمخوف منه على وجه الترهيب والتحذير، وأشد ما يخوف به يوم ~~القيامة. والحسرة أشد الندم على الأمر الذى فات وانقضى ولا يمكن تداركه. ~~أى وأنذر - أيها الرسول الكريم - المشركين، وخوفهم من أهوال يوم القيامة، ~~يوم يتحسر الظالمون على تفريطهم فى طاعة الله، ولكن هذا التحسر لن ~~ينفعهم، لأن حكم الله قد نفذ فيهم وقضى الأمر بنجاة المؤمنين، وبعذاب ~~الفاسقين، وذهب أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار. وقوله { ~~وهم في غفلة وهم لا يؤمنون } حال من الضمير المنصوب فى ~~{ أنذرهم }. أى أنذرهم لأنهم فى حالة يحتاجون فيها إلى الإنذار وهى ~~الغفلة وعدم الإيمان. هذا، وقد جاء فى الحديث الصحيح ما يدل على أن ~~المراد بقوله - تعالى - { إذ قضي الأمر }. أى ذبح الموت. فقد روى ~~البخارى عن أبى سعيد الخدرى قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادى مناد يا أهل الجنة فيشرئبون ~~وينظرون، فيقول هل تعرفون هذا؟ فيقولون نعم. هذا الموت وكلهم قد رآه. ثم ~~ينادى يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون فيقول هل تعرفون هذا؟ فيقولون نعم. ~~هذا الموت وكلهم قد رآه. فيذبح. ثم يقول يا أهل ms3423 الجنة خلود بلا موت، ويا ~~أهل النار خلود بلا موت. ثم قرأ - صلى الله عليه وسلم - { وأنذرهم ~~يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا ~~يؤمنون } ". # ثم ساق - سبحانه - ما يدل على كمال قدرته، وشمول ملكه فقال { إنا ~~نحن نرث الأرض ومن عليها... } أى إنا نحن وحدنا الذين ~~نميت جميع الخلائق الساكنين بالأرض، فلا يبقى لأحد غيرنا من سلطان عليهم ~~أو عليها، وهؤلاء الخلائق جميعا { وإلينا } وحدنا { يرجعون } ~~يوم القيامة، فنحاسبهم على أعمالهم. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون # وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حدثتنا عن جانب من قصة زكريا ويحيى، ~~وعن قصة مريم وعيسى، حديثا يهدى إلى الرشد، ويزيد المؤمنين إيمانا على ~~إيمانهم، ويقذف بحقه على باطل المبطلين فيدمغه فإذا هو زاهق. ثم أوردت ~~السورة الكريمة القصة الثالثة وهى قصة إبراهيم - عليه السلام - وما دار ~~بينه وبين أبيه من حوار. قال - تعالى - { واذكر.... }. ### || [19.41-50] # قال الإمام الرازى ما ملخصه " اعلم أن الغرض من هذه السورة، بيان ~~التوحيد والنبوة والحشر، والمنكرون للتوحيد فريقان فريق أثبت معبودا غير ~~الله حيا عاقلا وهم النصارى ومن على شاكلتهم، وفريق أثبت معبودا من ~~الجماد ليس بحى ولا عاقل، وهم عبدة الأوثان. والفريقان وإن اشتركا فى ~~الضلال إلا أن ضلال الفريق الثانى أعظم. ولما بين - سبحانه - ضلال الفريق ~~الأول - وهم النصارى -، أتبعه بذكر الفريق الثانى، وهم عبدة الأوثان قوم ~~إبراهيم - عليه السلام - ". وإبراهيم - عليه السلام - هو من أولى العزم ~~من الرسل، وهو الذى جعل الله فى ذريته النبوة والكتاب، وهو الذى وصفه ~~الله - تعالى - بجملة من الصفات الكريمة، منها قوله - تعالى - # إن إبراهيم لحليم أواه منيب # أى واذكر - أيها الرسول الكريم - للناس فى هذا القرآن قصة أبيهم إبراهيم ~~- عليه السلام -، لكى يعتبروا ويتعظوا ويقتدوا بهذا النبى الكريم فى قوة ~~إيمانه، وصفاء يقينه وجميل أخلاقه. وقوله { إنه كان صديقا ~~نبيا } استئناف مسوق لتعليل موجب الأمر فى قوله { واذكر }. ~~والصديق صيغة مبالغة من الصدق. أى إنه كان ملازما للصدق ms3424 فى كل أقواله ~~وأفعاله وأحواله، كما كان نبيا من أولى العزم، الذين فضلهم الله على ~~غيرهم من الرسل الكرام. ثم بين - سبحانه - مظاهر صدقه وإخلاصه لدعوة الحق ~~فقال { إذ قال لأبيه يأبت لم تعبد ما لا يسمع ~~ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا }. والظرف { إذ } بدل ~~اشتمال من { إبراهيم } وجملة { إنه كان صديقا نبيا } ~~معترضة بين البدل والمبدل منه لتعظيم شأنه - عليه السلام -. والتاء فى ~~قوله { يأبت } عوض عن ياء المتكلم، إذ الأصل يا أبى، وناداه بهذا ~~الوصف دون أن يذكر اسمه زيادة فى احترامه واستمالة قلبه للحق. أى واذكر ~~خبر إبراهيم وقت أن قال لأبيه آزر مستعطفا إياه يا أبت لماذا تعبد شيئا ~~لا يسمع من يناديه. ولا يبصر من يقف أمامه، ولا يغنى عنك شيئا من ~~الإغناء، لأنه لا يملك لنفسه - فضلا عن غيره - نفعا ولا ضرا. ثم دعاه ~~إلى اتباع الحق بألطف أسلوب فقال { يأبت إني قد جآءني من ~~العلم } النافع الذى علمنى الله - تعالى - إياه { ما لم يأتك ~~} أنت، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، { فاتبعني } فيما أدعوك إليه ~~{ أهدك صراطا سويا } أى أهدك إلى الطريق المستقيم الذى لا عوج ~~فيه ولا اضطراب. ثم نهاه عن عبادة الشيطان، لأنها جهل وانحطاط فى التفكير ~~فقال { يأبت لا تعبد الشيطان } فإن عبادتك لهذه الاصنام هى ~~عبادة وطاعة للشيطان الذى هو عدو الإنسان. # ثم علل له هذا النهى بقوله { إن الشيطان كان للرحمن ~~عصيا } أى إن الشيطان الذى أغراك بعبادة هذه الاصنام كان للرحمن ~~عصيا، أى كثير العصيان، لا يهدى الناس إلى طاعة الله، وإنما يهديهم إلى ~~مخالفته ومعصيته وموجبات غضبه. ثم ختم هذا النداء بما يدل على حبه، ~~وشفقته عليه فقال { يأبت إني أخاف أن يمسك عذاب ~~من الرحمن فتكون للشيطان وليا }. أى يا أبت إنى ~~أشفق عليك من أن ينزل بك عذاب من الرحمن بسبب إصرارك على عبادة غيره، ~~وبذلك تصبح قرينا للشيطان فى العذاب بالنار، لأنك انقدت له، وخالفت طريق ~~الحق. بهذا الأسلوب الحكيم الهادىء الرقيق... ms3425 خاطب إبراهيم أباه، وهو ~~يدعوه إلى عبادته - تعالى - وحده. ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال ما ~~ملخصه انظر كيف رتب إبراهيم الكلام مع أبيه فى أحسن اتساق، وساقه أرشق ~~مساق، مع استعماله المجاملة واللطف والرفق واللين والأدب الجميل والخلق ~~الحسن. وذلك أنه طلب منه - أولا - العلة فى خطئه. طلب منبه على تماديه، ~~موقظ لإفراطه وتناهيه... حيث عبد ما ليس به حس ولا شعور. ثم ثنى بدعوته ~~إلى الحق مترفقا به متلطفا، فلم يصف اباه بالجهل المفرط، ولا نفسه ~~بالعلم الفائق. ولكنه قال إن معى طائفة من العلم وشيئا منه ليس معك.. ثم ~~ثلث بتثبيطه ونهيه عما كان عليه، بتصويره بصورة يستنكرها كل عاقل.. ثم ~~ربع بتخويفه سوء العاقبة، وما يجره ما هم فيه من الوبال. ولم يخل ذلك من ~~حسن الأدب، حيث لم يصرح بأن العقاب لا حق له، وأن العذاب لاصق به، ولكنه ~~قال { إني أخاف أن يمسك... }. وصدر كل نصيحة من النصائح ~~الأربع بقوله { يأبت } توسلا واستعطافا... ولكن هذه النصيحة الحكيمة ~~الغالية من إبراهيم لأبيه، لم تصادف أذنا واعية ولم تحظ من أبيه بالقبول ~~بل قوبلت بالاستنكار والتهديد فقد قال الأب الكافر لابنه المؤمن { ~~أراغب أنت عن آلهتي يإبراهيم لئن لم تنته ~~لأرجمنك واهجرني مليا }. والاستفهام فى قوله { أراغب ~~} للإنكار والتهديد والرغبة عن الشىء تركه عمدا زهدا فيه لعدم الحاجة ~~إليه. ولفظ { أراغب } مبتدأ، { أنت } فاعل سد مسد الخبر، و { ~~مليا } أى زمنا طويلا، مأخوذ من الملاوة، وهى الفترة الطويلة من ~~الزمان، ويقال الليل والنهار الملوان. والمعنى قال والد إبراهيم له على ~~سبيل التهديد والوعيد، أتارك أنت يا إبراهيم عبادة آلهتى، وكاره لتقرب ~~الناس إليها، ومنفرهم منها لئن لم تنته عن هذا المسلك، { لأرجمنك ~~} بالحجارة وبالكلام القبيح { واهجرني مليا } بأن تغرب عن وجهى ~~زمنا طويلا لا أحب أن أراك فيه. وهكذا قابل الأب الكافر أدب ابنه المؤمن، ~~بالفظاظة والغلظة والتهديد والعناد والجهالة.. شأن القلب الذى أفسده ~~الكفر. ولكن إبراهيم - عليه السلام - لم يقابل فظاظة أبيه وتهديده بالغضب ~~والضيق، ms3426 بل قابل ذلك بسعة الصدر. # وجميل المنطق، حيث قال له { سلام عليك سأستغفر لك ~~ربي إنه كان بي حفيا }. أى لك منى - يا أبت - السلام الذى ~~لا يخالطه جدال أو أذى، والوداع الذى أقابل فيه إساءتك إلى بالإحسان ~~إليك. وفضلا عن ذلك فإنى { سأستغفر لك ربي إنه كان ~~بي حفيا } أى بارا بى، كثير الإحسان إلى. يقال فلان حفى بفلان ~~حفاوة، إذا بالغ فى إكرامه، واهتم بشأنه. وقد وفى إبارهيم بوعده، حيث ~~استمر على استغفاره لأبيه إلى أن تبين له أنه عدو لله - تعالى - فتبرأ ~~منه كما قال - تعالى - # وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة ~~وعدهآ إياه فلما تبين له أنه عدو لله ~~تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم # ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك أن إبراهيم - عليه السلام - عندما رأى تصميم ~~أبيه وقومه على الكفر والضلال، قرر اعتزالهم والابتعاد عنهم فقال - تعالى ~~- { وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ~~ربي عسى ألا أكون بدعآء ربي شقيا }. أى وقال ~~إبراهيم - أيضا - لأبيه إنى بجانب استغفارى لك، ودعوتى لك بالهداية، ~~فإنى سأعتزلك وأعتزل قومك، وأعتزل عبادة أصنامكم التى تعبدونها من دون ~~الله وأرتحل عنكم جميعا إلى أرض الله الواسعة، وأخص ربى وخالقى بالعبادة ~~والطاعة والدعاء، فقد عودنى - سبحانه - أن لا يخيب دعائى وتضرعى إليه. ~~وفى تصدير كلامه بلفظ { عسى } دليل على تواضعه، وعلى أدبه مع خالقه - ~~تعالى-. ثم بين - سبحانه - ما ترتب على اعتزال إبراهيم للشرك والمشركين ~~فقال { فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله ~~وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا ~~ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق ~~عليا }. أى فحين اعتزل إبراهيم - عليه السلام - أباه وقومه وآلهتهم ~~الباطلة. لم نضيعه، وإنما أكرمناه وتفضلنا عليه بأن وهبنا له إسحاق ~~ويعقوب ليأنس بهما بعد أن فارق أباه وقومه من أجل إعلاء كلمتنا { ~~وكلا جعلنا نبيا } أى وكل واحد منهما جعلناه نبيا { ~~ووهبنا لهم } أى لإبراهيم وإسحاق ويعقوب { من رحمتنا } ~~بأن جعلناهم أنبياء ومنحناهم الكثير من فضلنا وإحسانا ورزقنا. وجعلنا ms3427 لهم ~~لسان صدق عليا، بأن صيرنا الناس يثنون عليهم ويمدحونهم ويذكرونهم بالذكر ~~الجميل، لخصالهم الحميدة، وأخلاقهم الكريمة. وهكذا نرى أن اعتزال الشرك ~~والمشركين، والفسق والفاسقين، يؤدى إلى السعادة الدينية والدنيوية، وما ~~أصدق قوله - تعالى - { فلما اعتزلهم وما يعبدون من ~~دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا ~~نبيا }. وخص - سبحانه - هنا اسحق ويعقوب بالذكر دون إسماعيل لأن ~~إسماعيل سيذكر فضله بعد قليل. ثم مدح الله - تعالى - موسى - عليه السلام ~~- وهو واحد من أولى العزم من الرسل، وينتهى نسبه إلى إبراهيم - عليه ~~السلام - فقال - تعالى - { واذكر... }. ### || [19.51-53] # ولفظ { مخلصا } فيه قراءتان سبعيتان، إحداهما بفتح اللام - بصيغة ~~اسم المفعول - أى أخلصه الله - تعالى - لذاته، واصطفاه، كما قال - تعالى ~~- # قال يموسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي ~~وبكلامي... # والثانية بكسر اللام - بصيغة اسم الفاعل - أى كان مخلصا لنا فى عبادته ~~وطاعته. والمعنى واذكر - أيها الرسول الكريم - للناس خبر أخيك موسى - ~~عليه السلام - إنه كان من الذين أخلصناهم واصطفيناهم لحمل رسالتنا، وكان ~~من الذين أخلصوا لنا وحدنا العبادة والطاعة، وكان - أيضا - { رسولا } ~~من جهتنا لتبليغ ما أمرناه بتبليغه، وكان كذلك { نبيا } رفيع القدر، ~~عالى المكانة والمنزلة، فقد جمع الله - تعالى - له بين هاتين الصفتين ~~الساميتين صفة الرسالة وصفة النبوة. وقوله - تعالى - { وناديناه ~~من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا } بيان لفضائل ~~أخرى منحها الله - تعالى - لموسى - عليه السلام -. والطور جبل بين مصر ~~وقرى مدين، الأيمن أى الذى يلى يمين موسى. قال الآلوسى " والأيمن " صفة ~~لجانب، لقوله - تعالى - فى آية أخرى { جانب الطور الأيمن } ~~بالنصب. أى نادنياه من ناحيته اليمنى، من اليمين المقابل لليسار. والمراد ~~به يمين موسى، أى الناحية التى تلى يمينه " إذ الجبل نفسه لا ميمنة له ~~ولا ميسرة ". ويجوز أن يكون الأيمن من اليمن وهو البركة، وهو صفة لجانب - ~~أيضا - أى من جانبه الميمون المبارك... والمراد من ندائه من ذلك الجانب ~~ظهور كلامه - تعالى - من تلك الجهة، والظاهر أنه - عليه السلام - إنما ~~سمع الكلام اللفظى... ". وقوله { وقربناه نجيا } أى وقربناه ~~تقريب تشريف وتكريم حالة ms3428 مناجاته لنا، حيث أسمعناه كلامنا، واصطفيناه ~~لحمل رسالتنا إلى الناس. فقوله { نجيا } من المناجاة وهى المسارة ~~بالكلام، وهو حال من مفعول وقربناه، أى وقربنا موسى منا حال كونه مناجيا ~~لنا. وقوله - تعالى - { ووهبنا له من رحمتنآ أخاه ~~هارون نبيا } بيان لمظهر آخر من مظاهر فضله الله - تعالى - على ~~عبده موسى. أى ووهبنا لموسى من أجل رحمتنا له. وعطفنا عليه. أخاه هارون ~~ليكون عونا له فى أداء رسالته كما قال - تعالى - حكاية عنه # واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به ~~أزري وأشركه في أمري... # وقوله { نبيا } حال من هارون، أى حال كونه نبيا من أنبياء الله - عز ~~وجل -. هذا، وما ذكره الله - تعالى - هنا مجملا عن ندائه لموسى من جانب ~~الطور الأيمن، قد جاء مفصلا فى مواطن أخرى منها قوله - تعالى - # فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب ~~الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا ~~لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار ~~لعلكم تصطلون فلمآ أتاها نودي من شاطىء ~~الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة ~~أن يموسى إني أنا الله رب العالمين... # ثم ساق - سبحانه - جانبا من فضائل إسماعيل - عليه السلام - وهو الفرع ~~الثانى من ذرية إبراهيم، فقال - تعالى - { واذكر في الكتاب... ~~}. ### || [19.54-55] # أى واذكر فى هذا الكتاب لقومك - أيها الرسول الكريم - خبر جدك إسماعيل ~~بن إبراهيم - عليهما السلام - لكى يتأسوا به فى صفاته الجليل، { إنه ~~كان صادق الوعد } ويكفى للدلالة على صدق وعده، وشدة وفائه، أنه ~~وعد أباه بصبر على ذبحه فمل يخلف وعده. بل قال - كما حكى القرآن عنه - # يأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شآء الله من ~~الصابرين # ووصف بصدق الوعد وإن كان غيره من النبيين كذلك تشريفا وتكريما له، ~~ولأن هذا الوصف من الأوصاف التى اكتملت شهرتها فيه. وقد مدح الله - تعالى ~~- الأوفياء بعهودهم فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى - # والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في ~~البأسآء والضراء وحين البأس أولئك الذين ~~صدقوا وأولئك هم المتقون # وروى الإمام الطبرانى عن ms3429 ابن مسعود قال لا يعد أحدكم صبيه ثم لا ينجز له ~~فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال # " العدة دين ". # وقال القرطبى " والعرب تمتدح بالوفاء، وتذم بالخلف والغدر، وكذلك سائر ~~الأمم، ولقد أحسن القائل متى ما يقل حر لصاحب حاجة نعم، يقضها، والحر ~~للوعد ضامن. وقوله - تعالى - { وكان رسولا نبيا } أى وكان من ~~رسلنا الذين أرسلناهم لتبليغ شريعتنا، ومن أنبيائنا الذين رفعنا منزلتهم ~~وأعلينا قدرهم. قالوا وكانت رسالته بشريعة أبيه إلى قبيلة جرهم من عرب ~~اليمن، الذين نزلوا على أمه هاجر بوادى مكة حين خلفها إبراهيم وهى وابنها ~~بذلك الوادى، فسكنوا هناك حتى كبر إسماعيل وزوجوه منهم، وأرسله الله - ~~تعالى - إليهم ". ثم وصفه الله - تعالى - بصفة كريمة ثالثة فقال { ~~وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة... }. أى وكان ~~بجانب حرصه على أداء هاتين الفريضتين، يأمر أهله وأقرب الناس إليه بالحرص ~~على أدائهما حتى يكون هو وأهله قدوة لغيرهم فى العمل الصالح. وكان النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك الذى أثنى الله به على نبيه إسماعيل ~~استجابة لقوله - تعالى - # وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها... # قال الإمام ابن كثير " وقد جاء فى الحديث عن أبى هريرة قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - # " رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح فى وجهها ~~الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فإن أبى نضحت فى ~~وجهه الماء ". # وعن أبى سعيد عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال # " إذا استيقظ الرجل من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين، كتبا من ~~الذاكرين الله كثيرا والذاكرات ". # ثم ختم - سبحانه - هذه الصفات الجميلة التى مدح بها نبيه إسماعيل فقال { ~~وكان عند ربه مرضيا }. أى وكان إسماعيل عند ربه مرضى ~~الخصال، لاستقامته فى أقواله وأفعاله، وللصدق فى وعده، ولأمره أهله ~~بالصلاة والزكاة، ولا شك أن من جمع هذه المناقب كان ممن رضى الله عنهم ~~ورضوا عنه. ثم ختم الله هذا الحديث عن بعض الأنبياء، بذكر جانب من قصة ~~إدريس - عليه السلام - فقال ms3430 { واذكر في الكتاب إدريس... }. ### || [19.56-57] # قال الآلوسى ما ملخصه " وإدريس هو نبى قبل نوح وبينهما ألف سنة وهو ~~أخنوح ابن يرد.. بن شيث بن آدم. وهو أول من نظر فى النجوم والحساب، وأول ~~رسول بعد آدم... ". أى واذكر - أيضا - فى الكتاب خبر إدريس - عليه ~~السلام -. إنه كان ملازما للصدق، وكان ممن شرفناهم بالنبوة. وقوله { ~~ورفعناه مكانا عليا } قالوا هو شرف النبوة والزلفة عند الله ~~- تعالى - أو المراد برفعه إلى المكان العلى إسكانه فى الجنة، إذ لا شرف ~~أعلى من ذلك.. وروى أن النابغة الجعدى لما أنشد قوله # بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا # قال له الرسول - صلى الله عليه وسلم - # " إلى أين المظهر يا أبا ليلى؟ قال إلى الجنة. قال أجل إن شاء الله - ~~تعالى - ". # وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حدثتنا عن طرف من قصص زكريا ويحيى ~~وعيسى وإبراهيم وموسى وإسماعيل وإدريس - عليهم الصلاة والسلام - وقد ~~وصفتهم بما هم أهله من صفات كريمة، ليتأسى الناس بهم فى ذلك. ثم تسوق ~~السورة الكريمة بعد ذلك موازنة بين هؤلاء الأخيار، وبين من جاءوا بعدهم ~~من أقوامهم الذين اضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وتفتح السورة باب ~~التوبة ليدخله بصدق وإخلاص المخطئون، حتى يكفر الله - تعالى - عنهم ما ~~فرط منهم، قال - تعالى - { أولئك الذين... }. ### || [19.58-63] # واسم الإشارة فى قوله { أولئك الذين أنعم الله ~~عليهم... } يعود إلى الأنبياء المذكورين فى هذه السورة. وهم عشرة ~~أولهم فى الذكر زكريا وآخرهم إدريس. قال القرطبى " قوله - تعالى - { ~~أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~من ذرية ءادم } يريد إدريس وحده { وممن حملنا مع ~~نوح } يريد إبراهيم وحده { ومن ذرية إبراهيم } يريد ~~إسماعيل وإسحاق ويعقوب { و } من ذرية { إسرائيل } يريد موسى وهارون ~~وزكريا ويحيى وعيسى فكان لإدريس ونوح شرف القرب من آدم، ولإبراهيم شرف ~~القرب من نوح، ولإسماعيل وإسحاق ويعقوب، شرف القرب من إبراهيم ". وقوله { ~~وممن هدينا واجتبينآ } معطوف على قوله { من ذرية ~~ءادم } ومن للتبعيض. أى ومن جملة من أنعم الله عليهم، أولئك الذين ~~هديناهم ms3431 إلى طريق الحق واجتبيناهم واخترناهم لحمل رسالتنا ووحينا. فأنت ~~ترى أن الله - تعالى - قد جمع لهؤلاء المنعم عليهم جملة من المزايا منها ~~أعمالهم الصالحة، ومناقبهم الحميدة التى سبق الحديث عنها، ومنها كونهم من ~~تسل هؤلاء المصطفين الأخيار، ومنها أنهم ممن هداهم الله - تعالى - ~~واصطفاهم لحمل رسالته. وقد بين - سبحانه - فى سورة النساء من أنعم عليهم ~~بصورة أكثر شمولا فقال # ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهدآء والصالحين وحسن أولئك رفيقا # وقوله - تعالى - { إذا تتلى عليهم آيات الرحمن ~~خروا سجدا وبكيا } بيان لرقة مشاعرهم، وشدة تأثرهم عند سماع ~~آيات الله - تعالى -. فالجملة الكريمة استئناف مسوق لبيان عظم خشيتهم من ~~الله - تعالى - أو هى خبر لاسم الإشارة { أولئك } و { سجدا ~~وبكيا } جمع ساجد وباك. أى أولئك الذين أنعم الله - تعالى - عليهم، ~~من صفاتهم أنهم إذا تتلى عليهم آيات الرحمن، المتضمنة لتمجيده وتعظيمه ~~وحججه.. خروا على جباههم ساجدين وباكين. وسقطوا خاضعين خاشعين خوفا ~~ورجاء، وتعظيما وتمجيدا لله رب العالمين. وجمع - سبحانه - بين السجود ~~والبكاء بالنسبة لهم، للإشعار بأنهم مع تعظيمهم الشديد لمقام ربهم، فهم ~~أصحاب قلوب رقيقة، وعواطف جياشة بالخوف من الله - تعالى -. وفى معنى هذه ~~الجملة الكريمة وردت آيات كثيرة، منه قوله - تعالى - # قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا ~~العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون ~~للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنآ إن كان وعد ~~ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ~~ويزيدهم خشوعا # وقوله - سبحانه - # وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم ~~تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ~~ربنآ آمنا فاكتبنا مع الشاهدين # فهذه الآيات الكريمة تدل على أن من صفات المؤمنين الصادقين، أنهم ~~يتأثرون تأثرا عظيما عند سماعهم لكلام الله - تعالى -، تأثرا يجعلهم ~~يبكون ويسجدون وتقشعر جلودهم، وتوجل قلوبهم، وتلين نفوسهم. # قال ابن كثير - رحمه الله - " قوله - تعالى - { إذا تتلى ~~عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا } أى إذا ~~سمعوا كلام الله المتضمن حججه ودلائله وبراهينه سجدوا لربهم خضوعا ~~واستكانة وشكرا ms3432 على ما هم فيه من نعم.. فلهذا أجمع العلماء على شرعية ~~السجود ههنا اقتداء بهم، واتباعا لمنوالهم وقرأ عمر بن الخطاب - رضى ~~الله عنه - هذه الآية فسجد وقال هذا السجود فأين البكاء ". ثم بين - ~~سبحانه - ما حدث من الذين جاءوا بعد هؤلاء المنعم عليهم فقال { فخلف ~~من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ~~فسوف يلقون غيا }. ولفظ الخلف بسكون اللام - الأولاد، والواحد ~~والجمع فيه سواء، وأكثر ما يطلق على الأشرار والطالحين، ومنه المثل ~~السائر " سكت ألفا ونطق خلفا " وقوله الشاعر # ذهب الذين نعيش فى أكنافهم وبقيت فى خلف كجلد الأجرب # والمراد بهذا اللفظ فى الآية اليهود والنصارى وغيرهم من المشركين الذين ~~جاءوا بعد أبنيائهم، ولكنهم خالفوا شريعتهم، وأهملوا ما أمروهم به وما ~~نهوهم عنه. أما لفظ " الخلف " بفتح اللام - فيطلق على البدل ولدا كان أو ~~غير ولد وأكثر استعمالاته فى المدح، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - # " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله.. ". # والمعنى فخلف من بعد أولئك الأخيار الذين أنعم الله عليهم، خلف سوء وشر، ~~ومن الأدلة على سوئهم وفجورهم أنهم { أضاعوا الصلاة } بأن ~~تركوها، أو لم يؤدوها على وجهها المشروع { واتبعوا الشهوات } ~~التى جعلتهم ينهمكون فى المعاصى، ويسارعون فى اقتراف المنكرات. وقوله { ~~فسوف يلقون غيا } بيان لسوء عاقبتهم، أى فسوف يلقى هؤلاء ~~المضيعون للصلاة، المتبعون للشهوات، خسرانا وشرا فى دنياهم وآخرتهم، ~~بسبب ضلالهم وتنكيهم الصراط المستقيم. فالمراد بالغى الخسران والضلال. ~~يقال غوى فلان يغوى إذ ضل. والاسم الغواية. وقيل المراد بالغى هنا وادى ~~فى جهنم تستعيذ من حره أوديتها. وقيل هو نهر فى أسفل جهنم يسيل فيه صديد ~~أهلها. ثم فتح - سبحانه - للتائبين باب الرحمة فقال { إلا من تاب ~~وآمن وعمل صالحا... }. أى هذا العقاب الشديد للمضيعين للصلاة، ~~وللمتبعين للشهوات، لكن من تاب منهم توبة نصوحا، وآمن بالله - تعالى - ~~حق الإيمان، وعمل فى دنياه الأعمال الصالحة. { فأولئك } ~~المنعوتون بالتوبة والإيمان والعمل الصالح { يدخلون الجنة } ~~بفضله - تعالى - ورحمته { ولا يظلمون شيئا } أى ولا ينقصون من ~~أجور أعمالهم شيئا. ms3433 وقوله { جنات عدن التي وعد ~~الرحمن عباده بالغيب }. بدل من الجنة فى قوله { ~~فأولئك يدخلون الجنة }. أى هؤلاء التائبون المؤمنون ~~العاملون للصالحات يدخلهم الله - تعالى - جنات عدن، أى الجنات الدائمة ~~التى وعدهم الرحمن بدخولها، وكان هذا الوعد فى الدنيا قبل أن يشاهدوها أو ~~يروها. # فقوله { بالغيب } حال من المفعول وهو { عباده } أى وعدهم بها ~~حالة كونهم غائبين عنها، لا يرونها، وإنما آمنوا بوجودها بمجرد إخباره - ~~سبحانه - لهم بذلك. وقد أكد - سبحانه - هذا الوعد لهم فى الدنيا بقوله { ~~إنه كان وعده مأتيا } أى إنه - تعالى - كان وما زال ما ~~وعد به عباده وهو الجنة { مأتيا } أى يأتيه ويصل إليه من وعده الله ~~- تعالى - به، لأنه - سبحانه - لا يخلف وعده. فقوله { مأتيا } اسم ~~مفعول من أتاه الشىء بمعنى جاءه، وقيل هو اسم مفعول بمعنى فاعل، أى إن ~~وعده - سبحانه - لعباده كان آتيا لا ريب فيه. ثم وصف - سبحانه - الجنات ~~وأهلها بما يحمل العقلاء على العمل الصالح الذى يوصلهم إليها بفضله - ~~تعالى - وكرمه فقال { لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما.. ~~}. واللغو هو فضول الكلام، وما لا قيمة له منه، ويدخل فيه الكلام الباطل. ~~وقوله { إلا سلاما } الظاهر فيه أنه استثناء منقطع، لأن المستثنى ~~ليس من جنس المستثنى منه. أى لا يسمعون فيها كلاما لغوا، لكنهم يسمعون ~~فيها سلاما. أى تسليما من الملائكة عليهم، كما قال - تعالى - # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليكم بما صبرتم.. # أو يسمعون فيها تسليما وتحية من بعضهم على بعض، كما قال - تعالى - # تحيتهم فيها سلام # قال الآلوسى قوله إلا سلاما، استثناء منقطع، والسلام إما بمعناه ~~المعروف. أى لكن يسمعون تسليم الملائكة عليهم، أو تسليم بعضهم على بعض، ~~أو بمعنى الكلام السالم من العيب والنقص، أى لكن يسمعون كلاما سالما من ~~العيب والنقص. وجوز أن يكون استثناء متصلا، وهو من تأكيد المدح بما يشبه ~~الدم، كما فة قوله # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب # وهو يفيد نفى سماع اللغو بالطريق البرهانى الأقوى. والاتصال ms3434 على هذا على ~~طريق الفرض والتقدير، ولولا ذلك لم يقع موقعه من الحسن والمبالغة ". ~~وقوله - تعالى - { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } ~~بيان لدوام رزقهم فيها بدون انقطاع، إذ ليس فى الجنة نهار ولا ليل، ولا ~~بكرة ولا عشى... قال القرطبى ما ملخصه قوله { ولهم رزقهم فيها ~~بكرة وعشيا } أى لهم ما يشتهون من المطاعم والمشارب بكرة وعشيا، ~~أى فى قدر هذين الوقتين، إذ لا بكرة ثم - أى هناك - ولا عشيا.. وقيل ~~رزقهم فيها غير منقطع... وخرج الحكيم الترمذى فى نوادر الأصول من حديث ~~أبان عن الحسن وأبى قلابة قالا # " قال رجل يا رسول الله، هل فى الجنة من ليل؟ قال - صلى الله عليه وسلم ~~- " وما هيجك على هذا "؟ قال سمعت الله - تعالى - يذكر فى الكتاب { ~~ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } فقلت الليل بين البكرة ~~والعشى. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ليس هناك ليل وإنما هو ~~ضوء ونور، يرد الغدو على الرواح، والرواح على الغدو، وتأتيهم طرف الهدايا ~~من الله لمواقيت الصلاة التى كانوا يصلون فيها فى الدنيا، وتسلم عليهم ~~الملائكة " ". # ثم قال الإمام القرطبى " وهذا فى غاية البيان لمعنى الآية... ". ثم أضاف ~~- سبحانه - إلى تعظيمه لشأن الجنة تعظيما آخر فقال { تلك الجنة ~~التي نورث من عبادنا من كان تقيا }. فاسم الإشارة { ~~تلك } يعود إلى ما تقدم من قوله { فأولئك يدخلون ~~الجنة... } وقوله { جنات عدن التي وعد الرحمن ~~عباده بالغيب.. }. أى تلك هى الجنة العظيمة الشأن، العالية ~~القدر، التى نجعلها ميراثا للمؤمنين الصادقين المتقين من عبادنا، كما ~~قال - تعالى - # أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس ~~هم فيها خالدون # وكما قال - سبحانه - # وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم ~~تعملون # قال صاحب الكشاف قوله { نورث }.. أى نبقى عليه الجنة كما نبقى على ~~الوارث مال المورث، ولأن الأتقياء يلقون ربهم يوم القيامة وقد انقضت ~~أعمالهم وثمرتها باقية وهى الجنة، فإذا أدخلهم - سبحانه - الجنة، فقد ~~أورثهم من تقواهم كما يورث الوارث المال من المتوفى.. ". ثم ساق - سبحانه ~~- ما يدل على كمال قدرته، وشمول ms3435 علمه، فقال - تعالى - { وما ~~نتنزل... }. ### || [19.64-65] # والتنزل النزول على مهل. فإنه مطاوع نزل - بالتشديد -، يقال نزلته ~~فتنزل، إذا حدث النزول على مهل وتدرج. وقد يطلق التنزيل بمعنى النزول ~~مطلقا، إلا أن المناسب هنا هو المعنى الأول. والآية الكريمة حكاية لما ~~قاله جبريل للنبى - صلى الله عليه وسلم -، فقد ذكر كثير من المفسرين أن ~~الوحى احتبس عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لفترة من الوقت بعد أن ~~سأله المشركون أسئلة تتعلق بأصحاب الكهف. وبذى القرنين وبالروح، حتى قال ~~المشركون إن رب محمد - صلى الله عليه وسلم - قد قلاه - أى أبغضه وكرهه - ~~فلما نزل جبريل على النبى - صلى الله عليه وسلم - بعد فترة من غياب - قيل ~~خمسة عشر يوما وقيل أكثر قال له يا جبريل احتبست عنى حتى ساء ظنى واشتقت ~~إليك فقال له جبريل إنى كنت أشوق ولكنى عبد مأمور، إذا بعثت جئت، وإذا ~~حبست احتبست، وأنزل الله - تعالى - هذه الآية وسورة الضحى ". وقال ~~الآلوسى " ولا يأبى ما تقدم فى سبب النزول ما أخرجه أحمد، والبخارى ~~والترمذى، والنسائى، وجماعة، فى سببه عن ابن عباس قال قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - لجبريل ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ فنزلت ~~{ وما نتنزل إلا بأمر ربك.. } لجواز أن يكون - صلى ~~الله عليه وسلم - قال ذلك فى محاورته السابقة - أيضا -، واقتصر فى كل ~~رواية على شىء مما وقع فى المحاورة... ". والمعنى قال جبريل للرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - عندما سأله عن سبب احتباسه عنه لفترة من الوقت يا محمد ~~إنى ما أتنزل عليك وقتا بعد وقت، إلا بأمر ربك وإرادته، فأنا عبده الذى ~~لا يعصى له أمرا... { له } - سبحانه - { ما بين أيدينا وما ~~خلفنا وما بين ذلك } أى له وحده جميع الجهات والأماكن، وجميع ~~الأزمان الحاضرة والماضية والمستقبلة، وما بين ذلك، فلا نقدر أن ننتقل من ~~جهة إلى جهة، أو من وقت إلى وقت إلا بأمر ربك ومشيئته. فالجملة الكريمة ~~مسوقة لبيان ملكية الله - تعالى - لكل شىء، وقدرته على كل شىء وعلمه ms3436 بكل ~~شىء. وقوله - تعالى - { وما كان ربك نسيا } مؤكد لما قبله من ~~إثبات قدرة الله - تعالى - وعلمه. أى وما كان ربك - أيها الرسول الكريم - ~~ناسيا أو تاركا لك أو مهملا لشأنك، ولكنه - سبحانه - محيط بأحوالك ~~وبأحوال جميع المخلوقات # لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب ~~مبين # قال ابن كثير " قال ابن أبى حاتم حدثنا يزيد بن محمد... عن أبى الدرداء ~~يرفعه قال " ما أحل الله فى كتابه فهو حلال، وما حرمه هو حرام، وما سكت ~~عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا " ~~ثم تلا هذه الآية { وما كان ربك نسيا }. ثم قال - تعالى - { ~~رب السماوات والأرض وما بينهما } أى هو رب السماوات ~~والأرض ورب ما بينهما، وهو خالقهما وخالق كل شىء، ومالكهما ومالك كل شىء. ~~وما دام الأمر كذلك { فاعبده واصطبر لعبادته } أى فأخلص ~~له العبادة ووطن نفسك على أداء هذه العبادة بصبر وجلد وقوة احتمال، فإن ~~المداومة على طاعة الله تحتاج إلى عزيمة صادقة، ومجاهدة للنفس الأمارة ~~بالسوء. والاستفهام فى قوله { هل تعلم له سميا } للإنكار ~~والنفى. والسمى بمعنى المسامى والمضاهى والنظير والشبيه. أى هل تعلم له ~~نظيرا أو شبيها يستحق معه المشاركة فى العبادة أو الطاعة؟ كلا، إنك لا ~~تعلم ذلك، لأنه - سبحانه - هو وحده المستحق للعبادة والطاعة، إذ هو ~~الخالق لكل شىء والعليم بكل شىء، والقادر على كل شىء، وما سواء إنما هو ~~مخلوق له، وساجد له طوعا أو كرها، ولا شبهة فى صفة من صفاته، فهو - ~~سبحانه - # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك موقف المشركين من عقيدة البعث. فحكت ~~أقوالهم الباطلة، وردت عليهم بما يكبتهم وبينت أن يوم القيامة آت لا ريب ~~فيه، وأن النجاة فى هذا اليوم للمتقين، والعذاب والخسران للكافرين قال - ~~تعالى - { ويقول الإنسان... }. ### || [19.66-72] # ذكر كثير من المفسرين أن قوله - تعالى - { ويقول الإنسان... } ~~نزل فى أشخاص معينين. فمنهم من ms3437 يرى أن هذه الآية نزلت فى " أبى بن خلف " ~~فإنه أخذ عظما باليا، فجعل يفتته بيده، ويذريه فى الريح ويقول زعم محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - أننا نبعث بعد أن نموت ونصير مثل هذا العظم البالى ~~ومنهم من يرى أنها نزلت فى الوليد بن المغيرة، أو فى العاصى بن وائل، أو ~~فى أبى جهل. وعلى كل واحد من هذه الأقوال تكون أل فى الإنسان للعهد، ~~والمراد بها أحد هؤلاء الأشخاص، ويكون لفظ الإنسان من قبيل العام الذى ~~أريد به الخصوص. ومن الأساليب العربية المعروفة، إسناد الفعل إلى ~~المجموع، مع أن فاعله بعضهم لا جميعهم كما يقال بنو فلان قتلوا فلانا مع ~~أن القاتل واحد منهم، ومن هذا القبيل قول الفرزدق # فسيوف بنو عبس وقد ضربوا به نبت بيدى ورقاء من رأس خالد # فقد أسند الضرب إلى بنى عبس، مع أنه صرح بأن الضارب هو ورقاء الذى كان ~~السيف بيده. وقيل المراد بالإنسان هنا جماعة معينون وهم الكفرة المنكرون ~~للبعث أو المراد جنس الكافر المنكر للبعث. و " إذا " فى قوله { أإذا ~~ما مت } منصوب بفعل مضمر دل عليه جزاء الشرط. والمعنى ويقول هذا ~~الإنسان الجاهل الجحود، المنكر للبعث والنشور، أأعود للحياة مرة أخرى بعد ~~موتى، وبعد أن أكون كالعظام النخرة. والاستفهام للإنكار والنفى، وعبر - ~~سبحانه - بالمضارع { يقول } لاستحضار تلك الصورة الغريبة، وتلك ~~الأقوال المنكرة التى صدرت عن هذا الكافر، أو لإفادة أن هذا القول موجود ~~ومستمر عند كثير من الكافرين. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - حكاية عن ~~هؤلاء الجاحدين # أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد # وقوله - عز وجل - # يقولون أإنا لمردودون في الحافرة أإذا كنا ~~عظاما نخرة قالوا تلك إذا كرة خاسرة # وقد رد الله - تعالى - عليهم بما يبطل قولهم، ويخرس ألسنتهم فقال { ~~أولا يذكر الإنسن أنا خلقناه من قبل ولم يك ~~شيئا }. والاستفهام للتوبيخ والتقريع، والواو للعطف على مقدر. والمعنى ~~أيقول هذا الإنسان ذلك القول الباطل، ولا يتذكر أننا أوجدناه بقدرتنا من ~~العدم ولم يكن شيئا مذكورا، ومن المعروف ms3438 عند العقلاء، أن إعادة الإنسان ~~إلى الحياة بعد وجوده، أيسر من إيجاده من العدم. فالآية الكريمة ترد على ~~كل جاحد للبعث بدليل منطقى برهانى، يهدى القلوب إل الحق، ويقنع العقول ~~بأن البعث حق وصدق. وفى معنى هذه الآية الكريمة جاءت آيات أخرى كثيرة ~~منها قوله - تعالى - # وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام ~~وهي رميم قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة ~~وهو بكل خلق عليم.. # وقوله - سبحانه - # ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون # قال الإمام ابن كثير " وفى الحديث الصحيح - الذى يرويه النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - عن ربه # " يقول الله - تعالى - كذبنى ابن آدم ولم يكن له أن يكذبنى، وآذانى ابن ~~آدم ولم يكن له أن يؤذينى. أما تكذيبه لى فقوله لن يعيدنى كما بدأنى، ~~وليس أول الخلق أهون على من آخره. وأما أذاه إياى فقوله " إن لى ولدا ~~وأنا الأحد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد ". # ثم عقب - سبحانه - على هذا التوبيخ والتقريع لهذا الإنسان الجاحد، بقسم ~~منه - سبحانه - على وقوع البعث والنشور، فقال { فوربك ~~لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول ~~جهنم جثيا }. والحشر الجمع. يقال حشر القائد جنده، إذا جمعهم. ~~والمراد بالشياطين أولئك الأشرار الذين كانوا فى الدنيا يوسوسون لهم ~~بإنكار البعث. أى أقسم لك بذاتى - أيها الرسول الكريم - أن هؤلاء ~~المنكرين للبعث لنجمعنهم جميعا يوم القيامة للحساب والجزاء، ولنجمعن ~~معهم الشياطين الذين كانوا يظلونهم فى الدنيا. قالوا وفائدة القسم أمران ~~أحدهما أن العادة جارية بتأكيد الخبر باليمين، والثانى أن فى إقسام الله ~~- تعالى - باسمه، مضافا إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - رفعا منه ~~لشأنه، كما رفع من شأن السماوات والأرض فى قوله - تعالى - # فورب السمآء والأرض إنه لحق مثل مآ أنكم ~~تنطقون # وقوله { ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا } تصوير حسى ~~بليغ لسوء مصيرهم، ونكد حالهم. و { جثيا } جمع جاث وهو الجالس على ~~ركبتيه. يقال جثا فلان يجثو ويجثى جثوا وجثيا فهو جاث إذا جلس على ~~ركبتيه، أو قام على أطراف ms3439 أصابعه. والعادة عند العرب أنهم إذا كانوا فى ~~موقف شديد، وأمر ضنك جثوا على ركبهم. أى فوربك لنحضرنهم يوم القيامة ~~للحساب ومعهم شياطينهم، ثم لنحضرنهم جميعا حول جهنم، حالة كونهم باركين ~~على الركب، عجزا منهم عن القيام، بسبب ما يصيبهم من هول يوم القيامة ~~وشدته. قال - تعالى - # وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى ~~كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون هذا ~~كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما ~~كنتم تعملون # ثم يخص - سبحانه - بالذكر المصير المفزع للمتكبرين من هؤلاء الكافرين ~~فيقول { ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على ~~الرحمن عتيا }. والنزع العزل والإخراج. يقال نزع السلطان ~~عامله، إذا عزله وأخرجه من عمله، والشيعة فى الأصل الجماعة من الناس ~~يتعاونون فيما بينهم على أمر من الأمور، يقال تشايع القوم، إذا تعاونوا ~~فيما بينهم. # و { عتيا } أى خروجا عن الطاعة والاستجابة للأمر، يقال عتا فلان ~~يعتو عتوا - من باب قعد - فهو عات إذا استكبر وجاوز حدوده فى العصيان ~~والطغيان. والمعنى ثم لنستخرجن من كل طائفة تشايعت وتعاهدت على الكفر ~~بالبعث، والجحود للحق، الذين هم أشد خروجا عن طاعتنا وامتثال أمرنا ~~فنبدأ بتعذيبهم أولا، لأنهم أشد من غيرهم فى العتو والعناد والجحود ~~والضلال. قال الجمل ما ملخصه " وأظهر الأعاريب فى قوله { أيهم ~~أشد } أن " أى " موصولة بمعنى الذى. وأن حركتها حركة بناء - أى هى ~~مبنية على الضم -، وأشد خبر مبتدأ مضمر. والجملة صلة لأى. وأيهم وصلتها ~~فى محل نصب مفعولا به لننزعن. وعتيا تمييز محول عن المبتدأ المحذوف الذى ~~هو أشد، أى جراءته على الرحمن أشد من جراءة غيره ". وقوله - تعالى - { ~~ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا } ~~بيان لشمول علمه - تعالى - بأحوال هؤلاء الجاحدين، وبأحوال غيرهم. و { ~~صليا } مصدر صلى النار - كرضى - يصلاها صليا - بكسر الصاد وضمها - ~~إذا ذاق حرها، واكتوى بها. أى ثم لنحن أعلم من كل أحد سوانا، بالذين هم ~~أحق بجهنم، وباصطلاء نارها، وبالاكتواء بحرها وسعيرها، لأننا لا يخفى ~~علينا شىء من أحوال خلقنا وسنجازى ms3440 المتقين بما يستحقون من خير وثواب، ~~وسنجازى الجاحدين بما يستحقون من إهانة وعذاب. ثم بين - سبحانه - أن ~~الجميع سيرد جهنم، فقال { وإن منكم إلا واردها كان على ~~ربك حتما مقضيا }. وللعلماء أقوال متعددة فى المراد بقوله - ~~تعالى { وإن منكم إلا واردها }. فمنهم من يرى أن المراد ~~بورودها دخولها فجميع الناس مؤمنهم وكافرهم يدخلونها، إلا أن النار تكون ~~برادا وسلاما على المؤمنين عند دخولهم إياها، وتكون لهيبا وسعيرا على ~~غيرهم. ومنهم من يرى أن المراد بورودها رؤيتها والقرب منها والإشراف ~~عليها دون دخولها. كما فى قوله - تعالى - # ولما ورد مآء مدين # أى أشرف عليه وقاربه. ومنهم من يرى أن المراد بورودها خصوص الكافرين، أى ~~أنهم وحدهم هم الذين يردون عليها ويدخلونها. أما المؤمنون فلا يردون ~~عليها ولا يدخلونها. ويبدو لنا أن المراد بالورود هنا الدخول، أى دخول ~~النار بالنسبة للناس جميعا إلا أنها تكون بردا وسلاما على المؤمنين، ~~وهناك أدلة على ذلك منها. أن هناك آيات قرآنية جاء فيها الورود، بمعنى ~~الدخول، ومن هذه الآيات قوله - تعالى - # ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى ~~فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون ومآ أمر ~~فرعون برشيد يقدم قومه يوم القيامة ~~فأوردهم النار وبئس الورد المورود # ومعنى فأوردهم فأدخلهم. يضاف إلى ذلك أن قوله - تعالى - بعد هذه الآية { ~~ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها ~~جثيا } قرينة قوية على أن المراد بقوله { وإن منكم إلا ~~واردها. # . } أى داخلها سواء أكان مؤمنا أم كافرا، إلا أنه - سبحانه - بفضله ~~وكرمه ينجى الذين اتقوا من حرها، ويترك الظالمين يصطلون بسعيرها. كذلك ~~مما يشهد بأن الورود بمعنى الدخول، ما أخرجه الإمام أحمد وعبد بن حميد ~~والترمذى، وابن المنذر، وابن أبى حاتم، والحاكم... عن أبى سمية قال ~~اختلفنا فى الورود فقال بعضنا لا يدخلها مؤمن، وقال آخرون يدخلونها ~~جميعا، ثم ينجى الله الذين اتقوا. قال فلقيت جابر بن عبد الله - رضى ~~الله عنهما - فذكرت له ذلك فقال - وأهوى بإصبعه على أذنيه - صمتا إن لم ~~أكن سمعت رسول الله - صلى الله ms3441 عليه وسلم - يقول # " لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين بردا وسلاما، ~~كما كانت على إبراهيم حتى إن للنار ضجيجا من بردهم، ثم ينجى الله الذين ~~اتقوا، ويذر الظالمين فيها جثيا ". # ولا يمنع من كون الورود بمعنى الدخول قوله - تعالى - # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها.. # لأن دخول المؤمنين فيها لا يجعلهم يشعرون بحرها أو حسيسها، وإنما هى ~~تكون بردا وسلاما عليهم، كما جاء فى الحديث الشريف. قال الإمام القرطبى ~~بعد أن توسع فى ذكر هذه الأقوال " وظاهر الورود الدخول.. إلا أنها تكون ~~بردا وسلاما على المؤمنين، وينجون منها سالمين. قال خالد بن معدان إذا ~~دخل أهل الجنة الجنة قالوا ألم يقل ربنا إنا نرد النار فيقال لهم لقد ~~وردتموها فألفيتموها رمادا. قلت وهذا القول يجمع شتات الأقوال، فإن من ~~وردها ولم تؤذه بلهبها وحرها، فقد أبعد عنها ونجى منها، نجانا الله - ~~تعالى - منها بفضله وكرمه، وجعلنا ممن وردها فدخلها سالما، وخرج منها ~~غانما. فإن قيل فهل يدخل الأنبياء النار؟ قلنا لا نطلق هذا، ولكن نقول ~~إن الخلق جميعا يردونها - كما دل عليه حديث جابر - فالعصاة يدخلونها ~~بجرائمهم، والأولياء والسعداء لشفاعتهم، فبين الدخولين بون.. ". والمعنى ~~وما منكم - أيها الناس - أحد إلا وهو داخل النار، سواء أكان مسلما أم ~~كافرا، إلا أنها تكون بردا وسلاما على المؤمنين. وهذا الدخول فيها كان ~~على ربك أمرا واجبا ومحتوما، بمقتضى حكمته الإلهية، لا بإيجاب أحد ~~عليه. { ثم ننجي الذين اتقوا } أى ثم بعد دخول الناس ~~جميعا النار، ننجى الذين اتقوا، فنخرجهم منها دون أن يذوقوا حرها { ~~ونذر الظالمين فيها جثيا } أى ونترك الظالمين فى النار ~~مخلدين فيها. جاثين على ركبهم، عاجزين عن الحركة، من شدة ما يصيبهم من ~~هولها وسعيرها. وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا أقوال الجاحدين فى ~~شأن البعث والحساب، وردت عليهم ردا يبطل اقوالهم، كما أثبتت أن البعث ~~حق، وأن الحساب حق، وأن الظالمين سيدخلون النار، وأن المؤمنين سينجيهم ~~الله - تعالى ms3442 - بفضله منها. ثم تسوق السورة بعد ذلك موقف الكافرين عند ~~سماعهم لآيات الله - تعالى - كما تسوق ما قالوه للمؤمنين على سبيل ~~التفاخر عليهم، وما رد به القرآن على هؤلاء المترفين المتعالين، قال - ~~تعالى - { وإذا تتلى... }. ### || [19.73-76] # قوله - سبحانه - { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينت... ~~} حكاية لما قاله الكافرون للمؤمنين على سبيل التباهى والتفاخر. أى وإذا ~~تتلى على هؤلاء المشركين المنكرين للبعث آياتنا البينات الواضحات، الدالة ~~على صحة وقوع البعث والحساب يوم القيامة { قال الذين كفروا } ~~على سبيل العناد والتعالى { للذين آمنوا } بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر، قالوا لهم انظروا { أي الفريقين خير ~~مقاما وأحسن نديا }. والمقام - بفتح الميم - مكان القيام ~~والمراد به مساكنهم ومنازلهم التى يسكنونها وينزلون بها. والندى والنادى ~~والمنتدى مجلس القوم ومكان تجمعهم. يقال ندوت القوم أندوهم ندوا، إذا ~~جمعتهم فى مجلس للانتداء. ومنه دار الندوة للمكان الذى كانت تجتمع فيه ~~قريش للتشاور فى أمورها. أى وإذا تتلى على هؤلاء الكافرين آياتنا الدالة ~~على وحدانيتنا وقدرتنا وعلى أن البعث حق. قالوا للمؤمنين على سبيل ~~الاحتقار لهم نحن وأنتم أينا خير من الآخر مكانا، وأحسن مجلسا ومجتمعا ~~فهم يتفاخرون على المؤمنين بمساكنهم الفارهة، ومجالسهم التى يجتمع فيها ~~أغنياؤهم ووجهاؤهم. قال الجمل فى حاشيته " أى قالوا للمؤمنين انظروا إلى ~~منازلنا فتروها أحسن من منازلكم وانظروا إلى مجلسنا عند التحدث ومجلسكم، ~~فترونا نجلس فى صدر المجلس، وأنتم جالسون فى طرفه الحقير. فإذا كنا بهذه ~~المثابة وأنتم بتلك فنحن عند الله خير منكم، ولو كنتم على حق لأكرمكم ~~الله بهذه الأمور كما أكرمنا بها ". وما حكاه الله - تعالى - عن هؤلاء ~~الكافرين فى هذه الآية، قد جاء ما يشبهه فى آيات أخرى، ومن ذلك قوله - ~~تعالى - # وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن ~~بمعذبين # وقد رد الله - تعالى - على هؤلاء الجاهلين المغرورين بقوله { وكم ~~أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا }. ~~و { وكم } هنا خبرية، ومعناها الاخبار عن العدد الكثير وهى فى محل نصب ~~على المفعول به لجملة { أهلكنا } و { من قرن ms3443 } تمييز لها. ~~والقرن اسم لأهل كل أمة تتقدم فى الوجود على غيرها، مأخوذ من قرن الدابة ~~لتقدمه فيها. و { أثاثا } المتاع للبيت. وقيل هو الجديد من الفراش، ~~وقد يطلق على المال بصفة عامة. و { ورءيا } أى منظرا وهيئة ومرأى فى ~~العين مأخوذ من الرؤية التى تراها العين. والمعنى قل - أيها الرسول ~~الكريم - لهؤلاء الكافرين المتباهين بمساكنهم ومجالسهم لا تفتخروا ولا ~~يغرنكم ما أنتم فيه من نعيم، فإنما هو نوع من الاستدراج، فإن الله - ~~تعالى - قد أهلك كثيرا من الأمم السابقة عليكم، كانوا أحسن منكم متاعا ~~وزينة، وكانوا أجمل منكم منظرا وهيئة فلم ينفعهم أثاثهم ورياشهم ومظهرهم ~~الحسن، عندما أراد الله - تعالى - إهلاكهم بسبب كفرهم وجحودهم. # فالآية الكريمة تهديد للكافرين المعاصرين للنبى - صلى الله عليه وسلم - ~~ورد على أقوالهم الباطلة، وعنجهيتهم الذميمة إذا لو كانت المظاهر ~~والأمتعة والهيئات الحسنة تنفع أصحابها، لنفعت أولئك المهلكين من الأمم ~~السابقة. وشبيه بهذه الآية فى الرد على هؤلاء الكافرين قوله - تعالى - # ومآ أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم ~~عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك ~~لهم جزآء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات ~~آمنون # وقوله - سبحانه - # فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم ~~من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين # ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يضيف إلى تهديدهم ~~السابق تهديدا آخر فقال { قل من كان في الضلالة فليمدد ~~له الرحمن مدا.. }. أى قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء ~~الكافرين المتفاخرين بمساكنهم ومظاهرهم.. قل لهم من كان منغمسا فى ~~الضلالة والشقاوة والغفلة.. فقد اقتضت حكمة الله - تعالى - أن يمد له ~~العطاء كأن يطيل عمره ويوسع رزقه، على سبيل الاستدراج والإمهال.. فصيغة ~~الطلب وهى قوله - تعالى - { فليمدد } على هذا التفسير، المراد بها ~~الإخبار عن سنة من سنن الله - تعالى - فى خلقه، وهى أن سننه - تعالى - قد ~~اقتضت أن يمهل الضالين، وأن يزيدهم من العطاء الدنيوى، ثم يأخذهم أخذ ~~عزيز مقتدر. قال - تعالى - # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء ms3444 حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم ~~بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم ~~الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين # وقال - سبحانه - # ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير ~~لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ~~ولهم عذاب مهين # وقد صدر الآلوسى تفسيره للآية بهذا التفسير فقال ما ملخصه قوله { قل ~~من كان في الضلالة... } أمر منه - تعالى - لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم بأن يجيب على هؤلاء المتفاخرين بما لهم من الحظوظ الدنيوية.. وقوله ~~{ فليمدد له الرحمن مدا } أى يمد - سبحانه - له ويمهله ~~بطول العمر، وإعطاء المال، والتمكن من التصرفات، فالطلب فى معنى الخبر ~~واختير للإيذان بأن ذلك مما ينبغى أن يفعل بموجب الحكمة لقطع المعاذير ~~فيكون حاصل المعنى من كان فى الضلالة فلا عذر له فقد أمهله الرحمن ومد له ~~مدا وجوز أن يكون ذلك للاستدراج. وحاصل المعنى من كان فى الضلالة فعادة ~~الله أن يمد له ويستدرجه. ومن المفسرين من يرى أن صيغة الطلب وهى { ~~فليمدد } على بابها، ويكون المقصود بالآية الدعاء على الضال من ~~الفريقين بالازدياد من الضلال. وعليه يكون المعنى قل - أيها الرسول ~~الكريم لهؤلاء المتفاخرين، من كان منا أو منكم على الضلالة، فليزده الله ~~من ذلك، وكأن الآية الكريمة تأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمباهلة ~~المشركين كما أمره الله - تعالى - فى آية أخرى بمباهلة اليهود فى قوله # قل يأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم ~~أوليآء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن ~~كنتم صادقين.. # وكما أمر الله بمباهلة النصارى فى قوله - سبحانه - # فمن حآجك فيه من بعد ما جآءك من العلم فقل ~~تعالوا ندع أبناءنا وأبنآءكم ونسآءنا ~~ونسآءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل ~~لعنت الله على الكذبين # ومن المفسرين الذين ساروا على هذا التفسير الإمامان ابن جرير وابن كثير، ~~فقد قال ابن كثير يقول - تعالى - { قل } يا محمد لهؤلاء المشركين بربهم ~~المدعين أنهم على الحق وأنكم على الباطل { من كان في الضلالة } ~~أى منا ومنكم { فليمدد له الرحمن مدا } أى فأمهله ~~الرحمن فيما هو فيه ms3445 حتى يلقى ربه وينقضى أجله.. قال مجاهد في قوله { ~~فليمدد له الرحمن مدا } فليدعه الله فى طغيانه هكذا، ~~قرر ذلك أبو جعفر بن جرير، وهذه مباهلة للمشركين الذين يزعمون أنهم على ~~هدى فيما هم فيه كما ذكر - تعالى - مباهلة اليهود والنصارى... ومع وجاهة ~~التفسيرين لمعنى { فليمدد له.. } إلا أننا نميل إلى الرأى الأول ~~وهو أن صيغة الطلب يراد بها الإخبار عن سنة الله - تعالى - فى الضالين، ~~لأنه هو المتبادر من معنى الآية الكريمة ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك { ~~ويزيد الله الذين اهتدوا هدى.. } يؤيد هذا الرأى. وقوله ~~- سبحانه - { حتى إذا رأوا ما يوعدون.. } متعلق بما قبله. ~~أى فليمدد له الرحمن مدا على سبيل الاستدراج والإمهال، حتى إذا رأى هؤلاء ~~الكافرون ما توعدهم الله - تعالى - به، علموا وأيقنوا أن الأمر بخلاف ما ~~كانوا يظنون وما كانوا يقولون لأنهم سينزل الله - تعالى - بهم { إما ~~العذاب } الدنيوى على أيدى المؤمنين { وإما الساعة } أى وإما ~~عذاب الآخرة وهو أشد وأبقى. وحينئذ يعلمون ويوقنون { من هو } من ~~الفريقين { شر مكانا } أى أسوأ منزلا ومسكنا { وأضعف جندا ~~} وأضعف أعوانا وأنصارا. وهذه الجملة الكريمة رد على قول المشركين قبل ~~ذلك { أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا }. ~~وقوله - تعالى - { ويزيد الله الذين اهتدوا هدى.. } ~~كلام مستأنف مسوق لبيان سنة الله - تعالى - التى لا تتخلف فى المهتدين، ~~بعد بيان سنته فى الضالين. أى ويزيد الله - تعالى - المهتدين إلى طريق ~~الحق هداية على هدايتهم، بأن يثبتهم عليه، كما قال - سبحانه - # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # وكما قال - عز وجل - # هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ~~ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم.. # وقوله - تعالى - { والباقيات الصالحات خير عند ربك ~~ثوابا وخير مردا } أى والأعمال الباقيات الصالحات كالصلاة ~~والزكاة والصيام والحج وغيرها من أعمال البر، خير عند ربك ثوابا وجزاء ~~مما تمتع به الكفار فى دنياهم من شهوات { وخير مردا } أى مرجعا ~~وعاقبة. وقال صاحب الكشاف فإن قلت كيف قيل خير عند ربك ثوابا، كأن ~~لمفاخراتهم ثوابا، حتى يعل ثواب الصالحات خيرا ms3446 منه؟. قلت كأنه قيل ثوابهم ~~النار على طريقة قوله تحية بينهم ضرب وجيع، ثم ينى عليه خير ثوابا، وفيه ~~ضرب من التهكم الذى هو أغيظ للمتهدد من أن يقال له عقابك النار... ~~والخلاصة أنه لا ثواب لهؤلاء الكافرين سوى النار، أما المؤمنون فثوابهم ~~جنات تجرى من تحتها الأنهار. وقال بعض العلماء " ويظهر لى فى الآية جواب ~~آخر أقرب من هذا، وهو أن الكافر يجازى بعمله الصالح فى الدنيا، فإذا بر ~~والديه، ونفس عن المكروب.. فإن الله يثيبه فى الدنيا. فثوابه هذا الراجع ~~إليه من عمله فى الدنيا، هو الذى فضل عليه ثواب المؤمنين، وهذا واضح لا ~~إشكال فيه ". وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد حكت جانبا من تباهى الكافرين ~~بديناهم، وردت عليهم بما يخرس ألسنتهم. ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك ~~لونا آخر من ألوان تبجحهم، وأقوالهم الباطلة، وردت عليها بأسلوب منطقي ~~حكيم فقال - تعالى - { أفرأيت الذي... }. ### || [19.77-80] # ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها ما أخرجه البخارى ~~ومسلم عن خباب بن الأرت قال جئت العاص بن وائل السهمى أتقاضاه حقا لى ~~عنده، فقال لى لا أعطيك حتى تكفر بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فقلت له ~~لا، والله لا أكفر بمحمد - صلى الله عليه وسلم - حيا ولا ميتا ولا إذا ~~بعثت، فقال العاص فإذا بعثت جئتنى ولى هناك مال وولد فأعطيك حقك، فأنزل ~~الله - تعالى - هذه الآيات. وفى رواية أن رجالا من أصحاب النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - أتوا العاص يتقاضون دينا لهم عليه فقال ألستم تزعمون أن ~~فى الجنة ذهبا وفضة وحريرا ومن كل الثمرات؟ قالوا بلى. قال " موعدكم ~~الآخرة والله لأوتين مالا وولدا ". والاستفهام فى قوله - سبحانه - { ~~أفرأيت.. } للتعجيب من شأن هذا الكافر الجهول والفاء للعطف على ~~مقدر يستدعيه المقام، والتقدير أنظرت أيها العاقل فرأيت هذا الجاحد ~~الجهول الذى كفر بآياتنا الدالة على وحدانيتنا، وعلى أن البعث حق، وعلى ~~أن ما جاء به رسولنا - صلى الله عليه وسلم - حق وصدق... ولم يكتف بهذا ~~الكفر، بل قال بكل ms3447 تبجح، وإصرار على الباطل، واستهزاء بالدين الحق والله ~~{ لأوتين } فى الآخرة { مالا وولدا } كما هو حالى فى الدنيا. ~~فأنت ترى أن هذا الكفار لم يكتف بكفره، بل أضاف إليه القول الباطل ~~المصحوب بالقسم الكاذب، وبالتهكم بالدين الحق. وقرأ حمزة والكسائى { ~~لأوتين مالا وولدا } - بضم الواو الثانية وسكون اللام -، وقرأ ~~الباقون بفتحهما. قالوا والقراءتان بمعنى واحد كالعرب والعرب. ويرى ~~بعضهم الولد بالفتح للمفرد، والولد - بضم الواو وسكون اللام - للجمع. وقد ~~رد الله - تعالى - على هذا المتبجح المغرور ردا حكيما ملزما فقال { ~~أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا ~~كلا... }. والاستفهام للإنكار والنفى، والأصل أاطلع فحذفت همزة الوصل ~~للتخفيف. والمعنى إن قول هذا الجاهل إما أن يكون مستندا إلى إطلاعه على ~~الغيب وعلمه بأن الله سيؤتيه فى الآخرة مالا وولدا، وإما أن يكون مستندا ~~إلى عهد أعطاه الله - تعالى - له بذلك. ومما لا شك فيه أن كلا الأمرين لم ~~يتحققا بالنسبة له، فهو لم يطلع على الغيب، ولم يتخذ عند الله عهدا، فثبت ~~كذبه وافتراؤه، ولذا كذبه الله - تعالى - بقوله { كلا } وهو قول يفيد ~~الزجر والردع والنفى. أى كلا لم يطلع على الغيب، ولم يتخذ عند الرحمن ~~عهدا. بل قال ذلك افتراء على الله. وقوله - سبحانه - { سنكتب ما ~~يقول ونمد له من العذاب مدا ونرثه ما يقول ~~ويأتينا فردا } بيان للمصير السيىء الذى سيصير إليه هذا الشقى ~~وأمثاله، و { ونمد } من المد وأكثر ما يستعمل فى المكروه. # أى سنسجل على هذا الكافر ما قاله، ونحاسبه عليه حسابا عسيرا، ونزيده ~~عذابا فوق العذاب المعد له، بأن نضاعفه له ونطيله عليه { ونرثه ما ~~يقول } أى ما يقول إنه يؤتاه يوم القيامة من المال والولد، بأن نسلبه ~~منه، ونجعله يخرج من هذه الدنيا خالى الوفاض منهما، وليس معه فى قبره سوى ~~كفنه، { ويأتينا فردا } أى ويأتينا يوم القيامة بعد مبعثه منفردا ~~بدون مال أو ولد أو خدم أو غير ذلك مما كان يتفاخر به فى الدنيا هو ~~وأشباهه من المغرورين الجاحدين. قال صاحب الكشاف فإن ms3448 قلت كيف قيل سنتكب ~~بسين التسويف وهو كما قاله كتبه من غير تأخير قال - تعالى # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # قلت فيه وجهان أحدهما سنظهر له ونعلمه أنا كتبنا قوله على طريقة قول ~~الشاعر # إذا ما انتسبنا لم تلدنى لئيمة ولم تجدى من أن تقرى بها بدا # أى تبين وعلم بالانتساب أنى لم تلدنى لئيمة. والثانى أن المتوعد يقول ~~للجانى سوف أنتقم منك، يعنى أنه لا يخل بالانتصار وإن تطاول به الزمان ~~واستأخر، فجرد ها هنا لمعنى الوعيد... ثم تسوق السورة الكريمة بعد ذلك ~~ألوانا أخرى من رذائل المشركين، فتحكى اعتزازهم بأوثانهم، ونثبت عداوة ~~هذه الأوثان لهم يوم القيامة، وتبشر المؤمنين برضا الله - تعالى - عنهم. ~~وتنذر الكافرين بالسوق إلى جهنم.. قال - تعالى - { واتخذوا.. }. ### || [19.81-87] # الضمير فى قوله { واتخذوا } يعود إلى أولئك الكافرين الذين ذكر ~~القرآن فيما سبق بعض رذائلهم ودعاواهم الكاذبة، ولما تنته بعد. أى واتخذ ~~هؤلاء الجاهلون آلهة باطلة يعبدونها من دون الله - تعالى - لتكون لهم تلك ~~الآلهة { عزا } أى - لينالوا بها العزة والشفاعة والنصرة والنجاة من ~~عذاب يوم القيامة. فقد حكى القرآن أنهم كانوا إذا سئلوا عن سبب عبادتهم ~~لهذه الأصنام التى لا تنفع ولا تضر قالوا # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # وقالوا # هؤلاء شفعاؤنا عند الله... # وقد رد الله - تعالى - عليهم بما يردعهم عن هذا الظن لو كانوا يعقلون ~~فقال { كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ~~ضدا }. و { كلا } لفظ جىء به لزجرهم وردعهم عن هذا الاتخاذ الفاسد ~~الباطل. أى ليس الأمر كما توهم الجاهلون من أن أصنامهم ستكون لهم عزا، بل ~~الحق أن هذه المعبودات الباطلة ستكون عدوة لهم. وقرينتهم فى النار. وشبيه ~~بهذه الآية قوله - تعال - # ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا ~~يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعآئهم ~~غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآء ~~وكانوا بعبادتهم كافرين # وقوله - سبحانه - # إن تدعوهم لا يسمعوا دعآءكم ولو سمعوا ما ~~استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ~~ولا ينبئك ms3449 مثل خبير # وأفرد - سبحانه - عزا وضدا مع أن المراد بهما الجمع. لأنهما مصدران ثم ~~بين - عز وجل - أن هؤلاء الكافرين قد استحوذت عليهم الشياطين فزادتهم ~~كفرا على كفرهم، فقال - تعالى - { ألم تر أنآ أرسلنا ~~الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا فلا تعجل ~~عليهم إنما نعد لهم عدا }. والاستفهام للتقرير ~~والتأكد و { تؤزهم } تحركهم تحريكا قويا. وتهزهم هزا شديدا، ~~وتحرضهم على ارتكاب المعاصى والموبقات حتى يقعوا فيها. يقال أز فلان ~~الشىء يئزه ويؤزه.. بكسر الهمزة وضمها أزا، إذا حركه بشدة، وأز فلان ~~فلانا، إذا أغراه وهيجه وحثه على فعل شىء معين، وأصله من أزت القدر تؤز ~~أزيزا، إذا اشتد غليان الماء فيها. والمعنى لقد علمت أنت وأتباعك أيها ~~الرسول الكريم، أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين، وسلطناهم عليهم، ~~وقيضناهم لهم، لكى يحضوهم على ارتكاب السيئات، ويحركوهم تحريكا شديدا ~~نحو الموبقات حتى يقترفوها وينغمسوا فيها.. وما دام الأمر كذلك. فذرهم فى ~~طغيانهم يعمهون، ولا تتعجل وقوع العذاب بهم. فإن الله - تعالى - قد حدد - ~~بمقتضى حكمته - وقتا معينا لنزول العذاب بهم. وقوله { إنما نعد ~~لهم عدا } تعليل لموجب النهى ببيان أن وقت هلاكهم قد اقترب، إذ كل ~~معدود له نهاية ينتهى عندها. قال القرطبى ما ملخصه قوله { إنما ~~نعد لهم عدا } يعنى الأيام والليالى والشهور والسنين إلى ~~انتهاء أجل العذاب. # . وقال الضحاك نعد أنفسهم وقال قطرب نعد أعمالهم عدا. روى أن المأمون ~~قرأ هذه السورة فمر بهذه الآية وعنده جماعة من الفقهاء فأشار برأسه إلى ~~ابن السماك أن يعظه، فقال إذا كانت الأنفاس بالعدد، ولم يكن لها مدد، فما ~~أسرع ما تنفد، وقيل فى هذا المعنى # حياتك أنفاس تعد فكلما مضى نفس منك انتقصت به جزءا يميتك ما يحييك فى ~~كل ليلة ويحدوك حاد ما يريد به الهزءا # وكان ابن عباس - رضى الله عنهما - إذا قرأ هذه الآية بكى وقال آخر العدد ~~خروج نفسك. آخر العدد فراق أهلك آخر العدد دخول قبرك. ثم بين - سبحانه - ~~عاقبة المتقين، وعاقبة المجرمين يوم القيامة فقال { يوم نحشر ~~المتقين ms3450 إلى الرحمن وفدا ونسوق المجرمين ~~إلى جهنم وردا لا يملكون الشفاعة إلا من ~~اتخذ عند الرحمن عهدا } و { يوم } ظرف منصوب بقوله { ~~لا يملكون.. }. أى لا يملكون الشفاعة يوم نحشر المتقين.. ويجوز أن ~~يكون منصوبا بفعل محذوف تقديره اذكر أو احذر.. وقوله { وفدا } جمع ~~وافد. يقال وفد فلان على فلان يفد وفدا ووفودا، إذا أقدم عليه، وفعله من ~~باب وعد. ويطلق الوفد على الجمع من الرجال الذين يفدون على غيرهم لأمر من ~~الأمور الهامة، وهم راكبون على دوابهم. وهذا الإطلاق هو المراد باللفظ ~~هنا. والمعنى واذكر - أيها العاقل - يوم القيامة، يوم نحشر المتقين إلى ~~جنة الرحمن، ودار كرامته راكبين على مراكب تنشرح لها النفوس وتسر لها ~~القلوب. قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه يخبر الله - ~~تعالى - عن أوليائه المتقين، الذين خافوه فى الدار الدنيا، واتبعوا رسله ~~وصدقوهم، أنه يحشرهم يوم القيامة وفدا إليه. والوفد هم القادمون ركبانا ~~ومنه الوفود، وركوبهم على نجائب من نور من مراكب الدار الآخرة. وهم ~~قادمون على خير موفود إليه، إلى دار كرامته ورضوانه. وقال ابن أبى حاتم ~~حدثنا أبو سعيد الأشج.. عن ابن مرزوق قال يستقبل المؤمن عند خروجه من ~~قبره أحسن صورة رآها، أطيبها ريحا، فيقول نم أنت؟ فيقول أما تعرفنى؟ ~~فيقول لا، إلا أن الله - تعالى - طيب ريحك وحسن وجهك. فيقول أنا عملك ~~الصالح.. فهلم فاركبنى فذلك قوله { يوم نحشر المتقين إلى ~~الرحمن وفدا }. وقوله - تعالى - { ونسوق المجرمين ~~إلى جهنم وردا } بيان لسوء عاقبة المجرمين بعد بيان ما أعده ~~الله للمتقين من نعيم. و { وردا } أى عطاشا. وأصل الورد الإتيان إلى ~~الماء بقصد الارتواء منه بعد العطش الشديد. أى ونسوق المجرمين الذين ~~ارتكبوا الجرائم فى دنياهم، نسوقهم سوقا إلى جهنم كما تساق البهائم. حالة ~~كونهم عطاشا، يبحثون عن الماء فلا يجدونه. # والضمير فى قوله - تعالى - { لا يملكون الشفاعة.. } يرى ~~بعضهم أنه يعود إلى المجرمين فى قوله { ونسوق المجرمين.. }. أى ~~نسوق المجرمين إلى جهنم عطاشا، حالة كونهم لا يملكون الشفاعة ms3451 لغيرهم، ولا ~~يستحقون أن يشفع لهم غيرهم، لكن من اتخذ عند الرحمن عهدا وهم المؤمنون ~~الصادقون فإنهم يملكون بتمليك الله - تعالى - لهم إياها وإذنه لهم فيها، ~~كما قال - تعالى - # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه.. # وكما قال - سبحانه - # وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم ~~شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشآء ~~ويرضى # وعلى هذا التفسير يكون الاستثناء منقطعا. قال القرطبى " قوله - تعالى - ~~{ لا يملكون الشفاعة } أى هؤلاء الكفار لا يملكون الشفاعة ~~لأحد { إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا } وهم المسلمون ~~فيملكونها، فهو استثناء الشىء من غير جنسه. أى لكن من اتخذ عند الرحمن ~~عهدا يشفع، فمن فى موضع نصب على هذا... ويرى آخرون أن الضمير فى قوله { ~~لا يملكون... } يعود إلى فريقى المتقين والمجرمين. أى لا يملك أحد ~~من الفريقين يوم القيامة الشفاعة لأحد، ولا يملك غيرهم الشفاعة لهم، { ~~إلا من اتخذ } منهم { عند الرحمن عهدا } وهم ~~المؤمنون فإنهم يملكون بإذن الله لهم. والمراد بالعهد الأمر والإذن، يقال ~~عهد الأمير إلى فلان بكذا، إذا أمره به. أو أذن له فى فعله. وعلى هذا ~~يكون الاستثناء متصلا، ويكون لفظ { من } بدل من الواو فى { ~~يملكون }. قال الآلوسى ما ملخصه " قوله { لا يملكون ~~الشفاعة } ضمير الجمع يعم المتقين والمجرمين، أى العباد مطلقا... ~~وقوله { إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا } اسثناء ~~متصل... والمعنى لا يملك العباد أن يشفعوا لغيرهم، إلا من اتصف منهم بما ~~يستأهل معه أن يشفع وهو المراد بالعهد... ". ويبدو لنا أن هذا القول ~~أولى، لشموله وعمومه إذ الكلام السابق فى الفريقين جميعا، فريق المتقين ~~وفريق المجرمين. ثم يستطرد السياق القرآنى، إلى حكاية أقوال أخرى، من ~~أقوال الكافرين الباطلة، وهى زعمهم أن لله - تعالى - ولدا، فقال - ~~سبحانه - { وقالوا اتخذ... }. ### || [19.88-95] # والضمير فى قوله - تعالى - { وقالوا } يشمل كل من تفوه بهذا القول ~~الباطل سواء أكان من اليهود أم من النصارى أم من المشركين. وقوله { ~~لقد جئتم شيئا إدا } توبيخ وتقريع من الله - تعالى - لهم ~~على هذا القول ms3452 المنكر. أى لقد جئتم بقولكم هذا أيها الضالون شيئا فظيعا ~~عجيبا منكرا تقشعر لهوله الأبدان. والإد والإدة - بكسر الهمزة - الأمر ~~الفظيع والداهية الكبيرة. يقال فلان أدته الداهية فهى تئده وتؤده، إذا ~~نزلت به وحطمت كيانه. وقوله - سبحانه - { تكاد السماوات ~~يتفطرن منه... } فى موضع الصفة لقوله { إدا }. أى لقد جئتم ~~بقولكم هذا أمرا منكرا فظيعا، تكاد السماوات { يتفطرن منه } ~~أى يتشققن من هوله، من التفطير بمعنى التشقيق، يقال فلان فطر هذا الشىء ~~يفطره - بكسر الطاء وضمها - إذا شقه. وقرأ حمزة وابن عامر { ~~ينفطرن } من الانفطار وهو الانشقاق - أيضا -. { وتنشق ~~الأرض } أى وتتصدع الأرض من عظمه، وتنخسف بهؤلاء القائلين ذلك القول ~~الفاسد، { وتخر الجبال هدا } أى وتسقط الجبال مهدودة - أيضا ~~- من فظاعة هذا القول. يقال هذا الجدار يهده - بضم الهاء - هدا إذا ~~هدمه. وقوله { أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي ~~للرحمن أن يتخذ ولدا } بمنزلة التعليل لما قبله مع ~~تقدير لام التعليل المحذوفة. أى تكاد السماوات يتفطرن والأرض تتشقق، ~~والجبال تنهد، لأن هؤلاء الضالين قد زعموا أن الله - تعالى - ولدا، ~~والحال أنه ما يصح أن يتخذ الرحمن ولدا، لأنه - سبحانه - غنى عن ~~العالمين. قال صاحب الكشاف ما ملخصه " إن قلت ما معنى هذا التأثر من أجل ~~هذه الكلمة؟. قلت فيه وجهان أحدهما أن الله - سبحانه - يقول كدت أفعل هذا ~~بالسماوات والأرض والجبال عند وجود هذه الكلمة غضبا منى على من تفوه ~~بها.. لولا أنى لا أعجل بالعقوبة... والثانى أن يكون استعظاما للكلمة، ~~وتهويلا من فظاعتها وتصويرا لأثرها فى الدين، وهدمها لأركانه وقواعده، ~~وأن مثال ذلك الأثر فى المحسوسات أن يصيب هذه الأجرام العظيمة التى هى ~~قوام العالم ما تنفطر منه وتنشق وتخر.. ". وقال الإمام القرطبى " نفى عن ~~نفسه - سبحانه وتعالى - الولد، لأن الولد يقتضى الجنسية والحدوث.. ولا ~~يليق به ذلك، ولا يوصف به، ولا يجوز فى حقه... وروى البخارى عن أبى هريرة ~~قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول الله - تبارك وتعالى - ~~كذبنى ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمنى ms3453 ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياى ~~فقوله لن يعيدنى كما بدأنى. وليس أول الخلق بأهون على من إعادته. # وأما شتمه إياى فقوله اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد، لم يلد ولم ~~يولد ولم يكن له كفوا أحد ". ثم بين - سبحانه - أن جميع المخلوقات خاضعة ~~لقدرته وإرادته وعلمه فقال { إن كل من في السماوات والأرض ~~إلا آتي الرحمن عبدا... }. و { إن } نافية بمعنى ما، أى ~~ما من أحد من أهل السماوات والأرض إلا وهو يأتى يوم القيامة مقرا له - ~~سبحانه - بالعبودية، خاضعا لقدرته، معترفا بطاعته. مقرا بأنه بعد من ~~مخلوقاته. ومن كان كذلك فكيف يكون له ولد؟ وصدق الله إذ يقول # بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم ~~تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء ~~عليم # ثم أكد - سبحانه - أنه هو المالك لكل شىء، والعليم بكل شىء فقال { ~~لقد أحصاهم }. أى حصرهم وأحاط بهم، بحيث لا يخرج أحد من ~~مخلوقاته عن علمه وطاعته { وعدهم عدا } أى وعد أشخاصهم وذواتهم ~~وحركاتهم وسكناتهم.. بحيث لا يهربون من قبضته، ولا يخفى عليه أحد منهم.. ~~{ وكلهم آتيه يوم القيامة فردا } أى وكل واحد يأتيه - ~~سبحانه - يوم القيامة منفردا، بدون أهل أو مال أو جاه... أو غير ذلك مما ~~كانوا يتفاخرون به فى الدنيا. وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ردت أبلغ رد ~~وأحكمه. على أولئك الضالين الذين زعموا أن لله ولدا. ثم ختم - سبحانه - ~~السورة الكريمة ببيان ما أعده لعباده المؤمنين وببيان بعض الخصائص التى ~~جعلها لكتابه الكريم.. فقال - تعالى - { إن الذين آمنوا... }. ### || [19.96-98] # أى إن الذين امنوا بالله - تعالى - حق الإيمان، وعملوا الأعمال الصالحات ~~{ سيجعل لهم الرحمن } فى دنياهم وفى آخرتهم { ودا } أى ~~سيجعل لهم محبة ومودة فى القلوب، لإيمانهم وعملهم الصالح، يقال ود فلان ~~فلانا، إذا أحبه وأخلص له المودة. وروى الإمام مسلم فى صحيحه عن أبى ~~هريرة قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " إن الله - تعالى - إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال يا جبريل إنى أحب ~~فلانا ms3454 فأحبه. قال فيحبه جبريل. ثم ينادى فى أهل السماء إن الله يحب ~~فلانا فأحبوه. قال فيحبه أهل السماء. ثم يوضع له القبول فى الأرض، وإن ~~الله إذا أبغض عبدا دعا جبريل فقال يا جبريل إنى أبغض فلانا فأبغضه. ~~قال فيبغضه جبريل ثم ينادى فى أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه. ~~قال فيبغضه أهل السماء، ثم توضع له البغضاء فى الأرض ". # ثم بين - سبحانه - الحكمة التى من أجلها جعل القرآن ميسرا فى حفظه وفهمه ~~فقال { فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به ~~المتقين وتنذر به قوما لدا }. أى إننا أنزلنا هذا ~~القرآن على قلبك - أيها الرسول الكريم - وجعلناه بلسانك العربى المبين، ~~وسهلنا حفظه وفهمه على الناس، { لتبشر به المتقين } الذين ~~امتثلوا أمرنا واجتنبوا نهينا { وتنذر به قوما لدا } أى ~~ذوى لدد وشدة فى الخصومة بالباطل، وهم مشركو قريش فقوله { لدا } جمع ~~ألد ومنه قوله - تعالى - # ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ~~ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام # أى أشد الناس خصومة وجدلا. وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله - تعالى - # ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر # وقوله - سبحانه - # فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون # ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الآية التى تخبر عن سنة من سننه ~~فى الظالمين فقال { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل ~~تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا }. أى وكثير ~~من القرى الظالمة التى سبقتك - أيها الرسول الكريم - قد أهلكناها ~~وأبدناها وجعلناها خاوية على عروشها. والاستفهام فى قوله { هل تحس ~~منهم من أحد } للنفى أى ما تحسن منهم أحدا ولا ترى منها ~~ديارا. يقال أحس الرجل الشىء إحساسا، إذا علمه وشعر به. وقوله { أو ~~تسمع لهم ركزا } معطوف على ما قبله، والركز. الصوت الخفى. ومنه ~~قولهم ركز فلان رمحه، إذا غيب طرفه وأخفاه فى الأرض. ومنه الركاز للمال ~~المدفون فى الأرض. والمعنى أهلكنا كثيرا من القرى الظالمة الماضية، ~~فأصبحت لا ترى منهم أحدا على الإطلاق، ولا تسمع لهم صوتا حتى ولو كان ~~صوتا ms3455 خافتا ضعيفا وإنما هم فى سكون عميق، وصمت رهيب، بعد أن كانوا فوق ~~هذه الأرض يدبون ويتحركون. وهذه سنتنا التى لا تتخلف فى الظالمين. # نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ # نعوذ بالله - تعالى - من ذلك. وبعد فهذا تفسير لسورة مريم، نسأل الله - ~~تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده. وصلى الله على سيدنا ~~محمد وعل آله وصحبه وسلم. ### | [20 - سورة طه] ### || [20.1-8] # افتتحت السورة الكريمة بلفظ { طه } ، وهذا اللفظ أظهر الأقوال فيه أنه ~~من الحروف المقطعة التى افتتحت بها بعض سور القرآن الكريم. وقد بينا بشىء ~~من التفصيل عند تفسيرنا لسور البقرة، وآل عمران، والأعراف، ويونس... آراء ~~العلماء فى المقصود بهذه الحروف. وقلنا ما خلاصته لعل أقرب الأقوال إلى ~~الصواب، أن هذه الحروف المقطعة قد وردت فى افتتاح بعض سور القرآن الكريم، ~~على سبيل الإيقاظ والتنبيه والتعجيز لمن عارضوا فى كون القرآن من عند ~~الله - تعالى -، أو فى كونه معجزة للنبى - صلى الله عليه وسلم - دالة على ~~صدقه فيما يبلغه عن ربه. وقيل إن هذا اللفظ بمعنى يا رجل فى لغة بعض ~~قبائل العرب... وقيل إنه اسم للرسول - صلى الله عليه وسلم - أو للسورة.. ~~إلى غير ذلك من الأقوال التى رأينا أن نضرب عنها صفحا لضعفها. وقوله - ~~سبحانه - { مآ أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا ~~تذكرة لمن يخشى }. استئناف مسوق لتسلية الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - عما أصابه من المشركين، والشقاء يأتى فى اللغة بمعنى التعب ~~والعناء، ومنه المثل القائل " أشقى من رائض مهر " أى أتعب. ومنه قول ابى ~~الطيب المتنبى # ذو العقل يشقى فى النعيم بعقله وأخو الجهالة فى الشقاوة ينعم # أى ما أنزلنا عليك القرآن - أيها الرسول الكريم - لكى تتعب وتجهد نفسك ~~هما وغما بسبب إعراض المشركين عن دعوتك، كما قال - تعالى - # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # وإنما أنزلناه إليك لتسعد بنزوله، ولتبلغ آياته، ثم بعد ذلك من شاء ~~فليؤمن ومن شاء فليكفر، فأنت عليك البلاغ ونحن علينا الحساب. ومنهم من ~~يرى ms3456 أن المقصود بالآية النهى عن المغالاة فى العبادة، فقد أثر عنه - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قام الليل حتى تورمت قدماه فيكون المعنى ما أنزلنا ~~عليك القرآن لكى تهلك نفسك بالعبادة، وتذيقها ألوان المشقة والتعب، فإن ~~الله - تعالى - يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، وما جعل عليكم فى ~~الدين من حرج. ومنهم من يرى أن الآية مسوقة للرد على المشركين، الذين ~~قالوا ما أنزل هذا القرآن على محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا ليشقى، ~~فيكون المراد بالشقاء ما هو ضد السعادة. قال القرطبى ما ملخصه " وأصل ~~الشقاء فى اللغة العناء والتعب، أى ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب، بسبب ~~فرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم.. أى ما عليك إلا أن تبلغ وتنذر.. وروى أن ~~أبا جهل والنضر بن الحارث قالا للنبى - صلى الله عليه وسلم - إنك لتشقى ~~لأنك تركت دين آبائك، فأريد الرد على ذلك بأن دين الإسلام، وهذا القرآن ~~هو السلم إلى نيل كل فوز، والسبب فى درك كل سعادة، وما فيه الكفرة هو ~~الشقاوة بعينها. # وروى أنه - عليه الصلاة والسلام - صلى بالليل حتى اسمندت قدماه - أى ~~تورمت - فقال له جبريل أبق على نفسك فإن لها عليك حقا، أى ما أنزلنا عليك ~~القرآن لتنهك نفسك فى العبادة، وتذيقها المشقة الفادحة، وما بعثت إلا ~~بالحنيفية السمحة.. ويبدو لنا أن الآية الكريمة وإن كانت تتسع لهذه ~~المعانى الثلاثة، إلا أن المعنى الأول أظهرها، وأقربها إلى سياق الآيات ~~الكريمة، فإن قوله - تعالى - بعد ذلك { إلا تذكرة لمن ~~يخشى } بيان للحكمة التى من أجلها أنزل الله - تعالى - هذا القرآن. ~~أى ما أنزلنا عليك يا محمد هذا القرآن لتتعب من فرط تأسفك على كفر ~~الكافرين، وإنما أنزلناه من أجل أن يكون { تذكرة } أى موعظة تلين ~~لها قلوب من يخشى عقابنا، ويخاف عذابنا، ويرجو ثوابنا. وما دام الأمر ~~كذلك فامض فى طريقك، وبلغ رسالة ربك، ثم بعد ذلك لا تتعب نفسك بسبب كفر ~~الكافرين، فإنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء. وخص - سبحانه ms3457 - ~~التذكرة بمن يخشى دون غيره، لأن الخائف من عذاب الله - تعالى - هو وحده ~~الذى ينتفع بهدايات القرآن الكريم وآدابه وتوجيهاته وأحكامه ووعده ~~ووعيده.. كما قال - تعالى - # فذكر بالقرآن من يخاف وعيد # وكما قال - سبحانه - # إنمآ أنت منذر من يخشاها # أى الساعة. ثم بين - سبحانه - مصدر القرآن الذى أنزله - تعالى - للسعادة ~~لا للشقاء فقال { تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات ~~العلى }. وقوله { تنزيلا } منصوب بفعل مضمر دل عليه قوله { مآ ~~أنزلنا.. }. أى نزل هذا القرآن تنزيلا ممن خلق الأرض التى تعيشون ~~عليها، وممن خلق السماوات العلى، أى المرتفعة. جمع العليا ككبرى وكبر، ~~وصغرى وصغر. ثم مدح - سبحانه - ذاته بقوله { الرحمن على ~~العرش استوى } أى الرحمن - عز وجل - استوى على عرش ملكه استواء ~~يليق بذاته بلا كيف أو تشبيه، أو تمثيل. قال الإمام مالك الاستواء غير ~~مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وقد ذكر ~~لفظ العرش فى إحدى وعشرين آية من آيات القرآن الكريم. قال بعض العلماء " ~~أما الاستواء على العرش فذهب سلف الأمة - ومنهم الأئمة الأربعة - إلى أنه ~~صفة لله - تعالى - بلا كيف ولا انحصار ولا تشبيه ولا تمثيل؟ لاستحالة ~~اتصافه - تعالى - بصفات المحدثين، ولوجوب تنزيهه - تعالى - عما لا يليق ~~به # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # وأنه يجب الإيمان بها كما وردت، وتفويض العلم بحقيقتها إليه - تعالى -. # .. ثم أكد - سبحانه - شمول ملكه وقدرته فقال { له ما في ~~السماوات وما في الأرض } من كائنات وموجودات ملكا وتصرفا ~~وإيحاء وإماتة، وله { ما بينهما } من مخلوقات لا يعلمها إلا هو وله ~~{ ما تحت الثرى } والثرى هو التراب الندى. يقال ثريت الأرض - ~~كرضيت - إذا نديت ولانت بعد أن كانت جدباء يابسة. والمقصود وله - سبحانه ~~- بجانب ما فى السماوات وما فى الأرض وما بينهما، ما وراء الثرى وهو تخوم ~~الأرض وطبقاتها إلى نهايتها. وخص - سبحانه - ما تحت الثرى بالذكر، مع أنه ~~داخل فى قوله { وما في الأرض } لزيادة التقرير، ولتأكيد شمول ~~ملكيته - سبحانه - لكل شىء. وقوله - سبحانه - { وإن تجهر ~~بالقول فإنه يعلم ms3458 السر وأخفى } بيان لشمول علمه ~~بكل شىء، بعد بيان شمول قدرته. والجهر بالقول رفع الصوت به. والسر ما حدث ~~به الإنسان غيره بصورة خفية. وأخفى أفعل تفضيل وتنكيره للمبالغة فى ~~الخفاء. والمعنى وإن تجهر - أيها الرسول - بالقول فى دعائك أو فى مخاطبتك ~~لربك، فربك - عز وجل - غنى عن ذلك، فإنه يعلم ما يحدث به الإنسان غيره ~~سرا، ويعلم أيضا ما هو أخفى من ذلك وهو ما يحدث به الإنسان نفسه دون أن ~~يطلع عليه أحد من الخلق. قال - تعالى - # وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات ~~الصدور ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # وقال - سبحانه - # ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ~~ونحن أقرب إليه من حبل الوريد # ومنهم من يرى أن لفظ { أخفى } فعل ماض. فيكون المعنى وإن تجهر بالقول ~~فى ذكر أو دعاء فلا تجهد نفسك بذلك فإنه - تعالى - يعلم السر الذى يكون ~~بين اثنين، ويعلم ما أخفاه - سبحانه - عن عباده من غيوب لا يعلمها إلا ~~هو، ويعلم ما سيفعله الإنسان من أعمال فى المستقبل، قبل أن يعلم هذا ~~الإنسان أنه سيفعلها. قال الجمل وقوله { أخفى } جوزوا فيه وجهين ~~أحدهما أنه أفعل تفضيل. أى وأخفى من السر. والثانى أنه فعل ماض. أى وأخفى ~~الله من عباده غيبه، كقوله # ولا يحيطون به علما # ثم أثنى - سبحانه - على ذاته بما هو أهل له فقال { الله لا إله ~~إلا هو له الأسمآء الحسنى }. أى هو الله - تعالى - وحده ~~الذى يجب أن يخلص الخلق له العبادة والطاعة ولا أحد غيره يستحق ذلك، وهو ~~صاحب الأسماء { الحسنى } أى الفضلى والعظمى، لدلالتها على معانى ~~التقديس والتمجيد والتعظيم والنهاية فى السمو والكمال. وفى الحديث الصحيح ~~عن النبى - صلى الله عليه وسلم - # " إن لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة ". # قال - تعالى - # ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين ~~يلحدون في أسمآئه سيجزون ما كانوا يعملون # وقال - سبحانه - # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما ~~تدعوا فله الأسمآء الحسنى.. # ثم ساقت ms3459 السورة الكريمة بشىء من التفصيل جانبا من قصة موسى، التى تعتبر ~~أكثر قصص الأنبياء ورودا فى القرآن الكريم، حيث جاء الحديث عنها فى سور ~~البقرة، والمائدة، والأعراف، ويونس، والإسراء، والكهف، والشعراء، والقصص. ~~وقد بدأت السورة حديثها عن قصة موسى ببيان اختيار الله - تعالى - له لحمل ~~رسالته، وتبليغ دعوته قال - تعالى - { وهل أتاك حديث... }. ### || [20.9-16] # قال ابن كثير - رحمه الله - " من ها هنا شرع - تبارك وتعالى - فى ذكر ~~قصة موسى، وكيف كان ابتداء الوحى إليه وتكليمه إياه، وذلك بعد ما قضى ~~موسى الأجل الذى كان بينه وبين صهره فى رعاية الغنم وسار بأهله، قاصدا ~~بلاد مصر بعد ما طالت الغيبة عنها أكثر من عشر سنين، ومعه زوجته فاضل ~~الطريق، وكانت ليلة شاتية، ونزل منزلا بين شعاب وجبال، فى برد وشتاء، ~~وسحاب وظلال وضباب، وجعل يقدح بزند معه ليورى نارا، كما جرت العادة به، ~~فجعل لا يقدح شيئا، ولا يخرج منه شرر ولا شىء، فبينما هو كذلك، إذ آنس من ~~جانب الطور نارا. أى ظهرت له نار من جانب الجبل الذى هناك عن يمينه، فقال ~~لأهله يبشرهم {... امكثوا إني آنست نارا لعلي ~~آتيكم منها بقبس } أى شهاب من نار... والاستفهام فى قوله - ~~سبحانه - { وهل أتاك.. } لتقرير الخبر وتثبيته، وهذا أبلغ عن مجيئه ~~بصورة الخبر المجرد. لأن فى الاستفهام التقريرى تطلع واشتياق لمعرفة ~~الخبر. والجملة الكريمة مستأنفة لتأكيد ما سبق الحديث عنه من وحدانية ~~الله - تعالى - ولتسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - عما اصابه من ~~قومه. ببيان جانب من جهاد أخيه موسى - عليه السلام -. والمعنى لقد أتاك - ~~أيها الرسول الكريم - خبر أخيك موسى، وقت أن رآى نارا وهو عائد ليلا من ~~مدين إلى مصر { فقال لأهله } أى لامرأته ومن معها { امكثوا } ~~أى أقيموا فى مكانكم ولا تبرحوه حتى أعود إليكم. وجملة { إني آنست ~~نارا } تعليل الأمر بالمكوث، وآنست من الإيناس بمعنى الإبصار الواضح ~~الجلى. أى إنى أبصرت إبصارا بينا لا شبهة فيه نارا على مقربة منى، ~~فامكثوا فى أماكنكم { لعلي آتيكم منها بقبس ms3460 }. والقبس ~~الشعلة التى تؤخذ من النار فى طرف عود أو نحوه. ووزنه فعل - بفتح العين - ~~بمعنى مفعول أى لعلى آتيكم من هذه النار بشعلة مقتبسة منها، ومأخوذة ~~عنها. وقوله { أو أجد على النار هدى } معطوف على ما قبله. أى ~~امكثوا فى مكانكم حتى أذهب إلى النار التى شاهدتها، لعلى آتيكم منها ~~بشعلة، أو أجد عندها هاديا يهدينى إلى الطريق الذى أسلكه لكى أصل إلى ~~المكان الذى أريده. فقوله { هدى } مصدر بمعنى اسم الفاعل أى هاديا. وقد ~~دلت آية أخرى على أن موسى قد ذهب إلى النار ليأتى منها بما يدفىء أهله من ~~البرد. وهذه الآية هى قوله - تعالى - # فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب ~~الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا ~~لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار ~~لعلكم تصطلون # ثم بين - سبحانه - ما حدث لموسى بعد أن اقترب من النار فقال { فلمآ ~~أتاها نودي يموسى إني أنا ربك فاخلع نعليك ~~إنك بالواد المقدس طوى }. أى فلما أتى موسى - عليه ~~السلام - إلى النار، واقترب منها.. { نودي } من قبل الله - عز وجل - { ~~يموسى إني أنا ربك } الذى خلقك فسواك فعدلك.. { فاخلع ~~نعليك } تعظيما لأمرنا. وتأدبا فى حضرتنا. وقوله { إنك ~~بالواد المقدس طوى } تعليل للأمر بخلع النعل، أى أزل نعليك ~~من رجليك لأنك الآن موجود بالوادى { المقدس } أى المظهر المبارك، ~~المسمى طوى فهو عطف بيان من الوادى. { وأنا اخترتك } أى اصطفيتك ~~من بين أفراد قومك لحمل رسالتى، وتبليغ دعوتى { فاستمع لما ~~يوحى } إليك منى، ونفذ ما آمرك به. { إنني أنا الله لا ~~إله إلا أنا } مستحق للعبادة والطاعة والخضوع { فاعبدني } ~~عبادة خالصة لوجهى. { وأقم الصلاة } التى هى من أشرف العبادات، ~~وأفضل الطاعات { لذكري } أى وأدم إقامة الصلاة بخشوع وإخلاص، ليشتد ~~تذكرك لى، واتصالك بى، وذلك لأن الصلاة مشتملة على الكثير من الأذكار ~~التى فيها الثناء على ذاتى وصفاتى. أو المعنى وأدم الصلاة لذكرى خاصة، ~~بحيث تكون خالصة لوجهى، ولا رياء فيها لأحد. قال الآلوسى ما ملخصه قوله ms3461 { ~~لذكري } الظاهر أنه متعلق بأقم، أى أقم الصلاة لذكرى فيها لاشتمالها ~~على الأذكار. وقيل المراد أقم الصلاة لذكرى خاصة لا ترائى بها ولا تشوبها ~~بذكر غيرى.. أو لكى أذكرك بالثناء وأثيبك بها. أو لذكرى إياها فى الكتب ~~السماوية وأمرى بها. أو لأوقات ذكرى وهى مواقيت الصلاة. فاللام وقتية ~~بمعنى عند مثلها فى قوله - تعالى - # يليتني قدمت لحياتي # ومن الناس من حمل الذكر على ذكر الصلاة بعد نسيانها. والمراد أقم الصلاة ~~عند تذكرها.. ففى الحديث الصحيح # " من نام عن صلاة أو نسيها. فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها، لا كفارة لها ~~إلا ذلك.. ". # وخص - سبحانه - الصلاة بالذكر مع أنها داخلة فى العبادة المأمور بها فى ~~قوله { فاعبدني } على سبيل التشريف والتكريم، إذ الصلاة أكمل وسيلة ~~توصل الإنسان إلى مداومة ذكر الله - تعالى - وخشيته، لاشتمالها على ألوان ~~متعددة من صور العبادة والطاعة، إذ فيها قراءة للقرآن الكريم، وفيها ~~الصلاة على النبى - صلى الله عليه وسلم - وفيها تسبيح الله وتمجيده. ثم ~~بين - سبحانه - أن الساعة آتية لا ريب فيها فقال { إن الساعة ~~آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى ~~فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه ~~فتردى }. أى إن الساعة التى هى وقت البعث والحساب والثواب والعقاب، ~~آتية أى كائنة وحاصلة لا شك فيها. وقوله { أكاد أخفيها } أى أقرب ~~أن أخفى وقتها ولا أظهره لا إجمالا ولا تفصيلا، ولولا أن فى إطلاع ~~أصفيائى على بعض علاماتها فائدة، لما تحدثت عنها. # قالوا " والحكمة فى إخفاء الساعة وإخفاء وقت الموت، أن الله - تعالى - ~~وعد بعدم قبول التوبة عند قربهما، فلو عرف وقت الموت لاشتغل بالمعصية إلى ~~قرب ذلك الوقت ثم يتوب، فيتخلص من عقاب المعصية فتعريف الموت كالإغراء ~~بفعل المعصية، وهو لا يجوز. قال الآلوسى ما ملخصه وقوله { أكاد ~~أخفيها } أقرب أن أخفى الساعة ولا أظهرها، بأن أقول إنها آتية.. أو ~~أريد إخفاء وقتها المعين وعدم إظهاره.. فكاد بمعنى أراد، وإلى هذا ذهب ~~الأخفش وغيره.. وروى عن ابن عباس أن المعنى أكاد أخفيها ms3462 من نفسى، فكيف ~~أظهركم عليها.. وهذا محمول على ما جرت به عادة العرب من أن أحدهم إذا ~~أراد المبالغة فى كتمان الشىء قال كدت أخفيه عن نفسى. وقال أبو على ~~المعنى أكاد أظهرها بأن أوقعها، وهذا بناء على أن أخفيها من ألفاظ السلب ~~بمعنى أزيل خفاءها... ويبدو لنا أن الإخفاء هنا على حقيقته، وأن المقصود ~~من الآية الكريمة إخفاء وقت مجىء الساعة عن الناس، حتى يكونوا على ~~استعداد لمجيئها عن طريق العمل الصالح الذى ينفعهم يوم القيامة. فحكمة ~~الله - تعالى - اقتضت إخفاء وقت الساعة، وعدم إطلاع أحد عليها إلا ~~بالمقدار الذى يأذن الله - تعالى - به لرسله. قال الإمام ابن جرير ما ~~ملخصه " والذى هو أولى بتأويل الآية من القول قول من قال معناه أكاد ~~أخفيها من نفسى.. لأن المعروف من معنى الإخفاء فى كلام العرب التسر. يقال ~~قد أخفيت الشىء إذا سترته.. وإنما اخترنا هذا القول على غيره لموافقته ~~أقوال أهل العلم من الصحابة والتابعين... وقوله { لتجزى كل ~~نفس بما تسعى } متعلق بآتية، وجملة { أكاد أخفيها } ~~معترضة بينهما. أى إن الساعة آتية لا ريب فيها، لكى تجزى كل نفس على حسب ~~سعيها وعملها فى الدنيا. قال - تعالى - # ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ~~فأولئك كان سعيهم مشكورا # وقال - سبحانه - # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # ثم حذر - سبحانه - من عدم الاستعداد للساعة. ومن الشك فى إتيانها فقال { ~~فلا يصدنك عنها } أى فلا يصرفنك عن الإيمان بها، وعن العمل ~~الصالح الذى ينفعك عند مجيئها { من لا يؤمن بها } من الكافرين ~~والفاسقين { واتبع هواه } فى إنكارها وفى تكذيب ما يكون فيها من ~~ثواب أو عقاب { فتردى } أى فتهلك، إن أنت أطعت هذا الذى لا يؤمن ~~بها. يقال ردى فلان - كرضى - إذا هلك، وأرداه غيره إذا أهلكه. فالآية ~~الكريمة تحذير شديد من اتباع المنكرين لقيام الساعة والمعرضين عن ~~الاستعداد لها، بعد أن أكد - سبحانه - فى آيات كثيرة أن الساعة آية لا ~~ريب فيها. # قال - تعالى ms3463 - # ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى ~~وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ~~ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور # وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة قد أثبتت وحدانية الله - تعالى - كما فى ~~قوله { إنني أنا الله لا إله إلا أنا } كما أثبتت ~~وجوب التوجه إليه وحده بالعبادة كما فى قوله - سبحانه - { فاعبدني ~~وأقم الصلاة لذكري }. كما أثبتت أن يوم القيامة لا شك فى ~~إتيانه فى الوقت الذى يريده الله - تعالى -. كما قال - عز وجل - { إن ~~الساعة آتية... }. ثم بين - سبحانه - بعض التوجيهات والأوامر التى ~~وجهها - عز وجل - إلى نبيه موسى - عليه السلام - كما حكى ما التمسه موسى ~~من خالقه - تعالى - فقال { وما تلك بيمينك... }. ### || [20.17-35] # الاستفهام فى قوله - تعالى - { وما تلك بيمينك يموسى } ~~للتقرير، لأن الله - تعالى - عالم بما فى يمين موسى، فالمقصود من هذا ~~السؤال اعتراف موسى وإقراره بأن ما في يده إنما هى عصا فيزداد بعد ذلك ~~يقينه بقدرة الله - تعالى - عندما يرى العصا التى بيمينه قد انقلبت حية ~~تسعى. قال صاحب الكشاف إنما سأله - سبحانه - ليريه عظم ما يخترعه - عز ~~وعلا - فى الخشبة اليابسة من قلبها حية نضاضة - أى تحرك لسانه فى فمها -، ~~وليقرر فى نفسه المباينة البعيدة بين المقلوب عنه، والمقلوب إليه، وينبهه ~~على قدرته الباهرة. ونظيره أن يريك الزراد زبرة من حديد - أى قطعة من ~~حديد - ويقول لك ما هى؟ فتقول زبرة حديد. ثم يريك بعد أيام لبوسا مسردا ~~فيقول لك هى تلك الزبرة صيرتها إلى ما ترى من عجيب الصنعة، وأنيق ~~السرد... والآية الكريمة شروع فى بيان ما كلف الله - تعالى - به عبده ~~موسى - عليه السلام - من الأمور المتعلقة بالخلق، إثر حكاية ما أمر - ~~سبحانه - به موسى من إخلاص العبادة له، والإيمان بالساعة وما فيها من ~~حساب وثواب وعقاب. والمعنى وأى شىء بيدك اليمنى يا موسى؟ فأجاب موسى ~~بقوله - كما حكى القرآن عنه { قال هي عصاي } أى الشىء الذى بيمينى ~~هو عصاى.. ونسبها إلى نفسه لزيادة التحقق والتثبت من ms3464 أنها خاصة به وكائنة ~~بيده اليمنى. ثم بين وظيفتها فقال { أتوكأ عليها } أى أعتمد ~~عليها لتساعدنى فى حال السير { وأهش بها على غنمي } أى ~~وأضرب بها الشجر اليابس ليسقط، ورقة فترعاه أغنامى. يقال هش فلان الشجرة ~~بالعصا - من باب رد - فهو يهشها هشا، إذا ضربها بعصاه أو بما يشبهها ~~ليتساقط ورقها. ومفعول أهش محذوف. أى وأهش بها الشجر والورق. { ولي ~~فيها مآرب أخرى } والمآرب جمع مأربة - بتثليث الراء - بمعنى ~~حاجة. تقول لا أرب لى في هذا الشىء، أى لا حاجة لى فيه. أى ولى فى هذه ~~العصا حاجات أخرى، ومنافع غير التى ذكرتها. وقد كان يكفى موسى - عليه ~~السلام - فى الجواب أن يقول هى عصاى، ولكنه أضاف إلى ذلك أتوكأ عليها ~~وأهش بها على غنمى.. لأن المقام يستدعى البسط والإطالة فى الكلام، إذ هو ~~مقام حديث العبد مع خالقه، والحبيب مع حبيبه. وأجمل فى قوله { ولي ~~فيها مآرب أخرى } إما حياء من الله - تعالى - لطول الكلام فى ~~الجواب، وإما رجاء أن يسأل عن هذه المآرب المجملة، فيجيب عنها بالتفصيل ~~تلذذا فى الخطاب. قال القرطبى وفى هذه الآية دليل على جواب السؤال بأكثر ~~مما سئل، لأنه لما قال { وما تلك بيمينك يموسى } ذكر معانى ~~أربعة وهى إضافة العصا إليه، وكان حقه أن يقول عصا، والتوكؤ، والهش، ~~والمآرب المطلقة. # فذكر موسى من منافع عصاه معظمها. وفى الحديث سئل النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - عن ماء البحر فقال # " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " # وسألته امرأة عن الصغير حين رفعته إليه فقالت # " ألهذا حج؟ قال " نعم ولك أجر ". # وقال الإمام ابن كثير عند تفسيره لقوله { ولي فيها مآرب ~~أخرى } وقد تكلف بعضهم لذكر شىء من تلك المآرب التى أبهمت، فقيل كانت ~~تضىء له بالليل، وتحرس له الغنم إذا نام، ويغرسها فتصير شجرة تظلله، وغير ~~ذلك من الأمور الخارقة للعادة. والظاهر أنها لم تكن كذلك، ولو كانت كذلك ~~لما استنكر موسى صيرورتها ثعبانا، ولما فر منها هاربا، ولكن كل ذلك من ~~الأخبار الإسرائيلية. وقوله - سبحانه ms3465 - { قال ألقها يموسى } ~~جملة مستأنفة جواب عن سؤال مقدر، كأنه قيل فماذا قال الله - تعالى - ~~لموسى بعد ذلك؟. فكان الجواب قال - سبحانه - لموسى اطرح يا موسى هذه ~~العصا التى بيمينك لترى ما يكون بعد ذلك. { فألقاها فإذا هي ~~حية تسعى }. أى فامتثل موسى أمر ربه، فألقاها على الأرض، ونظر ~~إليها فإذا هى قد تحولت بقدرة الله - تعالى - إلى " حية " - أى ثعبان ~~عظيم - " تسعى " ، أى تمشى على الأرض بسرعة وخفة حركة ووصفها - سبحانه - ~~هنا بأنها { حية تسعى } ، ووصفها فى سورة الشعراء بأنها # ثعبان مبين # ووصفها فى سورة النمل بأنها # تهتز كأنها جآن # ولا تنافى بين هذه الأوصاف، لأن الحية اسم جنس يطلق على الصغير والكبير، ~~والذكر والأنثى، والثعبان هو العظيم منها، والجان هو الحية الصغيرة ~~الجسم، السريعة الحركة. وقد صرحت بعض الآيات أن موسى - عليه السلام - ~~عندما رأى عصاه قد تحولت إلى ذلك، ولى مدبرا ولم يعقب. قال - تعالى # وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جآن ولى ~~مدبرا ولم يعقب.. # ولكن الله - تعالى - ثبت فؤاده، وطمأن نفسه { قال خذها ولا ~~تخف } أى خذ هذه الحية التى تحولت عصاك إليها ولا تخف منها، كما هو ~~شأن فى الطبائع البشرية، فإنا { سنعيدها سيرتها الأولى } أى ~~سنعيد هذه الحية إلى هيئتها الأولى التى كانت عليها قبل أن تصير حية ~~تسعى، وهى أن نعيدها بقدرتنا التى لا يعجزها شىء إلى عصا كما كانت من ~~قبل. فالجملة الكريمة مسوقة لتعليل وجوب الامتثال للأمر وعدم الخوف، أى ~~خذها ولا تخف منها، فإن هذه الحية سنرجعها عصا كما كانت من قبل. وقوله - ~~تعالى - { سيرتها } فعلة من السير، وهى الحالة والهيئة التى يكون ~~عليها الإنسان، وهو منصوب بنزع الخافض. # أى سنعيدها إلى هيئتها وحالتها الأولى. قالوا ومن الحكم التى من أجلها ~~حول الله - تعالى - العصا إلى حية تسعى توطين قلب موسى - عليه السلام - ~~على ذلك، حتى لا يضطرب إذا ما تحولت إلى ثعبان عظيم عندما يلقيها أمام ~~فرعون وقومه. فقد جرت عادة الإنسان أن يقل اضطرابه من الشىء العجيب ms3466 ~~الغريب بعد رؤيته له لأول مرة. ثم وجه - سبحانه - أمرا آخر إلى عبده موسى ~~فقال { واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضآء من ~~غير سوء آية أخرى }. والضم الجمع. يقال ضم فلان أصابعه إذا ~~جمعها. والجناح، يطلق على العضد وعلى الجنب، وعلى الإبط. واصله جناح ~~الطائر وسمى بذلك لأنه يجنحه، أى يميله عند الطيران، ثم توسع فيه فأطلق ~~على العضد وغيره. والمراد باليد هنا كف يده اليمنى. والسوء الردىء ~~والقبيح من كل شىء، وكنى به هنا عن البرص لشدة قبحه. والمعنى واضمم - يا ~~موسى - يدك اليمنى إلى عضد يدك اليسرى بأن تجعلها تحته عند الإبط. ثم ~~أخرجها فإنها تخرج { بيضآء من غير سوء } أى تخرج منيرة مشرقة ~~واضحة البياض دون أن يعلق بها أى سوء من برص أو مرض أو غيرهما، وإنما ~~يكون بياضها بياضا مشرقا بقدرة الله - تعالى وإرادته. قال الحسن البصرى ~~أخرجها - والله - كأنها مصباح، فعلم موسى أنه قد لقى ربه - تعالى -. ~~وقوله { تخرج بيضآء... } جواب الأمر وهو قوله { واضمم يدك ~~}. وقوله { من غير سوء } احتراس لدفع توهم أن يكون بياضها بسبب ~~مرض أو أذى، وهو متعلق بتخرج. وقوله { آية أخرى } أى معجزة أخرى ~~غير معجزة العصا التى سبق أن منحناها لك. كما قال - تعالى - { واضمم ~~إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك ~~إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين }. ~~وقوله { لنريك من آياتنا الكبرى } ، تعليل لمحذوف، أى ~~فعلنا ما فعلنا من إعطائك معجزة العصا ومعجزة اليد، لنريك بهاتين ~~المعجزتين بعض معجزاتنا الكبرى، الدالة على عظيم قدرتنا، وانفرادنا ~~بالربوبية والأولهية. ثم صرح - سبحانه - بالمقصود من إعطاء موسى هاتين ~~المعجزتين العظيمتين فقال { اذهب إلى فرعون إنه طغى } ~~أى اذهب يا موسى ومعك هاتان المعجزتان، فادعه إلى عبادتى وحدى، ومره ~~فليحسن إلى بنى إسرائيل ولا يعذبهم، وانهه عن التجبر والظلم، فإنه قد طغى ~~وبغى وتجاوز حدود الحق والعدل، وزعم الناس أنه ربهم الأعلى. وهنا التمس ~~موسى - عليه السلام - العون من خالقه، لكى يتسنى له أداء ما كلفه به فقال ~~{ رب ms3467 اشرح لي صدري } أى أسألك يا إلهى أن توسع صدرى بنور ~~الإيمان والنبوة، وأن تجعله يتقبل تكاليفك بسرور وارتياح. # { ويسر لي أمري } أى وسهل لى ما أمرتنى به، فإنك إن لم تحطنى ~~بهذا التيسير، فلا طاقة لى بحمل أعباء هذه الرسالة. قال صاحب الكشاف " ~~لما امره بالذهاب إلى فرعون الطاغى - لعنه الله - عرف أنه كلف أمرا ~~عظيما، وخطبا جسيما يحتاج معه إلى احتمال مالا يحتمله إلا ذو جأش رابط، ~~وصدر فسيح، فاستوهب ربه أن يشرح صدره، ويفسح قلبه، ويجعله حليما حمولا ~~يستقبل ما عسى يرد عليه من الشدائد التى يذهب معها صبر الصابر.. وأن يسهل ~~عليه فى الجملة أمره الذى هو خلافة الله فى أرضه، وما يصحبها من مزاولة ~~معاظم الشئون، ومقاساة جلائل الخطوب.. وقوله { واحلل عقدة من ~~لساني يفقهوا قولي } دعاء ثالث تضرع به إلى خالقه - تعالى - ~~أى وأسألك يا رب أن تحل عقدة من لسانى حتى يفهم الناس قولى لهم، وحديثى ~~معهم، فهما يتأتى منه المقصود، فمن للتبعيض، أى واحلل عقده كائنة من ~~عقده. وقد روى أنه كان بلسانه حبسة، والأرجح أن هذا هو الذى عناه، ويؤيده ~~قوله - تعالى - فى آية أخرى # وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ~~ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون # قال ابن كثير " ذلك لما كان أصابه من اللثغ، حين عرض عليه - فرعون - ~~التمرة والجمرة، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه.. وما سأل أن يزول ذلك ~~بالكلية، بل حيث يزول العى، ويحصل لهم فهم ما يريد منه وهو قدر الحاجة ~~ولو سأل الجميع لزال، ولكن الأنبياء لا يسألون إلا بقدر الحاجة، ولهذا ~~بقيت بقية. قال الحسن البصرى سأل موسى ربه أن يحل عقدة واحدة من لسانه، ~~ولو سأل أكثر من ذلك لأعطى. وقوله - سبحانه - { واجعل لي وزيرا ~~من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في ~~أمري } دعاء آخر تضرع به إلى ربه فى أمر خارجى عنه، بعد أن دعاه فى ~~أمر يتعلق بصدره ولسانه. وقوله { وزيرا } من الموازرة وهى المعاونة. ~~يقال وازرت ms3468 فلانا موازرة، إذا أعنته على أمره، أو من الوزر - بفتح الواو ~~والزاى - وهو الملجأ الذى يعتصم به الإنسان لينجو من الهلاك. أى وأسألك - ~~يا إلهى - أن تجعل لى " وزيرا " أى معينا وظهيرا من أهلى فى إبلاغ ~~رسالتك، وهذا الوزير المعين هو أخى هارون، الذى أسألك أن تقوى به ظهرى، ~~وأن تجعله شريكا لى فى تبليغ رسالتك، حتى نؤديها على الوجه الأكمل، وكأن ~~موسى - عليه السلام - قد علم من نفسه حدة الطبع، وسرعة الانفعال، فالتجأ ~~إلى ربه لكى يعينه بأخيه هارون، ليقويه ويتشاور معه فى الأمر الجليل الذى ~~هو مقدم عليه، وهو تبليغ رسالة الله إلى فرعون الذى طغى وبغى وقال لقومه ~~أنا ربكم الأعلى. # قال ابن عباس نبىء هارون ساعتئذ حين بنىء موسى. وقوله { كي ~~نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا ~~بصيرا } تعليل للدعوات الصالحات التى تضرع بها موسى إلى ربه - تعالى ~~-. أى أجب - يا إلهى - دعائى بأن تشرح صدرى.. وتشد بأخى هارون أزرى، كى ~~نسبحك تسبيحا كثيرا، ونذكرك ذكرا كثيرا، إنك - سبحانك - كنت وما زلت بنا ~~بصيرا، لا يخفى عليك شىء من أمرنا أو من أمر خلقك، فأنت المطلع على حالنا ~~وعلى ضعفنا، وأنت العليم بحاجتنا إليك وإلى عونك ورعايتك. بهذه الدعوات ~~الخاشعات ابتهل موسى إلى ربه، وأطال الابتهال فى بسط حاجته، وكشف ضعفه.. ~~فماذا كانت النتيجة؟ لقد كانت النتيجة أن أجاب الله له دعاءه، وحقق له ~~مطالبه، وذكره ببعض مننه عليه فقال - تعالى - { قال قد أوتيت... ~~}. ### || [20.36-41] # قوله - سبحانه - { قال قد أوتيت سؤلك يموسى } حكاية لما ~~رد الله - تعالى - به على نبيه موسى - عليه السلام - بعد أن تضرع إليه ~~بتلك الدعوات النافعات. والسؤال هنا بمعنى المسئول، كالأكل بمعنى ~~المأكول. قال الآلوسى " والإيتاء عبارة عن تعلق إرادته - تعالى - بوقوع ~~تلك المطالب وحصولها له - عليه السلام - ألبتة، وتقديره - تعالى - إياها ~~حتما، فكلها حاصلة له - عليه السلام - وإن كان وقوع بعضها بالفعل مرتبا ~~بعد، كتيسير الأمر، وشد الأزر... أى قال الله - تعالى - لموسى بعد أن ~~ابتهل إليه - سبحانه - بما ابتهل ms3469 لقد أجبنا دعاءك يا موسى، وأعطيناك ما ~~سألتنا إياه، فطب نفسا وقر عينا. وقوله - تعالى - { ولقد مننا ~~عليك مرة أخرى } تذكير منه - سبحانه - لموسى، بجانب من النعم ~~التى أنعم بها عليه، حتى يزداد ثباتا وثقة بوعد الله - تعالى - ولذا صدرت ~~الجملة بالقسم. أى وبعزتى وجلالى لقد مننا عليك، وأحسنا إليك { مرة ~~أخرى } قبل ذلك، ومنحناك من رعايتنا قبل أن تلتمس منا أن نشرح لك ~~صدرك، وأن نيسر لك أمرك... ثم فصل - سبحانه - هذه المنن التى امتن بها ~~على عبده موسى، فذكر ثمانية منها أما أول هذا المنن فتتمثل فى قوله - ~~تعالى - { إذ أوحينآ إلى أمك ما يوحى }. و { إذ } ~~ظرف لقوله { مننا } والإيحاء الإعلام فى خفاء.. وإيحاء الله - تعالى ~~- إلى أم موسى كان عن طريق الإلهام أو المنام أو غيرهما. قال صاحب الكشاف ~~" الوحى إلى أم موسى إما أن يكون على لسان نبى فى وقتها، كقوله - تعالى # وإذ أوحيت إلى الحواريين # أو يبعث إليها ملكا لا على وجه النبوة كما بعث إلى مريم. أو يريها ذلك ~~فى المنام فتتنبه عليه أو يلهمها كقوله - تعالى - # وأوحى ربك إلى النحل # أى أوحينا إليها أمرا لا سبيل إلى التوصل إليه، ولا إلى العلم به، إلا ~~بالوحى. والمعنى ولقد مننا عليك يا موسى مرة أخرى، وقت أن أوحينا إلى أمك ~~بما أوحينا من أمر عظيم الشأن، يتعلق بنجاتك من بطش فرعون. فالتعبير ~~بالموصول فى قوله { ما يوحى } للتعظيم والتهويل، كما فى قوله - تعالى ~~- # فأوحى إلى عبده مآ أوحى # ثم وضح - سبحانه - ما أوحاه إلى أم موسى فقال { أن اقذفيه في ~~التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم ~~بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له.. }. و { أن } ~~فى قوله { أن اقذفيه } مفسرة، لأن الإيحاء فيه معنى القول دون ~~حروفه. والمراد بالقذف هنا الوضع، والمراد به فى قوله { فاقذفيه في ~~اليم } الإلقاء فى البحر وهو نيل مصر. # والتابوت الصندوق الذى يوضع فيه الشىء. والمعنى لقد كان من رعايتنا لك ~~يا موسى أن أوحينا إلى أمك عندما خافت عليك ms3470 القتل أن ضعى ابنك فى ~~التابوت، ثم بعد ذلك اقذفيه بالتابوت فى البحر، وبأمرنا وقدرتنا يلقى ~~اليم بالتابوت على شاطىء البحر وساحله، وفى هذه الحالة يأخذه عدو لى وعدو ~~له، وهو فرعون الذى طغى وقال لقومه أنا ربكم الأعلى. والضمائر كلها تعود ~~إلى موسى - عليه السلام - وقيل إن الضمير فى قوله { فاقذفيه في ~~اليم }. وفى قوله { فليلقه } يعود إلى التابوت، والأول أرجح، ~~لأن تفريق الضمائر هنا لا داعى له، بل الذى يقتضيه بلاغة القرآن الكريم، ~~عودة الضمائر إلى موسى - عليه السلام -. قال بعض العلماء وصيغة الأمر فى ~~قوله { فليلقه اليم بالساحل } فيها وجهان معروفان عند ~~العلماء أحدهما أن صيغة الأمر معناها الخبر قال أبو حيان فى البحر وقوله ~~{ فليلقه } أمر معناه الخبر، وجاء بصيغة الأمر مبالغة، إذ الأمر ~~أقطع الأفعال وأوجبها. الثانى أن صيغة الأمر فى قوله { فليلقه } ~~أريد بها الأمر الكونى القدرى كقوله # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # فالبحر لا بد أن يلقيه بالساحل، لأن الله - تعالى - أمره بذلك كونا ~~وقدرا... وقوله { يأخذه } مجزوم فى جواب الطلب وهو قوله { ~~فليلقه... } إذ أنه على الوجه الأول يكون الطلب باعتبار لفظه ~~وصيغته. وقوله - سبحانه - { وألقيت عليك محبة مني } ~~بيان للمنة الثانية. قال الآلوسى وكلمة " منى " متعلقة بمحذوف وقع صفة ~~لمحذوف، مؤكدة لما فى تنكيرها من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية. أى ~~وألقيت عليك محبة عظيمة كائنة منى - لا من غيرى - قد زرعتها فى القلوب، ~~فكل من رآك أحبك. ولقد كان من آثار هذه المحبة عطف امرأة فرعون عليه، ~~وطلبها منه عدم قتله، وطلبها منه كذلك أن يتخذه ولدا. وكان من آثار هذه ~~المحبة أن يعيش موسى فى صغره معززا مكرما فى بيت فرعون مع أنه فى ~~المستقبل سيكون عدوا له. وهكذا رعاية الله - تعالى - ومحبته لموسى جعلته ~~يعيش بين قوة الشر والطغيان آمنا مطمئنا. قال ابن عباس أحب الله - تعالى ~~- موسى، وحببه إلى خلقه. وقوله - تعالى - { ولتصنع على عيني ~~} بيان للمنة الثالثة... أى أوحيت إلى أمك بما ms3471 أوحيت من أجل مصلحتك ~~ومنفعتك وألقيت عليك محبة منى، ليحبك الناس، ولتصنع على عينى. أى ولتربى ~~وأنت محاط بالحنو والشفقة تحت رعايتى وعنايتى وعينى، كما يراعى الإنسان ~~بعينه من يحبه ويهتم بأمره. وهذا ما حدث لموسى فعلا، فقد عاش فى طفولته ~~تحت عين فرعون، وهو عدو الله - تعالى - ومع ذلك لم تستطع عين فرعون أن ~~تمتد بسوء إلى موسى، لأن عين الله - تعالى - كانت ترعاه وتحميه من بطش ~~فرعون وشيعته. # فالجملة الكريمة فيها من الرفق بموسى - عليه السلام - ومن الرعاية له، ~~ما يعجز القلم عن وصفه. وكيف يستطيع القلم وصف حال إنسان قال الله فى ~~شأنه { ولتصنع على عيني }. قال صاحب الكشاف أى ولتربى ويحسن ~~إليك وأنا مراعيك ومراقبك كما يراعى الرجل الشىء بعينه إذا اعتنى به، ~~وتقول للصانع اصنع هذا على عينى إنى أنظر إليك لئلا تخالف به عن مرادى ~~وبغيتى. وقوله { ولتصنع } معطوف على علة مضمرة مثل ليتعطف عليك.. ~~أو حذف معلله أى ولتصنع على عينى فعلت ذلك. ثم بين - سبحانه - المنة ~~الرابعة على موسى فقال { إذ تمشي أختك فتقول هل ~~أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي ~~تقر عينها ولا تحزن... }. وكان ذلك بعد أن التقط آل فرعون ~~موسى من فوق الشاطىء، وبعد أن امتنع عن الرضاعة من أى امرأة سوى أمه. أى ~~وكان من مظاهر إلقاء محبتى عليك، ورعايتى لك، أن أختك بعد أن أمرتها أمك ~~بمعرفة خبرك، سارت فى طرقات مصر فأبصرتك فى بيت فرعون وأنت تمتنع عن ~~الرضاعة من أى امرأة، فقالت أختك لفرعون وامرأته { هل أدلكم ~~على من يكفله }. أى ألا تريدون أن أرشدكم إلى امرأة يقبل هذا ~~الطفل الرضاعة منها، وتحفظه وترعاه، والفاء فى قوله { فرجعناك ~~إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن } هى الفصيحة. أى ~~التى تفصح عن كلام مقدر. والمعنى بعد أن قالت أختك لفرعون وامرأته هل ~~أدلكم على من يكفله. أجابوها بقولهم دلينا عليها، فجاءت بأمك فرجعناك ~~إليها كى تسر برجوعك، ويمتلىء قلبها فرحا بلقائها بك بعد أن ms3472 ألقتك فى ~~اليم، ولا تحزن بسبب فراقك عنها. ثم حكى - سبحانه - المنة الخامسة فقال { ~~وقتلت نفسا فنجيناك من الغم } وكان ذلك عندما ~~استنصر به رجل من قومه على رجل من أعدائه. أى وقتلت نفسا هى نفس القبطى، ~~عندما استعان بك عليه الإسرائيلى فنجيناك من الغم الذى نزل بك بسبب هذا ~~القتل. قال الآلوسى وقد حل له هذا الغم من وجهين خوف عقاب الله - تعالى - ~~حيث لم يقع القتل بأمره - سبحانه - وخوف القصاص، وقد نجاه الله من ذلك ~~بالمغفرة حين قال # رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له # وبالمهاجرة إلى مدين. والغم فى الأصل ستر الشىء، ومنه الغمام لستره ضوء ~~الشمس. ويقال لما يغم القلب بسبب خوف أو فوات مقصود... وقوله - عز وجل - ~~{ وفتناك فتونا } بيان للمنة السادسة التى امتن الله - تعالى - ~~بها على موسى - عليه السلام -. # والفتون جمع فتن كالظنون جمع ظن. والفتن الاختبار والابتلاء تقول فتنت ~~الذهب بالنار، أى أدخلته فيها لتعلم جودته من رداءته. والمعنى واختبرناك ~~وابتليناك - يا موسى - بألوان من الفتن والمحن. ونظم - سبحانه - هذا ~~الفتن والاختبار فى سلك المنن، باعتبار أن الله - تعالى - ابتلاه بالفتن ~~ثم نجاه منها، ونجاه من شرورها. وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه ~~الآية حديثا طويلا سماه بحديث الفتون، ذكر فيه قصة مولد موسى، وإلقائه فى ~~اليم، وتربيته فى بيت فرعون، وقتله القبطى، وهروبه إلى مدين، وعودته منها ~~إلى مصر. وتكليف الله - تعالى - له بالذهاب إلى فرعون، ودعوته إلى عبادة ~~الله وحده..الخ. وقوله - تعالى - { فلبثت سنين في أهل ~~مدين ثم جئت على قدر يموسى } أى فلبثت عشر سنين فى ~~قرية أهل مدين، تعمل كأجير عند الرجل الصالح. ثم جئت بعد ذلك إلى المكان ~~الذى ناديتك فيه { على قدر } أى على وفق الوقت الذى قدرناه لمجيئك، ~~وحددناه لتكليمك واستنبائك، دون أن تتقدم أو تتأخر، لأن كل شىء عندنا ~~محدد ومقدر بوقت لا يتخلف عنه. قال - تعالى - # إنا كل شيء خلقناه بقدر # وقال - سبحانه - # وكل شيء عنده بمقدار # وقال - عز وجل ms3473 - # وكان أمر الله قدرا مقدورا # ثم حكى - سبحانه - المنة الثامنة فقال { واصطنعتك لنفسي } أى ~~وجعلتك محل صنيعتى وإحسانى، حيث اخترتك واصطفيتك لحمل رسالتى وتبليغها ~~إلى فرعون وقومه، وإلى قومك بنى إسرائيل. فالآية الكريمة تكريم عظيم ~~لموسى - عليه السلام - اختاره الله - تعالى - واجتباه من بين خلقه لحمل ~~رسالته إلى فرعون وبنى إسرائيل. هذه ثمانى منن ساقها الله - تعالى - هنا ~~مجملة، وقد ساقها - سبحانه - فى سورة القصص بصورة أكثر تفصيلا، ومن ذلك ~~قوله - تعالى - # وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت ~~عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني ~~إنا رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين ~~فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن ~~فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين وقالت ~~امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى ~~أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون # وبعد أن ذكر - سبحانه - بعض المنن التى امتن بها على نبيه موسى - عليه ~~السلام - أتبع ذلك بذكر بعض التوجيهات التى أمره بفعلها، حيث كلفه بتبليغ ~~الدعوة إلى فرعون، فقال - تعالى - { اذهب أنت وأخوك... }. ### || [20.42-48] # وقوله - سبحانه - { ولا تنيا } فعل مضارع مصدره الونى - بفتح الواو ~~وسكون النون - بمعنى الضعف والفتور والتراخى فى الأمر. يقال ونى فلان فى ~~الأمر ينى ونيا - كوعد يعد وعدا - إذا ضعف وتراخى فى فعله. وقوله { ~~أخوك } فاعل لفعل محذوف. أى وليذهب معك أخوك. والمراد بالآيات ~~المعجزات الدالة على صدق موسى - عليه السلام -، وعلى رأسها عصاه التى ~~ألقاها فإذا هى حية تسعى، ويده التى ضمها إلى جناحه فخرجت بيضاء من غير ~~سوء. والمعنى اذهب يا موسى أنت وأخوك إلى حيث آمركما متسلحين بآياتى ~~ومعجزاتى، ولا تضعفا أو تتراخيا فى ذكرى وتسبيحى وتقديسى بما يليق بذاتى ~~وصفاتى من العبادات والقربات. فإن ذكركما لى هو عدتكما وسلاحكما وسندكما ~~فى كل أمر تقدمان عليه. فالآية الكريمة تدعو موسى وهارون، كما تدعو كل ~~مسلم فى كل زمان ومكان إلى المداومة على ذكر الله - تعالى - فى كل موطن، ~~بقوة لا ضعف معها وبعزيمة صادقة لا فتور فيها ولا ms3474 كلال. وقد مدح - سبحانه ~~- المداومين على تسبيحه وتحميده وتقديسه فى كل أحوالهم فقال # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون ~~الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم # قال صاحب الكشاف قوله { ولا تنيا في ذكري } الونى الفتور ~~والتقصير. أى لا تنسيانى ولا أزال منكما على ذكر حيث تقلبتما، واتخذا ~~ذكرى جناحا تصيران به مستمدين بذلك العون والتأييد منى، معتقدين أن أمرا ~~من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكرى. ويجوز أن يريد بالذكر تبليغ الرسالة، ~~فإن الذكر يقع على سائر العبادات، وتبليغ الرسالة من أجلها وأعظمها فكان ~~جديرا بأن يطلق عليه اسم الذكر... وقال ابن كثير والمراد بقوله { ولا ~~تنيا في ذكري } أنهما لا يفتران فى ذكر الله، بل يذكران الله فى ~~حال مواجهة فرعون، ليكون ذكر الله عونا لهما عليه، وقوة لهما. وسلطانا ~~كاسرا له، كما جاء فى الحديث # " إن عبدى كل عبدى الذى يذكرنى وهو مناجز قرنه ". # ثم أرشدهما - سبحانه - إلى الوجهة التى يتوجهان إليها فقال { اذهبآ ~~إلى فرعون إنه طغى }. أى اذهبا إلى فرعون لتبلغاه دعوتى، ~~ولتأمراه بعبادتى، فإنه قد طغى وتجاوز حدوده، وأفسد فى الأرض، وقال لقومه ~~أنا ربكم الأعلى. وقال لهم - أيضا - ما علمت لكم من إله غيرى. قال الجمل ~~وقوله { اذهبآ إلى فرعون } جمعهما فى صيغة أمر الحاضر مع أن ~~هارون لم يكن حاضرا محل المناجاة بل كان فى ذلك الوقت بمصر - للتغليب ~~فغلب الحاضر على غيره، وكذا الحال فى صيغة النهى. أى قوله { ولا ~~تنيا } روى أنه - تعالى - أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى - ~~عليه السلام - وقيل سمع بإقباله فتلقاه. # .. وقوله - تعالى - { فقولا له قولا لينا لعله ~~يتذكر أو يخشى } إرشاد منه - سبحانه - إلى الطريقة التى ~~ينبغى لهما أن يسلكاها فى مخاطبة فرعون. أى اذهبا إليه، وادعواه إلى ترك ~~ما هو فيه من كفر وطغيان، وخاطباه بالقول اللين، وبالكلام الرقيق. فإن ~~الكلام السهل اللطيف من شأنه أن يكسر حدة الغضب، وأن يوقظ القلب للتذكر، ~~وأن يحمله على الخشية ms3475 من سوء عاقبة الكفر والطغيان. وهذا القول اللين ~~الذى أمرهما الله - تعالى - به هنا قد جاء ما يفسره فى آيات أخرى، وهى ~~قوله - تعالى - # اذهب إلى فرعون إنه طغى فقل هل لك إلى أن ~~تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى.. # فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد اشتملت على ألطف أساليب المخاطبة ~~وأرقها وألينها وأحكمها. قال ابن كثير قوله { فقولا له قولا ~~لينا... } هذه الآية فيها عبرة عظيمة، وهى أن فرعون كان فى غاية ~~العتو والاستكبار، وموسى كان صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع هذا أمر أن ~~لا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين كما قال يزيد الوقاشى عند قراءته ~~لهذه الآية يا من يتحبب إلى من يعاديه، فكيف بمن يتولاه ويناديه؟. ~~والحاصل أن دعوتهما له تكون بكلام رقيق لين قريب سهل، ليكون أوقع فى ~~النفوس وأبلغ وأنجع، كما قال - تعالى - # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن.. # والترجى فى قوله - تعالى - { لعله يتذكر أو يخشى } ~~على بابه إلا أنه يعود إلى موسى وهارون. أى اذهبا إليه، وألينا له القول، ~~وباشرا الأمر معه مباشرة من يرجو ويطمع فى نجاح سعيه، وحسن نتيجة قوله. ~~وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله والترجى لهما أى اذهبا على ~~رجائكما وطمعكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو أن يثمر عليه فهو يجتهد ~~بطوقه، ويحتشد - أى - يستعد ويتأهب - بأقصى وسعه، وجدوى إرسالهما إليه مع ~~العلم أنه لن يؤمن، إلزام الحجة، وقطع المعذرة، كما قال - تعالى - # ولو أنآ أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ~~من قبل أن نذل ونخزى # ويرى بعضهم أن الترجى هنا للتعليل. أى فقولا له قولا لينا لأجل أن يتذكر ~~أو يخشى. قال الآلوسى قال الفراء " لعل " هنا بمعنى كى التعليلية.. وعن ~~الواقدى أن جميع ما فى القرآن من " لعل " فإنها للتعليل، إلا قوله - ~~تعالى - # وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون # فإنها للتشبيه أى كأنكم تخلدون. ثم حكى - سبحانه - ما قاله موسى وهارون ~~عندما أمرهما - جل جلاله ms3476 - بذلك فقال { قالا ربنآ إننا نخاف ~~أن يفرط علينآ أو أن يطغى }. # أى قال موسى وهارون بعد أن أمرهما ربهما بالذهاب إلى فرعون لتبليغه دعوة ~~الحق يا ربنا إننا نخاف { أن يفرط علينآ } أى يعاجلنا بالعقوبة ~~قبل أن ننتهى من الحديث معه فى الأمر. يقال فرط فلان على فلان يفرط إذا ~~عاجله بالعقوبة وأذاه بدون تمهل، ومنه قولهم فرس فارط، أى سابق لغيره من ~~الخيل. { أو أن يطغى } أى يزداد طغيانه، فيقول فى حقك يا ربنا ~~مالا نريد أن نسمعه، ويقول فى حقنا ما نحن برءاء منه، ويفعل معنا ما ~~يؤذينا. وقد جمع - سبحانه - بين القولين اللذين حكاهما عنهما، لأن ~~الطغيان اشمل من الإفراط، إذ الجملة الأولى تدل على الإسراع بالأذى لأول ~~وهلة، أما الثانية فتشمل الإسراع بالأذى، وتشمل غيره من ألوان الاعتداء ~~سواء أكان فى الحال أم فى الاستقبال. وهنا يجيبهما الخالق - جل وعلا - ~~بما يثبت فؤادهما، ويزيل خوفهما فقال { لا تخافآ إنني معكمآ ~~أسمع وأرى }. أى قال الله - تعالى - لهما لا تخافا من بطش فرعون، ~~إننى معكما بقوتى وقدرتى ورعايتى، وإننى أسمع كلامكما وكلامه، وأرى ~~فعلكما وفعله. لا يخفى على شىء من حالكما وحاله، فاطمئنا أننى معكما ~~بحفظى ونصرى وتأييدى، وأن هذا الطاغية ناصيته بيدى، ولا يستطيع أن يتحرك ~~أو يتنفس إلا بإذنى... ثم رسم لهما - سبحانه - طريق الدعوة فقال { ~~فأتياه فقولا إنا رسولا ربك.. }. أى فأتيا فرعون، ~~وادخلا عليه داره أو مكان سلطانه، وقولا له بلا خوف أو وجل { إنا ~~رسولا ربك } الذى خلقك فسواك فعدلك. وكان البدء بهذه الجملة ~~لتوضيح أساس رسالتهما، ولإحقاق الحق من أول الأمر، ولإشعاره منذ اللحظة ~~الأولى بأنهما قد أرسلهما ربه وربهما ورب العالمين، لدعوته إلى الدين ~~الحق، وإلى إخلاص العبادة لله الواحد القهار، وإلى التخلى عن الكفر ~~والطغيان. وأنهما لم يأتياه بدافع شخصى منهما وإنما أتياه بتكليف من ربه ~~ورب العالمين. أما الجملة الثانية التى أمرهما الله - تعالى - أن يقولاها ~~لفرعون فقد حكاها - سبحانه - بقوله { فأرسل معنا بني ~~إسرائيل ولا تعذبهم ms3477 } أى فأطلق سراح بنى إسرائيل، ودعهم ~~يعيشون أحرارا فى دولتك ولا تعذبهم باستعبادهم وقهرهم، وقتل أبنائهم، ~~واستحياء نسائهم. قال - تعالى - # وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء ~~العذاب يذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم ~~وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم # قال الآلوسى والمراد بالإرسال إطلاقهم من الأسر، وإخراجهم من تحت يده ~~العادية، لا تكليفهم أن يذهبوا معهما إلى الشام، كما ينبىء عنه قوله - ~~سبحانه - { ولا تعذبهم } أى بإبقائهم على ما كانوا عليه من ~~العذاب، فإنهم كانوا تحت سيطرة القبط، يستخدمونهم فى الأشعال الشاقة ~~كالحفر والبناء. # .. وقوله - تعالى - { قد جئناك بآية من ربك } جملة ~~ثالثة تدل على صدقهما فى رسالتهما. والمراد بالآية هنا جنسها، فتشمل ~~العصا واليد وغيرهما من المعجزات التى أعطاها الله - تعالى - لنبيه موسى ~~- عليه السلام -. أى قد جئناك بمعجزة من ربك تثبت صدقنا، وتؤيد مدعانا، ~~وتشهد بأنا قد أرسلنا الله - تعالى - إليك لهدايتك ودعوتك أنت وقومك إلى ~~الدخول فى الدين الحق. فالجملة الكريمة تقرير لما تضمنه الكلام السابق من ~~كونهما رسولين من رب العالمين، وتعليل لوجوب إطلاق بنى إسرائيل، وكف ~~الأذى عنهم. أما الجملة الرابعة التى أمرهما الله - تعالى - بأن يقولاها ~~لفرعون فهى قوله - سبحانه - { والسلام على من اتبع ~~الهدى }. أى وقولا له - أيضا - السلامة من العذاب فى الدارين لمن ~~اتبع الهدى بأن آمن بالله - تعالى - وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر... فالسلام مصدر بمعنى السلامة، وعلى بمعنى اللام. ويفهم من الآية ~~الكريمة أن من لم يتبع الهدى، لا سلامة له، ولا آمان عليه. وفى هذه ~~الجملة من الترغيب فى الدخول فى الدين الحق ما فيها، ولذا استعملها النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - فى كثير من كتبه، ومن ذلك قوله - صلى الله عليه ~~وسلم - فى رسالته إلى هرقل ملك الروم بسم الله الرحمن الرحيم من محمد ~~رسول الله إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتبع الهدى.. ثم حكى - ~~سبحانه - الجملة الخامسة التى أمر موسى وهارون أن يخاطبا بها فرعون فقال ~~{ إنا قد أوحي إلينآ أن العذاب على من كذب ~~وتولى ms3478 }. أى وقولا له { إنا قد أوحي إلينآ } من عند ~~ربنا وخالقنا { أن العذاب } فى الدنيا والآخرة { على من ~~كذب } بآياته وحججه - سبحانه - { وتولى } عنها. وأعرض عن ~~الاستجابة لها. وبذلك نرى فى هذه الآيات الكريمة أسمى ألوان الدعوة إلى ~~الحق وأحكمها، فهى قد بدأت بالأساس الذى تقوم عليه كل رسالة سماوية { ~~إنا رسولا ربك } وثنت ببيان أهم ما أرسل موسى وهارون من أجله، ~~{ فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم } وثلثت ~~بإقامة الأدلة على صدقهما { قد جئناك بآية من ربك } ~~وربعت بالترغيب والاستمالة { والسلام على من اتبع ~~الهدى }. ثم ختمت بالتحذير والترهيب من المخالفة { إنا قد ~~أوحي إلينآ أن العذاب على من كذب وتولى }. ~~وبعد أن غرس - سبحانه - الطمأنينة فى قلب موسى وهارون وزودهما بأحكم ~~الوسائل وأنجعها فى الدعوة إلى الحق.. أتبع ذلك بحكاية جانب من الحوار ~~الذى دار بينهما وبين فرعون بعد أن التقوا جميعها وجها لوجه فقال - تعالى ~~- { قال فمن ربكما... }. ### || [20.49-60] # فقوله - تعالى - { قال فمن ربكما يموسى } حكاية لما قاله ~~فرعون لموسى وهارون - عليهما السلام - بعد أن ذهبا إليه ليبلغاه دعوة ~~الحق كما أمرهما ربهما - سبحانه -. ولم تذكر السورة الكريمة كيف وصلا ~~إليه.. لأن القرآن لا يهتم بجزئيات الأحداث التى لا تتوقف عليها العبر ~~والعظات، وإنما يهتم بذكر الجوهر واللباب من الأحداث. والمعنى قال فرعون ~~لموسى وهارون بعد أن دخلا عليه. وأبلغاه ما أمرهما ربهما بتبليغه من ~~ربكما يا موسى الذى ارسلكما إلى؟. وكأنه - لطغيانه وفجوره - لا يريد أن ~~يعترف بأن رب موسى وهارون هو ربه وخالقه. كما قالا له قبل ذلك # إنا رسولا ربك # وخص موسى بالنداء مع أنه وجه الخطاب إليهما لظنه أن موسى - عليه السلام ~~- هو الأصل فى حمل رسالة الحق إليه، وأن هارون هو وزيره ومعاونه أو أنه ~~لخبثه ومكره، تجنب مخاطبة هارون لعلمه أنه أفصح لسانا من موسى - عليهما ~~السلام -. قال صاحب الكشاف خاطب فرعون الاثنين، ووجه النداء إلى أحدهما ~~وهو موسى، لأنه الأصل فى النبوة، وهارون وزيره وتابعه، ويحتمل أن يحمله ~~خبثه ودعارته ms3479 - أى فسقه - على استدعاء كلام موسى دون كلام أخيه، لما عرف ~~من فصاحة هارون والرتة فى لسان موسى، ويدل عليه قوله # أم أنآ خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد ~~يبين # ولا شك أن ما حكاه الله - تعالى - عن فرعون من قوله { من ربكما ~~يموسى } يدل على نهاية الغرور والفجور والجحود، وشبيه بذلك قوله - ~~سبحانه - حكاية عنه # وقال فرعون يأيها الملأ ما علمت لكم من ~~إله غيري... # وقوله - تعالى - # فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى # ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك أن موسى قد رد على فرعون ردا يخرسه ويكبته ~~فقال { قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم ~~هدى }. وقوله { خلقه } مصدر بمعنى اسم المفعول، وهو المفعول ~~الثانى لقوله { أعطى } والمفعول الأول قوله { كل شيء }. ~~وللعلماء فى تفسير هذه الآية الكريمة اتجاهات يؤيد بعضها بعضا، منها ما ~~يراه بعضهم من أن معنى الآية الكريمة 1 - قال موسى فى رده على فرعون يا ~~فرعون ربنا وربك هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذى أعطى كل مخلوق ~~من مخلوقاته، وكل شىء من الأشياء، الصورة التى تلائمه، والهيئة التى ~~تتحقق معها منفعته ومصلحته، ثم هداه إلى وظيفته التى خلقه من أجلها، ~~وأمده بالوسائل والملكات التى تحقق هذه الوظيفة. وثم فى قوله { ثم ~~هدى } للتراخى فى الرتبة، إذ اهتداء المخلوق إلى وظيفته مرتبة تعلو ~~كثيرا عن خلقه دون أن يفقه شيئا. # وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله " أعطى كل شىء صورته وشكله الذى ~~يطابق المنفعة المنوطة به، كما أعطى العين الهيئة التى تطابق الإبصار، ~~والأذن الشكل الذى يوافق الاستماع، وكذلك الأنف واليد والرجل واللسان، كل ~~واحد منها مطابق لما علق به من المنفعة غير ناب عنه. { ثم هدى } أى ~~عرفه كيف يرتفق بما أعطى، وكيف يتوصل إليه ولله در هذا الجواب، وما أخصره ~~وما أجمعه وما أبينه لمن ألقى الذهن، ونظر بعين الإنصاف وكان طالبا للحق. ~~2 - ومنهم من يرى أن المعنى قال موسى لفرعون ربنا الذى أعطى كل شىء نظير ~~خلقه ms3480 فى الصورة والهيئة، كالذكور من بنى آدم، أعطاهم نظير خلقهم من ~~الإناث أزواجا، وكالذكور من البهائم أعطاها نظير خلقها فى صورتها وهيئها ~~من الإناث أزواجا.. ثم هدى الجميع لسائر منافعهم من المطاعم والمشارب ~~ووسائل التناسل. وقد صدر الإمام ابن جرير تفسيره للآية بهذا المعنى فقال ~~ما ملخصه وقوله { قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ~~} يعنى نظير خلقه فى الصورة والهيئة.. ثم هداهم للمأتى الذى منه النسل ~~والنماء كيف يأتيه، ولسائر منافعه من المطاعم والمشارب وغير ذلك. 3 - ~~ويرى بعضهم أن المعنى أعطى كل شىء صلاحه ثم هداه إلى ما يصلحه. 4 - ومنهم ~~من يرى أن قوله { خلقه } هو المفعول الأول لأعطى، وأن قوله { كل ~~شيء } هو المفعول الثانى فيكون المعنى قال موسى لفرعون ربنا الذى أعطى ~~الخلائق كل شىء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى طريق استعماله والانتفاع به. ~~ويبدو لنا أن الآية الكريمة تتسع لهذه المعانى جميعها لأنه - سبحانه - هو ~~الذى أعطى خلقه كل شىء يحتاجون إليه فى معاشهم، ثم هداهم إلى طرق ~~الانتفاع بما أعطاهم كما أعطى كل نوع من أنواع خلقه الصورة التى تناسبه، ~~والشكل الذى يتناسب مع جنسه # صنع الله الذي أتقن كل شيء... # ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما قاله فرعون لموسى { قال فما بال ~~القرون الأولى }. والبال فى الأصل الفكر. تقول خطر ببالى كذا، أى ~~بفكرى وعقلى، ثم أطلق على الحال التى يهتم بشأنها، وهذا الإطلاق هو ~~المراد هنا. أى قال فرعون بعد أن رد عليه موسى هذا الرد الحكيم يا موسى ~~فما حال القرون الأولى، كقوم نوح وعاد وثمود.. الذين كذبوا أنبياءهم، ~~وعبدوا غير الله - تعالى - الذى تدعونى لعبادته؟. وسؤاله هذا يدل على ~~خبثه ومكره، لأنه لما سمع من موسى الجواب المفحم له على سؤاله السابق { ~~من ربكما يموسى } أراد أن يصرف الحديث إلى منحى آخر يتعلق ~~بأمور لا صلة لها برسالة موسى إليه وهى دعوته لعبادة الله - تعالى - ~~وحده، وإطلاق سراح بنى إسرائيل من الأسر. # ولذا رد عليه موسى - عليه السلام - بما ms3481 يخرس لسانه، ويبطل كيده، فقال - ~~كما حكى القرآن عنه - { علمها عند ربي في كتاب لا يضل ~~ربي ولا ينسى }. أى علم حال هذه القرون الأولى محفوظ عند ربى وحده ~~فى كتاب هو اللوح المحفوظ، وهو - سبحانه - لا يخفى عليه شىء من حالهم، ~~وسيجازيهم بما يستحقون من ثواب أو عقاب. وقوله { لا يضل ربي ~~ولا ينسى } مؤكد لما قبله. أى لا يخطىء ربى فى علمه، ولا ينسى شيئا ~~مما علمه لأنه منزه عن ذلك، فالضلال هنا بمعنى الخطأ وقلة الإدراك. وجمع ~~- سبحانه - بين نفى الضلال والنسيان، لإفادة تنزهه عن أن يغيب شىء من ~~أحوال هذا الكون عن علمه الشامل لكل شىء، ولبيان أن علمه باق بقاء أبديا ~~لا نسيان معه، ولا زوال له. ثم بين له آثار علم الله - تعالى - وقدرته ~~فقال { الذي جعل لكم الأرض مهدا.. }. أى هو - سبحانه - ~~الذى جعل لكم الأرض ممهدة كالفراش، ليتسنى لكم الانتفاع بخيراتها، وقرأ ~~الأكثرون من السبعة، { مهادا } أى فراشا. والمهاد فى الأصل ما يمهد ~~للصبى لينام عليه. { وسلك لكم فيها سبلا } والسلك الإدخال. ~~أى وجعل لكم فى داخلها طرقا تنتقلون فيها من مكان إلى مكان، ومن بلدة إلى ~~أخرى، لقضاء مصالحكم. { وأنزل من السمآء مآء فأخرجنا ~~به أزواجا من نبات شتى } والأزواج الأصناف. أى وأنزل - ~~سبحانه - بقدرته من السماء ماء نافعا كثيرا فأخرجنا بسبب هذا الماء من ~~الأرض أصنافا شتى - أى متفرقة - من النبات، وهذه الأصناف مختلفة المنافع ~~والألوان والطعوم والروائح، مما يدل على كمال قدرتنا، ونفاذ إرادتنا. وفى ~~قوله { فأخرجنا } التفات من الغيبة إلى التكلم بصيغة التعظيم، ~~للتنبيه على عظم شأن هذا الإخراج، وأثره الكبير فى حياة الناس. فأنت ترى ~~أن هذه الآية الكريمة قد اشتملت على أربع منن قد امتن الله بها على ~~عباده، وهى تمهيد الأرض، وجعل الطرق فيها، وإنزال المطر من السماء، ~~وإخراج النبات المتنوع من الأرض. وهذه المنن وإن كانت ظاهرة وواضحة فى ~~جميع فجاج الأرض، إلا أنها أظهر ما تكون وأوضح ما تكون فى أرض مصر التى ms3482 ~~كان يعيش فيها فرعون حيث تبدو الأرض فيها منبسطة ممهدة على جانبى النيل ~~الممتد امتدادا كبيرا. وكان الأجدر بفرعون - لو كان يعقل - أن يخلص ~~العبادة لواهب هذه المنن، ومسدى هذه النعم، وهو الله رب العالمين. والأمر ~~فى قوله - سبحانه - { كلوا وارعوا أنعامكم } للإباحة. أى ~~هذه الأرض وما اشتملت عليه من طرق ومن نبات شتى هى لمنفعتكم ومصلحتكم، ~~فكلوا - أيها الناس - من هذه الثمار المتنوعة التى انشقت عنها الأرض، ~~وارعوا أنعامكم من إبل وبقر وغنم فى المكان الصالح للرعى من هذه الأرض، ~~واشكروا الله - تعالى - على هذه النعم لكى يزيدكم منها. # واسم الإشارة فى قوله { إن في ذلك لآيات لأولي النهى } ~~يعود إلى المذكور من تلك النعم السابقة. و { النهى } جمع نهية - بضم ~~النون وإسكان الهاء - وهى العقل. سمى بذلك لأنه ينهى صاحبه عما لا يليق. ~~تقول العرب نهو الرجل - ككرم - إذا كملت نهيته، أى عقله. والمعنى إن فى ~~ذلك الذى ذكرناه لكم من نعمة تمهيد الأرض، وجعل الطرق فيها وإنزال المطر ~~عليها، وإخراج النبات منها.. إن فى كل ذلك لآيات وعظات وعبر، لأصحاب ~~العقول السليمة، والأفكار القويمة. ثم بين - سبحانه - أن هذه الأرض منها ~~خلق الإنسان، وإليها يعود، ومنها يبعث للحساب يوم القيامة، فقال - تعالى ~~- { منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم ~~تارة أخرى }. والضمير فى " منها، وفيها " يعود إلى الأرض المذكورة ~~قبل ذلك فى قوله - تعالى - { الذي جعل لكم الأرض مهدا.. } ~~والتارة بمعنى المرة. أى من هذه الأرض خلقنا أباكم آدم، وأنتم تبع له، ~~وفرع عنه، كما قال - تعالى - # إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون # وقوله { وفيها نعيدكم } أى وفى الأرض نعيدكم عند موتكم، حيث ~~تكون محل دفنكم واستقرار أجسادكم. وقوله { ومنها نخرجكم ~~تارة أخرى } أى ومن الأرض نخرجكم مرة أخرى أحياء يوم القيامة، ~~للحساب والجزاء. قال - تعالى - # فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم ~~الذي يوعدون يوم يخرجون من الأجداث سراعا ~~كأنهم إلى نصب يوفضون # وقال - سبحانه - # ونفخ في الصور فإذا ms3483 هم من الأجداث إلى ربهم ~~ينسلون قالوا يويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ~~ما وعد الرحمن وصدق المرسلون # قال ابن كثير وهذه الآية كقوله - تعالى - # قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون # وفى الحديث الذى فى السنن # " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حضر جنازة فلما دفن الميت أخذ ~~قبضة من التراب فألقاها فى القبر ثم قال " منها خلقناكم " ثم أخذ أخرى ~~وقال " وفيها نعيدكم " ثم أخرى وقال " ومنها نخرجكم تارة أخرى ". # وقوله - تعالى - { ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب ~~وأبى } بيان للموقف الجحودى الذى وقفه فرعون من الحجج والمعجزات التى ~~طرحها أمامه موسى - عليه السلام -. واريناه من الرؤية البصرية المتعدية ~~إلى مفعول واحد فلما دخلت عليها الهمزة تعدت إلى اثنين أولهما الهاء ~~والثانى آياتنا. والإضافة فى { آياتنا } قائمة مقام التعريف العهدى. ~~أى آياتنا المعهودة لموسى، والتى على رأسها اليد والعصا. والمعنى ولقد ~~أرينا فرعون بعينيه آياتنا كلها الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا وصدق نبينا ~~موسى، فكانت نتيجة ذلك أن كذب بها، وأبى أن يستجيب للحق. # . كما قال - تعالى - # وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها ~~فما نحن لك بمؤمنين # وكما قال - سبحانه - # فلما جآءهم بآياتنآ إذا هم منها يضحكون # والآية الكريمة تؤكد جحود فرعون وطغيانه بجملة من المؤكدات، وهى لام ~~القسم، وقد، والرؤية البصرية، ولفظ " كل " الدال على الشمول والإحاطة. ~~والفاء فى قوله { فكذب } للتعقيب، أى فكذب بدون تريث أو تمهل. ~~والمفعول محذوف. أى فكذب الآيات أو فكذب موسى بدون تردد أو تأخير. ~~والتعبير بقوله { فكذب وأبى } لزيادة ذمه وتحقير شأنه. لأنه لم ~~يكتف بالتكذيب بل أضاف إلى ذلك الامتناع عن قبول الآيات، والجحود لها، ~~والتعالى على من جاء بها كما ينبىء عنه قوله - تعالى - بعد ذلك { قال ~~أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يموسى } أى قال ~~فرعون لموسى على سبيل التهديد والوعيد يا موسى أجئتنا من المكان الذى ~~هربت إليه، ومعك هذه الآيات التى رأيناها، لكى تخرجنا من أرضنا التى عشنا ~~فيها وهى أرض مصر بسبب ما أظهرته أمامنا ms3484 من سحر وفخة يد. وسمى اللعين ما ~~جاء به موسى - عليه السلام - من معجزات سحرا، ليزيل من أذهان قومه أثر ~~هذه المعجزات الباهرة. وقال { لتخرجنا من أرضنا } ليحمل ~~أتباعه على الوقوف فى وجه موسى بإبراز أن موسى جاء ليحتل أرضهم، ويحوز ~~أموالهم، ويجعل السلطان لغيرهم. وقد تكرر هذا المعنى فى آيات كثيرة منه ~~قوله - تعالى - # قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن ~~يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون # وقوله - سبحانه - # قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه ~~آباءنا وتكون لكما الكبريآء في الأرض وما نحن ~~لكما بمؤمنين # ثم أضاف فرعون إلى تهديده لموسى تهديدا آخر فقال { فلنأتينك ~~بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا ~~نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى }. وقوله { ~~فلنأتينك... } جواب لقسم محذوف. أى والله لنأتينك بسحر مثله... ~~قال الجمل وقوله { موعدا } يجوز أن يكون زمانا، ويرجحه قوله { قال ~~موعدكم يوم الزينة }. والمعنى عين لنا وقت اجتماع ولذلك ~~أجابهم بقوله { قال موعدكم يوم الزينة } ويجوز أن يكون ~~مكانا، والمعنى بين لنا مكانا معلوما نعرفه نحن وأنت فنأتيه، وهذا يؤيده ~~قوله { مكانا سوى }. ويجوز أن يكون مصدرا، ويؤيد هذا قوله { لا ~~نخلفه نحن ولا أنت } لأن المواعدة توصف بالخلف وعدمه. وقوله ~~{ لا نخلفه } من الإخلاف بمعنى عدم إنجاز الوعد. وقوله { سوى } ~~قرأه ابن عامر وعاصم وحمزة بضم السين، وقرأة الباقون بالكسر ومعنى ~~القراءتين واحد. وأصله من الاستواء. يقال مكان سوى وسواء. أى عدل ووسط، ~~بحيث يستوى طرفاه بالنسبة للفريقين. # أى قال فرعون لموسى مهددا ومتوعدا أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا ~~موسى، والله لنأتينك بسحر مثل سحرك، فاجعل بيننا وبينك موعدا للمباراة ~~والمنازلة، لا نخلف نحن ولا أنت هذا الموعد، وأن يكون مكان منازلتنا لك ~~فى مكان يتوسط المدينة، بحيث يستطيع جميع سكانها أن يحضروا إليه. ~~والمتأمل فى الآية الكريمة يرى أن فرعون قد قال ما قال لموسى وهو كأنه قد ~~جمع أطراف النصر بين يديه. ويشهد لذلك تصديره كلامه بالقسم { ~~فلنأتينك.. } وتركه لموسى اختيار الموعد الذى يناسبه ms3485 { ~~فاجعل بيننا وبينك موعدا } واشتراطه عدم الخلف فى ~~الموعد { لا نخلفه نحن ولا أنت } واقتراحه أن يكون مكان ~~المبارزة فى وسط المدينة، حتى يراها جميع الناس { مكانا سوى }. ولقد ~~حكى القرآن أن موسى - عليه السلام - قد قيل تحدى فرعون، ورد عليه يقول { ~~قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى }. ~~والمراد بيوم الزينة يوم كانوا يتزينون فيه، ويجتمعون فيه، لأنه يوم عيد ~~لهم. قيل إنه كان يوم عاشوراء، وقيل يوم النيروز... أى قال موسى لفرعون ~~موعد المنازلة بينى وبينكم هو يوم زينتكم وعيدكم، وفى هذا اليوم أطلب ~~منكم أن يجمع الناس جميعا فى وقت الضحى عند ارتفاع الشمس، لكى يشهدوا ما ~~سيكون بينى وبين سحرتك يا فرعون. وبذلك نرى أن موسى - عليه السلام - قد ~~قابل تهديد فرعون له، بتهديد أشد وأعظم، فقد طلب منه أن يكون موعد ~~المبارزة يوم العيد، كما طلب منه - أيضا - أن يجمع الناس فى وقت الضحى ~~لكى يشاهدوا تلك المباراة. قال صاحب الكشاف وإنما واعدهم موسى ذلك اليوم، ~~ليكون علو كلمة الله، وظهور دينه، وكبت الكافر، وزهوق الباطل على رءوس ~~الأشهاد وفى المجمع الغاص لتقوى رغبة من رغب فى اتباع الحق، ويكل حد ~~المبطلين واشياعهم، ويكثر الحديث بذلك فى كل بدو وحضر، ويشيع فى جميع أهل ~~الوبر والمدر. ثم حكى القرآن ما كان من فرعون بعد أن حدد موسى - عليه ~~السلام - موعد المبارزة فقال { فتولى فرعون فجمع كيده ~~ثم أتى }. أى وبعد أن استمع فرعون إلى موسى، انصرشف من المجلس، ~~وولى مدبرا { فجمع كيده }. أى فجمع كبار سحرته من أطراف مملكته { ~~ثم أتى } بهم فى الموعد المحدد، ليتحدى موسى - عليه السلام -. وإلى ~~هنا نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا بأسلوبها البليغ جانبا من المحاورات ~~التى دارت بين موسى وفرعون، وأرتنا كيف واجه موسى طغيان فرعون وغروره، ~~برباطة جأش، وقوة إرادة، ومضاء عزيمة.. ثم انتقلت السورة بعد ذلك إلى ~~الحديث عما دار بين موسى والسحرة من محاورات. انتهت بإيمانهم واعترافهم ~~بالحق الذى جاء به موسى من عند ms3486 ربه، قال - تعالى - { قال لهم ~~موسى... }. ### || [20.61-70] # فقوله - تعالى - { قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا ~~على الله كذبا فيسحتكم بعذاب... } حكاية لما وجهه موسى ~~- عليه السلام - من نصح وإنذار. قيل كان عددهم اثنين وسبعين، وقيل أكثر ~~من ذلك. قال الجمل قوله { فيسحتكم } قرأ الأخوان وحفص عن عاصم ~~فيسحتكم - بضم الياء وكسر الحاء -. وقرأ الباقون بفتحهما. فقراءة الأخوين ~~من أسحت الرباعى، وهى لغة نجد وتميم، وقراءة الباقين من سحت الثلاثى - ~~وبابه قطع - وهى لغة الحجازيين. وأصل هذه المادة. الدلالة على الاستقصاء، ~~والنفاد، ومنه سحت الحالق الشعر، أى استقصاء فلم يترك منه شيئا، ويستعمل ~~فى الإهلاك والإذهاب، ونصبه بإضمار أن فى جواب النهى. أى قال موسى - عليه ~~السلام - للسحرة الذين التقى بهم وجها لوجه بعد أن حشدهم فرعون أمامه، ~~فقال لهم الويل والهلاك لكم، لا تفتروا على الله - تعالى - كذبا، بأن ~~تقفوا فى وجهى، وتزعموا أن معجزاتى هى نوع من السحر. فإنكم لو فعلتم ذلك ~~أهلككم الله - تعالى - وأبادكم بعذاب عظيم من عنده. وجملة { وقد خاب ~~من افترى } معترضة لتقرير وتأكيد ما قبلها. أى وقد خاب وخسر كل من ~~قال على الله - تعالى - قولا باطلا لا حقيقة له، وفرعون أول المبطلين ~~المفترين الخاسرين، فاحذروا أن تسيروا فى ركابه، أو أن تطيعوا له أمرا. ~~ويبدو أن هذه النصيحة الصادقة المخلصة كان لها أثرها الطيب فى نفوس بعض ~~السحرة، بدليل قوله - تعالى - بعد ذلك { فتنازعوا أمرهم ~~بينهم وأسروا النجوى } والنجوى المسارة فى الحديث. أى ~~وبعد أن سمع السحرة من موسى نصيحته لهم وتهديده إياهم بالاستئصال ~~والهلاك. إذا ما استمروا فى ضلالهم، اختلفوا فيما بينهم، { وأسروا ~~النجوى } أى وبالغوا فى إخفاء ما يسارون به عن موسى وأخيه - عليهما ~~السلام -. فمنهم من قال - كما روى عن قتادة - إن كان ما جاءنا به موسى ~~سحرا فسنغلبه، وإن كان من عند الله فسيكون له أمر. ومنهم من قال بعد أن ~~سمع كلام موسى ما هذا بقول ساحر. ومنهم من أخذ فى حض زملائه المترددين ~~على منازلة موسى - عليه ms3487 السلام -، لأنه جاء هو وأخوه لتغيير عقائد الناس ~~ولاكتساب الجاه والسلطان، ولسلب المنافع التى تأتى لهم أى للسحرة عن طريق ~~السحر.. ويبدو أن هذا الفريق الأخير هو الذى استطاع أن ينتصر على غيره من ~~السحرة فى النهاية، بدليل قوله - تعالى - بعد ذلك { قالوا إن ~~هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم ~~بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى فأجمعوا ~~كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من ~~استعلى }. # فهاتان الآيتان تشيران إلى خوف السحرة من موسى وهارون، وإلى أنهم بذلوا ~~أقصى جهدهم فى تجميع صفوفهم، وفى تشجيع بعضهم لبعض، حتى لا يستلب موسى - ~~عليه السلام - منهم جاههم وسلطانهم ومنافعهم... أى قال السحرة بعضهم لبعض ~~بطريق التناجى والإسرار، ما استقر عليه رأيهم، من أن موسى وهارون ساحران ~~{ يريدان } عن طريق سحرهما أن يخرجا السحرة من أرضهم مصر ليستوليا ~~هما وأتباعهما عليهما. ويريدان كذلك أن يذهبا بطريقتكم المثلى. أى ~~بمذهبكم ودينكم الذى هو أمثل المذاهب وأفضلها، وبملككم الذى أنتم فيه، ~~وبعيشكم الذى تنعمون به. فالمثلى مؤنث أمثل بمعنى أشرف وأفضل. وإنما أنث ~~باعتبار التعبير بالطريقة. هذا، وهناك قراءات فى قوله تعالى { إن ~~هذان لساحران } ذكرها الإمام القرطبى. فقال ما ملخصه قوله - ~~تعالى - { إن هذان لساحران } قرأ أبو عمرو { إن هذين ~~لساحران } ورويت - هذه القراءة - عن عثمان وعائشة وغيرهما من ~~الصحابة... وقرأ الزهرى والخليل ابن أحمد وعاصم فى رواية حفص عنه { إن ~~هذان لساحران } بتخفيف { إن }... وهذه القراءة سلمت من ~~مخالفة المصحف ومن فساد الإعراف، ويكون معناها ما هذان إلا ساحران. وقرأ ~~المدنيون والكوفيون { إن هذان } بتشديد إن { لساحران } ~~فوافقوا المصحف وخالفوا الإعراب. فهذه ثلاث قراءات قد رواها الجماعة من ~~الأئمة.. والعلماء فى قراءة أهل المدينة والكوفة ستة أقوال الأول أنها ~~لغة بنى الحارث بن كعب وزبيد وخثعم..، يجعلون رفع المثنى ونصبه وخفضه ~~بالألف.. وهذا القول من أحسن ما حملت عليه الآية. والفاء فى قوله - تعالى ~~{ فأجمعوا كيدكم... } فصيحة، أى إذا كان الأمر كذلك من أن ~~موسى وهارون قد حضرا ليخرجاكم من أرضكم بسحرهما.. { فأجمعوا ~~كيدكم ms3488 } أى فأحكموا سحركم واعزموا عليه ولا تجعلوه متفرقا. يقال ~~أجمع فلان رأيه وأزمعه، إذا عزم عليه وأحكمه واستعد لتنفيذه وقوله { ~~ثم ائتوا صفا } أى ثم ائتوا جميعا مصطفين، حتى يكون أمركم أكثر ~~هيبة فى النفوس، وأعظم وقعا على القلوب، وأدعى إلى الترابط والثبات وقوله ~~{ وقد أفلح اليوم من استعلى } تذييل مؤكد لما قبله. أى ~~وقد أفلح وفاز بالمطلوب فى يوم النزال من طلب العلو، وسعى من أجله، ~~واستطاع أن يتغلب على خصمه، لأننا إذا تغلبنا على موسى كانت لنا الجوائز ~~العظمى، وإذا تغلب علينا خسرنا خسارة ليس هناك ما هو أشد منها. وحانت ~~ساعة المبارزة والمنازلة. فتقدم السحرة نحو موسى - عليه السلام - وقالوا ~~له - كما حكى القرآن عنهم - {... يموسى إمآ أن تلقي وإمآ ~~أن نكون أول من ألقى }. والإلقاء فى الأصل طرح الشىء، ~~ومفعول " تلقى " محذوف للعلم به، والمراد به العصا. أى قال السحرة لموسى ~~على سبيل التخيير الذى يبدو فيه التحدى والتلويح بالقوة يا موسى إما أن ~~تلقى أنت عصاك قبلنا، وإما أن تتركنا لنلقى حبالنا وعصينا قبلك. # قال الآلوسى خيروه - عليه السلام - وقدموه على أنفسهم إظهارا للثقة ~~بأمرهم. وقيل. مراعاة للأدب معه - عليه السلام -. و " أن " مع ما فى ~~حيزها منصوب بفعل مضمر. أى، إما تختار إلقاءك أو تختار كوننا أول من ~~ألقى. أو مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. أى " الأمر إما إلقاؤك أو ~~كوننا أول من ألقى... ". ثم حكى القرآن بعد ذلك أن موسى - عليه السلام - ~~ترك فرصة البدء لهم، واستبقى لنفسه الجولة الأخيرة، فقال - تعالى - { ~~قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل ~~إليه من سحرهم أنها تسعى }. والتخيل هو إبداء أمر لا ~~حقيقة له، ومنه الخيال، وهو الطيف الطارق فى النوم. أى قال موسى - عليه ~~السلام - للسحرة فى الرد على تخييرهم له، ابدأوا أنتم بإلقاء ما معكم من ~~حبال وعصى. والفاء فى قوله { فإذا حبالهم وعصيهم... } ~~فصيحة وهى معطوفة على كلام محذوف، وإذا هى الفجائية. أى قال لهم موسى بل ~~ألقوا أنتم أولا، فامتثلوا أمره ms3489 وألقوا ما معهم، فإذا حبالهم وعصيهم التى ~~طرحوها، جعلت موسى - لشدة اهتزازها واضطرابها - يخيل إليه من شدة سحرهم، ~~أن هذه الحبال والعصى حيات تسعى على بطونها. قال ابن كثير وذلك أنهم ~~أودعوها من الزئبق ما كانت تتحرك بسببه وتضطرب وتميد، بحيث يخيل للناظر ~~أنها تسعى باختيارها، وإنما كانت حيلة، وكانوا جما غفيرا، وجمعا كبيرا ~~- أى السحرة - فألقى كل منهم عصا وحبلا حتى صار الوادى ملآن حيات، يركب ~~بعضها بعضا... ويبدو أن فعل السحرة هذا، قد أثر فى موسى - عليه السلام - ~~بدليل قوله - تعالى - { فأوجس في نفسه خيفة موسى }. ~~والإيجاس الإخفاء والإضمار، والخيفة الخوف. أى فأخفى موسى - عليه ~~السلام - فى نفسه شيئا من الخوف، حين رأى حبال السحرة وعصيهم كأنها حيات ~~تسعى على بطونها، وخوفه هذا حدث له بمقتضى الطبيعة البشرية عندما رأى هذا ~~الأمر الهائل من السحر، وبمقتضى أن يؤثر هذا السحر فى نفوس الناس فيصرفهم ~~عما سيفعله. وهنا ثبته الله - تعالى - وقواه، وأوحى إليه - سبحانه - ~~بقوله { قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى }. أى قلنا له ~~عندما أوجس فى نفسه خيفة من فعل السحرة لا تخف يا موسى مما فعلوه، إنك ~~أنت الأعلى عليهم بالغلبة والظفر. أنت الأعلى لأن معك الحق ومعهم الباطل. ~~وقد أكد الله - تعالى - هذه البشارة لموسى بجملة من المؤكدات أحدها إن ~~المؤكدة، وثانيها تكرير الضمير وثالثها التعبير بالعلو المفيد للاستعلاء ~~عليهم. وقوله - سبحانه - { وألق ما في يمينك تلقف ما ~~صنعوا... } زيادة فى تشجيعه وتثبيته. # وتلقف من اللقف بمعنى الأخذ للشىء بسرعة وخفى، يقال لقف فلان يلقفه ~~لقفا ولقفانا، إذا تناوله بسرعة وحذق باليد أو الفم. وفى هذه الكلمات ~~ثلاث قراءات سبعية، أحدها " تلقف " بتاء مفتوحة مخففة، بعدها لام ~~مفتوحة، ثم قاف مشددة وفاء ساكنة، وأصل الفعل تلقف، فحذفت إحداهما ~~تخفيفا، وهو مجزوم فى جواب الأمر وهو { وألق }. وثانيها { تلقف ~~} كالقراءة السابقة مع ضم الفاء، على أن الفعل خبر لمبتدأ محذوف. أى وألق ~~ما فى يمينك فهى تلقف ما صنعوا. وثالثها { تلقف } بفتح التاء وسكون ~~اللام وفتح ms3490 القاف المخففة وجزم الفعل كالقراءة الأولى. والمراد بما في ~~يمينه عصاه، كما جاء ذلك صريحا فى آيات أخرى منها قوله - تعالى - # فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون # وعبر عنها بقوله { ما في يمينك } على سبيل التهويل من شأنها، أو ~~لتذكيره بما شاهده منها بعد أن قال الله - تعالى - له قبل ذلك # وما تلك بيمينك يموسى.... قال ألقها يموسى ~~فألقاها فإذا هي حية تسعى... # والمعنى وألق يا موسى ما فى يمينك تبتلع كل ما صنعه السحرة من تمويه ~~وتزوير وتخييل، جعل الناس يتوهمون أن حبالهم وعصيهم تسعى. قال ابن كثير ~~وذلك أنها صارت تنينا هائلا - أى حية عظيمة - ذا عيون وقوائم وعنق ورأس ~~وأضراس، فجعلت تتبع تلك الحبال والعصى حتى لم تبق منها شيئا إلا تلقفته ~~وابتعلته، والسحرة والناس ينظرون إلى ذلك عيانا جهارا نهارا.. فقامت ~~المعجزة، واتضح البرهان، وبطل ما كانوا يعملون. وقوله { إنما ~~صنعوا كيد ساحر } تعليل لقوله { تلقف ما صنعوا } و { ~~ما } موصولة وهى اسم إن، و { كيد } خبرها، والعائد محذوف. والتقدير ~~وألق يا موسى عصاك تلقف ما صنعوه، فإن الذى صنعوه إنما هو كيد من جنس كيد ~~السحرة وصنعهم وتمويههم. { ولا يفلح الساحر } أى ولا يفوز هذا ~~الجنس من الناس { حيث أتى } أى حيث كان فحيث ظرف مكان أريد به ~~التعميم. أى أن الساحر لا يفلح ولا يفوز أينما كان، وحيثما أقبل، وأنى ~~اتجه، لأنه يصنع للناس التخييل والتمويه والتزوير والتزييف للحقائق. قال ~~صاحب الكشاف " فإن قلت لم وحد ساحر ولم يجمع؟ قلت لأن القصد فى هذا ~~الكلام إلى معنى الجنسية، لا إلى معنى العدد، فلو جمع لخيل أن المقصود هو ~~العدد. ثم كانت بعد ذلك المفاجأة الكبرى فقد آمن السحرة حين رأوا ما رأوا ~~بعد أن ألقى موسى ما فى يمينه، قال - تعالى - { فألقي السحرة ~~سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى }. قال الآلوسى " ~~والفاء فى قوله { فألقي... } فصيحة معربة عن جمل غنية عن التصريح ". ~~أى فزال الخوف، وألقى موسى ما في يمينه، وصارت حية، ms3491 وتلقفت حبالهم ~~وعصيهم، وعلم السحرة أن ذلك معجزة، فخروا سجدا لله على وجوههم قائلين ~~آمنا برب هارون وموسى. # .. والحق أن التعبير بقوله - تعالى - { فألقي السحرة ~~سجدا.. } يدل على قوة البرهان الذى عاينوه، حتى لكأنهم أمسكهم إنسان ~~وألقاهم ساجدين بالقوة لعظم المعجزة التى عاينوها، وأطلق - سبحانه - ~~عليهم اسم السحرة فى حال سجودهم له - تعالى - وإيمانهم به، نظرا إلى ~~حالهم الماضية. وهكذا النفوس النقية عندما يتبين لها الحق، لا تلبث أن ~~تفىء إليه، وتستجيب لأهله. قال الكرخى خروا ساجدين لله لأنهم كانوا فى ~~أعلى طبقات السحر، فلما رأوا ما فعله موسى خارجا عن صناعتهم، عرفوا أنه ~~ليس من السحر البتة. وقال صاحب الكشاف " ما أعجب أمرهم، قد ألقوا حبالهم ~~وعصيهم للكفر والجحود. ثم ألقوا رءوسهم بعد ساعة للشكر والسجود. فما أعظم ~~الفرق بين الإلقاءين ". ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما توعد فرعون به ~~السحرة، وموقفهم من هذا الوعيد فقال - تعالى - { قال آمنتم له.... ~~}. ### || [20.71-76] # أى قال فرعون للسحرة بعد أن شاهدهم وقد خروا لله - تعالى - ساجدين { ~~آمنتم له قبل أن ءاذن لكم } أى هل آمنتم لموسى وصدقتموه ~~فى دعوته وانقدتم له، قبل أن أعطيكم الإذن بذلك. فالاستفهام للتقريع ~~والتهديد. { إنه لكبيركم الذي علمكم السحر } أى ~~أن موسى الذى انقدتم له لهو كبيركم وشيخكم الذى علمكم فنون السحر، فأنتم ~~تواطأتم معه. وآمنتم به لأنكم من أتباعه. وغرضه من هذا القول صرف الناس ~~عن التأسى بهم، وعن الإيمان بالحق الذى آمن به السحرة والظهور أمام قومه ~~بمظهر الثبات والتماسك بعد أن استبد به وبهم الخوف والهلع، من هول ما ~~رأوه. ثم أضاف إلى قوله هذا تهديدا أشد فقال { فلأقطعن ~~أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في ~~جذوع النخل }. أى فوالله لأقطعن أيديكم اليمنى - مثلا - مع أرجلكم ~~اليسرى، ولأصلبنكم على جذوع النخل، لتكونوا عبرة لغيركم ممن تسول له نفسه ~~أن يفعل فعلكم. فالمراد من قوله " من خلاف " أى من الجهة المخالفة أو من ~~الجانب بأن يقطع اليد اليمنى ومعها الرجل اليسرى، لأن ذلك أشد على ~~الإنسان ms3492 من قطعهما من جهة واحدة إذ قطعهما من جهة واحدة يبقى عنده شىء ~~كامل صحيح، بخلاف قطعهما من جهتين مختلفتين فإنه إفساد للجانبين. واختار ~~أن يصلبهم فى جذوع النخل، لأن هذه الجذوع أخشن من غيرها والتصليب عليها ~~أشق من التصليب على غيرها، وأظهر للرائى لعلوها عن سواها. فهو لطغيانه ~~وفجوره اختار أقسى ألوان العذاب ليصبها على هؤلاء المؤمنين. قال الجمل ~~قوله { ولأصلبنكم في جذوع النخل } يحتمل أن يكون ~~حقيقة. وفى التفسير أنه نقر جذوع النخل حتى جوفها ووضعهم فيها فماتوا ~~جوعا وعطشا. ويحتمل أن يكون مجازا وله وجهان أحدهما أنه وضع حرفا مكان ~~آخر، والأصل على جذوع النخل، والثانى أنه شبه تمكنهم بتمكن من حواه الجذع ~~واشتمل عليه. وقال الكرخى " فى " بمعنى " على " مجازا، من حيث إنه شبه ~~تمكن المصلوب بالجذع، بتمكن المظروف فى الظرف وهذا هو المشهور. وقوله { ~~ولتعلمن أينآ أشد عذابا وأبقى } تهديد فوق ~~تهديد، ووعيد إثر وعيد. أى والله لتعلمن أيها السحرة أينا أشد تعذيبا ~~لكم، وأبقى فى إنزال الهلاك بكم، أنا أم موسى وربه. وكأنه بهذا التهديد ~~يريد أن يهون من كل عذاب سوى عذابه لهم، ومن كل عقاب غير عقابه إياهم. ~~وهذا التهديد التى حكاه الله - تعالى - هنا، قد جاء ما يشبهه فى آيات ~~أخرى منها قوله - تعالى - # قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا ~~لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منهآ ~~أهلها فسوف تعلمون لأقطعن أيديكم ~~وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين # ثم حكى - سبحانه - أن السحرة بعد أن استقر الإيمان فى قلوبهم، قد قابلوا ~~تهديد فرعون لهم بالاستخفاف وعدم الاكتراث فقال { قالوا لن ~~نؤثرك على ما جآءنا من البينات والذي فطرنا ~~فاقض مآ أنت قاض.. }. أى قال السحرة فى ردهم على تهديد فرعون لهم ~~لن نختارك يا فرعون ولن نرضى بأن نكون من حزبك، ولن نقدم سلامتنا من ~~عذابك.. على ما ظهر لنا من المعجزات التى جاءنا بها موسى، والتى على ~~رأسها عصاه التى ألقاها فإذا هى تبتلع حبالنا وعصينا. وجملة ms3493 " والذى ~~فطرنا " الواو فيها للعطف على " ما " فى قوله { ما جآءنا }. أى لن ~~نختارك يا فرعون على الذى جاءنا من البينات على يد موسى، ولا على الذى ~~فطرنا أى خلقنا وأوجدنا فى هذه الحياة. ويصح أن تكون هذه الواو للقسم، ~~والموصول مقسم به، وجواب القسم محذوف دل عليه ما قبله، والمعنى وحق الذى ~~فطرنا لن نؤثرك يا فرعون على ما جاءنا من البينات. وقوله { فاقض مآ ~~أنت قاض } تصريح منهم بأن تهديده لهم لا وزن له عندهم، ورد منهم على ~~قوله { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف }. أى ~~لن نقدم طاعتك على طاعة خالقنا بعد أن ظهر لنا الحق، فافعل ما أنت فاعله، ~~ونفذ ما تريد تنفيذه فى جوارحنا، فهى وحدها التى تملكها، أما قلوبنا فقد ~~استقر الإيمان فيها، ولا تملك شيئا من صرفها عما آمنت به. قال بعض ~~العلماء واعلم أن العلماء اختلفوا هل فعل بهم فرعون ما توعدهم به، أو لم ~~يفعله بهم؟. فقال قوم قتلهم وصلبهم، وقوم أنكروا ذلك، وأظهرهما عندى أنه ~~لم يقتلهم، وأن الله عصمهم منه لأجل إيمانهم الراسخ بالله - تعالى - لأن ~~الله قال لموسى وهارون # أنتما ومن اتبعكما الغالبون # وقوله { إنما تقضي هذه الحياة الدنيآ إنآ ~~آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا } تعليل لعدم مبالاتهم ~~بتهديده لهم. أى افعل يا فرعون ما أنت فاعله بأجسامنا، فإن فعلك هذا إنما ~~يتعلق بحياتنا فى هذه الحياة الدنيا، وهى سريعة الزوال، وعذابها أهون من ~~عذاب الآخرة. { إنآ آمنا بربنا } وخالقنا ومالك أمرنا { ~~ليغفر لنا خطايانا } السالفة، التى اقترفناها بسبب الكفر ~~والإشراك به - سبحانه -. { و } ليغفر لنا { مآ أكرهتنا عليه ~~من السحر } لكى نعارض به موسى - عليه السلام - معارضة من هو على ~~الباطل لمن هو على الحق، وقد كنا لا نملك أن نعصيك. وخصوا السحر بالذكر ~~مع دخوله فى خطاياهم، للإشعار بشدة نفورهم منه، وبكثرة كراهيتهم له بعد ~~أن هداهم الله إلى الإيمان. وقوله { والله خير وأبقى } تذييل ~~قصدوا به الرد على قول فرعون لهم { ولتعلمن أينآ أشد ~~عذابا وأبقى ms3494 }. # أى والله - تعالى - خير ثوابا منك يا فرعون، وأبقى جزاء وعطاء، فإن ~~ثوابه - سبحانه - لا نقص معه، وعطاءه أبقى من كل عطاء. وقوله - عز وجل - ~~{ إنه من يأت ربه مجرما... } يصح أن يكون كلاما مستأنفا ~~ساقه الله - تعالى - لبيان سوء عاقبة المجرمين، وحسن عاقبة المؤمنين. ~~ويصح أن يكون من بقية كلام السحرة فى ردهم على فرعون. والمعنى { إنه ~~} أى الحال والشأن { من يأت ربه } يوم القيامة فى حال كونه { ~~مجرما }. أى مرتكبا لجريمة الكفر والشرك بالله - تعالى - { فإن ~~له } أى لهذا المجرم { جهنم } يعذب فيها عذابا شديدا من مظاهره ~~أنه { لا يموت فيها } فيستريح { ولا يحيى } حياة فيها راحة. ~~كما قال - تعالى - # والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم ~~فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك ~~نجزي كل كفور # ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين فقال { ومن يأته مؤمنا ~~} به إيمانا حقا، و { قد عمل } الأعمال { الصالحات } بجانب ~~إيمانه. { فأولئك } الموصوفون بتلك الصفات { لهم } بسبب ~~إيمانهم وعملهم الصالح { الدرجات العلى } أى المنازل الرفيعة، ~~والمكانة السامية. وقوله { جنات عدن تجري من تحتها ~~الأنهار } يدل على الدرجات العلى. أى لهم جنات باقية دائمة تجرى من ~~تحت أشجارها وثمارها الأنهار { خالدين فيها } خلودا أبديا. { ~~وذلك } العطاء الجزيل الباقى جزاء من تزكى، أى من تطهر وتجرد من دنس ~~الكفر والمعاصى. وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد صورت لنا بأسلوبها ~~البليغ المؤثر، تلك المحاورات الطويلة التى دارت بين موسى وفرعون ~~والسحرة.. والتى انتهت بانتصار الحق واندحار الباطل. ثم ساق - سبحانه - ~~جانبا من النعم التى أنعم بها على بنى إسرائيل، وحذرهم من جحودها، فقال - ~~تعالى - { ولقد أوحينآ إلى... }. ### || [20.77-82] # قال الآلوسى ما ملخصه وقوله - سبحانه - { ولقد أوحينآ إلى ~~موسى أن أسر بعبادي... } حكاية إجمالية لما انتهى إليه أمر ~~فرعون وقومه، وقد طوى - سبحانه - ذكر ما جرى عليهم بعد أن تغلب موسى على ~~السحرة.. وبعد أن مكث موسى يبلغهم دعوة الله - تعالى - مدة طويلة ويطلب ~~منهم إرسال بنى إسرائيل معه ". وصدرت الاية الكريمة باللام الموطئة للقسم ms3495 ~~وبقد تأكيدا لهذا الإيحاء، وتقريرا له... أى والله لقد أوحينا إلى عبدنا ~~موسى - عليه السلام - وقلنا له سر بعبادى من بنى إسرائيل فى أول الليل ~~متجها بهم من مصر إلى البحر الأحمر فإذا ما وصلت إليه، { فاضرب ~~لهم طريقا في البحر يبسا }. أى فاجعل لهم طريقا فى البحر ~~يابسا، فالضرب هنا بمعنى الجعل كما فى قولهم ضرب له فى ماله سهما. إذا ~~جعل له سهما. والمراد بالطريق جنسه فإن الطرق التى حدثت بعد أن ضرب موسى ~~بعصاه البحر. كانت اثنى عشر طريقا بعدد أسباط بنى إسرائيل. وعبر - سبحانه ~~- عن بنى إسرائيل الذين خرجوا مع موسى بعنوان العبودية لله - تعالى - ~~للإشعار بعطفه - عز وجل - عليهم ورحمته بهم، وللتنبيه على طغيان فرعون ~~حيث استعبد واستذل عبادا للخالق - سبحانه - وجعلهم عبيدا له.. قال الجمل ~~" وقوله { يبسا } صفة لقوله { طريقا } وصف به لما يؤول إليه، لأنه ~~لم يكن يبسا بعد. وإنما مرت عليه الصبا فجففته. وقيل هو فى الأصل مصدر ~~وصف به للمبالغة، أو على حذف مضاف، أو جميع يابس كخادم وخدم وصف به ~~الواحد مبالغة ". وقوله - سبحانه - { لا تخاف دركا ولا ~~تخشى } تذييل قصد به تثبيت فؤاد موسى - عليه السلام - وإدخال ~~الطمأنينة على قلبه. والدرك اسم مصدر بمعنى الإدراك. والجملة فى محل نصب ~~على الحال من فاعل " اضرب ". أى اضرب لهم طريقا فى البحر يابسا، حالة ~~كونك غير خائف من أن يدركك فرعون وجنوده من الخلف، وغير وجل من أن يغرقكم ~~البحر من أمامكم. فالآية الكريمة قد اشتملت على كل ما من شأنه أن يغرس ~~الأمان والاطمئنان فى قلب موسى ومن معه. ثم بين - سبحانه - موقف فرعون ~~بعد أن علم بأن موسى قد خرج بقومه من مصر فقال - تعالى - { ~~فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما ~~غشيهم }. أى وبعد أن علم فرعون بخروج موسى وبنى إسرائيل من مصر، جمع ~~جنوده وأسرع فى طلب موسى ومن معه، فكانت نتيجة ذلك، أن أغرق الله - تعالى ~~- فرعون وجنوده فى البحر. # وأهلكهم عن آخرهم... والتعبير بالاسم المبهم ms3496 الذى هو الموصول فى قوله { ~~فغشيهم من اليم ما غشيهم } يدل على تعظيم ما غشيهم ~~وتهويله، أى فعلاهم وغمرهم من ماء البحر ما لا يعلم كنهه إلا الله - ~~تعالى - بحيث صاروا جميعا فى طيات أمواجه. ونظيره قوله - تعالى - # إذ يغشى السدرة ما يغشى # وقوله # فأوحى إلى عبده مآ أوحى # قال صاحب الكشاف قوله - تعالى - { ما غشيهم } من باب الاختصار ومن ~~جوامع الكلم التى تستقل مع قلتها بالمعانى الكثيرة. أى غشيهم مالا يعلم ~~كنهه إلا الله - تعالى - وقرىء فغشاهم من اليم ما غشاهم، والتغشية ~~التغطية.... وقوله - سبحانه - { وأضل فرعون قومه وما ~~هدى } بيان لحال فرعون قبل أن يهلكه الله - تعالى - بالغرق. أى وأضل ~~فرعون فى حياته قومه عن طريق الحق، وما هداهم إليها وإنما هداهم إلى طريق ~~الغى والباطل، فكانت عاقبتهم جميعا الاستئصال والدمار. وما اشتملت عليه ~~الآيتان من إجمال بالنسبة لتلك الأحداث، قد جاء مفصلا فى آيات أخرى ومن ~~ذلك قوله - تعالى - فى سورة الشعراء # وأوحينآ إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم ~~متبعون فأرسل فرعون في المدآئن حاشرين إن ~~هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغآئظون ~~وإنهم لنا لغآئظون وإنا لجميع حاذرون ~~فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم ~~كذلك وأورثناها بني إسرائيل فأتبعوهم ~~مشرقين فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى ~~إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين ~~فأوحينآ إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ~~فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وأزلفنا ~~ثم الآخرين وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم ~~أغرقنا الآخرين # ثم ذكر - سبحانه - بنى إسرائيل بنعمه عليهم فقال { يبني إسرائيل ~~قد أنجيناكم من عدوكم } فرعون وجنده، بأن أغرقناهم أمام ~~أعينكم وأنتم تنظرون إليهم، بعد أن كانوا يسومونكم سوء العذاب. { ~~وواعدناكم جانب الطور الأيمن } أى وواعدنا نبيكم موسى ~~فى هذا المكان لإعطائه التوراة لهدايتكم وإصلاح شأنكم، وهذا الوعد هو ~~المشار إليه بقوله - تعالى - # وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر ~~فتم ميقات ربه أربعين ليلة # قال صاحب الكشاف ذكرهم النعمة فى نجاتهم وهلاك عدوهم، وفيما واعد موسى ~~من المناجاة بجانب ms3497 الطور، وكتب التوراة فى الألواح. وإنما عدى المواعدة ~~إليهم لأنها لابستهم واتصلت بهم حيث كانت لنبيهم ونقبائهم، وإليهم رجعت ~~منافعها التى قام بها دينهم وشرعهم وفيما أفاض عليهم من سائر نعمه ~~وأرزاقه... وقال القرطبى ما ملخصه وقوله { جانب } نصب على المفعول ~~الثانى لقوله واعدنا.. و { الأيمن } نصب لأنه نعت للجانب، إذ ليس ~~للجبل يمين ولا شمال. وتقدير الآية وواعدناكم إتيان جانب الطور ثم حذف ~~المضاف. أى أمرنا موسى أن يأمركم بالخروج معه ليكلمه بحضرتكم فتسمعوا ~~الكلام وقيل وعد موسى بعد إغراق فرعون أن يأتى جانب الطور الأيمن فيؤتيه ~~التوراة، فالوعد كان لموسى، ولكن خوطبوا به لأن الوعد كان لأجلهم. # .. وقوله { ونزلنا عليكم المن والسلوى } نعمة ~~ثالثة من نعمه - سبحانه - عليهم. والمن مادة حلوة لزجة تشبه العسل كانت ~~تسقط على الشجر من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. والسلوى طائر لذيذ الطعم، ~~يشبه الطائر الذى يسمى السمانى، كانوا يأخذونه ويتلذذون بأكله. وقيل هما ~~كناية عما أنعم الله به عليهم، وهما شىء واحد، سمى أحدهما " منا " ~~لامتنان الله - تعالى - عليهم، وسمى الثانى " سلوى " لتسليتهم به. أى ~~ونزلنا عليكم بفضلنا ورحمتنا وأنتم فى التيه تلك المنافع والخيرات التى ~~تأخذونها من غير كد أو تعب. والأمر فى قوله - سبحانه - { كلوا من ~~طيبات ما رزقناكم } للإباحة، والجملة مقول لقول محذوف. أى ~~وقلنا لهم كلوا من طيبات ما رزقناكم من المن والسلوى، ومن غيرهما من ~~اللذائذ التى أحلها الله لكم. وقوله - تعالى - { ولا تطغوا فيه ~~فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد ~~هوى } تحذير لهم من تجاوز الحدود التى شرعها الله - تعالى - لهم، إذ ~~الطغيان مجاوزة الحد فى كل شىء. والضمير فى قوله { فيه } يعود إلى ~~الموصول الذى هو { ما } فى قوله { ما رزقناكم } ويحل - بكسر ~~الحاء - بمعنى يجب. يقال حل أمر الله على فلان يحل حلالا بمعنى وجب. وقرأ ~~الكسائى { فيحل } بضم الحاء بمعنى ينزل يقال حل فلان بالمكان يحل - ~~بالضم حلولا، إذا نزل به. والمعنى كلوا يا بنى إسرائيل من الطيبات التى ~~رزقكم الله ms3498 إياها واشكروه عليها، ولا تتجاوزوا فيما رزقناكم الحدود التى ~~شرعناها لكم، فإنكم إذا فعلتم ذلك حق عليكم غضبى، ونزل بكم عقابى، ومن حق ~~عليه غضبى ونزل به عقابى { فقد هوى } أى إلى النار. وأصله السقوط ~~من مكان مرتفع كجبل ونحوه. يقال هوى فلان - بفتح الواو - يهوى - بكسرها - ~~إذا سقط إلى أسفل، ثم استعمل فى الهلاك للزومه له. ثم فتح - سبحانه - باب ~~الأمل لعباده فقال { وإني لغفار } أى لكثير المغفرة { لمن ~~تاب } من الشرك والمعاصى { وآمن } بكل ما يجب الإيمان به { وعمل ~~صالحا } أى وعمل عملا مستقيما يرضى الله - تعالى -. { ثم ~~اهتدى } أى ثم واظب على ذلك، وداوم على استقامته وصلاحه إلى أن لقى ~~الله - تعالى -. وثم فى قوله { ثم اهتدى } للتراخى النسبى، إذ أن ~~هناك فرقا كبيرا بين من يتوب إلى الله - تعالى - ويقدم العمل الصالح، ~~ويستمر على ذلك إلى أن يلقى الله - تعالى - وبين من لا يداوم على ذلك. ثم ~~انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن فتنة قوم موسى - عليه السلام - بعد ~~أن ذهب لمناجاة ربه، وكيف انقادوا لخديعة السامرى لهم.. فقال - تعالى - { ~~ومآ أعجلك عن قومك... }. ### || [20.83-89] # هذه الآيات الكريمة تحكى قصة ملخصها أن موسى عليه السلام بعد أن أهلك ~~الله - تعالى - فرعون وجنوده، سار ببنى إسرائيل متجها ناحية جبل الطور، ~~ثم تركهم مستخلفا عليهم أخاه هارون، وذهب لمناجاة ربه ومعه سبعون من ~~وجهائهم، ثم عجل من بينهم شوقا للقاء ربه، فأخبره - سبحانه - بما أحدثه ~~قومه فى غيبته عنهم. وجملة { ومآ أعجلك عن قومك يموسى } ~~مقول لقول محذوف. والمعنى وقلنا لموسى أى شىء جعلك تتعجل المجىء إلى هذا ~~المكان قبل قومك وتخلفهم وراءك، مع أنه ينبغى لرئيس القوم أن يتأخر عنهم ~~فى حالة السفر، ليكون نظره محيطا بهم ونافذا عليهم؟. فأجاب معتذرا لربه - ~~تعالى - بقوله { هم أولاء على أثري } أى على مقربة منى، ~~وسيلحقون بى بعد زمن قليل { وعجلت إليك رب لترضى } أى ~~وقد حملنى على أن أحضر قلبهم، شوقى إلى مكالمتك - يا إلهى - وطمعى فى ~~زيادة رضاك ms3499 عنى. فموسى - عليه السلام - قد علل تقدمه على قومه فى الحضور ~~بعلتين، الأولى أنهم كانوا على مقربة منه. والثانية حرصه على استدامة رضى ~~ربه عنه. قال صاحب الكشاف فأن قلت { مآ أعجلك } سؤال عن سبب ~~العجلة، فكان الذى ينطبق عليه من الجواب أن يقال طلب زيادة رضاك أو الشوق ~~فى كلامك. وقوله { هم أولاء على أثري } كما ترى غير منطبق ~~عليه؟. قلت قد تضمن ما واجهه به رب العزة شيئين أحدهما إنكار العجلة فى ~~نفسها، والثانى السسؤال عن سببها الحامل عليها، فكان أهم الأمرين إلى ~~موسى بسط العذر، وتمهيد العلة فى نفس ما أنكر عليه، فاعتل بأنه لم يوجد ~~منى إلا تقدم يسير، مثله لا يعتد به فى العادة، ولا يحتفل به، وليس بينى ~~وبين من سبقته إلا مسافة قريبة، يتقدم بمثلها الوفد رئيسهم ومقدمهم. ~~ثم عقبه بجواب السؤال عن السبب فقال { وعجلت إليك رب ~~لترضى }. وقوله - تعالى - { قال فإنا قد فتنا قومك ~~من بعدك وأضلهم السامري } إخبار منه - سبحانه - بما ~~فعله قومه بعد مفارقته لهم. وكلمة { فتنا } من الفتن ومعناه لغة ~~وضع الذهب فى النار ليتبين أهو خالص أز زائف. والفتنة تطلق فى القرآن ~~بإطلاقات متعددة منها الدخول فى النار كما فى قوله - تعالى - # يوم هم على النار يفتنون # ومنها الحجة كما فى قوله - تعالى - # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ~~ما كنا مشركين # ومنها الاختبار والامتحان، كما فى قوله - سبحانه - # أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة # ومنها الاضلال والاشراك، كما فى قوله - تعالى - # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة # وقوله - سبحانه - # ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله ~~شيئا.. # ويبدو أن المراد بالفتنة هذا المعنى الأخير وهو الإضلال والشرك، لأن ~~فتنتهم كانت بسبب عبادتهم للعجل فى غيبه موسى - عليه السلام -. ويدل على ~~هذا قوله - تعالى - # واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا ~~جسدا له خوار.. # والسامرى اسم للشخص الذى كان سببا فى ضلال بنى إسرائيل، قيل كان من ~~زعماء بنى إسرائيل وينسب إلى قبيلة تعرف ms3500 بالسامرة. وقيل إنه كان من قوم ~~يعبدون البقر، وقيل غير ذلك من أقوال مظنونة غير محققة. أى قال الله - ~~تعالى - لموسى فإنا قد أضللنا قومك من بعد مفارقتك لهم، وكان السبب فى ~~ضلالهم السامرى، حيث دعاهم إلى عبادة العجل فانقادوا له وأطاعوه. وقوله - ~~تعالى - { فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا } بيان ~~لما كان منه - عليه السلام - بعد أن علم بضلال قومه. وكان رجوع موسى ~~إليهم بعد أن ناجى ربه، وتلقى منه التوراة. قال الآلوسى ما ملخصه { ~~فرجع موسى إلى قومه } عند رجوعه المعهود أى بعد ما استوفى ~~الأربعين " ذا القعدة وعشر ذى الحجة " وأخذ التوراة لا عقيب الإخبار ~~المذكور، فسببية ما قبل الفاء لما بعدها إنما هى باعتبار قيد الرجوع ~~المستفاد من قوله { غضبان أسفا } لا باعتبار نفسه، وإن كانت داخلة ~~عليه حقيقة، فإن كون الرجوع بعد تمام الأربعين أمر مقرر مشهور لا يذهب ~~الوهم إلى كونه عند الإخبار المذكور... ". والمعنى فرجع موسى إلى قومه - ~~بعد مناجاته لربه وبعد تلقيه التوراة حالة كونه { غضبان أسفا } أى ~~غضبان شديد الغضب. فالمراد بالأسف شدة الغضب، وقيل المراد به الحزن ~~والجزع. ثم بين - سبحانه - ما قاله موسى لقومه بعد رجوعه إليهم فقال { ~~قال يقوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا.. }. أى قال ~~لهم على سبيل الزجر والتوبيخ يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا لا سبيل ~~لكم إلى إنكاره، ومن هذا الوعد الحسن إنزال التوراة لهدايتكم وسعادتكم، ~~وإهلاك عدوكم أمام أعينكم. فلماذا أعرضتم عن عبادته وطاعته مع أنكم ~~تعيشون فى خيره ورزقه..؟. ثم زاد فى تأنيبهم وفى الإنكار عليهم فقال { ~~أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم ~~غضب من ربكم فأخلفتم موعدي }. فالاستفهام فى قوله ~~{ أفطال... } للنفى والإنكار و { أم } منقطعة بمعنى بل. والمعنى ~~أفطال عليكم الزمان الذى فارقتكم فيه؟ لا إنه لم يطل حتى تنسوا ما أمرتكم ~~به، بل إنكم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم، فأخلفتم موعدى الذى ~~وعدتمونى إياه وهو أن تثبتوا على إخلاص العبادة لله - تعالى -. ومعنى ~~إرادتهم ms3501 حلول الغضب عليهم، أنهم فعلوا ما يستوجب ذلك وهو طاعتهم للسامرى ~~فى عبادتهم للعجل. # قال ابن جرير كان إخلافهم موعده عكوفهم على عبادة العجل، وتركهم السير ~~على أثر موسى للموعد الذى كان الله وعدهم، وقولهم لهارون إذ نهاهم عن ~~عبادة العجل ودعاهم إلى السير معه فى أثر موسى # لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى # ثم حكى - سبحانه - معاذيرهم الواهية التى تدل على بلادة عقولهم، وانتكاس ~~أفكارهم، وتفاهة شخصيتهم فقال - تعالى - { قالوا مآ أخلفنا ~~موعدك بملكنا.. }. وقوله { بملكنا } قرأه نافع وعاصم - ~~بفتح الميم وسكون اللام - أى بأمرنا. وقرأه حمزة والكسائي { بملكنا ~~} بكسر الميم وسكون اللام - أى بطاقتنا وقرأه الباقون - بضم الميم وسكون ~~اللام - أى بسلطاننا، وهو مصدر مضاف لفاعله ومفعوله محذوف، أى بملكنا ~~أمرنا. أى قال بنو إسرائيل لنبيهم موسى على سبيل الاعتذار الذى هو أقبح ~~من ذنب ما أخلفنا موعدك فعبدنا العجل بأمرنا وطاقتنا واختيارنا، فقد كان ~~الحال أكبر من أن يدخل تحت سلطاننا، ولو خلينا بيننا وبين أنفسنا ولم ~~يسول لنا السامرى ما سول لبقينا على العهد الذى عاهدناك عليه، وهو أن ~~نعبد الله - تعالى - وحده. وقوله { ولكنا حملنآ أوزارا ~~من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري ~~} حكاية لبقية ما قالوه من أعذار قبيحة. ولفظ " حملنا " قرأه ابن كثير ~~وابن عامر وحفص عن عاصم - بضم الحاء وتشديد الميم - على أنه فعل ونائب ~~فاعل، وقرأه الباقون - بفتح الحاء والميم - على أنه فعل وفاعل. قال ~~الآلوسى ما ملخصه والمراد بالقوم القبط، والأوزار الأحمال وتسمى بها ~~الآثام، وقصدوا بذلك ما استعاروه من القبط من الحلى فى عيد لهم قبل ~~الخروج من مصر، وقيل استعاروه باسم العرس. وقيل هى ما ألقاه البحر على ~~الساحل مما كان على الذين غرقوا وهم فرعون وجنوده فأخذ بنو إسرائيل ذلك ~~على أنه غنيمة مع أنها لم تكن حلالا لهم. أى قال بنو إسرائيل لموسى ما ~~أخلفنا عهدك بأمرنا ولكنا حملنا أثقالا وأحمالا من زينة القبط التى ~~أخذناها منهم بدون حق { فقذفناها } فى النار بتوجيه من ms3502 السامرى، { ~~فكذلك } أى فكما ألقينا ما معنا { ألقى السامري } ما معه ~~من تلك الزينة. قال ابن كثير وحاصل ما اعتذر به هؤلاء الجهلة أنهم تورعوا ~~عن زينة القبط، فألقوها عنهم، فعبدوا العجل، فتورعوا عن الحقير، وفعلوا ~~الأمر الكبير... ثم بين - سبحانه - ما صنعه لهم السامرى من تلك الحلى ~~فقال { فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا ~~هذآ إلهكم وإله موسى فنسي }. والخوار الصوت ~~المسموع. أى فكانت نتيجة ما قذفوه من الحلى فى النار، أن أخرج السامرى ~~لهم من ذلك { عجلا جسدا له خوار } أى صوت كصوت البقر. قيل إن ~~الله - تعالى - خلق الحياة فى ذلك العجل على سبيل الاختبار والامتحان ~~لهم. # وقيل لم تكن به حياة، ولكن السامرى صنعه لهم بدقة، وجعل فيه منافذ إذا ~~دخلت فيها الريح أخرجت منه صوتا كصوت خوار البقر. فقال بنو إسرائيل عندما ~~رأوا العجل الذى صنعه لهم السامرى هذا إلهكم وإله موسى فاعبدوه، لأن موسى ~~نسى إلهه هنا، وذهب ليبحث عنه فى مكان آخر، فالضمير فى قوله { فنسي } ~~يعود لموسى. وقولهم هذا يدل على بلادتهم وسوء أدبهم مع نبيهم، فهم لم ~~يكتفوا بعبادة العجل، بل زعموا أن نبيهم الداعى لهم إلى توحيد الله، قد ~~كان يعبد العجل وأنه قد نسى مكانه فذهب يبحث عنه. وقيل إن الذى حدث منه ~~النسيان هو السامرى، وأن النسيان بمعنى الترك، أى فترك السامرى ما كان ~~عليه من الإيمان الظاهرى، ونبذ الدين الذى بعث الله - تعالى - به موسى، ~~وحض الناس على عبادة العجل الذى صنعه لهم. والقول الأول هو أرجح، لأنه هو ~~الظاهر من معنى الآية الكريمة، ولأنه هو المأثور عن السلف. قال ابن جرير ~~" وأولى الأقوال بالصواب عندنا أن يكون { فنسي } خبرا من الله - ~~تعالى - عن السامرى، وأنه وصف موسى بأنه نسى ربه، وأن ربه الذى ذهب يريده ~~هو العجل الذى أخرجه السامرى، لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه، ولأنه ~~عقيب ذكر موسى، وهو أن يكون خبرا من السامرى عنه بذلك أشبه من غيره ". ~~وقوله - تعالى - { أفلا يرون ms3503 ألا يرجع إليهم قولا ~~ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا } تقريع لهم على جهلهم ~~وغبائهم وسوء أدبهم. والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أى أبلغ عمى ~~البصيرة عند هؤلاء السفهاء أنهم لم يفطنوا إلى أن هذا العجل الذى اتخذوه ~~إلها، لا يستطيع أن يجيبهم إذا سألوه أو خاطبوه، ولا يرد عليهم قولا ~~يقولونه له، ولا يملك لهم شيئا لا من الضر ولا من النفع. وشبيه بهذه ~~الآية قوله - تعالى - # واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا ~~جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا ~~يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين # ثم بين - سبحانه - موقف هارون - عليه السلام - من هؤلاء الجاهلين الذين ~~عبدوا العجل، فقال - تعالى - { ولقد قال لهم هارون... }. ### || [20.90-91] # وجملة { ولقد قال لهم هارون من قبل... } قسمية مؤكدة ~~لما قبلها. أى والله لقد نصح هارون - عليه السلام - عبدة العجل من قومه، ~~قبل رجوع موسى إليهم، فقال لهم مستعطفا {..يقوم إنما فتنتم ~~به.. } أى يا قوم إن ضلالكم وكفركم إنما هو بسبب عبادتكم العجل، ~~فالمضير فى { به } يعود إلى العجل. { وإن ربكم الرحمن ~~} هو وحده المستحق للعبادة والطاعة. وجمع - سبحانه - بين لفظى الرب ~~والرحمن، لجذبهم نحو الحق، واستمالتهم نحوه، وللتنبيه على أنهم متى تابوا ~~قبل الله توبتهم، لأنه - سبحانه - هو الرحمن الرحيم. والفاء فى قوله { ~~فاتبعوني وأطيعوا أمري } لترتيب ما بعدها على ما قبلها. ~~أى وما دام الأمر كذلك فاتبعونى وأطيعوا أمرى، فى الثبات على الحق، وفى ~~نبذ عبادة العجل، وفى المحافظة على ما عاهدكم عليه موسى - عليه السلام -. ~~ولكن هذه النصيحة الحكيمة من هارون لهم لم تجد أذنا صاغية. بل قابلوا ~~نصيحته لهم بالاستخفاف والتصميم على ما هم فيه من ضلال، إذ قالوا فى الرد ~~عليه { لن نبرح عليه عاكفين } أى سنستمر على عبادة العجل، ~~وسنواظب على هذه العبادة مواظبة تامة { حتى يرجع إلينا ~~موسى } فنرى ماذا سيكون منه. فهم لجهالاتهم وانطماس بصائرهم، وسوء ~~أدبهم، يرون أن هارون - عليه السلام - ليس أهلا للنصيحة والطاعة، مع أنه ~~قد خاطبهم ms3504 بأحكم أسلوب، وألطف منطق. قال الرازى واعلم أن هارون - عليه ~~السلام - سلك فى هذا الوعظ أحسن الوجوه لأنه زجرهم عن الباطل - أولا - ~~بقوله { يقوم إنما فتنتم به } ثم دعاهم إلى معرفة الله - ~~ثانيا - بقوله { وإن ربكم الرحمن } ثم دعاهم - ثالثا - ~~إلى معرفة النبوة بقوله { فاتبعوني } ثم دعاهم - رابعا - إلى ~~الشرائع بقوله { وأطيعوا أمري }. وهذا هو الترتيب الجيد، لأنه ~~لا بد قبل كل شىء من إماطه الأذى عن الطريق وهو إزالة الشبهات، ثم معرفة ~~الله - تعالى - هى الأصل، ثم النبوة، ثم الشريعة فثبت أن هذا الترتيب على ~~أحسن الوجوه، ولكنهم لجهلهم وعنادهم قابلوا هذا الترتيب الحسن فى ~~الاستدلال، بالتقليد والجمود فقالوا { لن نبرح عليه عاكفين ~~حتى يرجع إلينا موسى }. ثم بين - سبحانه - ما قاله موسى ~~لأخيه هارون بعد أن رأى ما عليه قومهما من ضلال، فقال - تعالى - { قال ~~يهرون... }. ### || [20.92-94] # أى قال موسى لأخيه هارون على سبيل اللوم والمعاتبة يا هارون أى شىء منعك ~~من مقاومتهم وقت أن رأيتهم ضلوا بسبب عبادتهم للعجل و " لا " فى قوله { ~~ألا تتبعن } مزيدة للتأكيد. والاستفهام فى قوله { أفعصيت ~~أمري } للإنكار. أى ما الذى منعك من أن تتبعنى فى الغضب عليهم لدين ~~الله حين رأيتهم عاكفين على عبادة العجل، أفعصيت أمرى فيما قدمت إليك من ~~قولى # اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل ~~المفسدين # وفيما أمرتك به من الصلابة فى الدين، لأن وجودك فيهم وقد عبدوا غير الله ~~- تعالى - يعتبر تهاونا معهم فيما لا يصح التهاون فيه. وكأن موسى - عليه ~~السلام - كان يريد من أخيه هارون - عليه السلام - موقفا يتسم بالحزم ~~الشدة مع هؤلاء الجاهلين، حتى ولو أدى الأمر لمقاتلتهم... وهنا يرد هارون ~~على أخيه موسى ردا يبدو فيه الرفق والاستعطاف فيقول { يبنؤم لا ~~تأخذ بلحيتي ولا برأسي }. أى قال هارون لموسى محاولا أن ~~يهدىء من غضبه، بتحريك عاطفة الرحم فى قلبه يابن أمى لا تمسك بلحيتى ولا ~~برأسى على سبيل التأنيب لى فإنى لست عاصيا لأمرك، ولا معرضا عن اتباعك. ~~قال الآلوسى ما ملخصه ms3505 خص الأم بالإضافة استعطافا وترقيقا لقلبه، لا لما ~~قيل من أنه كان أخاه لأمه، فإن الجمهور على أنهما كانا شقيقين. وقوله { ~~لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي }... روى أنه أخذ شعر رأسه ~~بيمينه، ولحيته بشماله، وكان موسى - عليه السلام - حديدا متصلبا غضوبا ~~لله - تعالى -، وغلب على ظنه أن هارون قد قصر معهم... وقوله { إني ~~خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرآئيل ولم ~~ترقب قولي } استئناف لتعليل موجب النهى، بتحقيق أنه غير عاص ~~لأمره، وغير معرض عن اتباعه. أى يابن أمى لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى، فإنى ~~ما حملنى على البقاء معهم وعلى ترك مقاتلتهم بعد أن عبدوا العجل، إلا ~~خوفى من أن تقول لى - لو قاتلتهم أو فارقتهم بمن معى من المؤمنين - إنك ~~بعملك هذا قد جعلت بنى إسرائيل فرقتين متنازعتين { ولم ترقب ~~قولي } أى ولم تتبع وتطع قولى لك # اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل ~~المفسدين # ولذلك لم أقدم على مقاتلتهم بمن معى من المؤمنين، ولم أقدم كذلك على ~~مفارقتهم، بل بقيت معهم ناصحا واعظا، حتى تعود أنت إليهم، فتتدارك الأمر ~~بنفسك، وتعالجه برأيك. قال بعض العلماء ما ملخصه وهذه الآية الكريمة... ~~تدل على لزوم إعفاء اللحية وعدم حلقها، لأنه لو كان هارون حالقا لحيته ~~لما أخذ بها موسى - إذ من المشهور أن اللحية تطلق على الشعر النابت فى ~~العضو المخصوص وهو الذقن - وبذلك يتبين لك أن إعفاء اللحية سمت الرسل ~~الكرام الذين أمرنا الله - تعالى - بالاقتداء بهم. # فقد قال - تعالى - بعد أن ذكر عددا من الأنبياء منهم هارون # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده... # والعجب من الذين مسخت ضمائرهم... حتى صاروا ينفرون من صفات الذكورية، ~~وشرف الرجوله إلى خنوثه الأنوثة... هذا، وبعد أن انتهى موسى من سماع ~~اعتذار أخيه هارون، اتجه بغضبه إلى السامرى - رأس الفتنة ومدبرها - فأخذ ~~فى زجره وتوبيخه، وقد حكى - سبحانه - ذلك فى قوله - تعالى - { قال ~~فما خطبك يسامري... }. ### || [20.95-98] # أى قال موسى - عليه السلام - للسامرى { ما خطبك } أى ما شأنك، وما ~~الأمر العظيم الذى ms3506 جعلك تفعل ما فعلت؟ مصدر خطب يخطب - كقعد يقعد - ومنه ~~قولهم هذا خطب يسير أو جلل، وجمعه خطوب. وخصه بعضهم بما له خطر من ~~الأمور، وأصله الأمر العظيم الذى يكثر فيه التخاطب والتشاور، ويخطب ~~الخطيب الناس من أجله. وقد رد السامرى على موسى بقوله { بصرت بما ~~لم يبصروا به } أى علمت ما لم يعلمه القوم، وفطنت لما لم يفطنوا ~~له، ورأيت ما لم يروه. قال الزجاج يقال بصر بالشىء يبصر - ككرم وفرح - ~~إذا علمه، وأبصره إذا نظر إليه. وقيل هما بمعنى واحد. { فقبضت ~~قبضة من أثر الرسول فنبذتها } روى أن السامرى رأى ~~جبريل - عليه السلام - حين جاء إلى موسى ليذهب به إلى الميقات لأخذ ~~التوراة عن الله - عز وجل - ولم ير جبريل أحد غير السامرى من قوم موسى، ~~ورأى الفرس كلما وضعت حافرها على شىء اخضرت، فعلم أن للتراب الذى تضع ~~عليه الفرس حافرها شأنا، فأخذ منه حفنة وألقاها فى الحلى المذاب فصار ~~عجلا جسدا له خوار. والمعنى قال السامرى لموسى علمت ما لم يعلمه غيرى ~~فأخذت حفنة من تراب أثر حافر فرس الرسول وهو جبريل - عليه السلام - ~~فألقيت هذه الحفنة فى الحلى المذاب، فصار عجلا جسدا له خوار. { ~~وكذلك سولت لي نفسي } أى ومثل هذا الفعل سولته لى نفسى، أى ~~زينته وحسنته لى نفسى، لأجعل بنى إسرائيل يتركون عبادة إلهك يا موسى، ~~ويعبدون العجل الذى صنعته لهم. وعلى هذا التفسير الذى سار عليه كثير من ~~المفسرين، يكون المراد بالرسول جبريل - عليه السلام - ويكون المراد بأثره ~~التراب الذى أخذه من موضع حافر فرسه. هذا، وقد نقل الفخر الرازى عن أبى ~~مسلم الأصفهانى رأيا آخر فى تفسير الآية فقال ما ملخصه ليس فى القرآن ما ~~يدل على ما ذكره المفسرون، فهنا وجه آخر، وهو أن يكون المراد بالرسول ~~موسى - عليه السلام - وبأثره سنته ورسمه الذى أمر به، فقد يقول الرجل ~~فلان يقص أثر فلان ويقتص أثره إذا كان يمتثل رسمه، والتقدير أن موسى لما ~~أقبل على السامرى بالتوبيخ وبسؤاله عن الأمر ms3507 الذى دعاه إلى إضلال القوم ~~بعبادة العجل، رد عليه بقوله بصرت بما لم يبصروا به، أى عرفت أن الذى ~~أنتم عليه ليس بحق، وقد كنت قبضت قبضة من أثرك أيها الرسول، أى أخذت شيئا ~~من علمك ودينك فنبذته، أى طرحته... وعلى هذا التفسير الذى ذهب إليه أبو ~~مسلم يكون المراد بالرسول موسى - عليه السلام - ويكون المراد بأثره دينه ~~وسنته وعلمه. # ويكون المعنى الإجمالى للآية أن السامرى قال لموسى - عليه السلام - كنت ~~قد أخذت جانبا من دينك وعلمك، ثم تبين لى أنك على ضلال فنبذت ما أخذته ~~عنك وسولت لى نفسى أن أصنع للناس عجلا لكى يعبدوه لأن عبادته أراها هى ~~الحق. وقد رجح الإمام الرازى فى تفسيره ما ذهب إليه أبو مسلم فقال واعلم ~~أن هذا القول الذى قاله أبو مسلم ليس فيه إلا مخالفة للمفسرين، ولكنه ~~أقرب إلى التحقيق لوجوه. 1 - أن جبريل ليس مشهورا باسم الرسول، ولم يجر ~~له فيما تقدم ذكر حتى تجعل لام التعريف إشارة إليه. 2 - أنه لا بد فيه من ~~الإضمار، وهو قبضته من أثر حافر فرس الرسول، والإضمار خلاف الأصل. 3 - ~~أنه لا بد من التعسف فى بيان أن السامرى كيف اختص من بين جميع الناس ~~برؤية جبريل ومعرفته؟ ثم كيف عرف أن لتراب حافر فرسه هذا الأثر؟ والذى ~~ذكروه أن جبريل هو الذى رباه بعيد... وقد رد الإمام الآلوسى على الإمام ~~الفخر الرازى - رحمهما الله - فقال ما ملخصه 1 - عهد فى القرآن الكريم ~~إطلاق الرسول على جبريل، كما فى قوله - تعالى - # إنه لقول رسول كريم # وعدم جريان ذكره فيما تقدم لا يمنع أن يكون معهودا، ويجوز أن يكون إطلاق ~~الرسول عليه كان شائعا فى بنى إسرائيل. 2 - تقدير المضاف فى الكلام أكثر ~~من أن يحصى، وقد عهد ذلك فى كتاب الله غير مرة. 3 - رؤية السامرى دون ~~غيره لجبريل، كان ابتلاء من الله - تعالى - ليقضى الله أمرا كان مفعولا، ~~ومعرفته تأثير ذلك الأثر دون غيره كانت بسبب ما ألقى فى روعه من ms3508 أنه لا ~~يلقيه على شىء فيقول له كن كذا إلا كان - كما فى خبر ابن عباس - أو كانت ~~لما شاهد من خروج النبات بالوطء - كما فى بعض الآثار -... ويبدو لنا أن ~~ما ذهب إليه أبو مسلم، أقرب إلى ما يفيده ظاهر القرآن الكريم، إذا ما ~~استبعدنا تلك الروايات التى ذكرها المفسرون فى شأن السامرى وفى شأن رؤيته ~~لجبريل. ولا نرى حرجا فى استبعادها، لأنها عارية عن السند الصحيح إلى ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - أو إلى أصحابه، ويغلب على ظننا أنها من ~~الإسرائيليات التى نرد العلم فيها إلى الله - تعالى -. و قوله - سبحانه - ~~{ قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس ~~} حكاية لما قاله موسى - عليه السلام - للسامرى. والمساس مصدر ماس - ~~بالتشديد - كقتال من قاتل، وهو منفى بلا التى لنفى الجنس. # والمعنى قال موسى للسامرى ما دمت قد فعلت ذلك فاذهب، فإن لك فى مدة ~~حياتك، أن تعاقب بالنبذ من الناس، وأن تقول لهم إذا ما اقترب أحد منك { ~~لا مساس } أى لا أمس أحدا ولا يمسنى أحد، ولا أخالط أحدا ولا ~~يخالطنى أحد. قال صاحب الكشاف عوقب فى الدنيا بعقوبة لا شىء أطم منها ~~وأوحش وذلك أنه منع من مخالطة الناس منعا كليا، وحرم عليهم ملاقاته ~~ومكالمه ومبايعته ومواجهته، وكل ما يعايش به الناس بعضهم بعضا. وإذا اتفق ~~أن يماس أحدا - رجلا أو امرأة - حم الماس والممسوس - أى أصيبا بمرض الحمى ~~- فتحامى الناس وتحاموه، وكان يصيح لا مساس. وعادى فى الناس أوحش من ~~القاتل اللاجىء إلى الحرم، ومن الوحش النافر فى البرية... وقال الآلوسى ~~ما ملخصه والسر فى عقوبته على جنايته بما ذكر. أنه ضد ما قصده من إظهار ~~ذلك ليجتمع عليه الناس ويعززوه، فكان ما فعله سببا لبعدهم عنه وتحقيره. ~~وقيل عوقب بذلك ليكون الجزاء من جنس العمل، حيث نبذ فنبذ، فإن ذلك ~~التحامى عنه أشبه شىء بالنبذ... قالوا وهذه الآية الكريمة أصل فى نفى أهل ~~البدع والمعاصى وهجرانهم وعدم مخالطتهم. ثم بين - سبحانه - عقوبة السامرى ms3509 ~~فى الآخرة، بعد بيان عقوبته فى الدنيا فقال { وإن لك موعدا ~~لن تخلفه }. وقوله { تخلفه } قرأها الجمهور بضم التاء وفتح ~~اللام. أى وإن لك موعدا فى الآخرة لن يخلفك الله - تعالى - إياه. بل ~~سينجزه لك، فيعاقبك يومئذ العقاب الأليم الذى تستحقه بسبب ضلالك وإضلالك، ~~كما عاقبك فى الدنيا بعقوبة الطرد والنفور من الناس. وقرأ ابن كثير وأبو ~~عمر { لن تخلفه } بضم التاء وكسر اللام أى وإن لك موعدا فى الآخرة ~~لن تستطيع التخلف عنه، أو المهرب منه، بل ستأتيه وأنت صاغر.. ثم بين - ~~سبحانه - ما فعله موسى - عليه السلام - بالعجل الذى صنعه السامرى لإضلال ~~الناس. فقال { وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه ~~عاكفا }. أى وقال موسى - أيضا - للسامرى وانظر إلى معبودك العجل الذى ~~أقمت على عبادته أنت وأتباعك فى غيبتى عنكم. { لنحرقنه } ~~بالنار أمام أعينكم، والجملة جواب لقسم محذوف، أى والله لنحرقنه { ثم ~~لننسفنه في اليم نسفا } أى لم لنذرينه فى البحر ~~تذرية، بحيث لا يبقى منه عين ولا أثر. يقال نسف الطعام ينسفه نسفا، إذا ~~فرقه وذراه بحيث لا يبقى منه شىء. وقد نفذ موسى - عليه السلام - ذلك حتى ~~يظهر للأغبياء الجاهلين الذين عبدوا العجل، أنه لا يستحق ذلك. وإنما ~~يستحق الذبح والتذرية، وأن عبادتهم له إنما هى دليل واضح على انطماس ~~بصائرهم، وشدة جهلهم. وقوله - تعالى - { إنمآ إلهكم الله ~~الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما }. # استئناف مسوق لإحقاق الحق وإبطال الباطل أى إنما المستحق للعبادة ~~والتعظيم هو الله - تعالى - وحده، الذى وسع علمه كل شىء. ولا تخفى عليه ~~خافية فى الأرض ولا فى السماء. وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد قصت ~~علينا بأسلوب بليغ حكيم، جوانب من رعاية الله - تعالى - لنبيه موسى - ~~عليه السلام - ورحمته به، كما قصت علينا تلك المحاورات التى تمت بين موسى ~~وفرعون، وبين موسى والسحرة كما حدثتنا عن جانب من النعم التى أنعم الله - ~~تعالى - بها على بنى إسرائيل، وكيف أنهم قابلوها بالجحود والكنود وبإيذاء ~~نبيهم موسى - عليه السلام -. ثم أشار ms3510 - سبحانه - بعد ذلك إلى العبرة من ~~قصص الأولين، وإلى التنويه بشأن القرآن الكريم، وإلى أن يوم القيامة آت ~~لا ريب فيه، فقال - تعالى - { كذلك نقص... }. ### || [20.99-104] # والكاف فى قوله - تعالى - { كذلك } فى محل نصب نعت لمصدر محذوف، أى ~~نقص عليك - أيها الرسول الكريم - من أنباء ما قد سبق من أحوال الأمم ~~الماضية، قصصا مثل ما قصصناه عليك عن موسى وهارون. وما دار بينهما وبين ~~فرعون وبين بنى إسرائيل. و { من } فى قوله { من أنبآء ما قد ~~سبق } للتبعيض، ويشهد لذلك أن القرآن قد صرح فى كثير من آياته، أن ~~الله - تعالى - لم يقص على الرسول - صلى الله عليه وسلم - جميع أحوال ~~الأمم السابقة، ومن ذلك قوله - تعالى - # ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم ~~نقصصهم عليك # ومن فوائد ما قصه الله - تعالى - عليه من أنباء السابقين زيادة علمه - ~~صلى الله عليه وسلم -، وتكثير معجزاته، وتثبيت فؤاده، وتسليته عما أصابه ~~من سفهاء قومه، وتذكير المؤمنين بأحوال تلك الأمم السابقة ليعتبروا ~~ويتعظوا. وقوله - سبحانه - { وقد آتيناك من لدنا ذكرا } ~~تنويه وتعظيم لشأن القرآن الكريم. أى وقد أعطيناك ومنحناك من عندنا وحدنا ~~{ ذكرا } عظيما. وهو القرآن الكريم، كما قال - تعالى - # وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون # قال الفخر الرازى وفى تسمية القرآن بالذكر وجوه أحدها أنه كتاب فيه ذكر ~~ما يحتاج إليه الناس من أمر دينهم ودنياهم. وثانيها أنه يذكر أنواع آلاء ~~الله ونعمائه على الناس، ففيه التذكير والوعظ. وثالثها أنه فيه الذكر ~~والشرف لك ولقومك، كما قال - سبحانه - # وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون # ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة من يعرض عن هداية هذا القرآن فقال { من ~~أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا ~~خالدين فيه وسآء لهم يوم القيامة حملا }. والوزر ~~فى الأصل يطلق على الحمل الثقيل، وعلى الإثم والذنب، والمراد به هنا ~~العقوبة الثقيلة الأليمة المترتبة على تلك الأثقال والآثام. قال صاحب ~~الكشاف والمراد بالوزر العقوبة الثقيلة الباهظة، سماها وزرا تشبيها فى ~~ثقلها على المعاقب، وصعوبة احتمالها، بالحمل ms3511 الذى يفدح الحامل، وينقض ~~ظهره، أو لأنها جزاء الوزر وهو الإثم. وقد أخبرنا القرآن فى كثير من ~~آياته، أن الكافرين يأتون يوم القيامة وهم يحملون أوزارهم، أى أثقال ~~ذنوبهم على ظهورهم، ومن ذلك قوله - تعالى - # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما ~~يزرون # أى من أعرض عن هذا الذكر وهو القرآن الكريم فإنه بسبب هذا الإعراض ~~والترك، يحمل يوم القيامة على ظهره آثاما كثيرة تؤدى إلى العقوبة المهينة ~~من الله - تعالى -. وقوله { خالدين فيه } أى فى العذاب المترتب على ~~هذا الوزر. # { وسآء لهم يوم القيامة حملا } أى وبئس ما حملوا على ~~أنفسهم من الإثم بسبب إعراضهم عن هداية القرآن الكريم. قال الآلوسى قوله ~~{ وسآء لهم يوم القيامة حملا } إنشاء الذم، على أن " ~~ساء " فعل ذم بمعنى بئس.. وفاعله على هذا هنا مستتر يعود على " حملا " ~~الواقع تمييزا.. والمخصوص بالذم محذوف، والتقدير ساء حملهم حملا وزرهم. ~~ثم بين - سبحانه - أحوال المجرمين عند الحشر فقال { يوم ينفخ في ~~الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا }. أى اذكر - ~~أيها العاقل - يوم ينفخ إسرافيل فى الصور النفخة الثانية، ونحشر المجرمين ~~يومئذ ونجمعهم للحساب حالة كونهم زرق العيون من شدة الهول، أو حالة كونهم ~~" زرقا " أى عميا، لأن العين إذا ذهب ضوؤها أزرق ناظرها. أو " زرقا " ~~معناه عطاشا، لأن العطش الشديد يغير سواد العين فيجعله كالأزرق. قال - ~~تعالى - # ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في ~~الأرض إلا من شآء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا ~~هم قيام ينظرون # وقوله - سبحانه - { يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا ~~عشرا } استئناف لبيان ما يقوله بعضهم لبعض على سبيل الهمس وخفض الصوت. ~~أى إن هؤلاء المجرمين يتهامسون فيما بينهم فى هذا اليوم العصيب، قائلين ~~ما لبثم فى قبوركم إلا عشرا من الليالى أو الأيام. ومقصدهم من هذا القول ~~استقصار المدة، وسرعة انقضائها، والندم على ما كانوا يزعمونه من أنه لا ~~بعث ولا حساب، بعد أن تبين لهم أن البعث حق، وأن الحساب حق، ms3512 وأن الأمر ~~على عكس ما كانوا يتوهمون. وقوله - تعالى - { نحن أعلم بما ~~يقولون... } بيان لشمول علمه - سبحانه -. أى نحن وحدنا أعلم بما ~~يقولون فيما بينهم، لا يخفى علينا شىء مما يتخافتون به من شأن مدة لبثهم ~~فى قبورهم أو فى الدنيا. { إذ يقول أمثلهم طريقة } أى أعد ~~لهم رأيا، وأرجحهم عقلا { إن لبثتم إلا يوما } واحدا وقيل ~~المراد باليوم مطلق الوقت، وتنكيره للتقليل والتحقير. أى ما لبثتم فى ~~قبوركم إلا زمنا قليلا. ونسبة هذا القول إلى أمثلهم لا لكونه أقرب إلى ~~الصدق، بل لكونه أدلى على شدة الهول. قال - تعالى - # كأنهم يوم يرونها # أى الساعة # لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها # ثم بين - سبحانه - أحوال الجبال وأحوال الناس يوم القيامة فقال - تعالى ~~- { ويسألونك عن... }. ### || [20.105-112] # والسائلون عن أحوال الجبال يوم القيامة كفار مكة، روى أنهم قالوا للرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - على سبيل الاستهزاء، يا محمد إنك تدعى أن هذه ~~الدنيا تفنى، وأننا نبعث بعد الموت، فأين تكون هذه الجبال، فنزل قوله - ~~تعالى - { ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي ~~نسفا }. وقيل السائلون هم المؤمنون على سبيل طلب المعرفة والفهم. ~~وقوله { ينسفها } من النسف بمعنى القلع. يقال نسفت الريح التراب نسفا ~~- من باب ضرب - إذا اقتلعته وفرقته. أى ويسألك - أيها الرسول الكريم - ~~بعض الناس عن أحوال الجبال يوم القيامة، فقل لهم ينسفها ربى نسفا، بأن ~~يقلعها من أصولها، ثم يجعلها كالرمل المتناثر، أو كالصوف المنفوش الذى ~~تفرقه الرياح. والفاء فى قوله { فقل } للمسارعة إلى إزالة ما فى ذهن ~~السائل من توهم أن الجبال قد تبقى يوم القيامة. والضمير فى قوله { ~~فيذرها قاعا صفصفا } يعود إلى الجبال باعتبار أجزائها السفلى ~~الباقية بعد النسف، ويصح أن يعود إلى الرض المدلول عليها بقرينة الحال، ~~لأنها هى الباقية بعد قلع الجبال. والقاع هو المنكشف من الأرض دون أن ~~يكون عليه نبات أو بناء. والصفصف الأرض المستوية الملساء حتى لكأن ~~أجزاءها صف واحد من كل جهة. اى فيتركها بعد النسف أرضا منكشفة متساوية ~~ملساء، لا نبات ms3513 فيها ولا بناء... { لا ترى فيها عوجا ولا ~~أمتا } أى لا ترى فى الأرض بعد اقتلاع الجبال منها، مكانا منخضا، كما ~~لا ترى فيها { أمتا } أى مكانا مرتفعا، بل تراها كلها مستوية ملساء ~~كالصف الواحد. قال صاحب الكشاف فإن قلت قد فرقوا بين العوج والعوج، ~~فقالوا العوج بالكسر فى المعانى والعوج بالفتح فى الأعيان، والأرض عين، ~~فكيف صح فيها المكسور العين؟. قلت اختيار هذا اللفظ له موقع حسن بديع فى ~~وصف الأرض بالاستواء والملاسة ونفى الاعوجاج عنها على أبلغ ما يكون، وذلك ~~أنك لو عمدت إلى قطعة أرض فسويتها، وبالغت فى التسوية على عينك وعيون ~~البصراء، واتفقتم على أنه لم يبق فيها اعوجاج قط، ثم استطلعت رأى المهندس ~~فيها، وأمرته أن يعرض استواءها على المقاييس الهندسية، لعثر فيها على عوج ~~فى غير موضع، لا يدرك ذلك بحاسة البصر ولكن بالقياس الهندسى، فنفى الله ~~ذلك العوج الذى دق ولطف عن الإدراك، اللهم إلا بالقياس الذى يعرفه صاحب ~~التقدير والهندسة، وذلك الاعوجاج لما لم يدرك إلا بالقياس دون الإحساس ~~لحق بالمعانى، فقيل فيه، عوج بالكسر والأمت النتوء اليسير، يقال مد حبله ~~حتى ما فيه أمت.. ثم بين - سبحانه - أحوال الناس يوم القيامة فقال { ~~يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له. # .. }. والمراد بالداعى الملك الذى يدعوهم إلى المثول للحساب. قيل ~~يناديهم بقوله أيتها العظام البالية، والجلود المتمزقة واللحوم ~~المتفرقة.. قومى إلى ربك للحساب والجزاء، فيسمعون الصوت ويتبعونه. ~~والمعنى فى هذا اليوم الذى تنسف فيه الجبال، وتصير الأرض قاعا صفصفا يقوم ~~الناس من قبورهم، ويتبعون من يناديهم للحساب والجزاء دون أن يحيدوا عن ~~هذا المنادى، أو أن يملكوا مخالفته أو عصيانه، بل الجميع يسمع دعاءه ~~ويستجيب لأمره. كما قال - تعالى - # فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر ~~خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم ~~جراد منتشر مهطعين إلى الداع يقول الكافرون ~~هذا يوم عسر # وقوله { وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا ~~همسا } أى وخفتت وسكنت الأصوات كلها هيبة وخوفا من الرحمن - عز وجل - ~~فلا تسمع ms3514 - أيها المخاطب - فى هذا اليوم الهائل الشديد { إلا همسا ~~} أى إلا صوتا خفيا خافتا. يقال همس الكلام يهمسه همسا، إذا أخفاه، ويقال ~~للأسد الهموس، لخفاء وطئه. { يومئذ لا تنفع الشفاعة ~~إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا } أى فى ~~هذا اليوم الذى تخشع فيه الأصوات لا تنفع الشفاعة أحدا كائنا من كان، إلا ~~شفاعة من أذن له الرحمن فى ذلك { ورضي له قولا } أى ورضى - ~~سبحانه - قول الشافع فيمن يشفع له. قال الإمام ابن كثير وهذه الآية ~~كقوله - تعالى - # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه # وكقوله # وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم ~~شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشآء ~~ويرضى # وكقوله # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى # وفى الصحيحين من غير وجه، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " أتي تحت العرش، وأخر لله ساجدا، ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن، ~~ثم يقول - سبحانه - " يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع قولك، واشفع تشفع. ~~قال - صلى الله عليه وسلم - فيحد لى حدا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود، فذكر ~~أربع مرات " # - صلى الله عليه وسلم - وعلى سائر الأنبياء... وفى الحديث يقول - تعالى ~~- # " أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان فيخرجون خلقا ~~كثيرا، ثم يقول - سبحانه - أخرجوا من النار من كان فى قلبه نصف مثقال من ~~إيمان، أخرجوا من النار من كان فى قلبه ما يزن ذرة، من كان فى قلبه أدنى ~~أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان ". # وقوله - تعالى - { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ~~ولا يحيطون به علما } بيان لشمول علمه - سبحانه - لكل شىء. أى ~~الله - تعالى - وحده هو الذى يعلم جميع أحوال خلقه سواء ما كان منها ~~يتعلق بما بين أيديهم من أمور الآخرة وأهوال الموقف، أم ما كان منها ~~يتعلق بما خلفهم من أمور الدنيا، أما هم فإنهم لا يحيط علمهم إلا بذاته - ~~تعالى - ولا بصفاته، ولا بمعلوماته. # فالضمير فى قوله { ما بين أيديهم وما خلفهم } يعود على ~~المتبعين ms3515 للداعى وهم الخلق جميعا... وقيل يعود للشافعين، وقيل للملائكة، ~~والأول أولى لعمومه. وقوله - سبحانه - { وعنت الوجوه للحي ~~القيوم... } مؤكد ومقرر لما قبله من خشوع الأصوات يوم القيامة ~~للرحمن، ومن عدم الشفاعة لأحد إلا بإذنه - عز وجل -. والفعل { وعنت } ~~بمعنى ذلت يقال عنا فلان يعنو عنوا - من باب سما - إذا ذل لغيره وخضع ~~وخشع، ومنه قيل للأسير عان لذله وخضوعه لمن أسره. أى وذلت وجوه الناس ~~وخضعت فى هذا اليوم لله - تعالى - وحده الحى أى الباقى الذى له الحياة ~~الدائمة التى لا فناء معها { القيوم } أى الدائم القيام بتدبير أمر ~~خلقه وإحيائهم وإماتتهم ورزقهم.. وسائر شئونهم. وهذا اللفظ مبالغة فى ~~القيام. وأصله قيووم بوزن فيعول.. من قام بالأمر. إذا حفظه ودبره. وخصت ~~الوجوه بالذكر لأنها أشرف الأعضاء، وآثار الذل أكثر ما تكون ظهورا عليها. ~~وظاهر القرآن يفيد أن المراد بالوجوه جميعها، سواء أكانت للمؤمنين أم ~~لغيرهم، فالكل يوم القيامة خاضع لله - تعالى - ومستسلم لقضائه، فالألف ~~واللام للاستغراق. قال ابن كثير قوله - تعالى - { وعنت الوجوه ~~للحي القيوم } قال ابن عباس وغير واحد - من السلف - خضعت وذلت ~~واستسلمت الخلائق لخالقها وجبارها الحى الذى لا يموت... ويرى بعضهم أن ~~المراد بالوجوه التى ذلت وخشعت فى هذا اليوم، وجوه الكفار والفاسقين، ~~وإلى هذا المعنى اتجه صاحب الكشاف فقال المراد بالوجوه وجوه العصاة، ~~وأنهم إذا عاينوا - يوم القيامة - الخيبة والشقوة وسوء الحساب وصارت ~~وجوههم عانية، أى ذليلة خاشعة، مثل وجوه العناة وهم الأسارى، ونحوه قوله ~~- تعالى - # فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا # ويبدو لنا أن القول الأول أقرب إلى الصواب، لأن جميع الوجوه يوم القيامة ~~تكون خاضعة لحكم الله - تعالى - ومستسلمة لقضائه. وقوله { وقد خاب ~~من حمل ظلما } جملة حالية، أى ذلت جميع الوجوه لله - تعالى - يوم ~~القيامة، والحال أنه قد خاب وخسر من حمل فى دنياه ظلما، أى شركا بالله - ~~تعالى - أو فسوقا عن أمره - سبحانه - ولم يقدم العمل الصالح الذى ينفعه ~~فى ذلك اليوم العسير. ثم بسر - سبحانه - المؤمنين بما يشرح صدورهم فقال ms3516 { ~~ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ~~ظلما ولا هضما }. أى ومن يعمل فى دنياه الأعمال الصالحات، وهو مع ~~ذلك مؤمن بكل ما يجب الإيمان به. # فإنه فى هذه الحالة { لا يخاف ظلما } ينزل به. ولا يخاف { ~~هضما } لشىء من حقوقه أو ثوابه. يقال هضم فلان حق غيره، إذا انتقصه ~~حقه ولم يوفه إياه. قالوا والفرق بين الظلم والهضم أن الظلم قد يكون بمنع ~~الحق كله، أما الهضم فهو منع لبعض الحق. فكل هضم ظلم، وليس كل ظلم هضما. ~~فالآية الكريمة قد بشرت المؤمنين، بأن الله - تعالى - بفضله وكرمه ~~سيوفيهم أجورهم يوم القيامة، بدون أدنى ظلم أو نقص من ثوابهم، فالتنكير ~~فى قوله { ظلما ولا هضما } للتقليل. ثم نوه - سبحانه - بشأن ~~القرآن الكريم الذى أنزله على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - وبين بعض ~~الحكم من إنزاله، وطلب من نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يسأله المزيد ~~من العلم فقال - تعالى - { وكذلك.... }. ### || [20.113-114] # وقوله - سبحانه - { وكذلك أنزلناه... } معطوف على قوله # كذلك نقص عليك من أنبآء ما قد سبق.. # والكاف للتشبيه، واسم الإشارة يعود على إنزال ما سبق من آيات. أى ومثل ~~ما أنزلنا الآيات السابقة المشتملة على الآداب والأحكام والقصص، أنزلنا ~~عليك يا محمد القرآن كله، فما نزل منه متأخرا يشبه فى هدايته وإعجازه ما ~~نزل منه متقدما. وقد اقتضت حكمتنا أن نجعله { قرآنا عربيا } أى ~~بلغة العرب، لكى يفهموه ويقعوا على ما فيه من هدايات وإرشادات وإعجاز ~~للبشر. وقوله { وصرفنا فيه من الوعيد } معطوف على { ~~أنزلناه } أى أنزلناه قرآنا عربيا وكررنا ونوعنا فيه ألوانا من ~~الوعيد على سبيل التخويف والتهديد. { لعلهم يتقون } أى لعل ~~الناس يتقون - بسبب ذلك - الوقوع فى الكفر والفسوق والعصيان، ويجتنبون ~~الآثام والسيئات، ويصونون أنفسهم عن الموبقات فمعمول { يتقون } ~~محذوف. وقوله - سبحانه - { أو يحدث لهم ذكرا } بيان لحكمة ~~أخرى من الحكم التى من أجلها أنزل الله القرآن الكريم. أى أنزلناه بهذه ~~الصفة، وجعلناه مشتملا على ضروب من الوعيد، لعل قومك - أيها الرسول ~~الكريم - يتقون الكفر ms3517 والمعاصى، أو لعل القرآن يحدث فى نفوسهم { ذكرا ~~}. أى اتعاظا واعتبارا يصرفهم عن التردى فيما تردت فيه الأمم السابقة من ~~آثام وموبقات أدت إلى هلاكها. وقال - سبحانه - { أنزلناه } ~~بالإضمار مع أن القرآن لم يسبق له ذكر فى الآيات السابقة، للإيذان ~~بنباهة شأنه، وعلو قدره، وكونه مركوزا فى العقول، حاضرا فى الأذهان ~~والقلوب. ثم أثنى - سبحانه - على ذاته بما يستحقه من صفات كريمة فقال { ~~فتعلى الله الملك الحق }. أى فجعل وعظم شأن الله - ~~سبحانه - عن إلحاد الملحدين، وإشراك المشركين فإنه هو وحده { الملك } ~~المتصرف فى شئون خلقه، وهو وحده الإله { الحق } وكل ما سواه فهو ~~باطل. ثم أرشد الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - إلى كيفية ~~تلقى القرآن من جبريل - عليه السلام - فقال { ولا تعجل ~~بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه.. }. أى ولا ~~تتعجل بقراءة القرآن من قبل أن ينتهى جبريل من إبلاغه إليك، قالوا وكان ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - كلما قرأ عليه جبريل آية قرأها معه، وذلك ~~لشدة حرصه على حفظ القرآن، ولشدة شوقه إلى سماعه، فأرشده الله - تعالى - ~~فى هذه الآية إلى كيفية تلقى القرآن عن جبريل، ونهاه عن التعجل فى ~~القراءة. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه ~~وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن ~~علينا بيانه # ثم أمر - سبحانه - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يسأله المزيد من ~~العلم فقال { وقل رب زدني علما }. # أى وقل - أيها الرسول الكريم - مخاطبا ربك ومتوسلا إليه، يا رب زدنى من ~~علمك النافع. قال الآلوسى واستدلوا بالآية على فضل العلم حيث أمر - صلى ~~الله عليه وسلم - بطلب الزيادة منه، وذكر بعضهم أنه - صلى الله عليه وسلم ~~- ما أمر بطلب الزيادة من شىء سوى العلم. وكان - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول # " اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني بما ينفعني، وزدني علما " # وكان يقول # " الله زدني إيمانا وفقها ويقينا وعلما ". # ثم ساق - سبحانه - جانبا من قصة آدم - عليه السلام - فذكر لنا كيف أنه ~~نسى ms3518 عهد ربه له، فأكل من الشجرة التى نهاه الله - تعالى - عن الأكل منها، ~~ومع ذلك فقد قبل - سبحانه - توبته، وغسل حوبته.. قال - تعالى - { ~~ولقد عهدنآ... }. ### || [20.115-123] # واللام فى قوله - تعالى - { ولقد عهدنآ... } هى الموطئة للقسم، ~~والمعهود محذوف، وهو النهى عن الأكل من شجرة معينة، كما وضحه فى آيات ~~أخرى منها قوله - تعالى - # ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين # أى والله لقد عهدنا إلى آدم - عليه السلام - وأوصيناه ألا يقرب تلك ~~الشجرة { من قبل } أن يخالف أمرنا فيقربها ويأكل منها، أو من قبل أن ~~نخبرك بذلك - أيها الرسول الكريم -. والفاء فى قوله { فنسي } ~~للتعقيب، والمفعول محذوف. أى فنسى العهد الذى أخذناه عليه بعدم الأكل ~~منها. والنسيان هنا يرى بعضهم أنه بمعنى الترك، وقد ورد النسيان بمعنى ~~الترك فى كثير من آيات القرآن الكريم. ومن ذلك قوله - تعالى - # وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقآء يومكم ~~هذا # أى نترككم كما تركتم لقاء يومكم هذا وهو يوم القيامة. وعليه يكون المعنى ~~ولقد عهدنا إلى آدم من قبل بعدم الأكل من الشجرة فترك الوفاء بعهدنا ~~وخالف ما أمرناه به. وعلى هذا التفسير فلا إشكال فى وصف الله - تعالى - ~~له بقوله { وعصى ءادم ربه فغوى } لأن آدم بمخالفته لما ~~نهاه الله - تعالى - عنه وهو الأكل من الشجرة - صار عاصيا لأمر ربه. ومن ~~العلماء من يرى أن النسيان هنا على حقيقته، أى أنه ضد التذكر فيكون ~~المعنى ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ما عاهدناه عليه، وغاب عن ذهنه ما ~~نهيناه عنه، وهو الأكل من الشجرة. فإن قيل إن الناسى معذور. فكيف قال ~~الله - تعالى - فى حقه { وعصى ءادم ربه فغوى }؟. فالجواب ~~أن آدم - عليه السلام - لم يكن معذورا بالنسيان، لأن العذر بسبب الخطأ ~~والنسيان والإكراه. من خصائص هذه الأمة الإسلامية، بدليل قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - " إن الله تجاوز لى عن أمتى الخطأ والنسيان وما ~~استكرهوا عليه ". قال القرطبى ما ملخصه قوله - تعالى - { ولقد ~~عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي.. }. للنسيان معنيان ~~أحدهما الترك، ms3519 أى ترك الأمر والعهد، وهذا قول مجاهد وأكثر المفسرين، ومنه # نسوا الله فنسيهم # وثانيهما قال ابن عباس " نسى " هنا من السهو والنسيان، وإنما أخذ ~~الإنسان من أنه عهد إليه فنسى... وعلى هذا القول يحتمل أن يكون آدم فى ~~ذلك الوقت مؤاخذا بالنسيان، وإن كان النسيان عنا اليوم مرفوعا. والمراد ~~تسلية النبى - صلى الله عليه وسلم - أى أن طاعة بنى آدم للشيطان أمر قديم ~~أى إن نقض هؤلاء - المشركون - العهد، فإن آدم - أيضا - عهدنا إليه فنسى. # .. ". وقوله { ولم نجد له عزما } مقرر لما قبله من غفلة آدم ~~عن الوفاء بالعهد. قال الجمل وقوله { نجد } يحتمل أنه من الوجدان ~~بمعنى العلم، فينصب مفعولين، وهما " له " و " عزما " ويحتمل أنه من ~~الوجود الذى هو ضد العدم فينصب مفعولا وهو { عزما } والجار والمجرور ~~متعلق بنجد. والعزم توطين النفس على الفعل، والتصميم عليه، والمضى فى ~~التنفيذ للشىء.. أى فنسى آدم عهدنا، ولم نجد له ثبات قدم فى الأمور، ~~يجعله يصبر على عدم الأكل من الشجرة بل لانت عريكته وفترت همته بسبب ~~خديعة الشيطان له. ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك بشىء من التفصيل، الأسباب ~~التى أدت إلى نسيان آدم وضعف عزيمته فقال { وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس ~~أبى }. أى وأذكر - أيها المخاطب - وقت أن قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ~~سجود تكريم لا سجود عبادة، فامتثلوا لأمرنا، إلا إبليس فإنه أبى السجود ~~لآدم تكبرا وغرورا وحسدا له على هذا التكريم. ثم حكى - سبحانه - ما قاله ~~لآدم بعد إباء إبليس عن السجود له فقال { يآءادم إن هذا } أى ~~إبليس { عدو لك ولزوجك } بسبب حسده لكما وحقده عليكما { ~~فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى } أى فاحذرا أن ~~تطيعاه، فإن طاعتكما له ستؤدى بكما إلى الخروج من الجنة، فيترتب على ذلك ~~شقاؤك، أى تعبك فى الحصول على مطالب حياتك. وأسند سبحانه إلى إبليس ~~الإخراج لهما من الجنة، لأنه هو المتسبب فى ذلك، عن طريق الوسوسة لهما، ~~وطاعتهما له فيما حرضهما عليه وهو الأكل من الشجرة، وعبر عن التعب فى ms3520 طلب ~~المعيشة بالشقاء، لأنه بعد خروجه من الجنة سيقوم بحراثة الأرض وفلاحتها ~~وزرعها وريها... ثم حصدها.. ثم إعداد نتاجها للأكل، وفى كل ذلك ما فيه من ~~شقاء وكد وتعب. وقال - سبحانه - { فتشقى } ولم يقل فتشقيا كما قال { ~~فلا يخرجنكما } لأن الكلام من أول القصة مع آدم وحده أو لأن ~~شقاء الرجل يدخل فيه شقاء أهله، كما أن سعادته سعادتهم، أو لأنه هو الذى ~~يعود عليه التعب إذ هو المكلف بأن يقدم لها ما تحتاجه من مطالب الحياة. ~~كالمسكن والملبس والمطعم والمشرب. قال القرطبى ما ملخصه قوله { ~~فتشقى } يعنى أنت وزوجك لأنهما فى استواء العلة واحد، ولم يقل ~~فتشقيا لأن المعنى معروف، وآدم - عليه السلام - هو المخاطب، وهو المقصود. ~~وأيضا لما كان هو الكاد عليها والكاسب لها كان بالشقاء أخص. وفى ذلك ~~تعليم لنا أن نفقة الزوجة على الزوج. فمن يومئذ جرت نفقة النساء على ~~الأزواج، فلما كانت نفقة حواء على آدم، كانت كذلك نفقات بناتها على بنى ~~آدم بحق الزوجية... وقوله - تعالى - { إن لك ألا تجوع فيها ~~ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى } تعليل ~~لما يوجبه النهى عن طاعة إبليس التى ستؤدى بهما إلى الإخراج من الجنة ~~وإلى الشقاء فى الدنيا. # والجوع ضد الشبع. وقوله { تعرى } من العرى الذى هو خلاف الملبس. ~~يقال عرى فلان من ثيابه يعرى عريا، إذا تجرد منها. وقوله { تضحى } أى ~~لا يصيبك حر الشمس فى الضحى. يقال ضحا فلان يضحى ضحوا - كسعى - إذا كان ~~بارزا لحر الشمس فى الضحى. أى احذر يا آدم أن تطيع إبليس فيحل لك الشقاء، ~~وتخرج من الجنة التى لا يصيبك فيها شىء من الجوع، ولا شىء من العرى أو ~~الظمأ، ولا شىء من حر الشمس فى الضحى.. وإنما أنت فيها متمتع بكل مطالب ~~الحياة الهنيئة الناعمة الدائمة. قال صاحب الكشاف الشبع والرى والكسوة ~~والسكن - هذه الأربعة - هى الأقطاب التى يدور فيها كفاح الإنسان، فذكره ~~استجماعها له فى الجنة وأنه مكفى لا يحتاج إلى كفاية كاف، ولا إلى كسب ms3521 ~~كاسب كما يحتاج إلى ذلك أهل الدنيا. وذكرها بلفظ النفى لنقائضها التى هى ~~الجوع والعرى والظمأ والضحو، ليطرق سمعه بأسامى أصناف الشقوة التى حذره ~~منها، حتى يتحامى السبب الموقع فيها كراهة لها. ثم بين - سبحانه - أن آدم ~~- عليه السلام - مع هذه النصائح والتحذيرات لم يستطيع أن يستمر على ~~الاستجابة لنهى ربه إياه عن الأكل من الشجرة، بل تغلب عليه ضعفه فاستمع ~~إلى مكر الشيطان، قال - تعالى - { فوسوس إليه الشيطان ~~قال يآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا ~~يبلى }. والوسوسة الخطرة الرديئة، وأصلها من الوسواس، وهو صوت الحلى، ~~والهمس الخفى. والوسواس - بكسر الواو الأولى - مصدر وبفتحها الاسم وهو من ~~أسماء الشيطان، كما قال - تعالى - # قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من ~~شر الوسواس الخناس الذى يوسوس في صدور الناس ~~من الجنة والناس # ويقال وسوس فلان إلى فلان، أى أوصلها إليه، ووسوس له، أى من أجله. أى ~~فأوصل الشيطان وسوسته إلى آدم، وأنهاها إليه، بأن قال له يا آدم، هل أدلك ~~على الشجرة التى من أكل منها عاش مخلدا لا يدركه الموت وصار صاحب ملك لا ~~يفنى، ولا يصبح باليا ابدا. وناداه باسمه، ليكون أكثر إقبالا عليه، وأمكن ~~فى الاستماع إليه. وعرض عليه ما عرض فى صورة الاستفهام الذى بمعنى الحث ~~والحض، ليشعره بأنه ناصح له وحريص على مصلحته ومنفعته. ثم أكد كل هذا ~~التحريض بالقسم كما فى قوله - تعالى - # وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين # فكانت نتيجة مكره بآدم وخداعه له، أن أطاعه فى الأكل من الشجرة كما قال ~~- تعالى - { فأكلا منها } أى فأكل آدم وزوجه من الشجرة التى نهاه ~~ربه عن الأكل منها. # { فبدت لهما سوءاتهما } أى عوراتهما، وسميت العورة سوءة، ~~لأن انكشافها يسوء صاحبها وبحزنه، ويجعل الناس تنفر منه. { وطفقا ~~يخصفان عليهما من ورق الجنة.. } أى وشرعا وأخذا ~~يلزقان على أجسادهما من ورق الجنة ليسترا عوراتهما. وكثير من المفسرين ~~يقولون إن ورق الجنة الذى أخذ آدم وحواء فى لزقه على أجسادهما هو ورق شجر ~~التين لكبر حجمه. ms3522 وقد أخذ العلماء من ذلك وجوب ستر العورة، لأن قوله - ~~تعالى - { وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة } ~~يدل على قبح انكشافها، وأنه يجب بذل أقصى الجهد فى سترها. وقوله { ~~وعصى ءادم ربه فغوى } أى وخالف آدم أمر ربه فى اجتناب ~~الأكل من الشجرة { فغوى } أى فأخطأ طريق الصواب، بسبب عدم طاعته ربه. ~~قالوا ولكن آدم فى عصيانه لربه كان متأولا، لأنه اعتقد أن النهى عن شجرة ~~معينة لا عن النوع كله، وقالوا وتسمية ذلك عصيانا لعلو منصبه، وقد قيل ~~حسنات الأبرار سيئات المقربين. كما قالوا إن الأسباب التى حملت آدم على ~~الأكل من الشجرة، أن إبليس أقسم له بالله إنه له ناصح، فصدقه آدم - عليه ~~السلام - لاعتقاده أنه لا يمكن لأحد أن يقسم بالله كاذبا، والمؤمن غر ~~كريم، والفاجر خب لئيم كما جاء فى الحديث الشريف. وقوله - سبحانه - { ~~ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى } بيان لفضل الله - ~~تعالى - على آدم، حيث قبل توبته، ورزقه المداومة عليها. والاجتباء ~~الاصطفاء والاختيار، أى ثم بعد أن أكل آدم من الشجرة، وندم على ما فعل هو ~~وزوجه، اجتباه ربه أى اصطفاه وقربه واختاره { فتاب عليه } أى قبل ~~توبته { وهدى } أى وهداه الى الثبات عليها، وإلى المداومة على طاعة ~~الله - تعالى - فقد اعترف هو وزوجه بخطئهما، كما فى قوله - تعالى - # قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين # وقد أوحى الله - تعالى - إليه بكلمات كانت السبب فى قبول توبته، كما قال ~~- سبحانه - # فتلقى ءادم من ربه كلمات فتاب عليه إنه ~~هو التواب الرحيم # ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات ببيان ما آل إليه أمر آدم فقال - تعالى - ~~{ قال اهبطا منها جميعا... }. أى انزلا من الجنة إلى الإرض ~~مجتمعين، فألف الاثنين هنا تعود إلى آدم وحواء. أما الآيات الأخرى التى ~~جاءت بضمير الجمع، والتى منها قوله - تعالى - # قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو... # فالضمير فيها يعود إلى آدم وزوجته وذريتهما. وقوله { بعضكم ~~لبعض عدو } أى بعض ذريتكما لبعض عدو، بسبب التخاصم والتنازع ~~والتدافع على ms3523 حطام هذه الدنيا. { فإما يأتينكم مني هدى ~~} يا بنى آدم عن طريق إرسال الرسل وإنزال الكتب فعليكم أن تتبعوا رسلى، ~~وتعملوا بما اشتملت عليه كتبى. { فمن اتبع هداي } بأن آمن ~~برسلى وصدق بكتبى. { فلا يضل ولا يشقى } لا فى الدنيا ولا فى ~~الآخرة، بسبب استمساكه بالعروة الوثقى التى لا انفصام لها. وشبيه هذه ~~الآية قوله - تعالى - # قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني ~~هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون # وبعد أن بين - سبحانه - حسن عاقبة من اتبع هداه، أتبع ذلك ببيان سوء ~~عاقبة من أعرض عن ذكره وطاعته فقال - تعالى - { ومن أعرض عن ~~ذكري... }. ### || [20.124-129] # وقوله { ضنكا } أى شديدة الضيق. وكل شىء ضاق فهو ضنك. وهو مصدر يستوى ~~فيه المذكر والمؤنث، والواحد والجمع يقال ضنك - ككرم - عيش فلان ضنكا ~~وضناكة إذا ضاق. والمعنى أن من اتبع هداى الذى جاءت به رسلى فلن يضل ولن ~~يشقى، أما من أعرض عن { ذكري } أى عن هداى الذى جاءت به رسلى، واشتملت ~~عليه كتبى { فإن له معيشة ضنكا }. أى فإن لهذا المعرض معيشة ~~ضيقة مليئة بالهم والغم والأحزان وسوء العاقبة، حتى ولو ملك المال ~~الوفير، والحطام الكثير.. فإن المعيشة الطيبة لا تكون إلا مع طاعة الله، ~~وامتثال أمره، واجتناب نهيه... قال - تعالى - # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فلنحيينه حياة طيبة # قال الإمام ابن كثير قوله - تعالى - { فإن له معيشة ضنكا } ~~أى فى الدنيا فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق لضلاله، وإن ~~تنعم ظاهره ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص ~~إلى اليقين والهدى. فهو فى قلق وحيرة وشك، فلا يزال فى ريبة يتردد فهذا ~~من ضنك المعيشة... وقال سفيان بن عيينة، عن أبى حازم، عن أبى سلمة، عن ~~ابى سعيد فى قوله { معيشة ضنكا } قال يضيق عليه قبره. حتى تختلف ~~أضلاعه. والمراد بالعمى فى قوله - سبحانه - { ونحشره يوم ~~القيامة أعمى } عمى البصر، بدليل قوله - تعالى - بعد ms3524 ذلك { قال ~~رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا }. وقوله - ~~سبحانه - فى آية أخرى # ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد ~~لهم أوليآء من دونه ونحشرهم يوم القيامة ~~على وجوههم عميا وبكما وصما # وقيل المراد بالعمى هنا أنه لا حجة له يدافع بها عن نفسه، وقيل المراد ~~به العمى عن كل شىء سوى جهنم. والذى يبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى ~~الحق، لأنه هو الظاهر من الآية الكريمة، ولا قرينة تمنع من إرادة هذا ~~الظاهر. ويجمع بين هذه الآية وما يشبهها وبين الآيات الأخرى التى تدل على ~~أن الكفار يبصرون ويسمعون ويتكلمون يوم القيامة، والتى منها قوله - تعالى ~~- # أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا.. # أقول يجمع بين هذه الآية وما يشبهها، وبين الآيات الأخرى بوجوه منها أن ~~عماهم وصممهم فى أول حشرهم، ثم يرد الله - تعالى - عليهم بعد ذلك أبصارهم ~~وسمعهم، فيرون النار، ويسمعون ما يحزنهم. قال الجمل قوله { أعمى } ~~حال من الهاء فى نحشره، والمراد عمى البصر وذلك فى المحشر، فإذا دخل ~~النار زال عنه عماه ليرى محله وحاله، فهو أعمى فى حال وبصير فى حال أخرى. # ومنها تنزيل سمعهم وبصرهم وكلامهم منزلة العدم لعدم انتفاعهم بذلك فقد ~~قال - تعالى - فى شأن المنافقين # صم بكم عمي # بتنزيل سماعهم وكلامهم وإبصارهم منزلة العدم، حيث إنهم لم ينتفعوا بهذه ~~الحواس. وقوله - سبحانه - { قال رب لم حشرتني أعمى ~~وقد كنت بصيرا } استئناف مسوق لبيان ما يقوله ذلك المعرض عن طاعة ~~الله يوم القيامة. أى قال ذلك الكافر الذى حشره الله - تعالى - يوم ~~القيامة أعمى يا رب لماذا حشرتنى على هذه الحال مع أنى كنت فى الدنيا ~~بصيرا؟. وهنا يأتيه الجواب الذى يخرسه، والذى حكاه الله - تعالى - فى ~~قوله { قال كذلك } أى قال الله - تعالى - فى الرد عليه الأمر كذلك، ~~فإنك { أتتك آياتنا } الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا { ~~فنسيتها } أى فتركتها وأعرضت عنها { وكذلك اليوم تنسى ~~} أى كما تركت آياتنا فى الدنيا وأعرضت عنها، نتركك اليوم فى النار وفى ~~العمى جزاء وفاقا. ms3525 ثم ساق - سبحانه - سنة من سننه التى لا تختلف فقال { ~~وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ~~ولعذاب الآخرة أشد وأبقى }. أى ومثل ذلك الجزاء الأليم ~~الذى أنزلناه بهؤلاء المعرضين عن ذكرنا نجازى كل من أسرف فى ارتكاب ~~السيئات والموبقات، وكل من لم يؤمن بآيات ربه بل كذب بها وأعرض عنها، ~~لعذاب الآخرة اشد من عذاب الدنيا، و { وأبقى } منه أى وأكثر بقاء، ~~وأطول زمانا من عذاب الدنيا. ثم وبخ - سبحانه - أولئك الذين لم ينتفعوا ~~بآياته فقال { أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من ~~القرون يمشون في مساكنهم.. }. والهمزة للاستفهام ~~الإنكارى التوبيخى، والفاء للعطف على مقدر.. والمعنى أبلغت الغفلة ~~والجهالة بهؤلاء المشركين، أنهم لم يتبين لهم، أننا أهلكنا كثيرا من أهل ~~القرون الماضية، الذين كانوا يمشون آمنين لاهين فى مساكنهم... وكان ~~إهلاكنا لهم بسبب إيثارهم الكفر على الإيمان، والغى على الرشد، والعمى ~~على الهدى... فالآية الكريمة تقريع وتوبيخ لكفار مكة الذين لم يعتبروا ~~بما أصاب أمثالهم من الأمم السابقة، كقوم نوح وعاد وثمود... قال الآلوسى ~~وقوله { يمشون في مساكنهم } حال من { القرون } أو من ~~مفعول { أهلكنا } أى أهلكناهم وهم فى حال آمن وتقلب فى ديارهم. ~~واختار بعضهم كونه حالا من الضمير فى { لهم } مؤكدا للإنكار والعامل ~~فيه { يهد }. أى أفلم يهد للمشركين حال كونهم ماشين فى مساكنهم من ~~أهلكنا من القرون السالفة من أصحاب الحجر، وثمود، وقوم لوط، مشاهدين ~~لآثار هلاكهم إذا سافروا إلى بلاد الشام وغيرها... وقوله - سبحانه - { ~~إن في ذلك لآيات لأولي النهى } تذييل قصد به تعليل ~~الإنكار، أى إن فى ذلك الذى أخبرناهم به، وأطلعناهم عليه من إهلاك ~~المكذبين السابقين، { لآيات } عظيمة، وعبر كثيرة، ودلائل واضحة لأصحاب ~~العقول السليمة، التى تنهى أصحابها عن القبائح والآثام. # والنهى جمع نهية - بضم النون وإسكان الهاء - سمى العقل بها لنهيه عن ~~القبائح. ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على هؤلاء المشركين الذين ~~أرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - لإنقاذهم من الكفر والضلالة فقال - ~~تعالى - { ولولا كلمة سبقت من ربك لكان ms3526 لزاما ~~وأجل مسمى }. والمراد بالكلمة السابقة، ما تفضل الله - تعالى - ~~به من تأخير عذاب الاستئصال عن هذه الأمة التى بعث فيها الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - تكريما له كما قال - تعالى - # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم... # أو لأن من نسلهم من يؤمن بالله حق الإيمان، أو لحكم أخرى يعلمها - ~~سبحانه - ولزاما مصدر بمعنى اسم الفاعل، وفعله لازم كقاتل. وقوله { ~~وأجل مسمى } معطوف على { كلمة }. والمعنى ولولا الوعد ~~السابق منا بتأخير العذاب عن هؤلاء المشركين إلى يوم القيامة. ولولا ~~الأجل المسمى المحدد فى علمنا لانتهاء أعمارهم، لما تأخر عذابهم أصلا، بل ~~لكان العذاب لازما لهم فى الدنيا، ونازلا بهم كما نزل بالسابقين من ~~أمثالهم فى الكفر والضلال. ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه ~~وسلم - بالمداومة على الصبر، وعلى الإكثار من ذكره - تعالى - ونهاه عن ~~التطلع إلى زينة الحياة الدنيا. فقال - تعالى - { فاصبر.... }. ### || [20.130-132] # والفاء فى قوله - تعالى - { فاصبر على ما يقولون... } ~~فصيحة، أى إذا كان الأمر كان ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - من أن ~~تأخير عذاب أعدائك للإمهال وليس للإهمال.. فاصبر على ما يقولونه فى شأنك ~~من أنك ساحر أو مجنون.. وسر فى طريقك دون أن تلتفت إلى إيذائهم أو مكرهم ~~واستهزائهم. ثم أرشده - سبحانه - إلى ما يشرح صدره، ويجلو همه فقال { ~~وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~غروبها ومن آنآء الليل فسبح وأطراف النهار ~~لعلك ترضى }. أى وعليك - أيها الرسول الكريم - أن تكثر من تسبيح ~~ربك وتحميده وتنزيهه قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، وفى ساعات الليل وفى " ~~أطراف النهار ". أى فى الوقت الذى يجمع الطرفين، وهو وقت الزوال، إذ هو ~~نهاية النصف الأول من النهار، وبداية النصف الثانى منه، إذا فى هذا ~~التسبيح والتحميد والتنزيه لله - تعالى - والثناء عليه بما هو أهله، جلاء ~~للصدور، وتفريج للكروب وأنس للنفوس، واطمئنان للقلوب. ويرى كثير من ~~المفسرين، أن المراد بالتسبيح هنا، إقامة الصلاة والمداومة عليها. قال ~~ابن كثير قوله { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس } ~~يعنى صلاة الفجر { وقبل ms3527 غروبها } يعنى صلاة العصر، كما جاء فى ~~الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلى قال كنا جلوسا عند رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال " إنكم سترون ربكم كما ~~ترون هذا القمر، لا تضامون فى رؤيته - أى لا ينالكم ضيم فى رؤيته بأن ~~يراه بعضكم دون بعض - فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ~~وقبل غروبها فافعلوا " ثم قرأ هذه الآية.. وقوله { ومن آنآء ~~الليل فسبح } أى من ساعاته فتهجد به، وحمله بعضهم على المغرب ~~والعشاء. { وأطراف النهار } فى مقابلة آناء الليل { لعلك ~~ترضى } كما قال - سبحانه - # ولسوف يعطيك ربك فترضى # وبعد هذا الأمر بالتسبيح، جاء النهى عن الإعجاب بالدنيا وزينتها فقال - ~~تعالى - { ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به ~~أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم ~~فيه.. }. أى أكثر - أيها الرسول الكريم - من الاتجاه إلى ربك، ومن ~~تسبيحه وتنزيهه ومن المداومة على الصلاة ولا تطل نظر عينيك بقصد الرغبة ~~والميل { إلى ما متعنا به أزواجا منهم }. أى إلى ما ~~متعنا به أصنافا من هؤلاء المشركين، بأن منحناهم الجاه والمال والولد. ~~وما جعلناه لهم فى هذه الدنيا بمثابة الزهرة التى سرعان ما تلمع ثم تذبل ~~وتزول. قال الآلوسى ما ملخصه { أزواجا منهم } أى أصنافا من ~~الكفرة، وهو مفعول { متعنا } قدم عليه الجار والمجرور للاعتناء به. # . وقيل الخطاب له - صلى الله عليه وسلم - والمراد أمته، لأنه كان أبعد ~~الناس عن إطالة النظر إليه، وهو القائل " الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، ~~إلا ما أريد به وجه الله - تعالى - " وكان - صلى الله عليه وسلم - شديد ~~النهى عن الاغترار بها. ويؤخذ من الآية أن النظر غير الممدود معفو منه، ~~وكأن المنهى عنه فى الحقيقة هو الإعجاب بذلك، والرغبة فيه، والميل إليه. ~~وقوله { زهرة الحياة الدنيا } أى زينتها وبهجتها. وهو منصوب ~~بمحذوف يدل عليه { متعنا }. أى جعلنا لهم زهرة، أو على أنه مفعول ~~ثان، بتضمين متعنا معنى أعطينا، فأزواجا مفعول أول، وزهرة هو المفعول ~~الثانى... وقوله { لنفتنهم فيه ms3528 } بيان للحكمة من هذا التمتيع ~~والعطاء أى متعنا هؤلاء الكافرين بالأموال والأولاد.. لنعاملهم معاملة من ~~يبتليهم ويختبرهم بهذا المتاع، فإذا آمنوا وشكروا زدناهم من خيرنا، وإذا ~~استمروا فى طغيانهم وجحودهم وكفرهم، أخذناهم أخذ عزيز مقتدر. فالجملة ~~الكريمة تنفر العقلاء من التطلع إلى ما بين أيدى الكفار من متاع، لأن هذا ~~المتاع سىء العاقبة، إذا لم يستعمل فى طاعة الله - تعالى -. وقوله - ~~سبحانه - { ورزق ربك خير وأبقى } تذييل قصد به الترغيب ~~فيما عند الله - تعالى - من طيبات. أى وما رزقك الله إياه - أيها الرسول ~~الكريم - فى هذه الدنيا من طيبات. وما ادخره لك فى الآخرة من حسنات، خير ~~وأبقى مما متع به هؤلاء الكافرين من متاع زائل سيحاسبهم الله - تعالى - ~~عليه يوم القيامة حسابا عسيرا، لأنهم لم يقابلوا نعم الله عليهم بالشكر، ~~بل قابلوهم بالجحود والكفران. والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها قد ~~رسمت للمؤمن أفضل الطرق وأحكمها، لكى يحيا حياة فاضلة طيبة، حياة يعتز ~~فيها صاحبها بالمعانى الشريفة الباقية، ويعرض عن المظاهر والزخارف ~~الزائلة. ثم كلف الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يأمر ~~أهل بيته بالمداومة على إقامة الصلاة فقال { وأمر أهلك ~~بالصلاة واصطبر عليها }. والمراد بأهل بيته - صلى الله ~~عليه وسلم - أزواجه وبناته وقيل ما يشملهم ويشمل معهم جميع المؤمنين من ~~بنى هاشم. وقيل المراد بهم جميع أتباعه من أمته. أى وأمر - أيها الرسول ~~الكريم - أهل بيتك بالمداومة على إقامة الصلاة بخشوع وإخلاص واطمئنان، ~~واصطبر على تكاليفها ومشاقها، وعلى إقامتها كاملة غير منقوصة، وعلى تحقيق ~~آثارها الطيبة فى نفسك. وقد ساق بعض المفسرين عن تفسيره لهذه الآية ~~أحاديث منها ما أخرجه البيهقى عن عبد الله بن سلام قال كان النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - إذا نزلت بأهله شدة أو ضيق أمرهم بالصلاة، وتلا هذه ~~الآية { وأمر أهلك بالصلاة. # . }. وأخرج مالك والبيهقى عن أسلم قال كان عمر بن الخطاب يصلى من الليل ~~ما شاء الله - تعالى - أن يصلى حتى إذا كان آخر الليل أيقظ أهله للصلاة ~~ويقول لهم ms3529 الصلاة، الصلاة ويتلو هذه الآية.... وقوله - سبحانه - { لا ~~نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى } ~~تشجيع وتحريض للمؤمنين على إقامة الصلاة، ودفع لما يتوهمه البعض من أن ~~المداومة على إقامة الصلاة قد تشغل الإنسان عن السعى فى طلب المعاش. أى ~~مر - أيها الرسول الكريم - أهلك بالمداومة على الصلاة، واصطبر على ~~تكاليفها، فهذه الصلاة هى من أركان العبادات التى خلقك الله وخلق عباده ~~من أجلها، ولا يصح أن يشغلكم عنها أى شاغل من سعى فى طلب الرزق أو غيره، ~~فنحن لا نكلفكم أن ترزقوا أنفسكم أو غيركم، وإنما نحن الذين نرزقكم ونرزق ~~الخلق جميعا قال - تعالى - # وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها... # وقال - سبحانه - # وكأين من دآبة لا تحمل رزقها الله يرزقها ~~وإياكم وهو السميع العليم # وقوله { والعاقبة للتقوى } أى والعاقبة الحميدة لأهل التقوى ~~والخشية من الله - تعالى - الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ~~وإقام الصلاة.. روى الترمذى وابن ماجه عن أبى هريرة قال قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - # " يقول الله - تعالى " يا بان آدم. تفرغ لعبادتى، املأ صدرك غنى، وأسد ~~فقرك، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلا، ولم أسد فقرك ". # وروى ابن ماجه عن زيد بن ثابت قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يقول # " من كانت الدنيا همه، فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم ~~يأته من الدنيا إلا ما كتب له. ومن كان الآخرة نيته، جمع له أمره، وجعل ~~غناه فى قلبه، وأتته الدنيا وهى راغمة ". # ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بإيراد بعض الشبهات التى أثراها ~~المشركون حول النبى - صلى الله عليه وسلم - ورد عليها بما يبطلها فقال - ~~تعالى - { وقالوا لولا... }. ### || [20.133-135] # ومرادهم بالآية فى قوله - سبحانه - { وقالوا لولا يأتينا ~~بآية من ربه } معجزة حية من المعجزات التى اقترحوها عليه - صلى ~~الله عليه وسلم - كتفجير الأنهار حول مكة، وكرقيه إلى السماء، وكنزول ~~الملائكة معه.. أى وقال الكافرون على سبيل التعنت والعناد للرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - هلا أتيت ms3530 لنا يا محمد بآية من الآيات التى طلبناها منك، ~~أو بآية من الآيات التى أتى بها الأنبياء من قبلك، كالعصا بالنسبة لموسى، ~~والناقة بالنسبة لصالح. فهم - كما يقول الآلوسى - " بلغوا من المكابرة ~~والعناد إلى حيث لم يعدوا ما شاهدوا من المعجزات التى تخر لها صم الجبال، ~~من قبيل الآيات، حتى اجترأوا على التفوه بهذه العظيمة الشنعاء. وقوله - ~~سبحانه - { أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى } ~~رد على جهالاتهم وجحودهم. والمراد بالبينة القرآن الكريم الذى هو أم ~~الآيات، ورأس المعجزات. والمراد بالصحف الأولى الكتب السماوية السابقة ~~كالتوراة والإنجيل والزبور. والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام، ~~والاستفهام لتقرير الإتيان وثوبته. والمعنى أجهلوا ولم يكفهم اشتمال ~~القرآن الذى جئت به - أيها الرسول الكريم - على يان ما فى الصحف الأولى ~~التى أنزلناها على الرسل السابقين، ولم يكفهم ذلك فى كونه معجزة حتى ~~طلبوا غيرها؟. قال صاحب الكشاف اقترحوا على عادتهم فى التعنت آية على ~~النبوة، فقيل لهم أو لم تأتكم أية من أم الآيات وأعظمها فى باب الإعجاز، ~~يعنى القرآن، من جهة أن القرآن برهان ما فى سائر الكتب المنزلة، ودليل ~~صحته لأن معجزة، وتلك ليست بمعجزات، فهى مفتقرة إلى شهادته على صحة ما ~~فيها، افتقار المحتج عليه إلى شهادة الحجة. وقال ابن كثير قوله { ~~أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى } يعنى ~~القرآن العظيم، الذى أنزله الله - تعالى - عليه - صلى الله عليه وسلم - ~~وقد جاء فيه أخبار الأولين بما كان منهم فى سالف الدهور، بما يوافقه عليه ~~الكتب المتقدمة الصحيحة منها، فإن القرآن مهيمن عليها.. وهذه الآية كقوله ~~- تعالى - # وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل ~~إنما الآيات عند الله وإنمآ أنا نذير مبين ~~أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى ~~عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون # وفى الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " ما من نبى إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان ~~الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو ms3531 أن أكون أكثرهم تابعا يوم ~~القيامة ". # ومنهم من يرى أن المراد بالبينة الكتب السماوية السابقة. # فيكون المعنى أو لم يكف هؤلاء الجاهلين أن الكتب السماوية السابقة ~~كالتوراة والإنجيل قد بشرت بك وبينت نعوتك وصفاتك، وهم معترفون بصدقها، ~~فكيف لا يقرون بنبوتك. قال القرطبى وقوله { أولم تأتهم ~~بينة ما في الصحف الأولى } يريد التوراة والإنجيل والكتب ~~المتقدمة، وذلك أعظم آية إذ أخبر بها فيها. وقيل أو لم تأتهم الآية ~~الدالة على نبوته بما وجدوه فى الكتب المتقدمة من البشارة... وعلى كلا ~~التفسيرين فالآية الكريمة شهادة من الله - تعالى - بصدق النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - فيما بلغه عنه، ورد مبطل لشبهات الكافرين ولأقوالهم الباطلة، ~~وإن كان تفسير البينة هنا بالقرآن أظهر وأوضح. وقوله - تعالى - { ولو ~~أنآ أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا ~~لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل ~~أن نذل ونخزى } كلام مستأنف لتقرير ما قبله من أن القرآن ~~الكريم هو معجزة المعجزات، وآية الآيات وأرفعها وأنفعها. أى ولو أنا ~~أهلكنا هؤلاء الكافرين بعذاب الاستئصال، من قبل مجىء الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - إليهم ومعه هذا القرآن الكريم معجزة له، لقالوا على سبيل ~~الاعتذار يوم القيامة يا ربنا هلا أرسلت إلينا فى الدنيا رسولا من عندك ~~ومعه المعجزات التى تدل على صدقه، فكنا فى هذه الحالة اتبعنا آياتك التى ~~جاءنا بها وصدقناه وآمنا به، من قبل أن يحصل لنا الذل والهوان والخزى ~~والافتضاح فى اللآخرة. والمقصود من الآية الكريمة قطع أعذارهم، أى لو أنا ~~أهلكناهم قبل ذلك، لقالوا ما قالوا، ولكنا لم نهلكهم بل أرسلنا إليهم ~~رسلونا، فبلغهم ما أرسلناه به، فانقطع عذرهم، وبطلت حجتهم. وشبيه بهذه ~~الآية قوله - تعالى - # ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم ~~فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ~~فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين # ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الآية التى أمر فيها رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يهددهم بسوء العاقبة، إذا ما استمروا فى طغيانهم ~~يعمهون، فقال - تعالى - { قل كل متربص فتربصوا ~~فستعلمون ms3532 من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى ~~}. أى قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين كل واحد منا ومنكم ~~متربص بالآخر، ومنتظر لما يؤول إليه أمر صاحبه. وما دام الأمر كذلك { ~~فتربصوا } وانتظروا ما يؤول إليه حالنا وحالكم { فستعلمون ~~} بعد زمن قريب. { من } هم { أصحاب الصراط السوي } أى ~~الطريق الواضح المستقيم الذى لا اعوجاج فيه { ومن } هم الذين تجنبوا ~~الضلالة، واهتدوا إلى ما يسعدهم فى دينهم وفى دنياهم وفى آخرتهم. وقريب ~~من هذه الآية فى المعنى قوله - تعالى - # سيعلمون غدا من الكذاب الأشر # وقوله - سبحانه - # وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا # وبعد فهذه سورة طه، وهذا تفسر تحليلى لها، وكما أنها قد افتتحت بنفى ~~إرادة الشقاء للنبى - صلى الله عليه وسلم - فقد اختتمت بهذه البشارة له - ~~صلى الله عليه وسلم - ولأتباعه وبهذا التهديد لأعدائهم... نسأل الله - ~~تعالى - أن يجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، وأنس نفوسنا وبهجة صدورنا، ~~وشفيعنا يوم الدين # يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله ~~بقلب سليم # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم... ### | [21 - سورة الأنبياء] ### || [21.1-6] # وقوله - سبحانه - { اقترب } من القرب الذى هو ضد البعد. والمعنى قرب ~~الزمن الذى يحاسب فيه الناس على أعمالهم فى الدنيا، والحال أن الكافرين ~~منهم فى غفلة تامة عن هذا الحساب، وفى إعراض مستمر عن الاستعداد له ~~بالإيمان والعمل الصالح. قال الإمام ابن كثير هذا تنبيه من الله - عز وجل ~~- على اقتراب الساعة ودنوها، وأن الناس فى غفلة عنها، أى لا يعملون لها، ~~ولا يستعدون من أجلها. قال - تعالى - # أتى أمر الله فلا تستعجلوه... # وقال # اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية ~~يعرضوا ويقولوا سحر مستمر # وعبر سبحانه - بالقرب مع أنه قد مضى على نزول هذه الآية وأمثالها أكثر ~~من أربعة عشر قرنا، لأن كل آت وإن طالت أوقات استقباله وترقبه، قريب ~~الوقوع، ولأن ذلك الوقت وإن كان كبيرا فى عرف الناس، إلا أنه عند الله - ~~تعالى - قليل، كما قال - سبحانه - # ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله ms3533 وعده ~~وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون # وقال - تعالى - # إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا # وقال - تعالى - { اقترب للناس.. } بلفظ العموم، مع أن ما بعده ~~من ألفاظ الغفلة والإعراض يشعر بأن المراد بهم الكافرون، للتنبيه على أن ~~الحساب سيشمل الجميع، إلا أنه بالنسبة للكافرين سيكون حسابا عسيرا. قال ~~صاحب الكشاف وصفهم بالغفلة مع الإعراض، على معنى أنهم غافلون عن حسابهم ~~ساهون لا يتفكرون فى عاقبتهم، ولا يتفطنون لما ترجع إليه خاتمة أمرهم، مع ~~اقتضاء عقولهم أنه لا بد من جزاء للمحسن والمسىء. وإذا قرعت لهم العصا، ~~ونبهوا عن سنة الغفلة، وفطنوا لذلك بما يتلى عليهم من الآيات والنذر، ~~أعرضوا وسدوا أسماعهم ونفروا. وفى التعبير عن اقتراب يوم القيامة باقتراب ~~الحساب، زيادة فى الترهيب والتخويف، وفىالحض على الاستعداد لهذااليوم، ~~لأنه يوم يحاسب فيه الناس على أعمالهم فى الدنيا حسابا دقيقا، ولن تملك ~~فيه نفس لنفس شيئا، وإنما يجازى فيه كل إنسان بحسب عمله. وقوله - سبحانه ~~- { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا ~~استمعوه وهم يلعبون } بيان لمواقف هؤلاء الغافلين اللاهين ~~ممن يذكرهم بأهوال ذلك اليوم. والمراد بالذكر ما ينزل من آيات القرآن على ~~النبى - صلى الله عليه وسلم -. والمراد بالمحدث الحديث العهد بالنزول على ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - وهو صفة لذكر. أى أن هؤلاء الغافلين ~~المعرضين عن الاستعداد ليوم الحساب، لا يصل إلى أسماعهم شىء من القرآن ~~الكريم، الذى أنزله الله - تعالى - على قلب نبيه - صلى الله عليه وسلم - ~~آية فآية، أو سورة بعد سورة فى أوقات متقاربة، إلا استمعوا إلى هذا ~~القرآن المحدث تنزيله على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهم يلعبون، دون ~~أن يحرك منهم عاطفة نحو الإيمان به، فهم لانطماس بصيرتهم، وقسوة قلوبهم، ~~وجحود نفوسهم للحق، لا يتعظون ولا يعتبرون. # وقوله { ما يأتيهم من ذكر.. } يشعر بأن ما نزل من قرآن قد ~~وصل إليهم دون أن يتعبوا أنفسهم فى الحصول عليه، بل أتاهم وهم فى أماكنهم ~~بدون سعى إليه. وقوله { ذكر } فاعل و { من } مزيدة ms3534 للتأكيد. وقوله { ~~من ربهم } متعلق بمحذوف صفة لذكر، و { من } لابتداء الغاية أى ~~ما يأتيهم من ذكر كائن من ربهم وخالقهم ورازقهم، فى حال من الأحوال، إلا ~~استمعوه وهم هازلون مستهترون. وقوله { لاهية قلوبهم } حال أخرى ~~من أحوالهم الغريبة التى تدل على نهاية طغيانهم وفجورهم، لأنهم بجانب ~~استماعهم إلى ما ينزل من القرآن بلعب وغفلة، تستقبله قلوبهم - التى هى ~~محل التدبر والتفكر - بلهو واستخفاف. ثم حكى - سبحانه - لونا من ألوان ~~مكرهم وخبثهم فقال { وأسروا النجوى الذين ظلموا } ~~والنجوى المسارة بالحديث، وإخفاؤه عن الناس. أى بعد أن استمعوا إلى ~~القرآن بإعراض ولهو واستهتار، اختلى بعضهم ببعض، وبالغوا فى إخفاء ما ~~يضمرونه من سوء نحو النبى - صلى الله عليه وسلم - ونحو ما جاء به من عند ~~الله - تعالى -، وحاولوا أن يظهروا ذلك فيما بينهم فحسب، مبالغة منهم فى ~~المرك السيىء الذى حاق بهم. وقوله - سبحانه - { هل هذآ إلا ~~بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون } ~~بيان لما قالوه فى تناجيهم من سوء. والاستفهام للنفى والإنكار. أى أنهم ~~قالوا فى تناجيهم ما هذا الذى يدعى النبوة، وهو محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - إلا بشر مثلكم، ولا يمكن أن يكون رسولا، وما جاءنا به إنما هو ~~السحر بعينه، فكيف تذهبون إليه، وتقبلون منه ما يدعيه، والحال أنكم ~~تعاينون بأبصاركم سحره. وما حملهم على هذا القول الباطل إلا توهمهم أن ~~الرسول لا يكون من البشر، وأن كل ما يظهر على يد مدعى النبوة من البشر من ~~خوارق، إنما هو من قبيل السحر. قال الآلوسى وأرادوا بقولهم " ما هذا إلا ~~بشر مثلكم " أى من جنسكم، وما أتى به سحر، تعلمون ذلك فتأتونه وتحضرونه ~~على وجه الإذعان والقبول وأنتم تعاينون أنه سحر. قالوا ذلك بناء على ما ~~ارتكز فى اعتقادهم الزائع أن الرسول لا يكون إلا ملكا، وأن كل ما يظهر ~~على يد البشر من الخوارق من قبيل السحر. وعنوا بالسحر. هنا القرآن ~~الكريم، ففى ذلك إنكار لحقيته على أبلغ وجه، قاتلهم الله - تعالى - أنى ~~يؤفكون. وإنما أسروا ms3535 ذلك، لأنه كان على طريق توثيق العهد، وترتيب مبادئ ~~الشر والفساد وتمهيد مقدمات المكر والكيد فى هدم أمر النبوة. # وإطفاء نور الدين ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون. هذا، ~~ودعوى المشركين أن الرسول لا يكون بشرا، قد حكاها القرآن فى كثير من ~~آياته، ومن ذلك قوله - تعالى - # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا # وقد رد الله - تعالى - عليهم هذه الدعوى الكاذبة فى تكثير من آيات كتابه ~~- أيضا، ومن ذلك قوله عز وجل - # ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ~~من أهل القرى... # ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما لقنه لنبيه - صلى الله عليه وسلم - من ~~الرد عليهم، فقال { قال ربي يعلم القول في السمآء ~~والأرض وهو السميع العليم }. أى قال الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - فى الرد على ما تناجوا به سرا ربى الذى أرسلنى لإخراجكم من ~~ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. يعلم ما تقولونه سواء كان سرا أم جهرا، ~~وسواء أكان القائل موجودا فى السماء أم فى الأرض، وهو وحده السميع لجميع ~~ما يسمع، العليم بكل شىء فى هذا الكون. وما دام الأمر كذلك فأنا سأمضى فى ~~طريقى مبلغا رسالته - سبحانه -، أما أنتم فسترون سوء عاقبتكم إذا ما سرتم ~~فى طريق الكفر والعناد. وفى قراءة سبعية بلفظ قل على الأمر للنبى - صلى ~~الله عليه وسلم -. أى قل لهم - أيها الرسول الكريم - ربى يعلم القول فى ~~السماء والأرض وهو السميع العليم. وقوله - تعالى - { بل قالوا ~~أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر } إضراب من جهته ~~- تعالى -، وانتقال من حكاية قولهم السابق { هل هذآ إلا بشر ~~مثلكم... } إلى حكاية أقوال أخرى باطلة قالوها فى شأنه - صلى الله ~~عليه وسلم - وفى شأن ما جاء به. أى أن هؤلاء الكافرين لم يكتفوا بما ~~قالوه قبل ذلك فى شأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أنه بشر وما وجاء ~~به سحر، بل أضافوا إلى ذلك أن القرآن أضغاث أحلام. أى أخلاط ms3536 كأخلاط ~~الأحلام، وأنه أباطيل لا حقيقة لها. والأضغاث جمع ضغث. واصله ما جمع من ~~أنواع شتى من النبات ثم حزم فى حزمة واحدة. والأحلام جمع حلم - بضم الحاء ~~وسكون اللام - وهو ما يراه النائم مما ليس بحسن. وقد استعير هذا التركيب ~~لما يراه النائم من وساوس وأحلام خلال نومه { بل افتراه } أى اختلق ~~هذا القرآن من عند نفسه. { بل هو شاعر } أى أن الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - شاعر - فى زعمهم - وما أتى به هو نوع من الشعر التخييلى الذى ~~لا حقيقة له. # ثم أضافوا إلى هذا التخبط واضطراب قولهم { فليأتنا بآية كمآ ~~أرسل الأولون }. ومرادهم بالآية هنا آية كونية، والجملة جواب ~~لشرط محذوف يفصح عنه السياق، والتقدير إن لم يكن كما قلنا فى شأنه من أنه ~~شاعر بل كان رسولا حقا فليأتنا بخارق يدل على صدقه كناقة صالح، وعصا ~~موسى، وإحياء عيسى للأموات.. فإن المرسلين السابقين فعلوا ذلك. وكأنهم - ~~لانطماس بصائرهم وشدة جهالاتهم - لا يعتبرون القرآن الذى هو آية الآيات - ~~لا يعتبرونه آية ومعجزة تدل على صدقه - صلى الله عليه وسلم -. فأنت ترى ~~أن هذه الآية الكريمة قد صورت تخبط هؤلاء المشركين تصويرا حكيما، شأنهم ~~فى ذلك شأن الحائر المضطرب الذى لا يستطيع الثبات على قرار، بل هو لتمحله ~~وتعلله ينتقل من دعوى باطلة إلى أخرى أشد منها بطلانا. وقد نفى القرآن عن ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - كل هذه الدعاوى الباطلة، ومن ذلك قوله - ~~تعالى - # وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول ~~كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين # وقوله - سبحانه - # وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ~~ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيا ويحق ~~القول على الكافرين # ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله ورحمته بهؤلاء الذين ارسل إليهم ~~رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - فقال { مآ آمنت قبلهم من ~~قرية أهلكناهآ أفهم يؤمنون }. أى أن هؤلاء الجاهلين ~~من قومك - أيها الرسول الكريم - قد طلبوا منك آية كونية كالتى جاء بها ms3537 ~~موسى وعيسى وصالح.. وهذه الخوارق عندما جاء بها هؤلاء الرسل ولم يؤمن بها ~~أقوامهم أهلكنا هؤلاء الأقوام، وفقا لسنتنا التى لا تتخلف فى إهلاك من ~~يكذبون بآياتنا، ولو أنا أعطيناك هذه الخوارق ولم يؤمن بها قومك ~~لأهلكناهم كما أهلكنا السابقين، لذا اقتضت حكمتنا ورحمتنا أن نمنع عنهم ~~ما طلبوه، لأنهم بشر كالسابقين. وما دام السابقون لم يؤمنوا بهذه الخوراق ~~فهؤلاء ايضا لن يؤمنوا بها. فالاستفهام فى قوله { أفهم يؤمنون ~~} للإنكار أى أن هؤلاء الكافرين من أمتك - أيها الرسول الكريم - لن ~~يؤمنوا بهذه الخوارق التى طلبوها متى جاءتهم لأنهم لا يقلون عتوا وعنادا ~~عن السابقين الذين لم يؤمنوا بها فأهلكهم الله. وصدق الله إذ يقول # إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ~~ولو جآءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم # ثم بين - سبحانه - أن حكمته قد اقتضت أن يكون جميع الرسل من البشر وأن ~~يعيشوا الحياة التى تقتضيها الطبيعة البشرية، وأن يؤيدهم الله - تعالى - ~~بالمعجزات الدالة على صدقهم، فقال - تعالى - { ومآ أرسلنا.... }. ### || [21.7-9] # أى وما أرسلنا قبلك - أيها الرسول الكريم - إلى الأمم السابقة إلا رسلا ~~من البشر، ليعيشوا حياة البشر، ويتمكنوا من التعامل والتخاطب والتفاهم مع ~~من هم من جنسهم، ولو كان الرسل من غير البشر لما كانت هناك وشيجة ورابطة ~~بينهم وبين أقوامهم. وهذه الجملة رد مفحم على المشركين الجاهلين الذين ~~استبعدوا أن يكون الرسول بشرا وقالوا قبل ذلك # هل هذآ إلا بشر مثلكم # وقوله - تعالى - { نوحي إليهم } استئناف مبين لكيفية الإرسال. ~~أى اقتضت حكمتنا أن يكون الرسل من الرجال، وأن نبلغهم ما نكلفهم به عن ~~طريق الوحى المنزل إليهم من جهتنا. وقوله - سبحانه - { فاسئلوا ~~أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } توبيخ لهم وتجهيل، لأنهم ~~قالوا ما قالوا بدون تعقل أو تدبر. والمراد بأهل الذكر علماء أهل الكتاب ~~الذين كان المشركون يرجعون إليهم فى أمور دينهم. والفاء فى قوله { ~~فاسئلوا.. } لترتيب ما بعدها على ما قبلها، وجواب الشرط محذوف ~~لدلالة الكلام عليه. أى ما دامت قد بلغت بكم الجهالة ms3538 أن تستبعدوا أن يكون ~~الرسول بشرا فاسألوا أهل العلم فى ذلك، فسيبينون لكم أن الرسل السابقين ~~لم يكونوا إلا رجالا. قال القرطبى قوله - تعالى - { فاسئلوا أهل ~~الذكر إن كنتم لا تعلمون } يريد أهل التوراة والإنجيل ~~الذين آمنوا بالنبى - صلى الله عليه وسلم - وسماهم أهل الذكر، لأنهم ~~كانوا يذكرون خبر الأنبياء، مما لم تعرفه العرب، وكان كفار قريش يراجعون ~~أهل الكتاب فى أمر النبى - صلى الله عليه وسلم -. وقال ابن زيد أراد ~~بالذكر القرآن. أى فاسألوا المؤمنين العالمين من أهل القرآن.. ثم أكد - ~~سبحانه - هذه الحقيقة وهى كون الرسل من البشر فقال { وما جعلناهم ~~جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين }. ~~والضمير فى { جعلناهم } يعود إلى الرسل، والجسد مصدر جسد الدم ~~يجسد - من باب فرح - إذا التصق بغيره، وأطلق على الجسم جسد، لالتصاق ~~أجزاءه بعضها ببعض، ويطلق هذا اللفظ على الواحد المذكر وغيره ولذلك أفرد. ~~أو هو أفرد لإرادة الجنس. أى وما جعلنا الرسل السابقين عليك يا محمد ~~أجسادا لا تأكل ولا تشرب كالملائكة، وإنما جعلناهم مثلك يأكلون و يشربون ~~ويتزوجون ويتناسلون ويعتريهم ما يعترى البشر من سرور و حزن، ويقظة و ~~نوم.. وغير ذلك مما يحسه البشر. وما جعلناهم - أيضا - خالدين فى هذه ~~الحياة بدون موت، وإنما جعلنا لأعمارهم أجلا محددا تنتهى حياتهم عنده ~~بدون تأخير أو تقديم. قال - تعالى - # إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم ~~القيامة عند ربكم تختصمون # وقوله - سبحانه - { ثم صدقناهم الوعد. # . } بيان لسنة الله - تعالى - الجارية مع رسله - عليهم الصلاة والسلام ~~-. أى ثم صدقنا هؤلاء الرسل ما وعدناهم به من جعل العاقبة لهم { ~~فأنجيناهم } من العذاب الذى أنزلناه بأعدائهم. وأنجينا معهم { من ~~نشآء } إنجاءهم من المؤمنين بهم. { وأهلكنا المسرفين } ~~الذين تجاوزوا الحدود فى كفرهم وتطاولهم على الرسل الكرام، وإعراضهم عن ~~دعوتهم. وإلى هنا نرى الآيات الكريمة من أول السورة إلى هنا، قد أنذرت ~~الناس باقتراب يوم الحساب، وحذرتهم من الغفلة عنه، ومن الإعراض عن ~~الاستعداد له بالإيمان والعمل الصالح، وحكت ما قاله المشركون من تهم ms3539 ~~باطلة تتعلق بالرسول - صلى الله عليه وسلم - وبما جاء به من عند ربه - ~~تعالى - وردت عليها بما يزهقها، ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره ~~المجرمون. ثم بين - سبحانه - أن ما أنزله على نبيه - صلى الله عليه وسلم ~~- هو خير الآيات وأخلدها وأشرفها، وأنه يشرف الأمة التى تنتسب إليه، وأن ~~الأمم السابقة التى كذبت بالخوارق والمعجزات التى جاء بها الرسل - عليهم ~~السلام - أهلكها الله - تعالى - هلاك استئصال - فقال - تعالى - { لقد ~~أنزلنآ إليكم كتابا... }. ### || [21.10-15] # قال الآلوسى " قوله - تعالى - { لقد أنزلنآ إليكم ~~كتابا.. } كلام مستأنف لتحقيق حقية القرآن العظيم، الذى ذكر فى صدر ~~السورة إعراض الناس عما يأتيهم من آياته، واستهزاؤهم به، واضطرابهم فى ~~أمره، وبيان علو مرتبته، إثر تحقيق رسالته - صلى الله عليه وسلم -، ببيان ~~أنه كسائر الرسل الكرام، وقد صدر الكلام بالتوكيد القسمى، إظهارا لمزيد ~~الاعتناء بمضمونه وإيذانا، بأن المخاطبين فى أقصى مراتب النكير، والخطاب ~~لقريش، وجوز أن يكون لجميع العرب. ". والمعنى لقد أنزلنا إليكم ما معشر ~~العرب عن طريق رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - كتابا عظيم الشأن، نير ~~البرهان، مشتملا على ما يسعدكم، وهذا الكتاب { فيه ذكركم } أى فيه ~~شرفكم، وعلو منزلتكم، وحسن موعظتكم، وشفاء صدوركم. { أفلا تعقلون ~~} ذلك، مع أن هذا الأمر واضح، ولا يحتاج إلى جدال أو مناقشة. فالاستفهام ~~لإنكار عدم تدبرهم فى شأن هذا الكتاب الذى أنزله الله - تعالى - ليظفروا ~~بسببه بالذكر الجميل، وبالموعظة الحسنة، كما قال - تعالى - # وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون # وإن من مظاهر كون القرآن الكريم فيه ذكر العرب وشرفهم، أنه نزل بلغتهم، ~~وأنه المعجزة الباقية الخالدة بخلاف غيره من المعجزات التى أيد الله - ~~تعالى - بها الرسل السابقين، وأنه الكتاب الذى قادوا به البشرية قرونا ~~طويلة. عندما حملوه إلى الناس، فقرأوه عليهم، وشرحوا لهم أحكامه وآدابه ~~وتشريعاته.. وما أصيب العرب فى دينهم ودنياهم إلا يوم أن تخلوا عن العمل ~~بهدايات هذا الكتاب، وقصروا فى تبليغه إلى الناس. ثم بين - سبحانه - ما ~~أنزله بالقوم الظالمين فقال { وكم قصمنا من قرية كانت ~~ظالمة ms3540 وأنشأنا بعدها قوما آخرين }. و " كم " هنا ~~خبرية مفيدة للتكثير، وهى فى محل نصب على أنها مفعول مقدم " لقصمنا ". ~~وأصل القصم كسر الشىء حتى ينقطع وينفصل عن غيره، يقال قصم فلان ظهر فلان، ~~إذا كسره حتى النهاية، بخلاف الفصم فهو صدع الشىء من غير قطع وانفصال. ~~قال القرطبى " والقصم الكسر، يقال قصمت ظهر فلان، وانقصمت سنه، إذا ~~انكسرت. والمعنى ها هنا به الإهلاك. وأما الفصم - بالفاء - فهو الصدع فى ~~الشىء من غير بينونة ". أى وكثيرا من القرى الظالمة التى تجاوز أهلها ~~حدود الحق، ومردوا على الكفر والضلال، أبدناها مع أهلها، وعذبناها عذابا ~~نكرا، بسبب ظلمهم وبغيهم، وأنشأنا من بعدهم قوما آخرين ليسوا مثلهم. ~~وأوقع - سبحانه - فعل القصم على القرى، للإشعار بأن الهلاك قد أصابها ~~وأصاب أهلها معها. فالكل قد دمره - سبحانه - تدميرا. أما عند الإنشاء ~~فقد أوقع الفعل على القوم فقال { وأنشأنا بعدها قوما ~~آخرين } للإيماء إلى أن هؤلاء القوم الآخرين، الذين لم يكونوا أمثال ~~السابقين، هم الذين ينشئون القرى ويعمرونها. # وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى ~~بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا # ثم صور - سبحانه - حال هؤلاء الظالمين عندما أحسوا بالعذاب وهو نازل بهم ~~فقال { فلمآ أحسوا بأسنآ إذا هم منها يركضون ~~}. وقوله { أحسوا } من الإحساس. وهو إدراك الشىء بالحاسة. يقال أحس ~~فلان الشى، إذا علمه بالحس، وأحس بالشىء، إذا شعر به بحاسته. وقوله { ~~يركضون } من الركض وهو السير السريع، وأصله أن يضرب الرجل دابته ~~برجله ليحثها على الجرى والسرعة فى المشى. والمقصود به هنا الهرب بسرعة. ~~أى فلما أحس هؤلاء الظالمون عذابنا المدمر، وأيقنوا نزوله بهم، وعلموا ~~ذلك علما مؤكدا، إذا هم يخرجون من قريتهم { يركضون } أى يهربون ~~بسرعة وذعر، حتى لكأنهم من اضطرابهم وخوفهم يظنون أن ذلك سينجيهم. وإذا ~~هنا فجائية، والجملة بعدها جواب " لما ". وقوله - سبحانه - { لا ~~تركضوا وارجعوا إلى مآ أترفتم فيه ~~ومساكنكم } حكاية لما تقوله لهم الملائكة - وهم يركضون هربا - على ~~سبيل التهكم والاستهزاء. أى يقال لهم من ms3541 جهة الملائكة أو من جهة المؤمنين ~~لا تركضوا هاربين { وارجعوا إلى } قريتكم وإلى { مآ ~~أترفتم فيه } أى وإلى ما نعمتم فيه من العيش الهنىء، والخير ~~الوفير، الذى أبطركم وجعلكم تجحدون النعم، ولم تستعملوها فيما خلقت له. ~~فقوله { أترفتم } من الترفه - بالتاء المشددة مع الضم - وهى النعمة ~~والطعام الطيب. يقال ترف فلان - كفرح - إذا تنعم. وفلان أترفته النعمة، ~~إذا أطغته أو نعمته. وقوله { ومساكنكم } معطوف على { مآ }. أى لا ~~تهربوا وارجعوا إلى ما نعمتم فيه من العيش الهنىء، وإلى مساكنكم التى ~~كنتم تسكنونها، وتتفاخرون بها. { لعلكم تسألون } أى يقصدكم ~~غيركم لسؤالكم عما نزل بكم، فتجيبوا عن علم ومشاهدة. قال صاحب الكشاف " ~~قوله { لعلكم تسألون } تهكم بهم وتوبيخ، أى ارجعوا إلى نعيمكم ~~ومساكنكم لعلكم تسألون غدا عما جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم. ~~فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة. أو ارجعوا واجلسوا كما كنتم فى مجالسكم، ~~وترتبوا فى مراتبكم حتى يسألكم حشمكم وعبيدكم، ومن تملكون أمره. وينفذ ~~فيه أمركم ونهيكم، ويقول لكم بم تأمرون؟ وبماذا ترسمون؟ وكيف نأتى ونذر ~~كعادة المنعمين المخدمين. أو يسألكم الناس فى أنديتكم.. ويستشيرونكم فى ~~المهمات. ويستضيئون بآرائكم. أو يسألكم الوافدون عليكم، ويستمطرون سحائب ~~أكفكم.. قيل لهم ذلك تهكما إلى تهكم، وتوبيخا إلى توبيخ ". وهنا أدرك ~~هؤلاء الظالمون، أن الأمر جد لا هزل، وأن العذاب نازل بهم لا محالة، وأن ~~القائلين لهم لا تركضوا، إنما يتهكمون بهم. # فأخذ أولئك الضالمون يتفجعون ويتحسرون قائلين { يويلنآ إنا ~~كنا ظالمين }. والويل الفضيحة والبلية والمصيبة التى يعقبها ~~الهلاك. وهى كلمة جزع وتحسر. وتستعمل عندما تحيط بالإنسان داهية عظيمة، ~~وكأن المتحسر لنزول مصيبة به، ينادى ويليته ويطلب حضورها بعد تنزيلها ~~منزلة من ينادى. أى قالوا عندما تيقنوا أن الهلاك نازل بهم يا هلاكنا ~~إنا كنا ظالمين لأنفسنا، مستوجبين للعذاب. بسبب إعراضنا عن الحق، ~~وتكذيبنا لمن جاء به. واسم الإشارة فى قوله - تعالى - { ما زالت ~~تلك دعواهم } يعود إلى الكلمات التى قالوها على سبيل التحسر ~~عندما يئسوا من الخلاص والهرب، وتأكدوا من الهلاك، وهى قولهم { ~~يويلنآ ms3542 إنا كنا ظالمين }. أى فما زالوا يرددون تلك ~~الكلمات بتفجع وتحسر واستعطاف. وسميت هذه الكلمات دعوى، لأن المولول كأنه ~~يدعو الويل قائلا أيها الويل هذا أوانك فأقبل نحوى. وقوله { حتى ~~جعلناهم حصيدا خامدين } بيان لما آل إليه حالهم. وخامدين من ~~الخمود بمعنى الهمود والانطفاء والانتهاء. يقال خمدت النار تخمد خمدا ~~وخمودا، إذا سكن لهيبها، وانطفأ شررها. أى فما زالت تلك كلماتهم حتى ~~جعلناهم فى الهمود والهلاك كالنبات المحصود بالمناجل، وكالنار الخامدة ~~بعد اشتعالها. وهكذا تكون عاقبة الظالمين. وما ظلمهم الله ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون. ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدل على قدرته ووحدانيته، ~~وعلى أن من فى السماوات والأرض لا يستكبرون عن عبادته - تعالى -، فقال - ~~عز وجل - { وما خلقنا... }. ### || [21.16-20] # والمعنى إننا لم نخلق السماوات والأرض وما بينهما من مخلوقات لا يعلمها ~~إلا الله، لم نخلق ذلك عبثا، وإنما خلقنا هذه المخلوقات بحكمتنا السامية، ~~وقدرتنا النافذة، ومشيئتنا التى لا يقف فى وجهها شىء. وقوله - تعالى - { ~~لو أردنآ أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنآ ~~إن كنا فاعلين } استئناف مقرر لمضمون ما قبله، من أن خلق ~~السماوات والأرض وما بينهما لم يكن عبثا، وإنما لحكم بالغة، مستتبعة ~~لغايات جليلة، ومنافع عظيمة. و " لو " هنا حرف امتناع لامتناع. أى امتناع ~~وقوع فعل الجواب لامتناع وقوع فعل الشرط. واللهو الترويح عن النفس بما لا ~~تقتضيه الحكمة، ولا يتناسب مع الجد، وهو قريب من العبث الباطل تقول لهوت ~~بهذا الشىء ألهو لهوا، إذا تشاغلت به عن الجد، ويطلقه بعضهم على الولد ~~والزوجة والمرأة. أى لو أردنا - على سبيل الفرض والتقدير - أن نتخذ ما ~~نتلهى به، لاتخذناه من عندنا ومن جهتنا دون أن يمنعنا أحد مما نريده ~~ولكنا لم نرد ذلك لأنه مستحيل علينا استحالة ذاتية، فيستحيل علينا أن ~~نريده. فالآية الكريمة من باب تعليق المحال على المحال، لأن كلا الأمرين ~~يتنافى مع حكمة الله - تعالى - ومع ذاته الجليلة. وقوله { إن كنا ~~فاعلين } تأكيد لامتناع إرادة اللهو، و { أن } نافية، أى ما كنا ~~فاعلين ذلك، ms3543 لأن اتخاذ اللهو يستحيل علينا. وقوله - سبحانه - { بل ~~نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ~~} إضراب عن إرادة اتخاذ اللهو، وإثبات لما تقتضيه ذاته - تعالى - مما ~~يخالف ذلك. والقذف الرمى بسرعة. والاسم القذاف - ككتاب -، وهو سرعة ~~السير، ومنه قولهم ناقة قذاف - بكسر القاف - إذا كانت متقدمة على غيرها ~~فى السير. ويدمغه أى، يمحقه ويزيله، قال القرطبى وأصل الدمغ شج الرأس حتى ~~يبلغ الدماغ. أى ليس من شأننا أن نتخذ لهوا، وإنما الذى من شأننا ~~وحكمتنا، أن نلقى بالحق الذى أرسلنا به رسلنا، على الباطل الذى تشبث به ~~الفاسقون { فيدمغه } أى فيقهره ويهلكه ويزيله إزالة تامة. والتعبير ~~القرآنى البليغ، يرسم هذه السنة الإلهية فى صورة حسية متحركة حتى لكأنما ~~الحق قذيفة تنطلق بسرعة فتهوى على الباطل فتشق أم رأسه، فإذا هو زاهق ~~زائل. قال الآلوسى وفى إذا الفجائية، والجملة الإسمية، من الدلالة على ~~كمال المسارعة فى الذهاب والبطلان مالا يخفى، فكأنه زاهق من الأصل. وقوله ~~- تعالى - { ولكم الويل مما تصفون } وعيد شديد لأولئك ~~الكافرين الذين نسبوا إلى الله - تعالى - مالا يليق به، ووصفوه بأن له ~~صاحبة وولدا # سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا # أى ولكم - أيها الضالون المكذبون - الويل والهلاك، من أجل وصفكم له - ~~تعالى - بما لا يليق بشأنه الجليل. # وقوله - تعالى - { وله من في السماوات والأرض } استئناف ~~مؤكد لما قبله من أن جميع المخلوقات خاضعة لقدرته - تعالى -. أى وله وحده ~~- سبحانه - جميع من فى السماوات والأرض، خلقا، وملكا، وتدبيرا، وتصرفا ~~وإحياء، وإماتة، لا يخرج منهم أحد عن علمه وقدرته - عز وجل -. ثم بين - ~~سبحانه - نماذج من عباده الطائعين له، بعد أن حكى أقوال أولئك الضالين، ~~فقال { ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا ~~يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون ~~}. والاستحسار الكلل والتعب. يقال حسر البصر يحسر حسورا - من باب قعد - ~~إذا تعب من طول النظر، ومنه قوله - تعالى - # ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر ~~خاسئا وهو حسير # أى كليل متعب. أى ومن عنده من مخلوقاته وعلى رأسهم الملائكة ms3544 المقربون، ~~لا يستكبرون عن عبادته - سبحانه - بل يخضعون له خضوعا تاما { ولا ~~يستحسرون } أى ولا يكلون ولا يتعبون. بل هم { يسبحون } الله ~~- تعالى - ويحمدونه ويكبرونه. طول الليل والنهار بدون فتور أو تراخ أو ~~تقصير. يقال فتر فلان عن الشىء يفتر فتورا، إذا سكن بعد حدة، ولان بعد ~~شدة، ويقال فتر الماء - من باب قعد - إذا سكن حره فهو فاتر. قالوا وذلك ~~لأن تسبيح الملائكة لله - تعالى - يجرى منهم مجرى التنفس منا، فهو سجية ~~وطبيعة فيهم وكما أن اشتغالنا لا يمنعنا من الكلام، فكذلك اشتغالهم ~~بالتسبيح لا يمنعهم من سائر الأعمال. وبعد أن بين - سبحانه - أن من ~~مخلوقاته من يقوم بتسبيحه وعبادته بدون انقطاع أو فتور، أتبع ذلك بتوبيخ ~~المشركين وبإقامة الأدلة على وحدانيته، واستحالة أن يكون هناك من يشاركه ~~فى ألوهيته فقال - تعالى - { أم اتخذوا آلهة... }. ### || [21.21-25] # قال الإمام الرازى اعلم أن الكلام من أول السورة إلى هنا كان فى ~~النبوات وما يتصل بها من الكلام سؤالا وجوابا، وأما هذه الآيات فإنها فى ~~بيان التوحيد ونفى الأضداد والأنداد.. ". والاستفهام فى قوله { أم ~~اتخذوا }.. للإنكار والتوبيخ. وقوله { ينشرون } من النشر بمعنى ~~الإحياء والبعث. يقال أنشر الله - تعالى - الموتى إذا بعثهم بعد موتهم. ~~والمعنى إن هؤلاء الضالين قد أشركوا مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى ~~العبادة، فهل هذه الآلهة التى اتخذوها تستطيع أن تعيد الحياة إلى ~~الأموات؟ كلا إنها لا تستطيع ذلك بإقرارهم ومشاهدتهم، وما دام الأمر كذلك ~~فكيف أباحوا لأنفسهم أن يتخذوا آلهة لا تستيطع أن تفعل شيئا من ذلك أو من ~~غيره؟ إن اتخاذهم هذا لمن أكبر الأدلة وأوضحها على جهالاتهم وسفاهاتهم ~~وسوء تفكيرهم. قال صاحب الكشاف ما ملخصه فإن قلت كيف أنكر عليهم اتخاذ ~~آلهة تنشر. وما كانوا يدعون ذلك لآلهتهم، لأنهم كانوا ينكرون البعث أصلا ~~ويقولون من يحيى العظام وهى رميم؟ قلت الأمر كما ذكرت ولكنهم بادعائهم ~~لها الإلهية، يلزمهم أن يدعوا لها الإنشار، لأنه لا يستحق هذا الاسم ~~إلا القادر على كل مقدور، والإنشار من جملة المقدورات. ms3545 وفيه باب من ~~التهكم بهم، والتوبيخ والتجهيل، وإشعار بأن ما استبعدوه من الله - تعالى ~~- لا يصح استبعاده، لأن الإلهية لما صحت صح معها الاقتدار على الإبداء ~~والإعادة. وقوله - سبحانه - { من الأرض } متعلق باتخذوا، و " من " ~~ابتدائية، أى اتخذوها من أجزاء الأرض كالحجارة وما يشبهها، ويجوز أن يكون ~~الجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة للآلهة، أى اتخذوا آلهة كائنة من ~~الأرض.. وعلى كلا التقديرين فالمراد بهذا التعبير التحقير والتجهيل.. ثم ~~ساق - سبحانه - دليلا عقليا مستمدا من واقع هذا الكون فقال { لو كان ~~فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا }. أى لو كان فى السماوات ~~والأرض آلهة أخرى سوى الله - تعالى -، تدبر أمرهما، لفسدتا ولخرجتا عن ~~نظامهما البديع، الذى لا خلل فيه ولا اضطراب. وذلك لأن تعدد الآلهة يلزمه ~~التنازع والتغالب بينهم.. فيختل النظام لهذا الكون، ويضطرب الأمر، ويعم ~~الفساد فى هذا العالم. ولما كان المشاهد غير ذلك إذ كل شىء فى هذا الكون ~~يسير بنظام محكم دقيق دل الأمر على أن لهذا الكون كله، إلها واحدا قادرا ~~حكيما لا شريك له. قال صاحب الكشاف " والمعنى لو كان يتولاهما ويدبر ~~أمرهما آلهة شتى غير الواحد الذى هو فاطرهما لفسدتا. وفيه دلالة على ~~أمرين أحدهما وجوب أن لا يكون مدبرهما إلا واحدا. الثانى أن لا يكون ذلك ~~الواحد إلا إياه وحده، لقوله { إلا الله }. # فإن قلت لم وجب الأمران؟ قلت لعلمنا أن الرعية تفسد بتدبير الملكين لما ~~يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف. قال عبد الملك بن مروان حين ~~قتل عمرو بن سعيد الأشدق كان والله أعز على من دم ناظرى. ولكن لا يجتمع ~~فحلان فى شول - أى فى عدد مع النياق -. وقوله - تعالى - { فسبحان ~~الله رب العرش عما يصفون } تنزيه لله - تعالى - عما ~~قاله الجاهلون فى شأنه - عز وجل -. أى فتنزيها لله وتقديسا وتبرئة لذاته ~~عن أن يكون له شريك فى ألوهيته، وجل عما وصفه به الجاهلون. وقوله - تعالى ~~{ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } تأكيد لوحدانيته ~~وقدرته - سبحانه - أى لا يسأله سائل - سبحانه - عما ms3546 يفعله بعباده من ~~إعزاز وإذلال. وهداية وإضلال، وغنى وفقر، وصحة ومرض، وإسعاد وإشقاء.. ~~لأنه هو الرب المالك المتصرف فى شئون خلقه، وهم يسألون يوم القيامة عن ~~أعمالهم وأقوالهم لأنهم عبيده، وقد أرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، ~~فمنهم من اتبع الرسل فسعد وفاز، ومنهم من استحب العمى قال الهدى فشقى ~~وهلك. وبعد أن ساق - سبحانه - دليلا عقليا على وحدانيته، أتبعه بدليل آخر ~~نقلى، فقال - تعالى - { أم اتخذوا من دونه آلهة قل ~~هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من ~~قبلي.. }. قال الآلوسى ما ملخصه هذا إضراب وانتقال من إظهار بطلان كون ~~ما اتخذوه آلهة، لخلوها من خصائصها التى من جملتها الإنشار، إلى تبكيتهم ~~ومطالبتهم بالبرهان على دعواهم الباطلة، وتحقيق أن جميع الكتب السماوية ~~ناطقة بحقية التوحيد، وبطلان الإشراك... أى إن هؤلاء الكافرين قد أشركوا ~~مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة، بسبب جهلهم وعنادهم وجحودهم ~~للحق.. قل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل التبكيت والتوبيخ { ~~هاتوا برهانكم } على أن مع الله - تعالى - آلهة أخرى تستحق ~~مشاركته فى العبادة والطاعة؟ ولا شك أنهم لا برهان لهم على ذلك. وقوله - ~~تعالى - { هذا ذكر من معي وذكر من قبلي } زيادة فى ~~تبكيتهم وفى إظهار عجزهم، أى هذا الوحى الإلهى الناطق بتوحيد الله - ~~تعالى - موجود فى القرآن الكريم المشتمل على ذكر المعاصرين لى من أتباعى، ~~وموجود فى كتب الأنبياء السابقين، كالتوراة التى أنزلها الله على موسى، ~~والإنجيل الذى أنزله على عيسى، فمن أين أتيتم أنتم بهؤلاء الشركاء، وكيف ~~اتخذتموهم آلهة مع أنهم لا برهان عليهم لا من جهة العقل ولا من جهة ~~النقل؟ فاسم الإشارة { هذا } فى قوله { هذا ذكر من معي ~~} مبتدأ، مشار به إلى الوحى الإلهى، وقد أخبر عنه - سبحانه - بخبرين - ~~كما يقول الشيخ الجمل - " فبالنظر للخبر الأول يراد به القرآن، وبالنظر ~~للخبر الثانى يراد به ما عداه من الكتب السماوية ". # وقوله - تعالى - { بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم ~~معرضون } إضراب من جهته - تعالى - عن مناقشتهم ومطالبتهم بالبرهان، ~~وانتقال من الأمر بتبكيتهم إلى ms3547 الأمر بإهمالهم استصغارا لشأنهم. أى دعهم ~~- أيها الرسول الكريم - فى باطلهم يعمهون فإنهم قوم أكثرهم يجهلون الحق، ~~ولا يستطيعون التمييز بينه وبين الباطل. فهم لأجل ذلك منصرفون عن الهدى، ~~ومتجهون إلى الضلال، ومن جهل شيئا عاداه. ثم بين - سبحانه - أن جميع ~~الرسل - عليهم الصلاة والسلام - قد أمروا أقوامهم بإخلاص العبادة لله، ~~ونبذ الشرك والشركاء، فقال - تعالى - { ومآ أرسلنا من قبلك ~~من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا ~~أنا فاعبدون }. أى وما أرسلنا من قبلك من رسول يا محمد إلا ~~وأفهمناه عن طريق وحينا أنه لا إله يستحق العبادة والطاعة إلا أنا، فعليه ~~أن يأمر قومه بطاعتى وعبادتى والخضوع لى وحدى. هذا، والمتدبر لهذه الآيات ~~الكريمة، يراها قد أقامت أحكم الأدلة العقلية والنقلية على وجوب إخلاص ~~العبادة لله الواحد القهار، وعلى أن الذين يتخذون معه آلهة أخرى سفهاء ~~جاهلون. ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك شبهة من الشبهات الباطلة التى تفوه ~~بها المشركون، ورد عليهم ردا مفحما، فقال - تعالى - { وقالوا ~~اتخذ... }. ### || [21.26-29] # قال الآلوسى ما ملخصه " قوله - تعالى - { وقالوا اتخذ ~~الرحمن ولدا } ، حكاية لجناية فريق من المشركين لإظهار ~~بطلانها، وبيان تنزهه - سبحانه - عن ذلك، إثر بيان تنزهه - جل وعلا - عن ~~الشركاء على الإطلاق، وهم حى من خزاعة قالوا الملائكة بنات الله، ونقل ~~الواحدى أن قريشا وبعض العرب قالوا ذلك. والآية مشنعة على كل من نسب إلى ~~الله - تعالى - ذلك كاليهود والنصارى.. ". أى وقال المشركون الذين انطمست ~~بصائرهم عن معرفة الحق " اتخذ الرحمن ولدا سبحانه ". أى تنزه وتقدس الله ~~- تعالى - عن ذلك جل وعلا عما يقولونه علوا كبيرا. وقوله { بل عباد ~~مكرمون } إضراب عما قالوه، وإبطال له، وثناء على ملائكته الذين زعم ~~فريق من المشركين أنهم بنات الله. وعباد جمع عبد. والعبودية لله - تعالى ~~- معناها إظهار التذلل له - سبحانه -، والخضوع لذاته. ومكرم اسم مفعول من ~~أكرم، وإكرام الله - تعالى - لعبده معناه إحسانه إليه وإنعامه عليه. أى ~~لقد كذب هؤلاء المشركون فى زعمهم أن الملائكة بنات الله، والحق أن ~~الملائكة هم عباد ms3548 مخلوقون له - تعالى - ومقربون إليه ومكرمون عنده. وقوله ~~{ لا يسبقونه بالقول } أى لا يتكلمون إلا بما يأمرهم به، ولا ~~يقولون شيئا بدون إذنه، كما هو شأن العبيد الطائعين لسيدهم. وأصل الكلام ~~لا يسبق قولهم قوله - عز وجل - إلا أنه - سبحانه - أسند السبق إليهم، ~~تنزيلا لسبق قولهم لقوله، منزلة سبقهم إياه، للإشعار بمزيد طاعتهم ~~وتنزيههم عن كل قول بغير إذنه - تعالى -. وقوله { وهم بأمره ~~يعملون } بيان لتبعيتهم له - تعالى - فى الأعمال إثر بيان تبعيتهم ~~له - سبحانه - فى الأقوال. أى وهم بأمره وحده يعملون لا بأمر أحد سواه، ~~ولا بأمر أنفسهم، كما قال - تعالى - فى آية أخرى # يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا ~~وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ ~~شداد لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما ~~يؤمرون # ثم بين - سبحانه - مظهرا من مظاهر علمه الشامل، وحكمه النافذ، فقال { ~~يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم.. } أى يعلم - سبحانه ~~- أحوالهم كلها صغيرها وكبيرها، متقدمها ومتأخرها، { ولا يشفعون } ~~لأحد من خلقه إلا لمن ارتضى الله - تعالى - شفاعتهم له. { وهم من ~~خشيته مشفقون } أى وهم لخوفهم من الله ومن عقابه حذرون وجلون. ~~فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف الملائكة فى هذه الآيات بجملة من ~~الصفات الكريمة التى تدل على طاعتهم المطلقة لله - تعالى - وعلى إكرامه - ~~سبحانه - لهم. # ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أنهم مع كرامتهم عند الله - تعالى - لو ادعى ~~أحد منهم - على سبيل الفرض - أنه إله، لعاقبه الله عقابا شديدا، فقال - ~~تعالى - { ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك ~~نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين }. أى ومن يقل من ~~الملائكة - على سبيل الفرض والتقدير - { إني إله من دونه } ~~أى من دون الله - عز وجل - " فذلك " الذى ادعى هذا الادعاء الكاذب " ~~نجزيه جهنم " أى نجعل جزاءه الإلقاء فى جهنم كسائر المجرمين الكاذبين، ~~ولا يغنى عنه ما سبق له من طاعة وتكريم { كذلك نجزي الظالمين ~~} أى مثل هذا الجزاء الرادع الفظيع نجزى كل ظالم يضع الأمور فى غير ~~موضعها، إذ أن حقوق الله - تعالى ms3549 - لا يجوز لأحد - كائنا من كان - أن ~~ينسبها لنفسه، سواء أكان ملكا مقربا، أم نبيا مرسلا. وبعد أن ساق - ~~سبحانه - ألوانا من الأدلة الكونية الشاهدة بوحدانيته، ومن الأدلة ~~النقلية النافية للشركاء، ومن الأدلة الوجدانية التى تهيج القلوب نحو ~~الحق.. أتبع ذلك بتحريض الكافرين على التدبر فى ملكوت السماوات والأرض، ~~لعل هذا التدبر يهديهم إلى الإيمان. فقال - تعالى - { أولم ير... ~~}. ### || [21.30-33] # وقوله { رتقا } مصدر رتقه رتقا إذا سده. يقال رتق فلان الفتق رتقا، ~~إذا ضمه وسده، وهو ضد الفتق الذى هو بمعنى الشق والفصل. وللعلماء فى معنى ~~هذه الآية أقوال أشهرها أن معنى { كانتا رتقا } أن السماء كانت ~~صماء لا ينزل منها مطر، وأن الأرض كانت لا يخرج منها نبات، ففتق الله - ~~تعالى - السماء بأن جعل المطر ينزل منها، وفتق الأرض بأن جعل النبات يخرج ~~منها. وهذا التفسير منسوب إلى ابن عباس، فقد سئل عن ذلك فقال كانت ~~السماوات رتقا لا تمطر، وكانت الأرض رتقا لا تنبت، فلما خلق - سبحانه - ~~للأرض أهلا، فتق هذه بالمطر، وفتق هذه بالنبات. ومنهم من يرى أن المعنى ~~كانت السماوات والأرض متلاصقتين كالشىء الواحد، ففتقهما الله - تعالى - ~~بأن فصل بينهما، فرفع السماء إلى مكانها، وأبقى الأرض فى مقرها، وفصل ~~بينهما بالهواء. قال قتادة قوله { كانتا رتقا } يعنى أنهما كانا ~~شيئا واحدا ففصل الله بينهما بالهواء. ومنهم من يرى أن معنى " كانتا ~~رتقا " أن السماوات السبع كانت متلاصقة بعضها ببعض ففتقها الله - تعالى - ~~بأن جعلها سبع سماوات منفصلة، والأرضون كانت كذلك رتقا، ففصل الله - ~~تعالى - بينها وجعلها سبعا. قال مجاهد كانت السماوات طبقة واحدة مؤتلفة، ~~ففتقها فجعلها سبع سماوات، وكذلك الأرضين كانت طبقة واحدة ففتقها فجعلها ~~سبعا ". وقد رجح بعض العلماء المعنى الأول فقال ما ملخصه كونهما " كانتا ~~رتقا " بمعنى أن السماء لا ينزل منها مطر، والأرض لا تنبت، ففتق - سبحانه ~~- السماء بالمطر والأرض بالنبات، هو الراجح وتدل عليه قرائن من كتاب الله ~~- تعالى - منها أن قوله - تعالى - { أولم ير الذين ~~كفروا.. } يدل على أنهم رأوا ذلك ms3550 لأن الأظهر فى رأى أنها بصرية، ~~والذى يرونه بأبصارهم هو أن السماء تكون لا ينزل منها مطر، والأرض لا ~~نبات فيها. فيشاهدون بأبصارهم نزول المطر من السماء، وخروج النبات من ~~الأرض. ومنها أنه - سبحانه - أتبع ذلك بقوله { وجعلنا من المآء ~~كل شيء حي } والظاهر اتصال هذا الكلام بما قبله. أى وجعلنا من ~~الماء الذى أنزلناه بفتقنا السماء، وأنبتنا به أنواع النبات بفتقنا ~~الأرض، كل شىء حى. ومنها أن هذا المعنى جاء موضحا فى آيات أخرى، كقوله - ~~تعالى - # والسمآء ذات الرجع والأرض ذات الصدع # والمراد بالرجع نزول المطر من السماء تارة بعد أخرى، والمراد بالصدع ~~انشقاق الأرض عن النبات. واختار هذا القول ابن جرير وابن عطية والفخر ~~الرازى. فإن قيل هذا الوجه مرجوح، لأن المطر لا ينزل من السماوات، بل من ~~سماء واحدة وهى سماء الدنيا؟ قلنا إنما أطلق عليه لفظ الجمع، لأن كل قطعة ~~فيها سماء كما يقال ثوب أخلاق - أى قطع -. # والآية الكريمة مسوقة لتجهيل المشركين وتوبيخهم على كفرهم، مع أنهم ~~يشاهدون بأعينهم ما يدل دلالة واضحة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته، ~~ويعلمون أن من كان كذلك، لا يصح أن تترك عبادته إلى عبادة حجر أو نحوه، ~~مما لا يضر ولا ينفع. والمعنى أو لم يشاهد الذين كفروا بأبصارهم، ويعلموا ~~بعقولهم، أن السماوات والأرض كانتا رتقا، بحيث لا ينزل من السماء مطر، و ~~لا يخرج من الأرض نبات، ففتق الله - تعالى - السماء بالمطر، والأرض ~~بالنبات. إنهم بلا شك يشاهدون ذلك، ويعقلونه بأفكارهم. ولكنهم لاستيلاء ~~الجحود والعناد عليهم، يعبدون من دونه - سبحانه - مالا ينفع من عبده، ~~ولا يضر من عصاه. وقال - سبحانه - { كانتا } بالتثنية، باعتبار ~~النوعين اللذين هما نوع السماء، ونوع الأرض، كما فى قوله - تعالى - # إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا.. # وقوله - تعالى - { وجعلنا من المآء كل شيء حي.. } ~~تأكيد لمضمون ما سبق، وتقرير لوحدانيته ونفاذ قدرته - سبحانه - والجعل ~~بمعنى الخلق. و { من } ابتدائية. أى وخلقنا من الماء بقدرتنا النافذة، ~~كل شىء متصف بالحياة الحقيقية وهو الحيوان، أو ms3551 كل شىء نام فيدخل النبات، ~~ويراد من الحياة ما يشمل النمو. وهذا العام مخصوص بما سوى الملائكة والجن ~~مما هو حى، لأن الملائكة - كما جاء فى بعض الأخبار - خلقوا من النور، ~~والجن مخلوقون من النار. قال - تعالى - # خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجآن من ~~مارج من نار # قال القرطبى وفى قوله - تعالى - { وجعلنا من المآء كل ~~شيء حي } ثلاث تأويلات أحدها أنه خلق كل شىء من الماء. قاله قتادة. ~~الثانى حفظ حياة كل شىء بالماء الثالث وجعلنا من ماء الصلب - أى النطفة - ~~كل شىء حى... وقوله { أفلا يؤمنون } إنكار لعدم إيمانهم مع وضوح ~~كل ما يدعو إلى الإيمان الحق، والفاء للعطف على مقدر يستدعيه هذا ~~الإنكار. أى أيشاهدون بأعينهم ما يدل على وحدانية الله وقدرته. ومع ذلك ~~لا يؤمنون؟ إن أمرهم هذا لمن أعجب العجب، وأغرب الغرائب!!. ثم ساق - ~~سبحانه - أدلة أخرى على وحدانيته وقدرته فقال { وجعلنا في الأرض ~~رواسي أن تميد بهم.. }. الوراسى جمع راسية، من رسا الشىء إذا ~~ثبت ورسخ، والمراد بها الجبال الثابتة الراسخة فى الأرض. أى وجعلنا فى ~~الأرض جبالا ثوابت، كراهة أن { تميد بهم } أى أن تضطرب وتتحرك بهم ~~الأرض. يقال ماد الشىء يميد ميدا - من باب باع - إذا تحرك واهتز. { ~~وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون } ، ~~والفجاج. # جمع فج وهو الطريق الواسع. والسبل جمع سبيل وهو الطريق. وهو بدل من { ~~فجاجا }. أى وجعلنا فى الأرض طرقا واسعة، ومنافذ متعددة، لعلهم بذلك ~~يهتدون ويتوصلون إلى الأماكن التى يريدون الوصول إليها. ويعلمون أن الذى ~~وهبهم كل هذه النعم، هو الله - تعالى - الذى يجب أن يخلصوا له العبادة ~~والطاعة. { وجعلنا السمآء سقفا محفوظا وهم عن ~~آياتها معرضون } أى وجعلنا السماء سقفا للأرض كما يكون السقف ~~للبيت، وجعلناه محفوظا من السقوط ومن التشقق، ومن كل شيطان رجيم. وهم - ~~أى المشركون - عن آياتها الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا وعلمنا. معرضون ~~ذاهلون، لا يتعظون ولا يتذكرون. ومن الآيات الدالة على حفظ السماء من ~~السقوط، قوله - تعالى - # ... ويمسك السمآء أن تقع ms3552 على الأرض إلا بإذنه ~~إن الله بالناس لرءوف رحيم # ومن الآيات الدالة على حفظها من التشقق والتفطر قوله - سبحانه - # أفلم ينظروا إلى السمآء فوقهم كيف بنيناها ~~وزيناها وما لها من فروج # وعلى حفظها من الشياطين قوله - تعالى - # وحفظناها من كل شيطان رجيم # ومن الآيات الدالة على إعراض هؤلاء المشركين عن العبر والعظات قوله - ~~سبحانه - # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الدالة على قدرته ووحدانيته بقوله - تعالى ~~- { وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس ~~والقمر كل في فلك يسبحون }. أى وهو وحده - سبحانه - ~~الذى خلق بقدرته الليل والنهار بهذا النظام البديع، وخلق الشمس والقمر ~~بهذا الإحكام العجيب " كل " أى كل واحد من الشمس والقمر يسير فى فلكه ~~وطريقه المقدر له بسرعة وانتظام، كالسابح فى الماء. وقوله { يسبحون ~~} من السبح وهو المر السريع فى الماء أو الهواء. وجاء يسبحون بضمير ~~العقلاء. لكون السباحة المسندة إليهما من فعل العقلاء، كما فى قوله - ~~تعالى - # والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين # هذا والمتأمل فى هذه الآيات يراها قد ساقت جملة من الأدلة على وحدانية ~~الله - تعالى - وعلى كمال قدرته. ثم بين - سبحانه - أن مصير البشر جميعا ~~إلى الفناء، وأن كل نفس ذائقة الموت، وأن من طبيعة الإنسان تعجل الأمور ~~قبل أوانها، وأن المشركين لو علموا المصير السىء الذى ينتظرهم يوم ~~القيامة، لما قالوا ما قالوه من باطل، ولما فعلوا ما فعلوه من قبائح، قال ~~- تعالى - { وما جعلنا لبشر... }. ### || [21.34-41] # قال القرطبى قوله - تعالى - { وما جعلنا لبشر من قبلك ~~الخلد } أى دوام البقاء فى الدنيا. نزلت حين قالوا نتربص بمحمد - صلى ~~الله عليه وسلم - ريب المنون. وذلك أن المشركين كانوا يدفعون نبوته ~~ويقولون شاعر نتربص به ريب المنون، ولعله يموت كما مات شاعر بنى فلان، ~~فقال الله - تعالى - قد مات الأنبياء قبلك يا محمد، وتولى الله دينه ~~بالنصر والحياطة، فهكذا نحفظ دينك وشرعك... والاستفهام فى قوله - سبحانه ~~- { أفإن مت فهم الخالدون } للانكار والنفى.. والمعنى ~~وما جعلنا - أيها الرسول ms3553 الكريم - لبشر من قبلك - كائنا من كان - الخلود ~~فى هذه الحياة، وأنت إن مت فهم - أيضا - سيموتون فى الوقت الذى حدده الله ~~- تعالى - لانقضاء عمرك وأعمارهم، وما دام الأمر كذلك فذرهم فى جهالتهم ~~يعمهون، ولا تلتفت إلى شماتتهم فيك، أو إلى تربصهم بك، فإنك ميت وإنهم ~~ميتون، وكل شىء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون، ورحم الله الإمام ~~الشافعى حيث يقول # تمنى أناس أن أموت.- وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد فقل للذى يبغى ~~خلاف الذى مضى تهيأ لأخرى مثلها، وكأن قد # وقال شاعر آخر # إذا ما الدهر جر على أناس كلاكله أناخ بآخرينا فقل للشامتين بنا ~~أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا # ثم أكد - سبحانه - عدم خلود بشر فى هذه الحياة فقال { كل نفس ~~ذآئقة الموت }. أى كل نفس أوجدها الله - تعالى - فى هذه الحياة، ~~ستذوق مرارة نزول الموت بها. ومفارقة روحها لجسدها. قال الآلوسى ما ملخصه ~~والموت عند الأشعرى، كيفية وجودية تضاد الحياة، وعند كثيرين غيره أنه عدم ~~الحياة عما من شأنه الحياة بالفعل. وقال بعضهم المراد بالنفس هنا النفس ~~الإنسانية لأن الكلام مسوق لنفى خلود البشر. واختير عمومها لتشمل نفوس ~~البشر والجن وسائر نفوس الحيوان. وقوله - تعالى - { ونبلوكم ~~بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون } بيان لسنة من ~~سننه - تعالى - فى معاملة عباده. وقوله - سبحانه - { ونبلوكم } من ~~البلو بمعنى الاختبار والامتحان. يقال فلان بلاه الله بخير أو شر ~~يبلوه بلوا، وأبلاه وابتلاه ابتلاء، بمعنى امتحنه. وقوله { فتنة } ~~مصدر مؤكد لنبلوكم من غير لفظه. أى كل نفس ذائقة الموت، ونختبركم فى هذه ~~الحياة بألوان من النعم وبألوان من المحن، لنرى أتشكرون عند النعمة، ~~وتصبرون عند المحنة، أم يكون حالكم ليس كذلك؟ وفى جميع الأحوال فإن ~~مرجعكم إلينا لا محالة، وسنجازيكم بما تستحقون من ثواب على شكركم وصبركم، ~~وسنجازى غير الشاكرين وغير الصابرين بما يستحقون من عقاب، ولا يظلم ربك ~~أحدا. قال بعض العلماء " والابتلاء بالشر مفهوم أمره ليتكشف مدى احتمال ~~المبتلى، ومدى صبره على الضر، ومدى ثقته فى ربه، ورجائه ms3554 فى رحمته. # . فأما الابتلاء بالخير فهو فى حاجة إلى بيان. إن الابتلاء بالخير أشد ~~وطأة. فكثيرون يصمدون أمام الابتلاء بالشر ولكن القلة القليلة هى التى ~~تصمد للابتلاء بالخير. كثيرون يصبرون على الابتلاء بالمرض والضعف، ~~وقليلون هم الذين يصبرون على الابتلاء بالصحة والقدرة. كثيرون يصبرون على ~~الفقر والحرمان، فلا تتهاوى نفوسهم ولا تذل. وقليلون هم الذين يصبرون على ~~الثراء ومغرياته وما يثيره من أطماع. كثيرون يصبرون على الكفاح و الجراح، ~~وقليلون هم الذين يصبرون على الدعة، ولا يصابون بالحرص الذى يذل أعناق ~~الرجال. إن الابتلاء بالشر قد يثير الكبرياء، ويستحث المقاومة ويجند ~~الأعصاب لاستقبال الشدة.. أما الرخاء فقد يرخى الأعصاب ويفقدها ~~المقاومة.. إلا من عصم الله، وصدق رسوله الله - صلى الله عليه وسلم - حيث ~~يقول # " عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن ~~أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ". # وشيبه بهذه الآية قوله - تعالى - # ولقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك فأخذناهم ~~بالبأسآء والضرآء لعلهم يتضرعون # وقوله - سبحانه - # وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم ~~يرجعون # ثم حكى - سبحانه - جانبا من السفاهات التى كان المشركون يقابلون بها ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال { وإذا رآك الذين كفروا ~~إن يتخذونك إلا هزوا }. أى وإذا أبصرك المشركون - أيها ~~الرسول الكريم - سخروا منك، واستخفوا بك وقالوا على سبيل التهوين من شأنك ~~{ أهذا الذي يذكر آلهتكم } أى أهذا هو مدعى النبوة الذى ~~يذكر آلهتكم بسوء ويعيبها، وينفى شفاعتها لنا، وأنها تقربنا إلى الله ~~زلفى. وقوله - سبحانه - { وهم بذكر الرحمن هم كافرون ~~} فى محل نصب حال من ضمير القول المقدر. أى أنهم يقولون فيما بينهم أهذا ~~هو الرسول الذى يذكر آلهتكم بسوء، والحال أن هؤلاء المشركين الجاهلين، ~~كافرون بالقرآن الذى أنزله الله - تعالى - عليك - أيها الرسول الكريم - ~~لتخرج الناس به من الظلمات إلى النور. فالآية الكريمة تنعى على هؤلاء ~~المشركين جهالاتهم وسفاهاتهم، حيث استكثروا على الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يذم آلهتهم التى لا تنفع ولا تضر ms3555 ولم يستكثروا على أنفسهم، أن ~~يكفروا بخالقهم وبذكره الذى أنزله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - ليكون ~~رحمة لهم. قال صاحب الكشاف الذكر يكون بخير وبخلافه. فإذا دلت الحال على ~~أحدهما أطلق ولم يقيد. كقولك للرجل سمعت فلانا يذكرك، فإن كان الذاكر ~~صديقا فهو ثناء، وإن كان عدوا فهو ذم، ومنه قوله { أهذا الذي ~~يذكر آلهتكم }. والمعنى أنهم عاكفون على ذكر آلهتهم بهممهم، ~~وربما يجب أن لا تذكر به من كونهم شفعاء وشهداء. # ويسوءهم أن يذكرها ذاكر بخلاف ذلك. وأما ذكر الله - تعالى - وما يجب أن ~~يذكر به من الوحدانية، فهم به كافرون لا يصدقون به أصلا، فهم أحق بأن ~~يتخذوا هزوا منك، فإنك محق وهم مبطلون.. فسبحان من أضلهم حتى تأدبوا ~~مع الأوثان، وأساءوا الأدب مع الرحمن ". ثم بين - سبحانه - ما جبل عليه ~~الإنسان من تسرع وتعجل فقال { خلق الإنسان من عجل }. والعجل ~~طلب الشىء وتحريه قبل أوانه، وهو ضد البطء. والمراد بالإنسان جنسه. ~~والمعنى خلق جنس الإنسان مجبولا على العجلة والتسرع فتراه يستعجل حدوث ~~الأشياء قبل وقتها المحدد لها، مع أن ذلك قد يؤدى إلى ضرره. فالمراد من ~~الآية الكريمة وصف الإنسان بالمبالغة فى تعجل الأمور قبل وقتها، حتى ~~لكأنه مخلوق من نفس التعجل. والعرب تقول فلان خلق من كذا، يعنون بذلك ~~المبالغة فى اتصاف هذا الإنسان بما وصف به، ومنه قولهم خلق فلان من كرم، ~~وخلقت فلانة من الجمال. وقوله { سأوريكم آياتي فلا ~~تستعجلون } تهديد وزجر لأولئك الكافرين الذين كانوا يستعجلون ~~العذاب. أى سأريكم عقابى وانتقامى منكم - أيها المشركون - فلا تتعجلوا ~~ذلك فإنه آت لا ريب فيه. قال ابن كثير والحكمة فى ذكر عجلة الإنسان هنا ~~أنه - سبحانه - لما ذكر المستهزئين بالرسول - صلى الله عليه وسلم - وقع ~~فى النفوس سرعة الانتقام منهم. فقال - سبحانه - { خلق الإنسان من ~~عجل } لأنه - تعالى - يملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، يؤجل ثم ~~يعجل، وينظر ثم لا يؤخر، ولهذا قال { سأوريكم آياتي } أى نقمى ~~واقتدارى على من عصانى { فلا تستعجلون }. وقال ms3556 الآلوسى " والنهى ~~عن استعجالهم إياه - تعالى - مع أن نفوسهم جبلت على العجلة، ليمنعوها عما ~~تريده وليس هذا من التكليف بما لا يطاق. لأنه - سبحانه - أعطاهم من ~~الأسباب ما يستطيعون به كف النفس عن مقتضاها، ويرجع هذا النهى إلى الأمر ~~بالصبر ". ثم أكد - سبحانه - ما يدل على تعجلهم لما فيه هلاكهم فقال { ~~ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين }. أى أن ~~هؤلاء المشركين بلغ من طغيانهم وجهلهم أنهم كانوا يتعجلون العذاب الذى ~~توعدهم الله - تعالى - به إذا ما استمروا على كفرهم. ويقولون للرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - ولأصحابه - على سبيل التهكم والاستهزاء - متى يقع ~~هذا العذاب الذى توعدتمونا به. إننا مترقبون له، فإن كنتم صادقين فى ~~وعيدكم، فأسرعوا فى إنزاله. وأسرعوا فى دعوة ربكم - سبحانه - أن يأتى ~~بالساعة. وجواب الشرط لقوله { إن كنتم صادقين } محذوف، لدلالة ما ~~قبله عليه. # أى إن كنتم صادقين فى وعيدكم بأن هناك عذابا ينتظرنا، فأتوا به بسرعة. ~~وهنا يسوق القرآن ما يدل على غفلتهم وسوء تفكيرهم، وعلى أنهم لو كانوا ~~يعلمون ما ينتظرهم من عذاب يوم القيامة، لما تفوهوا بما تفوهوا به - ~~فيقول - سبحانه - { لو يعلم الذين كفروا حين لا ~~يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ~~ينصرون }. وجواب " لو " محذوف. و " يعلم " بمعنى يعرف، و " حين " ~~مفعوله. أى لو عرف الكافرون وقت وقوع العذاب بهم. وما فيه من فظائع ~~تجعلهم يعجزون عن دفع النار عن وجوههم وعن ظهورهم.. لو يعرفون ذلك لما ~~استعجلوه. ولما استخفوا بالنبى - صلى الله عليه وسلم - وبأصحابه، لكن عدم ~~معرفتهم هى التى جعلتهم يستعجلون ويستهزئون. وخص - سبحانه - الوجوه ~~والظهور بالذكر. لكونهما أظهر الجوانب، ولبيان أن العذاب سيغشاهم من ~~أمامهم ومن خلفهم دون أن يملكوا له دفعا. وقال - سبحانه - { ولا هم ~~ينصرون } لبيان أنهم مع عجزهم عن دفع العذاب بأنفسهم. فإن غيرهم - ~~أيضا - لن يستطيع دفعه عنهم. قال صاحب الكشاف " جواب " " لو " محذوف. و " ~~حين " مفعول به ليعلم. أى لو يعلمون الوقت الذى يستعلمون عنه بقولهم " ~~متى هذا الوعد " وهو ms3557 وقت صعب شديد تحيط بهم فيه النار من وراء وقدام، فلا ~~يقدرون على دفعها ومنعها من أنفسهم، ولا يجدون ناصرا ينصرهم لما كانوا ~~بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال، ولكن جهلهم به هو الذى هونه ~~عندهم، ويجوز أن يكون " يعلم " متروكا بلا تعدية، بمعنى لو كان معهم علم ~~ولم يكونوا جاهلين، لما كانوا مستعجلين، وحين منصوب بمضمر، أى حين " لا ~~يكفون عن وجوههم النار " يعلمون أنهم كانوا على الباطل... وقوله - سبحانه ~~- { بل تأتيهم بغتة فتبهتهم }.. بيان لسرعة قيام ~~الساعة، ومفاجأتها لهم. أى بل تأتيهم الساعة الموعود بها، وبعذابهم فيها، ~~ومفاجأة من غير شعور بمجيئها " فتبهتهم " أى فتدهشهم وتحيرهم، والبهت ~~الانقطاع والحيرة. " فلا يستطيعون ردها " أى فلا يستطيعون دفع الساعة أو ~~ردها عنهم { ولا هم ينظرون } أى ولا هم يمهلون لتوبة أو معذرة. ~~ثم ختم - سبحانه - الآيات الكريمة بتسلية النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~عما أصابه من هؤلاء المشركين، فقال { ولقد استهزىء برسل ~~من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا ~~به يستهزئون }. أى ولقد استهزىء - أيها الرسول الكريم - برسل ~~كثيرين من قبلك، فنزل بهؤلاء المشركين المستهزئين برسلهم، العذاب الذى ~~كانوا يستهزئون به فى الدنيا، ويستعجلون رسلهم فى نزوله. وصدرت الآية ~~الكريمة بلام القسم وقد، لزيادة تحقيق مضمونها وتأكيده، وتنوين الرسل ~~للتفخيم والتكثير، أى والله لقد استهزىء برسل كثيرين ذوى شأن خطير كائنين ~~فى زمان قبل زمانك. # وعبر - سبحانه - بالفعل حاق، لأن هذه المادة تستعمل فى إحاطة المكروه، ~~فلا يقال فلان حاق به الخير، ولأنها تدل على الشمول واللزوم. أى فنزل بهم ~~العذاب الذى كانوا يستهزئون به فى الدنيا نزولا شاملا، أحاط بهم من كل ~~جهة إحاطة تامة. وبذلك تكون الآيات الكريمة، قد بينت جانبا من سنن الله - ~~تعالى - فى خلقه، وحكت بعض الأفعال القبيحة التى كان المشركون يفعلونها ~~مع النبى - صلى الله عليه وسلم - وهددتهم عليها تهديدا شديدا، وسلت ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - عما ارتكبوه فى حقه. ثم أمر - سبحانه - ~~رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يذكر هؤلاء الجاحدين ms3558 بنعمه - تعالى ~~- وأن ينذرهم بأسه وعقابه إذا ما استمروا فى كفرهم، فقال - عز وجل - { ~~قل من يكلؤكم... }. ### || [21.42-47] # وقوله - تعالى - { يكلؤكم } أى يرعاكم ويحفظكم. يقال فلان كلأ ~~فلانا كلأ وكلاءة - بالكسر - إذا حرسه، واكتلأ فلان من غيره، إذا ~~احترس منه. والاستفهام للإنكار والتقريع. أى قل - أيها الرسول الكريم - ~~لهؤلاء المستهزئين بك وبما جئت به من عند ربك قل لهم من الذى يحرسكم ~~ويحفظكم " بالليل " وأنتم نائمون " والنهار " وأنتم متيقظون " من الرحمن ~~" أى من عذاب الرحمن وبأسه إذا أراد أن يهلككم بسبب عكوفكم على كفركم ~~وشرككم. وتقديم الليل على النهار، لما أن الدواهى فيه أكثر، والأخذ فيه ~~أشد، واختار - سبحانه - لفظ الرحمن، للإشعار بأنهم يعيشون فى خيره ~~ورحمته. ومع ذلك لا يشكرونه - تعالى - على نعمه. ولذا - أخبر - سبحانه - ~~عنهم بقوله { بل هم عن ذكر ربهم معرضون } أى بل هم ~~بعد كل هذا الإنكار عليهم، والتنبيه لهم عن ذكر ربهم وكتابه الذى أنزله ~~لهدايتهم، معرضون شاردون، لا يحاولون الانتفاع بتوجيهاته، ولا يستمعون ~~إلى إرشاداته. فالجملة الكريمة تنفى عنهم الانتفاع بما يوجهه الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - إليهم من هدايات وعظات. ثم وجه - سبحانه - إليهم ~~سؤالا آخر فقال { أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا... }؟. ~~و { أم } هنا هى المنقطعة التى بمعنى بل والهمزة، فهى مشتملة على معنى ~~الإضراب والإنكار. والمعنى وسلهم - أيها الرسول الكريم - مرة أخرى ~~ألهؤلاء الجاحدين آلهة أخرى تستطيع أن تحرسهم وترعاهم سوانا نحن؟ كلا لبس ~~لهم ذلك. فالجملة الكريمة إضراب عن وصفهم بالإعراض إلى توبيخهم على ~~جهالاتهم بسبب اعتمادهم على آلهة لا تنفع ولا تضر. وقوله { لا ~~يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون } ~~نفى على أبلغ وجه لأن تكون هناك آلهة ترعاهم سوى الله - تعالى - أى كلا.. ~~ليس لهم آلهة تمنعهم من عذابنا إن أردنا إنزاله بهم، فإن هؤلاء الآلهة لا ~~يستطيعون نصر أنفسهم فضلا عن نصر غيرهم، ولا هم منا يصحبون، أى يجارون ~~ويمنعون من نزول الضر بهم. قال ابن جرير " وقوله { يصحبون } بمعنى ~~يجارون، تقول العرب أنا ms3559 لك جار وصاحب من فلان. بمعنى أجيرك وأمنعك منه. ~~وهؤلاء إذا لم يصبحوا بالجوار، ولم يكن لهم مانع من عذاب الله، مع سخط ~~الله عليهم، فلم يصحبوا بخير ولن ينصروا. ثم انتقلت السورة الكريمة إلى ~~الحديث عن نعمة أخرى من نعم الله عليهم لم يحسنوا شكرها، فقال - تعالى - ~~{ بل متعنا هؤلاء وآبآءهم حتى طال عليهم ~~العمر.. }. أى لا تلتفت - أيها الرسول الكريم - إلى هؤلاء المشركين ~~الذين أعرضوا عن ذكر ربهم، والذين زعموا أن آلهتهم تضر أو تنفع، فإننا قد ~~كلأناهم برعايتنا بالليل والنهار، ومتعناهم وآباءهم من قبلهم بالكثير من ~~متع الحياة الدنيا، حتى طالت أعمارهم فى رخاء ونعمة، فحملهم ذلك على ~~الطغيان والبطر والإصرار على الكفر. # وسنأخذهم فى الوقت الذى نريده أخذ عزيز مقتدر، فإن ما أعطيناه لهم من ~~نعم إنما هو على سبيل الاستدراج لهم. ثم يلفت - سبحانه - أنظارهم إلى ~~الواقع المشاهد فى هذه الحياة فيقول { أفلا يرون أنا نأتي ~~الأرض ننقصها من أطرافهآ أفهم الغالبون }. ~~وللعلماء فى تفسير هذه الجملة الكريمة أقوال منها أن المراد بنقص الأرض ~~من أطرافها إهلاك المشركين السابقين الذين كذبوا رسلهم، كقوم نوح وعاد ~~وثمود، وهم يمرون على قرى بعض هؤلاء المكذبين، ويرون آثارهم وقد دمرت ~~ديارهم. والمعنى أفلا ينظرون هؤلاء المشركون الذين كذبوك يا محمد، فيرون ~~بأعينهم ما حل بأمثالهم ممن كذبوا الرسل من قبلك. وكيف أننا طوينا الأرض ~~بهم. وجعلناهم أثرا بعد عين. والاستفهام فى قوله { أفهم ~~الغالبون } للإنكار. أى لم تكن الغلبة والعاقبة في يوم من الأيام ~~لمن كذبوا رسل الله - تعالى - وإنما الغلبة والظفر وحسن العاقبة لمن آمن ~~بالرسل وصدقهم واتبع ما جاءوا به من عند ربهم. وقد أشار الإمام ابن كثير ~~إلى هذا المعنى بقوله " أفلا يعتبرون نصر الله لأوليائه على أعدائه، ~~وإهلاكه الأمم المكذبة والقرى الظالمة وإنجائه لعباده المؤمنين. ولهذا ~~قال { أفهم الغالبون }. يعنى بل هم المغلوبون الأسفلون الأخسرون ~~الأرذلون. ومنها أن المراد بنقص الأرض من أطرافها نقص أرض الكفر ودار ~~الحرب، وتسليط المسلمين عليها وانتزاعها من أيديهم ms3560 بدليل الاستفهام ~~الإنكارى فى قوله { أفهم الغالبون } أى لا... ليسوا هم الذين ~~يغلبون جندنا، وإنما جندنا هم الغالبون. وقد صدر الآلوسى تفسيره لهذا ~~القول فقال " أفلا يرون أنا تأتى الأرض " أى أرض الكفرة " ننقصها من ~~أطرافها " بتسليط المسلمين عليها، وحوز ما يحوزونه منها، ونظمه فى سلك ~~ملكهم... " أفهم الغالبون " على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~والمؤمنين. والمراد إنكار ترتيب الغالبية على ما ذكر من نقص أرض الكفرة ~~بتسليط المؤمنين عليها، كأنه قيل أبعد ظهور ما ذكر ورؤيتهم له يتوهم ~~غلبتهم، وفى التعريف تعريض بأن المسلمين هم المتعينون للغلبة المعروفون ~~فيها. وقال صاحب الكشاف " فإن قلت أى فائدة فى قوله { نأتي الأرض ~~}؟. قلت فيه تصوير ما كان الله يجريه على أيدى المسلمين، وأن عساكرهم ~~وسراياهم كانت تغزو أرض المشركين وتأتيها غالبة عليها، ناقصة من أطرافها. ~~وهذان الرأيان مع وجاهتهما، إلا أن الرأى الأول الذى ذهب إليه ابن كثير ~~أكثر شمولا، لأنه يتناول ما أصاب المكذبين للرسل السابقين من عقاب كما ~~يشمل التهديد للمكذبين المعاصرين للعهد النبوى، بأنهم إذا استمروا فى ~~طغيانهم فسيحل بهم ما حل بمن سبقوهم. # وهناك من يرى أن المراد بنقص الرض من أطرافها موت العلماء، أو خرابها ~~عند موت أهلها، أو نقص الأنفس والثمرات.. ولكن هذه الآراء ليس معها ما ~~يرجحها. ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يوجه إلى ~~هؤلاء المشركين إنذارا حاسما، فقال - تعالى - { قل إنمآ ~~أنذركم بالوحي.. }. أى قل يا محمد لهؤلاء المشركين إنى بعد أن ~~بينت لكم ما بينت من هدايات وإرشادات أنذركم عن طريق الوحى الصادق، بأن ~~الساعة آتية لا ريب فيها، فلا تستعجلوا ذلك فكل آت قريب، وسترون فيها ما ~~ترون من أهوال وعذاب. وقوله { ولا يسمع الصم الدعآء إذا ~~ما ينذرون } توبيخ لهم وتجهيل. أى ولا يسمع الصم دعاء من يدعوهم إلى ~~ما ينفعهم، ولا يلتفتون إلى إنذار من ينذرهم وذلك لكمال جهلهم، وشدة ~~عنادهم، وانطماس بصائرهم. ثم بين - سبحانه - حالهم عندما ينزل بهم شىء من ~~العذاب ms3561 فقال { ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ~~ليقولن يويلنآ إنا كنا ظالمين }. أى ولئن أصاب هؤلاء ~~المشركين شىء قليل من عذاب ربك يا محمد. ليقولن على سبيل التفجع والتحسر ~~وإظهار الخضوع يا ويلنا - أى يا هلاكنا - إنا كنا ظالمين، ولذلك نزل بنا ~~هذا العذاب، وفى هذا التعبير ألوان من المبالغات منها ذكر المس الذى يكفى ~~فى تحققه إيصال ما، ومنها ما فى النفح من النزارة والقلة، يقال نفح فلان ~~فلانا نفحة، إذا أعطاه شيئا قليلا ومنها. البناء الدال على المرة ~~والواحدة كما يفيد ذلك التعبير بالنفحة. أى نفحة واحدة من عذاب ربك، ~~والمقصود من الآية الكريمة بيان سرعة تأثر هؤلاء المشركين، بأقل شىء من ~~العذاب الذى كانوا يستعجلونه، وأنهم إذا ما نزل بهم شىء منه، أصيبوا ~~بالهلع والجزع، وتنادوا بالويل والثبور والاعتراف بالظلم وتجاوز الحدود. ~~ثم بين - سبحانه - مظهرا من مظاهر عدله مع عباده يوم القيامة فقال { ~~ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم ~~نفس شيئا.. }. أى ونحضر الموازين العادلة لمحاسبة الناس على ~~أعمالهم يوم القيامة ولإعطاء كل واحد منهم ما يستحقه من ثواب أو عقاب، ~~دون أن يظلم ربك أحدا من خلقه. { وإن كان مثقال حبة من ~~خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين } أى وإن كانت ~~الأعمال التى عملها الإنسان فى الدنيا فى نهاية الحقارة والقلة، أتينا ~~بها فى صحيفة عمله لتوزن، وكفى بنا عادين ومحصين على الناس أعمالهم، إذ ~~لا يخفى علينا شىء منها سواء أكان قليلا أم كثيرا. قال ابن كثير قوله { ~~ونضع الموازين } الأكثر على أنه ميزان واحد، وإنما جمع باعتبار ~~تعدد الأعمال الموزونة فيه. وقال القرطبى " الموازين جمع ميزان، فقيل إنه ~~يدل بظاهره على أن لكل مكلف ميزانا توزن به أعماله، فتوضع الحسنات فى ~~كفة، والسيئات فى كفة. # وقيل يجوز أن يكون هناك موازين للعامل الواحد، يوزن بكل ميزان منها صنف ~~من أعماله.. وقيل ذكر الميزان مثل وليس ثم ميزان وإنما هو العدل، ~~والذى وردت به الأخبار، وعليه السواد الأعظم القول الأول. و " القسط " ~~صفة ms3562 الموازين ووحد لأنه مصدر... واللام فى قوله { ليوم القيامة ~~} قيل للتوقيت. أى للدلالة على الوقت، كقولهم جاء فلان لخمس ليال بقين من ~~الشهر. وقيل هى لام كى، أى لأجل يوم القيامة، أو بمعنى فى أى في يوم ~~القيامة. وقوله - سبحانه - { فلا تظلم نفس شيئا } بيان للعدل ~~الإلهى، وأنه - سبحانه - لا يظلم أحدا شيئا مما له أو عليه، أى فلا تظلم ~~نفس شيئا من الظلم لا قليلا ولا كثيرا. وقوله { وإن كان مثقال ~~حبة من خردل أتينا بها } تصوير لدقة الحساب، وعدم ~~مغادرته لشىء من أعمال الناس، إذ الخردل حب فى غاية الصغر والدقة. ومثقال ~~الشىء وزنه. وأنث الضمير فى قوله " بها " وهو راجع إلى المضاف الذى هو " ~~مثقال " وهو مذكر. لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه الذى هو " حبة من ~~خردل ". وقوله - سبحانه - { وكفى بنا حاسبين } بيان لإحاطة ~~الله - تعالى - بعلم كل شىء. كما قال - تعالى - # إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في ~~السمآء # وفى معنى هذه الآية وردت آيات كثيرة منها قوله - تعالى - # إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة ~~يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما # وقوله - سبحانه - # يبني إنهآ إن تك مثقال حبة من خردل فتكن ~~في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها ~~الله إن الله لطيف خبير # وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ذكرت أولئك المشركين بجانب من نعم ~~الله - تعالى - عليهم، وحضهم على التدبر والاتعاظ، وأنذرتهم بسوء العاقبة ~~إذا ما استمروا فى كفرهم وشركهم، وصورت لهم دقة الحساب يوم القيامة، وأن ~~كل إنسان سيحاسب على عمله سواء أكان صغيرا أم كبيرا، ولا يظلم ربك ~~أحدا. وبعد أن فصل - سبحانه - الحديث عن دلائل التوحيد والنبوة والمعاد، ~~ورد على المشركين ردا يفحمهم، أتبع ذلك بالحديث عن قصص بعض الأنبياء ~~تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - وتثبيتا لقلبه، فقال - تعالى - { ~~ولقد آتينا موسى... }. ### || [21.48-50] # والمراد بالفرقان وبالضياء وبالذكر التوراة، فيكون الكلام من عطف ~~الصفات. والمعنى ولقد أعطينا موسى وهارون - عليهما السلام ms3563 - كتاب التوراة ~~ليكون فارقا بين الحق والباطل، وليكون - أيضا - ضياء يستضىء به أتباعه من ~~ظلمات الكفر والضلالة، وليكون ذكرا حسنا لهم، وموعظة يتعظون بما اشتمل ~~عليه من آداب وأحكام. قال الآلوسى " قوله - سبحانه - { ولقد آتينا ~~موسى وهارون الفرقان وضيآء وذكرا.. }. نوع تفصيلى ~~لما أجمل فى قوله - تعالى - قبل ذلك # ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم # وتصديره بالتوكيد القسمى لإظهار كمال الاعتناء بمضمونه. والمراد ~~بالفرقان التوراة، وكذا بالضياء والذكر. والعطف كما فى قوله # إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة فى المزدحم # وقيل الفرقان هنا النصر على الأعداء.. والضياء التوراة أو الشريعة. وعن ~~الضحاك أن الفرقان فرق البحر... وخص المتقين بالذكر، لأنهم هم الذين ~~انتفعوا بما اشتمل عليه هذا الكتاب من هدايات. وقوله - تعالى - { ~~الذين يخشون ربهم بالغيب.. } صفة مدح للمتقين. أى ~~آتينا موسى وهارون الكتاب الجامع لصفات الخير ليكون هداية للمتقين، الذين ~~من صفاتهم أنهم يخافون ربهم وهو غير مرئى لهم، ويخشون عذابه فى السر ~~والعلانية { وهم من الساعة مشفقون } أى وهم من الساعة وما ~~يقع فيها من حساب دقيق خائفون وجلون وليسوا كأولئك الكافرين الجاحدين ~~الذين يستعجلون حدوثها. وخصت الساعة بالذكر مع أنها داخلة فى الإيمان ~~بالغيب، للعناية بشأنها حيث إنها من أعظم المخلوقات، وللرد على من ~~أنكرها واستعجل قيامها. واسم الإشارة فى قوله { وهذا ذكر ~~مبارك أنزلناه } للقرآن الكريم، أى وهذا القرآن الذى أنزلناه ~~على عبدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - هو ذكر وشرف لكم، وهو كذلك كثير ~~الخيرات والبركات لمن اتبع توجيهاته. والاستفهام فى قوله { أفأنتم ~~له منكرون } للتوبيخ والإنكار، والخطاب للمشركين. أى كيف تنكرون ~~كونه من عند الله مع أنكم بمقتضى فصاحتكم تدركون من بلاغته، مالا يدركه ~~غيركم، ومع أنكم تعترفون بنزول التوراة على موسى وهارون. إن إنكاركم لكون ~~القرآن من عند الله، لهو دليل واضح على جحودكم للحق بعد أن تبين لكم. قال ~~الجمل وتقديم الجار والمجرور على المتعلق، دل على التخصيص، أى أفأنتم ~~للقرآن خاصة دون كتاب اليهود تنكرون؟ فإنهم كانوا يراجعون اليهود ms3564 فيما ~~عن لهم من المشكلات. ثم تسوق السورة بعد ذلك بشىء من التفصيل قصة ~~إبراهيم - عليه السلام - مع قومه، وما دار بينه وبينهم من محاورات ~~ومحاولات فتقول { ولقد آتينآ إبراهيم... }. ### || [21.51-58] # وقصة إبراهيم - عليه السلام - مع قومه، قد وردت فى سور متعددة منها سورة ~~البقرة، والعنكبوت، والصافات. وهنا تحدثنا سورة الأنبياء عن جانب من قوة ~~إيمانه - عليه السلام - ومن سلامة حجته ومن تصميمه على تنفيذ ما يرضى ~~الله - تعالى - بالقول والعمل. والمراد بالرشد الهداية إلى الحق والبعد ~~عن ارتكاب ما نهى الله - تعالى - عنه. والمراد بقوله - تعالى - { من ~~قبل } أى من قبل أن يكون نبيا. والمعنى ولقد آتينا - بفضلنا وإحساننا ~~- إبراهيم - عليه السلام - الرشد إلى الحق، والهداية إلى الطريق ~~المستقيم، " من قبل " أى من قبل النبوة بأن جنبناه ما كان عليه قومه من ~~كفر وضلال. وقد أكتفى الإمام ابن كثير بهذا المعنى فى قوله - تعالى - { ~~من قبل } فقال يخبر - تعالى - عن خليله إبراهيم - عليه السلام -، أنه ~~آتاه رشده من قبل. أى من صغره ألهمه الحق والحجة على قومه، كما قال - ~~تعالى - # وتلك حجتنآ آتيناهآ إبراهيم على قومه.. # ومن المفسرين من يرى أن المقصود بقوله - تعالى - { من قبل } أى من ~~قبل موسى وهارون، فقد كان الحديث عنهما قبل ذلك بقليل فى قوله - تعالى - # ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضيآء وذكرا ~~للمتقين.. # فيكون المعنى ولقد آتينا إبراهيم رشده وهداه، ووفقناه للنظر والاستدلال ~~على الحق، من قبل موسى وهارون، لأنه يسبقهما فى الزمان. وقد رجح هذا ~~المعنى الإمام الآلوسى فقال " ولقد آتينا إبراهيم رشده ". أى الرشد ~~اللائق به وبأمثاله من الرسل الكبار، وهو الرشد الكامل، أعنى الاهتداء ~~إلى وجوه الصلاح فى الدين والدنيا... " من قبل " أى من قبل موسى وهارون، ~~وقيل من قبل البلوغ... والأول مروى عن ابن عباس وابن عمر، وهو الوجه ~~الأوفق لفظا ومعنى، أما لفظا فللقرب، وأما معنى فلأن ذكر الأنبياء - ~~عليهم السلام - للتأسى، وكان القياس أن يذكر نوح ثم إبراهيم ثم موسى، لكن ~~روعى فى ذلك ترشيح التسلى والتأسى، ms3565 فقد ذكر موسى، لأن حاله وما قاساه من ~~قومه.. أشبه بحال نبينا - صلى الله عليه وسلم -. ويبدو لنا أن الآية ~~الكريمة تتسع للمعنيين. أى أن الله - تعالى - قد أعطى إبراهيم رشده، من ~~قبل النبوة، ومن قبل موسى وهارون لسبقه لهما فى الزمان. وقوله { وكنا ~~به عالمين } بيان لكمال علم الله - تعالى - أى وكنا به وبأحواله ~~وبسائر شئونه عالمين، بحيث لا يخفى علينا شىء من أحواله أو من أحوال ~~غيره. وقوله { إذ قال لأبيه وقومه ما هذه ~~التماثيل التي أنتم لها عاكفون } بيان لما جابه به ~~إبراهيم أباه وقومه من قول سديد يدل على شجاعته ورشده. # أى وكنا به عالمين. وقت أن قال لأبيه وقومه على سبيل الإرشاد والتنبيه ~~ما هذه التماثيل الباطلة التى أقبلتم عليها، وصرتم ملازمين لعبادتها بدون ~~انقطاع. وسؤاله - عليه السلام - لهم بما التى هى لبيان الحقيقة، من باب ~~تجاهل العارف، لأنه يعلم أن هذه الأصنام مصنوعة من الأحجار أو ما يشبهها، ~~وإنما أراد بسؤاله تنبيههم إلى فساد فعلهم. حيث عبدوا ما يصنعونه ~~بأيديهم. وعبر عن الأصنام بالتماثيل، زيادة فى التحقير من أمرها، ~~والتوهين من شأنها، فإن التماثيل هو الشىء المصنوع من الاحجار أو الحديد ~~أو نحو ذلك، على هيئة مخلوق من مخلوقات الله - تعالى - كالإنسان ~~والحيوان، يقال مثلت الشىء بالشىء إذا شبهته به. فهو - عليه السلام - ~~سماها باسمها الحقيقى الذى تستحقه، دون أن يجاريهم فى تسميتها آلهة. ~~وقوله { عاكفون } من العكوف بمعنى المداومة والملازمة. يقال عكف فلان ~~على الشىء إذا لازمه وواظب عليه، ومنه الاعتكاف لأنه حبس النفس عن ~~التصرفات العادية. وفى التعبير عن عبادتهم لها بالعكوف عليها، تفظيع ~~لفعلهم وتنفير لهم منه، حيث انكبوا على تعظيم من لا يستحق التعظيم، ~~وتعلقوا بعبادة تماثيل هم صنعوها بأيديهم. وقوله - سبحانه - { قالوا ~~وجدنآ آبآءنا لها عابدين } حكاية لما قالوه فى ردهم على ~~إبراهيم - عليه السلام - وهو رد يدل على تحجر عقولهم، وانطماس بصائرهم ~~حيث قلدوا فعل آبائهم بدون تدبر أو تفكر. أى قالوا فى جوابهم على إبراهيم ~~- عليه السلام ms3566 - وجدنا آباءنا يعبدون هذه التماثيل فسرنا على طريقتهم. ~~وهنا يرد عليهم إبراهيم بقوله { لقد كنتم أنتم وآبآؤكم في ~~ضلال مبين }. أى لقد كنتم أنتم وآباؤكم الذين وجدتموهم يعبدون هذه ~~الأصنام، فى ضلال عجيب لا يقادر قدره، وفى فساد ظاهر واضح لا يخفى أمره ~~على عاقل، لأن كل عاقل يعلم أن هذه الأصنام لا تستحق العبادة أو التقديس ~~أو العكوف عليها، والباطل لا يصير حقا بفعل الآباء له. وعندما واجههم ~~إبراهيم - عليه السلام - بهذا الحكم البين الصريح، قالوا له { ~~أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين }. أى أجئتنا يا ~~إبراهيم بالحق الذى يجب علينا اتباعه، أم أنت من اللاعبين اللاهين الذين ~~يقولون ما يقولون بقصد الهزل والملاعبة. وسؤالهم هذا يدل على تزعزع ~~عقيدتهم. وشكهم فيما هم عليه من باطل، إلا أن التقليد لآبائهم. جعلهم ~~يعطلون عقولهم " ويستحبون العمى على الهدى ". ويجوز أن يكون سؤالهم هذا ~~من باب الإنكار عليه. واستبعاد أن يكون آباؤهم على باطل، وإلى هذا ~~المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله " بقوا متعجبين من تضليله إياهم، وحسبوا ~~أن ما قاله، إنما قاله على وجه المزاح والمداعبة، لا على طريق الجد، ~~فقالوا له هذا الذى جئتنا به، أهو جد وحق أم لعب وهزل. # وقد رد عليهم إبراهيم - عليه السلام - ردا حاسما يدل على قوة يقينه فقال ~~{ قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي ~~فطرهن.. }. أى قال لهم إبراهيم بلغة الواثق بأنه على الحق أنا لست ~~هازلا فيما أقوله لكم، وإنما أنا جاد كل الجد فى إخباركم أن الله - تعالى ~~- وحده هو ربكم ورب آبائكم، ورب السماوات والأرض، فهو الذى خلقهن وأنشأهن ~~بما فيهن من مخلوقات بقدرته التى لا يعجزها شىء. وقوله { وأنا على ~~ذلكم من الشاهدين } تذييل المقصود به تأكيد ما أخبرهم به، ~~وما دعاهم إليه. أى وأنا على أن الله - تعالى - هو ربكم ورب كل شىء من ~~الشاهدين، الذين يثقون فى صدق ما يقولون ثقة الشاهد على شىء لا يشك فى ~~صحته. ثم أضاف إلى هذا التأكيد القولى، تأكيدا آخر فعليا، ms3567 فقال لهم { ~~وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا ~~مدبرين }. أى وحق الله الذى فطركم وفطر كل شىء، لأجتهدن فى تحطيم ~~أصنامكم، بعد أن تنصرفوا بعيدا عنها. وتولوها أدباركم. وأصل الكيد ~~الاحتيال فى إيجاد ما يضر مع إظهار خلافه. وقد عبر به إبراهيم عن تكسير ~~الأصنام وتحطيمها، لأن ذلك يحتاج إلى احتيال وحسن تدبير. وقد نفذ إبراهيم ~~ما توعد به الأصنام، فقد انتهز فرصة ذهاب قومه بعيدا عنها فحطمها، قال ~~تعالى - { فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم ~~إليه يرجعون }. والفاء فى قوله " فجعلهم " فصيحة. والجذاذ القطع ~~الصغيرة جمع جذاذ من الجذ بمعنى القطع والكسر. أى فولوا مدبرين عن ~~الأصنام فجعلها بفأسه قطعا صغيرة، بأن حطمها عن آخرها - سوى الصنم الأكبر ~~لم يحطمه بل تركه من غير تكسير. لعلهم إليه يرجعون فيسألونه كيف وقعت هذه ~~الواقعة وهو حاضر، ولم يستطع الدفاع عن إخوته الصغار؟!!. ولعل إبراهيم - ~~عليه السلام - قد فعل ذلك ليقيم لهم أوضح الأدلة على أن هذه الأصنام لا ~~تصلح أن تكون آلهة، لأنها لم تستطع الدفاع عن نفسها، وليحملهم على ~~التفكير فى أن الذى يجب أن يكون معبودا، إنما هو الله الخالق لكل شىء، ~~والقادر على كل شىء. قال الآلوسى ما ملخصه وقوله { لعلهم إليه ~~يرجعون } لبيان وجه الكسر واستبقاء الكبير، وضمير " إليه " عائد إلى ~~إبراهيم، أى لعلهم يرجعون إلى إبراهيم، فيحاجهم ويبكتهم. وعن الكلبى أن ~~الضمير للكبير، أى لعلهم يرجعون إلى الكبير، كما يرجع إلى العالم فى حل ~~المشكلات فيقولون له ما لهؤلاء مكسورة، وما لك صحيحا، والفأس فى عنقك أو ~~فى يدك؟ وحينئذ يتبين لهم أنه عاجز لا ينفع ولا يضر، ويظهر أنهم فى ~~عبادته على جهل عظيم... وعاد القوم إلى أصنامهم بعد تركهم إياها لفترة من ~~الوقت، فوجدوها قد تحطمت إلا ذلك الكبير، فأصابهم ما أصابهم من الذهول ~~والعجب، ويصور القرآن الكريم ذلك فيقول { قالوا من فعل... }. ### || [21.59-65] # أى وحين رجع القوم من عيدهم ورأوا ما حل بأصنامهم " قالوا " على سبيل ~~التفجع والإنكار " من فعل هذا " الفعل ms3568 الشنيع " بآلهتنا " التى نعظمها " ~~إنه " أى هذا الفاعل " لمن الظالمين " لهذه الآلهة. لإقدامه على إهانتها ~~وهى الجديرة بالتعظيم - فى زعمهم -، ولمن الظالمين لنفسه حيث سيعرضها ~~للعقوبة منا. { قالوا } أى بعضهم وهم الذين سمعوا من إبراهيم قوله # وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا ~~مدبرين # { سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم } والمراد ~~بالذكر هنا الذكر بالسوء والذم. أى سمعنا فتى يذكرهم بالنقص والذم ~~والتهديد بالكيد، وهذا الفتى يقال له إبراهيم، ولعله هو الذى فعل بهم ما ~~فعل. وهنا تشاوروا فيما بينهم وقالوا. إذا كان الأمر كذلك { فأتوا ~~به } وأحضروه { على أعين الناس } أى أمام أعينهم ليتمكنوا من ~~رؤيته على أتم وجه { لعلهم يشهدون } مساءلتنا له. ومواجهتنا ~~إياه بالعقوبة التى يستحقها على فعله هذا، أو يشهدون عليه بأنه هو الذى ~~حطم الأصنام. قال ابن كثير وكان هذا هو المقصود الأكبر لإبراهيم، أن ~~يتبين فى هذا المحفل العظيم، كثرة جهلهم، وقلة عقلهم، فى عبادة هذه ~~الأصنام، التى لا تدفع عن نفسها ضرا، ولا تملك لها نصرا.. ". وجاءوا ~~بإبراهيم - عليه السلام - وقالوا له على سبيل الاستنكار والتهديد " أأنت ~~فعلت هذا " التكسير والتحطيم " بآلهتنا " التى نعبدها " يا إبراهيم "؟ ~~وهنا يرد عليهم إبراهيم - عليه السلام - بتهكم ظاهر، واستهزاء واضح فيقول ~~{ بل فعله كبيرهم هذا } يعنى الذى تركه بدون تحطيم، فإن ~~كنتم لم تصدقوا قولى { فاسألوهم } عمن فعل بهم ذلك { إن كانوا ~~ينطقون } أى إن كانوا ممن يتمكن من النطق أجابوكم وأخبروكم عمن فعل ~~بهم ما فعل. فأنت ترى أن إبراهيم - عليه السلام - لم يقصد بقوله هذا ~~الإخبار بأن كبير الأصنام هو الذى حطمها، أو سؤالهم للأصنام عمن حطمها، ~~وإنما الذى يقصده هو الاستهزاء بهم، والسخرية بأفكارهم، فكأنه يقول لهم ~~إن هذه التماثيل التى تعبدونها من دون الله. لا تدرى إن كنت أنا الذى ~~حطمتها أم هذا الصنم الكبير، وأنتم تعرفون أنى قد بقيت قريبا منها بعد أن ~~وليتم عنها مدبرين، وإذا كان الأمر كذلك فانظروا من الذى حطمها إن كانت ~~لكم عقول تعقل؟ قال صاحب الكشاف هذا ms3569 - أى قول إبراهيم لهم بل فعله كبيرهم ~~هذا - من معاريض الكلام، ولطائف هذا النوع لا يتغلغل فيها إلا أذهان ~~الخاصة من علماء المعانى. والقول فيه أن قصد إبراهيم - عليه السلام - لم ~~يكن إلى أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى الصنم، وإنما قصد تقريره لنفسه، ~~وإثباته لها على أسلوب تعريضى، يبلغ فيه غرضه من إلزامهم الحجة وتبكيتهم. # وهذا كما لو قال لك صاحبك، وقد كتبت كتابا بخط رشيق - وأنت شهير بحسن ~~الخط - أأنت كتبت هذا؟ وصاحبك أمى لا يحسن الخط، ولا يقدر إلى على خربشة ~~فاسدة - أى كتابة رديئة - فقلت له بل كتبته أنت، كان قصدك بهذا الجواب، ~~تقرير أن هذه الكتابة لك. مع الاستهزاء به... وهذا التفسير للآية الكريمة ~~من أن إبراهيم - عليه السلام - قد قال لقومه ما قال على سبيل الاستهزاء ~~بهم، هو الذى تطمئن إليه قلوبنا، وقد تركنا أقوالا أخرى للمفسرين فى معنى ~~الآية، نظرا لضعف هذه الأقوال بالنسبة لهذا القول. وقوله - سبحانه - { ~~فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم ~~الظالمون } بيان للأثر الذى أحدثه رد إبراهيم - عليه السلام-. أى ~~أنهم بعد أن قال لهم إبراهيم { بل فعله كبيرهم هذا ~~فاسألوهم إن كانوا ينطقون } ، أخذوا فى التفكر والتدبر، ~~فرجعوا إلى أنفسهم باللوم، وقال بعضهم لبعض إنكم أنتم الظالمون، حيث ~~عبدتم مالا يستطيع الدفاع عن نفسه أو حيث تركتم آلهتكم بدون حراسة. ولكن ~~هذا الأثر، وهذا اللوم لأنفسهم، لم يلبث إلا قليلا حتى تبدد، بسبب ~~استيلاء العناد والجحود عليهم، فقد صور القرآن حالهم بعد ذلك فقال { ~~ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ~~ينطقون }. وقوله { نكسوا } فعل مبنى للمجهول من النكس، وهو قلب ~~الشىء من حال إلى حال، وأصله قلب الشىء بحيث يصير أعلاه أسفله. أى ثم ~~انقلبوا من لومهم لأنفسهم لعبادتهم لما لا يقدر على دفع الأذى عنه، إلى ~~التصميم على كفرهم وضلالهم، فقالوا لإبراهيم على سبيل التهديد لقد علمت ~~أن هذه الأصنام لا تنطق، فكيف تأمرنا بسؤالها؟ إن أمرك هذا لنا لهو دليل ~~على أنك تسخر بعقولنا، ms3570 ونحن لن نقبل ذلك، وسننزل بك العقاب الذى تستحقه. ~~وقد شبه القرآن الكريم عودتهم إلى باطلهم وعنادهم، بعد رجوعهم إلى أنفسهم ~~باللوم، شبه ذلك بالانتكاس، لأنهم بمجرد أى خطرت لهم الفكرة السليمة، ~~أطفأوها بالتصميم على الكفر والضلال، فكان مثلهم كمثل من انتكس على رأسه ~~بعد أن كان ماشيا على قدميه، فياله من تصوير بديع لحالة من يعود إلى ~~الظلام، بعد أن يتبين له النور. والجملة الكريمة { لقد علمت ما ~~هؤلاء ينطقون } جواب لقسم محذوف، معمول لقول محذوف، والتقدير ~~ثم نكسوا على رءوسهم قائلين والله لقد علمت ما هؤلاء ينطقون. ولم يملك ~~إبراهيم إزاء انتكاسهم على رءوسهم، إلا أن يوبخهم بعنف وضيق، - وهو ~~الحليم الأواه المنيب - وقد قابلوا تأنيبه لهم بتوعده بالعذاب الشديد، ~~ولكن الله - تعالى - نجاه من مكرهم، قال - تعالى - { قال ~~أفتعبدون... }. ### || [21.66-73] # أى قال إبراهيم لقومه بعد أن ضاق بهم ذرعا أتتركون عبادة الله الذى ~~خلقكم، وتعبدون غيره أصناما لا تنفعكم بشىء من النفع، ولا تضركم بشىء من ~~الضر، ثم يضيف إلى هذا التبكيت لهم، الضجر منهم، فيقول { أف لكم ~~ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون }. و " أف " ~~اسم فعل مضارع بمعنى أتضجر. وأصله صوت المتضجر من استقذار الشىء. واللام ~~فى قوله { لكم } لبيان المتضجر لأجله. أى سحقا وقبحا لكم، ولما ~~تعبدونه من أصنام متجاوزين بها عبادة الله - تعالى - عن جهل وسخف وطغيان. ~~{ أفلا تعقلون } ما أنتم فيه من ضلال واضح، فترجعون عنه إلى ~~عبادة الواحد القهار. وعندما وصل إبراهيم فى توبيخهم وتبكيتهم إلى هذا ~~الحد أخذتهم العزة بالإثم، شأنهم فى ذلك شأن كل طاغية جهول، يلجأ إلى ~~القوة الغاشمة بعد أن تبطل حجته، فقالوا فيما بينهم { حرقوه ~~وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين }. أى قال بعضهم لبعض ~~بعد أن عجزوا عن مقارعة الحجة بالحجة، وبعد أن رأوا إبراهيم قد أفحمهم ~~بمنطقة الحكيم { حرقوه } أى بالنار، فإنها أشد العقوبات. قيل إن ~~الذى اقترح عليهم ذلك هو رئيسهم نمروذ بن كنعان. وقيل هو رجل من الفرس ~~اسمه هينون. وقوله { وانصروا ms3571 آلهتكم.. } بيان لسبب تحريقه ~~بالنار. أى حرقوه بالنار من أجل الانتصار لآلهتكم التى حطمها فى غيبتكم { ~~إن كنتم فاعلين }. أى إن كنتم بحق تريدون أن تنصروا آلهتكم نصرا ~~يرضيها، فاحرقوه بالنار. قال صاحب الكشاف أجمعوا رأيهم - لما غلبوا - ~~بإهلاكه، وهكذا المبطل إذا قرعت شبهته بالحجة وافتضح. لم يكن أحد أبغض ~~إليه من المحق ولم يبق له مفزع إلا مناصبته العداء، كما فعلت قريش برسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - حين عجزوا عن المعارضة. والذى أشار بإحراقه ~~نمروذ، وعن ابن عمر رجل من أعراب العجم. واختاروا المعاقبة بالنار لأنها ~~أهول ما يعاقب به وأفظعه، ولذلك جاء " لا يعذب بالنار إلا خالقها ". ~~وقوله تعالى { قلنا ينار كوني بردا وسلما على ~~إبراهيم.. } مسبوق بكلام محذوف يفهم من سياق القصة. والتقدير وأحضر ~~قوم إبراهيم الحطب، وأضرموا نيرانا عظيمة، وألقوا بإبراهيم فيها، فلما ~~فعلوا ذلك، قلنا يا نار كونى - بقدرتنا وأمرنا - ذات برد، وذات سلام على ~~إبراهيم، فكانت كما أمرها الله - تعالى -، وصدق - سبحانه - إذ يقول # بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما ~~يقول له كن فيكون # وتحولت النار إلى برد وسلام على إبراهيم، وأراد الكافرون به كيدا، أى ~~إحراقا بالنار " فجعلناهم " بإرادتنا وقدرتنا " الأخسرين " حيث لم يصلوا ~~إلى ما يريدون، ولم يحققوا النصر لآلهتهم، بل رد الله - تعالى - كيدهم فى ~~نحورهم. # وقال - سبحانه - { فجعلناهم الأخسرين } بالإطلاق لتشمل ~~خسارتهم كل خسارة سواء أكانت دنيوية أم أخروية. وقد ذكر المفسرون عند ~~تفسيرهم لهذه الآيات آثارا منها أن إبراهيم - عليه السلام - حين جىء به ~~إلى النار، قالت الملائكة يا ربنا ما فى الأرض أحد يعبدك سوى إبراهيم، ~~وأنه الآن يحرق فأذن لنا فى نصرته!! فقال - سبحانه - إن استغاث بأحد منكم ~~فلينصره، وإن لم يدع غيرى فأنا أعلم به، وأنا وليه، فخلوا بينى وبينه، ~~فهو خليلى ليس لى خليل غيره. فأتى جبريل - عليه السلام - إلى إبراهيم، ~~فقال له ألك حاجة؟ فقال إبراهيم أما إليك فلا، وأما إلى الله فنعم!! فقال ~~له جبريل فلم لا تسأله؟ فقال إبراهيم - عليه ms3572 السلام - حسبى من سؤالى علمه ~~بحالى.. ثم بين - سبحانه - نعما أخرى أنعم بها على إبراهيم فقال { ~~ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها ~~للعالمين }. والضمير فى قوله { ونجيناه } يعود إلى إبراهيم. ~~و " لوطا " هو ابن أخيه، وقيل ابن عمه. والمراد بالأرض التى باركنا فيها ~~أرض الشام على الصحيح وعدى { نجيناه } بإلى، لتضمينه معنى ~~أخرجناه. أى وأخرجناه ولوطا إلى الأرض التى باركنا فيها، بأن جعلناها ~~مهبطا للوحى، ومبعثا للرسل لمدة طويلة، وبأن جعلناها كذلك عامرة بالخيرات ~~وبالأموال وبالثمرات للأجيال المتعاقبة. والآية الكريمة تشير إلى هجرة ~~إبراهيم ومعه لوط - عليهما السلام - من أرض العراق التى كانا يقيمان ~~فيها، إلى أرض الشام، فرارا بدينهما، بعد أن أراد قوم إبراهيم أن يحرقوه ~~بالنار، فأبطل الله - تعالى - كيدهم ومكرهم، ونجاه من شرهم. وقد أشار - ~~سبحانه - إلى ذلك فى آيات أخرى منها قوله - تعالى - # فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه ~~هو العزيز الحكيم... # وقوله - تعالى - { ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة... ~~} بيان لنعمة أخرى من النعم التى أنعم الله - سبحانه - بها على إبراهيم. ~~والنافلة الزيادة على الأصل. ولذا سميت صلاة السنن نافلة، لأنها زيادة ~~على الصلوات المفروضة. وإسحاق هو ابن إبراهيم. ويعقوب هو ابن إسحاق. فلفظ ~~" نافلة " حال من يعقوب أى ووهبنا لإبراهيم يعقوب حال كونه زيادة على ~~إسحاق. { وكلا } من المذكورين وهم إبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب. { ~~جعلنا صالحين } أى جعلناهم أفرادا صالحين، لأن وفقناهم لما نحبه ~~ونرضاه، وشرفناهم بالنبوة والرسالة. { وجعلناهم أئمة ~~يهدون بأمرنا } أى وجعلنا هؤلاء المذكورين، أئمة فى الخير، ~~يهدون ويرشدون غيرهم إلى الدين الحق بسبب أمرنا لهم بذلك، وتكليفهم ~~بتبليغ وحينا إلى الناس. قال صاحب الكشاف قوله - سبحانه - { يهدون ~~بأمرنا } فيه أن من صلح ليكون قدوة فى دين الله، فالهداية محتومة ~~عليه، مأمور بها من جهة الله ليس له أن يخل بها، ويتثاقل عنها، وأول ذلك ~~أن يهتدى بنفسه، لأن الانتفاع بهداه أعم، والنفوس إلى الاقتداء بالمهدى ~~أميل ". # وقوله { وأوحينآ إليهم فعل الخيرات } أى وأوحينا ~~إليهم أن يفعلوا الطاعات، وأن ms3573 يأمروا الناس بفعلها، وأوحينا إليهم كذلك { ~~وإقام الصلاة وإيتآء الزكاة } أى أن يقيموا الصلاة وأن ~~يؤدوا الزكاة وأن يأمروا غيرهم بذلك. وعطف إقام الصلاة وإيتاء الزكاة على ~~فعل الخيرات من باب عطف الخاص على العام. للاهتمام به إذ الصلاة أفضل ~~العبادات البدنية والزكاة أفضل العبادات المالية { وكانوا لنا ~~عابدين } لا لغيرنا، فهم لم يخطر ببالهم عبادة أحد سوانا، لأنهم من ~~المصطفين الأخيار. هذا، والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة التى وردت فى قصة ~~إبراهيم مع قومه. يراها قد حكت لنا غيرة إبراهيم - عليه السلام - على دين ~~الله - تعالى - وقوة حجته فى الدفاع عن الحق، ومجاهدته بما يعتقده بدون ~~خوف من قومه، وجمعه فى دعوته بين القول والعمل. كما يراها قد بينت لنا أن ~~من يدافع عن دين الله - تعالى - يدافع الله - سبحانه - عنه، وينصره على ~~أعدائه، ويرد كيدهم فى نحورهم. كما يراها - أيضا - قد أشارت إلى أن من ~~هاجر من أرض إلى أخرى من أجل إعلاء كلمة الله - تعالى - رزقه الله نظير ~~ذلك الخير والبركة، والذرية الصالحة التى تهدى غيرها إلى الطريق ~~المستقيم. ثم ساق - سبحانه - جانبا من قصة لوط - عليه السلام - مع قومه ~~فقال - تعالى - { ولوطا آتيناه... }. ### || [21.74-75] # قوله - تعالى - { ولوطا } منصوب بفعل مضمر يفسره المذكور بعده وهو { ~~آتيناه }. أى وآتينا لوطا - عليه السلام - { حكما } أى نبوة، أو ~~حكمة تهديه إلى ما يجب فعله أو تركه و " علما " أى علما كثيرا لما ينبغى ~~علمه وفهمه. { ونجيناه من القرية التي كانت تعمل ~~الخبائث } والمراد بالقرية قرية سدوم التى أرسل الله - تعالى - لوطا ~~لأهلها. والأعمال الخبيثة التى كانوا يعملونها على رأسها الإشراك بالله ~~- تعالى - وفاحشة اللواط التى اشتهروا بها دون أن يسبقهم إليها أحد. كما ~~قال - تعالى - # ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما ~~سبقكم بها من أحد من العالمين أئنكم ~~لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ~~ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن ~~قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين.. # أى ونجينا لوطا بفضلنا ورحمتنا من العذاب الذى ms3574 حل بأهل قريته الذين ~~كانوا يعملون الأعمال الخبائث، كالشرك بالله - تعالى - واللواط، وقطعهم ~~الطريق، وارتكابهم المنكر فى مجالسهم. وقوله - تعالى - { إنهم ~~كانوا قوم سوء فاسقين } تعليل لنجاة لوط - عليه السلام - ~~مما حل بهم. أى جعلنا هذه القرية عاليها سافلها، ونجينا لوطا ومن آمن معه ~~من العذاب الذى حل بسكانها { إنهم كانوا قوم سوء } أى ~~أصحاب عمل سىء { فاسقين } أى خارجين عن طاعتنا. { وأدخلناه } ~~أى لوطا { في رحمتنآ } أى فى أهل رحمتنا فى الدنيا والآخرة { ~~إنه من الصالحين } الذين سبقت لهم منا الحسنى. ثم ذكرت السورة ~~الكريمة جانبا من قصة نوح مع قومه. قال - تعالى - { ونوحا إذ... }. ### || [21.76-77] # أى واذكر - أيضا - أيها المخاطب عبدنا " نوحا " - عليه السلام - { إذ ~~نادى من قبل } أى حين نادانا واستجار بنا من قبل زمان إبراهيم ومن ~~جاء بعده من الأنبياء. وهذا النداء الذى نادى به نوح ربه، قد جاء ذكره فى ~~آيات منها قوله - تعالى - # ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون ونجيناه ~~وأهله من الكرب العظيم # وقوله - سبحانه - # وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ~~ديارا # { فاستجبنا له } أى أجبنا له دعاءه، ولم نخيب له رجاء فينا. { ~~فنجيناه وأهله } الذين آمنوا به وصدقوه { من الكرب ~~العظيم } أى من الطوفان العظيم الذى أغرق الكافرين، والذى كانت ~~أمواجه كالجبال. وأصل الكرب الغم الشديد. يقال فلان كربه هذا الأمر، إذا ~~ضايقه وجعله فى أقصى درجات الهم والخوف. قال الآلوسى " وكأنه على ما قيل ~~من كرب الأرض، وهو قلبها بالحفر. إذ الغم يثير النفس إثارة ذلك، أو من ~~كربت الشمس إذا دنت للمغيب، فإن الغم الشديد، تكاد شمس الروح تغرب منه.. ~~وفى وصفه بالعظيم تأكيد لشدته ". { ونصرناه } بفضلنا وإحساننا { ~~من القوم الذين كذبوا بآياتنا } الدالة على وحدانيتنا ~~وقدرتنا. وعلى أن نوحا رسولا من رسلنا. والمراد بهؤلاء القوم قومه الذين ~~لبث نوح فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما. يدعوهم إلى إخلاص العبادة لله. فلم ~~يؤمن به إلا قليل منهم. { إنهم كانوا قوم سوء } أى إنهم ~~كانوا قوما يعملون أعمال السوء ms3575 والقبح { فأغرقناهم أجمعين } ~~بسبب إصرارهم على الكفر والعصيان، ولم ننج منهم إلا من اتبع نوحا عليه ~~السلام. ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانبا من قصة نبيين كريمين هما داود ~~وسليمان فقال - تعالى - { وداوود وسليمان... }. ### || [21.78-82] # وقوله - سبحانه - { وداوود } منصوب - أيضا - بفعل مقدر، أو معطوف ~~على قوله - سبحانه - قبل ذلك { ونوحا إذ نادى }. وسليمان هو ابن ~~داود، وكلاهما من أنبياء الله - سبحانه -، وينتهى نسبهما إلى يعقوب - ~~عليه السلام - وكانت وفاتهما قبل ميلاد المسيح - عليه السلام - بألف سنة ~~تقريبا، وقد جمع الله - تعالى - لهما بين الملك والنبوة. والحرث الزرع. ~~قيل كان كرما - أى عنبا - تدلت عناقيده. وقوله { نفشت } من النفش ~~وهو الرعى بالليل خاصة. يقال نفشت الغنم والإبل، إذا رعت ليلا بدون راع. ~~وقد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات روايات ملخصها أن رجلين دخلا ~~على داود - عليه السلام - أحدهما صاحب زرع، والآخر صاحب غنم، فقال صاحب ~~الزرع لداود يا نبى الله، إن غنم هذا قد نفشت فى حرثى فلم تبق منه شيئا، ~~فحكم داود - عليه السلام - لصاحب الزرع أن يأخذ غنم خصمه فى مقابل ~~إتلافها لزرعه. وعند خروجهما التقيا بسليمان - عليه السلام - فأخبراه ~~بحكم أبيه. فدخل سليمان على أبيه فقال له يا نبى الله، إن القضاء غير ما ~~قضيت، فقال له كيف؟ قال ادفع الغنم إلى صاحب الزرع لينتفع بها، وادفع ~~الزرع إلى صاحب الغنم ليقوم عليها حتى يعود كما كان. ثم يعيد كل منهما ~~إلى صاحبه ما تحت يده، فيأخذ صاحب الزرع زرعه، وصاحب الغنم غنمه.. فقال ~~داود - عليه السلام - القضاء ما قضيت يا سليمان. والمعنى اذكر - أيها ~~الرسول الكريم - قصة داود وسليمان، وقت أن كانا يحكمان فى الزرع الذى { ~~نفشت فيه غنم القوم } أى تفرقت فيه وانتشرت ليلا دون أن يكون معها راع ~~فرعته وأفسدته. قال القرطبى " ولم يرد - سبحانه - بقوله { إذ ~~يحكمان في الحرث } الاجتماع فى الحكم وإن جمعهما فى القول، فإن ~~حكمين على حكم واحد لا يجوز وإنما حكم كل واحد منهما على انفراده، وكان ~~سليمان الفاهم ms3576 لها بتفهيم الله - تعالى - له. وقوله - تعالى - { وكنا ~~لحكمهم شاهدين } جملة معترضة جىء بها لبيان شمول علم الله - ~~تعالى - وإحاطته بكل شىء. أى وكنا لما حكم به كل واحد منهما عالمين ~~وحاضرين، بحيث لا يغيب عنا شىء مما قالاه. وضمير الجمع فى قوله { ~~لحكمهم } لداود وسليمان، واستدل بذلك من قال إن أقل الجمع اثنان، ~~وقيل ضمير الجمع يعود عليهما وعلى صاحب الزرع وصاحب الحرث أى وكنا للحكم ~~الواقع بين الجميع شاهدين. والضمير المنصوب فى قوله - تعالى - { ~~ففهمناها سليمان } يعود إلى القضية أو المسألة التى عرضها ~~الخصمان على داود وسليمان. # أى ففهمنا سليمان الحكم الأنسب والأوفق فى هذه المسألة أو القضية، وذلك ~~لأن داود - كما يقول العلماء. قد اتجه فى حكمه إلى مجرد التعويض لصاحب ~~الحرث. وهذا عدل فحسب. أما حكم سليمان فقد تضمن مع العدل البناء ~~والتعمير، وجعل العدل دافعا إلى البناء والتعمير، وهذا هو العدل الحى ~~الإيجابى فى صورته البانية الدافعة، وهو فتح من الله وإلهام يهبه من ~~يشاء ". وقوله - سبحانه - { وكلا آتينا حكما وعلما } ثناء ~~من الله - تعالى - على داود وسليمان - عليهما السلام - والمقصود من هذا ~~الثناء دفع ما قد يتبادر إلى بعض الأذهان من أن داود لم يكن مصيبا فى ~~حكمه. أى وكلا من داود وسليمان قد أعطيناه من عندنا { حكما } أى نبوة ~~وإصابة فى القول والعمل { وعلما } أى فقها فى الدين، وفهما سليما ~~للأمور. وقد توسع بعض المفسرين فى الحديث عن هذا الحكم الذى أصدره داود ~~وسليمان فى قضية الحرث أكان بوحى من الله إليهما، أم كان باجتهاد منهما، ~~وقد رجح بعض العلماء أنه كان باجتهاد منهما فقال اعلم أن جماعة من ~~العلماء قالوا إن حكم داود وسليمان فى الحرث المذكور فى هذه الآية كان ~~بوحى، إلا أن ما أوحى إلى سليمان كان ناسخا لما أوحى إلى داود. وفى الآية ~~قرينتان على أن حكمهما كان باجتهاد لا بوحى، وأن سليمان أصاب فاستحق ~~الثناء باجتهاده وإصابته، وأن داود لم يصب فاستحق الثناء باجتهاده، ولم ~~يستوجب لوما ولا ms3577 ذما لعدم إصابته. كما أثنى - سبحانه - على سليمان ~~بالإصابة فى قوله { ففهمناها سليمان } وأثنى عليهما فى قوله ~~{ وكلا آتينا حكما وعلما }. فدل قوله { إذ يحكمان } ~~على أنهما حكما فيها معا، كل منهما بحكم مخالف لحكم الآخر، ولو كان وحيا ~~لما ساغ الخلاف. ثم قال { ففهمناها سليمان } فدل ذلك على أنه ~~لم يفهمها داود، ولو كان حكمه فيها بوحى لكان مفهما إياها كما ترى. فقوله ~~{ إذ يحكمان } مع قوله { ففهمناها سليمان } قرينة على ~~أن الحكم لم يكن بوحى بل باجتهاد، وأصاب فيه سليمان دون داود بتفهيم الله ~~إياه ذلك. والقرينة الثانية هى أن قوله - تعالى - { ففهمناها } ~~يدل على أنه فهمه إياها من نصوص ما كان عندهم من الشرع، لا أنه - تعالى - ~~أنزل عليه فيها وحيا جديدا ناسخا، لأن قوله - تعالى - { ~~ففهمناها } أليق بالأول من الثانى كما ترى... ثم بين - سبحانه - ~~نماذج من النعم التى أنعم بها على داود - عليه السلام - فقال { ~~وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير وكنا ~~فاعلين }. والتسخير التذليل أى وجعلنا الجبال والطير يسبحن الله - ~~تعالى - ويقدسنه مع داود، امتثالا لأمره - سبحانه -. # قال ابن كثير وذلك لطيب صوته، بتلاوة كتابه الزبور، وكان إذا ترنم به ~~تقف الطير فى الهواء فتجاوبه، وترد عليه الجبال تأويبا. ولهذا لما مر ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - على أبى موسى الأشعرى، وهو يتلو القرآن من ~~الليل، وكان له صوت طيب، فوقف واستمع إليه وقال # " لقد أوتى هذا من مزامير آل داود ". # وقال صاحب الكشاف " فإن قلت لم قدمت الجبال على الطير؟ قلت لأن تسخيرها ~~وتسبيحها أعجب، وأدل على القدرة، وأدخل فى الإعجاز، لأنها جماد، والطير ~~حيوان، إلا أنه غير ناطق، روى أنه كان يمر بالجبال مسبحا وهى تجاوبه، ~~وقيل كانت تسير معه حيث سار... وتسبيح الجبال والطير مع داود - عليه ~~السلام - هو تسبيح حقيقى، ولكن بكيفية يعلمها الله - تعالى - كما قال - ~~سبحانه - # تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن ~~وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم... # وشبيه بالآية التى معنا قوله ms3578 - تعالى - # ولقد آتينا داوود منا فضلا يجبال أوبي معه ~~والطير وألنا له الحديد # وقوله - سبحانه - # اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داوود ذا ~~الأيد إنه أواب إنا سخرنا الجبال معه ~~يسبحن بالعشي والإشراق والطير محشورة كل ~~له أواب # ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { وكنا فاعلين } أى وكنا ~~فاعلين ذلك لداود من تسخير الجبال والطير معه يسبحن الله وينزهنه عن كل ~~سوء، على سبيل التكريم له. والتأييد لنبوته، إذ أن قدرتنا لا يعجزها شىء، ~~سواء أكان هذا الشىء مألوفا للناس أم غير مألوف. وقوله - تعالى { ~~وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم ~~فهل أنتم شاكرون } بيان لنعمة أخرى من النعم التى أنعم الله ~~بها على داود. واللبوس كل ما يلبس كاللباس والملبس والمراد به هنا ~~الدروع. أى وبجانب ما منحنا داود من فضائل، فقد علمناه من لدنا صناعة ~~الدروع بحذق وإتقان، وهذه الصناعة التى علمناه إياها بمهارة وجودة { ~~لتحصنكم من بأسكم }. أى لتجعلكم فى حرز ومأمن من الإصابة ~~بآلة الحرب. وتقى بعضكم من بأس بعض، لأن الدرع تقى صاحبها من ضربات ~~السيوف، وطعنات الرماح. يقال أحصن فلان فلانا، إذا جعله فى حرز وفى مكان ~~منيع من العدوان عليه. والاستفهام فى قوله { فهل أنتم شاكرون } ~~للحض والأمر أى فاشكروا الله - تعالى - على هذه النعم، بأن تستعملوها فى ~~طاعته - سبحانه -. قال القرطبى - رحمه الله - " وهذه الآية أصل فى اتخاذ ~~الصنائع والأسباب، وهو قول أهل العقول والألباب. لا قول الجهلة الأغبياء ~~القائلين بأن ذلك إنما شرع للضعفاء، فالسبب سنة الله فى خلقه، فمن طعن فى ~~ذلك فقط طعن فى الكتاب والسنة، وقد أخبر الله - تعالى - عن نبيه داود أنه ~~كان يصنع الدروع، وكان - أيضا - يصنع الخوص، وكان يأكل من عمل يده، وكان ~~آدم حراثا، ونوح نجارا، ولقمان خياطا، وطالوت دباغا، فالصنعة يكف بها ~~الإنسان نفسه عن الناس، ويدفع بها عن نفسه الضرر والبأس، وفى الحديث " ~~إن الله يحب المؤمن المحترف المتعفف، ويبغض السائل الملحف ". # ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من نعمه على ms3579 سليمان بن داود فقال { ~~ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض ~~التي باركنا فيها }. وقوله { ولسليمان الريح } معطوف ~~على معمول " سخرنا " فى قوله - تعالى - قبل ذلك { وسخرنا مع ~~داوود الجبال يسبحن } و " عاصفة " حال من الريح. أى وسخرنا ~~لسليمان الريح حال كونها عاصفة أى شديدة الهبوب، كما سخرنا مع أبيه ~~الجبال يسبحن والطير. يقال عصفت الريح تعصف إذا اشتدت، فهى عاصف وعاصفة ~~وعصوف سميت بذلك لتحطيمها ما تمر عليه فتجعله كالعصف وهو التبن. وقوله - ~~تعالى - { تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها ~~} أى جعلناها مع قوتها وشدتها تجرى بأمر سليمان وإذنه إلى الأرض التى ~~باركنا فيها وهى أرض الشام. وقيل يحتمل أن يكون المراد بها ما هو أعم من ~~أرض الشام. ووصفت الريح هنا بأنها عاصفة، وفى آية أخرى بأنها رخاء قال - ~~تعالى - # تجري بأمره رخآء حيث أصاب # لأنها تارة تكون عاصفة، وتارة تكون لينة رخاء. على حسب ما تقتضيه حكمته ~~- سبحانه -. وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله " فإن قلت وصفت هذه ~~الرياح بالعصف تارة وبالرخاوة أخرى، فما التوفيق بينهما؟. قلت كانت فى ~~نفسها رخية طيبة كالنسيم، فإذا مرت بكرسيه أبعدت به فى مدة يسيرة، على ما ~~قال " غدوها شهر ورواحها شهر " فكان جمعها بين الأمرين أن تكون رخاء فى ~~نفسها وعاصفة فى عملها، مع طاعتها لسليمان على حسب ما يريد ". وقال - ~~سبحانه - هنا { تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا ~~فيها } أى تجرى بأمره إلى تلك الأرض فى حال إيابه ورجوعه إليها، حيث ~~مقر مملكته ومسكنه. فالمقصود من الآية الكريمة الإخبار عن جريانها فى ~~حال عودته إلى مملكته. أما الآية الأخرى التى تقول # فسخرنا له الريح تجري بأمره رخآء حيث أصاب # أى حيث أراد لها أن تجرى، فالمقصود منها الإخبار عن جربها بإذنه فى غير ~~حال عودته إلى مملكته، وبذلك أمكن الجمع بين الآيتين، إذ الجهة فيهما ~~منفكة. وقوله - تعالى - { وكنا بكل شيء عالمين } أى وكنا ~~بكل شىء يجرى فى هذا الكون عالمين علما مطلقا لا كعلم غيرنا من ms3580 خلقنا. # فإنه علم محدود بما نشاؤه ونقدره. فالجملة الكريمة بيان لإحاطة علم ~~الله - تعالى - بكل شىء، والتنبيه بأن ما أعطاه الله - تعالى - لسليمان، ~~إنما كان بإرادته - سبحانه - وعلمه. وقوله - سبحانه - { ومن ~~الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك } ~~بيان لمنة أخرى من المنن الكثيرة التى امتن بها - سبحانه - على عبده ~~ونبيه سليمان. ويغوصون من الغوص وهو النزول تحت الماء، ومنه الغواص الذى ~~ينزل تحت الماء لاستخراج الجواهر وغيرها. وقوله { من يغوصون له } ~~فى محل نصب عطفا على معمول { سخرنا } ، السابق. أى وسخرنا - أيضا - ~~لسليمان من يغوص له، أى لأجله، من الشياطين، فينزلون تحت مياه البحار ~~ليستخرجوا له منها الجواهر النفيسة كاللؤلؤ والمرجان. وفى التعبير بقوله ~~{ له } إشعار بأن غوصهم لم يكن لمنفعة أنفسهم أو باختيارهم، وإنما هم ~~كانوا يغوصون من أجل مصلحة سليمان - عليه السلام - وبأمره. وقوله { ~~ويعملون عملا دون ذلك } أى لم تكن مهمتهم الغوص فقط وإنما ~~كان سليمان يسخرهم ويكلفهم بأعمال أخرى كثيرة كبناء المدائن والقصور وصنع ~~التماثيل والمحاريب.. كما قال - تعالى - # ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر ~~وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين ~~يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا ~~نذقه من عذاب السعير يعملون له ما يشآء من ~~محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات ~~اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور # فاسم الإشارة فى قوله { ويعملون عملا دون ذلك } يعود إلى ~~الغوص أى ويعملون له عملا كثيرا سوى ذلك الغوص. ثم ختم - سبحانه - الآية ~~الكريمة بقوله { وكنا لهم حافظين } أى وكنا لهؤلاء الشياطين ~~حافظين من أن يخرجوا عن طاعته. أو أن يوجد منهم فساد فيما هم مسخرون له. ~~وتلك نعمة كبرى لسليمان - عليه السلام - حيث جعل - سبحانه - الشياطين لا ~~يستطيعون أن يزيغوا عن أمره. هذا وقد ذكر بعض المفسرين عند تفسيرهم لهذه ~~الآيات قصصا متعددة منها قصة بساط الريح الذى قيل إن سليمان كان يجلس ~~عليه هو وجنده، فيطير بهم إلى الشام فى وقت قصير، ومنها صفة حمل الريح له ms3581 ~~وصفة جنوده من الجن والإنس والطير. وقد رأينا عدم ذكر ذلك هنا، لأنه لم ~~يرد ما يؤيده من الآثار الصحيحة. ثم ساق - سبحانه - جانبا من قصة أيوب - ~~عليه السلام - وهى قصة تمثل الابتلاء بالضر فى اشد صوره. قال - تعالى - { ~~وأيوب إذ نادى... }. ### || [21.83-84] # قال ابن كثير " يذكر الله - تعالى - عن أيوب - عليه السلام - ما كان قد ~~أصابه من البلاء فى ماله وولده وجسده، وذلك أنه كان له من الدواب ~~والأنعام والحرث شىء كثير، وأولاد كثيرون، ومنازل مرضية. فابتلى فى ذلك ~~كله، وذهب عن آخره، ثم ابتلى فى جسده.. ولم يبقى من الناس أحد يحنو عليه ~~سوى زوجته.. وقد كان نبى الله أيوب غاية فى الصبر، وبه يضرب المثل فى ~~ذلك. وقال الآلوسى وهو ابن أموص بن رزاح بن عيص بن إسحاق. وحكى ابن عساكر ~~أن أمه بنت لوط، وأن أباه ممن آمن بإبراهيم فعلى هذا كانت بعثته قبل موسى ~~وهارون. وقيل بعد شعيب، وقيل بعد سليمان.. ". والضر - بالفتح - يطلق على ~~كل ضرر - وبالضم - خاص بما يصيب الإنسان فى نفسه من مرض وأذى وما ~~يشبههما. والمعنى واذكر - أيها الرسول الكريم أو أيها المخاطب - عبدنا ~~أيوب - عليه السلام - وقت أن نادى ربه، وتضرع إليه بقوله يا رب أنى ~~أصابنى ما أصابنى من الضر والتعب، وأنت أجل وأعظم رحمة من كل من يتصف ~~بها. فأنت ترى أن أيوب - عليه السلام - لم يزد فى تضرعه عن وصف حاله { ~~أني مسني الضر } ووصف خالقه - تعالى - بأعظم صفات الرحمة دون ~~أن يقترح شيئا أو يطلب شيئا، وهذا من الأدب السامى الذى سلكه الأنبياء مع ~~خالقهم - عز وجل -. قال صاحب الكشاف " ألطف - أيوب - فى السؤال، حيث ذكر ~~نفسه بما يوجب الرحمة، وذكر ربه بغاية الرحمة، ولم يصرح بالمطلوب. ويحكى ~~أن عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت يا أمير المؤمنين، مشت جرذان ~~- أى فئران - بيتى على العصى!! فقال لها ألطفت فى السؤال، لا جرم ~~لأجعلنها تثب وثب الفهود، وملأ بيتها حبا.. ". وبعد أن دعا أيوب ربه - ~~تعالى ms3582 - بهذه الثقة، وبهذا الأدب والإخلاص، كانت الإجابة المتمثلة فى ~~قوله - تعالى - { فاستجبنا له } أى دعاءه وتضرعه { فكشفنا ~~ما به من ضر } أى فأنزلنا ما نزل به من بلاء فى جسده، وجعلناه ~~سليما معافى. بأن أمرناه أن يضرب برجله الأرض ففعل، فنبعت له عين فاغتسل ~~منها، فزال عن بدنه كل مرض أصابه بإذن الله - تعالى -. قال - سبحانه - # واذكر عبدنآ أيوب إذ نادى ربه أني مسني ~~الشيطان بنصب وعذاب اركض برجلك هذا مغتسل ~~بارد وشراب.. # وقال - تعالى - { وآتيناه أهله ومثلهم معهم } أى لم ~~نخيب رجاء أيوب حين دعانا، بل استجبنا له دعاءه، بفضلنا وكرمنا، فأزلنا ~~عنه المرض الذى نزل به، ولم نكتف بهذا - أيضا - بل عوضناه عمن فقده من ~~أولاده، ورزقناه مثلهم معهم. # قال الآلوسى ما ملخصه " قوله { وآتيناه أهله ومثلهم ~~معهم } أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس قال سألت النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - عن قوله { وآتيناه أهله ومثلهم ~~معهم } فقال " رد الله - تعالى - امرأته إليه، وزاد فى شبابها، حتى ~~ولدت له ستا وعشرين ذكرا ". فالمعنى على هذا آتيناه فى الدنيا مثل أهله ~~عددا مع زيادة مثل آخر. وعن قتادة إن الله أحيا له أولاده الذين هلكوا فى ~~بلائه، وأوتى مثلهم فى الدنيا... ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله ~~- تعالى - { رحمة من عندنا وذكرى للعابدين } أى ~~أجبنا له دعاءه، وفعلنا معه ما فعلناه من ألوان الخيرات، من أجل رحمتنا ~~به، ومن أجل أن يكون ما فعلناه معه عبرة وعظة وذكر لغيره من العابدين حتى ~~يقتدوا به فى صبره على البلاء، وفى المداومة على شكرنا فى السراء ~~والضراء. وخص - سبحانه - العابدين بالذكرى، لأنهم أكثر الناس بلاء ~~وامتحانا. ففى الحديث الشريف # " أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل ". # وفى حديث آخر # " يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان فى دينه صلابة زيد فى بلائه ". # وقد كان أيوب آية فى الصبر، وبه يضرب المثل فى ذلك. هذا، وقصة أيوب - ~~عليه السلام - ستأتى بصورة أكثر تفصيلا فى سورة " ص " ، وقد تركنا ms3583 هنا ~~أقوالا عن كيفية مرضه، وعن مدة هذا المرض.. نظرا لضعفها، ومنافاتها لعصمة ~~الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - من الأمراض المنفرة. ثم أشارت السورة ~~إشارات مجملة إلى قصة كل من إسماعيل وإدريس وذىالكفل، قال - تعالى - { ~~وإسماعيل وإدريس... }. ### || [21.85-86] # وإسماعيل هو الابن الأكبر لإبراهيم - عليهما السلام - وهو الذبيح الذى ~~افتداه الله - تعالى - بذبح عظيم. وإدريس هو واحد من أنبياء الله - تعالى ~~-، قالوا وهو جد نوح - عليه السلام - وأنه ولد فى حياة آدم، وبعث بعد ~~موته. أما ذو الكفل فقد قال الآلوسى فى شأنه ما ملخصه ظاهر نظم ذى الكفل ~~فى سلك الأنبياء أنه منهم، وهذا ما ذهب إليه الأكثر. واختلف فى اسمه فقيل ~~بشر وهو ابن أيوب، بعثه الله - تعالى - بعد أبيه، وكان مقيما بالشام. ~~وقيل هو إلياس بن ياسين وينتهى نسبه إلى هارون - عليه السلام -. وقيل هو ~~زكريا والد يحيى - عليهما السلام - وسمى بذلك لكفالته مريم. وقيل لم يكن ~~نبيا وإنما كان عبدا صالحا.. ". ثم مدح - سبحانه - هؤلاء الأنبياء فقال { ~~كل من الصابرين } أى كل واحد منهم من عبادنا الصابرين الذين ~~تحملوا فى سبيلنا الكثير من المصاعب والآلام. { وأدخلناهم } ~~بفضلنا وإحساننا { في رحمتنا } التى وسعت كل شىء { إنهم من ~~} عبادنا { الصالحين } لحمل رسالتنا، وتبليغها إلى أقوامهم بصدق ~~وصبر وأمانة. ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانبا من قصة يونس - عليه السلام ~~- فقال { وذا النون... }. ### || [21.87-88] # والمراد بذى النون يونس بن متى - عليه السلام -، والنون الحوت. وجمعه ~~نينان وأنوان. وسمى بذلك لابتلاع الحوت له. قال - تعالى - # وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك ~~المشحون فساهم فكان من المدحضين فالتقمه ~~الحوت وهو مليم.. # وملخص قصة يونس " أن الله - تعالى - ارسله إلى أهل نينوى بالعراق فى ~~حوالى القرن الثامن قبل الميلاد، فدعاهم إلى إخلاص العبادة لله - عز وجل ~~- فاستعصوا عليه، فضاق بهم ذرعا، وتركهم وهو غضبان ليذهب إلى غيرهم، فوصل ~~إلى شاطىء البحر، فوجد سفينة فركب فيها، وفى خلال سيرها فى البحر ضاقت ~~بركابها، فقال ربانها إنه لا بد من أحد الركاب يلقى بنفسه ms3584 فى البحر لينجو ~~الجميع من الغرق. فجاءت القرعة على يونس، فألقى بنفسه فى اليم فالتقمه ~~الحوت.. ثم نبذه إلى الساحل بعد وقت يعلمه الله - تعالى -، فأرسله - ~~سبحانه - إلى قومه مرة أخرى فآمنوا. وسيأتى تفصيل هذه القصة فى سورة ~~الصافات - بإذن الله -. والمعنى واذكر أيها المخاطب لتعتبر وتتعظ - عبدنا ~~ذان النون. وقت أن فارق قومه وهو غضبان عليهم، لأنهم لم يسارعوا إلى ~~الاستجابة له. قال الجمل وقوله { إذ ذهب مغاضبا } أى غضبان على ~~قومه، فالمفاعة ليست على بابها فلا مشاركة كعاقبت وسافرت، ويحتمل أن تكون ~~على بابها من المشاركة، أى غاضب قومه وغاضبوه حين لم يؤمنوا فى أول الأمر ~~". وقوله - تعالى - { فظن أن لن نقدر عليه } بيان لما ~~ظنه يونس - عليه السلام - حين فارق قومه غاضبا عليهم بدون إذن من ربه - ~~عز وجل -. أى أن يونس قد خرج غضبان على قومه لعدم استجابتهم لدعوته فظن ~~أن لن نضيق عليه، عقابا له على مفارقته لهم من غير أمرنا، أو فظن أننا لن ~~نقضى عليه بعقوبة معينة فى مقابل تركه لقومه بدون إذننا. فقوله { ~~نقدر عليه } بمعنى نضيق عليه ونعاقبه. يقال قدر الله الرزق ~~يقدره - بكسر الدال وضمها - إذا ضيقه. ومنه قوله - تعالى - # الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر # وقوله # وأمآ إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه.. # أى ضيقه عليه. ثم بين - سبحانه - ما كان يردده يونس وهو فى بطن الحوت ~~فقال { فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت ~~سبحانك إني كنت من الظالمين. والفاء فى قوله { ~~فنادى } فصيحة. والمراد بالظلمات ظلمات البحر، وبطن الحوت، والليل. ~~أى خرج يونس غضبان على قومه. فحدث له ما حدث من التقام الحوت له، فلما ~~صار فى جوفه المظلم، بداخل البحر المظلم، أخذ يتضرع إلينا بقوله أشهد أن ~~لا إله إلا أنت يا إلهى مستحق للعبادة، { سبحانك } أى أنزهك تنزيها ~~عظيما { إني كنت من الظالمين } لنفسى حين فارقت قومى بدون ~~إذن منك. # وإنى أعترف بخطىء - يا إلهى - فتقبل توبتى، واغسل حوبتى. هذا وقد ذكر ~~ابن جرير ms3585 وابن كثير وغيرهما من المفسرين هنا روايات متعددة عن المدة التى ~~مكثها يونس فى بطن الحوت، وعن فضل الدعاء الذى تضرع به إلى الله - تعالى ~~-، ومن ذلك ما رواه ابن جرير عن سعد بن أبى وقاص - رضى الله عنه - قال ~~سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول # " " بسم الله الذى إذا دعى به أجاب، وإذا سئل به أعطى، دعوة يونس بن متى ~~". قال قلت يا رسول الله، هى ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال " هى ~~ليونس بن متى خاصة وللمؤمنين عامة، إذا دعوا بها. ألم تسمع قول الله - ~~تعالى - { فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت ~~سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ~~ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين } فهو ~~شرط من الله لمن دعاه به ". # ثم بين - سبحانه - أنه قد أجاب ليونس دعاءه فقال { فاستجبنا له } ~~أى دعاءه وتضرعه { ونجيناه من الغم } أى من الحزن الذى كان ~~فيه حين التقمه الحوت وصار فى بطنه. وقد بين - سبحانه - فى آية أخرى، أن ~~يونس - عليه السلام - لو لم يسبح الله لبث فى بطن الحوت إلى يوم البعث. ~~قال - تعالى - # فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه ~~إلى يوم يبعثون # وقوله - تعالى - { وكذلك ننجي المؤمنين } بشارة لكل مؤمن ~~يقتدى بيونس فى إخلاصه وصدق توبته، ودعائه لربه. أى ومثل هذا الإنجاء ~~الذى فعلناه مع عبدنا يونس، ننجى عبادنا المؤمنين من كل غم، متى صدقوا فى ~~إيمانهم، وأخلصوا فى دعائهم. ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك جانبا من ~~قصى زكريا ويحيى فقال - تعالى - { وزكريآ إذ.... }. ### || [21.89-90] # وزكريا هو ابن آزن بن بركيا، ويتصل نسبه بسليمان - عليه السلام -، وكان ~~عيسى قريب العهد به، حيث كفل زكريا مريم أم عيسى. أى واذكر - أيها ~~المخاطب - حال زكريا - عليه السلام - وقت أن نادى ربه وتضرع إليه فقال يا ~~رب لا تتركنى فردا أى وحيدا بدون ذرية { وأنت خير الوارثين } ~~أى وأنت خير حى باق بعد كل الأموات. فكانت نتيجة هذا الدعاء الخالص أن ~~أجاب الله ms3586 لزكريا دعاءه فقال { فاستجبنا له } أى دعاءه وتضرعه. { ~~ووهبنا له } بفضلنا وإحساننا ابنه { يحيى } - عليهما السلام ~~-. { وأصلحنا له زوجه } بأن جعلناها تلد بعد أن كانت عقيما ~~تكريما له ورحمة به. وقوله { إنهم كانوا يسارعون في ~~الخيرات } تعليل لهذا العطاء الذى منحه - سبحانه - لأنبيائه - عليهم ~~الصلاة والسلام - والضمير فى " إنهم " يعود للأنبياء السابقين. وقيل يعود ~~إلى زكريا وزوجه ويحيى. أى لقد أعطيناهم من ألوان النعم، لأنهم كانوا ~~يبادرون فى فعل الخيرات التى ترضينا، ويجتهدون فى أداء كل قول أو عمل ~~أمرناهم به. { ويدعوننا رغبا ورهبا } أى ويجأرون إلينا ~~بالدعاء، راغبين فى آلائنا ونعمنا وراهبين خائفين من عذابنا ونقمنا. ~~فقوله { رغبا ورهبا } مصدران بمعنى اسم الفاعل، منصوبان على ~~الحال، وفعلهما من باب " طرب " { وكانوا لنا خاشعين } أى مخبتين ~~متضرعين لا متكبرين ولا متجبرين. وبهذه الصفات الحميدة، استحق هؤلاء ~~الأخيار أن ينالوا خيرنا وعطاءنا ورضانا. ثم ختم - سبحانه - الحديث عن ~~هؤلاء الأنبياء الكرام، بذكر جانب من قصة مريم وابنها عيسى فقال { ~~والتي أحصنت... }. ### || [21.91] # وقوله { أحصنت } من الإحصان بمعنى المنع، يقال هذه درع حصينة أى ~~مانعة صاحبها من الجراحة. ويقال هذه امرأة حصينة، أى مانعة نفسها من كل ~~فاحشة بسبب عفتها أو زواجها. أى واذكر - أيضا أيها المخاطب خبر مريم ابنة ~~عمران التى أحصنت فرجها، أى حفظته ومنعته من النكاح منعا كليا. والتعبير ~~عنها بالموصول لتفخيم شأنها، وتنزيهها عن السوء. { فنفخنا فيها ~~من روحنا } أى فنفخنا فيها من جهة روحنا، وهو جبريل - عليه السلام - ~~حيث أمرناه بذلك فامتثل أمرنا، فنفخ فى جيب درعها، فكان بذلك عيسى ابنها، ~~ويؤيد هذا التفسير قوله - تعالى - فى سورة مريم # قال # - أى جبريل لمريم - # إنمآ أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا # أى لأكون سببا فى هبة الغلام لك عن طريق النفخ فى درعك فيصل هذا النفخ ~~إلى الفرج فيكون الحمل بعيسى بإذن الله وإرادته. والمراد بالآية فى قوله ~~- سبحانه - { وجعلناها وابنهآ آية للعالمين } الأمر ~~الخارق للعادة، الذى لم يسبقه ولم يأت بعده ما يشابهه. أى وجعلنا مريم ms3587 ~~وابنها عيسى آية بينة، ومعجزة واضحة دالة على كمال قدرتنا للناس جميعا، ~~إذ جاءت مريم بعيسى دون أن يمسها بشر، ودون أن تكون بغيا. قال صاحب ~~الكشاف " فإن قلت هلا قيل آيتين كما قال - سبحانه - # وجعلنا الليل والنهار آيتين # قلت لأن حالهما بمجموعهما آية واحدة. وهى ولادتها إياه من غير فحل ". ~~وبعد هذا الحديث المتنوع عن قصص عدد كبير من الأنبياء فى سورة الأنبياء، ~~عقب - سبحانه - على ذلك ببيان أنهم - عليهم السلام - قد جاءوا بعقيدة ~~واحدة، هى إخلاص العبادة لله - تعالى - فقال { إن هذه ~~أمتكم... }. ### || [21.92] # ولفظ الأمة يطلق بإطلاقات متعددة. يطلق على الجماعة كما فى قوله - تعالى ~~- # ولما ورد مآء مدين وجد عليه أمة من الناس ~~يسقون.. # ويطلق على الرجل الجامع للخير، كما فى قوله - تعالى - # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا.. # ويطلق على الحين والزمان، كما فى قوله - سبحانه - # وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة.. # أى وتذكر بعد حين من الزمان. والمراد بالأمة هنا الدين والملة. كما فى ~~قوله - تعالى - # إنا وجدنآ آبآءنا على أمة.. # أى على دين وملة معينة. والمعنى إن ملة التوحيد التى جاء بها الأنبياء ~~جميعا. هى ملتكم ودينكم أيها الناس، فيجب عليكم أن تتبعوا هؤلاء ~~الأنبياء، وأن تخلصوا لله - تعالى - العبادة والطاعة، فهو - سبحانه - ~~ربكم ورب كل شىء، فاعبدوه حق العبادة لتنالوا رضاه ومحبته. ثم بين - ~~سبحانه - بعد ذلك حال الناس من الدين الواحد الذى جاء به الرسل، وعاقبة ~~من اتبع الرسل وعاقبة من خالفهم فقال { وتقطعوا أمرهم... }. ### || [21.93-100] # والضمير فى قوله - تعالى - { وتقطعوا.. } يعود للناس الذى ~~تفرقوا فى شأن الدين شيعا وأحزابا. أى وافترق الناس فى شأن الدين الحق ~~فرقا متعددة، وسنحاسبهم جميعا على أعمالهم حسابا دقيقا، يجازى فيه المحسن ~~خيرا، ويعاقب فيه المسىء على إساءته. وقال - سبحانه - { فلا كفران ~~لسعيه } بالنفى المفيد للعموم، لبيان كمال عدالته - تعالى - وتنزيهه ~~- عز وجل - عن ظلم أحد، أو أخذ شىء مما يستحقه. وعبر عن العمل بالسعى، ~~لإظهار الاعتداد به، وأن صاحب هذا العمل الصالح، ms3588 قد بذل فيه جهدا ~~مشكورا، وسعى من أجل الحصول عليه سعيا بذل فيه طاقته. ثم أكد - سبحانه - ~~بعد ذلك ما سبق أن قرره من أن الكل سيرجعون إليه للحساب، فقال { ~~وحرام على قرية أهلكناهآ أنهم لا يرجعون }. ~~وللمفسرين فى تفسير هذه الآية الكريمة أقوال منها أن المعنى وحرام - أى ~~وممتنع امتناعا تاما - على قرية أهلكنا أهلها بسبب فسوقهم عن أمرنا، ~~وتكذيبهم لرسلنا أنهم لا يرجعون إلينا فى الآخرة للحساب. فالآية الكريمة ~~تأكيد لما قررته الآيات السابقة، من أن الذين تقطعوا أمرهم بينهم، والذين ~~آمنوا وعملوا صالحا فى دنياهم، الكل سيرجعون إلى الله - تعالى - ليجازيهم ~~بما يستحقون يوم القيامة. وقد أكدت الآية الكريمة ورجوعهم إليه - تعالى - ~~يوم القيامة بأسلوب بديع، حيث نفت عن الأذهان ما قد يتبادر من أن هلاك ~~الكافرين بالعذاب فى الدنيا، قد ينجيهم من الحساب والعقاب يوم القيامة، ~~وأثبتت أن الرجوع يوم القيامة للحساب مؤكد. قال صاحب فتح القدير { ~~وحرام على قرية أهلكناهآ.. } قرأ أهل المدينة " حرام " ~~، وقرأ أهل الكوفة " وحرم " - بكسر الحاء وإسكان الراء - وهما لغتان مثل ~~حلال وحل. ومعنى { أهلكناهآ } قدرنا إهلاكها. وجملة { أنهم ~~لا يرجعون } فى محل رفع مبتدأ، وقوله " حرام " خبرها.. والمعنى ~~وممتنع ألبتة عدم رجوعها إلينا للجزاء... وقال بعض العلماء " وجعل أبو ~~مسلم هذه الآية من تتمة ما قبلها و " لا " فيها على بابها. وهى مع لفظ " ~~حرام " من قبيل نفى النفى. فيدل على الإثبات، والمعنى وحرام على القرية ~~المهلكة. عدم رجوعها إلى الآخرة، بل واجب رجوعها للجزاء، فيكون الغرض ~~إبطال قول من ينكر البعث. وتحقيق ما تقدم من أنه لا كفران لسعى أحد وأنه ~~- سبحانه - سيحييه وبعمله يجزيه. ومنهم من يرى أن " لا " زائدة، وأن ~~المراد بالرجوع رجوع الهالكين إلى الدنيا فيكون المعنى وحرام على أهل ~~قرية أهلكناهم بسبب كفرهم ومعاصيهم، أن يرجعوا إلى الدنيا مرة أخرى بعد ~~هلاكهم. # ومنهم من يرى أن المراد بقوله - تعالى - { أنهم لا يرجعون } ~~أى لا يرجعون إلى التوبة أو إلى الإيمان. قال صاحب الكشاف استعير الحرام ms3589 ~~للممتنع وجوده، ومنه قوله - تعالى - # إن الله حرمهما على الكافرين # أى. منعهما منهم.. ومعنى الرجوع الرجوع من الكفر إلى الإسلام ~~والإنابة، ومجاز الآية إن قوما عزم الله - تعالى - على إهلاكهم غير ~~متصور أن يرجعوا وينيبوا إلى أن تقوم القيامة... ويبدو لنا أن القول ~~الأول هو أقرب إلى الصواب، لأنه هو المتبادر من ظاهر الآية، ولأنه هو ~~المستقيم مع سياق الآيات، ولأنه بعيد عن التكلف إذ أن الآية الكريمة ~~واضحة فى بيان أن حكمة الله قد اقتضت أن يرجع المهلكون فى الدنيا بسبب ~~كفرهم ومعاصيهم إلى الحياة يوم القيامة ليحاسبوا على أعمالهم كما قال - ~~تعالى - # قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات ~~يوم معلوم # ولعل مما يؤيد هذا الرأى قوله - تعالى - بعد ذلك { حتى إذا ~~فتحت يأجوج ومأجوج.. }. فإن حتى هنا ابتدائية، وما بعدها ~~غاية لما يدل عليه ما قبلها، فكأنه قيل إن هؤلاء المهلكين ممتنع ألبتة ~~عدم رجوعهم إلينا وإنما هم سيستمرون على هلاكهم حتى تقوم الساعة فيرجعوا ~~إلينا للحساب، ويقولوا عند مشاهدته يا ويلنا قد كنا فى غفلة من هذا. ~~ويأجوج ومأجوج اسمان أعجميان لقبيلتين من الناس، قيل مأخوذان من الأوجة ~~وهى الاختلاط أو شدة الحر، وقيل من الأوج وهو سرعى الجرى. والمراد ~~بفتحهما فتح السد الذى على هاتين القبيلتين، والذى يحول بينهم وبين ~~الاختلاط بغيرهم من بقية الناس. { وهم من كل حدب ينسلون } ~~والحدب المرتفع من الأرض كالجبل ونحوه. و { ينسلون } من النسل - ~~بإسكان السين - وهو مقاربة الخطو مع الإسراع فى السير، يقال نسل الرجل ~~فى مشيته إذا أسرع، وفعله من باب قعد وضرب. أى وهم - أى يأجوج ومأجوج من ~~كل مرتفع من الأرض يسرعون السير إلى المحشر، أو إلى الأماكن التى يوجههم ~~الله - تعالى - إليها، و قيل إن الضمير " هم " يعود إلى الناس المسوقين ~~إلى أرض المحشر. وقوله { واقترب الوعد الحق.. } معطوف على { ~~فتحت } أى فتح السد الذى كان على يأجوج ومأجوج، وقرب موعد الحساب ~~والجزاء. قال الآلوسى وهو ما بعد النفخة الثانية لا النفخة الأولى. وهذا ms3590 ~~الفتح لسد يأجوج ومأجوج يكون فى زمن نزول عيسى من السماء، وبعد قتله ~~الدجال. فقد أخرج مسلم وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه من حديث ~~طويل إن الله - تعالى - يوحى إلى عيسى بعد أن يقتل الدجال أنى قد أخرجت ~~عبادا من عبادى، لا يدان لك بقتالهم، فحرز عبادى إلى الطور، فيبعث الله - ~~تعالى - يأجوج ومأجوج وهم كما قال - سبحانه - { من كل حدب ~~ينسلون } ثم يرسل الله عليهم نغفا - فى رقابهم فيصبحون موتى كموت نفس ~~واحدة ". # وقوله فإذا هى شاخصة أبصار الذين كفروا.. جواب للشرط وهو قوله تعالى - ~~قبل ذلك { إذا فتحت يأجوج ومأجوج }. والضمير " هى " للقصة ~~والشأن. و " إذا " للمفاجأة. قال الجمل قوله { فإذا هي شاخصة ~~أبصار الذين كفروا.. } فيه وجهان أحدهما - وهو الأجود - أن ~~يكون هى ضمير القصة. وشاخصة خبر مقدم. وأبصار مبتدأ مؤخر، والجملة خبر ~~لهى لأنها لا تفسر إلا بجملة مصرح بجزأيها.. ". والمعنى لقد تحقق ما ~~أخبرنا به من أمارات الساعة، ومن خروج يأجوج ومأجوج، ومن عودة الخلق ~~إلينا للحساب.. ورأى المشركون كل ذلك، فإذا بأبصارهم مرتفعة الأجفان لا ~~تكاد تطرف من شدة الهول والفزع. يقال شخص بصر فلان يشخص شخوصا فهو شاخص، ~~إذا فتح عينيه وصار لا يستطيع تحريكهما. وقوله { يويلنا قد كنا ~~في غفلة من هذا } مقول لقول محذوف. أى أن هؤلاء الكافرين ~~يقولون وهم شاخصو البصر يا هلاكنا أقبل فهذا أوانك، فإننا قد كنا فى ~~الدنيا فى غفلة تامة عن هذا اليوم الذى أحضرنا فيه للحساب. وقوله { بل ~~كنا ظالمين } إضراب عن وصف أنفسهم بالغفلة، إلى وصفها بالظلم ~~وتجاوز الحدود. أى لم نكن فى الحقيقة فى غفلة عن هذا اليوم وأهواله، فقد ~~أخبرنا رسلنا به، بل الحقيقة أننا كنا ظالمين لهؤلاء الرسل لأننا لم ~~نطعمهم، وكنا ظالمين لأنفسنا حيث عرضناها لهذا العذاب الأليم. وهكذا يظهر ~~الكافرون الندامة والحسرة فى يوم لا ينفعهم فيه ذلك. وقوله - سبحانه - { ~~إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم.. } ~~زيادة فى تقريعهم وتوبيخهم. والحصب - بفتحتين - ما تحصب به النار. ms3591 أى ~~يلقى فيها لتزداد به اشتعالا كالحطب والخشب. أى إنكم - أيها الكافرون - ~~وأصنامكم التى تعبدونها من دون الله - تعالى - وقود جهنم، وزادها الذى ~~تزداد به اشتعالا. وفى إلقاء أصنامهم معهم فى النار مع أنها لا تعقل، ~~زيادة فى حسرتهم وتبكيتهم، حيث رأوا بأعينهم مصير ما كانوا يتوهمون من ~~ورائه المنفعة. قال صاحب الكشاف فإن قلت لم قرنوا بآلهتهم؟ قلت لأنهم لا ~~يزالون لمقارنتهم فى زيادة غم وحسرة، حيث أصابهم ما أصابهم بسببهم، النظر ~~إلى وجه العدو باب من العذاب، ولأنهم قدروا أنهم يستشفعون بهم فى الآخرة، ~~وينتفعون بشفاعتهم، فإذا صادفوا الأمر على عكس ما قدروا، لم يكن شىء أبغض ~~إليهم منهم. وجملة { أنتم لها واردون } بدل من { حصب ~~جهنم } ، أو مستأنفة. أى أنتم - أيها الكافرون - ومعكم أصنامكم ~~داخلون فى جهنم دخولا لا مفر لكم منه. وجاء الخطاب بقوله { أنتم } ~~على سبيل التغليب، وإلا فالجميع داخلون فيها. # ولا يدخل فى هذه الآية ما عبده هؤلاء المشركون من الأنبياء والصالحين ~~كعيسى والعزيز والملائكة، فإن عبادتهم لهم كانت عن جهل وضلال منهم، فإن ~~هؤلاء الأخيار ما أمروهم بذلك، وإنما أمروهم بعبادة الله - تعالى - وحده. ~~ثم أقام - سبحانه - لهؤلاء الكافرين الأدلة على بطلان عبادتهم لغيره فقال ~~{ لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها }. أى لو كان هؤلاء ~~الأصنام المعبودون من دون الله آلهة حقا - كما زعمتم أيها الكافرون - ما ~~ألقى بهم فى النار، وما قذفوا فيها كما يقذف الحطب، وحيث تبين لكم دخولهم ~~إياه، فقد ثبت بطلان عبادتكم لها، وأن هذه الآلهة المزعومة لا تملك ~~الدفاع عن نفسها فضلا عن غيرها. وقوله { وكل فيها خالدون } ~~تذييل مقرر لما قبله. أى وكل من العابدين والمعبودين باقون فى هذه النار ~~على سبيل الخلود الأبدى. ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات ببيان حال ~~الكافرين فى جهنم فقال { لهم فيها زفير }. أى لهم فيها تنفس شديد ~~يخرج من أقصى أفواههم بصعوبة وعسر، كما هو شأن المغموم المحزون. وأصل ~~الزفير تردد النفس حتى تنتفخ منه الضلوع. { وهم فيها لا ~~يسمعون } أى ms3592 وهم فى جهنم لا يسمعون ما يريحهم، وإنما يسمعون ما فيه ~~توبيخهم وعذابهم، أو وهم فيها لا يسمع بعضهم زفير بعض لشدة ما هم فيه من ~~هول وخوف. وبعد هذا الحديث الذى ترتجف له القلوب.. أتبع القرآن ذلك بحديث ~~آخر تسر له النفوس، وتنشرح له الصدور، فقال - تعالى - { إن ~~الذين... }. ### || [21.101-103] # والحسنى تأنيث الأحسن، وهى صفة لموصوف محذوف. أى إن الذين سبقت لهم منا ~~فى دنياهم المنزلة الحسنى بسبب إيمانهم الخالص وعملهم الصالح، وقولهم ~~الطيب. { أولئك } المصوفون بتلك الصفات الحميدة { عنها ~~مبعدون } أى عن النار وحرها وسعيرها.. مبعدون إبعادا تاما بفضل الله ~~- تعالى - ورحمته. وقوله { لا يسمعون حسيسها } تأكيد لبعدهم ~~عن النار. وأصل الحسيس الصوت الذى تسمعه من شىء يمر قريبا منك. أى هؤلاء ~~المؤمنون الصادقون الذين سبقت لهم من خالقهم الدرجة الحسنى، لا يسمعون ~~صوت النار، الذى يحس من حركة لهيبها وهيجانها، لأنهم قد استقروا فى ~~الجنة، وصاروا فى أمان واطمئنان. وقوله - سبحانه - { وهم في ما ~~اشتهت أنفسهم خالدون } بيان لفوزهم بأقصى ما تتمناه الأنفس ~~بعد بيان بعدهم عن صوت النار. أى وهم فيما تتمناه أنفسهم، وتشتهيه ~~أفئدتهم، وتنشرح له صدورهم، خالدون خلودا أبديا لا ينغصه حزن أو انقطاع. ~~وقوله - تعالى - { لا يحزنهم الفزع الأكبر... } بيان ~~لنجاتهم من كل ما يفزعهم ويدخل القلق على نفوسهم. أى إن هؤلاء الذين سبقت ~~لهم منا الحسنى، لا يحزنهم ما يحزن غيرهم من أهوال يشاهدونها ويحسونها فى ~~هذا اليوم العصيب، وهم يوم القيامة وما يشتمل عليه من مواقف متعددة، ~~فالمراد بالفزع الأكبر الخوف الأكبر الذى يعترى الناس فى هذا اليوم. ~~وفضلا عن ذلك فإن الملائكة تستقبلهم بفرح واستبشار، فتقول لهم على سبيل ~~التهنئة { هذا يومكم الذي كنتم توعدون } به فى الدنيا ~~من خالقكم - عز وجل - فى مقابل إيمانكم وعملكم الصالح. قالوا وهذا ~~الاستقبال من الملائكة للمؤمنين، يكون على أبواب الجنة، أو عند الخروج من ~~القبور. ثم ختم - سبحانه - سورة الأنبياء ببيان جانب من أحوال هذا الكون ~~يوم القيامة، وببيان سننه فى خلقه، وببيان ms3593 نعمه على عباده، وببيان ما أمر ~~به نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال - تعالى - { يوم نطوي... }. ### || [21.104-112] # وقوله - سبحانه - { يوم نطوي السمآء كطي السجل ~~للكتب.. } الظرف فيه منصوب بقوله - تعالى - قبل ذلك # لا يحزنهم الفزع الأكبر # أو بقوله - سبحانه - # وتتلقاهم الملائكة # وقوله { نطوي } من الطى وهو ضد النشر. والسجل الصحيفة التى يكتب ~~فيها. والمراد بالكتب ما كتب فيها من الألفاظ والمعانى، فالكتب بمعنى ~~المكتوبات. واللام بمعنى على. والمعنى إن الملائكة تتلقى هؤلاء الأخيار ~~الذين سبقت لهم من الله - تعالى - الحسنى بالفرح والسرور، يوم يطوى - ~~سبحانه - السماء طيا مثل طى الصحيفة على ما فيها من كتابات. وفى هذا ~~التشبيه إشعار بأن هذا الطى بالنسبة لقدرته - تعالى - فى منتهى السهولة ~~واليسر، حيث شبه طيه السماء بطى الصحيفة على ما فيها. وقيل إن لفظ { ~~السجل } اسم لملك من الملائكة، وهو الذى يطوى كتب أعمال الناس بعد ~~موتهم. والإضافة فى قوله { كطي السجل } من إضافة المصدر إلى ~~مفعوله، والجار والمجرور صفة لمصدر مقدر. أى نطوى السماء طيا كطى الرجل ~~أو الملك الصحيفة على ما كتب فيها. وقرأ أكثر القراء السبعة للكتاب ~~بالإفراد. ومعنى القراءتين واحد لأن المراد به الجنس فيشمل كل الكتب. ~~وقوله - تعالى - { كما بدأنآ أول خلق نعيده } بيان ~~لصحة الإعادة قياسا على البدء، إذ الكل داخل تحت قدرته - عز وجل -. أى ~~نعيد أول خلق إعادة مثل بدئنا إياه، دون أن ينالنا تعب أو يمسنا لغوب، ~~لأن قدرتنا لا يعجزها شىء قال - تعالى - # ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة.. # قال صاحب الكشاف " وما أول الخلق حتى يعيده كما بدأه؟ قلت أوله إيجاده ~~من العدم، فكما أوجده أولا عن عدم. يعيده ثانيا عن عدم ". وقوله - تالى - ~~{ وعدا علينآ إنا كنا فاعلين } تأكيد للإعادة. ولفظ " ~~وعدا " منصوب بفعل محذوف. و " علينا " فى موضع الصفة له. أى هذه الإعادة ~~وعدنا بها وعدا كائنا علينا باختيارنا وإرادتنا، إنا كنا محققين هذا ~~الوعد، وقادرين عليه، والعاقل من يقدم فى دنياه العمل الصالح الذى ينفعه ~~عند بعثه للحساب. ms3594 ثم ساق - سبحانه - سنة من سننه التى لا تتخلف فقال { ~~ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض ~~يرثها عبادي الصالحون }. والمراد بالزبور الكتاب المزبور أى ~~المكتوب، مأخوذ من قولهم زبرت الكتاب إذا كتبته. ويشمل هنا جميع الكتب ~~السماوية كالتوراة والإنجيل والزبور. والمراد بالذكر اللوح المحفوظ الذى ~~هو أم الكتاب. وقيل المراد بالزبور كتاب داود خاصة. وبالذكر التوارة، أو ~~العلم، والمقصود بالأرض هنا أرض الجنة. فيكون المعنى ولقد كتبنا فى الكتب ~~السماوية، من بعد كتابتنا فى اللوح المحفوظ أن أرض الجنة نورثها يوم ~~القيامة لعبادنا الصالحين. # وهذا القول يؤيده قوله - تعالى - فى شأن المؤمنين # وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ~~وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشآء ~~فنعم أجر العاملين # ومن المفسرين من يرى أن المراد بالأرض هنا أرض الدنيا فيكون المعنى ولقد ~~كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن هذه الأرض التى يعيش عليها الناس مؤمنهم ~~وكافرهم، ستكون فى النهاية لعبادنا الصالحين. قال الآلوسى ما ملخصه أخرج ~~ابن جرير عن ابن عباس أن المراد بالأرض فى الآية أرض الجنة، وإنها الأرض ~~التى يختص بها الصالحون. لأنها لهم خلقت، وغيرهم إذا حصلوا فيها فعلى وجه ~~التبع، وأن الآية ذكرت عقب ذكر الإعادة وليس بعدها أرض يستقر عليها ~~الصالحون. ويمتن الله بها عليهم سوى أرض الجنة. وفى رواية أخرى عن ابن ~~عباس أن المراد بها أرض الدنيا يرثها المؤمنون، ويستولون عليها. أخرج ~~مسلم وأبو داود والترمذى عن ثوبان قال قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - # " أن الله - تعالى - زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي ~~سيبلغ ملكها ما زوي لي منها.. ". # ويبدو لنا أنه لا مانع من أن يكون المراد بالأرض التى يرثها العباد ~~الصالحون، ما يشمل أرض الجنة وأرض الدنيا، لأنه لم يرد نص يخصص أحد ~~المعنيين. وقد سار على هذا التعميم الإمام ابن كثير فقال عند تفسيره ~~لهذه الآية " يقول الله - تعالى - مخبرا عما قضاه لعباده الصالحين، من ~~السعادة فى الدنيا والآخرة ووراثة الأرض فى الدنيا ms3595 والآخرة كقوله - تعالى ~~- # إن الأرض لله يورثها من يشآء من عباده ~~والعاقبة للمتقين # وقال - سبحانه - # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد # وأخبر - تعالى - أن هذا مكتوب مسطور فى الكتب الشرعية، فهو كائن لا ~~محالة، ولهذا قال { ولقد كتبنا في الزبور من بعد ~~الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون.. }. واسم ~~الإشارة فى قوله - تعالى - { إن في هذا لبلاغا لقوم ~~عابدين } يعود على القرآن الكريم الذى منه هذه السورة. والبلاغ الشىء ~~الذى يكفى الإنسان للوصول إلى غايته. يقال فى هذا الشىء بلاغ أى كفاية ~~أو سبب لبلوغ المقصد. أى إن فى هذا القرآن، وفيما ذكر فى هذه السورة من ~~آداب وهدايات، وعقائد وتشريعات، لبلاغا وكفاية فى الوصول إلى الحق، لقوم ~~عابدين. وخص العابدين بالذكر، لأنهم هم المنتفعون بتوجيهات القرآن ~~الكريم، إذ العابد لله - تعالى - بإخلاص، يكون خاشع القلب، نقى النفس، ~~مستعدا للتلقى والتدبر والانتفاع. ثم بين - سبحانه - أن من مظاهر فضله ~~على الناس أن أرسل إليهم نبيه - صلى الله عليه وسلم - ليكون رحمة لهم ~~فقال { ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين }. # أى وما أرسلناك - أيها الرسول الكريم - بهذا الدين الحنيف وهو دين ~~الإسلام، إلا من أجل أن تكون رحمة للعالمين من الإنس والجن. وذلك لأننا ~~قد أرسلناك بما يسعدهم فى دينهم وفى دنياهم وفى آخرتهم متى اتبعوك، ~~واستجابوا لما جئتهم به، وأطاعوك فيما تأمرهم به أو تنهاهم عنه. وفى ~~الحديث الشريف # " إنما أنا رحمة مهداة " # فرسالته - صلى الله عليه وسلم - رحمة فى ذاتها، ولكن هذه الرحمة انتفع ~~بها من استجاب لدعوتها، أما من أعرض عنها فهو الذى ضيع على نفسه فرصة ~~الانتفاع. ورحم الله صاحب الكشاف فقد وضح هذا المعنى فقال أرسل - صلى ~~الله عليه وسلم - " رحمة للعالمين " لأنه جاء بما يسعدهم إن اتبعوه، ومن ~~خالف ولم يتبع، فإنما أتى من عند نفسه، حيث ضيع نصيبه منها. ومثاله أن ~~يفجر الله عينا عذيقة - أى كبيرة عذبه -، فيسقى ناس زرعهم، ومواشيهم ~~بمائها فيفلحوا، ويبقى ناس مفرطون فيضيعوا. فالعين المفجرة ms3596 فى نفسها نعمة ~~من الله - تعالى - ورحمة للفريقين. ولكن الكسلان محنة على نفسه، حيث ~~حرمها ما ينفعها ". ثم أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - ~~أن يخبر الناس بأن رسالته لحمتها وسداها الدعوة إلى عبادة الله - تعالى - ~~وحده فقال { قل إنمآ يوحى إلي أنمآ إلهكم ~~إله واحد.. }. أى قل - يا محمد - للناس إن الذى أوحاه الله - ~~تعالى - إلى من تكاليف وهدايات وعبادات وتشريعات.. تدور كلها حول إثبات ~~وحدانيته - سبحانه - ووجوب إخلاص العبادة له وحده. قال الآلوسى - رحمه ~~الله - " ذهب جماعة إلى أن فى الآية حصرين الأولى لقصر الصفة على ~~الموصوف. والثانى لقصر الموصوف على الصفة. فالأول قصر فيه الوحى على ~~الوحدانية. والثانى قصر فيه الله - تالى - على الوحدانية، والمعنى ما ~~يوحى إلى إلا اختصاص الله بالوحدانية، ومعنى هذا القصر أنه الأصل الأصيل ~~وما عداه راجع إليه، أو غير منظور إليه فى جانبه.. ". والاستفهام فى قوله ~~- سبحانه - { فهل أنتم مسلمون } للتحضيض أى ما دام الأمر كما ~~ذكر لكم فأسلموا لتسلموا. ثم أرشد - سبحانه - النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- إلى ما يقوله للناس فى حال إعراضهم عن دعوته، فقال { فإن تولوا ~~فقل آذنتكم على سوآء.. }. وآذنتكم من الإيذان بمعنى ~~الإعلام والإخبار. ومنه الأذان للصلاة بمعنى الإعلام بدخول وقتها. قال ~~بعضهم آذن منقول من أذن إذا علم، ولكنه كثر استعماله فى إجرائه مجرى ~~الإنذار والتحذير. أى فإن أعرضوا عن دعوتك - أيها الرسول الكريم - فقل ~~لهم لقد أعلمتكم وأخبرتكم بما أمرنى ربى أن أعلمكم وأخبركم به، ولم أخص ~~أحدا منكم بهذا الإعلام دون غيره، وإنما أخبرتكم جميعا " على سواء " أى ~~حال كونكم جميعا مستوين فى العلم. # فقوله { على سوآء } فى موضع الحال من المفعول الأول لآذنتكم. أى ~~فقد أعلمتكم ما أمرنى ربى به حالة كونهم مستوين فى هذا العلم. ويجوز أن ~~يكون الجار والمجرور فى موضع الصفة لمصدر مقدر. أى فقد آذنتكم إيذانا على ~~سواء. وقوله - تعالى - { وإن أدري أقريب أم بعيد ما ~~توعدون } إرشاد منه - سبحانه - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - إلى ms3597 ما ~~يقوله لهم - أيضا - فى حال إعراضهم عن دعوته. و " إن " نافية. أى فإن ~~أعرضوا عن دعوتك يا محمد، فقل لهم لقد أعلمتكم جميعا بما أمرنى الله ~~بتبليغه إليكم، وإنى بعد هذا التبليغ والتحذير ما أدرى وما أعرف، أقريب ~~أم بعيد ما توعدون به من العذاب، أو من غلبة المسلمين عليكم، أو من قيام ~~الساعة. فإن علم ذلك وغيره إلى الله - تعالى - وحده، وما أنا إلا مبلغ ~~عنه. وقوله تعالى { إنه يعلم الجهر من القول ~~ويعلم ما تكتمون }. فهو - سبحانه - الذى يعلم ما تجهرون به ~~وما تسرونه من أقوال وأعمال. ويعلم - أيضا - ما تكتمونه فى نفوسكم من كفر ~~وجحود وكراهية لى ولأتباعى، وسيعاقبكم - سبحانه - على ذلك العقاب الذى ~~تستحقونه. وقوله - سبحانه - { وإن أدري لعله فتنة لكم ~~ومتاع إلى حين } زيادة فى تأكيد أن علم ما سينزل بهم من عقاب ~~مرده إلى الله - تعالى - وحده. أى وإنى - أيضا - ما أدرى، لعل تأخير ~~عقابكم - بعد أن أعرضتم عن دعوتى - من باب الامتحان والاختبار لكم، أو من ~~باب الاستدراج لكم إلى حين مقدر عنده - سبحانه -، ثم يأخذكم بعد ذلك أخذ ~~عزيز مقتدر. وفى إسناد علم ما سينزل بهم إلى الله - تعالى - وحده، تخويف ~~لهم أى تخويف، وأدب ليس بعده أدب من النبى - صلى الله عليه وسلم - مع ~~الله - عز وجل -. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله { قال رب ~~احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما ~~تصفون } أى قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد أن بلغ الرسالة ~~وأدى الأمانة وهو يتضرع إلى ربه رب احكم بينى وبين هؤلاء الذين آذنتهم ~~على سواء بالحق { وربنا الرحمن } أى الكثير الرحمة على عباده ~~{ المستعان } أى المطلوب منه العون { على ما تصفون } أى ~~على ما تصفونه بألسنتكم من أنواع الكذب والزور والبهتان. وقرأ أكثر ~~القراء السبعة { قل رب احكم بالحق... } بصيغة الأمر. وهذه ~~القراءة تدل على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أمره الله - تعالى ~~- أن يقول ذلك. وصيغة " قال.. " تدل على أن الرسول - صلى الله ms3598 عليه وسلم ~~- قد امتثل أمر ربه، فقال ما أمره بقوله. وبعد فهذا تفسير لسورة ~~الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام - نسأل الله تعالى - أن يجعله خالصا ~~لوجهه، ونافعا لعباده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [22 - سورة الحج] ### || [22.1-2] # افتتحت سورة الحج بهذا النداء الموجه من الخالق - عز وجل - إلى الناس ~~جميعا، يأمرهم فيه بامتثال أمره، وباجتناب نهيه، حتى يفوزوا برضاه يوم ~~القيامة. وقوله - سبحانه - { إن زلزلة الساعة شيء عظيم ~~} تعليل للأمر بالتقوى. قال القرطبى الزلزلة شدة الحركة، ومنه قوله - ~~تعالى - # ... وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا ~~معه متى نصر الله... # وأصل الكلمة من زل فلان عن الموضع، أى زال عنه وتحرك، وزلزل الله قدمه، ~~أى حركها وهذه اللفظة تستعمل فى تهويل الشىء ". وقال الآلوسى " والزلزلة ~~التحريك الشديد، والإزعاج العنيف، بطريق التكرير، بحيث يزيل الأشياء من ~~مقارها، ويخرجها من مراكزها. وإضافتها إلى الساعة، من إضافة المصدر إلى ~~فاعله، لكن على سبيل المجاز فى النسبة كما فى قوله - تعالى - # بل مكر اليل والنهار # لأن المحرك حقيقة هو الله - تعالى -، والمفعول الأرض أو الناس، أو من ~~إضافته إلى المفعول، لكن على إجرائه مجرى المفعول به اتساعا كما فى قوله ~~" يا سارق الليلة أهل الدار... ". والمعنى يأيها الناس اتقوا ربكم إتقاء ~~تاما، بأن تصونوا أنفسكم عن كل ما لا يرضيه، وبأن تسارعوا إلى فعل ما ~~يحبه، لأن ما يحدث فى هذا الكون عند قيام الساعة، شىء عظيم، ترتجف لهوله ~~القلوب، وتخشع له النفوس. وقال - سبحانه - { إن زلزلة الساعة ~~شيء عظيم } بصيغة الإجمال والإبهام لهذا الشىء العظيم، لزيادة ~~التهويل والتخويف. ثم فصل - سبحانه - هذا الشىء العظيم تفصيلا يزيد فى ~~وجل القلوب فقال { يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمآ ~~أرضعت... }. والضمير فى " ترونها " ، يعود إلى الزلزلة لأنها هى ~~المتحدث عنها والظرف " يوم " منصوب بالفعل تذهل، والرؤية بصرية لأنهم ~~يرون ذلك بأعينهم. والذهول الذهاب عن الأمر والانشغال عنه مع دهشة وحيرة ~~وخوف، ومنه قول عبد الله ابن رواحة - رضى الله عنه - # ضربا يزيل الهام عن ms3599 مقيله ويذهل الخليل عن خليله # أى أن هذه الزلزلة من مظاهر شدتها ورهبتها، أنكم ترون الأم بسببها تنسى ~~وتترك وليدها الذى ألقمته ثديها. وكأنها لا تراه ولا تحس به من شدة ~~الفزع. قال صاحب الكشاف " فإن قلت لم قيل { مرضعة } دون مرضع؟ قلت ~~المرضعة التى هى فى حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبى، والمرضع التى من ~~شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع فى حال وصفها به، فقيل مرضعة، ليدل ~~على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه، وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن فيه ~~لما يلحقها من الدهشة { عمآ أرضعت } عن إرضاعها أو عن الذى ~~أرضعته وهو الطفل. # .. ". وقوله - سبحانه - { وتضع كل ذات حمل حملها } بيان ~~لحالة ثانية تدل على شدة الزلزلة وعلى عنف آثارها. أى وترونها - أيضا - ~~تجعل كل حامل تضع حملها قبل تمامه من شدة الفزع. ثم بين - سبحانه - حالة ~~ثالثة لللآثار التى تدل على شدة هذه الزلزلة فقال { وترى الناس ~~سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد }. ~~أى وترى - أيها المخاطب - الناس فى هذا الوقت العصيب، هيئتهم كهيئة ~~السكارى من قوة الرعب والفزع. وما هم على الحقيقة بسكارى، لأنهم لم ~~يشربوا ما يسكرهم ولكن عذاب الله شديد. أى ولكن شدة عذابه - سبحانه - هى ~~التى جعلتهم بهذه الحالة التى تشبه حالة السكارى فى الذهول والاضطراب. ~~وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى فقال " وتراهم سكارى على التشبيه، ~~وما هم بسكارى على التحقيق، ولكن ما رهقهم من خوف عذاب الله، هو الذى ~~أذهب عقولهم، وطير تمييزهم، وردهم فى نحو حال من يذهب السكر بعقله ~~وتمييزه... ". وقد علق صاحب الانتصاف على عبارة صاحب الكشاف هذه فقال قال ~~أحمد والعلماء يقولون إن من أدلة المجاز صدق نقيضه، كقولك زيد حمار، إذا ~~وصفته بالبلادة، ثم يصدق أن تقول وما هو بحمار، فتنفى عنه الحقيقة، فكذلك ~~الآية، بعد أن أثبت السكر المجازى نفى الحقيقة أبلغ نفى مؤكد بالباء، ~~والسر فى تأكيده التنبيه على أن هذا السكر الذى هو بهم فى تلك الحالة ms3600 ليس ~~من المعهود فى شىء، وإنما هو أمر لم يعهدوا مثله من قبل. والاستدراك ~~بقوله { ولكن عذاب الله شديد } راجع إلى قوله { وما ~~هم بسكارى } وكأنه تعليل لإثبات السكر المجازى، فكأنه قيل إذا لم ~~يكونوا سكارى من الخمر فما هذا السكر الغريب وما سببه؟ فقال شدة عذاب ~~الله - تعالى - ". هذا، وقد اختلف العلماء فى وقت هذه الزلزلة المذكورة ~~هنا، فمنهم من يرى أنها تكون فى آخر عمر الدنيا، وأول أحوال الساعة ومنهم ~~من يرى أنها تكون يوم القيامة، بعد خروج الناس من قبروهم للحساب. وقد وفى ~~هذه المسألة حقها الإمام ابن كثير فقال ما ملخصه " قال قائلون هذه ~~الزلزلة كائنة فى آخر عمر الدنيا. وأول أحوال الساعة. وقال آخرون بل ذلك ~~هول وفزع وزلزال وبلبال، كائن يوم القيامة فى العرصات، بعد القيام من ~~القبور. ثم ساق - رحمه الله - سبعة أحاديث استدل بها أصحاب الرأى الثانى. ~~ومن هذه الأحاديث ما رواه الشيخان عن أبى سعيد الخدرى قال قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - # " يقول الله - تعالى - يوم القيامة يا آدم. فيقول لبيك ربنا وسعديك. ~~فينادى بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار، قال يا ~~رب، وما بعث النار؟ قال من كل ألف - أراه قال - تسعمائة وتسعة وتسعين، ~~فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ~~ولكن عذاب الله شديد ". فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم. فقال - صلى ~~الله عليه وسلم - " من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين ومنكم واحد، ~~ثم أنتم فى الناس كالشعرة البيضاء فى الثور الأسود، وإنى لأرجو أن تكونوا ~~ربع أهل الجنة - فكبرنا - ثم قال ثلث أهل الجنة - فكبرنا - ثم قال شطر ~~أهل الجنة فكبرنا " ". # وعلى الرأى الأول تكون الزلزلة بمعناها الحقيقى، بأن تتزلزل الأرض ~~وتضطرب، ويعقبها طلوع الشمس من مغربها، ثم تقوم الساعة. وعلى الرأى ~~الثانى تكون الزلزلة المقصود بها شدة الخوف والفزع، كما فى قوله - تعالى ~~- فى شأن المؤمنين بعد أن أحاطت بهم جيوش الأحزاب # هنالك ابتلي ms3601 المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا # فالمقصود أصيبوا بالفزع والخوف، وليس المقصود أن الأرض تحركت واضطربت من ~~تحتهم. وبعد هذا الافتتاح الذى يغرس الخوف فى النفوس، ويحملها على تقوى ~~الله وخشيته، ساقت السورة حال نوع من الناس يجادل بالباطل، ويتبع خطوات ~~الشيطان، فقال - تعالى - { ومن الناس.. }. ### || [22.3-4] # و { من } فى قوله { ومن الناس } للتبعيض. وقوله { يجادل } ~~من الجدال بمعنى المفاوضة على سبيل المنازعة والمخاصمة والمغالبة، مأخوذ ~~من جدلت الحبل. أى أحكمت فتله، كأن المتجادلين يحاول كل واحد منهما أن ~~يقوى رأيه، ويضعف رأى صاحبه. والمراد بالمجادلة فى الله المجادلة فى ذاته ~~وصفاته وتشريعاته. وقوله { بغير علم } حال من الفاعل فى يجادل. ~~وهى حال موضحة لما تشعر به المجادلة هنا من الجهل والعناد. أى ومن الناس ~~قوم استولى عليهم الجهل والعناد، لأنهم يجادلون وينازعون فى ذات الله ~~وصفاته، وفى وحيه وفى أحكامه بغير مستند من علم عقلى أو نقلى، وبغير دليل ~~أو ما يشبه الدليل. وقوله - سبحانه - { ويتبع كل شيطان ~~مريد } معطوف على ما قبله. والمريد والمتمرد البالغ أقصى الغاية فى ~~الشر والفساد، يقال مرد فلان على كذا - من باب نصر وظرف - إذا عتا وتجبر ~~واستمر على ذلك. وأصل المادة للملاسة والتجرد، ومنه قولهم شجرة مرداء أى ~~ملساء لا ورق لها. وغلام أمرد. أى لم ينبت فى ذقنه شعر.. أى يجادل فى ذات ~~الله وصفاته بغير علم يعلمه، ويتبع فى جداله وتطاوله وعناده، كل شيطان ~~عاد عن الخير، متجرد للفساد، لا يعرف الحق أو الصلاح، ولا هما يعرفانه، ~~وإنما هو خالص للشر والغى والمنكر من القول والفعل. وتقييد الجدال بكونه ~~بغير علم، يفهم منه أن الجدال بعلم لإحقاق الحق وإبطال الباطل، سائغ ~~محمود، ولذا قال الإمام الفخر الرازى " هذه الآية بمفهومها تدل على جواز ~~المجادلة الحقة، لأن تخصيص المجادلة مع عدم العلم بالدلائل، يدل على أن ~~المجادلة مع العلم جائزة " ، فالمجادلة الباطلة هى المرادة من قوله - ~~تعالى - # ما ضربوه لك إلا جدلا.. # والمجادلة الحقة هى المرادة من قوله # وجادلهم بالتي هي أحسن.. # ثم ms3602 بين - سبحانه - سوء عاقبة هذا المجادل بالباطل، والمتبع لكل شيطان ~~مريد، فقال { كتب عليه أنه من تولاه فأنه ~~يضله ويهديه إلى عذاب السعير }. أى كتب على هذا ~~الشيطان، وقضى عليه " أنه من تولاه " أى اتخذه وليا وقدوة له " فأنه يضله ~~" أى فشأن هذا الشيطان أن يضل تابعه عن كل خير " ويهديه إلى عذاب السعير ~~" أى وأن شأن هذا الشيطان - أيضا - أن يهدى متبعه إلى طريق النار ~~المستعرة، وفى التعبير بقوله { ويهديه إلى عذاب السعير } ~~تهكم بمن يتبع هذا الشيطان، إذ سمى - سبحانه - قيادة الشيطان لأتباعه ~~هداية.. وقد ذكر كثير من المفسرين أن هاتين الآيتين نزلتا فى شأن النضر ~~بن الحارث أو العاص بن وائل، أو أبى جهل. # . وكانوا يجادلون النبى - صلى الله عليه وسلم - بالباطل. ومن المعروف أن ~~نزول هاتين الآيتين فى شأن هؤلاء الأشخاص، لا يمنع من عمومهما فى شأن كل ~~من كان على شاكلة هؤلاء الأشقياء، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ~~ولذا قال صاحب الكشاف " وهى عامة فى كل من تعاطى الجدال فيما يجوز على ~~الله وما لا يجوز، من الصفات والأفعال. ولا يرجع إلى علم. ولا يعض فيه ~~بضرس قاطع، وليس فيه اتباع البرهان، ولا نزول على النصفة، فهو يخبط خبط ~~عشواء، غير فارق بين الحق والباطل ". ثم ساق - سبحانه - أهم القضايا التى ~~جادل فيها المشركون بغير علم، واتبعوا فى جدالهم خطوات الشيطان، وهى قضية ~~البعث، وأقام الأدلة على صحتها، وعلى أن البعث حق وواقع فقال - تعالى - { ~~يأيها الناس... }. ### || [22.5-7] # قال أبو حيان فى البحر لما ذكر - سبحانه - من يجادل فى قدرة الله بغير ~~علم، وكان جدالهم فى الحشر والمعاد، ذكر دليلين واضحين على ذلك. أحدهما ~~فى نفس الإنسان وابتداء خلقه. وتطوره فى أطوار سبعة، وهى التراب، ~~والنطفة، والعلقة، والمضغة، والإخراج طفلا، وبلوغ الأشد، والتوفى أو ~~الرد إلى أرذل العمر. والدليل الثانى فى الأرض التى يشاهد تنقلها من حال ~~إلى حال فإذا اعتبر العاقل ذلك ثبت عنده جوازه عقلا، فإذا ورد الشرع ~~بوقوعه، وجب التصديق ms3603 به، وأنه واقع لا محالة. والمراد بالناس هنا ~~المشركون وكل من كان على شاكلتهم فى إنكار أمر البعث واستبعاده، لأن ~~المؤمنين يعترفون بأن البعث حق، وأنه واقع بلا أدنى شك أو ريب. والمعنى ~~يأيها الناس إن كنتم فى شك من أمر إعادتكم إلى الحياة مرة أخرى للحساب ~~يوم القيامة، فانظروا وتفكروا فى مبدأ خلقكم، فإن هذا التفكر من شأنه أن ~~يزيل هذا الشك، لأن الذى أوجدكم الإيجاد الأول. وخلقكم من التراب، قادر ~~على إعادتكم إلى الحياة مرة أخرى، إذ الإعادة - كما يعرف كل عاقل - أيسر ~~من ابتداء الفعل. وقد قرب - سبحانه - هذا المعنى فى أذهانكم فى آيات ~~كثيرة، منها قوله - تعالى - # وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض ~~وهو العزيز الحكيم # وأتى - سبحانه - بأن المفيدة للشك فقال { إن كنتم في ريب من ~~البعث } مع أن كونهم فى ريب أمر محقق تنزيلا للمحقق منزلة المشكوك ~~فيه، وتنزيها لموضوع البعث عن أن يتحقق الشك فيه من أى عاقل، وتوبيخا ~~لهم لوضعهم الأمور فى غير مواضعها. ووجه الإتيان بفى الدالة على ~~الظرفية، للإشارة إلى أنهم قد امتلكهم الريب وأحاط بهم إحاطة الظرف ~~بالمظروف. قال الآلوسى " وقوله { فإنا خلقناكم من تراب } ~~دليل جواب الشرط، أو هو الجواب بتأويل، أى إن كنتم فى ريب من البعث، ~~فانظروا إلى مبدأ خلقكم ليزول ريبكم، فإنا خلقناكم من تراب، وخلقهم من ~~تراب فى ضمن خلق أبيهم آدم منه... ". وقال بعض العلماء ما ملخص والتحقيق ~~فى معنى قوله - تعالى { فإنا خلقناكم من تراب } أنه - ~~سبحانه - خلق أباهم آدم منه، ثم خلق من آدم زوجه حواء، ثم خلق الناس ~~منهما عن طريق التناسل. فلما كان أصلهم الأول من تراب، أطلق عليهم أنه ~~خلقهم من تراب لأن الفروع تتبع الأصل. وعلى ذلك يكون خلقهم من تراب هو ~~الطور الأول.. ". ثم بين - سبحانه - الطور الثانى من أطوار خلق الإنسان ~~فقال { ثم من نطفة } وهذا اللفظ مأخوذ من النطف - بفتح النون مع ~~التشديد وإسكان الطاء ms3604 - بمعنى السيلان والتقاطر. # يقال نطفت القربة، إذا تقاطر الماء منها بقلة. والنطفة تطلق فى اللغة ~~على الماء القليل، والمراد بها هنا الماء المختلط من الرجل والمرأة عند ~~الجماع، والمعبر عنه بالمنى. وقوله { ثم من علقة } هو الطور ~~الثالث. والعلقة جمعها علق، وهى قطعة من الدم جامدة، تتحول إليها النطفة. ~~وقوله { ثم من مضغة } هو الطور الرابع، والمضغة قطعة صغيرة من ~~اللحم تحول إليها العلقة. وقوله - سبحانه - { مخلقة وغير ~~مخلقة } صفة للمضغة. والمراد بالمخلقة التامة الخلقة، السالمة من ~~العيوب، والمراد بغير المخلقة ما ليست كذلك كأن تكون ناقصة الخلقة. وقد ~~اكتفى بهذا المعنى صاحب الكشاف فقال " والمخلقة " المستواة الملساء من ~~النقصان والعيب يقال خلق السواك والعود، إذا سواه وملسه، من قولهم صخرة ~~خلقاء، إذا كانت ملساء. كأن الله - تعالى - يخلق المضغ متفاوتة. منها. ما ~~هو كامل الخلقة أملس من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك، فيتبع ذلك ~~التفاوت، تفاوت الناس فى خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم... ~~". وقيل " مخلقة " أى مستبينة الخلق، ظاهرة التصوير. " وغير مخلقة " أى ~~لم يستبن خلقها ولا ظهر تصويرها كالسقط الذى هو مضغة ولم تظهر صورته ~~الإنسانية بعد. وقيل " مخلقة " أى نفخ فيها الروح. " وغير مخلقة " أى لم ~~ينفخ فيها الروح. ويبدو لنا أن ما ذهب إليه صاحب الكشاف واكتفى به أولى ~~بالقبول، لأنه هو المشهور من كلام العرب. فهم يقولون حجر أخلق أى أملس ~~مصمت لا يؤثر فيه شىء، وصخرة خلقاء، أى ليس بها تشويه أو كسر. وقوله - ~~تعالى - { لنبين لكم } متعلق بقوله { خلقناكم } أى ~~خلقناكم على هذا النحو العجيب، وفى تلك الأطوار البديعة. لنبين لكم كمال ~~قدرتنا، وبليغ حكمتنا. وأننا لا يعجزنا إعادة كل حى إلى الحياة بعد موته. ~~وحذف مفعول " نبين " للإشعار بأن أفعاله - تعالى - الدالة على كمال ~~قدرته، لا يحيط بها وصف، ولا تمدها عبارة.. أى لنبين لكم عن طريق ~~المشاهدة، ما يدل على كمال قدرتنا دلالة يعجز الوصف عن الإحاطة بها. ~~وقوله - تعالى - { ونقر في الأرحام ما نشآء إلى أجل ~~مسمى ms3605 } كلام مستأنف مسوق لبيان أحوال الناس بعد تمام خلقهم، وتوارد ~~تلك الأطوار عليهم. أى ونقر ونثبت فى أرحام الأمهات ما نشاء إقراره ~~وثبوته فيها من الأجنة والأحمال، إلى أجل معلوم عندنا. وهو الوقت المحدد ~~للولادة والوضع، وما لم نشأ إقراره من الحمل لفظته الأرحام وأسقطته، إذ ~~كل شىء بمشيئتنا وإرادتنا. وقوله - تعالى - { ثم نخرجكم طفلا ~~} بيان للطور الخامس من أطوار خلق الإنسان. # أى ثم نخرجكم من أرحام أمهاتكم بعد استقراركم فيها إلى الوقت الذى ~~حددناه، طفلا صغيرا. أى أطفالا صغارا، وإنما جاء مفردا باعتبار ~~إرادة الجنس الشامل للواحد والمتعدد، او باعتبار كل واحد منهم، وهو حال ~~من ضمير المخاطبين. ومن الأساليب العربية المعهودة، أن الاسم المفرد إذا ~~كان اسم جنس. يكثر إطلاقه على الجمع، ومن ذلك قوله - تعالى - # واجعلنا للمتقين إماما # أى أئمة. وقوله - سبحانه - # فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا.. # أى أنفسا، ومن هذا القبيل قول الشاعر # وكان بنو فزارة شر عم فكنت لهم كشر بنى الأخينا # أى شر أعمام. وقوله تعالى - { ثم لتبلغوا أشدكم } بيان ~~للطور السادس، والأشد قوة الإنسان وشدته واشتعال حرارته، من الشدة بمعنى ~~الارتفاع والقوة، يقال شد النهار إذا ارتفع، وهو مفرد جاء بصيغة الجمع، ~~أو جمع لا واحد له، أو جمع شدة - كأنعم ونعمة -. قال الآلوسى " والجملة ~~علة لنخرجكم، وهى معطوفة على علة أخرى مناسبة لها. كأنه قيل ثم نخرجكم ~~لتكبروا شيئا فشيئا ثم لتبلغوا أشدكم، أى كمالكم فى القوة والعقل ~~والتمييز.. وقيل علة لمحذوف. والتقدير ثم نمهلكم لتبلغوا أشدكم... وتقديم ~~التبيين " لنبين لكم " على ما بعده، مع أن حصوله بالفعل بعد الكل، ~~للإيذان بأنه غاية الغايات ومقصود بالذات. وإعادة اللام فى " لتبلغوا " ~~مع تجريد " نقر، ونخرج " عنها، للإشعار بأصالة البلوغ بالنسبة إلى ~~الإقرار والإخراج إذ عليه يدور التكليف المؤدى إلى السعادة والشقاوة ". ~~وقوله - سبحانه - { ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد ~~إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا ~~} بيان للطور السابع والأخير. أى منكم - أيها الناس - من يبلغ أشده فى ~~هذه ms3606 الحياة، ومنكم من يموت قبل ذلك، ومنكم من يعيش إلى أرذل العمر أى ~~أخسه وأدونه، فيصير من بعد علمه بالأشياء وفهمه لها، لا علم له ولا فهم، ~~شأنه فى ذلك شأن الأطفال. قال - تعالى - # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه ~~أسفل سافلين # فالآية الكريمة تصور أطوار خلق الإنسان ومراحل حياته أكمل تصوير، ~~للتنبيه على مظاهر قدرة الله - تعالى - وعلى أن البعث حق وصدق. وبعد ~~إقامة هذا الدليل من نفس الإنسان وتطور خلقه على صحة البعث، ساق - ~~سبحانه - الدليل الثانى عن طريق مشاهدة الأرض وتنقلها من حال إلى حال، ~~فقال - تعالى - { وترى الأرض هامدة فإذآ أنزلنا ~~عليها المآء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج ~~بهيج }. وقوله { هامدة } أى يابسة، يقال همدت الأرض تهمد - بضم ~~الميم - همودا، إذا يبست. ومعنى " اهتزت " تحركت، يقال هز فلان الشىء ~~فاهتز، إذا حركه فتحرك. # ومعنى " ربت " زادت بسبب تداخل الماء والنبات فيها، يقال ربا الشىء يربو ~~ربوا، إذا زاد ونما، ومنه الربا والربوة. أى وترى - أيها العاقل - ببصرك ~~الأرض يابسة لا نبات فيها، فإذا ما أنزلنا عليها بقدرتنا الماء، تحركت ~~بسبب خروج النبات منها، وانتفخت بسبب ما يتخللها من الماء والنبات، ~~وأنبتت بعد ذلك من كل صنف بهيج نضر حسن المنظر. وشبيه بهذه الآية فى أن ~~إحياء الأرض بعد موتها دليل على إحياء الناس بعد موتهم، بقدرة الله - ~~تعالى - وإرادته، قوله - عز وجل - # ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذآ أنزلنا ~~عليها المآء اهتزت وربت إن الذي أحياها ~~لمحى الموتى إنه على كل شيء قدير # ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما يدل على وحدانيته وقدرته فقال { ذلك ~~بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه ~~على كل شيء قدير }. واسم الإشارة يعود إلى المذكور من خلق ~~الإنسان وإحياء الأرض بعد موتها.. أى ذلك الذى ذكرناه لكم دليل واضح، ~~وبرهان قاطع، على أن الله - تعالى - هو الإله الحق، الذى يجب أن تخلصوا ~~له العبادة والطاعة، لأنه هو وحده الخالق لكل شىء، ولأنه هو وحده الذى ms3607 ~~يعيد الموتى إلى الحياة، ولأنه هو وحده الذى لا يعجزه شىء. وخص - سبحانه ~~- إحياء الموتى بالذكر، مع أن من جملة الأشياء المقدور عليها. للتصريح ~~بما هو محل النزاع وهو البعث، ولدحض شبه المنكرين له. ثم أكد - سبحانه - ~~ذلك تأكيدا دامغا فقال { وأن الساعة } وما تشتمل عليه من حساب ~~وثواب وعقاب { آتية لا ريب فيها } أى لا ريب ولا شك فى إتيانها ~~فى الوقت الذى يريده الله - تعالى -. { وأن الله } - تعالى - وحده ~~{ يبعث من في القبور } ليحاسبهم على أعمالهم. وبذلك نرى ~~الآيات الكريمة قد أقامت أعظم الأدلة وأوضحها على وحدانية الله - تعالى - ~~وقدرته، وعلى أن البعث حق وصدق وأنه آت لا ريب فيه. ثم ساقت السورة ~~الكريمة بعد ذلك نموذجين لصنفين من الناس، أحدهما متكبر مغرور، والآخر ~~مذبذب لا ثبات له فى عقيدة فقال - تعالى - { ومن الناس.. }. ### || [22.8-13] # قال ابن كثير - رحمه الله - " لما ذكر - تعالى - حال الضلال الجهال ~~المقلدين لغيرهم فى الآية الثالثة من هذه السورة وهى قوله - سبحانه - # ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع ~~كل شيطان مريد # ذكر فى هذه حال الدعاة إلى الضلال من رءوس الكفر والبدع، فقال { ومن ~~الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا ~~كتاب منير } أى بلا عقل صحيح. ولا نقل صحيح صريح بل بمجرد الرأى ~~والهوى ". ولعل مما يؤيد ما ذهب إليه ابن كثير من أن الآية الثالثة من ~~هذه السورة فى شأن المقلدين لغيرهم، أنه - سبحانه - قال فيها فى شأنهم # ويتبع كل شيطان مريد # أما فى هذه الآية فقد قال فى شأن هذا النوع من الناس { ثاني عطفه ~~ليضل عن سبيل الله... } أى ليضل غيره ويصرفه عن طاعة الله - ~~تعالى - واتباع طريقه الحق. وقد نفت الآية الكريمة عن هذا المجادل، ~~استناده إلى أى دليل أو ما يشبه الدليل، فهو يجادل فى ذات الله - تعالى - ~~وفى صفاته " بغير علم " يستند إليه وبغير " هدى " يهديه ويرشده إلى الحق ~~وبغير " كتاب منير " أى وبغير وحى ينير عقله وقلبه، ويوضح له ms3608 سبيل ~~الرشاد. فأنت ترى أن الآية قد جردت هذا المجادل من أى مستند إليه فى ~~جداله سواء كان عقليا أم نقليا، بل أثبتت له الجهالة من جميع الجهات. ~~ثم صورته السورة الكريمة بعد ذلك بتلك الصورة المزرية، صورة الجاهل ~~المغرور المتعجرف، فقال - تعالى - { ثاني عطفه ليضل عن ~~سبيل الله }. وقوله { ثاني } من الثنى بمعنى اللى والميل ~~عن الاستقامة. يقال فلان ثنى الشىء إذا رد بعضه على بعض فانثنى أى مال ~~والتوى. والعطف - بكسر العين - الجانب، وهذا التعبير كناية عن غرروه ~~وصلفه مع جهله. أى أنه مع جداله بدون علم، متكبر معجب بنفسه، معرض عن ~~الحق، مجتهد فى إضلال غيره عن سبيل الله - تعالى - وعن الطريق الذى يوصل ~~إلى الرشاد. ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة هذا الجاهل المغرور المضل لغيره ~~فقال و { له في الدنيا خزي } أى هوان وذله وصغار. { ~~ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق } أى ونجعله يوم ~~القيامة يدرك طعم العذاب المحرق. ويصطلى به جزاء غروره وشموخه فى الدنيا ~~بغير حق. وتقول له ملائكتنا وهى تصب عليه ألوان العذاب { ذلك بما ~~قدمت يداك } أى ذلك الذى تتذوقه من عذاب محرق سببه جهلك وغرورك ~~وإصرارك على الكفر، وحرصك على إضلالك لغيرك. وأسند - سبحانه - سبب ما نزل ~~بهذا الكافر من خزى وعذاب إلى يديه، لأنهما الجارحتان اللتان يزاول بهما ~~أكثر الأعمال. # وقوله - سبحانه - { وأن الله ليس بظلام للعبيد } ~~بيان لعدله - تعالى - مع عباده، أى وأن الله - تعالى - ليس بذى ظلم ~~لعباده أصلا، حتى يعذبهم بدون ذنب، بل هو عادل رحيم بهم، ومن مظاهر عدله ~~ورحمته أنه يضاعف الحسنات، ويعاقب على السيئات، ويعفو عن كثير من ذنوب ~~عباده. ثم بين - سبحانه - نوعا آخر من الناس، لا يقل جرما عن سابقه ~~فقال - تعالى - { ومن الناس من يعبد الله على حرف ~~فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة ~~انقلب على وجهه.. }. قال صاحب الكشاف " على حرف " أى على طرف ~~من الدين لا فى وسطه وقلبه. وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب فى دينهم لا ms3609 ~~على سكون وطمأنينة، كالذى يكون على طرف من العسكر، فإن أحس بظفر وغنيمة ~~قر واطمأن، وإلا فر وطار على وجهه... ". وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول ~~هذه الآية روايات منها ما أخرجه البخارى عن ابن عباس قال كان الرجل يقدم ~~المدينة، فإذا ولدت أمرأته غلاما، ونتجت خيله. قال هذا دين صالح، وإن لم ~~تلد امرأته، ولم تنتج خيله قال هذا دين سوء... ". والمتأمل فى هذه الآية ~~الكريمة يراها قد صورت المذبذبين فى عقيدتهم أكمل تصوير، فهم يقيسون ~~العقيدة بميزان الصفقات التجارية، إن ربحوا من ورائها فرحوا، وإن خسروا ~~فيها أصابهم الغم والحزن. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فى شأن ~~المنافقين # ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها ~~رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون # والتعبير بقوله - سبحانه - { على حرف } يصور هذا النوع من الناس، ~~وكأنه يتأرجح فى عبادته كما يتأرجح من يكون على طرف الشىء. فهو معرض ~~للسقوط فى أية لحظة. والمراد من الخير فى قوله - تعالى - { فإن ~~أصابه خير اطمأن به } الخير الدنيوى من صحة وغنى ومنافع ~~دنيوية. أى فإن نزل بهذا المذبذب فى عبادته خير دنيوى { اطمأن به ~~} أى ثبت على ما هو عليه من عبادة ثباتا ظاهريا، وليس ثباتا قلبيا ~~حقيقيا كما هو شأن المؤمنين الصادقين الذين لا يزحزحهم عن إيمانهم وعد ~~أو وعيد. { وإن أصابته فتنة } أى مصيبة أو شر { انقلب ~~على وجهه } أى ارتد ورجع عن عبادته ودينه إلى الكفر والمعاصى. ~~وقوله - تعالى - { خسر الدنيا والآخرة ذلك هو ~~الخسران المبين } بيان لسوء عاقبة صنيعه. أى هذا الذى يعبد الله ~~على حرف، جمع على نفسه خسارتين، خسارة الدنيا بسبب عدم حصوله على ما ~~يريده منها، وخسارة الآخرة بسبب ارتداده إلى الكفر وغشيان السيئات، وذلك ~~الذى جمعه على نفسه هو الخسران الواضح، الذى لا ينازع فى شأنه عاقلان، إذ ~~لا خسران أشد وأظهر، من الخسران الذى ضيع دنياه وآخرته. # ثم بين - سبحانه - مظاهر خسران هذا المذبذب، وأحواله القبيحة فقال { ~~يدعو من دون الله ما لا ms3610 يضره وما لا ينفعه.. }. ~~أى يعبد سوى الله - تعالى - أوثانا وأصناما، إن ترك عبادتها لا تستطيع ~~أن تضره، وإن عبدها فلن تستطيع أن تنفعه. و { ذلك } الذى يفعله هذا ~~الشقى من عبادته لما لا يضر ولا ينفع { هو الضلال البعيد } ~~بعدا شاسعا عن كل صواب ورشاد. ثم أضاف - سبحانه - إلى تبكيت هذا ~~المذبذب وتقريعه تقريعا آخر فقال { يدعو لمن ضره أقرب من ~~نفعه لبئس المولى ولبئس العشير }. والمولى هو كل ~~من انعقد بينك وبينه سبب، يجعلك تواليه ويواليك، وتناصره ويناصرك. ~~والعشير هو من يعاشرك ويخالطك فى حياتك. أى يعبد هذا الإنسان الجاهل ~~المضطرب، معبودا ضرره أقرب من منفعته، لبئس الناصر ولبئس الصاحب هذا ~~المعبود. فإن قيل كيف نجمع بين هذه الآية التى جعلت المعبود الباطل ضرره ~~أقرب من نفعه، وبين الآية السابقة عليها والتى نفت الضر والنفع نفيا ~~تاما. وقد أجاب العلماء عن هذا التساؤل بإجابات منها أن لفظ " يدعو " فى ~~الآية الثانية بمعنى يقول. وقد صدر الألوسى تفسيره للآية بهذا الرأى فقال ~~ما ملخصه " قوله - تعالى - { يدعو لمن ضره أقرب من ~~نفعه }. استئناف يبين مآل دعائه وعبادته غير الله - تعالى - ويقرر ~~كون ذلك ضلالا بعيدا. فالدعاء هنا بمعنى القول. أى يقول الكافر يوم ~~القيامة برفع صوت، وصراخ حين يرى تضرره بمعبوده ودخوله النار بسببه، ولا ~~يرى منه أثرا مما كان يتوقعه منه من نفع أو دفع ضر والله لبئس الذى يتخذ ~~ناصرا - من دون الله - ولبئس الذى يعاشر ويخالط، فكيف بما هو ضرر محض، ~~عار من النفع بالكلية، وفى هذا من المبالغة فى تقبيح حال الصنم والإمعان ~~فى ذمه ما لا يخفى... ". ومنها ما ذكره الإمام القرطبى فقال قوله - ~~تعالى - { يدعو لمن ضره أقرب من نفعه } أى هذا الذى ~~انقلب على وجهه يدعو من ضره أدنى من نفعه، أى فى الآخرة، لأنه بعبادته ~~دخل النار. ولم يرد منه نفعا أصلا، ولكنه قال ضره أقرب من نفعه، ~~ترفيعا للكلام، كقوله - تعالى - # وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ms3611 # ومنها ما ذكره بعض العلماء من أن الآية الأولى فى شأن الذين يعبدون ~~الأصنام، إذ الأصنام لا تنفع من عبدها، ولا تضر من كفر بها، ولذا قال ~~فيها ما لا يضره وما لا ينفعه، والقرينة على أن المراد بذلك الأصنام، ~~التعبير بلفظة " ما " فى قوله { ما لا يضره وما لا ينفعه } ~~لأن لفظ " ما " يأتى - غالبا - لما لا يعقل. # والأصنام لا تعقل. أما الآية الثانية فهى فى شأن من عبد بعض الطغاة من ~~دون الله، كفرعون القائل لقومه " ما علمت لكم من إله غيرى " فإن فرعون ~~وأمثاله من الطغاة المعبودين، قد يغدقون نعم الدنيا على عابديهم. وهذا ~~النفع الدنيوى بالنسبة لما سيلاقونه من عذاب لا شىء. فضر هذا المعبود ~~بخلود عابده فى النار. أقرب من نفعه بعرض قليل زائل من حطام الدنيا. ~~والقرينة على أن المراد بالمعبود الباطل فى الآية الثانية بعض الطغاة ~~الذين هم من جنس العقلاء هى التعبير " بمن " التى تأتى - غالبا - لمن ~~يعقل، كما قال - تعالى - { يدعو لمن ضره أقرب من ~~نفعه.. }. ويبدو لنا أن هذا القول الأخير له وجه من القبول. وبذلك ~~نرى السورة الكريمة قد ساقت لنا نماذج من أحوال الناس فى هذه الحياة. لكى ~~يحذرهم المؤمنون ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حى عن بينة. ثم بينت ~~السورة الكريمة ما أعده الله - تعالى - للمؤمنين الصادقين من حسن الثواب، ~~بعد أن صرحت بما توعد به - سبحانه - المجادلين فيه بغير علم بسوء العقاب، ~~فقال - تعالى - { إن الله يدخل الذين آمنوا... }. ### || [22.14] # أى إن الله - تعالى - بفضله وكرمه، يدخل عباده { الذين آمنوا } إيمانا ~~حقا، { وعملوا } الأعمال { الصالحات جنات تجرى من } تحت أشجارها، { ~~الأنهار } إن الله - تعالى - يفعل ما يريد فعله على حسب ما تقتضيه حكمته ~~ومشيئته دون أن ينازعه فى ذلك منازع. أو يعارضه معارض، فهو - سبحانه - لا ~~يسأل عما يفعل. ثم بين - سبحانه - أن نصره لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ~~آت لا شك فيه مهما كره ذلك الكارهون، فقال - تعالى - { من كان... }. ### || [22.15-16] # وللعلماء فى ms3612 تفسير الآية الأولى أقوال أولها أن الضمير فى قوله { ~~يظن } يعود إلى أعداء النبى - صلى الله عليه وسلم - وفى قوله { ~~ينصره } يعود إليه - صلى الله عليه وسلم -. والمعنى { من كان ~~يظن } من الكافرين الكارهين للحق الذى جاء به محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - { أن لن ينصره الله }. أى أن لن ينصر الله نبيه - صلى ~~الله عليه وسلم - { في الدنيا والآخرة فليمدد } هذا ~~الكافر { بسبب } أى بحبل إلى السماء، أى سقف بيته، لأن العرب تسمى كل ~~ما علاك فهو سماء. { ثم ليقطع } ثم ليختنق هذا الكافر بهذا ~~الحبل، بأن يشده حول عنقه ويتدلى من الحبل المعلق بالسقف حتى يموت. { ~~فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ } أى فليتفكر هذا ~~الكافر فى أمره، هل يزيل فعله هذا ما امتلأت به نفسه من غيط لنصر الله - ~~تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم -؟ كلا، فإن ما يفعله بنفسه من ~~الاختناق والغيظ، لن يغير شيئا من نصر الله - تعالى - لنبيه - صلى الله ~~عليه وسلم -، فليمت هذا الكافر بغيظه وكيده. فالمقصود بالآية الكريمة، ~~بيان أن ما قدره الله - تعالى - من نصر لنبيه - صلى الله عليه وسلم - لن ~~يحول بين تنفيذه حائل، مهما فعل الكافرون، وكره الكارهون، فليموتوا ~~بغيظهم، فإن الله - تعالى - ناصر نبيه لا محالة. وصح عود الضمير فى قوله ~~{ أن لن ينصره } إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - مع أنه لم يسبق ~~له ذكر، لأن الكلام دال عليه فى الآيات السابقة، إذ المراد بالإيمان فى ~~قوله - تعالى - فى الآية السابقة # إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات... # الإيمان بصدق النبى - صلى الله عليه وسلم - فيما جاء به عند ربه - ~~تعالى -. وعبر - سبحانه - عن اختناق هذا الحاقد بالحبل بقوله { ثم ~~ليقطع } لأن قطع الشىء يؤدى إلى انتهائه وهلاكه، والمفعول محذوف. ~~والتقدير ثم ليقطع نفسه أو حياته. وقد صدر صاحب الكشاف تفسيره للآية بهذا ~~القول فقال هذا كلام قد دخله اختصار. والمعنى إن الله ناصر رسوله فى ~~الدنيا والآخرة، فمن كان يظن من حاسديه وأعاديه أن الله يفعل ms3613 خلاف ذلك.. ~~فليستقص وسعه، وليستفرغ مجهوده فى إزالة ما يغيظه. بأن يفعل ما يفعله من ~~بلغ به الغيظ كل مبلغ، حتى مد حبلا إلى سماء بيته فاختنق، فلينظر - هذا ~~الحاسد - وليصور فى نفسه أنه إن فعل ذلك هل يذهب نصر الله الذى يغيظه؟ ~~وسمى - سبحانه - فعل هذا الكافر كيدا، لأنه وضعه موضع الكيد، حيث لم ~~يقدر على غيره، أو سماه كذلك على سبيل الاستهزاء، لأنه لم يكد به محسوده، ~~إنما كاد نفسه. # والمراد إنه ليس فى يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظه... ". وثانيها إن ~~الضمير فى قوله { لن ينصره } يعود إلى " من " فى قوله { من كان ~~يظن } وأن النصر هنا بمعنى الرزق.. فيكون المعنى من كان من الناس يظن ~~أن لن يرزقه الله فى الدنيا والآخرة فليختنق، وليقتل نفسه، إذ لا خير فى ~~حياة ليس فيها رزق الله وعونه، أو فليختنق، فإن اختناقه لن يغير شيئا ~~مما قضاه الله - تعالى -. قال الآلوسى واستظهر أبو حيان كون الضمير فى " ~~ينصره " عائدا على " من " لأنه المذكور، وحق الضمير أن يعود على ~~مذكور... وفسر النصر بالرزق. قال أبو عبيدة وقف علينا سائل من بنى بكر ~~فقال من ينصرنى نصره الله - أى من يرزقنى رزقه الله. والمعنى أن الارزاق ~~بيد الله - تعالى - لا تنال إلا بمشيئته، فمن ظن أن الله - تعالى - غير ~~رازقه، ولم يصبر ولم يستسلم فليختنق، فإن ذلك لا يقلب القسمة ولا يرده ~~مرزوقا. والغرض الحث على الرضا بما قسمه الله - تعالى - لا كمن يعبده ~~على حرف.... وثالثها أن الآية فى قوم من المسلمين استبطأوا نصر الله - ~~تعالى - لاستعجالهم وشدة غيظهم وحنقهم على المشركين، فنزلت الآية لبيان ~~أن كل شىء عند الله بمقدار. ويكون المعنى من كان من الناس يظن أن لن ~~ينصره الله، واستبطأ حدوث ذلك، فليمت غيظا. لأن للنصر على المشركين ~~وقتا لا يقع إلا فيه بإذن الله ومشيئته. ويبدو أن أقرب الأقوال إلى ~~الصواب، القول الأول، وعليه جمهور المفسرين، ويؤيده قوله - تعالى - # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في ms3614 الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد # وقوله - سبحانه - # ... وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ~~قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور # ثم مدح - سبحانه - القرآن الكريم فقال { وكذلك أنزلناه آيات ~~بينات... } أى ومثل ذلك الإنزال البليغ الواضح، أنزلنا القرآن آيات ~~بينات الدلالة على معانيها الحكيمة، وتوجيهاتها السديدة. وأن الله - ~~تعالى - يهدى من يريد هدايته إلى صراطه المستقيم، فهو الهادى الذى ليس ~~هناك من هاد سواه. ثم بين - سبحانه - أن مرد الفصل بين الفرق المختلفة ~~إليه وحده. إذ هو العليم بكل ما عليه كل فرقة من حق أو باطل، فقال - ~~تعالى - { إن الذين آمنوا والذين هادوا... }. ### || [22.17] # ففى هذه الآية الكريمة حدثنا القرآن عن ست فرق من الناس أما الفرقة ~~الأولى، فهى فرقة الذين آمنوا، والمراد بهم الذين آمنوا بالنبى - صلى ~~الله عليه وسلم - وصدقوه واتبعوه. وابتدأ القرآن بهم، للإشعار بأن دين ~~الإسلام هو الدين الحق، القائم على أساس أن الفوز برضا الله - تعالى - ~~لا ينال إلا الإيمان والعمل الصالح، ولا فضل لأمة على أمة إلا بذلك، كما ~~قال - تعالى - # إن أكرمكم عند الله أتقاكم # وأما الفرقة الثانية فهى فرقة الذين هادوا أى صاروا يهودا. يقال هاد ~~فلان وتهود أى دخل فى اليهودية. وسموا يهودا نسبة إلى " يهوذا " أحد ~~أولاد يعقوب - عليه السلام -، وقلبت الذال دال عند التعريب. أو سموا ~~يهودا حين تابوا من عبادة العجل مأخوذ من هاد يهود هودا بمعنى تاب. ومنه ~~قوله - تعالى - # إنا هدنآ إليك # أى تبنا إليك. والفرقة الثالثة هى فرقة " الصابئين " جمع صابئ، وهو ~~الخارج من دين إلى آخر. يقال صبأ الظلف والناب والنجم - كمنع وكرم - ~~إذا طلع. والمراد بهم الخارجون من الدين الحق إلى الدين الباطل. وهم قوم ~~يعبدون الكواكب والملائكة ويزعمون أنهم على دين صابئ بن شيث ابن آدم. ~~والفرقة الرابعة هى فرقة " النصارى " جمع نصران بمعنى نصرانى كندامى ~~وندمان. والياء فى نصرانى للمبالغة، وهم قوم عيسى - عليه السلام -، قيل ~~سموا بذلك لأنهم كانوا أنصارا له وقيل إن هذا الاسم مأخوذ من ms3615 الناصرة، ~~وهى القرية التى كان عيسى قد نزل بها. وأما الفرقة الخامسة فهى فرقة " ~~المجوس " وهم قوم يعبدون الشمس والقمر والنار. وقيل هم قوم أخذوا من دين ~~النصارى شيئا، ومن دين اليهود شيئا، ويقولون بأن للعالم أصلين نورا ~~وظلمة.. وأما الفرقة السادسة والأخيرة فهى فرقة الذين أشركوا. والمشهور ~~أنهم عبدة الأصنام والأوثان، وقيل ما يشملهم ويشمل معهم كل من اتخذ مع ~~الله - تعالى - إلها آخر. وقوله - سبحانه - { إن الله يفصل ~~بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء ~~شهيد } بيان لما سيكون عليه حالهم جميعا يوم القيامة، من حكم عادل ~~سيحكم الله - تعالى - به عليهم. أى إن الله تعالى يحكم بين هؤلاء جميعا ~~بحكمه العادل يوم القيامة، إنه - سبحانه - على كل شىء شهيد، بحيث لا يخفى ~~عليه شىء من أحوال خلقه. قال الجمل ما ملخصه ولهذه الآية قيل الأديان ~~ستة. واحد للرحمن وهو الإسلام. وخمسة للشيطان وهى ما عداه. وإن ~~الثانية واسمها وخبرها فى محل رفع خبر لإن الأولى. وقوله { إن ~~الله على كل شيء شهيد } تعليل لقوله { إن الله ~~يفصل بينهم.. } وكأن قائلا قال أهذا الفصل عن علم أو لا؟ فقيل ~~إن الله على كل شىء شهيد. أى علم به علم مشاهدة ". ثم بين - سبحانه - أن ~~الكون كله يخضع لسلطانه - تعالى - ويسجد لوجهه فقال { ألم تر أن ~~الله يسجد... }. ### || [22.18] # والاستفهام فى قوله { ألم تر... } للتقرير. والرؤية هنا بمعنى ~~العلم وذلك لأن سجود هذه الكائنات لله - تعالى - آمنا به عن طريق ~~الإخبار دون أن نرى كيفيته. والسجود فى اللغة التذلل والخضوع مع انخفاض ~~بانحناء وما يشبهه. وخص فى الشرع بوضع الجبهة على الأرض بقصد العبادة. ~~والمراد به هنا دخول الأشياء جميعها تحت قبضة الله - تعالى - وتسخيره ~~وانقيادها لكل ما يريده منا انقيادا تاما، وخضوعها له - عز وجل - بكيفية ~~هو الذى يعلمها. فنحن نؤمن بأن هذه الكائنات تسجد لله - تعالى - ونفوض ~~كيفية هذا السجود له - تعالى -. والمعنى لقد علمت - أيها العاقل - أن ~~الله - تعالى - يسجد له، ويخضع لسلطانه جميع من ms3616 فى السماوات وجميع من فى ~~الأرض. وقوله { والشمس والقمر والنجوم } عطف خاص على ~~قوله { من في السماوات }. ونص - سبحانه - عليها مفردا إياها ~~بالذكر، لشهرتها، ولاستبعاد بعضهم حدوث السجود منها، ولأ آخرين كانوا ~~يعبدون هذه الكواكب، فبين - سبحانه - أنها عابدة وساجدة لله، وليست ~~معبودة. وقوله - تعالى - { والجبال والشجر والدوآب } ~~عطف خاص على { من في الأرض } ونص - سبحانه - عليها - أيضا - لأن ~~بعضهم كان يعبدها، أو يعبد ما يؤخذ منها كالأصنام. وقوله - تعالى - { ~~وكثير من الناس } بيان الذين اهتدوا إلى طريق الحق. أى ويسجد ~~له - كذلك - كثير من الناس، وهم الذين خلصت عقولهم من شوائب الشرك ~~والكفر، وطهرت نفوهسم من الأدناس والأوهام. وقوله { وكثير حق ~~عليه العذاب } بيان لحال الذين استحبوا العمى على الهدى. أى ~~وكثير من الناس حق وثبت عليهم العذاب، بسبب إصرارهم على الكفر، وإيثارهم ~~الغى على الرشد. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على نفاذ ~~قدرته، وعموم مشيئته فقال { ومن يهن الله فما له من ~~مكرم إن الله يفعل ما يشآء }. و " من " شرطية، ~~وجوابها " فما له من مكرم " ومكرم اسم فاعل من أكرم. أى ومن يهنه الله ~~ويخزه، فما له من مكرم يكرمه، أو منقذ ينقذه مما هو فيه من شقاء، إن الله ~~- تعالى - يفعل ما يشاء فعله بدون حسيب يحاسبه، أو معقب يعقب على حكمه. ~~قال - تعالى - # والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب # ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك صورة فيها ما فيها من وجوه المقارنات بين ~~مصير الكافرين ومصير المؤمنين، لكى ينحاز كل ذى عقل سليم إلى فريق ~~الإيمان لا الكفر، فقال - تعالى - { هذان خصمان... }. ### || [22.19-24] # ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { هذان خصمان ~~اختصموا في ربهم... } روايات أشار الإمام ابن كثير إلى ~~معظمها فقال " ثبت فى الصحيحين عن أبى ذر أنه كان يقسم قسما أن هذه ~~الآية { هذان خصمان } نزلت فى حمزة وصاحبيه. وعتبة وصاحبيه، يوم ~~برزوا فى بدر. وعن قتادة قال اختصم المسلمون وأهل الكتاب، فقال أهل ~~الكتاب نبينا قبل نبيكم، وكتابنا ms3617 قبل كتابكم، فنحن أولى بالله منكم، وقال ~~المسلمون كتابنا يقضى على الكتب كلها، ونبينا خاتم الأنبياء، فنحن أولى ~~بالله منكم، فأفلج الله الإسلام على من ناوأه - أى فنصر الله الإسلام ~~-، وأنزل الآية. وعن مجاهد فى الآية مثل الكافر والمؤمن اختصما فى البعث. ~~وهذا القول يشمل الأقوال كلها، وينتظم فيه قصة بدر وغيرها، فإن المؤمنين ~~يريدون نصرة دين الله، والكافرون يريدون إطفاء نور الإيمان. أى هذا ~~خصمان اختصموا فى ذات ربهم وفى صفاته، بأن اعتقد كل فريق منهم أنه على ~~الحق، وأن خصمه على الباطل. قال الجمل والخصم فى الأصل مصدر ولذلك يوحد ~~ويذكر غالبا، وعليه قوله - تعالى - # وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب # ويجوز أن يثنى ويؤنث، ولما كان كل خصم فريقا يجمع طوائف قال { ~~اختصموا } بصيغة الجمع كقوله - تعالى - # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا # فالجمع مراعاة للمعنى. وقوله - سبحانه - { فالذين كفروا ~~قطعت لهم ثياب من نار... } تفصيل وبيان لحال كل خصم ~~وفريق. أى فالذين كفروا جزاؤهم أنهم قطع الله - تعالى - لهم من النار ~~ثيابا، وألبسهم إياها. قال الآلوسى أى أعد الله لهم ذلك، وكأنه شبه إعداد ~~النار الحيطة بهم بتقطيع ثياب وتفصيلها لهم على قدر جثثهم. ففى الكلام ~~استعارة تمثيلية تهكمية، وليس هناك تقطيع ثياب ولا ثياب حقيقة. وكأن جميع ~~الثياب للإيذان بتراكم النار المحيطة بهم، وكون بعضها فوق بعض.. وعبر ~~بالماضى، لأن الإعداد قد وقع، فليس من التعبير بالماضى لتحققه... وقوله ~~{ يصب من فوق رءوسهم الحميم } زيادة فى عذابهم، أى لم ~~تقطع لهم ثياب من نار فحسب، وإنما زيادة على ذلك يصب من فوق رءوسهم " ~~الحميم " أى الماء البالغ أقصى درجات الشدة فى الحرارة. وقوله { يصهر ~~به ما في بطونهم والجلود } بيان للآثار التى تترتب على هذا ~~العذاب. والفعل " يصهر " مأخوذ من الصهر بمعنى الإذابة. يقال صهر فلان ~~الشحم يصهره إذا أذابه. أى فذلك الحميم الذى يصب من فوق رءوسهم من آثاره ~~أنه يذاب به ما بطونهم من الشحوم والأحشاء. كما تذاب به جلودهم - أيضا - ~~فقوله { والجلود ms3618 } عطف على { ما } الموصولة فى قوله { ما في ~~بطونهم } أى يذاب به الذى فى بطونهم وتذاب به أيضا جلودهم. # وقيل إن لفظ الجلود مرفوع بفعل محذوف معطوف على " يصهر ". والتقدير يصهر ~~به ما فى بطونهم من أحشاء وشحوم، وتحرق به الجلود. قالوا وذلك لأن الجلود ~~لا تذاب وإنما تنقبض وتنكمش إذا أصليت بالنار. والضمير فى قوله - سبحانه ~~- { ولهم مقامع من حديد } يعود إلى الكفرة المعذبين بهذا ~~الحميم الذى تصهر به البطون. والمقامع جمع مقمعة - بكسر الميم وسكون ~~القاف وفتح الميم الثانية -، وهى آلة تستعمل فى القمع عن الشىء، والزجر ~~عنه، يقال قمع فلان فلانا إذا قهره وأذله. أى وخصصت لهؤلاء الكافرين ~~مضارب من حديد تضربهم بها الملائكة على رءوسهم زيادة فى إذلالهم وقهرهم. ~~وقيل إن الضمير فى " لهم " يعود على خزنة النار. أى ولخزنة النار مضارب ~~من حديد يضربون بها هؤلاء الكافرين. وعلى كلا القولين فالآية الكريمة ~~تصور هوان هؤلاء الكافرين أكمل تصوير. وقوله - سبحانه - { كلمآ ~~أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها } ~~بيان لما يقابلون به عندما يريدون التزحزح عن النار. أى كلما أراد هؤلاء ~~الكافرون أن يخرجوا من النار ومن غمها وكربها وسعيرها أعيدوا فيها مرة ~~أخرى، كما قال - تعالى - # يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين ~~منها ولهم عذاب مقيم # وقوله - تعالى - { وذوقوا عذاب الحريق } مقول لقول محذوف أى ~~أعيدوا فيها وقيل لهم على لسان خزنة النار ذوقوا العذاب المحرق لأبدانكم. ~~هذا هو حال فريق الكافرين. وهو حال يزلزل القلوب ويرهب المشاعر، ويفزع ~~النفوس. ولكن القرآن كعادته فى قرن الترهيب بالترغيب. لا يترك النفوس فى ~~هذا الفزع، بل يتبع ذلك بما يمسح عنها خوفها ورعبها عن طريق بيان حسن حال ~~المؤمنين فيقول { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار... }. وغير - ~~سبحانه - الأسلوب فلم يقل والذين آمنوا على سبيل العطف على الذين كفروا.. ~~تعظيم لشأن المؤمنين، وإشعار بمباينة حالهم لحال خصمائهم الكافرين. أى إن ~~الله - تعالى - بفضله وإحسانه يدخل عباده الذين ms3619 آمنوا وعملوا فى دنياهم ~~الأعمال الصالحات، جنات عاليات تجرى من تحت أشجارها وثمارها الأنهار. ~~وقوله { يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ~~ولباسهم فيها حرير } بيان لما ينالون فى تلك الجنات من خير ~~وفير، وعطاء جزيل. أى يتزينون فى تلك الجنات بأساور كائنة من الذهب ~~الخالص، ومن اللؤلؤ الثمين، أما لباسهم الدائم فيها فهو من الحرير الناعم ~~الفاخر. قال الآلوسى وقوله - تعالى - { ولباسهم فيها حرير } ~~غير الأسلوب حيث لم يقل ويلبسون فيها حريرا، للإيذان بأن ثبوت اللباس ~~لهم أمر محقق غنى عن البيان.. ثم إن الظاهر أن هذا الحكم عام فى كل أهل ~~الجنة، وقيل هو باعتبار الأغلب، لما أخرجه النسائى وابن حيان وغيرهما عن ~~أبى سعيد الخدرى قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " من لبس الحرير فى الدنيا لم يلبسه فى الآخرة. وإن دخل الجنة لبسه أهل ~~الجنة ولم يلبسه ". # قالوا ومحله فيمن مات مصرا على ذلك. وقوله - تعالى - { وهدوا إلى ~~الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد } بيان ~~لحسن خاتمتهم، ولعظم النعم التى أنعم الله بها عليهم. أى وهدى الله - ~~تعالى - هؤلاء المؤمنين إلى القول الطيب الذى يرضى الله - تعالى - عنهم، ~~كأن يقولون عند دخولهم الجنة # ... الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ~~ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من ~~فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب # وهداهم - أيضا - خالقهم إلى الصراط المحمود، وهو صراط الذين أنعم الله ~~عليهم بنعمة الإيمان والإسلام، فصاروا بسبب هذه النعمة يقولون الأقوال ~~الطيبة، ويفعلون الأفعال الحميدة. قال الشوكانى قوله { وهدوا إلى ~~الطيب من القول... } أى أرشدوا إليه. قيل هو لا إله إلا الله. ~~وقيل القرآن. وقيل هو ما يأتيهم من الله من بشارات. وقد ورد فى القرآن ما ~~يدل على هذا القول المجمل هنا، وهو قوله - سبحانه - # الحمد لله الذي صدقنا وعده.. # الحمد لله الذي هدانا لهذا... # الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن.. # ومعنى { وهدوا إلى صراط الحميد } أنهم أرشدوا إلى الصراط ~~المحمود وهو طريق الجنة، أو ms3620 صراط الله الذى هو دينه القويم وهو الإسلام. ~~وبعد هذا الحديث المؤثر عن الخصمين وعن عاقبة كل منهما.. جاء الحديث عن ~~المسجد الحرام، وعن مكانته، وعن الأمر ببنائه، وعن وجوب الحج إليه، وعن ~~المنافع التى تعود على الحجاج، وعن سوء مصير من يصد الناس عن هذا المسجد، ~~جاء قوله - تعالى - { إن الذين كفروا ويصدون... }. ### || [22.25-29] # قال الإمام الرازى اعلم أنه - تعالى - بعد أن فصل بين الكفار والمؤمنين ~~ذكر عظم حرمة البيت، وعظم كفر هؤلاء الكافرين فقال { إن الذين ~~كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام }. ~~قال ابن عباس الآية نزلت فى أبى سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية عن المسجد الحرام، عن أن يحجوا ~~ويعتمروا، وينحروا الهدى. فكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتالهم، ~~وكان محرما بعمرة، ثم صالحوه على أن يعود فى العام القادم... وصح عطف ~~المضارع وهو " يصدون " على الماضى وهو " كفروا " لأن المضارع هنا لم يقصد ~~به زمن معين من حال أو استقبال، وإنما المراد به مجرد الاستمرار، كما فى ~~قولهم فلان يحسن إلى الفقراء، فإن المراد به استمرار وجود إحسانه. ويجوز ~~أن يكون قوله { ويصدون } خبرا لمبتدأ محذوف، أى وهم يصدون عن ~~المسجد الحرام. وخبر إن فى قوله - سبحانه - { إن الذين ~~كفروا... } محذوف لدلالة آخر الآية عليه. والمعنى إن الذين أصروا على ~~كفرهم بما أنزله الله - تعالى - على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -، ~~واستمروا على منع أهل الحق من أداء شعائر دين الله - تعالى -، ومن زيارة ~~المسجد الحرام.. هؤلاء الكافرون سوف نذيقهم عذابا أليما. ويصح أن يكون ~~الخبر محذوفا للتهويل والإرهاب. وكأن وصفهم بالكفر والصد كاف فى معرفة ~~مصيرهم المهين. قال القرطبى قوله - تعالى - { والمسجد الحرام } ~~قيل إنه المسجد نفسه وهو ظاهر القرآن، لأنه لم يذكر غيره، وقيل الحرم ~~كله، لأن المشركين صدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عنه ~~عام الحديبية، فنزل خارجا عنه... وهذا صحيح لكنه قصد هنا بالذكر المهم ~~المقصود من ذلك. ms3621 وقوله - سبحانه - { الذي جعلناه للناس ~~سوآء العاكف فيه والباد.. } تشريف لهذا المكان حيث جعل الله ~~- تعالى - الناس تحت سقفه سواء، وتشنيع على الكافرين الذين صدوا المؤمنين ~~عنه. ولفظ " سواء " قرأه جمهور القراء بالرفع على أنه خبر مقدم، والعاكف ~~مبتدأ، والباد معطوفة عليه أى العاكف والباد سواء فيه. أى مستويان فيه. ~~وقرأه حفص عن عاصم بالنصب على أنه المفعول الثانى لقوله " جعلناه " بمعنى ~~صيرناه. أى جعلناه مستويا فيه العاكف والباد. ويصح أن يكون حالا من الهاء ~~فى { جعلناه } أى وضعناه للناس حال كونه سواء العاكف فيه والباد. ~~والمراد بالعاكف فيه المقيم فيه. يقال عكف فلان على الشىء، إذا لازمه ولم ~~يفارقه. والباد الطارىء عليه من مكان آخر. # وأصله من يكون من أهل البوادى الذين يسكنون المضارب والخيام، ويتنقلون ~~من مكان إلى آخر. أى جعلناه للناس على العموم، يصلون فيه، ويطوفون به، ~~ويحترمونه ويستوى تحت سقفه من كان مقيما فى جواره، وملازما للتردد عليه، ~~ومن كان زائرا له وطارئا عليه من أهل البوادى أو من أهل البلاد الأخرى ~~سوى مكة. فهذا المسجد الحرام يتساوى فيه عباد الله، فلا يملكه أحد منهم، ~~ولا يمتاز فيه أحد منهم، بل الكل فوق أرضه وتحت سقفه سواء. وقوله - تعالى ~~- { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب ~~أليم } تهديد لكل من يحاول ارتكاب شىء نهى الله عنه فى هذا المسجد ~~الحرام. والإلحاد الميل. يقال ألحد فلان فى دين الله، أى مال وحاد عنه. ~~و " من " شرطية وجوابها " نذقه " ومفعول " يرد " محذوف لقصد التعميم. أى ~~ومن يرد فيه مرادا بإلحاد، ويصح أن يكون المفعول قوله { بإلحاد } ~~على أن الباء زائدة. أى ومن يرد فى هذا المسجد الحرام إلحادا، أى ميلا ~~وحيدة عن أحكام الشريعة وآدابها بسبب طلمه وخروجه عن طاعتنا، نذقه من ~~عذاب أليم لا يقادر قدره، ولا يكتنه كنهه. وقد جاء هذا التهديد فى أقصى ~~درجاته لأن القرآن توعد بالعذاب الأليم كل من ينوى ويريد الميل فيه عن ~~دين الله، وإذا كان الأمر كذلك، فمن ينوى ms3622 ويفعل يكون عقابه أشد، ومصيره ~~أقبح. ويدخل تحت هذا التهديد كل ميل عن الحق إلى الباطل، أو عن الخير إلى ~~الشر كالاحتقار، والغش. ولذا قال ابن جرير بعد أن ساق الأقوال فى ذلك ~~وأولى الأقوال التى ذكرناها فى تأويل ذلك بالصواب القول الذى ذكرناه من ~~أن المراد بالظلم فى هذا الموضع، كل معصية لله، وذلك لأن الله عم بقوله { ~~ومن يرد فيه بإلحاد بظلم } ولم يخصص به ظلما دون ظلم فى ~~خبر ولا عقل، فهو على عمومه، فإذا كان ذلك كذلك فتأويل الكلام ومن يرد فى ~~المسجد الحرام بأن يميل بظلم فيعصى الله فيه، نذقه يوم القيامة من عذاب ~~موجع له. ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن بناء البيت وتطهيره فقال - تعالى - ~~{ وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك ~~بي شيئا... }. وبوانا من التبوؤ بمعنى النزول فى المكان. يقال بوأته ~~منزلا أى أنزلته فيه، وهيأته له، ومكنته منه. والمعنى واذكر أيها العاقل ~~لتعتبر وتتعظ وقت أن هيأنا لنبينا إبراهيم مكان بيتنا الحرام، وأرشدناه ~~إليه، لكى يبنيه بأمرنا، ليكون مثابة للناس وأمنا. قال بعض العلماء ~~والمفسرون يقولون بوأه له، واراه إياه، بسبب ريح تسمى الخجوج، كنست ما ~~فوق الأساس حتى ظهر الأساس الأول الذى كان مندرسا، فبناه إبراهيم ~~وإسماعيل عليه... وأن محل البيت كان مربض غنم لرجل من جرهم. # وغاية ما دل عليه القرآن أن الله بوأ مكانه لإبراهيم، فهيأه له، وعرفه ~~إياه ليبنيه فى محله، وذهبت جماعة من أهل العلم إلى أن أول من بناه ~~إبراهيم ولم يبن قبله. وظاهر قوله - تعالى - على لسان إبراهيم # ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ~~عند بيتك المحرم... # يدل على أنه كان مبنيا واندرس كما يدل عليه - أيضا - قوله هنا { مكان ~~البيت } لأنه يدل على أن له مكانا سابقا كان معروفا. و " أن " فى ~~قوله - تعالى - { أن لا تشرك بي شيئا } مفسرة، والتفسير - كما ~~يقول الآلوسى - باعتبار أن التبوئة من أجل العبادة، فكأنه قيل أمرنا ~~إبراهيم بالعبادة، وذلك فيه معنى ms3623 القول دون حروفه، أو لأن بوأناه بمعنى ~~قلنا له تبوأ. والمعنى واذكر - أيها المخاطب - وقت أن هيأنا لإبراهيم - ~~عليه السلام - مكان بيتنا الحرام، وأوصيناه بعدم الإشراك بنا، وبإخلاص ~~العبادة لنا، كما أوصيناه - أيضا - بأن يطهر هذا البيت من الأرجاس الحسية ~~والمعنوية الشاملة للكفر والبدع والضلالات والنجاسات، وأن يجعله مهيأ ~~للطائفين به، وللقائمين فيه لأداء فريضة الصلاة. قال الشوكانى والمراد ~~بالقائمين فى قوله { وطهر بيتي للطآئفين والقآئمين ~~} المصلون.. وذكر { الركع السجود } بعده، لبيان أركان الصلاة ~~دلالة على عظم شأن هذه العبادة، وقرن الطواف بالصلاة، لأنهما لا يشرعان ~~إلى فى البيت، فالطواف عنده والصلاة إليه. وقد أخذ العلماء من هذه الآية ~~الكريمة، أنه لا يجوز أن يترك عند بيت الله الحرام، قذر من الأقذار ولا ~~نجس من الأنجاس المعنوية ولا الحسية، فلا يترك فيه أحد يرتكب ما لا يرضى ~~الله، ولا أحد يلوثه بقذر من النجاسات. ثم ذكر - سبحانه - ما أمر به نبيه ~~إبراهيم بعد أن بوأه مكان البيت فقال { وأذن في الناس بالحج ~~يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج ~~عميق }. والآذان الإعلام. و " رجالا " أى مشاة على أرجلهم، جمع راجل. ~~يقال رجل بزنة فرح فلان يرجل فهو راجل إذا لم يكن معه ما يركبه. ~~والضامر البعير المهزول من طول السفر، وهو اسم فاعل من ضمر - بزنة قعد - ~~يضمر ضمورا فهو ضامر، إذا أصابه الهزال والتعب. وجملة " يأتين من كل فج ~~عميق " صفة لقوله " كل " ، والجمع باعتبار المعنى. كأنه قيل وركبانا على ~~ضوامر من كل طريق بعيد.. والفج فى الأص الفجوة بين جبلين ويستعمل فى ~~الطريق المتسع. والمراد به هنا مطلق الطريق وجمعه فجاج. والعميق البعيد، ~~مأخوذ من العمق بمعنى البعد، ومنه قولهم بئر عميقة، أى بعيدة الغور. ~~والمعنى وأعلم يا إبراهيم الناس بفريضة الحج يأتوك مسرعين مشاة على ~~أقدامهم، ويأتوك راكبين على دوابهم المهزولة، من كل مكان بعيد. # قال ابن كثير أى ناد - يا إبراهيم - فى الناس داعيا إياهم إلى الحج إلى ~~هذا البيت الذى آمرناك ببنائه، فذكر ms3624 أنه قال يارب، وكيف أبلغ الناس وصوتى ~~لا يصل إليهم؟ فقيل ناد وعلينا البلاغ، فقام على مقامه، وقيل على الحجر، ~~وقيل على الصفا، وقيل على أبى قبيس، وقال يا أيها الناس، إن ربكم قد اتخذ ~~بيتا فحجوه فيقال إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأجابه كل ~~شىء سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة " لبيك ~~اللهم لبيك ". وقيل إن الخطاب فى قوله - تعالى - { وأذن... } للرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - وأن الكلام عن إبراهيم - عليه السلام - قد انتهى ~~عند قوله - تعالى - { والركع السجود }. وجمهور المفسرين على أن ~~الخطاب لإبراهيم - عليه السلام - لأن سياق الآيات يدل عليه، ولأن ~~التوافد على هذا البيت موجود منذ عهد إبراهيم. وما يزال وعد الله يتحقق ~~منذ هذا العهد إلى اليوم وإلى الغد، وما تزال أفئدة ملايين الناس تهوى ~~إليه، وقلوبهم تنشرح لرؤيته، وتسعد بالطواف من حوهل... وقوله - سبحانه - ~~{ ليشهدوا منافع لهم } متعلق بقوله { يأتوك }. أى ~~يأتيك الناس راجلين وراكبين من كل مكان بعيد، ليشهدوا وليحصلوا منافع ~~عظيمة فهم فى دينهم وفى دنياهم. ومن مظاهر منافعهم الدينية غفران ذنوبهم، ~~وإجابة دعائهم، ورضا الله - تعالى - عنهم. ومن مظاهر منافعهم الدنيوية ~~اجتماعهم فى هذا المكان الطاهر، وتعارفهم وتعاونهم على البر والتقوى، ~~وتبادلهم المنافع فيما بينهم عن طريق البيع والشراء وغير ذلك من أنواع ~~المعاملات التى أحلها الله - تعالى -. وجاء لفظ " منافع " بصيغة التنكير، ~~للتعميم والتعظيم والتكثير. أى منافع عظيمة وشاملة لأمور الدين والدنيا، ~~وليس فى الإمكان تحديدها لكثرتها، وقوله { ويذكروا اسم الله ~~في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام } معطوف على قوله { ليشهدوا }. والمراد بالأيام ~~المعلومات الأيام العشر الأولى من شهر ذى الحجة، أو هى أيام النحر، أو ~~يوم العيد وأيام التشريق. والمراد ببهمية الأنعام الإبل والبقر والغنم. ~~أى ليشهدوا منافع لهم، وليكثروا من ذكر الله ومن طاعته فى تلك الأيام ~~المباركة. وليشكروه على ما رزقهم من بهيمة الأنعام التى يتقربون إليه - ~~سبحانه - عن طريق ذبحها وإراقة دمائها، واستجابة ms3625 لأمره - عز وجل -. وقوله ~~- سبحانه - { فكلوا منها وأطعموا البآئس الفقير } ~~إرشاد منه - تعالى - إلى كيفية التصرف فيها بعد ذبحها. أى فكلوا من هذه ~~البهيمة بعد ذبحها، وأطعموا منها الإنسان البائس، أى الذى أصابه بؤس ~~ومكروه بجانب فقره واحتياجه. # قال الآلوسى والأمر فى قوله { فكلوا منها... } للإباحة بناء على ~~أن الأكل كان منهيا عنه شرعا، وقد قالوا إن الأمر بعد المنع يقتضى ~~الإباحة ويدل على سبق النهى قوله - صلى الله عليه وسلم - " كنت نهيتكم ~~عن أكل لحوم الأضاحى فكلوا منها وادخروا ". وقيل لأن أهل الجاهلية كانوا ~~يتحرجون فيه، أو للندب على مواساة الفقراء ومساواتهم فى الأكل منها. ثم ~~بين - سبحانه - ما يفعلونه بعد حلهم وخروجهم من الإحرام فقال { ثم ~~ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا ~~بالبيت العتيق }. والمراد بالقضاء هنا الإزالة، وأصله القطع ~~والفصل، فأريد به الإزالة على سبيل المجاز. والتفث الوسخ والقذر، كطول ~~الشعر والأظفار يقال تفث فلان - كفرح - يتفث تفثا فهو تفث، إذا ترك ~~الاغتسال والتطيب والتنظيف فأصابته الأوساخ. والمراد بالطواف هنا طواف ~~الإفاضة، الذى هو أحد أركان الحج، وبه يتم التحلل. والعتيق القديم حيث ~~إنه أول بيت وضع لعبادة الله فى الأرض، وقيل سمى بالعتيق لأن الله - ~~تعالى - أعتقه من أ، يتسلط عليه جبار فيهدمه أو يخربه. والمعنى ثم بعد ~~حلهم وبعد الإتيان بما عليهم من مناسك. فليزيلوا عنهم أدرانهم وأوساخهم، ~~وليوفوا نذورهم التى نذروها لله - تعالى - فى حجهم، وليطوفوا طواف ~~الإفاضة، بهذا البيت القديم الذى جعله الله - تعال - أول بيت لعبادته، ~~وصانه من اعتداء كل جبار أثيم. وبذلك نرى الآيات الكريمة قد توعدت كل من ~~يصد الناس عن هذا البيت بأشد ألوان الوعيد، وبينت أن الناس فيه سواء، ~~وتحدثت عن جانب من فضله - سبحانه -على نبيه إبراهيم - عليه السلام - حيث ~~أرشده إلى مكان هذا البناء، وشرفه بتهيئته ليكون أول مكان لعبادته - ~~تعالى -، وأمره بأن ينادى فى الناس بالحج إليه، ليشهدوا منافع عظيمة لهم. ~~ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن الذين يعظمون حرمات ~~الله، وعما أحله ms3626 الله لعباده من الأنعام، وعن سوء عاقبة من يشرك بالله، ~~فقال - تعالى - { ذلك ومن يعظم... }. ### || [22.30-33] # واسم الإشارة { ذلك } فى قوله { ذلك ومن يعظم حرمات ~~الله... } يؤتى به فى مثل هذا التركيب للفصل بين كلامين، والمشهور فى ~~مثل هذا التركيب الإتيان بلفظ " هذا " كما فى قوله - تعالى - # هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب # وجىء هنا بلفظ ذلك للإشعار بتعظيم شأن المتحدث عنه، وعلو منزلته، وهو ~~يعود إلى المذكور من تهيئة مكان البيت لإبراهيم، وأمره بتطهيره....الخ. ~~قال صاحب الكشاف قوله { ذلك } خبر مبتدأ محذوف أى الأمر والشأن ذلك، ~~كما يقدم الكاتب جملة من كتابه فى بعض المعانى، ثم إذا أراد الخوض فى ~~معنى آخر قال هذا، وقد كان كذا. والحرمات جمع حرمة. والحرمة كل ما أمر ~~الله - تعالى - باحترامه، ونهى عن قوله أو فعله، ويدخل فى ذلك دخولا ~~أوليا ما يتعلق بمناسك الحج كتحريم الرفث والفسوق والجدال والصيد، وتعظيم ~~هذه الحرمات يكون بالعلم بوجوب مراعاتها، وبالعمل بمقتضى هذا العلم. ~~والمعنى ذلك الذى ذكرناه لكم عن البيت الحرام وعن مناسك الحج، هو جانب من ~~أحكام الله - تعالى - فى هذا الشأن فاتبعوها، والحال أن من يعظم حرمات ~~الله - تعالى - بأن يترك ملابستها واقترافها، فهو أى هذا التعظيم، خير له ~~عند ربه، إذ بسبب هذا التعظييم لتلك الحرمات ينال رضا ربه وثوابه. وقد ~~جاء النهى فى هذه الجملة عن فعل هذه الحرمات بأبلغ أسلوب حيث عبر عن ~~اجتنابها بالتعظيم وبأفعل التفضيل وهو لفظ " خير " وبإضافتها إلى ذاته. ~~فكأنه - سبحانه - يقول إذا كان ترك هذا التعظيم لحرمات الله يؤدى إلى ~~حصولكم على شىء من المتاع الدنيوى الزائل، فإن الاستمساك بهذا التعظيم ~~أفضل من ذلك بكثير عند ربكم وخالقكم، فكونوا عقلاء ولا تستبدلوا الذى هو ~~أدنى بالذى هو خير. ثم بين - سبحانه - بعض الأحكام التى تتعلق بالأنعام ~~وهى الإبل والبقر والغنم فقال { وأحلت لكم الأنعام إلا ~~ما يتلى عليكم }. أى وأحل الله - تعالى - لكم فضلا منه ورحمة ~~ذبح الأنعام وأكلها إلا ما يتلى عليكم تحريم ذبح ms3627 وأكله فاجتنبوه. وهذا ~~الإجمال هنا، قد جاء ما فصله قبل ذلك فى سورة الأنعام فى قوله - تعالى - # قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو ~~لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله ~~به # قال بعض العلماء ثم إنه ليس المقصود بما يتلى، ما ينزل فى المستقبل، كما ~~يعطيه ظاهر الفعل المضارع، بل المراد ما سبق نزوله مما يدل على حرمة ~~الميتة وما أهل لغير الله به. # أو ما يدل على حرمة الصيد فى الحرم أو حالة الإحرام. وعلى هذا يكون ~~السر فى التعبير بالمضارع، التنبيه إلى أن ذلك المتلو ينبغى استحضاره ~~والالتفات إليه.. والجملة معترضة لدفع ما عساه يقع فى الوهم من أن تعظيم ~~حرمات الله فى الحج قد يقضى باجتناب الأنعام، كما قضى باجتناب الصيد. ثم ~~أمرهم - سبحانه - باجتناب ما يغضبه، وحضهم على الثبات على الدين الحق ~~فقال - تعالى - { فاجتنبوا الرجس من الأوثان ~~واجتنبوا قول الزور حنفآء لله غير مشركين ~~به } والفاء فى قوله { فاجتنبوا } هى الفصيحة. والرجس الشىء ~~المستقذر الذى تعافه النفوس. و { من } فى قوله { من الأوثان } ~~بيانية، والأوثان الأصنام، يدخل فى حكمها ومعناها عبادة كل معبود من دون ~~الله - تعالى كائنا من كان. وسماها - سبحانه - رجسا، زيادة فى تقبيحها ~~وفى التنفير منها. والزور الكذب والباطل وكل قول مائل عن الحق فهو زور، ~~لأن أصل المادة التى هى الزور من الازورار بمعن الميل والاعوجاج، ومنه ~~قوله - تعالى - # وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات ~~اليمين # أى تميل. وقوله { حنفآء } جمع حنيف وهو المائل عن الأديان الباطلة ~~إلى الدين الحق. والمعنى مادام الأمر كما ذكرت لكم، فاجتنبوا - أيها ~~الناس عبادة الأوثان أو تعظيمها، واجتنبوا - أيضا - القول المائل عن ~~الحق، وليكن شأنكم وحالكم الثبات على الدين الحق، وعلى إخلاص العبادة لله ~~- تعالى - الذى خلقكم، وخلق كل شىء. وهذه الجملة الكريمة مؤكدة لما سبق ~~من وجوب تعظيم حرمات الله، ومن وجوب التمسك بما أحله الله والبعد ms3628 عما ~~حرمه. قال الآلوسى قوله - تعالى - { واجتنبوا قول الزور } ~~تعميم بعد تخصيص، فإن عبادة الأوثان رأس الزور، لما فيها من ادعاء ~~الاستحقاق، كأنه - تعالى - لما حث على تعظيم الحرمات، أتبع ذلك بما فيه ~~رد لما كانت الكفرة عليه من تحريم البحائر والسوائب ونحوهما، والافتراء ~~على الله - تعالى - بأنه حكم بذلك. ولم يعطف قول الزور على الرجس، بل ~~أعاد العامل لمزيد الاعتناء. والإضافة بيانية... وجملة { حنفآء ~~لله } وجملة { غير مشركين به } حالان مؤكدتان لما قبلهما من ~~وجوب اجتناب عبادة الأوثان، واجتناب قول الزور. أى اجتنبوا ما أمرناكم ~~باجتنابه حال كونكم ثابتين على الدين الحق، مخلصين لله العبادة. ثم صور - ~~سبحانه - حال من يشرك بالله تصويرا تنخلع له القلوب، ويحمل كل عاقل على ~~اجتناب هذا الرجس فقال { ومن يشرك بالله فكأنما خر ~~من السمآء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في ~~مكان سحيق }. أى ومن يشرك بالله - تعالى - فى عبادته، ومات على ~~ذلك، فكأنما سقط من السماء إلى الأرض، فاختطفته جوارح الطير بسرعة فمزقت ~~أوصاله، أو تسقطع الريح فى مكان بعيد اشد البعد بحيث لا يعثر له على أثر. # والمقصود من هذه الجملة تقبيح حال الشرك والمشركين، وبيان أن الوقوع فى ~~الشرك يؤدى إلى الهلاك الذى لا نجاة معه بحال، لأن من يسقط من السماء ~~فتتمزق أوصاله، وتتخطفه الطير أو تلقى به الريح فى مكان بعيد لا يطمع له ~~فى نجاة، بل هو هالك لا محالة. فالجملة الكريمة مقررة لوجوب اجتناب الشرك ~~بأبلغ صورة. قال صاحب الكشاف يجوز فى هذا التشبيه أن يكون من المركب ~~والمفرق، فإن كان تشبيها مركبا فكأنه قال من أشرك بالله فقد أهلك نفسه ~~إهلاكا ليس بعد نهاية، بأن صور حاله بصورة حال من خر من السماء فاختطفته ~~الطير فتفرق مزعا - أى قطعا - فى حواصلها، أو عصفت به الريح حتى هوت به ~~فى بعض المطاوح - أى المقاذف - البعيدة. وإن كان مفرقا فقد شبه الإيمان ~~فى علوه بالسماء، والذى ترك الإيمان وأشرك بالله بالساقط من السماء، ~~والأهواء التى تتوزع ms3629 أفكاره بالطير المختطفة، والشيطان الذى يطوح به فى ~~وادى الضلالة، بالريح التى تهوى بما عصفت به فى بعض المهاوى المتلفة. ثم ~~أمر - سبحانه - بتعظيم شعائره بعد أن أمر بتعظيم حرماته فقال { ذلك ~~ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب }. ~~قال القرطبى والشعائر جمع شعيرة، وهى كل شىء لله - تعالى - فيه أمر أشعر ~~به وأعلم. ومنه شعار القوم فى الحرب، أى علامتهم التى يتعارفون بها. ومنه ~~إشعار البدنة وهو الطعن فى جانبها الأيمن حتى يسيل الدم فيكون علامة ~~لها.. فشعائر الله إعلان دينه لا سيما ما يتعلق بالمناسك. و قال قوم ~~المراد هنا تسمين البدن. والاهتمام بأمرها... والمعنى ذلك الذى أمرناكم ~~به أو نهنياكم عنه عليكم امتثاله وطاعته، والحال أن من يعظم شعائر الله، ~~التى من بينها الذبائح التى يتقرب بها إليه - تعالى - يكون تعظيمه إياها ~~عن طريق تسمينها، وحسن اختيارها يكون دليلا على تقوى القلوب، وحسن صلتها ~~بالله - سبحانه - وخشيتها منه، وحرصها على رضاه - عز وجل -. قال الآلوسى ~~وتعظيمها أن تهتار حسانا سمانا غالية الأثمان. روى أنه - صلى الله عليه ~~وسلم - أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبى جهل فى أنفه برة - أى حلقة - من ~~ذهب. وعن عمر أنه أهدى نجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار، فسأل النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يبيعها ويشترى بثمنها بدنا فنهاه عن ذلك، وقال له بل ~~أهدها... وفى إضافة هذه الشعائر إلى الله - تعالى - حض على الاهتمام بها ~~وفعل ما يرضى الله - تعالى - بالنسبة لها. والضمير المؤنث فى قوله { ~~فإنها من تقوى القلوب } يعود على الفعلة التى يتضمنها ~~الكلام، أو إلى الشعائر بحذف المضاف، أى فإن تعظيمها أى الشعائر من تقوى ~~القلوب، فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه. # وقوله - سبحانه - { لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ~~ثم محلهآ إلى البيت العتيق }. بيان لبعض مظاهر نعم ~~الله - تعالى - عليهم فى هذه الأنعام. أى لكم - أيها المؤمنون - فى تلك ~~الأنعام التى تقدمونها قربة لله - تعالى - " منافع " تصل إليكم عن طريق ~~ركوبها ولبنها ونسلها.. وهذه المنافع موقوتة إلى ms3630 وقت معين، هو وقت ذبحها ~~أو وقت تعيبنها وتسميتها هديا، أما بعد ذلك فاتركوا الانتفاع بها للفقراء ~~والمحتاجين، فهذا أكثر ثوابا لكم عند الله - تعالى -. وقوله - سبحانه - { ~~ثم محلهآ إلى البيت العتيق } بيان لمكان ذبحها. ~~والمحل مأخوذ من حل الشىء يحل - بالكسر - حلولا إذا وجب أو انتهى أجله. ~~والمراد به فى الآية مكان الحلول، أى المكان الذى ينتهى فيه أجل تلك ~~الأنعام، أو المكان الذى يجب ذبحها فيه. والمعنى لكم فى تلك الأنعام ~~منافع إلى أجل مسمى ثم المكان الذى تذبح فيه منته إلى البيت العتيق. ~~ومتصل به. والمقصود بهذا المحل الحرم كله، لأن البيت ليس مكانا للذبح. ~~وبعضهم يرى أن المراد بالمحل فى قوله { ثم محلهآ إلى ~~البيت العتيق } تحلل الحجاج من إحرامهم بعد أداء شعائر الحج ~~المعبر عنها بقوله - تعالى - { ذلك ومن يعظم شعائر ~~الله... }. قال القرطبى قوله - تعالى - { ثم محلهآ إلى ~~البيت العتيق } يريد أنها تنتهى إلى البيت، وهو الطواف فقوله { ~~محلهآ } مأخوذ من إحلال المحرم. والمعنى أن شعائر الحج كلها من ~~الوقوف بعرفة ورمى الجمار والسعى ينتهى إلى طواف الإفاضة بالبيت العتيق. ~~فالبيت على هذا التأويل مراد بنفسه... ثم بين - سبحانه - أنه قد شرع لكل ~~أمة الذبائح التى ينتفعون بها، لكى يذكروه - سبحانه - ويشكروه ويخلصوا له ~~العبادة، ولكى يطعموا منها السائل والمحتاج، فقال - تعالى - { ولكل ~~أمة جعلنا... }. ### || [22.34-37] # والمنسك - بفتح السين وكسرها - مأخوذ من النسك بمعنى العبادة، فيجوز أن ~~يراد به النسك نفسه، ويجوز أن يراد به مكانه أو زمانه. ويبدو أن المراد ~~به هنا عبادة خاصة وهى الذبح تقربا إلى الله - تعالى -. قال الآلوسى ~~والمنسك موضع النسك إذا كان اسم مكان، أو النسك إذا كان مصدرا. وفسره ~~مجاهد هنا بالذبح وإراقة الدماء على وجه التقرب إليه - تعالى - فجعله ~~مصدرا، وحمل النسك على عبادة خاصة، وهو أحد استعمالاته وإن كان فى الأصل ~~بمعنى العبادة مطلقا، وشاع فى أعمال الحج.. وجملة { ولكل أمة... ~~} معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك # لكم فيها منافع إلى أجل مسمى # والمعنى جعلنا ms3631 لكم - أيها المؤمنون - منافع كثيرة فى هذه الأنعام إلى ~~وقت معين، ثم تكون نهايتها وذبحها عند البيت الحرام، كما جعلنا وشرعنا ~~لمن قبلكم من الأمم شعيرة الذبح ليتقربوا بها إلينا، وأرشدناهم إلى ~~المكان الذى يذبحون فيه، وإلى أفضل الطرق التى تجعل، ذبائحهم مقبولة ~~عندنا. وفى هذه الجملة الكريمة { ولكل أمة جعلنا منسكا } ~~، تحريك لنفوسهم نحو الإقدام على إراقة الدم تقربا إلى الله، لأن هذه ~~الذبائح ليست من شعائر هذه الأمة وحدها، وإنما هى من شعائرها ومن شعائر ~~الأمم التى سبقتها. وقوله - تعالى - { ليذكروا اسم الله ~~على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } بيان للعلة التى من ~~أجلها شرعت تلك الذبائح. أى شرعناها لكم وللأمم السابقة عليكم للإكثار ~~من ذكر الله عند ذبحها فهو - سبحانه - الذى رزقكم إياها بفضله وإحسانه، ~~فعليكم أن تكثروا من ذكره وشكره، ليزيدكم من خيره ورزقه. وفى هذه الجملة ~~الكريمة تقريع وتوبيخ لمن يذكرون غير اسم الله - تعالى - عند الذبح، ~~وتأكيد لوجوب ذكر اسمه - تعالى -، حتى لكأن المقصود الأعظم من ورائ ذبح ~~هذه الأنعام، هو المداومة على ذكر اسم الله - عز وجل - و على شكره - ~~سبحانه - على نعمه، أما ما سوى ذلك كالأكل منها، والانتفاع بها.. فهى ~~مقاصد فرعية. ثم عقب - سبحانه - على ذلك بتقرير وحدانيته، وبوجوب إسلام ~~الوجه إليه، فقال { فإلهكم إله واحد فله أسلموا ~~}. أى شرعنا لكم ذلك لأن إلهكم إله واحد لا شريك له لا فى ذاته ولا فى ~~صفاته، فله وحده أسلموا وجوهكم، وأخلصوها لعبادته وطاعته. فجملة { ~~فإلهكم إله واحد } بمثابة العلة لما قبلها من تخصيص اسمه ~~الكريم بالذكر عند الذبح، لأن تفرده - سبحانه - بالألوهية يستلزم هذا ~~التخصيص. وقوله - تعالى - { فله أسلموا } مرتب على ما قبله، لأنه ~~متى ثبت أن المستحق للعبادة والطاعة هو الله الواحد الأحد، فعليهم أن ~~يسلموا وجوههم إليه. # ثم أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يبشر المخبتين ~~برضاه - سبحانه - وبمثوبته فقال { وبشر المخبتين } أى ~~المتواضعين لله - تعالى - المطمئنين إلى عدالة قضائه فيهم، ولفظ { ~~المخبتين } من الإخبات. وهو ms3632 فى الأصل نزول الخبت - بفتح الخاء ~~وسكون الباء. أى المكان المنخفض، ثم استعمل فى اللين والواضع. يقال فلان ~~مخبت، أى متواضع خاشع لله رب العالمين. وحذف - سبحانه - المبشر به ~~لتهويله وتعظيمه ، أى وبشر - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المتواضيعن لله ~~- تعالى - بالثواب العظيم، والأجر الكبير الذى لا تحيط بوصفه عبارة. ثم ~~مدحهم - سبحانه - بأربع صفات فقال { الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم.. }. أى بشر هؤلاء المخبتين الذين من صفاتهم أنهم ~~إذا سمعوا ذكر الله - تعالى - وصفاته، وحسابه لعباده يوم القيامة، خافت ~~قلوبهم، وحذرت معصيته - تعالى -. والذين من صفاتهم كذلك الصبر على ما ~~يصيبهم من مصائب ومحن فى هذه الحياة، والمداومة على أداء الصلاة فى ~~مواقيتها بإخلاص وخشوع، والإنفاق مما رزقهم الله - تعالى - على الفقراء ~~والمحتاجين. فإن قيل كيف نجمع بين هذه الاية التى وصفت المؤمنين الصادقين ~~بأنهم إذا ذكر الله وجلت قلوبهم. وبين قوله - تعالى - فى آية أخرى # ألا بذكر الله تطمئن القلوب # فالجواب أنه لا تنافى بين الآيتين، لأن من شأن المؤمن الصادق أنه إذا ~~استحضر وعيد الله وحسابه لعباده يوم القيامة، امتلأ قلبه بالخشية والخوف ~~والوجل. فإذا ما استحضر بعد ذلك رحمته - سبحانه - وسعة عفوه، اطمأن قلبه ~~وسكن روعه، وثبت يقينه، وانشرح صدره، استسلم لقضاء الله وقدره بدون تردد ~~أو تشكك أو جزع. فالوجل والاطمئنان أمران يجدهما المؤمن فى قلبه، فى ~~وقتين مختلفين. وفى حالتين متمايزتين. ويؤخذ من هاتين الآيتين أن التواضع ~~لله - تعالى -، والمراقبة له - سبحانه - والصبر على بلائه، والمحافظة على ~~فرائضه.. كل ذلك يؤدى إلى رضاه - عز وجل -، وإلى السعادة الدنيوية ~~والأخروية. ثم أكد سبحانه - ما سبق الحديث عنه من وجوب ذكر اسمه - تعالى ~~- عند الذبح، ومن وجوب شكره على نعمه فقال { والبدن جعلناها ~~لكم من شعائر الله }. والبدن جمع بدنة. وهى الإبل خاصة التى ~~تهدى إلى البيت الحرام للتقرب بها إلى الله - تعالى - وقيل البدن تطلق ~~على الإبل والبقر. وسميت بهذا الإسم لبدانتها وضخامتها. يقال بدن الرجل ~~- بوزن كرم - إذا كثر لحمه، وضخم جسمه. أى وشرعنا ms3633 لكم - أيها المؤمنون - ~~التقرب إلينا بالإبل البدينة السمينة وجعلنا ذلك شعيرة من شعائر ديننا، ~~وعلامة من العلامات الدالة على قوة إيمان من ينفذ هذه الشعيرة بتواضع ~~وإخلاص. # وقوله - تعالى - { لكم فيها خير } جملة مستأنفة مقررة لما ~~قبلها. أى لكم فيه خير فى الدنيا عن طريق الانتفاع بألبانها ووبرها.. ~~ولكم فيها خير فى الآخرة عن طريق الثواب الجزيل الذى تنالونه من خالقكم ~~بسبب استجابتكم لما ارشدكم إليه. وقوله - تعالى - { فاذكروا اسم ~~الله عليها صوآف } إرشاد لما يقوله الذابح عند ذبحها. وصواف ~~جمع صافة. أى قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن استعدادا للذبح!. أى إذا ما ~~هيأتم هذه الإبل للذبح، فاذكروا اسم الله عليها، بأن تقولوا عند نحرها ~~بسم الله والله أكبر، الله منك وإليك. وقوله - سحبانه - { فإذا ~~وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع ~~والمعتر } بيان لما ينبغى عليهم فعله بعد ذبحها. ووجبت بمعنى سقطت ~~وهو كناية عن موتها. يقال وجب الجدار إذا سقط، ووجبت الشمس إذا غابت. ~~والقانع هو الراضى بما قدره الله - تعالى - له، فلا يتعرض لسؤال الناس ~~مأخوذ من قنع يقنع - كرضى يرضى - وزنا ومعنى. والمعتر هو الذى يسأل غيره ~~ليعطيه. يقال فلان يعترى الأغنياء، أى يذهب إليهم طالبا عطاءهم. وقيل ~~القانع هو الطامع الذى يسأل غيره، والمعتر هو الذى يتعرض للعطاء من غير ~~سؤال وطلب. أى فإذا ما سقطت جنوب هذه الإبل على الأرض، وأعددتموها للأكل ~~فكلوا منها، وأطعموا الفقير القانع الذى لا يسألكم، والفقير المعتر الذى ~~يتعرض لكم بالسؤال والطلب. ثم بين - سبحانه - مظاهر فضله عليهم، حيث ذلل ~~هذه الأنعام لهم فقال { كذلك سخرناها لكم لعلكم ~~تشكرون }. وقوله { كذلك } نعت لمصدر محذوف. أى مثل ذلك التسخير ~~البديع سخرنا لكم هذه الأنعام، وذللناها لكم، وجعلناها منقادة لأمركم، ~~لعلكم بعد أن شاهدتم هذه النعم، وانتفعتم بها، تكونون من الشاكرين لنا، ~~والمستجيبين لتوجيهاتنا وإرشادنا. قال صاحب الكشاف من الله على عباده ~~واستحمد إليهم، بأن سخر لهم البدن مثل التسخير الذى رأوا وعلموا. ~~يأخذونها منقادة للأخذ طيعة، فيعقلونها ويحبسونها صافة قوائمها، ثم ms3634 ~~يطعنون فى لبانها. ولولا تسخير الله لم تطعن، ولم تكن بأعجز من بعض ~~الوحوش التى هى أصغر منها جرما، وأقل قوة، وكفى بما يتأبد من الإبل ~~شاهدا على ذلك. ثم ختم - سبحانه - الحديث عن شعائر الحج، بتوجيه عباده ~~إلى وجوب الإخلاص له، والاستجابة لأمره، وشكره على نعمه، فقال - تعالى - ~~{ لن ينال الله لحومها ولا دمآؤها ولكن يناله ~~التقوى منكم... }. أى لن يصل إلى الله - تعالى - لحم هذه الأنعام ~~ودماؤها، من حيث هى لحوم ودماء، ولكن الذى يصل إليه - سبحانه - ويثيبكم ~~عليه، هو تقواكم ومراقبتكم له - سبحانه - وخوفكم منه، واستقامتكم على ~~أمره وإخلاصكم العبادة له. # قالوا وفى هذا إشارة إلى قبح ما كان يفعله المشركون، من تقطيعهم للحوم ~~الأنعام، ونشرها حول الكعبة، وتلطيخها بالدماء، وتحذير للمسلمين من أن ~~يفعلوا فعل هؤلاء الجهلاء، إذ رضا الله - تعالى - لا ينال بذلك، وإنما ~~ينال بتقوى القلوب. ثم كرر - سبحانه - تكذيره إياهم بنعمه، ليكون أدعى ~~إلى شكره وطاعته فقال { كذلك سخرها لكم لتكبروا ~~الله على ما هداكم وبشر المحسنين }. أى كهذا ~~التسخير العجيب الذى ترونه سخرنا لكم هذه الأنعام لكى تكبروا الله ~~وتعظموه وتقدسوه بسبب هدايته لكم إلى الإيمان. وبشر - أيها الرسول ~~الكريم - المحسنين لأقوالهم وأفعالهم، بثوابنا الجزيل وبعطائنا الواسع. ~~وبذلك ترى أن سورة الحج قد سبحت بنا سبحا طويلا فى حديثها عن البيت ~~الحرام، وعن آداب الحج ومناكسه وأحكامه، وعن الجزاء الحسن الذى أعده - ~~تعالى - للمستجيبين لأمره. وبعد هذا الحديث عن الشعائر والمناسك، أذن - ~~سبحانه - للمؤمنين بالقتال فى سبيله، للدفاع عن دينه وشعائره، ووعدهم - ~~عز وجل - بالنصر متى نصروه وحافظوا على فرائضه... فقال - تعالى - { إن ~~الله.... }. ### || [22.38-41] # قال الفخر الرازى اعلم أنه - تعالى - لما بين ما يلزم فى الحج ومناسكه ~~وما فيه من منافع الدنيا والآخرة، وما كان من صد الكفار عنه، أتبع ذلك ~~ببيان ما يزيل الصد. ويؤمن معه التمكن من الحج فقال - تعالى - { إن ~~الله يدافع عن الذين آمنوا.. }. ومفعول " يدافع " ~~محذوف. وجاء التعبير بقوله - تعالى - { يدافع } بصيغة المفاعلة، ~~للمبالغة فى الدفاع ms3635 والدفع، أو للدلالة على أن ذلك حاصر للمؤمنين كلما ~~حصل من الكافرين عدوان عليهم. أى إن الله - تعالى - بفضله وكرمه يدافع عن ~~المؤمنين أعداءهم وخصومهم، فيرد كيدهم فى نحورهم. وصح أن يكون { ~~يدافع } بمعنى يدفع، ويؤيده قراءة ابن كثير وأبى عمرو. أى أن الله - ~~تعالى - يدفع السوء عن عباده المؤمنين الصادقين، ويجعل العاقبة لهم على ~~أعداءهم. فالجملة الكريمة بشارة للمؤمنين، وتقوية لعزائمهم حتى يقبلوا ~~على ما شرعه الله لهم من جهاد أعدائهم، بثبات لا تردد معه، وبأمل عظيم فى ~~نصر الله وتأييده. وقوله - سبحانه - { إن الله لا يحب كل ~~خوان كفور } تعليل لوعده - سبحانه - للمؤمنين بالدفاع عنهم، وبجعل ~~العاقبة لهم. والخوان هو الشديد الخيانة، والكفور هو المبالغ فى كفره ~~وجحوده، فاللفظان كلاهما صيغة مبالغة. قال الآلوسى وصيغة المبالغة فيهما ~~لبيان أن المشركين كذلك، لا للتقييد المشعر بمحبة الخائن والكافر.... أى ~~إن الله - تعالى - يدافع عن المؤمنين لمحبته لهم، ويبغض هؤلاء الكافرين ~~الذين بلغوا فى الخيانة والكفر اقصى الدركات. وأوثر التعبير بقوله - ~~تعالى - { لا يحب } على قوله يبغض أو يكره، للإشعار بأن المؤمنين ~~هم أحباء الله - تعالى -، وللتعريض بهؤلاء الكافرين الذين تجاوزوا كل حد ~~فى كراهيتهم لأهل الحق. ثم رخص - سبحانه - للمؤمنين بأن يقاتلوا فى سبيله ~~فقال { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا... }. ~~وقوله - تعالى - { أذن } فعل ماض مبنى للمجهول مأخوذ من الإذن بمعنى ~~الإباحة والرخصة. والمقصود إباحة مشروعية القتال، وقد قالوا بأن هذه ~~الآيات أول ما نزل في شأن مشروعية القتال. أخرج الإمام أحمد والترمذى عن ~~ابن عباس قال لما خرج النبى - صلى الله عليه وسلم - من مكة قال أبو بكر ~~أخرجوا نبيهم ليهلكن، فنزلت هذه الآيات. وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة ~~والكسائي { أذن } بالبناء الفاعل. والمأذون لهم فيه هو القتال، وهو ~~محذوف فى قوة المذكور بدليل قوله { يقاتلون } والباء فى قوله { ~~بأنهم ظلموا } للسببية. أى أذن الله - تعالى - للمؤمنين، ورخص ~~لهم، بأن يقاتلوا أعداءهم الذين ظلموهم، وآذوهم، واعتدوا عليه، بعد أن ~~صبر هؤلاء المؤمنون على أذى أعدائهم صبرا طويلا. ms3636 # قال الآلوسى والمراد بالموصول أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - الذين ~~فى مكة، فقد نقل الواحدى وغيره، أن المشركين كانوا يؤذونهم، وكانوا يأتون ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - بين مضروب ومشجوج ويتظلمون إليه فيقول لهم ~~اصبروا فإنى لم أومر بالقتال حتى هاجر - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه ~~الآية، وهى أول آية نزلت فى القتال بعد ما نهى عنه فى نيف وسبعين آية. ~~وقوله - تعالى - { وإن الله على نصرهم لقدير } وعد ~~منه - سبحانه - للمؤمنين بالنصر وحض لهم على الإقدام على الجهاد فى ~~سبيله بدون تردد أو وهن. أى وإن الله - تعالى - لقادر على أن ينصر عباده ~~المؤمنين. وعلى أن يمكن لهم فى الأرض، وعلى أن يجعلهم الوارثين لأعدائهم ~~الكافرين. قال الإمام ابن كثير ما ملخصه قوله { وإن الله على ~~نصرهم لقدير } أى هو قادر على نصر عباده المؤمنين من غير قتال، ~~ولكنه يريد من عباده أن يبلوا جهدهم فى طاعته، كما قال - تعالى - # فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى ~~إذآ أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد ~~وإما فدآء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو ~~يشآء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا ~~بعضكم ببعض.. # وإنما شرع - سبحانه - الجهاد فى الوقت الأليق به، لأنهم لما كانوا بمكة، ~~كان المشركون أكثر عددا. فلو أمر المسملون بالقتال لشق ذلك عليهم... فلما ~~استقروا بالمدينة. وصارت لهم دار إسلام، ومعقلا يلجأون إليه شرع الله ~~جهاد الأعداء، فكانت هذه الآية أول ما نزل فى ذلك... وقوله - سبحانه - { ~~الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن ~~يقولوا ربنا الله... } بيان لبعض الأسباب التى من أجلها شرع ~~الله الجهاد فى سبيله. أى إن الله - تعالى - لقدير على نصر المؤمنين ~~الذين أخرجهم الكافرون من ديارهم بغير حق، وبغير أى سبب من الأسباب، سوى ~~أنهم كانوا يقولون ربنا الله - تعالى - وحده، ولن نعبد من دونه إلها آخر. ~~أى ليس هناك ما يوجب إخراجهم - فى زعم المشركين - سوى قولهم ربنا الله. ~~ثم حرض - سبحانه - المؤمنين على القتال فى سبيله، بأن بين لهم ms3637 أن هذا ~~القتال يقتضيه نظام هذا العالم وصلاحه، فقال - تعالى - { ولولا ~~دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع ~~وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ~~}. والمراد بالدفع إذن الله المؤمنين فى قتال المشركين. والمراد بقوله { ~~بعضهم } الكافرون. وبقوله { ببعض } المؤمنون. والصوامع جمع ~~صومعة، وهى بناء مرتفع يتخذه الرهبان معابد لهم. والبيع جمع بيعة - بكسر ~~الباء - وهى كنائس النصارى التى لا تختص بالرهبان. والصلوات أماكن ~~العبادة لليهود. # أى ولولا أن الله - تعالى - أباح للمؤمنين قتال المشركين، لعاث المشركون ~~فى الأرض فسادا، ولهدموا فى زمن موسى وعيسى أماكن العبادة الخاصة ~~بأتباعهما، ولهدموا فى زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - المساجد التى ~~تقام فيها الصلاة. قال القرطبى قوله - تعالى - { ولولا دفع ~~الله الناس بعضهم ببعض... } أى ولولا ما شرعه الله - ~~تعالى - للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء لاستولى أهل الشرك. وعطلوا ~~ما بناه أهل الديانات من مواضع العبادات ولكنه دفع بأن أوجب القتال ~~ليتفرغ أهل الدين للعبادة. فالجهاد أمر متقدم فى الأمم. وبه صلحت ~~الشرائع، واجتمعت المتعبدات، فكأنه قال أذن فى القتال فليقاتل المؤمنون. ~~ثم قوى هذا الأمر فى القتال بقوله { ولولا دفع الله ~~الناس... } الآية أى لولا الجهاد والقتال لتغلب أهل الباطل على أهل ~~الحق فى كل أمة.... فالآية الكريمة تفيد أن الله - تعالى - قد شرع القتال ~~لإعلاء الحق وإزهاق الباطل، ولولا ذلك لاختل هذا العالم، وانتشر فيه ~~الفساد. والتعبير بقوله - تعالى - { لهدمت } بالتشديد للإشعار ~~بأن عدم مشروعية القتال، يؤدى إلى فساد ذريع، وإلى تحطيم شديد لأماكن ~~العبادة والطاعة لله - عز وجل -. وقدم الصوامع والبيع والصلوات على ~~المساجد، باعتبار أنها أقدم منها فى الوجود، أو للانتقال من الشريف إلى ~~الأشرف. ثم ساق - سبحانه - بأسلوب مؤكد سنة من سننه التى لا تتخلف فقال { ~~ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ~~}. أى والله لينصرن - سبحانه - من ينصر دينه وأولياءه، لأنه - تعالى - هو ~~القوى على كل فعل يريده، العزيز الذى لا يغالبه مغالب، ولا ينازعه منازع. ~~وقد أنجز - سبحانه - وعده وسنته، فسلط عباده المؤمنين ms3638 من المهاجرين ~~والأنصار، على أعدائه، فأذلوا الشرك والمشركين وحطموا دولتى الأكاسرة ~~والقياصرة، وأورثهم أرضهم وديارهم. ثم وصف - سبحانه - هؤلاء المؤمنين ~~الذين وعدهم بنصره بأكرم الصفات ليميزهم عن غيرهم فقال { الذين إن ~~مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ~~ولله عاقبة الأمور }. أى ولينصرن الله - تعالى - هؤلاء ~~المؤمنين الصادقين الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، والذين من صفاتهم ~~أنهم إذا ما مكنا لهم فى الأرض، ونصرناهم على أعدائهم، شكروا لنا ما ~~أكرمناهم به، فأقاموا الصلاة فى مواقيتها بخشوع وإخلاص، وقدموا زكاة ~~أموالهم للمحتاجين، وأمروا غيرهم بالمعروف ونهوه عن المنكر، ولله - تعالى ~~- وحده عاقبة الأمور ومردها ومرجعها فى الآخرة، فيجازى كل إنسان بما ~~يستحقه من ثواب أو عقاب. فالآية الكريمة تبين أن أولى الناس بنصر الله، ~~هم هؤلاء المؤمنون الصادقون، الذين أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا ~~بالمعروف ونهوا عن المنكر... وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله - تعالى - # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد # وقوله - تعالى - # يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ~~ويثبت أقدامكم.. # وبعد أن أذن الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين فى ~~القتال، وبشرهم بالنصر.. أتبع ذلك بتسليته - صلى الله عليه وسلم - عما ~~أصابه من حزن بسبب تكذيب المشركين له ووبخ - سبحانه - أولئك المشركين على ~~عدم اعتبارهم بمن سبقهم فقال - تعالى - { وإن يكذبوك... }. ### || [22.42-51] # والمعنى لا تحزن - أيها الرسول الكريم - لأن هؤلاء المشركين قد كذبوك ~~فيما جئتهم به من عند ربك، وأعرضوا عنه، فإن قوم نوح، وقوم هود، وقوم ~~صالح، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وقوم شعيب، وقوم موسى، قد كذبوا هؤلاء ~~الأنبياء الكرام، وما يقال لك من هؤلاء المشركين، قد قيل للرسل من قبلك. ~~قال - تعالى - # كذلك مآ أتى الذين من قبلهم من رسول إلا ~~قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم ~~طاغون فتول عنهم فمآ أنت بملوم وذكر فإن ~~الذكرى تنفع المؤمنين # واستغنى فى عاد وثمود عن ذكر القوم، لاشتهارهم بهذا الاسم الذى يدل ~~دلالة واضحة ms3639 على هؤلاء الظالمين. وقال - سبحانه - { وأصحاب مدين ~~} ولم يقل وقوم شعيب، لأنهم هم الأسبق فى التكذيب له - عليه السلام - على ~~أصحاب الآيكة، ولأنهم هم أهله أما أصحاب الأيكة فكانوا غرباء عنه. وقال - ~~سبحانه - { وكذب موسى } لأنه لم يكذب من جميع قومه وهم بنو ~~إسرائيل. وإنما كان المكذب له هو فرعون وملأه، وللإشارة إلى أن موسى - ~~عليه السلام - قد جاء إلى الناس بآيات واضحات تدل على صدقه، ومع ذلك فقد ~~قوبل بالتكذيب من فرعون وملئه. ثم بين - سبحانه - ما حل بهؤلاء من عقوبات ~~فقال { فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان ~~نكير }. والإملاء الإمهال وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال # " إن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ". # والنكير اسم مصدر بمعنى الإنكار، يقال أنكرت على فلان فعله، إذا ردعته ~~وزجرته عنه. أى هؤلاء الأقوام الذين كذبوا أنبياءهم، لم أعاجلهم ~~بالعقوبة، بل أملهتهم وأمليت لهم، ثم أخذتهم أخذ عزيز مقتدر، فانظر - ~~أيها العاقل - كيف كان إنكارى عليهم؟ لقد كان إنكارا مخيفا مهلكا # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان ~~الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # وقال - سبحانه - { فأمليت للكافرين } بالإظهار دون ~~الإضمار، لزيادة التشنيع عليهم والاستفهام فى قوله - تعالى - { فكيف ~~كان نكير } للتهويل والتعجيب. أى لقد كان إنكارا فظيعا حول حياتهم ~~إلى موت، وعمرانهم إلى خراب، وغرورهم إلى ذلة وهوان.. فعلى مشركى قريش أن ~~يعتبروا بذلك ويتعظوا.. وإلا فالعاقبة معروفة لهم. وبعد هذا البيان ~~المشتمل على سوء عاقبة هذه الأمم التى كذبت رسلها.. أتبع ذلك - سبحانه - ~~ببيان مصير كثير من الأمم الظالمة فقال { فكأين من قرية ~~أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها ~~وبئر معطلة وقصر مشيد }. # وكلمة " كأين " مركبة من كاف التشبيه، ومن أى الاستفهامية المنونة، ثم ~~هجر معنى جزأيها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية المفيدة للتكثير، ~~ويكنى بها عن عدد مبهم فتفتقر إلى تمييز بعدها. ms3640 ومميزها غالبا ما يجر بمن ~~كما فى الآية وفى غيرها. قال - تعالى - # وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير... # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # قال الآلوسى وقوله { فكأين من قرية } منصوب بمضمر يفسره قوله ~~- تعالى - { أهلكناها } أى فأهلكنا كثيرا من القرى أهلكناها.. أو ~~مرفوع على الابتداء، وجملة { أهلكناها } خبره. أى فكثير من القرى ~~أهلكناها.. وقوله { وهي ظالمة } جملة حالية من مفعول أهلكنا... ~~ولفظ { خاوية } بمعنى ساقطة أو خالية. يقال خوى البيت يخوى إذا سقط ~~أو خلا ممن يسكنه. والعروش جمع عرش وهو سقف البيت، ويسمى العريش وكل ما ~~يهيأ ليستظل به فهو عريش. وبئر معطلة أى مهجورة لهلاك أهلها، يقال ~~بأر فلان الأرض إذا حفرها ليستخرج منها الماء. والمشيد المجصص بالشيد ~~وهو الجص. يقال شاد فلان بيته يشيده، إذا طلاه بالشيد. والمعنى ~~وكثير من القوى أهلكناها بسبب ظلمهم وكفرهم، فإذا ما نظرت إليها وجدتها ~~خالية من أهلها، وقد سقطت سقوفها على جدرانها. وكثير من الآبار التى كانت ~~تتفجر بالماء عطلناها وصارت مهجورة، وكثير - أيضا - من القصور المشدة ~~الفخمة أخليناها من أهلها. وذلك لأنهم كذبوا رسلنا، وجحدوا نعمنا، ~~فدمرناهم تدميرا. وجعلنا مساكنهم من بعدهم اثرا بعد عين. فأنت ترى أن هذه ~~الآية الكريمة قد اشتملت على أشد ألوان الوعيد والتهديد لكفار قريش الذين ~~كذبوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأعرضوا عن دعوته. وشبيه بهذه الاية ~~قوله - تعالى - # وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله ~~فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا ~~فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا # ثم ينتقل القرآن الكريم من هذا التهديد الشديد، إلى التوبيخ والتقريع ~~لهؤلاء المشركين، الذين لا يعتبرون ولا يتعظون فيقول { أفلم ~~يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بهآ ~~أو آذان يسمعون بها.. }. والاستفهام للتوبيخ والإنكار، ~~والفاء للعطف على مقدر يستدعيه المقام. والمعنى إن مصارع الغابرين ~~وديارهم، يمر بها كفار قريش، ويعرفونها، فهم يرون فى طريقهم إلى الشام ~~قرى صالح وقرى لوط.. قال - تعالى - # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين ms3641 وباليل أفلا ~~تعقلون # والشأن فى هذه الرؤية أن تجعل صاحبها يعتبر ويتعظ، متى كان عنده قلب ~~يعقل ما يجب فهمه، أو أذن تسمع ما يجب سماعه وتنفيذه، ولكن هؤلاء ~~الجاهلين يرون مصارع الغابرين فلا يعقلون، ولا يعتبرون، ويسمعون الأحاديث ~~عن تلك الآبار المعطلة، والقصور الخالية من سكانها، والمنازل المهدمة، ~~فلا يتعظون. # وقوله - تعالى - { فإنها لا تعمى الأبصار ولكن ~~تعمى القلوب التي في الصدور } بيان لسبب انطماس بصائرهم، ~~وقسوة قلوبهم. والضمير فى قوله { فإنها } للقصة أى فإن الحال أنه لا ~~يعتد بعمى الأبصار، ولكن الذى يعتد به عمى القلوب التى فى الصدور، وهؤلاء ~~المشركون قد أصيبوا بالعمى الذى هو أشنع عمى وأقبحه، وهو عمى القلوب عن ~~الفهم وقبول الحق. وذكر - سبحانه - أن مواضع القلوب فى الصدور، لزيادة ~~التأكيد، ولزيادة إثبات العمى لتلك القلوب التى حدد - سبحانه - موضعها ~~تحديدا دقيقا. قال الآلوسى فالكلام تذييل لتهويل ما نزل بهم من عدم فقه ~~القلب، وأنه العمى الذى لا عمى بعده، بل لا عمى إلا هو، أو المعنى إن ~~أبصارهم صحيحة سالمة لا عمى بها. وإن العمى بقلوبهم، فكأنه قيل أفلم ~~يسيروا فى الأرض فتكون لهم قلوب ذات بصائر، فإن الآفة ببصائر قلوبهم لا ~~بأبصار عيونهم، وهى الآفة التى كل آفة دونها. كأنه يحثهم على إزالة المرض ~~وينعى عليهم تقاعدهم عنها. ثم أكد - سبحانه - انطماس بصائرهم، حيث بين ~~أنهم بدل أن يتوبوا إلى الله ويستغفروه، استعجلوا العذاب فقال { ~~ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده ~~وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون }. أى ~~أن هؤلاء الطغاة بدل أن يسيروا فى الأرض فيعتبروا ويتعظوا، أخذوا يطلبون ~~منك - ايها الرسول الكريم - نزول العذاب عاجلا، على سبيل الاستهزاء بك ~~والاستخفاف بما هددناهم به، ويقولون لك متى هو؟. فالجملة الكريمة { ~~ويستعجلونك بالعذاب } خبرية فى اللفظ، استفهامية فى ~~المعنى. وقوله - سبحانه - { ولن يخلف الله وعده } جملة ~~حالية جىء بها لتهديدهم على استعجالهم العذاب، أى والحال أن الله - تعالى ~~- لن يخلف ما وعدهم به من العذاب، بل هو منجزه فى الوقت ms3642 الذى يريده هو ~~وليس الذى يريدونه هم. وقوله - سبحانه - { وإن يوما عند ربك ~~كألف سنة مما تعدون } جملى مستأنفة سيقت لبيان أن حساب ~~الأزمان فى تقدير الله - تعالى - يخالف ما يقدره البشر. أى دعهم - أيها ~~الرسول الكريم - يستعجلون العذاب، فذلك دأب الظالمين فى كل حين، وسبيل ~~الجاهلين فى كل زمان، وأعلمهم أن الله - تعالى - لن يخلف وعده إياهم به ~~فى الوقت المحدد لذلك، وإن يوما عنده - تعالى - كألف سنة مما يعده هؤلاء ~~فى دنياهم، وسيأتيهم هذا اليوم الذى يطول عليهم طولا شديدا، لمايرون فيه ~~من عذاب مهين. قال القرطبى قوله - تعالى - { وإن يوما عند ~~ربك كألف سنة مما تعدون } قال ابن عباس ومجاهد يعنى ~~من الأيام التى خلق فيها السماوات والأرض. وقال عكرمة يعنى من أيام ~~الآخرة، أعلمهم الله إذ استعجلوه بالعذاب فى أيام قصيرة أنه يأتيهم به فى ~~أيام طويلة. # وقال الفراء هذا وعيد لهم بامتداد عذابهم فى الآخرة. وقيل المعنى وإن ~~يوما فى الخوف والشدة فى الآخرة كألف سنة من سنى الدنيا فيها خوف ~~وشدة... ثم أكد - سبحانه - أن إملاءه للظالمين، سيعقبه العذاب الأليم، ~~فقال { وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ~~ثم أخذتها وإلي المصير }. أى وكثير من القرى الظالمة ~~أملهت عقوبة أهلها إلى أجل مسمى، ثم أخذتها بعد ذلك أخذا شديدا، جعلهم فى ~~قراهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها، وسيرجعون إلينا فيجدون عذابا أشد وأبقى، ~~إذ أن مصيرهم إلى لا إلى غيرى. وبعد هذا العرض لمصارع الغابرين وبيان ~~سنة الله - تعالى - فى المكذبين، يأمر - سبحانه - نبيه - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يرشد الناس إلى مصيرهم فيقول { قل يأيها الناس ~~إنمآ أنا لكم نذير مبين }. أى قل - أيها الرسول الكريم ~~- للناس، إن وظيفتى أن أنذركم وأخوفكم من عذاب الله، بدون التباس أو ~~غموض. { فالذين آمنوا } وعملوا الأعمال الصالحات لهم من ربهم ~~مغفرة واسعة، ورزق كريم، لا انقطاع معه ولا امتناع. { والذين ~~سعوا في آياتنا معاجزين } أى والذين بذلوا كل جهودهم فى ~~إبطال آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ms3643 وصدق رسلنا، وأسرعوا فى ~~تكذيبها وغالبوا المؤمنين وعارضوهم ليظهروهم بمظهر العاجز عن الدفاع عن ~~دينهم وعن عقيدتهم. { أولئك } الموصوفون بهذا السعى الأثيم { ~~أصحاب الجحيم } أى الملازمون للنار المتأججة ملازمة المالك لما ~~يملكه. ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن فضل الله - تعالى ~~- على أنبيائه ورسله حيث عصمهم من كيد الشيطان ووسوسته وحفظ دعوتهم من ~~تكذيب المكذبين، وعبث العابثين.. فقال - تعالى - { ومآ أرسلنا... ~~}. ### || [22.52-54] # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات قد ذكر كثير من المفسرين ~~ها هنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرين إلى أرض الحبشة، ~~ظنا منهم أن مشركى قريش قد أسلموا. ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها ~~مسندة من وجه صحيح. ثم قال - رحمه الله - قال ابن أبى حاتم حدثنا يونس بن ~~حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير قال قرأ ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة سورة النجم، فلما بلغ هذا الموضع # أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة ~~الأخرى # قال فألقى الشيطان على لسانه " تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن ترتجى ". ~~قالوا - أى المشركون - ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، فسجد وسجدوا، فأنزل ~~الله - تعالى - هذه الآية { ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ~~ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في ~~أمنيته.. }. وجمع - سبحانه - بين الرسول والنبى، لأن المقصود ~~بالرسول من بعث بكتاب، وبالنبى من بعث بغير كتاب، أو المقصود بالرسول من ~~بعث بشرع جديد، وبالنبى من بعث لتقرير شرع من قبله. ولفظ { تمنى } ~~هنا فسره العلماء بتفسيرين أولهما أنه من التمنى، بمعنى محبة الشىء، ~~وشدة الرغبة فى الحصول عليه، ومفعول " ألقى " محذوف والمراد بإلقاء ~~الشيطان فى أمنيته محاولته صرف الناس عن دعوة الحق، عن طريق إلقاء ~~الأباطيل فى نفوسهم، وتثبيتهم على ما هم فيه من ضلال. والمعنى وما أرسلنا ~~من قبلك - يا محمد - من رسول ولا نبى، إلا إذا تمنى هداية قومه إلى الدين ~~الحق الذى جاءهم به من عند ربه، ألقى الشيطان الوساوس ms3644 والشبهات فى طريق ~~أمنيته لكى لا تتحقق هذه الأمنية، بأن يوهم الشيطان الناس بأن هذا الرسول ~~أو النبى ساحر أو مجنون، أو غير ذلك من الصفات القبيحة التى برأ الله - ~~تعالى - منها رسله وأنبياءه. قال - تعالى - # كذلك مآ أتى الذين من قبلهم من رسول إلا ~~قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم ~~طاغون # والآية الكريمة على هذا التفسير واضحة المعنى، ويؤيدها الواقع، إذ أن كل ~~رسول أو نبى بعثه الله - تعالى - كان حريصا على هداية قومه، وكان يتمنى ~~أن يؤمنوا جميعا، بل إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كاد يهلك نفسه هما ~~وغما بسبب إصرار قومه على الكفر. قال - تعالى - # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # إلا أن قوم كل رسول أو نبى منهم من آمن به. # ومنهم من أعرض عنه بسبب إغراء الشيطان لهم، وإيهامهم بأن ما هم عليه من ~~ضلال هو عين الهدى. وإلى هذا التفسير أشار صاحب الكشاف بقوله " قوله - ~~تعالى - { من رسول ولا نبي } دليل بين على تغاير الرسول ~~والنبى. والفرق بينهما أن الرسول من الأنبياء من جمع إلى المعجزة الكتاب ~~المنزل عليه والنبى غير الرسول من لم ينزل عليه كتاب وإنما أمر أن يدعو ~~الناس إلى شريعة من قبله. والسبب فى نزول هذه الآية أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لما أعرض عنه قومه وشاقوه، وخالفته عشيرته ولم يشايعوه ~~فى ما جاء به تمنى لفرط ضجره من إعراضهم، ولحرصه وتهالكه على إسلامهم أن ~~لا ينزل عليه ما ينفرهم، لعله يتخذ ذلك طريقا إلى استمالتهم واستنزالهم ~~عن غيهم وعنادهم. أما التفسير الثانى للفظ { تمنى } فهو أنه بمعنى ~~قرأ وتلا. ومنه قول حسان بن ثابت، فى رثاء عثمان بن عفان رضى الله عنه # تمنى كتاب الله أول ليله وآخره لاقى حمام المقادر # أى قرأ وتلا كتاب الله فى أول الليل. وفى آخر الليل وافاه أجله. ومفعول ~~{ ألقى } على هذا المعنى محذوف - أيضا - والمراد بما يلقيه الشيطان فى ~~قراءته ما ms3645 يلقيه فى معناها من أكاذيب وأباطيل، ليصد الناس عن اتباع ما ~~يقرؤه الرسول وما يتلوه، وليس المراد أنه يلقى فيها ما ليس منها بالزيادة ~~أو بالنقص، فإن ذلك محال بالنسبة لكتاب الله - تعالى - الذى تكفل - ~~سبحانه - بحفظه فقال # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # والمعنى وما أرسلنا من قبلك - أيها الرسول الكريم - من رسول ولا نبى إلا ~~إذا قرأ شيئا مما أنزلناه عليه، القى الشيطان فى معنى قراءته الشبه ~~والأباطيل، ليصد الناس عن اتباع ما يتلوه عليهم هذا الرسول أو النبى. قال ~~الآلوسى - رحمه الله - والمعنى وما أرسلنا من قبلك رسولا ولا نبيا، إلا ~~وحاله أنه إذا قرأ شيئا من الآيات، ألقى الشيطان الشبه والتخيلات فيما ~~يقرؤه على أوليائه، ليجادلوه بالباطل، ويردوا ما جاء به، كما قال - تعالى ~~- # ... وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ~~ليجادلوكم.. # وقال - سبحانه - # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس ~~والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ~~غرورا.. # وهذا كقولهم عند سماع قراءة الرسول - صلى الله عليه وسلم - # حرمت عليكم الميتة والدم # إن محمدا يحل ذبيحة نفسه ويحرم ما ذبحه الله. وكقولهم عند سماع قراءته ~~لقوله - تعالى - # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم.. # إن عيسى قد عبد من دون الله، وكذلك الملائكة قد عبدوا من دون الله.. ~~والآية الكريمة { ليجعل ما يلقي الشيطان } على هذا ~~التفسير - أيضا - واضحة المعنى، إذا المراد بما يلقيه الشيطان فى قراءة ~~الرسول أو النبى، تلك الشبه والأباطيل التى يلقيها فى عقول الضالين، ~~فيجعلهم يؤولونها تأويلا سقيما ويفهمونها فهما خاطئا. # وقوله - تعالى - { فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم ~~يحكم الله آياته والله عليم حكيم } بيان لسنته - ~~سبحانه - التى لا تتخلف فى إحقاق الحق. وإبطال الباطل. وقوله { فينسخ ~~} من النسخ بمعنى الإزالة. يقال نسخت الشمس الظل إذا أزالته. أى فيزيل - ~~سبحانه - بمقتضى قدرته وحكمته ما ألقاه الشيطان فى القلوب التى شاء الله ~~- تعالى - لها الإيمان والثبات على الحق ثم يحكم - سبحانه - آياته بأن ~~يجعلها متقنة، لا تقبل الرد، ولا تحتمل الشك ms3646 فى كونها من عند - عز وجل - ~~والله عليم بجميع شئون خلقه، حكيم فى كل أقواله وأفعاله وتصرفاته. ثم بين ~~- سبحانه - بعد ذلك أن الحكمة فى إلقاء الشيطان لشبهه وضلالته هى امتحان ~~الناس فقال { ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين ~~في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم... }. أى فعل ما فعل ~~- سبحانه - ليجعل ما يلقيه الشيطان من تلك الشبه فى القلوب فتنة واختبارا ~~وامتحانا، للذين فى قلوبهم مرض، أى شك وارتياب، وهم المنافقون، وللذين ~~قست قلوبهم، وهم الكافرون المجاهرون بالجحود والعناد. فقوله - تعالى - { ~~ليجعل.. } متعلق ب { ألقى } أى ألقى الشيطان فى أمنية الرسل ~~والأنبياء ليجعل الله - تعالى - ذلك الإلقاء فتنة الذين فى قلوبهم مرض. ~~ومعنى كونه فتنة لهم أنه سبب لتماديهم فى الضلال، وفى إصرارهم على الفسوق ~~والعصيان. ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الفريقين فقال { وإن ~~الظالمين } ، وهم من فى قلوبهم مرض، ومن قست قلوبهم { لفي شقاق ~~بعيد } أى لفى خلاف للحق شديد. بسبب نفاقهم وكفرهم. ثم بين - سبحانه - ~~حكمة أخرى لما فعله الشيطان من إلقاء الشبه والوساوس فى القلوب فقال { ~~وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ~~ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم }. والضمير فى ~~{ أنه } يعود إلى ما جاء به الرسل والأنبياء من عند ربهم. أى وفعل ما ~~فعل - سبحانه - أيضا، ليعلم العلماء من عباده، الذين حبب - سبحانه - ~~إليهم الإيمان، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، أن ما جاء به الرسل ~~والأنبياء هو الحق الثابت من ربك، فيزدادوا إيمانا به { فتخبت له ~~قلوبهم } أى فتخضع وتسكن وتطمئن إليه نفوسهم. و { وإن الله } ~~- تعالى - { لهاد الذين آمنوا } به وصدقوا أنبياءه ورسله { ~~إلى صراط مستقيم } يوصلهم إلى السعادة فى الدنيا والآخرة. ~~هذا، وقد أبطل العلماء - قديما وحديثا - قصة الغرانيق، ومن العلماء ~~القدماء الذين تصدوا لهذا الإبطال الإمام الفخر الرازى، فقد قال ما ~~ملخصه قصة الغرانيق باطلة عند أهل التحقيق، واستدلوا على بطلانها بالقرآن ~~والسنة والمعقول. # أما القرآن فمن وجوه منها قوله - تعالى - # ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه ~~باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ms3647 # وقوله - سبحانه - # وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى # وقوله - عز وجل- # قل ما يكون لي أن أبدله من تلقآء نفسي إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي.. # وأما السنة، فقد قال الإمام البيهقى هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل ~~وأيضا فقد روى البخارى فى صحيحه أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قرأ ~~سورة " النجم " وسجد فيها المسلمون والمشركون والإنس والجن، وليس فيه ~~حديث الغرانيق. وروى هذا الحديث من طرق كثيرة وليس فيها البتة حديث ~~الغرانيق. وأما المعقول فمن وجوه منها أن من جوز على الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - تعظيم الأوثان فقد كفر، لان من المعلوم بالضرورة أن أعظم ~~سعيه - صلى الله عليه وسلم - كان نفى الأوثان. ومنها أننا لو جوزنا ذلك ~~لارتفع الأمان عن شرعه.. فإنه لا فرق فى العقل بين النقصان عن الوحى وبين ~~الزيادة فيه. فبهذه الوجوه عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصة موضوعة. ~~أكثر ما فى الباب أن جمعا من الفسرين ذكرها، لكنهم ما بلغوا حد التواتر. ~~وخبر الواحد لا يعارض الدلائل النقلية والعقلية المتواترة. وقال بعض ~~العلماء ما ملخصه اعلم أن مسألة الغرانيق مع استحالتها شرعا، ودلالة ~~القرآن على بطلانها، لم تثبت من طريق صالح للاحتجاج به، وصرح بعد ثبوتها ~~خلق كثير من علماء الحديث كما هو الصواب. والحاصل أن القرآن دل على ~~بطلانها، ولم تثبت من جهة النقل، مع استحالة الإلقاء على لسانه - صلى ~~الله عليه وسلم - شرعا ولو على سبيل السهو. والذى يظهر لنا أنه الصواب هو ~~أن ما يلقيه الشيطان فى قراءة النبى الشكوك والوساوس المانعة من تصديقها ~~وقبولها، كإلقائه عليهم أنها سحر أو شعر أو أساطير الأولين.. والدليل على ~~هذا المعنى أن الله - تعالى - بين أن الحكمة فى الإلقاء المذكور امتحان ~~الخلق، لأنه قال { ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة ~~للذين في قلوبهم... } ثم قال { وليعلم الذين ~~أوتوا العلم أنه الحق من ربك... } فهذا يدل على أن ~~الشيطان يلقى عليهم، أن الذى يقرؤه النبى ليس بحق، فيصدقه الأشقياء، ~~ويكذبه ms3648 المؤمنون الذين أوتوا العلم، ويعلمون أنه الحق لا الكذب، كما يزعم ~~لهم الشيطان فى إلقائه... ". ثم بين - سبحانه - أن الكافرين سيستمرون على ~~شكهم فى القرآن حتى تأتيهم الساعة، وأنه - تعالى - سيحكم بين الناس يوم ~~القيامة، فيجازى الذين أساءوا بما عملوا. ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. ~~فقال - عز وجل - { ولا يزال الذين كفروا... }. ### || [22.55-59] # قال الجمل " لما ذكر - سبحانه - حال الكافرين أولا، ثم حال المؤمنين ~~ثانيا، عاد إلى شرح حال الكافرين، فهو رجوع لقوله # وإن الظالمين لفي شقاق بعيد # والمرية بالكسر والضم. لغتان مشهورتان. والضمير فى قوله { منه } ~~يعود إلى القرآن الكريم، أو إلى ما جاء به الرسول من عند ربه، وقيل إلى ~~ما ألقاه الشيطان. وقد رجح ابن جرير كونه للقرآن فقال وأولى الأقوال فى ~~ذلك بالصواب قول من قال هى كناية من ذكر القرآن الذى أحكم الله آياته ~~وذلك أن ذلك من ذكر قوله # وليعلم الذين أوتوا العلم.. # أقرب منه من ذكر قوله # فينسخ الله ما يلقي الشيطان.. # والمعنى ولا يزال الذين كفروا فى شك وريب مما أوحاه الله إليك من قرآن، ~~بسبب قسوة قلوبهم، واستيلاء الجحود والعناد على نفوسهم. وسيستمرون على ~~هذه الحال { حتى تأتيهم الساعة } أى القيامة { بغتة } ~~أى فجأة { أو يأتيهم عذاب يوم عقيم } أى لا مثل له فى ~~هوله وشدة عذابه ولا يوم بعده، إذ كل يوم يلد ما بعده عن الأيام إلا هذا ~~اليوم وهو يوم القيامة فإنه لا يوم بعده. قال ابن كثير " وقوله { أو ~~يأتيهم عذاب يوم عقيم } قال مجاهد قال أبى بن كعب هو يوم ~~بدر. وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير وقتادة وغير واحد واختاره ابن جرير. ~~وفى رواية عن عكرمة ومجاهد هو يوم القيامة لا ليلة له، وكذا قال الضحاك ~~والحسن. وهذا القول هو الصحيح، وإن كان يوم بدر من جملة ما أوعدوا به، ~~لكن هذا هو المراد، ولهذا قال { الملك يومئذ لله يحكم ~~بينهم } كقوله # ملك يوم الدين # ثم بين - سبحانه - مظاهر قدرته، وشمول قهره لغيره فقال { الملك ~~يومئذ ms3649 لله يحكم بينهم... } والتنوين فى قوله { ~~يومئذ } عوض عن جملة. أى السلطان القاهر، والتصرف الكامل، يوم ~~تأتيهم الساعة بغتة، أو يوم يأتيهم عذابها يكون لله - تعالى - وحده، كما ~~أن الحكم بين الناس جميعا يكون له وحده - سبحانه - { فالذين ~~آمنوا وعملوا } الأعمال { الصالحات } يكونون فى هذا اليوم { ~~في جنات النعيم } { والذين كفروا وكذبوا ~~بآياتنا } التى جاءتهم بها رسلنا { فأولئك لهم عذاب ~~مهين } أى لهم عذاب ينالون بسببه ما ينالون من هوان وذل. { ~~والذين هاجروا } من ديارهم { في سبيل } إعلاء كلمة الله ~~ونصرة دينه { ثم قتلوا } أى قتلهم الكفار فى الجهاد { أو ~~ماتوا } أى على فراشهم. هؤلاء وهؤلاء { ليرزقنهم الله } - ~~تعالى - بفضله وكرمه { رزقا حسنا } يرضيهم ويسرهم يوم يلقونه. حيث ~~يبوئهم جنته. قال - تعالى - # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء عند ربهم يرزقون.. # وقال - سبحانه - # ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ~~ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله # وقوله - عز وجل - { وإن الله لهو خير الرازقين } ~~تذييل قصد به بيان أن عطاءه - سبحانه - فوق كل عطاء، لأنه يرزق من يشاء ~~بغير حساب، ويعطى من يشاء دون أن ينازعه منازع، أو يعارضه معارض، أو ينقص ~~مما عنده شىء. وقوله - تعالى - { ليدخلنهم مدخلا ~~يرضونه.. } استئناف مقرر لما قبله. و " مدخلا " أى إدخالا، من أدخل ~~يدخل - بضم الياء - وهو مصدر ميمى للفعل الذى قبله، والمفعول محذوف. أى ~~ليدخلنهم الجنة إدخالا يرضونه. وقرأ نافع مدخلا - بفتح الميم - على أنه ~~اسم مكان أريد به الجنة، أى ليدخلنهم مكانا يرضونه وهو الجنة. { وإن ~~الله } - تعالى - { لعليم } بالذى يرضيهم، وبالذى يستحقه كل إنسان ~~من خير أو شر { حليم } فلا يعاجل بالعقوبة، بل يستر ويعفو عن كثير. ثم ~~بشر - سبحانه - عباده الذين يقع عليهم العدوان بالنصر على من ظلمهم، فقال ~~- تعالى - { ذلك ومن عاقب... }. ### || [22.60-62] # واسم الإشارة ذلك، فى قوله - تعالى - { ذلك ومن عاقب بمثل ~~ما عوقب به }. يعود إلى ما ذكره - سبحانه - قبل ذلك من أن الملك له ~~يوم القيامة، ومن الرزق ms3650 الحسن الذى منحه للمهاجرين فى سبيله ثم قتلوا أو ~~ماتوا. والعقاب مأخوذ من التعاقب، وهو مجىء الشىء بعد غيره. والمراد به ~~هنا مجازاة الظالم بمثل ظلمه. قال القرطبى قال مقاتل نزلت هذه الآية فى ~~قوم من مشركى مكة. لقوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم فقالوا ~~إن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - يكرهون القتال فى الشهر الحرام ~~فاحملوا عليهم فناشدهم المسلمون أن لا يقاتلوهم فى الشهر الحرام. فأبى ~~المشركون إلا القتال، فحملوا عليهم فثبت المسلمون ونصرهم الله على ~~المشركين، وحصل فى أنفس المسلمين شىء من القتال فى الشهر الحرام، فأنزل ~~الله الآية. فمعنى { ومن عاقب بمثل ما عوقب به } أى من ~~جازى الظالم بمثل ما ظلمه، فسمى جزاء العقوبة عقوبة لاستواء الفعلين فى ~~الصورة فهى مثل # جزآء سيئة سيئة مثلها # وقوله { ثم بغي عليه } أى أن الظالم المبتدئ بالظلم عاد مرة ~~أخرى فبغى على المظلوم وآذاه. وقوله { لينصرنه الله } وعد مؤكد ~~منه - سبحانه - بنصرة المظلوم، والجملة جواب قسم محذوف. أى والله لينصرن ~~- سبحانه - المظلوم على الظالم فى الحال أو المآل. قوله { إن الله ~~لعفو غفور } تعليل للنصرة، وبيان بأن المظلوم عندما ترك العفو عن ~~الظالم، لا يؤاخذه - سبحانه - على ذلك، ما دام لم يتجاوز فى رد العدوان ~~الحدود المشروعة، وهى الانتصار على القصاص بالمثل. أى إن الله - تعالى - ~~لكثير العفو عن عباده، وكثير المغفرة لذنوبهم وخطاياهم. ثم بين - سبحانه ~~- أن نصره للمظلوم مرجعه إلى شمول قدرته على كل شىء، فقال - تعالى - { ~~ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج ~~النهار في الليل }. ومعنى يولج يدخل. يقال ولج فلان منزله، إذا ~~دخله. أى ذلك الذين فعلناه من نصرة المبغى عليه على الباغى، كائن بسبب أن ~~قدرتنا لا يعجزها شىء، ومن مظاهر ذلك أننا ندخل جزءا من الليل فى النهار ~~فيقصر الليل ويزيد النهار، وندخل جزءا من النهار فى الليل فيحصل العكس. ~~وأنتم ترون ذلك بأعينكم، وتشاهدون كيف يسيران بهذا النظام البديع. { ~~وأن الله سميع بصير } أى وأن الله - تعالى ms3651 - سميع لكل ~~المسموعات، بصير لك المبصرات، لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء. ~~وقوله - سبحانه - { ذلك بأن الله هو الحق وأن ما ~~يدعون من دونه هو الباطل.. } بيان لحقيته - عز وجل - ~~للعبادة والطاعة والخضوع التام. # واسم الإشارة يعود إلى ما وصف به نفسه قبل ذلك من صفات القدرة الباهرة ~~والعلم التام. أى ذلك الذى تراه - أيها العاقل - فى هذا الكون من ~~مخلوقات، ومن نصر للمظلوم، ومن إدخال الليل فى النهار وإدخال النهار فى ~~الليل، سببه أن الله - تعالى - هو الإله الحق الذى يجب أن تعنو له ~~الوجوه. وأن ما عداه من معبودات آلهة باطلة ما أنزل الله بها من سلطان. { ~~وأن الله } - تعالى - وحده { هو العلي } أى العالى على ~~جميع الكائنات بقدرته، وكل شىء دونه { الكبير } أى العظيم الذى لا ~~يدانيه فى عظمته أحد. فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة، قد وصفت الله - ~~تعالى - بما هو أهل له من صفات الجلال والكمال. ثم ساق - سبحانه - بعد ~~ذلك ما يدل على سعة فضله ورحمته بعباده فقال { ألم تر أن... }. ### || [22.63-66] # والاستفهام فى قوله { ألم تر أن الله أنزل من ~~السمآء مآء فتصبح الأرض مخضرة... } للتقرير. وقوله { ~~مخضرة } أى ذات خضرة بسبب النبات الذى ينبته الله فيها بعد نزول ~~المطر عليها. والمعنى لقد رأيت ببصرك وعلمت ببصيرتك أيها المخاطب أن الله ~~- تعالى - قد أنزل من السماء ماء، فتصير الأرض بسببه ذات خضرة، وفى ذلك ~~أعظم الأدلة على كمال قدرته، وعظيم رحمته بعباده. وقال - سبحانه - { ~~فتصبح } بصيغة المضارع، لاستحضار صورة الاخضرار، الذى اتصف به الأرض ~~بعد نزول المطر عليها، وصيغة الماضى لا تفيد دوام استحضارها، لأن الفعل ~~الماضى يفيد انقطاع الشىء. ولم ينصب هذا الفعل المضارع فى جواب ~~الاستفهام، لأن الاستفهام تقريرى فهو فى معنى الخبر، والخبر لا جواب له، ~~فكأنه قيل لقد رأيت، ولأن السببية هنا غير متحققة، إذ الرؤية لا يتسبب ~~عنها اخضرار الأرض، وإنما اخضرارها يكون بسبب نزول المطر. وقد أشار صاحب ~~الكشاف إلى ذلك فقال فإن قلت ms3652 هلا قيل فأصبحت؟ ولم صرف إلى لفظ المضارع؟. ~~قلت لنكتة فيه وهى إفادة بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان، كما تقول أنعم ~~على فلان عام كذا، فأروح وأغدوا شاكرا له. ولو قلت فرحت وغدوت لم يقع ~~ذلك الموقع. فإن قلت فما له رفع ولم ينصب جوابا للاستفهام؟. قلت لو نصب ~~لأعطى ما هو عكس الغرض، لأن معناه إثبات الاخضرار فينقلب بالنصب إلى نفى ~~الاخضرار. مثاله أن تقول لصاحبك ألم تر أنى أنعمت عليك فتشكر. إن نصبته ~~فأنت ناف لشكره. شاك تفريطه فيه، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر وهذا وأمثاله ~~مما يجب أن يرغب له من استم بالعلم فى علم الإعراب وتوقير أهله. وقال ~~بعض العلماء ما ملخصه فإن قيل كيف قال فتصبح مع أن اخضرار الأرض قد يتأخر ~~عن صبيحة المطر. فالجواب أن تصبح هنا بمعنى تصير، والعرب تقول فلان أصبح ~~غنيا، أى صار غنيا، أو أن الفاء للتعقيب، وتعقيب كل شىء بحسبه، كقوله - ~~تعالى - # ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة ~~فخلقنا المضغة عظاما... # مع أن بين كل شيئين أربعين يوما، كما جاء فى الحديث الصحيح... ثم ختم - ~~سبحانه - الآية بقوله { إن الله لطيف خبير } أى إن الله - ~~تعالى - لطيف بعباده. ومن مظاهر لطفه بهم، إنزاله المطر على الأرض ~~للانتفاع بما تنبته من كل زوج بهيج، وهو - تعالى - خبير بأحوال عباده، لا ~~يعزب عن عمله مثقال ذرة من هذه الأحوال. فإنه - سبحانه - { له ما في ~~السماوات وما في الأرض } خلقا وملكا وتصرفا { وإن الله ~~لهو الغني } عن كل ما سواه { الحميد } أى المستوجب للحمد من ~~كل خلقه. # وقوله - تعالى - { ألم تر أن الله سخر لكم ما في ~~الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك ~~السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه... } بيان ~~لألوان أخرى من الغم التى أنعم بها على بنى آدم. أى لقد علمت - أيضا - ~~أيها العاقل، أن الله - تعالى - سخر لكم يا بنى آدم - ما فى الأرض من ~~دواب وشجر وأنهار، وغير ذلك مما تحتاجونه لحياتكم، وسخر ms3653 لمنفعتكم السفن ~~التى تجرى فى البحر بتقديره وإرادته وإذنه. وهو - سبحانه - الذى يمسك ~~السماء ويمنعها من أن تقع على الأرض، فتهلك من فيها، ولو شاء لأذن لها فى ~~الوقوع فسقطت على الأرض فأهلكت من عليها. قال الجمل وقوله { إلا ~~بإذنه } الظاهر أنه استثناء مفرغ من أعم الأحوال، وهو لا يقع إلا فى ~~الكلام الموجب إلا أن قوله { ويمسك السمآء أن تقع على ~~الأرض } فى قوة النفى. أى لا يتركها تقع فى حالة من الأحوال إلى فى ~~حالة كونها ملتبسة بمشيئة الله - تعالى -، فالباء للملابسة. وقوله - ~~سبحانه - { إن الله بالناس لرءوف رحيم } أى لكثير ~~الرأفة والرحمة بهم، ومن علامات ذلك أنه سخر لهم ما فى الأرض وسخر لهم ~~الفلك، وأمسك السماء عنهم، ولم يسقطها عليهم. وشبيه بهذه الاية قوله - ~~تعالى - # إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن ~~زالتآ إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان ~~حليما غفورا # ثم ختم - سبحانه - هذه النعم بما هو أجلها وأعظمها فقال { وهو ~~الذي أحياكم } أى بعد أن كنتم أمواتا فى بطون أمهاتكم، وقبل أن ~~ينفخ بقدرته الروح فيكم. { ثم يميتكم } أى بعد انقضاء آجالكم فى ~~هذه الحياة { ثم يحييكم } أى عند البعث والحساب. { إن ~~الإنسان لكفور } أى لكثير الجحود والكفران لنعم ربه التى لا ~~تحصى. فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد ذكرت أنواعا متعددة من الأدلة ~~على قدرته - سبحانه -، كما ذكرت ألوانا من نعمه على عباده، ومن ذلك إنزال ~~الماء من السماء فتصبح الأرض مخضرة بعد أن كانت يابسة. وتسخير ما فى ~~الأرض للإنسان، وتسخير الفلك لخدمته ومنفعته، وإمساك السماء أن تقع على ~~الأرض إلا بمشيئته - تعالى - وإيجادنا من العدم بقدرته ورحمته. وبعد أن ~~عرضت السورة الكريمة دلائل قدرة الله - تعالى - ورحمته بعباده أتبعت ذلك ~~ببيان أنه - سبحانه - قد جعل لكم أمة شرعة ومنهاجا، وأمرت النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يمضى فى طريقة لتبليغ رسالة الله - تعالى - دون أن ~~يلتفت إلى ممارات المشركين له، وأن يفوض الحكم فيهم إليه - سبحانه - فهو ms3654 ~~العليم بكل شىء، فقال - تعالى - { لكل أمة جعلنا... }. ### || [22.67-70] # قال الآلوسى قوله - تعالى - { لكل أمة جعلنا منسكا هم ~~ناسكوه... } كلام مستأنف جىء به لزجر معاصريه - صلى الله عليه وسلم - ~~من أهل الأديان السماوية عن منازعته، ببيان حال ما تمسكوا به من الشرائع، ~~وإظهار خطئهم. والمراد بالأمة هنا القوم الذين يدينون بشريعة معينة. ~~والمراد بالمنسك المنهج والشريعة التى يتبعونها فى عقيدتهم وفى ~~معاملاتهم... أى شرعنا لكل أمة من الأمم السابقة منهجا يسيرون عليه فى ~~اعتقادهم وفى طريقة حياتهم، فالأمة التى وجدت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى ~~- عليهما السلام - شريعتها التوراة، والأمة التى وجدت من بعث عيسى حتى ~~مبعث محمد - صلى الله - شريعتها الإنجيل، والأمة التى وجدت منذ مبعث ~~محمد - صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة شريعتها القرآن. وعلى كل أمة ~~أدركت بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - أن تتبعه فيما جاء به من عند ~~ربه، لأن شريعته هى الشريعة الناسخة لما قبلها، والمهيمنة عليها. ويرى ~~بعضهم أن المراد بالمنسك هنا المكان الذى يذبحون فيه ذبائحهم تقربا إلى ~~الله - تعالى -. وقد رجح الإمام ابن جرير ذلك فقال ما ملخصه وأصل ~~المناسك فى كلام العرب الموضع المعتاد الذى يعتاده الرجل ويألفه لخير أو ~~شر. يقال إن لفلان منسكا يعتاده، يراد مكانا يغشاه ويألفه لخير أو شر. ~~وقد اختلف أهل التأويل فى معنى المنسك هنا، فقيل عيد، وقيل إراقة الدم.. ~~والصواب من القول فى ذلك أن يقال عنى بذلك إراقة الدم أيام النحر بمنى، ~~لأن المناسك التى كان المشركون جادلوا فيها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كانت إراقة الدم فى هذه الأيام... ولذلك قلنا عنى بالمنسك فى هذا ~~الموضع الذبح... ويبدو لنا أن القول الأول، وهو تفسير المنسك بالشريعة ~~الخاصة أقرب إلى الصواب لشموله للذبح وغيره. والضمير فى قوله { هم ~~ناسكوه } يعود لكل أمة. أى جعلنا لكل أمة شريعة تسير على تعاليمها، ~~وتنهج على نهجها.. والفاء فى قوله - تعالى - { فلا ينازعنك في ~~الأمر } لترتيب النهى على ما قبلها. والمنازعة المجادلة والمخاصمة. ms3655 ~~والمراد بالأمر ما جاء به النبى - صلى الله عليه وسلم - من عند ربه - ~~تعالى - من تشريعات وأحكام. أى قد جعلنا لكل أمة من الأمم السابقة شريعة ~~تتبع تعاليمها، وما دام الأمر كذلك، فاسلك أنت وأتباعك - أيها الرسول ~~الكريم - الشريعة التى أوحيناها إليك، وأمرناك باتباعها، ولا تلتفت إلى ~~مخاصمة من ينازعك فى ذلك من اليهود أو النصارى أو غيرهم، فإن منازعتهم لك ~~فيما جئت به من عند ربك، يدل على جهلهم وسوء تفكيرهم، لأن ما جئت به من ~~عند ربك مصدق لشريعتهم، ومهيمن عليها وناسخ لها. # ثم أرشده - سبحانه - إلى ما يجب عليه نحو دينه فقال { وادع إلى ~~ربك إنك لعلى هدى مستقيم }. أى وادع هؤلاء الذين ~~ينازعونك فيما جئتهم به من الحق، وأدع غيرهم معهم إلى ترك التنازع ~~والتخاصم، وإلى الدخول فى دين الاسلام فإنك أنت على الصراط المستقيم، ~~الذى لا اعوجاج فيه ولا التباس. ثم بين له - سبحانه - ما يفعله إذا ما ~~لجوا فى منازعتهم له فقال { وإن جادلوك فقل الله أعلم ~~بما تعملون }. أى وإن أبوا إلا مجادلتك بعد أن ظهر الحق، ولزمتهم ~~الحجة، فقل لهم - أيها الرسول الكريم - امرى وامركم إلى الله - تعالى -، ~~فهو الذى يتولى الحكم بينى وبينكم يوم القيامة، لأنه - سبحانه - هو ~~العليم بحالى وحالكم. وهذه الجملة الكريمة قد تضمنت تهديدهم على ~~استمرارهم فى جدالهم بعد أن تبين لهم الحق، كما تضمنت وجوب إعراض الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - عنهم. ثم أكد - سبحانه - هذا التهديد والإعراض ~~فقال { الله يحكم بينكم } أيها المسلمون وبين هؤلاء الكافرين ~~{ يوم القيامة فيما كنتم فيه } فى الدنيا { تختلفون ~~} من أمر هذا الدين، وحينئذ يتبين من هو على الحق ومن هو على الباطل، ~~وسيجازى - سبحانه - كل فريق بما يستحقه من ثواب أو عقاب. ثم ختم - سبحانه ~~- هذه الآيات بتأكيد علمه بكل شىء قال { ألم تعلم أن الله ~~يعلم ما في السمآء والأرض.. }. أى لقد علمت - أيها الرسول ~~الكريم - وتيقنت، أن الله - تعالى - لا يعزب عن علمه مثقال ذرة مما يحصل ~~فى ms3656 السماوات والأرض من أقوال أو أفعال. { إن ذلك } الذى يجرى فى ~~السماوات والأرض كائن وثابت { في كتاب } هو اللوح المحفوظ المشتمل ~~على جميع أحوال الخلق. { إن ذلك } الذى ذكرناه لك من الحكم بين ~~الناس، ومن العلم بأحوالهم ومن تسجيل أعمالهم { على الله } - تعالى ~~- { يسير } وهين، لأنه - سبحانه - له الخلق والأمر، تبارك الله رب ~~العالمين. ثم وبخ - سبحانه - الكافرين على جهلهم، حيث عبدوا من دونه مالا ~~ينفعهم ولا يضرهم، وحيث كرهوا الحق وأصحابه، فقال - تعالى - { ~~ويعبدون من دون... }. ### || [22.71-72] # أى أن هؤلاء المشركين الذين ينازعونك فيما جئتهم به من عند ربك، يتركون ~~ما تدعوهم إليه - أيها الرسول الكريم - من إخلاص للعبادة لله - تعالى - ~~ويعبدون من دونه - سبحانه - آلهة أخرى لا دليل لهم على عبادتها من عقل أو ~~نقل. إذ قوله - سبحانه - { ما لم ينزل به سلطانا } نفى لأن ~~يكون لهم دليل سمعى على عبادتها وقوله - تعالى - { وما ليس لهم ~~به علم } نفى لأن يكون لهم دليل عقلى على عبادتها. والتنكير فى قوله ~~" سلطانا، وعلم " للتقليل، أى لا دليل لهم أصلا لا من جهة السمع، ولا من ~~جهة العقل، ومع ذلك يتمسكون بهذه العبادة الباطلة. وقوله - تعالى - { ~~وما للظالمين من نصير } تهديد بسور المصير لهؤلاء المشركين. ~~أى وما للظالمين الذين وضعوا العبادة فى غير موضعها، من نصير ينصرهم من ~~عقاب الله وعذابه، لأنهم بسبب عبادتهم لغير الله - تعالى -، قد قطعوا عن ~~أنفسهم كل رحمة ومغفرة. ثم بين - سبحانه - أنهم بجانب ضلالهم، تأخذهم ~~العزة بالإثم إذا ما نصحهم الناصحون بالإقلاع عن هذا الضلال فقال { ~~وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه ~~الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين ~~يتلون عليهم آيتنا.. }. وقوله { يسطون } من السطو، ~~بمعنى الوثب والبطش بالغير. يقال سلطا فلان على فلان، إذا بطش به بضرب أو ~~شتم أو سرقة أو ما يشبه ذلك. أى وإذا تتلى على هؤلاء الظالمين، آياتنا ~~الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا، من قبل عبادنا المؤمنين { تعرف } - ~~أيها الرسول الكريم - { في وجوه الذين كفروا } بهذه الآيات ~~البينات { المنكر ms3657 } أى ترى فى وجوههم الإنكار لها، والغضب منها ومن ~~قارئها، والكراهية والعبوس عند سماعها. بل ويكادون فوق ذلك، يبطشون ~~بالمؤمنين الذين يتلون عليهم آياتنا، ويعتدون عليهم بالسب تارة، والضرب ~~تارة أخرى. وذلك لأن هؤلاء الظالمين، حين عجزوا عن مقارعة الحجة بالحجة ~~لجأوا إلى السطو والعدوان، وهذا شأن الطغاة الجاهلين فى كل زمان ومكان. ~~ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يقول لهؤلاء ~~الطغاة على سبيل التهديد والوعيد، ما من شأنه أن يردعهم عن سطوهم وبغيهم ~~فقال { قل أفأنبئكم بشر من ذلكم }. أى قل - أيها ~~الرسول الكريم - لهؤلاء الظالمين ألا أخبركم بما هو أشد ألما من غيظكم ~~على من يتلو عليكم آياته، ومن همكم بالسطو عليه؟. أشد من كل ذلك { ~~النار } التى { وعدها الله الذين كفروا } أى وعدهم ~~بدخولها، و بالاصطلاء بسعيرها { وبئس المصير } مصير هؤلاء ~~الكافرين. قال الجمل وقوله { النار } خبر مبتدأ محذوف، كأن سائلا سأل ~~فقال وما الأشر؟ فقيل النار، أى هو النار. وحينئذ فالوقف على ذلكم، أو ~~على النار. ويصح أن يكون لفظ النار مبتدأ، والخبر وعدها الله، وعلى هذا ~~فالوقف على كفروا... ثم وجه - سبحانه - نداء إلى الناس. بين فيه أن كل ~~آلهة تعبد من دونه - عز وجل - فهى باطلة وهى أعجز من أن تدافع عن نفسها، ~~وأن كل عابد لها هو جاهل ظالم. فقال - تعالى - { يأيها الناس... ~~}. ### || [22.73-76] # والمثل الشبيه والنظير، ثم أطلق على القول السائر المعروف، لمماثلة ~~مضربه - وهو الذى يضرب - فيه - بمورده - وهو الذى ورد فيه أولا - ولا ~~يكون إلا لما فيه غرابة. وإنما تضرب الأمثال لإيضاح المعنى الخفى، ~~وتقريب الشىء المعقول من الشىء المحسوس، وعرض الغائب فى صورة المشاهد، ~~فيكون المعنى الذى ضرب له المثل أوقع فى القلوب، وأثبت فى النفوس. وسمى ~~الله - تعالى - ما ساقه فى هذه الآية الكريمة مثلا، لأن ما يفعله ~~المشركون من عبادتهم لآلهة عاجزة، يشبه المثل فى غرابته وفى التعجب من ~~فعله. قال صاحب الكشاف فإن قلت الذى جاء به - سبحانه - ليس بمثل فكيف ~~سماه ms3658 مثلا؟. قلت قد سميت الصفة أو القصة الرائعة الملتقاة بالاستغراب ~~مثلا، تشبيها لها ببعض الأمثال المسيرة، لكونها مستحسنة مستغربة عندهم. ~~والمعنى يأيها الناس لقد بينا لكم قصة مستغربة وحالا عجيبة. لما يعبد من ~~دون الله - تعالى - فاستمعوا إليها بتدبر وتعقل. وقوله { إن الذين ~~تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو ~~اجتمعوا له.. } بيان للمثل وتفسير له. والذباب اسم جنس واحدة ~~ذبابة - وهى حشرة معروفة بطيشها وضعفها وقذارتها. أى إن المعبودات ~~الباطلة التى تعبدونها أيها المشركون، لن تستطيع أن تخلق ذبابة واحدة، ~~حتى لو اشتركت جميعها فى محاولة خلق هذه الذبابة. قال صاحب الكشاف وهذا ~~من أبلغ ما أنزله الله فى تجهيل قريش، واستركاك عقولهم. والشهادة على أن ~~الشيطان قد خزمهم بخزائمه - أى قد ربطهم برباطه، حيث وصفوا بالإلهية - ~~التى تقتضى الاقتدار على المقدورات كلها - صورا وتماثيل، يستحيل منها أن ~~تقدر على أقل ما خلقه وأذله وأصغره وأحقره، ولو اجتمعوا لذلك وتساندوا... ~~وقوله - سبحانه - { وإن يسلبهم الذباب شيئا لا ~~يستنقذوه منه } بيان لعجز تلك الآلهة الباطلة من أمر آخر سوى ~~الخلق. أى وفضلا عن عجز تلك الأصنام مجتمعة عن خلق ذبابة، فإنها إذا ~~اختطف الذباب منها شيئا من الأشياء لا تستطيع استرداده منه لعجزها عن ~~ذلك. قال القرطبى وخص الذباب لأربعة أمور تخصه لمهانته وضعفه، ولاستقذاره ~~وكثرته، فإذا كان هذا الذى هو أضعف الحيوان وأحقره، لا يقدر من عبدوه من ~~دون الله - تعالى - على خلق مثله، ودفع أذيته، فكيف يجوز أن يكونوا آلهة ~~معبودين، وأربابا مطاعين، وهذا من أقوى حجة وأوضح برهان. ثم ختم - سبحانه ~~- الآية الكريمة بما يدل على عجز الخاطف والمخطوف منه فقال { ضعف ~~الطالب والمطلوب }. قال الآلوسى والطالب عابد غير الله - تعالى ~~- والمطلوب الالهة، وكون عابد ذلك طالب لدعائه إياه، واعتقاده نفعه، ~~وضعفه لطلبه النفع من غير جهته، وكون الآخر مطلوبا ظاهرا كضعفه. # وقيل " الطالب الذباب يطلب ما يسلبه من الآلهة، والمطلوب الآلهة على ~~معنى المطلوب منه ما يسلب.. ". وعلى آية حال فإن هذا التعليل يدل دلالة ms3659 ~~واضحة على عجز كل معبود باطل، وأنه قد تساوى فى عجزه مع أضعف مخلوقات ~~الله وأحقرها. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن هؤلاء المشركين، قد وضعوا ~~الأمور فى غير موضعها، لجهلهم وغبائهم فقال { ما قدروا الله ~~حق قدره... }. أى ما عظموا الله حق تعظيمه، وما عرفوه حق معرفته، ~~حيث تركوا عبادة الواحد القهار، وعبدوا ما يعجز عن رد ما سلبه الذباب ~~منه. { إن الله لقوي } على خلق كل شىء { عزيز } لا يغالبه ~~مغالب، ولا يدافعه مدافع. ثم بين - سبحانه - أن له مطلق التصرف فى اختيار ~~رسله فقال { الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن ~~الناس... }. أى الله - تعالى - وحده هو الذى يختار من بين ملائكته ~~رسلا يرسلهم لتبليغ وحيه إلى أنبيائه، كما اختار جبريل - عليه السلام - ~~لهذه الوظيفة، وهو الذى يختار من بين الناس رسلا، كما اختار إبراهيم ~~وموسى وعيسى ومحمد وغيرهم لهذه المهمة، فهو - سبحانه - أعلم حيث يجعل ~~رسالته. { إن الله } - تعالى - { سميع } لأقوال عباده { بصير ~~} بأحوالهم، لا تخفى عليه خافية من شئونهم. { يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم } أى يعلم ما قدموا من أعمال، وما يعملون ~~الآن، وما سيعملونه فى المستقبل إذ أن علمه - سبحانه - ليس مقيدا بزمان ~~أو مكان { وإلى الله } تعالى وحده { ترجع الأمور } كلها لا ~~إلى غيره. ثم وجه - سبحانه - فى نهاية السورة نداء إلى عبادة المؤمنين، ~~أمرهم فيه بالمداومة على طاعته، وبالإخلاص فى عبادته، وبالجهاد فى سبيله، ~~وبالاعتصام بحبله، فقال - تعالى - { يأيها الذين آمنوا ~~اركعوا... }. ### || [22.77-78] # والمراد بالركوع والسجود هنا الصلاة، وعبر عنها بهما، لأنهما أهم ~~أركانها، وناداهم - سبحانه - بصفة الإيمان، لحضهم على الامتثال لما ~~أمروا به. أى يا من آمنتم بالله - تعالى - وبملائكته وبكتبه وبرسله ~~وباليوم الآخر حافظوا على أداء الصلاة فى مواقيتها بخشوع وإخلاص، لأن هذه ~~الصلاة من شأنها أن تنهاكم عن الفحشاء والمنكر، وأن ترفع درجاتكم عند ~~خالقكم. وقوله - تعالى - { واعبدوا ربكم } أى واعبدوا ربكم ~~الذى تولاكم برعايته وتربيته فى كل مراحل حياتكم، عبادة خالصة لوجهه ~~الكريم. وقوله { وافعلوا الخير } تعميم بعد ms3660 التخصيص، إذ فعل ~~الخير يشمل كل قول وعمل يرضى الله - تعالى - كإنفاق المال فى وجوه البر، ~~وكصلة الرحم وكالإحسان إلى الجار وكغير ذلك من الأفعال التى حضت عليها ~~تعاليم الإسلام. وقوله - تعالى - { لعلكم تفلحون } تذييل قصد ~~به التحريض على امتثال ما أمره الله - تعالى - به، والفلاح الظفر ~~بالمطلوب. أى أدوا الصلاة بخشوع ومواظبة، واعبدوا ربكم عبادة خالصة، ~~وافعلوا الخير الذى يقربكم من خالقكم، لكى تنالوا رضاه وثوابه - عز وجل ~~-. فكلمة " لعل " للتعليل، ويصح أن تكون على معناها الحقيقى وهو الرجاء، ~~ولكن على تقدير صدوره من العباد فيكون المعنى وافعلوا الخير حالة كونكم ~~راجين الفلاح، ومتوقعين الفوز والنجاح. والمتأمل فى هذه الآية الكريمة ~~يراها أنها قد جمعت أنواع التكاليف الشرعية، وأحاطت بها من كل جوانبها. ~~قال الآلوسى ما ملخصه وهذه الآية آية سجدة عند الشافعى وأحمد، لظاهر ما ~~فيها من الأمر بالسجود، ولحديث عقبة بن عامر قال قلت يا رسول الله أفضلت ~~سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين؟ قال نعم فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما. ~~وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنها ليست آية سجدة. لأنها مقرونة بالأمر ~~بالركوع، والمعهود فى مثله من القرآن، كونه أمرا بما هو ركن للصلاة، كما ~~فى قوله - تعالى - # يمريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع ~~الراكعين # وما روى من حديث عقبة إسناده ليس بالقوى. وبعد أن أمر - سبحانه - ~~بالصلاة وبالعبادة وبفعل الخير، أتبع ذلك بالأمر بالجهاد فقال - تعالى - ~~{ وجاهدوا في الله حق جهاده }. والجهاد مأخوذ من الجهد، ~~وهو بذل أقصى الطاقة فى مدافعة العدو. وهى أنواع، أعظمها جهاد أعداء الله ~~- تعالى - من الكفار والمنافقين والظالمين والمبتدعين فى دين الله - ~~تعالى - ما ليس منه. كذلك من أنواع الجهاد جهاد النفس الأمارة بالسوء، ~~وجهاد الشيطان. وإضافة " حق " إلى " جهاد " فى قوله { حق جهاده } ~~من إضافة الصفة الى الموصوف أى وجاهدوا - أيها المؤمنون - فى سبيل الله - ~~تعالى - ومن أجل إعلاء كلمته، ونصر شريعته، جهادا كاملا صادقا لا تردد ~~معه ولا تراجع. # قال صاحب الكشاف قوله { وجاهدوا... } أمر بالغزو وبمجاهدة النفس ms3661 ~~والهوى. وهو الجهاد الأكبر. عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه رجع من ~~بعض غزواته فقال " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " { في ~~الله } أى فى ذات الله ومن أجله. يقال هو حق عالم، وجد عالم، ومنه { ~~حق جهاده }. فإن قلت ما وجه هذه الإضافة وكان القياس حق الجهاد ~~فيه، أو حق جهادكم فيه، كما قال { وجاهدوا في الله }؟. قلت ~~الإضافة تكون بأدنى ملابسة واختصاص. فلما كان الجهاد مختصا بالله من حيث ~~إنه مفعول لوجهه ومن أجله صحت إضافته إليه... وجملة " هو اجتباكم " ~~مستأنفة، لبيان علة الأمر بالجهاد، والاجتباء الاختيار والاصطفاء. أى ~~جاهدوا - أيها المؤمنون - من أجل إعلاء كلمة الله، لأنه - سبحانه - هو ~~الذى اختاركم للذب عن دينه، واصطفاكم لحرب أعدائه، وجدير بمن اختاره الله ~~واصطفاه أن يكون مطيعا له. ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر لطفه بعباده فقال ~~{ وما جعل عليكم في الدين من حرج }. أى ومن مظاهر ~~رحمته بكم - أيها المؤمنون - أنه سبحانه لم يشرع فى هذا الدين الذى ~~تدينون به ما فيه مشقة بكم، أو ضيق عليكم وإنما جعل أمر هذا الدين، مبنى ~~على اليسر والتخفيف ورفع الحرج، ومن قواعده التى تدل على ذلك أن الضرر ~~يزال. وأن المشقة تجلب التيسير وأن اليقين لا يرفع بالشك، وأن الأمور ~~تتبع مقاصدها، وأن التوبة الصادقة النصوح تجب ما قبلها من ذنوب. ومن ~~الآيات التى تدل على أن هذا الدين مبنى على التيسير ورفع الحرج قوله - ~~تعالى - # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها... # وقوله - سبحانه - # ... يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر... # وفى الحديث الشريف # " بعثت بالحنيفية السمحاء ". # قال بعض العلماء وأنت خبير بأن هناك فرقا كبيرا، بين المشقة فى الأحكام ~~الشرعية، وبين الحرج والعسر فيها، فإن الأولى حاصلة وقلما يخلو منها ~~تكليف شرعى، إذ التكليف هو التزام ما فيه كلفة ومشقة، أما المشقة الزائدة ~~عن الحد التى تصل إلى حد الحرج، فهى المرفوعة عن المكلفين. فقد فرض الله ~~الصلاة على المكلف، وأوجب عليه أداءها، وهذا شىء لا حرج ms3662 فيه. ثم هو إذا ~~لم يستطيع الصلاة من قيام، فله أن يؤديها وهو قاعد أو بالإيماء.. وهكذا ~~جميع التكاليف الشرعية. والخلاصة أن هذا الدين الذى جاءنا به محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - من عند ربه - عز وجل - مبنى على التخفيف والتيسير، لا ~~على الضيق والحرج، والذين يجدون فيه ضيقا وحرجا، هم الناكبون عن هديه، ~~الخارجون على تعالميه. # ورحم الله الإمام القرطبى فقد قال " رفع الحرج إنما هو لمن استقام على ~~منهاج الشرع، وأما السراق وأصحاب الحدود فعليهم الحرج، وهم جاعلوه على ~~أنفسهم بمفارقتهم الدين.. ". والمراد بالملة فى قوله - تعالى - { ~~ملة أبيكم إبراهيم } الدين والشريعة، ولفظ " ملة " هنا ~~منصوب بنزع الخافض. أى ما جعل عليكم - أيها المؤمنون - فى دينكم من حرج، ~~كما لم يجعل ذلك - أيضا - فى لمة أبيكم إبراهيم. ويصح أن يكون منصوبا على ~~المصدرية بفعل دل عليه ما قبله من نفى الحرج بعد حذف المصدر المضاف ~~وإقامة المضاف إليه مقامه. أى وسع عليكم فى دينكم توسعة ملة إبيكم ~~إبراهيم. ووصف - سبحانه - إبراهيم - عليه السلام - بالأبوة لهذه الأمة، ~~لأن رسول هذه الأمة - صلى الله عليه وسلم - ينتهى نسبه إلى إبراهيم، ~~ورسول هذه الأمة - صلى الله عليه وسلم - كالأب لها، من حيث أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - جاءها من عند ربه - عز وجل - بما يحييها ويسعدها. ~~والضمير " هو " فى قوله - تعالى - { هو سماكم المسلمين من ~~قبل وفي هذا.. } يعود إلى الله - تعالى - أى هو - سبحانه - الذى ~~سماكم المسلمين من قبل نزول القرآن. وسماكم - أيضا - بهذا الإسم فى هذا ~~القرآن. وقيل الضمير " هو " يعود إلى إبراهيم أى إبراهيم هو الذى سماكم ~~المسلمين. ومن وجوه ضعف هذا القول أن الله - تعالى - قال { وفي هذا ~~} أى سماكم المسلمين فى هذا القرآن، وإبراهيم - عليه السلام - لحق بربه ~~قبل نزول هذا القرآن بأزمان طويلة، وأيضا فإن السياق يؤيد أن الضمير " هو ~~" يعود إلى الله - تعالى - لأن الأفعال السابقة كقوله { هو ~~اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج } تعود ~~إليه - عز وجل -. ثم بين - سبحانه - أسباب ms3663 هذا الاجتباء والاصطفاء فقال { ~~ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهدآء على ~~الناس }. والمراد بشهادة الرسول على أمته الإخبار بأنه قد بلغهم ~~رسالة ربه. والمراد بشهادة هذه الأمة على غيرها من الناس الإخبار بأن ~~الرسل الذين أرسلهم الله - تعالى - إلى هؤلاء الناس، قد بلغوهم رسالة ~~ربهم، ونصحوهم بإخلاص العبادة لله وحده. ويؤيد ذلك ما رواه البخارى عن ~~أبى سعيد الخدرى قال # " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعى نوح - عليه السلام - يوم ~~القيامة فيقول لبيك وسعديك يا رب. فيقال له هل بلغت ما أرسلت به؟ فيقول ~~نعم. فيقال لأمته هل بلغكم؟ فيقولون ما أتانا من نذير. فيقال له من يشهد ~~لك؟ فيقول محمد - صلى الله عليه وسلم - وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ ". # وشبيه بهذه الجملة قوله - تعالى - # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا # والمعنى فعلنا ما فعلنا من اجتبائكم، والتيسير عليكم، وتسميتكم ~~بالمسلمين، ليكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - شهيدا عليكم يوم القيامة ~~بأنه قد بلغكم ما أمر بتبليغه إليكم، ولتكونوا أنتم شهداء على الناس بأن ~~رسلهم قد بلغوهم رسالة ربهم. وما دام الأمر كذلك { فأقيموا ~~الصلاة } أيها المؤمنون بأن تؤدوها فى أوقاتها بإخلاص وخشوع { ~~وآتوا الزكاة } التى كلفكم الله - تعالى - بإيتائها إلى مستحقيها ~~{ واعتصموا بالله } أى التجئوا إليه، واستعينوا به فى كل ~~أموركم فإنه - سبحانه - { هو مولاكم } أى ناصركم ومتولى شئونكم، ~~ومالك أمركم، وهو - تعالى - { نعم المولى ونعم النصير } ~~أى هو - عز وجل - نعم المالك لأمركم، ونعم النصير القوى لشأنكم. وبعد ~~فهذه سورة الحج، وهذا تفسير محرر لها. نسأل الله - تعالى - أن يجعله ~~خالصا لوجهه، ونافعا لعباده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ~~وسلم. ### | [23 - سورة المؤمنون] ### || [23.1-11] # أخرج الإمام أحمد والترمذى والنسائى عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - ~~قال كان إذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي، نسمع عند وجهه ~~كدوى النحل، فأنزل عليه يوما، فمكثنا ساعة فسرى عنه، فاستقبل القبلة، ~~فرفع يديه فقال # " اللهم زدنا ms3664 ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ~~ولا تؤثر علينا، وارض عنا وأرضنا. ثم قال لقد أنزلت على عشر آيات، من ~~أقامهن دخل الجنة، ثم قرأ { قد أفلح المؤمنون } إلى قوله { ~~هم فيها خالدون } ". # وأخرج النسائى عن يزيد بن بابنوس قال قلنا لعائشة يا أم المؤمنين، كيف ~~كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت كان خلقه القرآن، ثم قرأت { ~~قد أفلح المؤمنون } حتى انتهت إلى قوله - تعالى - { ~~والذين هم على صلواتهم يحافظون } وقالت هكذا كان ~~خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم. والفلاح الظفر بالمراد، وإدراك ~~المأمول من الخير والبر مع البقاء فيه. والخشوع السكون والطمأنينة، ~~ومعناه شرعا خشية فى القلب من الله - تعالى - تظهر آثارها على الجوارح ~~فتجعلها ساكنة مستشعرة أنها واقفة بين يدى الله - سبحانه -. والمعنى قد ~~فاز وظفر بالمطلوب، أولئك المؤمنون الصادقون، الذين من صفاتهم أنهم فى ~~صلاتهم خاشعون، بحيث لا يشغلهم شىء وهم فى الصلاة عن مناجاة ربهم، وعن ~~أدائها بأسمى درجات التذلل والطاعة. ومن مظاهر الخشوع أن ينظر المصلى وهو ~~قائم إلى موضع سجوده، وأن يتحلى بالسكون والطمأنينة، وأن يترك كل ما يخل ~~بخشوعها كالعبث بالثياب أو بشىء من جسده، فقد أبصر النبى صلى الله عليه ~~وسلم رجلا يعبث بلحيته فى الصلاة فقال # " لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه ". # قال القرطبى " اختلف الناس فى الخشوع هل هو من فرائض الصلاة أو مكملاتها ~~على قولين، والصحيح الأول ومحله القلب، وهو أول عمل يرفع من الناس... ". ~~وقوله - سبحانه - { والذين هم عن اللغو معرضون } بيان ~~لصفة ثانية من صفات هؤلاء المؤمنين. واللغو ما لا فائدة فيه من الأقوال ~~والأعمال. فيدخل فيه اللهو والهزل وكل ما يخل بالمروءة وبآداب الإسلام. ~~أى أن صفات هؤلاء المؤمنين أنهم ينزهون أنفسهم عن الباطل والساقط من ~~القول أو الفعل، ويعرضون عن ذلك فى كل أوقاتهم لأنهم لحسن صلتهم بالله - ~~تعالى - اشتغلوا بعظائم الأمور وجليلها لا بحقيرها وسفسافها، وهم كما ~~وصفهم الله - سبحانه - فى آية أخرى # وإذا سمعوا اللغو أعرضوا ms3665 عنه # وإذا مروا باللغو مروا كراما # أما الصفة الثالثة من صفاتهم فقد بينها - سبحانه - بقوله { والذين ~~هم للزكاة فاعلون }. # ويرى أكثر العلماء أن المراد بالزكاة هنا زكاة الأموال. قالوا لأن أصل ~~الزكاة فرض بمكة قبل الهجرة، وما فرض بعد ذلك فى السنة الثانية من الهجرة ~~هو مقاديرها، ومصارفها، وتفاصيل أحكامها أى أن من صفات هؤلاء المؤمنين ~~أنهم يخرجون زكاة أموالهم عن طيب نفس. ويرى بعض العلماء أن المراد ~~بالزكاة هنا زكاة النفس. أى تطهيرها من الآثام والمعاصى. فهى كقوله - ~~تعالى - # قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها # أى أن من صفات هؤلاء المؤمنين، أنهم يفعلون ما يطهر نفوسهم ويزكيها. قال ~~ابن كثير رحمه الله ويحتمل أن يكون كلا الأمرين مرادا، وهو زكاة النفوس ~~وزكاة الأموال، فإنه من جملة زكاة النفوس، والمؤمن الكامل هو الذى يتعاطى ~~هذا وهذا ". ثم بين - سبحانه - الصفة الرابعة من صفاتهم فقال { ~~والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم ~~أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين }. أى أن ~~من صفات هؤلاء المؤمنين - أيضا - أنهم أعفاء ممسكون لشهواتهم لا ~~يستعملونها إلا مع زوجاتهم التى أحلها الله - تعالى - لهم، أو مع ما ملكت ~~أيمانهم من الإماء والسرارى، وذلك لأن من شأن الأمة المؤمنة إيمانا ~~حقا، أن تصان فيها الأعراض، وأن يحافظ فيها على الأنساب، وأن توضع فيها ~~الشهوات فى مواضعها التى شرعها الله - تعالى - وأن يغض فيها الرجال ~~أبصارهم والنساء أبصارهن عن كل ما هو قبيح. وما وجدت أمة انتشرت فيها ~~الفاحشة، كالزنا واللواط وما يشبههما، إلا وكان أمرها فرطا، وعاقبتها ~~خسرا، إذ فاحشة الزنا تؤدى إلى ضياع الأنساب، وانتشار الأمراض، وفساد ~~النفوس من كل قيمة خلقية مقبولة. وفاحشة اللواط وما يشبهها تؤدى إلى شيوع ~~الفاحشة فى الأمة، وإلى تحول من يأتى تلك الفاحشة من أفرادها إلى مخلوقات ~~منكوسة، تؤثر الرذيلة على الفضيلة. وجملة { فإنهم غير ~~ملومين } تعليل للاستثناء. أى هم حافظون لفروجهم، فلا يستعملون ~~شهواتهم إلا مع أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم، فإنهم غير مؤاخذين على ذلك، ms3666 ~~لأن معاشرة الأزواج أو ما ملكت الأيمان، مما أحله الله تعالى. وقوله { ~~فمن ابتغى ورآء ذلك } أى فمن طلب خلاف ذلك الذى أحله الله - ~~تعالى - { أولئك هم العادون } أى المعتدون المتجاوزون حدوده ~~- سبحانه -، الوالغون فى الحرام الذى نهى الله - تعالى - عنه. يقال عدا ~~فلان الشىء يعدوه عدوا، إذا جاوزه وتركه. أما الصفة الخامسة من صفات ~~هؤلاء المفلحين، فقد عبر عنها - سبحانه - بقوله { والذين هم ~~لأماناتهم وعهدهم راعون }. والأمانات جمع أمانة، وتشمل كل ~~ما استودعك الله - تعالى - إياه، وأمرك بحفظه. فتشمل جميع التكاليف التى ~~كلفنا الله بأدائها كما تشمل الأموال المودعة، والأيمان والنذور والعقود ~~وما يشبه ذلك. # والعهود جمع عهد. ويتناول كل ما طلب منك الوفاء به من حقوق الله - تعالى ~~- وحقوق الناس. قال القرطبى والأمانة والعهد يجمع كل ما يحمله الإنسان من ~~أمر دينه ودنياه، قولا وفعلا، وهذا يعم معاشرة الناس والمواعيد وغير ~~ذلك. وغاية ذلك حفظه والقيام به. والأمانة أعم من العهد وكل عهد فهو ~~أمانة فيما تقدم فيه قول أو فعل أو معتقد ". وراعون من الرعى بمعنى الحفظ ~~يقال رعى الأمير رعيته رعاية، إذا حفظها واهتم بشئونها. أى أن من صفات ~~هؤلاء المفلحين. أنهم يقومون بحفظ ما ائتمنوا عليه من أمانات، ويوفون ~~بعهودهم مع الله - تعالى - ومع الناس، ويؤدون ما كلفوا بأدائه بدون تقصير ~~أو تقاعس. وذلك لأنه لا تستقيم حياة أمة من الأمم. إلا إذا أديت فيها ~~الأمانات، وحفظت فيها العهود، واطمأن فيها كل صاحب حق إلى وصول هذا الحق ~~إليه. أما الصفة السادسة والأخيرة من صفات هؤلاء المؤمنين الصادقين، فهى ~~قوله - تعالى - { والذين هم على صلواتهم يحافظون }. ~~أى أن من صفاتهم أنهم يحافظون على الصلوات التى أمرهم الله بأدائها ~~محافظة تامة، بأن يؤدوها فى أوقاتها كاملة الأركان والسسن والآداب ~~والخشوع، ولقد بدأ - سبحانه - صفات المؤمنين المفلحين بالخشوع فى الصلاة ~~وختمها بالمحافظة عليها للدلالة على عظم مكانتها، وسمو منزلتها. وبعد أن ~~بين - سبحانه - تلك الصفات الكريمة التى تحلى بها أولئك المؤمنون ~~المفلحون، وهى صفات تمثل الكمال الإنسانى ms3667 فى أنقى صوره. بعد ذلك بين - ~~سبحانه - ما أعد لهم من حسن الثواب فقال { أولئك هم ~~الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ~~}. والفردوس أعلى الجنات وأفضلها وهو لفظ عربى يجمع فى فراديس. وقيل هو ~~لفظ معرب معناه الذى يجمع ما فى البساتين من ثمرات. وفى صحيح مسلم عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال " إذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه ~~أوسط الجنة، وأعلى الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة ". أى أولئك الموصوفون ~~بتلك الصفات الجليلة، هم الجديرون بالفلاح فإنهم يرثون أعلى الجنات ~~وأفضلها، وهم فيها خالدون خلودا أبديا لا يمسهم فيها نصب، ولا يمسهم ~~فيها لغوب. وعبر - سبحانه - عن حلولهم فى الجنة بقوله { يرثون } ~~للإشعار بأن هذا النعيم الذى نزلوا به، قد استحقوه بسبب أعمالهم الصالحة، ~~كما يملك الوارث ما ورثه عن غيره، ومن المعروف أن ما يملكه الإنسان عن ~~طريق الميراث يعتبر أقوى أسباب الملك. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم ~~تعملون # وقوله - سبحانه - # ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم ~~تعملون # وحذف مفعول اسم الفاعل الذى هو { الوارثون } لدلالة قوله { ~~الذين يرثون الفردوس } عليه. وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ~~مدحت المؤمنين الصادقين مدحا عظيما ووعدتهم بالفوز بأعلى الجنات ~~وأفضلها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وبعد ~~الحديث عن صفات المؤمنين المفلحين، انتقلت السورة إلى الحديث عن أطوار ~~خلق الإنسان، وأطوار نموه، ونهاية حياته، وبعثه للحساب يوم القيامة، - ~~فقال - تعالى - { ولقد خلقنا... }. ### || [23.12-16] # المراد بالإنسان هنا آدم - عليه السلام -. والسلالة اسم لما سل من ~~الشىء واستخرج منه. تقول سللت الشعرة من العجين، إذا استخرجتها منه. ~~يقال الولد سلالة أبيه. أى كأنه انسل من ظهر أبيه. والمعنى ولقد خلقنا ~~أباكم آدم من جزء مستخرج من الطين. والتعبير بسلالة يشعر بالقلة، إذ لفظ ~~الفعالة يدل على ذلك، كقلامة الظفر، ونحاتة الحجر، وهى ما يتساقط عند ~~النحت. و " من " فى الموضعين ابتدائية إلا أن الأولى متعلقة " بخلقنا " ~~والثانية متعلقة بسلالة بمعنى مسلولة ms3668 من الطين. والضمير المنصوب فى قوله ~~{ ثم جعلناه نطفة في قرار مكين } يعود على النوع ~~الإنسانى المتناسل من آدم - عليه السلام -. وأصل النطفة الماء الصافى. أو ~~القليل من الماء الذى يبقى فى الدلو أو القربة، وجمعها نطف ونطاف. ~~يقال نطفت القربة، إذا تقاطر ماؤها بقلة. والمراد بها هنا المنى الذى ~~يخرج من الرجل، ويصب فى رحم المرأة. والمعنى لقد خلقنا أباكم آدم بقدرتنا ~~من سلالة من طين، ثم خلقنا ذريته بقدرتنا - أيضا - من منى يخرج من الرجل ~~فيصب فى قرار مكين، أى فى مستقر ثابت ثبوتا مكينا، وهو رحم المرأة. قال ~~القرطبى " قوله - تعالى - { ولقد خلقنا الإنسان } الإنسان هو ~~آدم - عليه السلام - لأنه استل من الطين. ويجىء الضمير فى قوله { ثم ~~جعلناه } عائدا على ابن آدم، وإن كان لم يذكر لشهرة الأمر، فإن ~~المعنى لا يصلح إلا له... ". وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - # ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم ~~الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان ~~من طين ثم جعل نسله من سلالة من مآء مهين... # وقوله - سبحانه - # ألم نخلقكم من مآء مهين فجعلناه في قرار ~~مكين إلى قدر معلوم فقدرنا فنعم القادرون ~~ويل يومئذ للمكذبين # ثم بين - سبحانه - أطوارا أخرى لخلق الإنسان تدل على كمال قدرته - ~~تعالى - فقال { ثم خلقنا النطفة علقة } أى ثم صيرنا ~~النطفة البيضاء، علقة حمراء إذ العلقة عبارة عن الدم الجامد. { ~~فخلقنا العلقة مضغة } أى جعلنا بقدرتنا هذه العلقة قطعة من ~~اللحم، تشبه فى صغرها قطعة اللحم التى يمضغها الإنسان فى فمه. { ~~فخلقنا المضغة عظاما } أى حولنا هذه المضغة من اللحم التى ~~لم تظهر معالمها بعد، إلى عظم صغير دقيق، على حسب ما اقتضته حكمتنا فى ~~خلقنا. { فكسونا العظام لحما } أى فكسونا هذه المضغة التى ~~تحولت بقدرتنا إلى عظام دقيقة باللحم، بحيث صار هذا اللحم ساترا للعظام ~~ومحيطا بها. قال بعض العلماء " وهنا يقف الإنسان مدهوشا، أمام ما كشف ~~عنه القرآن من حقيقة فى تكوين الجنين، لم تعرف على وجه الدقة إلا أخيرا، ~~بعد ms3669 تقدم علم الأجنة التشريحى ". # ذلك أن خلايا العظام غير خلايا اللحم وقد ثبت أن خلايا العظام هى التى ~~تكون أولا من الجنين، ولا تشاهد خلية واحدة من خلايا اللحم إلا بعد ظهور ~~خلايا الهيكل العظمى للجنين. وهى التى يسجلها النص القرآنى فى قوله - ~~تعالى - { فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام ~~لحما } فسبحانه العليم الخبير. وقوله - تعالى - { ثم أنشأناه ~~خلقا آخر } بيان لما انتهت إليه أطوار خلق الإنسان. أى ثم صيرنا هذا ~~الإنسان بشرا سويا، بعد أن كان نطفة، فعلقة، فمضغة، فعظاما، فلحما ~~يكسو هذه العظام، وهذا كله يدل على كمال قدرة الله - تعالى - وعلى أنه ~~حق، إذ قدرته - سبحانه - لا يعجزها شىء. قال صاحب الكشاف " قوله - تعالى ~~- { ثم أنشأناه خلقا آخر } ، أى خلقا مباينا للخلق الأول ~~مباينة ما أبعدها، حيث جعله حيوانا بعد أن كان جمادا، وناطقا وكان ~~أبكم، وسميعا وكان أصم وبصيرا وكان أكمه، وأودع باطنه وظاهره - بل كل ~~عضو من أعضائه بل كل جزء من أجزائه - عجائب فطرته، وغرائب حكمته، لا تدرك ~~بوصف الواصف، ولا تبلغ بشرح الشارح... ". { فتبارك الله أحسن ~~الخالقين } أى فكثر خيره - سبحانه - ودام إحسانه وتقدس شأنه، فهو - ~~عز وجل - أحسن الخالقين على الإطلاق، فقد أتقن كل شىء خلقه، وأحكم كل شىء ~~صنعه. ولفظ " تبارك " فعل ماض لا ينصرف، والأكثر إسناده إلى غير مؤنث. ~~وهو مأخوذ من البركة بمعنى الكثرة من كل خير، أو بمعنى الثبات والدوام ~~وكل شىء دام وثبت فقد برك. ثم بين - سبحانه - حالهم بعد أن يكونوا خلقا ~~آخر فقال { ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم ~~يوم القيامة تبعثون }. أى ثم إنكم بعد ذلك الذى ذكره - ~~سبحانه - لكم من أطوار خلقكم تصيرون أطفالا، فصبيانا فغلمانا، ~~فشبانا، فكهولا، فشيوخا... ثم مصيركم بعد ذلك كله، أو خلال ذلك كله، ~~إلى الموت المحتوم الذى لا مفر لكم منه، ولا مهرب لكم عنه. ثم إنكم يوم ~~القيامة تبعثون من قبوركم للحساب والجزاء. وهكذا نجد هذه الآيات الكريمة ~~تذكر الإنسان بأطوار نشأته. وبحلقات حياته وبنهاية عمره. وبحتمية ms3670 بعثه. ~~وفى هذا التذكير ما فيه من الاعتبار للمعتبرين، ومن الاتعاظ للمتعظين، ~~ومن البراهين الساطعة على وحدانية الله - تعالى -. وبعد أن ساق - سبحانه ~~- ما يدل على قدرته عن طريق خلق الإنسان فى تلك الأطوار المتعددة، أتبع ~~ذلك ببيان مظاهر قدرته عن طريق تلك الكائنات المختلفة، فقال - تعالى - { ~~ولقد خلقنا.... }. ### || [23.17-22] # الطرائق جمع طريقة، والمراد بها السموات السبع. وسميت طرائق لأن كل سماء ~~فوق الأخرى، والعرب تسمى كل شىء فوق شىء طريقة بمعنى مطروقة. وهو مأخوذ ~~من قولهم فلان طرق النعل، إذا ركب بعضها فوق بعض. فالآية الكريمة فى معنى ~~قوله - تعالى - # الذي خلق سبع سماوات طباقا # وقيل سميت طرائق، لأنها طرق الملائكة فى النزول والعروج. أى ولقد خلقنا ~~فوقكم - أيها الناس - سبع سموات بعضها فوق بعض { وما كنا } فى وقت ~~من الأوقات { عن الخلق غافلين } بل نحن معهم بقدرتنا ورعايتنا ~~وحفظنا، ندبر لهم أمور معاشهم، ونيسر لهم شئون حياتهم دون أن نغفل عن شىء ~~- مهما صغر - من أحوالهم، لأننا لا تأخذنا سنة ولا نوم، ولا يعترينا ما ~~يعترى البشر من سهو أو غفلة. ثم بين - سبحانه - بعض النعم التى تأتينا من ~~جهة هذه الطرائق فقال { وأنزلنا من السمآء مآء بقدر ~~فأسكناه في الأرض.. }. أى وأنزلنا لكم - أيها الناس - بقدرتنا ~~ورحمتنا، ماء بقدر. أى أنزلناه بمقدار معين، بحيث لا يكون طوفانا ~~فيغرقكم، ولا يكون قليلا فيحصل لكم الجدب والجوع والعطش. وإنما أنزلناه ~~بتقدير مناسب لجلب المنافع، ودفع المضار، كما قال - سبحانه - فى آية أخرى # ... وما ننزله إلا بقدر معلوم # وقوله { فأسكناه في الأرض } أى هذا الماء النازل من السماء ~~بتقدير معين منا تقتضيه حكمتنا، جعلناه ساكنا مستقرا فى الأرض، لتنعموا ~~به عن طريق استخراجه من الآبار والعيون وغيرها. وفى هذه الجملة الكريمة ~~إشارة إلى أن المياه الجوفية الموجودة فى باطن الأرض، مستمدة من المياه ~~النازلة من السحاب عن طريق المطر. وهذا ما قررته النظريات العلمية ~~الحديثة بعد مئات السنين من نزول القرآن الكريم. وبعد أن بقى العلماء ~~دهورا طويلة، يظنون أن ms3671 المياه التى فى جوف الأرض، لا علاقة لها بالمياه ~~النازلة على الأرض عن طريق المطر. وقوله - سبحانه - { وإنا على ~~ذهاب به لقادرون } بيان لمظهر من مظاهر قدرته ورأفته ورحمته - ~~تعالى - بعباده. أى وإنا على إذهاب هذا الماء الذى أسكناه فى باطن الأرض ~~لقادرون، بأن نجعله يتسرب إلى أسفل طبقات الأرض لا تستطيعون الوصول إليه، ~~أو بأن نزيله من الأرض إزالة تامة، لأن القادر على إنزاله قادر على ~~إزالته وإذهابه، ولكنا لم نفعل ذلك رحمة بكم، وشفقة عليكم، فاشكرونا على ~~نعمنا وضعوها فى مواضعها الصحيحة. قال صاحب الكشاف " قوله { على ~~ذهاب به } من أوقع النكرات وأحزها للمفصل. والمعنى على وجه من وجوه ~~الذهاب به، وطريق من طرقه، وفيه إيذان باقتدار المذهب، وأنه لا يتعايى ~~عليه شىء إذا أراده، وهو أبلغ فى الإبعاد، من قوله # قل أرأيتم إن أصبح مآؤكم غورا فمن يأتيكم ~~بمآء معين # فعلى العباد أن يستعظموا النعمة فى الماء. ويقيدوها بالشكر الدائم، ~~ويخافوا نفارها إذا لم تشكر. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فسلكه ~~ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ~~ألوانه.. # ثم بين - سبحانه - الآثار الجليلة المترتبة على إنزال الماء من السماء ~~فقال { فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب... ~~}. أى فأوجدنا لكم بسبب نزول الماء على الأرض بساتين متنوعة، بعضها من ~~نخيل، وبعضها من أعناب، وبعضها منهما معا، وبعضها من غيرهما. وخص النخيل ~~والأعناب بالذكر، لكثرة منافعهما، وانتشارهما فى الجزيرة العربية، أكثر ~~من غيرهما. { لكم فيها } أى فى تلك الجنات { فواكه كثيرة } ~~تتلذذون بها فى مأكلكم { ومنها }. أى ومن هذه البساتين والجنات { ~~تأكلون } ما تريدون أكله منها فى كل الأوقات. والمراد بالشجرة فى ~~قوله - تعالى - بعد ذلك { وشجرة تخرج من طور سينآء.. } ، ~~شجرة الزيتون. وهى معطوفة على " جنات " من عطف الخاص على العام. أى ~~فأنشأنا لكم بسبب هذا الماء النازل من السماء، جنات، وأنشأنا لكم بسببه - ~~أيضا - شجرة مباركة تخرج من هذا الوادى المقدس الذى كلم الله - تعالى - ~~عليه ms3672 موسى - عليه السلام - وهو المعروف بطور سيناء. أى بالجبل المسمى ~~بهذا الاسم فى منطقة سيناء، ومكانها معروف. قالوا وكلمة سيناء - بفتح ~~السين والمد على الراجح - معناها الحسن باللغة النبطية. أو معناها الجبل ~~الملىء بالأشجار. وقيل مأخوذة من السنا بمعنى الارتفاع. وخصت شجرة ~~الزيتون بالذكر لأنها من أكثر الأشجار فائدة بزيتها وطعامها وخشبها، ومن ~~أقل الأشجار - أيضا - تكلفة لزارعها. وخص طور سيناء بإنباتها فيه، مع ~~أنها تنبت منه ومن غيره، لأنها أكثر ما تكون انتشارا فى تلك الأماكن، أو ~~لأن منبتها الأصلى كان فى هذا المكان، ثم انتقلت منه إلى غيره من ~~الأماكن. وقوله { تنبت بالدهن وصبغ للآكلين } بيان ~~لمنافع هذه الشجرة على سبيل المدح، والتعليل لإفرادها بالذكر. والدهن ~~عصارة كل شىء ذى دسم. والمراد به هنا زيت الزيتون. وقراءة الجمهور { ~~تنبت } - بفتح التاء وضم الباء - على أنه مضارع نبت الثلاثى. فيكون ~~المعنى هذه الشجرة من مزاياها أنها تنبت مصحوبة وملتبسة بالدهن الذى ~~يستخرج من زيتونها. فالباء فى قوله { بالدهن } للمصاحبة والملابسة، ~~كما تقول خرج فلان بسلاحه، أى مصاحبا له. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~تنبت - بضم التاء وكسر الباء - من أنبت بمعنى نبت. أو من أنبت المتعدى ~~بالهمزة، كأنبت الله الزرع، والتقدير تنبت ثمارها مصحوبة بالدهن. والصبغ ~~فى الأصل يطلق على الشىء الذى يصبغ به الثوب. # والمراد به هنا الإدام لأنه يصبغ الخبز، ويجعله كأنه مصبوغ به. أى أن من ~~فوائد هذه الشجرة المباركة أنها يتخذ منها الزيت الذى ينتفع به، والإدام ~~الذى يحلو معه أكل الخبز والطعام. روى الإمام أحمد عن مالك بن ربيعة ~~الساعدى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة ". # وبعد أن بين - سبحانه - جانبا من مظاهر نعمه فى الماء والنبات أتبع ذلك ~~ببيان جانب آخر من نعمه فى الأنعام والحيوان. فقال { وإن لكم في ~~الأنعام لعبرة.. }. والأنعام تطلق على الإبل والبقر والغنم. وقد ~~تطلق على الإبل خاصة. والعبرة اسم من الاعتبار، وهو الحالة التى تجعل ~~الإنسان يعتبر ms3673 ويتعظ بما يراه ويسمعه. أى وإن لكم - أيها الناس - فيما ~~خلق الله لكم من الأنعام لعبرة وعظة، تجعلكم تخلصون العبادة لله - تعالى ~~- وتشكرونه على آلائه. وقوله - سبحانه - { نسقيكم مما في ~~بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون ~~}. بيان لمواطن العبرة، وتعريف بأوجه النعمة. أى نسقيكم مما فى بطونها من ~~ألبان خالصة، تخرج من بين فرث ودم، ولكم فى هذه الأنعام منافع كثيرة، ~~كأصوافها وأوبارها وأشعارها، ومنها تأكلون من لحومها، ومما يستخرج من ~~ألبانها. { وعليها } أى وعلى هذه الأنعام، والمراد بها هنا الإبل ~~خاصة { وعلى الفلك } أى السفن التى تجرى فى البحر { تحملون } ~~بقدرتنا ومنتنا، حيث تحمل هذه الإبل وتلك السفن أثقالكم إلى بلد لم ~~تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس... وقريب من هاتين الآيتين فى المعنى قوله ~~- تعالى- # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ ~~أنعاما فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ~~ركوبهم ومنها يأكلون ولهم فيها منافع ~~ومشارب أفلا يشكرون # وقوله - سبحانه - # والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك ~~والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم ~~تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ~~وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له ~~مقرنين وإنآ إلى ربنا لمنقلبون # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ذكرت لنا أنواعا من نعم الله - تعالى - ~~على عباده، هذه النعم التى تدل على كمال قدرته، وعظيم رحمته. وبعد أن بين ~~- سبحانه - دلائل قدرته عن طريق خلق الإنسان، وعن طريق خلقه لهذه ~~الكائنات التى يشاهدها الإنسان وينتفع بها... أتبع ذلك بالحديث عن بعض ~~الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وعن موقف أقوامهم منهم، وعن سوء عاقبة ~~المكذبين لرسل الله - تعالى - وأنبيائه. وابتدأ - سبحانه - الحديث عن ~~جانب من قصة نوح مع قومه، فقال - تعالى - { ولقد أرسلنا ~~نوحا... }. ### || [23.23-30] # تلك هى قصة نوح - عليه السلام - مع قومه، كما وردت فى هذه السورة ~~الكريمة، وقد وردت بصورة أكثر تفصيلا فى سورتى هود ونوح. وينتهى نسب نوح ~~- عليه السلام - إلى شيث بن آدم - عليه السلام - وقد ذكر نوح فى القرآن ~~فى ثلاثة وأربعين موضعا. ms3674 قال الجمل فى حاشيته وعاش نوح من العمر ألف سنة ~~وخمسين، لأنه أرسل على رأس الأربعين ومكث يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين ~~عاما، وعاش بعد الطوفان ستين سنة. وقدمت قصته هنا على غيره، لتتصل بقصة ~~آدم المذكورة فى قوله # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين # للمناسبة بينهما من حيث إن نوحا يعتبر آدم الثانى، لانحصار النوع ~~الإنسانى بعده فى نسله. وقوم الرجل أقرباؤه الذين يجتمعون معه فى جد ~~واحد. وقد يقيم الرجل بين قوم ليس منهم فى نسبه، فيسميهم قومه على سبيل ~~المجاز، لمجاورته لهم. وكان قوم نوح يعبدون الأصنام. فأرسل الله - تعالى ~~- إليهم نوحا لينهاهم عن ذلك، وليأمرهم بإخلاص العبادة لله - تعالى -. ~~واللام فى قوله - سبحانه - { ولقد أرسلنا نوحا إلى ~~قومه.. } واقعة فى جواب قسم محذوف. أى والله لقد أرسلنا نبينا نوحا ~~- عليه السلام - إلى قومه، ليخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. ~~وقوله - سبحانه - { فقال يقوم اعبدوا الله ما لكم ~~من إله غيره... } حكاية لما وجهه إليهم من نصائح وإرشادات. ~~أى أرسلنا نوحا إلى قومه، فقال لهم ما قاله كل نبى يا قوم اعبدوا الله ~~وحده، فإنكم ليس لكم إله سواه، فهو الذى خلقكم، وهو الذى رزقكم، وهو الذى ~~يحييكم وهو الذى يميتكم، وكل معبود غيره - سبحانه - فهو باطل. وفى ندائهم ~~بقوله { يقوم } تلطف فى الخطاب، ليستميلهم إلى دعوته، فكأنه يقول لهم ~~أنتم أهلى وعشيرتى يسرنى ما يسركم، ويؤذينى ما يؤذيكم، فاقبلوا دعوتى، ~~لأنى لكم ناصح أمين. وقوله { أفلا تتقون } تحذير لهم من الإصرار ~~على شركهم، بعد ترغيبهم فى عبادة الله - تعالى - وحده بألطف أسلوب. أى ~~أفلا تتقون الله - تعالى - وتخافون عقوبته، بسبب عبادتكم لغيره، مع أنه - ~~سبحانه - هو الذى خلقكم فالاستفهام للإنكار والتوبيخ. ثم حكى - سبحانه - ~~ما رد به قوم نوح عليه فقال { فقال الملأ الذين كفروا من ~~قومه ما هذا إلا بشر مثلكم... }. والمراد بالملأ ~~أصحاب الجاه والغنى من قوم نوح. وهذا اللفظ اسم جمع لا واحد له من لفظه - ~~كرهط - وهو مأخوذ من ms3675 قولهم فلان ملىء بكذا، إذا كان قادرا عليه. أو ~~لأنهم متمالئون أى متظاهرون متعاونون، أو لأنهم يملأون القلوب والعيون ~~مهابة. # ... وفى وصفهم بالكفر تشنيع عليهم وذم لهم، وإشعار بأنهم عريقون فيه. أى ~~فقال الأغنياء وأصحاب النفوذ الذين مردوا على الكفر، فى الرد على نبيهم ~~نوح عليه السلام { ما هذا إلا بشر مثلكم }. أى قالوا ~~لأتباعهم على سبيل التحذير من الاستماع إلى دعوة نبيهم، ما هذا، أى نوح ~~عليه السلام - إلا بشر مثلكم، ومن جنسكم، ولا فرق بينكم وبينه فكيف يكون ~~نبيا؟ ولم يقولوا ما نوح إلا بشر مثلكم، بل أشاروا إليه بدون ذكر اسمه، ~~لأنهم لجهلهم وغرورهم يقصدون تهوين شأنه - عليه الصلاة والسلام - فى أعين ~~قومه. وقولهم { يريد أن يتفضل عليكم } أى أن نوحا جاء ~~بما جاء به بقصد الرياسة عليكم. ومرادهم بهذا القول تنفير الناس منه، ~~وحضهم على عداوته. وقوله { ولو شآء الله لأنزل ملائكة } ~~استبعاد منهم لكون الرسول من البشر أى ولو شاء الله أن يرسل رسولا ~~ليأمرنا بعبادته وحده. لأرسل ملائكة ليفعلوا ذلك، فهم - لانطماس بصائرهم ~~وسوء تفكيرهم - يتوهمون أن الرسول لا يكون من البشر، وإنما يكون من ~~الملائكة. ومفعول المشيئة محذوف. أى ولو شاء الله عبادته وحده لأرسل ~~ملائكة ليأمرونا بذلك، فلما لم يفعل علمنا أنه ما أرسل رسولا، فنوح - فى ~~زعمهم - كاذب فى دعواه. وقولهم { ما سمعنا بهذا في ~~آبآئنا الأولين } أى ما سمعنا بهذا الكلام الذى جاءنا به نوح فى ~~آباءنا الأولين، الذين ندين باتباعهم، ونقتدى بهم فى عبادتهم لهذه ~~الأصنام. ثم هم لا يكتفون بهذا الجمود والتحجر، بل يصفون نبيهم بما هو ~~برىء منه فيقولون { إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا ~~به حتى حين }. والجنة الجنون، يقال جن فلان إذا أصيب ~~بالجنون، أو إذا مسه الجن فصار فى حالة خبل وجنون. والتربص الانتظار ~~والترقب، أى ما نوح - عليه السلام - الذى يدعى النبوة، إلا رجل به حالة ~~من الجنون والخبل، فانتظروا عليه إلى وقت شفائه من هذا الجنون أو إلى وقت ~~موته، وعندئذ ms3676 تستريحون منه، ومن دعوته التى ما سمعنا بها فى آبائنا ~~الأولين. فأنت ترى أن القوم قد واجهوا نبيهم نوحا - عليه السلام - بأقبح ~~مواجهة حيث وصفوه بأنه يريد من وراء دعوته لهم السيادة عليهم، وأنه ليس ~~نبيا لأن الأنبياء لا يكونون من البشر - فى زعمهم - وأنه قد خالف ما ~~ألفوه عن آبائهم، ومن خالف ما كان عليه آباؤهم لا يجوز الاستماع إليه، ~~وأنه مصاب بالجنون وأنه عما قريب سيأخذه الموت، أو يشفى مما هو فيه. ~~وهكذا الجهل والغرور والجحود... عندما يستولى على الناس، يحول فى نظرهم ~~الإصلاح إلى إفساد، والإخلاص إلى حب للرياسة، والشىء المعقول المقبول. ~~إلى أن شىء غير معقول وغير مقبول، وكمال العقل ورجحانه، إلى جنونه ~~ونقصانه. # وصدق الله إذ يقول # سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض ~~بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ~~وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن ~~يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا... # ثم يحكى القرآن بعد ذلك أن نوحا - عليه السلام - بعد أن استمع إلى ما ~~قاله قومه فى شأنه من ضلالات وسفاهات، لجأ إلى ربه - عز وجل - يشكو إليه ~~ما أصابه منهم ويلتمس منه النصر عليهم. فقال كما حكى القرآن عنه { رب ~~انصرني بما كذبون }. أى قال نوح فى مناجاته لربه يا رب أنصرنى ~~على هؤلاء القوم الكافرين بسبب تكذيبهم لى وتطاولهم على. وسخريتهم منى، ~~وإصرارهم على عبادة غيرك. وقد أجاب الله - تعالى - دعاء عبده نوح فقال { ~~فأوحينآ إليه } أى فأوحينا إليه فى أعقاب دعائه وتضرعه. { أن ~~اصنع الفلك بأعيننا ووحينا } أى أوحينا إليه أن ابتدىء ~~يا نوح فى صنع السفينة وأنت تحت رعايتنا وحفظنا، وسنرسل إليك وحينا ~~ليرشدك إلى ما أنت فى حاجة إليه من إتقان صنع السفينة، ومن غير ذلك من ~~شئون. وفى التعبير بقوله - سبحانه - { أن اصنع } إشارة إلى أن نوحا ~~- عليه السلام - قد باشر بنفسه صنع السفينة التى هى وسيلة النجاة له ~~وللؤمنين معه. وقى قوله - تعالى - { بأعيننا ووحينا } إشارة ~~إلى أن نوحا بجانب مباشرته للصنع ms3677 بنفسه، كان مزودا من الله - تعالى - ~~بالعناية والرعاية وبحسن التوجيه والإرشاد عن طريق الوحى الأمين. وذلك ~~لأن سنة الله - تعالى - قد اقتضت أن لا يضيع عمل عباده المخلصين، الذين ~~يبذلون أقصى جهدهم فى الوصول إلى غاياتهم الشريفة. والباء فى قوله { ~~بأعيننا } للملابسة، والجار والمجرور فى موضع الحال من ضمير " اصنع ~~". والفاء فى قوله - سبحانه - { فإذا جآء أمرنا } لترتيب مضمون ~~ما بعدها على إتمام صنع السفينة. والمراد بالأمر هنا العذاب الذى أعده ~~الله - تعالى - لهؤلاء الظالمين من قوم نوح - عليه السلام -. ويشهد لذلك ~~قوله - سبحانه - فى آية أخرى # لا عاصم اليوم من أمر # أى من عذابه # إلا من رحم # والمراد بمجىء هذا الأمر اقتراب وقته، ودنو ساعته، وظهور علاماته وقوله ~~- تعالى { وفار التنور } بيان وتفسير لمجىء هذا الأمر، وحلول وقت ~~إهلاكهم. وقوله { فار } من الفوران بمعنى شدة الغليان للماء وغيره. ~~يقال للماء فار إذا اشتد غليانه. ويقال للنار فارت إذا عظم هيجانها. ومنه ~~قوله - تعالى - # إذآ ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور # وللمفسرين فى المراد بلفظ { التنور } أقوال منها أن المراد به ~~الشىء الذى يخبز فيه الخبز، وهو ما يسمى بالموقد أو الفرن. # ومنها أن المراد به وجه الأرض. أو موضع اجتماع الماء فى السفينة، أو ~~طلوع الفجر... وقد رجح الإمام ابن جرير القول الأول فقال وأولى الأقوال ~~بالصواب قول من قال وهو التنور الذى يخبز فيه، لأن هذا هو المعروف من ~~كلام العرب... ويبدو أن فوران التنور كان علامة لنوح على أن موعد إهلاك ~~الكافرين من قومه قد اقترب. أى فإذا اقترب موعد إهلاك قومك الظالمين يا ~~نوح، ومن علامة ذلك أن ينبع الماء من التنور ويفوز فورانا شديدا { ~~فاسلك فيها } فأدخل فى السفينة { من كل زوجين اثنين } ~~ولفظ { زوجين } تثنية زوج. والمراد به هنا الذكر والأنثى من كل نوع. ~~وقراءة الجمهور { من كل زوجين اثنين } بدون تنوين للفظ كل، ~~وبإضافته إلى زوجين.. وقرأ حفص { من كل زوجين اثنين } ~~بتنوين كل، وهو تنوين عوض عن مضاف إليه. والتقدير فأدخل ms3678 فى السفينة من كل ~~نوع من أنواع المخلوقات التى أنت فى حاجة إليها ذكرا وأنثى، ويكون لفظ { ~~زوجين } مفعولا لقوله { فاسلك } ولفظ اثنين صفة له. والمراد ~~بأهله فى قوله - تعالى - { وأهلك } أهل بيته كزوجته وأولاده ~~المؤمنين، ويدخل فيهم كل من آمن به - عليه السلام - سواء أكان من ذوى ~~قرابته أم من غيرهم، بدليل قوله - تعالى - فى سورة هود # قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك ~~إلا من سبق عليه القول ومن آمن ومآ آمن معه ~~إلا قليل # وجملة { إلا من سبق عليه القول منهم } استثناء من ~~الأهل. والمراد بمن سبق عليه القول منهم من بقى على كفره ولم يؤمن برسالة ~~نوح - عليه السلام - كزوجته وابنه كنعان. أى أدخل فى السفينة ذكرا وأنثى ~~من أنواع المخلوقات، وأدخل فيها - أيضا - المؤمنين من أهلك ومن غيرهم، ~~إلا الذين سبق منا القول بهلاكهم بسبب إصرارهم على الكفر. فلا تدخلهم فى ~~السفينة، بل اتركهم خارجها ليغرقوا مع المغرقين. قال الآلوسى وجىء بعلى ~~فى قوله { إلا من سبق عليه القول منهم } لكون السابق ~~ضارا، كما جىء باللام فى قوله # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى # لكون السابق نافعا. وقوله - تعالى - { ولا تخاطبني في ~~الذين ظلموا إنهم مغرقون } نهى منه - سبحانه - لنوح ~~- عليه السلام - عن الشفاعة لهؤلاء الكافرين، أو عن طلب تأخير العذاب ~~المهلك لهم. أى اترك يا نوح هؤلاء الظالمين، ولا تكلمنى فى شأنهم، كأن ~~تطلب الشفاعة لهم أو تأخير العذاب عنهم، فإنهم مقضى عليهم بالإغراق لا ~~محالة. ولا مبدل لحكمى أو إرادتى. ويبدو - والله أعلم - أن هذه الجملة ~~الكريمة، كانت نهيا من الله - تعالى - لنوح عن الشفاعة فى ابنه الذى غرق ~~مع المغرقين، والذى حكى القرآن فى سورة هود أن نوحا قد قال فى شأنه # رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت ~~أحكم الحاكمين # ثم أرشد الله - تعالى - نبيه نوحا إلى ما يقوله بعد أن يستقر فى ~~السفينة فقال - سبحانه - { فإذا استويت أنت ومن معك } من ~~أهلك وأتباعك المؤمنين { على الفلك }. أى ms3679 السفينة التى علمناك عن ~~طريق وحينا كيفية صنعها بإحكام وإتقان { فقل } يا نوح على سبيل الشكر ~~لنا، والتقدير لذاتنا { الحمد لله الذي نجانا } بفضله ~~وكرمه { من القوم الظالمين } الذين استحبوا العمى على الهدى، ~~وآثروا الضلالة على الهداية، وتطاولوا على نبيهم الذى جاء لسعادتهم. { ~~وقل } - أيضا - يا نوح { رب أنزلني منزلا مباركا } أى ~~أنزلنى إنزالا، أو مكان إنزال مباركا - أى مليئا بالخيرات والبركات، ~~خاليا مما حل بالظالمين من إغراق وإهلاك. { وأنت } يا إلهى { خير ~~المنزلين } بفضلك وكرمك فى المكان الطيب المبارك. ثم عقب - سبحانه - ~~على ما اشتملت عليه قصة نوح من حكم وآداب بقوله { إن في ذلك ~~لآيات وإن كنا لمبتلين }. أى إن فى ذلك الذى ذكرناه لك - ~~أيها الرسول الكريم - عن نوح وقومه { لآيات } بينات، ودلالات واضحات، ~~على أن هذا القرآن من عندنا لا من عند غيرنا، وعلى أن العاقبة للمؤمنين، ~~وسوء المنقلب للكافرين. و " إن " فى قوله { وإن كنا } هى المخففة من ~~الثقيلة، واللام فى قوله { لمبتلين } هى الفارقة بينها وبين إن ~~النافية، والجملة حالية، والابتلاء الاختبار والامتحان... أى إن فى ذلك ~~الذى ذكرناه عن نوح وقومه لآيات واضحات على وحدانيتنا وقدرتنا، والحال ~~والشأن أن من سنتنا أن نبتلى الناس بالنعم وبالنقم، وبالخير والشر. ~~ليتبين من يعتبر ويتعظ، وليتميز الخبيث من الطيب، وليهلك من هلك عن بينة، ~~ويحيا من حى عن بينة، وإن الله لسميع عليم. ثم تمضى السورة فى حديثها عن ~~قصص الأولين، فتحكى لنا قصة أقوام آخرين مع نبى من أنبيائهم فتقول { ~~ثم أنشأنا... }. ### || [23.31-41] # أى ثم أنشأنا من بعد أولئك القوم المغرقين الذين كذبوا نبيهم نوحا - ~~عليه السلام -، { قرنا آخرين } غيرهم، وهم على الأرجح - قوم هود - ~~عليه السلام - بدليل قوله - تعالى - فى آية أخرى فى شأنهم # واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد قوم نوح.. # كما أن قصة هود مع قومه، كثيرا ما تأتى بعد قصة نوح مع قومه. وقيل هم ~~قوم صالح - عليه السلام -. وعلى أية حال فإن سورة " المؤمنون " فى عرضها ~~لقصص الأنبياء تحرص على ms3680 بيان أن استقبال المكذبين لأنبيائهم كان متشابها ~~فى القبح والتكذيب. وقال - سبحانه - { قرنا آخرين } للإشعار بأنهم ~~كانوا يعيشون فى زمان واحد مع نبيهم، وأنهم كانوا معاصرين له، ومشاهدين ~~لأحواله قبل البعثة وبعدها. ثم بين - سبحانه - أنه امتن عليهم بإرسال ~~رسول فيهم فقال { فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره... }. أى كان من ~~مظاهر رحمتنا ومنتنا على هؤلاء القوم الآخرين الذين جاءوا بعد إهلاك قوم ~~نوح، أن أرسلنا فيهم رسولا منهم نشأ بين أظهرهم وعرفوا حسبه ونسبه، فقال ~~لهم ما قاله كل نبى لقومه اعبدوا الله وحده، فإنكم ليس لكم من إله سواه، ~~لأنه - سبحانه - هو الذى أوجدكم فى هذه الحياة.... { أفلا تتقون ~~} بأسه وعقابه إذا ما عبدتم غيره؟! ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما رد به ~~هؤلاء المشركون الجاحدون على نبيهم فقال { وقال الملأ من قومه ~~الذين كفروا وكذبوا بلقآء الآخرة وأترفناهم ~~في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم... }. ~~أى وقال الأغنياء والزعماء من قوم هذا النبى، الذين كفروا بالحق لما ~~جاءهم، وكذبوا بالبعث والجزاء الذى يكون فى الآخرة، والذين أبطرتهم ~~النعمة التى أنعمنا عليهم بها فى دنياهم... قالوا لنبيهم بجفاء وسوء أدب ~~لكى يصرفوا غيرهم عن الإيمان به ما هذا الذى يدعى النبوة { إلا بشر ~~مثلكم } وكأنهم يرون - لغبائهم وانطماس عقولهم - أن الرسول لا يكون ~~من البشر، أو يرون جواز كونه من البشر، إلا أنهم قالوا ذلك على سبيل ~~المكر ليصدوا أتباعهم وعامة الناس عن دعوته. ثم أضافوا إلى هذا القول ~~الباطل ما يؤكده فى نفوس الناس فقالوا { يأكل مما تأكلون ~~منه } من طعام، وغذاء، { ويشرب مما تشربون } من ماء وما ~~يشبه الماء. ثم أضافوا إلى ذلك قولهم { ولئن أطعتم } أيها الناس ~~{ بشرا مثلكم } فى المأكل والمشرب والملبس والعادات... { ~~إنكم إذا } بسبب هذه الطاعة { لخاسرون } خسارة ليس بعدها ~~خسارة. والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يرى أن الله - تعالى - وصف هؤلاء ~~الجاحدين بالغنى والجاه، وأنهم من قوم هذا النبى فازداد حسدهم له وحقدهم ~~عليه، ms3681 وأنهم أصلاء فى الكفر، وفى التكذيب باليوم الآخر، وأنهم - فوق كل ~~ذلك - من المترفين الذين عاشوا حياتهم فى اللهو واللعب والتقلب فى ألوان ~~الملذات. # .. ولا شىء يفسد الفطرة، ويطمس القلوب، ويعمى النفوس والمشاعر عن سماع ~~كلمة الحق. كالترف والتمرغ فى شهوات الحياة. لذا تراهم فى شبهتهم الأولى ~~يحاولون أن يصرفوا الناس عن هذا النبى، بزعمهم أنه بشر، يأكل مما يأكل ~~منه الناس، ويشرب مما يشربون منه، والعقلاء فى زعمهم - لا يتبعون نبيا ~~من البشر، لأن اتباعه يؤدى إلى الخسران المبين. ولقد نهجوا فى قولهم ~~الباطل هذا، نهج قوم نوح من قبلهم، فقد قالوا فى شأنه # ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل.. # أما شبهتهم الثانية التى أثاروها لصرف الناس عن الحق. فقد حكاها القرآن ~~فى قوله عنهم { أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا ~~وعظاما أنكم مخرجون... }. أى أيعدكم هذا الذى يدعى النبوة ~~- وهو بشر مثلكم - أنكم إذا فارقتم هذه الحياة وصرتم أمواتا، وصارت بعض ~~أجزاء أجسامكم ترابا وبعضها عظاما نخرة، أنكم مخرجون من قبوركم إلى ~~الحياة مرة أخرى للحساب والجزاء؟. والاستفهام فى قوله { أيعدكم } ~~للإنكار والتحذير من اتباع هذا النبى، والجملة مستأنفة مقررة لمضمون ما ~~قبلها من الصد عن الاستماع إلى ما جاءهم به نبيهم، لأنه - فى زعمهم - ~~يؤدى إلى الخسران. وكرر - سبحانه - لفظ { أنكم } لبيان حرصهم على ~~تأكيد أقوالهم الباطلة فى نفوس الناس، حتى يفروا من وجه نبيهم. ثم حكى - ~~سبحانه - أنهم لم يكتفوا بكل ما أثاروه من شبه لصرف أتباعهم عن الحق بل ~~أضافوا إلى ذلك. أن ما يقوله هذا النبى مستبعد فى العقول، وأنه رجل افترى ~~على الله كذبا... فقال - تعالى - { هيهات هيهات لما توعدون ~~إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن ~~بمبعوثين إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا ~~وما نحن له بمؤمنين }. ولفظ " هيهات " اسم فعل ماض، معناه ~~بعد بعدا شديدا، والغالب فى استعمال هذا اللفظ مكررا، ويكون اللفظ ~~الثانى مؤكدا تأكيدا لفظيا للأول. أى قال الملأ من قوم هذا النبى ms3682 ~~لغيرهم، على سبيل التحذير من اتباعه بعد بعدا كبيرا ما يعدكم به هذا ~~الرجل من أن هناك بعثا وحسابا وجزاء بعد الموت، وأن هناك جنة ونارا ~~يوم القيامة. قال الآلوسى " وقوله - سبحانه - { هيهات } اسم بمعنى ~~بعد. وهو فى الأصل اسم صوت، وفاعله مستتر فيه يرجع للتصديق أو للصحة أو ~~للوقوع أو نحو ذلك مما يفهم من السياق. والغالب فى هذه الكلمة مجيئها ~~مكررة... وقوله { لما توعدون } بيان لمرجع ذلك الضمير، فاللام ~~متعلقة بمقدر، كما فى قولهم سقيا له. # أى التصديق أو الوقوع المتصف بالبعد كائن لما توعدون... و قوله - سبحانه ~~- { إن هي إلا حياتنا الدنيا.. } بيان لتماديهم فى جحودهم ~~وجهلهم وغرورهم. أى إنهم لم يكتفوا باستبعاد حصول البعث والجزاء بوم ~~القيامة بل أضافوا إلى ذلك الإنكار الشديد لحصولهما فقالوا ما الحياة ~~الحقيقية التى لا حياة بعدها إلا حياتنا الدنيا التى نحياها، ولا وجود ~~لحياة أخرى، كما يقول هذا النبى - فنحن نموت كما مات آباؤنا، ونحيا كما ~~يولد أبناؤنا. وهكذا الدنيا فيها موت لبعض الناس، وفيها حياة لغيرهم { ~~وما نحن بمبعوثين } بعد الموت على الإطلاق. ثم أضافوا إلى ~~إنكارهم هذا للدار الآخرة، تطاولا على نبيهم، واتهاما له بما هو برىء ~~منه، فقالوا { إن هو إلا رجل افترى على الله ~~كذبا... } أى ما هذا النبى الذى أمركم بترك عبادة آلهتكم، وأخبركم بأن ~~هناك بعثا وحسابا، إلا رجل اختلق على الله الكذب فيما يقوله ويدعو إليه ~~{ وما نحن له بمؤمنين } فى يوم من الأيام، فكونوا مثلنا - ~~أيها الناس - فى عدم الإيمان به، وفى الانصراف عنه. وهكذا يصور لنا ~~القرآن الكريم بأسلوبه البليغ، موقف الطغاة من دعوة الحق، وكيف أنهم لا ~~يكتفون بالانصراف عنها وحدهم، بل يؤلبون غيرهم بكل وسيلة على الانقياد ~~لهم، وعلى محاربة من جاء بهذه الدعوة بمختلف السبل وشتى الطرق. ثم يحكى ~~لنا القرآن بعد ذلك موقف النبى الذى أرسله الله - تعالى - لهؤلاء القوم ~~الظالمين فيقول { قال رب انصرني بما كذبون }. أى قال ما ~~قاله أخوه نوح من قبله رب انصرنى ms3683 على هؤلاء الجاحدين، فأنت تعلم - يا ~~إلهى - أنهم كذبوا ما جئتهم به من عندك. وجاءت الاستجابة من الله - تعالى ~~- لهذا النبى، كما جاءت لأخيه نوح من قبله، ويحكى القرآن ذلك فيقول { ~~قال عما قليل ليصبحن نادمين }. أى قال الله - عز وجل ~~- لنبيه لقد أجبنا دعاءك أيها النبى الكريم، وبعد وقت قليل من الزمان. ~~ليصبحن نادمين أشد الندم على أقوالهم الباطلة، وأفعالهم القبيحة، ولكن ~~هذا الندم لن ينفعهم لأنه جاء فى غير أوانه. والجار والمجرور فى قوله { ~~عما قليل } متعلق بقوله { ليصبحن نادمين } أى ليصبحن ~~عن زمن قليل نادمين، و " عن " هنا بمعنى بعد، و " ما " جىء بها لتأكيد ~~معنى القلة. وأكد - سبحانه - قوله { ليصبحن } بلام القسم ونون ~~التوكيد، لبيان أن هذا الوعيد آت لا ريب فيه، وفى وقت قريب. وجاء الوعيد ~~فعلا. وأخبر - سبحانه - عن ذلك فقال { فأخذتهم الصيحة ~~بالحق... }. أى فأهلكناهم إهلاكا تاما، بالصيحة التى صاحها بهم ~~جبريل - عليه السلام - حيث صاح بهم مع الريح العاتية التى أرسلها الله ~~عليهم فدمروا تدميرا. # وذكر - سبحانه - هنا الصيحة فقط مع أن قوم هود قد أهلكوا بها وبالريح ~~الصرصر العاتية للإشعار بأن إحدى هاتين العقوبتين لو انفردت كافية ~~لإهلاكهم، فقد قال - سبحانه - فى شأن الريح التى أرسلها عليهم # تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى ~~إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين # وقوله { بالحق } حال من الصيحة، وهو متعلق بمحذوف، والتقدير، ~~فأخذتهم الصيحة حالة كونها بالعدل الذى لا ظلم معه، وإنما هم الذين ظلموا ~~أنفسهم بتكذيبهم لنبيهم. وقوله - سبحانه - { فجعلناهم غثآء ~~فبعدا للقوم الظالمين } بيان لمصيرهم الأليم. والغثاء ~~الرميم الهامد الذى يحمله السيل من ورق الشجر وغيره، يقال غثا الوادى ~~يغثو إذا كثر غثاؤه. أى فصيرناهم هلكى هامدين كغثاء السيل البالى، الذى ~~اختلط بزبده، فهلاكا وبعدا لهؤلاء القوم الظالمين، كما هلك وبعد من ~~قبلهم قوم نوح - عليه السلام -. ثم تمضى السورة فى استعراضها - على سبيل ~~الإجمال - لقصص بعض الأنبياء، قال - تعالى - { ثم أنشأنا... }. ### || [23.42-52] # أى { ثم أنشأنا } من بعد قوم نوح وقوم ms3684 هود { قرونا آخرين } ~~أى أقواما آخرين من الناس، كل قوم كانوا مجتمعين فى زمان واحد، كقوم ~~صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب وغيرهم. وقوله عز وجل - { ما تسبق من ~~أمة أجلها وما يستأخرون } بيان لمظهر من مظاهر قدرة ~~الله - تعالى - وإحكامه لشئون خلقه... أى ما تسبق أمة من الأمم أجلها ~~الذى قدرناه لها ساعة من الزمان، ولا تستأخر عنه ساعة، بل الكل نهلكه ~~ونميته فى الوقت الذى حددناه بقدرتنا وحكمتنا. و " من " فى قوله { من ~~أمة } مزيدة للتأكيد وفى هذا المعنى قوله - تعالى - # ولكل أمة أجل فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ~~ساعة ولا يستقدمون # ثم بين - سبحانه - على سبيل الإجمال، أن حكمته قد اقتضت أن يرسل رسلا ~~آخرين، متتابعين فى إرسالهم. كل واحد يأتى فى أعقاب أخيه. ليخرجوا الناس ~~من الظلمات إلى النور. فقال - تعالى - { ثم أرسلنا رسلنا ~~تترى... }. ولفظ { تترى } مصدر كدعوى، وألفه للتأنيث وأصله وترى ~~فقلبت الواو تاء، وهو منصوب على الحال من رسلنا. أى ثم أرسلنا بعد ذلك ~~رسلنا متواترين متتابعين واحدا بعد الآخر، مع فترة ومهلة من الزمان ~~بينهما. قال القرطبى ومعنى " تترى " تتواتر، ويتبع بعضهم بعضا ترغيبا ~~وترهيبا.. قال الأصمعى واترت كتبى عليه، أتبعت بعضها بعضا إلى أن بين ~~كل واحد منها وبين الآخر مهلة... وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { تترى } ~~بالتنوين على أنه مصدر أدخل فيه التنوين على فتح الراء، كقولك حمدا ~~وشكرا... ثم بين - سبحانه - موقف كل أمة من رسولها فقال { كل ما ~~جآء أمة رسولها كذبوه.. }. أى كلما جاء رسول كل أمة ~~إليها ليبلغها رسالة الله - تعالى - وليدعوها إلى عبادته وحده - سبحانه - ~~كذب أهله هذه الأمة هذا الرسول المرسل إليهم. وأعرضوا عنه وآذوه... قال ~~ابن كثير " وقوله { كل ما جآء أمة رسولها كذبوه } ~~يعنى جمهورهم وأكثرهم، كقوله - تعالى - # يحسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا ~~كانوا به يستهزئون # وأضاف - سبحانه - الرسول إلى الأمة، للإشارة إلى أن كل رسول قد جاء إلى ~~الأمة المرسل إليها. وفى التعبير بقوله { كل ما جآء... } إشعار ~~بأنهم ms3685 قابلوه بالتكذيب. بمجرد مجيئه إليهم، أى إنهم بادروه بذلك بدون ~~تريث أو تفكر. فماذا كانت عاقبتهم؟ كانت عاقبتهم كما بينها - سبحانه - فى ~~قوله { فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث ~~فبعدا لقوم لا يؤمنون }. أى فأتبعنا بعضهم بعضا فى ~~الهلاك والتدمير، وجعلناهم بسبب تكذيبهم لرسلهم أحاديث يتحدث الناس بها ~~على سبيل التعجب والتلهى، ولم يبق بين الناس إلا أخبارهم السيئة. # وذكرهم القبيح { فبعدا } وهلاكا لقوم لا يؤمنون بالحق، ولا ~~يستجيبون للهدى. قال صاحب الكشاف " وقوله { وجعلناهم أحاديث } ~~أى أخبارا يسمر بها، ويتعجب منها. والأحاديث تكون اسم جمع للحديث، ومنه ~~أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكون جمعا للأحدوثة التى هى مثل ~~الأضحوكة والألعوبة والأعجوبة. وهى مما يتحدث به الناس تلهيا وتعجبا، ~~وهو المراد هنا ". ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانبا من قصة موسى وهارون ~~- عليهما السلام - فقال { ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون ~~بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملئه ~~فاستكبروا وكانوا قوما عالين }. أى ثم أرسلنا من بعد ~~أولئك الأقوام المهلكين الذين جعلناهم أحاديث { موسى وأخاه ~~هارون بآياتنا } الدالة على قدرتنا، وهى الآيات التسع وهى العصا، ~~واليد، والسنون، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. ~~وزودناه مع هذه الآيات العظيمة بسلطان مبين، أى بحجة قوية واضحة، تحمل كل ~~عاقل على الإيمان به، وعلى الاستجابة له. وكان هذا الإرسال منا لموسى ~~وهارون إلى فرعون وملئه، أى وجهاء قومه وزعمائهم الذين يتبعهم غيرهم. { ~~فاستكبروا } جميعا عن الاستماع إلى دعوة موسى وهارون - عليهما ~~السلام -، { وكانوا قوما عالين } أى مغرورين متكبرين، مسرفين ~~فى البغى والعدوان. ثم بين - سبحانه - مظاهر هذا الغرور والتكبر من فرعون ~~وملئه فقال { فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا } وهما موسى ~~وهارون { وقومهما } أى بنو إسرائيل الذين منهم موسى وهارون { لنا ~~عابدون } أى مسخرون خاضعون منقادون لنا كما ينقاد الخادم لمخدومه. ~~فأنت ترى أن فرعون وملأه، قد أعرضوا عن دعوة موسى وهارون، لأنهما - أولا ~~- بشر مثلهم، والبشرية - فى زعمهم الفاسد - تتنافى مع الرسالة والنبوة، ~~ولأنهما - ثانيا - من قوم بمنزلة الخدم لفرعون وحاشيته، ولا يليق - فى ~~طبعهم ms3686 المغرور - أن يتبع فرعون وحاشيته من كان من هؤلاء القوم ~~المستضعفين. قال الآلوسى " وقوله { فقالوا } عطف على { ~~استكبروا } وما بينهما اعتراض مقرر للاستكبار، والمراد فقالوا فيما ~~بينهم... وثنى البشر لأنه يطلق على الواحد كقوله - تعالى - { بشرا ~~سويا } وعلى الجمع، كما فى قوله - تعالى - # فإما ترين من البشر أحدا... # ولم يثن { مثل } نظرا إلى كونه فى حكم المصدر، ولو أفرد البشر لصح، ~~لأنه اسم جنس يطلق على الواحد وغيره، وكذا لو ثنى المثل، فإنه جاء مثنى ~~فى قوله # يرونهم مثليهم رأي العين # ومجموعا كما فى قوله # ... ثم لا يكونوا أمثالكم # وهذه القصص - كما ترى - تدل على أن مدار شبه المنكرين للنبوة، قياس حال ~~الأنبياء على أحوالهم، بناء على جهلهم بتفاصيل شئون الحقيقة البشرية، ~~وتباين طبقات أفرادها فى مراقى الكمال... ومن عجب أنهم لم يرضوا للنبوة ~~ببشر، وقد رضى أكثرهم للإلهية بحجر. # .. ". ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة فرعون وملئه فقال { فكذبوهما ~~فكانوا من المهلكين }. أى فكذب فرعون وأتباعه موسى وهارون - ~~عليهما السلام - فيما جاءا به من عند ربهما - عز وجل - فكانت نتيجة هذا ~~التكذيب أن أغرقنا فرعون ومن معه جميعا. ثم بين - سبحانه - ما أعطاه ~~لموسى بعد هلاك فرعون وقومه فقال { ولقد آتينا موسى الكتاب ~~لعلهم يهتدون }. والضمير فى قوله - تعالى - { لعلهم } ~~يعود إلى قوم موسى من بنى إسرائيل. لأنه من المعروف أن التوراة أنزلت على ~~موسى بعد هلاك فرعون وملئه... أى ولقد آتينا موسى - بفضلنا وكرمنا - ~~الكتاب المشتمل على الهداية والإرشاد، وهو التوراة، { لعلهم } أى ~~بنى إسرائيل { يهتدون } إلى الصراط المستقيم، بسبب اتباعهم ~~لتعاليمه، وتمسكهم بأحكامه. فالترجى فى قوله { لعلهم } إنما هو ~~بالنسبة لهم. وقريب من هذه الآية قوله - تعالى - # ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد مآ أهلكنا ~~القرون الأولى بصآئر للناس وهدى ورحمة ~~لعلهم يتذكرون # ثم ساق - سبحانه - ما يدل على كمال قدرته، حيث أوجد عيسى من غير أب وجعل ~~أمه مريم تلده من غير أن يمسها بشر. فقال - تعالى - { وجعلنا ابن ~~مريم وأمه آية... }. أى وجعلنا نبينا عيسى - عليه ms3687 السلام -، ~~كما جعلنا أمه مريم، آية واضحة وحجة عظيمة، فى الدلالة على قدرتنا ~~النافذة التى لا يعجزها شىء. قال أبو حيان " قوله { وجعلنا ابن ~~مريم وأمه آية } أى جعلنا قصتهما، وهى آية عظمى بمجموعها، وهى ~~آيات مع التفصيل، ويحتمل أن يكون حذف من الأول " آية " لدلالة الثانى، أى ~~وجعلنا ابن مريم آية، وأمة آية ". وقوله - تعالى - { وآويناهمآ ~~إلى ربوة ذات قرار ومعين } بيان لجانب مما أنعم به ~~سبحانه - على عيسى وأمه. والربوة المكان المرتفع من الأرض. وأصلها من ~~قولهم ربا الشىء يربو، إذا ازداد وارتفع، ومنه الربا لأنه زيادة أخذت على ~~أصل المال. ومعين اسم مفعول من عانه إذا أدركه وأبصره بعينه، فالميم ~~زائدة، وأصله معيون كمبيوع ثم دخله الإعلال. والكلام على حذف مضاف. أى ~~وماء معين. أى ومن مظاهر رعايتنا وإحساننا إلى عيسى وأمه أننا آويناهما ~~وأسكناهما، وأنزلناهما فى جهة مرتفعة من الأرض، وهذه الجهة ذات قرار، أى ~~ذات استقرار لاستوائها وصلاحيتها للسكن لما فيها من الزروع والثمار، وهى ~~فى الوقت ذاته ينساب الماء الظاهر للعيون فى ربوعها. قالوا والمراد بهذه ~~الربوة بيت المقدس بفلسطين، أو دمشق، أو مصر. والمقصود من الآية الكريمة ~~الإشارة إلى إيواء الله - تعالى - لهما، فى مكان طيب، ينضر فيه الزرع، ~~وتطيب فيه الثمار، ويسيل فيه الماء ويجدان خلال عيشهما به الأمان ~~والراحة. # ثم ختم - سبحانه - الحديث عن هؤلاء الأنبياء، بتوجيه خطاب إلى الرسل ~~جميعا، أمرهم فيه بالأكل من الطيبات، وبالتزود من العمل الصالح، فقال - ~~تعالى - { يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا ~~صالحا إني بما تعملون عليم }. ووجه - سبحانه - الخطاب ~~إلى الرسل جميعا، مع أن الموجود منهم عند نزول الآية واحد فقط، وهو ~~الرسول صلى الله عليه وسلم للدلالة على أن كل رسول أمر فى زمنه بالأكل من ~~الطيبات التى أحلها - تعالى - وبالعمل الصالح. وفى الآية إشارة إلى أن ~~المداومة على الأكل من الطيبات التى أحلها الله، والتى لا شبهة فيها، له ~~أثره فى مواظبة الإنسان على العمل الصالح. قال الإمام ابن كثير عند ~~تفسيره ms3688 لهذه الآية يأمر الله - تعالى - عباده المرسلين بالأكل من الحلال، ~~والقيام بالصالح من الأعمال، فدل هذا على أن الحلال عون على العمل ~~الصالح، فقام الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بهذا أتم قيام، وجمعوا ~~بين كل خير. قولا وعملا. ودلالة ونصحا. ثم ساق - رحمه الله - عددا من ~~الأحاديث فى هذا المعنى منها أن أم عبد الله - بنت شداد بن أوس - # " بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح لبن عند فطره وهو صائم، ~~وذلك مع طول النهار وشدة الحر. فرد إليها رسولها أنى كانت لك الشاة؟ - ~~أى على أية حال تملكينها - فقالت اشتريتها من مالى، فشرب منه، فلما كان ~~من الغد أتته أم عبد الله فقالت له يا رسول الله. بعثت إليك بلبن مرثية ~~لك من طول النهار وشدة الحر، فرددت إلى الرسول فيه؟ فقال لها " بذلك ~~أمرت الرسل. أن لا تأكل إلا طيبا ولا تعمل إلا صالحا ". # ومنها ما ثبت فى صحيح مسلم، عن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " يا أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين ~~بما أمر به المرسلين فقال { يأيها الرسل كلوا من ~~الطيبات واعملوا صالحا } وقال { يأيها الذين ~~آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } ثم ذكر الرجل يطيل ~~السفر أشعث أغبر، ومطعمه من حرام. ومشربه من حرام، وملبسه من حرام، وغذى ~~بالحرام. يمد يديه إلى السماء يارب يا رب فأنى يستحاب لذلك ". # وقوله - سبحانه - { إني بما تعملون عليم } تحذير من مخالفة ~~ما أمر به - تعالى. أى إنى بما تعملون - أيها الرسل وأيها الناس - عليم ~~فأجازيكم على هذا العمل بما تستحقون. وقوله - سبحانه - { وإن ~~هذه أمتكم أمة واحدة. # .. } جملة مستأنفة. والمراد بالأمة هنا الشريعة والدين الذى أنزله الله ~~- تعالى - على أنبيائه ورسله، أى وإن شريعتكم - أيها الرسل - جميعا هى ~~شريعة واحدة لا تختلف فى أصولها التى تتعلق بالعقائد والعبادات ~~والمعاملات، وإن اختلفت فى الأحكام الفرعية. وقرأ بعض القراء السبعة { ~~وأن هذه أمتكم... } بفتح ms3689 الهمزة، على أن الآية من جملة ما ~~خوطب به الرسل. والتقدير واعلموا - أيها الرسل - أن ملتكم وشريعتكم، ملة ~~واحدة، وشريعة واحدة فى عقائدها وأصول أحكامها. { وأنا ربكم } ~~لا شريك لى فى الربوبية { فاتقون } أى فخافوا عقابى، واحذروا مخالفة ~~أمرى، وصونوا أنفسكم من كل ما نهيتكم عنه. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك حال ~~المصرين على كفرهم وضلالهم من دعوة الرسل عليهم - الصلاة والسلام - فقال ~~{ فتقطعوا أمرهم بينهم... }. ### || [23.53-56] # الفاء فى قوله - تعالى - { فتقطعوا } لترتيب حالهم وما هم عليه ~~من تفرق وتنازع واختلاف، على ما سبق من أمرهم بالتقوى، واتباع ما جاءهم ~~به الرسل. وضمير الجمع يعود إلى الأقوام السابقين الذين خالفوا رسلهم، ~~وتفرقوا شيعا وأحزابا. وقوله { زبرا } حال من هذا الضمير. ومفرده ~~زبرة - كغرفة - بمعنى قطعة. والمراد به هنا طائفة من الناس. والمراد ~~بأمرهم أمر دينهم الذى هو واحد فى الأصل. أى أن هؤلاء الأقوام الذين جاء ~~الرسل لهدايتهم، لم يتبعوا دين رسلهم بل تفرقوا فى شأنه شيعا وأحزابا، ~~فمنهم أهل الكتاب الذين قال بعضهم عزير ابن الله، وقال بعضهم المسيح ابن ~~الله، ومنهم المشركون الذين عبدوا من دون الله - تعالى - أصناما لا تضر ~~ولا تنفع، وصار كل حزب من هؤلاء المعرضين عن الحق، مسرورا بما هو عليه ~~من باطل، وفرحا بما هو فيه من ضلال. والآية القرآنية بأسلوبها البديع، ~~تسوق هذا التنازع من هؤلاء الجاهلين فى شأن الدين الواحد، فى صورة حسية، ~~يرى المتدبر من خلالها، أنهم تجاذبوه فيما بينهم، حتى قطعوه فى أيديهم ~~قطعا، ثم مضى كل فريق منهم بقطعته وهو فرح مسرور، مع أنه - لو كان يعقل ~~- لما انحدر إلى هذا الفعل القبيح، ولما فرح بعمل شىء من شأنه أن يحزن له ~~كل عاقل. والخطاب فى قوله - تعالى - { فذرهم في غمرتهم ~~حتى حين } للرسول صلى الله عليه وسلم والضمير المنصوب " هم " ~~للمشركين. والغمرة فى الأصل الماء الذى يغمر القامة ويسترها، إذ المادة ~~تدل على التغطية والستر. يقال غمر الماء الأرض إذا غطاها وسترها. ويقال ~~هذا رجل غمر - بضم ms3690 الغين وإسكان الميم - إذا غطاه الجهل وجعله لا تجربة ~~له بالأمور. ويقال هذا رجل غمر - بكسر الغين - إذا غطى الحقد قلبه ~~والمراد بالغمرة هنا الجهالة والضلالة، والمعنى لقد أديت - أيها الرسول - ~~الرسالة، ونصحت لقومك. وبلغتهم ما أمرك الله - تعالى - بتبليغه، وعليك ~~الآن أن تترك هؤلاء الجاحدين المعاندين فى جهالاتهم وغفلتهم وحيرتهم { ~~حتى حين } أى حتى يأتى الوقت الذى حددناه للفصل فى أمرهم بما ~~تقتضيه حكمتنا. وجاء لفظ " حين " بالتنكير، لتهويل الأمر وتفظيعه. ثم ~~تأخذ السورة الكريمة بعد ذلك فى السخرية منهم لغفلتهم عن هذا المصير ~~المحتوم، الذى سيفاجئهم بما لا يتوقعون. فيقول { أيحسبون أنما ~~نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في ~~الخيرات بل لا يشعرون }. والهمزة فى قوله { أيحسبون } ~~للاستفهام الإنكارى. و " ما " موصولة، وهى اسم " أن " وخبرها جملة " ~~نسارع لهم. # .. " والرابط مقدر أى به. أى أيظن هؤلاء الجاهلون. أن ما نعطيهم إياه من ~~مال وبنين، هو من باب المسارعة منا فى إمدادهم بالخيرات لرضانا عنهم ~~وإكرامنا لهم؟ كلا ما فعلنا معهم ذلك لتكريمهم، وإنما فعلنا ذلك معهم ~~لاستدراجهم وامتحانهم، ولكنهم لا يشعرون بذلك. ولا يحسون به لانطماس ~~بصائرهم ولاستيلاء الجهل والغرور على نفوسهم. فقوله - سبحانه - { بل ~~لا يشعرون } إضراب انتقالى عن الحسبان المذكور وهو معطوف على مقدر ~~ينسحب إليه الكلام. أى ما فعلنا ذلك معهم لإكرامنا إياهم كما يظنون، بل ~~فعلنا ما فعلنا استدارجا لهم، ولكنهم لا شعرو لهم ولا إحساس، وما هم إلا ~~كالأنعام بل هم أضل. لذا قال بعض الصالحين من يعص الله - تعالى - ولم ير ~~نقصانا فيما أعطاه - سبحانه - من الدنيا. فليعلم أنه مستدرج قد مكر به. ~~وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - # فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم ~~من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين # وبعد أن صورت السورة الكريمة حالة أصحاب القلوب التى غمرها الجهل ~~والعمى، أتبعت ذلك بإعطاء صورة وضيئة مشرقة لأصحاب القلوب الوجلة ~~المؤمنة، المسارعة فى الخيرات فقال - تعالى - { إن الذين هم... ~~}. ### || [23.57-62] # قوله - سبحانه - { إن الذين هم من خشية ms3691 ربهم ~~مشفقون } بيان للصفة الأولى من صفات هؤلاء المؤمنين الصادقين. ~~والإشفاق هو الخوف من الله - تعالى - والخشية منه - سبحانه - مع شدة ~~الرقة فى القلب وكثرة الخوف من عقابه. أى أنهم من خشية عقابه - عز وجل - ~~حذرون خائفون، وهذا شأن المؤمنين الصادقين، كما قال الحسن البصرى إن ~~المؤمن جمع إحسانا وشفقة، وإن المنافق جمع إساءة وأمنا. وقوله - تعالى - ~~{ والذين هم بآيات ربهم يؤمنون } بيان للصفة الثانية ~~أى أنهم يؤمنون إيمانا راسخا بجميع آيات الله - سبحانه - الدالة على ~~وحدانيته وقدرته، سواء أكانت تلك الآيات تنزيلية أم كونية. وقوله - عز ~~وجل - { والذين هم بربهم لا يشركون } صفة ثالثة لهم. ~~أى أنهم يخلصون العبادة لله - تعالى - وحده، ويقصدون بأقوالهم وأعمالهم ~~وجهه الكريم، فهم بعيدون عن الرياء والمباهاة بطاعاتهم. ثم بين - سبحانه ~~- صفتهم الرابعة فقال { والذين يؤتون مآ آتوا وقلوبهم ~~وجلة أنهم إلى ربهم راجعون }. قرأ القراء السبعة { ~~يؤتون مآ آتوا } بالمد، على أنه من الإتيان بمعنى الإعطاء، ~~والوجل استشعار الخوف. يقال وجل فلان وجلا فهو واجل، إذا خاف، أى ~~يعطون ما يعطون من الصدقات وغيرها من ألوان البر، ومع ذلك فإن قلوبهم ~~خائفة أن لا يقبل منهم هذا العطاء، لأى سبب من الأسباب فهم كما قال بعض ~~الصالحين لقد أدركنا أقواما كانوا من حسناتهم أن ترد عليهم، أشفق منكم ~~على سيئاتكم أن تعذبوا عليها. قال الإمام ابن كثير ما ملخصه أى يعطون ~~العطاء وهم خائفون أن لا يتقبل منهم، لخوفهم أن يكونوا قد قصروا فى ~~القيام بشروط الإعطاء، وهذا من باب الإشفاق والاحتياط. كما روى الإمام ~~أحمد عن عائشة أنها قالت # " يا رسول الله { والذين يؤتون مآ آتوا وقلوبهم ~~وجلة } هو الذى يسرق ويزنى ويشرب الخمر، وهو يخاف الله - عز وجل -؟ ~~قال " لا يا بنت الصديق، ولكنه الذى يصلى ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله - ~~تعالى - ". # ثم قال - رحمه الله - وقد قرأ آخرون { والذين يؤتون مآ ~~آتوا.. } من الإتيان. أى يفعلون ما فعلوا وهم خائفون... والمعنى على ~~القراءة الأولى - وهى قراءة الجمهور السبعة وغيرهم - أظهر ms3692 لأنه قال - بعد ~~ذلك - { أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها ~~سابقون } فجعلهم من السابقين، ولو كان المعنى على القراءة الأخرى، ~~لأوشك أن لا يكونوا من السابقين، بل من المقتصدين أو المقتصرين. وجملة { ~~وقلوبهم وجلة } حال من الفاعل فى قوله - تعالى - { يؤتون ~~}. # وجملة { أنهم إلى ربهم راجعون } تعليلية بتقدير اللام، ~~وهى متعلقة بقوله { وجلة }. أى وقلوبهم خائفة من عدم القبول لأنهم ~~إلى ربهم راجعون، فيحاسبهم على بواعث أقوالهم وأعمالهم، وهم - لقوة ~~إيمانهم - يخشون التقصير فى أى جانب من جوانب طاعتهم له - عز وجل -. وقد ~~جاءت هذه الصفات الكريمة - كما يقول الإمام الرازى - فى نهاية الحسن، لأن ~~الصفة الأولى دلت على حصول الخوف الشديد الموجب للاحتراز عما لا ينبغى، ~~والثانية دلت على قوة إيمانهم بآيات ربهم، والثالثة دلت على شدة إخلاصهم، ~~والرابعة دلت على أن المستجمع لتلك الصفات يأتى بالطاعات مع الوجل والخوف ~~من التقصير، وذلك هو نهاية مقامات الصديقين، رزقنا الله - سبحانه - ~~الوصول إليها. واسم الإشارة فى قوله - تعالى - { أولئك ~~يسارعون في الخيرات } يعود إلى هؤلاء المؤمنين الموصوفين بتلك ~~الصفات الجليلة. وهذه الجملة خبر عن قوله - تعالى - # إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون # وما عطف عليه، فاسم " إن " أربع موصولات، وخبرها جملة { أولئك ~~يسارعون في الخيرات.. }. أى أولئك الموصوفون بتلك الصفات، ~~يبادرون برغبة وسرعة إلى فعل الخيرات، وإلى الوصول إلى ما يرضى الله - ~~تعالى - { وهم لها } أى لهذه الخيرات وما يترتب عليها من فوز وفلاح ~~{ سابقون } لغيرهم. ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة المشتملة ~~على صفات المؤمنين الصادقين، ببيان أن هذه الصفات الجليلة لم تكلف ~~أصحابها فوق طاقتهم، لأن الإيمان الحق إذا خالطت بشاشته القلوب يجعلها لا ~~تحس بالمشقة عند فعل الطاعات، وإنما يجعلها تحس بالرضا والسعادة والإقدام ~~على فعل الخير بدون تردد، فقال - تعالى - { ولا نكلف نفسا ~~إلا وسعها... }. أى وقد جرت سنتنا فيما شرعناه لعبادنا من ~~تشريعات، أننا لا نكلف نفسا من النفوس إلا فى حدود طاقتها وقدرتها. كما ~~قال - تعالى - # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # والمراد ms3693 بالكتاب فى قوله - تعالى - { ولدينا كتاب ينطق ~~بالحق.. } كتاب الأعمال الذى يحصيها الله - تعالى - فيه ويشهد لذلك ~~قوله - سبحانه - # هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا ~~نستنسخ ما كنتم تعملون # وقوله - تعالى - # ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما ~~فيه... # والمراد بنطق الكتاب بالحق أن كل ما فيه حق وصدق. أى ولدينا صحائف ~~أعمالكم، التى سجلها عليكم الكرام الكاتبون، وفيها جميع أقوالكم وأفعالكم ~~فى الدنيا، بدون زيادة أو نقصان، بل هى مشتملة على كل حق وصدق فقد اقتضت ~~حكمتنا وعدالتنا أننا لا نظلم أحدا وإنما نعطى كل إنسان ما يستحقه من ~~خير، ونعفو عن كثير من الهفوات. وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد مدحت ~~المؤمنين الصادقين، ووصفتهم بما هم أهله من صفات كريمة. ثم تعود السورة ~~مرة أخرى إلى الحديث عن أحوال الكافرين، فتوبخهم على استمرارهم فى ~~غفلتهم، وتصور جزعهم وجؤارهم عند ما ينزل بهم العذاب فتقول { بل ~~قلوبهم في... }. ### || [23.63-67] # قال الجمل قوله - تعالى - { بل قلوبهم... } هذا رجوع لأحوال ~~الكفار المحكية فيما سبق بقوله # أيحسبون أنما نمدهم... # والجمل التى بينهما وهى قوله # إن الذين هم من خشية ربهم # إلى قوله # وهم لا يظلمون # اعتراض فى خلال الكلام المتعلق بالكفار. أى هذه هى أوصاف المؤمنين ~~الصادقين، أما الكافرون فقلوبهم فى { غمرة من هذا } أى فى ~~جهالة وغفلة مما عليه هؤلاء المؤمنون من صفات حميدة، ومن إيمان بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وهؤلاء الكافرون { ولهم ~~أعمال } سيئة كثيرة { من دون ذلك } أى من غير ما ذكرناه عنهم ~~من كون قلوبهم فى غمرة وجهالة عن الحق { هم لها عاملون } أى هم ~~مستمرون عليها، ومعتادون لفعلها مندفعون فى ارتكابها بدون وعى أو تدبر. ~~ثم بين - سبحانه - عندما ينزل بهم العذاب فقال { حتى إذآ أخذنا ~~مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون }. وحتى هنا ~~ابتدائية، أى حرف تبتدئ بعده الجمل، وجملة { إذآ أخذنا } شرطية. ~~وجوابها { إذا هم يجأرون }. والجؤار الصراخ مطلقا، أو ~~باستغاثة. يقال جأر الثور يجأر إذا صاح. وجأر الداعى إلى الله، إذا ضج ~~ورفع صوته ms3694 بالتضرع إلى الله عز وجل. أى حتى إذا عاقبنا هؤلاء المترفين ~~الذين أبطرتهم النعمة. بالعذاب الذى يردعهم ويخزيهم ويذلهم، إذا هم ~~يجأرون إلينا بالصراخ وبالاستغاثة. وعبر عن عقابهم، بالأخذ، للإشعار ~~بسرعة هذا العقاب وشدته، كما فى قوله - تعالى - # ... أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون # وخص المترفين بالذكر، للإشارة إلى أن ما كانوا فيه من التنعم والتمتع ~~والتطاول فى الدنيا، لن ينفعهم شيئا عند نزول هذا العذاب بهم. وقوله - ~~سبحانه - { لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون ~~} تأنيب وزجر لهم على جؤارهم وصراخهم. والمراد باليوم. الوقت الذى فيه ~~نزل العذاب بهم. أى عندما أخذناهم بالعذاب المباغت المفاجىء، وضجوا ~~بالاستغاثة والجؤار، قلنا لهم على سبيل التقريع والزجر لا تجأروا ولا ~~تصرخوا فى هذا الوقت الذى أصابكم ما أصابكم فيه من عذاب. فإنكم لن تجدوا ~~من ينجيكم من عذابنا، أو من يدفع عنكم هذا العذاب... ثم بين - سبحانه - ~~الأسباب التى أفضت بهم إلى هذا العذاب المهين، فقال - تعالى - { قد ~~كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم ~~تنكصون.. }. والأعقاب جمع عقب، وهو مؤخر القدم و { تنكصون } من ~~النكوص، وهو الرجوع إلى الخلف. يقال فلان نكص على عقبيه، إذا رجع إلى ~~الوراء، وهو هنا كناية عن الإعراض عن الآيات. أى لا تجأروا ولا تصرخوا، ~~فإن ذلك لن يفيدكم شيئا، بسبب إصراركم على كفركم فى حياتكم الدنيا، فقد ~~كانت آياتى الدالة على وحدانيتى تتلى على مسامعكم من نبينا صلى الله عليه ~~وسلم ومن المؤمنين به، فكنتم تعرضون عن سماعها أشد الإعراض، وكنتم ~~تستهزئون بها، وتكادون تسطون بالذين يتلونها عليكم. # وقوله - تعالى - { مستكبرين به سامرا تهجرون } مقرر ~~لمضمون ما قبله، من إعراضهم عن آيات الله. ونكوصهم على أعقابهم عند ~~سماعها. والضمير فى { به } يرى جمهور المفسرين أنه يعود إلى البيت ~~الحرام، والباء للسببية. وقوله " سامرا " اسم جمع كحاج وحاضر وراكب، ~~مأخوذ من السمر وأصله ظل القمر وسمى بذلك لسمرته، ثم أطلق على الحديث ~~بالليل. يقال سمر فلان يسمر - ككرم يكرم - إذا تحدث ليلا مع غيره بقصد ~~المسامرة والتسلية. ms3695 وقوله { تهجرون } قرأه الجمهور - بفتح التاء وضم ~~الجيم - مأخوذ من الهجر - بإسكان الجيم - بمعنى الصد والقطيعة، أو من ~~الهجر - بفتح الجيم - بمعنى الهذيان والنطق بالكلام الساقط، بسبب المرض ~~أو الجنون. وقرأ نافع { تهجرون } بضم التاء وكسر الجيم - مأخوذ من ~~هجر هجارا إذا نطق بالكلام القبيح. والمعنى قد كانت آياتى تتلى عليكم - ~~أيها المستغيثون من العذاب - فكنتم تعرضون عنها، ولم تكتفوا بهذا ~~الإعراض، بل كنتم متكبرين على المسلمين بالبيت الحرام، وكنتم تتسامرون ~~بالليل حوله، فتستهزئون بالقرآن، وبالرسول صلى الله عليه وسلم وبتعاليم ~~الإسلام وتنطقون خلال سمركم بالقول الباطل، الذى يدل على مرض قلوبكم، ~~وفساد عقولكم، وسوء أدبكم. وقوله { مستكبرين } و { سامرا } و { ~~تهجرون } أحوال ثلاثة مترادفة على واو الفاعل فى { تنكصون } أو ~~متداخلة، بمعنى أن كل كلمة منها حال مما قبلها. قال القرطبى { ~~مستكبرين } حال، والضمير فى { به } قال الجمهور هو عائد على ~~الحرم، أو المسجد، أو البلد الذى هو مكة. وإن لم يتقدم له ذكر لشهرته فى ~~الأمر. أى يقولون نحن أهل الحرم فلا نخاف. وقيل المعنى أنهم يعتقدون فى ~~نفوسهم أن لهم بالمسجد والحرم أعظم الحقوق على الناس والمنازل فيستكبرون ~~لذلك. وقالت فرقة الضمير عائد على القرآن، من حيث ذكرت الآيات. والمعنى ~~يحدث لكم سماع آياتى كبرا وطغيانا فلا تؤمنوا بى... ". والمتأمل فى هذه ~~الآيات الكريمة، يراها تصور حسرة المشركين وجؤارهم يوم ينزل بهم العذاب ~~تصويرا بديعا، كما تبين ما كانوا عليه من غرور وسوء أدب، مما جعلهم ~~أهلا لهذا المصير الأليم. ثم تنتقل السورة الكريمة من تأنيبهم وتيئيسهم ~~من الاستجابة لجؤارهم، إلى سؤالهم بأسلوب توبيخى عن الأسباب التى أدت بهم ~~إلى الإعراض عما جاءهم به رسولهم صلى الله عليه وسلم فتقول { أفلم ~~يدبروا... }. ### || [23.68-74] # قال الجمل قوله - تعالى - { أفلم يدبروا القول... } شروع ~~فى بيان أسباب حاملة لهم على ما سبق من قوله - تعالى - { فكنتم ~~على أعقابكم تنكصون... } إلخ. والهمزة لإنكار ما هم فيه من ~~عدم التدبر واستقباحه، والفاء للعطف على مقدر يستدعيه المقام والمراد ~~بالقول القرآن الكريم وما ms3696 اشتمل عليه من هدايات. والمعنى أفعلوا ما فعلوا ~~من النكوص على الأعقاب، ومن الغرور ومن الهذيان بالباطل من القول، فلم ~~يتدبروا هذا القرآن، ولم يتفكروا فيما اشتمل عليه من توجيهات حكيمة... ~~إنهم لو تدبروه لوجدوا فيه من العظات والآداب والأحكام، والقصص، ~~والعقائد، والتشريعات.... ما يسعدهم ويهديهم إلى الصراط المستقيم. ~~فالجملة الكريمة تحضهم على تدبر هذا القرآن، لأنهم إن تدبروه تدبرا ~~صادقا. لعلموا أنه الحق الذى لا يحوم حوله باطل. وشبيه بهذه الجملة قوله ~~- تعالى - # أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا # وقوله - سبحانه - # أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالهآ # وبعد أن وبخهم - سبحانه - على تركهم الانتفاع بالقرآن. أتبع ذلك ~~بتقريعهم على أن ما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم يتفق فى أصوله مع ~~ما جاء به الرسل السابقون لآبائهم الأولين. أى أكذبوا رسولهم لأنه جاءهم ~~بما لم يأت به الرسل لآبائهم؟ كلا، فإن ما جاءهم به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم يطابق - فى جوهره - ما جاء به إبراهيم وإسماعيل وغيرهما، من آبائهم ~~الأولين. قال - تعالى - # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه.. # وقال - سبحانه - # قل ما كنت بدعا من الرسل ومآ أدري ما يفعل بي ~~ولا بكم... # ويجوز أن يكون المعنى أكذب هؤلاء الجاهلون رسولهم صلى الله عليه وسلم ~~لأنهم فى أمان من العذاب، وهذا الأمان لم يكن فيه آباؤهم الأولون؟ كلا، ~~وإن من شأن العقلاء أنهم لا يأمنون مكر الله فإنه لا يأمن مكر الله إلا ~~القوم الخاسرون. قال الآلوسى وأم فى قوله - تعالى - { أم جآءهم ~~ما لم يأت آبآءهم الأولين } منقطعة، وما فيها من معنى ~~بل، للإضراب والانتقال من التوبيخ بما ذكر إلى التوبيخ بآخر. والهمزة ~~فإنكار الوقوع لا لإنكار الواقع. أى بل أجاءهم من الكتاب ما لم يأت ~~آباءهم الأولين، حتى استبعدوه فوقعوا فيما وقعوا فيه من الكفر والضلال، ~~بمعنى أن مجىء الكتب ms3697 من جهته - تعالى - إلى الرسل قديمة له - تعالى - وأن ~~مجىء القرآن جار على هذه السنة فلماذا ينكرونه؟ وقيل المعنى أفلم يدبروا ~~القرآن ليخافوا عند تدبر آياته، ما نزل بمن قبلهم من المكذبين، أم جاءهم ~~من الأمن ما لم يأت آباءهم الأولين، حين خافوا الله - تعالى - فآمنوا به ~~وبكتبه ورسله، فالمراد بآبائهم " المؤمنون " منهم كإسماعيل - عليه السلام ~~-. # ... ثم انتقلت السورة إلى توبيخهم - ثالثا - على كفرهم مع علمهم بصدق ~~الرسول وأمانته، فقال - تعالى - { أم لم يعرفوا رسولهم ~~فهم له منكرون }. أى أيكون سبب كفرهم أنهم لم يعرفوا رسولهم ~~محمدا صلى الله عليه وسلم؟ كلا فإن هذا لا يصلح سببا، إذ هم يعرفون ~~حسبه ونسبه، وأمانته، وصدقه، وكانوا يلقبونه بالصادق الأمين قبل بعثته، ~~وأبو سفيان - قبل أن يدخل فى الإسلام - شهد أمام هرقل ملك الروم، بأن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم كان معروفا بصدقه وأمانته قبل البعثة. ثم ~~انتقلت السورة - للمرة الرابعة - إلى توبيخهم على أمر آخر، فقال - تعالى ~~- { أم يقولون به جنة... }. أى أيكون سبب إصرارهم على كفرهم ~~اتهامهم للرسول صلى الله عليه وسلم بالجنون؟ كلا، فإنهم يعلمون حق العلم ~~أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو أكمل الناس عقلا، وأرجحهم فكرا، وأثقبهم ~~رأيا، وأوفرهم رزانة. وقوله - تعالى - { بل جآءهم بالحق ~~وأكثرهم للحق كارهون } إضراب عما يدل عليه ما سبق من ~~اتهامات باطلة دارت على ألسنة المشركين. أى ليس الأمر كما زعموا من أنه ~~صلى الله عليه وسلم به جنة أو أنه أتاهم بما لم يأت آباءهم الأولين، بل ~~الأمر الصدق، أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاءهم بالحق الثابت الذى لا ~~يحوم حوله باطل ولكن هؤلاء القوم أكثرهم كارهون للحق، لأنه يتعارض مع ~~أنانيتهم وشهواتهم، وأهوائهم. وقال - سبحانه - { وأكثرهم ~~للحق كارهون } لأن قلة من هؤلاء المشركين كانت تعرف أن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم قد جاءهم بالحق، وتحب أن تدخل فى الإسلام، ولكن حال ~~بينهم وبين ذلك، الخوف من تعيير أقوامهم لهم بأنهم فارقوا دين آبائهم ~~وأجدادهم، كأبى طالب - مثلا - فإنه ms3698 مع دفاعه عن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم بقى على كفره. قال صاحب الكشاف فإن قلت قوله { وأكثرهم } فيه ~~أن أقلهم كانوا لا يكرهون الحق؟ قلت كان فيهم من يترك الإيمان به أنفة ~~واستنكافا من توبيخ قومه، وأن يقولوا صبأ وترك دين آبائه، لا كراهة للحق، ~~كما يحكى عن أبى طالب. فإن قلت يزعم بعض الناس أن أبا طالب صح إسلامه؟ ~~قلت يا سبحان الله. كأن أبا طالب كان أخمل أعمام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى يشتهر إسلام حمزة والعباس - رضى الله عنهما - ويخفى إسلام أبى ~~طالب ". ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما كان سينزل بالعالم من فساد. # فيما لو اتبع الحق - على سبيل الفرض - أهواء هؤلاء المشركين، فقال - ~~تعالى - { ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت ~~السماوات والأرض ومن فيهن... }. والمراد بالحق هنا - عند ~~كثير من المفسرين - هو الله - عز وجل - إذ أن هذا اللفظ من أسمائه - ~~تعالى -. والمعنى ولو أجاب الله - تعالى - هؤلاء المشركين إلى ما يهوونه ~~ويشتهونه من باطل وقبيح. لفسدت السموات والأرض ومن فيهن لأن أهواءهم ~~الفاسدة من شرك. وظلم، وحقد، وعناد...، لا يمكن أن يقوم عليها نظام هذا ~~الكون البديع، الذى أقمناه على الحق والعدل. ويرى بعض المفسرين أن المراد ~~بالحق هنا ما يقابل الباطل ويدل على ذلك قوله - تعالى - { بل جآءهم ~~بالحق وأكثرهم للحق كارهون }. فيكون المعنى ولو ~~اتبع الحق الذى جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم أهواء المشركين، ~~لفسدت السموات والأرض ومن فيهن، وذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~جاءهم بالتوحيد وهم يريدون الشرك، وجاءهم بمكارم الأخلاق، وهم يريدون ما ~~ألفوه من شهوات، وجاءهم بالتشريعات العادلة الحكيمة، وهم يريدون ~~التشريعات التى ترضى غرورهم وأوضاعهم الفاسدة، والتى منها تفضيل الناس ~~بحسب أحسابهم وغناهم، لا بحسب إيمانهم وتقواهم... ومع وجاهة الرأيين، إلا ~~أننا نميل إلى الرأى الثانى، لأنه أقرب إلى سياق الآيات، كما يشير إلى ~~ذلك قوله - تعالى - { بل جآءهم بالحق وأكثرهم ~~للحق كارهون }. وقوله سبحانه { بل أتيناهم بذكرهم ~~فهم عن ذكرهم معرضون ms3699 } انتقال من توبيخهم على كراهيتهم ~~للحق، إلى توبيخهم على نفورهم مما فيه عزهم وفخرهم. والمراد بذكرهم ~~القرآن الذى هو شرف لهم، كما قال - تعالى - # وإنه لذكر لك ولقومك # أى كيف يكرهون الحق الذى جاءهم به رسولهم صلى الله عليه وسلم مع أنه قد ~~أتاهم بالقرآن الكريم الذى فيه شرفهم ومجدهم؟ إن إعراضهم عن هذا القرآن ~~ليدل دلالة قاطعة، على غبائهم، وجهلهم، لأن العاقل لا يعرض عن شىء يرفع ~~منزلته، ويكرم ذاته. ثم انتقلت السورة الكريمة - للمرة الخامسة - إلى ~~توبيخهم على كفرهم، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يسألهم أجرا على ~~ما ينقذهم من ظلمات هذا الكفر إلى نور الإيمان. فقال - تعالى - { أم ~~تسألهم خرجا... } أى أجرا وجعلا وجزاء... أى أيكون السبب فى ~~عدم إيمانهم بك - أيها الرسول الكريم - أنك تسألهم أجرا على دعوتك لهم ~~إلى إخلاص العبادة لنا؟ لا ليس الأمر كما يتوهمون، فإنك لم تسألهم أجرا ~~على دعوتك إياهم إلى الدخول فى الإسلام. والجملة الكريمة معطوفة على قوله ~~- تعالى - قبل ذلك { أم يقولون به جنة... } وما بينهما ~~اعتراض وقوله - سبحانه - { فخراج ربك خير وهو خير ~~الرازقين } تعليل لنفى سؤالهم إياهم الأجر على دعوتهم إلى الحق. # أى أنت - أيها الرسول الكريم - ما طالبتهم بأجر على دعوتك إياهم إلى ~~الإيمان بالله - تعالى - وحده، لأن ما أعطاك الله - تعالى - من خير وفضل ~~أكبر وأعظم من عطاء هؤلاء الضعفاء الذين لا يستغنون أبدا عن عطائنا. ~~والله - تعالى - هو خير الرازقين، لأن رزقه دائم ورزق غيره مقطوع، ولأنه ~~هو المالك لجميع الأرزاق، وغيره لا يملك معه شيئا. قال بعض العلماء ~~المراد بالخرج والخراج هنا الأجر والجزاء والمعنى أنك لا تسألهم على ما ~~بلغتهم من الرسالة المتضمنة لخيرى الدنيا والآخرة أجرا وأصل الخرج ~~والخراج هو ما تخرجه إلى كل عامل فى مقابلة أجرة أو جعل. وقرأ ابن عامر { ~~أم تسألهم خرجا فخرج ربك خير } - بإسكان الراء ~~فيهما معا وحذف الألف-. وقرأ حمزة والكسائى { أم تسألهم ~~خراجا فخراج ربك خير } بفتح الراء بعدها ألف ms3700 فيهما معا -. ~~وقرأ الباقون { أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير } ~~بإسكان الراء وحذف الألف فى الأول وفتح الراء وإثبات الألف فى الثانى. ~~والتحقيق أن معنى اللفظين واحد، وأنهما لغتان فصيحتان، وقراءتان سبعيتان، ~~خلافا لمن زعم أن بين معناهما فرقا زاعما أن الخرج ما تبرعت به، وأن ~~الخراج ما لزمك أداؤه ". ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة، ببيان أن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لا يدعو إلا إلى الحق، وأن المعرضين عن دعوته ~~عن طريق الحق خارجون، فقال - تعالى - { وإنك لتدعوهم إلى ~~صراط مستقيم.. }. أى وإنك - أيها الرسول الكريم - لتدعو هؤلاء ~~المشركين إلى طريق واضح قويم، تشهد العقول باستقامته وسلامته من أى عوج. ~~{ وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة } ككفار قريش ومن لف ~~لفهم { عن الصراط } المستقيم { لناكبون } أى لمائلون وخارجون. ~~يقال نكب فلان عن الطريق ينكب نكوبا - من باب دخل - إذا عدل عنه. ومال ~~إلى غيره. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة، قد شهدت للرسول صلى الله ~~عليه وسلم بالبراءة من كل تهمة تفوه بها المشركون، وقطعت معاذيرهم، وردت ~~عليهم بما يخرس ألسنتهم، حيث حكت شبهاتهم بأمانة ثم كرت عليها بالإبطال، ~~وأثبتت أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما جاءهم ليدعوهم إلى الصراط ~~المستقيم. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك، أن هؤلاء المشركين، قد قست قلوبهم، ~~وفسدت نفوسهم، وماتت ضمائرهم، وصاروا لا يؤثر فيهم الابتلاء بالخير أو ~~الشر، فقال - تعالى - { ولو رحمناهم وكشفنا... }. ### || [23.75-77] # أى ولو رحمنا هؤلاء المشركين الذين تنكبوا الصراط المستقيم وكشفنا ما ~~بهم من ضر. أى من سوء حال بسبب ما نزل بهم من قحط وجدب وفقر. { ~~للجوا في طغيانهم يعمهون } أى لتمادوا فى طغيانهم، ~~وتجاوزوا الحدود فى كفرهم وضلالهم، وفى تحيرهم وترددهم بدون تمييز بين ~~الحق والباطل. والتعبير بقوله - تعالى - { للجوا } يشعر بأنهم ~~لقسوة قلوبهم، صاروا لا تؤثر فيهم المصائب بل يزدادون بسببها طغيانا ~~وكفرا، إذ الفعل " لجوا " مأخوذ من اللجاج. هو التمادى والعناد فى ~~ارتكاب المنهى عن ارتكابه. يقال لج فلان فى الأمر يلج لججا ولجاجة. إذا ms3701 ~~لازمه وواظب عليه. ومنه " اللجة " - بفتح اللام - لكثرة الأصوات. ولجة ~~البحر - بضم اللام - لتردد أمواجه... وقوله { يعمهون } من العمه، ~~بمعنى التردد والتحير، وهو للقلوب بمنزلة العمى للعيون. وهو مأخوذ من ~~قولهم أرض عمهاء، إذا لم يكن فيها علامات ترشد إلى الخروج منها. وقوله - ~~سبحانه - { ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا ~~لربهم وما يتضرعون } مؤكد لما قبله من وصف هؤلاء المشركين ~~بالجحود والعناد. والمراد بالعذاب هنا العذاب الدنيوى كالجوع والقحط ~~والمصائب. والاستكانة الانتقال من كون إلى كون ومن حال إلى حال. ثم غلب ~~استعمال هذه الكلمة فى الانتقال من حال التكبر والغرور إلى حال التذلل ~~والخضوع. أى ولقد أخذنا هؤلاء الطغاة، بالعذاب الشديد، كالفقر، والمصائب ~~والأمراض فما خضعوا لربهم - عز وجل - وما انقادوا له وأطاعوه، وما تضرعوا ~~إليه - سبحانه - بالدعاء الخالص لوجهه الكريم، لكى يكشف عنهم - عز وجل - ~~ما نزل بهم من ضر. ولفظ " حتى " فى قوله - تعالى - { حتى إذا ~~فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد... } يقصد به ابتداء ~~الكلام، وإذا الأولى شرطية، والثانية وهى قوله { إذا هم فيه ~~مبلسون } رابطة للجواب. أى هم مستمرون على جحودهم وعنادهم، حتى إذا ~~فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد من أبواب عذاب الآخرة المعد لهم إذا هم ~~فيه مبلسون، أى ساكتون من شدة الحيرة وآيسون من كل نجاء. يقال أبلس فلان ~~إبلاسا، إذا سكت فى حيرة ويأس من الخلاص مما هو فيه من عذاب وبلاء. ~~وقريب من هذه الآيات فى المعنى قوله - تعالى - # إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين ~~لا يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ~~ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون # وقوله - عز وجل - # بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا ~~لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون # وقوله - سبحانه - # ولقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك فأخذناهم ~~بالبأسآء والضرآء لعلهم يتضرعون فلولا إذ ~~جآءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم ~~وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون # ثم تأخذ السورة الكريمة بعد ذلك فى تذكيرهم بنعم الله عليهم، لعلهم ~~يتوبون أو يتذكرون، ms3702 فتقول { وهو الذي أنشأ... }. ### || [23.78-80] # أى " وهو " الله - تعالى - وحده، " الذى أنشأ لكم " أيها الناس بفضله ~~ورحمته " السمع " الذى تسمعون به " والأبصار " التى تبصرون بها " ~~والأفئدة " التى بواسطتها تفهمون وتدركون... ولو تدبر الإنسان هذه النعم ~~حق التدبر لاهتدى إلى الحق. ولآمن بأن الخالق لهذه الحواس وغيرها. هو ~~الله الواحد القهار. ولكن الإنسان - إلا من عصم الله - قليل الشكر لله - ~~تعالى - ولذا قال - سبحانه - { قليلا ما تشكرون } أى شكرا ~~قليلا ما تشكرون هذه النعم الجليلة، بدليل أن أكثر الناس فى هذه الحياة، ~~كافرون بوحدانية الله - تعالى -. فلفظ " قليلا " صفة لموصوف محذوف، و " ~~ما " لتأكيد هذه القلة وتقريرها. وقوله - سبحانه - { وهو الذي ~~ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون } بيان لنعمة أخرى من ~~نعمه التى لا تحصى. أى وهو - سبحانه - الذى أوجدكم من الأرض، ونشركم فيها ~~عن طريق التناسل، وإليه وحده تجمعون يوم القيامة للحساب. ثم ذكر ما يدل ~~على كمال قدرته فقال { وهو الذي يحيي ويميت } بدون أن ~~يشاركه فى ذلك مشارك، { وله } وحده التأثير فى اختلاف الليل والنهار ~~وتعاقبهما، وزيادة أحدهما ونقص الآخر، { أفلا تعقلون } وتدركون ~~ما فى هذا كله من دلائل واضحة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته؟ ثم حكى ~~- سبحانه - بعد ذلك أن هؤلاء المشركين، لم يقابلوا نعم الله - تعالى - ~~عليهم بالشكر، وإنما قابلوها بالجحود وبإنكار البعث والحساب، وأمر - ~~سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم فقال - تعالى - { بل ~~قالوا... }. ### || [23.81-89] # لفظ " بل " فى قوله - تعالى - { بل قالوا مثل ما قال ~~الأولون } للإضراب الانتقالى. وهو معطوف على مضمر يقتضيه المقام. ~~أى لقد سقنا لهم ألوانا من النعم، وسقنا لهم ما يدل على قدرتنا ومع ذلك ~~فلم يؤمنوا. بل قالوا مثل ما قال من هم على شاكلتهم فى الكفر من الأقوام ~~الأولين. ثم حكى - سبحانه - ما قالوه فقال { قالوا } على سبيل التعجب ~~والإنكار { أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا ~~لمبعوثون }. فهم يرون - لجهلهم وغبائهم - أنه من المستحيل أن ~~يعادوا إلى الحياة بعد أن يموتوا ويصيروا ترابا وعظاما نخرة. وهذا الذى ms3703 ~~قالوه هنا. قد حكى القرآن عنهم مثله فى آيات كثيرة، من ذلك قوله - تعالى ~~- # أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد # وقوله - سبحانه - # يقولون أإنا لمردودون في الحافرة أإذا كنا ~~عظاما نخرة قالوا تلك إذا كرة خاسرة # ثم بين - سبحانه - أنهم لم يكتفوا بإنكارهم للبعث، بل أضافوا إلى ذلك ~~سوء الأدب، والسخرية ممن يؤمن به فقال { لقد وعدنا نحن ~~وآبآؤنا هذا من قبل.. }. أى لقد وعدنا على لسان هذا الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بأن البعث حق، كما وعد آباؤنا قبل ذلك على ألسنة ~~الرسل السابقين، ونحن لا نصدق هذا الرسول، ولا أولئك الرسل. { إن ~~هذآ إلا أساطير الأولين } أى ما هذا البعث الذى وعدنا ~~جميعا به، إلا أساطير الأولين. أى أكاذيبهم التى سطروها من عند أنفسهم ~~فى كتبهم. والأساطير جمع أسطورة، كأحدوثة، وأعجوبة، وأكذوبة. وهكذا ~~الجهلاء المغرورون، لا يقفون من الحق موقف المنكر له فحسب، بل يضيفون إلى ~~ذلك سوء الأدب، وقبح المنطق، والقول بغير علم. وقد أمر الله - تعالى - ~~رسوله أن يرد على أباطيلهم، وأن يلزمهم بثلاث حجج، تدل على أن الله - ~~تعالى - قادر على إعادتهم إلى الحياة بعد موتهم. أما الحجة الأولى فتتجلى ~~فى قوله - سبحانه - { قل لمن الأرض ومن فيهآ إن كنتم ~~تعلمون } أى قل لهم - أيها الرسول الكريم - لمن هذه الأرض ملكا ~~وتصرفا، ولمن هذه المخلوقات التى عليها، خلقا وتدبيرا، إن كنتم من أهل ~~العلم والفهم؟ أو كنتم عالمين بذلك فأخبرونى من خالقهم؟ فجواب الشرط ~~محذوف لدلالة الاستفهام عليه. { سيقولون لله } ولا يملكون أن ~~يقولوا غير ذلك، لأن بداهة العقل تضطرهم إلى أن يعترفوا بأن الأرض ومن ~~فيها لله - تعالى -. { قل أفلا تذكرون } أى قل لهم فى الجواب ~~على اعترافهم هذا، أتعلمون ذلك، فلا تتذكرون بأن من خلق الأرض ومن فيها ~~قادر على إحياء الناس بعد موتهم. # وأما الحجة الثانية فهى قوله - سبحانه - { قل من رب ~~السماوات السبع ورب العرش العظيم } وهو كرسيه الذى ~~وسع السموات والأرض؟ { سيقولون لله } فهو رب كل شىء. { قل ~~أفلا ms3704 تتقون } أى قل لهم على سبيل التبكيت والتقريع، أتقولون ذلك، ~~ومع هذا لا تتقون الله، ولا تخافون عقابه، بسبب عبادتكم لغيره، وإنكاركم ~~لما نهاكم عن إنكاره؟ وأما الحجة الثالثة، فتتجلى فى قوله عز وجل { قل ~~من بيده ملكوت كل شيء... } أى قل لهم من بيده ملك كل شىء ~~كائنا ما كان. فالملكوت من الملك، وزيدت الواو والتاء للمبالغة فى هذا ~~الملك. { وهو يجير ولا يجار عليه } أى وهو - سبحانه - ~~يغيث من يشاء من خلقه فلا يستطيع أحد أن يناله بسوء، أما من يريد الله - ~~تعالى - أن ينزل به عقابه، فلن يستطيع أحد أن يمنع هذا العقاب عنه. يقال ~~أجرت فلانا على فلان، إذا أغثته وأنقذته منه. وعدى بعلى لتضمينه معنى ~~النصر. { إن كنتم تعلمون } أى إن كنتم - أيضا - من أهل العلم ~~والفهم. { سيقولون لله } أى سيقولون ملك كل شىء لله، والقدرة ~~على كل شىء لله. { قل فأنى تسحرون } أى قل لهم فى الجواب ~~عليهم، ما دمتم قد اعترفتم بأن كل شىء تحت قدرة الله وسيطرته، فكيف ~~تخدعون وتصرفون عن الحق وعن الرشد مع علمكم بهما، إلى ما أنتم عليه من ~~باطل وغى!!. يقال سحر فلان غيره، بمعنى خدعه، أو أتى عمل السحر. والمسحور ~~هو الشخص المخدوع أو من تأثر بما عمل له من سحر. وبهذه الحجج الدامغة، ~~أخرس الله - تعالى - ألسنة المنكرين للبعث، واثبت لهم أنه - سبحانه - لا ~~يعجزه شىء. وبعد أن أثبت - سبحانه - أن البعث حق، أتبع ذلك بإثبات ~~وحدانيته، وإبطال ما يزعمون له - تعالى - من الولد والشريك. فقال { بل ~~أتيناهم... }. ### || [23.90-92] # قوله - سبحانه - { بل أتيناهم بالحق... } إضراب عن قول ~~أولئك الكافرين # إن هذآ إلا أساطير الأولين # أى ما كان ما أخبرناهم به من أن هناك بعثا وحسابا، أساطير بالأولين بل ~~أخبرناهم وأتيناهم بالحق الثابت، والوعد الصادق، وإنهم لكاذبون فى دعواهم ~~أن البعث غير واقع، وأن مع الله - تعالى - آلهة أخرى، وأن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم لم يجئهم بالحق الذى يريدونه. ثم وبخهم - سبحانه - على ~~قولهم إن لله ms3705 ولدا وشريكا فقال { ما اتخذ الله من ولد ~~وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما ~~خلق ولعلا بعضهم على بعض... }. أى لم يتخذ الله - ~~تعالى - ولدا - كما يزعم هؤلاء الجاهلون، لأنه - سبحانه - منزه عن ذلك. ~~ولم يكن معه من إله يشاركه فى ألوهيته وربوبيته - عز وجل -. ولو كان ~~الأمر كما يزعمون { لذهب كل إله بما خلق } واستقل به ~~عن غيره. { ولعلا بعضهم على بعض } أى ولحدث بينهم التحارب ~~والتغالب... ولفسد هذا الكون، كما قال - تعالى - # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا... # { سبحان الله عما يصفون } أى تنزه الله - تعالى - وتقدس ~~عما يصفه به هؤلاء الجاهلون. فهو - سبحانه - الواحد الأحد. الفرد الصمد، ~~الذى لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. { عالم الغيب ~~والشهادة } أى هو العليم بما يغيب عن عقول الناس ومداركهم وهو ~~العليم - أيضا - بما يشاهدونه بأبصارهم وحواسهم. { فتعالى } الله - ~~عز وجل - وتقدس { عما يشركون } معه من آلهة أخرى، لا تضر ولا ~~تنفع ولا تملك لعابديها موتا ولا حياة ولا نشورا. ثم تترك السورة ~~الحديث مع هؤلاء المشركين، وتوجه حديثها إلى النبى صلى الله عليه وسلم ~~فتأمره أن يتلجىء إلى خالقه، وأن يستعيذ به من شرور الشياطين... قال - ~~تعالى - { قل رب إما تريني... }. ### || [23.93-98] # قال الجمل " لما أعلم الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه منزل ~~عذابه بهؤلاء المشركين، إما فى حياته صلى الله عليه وسلم أو بعد مماته، ~~علمه كيفية الدعاء بالتخلص من عذابهم فقال - تعالى - { قل رب إما ~~تريني ما يوعدون } وقوله { تريني } فعل مضارع مبنى على ~~الفتح لاتصاله بنون التوكيد، و { ما } مفعول به، ورأى بصرية تعدت ~~لمفعولين بواسطة الهمزة، لأنه من أرى الرباعى، فياء المتكلم مفعول أول، ~~وما الموصولة المفعول الثانى... ". أى قل - أيها الرسول الكريم - يا رب ~~إن تطلعنى وترينى العذاب الذى توعدت به هؤلاء المشركين، فأسألك - يا إلهى ~~- أن لا تجعلنى قرينا لهم فيه، وأبعدنى عن هؤلاء القوم الظالمين، حتى لا ~~يصيبنى ما يصيبهم. ورسول الله - صلى ms3706 الله عليه وسلم - فى عصمة من الله - ~~تعالى - من أن يجعله مع القوم الظالمين، حين ينزل بهم العذاب، ولكن جاءت ~~الآية بهذا الدعاء والإرشاد، للزيادة فى التوقى، ولتعليم المؤمنين أن لا ~~يأمنوا مكر الله، وأن يلوذوا دائما بحماه. وقوله - سبحانه - { وإنا ~~على أن نريك ما نعدهم لقادرون } بيان لكمال قدرة ~~الله تعالى التى لا يعجزها شىء. أى نحن قادرون - يا محمد - على إطلاعك ~~على العذاب الذى أعددناه لهم ولكن لحكمة نعلمها، لم نطلعك عليه، بل ~~سنؤخره عنهم إلى الوقت الذى نريده، قال تعالى # وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو ~~نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب # ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر على أذاهم. وبمقابلة ~~سيئاتهم بالخصال الحسنة، فقال { ادفع بالتي هي أحسن ~~السيئة نحن أعلم بما يصفون }. أى قابل - أيها الرسول ~~الكريم - سيئات هؤلاء المشركين الجاهلين، بالأخلاق والسجايا التى هى أحسن ~~من غيرها، كأن تعرض عنهم، وتصبر على سوء أخلاقهم، فأنت صاحب الخلق ~~العظيم، ونحن أعلم منك بما يصفوننا به من صفات باطلة. وما يصفوك به من ~~صفات ذميمة، وسنجازيهم على ذلك بما يستحقون، فى الوقت الذى نريده. فالآية ~~الكريمة توجيه حكيم من الله - تعالى - لنبيه -، وتسلية له عما أصابه من ~~أعدائه، وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين # ثم أمره - تعالى - بأن يستعيذ به من وساوس الشياطين ونزغاتهم فقال { ~~وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك ~~رب أن يحضرون }. وقوله { همزات } جمع همزة وهى المرة من ~~الهمز. وهى فى اللغة النخس والدفع باليد أو بغيرها. يقال همزه يهمزه - ~~بضم الميم وكسرها - إذا نخسه ودفعه وغمزه. # ومنه المهماز، وهو حديدة تكون مع الراكب للدابة يحثها بها على السير. ~~والمراد بهمزات الشياطين هنا وساوسهم لبنى آدم وحضهم إياهم على ارتكاب ما ~~نهاهم الله - تعالى - عنه. أى وقل - أيها الرسول الكريم - يا رب أعوذ بك، ~~واعتصم بحماك، من وساوس الشياطين، ومن نزغاتهم الأثيمة، ومن همزاتهم ~~السيئة، وأعوذ بك يا إلهى ms3707 وأتحصن بك، من أن يحضرنى أحد منهم فى أى أمر من ~~أمور دينى أو من دنياى، فأنت وحدك القادر على حمايتى منهم. وفى هذه ~~الدعوات من الرسول صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم من همزات الشياطين - ~~تعليم للمؤمنين، وإرشاد لهم، إلى اللجوء - دائما - إلى خالقهم، لكى يدفع ~~عنهم وساوس الشياطين ونزغاتهم. ثم تنتقل السورة بعد ذلك إلى بيان أقوال ~~هؤلاء المشركين عندما ينزل بهم الموت، وعندما تلفح وجوههم النار، وكيف ~~أنهم يلتمسون العودة بذلة ولكن لا يجابون إلى طلبهم، لأنه جاء فى غير ~~وقته.... استمع إلى السورة الكريمة وهى تصور أحوالهم عند الاحتضار، وعند ~~الإلقاء بهم فى النار فتقول { حتى إذا جآء... }. ### || [23.99-111] # قوله - تعالى - { حتى إذا جآء أحدهم الموت... } بيان ~~لحال الكافرين عندما يدركهم الموت. و " حتى " حرف ابتداء... والمراد ~~بمجىء الموت مجىء علاماته. أى أن هؤلاء الكافرين يستمرون فى لجاجهم ~~وطغيانهم، حتى إذا فاجأهم الموت، ونزلت بهم سكراته، ورأوا مقاعدهم فى ~~النار، قال كل واحد منهم يا رب ارجعنى إلى الدنيا، { لعلي أعمل ~~صالحا فيما تركت } أى لكى أعمل عملا صالحا فيما تركت خلفى من ~~عمرى فى أيام الدنيا، بأن أخلص لك العبادة والطاعة وأتبع كل ما جاء به ~~نبيك من أقوال وأفعال. وجاء لفظ { ارجعون } بصيغة الجمع. لتعظيم شأن ~~المخاطب، وهو الله - تعالى - واستدرار عطفه - عز وجل-. أو أن هذا الكافر ~~استغاث بالله - تعالى - فقال " رب " ثم وجه خطابه بعد ذلك إلى خزنة النار ~~من الملائكة فقال " ارجعون ". و " لعل " فى قوله تعالى { لعلي ~~أعمل صالحا } للتعليل. أى ارجعون لكى أعمل عملا صالحا. وفى معنى ~~هذه الآية وردت آيات كثيرة، منها قوله - تعالى - # .. وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل ~~إلى مرد من سبيل # وقوله - سبحانه - # ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ~~ربهم ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل ~~صالحا إنا موقنون # ثم بين - سبحانه - الجواب عليهم فقال { كلا إنها كلمة هو ~~قآئلها ومن ورآئهم برزخ إلى يوم يبعثون }. و " ~~كلا " حرف زجر وردع. والبرزخ الحاجز والحاجب ms3708 بين الشيئين لكى لا يصل ~~أحدهما إلى الآخر. والمراد بالكلمة ما قاله هذا الكافر. أى رب ارجعون. أى ~~يقال لهذا الكافر النادم كلا، لا رجوع إلى الدنيا { إنها } أى قوله ~~رب ارجعون، { كلمة هو قآئلها } ولن تجديه شيئا، لأنه قالها بعد ~~فوات الأوان لنفعها، { ومن ورآئهم } أى ومن أمام هذا الكافر ~~وأمثاله، حاجز يحول بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا، وهذا الحاجز مستمر إلى ~~يوم البعث والنشور. فالمراد بالبرزخ تلك المدة التى يقضيها هؤلاء ~~الكافرون منذ موتهم إلى يوم يبعثون. وفى هذه الجملة الكريمة. زجر شديد ~~لهم عن طلب العودة إلى الدنيا. وتيئيس وإقناط لهم من التفكير فى المطالبة ~~بالرجعة، وتهديد لهم بعذاب القبر إلى يوم القيامة. ثم بين - سبحانه - بعد ~~ذلك أن ما ينفع الناس يوم القيامة إنما هو إيمانهم وعملهم، لا أحسابهم ~~ولا أنسابهم. فقال - تعالى - { فإذا نفخ في الصور فلا ~~أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون }. والأنساب جمع ~~نسب. والمراد به القرابة، والمراد بالنفخ فى الصور النفخة الثانية التى ~~يقع عندها البعث والنشور. وقيل النفخة الأولى التى عندها يحيى الله ~~الموتى. # والمراد بنفى الأنساب انقطاع آثارها التى كانت مترتبة عليها فى الدنيا، ~~من التفاخر بها، والانتفاع بهذه القرابة فى قضاء الحوائج. أى فإذا نفخ ~~إسرافيل - عليه السلام - فى الصور - وهو آلة نفوض هيئتها إلى الله - ~~تعالى -، فلا أنساب ولا أحساب بين الناس نافعة لهم فى هذا الوقت، إذ ~~النافع فى ذلك الوقت هو الإيمان والعمل الصالح. ولا هم يستاءلون فيما ~~بينهم لشدة الهول، واستيلاء الفزع على النفوس ولا تنافى بين هذه الآية، ~~وبين قوله - تعالى - # فأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون # فإن كل آية تحكى حالة من الحالات، ويوم القيامة له مواقف متعددة، فهم لا ~~يتساءلون من شدة الهول فى موقف. ويتساءلون فى آخر عندما يأذن الله - ~~تعالى - لهم بذلك. وقوله - سبحانه - { فمن ثقلت موازينه ~~فأولئك هم المفلحون.. } بيان لما يكون بعد النفخ فى ~~الصور من ثواب أو عقاب. أى وجاء وقت الحساب بعد النفخ فى الصور، { فمن ~~ثقلت موازينه ms3709 } أى موازين أعماله الصالحة، { فأولئك ~~هم المفلحون } فلاحا ليس بعده فلاح. { ومن خفت } موازين ~~أعماله الصالحة { فأولئك الذين خسروا أنفسهم } بأن ~~ضيعوها وألقوا بها إلى التهلكة، فهم، { في جهنم خالدون } فيها ~~خلودا أبديا. { تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون ~~} واللفح الإحراق الشديد يقال فلان لفحته النار تلفحه لفحا ولفحانا إذا ~~أحرقته. والكلوح، هو أن تتقلص الشفتان، وتتكشف الأسنان، لأن النار قد ~~أحرقت الشفتين، كما يشاهد - والعياذ بالله - رأس الشاة بعد شويها. أى ~~تحرق النار وجوه هؤلاء الأشقياء، وهم فيها متقلصو الشفاه عن الأسنان، من ~~أثر ذلك الإحراق واللفح. ثم يقال لهم بعد كل هذا العذاب المهين على سبيل ~~التقريع والتوبيخ { ألم تكن آياتي } الدالة على وحدانيتى وقدرتى ~~وصدق رسلى { تتلى عليكم } فى الدنيا على ألسنة هؤلاء الرسل ~~الكرام { فكنتم بها } أى بهذه الآيات { تكذبون } هؤلاء ~~الرسل فيما جاؤوكم به من عندى من هدايات وإرشادات. وكأنهم قد خيل إليهم - ~~بعد هذا السؤال التوبيخى، أنهم قد أذن لهم فى الكلام، وأن اعترافهم ~~بذنوبهم قد ينفعهم فيقولون - كما حكى القرآن عنهم - { قالوا ربنا ~~غلبت علينا شقوتنا.. } أى يا ربنا تغلبت علينا أنفسنا ~~الأمارة بالسوء، فصرفتنا عن الحق، وتغلبت علينا ملذاتنا وشهواتنا ~~وسيئاتنا التى أفضت بنا إلى هذا المصير المؤلم { وكنا قوما ~~ضآلين } عن الهدى والرشاد، بسبب شقائنا وتعاستنا. { ربنآ ~~أخرجنا منها } أى من هذه النار التى تلفح وجوهنا { فإن ~~عدنا } إلى ما نحن عليه من الكفر وارتكاب السيئات { فإنا ~~ظالمون } أى فإنا متجاوزون لكل حد فى الظلم، ونستحق بسبب ذلك عذابا ~~اشد مما نحن فيه. وهكذا يصور القرآن بأسلوبه البديع المؤثر، أحوال ~~الكافرين يوم القيامة، تصويرا ترتجف له القلوب، وتهتز منه النفوس، وتقشعر ~~من هوله الأبدان. # وقوله - سبحانه - { قال اخسئوا فيها ولا تكلمون } جواب ~~على طلبهم الخروج من النار، والعودة إلى الدنيا. أى قال الله - تعالى - ~~لهم على سبيل الزجر والتيئيس { اخسئوا فيها } اسكتوا وانزجروا ~~انزجار الكلاب، وامكثوا فى تلك النار { ولا تكلمون } فى شأن ~~خروجكم منها، أو فى شأن عودتكم إلى الدنيا. ms3710 وقوله - تعالى - { إنه ~~كان فريق من عبادي يقولون... } تعليل لزجرهم عن طلب ~~الخروج أى اخسأوا فى النار ولا تكلمون، لأنه كان فى الدنيا فريق كبير من ~~عبادى المؤمنين يقولون بإخلاص ورجاء { ربنآ آمنا } بك واتبعنا ~~رسلك { فاغفر لنا } ذنوبنا { وارحمنا } برحمتك التى وسعت كل ~~شىء { وأنت خير الراحمين }. وقوله - سبحانه - { ~~فاتخذتموهم سخريا... } هو محط التعليل، أى فكان حالكم معهم ~~أنكم سخرتم واستهزأتم بهم. { حتى أنسوكم ذكري } أى ~~فاتخذتموهم سخريا، وداومتم على ذلك، وشغلكم هذا الاستهزاء. حتى أنسوكم - ~~لكثرة انهماككم فى السخرية بهم - تذكر عقابى لكم فى هذا اليوم، { ~~وكنتم منهم تضحكون } فى الدنيا، وتتغامزون عندما ترونهم ~~استخفافا بهم. فلهذه الأسباب، اخسأوا فى النار ولا تكلمون، أما هؤلاء ~~المؤمنون الذين كنتم تستهزئون بهم فى الدنيا. فإنى { جزيتهم ~~اليوم } الجزاء الحسن { بما صبروا أنهم هم ~~الفآئزون } فوزا ليس هناك ما هو أكبر منه. وبعد هذا الرد الذى فيه ~~ما فيه من الزجر للكافرين، وبعد بيان أسبابه، وما اشتمل عليه من تبكيت ~~وتقريع، يوجه إليهم - سبحانه - سؤالا يزيدهم حسرة على حسرتهم، فيقول { ~~قال كم لبثتم.. }. ### || [23.112-118] # أى قال الله - تعالى - لهم بعد أن زجرهم وأمرهم أن يسكتوا سكوت هوان ~~وذلة كم عدد السنين التى لبثتموها فى دنياكم التى تريدون الرجوع إليها؟ ~~ولا شك أن الله - تعالى - يعلم مقدار الزمن الذى لبثوه، ولكنه سألهم ~~ليبين لهم قصر أيام الدنيا، بالنسبة لما هم فيه من عذاب مقيم، وليزيد فى ~~حسرتهم وتوبيخهم. وهنا يقولون فى يأس وذلة { لبثنا يوما أو ~~بعض يوم } وهو جواب يدل على استصغارهم للمدة التى لبثوها فى ~~الدنيا. بجانب ما هم فيه من عذاب. وقوله - تعالى - { فسئل ~~العآدين } يشعر بذهولهم عن التحقق من مقدار المدة التى لبثوها فى ~~الدنيا. أى فاسأل المتمكنين من معرفة المدة التى مكثناها فى الدنيا. فيرد ~~الله - تعالى - عليهم بقوله { قال إن لبثتم } أى ما لبثتم فى ~~الدنيا، { إلا قليلا } أى إلا وقتا قليلا { لو أنكم ~~كنتم تعلمون } شيئا من العلم لأدركتم أن ما لبثتموه فى الدنيا، ~~هو ms3711 قليل جدا بالنسبة إلى مكثكم فى النار بسبب إصراركم على كفركم فى ~~حياتكم الدنيا، فجواب لو محذوف، لدلالة الكلام عليه. ولا يتعارض قولهم ~~هنا { لبثنا يوما أو بعض يوم } مع آيات أخرى ذكرت بأنهم # يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا # وبأنهم # ما لبثوا غير ساعة # كما فى قوله - تعالى - # ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا ~~غير ساعة.. # لأن كل فريق منهم قد أخبر بما تبادر إلى ذهنه، فبعضهم قال لبثنا عشرا، ~~وبعضهم قال لبثنا يوما أو بعض يوم، وبعضهم أقسم بأنه ما لبث فى الدنيا ~~غير ساعة. وهذا يدل على أن أهوال العذاب، قد أنستهم ما كانوا فيه فى ~~الدنيا من متاع، وما انغمسوا فيه من شهوات... والاستفهام فى قوله - تعالى ~~- { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا... } للإنكار والنفى، ~~والحسبان هنا بمعنى الظن. والفاء معطوفة على محذوف مقدر. والعبث اللعب ~~وما لا فائدة فيه من قول أو فعل. أى أغرتكم الدنيا، وغفلتم عن مصيركم، ~~فحسبتم أنما خلقناكم عبثا لا لحكمة تقتضيها إرادتنا من خلقكم، وحسبتم ~~كذلك { أنكم إلينا لا ترجعون } يوم القيامة للحساب ~~والجزاء. إن جزاء هذا الحسبان الباطل، هو هذا المصير المهين الذى تصطلون ~~بناره اليوم. ثم نزه - سبحانه - ذاته عن أن يكون قد خلقهم عبثا فقال { ~~فتعالى الله الملك الحق.. }. أى فتعاظم وتقدس عن كل ما لا ~~يليق بجلاله وكماله، الله الملك الحق، فهو - عز وجل - منزه عن أن يخلق ~~الناس بدون حكمة أو غرض صحيح. { لا إله إلا هو } فإن كل ما ~~عداه مخلوق له، وهو - سبحانه - { رب العرش الكريم }. # ثم هدد - سبحانه - كل من يعبد غيره أشد تهديد فقال { ومن يدع مع ~~الله إلها آخر } أى ومن يدع مع الله - تعالى - آلها آخر فى ~~عبادته أو مناجاته أو أقواله، أو أفعاله... { لا برهان له به } ~~أى لا دليل له على هذه العبادة، وليس لهذه الجملة الكريمة مفهوم مخالفة، ~~بل هى صفة مطابقة للواقع، لأن كل عابد لغير الله، لا دليل له على هذه ~~العبادة إطلاقا، إذ العبادة ms3712 لا تكون إلا لله - تعالى - وحده. فذكر هذه ~~الجملة لإقرار الواقع وتأكيده، لا لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق. وقوله ~~{ فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح ~~الكافرون } تهديد شديد لمن يدعو مع الله - تعالى - إلها آخر. أى من ~~يفعل ذلك فسيلقى الحساب الشديد، والجزاء الرادع، من عند ربه - عز وجل -، ~~لأن عدالته قد اقتضت أن الكافرين به لا ينالون الفلاح، وإنما ينالون ~~الخزى والخسران. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله { وقل رب ~~اغفر وارحم وأنت خير الراحمين } أى وقل - أيها الرسول ~~الكريم - مناجيا ربك رب اغفر للمؤمنين ذنوبهم، وارحم العصاة منهم، وأنت ~~يا مولانا خير من يرحم، وخير من يغفر. قال الآلوسى " وفى تخصيص هذا ~~الدعاء بالذكر ما يدل على أهمية ما فيه، وقد علم النبى صلى الله عليه ~~وسلم أبا بكر أن يقول نحوه فى صلاته. فقد أخرج الشيخان عن أبى بكر - رضى ~~الله عنه - قال يا رسول الله، علمنى دعاء أدعو به فى صلاتى. فقال له قل " ~~اللهم إنى ظلمت نفسى ظلما كثيرا، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لى ~~مغفرة من عندك، وارحمنى إنك أنت الغفور الرحيم ". ### | [24 - سورة النور] ### || [24.1] # افتتحت سورة النور بافتتاح لم تشترك معها فيه سورة أخرى من سور القرآن ~~الكريم. وقوله - سبحانه - { سورة } خبر لمبتدأ محذوف، أى هذه سورة. ~~والسورة القرآنية هى مجموعة من الآيات المسرودة، لها مبدأ ولها نهاية، ~~وجمعها سور. وكلمة سورة مأخوذة من سور المدينة، وكأن السورة القرآنية ~~سميت بهذا الاسم لإحاطتها بآياتها إحاطة السور بما يكون بداخله. أو أنها ~~فى الأصل تطلق على المنزلة السامية، والسورة القرآنية سميت بذلك لرفعتها ~~وعلو شأنها. قال القرطبى والسورة فى اللغة اسم للمنزلة الشريفة، ولذلك ~~سميت السورة من القرآن سورة. قال النابغة # ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب # وقوله - تعالى - { وفرضناها } من الفرض بمعنى القطع. وأصله قطع ~~الشىء الصلب والتأثير فيه. والمراد به هنا تنفيذ أحكام الله - تعالى - ~~على أتم وجه وأكمله. والمعنى هذه سورة قرآنية. ms3713 أنزلناها عليك - أيها ~~الرسول الكريم -، وأوجبنا ما فيها من أحكام، وآداب وتشريعات، إيجابا ~~قطعيا، وأنزلنا فيها آيات بينات واضحات الدلالة على وحدانيتنا، وقدرتنا، ~~وعلى صحة الأحكام التى وردت فيها، لتتذكروها وتعتبروا بها وتعتقدوا صحتها ~~وتنفذوا ما اشتملت عليه من أمر أو نهى. وجمع - سبحانه - بين الإنزال ~~والفرضية فقال { أنزلناها وفرضناها } لبيان أن الغرض منها ليس ~~مجرد الإنزال وإنما الإنزال المصحوب بوجوب تنفيذ الأحكام والآداب التى ~~اشتملت عليها، والتى أنزلت من أجلها. ومعلوم أن إنزال السورة كلها. ~~يستلزم إنزال هذه الآيات منها فيكون التكرار فى قوله - تعالى - { ~~وأنزلنا فيهآ آيات بينات } لكمال العناية بشأنها، كما هى ~~الحال فى ذكر الخاص بعد العام. و " لعل " فى قوله - تعالى - { ~~لعلكم تذكرون } للتعليل. أى لعلكم تتذكرون ما فيها من آيات ~~دالة على وحدانيتنا وقدرتنا، وعلى سمو تشريعاتنا، فيؤدى بكم هذا التذكر ~~إلى عبادتنا وطاعتنا. * * * ثم بين - سبحانه - بعد ذلك حد الزانى ~~والزانية، وقبح جريمة الزنا تقبيحا يحمل عل النفور، وحرمها على المؤمنين ~~تحريما قاطعا، فقال - تعالى - { الزانية... }. ### || [24.2-3] # قوله - تعالى - { الزانية والزاني.. } شروع فى تفصيل الأحكام، ~~التى أشار إليها - سبحانه - فى الآية الأولى من هذه السورة، وهى قوله # سورة أنزلناها وفرضناها... # والزنا من الرجل معناه وطء المرأة من غير ملك ولا شبهة ملك ومعناه من ~~المرأة أن تمكن الرجل من أن يزنى بها. والخطاب فى قوله - تعالى - { ~~فاجلدوا... } للحكام المكلفين بتنفيذ حدود الله - عز وجل -. قال ~~الجمل " وفى رفع " الزانية والزانى " وجهان أحدهما - وهو مذهب سيبويه - ~~أنه مبتدأ خبره محذوف. أى فيما يتلى عليكم حكم الزانية، ثم بين ذلك بقوله ~~{ فاجلدوا.. } والثانى وهو مذهب الأخفش وغيره - أنه مبتدأ. والخبر ~~جملة الأمر، ودخلت الفاء لشبه المبتدأ بالشرط.. ". فإن قيل ما الحكمة فى ~~أن يبدأ الله فى فاحشة الزنا بالمرأة، وفى جريمة السرقة بالرجل، حيث قال # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما... # فالجواب أن الزنا من المرأة أقبح، فإنه يترتب عليه فساد الأنساب، وإلحاق ~~الدنس والعار بزوجها وأهلها، وافتضاح أمرها عن طريق الحمل، وفضلا عن ذلك، ~~فإن تمكينها ms3714 نفسها للرجل هو الذى كان السبب فى اقترافه هذه الفاحشة، ~~فلهذا وغيره قدمت المرأة هنا. وأما جريمة السرقة، فالغالب أن الرجال أكثر ~~إقداما عليها، لأنها تحتاج إلى جسارة وقوة، واجتياز للمخاطر... لذا قدم ~~الرجل على المرأة فيها. وقوله - تعالى - { ولا تأخذكم بهما ~~رأفة في دين الله.. } نهى منه - سبحانه - عن التهاون فى تنفيذ ~~حدوده، وحض على إقامتها بحزم وقوة، والرأفة أعلى درجات الرحمة. يقال رؤف ~~فلان بفلان - بزنة كرم - إذا اشتد فى رحمته، وفى العناية بأمره. أى ~~أقيموا - أيها الحكام - حدود الله - تعالى - على الزانية والزانى بأن ~~تجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، دون أن تأخذكم شفقة أو رحمة فى تنفيذ ~~هذه الحدود، ودون أن تقبلوا فى التخفيف عنهما شفاعة شفيع، أو وساطة وسيط، ~~فإن الله - تعالى - الذى شرع هذه الحدود. وأمر بتنفيذها بكل شدة وقوة، ~~أرحم بعباده وبخلقه منكم. والرحمة والرأفة فى تنفيذ أحكامه، لا فى ~~تعطيلها. ولا فى إجرائها على غير وجهها. وقوله - سبحانه - { إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر... } تأكيد لما قبله، وإلهاب ~~لمشاعرهم، لتنفيذ حدود الله - تعالى -. أى إن كنتم تؤمنون بالله واليوم ~~الآخر إيمانا حقا، فأقيموا حدود الله، وأجلدوا الزانية والزانى مائة ~~جلدة، لا تأخذكم بهما رأفة أو شفقة فى ذلك. وقوله - سبحانه - { ~~وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين } بيان لما ~~يجب على الحكام أن يفعلوه عند تنفيذ العقوبة والأمر بشهود عذابهما ~~للاستحباب لا للوجوب. # والمراد بعذابهما إقامة الحد عليهما، والطائفة فى الأصل اسم فاعل من ~~الطواف، وهو الدوران والإحاطة. وتطلق الطائفة عند كثير من اللغويين على ~~الواحد فما فوقه. قال الآلوسى " والحق أن المراد بالطائفة هنا، جماعة ~~يحصل بهم التشهير والزجر، وتختلف قلة وكثرة بحسب اختلاف الأماكن والأشخاص ~~فرب شخص يحصل تشهيره وزجره بثلاثة. وآخر لا يحصل تشهيره وزجره بعشرة ~~وللقائل بالأربعة هنا وجه وجيه ". ولعل السبب فى وجاهة رأى القائلين ~~بالأربعة أن هذا العدد هو الذى يثبت به الزنا. أى وليشهد إقامة الحد على ~~الزانية والزانى، عدد من المؤمنين، ليكون زيادة فى التنكيل بمن ms3715 يرتكب هذه ~~الفاحشة، وأدعى إلى الاعتبار والاتعاظ وأزجر لمن تسول له نفسه الإقدام ~~على تلك الجريمة النكراء. ثم أضاف - سبحانه - إلى تقبيح أمر الزنا تقبيحا ~~آخر أشد وأخزى فقال { الزاني لا ينكح إلا زانية أو ~~مشركة والزانية لا ينكحهآ إلا زان أو مشرك... ~~}. والظاهر أن المراد بالنكاح هنا العقد الذى تترتب عليه المعاشرة ~~الزوجية، لأن أكثر ورود لفظ النكاح فى القرآن. أن يكون بمعنى العقد، بل ~~قال بعضهم إنه لم يرد إلا بهذا المعنى. أى أنه جرت العادة أن الشخص ~~الزانى لا يتزوج إلا زانية مثله أو مشركة وكذلك المرأة الزانية لا تميل ~~بطبعها إلا إلى الزواج من رجل زان مثلها أو من رجل مشرك وذلك لأن المؤمن ~~بطبعه ينفر من الزواج بالمرأة الزانية، وكذلك المرأة المؤمنة تأنف من ~~الزواج بالرجل الزانى. فالآية الكريمة تحكى بأسلوب بديع ما تقتضيه طبيعة ~~الناس فى التآلف والتزاوج، وتبين أن المشاكلة فى الطباع علة للتلاقى، وأن ~~التنافر فى الطباع علة للاختلاف. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث ~~يقول # " الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف ". # وبدىء هنا بالزانى، لأن الآية مسوقة للحديث عن النكاح، والرجل هو الذى ~~يتولاه، وهو الأصل فيه، لأنه هو الذى يلتمسه عن طريق الخطبة وما يتبعها ~~من خطوات توصله إلى إتمام عقد الزواج، والمرأة - فى هذا الباب - تكون فى ~~العادة مطلوبة لا طالبة، ومرغوبة لا راغبة. وجمع - سبحانه - بين رغبة ~~الزانى ورغبة الزانية لتأكيد ما يليق بكليهما من الميل الدنىء. والطبع ~~الوضيع. والسلوك الخبيث. وأن كل واحد منهما ألعن من صاحبه فى ولوج الطريق ~~القبيح. واسم الإشارة فى قوله - تعالى - { وحرم ذلك على ~~المؤمنين } يعود على الزنا. وعلى الزواج من الزوانى، لما فيه من ~~التشبيه بالفاسقين، ومن التعرض للعقوبة وسوء السيرة. أى وحرم ذلك الذى ~~نهيناكم عنه - وهو الزنا والاقتران بمن يرتكبه - على المؤمنين الأطهار، ~~الذين ينزهون أنفسهم عن الوقوع فى السوء والفحشاء. # هذا. وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ms3716 ما رواه ~~الترمذى وأبو داود والنسائى عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده قال كان رجل ~~يقال له " مرثد بن أبى مرثد " كان يحمل الأسارى من مكة حتى يأتى بهم ~~المدينة. قال وكانت امرأة بغى بمكة يقال لها " عناق " وكانت صديقة له ~~- أى فى الجاهلية - وأنه واعد رجلا من أسارى مكة يحمله، قال فجئت حتى ~~انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة فى ليلة مقمرة قال فجاءت " عناق " ~~فأبصرت سواد ظلى تحت الحائط، فلما انتهت إلى عرفتنى، فقالت مرثد؟ فقلت ~~مرثد فقالت مرحبا وأهلا. هلم فبت عندنا الليلة. فقال فقلت يا عناق. حرم ~~الله الزنا. فقالت يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم. قال فتبعنى ~~ثمانية و دخلت الخندمة - أى جبل بمكة - فانتهيت إلى غار... فأعماهم الله ~~- تعالى - عنى. ثم رجعوا فرجعت إلى صاحبى فحملته إلى المدينة، فأتيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله، أنكح عناقا؟ أنكح عناقا؟ - ~~مرتين -، فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرد شيئا حتى نزلت هذه ~~الآية { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة... } ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا مرثد. { الزاني لا ينكح ~~إلا زانية أو مشركة... } فلا تنكحها. هذا. ومن الأحكام ~~والآداب التى أخذها العلماء من هاتين الآيتين ما يأتى 1 - ظاهر قوله - ~~تعالى - { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد ~~منهما مئة جلدة... } يفيد أن هذا الجلد لكل من ارتكب هذه ~~الفاحشة سواء أكان محصنا أم غير محصن. ولكن هذا الظاهر قد فصلته السنة ~~الصحيحة. حيث بينت أن هذا الحد، إنما هو لغير المحصن. أما المحصن - وهو ~~المتزوج أو من سبق له الزواج - فإن حده الرجم حتى يموت. قال الإمام ابن ~~كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه " هذه الآية الكريمة فيها حكم ~~الزانى فى الحد ". وللعلماء فيه تفصيل ونزاع، فإن الزانى لا يخلو إما أن ~~يكون بكرا وهو الذى لم يتزوج، أو محصنا وهو الذى قد وطىء فى نكاح صحيح، ~~وهو حر بالغ عاقل. فأما ms3717 إذا كان بكرا لم يتزوج فإن حده مائة جلدة كما فى ~~الآية. ويزاد على ذلك أن يغرب عاما عند جمهور العلماء. وحجتهم فى ذلك ~~ما ثبت فى الصحيحين عن أبى هريرة، # " أن أعرابيين أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما يا رسول ~~الله، إن ابنى كان عسيفا - أى أجيرا - عند هذا فزنى بامرأته فافتديت ابنى ~~منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبرونى أن على ابنى جلد مائة ~~وتغريب عام. وأن على امرأة هذا الرجم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~" والذى نفسى بيده لأقضين بينكما بكتاب الله الوليدة والغنم رد عليك. ~~وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام واغد يا أنيس - وهو رجل من قبيلة أسلم - ~~إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، فغدا عليها، فاعترفت فرجمها " ". # ففى هذا دلالة على تغريب الزانى مع جلده مائة. إذا كان بكرا لم يتزوج ~~فأما إذا كان محصنا فإنه يرجم. وثبت فى الصحيحين من حديث مالك - مطولا -، ~~أن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - قام فخطب الناس فقال " أيها الناس، إن ~~الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما ~~أنزل عليه آية الرجم فقرأناها ووعيناها، ورجم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ورجمنا بعده، فأخشى أن يطول بالناس زمان فيقول قائل لا نجد آية ~~الرجم فى كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة قد أنزلها الله، فالرجم فى كتاب ~~الله حق على من زنى من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو الحبل أو ~~الاعتراف ". وقد رجم النبى صلى الله عليه وسلم ماعزا والغامدية، إلا أن ~~جمهور الفقهاء يرون أنه يكتفى بالرجم، ولا يجلد قبل الرجم، لأنه لم ينقل ~~عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه جلد أحدا من الزناة المحصنين قبل أن ~~يرجمهم، ومن الفقهاء من يرى أنهم يجلدون ثم يرجمون بعد ذلك. وقال بعض ~~العلماء ما ملخصه اعلم أن رجم الزانيين المحصنين، دلت عليه آيتان من كتاب ~~الله - تعالى -، إحداهما نسخت تلاوتها وبقى حكمها، والثانية باقية ~~التلاوة ms3718 والحكم. أما التى نسخت تلاوتها وبقى حكمها، فهى قوله - تعالى - ~~الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموعما ألبتة - وقد ورد ذلك فى روايات متعددة ~~- وتدل هذه الروايات على أن الصحابة قرأوها ووعوها. وعقلوها. وأن حكمها ~~باق لأن النبى صلى الله عليه وسلم فعله، والصحابة فعلوه من بعده. وأما ~~الآية التى هى باقية التلاوة والحكم، فهى قوله - تعالى - # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ~~يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم ~~يتولى فريق منهم وهم معرضون # على القول بأنها نزلت فى رجم اليهوديين الزانيين بعد الإحصان، وقد ~~رجمهما النبى صلى الله عليه وسلم وقصة رجمه لهما مشهورة، ثابتة فى ~~الصحيح. وعليه فقوله # ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون # أى عما فى التوراة من حكم الرجم، وذم المعرض عن الرجم فى هذه الآية. يدل ~~على أنه ثابت فى شرعنا فدلت الآية - على هذا القول - أن الرجم ثابت فى ~~شرعنا. وهى باقية التلاوة. # .. 2 - كذلك أخذ العلماء من قوله - تعالى - { ولا تأخذكم ~~بهما رأفة في دين الله... } أنه لا تجوز الشفاعة فى الحدود، ~~كما لا يجوز إسقاط الحد لأن فى ذلك تعطيلا لتنفيذ شرع الله - تعالى - على ~~الوجه الأكمل. قال الآلوسى ما ملخصه " قوله - تعالى - { ولا ~~تأخذكم بهما رأفة في دين الله... } أى فى طاعته ~~وإقامة حده الذى شرعه. والمراد النهى عن التخفيف فى الجلد. بأن يجلدوهما ~~جلدا غير مؤلم، أو بأن يكون أقل من مائة جلدة. أو بإسقاط الحد بشفاعة أو ~~نحوها. لما صح # " أن الرسول صلى الله عليه وسلم أنكر على حبه أسامة بن زيد حين شفع ~~فى فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد المخزومية، التى سرقت قطيفة أو حليا، ~~وقال له " يا أسامة، أتشفع فى حد من حدود الله - تعالى -، ثم قام صلى ~~الله عليه وسلم فخطب فقال " أيها الناس، إنما ضل من قبلكم أنهم كانوا إذا ~~سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم ~~الله - تعالى - لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ". # وكما ms3719 تحرم الشفاعة، يحرم قبولها، فعن الزبير بن العوام - رضى الله عنه - ~~قال " إذا بلغ الحد إلى الإمام، فلا عفا الله - تعالى - عنه إن عفا ". 3 ~~- يرى كثير من الفقهاء أن التحريم فى قوله - تعالى - { وحرم ذلك ~~على المؤمنين } للتنزيه، وعبر عنه بلفظ " حرم " للتغليظ ~~والتنفير من الإقدام على زواج المؤمن من الزانية، أو على زواج المؤمنة من ~~الزانى. ويرى آخرون أن التحريم على ظاهره، وأنه لا يجوز للمؤمن أن يتزوج ~~بالزانية. وكذلك لا يجوز للمؤمنة أن تتزوج بالزانى. وقد فصل القول فى هذه ~~المسألة بعض العلماء فقال ما ملخصه اعلم أن العلماء اختلفوا فى جواز نكاح ~~العفيف بالزانية ونكاح العفيفة بالزانى. فذهب جماعة من أهل العلم منهم ~~الأئمة الثلاثة - أبو حنيفة ومالك والشافعى - إلى جواز نكاح الزانية مع ~~الكراهة التنزيهية... لأن الله - تعالى - قال {.. وأحل لكم ما ~~وراء ذلكم.. } وهو شامل بعمومه الزانية والعفيفة. وقالت جماعة ~~أخرى من أهل العلم لا يجوز تزويج الزانى العفيفة، ولا عكسه، وهو مذهب ~~الإمام أحمد. وقد ورى عن الحسن وقتادة. ومن أدلتهم الآية التى نحن ~~بصددها، وهى قوله - تعالى - { الزاني لا ينكح إلا زانية ~~أو مشركة } لأنها قد حرمت فى نهايتها أن يتزوج التقى بالزانية، أو ~~التقية بالزانى. وعلى أية حال فالمتدبر فى هاتين الآيتين يراهما، تشددان ~~العقوبة على من يرتكب جريمة الزنا، وتنفران من الاقتراب منها وممن يقع ~~فيها أعظم تنفير، لأن الإسلام حرص على أن ينتشر العفاف والطهر بين أفراد ~~المجتمع الإسلامى، وشرع من وسائل الوقاية ما يحمى الأفراد والجماعات من ~~الوقوع فى هذه الرذيلة. * * * وبعد أن نفر - سبحانه - من جريمة الزنا ~~أعظم تنفير، وأمر بتنفيذ عقوبته فى مرتكبها بدون رأفة أو تساهل... أتبع ~~ذلك بتشريعات أخرى من شأنها أن تحمى أعراض الناس وأنفسهم من اعتداء ~~المعتدين، فقال - تعالى - { والذين يرمون... }. ### || [24.4-5] # قوله - تعالى - { يرمون } من الرمى، وأصله القذف بشىء صلب أو ما ~~يشبهه تقول رمى فلان فلانا بحجر. إذا قذفه به. والمراد به هنا الشتم ~~والقذف بفاحشة الزنا، أو ما يستلزمه ms3720 كالطعن فى النسب. قال الإمام الرازى ~~وقد أجمع العلماء على أن المراد هنا الرمى بالزنا. وفى الآية أقوال تدل ~~عليه. أحدها تقدم ذكر الزنا. وثانيها أنه - تعالى - ذكر المحصنات، وهن ~~العفائف، فدل ذلك على أن المراد بالرمى رميهن بضد العفاف، وثالثها قوله { ~~ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء } يعنى على صحة ما رموهن ~~به، ومعلوم أن هذا العدد من الشهود غير مشروط إلا بالزنا، ورابعها انعقاد ~~الإجماع على أنه لا يجب الجلد بالرمى بغير الزنا. فوجب أن يكون المراد ~~هنا هو الرمى بالزنا... ". و " المحصنات " جمع محصنة، والإحصان فى اللغة ~~بمعنى المنع، يقال هذه درع حصينة، أى مانعة صاحبها من الجراحة. ويقال هذا ~~موضع حصين، أى مانع من يريده بسوء. والمراد بالمحصنات هنا النساء ~~العفيفات البعيدات عن كل ريبة وفاحشة. وسميت المرأة العفيفة بذلك. لأنها ~~تمنع نفسها من كل سوء. قالوا ويطلق الإحصان على المرأة والرجل، إذا ~~توفرت فيهما صفات العفاف. والإسلام، والحرية، والزواج. وأنما خص - ~~سبحانه - النساء بالذكر هنا لأن قذفهن أشنع، والعار الذى يلحقهن بسبب ذلك ~~أشد، وإلا فالرجال والنساء فى هذه الأحكام سواء. وقوله - تعالى - { ~~والذين يرمون المحصنات... } مبتدأ، أخبر عنه بعد ذلك ~~بثلاث جمل، وهى قوله " فاجلدوهم...، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، وأولئك ~~هم الفاسقون ". والمعنى أن الذين يرمون النساء العفيفات بالفاحشة، ثم لم ~~يأتوا بأربعة شهداء يشهدون لهم على صحة ما قذفوهن به، فاجلدوا - أيها ~~الحكام - هؤلاء القاذفين ثمانين جلدة، عقابا لهم على ما تفوهوا به من سوء ~~فى حق هؤلاء المحصنات، ولا تقبلوا لهؤلاء القاذفين شهادة أبدا بسبب ~~إلصاقهم التهم الكاذبة بمن هو بىء منها. وأولئك هم الفاسقون. أى الخارجون ~~على أحكام شريعة الله - تعالى - وعلى آدابها السامية. فأنت ترى أن الله - ~~تعالى - قد عاقب هؤلاء القاذفين للمحصنات بثلاث عقوبات. أولاها حسية، ~~وتتمثل فى جلدهم ثمانين جلدة، وهى عقوبة قريبة من عقوبة الزنا. وثانيتها ~~معنوية، وتتمثل فى عدم قبول شهادتهم، بأن تهدر أقوالهم، ويصيرون فى ~~المجتمع أشبه ما يكونون بالمنبوذين، الذين إن قالوا لا يصدق ms3721 الناس ~~أقوالهم، وإن شهدوا لا تقبل شهادتهم، لأنهم انسخلت عنهم صفة الثقة من ~~الناس فيهم. وثالثتها دينية، وتتمثل فى وصف الله - تعالى - لهم بالفسق. ~~أى بالخروج عن طاعته - سبحانه - وعن آداب دينه وشريعته. # وما عاقب الله - تعالى - هؤلاء القاذفين فى أعراض الناس، بتلك العقوبات ~~الرادعة، إلا لحكم من أهمها حماية أعراض المسلمين من ألسنة السوء، ~~وصيانتهم من كل ما يخدش كرامتهم، ويجرح عفافهم. وأقسى شىء على النفوس ~~الحرة الشريفة الطاهرة، أن تلصق بهم التهم الباطلة. وعلى رأس الرذائل ~~التى تؤدى إلى فساد المجتمع، ترك ألسنة السوء تنهش أعراض الشرفاء، دون أن ~~تجد هذه الألسنة من يخرسها أو يردعها. وقد اتفق الفقهاء على أن الاستثناء ~~فى قوله - تعالى - { إلا الذين تابوا من بعد ذلك ~~وأصلحوا } يعود على الجملة الأخيرة. بمعنى أن صفة الفسق لا تزول عن ~~هؤلاء القاذفين للمحصنات إلا بعد توبتهم وصلاح حالهم. أى وأولئك القاذفون ~~للمحصنات دون أن يأتوا بأربعة شهداء على صحة ما قالوه. هم الفاسقون ~~الخارجون عن طاعة الله - تعالى -، إلا الذين تابوا منهم من بعد ذلك توبة ~~صادقة نصوحا، وأصحلوا أحوالهم وأعمالهم، فإن الله - تعالى - كفيل بمغفرة ~~ذنوبهم، وبشمولهم برحمته. كما اتفقوا - أيضا - على أن هذا الاستثناء لا ~~يعود إلى العقوبة الأولى وهى الجلد، لأن هذه العقوبة يجب أن تنفذ عليهم، ~~متى ثبت قذفهم للمحصنات، حتى ولو تابوا وأصلحوا. والخلاف إنما هو فى ~~العقوبة الوسطى وهى قبول شهادتهم، فجمهور الفقهاء يرون صحة عودة ~~الاستثناء عليها بعد التوبة، فيكون المعنى إلا الذين تابوا من بعد ذلك ~~وأصلحوا، فاقبلوا شهادتهم. ويرى الإمام أبو حنيفة أن الاستثناء لا يرجع ~~إلى قبول شهادتهم، وإنما يرجع فقط إلى العقوبة الأخيرة وهى الفسق، فهم لا ~~تقبل شهادتهم أبدا أى طول مدة حياتهم، حتى وإن تابوا وأصلحوا. وقد فصل ~~القول فى هذه المسألة الإمام القرطبى فقال ما ملخصه " تضمنت الآية ثلاثة ~~أحكام فى القاذف جلده، ورد شهادته أبدا، وفسقه. فالاستثناء غير عامل فى ~~جلده وإن تاب - أى أنه يجلد حتى ولو تاب. وعامل ms3722 فى فسقه بإجماع. أى أن ~~صفة الفسق تزول عنه بعد ثبوت توبته. واختلف الناس فى عمله فى رد الشهادة. ~~فقال أبو حنيفة وغيره " لا يعمل الاستثناء فى رد شهادته. وإنما يزول فسقه ~~عند الله - تعالى -. وأما شهادة القاذف فلا تقبل ألبتة. ولو تاب وأكذب ~~نفسه، ولا بحال من الأحوال. وقال الجمهور الاستثناء عامل فى رد الشهادة، ~~فإذا تاب القاذف قبلت شهادته، وإنما كان ردها لعلة الفسق، فإذا زال ~~بالتوبة قبلت شهادته مطلقا، قبل الحد وبعده. وهو قول عامة الفقهاء. ثم ~~اختلفوا فى صورة توبته، فمذهب عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - والشعبى ~~وغيره أن توبته لا تكون - مقبولة - إلا إذا كذب نفسه فى ذلك القذف الذى ~~حد فيه. وقالت فرقة منها مالك وغيره توبته أن يصلح ويحسن حاله، وإن لم ~~يرجع عن قوله بتكذيب، وحسبه الندم على قذفه، والاستغفار منه، وترك العود ~~إلى مثله ". # ويبدو لنا أن ما أفتى به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب هو الأولى ~~بالقبول، لأن اعتراف القاذف بكذبه، فيه محو لآثار هذا القذف، وفيه تبرئة ~~صريحة للمقذوف، وهذه التبرئة تزيده انشراحا وسرورا، وترد إليه اعتباره ~~بين أفراد المجتمع. كما يبدو لنا أن الأولى فى هذه الحالة أن تقبل ~~شهادة القاذف، بعد هذه التوبة التى صاحبها اعتراف منه بكذبه فيما قال لأن ~~إقدامه على تكذيب نفسه قرينة على صدق توبته وصلاح حاله. وهكذا يحمى ~~الإسلام أعراض أتباعه، بهذه التشريعات الحكيمة، التى يؤدى اتباعها إلى ~~السعادة فى الدنيا والآخرة. ثم انتقلت السورة الكريمة من الحديث عن حكم ~~القذف بصفة عامة، إلى الحديث عن حكم القذف إذا ما حدث بين الزوجين، فقال ~~- تعالى - { والذين يرمون... }. ### || [24.6-10] # ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات متعددة، منها ما أخرجه ~~البخارى عن ابن عباس، # " أن هلال بن أمية، قذف امرأته عند النبى صلى الله عليه وسلم بشريك بن ~~السحماء، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم " البينة أوحد فى ظهرك ". ~~فقال يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق ms3723 يلتمس البينة؟ ~~فجعل النبى صلى الله عليه وسلم يقول له " البينة أو حد فى ظهرك ". فقال ~~هلال والذى بعثك بالحق إنى لصادق ولينزلن الله ما يبرىء ظهرى من الحد. ~~فنزل جبريل بهذه الآيات. فانصرف النبى صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهما، ~~فجاء هلال فشهد، والنبى صلى الله عليه وسلم يقول إن الله يعلم أن أحدكم ~~كاذب، فهل منكما تائب؟ ثم قامت زوجته فشهدت، فلما كانت عند الخامسة ~~وقفوها وقالوا إنها موجبة - أى للعذاب ولغضب الله - تعالى -. قال ابن ~~عباس فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت لا أفضح قومى سائر اليوم، ~~فمضت. وفى رواية فشهدت فى الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ~~ففرق الرسول صلى الله عليه وسلم بينهما، وقضى أن لا يدعى ولدها لأب ولا ~~يرمى ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد.. ". # والمراد بالرمى فى قوله - تعالى - { والذين يرمون ~~أزواجهم } الرمى بفاحشة الزنا. وقوله - تعالى - { ولم يكن ~~لهم شهدآء إلا أنفسهم } أى ولم يكن لهؤلاء الأزواج الذين ~~قذفوا زوجاتهم بالزنا من يشهد معهم سوى أنفسهم. وقوله { فشهادة ~~أحدهم } أى فشهادة أحدهم التى ترفع عنه حد القذف، أن يشهد " أربع ~~شهادات بالله إنه لمن الصادقين " فيما رماها به من الزنا. قال الجمل ما ~~ملخصه " قوله - تعالى - { ولم يكن لهم شهدآء إلا ~~أنفسهم } فى رفع أنفسهم وجهان أحدهما أنه بدل من شهداء، والثانى، ~~أنه نعت له على أن إلا بمعنى غير، ولا مفهوم لهذا القيد. بل يلاعن ولو ~~كان واجدا للشهود الذين يشهدون بزناها. وقوله { فشهادة } مبتدأ، ~~وخبره " أربع شهادات " أى فشهادتهم المشروعة أربع شهادات... ". وقرأ ~~الجمهور " أربع شهادات " بالنصب على المصدر، لأن معنى فشهادة أن يشهد. ~~والتقدير فعليهم أن يشهد أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فيما ~~قاله. وقوله - سبحانه - { والخامسة أن لعنة الله ~~عليه إن كان من الكاذبين } بيان لما يجب على القاذف بعد أن ~~شهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. أى والشهادة الخامسة بعد الأربع ~~المتقدمة، أن يشهد القاذف بأن ms3724 لعنة الله - تعالى - عليه، إن كان من ~~الكاذبين، فى رميه لزوجته بالزنا. # قال الآلوسى وإفرادها - أى الشهادة الخامسة - بالذكر، مع كونها شهادة - ~~أيضا -، لاستقلالها بالفحوى ووكادتها فى إفادتها ما يقصد بالشهادة من ~~تحقيق الخبر، وإظهار الصدق. وهى مبتدأ، خبره قوله - تعالى - { لعنة ~~الله عليه }. ثم بين - سبحانه - ما يجب على المرأة لكى تبرىء ~~نفسها مما رماها به زوجها فقال { ويدرؤا عنها العذاب أن ~~تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين }. ~~وقوله - تعالى - { ويدرؤا } من الدرء بمعنى الدفع. يقال درأ ~~فلان التهمة عن نفسه، إذا دفعها عن نفسه، وتبرأ منها. والمراد بالعذاب ~~هنا العذاب الدنيوى وهو الحد الذى شرعه الله - تعالى - فى هذا الشأن. أى ~~أن الزوجة التى رماها زوجها بفاحشة الزنا يدفع عنها الحد ويرفع، إذا شهدت ~~أربع شهادات بالله، إن زوجها لمن الكاذبين فيما قذفها به. وقوله - سبحانه ~~- { والخامسة } بالنصب عطفا على { أربع شهادات }. أى يدرأ ~~عنها العذاب إذا شهدت أربع شهادات بالله أن زوجها كاذب فيما رماها به، ثم ~~تشهد بعد ذلك شهادة خامسة مؤداها أن غضب الله عليها، إن كان زوجها من ~~الصادقين، فى اتهامه إياها بفاحشة الزنا. وجاء من جانب المرأة التعبير ~~بقوله - تعالى - { أن غضب الله عليهآ } ليكون أشد فى زجرها ~~عن الكذب، واعترافها بالحقيقة بدون إنكار، لأن العقوبة الدنيوية أهون من ~~غضب الله - تعالى - عليها فى حالة كذبها. ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات ~~ببيان جانب من فضله - تعالى - على خلقه فقال { ولولا فضل الله ~~عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم }. وجواب " ~~لولا " محذوف. وجاءت الآية بأسلوب الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، ~~للعناية بشأن مقام الامتنان والفضل من الله - تعالى - عليهم بتشريع هذه ~~الأحكام. أى ولولا أن الله - تعالى - تفضل عليكم ورحمكم - أيها المؤمنون ~~- بسبب ما شرعه لكم فى حكم الذين يرمون أزواجهم بالفاحشة... لولا ذلك ~~لحصل لكم من الفضيحة ومن الحرج ما لا يحيط به الوصف، ولكنه - سبحانه - ~~شرع هذه الأحكام سترا للزوجين، وتخفيفا عليهما. وحضا لهما على التوبة ~~الصادقة النصوح، وأن الله - تعالى ms3725 - " تواب " أى كثير القبول لتوبة ~~التائب متى صدق فيها، " حكيم " أى فى كل ما شرعه لعباده. هذا، ومن ~~الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآيات، أن قاذف زوجته بفاحشة الزنا، ~~إذا لم يأت بأربعة شهداء على صحة ما قاله. فإنه يكون مخيرا بين أن يلاعن، ~~وبين أن يقام عليه الحد. بخلاف من قذف أجنبية محصنة بفاحشة الزنا، فإنه ~~يقام عليه الحد، إذا لم يأت بأربعة شهداء على أنه صادق فى قوله. # قال بعض العلماء ولعلك تقول لماذا كان حكم قاذف زوجته، مخالفا لحكم قاذف ~~الأجنبية؟ وما السر فى أنه جاء مخففا؟ والجواب أنه لا ضرر على الزوج بزنا ~~الأجنبية؟ وأما زنا زوجته فيلحقه به العار. وفساد البيت. فلا يمكنه الصبر ~~عليه، ومن الصعب عليه جدا أن يجد البينة. فتكليفه إياها فيه من العسر ~~والحرج ما لا يخفى. وأيضا فإن الغالب فى الرجل أنه لا يرمى زوجته بتلك ~~الفاحشة، إلا عن حقيقة. لأن فى هذا الرمى إيذاء له، وهتكا لحرمته، وإساءة ~~لسمعته... فكان رميه إياها بالقذف دليل صدقه. إلا أن الشارع أراد كمال ~~شهادة الحال. بذكر كلمات اللعان المؤكدة بالأيمان، فجعلها - منضمة إلى ~~قوة جانب الزوج - قائمة مقام الشهود فى قذف الأجنبى ". كذلك أخذ العلماء ~~من هذه الآيات أن كيفية اللعان بين الزوجين، أن يبدأ بالزوج فيقول أمام ~~القاضى أشهد بالله إنى لمن الصادقين، وفى المرة الخامسة يقول لعنة الله ~~عليه إن كان من الكاذبين - أى فيما رمى به زوجته -، وكذلك المرأة تقول فى ~~لعانها أربع مرات أشهد بالله إنه لمن الكاذبين. وفى المرة الخامسة تقول ~~غضب الله عليها إن كان من الصادقين - أى فيما قاله زوجها فى حقها -. فإذا ~~ما قالا ذلك. سقط عنهما الحد، وفرق القاضى بينهما فراقا أبديا. قال ~~القرطبى " قال مالك وأصحابه وبتمام اللعان تقع الفرقة بين المتلاعنين فلا ~~يجتمعان أبدا. ولا يتوارثان. ولا يحل له مراجعتها أبدا لا قبل زوج ولا ~~بعده. وقال أبو حنيفة وغيره لا تقع الفرقة بعد فراغهما من اللعان حتى ~~يفرق الحاكم ms3726 بينهما. وقال الشافعى إذا أكمل الزوج الشهادة والالتعان فقد ~~زال فراش امرأته. التعنت أو لم تلتعن. لأن لعانها إنما هو لدرء الحد عنها ~~لا غير. وليس لالتعانها فى زوال الفراش معنى... ". وبعد أن بين - سبحانه ~~- حكم القذف بالنسبة للمحصنات. وبالنسبة للزوجات، أتبع - عز وجل - ذلك ~~بإيراد مثل لما قاله المنافقون فى شأن السيدة عائشة - رضى الله عنها -. ~~ولما كان يجب على المؤمنين أن يفعلوه فى مثل هذه الأحوال، فقال - تعالى - ~~{ إن الذين... }. ### || [24.11-18] # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه " هذه الآيات نزلت فى شأن السيدة عائشة - ~~رضى الله عنها - حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين، بما قالوه ~~من الكذب البحت، والفرية التى غار الله - تعالى - لها ولنبيه صلى الله ~~عليه وسلم فأنزل براءتها صيانة لعرض الرسول صلى الله عليه وسلم. جاء فى ~~الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة أنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. فأقرع ~~بيننا فى غزوة غزاها فخرج سهمى - وكان ذلك فى غزوة بنى المصطلق على ~~الأرجح -، فخرجت مع النبى صلى الله عليه وسلم، وذلك بعدما أنزل الحجاب، ~~وأنا أحمل فى هودج وأنزل فيه. فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من غزوته تلك، وقفل ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت ~~حين آذنوا بالرحيل، حتى جاوزت الجيش. فلما قضيت من شأنى أقبلت إلى ~~الراحلة، فلمست صدرى، فإذا عقد لى قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدى فاحتبسنى ~~ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بى، فاحتملوا هودجى، فرحلوه على ~~بعيرى. وهم يحسبون أنى فيه. وكان النساء إذ ذاك خفافا، لم يثقلهن اللحم، ~~فلم يستنكر القوم حين رفعوه خفة الهودج، فاحتملوه، وكنت جارية حديثة ~~السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدى بعد ما سار الجيش. فجئت منزلهم، ~~وليس فيه أحد منهم فيممت منزلى الذى كنت فيه. وظننت أن القوم سيفقدوننى ~~فيرجعون إلى. فبينا أنا جالسة فى منزلى غلبتنى عيناى فنمت وكان صفوان بن ~~المعطل ms3727 السلمى، قد عرس - أى تأخر - من وراء الجيش، فأصبح عند منزلى ~~فرأى سواد إنسان نائم، فأتانى فعرفنى حين رآنى. وقد كان يرانى قبل أن ~~يضرب علينا الحجاب. فاستيقظت باسترجاعه حتى عرفنى. فخمرت وجهى ~~بجلبابى، والله ما كلمنى كلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حين أناخ ~~راحلته، فوطىء على يديها فركبتها، فانطلق يقود بى الراحلة. حتى أتينا ~~الجيش، بعدما نزلوا فى نحو الظهيرة. فهلك من هلك فى شأنى، وكان الذى تولى ~~كبره عبد الله بن أبى بن سلول... ". وقد افتتحت هذه الآيات الكريمة بقوله ~~- تعالى - { إن الذين جآءوا بالإفك عصبة منكم }. ~~والإفك أشنع الكذب وأفحشه، يقال أفك فلان - كضرب وعلم - أفكا ~~وإفكا، أى كذب كذبا قبيحا. والعصبة الجماعة من العشرة إلى الأربعين، ~~من العصب وهو الشد، لأن كل واحد منها يشد الآخر ويؤازره. أى إن الذين ~~قالوا ما قالوا من كذب قبيح، وبهتان شنيع، على السيدة عائشة - رضى الله ~~عنها - هم جماعة ينتسبون إليكم - أيها المسلمون - بعضهم قد استزلهم ~~الشيطان. # - كمسطح بن أثاثة - وبعضهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر والنفاق - ~~كعبد الله بن أبى بن سلول - وأتباعه. وفى التعبير بقوله - تعالى - { ~~عصبة } إشعار بأنهم جماعة لها أهدافها الخبيثة، التى تواطئوا على ~~نشرها، وتكاتفوا على إشاعتها، بمكر وسوء نية. وقوله - سبحانه - { لا ~~تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل.. } تسلية ~~للنبى صلى الله عليه وسلم ولأصحابه المؤمنين الصادقين، عما أصابهم من هم ~~وغم بسبب هذا الحديث البالغ نهاية دركات الكذب والقبح. أى لا تظنوا - ~~أيها المؤمنون - أن حديث الإفك هذا هو شر لكم، بل هو خير لكم، لأنه كشف ~~عن قوى الإيمان من ضعيفه. كما فضح حقيقة المنافقين وأظهر ما يضمرونه من ~~سوء للنبى صلى الله عليه وسلم ولأهل بيته، وللمؤمنين، كما أنكم قد نلتم ~~بصبركم عليه وتكذيبكم له أرفع الدرجات عند الله تعالى. ثم بين - سبحانه - ~~ما أعده لهؤلاء الخائضين فى حديث الإفك من عقاب فقال { لكل امرىء ~~منهم ما اكتسب من الإثم }. أى لكل واحد من هؤلاء الذين ~~اشتركوا ms3728 فى إشاعة حديث الإفك العقاب الذى يستحقه بسبب ما وقع فيه من ~~آثام، وما اقترفه من سيئات. وقوله - تعالى - { والذي تولى ~~كبره منهم له عذاب عظيم } بيان لسوء عاقبة من تولى معظم ~~إشاعة هذا الحديث الكاذب. والكبر - بكسر الكاف وضمها - مصدر لمعظم الشىء ~~وأكثره. أى والذى تولى معظم الخوض فى هذا الحديث الكاذب، وحرض على ~~إشاعته، له عذاب عظيم لا يقادر قدره من الله - تعالى -. والمقصود بهذا ~~الذى تولى كبره. عبد الله بن أبى بن سلول، رأس المنافقين وزعيمهم، فهو ~~الذى قاد حملته، واضطلع بالنصيب الأكبر لإشاعته. روى أنه لما جاء صفوان ~~بن المعطل يقود راحلته وعليها عائشة - رضى الله عنها - قال عبد الله بن ~~أبى لمن حوله من هذه؟ قالوا عائشة فقال - لعنه الله - امرأة نبيكم باتت ~~مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقودها، والله ما نجت منه وما نجا منها. وقال ~~ابن جرير " والأولى بالصواب قول من قال، الذى تولى كبره عبد الله بن أبى ~~بن سلول، وذلك أنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير، وأن الذى بدأ بذكر ~~الإفك. وكان يجمع أهله ويحدثهم به، هو عبد الله بن أبى بن سلول ". وقال ~~الآلوسى " والذى تولى كبره... كما فى صحيح البخارى عن الزهرى عن عروة عن ~~عائشة هو عبد الله بن أبى - عليه اللعنة - وقد سار على ذلك أكثر ~~المحدثين. أخرج الطبرانى وابن مردويه عن ابن عمر، أنه بعد نزول هذه ~~الآيات فى براءة السيدة عائشة دعا الرسول صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة ~~بن الجراح فجمع الناس، ثم تلاها عليهم. # ثم بعث إلى عبد الله بن أبى. فجىء به فضربه حدين، ثم بعث إلى حسان بن ~~ثابت، ومسطح. وحمنة بنت جحش فضربوا ضربا وجيعا... وقيل إن ابن أبى لم يحد ~~أصلا، لأنه لم يقر، ولم يلتزم إقامة البينة عليه تأخيرا لجزائه إلى يوم ~~القيامة ". ثم وجه - سبحانه - المؤمنين إلى الطريق الذى كان يجب عليهم أن ~~يسلكوه فى مثل هذه الأحوال فقال { لولا إذ سمعتموه ظن ~~المؤمنون والمؤمنات ms3729 بأنفسهم خيرا وقالوا ~~هذآ إفك مبين }. و " لولا " حرف تحضيض بمعنى هلا والمراد " ~~بأنفسهم " هنا إخوانهم فى الدين والعقيدة. أى هلا وقت أن سمعتم - أيها ~~المؤمنون والمؤمنات - حديث الإفك هذا ظننتم " بأنفسكم ". أى بإخوانكم ~~وبأخواتكم ظنا حسنا جميلا، وقلتم هذا الحديث الذى أذاعه المنافقون كذب ~~شنيع وبهتان واضح لا يصدقه عقل أو نقل. وفى التعبير عن إخوانهم وأخواتهم ~~فى الدين بأنفسهم، أسمى ألوان الدعوة إلى غرس روح المحبة والمودة والإخاء ~~الصادق بين المؤمنين، حتى لكأن الذى يظن السوء بغيره إنما ظنه بنفسه. ~~وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # ... ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم... # وقوله - سبحانه - # .. ولا تلمزوا أنفسكم... # قال أبو حيان - رحمه الله - " وعدل بعد الخطاب - فى الآية الأولى - إلى ~~الغيبة فى هذه الآية -، وعن الضمير إلى الظاهر، فلم يجىء التركيب ظننتم ~~بأنفسكم خيرا وقلتم هذا إفك مبين. ليبالغ - سبحانه - فى التوبيخ بطريقة ~~الالتفات، وليصرح بلفظ الإيمان، دلالة على أن الاشتراك فيه، مقتض فى أن ~~لا يصدق مؤمن على أخيه قول عائب ولا طاعن، وفيه تنبيه على أن المؤمن إذا ~~سمع قالة سوء فى أخيه أن يبنى الأمر فيه على ظن الخير، وأن يقول بناء على ~~ظنه هذا إفك مبين. هكذا باللفظ الصريح ببراءة أخيه، كما يقول المستيقن ~~المطلع على حقيقة الحال، وهذا من الأدب الحسن، ومعنى بأنفسهم، أى كأن ~~يقيس فضلاء المؤمنين والمؤمنات هذا الأمر على أنفسهم، فإذا كان ذلك يبعد ~~عليهم قضوا بأنه فى حق من هو خير منهم أبعد.. ". ولقد فعل المؤمنون ~~الصادقون ذلك، فها هو ذا أبو أيوب خالد بن زيد الأنصارى، قالت له امرأته ~~أم أيوب يا أبا أيوب، أما تسمع ما يقوله الناس فى عائشة - رضى الله عنها ~~-؟ قال نعم، وذلك الكذب. أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت لا. والله ما ~~كنت لأفعله. قال فعائشة والله خير منك. وفى رواية أن أبا أيوب قال لزوجته ~~أم أيوب ألا ترين ما يقال؟ فقالت له لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرمة ~~رسول الله صلى الله ms3730 عليه وسلم سوءا؟ قال لا، فقالت ولو كنت أنا بدل عائشة ~~- رضى الله عنها - ما خنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعائشة خير منى، ~~وصفوان خير منك. # وهكذا المؤمنون الأطهار الأخيار، يبنون أمورهم على حسن الظن بالناس. ~~ورحم الله صاحب الانتصاف. فقد علق على ما قالته أم أيوب لزوجها فقال ولقد ~~ألهمت - أم أيوب - بنور الإيمان إلى هذا السر الذى انطوى عليه التعبير عن ~~الغير من المؤمنين بالنفس، فإنها نزلت زوجها منزلة صفوان ونفسها منزلة ~~عائشة، ثم أثبتت لنفسها ولزوجها البراءة والأمانة، حتى أثبتتها لصفوان ~~وعائشة بالطريق الأولى - رضى الله عنها -. ثم وصف - سبحانه - الخائضين فى ~~حديث الإفك بالكذب لأنهم قالوا قولا بدون دليل، فقال { لولا جآءوا ~~عليه بأربعة شهدآء } أى هلا جاء هؤلاء الذين افتروا على ~~السيدة عائشة ما افتروا، بأربعة شهداء يشهدون لهم على ثبوت ما تفوهوا به. ~~{ فإذ لم يأتوا بالشهدآء } أى وما داموا لم يأتوا بهم - ~~ولن يأتوا بهم - { فأولئك عند الله } أى فى حكمه - سبحانه - ~~وفى شريعته { هم الكاذبون } كذبا قبيحا تشمئز منه النفوس، ويسجل ~~عليهم الخزى والعار إلى يوم القيامة. ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر ~~فضله ورحمته بالمؤمنين فقال { ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في مآ أفضتم ~~فيه عذاب عظيم }. و " لولا " هنا لامتناع الشىء لوجود غيره، و " ~~أفضتم " من الإفاضة بمعنى التوسع فى الشىء. والاندفاع فيه بدون تريث أو ~~تحقق، وأصله من قوله " أفاض فلان الإناء، إذا ملأه حتى فاض ". أى ولولا ~~فضل الله عليكم ورحمته بكم - أيها المؤمنون - فى الدنيا بإعطائكم فرصة ~~للتوبة. وفى الآخرة بقبول توبتكم، لولا ذلك " لمسكم " أى لنزل بكم بسبب ~~ما أفضتم فيه من حديث الإفك عذاب عظيم، لا يعلم مقدار ألمه وشدته إلا ~~الله - تعالى -. ثم صور - سبحانه - أحوالهم فى تلك الفترة العصيبة من ~~تاريخ الدعوة الإسلامية فقال { إذ تلقونه بألسنتكم }. و ~~" إذ " ظرف لقوله - تعالى - { لمسكم }. أى لمسكم عذاب عظيم. وقت ~~تلقيكم هذا الحديث السيىء لسانا عن لسان باستخفاف واستهتار! ms3731 ويأخذه بعضكم ~~عن بعض بدون تحرج أو تدبر. { وتقولون بأفواهكم ما ليس ~~لكم به علم } أى وتقولون بأفواهكم قولا تلوكه الأفواه، دون أن ~~يكون معه بقية من علم أو بينة أو دليل. ففى هاتين الجملتين زجر شديد ~~لأولئك الذين خاضوا فى حديث الإفك، بدون تدبر أو تعقل، حتى لكأنهم - وقد ~~أفلت منهم الزمام، واستزلهم الشيطان - ينطقون بما ينطقون به بأفواههم لا ~~بوعيهم، وبألسنتهم لا بعقولهم، ولا بقلوبهم، وإنما هم يتفوهون بكلمات لا ~~علم لهم بحقيقتها. # ولا دليل معهم على صدقها. وهذا كله يتنافى مع ما يقتضيه الإيمان الصحيح ~~من تثبت ومن حسن ظن بالمؤمنين. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما هو ~~أشد فى الزجر والتهديد فقال { وتحسبونه هينا وهو عند ~~الله عظيم }. أى وتحسبون أن ما خضتم فيه من كذب على الصديقة بنت ~~الصديق شيئا هينا، والحال أن ما فعلتموه ليس كذلك، بل هو عند الله - ~~تعالى - وفى حكمه شىء عظيم، تضج لهوله الأرض والسماء لأن ما خضتم فيه ~~يسىء إلى النبى صلى الله عليه وسلم ويسىء إلى أهل بيته، ويسىء إلى صحابى ~~جليل هو صفوان، ويسىء إلى بيت الصديق - رضى الله عنه - بل ويسىء إلى ~~الجماعة الإسلامية كلها. ثم يوجههم - سبحانه - مرة أخرى إلى ما كان يجب ~~عليهم أن يفعلوه فى مثل هذه الأحوال فيقول { ولولا إذ ~~سمعتموه قلتم ما يكون لنآ أن نتكلم بهذا ~~سبحانك هذا بهتان عظيم }. وأصل معنى " سبحانك " تنزيه ~~الله - تعالى - عن كل نقص. ثم شاع استعماله فى كل أمر يتعجب منه. وهذا ~~المعنى هو المراد هنا. والبهتان هو الكذب الذى يبهت ويحير سامعه لشناعته ~~وفظاعته، يقال بهت فلان فلانا إذا قال عليه مالم يقله وما لم يفعله. أى ~~وهلا وقت أن سمعتم - أيها المؤمنون - حديث الإفك ممن افتراه واخترعه، ~~قلتم له على سبيل الزجر والردع والإفحام ما يكون لنا أن نتكلم بهذا. أى ~~ما يصح منا إطلاقا أن نتكلم بهذا الحديث البالغ أقصى الدركات فى الكذب ~~والافتراء. وقلتم له أيضا - على سبيل التعجب من ms3732 شناعة هذا الخبر " سبحانك ~~" ، أى نتعجب يا ربنا من شناعة ما سمعناه، فإن ما سمعناه عن أم المؤمنين ~~عائشة كذب يبهت ويدهش من يسمعه، وهو فى الشناعة لا تحيط بوصفه عبارة. ~~وهكذا يؤدب الله - تعالى - عباده المؤمنين بالأدب السامى، حيث يأمرهم فى ~~مثل هذه الأحوال، أن ينزهوا أسماعهم عن مجرد الاستماع إلى ما يسىء إلى ~~المؤمنين، وأن يتحرجوا من مجرد النطق بمثل حديث الإفك، وأن يستنكروا ذلك ~~على من يتلفظ به. ثم نهى - سبحانه - المؤمنين من العودة إلى مثل هذا ~~الأمر العظيم فقال { يعظكم الله أن تعودوا لمثله ~~أبدا إن كنتم مؤمنين }. أى يعظكم الله تعالى أيها المؤمنون ~~- بما يرقق قلوبكم، ويحذركم من العودة إلى الخوض فى حديث الإفك، أو فيما ~~يشبهه من أحاديث باطلة، وعليكم أن تمتثلوا ما آمركم به، وما أنهاكم عنه ~~امتثالا كاملا، إن كنتم مؤمنين إيمانا كاملا. # فقوله - تعالى { إن كنتم مؤمنين } من باب تهييجهم وإثارة ~~حماستهم للاستجابة لوعظه وتحذيره - سبحانه -. وقوله - تعالى - { ~~ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم } إبراز ~~لما تفضل به - سبحانه - عليهم من تعليم وتوجيه وحسن تربية. أى ويبين الله ~~- تعالى - لكم الآيات التى تسعدكم فى دنياكم وآخرتكم متى اتبعتم ما ~~اشتملت عليه من آداب وأحكام، والله - تعالى - " عليم " بأحوال خلقه " ~~حكيم " فى جميع ما يأمر به، أو ينهى عنه. ثم يواصل القرآن الكريم ~~توجيهاته الحكيمة للمؤمنين، فيهدد الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين ~~آمنوا بالعذاب الأليم، وينهى المؤمنين عن اتباع خطوات الشيطان، قال تعالى ~~{ إن الذين يحبون... }. ### || [24.19-22] # قال الإمام الرازى " اعلم أنه - سبحانه - بعد أن بين ما على أهل الإفك، ~~وما على من سمع منهم، وما ينبغى أن يتمسك به المؤمنون من آداب، أتبعه ~~بقوله { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في ~~الذين آمنوا... } ليعلم أن من أحب ذلك فقد شارك فى هذا الذم، كما ~~شارك فيه من فعله ومن لم ينكره، وليعلم أهل الإفك كما أن عليهم العقوبة ~~فيما أظهروه، فكذلك يستحقون العقوبة بما أسروه، من محبة إشاعة ms3733 الفاحشة فى ~~المؤمنين. ومعنى " تشيع " تنتشر وتكثر، ومنه قولهم شاع الحديث. إذا ظهر ~~بين الناس. والفاحشة هى الصفة البالغة أقصى دركات القبح، كالرمى بالزنا ~~وما يشبه ذلك. وهى صفة لموصوف محذوف. أى الخصلة الفاحشة، والمقصود بمحبة ~~شيوعها محبة شيوع خبرها بين عامة الناس. والمعنى إن الذين يحبون أن تنتشر ~~قالة السوء بين صفوف المؤمنين، وفى شأنهم، لكى يلحقوا الأذى بهم، هؤلاء ~~الذين يحبون ذلك " لهم " بسبب نواياهم السيئة " عذاب أليم فى الدنيا " ~~كإقامة الحد عليهم، وازدراء الأخيار لهم، ولهم - أيضا - عذاب أليم " فى ~~الآخرة " وهو أشد وأبقى من عذاب الدنيا. " والله " تعالى وحده " يعلم " ~~ما ظهر وما خفى من الأمور والأحوال " وأنتم " أيها الناس - " لا تعلمون " ~~إلا ما كان ظاهرا منها، فعاملوا الناس على حسب ظواهرهم، واتركوا بواطنهم ~~لخالقهم، فهو - سبحانه - الذى يتولى محاسبتهم عليها. فالآية الكريمة يؤخذ ~~منها أن العزم على ارتكاب القبيح، منكر يعاقب عليه صاحبه، وأن محبة ~~الفجور وشيوع الفواحش فى صفوف المؤمنين، ذنب عظيم يؤدى إلى العذاب الأليم ~~فى الدنيا والآخرة، لأن الله - تعالى - علق الوعيد الشديد فى الدارين على ~~محبة انتشار الفاحشة فى الذين آمنوا. ثم ذكر - سبحانه - المؤمنين بفضله ~~عليهم مرة أخرى، لكى يزدادوا اعتبارا واتعاظا فقال { ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم }. ~~وجواب " لولا " محذوف، كما أن خبر المبتدأ محذوف، والتقدير ولولا فضل ~~الله عليكم، ورحمته بكم موجودان، لعاجلكم بالعقوبة. ولكنه - سبحانه - لم ~~يعاجلكم بها، لأنه شديد الرأفة والرحمة بعباده، ولو يؤاخذهم بما كسبوا ما ~~ترك عليها من دابة. ثم وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن ~~اتباع خطوات الشيطان، فقال { يأيها الذين آمنوا لا ~~تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات ~~الشيطان فإنه يأمر بالفحشآء والمنكر... }. ~~والخطوات جمع خطوة. وهى فى الأصل تطلق على ما بين القدمين. والمراد بها ~~هنا طرقه ومسالكه ووساوسه، التى منها الإصغاء إلى حديث الإفك، والخوض ~~فيه. # وما يشبه ذلك من الأقوال الباطلة، والأفعال القبيحة. أى يا من آمنتم ~~بالله حق الإيمان، احذروا أن تسلكوا ms3734 المسالك التى يغريكم بسلوكها ~~الشيطان، فإن الشيطان وظيفته الإغراء بالشر لا بالخير، والأمر بالفحشاء ~~والمنكر، وليس بالفضائل والمعروف. وجواب الشرط فى قوله { ومن يتبع ~~خطوات الشيطان } محذوف، والتقدير ومن يتبع خطوات الشيطان يقع فى ~~الضلال والعصيان، فإن الشيطان لا يأمر إلا بالفحشاء والمنكر. وخاطبهم - ~~سبحانه - بصفة الإيمان، لتحريك قوة الإيمان فى قلوبهم، ولتهييجهم على ~~الاستجابة لما أرشدهم إليه - سبحانه -. وقوله - سبحانه - { ولولا ~~فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد ~~أبدا... } بيان لمظاهر فضله - تعالى - ولطفه بعباده المؤمنين. والمراد ~~بالتزكية هنا التطهير من أرجاس الشرك، ومن الفسوق والعصيان. أى ولولا فضل ~~الله عليكم - أيها المؤمنون - ورحمته بكم - ما طهر أحد منكم من دنس ~~الذنوب والمعاصى طول حياته، ولكن الله - تعالى - بفضله ورحمته يطهر من ~~يشاء تطهيره من الأرجاس والأنجاس. بأن يقبل توبته. ويغسل حوبته. " والله ~~" - تعالى - " سميع " لدعاء عباده ومناجاتهم إياه " عليم " بما يسرونه ~~وما يعلنونه من أقوال وأفعال. ثم حض - عز وجل - أصحاب النفوس النقية ~~الطاهرة، على المواظبة على ما تعودوه من سخاء وسماحة، فقال { ولا ~~يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا ~~أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل ~~الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر ~~الله لكم والله غفور رحيم }. وقد صح أن هذه الآية ~~الكريمة نزلت فى شأن أبى بكر - رضى الله عنه - عندما أقسم أن لا يعطى ~~مسطح بن أثاثة شيئا من النفقة أو الصدقة. وكان مسطح قريبا لأبى بكر. وكان ~~من الفقراء الذين تعهد - أبو بكر رضى الله عنه - بالإنفاق عليهم لحاجتهم ~~وهجرتهم وقرابتهم منه. وقوله { ولا يأتل } أى ولا يحلف. يقال آلى ~~فلان وائتلى. إذا حلف ومنه قوله - تعالى - # للذين يؤلون من نسآئهم... # أى يحلفون. أى ولا يحلف " أولوا الفضل منكم والسعة " أى أصحاب الزيادة ~~منكم فى قوة الدين. وفى سعة المال " أن يؤتوا أولى القربى.. " أى على أن ~~لا يعطوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين فى سبيل الله، شيئا من ~~أموالهم. فالكلام فى قوله " أن يؤتوا " على تقدير حرف الجر، أى لا يحلفوا ms3735 ~~على أن لا يؤتوا، وحذف حرف الجر قبل المصدر المنسبك من أن وصلتهما مطرد، ~~ومفعول " يؤتوا " الثانى محذوف. أى أن يؤتوا أولى القربى والمساكين ~~والمهاجرين فى سبيل الله، النفقة التى تعودوا أن يقدموها لهم. وقوله - ~~تعالى - { وليعفوا وليصفحوا } تحريض على العفو والصفح. # والعفو معناه التجاوز عن خطأ المخطىء ونسيانه، مأخوذ من عفت الريح ~~الأثر، إذا طمسته وأزالته. والصفح مقابلة الإساءة بالإحسان، فهو أعلى ~~درجة من العفو. أى قابلوا - أيها المؤمنون - إساءة المسىء بنسيانها، ~~وبمقابلتها بالإحسان. وقوله { ألا تحبون أن يغفر الله ~~لكم } أى ألا تحبون - أيها المؤمنون أن يغفر الله لكم ذنوبكم، بسبب ~~عفوكم وصفحكم عمن أساء إليكم؟ فالجملة الكريمة ترغيب فى العفو والصفح ~~بأبلغ أسلوب، وقد صح أن أبا بكر - رضى الله عنه - لما سمع الآية قال بلى ~~والله يا ربنا، إنا لنحب أن تغفر لنا، وأعاد إلى مسطح نفقته، وفى رواية ~~أنه - رضى الله عنه - ضاعف لمسطح نفقته. قال الآلوسى " وفى الآية من الحث ~~على مكارم الأخلاق ما فيها. واستدل بها على فضل الصديق - رضى الله عنه - ~~لأنه داخل فى أولى الفضل قطعا، لأنه وحده أو مع جماعة سبب النزول، ولا ~~يضر فى ذلك الحكم لجميع المؤمنين كما هو الظاهر... ". ثم ختم - سبحانه - ~~الآية الكريمة بما يرفع من شأن العفو والصفح فقال { والله غفور ~~رحيم }. أى والله - تعالى - كثير المغفرة، وواسع الرحمة بعباده، ~~فكونوا - أيها المؤمنون - أصحاب عفو وصفح عمن أساء إليكم. وبعد أن أمر - ~~سبحانه - المؤمنين بالعفو والصفح عمن استزلهم الشيطان، فخاضوا فى حديث ~~الإفك ثم ندموا وتابوا، أتبع ذلك ببيان سوء عاقبة المصريين على خبثهم ~~وعلى محبة إشاعة الفاحشة فى صفوف الجماعة الإسلامية فقال - تعالى - { ~~إن الذين.... }. ### || [24.23-26] # المعنى " إن الذين يرمون " بالفاحشة النساء " المحصنات " أى المانعات ~~أنفسهن عن كل سوء وريبة " الغافلات " أى الغافلات عن أن تدور الفاحشة ~~بأذهانهن، لأنهن طبعن على التخلق بالأخلاق الفاضلة الكريمة، فهن فوق ~~كونهن محصنات، لا يخطر السوء ببالهن لطهارة معدنهن. " المؤمنات " أى ~~الكاملات الإيمان بالله - تعالى -، وبصدق رسوله صلى ms3736 الله عليه وسلم، وبكل ~~ما يجب الإيمان به. وقوله - سبحانه - { لعنوا في الدنيا ~~والآخرة } أى طردوا من رحمة الله - تعالى - فى الدنيا وفى الآخرة، ~~وفوق كل ذلك " لهم " منه - تعالى - " عذاب عظيم " لا تحيط العبارة بوصفه. ~~وجملة " يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون " ~~مقررة لمضمون ما قبلها، مبينة لحلول وقت ذلك العذاب بهم. أى لهم عذاب ~~عظيم يوم القيامة، يوم يقفون أمام الله - تعالى - للحساب فتشهد عليهم ~~ألسنتهم، وأيديهم، وأرجلهم، بما كانوا يعملونه فى الدنيا من أعمال سيئة، ~~وبما كانوا يقولونه من أقوال قبيحة. فالمراد بشهادة هذه الجوارح، نطقها ~~وإخبارها عما كانوا يعملونه فى الدنيا. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # حتى إذا ما جآءوها شهد عليهم سمعهم ~~وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون وقالوا ~~لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله ~~الذي أنطق كل شيء... # وقوله - سبحانه - # اليوم نختم على أفواههم وتكلمنآ أيديهم ~~وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون # والمراد بالدين فى قوله - تعالى - { يومئذ يوفيهم الله ~~دينهم الحق... } الجزاء الذى يستحقونه بسبب آثامهم. ويوفيهم من ~~التوفية بمعنى إعطاء الشىء كاملا ووافيا. وقوله " يومئذ " ظرف ليوفيهم. ~~أى فى هذا اليوم العظيم وهو القيامة. الذى تشهد فيه الجوارح على صاحبها، ~~يجازى الله - تعالى - هؤلاء الفاسقين الجزاء الحق العادل الذى يستحقونه ~~بسبب رميهم النساء المحصنات الغافلات المؤمنات بالفاحشة. " ويعلمون " ~~علما لا مجال معه للشك أو الريب عندما يشاهدون العذاب " أن الله " - ~~تعالى - هو الإله " الحق " فى ذاته وصفاته وأفعاله، وأنه - عز وجل - هو " ~~المبين " أى المظهر لما أبطنته النفوس، وخبأته الضمائر، والقادر على ~~مجازاة الذين أساءوا بما عملوا، وعلى مجازاة الذين أحسنوا بالحسنى. ثم ~~ختم - سبحانه - الآيات التى نزلت فى حديث الإفك بتقرير سنته الإلهية، ~~التى نشاهدها فى واقع الناس - وهى أن شبيه الشىء منجذب إليه، وأن الأرواح ~~جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف. وما تناكر منها اختلف " - كما جاء فى ~~الحديث الشريف - فقال - تعالى - " الخبيثات للخبيثين " أى الخبيثات من ~~النساء، مختصات بالخبيثين من الرجال " والخبيثون " من الرجال مختصون " ~~بالخبيثات " من ms3737 النساء، " والطيبات " منهن " للطيبين " منهم. # " والطيبون " - أيضا - منهم " للطيبات " منهن. وهكذا يألف الشكل شكله، ~~والطيور على أشكالها تقع، وإذا كان النبى صلى الله عليه وسلم هو أطيب ~~الطيبين، فلا يمكن أن تكون زوجاته صلى الله عليه وسلم وعلى رأسهن عائشة، ~~إلا من أطيب الطيبات من النساء، وأطهر الطاهرات منهن. ثم جاءت شهادة الله ~~- تعالى - وهى تغنى عن كل شهادة - بما يثبت براءة عائشة - رضى الله عنها ~~- من كل ما افتراه عليها المفترون، جاء قوله - سبحانه - { أولئك ~~مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم }. ~~أى أولئك، الطيبون والطيبات، وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأهل بيته. وعلى رأس أهل بيته عائشة - رضى الله عنها - مبرءون مما يقولون ~~أى مما يقوله الخبيثون والخبيثات فى شأنهم. وأولئك الطيبون والطيبات " ~~لهم مغفرة " عظيمة من الله - تعالى - ولهم " رزق كريم " هو جنة عرضها ~~السموات والأرض، جزاء إيمانهم وعملهم الصالح وصبرهم على الأذى. هذا هو ~~حديث القرآن عن حديث الإفك، الذى أشاعه الفاسقون عن السيدة عائشة - رضى ~~الله عنها - وكان مقصدهم الأكبر من وراء ذلك هو الطعن فى نبوة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم. ولكن الله - تعالى - رد عليهم بما يكبتهم ويخرس ألسنتهم. ~~هذا، ويؤخذ من هذه الآيات الكريمة جملة من الأحكام والآداب من أهمها ما ~~يأتى 1 - غيرة الله - تعالى - على حرمة نبيه صلى الله عليه وسلم ودفاعه - ~~سبحانه - عن أوليائه، ورده لكيد المنافقين فى نحورهم. قال الإمام ابن ~~كثير عند تفسيره لهذه الآيات " هذه الآيات نزلت فى شأن عائشة أم المؤمنين ~~- رضى الله عنها - حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين. بما ~~قالوه من الكذب البحت والفرية التى غار الله - تعالى - لها ولنبيه - ~~صلوات الله وسلامه عليه - فأنزل الله - سبحانه - براءتها، صيانة لعرض ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ". 2 - تسلية الله - تعالى - لعباده المؤمنين، ~~عما أصابهم من هم وغم بسبب هذا الحديث المفترى على الصديقة بنت الصديق - ~~رضى الله عنهما -، وقد ظل هذا الحديث يتردد فى جنبات المدينة، حتى نزلت ~~هذه الآية ms3738 الكريمة، لإحقاق الحق وإبطال الباطل. ومن مظاهر هذه التسلية ~~قوله - تعالى - # لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم... # قال صاحب الكشاف ومعنى كونه خيرا لهم أنهم اكتسبوا فيه الثواب العظيم، ~~لأنه كان بلاء. # .. ومحنة ظاهرة. وأنه نزلت فيه ثمانى عشرة آية، كل واحدة منها مستقلة، ~~بما هو تعظيم لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسلية له. وتنزيه لأم ~~المؤمنين - رضوان الله عليها - وتطهير لأهل البيت. وتهويل لمن تكلم فى ~~ذلك، أو سمع به فلم تمجه أذناه، وعدة ألطاف للسامعين والتالين إلى يوم ~~القيامة. وفوائد دينية وأحكام وآداب لا تخفى على متأمليها ". 3 - إرشاد ~~المؤمنين إلى أن من أنجع الوسائل لمحاربة الإشاعات الكاذبة، أن يحسن ~~بعضهم الظن ببعض، وأن يكتموا هذه الإشاعات حتى تموت فى مهدها، وأن ~~يزجروا من يتفوه بها. أو من يعمل على ترويجها. وأن يظهروا له احتقارهم، ~~ونفورهم من مجرد سماعها. وهذا الإرشاد الحكيم، نراه فى آيات متعددة من ~~هذه القصة، ومن ذلك قوله - تعالى - # لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات ~~بأنفسهم خيرا وقالوا هذآ إفك مبين # { ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنآ أن ~~نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم }. 4 - ~~بيان جانب من مظاهر فضل الله - تعالى - ورحمته بعباده المؤمنين، الذين ~~سبقتهم ألسنتهم بالخوض فى حديث الإفك، أو فى سماعه... ثم تابوا بعد ذلك ~~مما وقعوا فيه. ويتجلى هذا الفضل العظيم، فى قوله - تعالى - # ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا ~~والآخرة لمسكم في مآ أفضتم فيه عذاب عظيم # ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله ~~رءوف رحيم # ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم ~~من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشآء ~~والله سميع عليم # 5 - تحذير المؤمنين تحذيرا شديدا، عن مغبة الوقوع مرة أخرى. فيما وقع ~~فيه بعضهم من الخوض فى حديث الإفك، وفيما يشبهه من أحداث، وبيان أن ما ~~حدث من بعضهم يتنافى مع ما يقتضيه الإيمان، ومع آداب الإسلام. ومن ~~الآيات التى وردت فى هذا التحذير قوله - تعالى - # يعظكم ms3739 الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم ~~مؤمنين ويبين الله لكم الآيات والله عليم ~~حكيم # 6 - تهديد الذين افتروا حديث الإفك بخبث وبسوء نية، وبإصرار على نشر ~~قالة السوء فى صفوف المؤمنين... تهديدهم بأشد ألوان العذاب فى الدنيا ~~والآخرة، ووصفهم بأقبح الصفات التى تدعو إلى نبذهم والبعد عنهم. ومن ~~الآيات التى وردت فى ذلك قوله - تعالى # لولا جآءوا عليه بأربعة شهدآء فإذ لم ~~يأتوا بالشهدآء فأولئك عند الله هم ~~الكاذبون # وقوله - سبحانه - # إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين ~~آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة # وقوله - عز وجل - { إن الذين يرمون المحصنات ~~الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ~~ولهم عذاب عظيم يوم تشهد عليهم ألسنتهم ~~وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون يومئذ ~~يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله ~~هو الحق المبين }. # قال صاحب الكشاف - رحمه الله - عند تفسيره لهذه الآيات ما ملخصه " ولو ~~فليت القرآن كله وفتشت عما أوعد به العصاة، لم تر الله - تعالى - قد غلظ ~~فى شىء تغليظه فى الإفك على عائشة - رضوان الله عليها. وأنزل - سبحانه - ~~من الآيات القوارع، المشحونة بالوعيد الشديد. ما أنزل فى حديث الإفك، ~~ولو لم ينزل الله إلى هذه الثلاث - يعنى قوله - تعالى - { إن ~~الذين يرمون المحصنات الغافلات... } إلى قوله - ~~سبحانه - { ويعلمون أن الله هو الحق المبين } لكفى ~~بها. حيث جعل القذفة ملعونين فى الدارين جميعا، وبأن جوارحهم تشهد عليهم ~~بما أفكوا وبهتوا.... فأوجز - سبحانه - فى ذلك وأشبع، وفصل وأجمل، وأكد ~~وكرر.... وما ذلك إلا لإظهار علو منزلة رسوله صلى الله عليه وسلم ونفى ~~التهمة عن حرمته... ". 7 - توجيه المؤمنين الصادقين إلى العفو والصفح، ~~عمن شارك فى حديث الإفك بالقول، أو بالسماع، أو بالرضا به، ما دام هؤلاء ~~المشاركون قد تابوا أو ندموا على ما وقع منهم، ندما يدل على حسن توبتهم، ~~كأن يعترفوا بخطئهم أو يعتذروا عما فرط منهم. ويشهد لهذا التوجيه قوله - ~~تعالى - فى شأن أبى بكر الصديق، بعد أن أقسم أن لا ينفق على مسطح - # ولا يأتل أولوا ms3740 الفضل منكم والسعة أن يؤتوا ~~أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل ~~الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر ~~الله لكم والله غفور رحيم # 8 - تكريم السيدة عائشة - رضى الله عنها - تكريما يظل ملازما لها إلى أن ~~يرث الله - تعالى - الأرض ومن عليها. فقد برأها - سبحانه - مما افتراه ~~عليها المفترون، وشهد بحصانتها وغفلتها عن السوء، وقوة إيمانها، وطيب ~~عنصرها، وأنزل فى شأنها قرآنا يتلى إلى يوم القيامة، ويكفيها فخرا قوله - ~~تعالى - { أولئك مبرءون مما يقولون لهم ~~مغفرة ورزق كريم }. وقد ساق بعض العلماء كثيرا من الأحاديث ~~التى تدل على فضلها وعلى حب النبى صلى الله عليه وسلم لها، فقال ما ملخصه ~~" وفى الجملة فإن أهل السنة مجمعون على تعظيم عائشة. وعلى محبة النبى صلى ~~الله عليه وسلم لها، ففى الصحيح عن عمرو بن العاص قال # " قلت يا رسول الله. أى النساء أحب إليك؟ قال " عائشة ". # وثبت فى الصحيح - أيضا - # " أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة لما يعلمون من محبته صلى ~~الله عليه وسلم إياها... وكان فى مرضه الذى مات فيه يقول أين أنا اليوم؟ ~~استبطاء ليوم عائشة. ثم استأذن نساءه - رضى الله عنهن - أن يمرض فى ~~بيتها، وفيه توفى فى حجرها ". # هذه بعض الأحكام والآداب التى تؤخذ من هذه الآيات، ومن أرد المزيد ~~فليرجع إلى أمهات كتب التفسير، ففيها ما يشبع وينفع. وبعد أن بين - ~~سبحانه - قبح جريمة الزنا. وشناعة جريمة القذف، وعقوبة كل من يقع فى ~~هاتين الجريمتين، أتبع ذلك ببيان الآداب التى تحمل المتمسك بها على ~~التحلى بالفضيلة والنقاء والطهر... وبدأ - سبحانه - بآداب الاستئذان فقال ~~- تعالى - { يأيها الذين.... }. ### || [24.27-29] # ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات، أن امرأة من الأنصار جاءت إلى ~~النبى صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله، إنى أكون فى بيتى على حال ~~لا أحب أن يرانى عليها أحد، لا والد ولا ولد، فيأتى الأب فيدخل على وإنه ~~لا يزال يدخل على رجل من أهلى وأنا على تلك الحال، فكيف أصنع؟ فنزل قوله ~~- تعالى ms3741 - { يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا ~~غير بيوتكم حتى تستأنسوا }. فقال أبو بكر - رضى الله ~~عنه - يا رسول الله، أفرأيت الخانات والمساكن فى طرق الشام، ليس فيها ~~ساكن، فأنزل الله - تعالى - { ليس عليكم جناح أن ~~تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم }. ~~والمراد بالبيوت فى قوله - تعالى - { لا تدخلوا بيوتا... } ~~البيوت المسكونة من أصحابها، بدليل قوله - سبحانه - بعد ذلك، { ليس ~~عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة }. ~~وقوله - تعالى - { تستأنسوا } ، من الاستئناس بمعنى الاستعلام ~~والاستكشاف، فهو من آنس الشىء إذا أبصره ظاهرا مكشوفا، ومنه قوله - تعالى ~~- # فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب ~~الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا.. # أى قال لأهله إنى رأيت نارا. ويصح أن يكون من الاستئناس الذى هو ضد ~~الاستيحاش، لأن الذى يقرع باب غيره لا يدرى أيؤذن له أم لا، فهو ~~كالمستوحش من خفاء الحال عليه، فإذا أذن له أهل البيت فى الدخول، زالت ~~وحشته، ودخل وهو مرتاح النفس. وعلى هذا المعنى يكون الكلام من باب ~~المجاز، حيث أطلق اللازم وهو الاستئناس، وأريد الملزوم وهو الإذن فى ~~الدخول. والمعنى يامن آمنتم بالله - تعالى - حق الإيمان، لا تدخلوا ~~بيوتا غير بيوتكم التى تسكنونها، والتى هى مسكونة لسواكم " حتى تستأنسوا ~~" ، أى حتى تعلموا أن صاحب البيت قد أذن لكم، ورضيت نفسه بدخولكم " ~~وتسلموا على أهلها " أى وتسلموا السلام الشرعى على أهل هذه البيوت ~~الساكنين فيها. وعبر - سبحانه - عن الاستئذان فى الدخول بالاستئناس، لأنه ~~يوحى بأن القادم قد استأنس بمن يريد الدخول عليهم وهم قد أنسوا به، ~~واستعدوا لاستقباله، فهو يدخل عليهم بعد ذلك وهم متهيئون لحسن لقائه. ~~فإذا ما صاحب كل ذلك التسليم عليهم. كان حسن اللقاء أتم وأكمل. وقوله { ~~ذلكم } أى الاستئناس والتسليم قبل الدخول { خير لكم } من ~~الدخول بدون استئناس أو استئذان أو تسليم. وقوله { لعلكم ~~تذكرون } متعلق بمحذوف، ولعل هنا للتعليل، أى أرشدناكم إلى هذا ~~الأدب السامى، وبيناه لكم، كى تعملوا به، وتكونوا دائما متذكرين له، ~~وتتركوا اقتحام بيوت غيركم ms3742 بدون استئذان منهم. # ثم بين - سبحانه - حالة أخرى توجب عليهم الاستئذان، فقال { فإن لم ~~تجدوا فيهآ أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم.. ~~}. أى فإن لم تجدوا فى هذه البيوت أحدا، بأن كانت خالية من سكانها لظرف ~~من الظروف، فلا يصح لكم - أيضا - أن تدخلوها، حتى يؤذن لكم فى دخولها ممن ~~يملك الإذن بذلك. قال صاحب الكشاف " وذلك أن الاستئذان لم يشرع لئلا ~~يطلع الدامر - أى الداخل بغير إذن - على عورة، ولا تسبق عينه إلى مالا ~~يحل النظر إليه فقط، وإنما شرع لئلا يوقف على الأحوال التى يطويها الناس ~~فى العادة عن غيرهم، ويتحفظون من اطلاع أحد عليها، ولأنه تصرف فى ملك ~~غيرك، فلا بد من أن يكون برضاه، وإلا أشبه الغصب والتغلب ". فالآية ~~الأولى لبيان حكم دخول البيوت المسكونة بأهلها، وهذه لبيان حكم دخول ~~البيوت الخالية من سكانها. وقوله - تعالى - { وإن قيل لكم ~~ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم } بيان لما يجب عليهم فى ~~حالة عدم الإذن لهم بالدخول. أى وإن قيل لكم من جهة أهل البيت ارجعوا ~~ولا تدخلوا، فارجعوا ولا تلحوا فى طلب الدخول، فإن هذا الرجوع هو أطهر ~~لأخلاقكم، وأبقى لمرءوتكم. من الإلحاح فى الاستئذان، ومن الوقوف على ~~أبواب أصحابها قد تكون أحوالهم لا تسمح لكم بالدخول عليهم. وقوله - ~~سبحانه - { والله بما تعملون عليم } تذييل قصد به التحذير ~~من مخالفة ما أمر الله - تعالى - به، وما نهى - سبحانه - عنه. أى والله - ~~تعالى - لا تخفى عليه خافية من أعمالكم، فأصلحوها، والتزموا باتباع ما ~~أمركم به، وما نهاكم عنه، فإنه - سبحانه - سيجازيكم عليها بما تستحقون من ~~ثواب أو عقاب. فالمقصود من هذا الإخبار إفادة لازمه وهو المجازاة على هذه ~~الأعمال. وقوله - سبحانه - { ليس عليكم جناح أن تدخلوا ~~بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم } بمنزلة الاستثناء ~~من الأحكام التى اشتملت عليها الآيتان السابقتان. فقد ذكر المفسرون أنه ~~لما نزلت آية الاستئذان، قال بعض الصحابة يا رسول الله. كيف بالبيوت التى ~~بين مكة والمدينة والشام وبيت المقدس، وهى على ظهر الطريق، وليس ms3743 فيها ~~ساكن من أربابها، فنزلت هذه الآية. والمراد بالمتاع التمتع والانتفاع ~~بها. أى ليس عليكم - أيها المؤمنون - حرج أو إثم فى أن تدخلوا بغير ~~استئذان بيوتا غير معدة لسكنى طائفة معينة من الناس، بل هى معدة لينتفع ~~بها من يحتاج إليها من دون أن يتخذها مسكنا له، كالرباطات، والفنادق، ~~والحوانيت، والحمامات، وغير ذلك من الأماكن المعدة للراحة المؤقتة لا ~~للسكن والإقامة. وقوله { فيها متاع لكم } أى فيها حق تمتع ~~وانتفاع لكم، كالوقاية من الحر والبرد. وكتبادل المنافع فيما بينكم ~~بالبيع أو الشراء، وغير ذلك مما يتناسب مع وظيفة هذه البيوت غير ~~المسكونة. # وقوله - سبحانه - { والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ~~} وعيد وتحذير آخر لأولئك الذين يدخلون البيوت ولا يرعون حرمتها، بل ~~يبيحون لعيونهم ولجوارحهم، مالم تبحه آداب الإسلام، وتعاليمه، كالتطلع ~~إلى العورات. وما يشبه ذلك من المقاصد السيئة. أى والله - تعالى - وحده ~~يعلم ما تظهرونه وما تخفونه من أقوال وأعمال، وسيحاسبكم عليها، فاحذروا ~~أن تسلكوا مسلكا لا يرضى خالقكم عنكم. هذا، ومن الأحكام والآداب التى ~~أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى 1 - أن على كل إنسان - سواء أكان ~~رجلا أم امرأة - أن يستأذن ويسلم قبل الدخول على غيره فى بيته، لأن الله ~~- تعالى - يقول { يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا ~~بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا ~~على أهلها... } فهذا نهى صريح عن الدخول بدون استئذان. إلا أن ~~جمهور الفقهاء يرون أن الطلب فى الاستئناس على سبيل الوجوب وفى السلام ~~على سبيل الندب، كما هو حكم السلام فى غير هذا الموطن. 2 - يرى بعض ~~العلماء أن القادم يبدأ بالاستئذان قبل السلام، كما جاء فى الآية ~~الكريمة، ويرى كثير منهم تقديم السلام على الاستئذان، لأن الواو لا ~~تستلزم الترتيب، ولأن هناك أحاديث متعددة، تفيد أن السلام مقدم على ~~الاستئذان، ومنها ما أخرجه الترمذى عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال # " السلام قبل الكلام ". # وبعض العلماء فصل فى هذه المسألة فقال إن كان القادم يرى أحدا من أهل ~~البيت، سلم ms3744 أولا ثم استأذن فى الدخول، وإن كان لا يرى أحدا منهم قدم ~~الاستئذان على السلام. وهذا الرأى وجاهته ظاهرة، لأن فيه جمعا بين ~~الأدلة. 3 - لا صحة لما ذكره بعضهم من أن أصل الآية " حتى تستأذنوا " ، ~~وأن الكاتبين أخطأوا فى كتابتهم فكتبوا " حتى تستأنسوا " ، وذلك لأن جميع ~~الصحابة أجمعوا على كتابة " حتى تستأنسوا " فى جميع نسخ المصحف العثمانى، ~~وعلى تلاوة الآية بلفظ " تستأنسوا " ومضى على ذلك إجماع المسلمين فى كل ~~مكان، سواء فى كتابتهم للمصحف أم فى قراءتهم له. قال القرطبى إن مصاحف ~~الإسلام كلها، قد ثبت فيها " حتى تستأنسوا " وصح الإجماع فيها من لدن ~~عثمان، فهى لا تجوز مخالفتها. وإطلاق الخطأ والوهم على الكاتب فى لفظ ~~أجمع الصحابة عليه قول لا يصح... وقد قال الله - تعالى - # لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ~~تنزيل من حكيم حميد # وقال - سبحانه - # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # سورة الحجر الآية 9. 4 - ظاهر قوله - تعالى - { حتى ~~تستأنسوا. # . } أن الاستئذان غير مقيد بعدد، إلا أن السنة الصحيحة قد بينت أن ~~الاستئذان يكون ثلاث مرات فإن لم يؤذن له بعدها انصرف. ومن الأحاديث التى ~~وردت فى هذا المعنى ما رواه البخارى عن أبى سعيد الخدرى قال # " كنت فى مجلس من مجالس الأنصار، إذ جاء أبو موسى - كأنه مذعور - فقال ~~استأذنت على عمر ثلاثا فلم يؤذن لى فرجعت فقال ما منعك - أى من الدخول -؟ ~~قلت استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لى وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا ~~استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع. فقال لى لتأتين بالبينة. فهل ~~منكم أحد سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول ذلك؟ فقام معه أبى بن كعب، ~~فأخبر عمر أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ذلك ". # قال بعض العلماء " والراجح أن الواجب إنما هو الاسئتذان مرة. فأما كمال ~~العدد ثلاثا فهو حق المستأذن إن شاء أكمله، وإن شاء اقتصر على مرة أو ~~مرتين. فقد ثبت أن عمر بن الخطاب استأذن على النبى صلى ms3745 الله عليه وسلم ~~مرتين، فلم يؤذن له فرجع، فتبعه غلام فقال له ادخل فقد أذن لك النبى صلى ~~الله عليه وسلم. 5 - ظاهر قوله - تعالى - { لا تدخلوا بيوتا ~~غير بيوتكم حتى تستأنسوا } يفيد أنهم ليس عليهم ~~استئذان فى دخول بيوتهم. إلا أن هذا الظاهر يصح حمله على الزوجة. لأنه ~~يجوز بين الزوج وزوجته من الأحوال مالا يجوز لأحد غيرهما، ومع ذلك فإنه ~~ينبغى أن يشعر الرجل زوجته بقدومه، حتى لا يفاجئها بما تكره له أن يطلع ~~عليه. ورحم الله الإمام ابن كثير فقد قال عند تفسره لهذه الآيات وهذا - ~~أى عدم الاستئذان على الزوجة - محمول على عدم الوجوب، وإلا فالأولى أن ~~يعلمها بدخوله ولا يفاجئها به، لاحتمال أن تكون على هيئة لا تحب أن يراها ~~عليها... ولهذا جاء فى الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إنه نهى أن يطرق الرجل أهله طروقا. وأما بالنسبة لغير زوجته، كأمه، ~~وأخواته، وبنيه وبناته البالغين، فإنه يلزمه أن يستأذن عليهم، لأنه إن ~~دخل عليهم بدون استئذان، فقد تقع عينه على ما لا يصح الاطلاع عليه. ومن ~~الأحاديث التى وردت فى هذا المعنى. ما أخرجه مالك فى الموطأ عن عطاء بن ~~يسار، # " أن رجلا قال للنبى صلى الله عليه وسلم أأستأذن على أمى؟ قال " نعم، ~~قال ليس لها خادم غيرى، أأستأذن عليها كلما دخلت؟ قال صلى الله عليه وسلم ~~أتحب أن تراها عريانة؟ قال لا... قال فاستأذن عليها ". # وأخرج البخارى فى الأدب المفرد عن نافع كان ابن عمر إذا بلغ بعض ولده ~~الحلم، لم يدخل عليه إلا بإذن. # 6 - وردت أحاديث متعددة فى كيفية الاستئذان، وفى التحذير من التطلع إلى ~~بيوت الغير بدون إذن. فمن آداب الاستئذان أن لا يقف المستأذن أمام الباب ~~بوجهه. ولكنه يجعل الباب عن يمينه أو عن يساره، ومن الأحاديث التى وردت ~~فى ذلك ما أخرجه أبو داود عن عبد الله بن بشر قال كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا أتى باب قوم، لم يستقبل الباب ms3746 من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه ~~الأيمن أو الأيسر، ويقول السلام عليكم. كذلك من آداب الاستئذان أن لا ~~يقول المستأذن " أنا " فى الرد على رب المنزل، وإنما يذكر اسمه، ففى صحيح ~~البخارى عن جابر قال أتيت النبى صلى الله عليه وسلم فى دين كان على أبى، ~~فدققت الباب، فقال من ذا؟ قلت أنا. فقال أنا، أنا، كأنه كرهها ". ولعل ~~السر فى النهى عن الرد بلفظ " أنا " أن هذا اللفظ يعبر به كل واحد عن ~~نفسه، فلا تحصل به معرفة شخصية المستأذن، والمقصود بالاستئذان الإفصاح ~~لا الإبهام. أما التحذير من التطلع إلى بيوت الغير بدون إذن، فيكفى لذلك ~~ما جاء فى الصحيحين عن أبى هريرة، # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لو أن امرأ اطلع عليك بغير ~~إذنك فحذفته - أى - رميته - بحصاة، ففقأت عينه، ما كان عليك من جناح ". # هذه بعض الأحكام والآداب التى تتعلق بالاستئذان، ومنها نرى كيف أدب ~~الإسلام أتباعه بهذا الأدب العالى، الذى يؤدى التمسك به إلى غرس الفضائل ~~ومكارم الأخلاق فى نفوس الأفراد والجماعات. وبعد أن نهى - سبحانه - عن ~~دخول البيوت بدون استئذان. أتبع ذلك بالأمر بغض البصر، وحفظ الفرج، وعدم ~~إبداء الزينة إلى فى الحدود المشروعة، فقال - تعالى - { قل ~~للمؤمنين... }. ### || [24.30-31] # قال الآلوسى قوله - تعالى - { قل للمؤمنين يغضوا من ~~أبصارهم... } شروع فى بيان أحكام كلية شاملة للمؤمنين كافة، يندرج ~~فيها حكم المستأذنين عند دخول البيوت اندراجا أوليا. وقوله - تعالى - { ~~يغضوا } من الغض بمعنى الخفض. يقال غض الرجل صوته إذا خفضه. وغض ~~بصره إذا خفضه ومنعه من التطلع إلى مالا يحل له النظر إليه. قال الشاعر # وأغض طرفى إن بدت لى جارتى حتى يوارى جارتى مأواها # وهو جواب الأمر " قل " أى قل - أيها الرسول الكريم - للمؤمنين بأن يغضوا ~~من أبصارهم عما يحرم أو يكره النظر إليه وبأن يحفظوا فروجهم عما لا يحل ~~لهم، فإن ذلك دليل على كمال الإيمان! وعلى حسن المراقبة وشدة الخوف من ~~الله - تعالى -. وجمع - سبحانه - بين غض البصر وحفظ الفرج، باعتبارهما ms3747 ~~كالسبب والنتيجة، إذ أن عدم غض البصر كثيرا ما يؤدى إلى الوقوع فى ~~الفواحش، ولذا قدم - سبحانه - الأمر بغض البصر، على الأمر بحفظ الفرج. ~~وجاء التعبير بقوله - سبحانه - { قل } للإشعار بأن المؤمنين الصادقين، ~~من شأنهم إذا ما أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر، فإنهم سرعان ما ~~يمتثلون ويطيعون، لأنه صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله - تعالى - الذى ~~يجب الامتثال لأمره ونهيه. وخص - سبحانه - المؤمنين بهذا الأمر، لأنهم ~~أولى الناس بالمخاطبة. وبالإرشاد إلى ما يرفع درجاتهم، ويعلى أقدارهم. ~~قال صاحب الكشاف و " من " للتبعيض... فإن قلت كيف دخلت فى غض البصر، دون ~~حفظ الفروج؟ قلت للدلالة على أن أمر النظر أوسع ألا ترى أن المحارم لا ~~بأس بالنظر إلى شعورهن... والأجنبية ينظر إلى وجهها وكفيها... وأما أمر ~~الفرج فمضيق. واسم الإشارة فى قوله - تعالى - { ذلك أزكى لهم ~~} يعود إلى ما ذكر من الغض والحفظ. أى ذلك الذى كلفناك بأمر المؤمنين به ~~- أيها الرسول الكريم - أزكى لقلوبهم، وأطهر لنفوسهم، وأنفع لهم فى ~~دنياهم وآخرتهم. وقوله - سبحانه - { إن الله خبير بما ~~يصنعون } تحذير من مخالفة أمره - سبحانه -. أى مرهم - أيها الرسول ~~الكريم - بالتزام ما أمرناهم به وما نهيناهم عنه، لأننا لا يخفى علينا ~~شىء من تصرفاتهم، ولأننا أعلم بهم من أنفسهم، وسنحاسبهم على ما يصنعون فى ~~دنياهم، يوم القيامة. ثم أرشد - سبحانه - النساء إلى ما أرشد إليه الرجال ~~فقال { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ~~ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ~~ظهر منها }. أى وقل - أيها الرسول الكريم - للمؤمنات - أيضا - بأن ~~الواجب عليهن أن يكففن أبصارهن عن النظر إلى مالا يحل لهن، وأن يحفظن ~~فروجهن عن كل ما نهى الله - تعالى - عنه، ولا يظهرن شيئا مما يتزين به، ~~إلا ما جرت العادة بإظهاره، كالخاتم فى الإصبع، والكحل فى العين. # .. وما يشبه ذلك من الأمور التى لا غنى للمرأة عن إظهارها. ومع أن ~~النساء يدخلن فى خطاب الرجال على سبيل التغليب، إلا أن الله - تعالى - ~~خصهن بالخطاب هنا بعد الرجال، لتأكيد الأمر ms3748 بغض البصر، وحفظ الفرج، ~~ولبيان أنه كما لا يحل للرجل أن ينظر إلى المرأة - إلا فى حدود ما شرعه ~~الله - فإنه لا يحل للمرأة كذلك أن تنظر إلى الرجل، لأن علاقتها به، ~~ومقصده منها كمقصدها منه، ونظرة أحدهما للآخر - على سبيل الفتنة وسوء ~~القصد - يؤدى إلى مالا تحمد عقباه. وقوله - تعالى - { وليضربن ~~بخمرهن على جيوبهن } بيان لكيفية إخفاء بعض مواضع الزينة ~~بعد النهى عن إبدائها. والخمر - بضم الخاء والميم - جمع خمار. وهو ما ~~تغطى به المرأة رأسها وعنقها وصدرها، والجيوب جمع جيب، وهو فتحة فى أعلى ~~الثياب يبدو منها بعض صدر المرأة وعنقها. والمراد به هنا محله وهو أعلى ~~الصدر، وأصله من الجب بمعنى القطع. أى وعلى النساء المؤمنات أن يسترن ~~رءوسهن وأعناقهن وصدورهن بخمرهن، حتى لا يطلع أحد من الأجانب على شىء من ~~ذلك. قالوا وكان النساء فى الجاهلية يسدلن خمرهن من خلف رءوسهن، فتنكشف ~~نحورهن وأعناقهن وقلائدهن، فنهى الله - تعالى - المؤمنات عن ذلك. ولقد ~~ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث، منها ما ~~رواه البخارى عن عائشة - رضى الله عنها - قالت يرحم الله نساء المهاجرات ~~الأول - لما أنزل الله - تعالى - { وليضربن بخمرهن على ~~جيوبهن } أخذن أزرهن فشققنها فاختمرن بها. وفى رواية أنها قالت إن ~~لنساء قريش لفضلا، وإنى - والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقا ~~بكتاب الله، ولا إيمانا بالتنزيل، لما نزلت هذه الآية. انقلب إليهن ~~رجالهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته ~~وابنته وأخته، وعلى كل ذى قرابة، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها - ~~وهو كساء من صوف - فاعتجرت به تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتابه، ~~فأصبحن وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم فى صلاة الصبح معتجرات كأن ~~رءوسهن الغربان. والمقصود بزينتهن فى قوله - تعالى - { ولا يبدين ~~زينتهن إلا لبعولتهن } الزينة الخفية وهى ما عدا الوجه ~~والكفين، كشعر الرأس والذراعين والساقين. فقد نهى الله - تعالى - النساء ~~المؤمنات عن إبداء مواضع الزينة الخفية لكل ms3749 أحد، إلا من استثناهم - ~~سبحانه - بعد ذلك، وهم اثنا عشر نوعا، بدأهم بالبعول وهم الأزواج لأنهم ~~هم المقصودون بالزينة، ولأن كل بدن الزوجة حلال لزوجها. # أى وعلى النساء المؤمنات أن يلتزمن الاحتشام فى مظهرهن، ولا يبدين مواضع ~~زينتهن الخفية إلا " لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو ~~أبناء بعولتهن أو إخوانهن أن بنى إخوانهن أو بنى أخواتهن " فهؤلاء ~~الأصناف السبعة الذين ذكرهم الله - تعالى - بعد الأزواج، كلهم من المحارم ~~الذين لا يحل للمرأة الزواج بواحد منهم، وقد جرت العادة باحتياج النساء ~~إلى مخالطتهم، كما جرت العادة بأن الفتنة مأمونة بالنسبة لهم، فمن طبيعة ~~النفوس الكريمة أنها تأنف من التطلع إلى المحارم بالنسبة لها. ويلحق ~~بهؤلاء المحارم الأعمام والأخوال والمحارم من الرضاع. والأصول وإن علوا، ~~والفروع وإن سفلوا. وقوله - تعالى - { أو نسآئهن أو ما ~~ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة ~~من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على ~~عورات النسآء } بيان لبقية الأفراد الذين يجوز للمرأة أن تبدى ~~زينتها الخفية أمامهم. أى ويجوز للنساء المؤمنات أن يبدين زينتهن - أيضا ~~- أمام نسائهم المختصات بهن بالصحبة والخدمة، وأمام ما ملكت إيمانهن من ~~الإماء لا من العبيد البالغين، وأمام الرجال التابعين لهن طلبا للإحسان ~~والانتفاع، والذين فى الوقت نفسه قد تقدمت بهم السن، ولا حاجة لهم فى ~~النساء، ولا يعرفون شيئا من أمورهن، ولا تحدثهم أنفسهم بفاحشة، ولا ~~يصفونهن للأجانب. فقوله - سبحانه - { غير أولي الإربة من ~~الرجال } أى غير ذوى الحاجة من الرجال فى النساء يقال أرب الرجل ~~إلى الشىء يأرب أربا - من باب تعب إذا احتاج إليه. ويجوز لهن كذلك ~~إظهار زينتهن أمام الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء، أى الذين ~~لم يعرفوا ما العورة، ولم يستطيعوا بعد التمييز بينها وبين غيرها، ولم ~~يبلغوا السن التى يشتهون فيها النساء. يقال ظهر على الشىء إذا اطلع عليه ~~وعرفه، ويقال فلان ظهر على فلان إذا قوى عليه وغلبه. فهؤلاء اثنا عشر ~~نوعا من الناس، ليس عليهم ولا على المرأة حرج، فى ms3750 أن يروا منها موضع ~~الزينة الخفية، كالرأس والذراعين، والساقين، لا نتفاء الفتنة التى من ~~أجلها كان الستر والغطاء. فأما الزوج فله رؤية جميع جسدها. ثم نهى - ~~سبحانه - النساء المؤمنات عن ابداء حركات تعلن عن زينتهن المستورة، بل ~~عليهن أن يلتزمن من خلال خروجهن من بيوتهن الأدب والاحتشام والمشى الذى ~~يصاحب الوقار والاتزان، فقال - تعالى - { ولا يضربن ~~بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن }. أى ولا ~~يصح للنساء المؤمنات أن يضربن بأرجلهن فى الأرض، ليسمعن غيرهن من الرجال ~~أصوات حليهن الداخلية، بقصد التطلع إليهن، والميل نحوهن بالمحادثة أو ما ~~يشبهها. فالمقصود من الجملة الكريمة نهى المرأة المسلمة، عن استعمال أى ~~حركة أو فعل من شأنه إثارة الشهوة والفتنة كالمشية المتكلفة، والتعطر ~~الملفت للنظر، وما إلى ذلك من ألوان التصنع الذى من شأنه تهييج الغرائز ~~الجنسية. # ثم ختم - سبحانه - تلك الآية الجامعة لأنواع من الأدب السامى، بدعوة ~~المؤمنين إلى التوبة الصادقة. فقال - تعالى - { وتوبوا إلى ~~الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون }. أى ~~وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون والمؤمنات، توبة صادقة نصوحا تجعلكم ~~تخشونه - سبحانه - فى السر والعلن، لكى تنالوا الفلاح والنجاح فى دنياكم ~~وأخراكم. قال القرطبى " ليس فى القرآن الكريم آية أكثر ضمائر من هذه ~~الآية. جمعت خمسة وعشرين ضميرا للمؤمنات ما بين مرفوع ومجرور... ". هذا، ~~ومن الأحكام والآداب التى اشتملت عليها هاتان الآيتان ما يأتى 1 - وجوب ~~غض البصر وحفظ الفرج، لأن الإسلام يهدف إلى مجتمع طاهر من الدنس، نظيف ~~من الخنا، مجتمع لا تمنع فيه الشهوات الحلال وإنما تمنع منه الشهوات ~~الحرام، مجتمع لا تختلس فيه العيون النظرات السيئة ولا تتطلع فيه الأبصار ~~إلى مالا يحل لها التطلع إليه، فالله - تعالى - يقول # إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان ~~عنه مسؤولا # ويقول # يعلم خآئنة الأعين وما تخفي الصدور # وقد وردت أحاديث متعددة فى الأمر بغض البصر، وحفظ الفرج، ومن ذلك ما ~~أخرجه الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " كتب على ابن آدم نصيبه من ms3751 الزنا مدرك ذلك لا محالة، العينان زناهما ~~النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها ~~البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو ~~يكذبه ". # وروى الإمام مسلم فى صحيحه عن جرير بن عبد الله قال # " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة - أى البغتة من غير ~~قصد - فقال " اصرف بصرك "؟ " # 2 - أنه لا يحل للمرأة أن تبدى زينتها لأجانب، إلا ما ظهر منها، لأن ~~الله - تعالى - يقول { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر ~~منها }. قال الإمام القرطبى ما ملخصه " أمر الله - تعالى - النساء ~~بالا يبدين زينتهن للناظرين، إلا ما استثناه من الناظرين فى باقى الآية، ~~حذارا من الافتتان، ثم استثنى ما يظهر من الزينة، واختلف الناس فى قدر ~~ذلك. فقال ابن مسعود طاهر الزينة هو الثياب... وقال سعيد بن جبير ~~والأوزاعى الوجه والكفان والثياب... وقال ابن عباس وقتادة ظاهر الزينة هو ~~الكحل والسوار والخضاب.. ونحو هذا، فمباح أن تبديه لكل من ظهر عليها من ~~الناس. وقال ابن عطية ويظهر لى بحكم ألفاظ الآية، بأن المرأة مأمورة بأن ~~لا تبدى، وأن لا تجتهد فى الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما ~~يظهر، بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه، أو إصلاح شأن ونحو ذلك، " فما ظهر ~~" على هذا الوجه مما تؤدى إليه الضرورة فى النساء فهو المعفو عنه. # قلت أى القرطبى - وهذا قول حسن، إلا أنه لما كان الغالب من الوجه ~~والكفين ظهورهما، عادة وعبادة، صح أن يكون الاستثناء راجعا إليهما. يدل ~~على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة، # " أن أسماء بنت أبى بكر، دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ~~ثياب رقاق، فأعرض عنها وقال " يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم ~~يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه ". # وقال بعض علمائنا " إن المرأة إذا كانت جميلة وخيف من وجهها و كفيها ~~الفتنة فعليها ستر ذلك ". هذا، وفى هذه المسألة كلام كثير للعلماء فارجع ms3752 ~~إليه إن شئت. وإلى هنا ترى السورة الكريمة قد نهت عن الزنا، ووضعت فى ~~طريقه السدود الوقائية والنفسية. حيث حرمت الاختلاط، وأمرت بالاستئذان، ~~وبغض البصر، وبحفظ الفرج، وبعدم التبرج، وبالإكثار من التوبة إلى الله - ~~تعالى -. ثم أتت بعد ذلك بالعلاج الإيجابى، الذى من شأنه أن يصرف الإنسان ~~عن فاحشة الزنا المحرمة، لأنه سيجد فيما أحله الله - تعالى - ما يغنيه ~~عنها، و ذلك عن طريق الأمر بتيسير الزواج، والحض عليه. قال - تعالى - { ~~وأنكحوا... }. ### || [24.32-34] # الخطاب فى قوله - تعالى - { وأنكحوا الأيامى منكم... } ~~للأولياء والسادة، والأيامى جمع أيم - بفتح الهمزة وتشديد الياء ~~المكسورة... وهو كل ذكر لا أنثى معه، وكل أنثى لا ذكر معها بكرا أو ثيبا. ~~والمراد بالأيامى هنا الأحرار والحرائر. وقوله - تعالى - { من ~~عبادكم } جمع عبد وهو الرقيق، و " وإمائكم " جمع أمة. والمراد من ~~الإنكاح هنا المعاونة والمساعدة فى الزواج، والعمل على إتمامه بدون ~~عوائق لا تؤيدها شريعة الله - تعالى -. أى زوجوا - أيها الأولياء ~~والسادة - من لا زوج له من الرجال المسلمين أو النساء المسلمات، ويسروا ~~لهم هذا الأمر ولا تعسروه، لأن الزواج هو الطريق المشروع لقضاء الشهوة، ~~ولحفظ النوع الإنسانى، ولصيانة الأنساب من الاختلاط، ولإيجاد مجتمع ~~تفشو فيه الفضيلة، وتموت فيه الرذيلة. وزوجوا - أيضا الصالحين للزواج من ~~عبيدكم وإمائكم فإن هذا الزواج أكرم لهم وأحفظ لعفتهم. قال صاحب الكشاف " ~~فإن قلت لم خص الصالحين؟ قلت ليحصن دينهم، ويحفظ عليهم صلاحهم، ولأن ~~الصالحين من الأرقاء. هم الذين مواليهم يشفقون عليهم... فكانوا مظنة ~~للتوصية بشأنهم.. وأما المفسدون منهم فحالهم عند مواليهم على عكس ذلك ". ~~والأمر فى قوله - تعالى - { وأنكحوا } يرى جمهور العلماء أنه ~~للندب، بدليل أنه قد وجد أيامى فى العهد النبوى ولم يجبروا على الزواج، ~~ولو كان الأمر للوجوب، لأجبروا عليه... ويرى بعضهم أنه للوجوب. قال ~~الإمام ابن كثير اشتملت هذه الآيات الكريمات على جمل من الأحكام ~~المحكمة، والأوامر المبرمة، فقوله - تعالى - { وأنكحوا الأيامى ~~منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم } هذا أمر ~~بالتزويج، وقد ذهب طائفة من العلماء إلى وجوبه، على كل ms3753 من قدر عليه، ~~واحتجوا بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم # " " يا معشر الشباب. من استطاع منكم الباءة " - أى القدرة على الزواج - ~~فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحفظ للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه ~~له وجاء " # أى وقاية -. ويبدو لنا أن الزواج يختلف حكمه باختلاف الأحوال، فمن كان - ~~مثلا قادرا على الزواج، ويخشى إذا ترك الزواج أن يقع فى الفاحشة فإن ~~الزواج بالنسبة له يكون واجبا عليه. بخلاف من أمن الوقوع فى الفاحشة، فإن ~~الزواج بالنسبة له يكون مندوبا أو مستحبا. ولذا قال الإمام القرطبى " ~~اختلف العلماء فى هذا الأمر - أى فى قوله - تعالى - { وأنكحوا } - ~~على ثلاثة أقوال فقال علماؤنا يختلف الحكم فى ذلك باختلاف حال المؤمن من ~~خوف العنت، ومن عدم صبره.. فإذا خاف الهلاك فى الدين أو الدنيا فالنكاح ~~حتم. وإن لم يخش شيئا، وكانت الحال مطلقة، فالنكاح مباح. # قال الشافعى إنه قضاء لذة فكان مباحا كالأكل والشرب. وقال مالك وأبو ~~حنيفة هو مستحب. وقوله - سبحانه - { إن يكونوا فقرآء يغنهم ~~الله من فضله } حض لمن يملك عقد الزواج على أن لا يجعل الفقر ~~حائلا دون إتمامه. لأن الأرزاق بيد الله - تعالى - وحده. أى زوجوا - أيها ~~الأولياء والسادة - من كان أهلا للزواج، وصالحا له وراغبا فيه، من رجالكم ~~ونسائكم، ولا يمنعكم فقرهم من إتمامه، فإنهم إن يكونوا فقراء اليوم، ~~فالله - تعالى - قادر على أن يغنيهم فى الحال أو فى المستقبل متى شاء ~~ذلك، فإن قدرته - عز وجل - لا يعجزها شىء، وكم من أناس كانوا فقراء قبل ~~الزواج، ثم صاروا أغنياء بعده، لأنهم قصدوا بزواجهم حفظ فروجهم، وتفيذ ما ~~أمرتهم به شريعة الإسلام. روى الإمام أحمد والترمذى والنسائى وابن ماجه ~~عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ثلاثة حق على الله عونهم الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، ~~والغازى فى سبيل الله ". # فهذا عهد أخذه الله - تعالى - على ذاته - فضلا منه وكرما - ولن يخلف ~~الله - عز وجل - عهده. وقوله - سبحانه - { والله واسع عليم } ~~أى والله - تعالى - واسع ms3754 الغنى لا تنفد خزائنه، ولا ينتهى ما عنده من ~~خير، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء. ثم أرشد - ~~سبحانه - الذين لا يجدون وسائل النكاح، إلى ما يعينهم على حفظ فروجهم، ~~فقال { وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى ~~يغنيهم الله من فضله }. والاستعفاف طلب العفة، واختيار ~~طريق الفضيلة التى من وسائلها ما أشار إليه - سبحانه - فى قوله # قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا ~~فروجهم # والمعنى وعلى المؤمنين والمؤمنات " الذين لا يجدون نكاحا " أى الذين لا ~~يجدون الوسائل والأسباب التى توصلهم إلى الزواج بسبب ضيق ذات اليد، أو ما ~~يشبه ذلك، عليهم أن يتحصنوا بالعفاف وأن يصونوا أنفسهم عن الفواحش، وأن ~~يستمروا على ذلك حتى يرزقهم الله - تعالى - من فضله رزقا، يستعينون به ~~على إتمام الزواج. فهذه الجملة الحكيمة وعد كريم من الله - تعالى - ~~للتائقين إلى الزواج، العاجزين عن تكاليفه بأنه - سبحانه - سيرزقهم من ~~فضله ما يعينهم على التمكن منه، متى اعتصموا بطاعته، وحافظوا على أداء ما ~~أمرهم به. قال صاحب الكشاف " وما أحسن ما رتب هذه الأوامر حيث أمر - أولا ~~- بما يعصم من الفتنة ويبعد عن مواقعة المعصية، وهو غض البصر. ثم بالنكاح ~~الذى يحصن به الدين، ويقع به الاستغناء بالحلال عن الحرام، ثم بالحمل على ~~النفس الأمارة بالسوء، وعزفها عن الطموح إلى الشهوة عند العجز عن النكاح ~~إلى أن يرزق القدرة عليه ". # ثم حض - سبحانه - على إعانة الأرقاء لكى يتخلصوا من رقهم ويصيروا ~~أحرارا. فقال { والذين يبتغون الكتاب مما ملكت ~~أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ~~وآتوهم من مال الله الذي آتاكم }. والمراد بالكتاب ~~هنا المكاتبة التى تكون بين السيد وعبده، بأن يقول السيد لعبده إن أديت ~~إلى كذا من المال فأنت حر لوجه الله، فإذا قبل العبد ذلك وأدى ما طلبه ~~منه سيده، صار حرا. أى والذين يطلبون المكاتبة من عبيدكم - أيها ~~الأحرار.... فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا، أى أمانة وقدرة على الكسب، ~~وأعينوهم على التحرر من رقهم بأن تعطوهم شيئا من المال الذى ms3755 آتاكم الله ~~إياه، بفضله وإحسانه. وهكذا نرى الإسلام يأمر أتباعه الذين رزقهم الله ~~نعمة الحرية، أن يعينوا مماليكهم على ما يمكنهم من الحصول على هذه ~~النعمة. ومن العلماء من يرى أن الأمر فى قوله - تعالى - { فكاتبوهم ~~} وفى قوله { وآتوهم } للوجوب، لأنه هو الذى يتناسب مع حرص شريعة ~~الإسلام على تحرير الأرقاء. ثم نهى - سبحانه - عن رذيلة كانت موجودة فى ~~المجتمع، لكى يطهره منها، فقال { ولا تكرهوا فتياتكم على ~~البغآء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة ~~الدنيا }. قال الآلوسى أخرج مسلم وأبو داود عن جابر أن جارية لعبد ~~الله بن أبى بن سلول يقال لها " مسيكة " وأخرى يقال لها " أميمة " كان ~~يكرههما على الزنا، فشكتا ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فنزلت. ~~وأخرج ابن مردويه عن على - رضى الله عنه - أنهم كانوا فى الجاهلية يكرهون ~~إماءهم على الزنا، ويأخذون أجورهن، فنهوا عن ذلك فى الإسلام، ونزلت ~~الآية. والفتيات جمع فتاة والمراد بهن هنا الإماء، وعبر عنهن بقوله " ~~فتياتكم " على سبيل التكريم لهن، ففى الحديث الشريف # " لا يقولن أحدكم عبدى وأمتى ولكن فتاى وفتاتى ". # والبغاء - بكسر الباء - زنى المرأة خاصة، مصدر بغت المرأة تبغى بغاء إذا ~~فجرت. والتحصن التصون والتعفف من الزنا. والمعنى ولا تكرهوا - أيها ~~الأحرار - فتياتكم اللائى تملكوهن على الزنا إن كرهنه وأردن العفاف ~~والطهر، لكى تنالوا من وراء إكراههن على ذلك، بعض المال الذى يدفع لهن ~~نظير افتراشهن. وقوله - تعالى - { إن أردن تحصنا } ليس ~~المقصود منه أنهن إن لم يردن التحصن يكرهن على ذلك، وإنما المراد منه ~~بيان الواقع الذى نزلت من أجله الآية، وهو إكراههم لإمائهم على الزنا مع ~~نفورهن منه. ولأن الإكراه لا يتصور عند رضاهن بالزنا واختيارهن له، ~~وإنما يتصور عند كراهتهن له، وعدم رضاهن عنه، ولأن فى هذا التعبير تعبيرا ~~لهم، فكأنه - سبحانه - يقول لهم كيف يقع منكم إكراههن على البغاء وهن ~~إماء يردن العفة ويأبين الفاحشة؟ ألم يكن الأولى بكم والأليق بكرامتكم أن ~~تعينوهن على العفاف والطهر، بدل أن تكرهوهن على ارتكاب الفاحشة ms3756 من أجل ~~عرض من أعراض الحياة الدنيا؟. # وقوله - تعالى - { ومن يكرههن فإن الله من بعد ~~إكراههن غفور رحيم } بيان لمظهر من مظاهر فضل الله - تعالى ~~- ورحمته - بعباده. أى ومن يكره إماءه على البغاء فإن الله - تعالى - ~~بفضله وكرمه من بعد إكراهكم لهن، غفور رحيم لهن، أما أنتم يا من ~~أكرهتموهن على الزنا فالله وحده هو الذى يتولى حسابكم، وسيجازيكم بما ~~تستحقون من عقاب. فمغفرة الله - تعالى - ورحمته إنما هى للمكرهات على ~~الزنا، لا للمكرهين لهن على ذلك. قال بعض العلماء قوله - تعالى - { ~~فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم } قيل غفور ~~لهن وقيل غفور لهم. وقيل غفور لهن ولهم. والأظهر أن المعنى لهن، لأن ~~المكره لا يؤاخذ بما يكره عليه، بل يغفره الله له، لعذره بالإكراه. ~~فالموعود بالمغفرة والرحمة، هو المعذور بالإكراه دون المكره - بكسر ~~الراء - لأنه غير معذور بفعله القبيح. ثم ختم - سبحانه - هذه التشريعات ~~الحكيمة. والتوجيهات السديدة، بقوله - تعالى - { ولقد أنزلنآ ~~إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من ~~قبلكم وموعظة للمتقين }. وقوله { مبينات } ~~قرأها بعض القراء السبعة بفتح الياء المشددة، وقرأها الباقون بكسرها. ~~فعلى قراءة الفتح يكون المعنى وبالله لقد أنزلنا إليكم - أيها المؤمنون - ~~فى هذه السورة وغيرها آيات بينا لكم معانيها، وجعلناها واضحة ~~الدلالة على ما شرعناها لكم من أحكام وآداب وحدود. وعلى قراءة الكسر يكون ~~المعنى وبالله لقد أنزلنا إليكم آيات، هى مبينات موضحات لكل ما أنتم فى ~~حاجة إلى بيانه ومعرفته من آداب وتشريعات، فإسناد التبيين هنا إلى الآيات ~~على سبيل المجاز. وقوله { ومثلا من الذين خلوا من ~~قبلكم } معطوف على " آيات ". والمراد بالمثل الأخبار العجيبة التى ~~ذكرها - سبحانه - عن السابقين. أى، أنزلنا إليكم آيات واضحات فى ذاتها ~~وموضحة لغيرها. وأنزلنا إليكم - أيضا - قصصا عجيبة، من أخبار السابقين ~~الذين خلوا من قبلكم، لتهتدوا بها فيما يقع بينكم من أحداث. فمثلا لا ~~تتعجبوا من كون عائشة - رضى الله عنها - قد اتهمت بما هى منه بريئة، فقد ~~اتهمت من قبلها مريم بالفعل الفاضح الذى برأها الله ms3757 تعالى منه، واتهم ~~يوسف - عليه السلام - بما هو منه برىء، وألقى فى السجن بضع سنين مع ~~براءته. فيوسف ومريم وعائشة، قد برأهم الله - تعالى - مما رموا به، وكفى ~~بشهادة الله شهادة. # وقوله { وموعظة للمتقين } أى وجعلنا هذه الآيات التى ~~أنزلنا إليكم موعظة يتعظ بها المتقون، الذين صانوا أنفسهم عن محارم الله، ~~وراقبوه - سبحانه - فى السر والعلن، فانتفعوا بها دون غيرهم من المفسدين ~~والفاسقين. فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف الآيات التى أنزلها على ~~عباده المؤمنين بثلاث صفات. وصفها - أولا - بأنها بينة فى ذاتها أو مبينة ~~لغيرها، ووصفها - ثانيا - بأنها مشتملة على الأمثال العجيبة لأحوال ~~السابقين، ووصفها - ثالثا - بأنها موعظة للمتقين الذين تستشعر قلوبهم ~~دائما الخوف من الله - تعالى -. وما ذكره الله - تعالى - قبل هذه الآية ~~من آداب وأحكام يتناسق مع التعقيب كل التناسق، ويتجاوب معه كل التجاوب. ~~وكيف لا يكون كذلك، والقرآن هو كلام الله الذى أعجز كل البلغاء والفصحاء، ~~ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. * * * ثم انتقلت ~~السورة الكريمة بعد ذلك، إلى الحديث عن جلال الله - تعالى - ونوره وعظمته ~~وعن بيوته التى أذن لها أن ترفع، وعن الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا ~~بيع عن طاعته وتقديسه، وعن الجزاء الحسن الذى أعده الله - سبحانه - ~~لهؤلاء الأخيار، فقال { الله نور... }. ### || [24.35-38] # قال الإمام القرطبى ما ملخصه " قوله - تعالى - { الله نور ~~السماوات والأرض }. النور فى كلام العرب الأضواء المدركة ~~بالبصر. واستعمل مجازا فيما صح من المعانى ولاح. فيقال كلام له نور... ~~وفلان نور البلد. فيجوز أن يقال الله - تعالى - نور، من جهة المدح، لأنه ~~أوجد جميع الأشياء، ونور جميع الأشياء منه ابتداؤها، وعنه صدورها، وهو - ~~سبحانه - ليس من الأضواء المدركة، جل وتعالى عما يقول الظالمون علوا ~~كبيرا. واختلف العلماء فى تأويل هذه الآية فقيل المعنى به وبقدرته أنارت ~~أضواؤها. واستقامت أمورها، وقامت مصنوعاتها، فالكلام على التقريب للذهن، ~~كما يقال الملك نور أهل البلد، أى به قوام أمرها... فهو - أى النور - فى ~~الملك مجاز. وهو فى صفة ms3758 الله - تعالى - حقيقة محضة. قال ابن عرفة أى منور ~~السموات والأرض. وقال مجاهد مدبر الأمور فى السموات والأرض. قال ابن عباس ~~المعنى الله هادى السموات والأرض. والأول أعم للمعانى وأصح مع التأويل. ~~ويبدو لنا أن أقرب الأقوال إلى الصواب هو الذى رجحه الإمام القرطبى ~~فيكون معنى الجملة الكريمة الله - تعالى - هو نور العالم كله علويه ~~وسفليه، بمعنى منوره بالمخلوقات التكوينية، وبالآيات التنزيلية، ~~وبالرسالات السماوية، الدالة دلالة واضحة على وجوده - سبحانه - وعلى ~~وحدانيته، وقدرته، وسائر صفاته الكريمة، والهادية إلى الحق، وإلى ما به ~~صلاح الناس فى دنياهم وآخرتهم. وقال ابن كثير " وقد ثبت فى الصحيحين عن ~~ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يقول # " اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت نور ~~السموات والأرض ومن فيهن ". # وقال صلى الله عليه وسلم فى دعائه يوم آذاه المشركون من أهل الطائف # " أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، ~~أن يحل بى غضبك، أو ينزل بى سخطك، لك العتبى - أى الرجوع عن الذنب - حتى ~~ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك ". # وأضاف - سبحانه - نوره إلى السموات والأرض، للدلالة على سعة إشراق هذا ~~النور، وعموم سنائه، وتمام بهائه فى الكون كله. ثم قرب - عز وجل - نوره ~~إلى الأذهان فقال { مثل نوره كمشكاة فيها مصباح... }. ~~أى صفة نوره العجيبة الشأن فى الإضاءة والسطوع، كصفة مشكاة - وهى الفتحة ~~الصغيرة فى الجدار دون أن تكون نافذة فيه - هذه المشكاة فيها مصباح، أى ~~سراج ضخم ثاقب تشع منه الأنوار. وقال - سبحانه - { مثل نوره ~~كمشكاة فيها مصباح } لأن وجود المصباح فى هذه المشكاة يكون ~~أجمع لنوره، وأحصر لضيائه، فيبدو قويا متألقا، بخلاف مالو كان المصباح فى ~~مكان نافذ فإنه لا يكون كذلك. # { المصباح في زجاجة } أى فى قنديل من الزجاج الصافى النقى، ~~الذى يقيه الريح، ويزيده توهجا وتألقا. هذه { الزجاجة } فى ذاتها { ~~كأنها كوكب دري } أى شديد الإنارة، نسبة إلى الدر فى ~~صفائه ms3759 وسنائه وإشراقه وحسنه. { يوقد من شجرة مباركة ~~زيتونة } أى هذا المصباح يستمد نوره من زيت شجرة مباركة أى كثيرة ~~المنافع، زيتونة أى هى شجرة الزيتون. فحرف " من " لابتداء الغاية، ~~والكلام، على حذف مضاف، أى من زيت شجرة، مباركة صفة لشجرة، وزيتونة بدل ~~أو عطف بيان من شجرة. ووصف - سبحانه - شجرة الزيتون بالبركة، لطول عمرها، ~~وتعدد فوائدها التى من مظاهرها الانتفاع بزيتها وخصبها وورقها وثمارها. ~~قال - تعالى - # وشجرة تخرج من طور سينآء تنبت بالدهن وصبغ ~~للآكلين # وقوله - سبحانه - { لا شرقية ولا غربية } صفة أخرى ~~لشجرة الزيتون. أى أن هذه الشجرة ليست متميزة إلى مكان معين أو جهة معينة ~~بل هى مستقبلة للشمس طول النهار، تسطع عليها عند شروقها وعند غروبها وما ~~بين ذلك، فترتب على تعرضها للشمس طول النهار، امتداد حياتها، وعظم نمائها ~~وحسن ثمارها. وقوله - تعالى - { يكاد زيتها يضيء ولو لم ~~تمسسه نار } صفة ثالثة لتلك الشجرة. أى، أنها يكاد زيتها من شدة ~~صفائه يضىء دون أن تمسه النار، فهو زيت من نوع خاص، بلغ من الشفافية ~~أقصاها، ومن الجودة أعلاها. قال بعض العلماء وقد شبه فى الآية نور ~~الله، بمعنى أدلته، وآياته - سبحانه - من حيث دلالتها على الهدى والحق، ~~وعلى ما ينفع الخلق فى الحياتين شبه ذلك بنور المشكاة التى فيها زجاجة ~~صافية، وفى تلك الزجاجة مصباح يتقد بزيت بلغ الغاية فى الصفاء والرقة ~~والإشراق، حتى يكاد يضىء بنفسه من غير أن تمسه نار ". وقوله - سبحانه - ~~{ نور على نور } أى هو نور عظيم متضاعف، كائن على نور عظيم مثله، ~~إذ أن نور الله - تعالى - لا حد لتضاعفه، ولا نهاية لعمقه بخلاف الأنوار ~~الأخرى. فإن لتضاعفها حدا محدودا مهما كان إشراقها وضوؤها. فقوله { ~~نور } خبر لمبتدأ محذوف، أى هو نور. وقوله { على نور } متعلق ~~بمحذوف هو صفة له، مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة. أى كائن على نور ~~مثله. ثم بين - سبحانه - سنة من سننه فقال { يهدي الله لنوره ~~من يشآء } أى يهدى الله - تعالى - لنوره العظيم من يشاء هدايته ms3760 من ~~عباده، بأن يوفقهم للإيمان، والعمل بتعاليم الإسلام، وللسير على طريق ~~الحق والرشاد. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { ويضرب ~~الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم }. # أى ويضرب الله - تعالى - الأمثال للناس، لكى يقرب لهم الأمور وييسر لهم ~~المسائل، ويبرز لهم المعقول فى صورة المحسوس، والله - تعالى - بكل شىء ~~عليم، سواء أكان هذا الشىء ظاهرا أم باطنا، معقولا أم محسوسا. قال بعض ~~العلماء ما ملخصه هذه الآية الكريمة من الآيات التى صنفت فيها مصنفات، ~~منها " مشكاة الأنوار " للإمام الغزالى... ومنها ما قاله الإمام ابن ~~القيم عنها فى كتابه " الجيوش الإسلامية ". فقد قال - رحمه الله - سمى ~~الله تعالى - نفسه نورا، وجعل كتابه نورا، ورسوله صلى الله عليه وسلم ~~نورا، ودينه نورا، واحتجب عن خلقه بالنور وجعل دار أوليائه نورا يتلألأ. ~~قال - تعالى - { الله نور السماوات والأرض } وقد فسر بكونه ~~منور السموات والأرض وهادى أهل السموات والأرض فبنوره اهتدى أهل السموات ~~والأرض. وهذا إنما هو فعله. وإلا فالنور الذى هو من أوصافه قائم به. ومنه ~~اشتق اسم النور الذى هو أحد الأسماء الحسنى.. ". ثم بين - سبحانه - بعد ~~ذلك أكثر الأماكن والأشخاص انتفاعا بنوره، فقال - تعالى - { في بيوت ~~أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له ~~فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ~~ولا بيع عن ذكر الله }. وقوله { في بيوت } متعلق بقوله { ~~يسبح }. والمراد بهذه البيوت المساجد كلها، وعلى رأسها المسجد ~~الحرام، والمسجد النبوى، والمسجد الأقصى. و " أذن " بمعنى أمر وقضى، ~~وفاعل " يسبح " قوله " رجال ". والغدو والغداة من طلوع الفجر إلى طلوع ~~الشمس، والآصال جمع أصيل، وهو ما بين العصر وغروب الشمس. أى هذا هو نور ~~الله - الذى يهدى إليه من يشاء من عباده، وعلى رأس أولئك العباد الذين ~~هداهم الله - سبحانه - إلى ما يحبه ويرضاه، هؤلاء الرجال الذين يعبدونه ~~ويقدسونه فى تلك المساجد التى أمر - سبحانه - بتشييدها وتعظيم قدرها، ~~وصيانتها من كل سوء أو نجس، إنهم يسبحونه وينزهونه عن كل نقص، ويتقربون ~~إليه بالصلوات وبالطاعات. فى تلك المساجد فى ms3761 أول النهار وفى آخره، وفى ~~غير ذلك من الأوقات. وخص - سبحانه - أوقات الغدو والآصال بالذكر، لشرفها ~~وكونها أشهر ما تقع فيه العبادات. وقوله - تعالى - { رجال لا ~~تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله } مدح وتكريم ~~لهؤلاء الرجال. أى يسبح الله - تعالى - فى تلك المساجد بالغدو والآصال، ~~رجال من شأنهم ومن صفاتهم، أنهم لا يشغلهم، " تجارة " مهما عظمت، " ولا ~~بيع " ، مهما اشتدت حاجتهم إليه " عن ذكر الله " أى عن تسبيحه وتحميده ~~وتكبيره وتمجيده وطاعته. ولا تشغلهم - أيضا - هذه التجارات والبيوع عن " ~~إقام الصلاة " فى مواقيتها بخشوع وإخلاص، وعن " إيتاء الزكاة " للمستحقين ~~لها. # وذلك لأنهم " يخافون يوما " هائلا شديدا هو يوم القيامة الذى " تتقلب ~~فيه القلوب والأبصار " أى تضطرب فيه القلوب والأبصار فلا تثبت من شدة ~~الهول والفزع. ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملتهم على الإكثار من ~~هذه الطاعات فقال { ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ~~ويزيدهم من فضله }. أى إنهم يكثرون من تسبيح الله بالغدو ~~والآصال، دون أن يشغلهم عن ذلك أى شاغل، لأنهم يرجون منه - سبحانه - أن ~~يجزيهم أحسن الجزاء على أعمالهم، وأن يزيدهم من فضله وإحسانه، بما يليق ~~بكرمه وامتنانه. " والله " - تعالى - " يرزق من يشاء " أن يرزقه " بغير ~~حساب " أى بدون حدود، ولا قيود، وبدون حصر لما يعطيه، لأن خزائنه لا تنقص ~~ولا تنفد، حتى يحتاج إلى عد وحساب لما يخرج منها. فالجملة الكريمة تذييل ~~قصد به التقرير للزيادة التى يتطلع إليها هؤلاء الرجال الصالحون، ووعد ~~منه - عز وجل - بأنه سيرزقهم رزقا يزيد عما يتوقعونه. وبذلك نرى الآيات ~~قد طوفت بنا مع نور الله - عز وجل - ومثلت له بما من شأنه أن يجعل النفوس ~~يشتد استمساكها بالحق الذى جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند ~~ربه، ومدحت مدحا عظيما أولئك الرجال الأخيار، الذين يكثرون من طاعة الله ~~- تعالى - فى بيوته التى أمر برفعها، دون أن يشغلهم عن ذلك شاغل، وبشرتهم ~~بالعطاء الواسع الذى سيعطيهم الله إياه بفضله وكرمه. وبعد تلك الصورة ~~المشرقة التى بينها - سبحانه - لمن هداهم ms3762 لنوره، أتبع ذلك بضرب مثلين ~~لأعمال الكفار، فقال - تعالى - { والذين كفروا ~~أعمالهم... }. ### || [24.39-40] # قال الآلوسى قوله - تعالى - { والذين كفروا أعمالهم ~~كسراب } عطف على ما قبله، من باب عطف القصة على القصة، أو على مقدر ~~ينساق إليه ما قبله، كأنه قيل الذين آمنوا أعمالهم حالا ومآلا كما وصف ~~والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة. والمراد بأعمالهم هنا الأعمال الصالحة ~~التى كانوا يعملونها فى الدنيا كالإحسان إلى الفقراء، وصلة الأرحام وما ~~يشبه ذلك. والسراب هو الشعاع الذى يتراءى للناظر من بعيد كأنه ماء. ويكون ~~ذلك فى وسط النهار عند اشتداد الحر، فى الأماكن الواسعة، وسمى سرابا لأنه ~~يرى من بعيد يتسرب فوق الأرض كأنه ماء، مع أنه ليس بماء ولا غيره. والباء ~~فى قوله { بقيعة } بمعنى فى. والقيعة جمع قاع وهو ما انبسط واتسع من ~~الأرض. دون أن يكون فيه زرع، وفوقه يتراءى السراب. والجار والمجرور متعلق ~~بمحذوف، صفة للسراب. أى والذين كفروا بالحق لما جاءهم أعمالهم الصالحة فى ~~الدنيا التى يتوقعون الخير من ورائها، تكون بالنسبة لهم يوم القيامة، ~~كسراب كائن فى صحراء واسعة، " يحسبه الظمآن ماء ". أى يظن الشخص الذى ~~اشتد به العطش أنه ماء. وخص - سبحانه - هذا الحسبان بالظمآن، مع أن كل من ~~يراه يظنه ماء لأن هذا الذى اشتد به العطش أشد حرصا على طلبه من غيره، ~~فالتشبيه به أتم وأكمل. و " حتى " فى قوله - سبحانه - { حتى إذا ~~جآءه لم يجده شيئا } غاية لمحذوف، والتقدير هذا السراب يظنه ~~الظمآن ماء فيسرع نحوه، حتى إذا ما وصل إليه، لم يجد ما حسبه ماء وعلق ~~عليه آماله شيئا أصلا، لا ماء ولا غيره. فأنت ترى أن الله - تعالى - قد ~~شبه ما يعمله الكافرون من أعمال البر فى الدنيا، التى يظنونها نافعة لهم ~~- شبه هذه الأعمال من حيث خيبة أملهم فيها بسراب يحسبه الظمآن ماء، فيذهب ~~إليه ليروى عطشه، فإذا ما وصل إليه لم يجده شيئا، فيخيب أمله، وتشتد ~~حسرته. قال الإمام الرازى فإن قيل قوله " حتى إذا جاءه " يدل على كونه ms3763 ~~شيئا، وقوله " لم يجده شيئا " مناقض له؟ قلنا الجواب عنه من وجوه ثلاثة ~~الأول المراد معناه أنه لم يجد شيئا نافعا، كما يقال فلان ما عمل شيئا ~~وإن كان قد اجتهد الثانى حتى إذا جاءه أى جاء موضع السراب لم يجد السراب ~~شيئا، فاكتفى بذكر السراب عن ذكر موضعه. الثالث الكناية للسراب، لأن ~~السراب يرى من بعيد بسبب الكثافة كأنه ضباب وهباء، وإذا قرب منه رق ~~وانتثر وصار كالهواء. وقوله - سبحانه - { ووجد الله عنده ~~فوفاه حسابه } معطوف على جملة " لم يجده " فهو داخل التشبيه أى ~~ووجد الظمآن حكم الله - تعالى - وقضاءه فيه عند السراب، فوفاه - سبحانه - ~~حسابه الذى يستحقه كاملا غير منقوص. # وفى هذه الجملة الكريمة من التصوير المرعب للكافر ما فيها. حيث شبهته ~~بالظمآن الذى ذهب مسرعا ليروى ظمأه مما ظنه ماء فلما وصل إليه لم يجد ~~ماء، وإنما وجد الله - تعالى - الذى كفر به وجحد وحدانيته - عنده، فوفاه ~~حسابه الذى يستحقه من العذاب بدلا من وجود الماء الذى أتعب نفسه فى السعى ~~إليه. " والله " - تعالى - " سريع الحساب " ، لأنه لا يشغله حساب عن حساب ~~ولا عمل عن عمل، بل حساب الناس جميعا عنده - عز وجل - كحساب النفس ~~الواحدة. وقوله - تعالى - { أو كظلمات في بحر لجي ~~يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات ~~بعضها فوق بعض } مثال آخر لأعمال الكافرين التى لا ينتفعون بها ~~مع أنهم يعتقدون أنها ستنفعهم. فحرف " أو " للتقسيم، وما بعدها معطوف على ~~قوله - سبحانه - قبل ذلك، " كسراب بقيعة ". والمعنى أو أن الأعمال الحسنة ~~فى الدنيا لهؤلاء الكافرين، مثلها - من حيث خلوها عن نور الحق وعن النفع ~~- كمثل " ظلمات " كثيفة " فى بحر لجى " أى عميق الماء كثيره، من اللج وهو ~~معظم ماء البحر. " يغشاه موج " أى هذا البحر اللجى. يغطيه ويستره ويعلوه ~~موج عظيم " من فوقه موج " آخر أشد منه " من فوقه سحاب " أى من فوق تلك ~~الأمواج الهائلة الشديدة، سحاب كثيف متراكم قائم. " ظلمات بعضها فوق بعض ~~" أى هذه الأمواج المتلاطمة، وتحتها البحر العميق ms3764 المظلم، وفوقها السحب ~~الفاتحة الداكنة، هى ظلمات بعضها فوق بعض، " إذا أخرج يده لم يكد يراها " ~~أى إذا أخرج الواقع فى تلك الظلمات يده التى هى جزء منه، لم يكد يراها من ~~شدة تراكم الظلمات. قال الآلوسى " إذا أخرج " أى من ابتلى بهذه الظلمات " ~~يده " وجعلها بمرأى منه، قريبة من عينيه لينظر إليها " لم يكد يراها " أى ~~لم يقرب من رؤيتها، وهى أقرب شىء إليه، فضلا عن أن يراها... ثم ختم - ~~سبحانه - الآية الكريمة ببيان سنة من سننه التى لا تتخلف فقال { ومن ~~لم يجعل الله له نورا فما له من نور }. والمعنى وأى ~~إنسان لم يشأ الله - تعالى - أن يجعل له نورا يهديه إلى الصراط المستقيم ~~فما لهذا الإنسان من نور يهديه إلى الحق والخير، من أى مخلوق كائنا من ~~كان، إذ أن الذى يملك منح النور الهادى إنما هو الله - تعالى - وحده. # قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهاتين الآيتين ما ملخصه هذان مثلان ~~ضربهما الله - تعالى - لنوعى الكفار، فأما المثال الأول، فهو للكفار ~~الدعاة إلى كفرهم، الذين يحسبون أنهم على شىء من الأعمال والاعتقادات ~~وليسوا فى نفس الأمر على شىء " فمثلهم فى ذلك كالسراب الذى يرى فى ~~القيعان من الأرض عن بعد كأنه بحر طام. وهذا المثال مثال لذوى الجهل ~~المركب - أى الذين يعتقدون الباطل ويزعمون أنه الحق - والمثال الثانى ~~لأصحاب الجهل البسيط، وهم الأغشام والمقلدون لأئمة الكفر فمثلهم كما قال ~~- تعالى { أو كظلمات في بحر لجي... }. وبعد أن أورد - ~~سبحانه - هذين المثلين للذين كفروا وأعمالهم، أتبع ذلك ببيان أن الكون ~~كله يسبح بحمد الله - تعالى - وأن الكون كله فى ملكه وقبضته، فقال - ~~تعالى - { ألم تر أن الله... }. ### || [24.41-42] # الاستفهام فى قوله - تعالى - { ألم تر... } للتقرير والرؤية بمعنى ~~العلم. والتسبيح مشتق من السبح، وهو المر السريع فى الماء أو فى الهواء. ~~فالمسبح مسرع فى تنزيه الله - تعالى - وتقديسه وإثبات ما يليق بجلاله من ~~صفات الكمال. والمعنى لقد علمت أيها الرسول الكريم علما يشبه المشاهدة فى ~~اليقين، أن ms3765 الله - تعالى - يسبحه ويقدسه وينزهه عن كل ما لا يليق به - عز ~~وجل - جميع من فى السموات، وجميع من فى الأرض. وقوله - تعالى - { ~~والطير صآفات } برفع، " والطير " على أنه معطوف على " من " ~~وبنصب " صافات " على أنه حال. أى والطير - أيضا - تسبح لله - تعالى - حال ~~كونها صافات أجنحتها فى الجو، دون أن يمسكها أحد إلا هو - سبحانه -. وخص ~~الطيور بالذكر مع أنها مندرجة تحت من فى السموات والأرض لعدم استقرارها ~~بصفة دائمة على الأرض، فهى - فى مجموعها - تارة على الأرض، وتارة فى ~~الجو. وذكرها فى حال بسطها لأجنحتها لأن هذه الحالة من أعجب أحوالها، حيث ~~تكون فى الجو باسطة لأجنحتها بدون تحريك، مما يدل على بديع صنع الله فى ~~خلقه. وصدق الله إذ يقول # أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ~~ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء ~~بصير... # وقوله - تعالى - { كل قد علم صلاته وتسبيحه } استئناف ~~لبيان مظهر من مظاهر قدرة الله - تعالى - وحكمته، حيث ألهم - سبحانه - كل ~~مخلوق من مخلوقاته كيفية التسبيح لخالقه - عز وجل. والتنوين فى " كل " ~~عوض عن المضاف إليه، والضمير المحذوف الذى هو فاعل " علم " يعود على ~~المصلى والمسبح. أى كل واحد ممن يصلى لله - تعالى - ويسبح بحمده - سبحانه ~~-، قد علم معنى صلاته ومعنى تسبيحه، فهو لم يعبد الله اتفاقا أو بلا ~~روية، وإنما عبده - تعالى - عن قصد ونية، ولكن بكيفية نفوض معرفتها إلى ~~الخالق - عز وجل - وحده. ومنهم من يرى أن الضمير فى " علم " يعود إلى ~~الله - تعالى - فيكون المعنى كل واحد من هؤلاء المصلين والمسبحين، قد علم ~~- سبحانه - صلاتهم وتسبيحهم له علما تاما شاملا. قال بعض العلماء ما ~~ملخصه واعلم أن الأظهر أن يكون ضمير الفاعل المحذوف فى قوله { كل قد ~~علم صلاته وتسبيحه } راجعا إلى المصلين والمسبحين أى كل من ~~المصلين قد علم صلاة نفسه، وكل من المسبحين قد علم تسبيح نفسه، لأنه على ~~هذا القول يكون قوله - تعالى - { والله عليم بما يفعلون } ~~من باب التأسيس. # أما على القول بأن الضمير يعود إلى ms3766 الله - تعالى -. أى كل واحد منهم قد ~~علم الله صلاته وتسبيحه. فيكون قوله - تعالى - { والله عليم بما ~~يفعلون } من باب التأكيد اللفظى، والتأسيس للأحكام أولى من التأكيد ~~لها. والظاهر أن الطير تسبح وتصلى صلاة وتسبيحا يعلمهما الله، ونحن لا ~~نعلمهما كما قال - تعالى - # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم... # وبعد أن بين - سبحانه - أن جميع مخلوقاته تسبح بحمده وأنه - تعالى - ~~عليم بأفعالهم لا يخفى عليه شىء منها، أتبع ذلك ببيان أن هذا الكون ملك ~~له وحده، فقال { ولله ملك السماوات والأرض } لا لأحد ~~غيره، لا استقلالا ولا اشتراكا، بل هو وحده - سبحانه - الملاك لهما ولمن ~~فيهما { وإلى الله المصير } أى وإليه وحده مصيرهم ورجوعهم بعد ~~موتهم، فيجازى كل مخلوق من مخلوقاته بما يستحق من ثواب أو عقاب. ثم لفت - ~~سبحانه - بعد ذلك أنظار عباده إلى مظاهر قدرته فى هذا الكون، حيث يزجى ~~السحاب، ثم يؤلف بينه، ثم يجعله ركاما... وحيث نوع مخلوقاته مع أنها ~~جميعا من أصل واحد فقال - تعالى - { ألم تر أن.... }. ### || [24.43-45] # قوله - تعالى - { يزجي } من الإزجاء بمعنى الدفع بأناة ورفق. يقال ~~زجى الراعى إبله تزجية، إذا ساقها برفق. وأزجت الريح السحاب، أى دفعته. ~~والمعنى لقد علمت - أيها العاقل - ورأيت بعينيك، أن الله - تعالى - يسوق ~~بقدرته السحاب الذى فى الجو، سوقا رفيقا إلى حيث يريد. { ثم يؤلف ~~بينه } أى يسوق - سبحانه - السحاب سوقا هادئا سهلا. ثم بعد ذلك يصل ~~بعضه ببعض، ويجمع بعضه مع بعض، ثم بعد ذلك { يجعله ركاما } أى ~~متراكما بعضه فوق بعض. يقال ركم فلان الشىء يركمه ركما، إذا جمعه، وألقى ~~بعضه على بعض، ومنه الرمل المتراكم، أى المجتمع. وهذا الذى حكاه القرآن ~~من سوق الله - تعالى - للسحب ثم تجميعها، ثم تحويلها إلى قطع ضخمة ~~متراكمة متكاثفة كقطع الجبال، يراه الراكب للطائرات بوضوح وتسليم بقدرة ~~الله - تعالى -، الذى أحسن كل شىء خلقه. وقوله - سبحانه - { فترى ~~الودق يخرج من خلاله } بيان لما يترتب على هذا السوق ~~الرفيق، والتجمع الدقيق من آثار. والودق ms3767 المطر. وهو فى الأصل مصدر ودق ~~السحاب يدق ودقا، إذا نزل منه المطر. والخلال جمع خلل - كجبال وجبل - ~~والمراد بها الفتوق والشقوق. قال القرطبى فى " الودق " قولان أحدهما أنه ~~البرق... والثانى أنه المطر. وهو قول الجمهور يقال ودقت السحابة فهى ~~وادقة. وودق المطر يدق ودقا. أى قطر. أى يسوق الله - تعالى - السحاب إلى ~~حيث يشاء بقدرته، ثم يؤلف بينه، ثم يجعله متراكما بعضه فوق بعض، فترى - ~~أيها العاقل - المطر يخرج من فتوق هذا السحاب المتراكم ومن فروجه، تارة ~~بشدة وعنف، وتارة بهدوء ورفق. وقوله - تعالى - { وينزل من ~~السمآء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشآء ~~ويصرفه عن من يشآء... } بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته - ~~سبحانه -. أى وينزل - سبحانه - من جهة السماء قطعا من السحاب كأنها القطع ~~من الجبال فى عظمها وضخامتها، { فيها من برد } أى فى تلك القطع من ~~السحاب الكثير من البرد، وهو شىء ينزل من السحاب يشبه الحصى، ويسمى حب ~~الغمام وحب المزن. قال صاحب الكشاف فإن قلت ما الفرق بين " من " الأولى، ~~والثانية، والثالثة فى قوله { وينزل من السمآء من جبال ~~فيها من برد }؟. قلت الأولى لابتداء الغاية، والثانية للتبعيض، ~~والثالثة للبيان، أو الأوليان للابتداء، والآخرة للتبعيض. فإن قلت ما ~~معنى { من جبال فيها من برد }؟ قلت فيه معنيان أحدهما أن يخلق ~~الله فى السماء جبال برد. كما فى الأرض جبال حجر، والثانى أن يريد الكثرة ~~بذكر الجبال، كما يقال فلان يملك جبالا من ذهب. # وقوله - تعالى - { فيصيب به من يشآء ويصرفه عن من ~~يشآء } أى فيصيب بالذى ينزله من هذا البرد من يشاء إصابته من عباده، ~~ويصرفه عمن يشاء صرفه عنهم، إذ الإصابة والصرف بمقتضى حكمته وإرادته. ثم ~~ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { يكاد سنا برقه يذهب ~~بالأبصار }. والسنا شدة الضوء. يقال سنا الشىء يسنو سنا، إذا أضاء. ~~أى يكاد ضوء برق السحاب الموصوف بما مر من الإزجاء والتأليف والتراكم... ~~يخطف الأبصار من شدة إضاءته، وزيادة لمعانه وسرعة توهجه. وبعد أن ساق - ~~سبحانه ms3768 - هذا الدليل العلوى على وحدانيته وقدرته. أتبعه بدليل زمنى يحسه ~~الناس ويشاهدونه فى حياتهم فقال { يقلب الله الليل ~~والنهار } أى يعاقب بينهما فيأتى بهذا، ويذهب بذاك، وينقص أحدهما ~~ويزيد فى الآخر، ويجعل أولهما وقتا لحلول نعمه والثانى لنزول نقمه، أو ~~العكس، فهو - سبحانه - صاحبهما والمتصرف فيها { إن في ذلك } ~~التقليب والإزجاء والتأليف، وغير ذلك من مظاهر قدرته المبثوثة فى الآفاق ~~" لآيات " عظيمة { لأولي الأبصار } التى تبصر قدرة الله - تعالى - ~~وتعتبر بها، فتخلص له العبادة والطاعة. ثم ساق - سبحانه - دليلا ثالثا من ~~واقع خلق كل دابة، وبديع صنعه فيما خلقه فقال { والله خلق كل ~~دآبة من مآء... }. والدابة اسم لكل حيوان ذى روح، سواء أكان من ~~العقلاء أم من غيرهم. وهذا اللفظ مأخوذ من الدبيب، بمعنى المشى الخفيف. ~~وتطلق الدابة فى العرف على ذوات الأربع، والمراد بها هنا ما هو أعم من ~~ذلك. قال بعض العلماء " وهذه الحقيقة الضخمة التى يعرضها القرآن بهذه ~~البساطة، حقيقة أن كل دابة خلقت من ماء، قد تعنى وحدة العنصر الأساسى فى ~~تركيب الأحياء جميعا، وهو الماء، وقد تعنى ما يحاول العلم الحديث أن ~~يتبعه من أن الحياة خرجت من البحر، ونشأت أصلا فى الماء، ثم تنوعت ~~الأنواع وتفرعت الأجناس. ولكنا نحن على طريقتنا فى عدم تعليق الحقائق ~~القرآنية الثابتة على النظريات العلمية القابلة للتعديل والتبديل.... لا ~~نزيد على هذه الإشارة شيئا، مكتفين بإثبات الحقيقة القرآنية، وهى أن ~~الله - تعالى - خلق الأحياء كلها من الماء، فهى ذات أصل واحد، ثم هى - ~~كما ترى العين - متنوعة الأشكال... وقال الإمام الرازى فإن قيل لماذا ~~نكر الماء هنا، وجاء معرفا فى قوله - تعالى - # وجعلنا من المآء كل شيء حي # والجواب إنما جاء هنا منكرا، لأن المعنى، أنه خلق كل دابة من نوع من ~~الماء يختص بتلك الدابة، وإنما جاء معرفا فى قوله # وجعلنا من المآء # لأن المقصود هناك، كونهم مخلوقين من هذا الجنس، وههنا بيان أن ذلك الجنس ~~ينقسم إلى أنواع كثيرة. # وقوله - تعالى - { فمنهم من يمشي على بطنه... ms3769 } تفصيل ~~لهذه المخلوقات التى خلقت من الماء. والضمير فى " منهم " يعود إلى " كل " ~~باعتبار معناه، وفيه تغليب العاقل على غيره. أى فمن هذه الدواب من يمشى ~~على بطنه كالزواحف وما يشبهها، { ومنهم من يمشي على ~~رجلين } كالإنس والطير { ومنهم من يمشي على أربع ~~} كالأنعام والوحوش { يخلق الله } - تعالى - { ما يشآء } خلقه ~~من دواب وغيرها على وفق إرادته وحكمته { إن الله على كل ~~شيء قدير } فلا يعجزه - سبحانه - خلق ما يريد خلقه، ولا يمنعه من ~~ذلك مانع، بل كل شىء خاضع لقدرته - عز وجل. وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة ~~قد ساقت ألوانا من الأدلة على قدرة الله - تعالى -. منها ما يتعلق ~~بالكائن العلوى، ومنها ما يتعلق بالزمان، ومنها ما يتعلق بخلق أنواع ~~الدواب على اختلاف أشكالها. وبعد أن ساقت السورة ما ساقت من الأحكام ~~والآداب ومن الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته، أتبعت ذلك ~~بالحديث عن طائفة المنافقين، الذين لم ينتفعوا بآيات الله، ولم يتأدبوا ~~بأدب المؤمنين... فقال - تعالى - { لقد أنزلنآ آيات ~~مبينات... }. ### || [24.46-54] # قوله - سبحانه - { مبينات } قرأها بعض القراء السبعة، بفتح الياء ~~المشددة - بصيغة اسم المفعول - فيكون المعنى بالله لقد أنزلنا على عبدنا ~~محمد صلى الله عليه وسلم آيات بيناها ووضحناها، وجعلناها خالية من اللبس ~~والغموض. وقرأها الباقون بكسر الياء المشددة - بصيغة اسم الفاعل - فيكون ~~المعنى لقد أنزلنا آيات مبينات للأحكام والحدود والآداب التى شرعها الله ~~- تعالى - فعلى هذه القراءة يكون المفعول محذوفا. وقوله - تعالى - { ~~والله يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم } أى والله - ~~تعالى - بفضله وإحسانه يهدى من يشاء هدايته إلى الصراط المستقيم، الذى هو ~~طريق الإسلام. وسبيل الحق والرشاد. والضمير فى قوله - تعالى - { ~~ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا } يعود على ~~طائفة من الذين لم يهدهم - سبحانه - إلى الصراط المستقيم، وهم المنافقون. ~~أى أن هؤلاء المنافقين يقولون بألسنتهم فقط آمنا بالله وبالرسول، وأطعنا ~~الله والرسول فى كل أمر أو نهى. ثم بين - سبحانه - أنهم كاذبون فى دعواهم ~~الإيمان والطاعة فقال { ثم يتولى فريق منهم من ~~بعد ذلك }. أى يدعون ms3770 أنهم يؤمنون بالله وبالرسول، ويطيعون ~~أحكامهما، وحالهم أن عددا كبيرا منهم يعرضون عما يقتضيه الإيمان ~~والطاعة، من أدب مع الله - تعالى - ومع رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن ~~انقياد لأحكام الإسلام. وقوله - سبحانه - { ومآ أولئك ~~بالمؤمنين } نفى لدعواهم الإيمان، وتوبيخ لهم على أقوالهم التى ~~يكذبها واقعهم، أى وما أولئك المنافقون الذى يقولون آمنا بالله وبالرسول ~~وأطعنا، بالمؤمنين على الحقيقة، لأنهم يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم، ~~ولأنهم لو كانوا يؤمنون حقا. لما أعرضوا عن أحكام الله - تعالى -، وعن ~~طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. ثم ين - سبحانه - حالة أخرى من أحوالهم ~~الذميمة فقال { وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم ~~بينهم إذا فريق منهم معرضون }. أى أن هؤلاء ~~المنافقين من صفاتهم - أيضا - أنهم إذا ما دعاهم داع إلى أن يجعلوا شريعة ~~الله - تعالى - هى الحكم بينهم وبين خصومهم، إذا فريق كبير منهم يعرض عن ~~هذا الداعى، ويسرع إلى التحاكم إلى الطاغوت. كما فى قوله - تعالى - # ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بمآ ~~أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك يريدون أن ~~يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا ~~به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا # والتعبير عنهم بقوله { إذا فريق منهم معرضون } إشعار ~~بأنهم بمجرد دعوتهم إلى الحق، ينفرون من الداعى نفورا شديدا بدون تدبر أو ~~تمهل، لأنهم يعلمون علم اليقين أن الحق عليهم لا لهم، أما إن لاح لهم أن ~~الحق لهم لا عليهم، فإنهم يهرولون نحو الرسول صلى الله عليه وسلم يطلبون ~~حكمه، ولذا قال - تعالى - { وإن يكن لهم الحق يأتوا ~~إليه مذعنين }. # والإذعان الانقياد والطاعة، يقال أذعن فلان لفلان، إذا انقاد له وخضع ~~لأمره. أى وإن يكن لهؤلاء المنافقين الحق على غيرهم، يأتوا إلى الرسول ~~صلى الله عليه وسلم منقادين طائعين راضين بحكمه، لأنهم واثقون من أنه صلى ~~الله عليه وسلم لن يبخسهم شيئا من حقوقهم لا يأتون إليه مذعنين فى كل ~~الأحوال، وإنما يأتون إليه صلى الله عليه وسلم مذعنين لحكمه عندما يكونون ~~أصحاب حق فى قضية ms3771 من القضايا الدنيوية التى تحصل بينهم وبين غيرهم. ثم ~~يعقب القرآن الكريم على تصرفاتهم القبيحة بإثبات نفاقهم، وبالتعجيب من ~~ترددهم وريبهم، وباستنكار ما هم عليه من خلق ذميم فيقول { أفي ~~قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف ~~الله عليهم ورسوله... }؟! وقوله { يحيف } من الحيف، وهو ~~الميل إلى أحد الجانبين، يقال حاف فلان فى قضائه، إذا جار وظلم. أى ما ~~بال هؤلاء المنافقين يعرضون عن أحكام الإسلام ولا يقبلون على حكم الرسول ~~صلى الله عليه وسلم إلا إذا كانت لهم حقوق عند غيرهم أسبب ذلك أنهم مرضى ~~القلوب بالنفاق وضعف الإيمان؟ أم سبب ذلك أنهم يشكون فى صدق نبوته صلى ~~الله عليه وسلم؟ أم سببه أنهم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله؟ لا شك ~~أن هذه الأسباب كلها قد امتلأت بها قلوبهم الفاسدة، وفضلا عن ذلك فهناك ~~سبب أشد وأعظم، وهو حرصهم على الظلم ووضع الأمور فى غير مواضعها، ولذا ~~ختم - سبحانه - الآية الكريمة - بقوله { بل أولئك هم ~~الظالمون }. أى بل أولئك المنافقون هم الظالمون لأنفسهم ولغيرهم، ~~حيث وضعوا الأمور فى غير موضعها، وآثروا الغى على الرشد، والكفر على ~~الإيمان. قال الجمل وقوله { أفي قلوبهم مرض... } إلخ استنكار ~~واستقباح لإعراضهم المذكور، وبيان لمنشئه بعد استقصاء عدة من القبائح ~~المحققة فيهم، والاستفهام للإنكار لكن النفى المستفاد به لا يتسلط على ~~هذه الأمور الثلاثة، لأنها واقعة لهم، وقائمة بهم، والواقع لا ينفى، ~~وأنما هو متسلط على منشئتها وسببيتها لإعراضهم... ثم بين - سبحانه - بعد ~~ذلك ما هو واجب على المؤمنين إذا ما دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم، ~~أن يقولوا سمعنا وأطعنا. ولفظ " قول " منصوب على أنه خبر " كان " واسمها ~~أن المصدرية مع ما فى حيزها، وهو أن يقولوا سمعنا وأطعنا. والمعنى أن من ~~صفات المؤمنين الصادقين، أنهم إذا ما دعوا إلى حكم شريعة الله - تعالى - ~~التى أوحاها إلى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقولوا عندما يدعون لذلك ~~سمعنا وأطعنا، بدون تردد أو تباطؤ. # .. { وأولئك } الذين يفعلون ذلك { هم المفلحون } فلاحا تاما ms3772 فى الدنيا ~~والآخرة. ثم بين - سبحانه - ما يترتب على طاعة الله ورسوله فقال { ومن ~~يطع الله ورسوله ويخش الله } - تعالى - فى السر والعلن ~~{ ويتقه } فى كل الأحوال { فأولئك } الذين يفعلون ذلك { ~~هم الفآئزون } بالنعيم المقيم، والرضوان العظيم. ثم عادت السورة ~~الكريمة إلى استكمال الحديث عن المنافقين، فقال - تعالى - { ~~وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ~~ليخرجن }. والجهد الوسع والطاقة، من جهد نفسه يجهدها - بفتح الهاء ~~فيهما - إذا اجتهد فى الشىء، وبذل فيه أقصى وسعه. أى وأقسم هؤلاء ~~المنافقون بالأيمان الموثقة بأشد وسائل التوثيق، بأنهم متى أمرهم الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بالخروج معه للجهاد ليخرجن سراعا تلبية لأمره. وهنا ~~يأمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم ردا كله تهكم ~~وسخرية بهم، بسبب كذبهم فيقول { قل لا تقسموا طاعة ~~معروفة }. أى قل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل السخرية ~~والزجر، لا تقسموا على ما تقولون، فإن طاعتكم معروف أمرها، ومفروغ منها، ~~فهى طاعة باللسان فقط. أما الفعل فيكذبها. وذلك كما تقول لمن اشتهر ~~بالكذب لا تحلف لى على صدقك، فأمرك معروف لا يحتاج إلى قسم أو دليل. ثم ~~عقب - سبحانه - على هذه السخرية منهم بقوله { إن الله خبير ~~بما تعملون } أى إن الله - تعالى - مطلع اطلاعا تاما على ظواهركم ~~وبواطنكم فلا يحتاج منكم إلى قسم أو توكيد لأقوالكم، وقد علم - سبحانه - ~~أنكم كاذبون فى حلفكم. ثم يأمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم أن ~~يرشدهم إلى الطاعة الصادقة، لا طاعتهم الكاذبة فيقول { قل أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول } طاعة ظاهرة وباطنة، طاعة مصحوبة بصدق ~~الاعتقاد، وكمال الإخلاص، فإن هذه الطاعة هى المقبولة منكم. وقوله - ~~سبحانه - { فإن تولوا فإنما عليه ما حمل ~~وعليكم ما حملتم } تحذير لهم من التمادى فى نفاقهم وكذبهم. ~~أى مرهم - أيها الرسول الكريم - بالطاعة الصادقة، فإن توليتم - أيها ~~المنافقون - عن دعوة الحق وأعرضتم عن الصراط المستقيم، فإن الرسول الكريم ~~ليس عليه سوى ما حملناه إياه. وهو التبليغ والإنذار والتبشير، وأما أنتم ~~فعليكم ما حملتم، أى ما ms3773 أمرتم به من الطاعة له صلى الله عليه وسلم وهو قد ~~فعل ما كلفناه به، أما أنتم فحذار أن تستمروا فى نفاقكم. ثم أرشدهم - ~~سبحانه - إلى طريق الفوز والفلاح فقال { وإن تطيعوه تهتدوا }. ~~أى وإن تطيعوا أيها المنافقون - رسولنا صلى الله عليه وسلم فى كل ما ~~يأمركم به أو ينهاكم عنه، تهتدوا إلى الحق، وتظفروا بالسعادة. وقوله - ~~تعالى - { وما على الرسول إلا البلاغ المبين } تذييل ~~مقرر لما قبله، من أن مغبة الإعراض عائدة عليهم. كما أن فائدة الطاعة ~~راجعة لهم. أى وما على الرسول الذى أرسلناه لإرشادكم إلى ما ينفعكم إلا ~~التبليغ الواضح، والنصح الخالص، والتوجيه الحكيم. وبذلك ترى هذه الآيات ~~الكريمة قد كشفت عن رذائل المنافقين، وحذرتهم من التمادى فى نفاقهم، ~~وأرشدتهم إلى ما يفيدهم ويسعدهم، كما وضحت ما يجب أن يكون عليه المؤمنون ~~الصادقون من طاعة لله - تعالى - ولرسوله صلى الله عليه وسلم. ثم تركت ~~السورة الكريمة الحديث عن المنافقين، لتسوق وعد الله الذى لا يتخلف ~~للمؤمنين الصادقين، قال - تعالى - { وعد الله... }. ### || [24.55-57] # قال الإمام ابن كثير " هذا وعد من الله - تعالى - لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض أى أئمة الناس والولاة عليهم، وبهم ~~تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد، وقد فعل تبارك وتعالى ذلك... فإنه لم يمت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فتح عليه مكة وخيبر والبحرين، وسائر ~~جزيرة العرب، ولهذا ثبت فى الصحيح عن رسوله الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال # " إن الله زوى لى الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتى ما زوى ~~لى منها.. ". # وفى تصدير الآية الكريمة بقوله - تعالى - { وعد الله.. } بشارة ~~عظيمة للمؤمنين، بتحقيق وعده - تعالى -، إذ وعد الله لا يتخلف. كما قال - ~~تعالى - # وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون # والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، ومن بيانية، والآية ~~الكريمة مقررة لمضمون ما قبلها، وهو قوله - تعالى - # وإن تطيعوه تهتدوا... # أى وعد الله - تعالى - بفضله وإحسانه، الذين صدقوا فى إيمانهم ms3774 من عباده، ~~والذين جمعوا مع الإيمان الصادق، العمل الصالح، وعدهم ليستخلفهم فى ~~الأرض، أى ليجعلنهم فيها خلفاء يتصرفون فيها تصرف أصحاب العزة والسلطان ~~والغلبة، بدلا من أعدائهم الكفار. قال الآلوسى واللام فى قوله " ~~ليستخلفنهم " واقعة فى جواب القسم المحذوف. ومفعول وعد الثانى محذوف دل ~~عليه الجواب. أى وعد الله الذين آمنوا استخلافهم، وأقسم ليستخلفنهم... و ~~" ما " فى قوله " كما استخلف " مصدرية والجار والمجرور متعلق بمحذوف. وقع ~~صفة لمصدر محذوف، أى ليستخلفنهم استخلافا كائنا كاستخلافه " الذين من ~~قبلهم " من الأمم المؤمنة، الذين أسكنهم الله - تعالى - فى الأرض بعد ~~إهلاك أعدائهم من الكفرة الظالمين. هذا هو الوعد الأول للمؤمنين أن ~~يجعلهم - سبحانه - خلفاءه فى الأرض. كما جعل عباده الصالحين من قبلهم ~~خلفاءه، وأورثهم أرض الكفار وديارهم. وأما الوعد الثانى فيتجلى فى قوله - ~~تعالى - { وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ~~}. والتمكين التثبيت والتوطيد والتمليك. يقال تمكن فلان من الشىء، إذا ~~حازه وقدر عليه. أى وعد الله المؤمنين بأن يجعلهم خلفاءه فى أرضه، وبأن ~~يجعل دينهم وهو دين الإسلام الذى ارتضاه لهم. ثابتا فى القلوب، راسخا فى ~~النفوس. باسطا سلطانه على أعدائه، له الكلمة العليا فى هذه الحياة، ~~ولمخالفيه الكلمة السفلى. وأما الوعد الثالث فهو قوله - سبحانه - { ~~وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا }. أى وعدهم الله - ~~تعالى - بالاستخلاف فى الأرض، وبتمكين دينهم. وبأن يجعل لهم بدلا من ~~الخوف الذى كانوا يعيشون فيه، أمنا واطمئنانا، وراحة فى البال، وهدوءا فى ~~الحال. # قال الربيع بن أنس عن أبى العالية فى هذه الآية # " كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة نحوا من عشر سنين. يدعون ~~إلى الله وحده... وهم خائفون، فلما قدموا المدينة أمرهم الله بالقتال، ~~فكانوا بها خائفين، يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح. فصبروا على ذلك ~~ما شاء الله. ثم إن رجلا من الصحابة قال يا رسول الله " أبد الدهر نحن ~~خائفون هكذا؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟ فقال صلى الله ~~عليه وسلم لن تغبروا - أى لن تمكثوا - إلا يسيرا حتى يجلس ms3775 الرجل ~~منكم في الملأ العظيم محتبيا ليست فيهم حديدة ". # وأنزل الله هذه الآية فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب فآمنوا ووضعوا ~~السلاح... ولكن هذا الاستخلاف والتمكين والأمان متى يتحقق منه - سبحانه - ~~لعباده؟ لقد بين الله - تعالى - الطريق إلى تحققه فقال { يعبدونني ~~لا يشركون بي شيئا } فهذه الجملة الكريمة يصح أن تكون مستأنفة، ~~أى جوابا لسؤال تقديره متى يتحقق هذا الاستخلاف والتمكين والأمان بعد ~~الخوف للمؤمنين؟ فكان الجواب يعبدوننى عبادة خالصة تامة مستكملة لكل ~~شروطها وآدابها وأركانها، دون أن يشركوا معى فى هذه العبادة أحدا كائنا ~~من كان. كما يصح أن تكون حالا من الذين آمنوا، فيكون المعنى وعد الله - ~~تعالى - عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات، بالاستخلاف فى الأرض، ~~وبتمكين دينهم فيها. وبتبديل خوفهم أمنا، فى حال عبادتهم له - سبحانه - ~~عبادة لا يشوبها شرك أو رياء أو نقص. وروى الإمام أحمد عن أبى بن كعب ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة، والدين والنصر والتمكين في الأرض، فمن ~~عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة نصيب ". # ذلك هو وعد الله - تعالى - لعباده الذين أخلصوا له العبادة والطاعة، ~~وأدوا ما أمرهم به، واجتنبوا ما نهاهم عنه، أما الذين انحرفوا عن طريق ~~الحق. وجحدوا نعمه - سبحانه - عليهم، فقد بين عاقبتهم فقال { ومن ~~كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون }. أى ومن كفر ~~بعد كل هذه النعم التى وعدت بها عبادى الصالحين، واستعمل هذه النعم فى ~~غير ما خلقت له، فأولئك الكافرون الجاحدون هم الفاسقون عن أمرى، الخارجون ~~عن وعدى، الناكبون عن صراطى. وهكذا نرى الآية الكريمة قد جمعت أطراف ~~الحكمة من كل جوانبها، فقد رغبت المؤمنين فى إخلاص العبادة لله - تعالى - ~~بأسمى ألوان الترغيب، حيث بينت لهم أن هذه العبادة سيترتب عليها ~~الاستخلاف والتمكين والأمان. ثم رهبت من الكفر والجحود، وبينت أن ~~عاقبتهما الفسوق والحرمان من نعم الله - تعالى -. # ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أهم أركان هذه العبادة فقال { وأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول ms3776 لعلكم ~~ترحمون }. أى واظبوا - أيها المؤمنون - على إخلاص العبادة لله - ~~تعالى - وأدوا الصلاة فى أوقاتها بخشوع وإحسان، وقدموا الزكاة للمستحقين ~~لها، وأطيعوا الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة تامة، لعلكم بسبب هذه ~~العبادة والطاعة، تنالون رحمة الله - تعالى - ورضوانه. ثم ثبت الله - ~~تعالى - المؤمنين، وهون من شأن أعدائهم لكى لا يرهبهم قوتهم فقال { لا ~~تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم ~~النار ولبئس المصير }. أى لا تظنن - أيها الرسول الكريم أنت ~~ومن معك من المؤمنين - أن الذين كفروا مهما أوتوا من قوة وبسطة من المال، ~~فى إمكانهم أن يعجزونا عن إهلاكهم واستئصالهم وقطع دابرهم، فإن قوتنا لا ~~يعجزها شىء وهم فى قبضتنا سواء أكانوا فى الأرض التى يعيشون عليها أم فى ~~غيرها، واعلم أن { ومأواهم } فى الآخرة { النار ولبئس ~~المصير } هذه النار التى هى مستقرهم ومسكنهم. فالآية الكريمة بيان ~~لمآل الكفرة فى الدنيا والآخرة، بعد بيان ما أعده الله - تعالى - فى ~~الدنيا والآخرة من استخلاف وتمكين وأمان ورحمة للمؤمنين. وقوله { ~~الذين كفروا } هو المفعول الأول، لتحسبن، وقوله { معجزين } ~~هو المفعول الثانى. قال القرطبى " وقرأ ابن عامر وحمزة " يحسبن " بالياء، ~~بمعنى لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين الله فى الأرض، لأن الحسبان ~~يتعدى إلى مفعولين.. ". أى أن " الذين كفروا " فى محل رفع فاعل يحسبن، ~~والمفعول الأول محذوف تقديره أنفسهم. وقوله { معجزين } هو المفعول ~~الثانى. وقوله - سبحانه - { ولبئس المصير } جواب لقسم مقدر. ~~والمخصوص بالذم محذوف، أى وبالله " لبئس المصير " هى. أى النار التى ~~يستقرون فيها. وبعد هذه التوجيهات الحكيمة التى تتعلق ببيان أعمال ~~المؤمنين، وأعمال الكافرين، وببيان جانب من مظاهر قدرة الله - تعالى - فى ~~خلقه، وببيان أقوال المنافقين التى تخالف أفعالهم، وببيان ما وعد الله - ~~تعالى - به المؤمنين من خيرات.... بعد كل ذلك، عادت السورة الكريمة إلى ~~الحديث عما افتتحت به من الحديث عن الأحكام والآداب التى شرعها الله - ~~تعالى -، وأمر المؤمنين بالتمسك بها فقال - تعالى - { يأيها ~~الذين ءامنوا... }. ### || [24.58-60] # ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { يأيها الذين ~~ءامنوا ليستأذنكم... } روايات ms3777 منها أن امرأة يقال لها أسماء ~~بنت أبى مرثد، دخل عليها غلام كبير لها، فى وقت كرهت دخوله فيه، فأتت ~~النبى صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله، إن خدمنا وغلماننا يدخلون ~~علينا فى حال نكرهها، فأنزل الله تعالى هذه الآية ومنها ما روى من أن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بعث فى وقت الظهيرة غلاما من الأنصار يقال له ~~مدلج، إلى عمر بن الخطاب، فدق الغلام الباب على عمر - وكان نائما - ~~فاستيقظ، وجلس فانكشف منه شىء فقال عمر لوددت أن الله - تعالى - نهى ~~آباءنا وأبناءنا وخدمنا عن الدخول علينا فى هذه الساعة إلا بإذن ثم انطلق ~~عمر مع الغلام إلى النبى صلى الله عليه وسلم فوجد هذه الآية قد نزلت فخر ~~ساجدا لله - تعالى -. وقد صدرت الآية الكريمة بندائهم بصفة الإيمان. ~~لحضهم على الامتثال لما اشتملت عليه من آداب قويمة. وتوجيهات حكيمة. ~~واللام فى قوله { ليستأذنكم } هى لام الأمر والمراد بما ملكت ~~أيمانهم الأرقاء سواء أكانوا ذكورا أم إناثا، ويدخل فيهم الخدم ومن على ~~شاكلتهم. والمراد بالذين لم يبلغوا الحلم. الأطفال الذين فى سن الصبا ولم ~~يصلوا إلى سن البلوغ إلا أنهم يعرفون معنى العورة ويميزون بين ما يصح ~~الاطلاع عليه وما لا يصح. والمعنى يا من آمنتم بالله حق الإيمان من ~~الرجال، والنساء، عليكم أن تمنعوا مماليككم وخدمكم وصبيانكم الذين لم ~~يبلغوا سن البلوغ، من الدخول عليكم فى مضاجعكم بغير إذن فى هذه الأوقات ~~الثلاثة، خشية أن يطلعوا منكم على ما لا يصح الاطلاع عليه. فقوله - تعالى ~~- { ثلاث مرات } تحديد للأوقات المنهى عن الدخول فيها بدون ~~استئذان، أى ثلاث أوقات فى اليوم والليلة. ثم بين - سبحانه - هذه الأوقات ~~فقال { من قبل صلوة الفجر } وذلك لأن هذا الوقت يقوم فيه ~~الإنسان من النوم عادة، وقد يكون متخففا من ثيابه. ولا يجب أن يراه أحد ~~وهو على تلك الحالة. { وحين تضعون ثيبكم من ~~الظهيرة } أى وحين تخلعون ثيابكم وتطرحونها فى وقت الظهيرة، عند شدة ~~الحر، لأجل التخفيف منها وارتداء ms3778 ثياب أخرى أرق من تلك الثياب، طلبا ~~للراحة واستعدادا للنوم. { ومن بعد صلوة العشآء } لأن هذا ~~الوقت يتجرد فيه الإنسان من ثياب اليقظة، ليتخذ ثيابا أخرى للنوم. وقوله ~~- سبحانه - { ثلاث عورات لكم } خبر مبتدأ محذوف، والعورات جمع ~~عورة. وتطلق على ما يجب ستره من الإنسان، وهى - كما يقول الراغب - ~~مأخوذة من العار، وذلك لأن المظهر لها يلحقه العار والذم بسبب ذلك. # أى هذه الأوقات من ثلاث عورات كائنة لكم - فعليكم أن تعودوا مماليككم ~~وخدمكم وصبيانكم. على الاستئذان عند إرادة الدخول عليكم فيها، لأنها ~~أوقات يغلب فيها اختلاء الرجل بأهله، كما يغلب فيها التخفف من الثياب، ~~وانكشاف ما يجب ستره. وقوله - سبحانه - { ليس عليكم ولا ~~عليهم جناح بعدهن } بيان لمظهر من مظاهر التيسير فى شريعة ~~الإسلام. أى وليس عليكم أيها المؤمنون والمؤمنات، ولا عليهم، أى أرقائكم ~~وصبيانكم " جناح " أى حرج أو إثم فى الدخول بدون استئذان " بعدهن " أى ~~بعد كل وقت من تلك الأوقات الثلاثة. وقوله - تعالى - { طوفون ~~عليكم بعضكم على بعض } تعليل لبيان العذر المرخص فى ترك ~~الاستئذان فى غير الأوقات التى حددها الله - تعالى -. أى لا حرج فى دخول ~~مماليككم وصبيانكم عليكم فى غير هذه الأوقات بدون استئذان لأنهم تكثر ~~حاجتهم فى التردد عليكم، وأنتم كذلك لا غنى لكم عنهم فأنتم وهم يطوف ~~بعضكم على بعض لقضاء المصالح فى كثير من الأوقات. وبذلك يجمع الإسلام فى ~~تعاليمه بين التستر والاحتشام والتأدب بآدابه القويمة، وبين السماحة ~~وإزالة الحرج والمشقة. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { كذلك ~~يبين الله لكم الآيت والله عليم حكيم }. أى مثل ~~هذا البيان الحكيم يبين الله - تعالى - لكم الآيات التى توصلكم متى ~~تمسكتم بها، إلى طريق الخير و السعادة، والله - عز وجل - عليم بما يصلح ~~عباده، حكيم فى كل ما يأمر به، أو ينهى عنه. وهكذا تسوق لنا الآية ~~الكريمة ألوانا من الأدب السامى، الذى يجعل الكبار والصغار يعيشون عيشة ~~فاضلة، عامرة بالطهر والعفاف والحياء، والنقاء من كل ما يجرح الشعور، ومن ~~كل تصور يتنافى مع ms3779 الخلق الكريم. ثم انتقلت السورة إلى الحديث عن حكم ~~البالغين بالنسبة للاستئذان، بعد حديثها عن حكم غير البالغين بالنسبة ~~لذلك فقال - تعالى - { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم ~~فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم... }. ~~أى وإذا بلغ الأطفال منكم - أيها المؤمنون والمؤمنات - سن الاحتلام ~~والبلوغ الذى يصلح معه الزواج، فعليهم أن يستأذنوا فى الدخول عليكم فى كل ~~الأوقات، كما استأذن الذين هم أكبر منهم فى السن عندما بلغوا سن ~~الاحتلام، فقد أمر - سبحانه أمرا عاما بذلك فقال # يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير ~~بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها... # قال صاحب الكشاف " والمعنى أن الأطفال مأذون لهم فى الدخول بغير إذن إلا ~~فى العورات الثلاث، فإذا اعتاد الأطفال ذلك ثم خرجوا عن حد الطفولة، بأن ~~يحتلموا، أو يبلغوا السن التى يحكم عليهم فيها بالبلوغ، وجب أن يفطموا عن ~~تلك العادة، ويحملوا على أن يستأذنوا فى جميع الأوقات، كما هو الحال ~~بالنسبة للرجال الكبار الذين لم يعتادوا الدخول عليكم إلا بإذن. # وهذا مما الناس منه فى غفلة، وهو عندهم كالشريعة المنسوخة. وعن ابن ~~مسعود " عليكم أن تستأذنوا على آبائكم وأمهاتكم وأخواتكم.. ". ثم ختم - ~~سبحانه - الآية بقوله { كذلك يبين الله لكم آياته ~~والله عليم حكيم } أى والله - تعالى - عليم بأحوال النفوس وبما ~~يصلحها من آداب، حكيم فى كل ما يشرعه من أحكام. ثم بين - سبحانه - بعد ~~ذلك بعض الأحكام التى تتعلق بالنساء اللاتى بلغن سن اليأس، فقال { ~~والقواعد من النسآء اللاتي لا يرجون نكاحا ~~فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير ~~متبرجات بزينة... }. والقواعد جمع قاعدة - بغير تاء - لاختصاص ~~هذه الكلمة بالنساء كحائض وطامث. وقالوا سميت المرأة العجوز بذلك، لأنها ~~تكثر القعود لكبر سنها. أى والنساء العجائز اللاتى قعدن عن الولد أو عن ~~الحيض، ولا يطمعن فى الزواج لكبرهن، فليس على هؤلاء النساء حرج أن ينزعن ~~عنهن ثيابهن الظاهرة، والتى لا يفضى نزعها إلى كشف عورة، أو إظهار زينة ~~أمر الله - تعالى - بسترها. فقوله - سبحانه - { فليس عليهن ~~جناح أن يضعن ثيابهن } بيان ms3780 لمظهر من مظاهر التيسير فى ~~شريعة الإسلام، لأن المرأة العجوز إذا تخففت من بعض ثيابها التى لا يفضى ~~التخفف منها إلى فتنة أو إلى كشف عورة... فلا بأس بذلك، لأنها - فى ~~العادة - لا تتطلع النفوس إليها، وذلك بأن تخلع القناع الذى يكون فوق ~~الخمار، والرداء الذى يكون فوق الثياب. وقوله - تعالى - { غير ~~متبرجات بزينة } حال. وأصل التبرج التكلف والتصنع فى إظهار ما ~~يخفى، من قولهم سفينة بارجة أى لا غطاء عليها. والمراد به هنا إظهار ~~المرأة زينتها ومحاسنها للرجال الذين لا يصح لهم الاطلاع عليها. أى لا ~~حرج على النساء القواعد من خلع ثيابهن الظاهرة، حال كونهن غير مظهرات ~~للزينة التى أمرهن الله - تعالى - بإخفائها، وغير قاصدات بهذا الخلع ~~لثيابهن الظاهرة التبرج وكشف ما أمر الله - تعالى - بستره. وقوله - ~~سبحانه - { وأن يستعففن خير لهن } أى وأن يبقين ثيابهن ~~الظاهرة عليهن بدون خلع، خير لهن، وأطهر لقلوبهن، وأبعد عن التهمة، وأنفى ~~لسوء الظن بهن. وسمى الله - تعالى - إبقاء ثيابهن عليهن استعفافا. أى ~~طلبا للعفة، للإشعار بأن الاحتشام والتستر... خير للمرأة حتى ولو كانت ~~من القواعد. وقوله - تعالى - { والله سميع عليم } أى سميع لكل ~~ما من شأنه أن يسمع، عليم بأحوال النفوس وحركاتها وسكناتها. وبذلك نرى ~~هذه الآيات الكريمة، قد بينت للناس أقوم المناهج، وأسمى الآداب، وأفضل ~~الأحكام التى باتباعها يسعد الأفراد والجماعات. * * * ثم انتقلت السورة ~~الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن أحكام أخرى فيها ما فيها من حسن للتنظيم ~~فى العلاقات بين الأقارب والأصدقاء، وفيها ما فيها من اليسر والسماحة، ~~فقال - تعالى - { ليس على الأعمى.. }. ### || [24.61] # ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما روى عن ابن عباس أنه ~~قال لما أنزل الله - تعالى - # يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل.. # تحرج المسلمون عن مؤاكلة المرضى والعمى والعرج، وقالوا الطعام أفضل ~~الأموال، وقد نهانا الله عن أكل المال والباطل، والأعمى لا يبصر موضع ~~الطعام الطيب، والأعرج لا يتمكن من الجلوس، ولا يستطيع المزاحمة، والمريض ~~يضعف عن التناول ms3781 ولا يستوفى من الطعام حقه، فأنزل الله هذه الآية. وقيل ~~نزلت ترخيصا لهؤلاء فى الأكل من بيوت من سمى الله فى هذه الآية، وذلك أن ~~هؤلاء كانوا يدخلون على الرجل لطلب الطعام، فإذا لم يكن عنده شىء ذهب بهم ~~إلى بيت أبيه، أو بيت أمه، أو بعض من سمى الله فى هذه الآية، فكان أهل ~~الزمانة يتحرجون من ذلك، ويقولون ذهب بنا إلى غير بيته، فأنزل الله هذه ~~الآية. وقيل نزلت رخصة للأعمى والأعرج والمريض عن التخلف عن الجهاد... ~~ويبدو لنا أن الآية الكريمة نزلت لتعليم المؤمنين ألوانا متعددة من ~~الآداب التى شرعها الله - تعالى - لهم، ويسرها لهم بفضله وإحسانه، حتى ~~يعلموا أن شريعته - سبحانه - مبنية على اليسر لا على العسر، وعلى التخفيف ~~ورفع الحرج، لا على التشديد والتضييق. والحرج الضيق ومنه الحرجة للشجر ~~الملتف المتكاثف بعضه ببعض، حتى ليصعب على الشخص أن يمشى فيه. والمراد به ~~هنا الإثم. والمعنى ليس على الأعمى والأعرج والمريض حرج أو إثم فى الأكل ~~من بيوت هؤلاء الذين سماهم الله - تعالى -. كذلك ليس عليكم حرج أو إثم - ~~أيها المؤمنون - فى أن تأكلوا أنتم ومن معكم { من بيوتكم } التى هى ~~ملك لكم. وذكر - سبحانه - بيوتهم هنا مع أنه من المعروف أنه لا حرج فى أن ~~يأكل الإنسان من بيته، للإشعار بأن أكلهم من بيوت الذين سيذكرهم - ~~سبحانه - بعد ذلك من الآباء والأمهات والأقارب، يتساوى فى نفى الحرج مع ~~أكلهم من بيوتهم أى أن أكل الناس من بيوتهم لم يذكر هنا لنفى حرج كان ~~متوهما، وإنما ذكر لإظهار التسوية بين أكلهم من بيوت أقاربهم وأصدقائهم، ~~وبين أكلهم من بيوتهم. وبعضهم يرى أن المراد بقوله { أن تأكلوا من ~~بيوتكم } أى من بيوت زوجاتهم وأولادهم. ثم ذكر - سبحانه - بيوتا ~~أخرى لا حرج عليهم فى الأكل منها فقال { أو بيوت آبآئكم أو ~~بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت ~~أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم ~~أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ~~ملكتم مفاتحه } أى أو البيوت ms3782 التى تملكون التصرف فيها بإذن ~~أصحابها، كأن تكونوا وكلاء عنهم فى التصرف فى أموالهم. # ومفاتح جمع مفتح - بكسر الميم - وهو آلة الفتح وملك هذه المفاتح كناية ~~عن كون الشىء تحت يد الشخص وتصرفه. وقوله { أو صديقكم } معطوف على ~~ما قبله والصديق هو من يصدق فى مودتك، وتصدق أنت فى مودته، وهو اسم جنس ~~يطلق على الواحد والجمع، والمراد هنا الجمع. أى ولا حرج عليكم - أيضا - ~~فى الأكل من بيوت أصدقائكم. فالآية الكريمة قد أجازت الأكل من هذه البيوت ~~المذكورة، وهى أحد عشر بيتا - وإن لم يكن فيها أصحابها، ما دام الآكل قد ~~علم رضا صاحب البيت بذلك، وأن صاحب البيت، لا يكره هذا ولا يتضرر منه، ~~استنادا إلى القواعد العامة فى الشريعة، والتى منها " لا ضرر ولا ضرار " ~~وأنه " لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيب نفس منه ". قال صاحب الكشاف فإن ~~قلت فما معنى { أو صديقكم } قلت معناه أو بيوت أصدقائكم، والصديق ~~يكون واحدا وجمعا، وكذلك الخليط والقطين والعدو. ويحكى عن الحسن أنه دخل ~~داره، وإذا جماعة من أصدقائه قد استلوا سلالا من تحت سريره فيها أطايب ~~الأطعمة. وهم مكبون عليها يأكلون فتهللت أسارير وجهه سرورا وضحك وقال ~~هكذا وجدناهم، هكذا وجدناهم. يريد أكابر الصحابة ومن لقيهم من البدريين. ~~وكان الرجل منهم يدخل دار صديقه وهو غائب فيسأل جاريته كيسه. فيأخذ منه ~~ما شاء، فإذا حضر مولاها فأخبرته، أعتقها سرورا بذلك. وقوله - سبحانه - { ~~ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا } ~~بيان لنوع آخر من أنواع السماحة فى شريعة الإسلام. والأشتات جمع شت - ~~بفتح الشين - يقال شت الأمر يشت شتا وشتاتا، إذا تفرق. ويقال هذا أمر شت، ~~أى متفرق. أى ليس عليكم - أيها المؤمنون - حرج أو إثم فى أن تأكلوا ~~مجتمعين أو متفرقين، وقد كان بعضهم من عاداته أن لا يأكل منفردا، فإن لم ~~يجد من يأكل معه عاف الطعام، فرفع الله - تعالى - هذا الحرج المتكلف، ورد ~~الأمر إلى ما تقتضيه شريعة الإسلام من بساطة ويسر وعدم تكلف، فأباح ms3783 لهم ~~أن يأكلوا فرادى ومجتمعين. فالجملة الكريمة بيان للحالة التى يجوز عليها ~~الأكل، بعد بيان البيوت التى يجوز الأكل منها والمتأمل فى هذه الآية ~~الكريمة يراها قد اشتملت على أحكم الأداء للترتيب اللفظى والموضوعى، فقد ~~بدأت ببيت الإنسان نفسه، ثم بيوت الآباء، فالأمهات، فالإخوة، فالأخوات، ~~فالأقارب، فالبيوت التى يملكون التصرف فيها فبيوت الأصدقاء... ثم لم يكتف ~~بذلك، وإنما بينت الحالة التى يباح الأكل منها... ثم بعد ذلك علمتنا آداب ~~دخول البيوت التى ندخلها للأكل أو لغيره، فقال - تعالى - { فإذا ~~دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من ~~عند الله مباركة طيبة }. # والمراد بأنفسكم هنا أهل تلك البيوت التى يدخلونها، لأنهم بمنزلة أنفسهم ~~فى شدة المودة والمحبة والألفة، و " تحية " منصوب بفعل مقدر أى فحيوا ~~تحية. أى فإذا دخلتم أيها المؤمنون والمؤمنات بيوتا فسلموا على أهلها ~~الذين هم بمنزلة أنفسكم، وحيوهم تحية ثابتة من عند الله، مباركة طيبة، أى ~~مستتبعة لزيادة البركات والخيرات ولزيادة المحبة والمودة. ووصف - سبحانه ~~- هذه التحية بالبركة والطيب، لأنها دعوة مؤمن لمؤمن وكلاهما يرجو بها من ~~الله - تعالى - زيادة الخير وطيب الرزق. وتحية الإسلام أن يقول المسلم ~~لأخيه المسلم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ثم ختم - سبحانه - الآية ~~الكريمة بقوله { كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم ~~تعقلون }. أى مثل هذا البيان القويم، يبين الله - تعالى - لكم ~~الآيات المحكمة، والإرشادات النافعة، لكى تعقلوا ما اشتملت عليه من ~~هدايات، توصلكم متى انتفعتم بها إلى السعادة والفلاح. وبعد أن ساقت ~~السورة الكريمة ما ساقت من أحكام وآداب منها ما يتعلق بالحدود، ومنها ما ~~يتعلق بالاستئذان، ومنها ما يتعلق بالتستر والاحتشام، ومنها ما يتعلق ~~بتنظيم العلاقات بين الأقارب والأصدقاء... بعد كل ذلك اختتمت ببيان ما ~~يجب أن يكون عليه المؤمنون من أدب مع رسولهم صلى الله عليهم وسلم فقال - ~~تعالى - { إنما المؤمنون الذين آمنوا... }. ### || [24.62-64] # روى ابن إسحاق فى سبب نزول هذه الآيات ما ملخصه أنه لما كان تجمع قريش ~~وغطفان فى غزوة الأحزاب، ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم خندقا حول ms3784 ~~المدينة وعمل معه المسلمون فيه، فدأب فيه ودأبوا، وأبطأ عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وعن المسلمين فى عملهم ذلك، رجال من المنافقين، وجعلوا ~~يورون - أى يستترون - بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير ~~علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين ~~إذا ناتبه النائبة من الحاجة التى لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ويستأذن فى اللحوق لحاجته، فيأذن له، فإذا قضى حاجته، رجع ~~إلى ما كان فيه من العمل رغبة فى الخير واحتسابا له. فأنزل الله هذه ~~الآيات فى المؤمنين وفى المنافقين. والمراد بالأمر الجامع فى قوله { ~~وإذا كانوا معه على أمر جامع } الأمر الهام الذى ~~يستلزم اشتراك الجماعة فى شأنه، كالجهاد فى سبيل الله، وكالإعداد لعمل ~~من الأعمال العامة التى تهم المسلمين جميعا. والمعنى إن من شأن المؤمنين ~~الصادقين، الذين آمنوا بالله ورسوله حق الإيمان أنهم إذا كانوا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على أمر جامع من الأمور التى تقتضى اشتراكهم ~~فيه، لم يفارقوه ولم يذهبوا عنه، حتى يستأذنوه فى المفارقة أو فى الذهاب، ~~لأن هذا الاستئذان دليل على قوة الإيمان، وعلى حسن أدبهم مع نبيهم صلى ~~الله عليه وسلم. قال الآلوسى وقوله { وإذا كانوا معه على ~~أمر جامع... } معطوف على { آمنوا } داخل معه فى حيز الصلة، ~~والحصر باعتبار الكمال. أى إنما الكاملون فى الإيمان الذين آمنوا بالله ~~- تعالى -، وبرسوله صلى الله عليه وسلم من صميم قلوبهم، وأطاعوا فى جميع ~~الأحكام التى من جملتها ما فصل من قبل. وإذا كانوا معه صلى الله عليه ~~وسلم على أمر مهم يجب اجتماعهم فى شأنه كالجمعة والأعياد والحروب، وغيرها ~~من الأمور الداعية إلى الاجتماع... لم يذهبوا عنه صلى الله عليه وسلم { ~~حتى يستأذنوه } فى الذهاب فيأذن لهم... وخص - سبحانه - الأمر ~~الجامع بالذكر، للإشعار بأهميته ووجوب البقاء معه صلى الله عليه وسلم ~~حتى يعطيهم الإذن بالانصراف، إذ وجودهم معه يؤدى إلى مظاهرته صلى الله ~~عليه وسلم ومعاونته فى ms3785 الوصول إلى أفضل الحلول لهذا الأمر الهام. ثم مدح ~~- سبحانه - الذين لا يغادرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم - إذا ~~كانوا معه على أمر جامع حتى يستأذنوه فقال { إن الذين ~~يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ~~ورسوله }. أى إن الذين يستأذنونك فى تلك الأحوال الهامة، والتى ~~تستلزم وجودهم معك، أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله حق الإيمان، لأن ~~هذا الاستئذان فى تلك الأوقات دليل على طهارة نفوسهم، وصدق يقينهم، وصفاء ~~قلوبهم. # ثم بين - سبحانه - وظيفته - صلى الله عليه وسلم فقال { فإذا ~~استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم ~~واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم }. أى فإذا ~~استأذنك هؤلاء المؤمنون فى الانصراف، لقضاء بعض الأمور والشئون التى هم ~~فى حاجة إليها، فأنت مفوض ومخير فى إعطاء الإذن لبعضهم وفى منعه عن ~~البعض الآخر، إذ الأمر فى هذه المسألة متروك لتقديرك - أيها الرسول ~~الكريم -. وقوله - تعالى - { واستغفر لهم الله } فيه إشارة إلى ~~أنه كان الأولى بهؤلاء المؤمنين، أن يبقوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم ~~حتى ينتهوا من حل هذا الأمر الجامع الذى اجتمعوا مع الرسول صلى الله عليه ~~وسلم من أجله، وحتى يأذن لهم صلى الله عليه وسلم فى الانصراف دون أن ~~يطلبوا منه ذلك، فإن الاستئذان قبل البت فى الأمر الهام الذى يتعلق ~~بمصالح المسلمين جميعا، غير مناسب للمؤمنين الصادقين، ويجب أن يكون فى ~~أضيق الحدود، وأشد الظروف، ومع كل ذلك، فالله - تعالى - واسع المغفرة ~~لعباده عظيم الرحمة بهم. ثم أكد الله - تعالى - وجوب التوقير والتعظيم ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم فقال { لا تجعلوا دعآء الرسول ~~بينكم كدعآء بعضكم بعضا.. }. ولأهل العلم فى تفسير هذه ~~الآية أقوال من أهمها أن المصدر هنا وهو لفظ " دعاء " مضاف إلى مفعوله، ~~وهو الرسول صلى الله عليه وسلم على أنه مدعو، فيكون المعنى لا تجعلوا - ~~أيها المؤمنون - دعاءكم الرسول إذا دعوتموه، ونداءكم له إذا ما ناديتموه، ~~كدعاء أو نداء بعضكم لبعض، وإنما عليكم إذا ما ناديتموه أن تنادوه ~~بقولكم، يا نبى الله، أو يا ms3786 رسول الله، ولا يليق بكم أن تنادوه باسمه ~~مجردا، بأن تقولوا يا محمد. كما أن من الواجب عليكم أن تخفضوا أصواتكم ~~عند ندائه توقيرا واحتراما له صلى الله عليه وسلم والمتتبع للقرآن ~~الكريم، يرى أن الله - تعالى - لم يناد رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم ~~باسمه مجردا، وإنما ناداه بقوله يأيها المدثر، يأيها الرسول، يأيها ~~النبى.... وإذا كان اسمه صلى الله عليه وسلم قد ورد فى القرآن الكريم فى ~~أكثر من موضع، فإن وروده لم يكن فى معرض النداء، وإنما كان فى غيره كما ~~فى قوله - تعالى - # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم.. # فالآية الكريمة تنهى المؤمنين عن أن ينادوا أو يخاطبوا النبى صلى الله ~~عليه وسلم باسمه مجردا، كما يخاطب بعضهم بعضا. ومن العلماء من يرى أن ~~المصدر هنا مضاف إلى فاعله، فيكون المعنى لا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء ~~بعضكم بعضا، بل يجب عليكم متى دعاكم لأمر أن تلبوا أمره بدون تقاعس أو ~~تباطؤ. # وعلى كلا التفسيرين فالآية الكريمة تدل على وجوب توقير الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وتعظيمه. وشبيه بها قوله - تعالى - # يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق ~~صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر ~~بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا ~~تشعرون إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول ~~الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم ~~للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم # ثم حذر - سبحانه - المنافقين من سوء عاقبة أفعالهم فقال { قد يعلم ~~الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر ~~الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو ~~يصيبهم عذاب أليم }. وقد هنا للتحقيق. ويتسللون من التسلل، ~~وهو الخروج فى خفاء مع تمهل وتلصص. وقوله { لواذا } مصدر فى موضع ~~الحال أى ملاوذين. والملاوذة معناها الاستتار بشىء مخافة من يراك، أو هى ~~الروغان من شىء إلى شىء على سبيل الخفاء. أى إن الله - تعالى - عليم بحال ~~هؤلاء المنافقين الذين يخرجون من مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم فى خفاء ~~واستتار بحيث يخرجون من الجماعة قليلا قليلا، ms3787 يستتر بعضهم ببعض حتى ~~يخرجوا جميعا. قالوا وكان المنافقون تارة يخرجون إذا ارتقى الرسول صلى ~~الله عليه وسلم المنبر. ينظرون يمينا وشمالا. ثم يخرجون واحدا واحدا. ~~وتارة يخرجون من مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم وتارة يفرون من الجهاد ~~يعتذرون بالمعاذير الباطلة. وعلى أية حال فالآية الكريمة تصور خبث ~~نفوسهم، والتواء طباعهم، وجبن قلوبهم، أبلغ تصوير، حيث ترسم أحوالهم وهم ~~يخرجون فى خفاء متسللين، حتى لا يراهم المسلمون. والفاء فى قوله - تعالى ~~- { فليحذر... } لترتيب ما بعدها على ما قبلها، والضمير فى قوله { ~~عن أمره } يعود إلى النبى صلى الله عليه وسلم أو إلى الله - تعالى ~~- والمعنى واحد، لأن الرسول مبلغ عن الله - تعالى -. والمخالفة معناها أن ~~يأخذ كل واحد طريقا غير طريق الآخر فى حاله أو فعله. والمعنى فليحذر ~~هؤلاء المنافقون الذين يخالفون أمر النبى صلى الله عليه وسلم ويصدون ~~الناس عن دعوته. ويتباعدون عن هديه، فليحذروا من أن تصيبهم فتنة، أى بلاء ~~وكرب يتربت عليه افتضاح أمرهم، وانكشاف سرهم، { أو يصيبهم عذاب ~~أليم } يستأصلهم عن آخرهم، ولعذاب الآخرة اشد وأبقى. قال القرطبى ~~وبهذه الآية احتج الفقهاء على أن الأمر للوجوب، ووجهها أن الله - تعالى - ~~قد حذر من مخالفة أمره، وتوعد بالعقاب عليها بقوله { أن تصيبهم ~~فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } فتحرم مخالفته، ويجب امتثال ~~أمره ". ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله { ألا إن لله ~~ما في السماوات والأرض }. أى له - سبحانه - ما فى السموات ~~والأرض من موجودات خلقا وملكا وتصرفا وإيجادا { قد يعلم مآ ~~أنتم عليه } أيها المكلفون من طاعة أو معصية، ومن استجابة لأمره ~~أو عدم استجابة. { ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما ~~عملوا } أى ويعلم - سبحانه - أحوال خلقه جميعا يوم يرجعون إليه يوم ~~القيامة. فيجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب. { والله } - ~~تعالى - { بكل شيء عليم } بحيث لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا ~~فى السماء. ### | [25 - سورة الفرقان] ### || [25.1-3] # افتتحت السورة الكريمة بالثناء على الله - تعالى - ثناء يليق بجلاله ~~وكماله. ولفظ " تبارك " فعل ماض لا ms3788 يتصرف. أى لم يجىء منه مضارع ولا أمر ~~ولا اسم فاعل وهو مأخوذ من البركة بمعنى الكثرة من كل خير. وأصلها النماء ~~والزيادة. أى كثرة خيره وإحسانه، وتزايدت بركاته. أو مأخوذ من البركة ~~بمعنى الثبوت. يقال برك البعير، إذا أناخ فى موضعه فلزمه وثبت فيه. وكل ~~شىء ثبت ودام فقد برك. أى ثبت ودام خيره على خلقه. والفرقان القرآن. وسمى ~~بذلك لأنه يفرق بين الحق والباطل. ونذيرا من الإنذار، وهو الإعلام ~~المقترن بتهديد وتخويف. أى جل شأن الله - تعالى - وتكاثرت ودامت خيراته ~~وبركاته، لأنه - سبحانه - هو الذى نزل القرآن الكريم على عبده محمد صلى ~~الله عليه وسلم ليكون " للعالمين " أى للإنس وللجن " نذيرا " أى منذرا ~~إياهم بسوء المصير إن هم استمروا على كفرهم وشركهم. وفى التعبير بقوله - ~~تعالى - { تبارك } إشعار بكثرة ما يفيضه - سبحانه - من خيرات وبركات ~~على عباده، وأن هذا العطاء ثابت مستقر، وذلك يستلزم عظمته وتقدسه عن كل ~~ما لا يليق بجلاله - عز وجل -. ولم يذكر - سبحانه - لفظ الجلالة، واكتفى ~~بالاسم الموصول الذى نزل الفرقان، لإبراز صلته - سبحانه - وإظهارها فى ~~هذا المقام، الذى هو مقام إثبات صدق رسالته التى أوحاها إلى نبيه صلى ~~الله عليه وسلم. وعبر - سبحانه - ب { نزل } بالتضعيف، لنزول القرآن ~~الكريم مفرقا فى أوقات متعددة، لتثبيت فؤاد النبى صلى الله عليه وسلم. ~~ووصف الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم بالعبودية، وأضافها لذاته، ~~للتشريف والتكريم والتعظيم. وأن هذه العبودية لله - تعالى - هى ما يتطلع ~~إليه البشر. واختير الإنذار على التبشير. لأن المقام يقتضى ذلك، إذ أن ~~المشركين قد لجوا فى طغيانهم وتمادوا فى كفرهم وضلالهم، فكان من المناسب ~~تخويفهم من سوء عاقبة ما هم عليه من عناد. وهذه الآية الكريمة تدل على ~~عموم رسالته صلى الله عليه وسلم للناس جميعا. حيث قال - سبحانه - { ~~ليكون للعالمين نذيرا } أى لعالم الإنس وعالم الجن، وشبيه ~~بها قوله - تعالى - # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # وقوله - سبحانه - # قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا.. # ثم وصف - سبحانه - ذاته بجملة ms3789 من الصفات التى توجب له العبادة والطاعة ~~فقال { الذي له ملك السماوات والأرض } فهو الخالق لهما. ~~وهو المالك لأمرهما، لا يشاركه فى ذلك مشارك. والجملة الكريمة خبر لمبتدأ ~~محذوف. أو بدل من قوله { الذي نزل }. # { ولم يتخذ ولدا } فهو - سبحانه - منزه عن ذلك وعن كل ما من ~~شأنه أن يشبه الحوادث. { ولم يكن له شريك في الملك } بل ~~هو المالك وحده لكل شىء فى هذا الوجود. { وخلق كل شيء ~~فقدره تقديرا } أى وهو - سبحانه - الذى خلق كل شىء فى هذا ~~الوجود خلقا متقنا حكيما بديعا فى هيئته، وفى زمانه، وفى مكانه، وفى ~~وظيفته، على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته. وصدق الله إذ يقول # إنا كل شيء خلقناه بقدر # فجملة { فقدره تقديرا } بيان لما اشتمل عليه هذا الخلق من ~~إحسان واتقان فهو - سبحانه - لم يكتف بمجرد إيجاد الشىء من العدم، وإنما ~~أوجده فى تلك الصورة البديعة التى عبر عنها فى آية أخرى بقوله # ... صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه.. # قال صاحب الكشاف فإن قلت فى الخلق معنى التقدير. فما معنى قوله { ~~وخلق كل شيء فقدره تقديرا }. قلت معناه أنه أحدث كل ~~شىء إحداثا مراعى فيه التقدير والتسوية، فقدره وهيأه لما يصلح له. مثاله ~~أنه خلق الإنسان على هذا الشكل المقدر المسوى الذى تراه، فقدره للتكاليف ~~والمصالح المنوطة به فى بابى الدين والدنيا، وكذلك كل حيوان وجماد، جاء ~~به على الجبلة المستوية المقدرة بأمثلة الحكمة والتدبير... ثم بين - ~~سبحانه - بعد ذلك أن المشركين لم يفطنوا إلى ما اشتمل عليه هذا الكون من ~~تنظيم دقيق، ومن صنع حكيم يدل على وحدانية الله - تعالى - وقدرته، بل ~~إنهم - لانطماس بصائرهم - عبدوا مخلوقا مثلهم فقال - تعالى - { ~~واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم ~~يخلقون.. }. والضمير فى قوله { واتخذوا.. } يعود على المشركين ~~المفهوم من قوله { ولم يكن له شريك في الملك } أو من ~~المقام. أى واتخذ هؤلاء المشركون معبودات باطلة يعبدونها من دون الله - ~~عز وجل -، وهذه المعبودات لا تقدر على خلق شىء من الأشياء، ms3790 بل هى من ~~مخلوقات الله - تعالى -. وعبر عن هذه الآية بضمير العقلاء فى قوله { لا ~~يخلقون } جريا على اعتقاد الكفار أنها تضر وتنفع، أو لأن من بين من ~~اتخذوهم آلهة بعض العقلاء كالمسيح والعزير والملائكة.... وأيضا هؤلاء ~~الذين اتخذهم المشركون آلهة { لا يملكون لأنفسهم } فضلا عن ~~غيرهم { ضرا ولا نفعا } فهم لا يملكون دفع الضر عن أنفسهم، ولا ~~جلب النفع لذواتهم { ولا يملكون موتا ولا حياة ولا ~~نشورا } أى ولا يقدرون على إماتة الأحياء. ولا على إحياء الموتى فى ~~الدنيا، ولا على بعثهم ونشرهم فى الآخرة. فأنت ترى أن الله - تعالى - قد ~~وصف تلك الآلهة المزعومة بسبع صفات، كل صفة منها كفيلة بسلب صفة الألوهية ~~عنها، فكيف وقد اجتمعت هذه الصفات السبع فيها؟!! إن كل من يشرك مع الله - ~~تعالى - أحدا فى العبادة. لو تدبر هذه الآية وأمثالها من آيات القرآن ~~الكريم لأيقن واعتقد أن المستحق للعبادة والطاعة إنما هو الله رب ~~العالمين. ثم حكى - سبحانه - بعض الشبهات التى أثارها المشركون حول ~~القرآن الكريم الذى أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم فقال { وقال ~~الذين كفروا.... }. ### || [25.4-6] # الإفك أسوأ الكذب. يقال أفك فلان - كضرب وعلم - أفكا، إذا قال أشنع ~~الكذب وأقبحه. والزور فى الأصل تحسين الباطل. مأخوذ من الزور وهو الميل ~~وأطلق على الباطل زور لما فيه من الميل عن الصدق إلى الكذب، ومن الحق إلى ~~ما يخالفه. أى وقال الذين كفروا فى شأن القرآن الكريم الذى أنزله الله - ~~تعالى - على نبيه صلى الله عليه وسلم، ما هذا إلا كذب وبهتان { ~~افتراه } واختلقه محمد صلى الله عليه وسلم من عند نفسه، { ~~وأعانه عليه } أى وأعانه وساعده على هذا الاختلاق { قوم ~~آخرون } من اليهود أو غيرهم، كعداس - مولى حويطب بن عبد العزى - ويسار ~~- مولى العلاء بن الحضرمى - وأبى فكيهة الرومى. وكان هؤلاء من أهل الكتاب ~~الذين أسلموا. وقوله - تعالى - { فقد جآءوا ظلما وزورا } رد ~~على أقوال الكافرين الفاسدة وجاءوا بمعنى فعلوا، وقوله { ظلما } منصوب ~~به. والتنوين للتهويل. أى فقد فعل هؤلاء ms3791 الكافرون بقولهم هذا ظلما عظيما ~~وزورا كبيرا، حيث وضعوا الباطل موضع الحق، والكذب موضع الصدق. ويصح أن ~~يكون قوله { ظلما } منصوبا بنزع الخافض أى فقد جاءوا بظلم عظيم، وكذب ~~فظيع، انحرفوا به عن جادة الحق والصواب. ثم حكى - سبحانه - مقولة أخرى من ~~مقولاتهم الفاسدة فقال { وقالوا أساطير الأولين ~~اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا }. والأساطير ~~جمع أسطورة بمعنى أكذوبة واكتتبها أى أمر غيره بكتابتها له. أو جمعها من ~~بطون كتب السابقين. أى أن هؤلاء الكافرين لم يكتفوا بقولهم السابق فى شأن ~~القرآن، بل أضافوا إلى ذلك قولا آخر أشد شناعة وقبحا، وهو زعمهم أن هذا ~~القرآن أكاذيب الأولين وخرافاتهم، أمر الرسول صلى الله عليه وسلم غيره ~~بكتابتها له، وبجمعها من كتب السابقين { فهي } أى هذه الأساطير { ~~تملى عليه } أى تلقى عليه صلى الله عليه وسلم بعد اكتتابها ~~ليحفظها ويقرأها على أصحابه { بكرة وأصيلا } أى فى الصباح ~~والمساء أى تملى عليه خفية فى الأوقات التى يكون الناس فيها نائمين أو ~~غافلين عن رؤيتهم. وقد أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم ~~بالرد عليهم بما يخرس ألسنتهم فقال { قل أنزله الذي يعلم ~~السر في السماوات والأرض.. }. أى قل - أيها الرسول الكريم ~~- لهؤلاء الذين زعموا أن القرآن أساطير الأولين، وأنك افتريته من عند ~~نفسك، وأعانك على هذا الافتراء قوم آخرون.... قل لهم كذبتم أشنع الكذب ~~وأقبحه، فأنتم أول من يعلم بأن هذا القرآن له من الحلاوة والطلاوة، وله ~~من حسن التأثير ما يجعله - باعتراف - زعمائكم ليس من كلام البشر وإنما ~~الذى أنزله على هو الله - تعالى - الذى يعلم السر فى السموات والأرض، ~~أى يعلم ما خفى فيها ويعلم الأسرار جميعها فضلا عن الظواهر. # قال الآلوسى " قل " لهم ردا عليهم وتحقيقا للحق أنزله الله - تعالى - ~~الذى لا يعزب عن علمه شىء من الأشياء، وأودع فيه فنون الحكم والأسرار على ~~وجه بديع، لا تحوم حوله الأفهام، حيث أعجزكم قاطبة بفصاحته وبلاغته، ~~وأخبركم بمغيبات مستقبلة، وأمور مكنونة، لا يهتدى إليها ولا يوقف - إلا ~~بتوفيق الله ms3792 - تعالى - العليم الخبير عليها... ثم ختم - سبحانه - الآية ~~بما يفتح باب التوبة للتائبين، وبما يحرضهم على الإيمان والطاعة لله رب ~~العالمين فقال - تعالى - { إنه كان غفورا رحيما }. أى إنه - ~~سبحانه - واسع المغفرة والرحمة، لمن ترك الكفر وعاد إلى الإيمان، وترك ~~العصيان وعاد إلى الطاعة. قال الإمام ابن كثير وقوله { إنه كان ~~غفورا رحيما } دعاء لهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن رحمته ~~واسعة، وأن حلمه عظيم وأن من تاب إليه تاب عليه، فهؤلاء مع كذبهم. ~~وافترائهم. وفجورهم. وبهتهم. وقولهم عن الرسول والقرآن ما قالوا، يدعوهم ~~- سبحانه - إلى التوبة والإقلاع عما هم عليه من كفر إلى الإسلام والهدى. ~~كما قال - تعالى - # لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ~~وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا ~~عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب ~~أليم أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه ~~والله غفور رحيم # قال الحسن البصرى انظروا إلى هذا الكرم والجود. قتلوا أولياءه وهو ~~يدعوهم إلى التوبة. ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك شبهة ثالثة، تتعلق بشخصية ~~النبى صلى الله عليه وسلم حيث أنكروا أن يكون الرسول من البشر وأن يكون ~~آكلا للطعام وماشيا فى الأسواق، فقال - تعالى - { وقالوا مال ~~هذا.... }. ### || [25.7-11] # ذكر بعض المفسرين فى سبب نزول هذه الآيات أن جماعة من قريش قالوا للنبى ~~صلى الله عليه وسلم إن كنت تريد بما جئت به مالا جمعنا لك المال حتى تكون ~~أغنانا، وإن كنت تريد ملكا، جعلناك ملكا علينا... فقال صلى الله عليه ~~وسلم # " ما أريد شيئا مما تقولون، ولكن الله تعالى بعثنى إليكم رسولا، وأنزل ~~علي كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالة ربي، ~~ونصحت لكم. فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن ~~تردوه علي أصبر لأمر الله - تعالى - حتى يحكم بيني وبينكم ". # فقالوا فإن كنت غير قابل شيئا مما عرضنا عليك، فسل ربك أن يبعث معك ملكا ~~يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، وسله أن يجعل لك جنانا وقصورا... فقال لهم ~~صلى الله ms3793 عليه وسلم # " ما أنا بفاعل، وما أنا بالذى يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن ~~الله - تعالى - بعثنى بشيرا ونذيرا " # فأنزل الله تعالى فى قولهم ذلك... والضمير فى قوله - تعالى { وقالوا ~~} يعود إلى مشركى قريش و " ما " استفهامية بمعنى إنكار الوقوع ونفيه، وهى ~~مبتدأ، والجار والمجرور بعدها الخبر. وجملة " يأكل الطعام " حال من ~~الرسول. أى أن مشركى قريش لم يكتفوا بقولهم إن محمد صلى الله عليه وسلم ~~قد افترى القرآن، وإن القرآن أساطير الأولين. بل أضافوا إلى ذلك أنهم ~~قالوا على سبيل السخرية والتهكم والإنكار لرسالته كيف يكون محمدا صلى ~~الله عليه وسلم رسولا، وشأنه الذى نشاهده بأعيننا. أنه " يأكل الطعام " ~~كما يأكل سائر الناس " ويمشى فى الأسواق " أى ويتردد فيها كما نتردد طلبا ~~للرزق. " لولا أنزل إليه ملك " أى هلا أنزل إليه ملك يعضده ويساعده ويشهد ~~له بالرسالة " فيكون " هذا الملك " معه نذيرا " أى منذرا من يخالفه بسوء ~~المصير. " أو يلقى إليه " أى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم " كنز " أى ~~مال عظيم يغنيه عن التماس الرزق بالأسواق كسائر الناس، وأصل الكنز، جعل ~~المال بعضه على بعض وحفظه. من كنز التمر فى الوعاء، إذا حفظه. " أو تكون ~~له " صلى الله عليه وسلم " جنة يأكل منها " أى حديقة مليئة بالأشجار ~~المثمرة، لكى يأكل منها ونأكل معه من خيرها. " وقال الظالمون " فضلا من ~~كل ذلك " إن تتبعون " أى ما تتبعون " إلا رجلا مسحورا " أى مغلوبا على ~~عقله، ومصابا بمرض قد أثر فى تصرفاته. فأنت ترى أن هؤلاء الظالمين قد ~~اشتمل قولهم الذى حكاه القرآن عنهم - على ست قبائح - قصدهم من التفوه بها ~~صرف الناس عن اتباعه صلى الله عليه وسلم. # قال صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الآيات أى إن صح أنه رسول الله فما ~~باله حاله كمحالنا " يأكل الطعام " كما نأكل، ويتردد فى الأسواق لطلب ~~المعاش كما نتردد. يعنون أنه كان يجب أن يكون ملكا مستغنيا عن الأكل ~~والتعيش، ثم نزلوا عن اقتراحهم أن يكون ملكا إلى، اقتراح أن يكون ms3794 إنسانا ~~معه ملك، حتى يتساندا فى الإنذار والتخويف، ثم نزلوا - أيضا - فقالوا ~~وإن لم يكن مرفودا بملك، فليكن مرفودا بكنز يلقى إليه من السماء يستظهر ~~به ولا يحتاج إلى تحصيل المعاش. ثم نزلوا فاقتنعوا بأن يكون رجلا له ~~بستان يأكل منه ويرتزق... وأراد بالظالمين إياهم بأعيانهم. وضع الظاهر ~~موضع المضمر ليسجل عليهم بالظلم فيما قالوا.. وقد رد الله - تعالى - على ~~مقترحاتهم الفاسدة، بالتهوين من شأنهم و بالتعجيب من تفاهة تفكيرهم، ~~وبالتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم فقال { انظر ~~كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون ~~سبيلا }. أى انظر - أيها الرسول الكريم - إلى هؤلاء الظالمين، وتعجب ~~من تعنتهم، وضحالة عقولهم. وسوء أقاويلهم. حيث وصفوك تارة بالسحر. وتارة ~~بالشعر. وتارة بالكهانة. وقد ضلوا عن الطريق المستقيم فى كل ما وصفوك به. ~~وبقوا متحيرين فى باطلهم، دون أن يستطيعوا الوصول إلى السبيل الحق. وإلى ~~الصراط المستقيم. فالآية الكريمة تعجيب من شأنهم، واستعظام لما نطقوا به. ~~وحكم عليهم بالخيبة والضلال، وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما قالوه ~~فى شأنه. ثم أضاف - سبحانه - إلى هذه التسلية. تسلية أخرى لرسوله صلى ~~الله عليه وسلم فقال - تعالى - { تبارك الذي إن شآء جعل ~~لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ~~ويجعل لك قصورا }. أى جل شأن الله تعالى، وتكاثرت خيراته، فهو ~~- سبحانه - الذى - إن شاء - جعل لك فى هذه الدنيا - أيها الرسول الكريم - ~~خيرا من ذلك الذى اقترحوه من الكنوز والبساتين، بأن يهبك جنات عظيمة تجرى ~~من تحت أشجارها الأنهار، ويهبك قصورا فخمة ضخمة. ولكنه - سبحانه - لم يشأ ~~ذلك، لأن ما ادخره لك من عطاء كريم خير وأبقى. فقوله - تعالى - { إن ~~شآء } كلام معترض لتقييد عطاء الدنيا، أى إن شاء أعطاك فى الدنيا أكثر ~~مما اقترحوه، أما عطاء الآخرة فهو محقق ولا قيد عليه. وقوله - سبحانه - { ~~جنات تجري من تحتها الأنهار } تفسير لقوله { خيرا ~~من ذلك } فهو بدل أو عطف بيان. ثم انتقل - سبحانه - من الحديث عن ~~قبائحهم المتعلقة بوحدانية الله تعالى، ms3795 وبشخصية رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى الحديث عن رذيلة أخرى من رذائلهم المتكاثرة، ألا وهى إنكارهم ~~للبعث والحساب، فقال - تعالى - { بل كذبوا بالساعة ~~وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا }. # أى إن هؤلاء الكافرين لم يكتفوا باتخاذ آلهة من دون الله - تعالى -، ولم ~~يكتفوا بالسخرية من رسوله صلى الله عليه وسلم بل أضافوا إلى ذلك أنهم ~~كذبوا بيوم القيامة وما فيه من بعث وحشر وثواب وعقاب. والحال أننا ~~بقدرتنا وإرادتنا قد أعددنا وهيأنا لمن كذب بهذا اليوم سعيرا. أى نارا ~~عظيمة شديدة الاشتعال. وقال - سبحانه - { وأعتدنا لمن كذب ~~بالساعة } ولم يقل لمن كذب بها. للمبالغة فى التشنيع عليهم، والزجر ~~لهم، إذ أن التكذيب بها كفر يستحق صاحبه الخلود فى النار المستعرة. ثم ~~صور - سبحانه - حالهم عندما يعرضون على النار، وهلعهم عندما يلقون فيها، ~~كما بين - سبحانه - حال المتقين وما أعد لهم من نعيم مقيم، فقال - تعالى ~~- { إذا رأتهم من... }. ### || [25.12-16] # قوله تعالى { إذا رأتهم.. }. الضمير فيه يعود إلى " سعيرا " ~~والتغيظ فى الأصل إظهار الغيظ، وهو شدة الغضب الكامن فى القلب. والزفير ~~ترديد النفس من شدة الغم والتعب حتى تنتفخ منه الضلوع، فإذا ما اشتد كان ~~له صوت مسموع. والمعنى أن هؤلاء الكافرين الذين كذبوا بالساعة، قد أعتدنا ~~لهم بسبب هذا التكذيب نارا مستعرة، إذا رأتهم هذه النار من مكان بعيد ~~عنها. سمعوا لها غليانا كصوت من اشتد غضبه، وسمعوا لها زفيرا. أى صوتا ~~مترددا كأنها تناديهم به. فالآية الكريمة تصور غيظ النار من هؤلاء ~~المكذبين تصويرا مرعبا، يزلزل النفوس ويخيف القلوب. والتعبير بقوله - ~~تعالى - { من مكان بعيد } يزيد هذه الصورة رعبا وخوفا، لأنها لم ~~تنتظرهم إلى أن يصلوا إليها، بل هى بمجرد أن تراهم من مكان بعيد - ~~والعياذ بالله - يسمعون تغيظها وزفيرها وغضبها عليهم، وفرحها بإلقائهم ~~فيها. قال الآلوسى وإسناد الرؤية إليها حقيقة على ما هو الظاهر، وكذا ~~نسبة التغيظ والزفير فيما بعد، إذ لا امتناع فى أن يخلق الله تعالى النار ~~حية مغتاظة زافرة على الكفار، فلا حاجة إلى ms3796 تأويل الظواهر الدالة على أن ~~لها إدراكا كهذه الآية، وكقوله - تعالى - # يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من ~~مزيد # وقوله صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري # " شكت النار إلى ربها فقالت رب أكل بعضي بعضا، فأذن لها بنفسين نفس ~~في الشتاء ونفس في الصيف.. ". # ثم حكى - سبحانه - حالهم عندما يستقرون فيها فقال { وإذآ ألقوا ~~منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا }. ~~أى أن النار إن رأت هؤلاء المجرمين سمعوا لها ما يزعجهم ويفزعهم، { ~~وإذآ ألقوا منها مكانا ضيقا } أى وإذا ما طرحوا فيها فى ~~مكان ضيق منها، حالة كونهم { مقرنين } أى مقيدين بالأغلال بعضهم مع ~~بعض أو مع الشياطين الذين أضلوهم. { دعوا هنالك } أى تنادوا ~~هنالك فى ذلك المكان بقولهم { ثبورا } أى هلاكا وخسرانا يقال فلان ~~ثبره الله - تعالى - أى أهلكه إهلاكا لا قيام له منه. أى يقولون عندما ~~يلقون فيها، يا هلاكنا أقبل فهذا أوانك، فإنك أرحم بنا مما نحن فيه. ووصف ~~- سبحانه - المكان الذى يلقون فيه بالضيق، للإشارة إلى زيادة كربهم، فإن ~~ضيق المكان يعجزهم عن التفلت والتململ. هنا يسمعون من يقول لهم على سبيل ~~الزجر والسخرية المريرة، { لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا ~~وادعوا ثبورا كثيرا }. أى اتركوا اليوم طلب الهلاك الواحد. ~~واطلبوا هلاكا كثيرا لا غاية لكثرته، ولا منتهى لنهايته. قال صاحب الكشاف ~~قوله { وادعوا ثبورا كثيرا } أى أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم ~~فيه واحدا، وإنما هو ثبور كثير، إما لأن العذاب أنواع وألوان كل نوع منها ~~ثبور لشدته وفظاعته، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها، فلا غاية ~~لهلاكهم. # ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم ما أعده - ~~سبحانه - لعباده المتقين، فقال { قل أذلك خير أم جنة ~~الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزآء ~~ومصيرا لهم فيها ما يشآءون خالدين كان على ~~ربك وعدا مسئولا }. واسم الإشارة. ذلك يعود إلى ما ذكر من ~~العذاب المهين لهم والاستفهام للتقريع والتهكم. والعائد إلى الموصول ~~محذوف، أى وعدها ms3797 الله - تعالى - للمتقين، وإضافته الجنة إلى الخلد للمدح ~~وزيادة السرور للذين وعدهم الله - تعالى - بها. أى قل - أيها الرسول ~~الكريم - لهؤلاء الكافرين، أذلك العذاب المهين الذى أعد لكم خير، أم جنة ~~الخلد التى وعدها الله - تعالى - للمتقين، والتى { كانت لهم } بفضل ~~الله وكرمه { جزآء } على أعمالهم الصالحة { ومصيرا } طيبا يصيرون ~~إليه. { لهم فيها } فى تلك الجنة { ما يشآءون } أى ما يشاءونه ~~من خيرات وملذات حالمة كونهم { خالدين } فيها خلودا أبديا. { كان ~~على ربك وعدا مسئولا } أى كان ذلك العطاء الكريم الذى ~~تفضلنا به على عبادنا المتقين ووعدناهم به، من حقهم أن يسألونا تحقيقه ~~لعظمه وسمو منزلته، كما قال - تعالى - حكاية عنهم فى آية أخرى # ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا ~~يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد # وعلى هذا المعنى يكون قولا { مسئولا } بمعنى جديرا أن يسأل عنه ~~المؤمنون لعظم شأنه. ويجوز أن يكون السائلون عنه الملائكة، كما فى قوله - ~~تعالى - # ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم.. # ويرى بعضهم أن المعنى، كان ذلك العطاء للمؤمنين وعدا منا لهم، ونحن ~~بفضلنا وكرمنا سننفذ هذا الوعد، قال - تعالى - # وعد الله لا يخلف الله وعده... # هذا، وقد تكلم العلماء هنا عن المراد بلفظ " خير " فى قوله - تعالى - { ~~قل أذلك خير أم جنة الخلد } وقالوا إن هذا اللفظ صيغة ~~تفضيل، والمفضل عليه هنا وهو العذاب لا خير فيه البته، فكيف عبر - سبحانه ~~- بلفظ خير؟ وقد أجابوا عن ذلك بأن المفاضلة هنا غير مقصودة، وإنما ~~المقصود هو التهكم بهؤلاء الكافرين الذين آثروا الضلالة على الهداية، ~~واستحبوا الكفر على الإيمان. قال أبو حيان - رحمه الله - و " خير " هنا ~~ليست تدل على الأفضلية، بل هى على ما جرت به عادة العرب فى بيان فضل ~~الشىء، وخصوصيته بالفضل دون مقابلة. كقول الشاعر فشر كما لخير كما ~~الفداء... وكقول العرب الشقاء أحب إليك أم السعادة. وكقوله - تعالى - ~~حكاية عن يوسف - عليه السلام - # رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه # ثم تنتقل السورة الكريمة إلى الحديث عن حالهم عندما ms3798 يعرضون هم وآلهتهم ~~للحشر والحساب يوم القيامة، وقد وقفوا جميعا أمام ربهم للسؤال والجواب، ~~قال - تعالى - { ويوم يحشرهم... }. ### || [25.17-19] # قوله - تعالى - { ويوم } منصوب على المفعولية بفعل مقدر، والمقصود ~~من ذكر اليوم تذكيرهم بما سيحدث فيه من أهوال حتى يعتبروا ويتعظوا، ~~والضمير فى " يحشرهم " للكافرين الذين عبدوا غير الله - تعالى -. وقوله { ~~وما يعبدون من دون الله } معطوف على مفعول " يحشرهم " ~~والمراد بهؤلاء الذين عبدوهم من دون الله الملائكة وعزير وعيسى وغيرهم من ~~كل معبود سوى الله - تعالى -. والمعنى واذكر لهم - أيها الرسول الكريم - ~~حالهم لعلهم أن يعتبروا يوم نحشرهم جميعا للحساب والجزاء يوم القيامة، ~~ونحشر ونجمع معهم جميع الذين كانوا يعبدونهم غيرى. ثم نوجه كلامنا لهؤلاء ~~المعبودين من دونى فأقول لهم أانتم - أيها المعبودون - كنتم السبب فى ~~ضلال عبادى عن إخلاص العبادة لى، بسبب إغرائكم لهم بذلك أم هم الذين من ~~تلقاء أنفسهم قد ضلوا السبيل، بسبب إيثارهم الغى على الرشد، والكفر على ~~الإيمان؟ والسؤال للمعبودين إنما هو من باب التقريع للعابدين، وإلزامهم ~~الحجة وزيادة حسرتهم، وتبرئة ساحة المعبودين. وشبيه بهذه الآية قوله - ~~تعالى - # وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال ~~سبحانك # وقوله - عز وجل - # ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة ~~أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك ~~أنت ولينا من دونهم.. # قال الإمام الرازى ما ملخصه فإن قيل إنه - سبحانه - عالم فى الأزل بحال ~~المسئول عنه فما فائدة السؤال؟. والجواب هذا استفهام على سبيل التقريع ~~للمشركين، كما قال - سبحانه - لعيسى # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله # ولأن أولئك المعبودين لما برءوا أنفسهم وأحالوا ذلك الضلال عليهم، صار ~~تبرؤ المعبودين عنهم أشد فى حسرتهم وحيرتهم. وقال - سبحانه - { أم ~~هم ضلوا السبيل } ولم يقل. ضلوا عن السبيل، للإشعار بأنهم قد ~~بلغوا فى الضلال أقصاه ومنتهاه. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما أجاب به ~~المعبودون فقال { قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنآ أن ~~نتخذ من دونك من أوليآء ولكن متعتهم ~~وآبآءهم حتى ms3799 نسوا الذكر وكانوا قوما بورا }. أى ~~قال المعبودون لخالقهم - عز وجل - " سبحانك " أى ننزهك تنزيها تاما عن ~~الشركاء وعن كل ما لا يليق بجلالك وعظمتك، وليس للخلائق جميعا أن يعبدوا ~~أحدا سواك. ولا يليق بنا نحن أو هم أن نعبد غيرك، وأنت يا مولانا الذى ~~أسبغت عليهم وعلى آبائهم الكثير من نعمك. " حتى نسوا الذكر " أى حتى ~~تركوا ما أنزلته عليهم على ألسنة رسلك من الدعوة إلى عبادتك وحدك لا شريك ~~لك " وكانوا " بسبب ذلك " قوما بورا " أى هلكى، جمع بائر من البوار وهو ~~الهلاك. # قال القرطبى وقوله { بورا } أى هلكى قاله ابن عباس... وقال الحسن " ~~بورا " أى لا خير فيهم، مأخوذ من بوار الأرض، وهو تعطيلها عن الزرع فلا ~~يكون فيها خير. وقال شهر بن حوشب البوار الفساد والكساد، من قولهم ~~بارت السلعة إذا كسدت كساد الفساد... وهو اسم مصدر يستوى فيه الواحد ~~والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث. وهكذا، يتبرأ المعبودون من ضلال ~~عابديهم، ويوبخونهم على جحودهم لنعم الله - تعالى - وعلى عبادتهم لغيره. ~~ويعترفون لخالقهم - عز وجل - بأنه لا معبود بحق سواه. وهنا يوجه - سبحانه ~~- خطابه إلى هؤلاء العابدين الجهلاء الكاذبين فيقول { فقد ~~كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا ~~نصرا... }. أى قال الله - تعالى - لهؤلاء الكافرين على سبيل التقريع ~~والتبكيت والآن لقد رأيتم تكذيب من عبدتموهم لكم، وقد حق عليكم العذاب ~~بسبب كفركم وكذبكم، وصرتم لا تملكون له " صرفا " أى دفعا بأية صورة من ~~الصور. وأصل الصرف رد الشىء من حالة إلى حالة أخرى، ولا تملكون له - أيضا ~~- " نصرا " أى فردا من أفراد النصر لا من جهة أنفسكم، ولا من جهة غيركم، ~~بل لقد حل بكم العذاب حلولا لا فكاك لكم منه بأى وسيلة من الوسائل. " ومن ~~يظلم منكم " أى ومن يكفر بالله - تعالى - منكم أيها المكلفون بالإيمان " ~~نذقه عذابا كبيرا " لا يقادر قدره فى الخزى والهوان. قال صاحب الكشاف هذه ~~المفاجأة بالاحتجاج والإلزام - فى قوله { فقد كذبوكم } حسنة ~~رائعة، خاصة إذا انضم إليها الالتفات، وحذف القول، ونحوها قوله ms3800 - تعالى - # يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم ~~على فترة من الرسل أن تقولوا ما جآءنا من ~~بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير.. # وقول القائل # قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ثم القفول فقد جئنا خراسانا # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أقامت الحجة على الكافرين بطريقة تخرس ~~ألسنتهم، وتجعلهم أهلا لكل ما يقع عليهم من عذاب أليم. ثم تعود السورة ~~مرة أخرى إلى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى الرد على شبهات ~~أعدائه فتقول { ومآ أرسلنا قبلك... }. ### || [25.20] # أى وما أرسلنا قبلك - أيها الرسول الكريم - أحدا من رسلنا، إلا وحالهم ~~وشأنهم أنهم يأكلون الطعام الذى يأكله غيرهم من البشر. ويمشون فى الأسواق ~~كما يمشى غيرهم من الناس، طلبا للرزق. وإذا فقول المشركين فى شأنك " مال ~~هذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق " قول يدل على جهالاتهم وسوء ~~نياتهم فلا تتأثر به، ولا تلتفت إليه، فأنت على الحق وهم على الباطل. ~~وقوله - تعالى - { وجعلنا بعضكم لبعض فتنة } بيان لسنة ~~من سنن الله - تعالى - فى خلقه، اقتضتها حكمته ومشيئته. أى اختبرنا بعضكم ~~ببعض، وبلونا بعضكم ببعض، ليظهر قوى الإيمان من ضعيفه، إذ أن قوى ~~الإيمان لتصديقه بقضاء الله وقدره يثبت على الحق ويلتزم بما أمره الله - ~~تعالى - به، أما ضعيف الإيمان فإنه يحسد غيره على ما آتاه الله - تعالى ~~- من فضله. كما حسد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم على منصب ~~النبوة الذى أعطاه الله - تعالى - إياه # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # قال القرطبى قوله - تعالى - { وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ~~أتصبرون } أى إن الدنيا دار بلاء وامتحان، فأراد - سبحانه - أن ~~يجعل بعض العبيد فتنة لبعض على العموم فى جميع الناس، فالصحيح فتنة ~~للمريض. والغنى فتنة للفقير.. ومعنى هذا، أن كل واحد مختبر بصاحبه، ~~فالغنى ممتحن بالفقير، فعليه أن يواسيه ولا يسخر منه، والفقير ممتحن ~~بالغنى، فعليه أن لا يحسده. ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه، وأن يصبر كل واحد ~~منهما على الحق.. والرسول ms3801 المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس من ~~الكفار فى عصره... فالفتنة أن يحسد المبتلى المعافى. والصبر أن يحبس ~~كلاهما نفسه، هذا عن البطر وذاك عن الضجر.. والاستفهام فى قوله - تعالى - ~~{ أتصبرون } للتقرير أى أتصبرون على هذا الابتلاء والاختبار ~~فتنالوا من الله - تعالى - الأجر، أم لا تصبرون فيزداد همكم وغمكم؟ ويصح ~~أن يكون الاستفهام بمعنى الأمر. أى اصبروا على هذا الابتلاء كما فى قوله ~~- تعالى - # ... وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين ~~أأسلمتم... # أى أسلموا... وكما فى قوله - سبحانه - # فهل أنتم منتهون # أى انتهوا عن الخمر والميسر. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { ~~وكان ربك بصيرا } أى وكان ربك أيها - الرسول الكريم - بصيرا ~~بأحوال النفوس الطاهرة والخفية، وبتقلبات القلوب وخلجاتها. فاصبر على أذى ~~قومك، فإن العاقبة لك ولأتباعك المؤمنين. فهذا التذييل فيه ما فيه من ~~التسلية والتثبيت لفؤاد النبى صلى الله عليه وسلم. ثم حكت السورة للمرة ~~الرابعة تطاول المشركين وجهالاتهم، وردت عليهم بما يخزيهم، وبينت ما أعد ~~لهم من عذاب فى يوم لا ينفعهم فيه الندم. قال - تعالى - { وقال ~~الذين لا يرجون... }. ### || [25.21-29] # قال الفخر الرازى اعلم أن قوله - تعالى - { وقال الذين لا ~~يرجون لقآءنا } هو الشبهة الرابعة لمنكرى نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم وحاصلها لماذا لم ينزل الله الملائكة حتى يشهدوا أن محمدا محق ~~فى دعواه، أو نرى ربنا حتى يخبرنا بأنه أرسله إلينا.. والرجاء الأمل ~~والتوقع لما فيه خير ونفع. وفسره بعضهم بمجرد التوقع الذى يشمل ما يسر ~~وما يسوء، وفسره بعضهم هنا بأن المراد به الخوف. والمراد بلقائه - سبحانه ~~- الرجوع إليه يوم القيامة للحساب والجزاء. أى وقال الكافرون الذين لا ~~أمل عندهم فى لقائنا يوم القيامة للحساب والجزاء لأنهم ينكرون ذلك، ولا ~~يبالون به، ولا يخافون أهواله. قالوا - على سبيل التعنت والعناد - هلا ~~أنزل علينا الملائكة لكى يخبرونا بصدق محمد صلى الله عليه وسلم أو هلا ~~نرى ربنا جهرة ومعاينة ليقول لنا إن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول من ~~عندى! وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # .. أو تأتي ms3802 بالله والملائكة قبيلا # أى ليشهدوا بصدقك، وقد رد الله - تعالى - عليهم بقوله { لقد ~~استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا }. والعتو ~~تجاوز الحد فى الظلم والعدوان. يقال عتا فلان يعتو عتوا، إذا تجاوز حده ~~فى الطغيان. أى والله لقد أضمر هؤلاء الكافرون الاستكبار عن الحق فى ~~أنفسهم المغرورة، وتجاوزوا كل حد فى الطغيان تجاوزا كبيرا، حيث طلبوا ~~مطالب هى أبعد من أن ينالوها بعد الأرض عن السماء. وصدق الله إذ يقول # ... إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه.. # ووصف - سبحانه - عتوهم بالكبر للدلالة على إفراطهم فيه، وأنهم قد وصلوا ~~فى عتوهم إلى الغاية القصوى منه. ثم بين - سبحانه - الحالة التى يرون ~~فيها الملائكة فقال { يوم يرون الملائكة لا بشرى ~~يومئذ للمجرمين }. أى لقد طلب هؤلاء الظالمون نزول الملائكة ~~عليهم، ورؤيتهم لهم. ونحن سنجيبهم إلى ما طلبوه ولكن بصورة أخرى تختلف ~~اختلافا كليا عما يتوقعونه، إننا سنريهم الملائكة عند قبض أرواحهم وعند ~~الحساب بصورة تجعل هؤلاء الكافرين يفزعون ويهلعون. بصورة لا تبشرهم بخير ~~ولا تسرهم رؤيتهم معها، بل تسوءهم وتحزنهم، كما قال - تعالى - # ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ~~يضربون وجوههم وأدبارهم.. # وكما قال - سبحانه - # فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم ~~وأدبارهم # فالآية الكريمة مسوقة على سبيل الاستئناف. لبيان حالهم الشنيعة عندما ~~تنزل عليهم الملائكة. بعد بيان تجاوزهم الحد فى الطغيان وفى طلب ما ليس ~~من حقهم. والمراد بالملائكة هنا ملائكة العذاب الذين يقبضون أرواحهم، ~~والذين يقودونهم إلى النار يوم القيامة. وقال - سبحانه - { يوم ~~يرون الملائكة. # .. } ولم يقل يوم تنزل الملائكة، للإيذان من أول الأمر بأن رؤيتهم لهم ~~ليست على الطريقة التى طلبوها، بل على وجه آخر فيه ما فيه من العذاب ~~المهين لهؤلاء الكافرين. وجاء نفى البشرى لهم بلا النافية للجنس للمبالغة ~~فى نفى أى بارقة تجعلهم يأملون فى أن ما نزل بهم من سوء، قد يتزحزح عنهم ~~فى الحال أو الاستقبال. قال الجمل فى حاشيته وقوله { لا بشرى ~~يومئذ للمجرمين } هذه الجملة معمولة لقول مضمر. أى يرون ~~الملائكة ms3803 يقولون لا بشرى. فالقول حال من الملائكة وهو نظير التقدير فى ~~قوله - تعالى - # ... والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليكم... # وكل من الظرف والجار والمجرور خبر عن لا النافية للجنس. وقوله - تعالى - ~~{ ويقولون حجرا محجورا } تأكيد لما قبله من أنه لا خير ~~لهؤلاء الكافرين من وراء رؤيتهم للملائكة. والحجر - بكسر الحاء وفتحها - ~~الحرام، وأصله المنع. ومحجورا صفة مؤكدة للمعنى، كما فى قولهم موت مائت. ~~وليل أليل. وحرام محرم. قال الآلوسى وهى - أى حجرا محجورا - كلمة تقولها ~~العرب عند لقاء عدو موتور، وهجوم نازلة هائلة، يضعونها موضع الاستعاذة، ~~حيث يطلبون من الله - تعالى - أن يمنع المكروه فلا يلحقهم، فكأن المعنى، ~~نسأل الله - تعالى - أن يمنع ذلك منعا، ويحجره حجرا. وقال الخليل كان ~~الرجل يرى الرجل الذى يخاف منه القتل فى الجاهلية فى الأشهر الحرم فيقول ~~حجرا محجورا. أى حرام عليك التعرض لى فى هذا الشهر فلا يبدأ بشر. ~~والقائلون لهذا القول يرى بعضهم أنهم الملائكة، فيكون المعنى تقول ~~الملائكة للكفار حجرا محجورا. أى حراما محرما أن تكون لكم اليوم بشرى. أو ~~أن يغفر الله لكم، أو أن يدخلكم جنته. وقد رجح ابن جرير ذلك فقال ما ~~ملخصه وإنما اخترنا أن القائلين هم الملائكة من أجل أن الحجر هو الحرام. ~~فمعلوم أن الملائكة هى التى تخبر أهل الكفر، أن البشرى عليهم حرام... ~~ويبدو لنا أنه لا مانع من أن يكون هذا القول من الكفار، فيكون المعنى أن ~~هؤلاء الكفار الذين طلبوا نزول الملائكة عليهم ليشهدوا لهم بصدق الرسول ~~صلى الله عليه وسلم عندما يرونهم عند الموت أو عند الحساب يقولون لهم ~~بفزع وهلع " حجرا محجورا " أى حراما محرما عليكم أن تنزلوا بنا العذاب، ~~فنحن لم نرتكب ما نستحق بسببه هذا العذاب المهين، ولعل مما يشهد لهذا ~~المعنى قوله - تعالى - # الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ~~فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن ~~الله عليم بما كنتم تعملون فادخلوا أبواب ~~جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين # وعلى كلا الرأيين فالجملة الكريمة ms3804 تؤكد سوء عاقبة الكافرين. ثم ساق - ~~سبحانه - بعد ذلك وعيدا آخر لهؤلاء الكافرين فقال { وقدمنآ إلى ~~ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء منثورا }. # والهباء الشىء الدقيق الذى يخرج من النافذة مع ضوء الشمس شبيها بالغبار. ~~والمنثور المتفرق فى الجو بحيث لا يتأتى جمعه أو حصره. أى وقدمنا وقصدنا ~~وعمدنا - بإرادتنا وحكمتنا إلى ما عمله هؤلاء الكافرون من عمل صالح فى ~~الدنيا - كالإحسان إلى الفقراء، والإنفاق فى وجوه الخير - فجعلناه ~~باطلا ضائعا، ممزقا كل ممزق، لأنهم فقدوا شرط قبوله عندنا، وهو إخلاص ~~العبادة لنا. فقد شبه - سبحانه - أعمالهم الصالحة فى الدنيا فى عدم ~~انتفاعهم بها يوم القيامة - بالهباء المنثور، الذى تفرق وتبدد وصار لا ~~يرجى خير من ورائه لحقارته وتفاهته. ثم بين - سبحانه - ما سيكون عليه ~~أصحاب الجنة من نعيم مقيم يوم القيامة فقال { أصحاب الجنة ~~يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا }. والمستقر المكان ~~الذى يستقر فيه الإنسان فى أغلب وقته. والمقيل المكان الذى يؤوى إليه فى ~~وقت القيلولة للاستراحة من عناء الحر. أى " أصحاب الجنة يومئذ " أى يوم ~~القيامة " خير مستقرا " أى خير مكانا ومنزلا فى الجنة، مما كان عليه ~~الكافرون فى الدنيا من متاع زائل، ونعيم حائل " وأحسن مقيلا " أى وأحسن ~~راحة وهناء ومأوى، مما فيه الكافرون من عذاب مقيم. وقد استنبط بعض ~~العلماء. من هذه الآية أن حساب أهل الجنة يسير، وأنه ينتهى فى وقت قصير، ~~لا يتجاوز نصف النهار. قالوا لأن قوله - تعالى - { وأحسن مقيلا } ~~يدل على أنهم فى وقت القيلولة، يكونون فى راحة ونعيم، ويشير إلى ذلك قوله ~~- تعالى - # فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب ~~حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا # وأما أهل النار - والعياذ بالله - فهم ليسوا كذلك لأن حسابهم غير يسير. ~~وقد ساق ابن كثير فى هذا المعنى آثارا منها أن سعيد الصواف قال بلغنى أن ~~يوم القيامة يقصر على المؤمن حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس ~~وأنهم ليقيلون فى رياض الجنة. ثم وصف - سبحانه - بعض الأهوال التى تحدث ~~فى هذا اليوم ms3805 فقال { ويوم تشقق السمآء بالغمام ~~ونزل الملائكة تنزيلا }. وقوله { تشقق } أصله تتشقق ~~بمعنى تتفتح. والباء يصح أن تكون بمعنى عن، وأن تكون للسببية أى بسبب ~~طلوعه منها، وأن تكون للحال، أى ملتبسة بالغمام. والغمام اسم جنس جمعى ~~لغمامة. وهى السحاب الأبيض الرقيق سمى بذلك لأنه يغم ما تحته، أى يستره ~~ويخفيه. والمعنى واذكر - أيها العاقل لتعتبر وتتعظ - أهوال يوم القيامة. ~~يوم تتفتح السماء وتتشقق بسبب طلوع الغمام منها، ونزول الملائكة منها ~~تنزيلا عجيبا غير معهود. قال صاحب الكشاف ولما كان انشقاق السماء بسبب ~~طلوع الغمام منها جعل الغمام كأنه الذى تشقق به السماء، كما تقول شق ~~السنام بالشفرة وانشق بها، ونظيره قوله - تعالى - # السمآء منفطر به.. # فإن قلت أى فرق بين قولك انشقت الأرض بالنبات، وانشقت عنه؟ قلت معنى ~~انشقت به، أن الله شقها بطلوعه فانشقت به. ومعنى انشقت عنه أن التربة ~~ارتفعت عند طلوعه. والمعنى أن السماء تتفتح بغمام يخرج منها، وفى الغمام ~~الملائكة ينزلون وفى أيديهم صحف أعمال العباد. وقوله - تعالى - { ~~الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على ~~الكافرين عسيرا }. لفظ " الملك " مبتدأ، و " يومئذ " ظرف للمبتدأ ~~و " الحق " نعت له و " للرحمن " خبره. أى الملك الثابت الذى لا يزول، ولا ~~يشاركه فيه أحد للرحمن يومئذ، وكان هذا اليوم عسيرا على الكافرين، لشدة ~~الهول والعذاب الذى يقع عليهم فيه. وخص - سبحانه - ثبوت الملك له فى هذا ~~اليوم بالذكر، مع أنه - تعالى - هو المالك لهذا الكون فى هذا اليوم وفى ~~غيره، للرد على الكافرين الذين زعموا أن أصنامهم ستشفع لهم يوم القيامة، ~~ولبيان أن ملك غيره - سبحانه - فى الدنيا. إنما هو ملك صورى زائل، أما ~~الملك الثابت الحقيقى فهو لله الواحد القهار. قال ابن كثير وفى الصحيح # " أن الله يطوى السموات بيمينه، ويأخذ الأرضين بيده الأخرى ثم يقول أنا ~~الملك. أنا الديان. أين ملوك الأرض أين الجبارون. أين المتكبرون ". # ثم صور - سبحانه - ما سيكون عليه الكافرون يوم القيامة من حسرة وندامة، ~~تصويرا بليغا، مؤثرا فقال { ويوم يعض الظالم على ms3806 يديه ~~يقول يليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يويلتى ~~ليتني لم أتخذ فلانا خليلا }. وقد ذكر المفسرون فى سبب ~~نزول هذه الآيات أن عقبة بن أبى معيط دعا النبى صلى الله عليه وسلم لحضور ~~طعام عنده، فقال له النبى صلى الله عليه وسلم لا آكل من طعامك حتى تنطق ~~بالشهادتين. فنطق بهما. فبلغ ذلك صديقه أمية بن خلف أو أخاه أبى بن خلف، ~~فقال له يا عقبة بلغنى أنك أسملت. فقال له لا. ولكن قلت ما قلت تطييبا ~~لقلب محمد صلى الله عليه وسلم حتى يأكل من طعامى. فقال له كلامك على حرام ~~حتى تفعل كذا وكذا بمحمد صلى الله عليه وسلم ففعل الشقى ما أمره به صديقه ~~الذى لا يقل شقاوة عنه. أما عقبة فقد أمر النبى صلى الله عليه وسلم بقتله ~~فى غزوة بدر وأما أبى بن خلف فقد طعنه النبى صلى الله عليه وسلم فى غزوة ~~أحد طعنة لم يبق بعدها سوى زمن يسير ثم هلك. وعلى اية حال فإن الآيات وإن ~~كانت قد نزلت فى هذين الشقيين. # فإنها تشمل كل من كان على شاكلتهما فى الكفر والعناد، إذ العبرة بعموم ~~اللفظ لا بخصوص السبب. وعض اليدين كناية عن شدة الحسرة والندامة والغيظ، ~~لأن النادم ندما شديدا، يعض يديه. وليس أحد أشد ندما يوم القيامة من ~~الكافرين. قال - تعالى - # وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا ~~الأغلال في أعناق الذين كفروا... # والمعنى واذكر - أيها العاقل - يوم القيامة وما فيه من حساب وجزاء، يوم ~~يعض الظالم على يديه من شدة غيظه وندمه وحسرته. ويقول فى هذا اليوم { ~~يليتني اتخذت مع الرسول سبيلا }. أى يا ليتنى سلكت ~~معه طريق الحق الذى جاء به، واتبعته فى كل ما جاء به من عند ربه. { ~~يويلتى } أى ثم يقول هذا الظالم يا هلاكى أقبل فهذا أوان إقبالك، ~~فهذه الكلمة تستعمل عند وقوع داهية دهياء لا نجاة منها، وكأن المتحسر ~~ينادى ويلته ويطلب حضورها بعد تنزيلها منزلة من يفهم نداءه. { ليتني ~~لم أتخذ فلانا خليلا ms3807 } أى ليتنى لم أتخذ فلانا الذى أضلنى ~~فى الدنيا صديقا وخليلا لى. والمراد بفلان كل من أضل غيره وصرفه عن طريق ~~الحق، ويدخل فى ذلك دخولا أوليا أبى بن خلف. { لقد أضلني عن ~~الذكر بعد إذ جآءني } أى والله لقد أضلنى هذا الصديق المشئوم ~~عن الذكر أى عن الهدى بعد إذ جاءنى الرسول صلى الله عليه وسلم فالجملة ~~الكريمة تعليل لتمنيه المذكور، وتوضيح لتملله. وأكده بلام القسم للمبالغة ~~فى بيان شدة ندمه وحسرته. والمراد بالذكر هنا ما يشمل القرآن الكريم، وما ~~يشمل غيره من توجيهات النبى صلى الله عليه وسلم وفى التعبير بقوله { ~~بعد إذ جآءني } إشعار بأن هدى الرسول صلى الله عليه وسلم قد وصل ~~إلى هذا الشقى، وكان فى إمكانه أن ينتفع به. ثم ختم - سبحانه - الآية ~~بقوله { وكان الشيطان للإنسان خذولا } أى وكان الشيطان ~~دائما وأبدا. خذولا للإنسان. أى صارفا إياه عن الحق، محرضا له على ~~الباطل، فإذا ما احتاج الإنسان إليه خذله وتركه وفر عنه وهو يقول إنى ~~برىء منك. يقال خذل فلان فلانا، إذا ترك نصرته بعد أن وعده بها. وهكذا ~~تكون عاقبة الذين يتبعون أصدقاء السوء، وصدق الله إذ يقول # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # ومن الأحاديث التى وردت فى الأمر باتخاذ الصديق الصالح، وبالنهى عن ~~الصديق الطالح، ما رواه الشيخان عن أبى موسى الأشعرى أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال # " مثل الجليس الصالح وجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك ~~إما أن يحذيك. وإما أن تبتاع منه. وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ ~~الكير، إما أن يحرق ثوبك. وإما أن تجد منه ريحا خبيثة ". # ثم بين - سبحانه - ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم فى شأن هؤلاء ~~المشركين، وما قالوه فى شأن القرآن الكريم، وما رد به - سبحانه - عليهم، ~~فقال - تعالى - { وقال الرسول... }. ### || [25.30-34] # قوله - سبحانه - { وقال الرسول... } معطوف على قوله - تعالى - ~~قبل ذلك # وقال الذين لا يرجون.. # وما بينهما اعتراض مسوق لاستعظام قبح ما قالوه ولبيان ms3808 ما يحل بهم بسببه ~~من عذاب. أى وقال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم متضرعا وشاكيا لربه " ~~يارب إن قومي " الذين أرسلتنى إليهم قد " اتخذوا هذا القرآن " المشتمل ~~على ما يهديهم إلى الرشد وعلى ما يسعدهم فى دنياهم وآخرتهم، قد اتخذوه " ~~مهجورا " أى متروكا فقد تركوا تصديقه، وتركوا العمل به وتركوا، التأثر ~~بوعيده... من الهجر - بفتح الهاء بمعنى الترك، أو المعنى قد اتخذوا هذا ~~القرآن مادة لسخريتهم وتهكمهم، من الهجر - بضم الهاء - بمعنى الهذيان ~~والقول الباطل، ومنه قوله - تعالى - # مستكبرين به سامرا تهجرون # وقد اشتملت هذه الآية الكريمة على التخويف العظيم لمن يهجر القرآن ~~الكريم. فلم يحفظه أو لم يحفظ شيئا منه، ولم يعمل بما فيه من حلال وحرام، ~~وأوامر ونواه... قال بعض العلماء هجر القرآن أنواع أحدها هجر سماعة ~~وقراءته. وثانيها هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه... وثالثها هجر ~~تحكيمه والتحاكم إليه فى أصول الدين وفروعه... ورابعها هجر تدبره ~~وتفهمه... وكل هذا دخل فى هذه الآية، وإن كان بعض الهجر أهون من بعض. ~~وقوله - سبحانه - { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من ~~المجرمين.. } تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من قومه، ~~وتصريح بأن ما أصابه قد أصاب الرسل من قبله، والبلية إذا عمت هانت. أى ~~كما جعلنا قومك - أيها الرسول الكريم - يعادونك ويكذبونك، جعلنا لكل نبى ~~سابق عليك عدوا من المجرمين، فاصبر - أيها الرسول - كما صبر إخوانك ~~السابقون. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس ~~والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ~~ولو شآء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون # ثم شفع - سبحانه - هذه التسلية بوعد كريم منه - عز وجل - لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم فقال { وكفى بربك هاديا ونصيرا }. أى وكفى ربك ~~- أيها الرسول الكريم - هاديا يهدى عباده إلى ما تقتضيه حكمته ومشيئته، ~~وكفى به - سبحانه - نصيرا لمن يريد أن ينصره على كل من عاداه. ثم حكى - ~~سبحانه - بعد ذلك - وللمرة الخامسة - بعض شبهاتهم وأباطيلهم فقال { ~~وقال الذين كفروا لولا ms3809 نزل عليه القرآن ~~جملة واحدة... }. أى وقال الذين كفروا بالحق الذى جاءهم به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم هلا نزل هذا القرآن على محمد صلى الله عليه ~~وسلم جملة واحدة، دون أن ينزل مفرقا كما نراه ونسمعه. # وقولهم هذا دليل على سوء أدبهم فقد طلبوا مالا يعنيهم. واقترحوا شيئا لا ~~مدخل لهم فيه ولا علم عندهم بحكمته، ولذا در سبحانه عليهم بقوله { ~~كذلك لنثبت به فؤادك } والكاف بمعنى مثل، والجار ~~والمجرور نعت لمصدر محذوف مع عامله. وقوله { لنثبت به فؤادك ~~} تعليل للعامل المحذوف. فالجملة الكريمة استئناف مسوق للرد عليهم، ~~ولبيان بعض الحكم فى نزول القرآن مفرقا. وقوله - سبحانه - { ~~ورتلناه ترتيلا } معطوف على الفعل المحذوف. والتنكير فى " ~~ترتيلا " للتفخيم والتعظيم. وأصل الترتيل، عدم التلاصق. يقال، ثغر مرتل. ~~أى مفلج الأسنان غير متلاصقها. أى نزلناه مفرقا، ورتلناه ترتيلا بديعا، ~~بأن قرأناه عليك بلسان جبريل شيئا فشيئا، على تؤدة وتمهل، وجعلنا بعضه ~~ينزل فى إثر بعض. قال صاحب الكشاف ما ملخصه وقوله " كذلك " جواب لهم، أى ~~كذلك أنزلناه مفرقا، والحكمة فيه أن نقوى بتفريقه فؤادك حتى تعيه ~~وتحفظه... فإن قلت ذلك فى كذلك يجب أن يكون إشارة إلى شىء تقدمه، والذى ~~تقدمه هو إنزاله جملة واحدة فكيف فسرته بكذلك أنزلناه مفرقا؟. قلت لأن ~~قولهم لولا أنزل عليه القرآن جملة، معناه لماذا أنزل مفرقا، والدليل على ~~فساد هذا الاعتراض أنهم عجزوا عن أن يأتوا بنجم واحد من نجومه... فكأنهم ~~قدروا على تفاريقه حتى يقدروا على جملته. وقوله - سبحانه - { ولا ~~يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا ~~} أى سر أيها الرسول الكريم فى طريقك، وبلغ ما أنزلناه إليك، ولا تلتفت ~~إلى مقترحات المشركين وأباطيلهم، فإنهم لا يأتونك بمثل، أى بكلام عجيب هو ~~مثل فى التهافت والفساد للطعن فى نبوتك " إلا جئناك " فى مقابلته بالجواب ~~" الحق " الثابت الصادق الذى يزهق باطلهم، وبما هو أحسن تفسيرا وبيانا من ~~مثلهم وشبهاتهم. والاستثناء مفرغ من عموم الأحوال. أى ولا يأتونك فى حال ~~من الأحوال بمثل للطعن فى نبوتك، إلا ms3810 جئناك وسلحناك بما يزهق أمثالهم ~~وشبههم، فسر فى طريقك - أيها الرسول الكريم - فإنك على الحق المبين. فأنت ~~ترى أن هذه الآيات الكريمة من أعظم الآيات لتشجيع النبى صلى الله عليه ~~وسلم على تبليغ دعوته، بدون اكتراث بما يثيره المشركون حوله من شبهات. ثم ~~بين - سبحانه - سوء مصيرهم بسبب أقوالهم الباطلة، وأفعالهم القبيحة، فقال ~~- تعالى - { الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم ~~} أى يحشرون ماشين على وجوههم أو يسحبون عليها إلى جهنم، بسبب كفرهم ~~وعنادهم. { أولئك } الذين نفعل بهم ذلك { شر مكانا } أى ~~منزلا ومكانا ومصيرا لهم هو جهنم وأولئك - أيضا - هم أضل الناس طريقا عن ~~طريق الحق والرشاد، ولذا كانت طريقهم لا توصلهم إلا إلى النار وبئس ~~القرار. قال الإمام ابن كثير وفى الصحيح عن أنس أن رجلا سأل النبى صلى ~~الله عليه وسلم فقال يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ ~~فقال إن الذى أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة. ~~ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن أحوال الأقوام السابقين الذين ~~كذبوا أنبياءهم، فكانت عاقبتهم الإهلاك والتدمير فقال - تعالى - { ~~ولقد آتينا موسى... }. ### || [25.35-40] # قوله - تعالى - { ولقد آتينا موسى الكتاب.. } كلام مستأنف ~~لزيادة تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم، ولترهيب المشركين وحضهم على ~~الاتعاظ والاعتبار واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم حتى لا يعرضوا ~~أنفسهم للهلاك والدمار الذى نزل بأمثالهم من السابقين. أى وبالله لقد ~~آتينا موسى - عليه السلام - " الكتاب " أى التوارة لتكون هداية لقومه { ~~وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا }. أى وجعلنا معه - بفضلنا ~~وحكمتنا - أخاه هارون لكى يكون عونا له وعضدا فى تبليغ ما أمرناه ~~بتبليغه. { فقلنا اذهبآ إلى القوم الذين كذبوا ~~بآياتنا فدمرناهم تدميرا } والتدمير أشد الإهلاك. وأصله ~~كسر الشىء على وجه لا يمكن إصلاحه، وفى الكلام حذف يعرف من السياق. ~~والمعنى فقلنا لهما اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا الدالة على ~~وحدانيتنا وقدرتنا، وهم فرعون وقومه، فذهبا إليهم ودعواهم إلى الإيمان، ~~فأعرضوا عنهما وكذبوهما، وتمادوا فى طغيانهم، فكانت عاقبة ذلك ms3811 أن دمرناهم ~~تدميرا عجيبا، بأن أغرقهم الله جميعا، أمام موسى و من معه. فقوله - تعالى ~~- { فدمرناهم.. } معطوف على مقدر، أى فذهبا إليهم فكذبوهما ~~فدمرناهم تدميرا. ثم حكى - سبحانه - ما جرى لقوم نوح فقال { وقوم ~~نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم.... }. والمراد ~~بالرسل نوح ومن قبله، أو نوح وحده، وعبر عنه بالرسل، لأن تكذيبهم له ~~يعتبر تكذيبا لجميع الرسل، لأن رسالتهم واحدة فى أصولها. { ~~وجعلناهم للناس آية } أى بعد أن أغرقناهم بسبب كفرهم، جعلنا ~~إغراقهم أو قصتهم عبرة وعظة للناس الذين يعتبرون ويتعظون. والتعبير ب " ~~آية " بصيغة التنكير، يشير إلى عظم هذه الآية وشهرتها، ولا شك أن الطوفان ~~الذى أغرق الله - تعالى - به قوم نوح من الآيات التى لا تنسى. وقوله - ~~سبحانه - { وأعتدنا للظالمين عذابا أليما } بيان لسوء ~~مصير كل ظالم يضع الأمور فى غير مواضعها. أى وهيأنا وأعددنا للظالمين ~~عذابا أليما موجعا، بسبب ظلمهم وكفرهم، وعلى رأس هؤلاء الظالمين قوم نوح، ~~الذين كفروا به وسخروا منه... ثم ذكر - سبحانه - بضع من جاء بعد قوم نوح ~~فقال { وعادا وثمودا } أى ودمرنا وأهلكنا قوم عاد بسبب تكذيبهم ~~لنبيهم هود - عليه السلام-، كما أهلكنا قوم ثمود بسبب تكذيبهم لنبيهم ~~صالح - عليه السلام -. وقوله - تعالى - { وأصحاب الرس } معطوف ~~على ما قبله. أى وأهلكنا أصحاب الرس. كما أهلكنا من قبلهم قوم نوح وعاد ~~وثمود. والرس فى لغة العرب البئر التى لم تبن بالحجارة، وقيل البئر ~~مطلقا، ومنه قول الشاعر # وهم سائرون إلى أرضهم فياليتهم يحفرون الرساسا # أى فياليتهم يحفرون الآبار. وللمفسرين فى حقيقة أصحاب الرس أقوال فمنهم ~~من قال إنهم من بقايا قبيلة ثمود، بعث الله إليهم نبيا فكذبوه ورسوه ~~فى تلك البئر أى ألقوا به فيها، فأهلكهم الله - تعالى -. # وقيل هم قومه كانوا يعبدون الأصنام، فأرسل الله إليهم شعيبا - عليه ~~السلام - فكذبوه فبينما هم حول الرس - أى البئر - فانهارت بهم، وخسف الله ~~- تعالى - بهم الأرض. وقيل الرس بئر بأنطاكية، قتل أهلها حبيبا النجار ~~وألقوه فيها... واختار ابن جرير - رحمه الله - أن أصحاب الرس هم أصحاب ms3812 ~~الأخدود، الذين ذكروا فى سورة البروج. وقد ذكر بعض المفسرين فى شأنهم ~~روايات، رأينا أن نضرب عنها صفحا لضعفها ونكارتها. واسم الإشارة فى قوله ~~- تعالى - { وقرونا بين ذلك كثيرا } يعود إلى عاد وثمود ~~وأصحاب الرس، والقرون جمع قرن. والمراد به هنا الجيل من الناس الذين ~~اقترنوا فى الوجود فى زمان واحد من الأزمنة. أى وأهلكنا قرونا كثيرة بين ~~قوم عاد وثمود وأصحاب الرس. لأن تلك القرون سارت على شاكلة أمثالهم من ~~الكافرين والفاسقين. وقوله - تعالى - { وكلا ضربنا له ~~الأمثال.. } بيان لمظهر من مظاهر رحمة الله - تعالى - حيث إنه - ~~سبحانه - لا يهلك الأمم إلا بعد أن يسوق لها ما يرشدها، فتأبى إلا السير ~~فى طريق الغى والعصيان. و " كلا " منصوب بفعل مضمر يدل عليه ما بعده. فإن ~~ضرب المثل فى معنى التذكير والتحذير، والتنوين عوض عن المضاف إليه. أى ~~وأنذرنا كل فريق من القرون الماضية المكذبة، وضربنا له الأمثال الحكيمة ~~الكفيلة بإرشاده إلى طريق الحق، ولكنه استحب العمى على الهدى، والضلالة ~~على الهداية، فكانت عاقبته كما قال - تعالى - بعد ذلك { وكلا ~~تبرنا تتبيرا }. أى وكل قرن من هؤلاء المكذبين أهلكناه إهلاكا ~~لا قيام له منه، وأصل التتبير التفتيت. وكل شىء فتته وكسرته فقد تبرته. ~~ومنه التبر لفتات الذهب والفضة. والمراد به هنا التمزيق والإهلاك الشديد ~~الذى يستأصل من نزل به. ثم وبخ - سبحانه - مشركى مكة على عدم اعتبارهم ~~واتعاظهم بما يرون من آثار فقال - تعالى - { ولقد أتوا على ~~القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا ~~يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا }. والمراد بالقرية ~~هنا قرية سدوم التى هى أكبر قرى قوم لوط، والتى جعل الله - تعالى - ~~عاليها سافلها. والمراد بما أمطرت به الحجارة التى أنزلها الله - تعالى - ~~عليها، كما قال - تعالى - # فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة ~~من سجيل # والسوء - بفتح السين وتشديدها - مصدر ساءه. أى فعل به ما يكره. والسوء - ~~بالضم والتشديد- اسم منه. والاستفهام فى قوله - تعالى - { أفلم ~~يكونوا يرونها } للتقريع والتوبيخ على عدم الاعتبار بما يرونه ~~من أمور تدعو ms3813 كل عاقل إلى التدبر والتفكر والاتعاظ. # أى أقسم لك - أيها الرسول الكريم - أن هؤلاء الذين اتخذوا القرآن ~~مهجورا، كانوا وما زالوا يمرون مصبحين وبالليل على قرية قوم لوط، التى ~~دمرناها تدميرا، بسبب فسوق أهلها وفجورهم، وكانوا يرون ما حل بها من ~~خراب.. ولكنهم لكفرهم بك والبعث والحساب، لم يتأثروا بما رأوا، ولم ~~يعتبروا بما شاهدوا، وسيندمون يوم القيامة على كفرهم ولكن لن ينفعهم ~~الندم. وصدر - سبحانه - الآية الكريمة بلام القسم وقد، لتأكيد رؤيتهم ~~لتلك القرية التى أمطرت مطر السوء. والمراد برؤيتها، رؤية ما حل بها من ~~خراب ودمار كما قال - تعالى - # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل ~~أفلا تعقلون # وقوله - سحانه - { بل كانوا لا يرجون نشورا } بيان للسبب ~~الذى جعلهم لا يعتبرون ولا يتعظون. أى أنهم كانوا يرون عاقبة أهل تلك ~~القرية التى جعلنا عاليها سافلها، ولكن تكذيبهم بالبعث والنشور، والثواب ~~والعقاب يوم القيامة، حال بينهم وبين الاعتبار والاتعاظ والإيمان بالحق، ~~وجعلهم يمرون بما يدعو إلى التدبر والتفكر، ولكنهم لعدم توقعهم للقاء ~~الله، ولعدم إيمانهم بالجزاء يوم القيامة قست قلوبهم وانطمست بصائرهم، ~~وصاروا كما قال - تعالى - # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون وما يؤمن أكثرهم ~~بالله إلا وهم مشركون # وبعد هذا العرض لأحوال بعض الأمم الماضية، عادت السورة الكريمة إلى بيان ~~ما كان المشركون يقولونه عند رؤيتهم للنبى صلى الله عليه وسلم وإلى بيان ~~سوء عاقبتهم، وفرط جهالاتهم، قال - تعالى - { وإذا رأوك إن... }. ### || [25.41-44] # قال الإمام ابن كثير - رحمه الله - يخبر - تعالى - عن استهزاء المشركين ~~بالرسول صلى الله عليه وسلم إذا رأوه، كما قال - تعالى - # وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا ~~أهذا الذي يذكر آلهتكم... # يعنونه بالعيب والنقص.. ومن عجب أن هؤلاء المشركين الذين كانوا يستهزئون ~~بالرسول صلى الله عليه وسلم بعد بعثته إليهم، هم أنفسهم الذين كانوا ~~يلقبونه قبل بعثته بالصادق الأمين، وما حملهم على هذا الكذب والجحود إلا ~~الحسد والعناد. وقوله - تعالى - { أهذا الذي بعث الله ~~رسولا } مقول لقول محذوف وعائد الموصول ms3814 محذوف - أيضا -. أى كلما وقعت ~~أبصار أعدائك عليك - أيها الرسول الكريم - سخروا منك، واستنكروا نبوتك، ~~وقالوا على سبيل الاستبعاد والتهكم أهذا هو الإنسان الذى بعثه الله - ~~تعالى - ليكون رسولا إلينا. وقولهم هذا الذى حكاه القرآن عنهم، يدل على ~~أنهم بلغوا أقصى درجات الجهالة وسوء الأدب. ثم يشير القرآن إلى كذبهم ~~فيما قالوه، لأنهم مع إظهارهم للسخرية منه صلى الله عليه وسلم كانوا فى ~~واقع أمرهم، وحقيقة حالهم يعترفون له بقوة الحجة، وهذا ما حكاه القرآن ~~عنهم فى قوله { إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن ~~صبرنا عليها }. أى أنهم كانوا يقولون فيما بينهم إن هذا الرسول ~~كاد أن يصرفنا بقوة حجته عن عبادة آلهتنا. لولا أننا قاومنا هذا الشعور ~~وثبتنا على عبادة أصنامنا. قال الآلوسى قوله { إن كاد ليضلنا ~~عن آلهتنا } أى يصرفنا عن عبادتها صرفا كليا بحيث يبعدنا عنها لا ~~عن عبادتها فقط. لولا أن صبرنا عليها واستمسكنا بعبادتها... وهذا اعتراف ~~منهم بأنه صلى الله عليه وسلم قد بلغ من الاجتهاد فى الدعوة إلى ~~التوحيد... ما شارفوا معه أن يتركوا دينهم لولا فرط جهالاتهم ولجاجهم ~~وغاية عنادهم. وقوله - تعالى - { وسوف يعلمون حين يرون ~~العذاب من أضل سبيلا } تهديد لهم على سوء أدبهم، وعلى ~~جحودهم للحق بعد أن تبين لهم. أى وسوف يعلم هؤلاء الكافرون حين يرون ~~العذاب ماثلا أمام أعينهم، من أبعد طريقا عن الحق، أهم أم المؤمنون. ~~فالجملة الكريمة وعيد شديد لهم على استهزائهم بالرسول الكريم الذى جاءهم ~~ليخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. ثم يهملهم القرآن ويتركهم فى ~~طغيانهم يعمهون ويلتفت بالخطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليسرى عن ~~نفسه، وليسليه عما لحقه منهم. وليبين له حقيقة حالهم فيقول { أرأيت ~~من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه ~~وكيلا... }. والاستفهام فى قوله - سبحانه - { أرأيت } للتعجب من ~~شناعة أحوالهم، ومن قبح تفكيرهم. والمراد ب { هواه } ما يستحسنه من ~~تصرفات حتى ولو كانت فى نهاية القبح والسخف. # قال ابن عباس كان الرجل فى الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانا، ms3815 فإذا رأى ~~غيره أحسن منه عبد الثانى وترك الأول. والمعنى انظر وتأمل - أيها الرسول ~~الكريم - فى أحوال هؤلاء الكافرين بإنك لن ترى جهالة كجهالتهم، لأنهم إذا ~~أحسن لهم هواهم شيئا اتخذوه إلها لهم. مهما كان قبح تصرفهم. وانحطاط ~~تفكيرهم. فهل مثل هؤلاء يصلحون لأن تهتم بأمرهم، أو تحزن لاستهزائهم؟ كلا ~~إنهم لا يصلحون لذلك، وعليك أن تمضى فى طريقك فأنت لا تقدر على حفظهم أو ~~كفالتهم أو هدايتهم، وإنما نحن الذين نقدر على ذلك، وسنتصرف معهم بما ~~تقتضيه حكمتنا ومشيئتنا. فقوله - تعالى - { أفأنت تكون عليه ~~وكيلا } استئناف مسوق لاستبعاد كونه صلى الله عليه وسلم وكيلا أو ~~حفيظا لهذا الذى اتخذ إلهه هواه، والاستفهام للنفى والإنكار. أى إنك - ~~أيها الرسول الكريم - لا قدرة لك على حفظه من الوقوع فى الكفر والضلال. ~~ثم أضاف - سبحانه - إلى توبيخهم السابق توبيخا أشد وأنكى فقال - تعالى - ~~{ أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون... }. ~~و " أم " هنا هى المنقطعة، وهى تجمع فى معناها بين الإضراب الانتقالى، ~~والاستفهام الإنكارى. أى بل أتحسب أن أكثر هؤلاء الكافرين يسمعون ما ~~ترشدهم إليه سماع تدبر وتعقل، أو يعقلون ما تأمرهم به أو تنههم عنه ~~بافنتاح بصيرة، وباستعداد لقبول الحق.. كلا إنهم ليسوا كذلك، لاستيلاء ~~الجحود والحسد على قلوبهم. وقال - سبحانه - { أم تحسب أن ~~أكثرهم... } لأن هناك قلة منهم كانت تعرف الحق معرفة حقيقية، ولكن ~~المكابرة والمعاندة ومتابعة الهوى... حالت بينها وبين الدخول فيه، واتباع ~~ما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم. وقوله - سبحانه - { إن هم ~~إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا } ذم لهم على عدم ~~انتفاعهم بالهداية التى أرسلها الله - تعالى - إليهم. أى هؤلاء المشركون ~~ليسوا إلى كالأنعام فى عدم الانتفاع بما يقرع قلوبهم وأسماعهم من توجيهات ~~حكيمة، بل هم أضل سبيلا من الأنعام لأن الأنعام تناقد لصاحبها الذى يحسن ~~إليها، أما هؤلاء فقد قابلوا نعم الله بالكفر والجحود. قال صاحب الكشاف ~~فإن قلت ما معنى ذكر الأكثر؟ قلت كان فيهم من لا يصده عن الإسلام إلا ~~داء واحد، ms3816 وهو حب الرياسة، وكفى به داء عضالا. فإن قلت كيف جعلوا أضل ~~من الأنعام؟ قلت لأن الأنعام تناقد لأربابها التى تعلفها وتتعهدها، وتعرف ~~من يحسن إليها ممن يسىء إليها، وتطلب ما ينفعها وتتجنب ما يضرها، وتهتدى ~~لمراعيها ومشاربها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم، ولا يعرفون إحسانه إليهم، ~~من إساءة الشيطان الذى هو عدوهم، ولا يطلبون الثواب الذى هو أعظم ~~المنافع، ولا يتقون العقاب الذى هو أشد المضار والمهالك.. وهكذا نرى ~~الآيات الكريمة تصف هؤلاء المستهزئين برسولهم صلى الله عليه وسلم بأوصاف ~~تهبط بهم عن درجة الأنعام، وتتوعدهم بما يستحقونه من عذاب مهين. ثم تنتقل ~~السورة بعد ذلك إلى الحديث عن مظاهر قدرة الله - تعالى - وعن جانب من ~~الآلاء التى أنعم بها على عباده، فإن من شأن هذه النعم المبثوثة فى هذا ~~الكون، أن تهدى المتفكر فيها إلى منشئها وواهبها وإلى وجوب إخلاص العبادة ~~له، قال - تعالى - { ألم تر... }. ### || [25.45-54] # قال القرطبى قوله - تعالى - { ألم تر إلى ربك كيف مد ~~الظل.. } يجوز أن تكون هذه الرؤية من رؤية العين، ويجوز أن تكون من ~~العلم. قال الحسن وقتادة وغيرهما مد الظل من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. ~~وحكى أبو عبيدة عن رؤبة أنه قال " كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو ~~فىء وظل، وما لم تكن عليه الشمس فهو ظل ". والجملة الكريمة شروع فى بعض ~~دلائل قدرته - سبحانه - وواسع رحمته، إثر بيان جهالات المشركين، وغفلتهم ~~عما فى هذا الكون من آثار تدل على وحدانية الله - تعالى -. والخطاب ~~للرسول صلى الله عليه وسلم والاستفهام للتقرير. والمعنى لقد رأيت - أيها ~~الرسول الكريم - بعينيك، وتأملت بعقلك وبصيرتك، فى صنع ربك الذى أحسن كل ~~شىء خلقه، وكيف أنه - سبحانه - مد الظل، أى بسطه وجعله واسعا متحركا مع ~~حركة الأرض فى مواجهة الشمس، وجعله مكانا يستظل فيه الناس من وهج الشمس ~~وحرها، فيجدون عنده الراحة بعد التعب... وهذا من عظيم رحمة ربك بعباده. ~~وقوله - تعالى - { ولو شآء لجعله ساكنا } جملة معترضة لبيان ~~مظهر من مظاهر قدرته - تعالى ms3817 -. أى " ولو شاء " - سبحانه - لجعل هذا الظل ~~" ساكنا " أى ثابتا دائما مستقرا على حالة واحدة بحيث لا تزيله الشمس، ~~ولا يذهب عن وجه الأرض، ولكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك، لأن مصلحة خلقه ~~ومنفعتهم فى وجوده على الطريقة التى أوجده عليها بمقتضى حكمته. وقوله - ~~سبحانه - { ثم جعلنا الشمس عليه دليلا } معطوف على ~~قوله { مد الظل } داخل فى حكمه. أى ألم ترى إلى عجيب صنع ربك كيف ~~مد الظل، ثم جعلنا بقدرتنا وحكمتنا الشمس دليلا عليه، إذ هو يزول بتسلطها ~~عليه ويظهر عند احتجابها عنه، ويستدل بأحوالها على أحواله، فهو يتبعها ~~كما يتبع الإنسان من يدله على الشىء، من حيث إنه يزيد كلما احتجبت عنه، ~~ويتقلص كلما ظهرت عليه. قال الجمل قوله { ثم جعلنا الشمس ~~عليه دليلا } أى جعلنا الشمس بنسخها الظل عند مجيئها دالة على أن ~~الظل شىء، لأن الأشياء تعرف بأضدادها، ولولا الشمس ما عرف الظل، ولولا ~~النور ما عرفت الظلمة... ولم يؤنث الدليل - وهو صفة الشمس - لأنه فى معنى ~~الاسم، كما يقال الشمس برهان، والشمس حق. وقوله - تعالى - { ثم ~~قبضناه إلينا قبضا يسيرا } معطوف - أيضا - على " مد " ~~وداخل فى حكمه. والقبض ضد المد والبسط، واليسير السهل الذى لا عسر فيه. ~~أى ثم قبضنا ذلك الظل الممدود بقدرتنا وحكمتنا - قبضا يسيرا وهينا علينا. # بأن محوناه بالتدريج عند إيقاعنا الشمس عليه. حتى انتهى أمره إلى الزوال ~~والاضمحلال. وقال - سبحانه - { إلينا } للتنصيص على أن مد الظل وقبضه ~~مرجعه إليه - تعالى - وحده. فليس فى إمكان أحد سواه - عز وجل - أن يفعل ~~ذلك. قال صاحب الكشاف قوله { ثم قبضناه إلينا قبضا ~~يسيرا } أى على مهل. وفى هذا القبض اليسير شيئا بعد شىء من النمافع ~~مالا يعد ولا يحصر. ولو قبض دفعة واحدة لتعطلت أكثر مرافق الناس بالظل ~~والشمس جميعا. فإن قلت " ثم " فى هذين الموضعين كيف موقعها؟ قلت موقعها ~~لبيان تفاضل الأمور الثلاثة كان الثانى أعظم من الأول، والثالث أعظم ~~منهما، تشبيها لتباعد ما بينهما فى الفضل، بتباعد ما بين الحوادث فى ~~الوقت... ويحتمل ms3818 أن يريد قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه وهى الأجرام ~~التى تبقى الظل، فيكون قد ذكر إعدامه بإعدام أسبابه. ثم انتقلت السورة من ~~الحديث عن الظل ومده وقبضه. إلى الحديث عن الليل والنوم والنهار. فقال - ~~تعالى - { وهو الذي جعل لكم اليل لباسا والنوم ~~سباتا وجعل النهار نشورا }. ولباسا أى ساترا بظلامه كما ~~يستر اللباس ما تحته. والسبات الانقطاع عن الحركة مع وجود الروح فى ~~البدن، مأخوذ من السبت بمعنى القطع أو الراحة والسكون، ومنه قوله - تعالى ~~- # وجعلنا نومكم سباتا # أى راحة لأبدانكم. والنشور بمعنى الانتشار والحركة لطلب المعاش. أى وهو ~~- سبحانه - الذى جعل لكم - أيها الناس - الليل " لباسا " أى ساترا لكم ~~يستركم كما يستر اللباس عوراتكم، وجعل لكم النوم " سباتا " أى راحة ~~لأبدانكم من عناء العمل. وما يصاحبه من مشقة وتعب، وجعل - سبحانه - ~~النهار " نشورا " أى وقتا مناسبا لانتشاركم فيه، وللسير فى مناكب الأرض، ~~طلبا للرزق والكسب ووسائل المعيشة. وهكذا تتقلب الحياة بالإنسان وهو ~~تارة تحت جنح الليل الساتر، وتارة مستغرق فى نومه، وتارة يكدح لطلب ~~معاشه. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا اليل لباسا ~~وجعلنا النهار معاشا # ثم ذكر - سبحانه - نعمته فى الرياح، حيث تكون بشيرا بالأمطار التى تحيى ~~الأرض بعد موتها، فقال - تعالى - { وهو الذي أرسل الرياح ~~بشرى بين يدي رحمته }. وبشرا أى مبشرات بنزول الغيث ~~المستتبع لمنفعة الخلق. أى وهو - سبحانه - الذى أرسل - بقدرته - الرياح ~~لتكون بشيرا لعباده بقرب نزول رحمته المتمثلة فى الغيث الذى به حياة ~~الناس والأنعام وغيرهما. قال الجمل " الرياح " أى المبشرات وهى الصبا - ~~وتأتى من جهة مطلع الشمس - والجنوب والشمال، والدبور - وتأتى من ناحية ~~مغرب الشمس - وفى قراءة سبعية وهو الذى أرسل الريح. # .. على إرادة الجنس، و " بشرا " قرىء بسكون الشين وضمها وقرىء - أيضا - ~~نشرا، أى متفرقة قدام المطر. وشبيه بهذه الآية قوله - تعال - # وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر ~~رحمته وهو الولي الحميد # ثم ذكر - سبحانه - ما ترتب على إرسال الرياح من خير فقال { وأنزلنا ~~من ms3819 السمآء مآء طهورا.. }. أى وأنزلنا من السماء ماء طاهرا فى ~~ذاته، مطهرا لغيره، سائغا فى شربه، نافعا للإنسان والحيوان والنبات ~~والطيور وغير ذلك من المخلوقات. ووصف - سبحانه - الماء بالطهور زيادة فى ~~الإشعار بالنعمة وزيادة فى إتمام المنة، فإن الماء الطهور أهنأ وأنفع ~~مما ليس كذلك. وقوله - تعالى - { لنحيي به بلدة ميتا ~~ونسقيه مما خلقنآ أنعاما وأناسي كثيرا }. أى ~~أنزلنا من السماء ماء طهورا، لنحيى بهذا الماء بلدة، أى أرضا جدباء لا ~~نبات فيها لعدم نزول المطر عليها، ولكى نسقى بهذا الماء أيضا " أنعاما " ~~أى إبلا وبقرا وغنما " وأناسى كثيرا " أى وعددا كثيرا من الناس. فالأناسى ~~جمع إنسان واصله أناسين فقلبت نونه ياء وأدغمت فيما قبلها. وقدم - سبحانه ~~- إحياء الأرض، لأن خروج النبات منها بسبب المطر تتوقف عليه حياة الناس ~~والأنعام وغيرهما. وخص الأنعام بالذكر، لأن مدار معاشهم عليها، ولذا قدم ~~سقيها على سقيهم. قال صاحب الكشاف فإن قلت لم خص الأنعام من بين ما خلق ~~من الحيوان الشارب؟. قلت لأن الطير والوحش تبعد فى طلب الماء فلا يعوزها ~~الشرب بخلاف الأنعام.. فإن قلت فما معنى تنكير الأنعام والأناسى وصفها ~~بالكثرة. قلت معنى ذلك أن علية الناس وجلهم منيخون بالقرب من الأودية ~~والأنهار ومنابع الماء، فيهم غنية عن سقى السماء، وأعقابهم - وهم كثير ~~منهم - لا يعيشهم إلا ما ينزل الله من رحمته وسقيا سمائه. فإن قلت لم قدم ~~إحياء الأرض وسقى الأنعام على سقى الأناسى؟ قلت لأن حياة الأناسى بحياة ~~أرضهم وحياة أنعامهم، فقدم ما هو سبب حياتهم وتعيشهم على سقيهم، ولأنهم ~~إذا ظفروا بما يكون سقيا لأرضهم ومواشيهم لم يعدموا سقياهم. والضمير ~~المنصوب فى قوله - تعالى - { ولقد صرفناه بينهم ~~ليذكروا.. } يعود إلى الماء الطهور الذى سبق الحديث عنه. ~~والتصريف التكرير والتنويع والانتقال من حال إلى حال. أى ولقد صرفنا هذا ~~المطر النازل من السماء فأنزلناه بين الناس فى البلدان المختلفة، وفى ~~الأوقات المتفاوتة، وعلى الصفات المتغايرة، فنزيده فى بعض البلاد وننقصه ~~أخرى، ونمنعه عن بعض الأماكن... كل ذلك على حسب ms3820 حكمتنا ومشيئتنا. وقد ~~فعلنا ما فعلنا لكى يعتبر الناس ويتعظوا ويخلصوا العبادة لنا. قال ~~الآلوسى قوله { ولقد صرفناه } الضمير للماء المنزل من السماء، ~~وتصريفه تحويل أحواله، وأوقاته وإنزاله على أنحاء مختلفة. # وقال بعضهم هو راجع إلى القول المفهوم من السياق، وهو ما ذكر فيه إنشاء ~~السحاب وإنزال المطر، وتصريفه تكريره، وذكره على وجوه ولغات مختلفة. ~~والمعنى ولقد كررنا هذا القول وذكرناه على أنحاء مختلفة فى القرآن وغيره ~~من الكتب السماوية بين الناس ليتفكروا. وأخرج ابن المنذر وابن أبى حاتم ~~عن عطاء الخراسانى أنه عائد على القرآن. ألا ترى قوله - تعالى - بعد ذلك ~~{ وجاهدهم به } وحكاه فى البحر عن ابن عباس. والمشهور عنه ما ~~تقدم، ولعل المراد ما ذكر فيه من الأدلة على كمال قدرته - تعالى -. ويبدو ~~لنا أن أقرب الأقوال إلى الصواب هو القول الأول، لأن سياق الحديث عن ~~المطر النازل من السماء بقدرة الله - تعالى - ولأن هذا القول هو المأثور ~~عن جمع من الصحابة والتابعين، كابن عباس، وابن مسعود وعكرمة، ومجاهد ~~وقتادة... وغيرهم. وقوله - تعالى - { فأبى أكثر الناس إلا ~~كفورا } بيان لموقف أكثر الناس من نعم الله - تعالى -. أى أنزلنا ~~المطر، وصرفناه بين الناس ليعتبروا ويتعظوا، فأبى أكثرهم إلا الجحود ~~لنعمنا، ومقابلتها بالكفران، وإسنادها إلى غيرنا ممن لا يخلقون شيئا ~~وإنما هم عباد لنا، وخلقنا. وفى صحيح مسلم # " أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال يوما لأصحابه بعد نزول المطر من ~~السماء " أتدرون ماذا قال ربكم؟ " قالوا الله ورسوله أعلم. فقال صلى الله ~~عليه وسلم " قال ربكم، أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال مطرنا ~~بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال مطرنا بنوء ~~كذا وكذا، فذاك كافر بي مؤمن بالكواكب ". # - والنوء - بتشديد النون وفتحها وسكون الواو سقوط نجم فى المغرب مع ~~الفجر، وطلوع آخر يقابله من ساعته بالمشرق. وقال - سبحانه - { فأبى ~~أكثر الناس... } لمدح القلة المؤمنة منهم، وهم الذين قابلوا نعم ~~الله - تعالى - بالشكر والطاعة. ثم ذكر - سبحانه - ما يدل على رفعة ms3821 منزلة ~~نبيه صلى الله عليه وسلم فقال { ولو شئنا لبعثنا في كل ~~قرية نذيرا }. أى ولو شئنا لبعثنا فى زمنك - أيها الرسول الكريم ~~- فى كل قرية من القرى نذيرا ينذر أهلها بسوء عاقبة الكفر والجحود، ويكون ~~عونا لك على تحمل أعباء الرسالة التى أرسلناك بها... ولكنا لم نشأ ذلك ~~تكريما لك وتعظيما لقدرك، حيث خصصناك بعموم الرسالة لجميع الناس. وما دام ~~الأمر كذلك " فلا تطع الكافرين " فيما يريدونه منك من أمور باطلة فاسدة " ~~وجاهدهم به " أى بهذا القرآن، عن طريق قراءته والعمل بما فيه، وبيان ما ~~اشتمل عليه من دلائل وبراهين على صحة دعوتك. # وقوله - تعالى - { جهادا كبيرا } مؤكد لما قبله. أى جاهدهم بالقرآن ~~جهادا كبيرا مصحوبا بالإغلاظ عليهم تارة، وبإبطال شبهاتهم وأراجيفهم ~~تارة أخرى. قال - تعالى - # يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ ~~عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير # وقوله - سبحانه - # وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ~~ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا # بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته - عز وجل -. و " مرج " من المرج بمعنى ~~الإرسال والتخلية، ومنه قولهم. مرج فلان دابته إذا أرسلها إلى المرج وهو ~~المكان الذى ترعى فيه الدواب، ويصح أن يكون المرج بمعنى الخلط، ومنه قوله ~~- تعالى - # فهم في أمر مريج # أى مختلط. ومنه قيل للمرعى مرج، لاختلاط الدواب فيه بعضها ببعض. والعذب ~~الفرات هو الماء السائغ للشرب، الذى يشعر الإنسان عند شربه باللذة، وهو ~~ماء الأنهار وسمى فراتا لأنه يفرت العطش، أى يقطعه ويكسره ويزيله. ~~والملح الأجاج هو الشديد الملوحة والمرارة وهو ماء البحار. سمى أجاجا من ~~الأجيج وهو تلهب النار، لأن شربه يزيد العطش. والبرزخ. الحاجز الذى يحجز ~~بين الشيئين. أى وهو - سبحانه - الذى أرسل البحرين. العذب والمالح فى ~~مجاريهما متجاورين، كما ترسل الدواب فى المراعى، أو جعلهما - بقدرته - فى ~~مجرى واحد ومع ذلك لا يختلط أحدهما بالآخر بل جعل - سبحانه - بينهما " ~~برزخا " أى حاجزا عظيما، وحجرا محجورا. أى وجعل كل واحد منهما حراما ~~محرما على الآخر أن يفسده. والمراد لزوم ms3822 كل واحد منهما صفته التى أوجده ~~الله عليها، فلا ينقلب العذب فى مكانه ملحا، ولا الملح فى مكانه عذبا. ~~قال - تعالى - # مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا ~~يبغيان # وقال - سبحانه - # أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالهآ أنهارا ~~وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا ~~أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون # وهذا الحاجز الذى جعله - سبحانه - بين البحرين العذب والملح، من أكبر ~~الأدلة وأعظمها على قدرة الله - تعالى -، وعلى أن لهذا الكون إلها صانعا ~~حكيما مدبرا وأن كل شىء فى هذا الكون يسير بنظام معلوم، وبنسق مرسوم. ~~وبعد هذا الحديث المتنوع عن مظاهر قدرة الله - تعالى - فى الظل وفى ~~الرياح وفى الماء.. جاء الحديث عن خلق الإنسان. فقال - تعالى - { وهو ~~الذي خلق من المآء بشرا فجعله نسبا وصهرا... ~~}. والمراد بالماء ماء النطفة، وبالبشر الإنسان. أو المراد بالماء، الماء ~~المطلق الذى أشار إليه سبحانه فى قوله # وجعلنا من المآء كل شيء حي # أى وهو - سبحانه - الذى خلق من ماء النطفة إنسانا " فجعله نسبا وصهرا " ~~أى فجعل من جنس هذا الإنسان ذوى نسب وهم الذكور الذين ينتسب إليهم بأن ~~يقال فلان بن فلان، كما جعل من جنسه - أيضا ذوات صهر وهن الإناث، ~~لأنهن موضع المصاهرة. # والصهر يطلق على أهل بيت المرأة وأقاربها، كالأبوين والإخوة والأعمام ~~والأخوال، فهؤلاء يعتبرون أصهارا لزوج المرأة. قال صاحب الكشاف قسم - ~~سبحانه - البشر قسمين ذوى نسب، أى ذكورا ينسب إليهم فيقال فلان بن فلان ~~وفلانة بنت فلان وذوات صهر أى إناثا يصاهر بهن ونحوه قوله - تعالى - # فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى # { وكان ربك قديرا } حيث خلق - سبحانه - من النطفة الواحدة ~~بشرا نوعين ذكرا وأنثى. وإلى هنا نرى هذه الآية الكريمة قد اشتملت على ~~ستة أدلة محسوسة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته. وهذه الأدلة الستة ~~هى. الظلال قبضا وبسطا، والليل والنهار راحة ونشورا، والرياح بشرا بين ~~يدى رحمته، والأمطار حياة للناس والأنعام وغيرهما، ومرج البحرين أحدهما ~~عذب فرات والآخر ملح أجاج، وخلق الإنسان من نطفة منها الذكر ومنها ~~الأنثى. ms3823 ثم بينت السورة الكريمة بعد ذلك موقف المشركين من هذه النعم ~~العظيمة كما بينت وظيفة النبى صلى الله عليه وسلم وأمرته بالمضى فى دعوته ~~متوكلا على الله - تعالى - وحده الذى خلق فسوى. وقدر فهدى... قال - تعالى ~~- { ويعبدون من دون... }. ### || [25.55-62] # الضمير فى قوله - تعالى - { ويعبدون... } يعود على الكافرين، ~~الذين عموا وصموا عن الحق. أى أن هؤلاء الكافرين يتركون عبادة الله - ~~تعالى - الواحد القهار، ويعبدون من دونه آلهة لا تنفعهم عبادتها إن ~~عبدوها، ولا تضرهم شيئا من الضرر إن تركوا عبادتها. وقوله - سبحانه - { ~~وكان الكافر على ربه ظهيرا } بيان لما وصل إليه هؤلاء ~~الكافرون من حمق وجهالة وجحود. فالمراد بالكافر جنسه. والظهير المعين. ~~يقال ظاهر فلان فلانا إذا أعانه وساعده. وظهير بمعنى مظاهر. أى وكان ~~هؤلاء الكافرون مظاهرين ومعاونين للشيطان وحزبه، على الإشراك بالله - ~~تعالى - الذى خلقهم، وعلى عبادة غيره - سبحانه -. ويصح أن يكون الكلام ~~على حذف مضاف. أى وكان الكافر على حرب دين ربه، ورسول ربه، مظاهرا ~~للشيطان على ذلك. وقال - سبحانه - { على ربه ظهيرا } لتفظيع ~~جريمة هذا الكافر وتبشيعها، حيث صوره - سبحانه - بصورة من يعاون على ~~مخاربة خالقه ورازقه ومربيه وواهبه الحياة. ثم بين - سبحانه - الوظيفة ~~التى من أجلها أرسل رسوله فقال { ومآ أرسلناك إلا مبشرا ~~ونذيرا }. أى وما أرسلناك - أيها الرسول الكريم - إلى الناس جميعا، ~~إلا لتبشرهم بثواب الله - تعالى - ورضوانه إذا أخلصوا له العبادة ~~والطاعة، ولتنذرهم بعقابه وغضبه، إن هم استمروا على كفرهم وشركهم، فبلغ ~~رسالتنا - أيها الرسول - ومن شاء بعد ذلك فليؤمن ومن شاء فليكفر. و { ~~قل } لهم على سبيل النصح والإرشاد ودفع التهمة عن نفسك { مآ ~~أسألكم عليه من أجر } أى ما أسألكم على هذا التبليغ ~~والتبشير والإنذار من أجر، إن أجرى إلا على الله - تعالى - وحده. وقوله ~~- سبحانه - { إلا من شآء أن يتخذ إلى ربه سبيلا } ~~استثناء منقطع. أى لا أسألكم على تبليغى لرسالة ربى أجرا منكم، لكن من ~~شاء منكم أن يتخذ إلى مرضاة ربه سبيلا، عن طريق الصدقة والإحسان إلى ~~الغير، فأنا ms3824 لا أمنعه من ذلك. قال الآلوسى ما ملخصه قوله { إلا من ~~شآء أن يتخذ إلى ربه } أى إلى رحمته ورضوانه { سبيلا } ~~أى طريقا. والاستثناء عند الجمهور منقطع، أى لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه ~~- سبحانه - سبيلا، أى بالإنفاق القائم مقام الأجر، كالصدقة فى سبيل ~~الله، فليفعل. وذهب البعض إلى أنه متصل. وفى الكلام مضاف مقدر، أى إلا ~~فعل من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا بالإيمان والطاعة حسبما أدعو إليهما، ~~أى فهذا أجرى. وفى ذلك قلع كلى لشائبة الطمع، وإظهار لغاية الشفقة عليهم، ~~حيث جعل ذلك - مع كون نفعه عائدا عليهم - عائدا إليه صلى الله عليه وسلم ~~فى صورة الأجر. # وعلى كلا الرأيين فالآية الكريمة تدل دلالة واضحة على أن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم لا يطلب أجرا من الناس على دعوته، ولا يمنعهم من إنفاق ~~جزء من أموالهم فى وجه الخير، وأنه صلى الله عليه وسلم يعتبر إيمانهم ~~بالحق الذى جاء به، هو بمثابة الأجر له، حيث إن الدال على الخير كفاعله. ~~ولقد حكى القرآن الكريم فى كثير من آياته، أن جميع الأنبياء - عليهم ~~الصلاة والسلام - ما سألوا الناس أجرا على دعوتهم إياهم إلى عبادة الله - ~~تعالى - وطاعته. ومن هذه الآيات قوله - سبحانه - حكاية عن نوح وهود وصالح ~~ولوط وشعيب - # ومآ أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على ~~رب العالمين # ثم أمر - سبحانه - نبيه صلى الله عليه وسلم بالاجتهاد فى تبليغ رسالته ~~وبالتوكل عليه وحده، فقال - تعالى - { وتوكل على الحي ~~الذي لا يموت وسبح بحمده... }. أى سر فى طريقك - أيها ~~الرسول الكريم - لتبليغ دعوتنا، ولا تلتفت إلى دنيا الناس وأموالهم. ~~وتوكل توكلا تاما على الله - تعالى - فهو الحى الباقى الذى لا يموت، أما ~~غيره فإنه ميت وزائل. { وسبح بحمده } أى ونزه ربك عن كل نقص، ~~وأكثر من التقرب إليه بصالح الأعمال. { وكفى به بذنوب ~~عباده } ما ظهر منها وما بطن، وما بدا منها وما استتر { خبيرا } ~~أى عليما بها علما تاما، لا يعزب عنه - سبحانه - مثقال ذرة ms3825 منها. { ~~الذي خلق } بقدرته التى لا يعجزها شىء { السماوات والأرض ~~وما بينهما } من هواء وأجرام لا يعلمها إلا هو - سبحانه -. { في ~~ستة أيام } من أيامه التى لا يعلم مقدار زمانها إلا هو - عز وجل ~~- { ثم استوى على العرش } استواء واستعلاء يليق بذاته، بلا ~~كيف أو تشبيه أو تمثيل، كما قال الإمام مالك - رحمه الله - الكيف غير ~~معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ولفظ ~~" ثم " فى قوله { ثم استوى على العرش } لا يدل على الترتيب ~~الزمنى وإنما يدل على بعد الرتبة، رتبة الاستواء والاستعلاء والتملك. ~~وقوله { الرحمن } أى هو الرحمن. أى صاحب الرحمة العظيمة الدائمة ~~بعباده. والفاء فى قوله - تعالى - { فسئل به خبيرا } هى ~~الفصيحة. والجار والمجرور صلة " اسأل " وعدى الفعل " اسأل " بالباء ~~لتضمنه معنى الاعتناء، والضمير يعود إلى ما سبق ذكره من صفات الله - ~~تعالى -، ومن عظيم قدرته ورحمته. والمعنى لقد بينا لك مظاهر قدرتنا ~~ووحدانيتا، فإن شئت الزيادة فى هذا الشأن أو غيره، فسأل قاصدا بسؤالك ربك ~~الخبير بأحوال كل شىء خبرة مطلقة، يستوى معها ما ظهر من أمور الناس وما ~~خفى منها. # قال الإمام ابن جرير وقوله - تعالى - { فسئل به خبيرا } يقول ~~فاسأل يا محمد بالرحمن خبيرا بخلقه، فإنه خالق كل شىء ولا يخفى عليه ما ~~خلق، فعن ابن جريج قوله { فسئل به خبيرا }. قال يقول - سبحانه - ~~لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم إذا أخبرتك شيئا فاعلم أنه كلما أخبرتك ~~فأنا الخبير. والخبير فى قوله { فسئل به خبيرا } منصوب على ~~الحال من الهاء التى فى قوله { به }. ثم أخبر - سبحانه - عن جهالات ~~المشركين وسخافاتهم فقال { وإذا قيل لهم اسجدوا ~~للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما ~~تأمرنا وزادهم نفورا }. أى وإذا قال الرسول صلى الله عليه ~~وسلم والمؤمنون معه لهؤلاء المشركين اجعلوا سجودكم وخضوعكم للرحمن وحده، ~~{ قالوا } على سبيل التجاهل وسوء الأدب والجحود { وما الرحمن ~~}. أى وما الرحمن الذى تأمروننا بالسجود له { أنسجد لما ~~تأمرنا } أى أنسجد لما تأمرنا بالسجود له من غير أن نعرفه، ms3826 ومن غير ~~أن نؤمن به. { وزادهم نفورا } أى وزادهم الأمر بالسجود نفورا عن ~~الإيمان وعن السجود لله الواحد القهار. فالآية الكريمة تحكى ما جبل عليه ~~أولئك المشركون من استهتار وتطاول وسوء أدب، عندما يدعوهم الرسول صلى ~~الله عليه وسلم إلى إخلاص العبادة لله - عز وجل، وإلى السجود للرحمن الذى ~~تعاظمت رحماته، وتكاثرت آلاؤه. ولقد بلغ من تطاول بعضهم أنهم كانوا ~~يقولون ما نعرف الرحمن إلا ذاك الذى باليمامة، يعنون به مسيلمة الكذاب. ~~ثم رد - سبحانه - على تطاولهم وجهلهم بما يدل على عظيم قدرته - عز وجل - ~~وعلى جلال شأنه - تعالى - فقال { تبارك الذي جعل في ~~السمآء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا }. ~~والبروج جمع برج، وهى فى اللغة القصور العالية الشامخة، ويدل لذلك قوله - ~~تعالى - # أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في ~~بروج مشيدة # والمراد بها هنا المنازل الخاصة بالكواكب السيارة، ومداراتها الفلكية ~~الهائلة، وعددها اثنا عشر منزلا، هى الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، ~~والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدى، والدلو، والحوت. ~~وسميت بالبروج. لأنها بالنسبة لهذه الكواكب كالمنازل لساكنيها. والسراج ~~الشمس، كما قال - تعالى - # ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا ~~وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا # أى جل شأن الله - تعالى - وتكاثرت آلاؤه ونعمه، فهو - سبحانه - الذى جعل ~~فى السماء " بروجا " أى منازل للكواكب السيارة و " جعل فيها " أى فى ~~السماء " سراجا " وهو الشمس " وجعل فيها " - أيضا - " قمرا منيرا " أى ~~قمرا يسطع نوره على الأرض المظلمة، فيبعث فيها النور الهادى اللطيف. ثم ~~تنتقل السورة الكريمة إلى الحديث عن نعمة أخرى فتقول { وهو الذي ~~جعل اليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر ~~أو أراد شكورا }. # والخلفة. كل شىء يجىء بعد شىء آخر غيره. ومنخ خلفة النبات. أى الورق ~~الذى يخرج منه بعد أن تساقط الورق السابق عليه. أى وهو - سبحانه - الذى ~~جعل الليل والنهار متعاقبين. بحيث يخلف كل واحد منهما الآخر بنظام دقيق، ~~ليكونا مناسبين " لمن أراد أن يذكر ". أى يتعظ ويعتبر ويتذكر أن الله - ~~تعالى - لم يجعلهما على ms3827 هذه الهيئة عبثا فيتدارك ما فاته من تقصير وتفريط ~~فى حقوق الله - عز وجل - " أو أراد شكورا ". أى وجعلهما كذلك لمن أراد أن ~~يزداد من شكر الله على نعمه التى لا تحصى، والتى من أعظمها وجود الليل ~~والنهار على هذه الهيئة الحكيمة، التى تدل على وحدانية الله - تعالى - ~~وعظيم قدرته، وسعة رحمته. وبعد هذا الحديث المتنوع عن شبهات المشركين ~~والرد عليها، وعن مظاهر قدرة الله ونعمه على عباده، وعن الذين إذا قيل ~~لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن... بعد كل ذلك جاء الحديث عن عباد ~~الرحمن، أصحاب المناقب الحميدة، والصفات الكريمة، والمزايا التى جعلتهم ~~يتشرفون بالانتساب إلى خالقهم جاء قوله - تعالى - { وعباد... }. ### || [25.63-76] # هؤلاء هم عباد الرحمن، وتلك هى صفاتهم التى ميزتهم عن سواهم. وقد افتتحت ~~هذه الآيات بقوله - تعالى - { وعباد الرحمن الذين ~~يمشون على الأرض هونا.. }. وهذه الجملة الكريمة مبتدأ. ~~والخبر قوله - تعالى - # أولئك يجزون الغرفة بما صبروا.. # وما بينهما من الموصولات صفات لهم. وإضافتهم إلى الرحمن من باب التشريف ~~والتكريم والتفضيل. و " هونا " مصدر بمعنى اللين والرفق... وهو صفة ~~لموصوف محذوف. أى وعباد الرحمن الذين رضى الله عنهم وأرضاهم، من صفاتهم ~~أنهم يمشون على الأرض مشيا لينا رقيقا، لا تكلف فيه ولا خيلاء ولا تصنع ~~فيه ولا ضعف، وإنما مشيهم تكسوه القوة والجد، والوقار والسكينة. قال ~~الإمام ابن كثير أى يمشون بسكينة ووقار... كما قال - تعالى - # ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن ~~تبلغ الجبال طولا # وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى من التصانع، تصنعا ورياء، فقد كان سيد ~~ولد آدم صلى الله عليه وسلم إذا مشى كأنما ينحط من صبب - أى من موضع ~~منحدر - وكأنما الأرض تطوى له، وعندما رأى عمر - رضى الله عنه - شابا ~~يمشى رويدا قال له ما بالك؟ أأنت مريض؟ قال لا فعلاه بالدرة، وأمره أن ~~يسير بقوة... هذا هو شأنهم فى مشيهم، أما شأنهم مع غيرهم، فقد وصفهم - ~~سبحانه - بقوله { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } ~~أى إذا خاطبهم الجاهلون بسفاهة وسوء ms3828 أدب، لم يقابلوهم بالمثل، بل ~~يقابلوهم بالقول الطيب، كما قال - تعالى - فى آية أخرى # وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنآ ~~أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي ~~الجاهلين # ثم وصف - سبحانه - حالهم مع خالقهم فقال { والذين يبيتون ~~لربهم سجدا وقياما } والبيتوتة أن يدركك الليل سواء أكنت ~~نائما أم غير نائم. أى أن من صفاتهم أنهم يقضون جانبا من ليلهم، تارة ~~ساجدين على جباههم لله - تعالى - وتارة قائمين على أقدامهم بين يديه - ~~سبحانه -. وخص وقت الليل بالذكر. لأن العبادة فيه أخشع، وأبعد عن الرياء، ~~وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا ~~وطمعا... # وقوله - سبحانه - # أمن هو قانت آنآء اليل ساجدا وقآئما يحذر ~~الآخرة ويرجوا رحمة ربه.. # ثم حكى - سبحانه - جانبا من دعائهم إياه. وخوفهم من عقابه، فقال { ~~والذين يقولون } أى فى عامة أحوالهم، يا { ربنا } بفضلك ~~وإحسانك { اصرف عنا عذاب جهنم } بأن تبعده عنا وتبعدنا ~~عنه. { إن عذابها كان غراما } أى إن عذابها كان لازما دائما ~~غير مفارق، منه سمى الغريم غريما لملازمته لغريمه، ويقال فلان مغرم بكذا، ~~إذا كان ملازما لمحبته والتعلق به. # { إنها سآءت مستقرا ومقاما } وساءت بمعنى بئست، ~~والمخصوص بالذم محذوف. أى إن جهنم بئست مستقرا لمن استقر بها، وبئست ~~مقاما لمن أقام بها. فالجملة الكريمة تعليل آخر، لدعائهم بأن يصرفها ربهم ~~عنهم. ثم بين - سبحانه - حالهم فى سلوكهم وفى معاشهم فقال - تعالى - { ~~والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا... }. ~~أى أن من صفاتهم أنهم ملتزمون فى إنفاقهم التوسط، فلا هم مسرفون ~~ومتجاوزون للحدود التى شرعها الله - تعالى - ولا هم بخلاء فى نفقتهم إلى ~~درجة التقتير والتضييق، وإنما هم خيار عدول يعرفون أن خير الأمور أوسطها. ~~واسم الإشارة فى قوله - تعالى - { وكان بين ذلك قواما } ~~يعود إلى المذكور من الإسراف والتقتير. والقوام الشىء بين الشيئين. ~~وقوام الرجل قامته وحسن طوله وهيئته، وهو خبر لكان، واسمها مقدر فيها. أى ~~وكان إنفاقهم " قواما " أى وسطا بين الإسراف والتقتير والتبذير والبخل، ~~فهم فى حياتهم نموذج ms3829 يقتدى به فى القصد والاعتدال والتوازن. وذلك لأن ~~الإسراف والتقتير كلاهما مفسد لحياة الأفراد والجماعات والأمم، لأن ~~الإسراف تضييع للمال فى غير محله. والتقتير إمساك له عن وجوهه المشروعة، ~~أما الوسط والاعتدال فى انفاق المال، فهو سمة من سمات العقلاء الذين على ~~أكتافهم تنهض الأمم، وتسعد الأفراد والجماعات. وبعد أن بين - سبحانه - ما ~~هم عليه من طاعات، أتبع ذلك ببيان اجتنابهم للمعاصى والسيئات فقال { ~~والذين لا يدعون مع الله إلها آخر } أى لا يشركون ~~مع الله - تعالى - إلها آخر لا فى عبادتهم ولا فى عقائدهم. وإنما يخلصون ~~وجوههم لله - تعالى - وحده. { ولا يقتلون النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق } أى ولا يقتلون النفس التى حرم الله ~~- تعالى - قلتها لأى سبب من الأسباب، إلا بسبب الحق المزيل والمهدر ~~لعصمتها وحرمتها، ككفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير ذنب ~~يوجب قتلها. { ولا يزنون } أى ولا يرتكبون فاحشة الزنا، بأن ~~يستحلوا فرجا حرمه الله - تعالى - عليهم. روى الشيخان وغيرهما عن عبد ~~الله بن مسعود قال # " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أكبر؟ قال أن تجعل لله ~~ندا وهو خلقك، قلت ثم أي قال " أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت ثم ~~أي؟ قال أن تزاني حليلة جارك... ". # وقوله - تعالى - { ومن يفعل ذلك يلق أثاما... } بيان ~~لسوء عاقبة من يرتكب شيئا من تلك الفواحش السابقة. أى ومن يفعل ذلك الذى ~~نهينا عنه من الإشراك والقتل والزنا، يلق عقابا شديدا لا يقادر قدره. ~~وقوله { يضاعف له العذاب يوم القيامة } بدل من " يلق " ~~بدل كل من كل. # أى يضاعف العذاب يوم القيامة لمن يرتكب شيئا من ذلك { ويخلد فيه ~~مهانا } أى ويخلد فى ذلك العذاب خلودا مصحوبا بالذلة والهوان ~~والاحتقار. ثم استثنى - سبحانه - التائبين من هذا العذاب المهين فقال { ~~إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك ~~يبدل الله سيئاتهم حسنات... }. أى يضاعف العذاب لمن ~~يرتكب شيئا من تلك الكبائر. ويخلد فيه مهانا، إلا من تاب عنها توبة صادقة ms3830 ~~نصوحا، وآمن بالله - تعالى - إيمانا حقا، وداوم على إتيان الأعمال ~~الصالحة، فأولئك التائبون المؤمنون المواظبون على العمل الصالح " يبدل ~~الله - تعالى - سيئاتهم حسنات " بأن يمحو - سبحانه - سوابق معاصيهم - ~~بفضله وكرمه - ويثبت بدلها لواحق طاعاتهم، أو بأن يحبب إليهم الإيمان، ~~ويكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، ويجعلهم من الراشدين. قال الإمام ~~ابن كثير ما ملخصه وقوله { فأولئك يبدل الله ~~سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما } فى معناه ~~قولان أحدهما أنهم بدلوا مكان عمل السيئات بعمل الصالحات. قال ابن عباس ~~هم المؤمنون. كانوا من قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن ذلك ~~فحولهم إلى الحسنات فأبدلهم مكان السيئات الحسنات.. والثانى أن تلك ~~السيئات الماضية تنقلب بنفس التوبة النصوح حسنات، وما ذاك إلا أنه كلما ~~تذكر ما مضى ندم واسترجع واستغفر فينقلب الذنب طاعة بهذا الاعتبار.. روى ~~الطبرانى عن أبى فروة أنه أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال # " أرأيت رجلا عمل الذنوب كلها، ولم يترك حاجة ولا داجة فهل له من توبة؟ ~~فقال له صلى الله عليه وسلم " أأسلمت؟ " قال نعم. قال فافعل الخيرات، ~~واترك السيئات. فيجعلها الله لك خيرات كلها. قال " وغدراتي وفجراتي؟ قال ~~نعم. " فما زال يكبر حتى توارى ". # وقوله - تعالى - { وكان الله غفورا رحيما } اعتراض تذييلى ~~مقرر لمضمون ما قبله. أى وكان الله - تعالى - واسع المغفرة والرحمة لمن ~~تاب إليه وأناب. ثم أشار - سبحانه - إلى شروط التوبة الصادقة فقال { ~~ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا ~~}. أى ومن تاب عن المعاصى تركا تاما، وداوم على العمل الصالح ليستدرك ما ~~فاته منه، فإنه فى هذه الحالة يكون قد تاب ورجع إلى الله - تعالى - رجوعا ~~صحيحا، مقبولا منه - سبحانه - بحيث يترتب عليه محو العقاب وإثبات الثواب. ~~وهكذا نجد رحمة الله - تعالى - تحيط بالعبد من كل جوانبه، لكى تحمله على ~~ولوج باب التوبة والطاعة، وتوصد فى وجهه باب الفسوق والعصيان. ثم واصلت ~~السورة حديثها عن عباد الرحمن، فقال - تعالى - { والذين لا ~~يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما }. # وأصل الزور ms3831 تحسين الشىء ووصفه بغير صفته، ووضعه فى غير موضعه، مأخوذ من ~~الزور بمعنى الميل والانحراف عن الطريق المستقيم إلى غيره. واللغو هو ~~مالا خير فيه من الأقوال أو الأفعال. أى إن من صفات عباد الرحمن أنهم لا ~~يرتكبون شهادة الزور، ولا يحضرون المجالس التى توجد فيها هذه الشهادة، ~~لأنها من أمهات الكبائر التى حاربها الإسلام. وفضلا عن ذلك فإنهم " إذا ~~مروا باللغو " أى بالمجالس التى فيها لغو من القول أو الفعل " مروا كراما ~~" أى أعرضوا عنها إكراما لأنفسهم، وصونا لكرامتهم، وحفاظا على دينهم ~~ومروءتهم. والتعبير بقوله - تعالى - { وإذا مروا... } فيه إشعار ~~بأن مرورهم على تلك المجالس كان من باب المصادفة والاتفاق، لأنهم أكبر من ~~أن يقصدوا حضورها قصدا. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنآ ~~أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي ~~الجاهلين # ثم بين - سبحانه - سرعة تأثرهم وتذكرهم، وقوة عاطفتهم نحو دينهم فقال { ~~والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا ~~عليها صما وعميانا }. والمراد بآيات ربهم، القرآن الكريم وما ~~اشتمل عليه من عظات وهدايات... أى أن من صفات هؤلاء المتقين أنهم، إذا ~~ذكرهم مذكر بآيات الله - تعالى - المشتملة على المواعظ والثواب والعقاب، ~~أكبوا عليها، وأقبلوا على المذكر بها بآذان واعية، وبعيون مبصرة، وليس ~~كأولئك الكفار أو المنافقين الذين ينكبون على عقائدهم الباطلة انكباب ~~الصم العمى الذين لا يعقلون، وينكرون ما جاءهم به رسول ربهم بدون فهم أو ~~وعى أو تدبر. فالآية الكريمة مدح للمؤمنين على حسن تذكرهم وتأثرهم ~~ووعيهم، وتعريض بالكافرين والمنافقين الذين يسقطون على باطلهم سقوط ~~الأنعام على ما يقدم لها من طعام وغيره. قال صاحب الكشاف قوله { لم ~~يخروا.. } ليس بنفى للخرور، وإنما هو إثبات له، ونفى للصمم والعمى، ~~كما تقول لا يلقانى زيد مسلما هو نفى للسلام لا للقاء. والمعنى أنهم ~~إذا ذكروا بها أكبوا عليها حرصا على استماعها، وأقبلوا على المذكر بها، ~~وهم فى إكبابهم عليها، سامعون بآذان واعية. مبصرون بعيون واعية، لا ~~كالذين يذكرون بها فتراهم مكبين عليها... وهم ms3832 كالصم العميان حيث لا ~~يعونها كالمنافقين وأشباههم. ثم ذكر - سبحانه - فى نهاية الحديث عنهم ~~أنهم لا يكتفون بهذه المناقب الحميدة التى وهبهم الله إياها، وإنما هم ~~يتضرعون إليه - سبحانه - أن يجعل منهم الذرية الصالحة، وأن يرزقهم ~~الزوجات الصالحات. فقال - تعالى - { والذين يقولون ربنا ~~هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ~~واجعلنا للمتقين إماما }. أى يقولون فى دعائهم وتضرعهم يا ~~{ ربنا هب لنا } بفضلك وجودك { من أزواجنا ~~وذرياتنا قرة أعين } أى ما يجعل عيوننا تسربهم، ونفوسنا ~~تنشرح برؤيتهم، وقلوبنا تسكن وتطمئن وجودهم، لأنهم أتقياء صالحون مهتدون. # { واجعلنا } يا ربنا { للمتقين إماما } أى اجعلنا قدوة ~~وأسوة للمتقين. يقتدون بنا فى أقوالنا الطيبة، وأعمالنا الصالحة، فأنت ~~تعلم - يا مولانا - أننا نعمل على قدر ما نستطيع فى سبيل إرضائك وفى ~~السير على هدى رسولك صلى الله عليه وسلم. هذه هى صفات عباد الرحمن ذكرها ~~القرآن فى هذه الآيات الكريمة، وهى تدل على قوة إيمانهم، وصفاء نفوسهم، ~~وطهارة قلوبهم... فماذا أعد الله - تعالى - لهم؟ لقد بين - سبحانه - ما ~~أعده لهم فقال { أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ~~ويلقون فيها تحية وسلاما خالدين فيها حسنت ~~مستقرا ومقاما }. والغرفة فى الأصل كل بناء مرتفع، والجمع غرف ~~وغرفات كما فى قوله - تعالى - # لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها ~~غرف مبنية # وقوله - سبحانه - # وهم في الغرفات آمنون # والمراد بها هنا أعلى منازل الجنة أو الجنة نفسها أو جنسها الصادق بغرف ~~كثيرة. أى أولئك المتقون المتصفون. بالصفات السابقة، يجازيهم الله - ~~تعالى - بأعلى المنازل والدرجات فى الجنة، بسبب صبرهم على طاعته، وبعدهم ~~عن معصيته ويلقون فى تلك المنازل الرفيعة { تحية وسلاما } عن ~~ربهم - عز وجل - ومن ملائكته الكرام، ومن بعضهم لبعض. { خالدين ~~فيها } أى فى تلك المنازل الرفيعة، والجنات العالية، خلودا أبديا. { ~~حسنت } تلك الغرفة والمنزلة { مستقرا } يستقرون فيها { ~~ومقاما } يقيمون فيه وذلك فى مقابل ما أعد للكافرين من نار ساءت ~~مستقرا ومقاما. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله { قل ما... }. ### || [25.77] # قال القرطبى يقال ما عبأت بفلان، أى ما ms3833 باليت به. أى ما كان له عندى وزن ~~ولا قدر. وأصل يعبأ من العبء وهو الثقل... فالعبء الحمل الثقيل، والجمع ~~أعباء. و " ما " استفهامية، وليس يبعد أن تكون نافية، لأنك إذا حكمت ~~بأنها استفهام فهو نفى خرج مخرج الاستفهام، وحقيقة القول عندى أن موضع " ~~ما " نصب والتقدير أى عبء يعبأ بكم ربى؟ أى أى مبالاة يبالى بكم ربى لولا ~~دعاؤكم.. هذا، وللعلماء فى تفسير هذه الآية أقوال منها أن قوله - تعالى - ~~{ قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعآؤكم } خطاب للمؤمنين ~~أو للناس جميعا، وأن المصدر هو. دعاؤكم مضاف لفاعله، وأن بقية الآية وهى ~~قوله { فقد كذبتم... } خطاب للكافرين، والمعنى على هذا القول قل ~~- أيها الرسول الكريم - للمؤمنين أو للناس جميعا، أى اعتداد لكم عند ربكم ~~لولا دعاؤكم، أى لولا عبادتكم له - عز وجل - أى لولا إخلاصكم العبادة له ~~لما اعتد بكم. ثم أفرد الكافرين بالخطاب فقال { فقد كذبتم } ~~أيها الكافرون { فسوف يكون لزاما }. أى فسوف يكون جزاء التكذيب ~~" لزاما " أى عذابا دائما ملازما لكم. فلزاما مصدر لام، كقاتل قتالا، ~~والمراد به هنا اسم الفاعل. وقد وضح صاحب الكشاف هذا القول فقال لما وصف ~~الله - تعالى - عبادة العباد، وعدد صالحاتهم وحسناتهم... أتبع ذلك ببيان ~~أنه إنما اكترث لأولئك وعبأ بهم وأعلى ذكرهم، لأجل عبادتهم فأمر رسوله ~~صلى الله عليه وسلم أن يصرح للناس، ويجزم لهم القول، بأن الاكتراث لهم ~~عند ربهم، إنما هو للعبادة وحدها لا لمعنى آخر... وقوله { فقد ~~كذبتم } يقول إذا أعلمتكم أن حكمى، أنى لا أعتد بعبادى إلا من أجل ~~عبادتهم، فقد خالفتم بتكذيبكم حكمى، فسوف يلزمكم أثر تكذيبكم حتى يكبكم ~~فى النار. ونظيره فى الكلام أن يقول الملك لمن عصاه " إن من عادتى أن ~~أحسن إلى من يطيعنى، ويتبع أمرى، فقد عصيت فسوف ترى ما أحل بك بسبب ~~عصيانك.. ". ومن العلماء من يرى أن الخطاب فى الآية للكافرين، وأن المصدر ~~مضاف لمفعوله، فيكون المعنى قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين، ~~ما يعبأ بكم ربى، ولا يكترث لوجودكم، ms3834 لولا دعاؤه إياكم على لسانى، إلى ~~توحيده وإخلاص العبادة له، وبما أنى قد دعوتكم فكذبتم دعوتى. فسوف يكون ~~عاقبة ذلك ملازمة العذاب لكم. وهذا قول جيد ولا إشكال فيه وقد تركنا بعض ~~الأقوال لضعفها، وغناء هذين القولين عنها. وبعد فهذا تفسير لسورة " ~~الفرقان " تلك السورة التى حكت شبهات المشركين وأبطلتها. وساقت ما ساقت ~~من تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وتثبيته، وبشرت عباد الرحمن بأرفع ~~المنازل. ونسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا منهم، وأن يحشرنا فى ~~زمرتهم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [26 - سورة الشعراء] ### || [26.1-9] # سورة الشعراء من السور التى افتتحت بحرف من الحروف المقطعة وهو قوله - ~~تعالى - { طسم }. وقد ذكرنا آراء العلماء فى الحروف المقطعة بشىء من ~~التفصيل عند تفسيرنا لسور " البقرة، آل عمران، والأعراف، ويونس.. " إلخ. ~~وقلنا ما خلاصته لعل أقرب الأقوال إلى الصواب، أن هذه الحروف المقطعة، قد ~~وردت فى افتتاح بعض السور، على سبيل الإيقاظ والتنبيه، للذين تحداهم ~~القرآن. فكأن الله - تعالى - يقول لهؤلاء المعاندين والمعارضين فى أن ~~القرآن من عند الله هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون ~~منه كلامكم، ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها ~~حروفكم، فإن كنتم فى شك فى أنه من عند الله - تعالى - فهاتوا مثله، أو ~~عشر سور من مثله، أو سورة واحدة من مثله، فعجزوا وانقلبوا خاسرين، وثبت ~~أن هذا القرآن من عند الله - تعالى -. واسم الإشارة { تلك } يعود إلى ~~الآيات القرآنية التى تضمنتها هذه السورة الكريمة أو إلى جميع آيات ~~القرآن التى نزلت قبل ذلك. والمراد بالكتاب القرآن الكريم الذى تكفل - ~~سبحانه - بإنزاله على نبيه صلى الله عليه وسلم. والمبين اسم فاعل من أبان ~~الذى هو بمعنى بان، مبالغة فى الوضوح والظهور. قال صاحب الصحاح " يقال ~~بأن الشىء يبين بيانا، أى اتضح، فهو بين، وكذا أبان الشىء فهو مبين ". أى ~~تلك الآيات القرآنية التى أنزلناها عليك - أيها الرسول الكريم - والتى ~~سننزلها عليك تباعا حسب حكمتنا ms3835 وإرادتنا، هى آيات الكتاب الواضح إعجازه، ~~والظاهرة هداياته ودلالاته على أنه من عند الله - تعالى -، ولو كان من ~~عند غيره - سبحانه - لوجدوا فيه اخلافا كثيرا. ثم خاطب - سبحانه - رسوله ~~صلى الله عليه وسلم بما يسليه عن تكذيب المشركين له، وبما يهون عليه ~~أمرهم فقال - تعالى - { لعلك باخع نفسك ألا يكونوا ~~مؤمنين }. قال بعض العلماء ما ملخصه اعلم أن لفظة { لعل } تكون ~~للترجى فى المحبوب، وللإشفاق فى المحذور. واستظهر أبو حيان فى تفسيره، ~~أن { لعل } هنا للاشفاق عليه صلى الله عليه وسلم أن يبخع نفسه لعدم ~~إيمانهم. وقال بعضهم إن لعل هنا للنهى، أى لا تبخع نفسك لعدم إيمانهم وهو ~~الأظهر، لكثرة ورود النهى صريحا عن ذلك. قال - تعالى - # فلا تذهب نفسك عليهم حسرات # والمعنى لعلك - أيها الرسول الكريم - قاتل نفسك هما وغما. بسبب تكذيب ~~الكافرين لك، وعدم إيمانهم بدعوتك وإعراضهم عن رسالتك التى أرسلناك بها ~~إليهم... لا - أيها الرسول الكريم - لا تفعل ذلك، فإنما عليك البلاغ ~~وعلينا الحساب، وإنك لا تستطيع هداية أحد ولكن الله - تعالى - يهدى من ~~يشاء، وإننا { إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية ~~فظلت أعناقهم لها خاضعين }. # ومفعول المشيئة محذوف، والمراد بالآية هنا المعجزة القاهرة التى تجعلهم ~~لا يملكون انصرافا معها عن الإيمان، والأعناق جمع عنق. وقد تطلق على ~~وجوه الناس وزعمائهم تقول جاءنى عنق من الناس أى جماعة منهم أو من ~~رؤسائهم والمقدمين فيهم. والمعنى لا تحزن يا محمد لعدم إيمان كفار مكة ~~بك، فإننا إن نشأ إيمانهم، ننزل عليهم آية ملجئة لهم إلى الإيمان، ~~تجعلهم ينقادون له، ويدخلون فيه دخولا ملزما لهم، ولكنا لا نفعل ذلك، لأن ~~حكمتنا قد اقتضت أن يكون دخول الناس فى الإيمان عن طريق الاختيار ~~والرغبة، وليس عن طريق الإلجاء والقسر. وصور - سبحانه - هذه الآية بتلك ~~الصورة الحسية { فظلت أعناقهم لها خاضعين } ، للإشعار ~~بأن هذه الآية لو أراد - سبحانه - إنزالها لجعلتهم يخضعون خضوعا تاما ~~لها، حتى لكأن أعناقهم على هيئة من الخضوع والذلة لا تملك معها الارتفاع ~~أو الحركة. قال ms3836 صاحب الكشاف " فإن قلت كيف صح مجىء خاضعين خبرا عن ~~الأعناق؟ قلت أصل الكلام فظلوا لها خاضعين. فأقحمت الأعناق لبيان موضع ~~الخضوع، وترك الكلام على أصله. كقوله ذهبت أهل اليمامة، كأن الأهل غير ~~مذكور. أو لما وصفت بالخضوع الذى هو للعقلاء، قيل خاضعين.... وقيل أعناق ~~الناس رؤساؤهم ومقدموهم شبهوا بالأعناق كما قيل لهم هم الرءوس والنواصى ~~والصدور... وقيل جماعات الناس.. ". ثم بين - سبحانه - ما عليه هؤلاء ~~الكافرون من صلف وجحود فقال { وما يأتيهم من ذكر من ~~الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين }. أى ولقد ~~بلغ الجحود والجهل بهؤلاء الكافرين، أنهم كلما جاءهم قرآن محدث تنزيله ~~على نبيهم صلى الله عليه وسلم ومتجدد نزوله عليه صلى الله عليه وسلم ~~أعرضوا عنه إعراضا تاما. وعبر عن إعراضهم بصيغة النفى والاستثناء التى هى ~~أقوى أدوات القصر، للإشارة إلى عتوهم فى الكفر والضلال، وإصرارهم على ~~العناد والتكذيب. وفى ذكر اسم الرحمن هنا إشارة إلى عظيم رحمته - سبحانه ~~- بإنزال هذا الذكر، وتسجيل لأقصى دركات الجهالة عليهم، لأنهم أعرضوا عن ~~الهداية التى أنزلها الرحمن الرحيم لسعادتهم، وحرموا أنفسهم مها وهم أحوج ~~الناس إليها. و { من } الأولى لتأكيد عموم إعراضهم، والثانية لابتداء ~~الغاية، وجملة { إلا كانوا عنه معرضين } حالية. ثم بين - ~~سبحانه - سوء عاقبتهم فقال { فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ~~ما كانوا به يستهزئون }. أى فقد كذبوا هؤلاء الجاحدون ~~بالذكر الذى أتيتهم به - أيها الرسول الكريم - دون أن يكتفوا بالإعراض ~~عنه، فاصبر فسيأتيهم أنباء العذاب الذى كانوا يستهزئون به عندما تحدثهم ~~عنه، وهو واقع بهم لا محالة ولكن فى الوقت الذى يشاؤه - سبحانه -. # وفى التعبير عن وقوع العذاب بهم، بإتيان أنبائه وأخباره، تهويل من شأن ~~هذا العذاب، وتحقيق لنزوله، أى فسيأتيهم لا محالة مصداق ما كانوا به ~~يستهزئون ويصيرون هم أحاديث الناس يتحدثون بها ويتناقلون أنباءها. ثم ~~وبخهم - سبحانه - على غفلتهم وعلى عدم التفاتهم إلى ما في هذا الكون من ~~عظات وعبر. فقال - تعالى - { أولم يروا إلى الأرض كم ~~أنبتنا فيها من كل زوج كريم }. والاستفهام للإنكار ~~والتوبيخ، ms3837 والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام. أى أعمى هؤلاء الجاحدون ~~عن مظاهر قدرة الله - تعالى - ورحمته بهم، ولم يروا بأعينهم كيف أخرجنا ~~النبات من الأرض، وجعلنا فيها أصنافا وأنواعا لا تحصى من النباتات ~~الكريمة الجميلة المشتملة على الذكر والأنثى. فالآية الكريمة توبيخ لهم ~~على إعراضهم عن الآيات التكوينية، بعد توبيخهم على إعراضهم عن الآيات ~~التنزيلية، وتحريض لهم على التأمل فيما فوق الأرض من نبات مختلف الأنواع ~~والأشكال والثمار. لعل هذا التأمل ينبه حسهم الخامد وذهنهم البليد وقلبهم ~~المطموس. قال صاحب الكشاف " وصف الزوج - وهو الصنف من النبات - بالكرم، ~~والكريم صفة لكل ما يرضى ويحمد فى بابه. يقال وجه كريم إذا رضى فى حسنه ~~وجماله، وكتاب كريم. أى مرضى فى معانيه وفوائده.... والنبات الكريم ~~المرضى فيما يتعلق به من المنافع. فإن قلت ما معنى الجمع بين كم وكل؟ قلت ~~قد دل { كل } على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل. و { كم ~~} على أن هذا المحيط متكاثر مفرط الكثرة، فهذا معنى الجمع بينهما، وبه ~~نبه على كمال قدرته... ". ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات بآيتين تكررتا فى ~~السورة الكريمة ثمانى مرات. ألا وهما قوله - تعالى - { إن في ذلك ~~لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم }. أى إن فى ذلك الذى ذكرناه عن إنباتنا لكل زوج ~~كريم فى الأرض { لآية } عظيمة الدلالة على كماق قدرتنا، وسعة رحمتنا، ~~وما كان أكثر هؤلاء الكافرين مؤمنين، لإيثارهم العمى على الهدى، والغى ~~على الرشد { وإن ربك } - أيها الرسول الكريم - { العزيز } أى ~~صاحب العزة والغلبة والقهر { الرحيم } أى الواسع الرحمة بعباده، حيث ~~لم يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم لعلهم يتوبون أو يعقلون. ثم حكى - سبحانه - ~~جانبا من قصة موسى - عليه السلام - بأسلوب يتناسب مع ما اشتملت عليه ~~السورة الكريمة من إنذار وتخويف، وبطريقة أحاطت بجوانب هذه القصة منذ أن ~~ذهب موسى - عليه السلام - لفرعون وقومه إلى أن انتهت بهلاكهم وإغراقهم. ~~لقد بدأ - سبحانه - هذه القصة بقوله - تعالى - { وإذ نادى... }. ### || [26.10-17] # موسى - عليه السلام - هو ابن عمران، وينتهى ms3838 نسبه إلى يعقوب بن إسحاق بن ~~إبراهيم - عليهم السلام - ويرجح المؤرخون أن ولادته كانت فى القرن الثالث ~~عشر قبل ميلاد عيسى - عليه السلام - وأن بعثته كانت فى عهد منفتاح بن ~~رمسيس الثانى. وقد وردت قصة موسى مع فرعون وقومه، ومع إسرائيل فى كثير من ~~سور القرآن الكريم تارة بصورة فيها شىء من التفصيل، وتارة بصورة فيها شىء ~~من الاختصار والتركيز، تبعا لمقتضى الحال الذى وردت من أجله. وقد وردت ~~هنا وفى سورة الأعراف وفى سورة طه. وفى سورة القصص بأسلوب فيه بسطة ~~وتفصيل. لقد افتتحت هنا بقوله - تعالى - { وإذ نادى ربك ~~موسى أن ائت القوم الظالمين }. وهذا النداء كان بالوادى ~~المقدس طوى، كما جاء فى سورة طه وفى سورة النازعات. أى واذكر - أيها ~~الرسول الكريم - وقت أن نادى ربك نبيه موسى قائلا له اذهب إلى القوم ~~الظالمين لتبلغهم رسالتى، وتأمرهم بإخلاص العبادة لى. وقوله { قوم ~~فرعون } بدل أو عطف بيان، ووصفهم - سبحانه - بالظلم لعبادتهم لغيره، ~~ولعدوانهم على بنى إسرائيل بقتل الذكور، واستبقاء النساء. وقوله - تعالى ~~- { ألا يتقون } تعجيب من حالهم. أى ائتهم يا موسى وقل لهم ألا ~~يتقون الله - تعالى - ويخشون عقابه. ويكفون عن كفرهم وظلمهم. ثم حكى - ~~سبحانه - رد موسى فقال { قال رب إني أخاف أن يكذبون ~~}. أى قال موسى فى الإجابة على ربه - عز وجل - يا رب إنى أعرف هؤلاء ~~القوم، وأعرف ما هم عليه من ظلم وطغيان، وإنى أخاف تكذيبهم لى عندما أذهب ~~إليهم لتبليغ وحيك { ويضيق صدري } أى وينتابنى الغم والهم بسبب ~~تكذيبهم لى.. { ولا ينطلق لساني } أى وليس عندى فصاحة اللسان ~~التى تجعلنى أظهر ما فى نفسى من تفنيد لأباطيلهم، ومن إزهاق لشبهاتهم، ~~خصوصا عند اشتداد غضبى عليهم. { فأرسل إلى هارون } أى فأرسل ~~وحيك الأمين إلى أخى هارون، ليكون معينا لى على تبليغ ما تكلفنى بتبليغه. ~~{ ولهم علي ذنب } حيث إنى قتلت منهم نفسا { فأخاف أن ~~يقتلون } عندما أذهب إليهم، على سبيل القصاص منى. فأنت ترى أن موسى ~~- عليه السلام - قد شكا إلى ربه خوفه ms3839 من تكذيبهم وضيق صدره من طغيانهم، ~~وعقدة فى لسانه، وخشيته من قتلهم له عندما يرونه. وليس هذا من باب ~~الامتناع عن أداء الرسالة، أو الاعتذار عن تبليغها. وإنما هو من باب طلب ~~العون من الله - تعالى - والاستعانة به - عز وجل - على تحمل هذا الأمر ~~والتماس الإذن منه - فى إرسال هارون معه. # ليكون عونا له فى مهمته، وليخلفه فى تبليغ الرسالة فى حال قتلهم له.. ~~وشبيه بهذا الجواب ما حكاه عنه - سبحانه - فى سورة طه فى قوله - تعالى - # اذهب إلى فرعون إنه طغى قال رب اشرح لي ~~صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني ~~يفقهوا قولي واجعل لي وزيرا من أهلي هارون ~~أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك ~~كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا # وقد رد الله - تعالى - على نبيه موسى - عليه السلام - ردا حاسما لإزالة ~~الخوف، ومزهقا لكل ما يحتمل أى يساور نفسه من عدوان عليه، فقال - تعالى - ~~{ قال كلا فاذهبا بآياتنآ إنا معكم مستمعون ~~}. أى قال الله - تعالى - لموسى على سبيل الإرشاد والتعليم كلا، لا تخف ~~أن يكذبوك أو أن يضيق صدرك، أو أن لا ينطلق لسانك، أو أن يقتلوك، كلا لا ~~تخف من شىء من ذلك، فأنا معكما برعايتى ومادام الأمر كذلك فاذهب أنت ~~وأخوك بآياتنا الدالة على وحدانيتنا فإننا معكم سامعون لما تقولانه لهم ~~ولما سيقولونه لكما. وعبر - سبحانه - بكلا المفيدة للزجر، لزيادة إدخال ~~الطمأنينة على قلب موسى - عليه السلام -. والمراد بالآيات هنا المعجزات ~~التى أعطاها - سبحانه - لموسى وعلى رأسها العصا... وقال - سبحانه - { ~~إنا معكم } مع أنهما اثنان، تعظيما لشأنهما أو لكون الاثنين أقل ~~الجمع. أو المراد هما ومن أرسلا إليه. والتعبير بقوله { إنا معكم ~~مستمعون } بصيغة التأكيد والمعية والاستماع، فيه ما فيه من ~~العناية بشأنهما، والرعاية لهما، والتأييد لأمرهما. والفاء فى قوله { ~~فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين أن ~~أرسل معنا بني إسرائيل } لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ~~الوعد برعايتهما. و " أن " فى قوله { أن أرسل } مفسرة. لتضمن ms3840 ~~الإرسال المفهوم من الرسول معنى القول. أى اذهبا وأنتما متسلحان بآياتنا ~~الدالة على صدقكما، فنحن معكم برعايتنا وقدرتنا. فأتيا فرعون بدون خوف أو ~~وجل منه { فقولا } له بكل شجاعة وجراءة { إنا رسول رب ~~العالمين } أى رب جميع العوالم التى من بينها عالم الجن. وعالم ~~الملائكة. وقد أرسلنا - سبحانه - إليك، لكى تطلق سراح بنى إسرائيل من ~~ظلمك وبغيك، وتتركهم يذهبون معنا إلى أرض الله الواسعة لكى يعبدوا الله - ~~تعالى - وحده. قال الآلوسى " وإفراد الرسول فى قوله { إنا رسول ~~رب العالمين } لأنه مصدر بحسب الأصل، وصف به كما يوصف بغيره من ~~المصادر للمبالغة، كرجل عدل... أو لوحدة المرسل أو المرسل به - أى لأنهما ~~ذهبا برسالة واحدة وفى مهمة واحدة ". وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد ~~قصت علينا، ما أمر الله - تعالى - به نبيه موسى - عليه السلام - وما زوده ~~به - سبحانه - من إرشاد وتعليم، بعد أن التمس منه - سبحانه - العون ~~والتأييد. ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما دار بين موسى وفرعون من محاورات ~~فقال - تعالى - { قال ألم نربك... }. ### || [26.18-33] # أى قال فرعون لموسى بعد أن عرفه، وبعد أن طلب منه موسى أن يرسل معه بنو ~~إسرائيل. قال له يا موسى { ألم نربك فينا وليدا } أى ألم ~~يسبق لك أنك عشت فى منزلنا، ورعيناك وأنت طفل صغير عندما قالت امرأتى # لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا.. # { ولبثت فينا } أى فى كنفنا وتحت سقف بيتنا { من عمرك ~~سنين } عددا. { وفعلت فعلتك التي فعلت } وهى قتلك ~~لرجل من شيعتى { وأنت من الكافرين }. أى وأنت من الجاحدين بعد ~~ذلك لنعمتى التى أنعمتها عليك، فى حال طفولتك، وفى حال صباك، وفى حال ~~شبابك. لأنك جئتنى أنت وأخوك بما يخالف ديننا، وطلبتما منا أن نرسل معكما ~~بنى إسرائيل. فهل هذا جزاء إحسانى إليك؟ وهكذا نرى فرعون يوجه إلى موسى - ~~عليه السلام - تلك الأسئلة على سبيل الإنكار عليه لما جاء به، متوهما ~~أنه قد قطع عليه طريق الإجابة. ولكن موسى - عليه السلام - وقد استجاب ~~الله - تعالى - دعاءه، وأزال ms3841 عقدة لسانه، رد عليه ردا حكيما، فقال - كما ~~حكى القرآن عنه { قال فعلتهآ إذا وأنا من الضالين }. ~~أى قال موسى فى جوابه على فرعون أنا لا أنكر أنى قد فعلت هذه الفعلة التى ~~تذكرنى بها، ولكنى فعلتها وأنا فى ذلك الوقت من الضالين، أى فعلت ذلك قبل ~~أن يشرفنى الله بوحيه، ويكلفنى بحمل رسالته، وفضلا عن ذلك فأنا كنت أجهل ~~أن هذه الوكزة تؤدى إلى قتل ذلك الرجل من شيعتك، لأنى ما قصدت قتله، ~~وإنما قصدت تأديبه ومنعه من الظلم لغيره. فالمراد بالضلال هنا الجهل ~~بالشىء، والذهاب عن معرفة حقيقيته. وقوله { ففررت منكم لما ~~خفتكم } بيان لما ترتب على فعلته التى فعلها. أى وبعد هذه الفعلة ~~التى فعلتها وأنا من الضالين، توقعت الشر منكم، ففرت من وجوهكم حين خشيت ~~منكم على نفسى فكانت النتيجة أن وهبنى { ربي حكما } أى علما نافعا ~~{ وجعلني من المرسلين } الذين اصطفاهم الله - تعالى - لحمل ~~رسالته والتشرف بنبوته. ثم أضاف موسى - عليه السلام - إلى هذا الرد ~~الملزم فرعون، ردا آخر أشد إلزاما وتوبيخا فقال { وتلك نعمة ~~تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل }. واسم الإشارة ~~{ تلك } يعود إلى التربية المفهومة من قوله - تعالى - قبل ذلك { ~~ألم نربك فينا وليدا...الخ }. وقوله { تمنها } من المن ~~بمعنى الإنعام يقال من فلان على فلان منة إذا أنعم عليه بنعمة. وعبدت ~~أى اتخذتهم عبيدا لك تسخرهم لخدمتك. قال الجمل و { تلك } مبتدأ، و { ~~نعمة } خبر. و { تمنها } صفة للخير و { أن عبدت } عطف ~~بيان للمبتدأ موضح له. وهذا الكلام من موسى - عليه السلام - يرى بعضهم ~~أنه قال على وجهة الاعتراف له بالنعمة، فكأنه يقول له تلك التربية التى ~~ربيتها لى نعمة منك على، ولكن ذلك لا يمنع من أن أكون رسولا من الله - ~~تعالى - إليك، لكى تقلع عن كفرك، ولكى ترسل معنا بنى إسرائيل. # ويرى آخرون أن هذا الكلام من موسى لفرعون، إنما قاله على سبيل التهكم ~~به، والإنكار عليه فيما امتن به عليه، فكأنه يقول له إن ما تمن به على ms3842 ~~هو فى الحقيقة نقمة، وإلا فأية منة لك على فى استعبادك لقومى وأنا واحد ~~منهم، إن خوف أمى من قتلك لى هو الذى حملها على أن تلقى بى فى البحر، ~~وتربيتى فى بيتك كانت لأسباب خارجة عن قدرتك.. ويبدو لنا أن هذا الرأى ~~أقرب إلى الصواب، لأنه هو المناسب لسياق القصة، ولذا قال صاحب الكشاف عند ~~تفسيره لهذه الآية " ثم كر موسى على امتنان فرعون عليه بالتربية فأبطله ~~من أصله، واستأصله من سنخه - أى من أساسه -، وأبى أن يسمى نعمته إلا ~~نقمة. حيث بين أن حقيقة إنعامه عليه تعبيد بنى إسرائيل، لأن تعبيدهم ~~وقصدهم بالذبح لأبنائهم هو السبب فى حصوله عنده وتربيته، فكأنه امتن عليه ~~بتعبيد قومه، وتذليلهم واتخاذهم خدما له... ". وبهذا الجواب التوبيخى ~~أفحم موسى - عليه السلام - فرعون. وجعله يحول الحديث عن هذه المسألة التى ~~تتعلق بتربيته لموسى إلى الحديث عن شىء آخر حكاه القرآن فى قوله { قال ~~فرعون وما رب العالمين } أى قال فرعون لموسى أى شىء رب ~~العالمين الذى أنت وأخوك جئتما لتبلغا رسالته لى، وما صفته؟ وهذا السؤال ~~يدل على طغيان فرعون - قبحه الله - وتجاوزه كل حد فى الفجور، فإن هذا ~~السؤال يحمل فى طياته استنكار أن يكون هناك إله سواه، كما حكى عنه القرآن ~~فى آية أخرى قوله # وقال فرعون يأيها الملأ ما علمت لكم من ~~إله غيري.. # فهو ينكر رسالة موسى - عليه السلام - من أساسها. وهنا يرد موسى. بقوله { ~~قال رب السماوات والأرض وما بينهمآ إن كنتم ~~موقنين }. أى قال موسى ربنا - يا فرعون - هو رب السموات ورب الأرض، ~~ورب ما بينهما من أجرام وهواء. وإن كنتم موقنين بشىء من الأشياء، ~~فإيمانكم بهذا الخالق العظيم وإخلاصكم العبادة له أولى من كل يقين سواه. ~~وفى هذا الجواب استصغار لشأن فرعون. وتحقير لمزاعمه، فكأنه يقول له إن ~~ربنا هو رب هذا الكون الهائل العظيم، أما ربوبيتك أنت - فمع بطلانها - هى ~~ربوبية لقوم معينين خدعتهم بدعواك الألوهية، فأطاعوك لسفاهتهم وفسقهم.. ~~وهنا يلتفت فرعون إلى من حوله ليشاركوه ms3843 التعجيب مما قاله موسى وليصرفهم ~~عن التأثر بما سمعوه منه، فيقول لهم { ألا تستمعون } أى ألا ~~تستمعون إلى هذا القول الغريب الذى يقوله موسى. # والذى لا عهد لنا به، ولا قبول عندنا له ولا صبر لنا عليه.. ولكن موسى - ~~عليه السلام - لم يمهلهم حتى يردوا على فرعون بل أكد لهم وحدانية الله - ~~تعالى - وهيمنته على هذا الكون { قال ربكم ورب آبآئكم ~~الأولين }. أى ربنا الذى هو رب السموات والأرض وما بينهما، هو ربكم ~~أنتم - أيضا - وهو رب آبائكم الأولين، فكيف تتركون عبادته، وتعبدون عبدا ~~من عباده ومخلوقا من مخلوقاته هو فرعون؟ وهنا لم يملك فرعون إلا الرد ~~الدال على إفلاسه وعجزه، فقال ملتفتا إلى من حوله { إن رسولكم ~~الذي أرسل إليكم لمجنون }. أى قال فرعون - على سبيل ~~السخرية بموسى - مخاطبا أشراف قومه إن رسولكم الذى أرسل إليكم بما سمعتم ~~{ لمجنون } لأنه يتكلم بكلام لا تقبله عقولنا، ولا تصدقه آذاننا ~~وسماه رسولا على سبيل الاستهزاء، وجعل رسالته إليهم لا إليه، لأنه - فى ~~زعم نفسه - أكبر من أن يرسل إليه رسول، ولكى يهيجهم حتى ينكروا على موسى ~~قوله.. ولكن موسى - عليه السلام - لم يؤثر ما قاله فرعون فى نفسه، بل رد ~~عليه وعليهم بكل شجاعة وحزم فقال { رب المشرق والمغرب ~~وما بينهمآ إن كنتم تعقلون }. أى قال موسى ربنا رب ~~السموات والأرض وما بينهما. وربكم ورب آبائكم الأولين. ورب المشرق الذى ~~هو جهة طلوع الشمس وطلوع النهار. ورب المغرب الذى هو غروب الشمس وغروب ~~النهار. وخصهما بالذكر. لأنهما من أوضح الأدلة على وحدانية الله - تعالى ~~- وقدرته ولأن فرعون أو غيره من الطغاة لا يجرؤ ولا يملك ادعاء تصريفهما ~~أو التحكم فيهما على تلك الصورة البديعة المطردة. والتى لا اختلال فيها ~~ولا اضطراب... كما قال إبراهيم للذى حاجه فى ربه # إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من ~~المغرب فبهت الذي كفر.. # وجملة { إن كنتم تعقلون } حض لهم على التعقل والتدبر، وتحذير ~~لهم من التمادى فى الجحود والعناد. أى ربنا وربكم هو ms3844 رب هذه الكائنات ~~كلها، فأخلصوا العبادة له، إن كانت لكم عقول تعقل ما قلته لكم، وتفهم ما ~~أرشدتكم إليه. وهكذا انتقل بهم موسى من دليل إلى دليل على وحدانية الله ~~وقدرته، ومن حجة إلى حجة، ومن أسلوب إلى أسلوب لكى لا يترك مجالا فى ~~عقولهم للتردد فى قبول دعوته. ولكن فرعون - وقد شعر بأن حجة موسى قد ~~ألقمته حجرا انتقل من أسلوب المحاورة فى شأن رسالة موسى إلى التهديد ~~والوعيد - شأن الطغاة عندما يعجزون عن دفع الحجة بالحجة - فقال لموسى ~~عليه السلام - { لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك ~~من المسجونين }. أى قال فرعون لموسى بثورة وغضب لئن اتخذت إلها ~~غيرى يا موسى ليكون معبودا لك من دونى، لأجعلنك واحدا من جملة المسجونين ~~فى سجنى فهذا شأنى مع كل من يتمرد على عبادتى، ويخالف أمرى. # .. قال صاحب الكشاف فإن قلت ألم يكن لأسجننك أخصر من { لأجعلنك ~~من المسجونين } ومؤديا مؤداه؟ قلت أما كونه أخصر فنعم. وأما كونه ~~مؤديا مؤداه فلا، لأن معناه " لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم فى سجونى ~~وكان من عادته أن يأخذ من يريد سجنه فيطرحه فى هوة ذاهبة فى الأرض، بعيدة ~~العمق. لا يبصر فيها ولا يسمع فكان ذلك أشد من القتل ". ولكن موسى - عليه ~~السلام - لم يخفه هذا التهديد والوعيد. بل رد عليه ردا حكيما فقال له { ~~أولو جئتك بشيء مبين }. والاستفهام للإنكار، والواو ~~للعطف على كلام مقدر يستدعيه المقام، والمعنى. أتفعل ذلك بى بأن تجعلنى ~~من المسجونين، ولو جئتك بشىء مبين، يدل دلالة واضحة على صدقى فى رسالتى ~~وعلى أنى رسول من رب العالمين؟ وعبر عن المعجزة التى أيده الله بها بأنها ~~{ شيء مبين } للتهويل من شأنها، والتفخيم من أمرها، ولعل مقصد موسى ~~- عليه السلام - بهذا الكلام، أن يجر فرعون مرة أخرى إلى الحديث فى شأن ~~الرسالة التى جاءه من أجلها بعد أن رآه يريد أن يحول مجرى الحديث عنها ~~إلى التهديد والوعيد، وأن يسد منافذ الهروب عليه أمام قومه. ولذا نجد ~~فرعون لا يملك أمام موسى ms3845 إلى أن يقول له { فأت به إن كنت من ~~الصادقين }. أى فأت بهذا الشىء المبين، إن كنت - يا موسى - من ~~الصادقين فى كلامك السابق.. وهنا كشف موسى - عليه السلام - عما أيده الله ~~- تعالى - به من معجزات حسية خارقة { فألقى عصاه } على الأرض ~~أمام فرعون وقومه { فإذا هي ثعبان مبين }. أى فإذا هى حية ~~عظيمة فى غاية الجلاء والوضوح على أنها حية حقيقة، لا شائبة معها للتخييل ~~أو التمويه كما يفعل السحرة. ولم يكتف موسى بذلك فى الدلالة على صدقه. { ~~ونزع يده } أى من جيبه { فإذا هي بيضآء للناظرين } ~~أى فإذا هى بيضاء بياضا يخالف لون جسمه - عليه السلام -، فهى تتلألأ ~~كأنها قطعة من القمر، ولها شعاع يكاد يغشى الأبصار، وليس فيها ما يشير ~~إلى أن بها سوءا أو مرضا. وهنا أحس فرعون بالرعب يسرى فى أوصاله، وبأن ~~ألوهيته المزعومة قد أوشكت على الانشكاف. وبأن معجزة موسى توشك أن تجعل ~~الناس يؤمنون به، فالتفت إليهم وكأنه يحاول جذبهم إليه، واستطلاع رأيهم ~~فيما شاهدوه، ويحكى القرآن ذلك بأسلوبه البليغ فيقول { قال للملإ ~~حوله... }. ### || [26.34-42] # أى قال فرعون للملأ المحيطين به - بعد أن زلزلته معجزة موسى - { إن ~~هذا لساحر عليم }. أى لساحر بارع فى فن السحر، فهو مع اعترافه ~~بضخامة ما أتى به موسى، يسميه سحرا. ثم يضيف إلى ذلك قوله لهم { يريد ~~أن يخرجكم } هذا الساحر { من أرضكم } التى نشأتم عليها { ~~فماذا تأمرون } أى فبأى شىء تشيرون على وأنتم حاشيتى ومحل ثقتى؟ ~~وفى هذه الجملة الكريمة تصوير بديع لنفس هذا الطاغية وأمثاله... إنه منذ ~~قليل كان يرغى ويزبد. وإذا به بعد أن فاجأه موسى بمعجزته، يصاب بالذعر ~~ويقول لمن زعم أنه ربهم الأعلى { فماذا تأمرون }. وهكذا الطغاة ~~عندما يضيق الخناق حول رقابهم يتذللون ويتباكون.. فإذا ما انفك الخناق من ~~حول رقابهم، عادوا إلى طغيانهم وفجورهم. ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال " ~~ولقد تحير فرعون لما أبصر الآيتين، وبقى لا يدرى أى طرفيه أطول، حتى زل ~~عنه ذكر دعوى الألوهية، وحط عن منكبيه ms3846 كبرياء الربوبية. وارتعدت فرائصه، ~~وانتفخ سحره - أى رئته - خوفا وفرقا، وبلغت به الاستكانة لقومه الذين ~~هم بزعمه عبيده وهو إلههم أن طفق يؤامرهم ويعترف لهم بما حذر منه وتوقعه ~~وأحس به من جهة موسى - عليه السلام - ". ورد الملأ من قوم فرعون عليه ~~بقولهم { أرجه وأخاه } أى أخر أمرهما، يقال أرجأت هذا الأمر ~~وأرجيته. إذا أخرته. ومنه أخذ لفظ المرجئة لتلك الفرقة التى تؤخر العمل ~~وتقول لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة. { وابعث ~~في المدآئن حاشرين } أى وابعث فى مدن مملكتك رجالا من شرطتك ~~يحشرون السحرة، أى يجمعونهم عندك لتختار منهم من تشاء. وقوله { يأتوك ~~بكل سحار عليم } مجزوم فى جواب الأمر. أى إن تبعثهم يأتوك بكل ~~سحار فائق فى سحره، عليم بفنونه ومداخله. ولبى فرعون طلب مستشاريه، فأرسل ~~فى المدائن من يجمع له السحرة { فجمع السحرة } أى المعرفون ~~ببراعتهم فيه { لميقات يوم معلوم } أى جمعوا وطلب منهم ~~الاستعداد لمنازلة موسى - عليه السلام - فى وقت معين هو " يوم الزينة " ~~أى يوم العيد. كما قال - تعالى - فى آية أخرى # قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى # ثم حكى - سبحانه - ما فعله أعوان فرعون من حض الناس على حضور تلك ~~المباراة فقال { وقيل للناس هل أنتم مجتمعون } أى فى ~~ذلك اليوم المعلوم الذى ينازل فيه السحرة موسى فالمقصود بالاستفهام الحض ~~على الحضور والحث على عدم التخلف. والترجى فى قولهم { لعلنا ~~نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين } المقصود به - ~~أيضا - حض السحرة على بذل أقصى جهدهم ليتغلبوا على موسى - عليه السلام -، ~~فكأنهم يقولون لهم ابذلوا قصارى جهدكم فى حسن إعداد سحركم فنحن نرجو أن ~~تكون الغلبة لكم، فنكون معكم لا مع موسى - عليه السلام -. # ثم يحكى القرآن بعد ذلك ما قاله السحرة لفرعون عند التقائهم به فيقول { ~~فلما جآء السحرة قالوا لفرعون } بعد أن التقى بهم ~~ليشجعهم على الفوز، { أإن لنا لأجرا } مجزيا { إن كنا ~~نحن الغالبين } لموسى - عليه السلام -. وهنا يرد عليهم فرعون، ~~فيعدهم. ويمنيهم { قال نعم ms3847 وإنكم إذا لمن ~~المقربين }. أى نعم لكم الأجر العظيم الذى يرضيكم، وفضلا عن ذلك ~~فستكونون عندى من الرجال المقربين إلى نفسى، والذين سأخصهم برعايتى ~~ومشورتى. وهكذا يعد فرعون السحرة ويمنيهم # وما يعدهم الشيطان إلا غرورا # ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما قاله موسى للسحرة، وما قال فرعون لهم بعد ~~أن أعلنوا إيمانهم، فقال - تعالى - { قال لهم... }. ### || [26.43-51] # { قال لهم موسى } أى للسحرة بعد أن أعدوا عدتهم لمنازلته، ومن ~~خلفهم فرعون وقومه يشجعونهم على الفوز قال لهم { ألقوا مآ أنتم ~~ملقون } من السحر، فسوف ترون عاقبة منازلتكم له. وأسلوب الآية ~~الكريمة يشعر بعدم مبالاة موسى - عليه السلام - بهم أو بتلك الحشود التى ~~من ورائهم، فهو مطمئن إلى نصر الله - سبحانه - له. { فألقوا ~~حبالهم وعصيهم وقالوا } أى عند إلقائهم لتلك الحبال ~~والعصى { بعزة فرعون } أى بقوته وجبروته وسطوته { إنا ~~لنحن الغالبون } لا موسى - عليه السلام - ولم تفصل السورة هنا ~~ما فصلته سورة الأعراف من أنهم حين ألقوا حبالهم وعصيهم # سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجآءوا بسحر ~~عظيم # أو ما وضحته سورة طه من أنهم حين ألقوا حبالهم # أوجس في نفسه خيفة موسى # ولعل السر فى عدم التفصيل هنا، أن السورة الكريمة تسوق الأحداث متتابعة ~~تتابعا سريعا، تربط معها قلب القارىء وعقله بما ستسفر عنه هذه الأحداث من ~~ظهر الحق، ومن دحور الباطل. ولذا جاء التعقيب السريع بما فعله موسى - ~~عليه السلام - فقال - تعالى - { فألقى موسى عصاه فإذا هي ~~تلقف } أى تبتلع بسرعة، وتأخذ بقسوة { ما يأفكون } أى ما فعلوه ~~وما يفعلونه من السحر، الذي يقلبون به حقائق الأشياء عن طريق التمويه ~~والتخييل. ورأى السحرة بأعينهم ومعهم الحشود من خلفهم، رأوا ما أجراه ~~الله - تعالى - على يد موسى - عليه السلام - رأوا كل ذلك فذهلوا وبهروا ~~وأيقنوا أن ما جاء به موسى ليس سحرا وإنما هو شىء آخر فوق طاقة البشر، ~~ولو كان سحرا لعرفوه فهم رجاله، وأيضا لو كان سحرا لبقيت حبالهم وعصيهم ~~على الأرض، ولكنها ابتلعتها عصا موسى - عليه السلام - عندئذ لم يتمالكوا ms3848 ~~أنفسهم، بل فعلوا ما حكاه القرآن عنهم فى قوله - سبحانه - { فألقي ~~السحرة ساجدين } أى فخروا ساجدين على وجوههم بدون تردد، وهم ~~يقولن { آمنا برب العالمين رب موسى وهارون }. ~~وهكذا بعد أن شاهد السحرة الحق يتلألأ أمام أبصارهم. لم يملكوا إلا أن ~~ينطقوا به على رءوس الأشهاد، وتحولوا من قوم يلتمسون الأجر من فرعون ~~قائلين # أإن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين # إلى قوم آخرين هجروا الدنيا. ومغانمها، واستهانوا بالتهديد والوعيد، ~~ونطقوا بكلمة الحق فى وجه من كانوا يقسمون بعزته إنا لنحن الغالبون. وصدق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول فى حديثه الذى رواه الشيخان # " ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أقامه، وإن ~~شاء أزاغه ". # ثم يحكى - سبحانه - بعد ذلك موقف فرعون وقد رأى ما حطمه وزلزله فقال - ~~تعالى - { قال } أى فرعون للسحرة { آمنتم له } أى لموسى { قبل ~~أن آذن لكم } بالإيمان به. # .. { إنه } أى موسى - عليه السلام - { لكبيركم الذي ~~علمكم السحر } أى فأنتم متواطئون معه على هذه اللعبة { ~~فلسوف تعلمون } ما أنزله بكم من عذاب. { لأقطعن ~~أيديكم وأرجلكم من خلاف } أى لأقطعن من كل واحد منكم ~~يده اليمنى مع رجله اليسرى. { ولأصلبنكم أجمعين } أى فى ~~جذوع النخل - كما جاء فى آية أخرى - والمتأمل فى قول فرعون - كما حكاه ~~القرآن عنه يرى فيه الطغيان والكفر، فهو يستنكر على السحرة إيمانهم بدون ~~إذن. ويرى فيه الكذب الباطل الذى قصد من ورائه تشكيك قومه فى صدق موسى ~~وفى نبوته فهو يقول لهم { إنه لكبيركم الذي علمكم ~~السحر }. ويرى فيه بعد هذا التلبيس على قومه، التهديد الغليظ - شأن ~~الطغاة فى كل زمان ومكان - فهو يقول للسحرة الذين صاروا مؤمنين { ~~فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من ~~خلاف ولأصلبنكم أجمعين } أى بدون استثناء لواحد منهم. ~~ولم يتلفت السحرة إلى هذا التهديد والوعيد بعد أن استقر الإيمان فى ~~قلوبهم، بل قالوا - كما حكى القرآن عنهم - { لا ضير } مصدر ضاره ~~الأمر يضوره ويضيره ضيرا، أى ضره وألحق به الأذى. أى ms3849 قالوا - بكل ثبات ~~وعدم مبالاة بوعيده - لا ضرر علينا من عقابك فسنتحمله صابرين فى سبيل ~~الحق الذى آمنا به. { إنآ إلى ربنا منقلبون } أى راجعون ~~إليه، فيجازينا على صبرنا. { إنا نطمع أن يغفر لنا ~~ربنا خطايانآ } التى وقعنا فيها قبل الإيمان، كعبادة فرعون ~~وكتعاطى السحر { أن كنآ } أى لأن كنا { أول المؤمنين } ~~بالحق بعد أن جاءنا. ثم ختم - سبحانه - هذه القصة ببيان ما أمر به نبيه ~~موسى - عليه السلام - وما حل بفرعون وقومه من هلاك بسبب كفرهم وبغيهم، ~~فقال - تعالى - { وأوحينآ... }. ### || [26.52-68] # قوله - سبحانه - { وأوحينآ إلى موسى أن أسر ~~بعبادي... } معطوف على كلام مقدر يفهم من سياق القصة. والتقدير وبعد ~~أن انتصر موسى على السحرة نصرا جعلهم يخرون ساجدين لله - تعالى - وبعد أن ~~مكث موسى فى مصر حينا من الدهر، يدعو فرعون وقومه إلى إخلاص العبادة لله ~~- تعالى - فلم يستجيبوا له... بعد كل ذلك { وأوحينآ إلى موسى ~~أن أسر بعبادي } أى سر ببنى إسرائيل ليلا إلى جهة البحر وعبر - ~~سبحانه - عنهم بعبادى. تلطفا بهم بعد أن ظلوا تحت ظلم فرعون مدة طويلة. ~~وقوله - { إنكم متبعون } تعليل للأمر بالإسراء. أى سر بهم ~~ليلا إلى جهة البحر، لأن فرعون سيتبعكم بجنوده، وسأقضى قضائى فيه وفى ~~جنده. والفاء فى قوله - تعالى - { فأرسل فرعون في المدآئن ~~حاشرين } هى الفصيحة، والحاشرين جمع حاشر والمراد بهم الذين يحشرون ~~الناس ويجمعونهم فى مكان معين، لأمر من الأمور الهامة. قالوا جمعوا له ~~جيشا كبيرا يتكون من مئات الآلاف من الجنود. أى وعلم فرعون بخروج موسى ~~ومعه بنو إسرائيل. فأرسل جنوده ليجمعوا له الناس من المدائن المتعددة فى ~~مملكته. وبعد أن اكتمل عددهم، أخذ فى التهوين من شأن موسى ومن معه فقال { ~~إن هؤلاء لشرذمة قليلون }. والشرذمة الطائفة القليلة ~~من الناس - وخصها بعضهم بالأخساء والسفلة منهم. ومنه قولهم هذا ثوب ~~شرذام، وثياب شراذم، أى رديئة متقطعة. أى إن هؤلاء الذين خرجوا بدون إذنى ~~وإذنكم، لطائفة قليلة من الناس الذين هم بمنزلة العبيد والخدم لى ولكم. { ~~وإنهم لنا لغآئظون } أى ms3850 وإنهم بجانب قلتهم، وخروجهم بدون ~~إذننا، يأتون بأقوال وأفعال تغيظنا وتغضبنا، على رأسها اقتراحهم علينا أن ~~نترك ديننا. { وإنا لجميع حاذرون } أى متيقظون لمكائدهم، ~~ومحتاطون لمكرهم، وممسكون بزمام الأمور حتى لا يؤثر فينا خداعهم. يقال ~~حذر فلان حذرا - من باب تعب - بمعنى استعد للأمر وتأهب له بيقظة.. وكلام ~~فرعون هذا - الذى حكاه القرآن عنه - يوحى بهلعه وخوفه مما فعله موسى - ~~عليه السلام - إلا أنه أراد أن يستر هذا الهلع والجزع بالتهوين من شأنه ~~ومن شأن الذين خرجوا معه وبتحريض قومه على اللحاق بهم وتأديبهم، وبالظهور ~~بمظهر المستعد هو وقومه لمجابهة الأخطار والتمرد بكل قوة وحزم. قال صاحب ~~الكشاف والمعنى أنهم - أى موسى ومن معه - لقلتهم لا يبالى بهم، ولا يتوقع ~~غلبتهم وعلوهم، ولكنهم يفعلون أفعالا تغيظنا، ونحن قوم من عادتنا التيقظ ~~والحذر واستعمال الحزم فى الأمور، فإذا خرج علينا خارج سارعنا إلى حسم ~~فساده، وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن لئلا يظن به ما يكسر من ~~قهره وسلطانه، وقرىء حذرون. # .. والحذر اليقظ. والحاذر الذى يجدد حذره. ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما ~~اقتضته إرادته ومشيئته فى فرعون وقومه فقال { فأخرجناهم من ~~جنات وعيون } أى فأخرجناهم بقدرتنا وإرادتنا من { جنات }. أى ~~بساتين كانوا يعيشون فيها { وعيون } عذبة الماء كانوا يشربون منها. { ~~وكنوز } أى وأموال كانت تحت أيديهم { ومقام كريم } أى ومساكن ~~حسنة جميلة كانوا يقيمون فيها. أى أخرجناهم من كل ذلك بقدرتنا ومشيئتنا، ~~ليلقوا مصيرهم المحتوم وهو الغرق، بسبب إصرارهم على كفرهم وطغيانهم. ~~وقوله { كذلك } خبر لمبتدأ محذوف. أى الأمر كذلك. وقوله { ~~وأورثناها بني إسرائيل } أى وأورثنا تلك الجنات والعيون ~~والكنوز والمنازل الحسنة لبنى إسرائيل. قال الجمل وقوله { ~~وأورثناها } أى الجنات والعيون والكنوز لبنى إسرائيل، وذلك أن ~~الله - عز وجل - رد بنى إسرائيل إلى مصر بعد هلاك فرعون وقومه، فأعطاهم ~~جميع ما كان لفرعون وقومه من الأموال والمساكن الحسنة... والظاهر أن هذه ~~الجملة اعتراضية، وأن قوله - بعد ذلك - { فأتبعوهم } معطوف على ~~قوله - تعالى - { فأخرجناهم من جنات وعيون }.. لأن ~~إعطاء البساتين ms3851 وما بعدها لبنى إسرائيل، كان بعد هلاك فرعون وقومه. ومن ~~العلماء من يرى أن بنى إسرائيل لم يعودوا لمصر بعد هلاك فرعون وقومه، وأن ~~الضمير فى قوله - تعالى - { وأورثناها } لا يعود إلى الجنات ~~والعيون التى أخرج الله - تعالى - منها فرعون وقومه. فيقول ولا يعرف أن ~~بنى إسرائيل عادوا إلى مصر بعد خروجهم إلى الأرض المقدسة، وورثوا ملك مصر ~~وكنوز فرعون ومقامه، لذلك يقول المفسرون إنهم ورثوا مثل ما كان لفرعون ~~وملئه. فهى وراثة لنوع ما كانوا فيه من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم ". ~~وقيل المراد بالوراثة هنا وراثة ما استعاره بنو إسرائيل من حلى آل فرعون ~~عند خروجهم من مصر مع موسى - عليه السلام -. ويبدو لنا أنه لا مانع من ~~عودة الضمير فى قوله - تعالى { وأورثناها } إلى الجنات والعيون ~~والكنوز التى أخرج الله - تعالى - منها فرعون وقومه، بأن عاد موسى ومن ~~معه إلى مصر - لفترة معينة - بعد هلاك فرعون وملئه، ثم خرجوا منها بعد ~~ذلك مواصلين سيرهم إلى الأرض المقدسة، التى أمرهم موسى - عليه السلام - ~~بدخولها. ولعل مما يؤيد ما نرجحه قوله - تعالى - # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق ~~الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ~~ربك الحسنى على بني إسرآئيل بما صبروا ~~ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا ~~يعرشون # وقوله - سبحانه - # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ~~ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن ~~لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما ~~منهم ما كانوا يحذرون # ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما حدث من فرعون وقومه، وما قاله بنو إسرائيل ~~عندما شاهدوهم، فقال - تعالى - { فأتبعوهم مشرقين }. أى ~~أخرجنا فرعون وقومه من أموالهم ومساكنهم... فساروا مسرعين خلف موسى ومن ~~معه، { فأتبعوهم } أى فلحقوا بهم { مشرقين } أى فى وقت شروق ~~الشمس يقال أشرق فلان إذا دخل فى وقت الشروق، كأصبح إذا دخل فى وقت ~~الصباح. { فلما تراءى الجمعان } أى تقاربا بحيث يرى كل فريق ~~خصمه. { قال } بنو إسرائيل لنبيهم موسى - عليه السلام - والخوف يملأ ~~نفوسهم { إنا لمدركون } أى سيدركنا بعد ms3852 قليل فرعون وجنوده، ولا ~~قدرة لنا... على قتالهم.. وهنا رد عليهم موسى - عليه السلام - بثقة وثبات ~~بقوله { كلا } أى كلا لن يدركوكم، فاثبتوا ولا تجزعوا { إن معي ~~ربي سيهدين }. بهذا الجزم والتأكيد رد موسى على بنى إسرائيل، وهو ~~رد يدل على قوة إيمانه، وثبات يقينه، وثقته التى لا حدود لها فى نصر الله ~~- تعالى - له، وفى هدايته إياه إلى طريق الفوز والفلاح. ولم يطل انتظار ~~موسى لنصر الله - تعالى - بل جاءه سريعا متمثلا فى قوله - سبحانه - { ~~فأوحينآ إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر } أى ~~البحر الأحمر - على أرجح الأقوال - وهو الذى كان يسمى ببحر القلزم. فضربه ~~{ فانفلق } إلى اثنى عشر طريقا { فكان كل فرق } أى قسم منه ~~{ كالطود العظيم } أى كالجبل الشامخ الكبير. وسار موسى ومن معه ~~فى الطريق اليابس بين أمواج البحر - بقدرة الله - تعالى -، { ~~وأزلفنا ثم الآخرين } أى وقربنا - بقدرتنا وحكمتنا - هنالك ~~القوم الآخرين وهم فرعون وجنوده. أى قربناهم من موسى وقومه فدخلوا وراءهم ~~فى الطريق الذى سلكوه بين أمواج البحر، فماذا كانت النتيجة؟ كانت النتيجة ~~أن خرج موسى ومن معه سالمين، أما فرعون وجنوده فقد انطبق عليهم البحر ~~فأغرقهم أجمعين. وصدق الله إذ يقول { وأنجينا } - أى بقدرتنا ~~ورحمتنا - { موسى ومن معه أجمعين } من الغرق ومن لحاق ~~فرعون بهم. { ثم أغرقنا الآخرين } وهم فرعون وجنوده. ثم ختم - ~~سبحانه - هذه القصة - كما ختم غيرها - بقوله { إن في ذلك لآية ~~وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم }. أى إن فى ذلك الذى قصصناه عليك - أيها الرسول الكريم - من ~~قصة موسى وفرعون، { لآية } عظيمة تدعو إلى إخلاص العبادة والطاعة لنا، ~~ومع ذلك فلم يؤمن بما جاء به نبينا موسى، إلا عدد قليل، { وإن ~~ربك } - أيها الرسول الكريم - { لهو العزيز }. أى الغالب ~~المنتقم من أعدائه { الرحيم } أى الواسع الرحمة بأوليائه، حيث جعل ~~العاقبة لهم. وهكذا ساق لنا - سبحانه - هنا جانبا من قصة موسى - عليه ~~السلام - بهذا الأسلوب البديع، لتكون عبرة وعظة لقوم يؤمنون. ثم ساق - ~~سبحانه - بعد ذلك جانبا من ms3853 قصة إبراهيم - عليه السلام - فقال - تعالى - { ~~واتل عليهم نبأ إبراهيم... }. ### || [26.69-89] # وقصة إبراهيم - عليه السلام - قد وردت فى القرآن فى سور متعددة، ~~وبأساليب متنوعة، وردت فى سورة البقرة، وكان معظم الحديث فيها، يدور حول ~~بنائه للبيت الحرام هو وابنه إسماعيل، وحكاية تلك الدعوات الخاشعات التى ~~تضرع بها إلى ربه. ووردت فى سورة الأنعام، وكان معظم الحديث فيها يدور ~~حول إقامته الأدلة على وحدانية الله - تعالى - عن طريق التأمل فى مشاهد ~~هذا الكون. ووردت فى سورة هود، وكان معظم الحديث فيها يدور حول تبشيره ~~بإسحاق... ووردت فى سورة إبراهيم، وكان معظم الحديث فيها يدور حول ما ~~توجه به إلى ربه من دعاء بعد أن ترك بعض ذريته فى جوار بيت الله الحرام. ~~ووردت فى سورة الحجر. وكان معظم الحديث فيها يدور حول ما دار بينه وبين ~~الملائكة من مناقشات. ووردت فى سورة مريم، وفيها حكى القرآن تلك النصائح ~~الحكيمة التى وجهها لأبيه وهو يدعوه لعبادة الله - تعالى - وحده. ووردت ~~فى سورة الأنبياء. وفيها عرض القرآن لما دار بينه وبين قومه من مجادلات ~~ومن تحطيم للأصنام، ومن إلقائهم إياه فى النار فصارت بأمر الله - تعالى - ~~بردا وسلاما عليه. أما هنا فى سورة الشعراء، فيحكى لنا - سبحانه - ما دار ~~بينه وبين قومه من مناقشات، وما توجه به إلى خالقه من دعوات. لقد افتتحت ~~بقوله - تعالى - { واتل عليهم نبأ إبراهيم } أى واقرأ - ~~أيها الرسول الكريم - على قومك - أيضا - نبأ رسولنا إبراهيم - عليه ~~السلام - الذى يزعم قومك أنهم ورثته، وأنهم يتبعونه فى ديانته، مع أن ~~إبراهيم برىء منهم ومن شركهم، لأنه ما أرسل إلا لنهى أمثالهم عن الإشراك ~~بالله - تعالى -. وقوله { إذ قال لأبيه وقومه ما ~~تعبدون } منصوب على الظرفية. أى اقرأ عليهم نبأه وقت أن قال لأبيه ~~وقومه على سيل التبكيت وإلزامهم الحجة أى شىء هذا الذى تعبدونه من دون ~~الله - عز وجل -؟ فأجابوه بقولهم { نعبد أصناما فنظل لها ~~عاكفين } وكان يكفيهم فى الجواب أن يقولوا نعبد أصناما، ولكنهم ~~لغبائهم وجهلهم قصدوا التباهى والتفاخر ms3854 بهذه العبادة الباطلة أى نعبد ~~أصناما منحوتة من الحجر أو مما يشبهه، ونداوم على عبادتها ليلا ونهارا، ~~ونعكف على التقرب لها كما يتقرب الحبيب إلى حبيبه. وهكذا، عندما تنحط ~~الأفهام، تتباهى بما يجب البعد عنه، وتفتخر بالمرذول من القول والفعل... ~~وقد رد عليهم إبراهيم - عليه السلام - بما يوقظهم من جهلهم لو كانوا ~~يعقلون، فقال لهم { هل يسمعونكم إذ تدعون أو ~~ينفعونكم أو يضرون }. أى قال لهم إبراهيم على سبيل التنبيه ~~والتبكيت هذه الأصنام التى تعبدونها من دون الله، هل تسمع دعاءكم إذا ~~دعوتموها، وهل تحس بعبادتكم لها إذا عبدتموها، وهل تملك أن تنفعكم بشىء ~~من النفع أو تضركم بشىء من الضر؟. # ولم يستطع القوم أن يواجهوا إبراهيم بجواب. بعد أن ألقمهم حجرا بنصاعة ~~حجته، فلجأوا إلى التمسح بآبائهم فقالوا { بل وجدنآ آبآءنا ~~كذلك يفعلون }. أى قالوا له إن هذه الأصنام هى كما قلت يا ~~إبراهيم لا تسمع دعاءنا، ولا تنفعنا ولا تضرنا، ولكننا وجدنا آباءنا ~~يعبدونها، فسرنا على طريقتهم فى عبادتها، فهم قالوا ما قاله أمثالهم فى ~~الجهالة فى كل زمان ومكان # إنا وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مقتدون # وأمام هذا التقليد الأعمى، نرى إبراهيم - عليه السلام - يعلن عداوته لهم ~~ولمعبوداتهم الباطلة، ويجاهرهم بأن عبادته إنما هى لله - تعالى - وحده ~~فيقول { أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآبآؤكم ~~الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين }. ~~أى قال لهم إبراهيم على سبيل الإنكار والتأنيب أفرأيتم وشاهدتم هذه ~~الأصنام التى عبدتموها أنتم وآباؤكم الأقدمون من دون الله - تعالى - إنها ~~عدو لى لأن عبادتها باطلة لكن الله - تعالى - رب العالمين هو وليى وصاحب ~~الفضل على فى الدنيا والآخرة، فلذا أعبده وحده. فقوله { إلا رب ~~العالمين } استثناء منقطع من ضمير { إنهم }. قال صاحب الكشاف ~~وإنما قال { عدو لي } تصويرا للمسألة فى نفسه، على معنى أنى فكرت ~~فى أمرى فرأيت عبادتى لها عبادة للعدو فاجتنبتها وآثرت عبادة الذى الخير ~~كله منه، وأراهم بذلك أنها نصيحة نصح بها نفسها أولا، وبنى عليها تدبير ~~أمره، لينظروا ms3855 فيقولوا ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه، ليكون أدعى ~~لهم إلى القبول. ولو قال فإنهم عدو لكم لم يكن بتلك المثابة، ولأنه دخل ~~فى باب من التعريض، وقد يبلغ التعريض للمنصوح ما لا يبلغه التصريح، لأنه ~~يتأمل فيه، فربما قاده التأمل إلى التقبل ومنه ما يحكى عن الشافعى - رحمه ~~الله - أن رجلا واجهه بشىء، فقال لو كنت بحيث أنت، لاحتجت إلى الأدب... ~~وسمع رجل ناسا يتحدثون فى الحجر فقال ما هو بيتى ولا بيتكم.. ثم حكى ~~القرآن الكريم، ما وصف به إبراهيم خالقه من صفات كريمة تليق بجلاله - ~~سبحانه - فقال { الذي خلقني فهو يهدين } أى أخلص عبادتى ~~لرب العالمين، الذى أوجدنى بقدرته، والذى يهدينى وحده إلى ما يصلح شأنى ~~فى دنياى وفى آخرتى. قال الجمل وقوله { الذي خلقني } يجوز فيه ~~أوجه النصب على النعت لرب العالمين أو البدل أو عطف البيان.. أو الرفع ~~على الابتداء. وقوله { فهو يهدين } جملة اسمية فى محل رفع خبر له. ~~وقوله { والذي هو يطعمني ويسقين } معطوف على ما قبله. أى ~~وهو - سبحانه - وحده الذى يطعمنى ويسقينى من فضله، ولو شاء لأمسك عنى ~~ذلك. # وأضاف المرض إلى نفسه فى قوله { وإذا مرضت فهو يشفين } ~~وإن كان الكل من الله - تعالى - تأدبا مع خالقه - عز وجل - وشكرا له - ~~سبحانه - على نعمة الخلق والهداية. والإطعام والإسقاء والشفاء. والمراد ~~بالإحياء فى قوله { والذي يميتني ثم يحيين } إعادة ~~الحياة إلى الميت يوم القيامة أى ومن صفات رب العالمين الذى أخلص له ~~العبادة، أنه - سبحانه - الذى بقدرته وحده أن يميتنى عند حضور أجلى، ثم ~~يعيدنى إلى الحياة مرة أخرى يوم البعث والحساب. وجاء العطف ب { ثم } ~~فى قوله { ثم يحيين } لاتساع الأمر بين الإماتة فى الدنيا ~~والإحياء فى الآخرة. ثم ختم إبراهيم هذه الصفات الكريمة بقوله { ~~والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين } أى ~~وهو وحده الذى أطمع أن يغفر لى ذنوبى يوم ألقاه لأنه لا يقدر على ذلك أحد ~~سواه - عز وجل -. وفى هذه الآية أسمى درجات ms3856 الأدب من إبراهيم مع ربه - ~~سبحانه -، لأنه يوجه طمعه فى المغفرة إليه وحده، ويستعظم - عليه السلام - ~~ما صدر منه من أمور قد تكون خلاف الأولى، ويعتبرها خطايا، هضما لنفسه، ~~وتعليما للأمة أن تجتنب المعاصى، وأن تكون منها على حذر وأن تفوض رجاءها ~~إلى الله - تعالى - وحده. وبعد أن أثنى إبراهيم - عليه السلام - على ربه ~~بهذا الثناء الجميل، أتبع ذلك بتلك الدعوات الخاشعات فقال { رب هب ~~لي حكما } أى علما واسعا مصحوبا بعمل نافع. { وألحقني ~~بالصالحين } من عبادك الذين رضيت عنهم - ورضوا عنك، بحيث ترافقنى ~~بهم فى جنتك. { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } أى واجعل ~~لى ذكرا حسنا، وسمعة طيبة، وأثرا كريما فى الأمم الأخرى التى ستأتى من ~~بعدى. وقد أجاب - سبحانه - له هذه الدعوة، فجعل أثره خالدا، وجعل من ~~ذريته الأنبياء والصالحين، وعلى رأسهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. { ~~واجعلني من ورثة جنة النعيم } أى واجعلنى فى الآخرة ~~عندما ألقاك - يا ربى - للحساب، من عبادك الذين أكرمتهم بدخول جنتك ~~وبوراثتها فضلا منك وكرما. { واغفر لأبي إنه كان من ~~الضآلين } عن طريق الحق، فإنى قد وعدته بأن استغفر له عندك - يا ~~إلهى -. قال ابن كثير وهذا مما رجع عنه إبراهيم - عليه السلام - كما قال ~~- تعالى - # وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة ~~وعدهآ إياه فلما تبين له أنه عدو لله ~~تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم # وقد قطع - تعالى - الإلحاق فى استغفاره لأبيه، فقال # قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين ~~معه إذ قالوا لقومهم إنا برءآؤا منكم ومما ~~تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا ~~وبينكم العداوة والبغضآء أبدا حتى تؤمنوا ~~بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه ~~لأستغفرن لك ومآ أملك لك من الله من شيء.. # { ولا تخزني } أى ولا تفضحنى { يوم يبعثون } أى يوم تبعث ~~عبادك فى الآخرة للحساب، بل استرنى واجبرنى وتجاوز عن تقصيرى. { يوم ~~لا ينفع مال ولا بنون } من أحد لديك. { إلا من أتى ~~الله بقلب سليم } أى واسترنى - يا إلهى ms3857 - ولا تفضحنى يوم ~~القيامة، يوم لا ينتفع الناس بشىء من أموالهم ولا من أولادهم، ولكنهم ~~ينتفعون بإخلاص قلوبهم لعبادتك. بسلامتها من كل شرك أو نفاق، وبصيانتها ~~من الشهوات المرذولة. والأفعال القبيحة. وهكذا نرى فى قصة إبراهيم ~~الشجاعة فى النطق بكلمة الحق، حيث جابه قومه وأباه ببطلان عبادتهم ~~للأصنام. ونرى الحجة الدامغة التى جعلت قومه لا يجدون عذرا يعتذرون به عن ~~عبادة الأصنام سوى قولهم { وجدنآ آبآءنا كذلك يفعلون }. ~~ونرى الثناء الحسن الجميل منه على ربه - عز وجل - { الذي خلقني ~~فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا ~~مرضت فهو يشفين }. ونرى الدعاء الخاشع الخالص الذى يتضرع به ~~إلى خالقه - عز وجل -، لكى يرزقه العلم والعمل، وبأن يحشره مع الصالحين، ~~وأن يجعل له أثرا طيبا بعد وفاته بين الأمم الأخرى، وبأن يجعله من ~~الوارثين لجنة النعيم، وبأن يستره بستره الجميل يوم القيامة، يوم لا ينفع ~~الناس شىء سوى إخلاص قلوبهم وعملهم الصالح، وهى دعوات يرى المتأمل فيها ~~شدة خوف إبراهيم - وهو الحليم الأواه المنيب - من أهوال يوم الحساب. نسأل ~~الله - تعالى - بفضله وكرمه، أن يجنبنا إياها، وأن يسترنا بستره الجميل. ~~ثم يبين - سبحانه - بعد ذلك مشهدا من مشاهد يوم القيامة، ويحكى أقوال ~~الغاوين وحسراتهم... فيقول { وأزلفت... }. ### || [26.90-104] # قوله - سبحانه - { وأزلفت الجنة... } من الإزلاف بمعنى ~~القرب والدنو. أى وقربت الجنة يوم القيامة للمتقين، الذين صانوا أنفسهم ~~عن كل مالا يرضاه الله - تعالى -، وصارت بحيث يشاهدونها ويتلذذون ~~برؤيتها. { وبرزت الجحيم للغاوين } أى أما الغاوون الذين ~~استحبوا العمى على الهدى، وآثروا الغواية على الهداية، فقد برزت الجحيم ~~لهم بأهوالها وسعيرها ثم قيل لهؤلاء الكافرين على سبيل التقريع والتأنيب ~~{ وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله } أى ~~أين الآلهة التى كنتم تعبدونها فى الدنيا من دون الله - تعالى - وتزعمون ~~أنها شفعاؤكم عنده؟! { هل ينصرونكم } الآن من هذا العذاب المعد ~~لكم { أو ينتصرون } هم من العذاب الذى سيحل بهم معكم؟. كلا ثم ~~كلا، إنكم وهم حصب جهنم، وستدخلونها جميعا خاسئين. وليس المقصود بالسؤال ~~الاستفهام، وإنما ms3858 المقصود به التقريع والتوبيخ، ولذا لا يحتاج إلى جواب. ~~ثم ذكر - سبحانه - ما حل بهؤلاء الأشقياء من عذاب فى أعقاب هذا التأنيب ~~فقال { فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس ~~أجمعون }. والكبكبة تكرير الكب، وهو الإلقاء على الوجه مرة بعد ~~أخرى، وضمير الجمع للآلهة التى عبدها الكافرون من دون الله - تعالى - ~~وجىء بضمير العقلاء على سبيل التهكم بهم، أى فألقى المعبودون والعابدون ~~فى جهنم، ومعهم جنود إبليس كلهم سواء أكانوا من الشياطين أم من أتباعه من ~~الجن والإنس. وفى التعبير بكبكبوا تصوير صادق مؤثر لحالة هؤلاء الضالين، ~~وهم يتساقطون - والعياذ بالله - فى جهنم، بلا رحمة، ولا عناية، ولا نظام، ~~بل بعضهم فوق بعض وقد تناثرت أشلاؤهم. ثم بين - سبحانه - ما قاله الغاوون ~~لآلهتهم فقال { قالوا وهم فيها يختصمون تالله إن ~~كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين ~~}. أى قال العابدون لمعبوديهم على سبيل المخاصمة لهم، والتبرؤ منهم تالله ~~ما كنا إلا فى ضلال مبين، وقت أن كنا فى الدنيا نسويكم برب العالمين فى ~~العبادة مع أنكم خلق من خلقه لا تضرون ولا تنفعون. { ومآ أضلنآ } ~~عن اتباع طريق الحق { إلا المجرمون } من شياطين الإنس والجن، ~~الذين زينوا لنا الكفر والفسوق والعصيان، وصدونا عن الإيمان والطاعة ~~والهداية. { فما لنا } اليوم { من شافعين } يشفعون لنا عند ~~ربنا. وما لنا - أيضا - من { صديق حميم } أى مخلص فى صداقته، يدافع ~~عنا عند ربنا، ويهتم بأمرنا فى هذا الموقف العصيب. قال الآلوسى، والمراد ~~التلهف والتأسف على فقد شفيع يشفع لهم مما هم فيه، أو صديق شفيق يهمه ~~ذلك. وقد ترقوا لمزيد انحطاط حالهم فى التأسف، حيث نفوا - أولا - أن يكون ~~لهم من ينفعهم فى تخليصهم من العذاب بشفاعته، ونفوا - ثانيا - أن يكون ~~لهم من يهمه أمرهم ويشفق عليهم، ويتوجع لهم، أو يخلصهم. # و { لو } فى قوله - تعالى - { فلو أن لنا كرة... } للتمنى ~~الدال على كمال التحسر. والكرة الرجعة إلى الدنيا مرة أخرى لتدارك ما ~~فاتهم من الإيمان. أى فياليت لنا عودة إلى الدنيا مرة أخرى، ms3859 فنستدرك ما ~~فاتنا من طاعة الله - تعالى { فنكون من المؤمنين } الذين ~~أزلفت الجنه لهم، وأبعدت عنهم النار التى نحن مخلدون فيها. ثم ختم - ~~سبحانه - قصة إبراهيم بما ختم به قصة موسى - عليهما السلام - فقال { ~~إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين... }. إن ~~فى ذلك الذى ذكرناه لك - أيها الرسول الكريم - عن حال إبراهيم مع قومه ~~ومع أبيه، وعن أهوال يوم القيامة، إن ذلك كله لحجة وعظة لمن أراد أن يؤمن ~~ويعتبر، ومع ذلك فإن أكثر قوم إبراهيم ما كانوا مؤمنين { وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم }. ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانبا من قصة ~~نوح مع قومه، فقال - تعالى - { كذبت قوم نوح... }. ### || [26.105-122] # تلك هى قصة نوح مع قومه، كما وردت فى هذه السورة، وقد ذكرت فى سور أخرى ~~منها سور الأعراف، وهود، والمؤمنون، ونوح... ولكن بأساليب أخرى. وينتهى ~~نسب نوح - عليه السلام - إلى شيث بن آدم، وقد ذكر نوح فى القرآن فى ثلاث ~~وأربعين موضعا. وكان قوم نوح يعبدون الأصنام، فأرسل الله - تعالى - إليهم ~~نوحا، ليدلهم على طريق الرشاد. وقوم الرجل أقرباؤه الذين يجتمعون معه فى ~~جد واحد. وقد يقيم الرجل بين الأجانب فيسميهم قومه مجازا لمجاورته لهم. ~~قال الآلوسى والقوم - كما فى المصباح - يذكر ويؤنث، وكذلك كل اسم جمع لا ~~واحد له من لفظه نحو رهط ونفر، ولذا يصغر على قويمة، وقيل هو مذكر ولحقت ~~فعله علامة التأنيث على إرادة الأمة والجماعة منه.. والمراد بالمرسلين فى ~~قوله - تعالى - { كذبت قوم نوح المرسلين } نبيهم نوحا - ~~عليه السلام - وعبر عنه بذلك، لأن تكذيبهم له، بمثابة التكذيب لجميع ~~الرسل، لأنهم قد جاءوا جميعا برسالة واحدة فى أصولها التى لا تختلف ~~باختلاف الزمان والمكان. و { إذ } فى قوله - تعالى - { إذ قال ~~لهم أخوهم نوح } أى كذبوا نبيهم نوحا وقت أن قال لهم ناصحا ~~ومنذرا { ألا تتقون } أى ألا تتقون الله - تعالى - الذى خلقكم ~~ورزقكم، فتخلصوا له العبادة وتتركوا عبادة غيره. ووصفه - سبحانه - ~~بالأخوة لهم، لأنه كان واحدا منهم يعرفون حسبه ونسبه ونشأته ms3860 بينهم. ثم ~~علل نصحه لهم بقوله - كما حكى القرآن عنه - { إني لكم رسول ~~أمين } آمركم بتقوى الله - تعالى - لأنى رسول معروف بينكم بالأمانة ~~وعدم الخيانة أو الغش أو المخادعة. وما دام أمرى كذلك. { فاتقوا ~~الله وأطيعون ومآ أسألكم عليه } أى على هذا النصح { ~~من أجر } دنيوى { إن أجري } فيما أدعوكم إليه { إلا على ~~رب العالمين } فهو الذى أرسلنى إليكم، وهو الذى يتفضل بمنحى أجرى ~~لا أنتم. ولقد بينت لكم حقيقة أمرى { فاتقوا الله وأطيعون ~~}. وهكذا نرى أن نوحا قد سلك مع قومه أحكم الطرق فى دعوتهم إلى الله، فهو ~~يحضهم ثلاث مرات على تقوى الله بعد أن يبين لهم أخوته لهم، وأمانته ~~عندهم، وتعففه عن أخذ أجر منهم فى مقابل ما يدعوهم إليه من حق وخير، ~~ومصارحته إياهم بأن أجره إنما هو من الله رب العالمين، وليس من أحد سواه. ~~فماذا كان ردهم على هذا القول الحكيم لنبيهم؟ لقد حكى القرآن ردهم فقال { ~~قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون }. والأرذلون جمع ~~الأرذل. وهو الأقل من غيره فى المال والجاه والنسب. أى قال قوم نوح له ~~عندما دعاهم إلى إخلاص العبادة لله - تعالى - يا نوح أنؤمن لك، والحال أن ~~الذين اتبعوك من سفلة الناس وفقرائهم، وأصحاب الحرف الدنيئة فينا. # .؟ وهذا المنطق المرذول قد حكاه القرآن فى كثير من آياته، على ألسنة ~~المترفين، وهم يردون على أنبيائهم عندما يدعونهم إلى الدين الحق.. وهنا ~~يرد عليهم نوح ردا حكيما { قال وما علمي بما كانوا ~~يعملون إن حسابهم إلا على ربي }. أى قال لهم على ~~سبيل الاستنكار لما واجهوه به وأى علم لى بأعمال أتباعى، إن الذى يعلم ~~حقيقة نواياهم وأعمالهم هو الله - تعالى - أما أنا فوظيفتى قبول أعمال ~~الناس على حسب ظواهرها. وهؤلاء الضعفاء - الأرذلون فى زعمكم - ليس حسابهم ~~إلا على الله - تعالى - وحده، فهو أعلم ببواطنهم وبأحوالهم منى ومنكم { ~~لو تشعرون } أى لو كنتم من أهل الفهم والشعور بحقائق الأمور لا ~~بزيفها، لعلمتم سلامة ردى عليكم ولكنكم قوم تزنون الناس بميزان غير عادل، ms3861 ~~لذا قلتم ما قلتم. ثم يحسم الأمر معهم فى هذه القضية فيقول { ومآ ~~أنا } بحال من الأحوال { بطارد المؤمنين } الذين اتبعونى ~~وصدقونى وآمنوا بدعوتى سواء أكانوا من الأرذلين - فى زعمكم - أم من ~~غيرهم، { إن أنا إلا نذير مبين } أى ليست وظيفتى إلا ~~الإنذار الواضح للناس بسوء المصير، إذا ما استمروا على كفرهم، سواء ~~أكانوا من الأغنياء أم من الفقراء. فأنت ترى أن نوحا - عليه السلام - قد ~~جمع فى رده عليهم، بين المنطق الرصين الحكيم، وبين الحزم والشجاعة والزجر ~~الذى يخرس ألسنتهم. لذا نراهم وقد أخرسهم المنطق المستقيم الذى سلكه نوح ~~معهم، يلجأون إلى التهديد والوعيد لنبيهم - عليه السلام - { قالوا ~~لئن لم تنته ينوح لتكونن من المرجومين }. أى ~~إذا لم تكف يا نوح عن مجادلتك لنا، ومن دعوتك إيانا إلى ترك عبادة ~~آلهتنا، لنكونن من المرجومين منا بالحجارة حتى تموت. وهكذا الطغاة يلجأون ~~إلى القوة والتهديد والوعيد، عندما يجدون أنفسهم وقد حاصرهم أصحاب الحق ~~من كل جوانبهم، بالحجة الواضحة، وبالرأى السديد. ويئس نوح - عليه السلام ~~- من إيمان قومه، بعد أن لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، وبعد أن سمع ~~منهم ما يدل على رسوخهم فى الكفر والضلال، تضرع إلى ربه { قال رب ~~إن قومي كذبون } واستمروا على هذا التكذيب تلك القرون ~~المتطاولة { فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن ~~معي من المؤمنين } أى فاحكم بقدرتك العادلة بينى وبينهم حكما ~~من عندك، تنجى به أهل الحق، وتمحق به أهل الباطل. وسمى الحكم فتحا، لما ~~فيه من إزالة الإشكال فى الأمر، كما أن فتح الشىء المغلق يؤدى إلى إزالة ~~هذا الإغلاق. ولذا قيل للحاكم فاتح لفتحه أغلاق الحق. ثم حكى - سبحانه - ~~أنه قد استجاب لنوح دعاءه فقال { فأنجيناه ومن معه في ~~الفلك المشحون ثم أغرقنا بعد الباقين }. # والفلك - كما يقول الآلوسى - يستعمل للواحد وللجمع. وحيث أتى فى القرآن ~~الكريم فاصلة استعمل مفردا. وحيث أتى غير فاصلة استعمل جمعا. والمشحون ~~المملوء بهم وبكل ما يحتاجون إليه من وسائل المعيشة. أى فاستجبنا لعبدنا ~~نوح دعاءه. ms3862 فأنجيناه ومن معه من المؤمنين فى السفينة المملوءة بهم، وبما ~~هم فى حاجة إليه، ثم أغرقنا بعد إنجائهم الباقين من قومه على كفرهم ~~وضلالهم. { إن في ذلك } الذى ذكرناه لك - أيها الرسول الكريم - عن ~~نوح وقومه { لآية } كبرى على وحدانيتنا وقدرتنا { وما كان ~~أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم ~~}. ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك، جانبا من قصة هود - عليه السلام - مع ~~قومه فقال - تعالى - { كذبت عاد المرسلين.... }. ### || [26.123-140] # قد وردت قصة هود مع قومه فى سور شتى منها سورة الأعراف، وهود، ~~والأحقاف.. وينتهى نسب هود - عليه السلام - إلى نوح - عليهما السلام -. ~~وقومه هم قبيلة عاد - نسبة إلى أبيهم الذى كان يسمى بهذا الاسم - وكانت ~~مساكنهم بالأحقاف باليمن - والأحقاف جمع حقف وهو الرمل الكثير المائل -. ~~وكانوا يعبدون الأصنام، فأرسل الله - تعالى - نبيهم هودا لينهاهم عن ذلك، ~~وليأمرهم بعبادة الله وحده. وبشكره - سبحانه - على ما وهبهم من قوة وغنى. ~~وقد افتتح هود نصحه لقومه، بحضهم على تقوى الله وإخلاص العبادة له وبيان ~~أنه أمين فى تبليغ رسالة الله - تعالى - إليهم، فهو لا يكذب عليهم ولا ~~يخدعهم، وببيان أنه لا يسألهم أجرا على نصحه لهم، وإنما يلتمس الأجر من ~~الله - تعالى - وحده. وقد سلك فى ذلك المسلك الذى اتبعه جده - عليه ~~السلام - مع قومه، وسار عليه الأنبياء من بعده. ثم استنكر هود - عليه ~~السلام - ما كان عليه قومه من ترف وطغيان فقال لهم { أتبنون بكل ~~ريع آية تعبثون }. والريع بكسر الراء - جمع ريعة. وهو المكان ~~المرتفع من الأرض أو الجبل المرتفع... وقيل المراد به أبراج الحمام كانوا ~~يبنونها للهو واللعب والأكثرون على أن المراد به المكان المرتفع ومنه ريع ~~النبات، وهو ارتفاعه بالزيادة. أى أتبنون - على سبيل اللهو واللعب - فى ~~كل مكان مرتفع، بناء يعتبر آية وعلامة على عبثكم وترفكم، وغروركم. { ~~وتتخذون } أى وتعملون { مصانع } أى قصورا ضخمة متينة، أو ~~حياضا تجمعون فيها مياه الأمطار... { لعلكم تخلدون } أى ~~عاملين عمل من يرجو الخلود فى هذه الحياة الفانية { وإذا بطشتم } ~~أى وإذا ms3863 أردتم السطو والظلم والبغى على غيركم { بطشتم جبارين ~~}. أى أخذتموه بعنف وقهر وتسلط دون أن تعرف الرحمة إلى قلوبكم سبيلا. ~~فأنت ترى أن هودا - عليه السلام - قد استنكر على قومه تطاولهم فى البنيان ~~بقصد التباهى والعبث والتفاخر، لا بقصد النفع العام لهم ولغيرهم. كما ~~استنكر عليهم انصرافهم عن العمل الصالح الذى ينفعهم فى آخرتهم وانهماكهم ~~فى التكاثر من شئون دنياهم حتى لكأنهم مخلدون فيها، كما استنكر عليهم - ~~كذلك - قسوة قلوبهم، وتحجر مشاعرهم، وإنزالهم الضربات القاصمة بغيرهم ~~بدون رأفة أو شفقة. وبعد نهيه إياهم عن تلك الرذائل، أمرهم بتقوى الله ~~وطاعته وشكره على نعمه فقال { فاتقوا الله وأطيعون ~~واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون أمدكم ~~بأنعام وبنين وجنات وعيون إني أخاف عليكم ~~عذاب يوم عظيم }. أى اتركوا هذه الرذائل، واتقوا الله وأطيعون ~~فى كل ما آمركم به. أو أنهاكم عنه، واتقوا الله - تعالى - الذى أمدكم ~~بألوان لا تحصى من النعم، فقد أمدكم بالأنعام - وهى الإبل والبقر والغنم ~~- التى هى أعز أموالكم، وأمدكم بالأولاد ليكونوا قوة لكم، وأمدكم ~~بالبساتين العامرة بالثمار، وبالعيون التى تنتفعون بمائها العذب. # ثم ختم إرشاده لهم، ببيان أنه حريص على مصلحتهم، وأنه يخشى عليهم إذا لم ~~يستجيبوا لدعوته أن ينزل بهم عذاب عظيم فى يوم تشتد أهواله ولا تنفعهم ~~فيه أموالهم ولا أولادهم. وبذلك نرى أن هودا - عليه السلام - قد جمع فى ~~نصحه لقومه بين الترهيب والترغيب، وبين الإنذار والتبشير، وبين التعفف ~~عن دنياهم، والحرص على مصلحتهم. ولكن هذه النصائح الحكيمة، لم يستقبلها ~~قومه استقبالا حسنا، ولم تجد منهم قبولا، بل كان ردهم عليه - كما حكى ~~القرآن عنهم - { قالوا سوآء علينآ أوعظت أم لم تكن ~~من الواعظين }. أى قال قوم هود له بعد أن وعظهم ونصحهم قالوا له ~~بكل استهتار وسوء أدب يا هود يستوى عندنا وعظك وعدمه، ولا يعنينا أن تكون ~~ممن يجيدون الوعظ أو من غيرهم ممن لا يحسنون الوعظ والإرشاد. قال صاحب ~~الكشاف فإن قيل " أوعظت أو لم تعظ " كان أخصر. والمعنى واحد. قلت ليس ~~المعنى ms3864 بواحد وبينهما فرق، لأن المراد سواء علينا أفعلت هذا الفعل الذى ~~هو الوعظ، أم لم تكن أصلا من أهله ومباشريه، فهو أبلغ فى قلة اعتدادهم ~~بوعظه، من قولك أم لم تعظ. ثم أضافوا إلى قولهم هذا قولا آخر لا يقل عن ~~سابقه فى الغرور وانطماس البصيرة فقالوا { إن هذا إلا خلق ~~الأولين } أى ما هذا الذى تنهانا عنه من التطاول فى البنيان، ومن ~~اتخاذ المصانع.. إلا خلق آبائنا الأولين، ومنهجهم فى الحياة، ونحن على ~~آثارهم نسير وعلى منهجهم نمشى. قال القرطبى ما ملخصه قرأ أكثر القراء { ~~إلا خلق الأولين } - بضم الخاء واللام - أى عادتهم ودينهم ~~ومذهبهم وما جرى عليه أمرهم... وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائى إلا خلق ~~الأولين - بفتح الخاء وإسكان اللام - أى ما هذا الذى جئتنا به يا هود إلا ~~اختلاق الأولين وكذبهم، والعرب تقول حدثنا فلان بأحاديث الخلق، أى ~~بالخرافات والأحاديث المفتعلة... وعلى كلتا القراءاتين فالآية الكريمة ~~تصور ما كانوا عليه من تحجر وجهالة تصويرا بليغا. ثم انتقلوا بعد ذلك إلى ~~غرور أشد واشنع فقالوا { وما نحن بمعذبين }. أى هذه حالنا ~~التى ارتضيناها لحياتنا، وما نحن بمعذبين على هذه الأعمال التى نعملها. ~~وهكذا رد قوم هود على نبيهم - عليه السلام - بهذا الرد السيىء الذى يدل ~~على استهتارهم وجفائهم وجمودهم على باطلهم. ولذا جاءت نهايتهم الأليمة ~~بسرعة وحسم، قال - تعالى - { فكذبوه فأهلكناهم }. أى أصر ~~قوم هود على باطلهم وغرورهم فأهلكناهم # بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليال ~~وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى ~~كأنهم أعجاز نخل خاوية # أهكلهم الله - تعالى - دون أن تنفعهم أموالهم، أو قوتهم التى كانوا ~~يدلون بها ويقولون # من أشد منا قوة # وختم - سبحانه - قصتهم بما ختم به قصة نوح مع قومه من قبلهم، فقال - ~~تعالى - { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين ~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. ثم ساق - سبحانه - بعد ~~ذلك قصة صالح مع قومه، فقال - تعالى - { كذبت ثمود ~~المرسلين... }. ### || [26.141-159] # قد وردت قصة صالح مع قومه فى سور أخرى منها ms3865 الأعراف، وهود ، والنمل، ~~والقمر.. وثمود اسم للقبيلة التى أرسل إليها صالح - عليه السلام - والثمد ~~الماء القليل... وكانوا يعبدون الأصنام، فأرسل الله - تعالى - واحد منهم ~~- هو صالح - لكى يأمرهم بعبادة الله وحده. وما زالت مساكنهم تعرف إلى ~~الآن بمدائن صالح، فى المنطقة التى بين المدينة المنورة والشام، وقد مر ~~النبى صلى الله عليه وسلم على ديارهم وهو متوجه إلى غزوة تبوك.. وقد نصح ~~صالح قومه، بما نصح به هود ونوح قومهما من قبله، فقد أمرهم بتقوى الله ~~وصارحهم بصدقه معهم، وبتعففه عن تعاطى الأجر على نصحه لهم. ثم وعظهم بما ~~يرقق القلوب، وبما يحمل العقلاء على شرك الله - تعالى - على نعمه فقال ~~لهم { أتتركون في ما هاهنآ آمنين في جنات وعيون ~~وزروع ونخل طلعها هضيم.. }. والاستفهام للإنكار. والطلع ~~اسم من الطلوع وهو الظهور، وأصله ثمر النخل فى أول ما يطلع، وهو بعد ~~التلقيح يسمى خلالا - بفتح الخاء - ثم يصير بسرا، فرطبا، فتمرا. والهضيم ~~اليانع والنضيج، أو الرطب اللين اللذيذ الذى تداخل بعضه فى بعض وهو وصف ~~للطلع الذى قصد به الثمار الناضجة الطيبة لصيرورته إليها. والمعنى أتظنون ~~أنكم متروكون بدون حساب أو سؤال من خالقكم - عز وجل - وأنتم تتقلبون فى ~~نعمه التى منها ما أنتم فيه من بساتين وأنهار وزروع كثيرة متنوعة. إن ~~كنتم تظنون ذلك، فأقلعوا عن هذا الظن، واعتقدوا بأنكم أنتم وما بين ~~أيديكم من نعم، إلى زوال، وعليكم أن تخلصوا لخالقكم العبادة والشكر لكى ~~يزيدكم من فضله.. فأنت ترى أن - صالحا - عليه السلام قد استعمل مع قومه ~~أرق ألوان الوعظ، لكى يوقظ قلوبهم الغافلة، نحو طاعة الله - تعالى - ~~وشكره، وقد استعمل فى وعظه لفت أنظارهم إلى ما يتقلبون فيه من نعم تشمل ~~البساتين والعيون، والزروع المتعددة، والنخيل الجيدة الطلع، اللذيذة ~~الطعم، حتى لكأن ثمرها لجودته ولينه، لا يحتاج إلى هضم فى البطون. ثم ~~ذكرهم بنعمة أخرى، وكرر عليهم الأمر بتقوى الله فقال { وتنحتون ~~من الجبال بيوتا فارهين فاتقوا الله وأطيعون ~~}. وقوله { وتنحتون } معطوف على { أتتركون } فهو داخل فى ms3866 حيز ~~الإنكار عليهم، لعدم شكرهم لله - تعالى - والنحت البرى. يقال نحت فلان ~~الحجر نحتا إذا براه وأعده للبناء. و { فارهين } أى ماهرين حاذقين فى ~~نحتها. من فره - ككرم - فراهة. إذا برع فى فعل الشىء، وعرف غوامضه ~~ودقائقه. قال القرطبى وقرأ ابن كثير وابو عمرو { فارهين } بغير ألف ~~فى الفاء. وهى بمعنى واحد. # . وفرق بينهما قوم فقالوا { فارهين } أى حاذقين فى تحتها... وفرهين ~~- بغير ألف - أى أشرين بطرين فرهين.. أى وأنهاكم - أيضا - عن انهماككم فى ~~نحت الحجارة من الجبال بمهارة وبراعة، لكى تبنوا بها بيوتا وقصورا بقصد ~~الأشر والبطر، لا يقصد الإصلاح والشكر لله - فمحل النهى إنما هو قصد ~~الأشر والبطر فى البناء وفى النحت. ثم نهاهم عن طاعة المفسدين فى الأرض ~~بعد أن أمرهم بتقوى الله فقال { ولا تطيعوا أمر المسرفين ~~الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون }. أى اجعلوا ~~طاعتكم لله - تعالى - وحده، ولى بصفتى رسوله إليكم، واتركوا طاعة زعمائكم ~~وكبرائكم المسرفين فى إصرارهم على الكفر والجحود والذين من صفاتهم أنهم ~~يفسدون فى الأرض فسادا لا يخالطه إصلاح. قال الآلوسى قوله { ولا ~~تطيعوا أمر المسرفين.. } كأنه عنى بالخطاب جمهور قومه. ~~وبالمسرفين كبراءهم فى الكفر والإضلال. وكانوا تسعة رهط... والإسراف ~~تجاوز الحد فى كل أمر.. والمراد به هنا زيادة الفساد... والمراد بالأرض ~~أرض ثمود. وقيل الأرض كلها. ولما كان قوله { يفسدون } لا ينافى ~~إصلاحهم أحيانا أردفه بقوله - تعالى - { ولا يصلحون } لبيان كمال ~~إفسادهم. وأنه لم يخالطه إصلاح أصلا. ولكن هذا النصح الحكيم من صالح ~~لقومه، لم يقابل منهم بأذن صاغية، بل قابلوه بالتطاول والاستهتار وإنكار ~~رسالته { قالوا إنمآ أنت من المسحرين مآ أنت ~~إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين ~~}. أى قال قوم صالح له أنت لست إلا من الذين غلب عليهم السحر، وأثر فى ~~عقولهم، فصاروا يتكلمون بكلام المجانين. وما أنت - أيضا - إلا بشر مثلنا ~~تأكل الطعام كما نأكل. وتشرب الشراب كما نشرب... فإن كنت رسولا حقا فأتنا ~~بعلامة ومعجزة تدل على صدقك فى دعواك الرسالة وكأنهم - لجهلهم ms3867 وانطماس ~~بصائرهم - يرون أن البشرية تتنافى مع النبوة والرسالة، وتضرع صالح - عليه ~~السلام - إلى ربه - عز وجل - أن يمنحه معجزة لعلها تكون سببا فى هداية ~~قومه، وأجاب الله - تعالى - تضرعه، فقال - سبحانه - { قال هذه ~~ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ولا ~~تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم }. قال ابن ~~كثير ثم إنهم اقترحوا عليه آية يأتيهم بها، ليعلموا صدقه بما جاءهم به من ~~ربهم، فطلبوا منه أن يخرج لهم الآن من صخرة عندهم ناقة عشراء من صفتها ~~كذا وكذا. فعند ذلك أخذ عليهم صالح العهود والمواثيق، لئن أجابهم إلى ما ~~سألوا ليؤمنن به، فأنعموا بذلك - أى قالوا نعم - فقام نبى الله صالح ~~فصلى، ثم دعا ربه أن يجيبهم على سؤالهم، فانفطرت تلك الصخرة التى أشاروا ~~إليها. عن ناقة عشراء. على الصفة التى وصفوها. فآمن بعضهم وكفر أكثرهم ". # والمعنى قال لهم صالح - عليه السلام - بعد أن طلبوا منه معجزة تدل على ~~صدقه هذه ناقة { لها شرب ولكم شرب يوم معلوم } أى ~~لها نصيب معين من الماء، ولكم نصيب آخر منه، وليس لكم أن تشربوا منه فى ~~يوم شربها. وليس لها أن تشرب منه فى يوم شربكم، واحذروا أن تمسوها بسوء - ~~كضرب أو قتل - فيأخذكم عذاب يوم عظيم. ووصف اليوم بالعظم لعظم ما يحل فيه ~~من عذاب ينزل بهم إذا مسوها بسوء ولكن قومه لم يفوا بعهودهم { ~~فعقروها } أى فعقروا الناقة التى هى معجزة نبيهم. وأسند العقر إليهم ~~جميعا. مع أن الذى عقرها بعضهم، لأن العقر كان برضاهم جميعا، كما يرشد ~~إليه قوله - تعالى - فى آية أخرى # فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر # وقوله { فأصبحوا نادمين } بيان لما ترتب على عقرهم لها. ~~وندمهم إنما كان سبب خوفهم من وقوع العذاب عليهم بسبب ذلك، ولم يكن بسبب ~~إيمانهم وتوبتهم. أو أن ندمهم جاء فى غير أوانه، كما يشعر بذلك قوله - ~~تعالى { فأخذهم العذاب } أى أن العذاب نزل بهم فى أعقاب عقرهم ~~لها، بدون تراخ أو إمهال، وكان عذابهم أن أخذتهم الرجفة وتبعتها الصيحة ~~التى ms3868 صاحها بهم جبريل فأصبحوا فى ديارهم جاثمين، ثم يجىء التعقيب السابق ~~{ إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ~~ربك لهو العزيز الرحيم }. ثم جاءت بعد ذلك قصة لوط. مع ~~قومه، فقال - تعالى - { كذبت قوم لوط المرسلين... }. ### || [26.160-175] # قال ابن كثير - رحمه الله - ولوط هو ابن هاران بن آزر، وهو ابن أخى ~~إبراهيم، وكان قد آمن مع إبراهيم، وهاجر معه إلى أرض الشام، فبعثه الله ~~إلى أهل سدوم وما حولها من القرى، يدعوهم إلى الله - تعالى - وبأمرهم ~~بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهو إتيان الذكور دون الإناث، وهذا شىء لم ~~يكن بنو آدم تعهده ولا تألفه، ولا يخطر ببالهم، حتى صنع ذلك أهل سدوم - ~~وهى قرية بوادى الأردن - عليهم لعائن الله. ولقد بدأ لوط - عليه السلام - ~~دعوته لقومه يأمرهم بتقوى الله، وبإخبارهم بأنه رسول أمين من الله - ~~تعالى - إليهم، وبأنه لا يسألهم أجرا على دعوته لهم إلى الحق والفضيلة. ~~ثم نهاهم عن أبرز الرذائل التى، كانت متفشية فيهم فقال { أتأتون ~~الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ~~ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون }. ~~والاستفهام للإنكار والتقريع والذكران جمع ذكر وهو ضد الأنثى. والعادون ~~جمع عاد. يقال عدا فلان فى الأمر يعدو، إذا تجاوز الحد فى الظلم. أى قال ~~لوط لقومه أبلغ بكم انحطاط الفطرة، وانتكاس الطبيعة، أنكم تأتون الذكور ~~الفاحشة، وتتركون نساءكم اللائى أحلهن الله - تعالى - لكم، وجعلهن الطريق ~~الطبيعى للنسل وعمارة الكون. إنكم بهذا الفعل القبيح الذميم، تكونون قد ~~تعديتم حدود الله - تعالى - وتجاوزتم ما أحله الله لكم، إلى ما حرمه ~~عليكم. وقد ردوا عليه بما يدل على شذوذهم وعلى انتكاس فطرتهم، فقد قالوا ~~له على سبيل التهديد والوعيد { لئن لم تنته يلوط لتكونن ~~من المخرجين }. أى قالوا له متوعدين لئن لم تسكت يا لوط عن نهيك ~~إيانا عما نحن فيه، لتكونن من المخرجين من قريتنا إخراجا تاما، ولنطردنك ~~خارج ديارنا. وهكذا النفوس عندما تنحدر فى الرذيلة وتنغمس فى المنكر، ~~تعادى من يدعوها إلى الفضيلة وإلى الطهر والعفاف. ms3869 وقد رد لوط - عليه ~~السلام - على سفاهتهم وسوء أدبهم { قال إني لعملكم من ~~القالين }. والقالين جمع قال. يقال قليت فلانا أقليه - كرميته أرميه ~~- إذا كرهته كرها شديدا. أى قال لهم لوط موبخا ومؤنبا إنى لعملكم القبيح ~~الذى ترتكبونه مع الذكور، من المبغضين له أشد البغض، المنكرين له أشد ~~الإنكار. ثم توجه إلى ربه - تعالى - بقوله. { رب نجني وأهلي ~~مما يعملون } أى نجنى يا رب، ونج أهلى المؤمنين معى، مما يعمل ~~هؤلاء الأشرار من منكر لم يسبقهم إليه أحد فأجاب الله - تعالى - دعاءه ~~فقال { فنجيناه وأهله أجمعين إلا عجوزا في ~~الغابرين }. والمراد بهذه العجوز، امرأته وكانت كافرة وراضية عن فعل ~~قومها. # والغابرين جمع غابر وهو الباقى بعد غيره. يقال غبر الشىء يغبر غبورا. ~~إذا بقى. وقوله { إلا عجوزا } استثناء من أهله. أى فاستجبنا للوط ~~دعاءه، فأنجيناه وأهله المؤمنين جميعا، إلا امرأته العجوز فإننا لم ننجها ~~بل بقيت مع المهلكين لخبثها وعدم إيمانها. { ثم دمرنا الآخرين ~~} أى ثم أهلكنا قوم لوط المصرين على كفرهم وعلى إتيانهم المنكر، تدميرا ~~شديدا، فإنا جعلنا أعلى قريتهم سافلها، وأبدناهم عن آخرهم. { ~~وأمطرنا عليهم } بعد ذلك الإهلاك { مطرا } عجيبا أمره فقد ~~كان نوعا من الحجارة، كما جاء فى آية أخرى فى قوله - تعالى - # وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود # وقوله - سبحانه - { فسآء مطر المنذرين } بيان لسوء مصيرهم. ~~أى دمرنا هؤلاء القوم، وأمطرنا عليهم مطرا من الحجارة زيادة فى إهانتهم، ~~فساءت عاقبتهم، وتحقق ما أنذرناهم به من دمار. ثم ختم - سحبانه - قصة لوط ~~- عليه السلام - مع قومه، بمثل ما ختم به القصص السابقة فقال { إن في ~~ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم }. ثم جاءت فى نهاية هذه القصص، قصة شعيب - ~~عليه السلام - مع قومه. فقال - تعالى - { كذب أصحاب... }. ### || [26.176-191] # الأيكة منطقة مليئة بالأشجار، كانت - فى الغالب - بين الحجاز وفلسطين ~~حول خليج العقبة، ولعلها المنطقة التى تسمى بمعان. وشعيب ينتهى نسبه إلى ~~إبراهيم - عليهما السلام - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر ms3870 ~~شعيبا قال " ذلك خطيب الأنبياء " لحسن مراجعته لقومه، وقوة حجته. وكان ~~قومه أهل كفر وبخس للمكيال والميزان، وقطع الطريق، فدعاهم إلى وحدانية ~~الله - تعالى - وإلى مكارم الأخلاق. قال ابن كثير " هؤلاء - أعنى أصحاب ~~الأيكة - هم أهل مدين على الصحيح، وكان نبى الله شعيب من أنفسهم وإنما لم ~~يقل ها هنا أخوهم شعيب، لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة وهى شجرة. وقيل شجر ~~ملتف كالغيضة. كانوا يعبدونها، فلهذا لما قال كذب أصحاب الأيكة المرسلين، ~~لم يقل إذ قال لهم أخوهم شعيب، وإنما قال { إذ قال لهم شعيب ~~ألا تتقون } فقطع نسبة الأخوة بينهم، للمعنى الذى نسبوا إليه، وإن ~~كان أخاهم نسبا، ومن الناس من لم يتفطن لهذه النكتة، فظن أن أصحاب الأيكة ~~غير أهل مدين، فزعم أن شعيبا - عليه السلام - بعثه الله إلى أمتين... ~~والصحيح أنهم أمة واحدة وصفوا فى كل مقام بشىء، ولهذا وعظ هؤلاء وأمرهم ~~بوفاء المكيال والميزان، كما فى قصة مدين سواء بسواء... ". وقد افتتح ~~شعيب - عليه السلام - دعوته لقومه. بأمرهم بتقوى الله - تعالى - وببيان ~~أنه أمين فى تبليغهم ما أمره الله بتبليغه إليهم، وبمصارحتهم بأنه لا ~~يسألهم أجرا على دعوته إياهم إلى ما يسعدهم. ثم نهاهم عن أفحش الرذائل ~~التى كانت منتشرة فيهم فقال لهم { أوفوا الكيل ولا تكونوا ~~من المخسرين وزنوا بالقسطاس المستقيم ولا ~~تبخسوا الناس أشيآءهم ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين واتقوا الذي خلقكم والجبلة ~~الأولين... }. والجبلة الجماعة الكثيرة من الناس الذين كانوا من قبل ~~قوم شعيب. والمقصود بهم أولئك الذين كانوا ذوى قوة كأنها الجبال فى ~~صلابتها، كقوم هود وأمثالهم ممن اغتروا بقوتهم، فأخذهم الله أخذ عزيز ~~مقتدر. قال القرطبى وقوله { واتقوا الذي خلقكم ~~والجبلة الأولين }. الجبلة هى الخليقة. ويقال جبل فلان على ~~كذا، أى خلق، فالخلق جبلة وجبلة - بكسر الجيم والباء وضمهما - ~~والجبلة هو الجمع ذو العدد الكثير من الناس، ومنه قوله - تعالى - # ولقد أضل منكم جبلا كثيرا... # والمعنى قال شعيب - عليه السلام - لقومه ناصحا ومرشدا يا قوم. أوفوا ~~الكيل أى أتموه { ولا تكونوا ms3871 من المخسرين } الذين يأكلون ~~حقوق غيرهم عن طريق التطفيف فى الكيل والميزان. ثم أكد نصحه هذا بنصح آخر ~~فقال { وزنوا } للناس الذين تتعاملون معهم { بالقسطاس ~~المستقيم } أى بالعدل الذى لا جور معه ولا ظلم. # ثم أتبع هذا الأمر بالنهى فقال { ولا تبخسوا الناس ~~أشيآءهم } أى ولا تنقصوا للناس شيئا من حقوقهم، أيا كان مقدار هذا ~~الشىء. { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } والعثو أشد ~~أنواع الفساد. يقال عثا فلان فى الأرض يعثو، إذا اشتد فساده. أى ولا ~~تنتشروا فى الأرض حالة كونكم مفسدين فيها بالقتل وقطع الطريق، وتهديد ~~الآمنين. فقوله { مفسدين } حال مؤكدة لضمير الجمع فى قوله { ~~تعثوا }. ثم ذكرهم بأحوال السابقين، وبأن الله - تعالى - هو الذى ~~خلقهم وخلق أولئك السابقين فقال { واتقوا الذي خلقكم } من ~~ماء مهين. وخلق - أيضا - الأقوام السابقين، الذين كانوا أشد منكم قوة ~~وأكثر جمعا. والذين أهلكهم - سبحانه - بقدرته بسبب إصرارهم على كفرهم ~~وبغيهم. واستمع قوم شعيب إلى تلك النصائح الحكيمة. ولكن لم يتأثروا بها، ~~بل اتهموا نبيهم فى عقله وفى صدقه، وتحدوه فى رسالته فقالوا - كما حكى ~~القرآن عنهم - { إنمآ أنت من المسحرين ومآ أنت إلا ~~بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين فأسقط ~~علينا كسفا من السمآء إن كنت من الصادقين }. ~~قالوا له بسفاهة وغرور إنما أنت يا شعيب من الذين أصيبوا بسحر عظيم جعلهم ~~لا يعقلون ما يقولون، أو إنما أنت من الناس الذين يأكلون الطعام، ويشربون ~~الشراب، ولا مزية لك برسالة أو بنبوة علينا، فأنت بشر مثلنا، وما نظنك ~~إلا من الكاذبين فيما تدعيه، فإن كنت صادقا فى دعوى الرسالة فأسقط علينا ~~{ كسفا من السمآء } أى قطعا من العذاب الكائن من جهة السماء. ~~وجاء التعبير بالواو هنا فى قوله { ومآ أنت إلا بشر مثلنا ~~} للإشارة إلى أنه جمع بين أمرين منافيين لدعواه الرسالة، وهما كونه من ~~المسحرين وكونه بشرا وقصدوا بذلك المبالغة فى تكذيبه، فكأنهم يقولون له ~~إن وصفا واحدا كاف فى تجريدك من نبوتك فكيف إذا اجتمع فيك الوصفان، ولم ~~يكتفوا بهذا بل ms3872 أكدوا عدم تصديقهم له فقالوا وما نظنك إلا من الكاذبين. ~~ثم أضافوا إلى كل تلك السفاهات. الغرور والتحدى حيث تعجلوا العذاب. ولكن ~~شعيبا - عليه السلام - قابل استهتارهم واستهزاءهم بقوله { ربي ~~أعلم بما تعملون } أى ربى وحده هو العليم بأقوالكم وأعمالكم، ~~وسيجازيكم عليها بما تستحقون من عذاب أليم. ثم يعجل - سبحانه - ببيان ~~عاقبتهم السيئة فيقول { فكذبوه فأخذهم عذاب يوم ~~الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم }. قال الآلوسى وذلك ~~على ما أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبى حاتم، ~~والحاكم عن ابن عباس أن الله - تعالى - بعث عليهم حرا شديدا، فأخذ ~~بأنفاسهم، فدخلوا أجواف البيوت، فدخل عليهم، فخرجوا منها هرابا إلى ~~البرية. فبعث الله - تعالى - عليهم سحابة فأظلتهم من الشمس، وهى الظلة، ~~فوجدوا لها بردا ولذة، فنادى بعضهم بعضا حتى إذا اجتمعوا تحتها، أسقطها ~~الله عليهم نارا. # فأهلكتهم جميعا.. ففى الأعراف ذكر أنهم أخذتهم الرجفة فأصبحوا فى دارهم ~~جاثمين، وذلك لأنهم قالوا # لنخرجنك يشعيب والذين آمنوا معك من ~~قريتنآ.. # فلما أرجفوا بنبى الله ومن تبعه. - أى حاولوا زلزلتهم وتخويفهم - أخذتهم ~~الرجفة. وفى سورة هود قال # وأخذ الذين ظلموا الصيحة # وذلك لأنهم استهزءوا بنبى الله فى قولهم # أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد ءاباؤنآ.. # فناسب أن تأتيهم صيحة تسكتهم.. وها هنا قالوا { فأسقط علينا ~~كسفا من السمآء } على وجه التعنت والعناد فناسب أن ينزل بهم ما ~~استبعدوا وقوعه فقال { فأخذهم عذاب يوم الظلة }. ثم ختم ~~- سبحانه - قصة شعيب مع قومه بمثل ما ختم به قصص الرسل السابقين مع ~~أقوامهم فقال - تعالى - { إن في ذلك لآية وما كان ~~أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم ~~}. وإلى هنا ترى سورة الشعراء قد ساقت لنا سبع قصص من قصص الأنبياء مع ~~أقوامهم. ساقت لنا قصة موسى، فإبراهيم، فنوح. فهود، فصالح، فلوط، فشعيب - ~~عليهم جميعا الصلاة والسلام -. ويلاحظ فى قصص هذه السورة، أنها لم تجىء ~~على حسب الترتيب الزمنى - كما هو الشأن فى سورة الأعراف - وذلك لأن ~~المقصود الأعظم هنا هو الاعتبار والاتعاظ، فأما ms3873 فى سورة الأعراف، فكان ~~التسلسل الزمنى مقصودا لعرض أحوال الناس منذ آدم - عليه السلام -. كما ~~يلاحظ أن معظم القصص هنا، قد افتتح بافتتاح متشابه، وهو أمر كل نبى قومه ~~بتقوى الله، وببيان أنه رسول أمين. وببيان أنه لا يطلب من قومه أجرا على ~~دعوته، نرى ذلك واضحا فى قصة نوح وهود وصالح وشعيب ولوط مع أقوامهم. ولعل ~~السر فى ذلك التأكيد على أن الرسل جميعا قد جاؤوا برسالة واحدة فى أصولها ~~وأسسها، ألا وهى الدعوة إلى إخلاص العبادة لله - تعالى -، وإلى مكارم ~~الأخلاق. كما يلاحظ - أيضا - أن كل قصة من تلك القصص قد اختتمت بقوله - ~~تعالى - { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين ~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. ولعل السر فى ذلك تكرار ~~التسلية للنبى صلى الله عليه وسلم، وتثبيت فؤاده. وبيان أن ما أصابه من ~~قومه، قد أصاب الرسل السابقين، فعليه أن يصبر كما صبروا، وقد قالوا " ~~المصيبة إذا عمت خفت ". كما يلاحظ - كذلك - على قصص هذه السورة التركيز ~~على أهم الأحداث وبيان الرذائل التى انغمس فيها أولئك الأقوام، باستثناء ~~قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون فقد جاءت بشىء من التفصيل. وكما بدأت ~~السورة بالحديث عن القرآن، وعن الرسول صلى الله عليه وسلم، عادت مرة أخرى ~~بعد الحديث عن قصص بعض الأنبياء - إلى متابعة الحديث عن القرآن الكريم، ~~وعن نزوله، وعن تأثيره، وعن مصدره. فقال - تعالى - { وإنه ~~لتنزيل رب العالمين.... } . ### || [26.192-199] # الضمير فى قوله { وإنه } يعود إلى القرآن الكريم، وما اشتمل عليه ~~من قصص وهدايات.. أى وإن هذا القرآن لتنزيل رب العالمين، لا تنزيل غيره، ~~والتعبير عن إنزاله بالتنزيل، للمبالغة فى إنزاله من عند الله - تعالى - ~~وحده. ووصف - سبحانه - ذاته بالربوبية للعالمين، للإيذان بأن إنزاله ~~بهذه الطريقة، من مظاهر رحمته بعباده، وإحكام تربيته لهم جميعا. قال - ~~تعالى - # تنزيل من رب العالمين # وقال - سبحانه - # تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى # ثم وصف - سبحانه - من نزل به بالأمانة فقال { نزل به الروح ~~الأمين } وهو جبريل - عليه السلام - وعبر عنه بالروح، ms3874 لأن الأرواح ~~تحيا بما نزل به كما تحيا الأجسام بالغذاء. أى نزل جبريل الأمين - بأمرنا ~~- بهذا القرآن كاملا غير منقوص، { على قلبك } أيها الرسول الكريم ~~{ لتكون من المنذرين } أى من أجل أن تنذر به الناس، وتخوفهم ~~بسوء المصير إذا ما استمروا على كفرهم وفسوقهم عن أمر الله - تعالى -. ~~قال الجمل قال الكرخى وقوله { على قلبك } خصه بالذكر وهو إنما ~~أنزل عليه ليؤكد أن ذلك المنزل محفوظ، والرسول متمكن من قلبه لا يجوز ~~عليه التغير. ولأن القلب المخاطب فى الحقيقة لأنه موضع التمييز ~~والاختيار، وأما سائر الأعضاء فمسخرة له، ويدل على ذلك القرآن والحديث ~~والمعقول. أما القرآن فقوله - تعالى - # إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى ~~السمع وهو شهيد # وأما الحديث فقوله صلى الله عليه وسلم # " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد ~~كله ألا وهي القلب ". # وأما المعقول فإن القلب إذا غشى عليه، لم يحصل له شعور، وإذا أفاق القلب ~~شعر بجميع ما ينزل بالأعضاء من الآفات. وقال الآلوسى ما ملخصه وخص القلب ~~بالإنزال، قيل للإشارة إلى كمال تعقله صلى الله عليه وسلم وفهمه ذلك ~~المنزل، حيث لم تعتبر واسطة فى وصوله إلى القلب.. وقيل للإشارة إلى صلاح ~~قلبه صلى الله عليه وسلم حيث كان منزلا لكلام الله - تعالى -.. وقوله - ~~تعالى - { بلسان عربي مبين } متعلق بقوله - تعالى - { ~~نزل }. أى نزل هذا القرآن باللسان العربى ليكون أوضح فى البلاغ ~~والبيان لقومك لأننا لو نزلناه بلسان أعجمى أو بلغة أعجمية لتعللوا بعدم ~~فهمه وقلة إدراكهم لمعناه. وبذلك نرى أن الله - تعالى - قد بين لنا مصدر ~~القرآن، والنازل به، والنازل عليه، وكيفية النزول، وحكمة الإنزال، ~~واللغة التى نزل بها، وكل ذلك أدلة من القرآن ذاته على أنه من عند الله - ~~تعالى - وأنه من كلامه الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. # ثم بين - سبحانه - أن الكتب السماوية السابقة قد ذكرت ما يدل على صدق ~~الرسول صلى الله عليه وسلم الذى ms3875 أنزل الله - تعالى - عليه هذا القرآن ~~فقال - تعالى - { وإنه لفي زبر الأولين أو لم يكن ~~لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل }. والزبر ~~جمع زبور، وهو الكتاب المقصور على الحكم والمواعظ، كزبور داود. مأخوذ ~~من الزبر بمعنى الزجر. لزجره الناس عن اتباع الباطل. والمعنى وإن نعت هذا ~~القرآن الكريم، ونعت الرسول الذى سينزل عليه هذا القرآن. لموجود فى كتب ~~السابقين. قال الإمام ابن كثير أخبر - تعالى - بأن ذكر هذا القرآن ~~والتنويه به لموجود فى كتب الأولين المأثورة عن أنبيائهم، الذين بشروا به ~~فى قديم الدهر وحديثه، كما أخذ الله عليهم الميثاق بذلك، حتى قام آخرهم ~~خطيبا فى ملئه بالبشارة بأحمد # وإذ قال عيسى ابن مريم يبني إسرائيل إني ~~رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من ~~التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه ~~أحمد.. # والاستفهام فى قوله { أو لم يكن لهم آية... } للإنكار ~~والتوبيخ. والواو للعطف على مقدر، والتقدير أغفلوا عن ذلك وجهلوه، ولم ~~يكفهم للدلالة على صدقه وحقيته أن يعلم ذلك علماء بنى إسرائيل، ويتحدث ~~عنه عدولهم، وينتظرون مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن ~~عليه صلى الله عليه وسلم. قال - تعالى - # ولما جآءهم كتاب من عند الله مصدق لما ~~معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين ~~كفروا فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة ~~الله على الكافرين # وقال - سبحانه - # الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ~~يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر # ثم ذكر - سبحانه - طرفا من جحود الكافرين وعنادهم فقال { ولو ~~نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما ~~كانوا به مؤمنين }. والأعجمين جمع أعجم، وهو الذى لا يفصح وفى ~~لسانه عجمة وإن كان عربى النسب، أو جمع أعجمى، إلا أنه حذف منه ياء النسب ~~تخفيفا، كأشعر جمع أشعرى. أى ولو نزلنا هذا القرآن على رجل من الأعجمين، ~~الذين لا يحسنون النطق بالعربية، فقرأ هذا القرآن على قومك - أيها الرسول ~~الكريم - قراءة صحيحة لكفروا به عنادا ومكابرة مع أنهم فى قرارة أنفسهم ~~يعرفون ms3876 صدقه، وأنه ليس من كلام البشر. فالآيتان الكريمتان المقصود بهما ~~تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما يراه من إنكار المشركين لدعوته، ومن ~~وصفهم للقرآن تارة بأنه سحر، وتارة بأنه أساطير الأولين، تصوير صادق لما ~~وصل إليه أولئك المشركون من جحود وعناد ومكابرة. وشبيه بهاتين الآيتين ~~قوله - تعالى - # ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة وكلمهم ~~الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشآء الله # ثم بين - سبحانه - أنهم مع عملهم بأن هذا القرآن من عند الله، وتأثرهم ~~به سيستمرون على كفرهم حتى يروا العذاب الأليم، فقال - تعالى - { ~~كذلك سلكناه في... }. ### || [26.200-212] # قوله - تعالى - { سلكناه } من السلك بمعنى إدخال الشىء فى الشىء ~~تقول سلكت الطريق إذا دخلت فيه. والضمير يعود إلى القرآن الكريم وقوله { ~~كذلك سلكناه } نعت لمصدر محذوف. أى مثل ذلك الإدخال العجيب، ~~أدخلنا القرآن فى قلوب المجرمين، حيث جعلناهم - بسبب جحودهم وعنادهم - مع ~~تأثرهم به واعترافهم بفصاحته، لا يؤمنون به، حتى يروا بأعينهم العذاب ~~الأليم. ومنهم من يرى أن الضمير فى { سلكناه } يعود إلى كفر ~~الكافرين وتكذيبهم. والمعنى - كما يقول ابن كثير - كذلك سلكنا التكذيب ~~والكفر والجحود والعناد. أى أدخلناه فى قلوب المجرمين، لا يؤمنون به. أى ~~بالحق { حتى يروا العذاب الأليم } حيث لا ينفع الظالمين ~~معذرتهم، ولهم اللعنة ولهم سوء الدار. والرأيان متقاربان فى المعنى، لأن ~~المراد بالتكذيب على الرأى الثانى تكذيبهم بالقرآن، إلا أن الرأى الأول ~~أنسب بسياق الآيات، وبانتظام الضمائر... ثم بين - سبحانه - أن نزول ~~العذاب بالمجرمين سيكون مباغتا لهم فقال { فيأتيهم } أى العذاب { ~~بغتة } فجأة وعلى غير توقع { وهم لا يشعرون } أى بإتيانه ~~بعد أن يحيط بهم. وعندئذ يقولون على سبيل التمنى والتحسر { هل نحن ~~منظرون } أى ليتنا نمهل قليلا لكى نصلح ما أفسدناه من أقوال وأعمال. ~~قال صاحب الكشاف فإن قلت ما معنى التعقيب فى قوله { فيأتيهم ~~بغتة وهم لا يشعرون فيقولوا.. }. قلت ليس المعنى ترادف ~~رؤية العذاب ومفاجأته، وسؤال النظرة فيه فى الوجود، وإنما المعنى ترتبها ~~فى الشدة، كأنه قيل ms3877 لا يؤمنون بالقرآن حتى تكون رؤيتهم للعذاب، فما هو ~~أشد منها وهو لحوقه بهم مفاجأة، فما هو أشد منه وهو سؤالهم النظرة. ومثال ~~ذلك أن تقول لمن تعظه إذا أسأت مقتك الصالحون، فمقتك الله، فإنك، لا تقصد ~~بهذا الترتيب أن مقت الله يوجد عقيب مقت الصالحين، وإنما قصدك إلى ترتيب ~~شدة الأمر على المسىء، وأنه يحصل له بسبب الإساءة مقت الصالحين، فما هو ~~اشد من مقتهم وهو مقت الله... والاستفهام فى قوله - تعالى - { ~~أفبعذابنا يستعجلون } للتوبيخ والتهكم بهؤلاء المجرمين. ~~أبلغ الحمق والجهل بهؤلاء المجرمين أنهم استعجلوا وقوع العذاب بهم، ~~وقالوا لنا # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # أى إن من يستعجل هلاك نفسه، ويسعى إلى حتفه بظلفه، لا يكون من العقلاء ~~أبدا. ثم بين - سبحانه - أن ما فيه هؤلاء المجرمون من متاع ونعمة، ~~سينسونه نسيانا تاما عندما يمسهم العذاب المعد لهم، فقال - تعالى - { ~~أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جآءهم ما كانوا ~~يوعدون مآ أغنى عنهم ما كانوا يمتعون }. وقوله { ~~أفرأيت } معطوف على قوله { فيقولوا. # . } والاستفهام للتعجب من أحوالهم. والمعنى إن شأن هؤلاء المجرمين لموجب ~~للعجب إنهم قبل نزول العذاب بهم يستعجلونه، فإذا ما نزل بساحتهم قالوا - ~~على سبيل التحسر والندم - هل نحن منظرون. اعلم - أيها الرسول الكريم - ~~أننا حتى لو أمهلناهم وأخرناهم، ثم جاءهم عذابنا بعد ذلك، فإن هذا التمتع ~~الذى عاشوا فيه. وذلك التأخير الذى لو شئنا لأجبناهم إليه... كل ذلك لن ~~ينفعهم بشىء عند حلول عذابنا، بل عند حلول عذابنا بهم سينسون ما كانوا ~~فيه من متاع ومن نعيم ومن غيره. قال الإمام ابن كثير وفى الحديث الصحيح ~~يؤتى بالكافر فيغمس فى النار غمسة ثم يقال له هل رأيت خيرا قط؟ هل رأيت ~~نعيما قط؟ فيقول لا والله يا رب. ويؤتى بأشد الناس بؤسا كان فى الدنيا، ~~فيصبغ فى الجنة صبغة، ثم يقال له هل رأيت بؤسا قط؟ فيقول لا والله يا رب. ~~ولهذا كان عمر بن ms3878 الخطاب - رضى الله عنه - يتمثل بهذا البيت # كأنك لم تؤتر من الدهر ليلة إذا أنت أدركت الذى كنت تطلب # ثم بين - سبحانه - سنته التى لا تتخلف فقال { ومآ أهلكنا من ~~قرية إلا لها منذرون ذكرى وما كنا ظالمين }. ~~وقوله { ذكرى } مفعول لأجله، فيكون المعنى لقد اقتضت سنتنا وعدالتنا، ~~أننا لا نهلك قرية من القرى الظالم أهلها، إلا بعد أن نرسل فى أهل تلك ~~القرى رسلا منذرين، لكى يذكروهم بالدين الحق... وليس من شأننا أن نكون ~~ظالمين لأحد، بل من شأننا العدالة والإنصاف، وتقديم النصيحة والإرشاد ~~والإنذار للفاسقين عن أمرنا، قبل أن ننزل بهم عذابنا. وشبيه بهاتين ~~الآيتين قوله - تعالى - # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # وقوله - سبحانه - # وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها ~~رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى ~~إلا وأهلها ظالمون # ثم عادت السورة الكريمة إلى تأكيد أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - ~~وردت شبهات المشركين بأسلوب منطقى رصين، قال - تعالى - { وما ~~تنزلت به الشياطين. أى إن هذا القرآن الكريم، ما تنزلت به ~~الشياطين - كما يزعم مشركو قريش، حيث قالوا إن لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~تابعا من الجن يخبره بهذا القرآن ويلقيه عليه - وإنما هذا القرآن نزل به ~~الروح الأمين، على قلبه صلى الله عليه وسلم. وإن الشياطين { وما ~~ينبغي لهم } ذلك إذ هم يدعون إلى الضلالة والقرآن يدعو إلى الهداية ~~{ وما يستطيعون } أن ينزلوا به ولا يقدرون على ذلك أصلا { ~~إنهم عن السمع لمعزولون } أى إن هؤلاء الشياطين عن سماع ~~القرآن الكريم لمعزولون عزلا تاما. فالشهب تحرقهم إذا ما حاولوا الاستماع ~~إليه. كما قال - تعالى - # وأنا لمسنا السمآء فوجدناها ملئت حرسا ~~شديدا وشهبا وأنا كنا نقعد منها مقاعد ~~للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا # فأنت ترى أن الله - تعالى - قد صان كتابه عن الشياطين، بأن بين بأنهم ~~ما نزلوا به، ثم بين - ثانيا أنهم ما يستقيم لهم النزول به لأن ما ~~اشتمل عليه من هدايات يخالف طبيعتهم الشريرة، ثم ms3879 بين ثالثا - بأنهم حتى ~~لو حاولوا ما يخالف طبيعتهم لما استطاعوا، ثم بين - رابعا - بأنه حتى لو ~~انبغى واستطاعوا حمله، لما وصلوا إلى ذلك، لأنهم بمعزل عن الاستماع إليه، ~~إذ ما يوحى به - سبحانه - إلى أنبيائه، فالشياطين محجوبون عن سماعه، ~~وهكذا صان الله - تعالى - كتابه صيانة تامة. وحفظه حفظا جعله لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ثم نهى - سبحانه - عن الشرك بأبلغ وجه، ~~وأمر النبى صلى الله عليه وسلم بأن يجهر بدعوته، وبأن يتوكل عليه وحده - ~~سبحانه - فقال { فلا تدع.... }. ### || [26.213-220] # الفاء فى قوله - تعالى - { فلا تدع.. } فصيحة، والخطاب للرسول صلى ~~الله عليه وسلم على سبيل طلب الازدياد من إخلاص العبادة لله - تعالى -. ~~أى إذا علمت - أيها الرسول الكريم - ما أخبرناك به، فأخلص العبادة لنا، ~~واحذر أن تعبد مع الله - تعالى - إلها آخر، فتكون من المعذبين. وخوطب صلى ~~الله عليه وسلم بهذه الآية وأمثالها، مع أنه أخلص الناس فى عبادته لله - ~~تعالى -، لبيان أن الشرك أقبح الذنوب وأكبرها وأنه لو انحرف إليه - على ~~سبيل الفرض - أشرف الخلق وأكرمهم عند الله - تعالى - لعذبه - سبحانه - ~~على ذلك، فكيف يكون حال غيره ممن هم ليسوا فى شرفه ومنزلته. لا شك أن ~~عذابهم سيكون أشد، وعقابهم سيكون أكبر. ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى ~~الله عليه وسلم أن ينذر أقرب الناس إليه، ليكونوا قدوة لغيرهم. وليعلموا ~~أن قرابتهم للرسول صلى الله عليه وسلم لن تنجيهم من عذاب الله، ما ~~استمروا على شركهم، فقال - تعالى - { وأنذر عشيرتك ~~الأقربين }. والعشيرة أهل الرجل الذين يتكثر بهم، و { الأقربين ~~} هم أصحاب القرابة القريبة كالآباء والأبناء والإخوة والأخوات، والأعمام ~~والعمات وما يشبه ذلك. وقد ذكر المفسرون أحاديث متعددة، فيما فعله رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية، منها ما أخرجه الشيخان عن ~~ابن عباس قال لما أنزل الله - تعالى - هذه الآية # " أتى النبى صلى الله عليه وسلم الصفا فصعد عليه ثم نادى يا صباحاه، وهى ~~كلمة يقولها المستغيث أو المنذر لقومه - فاجتمع الناس ms3880 إليه، بين رجل يجئ ~~إليه، وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بنى ~~عبد المطلب، يا بنى فهر، يا بنى لؤى، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح ~~الجبل تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقى؟ قالوا نعم. قال " فإنى نذير لكم ~~بين يدى عذاب شديد ". فقال أبو لهب تبا لك سائر اليوم، أما دعوتنا إلا ~~لهذا، وأنزل الله تبت يدآ أبي لهب وتب ". # قال الآلوسى ووجه تخصيص عشيرته الأقربين بالذكر مع عموم رسالته صلى الله ~~عليه وسلم دفع توهم المحاباة، وأن الاهتمام بشأنهم أهم، وأن البداءة تكون ~~بمن يلى ثم من بعده.. أى أن هذه الآية الكريمة، لا تتعارض مع عموم رسالته ~~صلى الله عليه وسلم للناس جميعا، لأن المقصود بها البدء بإنذار عشيرته ~~الأقربين، ليكونوا أسوة لغيرهم. وقوله - سبحانه - { واخفض جناحك ~~لمن اتبعك من المؤمنين } إرشاد منه - سبحانه - لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم إلى كيفية معاملته لأتباعه. # وخفض الجناح كناية عن التواضع. واللين، والرفق، فى صورة حسية مجسمة، إذ ~~من شأن الطائر حين يهبط أو حين يضم صغاره إليه أن يخفض جناحه، كما أن رفع ~~الجناح يطلق على التكبر والتعالى، ومنه قوه الشاعر # وأنت الشهير بخفض الجنا ح فلا تك فى رفعه أجدلا # أى وكن - أيها الرسول الكريم - متواضعا لين الجانب، لمن اتبعك من ~~المؤمنين، و لقد كان النبى صلى الله عليه وسلم سيد المتواضعين مع أصحابه، ~~إلا أن الآية الكريمة تعلم المسلمين فى كل زمان ومكان - وخصوصا الرؤساء ~~منهم - كيف يعامل بعضهم بعضا. قال صاحب الكشاف فإن قلت المتبعون للرسول ~~صلى الله عليه وسلم هم المؤمنون، والمؤمنون هم المتبعون للرسول صلى الله ~~عليه وسلم فما معنى قوله { لمن اتبعك من المؤمنين }؟ قلت ~~فيه وجهان أن يسميهم قبل الدخول فى الإيمان مؤمنين لمشارفتهم ذلك، وأن ~~يراد بالمؤمنين المصدقين بألسنتهم، وهم صنفان صنف صدق الرسول واتبعه فيما ~~جاء به وصنف ما وجد منه إلى التصديق فحسب. ثم إما أن يكونوا منافقين أو ~~فاسقين، والمنافق والفاسق لا ms3881 يخفض لهما الجناح. ويبدو لنا أنه لا داعى ~~إلى هذه التقسيمات التى ذهب إليها صاحب الكشاف - رحمه الله -، وأن ~~المقصود بقوله { لمن اتبعك من المؤمنين } تأكيد الأمر ~~بخفض الجناح، وللإشعار بأن جميع أتباعه من المؤمنين، ومثل هذا الأسلوب ~~كثير فى القرآن الكريم، ومنه قوله - تعالى - # يقولون بأفواههم... # ومن المعلوم أن الأقوال لا تكون إلا بالأفواه، وقوله - تعالى - # ولا طائر يطير بجناحيه.. # ومن المعروف أن الطائر لا يطير إلا بجناحيه. ثم بين - سبحانه - لنبيه ~~كيف يعامل العصاة فقال { فإن عصوك فقل إني بريء مما ~~تعملون }. قال الآلوسى الظاهر أن الضمير المرفوع فى { عصوك } ~~عائد على من أمر صلى الله عليه وسلم بإنذارهم، وهم العشيرة. أى فإن عصوك ~~ولم يتبعوك بعد إنذارهم، فقل إنى برئ من عملكم، أو من دعائكم مع الله ~~إلها آخر. وجوز أن يكون عائدا على الكفار المفهوم من السياق. وقيل هو ~~عائد على من اتبع من المؤمنين. أى فإن عصوك يا محمد فى الأحكام وفروع ~~الإسلام، بعد تصديقك والإيمان بك وتواضعك لهم، فقل إنى برئ مما تعملون ~~من المعاصى... وكان هذا فى مكة، قبل أن يؤمر صلى الله عليه وسلم بقتال ~~المشركين. ثم أمره - سبحانه - بالتوكل عليه وحده فقال { وتوكل على ~~العزيز الرحيم } أى اخفض جناحك لأتباعك المؤمنين، وقل لمن عصاك ~~بعد إنذاره إنى برئ من أعمالكم، واجعل توكلك واعتمادك على ربك وحده، فهو ~~- سبحانه - صاحب العزة والغلبة، والقهر، وصاحب الرحمة التى وسعت كل شىء. ~~وهو - عز وجل - { الذي يراك حين تقوم } إلى عبادته وإلى صلاته ~~دون أن يكون معك أحد. # وهو - سبحانه - الذى يرى { وتقلبك في الساجدين } أى يراك ~~وأنت تصلى مع المصلين، فتؤمهم وتنتقل بهم من ركن إلى ركن، ومن سنة إلى ~~سنة حال صلاتك، والتعبير بقوله { تقلبك } يشعر بحرصه صلى الله عليه ~~وسلم على تعهد أصحابه، وعلى تنظيم صفوفهم فى الصلاة، وعلى غير ذلك مما هم ~~فى حاجة إليه من إرشاد وتعليم. وعبر عن المصلين بالساجدين، لأن العبد ~~أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد، ms3882 فهذا التعبير من باب التشريف والتكريم لهم ~~{ إنه } - سبحانه - { هو السميع } لكل ما يصح تعلق السمع به { ~~العليم } بكل الظواهر والبواطن، لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا ~~السماء. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان أن الشياطين من المحال ~~أن تتنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم الصادق الأمين... وإنما تتنزل ~~على الكاذبين الخائنين، فقال - تعالى - { هل أنبئكم... }. ### || [26.221-227] # الاستفهام فى قوله - تعالى - { هل أنبئكم... } للتقرير، ~~والخطاب للمشركين الذين اتهموا النبى صلى الله عليه وسلم تارة بأنه كاهن، ~~وتارة بأنه ساحر أو شاعر. أى ألا تريدون أن تعرفوا - أيها المشركون - على ~~من تتنزل الشياطين؟! إنهم لا يتنزلون على الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن ~~طبعه يتباين مع طبائعهم، ومنهجه يتعارض مع مسالكهم، فهو يدعو إلى الحق ~~وهم يدعون إلى الباطل. إنما تتنزل الشياطين { على كل أفاك } أى ~~كثير الإفك والكذب { أثيم } أى كثير الارتكاب للآثام والسيئات، ~~كأولئك الكهنة الذين يأكلون أموال الناس بالباطل. والضمير فى قوله { ~~يلقون السمع وأكثرهم كاذبون } يجوز أن يعود إلى كل ~~أفاك أثيم، وهم الكهان وأشباههم، والجملة صفة لهم، أو مستأنفة. والمراد ~~بإلقائهم السمع شدة الإنصات، وقوة الإصغاء للتلقى. والمعنى تتنزل ~~الشياطين على كل أفاك أثيم. وهؤلاء الأفاكون الآثمون، منصتون إنصاتا ~~شديدا إلى الشياطين ليسمعوا منهم، وأكثر هؤلاء الكهنة كاذبون فيما ~~يقولونه للناس، وفيما يخبرون به عن الشياطين. روى البخارى عن عائشة - رضى ~~الله عنها - قالت # " سأل الناس النبي صلى الله عليه وسلم عن الكهان، فقال إنهم ليسوا بشىء، ~~قالوا يا رسول الله، فإنهم يحدثون بالشىء يكون حقا؟ فقال النبى صلى الله ~~عليه وسلم " تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرقرها - أى فيرددها في ~~أذن وليه كقرقرة الدجاجة - فيخلطون معها أكثر من مائة كذبة ". # ويجوز أن يعود الضمير على الشياطين. وتكون الجملة حالية أو مستأنفة، ~~ومعنى إلقائهم السمع إنصاتهم إلى الملأ الأعلى ليسترقوا شيئا من السماء. ~~فيكون المعنى تتنزل الشياطين على كل أفاك أثيم، حالة كون الشياطين ينصتون ~~إلى الملأ الأعلى. ليسترقوا شيئا من السماء، وأكثر ms3883 هؤلاء الشياطين كاذبون ~~فيما ينقلونه إلى الأفاكين والآثمين من الكهان. ويصح أن يكون السمع بمعنى ~~المسموع. أى يلقى كل من الشياطين والكهنة ما يسمعونه إلى غيرهم. قال ~~الجمل قوله { وأكثرهم كاذبون } الأظهر أن الأكثرية باعتبار ~~أقوالهم، على معنى أن هؤلاء قلما يصدقون فيما يحكون عن الجنى. أو المعنى ~~وأكثر أقوالهم كاذبة لا باعتبار ذواتهم حتى يلزم من نسبة الكذب إلى ~~أكثرهم كون أقلهم صادقا على الإطلاق... فالكثرة فى المسموع لا فى ذوات ~~القائلين. وقال بعضهم المراد بالأكثر الكل... والمقصود من هذه الآيات ~~الكريمة إبطال ما زعمه المشركون من أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد تلقى ~~هذا القرآن عن الشياطين أو عن غيرهم، وإثبات أن هذا القرآن ما نزل إلا من ~~عند الله - تعالى - بواسطة الروح الأمين. وقوله - سبحانه - { ~~والشعرآء يتبعهم الغاوون } إبطال لشبهة أخرى من شبهاتهم ~~وهى زعمهم أنه صلى الله عليه وسلم شاعر. # والشعراء جمع شاعر كعالم وعلماء. والغاوون جمع غاو وهو الضال عن طريق ~~الحق. أى ومن شأن الشعراء أن الذين يتبعونهم من البشر، هم الضالون عن ~~الصراط المستقيم، وعن جادة الحق والصواب. وقوله - تعالى - { ألم تر ~~أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا ~~يفعلون } تأكيد لما قبله، من كون الشعراء يتبعهم الغاوون. والخطاب ~~لكل من تتأتى منه الرؤية والمعرفة. والوادى هو المكان المتسع. والمراد به ~~هنا فنون القول وطرقه. ويهيمون من الهيام وهو أن يذهب المرء على وجهه دون ~~أن يعرف له جهة معينة يقصدها. يقال هام فلان على وجهه، إذا لم يكن له ~~مكان معين يقصده. والهيام داء يستولى على الإبل فيجعلها تشرد عن صاحبها ~~بدون وقوف فى مكان معين، ومنه قوله - تعالى - # فشاربون شرب الهيم # أى الجمال العطاش الشاردة. والمعنى ألم تر - أيها العاقل - أن هؤلاء ~~الشعراء فى كل فن من فنون الكذب فى الأقوال يخوضون، وفى كل فج من فجاج ~~الباطل والعبث والفحش يتكلمون، وأنهم فوق ذلك يقولون مالا يفعلون، فهم ~~يحضون غيرهم على الشىء ولا يفعلونه، وهم يقولون فعلنا كذا ms3884 وفعلنا كذا - ~~على سبيل التباهى والتفاخر - مع أنهم لم يفعلوا. قال صاحب الكشاف ذكر ~~الوادى والهيوم فيه تمثيل لذهابهم فى كل شعب من القول واعتسافهم وقلة ~~مبالاتهم بالغلو فى المنطق ومجاوزة حد القصد فيه، حتى يفضلوا أجبن الناس ~~على عنترة وأشحهم على حاتم، وأن يبهتوا البرىء، ويفسقوا التقى. وقوله - ~~تعالى { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا... ~~} استثناء من الشعراء المذمومين الذين يتبعهم الغاوون، والذين هم فى كل ~~واد يهيمون. أى إلا الشعراء الذين آمنوا بالله - تعالى - وعملوا الأعمال ~~الصالحات وذكروا الله كثيرا بحيث لا يشغلهم شعرهم عن طاعة الله، وانتصروا ~~من بعد ما ظلموا من أعدائهم الكافرين، بأن ردوا على أباطيلهم، ودافعوا عن ~~الدين الحق. إلا هؤلاء، فإنهم لا يكونون من الشعراء المذمومين، بل هم من ~~الشعراء الممدوحين. قال ابن كثير لما نزل قوله - تعالى - { ~~والشعرآء يتبعهم الغاوون } جاء حسان بن ثابت، وعبد الله ~~بن رواحة، وكعب بن مالك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يبكون ~~وقالوا. قد علم الله - تعالى - أنا شعراء، فتلا عليهم النبى صلى الله ~~عليه وسلم { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } قال ~~أنتم. { وذكروا الله كثيرا } قال أنتم { وانتصروا من ~~بعد ما ظلموا } قال أنتم ". فالشعراء منهم المذمومون وهم الذين ~~فى كل واد يهيمون ويقولون مالا يفعلون.. ومنهم الممدوحون وهم الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات، وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا. # والشعر فى ذاته كلام حسنه حسن، وقبيحه قبيح، فخذ الحسن، واترك القبيح. ~~وقد تكلم العلماء هنا كلاما طويلا يتعلق بتفسير هذه الآيات التى تحدثت عن ~~الشعراء فارجع إليه إن شئت. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله - ~~تعالى - { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ~~ينقلبون }. والمنقلب المرجع والمصير، وهو مفعول مطلق. أى ينقلبون أى ~~انقلاب والجملة الكريمة مشتملة على أشد ألوان التهديد والوعيد للظالمين. ~~قال القرطبى ومعنى { أي منقلب ينقلبون } أى مصير يصيرون، وأى ~~مرجع يرجعون، لأن مصيرهم إلى النار، وهو أقبح مصير، ومرجعهم إلى العقاب ~~وهو ms3885 شر مرجع والفرق بين المنقلب والمرجع أن المنقلب الانتقال إلى ضد ما ~~هو فيه، والمرجع العود من حال هو فيها، إلى حال كان عليها، فصار كل مرجع ~~منقلبا، وليس كل منقلب مرجعا. وقال الإمام ابن كثير والصحيح أن هذه ~~الآية عامة فى كل ظالم... وعن عائشة - رضى الله عنها - قالت كتب أبى ~~وصيته من سطرين بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبى ~~قحافة، عند خروجه من الدنيا، حين يؤمن الكافر، وينتهى الفاجر، ويصدق ~~الكاذب. إنى استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فإن يعدل فذاك ظنى به، ورجائى ~~فيه، وإن يظلم ويبدل فلا أعلم الغيب { وسيعلم الذين ظلموا ~~أي منقلب ينقلبون }. ### | [27 - سورة النمل] ### || [27.1-6] # سورة النمل من السور التى افتتحت ببعض الحروف المقطعة، وهو قوله - تعالى ~~- { طس }. وقد ذكرنا آراء العلماء فى هذه الحروف المقطعة بشىء من ~~التفصيل عند تفسيرنا لسور البقرة، وآل عمران، والأعراف، ويونس، وهود، ~~ويوسف... إلخ. وقلنا ما خلاصته لعل أقرب الأقوال إلى الصواب، أن هذه ~~الحروف المقطعة. قد رودت فى افتتاح بعض السور، على سبيل الإيقاظ ~~والتنبيه، للذين تحداهم القرآن. فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك ~~الكافرين الذين زعموا أن هذا القرآن ليس من عنده - تعالى - هاكم القرآن ~~ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم، ومنظوما من حروف ~~هى من جنس الحروف الهجائية، التى تنظمون منها حروفكم، فإن كنتم فى شك فى ~~أنه من عند الله - تعالى - فهاتوا مثله، أو هاتوا عشر سور من مثله، أو ~~هاتوا سورة واحدة من مثله. فعجزوا وانقلبوا خاسرين، وثبت أن هذا القرآن ~~من عند الله - عز وجل -. واسم الإشارة { تلك } يعود إلى الآيات ~~القرآنية التى تضمنتها هذه السورة الكريمة. أو إلى جميع آيات القرآن التى ~~نزلت قبل ذلك. وهو - أى لفظ { تلك } - مبتدأ وخبره قوله - سبحانه - { ~~آيات القرآن } ، أى تلك الآيات الحكيمة التى أنزلناها إليك - إيها ~~الرسول الكريم - هى آيات القرآن، الذى أنزلناه إليك لتخرج الناس به من ~~ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. ms3886 فإضافة الآيات إلى القرآن لتعظيم شأنها، ~~وسمو منزلتها. وقوله - تعالى - { وكتاب مبين } معطوف على القرآن ~~من باب عطف إحدى الصفتين على الأخرى، كقولهم هذا فعل فلان السخى والجواد ~~الكريم. قال الآلوسى " والمبين وإما من أبان المتعدى، أى مظهر ما فى ~~تضاعيفه من الحكم والأحكام وأحوال القرون الأولى... وإما من أبان اللازم، ~~بمعنى بان. أى ظاهر الإعجاز. وهو على الاحتمالين، صفة مادحة لكتاب، ~~مؤكدة لما أفاده التنوين من الفخامة.. ". وقوله - تعالى - { هدى ~~وبشرى للمؤمنين } فى حيز النصب على الحالية من قوله { آيات ~~} ولفظ { هدى } مصدر هداه هدى وهداية، ومعناه الدلالة الموصلة إلى ~~البغية. و { وبشرى } الخبر السار. فهى أخص من مجرد الخبر، وسمى ~~الخبر السار بشرى، لأن أثره يظهر على البشرة، وهى ظاهر جلد الإنسان. أى ~~أنزلنا إليك - أيها الرسول الكريم - هذه الآيات القرآنية، حالة كونها ~~هداية للمؤمنين إلى طريق السعادة والفلاح، وبشارة لهم بما يشرح صدروهم، ~~ويدخل الفرح والسرور على نفوسهم. وخص - سبحانه - المؤمنين بذلك، لأنهم ~~المنتفعون بهذه الهداية والبشارة، دون سواهم من الكافرين والنافقين. قال ~~- تعالى - # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى ~~أولئك ينادون من مكان بعيد # وقال - سبحانه - # وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم ~~إيمانا وهم يستبشرون # ثم وصف - سبحانه - هؤلاء المؤمنين بثلاث صفات جامعة بين خيرى الدنيا ~~والآخرة فقال { الذين يقيمون الصلاة } أى يؤدونهما فى ~~أوقاتها المقدرة لها، مستوفية لواجباتها وسننها وآدابها وخشوعها. { ~~ويؤتون الزكاة } التى كلفهم الله - تعالى - بإيتائها، بإخلاص ~~وطيب نفس. { وهم بالآخرة هم يوقنون } والآخرة تأنيث الآخر. ~~والمراد بها الدار الآخرة، وسميت بذلك لأنها تأتى بعد الدنيا التى هى ~~الدار الأولى. وقوله { يوقنون } من الإيقان. وهو الاعتقاد الجازم ~~المطابق للواقع، بحيث لا يطرأ عليه شك، أو تحوم حوله شبهة. يقال يقن ~~الماء، إذا سكن وظهر ما تحته. ويقال يقنت من هذا الشىء يقنا، ~~وأيقنت، وتيقنت، واستيقنت، اعتقدت اعتقادا جازما من وجوده أو صحته. أى ~~وهم بالدار ms3887 الآخرة وما فيها من حساب وعقاب، يوقنون إيقانا قطعيا، لا ~~أثر فيه للادعاءات الكاذبة، والأوهام الباطلة. قال الجمل ولما كان إقامة ~~الصلاة وإيتاء الزكاة، مما يتكرر ويتجدد فى أوقاتهما، أتى بهما فعلين، ~~ولما كان الإيقان بالآخرة أمرا ثابتا مطلوبا دوامه، أتى به جملة ~~اسمية. وجعل خبرها مضارعا، للدلالة على أن إيقانهم يستمر على سبيل ~~التجدد ". وبعد أن مدح - سبحانه - المؤمنين بتلك الصفات الطيبة، أتبع ذلك ~~ببيان ما عليه غيرهم من ضلال وحيرة فقال { إن الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم ~~يعمهون }. وقوله { زينا } من التزيين، بمعنى التحسين والتجميل. ~~و { يعمهون } من العمه بمعنى التحير والتردد. يقال عمه فلان - كفرح ~~ومنع - إذا تحير وتردد فى أمره. والمعنى إن الذين لا يؤمنون بالدار ~~الآخرة وما فيه من ثواب وعقاب، { زينا لهم أعمالهم } أى ~~حسناها لهم، وحببناها إليهم، بسبب استحبابهم العمى على الهدى، والغى على ~~الرشد { فهم يعمهون } أى فهم يتحيرون ويتخبطون ويرتكبون ما ~~يرتكبون من قبائح، ظنا منهم أنها محاسن. وصدق الله إذ يقول # أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله ~~يضل من يشآء ويهدي من يشآء... # ثم بين - سبحانه - قبح عاقبتهم فقال { أولئك الذين لهم ~~سوء العذاب }. أى أولئك الذين لم يؤمنوا بالآخرة، لهم أشد أنواع ~~العذاب الذى يذلهم ويؤلمهم فى الدنيا { وهم في الآخرة هم ~~الأخسرون } أى وهم فى الآخرة أشد خسارة منهم فى الدنيا إذ عذاب ~~الدنيا له نهاية. أما عذاب الآخرة فلا نهاية له. وقوله - تعالى - { ~~وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم } كلام ~~مستأنف سيق بعد بيان بعض صفات القرآن الكريم، تمهيدا لما سيأتى بعد ذلك ~~من قصص وآداب وأحكام وهدايات. # وقوله { لتلقى } من التلقى بمعنى الأخذ عن الغير، والمراد به جبريل ~~- عليه السلام -. أى وإنك - أيها الرسول الكريم - لتتلقى القرآن الكريم ~~بواسطة جبريل - عليه السلام - من لدن ربك الذى يفعل كل شىء بحكمة ليس ~~بعدها حكمة، ويدبر كل أمر بعلم شامل لكل شىء. وصدرت هذه الآية الكريمة ~~بحرفى التأكيد - وهما إن ولام ms3888 القسم - للدلالة على كمال العناية بمضمونه. ~~والتعبير بقوله { لتلقى } يشعر بمباشرة الأخذ عن جبريل - عليه ~~السلام - بأمر الله - تعالى - الحكيم العليم، كما يشعر بقوته وشدته، كما ~~فى قوله - سبحانه - # إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا # وجاء الأسلوب بالبناء للمفعول فى قوله " تلقى " وحذف الفاعل وهو جبريل ~~للتصريح به فى آيات أخرى منها قوله - تعالى - # نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من ~~المنذرين # وجمع - سبحانه - فى وصفه لذاته بين الحكمة والعلم، للدلالة على أن هذا ~~القرآن تتجلى فيه كل صفات الإتقان والإحكام، لأنه كلام الحكيم فى ~~أفعاله، العليم لك شىء. وبعد أن بين - سبحانه - أن هذا القرآن، قد تلقاه ~~الرسول صلى الله عليه وسلم من لدن حكيم عليم أتبع ذلك بجانب من قصة موسى ~~- عليه السلام - لتكون بمثابة التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عن موقف ~~كفار مكة منه - عليه الصلاة والسلام - فقال - تعالى - { إذ قال ~~موسى لأهله... }. ### || [27.7-14] # هذا جانب من قصى موسى - عليه السلام - كما جاءت فى هذه السورة، وقد جاءت ~~فى سور أخرى بصورة أوسع، كسور البقرة، والأعراف، ويونس، والشعراء، ~~والقصص... وقد افتتحت هنا بقوله - تعالى { إذ قال موسى لأهله ~~إني آنست نارا }. والظرف " إذ " متعلق بمحذوف تقديره اذكر. و " ~~موسى " - عليه السلام - هو ابن عمران، وينتهى نسبه إلى يعقوب بن إسحاق ~~ابن إبراهيم - عليه السلام -، وكانت بعثته - على الراجح - فى القرن ~~الحادى عشر أو الثانى عشر قبل الميلاد. والمراد بأهله زوجته، وهى ابنة ~~الشيخ الكبير الذى قال له - بعد أن سقى لابنتيه غنمهما- # إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على ~~أن تأجرني ثماني حجج... # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه " وكان ذلك بعد أن قضى موسى الأجل الذى ~~بينه وبين صهره، فى رعاية الغنم، وسار بأهله، قيل قاصدا بلاد مصر بعد ما ~~طالت الغيبة عنها أكثر من عشر سنين، ومعه زوجته فأضل الطريق، وكانت ليلة ~~شاتية، ونزل منزلا بين شعاب وجبال... فبينما هو كذلك إذ آنس من جانب ~~الطور نارا... ". وقوله { آنست } من الإيناس، بمعنى الإبصار الواضح ms3889 ~~الجلى يقال آنس فلان الشىء إذا أبصره وعلمه وأحس به. أى واذكر - أيها ~~الرسول الكريم - وذكر أتباعك ليعتبروا و يتعظوا، وقت أن قال موسى لأهله، ~~وهو فى طريقه من جهة مدين إلى مصر. إنى أبصرت - إبصارا لا شبهة فيه - ~~نارا. فامكثوا فى مكانكم، فإنى { سآتيكم منها بخبر } أى ~~سآتيكم من جهتها بخبر ينفعنا فى رحلتنا هذه، وتسترشد به فى الوصول إلى ~~أهدى الطرق التى توصلنا إلى المكان الذى نريده. و { أو } فى قوله - ~~سبحانه - { آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون } مانعة ~~خلو. قال القرطبى ما ملخصه " قرأ عاصم وحمزة والكسائى { بشهاب قبس ~~} بتنوين { شهاب } وقرأ الباقون بدون تنوين على الإضافة، أى بشعلة ~~نار، من إضافة النوع إلى جنسه كخاتم فضة. والشهاب كل ذى نور، نحو ~~الكواكب، والعود الموقد. والقبس اسم لما يقتبس من جمر وما أشبهه، فالمعنى ~~بشهاب من قبس... ومن قرأ { بشهاب قبس } ، بالتنوين جعله بدلا ~~منه، أو صفة له. على تأويله بمعنى المقبوس.. ". وقوله { تصطلون } أى ~~تستدفئون، والاصطلاء الدنو من النار لتدفئة البدن عند الشعور بالبرد. قال ~~الشاعر # النار فاكهة الشتاء فمن يرد أكل الفواكه شاتيا فليصطل # والمعنى قال موسى - عليه السلام - لأهله عندما شاهد النار امكثوا فى ~~مكانكم، فإنى ذاهب إليها، لكى آتيكم من جهتها بخبر فى رحلتنا فإن لم يكن ~~ذلك، فإنى آتيكم بشعلة مقتطعة منها ومقتبسة من أصلها، لعلم تستدفئون بها ~~فى تلك الليلة الشديدة البرودة. # قال صاحب الكشاف " فإن قلت - قوله - تعالى - هنا { سآتيكم منها ~~بخبر } مع قوله - تعالى - فى سورة القصص # لعلي آتيكم منها بخبر # كالمتدافعين. لأن أحدهما ترج، والآخر تيقن. قلت قد يقول الراجى إذا قوى ~~رجاؤه سأفعل كذا، وسيكون كذا، مع تجويزه الخيبة. فإن قلت كيف جاء بسين ~~التسويف - هنا -؟ قلت عدة لأهله أنه يأتيهم وإن أبطأ، أو كانت المسافة ~~بعيدة. فإن قلت فلم جاء بأو دون الواو؟ قلت بنى الرجاء على أنه إن لم ~~يظفر بحاجتيه جميعا لم يعدم واحدة منهما إما هداية الطريق، وإما اقتباس ~~النار، ثقة بعادة الله أنه ms3890 لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده... ". ثم ~~بين - سبحانه - ما حدث لموسى عندما اقترب من النار فقال { فلما ~~جآءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها.. } و { ~~أن } هنا مفسرة، لما فى النداء من معنى القول. وقوله { بورك } من ~~البركة، بمعنى ثبوت الخير وكثرته. والخير هنا يتمثل فى تكليم الله - ~~تعالى - لنبيه موسى. وفى ندائه له. وتشريفه برسالته، وتأييده بالمعجزات. ~~والمراد بمن فى النار من هو قريب منها، وهو موسى - عليه السلام -. ~~والمراد بمن حولها الملائكة الحاضرون لهذا النداء، أو الأماكن المجاورة ~~لها. أى فلما وصل موسى - عليه السلام - إلى القرب من مكان النار، نودى ~~موسى من قبل الله - عز وجل - على سبيل التكريم والتحية أن قدس وطهر ~~واختير للرسالة من هو بالقرب منها وهو موسى - عليه السلام - ومن حولها من ~~الملائكة، أو الأماكن القريبة منها. قال الآلوسى " قوله { من في ~~النار ومن حولها } ذهب جماعة إلى أن فى الكلام مضافا مقدرا فى ~~موضعين. أى من فى مكان النار، ومن حول مكانها قالوا ومكانها البقعة التى ~~حصلت فيها، وهى البقعة المباركة، المذكورة فى قوله - تعالى - # فلمآ أتاها # أى النار - # نودي من شاطىء الوادي الأيمن في البقعة ~~المباركة من الشجرة.. # وقيل من فى النار موسى - عليه السلام -، ومن حولها الملائكة الحاضرون... ~~وقيل الأول الملائكة، والثانى موسى، واستغنى بعضهم عن تقدير المضاف بجعل ~~الظرفية مجازا عن القرب التام... وأيا ما كان فالمراد بذلك بشارة موسى - ~~عليه السلام - ". وقال الشوكانى " ومذهب المفسرين أن المراد بالنار - هنا ~~- النور ". وقوله - تعالى - { وسبحان الله رب العالمين } ~~من تتمة النداء، وخبر منه - تعالى - لموسى بالتنزيه. لئلا يتوهم من سماع ~~كلامه - تعالى - التشبيه بما للبشر من كلام. # أى وتنزه الله - عز وجل - وتقدس رب العالمين عن كل سوء ونقص ومماثلة ~~للحوادث. وقوله - سبحانه - { إنه أنا الله العزيز ~~الحكيم } إعلام منه - عز وجل - لعبده موسى بأن المخاطب له، إنما هو ~~الله - تعالى - الذى عز كل شىء وقهره وغلبه. والذى أحكم كل شء خلقه. ~~والضمير فى قوله { إنه ms3891 } للشأن. وجملة { أنا الله } مبتدأ وخبر ~~والعزيز الحكيم صفتان لذاته - عز وجل -. أى يا موسى إن الحال والشأن إنى ~~أنا الله العزيز الحكيم، الذى أخاطبك وأناجيك. فتنبه لما سآمرك به. ونفذ ~~ما سأكلفك بفعله. ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك بعض ما أمر به موسى - عليه ~~السلام - فقال { وألق عصاك }. والجملة الكريمة معطوفة على ما ~~تضمنه النداء. أى نودى أن بورك من فى النار ومن حولها... ونودى أن ألق ~~عصاك التى بيدك. وقوله { فلما رآها تهتز كأنها جآن ~~ولى مدبرا ولم يعقب... } معطوف على كلام مقدر. أى ~~فاستجاب موسى - عليه السلام - لأمر ربه فألقى عصاه فصارت حية، فلما رآها ~~تهتز. أى تضطرب وتتحرك بسرعة شديدة حتى لكأنها { جآن } فى شدة حركتها ~~وسرعة تقلبها { ولى مدبرا } عنها من الخوف { ولم يعقب } ~~أى ولم يرجع على عقبه. بل استمر فى إدباره عنها دون أن يفكر فى الرجوع ~~إليها. يقال عقب المقاتل. إذا كر على عدوه بعد الفرار منه. والجان الحية ~~الصغيرة السريعة الحركة. أو الحية الكبيرة، والمراد هنا التشبيه بها فى ~~شدة الحركة وسرعتها مع عظم حجمها. وإنما ولى موسى مدبرا عنها، لأنه لم ~~يخطر بباله أن عصاه التى بيده، يحصل منها ما رآه بعينه، من تحولها إلى ~~حية تسعى وتضطرب وتتحرك بسرعة كأنها جان، ومن طبيعة الإنسان أنه إذا رأى ~~أمرا غريبا اعتراه الخوف منه، فما بالك بعصا تتحول إلى حية تسعى. ثم بين ~~- سبحانه - ما نادى به موسى على سبيل التثبيت وإدخال الطمأنينة على قلبه، ~~فقال { يموسى لا تخف }. أى فلما ولى موسى ولم يعقب عندما ألقى ~~عصاه فانقلبت حية، ناداه ربه - تعالى - بقوله { يموسى لا تخف } ~~مما رأيت أو من شىء غيرى ما دمت فى حضرتى. وجملة { إني لا يخاف ~~لدي المرسلون } تعليل للنهى عن الخوف، أى إنى لا يخاف عندى من ~~اخترته لحمل رسالتى، وتبليغ دعوتى. وقوله - سبحانه - { إلا من ظلم ~~ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم } ~~استثناء منقطع مما قبله. أى إنى يا موسى لا يخاف ms3892 لدى المرسلون، لكن من ~~ظلم وارتكب فعلا سيئا من عبادى، ثم تاب إلى توبة صادقة، بأن ترك الظلم ~~إلى العدل والشر إلى الخير. والمعصية إلى الطاعة، فإنى أغفر له ما فرط ~~منه، لأنى أنا وحدى الواسع المغفرة والرحمة. # قال ابن كثير هذا استثناء منقطع، وفيه بشارة عظيمة للبشر، وذلك أن من ~~كان على شىء ثم أقلع عنه وتاب وأناب، فإن الله يتوب عليه، كما قال - ~~تعالى - # وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم ~~اهتدى # وقال - تعالى - # ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر ~~الله يجد الله غفورا رحيما # وقيل إن الاستثناء متصل، فيكون المعنى لا يخاف لدى المرسلون، إلا من ظلم ~~منهم بأن وقع فى الصغائر التى لا يسلم منها أحد، ثم تاب منها وأقلع عنها، ~~فإنى غفور رحيم. قال الآلوسى " والظاهر - هنا - انقطاع الاستثناء، ~~والأوفق بشأن المرسلين، أن يراد بمن ظلم من ارتكب ذنبا كبيرا أو صغيرا ~~من غيرهم. و { ثم } يحتمل أن تكون للتراخى الزمانى فتفيد الآية ~~المغفرة لمن بدل على الفور من باب أولى. ويحتمل أن تكون للتراخى الرتبى، ~~وهو ظاهر بين الظلم والتبديل... ". وعبر - سبحانه - عن ترك الظلم ~~بالتبديل، للإشارة إلى الإقلاع التام عن هذا الظلم، وإلى أن هذا الظلم ~~قد حل محله العدل والطاعة والانقياد لأمره - تعالى-. ثم أرشد - سبحانه - ~~موسى - عليه السلام - إلى معجزة أخرى. لتكون دليلا على صدقه فى رسالته ~~إلى من سيرسله إليهم فقال { وأدخل يدك في جيبك تخرج ~~بيضآء من غير سوء }. والمراد بجيبه فتحة ثوبه أو قميصه عند ~~مدخل رأسه، أو عند جانبه الأيمن، وأصل الجيب القطع. يقال جاب الشىء إذا ~~قطعه. والمعنى وأدخل يا موسى يدك اليمنى فى فتحة ثوبك، ثم أخرجها تراها ~~تخرج بيضاء من غير سوء. أى تخرج منيرة مشرقة واضحة البياض دون أن يكون ~~بها أى سوء من مرض أو برص أو غيرهما. وإنما يكون بياضها بياضا مشرقا ~~مصحوبا بالسلامة بقدرة الله - تعالى - وإرادته. قال الحسن البصرى أخرجها ~~- والله - كأنها مصباح، فعلم موسى أنه ms3893 قد لقى ربه. وقوله { تخرج } ~~جواب الأمر فى قوله { وأدخل } ، و { بيضآء } حال من فاعل تخرج، ~~و { من غير سوء } يجوز أن يكون حالا أخرى. أو صفة لبيضاء. ~~والمراد باليد هنا كف يده اليمنى. والسوء الردئ والقبيح من كل شىء، وهو ~~هنا كناية عن البرص لشدة قبحه. وقوله - تعالى - { في تسع آيات ~~إلى فرعون وقومه } يصح أن يكون حالا ثالثة من فاعل { ~~تخرج } فيكون المعنى وأدخل يا موسى يدك فى جيبك تخرج حالة كونها ~~بيضاء. وحالة كونها من غير سوء، وحالة كونها مندرجة أو معدودة فى ضمن تسع ~~آيات زودناك بها، لتكون معجزات لك أمام فرعون وقومه، على أنك صادق فيما ~~تبلغه عن ربك. قال الجمل " وقوله { في تسع آيات } فيه وجوه أحدها ~~أنه حال ثالثة يعنى من فاعل تخرج، أى آية فى تسع آيات. # الثانى أنه متعلق بمحذوف أى اذهب فى تسع آيات... ". والمراد بالآيات ~~التسع التى أعطاها الله - تعالى - لموسى - عليه السلام - العصا، واليد، ~~والسنون، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. كما جاء ~~ذلك عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم. وقد جاء الحديث عن هذه الآيات فى ~~مواضع أخرى من القرآن الكريم منها قوله - تعالى - # فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده ~~فإذا هي بيضآء للناظرين # وقوله - سبحانه - # ولقد أخذنآ آل فرعون بالسنين ونقص من ~~الثمرات لعلهم يذكرون # وقوله - عز وجل - # فأوحينآ إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ~~فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم # وقال - تعالى - # فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل ~~والضفادع والدم... # وتحديد الآيات بالتسع، لا ينفى أن هناك معجزات أخرى، أعطاها الله - ~~تعالى - لموسى - عليه السلام - إذ من المعروف عند علماء الأصول أن تحديد ~~العدد بالذكر، لا يدل على نفى الزائد عنه. قال ابن كثير " ولقد أوتى موسى ~~- عليه السلام - آيات أخرى كثيرة، منها ضربه الحجر بالعصا، وخروج الماء ~~منه... وغير ذلك. مما أوتوه بنو إسرائيل بعد خروجهم من مصر. ولكن ذكر هنا ~~هذه الآيات التسع التى شاهدها فرعون وقومه، وكانت حجة عليهم فخالفوها ~~وعاندوها ms3894 كفرا وجحودا. وقوله - تعالى - { إنهم كانوا قوما ~~فاسقين } استئناف مسوق لبيان سبب إرسال موسى إلى فرعون وقومه. أى هذه ~~الآيات التسع أرسلناك بها يا موسى إلى فرعون وقومه، لأنهم كانوا قوما ~~فاسقين عن أمرنا، وخارجين على شرعنا، وعابدين لغيرنا من مخلوقاتنا. ثم ~~بين - سبحانه - موقف فرعون وقومه من هذه المعجزات الدالة على صدق موسى ~~فقال { فلما جآءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا ~~سحر مبين. وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ~~ظلما وعلوا. فانظر كيف كان عاقبة المفسدين }. ~~وقوله { مبصرة } من الإبصار والظهور. وهو اسم فاعل بمعنى اسم ~~المفعول، للإشعار بشدة وضوحها وإنارتها، حتى لكأنها تبصر نفسها لو كانت ~~مما يبصر، كما يقال ماء دافق بمعنى مدفوق. وقوله { وجحدوا بها } ~~من الجحود. وهو إنكار الحق مع العلم بأنه حق، يقال جحد فلان حق غيره، إذا ~~أنكره مع علمه به. وقوله { واستيقنتهآ } من الإيقان وهو ~~الاعتقاد الجازم الذى لا يطرأ عليه شك وجىء بالسين لزيادة التأكيد. ~~والمعنى وذهب موسى - عليه السلام - ومعه المعجزات الدالة على صدقه، إلى ~~فرعون وقومه ليدعوهم إلى إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده، فلما جاءهم ~~موسى بتلك المعجزات المضيئة الواضحة للدلالة على صدقه، قالوا على سبيل ~~العناد والغرور، هذا الذى نراه منك يا موسى، سحر بين وظاهر فى كونه سحرا. # وجحد فرعون وقومه هذه المعجزات التى جاء بها موسى من عند ربه - تعالى -، ~~مع أن أنفسهم قد علمت علما لا شك معه أنها معجزات وليست سحرا، ولكنهم ~~خالفوا علمهم ويقينهم { ظلما } للآيات حيث أنزلوها عن منزلتها الرفيعة ~~وسموها سحرا { وعلوا } أى ترفعا واستكبارا عن الإيمان بها. { ~~فانظر } أيها العاقل { كيف كان عاقبة المفسدين }؟ لقد ~~كانت عاقبتهم أن أغرقهم الله جميعا، بسبب كفرهم وظلمهم وجحودهم وفسادهم ~~فى الأرض. وفى التعبير بقوله { فلما جآءتهم آياتنا.. } إشعار ~~بأن هذه الآيات الدالة على صدق موسى - عليه السلام - قد وصلت إليهم بدون ~~أن يتعبوا أنفسهم فى الذهاب إليها، فهى جاءتهم إلى بيوتهم لكى تهديهم إلى ~~الصراط المستقيم، ولكنهم قابلوا ذلك بالكفر والجحود. وأسند - سبحانه - ~~المجىء إلى الآيات ms3895 وأضافها إلى ذاته - تعالى - للإشارة إلى أنها خارجة ~~عن أن تكون من صنع موسى، وإنما هى من صنع الله - تعالى - ومن فعله، و ~~موسى ما هو إلا منفذ لما أمره ربه، ومؤيد بما منحه إياه من معجزات دالة ~~على صدقه فيما يبلغه عنه. وقوله { ظلما وعلوا } منصوبان على ~~أنهما مفعولان لأجله، أو على أنهما حالان من فاعل جحدوا. أى جحدوا الآيات ~~مع تيقنهم أنها من عند الله، من أجل الظلم لها والتعالى على من جاء بها، ~~أو جحدوا بها حالة كونهم ظالمين لها، ومستكبرين عنها. وفى قوله - سبحانه ~~- { فانظر كيف كان عاقبة المفسدين } تسلية عظمى ~~للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من الكافرين. فهم كانوا كفرعون ~~وقومه فى جحود الحق الذى جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم مع يقينهم ~~بأنه حق، ولكن حال بينهم وبين الدخول أسباب متعددة، على رأسها العناد، ~~والحسد، والعكوف على ما كان عليه الآباء، والكراهية لتغيير الأوضاع التى ~~تهواها نفوسهم، وزينتها لهم شهواتهم. وبعد أن ساق - سبحانه - هذا الجانب ~~من قصة موسى - عليه السلام -، أتبع ذلك بالحديث عن جانب من النعم التى ~~أنعم بها على نبيين كريمين من أنبيائه، وهما داود وسليمان - عليهما ~~السلام - فقال - تعالى - { ولقد آتينا داوود وسليمان... ~~}. ### || [27.15-19] # قوله - سبحانه - { ولقد آتينا داوود وسليمان علما } ~~كلام مستأنف مسوق لتقرير قوله - تعالى - # وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم # إذ القرآن الكريم هو الذى قص الله - تعالى - فيه أخبار السابقين، بالصدق ~~والحق. وداود هو ابن يسى، من سبط يهوذا من بنى إسرائيل، وكانت ولادته فى ~~بيت لحم سنة 1085 ق.م - تقريبا -، وهو الذى قتل جالوت، كما قال - تعالى ~~- # فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه ~~الله الملك والحكمة وعلمه مما يشآء.. # وكانت وفاته سنة 1000 ق م تقريبا. وسليمان هو ابن داود - عليهما السلام ~~- ولد بأورشليم حوالى سنة 1043 ق م وتوفى سنة 975 ق م. وقد جاء ذكرهما فى ~~سورتى الأنبياء وسبأ وغيرهما. ويعتبر عهدهما أزهى عهود بنى إسرائيل، فقد ~~أعطاهما ms3896 الله - تعالى - نعما جليلة. والمعنى والله لقد أعطينا داود وابنه ~~سليمان علما واسعا من عندنا، ومنحناهما بفضلنا وإحساننا معرفة غزيرة ~~بعلوم الدين والدنيا. أما داود فقد أعطاه - سبحانه - علم الزبور، فكان ~~يقرؤه بصوت جميل، كما علمه صناعة الدروع.. قال - تعالى - # ولقد آتينا داوود منا فضلا يجبال أوبي معه ~~والطير وألنا له الحديد # وأما سليمان فقد آتاه - سبحانه - ملكا لا ينبغى لأحد من بعده، وعلمه ~~منطق الطير، ورزق الحكم السديد بين الناس. قال - تعالى - # ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما # وقوله - سبحانه - { وقالا الحمد لله الذي فضلنا ~~على كثير من عباده المؤمنين } بيان لموقفهما من نعم ~~الله - تعالى - عليهما، وهو موقف يدل على حسن شكرهما لخالقهما. والواو فى ~~قوله { وقالا } للعطف على محذوف، أى آتيناهما علما غزيرا فعملا ~~بمقتضاه وشكرا الله عليه، وقالا الحمد لله الذى فضلنا بسبب ما آتانا من ~~علم ونعم، على كثير من عباده المؤمنين، الذين لم ينالوا ما نلنا من خيره ~~وبره - سبحانه -. قال صاحب الكشاف " وفى الآية دليل على شرف العلم، ~~وإنافة محله. وتقدم حملته وأهله، وأن نعمة العلم من أجل النعم، وأجزل ~~القسم، وأن من أوتيه فقد أوتى فضلا على كثير من عباد الله.. ". وفى ~~التعبير بقوله - تعالى - { فضلنا على كثير.. } دلالة على حسن ~~أدبهما، وتواضعهما، حيث لم يقولا فضلنا على جميع عباده. والمراد بالوراثة ~~فى قوله - تعالى - { وورث سليمان داوود... } وراثة العلم ~~والنبوة والملك. أى وورث سليمان داود فى نبوته وعلمه وملكه. قال ابن كثير ~~" وقوله { وورث سليمان داوود } أى فى الملك والنبوة وليس ~~المراد وراثة المال، إذ لو كان كذلك، لم يخص سليمان وحده من بين سائر ~~أولاد داود. # .. ولكن المراد بذلك وراثة الملك والنبوة فإن الأنبياء لا تورث أموالهم، ~~أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم # " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ". # ثم حكى - سبحانه - ما قاله سليمان على سبيل التحدث بنعم الله عليه، فقال ~~- تعالى - { وقال يأيها الناس علمنا منطق الطير ~~وأوتينا من كل شيء.. }. أى وقال سليمان ms3897 - عليه السلام - على ~~سبيل الشكر لله - تعالى - يأيها الناس علمنا الله - تعالى - بفضله ~~وإحسانه فهم ما يريده كل طائر إذا صوت أو صاح، وأعطانا - سبحانه - من كل ~~شىء نحتاجه وننتفع به فى ديننا أو دنيانا. وقدم نعمة تعليمه منطق الطير، ~~لأنها نعمة خاصة لا يشاركه فيها غيره، وتعتبر من معجزاته - عليه السلام ~~-. وقيل إنه علم منطق جميع الحيوانات، وإنما ذكر الطير لأنه أظهر فى ~~النعمة، ولأن الطير كان جندا من جنده، يسير معه لتظليله من الشمس. قال ~~الآلوسى " والجملتان - علمنا منطق الطير، وأوتينا من كل شىء - كالشرح ~~للميراث. وعن مقاتل أنه أريد بما أوتيه النبوة والملك وتسخير الجن ~~والإنس والشياطين والريح. وعن ابن عباس هو ما يريده من أمر الدنيا ~~والآخرة ". وعبر عن نعم الله - تعالى - عليه بنون العظمة فقال { ~~أوتينا } ولم يقل أوتيت، للإشعار بأنه عبد من عباد الله المطاعين، ~~الذين سخر لهم جنودا من الجن والإنس والطير، ليكونوا فى خدمته، ~~وليستعملهم فى وجوه الخير لا فى وجوه الشر، فهو لم يقل ذلك على سبيل ~~التباهى والتعالى، وإنما قاله على سبيل التحدث بنعمة الله. وإسم الإشارة ~~فى قوله - تعالى - { إن هذا لهو الفضل المبين } يعود ~~إلى ما أعطاه الله - تعالى - إياه من العلم والملك وغيرهما. أى إن هذا ~~الذى أعطانا إياه من العلم والملك، وكل شىء تدعو إليه الحاجة، لهو الفضل ~~الواضح، والإحسان الظاهر منه - عز وجل -. ثم تنتقل السورة الكريمة إلى ~~الحديث عن مظاهر ملك سليمان - عليه السلام - فتقول { وحشر ~~لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم ~~يوزعون }. والحشر الجمع. يقال حشر القائد جنده إذا جمعهم لأمر من ~~الأمور التى تهمه. وقوله { يوزعون } من الوزع بمعنى الكف والمنع. ~~يقال وزعه عن الظلم وزعا، إذا كفه عنه. ومنه قول عثمان بن عفان - رضى ~~الله عنه - " إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآ، ". ومنه قول ~~الشاعر # ولا يزع النفس اللجوج عن الهوى من الناس، إلا وافر العقل كامله # والمعنى وجمع لسليمان - عليه السلام - عساكره وجنوده من الجن والإنس ~~والطير ms3898 { فهم يوزعون } أى فهم محبوسون ومجموعون بنظام وترتيب، ~~بحيث لا يتجاوز أحدهم مكانه أو منزلته أو وظيفته المسئول عنها. # فالتعبير بقوله { يوزعون } يشعر بأن هؤلاء الجنود مع كثرتهم، لهم من ~~يزعهم عن الفوضى والاضطراب، إذ الوازع فى الحرب، هو من يدير أمور الجيش، ~~وينظم صفوفه، ويرد من شذ من أفراده إلى جادة الصواب. ولقد ذكر بعض ~~المفسرين هنا أقوالا فى عدد جيش سليمان، رأينا أن نضرب عنها صفحا، ~~لضعفها ويكفينا أن نعلم أن الله - تعالى - قد سخر لسليمان جندا من الجن ~~والإنس والطير، إلا أن عدد هؤلاء الجنود مرد علمه إلى الله - تعالى- ~~وحده، وإن كان التعبير القرآنى يشعر بأن هؤلاء الجند المجموعين، يمثلون ~~موكبا عظيما، وحشدا كبيرا. ثم حكى - سبحانه - ما قالته نملة عندما رأت ~~هذا الجيش العظيم المنظم، فقال - تعالى - { حتى إذآ أتوا على ~~واد النمل قالت نملة يأيها النمل ادخلوا ~~مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا ~~يشعرون }. و { حتى } هنا ابتدائية. أى يبتدأ بها الكلام، وقوله ~~{ قالت نملة } جواب إذا. وقوله { لا يحطمنكم } من الحطم، ~~وأصله كسر الشىء.. يقال حطم فلان الشىء إذا كسره، والمراد به هنا ~~الإهلاك والقتل. والمعنى وحشر لسليمان جنوده، فسار هؤلاء الجنود فى قوة ~~ونظام، { حتى إذآ أتوا على واد النمل } أى على مكان ~~يعيش فيه النمل فى مملكة سليمان { قالت نملة } على سبيل النصح ~~والتحذير بعد أن رأت سليمان وجنوده { يأيها النمل ادخلوا ~~مساكنكم } أى ادخلوا أماكن سكناكم، وابتعدوا عن طريق هذا الجيش ~~الكبير، وانجوا بأنفسكم، كى لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون بكم. ~~قال صاحب الكشاف فإن قلت لم عدى { أتوا } بعلى؟ قلت يتوجه على معنين ~~أحدهما أن إتيانهم كان من فوق، فأتى بحرف الاستعلاء... والثانى أن يراد ~~قطع الوادى وبلوغ آخره، من قولهم أتى على الشىء إذا أنفذه وبلغ آخره... ~~فإن قلت { لا يحطمنكم } ما هو؟ قلت يحتمل أن يكون جوابا للأمر، ~~وأن يكون نهيا بدلا من الأمر. والذى جوز أن يكون بدلا منه أنه فى معنى ~~لا تكونوا ms3899 حيث أنتم فيحطمكم، على طريقة لاأرينك ههنا ". أى لا تحضر ها ~~هنا بحيث أراك. ثم بين - سبحانه - ما فعله سليمان بعد أن أدرك ما قالته ~~النملة لأفراد جنسها، فقال - تعالى - { فتبسم ضاحكا من ~~قولها } أى فسمع قولها السابق فاهتزت نفسه، وتبسم ضاحكا من قولها، ~~لفظنتها إلى تحذير أبناء جنسها، ولسروره بما قالته عنه وعن جيشه، حيث ~~وصفتهم بأنهم لا يقدمون على إهلاك النمل، إلا بسبب عدم شعورهم بهم. وقوله ~~{ ضاحكا } حال مؤكدة لأنه قد فهم الضحك من التبسم. وقيل هو حال مقدرة ~~لأن التبسم أول الضحك. # ثم حكى - سبحانه - ما نطق به سليمان بعد ذلك فقال { وقال رب ~~أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي ~~وعلى والدي... }. أى وقال سليمان يا رب ألهمنى المداومة على ~~شكرك والامتناع عن جحود نعمك، والكف عن كل ما يؤدى إلى كفران مننك التى ~~أفضتها على وعلى والدى. ووفقنى كذلك لأن { أعمل } عملا { صالحا ~~ترضاه } عنى وتقبله منى { وأدخلني } يا إلهى { برحمتك } ~~وإحسانك { في عبادك الصالحين } الذين رضيت عنهم ورضوا عنك. ~~وهكذا جمع سليمان - عليه السلام - فى هذا الدعاء البليغ المؤثر، أسمى ~~ألوان الخشية من الله - تعالى - والشكر له - سبحانه - على نعمه، والرجاء ~~فى رضاه وعطائه الجزيل. ثم تحكى السورة الكريمة بعد ذلك ما دار بين ~~سليمان - عليه السلام - وبين جندى من جنود مملكته وهو الهدهد، فقال - ~~تعالى - { وتفقد الطير.... }. ### || [27.20-26] # التفقد تطلب الشىء ومعرفة أحواله، ومنه قولهم تفقد القائد جنوده، أى ~~تطلب أحوالهم ليعرف حاضرهم من غائبهم. والطير اسم جنس لكل ما يطير، ~~ومفرده طائر، والمراد بالهدهد هنا طائر معين وليس الجنس. و { أم } ~~منقطعة بمعنى بل. أى وأشرف سليمان - عليه السلام - على أفراد مملكته ~~ليعرف أحوالها، فقال بعد أن نظر فى أحوال الطير { مالي لا أرى ~~الهدهد } أى ما الذى حال بينى وبين رؤية الهدهد ثم تأكد من غيابه ~~فقال بل هو من الغائبين. قال الآلوسى " والظاهر أن قوله - عليه السلام - ~~ذلك، مبنى على أنه ظن حضوره ومنه مانع له من رؤيته، أى ms3900 عدم رؤيتى إياه مع ~~حضوره، لأى سبب؟ ألساتر أم لغيره. ثم لاح له أنه غائب، فأضرب عن ذلك وأخذ ~~يقول { أم كان من الغآئبين } كأنه يسأل عن صحة ما لاح له. فأم ~~هى المنقطعة، كما فى قولهم إنها لإبل أم شاء... وقوله - تعالى - { ~~لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ~~ليأتيني بسلطان مبين } بيان للحكم الذى أصدره سليمان - ~~عليه السلام - على الهدهد بسبب غيابه بدون إذن. أى لأعذبن الهدهد عذابا ~~شديدا يؤلمه، أو لأذبحنه، أو ليأتينى بحجة قوية توضح سبب غيابه. وتقنعنى ~~بالصفح عنه، وبترك تعذيبه، أو ذبحه. فأنت ترى أن سليمان - عليه السلام - ~~وهو النبى الملك الحكيم العادل - يقيد تعذيب الهدهد أو ذبحه. بعدم إتيانه ~~بالعذر المقبول عن سبب غيابه، أما إذا أتى بهذا العذر فإنه سيعفو عنه، ~~ويترك عقابه. فكأنه - عليه السلام - يقول هذا الهدهد الغائب إما أن أعذبه ~~عذابا شديدا وإما أن أذبحه بعد حضوره، وإما أن يأتينى بعذر مقبول عن ~~سبب غيابه، وفى هذه الحالة فأنا سأعفو عنه. ثم يحكى القرآن بعد ذلك ما ~~كان من الهدهد، فقال { فمكث غير بعيد } أى فمكث الهدهد زمانا ~~غير بعيد من تهديد سليمان له، ثم أتاه فقال له { أحطت بما لم ~~تحط به } أى علمت أشياء أنت لم تعلمها. وابتدأ كلامه بهذه الجملة ~~التى فيها ما فيها من المفاجآت لترغيبه فى الإصغاء إليه، ولاستمالة قلبه ~~لقبول عذره بعد ذلك. قال صاحب الكشاف " ألهم الله الهدهد فكافح سليمان ~~بهذا الكلام، على ما أوتى من فضل النبوة والحكمة والعلوم الجمة، ~~والإحاطة بالمعلومات الكثيرة، ابتلاء له فى علمه، وتنبيها على أن فى ~~أدنى خلقه وأضعفه من أحاط علما بما لم يحط به، لتتحاقر إليه نفسه، ~~ويتصاغر إليه علمه، ويكون لطفا له فى ترك الإعجاب الذى هو فتنة ~~العلماء.. ". وقوله { وجئتك من سبإ بنبإ يقين } تفسير ~~وتوضيح لقوله قبل ذلك أحطت بما لم تحط به، وسبأ فى الأصل اسم لسبأ بن ~~يشجب بن يعرب بن قحطان، ثم صار بعد ذلك اسما لحى من الناس ms3901 سموا باسم ~~أبيهم، أو صار اسما للقبيلة، أو لمدينة تعرف بمأرب باليمن. # بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ليال. وقد قرأ بعضهم هذا اللفظ بالتنوين ~~باعتباره اسم رجل، وقرأه آخرون بغير تنوين لأنه ممنوع من الصرف للعلمية ~~والتأنيث. أى قال الهدهد لسليمان بادئا حديثه بما يشير إلى قبول عذره ~~علمت شيئا أنت لم تعلمه، وجئتك من جهة قبيلة سبأ بنبأ عظيم خطير، أنا ~~متيقن من صدقه. ثم قص عليه ما رآه فقال { إني وجدت امرأة ~~تملكهم } والمراد بهذه المرأة بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن ريان... ~~ورثت الملك عن أبيها. أى إنى وجدت قبيلة سبأ تحكمها امرأة، وتتصرف فى ~~أمورهم دون أن يعترض عليها معترض، أو ينافسها منافس. وقوله { وأوتيت ~~من كل شيء } معطوف على ما قبله. أى وبين يديها جميع الأشياء التى ~~تحتاجها لتصريف شئون مملكتها، والمحافظة على قوتها واستقرارها... وفضلا ~~عن كل ذلك { ولها عرش عظيم } أى لها سرير ملك فخم ضخم يدل على ~~غناها وترفها، ورقى مملكتها فى الصناعة وغيرها. والمراد أن لها عرشا ~~عظيما بالنسبة إلى أمثالها من الدنيا. ثم أضاف إلى ذلك قوله { ~~وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله... }. ~~أى والأهم من كل ذلك أنى وجدت هذه المرأة ومعها قومها يتركون عبادة الله ~~- تعالى -، ويعبدون الشمس التى هى من مخلوقاته - عز وجل -. { وزين ~~لهم الشيطان أعمالهم } التى هى عبادتهم للشمس، وما يشبهها ~~من ألوان الكفر والفسوق عن أمر الله - تعالى -. { فصدهم } أى ~~فمنعهم الشيطان { عن السبيل } الحق { فهم } بسبب ذلك { لا ~~يهتدون } إلى عبادة الله - تعالى - الذى لا معبود بحق سواه. وقوله { ~~ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات ~~والأرض } بيان لما ترتب على إغواء الشيطان لهم. وقد قرأ عامة القراء ~~{ ألا } - بتشديد اللام - و { يسجدوا } فعل مضارع منصوب بأن ~~المدغمة فى لفظه لا، وهو مع ناصبه فى تأويل مصدر، فى محل نصب على أنه ~~مفعول لأجله. والمعنى وزين لهم الشيطان أعمالهم من أجل أن يتركوا السجود ~~لله - تعالى - { الذي يخرج الخبء في } أى ms3902 الذى يظهر الشىء ~~المخبوء فى السموات والأرض، كائنا ما كان هذا الشىء، لأنه - سبحانه - لا ~~يخفى عليه شىء فيهما. قال الآلوسى وقوله - تعالى - { ألا يسجدوا ~~لله } أى لئلا يسجدوا لله واللام للتعليل، وهو متعلق بصدهم أو بزين. ~~والفاء فى { فصدهم } لا يلزم أن تكون سببية لجواز كونها تفريعية أو ~~تفصيلية، أى فصدهم عن ذلك لأجل أن لا يسجدوا لله - عز وجل -. # أو زين لهم ذلك لأجل أن لا يسجدوا له - تعالى -. ثم قال وقرأ الكسائى { ~~ألا } - بتخفيف اللام - على أنها حرف استفتاح وتنبيه. وقوله - تعالى - ~~{ ويعلم ما تخفون وما تعلنون } معطوف على ما قبله. ~~والمعنى زين لهم الشيطان أعمالهم لئلا يسجدوا لله الذى يعمل المخبوء ~~والمستور فى السموات والأرض، ويعلم ما تخفون من أسرار، وما تعلنون من ~~أقوال. قال بعض العلماء " واعلم أن التحقيق أن آية النمل هذه، محل سجدة ~~على كلتا القراءتين، لأن قراءة الكسائى فيها الأمر بالسجود، وقراءة ~~الجمهور فيها ذم تارك السجود وتوبيخه ". وقوله - تعالى - { الله لا ~~إله إلا هو رب العرش العظيم } فى معنى التعليل ~~لحقيقة السجود لله - تعالى - وحده. أى اجعلوا سجودكم لله - تعالى - وحده، ~~واتركوا السجود لغيره، لأنه - سبحانه - لا إله بحق سواه، وهو - سبحانه - ~~صاحب العرش العظيم، الذى لا يدانيه ولا يشبهه شىء مما يطلق عليه هذا ~~اللفظ. ثم تحكى السور بعد ذلك ما كان من سليمان - عليه السلام - وما كان ~~من ملكه سبأ بعد أن وصلها كتابه، فقال - تعالى - { قال سننظر ~~أصدقت... }. ### || [27.27-35] # قوله - سبحانه - { قال سننظر.. } حكاية لما قاله سليمان - عليه ~~السلام - فى رده على الهدهد، الذى قال له فى تبرير عذره # أحطت بما لم تحط به.. # إلخ. والفعل " ننظر " من النظر بمعنى التأمل فى الأمور، والتدبر فى ~~أحوالها، والسين للتأكيد. أى قال سليمان للهدهد بعد أن استمع إلى حجته ~~سننظر - أيها الهدهد - فى أقوالك، ونرى أكنت صادقا فيها، أم أنت من ~~الكاذبين. وهكذا نرى نبى الله سليمان - وهو العاقل الحكيم - لا يتسرع فى ~~تصديق الهدهد أو تكذيبه، ولا يخرجه النبأ ms3903 العظيم الذى جاءه به الهدهد، عن ~~اتزانه ووقاره، وإنما يبنى أحكامه على ما سيسفر عنه تحققه من صدق خبره أو ~~كذبه. وهذا هو اللائق بشأن النبى الكريم سليمان، الذى آتاه الله - تعالى ~~- النبوة والملك والحكمة. قال القرطبى " وقوله { سننظر } من النظر ~~الذى هو التأمل والتصفح. { أصدقت أم كنت من الكاذبين } ~~أى فى مقالتك. و { كنت } بمعنى أنت وقال { سننظر أصدقت } ولم ~~يقل سننظر فى أمرك، لأن الهدهد لما صرح بفخر العلم فى قوله # أحطت بما لم تحط به # صرح له سليمان بقوله سننظر أصدقت أم كذبت، فكان ذلك كفاء لما قاله ". ~~وقوله - تعالى - { اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ~~ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون } بيان لما أمر به ~~سليمان - عليه السلام - الهدهد، بعد أن قال له سننظر أصدقت أم كنت من ~~الكاذبين. أى خذ - أيها الهدهد - كتابى هذا. فاذهب به إلى هؤلاء القوم من ~~أهل سبأ، { ثم تول عنهم } أى ثم انصرف عنهم إلى مكان قريب ~~منهم { فانظر ماذا يرجعون } أى فتأمل ماذا يقول بعضهم لبعض، ~~وبماذا يراجع بعضهم بعضا، ثم أخبرنى بذلك. قال ابن كثير وذلك أن سليمان ~~- عليه السلام - كتب كتابا إلى بلقيس وقومها، وأعطاه لذلك الهدهد ~~فحمله... وذهب به إلى بلادهم، فجاء فى قصر بقليس. إلى الخلوة التى كانت ~~تختلى فيها بنفسها، فألقاه إليها من كوة هنالك بين يديها. ثم تولى ناحية ~~أدبا، فتحريت مما رأت. وهالها ذلك، ثم عمدت إلى الكتاب فأخذته، ففتحت ~~ختمه وقرأته.. ". وقال صاحب الكشاف " فإن قلت لم قال فألقه إليهم. على ~~لفظ الجمع؟ قلت لأنه قال # وجدتها وقومها يسجدون للشمس # فقال فألقه إلى الذين هذا دينهم، اهتماما منه بأمر الدين، واشتغالا ~~به عن غيره. وبنى الخطاب فى الكتاب على لفظ الجمع لذلك ". ثم بين - ~~سبحانه - ما فعلته ملكة سبأ، بعد أن جاءها كتاب سليمان - عليه السلام -، ~~فقال - تعالى - { قالت يأيها الملأ إني ألقي إلي ~~كتاب كريم إنه من سليمان وإنه بسم الله ~~الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني ~~مسلمين }. # أى قالت لحاشيتها ms3904 بعد أن قرأت الكتاب وفهمت ما فيه { يأيها ~~الملأ } - أى يا أيها الأشراف من قومى { إني ألقي إلي ~~كتاب كريم }. وصفته بالكرم لاشتماله على الكلام الحكيم، والأسلوب ~~البديع، والتوجيه الحسن، ولجمال هيئته، وعجيب أمره. ثم أفصحت عن مصدره ~~فقالت { إنه من سليمان } وعن مضمونه فقالت { وإنه بسم ~~الله الرحمن الرحيم } وفى ذلك إشارة إلى وصفه بالكرم، حيث ~~اشتمل على اسم الله - تعالى - وعلى بعض صفاته، وعلى ترك التكبر، وعلى ~~الدخول فى الدين الحق، كما يدل عليه قوله - تعالى - { ألا تعلوا ~~علي } أى ألا تتكبروا على كما يفعل الملوك الجبابرة { وأتوني ~~مسلمين } منقادين طائعين لشريعة الله - وحده، التى توجب عليكم إخلاص ~~العبادة له، دون أحد سواه، إذ هو - سبحانه - الخالق لكل شىء، وكل معبود ~~سواه فهو باطل. فالكتاب - مع إيجازه - متضمن لفنون البلاغة. ولمظاهر ~~القوة الحكيمة العادلة، التى اتبعها سليمان فى رسالته إلى ملكة سبأ ~~وقومها. وبعد أن بلغت حاشيتها بمصدر الكتاب ومضمونه، استأنفت حديثها ~~فقالت { يأيها الملأ أفتوني في أمري } والفتوى الجواب ~~على المستفتى فيما سأل عنه، والمراد بها هنا المشورة وإبداء الرأى. أى ~~قالت يأيها الأشراف والقادة من قومى، أشيروا على ماذا سأفعل فى أمر هذا ~~الكتاب الذى جاءنى من سليمان، والذى يطلب منا فيه ما سمعتم؟ ثم أضافت إلى ~~ذلك قولها { ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون } أى أنتم ~~تعلمون أنى لا أقطع أمرا يتعلق بشئون المملكة إلا بعد استشارتكم، وأخذ ~~رأيكم. وفى قولها هذا دليل على حسن سياستها، ورجاحة عقلها، حيث جمعت رءوس ~~مملكتها، واستشارتهم فى أمرها، وأعلمتهم أن هذه عادة مطردة عندها. وبذلك ~~طابت نفوسهم، وزادت ثقتهم فيها. فقد قالوا لها { قالوا نحن أولو ~~قوة } أى أصحاب قوة فى الأجساد، { وأولو بأس شديد } أى ~~وأصحاب بلاء شديد فى القتال. { والأمر إليك } أى موكول إلى رأيك، ~~وإلى ما تطمئن إليه نفسك من قرار. { فانظري ماذا تأمرين } ~~فتأملى وتفكرى فيما تأمريننا به بالنسبة لهذا الكتاب، فنحن سنطيعك فى كل ~~ما تطلبينه منا. وهنا يحكى لنا القرآن الكريم ما ms3905 كانت عليه تلك المرأة من ~~دهاء وكياسة، وإيثار للسلم على الحرب، واللين على الشدة، فقال - تعالى - ~~{ قالت إن الملوك } من شأنهم أنهم { إذا دخلوا قرية ~~} من القرى. أو مدينة من المدن، بعد تغلبهم على أهلها عن طريق الحرب ~~والقتال... { أفسدوها } أى أشاعا فيها الفساد والخراب والدمار. وفوق ~~كل ذلك { وجعلوا أعزة أهلهآ أذلة } أى أهانوا ~~أشرافها ورؤساءها، وجعلوهم أذلة بعد أن كانوا أعزة. # ليكونوا عبرة لغيرهم. { وكذلك يفعلون } أى وهذه هى عادتهم ~~التى يفعلونها عند دخولهم قرية من القرى، عن طريق القهر والقسر والقتال. ~~والمقصود من قولها هذا التلويح لقومها بأن السلم أجدى من الحرب، وأن ~~الملاينة مع سليمان - عليه السلام - أفضل من المجابهة والمواجهة بالقوة. ~~ثم صرحت لهم بما ستفعله معه فقالت { وإني مرسلة إليهم ~~بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون }. وقوله { ~~فناظرة } معطوف على { مرسلة } وهو من الانتظار بمعنى الترقب. ~~أى وإنى قد قررت أن أرسل إلى سليمان وجنوده هدية ثمينة تليق بالملوك ~~أصحاب الجاه والقوة والسلطان، وإنى لمنتظرة ماذا سيقول سليمان لرسلى ~~عندما يرى تلك الهدية. وماذا سيفعل معهم. قال ابن عباس قالت لقومها إن ~~قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه، وإن لم يقبلها فهو نبى فاتبعوه. وقال قتادة ~~رحمها الله ورضى عنها ما كان أعقلها فى إسلامها وفى شركها!! لقد علمت أن ~~الهدية تقع موقعا من الناس. ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما كان من سليمان ~~عندما رأى الهدية، فقال - تعالى - { فلما جآء سليمان.. }. ### || [27.36-37] # فى الكلام يفهم من السياق، وتقتضيه بلاغة القرآن الكريم والتقدير وهيأت ~~ملكة سبأ الهدية الثمينة لسليمان - عليه السلام-. وأرسلتها مع من ~~اختارتهم من قومها لهذه المهمة، فلما جاء سليمان أى فلما وصل الرسل إلى ~~سليمان ومعهم هدية ملكتهم إليه. فلما رآها قال - على سبيل الإنكار ~~والاستخفاف بتلك الهدية - { أتمدونن بمال } أى أتقدمون إلى هذا ~~المال الزائل والمتمثل فى تلك الهدية لأكف عن دعوتكم إلى إتيانى وأنتم ~~مخلصون العبادة لله - تعالى - وحده. وتاركون لعبادة غيره؟ كلا لن ألتفت ~~إلى هديتكم { فمآ آتاني الله } من ms3906 النبوة والملك الواسع { خير ~~ممآ آتاكم } من أموال من جملتها تلك الهدية. فالجملة الكريمة ~~تعليل لإنكاره لهديتهم، ولاستخفافه بها، وسخريته منها. وقوله - سبحانه - ~~{ بل أنتم بهديتكم تفرحون } إضراب عما ذكره من إنكاره ~~لتلك الهدية وتعليله لهذا الإنكار، إلى بيان ما هم عليه من ضيق فى ~~التفكير، حيث أوهموا أن هذه الهدية، قد تفيد فى صرف سليمان عن دعوتهم إلى ~~وحدانية الله -تعالى -، وقد تحمله على تركهم وشأنهم. أى افهموا - أيها ~~الرسل - وقولوا لمن أرسلكم بتلك الهدية إن سليمان ما آتاه الله من خير، ~~أفضل مما آتاكم، وإنه يقول لكم جميعا انتفعوا أنتم بهديتكم وافرحوا بها، ~~لأنكم لا تفكرون إلا فى متع الحياة الدنيا، أما أنا ففى غنى عن هداياكم ~~ولا يهمنى إلا إيمانكم. ثم أتبع سليمان - عليه السلام - هذا الاستنكار ~~بالتهديد فقال - كما حكى القرآن عنه - { ارجع إليهم }. أى قال ~~سليمان لمن أرسلته بلقيس بالهدية عد من حيث أتيت ومعك هديتك. { ~~فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها } أى فوالله ~~لنأتينهم بجنود لا قدرة لهم على مقاومتهم، ولا طاقة لهم على قتالهم. { ~~ولنخرجنهم منهآ أذلة وهم صاغرون } أى ووالله ~~لنخرجن هذه الملكة وقومها من بلاد سبأ، حالة كونهم أذلة، وحالة كونهم ~~مهزومين مقهورين، بعد أن كانوا فى عزة وقوة. وعاد الرسل بهديتهم إلى ~~الملكة، دون أن يهتم القرآن بما جرى لهم بعد ذلك، لأن القرآن لا يهتم إلى ~~بالجوهر واللباب فيما يقصه من أحداث. ثم يحكى القرآن بعد ذلك ما طلبه ~~سليمان - عليه السلام - من جنوده فيقول { قال يأيها الملأ... ~~}. ### || [27.38-40] # قال ابن كثير ما ملخصه فلما رجعت الرسل إلى ملكة سبأ بما قاله سليمان، ~~قالت قد - والله - عرفت ما هذا بملك، وما لنا به من طاقة... وبعثت إليه ~~إنى قادمة إليك بملوك قومى، لأنظر فى أمرك وما تدعونا إليه من دينك... ثم ~~شخصت إليه فى اثنى عشر ألف رجل من أشراف قومها - بعد أن أقفلت الأبواب ~~على عرشها - فجعل سليمان يبعث الجن يأتونه بمسيرها ومنتهاها كل يوم ~~وليلة، حتى إذا ms3907 دنت جمع من عنده من الإنس والجن ممن تحت يده فقال { ~~قال يأيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن ~~يأتوني مسلمين }. أى قال سليمان لجنوده أى واحد منكم يستطيع أن ~~يحضر لى عرش هذه الملكة قبل أن تحضر إلى هى وقومها مسلمين، أى منقادين ~~طائعين مستسلمين لما أمرتهم به. ولعل سليمان - عليه السلام - قد طلب ~~إحضار عرشها - من بلاد اليمن إلى بيت المقدس حيث مقر مملكته، ليطلعها على ~~عظيم قدرة الله - تعالى -، وعلى ما أعطاه - سبحانه - له من ملك عريض، ومن ~~نعم جليلة، ومن قوة خارقة، حيث سخر له من يحضر له عرشها من مكان بعيد فى ~~زمن يسير. ولعل كل ذلك يقودها هى وقومها إلى الإيمان بالله رب ~~العالمين.. وبعد أن قال سليمان لجنده أيكم يأتينى بعرشها قبل أن يأتونى ~~مسلمين، رد عليه عفريت من الجن بقوله { أنا آتيك به قبل أن ~~تقوم من مقامك }. والعفريت هو المارد القوى من الشياطين، الذين ~~سخرهم الله - تعالى - لخدمة سليمان وللقيام بأداء ما يكلفهم به. ويقال له ~~عفرين، وعفريتة - بكسر العين وسكون الفاء -. أى قال عفريت من الجن ~~لسليمان أنا آتيك بعرش هذه الملكة، قبل أن تقوم من مقامك، أى قبل أن تقوم ~~من مجلسك هذا الذى تجلس فيه للقضاء بين الناس. أو قبل أن تقف من جلوسك. { ~~وإني عليه لقوي أمين } أى وإنى على حمله وإحضاره من تلك ~~الأماكن البعيدة إليك، لقوى على ذلك، بحيث لا يثقل على حمله، ولأمين على ~~إحضاره دون أن يضيع منه شىء. وكأن سليمان قد استبطأ إحضاره عرش تلك ~~المملكة فى هذه الفترة التى حددها ذلك العفريت القوى، فنهض جندى آخر من ~~جنوده، ذكره القرآن بقوله { قال الذي عنده علم من ~~الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ~~}. قالوا والمراد بهذا الذى عنده علم من الكتاب آصف بن برخيا، وهو رجل من ~~صلحاء بنى إسرائيل، آتاه الله - تعالى - من لدنه علما، وكان وزيرا ~~لسليمان. قالوا وكان يعلم اسم الله الأعظم، الذى إذا دعى به ms3908 - سبحانه - ~~أجاب الداعى، وإذا سئل به - تعالى - أجاب السائل. # قيل المراد به سليمان نفسه، ويكون الخطاب على هذا العفريت، فكأنه استبطأ ~~ما قاله العفريت فقال له - على سبيل التحقير - أنا آتيك به قبل أن يرتد ~~إليك طرفك. وقيل المراد به جبريل، والأول هو المشهور عند المفسرين. أى ~~قال الرجل الذى عنده علم من كتاب الله - تعالى - يا سليمان أنا آتيك بعرش ~~بلقيس، قبل أن تغمض عينك وتفتحها، وهو كناية عن السرعة الفائقة فى ~~إحضاره. وفى ذلك ما فيه من الدلالة على شرف العلم وفضله وشرف حامليه ~~وفضلهم وأن هذه الكرامة التى وهبها الله - تعالى - لهذا الرجل، كانت بسبب ~~ما آتاه - سبحانه - من علم. وجاء عرش الملكة لسليمان من بلاد اليمن إلى ~~بلاد الشام، بتلك السرعة الفائقة { فلما رآه مستقرا عنده ~~} أى فلما رأى سليمان العرش المذكور حاضرا لديه، وكائنا بين يديه... لم ~~يغتر ولم يتكبر، ولم يأخذه الزهو والعجب. بل قال - كما حكى القرآن عنه - ~~{ هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر }. ~~أى قال سليمان هذا الذى أراه من إحضار العرش بتلك السرعة من فضل ربى ~~وعطائه، لكى يمتحننى أأشكره على نعمه أم أجحد هذه النعم. { ومن شكر ~~} الله - تعالى - على نعمه { فإنما يشكر لنفسه } حيث يزيده ~~- سبحانه - منها. { ومن كفر } نعم الله - تعالى - وجحدها { فإن ~~ربي غني } عن خلقه { كريم } فى معاملته لهم، حيث لم يعاجلهم ~~بالعقوبة، بل يعفو ويصفح عن كثير من ذنوبهم. ثم ختم - سبحانه - هذه القصة ~~البديعة، ببيان ما فعله سليمان بالعرش، وبما قاله لملكة سبأ بعد أن قدمت ~~إليه، وبما انتهى إليه أمرها، فقال - تعالى - { قال نكروا لها ~~عرشها... }. ### || [27.41-44] # قوله { نكروا لها عرشها } من التنكير الذى هو ضد التعريف، ~~وهو جعل الشىء على هيئة تخالف هيئته السابقة حتى لا يعرف. أى قال سليمان ~~لجنوده، بعد أن استقر عنده عرش بلقيس غيروا لهذه الملكة عرشها، كأن ~~تجعلوا مؤخرته فى مقدمته، وأعلاه أسفله. وافعلوا ذلك لكى { ننظر } ~~ونعرف { أتهتدي } إليه بعد هذا التغيير، أو إلى ms3909 الجواب اللائق ~~بالمقام عندما تسأل { أم تكون من الذين لا يهتدون } إلى ~~معرفة الشىء بعد تغيير معالمه المميزة له. أو إلى الجواب الصحيح عندما ~~تسأل عنه. فالمقصود بتغيير هيئة عرشها اختبار ذكائها وفطنتها، وحسن ~~تصرفها، عند مفاجأتها بإطلاعها على عرشها الذى خلفته وراءها فى بلادها. ~~وإيقافها على مظاهر قدرة الله - تعالى - وعلى ما وهبه لسليمان - عليه ~~السلام - من معجزات. وقوله - تعالى - { فلما جآءت... } شروع فى ~~بيان ما قالته عندما عرض عليها سليمان عرشها. أى فلما وصلت بلقيس إلى ~~سليمان - عليه السلام - عرض عليها عرشها بعد تغيير معالمه. ثم قيل لها من ~~جهته - عليه السلام - { أهكذا عرشك } أى أمثل هذا العرش الذى ~~ترينه الآن، عرشك الذى خلفته وراءك فى بلادك. فالهمزة للاستفهام والهاء ~~للتنبيه - والكاف حرف جر، وذا اسم إشارة مجرور بها، والجار والمجرور خبر ~~مقدم، وعرشك مبتدأ مؤخر. ولم يقل لها أهذا عرشك، لئلا يكون إرشادا لها ~~إلى الجواب، فيفوت المقصود من اختبار ذكائها وحسن تصرفها. ولا شك أن هذا ~~القول يدعوها للدهشة والمفاجأة بما لم يكن فى حسبانها، وإلا فأين هى من ~~عرشها الذى تركته خلفها على مسافة بعيدة، بينها وبين مملكة سليمان عشرات ~~الآلاف من الأميال. ولكن الملكة الأريبة العاقلة، هداها تفكيرها إلى جواب ~~ذكى، فقالت - كما حكى القرآن عنها - { كأنه هو } أى هذا العرش - ~~الذى غيرت هيئته - كأنه عرشى الذى تركته فى بلادى، فهى لم تثبت أنه هو، ~~ولم تنف أنه غيره، وإنما تركت الأمر مبنيا على الظن والتشبيه، لكى يناسب ~~الجواب السؤال. وقوله - سبحانه - { وأوتينا العلم من قبلها ~~وكنا مسلمين } يرى بعض المفسرين أنه من تتمة كلام بقليس، وكأنها ~~عندما استشعرت مما شاهدته اختبار عقلها قالت وأتينا العلم من قبلها، أى ~~من قبل تلك الحالة التى شاهدناها، بصحة نبوة سليمان وكنا مسلمين، طائعن ~~لأمره. ومنهم من يرى أنه من سليمان، وتكون الجملة معطوفة على كلام مقدر ~~وجىء بها من قبيل التحدث بنعمة الله - تعالى -. والمعنى قال سليمان لقد ~~أصابت بلقيس فى الجواب، وعرفت الحق، ولكننا نحن ms3910 الذين أوتينا العلم من ~~قبلها - أى من قبل حضور ملكة سبأ - وكنا مسلمين لله - تعالى - وجوهنا. # ويبدو لنا أن كون هذه الجملة، حكاها القرآن على أنها من تتمة كلامها ~~أقرب إلى الصواب، لأنه هو الظاهر من سياق الكلام. قال الآلوسى ما ملخصه ~~قوله { وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين } من ~~تتمة كلامها على ما اختاره جمع من المفسرين. كأنها استشعرت مما شاهدته ~~اختبارها، وإظهار معجزة لها، ولما كان الظاهر من السؤال هو الأول، سارعت ~~إلى الجواب بما أنبأ عن كمال عقلها، ولما كان إظهار المعجزة دون ذلك فى ~~الظهور، ذكرت ما يتعلق به آخرا وهو قولها { وأوتينا العلم } وفيه ~~دلالة على كمال عقلها - أيضا -. والمعنى وأوتينا العلم بكمال قدرة الله، ~~وصحة نبوتك من قبل هذه المعجزة أو من قبل هذه الحالة، بما شاهدناه من أمر ~~الهدهد. وما سمعناه من رسلنا إليك، وكنا مؤمنين من ذلك الوقت، فلا حاجة ~~إلى إظهار هذه المعجزة. وقوله - سبحانه - { وصدها ما كانت ~~تعبد من دون الله.. } بيان للأسباب التى منعتها من الدخول فى ~~الإسلام قبل ذلك. و { ما } موصولة على أنها فاعل " صد ". أى وصدها ~~ومنعها الذى كانت تعبده من دون الله - تعالى - وهو الشمس - عن عبادة الله ~~- تعالى - وحده، وعن المسارعة إلى الدخول فى الإسلام. ويصح أن تكون { ~~ما } مصدرية، والمصدر هو الفاعل. أى. وصدها عبادة الشمس، عن المسارعة ~~إلى الدخول فى الإسلام. وجملة { إنها كانت من قوم كافرين ~~} تعليل لسببية عبادتها لغير الله - تعالى-. أى إن هذه المرأة كانت من ~~قوم كافرين بالله - تعالى -، جاحدين لنعمه، عابدين لغيره، منذ آزمان ~~متطاولة، فلم يكن فى مقدورها إظهار إسلامها بسرعة وهى بينهم. فالجملة ~~الكريمة كأنها اعتذار لها عن سبب تأخرها فى الدخول فى الإسلام. ثم ختم - ~~سبحانه - هذه القصة ببيان ما فاجأها به سليمان، لتزداد يقينا بوحدانية ~~الله - تعالى -، وبعظم النعم التى أعطاها - سبحانه - له فقال { قيل ~~لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة ~~وكشفت عن ساقيها }. والصرح القصر ويطلق على كل بناء مرتفع. ~~ومنه ms3911 قوله - تعالى - # وقال فرعون يهامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ ~~الأسباب # ويطلق - أيضا - على صحن الدار وساحته. يقال هذه صرحة الدار. أى ساحتها ~~وعرصتها. وكان سليمان - عليه السلام - قد بنى هذا الصرح، وجعل بلاطه من ~~زجاج نقى صاف كالبلور. بحيث يرى الناظر ما يجرى تحته من ماء. أى قال ~~سليمان لملكة سبأ بعد أن سألها أهكذا عرشك، وبعد أن أجابته بما سبق ~~بيانه. قال لها ادخلى هذا القصر، فلما رأت هذا الصرح وما عليه من جمال ~~وفخامة، حسبته لجة، أى ظنته ماء غزيرا كالبحر. # { وكشفت عن ساقيها } لئلا تبتل بالماء أذيال ثيابها. وهنا قال ~~سليمان مزيلا لما اعتراها من دهشة { إنه } أى ما حسبته لجة { صرح ~~ممرد من قوارير } أى قصر مملس من زجاج لا يحجب ما وراءه. ~~فقوله { ممرد } بمعنى مملس، مأخوذ من قولهم شجرة مرداء إذا كانت ~~عارية من الورق، وغلام أمرد، إذا لم يكن فى وجهه شعر والتمريد فى البناء، ~~معناه التمليس والتسوية والنعومة. والقوارير جمع قارورة، وهى إناء من ~~زجاج، وتطلق القارورة على المرأة، لأن الولد يقر فى رحمها، أو تشبيها لها ~~بآنية الزجاج من حيث ضعفها، ومنه الحديث الشريف # " رفقا بالقوارير " # والمراد بالقوارير هنا. المعنى الأول. ثم حكى - سبحانه - ما قالته بلقيس ~~بعد أن رأت جانبا من عجائب صنع الله فقال { قالت رب إني ~~ظلمت نفسي } أى بسبب عبادى لغيرك قبل هذا الوقت... { وأسلمت ~~مع سليمان } طائعة مختارة، وإسلامى إنما هو { لله رب ~~العالمين } وليس لأحد سواه. وبعد، فهذا تفسير محرر لتلك القصة، وقد ~~أعرضنا عن كثير من الإسرائيليات التى حشا بها بعض المفسرين تفاسيرهم، ~~عند حديثهم عن الآيات التى وردت فى هذه القصة، ومن ذلك ما يتعلق بسليمان ~~- عليه السلام - وبجنوده من الطير. وبمحاورة النملة له، وبالهدية التى ~~أرسلتها ملكة سبأ إليه، وبما قالته الشياطين لسليمان عن هذه المرأة.. الخ ~~وقد اشتملت هذه القصة على عبر وعظات وأحكام وآداب، من أهمها ما يأتى 1 - ~~أن الله - تعالى - قد أعطى - بفضله وإحسانه - داود وسليمان - عليهما ms3912 ~~السلام - نعما عظيمة، على رأسها نعمة النبوة، والملك، والعلم النافع. ~~وأنهما قد قابلا هذه النعم بالشكر لله - تعالى - واستعمالها فيما خلقت ~~له. ونرى ذلك فى قوله - تعالى - # ولقد آتينا داوود وسليمان علما وقالا الحمد ~~لله الذي فضلنا على كثير من عباده ~~المؤمنين # وفى قوله - تعالى - # رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت ~~علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه ~~وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين # وفى قوله - سبحانه - # هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ~~ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ~~ربي غني كريم # 2 - أن سليمان - عليه السلام - قد أقام دولته على الإيمان بالله - ~~تعالى - وعلى العلم النافع، وعلى القوة العادلة. أما الإيمان بالله - ~~تعالى - وإخلاص العبادة له - سحبانه -، فهو كائن له - عليه السلام - ~~بمقتضى نبوته التى اختاره الله لها، وبمقتضى دعوته غيره إلى وحدانية الله ~~- عز وجل - فقد حكى القرآن عنه أنه قال فى رسالته إلى ملكة سبأ # إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن ~~الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين # وأما العلم النافع، فيكفى أن القصة الكريمة قد افتتحت بقوله - تعالى - # ولقد آتينا داوود وسليمان علما.. # واشتملت على قوله - سبحانه - # وورث سليمان داوود وقال يأيها الناس علمنا ~~منطق الطير.. # وعلى قوله - عز و جل - # قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به ~~قبل أن يرتد إليك طرفك # وأما القوة، فنراها فى قوله - تعالى - # وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير ~~فهم يوزعون # وفى قوله - سبحانه # ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم ~~بها ولنخرجنهم منهآ أذلة وهم صاغرون # 3 - أن سليمان عليه السلام كانت رسالته الأولى نشر الإيمان بالله - ~~تعالى - فى الأرض، وتطهيرها من كل معبود سواه. والدليل على ذلك أن الهدهد ~~عندما أخبره بحال الملكة التى كانت هى وقومها يعبدون الشمس من دون ~~الله... ما كان من سليمان - عليه السلام - إلا أن حمله كتابا قويا بليغا ~~يأمرهم فيه بترك التكبر والغرور، وبإسلام وجوههم لله وحده # ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين # 4 - أن سليمان ms3913 - عليه السلام - كان يمثل الحاكم اليقظ المتنبه لأحوال ~~رعيته، حيث يعرف شئونها الصغيرة والكبيرة، ويعرف الحاضر من أفرادها ~~والغائب، حتى ولو كان الغائب طيرا صغيرا، من بين آلاف الخلائق الذين هم ~~تحت قيادته. ولقد صور القرآن ما كان عليه سليمان - عليه السلام - من يقظة ~~ودراية بأفراد رعيته أبدع تصوير فقال # وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم ~~كان من الغآئبين # قال الإمام القرطبى رحمه الله - فى هذه الآية دليل على تفقد الإمام ~~أحوال رعيته، والمحافظة عليهم، فانظر إلى الهدهد مع صغره، كيف لم يخف ~~على سليمان حاله، فكيف بعظام الملك.. ثم يقول - رحمه الله - على سبيل ~~التفجع والشكوى عن حال الولاة فى عهده فما ظنك بوال تذهب على يديه ~~البلدان، وتضيع الرعية ويضيع الرعيان... ورحم الله القائل # وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها # 5 - أن سليمان - عليه السلام - كان بجانب تعهده لشئون رعيته، يمثل ~~الحاكم الحازم العادل، الذى يحاسب المهمل، ويتوعد المقصر، ويعاقب من ~~يستحق العقاب، وفى الوقت نفسه يقبل عذر المعتذر متى اعتذر عذرا مشروعا ~~ومقنعا. انظر إليه وهو يقول - كما حكى القرآن عنه - عندما تفقد الهدهد ~~فلم يجده # لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ~~ليأتيني بسلطان مبين # إن الجيوش الجرارة التى تحت قيادة سليمان - عليه السلام - لا تؤثر فيها ~~غياب هدهد منها... ولكن سليمان القائد الحازم، كأنه يريد أن يعلم جنوده، ~~أن لكل جندى رسالته التى يجب عليه أن يؤديها على الوجه الأكمل سواء أكان ~~هذا الجندى صغيرا أم كبيرا، وأن من فرط فى الأمور الصغيرة، لا يستبعد منه ~~أن يفرط فى الأمور الكبيرة. # 6 - أن الجندى الصغير فى الأمة التى يظلها العدل والحرية والأمان... لا ~~يمنعه صغره من أن يرد على الحاكم الكبير، بشجاعة وقوة... انظر إلى الهدهد ~~- مع صغره - يحكى عن القرآن، أنه رد على نبى الله سليمان الذى آتاه الله ~~ملكا لا ينبغى لأحد من بعده بقوله # أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين # ونجد سليمان - عليه السلام - لا ms3914 يؤاخذه على هذا القول، بل يضع قوله موضع ~~التحقيق والاختبار فيقول له # سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين # وهكذا الأمم العاقلة الرشيدة، لا يهان فيها الصغير، ولا يظلم فيها ~~الكبير. 7 - أن حكمة الله - تعالى - قد اقتضت أن تتألف الأمم من حاكمين ~~ومحكومين، وأن كل فريق له حقوق وعليه واجبات، وأن الأمم لا تصلح بدون ~~حاكم يحكمها ويرعى شئونها، ويحق الحق ويبطل الباطل. قال القرطبى عند ~~تفسيره لقوله - تعالى - # وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير ~~فهم يوزعون # فى الآية دليل على اتخاذ الإمام والحكام وزعة - أى ولاة، أو قضاة - ~~يكفون الناس ويمنعونهم من تطاول بعضهم على بعض... قال ابن عون سمعت الحسن ~~يقول وهو فى مجلس قضائه والله ما يصلح هؤلاء الناس إلا وزعة. ومن الأقوال ~~الحكيمة لأمير المؤمنين عثمان بن عفان - رضى الله عنه - " إن الله ليزع ~~بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ". 8 - أن الحاكم العاقل هو الذى يستشير من ~~هو أهل للاستشارة فى الأمور التى تهم الأمة. فها هى ذى ملكة سبأ عندما ~~جاءها كتاب سليمان - عليه السلام - جمعت وجوه قومها، وقالت لهم - كما حكى ~~القرآن عنها # يأيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة ~~أمرا حتى تشهدون.. # قال القرطبى وفى هذه الآية دليل على صحة المشاورة... وقد قال - الله - ~~تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم # وشاورهم في الأمر # وقد مدح الله الفضلاء بقوله # وأمرهم شورى بينهم # والمشاورة من الأمر القديم وخاصة فى الحرب، فهذه بلقيس امرأة جاهلية ~~كانت تعبد الشمس من دون الله قالت # يأيها الملأ أفتوني في أمري.. # لتختبر عزمهم على مقاومة عدوهم. وربما كان فى استبدادها برأيها وهن فى ~~طاعتها، وكان فى مشاورتهم وأخذ رأيهم عون على ما تريده من شوكتهم، وشدة ~~مدافعتهم، ألا ترى إلى قولهم فى جوابهم # نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك ~~فانظري ماذا تأمرين.. # 9 - أن الهداية إذا لمس المهدى إليه من ورائها، عدم الإخلاص فى ~~إهدائها. وأن المقصد منها صرفه عن حق يقيمه، أو عن باطل يزيله. ms3915 # .. فإن الواجب عليه أن يرد هذه الهدية لصاحبها. وأن يمتنع عن قبولها... ~~ألا ترى إلى سليمان - عليه السلام - قد رد الهدية الثمينة التى أهدتها ~~بلقيس إليه، حين أحس أن من وراء هذه الهدية شيئا. يتنافى مع تبليغ وتنفيذ ~~رسالة الله - تعالى - التى أمره بتبليغها وتنفيذها، ألا وهى الأمر بإخلاص ~~العبادة لله - تعالى - والنهى عن الإشراك به، وبلقيس إنما كانت تقصد ~~بهديتها، اختبار سليمان، أنبى هو أم ملك، كما سبق أن أشرنا. لذا وجدنا ~~القرآن يحكى عن سليمان - عليه السلم - أنه رد هذه الهدية مع من جاءوا ~~بها، وقال # أتمدونن بمال فمآ آتاني الله خير ممآ آتاكم ~~بل أنتم بهديتكم تفرحون # 10 - أن ملكة سبأ دل تصرفها على أنها كانت ملكة عاقبة رشيدة، حكيمة، فقد ~~استشارت خاصتها فى كتاب سليمان - عليه السلام -، ولوحت لهم بقوته وبما ~~سيترتب على حربه، وآثرت أن تقدم له هدية على سبيل الامتحان، واستحبت ~~المسالمة على المحاربة... وكان عندها الاستعداد لقبول الحق والدخول فيه، ~~وما أخرها عن المسارعة إليه إلا لكونها كانت من قوم كافرين. وعندما التقت ~~بسليمان، وانكشفت لها الحقائق سارعت إلى الدخول فى الدين الحق، وقالت { ~~قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان ~~لله رب العالمين }. هذه بعض العبر والعظات التى تؤخذ من هذه ~~القصة... ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانبا من قصة صالح - عليه السلام - ~~مع قومه، فقال - تعالى - { ولقد أرسلنآ... }. ### || [27.45-53] # قوله - سبحانه - { ولقد أرسلنآ إلى ثمود أخاهم ~~صالحا.. } معطوف على قوله - تعالى - # ولقد آتينا داوود وسليمان علما # واللام فى قوله { ولقد أرسلنآ.. } جواب لقسم محذوف، و { ~~ثمود } اسم للقبيلة التى منها صالح - عليه السلام -، سميت باسم جدها ~~ثمود. وقيل سميت بذلك لقلة مائها، لأن الثمد هو الماء القليل. وكانت ~~مساكنهم بالحجر - بكسر الحاء وسكون الجيم -، وهو مكان بين الحجاز والشام، ~~ومازلت مساكنهم تعرف بمدائن صالح إلى اليوم. وقد مر النبى صلى الله عليه ~~وسلم بديارهم، وهو ذاهب إلى غزوة تبوك، سنة تسع بعد الهجرة. وصالح - عليه ~~السلام - هو نبيهم، وكان واحدا ms3916 منهم، وينتهى نسبه إلى نوح - عليه السلام ~~- وقبيلة ثمود تسمى عادا الثانية، أما قبيلة عاد فتسمى عادا الأولى، ~~ونبيهم هود - عليه السلام - قالوا وكان بين القبيلتين زهاء مائة عام. ~~والمعنى وبالله لقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود، أخاهم صالحا - عليه السلام -، ~~فقال لهم ما قاله كل نبى لقومه { أن اعبدوا الله } - تعالى - ~~وحده، ولا تشركوا معه آلهة أخرى. و " إذا " فى قوله - تعالى - { فإذا ~~هم فريقان يختصمون } هى الفجائية و { يختصمون } من ~~المخاصمة بمعنى المجادلة والمنازعة. أى أرسلنا نبينا صالحا إلى قومه، ~~فكانت المفاجأة أن انقسم قومه إلى قسمين قسم آمن به - وهم الأقلون -، ~~وقسم كفر به - وهم الأكثرون. وهذه الخصومة بين الفريقين، قد أشار إليها ~~القرآن فى قوله - تعالى - # قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين ~~استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا ~~مرسل من ربه قالوا إنا بمآ أرسل به ~~مؤمنون قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم ~~به كافرون # وقوله - تعالى - { قال يقوم لم تستعجلون بالسيئة ~~قبل الحسنة... } بيان لما وجهه صالح إلى الكافرين من قومه، من ~~نصائح حكيمة... أى قال صالح - عليه السلام - للمكذبين لرسالته من قومه ~~بأسلوب رقيق حكيم يا قوم لماذا كلما دعوتكم إلى الحق أعرضتم عن دعوتى، ~~وآثرتم الكفر على الإيمان، واستعجلتم عقوبة الله - تعالى - التى حذرتكم ~~منها، قبل أن تتضرعوا إليه - سبحانه - بطلب الهداية والرحمة. وقوله { ~~لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون } حض منه على ~~الإقلاع عما هم فيه من عناد وضلال. أى هلا استغفرتم الله - تعالى - ~~وأخلصتم له العبادة، واتبعتمونى فيما أدعوكم إليه، لكى يرحمكم ربكم ويعفو ~~عنكم. فالمراد بالسيئة العذاب الذى تعجلوه، والذى أشار إليه - سبحانه - ~~فى قوله # فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا ~~ياصالح ائتنا بما تعدنآ إن كنت من المرسلين # ثم حكى - سبحانه - ما رد به هؤلاء المتكبرون على نبيهم فقال - تعالى - { ~~قالوا اطيرنا بك وبمن معك... }. وقوله { اطيرنا ~~} أصله تطيرنا، فأدغمت التاء فى الطاء، وزيدت همزة الوصل، ليتأتى ~~الابتداء بالكلمة. والتطير التشاؤم. قال الآلوسى وعبر عنه بذلك، لأنهم ~~كانوا ms3917 إذا خرجوا مسافرين فيمرون بطائر يزجرونه فإن مر سانحا - بأن مر من ~~ميامن الشخص إلى مياسره - تيمنوا، وإن مر بارحا - بأن مر من المياسر إلى ~~الميامن - تشاءموا. فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر، استعير لما كان ~~سببا لهما من قدر الله - تعالى - وقسمته - عز وجل - أو من عمل العبد الذى ~~هو سبب الرحمة والنعمة. أى قال المكذبون من قوم صالح فى الرد عليه أصابنا ~~الشؤم والنحس بسبب وجودك فينا، وبسبب المؤمنين الذين استجابوا لدعوتك. ~~حيث أصبنا بالقحط بعد الرخاء والضراء بعد السراء. ولا شك أن قولهم هذا ~~يدل على جهلهم المطبق، وعلى سوء تفكيرهم، لأن السراء والضراء من عند الله ~~- تعالى - وحده. ولا صلة لهما بوجود صالح والذين آمنوا معه بينهم ولذا رد ~~عليهم صالح - عليه السلام - بقوله { طائركم عند الله... }. أى ~~قال لهم موبخا وزاجرا ليس الأمر كما زعمتم أن وجودنا بينكم هو السبب فيما ~~أصابكم من شر، بل الحق أن ما يصيبكم من شر وقحط هو من عند الله، بسبب ~~أعمالكم السيئة، وإصراركم على الكفر، واستحبابكم المعصية على الطاعة. ~~والعقوبة على المغفرة. ثم زاد صالح - عليه السلام - الأمر توضيحا وتبيانا ~~فقال لهم { بل أنتم قوم تفتنون }. أى قال لهم ليس ما أصابكم ~~بسببنا. بل أنتم قوم " تفتنون " أى تختبرون وتمتحنون بما يقع عليكم من ~~شر، حتى تتوبوا إلى خالقكم، قبل أن ينزل بكم العذاب الماحق، إذا ما بقيتم ~~على كفركم. فأنت ترى أن صالحا - عليه السلام - قد رد على جهالتهم بأسلوب ~~قوى رصين، بين لهم فيه، أن تشاؤمهم فى غير محله، وأن حظهم ومستقبلهم ~~ومصيرهم بيد الله - تعالى - وحده، وأن ما أصابهم من بلاء وقحط، إنما هو ~~لون من امتحان الله - تعالى - لهم، لكى يتنبهوا ويستجيبوا لدعوة الحق، ~~قبل أن يفاجئهم الله - تعالى - بالعذاب الذى يهلكهم. ولكن هذا النصح ~~الحكيم الذى وجهه صالح إلى المكذبين من قومه، لم يجد أذنا صاغية منهم، بل ~~قابله زعماؤهم بالتكبر وبالإصرار على التخلص من صالح - عليه السلام - ~~ومن أهله، وقد حكى القرآن ms3918 ذلك فى قوله - تعالى - { وكان في ~~المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا ~~يصلحون قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه ~~وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك ~~أهله وإنا لصادقون }. # والمراد بالمدينة مدينة قوم صالح - عليه السلام - وهى الحجر - بكسر ~~الحاء وإسكان الجيم -. قال الجمل قوله " تسعة رهط " أى تسعة أشخاص، وبهذا ~~الاعتبار وقع تمييزا للتسعة، لا باعتبار لفظه، وهم الذين سعوا فى عقر ~~الناقة، وباشره منهم قدار بن سالف، وكانوا من أبناء أشراف قوم صالح، ~~والإضافة بيانية. أى تسعة رهط. وفى الصباح الرهط دون العشرة من الرجال، ~~ليس فيهم امرأة. ووصفهم بأنهم يفسدون فى الأرض ولا يصلحون. للإشارة إلى ~~أن نفوسهم قد تمحضت للفساد وللإفساد، ولا مكان فيها للصلاح وللإصلاح. ~~وقوله { تقاسموا } فعل أمر محكى بالقول، بمعنى احلفوا بالله، ويجوز ~~أن يكون فعلا ماضيا مفسرا لقالوا، فكأنه قيل ما الذى قالوا؟ فكان الجواب ~~تقاسموا أى أقسموا. وقوله { لنبيتنه } من البيات وهو مباغتة ~~العدو ليلا لقتله. يقال بيت القوم العدو، إذا أوقعوا به ليلا. والمراد ~~بوليه المطالبون بدمه من أقاربه، وفى ذلك إشارة إلى أن هؤلاء الظالمين لم ~~يكونوا ليستطيعوا قتل صالح - عليه السلام - علانية، خوفا من مناصرة ~~أقاربه له. و { مهلك } بفتح الميم وكسر اللام بزنة مرجع - مصدر ميمى، ~~من هلك الثلاثى، وقرأ بعضهم { مهلك } بضم الميم وفتح اللام - من أهلك ~~الرباعى، فهو أيضا مصدر ميمى من أهلك، ويجوز أن يكون اسم زمان أو مكان. ~~والمعنى وكان فى المدينة التى يسكنها صالح - عليه السلام - وقومه، تسعة ~~أشخاص، دأبهم وديدنهم، الإفساد فى الأرض، وعدم الإصلاح فيها، بأى حال ~~من الأحوال. وقد تعاهد هؤلاء التسعة. وأكدوا ما تعاهدوا عليه بالأيمان ~~المغلظة. على أن يباغتوا نبيهم وأهله ليلا، فيقتلوهم جميعا، ثم ليقولن ~~بعد جريمتهم الشنعاء لأقارب صالح - عليه السلام - ما حضرنا هلاك أهله ~~وهلاك صالح معهم، ولا علم عندنا بما حل بهم وبه من قتل، وإنا لصادقون فى ~~كل ما قلناه. وهكذا المفسدون فى الأرض، يرتكبون أبشع الجرائم وأشنعها، ثم ~~يبررونها بالحيل الساذجة الذميمة ms3919 ثم بعد ذلك يحلفون بأغلظ الأيمان أنهم ~~بريئون من تلك الجرائم. ومن العجيب أن هؤلاء المجرمين الغادرين يقولون ~~فيما بينهم { تقاسموا بالله } أى احلفوا بالله، على أن تنفذوا ~~ما اتفقنا عليه من قتل صالح وأهله ليلا غيلة وغدرا. فهم يؤكدون إصرارهم ~~على الإجرام بالحلف بالله، مع أن الله - تعالى - برئ منهم ومن غدرهم. ~~وقولهم { ما شهدنا مهلك أهله } نفى منهم لحضور قتلهم، فضلا ~~عن مباشرة قتلهم، كأنهم أرادوا بهذه الجملة الإتيان بحيلة يبررون بها ~~كذبهم، أى أننا قتلناهم فى الظلام، فلم نشاهد أشخاصهم، وإنا لصادقون فى ~~ذلك. ولكن هذا المكر السىء، والتحايل القبيح قد أبطله الله - تعالى - ~~وجعله يحيق بهم وبأشياعهم، فقد قال - تعالى - { ومكروا مكرا } أى ~~بهذا الحلف فيما بينهم على قتل صالح وأهله غدرا { ومكرنا مكرا } ~~أى ودبرنا لصالح - عليه السلام - ولمن آمن به، تدبيرا محمودا محكما { ~~وهم لا يشعرون } أى وهم لا يشعرون بتدبيرنا الحكيم، حيث أنجينا ~~صالحا ومن معه من المؤمنين، وأهلكنا أعداءه أجمعين. # ثم بين - سبحانه - الآثار التى ترتبت على مكرهم السىء، وعلى تدبيره ~~المحكم فقال - تعالى - { فانظر كيف كان عاقبة مكرهم ~~أنا دمرناهم وقومهم أجمعين } أى فانظر - أيها ~~العاقل - وتأمل واعتبر فيما آل إليه أمر هؤلاء المفسدين، لقد دمرناهم ~~وأبدناهم، وأبدنا معهم جميع الذين كفروا بنبينا صالح - عليه السلام. قال ~~بعض العلماء ما ملخصه قوله - تعالى - { أنا دمرناهم ~~وقومهم أجمعين } قرأه الجمهور بكسر همزة { إنا } على ~~الاستئناف، وقرأه عاصم وحمزة والكسائى { أنا دمرناهم } بفتح ~~الهمزة وفى إعراب المصدر المنسبك من أن وصلتها أوجه منها أنه بدل من { ~~عاقبة مكرهم } ومنها أنه خبر مبتدأ محذوف، وتقديره هى أى عاقبة ~~مكرهم تدميرنا إياهم... وقوله - سبحانه - { فتلك بيوتهم ~~خاوية بما ظلموا.. } مقرر ومؤكد لما قبله من تدمير المفسدين ~~وإهلاكهم. أى إن كنت - أيها المخاطب - تريد دليلا على تدميرهم جميعا، ~~فتلك هى بيوتهم خاوية وساقطة ومتهدمة على عروشها، بسبب ظلمهم وكفرهم ~~ومكرهم. { إن في ذلك } الذى فعلناه بهم من تدمير وإهلاك { لآية ~~} بينة، وعبرة واضحة، { لقوم يعلمون } أى ms3920 يتصفون بالعلم النافع ~~الذى يتبعه العمل الصالح. ثم ختم - سبحانه - هذه القصة بتأكيد سنته التى ~~لا تتخلف فقال { وأنجينا } أى بفضلنا وإحساننا، { الذين ~~آمنوا } وهم نبينا صالح وأتباعه { وكانوا يتقون } أى وكانوا ~~يتقون الله - تعالى - ويخافون عذابه. وبذلك تكون السورة الكريمة قد ساقت ~~لنا جانبا من قصة صالح مع قومه هذا الجانب فيه ما فيه من عظات وعبر لقوم ~~يعقلون. ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك طرفا من قصة لوط مع قومه، فقال - ~~تعالى - { ولوطا إذ قال... }. ### || [27.54-58] # قصة لوط - عليه السلام - قد ذكرت فى سور متعددة منها الأعراف، وهود، ~~والحجر... وهنا تتعرض السورة الكريمة، لإبراز ما كان عليه أولئك القوم ~~من فجور، وما هددوا به نبيهم. قال ابن كثير - رحمه الله - ولوط هو ابن ~~هاران بن آزر، وهو ابن أخى إبراهيم - عليه السلام - وكان لوط قد آمن مع ~~إبراهيم، وهاجر معه إلى أرض الشام، فبعثه الله - تعالى - إلى أهل " سدوم ~~" ، وما حولها من القرى، يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وينهاهم عما ~~يرتكبونه من المآثم والمحارم والفواحش التى اخترعوها، دون أن يسبقهم ~~إليها أحد من بنى آدم... وقوله - تعالى - { ولوطا... } منصوب بفعل ~~مضمر محذوف، والتقدير واذكر - أيها العاقل - وقت أن أرسلنا لوطا إلى ~~قومه. فقال لهم على سبيل الزجر والتوبيخ { أتأتون الفاحشة ~~وأنتم تبصرون } أى أتأتون الفاحشة التى لم يسبقكم إليها أحد، ~~وهى إتيان الذكور دون الإناث، وأنتم تبصرون بأعينكم أنها تتنافى مع ~~الفطرة السوية حتى بالنسبة للحيوان الأعجم فأنتم ترون وتشاهدون أن الذكر ~~من الحيوان لا يأتى الذكر، وإنما يأتى الأنثى، حيث يتأتى عن طريقها ~~التوالد والتناسل وعمارة الكون. فقوله - سبحانه - { وأنتم ~~تبصرون } جملة حالية المقصود بها زيادة تبكيتهم وتوبيخهم، لأنهم ~~يشاهدون تنزه الحيوان عنها، كما يعلمون سوء عاقبتها، وسوء عاقبة الذين ~~خالفوا أنبيائهم من قبلهم. وقوله - سبحانه - { أإنكم لتأتون ~~الرجال شهوة من دون النسآء... } تأكيد للإنكار السابق، ~~وتوضيح للفاحشة التى كانوا يأتونها. والإتيان كناية عن الاستمتاع ~~والجماع، مأخوذ من أتى المرأة إذا جامعها. أى أئنكم - أيها الممسوخون فى ~~فطرتكم ms3921 وطبائعكم - لتصبون شهوتكم التى ركبها الله - تعالى - فيكم فى ~~الرجال دون النساء اللاتى جعلهن الله - تعالى - محل شهوتكم ومتعتكم. قال ~~الآلوسى والجملة الكريمة تثنية للإنكار وبيان لما يأتونه من الفاحشة ~~بطريق التصريح بعد الإبهام وتحلية الجملة بحرفى التأكيد، للإيذان بأن ~~مضمونها مما لا يصدق وقوعه أحد، لكمال شناعته، وإيراد المفعول بعنوان ~~الرجولية دون الذكورية، لزيادة التقبيح والتوبيخ. وقوله - تعالى - { بل ~~أنتم قوم تجهلون } إضراب عن الإنكار إلى الإخبار عن الأسباب ~~التى جعلتهم يرتكبون هذه القبائح، وهى أنهم قوم دينهم الجهل والسفاهة ~~والمجون وانطماس البصيرة. وقد حكى القرآن أن لوطا قد قال لهم فى سورة ~~الأعراف # بل أنتم قوم مسرفون # وقال لهم فى سورة الشعراء # بل أنتم قوم عادون # وقال لهم هنا { بل أنتم قوم تجهلون } ومجموع الآيات يدل ~~على أنهم كانوا مصابين بفساد العقل، وانحراف الفطرة، وتجاوز كل الحدود ~~التى ترتضيها النفوس الكريمة. # ثم حكى القرآن بعد ذلك جوابهم السيىء على نبيهم فقال { فما كان ~~جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من ~~قريتكم.. }. والفاء للتفريع، والاستثناء مفرغ من أعم الأشياء. أى ~~هكذا نصح لوط قومه وزجرهم، فما كان جوابهم شيئا من الأشياء سوى قول بعضهم ~~لبعض أخرجوا لوطا والمؤمنين من قريتكم التى يساكنونكم فيها. وفى التعبير ~~بقولهم { من قريتكم } إشارة إلى غرورهم وتكبرهم فكأنهم يعتبرون ~~لوطا وأهله المؤمنين دخلاء عليهم، ولا مكان لهم بين هؤلاء المجرمين لأن ~~القرية - وهى سدوم - هى قريتهم وحدهم، دون لوط وأهله. وقوله - تعالى - ~~حكاية عنهم { إنهم أناس يتطهرون } تعليل للإخراج، وبيان ~~لسببه، أى أخرجوهم من قريتكم لأنهم أناس يتنزهون عن الفعل الذى نفعله، ~~وينفرون من الشهوة التى نشتهيها وهى إتيان الرجال.. وما أعجب العقول ~~عندما تنتكس، والنفوس عندما ترتكس،إنها تأبى أن يبقى معها الأطهار، بل ~~تحرض على طردهم، ليبقى معها الممسوخون والمنحرفون الذين انحطت طباعهم، ~~وزين لهم الشيطان سوء أعمالهم فرأوه حسنا. ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال ~~وقولهم { إنهم أناس يتطهرون } سخرية بهم وبتطهرهم من ~~الفواحش، وافتخارا بما كانوا فيه من القذارة، ms3922 كما يقول الفسقة لبعض ~~الصلحاء إذا وعظهم أبعدوا عنا هذا المتقشف وأريحونا من هذا المتزهد. ثم ~~بين - سبحانه - ما آل إليه أمر الفريقين فقال { فأنجيناه ~~وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين ~~وأمطرنا عليهم مطرا فسآء مطر المنذرين }. ~~والغابر الباقى. يقال غبر الشىء يغبر غبورا. إذا بقى. أى فكانت عاقبة تلك ~~المحاورة التى دارت بين لوط وقومه، أن أنجينا لوطا وأهله الذين آمنوا ~~معه، { امرأته } فإننا لم ننجها لخبثها وعدم إيمانها، فبقيت مع ~~القوم الكافرين، حيث قدرنا عليها ذلك بسبب كفرها وممالأتها لقومها. { ~~وأمطرنا } على هؤلاء المجرمين { مطرا } عظيما هائلا عجيبا أمره ~~وهو حجارة من سجيل دمرتهم تدميرا { فسآء مطر المنذرين } أى ~~فبئس العذاب عذابهم. وهكذا تكون عاقبة كل من آثر الكفر على الإيمان، ~~والرذيلة على الفضيلة. وبعد هذا الحديث المتنوع عن قصص بعض الأنبياء، ساق ~~- سبحانه - ما يدل على وحدانيته، وكمال قدرته، وسعة فضله على عباده، فقال ~~- تعالى - { قل الحمد لله... }. ### || [27.59-64] # قال صاحب البحر المحيط لما فرغ - سبحانه - من قصص هذه السورة، أمر رسوله ~~صلى الله عليه وسلم بحمده - تعالى - والسلام على المصطفين، وأخذ فى ~~مباينة واجب الوجود وهو الله - تعالى - ومباينة الأصنام والأديان التى ~~أشركوها مع الله وعبدوها، وابتدأ فى هذا التقرير لقريش وغيرهم بالحمد ~~لله، وكأنها صدر خطبة، لما يلقى من البراهين الدالة على الوحدانية والعلم ~~والقدرة. وقد اقتدى بذلك المسلمون فى تصانيف كتبهم، وخطبهم، ووعظهم، ~~فافتتحوا بتحميد الله، والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم وتبعهم ~~المتراسلون فى أوائل كتب الفتوح والتهانى والحوادث التى لها شأن. والمعنى ~~قل - أيها الرسول الكريم - للناس { الحمد لله } - تعالى - وحده، ~~فهو - سبحانه - صاحب النعم والمنن على عباده، وهو - عز وجل - الذى له ~~الخلق والأمر وليس لأحد سواه. وقل - أيضا - { وسلام على عباده ~~الذين اصطفى } أى أمان وتحية لعباده الذين اصطفاهم واختارهم - ~~سبحانه - لحمل رسالته وتبليغ دعوته، والاستجابة لأمره ونهيه، والطاعة له ~~فى السر والعلن. والاستفهام فى قوله { ءآلله خير أما ~~يشركون } للإنكار والتقريع، والألف منقلبة عن همزة الاستفهام. أى ~~وقل ms3923 لهم - أيها الرسول الكريم - آلله الذى له الخلق والأمر، والذى أنعم ~~عليكم بالنعم التى لا تحصى، خير، أم الآلهة الباطلة التى لا تنفع ولا ~~تضر، والتى يعبدها المشركون من دون الله - تعالى -. إن كل من عنده عقل، ~~لا يشك فى أن المستحق للعبادة والطاعة، هو الله رب العالمين. ولفظ { ~~خير } ليس للتفضيل، وإنما هو من باب التهكم بهم، إذ لا خير فى عبادة ~~الأصنام أصلا. وقد حكى عن العرب أنهم يقولون السعادة أحب إليك أم ~~الشقاوة، مع أنه لا خير فى الشقاوة إطلاقا. قال الآلوسى وقوله { ~~ءآلله } بالمد لقلب همزة الاستفهام ألفا، والأصل أألله؟ { خير ~~أما يشركون } والظاهر أن { ما } موصولة، والعائد محذوف أى آلله ~~الذى ذكرت شئونه العظيمة خير أم الذى يشركونه من الأصنام و { خير } ~~أفعل تفضيل، ومرجع الترديد إلى التعريض بتبكيت الكفرة من جهته - عز وجل - ~~وتسفيه آرائهم الركيكة، والتهكم بهم، إذا من البين أنه ليس فيما أشركوه ~~به - سبحانه - شائبة خير، حتى يمكن أن يوازن بينه وبين من هو خير محض.. ~~ثم ساق - سبحانه - خمس آيات، وكل آية فيها ما يدل على كمال قدرته وعلمه، ~~وختم كل آية بقوله { أإله مع الله }؟ فقال - تعالى - { ~~أمن خلق السماوات والأرض.. } و { أم } هنا منقطعة بمعنى ~~بل الإضرابية والاستفهام للإنكار والتوبيخ. أى بل قالوا لنا - إن كنتم ~~تعقلون أيها الضالون - من الذى خلق السموات والأرض، وأوجدهما على هذا ~~النحو البديع، والتركيب المحكم. # { وأنزل لكم من السمآء مآء } وهو المطر، الذى لا غنى ~~لكم عنه فى شئون حياتكم. { فأنبتنا به حدآئق ذات بهجة } ~~والحدائق جمع حديقة، وهى فى الأصل اسم البستان المحاط بالأسوار، من أحدق ~~بالشىء إذا أحاط به، ثم توسع فيها فصارت تطلق على كل بستان سواء أكان ~~مسورا بسور أم لا. أى وأنزل - سبحانه - بقدرته من السماء ماء مباركا، ~~فأنبتنا لكم بسبب هذا الماء حدائق وبساتين وجنات ذات منظر حسن، يشرح ~~الصدور، ويدخل السرور على النفوس. وقال - سبحانه - { فأنبتنا.. } ~~بصيغة الالتفات من الغيبة إلى التكلم. لتأكيد أن القادر ms3924 على هذا الإنبات ~~هو الله - تعالى - وحده، وللإيذان بأن إنبات هذه الحدائق مع اختلاف ~~ألوانها، وأشجارها، وطعومها. لا يقدر عليه إلا هو - سبحانه -. ولذا أتبع ~~- عز وجل - هذه الجملة بقوله { ما كان لكم أن تنبتوا ~~شجرها } أى ما كان فى إمكانكم - أيها الناس - بحال من الأحوال، أن ~~تنبتوا أشجار هذه الحدائق، فضلا عن إيجاد ثمارها، وإخراجها من العدم إلى ~~الوجود. قال الإمام الرازى يقال ما حكمة الالتفات فى قوله { ~~فأنبتنا.. } والجواب أنه لا شبهة فى أن خالق السموات والأرض، ومنزل ~~الماء من السماء، ليس إلا الله - تعالى -. ولكن ربما عرضت الشبهة فى أن ~~منبت الشجرة هو الإنسان، فإن الإنسان قد يقول أنا الذى ألقى البذر فى ~~الأرض، وأسقيها الماء... وفاعل السبب، فاعل للمسبب، فأنا المنبت للشجرة.. ~~فلما كان هذا الاحتمال قائما. لا جرم أزال - سبحانه - هذا الاحتمال. لأن ~~الإنسان قد يأتى بالبذر والسقى... ولا يأتى الزرع على وفق مراده... ~~فلهذه النكتة جاء الالتفات... وقوله - تعالى - { أإله مع ~~الله } أى أإله آخر كائن مع الله - تعالى - هو الذى خلق السموات ~~والأرض وأنزل من السماء ماء... كلا. لا شريك مع الله - تعالى - فى خلقه ~~وقدرته، وإيجاده لهذه الكائنات { بل هم قوم يعدلون }. أى بل ~~إن هؤلاء المشركين قوم يعدلون عمدا عن الحق الواضح وهو التوحيد، إلى ~~الباطل البين وهو الشرك. فقوله { يعدلون } مأخوذ من العدول بمعنى ~~الانحراف عن الحق إلى الباطل. أو من العدل والمساواة، فيكون المعنى بل هم ~~قوم - لجهلهم - يساوون بالله - تعالى - غيره من آلهتهم. والجملة الكريمة ~~انتقال من تبكيتهم بطريق الخطاب، إلى توبيخهم، وتجهيلهم، وبيان سوء ~~تفكيرهم، وانطماس بصائرهم. ثم انتقلت السورة الكريمة إلى لفت أنظارهم إلى ~~حقائق كونية أخرى يشاهدونها بأعينهم، ويحسونها بحواسهم. فقال - تعالى - { ~~أمن جعل الأرض قرارا } والقرار المكان الذى يستقر فيه ~~الإنسان، ويصلح لبناء حياته عليه. # أى بل قولوا لنا - أيها المشركون من الذى جعل هذه الأرض التى تعيشون ~~عليها، مكانا صالحا لاستقراركم، ولحرثكم، ولتبادل المنافع فيما بينكم، ~~ومن الذى دحاها وسواها وجعلها بهذه الطريقة ms3925 البديعة. ومن الذى { وجعل ~~خلالهآ } أى جعل فيما بينها { أنهارا } تجرى بين أجزائها، ~~لتنتفعوا بمياه هذه الأنهار فى شربكم، وفى غير ذلك من شئون حياتكم. ومن ~~الذى { وجعل لها رواسي } أى جعل لصلاح حالها جبالا ثوابت، ~~تحفظها من أن تضطرب بكم. ومن الذى { جعل بين البحرين } أى ~~جعل بين البحر العذب والبحر الملح { حاجزا } يجعلهما لا يختلطان ولا ~~يمتزجان. ثم يأتى الاستفهام الإنكارى { أإله مع الله }؟ أى ~~أإله مع الله - تعالى - هو الذى فعل ذلك؟ كلا، ليس مع الله - تعالى - ~~آلهة أخرى فعلت ذلك. { بل أكثرهم لا يعلمون } أى بل أكثر ~~هؤلاء المشركين، لا يعلمون الأمور على وجهها الصحيح، لجهلهم، وعكوفهم على ~~ما ورثوه عن آبائهم بدون تفكير أو تدبر. وعبر بأكثرهم، لأن هناك قلة منهم ~~تعلم الحق، لكنها تنكره جحودا وعنادا. ثم تنتقل السورة - للمرة الثالثة - ~~إلى لفت أنظارهم إلى الحقيقة التى هم يحسونها فى خاصة أنفسهم، وفى حنايا ~~قلوبهم فتقول { أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف ~~السوء }. والمضطر اسم مفعول من الاضطرار الذى هو افتعال من الضرورة. ~~والمراد به الإنسان الذى نزلت به شدة من الشدائد. جعلته يرفع أكف ~~الضراعة إلى الله - تعالى - لكى يكشفها عنه. أى وقولوا لنا - أيها ~~المشركون - من الذين يجيب دعوة الداعى المكروب الذى نزلت به المصائب ~~والرزايا؟ ومن الذى يكشف عنه وعن غيره السوء والبلاء؟ إنه الله وحده، هو ~~الذى يجيب دعاء من التجأ إليه، وهو وحده - سبحانه - الذى يكشف السوء عن ~~عباده، على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته. وقولوا لنا - أيضا - من الذى { ~~يجعلكم خلفآء الأرض } أى من الذى يجعلكم يخلف بعضكم بعضا. ~~قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل { أإله مع الله } هو الذى فعل ~~ذلك. كلا، بل الله وحده - عز وجل - هو الذى يجيب المضطر، وهو الذى يكشف ~~السوء، وهو الذى يجعلكم خلفاء الأرض، ولكنكم { قليلا ما ~~تذكرون } أى ولكنكم زمانا قليلا هو الذى تتذكرون فيه نعم الله - ~~تعالى - عليكم، ورحمته بكم. وختم - سبحانه - هذه الآية بتلك الجملة ~~الحكيمة، لأن الإنسان ms3926 من شأنه - إلا من عصم الله - أنه يذكر الله - ~~تعالى - عند الشدائد، وينساه عند الرخاء. وصدق الله إذ يقول # وإذآ أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه ~~وإذا مسه الشر فذو دعآء عريض # ثم انتقلت السورة الكريمة - للمرة الرابعة - إلى لفت أنظارهم إلى نعمه - ~~سبحانه - عليهم فى أسفارهم فقال - تعالى - { أمن يهديكم في ~~ظلمات البر والبحر }. # أى وقولوا لنا - أيها المشركون- من الذى يرشدكم فى أسفاركم إلى المكان ~~الذى تريدون الذهاب إليه، عندما تلتبس عليكم الطرق، وأنتم بين ظلمات ~~البحر وأمواجه، أو وأنتم فى متاهات الأرض وفجاجها. وقولوا لنا { ومن ~~يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته } أى ومن الذى ~~يرسل لكم الرياح لتكون مبشرات بقرب نزول المطر، الذى هو رحمة من الله - ~~تعالى - لكم، بعد أن أصابكم اليأس والقنوط؟ { أإله مع الله } ~~هو الذى فعل ذلك، كلا، فما فعل ذلك أحد سواه. وقوله - سبحانه - { ~~تعالى الله عما يشركون } تأكيد لوحدانيته وقدرته وتنزيه له ~~- تعالى - عن الشرك والشركاء. أى تنزه الله وتقدس عن شرك هؤلاء المشركين، ~~فهو الواحد الأحد فى ذاته، وفى صفاته، وفى أفعاله. ثم انتقلت السورة ~~الكريمة - للمرة الخامسة - إلى لفت أنظارهم إلى نعمة أخروية، بعد أن ساقت ~~ما ساقت من النعم الدنيوية، فقال - تعالى - { أمن يبدأ الخلق ~~ثم يعيده } أى قولوا لنا - أيها المشركون - من الذى فى قدرته أن ~~يوجد الخلق فى الأرحام من نطفة، ثم يحولها إلى علقة، ثم إلى مضغة... ثم ~~يعيد هذه المخلوقات جميعها بعد موتها، إلى الحياة مرة أخرى؟ لا شك أنه لا ~~يقدر على ذلك أحد سوى الله - تعالى -. ثم قولوا لنا { ومن يرزقكم ~~من السمآء والأرض } بالمطر والنبات والأموال، وبغير ذلك من ~~ألوان النعم التى لا تحصى؟. { أإله مع الله } هو الذى فعل ~~ذلك؟ كلا، لم يفعل ذلك سوى الله - تعالى - وحده ثم لقن الله - تعالى - ~~رسوله صلى الله عليه وسلم الجواب الذى يخرس ألسنتهم عند المعارضة أو ~~المجادلة فقال { قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين }. ~~أى قل لهم - أيها الرسول الكريم - عند معارضتهم ms3927 لك، أحضروا حجتكم وهاتوا ~~برهانا عقليا أو نقليا، على أن الله - تعالى - شريكا فى ملكه، إن كنتم ~~صادقين فيما انغمستم فيه من جهل وشرك وكفر به - عز وجل -. قال الإمام ~~الرازى ما ملخصه اعلم أنه - تعالى - لما عدد نعم الدنيا، أتبع ذلك بنعم ~~الآخرة فقال { أمن يبدأ الخلق ثم يعيده } ، لأن نعم ~~الله بالثواب لا تتم إلا بالإعادة بعد الابتداء. فإن قيل كيف قيل لهم { ~~أمن يبدأ الخلق ثم يعيده } وهم منكرون للإعادة؟. ~~فالجواب أنهم كانوا معترفين بالابتداء، ودلالة الابتداء على الإعادة ~~دلالة ظاهرة قوية، فلما كان الكلام مقرونا بالدلالة الظاهرة، صاروا كأنهم ~~لم يبق لهم عذر فى الإنكار.. وبذلك ترى هذه الآيات الكريمة. قد أقامت ~~أوضح الأدلة وأقواها، على وحدانية الله - تعالى -. وعلى كمال قدرته، ~~وشمول علمه، وانفراده بالخلق والتدبير.. ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ~~ذلك إلى الحديث عن علم الله - تعالى - الذى غيبه عن عباده، وعن أقوال ~~المشركين فى شأن البعث والحساب، وعن توجيهات الله - تعالى - لنبيه فى ~~الرد عليهم... فقال - تعالى - { قل لا يعلم من... }. ### || [27.65-75] # ذكر بعض المفسرين أن كفار مكة سألوا النبى صلى الله عليه وسلم عن وقت ~~قيام الساعة، فنزل قوله - تعالى - { قل لا يعلم من في ~~السماوات والأرض الغيب إلا الله.. }. والغيب مصدر غاب ~~يغيب، وكثيرا ما يستعمل بمعنى الغائب، ومعناه مالا تدركه الحواس، ولا ~~يعلم ببداهة العقل. و " من " اسم موصول فى محل رفع على أنه فاعل " يعلم " ~~و " الغيب " مفعوله فيكون المعنى قل - أيها الرسول الكريم - لكل من سألك ~~عن موعد قيام الساعة لا يعلم أحد من المخلوقات الكائنة فى السموات ~~والأرض، الغيب إلا الله - تعالى - وحده، فإنه هو الذى يعلمه. ويجوز أن ~~يكون لفظ " من " فى محل نصب على المفعولية و " الغيب " بدل منه، ولفظ ~~الجلالة " الله " فاعل " يعلم " فيكون المعنى قل لا يعلم الأشياء التى ~~تحدث فى السموات والأرض الغائبة عنا، إلا الله - تعالى -. قال القرطبى ~~وفى صحيح مسلم عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ms3928 # " من زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم يعلم ما فى غد، فقد أعظم على الله ~~الفرية ". # وقوله - سبحانه - { وما يشعرون أيان يبعثون } تأكيد ~~لانفراد الله - تعالى - بعلم الغيوب، ولفظ " أيان " ظرف زمان متضمن معنى ~~متى. أى وما يشعر هؤلاء الكافرون الذين سألوا عن وقت قيام الساعة، ولا ~~غيرهم، متى يكون بعثهم من قبورهم للحساب، إذ علم وقت قيام الساعة لا ~~يعلمه إلى الله وحده. فالجملة الكريمة تنفى عنهم العلم بموعد قيام الساعة ~~فى أدق صورة وأخفاها، فهم لا يشعرون ولا يحسون بقيام الساعة، # بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ~~ولا هم ينظرون # ثم بين - سبحانه - حقيقة أمرهم فى الآخرة بصورة أكثر تفصيلا. فقال { ~~بل ادارك علمهم في الآخرة.. }. وقوله - تعالى - { بل ~~ادارك... } قرأه الجمهور - بكسر اللام وتشديد الدال وبعدها ألف - ~~وأصله تدارك، بزنة تفاعل. وللعلماء فى تفسير هذه الآية أقوال أشهرها أن ~~التدارك بمعنى الاضمحلال والفناء، وأصله التتابع والتلاحق. يقال تدارك ~~بنو فلان، إذا تتابعوا فى الهلاك، و " فى " بمعنى الباء. أى بل تتابع علم ~~هؤلاء المشركين بشئون البعث حتى اضمحل وفنى، ولم يبق لهم علم بشىء مما ~~سيكون فيها قطعا مع توافر أسبابه ومباديه من الدلائل. والمقصود أن أسباب ~~علمهم بأحوال الآخرة مع توافرها قد تساقطت من اعتبارهم لكفرهم بها، ~~فأجرى ذلك مجرى تتابعها فى الانقطاع. ومنهم من يرى أن التدارك هنا ~~التكامل، فيكون المعنى بل تكامل علمهم بشئون الآخرة، حين يعاينون ما أعد ~~لهم فيها من عذاب، بعد أن كانوا ينكرون البعث والحساب فى الدنيا. # قال الآلوسى ما ملخصه قوله { بل ادارك علمهم في الآخرة } ~~إضراب عما تقدم على وجه يفيد تأكيده وتقريره... والمعنى بل تتابع علمهم ~~فى شأن الآخرة، التى ما ذكر من البعث حال من أحوالها، حتى انقطع وفنى، ~~ولم يبق لهم علم بشىء مما سيكون فيها قطعا، مع توفر أسبابه، فهو ترق من ~~وصفهم بجهل فاحش إلى وصفهم بجهل أفحش... وجوز أن يكون " ادارك " بمعنى ~~استحكم وتكامل... ويبدو لنا أن الآية الكريمة تتسع ms3929 للقولين، على معنى أن ~~المشركين اضمحل علمهم بالآخرة لكفرهم بها فى الدنيا، فإذا ما بعثوا يوم ~~القيامة وشاهدوا العذاب، أيقنوا بحقيقتها، وتكامل علمهم واستحكم بأن ما ~~كانوا ينكرونه فى الدنيا. قد صار حقيقة لا شك فيها، ولا مفر لهم من ~~عذابها.. ومن الآيات التى توضح هذا المعنى قوله - تعالى - # لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطآءك ~~فبصرك اليوم حديد # أى علمك بما كنت تنكره فى الدنيا قد صار فى نهاية القوة والوضوح. وقرأ ~~ابن كثير وأبو عمرو { بل ادارك علمهم في الآخرة } - بسكون ~~اللام من بل. وهمزة قطع مفتوحة مع سكون الدال فى " أدرك " فهو بزنة ~~أفعل. أى بل كمل علمهم فى الآخرة، وذلك بعد أن شاهدوا أهوالها، ورأوها ~~بأعينهم، وقد كانوا مكذبين بها فى الدنيا. وقوله - سبحانه - { بل هم ~~في شك منها بل هم منها عمون } بيان لأحوالهم فى ~~الدنيا. أى أن هؤلاء المشركين كانوا فى الدنيا يشكون فى الآخرة، بل كانوا ~~فى عمى عنها، بحيث لا يفتحون بصائرهم أو أبصارهم، عما قال لهم الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بشأنها. فأنت ترى أن الآية الكريمة قد انتقلت فى تصوير ~~كفر هؤلاء المشركين بالآخرة، من حالة شنيعة إلى حالة أخرى أشد منها فى ~~الشناعة والجحود. قال صاحب الكشاف فإن قلت هذه الإضرابات الثلاثة ما ~~معناها؟ قلت ما هى إلا تنزيل لأحوالهم وصفهم أولا بأنهم لا يشعرون وقت ~~البعث، ثم لا يعلمون بأن القيامة كائنة، ثم إنهم يخبطون فى شك ومرية، فلا ~~يزيلونه مع أن الإزالة مستطاعة... ثم بما هم أسوأ حالا وهو العمى، وأن ~~يكون مثل البهيمة قد عكف همه على بطنه وفرجه، لا يخطر بباله حق ولا باطل، ~~ولا يفكر فى عاقبة. ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك أقوالهم الباطلة، التى ~~جعلتهم فى عمى عن الآخرة فقال { وقال الذين كفروا أإذا ~~كنا ترابا وآبآؤنآ أإنا لمخرجون }. أى وقال الذين ~~كفروا على سبيل الإنكار للبعث والحساب أئذا متنا وصرنا مثل التراب، وصار ~~آباؤنا كذلك مثل التراب، أنبعث ونخرج إلى ms3930 الحياة مرة أخرى بعد أن صرنا ~~جميعا عظاما نخرة وأجسادا بالية؟ يقولون هذا، وينسون لجهلهم وانطماس ~~بصائرهم أن الله - تعالى - أوجدهم بقدرته ولم يكونوا شيئا مذكورا. # والاستفهام للإنكار والنفى، والعامل فى " إذا " محذوف، دل عليه " ~~مخرجون " وقوله " { وآبآؤنآ } معطوف على اسم كان، أى أنبعث ونخرج نحن ~~وآباؤنا إذا كنا كذلك؟ ثم يتبعون قولهم هذا، بقول أشد منه فى الإنكار ~~والتهكم فيقولون { لقد وعدنا هذا نحن وآبآؤنا من ~~قبل إن هذآ إلا أساطير الأولين }. والأساطير جمع ~~أسطورة، كأحاديث وأحدوثة، وأكاذيب وأكذوبة. ومرادهم بها الخرافات ~~والتخيلات التى لا حقيقة لها. أى لقد وعدنا الإخراج والإعادة إلى ~~الحياة، نحن وآباؤنا من قبل، أى من قبل أن يخبرنا محمد صلى الله عليه ~~وسلم بذلك، فنحن وآباؤنا ما زلنا نسمع من القصاص أن هناك بعثا وحسابا، ~~ولكن لا نرى لذلك حقيقة ولا وقوعا... وما هذا الذى نسمعه من محمد صلى ~~الله عليه وسلم فى شأن الآخرة إلا أكاذيب الأولين، وخرافاتهم التى لا ~~مكان لها فى عقولنا. وهكذا يؤكدون إنكارهم للآخرة، بشتى ألوان المؤكدات، ~~المصحوبة بالتهكم والاستخفاف. وهنا يلفت القرآن أنظارهم إلى مصارع ~~المكذبين من قبلهم، ويأمر النبى صلى الله عليه وسلم أن يحذرهم من سوء ~~مصير هذا الإنكار والاستهزاء، فيقول { قل سيروا في الأرض ~~فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين }. أى قل - أيها ~~الرسول الكريم - لهؤلاء الجاحدين سيروا فى الأرض لتروا بأعينكم مصارع ~~المكذبين بما جاءهم به الرسل من قبلكم. ولتعتبروا بما أصابهم بسبب ~~إجرامهم، وإنكارهم للبعث والحساب يوم القيامة. فالآية الكريمة توجههم إلى ~~ما من شأنه أن يفتح مغاليق قلوبهم المتحجرة وأن يزيل عن نفوسهم قسوتها ~~وعنادها. وبعد هذا التوجيه الحكيم تأخذ السورة الكريمة فى تسلية الرسول ~~صلى الله عليه وسلم عما أصابه من حزن بسبب كفرهم فتقول { ولا تحزن ~~عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون } والحزن اكتئاب ~~نفسى يحدث للإنسان من أجل وقوع ما يكرهه. والمقصود بالنهى عن الحزن ~~النهى عن لوازمه، كالإكثار من محاولة تجديد شأن المصائب، وتعظيم أمرها، ~~وبذلك تتجدد الآلام، ms3931 ويصعب نسيانها. والمكر التدبير المحكم. أو صرف الغير ~~عما يريده بحيلة، لقصد إيقاع الأذى به. أى ولا تحزن - أيها الرسول الكريم ~~- على هؤلاء المشركين، بسبب إصرارهم على الكفر والجحود ولا يضيق صدرك، ~~ويمتلىء هما وغما بسبب مكرهم فإن الله - تعالى - عاصمك منهم، وناصرك ~~عليهم. ثم تعود السورة التى سرد أباطيلهم فتقول { ويقولون متى ~~هذا الوعد إن كنتم صادقين } أى ويقول هؤلاء المشركون ~~للرسول صلى الله عليه وسلم ولأصحابه متى يحصل هذا الوعد الذى توعدتمونا ~~به، وهو أن عذابا سيصيبنا إذا لم نؤمن بما أنتم مؤمنون به. # إن كنتم صادقين فى وعدكم لنا بهذا العذاب، فأنزلوه بنا، فنحن قد طال ~~انتظارنا له. وهكذا الأشرار يتعجلون مصيرهم الأليم، ويبحثون عن حتفهم ~~بظلفهم، وذلك لإيغالهم فى الغرور والعناد. ولذا جاء الرد عليهم، يحمل فى ~~طياته العذاب الشديد، والتهكم المرير، فيقول - تعالى - آمرا رسوله صلى ~~الله عليه وسلم بالرد عليهم { قل عسى أن يكون ردف لكم ~~بعض الذي تستعجلون }. والرديف - كما يقول صاحب المصباح - ~~الذى تحمله خلفك على ظهر الدابة... ومنه ردف المرأة، وهو عجزها، ~~والجمع أرادف... وترادف القوم إذا تتابعوا، وكل شىء تبع شيئا فهو ردفه. ~~أى قل لهم - أيها الرسول الكريم - لا تتعجلوا العذاب فعسى ما تستعجلونه ~~من عذاب، بعضه قد لحقكم ونزل بكم، وبعضه فى طريقه إليكم، وأنتم لا تشعرون ~~بذلك، لشدة غفلتكم، وتبلد مشاعركم. والتعبير بقوله { ردف لكم } يشعر ~~بأن العذاب ليس بعيدا عنهم، وإنما هو قريب منهم، كقرب الراكب فوق الدابة ~~ممن هو ردفه - أى خلفه - عليها. ولقد لحقهم شىء من هذا العذاب الذى ~~تعجلوه فى مكة، عندما أصيبوا بالقحط والجدب، ولحقهم شىء منه بعد ذلك فى ~~بدر، عندما قتل المسلمون أكثر زعمائهم، كأبى جهل، وغيره... ولعذاب الآخرة ~~أشد وأبقى. ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على الناس، فقال { وإن ~~ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا ~~يشكرون }. أى وإن ربك - أيها الرسول الكريم - لذو فضل عظيم، وإنعام ~~كبير على الناس. ومن مظاهر ذلك أنه لم يعاجلهم بالعقوبة ms3932 مع كفرهم ~~وعصيانهم، ولكن أكثر هؤلاء الناس لا يشكرونه - سبحانه - على فضله ~~وإنعامه. والتعبير " بأكثر " للإشعار بأن هناك قلة مؤمنة من الناس، ~~ملازمة لشكر الله - تعالى - فى السراء والضراء، والعسر واليسر. ثم بين - ~~سبحانه - شمول علمه لكل شىء فقال { وإن ربك } - أيها الرسول ~~الكريم - { ليعلم } علما تاما { ما تكن صدورهم } أى ما ~~تخفيه وتستره صدورهم من أسرار، ويعلم - أيضا - { وما يعلنون } أى ~~ما يظهرونه من أقوال وأفعال. { وما من غآئبة في السمآء ~~والأرض } أى وما من شىء غائب عن علم الخلق سواء أكان فى السماء أو فى ~~الأرض. { إلا } وهو عندنا { في كتاب مبين } أى إلا وهو عندنا ~~فى كتاب واضح لمن يطالعه بإذن ربه، وهذا الكتاب المبين هو اللوح المحفوظ ~~الذى سجل - سبحانه - فيه أحوال خلقه. وما دام الأمر كذلك، فلا تحزن - ~~أيها الرسول الكريم - لما عليه هؤلاء المشركون من جحود وعناد، بل فوض ~~إلينا أمرنا، فأنت عليك البلاغ، ونحن علينا الحساب. ثم مدحت السورة ~~الكريمة القرآن الكريم، وساقت المزيد من التسلية للنبى صلى الله عليه ~~وسلم فقال - تعالى - { إن هذا القرآن... }. ### || [27.76-81] # قال الإمام الرازى اعلم أنه - سبحانه - لما تمم الكلام فى إثبات المبدأ ~~والمعاد. ذكر بعد ذلك ما يتعلق بالنبوة، ولما كانت الدلالة الكبرى فى ~~إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم هو القرآن، لا جرم بين الله - تعالى ~~- أولا كونه معجزة... أى إن هذا القرآن من معجزاته الدالة على أنه من عند ~~الله - تعالى - أنه يقص على بنى إسرائيل، الذين هم حملة التوراة ~~والإنجيل، أكثر الأشياء التى اختلفوا فيها، ويبين لهم وجه الحق والصواب ~~فيما اختلفوا فيه. ومن بين ما اختلف فيه بنو إسرائيل اختلافهم فى شأن ~~عيسى - عليه السلام -، فاليهود كفروا به، وقالوا على أمه ما قالوا من ~~الكذب والبهتان، والنصارى قالوا فيه إنه الله، أو هو ابن الله، فجاء ~~القرآن ليبين لهم القول الحق فى شأن عيسى - عليه السلام - فقال من بين ما ~~قاله # إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ~~وكلمته ألقاها إلى ms3933 مريم وروح منه.. # وقال - سبحانه - { يقص على بني إسرائيل أكثر الذي ~~هم فيه يختلفون } للإشارة إلى أن القرآن ترك أشياء اختلفوا ~~فيها دون أن يحكيها، لأنه لا يتعلق بذكرها غرض هام يستدعى الحديث عنها، ~~ولأن فى عدم ذكرها سترا لهم، عما وقعوا فيه من أخطاء... وقوله - تعالى - ~~{ وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين } صفة أخرى من صفات ~~القرآن الكريم الدالة على أنه من عند الله - تعالى - أى وإن هذا القرآن ~~لمن صفاته - أيضا - أننا جعلناه هداية للمؤمنين إلى الصراط المستقيم، ~~ورحمة لهم ينالون بسببها العفو والمغفرة من الله. وخص هدايته ورحمته ~~بالمؤمنين، لأنهم هم الذين آمنوا به، وصدقوا بما فيه، وعملوا بأوامره، ~~واجتنبوا نواهيه، وطبقوا على أنفسهم أحكامه، وآدابه، وتشريعاته. ثم بين - ~~سبحانه - أن مرد القضاء بين المختلفين إليه وحده فقال { إن ربك ~~يقضي بينهم بحكمه.. }. أى إن ربك - أيها الرسول الكريم - ~~يقضى بين بنى إسرائيل الذين اختلفوا فيما بينهم اختلافا كبيرا، بحكمه ~~العادل، كما يقضى بين غيرهم، فيجازى الذين أساؤوا بما عملوا، ويجازى ~~الذين أحسنوا بالحسنى. { وهو } - سبحانه - { وهو العزيز } الذى ~~لا يغالب { العليم } بكل شىء فى هذا الوجود، والفاء فى قوله - تعالى ~~- { فتوكل على الله.. } للتفريع. أى ما دمت قد عرفت ذلك - ~~أيها الرسول الكريم - ففوض أمرك إلى العزيز العليم وحده، وتوكل عليه دون ~~سواه، وبلغ رسالته دون أن تخشى أحدا إلا إياه. وجملة { إنك على ~~الحق المبين } تعليل للتوكل على الله وحده. أى توكل على الله - ~~تعالى - وحده، لأنك - أيها الرسول الكريم - على الحق الواضح البين، الذى ~~لا تحوم حوله شبهة من باطل. # وقوله - تعالى - { إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع ~~الصم الدعآء إذا ولوا مدبرين.. } تعليل آخر لوجوب ~~التوكل على الله - تعالى -. وقد شبه - سحبانه - أولئك المشركين، بالأموات ~~الذين فقدوا الحياة، وبالصم الذين فقدوا السمع، وبالعمى الذين فقدوا ~~البصر، وذلك لأنهم لم ينتفعوا بهذه الحواس، فصاروا كالفاقدين لها. أى دم ~~- أيها الرسول الكريم - على توكلك على الله - تعالى - وحده، وإنك لا ~~تستطيع أن تسمع هؤلاء المشركين. ما يردهم ms3934 عن شركهم، لأنهم كالموتى الذين ~~لا حس لهم ولا عقل، ولأنهم كالصم الذين فقدوا نعمة السمع. وقوله { إذا ~~ولوا مدبرين } لتتميم التشبيه. وتأكيد نفى السماع. أى إذا ~~أعرضوا عن الحق إعراضا تاما، وأدبروا عن الاستماع إليك. قال الجمل فإن ~~قلت ما معنى قوله { مدبرين } والأصم لا يسمع سواء أقبل أو أدبر؟. ~~قلت هو تأكيد ومبالغة للأصم. وقيل إن الأصم إذا كان حاضرا قد يسمع رفع ~~الصوت، أو يفهم بالإشارة، فإذا ولى لم يسمع ولم يفهم. ومعنى الآية إنهم ~~لفرط إعراضهم عما يدعون إليه كالميت، الذى لا سبيل إلى إسماعه، وكالأصم ~~الذى با يسمع ولا يفهم. وقوله - سبحانه - { ومآ أنت بهادي ~~العمي عن ضلالتهم.. } أى وما أنت - أيها الرسول الكريم - بقادر ~~على أن تصرف العمى عن طريق الضلال الذى انغمسوا فيه، لأن الهداية إلى ~~طريق الحق، مردها إلى الله - تعالى - وحده. ثم بين - سبحانه - فى مقابل ~~ذلك، من هم أهل السماع والبصر فقال { إن تسمع إلا من يؤمن ~~بآياتنا فهم مسلمون }. أى أنت - أيها الرسول الكريم - ما ~~تستطيع أن تسمع إسماعا مجديا نافعا، إلا لمن يؤمن بآياتنا الدالة على ~~وحدانيتنا وقدرتنا، لأن هؤلاء هم المطيعون لأمرنا، المسلمون وجوههم لنا. ~~وبذلك ترى الآيات الكريمة قد ساقت الكثير من وسائل التسلية للرسول صلى ~~الله عليه وسلم عما أصابه من المشركين، كما ساقت ما يدل على أن هذا ~~القرآن من عند الله - تعالى - وعلى أنه - سبحانه - هو الحكم العدل بين ~~عباده. ثم أخذت السورة الكريمة تسوق فى أواخرها بعض أشراط الساعة ~~وعلاماتها، وأهوالها، لكى تعتبر النفوس، وتخشع لله - تعالى -. فقال - عز ~~وجل - { وإذا وقع... }. ### || [27.82-88] # قال الإمام ابن كثير هذه الدابة تخرج فى آخر الزمان عند فساد الناس، ~~وتركهم أوامر الله، وتبديلهم الدين الحق، يخرج الله لهم دابة من الأرض ~~قيل من مكة، وقيل من غيرها. ثم ذكر - رحمه الله - جملة من الأحاديث فى ~~هذا المعنى منها ما رواه مسلم عن حذيفة بن أسيد الغفارى قال # " أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ms3935 من غرفته، ونحن نتذاكر أمر ~~الساعة فقال لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات طلوع الشمس من مغربها، ~~والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، ونزول عيسى بن مريم، والدجال، و ~~ثلاثة خسوف خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من ~~قعر عدن، تسوق - أو تحشر - الناس، تبيت معهم حيث باتوا - وتقيل معهم حيث ~~قالوا ". # والدابة اسم لكل حيوان ذى روح، سواء أكان ذكرا أم أنثى، عاقلا أم غير ~~عاقل، من الدبيب وهو فى الأصل المشى الخفيف، واختصت فى العرف بذوات ~~القوائم الأربع. والمراد بوقوع القول عليهم قرب قيام الساعة، وانتهاء ~~الوقت الذى يقبل فيه الإيمان من الكافر. أو الذى تنفع فيه التوبة. ~~والمعنى إذا دنا وقت قيام الساعة. وانتهى الوقت الذى ينفع فيه الإيمان ~~أو التوبة.. أخرجنا للناس بقدرتنا وإرادتنا، دابة من الأرض تكلمهم، ~~فيفهمون كلامها، ويعرفون أن موعد قيام الساعة قد اقترب. و { أن ~~الناس } أى الكافرين { كانوا بآياتنا } الدالة على وحدانيتنا ~~وقدرتنا { لا يوقنون } بها، ولا يصدقون أن هناك بعثا وحسابا. فخروج ~~الدابة علامة من علامات الساعة الكبرى، يخرجها الله - عز وجل - ليعلم ~~الناس قرب انتهاء الدنيا وأن الحساب العادل للمؤمنين والكافرين، آت لا شك ~~فيه، وأن التوبة لن تقبل فى هذا الوقت، لأنها جاءت فى غير وقتها المناسب. ~~وقد ذكر بعض المفسرين أوصافا كثيرة، منها أن طولها ستون ذراعا وأن رأسها ~~رأس ثور، وأذنها أذن فيل، وصدرها صدر أسد.. الخ. ونحن نؤمن بأن هناك دابة ~~تخرج فى آخر الزمان، وأنها تكلم الناس بكيفية يعلمها الله - عز وجل - ~~أما ما يتعلق بالمكان الذى تخرج منه هذه الدابة، وبالهيئة التى تكون ~~عليها من حيث الطول والقصر، فنكل ذلك إلى علمه - سبحانه - حيث لم يرد ~~حديث صحيح يعتمد عليه فى بيان ذلك. وقوله - سبحانه - { ويوم نحشر ~~من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم ~~يوزعون } بيان إجمالى لحال المكذبين بالساعة عند قيامها، بعد بيان ~~بعض أشراطها. والظرف متعلق بمحذوف. والحشر الجمع، قالوا والمراد بهذا ~~الحشر حشر الكافرين إلى النار، ms3936 بعد حشر الخلائق جميعها، والفصل بينهم. ~~والفوج يطلق فى الأصل على الجماعة التى تسير بسرعة، ثم توسع فيه فصار ~~يطلق على كل جماعة، وإن لم يكن معها مرور أو إسراع. # وقوله { يوزعون } من الوزع. بمعنى الكف والمنع، يقال وزعه عن الشىء، ~~إذا كفه عنه، ومنعه من غشيانه، والوازع فى الحرب، هو الموكل بتنظيم ~~الصفوف، ومنع الاضطراب فيها. والمعنى واذكر - أيها العاقل لتعتبر وتتعظ - ~~يوم { نحشر من كل أمة } من الأمم { فوجا }. أى جماعة من ~~الذين كانوا يكذبون فى الدنيا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا { ~~فهم يوزعون } أى فهم يقفون بين أيدينا، داخرين صاغرين، بحيث لا ~~يتقدم أحد منهم على أحد، وإنما يتحركون ويساقون إلى حيث نريد منهم، ~~ويتجمعون جميعا ليلقوا مصيرهم المحتوم. وأفرد - سبحانه - هؤلاء المكذبين ~~بالذكر. - مع أن الحشر يشمل الناس جميعا - لإبراز الحال السيئة التى ~~يكونون عليها عندما يجمعون للحساب دون أن يشذ منهم أحد، ودون أن يتحرك ~~أولهم حتى يجتمع معه آخرهم.. ثم بين - سبحانه - أحوالهم بعد ذلك فقال { ~~حتى إذا جآءوا } أى حتى إذا ما وصلوا إلى موقف الحساب قال الله - ~~تعالى - لهم على سبيل التأنيب والتوبيخ { أكذبتم بآياتي } ~~الدالة على وحدانيتى وعلى أن الآخرة حق. وأن الحساب حق وجملة، { ولم ~~تحيطوا بها علما } حالية، لزيادة التشنيع عليهم. والتجهيل لهم. ~~أى أكذبتم بآياتى الدالة على أن البعث حق، دون أن تتفكروا فيها، ودون أن ~~يكون عندكم أى علم أو دليل على صحة هذا التكذيب. ثم أضاف - سبحانه - إلى ~~هذا التوبيخ لهم، توبيخا أشد وأعظم، فقال { أما ذا كنتم ~~تعملون }. أى إذا لم تكونوا قد كذبتم بآياتى، فقولوا لنا ماذا كنتم ~~تعملون، فإننا لا يخفى علينا شىء منها، ولا نعاقبكم إلا عليها. ولا شك أن ~~هذا التساؤل المقصود منه تأنيبهم وتقريعهم، والاستهزاء بهم، لأنه من ~~المعروف أنهم كذبوا بآيات الله، وأنهم قد قضوا حياتهم فى الكفر والضلال، ~~ولذا وقفوا واجمين لا يحيرون جوابا، فكانت النتيجة كما قال - تعالى - بعد ~~ذلك { ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ms3937 ~~ينطقون }. أى وحل العذاب عليهم بسبب ظلمهم وجحودهم، فاستقبلوه ~~باستسلام وذلة، دون أن يستطيعوا النطق بكلمة تنفعهم. أو بحجة يدافعون بها ~~عن أنفسهم... فالمقصود بوقوع القول عليهم إقامة الحجة عليهم، ونزول ~~العذاب بهم واستحقاقهم له بسبب ظلمهم وكفرهم. وبعد هذا التوبيخ لهم وهم ~~فى ساحة الحشر، انتقلت السورة إلى توبيخهم على فعلتهم حين كانوا فى ~~الدنيا. فتقول { ألم يروا أنا جعلنا اليل ليسكنوا ~~فيه والنهار مبصرا }. أى أبلغت الغفلة والجهالة بهؤلاء ~~المكذبين - أنهم يعيشون - فى هذا الكون ليأكلوا ويشربوا ويتمتعوا، دون أن ~~يعتبروا أو يتفكروا. لقد أوجدنا لهم ليلا يسكنون فيه، وأوجدنا لهم نهارا ~~يبتغون فيه أرزاقهم، وجعلنا الليل والنهار بهذا المقدار، لتتيسر لهم ~~أسباب الحياة والراحة، فكيف لم يهتدوا إلى أن لهذا الكون خالقا حكيما ~~قادرا؟ { إن في ذلك } الذى جعلناه، لهم، من وجود الليل والنهار ~~بهذه الطريقة { لآيات } بينات واضحات على وحدانيتنا وقدرتنا { ~~لقوم يؤمنون } بأن الله - تعالى - هو الخالق لكل شىء وهو ~~الإله الحق لا إله سواه. # وذلك، لأن من تأمل فى تعاقب الليل والنهار بتلك الصورة البديعة المطردة، ~~وفى اختلافهما طولا وقصرا، وظلمة وضياء... أيقن بأن لهذا الكون إلها ~~واحدا قادرا على إعادة الحياة إلى الأموات، ليحاسبهم على أعمالهم. قال ~~الآلوسى وقوله { والنهار مبصرا } أى ليبصروا بما فيه من ~~الإضاءة، وطرق التقلب فى أمور معاشهم، فبولغ حيث جعل الإبصار الذى هو ~~حال الناس حالا له، ووصفا من أوصافه التى جعل عليها بحيث لم ينفك عنها، ~~ولم يسلك فى الليل هذا المسلك. لما أن تأثير ظلام الليل فى السكون، ليس ~~بمثابة تأثير ضوء النهار فى الإبصار. وقوله - سبحانه - { ويوم ~~ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض ~~إلا من شآء الله.. } معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك { ~~ويوم نحشر من كل أمة فوجا } والصور، القرن الذى ينفخ ~~فيه نفخة الصعق والبعث، وذلك يكون عند النفخة الثانية... والنافخ ~~إسرافيل - عليه السلام -. قال القرطبى ما ملخصه والصحيح فى الصور أنه قرن ~~من نور، ينفخ فيه إسرافيل. والصحيح ms3938 - أيضا - فى النفخ فى الصور أنهما ~~نفختان. وأن نفخة الفزع إنما تكون راجعة إلى نفخة الصعق لأن الأمرين ~~لازمان لهما.. والمراد - هنا النفخة الثانية - أى يحيون فزعين، يقولون # من بعثنا من مرقدنا # ويعاينون من الأمر ما يهولهم ويفزعهم والمعنى واذكر - أيها العاقل - يوم ~~ينفخ إسرافيل فى الصور بإذن الله - تعالى - وأمره { ففزع من في ~~السماوات ومن في الأرض } أى خافوا وانزعجوا، وأصابهم الرعب، ~~لشدة ما يسمعون، وهول ما يشاهدون، فى هذا اليوم الشديد. وقوله { إلا ~~من شآء الله } اسثناء ممن يصيبهم الفزع. أى ونفخ فى الصور ففزع من ~~فى السموات ومن فى الأرض إلا من شاء الله - تعالى - لهم عدم الفزع ~~والخوف. والمراد بهؤلاء الذين لا يفزعون، قيل الأنبياء، وقيل الشهداء، ~~وقيل الملائكة. ولعل الأنسب أن يكون المراد ما يعم هؤلاء السعداء وغيرهم، ~~ممن رضى الله عنهم ورضوا عنه، لأنه لم يرد نص صحيح يحددهم. وقوله - ~~سبحانه - { وكل أتوه داخرين } أى وكل واحد من هؤلاء الفزعين ~~المبعوثين عند النفخة، أتوا إلى موقف الحشر، للوقوف بين يدى الله - تعالى ~~- { داخرين } أى صاغرين أذلاء. يقال دخر فلان - كمنع وفرح - دخرا ~~ودخورا. إذا صغر وذل. # وقوله - تعالى - { وترى الجبال تحسبها جامدة وهي ~~تمر مر السحاب... } معطوف على قوله - سبحانه - قبل ذلك { ~~ينفخ في الصور }. أى فى هذا اليوم الهائل الشديد، يفزع من فى ~~السموات ومن فى الأرض إلا من شاء الله، وترى الجبال الراسيات الشامخات، { ~~تحسبها جامدة } أى ثابتة فى أماكنها، والحال أنها تمر فى الجو ~~مر السحاب، الذى تسيره الرياح سيرا حثيثا. وهكذا تصور الآيات الكريمة ~~أهوال ذلك اليوم هذا التصوير البديع المعجز المؤثر، فالناس جميعا - إلا ~~من شاء الله - فزعون وجلون، والجبال كذلك كأنها قد أصابها ما أصاب الناس، ~~حتى لكأنها - وهى تسرع الخطا -. السحاب فى خفته ومروقه وتناثره، ثم يعقب ~~- سبحانه - على كل ذلك بقوله { صنع الله الذي أتقن كل ~~شيء }. ولفظ { صنع } يجوز أن يكون منصوبا على الإغراء أى انظروا ~~صنع الله - تعالى - الذى أتقن كل شىء فقد أحسن ms3939 - سبحانه - ما خلقه ~~وأحكمه، وجعله فى أدق صورة، وأكمل هيئة، وصدق الله - تعالى - إذ يقول # وخلق كل شيء فقدره تقديرا # قال صاحب فتح القدير وانتصاب " صنع " على المصدرية، أى صنع الله ذلك ~~صنعا. وقيل هو مصدر مؤكد لقوله { ويوم ينفخ في الصور } وقيل ~~منصوب على الإغراء. وجملة { إنه خبير بما تفعلون } تعليل ~~لما قبله. أى صنع الله ما خلقه على هذا الإحكام العجيب، والإتقان ~~البديع، لأنه - سبحانه - خبير بما تفعلونه ومطلع على ما تخفونه وما ~~تعلنونه. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان جزاء من أحسن، وببيان ~~جزاء من أساء، وببيان منهج الرسول صلى الله عليه وسلم فى دعوته فقال - ~~تعالى - { من جآء... }. ### || [27.89-93] # قوله - سبحانه - { من جآء بالحسنة فله خير منها } ~~بيان وتفصيل لمظاهر علم الله - تعالى - لكل ما يفعله الناس، الذى أشير ~~إليه قبل ذلك بقوله # إنه خبير بما تفعلون # والمراد بالحسنة كل ما يقوله أو يفعله المسلم من قول طيب، ومن عمل صالح، ~~فيشمل النطق بالشهادتين، وأداء ما كلف الله الإنسان بأدائه من فرائض ~~وواجبات، واجتناب السيئات والشبهات. أى من جاء بالفعلة الحسنة، فله من ~~الله - تعالى - ما هو خير منها من ثواب وعطاء حسن، كما قال - تعالى - فى ~~آية أخرى # من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها # فالمراد بما هو خير منها الثواب الذى يمنحه الله - تعالى - لمن أتى بها. ~~وقوله - تعالى - { وهم من فزع يومئذ آمنون } تقرير لما ~~قبله، وبشارة للمؤمنين الذين جاءوا بالحسنات، بالأمان والاطمئنان. أى وهم ~~من الفزع الكائن للناس فى يوم البعث والحساب، آمنون مطمئنون، كما قال - ~~سبحانه - # لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة ~~هذا يومكم الذي كنتم توعدون # وكما قال - تعالى - # أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم ~~القيامة # ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة من يأتى بالسيئات فقال { ومن جآء ~~بالسيئة فكبت وجوههم في النار }. قال ابن كثير قال ~~ابن مسعود وأبو هريرة، وابن عباس، وأنس بن مالك، وعطاء، وسعيد بن جبير، ~~وغيرهم { من جآء بالسيئة } أى الشرك. ولعل مما ms3940 يؤيد أن المراد ~~بالسيئة هنا الشرك. قوله - تعالى - { فكبت وجوههم في النار ~~} لأن هذا الجزاء الشديد، يتناسب مع رذيلة الشرك - والعياذ بالله -. أى ~~ومن جاء بالفعلة الشنيعة فى السوء، وهى الإشراك بالله { فكبت ~~وجوههم في النار } أى فألقوا بسبب شركهم فى النار على وجوههم ~~منكوسين. يقال كب فلان فلانا على وجهه، وأكبه، إذا نكسه وقلبه على وجهه. ~~وفى كبهم على وجوههم فى النار، زيادة فى إهانتهم وإذلالهم لأن الوجه هو ~~مجمع المحاسن، ومحل المواجهة للغير. والاستفهام فى قوله - تعالى - { هل ~~تجزون إلا ما كنتم تعملون } لزيادة توبيخهم وتقريعهم ~~والجملة بإضمار قول محذوف. أى والذين جاءوا بالأفعال السيئة فى دنياهم، ~~يكبون على وجوههم فى النار يوم القيامة، ويقال لهم على سبيل الزجر ~~والتأنيب ما حل بكم من عذاب هو بسبب أعمالكم وشرككم. وكون المراد بالسيئة ~~هنا الشرك، لا يمنع من أن الذى يرتكب السيئات من المسلمين، يعاقب عليها ~~ما لم يتب منها فالله - تعالى - يقول # ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من ~~يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله ~~وليا ولا نصيرا # ثم يأمر الله - تعالى - نبيه أن يعلن للناس منهجه فى دعوته فيقول { ~~إنمآ أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي ~~حرمها وله كل شيء.. }. والمراد بالبلدة الذى حرمها مكة ~~المكرمة التى عظم الله - تعالى - حرمتها، فجعلها حرما آمنا، لا يسفك فيها ~~دم، ولا يصاد فيها صيد، ولا يعضد فيها شجر. وقوله { الذي حرمها } ~~صفة للرب. وخصت مكة بالذكر تشريفا لها، ففيها البيت الحرام الذى هو أول ~~بيت وضع فى الأرض. أى قل - أيها الرسول الكريم - للناس إن الله - تعالى - ~~أمرنى أن أخلص لله - سبحانه - عبادتى، فهو رب البلد الحرام مكة، ورب كل ~~شىء، وله جميع ما فى هذا الكون خلقا، وملكا، وتصرفا. { وأمرت أن ~~أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن } أى وأمرنى ~~كذلك أن أكون من الثابتين على دينه، المنقادين لأمره، المسلمين له ~~وجوههم، وأمرنى - أيضا - أن أتلو القرآن على مسامعكم، لأنه هو معجزتى ~~الدالة على ms3941 صدقى. { فمن اهتدى } إلى الحق الذى جئته به، وبينته له ~~{ فإنما يهتدي لنفسه } أى فإن منافع هدايته تعود إلى نفسه. ~~{ ومن ضل } عن طريق الحق، وأعرض عن دعوتى، { فقل إنمآ أنا ~~من المنذرين }. أى ومن ضل عن الهدى بعد أن نصحته وأرشدته، فقد ~~أمرنى ربى أن أقول له إنما أنا من المنذرين للضالين بسوء العاقبة، ولست ~~عليهم بحفيظ، أو بمكره إياهم على الإيمان. ثم ختم السورة الكريمة ~~بهذا التوجيه الكريم، للرسول صلى الله عليه وسلم فقال - تعالى - { وقل ~~الحمد لله }. أى وقل - أيها الرسول الكريم - للناس الثناء كله، ~~والفضل كله، لله - تعالى - وحده. وهو - سبحانه - { سيريكم آياته ~~} الدالة على وحدانيته وقدرته { فتعرفونها } أى فتعرفون صدقها.. ~~وصدق الله - عز وجل - ففى كل يوم، بل فى كل ساعة، يرى عبادة بعض آياته ~~الدالة على وحدانيته وقدرته، فى أنفسهم، وفى آفاق هذا الكون وما أحكم ~~قوله - تعالى - # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الجملة التى تحمل طابع التهديد ~~والوعيد لمن خالف أمره، فقال - تعالى - { وما ربك بغافل عما ~~تعملون }. أى وما ربك - أيها الرسول الكريم - بغافل عما يعمله ~~الناس، وما يقولونه لك، وما يتهمونك به، فسر فى طريقك، وبلغ ما أمرك - ~~سبحانه - بتبليغه، فإن العاقبة لك ولأتباعك المؤمنين، أما الكافرون ~~والمنافقون فنحن الذى سنتولى حسابهم... ### | [28 - سورة القصص] ### || [28.1-6] # سورة القصص من السور التى افتتحت ببعض الحروف الهجائية. وقد رجحنا أن ~~هذه الحروف، قد افتتحت بها بعض سور القرآن الكريم، للإيقاظ والتنبيه ~~للذين تحداهم القرآن الكريم. فكأن الله - تعالى - يقول لهؤلاء المعارضين ~~فى أن القرآن من عند الله - تعالى - هاكم القرآن ترونه مؤلفا من حروف هى ~~من جنس الحروف الهجائية، ومنظوما من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه ~~كلامكم. فإن كنتم فى شك فى كون هذا القرآن من عند الله، فهاتوا مثله، أو ~~عشر سور من مثله أو سورة واحدة من مثله وادعوا من شئتم من الخلق لكى ~~يعاونكم فى ذلك. ms3942 فلما عجزوا - وهم أهل الفصاحة والبيان - ثبت أن غيرهم ~~أعجز، وأن هذا القرآن من عند الله - تعالى -. و { تلك } اسم إشارة، ~~والمشار إليه الآيات. والمراد بها آيات القرآن الكريم، ويندرج فيها آيات ~~هذه السورة التى معنا. { الكتاب } مصدر كتب كالكتب. وأصله ضم أديم ~~ألى آخر بالخياطة، واستعمل عرفا فى ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط. ~~والمراد به القرآن الكريم. و { المبين } أى الواضح المظهر للحق من ~~الباطل، من أبان بمعنى أظهر. أى تلك الآيات التى أنزلناها عليك - أيها ~~الرسول الكريم - هى آيات الكتاب المظهر للحق من الباطل، والموضح للخير من ~~الشر، والكاشف عن حقائق الأمور، وعن قصص الأولين. ثم بين - سبحانه - ما ~~سيقصه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى هذه السورة فقال { نتلوا ~~عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم ~~يؤمنون }. وقوله - تعالى - { نتلوا } من التلاوة بمعنى القراءة ~~المرتلة التى يقصد منها التذكير والإرشاد. والنبأ الخبر العظيم المشتمل ~~على أمور من شأنها أن يهتم الناس بها. وموسى - عليه السلام - هو ابن ~~عمران بن يصهر بن ماهيث بن لاوى بن يعقوب - عليه السلام - وكانت ولادة ~~موسى فى حوالى القرن الثالث عشر قبل الميلاد. وفرعون اسم كان يطلق فى ~~القديم على كل ملك لمصر، كما يقال لملك الروم قيصر، ولملك اليمن تبع. ~~ويرى كثير من المؤرخين أن فرعون مصر، الذى ولد وبعث فى عهده موسى - عليه ~~السلام - هو منفتاح ابن الملك رمسيس الثانى. قال الآلوسى ما ملخصه ~~والظاهر أن { من } فى قوله { نتلوا عليك من نبإ موسى ~~وفرعون.. } تبعيضية. والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع صفة لمفعول ~~{ نتلوا } المحذوف. وقوله { الحق } حال من فاعل { نتلوا } أى ~~نتلو ملتبسين بالحق، أو من مفعوله، أى نتلو شيئا من نبئهما ملتبسا ~~بالحق... والمعنى نتلو عليك - أيها الرسول الكريم - تلاوة كلها حق وصدق، ~~شيئا عجيبا، وخبرا هاما، يتعلق بقصة موسى - عليه السلام - وبقصة فرعون. # وقوله - سبحانه - { لقوم يؤمنون } أى نتلو عليك هذه الآيات، ~~لقوم يؤمنون بها، وينتفعون بما اشتملت عليه من هدايات وعبر وعظات. وقوله ms3943 ~~- تعالى - { إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها ~~شيعا.. } كلام مستأنف لتفصيل ما أجمله من النبأ. وقوله { علا في ~~الأرض } أى تكبر فيها وطغى، من العلو بمعنى الارتفاع. والمقصود أنه ~~جاوز كل حد فى غروره وظلمه وعدوانه. والمراد بالأرض أرض مصر وما يتبعها ~~من بلاد. و { شيعا } جمع شيعة، وهم الأتباع والجماعات، وكل قوم ~~اجتمعوا على أمر فهم شيعته. أى إن فرعون طغى وبغى وتجبر فى الأرض، وجعل ~~أهلها شيعا وأتباعا له، وصار يستعمل كل طائفة منهم، فيما يريده من أمور ~~دولته، فهذه الطائفة للبناء، وتلك للسحر، وثالثة لخدمته ومناصرته على ما ~~يريد... وجملة { يستضعف طآئفة منهم } لبيان حال الذين ~~جعلهم شيعا وأحزابا. والمراد بهذه الطائفة بنو إسرائيل. أى أنه بعد أن ~~جعل أهل مملكته شيعا وأحزابا اختص طائفة منهم بالإذلال والقهر والظلم، ~~فصار يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم. أى يذبح الذكور من بنى إسرائيل بمجرد ~~ولادتهم، ويترك الإناث أحياء. قال الإمام الرازى ما ملخصه وفى ذبح ~~الذكور دون الإناث مضرة من وجوه أحدهما أن ذبح الأبناء يقتضى فناء ~~الرجال. وذلك يقتضى انقطاع النسل.. ثانيها أن هلاك الذكور يقتضى فساد ~~مصالح النساء فى المعيشة، فإن المرأة لتتمنى الموت إذا انقطع عنها تعهد ~~الرجال. ثالثها أن قتل الذكور عقب الحمل الطويل، وتحمل الكد، والرجاء ~~القوى فى الانتفاع به، من أعظم العذاب... رابعها أن بقاء النساء بدون ~~الذكران من أقاربهن، يؤدى إلى صيرورتهن مستفرشات للأعداء، وذلك نهاية ~~الذل والهوان. قالوا وإنما كان فرعون يذبح الذكور من بنى إسرائيل دون ~~الإناث. لأن الكهنة أخبروه، بأن مولودا سيولد من بنى إسرائيل، يكون ذهاب ~~ملك فرعون على يده. وقوله - سبحانه - { إنه كان من ~~المفسدين } تعليل وتأكيد لما كان عليه فرعون من تجبر وطغيان. أى إن ~~فرعون كان من الراسخين فى الفساد والإفساد، ولذلك فعل ما فعل من ظلم ~~لغيره، ومن تطاول جعله يقول للناس # أنا ربكم الأعلى # ثم بين - سبحانه - ما اقتضته إرادته وحكمته، من تنفيذ وعيده فى القوم ~~الظالمين، مهما احتاطوا وحذروا، ومن إنقاذه للمظلومين ms3944 بعد أن أصابهم من ~~الظلم ما أصابهم فقال { ونريد أن نمن على الذين ~~استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم ~~الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون ~~وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون }. وقوله ~~{ نمن } من المن بمعنى التفضل، ومنه قوله - تعالى - # لقد من الله على المؤمنين... # أى لقد تفضل عليهم، وأحسن إليهم. وقوله { ونمكن لهم في ~~الأرض } من التمكين، وأصله أن نجعل للشىء مكانا يستقر فيه، ويحل به. # ثم استعير للتسليط وللحصول على القوة بعد الضعف، وللعز بعد الذل. وقوله ~~{ يحذرون } من الحذر، بمعنى الاحتراس والاحتراز من الوقوع فى الأمر ~~المخيف. يقال حذر فلان فلانا، إذا خافه واحترس منه. قال الشوكانى والواو، ~~فى قوله { ونريد أن نمن } للعطف على جملة، { إن فرعون ~~علا في الأرض } لأن بينهما تناسبا من حيث إن كل واحدة منهما، ~~للتفسير والبيان للنبأ. ويجوز أن تكون حالا من فاعل { يستضعف } ~~بتقدير مبتدأ. أى ونحن نريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الأرض.. والأول ~~أولى. والمعنى لقد طغا فرعون وبغى، ونحن بإرادتنا وقدرتنا { ونريد ~~أن نمن } ونتفضل على بنى إسرائيل، الذين استضعفوا فى الأرض، بأن ~~ننجيهم من ظلمه، وننقذهم من قهره وبغيه. { ونجعلهم الوارثين ~~} للأرض المباركة، التى نعطيهم إياها متى آمنوا وأصلحوا، كما قال - تعالى ~~- # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق ~~الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ~~ربك الحسنى على بني إسرآئيل بما صبروا ~~ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا ~~يعرشون # وقوله - تعالى - { ونمكن لهم في الأرض } أى ونجعلهم أقوياء ~~راسخى الأقدام فى الأرض التى نورثهم إياها، بعد القوم الظالمين. { ~~ونري فرعون وهامان وجنودهما } أى ونطلع فرعون وهامان ~~- وهو وزير فرعون - وجنودهما التابعين لهما { منهم } أى من بنى ~~إسرائيل المستضعفين فى الأرض { ما كانوا يحذرون } أى ما كانوا ~~يحاولون دفعه واتقاءه، فقد كان فرعون وجنده يقتلون الذكور من بنى ~~إسرائيل، خوفا من ظهور غلام منهم يكون هلاك فرعون على يده. قال ابن كثير ~~أراد فرعون بحوله وقوته، أن ينجو من موسى. فما نفعه ذلك، ms3945 بل نفذ الله - ~~تعالى - حكمه. بأن يكون إهلاك فرعون على يد موسى، بل يكون هذا الغلام ~~الذى احترزت من وجوده - يا فرعون -، وقتلت بسببه ألوفا من الولدان، إنما ~~منشؤه ومرباه على فراشك وفى دارك... وهلاكك وهلاك جندك على يديه، لتعلم ~~أن رب السموات العلا، هو القاهر الغالب العظيم، الذى ما شاء كان، وما لم ~~يشأ لم يكن. وهكذا تعلن السورة الكريمة فى مطلعها، أن ما أراده الله - ~~تعالى - لا بد أن يتم، أمام أعين فرعون وجنده، مهما احتاطوا ومهما ~~احترسوا، # والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون # ثم فصل - سبحانه - الحديث عن موسى - عليه السلام - فذكر ما ألهمه لأمه ~~عند ولادته. وما قالته امرأة فرعون له عند التقاط آل فرعون لموسى، وما ~~كانت عليه أم موسى من حيرة وقلق، وما قالته لأخته، وكيف رد الله - تعالى ~~- بفضله وكرمه موسى إلى أمه.. لنستمع إلى السورة الكريمة، وهى تفصل هذه ~~الأحداث، بأسلوبها البديع المؤثر فتقول { وأوحينآ إلى أم ~~موسى أن أرضعيه... }. ### || [28.7-13] # قال الإمام الرازى اعلم أنه - تعالى - لما قال # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا # ابتدأ بذكر أوائل نعمه فى هذا الباب فقال { وأوحينآ إلى أم ~~موسى أن أرضعيه }. والوحى إلى أم موسى، يجوز أن يكون عن طريق ~~الإلهام، كما فى قوله - تعالى - # وأوحى ربك إلى النحل.. # أو عن طريق المنام، أو عن طريق إرسال ملك أخبرها بذلك. قال الآلوسى ~~والظاهر أن الإيحاء إليها كان بإرسال ملك، ولا ينافى ذلك الإجماع على ~~عدم نبوتها، لما أن الملائكة - عليهم السلام - قد ترسل إلى غير الأنبياء ~~وتكلمهم. والظاهر - أيضا - أن هذا الإيحاء كان بعد الولادة.. وقيل كان ~~قبلها... و { أن } فى قوله { أن أرضعيه } مفسرة، لأن الوحى فيه ~~معنى القول دون حروفه. والخوف حالة نفسية تعترى الإنسان، فتجعله مضطرب ~~المشاعر، لتوقعه حصول أمر يكرهه. والحزن اكتئاب نفسى يحدث للإنسان من ~~أجل وقوع ما يكرهه، كموت عزيز لديه. أو فقده لشىء يحبه. وفى الكلام حذف ~~يعرف من السياق، والتقدير وحملت أم موسى ms3946 به فى الوقت الذى كان فرعون يذبح ~~الأبناء، ويستحيى النساء، وأخفت حملها عن غيرها، فلما وضعته أصابها ما ~~أصابها من خوف وفزع على مصير ابنها، وهنا ألهمناها بقدرتنا وإرادتنا. ~~وقذفنا فى قلبها أن أرضعيه فى خفاء وكتمان { فإذا خفت عليه } ~~من فرعون وحاشيته أن يقتلوه كما قتلوا غيره من أبناء بنى إسرائيل. { ~~فألقيه في اليم } أى فى البحر والمراد به نهر النيل، وسمى بحرا ~~لاتساعه، وإن كان الغالب إطلاق البحر على المياه غير العذبة. { ولا ~~تخافي ولا تحزني } أى ولا تخافى عليه من حصول مكروه له، ولا ~~تحزنى لمفارقته لك، فهو فى رعايتنا وحمايتنا، ومن رعاه الله - تعالى - ~~وحماه، فلا خوف عليه ولا حزن. وجملة { إنا رآدوه إليك ~~وجاعلوه من المرسلين } تعليل للنهى عن الخوف والحزن، وتبشير ~~لها بأن ابنها سيعود إليها، وسيكون من رسل الله - عز وجل -. قال صاحب ~~الكشاف فإن قلت ما المراد بالخوفين - فى الآية - حتى أوجب أحدهما ونهى عن ~~الآخر؟. قلت أما الأول، فالخوف عليه من القتل، لأنه كان إذا صاح خافت أن ~~يسمع الجيران صوته، فينموا عليه. وأما الثانى فالخوف عليه من الغرق ومن ~~الضياع، ومن الوقوع فى يد بعض العيون المبثوتة من قبل فرعون فى تطلب ~~الولدان. فإن قلت ما الفرق بين الخوف والحزن؟ قلت الخوف، غم يلحق ~~الإنسان لشىء متوقع. والحزن غم يلحقه لشىء وقع، فنهيت عنهما جميعا ~~وأومنت بالوحى إليها، ووعدت بما يسليها، ويطمئن قلبها، ويملؤها غبطة ~~وسرورا، وهو رده إليها. وجعله من المرسلين. # وهكذا نجد الآية الكريمة قد اشتملت على أبلغ الأساليب وأبدعها، فى بيان ~~قدرة الله - تعالى - ورعايته لمن يريد رعايته. قالوا مدح الأصمعى امرأة ~~لإنشادها شعرا حسنا، فقرأت هذه الآية الكريمة قم قالت له أبعد هذه الآية ~~فصاحة، لقد اشتملت على أمرين وهما { أرضعيه } { فألقيه } ~~ونهيين وهما { لا تخافي ولا تحزني } وخبرين { إنا ~~رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين } وبشارتين فى ضمن ~~الخبرين وهما الرد والجعل المذكوران. والفاء فى قوله { فالتقطه آل ~~فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا... } هى الفصيحة. ~~والالتقاط ms3947 وجود الشىء والحصول عليه من غير طلب ولا قصد. والمراد بآل ~~فرعون جنوده وأتباعه الذين عثروا على التابوت الذى به موسى، وحملوه إلى ~~فرعون. والحزن - بالتحريك، وبضم فسكون - نقيض السرور، وفعله كفرح. يقال ~~حزنه الأمر وأحزنه أى جعله حزينا. واللام فى قوله { ليكون.. } هى لام ~~العاقبة والصيرورة. قال القرطبى قوله - تعالى - { فالتقطه آل ~~فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا } لما كان التقاطهم إياه ~~يؤدى إلى كونه عدوا لهم وحزنا، فاللام فى { ليكون } لام العاقبة ~~والصيرورة، لأنهم إنما أخذوه ليكون لهم قرة عين، فكان عاقبة ذلك أن كان ~~لهم عدوا وحزنا، فذكر الحال بالمآل كما فى قول الشاعر # وللمنايا تربى كل مرضعة ودورنا لخراب الدهر نبنيها # أى فعاقبة البناء الخراب، وإن كان فى الحال مفروحا به. ويرى بعضهم أن ~~اللام هنا يصح أن تكون للتعليل، بمعنى، أن الله - تعالى - سخر بمشيئته ~~وإرادته فرعون وآله. لالتقاط موسى، ليجعله لهم عدوا وحزنا، فكأنه - ~~سبحانه - يقول قدرنا عليهم التقاطه بحكمتنا وإرادتنا، ليكون لهم عدوا ~~وحزنا. إلى هذا المعنى أشار الإمام ابن كثير بقوله قال محمد بن إسحاق ~~وغيره اللام هنا لام العاقبة لا لام التعليل، لأنهم لم يريدوا بالتقاطه ~~ذلك - أى لم يريدوا بالتقاطه العداوة والحزن -، ولا شك أن ظاهر اللفظ ~~يقتضى ما قالوا. ولكن إذا نظرنا إلى معنى السياق، فأنه نبقى اللام ~~للتعليل، لأن معناه أن الله - تعالى - قيضهم لالتقاطه ليجعله لهم عدوا ~~وحزنا، فيكون أبلغ فى إبطال حذرهم منه. ومع وجاهة الرأيين، إلا أننا نميل ~~إلى الرأى الثانى، لأنه - كما قال الإمام ابن كثير - أبلغ فى إبطال ~~حذرهم منه، ولأن قوله - تعالى - { إن فرعون وهامان ~~وجنودهما كانوا خاطئين } يشير إلى أن اللام للتعليل... ~~والمعنى ونفذت أم موسى ما أوحيناه إليها، فأرضعت ابنها موسى وألقته فى ~~اليم حين خافت عليه القتل، فالتقطه آل فرعون من اليم، ليكون لهم عدوا ~~وحزنا، وليعلموا أن ما أردناه لا بد أن يتم مهما احترسوا واحتاطوا ~~وحذروا، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. وقوله - تعالى - { إن ms3948 ~~فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين } تعليل لما ~~قبله، و { خاطئين } أى مرتكبين للخطيئة التى هى الذنب العظيم، كقوله ~~- تعالى - فى قوم نوح - عليه السلام - # مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا.... # وكقوله - سبحانه - فى شأن الكافرين # بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ~~فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون # أى فعلنا ما فعلنا من جعل موسى عدوا وحزنا لفرعون وآله، لأن فرعون ~~ووزيره هامان، وجنودهما الذين يناصرونهما، كانوا مرتكبين للذنوب العظيمة ~~فى كل ما يأتون ويذرون، ومن مظاهر ذلك قتلهم لذكور بنى إسرائيل، وإبقاؤهم ~~لإناثهم. وقوله - سبحانه - { وقالت امرأة فرعون قرة ~~عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو ~~نتخذه ولدا.. } بيان لما أنطق الله به امرأة فرعون للدفاع عن ~~موسى - عليه السلام -. قال الجمل وامرأة فرعون هى آسيا بنت مزاحم، وكانت ~~من خيار النساء، ومن بنات الأنبياء، وكانت أما للمساكين ترحمهم وتتصدق ~~عليهم. ويكفى فى مدحها قوله - تعالى - # وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون ~~إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني ~~من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين # أى وقالت امرأة فرعون بعد أن أخرج موسى من التابوت، ورأته بين أيدى ~~فرعون وآله { قرة عين لي ولك } أى هذا الطفل هو قرة عين لى ~~ولك، أى هو محل السرور والفرح لعينى ولعينك يا فرعون. فالجملة الكريمة ~~كناية عن السرور به، إذ لفظ { قرة } مأخوذ من القرار بمعنى ~~الاستقرار، وذلك لأن العين إذا رأت ما تحبه، استقر نظرها عليه، وانشغلت ~~به عن غيره. ثم أضافت إلى ذلك قولها { لا تقتلوه } والخطاب لفرعون ~~وجنده. ثم عللت النهى عن قتله بقولها { عسى أن ينفعنا } فى ~~مستقبل حياتنا، فنجنى من ورائه خيرا. { أو نتخذه ولدا } لنا، ~~فإن هيئته وصورته تدل على النجابة والجمال واليمن وهكذا شاءت إرادة الله ~~- تعالى -، أن تجعل امرأة فرعون، سببا فى إنقاذ موسى من القتل، وفى أن ~~يعيش فى بيت فرعون، ليكون له فى المستقبل عدوا وحزنا. وقوله - تعالى - { ~~وهم لا يشعرون } جملة حالية، أى فعلوا ms3949 ما فعلوا والحال أنهم لا ~~يشعرون أن هلاكهم سيكون على يديه. والظاهر أن هذه الجملة من كلام الله - ~~تعالى -، وليست حكاية لما قالته امرأة فرعون. ثم صورت السورة الكريمة ~~تصويرا بديعا مؤثرا، ما كانت عليه أم موسى من لهفة وقلق، بعد أن فارقها ~~ابنها، فقال - تعالى - { وأصبح فؤاد أم موسى فارغا } أى ~~وبعد أن ألقت أم موسى به فى اليم، والتقطه آل فرعون، وعلمت بذلك أصبح ~~قلبها وفؤادها خاليا من التفكير فى أى شىء فى هذه الحياة، إلا فى شىء ~~واحد وهو مصير ابنها موسى - عليه السلام -. # وفى هذا التعبير ما فيه من الدقة فى تصوير حالتها النفسية، حتى لكأنها ~~صارت فاقدة لكل شىء فى قلبها سوى أمر ابنها وفلذة كبدها. قال ابن كثير ~~قوله - تعالى - { وأصبح فؤاد أم موسى فارغا } من كل شىء ~~من أمور الدنيا إلا من موسى. قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن ~~جبير، والحسن البصرى، وقتادة... وغيرهم. و { إن } فى قوله - تعالى - { ~~إن كادت لتبدي به } هى المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن، ~~وتبدى بمعنى تظهر، من بدا الشىء يبدو بدوا وبداء إذا ظهر ظهورا واضحا. ~~والضمير فى { به } يعود إلى موسى - عليه السلام -. أى وصار فؤاد أم ~~موسى فارغا من كل شىء سوى التكفير فى مصيره، وإنها كادت لتصرح للناس بأن ~~الذى التقطه آل فرعون، هو ابنها، وذلك لشدة دهشتها وخوفها عليه من فرعون ~~وجنده. وجواب الشرط فى قوله - تعالى - { لولا أن ربطنا على ~~قلبها } محذوف دل عليه ما قبله. أى لولا أن ربطنا على قلبها بقدرتنا ~~وإرادتنا. بأن ثبتناه وقويناه، لأظهرت للناس أن الذى التقطه آل فرعون هو ~~ابنها. وأصل الربط الشد والتقوية للشىء. ومنه قولهم فلان رابط الجأش، أى ~~قوى القلب. وقوله - تعالى - { لتكون من المؤمنين } علة ~~لتثبيت قلبها وتقويته، فهو متعلق بقوله { ربطنا }. أى ربطنا على ~~قلبها لتكون من المصدقين بوعد الله - تعالى -، وأنه سيرد إليها ابنها، كى ~~تقر عينها ولا تحزن. ثم بين - سبحانه - ما فعلته أم موسى بعد ذلك ms3950 فقال { ~~وقالت لأخته قصيه... } أى لم تسكت أم موسى بعد أن علمت ~~بالتقاط آل فرعون له، بل قالت لأخت موسى { قصيه } أى تتبعى أثره ~~وخبره وما آل إليه أمره. يقال قص فلان أثر فلان فهو يقصه، إذا تتبعه، ~~ومنه القصص للأخبار المتتبعة. والفاء فى قوله - سبحانه - { فبصرت ~~به عن جنب } هى الفصيحة. والجنب الجانب. أى فقصت أخت موسى أثره، ~~فأبصرته عن جانب منها، وكأنها لا تريد أن تطلع أحدا على أنها تبحث عن ~~أخيها. وتتبع أثره والجار والمجرور حال من الفاعل، أى بصرت به مستخفية ~~كائنة عن جنب. قال الآلوسى { عن جنب } أى عن بعد، وقيل عن شوق ~~إليه... وقال الكرمانى { جنب } صفة لموصوف محذوف، أى عن مكان جنب بعيد ~~وكأنه من الأضداد، فإنه يكون بمعنى القريب - أيضا - كالجار الجنب. وقيل ~~على جانب... وقيل النظر عن جنب، أن تنظر الشىء كأنك لا تريده. والتعبير ~~بقوله - تعالى - { فبصرت به عن جنب } يشعر بأن أخت موسى أبصرت ~~أخاها إبصارا فيه مخادعة لآل فرعون، حتى لا تجعلهم يشعرون بأنها تبحث ~~عنه. ويشهد لذلك قوله - تعالى - { وهم لا يشعرون } أى وهم - أى ~~آل فرعون - لا يشعرون أنها أخته تبحث عنه وتتبع أخباره. # ثم بين - سبحانه - مظهرا من مظاهر حكمته وقدرته وتدبيره لأمر موسى كى ~~يعود إلى أمه، فقال - تعالى -. { وحرمنا عليه المراضع من ~~قبل... }. والمراد بالتحريم هنا المنع، والمراضع جمع مرضع - بضم الميم ~~وكسر الضاد - وهى المرأة التى ترضع. أى ومنعنا موسى بقدرتنا وحكمتنا من ~~أن يرضع من المرضعات وكان ذلك من قبل أن تعلم بخبره أمه وأخته. قال ابن ~~كثير قوله - تعالى - { وحرمنا عليه المراضع من قبل } ~~أى تحريما قدريا، وذلك لكرامة الله له، صانه عن أن يرتضع غير ثدى أمه، ~~لأنه - سبحانه - جعل ذلك سببا إلى رجوعه إلى أمه، لترضعه وهى آمنة بعد أن ~~كانت خائفة... وقوله - سبحانه - { فقالت هل أدلكم على ~~أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون } حكاية لما ~~قالته أخت موسى لفرعون وحاشيته، والاستفهام للتحضيص. أى وبعد أن بصرت ms3951 أخت ~~موسى به عن جنب، ورأت رفضه للمراضع، وبحثهم عمن يرضعه، قالت { هل ~~أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم } أى يقومون ~~بتربيته وإرضاعه من أجل راحتكم وراحته، { وهم له ناصحون } أى ~~وهم لا يمنعونه ما ينفعه فى تربيته وغذائه، ولا يقصرون فيما يعود عليه ~~بالخير والعافية. وقوله - سبحانه - { فرددناه إلى أمه كي ~~تقر عينها ولا تحزن } معطوف على كلام محذوف، والتقدير ~~فسمعوا منها ما قالت، ودلتهم على أمه، فرددناه إليها، كى يطمئن قلبها ~~وتقر عينها برجوع ولدها إليها، ولا تحزن لفراقه. ولتعلم أن وعد الله - ~~تعالى - حق، أى أن وعده - سبحانه - لا خلف فيه، بل هو كائن لا محالة. { ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون } أى ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون هذه الحقيقة حق العلم، ولذا يستعجلون الأمور، دون أن يفطنوا إلى ~~حكمته - سبحانه - فى تدبير أمر خلقه. وبذلك نرى هذه الآيات قد صاغت لنا ~~بأبلغ أسلوب، جانبا من حياة موسى - عليه السلام -، ومن رعاية الله - ~~تعالى - له، وهو ما زال فى سن الرضاعة. ثم قص علينا - سبحانه - جانبا من ~~حياة موسى - عليه السلام - بعد أن بلغ أشده واستوى، فقال - تعالى - { ~~ولما بلغ أشده... }. ### || [28.14-21] # قوله - سبحانه - { ولما بلغ أشده واستوى } بيان لجانب ~~من النعم التى أنعم الله - تعالى - بها على موسى فى تلك المرحلة من ~~حياته. و { لما } ظرف بمعنى حين. والأشد قوة الإنسان، واشتعال حرارته ~~من الشدة بمعنى القوة والارتفاع يقال شد النهار إذا ارتفع. وهو مفرد جاء ~~بصيغة الجمع ولا واحد له من لفظه. وقوله { واستوى } من الاستواء ~~بمعنى الاكتمال وبلوغ الغاية والنهاية. أى - وحين بلغ موسى - عليه السلام ~~- منتهى شدته وقوته، واكتمال عقله، قالوا وهى السن التى كان فيها بين ~~الثلاثين والأربعين. { آتيناه } بفضلنا وقدرتنا { حكما } أى حكمة ~~وهى الإصابة فى القول والفعل، وقيل النبوة. { وعلما } أى فقها فى ~~الدين، وفهما سليما للأمور، وإدراكا قويما لشئون الحياة. وقوله - سبحانه ~~- { وكذلك نجزي المحسنين } بيان لسنة من سننه - تعالى - ~~التى لا تتخلف. أى ومثل هذا الجزاء الحسن، والعطاء الكريم، الذى ms3952 أكرمنا ~~به موسى وأمه نعطى ونجازى المحسنين، الذين يحسنون أداء ما كلفهم الله - ~~تعالى - به. فكل من أحسن فى أقواله وأعماله، أحسن الله - تعالى - جزاءه، ~~وأعطاه الكثير من آلائه. ثم حكى - سبحانه - بعض الأحداث التى تعرض لها ~~موسى - عليه السلام - فى تلك الحقبة من عمره فقال { ودخل ~~المدينة على حين غفلة من أهلها }. والمراد بالمدينة ~~مصر، وقيل ضاحية من ضواحيها، كعين شمس، أو منف. وجملة { على حين ~~غفلة من أهلها } حال من الفاعل. أى دخلها مستخفيا. قيل والسبب ~~فى دخوله على هذه الحالة، أنه بدت منه مجاهرة لفرعون وقومه بما يكرهون، ~~فخافهم وخافوه. فاختفى وغاب، فدخلها متنكرا. أى وفى يوم من الأيام، وبعد ~~أن بلغ موسى سن القوة والرشد، دخل المدينة التى يسكنها فرعون وقومه { ~~على حين غفلة من أهلها } أى دخلها مستخفيا فى وقت كان ~~أهلها غافلين عما يجرى فى مدينتهم من أحداث، بسبب راحتهم فى بيوتهم فى ~~وقت القيلولة، أو ما يشبه ذلك. { فوجد } موسى { فيها } أى فى ~~المدينة { رجلين يقتتلان } أى يتخاصمان ويتنازعان فى أمر من ~~الأمور. { هذا من شيعته } أى أحد الرجلين كان من طائفته ~~وقبيلته. أى من بنى إسرائيل { وهذا من عدوه } أى والرجل ~~الثانى كان من أعدائه وهم القبط الذين كانوا يسيمون بنى إسرائيل سوء ~~العذاب. { فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من ~~عدوه } أى فطلب الرجل الإسرائيلى من موسى، أن ينصره على الرجل ~~القبطى. والاستغاثة طلب الغوث والنصرة، ولتضمنه معنى النصرة عدى بعلى. { ~~فوكزه موسى فقضى عليه } والفاء هنا فصيحة. والوكز الضرب ~~بجميع الكف. قال القرطبى والوكز واللكز واللهز بمعنى واحد، وهو الضرب ~~بجميع الكف. # أى فاستجاب موسى لمن استنصره به، فوكز القبطى، أى فضربه بيده مضمومة ~~أصابعها فى صدره، { فقضى عليه } أى فقتله. وهو لا يريد قتله، ~~وإنما كان يريد دفعه ومنعه من ظلم الرجل الإسرائيلي. والتعبير بقوله - ~~تعالى - { فوكزه موسى فقضى عليه } يشير إلى أن موسى - ~~عليه السلام - كان على جانب عظيم من قوة البدن، كما يشير - أيضا - إلى ما ~~كان ms3953 عليه من مروءة عالية. حملته على الانتصار للمظلوم بدون تقاعس أو ~~تردد. ولكن موسى - عليه السلام - بعد أن رأى القبطى جثة هامدة، استرجع ~~وندم، وقال { هذا من عمل الشيطان } أى قال موسى هذا الذى ~~فعلته وهو قتل القبطى، من عمل الشيطان ومن وسوسته، ومن تزيينه. { إنه ~~} أى الشيطان { عدو } للإنسان { مضل } له عن طريق الحق { ~~مبين } أى ظاهر العداوة والإضلال. ثم أضاف إلى هذا الندم ~~والاسترجاع، ندما واستغفارا آخر فقال { رب إني ظلمت نفسي ~~فاغفر لي فغفر له }. أى قال موسى - عليه السلام - بعد قتله ~~القبطى بدون قصد - مكررا الندم والاستغفار يا رب إنى ظلمت نفسى، بتلك ~~الضربة التى ترتب عليها الموت، فاغفر لى ذنبى، { فغفر } الله - تعالى ~~{ له } ذنبه، { إنه } - سبحانه - { هو الغفور الرحيم } ~~ثم أكد موسى عليه السلام - للمرة الثالثة، توبته إلى ربه، وشكره إياه على ~~نعمه، فقال { رب بمآ أنعمت علي فلن أكون ظهيرا ~~للمجرمين }. والظهير المعين لغيره والناصر له. يقال ظاهر فلان ~~فلانا إذا أعانه، ويطلق على الواحد والجمع. ومنه قوله - تعالى - { ~~والملائكة بعد ذلك ظهير }. قال صاحب الكشاف قوله { بمآ ~~أنعمت علي } يجوز أن يكون قسما جوابه محذوف، تقديره أقسم ~~بإنعامك على بالمغفرة لأتوبن { فلن أكون ظهيرا للمجرمين ~~}. وأن يكون استعطافا، كأنه قال رب اعصمنى بحق ما أنعمت على من المغفرة ~~فلن أكون - إن عصمتنى - ظهيرا للمجرمين. وأراد بمظاهرة المجرمين إما صحبة ~~فرعون وانتظامه فى جملته، وتكثيره سواده، حيث كان يركب بركوبه، كالولد مع ~~الوالد. وكان يسمى ابن فرعون. وإما مظاهرة من أدت مظاهرته إلى الجرم ~~والإثم، كمظاهرة الإسرائيلى المؤدية إلى القتل الذى لم يحل له. وهذه ~~الضراعة المتكررة إلى الله - تعالى - من موسى - عليه السلام -، تدل على ~~نقاء روحه، وشدة صلته بربه، وخوفه منه، ومراقبته له - سبحانه -، فإن من ~~شأن الأخيار فى كل زمان ومكان، أنهم لا يعينون الظالمين، ولا يقفون إلى ~~جانبهم. قال القرطبى ويروى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال " من مشى ~~مع مظلوم ليعينه على مظلمته، ثبت الله قدميه ms3954 على الصراط يوم القيامة، يوم ~~تزل الأقدام، ومن مشى مع ظالم ليعينه على ظلمه، أزل الله قدميه على ~~الصراط يوم تدحض فيه الأقدام ". # ثم بين - سبحانه - ما كان من أمر موسى بعد هذه الحادثة فقال { ~~فأصبح في المدينة خآئفا يترقب }. أى واستمر موسى - ~~عليه السلام - بعد قتله للقبطى، يساوره القلق، فأصبح يسير فى طرقات ~~المدينة التى حدث فيها القتل، { خآئفا } من وقوع مكروه به { ~~يترقب } ما سيسفر عنه هذا القتل من اتهامات وعقوبات ومساءلات. ~~والتعبير بقوله { خآئفا يترقب } يشعر بشدة القلق النفسى الذى ~~أصاب موسى - عليه السلام - فى أعقاب هذا الحادث، كما يشعر - أيضا - بأنه ~~- عليه السلام - لم يكن فى هذا الوقت على صلة بفرعون وحاشيته، لأنه لو ~~كان على صلة بهم، ربما دافعوا عنه، أو خففوا المسألة عليه. و { إذا } ~~فى قوله - تعالى - { فإذا الذي استنصره بالأمس ~~يستصرخه } فجائية. ويستصرخه أى يستغيث به، مأخوذ من الصراخ وهو ~~رفع الصوت، لأن من عادة المستغثيث بغيره أن يرفع صوته طالبا النجدة ~~والعون. أى وبينما موسى على هذه الحالة من الخوف والترقب، فإذا بالشخص ~~الإسرائيلى الذى نصره موسى بالأمس، يستغيث به مرة أخرى من قبطى آخر ~~ويطلب منه أن يعينه عليه. وهنا قال موسى - عليه السلام - لذلك ~~الإسرائيلى المشاكس { إنك لغوي مبين }. والغوى فعيل من ~~أغوى يغوى، وهو بمعنى مغو، كالوجيع والأليم بمعنى الموجع والمؤلم. ~~والمراد به هنا الجاهل أو الخائب أو الضال عن الصواب. أى قال له موسى ~~بحدة وغضب إنك لضال بين الضلال ولجاهل واضح الجهالة، لأنك تسببت فى قتلى ~~لرجل بالأمس، وتريد أن تحملنى اليوم على أن أفعل ما فعلته بالأمس، ولأنك ~~لجهلك تنازع من لا قدرة لك على منازعته أو مخاصمته. ومع أن موسى - عليه ~~السلام - قد قال للإسرائيلى { إنك لغوي مبين } إلا أن همته ~~العالية، وكراهيته للظلم، وطبيعته التى تأبى التخلى عن المظلومين كل ذلك ~~دفعه إلى إعداد نفسه لتأديب القبطى، ويحكى القرآن ذلك فيقول { فلمآ ~~أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما.. }. والبطش ~~هو الأخذ ms3955 بقوة وسطوة. يقال بطش فلان بفلان إذا ضربه بعنف وقسوة. أى فحين ~~هيأ موسى - عليه السلام - نفسه للبطش بالقبطى الذى هو عدو لموسى ~~وللإسرائيلى، حيث لم يكن على دينهما. { قال يموسى أتريد أن ~~تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن ~~تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من ~~المصلحين }. ويرى بعض المفسرين، أن القائل لموسى هذا القول، هو ~~الإسرائيلى، الذى طلب من موسى النصرة والعون، وسبب قوله هذا أنه توهم أن ~~موسى يريد أن يبطش به دون القبطى، عندما قال له { إنك لغوي ~~مبين }. فيكون المعنى قال الاسرائيلى لموسى بخوف وفزع يا موسى أتريد ~~أن تقتلنى كما قتلت نفسا - هى نفس القبطى - بالأمس، وما تريد بفعلك هذا ~~إلا أن تكون { جبارا في الأرض } أى ظالما قتالا للناس فى الأرض، ~~{ وما تريد أن تكون من المصلحين } الذين يصلحون، بين ~~الناس، فتدفع التخاصم بالتى هى أحسن. # ويرى بعضهم أن القائل لموسى هذا القول هو القبطى، لأنه فهم من قول موسى ~~للإسرائيلى { إنك لغوي مبين } أنه - أى موسى - هو الذى قتل ~~القبطى بالأمس. وقد رجح الإمام الرازى هذا الوجه الثانى فقال والظاهر ~~هذا الوجه، لأنه - تعالى - قال { فلمآ أن أراد أن يبطش ~~بالذي هو عدو لهما قال يموسى } فهذا القول إذن منه - ~~أى من القبطى - لا من غيره - وأيضا قوله { إن تريد إلا أن ~~تكون جبارا في الأرض } لا يليق إلا بأن يكون قولا من كافر - ~~وهو القبطى -. وما رجحه الإمام الرازى هو الذى نميل إليه، وإن كان أكثر ~~المفسرين قد رجحوا الرأى الأول، وسبب ميلنا إلى الرأى الثانى، أن السورة ~~الكريمة قد حكت ما كان عليه فرعون وملؤه من علو وظلم واضطهاد لبنى ~~إسرائيل، ومن شأن الظالمين أنهم يستكثرون الدفاع عن المظلومين، بل ~~ويتهمون من يدافع عنهم بأنه جبار فى الأرض، لذا نرى أن القائل هذا القول ~~لموسى، هو القبطى، وليس الإسرائيلى - والله أعلم بمراده -. وقوله - ~~سبحانه - { وجآء رجل من أقصى المدينة يسعى.. } ~~معطوف على كلام محذوف يرشد إليه ms3956 السياق. والتقدير وانتشر خبر قتل موسى ~~للقبطى بالمدينة، فأخذ فرعون وقومه فى البحث عنه لينتقموا منه... وجاء ~~رجل - قيل هو مؤمن من آل فرعون - من أقصى المدينة، أى من أطرافها وأبعد ~~مكان فيها { يسعى.. } أى يسير سيرا سريعا نحو موسى، فلما وصل إليه ~~قال له { يموسى إن الملأ } وهم زعماء قوم فرعون. { ~~يأتمرون بك ليقتلوك } أى يتشاورون فى أمرك ليقتلوك، أو ~~يأمر بعضهم بعضا بقتلك، وسمى التشاور بين الناس ائتمارا، لأن كلا من ~~المتشاورين يأمر الآخر، ويأتمر بأمره. ومنه قوله - تعالى - # وأتمروا بينكم بمعروف # أى وتشاوروا بينكم بمعروف. وقوله { فاخرج إني لك من ~~الناصحين } أى قال الرجل لموسى مادام الأمر كذلك يا موسى فاخرج من ~~هذه المدينة، ولا تعرض نفسك للخطر، إنى لك من الناصحين بذلك، قبل أن ~~يظفروا بك ليقتلوك. واستجاب موسى لنصح هذا الرجل { فخرج منها } أى ~~من المدينة، حالة كونه { خآئفا } من الظالمين { يترقب } التعرض ~~له منهم، ويعد نفسه للتخفى عن أنظارهم. وجعل يتضرع إلى ربه قائلا { رب ~~نجني } بقدرتك وفضلك { من القوم الظالمين } بأن تخلصنى من ~~كيدهم، وتحول بينهم وبينى، فأنا ما قصدت بما فعلت، إلا دفع ظلمهم وبغيهم. ~~وإلى هنا تكون السورة الكريمة، قد قصت علينا هذا الجانب من حياة موسى، ~~بعد أن بلغ أشده واستوى، وبعد أن دفع بهمته الوثابة ظلم الظالمين، وخرج ~~من مدينتهم خائفا يترقب، ملتمسا من خالقه - عز وجل - النجاة من مكرهم. ثم ~~حكت لنا السورة الكريمة بعد ذلك، ما كان منه عندما توجه إلى جهة مدين، ~~وما حصل له فى تلك الجهة من أحداث، فقال - تعالى - { ولما توجه ~~تلقآء... }. ### || [28.22-28] # لفظ { تلقآء } فى قوله - تعالى - { ولما توجه تلقآء ~~مدين } منصوب على الظرفية المكانية، وهو فى الأصل اسم مصدر. يقال ~~دارى تلقاء دار فلان، إذا كانت محاذية لها. و { مدين } اسم لقبيلة ~~شعيب - عليه السلام - أو لقريته التى كان يسكن فيها، سميت بذلك نسبة إلى ~~مدين بن إبراهيم - عليه السلام -. وإنما توجه إليها موسى - عليه السلام ~~-، لأنها لم تكن داخلة تحت ms3957 سلطان فرعون وملئه. أى وبعد أن خرج موسى من ~~مصر خائفا يترقب، صرف وجهه إلى جهة قرية مدين التى على أطراف الشام ~~جنوبا، والحجاز شمالا. صرف وجهه إليها مستسلما لأمر ربه، متوسلا إليه ~~بقوله { عسى ربي أن يهديني سوآء السبيل }. أى قال ~~على سبيل الرجاء فى فضل الله - تعالى - وكرمه عسى ربى الذى خلقنى بقدرته، ~~وتولانى برعايته وتربيته، أن يهدينى ويرشدنى إلى أحسن الطرق التى تؤدى بى ~~إلى النجاة من القوم الظالمين. فالمراد بسواء السبيل الطريق المستقيم ~~السهل المؤدى. إلى النجاة، من إضافة الصفة إلى الموصوف أى عسى أن يهدينى ~~ربى إلى الطريق الوسط الواضح. وأجاب الله - تعالى - دعاءه، ووصل موسى بعد ~~رحلة شاقة مضنية إلى أرض مدين، ويقص علينا القرآن ما حدث له بعد وصوله ~~إليها فيقول { ولما ورد مآء مدين وجد عليه أمة ~~من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين ~~تذودان }. قال القرطبى ووروده الماء معناه بلغه، لا أنه دخل فيه. ~~ولفظة الورود قد تكون بمعنى الدخول فى المورود، وقد تكون بمعنى الاطلاع ~~عليه والبلوغ إليه وإن لم يدخل، فورود موسى هذا الماء كان بالوصول إليه.. ~~وقوله - تعالى - { تذودان } من الذود بمعنى الطرد والدفع والحبس. ~~يقال ذاد فلان إبله عن الحوض، ذودا وذيادا إذا حبسها ومنعها من الوصول ~~إليه. والمعنى وحين وصل موسى - عليه السلام - إلى الماء الذى تستقى منه ~~قبيلة مدين { وجد عليه أمة } أى جماعة كثيرة { من الناس ~~يسقون } أى يسقون إبلهم وغنمهم، ودوابهم المختلفة. { ووجد من ~~دونهم } أى ووجد بالقرب منهم. أو فى جهة غير جهتهم. { امرأتين ~~تذودان } أى امرأتين تطردان وتمنعان أغنامهما أو مواشيهما عن الماء، ~~حتى ينتهى الناس من السقى، ثم بعد ذلك هما تسقيان دوابهما، لأنهما لا ~~قدرة لهما على مزاحمة الرجال. وهنا قال لهما موسى - صاحب الهمة العالية، ~~والمروءة السامية، والنفس الوثابة نحو نصرة المحتاج - قال لهما بما يشبه ~~التعجب { ما خطبكما }؟ أى ما شأنكما؟ وما الدافع لكما إلى منع ~~غنمكما من الشرب من هذا الماء، مع أن الناس يسقون منه؟ ms3958 وهنا قالتا له على ~~سبيل الاعتذار وبيان سبب منعهما لمواشيهما عن الشرب { لا نسقي ~~حتى يصدر الرعآء وأبونا شيخ كبير }. # ويصدر من أصدر - والصدر عن الشىء الرجوع عنه، وهو ضد الورود. يقال صدر ~~فلان عن الشىء. إذا رجع عنه. قال الشوكانى قرأ الجمهور " يصدر " بضم ~~الياء وكسر الدال - مضارع أصدر المتعدى بالهمزة، وقرأ ابن عامر وأبو عمرو ~~" يصدر " بفتح الياء وضم الدال - من صدر يصدر اللازم، فالمفعول على ~~القراءة الأولى محذوف. أى يرجعون مواشيهم... و { الرعآء } جمع ~~الراعى، مأخوذ من الرعى بمعنى الحفظ. أى قالتا لموسى - عليه السلام - إن ~~من عادتنا أن لا نسقى. مواشينا حتى يصرف الرعاء دوابهم عن الماء، ويصبح ~~الماء خاليا لنا، لأننا لا قدرة لنا على المزاحمة، وليس عندنا رجل يقوم ~~بهذه المهمة، وأبونا شيخ كبير فى السن لا يقدر - أيضا - على القيام بمهمة ~~الرعى والمزاحمة على السقى. وبعد أن سمع موسى منهما هذه الإجابة، سارع ~~إلى معاونتهما - شأن أصحاب النفوس الكبيرة، والفطرة السليمة، وقد عبر ~~القرآن عن هذه المسارعة بقوله { فسقى لهما }. أى فسقى لهما ~~مواشيهما سريعا. من أجل أن يريحهما ويكفيهما عناء الانتظار وفى هذا ~~التعبير إشارة إلى قوته، حيث إنه استطاع وهو فرد غريب بين أمة من الناس ~~يسقون - أن يزاحم تلك الكثرة من الناس، وأن يسقى للمرأتين الضعيفتين ~~غنمهما. دون أن يصرفه شىء عن ذلك. رحم الله صاحب الكشاف. فقد أجاد عند ~~عرضه لهذه المعانى. فقال ما ملخصه " قوله { فسقى لهما } أى فسقى ~~غنمهما لأجلهما. وروى أن الرعاة كانوا يضعون على رأس البئر حجرا لا يقله ~~إلا سبعة رجال.. فأقله وحده. وإنما فعل ذلك رغبة فى المعروف وإغاثة ~~للملهوف والمعنى أنه وصل إلى ذلك الماء، وقد ازدحمت عليه أمة من الناس، ~~متكافئة العدد، ورأى الضعيفتين من ورائهم، مع غنمهما مترقبتين لفراغهم. ~~فما أخطأت همته فى دين الله تلك الفرصة، مع ما كان به من النصب والجوع، ~~ولكنه رحمهما فأغاثهما، بقوة قلبه، وبقوة ساعده. فإن قلت لم ترك المفعول ~~غير مذكور فى قوله ms3959 { يسقون } و { تذودان } قلت لأن الغرض هو ~~الفعل لا المفعول. ألا ترى أنه إنما رحمهما لأنهما كانتا على الذياد وهم ~~على السقى، ولم يرحمهما لأن مذودهما غنم ومسقيهم إبل مثلا. فإن قلت كيف ~~طابق جوابهما سؤاله؟ قلت سألهما عن سبب الذود فقالتا السبب فى ذلك أننا ~~امرأتان ضعيفتان مستورتان لا نقدر على مزاحمة الرجال، فلا بد لنا من ~~تأخير السقى إلى أن يفرغوا، ومالنا رجل يقوم بذلك، وأبونا شيخ كبير، فقد ~~أضعفه الكبر، فلا يصلح للقيام به، فهما قد أبدتا إليه عذرهما فى توليهما ~~السقى بأنفسهما. فإن قلت كيف ساغ لنبى الله الذى هو شعيب - عليه السلام - ~~أن يرضى لابنتيه بسقى الماشية؟ قلت، الأمر فى نفسه ليس بمحظور، فالدين لا ~~يأباه، وأما المروءة فالناس مختلفون فى ذلك. # والعادات متباينة فيه.. وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم. ومذهب أهل ~~البدو غير مذهب أهل الحضر، خصوصا إذا كانت الحالة حالة ضرورة... وقوله - ~~تعالى - { ثم تولى إلى الظل } فقال { رب إني لمآ ~~أنزلت إلي من خير فقير } بيان لما فعله موسى وقاله بعد ~~أن سقى للمرأتين غنمهما. أى فسقى موسى للمرأتين غنمهما، ثم أعرض عنهما ~~متجها إلى الظل الذى كان قريبا منه فى ذلك المكان، قيل كان ظل شجرة وقيل ~~ظل جدار. فقال على سبيل التضرع إلى ربه ياربى إنى فقير ومحتاج إلى أى خير ~~ينزل منك على سواء أكان هذا الخير طعاما أم غيره. قال الآلوسى ما ملخصه ~~وقوله { فقال رب إني لمآ أنزلت إلي } أى لأى شىء ~~تنزله من خزائن كرمك إلى { من خير } جل أو قل، { فقير } أى ~~محتاج، وهو خبر إن. وعدى باللام لتضمنه معنى الاحتياج. و { ما } نكرة ~~موصوفة، والجملة بعدها صفتها. والرابط محذوف، و { من خير } بيان لها ~~والتنوين فيه للشيوع، والكلام تعريض لما يطعمه، بسبب ما ناله من شدة ~~الجوع. يدل لذلك ما أخرجه ابن مردويه عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " لما سقى موسى للجاريتين، ثم تولى إلى الظل. ms3960 فقال رب إنى لما أنزلت إلى ~~من خير فقير، وإنه يومئذ فقير إلى كف من تمر ". # واستجاب الله - تعالى - لموسى دعاءه. وأرسل إليه الفرج سريعا، يدل لذلك ~~قوله - تعالى - بعد هذا الدعاء من موسى { فجآءته إحداهما ~~تمشي على استحيآء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك ~~أجر ما سقيت لنا.. }. وفى الكلام حذف يفهم من السياق وقد أشار ~~إليه ابن كثير بقوله لما رجعت المرأتان سراعا بالغنم إلى أبيهما، أنكر ~~حالهما ومجيئهما سريعا، فسألهما عن خبرهما فقصتا عليه ما فعل موسى - عليه ~~السلام -. فبعث إحداهما إليه لتدعوه إلى أبيها، كما قال - تعالى - { ~~فجآءته إحداهما تمشي على استحيآء } اى مشى الحرائر، ~~كما روى عن عمر بن الخطاب أنه قال كانت مستترة بكم درعها. أى قميصها. ثم ~~قال ابن كثير وقد اختلف المفسرون فى هذا الرجل من هو؟ على أقوال أحدهما ~~أنه شعيب النبى - عليه السلام - الذى أرسله الله إلى أهل مدين، وهذا هو ~~المشهور عند كثيرين وقد قاله الحسن البصرى وغير واحد ورواه ابن أبى حاتم. ~~وقد روى الطبرانى عن مسلمة بن سعد العنزى أنه وفد على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال له مرحبا بقوم شعيب، وأختان موسى. # وقال آخرون بل كان ابن أخى شعيب. وقيل رجل مؤمن من آل شعيب. ثم قال - ~~رحمه الله - ثم من المقوى لكونه ليس بشعيب، أنه لو كان إياه لأوشك أن ينص ~~على اسمه فى القرآن ها هنا. وما جاء فى بعض الأحاديث من التصريح بذكره فى ~~قصة موسى لم يصح إسناده. والمعنى ولم يطل انتظار موسى للخير الذى التمسه ~~من خالقه - عز وجل - فقد جاءته إحدى المرأتين اللتين سقى لهما، حالة ~~كونها { تمشي على استحيآء } أى على تحشم وعفاف شأن النساء ~~الفضليات. { قالت } بعبارة بليغة موجزة { إن أبي يدعوك } ~~للحضور إليه { ليجزيك أجر ما سقيت لنا } أى ليكافئك على ~~سقيك لنا غنمنا. واستجاب موسى لدعوة أبيها وذهب معها للقائه { فلما ~~جآءه } ، أى فلما وصل موسى إلى بيت الشيخ الكبير، { وقص عليه ~~القصص } ، أى وقص ms3961 عليه ما جرى له قبل ذلك، من قتله القبطى، ومن هربوه ~~إلى أرض مدين. فالقصص هنا مصدر بمعنى اسم المفعول، أى المقصوص. { قال } ~~أى الشيخ الكبير لموسى { لا تخف نجوت من القوم ~~الظالمين } أى لا تخف يا موسى من فرعون وقومه، فقد أنجاك الله - ~~تعالى - منهم ومن كل ظالم. وهذا القول من الشيخ الكبير لموسى، صادف ~~مكانه، وطابق مقتضاه، فقد كان موسى - عليه السلام - أحوج ما يكون فى ذلك ~~الوقت إلى نعمة الأمان والاطمئنان، بعد أن خرج من مصر خائفا يترقب. ثم ~~يحكى القرآن بعد ذلك، ما أشارت به إحدى الفتاتين على أبيها فقال - تعالى ~~- { قالت إحداهما } ولعلها التى جاءت إلى موسى على استحياء ~~لتقوله له { إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت ~~لنا }. { يأبت استأجره } أى قالت لأبيها بوضوح واستقامة قصد ~~- شأن المرأة السليمة الفطرة النقية العرض القوية الشخصية - يا أبت ~~استأجر هذا الرجل الغريب ليكفينا تعب الرعى، ومشقة العمل خارج البيت. ثم ~~عللت طلبها بقولها { إن خير من استأجرت القوي ~~الأمين } أى استأجره ليرعى غنمنا، فإنه جدير بهذه المهمة، لقوته ~~وأمانته، ومن جمع فى سلوكه وخلقه بين القوة والأمانة، كان أهلا لكل خير، ~~ومحلا لثقة الناس به على أموالهم وأعراضهم. قال ابن كثير قال عمر، وابن ~~عباس، وشريح القاضى، وأبو مالك، وقتادة... وغير واحد لما قالت { إن ~~خير من استأجرت القوي الأمين } قال لها أبوها وما ~~علمك بذلك؟ قالت إنه رفع الصخرة التى لا يطيق حملها إلا عشرة رجال، وأنه ~~لما جئت معه تقدمت أمامه، فقال لى كونى من ورائى، فإذا اجتنبت الطريق ~~فاحذفى - أى فارمى - بحصاة أعلم بها كيف الطريق لأهتدى إليه. واستجاب ~~الشيخ الكبير لما اقترحته عليه ابنته، وكأنه أحس بصدق عاطفتها، وطهارة ~~مقصدها وسلامة فطرتها، فوجه كلامه إلى موسى قائلا { قال إني ~~أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين } أى قال الشيخ ~~الكبير لموسى مستجيبا لاقتراح ابنته يا موسى إنى أريد أن أزوجك إحدى ~~ابنتى هاتين. # ولعله أراد بإحداهما، تلك التى قالت له يا أبت استأجره، ms3962 لشعوره - وهو ~~الشيخ الكبير، والأب العطوف، الحريص على راحة ابنته - بأن هناك عاطفة ~~شريفة تمت بين قلب ابنته، وبين هذا الرجل القوى الأمين، وهو موسى - عليه ~~السلام -. وفى هذه الآيات ما فيها من الإشارة إلى رغبة المرأة الصالحة، ~~فى الرجل الصالح، وإلى أنه من شأن الآباء العقلاء أن يعملوا على تحقيق ~~هذه الرغبة. قال الشوكانى فى هذه الآية مشروعية عرض ولى المرأة لها على ~~الرجل، وهذه سنة ثابتة فى الإسلام، كما ثبت من عرض عمر لابنته حفصة على ~~أبى بكر وعثمان، وغير ذلك مما وقع فى أيام الصحابة أيام النبوة، وكذلك ما ~~وقع من عرض المرأة لنفسها على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله - ~~سبحانه - { على أن تأجرني ثماني حجج } بيان لما اشترطه ~~الشيخ الكبير على موسى - عليه السلام -. أى قال له بصيغة التأكيد إنى ~~أريد أن أزوجك إحدى ابنتى هاتين، بشرط أن تعمل أجيرا عندى لرعى غنمى { ~~ثماني حجج } أى ثمانى سنين. قال الجمل وقوله { على أن ~~تأجرني } فى محل نصب على الحال، إما من الفاعل أو من المفعول. أى ~~مشروطا على أو عليك ذلك.... و { تأجرني } مفعلوه الثانى محذوف أى ~~تأجرنى نفسك و { ثماني حجج } ظرف له. وقوله { فإن أتممت ~~عشرا فمن عندك } أى فإن أتممت عشر سنين كأجير عندى لرعاية غنمى، ~~أى فهذا الإتمام من عندك على سبيل التفضل والتكرم فإنى لا أشترط عليك ~~سوى ثمانى حجج. وقوله { ومآ أريد أن أشق عليك ستجدني ~~إن شاء الله من الصالحين } بيان لحسن العرض الذى عرضه الشيخ ~~على موسى. أى وما أريد أن أشق عليك أو أتبعك فى أمر من الأمور خلال ~~استئجارى لك، بل ستجدنى - إن شاء الله - تعالى - من الصالحين، فى حسن ~~المعاملة، وفى لين الجانب، وفى الوفاء بالعهد. وقال { ستجدني إن ~~شاء الله... } للدلالة على أنه من المؤمنين. الذين يفوضون أمورهم ~~إلى الله - تعالى - ويرجون توفيقه ومعونته على الخير. ثم حكى - سبحانه - ~~ما رد به موسى فقال { قال ذلك بيني وبينك أيما ~~الأجلين قضيت فلا ms3963 عدوان علي والله على ما ~~نقول وكيل }. أى { قال } موسى فى الرد على الشيخ الكبير { ذلك ~~بيني وبينك } أى ذلك الذى قلته لى واشترطته على، كائن وحاصل بينى ~~وبينك، وكلانا مطالب بالوفاء به فاسم الإشارة مبتدأ، وبينى وبينك خبره، ~~والإشارة مرجعها إلى ما تعاقدا عليه، وأى فى قوله { أيما ~~الأجلين } شرطية، وجوابها، { فلا عدوان علي } و { وما } ~~مزيدة للتأكيد. # والمعنى أى الأجلين، أى الثمانية الأعوام أو العشرة الأعوام { قضيت ~~} أى وفيت به، وأديته معك أجيرا عندك { فلا عدوان علي } أى فلا ~~ظلم على، وأصل العدوان تجاوز الحد. قال صاحب الكشاف ما ملخصه أى قال موسى ~~ذلك الذى قلته... قائم بيننا جميعا لا يخرج كلانا عنه لا أنا عما اشترطت ~~على ولا أنت عما اشترطت على نفسك... ثم قال أى أجل من الأجلين قضيت - ~~أطولهما أو أقصرهما - { فلا عدوان علي } أى فلا يعتدى على فى ~~طلب الزيادة عليه. فإن قلت تصور العدوان إنما هو فى أحد الأجلين الذى هو ~~الأقصر، وهو المطالبة بتتمة العشر، فما معنى تعليق العدوان بهما جميعا؟ ~~قلت معناه، كما أنى إن طولبت بالزيادة على العشر كان عدوانا لا شك فيه، ~~فكذلك إن طولبت بالزيادة على الثمانى. أراد بذلك تقرير أمر الخيار، وأنه ~~ثابت مستقر، وأن الأجلين على السواء إما هذا وإما هذا من غير تفاوت ~~بينهما فى القضاء، وأما التتمة فهى موكولة إلى رأيى. إن شئت أتيت بها، ~~وإلا لم أجبر عليها. والمقصود بقوله { والله على ما نقول ~~وكيل } توثيق العهد وتأكيده، وأنه لا سبيل لواحد منهما على الخروج عنه ~~أصلا. أى والله - تعالى - شهيد ووكيل ورقيب على ما اتفقنا عليه، وتعاهدنا ~~على تنفيذه، وكفى بشهادته - سبحانه - شهادة. وقد ساق الإمام ابن كثير ~~جملة من الآثار التى تدل على أن موسى - عليه السلام - قد قضى أطول ~~الأجلين. ومن ذلك ما جاء عن ابن عباس # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سألت جبريل أى الأجلين قضى موسى؟ ~~قال " أكملهما وأتمهما، وفى رواية أبرهما وأوفاهما ". # هذا، والمتأمل ms3964 فى هذه الآيات الكريمة، يرى فيها بجلاء ووضوح، ما جبل ~~عليه موسى - عليه السلام - من صبر على بأساء الحياة وضرائها ومن همة ~~عالية تحمله فى كل موطن على إعانة المحتاج، ومن طبيعة إيجابية تجعله ~~دائما لا يقف أمام مالا يرضيه مكتوف اليدين، ومن عاطفة رقيقة تجعله فى كل ~~الأوقات دائم التذكر لخالقه، كثير التضرع إليه بالدعاء. كما يرى فيها ~~الفطرة السوية، والصدق مع النفس، والحياء، والعفاف، والوضوح، والبعد عن ~~التكلف والالتواء، كل ذلك متمثل فى قصة هاتين المرأتين اللتين سقى لهما ~~موسى غنمهم، واللتين جاءته إحداهما تمشى على استحياء، ثم قالت لأبيها يا ~~أبت استأجره. كما يرى فيها ما كان يتحلى به ذلك الشيخ الكبير من عقل ~~راجح، ومن قول طيب حكيم، يدخل الأمان والاطمئنان على قلب الخائف، ومن ~~أبوة حانية رشيدة، تستجيب للعواطف الشريفة، وتعمل على تحقيق رغباتها عن ~~طريق الزواج الذى شرعه الله - تعالى -. ومضت السنوات العشر، التى قضاها ~~موسى أجيرا عند الشيخ الكبير فى مدين، ووفى كل واحد منهما بما وعد به ~~صاحبه، وتزوج موسى بإحدى ابنتى الشيخ الكبير، وقرر الرجوع بأهله إلى مصر، ~~فماذا حدث له فى طريق عودته؟ يحكى لنا القرآن الكريم بأسلوبه البديع ما ~~حدث لموسى - عليه السلام - بعد ذلك فيقول { فلما قضى.... }. ### || [28.29-35] # المراد بالأجل فى قوله - تعالى - { فلما قضى موسى الأجل.. } ~~المدة التى قضاها موسى أجيرا عند الشيخ الكبير، بجهة مدين. والمعنى ومكث ~~موسى عشر سنين فى مدين، فلما قضاها وتزوج بإحدى ابنتى الشيخ الكبير، ~~استأذن منه { وسار بأهله } أى وسار بزوجته متجها إلى مصر ليرى ~~أقاربه وذوى رحمه، أو إلى مكان آخر قيل هو بيت المقدس. { آنس من ~~جانب الطور نارا } ولفظ { آنس } من الإيناس، وهو إبصار الشىء ~~ورؤيته بوضوح لا التباس معه، حتى لكأنه يحسه بجانب رؤيته له. أى وخلال ~~سيره بأهله إلى مصر، رأى بوضوح و جلاء { من جانب الطور نارا }. ~~أى رأى من الجهة التى تلى جبل الطور نارا عظيمة. قال الآلوسى " استظهر ~~بعضهم أن المبصر كان نورا ms3965 حقيقة، إلا أنه عبر عنه بالنار، اعتبارا ~~لاعتقاد موسى - عليه السلام -، وقال بعضهم كان المبصر فى صور النار ~~الحقيقية، وأما حقيقته، فوراء طور العقل، إلا أن موسى - عليه السلام - ~~ظنه النار المعروفة ". وقوله - سبحانه - { قال لأهله امكثوا ~~إني آنست نارا.. } حكاية لما قاله موسى - عليه السلام - لزوجته ~~ومن معها عندما أبصر النار. أى عندما أبصر موسى النار بوضوح وجلاء { ~~قال لأهله امكثوا } فى مكانكم { إني آنست نارا } على ~~مقربة منى وسأذهب إليها. { لعلي آتيكم منها بخبر } ~~ينفعنا فى مسيرتنا، { أو } أقتطع لكم منها { جذوة من النار ~~لعلكم تصطلون }. قال الجلم قرأ حمزة { أو جذوة } بضم ~~الجيم. وقرأ عاصم بالفتح، وقرأ الباقون بالكسر، وهى لغات فى العود الذى ~~فى رأسه نار، هذا هو المشهور. وقيده بعضهم فقال فى رأسه نار من غير لهب، ~~وقد ورد ما يقتضى اللهب فيه، وقيل الجذوة العود الغليظ سواء أكان فى رأسه ~~نار أم لم يكن. وليس المراد هنا إلا ما فى رأسه نار. وقوله { تصطلون ~~} من الاصطلاء بمعنى الاقتراب من النار للاستدفاء بها من البرد. والطاء ~~فيه مبدلة من تاء الافتعال. أى قال موسى لأهله امكثوا فى مكانكم حتى أرجع ~~إليكم، فإنى أبصرت نارا سأذهب إليها، لعلى آتيكم من جهتها بخبر يفيدنا فى ~~رحلتنا، أو أقتطع لكم منها قطعة من الجمر، كى تستدفئوا بها من البرد. قال ~~ابن كثير ما ملخصه وكان ذلك بعدما قضى موسى الأجل الذى كان بينه وبين ~~صهره فى رعاية الغنم، وسار بأهله. قيل قاصدا بلاد مصر بعد أن طالت الغيبة ~~عنها أكثر من عشر سنين، ومعه زوجته، فأضل الطريق، وكانت ليلة شاتية. ونزل ~~منزلا بين شعاب وجبال، فى برد وشتاء، وسحاب وظلام وضباب وجعل يقدح بزند ~~معه ليورى نارا - أى ليخرج نارا - كما جرت العادة به، فجعل لا يقدح شيئا، ~~ولا يخرج منه شرر ولا شىء، فبينما هو كذلك إذ آنس من جانب الطور نارا. # .. ثم بين - سبحانه - ما حدث لموسى بعد أن وصل إلى الجهة التى فيها ~~النار فقال ms3966 - تعالى - { فلمآ أتاها نودي من شاطىء ~~الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة ~~أن يموسى إني أنا الله رب العالمين }. والضمير فى ~~" أتاها " ، يعود إلى النار التى رآها، وشاطىء الوادى جانبه، والأيمن ~~صفته. أى فحين أتى موسى - عليه السلام - إلى النار التى أبصرها، { ~~نودي من شاطىء الوادي الأيمن } أى سمع نداء من الجانب ~~الأيمن بالنسبة له، أى لموسى وهو يسير إلى النار التى رآها، فمن لابتداء ~~الغاية. ويرى بعضهم أن المراد بالأيمن. أى المبارك، مأخوذ من اليمن بمعنى ~~البركة. وقوله { في البقعة المباركة } متعلق بقوله { نودي ~~} أو بمحذوف حال من الشاطىء. وقوله { من الشجرة } بدل اشتمال من ~~شاطىء الوادى، فإنه كان مشتملا عليها. والبقعة اسم للقطعة من الأرض التى ~~تكون غير هيئة القطعة المجاورة لها وجمعها بقع بضم الباء وفتح القاف - ~~وبقاع. ووصفت بالبركة لما وقع فيها من التكليم والرسالة لموسى، و إظهار ~~المعجزات والآيات على يديه. أى فلما اقترب موسى من النار، نودى من ذلك ~~المكان الطيب، الكائن على يمينه وهو يسير إليه. والمشتمل على البقعة ~~المباركة من ناحية الشجرة. ولعل التنصيص على الشجرة، للإشارة إلى أنها ~~كانت الوحيدة فى ذلك المكان. و { أن } فى قوله - تعالى - { أن ~~يموسى إني أنا الله رب العالمين } تفسيرية، لأن ~~النداء قول. أى نودى أن يا موسى تنبه وتذكر إنى أنا الله رب العالمين. ~~قال الإمام ابن كثير وقوله - تعالى - { أن يموسى إني أنا ~~الله رب العالمين } أى الذى يخاطبك ويكلمك هو رب العالمين، ~~الفعال لما يشاء لا إله غيره. ولا رب سواه، تعالى وتقدس وتنزه عن مماثلة ~~المخلوقات فى ذاته وصفاته وأقواله - سبحانه -. قوله - سبحانه - { وأن ~~ألق عصاك } معطوف على قوله { أن يموسى } فكلاهما مفسر للنداء، ~~والفاء فى قوله { فلما رآها تهتز } فصيحة. والمعنى نودى أن يا ~~موسى إنى أنا الله رب العالمين، ونودى أن ألق عصاك، فألقاها. { فلما ~~رآها تهتز } أى تضطرب بسرعة { كأنها جآن } أى كأنها فى ~~سرعة حركتها وشدة اضطرابها { جآن } أى ثعبان يدب بسرعة ويمرق فى خفة ~~ولى ms3967 مدبرا ولم يعقب. أى ولى هاربا خوفا منها، دون أن يفكر فى العودة ~~إليها. ليتبين ماذا بها، وليتأمل ما حدث لها. يقال عقب المقاتل إذا كر ~~راجعا إلى خصمه، بعد أن فر من أمامه. وهنا جاءه النداء مرة أخرى، فى قوله ~~- تعالى - { يموسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين }. # أى يا موسى أقبل نحو المكان الذى كنت فيه، ولا تخف مما رأيته، إنك من ~~عبادنا الآمنين عندنا، المختارين لحمل رسالتنا. ثم أمره - سبحانه - بأمر ~~آخر فقال { اسلك يدك في جيبك تخرج بيضآء من غير ~~سوء.. }. ولفظ { اسلك } من السلك - بتشديد السين مع الفتح - بمعنى ~~إدخال الشىء فى الشىء. أى أدخل يدك يا موسى فى فتحة ثوبك، تخرج بيضاء من ~~غير سوء مرض أو عيب { واضمم إليك جناحك من الرهب } ~~والجناح اليد، والرهب الخوف والفزع. والمقصود بالجملة الكريمة { ~~واضمم إليك جناحك من الرهب } إرشاد موسى إلى ما يدخل ~~الطمأنينة على قلبه، ويزيل خوفه. والمعنى افعل يا موسى ما أمرناك به، ~~فإذا أفزعك أمر يدك وما تراه من بياضها وشعاعها، فأدخلها فى فتحة ثوبك، ~~تعد إلى حالتها الأولى. وإذا انتابك خوف عند معاينة الحية، فاضمم يدك إلى ~~صدرك، يذهب عنك الخوف. قال صاحب الكشاف فإن قلت ما معنى قوله { واضمم ~~إليك جناحك من الرهب }؟ قلت فيه معنيان، أحدهما أن موسى - ~~عليه السلام - لما قلب الله العصا حية فزع واضطرب، فاتقاها بيده، كما ~~يفعل الخائف من الشىء، فقيل له إن اتقاءك بيدك فيه غضاضة - أى منقصة - ~~عند الأعداء فإذا ألقيتها فعندما تنقلب حية، فأدخل يدك تحت عضدك مكان ~~اتقائك بها، ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران اجتناب ما هو غضاضة عليك، ~~وإظهار معجزة أخرى. والثانى أن يراد بضم جناحه إليه، تجلده وضبط نفسه، ~~وتشدده عند انقلاب العصا حية، حتى لا يضطرب ولا يرهب... واسم الإشارة فى ~~قوله، فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه... يعود إلى العصا واليد. ~~والتذكير لمراعاة الخبر وهو { برهانان } والبرهان الحجة الواضحة ~~النيرة التى تلجم الخصم، وتجعله لا يستطيع معارضتها. ms3968 أى فهاتان المعجزتان ~~اللتان أعطيناك إياهما يا موسى، وهما العصا واليد، حجتان واضحتان كائنتان ~~{ من ربك } فاذهب بهما إلى { فرعون وملئه } لكى تبلغهم ~~رسالتنا، وتأمرهم بإخلاص العبادة لنا. { إنهم } أى فرعون وملئه { ~~كانوا قوما فاسقين } أى خارجين من الطاعة إلى المعصية. ومن ~~الحق إلى الباطل. وهنا تذكر موسى ما كان بينه وبين فرعون وقومه من عداوة، ~~فقال { رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن ~~يقتلون } إذا ذهبت إليهم بهذه الآيات. وهو عليه السلام - لا يقول ~~ذلك، هروبا من تبليغ رسالة الله - تعالى - وإنما ليستعين برعايته - عز ~~وجل - وبحفظه. عندما يذهب إلى هؤلاء الأقوام الفاسقين. ثم أضاف إلى ذلك ~~قوله { وأخي هارون هو أفصح مني لسانا } أى هو أقدر منى ~~على المدافعة عن الدعوة وعلى تبيان الحق وتوضيحه. { فأرسله معي ~~ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون } والردء العون ~~والنصير. # يقال ردأته على عدوه وأردأته، إذا أعنته عليه، وردأت الجدار إذا قويته ~~بما يمنعه من أن ينقض. أى فأرسل أخى هارون معى إلى هؤلاء القوم، لكى ~~يساعدنى ويعيننى على تبليغ رسالتك، ويصدقنى فيما سأدعوهم إليه، ويخلفنى ~~إذا ما اعتدى على. { إني أخاف أن يكذبون } إذا لم يكن معى ~~أخى هارون يعيننى ويصدقنى. والمتأمل فى هذا الكلام الذى ساقه الله - ~~تعالى - على لسان موسى - عليه السلام - يرى فيه إخلاصه فى تبليغ رسالة ~~ربه، وحرصه على أن يؤتى هذا التبليغ ثماره الطيبة على أكمل صورة، وأحسن ~~وجه. قال صاحب الكشاف فإن قلت تصديق أخيه ما الفائدة فيه؟ قلت ليس الغرض ~~بتصديقه أن يقول له صدقت، أو يقول للناس صدق أخى، وإنما هو أن يلخص ~~بلسانه الحق، ويبسط القول فيه، ويجادل به الكفار كما يصدق القول ~~بالبرهان. وفضل الفصاحة إنما يحتاج إليه لذلك، لا لقوله صدقت، فإن سحبان ~~وباقلا يستويان فيه. ثم حكى القرآن بعد ذلك، أن الله - تعالى - قد أجاب ~~لموسى رجاءه فقال { قال سنشد عضدك بأخيك }. شد العضد ~~كناية عن التقوية له، لأن اليد تشتد وتقوى، بشدة العضد وقوته. وهو من ~~المرفق إلى ms3969 الكتف. أى قال - سبحانه - لقد استجبنا لرجائك يا موسى، ~~وسنقويك ونعينك بأخيك { ونجعل لكما } بقدرتنا ومشيئتنا { ~~سلطانا } أى حجة وبرهانا وقوة تمنع الظالمين { فلا يصلون ~~إليكما } بأذى ولا يتغلبان عليكما بحجة. وقوله { بآياتنآ } ~~متعلق بمحذوف. أى فوضا أمركما إلى، واذهبا إلى فرعون وقومه بآياتنا ~~الدالة على صدقكما. وقوله - تعالى - { أنتما ومن اتبعكما ~~الغالبون } مؤكد لمضمون ما قبله. من تقوية قلب موسى، وتبشيره ~~بالغلبة والنصر على أعدائه. أى أجبنا طلبك يا موسى، وسنقويك بأخيك، فسيرا ~~إلى فرعون وقومه، فسنجعل لكما الحجة عليهم. وستكونان أنتما ومن اتبعكما ~~من المؤمنين أصحاب الغلبة والسلطان على فرعون وجنده. ونفذ موسى وهارون - ~~عليهما السلام - أمر ربهما - عز وجل - فذهبا إلى فرعون ليبلغاه دعوة ~~الحق، وليأمراه بإخلاص العبادة لله - تعالى -. وتحكى الآيات الكريمة بعد ~~ذلك ما دار بين موسى وبين فرعون وقومه من محاورات ومجادلات، انتهت ~~بانتصار الحق، وهلاك الباطل.... تحكى الآيات كل ذلك فتقول { فلما ~~جآءهم... }. ### || [28.36-43] # المراد بالآيات فى قوله - تعالى - { فلما جآءهم موسى ~~بآياتنا بينات } العصا واليد. وجمعهما تعظيم لشأنهما، ولاشتمال ~~كل واحدة منهما على دلائل متعددة على صدق موسى - عليه السلام - فيما جاء ~~به من عند ربه - تعالى -. والمعنى ووصل موسى إلى فرعون وقومه، ليأمرهم ~~بعبادة الله وحده، فلما جاءهم بالمعجزات التى أيدناه بها، والتى تدل على ~~صدقه دلالة واضحة. { قالوا } له على سبيل التبجح والعناد { ما ~~هذآ إلا سحر مفترى } أى قالوا له ما هذا الذى جئت به يا ~~موسى إلا سحر أتيت به من عند نفسك. ثم أكدوا قولهم الباطل هذا بآخر أشد ~~منه بطلانا، فقالوا - كما حكى القرآن عنهم - { وما سمعنا بهذا ~~في آبآئنا الأولين }. أى وما سمعنا بهذا الذى جئتنا به يا ~~موسى، من الدعوة إلى عبادة الله وحده ومن إخبارك لنا بأنك نبى... ما ~~سمعنا بشىء من هذا كائنا أو واقعا فى عهد آبائنا الأولين وقولهم هذا يدل ~~على إعراضهم عن الحق، وعكوفهم على ما ألفوه بدون تفكر أو تدبر وقد رد ~~عليهم موسى ردا منطقيا حكيما، حكاه ms3970 القرآن فى قوله { وقال موسى ~~ربي أعلم بمن جآء بالهدى من عنده.. }. أى وقال ~~موسى فى رده على فرعون وملئه ربى الذى خلقنى وخلقكم، أعلم منى ومنكم بمن ~~جاء بالهدى والحق من عنده، وسيحكم بينى وبينكم بحكمه العادل. ولم يصرح ~~موسى - عليه السلام - بأنه يريد نفسه، بالإتيان بالهداية لهم من عند ~~الله - تعالى - ليكفكف من عنادهم وغرورهم، وليرخى لهم حبل المناقشة، حتى ~~يخرس ألسنتهم عن طريق المعجزات التى أيده الله - تعالى - بها. وقوله { ~~ومن تكون له عاقبة الدار } معطوف على ما قبله. أى وربى - ~~أيضا - أعلم منى ومنكم بمن تكون له النهاية الحسنة، والعاقبة الحميدة. ~~قال الآلوسى وقوله { ومن تكون له عاقبة الدار } وهى ~~الدنيا، وعاقبتها أن يختم للإنسان بها، بما يفضى به إلى الجنة بفضل الله ~~- تعالى - وكرمه. وقوله - سبحانه - { إنه لا يفلح الظالمون ~~} تذييل قصديه ببان سنة من سننه - تعالى - التى لا تتخلف أى أنه - سبحانه ~~- قد اقتضت سنته أن لا يفوز الظالمون بمطلوب بل الذين يفوزون بالعاقبة ~~الحميدة هم الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا. ولكن هذا الرد المهذب ~~الحكيم من موسى - عليه السلام -، لم يعجب فرعون المتطاول المغرور فأخذ فى ~~إلقاء الدعاوى الكاذبة، التى حكاها القرآن عنه فى قوله { وقال ~~فرعون يأيها الملأ ما علمت لكم من إله ~~غيري }. أى وقال فرعون لقومه - على سبيل الكذب والفجور - يأيها ~~الأشراف من أتباعى. # إنى ما علمت لكم من إله سواى. وقوله هذا يدل على ما بلغه من طغيان ~~وغرور، فكأنه يقول لهم إنى لم أعلم بأن هناك إلها لكم سواى، ومالا أعلمه ~~فلا وجود له. وقد قابل قومه هذا الهراء والهذيان، بالسكوت والتسليم، شأن ~~الجهلاء الجبناء وصدق الله إذ يقول # فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما ~~فاسقين # ثم تظاهر بعد ذلك بأنه جاد فى دعواه أمام قومه بأنه لا إله لهم سواه، ~~وأنه حريص على معرفة الحقيقة، فقال لوزيره هامان { فأوقد لي ~~يهامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع ~~إلى إله موسى }. والصرح البناء الشاهق المرتفع. أى ms3971 فاصنع لى ~~يا هامان من الطين آجرا قويا، ثم هيىء لى منه بناء عاليا مكشوفا. أصعد ~~عليه، لعلى أرى إله موسى من فوقه. والمراد بالظن فى قوله { وإني ~~لأظنه من الكاذبين } اليقين. أى وإنى لمتيقن أن موسى من ~~الكاذبين فى دعواه أن هناك إلها غيرى.. فى هذا الكون. وهكذا. استخف فرعون ~~بعقول قومه الجاهلين الجبناء، فأفهمهم أنه لا إله لهم سواه، وأن موسى ~~كاذب فيما ادعاه. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # وقال فرعون يهامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ ~~الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله ~~موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون ~~سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون ~~إلا في تباب # قال ابن كثير وذلك لأن فرعون، بنى هذا الصرح، الذى لم ير فى الدنيا بناء ~~أعلى منه، وإنما أراد أن يظهر لرعيته، تكذيب موسى فيما قاله من أن هناك ~~إلها غير فرعون. ولهذا قال { وإني لأظنه من الكاذبين } ~~أى فى قوله إن ثم ربا غيرى. ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت فرعون ~~على هذا القول الساقط الكاذب، فقال { واستكبر هو وجنوده في ~~الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا ~~يرجعون }. والاستكبار التعالى والتطاول على الغير بحمق وجهل. أى ~~وتعالى فرعون وجنوده فى الأرض التى خلقناها لهم، دون أن يكون لهم أى حق ~~فى هذا التطاول والتعالى، وظنوا واعتقدوا أنهم إلينا لا يرجعون، ~~لمحاسبتهم ومعاقبتهم يوم القيامة. فماذا كانت نتيجة ذلك التطاول والغرور، ~~والتكذيب بالبعث والحساب؟ لقد كانت نتيجته كما قال - تعالى - بعد ذلك { ~~فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم }. والنبذ الطرح ~~والإهمال للشىء لحقارته وتفاهته. أى فأخذنا فرعون وجنوده بالعقاب الأليم ~~أخذا سريعا حاسما فألقينا بهم فى البحر، كما يلقى بالنواة أو الحصاة التى ~~لا قيمة لها، ولا اعتداد بها. { فانظر } أيها العاقل نظر تدبر واعتبار ~~{ كيف كان عاقبة الظالمين }؟ لقد كانت عاقبتهم الإغراق ~~الذى أزهق أرواحهم واستأصل باطلهم. { وجعلناهم } أى فرعون وجنوده، ~~{ أئمة } فى الكفر والفسوق والعصيان بسبب أنهم { يدعون } ، ~~غيرهم إلى ما يوصل { إلى النار } وسعيرها ms3972 والاحتراق بها. # { ويوم القيامة لا ينصرون } أى ويوم القيامة لا يجدون من ~~ينصرهم، بأن يدفع العذاب عنهم بأية صورة من الصور. { وأتبعناهم ~~في هذه الدنيا } التى قضوا حياتهم فيها فى الكفر والضلال، ~~أتبعناهم فيها { لعنة } أى طردا وإبعادا عن رحمتنا. { ويوم ~~القيامة هم من المقبوحين } والشىء المقبوح هو المطرود ~~المبعد عن كل خير. أى وهم يوم القيامة - أيضا - من المبعدين عن رحمتنا، ~~بسبب كفرهم وفسوقهم. والتعبير بقوله - سحبانه - { ويوم القيامة ~~هم من المقبوحين } يتناسب كل التناسب مع ما كانوا عليه فى ~~الدنيا من تطاول وغرور واستعلاء. فهؤلاء الذين كانوا فى الدنيا كذلك، ~~صاروا فى الآخرة محل الازدراء وقبح الهيئة والاشمئزاز من كل عباد الله ~~المخلصين. ثم ختم - سبحانه - قصة موسى ببيان جانب مما منحه - عز وجل - له ~~من نعم فقال { ولقد آتينا موسى الكتاب } أى آتيناه التوراة ~~لتكون هداية ونورا { من بعد مآ أهلكنا القرون الأولى } ~~أى أنزلنا التوراة على موسى، من بعد إهلاكنا للقرون الأولى من الأقوام ~~المكذبين، كقوم نوح وهود وصالح وغيرهم. قال الآلوسى " والتعرض لبيان كون ~~إيتائها بعد إهلاكهم للإشعار بأنها نزلت بعد مساس الحاجة إليها، تمهيدا ~~لما يعقبه من بيان الحاجة الداعية إلى إنزال القرآن الكريم على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فإن إهلاك القرون الأولى. من موجبات اندراس معالم ~~الشرائع، وانطماس آثارها، المؤديين إلى اختلال نظام العالم وفساد أحوال ~~الأمم وكل ذلك يستدعى تشريعا جديدا. وقوله - تعالى - { بصآئر ~~للناس وهدى ورحمة } منصوب على أنه مفعول لأجله أو حال أى ~~آتيناه التوراة من أجل أن تكون أنوارا لقلوبهم يبصرون بها الحقائق، كما ~~يبصرون بأعينهم المرئيات، ومن أجل أن تكون هداية لهم إلى الصراط ~~المستقيم، ورحمة لهم من العذاب. وقوله - سبحانه - { لعلهم ~~يتذكرون } تعليل لهذا الإيتاء، وحض لهم على الشكر. أى آتيناهم ~~الكتاب الذى عن طريقه يعرفون الحق من الباطل... كى يكونوا دائما متذكرين ~~لنعمنا، وشاكرين لنا على هدايتنا لهم ورحمتنا بهم. وإلى هنا نرى السورة ~~الكريمة، قد حدثتنا عن جوانب متعددة من حياة موسى - عليه ms3973 السلام -. ~~حدثتنا عن رعاية الله - تعالى - له حيث أراد له أن يعيش فى بيت فرعون وأن ~~يحظى برعاية امرأته، وأن يعود بعد ذلك إلى أمه كى تقر عينها به، دون أن ~~يصيبه أذى من فرعون الذى كان يذبح الذكور من بنى إسرائيل ويستحيى نساءهم. ~~ثم حدثتنا عن رعاية الله - تعالى - له، بعد أن بلغ أشده واستوى، حيث نجاه ~~من القوم الظالمين، بعد أن قتل واحدا منهم. ثم حدثتنا عن رعاية الله - ~~تعالى - له، بعد أن خرج من مصر خائفا يترقب متجها إلى قرية مدين، التى ~~قضى فيها عشر سنين أجيرا عند شيخ كبير من أهلها. # ثم حدثتنا عن رعاية الله - تعالى - له، بعد أن قضى تلك المدة، وسار ~~بأهله متجها إلى مصر، وكيف أن الله - تعالى - أمره بتبليغ رسالته إلى ~~فرعون وقومه، وأنه - عليه السلام - قد لبى أمر ربه - سبحانه - وبلغ ~~رسالته على أتم وجه وأكمله، فكانت العاقبة الطيبة له ولمن آمن به، وكانت ~~النهاية الأليمة لفرعون وجنوده. وهكذا طوفت بنا السورة الكريمة مع قصة ~~موسى - عليه السلام - ذلك التطواف الذى نرى فيه رعاية الله - تعالى - ~~لموسى، وإعداده لحمل رسالته، كما نرى فيه نماذج متنوعة لأخلاقه الكريمة، ~~ولهمته العالية، ولصبره على تكاليف الدعوة، ولسنن الله - تعالى - فى ~~خلقه، تلك السنين التى لا تتخلف فى بيان أن العاقبة الحسنة للمتقين، ~~والعاقبة القبيحة للكافرين والفاسقين. ثم بدأت السورة بعد ذلك فى تسلية ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، وفى بيان أن هذا القرآن من عند الله، وفى ~~بيان جانب من شبهات المشركين، ثم تلقين الرسول صلى الله عليه وسلم الرد ~~المزهق لها.. لنستمع إلى الآيات الكريمة التى تحكى لنا بأسلوبها البليغ، ~~هذه المعانى وغيرها فتقول { وما كنت بجانب الغربي.. }. ### || [28.44-51] # الخطاب فى قوله - تعالى - { وما كنت بجانب الغربي... } ~~للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد بجانب الغربى الجانب الغربى لجبل ~~الطور الذى وقع فيه الميقات، وفيه تلقى موسى التوراة من ربه - تعالى -. ~~أى وما كنت - أيها الرسول الكريم - حاضرا فى هذا المكان، { إذ ~~قضينآ ms3974 إلى موسى الأمر } أى، وقت أن كلفناه بحمل رسالتنا، ~~وأنزلنا إليه التوراة، لتكون هداية ونورا له ولقومه. { وما كنت } أيضا ~~- أيها الرسول الكريم - { من الشاهدين } لذلك، حتى تعرف حقيقة ما ~~كلفنا به أخاك موسى، فتبلغه للناس عن طريق المشاهدة. فالمقصود بالآية ~~بيان أن ما بلغه الرسول صلى الله عليه وسلم للناس عن أخبار الأولين، إنما ~~بلغه عن طريق الوحى الذى أوحاه الله - تعالى - إليه، وليس عن طريق آخر. ~~قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية يقول - تعالى - منبها على ~~برهان نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حيث أخبر بالغيوب الماضية خبرا كأن ~~سامعه شاهد وراء لما تقدم، وهو رجل أمى لا يقرأ شيئا من الكتب، نشأ بين ~~قوم لا يعرفون شيئا من ذلك، كما أنه لما أخبره عن مريم وما كان من أمرها، ~~قال - تعالى - # وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل ~~مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون # ثم قال - تعالى - # تلك من أنبآء الغيب نوحيهآ إليك ما كنت ~~تعلمهآ أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر # وقوله - سبحانه - { ولكنآ أنشأنا قرونا فتطاول ~~عليهم العمر } بيان للأسباب التى من أجلها قص الله - تعالى - ~~على نبيه صلى الله عليه وسلم أخبار الأمم السابقة. أى أنت أيها الرسول ~~الكريم - لم تكن معاصرا لتلك الأحداث ولكن أخبرناك بها عن طريق الوحى، ~~والسبب فى ذلك أن بينك وبين موسى وغيره من الأنبياء أزمانا طويلة، تغيرت ~~فيه الشرائع والأحكام، وعميت على الناس الأنباء، فكان من الخير والحكمة ~~أن نقص عليك أخبار السابقين بالحق الذى لا يحوم حوله باطل، حتى يعرف ~~الناس الأمور على وجهها الصحيح. قال صاحب الكشاف فإن قلت كيف يتصل قوله { ~~ولكنآ أنشأنا قرونا } بهذا الكلام؟ قلت اتصاله به وكونه ~~استدراكا له، من حيث إن معناه ولكنا أنشأنا بعد عهد الوحى إلى عهدك قرونا ~~طويلة { فتطاول } على آخرهم وهو القرن الذى أنت فيهم { العمر }. ~~أى أمد انقطاع الوحى، واندرست العلوم، فوجب إرسالك إليهم، فأرسلناك ~~وأكسبناك - أى وأعطيناك - العلم بقصص الأنبياء.. فذكر ms3975 سبب الوحى الذى هو ~~إطالة الفترة ودل به على المسبب، على عادة الله - تعالى - فى اختصاراته. # وقوله - سبحانه - { وما كنت ثاويا في أهل مدين ~~تتلوا عليهم آياتنا } مؤكدة لمضمون ما قبله. من عدم معرفة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لأخبار السابقين إلا عن طريق الوحى. وقوله { ~~ثاويا } من الثواء بمعنى الإقامة. يقال ثوى فلان بالمكان يثوى ثواء ~~فهو ثاو، إذا أقام فيه. والمثوى المنزل، ومنه الأثر القائل أصحلوا ~~مثاويكم، أى منازلكم. أى وما كنت - أيها الرسول الكريم - مقيما فى أهل ~~مدين، وقت تلاوتك على أهل مكة المكرمة، قصة موسى والشيخ الكبير وما جرى ~~بينهما، حتى تنقلها إليهم بطريق المشاهدة وإنما أنت أخبرتهم بها عن طريق ~~وحينا الصادق المتمثل فيما أنزلناه عليك من آيات القرآن البينات. فالضمير ~~فى قوله { تتلوا عليهم } يعود على أهل مكة. والجملة حالية. ويرى ~~أكثر المفسرين أن الضمير لأهل مدين، أى وما كنت مقيما فى أهل مدين، تقرأ ~~عليهم آياتنا، وتتعلم منهم، والجملة حالية - أيضا - أو خبر ثان. وعلى كلا ~~التفسيرين فالمقصود بالجملة الكريمة إثبات أن ما أخبر به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم عن الأولين، إنما هو عن طريق الوحى ليس غير. وقوله - سبحانه - ~~{ ولكنا كنا مرسلين } أى ولكنا كنا مرسلين لك، وموحين إليك ~~بتلك الآيات وفيها ما فيها عن أخبار الأولين. لإحقاق الحق وإبطال ~~الباطل. ثم ساق - سبحانه - ما يؤكد هذه المعانى تأكيدا قويا، حتى يخرس ~~ألسنة الكافرين، فقال - تعالى - { وما كنت بجانب الطور إذ ~~نادينا }. أى وما كنت - أيضا أيها الرسول الكريم - بجانب الجبل ~~المسمى بالطور وقت أن نادينا موسى، وكلفناه بحمل رسالتنا، وأعطيناه ~~التوراة، وأوحينا إليه بما أوحينا من أحكام وتشريعات. وقوله - تعالى - { ~~ولكن رحمة من ربك } أى ولكن فعلنا ما فعلنا، بأن ~~أرسلناك إلى الناس، وقصصنا عليك ما نريده من أخبار الأولين، من أجل ~~رحمتنا بك وبالناس، حتى يعتبروا ويتعظوا بأحوال السابقين، فالعاقل من ~~اتعظ بغيره. فقوله - تعالى - { رحمة } منصوب على أنه مفعول لأجله، ~~أو على المصدرية. وقوله - سبحانه - { لتنذر قوما مآ ms3976 أتاهم ~~من نذير من قبلك } متعلق بالفعل المعلل بالرحمة، والمراد ~~بالقوم أهل مكة وغيرهم ممن بعث الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم. وجملة { ~~مآ أتاهم من نذير من قبلك } صفة لقوله { قوما } و { ~~مآ } موصولة مفعول ثان لتنذر، وقوله { من نذير } متعلق. أى ~~أرسلناك رحمة، لتنذر قوما العقاب الذى أتاهم من نذير من قبلك، وكما قال - ~~تعالى - # وإن من أمة إلا خلا فيها نذير # ويصح أن تكون { مآ } نافية و { من } فى قوله { من نذير } ~~للتأكيد، فيكون المعنى أرسلناك رحمة لتنذر هؤلاء المشركين من أهل مكة ~~الذين لم يأتهم نذير من قبلك منذ أزمان متطاولة. # إذ الفترة التى بينك وبين أبيهم إسماعيل تزيد على ألفى سنة. ورسالة ~~إسماعيل إليهم قد اندرست معالمها، فكانت الحكمة والرحمة تقتضيان إرسالك ~~إليهم لتنذرهم سوء عاقبة الشرك. أما معظم الرسل من قبلك - كموسى وعيسى ~~وزكريا ويحيى وداود وسليمان فكانت مع تباعد زمانها عنك - أيضا - إلى ~~غيرهم من بنى إسرائيل، ومن الأمم الأخرى، المتناثرة فى طراف الجزيرة ~~العربية. فالمراد بالقوم على هذا الرأى العرب المعاصرون له صلى الله عليه ~~وسلم كما قال - تعالى - # لتنذر قوما مآ أنذر آبآؤهم فهم غافلون # ولعل هذا الرأى أقرب إلى سياق الآيات، وإلى إقامة الحجة على مشركى قريش، ~~الذين وقفوا من الرسول صلى الله عليه وسلم موقف المكذب لرسالته، المعادى ~~لدعوته. وقوله - سبحانه - { لعلهم يتذكرون } تذيبل قصد به ~~حضهم على التذكر والاعتبار. أى أرسلناك إليهم كى يتذكروا ما ترشدهم إليه، ~~ويعتبروا بما جئتهم به، ويخشوا سوء عاقبة مخالفة إنذارك لهم. ثم أبطل - ~~سبحانه - ما يتعللون به من معاذير فقال { ولولا أن تصيبهم ~~مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا ~~أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من ~~المؤمنين }. و { ولولا } الأولى امتناعية، تدل على امتناع ~~الجواب لوجود الشرط، وجوابها محذوف لدلالة الكلام عليه، و " أن " وما فى ~~حيزها فى محل رفع بالابتداء. و { لولا } الثانية تحضيضية، وجوابها ~~قوله { فنتبع آياتك.. } وجملة { فيقولوا } عطف على { أن ~~تصيبهم } ومن جملة ما فى حيز { لولا ms3977 } الأولى. والمعنى ولولا أن ~~تصيب هؤلاء المشركين { مصيبة } أى عقوبة شديدة. بسبب اقترافهم الكفر ~~والمعاصى { فيقولوا } على سبيل التعلل عند نزول العقوبة بهم { ~~ربنا } أى يا ربنا هلا أرسلت إلينا رسولا من عندك { فنتبع ~~آياتك } الدالة على صدقه { ونكون من المؤمنين } به وبما ~~جاء به من آيات من عندك. أى ولولا قولهم هذا، وتعللهم بأنهم ما حملهم على ~~الكفر، إلا عدم مجىء رسول إليهم يبشره وينذرهم.. لولا ذلك لما أرسلناك ~~إليهم، ولكنا أرسلناك إليهم لنقطع حجتهم، ونزيل تعللهم، ونثبت لهم أن ~~استمرارهم على كفرهم - بعد إرسالك إليهم، كان بسبب عنادهم وجحودهم، ~~واستحواذ الشيطان عليهم. قال الإمام ابن كثير قوله - تعالى - { ~~ولولا أن تصيبهم مصيبة } أى وأرسلناك إليهم - يا محمد ~~لتقيم عليهم الحجة، ولتقطع عذرهم إذا جاءهم عذاب من الله بسبب كفرهم، ~~فيحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول ولا نذير، كما قال - تعالى - بعد ذكره إنزال ~~كتابه المبارك وهو القرآن # أن تقولوا إنمآ أنزل الكتاب على طآئفتين من ~~قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا ~~لو أنآ أنزل علينا الكتاب لكنآ أهدى منهم ~~فقد جآءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة # ثم بين - سبحانه - بعد ذلك موقفهم بعد مجىء الرسول صلى الله عليه وسلم ~~إليهم فقال { فلما جآءهم الحق من عندنا قالوا ~~لولا أوتي مثل مآ أوتي موسى }. # أى ظل مشركو قريش أزمانا متطاولة دون أن يأتيهم رسول ينذرهم ويبشرهم { ~~فلما جآءهم الحق من عندنا } متمثلا فى رسولنا محمد صلى ~~الله عليه وسلم وفيما أيدناه به من معجزات دالة على صدقه، وعلى رأسها ~~القرآن الكريم. لما جاءهم هذا الرسول الكريم { قالوا } على سبيل ~~التعنت والجحود هلا أوتى هذا الرسول مثل ما أوتى موسى، من توراة أنزلت ~~عليه جملة واحدة ومن معجزات حسية منها العصا واليد والطوفان، والجراد... ~~إلخ. وقوله - عز وجل - { أولم يكفروا بمآ أوتي موسى من ~~قبل.. } رد عليهم لبيان أن ما قالوه هو من باب العناد والتعنت، ~~والاستفهام لتقرير كفرهم وتأكيده. أى قالوا ما قالوا على سبيل الجحود، ~~والحال أن ms3978 هؤلاء المشركين كفروا كفرا صريحا بما أعطاه الله - تعالى - ~~لموسى من قبلك - يا محمد - من معجزات، كما كفروا بالمعجزات التى جئت بها ~~من عند ربك، فهم ديدنهم الكفر بكل حق. ثم حكى - سبحانه - بعض أقوالهم ~~الباطلة فقال { قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل ~~كافرون }. وقوله { سحران } خبر لمبتدأ محذوف. أى قالوا ما يقوله ~~كل مجادل بغير علم هما - أى ما جاء به موسى وما جاء به محمد - عليهما ~~الصلاة والسلام، { سحران تظاهرا } أى تعاونا على إضلالنا، ~~وإخراجنا عن ديننا، وقالوا - أيضا - { إنا بكل } أى بكل واحد مما ~~جاءوا به { كافرون } كفرا لا رجوع معه إلى ما جاء به هذان النبيان - ~~عليهما الصلاة والسلام -. قال الآلوسى وقوله { قالوا } استئناف مسوق ~~لتقرير كفرهم المستفاد من الإنكار السابق، وبيان كيفيته، و { سحران ~~} ، يعنون بهما ما أوتى نبينا وما أوتى موسى.. { تظاهرا } أى تعاونا ~~بتصديق كل واحد منهما الآخر، وتأييده إياه، وذلك أن أهل مكة بعثوا رهطا ~~منهم إلى رؤساء اليهود فى عيد لهم، فسألوهم عن شأنه صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا إنا نجده فى التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الرهط وأخبروهم بما ~~قالت اليهود. قالوا ذلك. وقرأ الأكثرون { قالوا ساحران تظاهرا ~~} وأرادوا بهما محمد وموسى - عليهما الصلاة والسلام -. ثم أمر الله - ~~تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتحداهم، وأن يفحمهم بما يخرس ~~ألسنتهم فقال { قل فأتوا بكتاب من عند الله هو ~~أهدى منهمآ أتبعه إن كنتم صادقين }. أى قل - أيها ~~الرسول الكريم - لهؤلاء الجاحدين لقد أنزل الله - تعالى - على موسى ~~التوراة. وأنزل القرآن على، وأنا مؤمن بهما كل الإيمان، فإن كنتم أنتم ~~مصرون على كفركم { فأتوا بكتاب من عند الله هو ~~أهدى منهمآ } أى هو أوضح منهما وأبين فى الإرشاد إلى الطريق ~~المستقيم. # وقوله { أتبعه } مجزوم فى جواب الأمر المحذوف، أى إن تأتوا به ~~أتبعه.. { إن كنتم صادقين } فى زعمكم أن القرآن والتوراة نوع من ~~السحر. فالآية الكريمة تتهكم بهم، وتسخر منهم، بأسلوب بديع معجز، لأنه من ~~المعروف لكل عاقل أنهم ليسوا ms3979 فى استطاعتهم - ولا فى استطاعة غيرهم - أن ~~يأتوا بكتاب، أهدى من الكتابين اللذين أنزلهما - سبحانه - على نبيين ~~كريمين من أنبيائه، هما موسى ومحمد - عليهما الصلاة والسلام -. ولذا قال ~~صاحب الكشاف ما ملخصه وهذا الشرط يأتى به المدل بالأمر المتحقق لصحته، ~~لأن امتناع الإتيان بكتاب أهدى من الكتابين. أمر معلوم متحقق. لا مجال ~~فيه للشك، ويجوز أن يقصد بحرف الشك التهكم بهم. وقوله - سبحانه - { فإن ~~لم يستجيبوا لك } زيادة فى تثبيت قلب النبى صلى الله عليه ~~وسلم وتسليته عما أصابه منهم من أذى. أى فإن لم يفعلوا ما تحديتهم به، من ~~الإتيان بكتاب هو أهدى من الكتابين. { فاعلم } - أيها الرسول الكريم ~~- { أنما يتبعون أهوآءهم } الباطلة، وشهواتهم الزائفة، ~~عندما يجادلونك فى شئون دعوتك. والاستفهام فى قوله { ومن أضل ~~ممن اتبع هواه بغير هدى من الله.. } للنفى ~~والإنكار. أى ولا أحد أضل ممن اتبع هواه وشيطانه، دون أن تكون معه هداية ~~من الله - تعالى - تهديه إلى طريق الحق، لأن هذا الضال قد استحب العمى ~~على الهدى. وآثر الغواية على الرشد. وقوله - سبحانه - { إن الله ~~لا يهدي القوم الظالمين } تذييل مبين لسنة الله - تعالى - ~~فى خلقه. أى إنه - سبحانه - جرت سنته أن لا يهدى القوم الظالمين إلى طريق ~~الحق بسبب إصرارهم على الباطل، وتجاوزهم لكل حدود الحق والخير. ثم أكد - ~~سبحانه - قطع أعذارهم وحججهم بقوله { ولقد وصلنا لهم ~~القول لعلهم يتذكرون }. وقوله { وصلنا } من الوصل ~~الذى هو ضد القطع، والتضعيف فيه للتكثير. أى ولقد أنزلنا هذا القرآن عليك ~~- أيها الرسول الكريم - متتابعا، وأنت أوصلته إليهم كذلك، ليتصل تذكيرك ~~لهم، عن طريق ما اشتمل عليه من عقائد وآداب وأحكام وقصص. { لعلهم ~~يتذكرون } أى ليكون ذلك أقرب إلى تذكرهم وتعقلهم وتدبرهم، لأن ~~استماعهم فى كل يوم. أو بين الحين والحين إلى جديد منه، أدعى إلى تذكرهم ~~واعتبارهم. فالمقصود بالآية الكريمة. قطع كل حجة لهم، وبيان أن القرآن ~~الكريم قد أنزله - سبحانه - متتابعا ولم ينزله جملة واحدة، لحكم من ~~أعظمها اتصال التذكير بهداياته بين حين وآخر، على ms3980 حسب ما يجد فى المجتمع ~~من أحداث. وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد أقامت ألوانا من الحجج ~~والبراهين، على صدق النبى صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه، وعلى أن ~~هذا القرآن من عند الله، كما حكت جانبا من شبهات المشركين، وردت عليها ~~بما يبطلها. ثم تمدح السورة الكريمة بعد ذلك، طائفة من أهل الكتاب، ~~استقامت قلوبهم، وخلصت نفوسهم من العناد، فاستقبلوا آيات الله - تعالى - ~~ومن جاء بها استقبالا يدل على صدق إيمانهم - فقال - تعالى - { الذين ~~آتيناهم... }. ### || [28.52-55] # ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها أنها نزلت فى سبعين من ~~القسيسين بعثهم النجاشى إلى النبى صلى الله عليه وسلم فلما قدموا عليه، ~~قرأ عليهم سورة يس، فجعلوا يبكون وأسلموا. وقيل نزلت فى عبد الله بن سلام ~~وأصحابه الذين أسلموا من اليهود. وقيل نزلت فى نصارى نجران. وعلى أية حال ~~فالآيات الكريمة تمدح قوما من أهل الكتاب أسلموا، وتعرض بالمشركين الذين ~~أعرضوا عن دعوة الإسلام، مع أن فى اتباعها سعادتهم ورشدهم. والضمير فى ~~قوله { من قبله } يعود إلى القرآن الكريم، أو إلى النبى صلى الله ~~عليه وسلم والمراد بالموصول من آمن من أهل الكتاب، والمراد بالكتاب ~~التوارة والإنجيل. أى الذين آتيناهم الكتاب من اليهود والنصارى من قبل ~~نزول القرآن عليك - أيها الرسول الكريم - هم به يؤمنون، لأنهم يرون فيه ~~الحق الذى لا باطل معه، والهداية التى لا تشوبها ضلالة. { وإذا ~~يتلى } عليهم هذا القرآن { قالوا } بفرح وسرور { آمنا به } ~~بأنه كلام الله - تعالى - { إنه الحق من ربنآ } أى إنه ~~الكتاب المشتمل على الحق الكائن من عند ربنا وخالقنا { إنا كنا من ~~قبله } أى من قبل نزوله { مسلمين } وجوهنا لله - تعالى -، ~~ومخلصين له العبادة. قال صاحب الكشاف فإن قلت أى فرق بين الاستئنافين { ~~إنه } و { إنا }؟ قلت الأول تعليل للإيمان به، لأن كونه حقا من ~~الله حقيق بأن يؤمن به. والثانى بيان لقوله { آمنا به } لأنه يحتمل ~~أن يكون إيمانا قريب العهد وبعيده، فأخبروا أن إيمانهم به متقادم، لأن ~~آباءهم ms3981 القدماء قرءوا فى الكتب الأول ذكره وأبناءهم من بعدهم. ثم بين - ~~سبحانه - ما أعده لهؤلاء الأخيار من ثواب فقال { أولئك يؤتون ~~أجرهم مرتين بما صبروا }. أى أولئك الموصوفون بتلك ~~الصفات الكريمة يؤتون أجرهم مضاعفا بسبب صبرهم على مغالبة شهواتهم، وبسبب ~~صبرهم على ما يستلزمه اتباع الحق من تكاليف. قال القرطبى قوله - تعالى - ~~{ أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا } ثبت ~~فى صحيح مسلم عن أبى موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، وأدرك النبى ~~صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران، وعبد مملوك أدى حق ~~الله - عز وجل - وحق سيده فله أجران، ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن ~~تغذيتها، ثم أدبها فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها، فله أجران ". # قال علماؤنا لما كان كل واحد من هؤلاء مخاطبا بأمرين من جهتين استحق كل ~~واحد منهم أجرين، فالكتابى كان مخاطبا من جهة نبيه، ثم إنه خوطب من جهة ~~نبينا، فأجابه واتبعه فله أجر الملتين. # وقوله - تعالى - { ويدرؤن بالحسنة السيئة } بيان لصفة ~~أخرى من صفاتهم الحسنة. و { ويدرؤن } من الدرء بمعنى الدفع ومنه ~~الحديث الشريف # " ادرءوا الحدود بالشبهات ". # أى لا يقابلون السيئة بمثلها، وإنما يعفون ويصفحون، ويقابلون الكلمة ~~الخبيثة بالكلمة الحسنة. { ومما رزقناهم ينفقون } أى ومما ~~أعطيناهم من مال يتصدقون، بدون إسراف أو تقتير. { وإذا سمعوا ~~اللغو أعرضوا عنه } أى وإذا سمعوا الكلام الساقط الذى لا خير ~~فيه. انصرفوا عنه تكرما وتنزها. { وقالوا } لمن تطاول عليهم وآذاهم، ~~لنا أعمالنا، التى سيحاسبنا الله - تعالى - عليها { ولكم } - أيضا - ~~أعمالكم، التى سيحاسبكم الله - تعالى - عليها. { سلام عليكم } أى ~~سلام متاركة منا عليكم، وإعراض عن سفاهتكم، فليس المراد بالسلام هنا سلام ~~التحية، وإنما المقصود به سلام المتاركة والإعراض. { لا نبتغي ~~الجاهلين } أى إن ديننا ينهانا عن طلب صحبة الجاهلين، وعن المجادلة ~~معهم. قال ابن كثير ما ملخصه لما انتهى وفد أهل الكتاب من لقائه مع النبى ~~صلى الله عليه وسلم، وآمنوا به، وقاموا ms3982 عنه، اعترضهم أبو جهل فى نفر من ~~قريش، فقالوا لهم خيبكم الله من ركب، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم، ~~ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تكد تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم ~~دينكم، وصدقتموه فيما قاله، ما نعلم وفدا أحمق منكم... فقالوا لهم سلام ~~عليكم، لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه. ثم بين - سبحانه ~~- بعد ذلك أن الهداية منه وحده، ورد على أقوال المشركين، وبين سنة من ~~سننه فى خلقه، كما بين أن ما عنده - سبحانه - أفضل وأبقى، من شهوات ~~الدنيا وزينتها، فقال - تعالى - { إنك لا تهدي... }. ### || [28.56-61] # المعنى { إنك } - أيها الرسول الكريم - { لا تهدي من ~~أحببت } أى لا تستطيع بقدرتك الخاصة أن تهدى إلى الإيمان من تريد ~~هدايته إليه. { ولكن الله يهدي من يشآء } أى ولكن الله ~~- تعالى - وحده، هو الذى يملك هداية من يشاء هدايته إلى الإيمان، فهو - ~~سبحانه - الخالق لكل شىء، وقلوب العباد تحت تصرفه - تعالى - يهدى من يشاء ~~منها ويضل من يشاء، على حسب مشيئته وحكمته، التى تخفى على الناس. { ~~وهو } - سبحانه - { أعلم بالمهتدين } أى بالقابلين للهداية ~~المستعدين لها. فبلغ - أيها الرسول الكريم - ما كلفناك به، ثم اترك بعد ~~ذلك قلوب الناس إلى خالقهم، فهو - سبحانه - الذى يصرفها كيف يشاء. قال ~~بعض العلماء وإن للإنسان ليقف أمام هذا الخبر، مأخوذا بصرامة هذا الدين ~~واستقامته، فهذا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكافله وحاميه والذائد ~~عنه، لا يكتب الله له الإيمان، على شدة حبه لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وشدة حب الرسول له أن يؤمن. ذلك أنه إنما قصد إلى عصبية القرابة وحب ~~الأبوة، ولم يقصد إلى العقيدة، وقد علم الله منه ذلك فلم يقدر له ما كان ~~يحبه له صلى الله عليه وسلم ويرجوه، فأخرج هذا الأمر - أى الهداية - من ~~خاصة رسوله صلى الله عليه وسلم وجعله خاصا بإرادته - سبحانه - وتقديره. ~~وما على الرسول إلا البلاغ، وما على الداعين بعده إلا النصيحة، والقلوب ~~بعد ذلك بين أصابع الرحمن والهدى والضلال ms3983 وفق ما يعلمه من قلوب العباد، ~~واستعدادهم للهدى والضلال. ثم حكى - سبحانه - جانبا من الاعتذارات ~~الواهية التى تذرع بها المشركون فى عدم الدخول فى الإسلام. فقال - تعالى ~~- { وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من ~~أرضنآ } والتخطف الانتزاع بسرعة. يقال فلان اختطفه الموت. إذا أخذه ~~بغتة بدون إمهال. وقد ذكروا فى سبب نزولها، أن بعض المشركين أتى النبى ~~صلى الله عليه وسلم فقال له يا محمد، نحن نعلم أنك على الحق، ولكنا نخشى ~~إن اتبعناك، وخالفنا العرب، أن يتخطفونا من أرضنا، وإنما نحن أكلة رأس - ~~أى قليلون لا نستطيع مقاومة العرب. وقد رد الله - تعالى - على تعللهم هذا ~~بقوله { أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ~~ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون }. وقوله { يجبى إليه } أى يحمل ~~إليه، يقال جبى فلان الماء فى الحوض إذا جمعه فيه، وحمله إليه. ~~والاستفهام لتقريعهم على قولهم هذا الذى يخالف الحقيقة. أى كيف قالوا ~~ذلك، مع أننا قد جعلنا لهم حرما ذا أمان يعيشون من حوله، وتأتيهم خيرات ~~الأرض من كل مكان، وقد فعلنا ذلك معهم وهم مشركون، فكيف نعرضهم للخطف وهم ~~مؤمنون. # قال صاحب الكشاف وكانت العرب فى الجاهلية حولهم - أى حول أهل مكة - ~~يتغاورون ويتناحرون وهم آمنون مطمئنون فى حرمهم، وبحرمة البيت هم قارون ~~بواد غير ذى زرع، والثمرات والأرزاق تجبى إليهم من كل مكان، فإذا خولهم ~~الله ما خولهم من الأمن والرزق بحرمة البيت وحدها، وهم كفرة عبدة أصنام، ~~فكيف يستقيم أن يعرضهم للتخطف والخوف، ويسلبهم الأمن، إذا ضموا إلى حرمة ~~البيت حرمة، الإسلام... والتعبير بقوله - سبحانه - { يجبى إليه ~~ثمرات كل شيء رزقا } للإشعار بكثرة الخيرات والثمرات، ~~التى تأتى إلى أهل مكة من كل جانب من جوانب الأرض، ومن كل نوع من أنواع ~~ثمارها. والجملة الكريمة صفة من صفات الحرم. وقوله - تعالى - { من ~~لدنا } أى من جهتنا ومن عندنا وليس من عند غيرنا الذين تخشون غضبهم ~~أو تخطفهم لكم، إن اتبعتم الرسول صلى الله عليه وسلم. فالمقصود بهذه ms3984 ~~الجملة الكريمة بيان سعة فضل الله - تعالى -، وأنه هو القادر على كل شىء. ~~وقوله - تعالى - { ولكن أكثرهم لا يعلمون } متعلق ~~بقوله { أولم نمكن لهم حرما آمنا }. أى لقد جعلنا لهم ~~حرما ذا أمن، وأفضنا عليهم من خيرات الأرض، ولكن أكثرهم يجهلون هذه ~~الحقيقة، ويجهلون أن اتباعهم للدين الحق، يؤدى إلى سعادتهم فى حياتهم ~~وبعد مماتهم. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة ~~الله يكفرون # ثم بين - سبحانه - الأسباب الحقيقية التى تؤدى إلى زوال النعم، التى من ~~بينها نعمة الأمان والاطمئنان، فقال - تعالى - { وكم أهلكنا من ~~قرية بطرت معيشتها }. وكم هنا خبرية للتكثير، و { بطرت ~~} من البطر، بمعنى الأشر والغرور واستعمال نعم الله - تعالى - فى غير ما ~~خلقت له. أى وكثيرا من أهل قرى كانت أحوالهم كحال أهل مكة فى الأمن وسعة ~~الرزق، فلما بطروا معيشتهم، واستعملوا نعمنا فى الشر لا فى الخير، وفى ~~الفسوق لا فى الطاعة، أخذناهم أخذ عزيز مقتدر، بأن دمرناهم وقراهم ~~تدميرا. إذا فبطر النعمة وعدم الشكر عليها، هو السبب الحقيقى فى الهلاك، ~~وليس اتباع الهدى، كما زعم أولئك المشركون الجاهلون. قال القرطبى " بين - ~~سبحانه - لمن توهم، أنه لو آمن لقاتلته العرب وتخطفته، أن الخوف فى ترك ~~الإيمان أكثر، فكم من قوم كفروا ثم حل بهم البوار. والبطر الطغيان ~~بالنعمة ". و { معيشتها } أى فى معيشتها، فلما حذف " فى " تعدى ~~الفعل، كما فى قوله - تعالى - # واختار موسى قومه سبعين رجلا # ثم بين - سبحانه - مآل مساكن هؤلاء الطاغين فقال { فتلك ~~مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا }. أى فتلك ~~مساكن هؤلاء الطغاة ترونها يا أهل مكة فى أسفاركم - إنها لم تسكن من ~~بعدهم إلا زمانا قليلا، كالذى يرتاح بها وهو مسافر ثم يتركها إلى غير ~~عودة إليها، لأنها صارت غير صالحة لذلك لشؤمها. { وكنا نحن ~~الوارثين } أى وكنا نحن وحدنا الوارثين لها منهم، لأنهم لم يتركوا ~~أحدا يرث منازلهم وأموالهم، أو لأنها صارت خرابا لا تصلح للسكن. ثم ms3985 بين - ~~سبحانه - مظهرا من مظاهر عدالته، وسنة من سننه التى كتبها على نفسه فقال ~~- تعالى - { وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث ~~في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا }. والمراد ب { ~~أمها } أكبرها وأعظمها كمكة بالنسبة للجزيرة العربية. أى إن حكمة ~~الله - تعالى - وعدالته قد اقتضت، أن لا يهلك قرية من القرى التى كفر ~~أهلها، حتى يبعث فى كبرى تلك القرى وأصلها رسولا من رسله الكرام، يتلو ~~على أهلها آياته، ويبلغهم دعوته، ويلين لهم الحق من الباطل. وحكمة إرسال ~~الرسول فى كبرى تلك القرى، لأنها المركز والعاصمة، التى تبلغ الرسالة إلى ~~القرى التابعة لها، ولأنها فى العادة - المكان المختار لسكنى وجهاء القوم ~~ورؤسائهم. قال ابن كثير ما ملخصه وفى هذه الآية دلالة على أن النبى صلى ~~الله عليه وسلم المبعوث من أم القرى - وهى مكة -، رسول إلى جميع القرى من ~~عرب وأعجام، كما قال - تعالى - # وكذلك أوحينآ إليك قرآنا عربيا لتنذر أم ~~القرى ومن حولها.. # وقال - تعالى # قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا # وثبت فى الصحيحين أنه قال # " بعثت إلى الأحمر والأسود " # ، ولذا ختم به الرسالة والنبوة، فلا نبى بعده، ولا رسول، بل شرعه باق ~~بقاء الليل والنهار إلى يوم القيامة. وقوله - سبحانه - { وما كنا ~~مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون } معطوف على ما قبله. ~~وهو قوله { وما كان ربك مهلك القرى } ومؤكد له. أى وما ~~كنا فى حال من الأحوال بمهلكى هذه القرى، إلا فى حال ظلم أهلها لأنفسهم، ~~عن طريق تكذيبهم لرسلنا وإعراضهم عن آياتنا، وإيثارهم الكفر على ~~الإيمان. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها ~~مصلحون # ثم بين - سبحانه - أن هذه الدنيا وما فيها من متاع، هى شىء زهيد وضئيل ~~بالنسبة لما ادخره - عز وجل - لعباده الصالحين من خيرات، فقال { ومآ ~~أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها }. ~~أى وما أعطيتموه - أيها الناس - من خير، وما أصبتموه من مال فهو متاع ~~زائل من أعراض الحياة الدنيا الزائلة وحطامها الذى لا دوام له، ms3986 ومهما كثر ~~فهو إلى نفاد، ومهما طال فله نهاية، فأنتم تتمتعون بزينة الحياة الدنيا ~~ثم تتركونها لغيركم. # { وما عند الله } - تعالى - من ثواب وعطاء جزيل فى الآخرة، هو فى ~~نفسه { خير وأبقى } لأن لذته خالصة من الشوائب والأكدار وبهجته ~~لا تنتهى ولا تزول. { أفلا تعقلون } هذه التوجيهات الحكيمة، ~~وتعملون بمقتضاها، فإن من شأن العقلاء أن يؤثروا الباقى على الفانى، ~~والذى هو خير على الذى هو أدنى. ثم نفى - سبحانه - التسوية بين أهل الجنة ~~وأهل النار بأبلغ أسلوب فقال { أفمن وعدناه وعدا حسنا ~~فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا }. ~~فالاستفهام للإنكار ونفى المساواة بين الفريقين، والمراد بالوعد الموعود ~~به وهو الجنة ونعيمها. أى أنه لا يستوى فى عرف أى عاقل، حال المؤمنين ~~الذين وعدناهم وعدا حسنا بالجنة ونعيمها، وهم سيظفرون بما وعدناهم به لا ~~محالة، وحال أولئك الكافرين والفاسقين الذين متعناهم إلى حين بمتاع ~~الدنيا الزائلة. وقوله - سبحانه - { ثم هو يوم القيامة من ~~المحضرين } معطوف على { متعناه } وداخل معه فى حيز الصلة، ~~ومؤكد لإنكار المساواة. أى ثم هو هذا الذى متعناه بمتاع الحياة الدنيا ~~الزائل، من المحضرين لعذابنا فى النار، والمحضرين جمع محضر. اسم مفعول من ~~أحضره. وهذا التعبير يشعر بإحضاره إلى النار وهو مكره خائف، من العذاب ~~المهين الذى أعد له، فالآية الكريمة قد نفت بأبلغ أسلوب - المساواة بين ~~المؤمنين والكافرين. ثم حكى - سبحانه - جانبا من أقوال المشركين يوم ~~القيامة، ومن أحوالهم السيئة، ورد أمرهم وأمر غيرهم إليه وحده - عز وجل- ~~فقال { ويوم يناديهم فيقول... }. ### || [28.62-70] # الظرف فى قوله - سبحانه - { ويوم يناديهم } منصوب بفعل مقدر، ~~ونداؤهم نداء إهانة وتحقير. والنداء صادر عن الله - تعالى -. أى واذكر - ~~أيها المخاطب - لتتعظ وتعتبر، حال أولئك الظالمين، يوم يناديهم الله - ~~تعالى - فيقول لهم { أين شركآئي الذين كنتم تزعمون } ~~أى أين شركائى الذين كنتم فى الدنيا تزعمونهم شركائى، لكى ينصروكم أو ~~يدفعوا عنكم العذاب. فمفعولا { تزعمون } محذوفان، لدلالة الكلام ~~عليهما. والمقصود بهذا الاستفهام { أين شركآئي } الخزى والفضيحة، ~~إذ من المعلوم أنه لا شركاء لله - تعالى ms3987 - لا فى ذاته ولا فى صفاته. ~~والمراد بالذين حق عليهم القول فى قوله - تعالى - { قال الذين ~~حق عليهم القول... } رؤساؤهم فى الكفر، ودعاتهم إليه ~~كالشياطين، ومن يشبهونهم فى التحريض على الضلال. أى قال رؤساؤهم ودعاتهم ~~إلى الكفر، الذين ثبت عليهم العذاب بسبب إصرارهم على الفسوق والجحود. { ~~ربنا هؤلاء الذين أغوينآ } أى يا ربنا هؤلاء هم ~~أتباعنا الذين أضللناهم. { أغويناهم كما غوينا } أى دعوناهم ~~إلى الضلالة التى كنا عليها فأطاعونا فيما دعوناهم إليه. قال صاحب الكشاف ~~ما ملخصه قوله { هؤلاء } مبتدأ، و { الذين أغوينآ } صفته، ~~والراجع إلى الموصول محذوف و { أغويناهم } الخبر. والكاف صفة ~~لمصدر محذوف تقديره أغويناهم فغووا غيا مثل ما غوينا، يعنون أنا لم نغو ~~إلا باختيارنا، لا أن فوقنا مغوين أغوونا بقسر منهم وإلجاء. أودعونا إلى ~~الغى وسولوه لنا، فهؤلاء كذلك غووا باختيارهم، لأن إغواءنا لهم، لم يكن ~~إلا وسوسة وتسويلا. لا قسرا أو إلجاء " فلا فرق إذا بين غينا وغيهم.. ". ~~وقوله - سبحانه - { تبرأنآ إليك ما كانوا إيانا ~~يعبدون } من كلام الرؤساء والشياطين، فهو مقرر لما قبله، ومؤكد له. ~~أى تبرأنا إليك منهم، ومن ادعائهم أننا أجبرناهم على الضلالة والغواية، ~~والحق أنهم ما كانوا يعبدوننا، بل كانوا يعبدون ما سولته لهم أهواؤهم ~~وشهواتهم الباطلة. فالآية الكريمة تحكى تبرؤ رءوس الكفر من أتباعهم يوم ~~القيامة، ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - # وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم ~~وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي ~~عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ~~فلا تلوموني ولوموا أنفسكم.. # وقوله - سبحانه - # واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا ~~كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا # ثم وجه - سبحانه - إليهم توبيخا آخر فقال { وقيل ادعوا ~~شركآءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا ~~العذاب لو أنهم كانوا يهتدون }. أى وقيل لهؤلاء ~~الكافرين على سبيل الفضيحة والتقريع اطلبوا من شركائكم الذين توهمتم فيهم ~~النفع والضر أن يشفعوا لكم، أو أن ينقذوكم مما أنتم فيه من عذاب، فطلبوا ~~منهم ذلك لشدة حيرتهم ms3988 وذلتهم { فلم يستجيبوا لهم } ولم ~~يلتفتوا إليهم. # { ورأوا العذاب } أى ورأى الشركاء والمشركون العذاب ماثلا أمام ~~أعينهم. و { لو } فى قوله { لو أنهم كانوا يهتدون } ~~شرطية، وجوابها محذوف. والتقدير لو أنهم كانوا فى الدنيا مهتدين إلى طريق ~~الحق. لما أصابهم هذا العذاب المهين. ويجوز أن تكون للتمنى فلا تحتاج إلى ~~جواب، ويكون المعنى. ورأوا العذاب. فتمنوا أن لو كانوا ممن هداهم الله - ~~تعالى - إلى الصراط المستقيم فى الدنيا. ثم وجه - سبحانه - إليهم نداء ~~آخر لا يقل عن سابقه فى فضيحتهم وتقريعهم فقال - تعالى - ويوم يناديهم ~~فيقول { ماذآ أجبتم المرسلين }. أى واذكر - أيها العاقل - ~~حال هؤلاء الكافرين يوم يناديهم المنادى من قبل الله - عز وجل - فيقول ~~لهم ما الذى أجبتم به رسلكم عندما أمروكم بإخلاص العبادة لله - تعالى - ~~ونهوكم عن الإشراك والكفر؟ فالمقصود من السؤال الأول توبيخهم على ~~إشراكهم، والمقصود من السؤال الثانى، توبيخهم على تكذيبهم لرسلهم، ولذا ~~وقفوا من هذه الأسئلة موقف الحائر المذهول المكروب، كما قال - تعالى - { ~~فعميت عليهم الأنبآء يومئذ فهم لا يتسآءلون ~~}. أى فخفيت عليهم الحجج التى يجيبون بها على هذه الأسئلة، وصاروا لفرط ~~دهشتهم وذهولهم عاجزين عن أن يسأل بعضهم بعضا عن الإجابة. وعدى { ~~فعميت } بعلى، لتضمنه معنى الخفاء قال - سبحانه - { فعميت ~~عليهم الأنبآء } ولم يقل فعموا عن الأنباء، للمبالغة فى بيان ~~ذهولهم وصمتهم المطبق فى ذلك اليوم العسير، حتى لكأنما الأنباء والأخبار ~~عمياء لا تصل إليهم، ولا تعرف شيئا عنهم. والتعبير بقوله - سبحانه - { ~~فهم لا يتسآءلون } يشعر بزيادة حيرتهم وفرط دهشتهم فهم جميعا ~~قد صاروا فى حالة من الإبلاس والحيرة، جعلتهم يتساوون فى العجز والجهل. ~~وكعادة القرآن الكريم فى الجمع بين حال الكافرين وحال المؤمنين، أتبع ~~الحديث عن الكافرين، بالحديث عن المؤمنين فقال { فأما من تاب ~~وآمن وعمل صالحا فعسى } هذا التائب المؤمن المواظب على ~~الأعمال الصالحة { أن يكون من المفلحين } أى من الفائزين ~~بالمطلوب. قال ابن كثير و { عسى } من الله - عز وجل - موجبة، فإن هذا ~~واقع بفضل الله ومنه - أى وعطائه - لا محالة. ms3989 ثم بين - سبحانه - أن مرد ~~الأمور جميعها إليه، وأنه هو صاحب الخلق والأمر فقال { وربك ~~يخلق ما يشآء ويختار }. أى وربك - أيها الرسول الكريم - ~~يخلق ما يشاء أن يخلقه، ويختار من يختار من عباده لحمل رسالته، ولتبليغ ~~دعوته. # لا يسأل عما يفعل وهم يسألون # و { ما } فى قوله - تعالى { ما كان لهم الخيرة } نافية ~~والخيرة من التخير وهى بمعنى الاختيار، والجملة مؤكدة لما قبلها من أنه - ~~سبحانه - يخلق ما يشاء ويختار. # أى وربك وحده يخلق ما يشاء خلقه ويختار ما يشاء اختياره لشئون عباده، ~~وما صح وما استقام لهؤلاء المشركين أن يختاروا شيئا لم يختره الله - ~~تعالى - أو لم يرده، إذ كل شىء فى هذا الوجود خاضع لإرادته وحده - عز ~~وجل - ولا يملك أحد كائنا من كان أن يقترح عليه شيئا ولا أن يزيد أو ينقص ~~فى خلقه شيئا. وليس هؤلاء المشركين أن يختاروا للنبوة أو لغيرها أحدا لم ~~يختره الله - تعالى - لذلك، فالله -عز وجل - أعلم حيث يجعل رسالته. قال ~~القرطبى ما ملخصه قوله { ما كان لهم الخيرة } أى ليس يرسل من ~~اختاروه هم. وقيل يجوز أن تكون { ما } فى موضع نصب بيختار، ويكون ~~المعنى، ويختار الذى كان لهم فيه الخيرة. والصحيح الأول لإطباقهم الوقف ~~على قوله { ويختار } ، و { ما } نفى عام لجميع الأشياء، أن يكون ~~للعبد فيها شىء سوى اكتسابه بقدرة الله - عز وجل -. وقال الثعلبى و { ما ~~} نفى، أى ليس لهم الاختيار على الله. وهذا أصوب، كقوله - تعالى - # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم.. # وقوله - تعالى - { سبحان الله وتعالى عما يشركون } ~~تنزيه له - عز وجل - عن الشرك والشركاء. أى تنزه الله - تعالى - وتقدس ~~بذاته وصفاته عن إشراك المشركين، وضلال الضالين. ثم بين - سبحانه - أن ~~علمه شامل لكل شىء فقال { وربك يعلم ما تكن صدورهم ~~وما يعلنون }. أى وربك - أيها الرسول الكريم - يعلم علما تاما ما ~~تخفيه صدور هؤلاء المشركين من أسرار، وما تعلنه من أقوال، وسيحاسبهم على ms3990 ~~كل ذلك حسابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. { وهو الله } - ~~سبحانه - لا إله إلا هو يستحق العبادة والخضوع { له الحمد في ~~الأولى والآخرة }. أى فى الدنيا، وله الحمد - أيضا - فى الآخرة، ~~وله وحده { الحكم } النافذ { وإليه } وحده { ترجعون } ~~للحساب لا إلى غيره. ثم أمر - سبحانه - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكر ~~الناس بمظاهر قدرته - سبحانه - فى هذا الكون، وأن يوقظ مشاعرهم للتأمل فى ~~ظاهرتين كونيتين، هما الليل والنهار، فإن التدبر فيما اشتملتا عليه من ~~تنظيم دقيق، من شأنه أن يبعث على الإيمان بقدرة موجدهما، وهو الله عز ~~وجل. قال - تعالى - { قل أرأيتم إن... }. ### || [28.71-75] # السرمد الدائم الذى لا ينقطع، والمراد به هنا دوام الزمان من ليل أو ~~نهار. والمعنى قل - أيها الرسول الكريم - للناس ليعتبروا ويتعظوا ~~وينتبهوا إلى مظاهر قدرتنا ورحمتنا، أخبرونى ماذا كان يحصل لكم إن جعل ~~الله - تعالى - عليكم الزمان ليلا دائما إلى يوم القيامة، { من ~~إله غير الله } - تعالى - { يأتيكم بضيآء } تبصرون ~~عن طريقه عجائب هذا الكون، وتقضون فيه حوائجكم { أفلا تسمعون } ~~ما أرشدناكم إليه سماع تدبر وتفهم واعتبار يهديكم إلى طاعة الله - تعالى ~~- وشكره على نعمه. ثم قال لهم أخبرونى بعد ذلك، لو جعل الله - تعالى - ~~عليكم الزمان ضياء دائما إلى يوم القيامة { من إله غير الله ~~} - تعالى - { يأتيكم بليل تسكنون فيه } أى تستريحون فيه ~~من عناء العمل والكد والتعب بالنهار { أفلا تبصرون } أى أفلا ~~تبصرون هذه الدلائل الساطعة الدالة على قدرة الله - تعالى - ورأفته بكم. ~~إن دوام الزمان على هيئة واحدة من ليل أو نهار، يؤدى إلى اختلال الحياة، ~~وعدم توفر أسباب المعيشة السليمة لكم، بل ربما أدى إلى هلاككم. إن ~~المشاهد من أحوال الناس، أنهم مع وجود الليل لساعات محدودة، يشتافون ~~لطلوع الفجر، لقضاء مصالحهم، ومع وجود النهار لساعات محدودة - أيضا - ~~يتطلعون إلى حلول الليل، ليستريحوا فيه من عناء العمل. وختم - سبحانه - ~~الآية الأولى بقوله { أفلا تسمعون } لأن حاسة السمع - فيما لو ~~كان الليل سرمدا - هى أكثر الحواس استعمالا فى تلك ms3991 الحالة المفترضة، وختم ~~الآية الثانية بقوله { أفلا تبصرون } ، لأن حاسة البصر - فيما لو ~~كان النهار سرمدا - من أكثر الحواس استعمالا فى هذه الحالة. قال صاحب ~~الكشاف فإن قلت هلا قيل بنهار تتصرفون فيه، كما قيل " بليل تسكنون فيه،؟ ~~قلت ذكر الضياء - هو ضوء الشمس - لأن المنافع التى تتعلق به متكاثرة، ليس ~~التصرف فى المعاش وحده، والظلام ليس بتلك المنزلة. وقوله - سبحانه - { ~~ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا ~~فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون } بيان ~~لمظاهر فضل الله - تعالى - على الناس، حيث جعل الليل والنهار على تلك ~~الحالة التى يعيشون فيها. أى ومن رحمته بكم - أيها الناس - أنه - سبحانه ~~- لم يجعل زمان الليل سرمدا، ولا زمان النهار، بل جعلها متعاقبين، وجعل ~~لكل واحد منهما زمانا محددا مناسبا لمصالحكم ومنافعكم، فالليل تسكنون فيه ~~وتريحون فيه أبدانكم، والنهار تنتشرون فيه لطلب الرزق من الله تعالى. وقد ~~فعل - سبحانه - ذلك لمصلحتكم، كى تشكروه على نعمه، وتخلصوا له العبادة ~~والطاعة. # وبعد هذا الحديث عن مشاهد الكون، عادت السورة - للمرة الثالثة - إلى ~~الحديث عن أحوال المجرمين يوم القيامة، فقال - تعالى - { ويوم ~~يناديهم فيقول أين شركآئي الذين كنتم ~~تزعمون }. أى كن متذكرا - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ، حال المجرمين ~~يوم القيامة، يوم يناديهم الله - تعالى - على سبيل التقريع والتأنيب ~~فيقول لهم أين شركائى الذين كنتم فى دنياكم تزعمون أنهم شركائى فى ~~العبادة والطاعة. إنهم لا وجود لهم إلى فى عقولكم الجاهلة، وأفكاركم ~~الباطلة، وتقاليدكم السقيمة. قال - تعالى - # ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ~~وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى ~~معكم شفعآءكم الذين زعمتم أنهم فيكم ~~شركآء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم ~~تزعمون # وقوله - تعالى - { ونزعنا من كل أمة شهيدا }. أى أخرجنا ~~بسرعة من كل أمة من الأمم شهيدا يشهد عليهم، والمراد به الرسول الذى ~~أرسله - سبحانه - إلى تلك الأمة المشهود عليها. { فقلنا هاتوا ~~برهانكم } أى فقلنا لهؤلاء المشركين - بعد أن شهد عليهم أنبياؤهم ~~بأنهم قد بلغوهم رسالة الله - قلنا لهم هاتوا برهانكم وأدلتكم ms3992 على صحة ما ~~كنتم عليه من شرك وكفر فى الدنيا والأمر هنا للتعجيز والإفضاح. ولذا عقب ~~- سبحانه - عليهم بقوله { فعلموا أن الحق لله } أى ~~فعجزوا عن الإتيان بالبرهان، وعلموا أن العبادة الحق إنما هى لله - ~~تعالى - وحده. { وضل عنهم ما كانوا يفترون } أى وغاب ~~عنهم ما كانوا يفترونه فى حياتهم، من أن معبوداتهم الباطلة ستشفع لهم يوم ~~القيامة. وبعد هذا البيان المتنوع عن دعاوى المشركين والرد عليها، وعن ~~أحوالهم يوم القيامة، وعن أحوال المؤمنين الصادقين... بعد كل ذلك، ختم - ~~سبحانه - قصة موسى - عليه السلام - التى جاء الحديث عنها فى كثير من آيات ~~هذه السورة - ختمها بقصة قارون الذى كان من قوم موسى - عليه السلام - ~~فقال - تعالى - { إن قارون... }. ### || [28.76-84] # قال القرطبى قوله - تعالى - { إن قارون كان من قوم موسى ~~} لما قال - تعالى - # ومآ أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا ~~وزينتها # بين أن قارون أوتيها واغتر بها. ولم تعصمه من عذاب الله، كما لم تعصم ~~فرعون ولستم - أيها المشركون - بأكثر عددا ومالا من قارون وفرعون، فلم ~~ينفع فرعون جنوده وأمواله، ولم ينفع قارون قرابته من موسى ولا كنوزه. قال ~~النخعى وقتادة وغيرهما كان قارون ابن عم موسى... وقيل كان ابن خالته.. ~~وقوله { فبغى عليهم } من البغى وهو مجاوزة الحد فى كل شىء. يقال ~~بغى فلان على غيره بغيا، إذا ظلمه واعتدى عليه. وأصله من بغى الجرح، إذا ~~ترامى إليه الفساد. والمعنى إن قارون كان من قوم موسى، أى من بنى إسرائيل ~~الذين أرسل إليهم موسى كما أرسل إلى فرعون وقومه. { فبغى عليهم ~~} أى فتطاول عليهم، وتجاوز الحدود فى ظلمهم وفى الاعتداء عليهم. ولم يحدد ~~القرآن كيفية بغيه أو الأشياء التى بغى عليهم فيها، للإشارة إلى أن بغيه ~~قد شمل كل ما من شأنه أن يسمى بغيا من أقوال أو أفعال. وقوله - تعالى - { ~~وآتيناه من الكنوز مآ إن مفاتحه لتنوء ~~بالعصبة أولي القوة } بيان لما أعطى الله - تعالى - لقارون ~~من نعم. والكنوز جمع كنز وهو المال الكثير المدخر، و { مآ } موصولة. وهى ms3993 ~~المفعول الثانى لآتينا. وصلتها { إن } وما فى حيزها. وقوله { ~~مفاتحه } جمع مفتح - بكسر الميم وفتح التاء - وهو الآلة التى يفتح ~~بها - أو جمع مفتح - بفتح الميم والتاء - بمعنى الخزائن التى تجمع فيها ~~الأموال. وهو - أى لفظ مفاتحه - اسم إن، والخبر { لتنوء ~~بالعصبة أولي القوة }. وقوله { لتنوء }. أى لتعجز أو ~~لتثقل. يقال ناء فلان بحمل هذا الشىء، إذا أثقله حمله وأتعبه والباء فى ~~قوله { بالعصبة } للتعدية والعصبة الجماعة من الناس من غير تعيين ~~بعدد معين، سموا بذلك لأنهم يتعصب بعضهم لبعض ومنهم من خصها فى العرف، ~~بالعشرة إلى الأربعين. والمعنى وآتينا قارون - بقدرتنا وفضلنا - من ~~الأموال الكثيرة، ما يثقل حمل مفاتح خزائنها، العصبة من الرجال الأقوياء، ~~بحيث تجعلهم شبه عاجزين عن حملها. قال صاحب الكشاف وقد بولغ فى ذكر ذلك - ~~أى فى كثرة أمواله - بلفظ الكنوز، والمفاتح، والنوء، والعصبة، وأولى ~~القوة. والمراد بالفرح فى قوله - سبحانه - { إذ قال له قومه ~~لا تفرح } البطر والأشر والتفاخر على الناس، والاستخفاف بهم ~~واستعمال نعم الله - تعالى - فى السيئات والمعاصى. وجملة { إن الله ~~لا يحب الفرحين } تعليل للنهى عن الفرح المذموم. أى لقد أعطى ~~الله - تعالى - قارون نعما عظيمة، فلم يشكر الله عليها، بل طغى وبغى، ~~فقال له العقلاء من قومه لا تفرح بهذا المال الذى بين يديك فرح البطر ~~الفخور، المستعمل لنعم الله فى الفسوق والمعاصى، فإن الله - تعالى - لا ~~يحب من كان كذلك. # ثم قالوا له - أيضا - على سبيل النصح والإرشاد { وابتغ فيمآ ~~آتاك الله الدار الآخرة } أى واطلب فيما أعطاك الله - تعالى - ~~من أموال عظيمة، ثواب الدار الآخرة، عن طريق إنفاق جزء من مالك فى وجوه ~~الخير، كالإحسان إلى الفقراء والمحتاجين. { ولا تنس نصيبك من ~~الدنيا } أى اجعل مالك زادا لآخرتك، ولا تترك التنعم بنعم الله فى ~~دنياك، فإن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، ولضيفك ~~عليك حقا، فأعط كل ذى حق حقه. { وأحسن كمآ أحسن الله ~~إليك } أى وأحسن إلى عباد الله بأن تترك البغى عليهم، وتعطيهم ~~حقوقهم. ms3994 مثل ما أحسن الله إليك بنعم كثيرة. { ولا تبغ الفساد ~~في الأرض } أى ولا تطلب الفساد فى الأرض عن طريق البغى والظلم { ~~إن الله لا يحب المفسدين } كما أنه - سبحانه - لا يحب ~~الفرحين المختالين. وهكذا ساق العقلاء من قوم قارون النصائح الحكيمة له، ~~والتى من شأن من اتبعها أن ينال السعادة فى دنياه وأخراه. ولكن قارون ~~قابل هذه النصائح، بالغرور وبالإصرار على الفساد والجحود فقال كما حكى ~~القرآن عنه { إنمآ أوتيته على علم عندي }. أى قال قارون ~~فى الرد على ناصحيه إن هذا المال الكثير الذى تحت يدى، إنما أوتيته بسبب ~~علمى وجدى واجتهادى... فكيف تطلبون منى أن أتصرف بمقتضى نصائحكم؟ لا. لن ~~أتبع تلك النصائح التى وجهتموها إلى، فإن هذا المال مالى ولا شأن لكم ~~بتصرفى فيه، كما أنه لا شأن لكم بتصرفاتى الخاصة، ولا بسلوكى فى حياتى ~~التى أملكها. وهذا القول يدل على أن قارون، كان قد بلغ الذروة فى الغرور ~~والطغيان وجحود النعمة. ولذا جاءه التهديد المصحوب بالسخرية منه ومن ~~كنوزه، فى قوله - تعالى - { أولم يعلم أن الله قد ~~أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة ~~وأكثر جمعا }. والمقصود بهذا الاستفهام التعجيب من حاله، ~~والتأنيب له على جهله وغروره. أى أبلغ الغرور والجهل بقارون أنه يزعم أن ~~هذا المال الذى بين يديه جمعه بمعرفته واجتهاده، مع أنه يعلم - حق العلم ~~عن طريق التوراة وغيرها، أن الله - تعالى - قد أهلك من قبله. من أهل ~~القرون السابقة عليه من هو أشد منه فى القوة، وأكثر منه فى جمع المال ~~واكتنازه. فالمقصود بالجملة الكريمة تهديده وتوبيخه على غروره وبطره. ~~وقوله - سبحانه - { ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } ~~جملة حالية. # أى والحال أنه لا يسأل عن ذنوبهم المجرمون سؤال استعتاب واستعلام، لأن ~~الله - تعالى - لا يخفى عليه شىء. وإنما يسألون - كما جاء فى قوله - ~~تعالى - # فوربك لنسألنهم أجمعين # - سؤال توبيخ وإفضاح. فالمراد بالنفى فى قوله - سبحانه - { ولا ~~يسأل... } سؤال الاستعلام والاستعتاب، والمراد بالإثبات فى قوله # فلنسألن # أو فى قوله ms3995 # فوربك لنسألنهم # سؤال التقريع والتوبيخ. أو نقول إن فى يوم القيامة مواقف، فالمجرمون قد ~~يسألون فى موقف، ولا يسألون فى موقف آخر، وبذلك يمكن الجمع بين الآيات ~~التى تنفى السؤال والآيات التى تثبته. ثم حكى القرآن بعد ذلك مظهرا آخر ~~من مظاهر غرور قارون وبطره فقال { فخرج على قومه في ~~زينته } والجملة الكريمة معطوفة على قوله قبل ذلك { قال إنمآ ~~أوتيته على علم عندي } وما بينهما اعتراض. والزينة اسم ما ~~يتزين به الإنسان من حلى أو ثياب أو ما يشبهها. أى قال ما قال قارون على ~~سيبل الفخر والخيلاء، ولم يكتف بهذا القول بل خرج على قومه فى زينة ~~عظيمة. وأبهة فخمة، فيها ما فيها من ألوان الرياش والخدم. وقد ذكر بعض ~~المفسرين روايات متعددة، فى زينته التى خرج فيها، رأينا أن نضرب عنها ~~صفحا لضعفها، ويكفى أن نعلم أنها زينة فخمة، لأنه لم يرد نص فى تفاصيلها. ~~وأمام هذه الزينة الفخمة التى خرج فيها قارون، أنقسم الناس إلى فريقين، ~~فريق استهوته هذه الزينة، وتمنى أن يكون له مثلها، وقد عبر القرآن عن هذا ~~الفريق بقوله { قال الذين يريدون الحياة الدنيا ~~يليت لنا مثل مآ أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم ~~}. أى خرج قارون على قومه فى زينته، فما كان من الذين يريدون الحياة ~~الدنيا وزخارفها من قومه، إلا أن قالوا على سبيل التمنى والانبهار... يا ~~ليت لنا مثل ما أوتى قارون من مال وزينة ورياش، إنه لذو حظ عظيم، ونصيب ~~ضخم، من متاع الدنيا وزينتها. هكذا قال الذين يريدون الحياة الدنيا. وهم ~~الفريق الأول من قوم قارون. أما الفريق الثانى المتمثل فى أصحاب الإيمان ~~القوى، والعلم النافع، فقد قابلوا أصحاب هذا القول بالزجر والتعنيف، وقد ~~حكى القرآن ذلك عنهم فقال { وقال الذين أوتوا العلم ~~ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ~~ولا يلقاهآ إلا الصابرون }. وكلمة { ويلكم } أصلها ~~الدعاء بالهلاك، وهى منصوبة بمقدر. أى ألزمكم الله الويل. ثم استعملت فى ~~الزجر والتعنيف والحض على ترك ما هو قبيح، ms3996 وهذا الاستعمال هو المراد هنا. ~~أى وقال الذين أوتوا العلم النافع من قوم قارون. لمن يريدون الحياة ~~الدنيا كفوا عن قولكم هذا، واتركوا الرغبة فى أن تكونوا مثله، فإن { ~~ثواب الله } فى الاخرة { خير } مما تمنيتموه، وهذا الثواب إنما ~~هو { لمن آمن وعمل صالحا } فلا تتمنوا عرض الدنيا الزائل. # وهذه الثوبة العظمة التى أعدها الله - تعالى - لمن آمن وعمل صالحا { ~~ولا يلقاهآ } أى لا يظفر بها، ولا يوفق للعمل لها { إلا ~~الصابرون } على طاعة الله - تعالى - وعلى ترك المعاصى والشهوات. قال ~~صاحب الكشاف والراجع فى { ولا يلقاهآ } للكلمة التى تكلم بها ~~العلماء، أو للثواب، لأه فى معنى المثوبة أو الجن أو للسيرة والطريقة وهى ~~الإيمان والعمل الصالح. ثم جاءت بعد ذلك العقوبة لقارون، بعد أن تجاوز ~~الحدود فى البغى والفخر والإفساد فى الأرض. وقد حكى سبحانه - هذه ~~العقوبة فى قوله { فخسفنا به وبداره الأرض }. وقوله - ~~تعالى - { فخسفنا } من الخسف وهو النزول فى الأرض، يقال خسف المكان ~~خسفا - من باب ضرب - إذا غار فى الأرض. ويقال خسف القمر، إذا ذهب ضوؤه، ~~وخسف الله بفلان الأرض، إذا غيبه فيها. قال ابن كثير لما ذكر الله - ~~تعالى - اختيال قارون فى زينته، وفخره على قومه وبغيه عليهم، عقب ذلك ~~بأنه خسف به وبداره الأرض، كما ثبت فى الصحيح - عند البخارى من حديث ~~الزهرى عن سالم - أن أباه حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " بينا رجل يجر إزاره إذ خسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة ~~". # أى تمادى قارون فى بغيه، ولم يستمع لنصح الناصحين، فغيبناه فى الأرض هو ~~وداره، وأذهبناهما فيها إذهابا تاما. { فما كان له من فئة ~~ينصرونه من دون الله } أى فما كان لقارون من جماعة أو عصبة ~~تنصره من عذاب الله، بأن تدفعه عنه، أو ترحمه منه. { وما كان } قارون ~~{ من المنتصرين } بل كان من الأذلين الذين تلقوا عقوبة الله - ~~تعالى - باستسلام وخضوع وخنوع، دون أن يستطيع هو أو قومه رد عقوبة الله - ~~تعالى -. ثم - بين ms3997 - سبحانه - ما قاله الذين كانوا يتمنون أن يكونوا مثل ~~قارون فقال - تعالى - { وأصبح الذين تمنوا مكانه ~~بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن ~~يشآء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا ~~لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون }. ولفظ " وى " ~~اسم فعل بمعنى أعجب، ويكون - أيضا - للتحسر والتندم، وكان الرجل من العرب ~~إذا أراد أن يظهر ندمه وحسرته على أمر فائت يقول وى. وقد يدخل هذا اللفظ ~~على حرف " كأن " المشددة - كما فى الآية - وعلى المخففة. قال الجمل ما ~~ملخصه قوله { ويكأن الله } فى هذا اللفظ مذاهب أحدها أن { وى } ~~كلمة برأسها، وهى اسم فعل معناها أعجب، أى أنا، { والكاف } للتعليل، { ~~وأن } وما فى حيزها مجرورة بها، أى أعجب لأن الله - تعالى - يبسط الرزق ~~لمن يشاء ويقدر. # .. وقياس هذا القول أن يوقف على " وى " وحدها، وقد فعل ذلك الكسائى. ~~الثانى أن كأن هنا للتشبيه إلا أنه ذهب معناه وصارت للخبر واليقين، وهذا ~~- أيضا - يناسبه الوقف على { وى }. الثالث أن " ويك " كلمة برأسها، ~~والكاف حرف خطاب، و " أن " معمولة لمحذوف. أى أعلم أن الله يبسط... وهذا ~~يناسب الوقف على { ويك } وقد فعله أبو عمرو. الرابع أن أصل الكلمة ويلك، ~~فحذفت اللام وهذا يناسب الوقف على الكاف - أيضا - كما فعل أبو عمرو. ~~الخامس أن { ويكأن } كلها كلمة مستقلة بسيطة ومعناها ألم تر... ولم ~~يرسم فى القرآن إلا { ويكأن } و { ويكأنه } متصلة فى ~~الموضعين.. ووصل هذه الكلمة عند القراءة لا خلاف بينهم فيه. والمعنى وبعد ~~أن خسف الله - تعالى - الأرض بقارون ومعه داره، أصبح الذين تمنوا أن ~~يكونوا مثله { بالأمس } أى منذ زمان قريب، عندما خرج عليهم فى زينته، ~~أصبحوا يقولون بعد أن رأوا هلاكه { ويكأن الله يبسط ~~الرزق لمن يشآء من عباده ويقدر } أى صاروا يقولون ما ~~أعجب قدرة الله - تعالى - فى إعطائه الزرق لمن يشاء من عباده وفى منعه ~~عمن يشاء منهم، وما أحكمها فى تصريف الأمور، وما أشد غفلتنا عندما تمنينا ~~أن نكون مثل قارون، وما أكثر ندمنا على ذلك. ms3998 لولا أن الله - تعالى - قد ~~من علينا، بفضله وكرمه لخسف بنا الأرض كما خسفها بقارون وبداره. { ~~ويكأنه لا يفلح الكافرون } أى ما أعظم حكمة الله - ~~تعالى - فى إهلاكه للقوم الكافرين، وفى إمهاله لهم ثم يأخذهم بعد ذلك أخذ ~~عزيز مقتدر. ثم ختم - سبحانه - قصة قارون ببيان سنة من سننه التى لا ~~تتخلف فقال { تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا ~~يريدون علوا في الأرض ولا فسادا }. واسم الإشارة { ~~تلك } مبتدأ، والدار الآخرة صفة له، ونجعلها... خبره، وجاءت الإشارة ~~بهذه الصيغة المفيدة للبعد، للإشعار بعظم هذه الدار وعلو شأنها. أى تلك ~~الدار الآخرة وما فيها من جنات ونعيم، نجعلها خالصة لعبادنا الذين لا ~~يريدون بأقوالهم ولا بأفعالهم { علوا في الأرض } أى تطاولا ~~وتعاليا فيها { ولا فسادا } أى ظلما أو بغيا أو عدوانا على أحد. { ~~والعاقبة } الطيبة الحسنة، إنما هى { للمتقين } الذين صانوا ~~أنفسهم عن كل سوء وقبيح. { من جآء } فى دنياه { بالحسنة } أى ~~بالأعمال الحسنة { فله } فى مقابلها عندنا بفضلنا وإحساننا { خير ~~منها } أى فله عندنا خير مما جاء به من حسنات، بأن نضاعفها، وتثيبه ~~عليها ثوابا عظيما لا يعلم مقداره أحد. { ومن جآء بالسيئة ~~فلا يجزى الذين عملوا } الأعمال { السيئات إلا ما ~~كانوا يعملون } أى فلا يجوزون إلا الجزاء الذى يناسب أعمالهم فى ~~القبح والسوء. # وهكذا يسوق لنا القرآن فى قصصه العبر والعظات، لقوم يتذكرون، فمن قصة ~~قارون نرى أن كفران النعم يؤدى إلى زوالها، وأن الغرور والبغى والتفاخر ~~كل ذلك يؤدى إلى الهلاك، وأن خير الناس من يبتغى فيما آتاه الله من نعم ~~ثواب الآخرة، دون أن يهمل نصيبه من الدنيا، وأن العاقل هو من يستجيب لنصح ~~الناصحين، وأن الناس فى كل زمان ومكان، منهم الذين يريدون زينة الحياة ~~الدنيا، ومنهم الأخيار الأبرار الذين يفضلون ثواب الآخرة، على متع الحياة ~~الدنيا، وأن العاقبة الحسنة قد جعلها - سبحانه - لعباده المتقين، وأنه - ~~سبحانه - يجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. ثم ~~ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببشارة النبى صلى الله عليه ms3999 وسلم، وبتثبيت ~~قلبه، وبأمره بالمضى فى تبليغ رسالة ربه بدون خوف أو وجل... فقال - تعالى ~~- { إن الذي فرض... }. ### || [28.85-88] # قال القرطبى قوله - تعالى - { إن الذي فرض عليك القرآن ~~لرآدك إلى معاد.. }. ختم - سبحانه - السورة ببشارة نبيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم برده إلى مكة قاهرا لأعدائه. وقيل هو بشارة له ~~بالجنة. والأول أكثر. وهو قول جابر بن عبد الله، وابن عباس، ومجاهد، ~~وغيرهم. قال القتبى معاد الرجل بلده، لأنه ينصرف عنه ثم يعود إليه.. وقيل ~~إلى معاد. أى إلى الموت. قال الآلوسى وقد يقال أطلق - سبحانه - المعاد ~~على مكة، لأن العرب كانت تعود إليها فى كل سنة، لمكان البيت فيها، وهذا ~~وعد منه - عز وجل - لنبيه صلى الله عليه وسلم وهو بمكة أنه - عليه الصلاة ~~والسلام - يهاجر منها ثم يعود إليها. وروى عن غير واحد أن الآية نزلت ~~بالجحفة بعد أن خرج صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجرا واشتاق إليها، ووجه ~~ارتباطها بما تقدمها تضمنها الوعد بالعاقبة الحسنى فى الدنيا، كما تضمن ~~ما قبلها الوعد بالعاقبة الحسنى فى الآخرة. والمعنى { إن الذي ~~فرض عليك القرآن } - أيها الرسول الكريم -، بأن أنزله إليك، ~~وكلفك بحفظه وتلاوته على الناس، والعمل بأوامره ونواهيه. { لرآدك ~~إلى معاد } أى لرادك إلى المكان الذى أنت فيه وهو مكة، بعد أن ~~تهاجر منه. تعود إليه ظاهرا منتصرا، بعد أن خرجت منه وأنت مطارد من ~~أعدائك. تعود إليه ومعك الآلاف من أتباعك بعد أن خرجت منه وليس معك سوى ~~صاحبك أبى بكر الصديق - رضى الله عنه -. وقد حقق الله - تعالى - هذا ~~الوعد لنبيه صلى الله عليه وسلم فقد عاد الرسول إلى مكة ومعه أصحابه ~~المؤمنون، بعد سنوات قليلة من هجرتهم منها. قال صاحب الكشاف " ووجه ~~تنكيره - أى لفظ المعاد - أنها كانت فى ذلك اليوم معادا له شأن، ومرجعا ~~له اعتداد، لغلبة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها، وقهره لأهلها، ~~لظهور عز الإسلام وأهله، وذل الشرك وحزبه. ثم أرشد - سبحانه - نبيه إلى ~~ما يرد به على دعاوى المشركين ms4000 فقال { قل ربي أعلم من جآء ~~بالهدى ومن هو في ضلال مبين }. أى قل - أيها الرسول ~~الكريم - لمن خالفك وكذبك، ربى وحده هو الأعلم بالمهتدى وبالضال منى ~~ومنكم، وسيجازى كل فريق بما يستحقه، وستعلمون - أيها المشركون - لمن عقبى ~~الدار. ثم ذكره - سبحانه - بنعمة اختصاصه بالنبوة وحمل الرسالة، فقال { ~~وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة ~~من ربك }. أى وما كنت - أيها الرسول الكريم - قبل وحينا إليك ~~بالرسالة، تتوقع أو تظن أننا سنكلفك بها، لكننا كلفناك بها وشرفناك ~~بحملها رحمة منها بالناس فأنت الرحمة المهداة والنعمة المسداة إليهم، ~~لإخراجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. ### | [29 - سورة العنكبوت] ### || [29.1-7] # سورة العنكبوت من السور التى افتتحت ببعض حروف التهجى { الم } ، ~~ويبلغ عدد السور التى افتتحت بحروف التهجى، تسعا وعشرين سورة. وقد سبق ~~أن قلنا لعل أقرب الأقوال إلى الصواب، أن هذه الحروف المقطعة قد وردت فى ~~افتتاح بعض السور، على سبيل الإيقاظ والتنبيه، للذين تحداهم القرآن ~~الكريم، فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك العارضين فى أن القرآن من عند ~~الله هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم، ~~ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم، فإن ~~كنتم فى شك من كونه منزلا من عند الله، فهاتوا مثله، وادعوا من شئتم من ~~الخلق لكى يعاونكم فى ذلك... والاستفهام فى قوله - سبحانه - { أحسب ~~الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون } للإنكار و { حسب } من الحسبان بمعنى الظن. وقوله { ~~يفتنون } من الفتن، بمعنى الاختبار والامتحان. يقال فتنت الذهب ~~بالنار، أى أدخلته فيها لتعلم الجيد منه من الخبيث. وجملة " أن يتركوا " ~~سدت مسد مفعولى حسب، وجملة " أن يقولوا " فى موضع نصب، على معنى لأن ~~يقولوا، وهى متعلقة بقوله { يتركوا }. وجملة " وهم لا يفتنون " فى ~~موضع الحال من ضمير " يتركوا ". والمعنى أظن الناس أن يتركوا بدون ~~امتحان، واختبار، وابتلاء، وبدون نزول المصائب بهم، لأنهم نطقوا بكلمة ~~الإيمان؟ إن ظنهم هذا ظن باطل، ووهم فاسد، ms4001 لأن الإيمان ليس كلمة تقال ~~باللسان فقط، بل هو عقيدة تكلف صاحبها الكثير من ألوان الابتلاء ~~والاختبار، عن طريق التعرض لفقد الأموال والأنفس والثمرات، حتى يتميز قوى ~~الإيمان من ضعيفه. قال القرطبى والمراد بالناس قوم من المؤمنين كانوا ~~بمكة، وكان الكفار من قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإسلام، كسلمة بن ~~هشام، وعياش بن ربيعة، والوليد بن الوليد.. فكانت صدورهم تضيق بذلك، ~~وربما استنكروا أن يمكن الله الكفار من المؤمنين. قال مجاهد وغيره فنزلت ~~هذه الآية مسلية ومعلمة أن هذه هى سيرة الله فى عباده، اختبار للمؤمنين ~~وفتنة. قال ابن عطية وهذه الآية وإن اكنت نزلت بهذا السبب أو ما فى معناه ~~من الأقوال، فهى باقية فى أمة محمد صلى الله عليه وسلم، موجود حكمها بقية ~~الدهر... وقوله - سبحانه - { ولقد فتنا الذين من قبلهم ~~فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين } مؤكد لما قبله من أن ظن الناس أن يتركوا بدون ابتلاء، ~~لقولهم آمنا، هذا الظن فى غير محله، لأن سنة الله قد اقتضت أن يدفع الناس ~~بعضهم ببعض، وأن يجعل الكافرين يتصارعون مع المؤمنين، إلا أن العاقبة فى ~~النهاية للمؤمنين. # والمقصود بقوله - تعالى - { فليعلمن.. } إظهار علمه - سبحانه -، ~~أو المجازاة على الأعمال. أى ولقد فتنا الذين من قبل هؤلاء المؤمنين من ~~أصحابك - أيها الرسول الكريم -، { فليعلمن الله الذين ~~صدقوا... } أى فليظهرن الله - تعالى - فى عالم الواقع حال الذين ~~صدقوا فى إيمانهم، من حال الكاذبين منهم، حتى ينكشف للناس ما هو غائب عن ~~علمهم. أو المعنى ولقد فتنا الذين من قبلهم من المؤمنين السابقين، كأتباع ~~نوح وهود وصالح وغيرهم، فليجزين الذين صدقوا في إيمانهم بما يستحقون من ~~ثواب، وليجزين الكاذبين بما يستحقون من عقاب، ولترتب المجازاة على العلم، ~~أقيم السبب مقام المسبب. قال الإمام ابن جرير قوله { فليعلمن ~~الله الذين صدقوا... } أى فليعلمن الله الذين صدقوا منهم فى ~~قولهم آمنا، وليعلمن الكاذبين منهم فى قولهم ذلك، والله عالم بذلك منهم، ~~قبل الاختبار، وفى حال الاختبار، وبعد الاختبار، ولكن معنى ذلك وليظهرن ~~الله صدق الصادق ms4002 منهم فى قوله آمنا بالله، من كذب الكاذب منهم... وذكر أن ~~هذه الآية نزلت فى قوم من المسلمين، عذبهم المشركون، ففتن بعضهم، وصبر ~~بعضهم على أذاهم، حتى أتاهم الله بفرج من عنده ". وفى معنى هاتين الآيتين ~~وردت آيات كثيرة منها قوله - تعالى - # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله ~~الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين # وقوله - تعالى - # أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين ~~جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا ~~رسوله ولا المؤمنين وليجة.. # وقوله - سبحانه - # ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ~~والصابرين ونبلوا أخباركم # وقد ساق الإمام القرطبى عند تفسيره لهاتين الآيتين من سورة العنكبوت ~~عددا من الأحاديث النبوية، منها قوله روى البخارى # " عن خباب بن الأرت قالوا شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ~~متوسد بردة له فى ظل الكعبة، فقلنا له ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ ~~فقال " قد كان من قبلكم يؤخذ فيحفر له فى الأرض، فيجعل فيها، فيجاء ~~بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد لحمه وعظمه، ~~فما يصرفه ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء ~~إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون ". # والخلاصة، أن المقصود من الآتيين تنبيه الناس فى كل زمان ومكان، إلى أن ~~ظن بعض الناس أن الإيمان يتعارض مع الابتلاء بالبأساء والضراء، ظن خاطئ، ~~وإلى أن هذا الابتلاء سنة ماضية فى السابقين وفى اللاحقين إلى يوم ~~القيامة. ثم بين - سبحانه - أن عقابه للمرتكبين السيئات واقع بهم، وأنهم ~~إذا ظنوا خلاف ذلك، فظنهم من باب الظنون السيئة القبيحة، فقال - تعالى - ~~{ أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ~~سآء ما يحكمون }. # و " أم " هنا منقطعة بمعنى بل، والاستفهام للإنكار والتوبيخ، وقوله { ~~أن يسبقونا } سد مسد مفعولى حسب، وأصل السبق الفوت والتقدم على ~~الغير. والمراد به هنا التعجيز، والمعنى بل أحسب الذين يعملون الأعمال ~~السيئات كالكفر والمعاصى، " أن يسبقونا " أى أن يعجزونا فلا نقدر على ~~عقابهم، أو أن فى ms4003 إمكانهم أن يهربوا من حسابنا لهم؟ إن كانوا يظنون ذلك ~~فقد { سآء ما يحكمون } أى بئس الظن ظنهم هذا، وبئس الحكم حكمهم ~~على الأمور. ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدخل السرور والاطمئنان على ~~قلوب عباده المؤمنين الصادقين فقال - تعالى - { من كان يرجو ~~لقآء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع ~~العليم } أى من كان من الناس يرجو لقاء الله - تعالى - يوم القيامة ~~لقاء يسره ويرضيه، ويطمعه فى ثوابه وعطائه، فليثبت على إيمانه، وليواظب ~~على العمل الصالح، { فإن أجل الله لآت }. أى فإن الأجل الذى ~~حدده الله - تعالى - لموت كل نفس وللبعث والحساب، لآت لا محالة فى وقته ~~الذى حدده - سبحانه - " وهو السميع " لأقوال خلقه " العليم " بما يخفونه ~~وما يعلنونه. فالرجاء فى لقاء الله، بمعنى الطمع فى ثوابه، ومنهم من فسره ~~بمعنى الخوف من حسابه - سبحانه -. قال صاحب الكشاف لقاء الله مثل للوصول ~~إلى العاقبة، من تلقى ملك الموت، البعث، والحساب، والجزاء، مثلت تلك ~~الحال بحال عبد قدم على سيده بعد عهد طويل، وقد اطلع مولاه على ما كان ~~يأتى ويذر، فإما أن يلقاه ببشر وترحيب، لما رضى من أفعاله، أو بضد ذلك ~~لما سخطه منها... وقيل " يرجو " يخاف، كما فى قول الشاعر # إذا لسعته الدبر لم يرج لسعها.. " أي إذا لسعته النحل لم يخف لسعها # وعلى كلا التفسرين للرجاء. فإن الآية الكريمة تبشر المؤمنين بما يدخل ~~السرور على نفوسهم، وتعدهم بأنهم متى ثبتوا على إيمانهم، وأحسنوا ~~أعمالهم، فإن ثوابهم سيظفرون به كاملا غير منقوص، بفضل الله وإحسانه. ~~وقوله - سبحانه - { ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه } ~~معطوف على ما قبله، ومؤكد لمضمونه. أى ومن جاهد فى طاعة الله، وفى سبيل ~~إعلاء كلمته، ونصرة دينه، فإنما يعود ثواب جهاده ونفعه لنفسه لا لغيره. { ~~إن الله } - تعالى - { لغني عن العالمين } جميعا، لأنه ~~- سبحانه - لا تنفعه طاعة مطيع، كما لا تضره معصية عاص، وإنما لنفسه يعود ~~ثواب المطيع وعليها يرجع عقاب المسئ. ثم وضح - سبحانه - ما أعده للمؤمنين ~~الصادقين من ثواب جزيل فقال { والذين ms4004 آمنوا وعملوا ~~الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم... } أى لنسترن ~~عنهم سيئاتهم، ولنزيلنها - بفضلنا وإحساننا - من صحائف أعمالهم. # ثم بعد ذلك { ولنجزينهم أحسن الذي كانوا ~~يعملون } أى ولنجزينهم بأحسن الجزاء على أعمالهم الصالحة التى كانوا ~~يعملونها فى الدنيا، بأن نعطيهم على الحسنة عشر أمثالها. قال الجمل ما ~~ملخصه قوله { والذين آمنوا وعملوا الصالحات.. } يجوز ~~أن يكون مرفوعا بالابتداء، والخبر جملة القسم المذحوفة، وجوابها أى والله ~~لنكفرن. ويجوز أن يكون منصوبا بفعل مضمر على الاشتغال. أى ونخلص الذين ~~آمنوا من سيئاتهم... وقال { أحسن } لأنه سبحانه إذا جازاهم بالأحسن، ~~جازاهم بما هو دونه. فهو من التنبيه على الأدنى بالأعلى ". ثم بين - ~~سبحانه - أن طاعة الله - تعالى - يجب أن تقدم على كل طاعة. فقال { ~~ووصينا الإنسان بوالديه..في الصالحين }. ### || [29.8-9] # وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول الآية الأولى روايات منها ما أخرجه ~~الترمذى، من أنها نزلت فى سعد بن أبى وقاص، وذلك أنه حين أسلم، قالت له ~~أمه حمنة بنت سفيان يا سعد بلغنى أنك صبأت، فوالله لا يظلنى سقف بيت، وإن ~~الطعام والشراب على حرام، حتى تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم.... فجاء ~~سعد إلى النبى صلى الله عليه وسلم - فشكى إليه ما قالته أمه. فنزلت هذه ~~الآية.. فجاء سعد إليها فقال لها يا اماه لو كانت لك مائة نفس، فخرجت ~~نفسا نفسا ما تركت دينى، فكلى إن شئت، وإن شئت فلا تأكلى، فلما يست منه ~~أكلت وشربت... " وقوله { حسنا } منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف. أى ~~ووصينا الإنسان بوالديه إيصاء حسنا، وعبر بالمصدر للمبالغة فى وجوب ~~الإحسان إليهما، بأن يكون بارا بهما، وعطوفا عليهما، وسخيا معهما. ~~وقوله - سبحانه - { وإن جاهداك } معطوف على ما قبله بإضمار القول ~~أى ووصينا الإنسان بوالديه حسنا، وقولنا له { وإن جاهداك } أى إن ~~حملاك وأمراك { لتشرك بي } فى العبادة أو الطاعة { ما ليس لك ~~به علم فلا تطعهمآ } فى ذلك، فإنه لا طاعة لمخلوق فى معصية ~~الخالق. وقوله - سبحانه - { ما ليس لك به علم } بيان للواقع، ~~فهذا القيد لا مفهوم ms4005 له، لأنه ليس هناك من إله فى هذا الكون، سوى الله عز ~~وجل. وقوله تعالى { إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم ~~تعملون } تذييل المقصد به التحذير من معصيته - سبحانه -. أى إلى ~~مرجعكم جميعا - أيها الناس - يوم القيامة، فأحاسبكم على أعمالكم حسابا ~~دقيقا، وأجازى الذين أساءوا بما عملوا، وأجازى الذين أحسنوا بالحسنى. { ~~والذين آمنوا وعملوا } الأعمال { الصالحات ~~لندخلنهم } بفضلنا وإحساننا { في الصالحين } أى فى زمرة ~~الأقوام { الصالحين } الذين رضينا عنهم، ورضوا عنا. ثم يرسم القرآن ~~الكريم بعد ذلك صورة واضحة لأصحاب القلوب المريضة، والنفوس الضعيفة، ~~ويحكى جانبا من أقوالهم الفاسدة، ودعاواهم الكاذبة فيقول { ومن ~~الناس من يقول...عما كانوا يفترون }. ### || [29.10-13] # وقوله - سبحانه - { ومن الناس من يقول آمنا بالله.. } ~~بيان لحال قوم ضعف إيمانهم، واضطراب يقينهم، بعد بيان حال المؤمنين ~~الصادقين فى قوله # والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في ~~الصالحين # قال القرطبى قوله - تعالى - { ومن الناس من يقول آمنا ~~بالله... } قال مجاهد نزلت فى ناس من المنافقين بمكة، كانوا يؤمنون، ~~فإذا أوذوا رجعوا إلى الشرك، وقال عكرمة كان قوم قد أسلموا فأكرههم ~~المشركون على الخروج معهم إلى بدر، فقتل بعضهم ". والمعنى { ومن ~~الناس من يقول } بلسانه دون أن يواطئ هذا القول قلبه { آمنا ~~بالله }. وقوله { فإذآ أوذي في الله جعل فتنة ~~الناس كعذاب الله } بيان لحال هذا البعض من الناس عندما تنزل ~~بهم المصائب والنكبات. أى فإذا أوذى هذا البعض - بعد قوله آمنا بالله - ~~من أجل هذا القول ومن أجل تركه الدين الباطل، ودخوله فى الدين الحق { ~~جعل فتنة الناس } له أى جعل عذابهم له، وإيذاءهم إياه { ~~كعذاب الله } أى بمنزلة عذاب الله فى الشدة والألم، فيترتب على ~~ذلك أن يتزلزل إيمانه، ويضعف يقينه، بل ربما رجع إلى الكفر بعد الإيمان. ~~وفى جعل هذا البعض { فتنة الناس كعذاب الله } دليل واضح ~~على ضعف إيمانه، وفساد تفكيره، لأن عذاب الناس له دافع، أما عذاب الله ~~فلا دافع له، ولأن عذاب الناس يترتب عليه ثواب عظيم، أما عذاب الله فهو ~~بسبب غضب الله - سبحانه - على ms4006 من عصاه، ولأن عذاب الناس معروف أمده ~~ونهايته أما عذاب الله فلا يعرف أحد مداه أو نهايته. ثم بين - سبحانه - ~~حال هذا الفريق إذا ما من الله - تعالى - على المؤمنين الصادقين بنصر، ~~فقال { ولئن جآء نصر من ربك ليقولن إنا كنا ~~معكم }. والضمير فى قوله { ليقولن } بضم اللام يعود إلى { من ~~} فى قوله { من يقول }. باعتبار معناها، كما أن إفراد الضمائر ~~العائدة إليها باعتبار لفظها، أى هكذا حال ضعاف الإيمان، عند الشدائد ~~يساوون عذاب الناس بعذاب الله، ولا يثبتون على إيمانهم أما إذا جاءكم ~~النصر - أيها الرسول الكريم - فإن هؤلاء الضعاف فى إيمانهم، يقولون بكل ~~ثقة وتأكيد إنا كنا معكم مشايعين ومؤيدين، ونحن إنما أكرهنا على ما ~~قلنا، وما دام الأمر كذلك فأشركونا معكم فيما ترتب على النصر من مغانم ~~وخيرات. وقوله - سبحانه - { أو ليس الله بأعلم بما في ~~صدور العالمين } رد عليهم فى دعواهم الإيمان، وفى قولهم ~~للمؤمنين { إنا كنا معكم } والاستفهام لإنكار ما زعموه، ~~ولتقدير علم الله - تعالى - الشامل للسر والعلانية. أى إن الله - تعالى - ~~عالم بما فى صدور العالمين جميعا من خير وشر، وإيمان وكفر. # وإن هؤلاء الذين يقولون آمنا، ليس الله - تعالى - فى حاجة إلى قولهم، ~~فهو - سبحانه - يعلم السر وأخفى { وليعلمن الله } - تعالى - ~~علما تاما { الذين آمنوا } به حق الإيمان { وليعلمن } ~~حال المنافقين، علما لا يخفى عليه شئ من حركاتهم وسكناتهم. وسيجازيهم بما ~~يستحقون من عقاب. وأكد - سبحانه - علمه بلام القسم وبنون التوكيد، للرد ~~على دعاوى ضعاف الإيمان بأقوى أسلوب، وأبلغه، حتى يقلعوا عن نفاقهم، ~~ويتبعوا المؤمنين الصادقين فى ثباتهم. ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما زعمه ~~أئمة الكفر من دعاوى باطلة، ورد عليها فقال { وقال الذين ~~كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل ~~خطاياكم }. أى وقال الذين كفروا للذين آمنوا على سبيل التضليل ~~والإغراء اتبعوا سبيلنا أى طريقنا الذى وجدنا عليه آباءنا، وهو عبادة ~~الأصنام، ولنحمل عنكم خطاياكم يوم القيامة، إن كان هناك بعث وحساب. ~~واللام فى قوله { ولنحمل } لام الأمر، كأنهم آمرين أنفسهم بذلك، ms4007 ~~ليغيروا المؤمنين باتباعهم. أى اطمئنوا إلى أننا لن نتخلى عنكم، ولن ~~ننقض عهودنا معكم فى حمل خطاياكم لو اتبعتمونا، أو هو أمر فى تأويل الشرط ~~والجزاء. أى إن تتبعوا سبيلنا نحمل خطاياكم. وقد رد الله - تعالى - زعمهم ~~هذا بقوله { وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء ~~إنهم لكاذبون } أى وما هؤلاء الكافرين بحاملين لشئ من خطايا ~~غيرهم التى زعموا حملها يوم القيامة، وأنهم لكاذبون فى كل أقوالهم. و { ~~من } الأولى بيانية، والثانية لنفى حمل أى خطايا مهما صغرت. وقد جاء ~~التكذيب لهم بهذا الأسلوب المؤكد، حتى يخرس ألسنتهم، ويمحو كل أثر من ~~أقوالهم من الأذهان. ثم بين - سبحانه - أن الأمر على عكس ما زعموه فقال { ~~وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم }. أى ~~ليس الأمر - كما زعموا من أنهم يحملون خطايا المؤمنين، بل الحق أن أئمة ~~الكفر هؤلاء سيحملون خطاياهم كاملة غير منقوصة، وسيحملون فوقها خطايا ~~أخرى، هى خطايا تسببهم فى إضلال غيرهم، وصرفه عن الطريق الحق. وعبر عن ~~الخطايا بالأثقال، للإشعار بغاية ثقلها، وفداحة حملها، وعظم العذاب الذى ~~يترتب عليها. { وليسألن يوم القيامة } سؤال تأنيب وتوبيخ ~~{ عما كانوا يفترون } أى عما كانوا يختلقونه فى الدنيا من ~~أكاذيب، وأباطيل، أدت بهم إلى سوء المصير. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى ~~- # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما ~~يزرون # قال الإمام ابن كثير وفى الصحيح " من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل ~~أجور من اتبعه إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن دعا ~~إلى ضلالة، كان عليه من الإثم، مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة، من ~~غير أن ينقص من آثامهم شيئا ". وبعد هذا الحديث عن أنواع الناس، وعن ~~أقوال المشركين الفاسدة، وعن سوء عاقبتهم، ساق - سبحانه - جانبا من قصة ~~نوح وإبراهيم - عليهما السلام - فقال - تعالى - { ولقد أرسلنا ~~نوحا...إليه ترجعون }. ### || [29.14-17] # قال الآلوسى قوله { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه }. ~~شروع فى بيان افتتان الأنبياء - عليهم السلام - بأذية أممهم، إثر بيان ms4008 ~~افتتان المؤمنين بأذية الكفار تأكيدا للانكار على الذين يحسبون أن يتركوا ~~بمجرد الإيمان بلا ابتلاء، وحثا لهم على الصبر، فإن الأنبياء - عليهم ~~السلام - حيث ابتلوا بما أصابهم من جهة أممهم من فنون المكاره وصبروا ~~عليها، فلأن يصبر هؤلاء المؤمنون أولى وأحرى... " و " نوح " - عليه ~~السلام - ينتهى نسبه إلى شيت بن آدم، وقد ذكر نوح فى القرآن فى ثلاث ~~وأربعين موضعا، وجاءت قصته مع قومه بصورة فيها شئ من التفصيل، فى سور هود ~~والأعراف، والمؤمنون، ونوح. وقوم الرجل أقرباؤه الذين يجتمعون معه فى جد ~~واحد. وقد يقيم الرجل بين الأجانب فيسميهم قومه مجازا للمجاورة. وكان قوم ~~نوح يعبدون الأصنام، فأرسل الله - تعالى - إليهم نبيهم نوحا، ليدلهم على ~~طريق الحق والرشاد. والمعنى ولقد أرسلنا نبينا نوحا - عليه السلام - إلى ~~قومه، لكى يأمرهم بإخلاص العبادة لنا، وينهاهم عن عبادة غيرنا { فلبث ~~فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما } يدعوهم إلى الدين الحق، ~~ليلا ونهارا، وسرا وعلانية. قالوا بعث الله نوحا وهو فى سن الأربعين من ~~عمره، ولبث يدعو قومه إلى عبادة الله - تعالى - وحده، ألف سنة إلا خمسين ~~عاما، وعاش بعد الطوفان ستين سنة، فيكون عمره كله ألف سنة وخمسين سنة. ~~قال صاحب الكشاف فإن قلت فلم جاء المميز أولا بالسنة، وثانيا بالعام؟ قلت ~~لأن تكرير اللفظ الواحد، حقيق بالاجتناب فى البلاغة، إلا إذا وقع ذلك ~~لأجل غرض يبتغيه المتكلم من تفخيم أو تهويل أو تنويه أو نحو ذلك. " ~~والمقصود بذكر هذه المدة الطويلة التى قضاها نوح - عليه السلام - مع ~~قومه، تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم - وتثبيته، فكأن الله - تعالى - ~~يقول له يا محمد لقد لبث أخوك نوح تلك المدة الطويلة، ومع ذلك لم يؤمن ~~معه إلا قليل، فعليك أن تقتدى به فى صبره، وفى مطاولته لقومه. وقوله - ~~سبحانه - { فأخذهم الطوفان وهم ظالمون } بيان لسوء ~~عاقبة المكذبين لنوح - عليه السلام - بعد أن مكث فيهم تلك المدة الطويلة. ~~والطوفان قد يطلق على كل ما يطوف بالشئ على كثرة وشدة من السيل والريح ~~والظلام، وقد ms4009 غلب إطلاقه على طوفان الماء، وهو المراد هنا. أى مكث نوح فى ~~قومه ألف سنة إلا خسين عاما يدعوهم إلى إخلاص العبادة لله - تعالى - ~~ولكنهم كذبوه، فأخذهم الطوفان، والحال أنهم كانوا مستمرين على الظلم ~~والكفر، دون أن تؤثر فيهم مواعظ نبيهم ونذره. # ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة نوح ومن آمن معه فقال { فأنجيناه ~~وأصحاب السفينة } آى فأنجينا نوحا ومن آمن معه، وهم الذين ركبوا ~~معه فى السفينة، قيل كان عدد هؤلاء الذين آمنوا به ثمانين ما بين ذكر ~~وأنثى، وقيل كانوا أقل من ذلك. والضمير فى قوله - سبحانه - { ~~وجعلناهآ آية للعالمين } للسفينة، أو للحادثة والقصة. أى ~~فأنجينا نوحا ومن ركب معه فى السفينة، وجعلناها أى هذه الحادثة عبرة وعظة ~~للعالمين، حيث شاهدوا سوء عاقبة الكفر والظلم على ممر الأيام والأعوام. ~~قالوا ومن مظاهر وجوه العبرة فى قصة نجاة نوح ومن معه أن السفينة التى ~~حملتهم وأقلتهم بقيت مدة طويلة، وهى مسترة على جبل الجودى، الذى يرى كثير ~~من المؤرخين أن مكانه بشمال العراق، بالقرب من مدينة الموصل. ثم انتقلت ~~السورة الكريمة إلى الحديث عن جانب من قصة إبراهيم - عليه السلام - مع ~~قومه، فقال - تعالى - { وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا ~~الله واتقوه... }. ولفظ { إبراهيم } منصوب بفعل مضمر. أى ~~واذكر - أيها المخاطب - إبراهيم - عليه السلام - وقت أن قال لقومه اعبدوا ~~الله - تعالى - وحده، وصونوا أنفسكم عن كل ما يغضبه { ذلكم } الذى ~~أمرتكم به من العبادة والتقوى { خير لكم } من الشرك، ومن كل شئ فى ~~هذه الحياة { إن كنتم تعلمون } أى إن كنتم من ذوى العلم والفهم ~~بما هو خير وبما هو شر. فأنت ترى أن إبراهيم - عليه السلام - قد بدأ ~~دعوته لقومه يأمرهم بإخلاص العبادة لله - تعالى -، وبالخوف من عقابه، ثم ~~ثنى بتحبيب هذه الحقيقة إلى قلوبهم، ببيان أن إيمانهم خير لهم، ثم ثلث ~~بتهييج عواطفهم نحو العلم النافع، الذى يتنافى مع الجهل.. ثم بعد ذلك ~~نفرهم من فساد ما هم عليه من باطل، فقال كما حكى القرآن عنه { إنما ~~تعبدون من ms4010 دون الله أوثانا وتخلقون إفكا... }. ~~والأوثان جمع وثن. وتطلق الأوثان على التماثيل والأصنام التى كانوا ~~يصنعونها بأديهم من الحجارة أو ما يشبهها، ثم يعبدونها من دون الله - ~~تعالى -. وقوله { وتخلقون إفكا } أى وتكذبون كذاب واضحا، حيث ~~سميتم هذه الأوثان آلهة، مع أنها لا تضر ولا تفنع، ولا تغنى عنكم ولا عن ~~نفسها شيئا. أو يكون قوله { وتخلقون } بمعنى وتصنعون وتنحتون. أى ~~وتصنعون بأديكم هذه الأوثان صنعا، من أجل الإفك والكذب والانصراف عن كل ~~ما هو حق إلى كل ما هو باطل. ثم بين لهم تفاهة هذه الأوثان فقال { إن ~~الذين تعبدون من دون الله } من أوثان وأصنام { لا ~~يملكون لكم رزقا } أى لا يملكون لكم شيئا من الرزق حتى ولو ~~كان غاية فى القلة. وما دام الأمر كذلك { فابتغوا عند الله } - ~~تعالى - وحده { الرزق } الذى يكفيكم ويغنيكم { واعبدوه } وحده - ~~سبحانه - { واشكروا له } نعماءه ومننه وعطاياه. # فأنتم وجميع الخلق { إليه } وحده { ترجعون } لا إلى غيره، ~~فيجازيكم على أعمالكم وهكذا نرى إبراهيم - عليه السلام - قد سلك فى دعوته ~~قومه إلى الحق أبلغ الأساليب وأحكمها، حيث أمرهم بعبادة الله وتقواه، ~~وبين لهم منافع ذلك، وحرضهم على سلوك طريق العلم لا طريق الجهل، ونفرهم ~~من عبادة الأوثان، حيث بين لهم تفاهتها وحقارتها وعجزها، وحضهم على طلب ~~الرزق ممن يملكه وهو الله - عز وجل - الذى إليه المرجع والمآب. ثم أخذ ~~سيدنا إبراهيم - عليه السلام - يحذر قومه من الاستمرار فى تكذيبه ويلفت ~~أنظارهم إلى أن هناك حسابا وثوابا وعقابا وبعثا، وأن عليهم أن يتعظوا بمن ~~قبلهم، فقال - تعالى - { وإن تكذبوا فقد...لهم عذاب ~~أليم }. ### || [29.18-23] # قال صاحب الكشاف وهذه الآية - وهى قوله - تعالى - { وإن تكذبوا ~~} والآيات التى بعدها إلى قوله # فما كان جواب قومه.. # محتملة أن تكون من جملة قول إبراهيم - صلوات الله عليه - لقومه، وأن ~~تكون آيات وقعت معترضة فى شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وشأن قريش، ~~بين أول قصة إبراهيم وآخرها. فإن قلت إذا كانت من قول إبراهيم، فما ~~المراد بالأمم من قبله؟ ms4011 قلت المراد بهم قوم شيث وإدريس ونوح وغيرهم، وكفى ~~بقوم نوح أمة فى معنى أمم جمة مكذبة... ". وقال الإمام ابن كثير ~~والظاهر من السياق أن كل هذه الآيات، من كلا إبراهيم الخليل - عليه ~~السلام -، يحتج عليهم لإثبات المعاد، لقوله بعد هذا كله # فما كان جواب قومه # وقوله - سبحانه - { وإن تكذبوا... } معطوف على محذوف، والتقدير ~~إن تطيعونى - أيها الناس - فقد فزتم ونجوتم، وإن تكذبونى فيما أخبرتكم ~~به، فلستم بدعا فى ذلك، فقد كذب أمم من قبلكم رسلهم، فكانت عاقبة ~~المكذبين خسرا. ثم بين لهم إبراهيم - عليه السلام - وظيفة فقال { وما ~~على الرسول إلا البلاغ المبين } أى لقد بلغتكم رسالة ~~ربى ونصحت لكم، وتلك هى وظيفتى التى كلفنى بها ربى، وليس على سواها، أما ~~الحساب والجزاء فمرده إلى الله تعالى وحده. ثم ساق - سبحانه - ما يدل على ~~أن البعث حق، وأنه - تعالى - لا يعجزه شئ، فقال { أولم يروا ~~كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده }. والاستفهام ~~لتوبيخهم على إنكارهم هذه الحقيقة، وعدم تعلقهم لما يدل عليها دلالة ~~واضحة، والواو للعطف على مقدر. والمعنى ألم ينظر هؤلاء المشركون المنكرون ~~للبعث، ويعلموا كيف خلق الله - تعالى - الخلق ابتداء، ليستدلوا بذلك على ~~قدرته على الإعادة، وهى أهون عليه. إنهم ليرون كيف يبدئ الله الخلق فى ~~النبتة النامية، وفى الشجرة الباسقة، وفى كل ما لم يكن، ثم بعد ذلك يكون، ~~فكيف أنكروا إعادة هذا المخلوق إلى الحياة مرة أخرى، مع أنه من المسلم ~~عند كل ذى عقل، أن الإعادة أيسر من الخلق ابتداء؟ فالآية الكريمة تقرعهم ~~على إنكارهم البعث، وتسوق لهم الأدلة الواضحة على إمكانيته. واسم ~~الإشارة فى قوله { إن ذلك على الله يسير } يعود إلى ما ~~ذكر من الأمرين وهما بدء الخلق، وإعادته إلى الحياة مرة أخرى. أى إن ذلك ~~الذى ذكرناه لكم من خلقكم ابتداء، ثم إعادتكم إلى الحياة بعد موتكم، يسير ~~وهين على الله، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شئ. ثم أمر - سبحانه - رسوله ~~صلى الله عليه وسلم أن يلفت أنظار قومه إلى التأمل والتدبر ms4012 فى أحوال هذا ~~الكون، لعل هذا التأمل يديهم إلى الحق فقال { قل سيروا في الأرض ~~فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشىء النشأة ~~الآخرة. # . }. أى قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنكرين للبعث سيحوا فى ~~الأرض، وتتبعوا أحوال الخلق، وتأملوا كيف خلقهم الله - تعالى - ابتداء ~~على أطوار مختلفة، وطبائع متمايزة. وأحوال شتى... ثم قل لهم بعد كل ذلك، ~~الله الذى خلق الخلق ابتداء على تلك الصور المتنوعة المتكاثرة، هو وحده ~~الذى { ينشىء النشأة الآخرة } أى هو وحده الذى ينشئهم ويخلقهم ~~ويعيدهم إلى الحاية مرة أخرى، بعد أن أوجدهم فى المرة الأولى. فجملة { ~~ثم الله ينشىء النشأة الآخرة } معطوفة على قوله { ~~سيروا... } وداخلة معها فى حيز القول.. والكيفية في هذه الآية باعتبار ~~بدء الخلق على أطوار شتى، وصور متعددة... وفى الآية السابقة وهى قوله { ~~أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده } ~~باعتبار بدء الخلق من مادة وغيرها. والمقصود بالأمر بالسير التدبر ~~والتأمل والاعتبار، لأن من شأن التنقل فى جنبات الأرض، أنه يوقظ الحس، ~~ويبعث على التفكير، ويفتح العين والقلب على المشاهدة الجديدة التى لم ~~تألفها العين، ولم يتأملها القلب قبل ذلك. وجاء الأمر بالسير عاما، لأن ~~كل إنسان - فى كل زمان ومكان - يأخذ وجوه العبرة والعظة - عن طريق هذا ~~السير ما يتناسب مع عقله، وثقافته، وبيئته، وفكره، ومستواه المادى، ~~والاجتماعى، والحضارى... وقوله - سبحانه - { إن الله على كل ~~شيء قدير } تعليل لما قبله. أى هو - سبحانه - قادر على النشأة ~~الأولى، وعلى النشأة الآخرة، لأن قدرته لا يعجزها شئ ولا يحول دون نفاذها ~~حائل. وهو - سبحانه - { يعذب من يشآء } ويرحم من يشاء برحمته، { ~~وإليه } وحده لا إلى غيره { تقلبون } أى ترجعون جميعا فيحاسبكم ~~على أعمالكم. { ومآ أنتم بمعجزين في الأرض ولا في ~~السمآء } أى وما أنتم - أيها الناس - بقادرين على أن تفلتوا أو ~~تهربوا من لقاء الله - تعالى - ومن حسابه، سواء أكنتم فى الأرض، أم كنتم ~~فى السماء، إذ ليست هناك قوة فى هذا الوجود تحول بينكم وبين الانقلاب ~~إليه - سبحانه - والوقوف بين ms4013 يديه للحساب والجزاء. قال الشوكانى { ومآ ~~أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السمآء } قال الفراء ~~ولا من فى السماء بمعجزين الله فيها... والمعنى أنه لا يعجزه - سبحانه - ~~أهل الأرض ولا أهل السماء فى السماء لو كنتم فيها، كما تقول لا تفوتنى ~~فلان هاهنا ولا بالبصرة. يعنى ولا بالبصرة لو صار إليها... ". وقوله - ~~سبحانه - { وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } ~~مؤكد لما قبله. أى لستم بقادرين على الهرب من لقاء الله - تعالى -. # فى الآخرة. وليس سواه ناصر ينصركم، أو من قريب يدفع عنكم حكمه وقضاءه - ~~سبحانه -. ثم بين - سبحانه - مصير الكافرين فقال { والذين كفروا ~~بآيات الله } الدالة على وحدانيته وقدرته، وعلى ذاته وصفاته.. ~~وكفروا - أيضا - بالأدلة الدالة على { لقآئه } بأن أنكروا البعث ~~والحساب والجزاء { أولئك } الذين كفروا بكل ذلك { يئسوا من ~~رحمتي } أى انقطع أملهم فى رحمتى إياهم انقطاعا تاما وعبر - سبحانه ~~- بالماضى لدلالة علمه التام على تحقق وقوع هذا اليأس، وفقدان الأمل عند ~~هؤلاء الكافرين وقت أن يقفوا بين يديه للحساب، بسبب كفرهم وسوء أعمالهم. ~~وأضاف - عز وجل - الرحمة إليه، للإشارة إلى سبقها لغضبه، وأنها تشمل ~~عبادة المؤمنين. { أولئك } أى الذين كفروا بآيات الله وبلقائه { ~~لهم عذاب أليم } لا يعلم مقدار شدته وفظاعته إلا هو - سبحانه -. ~~ثم قص - سبحانه - بعد ذلك ما قاله قوم إبراهيم له، وما رد به عليهم. فقال ~~- تعالى - { فما كان جواب قومه...في الآخرة لمن ~~الصالحين }. ### || [29.24-27] # فقوله - تعالى - { فما كان جواب قومه... } بيان لما رد به ~~الظالمون على نبيهم إبراهيم - عليه السلام - بعد أن وعظهم ونصحهم وأقام ~~لهم أوضح الأدلة على صدقه فيما يبلغه عن ربه. ولفظ " جواب " بالنصب، خبر ~~كان، واسمها قوله { إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه }.. ~~والمراد بقتله إزهاق روحه بسيف ونحوه، لتظهر المقابلة بين الإحراق ~~والقتل. وجاء هنا الترديد بين الأمرين، للاشعار بأن من قومه من أشار ~~بقتله، ومنهم من أشار بإحراقه، ثم اتفقوا جميعا على الإحراق، كما جاء فى ~~قوله - تعالى - # قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين ms4014 # والمعنى فما كان جواب قوم إبراهيم له، بعد أن نصحهم وظهرت حجته عليهم، ~~إلا أن قالوا فيما بينهم، اقتلواه بالسيف، أو أحرقوه بالنار، لتستريحوا ~~منه، وتريحوا آلهتكم من عدوانه عليها، وتحطيمه لها... وقولهم هذا الذى ~~حكاه القرآن عنهم، يدل على إسرافهم فى الظلم والطغيان والجهالة... والفاء ~~فى قوله - تعالى - { فأنجاه الله من النار } فصيحة. أى ~~فاتفقوا على إحراقه بالنار، وألقوه فيما بعد اشتعالها، فأنجاه الله - ~~تعالى - منها، بأن جعلها بردا وسلاما عليه... { إن في ذلك لآيات ~~لقوم يؤمنون }.. أى إن فى ذلك الذى فعلناه بقدرتنا مع إبراهيم ~~- عليه السلام - حيث أخرجناه سليما من النار { لآيات } بينات على ~~وحدانتينا وقدرتنا، لقوم يؤمنون، بأن الله - تعالى - هو رب العالمين، ~~وأنه له الخلق والأمر. وجمع - سبحانه - الآيات لأن فى نجاة إبراهيم، ~~دلالات متعددة على قدرة الله - تعالى لا دلالة واحدة، فنجاته من النار ~~وتحويلها عليه إلى برد وسلام آية، وعجز المشركين جميعا عن أن يلحقوا به ~~ضررا آية ثانية، وإصرارهم على كفرهم مع ما شاهدوه، آية ثالثة على أن ~~القلوب الجاحدة تبقى على جحودها مع وجود المعجزات الدالة على صدق من جاء ~~بها من عند الله - تعالى -. ولذا خص - سبحانه - هذه الآيات، لأنهم هم ~~وحدهم المنتفعون بها. ثم حكى - سبحانه - ما قاله إبراهيم - عليه السلام - ~~لقومه بعد أن نجاه الله من شرورهم فقال { وقال إنما اتخذتم ~~من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة ~~الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ~~ويلعن بعضكم بعضا }. ولفظ " مودة " وردت فيه قراءات فقد ~~قرأه بعض القراء السبعة بالنصب، على أنه مفعول به لقوله { اتخذتم ~~} أو على أنه مفعول لأجله، فيكون المعنى وقال إبراهيم لقومه يا قوم إنكم ~~لم تتخذوا هذه الأوثان معبودات لكم عن عقيدة واقتناع بأحقية عبادتها. ~~وإنما اتخذتموها معبودات من أجل المودة فيما بينكم، ومن أجل أن يجامل ~~بعضكم بعضا فى عبادتها، على حساب الحق والهدى. # وهذا شأنكم فى الدنيا، أما فى يوم القيامة، فهذه المودة ستزول لأنها ~~مودة باطلة، وسيكفر بعضكم ببعض، ويلعن ms4015 بعضكم بعضا، حيث يتبرأ القادة من ~~الأتباع، والأتباع من القادة. { ومأواكم النار } أى ومنزلكم ~~الذى تأوون إليه أنتم وأصنامكم يوم القيامة النار { وما لكم من ~~ناصرين } يخلصونكم من هذه النار، أو يخففون سعيرها عنكم. وبعض ~~القراء السبعة قرأ لفظ { مودة } بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف ~~أى أن ما اتخذتموه من عبادة الأوثان، هو مودة بينكم فى الحياة الدنيا، ~~أما فى الآخرة فسيكفر بعضكم ببعض، ليعن بعضكم بعضا. والمقصود من الآية ~~الكريمة، بيان أن هؤلاء المشركين لم يتخذوا الأصنام آلهة، وهم يعتقدون ~~صحة ذلك اعتقادا جازما، وإنما اتخذوها فى الدنيا آلهة تارة على سيل ~~التواد فيما بينهم، وتارة على سبيل التقليد والمسايرة لغيرهم.. أما فى ~~الآخرة فستتحول تلك المودات والمسايرات والتقاليد إلى عداوات ومقاطعات ~~وملاعنات... وقوله - تعالى - { فآمن له لوط... } بيان للثمرة ~~الطيبة التى ترتبت على دعوة إبراهيم لقومه، إلى عبادة الله - تعالى - ~~وحده، بعد أن مكث فيهم مدة لا يعلمها إلا الله، وبعد أن أقام لهم ألوانا ~~من الأدلة على أن ما جاءهم به هو الحق، وما هم عليه هو الباطل. والتعبير ~~بقوله - سبحانه - { فآمن له لوط } يعشر بأن لوطا - عليه السلام - ~~وحده، هو الذى لبى دعوة إبراهيم، وصدقه فى كل ما أخبر به. ولوط - عليه ~~السلام - يرى كثير من العلماء أنه ابن أخى إبراهيم - عليه السلام - فهو ~~لوط بن هاران بن آزر. والضمير فى قوله - سبحانه - { وقال إني ~~مهاجر إلى ربي... } يرى بعضهم أنه يعود إلى لوط، لأنه أقرب ~~مذكور. أى فآمن لوط لإبراهيم وصدقه فى كل ما جاء به، وقال إنى مهاجر إلى ~~الجهة التى أمرنى ربى بالهجرة إليها، لأبلغ دعوته، فهو لم يهاجر من أجل ~~منفعة دنيوية، وإنما هاجر من أجل تبليغ أمر به، وإعلاء كلمته. ويرى آخرون ~~أن الضمير يعود إلى إبراهيم - عليه السلام -، لأن الحديث عنه. قال ~~الآلوسى ما ملخصه { وقال إني مهاجر إلى ربي } أى وقال ~~إبراهيم إنى مهاجر، أى من قومى، إلى ربى.. أى إلى الجهة التى أمرنى بأن ~~أهاجر إليها { إنه ms4016 } - عز وجل - { هو العزيز } الغالب على ~~أمره... { الحكيم } الذى لا يفعل فعلا إلا وفيه حكمة ومصلحة. وقيل ~~الضمير فى { وقال } للوط - عليه السلام -، وليس بشئ لما يلزم عليه من ~~التفكيك ". ثم بين - سبحانه - بعض النعم التى أنعم بها على نبيه إبراهيم، ~~بعد أن هاجر من العراق إلى بلاد الشام لتبليغ رسالة ربه إلى الناس فقال { ~~ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته ~~النبوة والكتاب. # .. }. أى ووهبنا لإبراهيم - بعد أن هاجر ومعه زوجه " سارة " وابن أخيه ~~" لوط " - وهبنا له ابنه إسحاق، وهبنا لإسحاق يعقوب، وجعلنا بفضلنا ~~ورحمتنا، فى ذرية إبراهيم النبوة، إذ من نسله جميع الأنبياء من بعده، كما ~~جعلنا فى ذريته - أيضا - الكتب التى أنزلناها على الأنبياء من بعده، ~~كالتوراة، والإنجيل والزبور، والقرآن. فالمراد بالكتاب هنا الكتب ~~السماوية التى انزلها - سبحانه - على موسى وعيسى وداود ومحمد - صلوات ~~الله عليه - وهم جميعا من نسل إبراهيم. قال صاحب الكشاف فإن قلت ما بال ~~إسماعيل لم يذكر، وذكر إسحاق ويعقوب؟ قلت قد دل عليه فى قوله { ~~وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب } وكفى الدليل ~~لشهرة أمره، وعلو قدره. فإن قلت ما المراد بالكتاب؟ قلت قصد به جنس ~~الكتاب، حتى دخل تحته ما نزل على ذريته من الكتب الأربعة، التى هى ~~التوراة، والزبور، والإنجيل، والقرآن ". وقوله - سبحانه - { ~~وآتيناه أجره في الدنيا } بيان لنعمة أخرى أنعم بها - ~~سبحانه - على نبيه إبراهيم - عليه السلام -. أى وهبنا له الذرية الصالحة، ~~وجعلنا فى ذريته النبوة والكتب السماوية، وآتيناه أجره على أعماله ~~الصالحة فى الدنيا، بأن رزقناه الزوجة الصالحة، والذكر الحسن بعد وفاته. ~~{ وإنه في الآخرة لمن الصالحين } الذين نعطيهم فيها ~~أجزل العطاء وأوفاه. وهكذا جمع الله - تعالى - بفضله وإحسانه، لنبيه ~~إبراهيم، خيرى الدنيا والآخرة، جزاء إيمانه العميق، وعمله الصالح، ووفائه ~~فى تبليغ رسالة ربه. وبمناسبة الحديث عن قصة إبراهيم مع قومه، جاء بعد ~~ذلك الحديث عن جانب من قصة لوط مع قومه. لوط - عليه السلام - الذى آمن ~~بإبراهيم وهاجر معه إلى بلاد الشام.. قال - تعالى - { ولوطا إذ ~~قال لقومه....لقوم ms4017 يعقلون }. ### || [29.28-35] # وقوله - سبحانه - { ولوطا إذ قال لقومه } منصوب بالعطف على ~~إبراهيم فى قوله - تعالى - # وإبراهيم إذ قال لقومه.. # أو بفعل مضمر. أى واذكر - أيها العاقل لتعتبر وتتعظ - نبينا لوطا - عليه ~~السلام - وقت أن قال لقومه على سبيل الزجر والتوبيخ والإنكار لما هم ~~عليه من فعل قبيح { إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم ~~بها من أحد من العالمين } أى إنكم لتفعلون الفعلة البالغة ~~أقصى دركات القبح والفحش، والتى ما فعلها أحد قبلكم، بل أنتم أول من ~~ابتدعها، وهى إتيان الكذور دون الإناث. قال عمر بن دينار ما نزل ذكر على ~~ذكر حتى كان قوم لوط. وقال الوليد بن عبد الملك لولا أن الله - تعالى - ~~قد قص علينا خبر قوم لوط، ما ظننت أن ذكرا يعلو ذكرا. وجاء قوله - عليه ~~السلام - مؤكدا بجملة من المؤكدات، لتسجيل هذه الفاحشة عليهم بأقوى ~~أسلوب، وبأنهم لم يسبقهم أحد إلى ارتكابها. وقوله - سبحانه - { ~~أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل ~~وتأتون في ناديكم المنكر... } بيان لتلك الفاحشة التى ~~كانوا يقترفونها، والاستفهام للتأنيب والتقريع. والسبيل الطريق. والنادى ~~اسم جنس للمكان الذى يجتمع فيه الناس لأمر من الأمور، أى أئنكم لتأتون ~~الرجال شهوة من دون النساء، وتقطعون الطريق على المارة، بأن تنتهبوا ~~أموالهم، أو بأن تكرهوهم إكراها على ارتكاب الفاحش معهم، أو بأن تعتدوا ~~عليهم بأى صورة من الصور، وفضلا عن كل ذلك فإنكم ترتكبون المنكرات فى ~~مجالسكم الخاصة، وفى نواديكم التى تتلاقون فيها. فأنت ترى أن نبيهم - ~~عليه السلام - قد وصفهم بأوصاف، كل صفة أقبح من سابقتهان والباعث لهم على ~~ارتكاب تلك المنكرات، هو انتكاس فطرتهم، وفساد نفوسهم، وشذوذ شهواتهم. ~~فماذا كان جوابهم على نبيهم - عليه السلام -؟ لقد كان جوابهم فى غاية ~~التبجح والسفاهة، وقد حكاه القرآن فى قوله { فما كان جواب ~~قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من ~~الصادقين }. أى فما كان جواب قوم لوط عليه، إلا أن قالوا له على ~~سبيل الاستخفاف بوعظه وزجره ائتنا يا لوط بعذاب الله الذى تتوعدنا به، إن ~~كنت ms4018 صادقا فى دعواك انك رسول، وفى دعواك أن عذابا سينزل علينا، بسبب ~~أفعالنا هذه التى ألفناها وأحببناها. وهكذا نرى أن هؤلاء المجرمين، قد ~~قابلوا نصح نبيهم تارة بالاستخاف والاستهزاء كما هنا، وتارة بالتهديد ~~والوعيد، كما فى قوله - تعالى - # أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس ~~يتطهرون # ولذا لجأ لوط - عليه السلام - إلى ربه، يلتمس منه النصرة والعون فقال { ~~رب انصرني على القوم المفسدين } ، اى انصرنى بأن تنزل ~~عذابك على هؤلاء القوم المفسدين، الذين مردوا على ارتكاب فواحش، لم ~~يسبقهم بها من أحد من العالمين. # وأجاب الله - تعالى - دعاء نبيه لوط - عليه السلام -، وأرسل - سبحانه - ~~ملائكته لنبيه إبراهيم ليبشروه بابنه إسحاق. قبل أن ينفذوا عذاب الله فى ~~قوم لوط، قال - تعالى - { ولما جآءت رسلنآ إبراهيم ~~بالبشرى قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية ~~} أى وحين جاء الملائكة إلى إبراهيم ليبشروه بابنه إسحاق قالوا له يا ~~إبراهيم إنا مرسلون من ربك لإهلاك أهل هذه القرية وهى قرية سدوم التى ~~يسكنها قوم لوط، والسبب فى ذلك { إن أهلها كانوا ظالمين } ~~، حيث أتوا بفاحشة لم يسبقهم إليها أحد، وقطعوا الطريق على الناس، ~~واقترفوا فى مجالسهم المنكرات. وهنا قال لهم إبراهيم - عليه السلام - ~~بخشيته وشفقته { إن فيها لوطا } أى إن فى هذه القرية التى جئتم ~~لإهلاكها لوطا، وهو نبى من أنبياء الله الصالحين فكيف تهلكونها وهو معهم ~~فيها؟ وهنا رد عليه الملائكة بما يزيل خشية فقالوا { نحن أعلم ~~بمن فيها } من الأخيار ومن الأشرار، ومن المؤمنين ومن الكافرين. { ~~لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من ~~الغابرين } أى اطمئن يا إبراهيم فإن الله - تعالى - قد أمرنا أن ~~ننجى لوطا وأن ننجى معه من الهلاك أهله المؤمنين، إلا امرأته فستبقى مع ~~المهلكين، لأنها منهم، بسبب خيانتها للوط - عليه السلام - حيث كانت تقر ~~جرائم قومها، ولا تعمل على إزالتها وإنكارها، كما هو شأن الزوجات ~~الصالحات. والغابر الباقى. يقال غبر الشئ يغبر غبورا، أى بقى، وقد يستعمل ~~فيما مضى - أيضا - فيكون من الأضداد. ومنه قولهم هذا الشئ حدث فى الزمن ~~الغابر. ms4019 أى الماضى. ثم بين - سبحانه - حال لوط - عليه السلام - بعد أن ~~وصل إليه الملائكة لينفذوا قضاء الله - تعالى - فى قومه، فقال - عز وجل - ~~{ ولمآ أن جآءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ~~ذرعا }. و " أن " هنا مزيدة لتأكيد المجئ. " وسئ بهم " أى اعترته ~~المساءة والأحزان بسبب مجيئهم، لخوفه من اعتداء قومه عليهم. قال القرطبى ~~والذرع مصدر ذرع. وأصله أن يذرع البعير بيديه فى سيره ذرعا، على قدر سعة ~~خطوه، فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق عن ذلك، وضعف ومد عنقه، فضيق ~~الذرع عبارة عن ضيق الوسع... وإنما ضاق ذرعه بهم، لما رأى من جمالهم، وما ~~يعلمه من فسوق قومه.. ". أى وحين جاءت الملائكة إلى لوط - عليه السلام - ~~ورآهم، ساءه وأحزنه مجيئهم، لأنه كان يعرفهم، ويعرف أن قومه قوم سوء، ~~فخشى أن يعتدى قومه عليهم. وهو لا يستطيع الدفاع عن هؤلاء الضيوف. ~~والتعبير بقوله - سبحانه - { وضاق بهم ذرعا } تعبير بليغ، ~~وتصوير بديع لنفاد حيلته، واغتمام نفسه، وعجزه عن وجود مخرج للمكره الذى ~~حل به. # و " ذرعا " تمييز محول عن الفاعل، أى ضاق بأمرهم ذرعه. ولاحظ الملائكة - ~~عليهم السلام - على لوط قلقه وخوفه، فقالوا له على سبيل التبشير وإدخال ~~الطمأنينة على نفسه، يا لوط { لا تخف ولا تحزن } أى لا تخف ~~علينا من قومك، ولا تحزن لمجيئنا إليك بتلك الصورة المفاجئة. ثم أفصحوا ~~له عن مهمتهم فقالوا { إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك ~~كانت من الغابرين }. أى إنا منجوك وأهلك المؤمنين من العذاب ~~الذى ننزله بقومك، إلا امرأتك فسيدركها العذاب مع قومك، وستهلك مع ~~الهالكين بسبب تواطئها معهم، ورضاها بأفعالهم القبيحة. ثم أخبروه ~~بالكيفية التى ينزل بها العذاب على قومه فقالوا { إنا منزلون ~~على أهل هذه القرية رجزا من السمآء بما ~~كانوا يفسقون }. والرجز العذاب الذى يزعج المعذب به ويجعله فى ~~حالة اضطراب وهلع. يقال ارتجز فلان، إذا اضطرب وانزعج. أى إنا منزلون ~~بأمر الله - تعالى - وإرادته، على أهل هذه القرية - وهى قرية سدوم التى ~~كان يسكنها قوم لوط - { رجزا من السمآء ms4020 } أى عذابا شديدا كائنا ~~من السماء، بحيث لا يملكون دفعه أو النجاة منه، بسبب فسوقهم عن أمر ربهم، ~~وخروجهم عن طاعته. ثم بين - سبحانه - أن حكمته قد اقتضت. أن يجعل آثار ~~هؤلاء الظالمين باقية بعدهم، لتكون عبرة وعظة لغيرهم فقال { ولقد ~~تركنا منهآ آية بينة لقوم يعقلون }. أى ولقد ~~تركنا من هذه القرية بعد تدميرها، علامة بينة، وآية واضحة. تدل على هلاك ~~أهلها، حتى تكون عبرة لقوم يستعلمون عقولهم فى التدبر والتفكر. قال ابن ~~كثير وذلك أن جبريل - عليه السلام - اقتلع قراهم من قرار الأرض، ثم رفعها ~~إلى عنان السماء، ثم قلبها عليهم، وأرسل الله عليهم حجارة من سجيل منضود، ~~مسومة عند ربك وما هى من الظالمين ببعيد، وجعل مكانها. بحيرة خبيثة ~~منتنة، وجعلهم عبرة إلى يوم التناد، وهم من أشد الناس عذابا يوم المعاد، ~~ولهذا قال { ولقد تركنا منهآ آية بينة لقوم ~~يعقلون } كما قال # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل ~~أفلا تعقلون # ثم ساق - سبحانه - جانبا من قصة شعيب وهود وصالح - عليهم السلام - مع ~~أقوامهم، وكيف أن هؤلاء الأقوام قد كانت عاقبتهم خسرا، بسبب تكذيبهم ~~لأنبيائهم فقال - تعالى - { وإلى مدين أخاهم ~~شعيبا...أنفسهم يظلمون }. ### || [29.36-40] # وقوله - سبحانه - { وإلى مدين أخاهم شعيبا.. } معطوف ~~على مقدر محذوف، لدلالة ما قبله عليه. ومدين اسم للقبيلة التى تنسب إلى ~~مدين بن إبراهيم - عليه السلام -. وكانوا يسكنون فى المنطقة التى تسمى ~~معان بين حدود الحجاز والشام. وقد أرسل الله - تعالى - إليهم شعيبا - ~~عليه السلام - ليأمرهم بعبادة الله - تعالى - وحده، ولينهاهم عن الرذائل ~~التى كانت منتشرة فيهم، والتى من أبرزها التطفيف فى المكيال والميزان. ~~والمعنى وكما أرسلنا نوحا إلى قومه، وإبراهيم إلى قومه، أرسلنا إلى أهل ~~مدين، ورسولنا شعيبا - عليه السلام -. { فقال يقوم اعبدوا ~~الله } أى فقال لهم ناصحا ومرشدا، الكلمة التى قالها كل نبى لأمته يا ~~قوم اعبدوا الله - تعالى - وحده، واتركوا ما أنتم عليه من شرك. وقال لهم ~~- أيضا وارجوا النجاة من أهوال يوم القيامة، بأن تستعدوا له بالإيمان ~~والعمل الصالح، ولا تعثوا فى ms4021 الأرض مفسدين، فإن الإفساد فى الأرض ليس من ~~شأن العقلاء، وإنما هو من شأن الجهلاء الجاحدين لنعم الله - تعالى -. ~~يقال عثى فلان فى الأرض يعثو ويعثى - كقال وتعب -، إذا ارتكب اشد أنواع ~~الفساد فيها. فأنت ترى أن شعيبا - عليه السلام - وهو خطيب الأنبياء - كما ~~جاء فى الحديث الشريف، قد أمر قومه بإخلاص العبادة لله، وبالعمل الصالح ~~الذى ينفعهم فى أخراهم، ونهاهم عن الإفساد فى الأرض، فماذا كان موقفهم ~~منه؟ كان موقفهم منه التكذيب والإعراض، كما قال - سبحانه - { ~~فكذبوه } أى فيما أمرهم به، وفيما نهاهم عنه. { فأخذتهم ~~الرجفة } أى فأهلكهم الله - تعالى - بسبب تكذيبهم لنبيهم بالرجفة، ~~وهى الزلزلة الشديدة. رجفت الأرض، إذا اضطربت اضطرابا شديدا. ولا تعارض ~~هنا بين قوله - تعالى - { فأخذتهم الرجفة } وبين قوله - ~~سبحانه - فى سورة الحجر # فأخذتهم الصيحة # لأنه يجوز أن الله - تعالى - جعل لإهلاكهم سببين الأول أن جبريل - عليه ~~السلام - صاح بهم صيحة شديدة أذهلتهم، ثم رجفت بهم الأرض فأهلكتهم. ~~وبعضهم قال إن الرجفة والصيحة بمعنى واحد. وقوله - تعالى - { ~~فأصبحوا في دارهم جاثمين } بيان لما آل إليه أمرهم بعد ~~هلاكهم. والمراد بدارهم مساكنهم التى يسكنونها، أو قريتهم التى يعيشون ~~بها وقوله { جاثمين } من الجثوم، وهو للناس والطيور بمنزلة البروك ~~للإبل. يقال جثم الطائر يجثم جثما وجثوما فهو جاثم - من باب ضرب -، إذا ~~وقع على صدره ولزم مكانه فلم يبرحه. أى فأصحبوا فى مساكنهم هامدين ميتين ~~لا تحس لهم حركة، ولا تسمع لهم ركزا. ثم أشار - سبحانه - بعد ذلك إلى ~~مصارع عاد وثمود فقال { وعادا وثمودا وقد تبين لكم ~~من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم ~~فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين }. # وعاد هم قوم هود - عليه السلام - وكانوا يسكنون بالأحقاف فى جنوب ~~الجزيرة العربية، بالقرب من حضرموت. وثمود هم قوم صالح - عليه السلام - ~~وكانت مساكنهم بشمال الجزيرة العربية، وما زالت مساكنهم تعرف حتى الآن ~~بقرى صالح. أى وأهلكنا عادا وثمود بسبب كفرهم وعنادهم، كما أهلكنا غيرهم، ~~والحال أنه قد تبين لكم - يا أهل مكة - وظهر لكم بعض مساكنهم، وانتم ms4022 ~~تمرون عليهم فى رحلتى الشتاء والصيف. فقوله - سبحانه - { وقد ~~تبين لكم من مساكنهم } المقصود منه غرس العبرة والعظة ~~فى نفوس مشركى مكة، عن طريق المشاهدة لآثار المهلكين، فإن مما يحمل ~~العقلاء على الاعتبار، مشاهدة آثار التمزيق والتدمير، بعد القوة ~~والتمكين. { وزين لهم الشيطان أعمالهم } السيئة. بسبب ~~وسوسته وتسويله، { فصدهم عن السبيل } الحق، وعن الطريق ~~المستقيم. { وكانوا } أى عادا وثمود { مستبصرين } أى وكانت ~~لهم عقول يستطيعون التمييز بها بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، ~~ولكنهم لم يستعملوها فيما خلقت له، وإنما استحبوا العمى على الهدى، ~~وآثروا الغى على الرشد، فأخذهم الله - تعالى - أخذ عزيز مقتدر. وقوله - ~~تعالى - { مستبصرين } من الاستبصار بمعنى التمكن من تعقل الأمور. ~~وإدراك خيرها من شرها، وحقها من باطلها. ثم أشار - سبحانه - إلى ما حل ~~بقارون وفرعون وهامان فقال { وقارون وفرعون وهامان } أى ~~وأهلكنا - أيضا - قارون، وهو الذى كان من قوم موسى فبغى عليهم، كما ~~أهلكنا فرعون الذى قال لقومه # أنا ربكم الأعلى # وهامان الذى كان وزيرا لفرعون وعونا له فى الكفر والظلم والطغيان. قال ~~الآلوسى وتقديم قارون، لأن المقصود تسلية النبى صلى الله عليه وسلم فيما ~~لقى من قومه لحسدهم له، وقارون كان من قوم موسى - عليه السلام - وقد لقى ~~منه ما لقى. أو لأن حال قارون أوفق بحال عاد وثمود، فإنه كان من أبصر ~~الناس وأعلمهم بالتوراة، ولكنه لم يفده الاستبصار شيئا، كما لم يفدهم ~~كونهم مستبصرين شيئا... ثم بين - سبحانه - ما جاءهم به موسى - عليه ~~السلام - وموقفهم منه فقال { ولقد جآءهم موسى ~~بالبينات } أى جاءهم جميعا بالمعجزات الواضحات الدالة على صدقه. { ~~فاستكبروا في الأرض } أى فاستكبروا قارون وفرعون وهامان فى ~~الأرض. وأبوا أن يمؤمنوا بموسى، بل وصوفه بالسحر وبما هو برئ منه. { ~~وما كانوا سابقين } اى وما كانوا بسبب استكبارهم وغرورهم هذا، ~~هاربين أو نجاين من قضائنا، فيهم، ومن إهلاكنا لهم. فقوله { سابقين } ~~من السبق، بمعنى التقدم على الغير. يقال فلان سبق طالبه، إذا تقدم عليه ~~دون أن يستطيع هذا الطالب إدراكه. والمراد أن قارون ms4023 وفرعون وهامان، لم ~~يستطيعوا - رغم قوتهم وغناهم - أن يفلتوا من عقابنا، بل أدركهم عذابنا ~~إدراكا تاما فأبادهم وقضى عليهم. # ثم ختم - سبحانه - الحديث عن هؤلاء المكذبين، ببيان سنة من سننه التى لا ~~تتخلف، فقال { فكلا أخذنا بذنبه }. أى فكلا من هؤلاء ~~المذكورين كقوم نوح وإبراهيم ولوط وشعيب وهود وصالح، وكقارون وفرعون ~~وهامان وأمثالهم كلا من هؤلاء الظالمين أخذناه وأهلكناه بسبب ذنوبه التى ~~اصر عليها دون أن يرجع عنها. { فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا } أى فمن هؤلاء الكافرين من أهلكناه، بأن أرسلنا عليه ريحا ~~شديدة رمته بالحصباء فأهلكته. قال القرطبى قوله { فمنهم من ~~أرسلنا عليه حاصبا } يعنى قوم لوط. والحاصب ريح يأتى ~~بالحصباء، وهى الحصى الصغار. وتستعمل فى كل عذاب. { ومنهم من ~~أخذته الصيحة } كما حدث لقوم صالح وقوم شعيب - عليهما السلام ~~-. { ومنهم من خسفنا به الأرض } وهو قارون. { ~~ومنهم من أغرقنا } كما فعلنا مع قوم نوح ومع فرعون وقومه. { ~~وما كان الله ليظلمهم } أى وما كان الله - تعالى - مريدا ~~لظلمهم، لأنه - سبحانه - اقتضت رمته وحكمته، أن لا يعذب أحدا بدون ذنب ~~ارتكبه. { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } أى ما ظلم الله ~~- تعالى - هؤلاء المهلكين، ولكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم، وعرضوها ~~للدمار، بسبب إصرارهم على كفرهم، واتباعهم للهوى والشيطان. وبذلك نرى ~~الآيات قد قصت على النسا مصارع الغابرين، الذين كذبوا الرسل، وحاربوا ~~دعوة الحق، ليكون فى هذا القصص عبرة للمعتبرين، وذكرى للمتذكرين. ثم ضرب ~~الله مثلا، لمن يتخذ آلهة من دونه وتوعد من يفعل ذلك بأشد أنواع العذاب، ~~فقال - تعالى - { مثل الذين اتخذوا...إلا العالمون ~~}. ### || [29.41-43] # والمثل والمثل النظير والشبيه، ثم أطلق المثل على القول السائر ~~المعروف، لمماثلة مضربه - وهو الذى يضرب فيه - لمورده - وهو الذى ورد فيه ~~أولا - ولا يكون إلا فيما فيه غرابة - ثم استعير للصفة أو الحال أو ~~القصة، إذا كان لها شأن عجيب، وفيها غرابة. وعلى هذا المعنى يحمل المثل ~~هنا. وإنما تضرب الأمثال لإيضاح المعنى الخفى، وتقريب الشئ المعقول من ~~الشئ المحسوس، وعرض الغائب فى صورة الحاضر، فيكون ms4024 المعنى الذى ضرب له ~~المثل، أوقع فى القلوب، وأثبت فى النفوس. والعنكبوت حشرة معروفة، تنسج ~~لنفسها فى الهواء بيتا رقيقا ضعيفا، لا يغنى عنا شيئا، وتطلق هذه الكلمة ~~على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث والغالب فى استعمالها التأنيث. والواو ~~والتاء زائدتان، كما فى لفظ طاغوت. والمعنى حال هؤلاء المشركين الذين ~~اتخذوا من دون الله - تعالى - أصناما يعبدونها، ويرجون نفعها ~~وشفاعتها... كحال العنكبوت فى اتخاذها بيتا ضعيفا مهلهلا، لا ينفعها ~~لا فى الحر ولا فى القر، ولا يدفع عنها شيئا من الأذى. فالمقصود من ~~المثل تجهيل المشركين وتقريعهم، حيث عبدوا من دون الله - تعالى - آلهة، ~~هى فى ضعفها ووهنها تشبه بيت العنكبوت، وأنهم لو كانوا من ذوى العلم لما ~~عبدوا تلك الآلهة. قال صاحب الكشاف الغرض تشبيه ما اتخذوه متكلا ~~ومتعمدا فى دينهم، وتولوه من دون الله، بما هو مثل عند الناس فى الوهن ~~وضعف القوة. وهو نسج العنكبوت. ألا ترى إلى مقطع التشبيه، وهو قوله { ~~وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت }. فإن قلت ما معنى ~~قوله { لو كانوا يعلمون } وكل أحد يعلم وهن بيت العنكبوت؟ قلت ~~معناه، لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم، وأن أمر دينهم بالغ هذه الغاية من ~~الوهن... " وقال الآلوسى قوله { لو كانوا يعلمون } أى لو ~~كانوا يعلمون شيئا من الأشياء، لعلموا أن هذا مثلهم، أو أن أمر دينهم ~~بالغ هذه الغاية من الوهن. و " لو " شرطية، وجوابها محذوف، وجوز بعضهم ~~كونها للتمنى فى فلا جواب لها، وهو غير ظاهر ". ثم بين - سبحانه - أن ~~علمه شامل لكل شئ، وأنه سيجازى هؤلاء المشركين بما يستحقونه من عقاب فقال ~~{ إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو ~~العزيز الحكيم }. و " ما " موصولة، وهى مفعول يعلم، والعائد ~~محذوف، و " من شئ " بيان لما. أى إن الله - تعالى - يعلم علما تاما ~~الذى يعبده هؤلاء المشركون من دونه، سواء أكان ما يعبدونه من الجن أم من ~~الإنس أم من الجمادات أم من غير ذلك، { وهو } - سبحانه - { ~~العزيز } أى الغالب على كل شئ ms4025 { الحكيم } فى أقواله وأفعاله. { ~~وتلك الأمثال } التى سقناها فى كتابنا العزيز، والتى من بينها ~~المثال السابق. { نضربها للناس } على سبيل الإرشاد والتنبيه ~~والتوضيح. { وما يعقلهآ إلا العالمون } أى وما يعقل هذه ~~الأمثال، ويفهم صحتها وحسنها، إلا الراسخون فى العلم، المتدبرون فى خلق ~~الله - تعالى -، الفاقهون لما يتلى عليهم. ثم ذكر - سبحانه - ما يدل على ~~عظيم قدرته، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالإكثار من تلاوة القرآن ~~الكريم، ومن الصلاة، فقال - تعالى - { خلق الله...يعلم ما ~~تصنعون }. ### || [29.44-45] # أى خلق الله - تعالى - السماوات والأرض بالحق الذى لا باطل معه، ~~وبالحكمة التى لا يشوبها عبث أو لهو، حتى يكون هذا الخلق متفقا مع مصالح ~~عبادنا ومنافعهم.. ومن مظاهر ذلك، أنك لا ترى - أيها العاقل - فى خلق ~~الرحمن من تفاوت أو تصادم، أو اضطراب. واسم الإشارة فى قوله - تعالى - { ~~إن في ذلك لآية للمؤمنين } يعود إلى خلق السماوات ~~والأرض، وما اشتملتا عليه من بدائع وعجائب. أى إن فى ذلك الذى خلقناه ~~بقدرتنا، من سماوات مرتفعة بغير عمد، ومن أرض مفروشة بنظام بديع، ومن ~~عجائب لا يحصيها العد فى هذا الكون، إن فى كل ذلك لآية بينة، وعلامة ~~واضحة، على قدرة الله - عز وجل -. وخص المؤمنين بالذكر، لأنهم هم ~~المتدبرون فى هذه الآيات والدلائل، وهم المنتفعون بها فى التعرف على ~~وحدانية الله وقدرته، وعلى حسن عبادته وطاعته. والمقصود بالتلاوة فى قوله ~~- تعالى - { اتل ما أوحي إليك من الكتاب } القراءة ~~المصحوبة بضبط الألفاظ، وبتفهم المعانى. والخطاب للرسول صلى الله عليه ~~وسلم ويشمل كل من آمن به. أى اقرأ - أيها الرسول الكريم - ما أوحينا إليك ~~من آيات هذا القرآن قراءة تدبر واعتبار واتعاظ، وداوم على ذلك، ومر ~~أتباعك أن يقتدوا بك فى المواظبة على هذه القراءة الصحيحة النافعة. { ~~وأقم الصلاة } أى وواظب على إقامة الصلاة فى أوقاتها بخشوع ~~وإخلاص واطمئنان، وعلى المؤمنين أن يقتدوا لك فى ذلك. وقوله { إن ~~الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر } تعليل للأمر ~~بالمحافظة على إقامة الصلاة بخشوع وإخلاص. أى دوام - أيها الرسول الكريم ms4026 ~~- على إقامة الصلاة بالطريقة التى يحبها الله - تعالى -، فإن من شأن ~~الصلاة التى يؤديها المسلم فى أوقاتها بشخوع وإخلاص، أن تنهى مؤديها عن ~~ارتكاب الفحشاء - وهى كل ما قبح قوله وفعله -، وعن المنكر - وهو كل ما ~~تنكره الشرائع والعقول السليمة -. قال الجمل " ومعنى نهيها عنهما، أنها ~~سبب الانتهاء عنهما لأنها مناجاة لله - تعالى -، فلا بد أن تكون مع إقبال ~~تام على طاعته، وإعراض كلى عن معاصيه. قال ابن مسعود فى الصلاة منتهى ~~ومزدجر عن معاصى الله، فمن لم تأمره صلاته بالمعروف، ولم تنهه عن المنكر، ~~لم يزدد من الله إلا بعدا.. وروى عن أنس - رضى الله عنه - أن فتى من ~~الأنصار، كان يصلى مع النبى صلى الله عليه وسلم ثم يأتى الفواحش، فذكر ~~للنبى صلى الله عليه وسلم - فقال إن صلاته ستناه، فلم يلبث أن تاب وحسن ~~حاله ". والخلاصة أن من شأن الصلاة المصحوبة بالإخلاص والخشوع وبإتمام ~~سننها وآدابها، أن تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر، فإن وجدت إنسانا ~~يؤدى الصلاة، ولكنه مع ذلك يرتكب بعض المعاصى، فأقول لك إن الذنب ليس ذنب ~~الصلاة، وإنما الذنب ذنبه هذا المرتكب للمعاصى، لأنه لم يؤد الصلاة أداء ~~مصحوبا بالخشوع والإخلاص. # .. وإنما أداها دون أن يتأثر بها قلبه.. ولعلها تنهاه فى يوم من الأيام ~~ببركة مداومته عليها، كما جاء فى الحديث الشريف # " إن الصلاة ستنهاه ". # وقوله - سبحانه - { ولذكر الله أكبر } أى ولذكر الله - ~~تعالى - بجميع أنواعه من تسبيح وتحميد وتكبير وغير ذلك من ألوان العبادة ~~والذكر، أفضل وأكبر من كل شئ آخر، لأن هذا الذكر لله - تعالى - فى كل ~~الأحوال، دليل على صدق الإيمان، وحسن الصلة بالله - تعالى -. قال ~~الآلوسى ما ملخصه قوله - تعالى - { ولذكر الله أكبر } ، قال ~~ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر.. أى ولذكر الله - تعالى - إياكم، أكبر ~~من ذكركم إياه - سبحانه -.. وروى عن جماعة من السلف أن المعنى ولذكر ~~العبد لله - تعالى -، أكبر من سائر الأعمال. أخرج الإمام أحمد عن معاذ ~~بن جبل قال ما عمل ابن آدم عملا أنجى له ms4027 من عذاب الله يوم القيامة، من ~~ذكر الله - تعالى -. وقيل المراد بذكر الله الصلاة. كما فى قوله - تعالى ~~- # فاسعوا إلى ذكر الله # أى إلى الصلاة، فيكون المعنى وللصلاة أكبر من سائر الطاعات، وإنما عبر ~~عنها به، للإيذان بأن ما فيها من ذكر الله - تعالى - هو العمدة فى كونها ~~مفضلة على الحسنات، نهاية عن السيئات ". ويبدو لنا أن المراد بذكر الله - ~~تعالى - هنا ما يشمل كل قول طيب وكل فعل صالح، يأتيه المسلم بإخلاص ~~وخشوع، وعلى رأس هذه الأقوال والأفعال التسبيح والتحميد والتكبير ~~والتهليل، والصلاة وما اشتملت عليه من أقوال وأفعال.. وأن المسلم متى ~~أكثر من ذكر الله - تعالى -، كان ثوابه - سبحانه - له، وثناؤه عليه، أكبر ~~وأعظم من كل قول ومن كل فعل. وقوله - سبحانه - { والله يعلم ما ~~تصنعون } تذييل قصد به الترغيب فى إخلاص العبادة لله، والتحذير من ~~الرياء فيها. أى داوموا - أيها المؤمنون. على تلاوة القرآن الكريم، بتدبر ~~واعتبار، وأقيموا الصلاة فى أوقاتها بخشوع وخضوع، وأكثروا من ذكر الله - ~~تعالى - فى كل أحوالكم، فإن الله - تعالى - يعلم ما تفعلونه وما تصنعونه ~~من خير أو شر، وسيجازى - سبحانه - الذين آساءوا بما عملوا، ويجازى الذين ~~أحسنوا بالحسنى. ثم أمر الله - تعالى - رسوله والمؤمنين. أن يجادلوا أهل ~~الكتاب بالتى هى أحسن، ما داموا لم يرتكبوا ظلما، وأقام - سبحانه - ~~الأدلة على أن هذا القرآن من عنده وحده، فقال { ولا تجادلوا ~~أهل...إلا الظالمون }. ### || [29.46-49] # والمجادلة المخاصمة. يقال جادل فلان فلانا إذا خاصمه، وحرص كل واحد ~~منها على أن يغلب صاحبه بقوة حجته. أى ولا تجادلوا - أيها المؤمنون - ~~غيركم من أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، إلا بالطريقة التى هى أحسن، ~~بأن ترشدوهم إلى طريق الحق بأسلوب لين كريم، كما قال - تعالى - فى آية ~~أخرى # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن.. # وقوله { إلا الذين ظلموا منهم } استثناء من الذين ~~يجادلون بالتى هى أحسن. أى ناقشوهم وأرشدوهم إلى الحق بالتى هى أحسن، إلا ~~الذين ظلموا منهم. بأن أساءوا إليكم، ولم يستعملوا الأدب ms4028 فى جدالهم، ~~فقابلوهم بما يليق بحالهم من الإغلاظ والتأديب. وعلى هذا التفسير يكون ~~المقصود بالآية الكريمة، دعوة المؤمنين إلى استعمال الطريقة الحسنى فى ~~مجادلتهم لأهل الكتاب عموما. ما عدا الظالمين منهم فعلى المؤمنين أن ~~يعاملوهم بالأسلوب المناسب لردعهم وزجرهم وتأديبهم. وقيل المراد بأهل ~~الكتاب هنا المؤمنون منهم، والمراد بالذين ظلموا من بقى على الكفر منهم. ~~فيكون المعنى ولا تجادلوا - أيها المؤمنون - من آمن من أهل الكتاب إلا ~~بالتى هى أحسن، إلا الذين بقوا على كفرهم فعاملوهم بما يليق بحالهم من ~~التأديب والإغلاظ عليهم. ويبدو لنا أن التفسير الأول هو الأرجح والأظهر، ~~لأن الآية مسوقة لتعليم المؤمنين كيف يجادلون من بقى على دينه من أهل ~~الكتاب، ولأن من ترك كفره منهم ودخل فى الإسلام أصبح مسلما وليس من أهل ~~الكتاب، وما دام الأمر كذلك فليس المسلمون فى حاجة إلى إرشادهم إلى كيفية ~~مجادلته، ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك { وقولوا آمنا بالذي ~~أنزل إلينا وأنزل إليكم... } يرجح أن المراد بأهل الكتاب ~~هنا من بقى على دينه منهم. أى جادلوهم بالطريقة الحسنى ما داموا لم ~~يظلموكم، وقولوا لهم على سبيل التعليم والإرشاد { آمنا بالذي ~~أنزل إلينا } وهو القرآن، وآمنا بالذى أنزل إليكم من التوراة ~~والإنجيل. قال الشوكانى أى آمنا بأنهما منزلان من عند الله، وأنهما ~~شريعة ثابتة إلى قيام الشريعة الإسلامية، والبعثة المحمدية ولا يدخل فى ~~ذلك ما حرفوه وبدلوه،. { وإلهنا وإلهكم واحد } لا شريك ~~له لا فى ذاته ولا فى صفاته { ونحن } جميعا معاشر المؤمنين { له ~~مسلمون } أى مطيعون وعابدون له وحده، ولا نتخذ أربابا من دونه - عز ~~وجل -. قال القرطبى ما ملخصه اختلف العلماء فى قوله - تعالى - { ولا ~~تجادلوا أهل الكتاب.. } فقال مجاهد هى محكمة، فيجوز مجادلة ~~أهل الكتاب بالتى هى أحسن، على معنى الدعاء لهم إلى الله - عز وجل -، ~~والتنبيه على حججه وآياته... وقوله { إلا الذين ظلموا ~~منهم } أى ظلموكم. # . وقيل هذه الآية منسوخة بآية القتال وهى قوله # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله.. # وقول مجاهد حسن، لأن أحكام الله - عز ms4029 وجل - لا يقال فيها إنها منسوخة ~~إلا بخير يقطع العذر، أو حجة من معقول... " ثم بين - سبحانه - موقف ~~الناس من هذا الكتاب الذى أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم - فقال { ~~وكذلك أنزلنآ إليك الكتاب فالذين آتيناهم ~~الكتاب يؤمنون به.. }. والكاف بمعنى مثل واسم الإشارة يعود ~~إلى المصدر المفهوم من أنزلنا. أى ومثل ذلك الإنزال المعجز البديع، ~~أنزلنا إليك الكتاب - أيها الرسول الكريم - ليكون هداية للناس، فالذين ~~آتيناهم الكتاب الشامل للتوراة والإنجيل وعقلوه وفتحوا قلوبهم للحق، ~~يؤمنون بهذا الكتاب الذى نزل عليك، وهو القرآن. فالمراد بالذين أوتوا ~~الكتاب المؤمنون منهم كعبد الله بن سلام وأمثاله. والمراد بالكتاب جنسه. ~~والضمير فى " به " يعود إلى القرآن الكريم الذى أنزله الله على رسوله ~~محمد صلى الله عليه وسلم وخص هؤلاء المؤمنين منهم بإيتاء الكتاب، على ~~سبيل المدح لهم. لأنهم انتفعوا بما أوتوه من علم وعملوا بمقتضاه، أما ~~غيرهم من بقى على كفره، فلكونه لم ينتفع بما فى الكتاب من هدايات، فكأنه ~~لم يره أصلا. وقوله { ومن هؤلاء من يؤمن به } أى ومن ~~هؤلاء العرب الذين أرسلت إليهم - أيها الرسول الكريم - من يؤمن بهذا ~~القرآن الذى أنزلناه إليك. و " من " للتبعيض، لأنهم لم يؤمنوا جميعا، ~~وإنما آمن منهم من هداه الله - تعالى - إلى الصراط المستقيم. { وما ~~يجحد بآياتنآ } الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا، وعلى صدقك فيما ~~تبلغه عنا، { إلا الكافرون } أى إلا الموغلون فى الكفر، المصرون ~~عليه إصرارا تاما. والجحود إنكار الحق مع معرفة أنه حق. وعبر عن الكتاب ~~بالآيات، للإشعار بأنها فى غاية الظهور والدلالة على كونها من عند الله ~~- تعالى -، وأنه ما يكذب بها إلا من غطى الحق بالباطل عن تعمد وإصرار. ~~فأنت ترى أن الآية الكريمة قد بينت أن من الناس من قابل هذا القرآن ~~بالتصديق والإذعان، ومنهم من قابله بالجحود والنكران. ثم ساق - سبحانه - ~~أبلغ الأدلة وأوضحها على أن هذا القرآن من عنده - تعالى -، فقال { وما ~~كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك ~~إذا لارتاب المبطلون }. أى أنت - أيها ms4030 الرسول الكريم - ما ~~كنت فى يوم من الأيام قبل أن ننزل عليك هذا القرآن - تاليا لكتاب من ~~الكتب، ولا عارفا للكتابة، ولو كنت ممن يعرف القراءة والكتابة، لارتاب ~~المبطلون فى شأنك، ولقالوا إنك نقلت هذا القرآن بخطك من كتب السابقين. و ~~{ من } فى قوله { من كتاب } لتأكيد نفى كونه صلى الله عليه وسلم ~~قارئا لأى كتاب من الكتب قبل نزول القرآن عليه. # وقوله { ولا تخطه بيمينك } لتأكيد نفى كونه صلى الله عليه ~~وسلم يعرف الكتاب أو الخط. قال الإمام ابن كثير وهكذا صفته صلى الله ~~عليه وسلم فى الكتب المتقدمة، كما قال - تعالى - # الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل.. # وهكذا كان صلوات الله وسلامه عليه - إلى يوم القيامة، لا بحسن الكتابة، ~~ولا يخط سطرا ولا حرفا بيده، بل كان له كتاب يكتبون بين يديه الوحى ~~والرسائل إلى الأقاليم... " والمراد بالمبطلين، كل من شك فى كون هذا ~~القرآن من عند الله - تعالى - سواء أكان من مشركى مكة أم من غيرهم. ~~وسماهم - سبحانه - مبطلين، لأن ارتيابهم ظاهر بطلانه ومجانبته للحق، لأن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم قد لبث فيهم قبل النبوة أربعين سنة، يعرفون ~~حسبه ونسبه، ويعلمون حق العلم أنه أمى لا يعرف الكتابة والقراءة. ثم بين ~~- سبحانه - حقيقة هذا الكتاب المعجز فقال { بل هو آيات بينات ~~في صدور الذين أوتوا العلم... }. أى هذا الكتاب ليس ~~أساطير الأولين اكتتبها الرسول صلى الله عليه وسلم كما زعم المبطلون - بل ~~هو آيات بينات واضحات راسخات، فى صدور المؤمنين به، الذين حفظوه وتدبروه ~~وعملوا بتوجيهاته وإرشاداته، وعملوا بما فيه من حكم وأحكام وعقائد وآداب. ~~ووصف الله - تعالى - المؤمنين بهذا القرآن بالعلم على سبيل المدح لهم، ~~والإعلاء من شأنهم، حيث استطاعوا عن طريق ما وهبهم - سبحانه - من علم ~~نافع، أن يوقنوا بأن هذا من عند الله، ولو كان من عند غير الله، لوجدوا ~~فيه اختلافا كثيرا. وقوله - سبحانه - { وما يجحد بآياتنآ ~~إلا الظالمون } تذييل المقصود به ذم الذين تجاوزا كل ms4031 حق وصدق فى ~~أحكامهم وتصرفاتهم. أى وما يجحد آياتنا مع وضوحها وسطوعها، وينكر كونها ~~من عند الله - تعالى -، إلا الظالمون المتجاوزون لكل ما هو حق، ولكل ما ~~هو صدق. ثم قصت علينا السورة الكريمة بعد ذلك طرفا من أقوال المشركين ~~الفاسدة وأمرت الرسول صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم بما يزهق باطلهم، ~~كما قصت علينا لونا من ألوان جهالاتهم، حيث استعجلوا العذاب الذى لا ~~يستعجله عاقل. فقال - تعالى - { وقالوا لولا أنزل...ما ~~كنتم تعملون }. ### || [29.50-55] # ومرادهم بالآيات فى قوله - تعالى - { وقالوا لولا أنزل ~~عليه آيات من ربه } الآيات الكونية، كعصا موسى، وناقة صالح. ~~ولولا حرف تحضيض بمعنى هلا. أى وقال المبطلون للنبى صلى الله عليه وسلم ~~على سبيل التعنت والعناد، هلا جئتنا يا محمد بمعجزات حسية كالتى جاء بها ~~بعض الأنبياء من قبلك، لكى نؤمن بك ونتبعك؟ وقوله { قل إنما ~~الآيات عند الله وإنمآ أنا نذير مبين } إرشاد من ~~الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم إلى ما يرد به عليهم. أى قل - ~~أيها الرسول - الكريم - فى ردك على هؤلاء الجاهلين، إنما الآيات التى ~~تريدونها عند الله - تعالى - وحده، ينزلها حسب إرادته وحكمته، أما أنا ~~فإن وظيفتى الإنذار الواضح بسوء مصير من أعرض عن دعوتى، وليس من وظيفتى ~~أن أقترح على الله - تعالى شيئا. وقوله - سبحانه - { أولم ~~يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم.. ~~} كلام مستأنف من جهته - تعالى - لتوبيخهم على جهالاتهم، والاستفهام ~~للإنكار، والواو للعطف على مقدر. والمعنى أقالوا ما قالوا من باطل وجهل، ~~ولم يكفهم أنا أنزلنا عليك هذا الكتاب الناطق بالحق، يتلى على مسامعهم ~~صباح مساء، ويديهم إلى ما فيه سعادتهم، لو تدبروه وآمنوا به، واتبعوا ~~أوامره ونواهيه؟ والتعبير بقوله - سبحانه - { يتلى عليهم } ، ~~يشير إلى أن هذه التلاوة متجددة عليهم، وغير منقطعة عنهم، وكان فى ~~إمكانهم أن ينتفعوا بها لو كانوا يعقلون. ولذا ختم - سبحانه - الآية ~~الكريمة بقوله { إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم ~~يؤمنون }. أى إن فى ذلك الكتاب الذى أنزلناه عليك - أيها الرسول ~~الكريم -، والذى ms4032 تتلوه عليهم صباح مساء، لرحمة عظيمة، وذكرى نافعة، لقوم ~~يؤمنون بالحق، ويفتحون عقولهم للرشد، لا للتعنت والجحود والعناد. ثم ~~أرشده - سبحانه - إلى جواب آخر يرد به عليهم فقال { قل كفى ~~بالله بيني وبينكم شهيدا }. اى قل - أيها الرسول الكريم ~~- لهؤلاء الجاهلين يكفينى كفاية تامة أن يكون الله - تعالى - وحده، هو ~~الشهيد بينى وبينكم على أنى صادق فيما أبلغه عنه، وعلى أن هذا القرآن من ~~عنده. وهو - سبحانه - { يعلم ما في السماوات والأرض } ~~علما لا يعزب عنه شئ، وسيجازينى بما أستحقه من ثواب، وسيجازيكم بما ~~تستحقونه من عقاب. { والذين آمنوا بالباطل } وأعرضوا عن ~~الحق { وكفروا بالله } - تعالى - مع وضوح الأدلة على أنه - ~~سبحانه - هو المستحق للعبادة والطاعة. الذين فعلوا ذلك { أولئك ~~هم الخاسرون } خسارة ليس بعدها خسارة، حيث آثروا الغى على الرشد، ~~واستحبوا العمى على الهدى، وسيكون أمرهم فرطا فى الدنيا والآخرة. # وقوله - عز وجل - { ويستعجلونك بالعذاب... } بيان للون ~~آخر من ألوان انطماس بصيرة هؤلاء الكافرين، ومن سفاهاتهم وجهالاتهم. أى ~~أن هؤلاء المشركين لم يكتفوا تبكذيبك - أيها الرسول الكريم - بل أضافوا ~~إلى ذلك، التطاول عليك، لسوء أدبهم، وعدم فهمهم لوظيفتك. بدليل أنهم ~~يطلبون منك أن تنزل عليهم العذاب بعجلة وبدون إبطاء، على سبيل التحدى لك. ~~كما قالوا فى موطن آخر # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # ثم يبين الله - تعالى - حكمته فى تأخير عذابه عنهم إلى حين فيقول { ~~ولولا أجل مسمى لجآءهم العذاب... }. أى يستعجلك ~~المشركون يا محمد فى نزول العذاب بهم، والحق أنه لولا أجل مسمى، ووقت ~~معين،حدده الله - تعالى - فى علمه لنزول العذاب بهم، لجاءهم العذاب فى ~~الوقت الذى طلبوه، بدون إبطاء أو تأخير. ومع ذلك فقل لهم - أيها الرسول ~~الكريم - إن هذا العذاب آت لا ريب فيه فى الوقت الذى يشاؤه الله - تعالى ~~-، وإن هذا العذاب المدمر المهلك { ليأتينهم بغتة وهم ~~لا يشعرون } أى ليحلن عليهم فجأة وبدون مقدمات، والحال أنهم لا ~~يشعرون به، بل ياتيهم بغتة ms4033 فيبهتهم، ويستأصل شأفتهم. ثم كرر - سبحانه - ~~أقوالهم على سبيل التعجيب من حالهم، والتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ~~عما لقيه منهم. فقال { يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم ~~لمحيطة بالكافرين }. آى يستعجلونك - أيها الرسول الكريم - ~~بالعذاب، الذى لا يطلبه أحد فى ذهنه مثقال ذرة من عقل، والحال أن ما ~~استعجلوه سينزل بهم لا محالة، وستحيط بهم جهنم من كل جانب. ثم بين - ~~سبحانه - كيفية إحاطة جهنم بهم فقال { يوم يغشاهم العذاب }. ~~أى ستحيط بهم جهنم من كل جانب. يوم يحل بهم العذاب { من فوقهم ~~ومن تحت أرجلهم } أى من جميع جهاتهم. { ويقول } - سبحانه ~~- لهم، على سبيل التقريع والتأنيب { ذوقوا ما كنتم تعملون } ~~أى تذوقوا العذاب المهين الذى كنتم تستعجلونه فى الدنيا والذى أحاط بكم ~~من كل جانب بسبب أعمالكم القبيحة، وأقوالكم الباطلة. وبعد أن بين - ~~سبحانه - سوء عاقبة المكذبين، الذين استعجلوا العذاب لجهلهم وعنادهم، ~~أتبع ذلك بتوجيه نداء إلى المؤمنين أمرهم فيه بالثبات على الحق فقال - ~~تعالى - { يعبادي الذين آمنوا...وهو السميع ~~العليم }. ### || [29.56-60] # قال الإمام ابن كثير قوله - تعالى - { يعبادي الذين آمنوا ~~إن أرضي واسعة... } هذا أمر من الله - تعالى - لعباده ~~المؤمنين، بالهجرة من البلد الذى لا يقدرون فيه على إقامة الدين، إلى أرض ~~الله الواسعة، حيث يمكن إقامة الدين، بأن يوحدوا الله ويعبدوه كما ~~أمرهم... روى الإمام أحمد عن أبى يحيى مولى الزبير بن العوام قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، فحيثما أصبت خيرا فأقم ". # ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها، خرجوا مهاجرين إلى أرض ~~الحبشة، ليأمنوا على دينهم هناك.. ثم بعد ذلك، هاجر الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه إلى المدينة المنورة.... " وفى ندائهم بقوله { يعبادي ~~} وفى وصفهم بالإيمان، تكريم وتشريف لهم، حيث أضافهم - سبحانه - إلى ~~ذاته، ونعتهم بالنعت المحبب إلى قلوبهم. وقوله { إن أرضي واسعة ~~} تحريض لهم على الهجرة من الأرض التى لا يتمكنون فيها من إقامة شعائر ~~دينهم، فكانه - سبحانه - يقول لهم ليس هناك ما يجبركم على الإقامة ms4034 فى ~~تلك الأرض التى لا قدرة لكم فيها على إظهار دينكم، بل أخرجوا منها فإن ~~أرضى واسعة، ومن خرج من أجل كلمة الله، رزقه الله - تعالى - من حيث لا ~~يحتسب. ومن المفسرين الذين أجادوا فى شرح هذا المعنى، صاحب الكشاف - رحمه ~~الله - فقد قال ومعنى الآية أن المؤمن إذا لم يتسهل له العبادة فى بلد هو ~~فيه، ولم يتمش له أمر دينه كما يحب، فليهاجر عنه إلى بلد يقدر أنه فيه ~~أسلم قلبا، وأصح دينا، وأكثر عبادة... ولعمرى إن البقاع تتفاوت فى ذلك ~~التفاوت الكير، ولقد جربنا وجرب أولونا، فلم نجد فيما درنا وداروا أعون ~~على قهر النفس، وعصيان الشهوة، وأجمع للقلب المتلفت، وأضم للهم المنتشر، ~~وأحث على القناعة، وأطرد للشيطان، وأبعد عن الفتن... من سكنى حرم الله، ~~وجوار بيت الله، فلله الحمد على سهل من ذلك وقرب.... " والفاء فى قوله - ~~تعالى - { فإياي فاعبدون } بمعنى الشرط، وإياى منصوب بفعل ~~مضمر، قد استغنى عنه بما يشبه. أى فاعبدو إياى فاعبدون. والمعنى إن ضاق ~~بكم مكان، فإياى فاعبدوا، لأن أرضى واسعة، ولن تضيق بكم. ثم رغبهم بأسلوب ~~آخر فى الهجرة من الأرض الظالم أهلها، بأن بين لهم بأن الموت سيدركهم فى ~~كل مكان، فقال - تعالى - { كل نفس ذآئقة الموت ثم ~~إلينا ترجعون }. أى كل نفس سواء أكانت فى وطنها الذى عاشت فيه ~~أم فى غيره، ذائقة لمرارة الموت، ومتجرعة لكأسه، ثم إلينا بعد ترجعون ~~جميعا لنحاسبكم على اعمالكم. # ثم بين - سبحانه - ما أعده للمؤمنين الصادقين من جزاء طيب فقال { ~~والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم ~~من الجنة غرفا... }. أى والذين آمنوا وعملوا الأعمال ~~الصالحات، لننزلنهم من الجنة غرفا عالية فخمة. هذه الغرف من صفاتها أنها ~~{ تجري من تحتها الأنهار } زيادة فى إكرام أصحابها، وفضلا ~~عن ذلك فقد جعلناهم { خالدين فيها } خلودا أبديا. والمخصوص ~~بالمدح فى قوله { نعم أجر العاملين } محذوف. أى نعم أجر ~~العاملين، أجر هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات. وقوله { الذين ~~صبروا وعلى ربهم يتوكلون } صفة لهؤلاء العاملين. أى ~~من مناقبهم الجليلة ms4035 أنهم يصبرون على طاعة الله، وعلى كل ما يحسن معه ~~الصبر، وأنهم يفوضون أمورهم إلى خالقهم لا إلى غيره. ثم رغبهم - سبحانه - ~~فى الهجرة لإعلاء كلمة الله بأسلوب ثالث، حيث بين لهم أن هجرتهم لن تضيع ~~شيا من رزقهم الذى كتبه الله لهم، فقال - سبحانه - { وكأين من ~~دآبة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم ~~وهو السميع العليم }. روى أن بعض الذين أسلموا بمكة عندما ~~أمرهم النبى صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة قالوا كيف نهاجر إلى ~~بلدة ليس لنا فيها معيشة، فنزلت هذه الآية. وكلمة " كأين " مركبة من كاف ~~التشبيه وأى الاستفهامية المنونة، ثم هجر معنى جزأيها وصارت كلمة واحدة ~~بمعنى كم الخبرية الدالة على التكثير. ويكنى بها عن عدد مبهم فتفتقر إلى ~~تمييز بعدها. وهى مبتدأ. و " من دابة " تمييز لها. وجملة { لا تحمل ~~رزقها } صفة لها، وجملة " الله يرزقها " هى الخبر. والدابة اسم لكل ~~نفس تدب على وجه الأرض سواء أكانت من العقلاء أم من غير العقلاء. أى ~~وكثير من الدواب التى خلقها الله - تعالى - بقدرته، لا تستطيع تحصيل ~~رزقها، ولا تعرف كيف توفره لنفسها، لضعفها أو عجزها... ومع هذا فالله - ~~تعالى - رحمته وفضله يرزقها ولا يتركها تموت جوعا، ويرزقكم أنتم - ~~أيضا، لأنه لا يوجد مخلوق - مهما اجتهد ودأب يستطيع أن يخلق رزقه. { ~~وهو } - سبحانه - { السميع } لكل شئ { العليم } بما تسرون وما ~~تعلنون. وقدم - سبحانه - رزق الدابة التى لا تستطيع تحصيله، على رزقهم ~~فقال { الله يرزقها وإياكم } لينفى من قلوب الناس القلب ~~على الرزق، وليشعرهم بأن الأسباب ليست هى كل شئ، فإن واهب الأسباب، لا ~~يترك أحدا بدون رزق، ولإزالة ما قد يخطر فى النفوس من أن الهجرة من أجل ~~إعلاء كملة الله قد تنقص الرزق.. وهكذا يسوق - سبحانه - من المرغبات فى ~~الهجرة فى سبيله، ما يقنع النفوس، ويهدى القلوب، ويجعل المؤمنين يقبلون ~~على تلبية ندائه، وهم آمنون مطمئنون على أرواحهم، وعلى أرزاقهم، وعلى ~~حاضرهم ومستقبلهم، فسبحان من هذا كلامه. ثم ختم - سبحانه - السورة ~~الكريمة ببيان ما ms4036 عليه المشركون من تناقض فى أفكارهم وفى تصوراتهم، ~~وبببيان حال هذه الحياة الدنيا. وببيان جانب من النعم التى أنعم بها على ~~أهل مكة، وببيان ما أعده للمجاهدين فى سبيله من ثواب، فقال - تعالى - { ~~ولئن سألتهم من خلق...لمع المحسنين }. ### || [29.61-69] # وقوله - سبحانه - { ولئن سألتهم من خلق السماوات ~~والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله... } ~~بيان لما كان عليه مشركو العرب من اعتراف بأن المستقل بخلق هذا الكون هو ~~الله - تعالى -. أى ولئن سألت - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المشركين، من ~~الذى أوجد هذه السماوات وهذه الأرض، ومن الذى ذلل وسخر لمنفعتكم الشمس ~~والقمر، ليقولن بدون تردد الله - تعالى - هو الذى فعل ذلك بقدرته. وقوله ~~- سبحانه - { فأنى يؤفكون } تعجيب من تناقضهم فى أفعالهم، ومن ~~انحراف فى تفكيرهم، ومن تركهم العمل بموجب ما تقتضيه أقوالهم. أى إذا ~~كنتم معترفين بأن الله وحده هو الخالق للسماوات والأرض. المسخر للشمس ~~والقمر، فلماذا أشركتم معه فى العبادة آلهة آخرى؟ ولماذا تنصرفون عن ~~الإقرار بوحدانيته - عز وجل -؟ ثم بين - سبحانه - أن الأرزاق جميعها ~~بيده، يوسعها لمن يشاء ويضيقها على من يشاء فقال { الله يبسط ~~الرزق لمن يشآء من عباده ويقدر له.. }. والضمير فى ~~قوله { له } يعود على { من } على حد قولك عندى درهم ونصفه. أى ونصف ~~درهم آخر. أى الله - تعالى - وحده وهو الذى يوسع الرزق لمن يشاء أن يوسعه ~~عليه من عباده، وهو وحده الذى يضيق الرزق على من يشاء أن يضيقه عليه من ~~عباده. لأنه - سبحانه - لا يسأل عما يفعل، وأفعاله كلها خاضعة لمشيئته ~~وحكمته، وكل شئ عنده بمقدار. ويجوز أن يكون المعنى الله - تعالى - وحده ~~هو الذى بقدرته أن يوسع الرزق لمن يشاء من عباده تارة، وأن يضيقه عليهم ~~تارة أخرى. فعلى المعنى الأول يكون البسط فى الرزق لأشخاص، والتضييق على ~~آخرين، وعلى المعنى الثانى يكون البسط والتضييق للأشخاص أنفسهم ولكن فى ~~أوقات مختلفة. والله - تعالى - قادر على كل هذه الأحوال، لأنه - سبحانه - ~~لا يعجزه شئ. { إن الله بكل شيء عليم } فيعلم ما فيه ~~صلاح عباده ms4037 وما فيه فسادهم، ويعلم من يستحق أن يبسط له فى رزقه، ومن ~~يستحق التضييق عليه فى رزقه. ثم أكد - سبحانه - للمرة الثانية اعتراف ~~هؤلاء المشركين بقدرة الله - تعالى - فقال { ولئن سألتهم من ~~نزل من السمآء مآء } أى ماء كثيرا { فأحيا به ~~الأرض من بعد موتها } أى فجعل الأرض بسبب نزول الماء عليها ~~تصبح خضراء بالنبات بعد أن كانت جدباء قاحلة. لئن سألتهم من فعل ذلك { ~~ليقولن الله } هو الذى فعل ذلك. { قل الحمد لله } أى ~~قل - أيها الرسول الكريم - على سبيل الثناء على الله - تعالى - الحمد لله ~~الذى أظهر حجته، وجعلهم ينطقون بأنك على الحق المبين، ويعترفون بأن ~~إشراكهم إنما هو من باب العناد والجحود. # وقوله - سبحانه - { بل أكثرهم لا يعقلون } إضراب عما هم ~~عليه من انحراف وتناقض، إلى بيان حقيقة حالهم، وتسلية للرسول صلى الله ~~عليه وسلم عما يعتريه بسببهم من حزن. أى بل أكثرهم لا يعقلون شيئا مما ~~يجب أن يكون عليه العقلاء من فهم سليم للأمور، ومن العمل بمقتضى ما تنطق ~~به الألسنة. وفى التعبير بأكثرهم، إنصاف لقلة منهم عقلت الحق فاتبعته، ~~وآمنت به وصدقته، ثم بين - سبحانه - هو إن هذه الحياة الدنيا، بالنسبة ~~للدار الآخرة فقال { وما هذه الحياة الدنيآ إلا لهو ~~ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون }. واللهو اشتغال الإنسان بما لا يعنيه ولا يهمه. أو هو ~~الاستمتاع بملذات الدنيا. واللعب العبث. وهو فعل لا يقصد به مقصد صحيح. ~~أى أن هذه الحياة الدنيا، وما فيها من حطام، تشبه فى سرعة انقضائها وزوال ~~متعها، الأشياء التى يلهو بها الأطفال، يجتمعون عليها وقتا، ثم ينفضون ~~عنها. أما الدار الآخرة، فهى دار الحياة الدائمة الباقية، التى لا يعقبها ~~موت، ولا يعتريها فناء ولا انقضاء. ولفظ " الحيوان " مصدر حى. سمى به ذو ~~الحياة، والمراد به هنا نفس الحياة الحقة. وقوله { لو كانوا ~~يعلمون } أى لو كانوا يعلمون حق العلم، لما آثروا متع الدنيا ~~الفانية على خيرات الآخرة الباقية. ثم بين - سبحانه - حالهم عندما يحيط ~~بهم ms4038 البلاء فقال - تعالى - { فإذا ركبوا في الفلك دعوا ~~الله مخلصين له الدين.. } أى أن من صفات هؤلاء الجاحدين، ~~أنهم إذا ركبوا السفن، وجرت بهم بريح طيبة وفرحوا بها، ثم جاءتهم بعد ذلك ~~ريح عاصف، وظنوا ان الغرق قد اقترب منهم، تضرعوا إلى الله - تعالى - ~~مخلصين له العبادة والدعاء. { فلما نجاهم إلى البر } ~~بفضله وكرمه، وأنقذهم من الغرق المحقق { إذا هم يشركون } مع ~~الله - تعالى - غيره فى العبادة والطاعة. وقد فعلوا ذلك { ليكفروا ~~بمآ آتيناهم } من نعم، وبما منحناهم من فضل ورحمة. { ~~وليتمتعوا } بمتع هذه الحياة وزينتها إلى حين { فسوف ~~يعلمون } عما قريب عاقبة هذا الكفران لنعم الله، وهذا التمتع بزينة ~~الحياة الدنيا دون أن يعلموا شيئا ينفعهم فى أخراهم. قال الآلوسى قوله { ~~ليكفروا بمآ آتيناهم وليتمتعوا } الظاهر أن اللام ~~فى الموضعين لام كى، أى يشركون ليكونوا كافرين بما آتيناهم من نعمة ~~النجاة بسبب شركهم، وليتمتعوا باجتماعهم على عبادة الأصنام، فالشرك سبب ~~لهذا الكفران. وأدخلت لام كى على مسببه، لجعله كالغرض لهم منه، فهى لام ~~العاقبة فى الحقيقة. وقيل اللام فيهما لام الأمر، والأمر بالكفران ~~والتمتع، مجاز فى التخلية والخذلان والتهديد، كما تقول عند الغضب على من ~~يخالفك " افعل ما شئت ". # ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة الحرم الآمن، الذى يعيشون فى جواره مطمئنين، ~~فقال { أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم }. أى أجهل هؤلاء قيمة النعمة التى هم فيها، ~~ولم يدركوا ويشاهدوا أنا جعلنا بلدهم مكة حرما آمنا، يأمنون فيه على ~~أموالهم وأنفسهم وأعراضهم، والحال أن الناس من حولهم يقتل بعضهم بعضا، ~~ويعتدى بعضهم على بعض بسرعة وشدة. والتخطف الأخذ بسرعة. قال صاحب الكشاف ~~كانت العرب حول مكة يغزو بعضهم بعضا، ويتغاورون، ويتناهبون، وأهل مكة ~~قارون فيها آمنون لا يغار عليهم مع قلتهم وكثرة العرب، فذكرهم الله بهذه ~~النعمة الخاصة بهم ". والاستفهام فى قوله - تعالى - { أفبالباطل ~~يؤمنون وبنعمة الله يكفرون } للتعجب من حالهم، ~~وللتوبيخ لهم على هذا الجحود والكفر لنعم الله - تعالى - أى أفبعد هذه ~~النعمة الجليلة يؤمنون بالأصنام ms4039 وبنعمة الله التى تستدعى استجابتهم للحق ~~يكفرون. فالآية الكريمة قد اشتملت على ما لا يقادر قدره، من تعجب وتوبيخ ~~وتقريع. وقوله - تعالى - { ومن أظلم ممن افترى على ~~الله كذبا أو كذب بالحق لما جآءه } أى لا أحد أشد ~~ظلما ممن افترى على الله كذبا، بأن زعم بأن لله - تعالى - شريكا، أو ~~كذب بالحق الذى جاءه به الرسول صلى الله عليه وسلم بأن أعرض عنه، وأبى أن ~~يستمع إليه. والاستفهام فى قوله - تعالى - { أليس في جهنم ~~مثوى للكافرين } للتقرير، والمثوى المكان الذى يثوى فيه الشخص، ~~ويقيم به، ويستقر فيه. أى أليس فى جهنم مأوى ومكانا يستقر فيه هؤلاء ~~الكافرين لنعم الله - تعالى -؟ بل إن فيها مكانا لاستقرارهم، وبئس ~~المكان، فإنها ساءت مستقرا ومقاما. ثم ختم - سبحانه - السروة الكريمة ~~بقوله - تعالى - { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم ~~سبلنا وإن الله لمع المحسنين }. أى هذا الذى ذكرناه ~~سابقا من سوء مصير، هو للمشركين الذين يؤمنون بالباطل ويتركون الحق، أما ~~الذين بذلوا جهدهم فى سبيل إعلاء ديننا، وقدموا أنفسهم وأموالهم فى سبيل ~~رضائنا وطاعتنا، وأخلصوا لنا العبادة والطاعة، فإننا لن نتخلى عنهم، بل ~~سنهديهم إلى الطريق المستقيم، ونجعل العاقبة الطيبة لهم، فقد اقتضت ~~رحمتنا وحكمتنا أن نكون مع المحسنين فى أقوالهم وفى أفعالهم، وتلك سنتنا ~~التى لا تتخلف ولا تتبدل. وبعد فهذا تفسير لسروة " العنكبوت " نسأل - ~~تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده وصلى الله عليه سيدنا ~~محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [30 - سورة الروم] ### || [30.1-7] # سورة الروم من السور التى افتتحت ببعض حروف التهجى، وقد ذكرنا فى أكثر ~~من سورة آراء العلماء فى هذه الحروف، ورجحنا أن هذه الحروف قد ذكرها - ~~سبحانه - فى افتتاح بعض السور القرآنية، للتنبيه إلى أن هذا القرآن من ~~عند الله، لأن الله - تعالى - قد أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم ~~بمثل الحروف التى ينطق بها المشركون، ومع ذلك فهم أعجز من أن يأتوا بسورة ~~من مثله. وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { غلبت ~~الروم في أدنى الأرض.. ms4040 } روايات منها، ما رواه ابن جرير - ~~بإسناده - عن عبد الله بن مسعود - رضى الله عنه - قال # " كانت فارس ظاهرة على الروم. وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على ~~الروم، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس، لأنهم أهل كتاب، وهم ~~أقرب إلى دينهم، فلما نزلت { الم غلبت الروم في أدنى ~~الأرض.. } قالوا يا أبا بكر. إن صاحبك يقول إن الروم تظهر على فارس فى ~~بضع سنين قال صدق. قالوا هل لك أن نقامرك؟ - أى نراهنك وكان ذلك قبل ~~تحريم الرهان - فبايعوه على أربع قلائص - جمع قلوص، وهى من الإبل الشابة ~~- إلى سبع سنين. فمضت السبع ولم يكن شئ. ففرح المشركون بذلك، فشق على ~~المسلمين، فذكر للنبى صلى الله عليه وسلم فقال ما بضع سنين عندكم؟ قالوا ~~دون العشر. قال اذهب فزايدهم، وازدد سنتين فى الأجل. قال فما مضت السنتان ~~حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس، ففرح المؤمنون بذلك ". # وقال بعض العلماء اتفق المؤرخون من المسلمين وأهل الكتاب على ان ملك ~~فارس كان قد غزا بلاد الشام مرتين فى سنة 613، وفى سنة 614، أى قبل ~~الهجرة بسبع سنين، فحدث أن بلغ الخبر مكة. ففرح المشركون، وشمتوا فى ~~المسلمين.. فنزلت هذه الآيات. فلم يمض من البضع - وهو ما بين الثلاث إلى ~~التسع - سبع سنين، إلا وقد انتصر الروم على الفرس، وكان ذلك سنة 621م. أى ~~قبل الهجرة بسنة. وأدنى بمعنى أقرب. والمراد بالأرض أرض الروم. أى غلبت ~~الروم فى أقرب أرضها من بلاد الفرس. قال ابن كثير وكانت الواقعة الكائنة ~~بين فارس والروم، حين غلبت الروم، بين أذرعات وبصرى، - على ما ذكره ابن ~~عباس وعكرمة وغيرهما -، وهى طرف بلاد الشام ممايلى الحجاز. وقال مجاهد ~~كان ذلك فى الجزيرة، وهى أقرب بلاد الروم من فارس. وقال الآلوسى والمراد ~~بالأرض. أرض الروم، على أن " أل " نائبة مناب الضمير المضاف إليه، ~~والأقربية بالنظر إلى أهل مكة، لأن الكلام معهم. # أو المراد بها أرض مكة ونواحيها، لأنها الأرض المعهودة عندهم، والأقربية ~~بالنظر إلى الروم. وقوله ms4041 - تعالى - { وهم من بعد غلبهم ~~سيغلبون في بضع سنين } بشارة من الله - تعالى - للمؤمنين، ~~بأن الله - تعالى - سيحقق لهم ما يرجونه من انتصار الروم على الفرس. أى ~~وهم - أى الروم - من بعد هزيمتهم من الفرس، سينتصرون عليهم، خلال بضع ~~سنين. والتعبير بقوله - تعالى - { سيغلبون في بضع سنين } ، ~~لتأكيد هذا الوعد، وبيان أن نصر الروم على فارس سيتم خلال سنوات قليلة من ~~عمر الأمم، وقد تحقق هذا الوعد، على أكمل صورة وأتمها، فقد انتصر الروم ~~على الفرس نصرا عظيما، وثبت أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - حيث ~~أخبر عن أمور ستقع فى المستقبل، وقد وقعت كما أخبر. وقوله - سبحانه - { ~~لله الأمر من قبل ومن بعد } جملة معترضة لبيان قدرة الله ~~- تعالى - التامة النافذة، فى كل وقت وآن. أى لله - تعالى - وحده الأمر ~~النافذ من قبل انتصار الفرس على الروم، ومن بعد انتصار الروم على الفرس ~~وكلا الفريقين كان نصره أو هزيمته بإرادة الله ومشيئته، وليس لأحد من ~~الخلق أن يخرج عما قدره - سبحانه - وأراده. { ويومئذ } أى ويوم أن ~~يتغلب الروم على الفرس { يفرح المؤمنون بنصر الله } حيث ~~نصر أهل الكتاب وهم الروم، على من لا كتاب لهم وهم الفرس، الذين كانوا ~~يعبدون النار فأبطل - سبحانه - بهذا النصر شماتة المشركين فى المسلمين، ~~وازداد المؤمنون ثباتا على ثباتهم. قال ابن كثير وقد كانت نصرة الروم على ~~فارس، يوم وقعة بدر، فى قول طائفة كبيرة من العلماء... فلما انتصرت الروم ~~على فارس، فرح المؤمنون بذلك، لأن الروم أهل كتاب فى الجملة، فهم أقرب ~~إلى المؤمنين من المجوس. وقوله - سبحانه - { ينصر من يشآء وهو ~~العزيز الرحيم } مؤكد لما قبله. أى ينصر - سبحانه - من يريد ~~نصره، ويهزم من يريد هزيمته، وهو، العزيز الذى لا يغلبه غالب، الرحيم ~~الذى وسعت رحمته كل شئ. ثم زاد - سبحانه - هذا الأمر تأكيدا وتقوية فقال ~~{ وعد الله لا يخلف الله وعده }. ولفظ " وعد " منصوب ~~بفعل محذوف. أى وعد الله المؤمنين بالنصر وبالفرح وعدا مؤكدا، وقد اقتضت ~~سنته - سبحانه - أنه لا ms4042 يخلف وعده. { ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون } ذلك، لا نطماس بصائرهم، ولاستيلاء الجهل على عقولهم، ~~ولاستحواذ الشيطان عليهم. والضمير فى قوله - تعالى - { يعلمون ~~ظاهرا من الحياة الدنيا } يعود للأكثر من الناس. أى هؤلاء ~~الأكثرون من الناس، من أسباب جهلهم بسنن الله - تعالى - فى خلقه، أنهم لا ~~يهتمون إلا بملاذ الحياة الدنيا ومتعها وشهواتها، ووسائل المعيشة فيها. # { وهم عن الآخرة } وما فيها من حساب وثواب وعقاب { هم ~~غافلون } لأنهم آثروا الدار العاجلة، على الدار الباقية، فهم - كما ~~قال - تعالى - # ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف ~~يعلمون # قال صاحب الكشاف ما ملخصه وقوله { يعلمون ظاهرا } بدل من قوله { ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون }. وفى هذا الإبدال من ~~النكتة أنه أبدله منه، وجعله بحيث يقوم مقامه، ويسد مسده. ليعلمك أنه لا ~~فرق بين عدم العلم الذى هو الجهل، وبين وجود العلم الذى لا يتجاوز ~~الدنيا.. وفى تنكير قوله { ظاهرا } إشارة إلى أنهم لا يعلمون إلا ~~ظاهرا واحدا من جملة ظواهر الحياة الدنيا. فالآية الكريمة تنعى على هؤلاء ~~الكافرين وأشباههم، انهماكهم فى شئون الدنيا انهماكا تاما، جعلهم غافلين ~~عما ينتظرهم فى أخراهم من حساب وعقاب. ورحم الله القائل # ومن البلية أن ترى لك صاحبا فى صور الرجل السميع المبصر فطن بكل ~~مصيبة فى ماله وإذا يصاب بدينه لم يشعر # ثم حضهم - سبحانه - على التفكر فى خلق أنفسهم، وعلى التفكير فى ملكوت ~~السماوات والأرض، لعل هذا التفكر والتدبر يهديهم إلى الصراط المستقيم، ~~فقال - تعالى - { أولم يتفكروا في أنفسهم..بها ~~يستهزئون }. ### || [30.8-10] # والاستفهام فى قوله - تعالى - { أولم يتفكروا في ~~أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما ~~بينهمآ إلا بالحق وأجل مسمى.. } لتوبيخ أولئك ~~الكافرين الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون، ~~والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام. و { ما } فى قوله { ما خلق ~~} للنفى، والباء فى قوله { إلا بالحق } للملابسة. وقوله { ~~وأجل مسمى } معطوف على الحق. والمعنى أبلغ الجهل بهؤلاء ~~الكافرين، أنهم اكتفوا بالانهماك فى متع الحياة الدنيا، ولم يتفكروا فى ~~أحوال أنفسهم ms4043 وفى أطوار خلقها، لأنهم لو تفكروا لعلموا وأيقنوا، أن الله ~~- تعالى - ما خلق السماوات والأرض وما بينهما، إلا ملتبسه بالحق الذى ~~يشوبه باطل، وبالحكمة التى لا يحرم حولها عبث، وقد قدر - سبحانه - لهذه ~~المخلوقات جميعها أجلا معينا تنتهى عنده، وهو وقت قيام الساعة، يوم تبدل ~~الأرض غير الأرض والسماوات. فالآية الكريمة تنعى على هؤلاء الأشقياء، ~~غفلتهم عن الدار الآخرة وما فيها من حساب، وتحضهم على التفكر فى تكوين ~~أنفسهم، وفى ملكوت السماوات والأرض، لأن هذا التفكر من شأنه أن يهدىإلى ~~الحق، كما تلفت أنظارهم إلى أن لهذا الكون كله نهاية ينتهى عندها، وقت أن ~~يأذن الله - تعالى - بذلك، وبقيام الساعة. ثم ختم - سبحانه - الآية ~~الكريمة ببيان موقف الأكثرية من الناس من قضية البعث والجزاء فقال { ~~وإن كثيرا من الناس بلقآء ربهم لكافرون }. أى ~~وإن كثيرا من الناس لفى انشغال تام بدنياهم عن آخرتهم، ولا يؤمنون بما فى ~~الآخرة من حسبا وثواب وعقاب، بل يقولون ما الحياة إلا حياتنا الدنيا وما ~~نحن بمبعوثين، وعلى راس هذا الصنف من الناس مشركو مكة الذين أرسل النبى ~~صلى الله عليه وسلم فيهم، لإخراجهم من الظلمات إلى النور. وقال - سبحانه ~~- { وإن كثيرا من الناس.. } للإشعار بان هناك عددا قليلا ~~من الناس - بالنسبة لهؤلاء الكثيرين - قد آمنوا بلقاء ربهم، واستعدوا ~~لهذا اللقاء عن طريق العمل الصالح الذى يرضى خالقهم - عز وجل -. ثم قرعهم ~~- سبحانه - للمرة الثانية على عدم اتعاظهم بأحوال السابقين من الأمم ~~قبلهم، فقال - تعالى - { أولم يسيروا في الأرض فينظروا ~~كيف كان عاقبة الذين من قبلهم.. }. أى أقعد مشركو مكة ~~فى ديارهم، ولم يسيروا فى الأرض سير المتأملين المتفكرين المعتبرين ~~فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، من الأمم الماضية، كقوم عاد ~~وثمود، وقوم لوط. وقوله - سبحانه - { كانوا أشد منهم قوة ~~} بيان لحال لهؤلاء الأقوام السابقين { وأثاروا الأرض } أى كان ~~أولئك السابقون أقوى من أهل مكة فى كل مجال من مجالات القوة، وكانوا أقدر ~~منهم على حراثة الأرض، وتهيئتها للزراعة، واستخراج خيراتها من باطنها. # { وعمروهآ ms4044 أكثر مما عمروها } أى حرثوا الأرض وشقوا ~~باطنها، وعمروها عمارة أكثر من عمارة أهل مكة لها، لأن أولئك الأقوام ~~السابقين كانوا أقوى من كفار مكة، وكانوا أكثر دراية بعمارة الأرض. ~~وهؤلاء الأقوام السابقون { وجآءتهم رسلهم بالبينات } أى ~~بالمعجزات الواضحات، وبالحجج الساطعات، ولكن هؤلاء الأقوام كذبوا رسهلم، ~~فأهلكهم الله - تعالى - { فما كان الله ليظلمهم } أى فما ~~كان الله - تعالى - من شأنه أن يعذبهم بدون ذنب. { ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون } حيث ارتكبوا من الكفر والمعاصى ما كان سببا فى ~~هلاكهم. ثم بين - سبحانه - المصير السيئ الذى حل بهؤلاء الكافرين فقال { ~~ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى }. ولفظ " عاقبة ~~" قرأه ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائى - بفتح التاء - على أنه خبر " كان ~~" قدم على اسمها، وهو لفظ " السوأى " الذى هو تأنيث الأسوأ، كالحسنى ~~تأنيث الأحسن. وجرد الفعل " كان " من التاء مع أن السوأى مؤنث، لأن ~~التأنيث غير حقيقى. فيكون المعنى ثم كانت العقوبة السيئة وهى العذاب فى ~~جهنم، عاقبة الذين عملوا فى دنياهم الأعمال السيئات. وقرأ الباقون برفع ~~لفظ " عاقبة " على أنه اسم كان، وخبرها لفظ " السوأى " أى ثم كانت عاقبة ~~هؤلاء الكافرين الذين أساءوا فى دنياهم، أسوأ العقوبات، وأقبحها، أو كانت ~~عاقبتهم العاقبة السوأى وهى الإلقاء بهم فى النار وبئس القرار. وقوله - ~~سبحانه - { أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها ~~يستهزئون } تعليل لما آل إليه أمرهم من عاقبة سيئة، أى لأن كذبوا، ~~أو بأن كذبوا بحذف حرف الجر. أى كانت عاقبتهم فى الآخرة أسوا العقوبات ~~وأقبحها وهى العذاب فى جهنم، لأنهم فى الدنيا كذبوا بآياتنا الدالة على ~~وحدانيتنا وعلى صدق نبينا صلى الله عليه وسلم وكانوا بها يستهزئون. ثم ~~ساق - سبحانه - ما يدل على قدرته، وبين أحوال الناس وأقسامهم يوم ~~القيامة، فقال - تعالى - { الله يبدأ الخلق....في العذاب ~~محضرون }. ### || [30.11-16] # أى { الله } - تعالى - وحده هو { يبدأ الخلق } أى ينشئه ~~ويوجده على غير مثال سابق، { ثم يعيده } أى إلى الحياة مرة أخرى ~~يوم القيامة { ثم إليه ترجعون } للحساب والجزاء، فيجازى - ~~سبحانه - كل إنسان بما يستحقه من ms4045 ثواب أو عقاب. وأفرد - سبحانه - الضمير ~~فى { يعيده } باعتبار لفظ الخلق. وجمعه فى قوله { ترجعون } ~~باعتبار معناه. ثم ذكر - سبحانه - حال المجرمين يوم القيامة فقال { ~~ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون } و { يبلس } ~~من الإبلاس بمعنى السكوت والذهول وانقطاع الحجة، يقال أبلس الرجل، إذا ~~وقف ساكتا حائرا مبهوتا لا يجد كلاما ينقذه مما هو فيه من بلاء. أى ويوم ~~تقوم الساعة، ويشاهد المجرمون أهوالها، يصابون بالذهوب والحيرة والسكوت ~~المطبق، لانقطاع حجتهم، وشدة حزنهم وهمهم، ويأسهم من النجاة يأسا تاما. { ~~ولم يكن لهم } فى هذا اليوم { من شركآئهم } الذين ~~عبدوهم فى الدنيا { شفعاء } يشفعون لهم، ويجيرونهم من عذاب الله. { ~~وكانوا بشركآئهم كافرين } أى أنهم فى هذا اليوم العسير لم ~~يكن لها من شفعاء يشفعون لهم. بل إنهم صاروا فى هذا اليوم الشديد، كافرين ~~بشركائهم الذين توهموا منهم الشفاعة، لأنهم يوم القيامة تتجلى لهم ~~الحقائق، ويعرفون أن هؤلاء الشركاء لا يرجى منهم نفع، ولا يخشى منهم ضر. ~~ثم كرر - سبحانه - هذا المعنى على سبيل التأكيد والتهويل من شأنه فقال { ~~ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون }. والضمير فى ~~قوله { يتفرقون } للناس جميعا. والمراد بتفرقهم أن كل طائفة منهم ~~تتجه إلى الجهة التى أمرهم - سبحانه - بالتوجه إليها، لينال كل جزاءه. ~~ثم بين - سبحانه - كيفية هذا التفريق فقال { فأما الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون }. والروضة ~~تطلق على كل مكان مرتفع زاخر بالنبات الحسن. والمراد بها هنا الجنة ~~ويحبرون من الحبور بمعنى الفرح والسرور والابتهاج. أى ويوم تقوم الساعة، ~~فى هذا اليوم يتفرق الناس إلى فريقين، فأما فريق الذين آمنا وعملوا فى ~~دنياهم الأعمال الصالحات، فسيكونون فى الآخرة فى جنة عظيمة، يسرون ~~بدخولها سرورا عظيما، وينعمون فيها نعيما لا يحيط به الوصف. { وأما ~~الذين كفروا } بالله وبرسله وباليوم الآخر { وكذبوا ~~بآياتنا } الدالة على وحدانيتنا وصدق أنبيائنا { فأولئك } ~~الكافرون { في العذاب محضرون } أى مقيمون فيه، ومجموعون إليه، ~~بحيث لا يستطيعون الهروب منه - والعياذ بالله. وبعد هذا البيان المؤثر ~~لأهوال يوم القيامة، ولأحوال الناس فيه.. ساق - سبحانه ms4046 - أنواعا متعددة ~~من الأدلة والبراهين على وحدانيته - عز وجل - وقدرته، ورحمته بخلقه فقال ~~- تعالى - { فسبحان الله.... العزيز الحكيم }. ### || [30.17-27] # قالوا الإمام الرازى لما بين - سبحانه - عظمته فى الابتداء بقوله # ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهمآ إلا ~~بالحق وأجل مسمى # وعظمته فى الانتهاء، بقوله # ويوم تقوم الساعة # وأن الناس يتفرقون فريقين، ويحكم - عز وجل - على البعض بأن هؤلاء للجنة ~~ولا أبالى، وهؤلاء للنار ولا أبالى، بعد كل ذلك أمر بتنزيهه عن كل سوء، ~~وبحمده على كل حال، فقال { فسبحان الله حين تمسون }. ~~والفاء فى قوله { فسبحان.. } لترتيب ما بعدها على ما قبلها، ولفظ " ~~سبحان " اسم مصدر، منصوب بفعل محذوف. والتسبيح تنزيه الله - تعالى - عن ~~كل ما لا يليق بجلاله. والمعنى إذا علمتم ما أخبرتكم به قبل ذلك، فسبحوا ~~الله - تعالى - ونزهوه كل نقص { حين تمسون } أى حين تدخلون فى وقت ~~المساء، { وحين تصبحون } أى تدخلون فى وقت الصباح. وقوله - تعالى ~~- { وله الحمد في السماوات والأرض } جملة معترضة لبيان ~~أن جميع الكائنات تحمده على نعمه، وأن فوائد هذا الثناء تعود عليهم لا ~~عليه - سبحانه -. وقوله { وعشيا } معطوف على { حين تمسون } أى ~~سبحوا الله - تعالى - حين تمسون، وحين تصبحون، وحين يستركم الليل بظلامه. ~~وحين تكونون فى وقت الظهيرة، فإنه - سبحانه - هو المستحق للحمد والثناء ~~من أهل السماوات ومن أهل الأرض، ومن جميع المخلوقات. قال ابن كثير وعن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال # " ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذى وفى؟ لأنه كان يقول كلما ~~أصبح وأمسى، سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ". # وفى حديث آخر # " من قال حين يصبح فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون..أدرك ما فاته فى ~~يومه، ومن قالها حين يسمى، أدرك ما فاته فى ليلته ". # ثم بين - سبحانه - مظهرا من مظاهر قدرته فقال { يخرج الحي من ~~الميت } كإخراجه الإنسان من النطفة، والنبات من الحب، والمؤمن من ~~الكفار { ويخرج الميت من الحي } كما فى عكس هذه الأمور، ~~كإخراجه النطفة من الإنسان، والحب من النبات، والكافر من ms4047 المؤمن. { ~~ويحيي الأرض } بالنبات { بعد موتها } أى بعد قحطها وجدبها، ~~كما قال - سبحانه - # وترى الأرض هامدة فإذآ أنزلنا عليها المآء ~~اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج # وقوله - تعالى - { وكذلك تخرجون } تذييل قصد به تقريب إمكانة ~~البعث من العقول والأفهام. أى ومثل هذا الإخراج البديع للنبات من الأرض، ~~وللحى من الميت، نخرجكم - أيها الناس - من قبوركم يوم القيامة، للحساب ~~والجزاء. ثم أورد - سبحانه - بعد ذلك أنواعا من الأدلة على قدرته التى لا ~~يعجزها شئ، فقال - تعالى - { ومن آياته أن خلقكم من ~~تراب ثم إذآ أنتم بشر تنتشرون }. # والآيات جمع آية، وتطلق على الآية القرآنية، وعلى الشئ العجيب، كما فى ~~قوله - تعالى - # وجعلنا ابن مريم وأمه آية # .والمراد بها هنا الأدلة الواضحة، والبراهين الساطعة، الدالة على ~~وحدانية الله - تعالى - وقدرته. والمعنى ومن آياته - سبحانه - الدالة على ~~عظمته، وعلى كمال قدرته، أنه خلقكم من تراب، أى خلق أباكم آدم من تراب، ~~وأنتم فروع عنه. و " إذ " فى قوله { ثم إذآ أنتم بشر ~~تنتشرون } هى الفجائية. أى خلقكم بتلك الصورة البديعة من مادة ~~التراب التى لا يرى فيها رائحة للحياة، ثم صرتم بعد خلقنا إياكم فى ~~أطوار متعددة، بشرا تنتشرون فى الأرض، وتمشون فى مناكبها، وتتقلبون فيها ~~تارة عن طريق الزراعة، وتارة عن طريق التجارة، وتارة عن طريق الأسفار.. ~~كل ذلك طلبا للرزق، ولجمع الأموال. وعبر - سبحانه - بثم المفيدة للتراخى، ~~لأن انتشارهم فى الأرض لا يتأتى إلا بعد مرورهم بأطوار متعددة، منها ~~أطوار خلقهم فى بطون أمهاتهم، وأطوار طفولتهم وصباهم، إلى أن يبلغوا سن ~~الرشد. قال الشوكانى وإذا الفجائية وإن كانت أكثر ما تقع بعد الفاء لكنها ~~وقعت هنا بعد ثم، بالنسبة إلى ما يليق بهذه الحالة الخاصة، وهى أطوار ~~الإنسان، كما حكاها الله - تعالى - فى مواضع، من كونه نطفة، ثم علقة، ثم ~~مضغة، ثم عظمها مكسوها لحما. ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان آية ~~ثانية، دالة على كمال قدرته ورأفته بعباده، فقال { ومن آياته أن ~~خلق لكم من أنفسكم أزواجا } أى ومن ms4048 آياته الدالة على ~~رحمته بكم، أنه - سبحانه - خلق لكم { من أنفسكم } أى من جنسكم فى ~~البشرية والإنسانية أزواجا. قال الآلوسى قوله { من أنفسكم ~~أزواجا } فإن خلق أصل أزواجكم حواء من ضلع آدم - عليه السلام - متضمن ~~لخلقهن من أنفسكم " فمن " للتبعيض والأنفس بمعناها الحقيقى، ويجوز أن ~~تكون " من " ابتدائية، والأنفس مجاز عن الجنس، أى خلق لكم من جنسكم لا من ~~جنس آخر، قيل وهو الأوفق لما بعد. وقوله - سبحانه - { لتسكنوا ~~إليها } بيان لعلة خلقهم على هذه الطريقة. أى خلق لكم من جنسكم ~~أزواجا، لتسكنوا إليها، ويميل بعضكم إلى بعض، فإن الجنس إلى الجنس أميل، ~~والنوع إلى النوع أكثر ائتلافا وانسجاما { وجعل } - سبحانه - { ~~بينكم } يا معشر الأزواج والزوجات { مودة ورحمة } أى محبة ~~ورأفة، لم تكن بينكم قبل ذلك، وإنما حدثت عن طريق الزواج الذى شرعه - ~~سبحانه - بين الرجال والنساء، والذى وصفه - تعالى - بهذا الوصف الدقيق، ~~فى قوله - عز وجل - # هن لباس لكم وأنتم لباس لهن # { إن في ذلك } الذى ذكرناه لكم قبل ذلك { لآيات } عظمة تهدى ~~إلى الرشد وإلى الاعتبار { لقوم يتفكرون } فى مظاهر قدرة ~~الله - تعالى - ورحمته بخلقه. # ثم ذكر - سبحانه - آية ثالثة فقال { ومن آياته خلق ~~السماوات والأرض } أى ومن آياته الدالة على قدرته التامة على كل ~~شئ، خلقه للسماوات والأرض بتلك الصورة البديعة { واختلاف ~~ألسنتكم } أى واختلاف لغاتكم فهذا يتكلم بالعربية، وآخر بالفارسية ~~وثالث بالرومية.. إلى غير ذلك مما لا يعلم عدده من اللغات، بل إن الأمة ~~الواحدة تجد فيها عشرات اللغات التى يتكلم بها أفرادها، ومئات اللهجات { ~~وألوانكم } أى ومن آياته كذلك، اختلاف ألوانكم، فهذا أبيض، وهذا ~~أسود، وهذا أصفر، وهذا أشقر.. مع أن الجميع من أب واحد وأم واحدة وهما ~~آدم وحواء. بل إنك لا تجد شخصين يتطابقان تطابقا تاما فى خلقتهما ~~وشكلهما. قال صاحب الكشاف الألسنة اللغات. او اجناس النطق واشكاله. خالف ~~- عز وجل - بين هذه الأشياء حتى لا تكاد تسمع منطقين متفقين فى همس واحد، ~~ولا جهارة، ولا حدة، ولا رخاوة، ولا فصاحة.. ولا غير ms4049 ذلك من صفات النطق ~~وأحواله، وكذلك الصور وتخطيطها، والألوان وتنويعها، ولاختلاف ذلك وقع ~~التعارف، ولو اتفقت وتشاكلت، وكانت ضربا واحدا، لوقع التجاهل والالتباس، ~~ولتعطلت مصالح كثيرة... وهم على الكثرة التى لا يعلمها إلا الله مختلفون ~~متفاوتون. { إن في ذلك } الذى وضحناه لكم { لآيات } بينات { ~~للعالمين } - بفتح اللام - وهى قراءة الجمهور، أى إن فى ذلك لآيات ~~لجميع أصناف العالم من بار وفاجر، ومؤمن وكافر. وقرأ حفص - بكسر اللام - ~~أى إن فى ذلك لآيات لأولى العلم والفهم من الناس. ثم ذكر - سبحانه - آية ~~رابعة فقال { ومن آياته منامكم } أى نومكم { باليل ~~والنهار } لراحة أبدانكم وأذهانكم، { وابتغآؤكم من ~~فضله } أى وطلبكم أرزاقكم فيهما من فضل الله وعطائه الواسع. قال ~~الجمل قيل فى الآية تقديم وتأخير، ليكون كل واحد مع ما يلائمه، والتقدير ~~ومن آياته مناكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار، فحذف حرف الجر ~~لاتصاله بالليل، وعطف عليه، لأن حرف العطف قد يقوم مقام الجار، والأحسن ~~أن يجعل على حاله، والنوم بالنهار مما كانت العرب تعده نعمة من الله ولا ~~سيما فى أوقات القيلولة فى البلاد الحارة " { إن في ذلك } كله { ~~لآيات لقوم يسمعون } هذه التوجيهات سماع تدبر وتفكر واعتبار ~~فيعملون بما يسمعون. ثم ساق - سبحانه - آية خامسة فقال ومن آياته يريكم ~~البرق خوفا وطمعا. أى ومن آياته - سبحانه - الدالة على قدرته، أنه يريكم ~~البرق، فتارة تخافون مما يحدث بعده من صواعق متلفة، وأمطار مزعجة، وتارة ~~ترجون من ورائه المطر النافع، والغيب المدرار. وانتصاب " خوفا وطمعا " ~~على أنهما مفعول لأجله، أى يريكم ذلك من أجل الخوف والطمع، إذ بهما يعيش ~~المؤمن حياته بين الخوف والرجاء، فلا يبطر ولا ييأس من رحمة الله. # { وينزل من السمآء مآء } كثيرا { فيحيي به } أى ~~بسبب هذا الماء { الأرض بعد موتها } أى بأن يحولها من أرض ~~جدباء هامدة إلى أرض خضراء زاخرة بالنبات { إن في ذلك لآيات ~~لقوم يعقلون } هذه الإرشادات، ويستعملون عقولهم فى الخير لا ~~فى الشر، وفى الحق لا فى الباطل، وفى استنباط المعانى الدالة على كمال ms4050 ~~قدرة الله - تعالى - ورحمته. ثم ذكر - سبحانه - آية سادسة فقال { ومن ~~آياته أن تقوم السمآء والأرض بأمره } والمراد ~~بقيامهما ثباتهما وبقاؤهما بتلك الصورة العجيبة البديعة. أى ومن آياته - ~~سبحانه - الدالة على كمال قدرته، خلقه للسماوات وللأرض، وإبقاؤه لهما على ~~هذه الصورة البديعة، وقيامهما وثباتهما واستمساكهما على تلك الهيئة ~~العجيبة، وذلك كله بإرادته وأمره ومشيئته. قال ابن كثير وشبيه بذلك قوله ~~- تعالى - # ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه # وقوله # إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا # وكان عمر بن الخطاب. رضى الله عنه - إذا اجتهد فى اليمين قال لا، والله ~~الذى تقوم السماء والأرض بأمره، أى هى قائمة ثابتة بأمره وتسخيره إياها. ~~وقوله - تعالى - { ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذآ ~~أنتم تخرجون } بيان لامتثالهم لأمهر بدون تقاعس، عندما يدعوهم ~~الداعى للخروج من قبورهم للبعث والحساب. و " ثم " بعدها كلام محذوف، و " ~~وإذا " الأولى شرطيه، والثانية فجائية، والداعى هو إسرافيل بأمر الله - ~~تعالى - وقوله { من الأرض } متعلق بقوله { دعاكم }. أى ثم بعد ~~موتكم ووضعكم فى قبوركم، إذا دعاكم الداعى دعوة واحدة من الأرض التى أنتم ~~مستقرون فيها، إذا أنتم تخرجون من قبوركم مسرعين بدون تلبث أو توقف، كما ~~يجيب المدعو المطيع دعوة الداعى المطاع. قال صاحب الكشاف وإنما عطف هذه ~~الجملة على قيام السماوات والأرض بثم، بيانا لعظم ما يكون من ذلك الأمر، ~~واقتداره - سبحانه - على مثله وهو أن يقول يا أهل القبول قوموا، فلا تبقى ~~نسمة من الأولين والآخرين إلا قامت تنظر، كما قال - تعالى - # ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون # وكما فى قوله - سبحانه - # فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة # وكما فى قوله - عز وجل - # يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن ~~لبثتم إلا قليلا # ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات، بآية جامعة لكل معانى القدرة والإيجاد ~~والهيمنة على هذا الكون فقال { وله من في السماوات والأرض ~~} أى من الملائكة والجن والإنس، خلقا، وملكا، وتصرفا، كل ذلك له وحده - ~~سبحانه - لا لأحد غيره. وقوله { كل له ms4051 قانتون } مؤكد لما قبله ~~ومقرر له، أى كل الخلائق له لا لغيره طائعون خاضعون، خاشعون، طوعا وكرها، ~~إذ لا يمتنع عليه - سبحانه - شئ يريد فعله بهم، من حياة أو موت، ومن صحة ~~أو مرض، ومن غنى أو فقر. # هذا، والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة، يرى أكثر من عشرة أدلة، على ~~وحدانية الله - تعالى - وعلى انفراده بالخلق، وعلى إمكانية البعث، ومن ~~هذه الأدلة خلق الإنسان من تراب، وصيرورته بعد تقلبه فى أطوار التكوين ~~بشرا سويا، وإيجاده - سبحانه - للذكور والإناث، حتى يبقى النوع ~~الإنسانى إلى الوقت المقدر فى علمه - تعالى - وإيجاده للناس على هذه ~~الصورة التى اختلفت معها ألسنتهم وألوانهم، مع أن أصلهم واحد، وجعله - ~~تعالى - الليل مناما لراحة الناس، والنهار معاشا لابتغاء الرزق، وإنزاله ~~المطر من السماء لإحياء الأرض بالنبات، وبقاء السماوات والأرض على هذه ~~الصورة العجيبة بأمره وتدبيره.. إلى غير من الأدلة المبثوثة فى الأنفس ~~والآفاق. ثم أكد - سبحانه - ما يدل على إمكانية البعث، فقال - تعالى - { ~~وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده... }. أى وهو - ~~سبحانه - الذى يبدأ الخلق بدون مثال سابق، ثم يعيد هذه المخلوقات بعد ~~موتها إلى الحياة مرة أخرى للحساب والجزاء. والضمير فى قوله { وهو ~~أهون عليه } للإعادة المفهومة من قوله { ثم يعيده } ~~والتذكير للضمير باعتبار المعنى، أى والعود أو الرد، أو الإرجاع أهون ~~عليه. أى وهو - سبحانه - وحده الذى يخلق المخلوقات من العدم، ثم يعيدها ~~إلى الحياة مرة أخرى فى الوقت الذى يريده، وهذه الإعادة للأموات أهون ~~عليه، أى أسهل عليه من البدء. وهذه الأسهلية على طريقة التمثيل والتقريب، ~~بما هو معروف عند الناس من أن إعادة الشئ من مادته الأولى أسهل من ~~ابتدائه. ورحم الله صاحب الكشاف، فقد وضح هذا المعنى فقال قوله { وهو ~~أهون عليه } أى فيما يجب عندكم، وينقاس على أصولكم، ويقتضيه ~~معقولكم لأن من أعاد منكم صنعة شئ كانت أسهل عليه وأهون من إنشائها، ~~وتعتذرون للصانع اذا خطئ فى بعض ما ينشئه بقولكم أول الغزل أخرق، ~~وتسمون الماهر فى صناعته معاودا، تعنون أنه ms4052 عاودها كرة بعد أخرى، حتى مرن ~~عليها وهانت عليه. فإن قلت لم أخرت الصلة فى قوله { وهو أهون ~~عليه } وقدمت فى قوله # هو علي هين # قلت. هناك قصد الاختصاص وهو محزه، فقيل هو عليه هين، وأن كان مستصعبا ~~عندكم أن يولد بين همل. أى شيخ فان - وعاقر. وأما هنا فلا معنى ~~للاختصاص، كيف والأمر مبنى على ما يعقلون، من أن الإعادة أسهل من ~~الابتداء، فلو قدمت الصلة لتغير المعنى.. ". ومنهم من يرى أن أهون هنا ~~بمعنى هين، إرجاعكم إلى الحياة بعد موتكم هين عليه. # والعرب تجعل أفعل بمعنى فاعل فى كثير من كلامهم، ومنه قول الشاعر # إن الذى سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعز وأطول # أى بنى لنا بيتا دعائمه عزيزة طويلة ومنه قولهم الله أكبر أى كبير. ~~وقوله - تعالى - { وله المثل الأعلى في السماوات ~~والأرض.. } أى وله - سبحانه - الوصف الأعلى الذى ليس لغيره مثله، لا ~~فى السماوات ولا فى الأرض، إذ لا يشاركه أحد فى ذاته و صفاته فهو - ~~سبحانه - ليس كمثله شئ. { وهو العزيز } الذى يغلب ولا يغلب { ~~الحكيم } فى كل أقواله وأفعاله وتصرفاته. وبعد هذا التطواف المتنوع ~~فى آفاق الأنفس، وفى أعماق هذا الكون، ضرب - سبحانه - مثلا لا مجال للجدل ~~فيه، لوضوحه واعتماده على المنطق السليم، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ~~أن يمضى فى طريقه المستقيم، كما أمر المؤمنين بأن يلتجئوا إليه - سبحانه ~~- وحده وأن يصونوا أنفسهم عن كل ما يغضبه، فقال - تعالى - { ضرب ~~لكم مثلا....لديهم فرحون }. ### || [30.28-32] # و { من } فى قوله - سبحانه - { ضرب لكم مثلا من ~~أنفسكم } ابتدائية، والجار والمجرور فى محل نصب، صفة لقوله { ~~مثلا }. أى ضرب لكم - أيها الناس - مثلا، يظهر منه بطلان الشرك ظهورا ~~واضحا، وهذا المثل كائن من أحوال أنفسكم، التى هى أقرب شئ لديكم. قال ~~القرطبى والآية نزلت فى كفار قريش، كانوا يقولون فى التلبية " لبيك لا ~~شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك.. ". وقوله - تعالى - { هل ~~لكم من ما ملكت أيمانكم من شركآء في ما ~~رزقناكم ms4053 } تصوير وتفضيل للمثل، والاستفهام للإنكار والنفى. و { ~~من } الأولى للتبعيض، والثانية لتأكيد النفى، وقوله { شركآء } ~~مبتدأ، وخبره { لكم } وقوله { من ما ملكت أيمانكم } ~~متعلق بمحذوف حال من شركاء. وقوله { فأنتم فيه سوآء } جواب ~~للاستفهام الذى هو بمعنى النفى. والجملة مبتدأ وخبر. وقوله { ~~تخافونهم } خبر ثان لأنتم، وقوله { كخيفتكم أنفسكم } ~~صفة لمصدر محذوف، أى تخافونهم خيفة كائنة مثل خيفتكم من هو من نوعكم. ~~والمعنى ضرب الله - تعالى - لكم - أيها الناس - مثلا منتزعا من أنفسكم ~~التى هى أقرب شئ إليكم، وبيان هذا المثل أنكم لا ترضون أن يشارككم فى ~~أموالاكم التى رزقناكم إياها، عبيدكم وإماؤكم، مع أنهم مثلكم فى البشرية، ~~ونحن الذين خلقناهم كما خلقناكم، بل إنكم لتخافون على أموالكم منهم، أن ~~يشاركوكم فيها، كما تخافون عليها من الأحرار المشابهين لكم فى الحرية وفى ~~جواز التصرف فى تلك الأموال. فإذا كان هذا شأنكم مع عبيدكم - الذين هم ~~مثلكم فى البشرية، والذين لم تخلقوهم بل نحن الذين خلقناكم وخلقناهم - ~~فكيف أجزتم لأنفسكم أن تشركوا مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة، ~~مع أنه - سبحانه - هو الخالق لكم ولهم، والرازق لكم ولهم؟!!. إن تصرفكم ~~هذا ظاهر التناقض والبطلان، لأنكم لم ترضوا أن يشارككم غيركم فى أموالكم، ~~ورضيتم أن تشركوا مع الله - تعالى - غيره فى العبادة، مع أنه - سبحانه - ~~هو الخالق والرازق لكل شئ. فالمقصود من الآية الكريمة، إبطال الشرك بأبلغ ~~أسلوب، وأوضح بيان، وأصدق حجة، وأقوى دليل. ولذا ختمها - سبحانه - بقوله ~~{ كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون } أى مثل ذلك ~~التفصيل الجلى الواضح، نفصل الآيات الدالة على وحدانيتنا، لقوم يعقلون ~~هذه الأمثال، وينتفعون بها فى إخلاص العبادة لله الواحد القهار. قال ~~الإمام القرطبى قال بعض العلماء هذه الآية أصل فى الشركة بين المخلوقين، ~~لافتقار بعضهم إلى بعض، ونفيها عن الله - سبحانه - وذلك أنه قال - سبحانه ~~- { ضرب لكم مثلا من أنفسكم } فيجب أن يقولوا ليس ~~عبيدنا شركاءنا فيما رزقتنا، فيقال لهم فكيف يتصور أن تنزهوا أنفسكم عن ~~مشاركة عبيدكم، وتجعلوا عبيدى شركائى فى خلقى، فهذا حكم ms4054 فاسد، وقلة نظر ~~وعمى قلب!! فإذا أبطلت الشركة بين العبيد وساداتهم فيما يملكه السادة، ~~والخلق كلهم عبيد الله - تعالى - فيبطل أن يكون شئ من العالم شركا لله - ~~تعالى - فى شئ من أفعاله. # ثم قال - رحمه الله - وهذه المسألة أفضل للطالب، من حفظ ديوان كامل فى ~~الفقه، لأن جميع العبادات البدنية، لا تصح إلا بتصحيح هذه المسألة فى ~~القلب فافهم ذلك. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن هؤلاء المشركين لم ~~ينتفعوا بهذه الأمثال لاستيلاء الجهل والعناد عليهم فقال { بل اتبع ~~الذين ظلموا أهوآءهم بغير علم.. }. أى لم ينتفع ~~هؤلاء الظالمون بهذا المثل الجلى فى إبطال الشرك، بل لجوا فى كفرهم، ~~واتبعوا أهواءهم الزائفة، وأفكارهم الفاسدة، وجهالاتهم المطبقة دون أن ~~يصرفهم عن ذلك علم نافع { فمن يهدي من أضل الله } أى إذا ~~كان هذا هو حالهم، فمن الذى يستطيع أن يهدى إلى الحق، من أضله الله - ~~تعالى - عنه بسبب زيفه واستحبابه العمى على الهدى. إنه لا أحد يستطيع ذلك ~~{ وما لهم من ناصرين } ينصرونهم من عقابه - سبحانه - لهم. ثم ~~أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يثبت على الحق الذى هداه - عز ~~وجل - إليه فقال { فأقم وجهك للدين حنيفا } والفاء هى ~~الفصحية، وقوله { أقم } من الإقامة على الشئ والثبات عليه، وعدم ~~التحول عنه. قوله { حنيفا } من الحنف، وهو الميل من الباطل إلى الحق، ~~وضده الجنف، و { حنيفا } حال من فاعل { أقم }. أى إذا كان الأمر ~~كما ذكرت لك - أيها الرسول الكريم - من بطلان الشرك فاثبت على ما أنت ~~عليه من إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده، وأقبل عى هذا الدين الذى ~~أوحاه الله إليك، بدون التفات عنه، أو ميل إلى سواه. قال صاحب الكشاف ~~قوله { فأقم وجهك للدين حنيفا } أى فقوم وجهك له وعدله، ~~غير ملتفت عنه يمينا أو شمالا، وهو تمثيل لإقباله على الدين واستقامته ~~عليه وثباته، واهتمامه بأسبابه، فإن من اهتم بالشئ عقد عليه طرفه، وسدد ~~إليه نظره، وقوم له وجهه، مقبلا به عليه. والمراد بالفطرة فى قوله - ~~تعالى - { فطرت ms4055 الله التي فطر الناس } الملة. أى ملة ~~الإسلام والتوحيد. أو المراد بها قابلية الدين الحق، والتهيؤ النفسى ~~لادراكه. والأصل فيها أنها بمعنى الخلقة. أى اثبت - أيها الرسول الكريم - ~~على هذا الدين الحق، والزموا - أيها الناس - فطرة الله، وهى ملة الحق، ~~التى فطر الناس عليها، وخلقهم قابلين لها. قال ابن كثير عند تفسيره لهذه ~~الآية يقول - تعالى - فسدد وجهك واستمر على الدين الذى شرعه الله لك، من ~~الحنيفية ملة إبراهيم، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة، التى فطر الله ~~الخلق عليها، فإنه - تعالى - فطر خلقه على معرفته وتوحيده. # وفى الحديث # " إنى خلقت عبادى حنفاء، فاجتالتهم - أى حولتهم - الشياطين عن دينهم ". # وروى البخارى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو ~~يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول ~~فطرة الله التى فطر الناس عليها.. ". # وقال صاحب الكشاف فإن قلت لم وحد الخطاب أولا، ثم جمع؟ قلت خوطب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أولا، وخطاب الرسول خطاب لأمته، مع ما فيه من ~~التعظيم للإمام، ثم جمع بعد ذلك للبيان والتلخيص. وقوله { لا تبديل ~~لخلق الله } تعليل لما قبله من الأمر بلزوم الفطرة التى فطر - ~~سبحانه - الناس عليها. أى الزموا فطرة الله التى هى دين الإسلام، وقبول ~~تعاليمه والعمل بها، لأن هذا الدين قد ارتضاه الله - تعالى - لكم، ولا ~~تبديل ولا تغيير لما فطركم عليه وارتضاه لكم. و { ذلك } الدين الذى ~~اختاره - سبحانه - لكم، هو { الدين القيم } أى القويم المستقيم، ~~الذى لا اعوجاج فيه ولا انحراف. فاسم الإشارة يعود إلى الدين الذى أمرنا ~~- سبحانه - بالثبات عليه، فى قوله { فأقم وجهك للدين ~~حنيفا }. وقوله - تعالى - { ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون } استدراك لبيان موقف الناس من هذا الدين القيم. أى ذلك ~~الدين الذى ارتضيته لكم هو الدين القيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون هذه ~~الحقيقة، بسبب استحواذ الشيطان عليهم، واتباعهم للأهواء الزائفة، ~~والتقاليد الفاسدة. ms4056 ثم حرضهم - سبحانه - على الاستمرار فى اتباع توجيهات ~~هذا الدين القيم فقال { منيبين إليه واتقوه وأقيموا ~~الصلاة }. قال القرطبى وفى أصل الإنابة قولان أحدهما، أنه القطع. ~~ومنه أخذ اسم الناب لأنه قاطع، فكأن الإنابة هى الانقطاع إلى الله - عز ~~وجل - بالطاعة. والثانى أن أصله الرجوع، مأخوذ من ناب ينوب إذا رجع مرة ~~بعد أخرى، ومنه النوبة لأنها الرجوع إلى عادة، ولفظ { منيبين } منصوب ~~على الحال. والمعنى أقيموا وجوهكم - أيها الناس - لخالقكم وحده، كونكم ~~راجعين إليه بالتوبة والطاعة، ومقبلين إليه بالاستغفار والعبادة، ومتقين ~~له فى كل أحوالكم، ومداومين على إقامة الصلاة فى أوقاتها بخشوع واطمئنان. ~~{ ولا تكونوا من المشركين } المبدلين لفطرة الله - تعالى - ~~المتبعين لأهوائهم وشهواتهم. وقوله { من الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا } بدل مما قبله. أى ولا تكونوا من ~~المشركين، الذين اختلفوا فى شأن دينهم اختلافات شتى على حسب أهوائهم، ~~وصاروا شيعا وفرقا وأحزابا متنازعة. { كل حزب بما لديهم ~~فرحون } أى كل حزب منهم صار مسرورا بما لديه من دين باطل، وملة ~~فاسدة، وعقيدة زائفة، وهذا الفرح بالباطل سببه جهلهم، وانطماس بصائرهم عن ~~الانقياد للحق. ثم بين - سبحانه - أحوال الناس فى السراء والضراء وعندما ~~يوسع الله - تعالى - فى أرزاقهم، وعندما يضيق عليهم هذه الأرزاق، فقال - ~~تعالى - { وإذا مس الناس...لآيات لقوم يؤمنون }. ### || [30.33-37] # أى { وإذا مس الناس ضر } من قحط أو مصيبة فى المال أو ~~الولد، { دعوا ربهم منيبين إليه } أى إذا نزل بهم ~~الضر، أسرعوا بالدعاء إلى الله - تعالى - متضرعين إليه أن يكشف عنهم ما ~~نزل بهم من بلاء. هذا حالهم عند الشدائد والكروب، أما حالهم عند العافية ~~والغنى وتفريج الهموم، فقد عبر عنه - سبحانه - بقوله { ثم إذآ ~~أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم ~~يشركون }. و { إذآ } الأولى شرطية، والثانية فجائية. أى هم بمجرد ~~نزول الضر بهم يلجأون إلى الله - تعالى - لإزالته، ثم إذا ما كشفه عنهم، ~~وأحاطهم برحمته، أسرع فريق منهم بعبادة غيره - سبحانه -. وقوله - تعالى - ~~{ إذا فريق منهم } إنصاف وتشريف لفريق آخر من الناس، من صفاتهم ~~أنهم ms4057 يذكرون الله - تعالى - فى كل الأحوال، ويصبرون عند البلاء، ويشكرون ~~عند الرخاء. والتنكير فى قوله - سبحانه - " ضر، ورحمة " للإشارة إلى أن ~~هذا النوع من الناس يجزعون عند أقل ضر، ويبطرون ويطغون لأدنى رحمة ونعمة. ~~واللام فى قوله - تعالى - { ليكفروا بمآ آتيناهم } هى ~~العاقبة. أى فعلوا ما فعلوا من الجزع عند الضر، ومن البطر عند النعم، ~~ليكون مآل حالهم إلى الكفر والجحود لنعم الله، وإلى سوء العاقبة والمصير. ~~ثم التفت إليهم - سبحانه - بالخطاب مهددا ومتوعدا فقال { فتمتعوا ~~فسوف تعلمون } أى فتمتعوا - أيها الجاحدون لنعم الله - بهذا ~~المتاع الزائل من متع الحياة الدنيا، فسوف تعلمون ما يترتب على ذلك من ~~عذاب مهين. وقوله - تعالى - { أم أنزلنا عليهم سلطانا ~~فهو يتكلم بما كانوا به يشركون } التفات من الخطاب ~~إلى الغيبة، على سبيل التحقير لهم، والتهوين من شأنهم. والاستفهام للنفى ~~والتوبيخ. والسلطان الحجة والبرهان. أى هؤلاء الذين أشركوا معنا غيرنا فى ~~العبادة، هل نحن أنزلنا عليهم حجة ذات قوم وسلطان تشهد لهم بأن شركهم لا ~~يخالف الحق، وتنطق بأن كفرهم لا غبار عليه؟ كلا، إننا ما أنزلنا عليهم ~~شيئا من ذلك، وإنما هم الذين وقعوا فى الشرك، بغير علم، ولا هدى ولا كتاب ~~منير. فالآية الكريمة تتهكم بهم لسفههم وجهلهم، وتنفى أن يكون شركهم ~~مبنيا على دليل أو ما شبه الدليل، أو أن يكون هناك من أمرهم به سوى ~~تقاليدهم الباطلة، وأهوائهم الفاسدة وأفكارهم الزائفة. ثم عادت الصورة ~~الكريمة إلى الحديث عن أحوال بعض النفوس البشرية فى حالتى العسر واليسر، ~~فقال - تعالى - { وإذآ أذقنا الناس رحمة } من صحة أو غنى ~~أو أمان { فرحوا بها } أى فرحوا بها فرح البطر الأشر، الذى لا ~~يقابل نعم الله - تعالى - بالشكر، ولا يستعملها فيما خلقت له. # فالمراد بالفرح هنا الجحود والكفران للنعم، وليس مجرد السرور بالحصول ~~على النعم. { وإن تصبهم سيئة } شدة أو مصيبة { بما ~~قدمت أيديهم } أى بسبب شؤم معاصيهم، وإهمالهم لشكر الله - ~~تعالى - على نعمه { إذا هم يقنطون } أى أسرعوا باليأس من رحمة ~~الله، وقنطوا من ms4058 فرجه، واسودت الدنيا فى وجوههم، شأن الذين لا يعرفون سنن ~~الله - تعالى - فى خلقه، والذين يعبدون الله على حرف، فهم عند السراء ~~جاحدون مغرورون.. وعند الضراء قانطون يائسون. وعبر - سبحانه - فى جانب ~~الرحمة بإذا، وفى جانب المصيبة بأن، للإشعار بأن رحمته - تعالى - بعباده ~~متحققة فى كل الأحوال. وأن ما ينزل بالناس من مصائب، هو بسبب ما اجترحوه ~~من ذنوب. ونسب - سبحانه - الرحمة إلى ذاته فقال { وإذآ أذقنا ~~الناس رحمة } دون السيئة فقد قال { وإن تصبهم سيئة } ~~لتعليم العباد الأدب مع خالقهم - عز وجل - وإن كان الكل بيده - سبحانه - ~~وبمشيئته، وشبيه بهذا قوله - تعالى - # وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد ~~بهم ربهم رشدا # والتعبير بإذا الفجائية فى قوله { إذا هم يقنطون } ، للإشارة ~~إلى سرعة يأسهم من رحمة الله - تعالى حتى ولو كانت المصيبة هينة بسيرة، ~~وذلك لضعف يقينهم وإيمانهم. إذ القنوط من رحمة الله، يتنافى مع الإيمان ~~الحق. ثم عقب - سبحانه - على أحوالهم هذه، بالتعجيب من شأنهم، وبالتقريع ~~لهم على جهلهم، فقال { أولم يروا أن الله يبسط ~~الرزق لمن يشآء ويقدر }. أى أجهل هؤلاء الناس الذين لم ~~يخالط الإيمان قلوبهم، ولم يشاهوا بأعينهم أن الله - تعالى - بمقتضى ~~حكمته، يسوع الرزق لمن يشاء من عباده. ويضيقه على من يشاء منهم، لاراد ~~لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل. إن واقع الناس يشهد ويعلن أن ~~الله - تعالى - يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، فما لهؤلاء القوم ينكرون هذا ~~الواقع بأفعالهم القبيحة، حيث إنهم يبطرون عند السراء، ويقنطون عند ~~الضراء؟ فالمقصود بالآية الكريمة توبيخهم على عدم فهمهم لسنن الله فى ~~خلقه. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله { إن في ذلك لآيات ~~لقوم يؤمنون } أى إن فى ذلك الذى ذكرناه لكم من أحوال الناس، ~~ومن قدرتنا على كل شئ { لآيات } واضحات، وعبر بينات، لقوم يؤمنون بما ~~أرشدناهم إليه، ويعملون بما يقتضيه إيمانهم. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ~~ما يجب على المسلم بالنسبة للمال الذى وهبه الله إياه، فقال - تعالى - { ~~فآت ذا القربى ms4059 حقه...عما يشركون }. ### || [30.38-40] # والخطاب فى قوله - تعالى - { فآت ذا القربى حقه.. } للنبى ~~صلى الله عليه وسلم ولكل من يصلح له من أمته. والفاء لترتيب ما بعدها على ~~ما قبلها. والمعنى إذا كان الأمر كما ذكرت لكم، من أبسط الأرزاق وقبضها ~~بيدى وحدى، فأعط - أيها الرسول الكريم - ذا القربى حقه من المودة والصلة ~~والإحسان، وليقتد بك فى ذلك أصحابك وأتباعك. وأعط - أيضا - { ~~والمسكين } الذى لا يملك شيئا ذا قيمة، حقه من الصدقة والبر، وكذلك ~~{ وابن السبيل } وهو المسافر المنقطع عن ماله فى سفره، ولو كان ~~غنيا فى بلده. وقدم - سبحانه - الأقارب، لأن دفع حاجتهم واجب من الواجبات ~~التى جعلها - سبحانه - للقريب على قريبه. قال القرطبى واختلف فى هذه ~~الآية، فقيل إنها منسوخة بآية المواريث. وقيل لا نسخ، بل للقريب حق لازم ~~فى البر على كل حال، وهو الصحيح، قال مجاهد وقتادة صلة الرحم فرض من الله ~~- عز وجل -، حتى قال مجاهد لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاجة. وقال الجمل ~~فى حاشيته وعدم ذكر بقية الأصناف المستحقين للزكاة، يدل على أن ذلك فى ~~صدقة التطوع، وقد احتج أبو حنفية - رحمه الله - بهذه الآية على وجوب نفقة ~~المحارم، والشافعى - رحمه الله - قاس سائر الأقارب - ما عدا الفروع ~~والأصول - على ابن العم، لأنه لا ولادة بينهم. ثم قال وهؤلاء الثلاثة يجب ~~الإحسان إليهم وإن لم يكن إليهم وإن لم يكن للإنسان مال زائد، لأن ~~المقصود هنا الشفقة العامة، والفقير داخل فى المسكين.. ". ثم بين - ~~سبحانه - الآثار الطيبة المترتبة على هذا البر والعطاء فقال { ذلك ~~خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم ~~المفلحون }. أى ذلك الإيتاء لهؤلاء الثلاثة، خير وأبقى عند الله - ~~تعالى - للذين يريدون بصدقتهم وإحسانهم وجه الله، وأولئك المتصفون بتلك ~~الصفات الحميدة، هم الكاملون فى الفلاح، والظفر بالخير فى الدنيا ~~والآخرة. وبعد أن حضهم على صلة الأقارب والمساكين وابن السبيل، نفرهم من ~~تعاطى الربا فقال { ومآ آتيتم من ربا ليربو في ~~أموال الناس فلا يربو عند الله }. والربا الزيادة ~~مطلقا. يقال ربا ms4060 الشئ يربو إذا زاد ونما، ومنه قوله - تعالى - # وترى الأرض هامدة فإذآ أنزلنا عليها المآء ~~اهتزت وربت # أى زادت. قال الآلوسى ما ملخصه والظاهر أن المراد بالربا هنا، الزيادة ~~المعروفة فى المعاملة التى حرمها الشارع. ويشهد لذلك ما روى عن السدى، من ~~أن الآية نزلت فى ربا ثقيف، كانوا يرابون، وكذلك كانت قريش تتعاطى الربا. ~~وعن ابن عباس وغيره أن المراد به هنا العطية التى يتوقع بها مزيد مكافأة، ~~وعليه فتسميتها ربا مجاز، لأنها سبب للزيادة. # ويبدو لنا أن المراد هنا، الربا الذى حرمه الله - تعالى - بعد ذلك ~~تحريما قاطعا، وأن المقصود من الآية التنفير منه على سبيل التدرج، حتى ~~إذا جاء التحريم النهائى له، تقبلته نفوس الناس بدون مفاجأة لهذا ~~التحريم. قال صاحب الكشاف هذه الآية فى معنى قوله - تعالى - # يمحق الله الربا ويربي الصدقات # سواء بسواء. يريد وما أعطيتم أكلة الربا { من ربا ليربو في ~~} أموالهم، أى ليزيد ويزكو فى أموالهم، فلا يزكو عند الله ولا يبارك فيه. ~~ثم حض - سبحانه - على التصدق فى سبيله فقال { ومآ آتيتم من ~~زكاة } أى من صدقة تتقربون بها إلى الله، و { تريدون } بأدائها { ~~وجه الله } أى رضاه وثوابه. { فأولئك } الذين يفعلون ذلك { ~~هم المضعفون } أى ذوو الأضعاف المضاعفة من الثواب والعطا الكريم، ~~فالمضعفون جمع مضعف - بكسر العين - على أنه اسم فاعل من أضعف، إذا صار ~~ضعف - بكسر فسكون - كأقوى وأيسر، إذا صار ذا قوة ويسار. وقال - سبحانه ~~- { فأولئك هم المضعفون } ولم يقل فأنتم المضعفون، لأنه ~~رجع من المخاطبة إلى الغيبة، كانه قال لملائكته فاولئك الذين يريدون وجهى ~~بصدقاتهم، هم المضعفون، فهو أمدح لهم من أن يقول فأنتم المضعفون. ثم بين ~~- سبحانه - بعد ذلك مظاهر فضله على الناس فقال { الله الذي ~~خلقكم } على غير مثال سابق { ثم رزقكم } من فضله بأنواع من ~~الرزق الذى لا غنى لكم عنه فى معاشكم { ثم يميتكم } بعد انقضاء ~~أعماركم فى هذه الحياة { ثم يحييكم } يوم القيامة للحساب ~~والجزاء. والاستفهام فى قوله - سبحانه - { هل من شركآئكم من ms4061 ~~يفعل من ذلكم من شيء } للانكار والنفى. أى ليس من شركائكم ~~الذين عبدتموهم من يستطيع أن يفعل شيئا من ذلك، فكيف اتخذتموهم آلهة ~~وأشركتموهم معى فى العبادة؟ إن الله - تعالى - وحده هو الخالق وهو الرازق ~~وهو المحيى وهو المميت. { سبحانه وتعالى عما يشركون } ~~تنزه وتقس عن شرك هؤلاء المشركين وعن جهل أولئك الجاهلين. وبعد هذا ~~التوجيه الحكيم، يسوق - سبحانه - الآثار السيئة التى تترتب على الكفر ~~والمعاصى، ويأمر بالاعتبار بالسابقين، ويبين عاقبة الأشرار وعاقبة ~~الأخيار فيقول { ظهر الفساد في البر...لا يحب ~~الكافرين }. ### || [30.41-45] # قال ابن كثير ما ملخصه قال ابن عباس وغيره المراد بالبر ها هنا، ~~الفيافى. وبالبحر الأمصار والقرى، ما كان منها على جانب نهر. وقال آخرون ~~بل المراد بالبر هو البر المعروف. وبالبحر البحر المعروف. والقول الأول ~~أظهر، وعليه الأكثر، ويؤيده ما ذكره ابن إسحاق فى السيرة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم صالح ملك أيلة، وكتب به ببحره - يعنى ببلده -. ~~والمعنى ظهر الفساد فى البر والبحر، ومن مظاهر ذلك انتشار الشرك والظلم، ~~والقتل وسفك الدماء، والأحقاد والعدوان، ونقص البركة فى الزروع والثمار ~~والمطاعم والمشارب، وغير ذلك مما هو مفسدة وليس بمنفعة.. قال ابن كثير - ~~رحمه الله - وقال أبو العالية من عصى الله فى الأرض فقد أفسد فيها، لأن ~~صلاح الأرض والسماء بالطاعة، ولهذا جاء الحديث الذى رواه أبو داود # " الحد يقام فى الأرض، أحب إلى أهلها من أن يمطروا أربعين صباحا ". # والسبب فى هذا أن الحدود إذا أقيمت، انكف الناس، أو أكثرهم، أو كثير ~~منهم، عن تعاطى المحرمات. وإذا ارتكبت المعاصى كان سببا فى محق ~~البركات.. وكلما أقيم العدل كثرت البركات والخيرات. وقد ثبت فى الحديث ~~الصحيح # " إن الفاجر إذا مات تستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب ". # وقوله - تعالى - { بما كسبت أيدي الناس.. } بيان لسبب ظهور ~~الفساد. أى عم الفساد وطم البر والبحر، بسبب اقتراف الناس للمعاصى. ~~وانهماكهم فى الشهوات، وتفلتهم من كل ما أمرهم الله - تعالى - به، أو ~~نهاهم عنه، كما قال - تعالى - # ومآ أصابكم من ms4062 مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفوا عن كثير # فظهور الفساد وانتشاره، لا يتم عبثا أو اعتباطا، وإنما يتم بسبب إعراض ~~الناس عن طاعة الله - تعالى -، وارتكابهم للمعاصى... ثم بين - سبحانه - ~~ما ترتب على الوقوع فى المعاصى من بلاء واختبار، فقال { ليذيقهم ~~بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون }. واللام فى " ~~ليذيقهم " للتعليل وهى متعلقة بظهر. أى ظهر الفساد... ليذيق - سبحانه - ~~الناس نتائج بعض اعمالهم السيئة، كى يرجعوا عن غيرهم وفسقهم، ويعودوا إلى ~~الطاعة والتوبة. ويجوز ان تكون متعلقة بمحذوف، اى عاقبهم بانتشار الفساد ~~بينهم، ليجعلهم يحسون بسوء عاقبة الولوغ فى المعاصى، ولعلهم يرجعون عنها، ~~إلى الطاعة والعمل الصالح. ثم يلفت - سبحانه - أنظار الناس إلى سوء عاقبة ~~من ارتكس فى الشرك والظلم، فيقول { قل سيروا في الأرض ~~فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان ~~أكثرهم مشركين }. أى قل - أيها الرسول الكريم - للناس سيروا ~~فى الأرض سير المتأملين المعتبرين، لتروا بأعنيكم، كيف كانت عاقبة ~~الظالمين من قبلكم. # .. لقد كانت عاقبتهما الدمار والهلاك، بسبب إصرار أكثرهم على الشكر ~~والكفر، وانغماس فريق منهم فى المعاصى والفواحش. فالمراد بالسير، ما ~~يترتب عليه من عظات وعبر، حتى لا تكون عاقبة اللاحقين، كعاقبة السابقين، ~~فى الهلاك والنكال. ثم أكد - سبحانه ما سبق أن أمر به رسوله صلى الله ~~عليه وسلم من ثبات على الحق فقال { فأقم وجهك للدين ~~القيم.. } أى إذا كان الأمر كما ذكرت لك - أيها الرسول الكريم - من ~~سوء عاقبة الأشرار، وحسن عاقبة الأخيار. فاثبت على هذا الدين القويم، ~~الذى أوحيناه إليك، ولا تتحول عنه إلى جهة ما. { من قبل أن يأتي ~~يوم لا مرد له من الله } أى اثبت على هذا الدين القيم، ~~من قبل أن يأتى يوم القيامة، الذى لا يقدر أحد على رده أو دفع عذابه ~~إلا الله - تعالى وحده. ثم بين - سبحانه - أحوال الناس فى هذا اليوم فقال ~~{ يومئذ يصدعون }. أى يتفرقون. وأصله يتصدعون، فقلبت تاؤه ~~صادا وأدغمت، والتصدع التفرق يقال تصدع القوم إذا تفرقوا، ومنه قول ~~الشاعر # وكنا كندمانى جذيمة حقبة من ms4063 الدهر حتى قيل لن يتصدعا # أى لن يتفرقا. والمعنى اثبت على هذا الدين، من قبل أن يأتى يوم القيامة، ~~الذى يتفرق فيه الناس إلى فريقين ثم بين - سبحانه - الفريق الأول فقال { ~~من كفر فعليه كفره } أى من كفر من الناس، فعاقبه كفره واقعة ~~عليه لا على غيره، وسيتحمل وحده ما يترتب على ذلك من عذاب مهين. قال صاحب ~~الكشاف قوله { فعليه كفره } كلمة جامعة لما لا غاية وراءه من ~~المضار، لأن من كان ضاره كفره، فقد أحاطت به كل مضرة ". ثم بين - سبحانه ~~- الفريق الثانى فقال { ومن عمل صالحا فلأنفسهم ~~يمهدون } أى ومن عمل فى دنياه عملا صالحا، فإنه بسبب هذا العمل ~~يكون قد مهد وسوى لنفسه مكانا مريحا يستقر فيه فى الآخرة. والمهاد ~~الفراش. ومنه مهاد الصبى أى فراشه. ويقال مهدت الفراش مهدا، أى بسطته ~~ووطأته. ومهدت الأمور. أى سويتها وأصلحتها. فالجملة الكريمة تصوير بديع ~~للثمار الطيبة التى تترتب على العمل الصالح فى الدنيا، حتى لكأن من يعمل ~~هذا العمل، يعد لنفسه فى الآخرة مكانا مبعدا، ومضجعا هنيئا، ينزل فيه ~~وهو فى أعلى درجات الراحة والنعيم قال ابن جرير قوله - تعالى - { ~~فلأنفسهم يمهدون } أى فلأنفسهم يستعدون، ويسوون المضجع، ~~ليسلموا من عقاب ربهم، وينجوا من عذابه، كما قال الشاعر # أمهد لنفسك، حان السقم والتلف ولا تضيعن نفسا ما لها خلف # ثم بين - سبحانه - ما اقتضته حكمته وعدالته فقال { ليجزي الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب ~~الكافرين }. أى فعل ما فعل - سبحانه - من تقسيم الناس إلى فريقين، ~~ليجزى الذين آمنوا عملوا الأعمال الصالحات، الجزاء الحسن الذى يستحقونه، ~~وليعطيهم العطاء الجزيل من فضله، لأنه بحبهم، أما الكافرون، فإنه - ~~سبحانه - لا يحبهم ولا يرضى عنهم. ثم تعود السورة الكريمة إلى الحديث عن ~~آيات الله - تعالى - الدالة على قدرته، وعن مظاهر فضله على الناس ورحمته ~~بهم، وعن الموقف الجحودى الذى وقفه بعضهم من هذه النعم.. قال - تعالى - { ~~ومن آياته أن يرسل....فهم مسلمون }. ### || [30.46-53] # وقوله - سبحانه - { ومن آياته أن يرسل الرياح ~~مبشرات... ms4064 } بيان لأنواع أخرى من الظواهر الكونية الدالة على قدرته ~~- عز وجل -. أى ومن الآيات والبراهين الدالة على وحدانية الله - تعالى - ~~ونفاذ قدرته، أنه - سبحانه - يرسل بمشيئته وإرادته الرياح، لتكون بشارة ~~بأن من ورائها أمطارا، فيها الخير الكثير للناس. قال الآلوسى قوله { ~~ومن آياته أن يرسل الرياح } أى الجنوب، ومهبها من مطلع ~~سهيل إلى مطلع الثريا، والصبا ومهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش. ~~والشمال ومهبها من بنات نعش إلى مسقط النسر الطائر، فإنها رياح الرحمة. ~~أما الدبور ومهبها من مسقط النسر الطائر إلى مطلع سهيل، فريح العذاب... ~~". وقوله { وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك ~~بأمره ولتبتغوا من فضله.. } بيان للفوائد التى تعود على ~~الناس من إرسال الرياح التى تعقبها الأمطار، وهو متعلق بقوله { يرسل ~~}. أى يرسل الرياح مبشرات بالأمطار ويرسلها ليمنحكم من رحمته الخصب ~~والنماء لزرعكم، ولتجرى الفلك عند هبوبها فى البحر بإذنه - تعالى - ~~ولتبتغوا أرزاقكم من فضله - سبحانه - عن طريق الأسفار، والانتقال من مكان ~~إلى آخر، ولكى تشكروا الله - تعالى - على هذه النعم فإنكم إذا شكرتموه - ~~سبحانه - على نعمه زادكم منها. وقوله - تعالى - { ولقد أرسلنا ~~من قبلك رسلا إلى قومهم فجآءوهم بالبينات... ~~} كلام معترض بين الحديث عن نعمة الرياح، لتسلية الرسول صلى الله عليه ~~وسلم عما لقحه من قومه من أذى. أى ولقد أرسلنا من قبلك - أيها الرسول ~~الكريم - رسلا كثيرين، إلى قومهم ليهدوهم إلى الرشد، وجاء كل رسول إلى ~~قومه بالحجج الواضحات التى تدل على صدقه. وقوله { فانتقمنا من ~~الذين أجرموا } معطوف على كلام محذوف. أى أرسلناهم بالحجج ~~الواضحات، فمن أقوامهم من آمن بهم، ومنهم من كذبهم، فانتقمنا من المكذبين ~~لرسلهم. { وكان حقا علينا نصر المؤمنين } أى وكان نصر ~~المؤمنين حقا أوجبناه على ذاتنا، فضلا منا وكرما، وتكريما وإنصافا ~~لمن آمن بوحدانيتنا، وأخلص العبادة لنا. " وحقا " خبر كان، و " نصر ~~المؤمنين " اسمها و " علينا " متعلق بقوله حقا. قال ابن كثير قوله { ~~وكان حقا علينا نصر المؤمنين } هو حق أوجبه على نفسه ~~الكريمة، تكريما وتفضلا، كقوله # كتب ربكم على نفسه ms4065 الرحمة # وعن أبى الدرداء قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " ما من امرئ مسلم يرد من عرض أخيه، إلا كان حقا على الله أن يرد عنه ~~نار جهنم يوم القيامة ثم تلا صلى الله عيله وسلم هذه الآية ". # ثم تعود السورة مرة أخرى إلى الحديث عن الرياح وما يترتب عليها من منافع ~~فتقول { الله الذي يرسل الرياح } بقدرته ومشيئته. # { فتثير سحابا } أى هذه الرياح يرسلها الله - تعالى - تتحرك فى ~~الجو وفق إرادته - سبحانه - وتحرك السحاب وتنشره من مكان إلى آخر. { ~~فيبسطه في السمآء كيف يشآء } أى فيبسط الله - تعالى - ~~هذا السحاب فى طبقات الجو، بالكيفية التى يختارها - سبحانه - ويريدها، ~~بأن يجعله تارة متكاثفا، وتارة متناثرا، وتارة من جهة الشمال، وتارة من ~~جهات غيرها. { ويجعله كسفا } أى ويجعله قطعا بعضها فوق بعض تارة ~~أخرى. والكسف جمع كسفه، وهى القطعة من السحاب. { فترى الودق } أى ~~المطر { يخرج من خلاله } أى يخرج ويتساقط من خلال هذا السحاب، ~~ومن بين ذراته. { فإذآ أصاب به } ، أى بهذا المطر { من يشآء ~~} إصابته به { من عباده } بأن ينزله على أراضيهم وعلى بلادهم { ~~إذا هم يستبشرون } أى يفرحون بذلك، لأنه يكون سببا فى حياتهم ~~وحياة دوابهم وزروعهم.. وأعرف الناس بنعمة المطر، أولئك الذين يعيشون فى ~~الأماكن البعيدة عن الأنهار. كأهل مكة ومن يشبهونهم ممن تقوم حياتهم على ~~مياه الأمطار. ثم بين - سبحانه - حالهم قبل نزول تلك الأمطار عليهم فقال ~~{ وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله ~~لمبلسين }. وإن مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن المحذوف، ~~والضمير فى { ينزل } يعود للمطر، وفى قوله { من قبله } يعود ~~لنزول المطر - أيضا - على سبيل التأكيد، وقوله { لمبلسين } خبر ~~كان. والإبلاس اليأس من الخير، والسكوت، والانكسار غما وحزنا. يقال أبلس ~~الرجل، إذا سكت على سبيل اليأس والذل والانكسار. أى هم عند نزول الأمطار ~~يستبشرون ويفرحون، ولو رأيت حالهم قبل نزول الأمطار لرأيتهم فى غاية ~~الحيرة والقنوط والإبلاس، لشدة حاجتهم إلى الغيث الذى طال انتظارهم له ~~وتطلعهم إليه دون ms4066 أن ينزل. قال صاحب الكشاف وقوله { من قبله } من ~~باب التكرير والتوكيد، كقوله - تعالى - # فكان عاقبتهمآ أنهما في النار خالدين فيها # " ومعنى التوكيد فيه الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول وبعد، ~~فاستحكم يأسهم، وتمادى إبلاسهم، فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك ". ~~ثم لفت - سبحانه - أنظار الناس إلى ما يترتب على نعمة المطر من آثار ~~عظيمة فقال { فانظر إلى آثار رحمت الله.. } والفاء ~~للدلالة على سرعة الانتقال من حالة اليأس إلى الاستبشار. أى فانظر - أيها ~~العاقل - نظرة تعقل واتعاظ واستبصار، إلى الآثار المترتبة على نزول ~~المطر، وكيف أن نزوله حول النفوس من حالة الحزن إلى حالة الفرح، وجعل ~~الوجوه مستبشرة بعد أن كانت عابسة يائسة. وقوله - تعالى - { كيف ~~يحيي الأرض بعد موتهآ } فى محل نصب على تقدير الخافض. أى ~~فانظر إلى آثار رحمة الله بعد نزول المطر، وانظر وتأمل كيف يحيى الله - ~~تعالى - بقدرته، الأرض بعد موتها بأن يجعلها خضراء ويانعة، بعد ان كانت ~~جدباء قاحلة. # واسم الإشارة فى قوله - تعالى - { إن ذلك لمحيي الموتى ~~} يعود على الله - تعالى -. أى إن ذلك الإله العظيم الذى أحيا الأرض بعد ~~موتها، لقادر على إحياء الموتى، إذ لا فرق بينهما بالنسبة لقدرة الله ~~التى لا يعجزها شئ. { وهو } - سبحانه - { على كل شيء قدير ~~} ومن جملة الأشياء المقدور عليها، إحياء الموتى. وهكذا يسوق القرآن ~~الكريم الأدلة على البعث، بأسلوب منطقى، منتزع من واقع الناس، ومن ~~المشاهد التى يرونها فى حياتهم. وبعد أن صور - سبحانه - أحوال الناس عند ~~رؤيته للرياح التى تثير السحب المحملة بالأمطار، وأنهم عند رؤيتها يفرحون ~~ويسبشرون. بعد أن صور ذلك بأسلوب بديع، أتبع ذلك بتصوير حالهم عندما يرون ~~ريحا تحمل لهم الرمال والأتربة، وتضر بمزروعاتهم فقال - تعالى - { ~~ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من ~~بعده يكفرون }. والضمير فى " رأوه " يعود إلى النبات المفهوم من ~~السياق. أى هذا حال الناس عندما يرون الرياح التى تحمل لهم الأمطار، أما ~~إذا أرسلنا عليهم ريحا معها الأتربة والرمال، فرأوا نباتهم وزروعهم قد ~~اصفرت واضمحلت وأصابها ms4067 ما يضرها أو يتلفها.. فإنهم يظلون من بعد إرسال ~~تلك الريح عليهم، يكفرون بنعم الله، ويجحدون آلاءه السابقة، ويقابلون ما ~~أرسلناه عليهم بالسخط والضيق، لا بالاستسلام لقضائنا، وملازمة طاعتنا. ~~قال الآلوسى ما ملخصه واللام فى قوله { ولئن } موطئة للقسم دخلت على ~~حرف الشرط، والفاء " فرأوه " فصيحة، واللام فى قوله " لظلوا " لام جواب ~~القسم الساد مسد الجوابين، والماضى بمعنى المستقبل.. وفيما ذكر - سبحانه ~~- من ذمهم على عدم تثبيتهم ما لا يفخى، حيث كان من الواجب عليهم أن ~~يتوكلوا على الله - تعالى - فى كل حال، وليجأوا إليه بالاستغفار، إذا ~~احتبس منهم المطر، ولا ييأسوا من روح الله - تعالى - ويبادروا إلى الشكر ~~بالطاعة، إذا اصابهم برحمته، وأن يصبروا على بلائه إذا اعترى زرعهم آفة، ~~فعكسوا الأمر، وأبوا ما يجديهم، وأتوا بما يؤذيهم... ". ثم سلى - سبحانه ~~- نبيه عما لحقه منهم من أذى، بعد أن ذكر له جانبا من تقلب أحوالهم، ~~فقال - تعالى - { فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع ~~الصم الدعآء إذا ولوا مدبرين }. اى فاصبر - أيها ~~الرسول - لحكم ربك، واثبت على ما أنت عليه من حق { فإنك لا ~~تسمع الموتى } إذا ناديتهم { ولا تسمع الصم ~~الدعآء } إذا ما دعوتهم او وعظتهم. وقوله { إذا ولوا ~~مدبرين } بيان لإعراضهم عن الحق، بعد بيان كونهم كالأموات وكالصم. ~~ثم وصفهم بالعمى فقال { ومآ أنت بهاد العمي عن ضلالتهم ~~} بسبب فقدهم الانتفاع بأبصارهم، كما فقدوا الانتفاع ببصائرهم. # { إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا } أى ما تستطيع أن تسمع ~~إلا من يؤمن بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا { فهم مسلمون ~~} أى منقادون للحق ومتبعون له. فالآيتان الكريمتان تسلية للرسول صلى الله ~~عليه وسلم عما اصابه من هؤلاء المشركين، وعن إخفاق جهوده مع كثير منهم، ~~لانطماس بصائرهم، حيث شبههم - سبحانه - بالموتى وبالصم وبالعمى، فى عدم ~~انتفاعهم بالوعظ والإرشاد.. وبعد هذا التطواف فى أعماق الأنفس والآفاق. ~~أخذت السورة الكريمة فى أواخرها، تذكر الناس بمراحل حياتهم، وبأحوالهم ~~يوم القيامة، وبفضائل القرآن الكريم، وبأمر النبى صلى الله عليه وسلم ~~بالصبر والثبات.. قال - تعالى - { الله الذي ms4068 ~~خلقكم...الذين لا يوقنون }. ### || [30.54-60] # قال القرطبى ما ملخصه قوله - تعالى - { الله الذي خلقكم من ~~ضعف.. } استدلال آخر على قدرته - تعالى - ومعنى { من ضعف } من ~~نطفة ضعيفة، أو فى حال ضعف، وهو ما كانوا عليه فى الابتداء من الطفولة ~~والصغر.. وقرأ الجمهور بضم الضاد، وقرأ عاصم وحمزة بفتحها، والضعف - ~~بالضم والفتح - خلاف القوة، وقيل بالفتح فى الرأى، وبالضم فى الجسد... ". ~~وقال - سبحانه - { خلقكم من ضعف } ولم يقل خلقكم ضعافا.. ~~للإشعار بأن الضعف هو مادتهم الأولى التى تركب منها كيانهم، فهو شامل ~~لتكوينهم الجسدى، والعقلى، والعطافى، والنفسى.. إلخ. أى الله - تعالى - ~~بقدرته، هو الذى خلقكم من ضعف ترون جانبا من مظاهره فى حالة طفولتكم ~~وحداثة سنكم... { ثم جعل } - سبحانه - { من بعد ضعف قوة ~~} أى ثم جعل لكم من بعد مرحلة الضعف مرحلة أخرى تتمثل فيها القوة بكل ~~صورها الجسدية والعقلية والنفسية.. { ثم جعل من بعد قوة ~~ضعفا وشيبة } أى ثم جعل من بعد مرحلة القوة، مرحلة ضعف آخر، ~~تعقبه مرحلة أخرى أشد منه فى الضعف، وهى مرحلة الشيب والهرم والشيخوخة ~~التى هى أرذل العمر، وفيها يصير الإنسان أشبه ما يكون بالطفل الصغير فى ~~كثير من أحواله.. { يخلق } - سبحانه - { ما يشآء } خلقه { وهو ~~العليم } بكل شئ { القدير } على كل شئ. فأنت ترى أن هذه الآية قد ~~جمعت مراحل حياة الإنسان بصورها المختلفة. ثم بين - سبحانه - ما يقوله ~~المجرمون عندما يبعثون من قبورهم للحساب فقال { ويوم تقوم ~~الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة }. ~~والمراد بالساعة يوم القيامة، وسميت بذلك لأنها تقوم فى آخر ساعة من عمر ~~الدنيا، أو لأنها تقع بغتة، والمراد بقيامها حصولها ووجودها، وقيام ~~الخلائق فى ذلك الوقت للحساب أى وحين تقوم الساعة ويرى المجرمون أنفسهم ~~وقد خرجوا من قبورهم للحساب بسرعة ودهشة، يقسمون بأنهم ما لبثوا فى ~~قبورهم أو فى دنياهم، غير وقت قليل من الزمان. قال ابن كثير يخبر الله - ~~تعالى - عن جهل الكفار فى الدنيا والآخرة، ففى الدنيا فعلوا ما فعلوا من ~~عبادة الأصنام، وفى الآخرة يكون منهم ms4069 جهل عظيم - أيضا - فمنه إقسامهم ~~بالله أنهم ما لبثوا فى الدنيا إلا ساعة واحدة. ومقصودهم بذلك عدم قيام ~~الحجة عليهم، وأنهم لم ينظروا حتى يعذر إليهم. وقوله { كذلك كانوا ~~يؤفكون } تذييل قصد به بيان ما جبلوا عليه من كذب. ويؤفكون من الافك ~~بمعنى الكذب. يقال أفك الرجل، إذا صرف عن الخير والصدق أى مثل هذا الكذب ~~الذى تفوهوا به فى الآخرة كانوا يفعلون فى الدنيا، فهم فى الدارين لا ~~ينفكون عن الكذب وعن اختلاق الباطل. # ثم حكى - سبحانه - ما قاله أهل العلم والإيمان فى الرد عليهم. فقال { ~~وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم ~~في كتاب الله إلى يوم البعث }. أى وقال الذين أوتوا ~~العلم والإيمان من الملائكة والمؤمنين الصادقين فى الرد على هؤلاء ~~المجرمين لقد لبثتم فى علم الله وقضائه بعد مفارقتكم الدنيا إلى يوم ~~البعث، أى إلى الوقت الذى حدده - سبحانه - لبعثكم، والفاء فى قوله - ~~تعالى - { فهذا يوم البعث } هى الفصيحة. اى إن كنتم منكرين ~~للبعث، فهذا يومه تشاهدونه بأعينكم. ولا تستطيعون إنكاره الآن كما كنتم ~~تنكرونه فى الدنيا. فالجملة الكريمة، المقصود بها توبيخهم وتأنيبهم على ~~إنكارهم ليوم الحساب. وقوله { ولكنكم كنتم لا تعلمون } ~~زيادة فى تقريعهم. أى فهذا يوم البعث مائل أمامكم. ولكنكم كنتم فى الدنيا ~~لا تعلمون أن حق وصدق. بل كنتم بسبب كفركم وعنادكم تستخفون به وبمن ~~يحدثكم عنه، فاليوم تذوقون سوء عاقبة إنكاركم له، واستهزائكم به. ولذا ~~قال - سبحانه - بعد ذلك { فيومئذ } أى فيوم أن تقوم الساعة ويقف ~~الناس للحساب. { لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم } أى لا ~~ينفعهم الاعتذار، ولا يفيدهم علمهم بأن الساعة حق. { ولا هم ~~يستعتبون } أى ولا هم يقبل منهم الرجوع إلى الله - تعالى - ~~بالتوبة والعمل الصالح. قال الآلوسى والاستعتاب طلب العتبى، وهى الاسم من ~~الإعتاب، بمعنى إزالة العتب. أى لا يطلب منهم إزالة عتب الله - تعالى - ~~وغضبه عليهم، لأنهم قد حق عليهم العذاب.. ". ثم بين - سبحانه - موقفهم من ~~القرآن الكريم، وأنهم لو اتبعوا توجيهاته لنجوا من العذاب المهين، فقال - ~~تعالى ms4070 - { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من ~~كل مثل.. }. أى وبالله لقد ضربنا للناس فى هذا القرآن العظيم، كل ~~مثل حكيم، من شأنه أن يهدى القلوب إلى الحق، ويرشد النفوس إلى ما ~~يسعدها... { ولئن جئتهم بآية } أى ولئن جئت - أيها الرسول - ~~هؤلاء المشركين بآية بينة تدل على صدقك فيما تبلغه عن ربك. { ~~ليقولن } على سبيل التطاول والتبجح { إن أنتم إلا ~~مبطلون } أى ما أنتم إلا متبعون للباطل أيها المؤمنون بما يدعوكم ~~إليه الرسول صلى الله عليه وسلم. ثم يعقب - سبحانه - على هذا التطاول ~~والغرور بقوله { كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا ~~يعلمون }. والطبع الختم على الشئ حتى لا يخرج منه ما هو بداخله. ولا ~~يدخل فيه ما هو خارج عنه. أى مثل هذا الطبع العجيب، يطبع الله - تعالى ~~على قلوب هؤلاء الذين لا يعلمون، ولا يعملون على إزالة جهلهم، لتوهمهم ~~أنهم ليسوا بجهلاء، وهذا أسوأ أنواع الجهل، لأنه جهل مركب، إذ صاحبه يجهل ~~أنه جاهل. # فهو كما قال الشاعر # قال حمار الحكيم يوما لو أنصفونى لكنت أركب لأننى جاهل بسيط وصاحبى ~~جاهل مركب # ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بأمر النبى صلى الله عليه وسلم ~~بالصبر على هؤلاء الجاهلين، فقال { فاصبر إن وعد الله حق ~~ولا يستخفنك الذين لا يوقنون }. أى إذا كان الأمر ~~كما وصفنا لك من أحوال هؤلاء المشركين، فاصبر على أذاهم، وعلى جهالاتهم، ~~فإن وعد الله - تعالى - بنصرك عليهم حق لا شك فى ذلك. { ولا ~~يستخفنك } أى ولا يزعجنك ويحملنك على عدم الصبر، الذين لا ~~يوقنون صحة ما تتلوا عليهم من آيات، ولا بما تدعوهم إليه من رشد وخير. ~~وهكذا ختمت السورة الكريمة بالوعد بالنصر، كما افتتحت بالوعد به، ~~للمؤمنين الصادقين # وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون # وبعد فهذه هى سورة الروم، وهذا تفسير محرر لها، نسأل الله - تعالى - أن ~~يجعله خالصا لوجهه نافعا لعباده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله ~~وصحبه وسلم. ### | [31 - سورة لقمان] ### || [31.1-5] # سورة لقمان من السور ms4071 التى بدئت ببعض حروف التهجى... وقد فصلنا القول فى ~~معانيها، عند تفسيرنا لسور البقرة، وآل عمران وغيرهما. وقلنا فى نهاية ~~سردنا لأقوال العلماء فى ذلك ولعل أقرب الأقوال إلى الصواب أن يقال إن ~~هذه الحروف المقطعة، قد وردت فى افتتاح بعض السور، للإشعار بأن هذا ~~القرآن الذى تحدى الله به المشركين، هو من جنس الكلام المركب من هذه ~~الحروف التى يعرفونها. فإذا عجزوا عن الإتيان بسورة من مثله، فذلك ~~لبلوغه فى الفصاحة والحكمة، مرتبة يقف فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها بمراحل ~~شاسعة.. واسم الإشارة فى قوله - سبحانه - { تلك آيات الكتاب ~~الحكيم } يعود إلى آيات القرآن الكريم، ويندرج فيها آيات السور التى ~~معنا. والمراد بالكتاب القرآن الكريم على الصحيح. لأنه هو المتحدث عنه. ~~قال الآلوسى وأما حمله على الكتب التى خلت قبل القرآن.. فهو فى غاية ~~البعد، والحكيم - بزنة فعيل - مأخوذ من الفعل حكم بمعنى منع، تقول حكمت ~~الفرس، إذا وضت الحكمة فى فمها لمنعها من الجموح والشرود. والمقصود، أن ~~هذا القرآن ممتنع أن يتطرق إليه الفساد، ومبرأ من الخلل والتناقض ~~والاختلاف. قال الإمام الرازى ما ملخصه وفى وصف الكتاب بكونه حكيما ~~وجوه، منها أن الحكيم هو ذو الحكمة، بمعنى اشتماله على الحكمة، فيكون ~~الوصف للنسبة كلابن وتامر. ومنها أن الحكيم بمعنى الحاكم، بدليل قوله - ~~تعالى - # وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس ~~فيما اختلفوا فيه # ومنها أن الحكيم بمعنى المحكم.. " أى المبرأ من الكذب والتناقض ". ~~والمعنى تلك الآيات السامية، المنزلة عليك يا محمد، هى آيات الكتاب، ~~المشتمل على الحكمة والصواب، المحفوظ من كل تحريف أو تبديل الناطق بكل ما ~~يوصل إلى السعادة الدنيوية والأخروية. وصحت الإشارة إلى آيات الكتاب مع ~~أنها لم تكن قد نزلت كلها لأن الإشارة إلى بعضها كالإشارة إلى جميعها، ~~حيث كانت بصدد الإنزال، ولأن الله - تعالى - قد وعد رسوله صلى الله عليه ~~وسلم بنزول القرآن عليه، كما فى قوله - تعالى - # إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا # ووعد الله - تعالى - لا يتخلف. وقوله { هدى ورحمة } منصوبان على ~~الحالية من { آيات ms4072 }. أى هذا الكتاب أنزلنا عليك يا محمد آياته، لتكون ~~هداية ورحمة للمحسنين فى أقوالهم وفى أفعالهم، وفى كل أحوالهم. ثم وصف - ~~سبحانه - هؤلاء المحسنين، بصفات كريمة فقال { الذين يقيمون ~~الصلاة } أى يؤدونها فى أوقاتها المحددة لها، مستوفية لواجباتها، ~~وسننها، وآدابها وخشوعها، فإن الصلاة التامة هى تلك التى يصحبها ~~الإخلاص، والخشوع، والأداء الصحيح المطابق لما ورد عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم. { ويؤتون الزكاة } أى ويعطون الزكاة التى أوجبها ~~الله - تعالى - فى أموالهم لمستحقيها { وهم بالآخرة هم ~~يوقنون } والمراد بالآخرة الدار الآخرة، وسميت بذلك لأنها تأتى بعد ~~الدنيا التى هى الدار الدنيا. # وقوله { يوقنون } من الإيقان، وهو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، ~~بحيث لا يطرأ عليك شك، ولا تحوم حوله شبهة.. أى أن من صفات هؤلاء ~~المحسنين، أنهم يؤدون الصلاة بخشوع وإخلاص، ويقدمون زكاة أموالهم ~~لمستحقيها، وهم بالآخرة وما فيها من حساب وثواب وعقاب، يوقنون إيقانا ~~قطعيا، لا اثر فيه للادعاءات الكاذبة، والأوهام الباطلة. وفى إيراد " هم ~~" قبل لفظ الآخرة. وقبل لفظ يوقنون تعريض بغيرهم ممن كان اعتقادهم فى أمر ~~الآخرة غير مطابق للحقيقة، أو غير بالغ مرتبة اليقين. ثم بين - سبحانه - ~~بعد ذلك الثمار الطيبة التى ترتبت على تلك الصفات الكريمة، فقال - تعالى ~~- { أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم ~~المفلحون }. والمفلحون من الفلاح وهو الظفر والفوز بدرك البغية. ~~واصله من الفلح - بسكون اللام - وهو الشق والقطع، ومنه فلاحة الأرض وهو ~~شقها للحرث، واستعمل منه الفلاح فى الفوز، كأن الفائز شق طريقه وفلحه، ~~للوصول إلى مبتغاه، أو انفتحت له طريق الظفر وانشقت. والمعنى أولئك ~~المتصفون بما تقدم من صفات كريمة، على هداية عظيمة من ربهم توصلهم إلى ~~المطلوب، وأولئك هم الفائزون بكل مرغوب. والتنكير فى قوله { على هدى ~~} للتعظيم، وأتى بلفظ " على " للاشارة إلى التمكن والرسوخ، ووصفه بأنه { ~~من ربهم } لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم إليه، ويسر لهم أسبابه. ~~ثم بين - سبحانه - حال طائفة أخرى من الناس، كانوا على النقيض من ~~سابقيهم، فقال { ومن الناس من يشتري...فبشره بعذاب ~~أليم }. ### || [31.6-7] # وقد ms4073 ذكر المفسرون فى سبب نزول هاتين الآيتين روايات اشهرها، أنهما نزلتا ~~فى النضر بن الحارث. اشترى قينة - أى مغنية -، وكان لا يسمع بأحد يريد ~~الإسلام إلا انطلق به إلى قينته، فيقول لها أطعميه واسقيه وغنيه، فهذا ~~خير مما يدعوك إليه محمد صلى الله عليه وسلم من الصلاة والصيام، وأن ~~تقاتل بين يديه.. و { لهو الحديث } باطله، ويطلق على كل كلام يلهى ~~القلب، ويشغله عن طاعة الله - تعالى -، كالغناء، والملاهى، وما يشبه ذلك ~~مما يصد عن ذكر الله - تعالى - وقد فسر كثير من العلماء بالغناء، والأفضل ~~تفسيره بكل حديث لا يثمر خيرا. و { من } فى قوله { ومن الناس } ~~للتبعيض، أى ومن الناس من يترك القول الذى ينفعه، ويشترى الأحاديث ~~الباطلة، والخرافات الفاسدة. قال القرطبى ما ملخصه هذه إحدى الآيات التى ~~استدل بها العلماء على كراهة الغناء والمنع منه. ولا يختلف فى تحريم ~~الغناء الذى يحرك النفوس، ويبعثها على الغزل والمجون.. فأما ما سلم من ~~ذلك، فيجوز القليل منه فى أوقات الفرح، كالعرس والعيد وعند التنشيط على ~~الأعمال الشاقة، كما كان فى حفر الخندق... وقوله { ليضل عن سبيل ~~الله بغير علم ويتخذها هزوا.. } تعليل لاشتراء لهو ~~الحديث. والمراد بسبيل الله - تعالى - دينه وطريقه الذى اختاره لعباده. ~~وقد قرأ الجمهور { ليضل } بضم الياء - أى يشترى لهو الحديث ليضل غيره عن ~~صراط الله المستقيم، حالة كونه غير عالم بسوء عاقبة ما يفعله، ولكى يتخذ ~~آيات الله - تعالى - مادة لسخريته واستهزائه. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " ~~ليضل " - بفتح الياء - فيكون المعنى يشترى لهو الحديث ليزداد رسوخا فى ~~ضلاله. قال صاحب الكشاف فإن قلت القراءة بالضمر بينة، لأن النضر كان غرضه ~~باشتراء اللهو، أن يصد الناس عن الدخول فى الإسلام واستماع القرآن، ~~ويضلهم عنه، فما معنى القراءة بالفتح؟. قلت فيه معنيان، أحدهما ليثبت على ~~ضلاله الذى كان عليه، ولا يصدف عنه، ويزيد فيه ويمده فإن المخذول كان ~~شديد الشكيمة فى عداوة الدين وصد الناس عنه. والثانى أن بوضع ليضل موضع ~~ليضل، من قبل أن من أضل ms4074 كان ضالا لا محالة، فدل بالرديف على المردوف... ~~وقوله { أولئك لهم عذاب مهين } بيان لسوء عاقبة من يؤثر ~~الضلالة على الهداية. أى أولئك الذين يشترون لهو الحديث، ليصرفوا الناس ~~عند دين الله - تعالى -، وليستهزئوا بآياته، لهم عذاب يهينهم ويذلهم، ~~ويجعلهم محل الاحتقار والهوان. ثم فصل - سبحانه - حال هذا الفريق الشقى ~~فقال { وإذا تتلى عليه } أى على النضر وأمثاله { آياتنا } ~~الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا، وعلى صدق نبينا صلى الله عليه وسلم. # { ولى مستكبرا } أى أعرض عنها بغرور واستعلاء. { كأن لم ~~يسمعها } أى كأن حاله فى استكباره عن سماع الآيات، كحال الذى لم ~~يسمعها إطلاقا. { كأن في أذنيه وقرا } أى كأن فى أدنيه ~~صمما وثقلا ومرضا يحول بينه وبين السماع. والجملتان الكريمتان حال من ~~قوله { مستكبرا } والمقصود بهما توبيخ هذا الشقى وأمثاله، وذمهم ~~ذما موجعا لإعراضهم عن الحق. وقوله - تعالى - { فبشره بعذاب ~~أليم } تهكم به، واستخفاف بتصرفاته. أى فبشر هذا الشقى الذى اشترى لهو ~~الحديث، وأعرض عن آياتنا بالعذاب الأليم، الذى يناسب غروره واستكباره. ثم ~~أكدت السورة الجزاء الحسن الذى أعده الله - تعالى - للمؤمنين، وذكرت ~~جانبا من مظاهر قدرته - سبحانه -، ورحمته بعباده، فقال - تعالى - { إن ~~الذين آمنوا...في ضلال مبين }. ### || [31.8-11] # أى إن الذين آمنوا بالله - تعالى - إيمانا حقا، وعملوا الأعمال الصالحات ~~{ لهم } فى مقابلة ذلك { جنات النعيم } أى لهم جنات عالية ~~يتنعمون فيها بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. { ~~خالدين فيها } خلودا أبديا { وعد الله حقا } أى هم خالدون ~~فى تلك الجنات خلودا أبدا، فقد وعدهم - سبحانه - بذلك، ووعده حق وصدق، ~~ولن يخلفه - سبحانه - تفضلا منه وكرما. قال الجمل. وقوله { وعد } مصدر ~~مؤكد لنفسه، لأن قوله { لهم جنات النعيم } فى معنى وعدهم الله ~~ذلك. وقوله { حقا } مصدر مؤكد لغيره. أى لمضمون تلك الجملة الأولى ~~وعاملهما مختلف، فتقدير الأولى وعد الله ذلك وعدا. وتقدير الثانية، وحقه ~~حقا. وقوله - تعالى - { وهو العزيز الحكيم } أى وهو - سبحانه ~~- العزيز الذى لا يغلبه غالب. الحكيم فى كل أفعاله وتصرفاته. ثم بين ms4075 - ~~سبحانه - جانبا من مظاهر قدرته وعزته وحكمته فقال { خلق السماوات ~~بغير عمد ترونها.. }. والعمد جمع عماد. وهو ما تقام عليه ~~القبة أو البيت. وجملة " ترونها " فى محل نصب حال من السماوات. أى هو - ~~سبحانه - وحده، الذى رفع هذه السماوات الهائلة فى صنعها وفى ضخامتها. ~~بغير مستند يسندها. وبغير أعمدة تعتمد عليها. وأنتم ترون ذلك بأعينكم ~~بدون لبس أو خفاء. ولا شك أن خلقها على هذه الصورة من أكبر الأدلة على أن ~~لهذا الكون خالقا مدبرا قادرا حكيما، هو المستحق للعبادة والطاعة. وقوله ~~- تعالى - { وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم } ~~بيان لنعمة ثانية مما أنعم به - سبحانه - على عباده. والرواسى جمع راسية. ~~والمراد بها الجبال الشوامخ الثابتة. أى ومن رحمته بكم، وفضله عليكم، أن ~~ألقى - سبحانه - فى الأرض جبالا ثوابت كراهة أن تميد وتضطرب بكم، وأنتم ~~عليها. { وبث فيها من كل دآبة } أى وأوجد ونشر فى الأرض ~~التى تعيشون فوقها، من كل دابة من الدواب التى لا غنى لكم عنها والتى ~~فيها منعفتكم ومصلحتكم. والبث معناه النشر والتفريق. يقال بث القائد خيله ~~إذا نشرها وفرقها. ثم بين - سبحانه - نعمة ثالثة فقال { وأنزلنا } ~~أى بقدرتنا { من السمآء مآء } أى ماء كثيرا هو المطر، { ~~فأنبتنا فيها } أى فأنبتنا فى الأرض بسبب نزول المطر عليها. { ~~من كل زوج } أى صنف { كريم } أى حسن جميل كثير المنافع. ~~والإشارة فى قوله { هذا خلق الله... } تعود إلى ما ذكره - ~~سبحانه - من مخلوقات قبل ذلك. والخلق بمعنى المخلوق. هذا الذى ذكرناه لكم ~~من خلق السماوات والأرض والجبال... هو من مخلوقنا وحدنا، دون أن يشاركنا ~~فيما خلقناه مشارك. # والفاء فى قوله - تعالى - { فأروني ماذا خلق الذين من ~~دونه } واقعة فى جواب شرط مقدر، أى إذا علمتم ذلك فأرونى وأخبرونى، ~~ماذا خلق الذين اتخذتموهم آلهة من دونه - سبحانه - إنهم لم يخلقوا شيئا ~~ما، بل هم مخلوقون لله - تعالى. فالمقصود بهذه الجملة الكريمة تحدى ~~المشركين، وإثبات أنهم فى عبادتهم لغير الله، قد تجاوزوا كل حد فى ~~الجهالة والضلالة. وقوله - سبحانه ms4076 - { بل الظالمون في ضلال ~~مبين } إضراب عن تبكيتهم وتوبيخهم، إلى تسجيل الضلال الواضح عليهم. ~~أى بل الظالمون فى ضلال بين واضح، لأنهم يعبدون آلهة لا تضر ولا تنفع، ~~ويتركون عبادة الله - تعالى - الخلاق العليم. ثم ساق - سبحانه - على لسان ~~عبد صالح من عباده، جملة من الوصايا الحكيمة، لتكون عظة وعبر للناس، فقال ~~- تعالى - { ولقد آتينا لقمان...الأصوات لصوت ~~الحمير }. ### || [31.12-19] # قال ابن كثير - رحمه الله - اختلف السلف فى لقمان، هل كان نبيا أو عبدا ~~صالحا من غير نبوة؟ والأكثرون على أنه لم يكن نبيا. وعن ابن عباس وغيره ~~كان لقمان عبدا حبشا نجارا.. قال له مولاه اذبح لنا شاة وجئنى بأخبث ما ~~فيها؟ فذبحها وجهاءه بلسانها وقلبها. ثم قال له مرة ثانية اذبح لنا شاة ~~وجئنى بأحسن ما فيها؟ فذبحها وجاءه - أيضا بقلبها ولسانها، فقال له ~~مولاه ما هذا؟ فقال لقمان إنه ليس من شئ أطيب منهما إذا طابا، وليس من شئ ~~أخبث منها إذا خبثا. وقال له رجل ألست عبد فلان؟ فما الذى بلغ بك ما أرى ~~من الحكمة؟ فقال لقمان قدر الله وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وتركى مالا ~~يعنينى. ومن أقواله لابنه يا بنى اتخذ تقوى الله لك تجارة، يأتك الربح من ~~غير بضاعة. يا بنى، لا تكن أعجز من هذا الديك الذى يصوت بالأسحار، وأنت ~~نائم على فراشك، با بنى، اعتزل الشر كما يعتزلك، فإن الشر للشر خلق. يا ~~بنى، عليك بمجالس العلماء، وبسماع كلام الحكماء، فإن الله - تعالى - يحيى ~~القلب الميت بنور الحكمة. يا بنى، إنك منذ نزلت الدنيا استدبرتها، ~~واستقبلت الآخرة، ودار أنت إليها تسير، أقرب من دار أنت عنها ترتحل... ~~وقال الآلوسى ما ملخصه ولقمان اسم أعجمى لا عربى وهو ابن باعوراء. قيل ~~كان فى زمان داود - عليه السلام - وقيل كان زمانه بين عيسى وبين محمد - ~~عليهما الصلاة والسلام -. ثم قال الآلوسى وإنى اختار أنه كان رجلا صالحا ~~حكيما، ولم يكن نبيا. وقوله - سبحانه - { ولقد آتينا لقمان ~~الحكمة... } كلام مستانف مسوق لإبطال الإشراك بالله - تعالى ms4077 - عن ~~طرق النقل، بعد بيان إبطاله عن طريق العقل، فى قوله - سبحانه - قبل ذلك # هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من ~~دونه... # والحكمة اكتساب العلم النافع والعمل به. و هى العقل والفهم. أو هى ~~الإصابة فى القول والعمل. والمعنى والله لقد أعطينا - بفضلنا وإحساننا - ~~عبدنا لقمان العلم النافع والعمل به. وقوله - سبحانه - { أن اشكر ~~لله } بيان لما يقتضيه إعطاء الحكمة. أى أتيناه الحكمة وقلنا له أن ~~اشكر لله على ما أعطاك من نعم لكى يزيدك منها. قال الشوكانى قوله { أن ~~اشكر لله } أن هى المفسرة لأن فى إيتاء الحكمة معنى القول. وقيل ~~التقدير قلنا له أن اشكر لى.. وقيل بأن اشكر لى فشكر، فكان حكيما بشكره. ~~والشكر لله الثناء عليه فى مقابلة النعمة - واستعمالها فيما خلقت له -، ~~وطاعته فيما أمر به. # ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة الشكر وسوء عاقبة الجحود فقال { ومن ~~يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله ~~غني حميد }. أى ومن يشكر الله - تعالى - على نعمه، فإن نفع شكره ~~إنما يعود إليه، ومن جحد نعم الله - تعالى - واستحب الكفر على الإيمان، ~~فالله - تعالى - غنى عنه وعن غيره، حقيق بالحمد من سائر خلقه لإنعامه ~~عليهم بالنعم التى لا تعد ولا تحصى فحميد بمعنى محمود. فالجملة الكريمة ~~المقصود بها، بيان غنى الله - تعالى - عن خلقه، وعدم انتفاعه بطاعتهم، ~~لأن منفعتها راجعة إليهم، وعدم تضرره بمعصيتهم. وإنما ضرر ذلك يعود ~~عليهم. وعبر - سبحانه - فى جانب الشكر بالفعل المضارع، للإشارة إلى أن ~~من شأن الشاكرين أنهم دائما على تذكر لنعم الله - تعالى -، وإذا ما غفلوا ~~عن ذلك لفترة من الوقت، عادوا إلى طاعته - سبحانه - وشكره. وعبر فى جانب ~~الكفر بالفعل الماضى، للإشعار بأنه لا يصح ولا ينبغى من أى عاقل، بل كل ~~عاقل عليه أن يهجر ذلك هجرا تاما، وأن يجعله فى خبر كان. وجواب الشرط ~~محذوف، وقد قام مقامه قوله - تعالى - { فإن الله غني حميد ~~} والتقدير ومن كفر فضرر كفره راجع إليه. لأن الله - تعالى - غنى حميد. ~~ثم حكى ms4078 - سبحانه - ما قاله لقمان لابنه على سبيل النصيحة والإرشاد فقال ~~- تعالى - { وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يبني ~~لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم }. وقوله { ~~يعظه } من الوعظ، وهو الزجر المقترن بالتخويف. وقيل هو التذكير بوجوه ~~الخير بأسلوب يرق له القلب. قالوا واسم ابنه " ثاران " أو " ماثان " أى ~~واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتنتفع، وقت أن قال لقمان لابنه وهو يعظه، ~~ويرشده إلى وجوه الخير بألطف عبارة، يا نبى { لا تشرك بالله } - ~~تعالى - لا فى عبادتك ولا فى قولك، ولا فى عملك، بل أخلص كل ذلك لخالقكم ~~- عز وجل -. وفى ندائه بلفظ { يبني } إشفاق عليه. ومحبة له، فالمراد ~~بالتصغير إظهار الحنو عليه، والحرص على منفعته. قيل وكان ابنه كافرا فما ~~زال يعظه حتى أسلم. وقيل بل كان مسلما، والنهى عن الشرك المقصود به، ~~المدوامة على ما هو عليه من إيمان وطاعة لله رب العالمين. وجملة { إن ~~الشرك لظلم عظيم } تعليل للنهى. أى يا بنى حذار أن تشرك بالله ~~فى قولك أو فعلك، إن الشرك بالله - تعالى - لظلم عظيم، لأنه وضع للأمور ~~فى غير موضعها الصحيح، وتسوية فى العبادة بين الخالق والمخلوق. وقوله - ~~تعالى - { ووصينا الإنسان بوالديه.. } كلام مستأنف، جئ ~~به على سبيل الاعتراض فى أثناء وصية لقمان لابنه، لبيان سمو منزلة ~~الوالدين، ولأن القرآن كثيرا ما يقرن بين الأمر بوحدانية الله - تعالى، ~~والأمر بالإحسان إلى الوالدين. # ومن ذلك قوله - تعالى # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا # وقوله - عز وجل - # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا ~~تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا.. # أى أمرنا كل إنسان أن يكون بارا بأبويه، وأن يحسن إليهما، وأن يطيع ~~أمرهما فى المعروف. ثم بين - سبحانه - ما بذلته الأم من جهد يوجب ~~الإحسان إليها فقال { حملته أمه وهنا على وهن } أى ~~حملته أمه فى بطنها وهى تزداد فى كل يوم ضعفا على ضعف، بسبب زيادة وزنه، ~~وكبر حجمه، وتعرضها لألوان من التعب خلال حمله ووضعه. والوهن الضعف. يقال ~~وهن فلان يهن وهنا إذا ms4079 ضعف. ولفظ " وهنا " حال من أمه بتقدير مضاف. أى ~~حملته أمه ذات وهن، أو مصدر مؤكد لفعل هو الحال. أى تهن وهنا. وقوله { ~~على وهن } متعلق بمحذوف صفة للمصدر. أى وهنا كائنا على وهن. وقوله ~~{ وفصاله في عامين } بيان لمدة إرضاعه. والفصال الفطام عن ~~الرضاع. أى وفطام المولود عن الرضاعة يتم بانقضاء عامين من ولادته، كما ~~قال - تعالى - # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ~~لمن أراد أن يتم الرضاعة... # وهاتان الجملتان { حملته أمه وهنا على وهن ~~وفصاله في عامين } جاءتا بعد الوصية بالوالدين عموما، تأكيدا ~~لحق الأم، وبيانا لما تبذله من جهد شاق فى سبيل أولادها، تستحق من أجله ~~كل رعاية وتكريم وإحسان. قال صاحب الكشاف فإن قلت فقوله { حملته ~~أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين } كيف اعترض به ~~بين المفسر والمفسر؟ قلت لما وصى بالوالدين ذكر ما تكابده الأم وتعانيه ~~من المشاق والمتاعب فى حمله وفصاله هذه المدة المتطاولة، إيجابا للتوصية ~~بالوالدة خصوصا وتذكيرا بحقها العظيم مفردا، ومن ثم # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن قال له من أبر؟ قال " أمك ثم ~~أمك ثم أمك، ثم قال بعد ذلك " ثم أباك ". # وقوله - سبحانه - { أن اشكر لي ولوالديك إلي ~~المصير } بيان لما تستلزمه الوصية بالوالدين أى وصينا الإنسان ~~بوالديه حسنا، وقلنا له اشكر لخالقكم فضله عليك، بأن تخلص له العبادة ~~والطاعة، واشكر لوالديك ما تحملاه من أجلك من تعب، بأن تحسن إليهما، ~~واعلم أن مصيرك إلى خالقك - عز وجل - وسيحاسبك على أعمالك، وسيجازيك ~~عليها بما تستحقه من ثواب أو عقاب. ثم بين - سبحانه - حدود الطاعة ~~للوالدين فقال { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس ~~لك به علم فلا تطعهما }.. والجملة الكريمة معطوفة على قوله ~~{ ووصينا... } بإضمار القول. أى ووصينا الإنسان بوالديه. وقلنا له ~~{ وإن جاهداك } أى وإن حملاك { على أن تشرك بي } فى ~~العبادة أو الطاعة، { ما ليس لك به علم فلا تطعهما } ~~فى ذلك، فإنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق. # وجملة { ما ليس لك به ms4080 علم } لبيان الواقع، فلا مفهوم لها، إذ ~~ليس هناك من إله يعلم سوى الله - عز وجل -. ثم أمر - سبحانه - بمصاحبتهما ~~بالمعروف حتى مع كفرهما فقال { وصاحبهما في الدنيا معروفا ~~}. أى إن حملاك على الشرك. فلا تطعهما، ومع ذلك فصاحبهما فى الأمور ~~الدنيوية التى لا تتعلق بالدين مصاحبة كريمة حسنة، يرتضيها الشرع، ~~وتقضيها مكارم الأخلاق. وقوله { معروفا } صفة لمصدر محذوف. أى صحابا ~~معروفا. أو منصوب بنزع الخافض. أى بالمعروف. ثم أرشد - سبحانه - إلى وجوب ~~اتباع أهل الحق فقال { واتبع سبيل من أناب إلي.. }. أى ~~واتبع - أيها العاقل طريق الصالحين من عبادى، الذين رجعوا إلي بالتوبة ~~والإنابة والطاعة والإخلاص. { ثم إلي مرجعكم } جميعا يوم ~~القيامة - أيها الناس - { فأنبئكم بما كنتم تعملون } ~~فى الدنيا، وأجازى كل إنسان على حسب عمله # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # قال القرطبى ما ملخصه وهاتان الآيتان نزلتا فى شأن سعد بن أبى وقاص لما ~~أسلم، وأن أمه حلفت أن لا تأكل طعاما حتى تموت.. وفيهما دليل على صلة ~~الأبوين الكافرين، بما أمكن من المال إن كانا فقيرين.. # " وقد قالت أسماء بنت أبى بكر الصديق، للنبى صلى الله عليه وسلم وقد ~~قدمت عليها خالتها وقيل أمها من الراضعة يا رسول الله، إن أمى قدمت على ~~وهى راغبة أفاصلها؟ قال " نعم " # وراغبة قيل معناه عن الإسلام، أو راغبة فى الصلة. ثم ذكر - سبحانه - ~~بقية الوصايا التى أوصى بها لقمان ابنه فقال { يبني إنهآ إن ~~تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في ~~السماوات أو في الأرض يأت بها الله }.. والضمير فى ~~قوله { إنهآ } يعود إلى الفعلة التى يفعلها من خير أو شر. و { تك } ~~مجزوم بسكون النون المحذوفة، وهو فعل الشرط. والجواب { يأت بها ~~الله } والمثقال أقل ما يوزن به الشئ. والخردل فى غاية الصغر الدقة. ~~والمعنى يا بنى إن ما تفعله من حسنة أو سيئة، سواء أكان فى نهاية القلة ~~والصغر، كمثال حبة من خردل، أم كان هذا الشئ القليل ms4081 مخبوءا فى صخرة من ~~الصخور الملقاة فى فجاد الأرض، أم كان فى السماوات أم فى الأرض، فإن الله ~~- تعالى - يعلمه ويحضره ويجازى عليه { إن الله } - تعالى - لطيف ~~خبير أى محيط بجميع الأشياء جليلها وحقيرها، عظيمها وصغيرها. فالمقصود من ~~الآية الكريمة، غرس الهيبة والخشية والمراقبة لله - تعالى - سبحانه - لا ~~يخفى عليه شئ فى هذا الكون، مهما دق وقل وتخفى فى أعماق الأرض أو السماء. # وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم ~~نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا ~~بها وكفى بنا حاسبين # ثم أمره بالمحافظة على الصلاة وبالأمر بالمعروف، وبالنهى عن المنكر ~~وبالصبر على الأذى، فقال { يبني أقم الصلاة } أى واظب على ~~أدائها فى أوقاتها بخشوع وإخلاص لله رب العالمين. { وأمر ~~بالمعروف } أى بكل ما حض الشرع على قوله أو فعله { وانه عن ~~المنكر } أى عن كل ما نهى الشرع عن قوله أو فعله. { واصبر ~~على مآ أصابك } من الأذى، فإن الحياة مليئة بالشدائد والمحن ~~والراحة إنما هى فى الجنة فقط. واسم الإشارة فى قوله { أصابك إن ~~ذلك من عزم الأمور } يعود إلى الطاعات المذكورة قبله. وعزم ~~الأمور أعاليها ومكارمها. أو المراد بها ما أوجبه الله - تعالى - على ~~الإنسان. قال صاحب الكشاف { إن ذلك } مما عزمه الله من الأمور، أى ~~قطعه قطع إيجاب وإلزام.. ومنه الحديث # " إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه " # ومنه عزمات الملوك، وذلك أن يقول الملك لبعض من تحت يده، عزمت عليك إلا ~~فعلت كذا. فإذا قال ذلك لم يكن للمعزوم عليه بد من فعله، ولا مندوحة فى ~~تركه. وناهيك بهذه الآية مؤذنة بقدم هذه الطاعات، وأنها كانت مأمورا بها ~~فى سائر الأمم، وأن الصلاة لم تزل عظيمة الشأن، سابقة القدم على ما ~~سواها. ثم نهاه عن التكبر والغرور والتعالى على الناس فقال { ولا ~~تصعر خدك للناس.. }. والصعر فى الأصل مرض يصب البعير فيجعله ~~معوج العنق، والمراد به هنا، التكبر واحتقار الناس، ومنه قول الشاعر # وكنا ms4082 إذا الجبار صعر خده مشينا إليه بالسيوف نعاتبه # أى ولا تمل صفحة وجهك عن الناس، ولا تتعالى عليهم كما يفعل المتكبرون ~~والمغرورون، بل كن هينا لينا متواضعا، كما هو شأن العقلاء.. { ولا ~~تمش في الأرض مرحا } أى ولا تمش فى الأرض مشية المختالين ~~المعجبين بأنفسهم. و { مرحا } مصدر وقع موقع الحال على سبيل المبالغة، ~~أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف. أى تمرح مرحا. والجملة فى موضع الحال. أو ~~مفعول لأجله. أى من أجل المرح. وقوله { إن الله لا يحب كل ~~مختال فخور } تعليل لنهى. والمختال المتكبر الذى يختال فى مشيته، ~~ومنه قولهم فلان يمشى الخيلاء، أى يمشى مشية المغرور المعجب بنفسه. ~~والفخور المتباهى على الناس بماله أو جاهة أو منصبه.. يقال فخر فلان - ~~كمنع - فهو فاخر وفخور، إذا تفاخر بما عنده على الناس، على سبيل التطاول ~~عليهم، والتنقيص من شأنهم. أى إن الله - تعالى - لا يحب من كان متكبرا ~~على الناس، متفاخرا بماله أو جاهه. # ثم أمر بالقصد والاعتدال فى كل أموره فقال { واقصد في مشيك } ~~أى وكن معتدلا فى مشيك، بحيث لا تطبئ ولا تسرع. من القصد وهو التوسط فى ~~الأمور. { واغضض من صوتك } واخفض من صوتك فلا ترفعه إلا إذا ~~استدعى الأمر رفعه، فإن غض الصوت عند المحادثة فيه أدب وثقة بالنفس، ~~واطمئنان إلى صدق الحديث واستقامته. وكان أهل الجاهلية يتفاخرون بجهارة ~~الصوت وارتفاعه، فنهى المؤمنون عن ذلك، ومدح - سبحانه - الذين يخفضون ~~أصواتهم فى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال # إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ~~أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ~~لهم مغفرة وأجر عظيم # وقوله - تعالى - { إن أنكر الأصوات لصوت الحمير } ~~تعليل للأمر بخفض الصوت، وللنهى عن رفعه بدون موجب. أى إن أقبح الأصوت ~~وأبشعها لهو صوت الحمير، فالجملة الكريمة حض على غض الصوت بأبلغ وجه ~~وآكده، حيث شبه - سبحانه الرافعين لأصواتهم فى غير حاجة إلى ذلك، بأصوات ~~الحمير التى هى مثار السخرية مع النفور منها. وهكذا نجد أن لقمان قد أوصى ~~ابنه ms4083 بجملة من الوصايا السامية النافعة، فقد أمره - أولا - بإخلاص ~~العبادة لله - تعالى - ثم غرس فى قلبه الخوف من الله - عز وجل -، ثم حضه ~~على إقامة الصلاة، وعلى الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وعلى الصبر ~~على الأذى، ثم نهاه عن الغرور والتكبر والافتخار، وعن رفع الصوت بدون ~~مقتض لذلك. وبتفيذ هذه الوصايا، يسعد الأفراد، وترقى المجتمعات. ثم ذكر - ~~سبحانه - بعض النعم التى أنعم بها على الناس، ودعا المنحرفين عن الحق إلى ~~ترك المجادلة بالباطل، وإلى مخالفة الشيطان، فقال - تعالى - { ألم ~~تروا أن الله...عذاب السعير }. ### || [31.20-21] # والخطاب فى قوله - تعالى - { ألم تروا أن الله سخر ~~لكم ما في السماوات وما في الأرض.. } لأولئك المشركين ~~الذين استحبوا العمى على الهدى، واشتروا لهو الحديث ليضلوا غيرهم عن طريق ~~الحق. وسخر من التسخير، بمعنى التذليل والتكليف، يقال سخر فلان فلانا ~~تسخيرا، إذا كلفه عملا بلا أجرة، والمراد به هنا الإعداد والتهيئة لما ~~يراد الانتفاع به. والاستفهام لتقرير الواقع وتأكيده. أى لقد رأيتم - ~~أيها الناس - وشاهدتم أن الله - تعالى - سخر لمنفعتكم ومصلحتكم ما فى ~~السماوات من شمس وقمر ونجوم.. وما فى الأرض من زرع وأشجار وحيوانات ~~وجبال.. وما دام الأمر كذلك فاشكروا الله - تعالى - على هذا التسخير، ~~وأخلصوا له العبادة والطاعة. وقوله - تعالى - { وأسبغ عليكم ~~نعمه ظاهرة وباطنة } معطوف على ما قبله. وقوله { وأسبغ ~~} بمعنى أتم وأكمل عليكم نعمه وهى ما ينتفع به الإنسان ويستلذه من ~~الحلال. والنعمة الظاهرة هى النعمة المحسوسة كنعمة السمع والبصر وحسن ~~الهيئة والمال، والجاه، وما شبه ذلك ما يراه الإنسان ويشاهده. والنعمة ~~الباطنة هى النعمة الخفية الى يجد الإنسان أثرها فى نفسه دون أن يراها. ~~كنعمة الإيمان بالله - تعالى - وإسلام الوجه له - عز وجل -، والاتجاه ~~إلى مكارم الأخلاق، والبعد عن رذائلها وسفاسفها. وفى تفسير النعم الظاهرة ~~والباطنة أقوال أخرى، نرى أن ما ذكرناه أوجهها وأجمعها. ثم بين - سبحانه ~~- ما عليه بعض الناس من جدال بالباطل فقال { ومن الناس من ~~يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب ~~منير }. وقوله { يجادل ms4084 } من الجدال بمعنى المفاوضة على سبيل ~~المخاصمة والمنازعة والمغالبة. مأخوذ من جدلت الحبل، إذا أحكمت فتله، ~~فكأن المتجادلين يحول كل واحد منهما أن يقوى رأيه، ويضعف رأى صاحبه. ~~والمراد من المجادلة فى الله المجادلة فى ذاته وصفاته وتشريعاته.. وقوله ~~{ بغير علم } حال من الفاعل فى { يجادل } ، وهى حال موضحة لما ~~تشعر به المجادلة هنا من الجهل والعناد. أى ومن الناس قوم استولى عليهم ~~الجهل والعناد، لأنهم يجادلون ونازعون فى ذات الله، وفى صفاته، وفى وحيه، ~~وفى تشريعاته.. بغير مستند من علم عقلى أو نقلى، وبغير " هدى " يهديه ~~ويرشده إلى الحق، وبغير { كتاب منير } أى وبغير وحى ينير عقله ~~وقلبه، ويوضح له سبيل الرشاد. فأنت ترى أن الآية الكريمة قد جردت هذا ~~المجادل، من أى مستند يستند إليه فى جداله، سواء أكان هذا المستند عقليا ~~أم نقليا، بل أثبتت له الجهالة من كل الجهات. ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء ~~المجادلين بالباطل، لم يكتفوا بذلك، بل أضافوا إلى رذائلهم السابقة رذائل ~~أخرى منها العناد والتقليد الأعمى، فقال { وإذا قيل لهم ~~اتبعوا مآ أنزل الله. # . }. أى وإذا قيل لهؤلاء المجادلين بالباطل اتبعوا ما أنزله الله - ~~تعالى - على نبيه صلى الله عليه وسلم من قرآن كريم، ومن وحى حكيم. { ~~قالوا } على سبيل العناد والتقليد الأعمى { بل نتبع ما ~~وجدنا عليه آبآءنا } من عبادة الأصنام والأوثان، والسير على ~~طريقتهم التى كانوا يسيرون عليها. وقوله - سبحانه - { أولو كان ~~الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير } رد عليهم، وبيان ~~لبطلان الاعتماد فى العقيدة على مجرد تقليد الآباء. والهمزة للاستفهام ~~الإنكارى، والواو للحال. أى أيتبعون ما كان عليه آباؤهم، والحال أن هذا ~~الاتباع هو من وحى الشيطان الذى يقودهم إلى ما يؤدى إلى عذاب السعير. قال ~~الالوسى وفى الآية دليل على المنع من التقليد لمن قدر على النظر. وأما ~~اتباع الغير فى الدين بعد العلم بدليل ما أنه محق، فاتباع فى الحقيقة لما ~~أنزل الله - تعالى وليس من التقليد المذموم فى شئ، وقد قال - سبحانه - # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم ms4085 لا تعلمون # ثم فصل سبحانه بعد ذلك حسن عاقبة الأخيار، وسوء عاقبة الأشرار الذين لا ~~يحسنون التدبر فى أنفسهم، أو فيما حولهم، فقال تعالى - { ومن يسلم ~~وجهه...هو الغني الحميد }. ### || [31.22-26] # وقوله - تعالى - { ومن يسلم وجهه إلى الله وهو ~~محسن } أى ومن يتجه إلى الله - تعالى - ويذعن لأمره، ويخلص له ~~العبادة، وهو محسن فى أقواله وأفعاله. من يفعل ذلك { فقد استمسك ~~بالعروة الوثقى } والعروة فى أصل معناها تطلق على ما يتعلق ~~بالشئ من عراه، أى من الجهة التى يجب تعليقه منها. وتجمع على عرا. ~~والعروة من الدلو مقبضه، ومن الثوب مدخل زره. والوثقى تأنيث الأوثق، وهو ~~الشئ المحكم الموثق. يقال وثق - بالضم - وثاقه، أى قوى وثبت فهو وثيق، أى ~~ثابت محكم. والمعنى ومن يستسلم لأمر الله - تعالى - ويأتى بالأقوال ~~والأفعال على وجه حسن، فقد ثبت أمره، واستقام على الطريقة المثلى، وأمسك ~~من الدين بأقوى سبب، وأحكم رباط. فقد شبه - سبحانه - المتوكل عليه فى ~~جميع أموره، المحسن فى أفعاله، بمن ترقى فى حبل شاهق، وتدلى منه، فاستمسك ~~بأوثق عروة، من حبل متين مأمون انقطاعه. وخص - سبحانه - الوجه بالذكر، ~~لأنه أكرم الأعضاء وأعظمها حرمة، فإذا خضع الوجه الذى هو أكرم الأعضاء، ~~فغيره أكثر خضوعا. وقوله { وإلى الله عاقبة الأمور } أى ~~وإلى الله - تعالى - وحده تصير الأمور، وترجع إليه، وتخضع لحكمه وإرادته. ~~وقوله - تعالى - { ومن كفر فلا يحزنك كفره... } تسلية ~~للرسول صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من حزن بسبب إصرار الكافرين على ~~كفرهم. أى ومن استمر أيها الرسول - على كفره بعد أن بلغته رسالتنا ~~ودعوتنا، فلا يحزنك بعد ذلك بقاؤه على كفره وضلاله، فأنت عليك البلاغ، ~~ونحن علينا الحساب، وإنك لا تهدى من أحببت، ولكن الله يهدى من يشاء. ~~وقوله - سبحانه - { إلينا مرجعهم فننبئهم بما ~~عملوا... } بيان لسوء مصيرهم. أى إلينا وحدنا مرجع هؤلاء الكافرين، ~~فنخبرهم بما عملوه فى الدنيا من أعمال سيئة، ونجازيهم عليها بما يستحقونه ~~من عقاب. { إن الله } - تعالى - { عليم } علما تاما { بذات ~~الصدور } أى بمكنونات الصدور وخفاياها.. { نمتعهم قليلا ms4086 } ~~فى هذه الحياة الدنيا. أن نمتعهم تمتيعا قليلا فى دنياهم، بأن نعطيهم ~~الأموال والأولاد على سبيل الاستدراج. { ثم نضطرهم إلى ~~عذاب غليظ } أى نعطيهم فى حياتهم القصيرة ما يتمتعون به من مال ~~وصحة... ثم نلجئهم وندفعهم دفعا يوم القيامة الى عذاب مروع فظيع، لضخامة ~~ثقله، وشدة وقعه. والمراد بالاضطرار الإلجاء والقسر والإلزام، أى أنهم ~~لا يستطيعون التفلت أو الانفكاك عن هذا العذاب الذى أعد لهم. ووصف - ~~سبحانه - العذاب بالغلظ، لزيادة تهويله وشدته. فهو ثقيل عليهم ثقل ~~الأجرام الضخمة التى تهوى على رأس الإنسان، فتشل حركته وتهلكه. ثم بين - ~~سبحانه - ما كان عليه هؤلاء الكافرون من تناقض بين أقوالهم وأفعالهم فقال ~~{ ولئن سألتهم } أيها الرسول الكريم - { من خلق ~~السماوات والأرض } وأوجدهما على هذا النظام البديع. # . { ليقولن } فى الجواب { الله } أى الله - تعالى - هو الذى ~~خلقهما، وهو الذى أوجدهما. { قل الحمد لله } قل - أيها الرسول ~~الكريم - الحمد لله - تعالى - وحده، حيث اعترفتم بأن خالقهما هو الله، ~~وما دام الأمر كذلك، فكيف أشركتم معه فى العبادة غيره؟ إن قولكم هذا الذى ~~تؤيده الفطرة، ليتنافى مع ما أنتم عليه من كفر وضلال. وقوله - سبحانه - { ~~بل أكثرهم لا يعلمون } إضراب عن أقوالهم إلى بيان واقعهم، ~~أى بل أكثرهم لا يعلمون الحقائق علما سليما، وإنما هم يقولون بألسنتهم، ~~وما يتباين تباينا تاما مع أفعالهم، وهذا شأن الجاهلين، الذين انطمست ~~بصائرهم.. ثم بين - سبحانه - ما يدل على عظم قدرته، وشمول ملكه فقال { ~~لله ما في السماوات والأرض }. أى لله - تعالى - وحده، ما ~~فى السماوات وما فى الأرض، خلقا، وملكا، وتصرفا.. { إن الله هو ~~الغني } عن كل ما سواه { الحميد } أى المحمود من أهل الأرض ~~والسماء، لأنه هو الخالق لكل شئ، والرازق لكل شئ. ثم ساق - تعالى - بعد ~~ذلك ما يدل على شمول علمه، ونفاذ قدرته، فقال - سبحانه - { ولو ~~أنما في الأرض....سميع بصير }. ### || [31.27-28] # قال ابن كثير قال قتادة قال المشركون إنما هذا كلام يوشك أن ينفد، فقال ~~- تعالى - { ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام.. }. ~~وعن ابن ms4087 عباس # " أن أحبار يهود قالوا للبنى صلى الله عليه وسلم أرأيت قولك { ومآ ~~أوتيتم من العلم إلا قليلا }؟ إيانا تريد أم قومك؟ فقال ~~صلى الله عليه وسلم " كلا عنيت " فقالوا ألست تتلو فيما جاءك أنا قد ~~أوتينا التوراة فيها تبيان لكل شئ؟ فقال صلى الله عليه وسلم " إنها فى ~~علم الله قليل، وعندكم من ذلك ما يكفيكم " # وأنزل الله فيما سألوه عنه من ذلك { ولو أنما في الأرض من ~~شجرة أقلام }. و " لو " شرطية، وجوابها { ما نفدت ~~كلمات الله.. } و " من " فى قوله { من شجرة } للبيان، وفى ~~الآية الكريمة كلام محذوف يدل عليه السياق. والمعنى ولو أن ما فى الأرض ~~من أشجار تحولت بغصونها وفروعها إلى أقلام، ولو أن البحر - أيضا - تحول ~~إلى مداد لتلك الأقلام، وأمد هذا البحر بسبعة أبحر أخرى. وكتبت بتلك ~~الأقلام، وبذلك المداد كلمات الله التى يحيط بها علمه - تعالى -.. لنفدت ~~الأقلام، ولنفد ماء البحر، لتناهى كل ذلك، وما نفدت كلمات الله - تعالى - ~~ولا معلوماته، لعد تناهيها. { إن الله عزيز } لا يعجزه شئ، ولا ~~يغلبه غالب { حكيم } فى كل أقواله وأفعاله. فالآية الكريمة المقصود ~~منها بيان أن علم الله - تعالى لا نهاية له، وأن مشيئته لا يقف أمامها ~~شئ، وكلماته لا أول لها ولا آخر. وقال - سبحانه - { من شجرة } ~~بالإفراد، لأن المراد تفصيل الشجر واستقصاؤه شجرة فشجرة، حتى لا تبقى ~~واحدة من أنواع الأشجار إلا وتحولت إلى أقلام. وجمع - سبحانه - الأقلام، ~~للتكثير، أى أقلام كثيرة يصعب عدها. والمراد بالبحر البحر المحيط بالأرض، ~~لأنه المتبادر من التعريف، إذ هو الفرد الكامل. وإنما ذكرت السبعة بعد ~~ذلك على وجه المبالغة دون إرادة الحصر، وإلا فلو اجتمعت عشرات البحار ما ~~نفدت كلمات الله. قال صاحب الكشاف فإن قلت مقتضى الكلام أن يقال ولو أن ~~الشجر أقلام، والبحر مداد؟ قلت أغنى عن ذكر المداد قوله { يمده } ~~لأنه من قولك مد الدواة وأمدها. جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة، وجعل ~~الأبحر السبعة مملوءة مدادا، فهى تصب فيه مدادها أبدا صبا لا ينقطع. ms4088 فإن ~~قلت الكلمات جمع قلة، والموضع موضع التكثير لا التقليل، فهلا قيل كلم ~~الله؟. قلت معناه أن كلماته لا تفى بكتابها البحار فكيف بكلمه؟. وقال ~~الآلوسى والمراد بكلماته - تعالى - كلمات علمه - سبحانه - وحكمته. # وقيل المراد بها مقدوراته وعجائب خلقه، والتى إذا أراد - سبحانه - شيئا ~~منها قال له # كن فيكون # ثم أتبع - سبحانه - ذلك بيان نفاذ قدرته فقال { ما خلقكم ولا ~~بعثكم إلا كنفس واحدة... } أى ما خلقكم - أيها الناس - ~~جميعا، ولا بعثكم يوم القيامة، إلا كلخق نفس واحدة أو بعثها، لأن قدرته - ~~عز وجل - يتساوى معها القليل والكثير والصغير والكبير، قال - تعالى - # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # وقال - سبحانه - # ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر # { إن الله } - تعالى - { سميع } لكل شئ { بصير } بأحوال ~~خلقه لا يخفى عليه شئ منهم. ثم ذكر - سبحانه - الناس بجانب من مظاهر ~~قدرته ونعمه عليهم، لكى يخلصوا له العبادة والطاعة، فقال - تعالى - { ~~ألم تر أن الله يولج...كل ختار كفور }. ### || [31.29-32] # والاستفهام فى قوله - سبحانه - { ألم تر أن الله يولج ~~الليل في النهار... } للتقرير. والخطاب لكل من يصلح له ليعتبر ~~ويتعظ، ويخلص العبادة لله - تعالى -. وقوله { يولج } من الإيلاج ~~بمعنى الإدخال. يقال ولج فلان منزله، إذا دخله... ثم استعير لزيادة زمان ~~النهار فى الليل وعكسه، بحسب المطالع. أى لقد رأيت وشاهدت - أيها العاقل ~~- أن الله - تعالى -، يدخل الليل فى النهار، ويدخل النهار فى الليل، ~~ويزيد فى أحدهما وينقص من الآخر، على حسب مشيئته وحكمته.. وأنه - سبحانه ~~- { سخر الشمس والقمر.. } أى ذللهما وجعلهما لمنفعة الناس ~~ومصلحتهم، كما جعلهما يسيران هما والليل والنهار، بنظام بديع لا يتخلف. ~~وقوله { كل يجري إلى أجل مسمى } كل من الشمس والقمر ~~يجريان فى مدارهما بنظام ثابت محكم، إلى الوقت الذى حدده - سبحانه - ~~لنهاية سيرهما، وهو يوم القيامة. قال ابن كثير قوله { إلى أجل ~~مسمى } قيل إلى غاية محدودة. وقيل إلى يوم القيامة، وكلا المعنيين ~~صحيح. ويستشهد للقول الأول بحديث أبى ذر الذى فى الصحيحين، أن رسول الله ~~صلى ms4089 الله عليه وسلم قال # " يا أبا ذر، أتدرى أين تذهب هذه الشمس؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال ~~فإنهما تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأذن ربها، فيوشك أن يقال لها ارجعى ~~من حيث جئت ". # وقال الجمل قوله { إلى أجل مسمى } قاله هنا بلفظ { إلى } ~~، وفى سورتى فاطر والزمر، بلفظ " لأجل " ، لأن ما هنا وقع بين آيتين ~~دالتين على غاية ما ينتهى إليه الخلق، وهما قوله # ما خلقكم ولا بعثكم... # الآية. وقوله # اتقوا ربكم واخشوا يوما... # الآية، فناسب هنا ذكر { إلى } الدالة على الانتهاء، وما فى فاطر ~~والزمر خال من ذلك. إذ ما فى فاطر لم يذكر مع ابتداء خلق ولا انتهائه، ~~وما فى الزمر ذكر ما ابتدائه، فناسب ذكر اللام، والمعنى يجرى كل كما ذكر ~~لبلوغ أجل مسمى. وجملة { وأن الله بما تعملون خبير } ~~معطوفة على قوله { تر أن الله يولج.. } أى لقد علمت أن الله - ~~تعالى - قد فعل ذلك، وأنه سبحانه - خبير ومطلع على كل عمل تعملونه - أيها ~~الناس - دون أن يخفى عليه شئ منها. واسم الإشارة فى قوله { ذلك ~~بأن الله هو الحق... } يعود إلى ما تقدم ذكره من إيلاج ~~الليل فى النهار، وتسخير الشمس والقمر. وهو مبتدأ. وقوله { بأن ~~الله هو الحق } خبره والباء للسببية. أى ذلك الذى فعلناه سببه، ~~أن الله - تعالى - هو الإله الحق، الذى لا إله سواه، وأن ما يدعون من ~~دونه من آلهة أخرى هو { الباطل } الذى لا يصح أن يسمى بهذا الاسم، ~~لأنه مخلوق زائل متغير، لا يضر ولا ينفع. # ثم ذكر - سبحانه - الناس بنعمة أخرى من نعمه التى لا تحصى فقال { ألم ~~تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ~~ليريكم من آياته.. }. أى ولقد علمت - أيضا - وشاهدت - أيها ~~العاقل - حال السفن، وهى تجرى فى البحر، بمشيئة الله وقدرته، وبلطفه ~~ورحمته وإحسانه. ليطلعكم على بعض آياته الدالة على باهر قدرته، وسمو ~~حكمته وسابغ نعمته. { إن في ذلك } الذى شاهدتموه وانتفعتم به من ~~السفن وغيرها { لآيات } واضحات على قدرة الله - تعالى - ورحمته لعباده ms4090 ~~{ لكل صبار } أى لكل إنسان كثير الصبر { شكور }. أى كثير ~~الشكر لله - تعالى - على نعمه ورحمته. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أحوال ~~الناس عندما تحيط بهم المصائب وهم فى وسط البحر فقال { وإذا ~~غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له ~~الدين }. وقوله { غشيهم } من الغشاء بمعنى الغطاء. فيقال غشى ~~الظلام المكان، إذا حل به واصل " الموج " الحركة والازدحام. ومنه قولهم ~~ماج البحر إذا اضطرب ارتفع ماؤه. والظلل جمع ظلة - كغرفة وغرف - وهى ما ~~أظل غيره من سحاب أو جبل أو غيرهما. أى وإذا ما ركب الناس فى السفن، ~~وأحاطت بهم الأمواج من كل جانب، وأورشكت أن تعلوهم وتغطيهم... فى تلك ~~الحالة لجأوا إلى الله - تعالى - وحده، يدعونه بإخلاص وطاعة وتضرع، أن ~~ينجيهم مما هم فيه من بلاء.. { فلما نجاهم } - سبحانه - بفضله ~~وإحسانه، وأوصلهم { إلى البر } انقسموا إلى قسمين، أما القسم ~~الأول، فقد عبر عنه - سبحانه - بقوله { فمنهم مقتصد } أى ~~فمنهم من هو مقتصد، أى متوسط فى عبادته وطاعته، يعيش حياته بين الخوف ~~والرجاء. قال ابن كثير قال ابن زيد هو المتوسط فى العمل، ثم قال ابن كثير ~~وهذا الذى قاله ابن زيد هو المراد فى قوله - تعالى - { ثم أورثنا ~~الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم ~~لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات } ~~فالمقتصد ها هنا هو المتوسط فى العمل. ويحتمل أن يكون مرادا هنا - أيضا - ~~ويكون من باب الإنكار على من شاهد تلك الأهوال، والأمور العظام، والآيات ~~الباهرات فى البحر، ثم بعد ما أنعم الله عليه من الخلاص، كان ينبغى أن ~~يقابل ذلك بالعمل التام، والمبادرة إلى الخيرات، فمن اقتصد بعد ذلك كان ~~مقصرا، والحالة هذه. وأما القسم الثانى فقد عبر عنه - سبحانه - بقوله { ~~وما يجحد بآياتنآ إلا كل ختار كفور }. والختار من ~~الختر. وهو أبشع وأقبح الغدر والخديعة. يقال فلان خاتر وختار وختير، إذا ~~كان شديد الغدر والنقض لعهوده، ومنه قول الشاعر # وإنك لو رأيت أبا عمير ملأت يديك من غدر وختر # والكفور هو الشديد الكفران والجحود لنعم الله ms4091 - تعالى -. أى وما يجحد ~~بآياتنا الدالة على قدرتنا ورحمتنا، إلا من كان كثير النقض لعهودنا، شديد ~~النكران لنعمنا. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بدعوة الناس إلا ~~الاستعداد ليوم الحساب وإلى مراقبة الله - تعالى - فى كل أحوالهم، لأنه - ~~سبحانه - لا يخفى عليه شئ منها. فقال { يأيها الناس اتقوا ~~ربكم....عليم خبير }. ### || [31.33-34] # والمعنى { يأيها الناس اتقوا ربكم } بأن تطيعوه ولا ~~تعصوه، وبأن تشكروه ولا تكفروه، واخشوا يوما، أى وخافوا أهوال يوم عظيم. ~~{ لا يجزي والد عن ولده } أى لا يستطيع والد أن ينفع ولده ~~بشئ من النفع فى هذا اليوم. أو أن يقضى عنه شيئا من الأشياء. { ولا ~~مولود هو جاز عن والده شيئا } أى ولا يستطيع المولود - ~~أيضا - أن يدفع عن والده شيئا مما يحتاجه منه. وخص - سبحانه - الوالد ~~والمولود بالذكر، لأن رابطة المحبة والمودة بينهما هى أقوى الروابط ~~وأوثقها، فإذا انتفى النفع بينهما فى هذا اليوم، كان انتفاؤه بالنسبة ~~لغيرهما من باب أولى. وقوله { إن وعد الله حق } أى إن ما وعد ~~الله - تعالى - به عباده من البعث والحساب والثواب والعقاب، حق وثابت ~~ثبوتا لا يقبل الشك أو التخلف. وما دام الأمر كذلك { فلا ~~تغرنكم الحياة الدنيا } أى فلا تخدعنكم الحياة الدنيا ~~بزخارفها وشهواتها ومتعها، ولا تشغلنكم عن طاعة الله - تعالى - وعن حسن ~~الاستعداد لهذا اليوم الهائل الشديد. فإن الكيس الفطن هو الذى يتزود ~~لهذا اليوم بالإيمان الحق، والعمل الصالح النافع. { ولا يغرنكم ~~بالله الغرور } أى ولا يصرفنكم الشيطان عن طاعة الله، وعن امتثال ~~أمره. فالمراد بالغرور الشيطان. أو كل ما يصرفك عن طاعة الله - تعالى. ~~قال الآلوسى { ولا يغرنكم بالله الغرور } أى الشيطان، ~~كما روى عن ابن عباس وغيره. بأن يحملكم على المعاصى بتزيينها لكم... وعن ~~أبى عبيدة كل شئ غرك حتى تعصى الله - تعالى - فهو غرور سواء أكان شيطانا ~~أم غيره وعلى ذلك ذهب الراغب فقال الغرور كل ما يغر الإنسان من مال أو ~~جاه أو شهوة أو شيطان.. وأصل الغرور من غر فلان فلانا، إذا أصاب غرته، ms4092 أى ~~غفلته، ونال منه ما يريد. به الخداع.. والظاهر أن " بالله " صلة " يغرنكم ~~" أى لا يخدعنكم بذكر شئ من شئونه - تعالى -، يجركم بها على معاصيه - ~~سبحانه -. ثم بين - سبحانه - جانبا من الأمور التى استأثر - عز وجل - ~~بعلمها فقال { إن الله عنده علم الساعة } أى عنده وحده ~~علم وقتها، وعلم قيامها، كما قال - تعالى - # يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما ~~علمها عند ربي لا يجليها لوقتهآ إلا هو... # { وينزل الغيث } أى وينزل بقدرته المطر، ويعلم وحده وقت ~~نزوله. { ويعلم ما في الأرحام } أى ويعلم ما فى أرحام الأمهات ~~من ذكر أو أنثى. { وما تدري نفس } من النفوس كائنة من كانت { ~~ماذا تكسب غدا } من خير أو شر، ومن رزق قليل أو كثير، لأنها لا ~~تملك عمرها إلى الغد. # { وما تدري نفس } من النفوس - أيضا - كائنة من كانت { بأي ~~أرض تموت } أى بأى مكان ينتهى أجلها. { إن الله } - تعالى - ~~{ عليم } بكل شئ { خبير } بما يجرى فى نفوس عباده. وقد ساق الإمام ~~ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية، جملة من الأحاديث والآثار، منها ما راه ~~الإمام أحمد عن ابن عمر - رضى الله عنهما - قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم قرأ هذه الآية ". # وعن مجاهد قال # " جاء رجل من أهل البادية فقال للنبى صلى الله عليه وسلم - " إن امرأتى ~~حبلى فأخبرنى ما تلد؟ وبلادنا جدبة فأخبرنى متى ينزل الغيث؟ وقد علمت متى ~~ولدت فأخبرنى متى أموت؟ " # فأنزل الله الآية ". وهذه الأمور الخمسة من الأمور التى استأثر الله - ~~تعالى - بها على سبيل العلم اليقينى الشامل المطابق للواقع.. ولا مانع من ~~أن يطلع الله - تعالى - بفضله وكرمه، بعض أصفيائه على شئ منها. وليست ~~المغيبات محصورة فى هذه الخمسة، بل كل غيب لا يعلمه إلا الله - تعالى - ~~داخل فيما استأثر الله - تعالى - بعلمه، وإنما خصت هذه الخمسة بالذكر ~~لأنها من أهم المغيبات، أو لأن السؤال كان عنها. وما يخبر به المنجم ~~والطبيب وعلماء الأرصاد الجوية من ms4093 الأمور التى لم تتكشف بعد، فمبناه على ~~الظن لا على اليقين، وعلى احتمال الخطأ والصواب. أما علم الله - تعالى - ~~بهذه الأمور وغيرها، فهو علم يقينى قطعى شامل. لا يحتمل الظن أو الشك أو ~~الخطأ. وصدق الله إذ يقول # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله ~~إلا بقدر معلوم # وبعد فهذا تفسير محرر لسورة " لقمان " نسأل الله - تعالى - أن يجعله ~~خالصا لوجهه، ونافعا لعباده، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ~~وسلم.. ### | [32 - سورة السجدة] ### || [32.1-9] # سورة السجدة من السور التى افتتحت ببعض حروف التهجى، وقد سبق أن ذكرنا ~~آراء العلماء فى لك بشئ من التفصيل عند تفسيرنا لسورة البقرة، وآل عمران، ~~والأعراف... وقلنا ما ملخصه إن أقرب الأقوال إلى الصواب، أن هذه الحروف ~~المقطعة، قد وردت فى افتتاح بعض السور، على سبيل الإيقاظ والتنبيه إلى ~~إعجاز القرآن. فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك الكافرين المعارضين فى أن ~~القرآن من عند الله هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما ~~تؤلفون منه كلامكم ومنظوما من حروف، وهى من جنس الحروف الهجائية التى ~~تنظمون منها حروفكم. فإن كنتم فى شك من كونه منزلا من عند الله فهاتوا ~~مثله، وادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك، أو هاتوا عشر سور من ~~مثله، أو سورة من مثله... ومع كل هذا التساهل فى التحدى. فقد عجزوا ~~وانقلبوا خاسرين، وثبت بذلك أن القرآن من عند الله - تعالى - وحده. وقوله ~~- تعالى - { تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب ~~العالمين } بيان لمصدر القرآن الكريم وأنه لا شك فى كونه من عند ~~الله - عز وجل -. وقوله { تنزيل الكتاب } مبتدأ. وخبره { من ~~رب العالمين } وجملة { لا ريب فيه } معترضة بينهما، أو ~~حال من الكتاب... أى تنزيل هذا الكتاب عليك - أيها الرسول الكريم - كائن ~~من رب العالمين، وهذا أمر لا شك فيه، ولا يخالطه ريب أو تردد عند كل ~~عاقل. وعجل - سبحانه - بنفى الريب، حيث جعله بين المبتدأ والخبر، لبيان ~~أن هذه القضية ليست محلا للشك ms4094 أو الريب، وأن كل منصف يعلم أن هذا القرآن ~~من رب العالمين. و " أم " فى قوله - تعالى - { أم يقولون ~~افتراه } هى المنقطعة التى بمعنى بل والهمزة. والاستفهام للتعجيب من ~~قولهم وإنكاره. والافتراء الاختلاق. يقال فلان افترى الكذب، أى اختلقه. ~~وأصله من الفرى بمعنى قطع الجلد. وأكثر ما يكون للإفساد. والمعنى بل ~~أيقول هؤلاء المشركون، إن محمدا صلى الله عليه وسلم، قد افترى هذا ~~القرآن، واختلقه من عند نفسه...؟ وقوله - عز وجل - { بل هو الحق ~~من ربك } رد على أقوالهم الباطلة. أى لا تستمع - أيها الرسول ~~الكريم - إلى أقاويلهم الفاسدة، فإن هذا القرآن هو الحق الصادر إليك من ~~ربك - عز وجل -. ثم بين - سبحانه - الحكمة فى إرساله صلى الله عليه وسلم ~~- وفى إنزال القرآن عليه فقال { لتنذر قوما مآ أتاهم من ~~نذير من قبلك لعلهم يهتدون }. والإنذار هو التخويف ~~من ارتكاب شئ تسوء عاقبته. و " ما " نافية. # و " نذير " فاعل " أتاهم " و " من " مزيدة للتأكيد. أى هذا القرآن - يا ~~محمد - هو معجزتك الكبرى، وقد أنزلناه إليك لتنذر قوما لم يأتهم نذير من ~~قبلك بما جئتهم به من هدايات وإرشادات وآداب. وقد فعلنا ذلك رجاء أن ~~يهتدوا إلى الصراط المستقيم، ويستقبلوا دعوتك بالطاعة والاستجابة لما ~~تدعوهم إليه. ولا يقال إن إسماعيل - عليه السلام - قد أرسل إلى آباء ~~هؤلاء العرب الذين أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم، لأن رسالة ~~إسماعيل قد اندرست بطول الزمن، ولم ينقلها الخلف عن السلف، فكانت رسالة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قومه، جديدة فى منهجها وأحكامها ~~وتشريعاتها. ثم أثنى - سبحانه - على ذاته، بما يستحقه من إجلال وتعظيم ~~وتقديس فقال { الله الذي خلق السماوات والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام... }. والأيام جمع يوم، واليوم فى ~~اللغة مطلق الوقت، أى فى ستة أوقات لا يعلم مقدارها إلا الله - تعالى -. ~~وهو - سبحانه - قادر على أن يخلق السماوات والأرض وما بينهما فى لمحة أو ~~لحظة، ولكنه - عز وجل - خلقهن فى تلك الأوقات، لكى يعلم عباده التأنى ~~والتثبت فى الأمور. قال ms4095 القرطبى قوله - تعالى - { ستة أيام } قال ~~الحسن من أيام الدنيا. وقال ابن عباس إن اليوم من الأيام الستة، التى خلق ~~الله فيها السماوات والأرض، مقداره ألف سنة من سنى الدنيا... وقال بعض ~~العلماء ما ملخصه وليست هذه الأيام من أيام هذه الأرض التى نعرفها، إذ ~~أيام هذه الأرض، مقياس زمنى ناشئ من دورة هذه الأرض حول نفسها أمام الشمس ~~مرة، تؤلف ليلا ونهارا على هذه الأرض.. وهو مقياس يصلح لنا نحن أبناء ~~هذه الأرض الصغيرة الضئيلة. أما حقيقة هذه الأيام الستة المذكورة فى ~~القرآن، فعلمها عند الله. ولا سبيل لنا إلى تحديدها وتعيين مقدارها، فهى ~~من ايام الله التى يقول عنها # وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون # وقوله - سبحانه - { ثم استوى على العرش } إشارة إلى ~~استعلائه وهيمنته على شئون خلقه. وقال بعض العلماء وعرش الله - تعالى - ~~مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم.. وقد ذكر فى إحدى وعشرين آية. وذكر ~~الاستواء على العرش فى سبع آيات. أما الاستواء على العرش، فذهب سلف ~~الأمة، إلى أنه صفة الله - تعالى - بلا كيف ولا انحصار ولا تشبيه ولا ~~تمثيل، لاستحالة اتصافه - سبحانه - بصفات المحدثين، ولوجوب تنزيهه عما لا ~~يليق به # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # وأنه يجب الإيمان بها كما وردت، وتفويض العلم بحقيقتها إليه - تعالى -. ~~قال الإمام مالك الكيف غير مقعول، والاستهواء غير مجهول، والإيمان به ~~واجب، والسؤال عنه بدعة. # وقال محمد بن الحسن اتفق الفقهاء جميعا على الإيمان بالصفات، من غير ~~تفسير ولا تشبيه. وقال الإمام الرازى إن هذا المذهب هو الذى نقول به ~~ونختاره ونعتمد عليه.. ". وقوله - سبحانه - { ما لكم من دونه ~~من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون } أى ليس لكم - أيها ~~الناس - إذا تجاوزتم حدوده - عز وجل - { من ولي } أى من ناصر ينصركم ~~إذا أراد عقابكم، { ولا شفيع } يشفع لكم عنده لكى يعفو عنكم، أفلا ~~تعقلون هذه المعانى الواضحة، وتسمعون هذه المواعظ البليغة، التى من شأنها ~~أن تحملكم على التذكر والاعتبار والطاعة التامة لله رب العالمين. فالآية ms4096 ~~الكريمة جمعت فى توجيهاتها الحكيمة، بين مظاهر قدرة الله - تعالى -، وبين ~~الترهيب من معصية ومخالفة أمره، وبين الحض على التذكر والاعتبار. ثم أضاف ~~- سبحانه - إلى ما سبق أن وصف به ذاته، صفات أخرى تليق بجلاله، فقال { ~~يدبر الأمر من السمآء إلى الأرض ثم يعرج ~~إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ~~}. وقوله - تعالى - { يدبر } من التدبير بمعنى الإحكام والإتقان، ~~والمراد به هنا إيجاد الأشياء على هذا النحو البديع الحكيم الذى نشاهده، ~~وأصل التدبير النظر فى أعقاب الأمور محمودة العاقبة. وقوله { يعرج } ~~من العروج بمعنى الصعود والارتفاع والصيرورة إليه - تعالى -. والضمير فى ~~" إليه " يعود إلى الأمر الذى دبره وأحكمه - سبحانه -. أى أن الله - ~~تعالى - هو الذى يحكم شئون الدنيا السماوية والأرضية إلا أن تقوم الساعة، ~~وهو الذى يجعلها على تلك الصورة البديعة المتقنة، ثم تصعد إليه - تعالى - ~~تلك الأمور والشئون المدبرة، فى يوم، عظيم هو يوم القيامة { كان ~~مقداره ألف سنة مما تعدون } من أيام الدنيا. قال ~~الآلوسى ما ملخصه وقوله { من السمآء إلى الأرض } متعلقان ~~بقوله { يدبر } ومن ابتدائية، وإلى انتهائية. أى يريده - تعالى - ~~على وجه الإتقان ومراعاة الحكمة، منزلا له من السماء إلى الأرض. ~~وإنزاله من السماء باعتبار أسبابه، فإن أسبابه سماوية من الملائكة ~~وغيرهم. وقوله { ثم يعرج إليه } أى ذلك الأمر بعد تدبيره. ~~وهذا العروج مجاز عن ثوبته فى علمه.. أو عن كتابته فى صحف الملائكة بأمره ~~- تعالى -. وقال بعض العلماء وقد ذكر - سبحانه - هنا أنه { يدبر ~~الأمر من السمآء إلى الأرض ثم يعرج إليه في ~~يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون }. وذكر فى ~~سورة الحج # وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون # وذكر فى سورة المعارج # تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة # والجمع بين هذه الآيات من وجهين الأول ما جاء عن ابن عباس من أن يوم ~~الألف فى سورة الحج، هو أحد الأيام الستة التى خلق الله فيها السماوات ~~والأرض. # ويوم الألف فى سورة السجدة، هو مقدار ms4097 سير الأمر وعروجه إليه - تعالى -، ~~ويوم الخمسين ألفا - فى سورة المعارج - هو يوم القيامة. الثانى أن المراد ~~بجميعها يوم القيامة، وأن الاختلاف باعتبار حال المؤمن والكافر ويدل لهذا ~~الوجه قوله - تعالى - # فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير # أى أن يوم القيامة يتفاوت طوله بحسب اختلاف الشدة، فهو يعادل فى حالة ~~ألف سنة من سنى الدنيا، ويعادل فى حالة أخرى خمسين ألف سنة. واسم ~~الإشارة فى قوله { ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز ~~الرحيم } يعود إلى الله - تعالى -، وهو مبتدأ، وما بعده أخبار له - ~~عز وجل -. أى ذلك الذى اتصف بتلك الصفات الجليلة، وفعل تلك الأفعال ~~المتقنة الحكيمة، هو الله - تعالى -، { عالم الغيب والشهادة ~~} أى عالم كل ما غاب عن الحسن، وكل ما هو مشاهد له، لا يخفى عليه شئ مما ~~ظهر أو بطن { العزيز } الذى لا يغلبه غالب { الرحيم } بعباده. { ~~الذي أحسن كل شيء خلقه } أى الذى أحكم وأتقن كل شئ ~~خلقه وأوجده فى هذا الكون، لأنه - سبحانه - أوجده على النحو الذى تقتضيه ~~حكمته، وتستدعيه مصلحة عباده. قال الشوكانى وقرأ الجمهور { خلقه } - ~~بفتح اللام - على أنه فعل ماض صفة لشئ، فهو فى محل جر. أو صفة للمضاف ~~فيكون فى محل نصب. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ابن عامر " خلقه " - بسكون ~~اللام - وفى نصبه أوجه الأول أن يكون بدلا من { كل شيء } بدل ~~اشتمال، والضمير عائد على كل شئ، وهذا هو المشهور... ". والمراد ~~بالإنسان فى قوله - تعالى - { وبدأ خلق الإنسان من طين } ~~آدم - عليه السلام -، أى وبدأ خلق أبيكم آدم من طين، فصار على أحسن صورة، ~~وأبدع شكل { ثم جعل نسله } أى ذريته، وسميت بذلك لأنها تنسل ~~وتنفصل منه. { من سلالة } أى من خلاصة، وأصلها ما يسل ويخلص ~~بالتصفية. { من مآء مهين } أى ممتهن لا يهتم بشأنه، ولا يعتنى ~~به، والمقصود به المنى الذى يخرج من الرجل. { ثم سواه } أى هذا ~~المخلوق الذى أوجده من طين، أو من ماء مهين. والمراد ثم عدل خلقه، وسوى ~~شكله، وتناسب بين أعضائه، وأتمه ms4098 فى أحسن صورة... { ونفخ فيه } - ~~سبحانه - { من روحه } أى من قدرته ورحمته، التى صار بها هذا ~~الإنسان إنسانا كاملا فى أحسن تقويم. وإضافة الروح إليه - تعالى - ~~للتشريف والتكريم لهذا المخلوق، كما فى قولهم بيت الله. { وجعل ~~لكم } بعد ذلك { السمع } الذى تسمعون به { والأبصار } التى ~~تبصرون بها، { والأفئدة } التى تعقلون بها، وتحسون الأشياء ~~بواسطتها. # وقوله { قليلا ما تشكرون } بيان لموقف بنى آدم من هذه النعم ~~المتكاثرة والمتنوعة. ولفظ " قليلا " منصوب على أنه صفة لمحذوف وقع ~~معمولا لتشكرون. أى شكرا قليلا تشكرون، أو زمانا قليلا تشكرون. ~~وهكذا بنو آدم - إلا من عصم الله -، أوجدهم الله - تعالى - بقدرته، وسخر ~~لمنفعتهم ومصلحتهم ما سخر من مخلوقات، وصانهم فى كل مراحل خلقهم بأنواع ~~من الصيانة والحفظ... ومع ذلك فقليل منهم هم الذين يشكرونه - عز وجل - ~~على نعمه. وصدق - سبحانه - حيث يقول # وقليل من عبادي الشكور # ثم حكى - سبحانه - شبهات المشركين ورد عليها، وصور أحوالهم الأليمة ~~عندما تقبض الملائكة أرواحهم، فقال - تعالى - { وقالوا أإذا ~~ضللنا...بما كنتم تعملون }. ### || [32.10-14] # قال القرطبى قوله - تعالى - { وقالوا أإذا ضللنا في ~~الأرض } هذا قول منكرى البعث أى هلكنا وبطلنا وصرنا ترابا. وأصله من ~~قول العرب ضل الماء فى اللبن إذا ذهب، والعرب تقول للشئ غلب عليه غيره ~~حتى خفى فيه أثره قد ضل.. ". أى وقال الكافرون على سبيل الإنكار ليوم ~~القيامة وما فيه من حساب أئذا صارت أجسادنا كالتراب واختلطت به، أنعاد ~~إلى الحياة مرة أخرى، ونخلق خلقا جديدا...؟ وقوله - سبحانه - { بل ~~هم بلقآء ربهم كافرون } إضراب وانتقال من حكاية كفرهم ~~بالبعث والحساب إلى حكاية ما هو أشنع من ذلك وهو كفرهم بلقاء الله - ~~تعالى - الذى خلقهم ورزقهم وأحياهم وأماتهم... أى بل هم لانطماس بصائرهم، ~~واستيلاء العناد والجهل عليهم، بلقاء ربهم يوم القيامة، كافرون جاحدون، ~~لأنهم قد استبعدوا إعادتهم إلى الحياة بعد موتهم، مع أن الله - تعالى - ~~قد أوجدهم ولم يكونوا شيئا مذكورا. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن مردهم ~~إليه لا محالة بعد أن يقبض ملك الموت أرواحهم فقال ms4099 { قل يتوفاكم ~~ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ~~ترجعون }. وقوله { يتوفاكم } من التوفى. وأصله أخذ الشئ وافيا ~~تاما. يقال توفاه الله، أى استوفى روحه وقبضها، وتوفيت مالى بمعنى ~~استوفيته والمراد بملك الموت عزرائيل. أى قل - أيها الرسول الكريم - فى ~~الرد على هؤلاء الجاحدين سيتولى قبض أرواحكم عند انتهاء آجالكم ملك الموت ~~الذى كلفه الله - تعالى - بذلك ثم إلى ربكم ترجعون، فيجازيكم بما ~~تستحقونه من عقاب، بسبب كفرهم وجحودكم. وأسند - سبحانه - هنا التوفى إلى ~~ملك الموت، لأنه هو المأمور بقبض الأرواح. وأسنده إلى الملائكة فى قوله - ~~تعالى - # فكيف إذا توفتهم الملائكة # لأنهم أعوان ملك الموت الذين كلفهم الله بذلك. وأسنده - سبحانه - إلى ~~ذاته فى قوله # الله يتوفى الأنفس حين موتها # لأن كل شئ كائنا ما كان، لا يكون إلا بقضائه وقدره. ثم صور - سبحانه - ~~أحوال هؤلاء الكافرين، عندما يقفون للحاسب، تصويرا مرعبا مخيفا فقال { ~~ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ~~ربهم }. وجواب " لو " محذوف، والتقدير لرأيت شيئا تقشعر من هوله ~~الأبدان. وقوله { ناكسوا } من النكس، وهو قلب الشئ على راسه ~~كالتنكيس.. وفعله من باب نصر - والخطاب يصح أن يكون للرسول صلى الله عليه ~~وسلم - أو لكل من يصلح له. أى ولو ترى - أيها الرسول الكريم - حال أولئك ~~المجرمين الذين أنكروا البعث والجزاء، وهم يقفون أمام خالقهم بذلة وخزى، ~~لحسابهم على أعمالهم.. لو ترى ذلك لرأيت شيئا ترتعد له الفرائص، وتهتز ~~منه القلوب. # وقوله { ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل ~~صالحا إنا موقنون } حكاية لما يقولونه فى هذا الموقف العصيب. ~~أى يقولونه بذلة وندم يا ربنا نحن الآن نبصر مصيرنا، ونسمع قولك ونندم ~~على ما كنا فيه من كفر وضلال، { فارجعنا } إلى الدنيا، لكى { ~~نعمل } عملا { صالحا إنا موقنون } الآن بأن ما جاءنا به ~~رسولك هو الحق، وأن البعث حق. وان الجزاء حق، وأن الجنة حق، وأن النار ~~حق. ولكن هذا الإيقان والاعتراف منهم، قد جاء فى غير أوانه، ولذا لا ~~يقبله - سبحانه - منهم، ولذا عقب - سبحانه - على ما قالوه ms4100 بقوله { ولو ~~شئنا لآتينا كل نفس هداها... }. أى ولو شئنا أن نؤتى كل ~~نفس رشدها وهداها وتوفيقها إلى الإيمان، لفعلنا، لأن إرادتنا نافذة، ~~وقدرتنا لا يعجزها شئ. { ولكن حق القول مني } آى ولكن ~~ثبت وتحقق قولى. { لأملأن جهنم من الجنة } أى من الجن ~~وسموا بذلك لاستتارهم عن الأنظار. ومن { الناس أجمعين } بسبب ~~فسوقهم عن أمرنا، وتكذيبهم لرسلنا. فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن ~~قدرة الله - تعالى - لا يعجزها شئ، إلا أن حكمته - سبحانه - قد اقتضت أن ~~الذين سبق فى علمه أنهم يؤثرون الضلالة على الهداية، لسوء استعدادهم، ~~يكون مصيرهم إلى النار، وأما الذين آثروا الهداية على الضلالة لنقاء ~~نفوسهم، وكمال استعدادهم، فيكون مصيرهم إلى جنة عرضها السماوات والأرض. ~~كما أن حكمته - سبحانه - قد اقتضت أن يميز الإنسان على غيره، بأن يجعل ~~له طبيعة خاصة يملك معها اختيار طريق الهدى أو طريق الضلال. كما قال - ~~تعالى - { إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج ~~نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه ~~السبيل إما شاكرا وإما كفورا }. ثم بين - سبحانه - ما ~~يقال لهؤلاء المجرمين عندما يلقى بهم فى جهنم فقال - تعالى - { ~~فذوقوا بما نسيتم لقآء يومكم هذآ إنا ~~نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون ~~}. والذوق حقيقة إدراك المطعومات. والأصل فيه أن يكون فى أمر مرغوب فى ~~ذوقه وطلبه. والتعبير به هنا عن ذوق العذاب من باب التهكم بهم. والفاء فى ~~قوله { فذوقوا } لترتيب الأمر بالذوق على ما قبله والباء للسببية. ~~والمراد بالنسيان لازمه، وهو الترك والإهمال. أى ويقال لهؤلاء المجرمين ~~عندما يلقى بهم فى النار ذوقوا لهيبها وسعيرها بسبب نسيانكم وإهمالكم ~~وجحودكم ليوم القيامة وما فيه من حساب. وإننا من جانبنا قد أهملناكم ~~وتركناكم. بسبب إصراركم على كفركم، وذوقوا العذاب الذى أنتم مخلدون فيه ~~بسبب أعمالكم القبيحة فى الدنيا " جزاء وفاقا ". وكرر - سبحانه - لفظ { ~~ذوقوا } على سبيل التأكيد، وزيادة التقريع والتأنيب. ثم تترك السورة ~~الكريمة هؤلاء المجرمين يذوقون العذاب، وتنتقل إلى الحديث عن مشهد آخر، ~~عن مشهد يشرح النفوس، ويبهج القلوب، إنه مشهد المؤمنين ms4101 الصادقين، وما أعد ~~الله - تعالى - من ثواب قال - تعالى - { إنما يؤمن ~~بآياتنا...بما كانوا يعملون }. ### || [32.15-17] # أى { إنما يؤمن } ويصدق { بآياتنا } الدالة على قدرتنا ~~ووحدانيتنا، أصحاب النفوس النقية الصافية، الذين إذ ذكروا بها، أى بهذه ~~الآيات. { خروا سجدا } لله - تعالى - من غير تردد { وسبحوا ~~بحمد ربهم } أى ونزهوه عن كل ما لا يليق به - عز وجل - { وهم ~~لا يستكبرون } عن طاعته - سبحانه -، وعن الانقياد لأمره ونهيه. ~~ثم صور - سبحانه - أحوالهم فى عبادتهم وتقربهم إلى الله، تصويرا بديعا ~~فقال { تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم ~~خوفا وطمعا }. والتجافى التحرك إلى جهة أعلى. وأصله من جفا فلان ~~السرج عن فرسه، إذا رفعه. ويقال تجافى فلان عن مكانه، إذا انتقل عنه. ~~والجنوب جمع جنب. وأصله الجارحة، والمراد به الشخص. والمضاجع جمع مضجع، ~~وهو مكان الاتكاء للنوم. والمعنى أن هؤلاء المؤمنين الصادقين، تتنحى ~~وترتفع أجسامهم، عن أماكن نومهم، وراحتهم، حالة كونهم يدعون ربهم بإخلاص ~~وإنابة { خوفا } من سخطه عليهم، { وطمعا } فى رضاه عنهم. { ~~ومما رزقناهم } من فضلنا وخيرنا { ينفقون } فى وجوه البر ~~والخير. وقوله - سبحانه - { فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم ~~من قرة أعين... } بيان للعطاء الجزيل، والثواب العظيم. أى فلا ~~تعلم نفس من النفوس سواء أكانت لملك مقرب، أم لنبى مرسل، ما أخفاه الله - ~~تعالى - لهؤلاء المؤمنين المتهجدين بالليل والناس نيام، من ثواب تقر به ~~أعينهم، وتسعد به قلوبهم، وتبتهج له نفوسهم.. وهذا العطاء الجزيل إنما هو ~~بسبب أعمالهم الصالحة فى الدنيا. وهكذا نرى فى هذه الآيات الكريمة صورة ~~مشرقة لعباد الله الصالحين، وللثواب الذى لا تحيط به عبارة، والذى أكرمهم ~~الله - تعالى - به. وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات، ~~عددا من الأحاديث الواردة فى فضل قيام الليل، منها ما رواه الإمام أحمد # " عن معاذ بن جبل - رضى الله عنه - قال كنت مع النبى صلى الله عليه وسلم ~~فى سفر، فأصبحت يوما قريبا منه. ونحن نسير، فقلت يا نبى الله، أخبرنى ~~بعمل يدخلنى الجنة، ويباعدنى من النار. فقال " لقد سألت عن ms4102 عظيم، وأنه ~~ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم ~~الصلاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. ثم قال ألا أدلك على أبواب الخير؟ ~~الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وصلاة الرجل فى جوف الليل شعار ~~الصالحين، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم { تتجافى جنوبهم عن ~~المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا... } ". # وعن أسماء بنت يزيد قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، جاء مناد فنادى بصوت يسمع ~~الخلائق سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم. ثم يرجع فينادى ليقم ~~الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع ". # وعن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله - تعالى - قال أعددت لعبادى الصالحين، ما لا عين رأت، ولا أذن ~~سمعت، ولا خطر على قلب بشر ". # ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن عدالته قد اقتضت عدم التسوية بين الأخيار ~~والأشرار، وأن كل إنسان إنما يجازى يوم القيامة على حسب عمله فقال - ~~تعالى - { أفمن كان مؤمنا...المجرمين منتقمون }. ### || [32.18-22] # والاستفهام فى قوله { أفمن كان مؤمنا.. } للإنكار، والفسوق ~~الخروج عن طاعة الله. أى أفمن كان فى هذه الدنيا مؤمنا بالله حق ~~الإيمان، كمن كان فيها فاسقا وخارجا عن طاعة الله - تعالى - وعن دينه ~~الذى ارتضاه لعباده؟ كلا، إنهم لا يستوون لا فى سلوكهم وأعمالهم، ولا فى ~~جزائهم الدنيوى أو الأخروى. وقد ذكروا أن هذه الآية نزلت فى شأن الوليد ~~بن عقبة، وعلى بن أبى طالب - رضى الله عنه -، حيث قال الوليد لعلى أنا ~~أبسط منك لسانا، وأحد سنانا، وأملأ فى الكتيبة جسدا، فقال له على اسكت، ~~فإنما أنت فاسق، فنزلت هذه الآية. ثم فصل - سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين، ~~وسوء عاقبة الفاسقين، فقال { أما الذين آمنوا } بالله حق ~~الإيمان { وعملوا } الأعمال { الصالحات }. { فلهم ~~جنات المأوى } أى فلهم الجنات التى يأوون إليها، ويسكنون فيها { ~~نزلا بما كانوا يعملون } والنزل أصله ما يهيأ للضيف ~~النازل من الطعام والشراب والصلة، ثم عمم فى كل عطاء. ms4103 أى فلهم جنات ~~المأوى ينزلون فيها نزولا مصحوبا بالتكريم والتشريف جزاء أعمالهم ~~الصالحة التى عملوها فى الدنيا. { وأما الذين فسقوا } أى ~~خرجوا عن طاعتنا، وعن دعوة رسولنا صلى الله عليه وسلم. { فمأواهم ~~النار } أى فمنزلتهم ومسكنهم ومستقرهم النار وبئس القرار. { كلمآ ~~أرادوا أن يخرجوا منهآ } هربا من لهيبها وسعيرها وعذابها. ~~{ أعيدوا فيها } مرغمين مكرهين، وردوا إليها مهانين مستذلين. { ~~وقيل لهم } على سبيل الزجر والتأنيب وزيادة الحسرة فى قلوبهم. { ~~ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون } فى ~~الدنيا، وتستهزئون بمن ينذركم به، ويخوفكم منه. { ولنذيقنهم ~~من العذاب الأدنى } أى الأهون والأقرب والأقل وهو عذاب ~~الدنيا، عن طريق ما ننزله بهم من أمراض وأسقام ومصائب متنوعة. { دون ~~العذاب الأكبر } أى الاشد والأعظم والأبقى، وهو عذاب الآخرة. { ~~لعلهم يرجعون } عما هم فيه من شرك وكفر وفسوق وعصيان. ثم بين ~~- سبحانه - حال من يدعى إلى الهدى فيعرض عنه، فقال { ومن أظلم ~~ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنهآ }. أى لا أحد ~~أشد ظلما وكفرا ممن ذكره المذكر بالآيات الدالة على وحدانية الله - ~~تعالى - وقدرته، وعلى أن دين الإسلام هو الحق، ثم أعرض عنها جحودا ~~وعنادا. { إنا من المجرمين منتقمون } أى إنا من أهل ~~الإجرام والجحود لآياتنا منتقمون انتقاما يذلهم ويهينهم. قال صاحب ~~الكشاف " ثم " فى قوله { ثم أعرض عنهآ } للاستبعاد. والمعنى أن ~~الإعراض عن مثل آيات الله، فى وضوحها وإنارتها وإرشادها إلى سواء ~~السبيل، والفوز بالسعادة العظمى بعد التذكير بها مستبعد فى العقل والعدل. ~~كما تقول لصاحبك وجدت مثل تلك الفرصة ثم لم تنتهزها، استبعادا لتركه ~~الانتهاز. # ومنه " ثم " فى بيت الحماسة # لا يشكف الغماء إلا ابن حرة يرى غمرات الموت ثم يزورها # استبعد أن يزور غمرات الموت بعد أن رآها واستيقنها واطلع على شدتها. فإن ~~قلت هلا قيل إنا منه منتقمون؟ قلت لما جعله أظلم كل ظالم، ثم توعد ~~المجرمين عامة بالانتقام منهم، فقد دل على إصابة الأظلم بالنصيب والأوفر ~~من الانتقام، ولو قاله بالضمير لم يفد هذه الإفادة. ثم أشارت السورة ~~الكريمة ms4104 بعد ذلك إلى ما أعطاه الله - تعالى - لنبيه موسى - عليه السلام - ~~من نعم. وما منحه للصالحين من قومه من منن، فقال - تعالى - { ولقد ~~آتينا موسى الكتاب...فيه يختلفون }. ### || [32.23-25] # والمراد بالكتاب فى قوله - تعالى - { ولقد آتينا موسى ~~الكتاب } التوراة التى أنزلها سبحانه - لتكون هداية لبنى إسرائيل. ~~قالوا وإنما ذكر موسى لقربه من النبى صلى الله عليه وسلم ووجود من كان ~~على دينه إلزاما لهم. إنما لم يختر عيسى - عليه السلام - للذكر ~~وللاستدلال، لأن اليهود ما كانوا يوافقون على نبوته، وأما النصارى فكانوا ~~يعترفون بنبوة موسى - عليه السلام -. والضمير المجرور فى قوله { فلا ~~تكن في مرية من لقآئه } يعود إلى موسى على أرجح الأقوال - ~~أو إلى الكتاب. أى آتينا موسى الكتاب فلا تكن - أيها الرسول الكريم - فى ~~مرية أو شك من لقاء موسى للكتاب الذى أوحيناه إليه، بقبول ورضا وتحمل ~~لتكاليف الدعوة به، فكن مثله فى ذلك، وبلغ ما أنزل إليك من ربك دون ان ~~تخشى أحدا سواه. قال الآلوسى ما ملخصه قوله { ولقد آتينا موسى ~~الكتاب } أى جنس الكتاب { فلا تكن في مرية } أى شك { من ~~لقآئه } أى من لقائه ذلك الجنس. وحمل بعضهم { الكتاب } على ~~العهد، أى الكتاب المعهود وهو التوراة. ونهيه صلى الله عليه وسلم عن أن ~~يكون فى شك، المقصود به أمته، والتعريض بمن اتصف بذلك. وقيل الكتاب، ~~المراد به التوراة، وضمير، لقائه، عائد إليه من غير تقدير مضاف. ولقاء ~~مصدر مضاف إلى مفعوله، وفاعله موسى. أى فلا تكن فى مرية من لقاء موسى ~~الكتاب، ومضاف إلى فاعله، ومفعوله موسى. أى من لقاء الكتاب موسى ووصوله ~~إليه... وهذا الرأى الأخير الذى عبر عنه الآلوسى - رحمه الله - بقوله " ~~وقيل " وهو فى رأينا أرجح الآراء، وأقربها إلى الصواب، لبعده عن التكلف. ~~قال الجمل فى حاشيته، بعد أن ساق ستة أقوال فى عودة الضمير فى قوله { ~~من لقآئه } وأظهرها أن الضمير إما لموسى وإما للكتاب. أى لا ترتب ~~فى أن موسى لقى الكتاب الذى أنزل عليه ". قال صاحب الكشاف والضمير فى ms4105 " ~~لقائه " له - أى لموسى -، ومعناه إنا آتينا موسى - عليه السلام - مثل ما ~~آتيناك من الكتب، ولقيناه مثل ما لقيناك من الوحى، فلا تكن فى شك من أنك ~~لقيت مثله، ولقيت نظيره كقوله - تعالى - { فإن كنت في شك ممآ ~~أنزلنآ إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من ~~قبلك }. وقوله - تعالى - { وجعلناه هدى لبني ~~إسرائيل } أى وجعلنا الكتاب الذى أنزلناه على نبينا موسى - عليه ~~السلام - هداية لبنى إسرائيل إلى طريق الحق والسداد. { وجعلنا ~~منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا } والأئمة ~~جمع إمام، وهو من يقتدى به فى الأمور المختلفة. # والمراد بهم هنا من يقتدى بهم فى وجوه الخير والبر. أى وجعلنا من بنى ~~إسرائيل أئمة فى الخير والصلاح، يهدون غيرهم إلى الطريق الحق، بأمرنا ~~وإرادتنا وفضلنا، وقد وفقناهم لذلك حين صبروا على أداء ما كلفناهم به من ~~عبادات، وحين تحملوا الشدائد والمحن فى سبيل إعلاء كلمتنا. وأنت ترى أن ~~جعلهم أئمة فى الخير لم يكن اعتباطا، وإنما كان سب صبرهم على الأذى، ~~وعلى مشاق الدعوة إلى الحق، وعلى كل أمر يستلزم الصبر وحبس النفس. وفى ~~ذلك إرشاد وتعليم للمسلمين، بأن يسلكوا طريق الأئمة الصالحين، ممن كانوا ~~قبلهم، وأن يبلغوا دعوة الله إلى غيرهم بصبر ويقين. وقوله - سبحانه - { ~~وكانوا بآياتنا يوقنون } زيادة فى مدحهم، وفى تقرير أنهم أهل ~~للإمامة فى الخير. أى وكانوا بسبب إداركهم السليم لمعانى آياتنا يوقنون ~~إيقانا جازما بأنهم على الحق الذى لا يحوم حوله باطل وبأنهم متبعون ~~لشريعة الله - تعالى - التى لا يضل من اتبعها وسار على نهجها. ثم أشار - ~~سبحانه - إلى أن بنى إسرائيل جميعا لم يكونوا كذلك، وإنما كان منهم ~~الأخيار والأشرار، وأنه - تعالى - سيحكم بين الجميع يوم القيامة بحكمه ~~العادل، فقال { إن ربك هو يفصل بينهم يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه يختلفون }. أى إن ربك - أيها ~~الرسول الكريم - هو وحده الذى يتولى القضاء والحكم بين المؤمنين ~~والكافرين يوم القيامة، فيما كانوا يختلفون فيه فى الدنيا من أمور ~~متنوعة. على رأسها ما يتعلق بالأمور الدينية. ثم يسوق - سبحانه ms4106 - فى ~~أواخر السورة ما من شأنه أن يهدى الضالين إلى الصراط المستقيم، وما ~~يرشدهم إلى مظاهر نعمه عليهم، وما يزيد النبى صلى الله عليه وسلم صلى ~~الله عليه وسلم ثباتا على ثباته، ويقينا على يقينة، فيقول - عز وجل - { ~~أولم يهد لهم كم أهلكنا...إنهم منتظرون }. ### || [32.26-30] # والاستفهام فى قوله - تعالى - { أولم يهد لهم كم ~~أهلكنا... } لإنكار عدم اهتدائهم إلى ما ينفعهم مع وضوح أسباب هذا ~~الاهتداء. والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام. والخطاب للمشركين وعلى ~~رأسهم كفار مكة. و " كم " خبرية بمعنى كثير. فى محل نصب لأهلكنا. والمعنى ~~أغفل هؤلاء المشركون عما أصاب الظالمين من قبلهم، ولم يتبين لهم - ~~لانطماس بصائرهم - أننا قد أهلكنا كثيرا من أهل الأزمان السابقة من ~~قبلهم، بسبب تكذيبهم لأنبيائهم، وإيثارهم الكفر على الإيمان. وقوله - ~~تعالى - { يمشون في مساكنهم } حال من الضمير فى { لهم } ، ~~لتسجيل أقصى أنواع الجهالة والعناد عليهم. أى أبلغ بهم الجهل والعناد ~~أنهم لم يعتبروا بالقرون المهلكة من قبلهم، مع أنهم يمشون فى مساكن هؤلاء ~~السابقين، ويمرون على ديارهم مصبحين وممسين، ويرون بأعينهم آثارهم ~~الدارسة، وبيوتهم الخاوية على عروشها. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ~~بما يزيد فى تبكيتهم وتقريعهم فقال { إن في ذلك لآيات أفلا ~~يسمعون }. أى إن فى ذلك الذى يرونه من مصارع الغابرين، وآثار ~~الماضين، لآيات بينات، وعظات بليغات، فهلا تدبروا فى ذلك، واستمعوا إلى ~~صوت الحق بتعقل وتفهم؟ فقوله - تعالى - { أفلا يسمعون } حض لهم ~~على الاستماع إلى الآيات الدالة على سوء عاقبة الظالمين، بتدبر وتعقل ~~واتعاظ، وتحول من الباطل إلى الحق، قبل أن يحل بهم ما حل بأهل الأزمنة ~~الغابرة. ثم نبههم - سبحانه - إلى نعمة من نعمه الكثيرة فقال { أولم ~~يروا أنا نسوق المآء إلى الأرض الجرز فنخرج ~~به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا ~~يبصرون } والأرض الجرز هى الأرض اليابسة التى جرز نباتها وقطع، إما ~~لعدم نزول الماء عليها، وإما لرعيه منها. قال القرطبى ما ملخصه والأرض ~~الجرز هى التى جرز نباتها أى قطع، إما لعدم الماء، وإما لأنه رعى ms4107 وأزيل، ~~ولا يقال للتى لا تنبت كالسباخ جرز. وهو مشتق من قولهم رجل جروز إذا كان ~~لا يبقى شيئا إلا أكله، وكذلك ناقة جروز إذا كانت تأكل كل شئ تجده، وسيف ~~جراز، أى قاطع... ". أى أعموا ولم يشاهدوا بأعينهم { أنا نسوق } ~~بقدرتنا ورحمتنا { المآء } الذى تحمله السحب { إلى الأرض ~~الجرز } أى اليابسة الخالية من النبات، فينزل عليها. { فنخرج ~~به } أى فنخرج بهذا الماء النازل على الأرض القاحلة { زرعا } كثيرا ~~نافعا { تأكل منه } أى من هذا الزرع { أنعامهم } أى تأكل ~~منه ما يصلح لأكلها كالأوراق والأغصان وما يشبه ذلك. وقوله { ~~وأنفسهم } معطوف على أنعامهم. أى تأكل أنعامهم من الزرع ما ~~يناسبها، ويأكل منه الناس ما يناسبهم كالبقول والحبوب. وقدم - سبحانه - ~~الأنعام على بنى آدم للترقى من الأدنى إلى الأشرف. # وقوله - تعالى - { أفلا يبصرون } حض لهم على التأميل فى هذه ~~النعم، والحرص على شكر المنعم عليها، وإخلاص العبادة له. ثم حكى - سبحانه ~~- ما كان عليه المشركون، من غرور واستخفاف بالوعيد فقال { ويقولون ~~متى هذا الفتح إن كنتم صادقين }. والمراد بالفتح ~~الحكم والقضاء والفصل فى الخصومة بين المتخاصمين، ومنه قوله - تعالى - ~~حكاية عن شعيب - عليه السلام - # ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت ~~خير الفاتحين # أى " احكم بيننا وبين قومنا بالحق، وأنت خير الحاكمين ". أى ويقول ~~المشركون للنبى صلى الله عليه وسلم ولأصحابه على سبيل الاستهزاء، ~~واستعجال العقاب متى هذا الذى تحدثوننا عنه من أن الله - تعالى - سيفصل ~~بيننا وبينكم، ويجعل لكم النصر ولنا الهزيمة؟ لقد طال انتظارنا لهذا ~~اليوم الذى يتم فيه الحكم بيننا وبينكم، فإن كنتم صادقين فى قولكم، ~~فادعوا ربكم أن يعجل بهذا اليوم. وهنا يأمر الله - تعالى - نبيه صلى الله ~~عليه وسلم - أن يرد عليهم بما يخرسهم فيقول { قل يوم الفتح لا ~~ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون }. أى ~~قل - أيها الرسول - فى الرد على هؤلاء الجاهلين المغرورين إن يوم الفصل ~~بيننا وبينكم قريب، وهو آت لا محالة فى الوقت الذى يحدده الله - تعالى - ~~ويختاره، سواء أكان هذا ms4108 اليوم فى الدنيا، عندما تموتون على الكفر، أم فى ~~الآخرة عندما يحل بكم العذاب، ولا ينفعكم إيمانكم، ولا أنتم تمهلون أو ~~تنظرون، بل سينزل بكم العذاب سريعا وبدون مهلة. وما داما الأمر كما ~~ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - { فأعرض عنهم وانتظر ~~إنهم منتظرون }. أى فأرعض عن هؤلاء المشركين، وعن أقوالهم ~~الفاسدة دون أن تلتفت إليها، وامض فى طريقك أنت وأتباعك، وانتظر النصرة ~~عليهم بفضلنا وإرادتنا، إنهم - أيضا - منتظرون ما سيئول إليه أمرك، ~~وسيكون أمرك بخلاف ما يمكرون وما ينتظرون. وبعد فهذا تفسير وسيط لسورة ~~السجدة، نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده. ~~وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [33 - سورة الأحزاب] ### || [33.1-3] # افتتحت سورة الأحزاب بهذا النداء لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم وبهذا ~~الوصف الكريم، وهو الوصف بالنبوة، على سبيل التشريف والتعظيم. قال صاحب ~~الكشاف جعل - سبحانه - نداءه بالنبى والرسول فى قوله { يأيها ~~النبي }. # يأيها الرسول # وترك نداءه باسمه، كما قال يا آدم، يا موسى، يا عيسى، يا داود كرامة له ~~وتشريفا، وتنويها بفضله. فإن قلت إن لم يوقع اسمه فى النداء. فقد أوقعه ~~فى الإخبار، فى قوله # محمد رسول الله # قلت ذلك لتعليم الناس بأنه رسول، وتلقين لهم أن يسموه بذلك ويدعوه به. ~~والمراد بأمره بتقوى الله المداومة على ذلك، والازدياد من هذه التقوى. أى ~~واظب - أيها النبى الكريم - على تقوى الله، وعلى مراقبته، وعلى الخوف ~~منه، وأكثر من ذلك، فإن تقوى الله، على رأس الفضائل التى يحبها - سبحانه ~~-. قال ابن كثير هذا تنبيه بالأعلى على الأدنى، فإنه - تعالى - إذا كان ~~يأمر عبده ورسوله بهذا، فلأن يأتمر من دونه بذلك بطريق الأولى والأحرى. ~~وقد قال خلف بن حبيب التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجوا ~~ثواب الله. وبعد الأمر بالتقوى، جاء النهى عن طاعة غير المؤمنين، فقال - ~~تعالى - { ولا تطع الكافرين والمنافقين }. أى واظب - ~~أيها النبى الكريم - على تقوى الله، واجتنب طاعة الكافرين الذين جحدوا ~~نعم الله عليهم، وعبدوا معه ms4109 آلهة أخرى، واجتنب كذلك طاعة المنافقين الذين ~~يظهرون الإسلام ويخفون الكفر. وفى إيراد هذا النهى بعد الأمر بتقوى ~~الله، إشارة وإيحاء إلى ما كان يبذله هؤلاء الكافرون والمنافقون من جهود ~~عنيفة، لزحزحة النبى صلى الله عليه وسلم عما هو عليه من حق، ولصرفه عن ~~دعوتهم إلى الإسلام. وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية روايات منها أن ~~جماعة من أهل مكة، طلبوا من النبى صلى الله عليه وسلم أن يرجع عن قوله، ~~وأن يعطوه شطر أموالهم، وأن المنافقين واليهود بالمدينة هدوده بالقتل إن ~~لم يرجع عن دعوتهم إلى الإسلام، فنزلت. وقوله - تعالى - { إن الله ~~كان عليما حكيما } تعليل الأمر والنهى، أى اتبع ما أمرناك به، ~~ومنا نهيناك عنه، لأن الله - تعالى - عليم بكل شئ، وحكيم فى كل أقواله ~~وأفعاله. ثم أمره - سبحانه - باتباع ما يوحيه إليه فقال { واتبع ما ~~يوحى إليك من ربك.. } أى واظب على تقوى الله، وابتعد عن ~~طاعة أعدائك، واتبع فى كل ما تأتى وتذر، كل ما نوحيه إليك من عندنا ~~اتباعا تاما. فالجملة الكريمة معطوفة على ما قبلها. من قبيل عطف العام ~~على الخاص. وفى النص على أن الوحى إليه صلى الله عليه وسلم وأن هذا الوحى ~~من ربه الذى تولاه بالتربية والرعاية، إشعار بوجوب الاتباع التام الذى لا ~~يشوبه انحراف أو تردد. # ثم أكد - سبحانه - هذا الأمر تأكيدا قويا فقال { إن الله كان ~~بما تعملون خبيرا } أى إنه - تعالى - خبير ومحيط بحركات النفوس ~~وبخفايا القلوب، وكل ن يخالف ما أمرناه به، أو نهيناه عنه، فلا يخفى ~~علينا أمره، وسنجازيه يوم القيامة بما يستحقه. وقوله - سبحانه - { ~~وتوكل على الله } أى وفوض أمرك إليه - عز وجل - وحده. { ~~وكفى بالله وكيلا } أى وكفى بربك حافظا لك، وكفيلا بتدبير ~~أمرك. فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد تضمنت ثلاثة أوامر تقوى الله، ~~واتباع وحيه، والتوكل عليه - تعالى - وحده. كما تضمنت نهيه صلى الله عليه ~~وسلم عن طاعة الكافرين والمنافقين. وباتباع هذه الأوامر والنواهى، يسعد ~~الأفراد، وتسعد الأمم. ثم أبطل ms4110 - سبحانه - بعض العادات التى كان متفشية ~~فى المجتمع، وكانت لا تتناسب مع شريعة الإسلام وآدابه، فقال - تعالى - { ~~ما جعل الله لرجل....الله غفورا رحيما }. ### || [33.4-5] # قال القرطبى ما ملخصه قوله - تعالى - { ما جعل الله لرجل ~~من قلبين في جوفه } نزلت فى رجل من قريش اسمه جميل بن معمر ~~الفهرى، كان حفاظا لما يسمع، وكان يقول لى قلبان أعقل بهما أفضل من عقل ~~محمد. فلما هزم المشركون يوم بدر، ومعهم هذا الرجل، رآه أبو سفيان وهو ~~معلق إحدى نعليه فى يده والأخرى فى رجله - من شدة الهلع -، فقال له أبو ~~سفيان ما حال الناس؟ قال انهزموا. فقال له فما بال إحدى نعليك فى يدك ~~والأخرى فى رجلك؟ قال ما شعرت إلا أنهما فى رجلى. فعرفوا يومئذ أنه لو ~~كان له قلبان لما نسى نعله فى يده. وقيل سبب نزولها أن بعض المنافقين قال ~~إن محمدا صلى الله عليه وسلم له قلبان، لأنه ربما كان فى شئ فنزع فى غيره ~~نزعه ثم عاد إلى شأنه الأول، فأكذبهم الله بقوله { ما جعل الله ~~لرجل من قلبين في جوفه }. ويرى بعضهم أن هذه الجملة ~~الكريمة، مثل ضربه الله - تعالى - للمظاهر من امرأته، والمتبنى ولد غيره، ~~تمهيدا لما بعده. أى كما أن الله - تعالى - لم يخلق للإنسان قلبين فى ~~جوفه، كذلك لم يجعل المرأة الواحدة زوجا للرجل وأما له فى وقت واحد، ~~وكذلك لم يجعل المرء دعيا لرجل وابنا له فى زمن واحد. وإلى هذا المعنى ~~أشار صاحب الكشاف بقوله أى ما جمع الله قلبين فى جوف، ولا زوجية وأمومة ~~فى امرأة، ولا بنوة ودعوة فى رجل.. لأن الأم مخدومة مخفوض لها الجناح، ~~والزوجة ليست كذلك. ولأن البنؤة أصالة فى النسب وعراقة فيه، والدعوة ~~إلصاق عارض بالتسمية لا غير. فإن قلت أى فائدة فى ذكر الجوف؟ قلت الفائدة ~~فيه كالفائدة فى قوله - تعالى - # ولكن تعمى القلوب التي في الصدور # وذلك ما يحصل للسامع من زيادة التصور والتجلى للمدلول عليه، لأنه إذا ~~سمع به، صور لنفسه جوفا ms4111 يشتمل على قلبين فكان أسرع إلى الإنكار. وقوله - ~~سبحانه - { وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن ~~أمهاتكم } إبطال لما كان سائدا من أن الرجل كان إذا قال لزوجته ~~أنت على كظهر أمى حرمت عليه. يقال. ظاهر فلان من امرأته وتظهر وظهر منها، ~~إذا قال لها أنت على كظهر أمى، يريد أنها محرمة عليه كحرمة أمه. وقد جاء ~~الكلام عن الظهار، وعن حكمه، وعن كفارته، فى سورة المجادلة، فى قوله - ~~تعالى - # قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ~~وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركمآ إن ~~الله سميع بصير الذين يظاهرون منكم من ~~نسآئهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا ~~اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من ~~القول وزورا وإن الله لعفو غفور # وقوله - سبحانه - { وما جعل أدعيآءكم أبنآءكم } إبطال ~~لعادة أخرى كانت موجودة، وهى عادة التبنى. والأدعياء جمع دعى. وهو الولد ~~الذى يدعى ابنا لغير أبيه وكان الرجل يتبنى ولد غيره، ويجرى عليه أحكام ~~البنوة النسبية، ومنها حرمة زواج الأب بزوجه ابنه بالتبنى بعد طلاقها، ~~ومنها التوارث فيما بينهما. قال ابن كثير وقوله { وما جعل ~~أدعيآءكم أبنآءكم } هذا هو المقصود بالنفى، فإنها نزلت فى ~~شأن زيد بن حارثة، مولى النبى صلى الله عليه وسلم، فقد كان صلى الله عليه ~~وسلم قد تبناه قبل النبوة، وكان يقال له زيد بن محمد. فأراد الله - تعالى ~~- أن يقطع هذا الإلحاق، وهذه النسبة بقوله { وما جعل ~~أدعيآءكم أبنآءكم } ، كما قال فى أثناء السورة # ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم ولكن ~~رسول الله وخاتم النبيين # واسم الإشارة فى قوله { ذلكم قولكم بأفواهكم } يعود ~~إلى ما سبق ذكره من التلفظ بالظهار، ومن إجراء التبنى على ولد الغير، وهو ~~مبتدأ، وما بعده خبر. أى ذلكم الذى تزعمونه من تشبيه الزوجة بالأم فى ~~التحريم، ومن نسبة الأبناء إلى غير آبائهم الشرعيين، هو مجرد قول باللسان ~~لا يؤيده الواقع، ولا يسانده الحق. قال ابن جرير وقوله { ذلكم ~~قولكم بأفواهكم } يقول - تعالى ذكره - هذا القول، وهو قول ~~الرجل لأمرأته أنت على ms4112 كظهر أمى، ودعاؤه من ليس بابنه أنه ابنه، إنما هو ~~قولكم بأفواهكم، لا حقيقة له، ولا يثبت بهذه الدعوة نسب الذى ادعيت ~~بنوته، ولا تصير الزوجة أما بقول الرجل لها أنت على كظهر أمى. ثم ختم - ~~سبحانه - الآية الكريمة بقوله { والله يقول الحق وهو ~~يهدي السبيل } أى والله - تعالى - يقول الحق الثابت الذى لا يحوم ~~حوله باطل، وهو - سبحانه - دونه غير يهدى ويرشد إلى السبيل القويم الذى ~~يوصل إلى الخير والصلاح. وما دام الأمر كذلك فاتركوا عاداتكم وتقاليدكم ~~التى ألفتموها. والتى أبطلها الله - تعالى - بحكمته، واتبعوا ما يأمركم ~~به - سبحانه -. ثم أرشدهم إلى الطريق السليمة فى معاملة الابن المتبنى ~~فقال { ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله } أى انسبوا ~~هؤلاء الأدعياء إلى آبائهم، فإن هذا النسب هو أقسط وأعدل عند الله - ~~تعالى -. قال الآلوسى أخرج الشيخان عن ابن عمر - رضى الله عنهما - # " أن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنا ندعوه إلا ~~زيد بن محمد. حتى نزل القرآن { ادعوهم لآبآئهم } فقال صلى الله ~~عليه وسلم " أنت زيد بن حارثة بن شراحيل ". # وكان زيد قد أسر فى بعض الحروب، ثم بيع فى مكة، واشتراه حكيم بن حزام، ~~ثم أهداه إلى عمته السيدة خديجة، ثم أهدته خديجة - رضى الله عنها - إلى ~~النبى صلى الله عليه وسلم وصار الناس يقولون زيد بن محمد حتى نزلت الآية. # وقوله - سبحانه - { فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم ~~في الدين ومواليكم } إرشاد إلى معاملة هؤلاء الأدعياء فى حالة ~~عدم معرفة آبائهم. أى انسبوا هؤلاء الأدعياء إلى آباءهم الحقيقيين، فإن ~~ذلك أعدل عند الله - تعالى -، وأشرف للآباء والأبناء، فإن لم تعلموا ~~آباءهم الحقيقيين لكى تنسبوهم إليهم، فهؤلاء الأدعياء هم إخوانكم فى ~~الدين والعقيدة، وهو مواليكم، فقولوا لهم، يا أخى أو يا مولاى، واتركوا ~~نسبتهم إلى غير آبائهم الشرعيين. وفى الجملة الكريمة إشارة إلى ما كان ~~عليه المجتمع الجاهلى من تخلخل فى العلاقات الجنسية، ومن اضطراب فى ~~الأنساب، وقد عالج الإسلام كل ذلك بإقامة الأسرة الفاضلة، ms4113 المبنية على ~~الطهر، والعفاف، ووضع الأمور فى مواضعها السليمة. ثم بين - سبحانه - ~~جانبا من مظاهر اليسر ورفع الحرج فى تشريعاته فقال { وليس عليكم ~~جناح فيمآ أخطأتم به ولكن ما تعمدت ~~قلوبكم وكان الله غفورا رحيما }. أى انسبوا - أيها ~~المسلمون - الأبناء إلى آبائهم الشرعيين، فإن لم تعرفوا آباءهم فخاطبوهم ~~ونادوهم بلفظ يا أخى أو يا مولاى. ومع كل ذلك فمن رحمتنا بكم أننا لم ~~نجعل عليكم جناحا أو إثما، فيما وقمتم فيه من خطأ غير مقصود بنسبتكم بعض ~~الأبناء والأدعياء إلى غير آبائهم، ولكننا نؤاخذكم ونعاقبكم فيما تعمدته ~~قلوبكم من نسبة الأبناء إلى غير آبائهم. و { وكان الله غفورا ~~رحيما } - وما زال واسع المغفرة والرحمة لمن يشاء من عباده. هذا، ومن ~~الأحكام التى أخذها العلماء من هاتين الآيتين حرص شريعة الإسلام على ~~إعطاء كل ذى حق حقه، ومن مظاهر ذلك إبطال الظهار الذى كان يجعل المرأة ~~محرمة على الرجل، ثم تبقى بعد ذلك معلقة، ولا هى مطلقة ففتزوج غير زوجها، ~~ولا هى زوجة فتحل له فشرع الإسلام كفارة الظهار إنصافا للمرأة، وحرصا ~~على كرامتها. ومن مظاهر ذلك - أيضا - إبطال عادة التبنى، حتى ينتسب ~~الأبناء إلى آبائهم الشرعيين، وحتى تصير العلاقات بين الآباء والأبناء ~~قائمة على الأسس الحقيقية والواقعية. ولقد حذر الإسلام من دعوة الإبن ~~إلى غير أبيه تحذيرا شديدا. ونفر من ذلك. قال القرطبى جاء فى الحديث ~~الصحيح # " عن سعد بن أبى وقاص وأبى بكرة، كلاهما قال سمعته أذناى ووعاه قلبى، ~~محمدا صلى الله عليه وسلم يقول " من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير ~~أبيه فالجنة عليه حرام " # وفى حديث أبى ذر أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول # " ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر ". # ثم بين - سبحانه - ما يجب على المؤمنين نحو نبيهم صلى الله عليه وسلم ~~ونحو أزواجه، وما يجب للأقارب فيها بينهم، فقال - تعالى - { النبي ~~أولى بالمؤمنين من أنفسهم... }. ### || [33.6] # أى النبى صلى الله عليه وسلم أحق بالمؤمنين بهم من أنفسهم ms4114 وأولى فى ~~المحبة والطاعة، فإذا ما دعاهم إلى أمر، ودعتهم أنفسهم إلى خلافه، وجب أن ~~يؤثروا ما دعاهم إليه، على ما تدعوهم إليه أنفسهم، لأنه صلى الله عليه ~~وسلم لا يدعوهم إلا إلى ما ينفعهم، أما أنفسهم فقد تدعوهم إلى ما يضرهم. ~~وفى الحديث الصحيح الذى رواه الإمام مسلم عن أبى هريرة، أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال # " إن مثلى ومثل أمتى، كمثل رجل استوقد نارا، فجعلت الدواب والفراش يقعن ~~فيه - أى فى الشئ المستوقد - وأنا آخذ بحجزكم - أى وأنا آخذ بما يمنعكم ~~من السقوط كملابسكم ومعاقد الإزار - وأنتم تقحمون فيه " # أى وأنتم تحاولون الوقوع فيما يحرقكم -. قال القرطبى قال العلماء الحجزة ~~السراويل، والمعقد للإزار، فإذا أراد الرجل إمساك من يخاف سقوطه أخذ ~~بذلك الموضع منه، وهذا مثل لاجتهاد نبينا صلى الله عليه وسلم فى نجاتنا، ~~وحرصه على تخليصنا من الهلكات التى بين أيدينا، فهو أولى بنا من أنفسنا. ~~وقال الإمام ابن كثير. قد علم الله - تعالى - شفقة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم على أمته، ونصحه لهم فجعله أولى بهم من أنفسهم، وحكمه فيهم مقدما ~~على اختيارهم لأنفسهم. وفى الصحيح # " والذى نفسى بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده ~~والناس أجمعين ". # وروى البخارى عن هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال # " ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به فى الدنيا والآخرة. اقرءوا إن شئتم ~~{ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم } فأيما مؤمن ~~ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، فإن ترك دينا أو ضياعا فليأتنى فأنا ~~مولاه ". # وروى الإمام أحمد عن جابر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول # " أنا أولى بكل مؤمن من نفسه فأيما رجل مات وترك دينا فإلى، ومن ترك ~~مالا فلورثته ". # وقال الآلوسى وإذا كان صلى الله عليه وسلم بهذه المثابة فى حق المؤمنين، ~~يجب عليهم أن يكون أحب إليهم من أنفسهم، وحكمه - عليه الصلاة والسلام - ~~عليهم أنفذ من حكمها، وحقه آثر لديهم من حقوقها، وشفقتهم عليه ms4115 أقدم من ~~شفقتهم عليها. وسبب نزول الآية - على ما قيل - ما روى من أنه صلى الله ~~عليه وسلم أراد غزوة تبوك، فأمر الناس بالخروج فقال أناس منهم نستأذن ~~آباءنا وأمهاتنا فنلزت. ووجه دلالتها على السبب أنه صلى الله عليه وسلم ~~إذا كان أولى من أنفسهم، فهو أولى من الأبوين بالطريق الأولى. ثم بين - ~~سبحانه - منزلة أزواجه صلى الله عليه وسلم بالنسبة للمؤمنين فقال { ~~وأزواجه أمهاتهم } أى وأزواجه صلى الله عليه وسلم بمنزلة ~~أمهاتكم - أيها المؤمنون - فى الاحترام والإكرام، وفى حرمة الزواج بهن. # قالوا وأما ما عدا ذلك كالنظر إليهن، والخلوة بهن، وإرثهن. فهن ~~كالأجنبيات. ثم بين - سبحانه - أن التوارث إنما يكون بين الأقارب فقال - ~~تعالى - { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في ~~كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن ~~تفعلوا إلى أوليآئكم معروفا كان ذلك في ~~الكتاب مسطورا }. والمراد بأولى الأرحام الأقارب الذين تربط ~~بينهم رابطة الرحم كالآباء والأبناء والإخوة، والأخوات. وقوله { في ~~كتاب الله } متعلق بقوله { أولى } أو بمحذوف على أنه حال من ~~الضمير فى { أولى }. والمراد بالمؤمنين والمهاجرين. من لا تربط بينهم ~~وبين غيرهم رابطة قرابة. قال ابن كثير وقد أورد ابن أبى حاتم عن الزبير ~~بن العوام قال أنزل الله - عز وجل - فينا خاصة معشر قريش والأنصار { ~~وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض } وذلك أنا معشر ~~قريش، لما قدمنا المدينة قدمنا ولا أموال لنا، فوجدنا الأنصار نعم ~~الإخوان، فواخيناهم ووارثناهم.. حتى أنزل الله هذه الآية فينا معشر قريش ~~والأنصار خاصة، فرجعنا إلى مواريثنا. وشبيه بهذه الآية فى وجوب أن يكون ~~التوارث بحسب قرابة الدم، قوله - تعالى - فى آخر آية من سورة الأنفال # والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم ~~فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم # والاستثناء فى قوله - سبحانه - { إلا أن تفعلوا إلى ~~أوليآئكم معروفا } رجح بعضهم أنه استثناء منقطع. وقوله { أن ~~تفعلوا } مبتدأ، وخبره محذوف. والمراد بالكتاب فى قوله { كان ~~ذلك في الكتاب مسطورا } القرآن الكريم، أو اللوح المحفوظ. ms4116 ~~والمعنى وأولو الأرحام وهم الأقارب، بعضهم أولى ببعض فى التوارث فيما ~~بينهم، وفى تبادل المنافع بعضهم مع بعض، وهذه الأولية والأحقية ثابتة فى ~~كتاب الله - تعالى - حيث بين لكم فى آيات المواريث التى بسورة النساء، ~~كيفية تقسيم التركة بين الأقارب، وهم بهذا البيان أولى فى ميراث الميت من ~~المؤمنين والمهاجرين الذين لا تربطهم بالميت صلة القرابة. هذا هو حكم ~~الشرع فيما يتعلق بالتوارث، لكن إذا أردتم - أيها المؤمنون - أن تقدموا ~~إلى غير أقاربكم من المؤمنين معروفا، كأن توصوا له ببعض المال فلا بأس، ~~ولا حرج عليكم فى ذلك. وهذا الحكم الذى بيناه لكم فيما يتعلق بالتوارث ~~بين الأقارب، كان مسطورا ومكتوبا فى اللوح المحفوظ، وفى آيات القرآن التى ~~سبق نزولها، فاعملوا بما شرعناه لكم، واتركوا ما نهيناكم عنه. قال ~~الشوكانى ما ملخصه قوله { إلا أن تفعلوا إلى ~~أوليآئكم معروفا } هذا الاستثناء إما متصل من أعم العام، ~~والتقدير وأولو الأرحام بعضهم اولى ببعض فى كل شئ من الإرث وغيره، إلا ~~أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا، من صدقة أو وصية، فإن ذلك جائز. # وإما منقطع. والمعنى لكن فعل المعروف للأولياء لا بأس به. والإشارة ~~بقوله { كان ذلك } تعود إلى ما تقدم ذكره. أى كان نسخ الميراث ~~بالهجرة والمخالفة والمعاقدة، ورده إلى ذوى الأرحام من القرايات { في ~~الكتاب مسطورا } أى فى اللوح المحفوظ، أو فى القرآن مكتوبا. ~~وبذلك نرى الآية الكريمة قد وضحت ما يجب على المؤمنين نحو نبيهم، وما يجب ~~عليهم نحو أزواجه، وما يجب عليهم نحو أقاربهم فيما يتعلق بالتوارث. ثم ~~ذكر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم بالعهد الذى أخذه عليه وعلى ~~الأنبياء من قبله، فقال - تعالى - { وإذ أخذنا من ~~النبيين...عذابا أليما }. ### || [33.7-8] # والميثاق العهد الموثق المؤكد، مأخوذ من لفظ وثق، المتضمن معنى الشد ~~والربط على الشئ بقوة وإحكام. أى واذكر - أيها الرسول الكريم - وقت أن ~~أخذنا من جميع النبيين العهد الوثيق، على أن يبلغوا ما أوحيناه إليهم من ~~هداياتا للناس، وعلى أن يأمروهم بإخلاص العبادة لنا، وعلى أن ms4117 يصدق بعضهم ~~بعضا فى أصول الشرائع ومكارم الأخلاق.. كما أخذنا هذا العهد الوثيق منك، ~~ومن أنبيائنا نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم. وخص هؤلاء الأنبياء ~~بالذكر، للتنويه بفضلهم، فهم وألو العزم من الرسل، وهم الذين تحلموا فى ~~سبيل إعلاء كلمة الله - تعالى - أكثر ما تحمل غيرهم. وقدم صلى الله عليه ~~وسلم فى قوله { ومنك ومن نوح } لمزيد فضله صلى الله عليه وسلم ~~على جميع الأنبياء. قال الآلوسى ولا يضر تقديم نوح - عليه السلام - فى ~~سورة الشورى، أعنى قوله - تعالى - # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينآ إليك # إذ للك مقام مقال. والمقام فى سورة الشورى وصف دين الإسلام بالأصالة. ~~والمناسب فيه تقديم نوح، فكأنه قيل شرع لكم الدين الأصيل الذى بعث عليه ~~نوح فى العهد القديم، وبعث عليه محمد صلى الله عليه وسلم فى العهد ~~الحديث، وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء. وقوله - سبحانه - { ~~وأخذنا منهم ميثاقا غليظا } معطوف على ما قبله وهو { ~~أخذنا من النبيين ميثاقهم } ، لإفادة تفخيم شأن هذا ~~الميثاق المأخوذ على الأنبياء، وبيان أنه عهد فى أقصى درجات الأهمية ~~والشدة. أى وأخذنا من هؤلاء الأنبياء عهدا عظيم الشأن، بالغ الخطورة، ~~رفيع المقدار. قال صاحب الكشاف فإن قلت فماذا أراد بالميثاق الغليظ؟ قلت ~~أراد به ذلك الميثاق بعينه. إذ المعنى وأخذنا منهم بذلك الميثاق ميثاقا ~~غليظا. والغلظ استعارة فى وصف الأجرام. والمراد عظم الميثاق وجلالة شأنه ~~فى بابه. وقيل المراد بالميثاق الغليظ اليمين بالله على الوفاء بما ~~حملوا. وقوله - سبحانه - { ليسأل الصادقين عن صدقهم } ~~متعلق بقوله { أخذنا } ، أو بمحذوف. والمراد بالصادقين الأنبياء ~~الذين أخذ الله عليهم الميثاق. أى فعل - سبحانه - ذلك ليسأل يوم القيامة ~~أنبياءه عن كلامهم الصادق الذى قالوه لأقوامهم، وعن موقف هؤلاء الأقوام ~~منهم. والحكمة من هذا السؤال تشريف هؤلاء الرسل وتكريمهم، وتوبيخ ~~المكذبين لهم فيما جاءوهم به من كلام صادق ومن إرشاد حكيم. وقوله - ~~سبحانه - { وأعد للكافرين عذابا أليما } معطوف على ما ~~دل عليه قوله، ليسأل الصادقين. أى أثاب - عز وجل ms4118 - الأنبياء الكرام بسبب ~~صدقهم فى تبليغ رسالته وأعد للكافرين الذين أعرضوا عن دعوة أنبيائهم ~~عذابا أليما، بسب هذا الإعراض. وهكذا جمعت الآية الكريمة بين ما أعده - ~~سبحانه - من ثواب عظيم للصادقين. ومن عذاب أليم للكافرين. وبعد هذا ~~البيان الحكيم لبعض الأحكام الشرعية. انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث ~~عن غزوة الأحزاب، وعن فضل الله - تعالى - على المؤمنين فيها، فقال - ~~سبحانه - { يأيها الذين آمنوا اذكروا...عهد الله ~~مسئولا }. ### || [33.9-15] # وغزوة الأحزاب، من الغزوات الشهيرة فى تاريخ الدعوة الإسلامية، وكانت - ~~على الراجح - فى شهر شوال من السنة الخامسة بعد الهجرة. وملخصها - كما ~~ذكر الإمام ابن كثير - أن نفرا من اليهود - على رأسهم حيى بن أخطب - ~~خرجوا إلى مكة، واجتمعوا بأشراف قريش وألبوهم على حرب المسلمين، فأجابوهم ~~إلى ذلك. ثم خرجوا إلى قبيلة غطفان فدعوهم لحرب المسلمين، فاستجابوا لهم ~~- ايضا -. وخرجت قريش فى أحابيشها ومن تابعها، والجميع فى جيش قريب من ~~عشرة آلاف رجل. وعندما علم الرسول صلى الله عليه وسلم بمقدمهم، أمر بحفر ~~خندق حول المدينة. ووصلت جيوش الأحزاب إلى مشارف المدينة، فوجدوا الخندق ~~قد حفر، وأنه يحول بينهم وبين اقتحامها. كما أن المسلمين كانوا لهم ~~بالمرصاد. وخلال هذه الفترة العصبية، نقض يهود بنى قريظة عهودهم مع ~~المسلمين، وانضموا إلى جيوش الأحزاب، فزاد الخطب على المسلمين. ومكث ~~الأعداء محاصرين للمدينة قريبا من شهر. ثم جاء نصر الله - تعالى -، بأن ~~أرسل على جيوش الأحزاب ريحا شديدة، وجنودا من عنده، فتصدعت جبهات ~~الأحزاب، وانكفأت خيامهم، وملأ الرعب قلوبهم، # ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا ~~خيرا وكفى الله المؤمنين القتال # وقد ابتدأ الله - تعالى - الحديث عن هذه الغزوة، بنداء وجهه إلى ~~المؤمنين، ذكرهم فيه بفضله عليهم، وبرحمته بهم فقال { يأيها ~~الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ ~~جآءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم ~~تروها }. والمعنى يا من آمنتم بالله حق الإيمان، { اذكروا } على ~~سبيل الشكر والاعتبار { نعمة الله عليكم } ورحمته بكم. { ~~إذ جآءتكم جنود } كثيرة، هى جنود جيوش الأحزاب { فأرسلنا ~~عليهم ريحا } شديدة زلزلتهم، وجعلتهم ms4119 يرحلون عنكم بخوف وفزع. كما ~~أرسلنا عليهم { وجنودا لم تروها } وهم الملائكة، الذين ألقوا ~~الرعب فى قلوب أعدائكم. قالوا روى أن الله - تعالى - بعث عليهم ريحا ~~باردة فى ليلة باردة، فألقت التراب فى وجوههم، وأمر الملائكة فقلعت أوتاد ~~خيامهم، وأطفأت نيرانهم وقذفت فى قلوبهم الرعب.. فقال كل سيد قوم لقومه ~~يا بنى فلان النجاء النجاء. وقوله - سبحانه - { وكان الله بما ~~تعملون بصيرا } تذييل قصد به بيان مظهر آخر من مظاهر فضله - ~~تعالى - عليهم. أى جاءتكم تلك الجنود الكثيرة. فأرسلنا عليهم ريحا شديدة، ~~وأرسلنا عليهم من عندنا جنودا لم تروها، وكنا فوق كل ذلك مطلعين على ~~أعمالكم من حفر الخندق وغيره وسامعين لدعائكم، وقد أجبناه لكم، حيث رددنا ~~أعداءكم عنكم دون أن ينالوا خيرا. ثم فصل - سبحانه - ما حدث للمؤمنين فى ~~هذه الغزوة، بعد هذا الإجمال، فقال { إذ جآءوكم من فوقكم } ~~أى من أعلى الوادى من جهة المشرق. # والجملة بدل من قوله { إذ جآءتكم جنود }. والمراد بالذين ~~جاءوا من تلك الجهة قبائل غطفان وهوزان.. وانضم إليهم بنو قريظة بعد أن ~~نقضوا عهودهم. { ومن أسفل منكم } أى ومن أسفل الوادى من جهة ~~المغرب، وهم قريش ومعهم أحابيشهم وحلفاؤهم. وقوله { وإذ زاغت ~~الأبصار } معطوف على ما قبله، داخل معه فى حيز التذكير. أى واذكروا ~~وقت أن زاغت أبصاركم، ومالت عن كل شئ حولها، وصارت لا تنظر إلا إلى أولئك ~~الأعداء. يقال زاغ البصر يزيغ زيغا وزيغانا إذا مال وانحرف. ويقال - أيضا ~~زاغ البصر، إذا مل وتعب بسبب استدامة شخوصه من شدة الهول. وقوله { ~~وبلغت القلوب الحناجر } بيان آخر لما أصاب المسلمين من ~~بلاء بسبب إحاطة جيوش الأحزاب بهم. والحناجر جمع حنجرة، وهى جوف الحلقوم، ~~والمراد أن قلوبكم فزعت فزعا شديدا، حتى لكأنها قد انتقلت من أماكنها إلى ~~أعلى، حتى قاربت أن تخرج من أفواهكم. فالآية تصور ما أصاب المسلمين من ~~فزع وكرب فى غزوة الأحزاب، وتصيرا بديعا مؤثرا، يرسم حركات القلوب، ~~وملامح الوجوه، وخلجات النفوس. وقوله - سبحانه - { وتظنون ~~بالله الظنونا } بيان لما دار ms4120 فى عقولهم من أفكار، حين رأوا ~~الأحزاب وقد أحاطوا بالمدينة. والظنون جمع الظن. وهو مصدر يطلق على ~~القليل والكثير منه. وجاء بصيغة الجمع لتعدد أنواعه، واختلافه باختلاف ~~قوة الإيمان وضعفه. أى وتظنون - أيها المؤمنون - بالله - تعالى - الظنون ~~المختلفة، فمنكم من ازداد يقينا على يقينه، وازداد ثقة بوعد الله - تعالى ~~- وبنصره، ومنكم من كان أقل من ذلك فى ثباته ويقينه، ومنكم من كان يظهر ~~أمامكم الإيمان والاسلام، ويخفى الكفر والعصيان، وهم المنافقون وهؤلاء ~~ظنوا الظنون السيئة، بأن اعتقدوا بأن الدائرة ستدور عليكم. قال ابن كثير ~~قوله { وتظنون بالله الظنونا } قال الحسن ظنون مختلفة، ظن ~~المنافقون أن محمدا وأصحابه يستأصلون، وأيقن المؤمنون أن ما وعد الله ~~ورسوله حق، وأنه - سبحانه - سيظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون. # " عن أبى سعيد قال قلنا يوم الخندق يا رسول الله، هل من شئ نقول، فقد ~~بلغت القلوب الحناجر؟ فقال صلى الله عليه وسلم نعم قولوا اللهم استر ~~عوراتنا، وآمن روعاتنا ". # قال فضرب الله - تعالى - وجوه أعدائه بالريح فهزمهم. ولفظ { هنالك } ~~فى قوله - تعالى - { هنالك ابتلي المؤمنون } ظرف مكان ~~للبعيد، وهو منصوب بقوله { ابتلي } والابتلاء الاختبار والامتحان ~~بالشدائد والمصائب. أى فى ذلك المكان الذى أحاط به الأحزاب من كل جانب، ~~امتحن الله - تعالى - المؤمنين واختبرهم، ليتميز قوى الإيمان من ضعيفه. ~~{ وزلزلوا زلزالا شديدا } اى واضطربوا اضطرابا شديدا، من ~~شدة الفزع، لأن الأعداء حاصروهم، ولأن بنى قريظة نقضوا عهودهم. # ولقد بلغ انشغال المسلمين بعدوهم انشغالا عظيما، حتى أنهم لم يستطيعوا ~~أن يؤدوا بعض الصلوات فى أوقاتها، # " وقال بعض الصحابة يا رسول الله، ما صلينا، فقال لهم صلى الله عليه ~~وسلم " ولا أنا، والله ما صليت ثم قال شغلنا المشركون عن الصلاة الوسطى، ~~صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم وقلوبهم نارا " . وخرجت طليعتان للمسلمين ~~ليلا، فالتقتا - دون أن تعرف إحداهما الأخرة - فتقاتلا. وحدث بينهم ما ~~حدث من جراح وقتل، ولم يشعروا أنهم من المسلمين، حتى تنادوا بشعار ~~الإسلام " حم. لا ينصرون ". فكف بعضهم عن بعض. فلما بلغ ذلك ms4121 رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال لهم " جراحكم فى سبيل الله ومن قتل منكم فإنه ~~شهيد ". # ومما زاد فى بلاء المسلمين وحزنهم. ما ظهر من أقوال قبيحة من المنافقين. ~~حكاها - سبحانه - فى قوله { وإذ يقول المنافقون والذين ~~في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا ~~غرورا } أى واذكروا - أيضا - أيها المؤمنون - وقت أن كشف المنافقون ~~وأشباههم عن نفوسهم الخبيثة وطباعهم الذميمة، وقلوبهم المريضة، فقالوا ~~لكم وأنتم فى أشد ساعات الحرج والضيق { ما وعدنا الله ~~ورسوله } بالنصر والظفر { إلا غرورا } أى إلا وعدا باطلا، لا ~~يطابق الواقع الذى نعيش فيه. وقال أحدهم إن محمدا كان يعدنا أن نأخذ كنوز ~~كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يستطيع أن يذهب إلى الغائط. { وإذ قالت ~~طآئفة منهم يأهل يثرب لا مقام لكم ~~فارجعوا.. }. أى واذكروا - كذلك - أيها المؤمنون - وقت أن قالت لكم ~~طائفة من هؤلاء المنافقين { يأهل يثرب } أى يا أهل المدينة، لا ~~مقام لكم فى هذا المكان الذى تقيمون فيه بجوار الخندق لحماية بيوتكم ~~ومدينتكم، فارجعوا إلى مساكنكم، واستسلموا لأعدائكم. قال الشوكانى وذلك ~~أن المسلمين خرجوا فى غزوة الخندق، فجعلوا ظهورهم إلى جبل سلع، وجعلوا ~~وجوههم إلى العدو، وجعلوا الخندق بينهم وبين القوم. فقال هؤلاء المنافقون ~~ليس ها هنا موضع إقامة وأمروا الناس بالرجوع إلى منازلهم بالمدينة. ثم ~~بين - سبحانه - أن هؤلاء المنافقين لم يكتفوا بهذا القول الذميم، بل ~~كانوا يهربون من الوقوف إلى جانب المؤمنين، فقال - تعالى - { ~~ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن ~~بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا ~~فرارا }. أى أنهم كانوا يحرضون غيرهم على ترك مكانه فى الجهاد، ولا ~~يكتفون بذلك، بل كان كل فريق منهم يذهب إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~فيستأذنه فى الرجوع إلى بيوتهم، قائلين له يا رسول الله { إن ~~بيوتنا عورة } أى خالية ممن يحرسها. يقال دار ذات عورة إذا سهل ~~دخولها لقلة حصانتها. وهنا يكشف القرآن عن حقيقتهم ويكذبهم فى دعواهم ~~فيقول { وما هي بعورة } أى والحال أن بيوتهم ليست كما يزعمون، ms4122 ~~وإنما الحق أنهم يريدون الفرار من ميدان القتال، لضعف إيمانهم، وجب ~~نفوسهم. # روى # " أن بنى حارثة بعثوا أحدهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقول له ~~إن بيوتنا عورة، وليست دار من دور الأنصار مثل دورنا، ليس بيننا وبين ~~غطفان أحد يردهم عنا، فأذن لنا كى نرجع إلى دورنا، فمنع ذرارينا ونساءنا. ~~فأذن لهم صلى الله عليه وسلم. فبلغ سعد بن معاذ ذلك فقال يا رسول الله، ~~لا تأذن لهم، إنا والله ما أصابنا وإياهم شدة إلا فعلوا ذلك.. فردهم ". # ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المنافقين جمعوا لأنفسهم كل نقيض، فهم ~~يسرعون إلى ما يؤذى المؤمنين، ويبطئون عما ينفعهم، فقال - تعالى - { ~~ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا ~~الفتنة لآتوها وما تلبثوا بهآ إلا يسيرا }. ~~والضمير فى قوله - تعالى - { دخلت } للبيوت أو للمدينة. وفاعل الدخول ~~من يدخل هذه البيوت أو المدينة من أهل الكفر والفساد. وأسند - سبحانه - ~~الدخول إلى بيوتهم، للإشعار بأن الأعداء يدخلونها وهم قابعون فيها. ~~والأقطار جمع قطر بمعنى الناحية والجانب والجهة. والمراد بالفتنة هنا، ~~الردة عن الإسلام أو قتال الملسمين. وقوله { لآتوها } قرأه الجمهور ~~بالمد بمعنى لأعطوها. وقرأه نافع وابن كثير { لآتوها } بالقصر، بمعنى ~~لجاءوها وفعلوها والتلبث الإبطاء والتأخر. والمعنى إن هؤلاء المنافقين ~~الذين يزعمون أن بيوتهم عورة، هم كاذبون فى زعمهم، وهم أصحاب نيات خبيثة، ~~ونفوس عارية عن كل خير. والدليل على ذلك، أن بيوتهم هذه التى يزعمون أنها ~~عورة، لو اقتحمها عليهم مقتحم من المشركين وهم قابعون فيها، ثم طلب منهم ~~أن ينضم إليهم فى مقاتلة المسلمين، لسارعوا إلى تلبية طلبه، ولكانوا ~~مطيعين له كل الطاعة، وما تأخروا عن تلبية طلبه إلا لمدة قليلة، يعدون ~~العدة خلالها لقتالكم - أيها المسلمون - وللانسلاخ عن كل رابطة تربطكم ~~بهم. لأن عقيدتهم واهنة، ونفوسهم مريضة خائرة. قال صاحب الكشاف قوله { ~~ولو دخلت عليهم } أى المدينة. وقيل بيوتهم. من قولك دخلت على ~~فلان داره { من أقطارها } أى. من جوانبها. يريد ولو دخلت هذه ~~العساكر المتحزبة - التى يفرون منها - مدينتهم ms4123 من نواحيها كلها وانثالت ~~على أهاليهم. وألادهم ناهبين سابين، ثم سئلوا عند ذلك الفزع وتلك الرجفة، ~~{ الفتنة } أى الردة والرجعة إلى الكفر، ومقاتلة المسلمين، لأتوها، ~~أى لجاءوها ولفعلوها. وقرئ. لأتوها أى لأعطوها { وما تلبثوا ~~بهآ إلا يسيرا } ريثما يكون السؤال والجواب من غير توقف. أو ما ~~لبثوا بالمدينة بعد ارتدادهم إلا يسيرا، فإن الله يهلكهم. ثم بين - ~~سبحانه - بعد ذلك، أن من الصفات اللازمة للمنافقين، نقضهم لعهودهم فقال - ~~تعالى - { ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا ~~يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولا }. # أى ولقد كان هؤلاء المنافقون قد حلقوا من قبل غزوة الأحزاب، أنهم ~~سيكونون معكم فى الدفاع عن الحق وعن المدينة المنورة التى يساكنونكم ~~فيها، ولكنهم لم يفوا بعهودهم. { وكان عهد الله مسئولا } أى ~~مسئولا عنه صاحبه الذى عاهد الله - تعالى - على الوفاء، وسيجازى - سبحانه ~~- كل ناقض لعهده، بما يستحقه من عقاب. ثم واصلت السورة الكريمة حديثها عن ~~هؤلاء المنافقين، فوبختهم على سوء فهمهم، وعلى جبنهم وخورهم، وعلى سلاطة ~~ألسنتهم.. فقال - تعالى - { قل لن ينفعكم الفرار....ما ~~قاتلوا إلا قليلا }. ### || [33.16-20] # أى قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنافقين { لن ينفعكم ~~الفرار إن فررتم من الموت أو القتل } ، لأن كل ~~إنسان لا بد له من نهاية تنتهى عندها حياته، سواء أكانت تلك النهاية عن ~~طريق القتل بالسيف، أم عن طريق الموت على الفراش. وما دام الأمر كذلك، ~~فعلى هؤلاء المنافقين أن يعلموا أن الجبن لا يؤخر الحياة، وأن الشجاعة لا ~~تقدمها عن موعدها. وصدق الله إذ يقول # ولكل أمة أجل فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ~~ساعة ولا يستقدمون # وقوله { إن فررتم.. } جوابه محذوف لدلالة ما سبق عليه. أى إن ~~فررتم لن ينفعكم فراركم. وقوله { وإذا لا تمتعون إلا ~~قليلا } تذييل قصد به زجرهم عن الجبن الذى استولى عليهم. أى إن فراركم ~~من الموت أو القتل، إن نفعكم - على سبيل الفرض - لفترة من الوقت، فلن ~~ينفعكم طويلا، لأنكم لن تتمتعوا بالحياة بعد هذا الفرار إلا وقتا قليلا، ~~ثم ينزل بكم قضاء الله ms4124 - تعالى - الذى لا مرد لكم منه، فما تفرون منه هو ~~نازل بكم قطعا. ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن ~~يقرعهم بحجة أخرى لا يستطيعون الرد عليها، فقال { قل من ذا الذي ~~يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد ~~بكم رحمة }. أى قبل - أيها الرسول - لهؤلاء الجاهلين من هذا الذى ~~يملك أن يدفع ما يريده الله - تعالى - بكم من خير أو شر، ومن نعمة أو ~~نقمة، ومن موت أو حياة. إن أحدا لا يستطيع أن يمنع قضاء الله عنكم. ~~فالاستفهام للإنكار والنفى. قال صاحب الكشاف فإن قلت كيف جعلت الرحمة ~~قرينة السوء فى العصمة، ولا عصمة إلا من السوء؟ قلت معناه، أو يصيبكم ~~بسوء إن أراد بكم رحمة، فاختصر الكلام وأجرى مجرى قول " متقلدا سيفا ~~ورمحا " - أى " متقلدا سيفا وحاملا رمحا ". وقوله - تعالى - { ولا ~~يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا } معطوف ~~على ما قبله. أى لا يجدون من يعصمهم مما يرديه الله - تعالى - بهم، ولا ~~يجدون من دونه - سبحانه - وليا ينفعهم، أو نصيرا ينصرهم، إذ هو وحده - ~~سبحانه - الناصر والمغيث والمجير. قال - تعالى - # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز ~~الحكيم # ثم بين - سبحانه - أن علمه محيط بهؤلاء المنافقين، وأنهم لن يفلتوا من ~~عقابه، فقال { قد يعلم الله المعوقين منكم ~~والقآئلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون ~~البأس إلا قليلا }. # قال الآلوسى ما ملخصه قال ابن السائب الآية فى عبد الله بن أبى وأمثاله ~~ممن رجع من المنافقين من الخندق إلى المدينة. كانوا إذا جاءهم المنافق ~~قالوا له ويحك اجلس ولا تخرج، ويكتبون إلى إخوانهم فى العسكر، أن ائتونا ~~فإنا ننتظركم. وكان بعضهم يقول لبعض ما محمد وأصحابه إلا أكلة راس، ~~ولو كانوا لحما لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه، فخلوهم. و " قد " للتحقيق، ~~لأن الله - تعالى - لا يخفى عليه شئ. و " المعوقين " من العوق وهو ~~المنع والصرف، يقال عاق فلان فلانا، إذا صرفه عن ms4125 الجهة التى يريدها. و " ~~من " فى قوله { منكم } للبيان. والمراد بالأخوة التطابق والتشابه فى ~~الصفات الذميمة، والاتجهات القبيحة. التى على رأسها كراهيتهم للنبى صلى ~~الله عليه وسلم ولأصحابه. و " هلم " اسم فعل أمر بمعنى أقبل. والمعنى إن ~~الله - تعالى - لا يخفى عليه حال أولئك المنافقين. الذين يخذلون ويثبطون ~~ويصرفون إخوانهم فى النفاق والشقاق، عن الاشتراك مع المؤمنين، فى حرب ~~جيوش الأحزاب، ويقولون لهم { هلم إلينا } أى أقبلوا نحونا، ~~وتعالوا إلى جوارنا، ولا تنضموا إلى صفوف المسلمين. وقوله - سبحانه - { ~~ولا يأتون البأس إلا قليلا } ذم لهم على جبنهم وخورهم. ~~أى أن من صفاتهم الأصيلة أنهم جبناء، ولا يقبلون على الحرب والقتال، إلا ~~إقبالا قليلا. فهم تارة يخرجون مع المؤمنين، لإيهامهم أنهم معهم، أو ~~يخرجون معهم على سبيل الرياء والطمع فى غنيمة. ثم أخذت السورة الكريمة فى ~~تصوير ما جبلوا عليه من سوء تصويرا معجزا، فقال - تعالى - { أشحة ~~عليكم } ، جمع شحيح من الشح وهو البخل فى أقبح صوره. ولفظ { ~~أشحة } منصوب على الحال من الضمير فى قوله { ولا يأتون ~~البأس إلا قليلا }. أى أن من صفات هؤلاء المنافقين الجبن ~~والخور، حالة كونهم بخلاء بكل خير يصل إليكم - أيها المؤمنون - فهم لا ~~يعاونونكم فى حفر الخندق، ولا فى الدفاع عن الحق والعرض والشرف ولا فى أى ~~شئ فيه منفعة لكم. { فإذا جآء الخوف } ، أى فإذا اقترب الوقت ~~الذى يتوقع فيه اللقاء بينكم وبين أعدائكم. { رأيتهم } أيها الرسول ~~الكريم - { ينظرون إليك } بجبن وهلع { تدور أعينهم } فى ~~مآقيهم يمينا وشمالا. وحالهم كحال الذى { يغشى عليه من ~~الموت } أى كحال الذى أحاط به الموت من كل جانب، فصار فى أقصى دركات ~~الوهن والخوف والفزع. هذه هى حالهم عندما يتوقعون الشدائد والمخاوف، أما ~~حالهم عند الأمان وذهاب الخوف، فهى كما قال - تعالى - { فإذا ذهب ~~الخوف سلقوكم بألسنة حداد }. وقوله { سلقوكم } من ~~السلق. وأصله بسط العضو ومده للأذى، سواء أكان هذا العضو يدا أو ~~لسانا. والمراد به الإيذاء بالكلام السيئ القبيح. أى أنهم عند الشدائد ~~جبناء بخلاء، فإذا ms4126 ما ذهب الخوف وحل الأمان، سلطوا عليكم ألسنتهم البذيئة ~~بالأذى والسوء، ورموكم بألسنة ماضية حادة، تؤثر تأثير الحديد فى الشئ، ~~وارتفعت أصواتهم بعد أن كانوا إذا ما ذكر القتال أمامهم، صار حالهم كحال ~~المغشى عليه من الموت. # ثم هم بعد كل ذلك { أشحة على الخير } أى بخلاء بكل خير، فهم ~~يحرصون على جمع الغنائم، وعلى الأموال بكل وسيلة، ولكنهم لا ينفقون شيئا ~~منها فى وجه من وجوه الخير والبر. قال ابن كثير قوله { أشحة على ~~الخير } أى ليس فيهم خير، قد جمعوا الجبن والكذب وقلة الخير، فهم كما ~~قال فى أمثالهم الشاعر # أفى السلم أعيارا جفاء وغلظة وفى الحرب أمثال النساء العوارك # أى هم فى حال المسالمة كأنهم الحمير الأعيار. والأعيار جمع عير وهو ~~الحمار. وفى الحرب كأنهم النساء الحيض. ثم بين - سبحانه - سوء مصيرهم ~~فقال { أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم ~~وكان ذلك على الله يسيرا }. أى أولئك المنافقون الموصوفون ~~بما سبق من الصفات السيئة { لم يؤمنوا } بما يجب الإيمان به ~~إيمانا صادقا، بل قالوا بألسنتهم قولا تكذبه قلوبهم وأفعالهم { ~~فأحبط الله أعمالهم } بأن أبطلها وجلها هباء منثورا، وكان ~~ذلك الإحباط على الله - سبحانه - هينا يسيرا. وخص - سبحانه - يسر ~~إحباط عملهم بالذكر مع أن كل شئ يسير عليه - تعالى - لبيان أن أعمالهم ~~جديرة بالإحباط والإفساد، لصدورها عن قلوب مريضة، ونفوس خبيثة. قال ~~صاحب الكشاف وهل يثبت للمنافقين عمل حتى يرد عليه الإحباط؟ قلت لا، لكنه ~~تعليم لمن عسى يظن أن الإيمان باللسان إيمان، وإن لم يوطئه القلب، وإن ~~ما يعمل المنافق من الأعمال يجدى عليه، فبين أن إيمانه ليس بإيمان، وأن ~~كل عمل يوجد منه باطل، وفيه بعث على إتقان المكلف أساس أمره وهو الإيمان ~~الصحيح، وتنبيه على أن الأعمال الكثيرة من غير تصحيح المعرفة كالبناء من ~~غير أساس، وأنها مما يذهب عند الله هباء منثورا. ثم ختم - سبحانه - هذا ~~الحديث الجامع عن صفات المنافقين عند الشدائد والمحن فقال { يحسبون ~~الأحزاب لم يذهبوا }. أى أن هؤلاء المنافقين بلغ بهم ms4127 الجبن ~~والخور، أنهم حتى بعد رحيل الأحزاب عن المدينة، ما زالوا يحسبون ويظنون ~~أنهم لم يذهبوا عنها، فهم يأبون أن يصدقوا أن الله - تعالى - قد رد الذين ~~كفروا بغيظهم دون أن ينالوا خيرا. وفى هذه الجملة ما فيها من التهكم ~~بالمنافقين، حيث وصفتهم بأنهم حتى بعد ذهاب أسباب الخوف، ما زالوا فى ~~جبنهم يعيشون. ثم بين - سبحانه - حالهم فيما لو عاد الأحزاب على سبيل ~~الفرض والتقدير فقال { وإن يأت الأحزاب }. أى إلى المدينة مرة ~~ثانية. { يودوا لو أنهم بادون في الأعراب } أى وإن ~~تعد جيوش الأحزاب إلى مهاجمة المدينة مرة ثانية، يتمنى هؤلاء المنافقون، ~~أن يكونوا غائبين عنها، نازلين خارجها مع أهل البوادى من الأعراب، حتى لا ~~يعرضوا أنفسهم للقتال. # فقوله { بادون } جمع باد وهو ساكن البادية. يقال بدا القوم بدا، ~~إذا نزحوا من المدن إلى البوادى. والأعراب جمع أعرابى وهو من يسكن ~~البادية. ثم بين - سبحانه - تلهفهم على سماع الأخبار السيئة عن المؤمنين ~~فقال { يسألون عن أنبآئكم ولو كانوا فيكم ما ~~قاتلوا إلا قليلا }. أى هؤلاء المنافقون يسألون القادمين من ~~المدينة، والذاهبين إليها من أخباركم - أيها المؤمنون - حتى لكأنهم غير ~~ساكنين فيها. ولو كانوا فيكم عندما يعود الكافرون إلى المدينة - على سبيل ~~الفرض - ما قاتلوا معكم إلا قتالا قليلا حتى لا ينكشف أمرهم انكشافا ~~تاما. فهم لا يقاتلون عن رغبة، وإنما يقاتلون رياء ومخادعة. وهكذا نجد ~~الآيات الكريمة قد أفاضت فى شرح الأحوال القبيحة التى كان عليها ~~المنافقون عندما هاجمت جيوش الأحزاب المدينة، ووصفتهم بأبشع الصفات ~~وأبغضها إلى كل نفس كريمة، حتى يحذرهم المؤمنون. وكعادة القرآن الكريم فى ~~المقارنة بين الأخيار والأشرار، ساقت السورة بعد ذلك صورة مشرقة مضيئة ~~للمؤمنين الصادقين، الذين عندما رأوا جيوش الأحزاب قالوا # هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ~~ورسوله # والذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه دون أن يبدلوا تبديلا. لنستمع إلى ~~القرآن الكريم وهو يصور لنا موقف المؤمنين فى غزوة الأحزاب، كما يحكى ~~جانبا من فضل الله عليهم، ومن لطفه بهم فيقول - سبحانه ms4128 - { لقد كان ~~لكم في رسول...كل شيء قديرا }. ### || [33.21-27] # قال القرطبى قوله - تعالى - { لقد كان لكم في رسول الله ~~أسوة حسنة } أى كان لكم قدوة فى النبى صلى الله عليه وسلم حيث ~~بذل نفسه لنصرة دين الله، فى خروجه إلى الخندق. والأسوة القدوة. وقرأ ~~عاصم { أسوة } بضم الهمزة. والباقون بكسرها. والجمع أسى وإسى - بضم ~~الهمزة وكسرها. يقال فلان ائتسى بفلان، إذا اقتدى به، وسار على نهجه ~~وطريقته. وقال الإمام ابن كثير هذه الآية الكريمة أصل كبير فى التأسى ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم فى أقواله وأفعاله وأحواله ولهذا أمر ~~الناس بالتأسى بالنبى صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب، فى صبره ومصابرته ~~ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه - تعالى -... والذى يقرأ السيرة ~~النبوية الشريفة. يرى أن النبى صلى الله عليه وسلم كان فى هذه الغزوة ~~بصفة خاصة، وفى غيرها بصفة عامة القدوة الحسنة الطيبة فى كل أقواله ~~وأفعاله وأحواله صلى الله عليه وسلم. لقد شارك أصحابه فى حفر الخندق، وفى ~~الضرب بالفأس. وفى حمل التراب بل وشاركهم فى أراجيزهم وأناشديهم، وهم ~~يقومون بهذا العمل الشاق المتعب. وشاركهم فى تحمل آلام الجوع، وآلام ~~السهر.. بل كان صلى الله عليه وسلم هو القائد الحازم الرحيم، الذى يلجأ ~~إليه أصحابه عندما يعجزون عن إزالة عقبة صادفتهم خلال حفرهم للخندق. قال ~~ابن إسحاق ما ملخصه وعمل المسلمون فيه - أى فى الخندق - حتى أحكموه، ~~وارتجزوا فيه برجل من الملسمين يقال له " جعيل " سماه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عمرا، فقالوا # سماه من بعد جعيل عمرا وكان للبائس يوما ظهرا # فإذا مروا بعمرو، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " عمرا " وإذا بظهر ~~قال " ظهرا ". ثم قال ابن إسحاق وكان فى حفر الخندق أحاديث بلغتنى فيها ~~تحقيق نبوته صلى الله عليه وسلم فكان فيما بلغنى أن جابر بن عبد الله كان ~~يحدث، أنهم اشتدت عليهم فى بعض الخندق كدية - أى صخرة عظيمة -، فشكوا ~~ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بإناء من ماء فتفل ms4129 فيه، ثم ~~دعا بما شاء الله أن يدعو به، ثم نضخ ذلك الماء على تلك الكدية، فيقول من ~~حضرها فوالذى بعثه بالحق نبيا لانهالت - أى لتفتت - حتى عادت كالكثيب - ~~أى كالرمل المتجمع - لا ترد فأسا ولا مسحاة. وهذه الآية الكريمة وإن كان ~~نزولها فى غزوة الأحزاب، إلا أن المقصود بها وجوب الاقتداء بالرسول صلى ~~الله عليه وسلم فى جميع أقواله وأفعاله، كما قال - تعالى - # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # والجار والمجرور فى قوله - سبحانه - { لمن كان يرجو الله ~~واليوم الآخر } متعلق بمحذوف صفة لقوله { حسنة } ، أو بهذا ~~اللفظ نفسه وهو { حسنة }. والمراد بمن كان يرجو الله واليوم الآخر ~~المؤمنون الصادقون الذين وفو بعهودهم. أى لقد كان لكم - أيها الناس - ~~قدوة حسنة فى نبيكم صلى الله عليه وسلم، وهذه القدوة الحسنة كائنة وثابتة ~~للمؤمنين حق الإيمان. الذين يرجون ثواب الله - تعالى -، ويؤملون رحمته ~~يوم القيامة، إذ هم المنتفعون بالتأسى برسولهم صلى الله عليه وسلم وقوله ~~{ وذكر الله كثيرا } معطوف على { كان } ، أى هذه الأسوة ~~الحسنة بالرسول صلى الله عليه وسلم ثابتة لمن كان يرجو الله واليوم ~~الآخر، ولمن ذكر الله - تعالى - ذكرا كثيرا، لأن الملازمة لذكر الله - ~~تعالى - توصل إلى طاعته والخوف منه - سبحانه -. وجمع - سبحانه - بين ~~الرجاء والإكثار من ذكره، لأن التأسى التام بالرسول صلى الله عليه وسلم ~~لا يتحقق إلا بهما. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك - على سبيل التشريف ~~والتكريم - ما قاله المؤمنون الصادقون عندما شاهدوا جيوش الأحزاب، فقال - ~~تعالى - { ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ~~ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما ~~زادهم إلا إيمانا وتسليما }. واسم الإشارة { هذا } ~~يعود إلى ما رأوه من الجيوش التى جاء بها المشركون، أو إلى ما حدث لهم من ~~ضيق وكرب بسبب ذلك. أى وحين رأى المؤمنون الصادقون جيوش الأحزاب وقد ~~أقبلت نحو المدينة، لم يهنوا ولم يجزعوا، بل ثبتوا على إيمانهم وقالوا { ~~هذا } الذى نراه من خطر داهم، هو ما وعدنا به الله ورسوله، وأن هذا ~~الخطر ms4130 سيعقبه النصر، وهذا الضيق سيعقبه الفرج، وهذا العسر سيأتى بعد ~~اليسر. قال الآلوسى ما ملخصه وأرادوا بقولهم ذلك، ما تضمنه قوله - تعالى ~~- فى سورة البقرة # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ~~الذين خلوا من قبلكم مستهم البأسآء ~~والضرآء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين ~~آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله ~~قريب # وكان نزول هذه الآية قبل غزوة الخندق بحول - كما جاء عن ابن عباس. وفى ~~رواية عن ابن عباس - أيضا - # " أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه إن الأحزاب سائرون إليكم ~~تسعا أو عشرا " # ، أى فى آخر تسع ليال أو عشر، أى من وقت الاخبار، أو من غرة الشهر فلما ~~رأوهم قد أقبلوا فى الموعد الذى حدده صلى الله عليه وسلم قالوا ذلك. ~~وقوله - تعالى - { وصدق الله ورسوله } داخل فى حيز ما قالوه. ~~أى قالوا عندما شاهدوا جيوش الأحزاب هذا ما وعدنا الله ورسوله، وقالوا - ~~أيضا - على سبيل التأكيد وقوة اليقين والتعظيم لذات الله، ولشخصية رسوله ~~وصدق الله ورسوله، أى وثبت صدق الله - تعالى - فى أخباره، وصدق رسوله صلى ~~الله عليه وسلم فى أقواله. # والضمير فى قوله { وما زادهم إلا إيمانا وتسليما } ~~يعود إلى ما رأوه من جيوش الأحزاب ومن شدائد نزلت بهم بسبب ذلك. أى - وما ~~زادهم ما شهدوه من جيوش الأحزاب، ومن بلاء أحاط بهم بسبب ذلك، إلا إيمانا ~~بقدرة الله - تعالى - وتسليما لقضائه وقدره، وأملا فى نصره وتأييده. ثم ~~أضاف - سبحانه إلى هذا المديح لهم، مديحا آخر فقال { من ~~المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ~~فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما ~~بدلوا تبديلا } والنحب النذر، وهو أن يلتزم الانسان الوفاء بأمر ~~تعهد به. وقضاؤه الفراغ منه، والوفاء به على أكمل وجه. وكان رجال من ~~الصحابة قد نذروا، أنهم إذا صاحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حرب، ~~أن يثبتوا معه، وأن لا يفروا عنه. والمعنى من المؤمنين رجال كثيرون، وفوا ~~أكمل وفاء بما عاهدوا الله - تعالى - عليه، من ms4131 التأييد لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم ومن الثبات معه فى كل موطن. { فمنهم من قضى نحبه ~~} أى فمنهم من وفى بوعده حتى أدركه أجله فمات شهيدا - كحمزة بن عبد ~~المطلب، ومصعب ابن عمير وغيرهما - رضى الله عنهم أجمعين -. { ومنهم ~~من ينتظر } أى ومنهم من هو مستمر على الوفاء، وينتظر الشهادة فى ~~سبيل الله - تعالى - فى الوقت الذى يريده - سبحانه - ويختاره، كبقية ~~الصحابة الذين نزلت هذه الآية وهم ما زالو على قيد الحياة. قال الامام ~~ابن كثير قال الامام أحمد حدثنا هاشم من القاسم، حدثنا سليمان بن ~~المغيرة، عن ثابت قال أنس غاب عمى أنس بن النضر - سميت به - لم يشهد ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، فشق عليه وقال أول مشهد شهده ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه، لئن أرانى الله مشهدا فيما بعد مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرين الله ما أصنع. قال فهاب أن يقول ~~غيرها. فشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد. فاستقبل سعد بن ~~معاذ، فقال له أنس يا ابا عمرو، أين واها لريح الجنة أجده دون أحد. قال ~~فقاتلهم حتى قتل فوجد فى جسده بضع وثمانون من ضربة وطعنة ورمية ~~فقالت أخته - عمتى الربيع ابنة النضر - فما عرفت أخى إلا ببنانه. ~~قال فنزلت هذه الآية { من المؤمنين رجال } فكانوا يرون أنها ~~نزلت فيه وفى أصحابه - رضى الله عنهم، ورواه مسلم والترمذى والنسائى من ~~حديث سليمان بن المغيرة. # وقوله - تعالى - { وما بدلوا تبديلا } معطوف على { صدقوا ~~} أى هؤلاء الرجال صدقوا صدقا تاما فى عهودهم مع الله - تعالى - حتى آخر ~~لحظة من لحظات حياتهم، وما غيروا ولا بدلوا شيئا مما عاهدوا الله - تعالى ~~- عليه. ثم بين - سبحانه - الحكمة من هذا الابتلاء والاختبار فقال { ~~ليجزي الله الصادقين بصدقهم }. أى فعل - سبحانه - ما ~~فعل فى غزوة الأحزاب من أحداث، ليجزى الصادقين فى إيمانهم الجزاء الحسن ~~الذى يستحقونه بسبب صدقهم ووفائهم. { ويعذب المنافقين إن ~~شآء } أى إن شاء تعذيبهم بسبب ms4132 موتهم على نفاقهم. { أو يتوب ~~عليهم } من نفاقهم بفضله وكرمه فلا يعذبهم. قال الجمل وقوله { ~~ويعذب المنافقين إن شآء } جوابه محذوف، وكذلك مفعول { ~~شآء } محذوف - أيضا - إن شاء تعذيبهم عذبهم. والمراد بتعذيبهم إماتتهم ~~على النفاق، بدليل العطف فى قوله { أو يتوب عليهم }. { إن ~~الله } - تعالى - { كان } وما زال { غفورا رحيما } أى واسع ~~المغفرة والرحمة لمن يشاء من عباده. ثم بين - سبحانه - المصير السيئ الذى ~~انتهى إليه الكافرون فقال { ورد الله الذين كفروا ~~بغيظهم لم ينالوا خيرا }. أى ورد الله - تعالى - بفضله ~~وقدرته الذين كفروا عنكم - أيها المؤمنون - حالة كونهم متلبسين بغيظهم ~~وحقدهم. دون أن ينالوا أى خير من إتيانهم إليكم، بل رجعوا خائبين خاسرين. ~~فقوله { بغيظهم } حال من الموصول، والباء للملابسة، وجملة { لم ~~ينالوا خيرا } حال ثانية من الموصول أيضا. وقوله { وكفى ~~الله المؤمنين القتال } بيان للمنة العظمى التى امتن بها - ~~سبحانه - عليهم. أى وأغنى الله - تعالى - بفضله وإحسانه المؤمنين عن ~~متاعب القتال وأهواله بأن أرسل على جنود الأحزاب ريحا شديدة، وجنودا من ~~عنده. { وكان الله } - تعالى - { قويا } على إحداث كل أمر ~~يريده { عزيزا } أى غالبا على كل شئ. قال ابن كثير وفى قوله { وكفى ~~الله المؤمنين القتال } إشارة إلى وضع الحرب بينهم وبين ~~قريش. وهكذا وقع بعدها. لم يغزهم المشركون، بل غزاهم المسلمون فى بلادهم. # " قال محمد بن إسحق لما انصرف أهل الخندق عن الخندق، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيما بلغنا " لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم ~~تغزونهم " # فلم تغز قريش بعد ذلك المسلمين، وكان صلى الله عليه وسلم هو الذى يغزوهم ~~بعد ذلك، حتى فتح الله عليه مكة. وروى الإمام أحمد # " عن سليمان بن صرد قال سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب " ~~الآن نغزوهم ولا يغزونا ". # ثم ختم - سبحانه - الحديث عن غزوة الأحزاب، ببيان ما حل ببنى قريظة من ~~عذاب مهين، بسبب نقضهم لعهودهم فقال { وأنزل الذين ظاهروهم ~~من أهل الكتاب من صياصيهم }. # والصياصى جمع صيصية وهى كل ما يتحصن به من ms4133 الحصون وغيرها. ومنه قيل لقرن ~~الثور صيصية لأنه يدفع به عن نفسه. أى وبعد أن رحلت جيوش الأحزاب عنكم ~~أيها المؤمنون - أنزل الله - تعالى - بقدرته الذين ظاهروهم وناصروهم ~~عليكم، وهم يهود بنى قريظة، أنزلهم من حصونهم، ومكنكم من رقابهم. { ~~وقذف في قلوبهم الرعب } الشديد منكم، بحيث صاروا مستسلمين ~~لكم، ونازلين على حكمكم. { فريقا } منهم { تقتلون } وهم الرجال. ~~وتأسرون فريقا آخر وهم الذرية والنساء. { وأورثكم أرضهم } أى ~~وأورثكم الله - تعالى - أرض هؤلاء اليهود وزروعهم كما أورثكم { ~~وديارهم } أى حصونهم { وأموالهم } التى تركوها من خلفهم، ~~كنقودهم ومواشيهم. كما أورثكم { وأرضا لم تطئوها } بعد يقصد ~~القتال وهى أرض خيبر، أو أرض فارس والروم. وفى هذه الجملة الكريمة { ~~وأرضا لم تطئوها } بشارة عظيمة للمؤمنين، بأن الله - تعالى - ~~سينصرهم على أعدائهم. { وكان الله على كل شيء قديرا } ~~لأنه - سبحانه - لا يجعزه شئ. أخرج الشيخان عن عائشة - رضى الله عنها - ~~قالت # " لما رجع النبى صلى الله عليه وسلم من الخندق، ووضع السلاح واغتسل، ~~أتاه جبريل فقال يا محمد قد وضعت السلاح، والله ما وضعناه فاخرج إليهم ~~فقال النبى صلى الله عليه وسلم فإلى أين؟ قال ها هنا. وأشار إلى بنى ~~قريظة. فخرج النبى صلى الله عليه وسلم إليهم ". # وعن ابن عمر - رضى الله عنهما - قال # " قال النبى - صلى الله عليه وسلم - يوم الأحزاب، لا يصلين أحد العصر ~~إلا فى بنى قريظة، فأدرك بعضهم العصر فى الطريق، فقال بعضهم لا نصلى حتى ~~نأتيها، وقال بعضهم بل نصلى، فذكر ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم فلم يعنف ~~أحدا. وبعد أن حاصر المسلمون بنى قريظة خمسا وعشرين ليلة، نزلوا بعدها ~~على حكم سعد بن معاذ - رضى الله عنه - فحكم بقتل رجالهم، وتقسيم أموالهم، ~~وسبى نسائهم وذراريهم. وقال الرسول صلى الله عليه وسلم له " لقد حكمت ~~فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات ". # وإلى هنا نجد السورة الكريمة قد حدثتنا حديثا جامعا حكيما عن غزوة ~~الأحزاب، فقد ذكرت المؤمنين - أولا - بنعم الله - تعالى - عليهم، ثم صورت ~~أحوالهم عندما أحاطت بهم ms4134 جيوش الأحزاب من فوقهم ومن أسفل منهم. ثم حكت ما ~~قاله المنافقون فى تلك الساعات العصيبة، وما أشاروا به على أشباههم فى ~~النفاق، وما اعتذروا به من أعذار باطلة، وما جبلوا عليه من أخلاق قبيحة، ~~على رأسها الجبن والخور وضعف العزيمة وفساد النية. ثم انتقلت إلى الحديث ~~عن المواقف المشرقة الكريمة التى وقفها المؤمنون الصادقون عندما رأوا ~~الأحزاب، وكيف أنهم ازدادوا إيمانا على إيمانهم، ووفوا بعهودهم مع الله - ~~تعالى - دون أن يبدلوا تبديلا. وكا بدئت الآيات بتذكير المؤمنين بنعم ~~الله - تعالى - عليهم، ختمت - أيضا - بهذا التذكير حيث رد الله أعداءهم ~~عنهم دون أن ينالوا خيرا، ومكنهم من معاقبة الغادرين من اليهود. ثم عادت ~~السورة الكريمة مرة أخرى - بعد هذا الحديث عن غزة الخندق - إلى بيان ~~التوجيهات الحكيمة التى وجهها الله - تعالى - إلى نبيه صلى الله عليه ~~وسلم وإلى أزواجه، فقال - سبحانه - { يأيها النبي قل ~~لأزواجك....أجرا عظيما }. ### || [33.28-29] # ففى هاتين الآيتين يأمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخير ~~أزواجه بين أن يعشن معه معيشة الكفاف والزهد فى زينة الحياة الدنيا وبين ~~أن يفارقهن ليحصلن على ما يشتهينه من زينة الحياة الدنيا. قال الإمام ~~القرطبى ما ملخصه قال علماؤنا هذه الآية متصلة بمعنى ما تقدم من المنع من ~~إيذاء النبى صلى الله عليه وسلم وكان قد تأذى ببعض الزوجات. قيل سألنه ~~شيئا عن عرض الدنيا. وقيل سألنه زيادة فى النفقة. روى البخارى ومسلم - ~~واللفظ لمسلم - عن جابر بن عبد الله قال # " دخل ابو بكر يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد الناس ~~جلوسا ببابه لم يؤذن لأحد منهم، قال فأذن لأبى بكر فدخل، ثم جاء عمر ~~فاستأذن فأذن له، فوجد النبى صلى الله عليه وسلم جالسا حوله نساؤه. قال ~~فقال عمر، والله لأقولن شيئا يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا ~~رسول الله، لو رأيت بنت زيد - زوجة عمر - سألتنى النفقة فقمت إليها فوجأت ~~عنقها فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال " هن حولى ms4135 كما ترى يسألننى ~~النفقة ". فقام أبو بكر إلى ابنته عائشة ليضربها، وقام عمر إلى ابنته ~~حفصة ليضربها وكلاهما يقول تسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس ~~عنده. فقلن والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا أبدا ليس ~~عنده. ثم نزلت هاتان الآيتان. فبدأ صلى الله عليه وسلم بعائشة فقال لها " ~~يا عائشة، إنى أريد أن أعرض عليك أمرا، أحب أن لا تعجلى فيه حتى تستشيرى ~~أبويك ". قالت وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها هاتين الآيتين. فقالت ~~أفيك يا رسول الله أستشير أبوى!! بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة. ~~وفعل أزواج النبى صلى الله عليه وسلم ما فعلت عائشة ". # وقال الإمام ابن كثير - بعد أن ساق جملة من الأحاديث فى هذا وكان تحته ~~يومئذ تسع نسوة، خمس من قريش عائشة وحفصة، وأم حبيبة وسودة، وأم سلمة. ~~وأربع من غير قريش - وهن صفية بنت حيى النضرية، وميمونة بنت الحارث ~~الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية - ~~رضى الله عنهن. وقال الإمام الآلوسى فلما خيرهن واخترن الله ورسوله ~~والدار الآخرة، مدحهن الله - تعالى - على ذلك، إذ قال - سبحانه - # لا يحل لك النسآء من بعد ولا أن تبدل بهن ~~من أزواج ولو أعجبك حسنهن.. # فقصره الله - تعالى - عليهن، وهن التسع اللاتى اخترن الله ورسوله والدار ~~الآخرة ". # والمعنى { يأيها النبي قل لأزواجك } اللائى فى عصمتك { ~~إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها }. أى إن كنتن ~~تردن سعة الحياة الدنيا وبهجتها وزخارفها ومتها من مأكل ومشرب وملبس، فوق ~~ما أنتن فيه عندى من معيشة مقصورة على ضروريات الحياة، وقائمة على الزهد ~~فى زينتها. إن كنتن تردن ذلك { فتعالين أمتعكن ~~وأسرحكن سراحا جميلا }. قال الجمل وقوله { فتعالين ~~} فعل أمر مبنى على السكون، ونون النسوة فاعل. وأصل هذا الأمر أن يكون ~~الآمر أعلى مكانا من المأمور، فيدعوه أن يرفع نفسه إليه، ثم كثر استعماله ~~حتى صار معناه أقبل. وهو هنا كناية عن الاختيار والإرادة. والعلاقة هى ~~أن المخبر يدنو إلى من ms4136 يخبره. وقوله { أمتعكن } مجزوم فى جواب ~~الأمر. والمتعة ما يعطيه الرجل للمرأة التى طلقها، زيادة على الحقوق ~~المقررة لها شرعا، وقد جعلها - سبحانه - حقا على المحسنين الذين يبغون ~~رضا الله - تعالى - وحسن ثوابه. وقوله { وأسرحكن } معطوف على ما ~~قبله، والتسريح إرسال الشئ، ومنه تسريح الشعر ليخلص بعضه من بعض. ويقال ~~سرح فلان الماشية، إذا أرسلها لترعى. والمراد به هنا طلاق الرجل للمرأة، ~~وتركها لعصمته. أى قل - أيها الرسول الكريم - لأزواجك إن كنتن تردن ~~الحياة الدنيا وزينتها، ولا تستطعن الصبر على المعيشة، معى، فلكن أن ~~تخترن مفارقنى، وإنى على استعداد أن أعطيكن المتعة التى ترضينها، وأن ~~أطلقكن طلاقا لا ضرر فيه، ولا ظلم معه، لأنى سأعطيكن ما هو فوق حقكن. { ~~وإن كنتن } لا تردن ذلك، وإنما { تردن الله ورسوله ~~والدار الآخرة }. أى وإنما تردن ثواب الله - تعالى - والبقاء مع ~~رسوله صلى الله عليه وسلم، وإيثار شظف الحياة على زينتها، وإيثار ثواب ~~الدار الآخرة على متع الحياة الدنيا. إن كنتن تردن ذلك فاعلمن أن { ~~الله } - تعالى - { أعد للمحسنات منكن } ، بسبب ~~إيمانهن وإحسانهن { أجرا عظيما } لا يعلم مقداره إلا الله - تعالى ~~-. وبهذا التأديب الحكيم، والإرشاد القويم، أمر الله - تعالى - رسوله ~~صلى الله عليه وسلم أن يؤدب نساءه، وأن يرشدهن إلى ما فيه سعادتهن، وأن ~~يترك لهن حرية الاختيار. ثم وجه - سبحانه - الخطاب إلى أمهات المؤمنين، ~~فأدبهن أكمل تأديب وأمرهن بالتزام الفضائل، وباجتناب الرذائل، لأنهن ~~القدوة لغيرهن من النساء، ولأنهن فى بيوتهن ينزل الوحى على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال - تعالى - { ينسآء النبي....كان لطيفا ~~خبيرا }. ### || [33.30-34] # فقوله - سبحانه - { ينسآء النبي من يأت منكن ~~بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين.. } ~~نداء من الله تعالى - لهن. على سبيل الوعظ والارشاد والتأديب، والعناية ~~بشأنهن لأنهن القدوة لغيرهن، والفاحشة ما قبح من الأقوال والأفعال. ~~والمعنى يا نساء النبى صلى الله عليه وسلم من يأت منكن بمعصية ظاهرة ~~القبح، يضاعف الله - تعالى - لها العقاب ضعفين، لأن المعصية من رفيع ~~الشأن تكون أشد قبحا، وأعظم جرما. قال صاحب ms4137 الكشاف وإنما ضوعف عذابهن، ~~لأن ما قبح من سائر النساء، كان أقبح منهن وأقبح، لأن زيادة قبح المعصية، ~~تتبع زيادة الفضل والمرتبة.. وليس لأحد من النساء، مثل فضل نساء النبى ~~صلى الله عليه وسلم ولا على أحد منهن مثل ما لله عليهن من النعمة.. ولذلك ~~كان ذم العقلاء للعاصى العالم أشد منه للعاصى الجاهل، لأن المعصية من ~~العالم أقبح. وقد روى عن زين العابدين بن على بن الحسين - رضى الله عنهم ~~- أنه قال له رجل إنكم أهل بيت مغفور لكم، فغضب، وقال نحن أحرى أن يجرى ~~فينا، ما أجرى الله - تعالى - على نساء نبيه صلى الله عليه وسلم من أن ~~لمسيئنا ضعفين من العذاب، ولمحسننا ضعفين من الأجر. وقوله - سبحانه - { ~~من يأت منكن بفاحشة.. } جملة شرطية. والجملة الشرطية لا ~~تقتضى وقوع الشرط، كما فى قوله - تعالى - # ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن ~~أشركت ليحبطن عملك.. # وكما فى قوله - سبحانه - # ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون # ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان أن منزلتهن - رضى الله عنهن - لا ~~تمنع من وقوع العذاب بهن فى حالة ارتكابهن لما نهى الله - تعالى - عنه، ~~فقال { وكان ذلك على الله يسيرا } أى وكان ذلك التضعيف ~~للعذاب لهن، يسيرا وهينا على الله، لأنه - سبحانه - لا يصعب عليه شئ. هذا ~~هوالجزاء فى حالة ارتكابهن - على سبيل الفرض - لما نهى الله - تعالى - ~~عنه، أما فى حالة طاعتهن، فقد بين - سبحانه - جزاءهن بقوله { ومن ~~يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتهآ ~~أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما }. والقنوت ~~ملازمة الطاعة لله - تعالى -، والخضوع والخشوع لذاته. أى ومن يقنت منكن - ~~يا نساء النبى - لله - تعالى -، ويلازم طاعته، ويحرص على مرضاة رسوله صلى ~~الله عليه وسلم، وتعمل عملا صالحا. من يفعل ذلك منكن، نؤتها أجرها الذى ~~تستحقه مضاعفا، فضلا منا وكرما، { وأعتدنا لها } أى وهيأنا لها ~~زيادة على ذلك { رزقا كريما } لا يعلم مقداره إلا الله - تعالى -. # وهكذا نرى أن الله - تعالى - قد ميز أمهات المؤمنين، فجعل حسنتهن ms4138 ~~كحسنتين لغيرهن، كما جعل سيئتهن بمقدار سيئتين لغيرهن - أيضا - وذلك لعظم ~~مكانتهن، ومشاهدتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم مالا يشاهد غيرهن، ~~من سلوك كريم، وتوجيه حكيم. ثم وجه - سبحانه - إليهن نداء ثانيا فقال { ~~ينسآء النبي لستن كأحد من النسآء إن ~~اتقيتن }. أى يا نساء النبى، لقد أعطاكن الله - تعالى - من الفضل ~~من سمو المنزلة ما لم يعط غيركن، فأنتن فى مكان القدوة لسائر النساء، ~~وهذا الفضل كائن لكن إن اتقيتن الله - تعالى - وصنتن أنفسكن عن كل ما ~~نهاكن - سبحانه - عنه. قال صاحب الكشاف أحد فى الأصل بمعنى وحد، وهو ~~الواحد، ثم وضع فى النفى العام مستويا فيه المذكر والمؤنث والواحد وما ~~وراءه. ومعنى قوله { لستن كأحد من النسآء } لستن كجماعة ~~واحدة من جماعات النساء. أى إذا استقصيت أمة النساء جماعة جماعة، لم توجد ~~منهن جماعة واحدة تساويكن فى الفضل والسابقة. وجواب الشرط فى قوله { إن ~~اتقيتن } محذوف لدلالة ما قبله عليه. أى إن اتقيتن فلستن كأحد من ~~النساء. قال الآلوسى قوله { إن اتقيتن } شرط لنفى المثلية ~~وفضلهن على النساء، وجوابه محذوف دل عليه المذكور.. والمفعول محذوف. أى ~~إن اتقيتن مخالفة حكم الله - تعالى - ورضا رسوله صلى الله عليه وسلم ~~والمراد إن دمتن على اتقاء ذلك. والمراد به التهييج بجعل طلب الدنيا ~~والميل إلى ما تميل إليه النساء لبعده من مقامهن، بمنزلة الخروج من ~~التقوى. فالمقصود بالجملة الكريمة بيان أن ما وصلن إليه من منزلة كريمة، ~~هو بفضل تقواهن وخشيتهن لله - تعالى - وليس بفضل شئ آخر. ثم نهاهن - ~~سبحانه - عن النطق بالكلام الذى يطمع فيهن من فى قلبه نفاق وفجور فقال { ~~فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض }. ~~أى فلا ترققن الكلام، ولا تنطقن به بطريقة لينة متكسرة تثير شهرة الرجال، ~~وتجعل مريض القلب يطمع فى النطق بالسوء معكن فإن من محاسن خصال المرأة أن ~~تنزه خطابها عن ذلك، لغير زوجها من الرجال. وهكذا يحذر الله - تعالى - ~~أمهات المؤمنين - وهن الطاهرات المطهرات - عن الخضوع بالقول، حتى يكون فى ms4139 ~~ذلك عبرة وعظة لغيرهن فى كل زمان ومكان فإن مخاطبة المرأة - لغير زوجها ~~من الرجال - بطريقة لينة مثيرة للشهوات والغرائز، تؤدى إلى فساد كبير، ~~وتطمع من لا خلاق لهم فيها. ثم أرشدهن - سبحانه - إلى القول الذى يرضيه ~~فقال { وقلن قولا معروفا }. أى اتركن الكلام بطريقة تطمع ~~الذى فى قلبه مرض فيكن، وقلن قولا حسنا محمودا. وانطقن به بطريقة طبيعية، ~~بعيدة عن كل ريبة أو انحراف عن الحق والخلق الكريم. # ثم أمرهن - سبحانه - بعد ذلك بالاستقرار فى بيوتهن، وعدم الخروج منها ~~إلا لحاجة شرعية فقال { وقرن في بيوتكن }. قال القرطبى ما ~~ملخصه قوله { وقرن } قرأه الجمهور - بكسر القاف - من القرار تقول ~~قررت بالمكان - بفتح الراء أقر - بكسر القاف - إذا نزلت فيه - ~~والأصل - اقررن - بكسر الراء - فحذفت الراء الأولى تخفيفا.. ونقلوا ~~حركاتها إلى القاف، واستغنى عن ألف الوصل لتحرك القاف.. فصارت الكلمة " ~~قرن " - بكسر القاف -. وقرأ عاصم ونافع { وقرن } - بفتح القاف - من ~~قررت فى المكان - بكسر الراء - إذا أقمت فيه.. والأصل اقررن - بفتح ~~الراء - فحذفت الراء الأولى لثقل التضعيف، وألقيت حركتها على القاف.. ~~فتقول { قرن } - بالفتح - للقاف -. والمعنى الزمن يا نساء النبى صلى ~~الله عليه وسلم بيوتكن، ولا تخرجن منها إلا لحاجة مشروعة، ومثلهن فى ذلك ~~جميع النساء المسلمات، لأن الخطاب لهن فى مثل هذه الأمور، هو خطاب لغيرهن ~~من النساء المؤمنات من باب أولى، وإنما خاطب - سبحانه - أمهات المؤمنين ~~على سبيل التشريف، واقتداء غيرهن بهن. قال بعض العلماء والحكمة فى هذا ~~الأمر أن ينصرفن إلى رعاية شئون بيوتهن، وتوفير وسائل الحياة المنزلية ~~التى هى من خصائصهن، ولا يحسنها الرجال، وإلى تربية الأولاد فى عهد ~~الطفوة وهى من شأنهن. وقد جرت السنة الإلهية بأن أمر الزوجين قسمة ~~بينهما، فللرجل أعمال من خصائصهم لا يحسنها النساء، وللنساء أعمال ~~خصائصهن لا يحسنها الرجال، فإذا تعدى أحد الفريقين عمله، اختل النظام فى ~~البيت والمعيشة. وقال صاحب الظلال ما ملخصه والبيت هو مثابة المرأة التى ~~تجد فيها نفسها على حقيقتها كما أرادها الله - تعالى - ولكى يهيئ ms4140 ~~الإسلام للبيت جوه السليم، ويهيئ للفراخ الناشئة فيه رعايتها، أوجب على ~~الرجل النفقة، وجعلها فريضة، كى يتاح للأم من الجهد ومن الوقت ومن هدوء ~~البال، ما شترف به على هذه الفراخ الزغب، وما تهيئ به للمثابة نظامها ~~وعطرها وبشاشتها. فالأم المكدودة بالعمل وبمقتضياته وبمواعيده.. لا يمكن ~~أن تهيئ للبيت جوه وعطره، ولا يمكن أن تهيئ للطفولة النابتة فيه حقها ~~ورعايتها. إن خروج المرأة للعمل كارثة على البيت قد تبيحها الضرورة، أما ~~أن يتطوع بها الناس وهم قادرون على اجتنابها، فتلك هى اللعنة التى تصيب ~~الأرواح والضمائر والعقول، فى عصور الانتكاس والشرور والضلال. وهذه ~~الجملة الكريمة ليس المقصود بها ملازمة البيوت فلا يبرحنها إطلاق وإنما ~~المقصود بها أن يكون البيت هو الأصل فى حياتهن، ولا يخرجن إلا لحاجة ~~مشروعة، كأداء الصلاة فى المسجد، وكأداء فريضة الحج وكزيارة الوالدين ~~والآقارب، وكقضاء مصالحهن التى لا تقضى إلا بهن. # . بشرط أن يكون خروجهن مصوحبا بالتستر والاحتشام وعدم التبذل. ولذا قال ~~- سبحانه - بعد هذا الأمر، { ولا تبرجن تبرج ~~الجاهلية الأولى }. وقوله { تبرجن } مأخوذ من البرج - ~~بفتح الباء والراء - وهو سعة العين وحسنها، ومنه قولهم سفينة برجاء، أى ~~متسعة ولا غطاء عليها. والمراد به هنا إظهار ما ينبغى ستره من جسد ~~المرأة، مع التكلف والتصنع فى ذلك. والجاهلية الأولى، بمعنى المتقدمة، إذ ~~يقال لكل متقدم ومتقدمة أول وأولى. أو المراد بها الجاهلية الجهلاء التى ~~كانت ترتكب فيها الفواحش بدون تحرج. وقد فسروها بتفسيرات متعددة، منها ~~قول مجاهد كانت المرأة تخرج فتمشى بين يدى الرجال، فذلك تبرج الجاهلية. ~~ومنها قول قتادة كانت المرأة فى الجاهلية تمشى مشية فيها تكسر. ومنها قول ~~مقاتل والتبرج أنها تلقى الخمار على رأسها، ولا تشده فيوارى قلائدها ~~وعنقها. ويبدو لنا أن التبرج المنهى عنه فى الآية الكريمة، يشمل كل ذلك، ~~كما يشمل كل فعل تفعله المرأة، ويكون هذا الفعل متنافيا مع آداب الإسلام ~~وتشريعاته. والمعنى الزمن يا نساء النبى بيوتكن، فلا تخرجن إلا لحاجة ~~مشروعة، وإذا خرجتن فاخرجن فى لباس الحشمة والوقار، ms4141 ولا تبدى إحداكن شيئا ~~أمرها الله - تعالى - بستره وإخفائه، واحذرن التشبيه بنساء أهل الجاهلية ~~الأولى، حيث كن يفعلن ما يثير شهوة الرجال، ويلفت أنظارهم اليهن. ثم أتبع ~~- سبحانه - هذا النهى بما يجعلهن على صلة طيبة بخالقهن - عز وجل - فقال { ~~وأقمن الصلاة } أى داومن على إقامتها فى أوقاتها بخشوع وإخلاص. ~~{ وآتين الزكاة } التى فرضها الله - تعالى - عليكن. وخص - سبحانه ~~- هاتين الفريضتين بالذكر من بين سائر الفرائض، لأنهما أساس العبادات ~~البدنية والمالية. { وأطعن الله ورسوله } أى فى كل ما تأتين ~~وتتركن، لا سيما فيما أمرتن به، ونهيتين عنه. وقوله { إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا } تعليل لما أمرن به من طاعات، ولما نهين عنه من سيئات. ~~والرجس فى الأصل يطلق على كل شئ مستقذر. وأريد به هنا الذنوب والآثام وما ~~يشبه ذلك من النقائص والأدناس. وقوله { أهل البيت } منصوب على ~~النداء، أو على المدح. ويدخل فى أهل البيت هنا دخولا أوليا نساؤه صلى ~~الله عليه وسلم بقرينة سياق الآيات. أى إنما يريده الله - تعالى - بتلك ~~الأوامر التى أمركن بها، وبتلك النواهى التى نهاكن عنها، أن يذهب عنكن ~~الآثام والذنوب والنقائص، وأن يطهركن من كل ذلك تطهيرا تاما كاملا. قال ~~الإمام ابن كثير ما ملخصه قوله { إنما يريد الله ليذهب ~~عنكم الرجس أهل البيت.. } هذا نص فى دخول أزواج النبى صلى ~~الله عليه وسلم فى أهل البيت ها هنا، لأنهن سبب نزول هذه الآية. # . وقد وردت أحاديث تدل على أن المراد أعم من ذلك، فقد روى الإمام أحمد ~~بسنده - عن أنس بن مالك قال # " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج ~~إلى صلاة الفجر، يقول الصلاة يا أهل البيت ثم يتلو هذه الآية.. ". # وقال بعض العلماء والتحقيق - إن شاء الله - أنهن داخلات فى الآية، بدليل ~~السياق، وإن كانت الآية تتناول غيرهن من أهل البيت.. ونظير ذلك من دخول ~~الزوجات فى اسم أهل البيت، قوله - تعالى - فى زوجة إبراهيم # قالوا أتعجبين من ms4142 أمر الله رحمة الله ~~وبركاته عليكم أهل البيت # وأما الدليل على دخول غيرهن فى الآية، فهو أحاديث جاءت # " عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال فى على وفاطمة والحسن والحسين - ~~رضى الله عنهم - " إنهم أهل البيت " ودعا الله أن يذهب عنهم الرجس ~~ويطهرهم تطهيرا ". # وبما ذكرنا تعلم أن الصواب شمول الآية الكريمة لأزواج النبى صلى الله ~~عليه وسلم ولعلى وفاطمة والحسن والحسين. فإن قيل الضمير فى قوله { ~~ليذهب عنكم الرجس } وفى قوله { ويطهركم تطهيرا ~~} ضمير الذكور، فلو كان المراد أزواج النبى صلى الله عليه وسلم لقيل ~~ليذهب عنكن ويطهركن؟ فالجواب ما ذكرناه من أن الآية تشملهن وتشمل فاطمة ~~وعلى والحسن والحسين، وقد أجمع أهل اللسان العربى على تغليب الذكور على ~~الإناث فى الجموع ونحوها.. ومن أساليب اللغة العربية التى نزل بها ~~القرآن، أن زوجة الرجل يطلق عليها أهل، وباعتبار لفظ الأهل تخاطب مخاطبة ~~الجمع المذكر، ومنه قوله - تعالى - فى موسى # فقال لأهله امكثوا # وقوله # سآتيكم # والمخاطب امرأته كما قال غير واحد.. وقال بعض أهل العلم إن أهل البيت فى ~~الآية هم من تحرم عليهم الصدقة. ثم ختم - سبحانه - هذه التوجيهات الحكيمة ~~بقوله - عز وجل - { واذكرن ما يتلى في بيوتكن من ~~آيات الله والحكمة.. }. أى واذكرن فى أنفسكن ذكرا متصلا، ~~وذكرن غيركن على سبيل الإرشاد، بما يتلى فى بيوتكن من آيات الله ~~البينات الجامعة بين كونها معجزات دالة على صدق النبى صلى الله عليه ~~وسلم، وبين كونها مشتملة على فنون الحكم والآداب والمواعظ.. ويصح أن يكون ~~المراد بالآيات القرآن الكريم، وبالحكمة أقوال النبى صلى الله عليه وسلم ~~وأفعاله وتقريراته.. وفى الآية الكريمة إشارة إلى أنهن - وقد خصهن الله - ~~تعالى - بجعل بيوتهن موطنا لنزول القرآن، ولنزول الحكمة - أحق بهذا ~~التذكير، وبالعمل الصالح من غيرهن. { إن الله كان لطيفا ~~خبيرا } أى لا يخفى عليه شئ من أحوالكم، وقد أنزل عليكم ما فيه صلاح ~~أموركم فى الدنيا والآخرة. وبعد هذه التوجيهات الحكيمة لأمهات المؤمنين، ~~ساق - سبحانه - توجيها جامعا لأمهات الفضائل، وبشر المتصفين بهذه ms4143 الفضائل ~~بالمغفرة والأجر العظيم فقال - تعالى - { إن المسلمين ~~والمسلمات }. ### || [33.35] # ورد فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه الإمام أحمد والنسائى ~~وغيرهما، عن أم سلمة - رضى الله عنها - قالت قلت للنبى صلى الله عليه ~~وسلم ما لنا لا نذكر فى القرآن كما يذكر الرجال؟ قالت فلم يرعنى منه صلى ~~الله عليه وسلم ذات يوم إلا نداؤه على المنبر، وهو يتلو هذه الآية { ~~إن المسلمين والمسلمات... }. وأخرج الترمذى وغيره عن أم ~~عمارة الأنصارية أنها أتت النبى صلى الله عليه وسلم فقالت ما أرى كل شئ ~~إلا للرجال، وما أرى النساء يذكرون بشئ، فنزلت هذه الآية. وأخرجه ابن ~~جرير عن قتادة قال دخل نساء على أزواج النبى صلى الله عليه وسلم فقلن قد ~~ذكركن الله - تعالى - فى القرآن، وما يذكرنا بشئ أما فينا ما يذكر، فأنزل ~~الله - تعالى - هذه الآية. والمعنى { إن المسلمين ~~والمسلمات } والإسلام الانقياد لأمر الله - تعالى - وإسلام الوجه ~~له - سبحانه - وتفويض الأمر إليه وحده. { والمؤمنين ~~والمؤمنات } والإيمان هو التصديق القلبى، والإذعان الباطنى، لما ~~جاء به النبى صلى الله عليه وسلم. { والقانتين والقانتات } ~~والقنوت هو المواظبة على فعل الطاعات عن رضا واختيار. { والصادقين ~~والصادقات } والصدق والصدق هو النطق بما يطابق الواقع، والبعد عن ~~الكذب والقول الباطل.. { والصابرين والصابرات } والصبر هو ~~توطين النفس على احتمال المكاره والمشاق فى سبيل الحق، وحسب النفس عن ~~الشهوات. { والخاشعين والخاشعات } والخشوع صفة تجعل القلب ~~والجوارح فى حالة انقياد تام لله - تعالى - ومراقبة له، واستشعار لجلاله ~~وهيبته. { والمتصدقين والمتصدقات } والتصدق تقديم ~~الخير إلى الغير بإخلاص، دفعا لحاجته، وعملا على عونه ومساعدته. { ~~والصائمين والصائمات } والصوم هو تقرب إلى الله - تعالى - ~~واستعلاء على مطالب الحياة ولذائذها، من أجل التقرب إليه - سبحانه - بما ~~يرضيه. { والحافظين فروجهم والحافظات } وحفظ الفرج ~~كناية عن التعفف والتطهر والتصون عن أن يضع الإنسان شهوته فى غير الموضع ~~الذى أحله الله - تعالى -. { والذاكرين الله كثيرا ~~والذاكرات } وذكر الله - تعالى - يتمثل فى النطق بما يرضيه كقراءة ~~القرآن الكريم، والإكثار من تسبيحه - عز وجل - وتحميده ms4144 وتكبيره.. وفى ~~شعور النفس فى كل لحظة بمراقبته - سبحانه -. هؤلاء الذين اصتفوا بهذه ~~الصفات من الرجال والنساء { أعد الله } - تعالى - { لهم ~~مغفرة } واسعة لذنوبهم { وأجرا عظيما } لا يعلم مقداره إلا ~~هو - عز وجل -. وهكذا نجد القرآن الكريم يسوق الصفات الكريمة، التى من ~~شأن الرجل والمرأة إذا ما اتصفا بها، أن يسعدا فى دنياهما وفى أخراهما، ~~وأن يسعد بهما المجتمع الذى يعيشان فيه... إنها صفات نظمت علاقة الإنسان ~~بربه، وبنفسه، وبغيره، تنظيما حكيما، يهدى الى الرشد، ويوصل إلى الظفر ~~والنجاح. ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن الحقوق الواجبة على ~~المسلم نحو خالقه - عز وجل - ونحو رسوله صلى الله عليه وسلم، وعن تأكيد ~~إبطال عادة التبنى التى كانت منتشرة قبل نزول هذه السورة، وعن بيان ~~الحكمة لهذا الإبطال، وعن علاقة الرسول صلى الله عليه وسلم بغيره من ~~أتباعه.. فقال - تعالى - { وما كان لمؤمن ولا ~~مؤمنة...بكل شيء عليما }. ### || [33.36-40] # ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { وما كان لمؤمن ~~ولا مؤمنة } روايات منها # " أنها نزلت فى زينب بنت جحش - رضى الله عنها - خطبها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لزيد ابن حارثة فاستنكفت، وقالت أنا خير منه حسبا، فأنزل ~~الله - تعالى - هذه الآية. وفى رواية أنها قالت يا رسول الله، لست ~~بنكاحته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بل فانكحيه " فقالت يا ~~رسول الله، أؤامر فى نفسى؟ فبينما هما يتحادثان، أنزل الله - تعالى هذه ~~الآية. فقالت يا رسول الله، قد رضيته لى زوجا؟ قال نعم قالت إذا لا أعصى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قد زوجته نفسى ". # وذكر بعضهم أنها نزلت فى أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط، وكانت أول من ~~هاجر من النساء.. يعنى بعد صلح الحديبية، فوهبت نفسها للنبى صلى الله ~~عليه وسلم، فزوجها من مولاه زيد بن حارثة، بعد فراقه لزينب فسخطت هى ~~وأخوها وقالا إنما أردنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجنا عبده، ~~فنزلت الآية بسبب ذلك، فأجابا إلى تزويج زيد. قال ابن كثير ms4145 هذه الاية ~~عامة فى جميع الأمور. وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشئ، فليس لأحد ~~مخالفته، ولا اختيار لأحد هاهنا ولا رأى ولا قول، كما قال - تعالى - # فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما ~~قضيت ويسلموا تسليما # وفى الحديث الشريف # " والذى نفسى بيده، لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ". # والمعنى لا يصح ولا يحل لأى مؤمن ولا لأية مؤمنة { إذا قضى الله ~~ورسوله } أى إذا أراد الله ورسوله أمرا. من الأمور. وقال - سبحانه - ~~{ إذا قضى الله ورسوله أمرا } للإشعار، بأن ما يفعله ~~الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يفعله بأمرا لله - تعالى - لأنه صلى الله ~~عليه وسلم لا ينطق عن الهوى. وقوله { أن يكون لهم الخيرة ~~من أمرهم } أى لا يصح لمؤمن أو مؤمنة إذا أراد الله ورسوله أمرا، ~~أن يختاروا ما يخالف ذلك، بل يجب عليهم أن يذعنوا لأمره صلى الله عليه ~~وسلم وأن يجعلوا رأيهم تابعا لرأيه فى كل شئ. وكلمة الخيرة مصدر من ~~تخير، كالطيرة مصدر من تطير. وقوله { من أمرهم } متعلق ~~بها، أو بمحذوف وقع حالا منها. وجاء الضمير فى قوله { لهم } وفى قوله ~~{ من أمرهم } بصيغة الجمع رعاية للمعنى إذ أن لفظى مؤمن ومؤمنة ~~وقعا فى سياق النفى، فيعمان كل مؤمن وكل مؤمنة. وقوله - سبحانه - { ومن ~~يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا } بيان لسوء ~~عاقبة من يخالف أمر الله ورسوله. # أى ومن يعص الله ورسوله فى أمر من الأمور، فقد ضل عن الحق والصواب ضلالا ~~واضحا بينا. ثم ذكر - سبحانه - قصة زواج النبى صلى الله عليه وسلم من ~~السيدة زينب بنت جحش، وما ترتب على هذا الزواج من هدم لعادات كانت متأصلة ~~فى الجاهلية فقال - تعالى - { وإذ تقول للذي أنعم الله ~~عليه.. } أى واذكر - أيها الرسول الكريم - وقت أن قلت للذى أنعم الله ~~- تعالى - عليه بنعمة الإيمان، وهو زيد بن حارثة - رضى الله عنه -. ~~وأنعمت عليه، بنعمة العتق، والحرية، وحسن التربية، ms4146 والمحبة، والإكرام.. ~~{ أمسك عليك زوجك واتق الله } أى اذكر وقت قولك له ~~أمسك عليك زوجك زينب بنت جحش، فلا تطلقها، واتق الله فى أمرها، واصبر على ~~ما بدر منها فى حقك.. وكان زيد - رضى الله عنه - قد اشتكى للنبى صلى الله ~~عليه وسلم من تطاولها عليه، وافتخارها بحسبها ونسبها، وتخشينها له القول، ~~وقال يا رسول الله، إنى أريد أن أطلقها. وقوله - تعالى - { وتخفي في ~~نفسك ما الله مبديه } معطوف على { تقول }. أى تقول له ذلك ~~وتخفى فى نفسك الشئ الذى أظهره الله - تعالى - لك، وهو إلهامك بأن زيدا ~~سيطلق زينب، وأنت ستتزوجها بأمر الله - عز جل -. قال الآلوسى والمراد ~~بالموصول { ما } عل ما أخرج الحكيم الترمذى وغيره عن على ابن الحسين ما ~~أوحى الله - تعالى - به إليه من أن زينب سيطلقها زيد. ويتزوجها هو صلى ~~الله عليه وسلم. وإلى هذا ذهب أهل التحقيق من المفسرين، كالزهرى، وبكر بن ~~العلاء، والقشيرى، والقاضى أبى بكر بن العربى، وغيرهم. وقال بعض العلماء ~~ما ملخصه قوله - تعالى - { وتخفي في نفسك ما الله مبديه ~~} جملة الله مبدية صلة الموصول الذى هو { ما }. وما أبداه - سبحانه - هو ~~زواجه صلى الله عليه وسلم بزينب، وذلك فى قوله - تعالى - { فلما ~~قضى زيد منها وطرا زوجناكها } وهذا هو التحقيق فى ~~معنى الآية، الذى دل عليه القرآن، وهو اللائق بجنابه صلى الله عليه وسلم. ~~وبه تعلم أن ما قاله بعض المفسرين، من أن ما أخفاه فى نفسه صلى الله عليه ~~وسلم وأبداه الله - تعالى -، وهو وقوع زينب فى قلبه صلى الله عليه وسلم ~~ومحبته لها، وهى زوجة لزيد، وأنها سمعته يقول عندما رآها سبحان مقلب ~~القلوب.. إلى آخر ما قالوا... كله لا صحة له... وقال الإمام ابن كثير ~~عند تفسيره لهذه الآية ذكر ابن جرير وابن أبى حاتم - وغيرهما - هاهنا ~~آثارا عن بعض السلف، أحببنا أن نضرب عنها صفحا، لعدم صحتها. # فلا نوردها.. هذا، ولفضيلة شيخنا الجليل الدكتور أحمد السيد الكومى رأى ~~فى معنى هذه الجملة الكريمة، وهو أن ما ms4147 أخفاه الرسول فى نفسه هو علمه ~~بإصرار زيد على طلاقه لزينب، لكثرة تفاخرها عليه، وسماعه منها ما يكرهه. ~~وما لا يستطيع معه الصبر على معاشرتها. وما أبداه الله - تعالى - هو علم ~~الناس بحال زيد معها، ومعرفتهم بأن زينب تخشن له القول، وتسمعه ما يكره، ~~وتفخر عليه بنسبها.. فيكون المعنى تقول للذى أنعم الله عليه، وأنعمت ~~عليه، أمسك عليك زوجك واتق الله، وتخفى فى نفسك أن زيدا لن يستطيع الصبر ~~على معاشرة زوجه زينب لوجود التنافر بينهما.. مع أن الله - تعالى - قد ~~أظهر ذلك، عن طريق كثرة شكوى زيد منها، وإعلانه أنه حريص على طلاقها، ~~ومعرفة كثير من الناس بهذه الحقيقة.. ومما يؤيد هذا الرأى أنه لم يرد لا ~~فى الكتاب ولا فى السنة ما يدل دلالة صريحة على أن الله قد أوحى إلى نبيه ~~صلى الله عليه وسلم أن زيدا سيطلق زينب، وأنه صلى الله عليه وسلم ~~سيتزوجها، بكل ما ورد فى ذلك هى تلك الرواية التى سبق أن ذكرناها عن على ~~بن الحسين - رضى الله عنهما -. قال صاحب الظلال وهذا الذى أخفاه النبى ~~صلى الله عليه وسلم فى نفسه، وهو يعلم أن الله مبديه، هو ما ألهمه الله ~~أن سيفعله. ولم يكن أمرا صريحا من الله. وإلا ما تردد فيه ولا أخره ولا ~~حاول تأجيله. والجهر به فى حينه مهما كانت العواقب التى يتوقعها عن ~~إعلانه. ولكنه صلى الله عليه وسلم كان أمام إلهام يجده فى نفسه، ويتوجس ~~فى الوقت ذاته من مواجهته ومواجهة الناس به حتى أذن الله بكونه. فطلق زيد ~~زوجه فى النهاية. وهو لا يفكر لا هو لا زينب فيما سيكون بعد.. وهذه ~~الأقوال جميعها تهدم هدما تاما كل الروايات التى رويت عن هذا الحادث، ~~والى تشبث بها أعداء الإسلام فى كل زمان ومكان، وصاغوا حولها الأساطير ~~والمفتريات. وقوله - سبحانه - { وتخشى الناس والله أحق ~~أن تخشاه } معطوف على ما قبله، ومؤكد لمضمونه. أى تقول له ما قلت، ~~وتخفى فى نفسك ما أظهره الله، وتخشى أن تواجه ms4148 الناس بما ألهمك الله - ~~تعالى - به من أمر زيد وزينب، مع أن الله - تعالى - أحق بالخشية من كل ما ~~سواه. فالجملة الكريمة عتاب رقيق من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم وإرشاد له إلى أفضل الطرق، وأحكم السبل، لمجابهة أمثال هذه الأمور، ~~وحلها حلا سليما. ثم بين - سبحانه - الحكمة من زواجه صلى الله عليه وسلم ~~بزينب فقال { فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ~~لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ~~أدعيآئهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر ~~الله مفعولا }. # والوطر الحاجة. وقضاء الوطر بلوغ منتهى ما تريده النفس من الشئ، يقال ~~قضى فلان وطره من هذا الشئ إذا أخذ اقصى حاجته منه. والمراد هنا أن زيدا ~~قضى حاجته من زينب، ولم يبق عنده أدنى رغبة فيها، بل صارت رغبته العظمى ~~فى مفارقتها. أى فلما قضى زيد حاجته من زينب، وطلقها، وانقضت عدتها، ~~زوجناكها، أى جعلناها زوجة لك، { لكي لا يكون على ~~المؤمنين حرج } أو ضيق أو مشقة { في أزواج ~~أدعيآئهم } أى فى الزواج من أزواج أدعيائهم، الذين تبنوهم { إذا ~~قضوا منهن وطرا } أى إذا طلق هؤلاء الأدعياء أزواجهم، وانقضت ~~عدة هؤلاء الأزواج، فلا حرج على الذين سبق لهم تبنى هؤلاء الأدعياء أن ~~يتزوجوا بنسائهم، ولهم فى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة. { ~~وكان أمر الله مفعولا } أى وكان ما يريده الله - تعالى - ~~حاصلا لا محالة. قال الإمام ابن كثير قوله { فلما قضى زيد ~~منها وطرا زوجناكها.. } أى لما فرغ منها وفارقها زوجناكها، ~~وكان الذى ولى تزويجها منه هو الله - عز وجل - بمعنى أنه أوحى إليه أن ~~يدخل بها بلا ولى ولا مهر ولا عقد ولا شهود من البشر.. روى الإمام أحمد ~~عن أنس قال # " لما انقضت عدة زينب - رضى الله عنها - قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لزيد بن حارثة " اذهب فاذكرها على " فانطلق حتى آتاها وهى تخمر ~~عجينها. قال فلما رأيتها عظمت فى صدرى حتى ما أستطيع أن أنظر إليها. ~~وجعلت أقول - وقد وليتها ms4149 ظهرى، ونكصت على عقبى - يا زينب. أبشرى. أرسلنى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك قالت ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ~~ربى - أى أستشيره فى أمرى - فقامت إلى مسجدها. ونزول القرآن. وجاء رسول ~~الله فدخل عليها بغير إذن ". # وروى البخارى عن أنس بن مالك، أن زينب بنت جحش كانت تفخر على أزواج ~~النبى صلى الله عليه وسلم فتقول زوجكن أهاليكن، وزوجنى الله من فوق سبع ~~سماوات... وقال الإمام الشوكانى وقوله { لكي لا يكون على ~~المؤمنين حرج في أزواج أدعيآئهم }. أى فى التزوج ~~بأزواج من يجعلونه ابنا، كما كانت تفعله العرب، فإنهم كانوا يتبنون من ~~يريدون.. وكانوا يعتقدون أنه يحرم عليهم نساء من تبنوه، كما تحرم نساء ~~أبنائهم على الحقيقة، والأدعياء جمع دعى، وهو الذى يدعى ابنا من غير أن ~~يكون ابنا على الحقيقة. فأخبرهم الله - تعالى - أن نساء الأدعياء حلال ~~لهم - بعد انقضاء العدة - بخلاف الأبناء من الصلب، فإن نساءهم تحرم على ~~الآباء بنفس العقد عليها. # .. وبعد أن بين - سبحانه - الحكمة من زواج النبى صلى الله عليه وسلم ~~بالسيدة زينب بنت جحش، التى كانت قبل ذلك زوجة لزيد بن حارثة - الذى كان ~~الرسول قد تبناه وأعتقه - بعد كل ذلك أخذت السورة الكريمة فى تقرير هذه ~~الحكمة وتأكيدها، وإزالة كل ما علق بالأذهان بشأنها، فقال - تعالى - { ~~ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له... ~~}. أى ما كان على النبى صلى الله عليه وسلم من حرج أو لوم أو مؤاخذة، فى ~~فعل ما أحله الله له، وقدره عليه، وأمره به من زواجه بزينب بعد أن طلقها ~~ابنه بالتبنى زيد بن حارثة فقوله { فيما فرض الله له } أى فيما ~~قسمه له، وقدره عليه، مأخوذ من قولهم فرض فلان لفلان كذا، أى قدر له هذا ~~الشئ وجعله حلالا له. وقوله - تعالى - { سنة الله في الذين ~~خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا } زيادة ~~فى تأكيد هذه الحكمة، وفى تقرير صحة ما فرضه الله - تعالى - لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم. أى ms4150 ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم من زواجه بزينب ~~بعد طلاقها من زيد، قد جعله الله - تعالى - سنة من سننه فى الأمم ~~الماضية، وكان أمر الله - تعالى - قدرا مقدورا. أى واقعا لا محالة. ~~والقدر إيجاد الله - تعالى - للأشياء على قدر مخصوص حسبما تقتضى ~~حكمته. ويقابله القضاء وهو الإرادة الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هى ~~عليه. وقد يستعمل كل منهما بمعنى الآخر. والأظهر أن قدر الله - تعالى - ~~هنا بمعنى قضائه. ولفظ { مقدورا } وصف جئ به للتأكيد، كما فى قولهم ~~ظل ظليل، وليل أليل، ثم مدح - سبحانه - هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين ~~يبلغون دعوته دون أن يخشوا أحدا سواه فقال { الذين يبلغون ~~رسالات الله } للذين يكلفهم - سبحانه - بتبليغها لهم. والموصول فى ~~محل جر صفة للذين خلوا. أو منصوب على المدح. { ويخشونه } أى ~~ويخافونه وحده { ولا يخشون أحدا إلا الله } - عز وجل - ~~فى كل ما يأتون وما يذرون، وما يقولون وما يفعلون. { وكفى بالله ~~حسيبا } أى وكفى بالله - تعالى - محاسبا لعباده على نيات قلوبهم ~~وأفعالهم جوارحهم، وأقوال ألسنتهم. ثم حدد - سبحانه - وظيفة رسوله صلى ~~الله عليه وسلم وأثنى عليه بما هو أهله، فقال - تعالى - { ما كان ~~محمد أبآ أحد من رجالكم } أى لم يكن محمد صلى الله ~~عليه وسلم أبا لأحد من رجالكم أبوة حقيقية، تترتب عليها آثارها وأحكامها ~~من الإرث، والنفقة والزواج... وزيد كذلك ليس ابنا له صلى الله عليه وسلم ~~فزواجه صلى الله عليه وسلم بزينب التى طلقها زيد لا حرج فيه، ولا شبهة فى ~~صحته، وقوله { ولكن رسول الله وخاتم النبيين } ~~استدراك لبيان وظيفته وفضله. # أى لم يكن صلى الله عليه وسلم أبا لأحدكم على سبيل الحقيقة، ولكنه كان ~~رسولا من عند الله - تعالى - ليخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ~~وكان - أيضا - خاتم النبيين، بمعنى أنهم ختموا به، فلا نبى بعده، فهو ~~كالخاتم والطابع لهم. ختم الله - تعالى - به الرسل والأنبياء، فلا رسول ~~ولا نبى بعده إلى قيام الساعة. قال القرطبى قرأ الجمهور { وخاتم } - ~~بكسر التاء - بمعنى أنه ختمهم، ms4151 أى جاء آخرهم. وقرأ عاصم { وخاتم } - بفتح ~~التاء - بمعنى أنهم ختموا به، فهو كالخاتم والطابع لهم. وقيل الخاتم ~~والخاتم - بالفتح والكسر - لغتان، مثل طابع وطابع.. وقد روى الإمام مسلم ~~عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " مثلى ومثل الأنبياء من قبلى كمثل رجل بنى دارا فأتمها وأكملها، إلا ~~موضع لبنة، فجعل الناس يدخولنها ويتعجبون منها ويقولون ما أجمل هذه ~~الدار، هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال صلى الله عليه وسلم فأنا موضع اللبنة ~~جئت فختمت الأنبياء ". # وقد ذكر الإمام ابن كثير عددا من الأحاديث فى هذا المعنى منها ما رواه ~~الإمام مسلم عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " فضلت على الأنبياء بست أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب، وأحلت لى ~~الغنائم، وجعلت لى الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بى ~~النبيون ". # ثم قال - رحمه الله - بعد أن ذكر هذا الحديث وغيره والأحاديث فى هذا ~~كثيرة، فمن رحمة الله - تعالى - بالعباد إرسال محمد صلى الله عليه وسلم ~~إليهم، ثم من تشريفه له ختم الأنبياء والمرسلين به، وإكمال الحنيف له، ~~وقد أخبر - تعالى - فى كتابه، وأخبر رسوله فى السنة المتواترة عنه، أنه ~~لا نبى بعده، ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك دجال ~~ضال مضل، ولو تخرق وشعبذ، وأتى بأنواع السحر والطلاسم... ثم ختم - سبحانه ~~- الآية الكريمة بقوله { وكان الله بكل شيء عليما }. أى ~~وكان - عز وجل - وما زال، هو العليم علما تاما بأحوال خلقه، وبما ينفعهم ~~ويصلحهم، ولذا فقد شرع لكم ما أنتم فى حاجة إليه من تشريعات، واختار ~~رسالة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم لتكون خاتمة الرسالات، فعليكم أن ~~تقابلوا ذلك بالشكر والطاعة، ليزيدكم - سبحانه - من فضله وإحسانه. ثم ~~جاءت الآيات الكريمة بعد ذلك لتؤكد هذا المعنى وتقرره، فأمرت المؤمنين ~~بالإكثار من ذكر الله - تعالى - ومن تسبيحه وتحميده وتكبيره - فقال - ~~سبحانه - { يأيها الذين آمنوا...لهم أجرا كريما }. ### || [33.41-44] # والمقصود بذكر الله - تعالى - فى قوله { يأيها الذين آمنوا ~~اذكروا ms4152 الله ذكرا كثيرا } ما يشمل التهليل والتحميد ~~والتكبير وغير ذلك من القوال والأفعال التى ترضيه - عز وجل -. أى يا من ~~آمنتم بالله حق الإيمان اكثروا من التقرب إلى الله - تعالى - بما يرضيه، ~~فى كل أوقاتكم وأحوالكم، فإن ذكر الله - تعالى - هو طب النفوس ودواؤها، ~~وهو عافية الأبدان وشفاؤها، به تطمئن القلوب، وتنشرح الصدور.. والتعبير ~~بقوله { اذكروا الله ذكرا كثيرا } يشعر بأن من شأن المؤمن ~~الصادق فى إيمانه، أن يواظب على هذه الطاعة مواظبة تامة. ومن الأحاديث ~~التى وردت فى الحض على الإكثار من ذكر الله، ما رواه الإمام أحمد عن ~~أبى الدرداء.. رضى الله عنه.. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها فى درجاتكم، ~~وخير لكم من إعطاء الذهب والورق - أى الفضة، وخير لكم من أن تلقوا ~~عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم، قالوا وما هو يا رسول الله؟ قال ~~ذكر الله - عز وجل - ". # وعن عمرو بن قيس قال سمعت عبد الله بن بسر يقول # " جاء أعرابيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما يا رسول ~~الله، أى الناس خير؟ قال " من طال عمره وحسن عمله ". وقال الآخر يا رسول ~~الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علينا، فمرنى بأمر أتشبث به. قال " لا ~~يزال لسانك رطبا بذكر الله ". # وقال ابن عباس لم يفرض الله - تعالى - فريضة إلا جعل لها حدا معلوما، ثم ~~عذر أهلها فى حال العذر، غير الذكر، فإن الله - تعالى - لم يجعل له حدا ~~ينتهى إليه، ولم يعذر أحدا فى تركه إلا مغلوبا على عقله، وأمرهم به فى ~~الأحوال كلها. فقال - تعالى - # الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى ~~جنوبهم... # وقال - سبحانه - # فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما ~~وقعودا وعلى جنوبكم.. # أى بالليل وبالنهار، فى البر والبحر، وفى السفر والحضر، والغنى والفقر، ~~والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال... وقوله { وسبحوه ~~بكرة وأصيلا } معطوف على { اذكروا... } والتسبيح التنزيه. ~~مأخوذ من السبح، وهو المر السريع فى الماء أو فى الهواء. ms4153 فالمسبح مسرع فى ~~تنزيه الله وتبرئته من السوء. والبكرة أول النهار. والأصيل أخره. أى ~~اكثروا - أيها المؤمنون - من ذكر الله - تعالى - فى كل أحوالكم، ونزهوه - ~~سبحانه - عن كل ما لا يليق به، فى أول النهار وفى آخره. وتخصيص الأمر ~~بالتسبيح فى هذين الوقتين، لبيان فضلهما، ولمزيد الثواب فيهما، وهذا لا ~~يمنع أن التسبيح فى غير هذين الوقتين له ثوابه العظيم عند الله - تعالى ~~-. # - وأيضا - خص - سبحانه - التسبيح بالذكر مع دخوله فى عموم الذكر، ~~للتنبيه على مزيد فضله وشرفه.. قال صاحب الكشاف والتسبيح من جملة الذكر. ~~وإنما اختصه - تعالى - من بين أنواعه اختصاص جبريل وميكائيل من بين ~~الملائكة، ليبين فضله على سائر الأذكار، لأنه معناه تنزيه ذاته عما لا ~~يجوز عليه من الصفات والأفعال... وقوله - سبحانه - { هو الذي ~~يصلي عليكم وملائكته.. } استئناف جار مجرى التعليل لما ~~قبله، من الأمر بالإكثار من الذكر ومن التسبيح. والصلاة من الله - تعالى ~~- على عباده معناها الرحمة بهم، والثناء عليهم، كما أن الصلاة من ~~الملائكة على الناس معناها الدعاء لهم بالمغفرة والرحمة. قال القرطبى ~~قوله - تعالى - { هو الذي يصلي عليكم وملائكته }.. ~~قال ابن عباس لما نزل # إن الله وملائكته يصلون على النبي... # قال المهاجرون والأنصار هذا لك يا رسول الله خاصة، وليس لنا فيه شئ، ~~فأنزل الله هذه الآية. ثم قال القرطبى قلت وهذه نعمة من الله - تعالى على ~~هذه الأمة من أكبر النعم، ودليل على فضلها على سائر الأمم. وقد قال # كنتم خير أمة أخرجت للناس # والصلاة من الله على العبد هى رحمته له، وبركته لديه. وصلاة الملائكة ~~دعاؤهم للمؤمنين واستغفارهم لهم، كما قال - تعالى - # الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ~~ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا # وقوله { ليخرجكم من الظلمات إلى النور } متعلق ~~بقوله { يصلي } أى يرحمكم - سبحانه - برحمته الواسعة، ويسخر ملائكته ~~للدعاء لكم، لكى يخرجكم بفضله ومنته، من ظلمات الظلال والكفر إلى النور ~~والهداية والإيمان. { وكان } - سبحانه - وما زال { بالمؤمنين ~~رحيما } رحمة عظيمة واسعة، تشمل الدنيا والآخرة. أما رحمته لهم فى ~~الدنيا ms4154 فمن مظاهرها هدايته إياهم إلى الصراط المستقيم. وأما رحمته - ~~سبحانه - لهم فى الآخرة فمن مظاهرها أنهم يأمنون من الفزع الأكبر. وفى ~~صحيح البخارى عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه -، # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى امرأة من السبى قد أخذت صبيا لها ~~فألصقته إلى صدرها وأرضعته فقال " أترون هذه تلقى ولدها فى النار وهى ~~تقدر على ذلك؟ قالوا لا. قال فوالله لله أرحم بعباده من هذه لولدها ". # ثم بين - عز وجل - ما أعده للمؤمنين فى الآخرة فقال { تحيتهم ~~يوم يلقونه سلام }. والتحية أن يقول قائل للشخص حياك الله، ~~أى جعل لك حياة طيبة. وهذه التحية للمؤمنين فى الآخرة، تشمل تحية الله - ~~تعالى - لهم، كما فى قوله - سبحانه - # سلام قولا من رب رحيم # وتشمل تحية الملائكة لهم، كما فى قوله - تعالى - # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار # كما تشمل تحية بعضهم لبعض كما فى قوله - عز وجل - # دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها ~~سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين # أى تحية المؤمنين يوم يلقون الله - تعالى فى الآخرة، أو عند قبض ~~أرواحهم، سلام وأمان لهم من كل ما يفزعهم أو يخيفهم أو يزعجهم.. { ~~وأعد لهم } - سبحانه - يوم القيامة { أجرا كريما } هو ~~الجنة التى فيها مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ثم ~~وجه - سبحانه - نداء إلى النبى صلى الله عليه وسلم حدد له فيه وظيفته، ~~وأمره بتبشير المؤمنين بما يسرهم، ونهاه عن طاعة الكافرين والمنافقين ~~فقال { يأيها النبي...وكفى بالله وكيلا }. ### || [33.45-48] # وقوله { ومبشرا } من التبشير، وهو الإخبار بالأمر السار لمن لا ~~علم له بهذا الأمر. وقوله { ونذيرا } من الإنذار، وهو الإخبار ~~بالأمر المخيف لكى يجتنب ويحذر. والمعنى يأيها النبى الكريم { إنآ ~~أرسلناك } إلى الناس { شاهدا } أى شاهدا لمن آمن منهم ~~بالإيمان، ولمن كفر منهم بالكفر، بعد أن بلغتهم رسالة ربك تبليغا تاما ~~كاملا. { ومبشرا } أى ومبشرا المؤمنين منهم برضا الله - تعالى -. { ~~ونذيرا } أى ومنذرا للكافرين ms4155 بسوء العاقبة، بسبب إعراضهم عن الحق ~~الذى جئتهم به من عند الخالق - عز وجل -. وقدم - سبحانه - التبشير على ~~الإنذار، تكريما للمؤمنين المبشرين، وإشعارا بأن الأصل فى رسالته صلى ~~الله عليه وسلم التبشير، فقد أرسله الله - تعالى - رحمة للعالمين. وقوله ~~{ وداعيا إلى الله بإذنه } أى وأرسلناك - أيضا - داعيا ~~للناس إلى عبادة الله - تعالى - وحده، وهذه الدعوة لهم منك كائنة بإذنه - ~~سبحانه - وبأمره وبتيسيره. فالتقييد بقوله { بإذنه } لبيان أنه صلى ~~الله عليه وسلم لم يدع الناس إلى ما دعاهم إليه من وجوب إخلاص العبادة له ~~- سبحانه -، من تلقاء نفسه، وإنما دعاهم إلى ذلك بأمر الله - تعالى - ~~وإذنه ومشيئته، وللإشارة إلى أن هذه الدعوة لا تؤتى ثمارها المرجوة منها ~~إلا إذا صاحبها إذن الله - تعالى - للنفوس بقبولها. وقوله { وسراجا ~~منيرا } معطوف على ما قبله. والسراج المصباح الذى يستضاء به فى ~~الظلمات. أى وأرسلناك - أيها الرسول الكريم - بالدين الحق، لتكون كالسراج ~~المنير الذى يهتدى به الضالون، ويخرجون بسببه من الظلمات إلى النور. ووصف ~~السراج بالإنارة، لأن من المصابيح ما لا يضئ إذا لم يوجد به ما يضيئه من ~~زيت أو ما يشبهه. قال صاحب الكشاف جلى الله - تعالى - بنبيه صلى الله ~~عليه وسلم ظلمات الشرك، فاهتدى به الضالون، كما يجلى ظلام الليل بالسراج ~~المنير ويهتدى به. أو أمد الله بنور نبوته نور البصائر، كما يمد بنور ~~السراج نور الأبصار. ووصفه بالإنارة لأن من السراج ما لا يضئ إذا قل ~~سليطه - أى زيته - ودقت فتيلته... وبعد أن وصف الله - تعالى - رسوله صلى ~~الله عليه وسلم بهذه الصفات الكريمة، اتبع ذلك بأمره بتبشير المؤمنين ~~برضا الله عنهم، وبنهيه عن طاعة الكافرين، فقال - تعالى - { وبشر ~~المؤمنين... } أى انظر - أيها الرسول الكريم - إلى أحوال الناس ~~وإلى موقفهم من دعوتك. وبشر المؤمنين منهم { بأن لهم من ~~الله } - تعالى - { فضلا كبيرا } أى عطاء كبيرا، وأجرا عظيما، ~~ومنزلة سامية بين الأمم. { ولا تطع الكافرين والمنافقين ~~} فيما يشيرون به عليك من ترك الناس وما يعبدون، أو من عدم بيان ما هم ~~عليه ms4156 من باطل وجهل، بل اثبت على ما أنت عليه من حق، وامض فى تبليغ دعوتك ~~دون أن تخشى أحدا إلا الله - تعالى -. # { ودع أذاهم } أى ولا تبال بما ينزلونه بك من أذى، بسبب دعوتك ~~إياهم إلى ترك عبادة الأصنام والأوثان، واصبر على ما يصيبك منهم حتى يحكم ~~الله - تعالى - بحكمه العادل بينك وبينهم. { وتوكل على الله ~~} فى كل أمورك { وكفى بالله } - تعالى - { وكيلا } توكل إليه ~~الأمور، وترد إليه الشئون.. هذا، ومن الأحاديث النبوية التى اشتملت على ~~بعض المعانى التى اشتملت عليها هذه الآيات، ما رواه الإمام البخارى ~~والإمام أحمد عن عطاء بن يسار قال لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت ~~له أخبرنى عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى التوراة؟ قال والله ~~إنه لموصوف فى التوراة ببعض صفته فى القرآن { يأيها النبي ~~إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا } وحرزا ~~للمؤمنين، أنت عبدى ورسولى، سميتك المتوكل، لست بفظ ولا غليظ ولا صخاب فى ~~الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله - ~~تعالى - حتى يقيم به الملة العوجاء، ويفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، ~~وقلوبا غلفا. ثم عادت السورة الكريمة - بعد هذا الحديث الجامع عن وظيفة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وعن فضله - إلى الحديث عن جانب من أحاكم ~~الزواج والطلاق، فقال - تعالى - { يأيها الذين آمنوا إذا ~~نكحتم.... }. ### || [33.49] # والمراد بالنكاح هنا فى قوله { إذا نكحتم } العقد، لأن الحديث فى ~~حكم المرأة التى تم طلاقها قبل الدخول بها. وهذا الحكم شامل للمؤمنات ~~ولغيرهن كالكتابيات، إلا أن الآية الكريمة خصت المؤمنات بالذكر، للتنبيه ~~على أن من ساق المؤمن أن لا ينكح إلا مؤمنة تخيرا للنطفة. والعدة هى الشئ ~~المعدود. وعدة المرأة معناها المدة التى بانقضائها يحل لها الزواج من شخص ~~آخر، غير الذى كان زوجا لها. والمعنى يا من آمنتم بالله - تعالى - حق ~~الإيمان، { إذا نكحتم المؤمنات } أى إذا عقدتم عليهن عقد ~~النكاح، ولم يبق بينكم وبينهن سوى الدخول بهن. { ثم طلقتموهن ~~من قبل أن تمسوهن } أى ms4157 ثم طلقتموهن من قبل أن تجامعوهن. قال ~~الآلوسى وفائدة المجئ بثم مع أن الحكم ثابت لمن تزوج امرأة وطلقها على ~~الفور كثبوته لمن تزوجها وطلقها بعد مدة مديدة، إزاحة ما عسى يتوهم أن ~~تراخى الطلاق، له دخل فى إيجاب العدة، لاحتمال الملاقاة والجماع سرا... ~~أى أن الحكم الذى اشتملت عليه الآية الكريمة، ثابت سواء تم الطلاق بعد ~~عقد الزواج مباشرة، أم بعده بمدة طويلة. وفى التعبير عن الجماع بالمس ~~كناية لطيفة. من شأنها أن تربى فى الإنسان حسن الأدب، وسلامة التعبير، ~~وتجنب النطق بالألفاظ التى تخدش الحياء. وقوله { فما لكم ~~عليهن من عدة تعتدونها } جواب إذا، وبيان للحكم ~~المترتب على طلاق المرأة قبل الدخول بها. أى إذا طلقتموهن قبل الدخول ~~بهن، فلا عدة عليهن، بل من حقهن أن يتزوجن بغيركم، بعد طلاقكم لهن بدون ~~التقيد بأية مدة من الزمان. قال الجمل وقوله { تعتدونها } صفة ~~لعدة. وتعتدونها تفتعلونها، إما عن العد، وإما عن الاعتداد، أى تحسبونها ~~أو تستوفون عددها، من قولك عد فلان الدراهم فاعتدها، أى فاستوفى عددها... ~~فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن المطلقة قبل الدخول بها لا عدة عليها ~~إطلاقا بنص الكتاب وإجماع الأمة، أما المطلقة بعد الدخول بها فعليها ~~العدة إجماعا. وقوله - سبحانه - { فمتعوهن وسرحوهن ~~سراحا جميلا } بيان لما يجب على المؤمنين أن يفعلوه، بالنسبة لمن ~~طلقت قبل الدخول بها. وأصل المتعة والمتاع، ما ينتفع بها الإنسان من مال ~~أو كسوة أو غير ذلك. ثم أطلقت المتعة على ما يعطيه الرجل للمرأة من مال ~~أو غيره عند طلاقها منه، لتنتفع به، جبرا لخاطرها، وتعويضا لها عما نالها ~~بسبب هذا الفراق. وأصل التسريح أن ترعى الإبل السرح، وهو شجر له ثمرة، ~~ثم أطلق على كل إرسال فى الرعى، ثم على كل إرسال وإخراج. والتسريح الجميل ~~هو الذى لا ضرر معه. وإنما معه الكلام الطيب، والفعل الحسن. والمعنى إذا ~~طلقتموهن قبل الدخول بهن، فأعطوهن من المال ما يجبر خاطرهن، وما يكون ~~عوضا عن فراقهن. # . وأطلقوا سراحهن ليستأنفن حياة جديدة مع ms4158 غيركم، وساعدوهن على ذلك إن ~~استطعتم، فإن من شأن العقلاء، أن يعاشروا أزواجهن بالمعروف، وأن يفارقوهن ~~- أيضا - بالمعروف. ومن العلماء من يرى أن المتعة واجبة للمرأة على الرجل ~~فى حال مفارقتها قبل الدخول بها، لأن الآية الكريمة قد أمرت بذلك، والأمر ~~بقتضى الوجوب. وقد بينا ذلك بالتفصيل عند تفسيرنا لقوله - تعالى - فى ~~سورة البقرة # لا جناح عليكم إن طلقتم النسآء ما لم ~~تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على ~~الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا ~~بالمعروف حقا على المحسنين وإن طلقتموهن من ~~قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ~~ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده ~~عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا ~~تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير # والملاحظ أن الآية الكريمة التى معنا، قد أضافت حكما جديدا، وهو أنه لا ~~عدة على المطلقة قبل الدخول بها. ومن مجموع هذه الآيات نرى أحكم ~~التشريعات، وأسمى التوجيهات. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من مظاهر ~~فضله عليه. وتكريمه له حيث خصه بأمور تتعلق بالنكاح لم يخص بها أحدا ~~غيره. فقال - تعالى - { يأيها النبي إنآ أحللنا لك ~~أزواجك....على كل شيء رقيبا }. ### || [33.50-52] # والمراد بالأجور فى قوله - سبحانه - { يأيها النبي إنآ ~~أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن... } ~~المهور التى دفعها صلى الله عليه وسلم لأزاوجه. قال ابن كثير يقول - ~~تعالى - مخاطبا - نبيه - صلوات الله وسلامه عليه - بأن قد أحل له من ~~النساء أزواجه اللائى أعطاهن مهورهن، وهى الأجور ها هنا، كما قاله مجاهد ~~وغير واحد. وقد كان مهره صلى الله عليه وسلم لنسائه اثنتى عشرة أوقية ~~ونصف أوقية. فالجميع خمسمائة درهم إلا أم حبيبة بنت أبى سفيان فإنه ~~أمهرها عنه النجاشى - رحمه الله - بأربعمائة دينار، وإلا صفية بنت حيى ~~فإنه اصطفاها من سبى خيبر، ثم أعتقها وجعل عتقها صداقها. وكذلك جويرية ~~بنت الحارث المصطلقية، أدى عنها كتابتها إلى ثبات بن قيس وتزوجها. وفى ~~قوله { آتيت أجورهن } إشارة إلى أن إعطاء المهر كاملا للمراة ~~دون إبقاء شئ منه، ms4159 هو الأكمل والأفضل، وأن تأخير شئ منه إنما هو مستحدث، ~~لم يكن معروفا عند السلف الصالح. وأطلق على المهر أجر لمقابلته ~~الاستمتاع الدائم بما يحل الاستمتاع به من الزوجة، كما يقابل الأجر ~~بالمنفعة. وقوله { وما ملكت يمينك ممآ أفآء الله ~~عليك } بيان لنوع آخر مما أحله الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم. والمعنى يأيها النبى إنا أحللنا لك - بفضلنا - على سبيل التكريم ~~والتشريف لك، الاستمتاع بأزواجك الكائنات عندك، واللاتى أعطيتهن مهورهن - ~~كعائشة وحفصة وغيرهما -، لأنهن قد اخترنك على الحياة الدنيا وزينتها. كما ~~أحللنا لك التمتع بما ملكت يمينك من النساء اللائى دخلن فى ملكك عن طريق ~~الغنيمة فى الحرب، كصفية بنت حيى بن أخطب، وجويرية بنت الحارث. ثم بين - ~~سبحانه - نوعا ثالثا أحله - سبحانه - له فقال { وبنات عمك ~~وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي ~~هاجرن معك }. أى وأحللنا لك - أيضا - الزواج بالنساء اللائى تربطك ~~بهن قرابة من جهة الأب، أو قرابة من جهة الأم. وقوله { اللاتي ~~هاجرن معك } إشارة إلى ما هو أفضل، وللإيذان بشرف الهجرة وشرف من ~~هاجر. والمراد بالمعية هنا. الاشتراك فى الهجرة. لا المصاحبة فيها، لما ~~فى قوله - تعالى - حكاية عن ملكة سبأ { قالت رب إني ظلمت ~~نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين }. ~~قال بعض العلماء وقد جاء فى الآية الكريمة عدة قيود، ما أريد بواحد منها ~~إلا التنبيه على الحالة الكريمة الفاضلة. منها وصف النبى صلى الله عليه ~~وسلم باللاتى آتى أجورهن، فإنه تنبيه على الحالة الكاملة، فإن الأكمل ~~إيتاء المهر كاملا دون أن يتأخر منه شئ. ومنها أن تخصيص المملوكات بأن ~~يكن من الفئ، فإن المملوكة إذا كانت غنيمة من أهل الحرب كانت أحل وأطيب ~~مما يشترى من الجلب، لأن المملوكة عن طريق الغنيمة تكون معروفة الحالة ~~والنشأة. # ومنها قيد الهجرة فى قوله { اللاتي هاجرن معك } ، ولا شك أن ~~من هاجرت مع النبى صلى الله عليه وسلم أولى بشرف زوجية النبى صلى الله ~~عليه وسلم ممن عداها. ثم بين - سبحانه - نوعا رابعا ms4160 من النساء، أحله ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم فقال { وامرأة مؤمنة إن وهبت ~~نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها ~~خالصة لك من دون المؤمنين }. والجملة الكريمة معطوفة على ~~مفعول { أحللنا }. وقد اشتملت هذه الجملة على شرطين، الثانى منهما ~~قيد للأول، لأن هبتها نفسها له صلى الله عليه وسلم لا توجب حلها له إلا ~~بقبوله الزواج منها. وقوله { يستنكحها } بمعنى ينكحها. يقال نكح ~~واستنكح، بمعنى عجل واستعجل ويجوز أن يكون بمعنى طلب النكاح. وقوله { ~~خالصة } منصوب على الحال من فاعل { وهبت } أى حال كونها خالصة لك ~~دون غيرك. أو نعت لمصدر مقدر. أى هبة خالصة.. والمعنى وأحللنا لك كذلك ~~امرأة مؤمنة، إن ملكتك نفسها بدون نفسها بدون مهر وإن أنت قبلت ذلك عن ~~طيب خاطر منك، وهذا الإحلال إنما هو خاص بك دون غيرك من المؤمنين، لأن ~~غيرك من المؤمنين لا تحل لهم من وهبت نفسها لواحد منهم إلا بولى ومهر. ~~وقد ذكروا ممن وهبن أنفسهن له صلى الله عليه وسلم خولة بنت حكيم، وأم ~~شريك بنت جابر، وليلى بنت الحطيم.. وقد اختلف العلماء فى كونه صلى الله ~~عليه وسلم قد تزوج بواحدة من هؤلاء الواهبات أنفسهن له أم لا. والأرجح ~~أنه صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بواحدة منهن، وإنما زوجهن لغيره. ويشهد ~~لذلك ما رواه الشيخان عن سهل بن سعد الساعدى، # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة فقالت يا رسول الله، إنى ~~قد وهبت نفسى لك. فقامت قياما طويلا، فقام رجل فقال يا رسول الله، ~~زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل ~~عندك من شئ تصدقها إياه؟ فقال ما عندى إلا إزارى هذا. فقال صلى الله عليه ~~وسلم إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك، فالتمس شيئا. فقال لا أجد شيئا ~~فقال التمس ولو خاتما من حديد، فقام الرجل فلم يجد شيئا. فقال له النبى ~~صلى الله عليه وسلم هل معك من القرآن شئ؟ قال نعم. سورة ms4161 كذا وسورة كذا - ~~لسور يسميها - فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجتكها بما معك من ~~القرآن ". # وإلى هنا يتضح لنا أن المقصود بالإحلال فى الآية الكريمة الإذن العام ~~والتوسعة عليه صلى الله عليه وسلم فى الزواج من هذه الأصناف، والإباحة ~~له فى ان يختار منهن من تقتضى الحكمة الزاوج منها، واختصاصه صلى الله ~~عليه وسلم بأمور تتعلق بالنكاح، لا تحل لأحد سواه. # ولهذا قال - سبحانه - بعد ذلك { قد علمنا ما فرضنا ~~عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم.. } فإن ~~هذه الجملة الكريمة معترضة ومقررة لمضمون ما قبلها، من اختصاصه صلى الله ~~عليه وسلم بأمور فى النكاح لا تحل لغيره، كحل زواجه ممن تهبه نفسها بدون ~~مهر، إن قبل ذلك العرض منها. أى هذا الذى أحللناه لك - أيها الرسول ~~الكريم - هو خاص بك، أما بالنسبة لغيرك من المؤمنين فقد علمنا ما فرضناه ~~عليهم فى حق أزواجهم من شرائط العقد وحقوقه، فلا يجوز لهم الإخلال بها، ~~كما لا يجوز لهم الاقتداء بك فيما خصك الله - تعالى - به، على سبيل ~~التوسعة عليك، والتكريم لك، فهم لا يجوز لهم التزوج إلا بعقد وشهود ومهر، ~~كما لا يجوز لهم أن يجمعوا بين أكثر من أربع نسوة. وعلمنا - أيضا - ما ~~فرضناه عليهم بالنسبة لما ملكت أيمانهم، من كونهن ممن يجوز سبيه وحربه، ~~لا ممن لا يجوز سبيه، أو كان له عهد مع المسلمين. وقوله { لكيلا ~~يكون عليك حرج } متعلق بقوله { أحللنا } وهو راجع إلى ~~جميع ما ذكر، فيكون المعنى أحللنا من آتيت أجورهن من النساء، والمملوكات، ~~والأقارب، والواهبة نفسها لك، لندفع عنك الضيق والحرج، ولتتفرغ لتبليغ ما ~~أمرناك بتبليغه. وقيل إنه متعلق بخالصة، أو بعاملها، فيكون المعنى خصصناك ~~بنكاح من وهبت نفسها لك بدون مهر، لكى لا يكون عليك حرج فى البحث عنه. ~~وترى بعضه أنه متعلق بمحذوف، أى بينا لك ما بينا من أحكام خاصة بك، حتى ~~تخرج من الحرج، وحتى يكون ما تفعله هو بوحى منا وليس من عند نفسك. ثم ختم ~~- سبحانه ms4162 - الآية بقوله { وكان الله غفورا رحيما } أى وكان ~~الله - تعالى - وما زال واسع المغفرة والرحمة لعباده المؤمنين. وقوله - ~~عز وجل - { ترجي من تشآء منهن وتؤوي إليك من ~~تشآء } شروع فى بيان جانب آخر من التوسعة التى وسعها - سبحانه - لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم فى معاشرته لنسائه، بعد بيان ما أحله له من النساء. ~~وقوله { ترجي } من الإرجاء بمعنى التأخير والتنحية، وقرئ مهموزا وغير ~~مهموز. تقول أرجيت الأمر وأرجأته، إذا أخرته، ونحيته جانبا حتى يحين ~~موعده المناسب. وقوله { وتؤوي } من الإيواء بمعنى الضم والتقريب، ~~ومنه قوله - تعالى - # ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه.. # أى ضمة إليه وقربه منه. والضمير فى قوله { منهن } يعود إلى زوجاته ~~صلى الله عليه وسلم اللائى كن فى عصمته. قال القرطبى ما ملخصه واختلف ~~العلماء فى تأويل هذه الآية، وأصح ما قيل فيها التوسعة على النبى صلى ~~الله عليه وسلم فى ترك القسم، فكان لا يجب عليه القسم بين زوجاته. # وهذا القول هو الذى يناسب ما مضى، وهو الذى ثبت معناه فى الصحيح، عن ~~عائشة - رضى الله عنها - قالت كنت أغار على اللائى وهبن أنفسهن لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأقول أو تهب المرأة نفسها لرجل؟ فلما أنزل الله ~~- تعالى - { ترجي من تشآء منهن... }. قالت قلت والله ما أرى ~~ربك إلا يسارع فى هواك. قال ابن العربى هذا الذى ثبت فى الصحيح هو الذى ~~ينبغى أن يعول عليه. والمعنى المراد هو أن النبى صلى الله عليه وسلم كان ~~مخيرا فى أزواجه، إن شاء أن يقسم قسم، وإن شاء أن يترك القسم ترك. لكنه ~~كان يقسم من جهة نفسه، تطييبا لنفوس أزواجه. وقيل كان القسم واجبا عليه ~~ثم نسخ الوجوب بهذه الآية. وقيل الآية فى الطلاق. أى تطلق من تشاء منهن ~~وتؤوى إليك من تشاء. وقيل المراد بالآية الواهبات أنفسهن له صلى الله ~~عليه وسلم. ثم قال القرطبى وعلى كل معنى، فالآية معناها التوسعة على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والإباحة، وما اخترناه أصح والله ms4163 أعلم. أى لقد ~~وسعنا عليك - أيها الرسول الكريم - فى معاشرة نسائك، فأبحنا لك أن تؤخر ~~المبيت عند من شئت منهن، وأن تضم إليك من شئت منهن، بدون التقيد بوجوب ~~القسم بينهن، كما هو الشأن بالنسبة لأتباعك حيث أوجبنا عليهم العدل بين ~~الأزواج فى البيوتة وما يشبهها. ومع هذا التكريم من الله - تعالى - ~~لنبيه، إلا أنه صلى الله عليه وسلم كان يقسم بينهن إلى أن لحق بربه؟ عدا ~~السيدة سودة، فإنها قد وهبت ليلتها لعائشة.. أخرج البخارى عن عائشة رضى ~~الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم كان يستأذن فى يوم المرأة ~~منا بعد أن نزلت هذه الآية ترجى من تشاء منهن.. فقيل لها ما كنت تقولين؟ ~~فقالت كنت أقول إن كان ذاك إلي فإنى لا أريد يا رسول الله أن أوثر عليك ~~أحدا. وقوله - تعالى - { ومن ابتغيت ممن عزلت فلا ~~جناح عليك }. زيادة فى التوسعة عليه صلى الله عليه وسلم وفى ترك ~~الأمر لإرادته واختياره. أى أبحنا لك - أيها الرسول الكريم - أن تقسم بين ~~نسائك، وأن تترك القسمة بينهن، وأبحنا لك - أيضا - أن تعود إلى طلب من ~~اجتنبت مضاجعتها إذ لا حرج عليك فى كل ذلك. بعد أن فوضنا الأمر إلى ~~مشيئتك واختيارك. فالابتغاء بمعنى الطلب، وعزلت اجتنبت واعتزلت وابتعدت، ~~و { من } شرطية، وجوابها { فلا جناح عليك } أى فلا حرج ولا ~~إثم عليك فى عدم القسمة بين أزواجك، وفى طلب إيواء من سبق لك أن ~~اجتنبتها. # قال الشوكانى والحاصل أن الله - سبحانه - فوض الأمر إلى رسوله صلى الله ~~عليه وسلم كى يصنع مع زوجاته ما شاء، من تقديم وتأخير، وعزل وإمساك، وضم ~~من أرجأ، وإرجاء من ضم إليه، وما شاء فى أمرهن فعل توسعة عليه، ونفيا ~~للحرج عنه. وإسم الإشارة فى قوله { ذلك أدنى أن تقر ~~أعينهن ولا يحزن ويرضين بمآ آتيتهن ~~كلهن... } يعود إلى ما تضمنه الكلام السابق من تفويض أمر الإرجاء ~~والإيواء إلى النبى صلى الله عليه وسلم. وأدنى بمعنى أقرب. { تقر ~~أعينهن } كناية عن تقبل ms4164 ما يفعله معهن برضا وارتياح نفس. يقال قرت ~~عين فلان، إذا رأت ما ترتاح لرؤيته، مأخوذ من ا لقرار بمعنى الاستقرار ~~والسكون.. وقوله { ولا يحزن } معطوف على { أن تقر } وقوله { ~~ويرضين } معطوف عليه - أيضا -. والمعنى، ذلك شرعناه لك من تفويض ~~الأمر اليك فى شأن أزواجك، أقرب إلى رضا نفوسهن لما تصنعه معهن، واقرب ~~إلى عدم حزنهن وإلى قبولهن لما تفعله معهن، لأنهن يعلمن أن ما تفعله معهن ~~إنما هو بوحى من الله - تعالى - وليس باجتهاد منك، ومتى علمن ذلك طابت ~~نفوسهن سواء ويت بينهن فى القسم والبيتوتة والمجامعة... أم لم تسو. قال ~~القرطبى قال قتادة وغيره أى ذلك التخيير ذلك خيرناك فى حصبتهن أدنى إلى ~~رضاهن، إذ كان من عندنا - لا من عندك -، لأنهن إذا علمت أن الفعل من الله ~~قرت أعينهن بذلك ورضين.. وكان - عليه الصلاة والسلام - مع هذا يشدد على ~~نفسه فى رعاية التسوية بينهن، تطييبا لقلوبهن ويقول # " اللهم هذه قدرتى فيما أملك، فلا تلمنى فيما تملك ولا أملك ". # وقوله - سبحانه - { والله يعلم ما في قلوبكم } خطاب للنبى ~~صلى الله عليه وسلم ولأزواجه، ويندرج فيه جميع المؤمنين والمؤمنات وجمع ~~بجمع الذكور للتغليب. أى والله - تعالى - يعلم ما فى قلوبكم من حب وبغض، ~~ومن ميل إلى شئ، ومن عدم الميل إلى شئ آخر. قال صاحب الكشاف وفى هذه ~~الجملة وعيد لمن لم ترض منهن بما دبر الله - تعالى - من ذلك، وبعث على ~~تواطؤ قلوبهن والتصافى بينهن، والتوافق على طلب رضا رسول لله صلى الله ~~عليه وسلم وما فيه طيب نفسه. { وكان الله } - تعالى - { عليما } ~~بكل ما تظهره القلوب وما تسره { حليما } حيث لم يعاجل عباده بالعقوبة ~~قبل الإرشاد والتعليم. ثم كرم - سبحانه - أمهات المؤمنين بعد تكريمه ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم فقال { لا يحل لك النسآء من ~~بعد... }. أى لا يحل لك، - أيها الرسول الكريم - أن تتزوج بنساء ~~أخريات من بعد التسع اللائى فى عصمتك اليوم، لأنهم قد اخترنك وآثرنك على ~~زينة الحياة الدنيا، ورضين عن طيب نفس أن ms4165 يعشن معك وتحت رعايتك، مهما كان ~~فى حياتك معهن من شظف العيش، والزهد فى متع الدنيا. # وقوله { ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك ~~حسنهن إلا ما ملكت يمينك } معطوف على ما قبله. أى لا ~~يحل لك الزواج بعد اليوم بغير من هن فى عصمتك، كما لا يحل لك - أيضا - أن ~~تطلق واحدة منهن وتتزوج بأخرى سواها، حتى ولو أعجبك جمال من تريد زواجها ~~من غير نسائك اللائى فى عصمتك عند نزول هذه الآية. فالآية الكريمة قدا ~~شتملت على حكمين أحدهما حرمة الزواج بغير التسع اللائى كن فى عصمته عند ~~نزولها. والثانى حرمة تطليق واحدة منهن، للزواج بأخرى بدلها. وقوله { ~~بعد } ظرف مبنى على الضم لحذف المضاف اليه. أى من بعد اليوم. و { ~~أزواج } مفعول به، و { من } مزيدة لاستغراق الجنس. اى ولا أن تبدل ~~بهن أزواجا أخريات مهما كان شأن هؤلاء الأخريات. وجملة { ولو ~~أعجبك حسنهن } فى موضع الحال من الفاعل وهو الضمير فى { ~~تبدل }. أى لا يحل لك الزيادة عليهن، ولا أن تتبدل بهن أزواجا غيرهن ~~فى آية حالة من الأحوال، حتى ولو فى حال إعجابك بغيرهن ويصح أن تكون هذه ~~الجملة شرطية، وقد حذف جوابها لفهمه من الكلام، ويكون المعنى ولو أعجبك ~~حسنهن لا يحل لك نكاحهن. وقوله { إلا ما ملكت يمينك } ~~استثناء من هذا الحكم. أى لا يحل لك الزيادة عليهن، ولا استبدال غيرهن ~~بهن، ولكن يحل لك ان تضيف اليهن ما شئت من النساء اللائى تملكهن عن طريق ~~السبى. وهذا الذى سرنا عليه من أن الآية الكريمة فى شأن أزواجه صلى الله ~~عليه وسلم هو الذى سار عليه جمهور المفسرين. قال ابن كثير ذكر غير واحد ~~من العلماء كابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وغيرهم - أن هذه الآية الكريمة ~~نزلت مجازاة لأزواج النبى صلى الله عليه وسلم ورضا الله عنهن على حسن ~~صنيعهن، فى اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة، لما خيرهن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كما تقدم، فلما اخترن رسول الله، كان جزاؤهن أن ms4166 قصره ~~عليهن، وحرم عليه أن يتزوج بغيرهن، أو يستبدل بهن أزواجا غيرهن، ولو ~~أعجبه حسنهن، إلا الإماء والسرائر، فلا حجر عليه فيهن. ثم إنه - سبحانه ~~- رفع عنه الحجر فى ذلك، ونسخ حكم هذه الآية، وأباح له التزوج، ولكنه لم ~~يقع منه بعد ذلك زواج لغيرهن، لتكون المنة للرسول صلى الله عليه وسلم ~~عليهن. روى الإمام أحمد عن عائشة قالت ما مات رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى أحل الله له النساء. # ومن العلماء من يرى أن قوله - تعالى - { من بعد } المراد به من بعد ~~من أحللنا لك الزواج بهن، وهن الأصناف الأربعة اللائى سبق الحديث عنهن فى ~~قوله - تعالى - { يأيها النبي إنآ أحللنا لك ~~أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك ~~ممآ أفآء الله عليك وبنات عمك وبنات ~~عماتك.. }. وهذا الرأى الثانى وإن كان أشمل من سابقه، إلا أننا نرجح ~~أن الآية الكريمة مسوقة لتكريم أمهات المؤمنين اللائى اخترن الله ورسوله ~~والدار الآخرة على الحياة الدنيا وزينتها. هذا، والنساء التسع اللائى حرم ~~الله - تعالى - على نبيه صلى الله عليه وسلم الزيادة عليهن، والاستبدال ~~بهن، هن عائشة بنت أبى بكر، وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة بنت أبى سفيان، ~~وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أبى أمية، وصفية بنت حيى بن أخطب، وميمونة ~~بنت الحارث، وزينب بنت جحش، وجويرية بنت الحارث. ثم ختم - سبحانه - الاية ~~الكريمة بقوله { وكان الله على كل شيء رقيبا }. أى ~~وكان الله - تعالى - وما زال، مطلعا على كل شئ من أحوالكم - أيها الناس - ~~فاحذروا أن تتجاوزا ما حده الله - تعالى - لكم، لأن هذا التجاوز يؤدى إلى ~~عدم رضا الله - سبحانه - عنكم. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة، قد ذكرت ~~ألوانا متعددة من مظاهر تكريم الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~ومن توسعته عليه فى شأن أزواجه، وفى شأن ما أحله له من عدم التقيد فى ~~القسم بينهن، وفى تقديم أو تأخير من شاء منهن.. كما أنها قد كرمت أمهات ~~المؤمنين تكريما عظيما. لاختيارهن الله ورسوله والدار ms4167 الآخرة على الحياة ~~الدنيا وزينتها. ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك ألوانا من التشريعات ~~الحكيمة، والأداب القويمة، التى تتعلق بدخول بيوت النبى صلى الله عليه ~~وسلم، وبحقوق أزواجه صلى الله عليه وسلم فى حياته وبعد مماته، وبوجوب ~~احترامه وتوقيره صلى الله عليه وسلم فقال - تعالى - { يأيها ~~الذين آمنوا....بكل شيء عليما }. ### || [33.53-54] # ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى { يأيها الذين آمنوا ~~لا تدخلوا بيوت النبي... } روايات متعددة منها، ما ثبت فى ~~الصحيحين عن عمر بن الخطاب أنه قال وافقت ربى فى ثلاث. فقلت يا رسول ~~الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فأنزل الله - تعالى - # واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى # وقلت يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو حجبتهن، ~~فأنزل الله آية الحجاب. وقلت لأزواج النبى صلى الله عليه وسلم ما تمالأن ~~عليه فى الغيرة # عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا ~~منكن # فنزل كذلك. وروى البخارى عن أنس بن مالك - رضى الله عنه - قال لما تزوج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش، دعا القوم فطعموا ثم جلسوا ~~يتحدثون، فإذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا. فلما رأى ذلك قام، فلما ~~قام صلى الله عليه وسلم قام معه من قام، وقعد ثلاثة نفر. فجاء النبى صلى ~~الله عليه وسلم ليدخل، فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا، فانطلقت فجئت ~~فأخبرت النبى صلى الله عليه وسلم أنهم قد انطلقوا. فجاء حتى دخل، فذهبت ~~أدخل، فألقى الحجاب بينى وبينه، فأنزل الله - تعالى - { يأيها ~~الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي... } الآية. قال ~~ابن كثير وكان وقت نزولها فى صبيحة عرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بزينب بنت جحش التى تولى الله - تعالى - تزويجها بنفسه، وكان ذلك فى ذى ~~القعدة من السنة الخامسة، فى قول قتادة والواقدى وغيرهما. والمراد ببيوت ~~النبى المساكن التى اعدها صلى الله عليه وسلم لسكنى أزواجه. والاستثناء ~~فى قوله - تعالى - { إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ~~ناظرين إناه } استثناء مفرغ من أعم ms4168 الأحوال. وقوله { غير ~~ناظرين } حال من ضمير { تدخلوا } و { إناه } أى نضجه وبلوغه ~~الحد الذى يؤكل معه. يقال أنى الطعام يأنى أنيا وإنى - كقلى يقلى - ~~إذا نضج وكان معدا للأكل. والمعنى يامن آمنتم بالله - تعالى - حق ~~الإيمان، لا تدخلوا بيوت النبى صلى الله عليه وسلم فى حال من الأحوال، ~~إلا فى حال الإذن لكم بدخولها من أجل حضور طعام تدعون إلى تناوله، وليكن ~~حضوركم فى الوقت المناسب لتناوله، لا قبل ذلك بأن تدخلوا قبل إعداده ~~بفترة طويلة، منتظرين نضجه وتقديمه إليكم للأكل منه. قالوا وكان من عادة ~~بعضهم فى الجاهلية أنهم يلجون البيوت بدون استئذان، فإذا وجدوا طعاما ~~يعد، انتظروا حتى ينضج ليأكلوا منه. فالنهى فى الآية الكريمة مخصوص بمن ~~دخل من غير دعوة، وبمن دخل بدعوة ولكنه مكث منتظرا للطعام حتى ينضج، دون ~~أن تكون هناك حاجة لهذا الانتظار. # أما إذا كان الدخول بدعوة أو لحضور طعام بدون انتظار مقصود لوقت نضجه، ~~فلا يتناوله النهى. قال الآلوسى والآية على ما ذهب إليه جمع من المفسرين، ~~خطاب لقوم كانوا يتحينون طعام النبى صلى الله عليه وسلم فيدخلون ويقعدون ~~منتظرين لإدراكه، فهى مخصوصة بهم وبأمثالهم ممن يفعل مثل فعلهم فى ~~المستقبل. فالنهى مخصوص بمن دخل بغير دعوة، وجلس منتظرا للطعام من غير ~~حاجة فى تفيد النهى عن الدخول بإذن لغير طعام، ولا من الجلوس واللبث بعد ~~الطعام لمهم آخر. وقوله - سبحانه - { ولكن إذا دعيتم ~~فادخلوا } استدراك على ما فهم من النهى عن الدخول بغير إذن، وفيه ~~إشعار بأن الإذن متضمن معنى الدعوة. أى لا تدخلوا بدون إذن، فإذا أذن ~~لكم ودعيتم إلى الطعام فادخلوا لتناوله وقوله - تعالى - { فإذا ~~طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث } بيان للون ~~آخر من ألوان الآداب الحكيمة التى شرعها الإسلام فى تناول الطعام عند ~~الغير. أى إذا دعيتم لحضور طعام فى بيت النبى صلى الله عليه وسلم ~~فادخلوا، فإذا ما انتهيتم من طعامكم عنده، فتفرقوا ولا تمكثوا فى البيت ~~مستأنسين لحديث بعضكم مع بعض، أو لحديثكم مع أهل ms4169 البيت. فقوله { ~~مستأنسين } مأخوذ من الأنس بمعنى السرور والارتياح للشئ. تقول ~~أنست لحديث فلان، إذا سررت له، وفرحت به. وأطلق - سبحانه - نفى الاستئناس ~~للحديث، من غير بيان صاحب الحديث، للإشعار بأن المكث بعد الطعام غير ~~مرغوب فيه على الإطلاق، ما دام ليس هناك من حاجة إلى هذا المكث. وهذا ~~أدب عام لجميع المسلمين. واسم الإشارة فى قوله { إن ذلكم كان ~~يؤذي النبي فيستحيي منكم } يعود إلى الانتظار ~~والاستئناس للحديث، والدخول بغير إذن. والجملة بمثابة التعليل لما قبلها. ~~أى إن ذلكم المذكور كان يؤذى النبى صلى الله عليه وسلم ويدخل الحزن على ~~قبله، لأنه يتنافى مع الأدب الإسلامى الحكيم، ولكنه صلى الله عليه وسلم ~~كان يستحيى أن يصرح لكم بذلك، لسمو خلقه، وكمال أدبه، كما أنه صلى الله ~~عليه وسلم كان يستحيى أن يقول لكم كلاما تدركون منه أنه يريد انصرافكم. ~~وقوله - تعالى - { والله لا يستحي من الحق } أى والله - ~~تعالى - لا يستحيى من إظهار الحق ومن بيانه، بل من شأنه - سبحانه - أن ~~يقول الحق، ولا يسكت عن ذلك. وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد منعه ~~حياؤه من أن يقول قولا تفهمون منه ضجره من بقائكم فى بيته بعد تناول ~~طعامكم عنده.. فإن الله - تعالى - وهو خالقكم لا يمتنع عن بيان الحق فى ~~هذه الأمور وفى غيرها، حتى تتأدبوا بأدب القويم. ثم ذكر - سبحانه - بعض ~~الآداب التى يجب عليهم أن يلتزموها مع نساء نبيهم صلى الله عليه وسلم ~~فقال { وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من ورآء ~~حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن. # . }. أى وإذا طلبتم - أيها المؤمنون - من أزواج النبى صلى الله عليه ~~وسلم شيئا يتمتع به سواء أكان هذا الشئ حسيا كالطعام أم معنويا كمعرفة ~~بعض الأحكام الشرعية.. إذا سألتموهن شيئا من ذلك فليكن سؤالكم لهن من ~~وراء حجاب ساتر بينكم وبينهن.. لأن سؤالكم إياهن بهذه الطريقة، أظهر ~~لقلوبكم وقلوبهن، وأبعد عن الوقوع فى الهواجس الشيطانية التى قد تتولد عن ~~مشاهدتكم لهن، ومشاهدتهن لكم.. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله ms4170 { ~~وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا ~~أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله ~~عظيما }. أى وما صح وما استقام لكم - أيها المؤمنون - أن تؤذوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بأى لون من ألوان الأذى، سواء أكان بدخول بيوته ~~بغير إذنه، أم بحضوركم إليها انتظارا لنضج الطعام أم بجلوسكم بعد الأكل ~~بدون مقتض لذلك، أم بغير ذلك مما يتأذى به صلى الله عليه وسلم. كما أنه ~~لا يصح لكم بحال من الأحوال أن تنكحوا أزواجه من بعده، أى من بعد وفاته. ~~{ إن ذلكم } أى إيذاءه ونكاح أزواجه من بعده { كان عند ~~الله } - تعالى - ذنبا { عظيما } وإثما جسيما، لا يقادر قدره. ثم ~~حذرهم - سبحانه - من مخالفة أمره، بأن بين لهم بأنه - سبحانه - لا يخفى ~~عليه شئ، من أمرهم، فقال { إن تبدوا شيئا } بأن تظهروه على ~~ألسنتكم { أو تخفوه } بأن تضمروه فى قلوبكم، فإنه فى الحالين لا ~~يعزب عن علمنا، وسنحاسبكم عليه، { فإن الله } - تعالى - { كان ~~بكل شيء عليما } بحيث لا يخفى عليه شئ، فى الارض ولا فى ~~السماء. هذا وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة التى تسمى بآية ~~الحجاب، جملة من الأحكام والآداب منها 1- وجوب الاستئذان عند دخول البيوت ~~لتناول طعام، ووجوب الخروج بعد تناوله إلا إذا كانت هناك ضرورة تدعو ~~للبقاء، كما أن من الواجب الحضور إلى الطعام فى الوقت المناسب له، وليس ~~قبله انتظارا لنضجه وتقديمه. 2- حرمة الاختلاط بين الرجال والنساء سواء ~~أكان ذلك فى الطعام أم فى غيره، فقد أمر - سبحانه - المؤمنين، إذا سألوا ~~أزواج النبى صلى الله عليه وسلم شيئا أن يسألوهن من وراء حجاب، وعلل ذلك ~~بأن سؤالهن بهذه الطريقة، يؤدى إلى طهارة القلوب، وعفة النفوس، والبعد عن ~~الريبة وخواطر السوء.. وحكم نساء المؤمنين فى ذلك كحكم أمهات المؤمنين، ~~لأن قوله - سبحانه - { ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن } ~~علة عامة تدل على تعميم الحكم، إذ جميع الرجال والنساء فى كل زمان ومكان ~~فى حاجة إلى ما هو أطهر للقلوب، وأعف للنفوس. ms4171 # . قال بعض العلماء ما ملخصه وقوله { ذلكم أطهر لقلوبكم ~~وقلوبهن } قرينة واضحة على إرادة تعميم الحكم، إذ لم يقل أحد من ~~العقلاء، إن غير ازواج النبى صلى الله عليه وسلم لا حاجة بهن إلى أطهرية ~~قلوبهن، وقلوب الرجال من الريبة منهن.. فالجملة الكريمة فيها الدليل ~~الواضح على أن وجوب الحجاب حكم عام فى جميع النساء. لا خاص بأمهات ~~المؤمنين، وإن كان أصل اللفظ خاصا بهن، لأن عموم علته دليل على عموم ~~الحكم فيه.. 3- كذلك أخذ العلماء من هذه الآية أنه لا يجوز للرجل الأجنبى ~~أن يصافح امرأة أجنبية عنه. ولا يجوز له أن يمس شئ من بدنه شيئا من ~~بدنها. والدليل على ذلك أن النبى صلى الله عليه ولم ثتب عنه أن قال # " إنى لا أصافح النساء ". # والله - تعالى - يقول # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة # فيلزمنا أن لا نصافح النساء الأجنبيات اقتداء به صلى الله عليه وسلم. 4- ~~تكريم الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم ودفاعه عنه، وإلزام ~~المؤمنين بالعمل على كل ما يرضيه ولا يؤذيه، وبعدم نكاح أزواجه من بعده ~~أبدا... ثم استثنت السورة الكريمة بعض الأصناف الذين يجوز للمرأة أن تظهر ~~أمامهم بدون حجاب، وبينت سمو منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكدت ~~التحذير من إيذائه، ومن إيذاء المؤمنين والمؤمنات، وأمرت النبى صلى الله ~~عليه وسلم أن يرشد أزواجه وبناته ونساء المؤمنين إلى وجوب الاحتشام فى ~~ملابسهن.. فقال - تعالى - { لا جناح عليهن في ~~آبآئهن...الله غفورا رحيما }. ### || [33.55-59] # قال القرطبى لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب لرسول ~~الله صلى الله صلى الله عليه وسلم ونحن أيضا نكلمهن من وراء حجاب؟ فنزلت ~~هذه الآية { لا جناح عليهن في آبآئهن.. }. فالآية ~~الكريمة مسوقة لبيان من لا يجب على النساء أن يحتجبن منه. أى لا حرج ولا ~~إثم على أمهات المؤمنين ولا على غيرهن من النساء. فى ترك الحجاب بالنسبة ~~لآبائهن، أو أبنائهن أو أخوانهن، أو أبناء إخوانهن أو أبناء أخواتهن، أو ~~نسائهن اللاتى تربطن بهن ms4172 رابطة قرابة أو صداقة، أو ما ملكت أيمانهن من ~~الذكور أو الإناث. فهؤلاء يجوز للمرأة أن تخاطبهم بدون حجاب، وأن تظهر ~~أمامهم بدون ساتر. وهذا لون من ألوان اليسر والسماحة فى شريعة الإسلام. ~~ولم يذكر سبحانه - العم والخال، لأنهما يجريان مجرى الوالدين، وقد يسمى ~~العم أبا. كما فى قوله - تعالى - حكاية عن يعقوب # أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال ~~لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك ~~وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها ~~واحدا ونحن له مسلمون # وإسماعيل كان عم اليعقوب لا أبا له. قال الجمل وقوله { ولا ~~نسآئهن } أى ولا جناح على زوجات النبى صلى الله عليه وسلم فى عدم ~~الاحتجاب عن نسائهن، أى عن النساء المسلمات وإضافتهن لهن من حيث المشاركة ~~فى الوصف، وهو الإسلام، وأما النساء الكافرات فيجب على أزواج النبى ~~الاحتجاب عنهن. كما يجب على سائر المسلمات. أى ما عدا ما يبدو عند ~~المهنة، أما هو فلا يجب عل المسلمات حجبه وستره عن الكافرات. وشبيه بهذه ~~الآية قوله - تعالى - فى سورة النور # ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبآئهن ~~أو آبآء بعولتهن أو أبنآئهن أو أبنآء ~~بعولتهن... # الآية. ثم عقب. سبحانه هذا الترخيص والتيسير بقوله { واتقين ~~الله إن الله كان على كل شيء شهيدا }. والجملة ~~الكريمة معطوفة على محذوف، والتقدير لقد أبحت لكن يا معشر النساء مخاطبة ~~هؤلاء الأصناف بدون حجاب فامتثلن أمرى، واتقين الله - تعالى - فى كل ~~أحوالكن، واحرصن على العفاف والتستر والاحتشام، لأن الله - تعالى - مطلع ~~على كل ما يصدر عنكن، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب. ثم ~~أثنى الله - تعالى - على نبيه ثناء كبيرا وأمر المؤمنين بأن يعظموه ~~ويوقروه فقال { إن الله وملائكته يصلون على ~~النبي يأيها الذين آمنوا صلوا عليه ~~وسلموا تسليما }. قال القرطبى ما ملخصه هذه الآية شرف الله بها ~~رسوله صلى الله عليه وسلم فى حياته وموته، وذكر منزلته منه.. والصلاة من ~~الله رحمته ورضوانه، ومن الملائكة الدعاء والاستغفار، ومن الأمة الدعاء ~~والتعظيم لأمره. ms4173 # . والضمير فى { يصلون } لله - تعالى - ولملائكته. وهذا قول من الله ~~شرف به ملائكته.. أو فى الكلام حذف. والتقدير إن الله يصلى وملائكته ~~يصلون. وقال ابن كثير والمقصود من هذه الآية الكريمة، أن الله - تعالى - ~~أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده فى الملأ الأعلى بأنه يثنى عليه عند ~~الملائكة المقربين وأن الملائكة تصلى عليه، ثم أمر الله أهل العالم ~~السفلى بالصلاة والتسليم عليه. ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين ~~العلوى والسفلى جميعا. والمعنى إن الله - تعالى - يثنى على نبيه محمد صلى ~~الله عليه وسلم ويرضى عنه، وإن الملائكة تثنى عليه صلى الله عليه وسلم ~~وتدعو له بالظفر بأعلى الدرجات وأسماها. { يأيها الذين آمنوا ~~صلوا عليه } أى عظموه ووقروه وادعوا له بأرفع الدرجات { ~~وسلموا تسليما } أى وقولوا السلام عليك أيها النبى. والسلام ~~مصدر بمعنى السلام. أى السلامة من النقائص والآفات ملازمة لك. والتعبير ~~بالجملة الاسمية فى صدر الآية، للإشعار بوجوب المداومة والاستمرار على ~~ذلك. وخص المؤمنين بالتسليم، لأن الآية وردت بعد النهى عن إيذاء النبى ~~صلى الله عليه وسلم، والإيذاء له صلى الله عليه وسلم إنما يكون من ~~البشر. وقد ساق المفسرون - وعلى رأسهم ابن كثير والقرطبى والآلوسى - ~~أحاديث متعددة فى فضل الإكثار من الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم، ~~وفى كيفية الصلاة عليه.. ومنها ما رواه الإمام أحمد وابن ماجة عن عامر ~~بن ربيعة قال سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول # " من صلى على صلاة لم تزل الملائكة تصلى عليه ما صلى على، فليقل عبد ~~من ذلك أو ليكثر ". # ومنها ما رواه الشيخان وغيرهما عن كعب بن عجزة قال # " لما نزلت هذه الاية قلنا يا رسول الله، قد علمنا السلام، فكيف الصلاة ~~عليك، قال قولوا اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم ~~وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما ~~باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ". # والآية الكريمة تدل على وجوب الصلاة والسلام على النبى صلى ms4174 الله عليه ~~وسلم والمؤمنون الصادقون هم الذين يكثرون من ذلك. قال صاحب الكشاف ما ~~ملخصه فإن قلت الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم واجبة أم مندوب ~~إليها؟ قلت بل واجبة، وقد اختلفوا فى حال وجوبها، فمنهم من أوجبها كلما ~~جرى ذكره صلى الله عليه وسلم ومنهم من قال تجب فى كل مجلس مرة، وإن تكرر ~~ذكره. ومنهم من أوجبها فى العمرة مرة.. والذى يقتضيه الاحتياط الصلاة ~~عليه عند كل ذكر.. لما ورد من الأخبار فى ذلك. ومنها " رغم أنف رجل ذكرت ~~عنده فلم يصل على ". # ثم توعد - سبحانه - الذين يسيئون إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بأى لون ~~من ألوان الإساءة فقال { إن الذين يؤذون الله ورسوله ~~لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم ~~عذابا مهينا }. والمراد بأذى الله ورسوله ارتكاب ما يبغضان ~~ويكرهان من الكفر والفسوق والعصيان، ويشمل ذلك ما قاله اليهود عزير ابن ~~الله، ويد الله مغلولة، وما قاله النصارى من أن المسيح ابن الله، كما ~~يشمل ما قاله الكافرون فى الرسول صلى الله عليه وسلم من أنه كاهن أو ساحر ~~أو شاعر.. وقيل إن المقصود بالآية هنا إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم ~~خاصة، وذكر الله - تعالى - معه للتشريف، وللإشارة إلى أن ما يؤذى الرسول ~~يؤذى الله - تعالى -، كما جعلت طاعة الرسول، طاعة لله. قال ابن كثير ~~والظاهر أن الآية عامة فى كل من آذى الرسول صلى الله عليه وسلم بشئ، فإن ~~من آذاه فقد آذى الله، ومن أطاعه فقد اطاع الله، ففى الحديث الشريف # " الله الله فى أصحابى، لاتتخذوهم غرضا بعدى، فمن أحبهم فبحبى أحبهم، ~~ومن أبغضهم فببغضى أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذانى، ومن آذانى فقد آذى الله، ~~ومن آذى الله يوشك أن يأخذه ". # أى إن الذين يؤذون الله - تعالى - ورسوله صلى الله عليه وسلم، بارتكاب ~~ما لا يرضياه من كفر أو شرك أو فسوق أو عصيان.. { لعنهم الله في ~~الدنيا والآخرة } أى طرد الله - تعالى - هؤلاء الذين ارتكبوا ~~الأذى من رحمته، وأبعدهم من ms4175 رضاه فى الدنيا والآخرة. { وأعد لهم ~~} - سبحانه - فى الآخرة { عذابا مهينا } أى عذابا يهينهم ويجعلهم ~~محل الاحتقار والإزدراء من غيرهم. وبعد هذا الوعيد الشديد لمن آذى الله ~~ورسوله، جاء وعيد آخر لمن آذى المؤمنين والمؤمنات، فقال - تعالى - { ~~والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما ~~اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا }. أى ~~والذين يرتكبون فى حق المؤمنين والمؤمنات ما يؤذيهم فى أعراضهم أو فى ~~أنفسهم أو فى غير ذلك مما يتعلق بهم، دون أن يكون المؤمنون أو المؤمنات ~~قد فعلوا ما يوجب أذاهم.. { فقد احتملوا بهتانا وإثما ~~مبينا } أى فقد ارتكبوا إثما شنيعا، وفعلا قبيحا، وذنبا ظاهرا بينا، ~~بسبب إيذائهم للمؤمنين والمؤمنات. وقال - سبحانه - هنا { بغير ما ~~اكتسبوا } ولم يقل ذلك فى الآية السابقة عليها، لأن الناس بطبيعتهم ~~يدفع بعضهم بعضا، ويعتدى بعضهم على بعض، ويؤذى بعضهم بعضا، أما الله - ~~تعالى - ورسوله صلى الله عليه وسلم فلا يتصور منهما ذلك. وجمع - سبحانه - ~~فى ذمهم بين البهتان والاثم المبين، للدلالة على فظاعة ما ارتكبوه فى حق ~~المؤمنين والمؤمنات، إذ البهتان هو الكذب الصريح الذى لا تقبله العقول، ~~بل يحيرها ويدهشها لشدته وبعده عن الحقيقة. # والإثم المبين هو الذنب العظيم الظاهر البين، الذى لا يخفى قبحه على ~~أحد. روى ابن أبى حاتم عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأصحابه # " " أى الربا أربى عند الله؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال أربى الربا ~~عند الله، استحلال عرض امرئ مسلم " ثم قرأ صلى الله عليه وسلم هذه الآية ~~". # ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمر أزواجه وبناته ~~ونساء المؤمنين عامة، بالاحتشام والتستر فى ملابسهن فقال - تعالى - { ~~يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونسآء ~~المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن... }. قال ~~الآلوسى روى عن غير واحد أنه كانت الحرة والأمة، تخرجان ليلا لقضاء ~~الحاجة فى الغيطان وبين النخيل، من غير تمييز بين الحرائر والإماء، وكان ~~فى المدينة فساق يتعرضون للإماء، وربما تعرضوا للحرائر، فإذا قيل لهم ~~قالوا حسبناهن إماء، فأمرت الحرائر أن ms4176 يخالفن الإماء فى الزى والتستر ~~فلا يطمع فيهن.. وقوله { يدنين } من الإدناه بمعنى التقريب، ولتضمنه ~~معنى السدل والإرخاء عدى بعلى. وهو جواب للأمر، كما فى قوله - تعالى ~~- { قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة... }. ~~والجلابيب جمع جلباب، وهو ثوب يستر جميع البدن، تلبسه المرأة، فوق ~~ثيابها. والمعنى يأيها النبى قل لأزواجك اللائى فى عصمتك، وقل لبناتك ~~اللائى هن من نسلك، وقل لنساء المؤمنين كافة، قل لهن إذا ما خرجن لقضاء ~~حاجتهن، فعليهن أن يسدلن الجلابيب عليهن، حتى يسترن أجسامهن سترا تاما، ~~من رءوسهن إلى أقدامهن، زيادة فى التستر والاحتشام، وبعدا عن مكان التهمة ~~والريبة. قالت أم سلمة - رضى الله عنها - لما نزلت هذه الآية، خرج نساء ~~الأنصار كأن على رءوسهن الغربان من السكينة وعليهن أكسية سود يلبسنها. ~~وقوله { ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين } بيان للحكمة ~~من الأمر بالتستر والاحتشام. أى ذلك التستر والاحتشام والإدناء عليهن من ~~جلابيبهن يجعلهن أدنى وأقرب إلى أن يعرفن ويميزن عن غيرهن من الإماء، ~~فلا يؤذين من جهة من فى قلوبهم مرض. قال بعض العلماء وقد يقال إن تأويل ~~الآية على هذا الوجه، وصرها على الحرائر، قد يفهم منه أن الشارع قد أهمل ~~أمر الإماء، ولم يبال بما ينالهن من الإيذاء من ضعف إيمانهم، مع أن فى ~~ذلك من الفتنة ما فيه، فهلا كان التصون والتستر عاما فى جميع النساء؟ ~~والجواب، أن الإماء بطبيعة عملهن يكثر خروهجن وترددهن فى الأسواق، فإذا ~~كلفن أن يتقنعن ويلبسن الجلباب السابغ كلما خرجن، كان فى ذلك حرج ومشقة ~~عليهن، وليس كذلك الحرائر فإنهن مأمورات بعدم الخروج من البيوت إلا ~~لضرورة ومع ذلك فإن القرآن الكريم قد نهى عن إيذاء المؤمنين والمؤمنات ~~جميعا - سواء الحرائر والإماء، وتوعد المؤذين بالعذاب المهين. # . والشارع - أيضا - لم يخطر على الإمام التستر والتقنع، ولكنه لم ~~يكلفهن بذلك دفعا للحرج والعسر، فللأمة أن تلبس الجلباب السابغ متى تيسر ~~لها ذلك... هذا، ويرى الإمام أبو حيان أن الأرجح أن المراد بنساء ~~المؤمنين، ما يشمل الحرائر والإماء وأن الأمر ms4177 بالتستر يشمل الجميع، وأن ~~الحكمة من وراء هذا الأمر باسدال الجلابيب عليهن، درء التعرض لهن بسوء من ~~ضعاف الايمان. فقد قال - رحمه الله - والظاهر أن قوله { ونسآء ~~المؤمنين } يشمل الحرائر والإماء، والفتنة بالإماء أكثر لكثرة ~~تصرفهن، بخلاف الحرائر، فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح.. { ~~ذلك أدنى أن يعرفن } لتسترهن بالعفة فلا يتعرض لهن، ولا ~~يلقين بما يكرهن، لأن المرأة إذا كانت فى غاية التستر والانضمام لم يقدم ~~عليها بخلاف المتبرجة فإنها مطموع فيها. ويبدو لنا أن هذا الرأى الذى ~~اتجه أبو حيان - رحمه الله - أولى بالقبول من غيره، لتمشية مع شريعة ~~الإسلام التى تدعو جميع النساء إلى التستر والعفاف. ثم ختم - سبحانه - ~~الآية بقوله { وكان الله غفورا رحيما } أى وكان الله - ~~تعالى - وما زال واسع المغفرة والرحمة لمن تاب إليه توبة صادقة مما وقع ~~فيه من أخطاء وسيئات. ثم هدد - سبحانه - المنافقين وأشباههم بسوء المصير، ~~إذا ما استمروا فى إيذائهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ~~والمؤمنات. وبين - عز وجل - أن وقت قيام الساعة مرد علمه إليه وحده. وأن ~~الكافرين عند قيامها سيندمون ولكن لن ينفعهم الندم، فقال - تعالى - { ~~لئن لم ينته المنافقون...والعنهم لعنا كبيرا ~~}. ### || [33.60-68] # والمنافقون جمع منافق، وهو الذى يظهر الإسلام ويخفى الكفر. والذين فى ~~قلوبهم مرض هم قوم ضعاف الإيمان، قليلو الثبات على الحق. والمرجفون فى ~~المدينة هم الذين ينشرون أخبار السوء عن المؤمنين ويلقون الأكاذيب الضارة ~~بهم ويذيعونها بين الناس. وأصل الإرجاف التحريك الشديد للشئ، مأخوذ من ~~الرجفة التى هى الزلزلة. ووصف به الأخبار الكاذبة، لكونها فى ذاتها ~~متزلزلة غير ثابتة، أو لإحداثها الاضطراب فى قلوب الناس. وقد سار بعض ~~المفسرين، على أن هذه الأوصاف الثلاثة، كل وصف منها لطائفة معينة، وسار ~~آخرون على أن هذه الأوصاف لطائفة واحدة هى طائفة المنافقين، وأن العطف ~~لتغاير الصفات مع اتحاد الذات. قال القرطبى قوله { لئن لم ينته ~~المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون ~~في المدينة... } أهل التفسير على أن الأوصاف الثلاثة لشئ واحد... ~~والواو مقحمة ms4178 كما فى قول الشاعر # إلى الملك القرم وابن الهما م وليث الكتيبة فى المزدحم # أراد إلى الملك القرم ابن الهمام ليث الكتبية. وقيل كان منهم قوم ~~يرجفون، وقوم يتبعون النساء للريبة، وقوم يشككون المسلمين... وقد سار ~~صاحب الكشاف على أن هذه الأوصاف لطوائف متعددة من الفاسقين، فقال { ~~والذين في قلوبهم مرض } قوم كان فيهم ضعف إيمان، وقلة ~~ثبات عليه.. { والمرجفون في المدينة } ناس كانوا يرجفون ~~بأخبار السوء عن سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون هزموا ~~وقتلوا وجرى عليهم كيت وكيت، فيكسرون بذلك قلوب المؤمنين. والمعنى لئن لم ~~ينته المنافقون عن عدائكم وكيدكم، والفسقة عن فجورهم، والمرجفون عما ~~يؤلفون من أخبار السوء، لنأمرنك بأن تفعل بهم الأفاعيل التى تسوؤهم ~~وتنوؤهم. وقوله { لنغرينك بهم } جواب القسم. أى لنسلطنك عليهم ~~فتستأصلهم بالقتل والتشريد، يقال أغرى فلان فلانا بكذا، إذا حرضه على ~~فعله. وقوله { ثم لا يجاورونك فيهآ إلا قليلا } معطوف ~~على جواب القسم. أى لنغرينك بهم ثم لا يبقون بعد ذلك مجاورين لك فيها إلا ~~زمانا قليلا، يرتحلون بعده بعيدا عنكم، لكى تبتعدوا عن شرورهم. وجاء ~~العطف بثم فى قوله { ثم لا يجاورونك } للإشارة إلى أن إجلاءهم ~~عن المدينة نعمة عظيمة بالنسبة للمؤمنين، ونقمة كبيرة بالنسبة لهؤلاء ~~المنافقين وأشباهههم. وقوله { ملعونين أينما ثقفوا } أى ~~مطرودين من رحمة الله - تعالى - ومن فضله، أينما وجدوا وظفر بهم ~~المؤمنون. و { ملعونين } منصوب على الحال من فاعل { يجاورونك ~~} و { ثقفوا } بمعنى وجدوا. تقول ثقفت الرجل فى الحرب أثقفه، إذا ~~أدركته وظفرت به. وقوله { أخذوا وقتلوا تقتيلا } بيان لما ~~يحيق بهم من عقوبات عند الظفر بهم. أى هم ملعونون ومطرودون من رحمة الله ~~بسبب سوء أفعالهم، فإذا ما أدركوا وظفر بهم، أخذوا أسارى أذلاء، وقتلوا ~~تقتيلا شديدا، وهذا حكم الله - تعالى - فيهم حتى يقلعوا عن نفاقهم ~~وإشاعتهم قالة السوء فى المؤمنين، وإيذائهم للمسلمين والمسلمات. # ثم بين - سبحانه - أن سنته قد اقتضت تأديب الفجار والفسقة حتى يقلعوا عن ~~فجورهم وفسقهم فقال { سنة الله في الذين خلوا من ms4179 ~~قبل.... } وقوله { سنة } منصوب على أنه مصدر مؤكد. أى سن الله - ~~تعالى - ذلك سنة، فى الأمم الماضة من قبلكم - أيها المؤمنون - بأن جعل ~~تأديب الذين يسعون فى الأرض بالفساد، ويؤذون أهل الحق، سنة من سننه التى ~~لا تتخلف. { ولن تجد } - أيها الرسول الكريم - { لسنة الله ~~} الماضية فى خلقه { تبديلا } أو تحويلا، لقيامها على الإرادة ~~الحكيمة، والعدالة القويمة. ثم بين - سبحانه - أن وقت قيام الساعة لا ~~يعلمه إلا هو فقال { يسألك الناس عن الساعة قل إنما ~~علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون ~~قريبا }. والسائلون هنا قيل هم اليهود، وسؤالهم عنها كان بقصد التعنت ~~والإساءة إلى النبى صلى الله عليه وسلم. أى يسألك اليهود وأشباههم فى ~~الكفر والنفاق عن وقت قيام الساعة، على سبيل التعنت والامتحان لك. { قل ~~} لهم - أيها الرسول الكريم - { إنما } علم وقت قيامها عند الله - ~~تعالى - وحده، دون أى أحد سواه. { وما يدريك } أى وما يعلمك { ~~لعل الساعة تكون قريبا } أى. لعل قيامها وحصولها يتحقق فى ~~وقت قريب، ولكن هذا الوقت مهما قرب لا يعلمه إلا علام الغيوب - سبحانه -. ~~ولقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يقول # " بعثت أنا والساعة كهاتين " # ويشير إلى إصبعيه السبابة والوسطى. ثم بين - تعالى - ما أعده للكافرين ~~من عقاب فقال { إن الله لعن الكافرين } بأن طردهم من ~~رحمته، وأبعدهم عن مغفرته. { وأعد لهم } فوق ذلك فى الآخرة { ~~سعيرا } أى نارا شديدة الاشتعال والاتقاد. { خالدين فيهآ ~~أبدا } أى خالدين فيها خلودا أبديا لا خروج لهم منها معه. { لا ~~يجدون وليا ولا نصيرا } أى لا يجدون من يحول بينهم وبين ~~الدخول فى هذه النار المسعرة، كما لا يجدون من يخلصهم من عذابها وسعيرها. ~~ثم بين - سبحانه - حسراتهم عندما يحل بهم العذاب فى الآخرة فقال يوم تقلب ~~وجوههم فى النار، يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا. و { يوم ~~} ظرف لعدم الوجدان لمن يدافع عنهم أو ينصرهم أى لا يجدون من يدفع عنهم ~~العذاب يوم تقلب وجوههم فى النار تارة إلى جهة، وتارة إلى جهة ms4180 أخرى، كما ~~يقلب اللحم عند شوائه. وحينئذ يقولون على سبيل التحسر والتفجع يا ليتنا ~~أطعنا الله - تعالى - فيما أمرنا به، وأطعنا رسوله فيما جاءنا به من عند ~~ربه. قال صاحب الكشاف وقوله { تقلب } بمعنى تتقلب، ومعنى تقليبها ~~تصريفها فى الجهات، كما ترى البيضة تدور فى القدر إذا غلت، فترامى بها ~~الغليان من جهة إلى جهة. # أو تغييرها عن أحوالها وتحويلها عن هيئاتها، أو طرحها فى النار مقلوبة ~~منكوسة. وخصت الوجوه بالذكر، لأنه الوجه أكرم موضع على الإنسان من جسده ~~ويجوز أن يكون الوجه عبارة عن الجملة. { وقالوا ربنآ إنآ ~~أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا } ، أى ~~وقال هؤلاء الكافرون - بعد هذا التحسر والتفجع - يا ربنا إنا أطعنا فى ~~الدنيا { سادتنا وكبرآءنا } أى ملوكنا ورؤساءنا وزعماءنا، ~~فجعلونا فى ضلال عن الصراط المستقيم، وعن السبيل الحق. { ربنآ ~~آتهم ضعفين من العذاب } أى يا ربنا أنزل بهؤلاء السادات ~~والكبراء عذابا مضاعفا، بسبب ضلالهم فى أنفسهم، وبسبب إضلالهم لغيرهم. { ~~والعنهم لعنا كبيرا } أى واطردهم من رحمتك، وأبعدهم عن ~~مغفرتك، إبعادا شديدا عظيما، فهم كانوا سببا لنا فى هذا العذاب المهين ~~الذى نزل بنا. وهكذا نرى الآيات الكريمة، تصور لنا أحوال الكافرين فى ~~الآخرة هذا التصوير المؤثر، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حى عن بينة. ~~وبعد أن فصلت السورة الكريمة ما فصلت من أحكام، وأرشدت إلى ما أرشدت من ~~آداب، وقصت ما قصت من أحداث.. بعد كل ذلك وجهت فى أواخرها نداءين إلى ~~المؤمنين، أمرتهم فيهما بتقوى الله - تعالى - وبالاقتداء بالأخيار من ~~عباده، وباجتناب بسلوك الأشرار، كما ذكرتهم بثقل الأمانة التى رضوا ~~بحلمها، وبحسن عاقبة الصالحين وسوء عاقبة المكذبين، قال - تعالى - { ~~يأيها الذين آمنوا....وكان الله غفورا رحيما }. ### || [33.69-73] # والمراد بالذين آذوا موسى - عليه السلام - فى قوله - تعالى - { ~~يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا ~~موسى... } قومه الذين أرسله الله إليهم. فقد حكى القرآن الكريم ألوانا ~~من إيذائهم له، ومن ذلك قولهم له # يموسى اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة... # وقولهم # لن نؤمن لك حتى ms4181 نرى الله جهرة # ومن إيذائهم له - عليه السلام - ما رواه الإمام البخارى والترمذى عن ~~أبى هريرة قال # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يرى ~~من جلده شئ، فآذاه من آذاه من بنى إسرائيل، وقالوا ما يستتر هذا الستر ~~إلا من عيب بجلده، إما برص، وإما آفة. وإن الله - تعالى - أراد أن يبرئه ~~مما قالوا، وإن موسى خلا يوما وحده فوضع ثيابه على حجر ثم اغتسل، فلما ~~فرغ أقبل على ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، وأخذ موسى عصاه وطلب ~~الحجر، فجعل يقول ثوبى حجر، ثوبى حجر حتى انتهى إلا ملأ بنى إسرائيل، ~~فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله - تعالى -، وأبرأه الله - تعالى مما ~~يقولون.. " # فذلك قوله - تعالى - { يأيها الذين آمنوا لا تكونوا ~~كالذين آذوا موسى... }. والمعنى يا من آمنتم بالله - تعالى - ~~حق الإيمان، التزموا الأدب والطاعة والاحترام لنبيكم صلى الله عليه وسلم ~~واحذروا أن تسلكوا معه المسلك الذى سلكه بنو إسرائيل مع نبيهم موسى - ~~عليه السلام - حيث آذوه بشتى أنواع الأذى. وقولهم # لن نصبر على طعام واحد... # واتخاذهم العجل إلها من دون الله فى غيبة نبيهم موسى - عليه السلام -.. ~~{ فبرأه الله مما قالوا } أى فأظهر الله - تعالى - براءته ~~من كل ما نسبوه إليه من سوء. { وكان عند الله وجيها } أى وكان ~~عند الله - تعالى - ذا جاه عظيم، ومكانه سامية، ومنزلة عالية، حيث نصره - ~~سبحانه - عليهم، واصطفاه لحمل رسالته.. يقال وجه الرجل يوجه وجاهة فهو ~~وجيه، إذا كان ذا جاه وقدر.. ثم أمرهم - سبحانه - بمراقبته وبالخوف منه، ~~بعد أن نهاهم عن التشبه ببنى إسرائيل فى إيذائهم لنبيهم فقال { ~~يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا ~~سديدا.. }. والقول السديد هو القول الصادق الصحيح الخالى من كل انحراف ~~عن الحق والصواب، مأخوذ من قولك سدد فلان سهمه يسدده، إذا وجهه بإحكام ~~إلى المرمى الذى يقصده فأصابه. ومنه قولهم سهم قاصد. إذا أصاب الهدف. أى ~~يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وراقبوه وخافوه فى كل ما تأتون ms4182 وما تذرون، ~~وفى كل ما تقولون وما تفعلون، وقولوا قولا كله الصدق والصواب. فإنكم إن ~~فعلتم ذلك { يصلح } الله - تعالى - { لكم أعمالكم } بأن ~~يجعلها مقبولة عنده { ويغفر لكم ذنوبكم } التى فرطت منكم، ~~بأن بمحوها عنكم ببركة استقامتكم فى أقوالكم وأفعالكم. # { ومن يطع الله ورسوله } فى كل الأقوال والأعمال { فقد ~~فاز } فى الدارين { فوزا عظيما } لا يقادر قدره، ولا يعلم أحد ~~كنهه وعلو منزلته. ثم بين - سبحانه - ضخامة التبعة التى حملها الإنسان ~~فقال { إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان.. }. وأرجح الأقوال وأجمعها فى المراد بالأمانة ~~هنا أنها التكاليف والفرائض الشرعية التى كلف الله - تعالى - بها عباده، ~~من إخلاص فى العبادة، ومن أداء للطاعات، ومن محافظة على آداب هذا الدين ~~وشعائره وسننه. وسمى - سبحانه - ما كلفنا به أمانة، لأن هذه التكاليف ~~حقوق أمرنا - سبحانه - بها، وائتمننا عليها، وأوجب علينا مراعاتها ~~والمحافظة عليها، وأداءها بدون إخلال بشئ منها. والمراد بالإنسان آدم - ~~عليه السلام - أو جنس الإنسان. والمراد بحمله إياها تقبله لحمل هذه ~~التكاليف والأوامر والنواهى مع ثقلها وضخامتها. وللعلماء فى تفسير هذه ~~الآية اتجاهات، فمنهم من يرى أن الكلام على حقيقته، وأن الله - تعالى - ~~قد عرض هذه التكاليف الشرعية المعبر عنها بالأمانة، على السماوات والأرض ~~والجبال { فأبين أن يحملنها } لثقلها وضخامتها { وأشفقن ~~منها } أى وخفن من عواقب حملها أن ينشأ لهن من ذلك ما يؤدى بهن إلى ~~عذاب الله وسخطه بسبب التقصير فى أداء ما كلفن بأدائه. { وحملها ~~الإنسان } أى وقبل الإنسان حمل هذه الأمانة عند عرضها عليه، بعد أن ~~أبت السماوات والأرض والجبال حملها، وأشفقن منها. { إنه كان ~~ظلوما جهولا } أى إنه كان مفرطا فى ظلمه لنفسه، ومبالغة فى الجهل، ~~لأن هذا الجنس من الناس لم يلتزموا جميعا بأداء ما كلفهم الله - تعالى - ~~بأدائه. وإنما منهم من أداها على وجهها - وهم الأقلون -، ومنهم من لم ~~يؤدها وإنما عصى ما أمره به ربه، وخان الأمانة التى التزم بأدائها. ~~فالضمير فى قوله { إنه } يعود على بعض ms4183 أفراد جنس الإنسان، وهم الذين ~~لم يؤدوا حقوق هذه الأمانة التى التزموا بحملها. قال الآلوسى { إنه ~~كان ظلوما جهولا } أى بحسب غالب أفراده الذين لم يعملوا بموجب ~~فطرتهم السليمة، دون من عداهم من الذين لم يبدلوا فطرة الله ويكفى فى صدق ~~الحكم على الجنس بشئ، وجوده فى بعض أفراده، فضلا عن وجوده فى غالبها... ~~وقال بعض العلماء ورجوع الضمير إلى مجرد اللفظ دون اعتبار المعنى ~~التفصيلى معروف فى اللغة التى نزل بها القرآن. وقد جاء فعلا فى آية من ~~كتاب الله، وهى قوله - تعالى - # وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في ~~كتاب... # لأن الضمير فى قوله # ولا ينقص من عمره # راجع إلى لفظ المعمر دون معناه التفصيلى، كما هو ظاهر. وهذه المسألة هى ~~المعروفة عند علماء العربية بمسألة عندى درهم ونصفه. أى ونصف درهم آخر. ~~وأصحاب هذا الاتجاه يقولون لا مانع إطلاقا من أن يخلق الله - تعالى - ~~إدراكا ونطقا للسماوات والأرض والجبال، ولكن هذا الإدراك والنطق لا ~~يعلمه إلا هو - سبحانه -. ومما يشهد لذلك قوله - تعالى - # تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن ~~وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا # قال الجمل وكان هذا العرض عليهن - أى على السماوات والأرض والجبال ~~تخييرا لا إلزاما، ولو ألزمهن لم يمتنعن عن حملها. والجمادات كلها خاضعة ~~لله - تعالى - مطيعة لأمره، ساجدة له. قال بعض أهل العلم ركب الله - ~~تعالى - فيهن العقل والفهم حين عرض عليهن الأمانة، حتى عقلن الخطاب، ~~وأجبن بما أجبن. ويرى بعضهم أن العرض فى الآية الكريمة من قبيل ضرب ~~المثل، أو من قبيل المجاز. قال الإمام القرطبى ما ملخصه لما بين - تعالى ~~- فى هذه السورة من الأحكام ما بين، أمر بالتزام أوامره، والأمانة تعم ~~جميع وظائف الدين، على الصحيح من الأقوال، وهو قول الجمهور.. ويصح أن ~~يكون عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال على سبيل الحقيقة.. وقال ~~القفال وغيره العرض فى هذه الآية ضرب مثل، أى أن السماوات والأرض والجبال ms4184 ~~على كبر أجرامها، لو كانت بحيث يجوز تكليفها، لثقل عليها تقلد الشرائع، ~~لما فيها من الثواب والعقاب. أى أن التكليف أمر حقه أن تعجز عنه السماوات ~~والأرض والجبال، وقد حمله الإنسان وهو ظلوم جهول لو عقل. وهذا كقوله # لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته ~~خاشعا متصدعا من خشية الله... # وقال قوم إن الآية من المجاز أى أنا إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة ~~السماوات والأرض والجبال، رأينا أنها لا تطيقها، وأنها لو تكلمت لأبت ~~وأشفقت، فعبر عن هذا بعرض الأمانة. كما تقول عرضت الحمل على البعير ~~فأباه، وأنت تريد قايست قوته بثقل الحمل فرأيت أنها تقصر عنه.. وقيل { ~~عرضنا } يعنى عارضنا الأمانة بالسماوات والأرض والجبال، فضعفت هذه ~~الأشياء عن الأمانة. ورجحت الأمانة بثقلها عليها... ويبدو لنا أن حمل ~~الكلام على الحقيقة أولى بالقبول، لأنه ما دام لم يوجد مانع يمنع منه، ~~فلا داعى لصرفه عن ذلك. ومما لا شك أن قدرة الله - تعالى - لا يعجزها أن ~~تخلق فى السماوات والأرض والجبال إدراكا وتمييزا ونطقا لا يعلمه إلا هو - ~~سبحانه -. واللام فى قوله - سبحانه - { ليعذب الله ~~المنافقين والمنافقات... } متعلقة بقوله { وحملها ~~الإنسان... }. أى وحملها الإنسان ليعذب الله - تعالى - بعض أفراده ~~الذين لم يراعوها ولم يؤدوا ما التزموا بحمله وهم المنافقون والمنافقات ~~والمشركون والمشركات { ويتوب الله على المؤمنين ~~والمؤمنات } أى ويقبل الله - تعالى - توبة المؤمنين والمؤمنات، ~~بأن يكفر عنهم سيئاتهم وخطاياهم. { وكان الله } - تعالى - ما زال { ~~غفورا رحيما } أى واسع المغفرة والرحمة لمن تاب وآمن وعمل صالحا ~~ثم اهتدى. أما بعد فهذا تفسير لسورة الأحزاب نسأل الله - تعالى - أن ~~يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.. والحمد الله الذى بنعمته تتم ~~الصحالحات. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [34 - سورة سبإ] ### || [34.1-5] # افتتحت سورة سبأ بتقرير الحقيقة الأولى فى كل دين، وهى أن المستحق للحمد ~~المطلق، والثناء الكامل، هو الله رب العالمين. والحمد هو الثناء باللسان ~~على الجميل الصدر عن اختيار من نعمة أو غيرها. و أل فى الحمد للاستغراق، ~~بمعنى ms4185 أن المستحق لجميع المحامد، ولكافة ألوان الثناء، هو الله - تعالى ~~-. وإنما كان الحمد مقصورا فى الحقيقة عليه وحده - سبحانه -، لأن كل ما ~~يستحق أن يقابل بالثناء، فهو صادر عنه، ومرجعه إليه، إذ هو الخالق لكل ~~شئ، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم، هو فى الحقيقة حمد له - ~~لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك، وأعانهم عليه. وقد اختار - سبحانه - ~~افتتاح هذه السورة بصفة الحمد، دون المدح أو الشكر، لأنه وسط بينهما، إذ ~~المدح أعم من الحمد، لأن المدح يكون للعاقل وغيره، فقد يمدح الإنسان ~~لعقله، وتمدح اللؤلؤة لجماها، أما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار ~~على ما يصدر عنه من إحسان. والحمد أخص من الشكر، لأن الشكر يكون من أجل ~~نعمه وصلت إليك أما الحمد فيكون من أجل نعمة وصلت إليك أو إلى غيرك. وفى ~~القرآن الكريم خمس سور اشتركت فى الافتتاح بقوله - تعالى - { الحمد ~~لله.. } وهى سورة الفاتحة، والأنعام، والكهف، وسبأ، وفاطر. ولكن لكل ~~سورة من هذه السور، منهج خاص فى بيان أسباب الحمد لله - تعالى - وحده. ~~وقد أحسن القرطبى - رحمه الله - عندما قال فإن قيل قد افتتح غيرها أى ~~سورة الأنعام - بالحمد لله، فكان الاجتزاء بواحدة يغنى عن سائره؟ فالجواب ~~أن لكل واحد منه معنى فى موضعه، لا يؤدى عن غيره، من أجل عقده بالنعم ~~المختلفة، و - أيضا - فلما فيه من الحجة فى هذا الموضع على الذين هم ~~بربهم يعدلون. والمعنى الحمد الكامل الشامل لله - تعالى - وحده، لأنه هو، ~~الذى له ما فى السماوات وما فى الأرض، خلقا وملكا وتصرفا، بحيث لا يخرج ~~شئ فيهما عن إرادته ومشيئته. قوله وله الحمد فى الآخرة، تنبيه إلى أن ~~حمده - عز وجل - ليس مقصورا على الدنيا، بل يشمل الدنيا والآخرة. ~~فالمؤمنون فى الدنيا على ما وهبهم من نعم الإيمان والإحسان، ويحمدونه ~~فى الآخرة على ما منحهم من جنة عرضها السماوات والأرض، ويقولون # الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض ~~نتبوأ من الجنة حيث نشآء فنعم أجر ~~العاملين # قال ms4186 صاحب الكشاف ولما قال - سبحانه - الحمد لله، ثم وصف ذاته بالإنعام ~~بجميع النعم الدنيوية، كان معناه أنه المحمود على نعم الدنيا، تقول احمد ~~أخاك الذى كساك وحملك، تريد احمده على كسوته وحملانه. # ولما قال { وله الحمد في الآخرة } علم أنه المحمود على نعم ~~الآخرة وهو الثواب. وقال الآلوسى والفرق بين الحمدين مع كون نعم الدنيا ~~ونعم الآخرة بطريق التفضل، أن الأول على نهج العبادة، والثانى على وجه ~~التلذذ والاغتباط وقد ورد فى الخبر أن أهل الجنة يلهمون التسبيح كما ~~يلهمون النفس. وقال الجمل فإن قلت الحمد مدح للنفس، ومدحها مستقبح فيما ~~بين الخلق، فما وجه ذلك؟ فالجواب ان هذا المدح دليل على أن حاله - تعالى ~~- بخلاف حال الخلق، وأنه يحسن منه ما يقبح من الخلق، وذلك يدل على أنه - ~~تعالى - مقدس عن أن تقاس أفعاله، على افعال العباد. ثم ختم - سبحانه - ~~الآية بقوله { وهو الحكيم الخبير } أى وهو - تعالى - الذى ~~أحكم أمور الدارين، ودبرها بحكمته، وهو العليم بظواهر عباده وبواطنهم، لا ~~يخفى عليه شئ من أحوالهم. ثم فصل - سبحانه - بعض مظاهر علمه فقال { ~~يعلم ما يلج في الأرض } والولوج الدخول، يقال ولج فلان ~~منزله، فهو يلجه ولجا وولوجا، إذا دخله. أى أنه - سبحانه - يعلم ما يلج ~~فى الأرض وما يدخل فيها من ماء نازل من السماء، ومن جواهر دفنت فى ~~طياتها، ومن بذور ومعادن فى جوفها. ويعلم - أيضا - { ما يخرج ~~منها } من نبات وحبوب وكنوز، وغير ذلك من أنواع الخيرات. ويعلم كذلك { ~~وما ينزل من السمآء } من أمطار، وثلوج، وبرد، وصواعق، وبركات، ~~من عنده - تعالى - لأهل الأرض. { وما يعرج فيها } أى ويعلم ما ~~يصعد فيها من الملائكة والأعمال الصالحة، كما قال - تعالى - # إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه # وعدى العروج بفى لتضمنه معنى الاستقرار، وهو فى الأصل يعد بإلى قال - ~~تعالى - # تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة # وقوله { يعرج } من العروج، وهو الذهاب فى صعود. والسماء جهة العلو ~~مطلقا. { وهو الرحيم الغفور } أى وهو ms4187 - سبحانه - صاحب الرحمة ~~الواسعة، والمغفرة العظيمة، لمن يشاء من عباده. وهذه الآية الكريمة - مع ~~وجازة ألفاظها - تصور تصويرا بديعا معجزا، مظاهر علم الله - تعالى -، ولو ~~أن أهل الأرض جميعا حاولوا إحصاء { ما يلج في الأرض وما ~~يخرج منها وما ينزل من السمآء وما يعرج فيها } ~~لما استطاعوا أن يصلوا إلى إحصاء بعض تلك الحشود الهائلة من خلق الله - ~~تعالى - فى أرضه أو سمائه. ولكن هذه الحشود العجيبة فى حركاتها، ~~وأحجامها، وأنواعها، وأجناسها، وصورها، وأحوالها.. قد أحصاها علم الله - ~~تعالى - الذى لا يخفى عليه شئ. ثم حكى - سبحانه - ما قاله الكافرون فى ~~شأن يوم القيامة، فقال - تعالى - { وقال الذين كفروا لا ~~تأتينا الساعة }. # أى وقال الذين كفروا بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر، لا ~~تأتينا الساعة بحال من الأحوال، وإنما نحن ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر، ~~وإذا متنا فإن الأرض تأكل أجسادنا، ولا نعود إلى الحياة مرة أخرى. وعبروا ~~عن إنكارهم لها بقولهم { لا تأتينا الساعة } مبالغة فى نفيها ~~نفيا كليا، فكأنهم يقولون لا تأتينا الساعة فى حال من الأحوال، لأننا ~~ننكر وجودها أصلا، فضلا عن إتيانها. وقد أمر الله - تعالى - رسوله صلى ~~الله عليه وسلم أن يرد عليهم بما يؤكد وجودها وإتيانها تأكيدا قاطعا فقال ~~{ قل بلى وربي لتأتينكم }. و " بلى " حرف جواب لرد ~~النفى، فتفيد إثبات المنفى قبلها، ثم أكد - سبحانه - ذلك بجملة القسم. أى ~~قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنكرين لإتيان الساعة ليس الأمر كما ~~زعمتم، بل هى ستأتيكم بغتة، وحق ربى الذى أوجدنى وأوجدكم. فالجملة ~~الكريمة قد اشتملت على جملة من المؤكدات التى تثبت أن الساعة آتية لا ريب ~~فيها، ومن ذلك التعبير ب { بلى } بالجملة القسمية. قال ابن كثير عند ~~تفسيره لهذه الآية هذه إحدى الآيات الثلاث التى لا رابع لهن، مما أمر ~~الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقسم بربه العظيم على وقوع المعاد، لما ~~أنكره من أنكره من أهل الكفر والعناد فإحداهن فى سورة يونس، وهى قوله - ~~تعالى - # ويستنبئونك أحق هو قل إي ms4188 وربي إنه لحق ~~ومآ أنتم بمعجزين # والثانية هذه الآية التى معنا. والثالثة فى سورة التغابن وهى قوله - ~~تعالى - # زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي ~~لتبعثن.. # وقوله - تعالى - { عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ~~ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ~~ولا أكبر إلا في كتاب مبين } تقوية لتأكيد إتيان ~~الساعة. قالوا لأن تأكيد القسم بجلائل نعوت المقسم به يؤذن بفخامة شأن ~~المقسم عليه، وقوة إثباته، وصحته، لما أن ذلك فى حكم الاستشهاد على ~~الأمر. وقوله { يعزب } بمعنى يغيب ويخفى، وفعله من باب " قتل وضرب ". ~~يقال عزب الشئ يعزب - بضم الزاى وكسرها - إذا غاب وبعد. والمعنى قل - ~~أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنكرين لإتيان الساعة كذبتم فى إنكاركم ~~وحق الله - تعالى - لتأتينكم، والذى أخبرنى بذلك هو الله - تعالى - { ~~عالم الغيب } أى عالم ما غاب وخفى عن حسكم، وهو - سبحانه - لا ~~يغيب عن علمه مقدار أو وزن مثقال ذرة فى السماوات ولا فى الأرض، ولا أصغر ~~من ذلك المثقال، ولا أكبر منه، إلا وهو مثبت وكائن فى علمه - تعالى - ~~الذى لا يغيب عنه شئ، أو فى اللوح المحفوظ الذى فيه تسجل أحوال الخلائق ~~وأقوالهم وأفعالهم. # وقوله - سبحانه - { عالم الغيب } قرأ بعضهم بكسر الميم على أنه ~~نعت لقوله { ربي }. أى قل بلى وربى عالم الغيب لتأتينكم الساعة. وقرأه ~~آخرون بضم الميم على أنه مبتدأ، وخبر جملة { لا يعزب عنه } ، أو ~~هو خبر لمبتدأ محذوف. أى هو عالم الغيب. وقوله { لا يعزب عنه ~~مثقال ذرة } تمثيل لقلة الشئ، ودقته، والمراد انه لا يغيب عن ~~علمه شئ ما، مهما دق أو صغر، إذ المثقال مفعال من الثقل، ويطلق على الشئ ~~البالغ النهاية فى الصغر، والذرة تطلق على النملة، وعلى الغبار الذى ~~يتطاير من التراب عند النفخ. وفى قوله - سبحانه - { ولا أصغر من ~~ذلك } إعجاز علمى بليغ للقرآن الكريم، إذ كان من المعروف إلى عهد ~~قريب، أن الذرة أصغر الأجسام، فأشار القرآن إلى أن هناك ما هو أصغر منها، ~~وهذا ما ms4189 اكتشفه العلم الحديث بعد تحطيم الذرة، وتقسيمها إلى جزئيات. قال ~~الجمل وقوله { ولا أصغر من ذلك } العامة على رفع أصغر وأكبر، ~~وفيه وجهان أحدهما الابتداء، والخبر إلا فى كتاب، والثانى العطف على { ~~مثقال } ، وعلى هذا فيكون قوله { إلا في كتاب } تأكيد للنفى ~~فى { لا يعزب } كأنه قال لكنه فى كتاب مبين. فإن قيل فأى حاجة إلى ~~ذكر الأكبر، فإن من علم ما هو أصغر من الذرة لا بد وأن يعلم الأكبر؟ ~~فالجواب لما كان الله - تعالى - أراد بيان إثبات الأمور فى الكتاب، فلو ~~اقتصر على الأصغر لتوهم متوهم أنه يثبت الصغائر لكونها محل النسيان، وأما ~~الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته، فقال الإثبات فى الكتاب ليس كذلك ~~فإن الأكبر مكتوب أيضا. واللام فى قوله - تعالى - { ليجزي ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات.. } متعلقة بقوله { ~~لتأتينكم } وهى للتعليل ولبيان الحكمة فى إتيانها. أى لتأتينكم ~~الساعة أيها الكافرون، والحكمة فى ذلك ليجزى - سبحانه - الذى آمنوا ~~وعملوا الصالحات الجزاء الحسن الذى يستحقونه. { أولئك } الموصوفون ~~بصفتى الإيمان والعمل الصالح { لهم مغفرة } عظيمة من ربهم ~~لذنوبهم { و } لهم كذلك { رزق كريم } تنشرح له صدورهم، وتقر به ~~عيونهم. { والذين سعوا في آياتنا معاجزين } أى والذين ~~سعوا فى إبطال آياتنا، وفى تكذيب رسلنا { معاجزين } أى مسابقين لنا، ~~لتوهمهم أننا لا نقدر عليهم، وأنهم يستطيعون الإفلات من عقابنا. يقال ~~عاجز فلان فلانا وأعجزه إذا غالبه وسبقه. { أولئك } الذين يفعلون ~~ذلك { لهم عذاب من رجز أليم } أى لهم عذاب من أسوأ أنواع ~~العذاب وأشده ألما وإهانة. وهكذا نرى الآيات الكريمة بعد ثنائها على الله ~~- تعالى - بما هو أهله، وبعد إثباتها لعلمه الذى لا يعزب عنه شئ، وبعد ~~حكايتها لأقوال المشركين وردها عليهم. بعد كل ذلك تصرح بأن الحكمة من ~~إتيان الساعة. مجازاة الذين آمنوا وعملوا الصالحات بما يستحقون من ثواب، ~~ومجازاة الذين كفروا وسعوا فى آيات الله بالقدح فيها وصد الناس عنها. بما ~~يستحقون من عقاب. ثم بين - سبحانه - موقف أهل العلم النافع مما جاء به ~~الرسول صلى الله عليه ms4190 وسلم من عند ربه، وموقف الكافرين من ذلك، ورد - ~~سبحانه - على هؤلاء الكافرين بما يثبت ضلالهم وجهلهم، فقال - تعالى - { ~~ويرى الذين أوتوا العلم...لكل عبد منيب }. ### || [34.6-9] # والمراد بالرؤية فى قوله - تعالى - { ويرى الذين أوتوا ~~العلم } المعرفة والعلم واليقين. والمراد بالذين أوتوا العلم ~~المؤمنون الصادقون الذين اتبعوا النبى صلى الله عليه وسلم فى كل ما جاءهم ~~به من عند ربه، سواء أكانوا من العرب أم من غيرهم، كمؤمنى أهل الكتاب من ~~اليهود والنصارى. والجملة الكريمة مستأنفة لمدح هؤلاء العلماء العقلاء ~~على إيمانهم بالحق، أو معطوف على يجزى فى قوله - تعالى - قبل ذلك # ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات # والمراد ب { الذي أنزل إليك من ربك } القرآن الكريم. ~~والمعنى لا تحزن - أيها الرسول الكريم - لما يقوله الكافرون بشأنك ولما ~~يفعلونه لإبطال دعوتك، فإن الذين أوتوا العلم وهم أتباعك الصادقون، ~~يعلمون ويعتقدون أن ما أنزل إليك من ربك هو الحق الذى لا يحوم حوله باطل، ~~وهو الصدق الذى لا يشوبه كذب، وهو الكتاب الذى يهدى من اتبعه وأطاع ~~توجيهاته إلى دين الله - تعالى -، العزيز، الذى يقهر ولا يقهر { ~~الحميد } أى المحمود فى جيمع شئونه. والمفعول الأول ليرى قوله { ~~الذي أنزل }.. والمفعول الثانى " الحق " و " هو " ضمير فصل متوسط ~~بين المفعولين و " يهدى " معطوف على المفعول الثانى من باب عطف الفعل على ~~الاسم لتأويله به، أى يرونه حقا وهاديا. وعبر - سبحانه - عن إيمان أهل ~~العلم بما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله { ويرى } ، ~~للإشعار بأنهم قد آمنوا هذا الإيمان الجازم عن إدراك ومشاهدة ويقين، ~~وأنهم قد صاروا لا يشكون فى كون هذا المنزل عليه من ربه، هو الحق ~~الهادى إلى الصراط المستقيم. وفى وصفهم بقوله { أوتوا العلم } ~~ثناء عظيم عليهم، لأنهم انتفعوا بعلمهم وسخروه لخدمة الحق، وللشهادة له ~~بأنه حق، ويهدى إلى السعادة الدينية والدنيوية والأخروية. وهكذا العلماء ~~العاملون بمقتضى علمهم النافع. يكونون أنصارا للحق والهدى فى كل زمان ~~ومكان. ثم حكى - سبحانه - ما قاله أولئك الكافرون فيما بينهم، على سبيل ~~الاستهزاء بالنبى ms4191 صلى الله عليه وسلم فقال - تعالى - { وقال الذين ~~كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا ~~مزقتم كل ممزق.. }. وتمزيق الشئ تخريقه وجعله قطعا قطعا. ~~يقال ثوب ممزق ومزيق. إذا كان مقطعا مخرقا. والمراد بالرجل الرسول صلى ~~الله عليه وسلم. أى وقال الذين كفروا بعضهم لبعض، ألا تريدون أن ندلكم ~~ونرشدكم إلى رجل، هذا الرجل يخبركم ويحدثكم، بأنكم إذا متم، وفرقت ~~أجسامكم فى الأرض كل تفريق، وصرتم رفاتا وعظاما، وأصبحتم طعاما فى بطون ~~الطيور والوحوش. { إنكم لفي خلق جديد } أى إنكم بعد هذا ~~التمزيق والتفريق، تخلقون خلقا جديدا، وتعودون إلى الحياة مرة أخرى، ~~للحساب على أعمالكم التى علمتموها فى حياتكم. # وقالوا { هل ندلكم على رجل } وهو صلى الله عليه وسلم أشهر ~~من نار على علم بينهم، لقصد تجاهل أمره، والاستخفاف بشأنهن والاستهزاء ~~بدعوته. ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال فإن قلت كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مشهورا علما فى قريش، وكان إنباؤه بالبعث شائعا بينهم، فما ~~معنى قولهم { هل ندلكم على رجل ينبئكم } فنكروه ~~لهم، وعرضوا عليهم الدلالة عليه كما يدل على مجهول فى أمر مجهول؟ قلت ~~كانوا يقصدون بذلك الطنز - أى الاستخفاف والسخرية - فأخرجوه مخرج ~~التحلى ببعض الأحاجى التى يتحاجى بها للضحك والتلهى، متجاهلين به وبأمره. ~~وقال الآلوسى - رحمه الله - وقوله { ينبئكم } أى يحدثكم بأمر ~~مستغرب عجيب... وإذا فى قوله { إذا مزقتم } شرطية، وجوابها محذوف ~~لدلالة ما بعده عليه. أى تبعثون أو تحشرون، وهو العامل فى " إذا " على ~~قول الجمهور، والجملة الشرطية بتمامها معمولة لقوله { ينبئكم } ~~لأنه فى معنى يقول لكم إذا مزقتم كل ممزق تبعثون، ثم أكد ذلك بقوله - ~~تعالى - { إنكم لفي خلق جديد }. وقوله - سبحانه - بعد ذلك { ~~أفترى على الله كذبا أم به جنة } حكاية لقول آخر من ~~أقوالهم الباطلة، التى قالوها بشأن ما جاءهم به النبى صلى الله عليه ~~وسلم. والاستفهام لتعجبهم مما قاله صلى الله عليه وسلم لأن قوله لهم إنكم ~~ستبعثون وتحاسبون يوم القيامة، جعلهم لجهلهم وانطماس عقولهم - يستنكرون ~~ذلك، ويرجعون قوله صلى ms4192 الله عليه وسلم إلى أمرين إما افتراء الكذب ~~واختلاقه على الله - تعالى - وإما إصابته بالجنون الذى جعله يقول قولا لا ~~يدرى معناه. وقد رد الله - تعالى - بما ينفى عن رسوله صلى الله عليه وسلم ~~ما اتهموه به، وبما يثبت جهلهم وغباءهم فقال. { بل الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد }. أى ~~ليس الأمر كما زعم هؤلاء الكافرون، من أن الرسول صلى الله عليه وسلم الذى ~~أخبرهم بأن هناك بعثا وحسابا، به جنة أو افترى على الله كذبا، بل الحق أن ~~هؤلاء الكافرين الذين لا يؤمنون بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب، غارقون ~~فى العذاب الذى لا نهاية له. وفى الضلال البعيد عن الحق غاية البعد. ثم ~~هددهم - سبحانه - بسوء العاقبة، إذا ما استمروا فى ضلالهم وجهالاتهم ~~وذكرهم بما يشاهدونه من عجائب قدرته فقال { أفلم يروا إلى ما ~~بين أيديهم وما خلفهم من السمآء والأرض }. ~~والاستفهام للتعجب من حالهم، ومن ذهولهم عن التفكر والتدبر، والفاء للعطف ~~على مقدر يقتضيه المقام. والمعنى أعمى هؤلاء الكافرون فلم يعتبروا ولم ~~يتعظوا بما يشاهدونه من مظاهر قدرته - عز وجل - المحيطة بهم من كل جانب ~~والمنتشرة فى آفاق السماوات وفى جوانب الأرض؟ إن تأملهم فى مظاهر قدرتنا ~~الواضحة أمام أعينهم، من شأنه أن يهديهم إلى الحق الذى جاءهم به رسولنا ~~صلى الله عليه وسلم ومن شأنه أن يجعلهم يوقنون بأننا { إن نشأ ~~نخسف بهم الأرض } كما فعلنا بقارون. # { أو } إن نشأ { نسقط عليهم كسفا من السمآء } ~~والكسف جمع كسفة بمعنى قطعة أى لا يعجزنا أن نخسف بهم الأرض. كما ~~لا يعجزنا - أيضا - أن ننزل عليهم قطعا من العذاب الكائن من السماء ~~فنهلكهم، كما أنزلناها على أصحاب الأيكة فأهلكناهم بسبب تذكيبهم وجحودهم. ~~ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { إن في ذلك لآية ~~لكل عبد منيب }. أى إن فى ذلك الذى ذكرناه من مظاهر قدرتنا ~~الواضحة بين أيديهم، لآية بينة، وعبرة ظاهرة، لكل عبد { منيب } أى ~~راجع إلى الله - تعالى - بالتوبة الصادقة، وبالطاعة الخالصة لما جاءه به ms4193 ~~نبينا صلى الله عليه وسلم. ثم ساق - سبحانه - نموذجين من الناس، أولهما ~~أعطاه الله - تعالى - الكثير من نعمه وفضله وإحسانه، فوقف من كل ذلك موقف ~~المعترف بنعم الله الشاكر لفضله. وثانيهما أعطاه الله - تعالى - النعم ~~فوقف منها موقف الجاحد البطر الكنود. أما النموذج الأول فنراه فى شخص ~~النبيين الكريمين داود وسليمان - عليهما السلام - فقد قال - سبحانه - فى ~~شأنهما { ولقد آتينا داوود منا فضلا...العذاب ~~المهين }. ### || [34.10-14] # وقوله - سبحانه - { ولقد آتينا داوود منا فضلا } بيان ~~لما من الله - تعالى - به على عبده داود - عليه السلام - من خير وبركة. ~~أى ولقد آتينا عبدنا داود فضلا عظيما، وخيرا وفيرا، وملكا كبيرا، بسبب ~~إنابته إلينا، وطاعته لنا. ثم فصل - سبحانه - مظاهر هذا الفضل فقال { ~~يجبال أوبي معه } والتأويب الترديد والترجيع. يقال أوب فلان ~~تأويبا إذا رجع مع غيره ما يقوله. والجملة مقول لقول محذوف أى وقلنا ~~يا جبال رددى ورجعى مع عبدنا داود تسبيحه لنا، وتقديسه لذاتنا، وثناءه ~~علينا، كما قال - تعالى - # إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي ~~والإشراق # وقوله { والطير } بالنصب عطفا على قوله { فضلا } أى وسخرنا له ~~الطير لتسبح معه بحمدنا. أو معطوف على محل { يجبال } أى ودعونا ~~الجبال والطير إلى التسبيح معه. قال الإمام ابن كثير - رحمه الله يخبر - ~~تعالى - عما أنعم به على عبده ورسوله داود - عليه السلام - مما آتاه من ~~الفضل المبين، وجمع له بين النبوة والملك المتمكن، والجنود ذوى العدد ~~والعدد، وما أعطاه ومنحه من الصوت العظيم، الذى كان إذا سبح به، تسبح ~~معه الجبال الراسيات، الصم الشامخات، وتقف له الطيور السارحات. والغاديات ~~الرائحات، وتجاوبه بأنواع اللغات. وفى الصحيح # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوت أبى موسى الأشعرى يقرأ من ~~الليل، فوقف فاستمع لقراءته ثم قال " لقد أوتى هذا مزمارا من مزامير آل ~~داود ". # وقال صاحب الكشاف فإن قلت أى فريق بين هذا النظم وبين أن يقال { ~~آتينا داوود منا فضلا } تأويب الجبال معه والطير؟ قلت كم ~~بينهما من الفرق؟ ألا ترى إلى ما فيه من ms4194 الفخامة التى لا تخفى، من ~~الدلالة على عزة الربوبية وكبرياء الألوهية، حيث جعلت الجبال منزلة ~~منزلة العقلاء، الذين إذا أمرهم أطاعوا وأذعنوا، وإذا دعاهم سمعوا ~~وأجابوا، إشعارا بأنه ما من حيوان وجماد وناطق وصامت إلا وهو منقاد ~~لمشيئته، غير ممتنع على إرادته. وقوله - تعالى - { وألنا له ~~الحديد } ، بيان لنعمة أخرى من النعم التى أنعم بها - سبحانه - عليه. ~~أى وصيرنا الحديد لينا فى يده، بحيث يصبح - مع صلابته وقوته - كالعجيبن ~~فى يده، يشكله كيف يشاء، من غير أن يدخله فى نار، أو أن يطرقه بمطرقة. ~~فالجملة الكريمة معطوفة على قوله { آتينا } ، وهى من جملة الفضل الذى ~~منحه - سبحانه - لنبيه داود - عليه السلام -. و { أن } فى قوله { أن ~~اعمل سابغات } مصدرية على حذف حرف الجر. وسابغات صفة لموصوف ~~محذوف. أى ألنا له الحديد، لكى يعمل منه دروعا سابغات. # والدرع السابغ، هى الدرع الواسعة التامة. يقال سبغ الشئ سبوغا، إذا كان ~~واسعا تاما كاملا. ومنه قولهم نعمة سابغة، إذا كانت تامة كاملة. قال - ~~تعالى - # ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات ~~وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة ~~وباطنة # وقوله { وقدر في السرد } والتقدير هنا بمعنى الإحكام ~~والإجادة وحسن التفكير فى عمل الشئ. والسرد نسج الدروع وتهيئتها ~~لوظيفتها. أى آتينا داود كل هذا الفضل الذى من جملته إلانة الحديد فى ~~يده، وقلنا له يا داود اصنع دروعا سابغات تامات، وأحكم نسج هذه الدروع، ~~بحيث تكون فى أكمل صورة، وأقوى هيئة. روى ان الدروع قبل عهد داود كانت ~~تعمل بطريقة تثقل الجسم، ولا تؤدى وظيفتها فى الدفاع عن صاحبها، فألهم ~~الله - تعالى - داود - عليه السلام - أن يعملها بطريقة لا تثقل الجسم ولا ~~تتعبه، وفى الوقت نفسه تكون محكمة إحكاما تاما بحيث لا تنفذ منها الرماح، ~~ولا تقطعها السيوف، وكان الأمر كله من باب الإلهام والتعليم من الله - ~~تعالى - لعبده داود - عليه السلام -. ثم أمر - سبحانه - داود وأهله ~~بالعمل الصالح فقال { واعملوا صالحا إني بما تعملون ~~بصير }. أى واعملوا عملا صالحا يرضينى، فإنى ms4195 مطلع ومحيط ومبصر لكل ما ~~تعملونه من عمل، وسأجازيكم عليه يوم القيامة بالجزاء الذى تستحقونه. قال ~~القرطبى وفى هذه الآية دليل على تعلم أهل الفضل الصنائع، وأن التحرف بها ~~لا ينقص من مناصبهم. بل ذلك زيادة فى فضلهم وفضائلهم، إذ يحصل لهم ~~التواضع فى أنفسهم، والاستغناء عن غيرهم، وكسب الحلال الخالى عن ~~الامتنان. وفى الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم قال # " إن خير ما أكل المرء من عمل يده، وإن نبى الله داود كان يأكل من عمل ~~يده ". # هذا ما أعطاه الله - تعالى - لنبيه داود من فضل، أما نبيه سليمان بن ~~داود، فقد أعطاه - سبحانه - أفضالا أخرى، عبر عنها فى قوله - تعالى - { ~~ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر }. ~~والغدوة والغداة أول النهار إلى الزوال. والرواح من الزوال إلى الغروب. ~~والمعنى وسخرنا لنبينا سليمان بن داود - عليهما السلام - الريح، تجرى ~~بأمره فى الغدوة الواحدة مسيرة شهر، وتعود بأمره فى الروحة الواحدة مسيرة ~~شهر. أى أنها لسرعتها تقطع فى مقدار الغدوة الواحدة ما يقطعه الناس فى ~~شهر من الزمان، وكذلك الحال بالنسبة للروحة الواحدة، وهى فى كل مرة تسير ~~بأمر سليمان، ووفق إرادته التى منحه الله - تعالى - إياها. وشبيه بهذه ~~الآية قوله - تعالى - # ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض ~~التي باركنا فيها # وقوله - سبحانه - # فسخرنا له الريح تجري بأمره رخآء حيث أصاب # ثم بين - تعالى - نعمة ثانية من النعم التى أنعم بها على سليمان فقال { ~~وأسلنا له عين القطر }. والقطر هو النحاس المذاب. مأخوذ من ~~قطر الشئ يقطر قطرا وقطرانا، إذا سال. أى كما ألنا لداود الحديد، ~~أسلنا لابنه سليمان النحاس وجعلناه مذابا، فكان يستعمله فى قضاء مصالحه، ~~كما يستعمل الماء، وهذا كله بفضلنا وقدرتنا. ثم بين - سبحانه - نعمة ~~ثالثة أنعم بها على سليمان - عليه السلام - فقال { ومن الجن من ~~يعمل بين يديه بإذن ربه }. أى وسخرنا له من الجن من ~~يكونون فى خدمته، ومن يعملون بين يديه ما يريده منهم، وهذا كله بأمرنا ~~ومشيئتنا وقدرتنا. { ومن يزغ منهم عن ms4196 أمرنا } أى من ينحرف ~~من هؤلاء الجن عما أمرناه به من طاعة سليمان، { نذقه من عذاب ~~السعير } أى ننزل به عذابنا الأليم، الذى يذله ويخزيه فى الدنيا ~~والآخرة. ثم بين - سبحانه - بعض الأشياء التى كان الجن يعملونها لسليمان ~~- عليه السلام - فقال { يعملون له ما يشآء من محاريب ~~وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات }. والمحاريب ~~جمع محراب. وهو كل مكان مرتفع، ويطلق على المكان الذى يقف فيه الإمام فى ~~المسجد، كما يطلق على الغرفة التى يصعد إليها، وعلى أشرف أماكن البيوت. ~~قالوا والمراد بها اماكن العبادة، والقصور المرتفعة. والتماثيل جمع تمثال ~~وقد يكون من حجر أو خشب أو نحاس أو غير ذلك. قال القرطبى ما ملخصه ~~والتماثيل جمع تمثال. وهو كل ما صور على مثل صورة حيوان أو غير حيوان. ~~وقيل كانت من زجاج ونحاس ورخام، تماثيل أشياء ليست بحيوان. وذكر أنها صور ~~الأنبياء والعلماء، وكانت تصور فى المساجد ليراها الناس. فيزدادوا عبادة ~~واجتهادا. وهذا يدل على أن ذلك كان مباحا فى زمانهم، ونسخ ذلك بشرع محمد ~~صلى الله عليه وسلم. والجفان جمع جفنة. وهى الآنية الكبيرة. ~~والجواب جمع جابية، وهى الحوض الكبير الذى يجبى فيه الماء ويجمع لتشرب ~~منه الدواب. والقدور جمع قدر. وهو الآنية التى يطبخ فيها الطعام من نحاس ~~أو فخار أو غيرهما. وراسيات جمع راسية بمعنى ثابتة لاتتحرك. أى أن الجن ~~يعملون لسليمان - عليه السلام - ما يشاء من مساجد وقصور، ومن صور متنوعة، ~~ومن قصاع كبار تشبه الأحواض الضخمة، ومن قدور ثابتات على قواعدها، بحيث ~~لا تحرك لضخامتها وعظمها. وقوله - سبحانه - { اعملوا آل داوود ~~شكرا وقليل من عبادي الشكور } مقول لقول محذوف. أى ~~أعطينا سليمان كل هذه النعم، وقلنا له ولأهله اعملوا يا آل دواد عملا ~~صالحا، شكرا لله - تعالى - على فضله وعطائه، وقليل من عبادى هو الذى ~~يشكرنى شكرا خالصا على نعمى وفضلى وإحسانى. وقوله { شكرا } يجوز أن ~~يكون مفعولا لأجله. # أى اعملوا من أجل الشكر، أو مصدرا واقعا موقع الحال. أى اعملوا شاكرين. ~~و { قليل } خبر ms4197 مقدم. و { من عبادي } صفة له. و { الشكور } ~~مبتدأ مؤخر. وهكذا يختم القرآن هذه النعم بهذا التغيب الذى يكشف عن طبيعة ~~الناس فى كل زمان ومكان، حتى يحملهم على أن يخالفوا أهواءهم ونفوسهم، ~~ويكثروا من ذكر الله - تعالى - وشكره. وحقيقة الشكر الاعتراف بالنعمة ~~للمنعم، والثناء عليه لإنعامه، واستعمال نعمه - سبحانه - فيما خلقت له. ~~والانسان الشكور هو المتوفر على أداء الشكر، الباذل قصارى جهده فى ذلك، ~~عن طريق قلبه ولسانه وجوارحه. ثم ختم - سبحانه - النعم التى أنعم بها على ~~داود وسليمان، ببيان مشهد وفاة سليمان، فقال { فلما قضينا ~~عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة ~~الأرض تأكل منسأته }. والمراد بدابة الأرض قيل هى الأرضة ~~التى تأكل الخشب وتتغذى به، يقال أرضت الدابة الخشب أرضا - من باب ضرب -، ~~إذا أكلته. فإضافة الدابة إلى الأرض - بمعنى الأكل والقطع - من إضافة ~~الشئ إلى فعله. و { منسأته } أى عصاه التى كان مستندا عليها. وسميت ~~العصا بذلك لأنها تزجر بها الأغنام إذا جاوزت مرعاها. من نسأ البعير - ~~كمنع - إذا زجره وساقه، أو إذا أخره ودفعه. والمعنى فلما حكمنا على ~~سليمان - عليه السلام - بالموت، وأنفذناه فيه، وأوقعناه عليه، { ما ~~دلهم } أى الجن الذين كانوا فى خدمته { على موته } بعد أن ~~مات وظل واقفا متكئا على عصاه { إلا دابة الأرض تأكل ~~منسأته }. أى انهم لم يدركوا أنه مات، واستمروا فى أعمالهم الشاقة ~~التى كلفهم بها، حتى جاءت الدابة التى تفعل الأرض - أى الأكل والقطع - ~~فأكلت شيئا من عصاه التى كان متكئا عليها، فسقط واقعا بعد أن كان واقفا. ~~{ فلما خر } أى فلما سقط سليمان على الأرض { تبينت الجن ~~} أى ظهر لهم ظهورا جليا { أن لو كانوا يعلمون الغيب } ~~كما يزعم بعضهم. { ما لبثوا في العذاب المهين } أى ما بقوا ~~فى الأعمال الشاقة التى كلفهم بها سليمان. وذلك أن الجن استمروا فيما ~~كلفهم به سليمان من اعمال شاقة، ولم يدركوا أنه قد مات، حتى جاءت الأرضة ~~فأكلت شيئا من عصاه، فسقط على الأرض وهنا فقط علموا انه قد ms4198 مات. قال ابن ~~كثير يذكر - تعالى - فى هذه الآية كيفية موت سليمان - عليه السلام - وكيف ~~عمى الله موته على الجان المسخرين له فى الأعمال الشاقة، فإنه مكث ~~متوكئا على عصاه، وهى منسأته - مدة طويلة نحوا من سنة، فلما أكلتها دابة ~~الأرض، - وهى الأرضة - ضعف وسقط إلى الأرض، وعلم أنه قد مات قبل ذلك بمدة ~~طويلة - تبينت الجن والإنس أيضا - أن الجن لا يعلمون الغيب، كما كانوا ~~يتوهمون ويواهمون الناس ذلك ". هذا هو النموذج الأول الذى ساقه الله - ~~تعالى - للشاكرين، متمثلا فى موقف داود وسليمان - عليهما السلام - مما ~~أعطاهما - سبحانه - من نعم جزيله.. أما النموذج الأول الذى جاء فى أعقاب ~~سابقه - فقد ساقه - سبحانه - لسوء عاقبة الجاحدين، متمثلا فى قصة قبيلة ~~سبأ وكيف أنهم قابلوا نعم الهل بالبطر، فمحقها - سبحانه - من بين أيديهم ~~وفى شأنهم يقول - عز وجل - { لقد كان لسبإ...وربك على ~~كل شيء حفيظ }. ### || [34.15-21] # و { لسبإ } فى الأصل اسم لرجل، وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن ~~هود، وهو أول ملك من ملوك اليمن.. والمراد به هنا الحى أو القبيلة ~~المسماة باسمه، فيصرف على الأول ويترك صرفه على الثانى. وكانوا يسكنون ~~بمأرب باليمن، على مسيرة ثلاثة أيام من صنعاء وكانت أرضهم مخصبة ذات ~~بساتين وأشجار متنوعة، وزاد خيرهم ونعيمهم بعد أن اقاموا سدا، ليأخذوا من ~~مياه الأمطار على قدر حاجتهم، وكان هذا السد يعرف بسد مأرب، ولكنهم لم ~~يشكروا الله - تعالى - على هذه النعم، فسلبها - سبحانه - منهم. قال ابن ~~كثير كانت سبأ ملوك اليمن وأهلها، وكانت التبابعة منهم، وبلقيس منهم، ~~وكانوا فى نعمة وغبطة، وبعث الله إليهم الرسل تأمرهم أن يأكلوا من رزقه، ~~ويشكروه بتوحيده وعبادته فكانوا كذلك ما شاء الله، ثم أعرضوا عما أمروا ~~به، فعوقبوا بإرسال السيل والتفرق فى البلاد. أخرج الإمام أحمد بسنده عن ~~ابن عباس قال # " إن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبأ ما هو؟ رجل أم امرأة ~~أم أرض؟ فقال صلى الله عليه وسلم بل هو رجل. كان ms4199 له عشرة أولاد، سكن ~~اليمن منهم ستة، وهم مذحج، وكنده، والأزد، والأشعريون، وأنمار، ~~وحمير. وسكن الشام منهم أربعة وهم لخم، وجذام، وعاملة، وغسان ~~". # وإنما سمى " سبأ " لأنه أول من سبأ فى العرب - أى جمع السبايا -، وكان ~~يقال له الرائش، لأنه أول من غنم فى الغزو فأعطى قومه، فسمى الرائش، ~~والعرب تسمى المال - ريشا ورياشا، وذكروا أنه بشر برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فى زمانه المتقدم ". والمعنى والله لقد كان لقبيلة سبأ فى ~~مساكنهم التى يعيشون فيها { آية } بينة واضحة، وعلامة ظاهرة تدل على ~~قدرة الله - تعالى - وعلى فضله على خلقه وعلى وجوب شكره على نعمه، وعلى ~~سوء عقابة الجاحدين لهذه النعم. فالمراد بالآية العلامة الواضحة الدالة ~~على وحدانية الله - تعالى - وقدرته وبديع صنعه، ووجوب شكره، والتحذير من ~~معصيته. ثم وضح - سبحانه - هذه الآية فقال { جنتان عن يمين ~~وشمال } أى كانت لأهل سبأ طائفتان من البساتين والجنان طائفة من يمين ~~بلدهم، وطائفة أخرى عن شماله. وهذه البساتين المحيطة بهم كانت زاخرة بما ~~لذ وطاب من الثمار. قالوا كانت المرأة تمشى تحت أشجار تلك البساتين وعلى ~~رأسها المكتل، فيمتلئ من أنواع الفواكه التى تتساقط فى مكتلها دون جهد ~~منها. ولفظ { جنتان } مرفوع على البدل من { آية } أو على أنه ~~مبتدأ، وخبره قوله { عن يمين وشمال }. وقوله - تعالى - { كلوا ~~من رزق ربكم واشكروا له. # .. } مقول لقول محذوف. أى وقلنا لهم على ألسنة رسلنا، وعلى ألسنة ~~الصالحين منهم، كلوا من الأرزاق الكريمة، والثمار الطيبة، التى أنعم بها ~~ربكم عليكم، واشكروا له - سبحانه - هذا العطاء، فإنكم إذا شكرتموه زادكم ~~من فضله وإحسانه. وقوله { بلدة طيبة ورب غفور } كلام ~~مستأنف لبيان موجبات الشكر. أى هذه البلدة التى تسكنونها بلدة طيبة ~~لاشتمالها على كل ما تحتاجونه من خيرات، وربكم الذى أعطاكم هذه النعم، رب ~~واسع المغفرة والرحمة لمن تاب إليه وأناب، ويعفو عن كثير من ذنوب عباده ~~بفضله وإحسانه. ثم بين - سبحانه - ما أصابهم بسبب جحودهم وبطرهم فقال { ~~فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم ~~وبدلناهم بجنتيهم جنتين ms4200 ذواتي أكل خمط ~~وأثل وشيء من سدر قليل }. والعرم اسم للوادى الذى كان ~~يأتى منه السيل. وقيل هو المطر الشديد الذى لا يطاق. فيكون من إضافة ~~الموصوف إلى الصفة. أى أرسلنا عليهم السيل الشديد المدمر. ويرى بعضهم أن ~~المراد بالعرم السدود التى كانت مبنية لحجز الماء من خلفها، ويأخذون منها ~~لزروعهم على قدر حاجتهم، فلما أصيبوا بالترف والجحود تركوا العناية ~~بإصلاح هذه السدود، فتصدعت، واجتاحت المياه آراضيهم فأفسدتها، واكتسبت ~~مساكنهم، فتفرقوا عنها، ومزقوا شر ممزق، وضربت بهم الأمثال التى منها ~~قولهم تفرقوا أيدى سبأ. وهو مثل بضرب لمن تفرق شملهم تفرقا لا الاجتماع ~~لهم معه. وهذا ما حدث لقبيلة سبأ فقد تفرق بعضهم إلى المدينة المنورة ~~كالأوس والخزرج، وذهب بعضهم إلى عمان كالأزد، وذهب بعضهم إلى الشام ~~كقبيلة غسان. وقوله { ذواتي أكل خمط } الأكل هو الثمر، ومنه ~~قوله - تعالى - # فآتت أكلها ضعفين # أى ثمرها. والخمط هو ثمر الأراك أو هو النبت المر الذى لا يمكن أكله. ~~والأثل هو نوع من الشجر يشبه شجر الطرفاء. أو هو نوع من الشجر كثير الشوك ~~و السدر هو ما يعرف بالنبق. أو هو نوع من الثمار التى يقل الانتفاع بها. ~~والمعنى فأعرض أهل سبأ عن شكرنا وطاعتنا... فكانت نتيجة ذلك، أن أرسلنا ~~عليهم السيل الجارف، الذى اجتاح أراضهيم، فأفسد مزارعهم، وأجلاهم عن ~~ديارهم، ومزقهم شر ممزق.. وبدلناهم بالجنان اليانعة التى كانوا يعيشون ~~فيها، بساتين أخرى قد ذهبت ثمارها الطيبة اللذيذة، وحلت محلها ثمار مرة ~~لا تؤكل، وتناثرت فى أماكنهم الأشجار التى لا تسمن ولا تغنى من جوع، بدلا ~~من تلك الأشجار التى كانت تحمل لهم ما لذ وما طاب، وعظم نفعه. فالمقصود ~~من الآية الكريمة بيان أن الجحود والبطر، يؤديان إلى الخراب والدمار، ~~وإلى زوال النعم وتحويلها إلى نقم. ولذا جاء التعقيب بعد هذه الآية بقوله ~~- تعالى - { ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجزي ~~إلا الكفور }. أى ذلك الذى فعلناه بهم من تدبيل جنتيهم، بحنتين ~~ذواتى أكل خمط. # . هو الجزاء العادل لهم بسبب جحودهم وترفهم ms4201 وفسوقهم عن أمرنا. وإننا من ~~شأننا ومن سنتنا أننا لا نعاقب ولا نجازى هذا الجزاء الرادع الشديد، إلا ~~لمن جحد نعمنا، وكفر بآياتنا، وآثر الغى على الرشد، والعصيان على الطاعة. ~~فاسم الإشارة يعود إلى التبديل الذى تحدثت عنه الآية السابقة. وهو ~~المفعول الثانى لجزيناهم مقدم عليه. أى جزيناهم ذلك التبديل لا غيره. ~~والمراد بالجزاء هنا العقاب. قال صاحب الكشاف قوله { وهل نجزي ~~إلا الكفور } بمعنى وهل يعاقب. وهو الوجه الصحيح. وليس لقائل أن ~~يقول لم قيل وهل يجازى إلا الكفور، على اختصاص الكفر بالجزاء، والجزاء ~~عام للمؤمن والكافر، لأنه لم يرد الجزاء العام وإنما أريد الخاص وهو ~~العقاب. ثم بين - سبحانه - نقمة أخرى أصابتهم بسبب جهلهم وحمقهم، وكيف أن ~~هذه النقمة قد حلت محل نعمة كانوا فيها، فقال - تعالى - { وجعلنا ~~بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة ~~وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما ~~آمنين }. أى وجعلنا - بقدرتنا ورحمتنا بين أهل سبأ { وبين ~~القرى التي باركنا فيها } كمكة فى الجزيرة العربية، وكبيت ~~المقدس فى بلاد الشام، جعلنا بينهم وبين تلك القرى المباركة، { قرى ~~ظاهرة } أى قرى متقاربة متواصلة، بحيث يرى من فى إحداها غيرها. { ~~وقدرنا فيها السير } أى وجعلنا زمن السير من قرية إلى أخرى ~~مقدرا محددا، بحيث لا يتجاوز مدة معينة قد تكون نصف يوم أو أقل. وقالوا ~~كان المسافر يخرج من قرية، فيدخل الأخرى قبل حلول الظلام بها. وقوله { ~~سيروا فيها ليالي وأياما آمنين } مقول لقول محذوف. أى ~~وقلنا لهم سيروا فى تلك القرى المتقاربة العامرة بالخيرات، والتى توصلكم ~~إلى القرى المباركة.. سيروا فيها ليالى وأياما آمنين من كل شر سواء سرتم ~~بالليل أم بالنهار، فإن الأمن فيها مستتب فى كل الأوقات وفى كل الأحوال. ~~فالآية الكريمة تحكى نعمة عظمى أخرى أنعم الله - تعالى - بها على أهل ~~سبأ، وهى نعمة تيسير سبل السفر لهم إلى القرى المباركة، وتهيئة الأمان ~~والاطمئان لهم خلال سفرهم، وهى نعمة عظمى لا يدرك ضخامتها إلا من مارس ~~الأسفار من مكان إلى آخر. ms4202 ولكنهم لم يقدروا هذه النعمة، بل بلغ بهم الجهل ~~والحمق والبطر، أنهم دعوا الله - تعالى - بقولهم - كما حكى القرآن عنهم - ~~{ فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا }. أى ما أننا بفضلنا ~~وإحساننا قد أعطيناهم تلك النعمة، ومكناهم منها، وهى نعمة تيسير وسائل ~~السفر، ومنحهم الأمان والاطمئنان خلاله.. إلا أنهم - لشؤمهم وضيق تفكيرهم ~~وشقائهم - تضرعوا إلينا وقالوا يا ربنا اجعل بيننا وبين القرى المباركة، ~~مفاوز وصحارى متباعدة الأقطار، بدل تلك القرى العامرة المتقاربة، فهم - ~~كما يقول صاحب الكشاف - بطروا النعمة، وبشموا. # أى سئموا - من طيب العيش، وملوا العافية، فطلبوا النكد والتعب، كما طلب ~~بنو إسرائيل البصل والثوم، مكان المن والسلوى. وفى هذه الجملة الكريمة ~~قراءات متعددة ذكرها القرطبى فقال ما ملخصه فقراءة العامة { ربنا } - ~~بالنصب - على أنه نداء مضاف.. { باعد } - بزنة فاعل - سألوا المباعدة فى ~~أسفارهم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { ربنا } كذلك على الدعاء " بعد " - ~~بتشديد العين - من التبعيد. وقرأ يعقوب وغيره { ربنا } - بالرفع - { ~~باعد } بفتح العين والدال - على الخبر. أى لقد باعد ربنا { بين ~~أسفارنا }. وقوله { وظلموا أنفسهم } أى قالوا ذلك القول ~~السئ، وظلموا أنفسهم بسببه، حيث أجيب دعاؤهم، فكان نقمة عليهم، لأنهم بعد ~~أن كانوا يسافرون بيسر وأمان، صاروا يسافرون بمشقة وخوف. وقوله { ~~فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق } بيان لما ~~آل إليه أمرهم. والأحاديث جمع أحدوثة، وهى ما يتحدث به الناس على سبيل ~~التلهى والتعجب أى قالوا ما قالوا من سوء وفعلوا ما فعلوا من منكر، فكانت ~~نتيجة ذلك. أن صيرناهم أحاديث يتلهى الناس بأخبارهم، ويضربون بهم المثل، ~~فيقولون فتفرقوا أيدى سبأ، ومزقناهم كل ممزق فى البلاد المتعددة، فمنهم ~~من ذهب إلى الشام، ومنهم من ذهب إلى العراق... بعد أن كانوا أمة متحدة، ~~يظلها الأمان والاطمئنان، والغنى والجاه... { إن في ذلك } الذى ~~فعلناه بهم بسبب جهلهم وفسوقهم وبطرهم { لآيات } واضحات بينات { ~~لكل صبار } على طاعة الله - تعالى - { شكور } له - سبحانه - ~~على نعمه. وخص - سبحانه - الصبار والشكور بالذكر. لأنهما هما المنتفعان ~~بآياته وعبره ومواعظه. ثم بين - عز وجل - الأسباب التى أدت ms4203 إلى جحودهم ~~وفسوقهم فقال { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ~~فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين }. ولقظ { صدق } ~~قرأه بعض القراء السبعة بتشديد الدال المفتوحة، وقرأه البعض الآخر بفتح ~~الدال بدون تشديد. وقوله { عليهم } متعلق بصدق. وقوله { ظنه } ~~مفعول به على قراءة التشديد، ومنصوب بنزع الخافض على القراءة بالتخفيف، ~~وضمير الجمع فى { عليهم } وفى { فاتبعوه } يعود إلى قوم سبأ. ~~والمعنى على القراءة بالتشديد ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فى قدرته على ~~إغوائهم، وحقق ما كان يريده منهم من الانصراف عن طاعة الله - تعالى - ~~وشكره، فاتبعوا خطوات الشيطان، بسبب انغماسهم فى الفسوق والعصيان، إلا ~~فريقا من المؤمنين، لم يستطع إبليس إغواءهم لأنهم أخلصوا عبادتهم لخالقهم ~~- عز وجل -، واستمسكوا بالعروة الوثقى التى لا انفصام لها. والمعنى على ~~القراءة بالتخفيف ولقد صدق إبليس فى ظنه أنه إذا أغواهم اتبعوه، لأنه ~~بمجرد أن زين لهم المعاصى أطاعوه، إلا فريقا من المؤمنين لم يطيعوه. قال ~~القرطبى ما ملخصه وقوله { إلا فريقا من المؤمنين } نصب ~~على الاستثناء وفيه قولان أحدهما أن يراد به بعض المؤمنين - فتكون من ~~للتبعيض -، لأنه كثيرا من المؤمنين يذنبون وينقادون لإبليس فى بعض ~~المعاصى. # أى ما سلم من المؤمنين أيضا إلا فريق، وهو المقصود بقوله - تعالى - # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان... # والثانى أن المراد بهم جميع المؤمنين، فعن ابن عباس أنه قال هم المؤمنون ~~كلهم. وعلى هذا تكون { من } للبيان لا للتبعيض... ثم بين - سبحانه - ~~إن إغواء الشيطان لأهل سبأ ولأشباههم من بنى آدم، لم يكن عن قسر وإكراه، ~~وإنما كان عن اختيار منهم ليتميز الخبيث من الطيب فقال - تعالى - { وما ~~كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن ~~بالآخرة ممن هو منها في شك.. }. والمراد بالسلطان هنا ~~التسلط بالقهر والغلبة والإكراه. والمراد بالعلم فى قوله - تعالى - { ~~إلا لنعلم } إظهار هذا العلم للناس ليتميز قوى الإيمان من غيره. ~~أى وما كان لإبليس عليهم سلطان قاهر يجعلهم لا يملكون دفعه، وإنما كان ~~له عليهم الوسوسة التى يملكون صرفها ودفعها متى حسنت صلتهم بنا، ms4204 ونحن ما ~~أبحنا لإبليس الوسوسة لبنى آدم، إلا لنظهر فى عالم الواقع حال من يؤمن ~~بالآخرة وما فهيا من ثواب وعقاب وحساب، ولنميزه عمن هو منها فى شك وريب ~~وإنكار... قال الشوكانى - رحمه الله - والاستثناء فى قوله { إلا ~~لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك } ~~منقطع أى لا سلطان له عليهم، ولكن ابتليناهم بوسوسته لنعلم. وقيل هو متصل ~~مفرغ من أعم العلل. أى ما كان له عليهم من تسلط بحال من الأحوال، ولا ~~لعلة من العلل، إلا ليتميز من يؤمن ومن لا يؤمن، لأنه - سبحانه - قد علم ~~ذلك علما أزليا. وقال الفراء إلا لنعلم ذلك عندكم. والأولى حمل العلم هنا ~~على التمييز والإظهار. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { ~~وربك على كل شيء حفيظ } أى وربك - أيها الرسول الكريم - ~~على كل شئ رقيب وحفيظ، بحيث لا يخرج شئ عن حفظه وهيمنته وعلمه وقدرته. ~~وهكذا نجد القرآن قد ساق لنا قصتين متعاقبتين، إحداهما تدل على أن طاعة ~~الله - تعالى وشكره، وإخلاص العبادة له، وحسن الصلة به - سبحانه -، كل ~~ذلك يؤدى إلى المزيد من نعمه - تعالى -، كما حدث لداود وسليمان - عليهما ~~السلام -. وأما الثانية فتدل على ان الجحود والبطر والانغماس فى المعاصى ~~والشهوات. كل ذلك يؤدى إلى زوال النعم، كما حدث لقبيلة سبأ. وصدق الله إذ ~~يقول # لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان ~~حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه ~~وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون # ثم نجد السورة الكريمة بعد ذلك، تلقن النبى صلى الله عليه وسلم الحجج ~~التى تؤيد ما هو عليه من حق وصدق، وتزهق ما عليه أعداؤه من باطل وكذب.. ~~فتقول { قل ادعوا الذين زعمتم....العزيز الحكيم }. ### || [34.22-27] # والأمر بالدعاء فى قوله - سبحانه - { قل ادعوا الذين ~~زعمتم من دون الله.. } للتوبيخ والتعجيز. ومفعولا { ~~زعمتم } مخذوفان. أى قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين على ~~سبيل التقريع والتعجيز هؤلاء آلهتكم الذين زعمتم آلهة من دون الله، ~~اطلبوا منهم أن ينفعوكم أو أن يرفعوا عنكم ضرا ms4205 نزل بكم، إنهم بالقطع لن ~~يستطيعوا شيئا من ذلك. ولذا جاء التأكيد على عجز هذه الآلة المزعومة بعد ~~ذلك فى قوله - تعالى - { لا يملكون مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض.. }. أى هؤلاء الشركاء لا يملكون شيئا ~~ما قل أو كثر لا فى السماوات ولا فى الأرض، بل الذى يملك كل شئ، هو الله ~~- تعالى - وحده. فالجملة الكريمة مستأنفة لبيان حال هذه الآية، وللكشف عن ~~حقيقتها. والتعبير بعدم ملكيتهم لمثقال ذرة، المقصود به أنهم لا يملكون ~~شيئا على الإطلاق، لأن مثقال الذرة أقل ما يتصور فى الحقارة والقلة. ~~وذكر - سبحانه - السماوات والأرض لقصد التعميم، إذ هما محل الموجودات ~~الخارجية. أى لا يملكون شيئا ما فى هذا الكون العلوى والسفلى. وبعد أن ~~نفى عن الشركاء الملكية الخالصة لأى شئ فى هذا الكون، أتبع ذلك بنفى ~~ملكيتهم لشئ ولو على سبيل المشاركة، فقال - تعالى - { وما لهم ~~فيهما من شرك وما له منهم من ظهير }. أى أن هؤلاء ~~الذين زعمتموهم شركاء لله - تعالى - فى العبادة، لايملكون شيئا ما فى هذا ~~الكون ملكية خاصة، ولا يملكون شيئا ما - أيضا - على سبيل المشاركة ~~لغيرهم. وليس لله - تعالى - أحد يعينه أو يظاهره فيما يريد من إيجاد أو ~~إعدام، بل الأمر كله إليه وحده. فأنت ترى أن الآية الكريمة قد نفت عن تلك ~~الآلهة المزعومة، ملكية أى شئ فى هذا الكون، سواء أكانت ملكية خالصة، أم ~~ملكية على سبيل المشاركة، وأثبتت أن المالك والمتصرف فى هذا الكون إنما ~~هو الله - تعالى - وحده، دون أن يكون فى حاجة إلى عون من تلك الآلهة أو ~~من غيرها. ثم نفى - سبحانه - أن تكون هناك شفاعة من أحد لأحد إلا بإذنه - ~~تعالى - فقال { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن ~~له }. والشفاعة من الشفع الذى هو ضد الوتر - أى الفرد -، ومعناها ~~انضمام الغير إلى الشخص ليدفع عنه ما يمكن دفعه من ضر. أى ولا تنفع ~~الشفاعة عند الله - تعالى - من أحد لأحد، إلا لمن أذن الله - تعالى - له ~~فى ذلك. قال ms4206 الآلوسى ما ملخصه والمراد نفى شفاعة الأصنام لعابديها، لكنه ~~- سبحانه - ذكر ذلك على وجه عام، ليكون طريقا برهانيا. # أى لا تنفع الشفاعة فى حال من الأحوال، أو كائنة لمن كانت، إلا كائنة ~~لشافع أذن له فيها من النبيين والملائكة ونحوهم من المستأهلين لمقام ~~الشفاعة. ومن البين أنه لا يؤذن فى الشفاعة للكفار، فقد قال - تعالى - # لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال ~~صوابا # والشفاعة لهم بمعزل عن الصواب، وعدم الإذن للأصنام أبين وأبين، فتبين ~~حرمان هؤلاء الكفرة منها بالكلية.... وقوله { حتى إذا فزع عن ~~قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق.. } بيان ~~لما يكون عليه المتظرون للشفاعة، من لهفة وقلق. والتضعيف فى قوله { ~~فزع } للسلب. كما فى قولهم مرضت المريض إذا عملت على إزالة مرضه. ~~فمعنى { فزع عن قلوبهم } كشف الفزع عنها، وهدأت أحوالها بعد أن ~~أصابها ما أصابها من هول وخوف فى هذا اليوم الشديد، وهو يوم القيامة. و { ~~حتى } غاية لما فهم من الكلام قبلها، من أن هناك تلهفا وترقبا من ~~الراجين للشفاعة ومن الشفعاء، إذ الكل منتظر بقلق لما يؤول إليه أمره من ~~قبول الشفاعة أو عدم قبولها. والمعنى ولا تقبل الشفاعة يوم القيامة من ~~أحد إلا لمن أذن الله - تعالى - له فى ذلك، وفى هذا اليوم الهائل الشديد، ~~يقف الناس فى قلق ولهفة منتظرين قبول الشفاعة فيهم. حتى إذا كشف الفزع عن ~~قلوب الشافعين والمشفوع لهم، بسبب إذن الله - تعالى - فى قبولها ممن يشاء ~~ولمن يشاء، واستبشر الناس وقال بعضهم لبعض، أو قالوا للملائكة { ماذا ~~قال ربكم } أى ماذا قال ربكم فى شأننا ومصيرنا. وهنا تقول لهم ~~الملائكة، أو يقول بعضهم لبعض { قالوا الحق } أى يقولون قال ربنا ~~القول الحق وهو الإذن فى الشفاعة لمن ارتضى. فلفظ { الحق } منصوب بفعل ~~مضمر. أى قالوا قال ربنا الحق أو صفة لموصوف محذوف. أى قالوا قال ربنا ~~القول الحق. { وهو } - سبحانه - { العلي } أى المتفرد بالعلو فوق ~~خلقه { الكبير } أى المتفرد بالكبرياء والعظمة. قال صاحب الكشاف - ~~رحمة الله - فإن ms4207 قلت بم اتصل قوله { حتى إذا فزع عن ~~قلوبهم } ، ولأى شئ وقعت حتى غاية؟. قلت اتصل بما فهم من هذا ~~الكلام، من أن ثم انتظارا للإذن وتوقعا وتمهلا وفزعا من الراجين للشفاعة ~~والشفعاء، هل يؤذون لهم أولا؟ وأنه لا يطلق الإذن إلا بعد ملى من ~~الزمان، وطول التربص... كأنه قيل ينتظرون ويتوقفون كليا فزعين وهلين، حتى ~~إذا كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم، بكلمة يتكلم بها رب العزة ~~فى إطلاق الإذن تباشروا بذلك وسأل بعضهم بعضا { ماذا قال ربكم ~~قالوا } قال { الحق } أى القول الحق، وهو الإذن بالشفاعة لمن ~~ارتضى... ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يسألهم ~~للمرة الثانية على سبيل التنبيه والتوبيخ، من الذى يملك أن يرزقهم، فقال ~~- سبحانه - { قل من يرزقكم من السماوات والأرض. # . }. أى قبل أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين من الذى يرزقكم من ~~السماء بالمطر وغيره، ويرزقكم من الأرض بالنباتات والمعادن وغير لك من ~~المنافع. وقوله - تعالى - { قل الله } جواب على هذا السؤال، وهو ~~جواب لا يملكون إلا الاعتراف به. أى قل لهم منبها ولافتا أنظارهم إلى ما ~~هم فيه من جهل الله ومحده هو الذى يرزقكم بما لا يحصى من الأرزاق التى ~~بعضها من السماوات، وبعضها من الأرض. وقوله - سبحانه - { وإنآ أو ~~إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين } داخل فى حيز ~~الأمر السابق، ولكن بأسلوب فيه ما فيه من الحكمة والتلطف، ومن حمل ~~المخاطب على التفكر والتدبر حتى يعود إلى الرشد والصواب. أى وقل لهم - ~~أيضا - أيها الرسول الكريم - لقد علمتم - يا معشر المشركين أن المستحق ~~للعبادة هو الله - تعالى - وحده، لأنه هو الذى خلقكم ورزقكم من السماوات ~~والأرض... وإن أحدنا لا بد أن يكون على الهدى والآخر على الضلال. وسنترك ~~تحديد من المهتدى ومن هو الضال لعقولكم وضمائركم. وستعلمون - علم اليقين ~~- بعد التفكر والتدبر أننا نحن المسلمين على الحق، وأنتم يا معشر ~~المشركين على الباطل.. فالجملة لون من ألوان الدعوة إلى الله - تعالى - ~~بأسلوب مهذب حكيم، من شأنه ms4208 أن يحمل القلوب النافرة عن الحق، إلى ~~الاستسلام له، والدخول فيه.. قال القرطبى وقوله { وإنآ أو ~~إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين } هذا على وجه ~~الإنصاف فى الحجة، كما يقول القائل لغيره أحدنا كاذب، وهو يعلم أنه ~~صادق، وأن صاحبه كاذب، والمعنى ما نحن وأنتم على أمر واحد، بل على أمرين ~~متضادين، وأحد الفريقين مهتد وهو نحن، والآخر ضال وهو أنتم، فكذبهم بأحسن ~~من تصريح التكذيب. والمعنى أنتم الضالون حين أشركتم بالله الذى يرزقكم من ~~السماوات والأرض.... وقوله { أو إياكم } معطوف على اسم إن، وخبرها ~~هو المذكور. وحذف خبر الثانى للدلالة عليه. أى وإنا لعلى هدى أو فى ضلال ~~مبين، وإنكم لعلى هدى أو فى ضلال مبين. ثم أتبع - سبحانه - هذا الكرم ~~الحكيم فى الدعوة إلى الحق، بكلام لا يقل عنه حكمة وبلاغة فقال { قل ~~لا تسألون عمآ أجرمنا ولا نسأل عما تعملون ~~} أى وقل لهم للمرة الثالثة - أيها الرسول الكريم - أنتم - أيها المشركون ~~- لا تسألون يوم القيامة عن إجارمنا فى حق أنفسنا - إن كنا قد أجرمنا ~~وأخطأنا فى حقها -، ونحن - أيضا - لا يسألنا الله - تعالى - عن سبب ~~بقائكم فى الكفر وفى الأعمال السيئة، لأننا قد بلغناكم رسالة ربكم - عز ~~وجل - ونصحناكم بالإقلاع عن الشرك والمعاصى. # وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -، # وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم ~~بريئون ممآ أعمل وأنا بريء مما تعملون # ثم أمره - سبحانه - أن يذكرهم بيوم القيامة وما فيه من حساب دقيق، فقال ~~{ قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق ~~وهو الفتاح العليم }. أى وقل لهم - أيها الرسول الكريم - إن ~~الله - تعالى - بقدرته سيجمعنا وإياكم يوم القيامة، ثم يحكم بيننا جميعا ~~بحكمه العادل، وهو - سبحانه - { الفتاح العليم } أى الحاكم فى ~~كل أمر بالحكم الحق، المطلع على جميع أحوال عباده. ثم ختم - سبحانه - هذه ~~الآيات بتوجيه رسوله صلى الله عليه وسلم إلى أن يقول لهم قولا يخرس به ~~ألسنتهم، ويبطل حججهم فقال { قل أروني الذين ألحقتم به ~~شركآء } والرؤية هنا بصرية. ومفعولها الأول ms4209 الياء، ومفعولها الثانى ~~الاسم الموصول، ولفظ شركاء حال. أى وقل لهم - أيضا - للمرة الخامسة على ~~سبيل إلزامهم الحجة أرونى وأطلعونى على أصناكم التى ألحقتموها بالله - ~~تعالى - فى العبادة، واتخذتموها شركاء له فى الطاعة... إنها ما هى إلا ~~أشياء لا تضر ولا تنفع، وأنتم تعرفون ذلك عنها، وها هى أمامكم واقعها ~~وحالها ينبئ بعجزها التام، فكيف أشركتموها مع الله - تعالى - فى العبادة ~~والطاعة؟ فالمقصود من الرؤية إشهادهم على عجزها، وتبكيتهم على جهالاتهم، ~~وحضهم على نبذ الشركاء، وأخلاص العبادة لله الواحد القهار. ويحتمل أن ~~تكون الرؤية هنا علمية، فيكون لفظ { شركآء } هو المفعول الثالث. أى ~~عرفونى الأصنام والأوثان التى جعلتموها شركاء لله - تعالى - فى العبادة. ~~ثم زجرهم - سبحانه - عن هذا الضلال فقال { كلا بل هو الله ~~العزيز الحكيم } أى كلا ليس الأمر كما زعمتم من أن لله - تعالى - ~~شركاء، بل هو - سبحانه - العزيز الذى لا يغلبه غالب، الحكيم فى كل أقواله ~~وأفعاله. وهكذا نجد الآيات الكريمة قد لقنت النبى صلى الله عليه وسلم ~~الحجج التى يرد بها على المشركين، والتى من شأنها أن تحملهم على اعتناق ~~الحق، واجتناب الباطل، لو كانوا يعقلون، ثم بين - سبحانه - وظيفة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ورد على شبهات المشركين فقال { ومآ أرسلناك ~~إلا كآفة...ولا تستقدمون }. ### || [34.28-30] # قال الآلوسى المتبادر أن { كآفة } حال من الناس، قدم " إلا " عليه ~~للاهتمام وأصله من الكف بمعنى المنع، وأريد به العموم لما فيه من المنع ~~من الخروج، واشتهر فى ذلك حتى قطع فيه النظر عن معنى المنع بالكلية. ~~فمعنى جاء الناس كافة جاءوا جميعا.. قال ابن عباس أرسل الله - تعالى - ~~محمدا صلى الله عليه وسلم إلى العرب والعجم، فأكرمهم على الله - تعالى - ~~أطوعهم له... أى وما أرسلناك - أيها الرسول الكريم - إلا إلى الناس ~~جميعا، لتبشر المؤمن منهم بحسن الثواب، وتنذر من أعرض عن الحق الذى جئت ~~به بسوء العقاب. { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } هذه ~~الحقيقة، وهى عموم رسالتك وكونك بشيرا ونذيرا. { ويقولون } أى ~~المشركون على سبيل الاستهزاء بما جئتهم به ms4210 { متى هذا الوعد } ~~الذى تعدنا به وهو قيام الساعة، وما فيها من حساب وثواب وعقاب. أخبرونا ~~عنه - أيها المؤمنون - { إن كنتم صادقين } فيما تحدثوننا عنه، ~~وفيما تدعوننا إليه من إيمان. وهنا أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله ~~عليه وسلم - أن يرد عليهم ردا فيه كل معانى التهديد والوعيد فقال { قل ~~لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا ~~تستقدمون } و { ميعاد } يجوز أن يكون مصدرا مرادا به الوعد، ~~وأن يكون اسم زمان، والإضافة للبيان. والمراد بالساعة الوقت الذى هو فى ~~غاية القلة. وليس ما اصطلح عليه الناس من كونها ستين دقيقة. اى قل لهم - ~~ايها الرسول الكريم - لا تتعجلوا - ايها الكافرون - ما أخبرتكم عنه من أن ~~يوم القيامة آت لا ريب فيه، ومن أن العاقبة الطيبة ستكون لنا لا لكم فإن ~~لكم ميقاتا محددا، وموعدا معلوما، عندما يأذن الله - تعالى - بحلوله ~~وبانتهاء حياتكم وببعثكم... { لا تستأخرون عنه ساعة } من ~~الزمان { ولا تستقدمون } عنه ساعة كما قال - تعالى - # إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر لو كنتم ~~تعلمون # وكما قال - سبحانه - # وما نؤخره إلا لأجل معدود يوم يأت لا ~~تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد # ثم حكى - سبحانه - بعض الأقوال الباطلة التى قالها المشركون فى شأن ~~القرآن الكريم، وصور أحوالهم السيئة يوم العرض والحساب، وكيف أن كل فريق ~~منهم صار يلقى التبعة على غيره، قال - تعالى - { وقال الذين ~~كفروا...هل يجزون إلا ما كانوا يعملون }. ### || [34.31-33] # والمراد بالذى بين يديه فى قوله - تعالى - { وقال الذين ~~كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين ~~يديه } الكتب السماوية السابقة كالتوراة والإنجيل. قالوا وذلك لأن ~~المشركين سألوا بعض أهل الكتاب، عن الرسول صلى الله عليه وسلم فأخبروهم ~~بأن صفاته فى التوراة والإنجيل، فغضبوا وقالوا ما قالوا... أى وقال ~~الذين كفروا بإصرار وعناد وجحود لكل ما هو حق قالوا لن نؤمن بهذا القرآن ~~الذى جئت به يا محمد صلى الله عليه وسلم من عند ربك، ولا نؤمن - أيضا - ~~بالكتب السماوية الأخرى التى تؤيد أنك رسول ms4211 من عند الله - تعالى - فالآية ~~الكريمة تحكى ما جبل عليه هؤلاء الكافرون من تصميم على الباطل، ومن نبذ ~~للحق مهما تعددت مصادره. قال الإمام الرازى لما بين - سبحانه - الأمور ~~الثلاثة، من التوحيد والرسالة والحشر، وكانوا بالكل كافرين، بين كفرهم ~~العام بقوله { وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا ~~القرآن ولا بالذي بين يديه } وقوله { ولا بالذي ~~بين يديه } المشهور أنه التوراة والإنجيل، وعلى هذا فالمراد ~~بالذين كفروا، المشركون المنكرون للنبوات والحشر. ويحتمل أن يكون المعنى، ~~لن نؤمن بهذا القرآن ولا بما فيه من الأخبار والآيات والدلائل فيكون ~~المراد بالذى بين يديه ما اشتمل عليه من أخبار وأحكام - ويكون المراد ~~بالذين كفروا عموم الكافرين بما فيهم أهل الكتاب لأن الجميع لا يؤمن ~~بالقرآن ولا بما اشتمل عليه. وقوله - تعالى - { ولو ترى إذ ~~الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى ~~بعض القول } بيان لأحواله السيئة يوم القيامة، ولإصرارهم على ~~الكفر. و { لو } شرطية، وجوابها محذوف كما أن مفعول { ترى } محذوف ~~أيضا و { موقوفون } أى محبوسون للحساب يوم القيامة. يقال وقفت الرجل ~~عن فعل هذا الشئ، إذا منعته وحجزته عن فعله. أى ولو ترى - أيها المخاطب - ~~حال الظالمين وقت احتباسهم عند ربهم يوم القيامة، وهم يتحاورون ويتجادلون ~~فيما بينهم بالأقوال السيئة وكل فريق، يلقى التبعة على غيره. لو ترى ذلك ~~لرأيت أمرا عجيبا، وحالا فظيعة، تنفطر لها القلوب، وترتعد من هولها ~~النفوس. والتعبير بقوله - سبحانه - { موقوفون } يشعر بذلتهم وبؤسهم، ~~فهم محبوسون للحاسب على غير إرادة منهم، كما يحبس المجرم فى سجنه انتظارا ~~لمصيره السيئ. وقوله { عند ربهم } تبكيت وتوبيخ لهم، على ما كانوا ~~يفعلونه فى الدنيا من إنكار لليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب وحساب. ~~وقوله - سبحانه - { يقول الذين استضعفوا للذين ~~استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين } تفصيل لجانب من ~~محارواتهم فيما بينهم، ولما كانوا يراجعون فيه القول بعضهم مع بعض. ~~والمراد بالذين استضعفوا الأتباع والعامة من الناس، والمراد بالذين ~~استكبروا الزعماء والقادة والرؤساء. # أى يقول الأتباع من الكافرين لقادتهم ورؤسائهم بغيظ وحسرة، لولا ms4212 أنتم ~~منعتمونا عن اتباع الحق لكنا مؤمنين به، ومتبعين لما جاء به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم. إنهم يقولون لهم فى موقف الحساب يوم القيامة، ما كانوا ~~عاجزين عن قوله فى الدنيا. عندما كانوا مستذلين لهم، وخاضعين لسلطانهم. ~~وهنا يرد الزعماء باستنكار وضيق، ويحكى ذلك القرآن فيقول { قال ~~الذين استكبروا للذين استضعفوا } على سبيل التوبيخ ~~والتقريع { أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جآءكم ~~} كلا، إننا ما فعلنا ذلك، ولسنا نحن الذين حلنا بينكم وبين اتباع الحق. ~~{ بل } أنتم الذين { كنتم مجرمين } فى حق أنفسكم، حيث ~~اتبعتمونا باختياركم، ورضيتم عن طواعية منكم أن تتبعوا غيركم بدون تفكر ~~أو تدبر للأمور. ولم يقتنع الأتباع بما رد به عليهم السادة والكبراء، بل ~~حكى القرآن للمرة الثانية ردهم عليهم فقال { وقال الذين ~~استضعفوا للذين استكبروا } فى الرد عليهم بحسرة وألم { ~~بل مكر اليل والنهار } أى قالوا لهم أنتم لستم صاقين فى ~~قولكم لنا إنكم لم تصدونا عن اتباع الهدى بعد إذ جاءنا بل إن مكركم بنا ~~الليل والنهار وإغراءكم لنا بالبقاء على الكفر وتهديدكم إيانا بالقتل أو ~~التعذيب إذا ما خالفناكم، وأمركم لنا بأن نكفر بالله - تعالى - ونجعل له ~~أندادا، أى شركاء فى العبادة والطاعة. كل ذلك هو الذى حال بيننا وبين ~~اتباع الحق الذى جاءنا به الرسول صلى الله عليه وسلم. والمكر هو الاحتيال ~~والخديعة. يقال مكر فلان بفلان، إذا خدعه وأراد به شرا. وهو هنا فاعل ~~لفعل محذوف والتقدير بل الذى صدنا عن الإيمان مكركم بنا فى الليل ~~والنهار، فحذف المضاف إليه واقيم مقامه الظرف اتساعا. وقوله { إذ ~~تأمروننآ.. } ظرف للمكر. أى بل مكركم الدائم بنا وقت أمركم لنا بأن ~~نكفر بالله ونجعل له أشباها ونظراء نعبدها من دونه - تعالى - هو الذى حال ~~بيننا وبين اتباع الحق والهدى. قال الجمل وقوله { بل مكر اليل ~~والنهار } يجوز رفع { مكر } من ثلاثة أوجه أحدها على الفاعلية ~~بتقدير بل صدنا مكركم فى هذين الوقتين، الثانى أن يكون مبتدأ خبره محذوف. ~~أى مكر الليل صدنا عن ms4213 اتباع الحق. الثالث العكس، أى سبب كفرنا مكركم. ~~وإضافة المكر إلى الليل والنهار إما على الإسناد المجازى كقولهم ليل ~~ماكر، فيكون مصدرا مضافا لمرفوعه وإما على الاتساع فى الظرف، فجعل ~~كالمفعول به فيكون مضافا لمنصوبه. والضمير المرفوع فى قوله - سبحانه - { ~~وأسروا الندامة لما رأوا العذاب } يعود إلى ~~الأتباع والزعماء. وأسروا من الإسرار بمعنى الكتمان والإخفاء. أى وأضمر ~~الذين استضعفوا والمستكبرون الندامة والحسرة حين شاهدوا العذاب المعد لهم ~~جميعا، وذلك لأنهم بهتوا وشدهوا حين عاينوه، ودفنت الكلمات فى صدورهم فلم ~~يتمكنوا من النطق بها وأصابهم ما أصابهم من الكمد الذى يجعل الشفاه لا ~~تتحرك، والألسنة لا تنطق. # فالمقصود من إسرار الندامة بيان عجزهم الشديد عن النطق بما يريدون النطق ~~به لفظاعة ما شهدوه من عذاب غليظ قد أعد لهم. وقيل إن { وأسروا ~~الندامة } بمعنى أظروها لأن لفظ أسر من الأضداد. قال الآلوسى ما ~~ملخصه { وأسروا } أى أضمر الظالمون من الفريقين { الندامة } ~~على ما كان منهم فى الدنيا.. { لما رأوا العذاب } لأنهم ~~بهتوا لما عاينوه فلم يقدروا على النطق. وقيل أسروا الندامة. بمعنى ~~أظهروها، فإن لفظ " أسر " من الأضداد، إذ الهمزة تصلح للإثبات وللسلب، ~~فمعنى أسره جعله سره، أو أزال سره... ثم بين - سبحانه - ما حل بهم من ~~عذاب بسبب كفرهم فقال { وجعلنا الأغلال في أعناق ~~الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون }. ~~والأغلال. جمع غل وهى القيود التى يقيد بها المجرمون. أى وجعلنا القيود ~~فى أعناق الذين كفروا جميعا، سواء منهم من كان تابعا أم متبوعا. وما ~~جزيناهم بهذا الجزاء المهين الأليم، إلا بسبب أعمالهم السيئة. وأقوالهم ~~القبيحة. وهكذا نرى الآيات الكريمة تصور لنا تصويرا مؤثرا بديعا، ما يكون ~~عليه الكافرون يوم القيامة من حسرة وندم، ومن عداوة وبغضاء، ومن تهم ~~يلقيها كل فريق على الآخر، بدون احترام من المستضعفين لزعمائهم الذين ~~كانوا يذلونهم فى الدنيا، بعد أن سقطت وزالت الهيبة الزائفة التى كان ~~الزعماء يحيطون بها أنفسهم فى الحياة الدنيا، وأصبح الجميع يوم الحساب فى ~~الذلة سواء { ووجدوا ما ms4214 عملوا حاضرا ولا يظلم ربك ~~أحدا }. ثم تحكى السورة الكريمة بعد ذلك جانبا من الأقوال الزائفة، ~~التى كان المترفون يتذرعون بها للبقاء على كفرهم، ومن الإجابات التى ~~لقنها - سبحانه - لنبيه صلى الله عليه وسلم لكى يخرس بها ألسنتهم، ويزيل ~~بها شبهاتهم قال - تعالى - { ومآ أرسلنا في قرية...وهو ~~خير الرازقين }. ### || [34.34-39] # قال صاحب الكشاف عند تفسيره لقوله - تعالى - { ومآ أرسلنا في ~~قرية من نذير إلا قال مترفوهآ إنا بمآ ~~أرسلتم به كافرون... } هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مما منى به من قومه من التكذيب والكفر بما جاء به، والمنافسة بكثرة ~~الأموال والأولاد، والتكبر بذلك على المؤمنين.. وأنه - سبحانه - لم يرسل ~~قط إلى أهل قرية من نذير، إلا قالوا له مثل ما قال أهل مكة لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم.. والمعنى وما أرسلنا فى قرية، من القرى { من ~~نذير } ينذر أهلها بسوء العاقبة إذا ما استمروا على كفرهم وضلالهم. { ~~إلا قال مترفوهآ } أى إلا قال أغنياؤها ورؤساؤها وجبابرتها ~~المتسعون فى النعم فيها، لمن جاءوا لإنذارهم وهدايتهم إلى الحق. { ~~إنا بمآ أرسلتم به } من الدعوة إلى عبادة الله - تعالى - { ~~كافرون } بما نحن عليه من شرك وتقليد للآباء مؤمنون. فالآية الكريمة ~~تحكى موقف المترفين فى كل أمة، من الرسل الذين جاءوا لهدايتهم، وأن هؤلاء ~~المترفين فى كل زمان ومكان، كانوا أعداء للأنبياء وللمصلحين، لأن الترف ~~من شأنه أن يفسد الفطرة، ويبعث على الغرور والتطاول، ويحول بين الإنسان ~~وبين التمسك بالفضائل والقيم العليا، ويهدى إلى الانغماس فى الرذائل ~~والشهوات الدنيا. ثم يحكى القرآن الكريم أن هؤلاء المترفين لم يكتفوا ~~بإعلان كفرهم، وتكذيبهم للأنبياء والمصلحين، بل أضافوا إلى ذلك التبجح ~~والتعالى على المؤمنين. فقال - تعالى - { وقالوا } أى المترفون الذين ~~أبطرتهم النعمة للمؤمنين الفقراء { نحن أكثر أموالا ~~وأولادا } منكم - أيها المؤمنون - إذ أموالنا أكثر من أموالكم، ~~وأولادنا أكثر من أولادكم، ولولا أننا أفضل عند الله منكم، لما اعطانا. ~~مالا يعطيكم... فنحن نعيش حياتنا فى أمان واطمئنان { وما نحن ~~بمعذبين } بشئ من العذاب الذى ms4215 تعدوننا به لا فى الدنيا ولا فى ~~الآخرة. قال الامام ابن كثير عند تفسيره هذه الآية افتخر المترفون - ~~بكثرة الأموال والأولاد، واعتقدوا أن ذلك دليل على محبة الله لهم، ~~واعتنائه بهم، وأنه ما كان ليعطيهم هذا فى الدنيا، ثم يعذبهم فى الآخرة، ~~وهيهات لهم ذلك. قال - تعالى - # فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد ~~الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق ~~أنفسهم وهم كافرون # ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يصحح لهؤلاء ~~المترفين خطأهم، وأن يكشف عن جهلهم، وأن يبين لهم أن مسألة الغنى والفقر ~~بيد الله - تعالى - وحده، وأن الثواب والعقاب لا يخضعان للغنى أو للفقر، ~~وإنما يتبعان الإيمان أو الكفر، فقال - تعالى - { قل إن ربي ~~يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون }. # وبسط الرزق سعته وكثرته. وتقديره تقليله وتضييقه. أى قل - أيها الرسول ~~الكريم - لهؤلاء الجاهلين { إن ربي } وحده هو الذى { يبسط ~~الرزق لمن يشآء } أن يبسطه له { ويقدر } أى ويقتر الرزق ~~ويضيقه على من يشاء أن يضيقه عليه. والأمر فى كلتا الحالتين مرده إلى ~~الله - تعالى - وحده، على حسب ما تقتضيه حكمته فى خلقه. وربما يوسع رزق ~~العاصى ويضيق رزق المطيع.أو العكس، وربما يوسع على شخص وقت وضيق عليه فى ~~وقت آخر، ولا ينقاس على ذلك أمر الثواب والعقاب، لأن مناطهما الطاعة ~~وعدمها. { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } هذه الحقيقة ~~التى اقتضتها حكمة الله - تعالى - وإرادته، فزعموا أن بسط الرزق دليل ~~الشرف والكرامة، وأن ضيق الرزق دليل الهوان والذل، ولم يدركوا - لجهلهم ~~وانطماس بصائرهم - أن بسط الرزق قد يكون للاستدارج، وأن تضييقه قد يكون ~~للابتلاء والاختبار، ليتميز قوى الإيمان من ضعيفه. ثم زاد - سبحانه - ~~هذه القضية توضيحا وتبيينا فقال { ومآ أموالكم ولا ~~أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى }. الزلفى مصدر ~~كالقربى، وانتصابه على المصدرية من معنى العامل. أى ليست كثرة أموالكم، ~~ولا كثرة أولادكم بالتى من شأنها أن تقربكم إلينا قربى، لأن هذه الكثرة ~~ليست دليل محبة منا لكم، ولا تكريم ms4216 منا لكم، وإنما الذى يقربكم منا هو ~~الإيمان والعمل الصالح. كما وضح - سبحانه - هذه الحقيقة فى قوله بعد ذلك ~~{ إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزآء ~~الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون }. أى ليس ~~الأمر كما زعمتم - أيها المترفون - من أن كثرة الأموال والأولاد ستنجيكم ~~من العذاب، ولكن الحق والصدق أن الذى ينجيكم من ذلك ويقربكم منا، هو ~~الإيمان والعمل الصالح. فهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحة لهم ~~عند الله - تعالى - الجزاء الحسن المضاعف، وهم فى غرفات الجنات آمنون ~~مطمئنون. قال الشوكانى ما ملخصه قوله { إلا من آمن وعمل ~~صالحا } هو استثناء منقطع فيكون محله النصب. أى لكن من آمن وعمل ~~صالحا.. والإشارة بقوله { فأولئك } إلى { من } والجمع باعتبار ~~المعنى. وهو مبتدأ. وخبره { لهم جزآء الضعف } أى فأولئك ~~يجازيهم الله الضعف، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول. أو فأولئك لهم ~~الجزاء المضاعف فيكون من إضافة الموصوف إلى الصفة.. ثم بين - سبحانه - ~~سوء عاقبة المصرين على كفرهم فقال { والذين يسعون في ~~آياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون }. أى ~~والذين يسعون فى إبطال آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا، { ~~معاجزين }. أى زاعمين سبقهم لنا، وعدم قدرتنا عليهم { أولئك ~~} الذين يفعلون ذلك { في العذاب محضرون } أى فى عذاب جهنم ~~مخلدون، حيث تحضرهم ملائكة العذاب بدون شفقة أو رحمة، وتلقى بهم فيها. # وقوله - سبحانه - { قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشآء ~~من عباده ويقدر له } تأكيد وتقرير لتلك الحقيقة التى سبق ~~الحديث عنها، وهى أن التوسع والتضييق فى الرزق بيد الله - تعالى - وحده. ~~والضمير فى قوله - تعالى - { له } يعود إلى الشخص الموسع عليه أو ~~المضيق عليه فى رزقه. أى قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المترفين على ~~سبيل التأكيد وإزالة ما هم عليه من جهل إن ربى - عز وجل - يبسط الرزق لمن ~~يشاء من عباده، ويضيق هذا الرزق على ما يشاء أن يضيقه منهم، وليس فى ذلك ~~ما يدل على السعادة أو الشقاوة، لأن هذه الأمور خاضعة لحكمته فى خلقه - ~~سبحانه -. { ومآ أنفقتم } أيها ms4217 المؤمنون { من شيء } فى سبيل ~~الله - تعالى - وفى أوجه طاعته { فهو } - سبحانه - { يخلفه } أى ~~يعوضه لكم بما هو خير منه. يقال فلان أخلق لفلان وأخلف عليه، إذا أعطاه ~~العوض والبدل. { وهو خير الرازقين } أى وهو - سبحانه - خير ~~رازق لعباده لأن كل رزق يصل إلى الناس إنما هو بتقديره وإرادته، وقد جرت ~~سنته - سبحانه - أن يزيد الأسخياء من فضله وكرمه. وفى الحديث الصحيح أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " ما من يوم يصبح العباد فيه،إلا ملكان ينزلان، فيقول احدهما اللهم اعط ~~منفقا خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا ". # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكت جانبا من شبهات المشركين، ومن أقوالهم ~~الباطلة، وردت عليهم بما يزهق باطلهم، ويمحو شبهاتهم، لكى يزداد المؤمنون ~~إيمانا على إيمانهم. ثم بين - سبحانه - حال أولئك المشركين يوم القيامة، ~~وكيف أن الملائكة يكذبونهم فى مزاعمهم، فقال - تعالى - { ويوم ~~يحشرهم جميعا....كنتم بها تكذبون }. ### || [34.40-42] # أى واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ { يوم يحشرهم جميعا ~~} أى يجمع الله - سبحانه - الكافرين جميعا. الذين استضعفوا فى الدنيا ~~والذين استكبروا. { ثم يقول } - عز وجل - { للملائكة } على ~~سبيل التبكيت والتقريع للمشركين { أهؤلاء } الكافرون { إياكم ~~كانوا يعبدون } أى أهؤلاء كانوا يعبدونكم فى الدنيا. وأنتم رضيتم ~~بذلك. و { هؤلاء } مبتدأ، وخبره { كانوا يعبدون } و { ~~إياكم } مفعول يعبدون. وتخصيص الملائكة بالخطاب مع أن من الكفار من ~~كان يعبد الأصنام، ومن كان يعبد غيرها، لأن المقصود من الخطاب حكاية ما ~~يقوله الملائكة فى الرد عليهم. قال صاحب الكشاف هذا الكلام خطاب ~~للملائكة. وتقريع للكفار وارد على المثل السائر إياك أعنى واسمعى يا ~~جارة، ونحوه قوله - تعالى - لعيسى # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله # وقد علم - سبحانه - كون الملائكة وعيسى، منزهين برآء مما وجه عليهم من ~~السؤال، والغرض أن يقول ويقولوا، ويسأل وجيبوا، فيكون التقريع للمشركين ~~أشد، والتعبير أبلغ، وهوانهم ألزم.. وقوله - تعالى - { قالوا ~~سبحانك أنت ولينا من دونهم } حكاية لأقوال الملائكة. أى ~~قال الملائكة فى الإجابة على سؤال خالقهم. { سبحانك } أى ننزهك ~~ونقدسك ms4218 عن أن يكون لك شريك فى عبادتك وطاعتك { أنت ولينا من ~~دونهم } أى أنت الذى نواليك ونتقرب إليك وحدك بالعبادة، وليس بيننا ~~وبين هؤلاء المشركين أى موالاة أو قرب، ولا دخل لنا فى عبادتهم لغيرك. ثم ~~صرحوا بما كان المشركون يعبدونه فى الدنيا فقالوا { بل كانوا ~~يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون }. أى إن هؤلاء ~~المشركين لا علم لنا بأنهم كانوا يبعدوننا، ونبرأ من ذلك إن كانوا قد ~~عبدونا، وهم إنما كانوا يعبدون فى الدنيا { الجن } أى الشياطين، وكان ~~أكثر هؤلاء المشركين يؤمنون بعبادة الشياطين. ويطيعونهم فيما يأمرونهم ~~به، أو ينهونهم عنه. فقوله - تعالى - { بل كانوا يعبدون ~~الجن } إضراب انتقالى، لبيان السبب فى شرك هؤلا المشركين، وتصريح بمن ~~كانوا يعبدونهم فى الدنيا. قال الجمل فإن قيل جميعهم كانوا متابعين ~~للشيطان، فما وجه قوله - تعالى - { أكثرهم بهم مؤمنون } ~~فإنه يدل على أن بعضهم لم يؤمن بالجن ولم يطعهم؟ فالجواب من وجهين أحدهما ~~أن الملائكة احترزوا عن دعوى الإحاطة بهم، فقالوا أكثرهم، لأن الذين ~~رأوهم واطعلوا على أحوالهم كانوا يعبدون الجن، ولعل فى الوجود من لم يطلع ~~الله الملائكة على حاله من الكفار. الثانى هو أن العبادة عمل ظاهر، ~~والإيمان عمل باطن، فقالوا بل كانوا يعبدون الجن لاطلاعهم على أعمالهم، ~~وقالوا أكثرهم بهم مؤمنون عند عمل القلب، لئلا يكونوا مدعين اطلاعهم على ~~ما فى القلوب، فإن القلب لا يطلع على ما فيه إلا الله. # ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن الملك فى يوم الحساب له وحده فقال { ~~فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا }. ~~أى فاليوم لا يملك أحد من المعبودين أن ينفع أحدا من العابدين، أو أن ~~يضره، بل الذى يملك كل ذلك هو الله - تعالى - وحده. فالمقصود من الآية ~~الكريمة بيان أن مرد النفع والضر فى هذا اليوم إلى الله - تعالى - وحده، ~~فالعابدون لا يملكون شيئا، والمعبودون كذلك لا يملكون شيئا. { ونقول ~~للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها ~~تكذبون } أى ونقول فى هذا اليوم الهائل الشديد للذين ظلموا ms4219 أنفسهم ~~وظلموا الحق بعبادتهم لغيرنا، نقول لهم { ذوقوا } فظاعة وشدة عذاب ~~النار التى كنتم تكذبون بها فى الدنيا، وتنكرون أن يكون هناك بعث أو حساب ~~أو ثواب أو عقاب. ثم تعود السورة الكريمة إلى الحديث عن جانب من أقوال ~~هؤلاء المشركين فى شأن النبى صلى الله عليه وسلم وفى شأن القرآن الكريم، ~~وتهددهم بسوء المصير إذا استمروا فى طغيانهم وجهلهم فتقول { وإذا ~~تتلى عليهم آياتنا...فكيف كان نكير }. ### || [34.43-45] # وقوله { تتلى } من التلاوة، وهى قراءة الشئ بتدبر وتفهم. أى وإذا ما ~~تليت آياتنا الدالة دلالة واضحة على وحدانيتنا وقدرتنا، وعلى صدق رسولنا ~~صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عنا. { قالوا ما هذا إلا ~~رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آبآؤكم } أى ~~قالوا على سبيل الإنكار والاستهزاء، ما هذا التالى لتلك الآيات إلا رجل ~~يريد أن يمنعكم عن عبادة الآلهة التى كان يعبدها آباؤكم الأقدمون. ويعنون ~~بقولهم { ما هذا إلا رجل } الرسول صلى الله عليه وسلم ويقصدون ~~بالإشارة إليه، الاستخفاف به، والتحقير من شأنه صلى الله عليه وسلم. ~~وقالوا { يريد أن يصدكم عما كان يعبد آبآؤكم } ~~لإثارة حمية الجاهلية فيهم فكأنهم يقولون لهم احذروا اتباع هذا الرجل، ~~لأنه يريد أن يجعلهم من أتباعه، وأن يقطع الروابط التى تربط بينكم وبين ~~آبائكم الذين أنتم قطعة منهم. ولم يكتفوا بالتشكيك فى صدق الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بل أضافوا إلى ذلك التكذب للقرآن الكريم، ويحكى - سبحانه ~~- ذلك فيقول { وقالوا ما هذآ إلا إفك مفترى }. أى ~~وقالوا فى شأن القرآن الكريم ما هذا الذى يتلوه محمد صلى الله عليه وسلم ~~علينا، إلا { إفك } أى كلام مصروف عن وجهه، وكذب فى ذاته { مفترى ~~} أى مختلق على الله - تعالى - من حيث نسبته إليه. فقوله { مفترى } ~~صفة أخرى وصفوا بها القرآن الكريم، فكأنهم يقولون - قبحهم الله - ما هذا ~~القرآن إلا كذب فى نفسه، ونسبته إلى الله - تعالى - ليست صحيحة. ثم ~~أضافوا إلى تكذيبهم للرسول صلى الله عليه وسلم وللقرآن، تكذيبا عاما لكل ~~ما جاءهم به الرسول من ms4220 حق، فقالوا - كما حكى القرآن عنهم - { وقال ~~الذين كفروا للحق لما جآءهم إن هذآ إلا ~~سحر مبين }. أى وقال الكافرون فى شأن كل حق جاءهم به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ما هذا الذى جئتنا به إلا سحر واضح. وهكذا نراهم - ~~لعنادهم وجهلهم - قد كذبوا الرسول صلى الله عليه وسلم وكذبوا القرآن. ~~وكذبوا كل توجيه قويم، وإرشاد حكيم، أرشدهم إليه صلى الله عليه وسلم إذ ~~اسم الإشارة الأول يعود إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والثانى يعود إلى ~~القرآن، والثالث يعود إلى تعاليم الإسلام كلها. ثم بين - سبحانه - أن ~~أقوالهم هذه لا تستند إلى دليل أو ما يشبه الدليل، وإنما هم يهرفون بما ~~لا يعرفون، فقال - تعالى - { ومآ آتيناهم من كتب ~~يدرسونها ومآ أرسلنا إليهم قبلك من نذير }. ~~أى أن هؤلاء الذين قالوا ما قالوا من باطل وزور، لم نأتهم بكتب يدرسونها ~~ويقرءونها ليعرفوا منها أن الشرك حق، فيكون لهم عذرهم فى التمسك به، ~~وكذلك لم نرسل إليهم قبلك - أيها الرسول الكريم - نذيرا يدعوهم إلى عبادة ~~الأصنام، ويخوفهم من ترك عبادتها. # وما دام الأمر كذلك، فمن أين أتوا بهذا التصميم على شركهم، وبهذا ~~الإنكار للحق الذى جاءهم؟ إن أمرهم هذا لهو فى غاية الغرابة والعجب. ~~فالمقصود من الآية الكريمة تجهيلهم والتهكم بهم، ونفى أن يكون عندهم حتى ~~ما يشبه الدليل على صحة ما فيه من شرك. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما ~~كانوا به يشركون # وقوله - عز وجل - # أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون # ثم بين لهم - سبحانه - بعد ذلك هوان أمرهم. وتفاهة شأنهم بالنسبة لمن ~~سبقوهم، فقال { وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا ~~معشار مآ آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان نكير ~~}. والمعشار بمعنى العشر وهو لغة فيه. تقول عندى عشر دينار ومعشار دينار، ~~قال أبو حيان والمعشار مفعال من العشر، ولم يبين على هذا الوزن من ألفاظ ~~العدد غيره وغير المرباع. ومعناهما العشر والربع... والضمير فى قوله { ~~وما بلغوا } يعود لكفار ms4221 مكة، وقوله { مآ آتيناهم } وفى قوله ~~{ فكذبوا رسلي } يعود إلى الأمم السابقة. والنكير مصدر ~~كالإنكار، وهو من المصادر التى جاءت على وزن فعيل. والمعنى لا تحزن - ~~أيها الرسول الكريم - لتكذيب قومك لك، فقد كذب الذين من قبلهم من الأمم ~~رسلهم، وإن قومك لم يبلغوا من القوة والغنى والكثرة.. عشر ما كان عليه ~~سابقوهم، ولكن لما كذب أولئك السابقون أنبياءهم، أخذتهم أخذ عزيز مقتدر، ~~بأن دمرناهم جميعا. والاستفهام فى قوله - تعالى - { فكيف كان ~~نكير } للتهويل. والجملة الكريمة معطوفة على مقدر والمعنى فحين تمادوا ~~فى تكذيب رسلى، جاءهم إنكارى بالتدمير، فكيف كان إنكارى عليهم بالتدمير ~~والإهلاك؟ لقد كان شيئا هائلا فظيعا تركهم فى ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا ~~فيها، فعلى قومك أن يحذروا من أن يصيبهم مثله. وجعل - سبحانه - التدمير ~~إنكارا، تنزيلا للفعل منزلة القول، كما فى قول بعضهم ونشتم بالأفعال لا ~~بالتكلم. ويرى بعضهم أن الضمير فى قوله { وما بلغوا } يعود على ~~الذين من قبلهم، وفى قوله { آتيناهم } يعود إلى كفار مكة. وقد رجح ~~الإمام الرازى هذا الرأى فقال ما ملخصه قال المفسرون معنى الآية ما بلغ ~~هؤلاء المشركون معشار ما آتينا المتقدمين.. ثم إن الله أخذ هؤلاء ~~المتقدمين دون أن تنفعهم قوتهم، لما كذبوا رسلهم، فكيف حال هؤلاء الضعفاء ~~- وهم قومك. ثم قال - رحمه الله - وعندى وجه آخر فى معنى الآية، وهو أن ~~يقال وكذب الذين من قبلهم، وما بلغوا معشار ما آتيناهم، أى الذين من ~~قبلهم ما بلغوا معشار ما آتينا قومك من البيان والبرهان. # وذلك لأن كتابك يا محمد أكمل من سائر الكتب. فإذا كنت قد أنكرت على ~~المتقدمين لما كذبوا رسلهم - مع أنهم لم يؤتوا معشار ما أوتى قومك من ~~البيان -، فكيف لا أنكر على قومك بعد تكذيبهم لأوضح الكتب، وأفصح الرسل.. ~~ويبدو لنا أن المعنى الأول الذى عبر عنه الإمام الرازى بقوله قال ~~المفسرون، هو الأرجح لأنه هو المتبادر من معنى الآية الكريمة، لأنه يفيد ~~التقليل من شأن مشركى مكة، بالنسبة لمن سبقهم من الأمم، من ms4222 ناحية القوة ~~والغنى. وفى القرآن الكريم آيات متعددة تؤيد هذا المعنى، منها قوله - ~~تعالى - # أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة ~~وأثاروا الأرض وعمروهآ أكثر مما عمروها ~~وجآءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ~~ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # وبعد هذا الحديث عن أقوال المشركين فى شأن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وفى شأن القرآن.. وبعد هذا الرد الملزم لهم والمزهق لباطلهم. بعد كل ذلك ~~لقن الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم الحجج القاطعة، والأقوال ~~الحكيمة، التى تهدى إلى الرشد بأبلغ أسلوب، وأصدق بيان، فقال - تعالى - { ~~قل إنمآ أعظكم بواحدة...إلي ربي إنه سميع ~~قريب }. ### || [34.46-50] # وقوله - تعالى - { أعظكم } من الوعظ، وهو تذكير الغير بالخير والبر ~~بكلام مؤثر رقيق يقال وعظه يعظه وعظا وعظة، إذا أمره بالطاعة ووصاه بها. ~~وقوله { بواحدة } صفة لموصوف محذوف. والتقدير قل - أيها الرسول ~~الكريم - لهؤلاء المشركين الذين قالوا الكذب فى شأنك وفى شأن ما جئت به، ~~قل لهم إنما أعظكم وآمركم وأوصيكم بكلمة واحدة، أو بخصلة واحدة. ثم فسر - ~~سبحانه - هذه الكلمة بقوله { أن تقوموا لله مثنى ~~وفرادى }. والمراد بالقيام هنا التشمير عن ساعد الجد، وتلقى ما ~~جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم بقلب مفتوح. وعقل واع، ونفس خالية من ~~التعصب والحقد والعكوف على التقليد. و { مثنى وفرادى } أى ~~متفرقين اثنين اثنين، وواحدا واحدا، وهما منصوبان على الحال. { ثم ~~تتفكروا } بعد ذلك فى أمر هذا الرسول صلى الله عليه وسلم وفى أمر ~~رسالته، وفى أمر ما جاء به من عند ربه، فعند ذلك ترون أنه على الحق، وأنه ~~قد جاءكم بما يسعدكم. فالآية الكريمة تأمرهم أن يفكر كل اثنين بموضوعية ~~وإنصاف فى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ثم يعرض كل واحد منهما حصيلة ~~تفكيره على صاحبه، وأن يفكر كل واحد منهم على انفراد - أيضا فى شأن هذا ~~الرسول، من غير تعصب وهوى. وقدم الاثنين فى القيام على المنفرد، لأن ~~تفكير الاثنين فى الأمور بإخلاص واجتهاد وتقدير، ms4223 أجدى فى الوصول إلى الحق ~~من تفكير الشخص الواحد ولم يأمرهم بأن يتفكروا فى جماعة، لأن العقلية ~~الجماعية كثيرا ما تتبع الانفعال الطارئ. وقلما تتريث فى الحكم على ~~الأمور. ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية والمعنى ~~إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها، أصبتم الحق، وتخلصتم من الباطل - وهى أن ~~تقوموا لوجه الله خالصا، متفرقين اثنين اثنين، وواحدا واحدا، { ثم ~~تتفكروا } فى أمر محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به. أما ~~الاثنان فيتكفران ويعرض كل واحد منهما محصول فكره على صاحبه، وينظران فيه ~~متصادقين متناصفين، لا يميل بهما اتباع هوى، ولا ينبض لهما عرق عصبية، ~~حتى يهجم بهما الفكر الصالح، والنظر الصحيح على جادة الحق. وكذلك الفرد ~~يفكر فى نفسه بعدل ونصفة من غير أن يكابرها، ويعرض فكره على عقله وذهنه، ~~وما استقر عنده من عادات العقلاء، ومجارى أحوالهم. والذى أوجب تفرقهم ~~مثنى وفرادى، أن الاجتماع مما يشوش الخواطر، ويعمى البصائر، ويمنع من ~~الروية، ويخلط القول. ومع ذلك يقل الإنصاف ويكثر الاعتساف ويثور عجاج ~~التعصب. وقوله - سبحانه - { ما بصاحبكم من جنة } كلام ~~مستأنف جئ به لتنزيه ساحته صلى الله عليه وسلم عما افتراه عليه المفترون ~~من كونه قد أصيب بالجنون. # أى اجتمعوا اثنين اثنين، أو واحدا واحدا، ثم تفكروا بإخلاص وروية فترون ~~بكل تأكيد أن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس به شئ من الجنون، إنما هو ~~أرجح الناس عقلا، وأصدقهم قولا، وأفضلهم علما، وأحسنهم عملا، وأزكاهم ~~نفسا، وأنقاهم قلبا، وأجمعهم لكل كمال بشرى. وقوله - تعالى - { إن هو ~~إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد } بيان لوظيفته ~~صلى الله عليه وسلم أى ليس به صلى الله عليه وسلم من جنون، وإنما هو نذير ~~لكم، يحذركم ويخوفكم من العذاب الشديد الذى سينزل بكم يوم القيامة، إذا ~~ما بقيتم على شرككم وكفركم، وهذا العذاب ليس بعيدا عنكم. قال الإمام ابن ~~كثير # " قال الامام أحمد حدثنا بشير بن المهاجر، حدثنى عبد الله بن بريدة عن ~~أبيه قال خرج علينا رسول ms4224 الله صلى الله عليه وسلم يوما فنادى ثلاث مرات ~~فقال " أيها الناس أتدرون ما مثلى ومثلكم "؟ قالوا الله ورسوله أعلم فقال ~~" إنما مثلى ومثلكم كمثل قوم خافوا عدوا يأتيهم. فبعثوا رجلا يتراءى لهم، ~~فبينما هو كذلك أبصر العدو، فأقبل لينذرهم وخشى أن يدركه العدو قبل أن ~~ينذر قومه، فأهوى بثوبه وقال أيها الناس أوتيتم. أيها الناس وأتيتم... ~~". # وبهذا الاسناد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " بعثت أنا والساعة جميعا، إن كادت لتسبقنى ". # ثم أمره - سبحانه - للمرة الثانية أن يصارحهم بأنه لا يريد منهم أجرا ~~على دعوته إياهم إلى ما يسعدهم فقال { قل ما سألتكم من أجر ~~فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل ~~شيء شهيد }. أى وقل لهم - أيها الرسول الكريم. بعد أن دعوتهم إلى ~~التفكير الهادئ، المتأنى فى أمرك إنى ما طلبت منكم أجرا على دعوتى إياكم ~~إلى الحق والخير، وإذا فرض وطلبت فهو مردود عليكم. لأنى لا ألتمس أجرى ~~إلا من الله - تعالى - وحده، وهو - سبحانه - على كل شئ شهيد ورقيب، ولا ~~يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء. قال الآلوسى قوله قل ما سألتكم من ~~أجر، أىمهما سألتكم من نفع على تبليغ الرسالة { فهو لكم } والمراد ~~نفى السؤال رأسا، كقولك لصاحبك إن أعطيتنى شيئا فخذه، وأنت تعلم أنه لم ~~يعطك شيئا فما شرطية، مفعول { سألتكم } وقوله { فهو لكم } ~~الجواب - وقيل هى موصولة، والعائد محذوف، ومن للبيان ودخلت الفاء فى ~~الخبر لتضمنها معنى الشرط. أى الذى سألتكموه من الأجر فهو لكم، وثمرته ~~تعود إليكم. ثم أمره - سبحانه - للمرة الثالثة، أن يبين لهم أنهم لا قدرة ~~لهم على مجادلته أو محاربته، لأن الله - تعالى - قد سلحه بما ينصره عليهم ~~فقال { قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب }. # وأصل القذف الرمى بقوة وشدة والمراد به هنا ما يوحيه الله - تعالى - على ~~نبيه صلى الله عليه وسلم من قرآن وتوجيهات وإلهامات، والباء فى قوله { ~~بالحق } للسببية. أى قل لهم - أيها الرسول الكريم - إن ربى يلقى ~~الوحى ms4225 إلى وإلى أنبيائه، بسبب الحق الذى كلفهم بتبليغه إلى الناس، وهو - ~~سبحانه - وحده علام الغيوب. قال الجمل ما ملخصه قوله { يقذف ~~بالحق } يجوز أن يكون مفعوله محذوفا، لأن القذف فى الأصل الرمى، ~~وعبر به هنا عن الإلقاء. أى يلقى الوحى إلى أنبيائه بالحق، أى بسبب ~~الحق، أو متلبسا الحق. ويجوز أن يكون التقدير يقذف الباطل بالحق، كما قال ~~- تعالى - # بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه # ويجوز أن يكون المعنى قل إن ربى يقضى ويحكم بالحق، بتضمين " يقذف " معنى ~~يقضى ويحكم. ثم أمره - عز وجل - للمرة الرابعة أن يبين لهم أن باطلهم ~~سيزول لا محالة وسينتهى أمره انتهاء لن تقوم له بعد قائمة فقال - تعالى - ~~{ قل جآء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد }. ~~والإبداء هو فعل الأمر ابتداء. والإعادة فعله مرة أخرى، ولا يخلو الحى ~~منهما، فعدمها كناية عن هلاكه. كما يقول فلان لا يأكل ولا يشرب، كناة عن ~~هلاكه. أى قل أيها الرسول لهؤلاء الكافرين، لقد جاء الحق المتمثل فى دين ~~الإسلام الذى ارسلنى به إليكم ربى، وما دام الإسلام قد جاء، فإن الباطل ~~المتمثل فى الكفر الذى أنتم عليه، قد آن له أن يذهب وأن يزول، وأن لا ~~يبقى له أبداء أو إعادة، فقد اندثر وأهيل عليه بالتراب إلى غير رجعة. ثم ~~أمره - سبحانه - للمرة الخامسة أن يصارحهم بأنه مسئول أمام الله عما ~~يرشدهم إليه، وأنهم ليسوا مسئولين عن هدايته أو ضلاله، فقال - تعالى - { ~~قل إن ضللت فإنمآ أضل على نفسي وإن اهتديت ~~فبما يوحي إلي ربي }. أى وقل لهم - أيها الرسول الكريم - على ~~سبيل الإرشاد والتنبيه، إنى إن ضللت عن الصراط المستقيم، وعن اتباع ~~الحق، فإنهما إثم ضلالى على نفسى وحدها لا عليكم، وإن اهتديت إلى طريق ~~الحق والصواب، فاهتدائى بسبب ما يوحيه الله - تعالى - إلى من توجيهات ~~حكيمة، وإرشادات قويمة، { إنه } - سبحانه - { سميع } لكل شئ { ~~قريب } منى ومنكم. وهكذا نجد هذه الآيات الكريمة قد أمرت الرسول صلى ~~الله عليه وسلم خمس مرات، أن يخاطب المشركين بما يقطع ms4226 عليهم كل طريق ~~للتشكيك فى شأن دعوته، وبما يوصلهم إلى طريق الهداية والسعادة لو كانوا ~~يعقلون وأخيرا نرى سورة " سبأ " تختتم بهذه الآيات، التى تصور تصويرا ~~مؤثرا، حالة الكافرين عندما يخرجون من قبولهم للبعث والحساب، يعلوهم ~~الهلع والفزع، ويحال بينهم وبين ما يشيتهون، لأن توبتهم جاءت فى غير ~~أوانها... قال - تعالى - { ولو ترى إذ فزعوا...في شك ~~مريب }. ### || [34.51-54] # وجواب { لو } محذوف. وكذلك مفعول { ترى }. والفزع حالة من الخوف ~~والرعب تعترى الإنسان عندما يشعر بما يزعجه ويخفيه. والفوت النجاة ~~والمهرب، وهذا الفزع للكافرين يكون عند خروجهم من قبورهم للبعث والحساب، ~~أو عند قبض أرواحهم. أى ولو ترى - أيها العاقل - حال الكافرين، وقت ~~خروجهم من قبورهم للحساب، وقد اعتراهم الفزع والهلع.. لرأيت شيئا هائلا، ~~وأمرا عظيما... وقوله { فلا فوت } أى فلا مهرب لهم ولا نجاة يومئذ ~~من الوقوف بين يدى الله - تعالى - للحساب، ولمعاقبتهم على كفرهم ~~وجحودهم... وقوله { وأخذوا من مكان قريب } معطوف على { ~~فزعوا } أى فزعوا دون أن ينفعهم هذا الفزع، وأخذوا ليلقوا مصيرهم ~~السيئء من مكان قريب من موقف الحساب. قال الآلوسى والمراد بذكر قرب ~~المكان، سرعة نزول العذاب بهم والاستهانة بهم وبهلاكهم، وإلا فلا قرب ولا ~~بعد بالنسبة إلى الله - عز وجل -... ". { وقالوا آمنا به } أى ~~وقال هؤلاء الكافرون عندما رأوا العذاب المعد لهم فى الآخرة آمنا بالله - ~~تعالى - وبأنه هو الواحد الأحد الفرد الصمد، الذى لا معبود بحق سواه، ~~وآمنا بهذا الدين الذى جاءنا به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. وقوله - ~~سبحانه - { وأنى لهم التناوش من مكان بعيد } بيان ~~لعدم انتفاعهم بما قالوه من إظهار الإيمان فى هذا الوقت. والتناوش ~~التناول. يقال فلان ناش الشئ ينوشه نوشا إذا تناوله. ومنه قولهم تناشوا ~~بالرماح، أى تناول بعضهم بعضا بها. أى لقد قالوا بعد البعث آمنا بهذا ~~الدين، ومن أين لهم فى الآخرة تناول الإيمان والتوبة من الكفر، وكان ذلك ~~قريبا منهم فى الدنيا فضيعوه، وكيف يظفرون به فى الآخرة وهى بعيدة عن ~~دار الدنيا التى هى محل قبول ms4227 الإيمان. فالجملة الكريمة تمثيل لحالهم فى ~~طلب الخلاص بعد أن فات أوانه، وأن هذا الطلب فى نهاية الاستبعاد كما يدل ~~عليه لفظ { أنى }. قال صاحب الكشاف والتناوش والتناول أخوان. إلا أن ~~التناوش تناول سهل لشئ قريب... وهذا تمثيل لطلبهم ما لا يكون، وهو أن ~~ينفعهم إيمانهم فى هذا الوقت، كما ينفع المؤمنين إيمانهم فى الدنيا. مثلت ~~حالهم بحال من يريد أن يتناول الشئ من غلوة - أى من كان بعيد -، كما ~~يتناوله الآخر من قيس ذراع تناولا سهلا لا تعب فيه... ". وقوله - سبحانه ~~- { وقد كفروا به من قبل } أى قالوا آمنا بأن يوم القيامة ~~حق، والحال أنهم قد كفروا به من قبل فى الدنيا، عندما دعاهم إلى الإيمان ~~به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله - تعالى - { ويقذفون ~~بالغيب من مكان بعيد } بيان لما كانوا عليه فى الدنيا من ~~سفاهة فى القول، وجرأة فى النطق بالباطل، وفيما لا علم لهم به. # والعرب تقول لكل من تكلم فيما لا يعلمه هو يقذف ويرجم بالغيب، والجملة ~~الكريمة معطوفة على قوله { وقد كفروا به من قبل }. أى لقد ~~كفروا بهذا الدين فى الدنيا، وكانوا ينطقون بأقوال لا علم لهم بها، ~~وبينها وبين الحق والصدق مسافات بعيدة، فقد نسبوا إلى الله - تعالى - ~~الولد والشريك، ويقولون فى الرسول صلى الله عليه وسلم إنه ساحر...، وفى ~~شأن البعث إنه لا حقيقة له، وفى شأن القرآن إنه أساطير الأولين. فالمقصود ~~بالآية تقريعهم وتجهيلهم، على ما كانوا يتفوهون به من كلام ساقط، بينه ~~وبين الحقيقة مسافات بعيدة. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان ~~حرمانهم التام مما يشتهونه فقال { وحيل بينهم وبين ما ~~يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا ~~في شك مريب }. وقوله { حيل } فعل بمنى للمجهول مأخوذ من الحول ~~بمعنى المنع والحجز. تقول حال الموج بينى وبين فلان. أى منعنى من الوصول ~~إليه، ومنه قوله - تعالى - # وحال بينهما الموج فكان من المغرقين # أى وحجز وفصل بين هؤلاء المشركين يوم القيامة { وبين ما ~~يشتهون } ويتمنون من قبول إيمانهم ms4228 فى هذا اليوم، أو من العفو عنهم ~~فى هذا اليوم، أو من العفو عنهم ورجوعهم إلى الدنيا.. حيل بينهم وبين كل ~~ذلك، { كما فعل بأشياعهم من قبل } أى كما هو الحال ~~بالنسبة لأمثالهم ونظرائهم الذين سبقوهم فى الكفر. { إنهم كانوا ~~} جميعا على نمط واحد { في شك } من أمر هذا الدين { مريب } أى ~~موقع فى الريبة. وبعد فهذا تفسير وسيط لسورة " سبأ " نسأل الله - تعالى - ~~أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده. والحمد لله الذى بنعمته تتم ~~الصالحات وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم ~~الدين. ### | [35 - سورة فاطر] ### || [35.1-3] # افتتحت سورة " فاطر " كما سبق أن ذركنا عند تفسيرنا لسورة " سبأ " ~~بتقرير الحقيقة الأولى فى كل دين، وهى أن المستحق للحمد المطلق، والثناء ~~الكامل، هو الله رب العالمين. والحمد هو الثناء باللسان على الجميل ~~الصادر عن اختيار من نعمة وغيرها. و " أل " فى الحمد للاستغراق. بمعنى أن ~~المستحق لجميع المحامد، ولكافة ألوان الثناء هو الله - تعالى -. وقوله { ~~فاطر السماوات والأرض } أى خالقهما وموجدهما على غير مثال ~~يحتذى، إذ المراد بالفطر هنا الابتداء والاختراع للشئ الذى لم يوجد ما ~~يشبهه من قبل. قال القرطبى والفاطر الخالق، والفطر - بفتح الفاء - الشق ~~عن الشئ. يقال فطرته فانفطر. ومنه فطر ناب البعير، أى طلع. وتفطر الشئ، ~~أى تشقق... والفطر الابتداء والاختراع. قال ابن عباس كنت لا أدرى ما { ~~فاطر السماوات والأرض } حتى أتى أعرابيان يختصمان فى بئر، ~~فقال أحدهما أنا فطرتهما، أى أنا ابتدأتها.. والمراد بذكر السماوات ~~والأرض العالم كله. ونبه بهذا على أن من قدر على الابتداء، قادر على ~~الإعادة. والمعنى الحمد المطلق والثناء التام الكامل لله - تعالى - ~~وحده، فهو - سبحانه الخالق للسموات والأرض، ولهذا الكون بأسره، دون أن ~~يسبقه إلى ذلك سابق، أو يشاركه فيما خلق وأوجد مشارك. وقوله - تعالى - { ~~جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ~~ورباع } بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته - تعالى - التى لا يعجزها شئ. ~~والملائكة جمع ملك. والتاء لتأنيث الجمع، وأصله ملاك. وهم جند من ms4229 خلق ~~الله - تعالى - وقد وصفهم - سبحانه - بصفات متعددة، منها أنهم # يسبحون الليل والنهار لا يفترون # وأنهم # عباد مكرمون # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # قال الجمل وقوله جاعل الملائكة، أى بعضهم. إذ ليس كلهم رسلا كما هو ~~معلوم. وقوله { أولي أجنحة } نعت لقوله { رسلا } ، وهو جيد ~~لفظا لتوافقهما تنكيرا. أو هو نعت للملائكة، وهو جيد معنى إذ كل الملائكة ~~لها أجنحة، فهى صفة كاشفة... وقوله { مثنى وثلاث ورباع } ~~أسماء معدول بها عن اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، وهى ممنوعة ~~من الصرف، للوصفية والعدل عن المكرر وهى صفة لأجنحة. أى الحمد لله الذى ~~خلق السماوات والأرض بقدرته، والذى جعل الملائكة رسلا إلى أنبيائه. وإلى ~~من يشاء من عباده، ليبلغوهم ما يأمرهم - سبحانه - بتبليغه إليهم.. وهؤلاء ~~الملائكة المكرمون، ذوو أجنحة عديدة. منهم من له جناحان ومنهم من له ~~ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ومنهم من له أكثر من ذلك، لأن المراد بهذا ~~الوصف، بيان كثرة الأجنحة لا حصرها. قال الآلوسى ما ملخصه قوله { جاعل ~~الملائكة رسلا. # .. } معناه جاعل الملائكة وسائط بينه وبين أنبيائه والصالحين من عباده، ~~يبلغون إليهم رسالته بالوحى والإلهام والرؤيا الصادقة، أو جاعلهم وسائط ~~بينه وبين خلقه يوصلون إليهم آثار قدرته وصنعه، كالأمطار والرياح ~~وغيرهما. وقوله { مثنى وثلاث ورباع } معناه أن من الملائكة ~~من له جناحان ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ولا دلالة فى الآية ~~على نفى الزائد، وما ذكر من عد للدلالة على التكثير والتفاوت، لا للتعيين ~~ولا لنفى النصان عن اثنين.. فقد أخرج الشيخان عن ابن مسعود فى قوله - ~~تعالى - # لقد رأى من آيات ربه الكبرى # أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى جبريل وله ستمائة جناح... وقوله - ~~تعالى - { يزيد في الخلق ما يشآء } استئناف مقرر لمضمون ما ~~قبله، من كمال قدرته، ونفاذ إرادته. أى يزيد - سبحانه - فى خلق كل ما ~~يزيد خلقه ما يشاء أن يزيده من الأمور التى لا يحيط بها الوصف، ومن ذلك ~~أجنحة الملائكة فيزيد فيها ما يشاء، ms4230 وكذلك ينقص فى الخلق ما يشاء، والكل ~~جاء على مقتضى الحكمة والتدبير. قال صاحب الكشاف قوله { يزيد في ~~الخلق ما يشآء } أى يزيد فى خلق الأجنحة، وفى غيره ما تقتضيه ~~مشيئته وحكمته. والآية مطلقة تتناول كل زيادة فى الخلق من طول قامة، ~~واعتدال صورة، وتمام الأعضاء، وقوة فى البطش، وحصافة فى العقل، وجزالة فى ~~الرأى، وجرأة فى القلب، وسماحة فى النفس، وذلاقة فى اللسان، ولباقة فى ~~التكلم، وحسن تأن فى مزاولة الأمور، وما أشبه ذلك مما لا يحيط به ~~الوصف... ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { إن الله على ~~كل شيء قدير } أى إن الله - تعالى - لا يعجزه شيئ يريده، لأنه ~~قدير على فعل كل شئ، فالجملة الكريمة تعليل لما قبلها من كونه - سبحانه - ~~يزيد فى الخلق ما يشاء، وينقص منه ما يشاء. وقوله - تعالى - { ما ~~يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها... } ~~بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته وفضله على عباده. والمراد بالفتح هنا ~~الإطلاق والإرسال على سبيل المجاز. بعلاقة السببية لأن فتح الشئ ~~المغلق، سبب لإطلاق ما فيه وإرساله. أى ما يرسل الله - تعالى - بفضله ~~وإحسانه للناس من رحمة متمثلة فى الأمطار، وفى الأرزاق، وفى الصحة.. وفى ~~غير ذلك ، فلا أحد يقدر على منعها عنهم. { وما يمسك فلا مرسل ~~له من بعده } أى وما يمسك من شئ لا يريد إعطاءه لهم، فلا أحد من ~~الخلق يستطيع إرساله لهم. بعد أن منعه الله - تعالى - عنهم. { وهو } - ~~سبحانه - { العزيز } الذى لا يغلبه غالب { الحكيم } فى كل أقواله ~~وأفعاله. وعبر - سبحانه - فى جانب الرحمة بالفتح، للإشعار بأن رحمته - ~~سبحانه - من أعظم النعم وأعلاها، حتى لكأنها بمنزلة الخزائن المليئة ~~بالخيرات، والتى متى فتحت أصاب الناس منها ما أصابوا من نفع وبر. # و { من } فى قوله { من رحمة } للبيان. وجاء الضمير فى قوله { ~~فلا ممسك لها } مؤنثا، لأنه يعود إليه وحدها. وجاء مذكرا فى قوله ~~{ فلا مرسل له } لأنه يشملها ويشمل غيرها، أى وما يسمك من رحمة ~~أو غيرها عن عباده فلا ms4231 يستطيع أحد أن يرسل ما أمسكه - سبحانه -. وشبيه ~~بهذه الآية قوله - تعالى - # وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن ~~يردك بخير فلا رآد لفضله.. # وقوله - سبحانه - # وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن ~~يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير # قال ابن كثير وثبت فى صحيح مسلم عن أبى سعيد الخدرى. # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع راسه من الركوع يقول سمع ~~الله لمن حمده. اللهم ربنا لك الحمد. ملئ السماوات والأرض. وملئ ما شئت ~~من شئ بعد.. اللهم لا مانع لما أعطيت. ولا معطى لما منعت.. ولا ينفع ذا ~~الجد منك الجد - أى ولا ينفع صاحب الغنى غناه وإنما الذى ينفعه عمله ~~الصالح ". # ثم وجه - سبحانه - نداء الى الناس. أمرهم فيه بذكره وشكره فقال { ~~يأيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من ~~خالق غير الله يرزقكم من السمآء والأرض... }. ~~والمراد من ذكر النعمة ذكرها باللسان وبالقلب، وشكر الله تعالى عليها، ~~واستعمالها فيما خلقت له. والمراد بالنعمة هنا النعم الكثيرة التى أنعم ~~بها - سبحانه - على الناس. كنعمة خلقهم، ورزقهم، وتسخير كثير من الكائنات ~~لهم. والاستفهام فى قوله { هل من خالق غير الله ~~يرزقكم } للنفى والإنكار، أى يأيها الناس اذكروا بألسنتكم ~~وقلوبكم، نعم الله - تعالى - عليكم، واشكروه عليها. واستعملوها فى الوجوه ~~التى أمركم باستعمالها فيها، واعلموا أنه لا خالق غير الله - تعالى ~~يرزقكم من السماء بالمطر وغيره، ويرزقكم من الأرض بالنبات والزروع ~~والثمار وما يشبه ذلك من الأرزاق التى فيها حياتكم وبقاؤكم. وقوله - ~~تعالى - { لا إله إلا هو } جملة مستأنفة لتقرير النفى ~~المستفاد مما قبله أى لا إله مستحق للعبادة والطاعة إلا الله - تعالى -، ~~إذ هو الخالق لكم، وهو الذى أعطاكم النعم التى لا تعد ولا تحصى. { ~~فأنى تؤفكون } أى وما دام الأمر كذلك فكيف تصرفون عن إخلاص ~~العبادة لخالقكم ورازقكم، إلى الشرك فى عبادته. فقوله { تؤفكون } من ~~الأفك - بالفتح - بمعنى الصرف والقلب يقال أفكه عن الشئ، إذا صرفه عنه، ~~ومنه ms4232 قوله - تعالى - { قالوا أجئتنا لتلفتنا عما ~~وجدنا عليه آباءنا.. } أى لتصرفنا عما وجدنا عليه آباءنا. ~~وبعد هذا البيان المعجز لمظاهر قدرة الله - تعالى - ورحمته بعباده، ~~وهيمنته على شئون خلقه.. أخذت السورة الكريمة فى تسلية النبى صلى الله ~~عليه وسلم وفى دعوة الناس إلى اتباع ما جاءهم به هذا النبى الكريم، وفى ~~بيان مصير المؤمنين ومصير الكافرين، فقال - تعالى - { وإن يكذبوك ~~فقد كذبت رسل...عليم بما يصنعون }. ### || [35.4-8] # قال الآلوسى قوله { وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من ~~قبلك } تسلية له صلى الله عليه وسلم بعموم البلية، والوعد له صلى ~~الله عليه وسلم والوعيد لأعدائه. والمعنى وإن استمروا على أن يكذبوك فيما ~~بلغت إليهم من الحق المبين.. فتأس بأولئك الرسل فى الصبر، فقد كذبهم ~~قومهم فصبروا على تذكيبهم. فجملة { فقد كذبت رسل من ~~قبلك } قائمة مقام جواب الشرط، والجواب فى الحقيقة تأس. وأقيمت تلك ~~الجملة مقامه، اكتفاء بذكر السبب عن ذكر المسبب... وجاء لفظ الرسل بصيغة ~~التنكير، للإشعار بكثرة عددهم، وسمو منزلتهم. أى وإن يكذبك - أيها ~~الرسول الكريم - قومك، فلا تخزن، ولا تبتئس، فإن إخوانك من الأنبياء ~~الذين سبقوك، قد كذبهم أقوامهم، فأنت لست بدعا فى ذلك. ومن الآيات ~~الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - # ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك # وقوله - عز وجل - # ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما ~~كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل ~~لكلمات الله.. # ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يزيد فى تسليته صلى الله عليه وسلم ~~فقال { وإلى الله ترجع الأمور }. أى وإلى الله - تعالى - ~~وحده ترجع أمور الناس وأحوالهم وأعمالهم وأقوالهم. وسيجازى - سبحانه - ~~الذين أساءوا بما عملوا، وسيجازى الذين أحسنوا بالحسنى. ثم وجه - سبحانه ~~- نداء ثانيا إلى الناس. بين لهم فيه أن البعث حق، وأن من الواجب عليهم ~~أن يستعدوا لاستقبال هذا اليوم بالإيمان والعمل الصالح فقال - تعالى - { ~~يأيها الناس إن وعد الله حق... }. أى إنما وعدكم ~~الله - تعالى - به من البعث والحساب والثواب والعقاب، حق لا ريب ms4233 فيه، وما ~~دام الأمر كذلك، { فلا تغرنكم الحياة الدنيا } أى فلا ~~تخدعنكم بمتعها، وشهواتها، ولذائذها، فإنها إلى زوال وفناء، ولا تشغلنكم ~~هذه الحياة الدنيا من أداء ما كلفكم - سبحانه - بأدائه من فرائض وتكاليف. ~~{ ولا يغرنكم بالله الغرور } أى ولا يخدعنكم عن طاعة ~~ربكم، ومالك أمركم { الغرور }. أى الشيطان المبالغ فى خداعكم، وفى ~~صرفكم عن كل ما هو خير وبر. فالمراد بالغرور هنا الشيطان الذى أقسم ~~بالأيمان المغلظة، بأنه لن يكف عن إغواء بنى آدم، وعن تزيين الشرور ~~والآثام لهم. فالمقصود بالآية الكريمة تذكير الناس بيوم القيامة وما فيه ~~من أهوال. وتحذيرهم من اتباع خطوات الشيطان، فإن لا يأمر إلا بالفحشاء ~~والمنكر. ثم أكد - سبحانه - هذا التحذير بقوله { إن الشيطان ~~لكم عدو } يا بنى آدم، عداوة قيدمة وباقية إلى يوم القيامة. وما ~~دام الأمر كذلك { فاتخذوه عدوا } أى فاتخذوا أنتم عدوا لكم فى ~~عقائدكم. # وفى عباداتكم. وفى كل أحوالكم، بأن تخالفوا وسوسته وهمزاته وخطواته.. ~~وقوله { إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب ~~السعير } تقرير وتأكيد لهذه العداوة. أى اتخذوا - يا بنى آدم - ~~الشيطان عدوا لكم، لأنه لا يدعو أتباعه ومن هم من حزبه إلى خير أبدا، ~~وإنما يدعوهم الى العقائد الباطلة. والأقوال الفاسدة. والأفعال القبيحة ~~التى تجعلهم يوم القيامة من أهل النار الشديدة الاشتعال.. ثم بين - ~~سبحانه - أقسام الناس يوم القيامة فقال { الذين كفروا } بكل ما ~~يجب الإيمان به { لهم عذاب شديد } بسبب كفرهم وفسوقهم عن امر ~~خالقهم - عز وجل - واتباعهم للشيطان.. { والذين آمنوا ~~وعملوا } الأعمال { الصالحات لهم } من ربهم { مغفرة } ~~عظيمة { وأجر كبير } لا يعلم مقداره إلا الله - تعالى -. ثم بين - ~~سبحانه - الفرق الشاسع بين المؤمن والكافر، والمطيع، والعاصى، فقال { ~~أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا... }. والاستفهام ~~للإنكار. و " من " موصولة فى موضع رفع على الابتداء. والجملة بعدها ~~صلنها، والخبر محذوف لدلالة الكلام عليه، و { زين } من التزيين بمعنى ~~التحسين. وقوله { سوء عمله } أى عمله السيئ. فهو من إضافة الصفة ~~إلى الموصوف. والمعنى أفمن زين له الشيطان عمله السيئ، فرآه ms4234 حسنا، كمن ~~ليس كذلك؟ كلا إنهما لا يستويان فى عرف أى عاقل، فإن الشخص الذى ارتكب ~~الأفعال القبيحة التى زينها له الشيطان، أو نفسه الأمارة بالسوء، أو ~~هواه.. مصيره إلى الشقاء والتعاسة. أما الشخص الذى خالف الشيطان، والنفس ~~الأمارة بالسوء، والهوى المردى.. فمصيره إلى السعادة والفلاح. وقد صرح - ~~سبحانه - بالأمرين فى آيات منها قوله - تعالى - # أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له ~~سوء عمله واتبعوا أهواءهم # وجملة { فإن الله يضل من يشآء ويهدي من يشآء } ~~تعليل لسببية التزيين لرؤية القبيح حسنا.. أى هؤلاء الذين يعملون الأعمال ~~السيئة، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، لا قدرة لك على هدايتهم - أيها ~~الرسول الكريم - فإن الله - تعالى - وحده، هو الذى يضل من يشاء إضلاله، ~~ويهدى من يشاء هدايته. والفاء فى قوله - تعالى - { فلا تذهب ~~نفسك عليهم حسرات } للتفريع. والحسرات جمعه حسرة، وهى أشد ~~ما يعترى الإنسان من ندم على أمر قد مضى وانتهى والجار والمجرور " عليهم ~~" متعلق بقوله " حسرات ". أى إذا كان الأمر كما أخبرناك - أيها الرسول ~~الكريم - فامض فى طريقك وبلغ رسالة ربك، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ~~ولا تهلك نفسك هما وغما وحزنا من اجل هؤلاء الذين أعرضوا عن الحق، ~~واعتنقوا الباطل، وظنوا أنهم بذلك يحسنون صنعا.. ثم ختم - سبحانه - الآية ~~الكريمة بما يزيد فى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم فقال - تعالى - { ~~إن الله عليم بما يصنعون }. # أى إن الله - تعالى - لا يخفى عليه شئ مما يفعله هؤلاء الجاهلون من ~~أفعاله قبيحة، وسيجازيهم يوم القيامة بما يستحقونه من عقاب. وشبيه هذه ~~الآية قوله - تعالى - # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # وقوله - سبحانه - # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # وبعد هذه التسلية من الله - تعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم وبعد هذا ~~التحذير من وسوسة الشيطان ومن خداعه، وبعد هذا البيان لسوء عاقبة ~~الكافرين، وحسن عاقبة المؤمنين، بعد كل ذلك.. ساقت السورة الكريمة ألوانا ~~من نعم الله - تعالى - على عباده، ومن رحمته بهم، نرى ms4235 ذلك فى الرياح وفى ~~السحب، وفى البحار والأنهار، وفى الليل نهار، وفى الشمس القمر.. وفى غير ~~ذلك من النعم الظاهرة والباطنة فى هذا الكون. قال - تعالى - { والله ~~الذي أرسل...ولا ينبئك مثل خبير }. ### || [35.9-14] # قال أبو حيان - رحمه الله - لما ذكر - سبحانه - أشياء من الأمور ~~السماوية، وإرسال الملائكة، أتبع ذلك بذكر أشياء من الأمور الأرضية ~~كالرياح وإرسالها، وفى هذا احتجاج على منكرى البعث، دلهم على المثال الذى ~~يعاينونه، وهو إحياء الموتى سيان. وفى الحديث # " أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يحيى الله الموتى وما آية ~~ذلك فى خلقه؟ فقال " هل مررت بوادى أهلا محلا - أى مجدبا لا نبات فيه - ~~ثم مررت به يهتز خضرا؟ فقالوا نعم، فقال فكذلك يحيى الله الموتى، وتلك ~~آيته فى خلقه ". # فقوله - تعالى - { والله الذي أرسل الرياح فتثير ~~سحابا } بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته - عز وجل - ومن سعة رحمته ~~بعباده. وقوله { فتثير } من الإثارة بمعنى التهييج والتحريك من حال ~~إلى حال. أى والله - تعالى - وحده، هو الذى أرسل الرياح، فجعلها بقدرته ~~النافذة تحرك السحب من مكان إلى مكان، فتذهب بها تارة إلى جهة الشمال، ~~وتارة إلى جهة الجنوب، وتارة إلى غير ذلك. وقوله { فسقناه إلى ~~بلد ميت } بيان للحكمة من هذه الإثارة، والمراد بالبلد الميت ~~الأرض الجدباء التى لا نبات فيها. والضمير فى { فسقناه } يعود إلى ~~السحاب. وقوله { فأحيينا به الأرض بعد موتها } أى ~~فأحيينا بالمطر النازل من السحاب الأرض الجدباء، فاهتزت وربت وأنبتت من ~~كل زوج بهيج. فالضمير فى قوله { به } يعود إلى المطر، لأن السحاب يدل ~~عليه لما بينهما من تلازم، ويصح أن يعود إلى السحاب لأنه سبب نزول ~~الأمطار. وقال - سبحانه - { فتثير } بصيغة المضارع. استحضارا لتلك ~~الصورة البديعة الدالة على قدرة الله - تعالى -، والتى من شأنها أن تغرس ~~العظات والعبر فى النفوس. وقال - سبحانه - { فسقناه } { ~~فأحيينا } بنون العظمة، وبالفعل الماضى، للدلالة على تحقق قدرته ~~ورحمته بعباده. قال صاحب الكشاف ما ملخصه فإن قلت لم جاء { فتثير } ~~على المضارعة دون ما ms4236 قبله وما بعده؟. قلت ليحكى الحال التى تقع فيها ~~إثارة الرياح للحساب، وتستحضر تلك الصور البديعة الدالة على القدر ~~الربانية، وهكذا يفعلون بكل فعل فيه نوع تمييز وخصوصية.. ولما كان سوق ~~السحاب إلى البلد الميت، وإحياء الأرض بالمطر بعد موتها، من الدلائل على ~~القدرة الباهرة قيل فسقنا، وأحيينا، معدولا بهما عن لفظ الغيبة، إلى ما ~~هو أدخل فى الاختصاص وأدل عليه... والكاف فى قوله - تعالى - { كذلك ~~النشور } بمعنى مثل، وهى فى محل رفع على الخبرية. أى مثل الإحياء ~~الذى تشاهدونه للأرض بعد نزول المطر عليها، يكون إحياء الأموات منكم. قال ~~الإمام الرازى فإن قيل ما وجه التشبيه بقوله { كذلك النشور }؟ ~~فالجواب من وجوه أحدها أن الأرض الميتة لما قبلت الحياة اللائقة بها، ~~كذلك الأعضاء تقبل الحياة. # ثانيها كما أن الريح يجمع القطع السحابية، كذلك يجمع - سبحانه - بين ~~أجزاء الأعضاء.. ثالثها كما أن نسوق الريح والسحاب إلى البلد الميت، كذلك ~~نسوق الروح والحياة إلى البدن الميت. والنشور الإحياء والبعث بعد الموت. ~~يقال أنشر الله - تعالى - الموتى ونشرهم، إذا أحياهم بعد موتهم. ونشر ~~الراعى غنمه، إذا بثها بعد أن آواها. ثم بين - سبحانه - أن العزة الكاملة ~~إنما هى لله - تعالى - وحده فقال { من كان يريد العزة ~~فلله العزة جميعا... }. والمراد بالعزة الشرف والمنعة ~~والاستعلاء، من قولهم أرض عزاز، أى صلبة قوية. و { من } شرطية، وجواب ~~الشرط محذوف. وقوله { فلله العزة جميعا } تعليل للجواب ~~المحذوف. والمعنى من كان من الناس يريد العزة التى لا ذلة معها. فليطع ~~الله وليعتمد عليه وحده فالله - تعالى - العزة كلها فى الدنيا والآخرة، ~~وليس لغيره منها شئ. وفى هذا رد على المشركين وغيرهم ممن يطلبون العزة من ~~الأصنام أو من غيرها من المخلوقات قال - تعالى - # واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا ~~كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا # وقال - سبحانه - # الذين يتخذون الكافرين أوليآء من دون ~~المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة ~~لله جميعا # قال القرطبى ما ملخصه يريد - سبحانه فى هذه الآية، أن ينبه ذوى الأقدار ms4237 ~~والهمم، من أين تنال العزة ومن أين تستحق، فمن طلب العزة من الله - تعالى ~~وجدها عنده، - إن شاء الله -، غير ممنوعة ولا محجوبة عنه.. ومن طلبها من ~~غيره وكله إلى من طلبها عنده. وقال صلى الله عليه وسلم مفسرا لهذه الآية # " من أراد عز الدارين فليطع العزيز " # ، ولقد أحسن القائل # وإذا تذللت الرقاب تواضعا منا إليك فعزها فى ذلها # فمن كان يريد العزة لينال الفوز الأكبر، فليعتز بالله - تعالى -، فإن ~~منا عتز بغير الله، أذله الله، ومن اعتز به - سبحانه أعزه. ولا تنافى بين ~~هذه الآية وبين قوله - تعالى - # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين # لأن العزة الكاملة لله - تعالى - وحده، أما عزة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم فمستمدة من قربه من الله - تعالى -، كما أن عزة المؤمنين مستمدة من ~~إيمانهم بالله - تعالى - وبرسوله صلى الله عليه وسلم. والخلاصة أن هذه ~~الآية الكريمة ترشد المؤمنين إلى الطريق الذى يوصلهم إلى السعادة ~~الدنيوية والأخروية. ألا وهو طاعة الله - تعالى -، والاعتماد عليه ~~والاعتزاز به. وقوله - سبحانه - { إليه يصعد الكلم ~~الطيب والعمل الصالح يرفعه } حض للمؤمنين على النطق ~~بالكلام الحسن، وعلى الإكثار من العمل الصالح. # و { يصعد } من الصعود بمعنى الارتفاع إلى أعلى والعروج من مكان ~~منخفض إلى مكان مرتفع. يقال صعد فى السلم ويصعد صعودا إذا ارتقاه وارتفع ~~فيه. و { الكلم } اسم جنس جمعى واحده كلمة. والمراد بالكلمة الطيب كل ~~كلام يرضى الله - تعالى - من تسبيح وتحميد وتكبيره. وأمره بالمعروف، ونهى ~~عن المنكر، وغير ذلك من الأقوال الحسنة. والمراد بصعوده قبوله عند الله - ~~تعالى - ورضاه عن صاحبه، أو صعود صحائف هذه الأقوال الطيبة. والمعنى إليه ~~- تعالى - وحده، لا إلى غيره يصعد الكلم الطيب، أى يقبل عنده، ويكون ~~مرضيا لديه، أو إليه - وحده - ترفع صحائف أعمال عباده، الصادقين فيجازيهم ~~بما يستحقون من ثواب، والعمل الصالح الصادر عن عباده المؤمنين يرفعه الله ~~- تعالى - إليه، ويقبله منهم، ويكافئهم عليه. فالفاعل لقوله { يرفعه ~~} ضمير يعود على الله - تعالى - والضمير المنصوب يعود إلى العمل الصالح ~~أى يرفه الله - تعالى ms4238 - العمل الصالح إليه، ويقبله من أصحابه. ومنهم من ~~يرى أن الفاعل لقوله { يرفعه } هو العمل الصالح. والضمير المنصوب ~~يعود إلى الكلم الطيب. أى أن العمل الصالح هو الذى يرفع الكلم الطيب. ~~بأنه يجعله مقبولا عند الله - تعالى -. ومنهم من يرى العكس. أى أن الكلم ~~الطيب هو الذى يرفع العمل الصالح. قال الشوكانى ما ملخصه ومعنى { ~~والعمل الصالح يرفعه } أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب. ~~كما قال الحسن وغيره. ووجهه أنه لا يقبل الكلم الطيب إلا من العمل الصالح ~~وقيل إن فاعل { يرفعه } هو الكلم الطيب، ومفعوله العمل الصالح. ووجه ~~أن العمل الصالح لا يقبل إلا مع التوحيد والإيمان وقيل إن فاعل { ~~يرفعه } ضمير يعود إلى الله - تعالى -. والمعنى أن الله - تعالى - ~~يرفع العمل الصالح على الكلم الطيب، لأن العمل يحقق الكلام. وقيل العمل ~~الصالح هو الذى يرفع صاحبه. ويبدو لنا أن أرجح هذه الأقوال، أن يكون ~~الفاعل لقوله { يرفعه } هو الله - تعالى -، وأن الضمير المنصوب عائد ~~إلى العمل الصالح لأن الله - تعالى - هو الذى يقبل الأقوال الطيبة، وهو - ~~سبحانه - الذى يرفع الأعمال الصالحة ويقبلها عنده من عباده المؤمنين. ثم ~~بين - تعالى - بعد ذلك سوء عاقبة الذين يمكرون السوء فقال { والذين ~~يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك ~~هو يبور }. والمكر التدبير المحكم. أو صرف غيرك عما يريده بحيلة. ~~وهو مذموم إن تحرى به صاحبه الشر والسوء - كما فى الآية الكريمة، ومحمود ~~إن تحرى به صاحبه الخير والنفع و { السيئات } جمع سيئة وهى صفة ~~لموصوف محذوف. وقوله { يبور } أى يبطل ويفسد، من البوار يقال بار ~~المتاع بوارا إذا كسد وصار فى حكم الهالك. # أى والذين يمكرون المكرات السيئات من المشركين والمنافقين وأشباههم، لهم ~~عذاب شديد من الله - تعالى -، ومكر أولئك الماكرين المفسدين، مصيره إلى ~~الفساد والخسران، لأن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله. ويدخل فى هذا المكر ~~السيئ ما فعله المشركون مع الرسول صلى الله عليه وسلم فى دار الندوة، حيث ~~بيتوا قتله، ولكن الله - تعالى - نجاه من شرورهم، كما دخل ms4239 فيه غير ذلك من ~~أقوالهم القبيحة، وأفعالهم الذميمة، ونياتهم الخبيثة. ثم ساق - سبحانه - ~~بعد ذلك دليلا آخر على صحة البعث والنشور، وعلى كمال قدرته - تعالى - ~~فقال { والله خلقكم من تراب } أى خلقكم ابتداء فى ضمن خلق ~~أبيكم آدم من تراب { ثم من نطفة } وأصلها الماء الصافى أو الماء ~~القليل الذى يبقى فى الدلو أو القربة، وجمعها نطف ونطاف. يقال نطفت ~~القربة إذا قطرت. والمراد بها هنا المنى الذى هو مادة التلقيح من الرجل ~~للمرأة. { ثم جعلكم أزواجا } أى أصنافا ذكرانا وإناثا، كما ~~قال - تعالى - # أو يزوجهم ذكرانا وإناثا # أو المراد ثم جعلكم تتزاوجون، فالرجل يتزوج المرأة، والمرأة تتزوج ~~الرجل. { وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه } ~~أى لا يحصل من الأنثى حمل، كما لا يحصل منها وضع لما فى بطنها، إلا والله ~~- تعالى - عالم به علما تاما لأنه - سبحانه - لا يخفى عليه شئ. { وما ~~يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في ~~كتاب } والمراد بالمعمر الشخص الذى يطيل الله - تعالى - عمره. والضمير ~~فى قوله { من عمره } يعود إلى شخص آخر، فيكون المعنى ما يمد - ~~سبحانه - فى عمر أحد من الناس، ولا ينقص من عمر أحد آخر، إلا وكل ذلك ~~كائن وثابت فى كتاب عنده - تعالى - وهذا الكتاب هو اللوح المحفوظ، أو ~~صحائف أعمال العباد أو علم الله الأزلى. ومنهم من يرى أن الضمير فى قوله ~~{ من عمره } يعود إلى الشخص ذاته وهو المعمر فيكون المعنى وما يمد ~~الله - تعالى - فى عمر إنسان، ولا ينقص من عمره بمضى أيام حياته، إلا وكل ~~ذلك ثابت فى علمه - سبحانه -. قال بعض العلماء وقد أطال بعضهم الكلام فى ~~ذلك ومحصله أنه اختلف فى معنى { معمر } فقيل هو المزاد عمره بدليل ~~ما يقابله من قوله ولا ينقص، وقيل المراد بقوله { معمر } من يجعل ~~له عمر. وهل هو شخص واحد أو شخصان؟ فعلى رأى من قال بان المعمر، هو من ~~يجعل له عمر يكون شخصا واحدا بمعنى انه يكتب عمره مائة سنة - مثلا -، ثم ms4240 ~~يكتب تحته مضى يوم، مضى يومان، وهكذا فكتابة الأصل هى التعمير. # . والكتابة بعد ذلك هو النقص كما قيل # حياتك أنفاس تعد فكلما مضى نفس منها انتقصت به جزءا # والضمير حينئذ راجع إلى المذكور. والمعمر على هذا هو الذى جعل الله - ~~تعالى - له عمرا طال هذا العمر أو قصر. وعلى رأى من قال بأن المعمر هو من ~~يزاد فى عمره، يكون من ينقص فى عمره غير الذى يزاد فى عمره فهما شخصان. ~~والضمير فى " عمره " على هذا الرأى يعود إلى شخص آخر، إذ لا يكون المزيد ~~فى عمره منقوصا من عمره.. ". وقد رجح ابن جرير - رحمه - الله الرأى الأول ~~وهو أن الضمير فى قوله { من عمره } يعود إلى شخص آخر - فقال وأولى ~~التأويلين فى ذلك عندى بالصواب، التأويل الأول، وذلك أن ذلك هو أظهر ~~معنييه، وأشبههما بظاهر التنزيل. واسم الإشارة فى قوله { إن ذلك ~~على الله يسير } يعود إلى الخلق من تراب وما بعده. أى إن ذلك ~~الذى ذكرناه لكم من خلقكم من تراب، ثم من نطفة.. يسير وهين على الله - ~~تعالى - لأنه - سبحانه - لا يعجزه شئ على الإطلاق. ثم ذكر - سبحانه - ~~نوعا آخر من أنواع بديع صنعه، وعجيب قدرته، فقال { وما يستوي ~~البحران هذا عذب فرات سآئغ شرابه وهذا ملح ~~أجاج.. }. والماء العذب الفرات هو الماء السائغ للشرب، الذى يشعر ~~الإنسان عند شربه باللذة وهو ماء الأنهار. وسمى فراتا لأنه يفرت العطش، ~~أى يقطعه ويزيله ويكسره. والماء الملح الأجاج هو الشديد الملوحة والمرارة ~~وهو ماء البحار. سمى أجاجا من الأجيج وهو تهلب النار، لأن شربه يزيد ~~العطشان عطشا وتعبا. قالوا والآية الكريمة مثل للمؤمن والكافر. فالبحر ~~العذب مثل للمؤمن، والبحر الملح مثل للكافر. فكما أن البحرين اللذين ~~أحدهما عذب فرات سائغ شرابه. والآخر ملح أجاج. لا يتساويان فى طعمهما ~~ومذاقهما. وإن اشتركا فى بعض الفوائد - فكذلك المؤمن والكافر، لا ~~يتساويان فى الخاصية العظمى التى خلقا من أجلها، وهى إخلاص العبادة لله ~~الواحد القهار، وإن اشتركا فى بعض الصفات الأخرى كالسخاء ms4241 والشجاعة - لأن ~~المؤمن استجاب لفطرته فآمن بالحق، أما الكافر فقد عاند فطرته، فاصر على ~~الكفر. وقوله { ومن كل تأكلون لحما طريا } بيان لبعض ~~النعم التى وهبها - سبحانه - لعباده من وجود البحرين. أى ومن كل واحد ~~منهما تأكلون لحما طريا، أى غضا شهيا مفيدا لأجسادكم، عن طريق ما ~~تصطادونه منهما من أسماء وما يشبهها. قال بعض العلماء. وفى وصفه ~~بالطراوة، تنبيه إلى أن ينبغى المسارعة إلى أكله، لأنه يسرع إليه الفساد ~~والتغيير. وقد أثبت الطب أن تناوله بعد ذهاب طراوته من أضر المأكولات ~~فسبحان الخبير بشئون خلقه.. وفيه - أيضا - إيماء إلى كمال قدرته - ~~تعالى- حيث أوجد هذا اللحم الطرى النافع فى الماء الملح الأجاج الذى لا ~~يشرب. # وقد كره العلماء أكل الطافى منه على وجه الماء، وهو الذى يموت حتف أنفه ~~فى الماء فيطفو على وجهه، لحديث جابر بن عبد الله، عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال # " ما نضب عنه الماء فكلوه. وما لفظ الماء فكلوه، وما طفا - على وجه ~~الماء -فلا تأكلوه ". # فالمراد من ميتة البحر فى حديث # " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " # ما لفظه البحر لا مامات فيه من غير آفة ". وقوله - تعالى - { ~~وتستخرجون حلية تلبسونها } بيان لنعمة ثانية من النعم ~~التى تصل إلى الناس عن طريق البحرين. والحلية - بكسر الحاء - اسم لما ~~يتحلى به الناس، ويتزينون بلبسه، وجمع حلية حلى وحلى - بسكر الحاء ~~وضمها - يقال تحلت المراة إذا لبست الحلى. أى ومن النعم التى تصل إليكم ~~عن طريق البحرين، استخراجكم منهما ما ينفعكم، وما تتحلى به نساؤكم، ~~كاللؤلؤ والمرجان وغيرهما. والتعبير بقوله { وتستخرجون } يشير ~~إلى كثرة الإخراج. فالسين والتاء للتأكيد. كما يشير بأن من الواجب على ~~المسلمين، أن يباشروا بأنفسهم استخراج ما فى البحرين من كنوز نافعة، وأن ~~لا يتركوا ذلك لأعدائهم. وأسند - سبحانه - لباس الحلية إلى ضمير جمع ~~الذكور، فقال { تلبسونها } على سبيل التغليب، وإلا فإن هذه الحلية ~~يلبسها النساء فى الأعم الأغلب من الأحوال. قال الآلوسى ما ملخصه وقوله { ~~تلبسونها } أى تلبسها نساؤكم وأسند الفعل ms4242 إلى ضمير الرجال، ~~لاختلاطهم بهن، وكونهم متبوعين، أو لأنهم سبب لتزينهن فإن النساء يتزين - ~~فى الغالب - ليحسن فى أعين الرجال.. ". وقال بعض العلماء وفى الآية دليل ~~قرآنى واضح على بطلان دعوى بعض العلماء من أن اللؤلؤ والمرجان، لا ~~يستخرجان إلا من البحر الملح خاصة ". وقوله - تعالى - { وترى ~~الفلك فيه مواخر } بيان لنعمة ثالثة من نعمه - تعالى - عن طريق ~~وجود البحار فى الأرض. وأصل المخر الشق. يقال مخرت السفينة البحر إذا ~~شقته وسارت بين أمواجه، ومخر الماء الأرض إذا شقها. أى وترى - أيها ~~العاقل - ببصرك السفن فى كل من البحرين { مواخر } أى تشق الماء ~~بمقدماتها، وتسرع السير فيه من جهة إلى جهة.. والضمير فى قوله { فيه } ~~يعود إلى البحر الملح، لأن أمر الفلك فيه أعظم من أمرها فى البحر العذب، ~~وإن كانت السفن تجرى فى البحرين. ويجوز أن يكون الضمير فى قوله { فيه } ~~يعود إلى جنس البحر. أى وترى السفن تشق كل بحر، لتسير فيه من مكان إلى ~~مكان.. واللام فى قوله - تعالى - { لتبتغوا من فضله ~~ولعلكم تشكرون } متعلقة بمحذوف دل عليه الكلام السابق. # أى أوجدنا البحرين، وسخرناهما لمنفعتكم، لتطلبوا أرزاقكم فيهما، وهذه ~~الأرزاق هى من فضل الله - تعالى - عليكم، ومن رحمته بكم، ولعلكم بعد ذلك ~~تشكروننا على آلائنا ونعمنا، فإن من شكرنا زدناه من خيرنا وعطائنا. ثم ~~بين - سبحانه - نعما أخرى تتجلى فى الليل وفى النهار، وفى الشمس والقمر، ~~فقال { يولج الليل في النهار ويولج النهار في ~~الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل ~~مسمى }.. أى ومن مظاهر فضله عليكم، ورحمته بكم،أنه أوجد لكم الليل ~~والنهار بهذا النظام البديع، بأن أدخل أحدهما فى الآخر، وجعلهما ~~متعاقبين، مع زيادة أحدهما عن الآخر فى الزمان، على حسب اختلاف المطالع، ~~والمغارب، وأوجد - أيضا - بفضله ورحمته الشمس والقمر لمنفعتكم، وكل واحد ~~منهما يسير بنظام بديع محكم، إلى الأجل والوقت الذى حدده الله - تعالى - ~~لانتهاء عمر هذه الدنيا.. والإشارة فى قوله { ذلكم الله ~~ربكم له الملك.. } تعود إلى الخالق والموجد لتلك الكائنات ~~العجيبة البديعة، وهو ms4243 الله - عز وجل -. أى ذلكم الذى أوجد كل هذه ~~المخلوقات لمنفعتكم، هو الله - تعالى - ربكم وهو وحده الذى له ملك هذا ~~الكون، لا يشاركه فيه مشارك، ولا ينازعه فى ملكيته منازع { والذين ~~تدعون من دونه } أى والذين تعبدونهم من دون الله - تعالى -، ~~وتصفونهم بأنهم آلهة. { ما يملكون من قطمير } والقطمير القشرة ~~البيضاء الرقيقة الملتفة على النواة. أو هو النقطة فى ظهر النواة، ويضرب ~~مثلا لأقل شئ وأحقره. أى والذين تعبدونهم من دون الله - تعالى - لا ~~يملكون معه - سبحانه - شيئا. ولو كان هذا الشئ فى نهاية القلة والحقارة ~~والصغر، كالنكتة التى تكون فى ظهر النواة. ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى ~~وقرره فقال { إن تدعوهم لا يسمعوا دعآءكم... }. أى إن ~~هذه المعبودات الباطلة لا تملك من شئ مع الله - تعالى -، بدليل أنكم إن ~~تدعوهم لنفعكم، لن يسمعوا دعاءكم، وإن تستغيثوا بهم عند المصائب ~~والنوائب، لمن يلبوا استغاثتكم.. { ولو سمعوا } على سبيل الفرض ~~والتقدير { ما استجابوا لكم } لأنهم لا قدرة لهم على هذه ~~الاستجابة لعجزهم عن ذلك. { ويوم القيامة } الذى تتجلى فيه ~~الحقائق، وتنكشف الأمور { يكفرون بشرككم }. أى يتبرأون من ~~عبادتكم لهم، ومن إشراككم إياهم العبادة مع الله - تعالى -، فضلا عن عدم ~~استجابتهم لكم إذا دعوتموهم لنصرتكم. { ولا ينبئك } أى ولا يخبرك ~~بهذه الحقائق التى لا تقبل الشك أو الريب. { مثل خبير } أى مثل من ~~هو خبير بأحوال النفوس وبظواهرها وببواطنها. وهو الله - عز وجل - فإنه - ~~سبحانه - هو الذى يعلم السر وأخفى. وبهذا نرى الآيات الكريمة، قد طوفت ~~بنا فى أرجاء هذا الكون، وساقت لنا ألوانا من نعم الله - تعالى - على ~~الناس، كالرياح، والسحاب، والأمطار والبحار، والليل والنهار، والشمس ~~والقمر... وهى نعم تدل على وحدانية المنعم بها، وعلى قدرته - عز وجل - ~~وفى كل ذلك هداية إلى الحق لكل عبد منيب. ثم وجه - سبحانه - نداء ثالثا ~~إلى الناس، نبههم فيه إلى فقرهم إليه - سبحانه -، وإلى غناه عنهم، وإلى ~~مسئولية كل إنسان عن نفسه، وإلى وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم الذى ~~أرسله إليهم، وإلى ms4244 الفرق الشاسع بين الإيمان والكفر، وإلى سوء مصير ~~المكذبين، فقال - تعالى - { يأيها الناس أنتم ~~الفقرآء...فكيف كان نكير }. ### || [35.15-26] # وقوله - تعالى - { يأيها الناس أنتم الفقرآء إلى ~~الله... } نداء منه - سبحانه - للناس، يعرفهم فيه حقيقة أمرهم، ولأنهم ~~لا غنى لهم عن خالقهم - عز وجل -. أى يأيها الناس أنتم المحتاجون إلى ~~الله - تعالى - فى كل شئونكم الدنيوية والأخروية { والله } - تعالى - ~~وحده هو الغنى، عن كل مخلوق سواه، وهو { الحميد } أى المحمود من جميع ~~الموجودات، لأنه هو الخالق لكل شئ، وهو المنعم عليكم وعلى غيركم بالنعم ~~التى لا تحصى. قال صاحب الكشاف فإن قلت لم عرف الفقراء؟ قلت قصد بذلك أن ~~يريهم أنه لشدة افتقارهم إليه هم جنس الفقراء، وإن كانت الخلائق كلهم ~~مفترقين إليه من الناس وغيرهم، لأن الفقر مما يتبع الضعف، وكلما كان ~~الفقير أضعف كان أفقر، وقد شهد الله - سبحانه - على الإنسان بالضعف فى ~~قوله { وخلق الإنسان ضعيفا } ولو نكر لكان المعنى أنتم بعض ~~الفقراء ". وجمع - سبحانه - فى وصف ذاته بين الغنى والحميد، للإشعار ~~بأنه - تعالى - بجانب غناه عن خلقه، هو الذى يفيض عليهم من نعمه، وهو ~~الذى يعطيهم من خيره وفضله، ما يجعلهم يحمدونه بألسنتهم وقلوبهم. قال ~~الآلوسى قوله { الحميد } أى المنعم على جميع الموجودات، المستحق ~~بإنعامه للحمد، وأصله المحمود، وأريد به ذلك عن طريق الكناية، ليناسب ~~ذكره بعد فقرهم، إذ الغنى لا ينفع الفقير إلا إذا كان جوادا منعما، ~~ومثله مستحق للحمد، وهذا كالتكميل لما قبله.. ". وقوله - سبحانه - { إن ~~يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد } بيان لمظهر من مظاهر ~~غناه عن الناس. أى إن يشأ - سبحانه - يهلككم ويزيلكم من هذا الوجود، ويأت ~~بأقوام آخرين سواكم، فوجودكم فى هذه الحياة متوقف على مشيئته وإرادته. ~~واسم الإشارة فى قوله { وما ذلك على الله بعزيز } يعود ~~على الإذهاب بهم، والإتيان بغيرهم. وما ذلك الذى ذكرناه لكم من إفنائكم ~~والإتيان بغيركم، بعزيز، أى بصعب أو عسير أو ممتنع على الله - تعالى -، ~~لأن قدرته - تعالى لا يعجزها شئ. ثم بين - سبحانه - أن كل نفس تتحمل ms4245 ~~نتائج أعمالها وحدها فقال { ولا تزر وازرة وزر أخرى }. ~~وقوله { تزر } من الوزر بمعنى الحمل. يقال فلان وزر هذا الشئ إذا ~~حمله. وفعله من باب " وعد " ، وأكثر ما يكون استعمالا فى حمل الآثام. ~~وقوله { وازرة } صفة لموصوف محذوف. أى ولا تحمل نفس آثمة، إثم نفس ~~أخرى، وإنما كل نفس مسئولة وحدها عن أفعالها وأقوالها التى باشرتها، أو ~~تسببت فيها. وقوله { وإن تدع مثقلة إلى حملها لا ~~يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى } مؤكد لمضمون ما ~~قبله، من مسئولية كل نفس عن أفعالها. # وقوله { مثقلة } صفة لموصوف محذوف، والمفعول محذوف - أيضا - للعلم ~~به. وقوله { حملها } أى ما تحمله من الذنوب والآثام، إذ الحمل - بكسر ~~الحاء - ما يحمله الإنسان من أمتعة على ظهره أو رأسه أو كتفه. والمعنى ~~لا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى، وإن تطلب نفس مثقلة بالذنوب من نفس أخرى، ~~أن تحمل عنها شيئا من ذنوبها التى أثقلتها، لا تجد استجابة منها، ولو ~~كانت تلك النفس الأخرى من أقربائها وذوى رحمها. قال - تعالى - { ~~يأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا ~~يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده ~~شيئا.. }. وقال - سبحانه - # يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه ~~وصحبته وبنيه لكل امرىء منهم يومئذ شأن ~~يغنيه # قال صاحب الكشاف فإن قلت هلا قيل ولا تزر نفس وزر أخرى؟ قلت لأن المعنى ~~أن النفوس الوازرات لا ترى واحدة منهن إلا حاملة وزرها، ولا وزر غيرها. ~~فإن قلت كيف توفق بين هذا، وبين قوله # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم # قلت تلك الآية فى الضالين المضلين، وأنهم يحملون أثقال إضلالهم لغيرهم، ~~مع أثقالهم، وذلك كله أوزارهم، ما فيها شئ من وزر غيرهم. فإن قلت فما ~~الفرق بين معنى { ولا تزر وازرة وزر أخرى } وبين معنى { ~~وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء.. ~~}؟ قلت الأول فى الدلالة على عدل الله - تعالى - فى حكمه، وأنه - تعالى - ~~لا يؤاخذ نفسا بغير ذنبها. والثانى فى أنه لا غياث يومئذ لمن استغاث... ms4246 ~~وإن كان المستغاث به بعض قرابتها من أب أو ولد أو أخ... فإن قلت إلام ~~أسند كان فى قوله { ولو كان ذا قربى }؟ قلت إلى المدعو المفهوم ~~من قوله { وإن تدع مثقلة }. فإن قلت فلم ترك ذكر المدعو؟ قلت " ~~ليعم ويشمل كل مدعو.. ". وقوله - تعالى - { إنما تنذر الذين ~~يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة }. كلام ~~مستأنف مسوق لبيان من هم أهل للاتعاظ والاستجابة للحق. أى أنت - أيها ~~الرسول الكريم - إنما ينفع وعظك وإنذارك. أولئك العقلاء الذين يخشون ربهم ~~- عز وجل - دون أن يروه، أو يروا عذابه، والذين يؤدون الصلاة فى مواقيتها ~~بإخلاص وخشوع واطمئنان. ثم حض - سبحانه - على تزكية النفوس وتطهيرها فقال ~~{ ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله ~~المصير } أى ومن تظهر من دنس الكفر والفسوق والعصيان. وحض نفسه ~~بالإيمان، والعمل الصالح، والتوبة النصوح، فإن ثمرة تطهره إنما تعود إلى ~~نفسه وحدها، وإليها يرجع الأجر والثواب، والله - تعالى - إليه وحده مصير ~~العباد لا إلى غيره. فالجملة الكريمة دعوة من الله - تعالى - للناس، إلى ~~تزكية النفوس وتطهيرها من كل سوء، بعد بيان أن كل نفس مسئولية وحدها عن ~~نتائج أفعالها، وأن أحدا لن يلبى طلب غيره فى أن يحمل شيئا عنه من ~~أوزاره. # ثم ساق - سبحانه - أمثلة، لبيان الفرق الشاسع بين المؤمن والكافر، وبين ~~الحق والباطل، وبين العلم والجهل.. فقال - تعالى - { وما يستوي ~~الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا ~~الظل ولا الحرور وما يستوي الأحيآء ولا ~~الأموات.. }. والحرور هو الريح الحارة التى تلفح الوجوه من شدة حرها، ~~فهو فعول من الحر. أى وكما أنه لا يستوى فى عرف أى عاقل الأعمى والبصير، ~~كذلك لا يستوى الكافر والمؤمن، وكما لا تصلح المساواة بين الظلمات ~~والنور، كذلك لا تصلح المساواة بين الكفر والإيمان، وكما لا يتساوى ~~المكان الظليل مع المكان الشديد الحرارة، كذلك لا يستوى أصحاب الجنة ~~وأصحاب النار. فأنت ترى أن الآيات الكريمة قد مثلت الكافر فى عدم اهتدائه ~~بالأعمى، والمؤمن بالبصير، كما مثلت الكفر بالظمات والإيمان بالنور، ~~والجنة بالظل الظليل، ms4247 والنار بالريح الحارة التى تشبه السموم. وكرر - ~~سبحانه - لفظ { لا } أكثر من مرة، لتأكيد نفى الاستواء، بأية صورة من ~~الصور. وقوله { وما يستوي الأحيآء ولا الأموات } تمثيل ~~آخر للمؤمنين الذين استجابوا للحق، وللكافرين الذين أصروا على باطلهم. أو ~~هم تمثيل للعلماء والجهلاء قال الإمام ابن كثير يقول - تعالى - كما لا ~~تستوى هذه الأشياء المتباينة المختلفة، كالأعمى والبصير لا يستويان، بل ~~بينهما فرق وبون كثير، وكما لا تستوى الظلمات ولا النور، ولا الظل ولا ~~الحرور، كذلك لا يستوى الأحياء ولا الأموات. وهذا مثل ضربه الله للمؤمنين ~~الأحياء، وللكافرين وهم الأموات، كقوله - تعالى - # أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس ~~بخارج منها... # وقال - تعالى - # مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير ~~والسميع هل يستويان مثلا # فالمؤمن سميع بصير فى نور يمشى.. والكافر أعمى أصم، فى ظلمات يمشى، ولا ~~خروج له منها، حتى يفضى به ذلك إلى الحرور والسموم والحميم.. ". وقوله - ~~تعالى - { إن الله يسمع من يشآء ومآ أنت بمسمع ~~من في القبور } بيان لنفاذ قدرة الله - تعالى -، ومشيئته. أى إن ~~الله - تعالى - يسمع من يشاء أن يسمعه، ويجعله مدركا للحق، ومستجيبا له ~~أما أنت - أيها الرسول الكريم - فليس فى استطاعتك أن تسمع هؤلاء الكافرين ~~المصرين على كفرهم وباطلهم، والذين هم أشبه ما يكونون بالموتى فى فقدان ~~الحس، وفى عدم السماع لما تدعوهم إليه. فالجملة الكريمة تسلية للرسول صلى ~~الله عليه وسلم عما أصابه من هؤلاء الجاحدين. ثم حدد الله - تعالى - ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم وظيفته فقال { إن أنت إلا نذير }. # أى ما أنت - أيها الرسول الكريم - إلا منذر للناس من حلول عذاب الله - ~~تعالى - بهم، إذا ما استمروا على كفرهم، أما الهداية والضلال فهما بيد ~~الله - تعالى - وحده. { إنآ أرسلناك } - أيها الرسول الكريم - ~~إرسالا ملتبسا { بالحق } الذى لا يحوم حوله الباطل { بشيرا ~~ونذيرا } أى أرسلناك بالحق مبشرا المؤمنين بحسن الثواب، ومنذرا ~~الكافرين بأشد ألوان العقاب. { وإن من أمة إلا خلا فيها ~~نذير } أى ms4248 وما من أمة من الأمم الماضية، وإلا وجاءها نذير ينذرها من ~~سوء عاقبة الكفر، ويدعوها إلى إخلاص العبادة لله - تعالى -. فمن أفراد ~~هذه الأمة من أطاعوا هذا النذير فسعدوا وفازوا، ومنهم من استحب العمى على ~~الهدى، والكفر على الإيمان فشقوا وخابوا. ثم أضاف - سبحانه - إلى تسليته ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم تسلية أخرى فقال { وإن يكذبوك ~~فقد كذب الذين من قبلهم... }. أى وإن يكذبك قومك يا ~~محمد فلا تحزن، فإن الأقوام السابقين قد كذبوا إخوانك الين أرسلناهم ~~إليهم، كما كذبك قومك. وإن هؤلاء السابقين قد { جآءتهم رسلهم ~~بالبينات } أى بالمعجزات الواضحات { وبالزبر } أى وبالكتب ~~المنزلة من عند الله - تعالى - جمع زبور وهو المكتوب، كصحف إبراهيم ~~وموسى. { وبالكتاب المنير } أى وبالكتاب الساطع فى براهينه ~~وحججه، كالتوراة التى أنزلناها على موسى، والإنجيل الذى أنزلناه على ~~عيسى. قال الشوكانى قيل الكتاب المنير داخل تحت الزبر، وتحت البينات، ~~والعطف لتغير المفهومات، وإن كانت متحدة فى الصدق. والأولى تخصيص البينات ~~بالمعجزات. والزبر بالكتب التى فيها مواعظ، والكتاب بما فيه شرائع وأحكام ~~". { ثم أخذت الذين كفروا } بالعذاب الشديد، بسبب إصراهم ~~على كفرم، وتكذيبهم لرسلهم. ووضع الظاهر موضع ضميرهم، لذمهم وللأشعار ~~بعلة الأخذ. والاستفهام فى قوله - تعالى - { فكيف كان نكير } ~~للتهويل. أى فانظر - أيها العاقل - كيف كان إنكارى عليهم، لقد كان ~~إنكارا مصحوبا بالعذاب الأليم الذى درمهم تدميرا، واستأصلهم عن آخرهم. ~~ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك أدلة أخرى على عظيم قدرته. وبين من هم أولى ~~الناس بخشيته، ومدح الذين يكثرون من تلاوة كتابه، ويحافظون على أداء ~~فرائضه، ووعدهم على ذلك بالأجر الجزيل فقال - تعالى - { ألم تر ~~أن الله أنزل...بعباده لخبير بصير }. ### || [35.27-31] # والاستفهام فى قوله - تعالى - { ألم تر أن الله أنزل من ~~السمآء مآء }.. لتقرير ما قبله، من أن اختلاف الناس فى عقائدهم ~~وأحوالهم أمر مطرد، وأن هذا الاختلاف موجود حتى فى الحيوان والحجارة ~~والنبات.. قال الآلوسى ما ملخصه قوله - تعالى - { ألم تر... } هذه ~~الكلمة قد تذكر لمن تقدم علمه فتكون للتعجب، وقد تذكر لمن لا ms4249 يكون كذلك، ~~فتكون لتعريفه وتعجيبه، وقد اشتهرت فى ذلك أجريت مجرى المثل فى هذا ~~الباب، بأن شبه من لم ير الشئ، بحال من رآه. فى أنه لا ينبغى أن يخفى ~~عليه، ثم أجرى الكلام معه. كما يجرى مع من رأى، قصدا إلى المبالغة فى ~~شهرته... ". والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يتأتى له ~~الخطاب، بتقرير دليل من أدلة القدرة الباهرة. والمعنى لقد علمت - أيها ~~العاقل - علما لا يخالطه شك، أن الله - تعالى - أنزل من السماء ماء ~~كثيرا، فأخرج بسببه من الأرض، ثمرات مختلفا ألوانها. فبعضها أحمر، ~~وبعضها أصفر، وبعضها أخضر.. وبعضها حلو المذاق، وبعضها ليس كذلك، مع أنها ~~جميعا تسقى بماء واحد، كما قال - تعالى - # وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب ~~وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بمآء ~~واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ~~ذلك لآيات لقوم يعقلون # وجاء قوله { فأخرجنا... } على أسلوب الالتفات من الغيبة إلى ~~التكلم، لإظهار كمال الاعتناء بالفعل لما فيه من الصنع البديع المنبئ عن ~~كمال القدرة والحكمة، ولأن المنة بالإخراج أبلغ من إنزال الماء. وقوله { ~~مختلفا } صفة لثمرات، وقوله { ألوانها } فاعل به. وقوله - تعالى - ~~{ ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها ~~وغرابيب سود } معطوف على ما قبله، لبيان مظهر آخر من مظاهر قدرته ~~- عز وجل. قال القرطبى ما ملخصه " الجدد جمع جدة - بضم الجيم - وهى ~~الطرائق المختلفة الألوان ".. والجدة الخطة التى فى ظهر الحمار تخالف ~~لونه. والجدة الطريقة والجمع جدد.. أى طرائق تخاف لون الجبل، ومنه قولهم ~~ركب فلان جدة من الأمر، إذا رأى فيه رأيا ". وغرابيب جمع غربيب، وهو ~~الشئ الشديد السواد، والعرب تقول للشئ الشديد السواد، أسود غربيب. وقوله ~~{ سود } بدل من { وغرابيب }. أى أنزلنا من السماء ماء أخرجنا به ~~ثمرات مختلفا ألوانها، وجعلنا بقدرتنا من الجبال قطعا ذات ألوان ~~مختلفة، فمنها الأبيض، ومنها الأحمر، ومنها ما هو شديد السواد، ومنها ما ~~ليس كذلك، مما يدل على عظيم قدرتنا. وبديع صنعنا... ثم بين - سبحانه - أن ~~هذا ms4250 الاختلاف ليس مقصورا على الجبال فقال { ومن الناس ~~والدوآب والأنعام مختلف ألوانه كذلك. # .. }. وقوله { مختلف } صفة لموصوف محذوف. وقوله { كذلك } صفة - ~~أيضا - لمصدر محذوف، معمول لمخلتف. أى ليس اختلاف الألوان مقصورا على ~~قطع الجبال وطرقها وأجزائها، بل - أيضا - من الناس والدواب والأنعام، ~~أصناف وأنواع مختلفة ألوانها اختلافا، كذلك الاختلاف الكائن فى قطع ~~الجبال، وفى أنواع الثمار. وإنما ذكر - سبحانه - هنا اختلاف الألوان فى ~~هذه الأشياء، لأن هذا الاختلاف من اعظم الأدلة على قدرة الله - تعالى - ~~وعلى بديع صنعه. ثم بين - سبحانه - أولى الناس بخشية فقال { إنما ~~يخشى الله من عباده العلماء } أى إنما يخاف الله - ~~تعالى - ويخشاه، العالمون بما يليق بذاته وصفاته، من تقديس وطاعة وإخلاص ~~فى العبادة، أما الجاهلون بذاته وصفاته - تعالى -، فلا يخشونه ولا يخافون ~~عقابه، لانطماس بصائرهم، واستحواذ الشيطان عليهم، وكفى بهذه الجملة ~~الكريمة مدحا للعلماء، حيث قصر - سبحانه - خشيته عليهم. قال صاحب الكشاف ~~فإن قلت هل يختلف المعنى إذا قدم المفعول فى هذا الكلام أو أخر؟ قلت لا ~~بد من ذلك، فإنك إذا قدمت اسم الله، وأخرت العلماء، كان المعنى. إن الذين ~~يخشون الله من عباده هم العلماء دون غيرهم، وإذا علمت على العكس انقلب ~~المعنى إلى أنهم لا يخشون إلا الله، كقوله - تعالى - # ولا يخشون أحدا إلا الله # وهما معنيان مختلفان. فإن قلت ما وجه اتصال هذا الكلام بما قبله؟ قلت ~~لما قال { ألم تر } بمعنى ألم تعلم أن الله أنزل من السماء ماء، ~~وعدد آيات الله، وأعلام قدرته، وآثار صنعته... أتبع ذلك بقوله { إنما ~~يخشى الله من عباده العلماء } كأنه قال إنما يخشاه مثلك ~~ومن على صفتك ممن عرفه حق معرفته، وعلمه كنه علمه. وعن النبى صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال # " أنا أرجو أن أكون أتقاكم لله وأعلمكم به ". # وقوله { إن الله عزيز غفور } تعليل لوجوب الخشية، لدلالته ~~على أنه يعاقب على المعصية، ويغفر الذنوب لمن تاب من عباده توبة نصوحا. ~~ثم مدح - سبحانه - المكثرين من تلاوة كتابه، المحافظين على أداء فرائضه ~~فقال ms4251 { إن الذين يتلون كتاب الله... }. أى إن الذين ~~يداومون على قراءة القرآن الكريم بتدبر لمعانيه، وعمل بتوجيهاته، { ~~وأقاموا الصلاة } بأن أدوها فى مواقيتها بخشوع وإخلاص. { ~~وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية } أى وبذلوا مما ~~رزقناكم من خيرات، تارة فى السر وتارة فى العلانية. وجملة { يرجون ~~تجارة لن تبور } فى محل رفع خبر إن. والمراد بالتجارة ثواب الله ~~- تعالى - ومغفرته. وقوله { تبور } بمعنى تكسد وتهلك. يقال بار الشئ ~~يبور بورا وبوارا، إذا هلك وكسد. أى هؤلاء الذين يكثرون من قراءة القرآن ~~الكريم، ويؤدون ما أوجبه الله - تعالى - عليهم، يرجون من الله - تعالى ~~الثواب الجزيل، والربح الدائم، لأنهم جمعوا فى طاعتهم له - تعالى - بين ~~الإكثار من ذكره، وبين العبادات البدنية والمالية. # واللام فى قوله { ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من ~~فضله.. } متعلقة بقوله { لن تبور } على معنى، يرجون تجارة لن ~~تكسد لأجل أن يوفيهم أجورهم التى وعدهم بها، ويزيدهم فى الدنيا والآخرة ~~من فضله ونعمه وعطائه. أو متعلقة بمحذوف، والتقدير فعلوا ما فعلوا ~~ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله { إنه } - سبحانه - { غفور } أى ~~واسع المغفرة { شكور } أى كثير العطاء لمن يطيعه ويؤدى ما كلفه به. ثم ~~ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة، بتثبيت فؤاد النبى صلى الله عليه ~~وسلم، وتسليته عما أصابه من أعدائه فقال { والذي أوحينآ ~~إليك من الكتاب } أى القرآن الكريم { هو الحق } الثابت ~~الذى لا يحوم حوله باطل. { مصدقا لما بين يديه } أى أن من ~~صفات هذا القرآن أنه مصدق لما تقدمه من الكتب السماوية. كالتوراة ~~والإنجيل. { إن الله بعباده لخبير بصير } أى إن الله ~~- تعالى - لمحيط إحاطة تامة بأحوال عباده، مطلع على ما يسرونه وما ~~يلعنونه من أقوال أو أفعال. وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أقامت ألوانا ~~من الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته، وأثنت على العلماء، وعلى ~~التالين للقرآن الكريم، والمحافظين على أداء ما كلفهم الله - تعالى - ~~ثناء عظيما. ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان أقسام الناس فى هذه ~~الحياة. ووعدة المؤمنين الصادقين بجنات النعيم، فقال - تعالى - { ثم ~~أورثنا الكتاب...يمسنا فيها لغوب ms4252 }. ### || [35.32-35] # و " ثم " فى قوله - تعالى - { ثم أورثنا الكتاب الذين ~~اصطفينا من عبادنا } للتراخى الرتبى. و { أورثنا } أى ~~أعطينا ومنحنا، إذ الميراث عطاء يصل للإنسان عن طريق غيره. والمراد ~~بالكتاب القرآن الكريم، وما اشتمل عليه من عقائد وأحكام وآداب وتوجيهات ~~سديدة.. وهو المفعول الثانى لأورثنا، وقدم على المفعول الأول، وهو ~~الموصول للتشريف. و { اصطفينا } بمعنى اخترنا واستخلصنا، واشتقاقه ~~من الصفو، بمعنى الخلوص من الكدر والشوائب. والمراد بقوله { من ~~عبادنا } الأمة الإسلامية التى جعلها الله خير أمة أخرجت للناس. ~~والمعنى ثم جعلنا هذا القرآن الذى اوحيناه إليك - أيها الرسول الكريم - ~~ميراثا منك لأمتك، التى اصطفيناها على سائر الأمم، وجعلناها أمة وسطا. ~~وقد ورثناها هذا الكتاب لتنتفع بهداياته.. وتسترشد بتوجيهاته، وتعمل ~~بأوامره ونواهيه. قال الآلوسى قوله { الذين اصطفينا من ~~عبادنا } هم - كما قال ابن عباس وغيره - أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، فإن الله - تعالى - اصطفاهم على سائر الأمم... ". وفى التعبير ~~بالاصطفاء، تنويه بفضل هؤلاء العباد، وإشارة إلى فضلهم على غيرهم، كما أن ~~التعبير بالماضى يدل على تحقق هذا الاصطفاء. ثم قسم - سبحانه - هؤلاء ~~العباد إلى ثلاثة اقسام فقال { فمنهم ظالم لنفسه ~~ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن ~~الله.. }. وجمهور العلماء على أن هذه الأقسام الثلاثة، تعد إلى أفراد ~~هذه الأمة الإسلامية. وأن المراد بالظالم لنفسه، من زادت سيئاته على ~~حسناته. وأن المراد بالمقصد من تساوت حسناته مع سيئاته. وأن المراد ~~بالسابقين بالخيرات من زادت حسناتهم على سيئاتهم. وعلى هذا يكون الضمير ~~فى قوله - تعالى - بعد ذلك { جنات عدن يدخلونها... } يعود ~~إلى تلك الأقسام الثلاثة، لأنهم جميعا من أهل الجنة بفضل الله ورحمته. ~~ومن العلماء من يرى أن المراد بالظالم لنفسه الكافر، وعليه يكون الضمير ~~فى قوله { يدخلونها } يعود إلى المقتصد والسابق بالخيرات، وأن هذه ~~الآية نظير قوله - تعالى - فى سورة الواقعة { وكنتم أزواجا ~~ثلاثة فأصحاب الميمنة مآ أصحاب الميمنة ~~وأصحاب المشأمة مآ أصحاب المشأمة والسابقون ~~السابقون.. }. ومن المفسرين الذين رجحوا القول الأول ابن كثير فقد ~~قال ما ملخصه يقول - تعالى - ثم ms4253 جعلنا القائمين بالكتاب العظيم... وهم ~~هذه الأمة على ثلاث أقسام { فمنهم ظالم لنفسه } وهو المفرط ~~فى بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات. { ومنهم مقتصد } وهو ~~المؤدى للواجبات التارك للمحرمات وقد يترك بعض المستحبات، ويفعل بعض ~~المكروهات. { ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله } وهو ~~الفاعل للواجبات والمستحبات. قال ابن عباس هم أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم ورثهم الله - تعالى - كل كتاب أنزله. فظالمهم يغفر له، ومقتصدهم ~~يحاسب حسابا يسيرا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب. # وفى رواية عنه السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يدخل ~~الجنة برحمة الله - تعالى -، والظالم لنفسه يدخل الجنة بشفاعة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم. وفى الحديث الشريف # " شفاعتى لأهل الكبائر من أمتى ". # وقال آخرون الظالم لنفسه هو الكافر. والصحيح أن الظالم لنفسه من هذه ~~الأمة، وهذا اختيار ابن جرير كما و ظاهر الآية، وكا جاءت به الأحاديث عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق يشد بعضها بعضا. ثم أورد الإمام ~~ابن كثير بعد ذلك جملة من الأحاديث منها ما أخرجه الإمام أحمد عن أبى ~~سعيد الخدرى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال فى هذه الآية # " هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة، وكلهم فى الجنة ". # ومعنى قوله " بمنزلة واحدة " أى فى أنهم من هذه الأمة، وأنهم من أهل ~~الجنة، وإن كان بينهم فرق فى المنازل فى الجنة ". وقال الإمام ابن جرير ~~فإن قال لنا قائل إن قوله { يدخلونها } إنما عنى به المقتصد ~~والسابق بالخيرات؟ قيل له وما برهانك على أن ذلك كذلك من خبر أو عقل؟ فإن ~~قال قيام الحجة أن الظالم من هذه الأمة سيدخل النار، ولم لم يدخل النار ~~من هذه الأصناف الثلاثة أحد، وجب أن لا يكون لأهل الإيمان وعيد. قيل إنه ~~ليس فى الآية خبر أنهم لا يدخلون النار، وإنما فيها إخبار من الله - ~~تعالى - أنهم يدخلون جنات عدن وجائز أن يدخلها الظالم لنفسه بعد عقوبة ~~الله إياه على ذنوبه التى أصابها فى الدنيا... ثم يدخلون الجنة بعد ذلك، ~~فيكون ممن عمه ms4254 خبر الله - تعالى - بقوله { جنات عدن ~~يدخلونها }. وقال الشوكانى والظالم لنفسه هو الذى عمل الصغائر. وقد ~~روى هذا القول عن عمر، وعثمان، وابن مسعود، وأبى الدرداء، وعائشة. وهذا ~~هو الراجح، لأن عمل الصغائر لا ينافى الاصطفاء، ولا يمنع من دخول صاحبه ~~مع الذين يدخلون الجنة يحلون فيها من أساور... وجه كونه ظالما لنفسه، ~~أنها نقصها من الثواب بما فعل من الصغائر المغفورة له، فإنه لو عمل تلك ~~الصغائر طاعات، لكان لنفسه فيها من الثواب عظيما.... قالوا وتقديم ~~الظالم لنفسه على المقتصد وعلى السابق بالخيرات. لا يقتضى تشريفا، كما ~~فى قوله - تعالى - # لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة.. # ولعل السر فى مجئ هذه الأقسام بهذا الترتيب، أن الظالمين لأنفسهم أكثر ~~الأقسام عددا، ويليهم المقتصدون، ويليهم السابقون بالخيرات، كما قال - ~~تعالى - # وقليل من عبادي الشكور # وقوله { بإذن الله } أى بتوفيقه وإرادته وفضله. واسم الإشارة فى ~~قوله { ذلك هو الفضل الكبير } يعود إلى ما تقدم من توريث ~~الكتاب ومن الاصطفاء. # أى ذلك الذى أعطيناه - أيها الرسول الكريم - لأمتك من الاصطفاء ومن ~~توريثهم الكتاب، هو الفضل الواسع الكبير، الذى لا يقادر قدره، ولا يعرف ~~كنهه إلا الله - تعالى -. ثم بين - سبحانه - مظاهر هذا الفضل فقال { ~~جنات عدن يدخلونها } والضمير للأنواع الثلاثة. أى هؤلاء ~~الظالمون لأنفسهم والمقتصدون والسابقون بالخيرات، ندخلهم بفضلنا ورحمتنا، ~~الجنات الدائمة التى يخلدون فيها خلودا أبديا. يقال عدن فلان بالمكان، ~~إذا أقام به إقامة دائمة. { يحلون فيها من أساور من ~~ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير } أى أنهم يدخلون ~~الجنات دخولا دائما، وهم فى تلك الجنات يتزينون بأجمل الزينات، وبأفخر ~~الملابس، حيث يلبسون فى أيديهم أساور من ذهب ولؤلؤا، أما ثيابهم فهى من ~~الحرير الخالص. ثم حكى - سبحانه - ما يقولونه بعد فوزهم بهذا النعيم فقال ~~{ وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن }. ~~والحزن غم يعترى الإنسان لخوفه من زوال نعمة هو فيها. والمراد به هنا ~~جنس الحزن الشامل لجميع أحزان الدين والدنيا والآخرة. أى وقالوا عند ~~دخولهم الجنات الدائمة، وشعورهم بالأمان والسعاة والاطمئنان ms4255 الحمد لله ~~الذى أذهب عنا جميع ما يحزننا من أمور الدنيا أو الآخرة. { إن ~~ربنا } بفضله وكرمه { لغفور شكور } أى لواسع المغفرة لعباده ~~ولكثير العطاء للمطيعين، حيث أعطاهم الخيرات الوفيرة فى مقابل الأعمال ~~القليلة. { الذي أحلنا دار المقامة من فضله } أى ~~الحمد لله الذى أذهب عنا الأحزان بفضله ورحمته، والذى { أحلنا } أى ~~أنزلنا { دار المقامة } أى الدار التى لا انتقال لنا منها، وإنما ~~نحن سنقيم فيها إقامة دائمة وهى الجنة التى منحها إياها بفضله وكرمه. ~~وهذه الدار { لا يمسنا فيها نصب } أى لا يصيبنا فيها تعب ولا ~~مشقة ولا عناء. يقال نصب فلان - كفرح - إذا نزل به التعب والإعياء. { ~~ولا يمسنا فيها لغوب } أى ولا يصيبنا فيها كلال وإعياء بسب ~~التعب والهموم، يقال لغب فلان لغبا ولغوبا. إذا اشتد به الإعياء ~~والهزال. قال صاحب الكشاف فإن قلت ما الفرق بين النصب واللغوب؟ قلت ~~النصب، التعب والمشقة، التى تصيب المنتصب للأمر، المزاول له. وأما ~~اللغوب، فما يلحقه من الفتور بسبب النصب. فالنصب نفس المشقة والكلفة. ~~واللغوب نتيجة ما يحدث منه من الكلال والفتور ". وبعد هذا البيان البليغ ~~يشرح الصدور لحسن عاقبة المفحلين، ساقت السورة الكريمة حال الكافرين، وما ~~هم فيه من عذاب مهين، فقال - تعالى - { والذين كفروا لهم ~~نار جهنم...بذات الصدور }. ### || [35.36-38] # اى { والذين كفروا } فى الدنيا بكل ما يجب الإيمان به { ~~لهم } فى الآخرة { نار جهنم } يعذبون فيها تعذيبا أليما. ثم ~~بين - سبحانه - حالهم فى جهنم فقال { لا يقضى عليهم ~~فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها } أى لا يحكم ~~عليهم فيها بالموت مرة أخرى كما ماتوا بعد انقضاء آجالهم فى الدنيا، ~~وبذلك يستريحون من العذاب. ولا يخفف عنهم من عذاب جهنم، بل هى كلمات خبت ~~أو هدأ لهيبها، عادت مرة أخرى إلى شدتها، وازدادت سعيرا. والمراد أنهم ~~باقون فى العذاب الأليم بدون موت، أو حياة يستريحون فيها. { كذلك ~~نجزي كل كفور } أى مثل هذا الجزاء الرادع الفظيع، نجزى فى ~~الآخرة، كل شخص كان فى الدنيا شديد الجحود والكفران لآيات ربه، ms4256 الدالة ~~على وحدانيته وقدرته... وقوله - تعالى - { وهم يصطرخون فيها ~~ربنآ أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل ~~} بيان لما يجأرون به إلى ربهم وهم ملقون فى نار جهنم. ويصطرخون، بمعنى ~~يستغيثون ويضجون بالدعاء رافعين أصواتهم، افتعال من الصراخ، وهو الصياح ~~الشديد المصحوب بالتعب والمشقة، ويستعمل كثيرا فى العويل والاستغاثة. ~~وأصله يصترخون، فأبدلت التاء طاء. وجملة { ربنآ أخرجنا... } ~~مقول لقول محذوف. أى وهم بعد أن ألقى بهم فى نار جهنم، أخذوا يستغيثون ~~ويضجعون بالدعاء والعويل ويقولون يا ربنا أخرجنا من هذه النار، وأعدنا ~~إلى الحياة الدنيا، لكى نؤمن بك وبرسولك، ونعمل أعمالا صالحة أخرى ~~ترضيك، غير التى كنا نعملها فى الدنيا. وقولهم هذا يدل على شدة حسرتهم، ~~وعلى اعترافهم بجرمهم، وبسوء أعمالهم التى كانوا يعملونها فى الدنيا. ~~وهنا يأتيهم من ربهم الرد الذى يخزيهم فيقول - سبحانه - { أولم ~~نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجآءكم ~~النذير... }. والاستفهام للتوبيخ والتقريع، والكلام على إضمار القول، ~~وقوله { نعمركم } من التعمير بمعنى الإبقاء والإمهال فى الحياة ~~الدانيا إلى الوقت الذى كان يمكنهم فيه الإقلاع عن الكفر إلى الإيمان. ~~و { ما } فى قوله { يتذكر فيه } نكرة موصوفة بمعنى مدة. ~~والضمير فى قوله { فيه } يعود إلى عمرهم الذى قضوه فى الدنيا. والمعنى ~~أن هؤلاء الكافرين عندما يقولون بحسرة وضراعة يا ربنا أخرجنا من النار ~~وأعدنا إلى الدنيا لنعمل عملا صالحا غير الذى كنا نعمله فيها، يرد ~~عليهم ربهم بقوله لهم على سبيل الزجر والتأنيب أو لم نمهلكم فى الحياة ~~الدنيا، ونعطيكم العمر والوقت الذى كنتم تتمكنون فيه من التذكر والاعتبار ~~واتباع طريق الحق، وفضلا عن كل ذلك فقد جاءكم النذير الذى ينذركم بسوء ~~عاقبة إصراركم على كفركم، ولكنكم كذبتموه وأعرضتم عن دعوته. والمراد ~~بالنذير جنسه فيتناول كل رسول أرسله الله - تعالى - إلى قومه، فكذبوه ولم ~~يستجيبوا لدعوته، وعلى رأس هؤلاء المنذرين سيدنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # والفاء فى قوله - تعالى - { فذوقوا فما للظالمين من ~~نصير } لترتيب الأمر بالذوق على ما قبلها من التعمير ومجئ النذير. أى ms4257 ~~إذا كان الأمر كما ذكرنا لكم، فاخسأوا فى جهنم، واتركوا الصراخ والعويل، ~~وذوقوا عذبها الذى كنتم تكذبون به فى الدنيا، فليس للمصرين على كفرهم من ~~نصير ينصرهم، أو يدفع عنهم شيئا من العذاب الذى يستحقونه. ثم ختم - ~~سبحانه - الآيات الكريمة ببيان سعة علمه. فقال { إن الله عالم ~~غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور }. ~~أى إن الله - تعالى - لا يخفى عليه شئ سواء أكان هذا الشئ فى السماوات أم ~~فى الأرض، إنه - سبحانه - عليم بما تضمره القلوب، وما تخفيه الصدور، وما ~~توسوس به النفوس. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من مظاهر فضله على ~~عباده، وأقام الأدلة على وحدانيته وقدرته، فقال - تعالى - { هو الذي ~~جعلكم خلائف...كان حليما غفورا }. ### || [35.39-41] # وقوله - تعالى - { هو الذي جعلكم خلائف في الأرض.. } ~~بيان لجانب من فضله - تعالى - على بنى آدم. و { خلائف } جملة خليفة، ~~وهو من يخلف غيره. أى هو - سبحانه - الذى جعلكم خلفاء فى أرضه، وملككم ~~كنوزها وخيراتها ومنافعها، لكى تشكروه على نعمه، وتخلصوا له العبادة ~~والطاعة. أو جعلكم خلفاء لمن سبقكم من الأمم البائدة، فاعتبروا بما ~~أصابهم من النقم بسبب إعراضهم عن الهدى، واتبعوا ما جاءكم به من رسولكم ~~صلى الله عليه وسلم. وقوله { فمن كفر فعليه كفره } أى فمن ~~كفر بالحق الذى جاءه به الرسول صلى الله عليه وسلم واستمر على ذلك، فعلى ~~نفسه يكون وبال كفره لا على غيره. { ولا يزيد الكافرين ~~كفرهم عند ربهم إلا مقتا } أى لا يزيدهم إلا بغضا ~~شديدا من ربهم لهم، واحتقارهم لحالهم وغضبا عليهم... فالمقت مصدر بمعنى ~~البغض والكراهية، وكانوا يقولون لمن يتزوج امرأة أبيه وللولد الذى يأتى ~~عن طريق هذا الزواج، المقتى، أى المبغوض. { ولا يزيد الكافرين ~~كفرهم إلا خسارا } أى ولا يزيدهم إصرارهم على كفرهم إلا خسارا ~~وبوارا وهلاكا فى الدنيا والآخرة. فالآية الكريمة تنفر اشد التنفير من ~~الكفر، وتؤكد سوء عاقبته، تارة عن طريق بيان أنه مبغوض من الله - تعالى ~~-، وتارة عن طريق بيان أن المتلبس به، لن يزداد إلا خسرانا وبوارا. ms4258 ثم ~~أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتحدى هؤلاء المشركين، ~~وأن يوبخهم على عنادهم وجحودهم فقال { قل أرأيتم شركآءكم ~~الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من ~~الأرض... }. أى قل - أيها الرسول الكريم - على سبيل التبكيت والتأنيب ~~لهؤلاء المشركين. أخبرونى وأنبئونى عن حال شركائكم الذين عبدتموهم من دون ~~الله، ماذا فعلوا لكم من خير أو شر، وأرونى أى جزء خلقوه من الأرض حتى ~~استحقوا منكم الألوهية والشركة مع الله - تعالى - فى العبادة؟ إنهم لم ~~يفعلوا - ولن يفعلوا - شيئا من ذلك، فكيف أبحتم لأنفسكم عبادتهم؟ وقوله ~~{ أم لهم شرك في السماوات } تبكيت آخر لهم. أى وقل لهم إذا ~~كانوا لم يخلقوا شيئا من الأرض، فهل لهم معنا شركة فى خلق السماوات أو ~~فى التصرف فيها، حتى يستحقوا لذلك مشاركتنا فى العبادة والطاعة. وقوله { ~~أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه } تبكيت ~~ثالث لهم. أى وقل لهم إذا كانوا لم يخلقوا شيئا من الأرض، ولم يشاركونا ~~فى خلق السماوات، فهل نحن أنزلنا عليهم كتابا أقررنا لهم فيه بمشاركتنا، ~~فتكون لهم الحجة الظاهرة البينة على صدق ما يدعون؟ والاستفهام فى جميع ~~أجزاء الاية الكريمة للإنكار والتوبيخ. # والمقصود بها قطع كل حجة يتذرعون بها فى شركهم، وإزهاق باطلهم بألوان من ~~الأدلة الواضحة التى تثبت جهالاتهم، حيث أشركوا مع الله - تعالى - ما لا ~~يضر ولا ينفع، وما لا يوجد دليل أو ما يشبه الدليل على صحة ما ذهبوا إليه ~~من كفر وشرك. ولذا ختمت الآية الكريمة بالإضراب عن أوهامهم وبيان ~~الأسباب التى حمتلهم على الشرك، فقال - تعالى - { بل إن يعد ~~الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا }. أى أن هؤلاء الشركاء ~~لم يخلقوا شيئا من الأرض ولا من السماء، ولم نؤتهم كتابا بأنهم شركاء ~~لنا فى شئ، بل الحق أن الظالمين يخدع بعضهم بعضا، ويعد بعضهم بعضا ~~بالوعود الباطلة، بأن يقول الزعماء لأتباعهم إن هؤلاء الآله هم شفعاؤنا ~~عند الله، وأننا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فيترتب على قولهم ~~هذا، أن ms4259 ينساق الأتباع وراءهم كما تنساق الأنعام وراء راعيها. وبعد أن ~~بين - سبحانه - ما عليه المعبودات الباطلة من عجز وضعف، أتبع ذلك ببيان ~~جانب من عظيم قدرته، وعميم فضله فقال { إن الله يمسك ~~السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتآ إن ~~أمسكهما من أحد من بعده.. }. أى إن الله - تعالى - ~~بقدرته وحدها، يمسك السماوات والأرض كراهة أن نزولا، أو يمنعهما ~~ويحفظهما من الزوال أو الاضمحلال أو الاضطراب، ولئن زالتا - على سبيل ~~الفرض والتقدير - فلن يستطيع أحد أن يمسكها ويمنعها عن هذا الزوال سوى ~~الله - تعالى - { إنه } - سبحانه - { كان } وما زال { حليما } ~~بعباده { غفورا } لمن تاب إليه وأناب، كما قال - تعالى - # وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم ~~اهتدى # قال الآلوسى قوله { ولئن زالتآ } أى إن أشرفتا على الزوال على ~~سبيل الفرض والتقدير، { إن أمسكهما } أى ما أمسكهما { من ~~أحد من بعده } أى من بعد إمساكه - تعالى - أو من بعد الزوال، ~~والجملة جواب القسم المقدر قبل لام التوطئة فى { لئن }. وجواب الشرط ~~محذوف لدلالة جواب القسم عليه.. و { من } الأولى مزيدة لتأكيد العموم. ~~والثانية للابتداء. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بما كان عليه ~~المشركون من نقض العهود، ومن مكر سئ حاق بهم، ودعاهم - سبحانه - إلى ~~الاعتبار بمن سبقهم، وبين لهم جانبا من مظاهر فضله عليهم. ورأفته بهم ~~فقال - تعالى - { وأقسموا بالله جهد..كان بعباده ~~بصيرا }. ### || [35.42-45] # قال القرطبى قوله - تعالى - { وأقسموا بالله جهد ~~أيمانهم لئن جآءهم نذير ليكونن أهدى من ~~إحدى الأمم.. } هم قريش أقسموا قبل أن يبعث الله رسوله محمدا صلى ~~الله عليه وسلم حين بلغهم أن أهل الكتاب، كذبوا رسلهم، فلعنوا من كذب ~~نبيه منهم.. ". و { جهد أيمانهم } أى أقوى أيمانهم وأغلظها ~~والجهد الطاقة والوسع والمشقة. يقال جهد نفسه يجهدها فى الأمر، إذا بلغ ~~بها أقصى وسعها وطاقتها فيه. والمراد أنهم أكدوا الأيمان ووثقوها، بكل ~~ألفاظ التوكيد والتوثيق. أى أن كفار مكة، أقسموا بالله - تعالى - قسما ~~مؤكدا موثقا مغلظا، { لئن جآءهم نذير } أى نبى ينذرهم بأن ~~الكفر باطل وأن الإيمان بالله ms4260 هو الحق. { ليكونن أهدى } ~~سبيلا { من إحدى الأمم } أى ليكونن أهدى من اليهود ومن النصارى ~~ومن غيرهم فى اتباعهم وطاعتهم، لهذا الرسول الذى يأتيهم من عند ربهم ~~لهدايتهم إلى الصراط المستقم. { فلما جآءهم نذير } وهو محمد ~~صلى الله عليه وسلم الذى هو أشرف الرسل. { ما زادهم إلا ~~نفورا } أى ما زادهم مجيئه لهم إلا نفورا عن الحق، وتباعدا عن الهدى. ~~أى أنهم قبل مجئ الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يتمنون أن يكون الرسول ~~منهم، لا من غيرهم، وأقسموا بالله بأنهم سيطيعونه فلما جاءهم الرسول صلى ~~الله عليه وسلم نفروا عنه ولم يؤمنوا به. وإنما كان القسم بالله - تعالى ~~- غاية أيمانهم، لأنهم كانوا يحلفون بآبائهم وبأصنامهم، فإذا اشتد عليهم ~~الحال، وأرادوا تحقيق الحق، حلفوا بالله - تعالى -. وقوله { ~~ليكونن } جواب القسم المقدر. وقوله { ما زادهم إلا ~~نفورا } جواب لما. وقوله - تعالى - { استكبارا في الأرض } ~~بدل من { نفورا } أو مفعول لأجله { ومكر السيىء } معطوف على ~~استكبارا. والمراد بمكرهم السيئ تصميمهم على الشرك، تكذيبهم للرسول صلى ~~الله عليه وسلم، من أجل المعاندة للحق، والاستكبار عنه، ومن أجل المكر ~~السيئ الذى استولى على نفوسهم، والحق الدفين الذى فى قلوبهم. وقوله { ~~السيىء } صفة لموصوف محذوف. وأصل التركيب وأن مكروا المكر السيئ، ~~فأقيم المصدر مقام أن والفعل، وأضيف إلى ما كان صفة له. وقوله - تعالى - ~~{ ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله } بيان لسوء ~~عاقبة مكرهم، وأن شره ما نزل إلا بهم. وقوله { يحيق } بمعنى يحيط ~~وينزل. يقول حاق بفلان الشئ، إذا أحاط ونزل به. أى ولا ينزل ولا يحيط شر ~~لك المكر السيئ إلا بأهله الماكرين. قال صاحب الكشاف لقد حاق بهم يوم ~~بدر. وعن النبى صلى الله عليه وسلم # " لا تمكروا ولا تعينوا ماكرا، فإن الله - تعالى - يقول { ولا يحيق ~~المكر السيىء إلا بأهله } ولا تبغوا ولا تعينوا باغيا، ~~فإن الله - تعالى - يقول { يأيها الناس إنما بغيكم ~~على أنفسكم } ". # وقال الآلوسى - رحمه الله - والاية عامة على الصحيح، والأمور بعواقبها، ~~والله - تعالى - يمهل ولا يهمل، ووراء ms4261 الدنيا الآخرة، وسيعلم الذين ظلموا ~~أى منقلب ينقلبون. وبالجملة من مكر به غيره، ونفذ فيه المكر عاجلا فى ~~الظاهر، ففى الحقيقة هو الفائز، والماكر هو الهالك. وقوله - تعالى - { ~~فهل ينظرون إلا سنت آلأولين } حض لهم على الاستجابة ~~للحق، وترك المكر والمخادعة والعناد. والسنة الطريقة.. أى إذا كان الأمر ~~كما ذكرنا، فهل ينتظر هؤلاء الماكرون، إلا طريقتنا فى الماكرين من قبلهم. ~~وهى إهلاكهم ونزول العذاب والخسران بهم؟ إنهم ما ينتظرون إلا ذلك. وقوله ~~- سبحانه - { فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد ~~لسنت الله تحويلا } تأكيد لثبات سنته - تعالى - فى خلقه، ~~وتعليل لما يفيده الحكم بانتظارهم العذاب. أى هذه سنتنا وطريقتنا فى ~~الماكرين والمكذبين لرسلهم، أننا نمهلهم ولا نهملهم، ونجعل العاقبة ~~السيئة لهم. ولن تجد لسنة الله - تعالى - فى خلقه تبديلا بأن يضع غيرها ~~مكانها، ولن تجد لها تحويلا عما سارت عليه وجرت به. قال الجمل ما ملخصه ~~قوله { فهل ينظرون إلا سنت آلأولين } مصدر مضاف ~~لمفعوله تارة كما هنا، ولفاعله أخرى كقوله { فلن تجد لسنت ~~الله تبديلا } لأنه - تعالى - سنها بهم، فصحت إضافتها للفاعل ~~وللمفعول، والفاء فى قوله { فلن تجد } لتعليل ما يفيده الحكم ~~بانتظارهم العذاب. ونفى وجدان التبديل والتحويل، عبارة عن نفى وجودهما ~~بالطريق البرهانى، وتخصيص كل منهما بنفى مستقل لتأكيد انتفائهما. والمراد ~~بعدم التبديل. أن العذاب لا يبدل بغيره. وبعدم التحويل أنه لا يحول عن ~~مستحقه إلى غيره. وجمع بينهما هنا تعميما لتهديد المسئ لقبح مكره. ثم ساق ~~لهم - سبحانه - وما يؤكد عدم تغيير سنته فى خلقه، بأن حضهم على الاعتبار ~~بأحوال المهلكين من قبلهم، والذين يرون بأعينهم آثارهم، فقال - تعالى - { ~~أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة }. أى ~~أعمى هؤلاء الماكرون عن التدبر، ولم يسيروا فى الأرض، فيروا بأعينهم فى ~~رحلاتهم إلى الشام أو إلى اليمن أو إلى غيرهما، كيف كانت عاقبة المكذبين ~~من قبلهم، لقد دمرناهم تدميرا، مع أنهم كانوا أشد من مشركى مكة قوة، ~~وأكثر جمعا { وما كان ms4262 الله ليعجزه من شيء في ~~السماوات ولا في الأرض } أى وما كان من شأن الله - تعالى - أن ~~يعجزه شئ من الأشياء، سواء أكان فى السماوات أم فى الأرض. بل كل شئ تحت ~~أمره وتصرفه. { إنه } - سبحانه - { كان عليما } بكل شئ { ~~قديرا } على كل شئ. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان جانب من ~~رحمته بعباده فقال { ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ~~} من الذنوب أو الخطايا. { ما ترك على ظهرها } أى على ظهر ~~الأرض { من دآبة } من الدواب التى تدب عليها. { ولكن ~~يؤخرهم إلى أجل مسمى } وهو يوم القيامة. { فإذا ~~جآء أجلهم } الذى حدده - سبحانه - لحسابهم، جازاهم بما يستحقون { ~~فإن الله كان بعباده بصيرا } أى لا يخفى عليه شئ من ~~أحوالهم. وبعد فهذا تفسير لسورة فاطر. نسأل الله - تعالى - أن يجعله ~~خالصا لوجهه، ونافعا لعباده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ~~وسلم. ### | [36 - سورة يس] ### || [36.1-12] # قوله - تعالى - يس من الألفاظ التى اختلف المفسرون فى معناها، فمنهم من ~~يرى أن هذه الكلمة اسم للسورة، أو للقرآن، أو للرسول صلى الله عليه وسلم. ~~ومنهم من يرى أن معناها يا رجل، أو يا إنسان. ولعل أرجح الأقوال أن هذه ~~الكلمة من الألفاظ المقطعة التى افتتحت بها بعض السور القرآنية، للإشارة ~~إلى إعجاز القرآن الكريم، وللتنبيه إلى أن هذا القرآن المؤلف من جنس ~~الألفاظ التى ينطقون بها، هو من عند الله - تعالى -، وأنهم ليس فى ~~إمكانهم أو إمكان غيرهم أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة ~~من مثله... قال الآلوسى قوله - تعالى { يس } الكلام فيه كالكلام فى " ألم ~~" ونحوه من الحروف المقطعة فى أوائل بعض السور، إعرابا ومعنى عند ~~الكثيرين. وظاهر كلام بعضهم أن " يس " بمجموعة، اسم من أسمائه صلى الله ~~عليه وسلم. وقرأ جمع بسكون النون مدغمة فى الواو، وقرأ آخرون بسكونها ~~مظهرة، والقراءتان سبعيتان.. قوله - تعالى - { والقرآن الحكيم } ~~قسم منه - تعالى - بكتابه ذى الحكمة العالية. والهدايات السامية، ~~والتوجيهات السديدة، والتشريعات القويمة، والآداب الحميدة... وقوله - ~~سبحانه - { إنك لمن ms4263 المرسلين } جواب لهذا القسم. أى وحق هذا ~~القرآن الحكيم، إنك أيها الرسول الكريم - لمن عبادنا الذين اصطفيناهم ~~لحمل رسالتنا، وتبليغ دعوتنا إلى الناس، لكى يخلصوا العبادة لنا، ولا ~~يشركوا معنا فى ذلك غيرنا. وجاء هذا الجواب مشتملا على أكثر من مؤكد، ~~للرد على أولئك المشركين الذين استنكروا رسالة النبى صلى الله عليه وسلم ~~وقالوا فى شأنه " لست مرسلا ". قال بعض العلماء واعلم أن الأقسام الواقعة ~~فى القرآن. وإن وردت فى صورة تأكيد المحلوف عليه، إلا أن المقصود الأصلى ~~بها تعظيم المقسم به لما فيه من الدلالة على اتصافه - تعالى - بصفات ~~الكمال، أو على أفعاله العجيبة، أو على قدرته الباهرة فيكون المقصود من ~~الحلف الاستدلال به على عظم المحلوف عليه، وهو هنا عظم شأن الرسالة. كأنه ~~قال إن من أنزل القرآن - وهو من هو فى عظم شأنه - هو الذى أرسل رسوله ~~محمدا صلى الله عليه وسلم - ومثل ذلك يقال له فى الأقسام التى فى السور ~~الآتية... وقوله - تعالى - { على صراط مستقيم } خبر ثان لحرف ~~" إن " فى قوله - تعالى - قبل ذلك { إنك لمن المرسلين }. أى ~~إنك - يا محمد - لمن أنبيائنا المرسلين، على طريق واضح قويم، لا اعوجاج ~~فيه ولا اضطراب، ولا ارتفاع فيه ولا انخفاض، بل هو فى نهاية الاعتدال ~~والاستقامة. # قال صاحب الكشاف قوله { على صراط مستقيم } خبر بعد خبر، ~~أوصلة للمرسلين. فإن قلت أى حاجة إليه خبرا كان أو صلة، وقد علم أن ~~المرسلين لا يكونون إلا على صراط مستقيم؟ قلت ليس الغرض بذكره ما ذهبت ~~إليه من تمييز من أرسل على صراط مستقيم عن غيره ممن ليس على صفته. وإنما ~~الغرض وصفه، ووصف ما جاء به من الشريعة، فجمع بين الوصفين فى نظام واحد، ~~كأنه قال إنك لمن المرسلين الثابتين على طريق ثابت، وأيضا فإن التنكير ~~فيه دل على أنه أرسل من بين الصراط المستقيمة، على صراط مستقيم لا يكتنه ~~وصفه - أى فى التضخيم والتعظيم -. ثم مدح - سبحانه - كتابه بمدائح أخرى ~~فقال { تنزيل العزيز الرحيم } وقد قرأ بعض القراء ms4264 السبعة { ~~تنزيل } بالنصب على المدح، أو على المصدرية لفعل محذوف. أى نزل الله - ~~تعالى - القرآن تنزيل العزيز الرحيم. وقرأ البعض الآخر { تنزيل } بالرفع ~~على أنه خبر لمبتدأ محذوف. أى هذا القرآن هو تنزيل العزيز - الذى لا ~~يغلبه غالب -، الرحيم أى الواسع الرحمة بعباده. ثم بين - سبحانه - الحكمة ~~من إرساله لنبيه صلى الله عليه وسلم - فقال { لتنذر قوما مآ ~~أنذر آبآؤهم فهم غافلون }. واللام فى قوله { لتنذر } ~~متعلقة بفعل مضمر يدل عليه قوله { إنك لمن المرسلين }. ~~والإنذار إخبار معه تخويف فى مدة تتسع للتحفظ من الخوف، فإن لم تتسع له ~~فهو إعلام وإشعار لا إنذار. وأكثر ما يستعمل فى القرآن فى التخويف من ~~عذاب الله - تعالى -. والمراد بالقوم كفار مكة الذين بعث النبى صلى الله ~~عليه وسلم لإنذارهم، وهذا لا يمنع أن رسالته عامة إلى الناس جميعا، كما ~~قال - تعالى - # قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم ~~جميعا... # و { ما } نافية، والمراد بآبائهم آباؤهم الأقربون، لأن آباءهم الأبعدون ~~قد أرسل الله - تعالى - إليهم إسماعيل - عليه السلام -. أى أرسلناك - يا ~~محمد - بهذه الرسالة من لدنا، لتنذر قوما، وهم قريش المعاصرون لك، لم ~~يسبق لهم أو لآبائهم أن جاءهم نذير منا يحذرهم من سوء عاقبة الإشراك ~~بالله - تعالى - فهم لذلك غافلون عما يجب عليهم نحو خالقهم من إخلاص ~~العبادة له، وطاعته فى السر والعلن. قال ابن كثير قوله { لتنذر ~~قوما مآ أنذر آبآؤهم فهم غافلون } يعنى بهم العرب، ~~فإنه ما أتاهم من نذير من قبله. وذكرهم وحدهم لا ينفى من عداهم، كما أن ~~ذكر بعض الأفراد لا ينفى العموم، الذى وردت به الآيات والأحاديث ~~المتواترة... وقال الجمل ما ملخصه قوله { لتنذر قوما... } أى ~~العرب وغيرهم وقوله { مآ أنذر آبآؤهم } أى الأقربون، إلا ~~فآباؤهم الأبعدون قد أنذروا فآباء العرب الأقدمون أنذروا بإسماعيل، وآباء ~~غيرهم أنذروا بعيسى. # . و " ما " نافية، لأن قريشا لم يبعث إليهم نبى قبل نبينا صلى الله عليه ~~وسلم فالجملة صفة لقوله { قوما } أى قوما لم تنذروا. وقوله { فهم ~~غافلون } مرتب على ms4265 الإنذار... ثم بين - سبحانه - مصير هؤلاء ~~الغافلين، الذين استمروا فى غفلتهم وكفرهم بعد أن جاءهم النذير، فقال { ~~لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون }. ~~والجملة جواب لقسم محذوف. ومعنى { حق } ثبت ووجب. والمراد بالقول العذاب ~~الذى أعده الله - تعالى - لهم بسبب إصرارهم على كفرهم. أى والله لقد ثبت ~~وتحقق الحكم أزلا بالعذاب على أكثر هؤلاء المنذرين بسبب عدم إيمانهم ~~برسالتك، وجحودهم الحق الذى جئتهم به، وإيثارهم باختيارهم الغى على ~~الرشد، والضلال على الهدى... وقال - سبحانه - { على أكثرهم } ~~لأن قلة منهم اتبعت الحق، وآمنت به، وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون. ~~ولو جآءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم # ثم صور - سبحانه - انكبابهم على الكفر، وإصرارهم عليه، تصويرا بليغا ~~فقال { إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهى إلى ~~الأذقان فهم مقمحون }. والأغلال جمع غل - بضم الغين، وهو ~~القيد الذى تشد به اليد إلى العنق بقصد التعذيب والأذقان جمع ذقن - بفتح ~~الذال - وهو أسفل الفم. ومقمحون من الإقماح، وهو رفع الرأس مع غض البصر. ~~يقال قمح البعير قموحا إذا رفع رأسه عن الحوض ولم يشرب. والفاء فى قوله { ~~فهى } وفى قوله { فهم } للتقريع. أى إنا جعلنا فى أعناق هؤلاء الجاحدين ~~قيودا عظيمة، فهى - أى هذه القيود - واصلة إلى أذقانهم، فهم بسبب ذلك ~~مرفوعة رءوسهم، مع غض أبصارهم، بحيث لا يستطيعون أن يخفضوها، لان القيود ~~التى وصلت إلى أذقانهم منعتهم من خفض رءوسهم. فقد شبه - سبحانه - فى هذه ~~الآية، حال أولئك الكافرين، المصرين على جحودهم وعنادهم، بحال من وضعت ~~الأغلال فى عنقه ووصلت إلى ذقنه، ووجه الشبه أن كليهما لا يستطيع ~~الانفكاك عما هو فيه. ثم أكد - سبحانه - هذا الإصرار من الكافرين على ~~كفرهم فقال { وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن ~~خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون } أى إننا لم ~~نكتف بجعل الأغلال فى أعناقهم، بل أضفنا إلى ذلك أننا جعلنا من أمامهم ~~حاجزا عظيما ومن خلفهم كذلك حاجزا عظيما. { فأغشيناهم } أى فجعلنا على ~~أبصارهم غشاوة ms4266 وأغطية تمنعهم من الرؤية { فهم لا يبصرون } شيئا ~~بسبب احتجاب الرؤية عنهم. فالآية الكريمة تمثيل آخر لتصميمهم على كفرهم، ~~حيث شبههم - سبحانه - بحال من أحاطت بهم الحواجز من كل جانب، فمنعتهم من ~~الرؤية والإبصار. ولذا قال صاحب الكشاف عند تفسيره لهاتين الآيتين ثم ~~مثل تصميمهم على الكفر، وأنه لا سبيل على ارعوائهم، بأن جعلهم كالمغلولين ~~المقمحين فى أنهم لا يلتفتون إلى الحق، ولا يعطفون أعناقهم نحوه، ولا ~~يطأطئون رءوسهم له، وكالحاصلين بين سدين لا يبصرون ما قدامهم ولا ما ~~خلفهم فى أن لا تأمل لهم ولا تبصر، وأنهم متعامون عن النظر فى آيات الله. # وقد ذكروا فى سبب نزول هاتين الآيتين روايات منها ما أخرجه ابن جرير عن ~~عكرمة، أن أبا جهل قال لئن رأيت محمدا لأفعلن ولأفعلن، فأنزل الله - ~~تعالى - قوله { إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا... } ~~فكانوا يقولون لأبى جهل هذا محمد صلى الله عليه وسلم فيقول أين هو؟ ولا ~~يبصره. وقوله - تعالى - { وسوآء عليهم أأنذرتهم أم ~~لم تنذرهم لا يؤمنون } بيان لما وصل إليه هؤلاء الجاحدون من ~~عناد وانصراف عن الحق. وقوله { سواء } اسم مصدر بمعنى الاستواء، والمراد ~~به اسم الفاعل. أى مستو. أى أن هؤلاء الذين جعلنا فى أعناقهم أغلالا.. ~~وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا، مستو عندهم إنذارك إياهم وعدمه، ~~فهم - لسوء استعدادهم وفساد فطرهم - لا يؤمنون بالحق الذى جئتهم به سواء ~~دعوتهم إليه أم لم تدعهم إليه، وسواء خوفتهم بالعذاب أم لم تخوفهم به، ~~لأنهم ماتت قلوبهم، وصارت لا تتأثر بشئ مما تدعوهم إليه... ثم بين - ~~سبحانه - من هم أهل للتذكير فقال { إنما تنذر من اتبع ~~الذكر }. أى إنما تنذر - أيها الرسول الكريم - إنذارا نافعا، أولئك ~~الذين اتبعوا إرشادات القرآن الكريم وأوامره ونواهيه... وينفع إنذارك - ~~أيضا - مع من { وخشي الرحمن بالغيب } أى مع من خاف عقاب ~~الرحمن دون أن يرى هذا العقاب، ودون أن يرى الله - تعالى - الذى له الخلق ~~والأمر. هؤلاء هم الذين ينفع معهم الإنذار والتذكير والإرشاد، لأنهم ~~فتحوا قلوبهم للحق، ms4267 واستجابوا له. والفاء فى قوله { فبشره ~~بمغفرة وأجر كريم } لترتيب البشارة أو الأمر بها، على ما ~~قبلها من اتباع الذكر والخشية. أى فبشر - أيها الرسول الكريم - هذا النوع ~~من الناس، بمغفرة عظيمة منا لذنوبهم، وبأجر كريم لا يعلم مقداره أحد ~~سوانا. ثم أكد - سبحانه - أن البعث حق، وأن الجزاء حق، لكى لا يغفل عنهما ~~الناس، ولكى يستعدوا لهما بالإيمان والعمل الصالح فقال { إنا نحن ~~نحيي الموتى... }. أى إنا نحن بقدرتنا وحدها نحيى الموتى بعد ~~موتهم، ونعيدهم إلى الحياة مرة أخرى لكى نحاسبهم على أعمالهم. { ~~ونكتب ما قدموا وآثارهم } أى وإنا نحن الذين نسجل عليهم ~~أعمالهم التى عملوها فى الدنيا سواء أكانت هذه الأعمال صالحة أم غير ~~صالحة. ونسجل لهم - أيضا - آثارهم التى تركوها بعد موتهم سواء أكانت ~~صالحة كعلم نافع، أو صدقة جارية. # .. أم غير صالحة كدار للهو واللعب، وكرأى من الآراء الباطلة التى اتبعها ~~من جاء بعدهم، وسنجازيهم على ذلك بما يستحقون من ثواب أو عقاب { وكل ~~شيء أحصيناه في إمام مبين } أى وكل شئ أثبتناه وبيناه ~~فى أصل عظيم، وفى كتاب واضح عندنا. ألا وهو اللوح المحفوظ، أو علمنا الذى ~~لا يعزب عنه شئ. قال الإمام ابن كثير ما ملخصه وفى قوله { آثارهم } ~~قولان أحدهما ونكتب أعمالهم التى باشروها بأنفسهم، وآثارهم التى أثروها - ~~أى تركوها - من بعدهم، فنجزيهم على ذلك - أيضا -، إن خيرا فخيرا، وإن شرا ~~فشر. كقوله صلى الله عليه وسلم # " من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده، من ~~غير أن ينقص من أجورهم شئ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ~~ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شئ.. ". # والثانى أن المراد { وآثارهم } أى آثار خطاهم إلى الطاعة أو المعصية. ~~فقد روى مسلم والإمام أحمد عن جابر بن عبد الله قال # " خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد فبلغ ~~ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم ms4268 " إنه بلغني أنكم تريدون أن ~~تنتقلوا إلى المسجد؟ قالوا نعم يا رسول الله، قد أردنا ذلك، فقال يا بني ~~سلمة، دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم ". # ثم قال ابن كثير ولا تنافى هذا القول والذى قبله، بل فى القول الثانى ~~تنبيه ودلالة، على ذلك بطريق الأولى والأحرى، فإنه إذا كانت هذه الآثار ~~تكتب، فلأن تكتب التى فيها قدوة بهم من خير أو شر بطريق أولى. هذا، وتلك ~~الرواية الصحيحة تشير إلى أن هذه الآية ليست مدنية - كما قيل -، لأن هذه ~~الرواية تصرح بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال لبنى سلمة، # " دياركم تكتب آثاركم " # أى ألزموا دياركم تكتب آثاركم.. دون إشارة إلى سبب النزول. قال الآلوسى ~~ما ملخصه والأحاديث التى فيها أن الله - تعالى - أنزل هذه الآية، حين ~~أراد بنو سلمة أن ينتقلوا من ديارهم. معارضة بما فى الصحيحين من أن النبى ~~صلى الله عليه وسلم قرأ لهم هذه الآية، ولم يذكر أنها نزلت فيهم، وقراءته ~~صلى الله عليه وسلم لا تنافى تقدم النزول. أى أن الآية مكية كبقية ~~السورة. وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد أثبتت صدق الرسول صلى الله عليه ~~وسلم فيما يبلغه عن ربه، وبينت الحكمة من رسالته، كما بينت أن يوم ~~القيامة آت لا ريب فيه. ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم ~~أن يقرأ على الناس - ليعتبروا ويتعظوا - قصة أصحاب القرية، وما جرى بينهم ~~وبين الرسل الذين جاءوا لهدايتهم وإرشادهم إلى الطريق المستقيم فقال - ~~تعالى -. { واضرب لهم مثلا أصحاب القرية... } ### || [36.13-19] # قال القرطبى ما ملخصه قوله - تعالى - { واضرب لهم مثلا ~~أصحاب القرية } وهذه القرية هى " أنطاكية " فى قول جميع ~~المفسرين... والمرسلون قيل هم رسل من الله على الابتداء. وقيل إن عيسى ~~بعثهم إلى أنطاكية للدعاء إلى الله - تعالى -. ولم يرتض ابن كثير ما ذهب ~~إليه القرطبى والمفسرون من أن المراد بالقرية " أنطاكية " كما أنه لم ~~يرتض الرأى القائل بأن الرسل الثلاثة كانوا من عند عيسى - عليه السلام - ~~فقد قال - رحمه الله - ما ملخصه ms4269 وقد تقدم عن كثير من السلف، أن هذه ~~القرية هى أنطاكية، وأن هؤلاء الثلاثة كانوا رسلا من عيسى - عليه السلام ~~- وفى ذلك نظر من وجوه أحدها أن ظاهر القصة يدل على أن هؤلاء كانوا رسل ~~الله - عز وجل - لا من جهة عيسى، كما قال - تعالى - { إذ أرسلنآ ~~إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث... }. ~~الثانى أن أهل أنطاكية آمنوا برسل عيسى إليهم، وكانوا أول مدينة آمنت ~~بالمسيح عليه السلام، ولهذا كانت عند النصارى، إحدى المدن الأربعة التى ~~فيها بتاركه - أى، علماء بالدين المسيحى.. الثالث أن قصة أنطاكية مع ~~الحواريين أصحاب عيسى، كانت بعد نزول التوراة، وقد ذكر أبو سعيد الخدري ~~وغيره، أن الله تعالى بعد إنزاله التوراة لم يهلك أمة من الأمم عن آخرهم ~~بعذاب يبعثه عليهم، بل أمر المؤمنين بعد ذلك بقتال المشركين... فعلى هذا ~~يتعين أن هذه القرية المذكورة. قرية أخرى غير أنطاكية.. فإن هذه القرية ~~المشهورة بهذا الاسم لم يعرف أنها أهكلت، لا فى الملة النصرانية ولا قبل ~~ذلك. والذى يبدو لنا أن ما ذهب إليه الإمام ابن كثير هو الأقرب إلى ~~الصواب وأن القرآن الكريم لم يذكر من هم أصحاب القرية، لأن اهتمامه فى ~~هذه القصة وأمثالها، بالعبر والعظات التى تؤخذ منها. وضرب المثل فى ~~القرآن الكريم كثيرا ما يستعمل فى تطبيق حالة غريبة، بأخرى تشبهها، كما ~~فى قوله - تعالى - # ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح ~~وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا ~~صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله ~~شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين # فيكون المعنى واجعل - أيها الرسول الكريم - حال أصحاب القرية، مثلا ~~لمشركى مكة فى الإصرار على الكفر والعناد، وحذرهم من أن مصيرهم سيكون ~~كمصير هؤلاء السابقين، الذين كانت عاقبتهم أن أخذتهم الصيحة فإذا هم ~~خامدون، لأنهم كذبوا المرسلين. وقوله - سبحانه - { إذ جآءها ~~المرسلون } بدل اشتمال من { أصحاب القرية }. والمراد ~~بالمرسلين الذين أرسلهم الله إلى أهل تلك القرية، لهدايتهم إلى الحق. # وقوله { إذ أرسلنآ إليهم اثنين فكذبوهما.. } ~~بيان لكيفية الإرسال ولموقف أهل القرية ms4270 ممن جاءوا لإرشادهم إلى الدين ~~الحق. أى إن موقف المشركين منك - أيها الرسول الكريم -، يشبه موقف أصحاب ~~القرية من الرسل الذين أرسلناهم لهدايتهم، إذ أرسلنا إلى أصحاب هذه ~~القرية اثنين من رسلنا، فكذبوهما. وأعرضوا عن دعوتهما. والفاء فى قوله { ~~فكذبوهما } للإفصاح، أى أرسلنا إليهم اثنين لدعوتهم إلى إخلاص العبادة ~~لنا فذهبا إليه فكذبوهما. وقوله فعززنا بثالث أى فقوبنا الرسالة برسول ~~ثالث، من التعزيز بمعنى التقوية، ومنه قولهم تعزز لحم الناقة، إذا اشتد ~~وقوى. وعزز المطر الأرض، إذا قواها وشدها. وأرض عزاز، إذا كانت صلبة ~~قوية. ومفعول { فعززنا } محذوف لدلالة ما قبله عليه أى فعززناهما برسول ~~ثالث { فقالوا } أى الرسل الثلاثة لأصحاب القرية { إنآ إليكم ~~مرسلون } لا إلى غيركم، فأطيعونا فيما ندعوكم إليه من إخلاص ~~العبادة لله - تعالى -، ونبذ عبادة الأصنام. ثم حكى - سبحانه - ما دار ~~بين الرسل وأصحاب القرية من محاورات فقال { قالوا مآ أنتم إلا ~~بشر مثلنا ومآ أنزل الرحمن من شيء إن أنتم ~~إلا تكذبون }. أى قال أصحاب القرية للرسل على سبيل الاستنكار ~~والتطاول أنتم لستم إلا بشرا مثلنا فى البشرية، ولا مزية لكم علينا، ~~وكأن البشرية فى زعمهم تتنافى مع الرسالة، ثم أضافوا إلى ذلك قولهم وما ~~أنزل الرحمن من شئ مما تدعوننا إليه. ثم وصفوهم بالكذب فقالوا لهم ما ~~أنتم إلا كاذبون، فيما تدعونه من أنكم رسل إلينا. وهكذا قابل أهل القرية ~~رسل الله، بالإعراض عن دعوتهم وبالتطاول عليهم، وبالإنكار لما جاءوا ~~به، وبوصفهم بالكذب فيم يقولونه. ولكن الرسل قابلوا كل ذلك بالأناة ~~والصبر، شأن الواثق من صدقه، فقالوا لأهل القرية { ربنا يعلم ~~إنآ إليكم لمرسلون. وما علينآ إلا البلاغ ~~المبين } أى قالوا لهم بثقة وأدب ربنا - وحده - يعلم إنا إليكم ~~لمرسلون، وكفى بعلمه علما، وبحكمه حكما، وما علينا بعد ذلك بالنسبة لكم ~~إلا أن نبلغكم ما كلفنا بتبيلغه إليكم تبليغا واضحا، لا غموض فيه ولا ~~التباس. فأنت ترى أن الرسل لم يقابلوا سفاهة أهل القرية بمثلها، وإنما ~~قابلوا تكذيبهم لهم. بالمنطق الرصين، وبتأكيد أنهم رسل ms4271 الله، وأنهم ~~صادقون فى رسالتهم، لأن قولهم { ربنا يعلم إنآ إليكم ~~لمرسلون } جار مجرى القسم فى التوكيد. وقوله { وما علينآ ~~إلا البلاغ المبين } تحديد للوظيفة التى أرسلهم الله - تعالى ~~- من أجلها. ولكن أهل القرية لم يقتنعوا بهذا المنطق السليم، بل ردوا على ~~الرسل ردا قبيحا، فقالوا لهم { إنا تطيرنا بكم لئن لم ~~تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب ~~أليم } والتطير التشاؤم. أى قالوا فى الرد عليهم إنا تشاءمنا من ~~وجودكم بيننا، وكرهنا النظر إلى وجوهكم، وإذا لم ترحلوا عنا، وتكفوا عن ~~دعوتكم لنا إلى ما لا نريده، لنرجمنكم بالحجارة، وليمسنكم منا عذاب شديد ~~الألم قد ينتهى بقتلكم وهلاككم. # قال صاحب الكشاف قوله { تطيرنا بكم } أى تشاءمنا بكم، وذلك ~~أنهم كرهوا دينهم، ونفرت منه نفوسهم، وعادة الجهال أن يتيمنوا بكل شئ ~~مالوا إليه، واشتهوه وآثروه وقبلته طباعهم، ويتشاءموا مما نفروا عنه ~~وكرهوه، فإن أصابهم خير أو بلاء، قالوا ببركة هذا وبشؤم هذا. ولكن الرسل ~~قابلوا هذا التهديد - أيضا - بالثبات، والمنطق الحكيم فقالوا لهم { ~~طائركم معكم أإن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون ~~}. أى قال الرسل لأهل القرية ليس الأمر كما ذكرتم من أننا سبب شؤمكم، بل ~~الحق أن شؤمكم معكم، ومن عند أنفسكم، بسبب إصراركم على كفركم، وإعراضكم ~~عن الحق الذى جئناكم به من عند خالقكم. وجواب الشرط لقوله { أإن ~~ذكرتم } محذوف، والتقدير أئن وعظتم وذكرتم بالحق، وخوفتم من عقاب ~~الله.. تطيرتم وتشاءمتم. وقوله { بل أنتم قوم مسرفون } ~~إضراب عما يقتضيه الاستفهام والشرط من كون التذكير سببا للشؤم. أى ليس ~~الأمر كما ذكرتم من أن وجودنا بينكم هو سبب شؤمكم، بل الحق أنكم قوم ~~عادتكم الإسراف فى المعاصى، وفى إيثار الباطل على الحق، والغى على ~~الرشد، والتشاؤم على التيامن. ثم بين - سبحانه - بعد تلك المحاورة التى ~~دارت بين أهل القرية وبين الرسل، والتى تدل على أن أهل القرية كانوا مثلا ~~فى السفاهة والكراهة للخير والحق. بين - سبحانه - بعد ذلك ما دار بين أهل ~~القرية، وبين رجل صالح منهم ساءه أن يرى من قومه ms4272 تنكرهم لرسل الله - ~~تعالى - وتطاولهم عليهم، وتهديدهم لهم بالرجم فقال - تعالى - { وجآء ~~من أقصى المدينة رجل.. }. ### || [36.20-32] # وقوله - سبحانه - { وجآء من أقصى المدينة رجل ~~يسعى.. } معطوف على كلام محذوف يفهم من سياق القصة، والتقدير وانتشر ~~خبر الرسل بين أصحاب القرية، وعلم الناس بتهديد بعضهم لهم { وجآء من ~~أقصى المدينة } أى من أبعد مواضعها { رجل يسعى } أى رجل ~~ذو فطرة سليمة، يسرع الخطا لينصح قومه، وينهاهم عن إيذاء الرسل ويأمرهم ~~باتباعهم. قالوا وهذا الرجل كان اسمه حبيب النجار، لأنه كان يشتغل ~~بالنجارة. وقد أكثر بعض المفسرين هنا من ذكر صناعته وحاله قبل مجيئه، ~~ونحن نرى أنه لا حاجة إلى ذلك، لأنه لم يرد نص صحيح يعتمد عليه فيما ~~ذكروه عنه. ويكفيه فخرا هذا الثناء من الله - تعالى - عليه بصرف النظر عن ~~اسمه أو صنعته أو حاله، لأن المقصود من هذه القصة وأمثالها فى القرآن ~~الكريم هو الاعتبار والافتداء بأهل الخير. وعبر هنا بالمدينة بعد التعبير ~~عنها فى أول القصة بالقرية للإشارة إلى سعتها، وإلى أن خبر هؤلاء الرسل ~~قد انتشر فيها من أولها إلى آخرها. والتعبير بقوله { يسعى } يدل على صفاء ~~نفسه، وسلامة قلبه، وعلو همته، ومضاء عزيمته، حيث أسرع بالحضور إلى الرسل ~~وإلى قومه، ليعلن أمام الجميع كلمة الحق، ولم يرتض أن يقبع فى بيته - كما ~~يفعل الكثيرون - بل هرول نحو قومه، ليقوم بواجبه فى الأمر بالمعروف ~~والنهى عن المنكر. وقوله - تعالى - { قال يقوم اتبعوا ~~المرسلين } بيان لما بدأ ينصح قومه به بعد وصوله إليهم. أى { قال } ~~لقومه على سبيل الإرشاد والنصح { يقوم اتبعوا المرسلين } ~~الذين جاءوا لهدايتكم إلى الصراط المستقيم، ولإنقاذكم من الضلال المبين ~~الذى انغمستم فيه. ثم أكد هذه الدعوة بقوله { اتبعوا من لا ~~يسألكم أجرا وهم مهتدون } اتبعوا هؤلاء الرسل الذين ~~جاءوا بأمر ربكم إليكم، ليرشدوكم إلى الطريق الحق، والحال أنهم فى أنفسهم ~~ثابتون على الهدى، راسخون فى التمسك بالعقيدة السليمة. ثم أخذ بعد ذلك فى ~~حض قومه على اتباع الحق، عن طريق بيان الأسباب التى حملته ms4273 على الإيمان، ~~حتى يستثير قلوبهم نحو الهدى، فقال - كما حكى القرآن عنه - { وما لي ~~لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون. أأتخذ من ~~دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني ~~شفاعتهم شيئا ولا ينقذون. إني إذا لفي ضلال ~~مبين. إني آمنت بربكم فاسمعون }. أى قال الرجل ~~الصالح لقومه وأى مانع يمنعنى من أن أعبد الله - تعالى - وحده، لأنه هو ~~الذى خلقنى ولم أكن قبل ذلك شيئا مذكورا، وهو الذى إليه يكون مرجعكم بعد ~~مماتكم، فيحاسبكم على أعمالكم فى الدنيا، ويجازيكم عليها بما تستحقون من ~~ثواب أو عقاب. # والاستفهام فى قوله { أأتخذ من دونه آلهة.. } للإنكار ~~والنفى. أى لا يصح ولا يجوز أن اتخذ معه فى العبادة آلهة أخرى، كائنة ما ~~كانت هذه الآلهة، لأنه { إن يردن الرحمن بضر لا تغن ~~عني شفاعتهم شيئا } من النفع، حتى ولو كان هذا النفع فى ~~نهاية القلة والحقارة. { ولا ينقذون } ولا تستطيع هذه الآلهة ~~إنقاذى وتخليصى مما يصيبنى من ضر أراد الرحمن أن ينزله بى. { إني ~~إذا } لو اتخذت هذه الآلهة شريكا مع الله فى العبادة { لفي ضلال ~~مبين } أى لأكونن فى ضلال واضح لا يخفى على أحد من العقلاء. ثم ختم ~~حديثه معهم بإعلان إيمانه بكل صراحة وقوة فقال { إني آمنت ~~بربكم } ، الذى خلقكم ورزقكم { فاسمعون } أى فاسمعوا ما نطقت به، ~~واشهدوا لى بأنى آمنت بربكم الذى خلقكم وخلقنى، وكفرت بهؤلاء الشركاء، ~~ولن أشرك معه - سبحانه - فى العبادة أحدا. مهما كانت النتائج. وهكذا نرى ~~الرجل الصالح الذى استقر الإيمان فى قلبه ومشاعره ووجدانه يدافع عن الحق ~~الذى آمن به دفاعا قويا دون أن يخشى أحدا إلا الله، ويدعو قومه بشتى ~~الأساليب إلى اتباعه ويقيم لهم ألوانا من الأدلة على صحة ما يدعو إليه. ~~ثم يصارحهم فى النهاية، ويشهدهم على هذه المصارحة، بأنه قد آمن بما جاء ~~به الرسل إيمانا لا يقبل الشك أو التردد، ولا يثنيه عنه وعد أو وعيد أو ~~إيذاء أو قتل. ورحم الله صاحب الكشاف، فقد أجاد فى تصوير ms4274 هذه المعانى ~~فقال ما ملخصه قوله { اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم ~~مهتدون } كلمة جامعة فى الاستجابة لدعوة الرسل، أى لا تخسرون معهم ~~شيئا من دنياكم، وتربحون صحة دينكم، فينتظم لكم خير الدنيا وخير الآخرة. ~~ثم أبرز الكلام فى معرض المناصحة لنفسه، وهو يريد مناصحتهم، وليتلطف بهم ~~وبداريهم... فقال { وما لي لا أعبد الذي فطرني ~~وإليه ترجعون }. ثم قال { إني آمنت بربكم ~~فاسمعون } يريد فاسمعوا قولى وأطيعونى، فقد نيهتكم على الصحيح الذى ~~لا معدل عنه، أن العبادة لا تصح إلا لمن منه مبتدؤكم وإليه مرجعكم. ولكن ~~هذه النصائح الغالية الحكيمة من الرجل الصالح لقومه، لم تصادف أذنا واعية ~~بل إن سياق القصة بعد ذلك ليوحى بأن قومه قتلوه، فقد قال - تعالى - بعد ~~أن حكى نصائح هذا الرجل لقومه، { قيل ادخل الجنة.. } أى قالت ~~الملائكة لهذا الرجل الصالح عند موته على سبيل البشارة ادخل الجنة بسبب ~~إيمانك وعملك الطيب. قال الآلوسى قوله { قيل ادخل الجنة.. } ~~استئناف لبيان ما وقع له بعد قوله ذلك. والظاهر أن الأمر المقصود به ~~الإذن له بدخول الجنة حقيقة، وفى ذلك إشارة إلى أن الرجل قد فارق ~~الحياة، فعن ابن مسعود أنه بعد أن قال ما قال قتلوه.. وقيل الأمر للتبشير ~~لا للإذن بالدخول حقيقة، أى قالت ملائكة الموت وذلك على سبيل البشارة له ~~بأنه من أهل الجنة - يدخلها إذا دخلها المؤمنون بعد البعث. # وقوله - تعالى - { قال يليت قومي يعلمون. بما غفر ~~لي ربي وجعلني من المكرمين } استئناف بيانى لبيان ما ~~قاله عند البشارة. أى قيل له ادخل الجنة بسبب إيمانك وعملك الصالح، فرد ~~وقال يا ليت قومى الذين قتلونى ولم يسمعوا نصحى، يعلمون بما نلته من ثواب ~~من ربى، فقد غفر لى - سبحانه - وجعلنى من المكرمين عنده، بفضله وإحسانه.. ~~قال ابن كثير ومقصوده - من هذا القول - أنهم لو اطلعوا على ما حصل عليه ~~من ثواب ونعيم مقيم، لقادهم ذلك إلى اتباع الرسل، فرحمه الله ورضى عنه، ~~فلقد كان حريصا على هداية قومه. روى ابن أبى حاتم ms4275 أن عروة بن مسعود ~~الثقفى، قال للنبى صلى الله عليه وسلم # " ابعثني إلى قومي أدعوهم إلى الإسلام، فقال له صلى الله عليه وسلم " ~~إني أخاف أن يقتلوك " فقال يا رسول الله، لو وجدوني نائما ما أيقظونى. ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " انطلق إليهم " فانطلق إليهم، فمر ~~على اللات والعزى، فقال لأصبحنك غدا بما يسؤوك، فغضبت ثقيف فقال لهم ~~يا معشر ثقيف أسلموا تسلموا - ثلاث مرات -. فرماه رجل منهم فأصاب ~~أكحله فقتله - والأكحل عرق فى وسط الذراع - فبلغ ذلك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم - فقال " هذا مثله كمثل صاحب يس { قال يليت قومي ~~يعلمون. بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين } ~~". # وقال صاحب الكشاف ما ملخصه وقوله { يليت قومي يعلمون.. } ~~إنما تمنى علم قومه بحاله، ليكون علمهم بها سببا لاكتساب مثلها لأنفسهم، ~~بالتوبة عن الكفر، والدخول فى الإيمان.. وفى حديث مرفوع # " نصح قومه حيا وميتا ". # وفيه تنبيه عظيم على وجوب كظم الغيظ والحلم عن أهل الجهل والترؤف على من ~~أدخل نفسه فى غمار الأشرار وأهل البغى، والتشمر فى تخليصه، والتلطف فى ~~افتدائه، والاشتغال بذلك عن الشماتة به، والدعاء عليه، ألا ترى كيف تمنى ~~الخير لقتلته، وللباغين له الغوائل وهم كفرة وعبدة أصنام. ثم بين - ~~سبحانه - ما نزل بأصحاب القرية من عذاب أهلكهم فقال { ومآ أنزلنا ~~على قومه من بعده } أى من بعد موته. { من جند من ~~السمآء } لأنهم كانوا أحقر وأهون من أن نفعل معهم ذلك. { وما ~~كنا منزلين } أى وما صح وما استقام فى حكمتنا أن ننزل عليهم جندا ~~من السماء، لهوان شأنهم، وهوان قدرهم. { إن كانت إلا صيحة ~~واحدة } أى ما كانت عقوبتنا لهم إلا صيحة واحدة صاحها بهم جبريل ~~بأمرنا. { فإذا هم خامدون } أى هامدون ميتون، شأنهم فى ذلك كشأن ~~النار التى أصابها الخمود والانطفاء، بعد أن كانت مشتعلة ملتهبة، يقال. # خمدت النار تخمد خمودا. إذا سكن لهيبها، وانطفأ شررها، وخمد الرجل - ~~كقعد - إذا مات وانقطعت أنفاسه. وهكذا كانت نهاية الذين كذبوا المرسلين، ~~وقتلوا ms4276 المصلحين، فقد نزلت بهم عقوبة الله - تعالى - فجعلتهم فى ديارهم ~~جاثمين. وبعد أن بين - سبحانه - سوء مصارع المكذبين، أتبع ذلك بدعوة ~~الناس إلى الاتعاظ بذلك من قبل فوات الأوان، فقال - تعالى - { يحسرة ~~على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به ~~يستهزئون } والحسرة الغم والحزن على ما فات، والندم عليه ندما لا ~~نفع من ورائه، كأن المتحسر قد انحسرت عنه قواه وذهبت، وصار فى غير ~~استطاعته إرجاعها. و " يا " حرف نداء و " حسرة " منادى ونداؤها على ~~المجاز بتنزيلها منزلة العقلاء. والمراد بالعباد أولئك الذين كذبوا ~~الرسل، وآثروا العمى على الهدى، ويدخل فيهم دخولا أوليا أصحاب تلك القرية ~~المهلكة والمقصود من الآية الكريمة، التعجب من حال هؤلاء المهلكين، ~~وبيان أن حالهم تستحق التأثر والتأسف والاعتبار، لأنها حالة تدل على ~~بؤسهم وظلمهم لأنفسهم وجهلهم. والمعنى يا حسرة على العباد الذين أهلكوا ~~بسبب إصرارهم على كفرهم احضرى فهذا أوان حضورك، فإن هؤلاء المهلكين كانوا ~~فى دنياهم ما يأتيهم من رسول من الرسل، إلا كانوا به يستهزئون، ~~ويتغامزون، ويستخفون به وبدعوته، مع أنهم - لو كانوا يعقلون. لقابلوا ~~دعوة رسلهم بالطاعة والانقياد. قال صاحب الكشاف قوله { يحسرة على ~~العباد... } نداء للحسرة عليهم، كأنما قيل لها تعالى يا حسرة فهذه من ~~أحوالك التى حقك أن تحضرى فيها، وهى حال استهزائهم بالرسل. والمعنى أنهم ~~أحقاء بأن يتحسر عليهم المتحسرون، ويتلهف عليهم المتلهفون. أو هم متحسر ~~عليهم من جهة الملائكة والمؤمنين من الثقلين. وقرئ يا حسرة العباد، على ~~الإضافة إليهم لاختصاصها بهم، من حيث إنها موجهة إليهم. أى يا حسرة ~~العباد منهم على أنفسهم، بسبب تكذيبهم لرسلهم، واستهزائهم بهم. ثم وبخ - ~~سبحانه - كفار مكة، بسبب عدم اعتبارهم بمن سبقهم فقال { ألم يروا ~~كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا ~~يرجعون }. والقرون جمع قرن. وهم القوم المتقرنون فى زمن واحد. و " ~~كم " خبرية بمعنى كثير. أى ألم يعلم كفار مكة أننا أهلكنا كثيرا من الأمم ~~السابقة عليهم، بسبب إصرارهم على كفرهم، واستهزائهم برسلهم، وأن هؤلاء ~~المهلكين لا يرجعون ms4277 إليهم ليخبروهم بما جرى لهم، لأنهم لن يستطيعوا ذلك ~~فى الدنيا، لحكمة أرادها الله - تعالى -. ولكن الجميع سيعودون إليه - ~~سبحانه - وسيبعثهم يوم القيامة من قبورهم للحساب والجزاء، كما قال - ~~تعالى - { وإن كل لما جميع لدينا محضرون }. و " إن ~~" حرف نفى، و " كل " مبتدأ، والتنوين فيه عوض عن المضاف إليه و " لما " ~~بمعنى إلا. # و { جميع } خبر المبتدأ. و { محضرون } خبر ثان. أى لقد علم أهل مكة ~~وغيرهم أننا أهلكنا كثيرا من القرى الظالم أهلها. وأن هؤلاء المهلكين لن ~~يرجعوا إلى أهل مكة فى الدنيا، ولكن الحقيقة التى لا شك فيها أنه ما من ~~أمة من الأمم، أو جماعة من الجماعات المتقدمة أو المتأخرة إلا ومرجعها ~~إلينا يوم القيامة، لنحاسبها على أعمالها، ولنجازيها بالجزاء الذى ~~تستحقه. كما قال - سبحانه - فى آية أخرى # وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم ~~إنه بما يعملون خبير # ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ألوانا من الأدلة الدالة على وحدانيته ~~وقدرته، وهذه الأدلة منها ما هو أرضى، ومنها ما هو سماوى، ومنه ما هو ~~بحري، وكلها تدل - أيضا - على فضله ورحمته، قال - تعالى - { وآية ~~لهم الأرض الميتة... }. ### || [36.33-44] # قال الإمام الرازى ما ملخصه قوله { وآية لهم الأرض ~~الميتة أحييناها } وجه تعلقه بما قبله، أنه - سبحانه - لما ~~قال # وإن كل لما جميع لدينا محضرون # كان ذلك إشارة إلى الحشر، فذكر ما يدل على إمكانه قطعا لإنكارهم ~~واستبعادهم، وعنادهم فقال { وآية لهم الأرض الميتة ~~أحييناها... } أى وكذلك نحيى الموتى... والمراد بالآية هنا العلامة ~~والبرهان والدليل. والمراد بالأرض الميتة الأرض الجدباء التى لا نبات ~~فيها. والمراد بالحب جنسه من حنطة وشعير وغيرهما. أى ومن العلامات ~~الواضحة لهؤلاء المشركين على قدرتنا على إحياء الموتى، أننا ننزل الماء ~~على الأرض الجدباء، فتهتز وتربو، وتخرج ألوانا وأصنافا من الحبوب التى ~~يعيشون عليها. ويأكلون منها. وذكر - سبحانه - لفظ { آية } للإشعار بأنها ~~آية عظيمة، كان ينبغى لهؤلاء المشركين أن يلتفتوا إليها، لأنهم يشاهدون ~~بأعينهم الأرض القاحلة السوداء، كيف تتحول إلى أرض خضراء بعد نزول المطر ~~عليها. ms4278 والله - تعالى - الذى قدر على ذلك، قادر - أيضا - على إحياء ~~الموتى وإعادتهم إلى الحياة. وقوله { أحييناها } كلام مستأنف مبين ~~لكيفية كون الأرض الميتة آية. وقدم - سبحانه - الجار والمجرور فى قوله { ~~فمنه يأكلون } للدلالة على أن الحب هو الشئ الذى تكون منه ~~معظم المأكولات التى يعيشون عليها، وأن قلته تؤدى إلى القحط والجوع. ~~ثم بين - سبحانه - بعض النعم الأخرى التى تحملها الأرض لهم فقال { ~~وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا ~~فيها من العيون }. والآية الكريمة معطوفة على قوله { ~~أحييناها } ، ونخيل جمع نخل، كعبيد جمع عبد، وأعناب جمع عنب ~~والعيون، جمع عين. والمراد بها الآبار التى تسقى بها الزروع. أى أحيينا ~~هذه الأرض الميتة بالماء.. وجعلنا فيها - بقدرتنا ورحمتنا - بساتين كثيرة ~~من نخيل وأعناب، وفجرنا وشققنا فيها كثيرا من الآبار والعيون التى تسقى ~~بها تلك الزروع والثمار. وخص النخيل والأعناب بالذكر، لأنها أشهر الفواكه ~~المعروفة لديهم، وأنفعها عندهم. واللام فى قوله { ليأكلوا من ~~ثمره } متعلق بقوله { وجعلنا... }. والضمير فى قوله { من ثمره } ~~يعود إلى المذكور من الجنات والنخيل والأعناب. أو إلى الله - تعالى -. أى ~~وجعلنا فى الأرض ما جعلنا من جناب ومن نخيل ومن أعناب، ليأكلوا ثمار هذه ~~الأشياء التى جعلناها لهم، وليشكرونا على هذه النعم. و " ما " فى قوله { ~~وما عملته أيديهم أفلا يشكرون } الظاهر أنها نافية ~~والجملة حالية، والاستفهام للحض على الشكر. أى جعلنا لهم فى الأرض جنات ~~من نخيل وأعناب، ليأكلوا من ثمار ما جعلناه لهم، وإن هذه الثمار لم ~~تصنعها أيديهم، وإنما الذى أوجدها وصنعها هو الله - تعالى - بقدرته ~~ومشيئته. # وما دام الأمر كذلك، فهلا شكرونا على نعمنا، وأخلصوا العبادة لنا. قال ~~ابن كثير وقوله { وما عملته أيديهم } أى وماذاك كله إلا من ~~رحمتنا بهم، لا بسعيهم ولا كدهم، ولا بحولهم وقوتهم. قاله ابن عباس ~~وقتادة. ولهذا قال { أفلا يشكرون } أى فهلا يشكرونه على ما أنعم ~~به عليهم من هذه النعم التى لا تعد ولا تحصى. ويصح أن تكون " ما " هنا ~~موصولة فيكون المعنى ليأكلوا من ثمره ms4279 ومن الذى عملته أيديهم من هذه ~~الثمار كالعصير الناتج منها، وكغرسهم لتلك الأشجار وتعهدها بالسقى وغيره، ~~إلى أن آتت أكلها. قال الشوكانى وقوله { وما عملته أيديهم } ~~معطوف على ثمره، أى ليأكلوا من ثمره، ويأكلوا مما عملته أيديهم كالعصير ~~والدبس ونحوهما وكذلك ما غرسوه وحفروه على أن " ما " موصولة، وقيل هى ~~نافية، والمعنى لم يعملوه بأيديهم، بل العامل له هو الله.. ثم أثنى - ~~سبحانه - على ذاته بما هو أهل له من ثناء فقال { سبحان الذي خلق ~~الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ~~ومما لا يعلمون }. ولفظ { سبحان } اسم مصدر منصوب على أنه ~~مفعول مطلق بفعل محذوف، والتقدير سبحت الله سبحانا أى تسبيحا. بمعنى ~~نزهته تنزيها عن كل سوء، وعظمته تعظيما. و " من " فى الآية الكريمة ~~للبيان. أى ننزه الله - تعالى - تنزيها عن كل سوء. ونعظمه تعظيما لا ~~نهاية له، فهو - عز وجل - { الذي خلق الأزواج كلها } أى ~~الأنواع، والأصناف كلها ذكورا وإناثا. { مما تنبت الأرض } أى ~~خلق الأصناف كلها التى تنبت فى الأرض من حبوب وغيرها. { ومن ~~أنفسهم } أى وخلقها من أنفسهم إذ الذكر من الأنثى، والأنثى من ~~الذكر. { ومما لا يعلمون } أى وخلق هذه الأصناف كلها من أشياء ~~لا علم لهم بها، وإنما مرد علمها إليه وحده - تعالى - كما قال - سبحانه - # ويخلق ما لا تعلمون # فالمقصود من الآية الكريمة بيان لمظهر من مظاهر قدرته - تعالى - وبديع ~~خلقه، حيث خلق الأصناف كلها، نرى بعضها نابتا فى الأرض، ونرى بعضها ~~متمثلا فى الإنسان المكون من ذكر وأنثى، وهناك مخلوقات أخرى لا يعلمها ~~إلا الله - تعالى -. وبعد أن بين - سبحانه - مظاهر قدرته عن طريق التأمل ~~فى الأرض التى نعيش عليها، عقب ذلك ببيان مظاهر قدرته عن طريق التأمل فى ~~تقلب الليل والنهار، وتعاقب الشمس والقمر، فقال - تعالى - { وآية ~~لهم اليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون }. ~~وقوله { نسلخ } من السلخ بمعنى الكشط والإزالة، يقال سلخ فلان جلد ~~الشاة، إذا أزاله عنها. والمراد هنا إزلة ضوء النهار عن الليل، ليبقى ~~لليل ظلمته. قال ms4280 صاحب الكشاف سلخ جلد الشاة، إذا كشطه عنها وأزاله. # ومنه سلخ الحية لخرشائها - أى لجلدها - فاستعير ذلك لإزالة ~~الضوء وكشفه عن مكان الليل، وملقى ظله. أى ومن البراهين والعلامات ~~الواضحة، الدالة على وحدانية الله، وقدرته على إحياء الموتى، وجود الليل ~~والنهار بهذه الطريقة التى نشاهدها، حيث ينزع - سبحانه - عن الليل ~~النهار، فيبقى لليل ظلامه، ويصير الناس فى ليل مظلم، بعد أن كانوا فى ~~نهار مضئ. فمعنى { فإذا هم مظلمون } فإذا هم داخلون فى الظلام، ~~بعد أن كانوا بعيدين عنه. يقال أظلم القوم. إذا دخلوا فى الظلام. ~~وأصبحوا، إذا دخلوا فى وقت الصباح. وقوله - تعالى - { والشمس ~~تجري لمستقر لها } بيان لدليل آخر على قدرته - تعالى - وهو ~~معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك { وآية لهم اليل... } قال ~~الآلوسى ما ملخصه وقوله { لمستقر لها } أى لحد معين تنتهى ~~إليه.. شبه بمستقر المسافر إذا انتهى من سيره، والمستقر عليه اسم مكان، ~~واللام بمعنى إلى.. ويصح أن يكون اسم زمان، على أنها تجرى إلى وقت لها لا ~~تتعداه، وعلى هذا فمستقرها انتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا.. والمعنى ~~وآية أخرى لهم على قدرتنا، وهى أن الشمس تجرى إلى مكان معين لا تتعداه ~~وإلى زمن محدد لا تتجاوزه وهذا المكان وذلك الزمان، كلاهما لا يعلمه إلا ~~الله - تعالى -. قال بعض العلماء قوله - تعالى - { والشمس تجري ~~لمستقر لها } أى والشمس تدور حول نفسها، وكان المظنون أنها ~~ثابتة فى موضعها الذى تدور فيه حول نفسها. ولكن عرف أخيرا أنها ليست ~~مستقرة فى مكانها، وإنما هى تجرى فعلا.. تجرى فى اتجاه واحد، فى هذا ~~الفضاء الكونى الهائل بسرعة حسبها الفلكيون باثنى عشر ميلا فى الثانية. ~~والله ربها الخبير بجريانها وبمصيرها يقول إنها تجرى لمستقر لها، هذا ~~المستقر الذى ستنتهى إليه لا يعلمه إلا هو - سبحانه - ولا يعلم موعده ~~سواه. وحين نتصور أن حجم هذه الشمس يبلغ نحو مليون ضعف لحجم أرضنا هذه، ~~وأن هذه الكتلة الهائلة تتحرك أو تجرى فى الفضاء لا يسندها شئ، حين نتصور ~~ذلك، ندرك طرفا من ms4281 صفة القدرة التى تصرف هذا الوجود عن قوة وعن علم. وقد ~~ساق القرطبى عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث فقال وفى صحيح مسلم ~~عن أبى ذر قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله - تعالى - { ~~والشمس تجري لمستقر لها } قال مستقرها تحت العرش. ~~ولفظ البخارى عن أبى ذر قال # " قال النبي صلى الله عليه وسلم لي حين غربت الشمس. " تدري أين تذهب "؟ ~~قلت الله ورسوله أعلم. قال فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن ~~لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها. فقال لها ارجعي ~~من حيث جئت. فتطلع من مغربها. فذلك قوله - تعالى { والشمس تجري ~~لمستقر لها } ". # واسم الإشارة فى قوله { ذلك تقدير العزيز العليم } يعود ~~إلى الجرى المفهوم من " تجرى ". أى ذلك الجريان البديع العجيب المقدر ~~الشمس، تقدير الله - تعالى - العزيز الذى لا يغلبه غالب، العليم بكل شئ ~~فى هذا الكون علما لا يخفى معه قليل أو كثير من أحوال هذا الكون. ثم ذكر ~~- سبحانه - آية أخرى تتعلق بكمال قدرته فقال { والقمر قدرناه ~~منازل.. } ولفظ القمر قراه جمهور القراء بالنصب على أنه مفعول لفعل ~~محذوف يفسره ما بعده. والمنازل جمع منزل. والمراد بها أماكن سيره فى كل ~~ليلة، وهى ثمان وعشرون منزلا، تبدأ من أول ليلة فى الشهر، إلى الليلة ~~الثامنة والعشرين منه. ثم يستتر القمر ليلتين إن كان الشهر تاما. ويستتر ~~ليلة واحدة إن كان الشهر تسعا وعشرين ليلة. أى وقدرنا سير القمر فى ~~منازل، بأن ينزل فى كل ليلة فى منزل لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه، إذ كل شئ ~~عندنا بمقدار.. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو " والقمر " بالرفع على ~~الابتداء، وخبره جملة " قدرناه ". قال الآلوسى ما ملخصه. قوله { ~~والقمر قدرناه } - بالنصب - أى وصيرنا سيره، أى محله الذى ~~يسير فيه " منازل " فقدر بمعنى صير الناصب لمفعولين. والكلام على حذف ~~مضاف، والمضاف المحذوف مفعوله الأول { منازل } مفعوله الثانى. وقرأ ~~الحرميان وأبو عمرو { والقمر } بالرفع، على الابتداء، وجملة { ~~قدرناه } خبره. والمنازل ms4282 جمع منزل، والمراد به المسافة التى يقطعها ~~القمر فى يوم وليلة. وقوله - سبحانه - { حتى عاد كالعرجون ~~القديم } تصوير بديع لحالة القمر وهو فى آخر منازله. والعرجون هو قنو ~~النخلة ما بين الشماريخ إلى منبته منها، وهو الذى يحمل ثمار النخلة سواء ~~أكانت تلك الثمار مستوية أم غير مستوية. وسمى عرجونا من الانعراج، وهو ~~الانعطاف والتقوس، شبه به القمر فى دقته وتقوسه واصفراره. أى وصيرنا سير ~~القمر فى منازل لا يتعداها ولا يتقاصر عنها، فإذا صار فى آخر منازله، ~~أصبح فى دقته وتقوسه كالعرجون القديم، أى العتيق اليابس. قال بعض العلماء ~~والذى يلاحظ القمر ليلة بعد ليلة. يدرك ظل التعبير القرآنى العجيب { ~~حتى عاد كالعرجون القديم } وبخاصة ظل ذلك اللفظ { ~~القديم }. فالمقر فى لياليه الأولى هلال. وفى لياليه الأخيرة هلال. ~~ولكنه فى لياليه الأولى يبدو وكأن فيه نضارة وقوة. وفى لياليه الأخيرة ~~يطلع وكأنما يغشاه سهوم ووجوم، ويكون فيه شحوب وذبول. ذبول العرجون ~~القديم، فليست مصادفة أن يعبر القرآن عنه هذا التعبير الموحى العجيب. ~~وقوله - تعالى - { لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ~~ولا اليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون } بيان ~~لدقة نظامه - سبحانه - فى كونه، وأن هذا الكون الهائل يسير بترتيب فى ~~أسمى درجات الدقة، وحسن التنظيم. # أى لا يصح ولا يتأتى للشمس أن تدرك القمر فى مسيره فتجتمع معه بالليل. ~~وكذلك لا يصح ولا يتأتى لليل أن يسبق النهار، بأنه يزاحمه فى محله أو ~~وقته، وإنما كل واحد من الشمس والقمر، والليل والنهار، يسير، فى هذا ~~الكون بنظام بديع قدره الله - تعالى - له، بحيث لا يسبق غيره، أو يزاحمه ~~فى سيره. قال الإمام ابن كثير قوله - تعالى - { لا الشمس ينبغي ~~لهآ أن تدرك القمر } قال مجاهد لكل منهما حد لا يعدوه، ولا ~~يقصر دونه، إذا جاء سلطان هذا ذهب هذا، وإذا ذهب سلطان هذا جاء سلطان ~~هذا.. وقال عكرمة يعنى أن لكل منها سلطانا فلا ينبغى للشمس أن تطلع ~~بالليل. وقوله { ولا اليل سابق النهار } يقول لا ينبغى ms4283 إذا ~~كان الليل أن يكون ليل آخر، حتى يكون النهار.. وقوله - تعالى - { وكل ~~في فلك يسبحون } التنوين فى " كل " عوض عن المضاف إليه.. قال ~~الآلوسى والفلك مجرى الكواكب، سمى بذلك لاستدارته، كفلكة المغزل، وهى ~~الخشبة المستديرة فى وسطه، وفلكه الخيمة، وهى الخشبة المستديرة التى توضع ~~على رأس العمود لئلا تتمزق الخيمة. أى وكل من الشمس والقمر، والليل ~~والنهار، فى أجزاء هذا الكون يسيرون بانبساط وسهولة، لأن قدرة الله - ~~تعالى - تمنعهم من التصادم أو التزاحم أو الاضطراب. ثم ذكر - سبحانه - ~~نوعا آخر من النعم التى امتن بها على عباده فقال { وآية لهم ~~أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون }. ~~وللمفسرين فى تفسير هذه الآية أقوال منها أن الضمير فى " لهم " يعود إلى ~~أهل مكة، والمراد بذريتهم أولادهم صغارا وكبارا، والمراد بالفلك المشحون ~~جنس السفن. فيكون المعنى ومن العلامات الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا، ~~أننا حملنا - بفضلنا ورحمتنا - أولادهم صغارا وكبارا فى السفن المملوءة ~~بما ينفعهم دون أن يصيبهم أذى، وسخرنا لهم هذه السفن لينتقلوا فيها من ~~مكان إلى آخر. ويرى بعضهم أن الضمير فى " لهم " يعود إلى الناس عامة، ~~والمراد بذريتهم آباؤهم الأقدمون، والمراد بذريتهم آباؤهم الأقدمون، ~~والمراد بالفلك المشحون سفينة نوح - عليه السلام - التى أنجاه الله - ~~تعالى - فيها بمن معه من المؤمنين، الذين لم يبق على وجه الأرض من ذرية ~~آدم غيرهم. فيكون المعنى وعلامة ودليل واضح للناس جميعا على قدرتنا، أننا ~~حملنا - بفضلنا ورحمتنا - آباءهم الأقدمين الذين آمنوا بنوح - عليه ~~السلام - فى السفينة التى أمرناه بصنعها، والتى كانت مليئة ومشحونة، بما ~~ينتفعون به فى حياتهم. # قال الجمل وإطلاق الذرية على الأصول صحيح، فإن لفظ الذرية مشترك بين ~~الضدين، الأصول والفروع لأن الذرية من الذرء بمعنى الخلق. والفروع ~~مخلوقون من الأصول، والأصول خلقت منها الفروع. فاسم الذرية يقع على ~~الآباء كما يقع على الأولاد. وهذا الرأى الثانى قد اختاره الإمام ابن ~~كثير ولم يذكر سواه، فقد قال رحمه الله يقول - تعالى - ودلالة لهم - أيضا ~~- على قدرته - تعالى - تسخيره البحر ليحمل السفن، فمن ms4284 ذلك - بل أوله - ~~سفينة نوح التى أنجاه الله فيها بمن معه من المؤمنين، ولهذا قال { ~~وآية لهم أنا حملنا ذريتهم } أى آباءهم. { في ~~الفلك المشحون } أى فى السفينة المملوءة بالأمتعة والحيوانات، ~~التى أمره الله أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين. وقوله - تعالى - { ~~وخلقنا لهم من مثله ما يركبون } بيان لنعمة أخرى من ~~نعمه - تعالى - على عباده. والضمير فى قوله - تعالى - { من مثله } ~~يعود على السفن المشبهة لسفينة نوح - عليه السلام -. قال القرطبى ما ~~ملخصه قوله - تعالى - { وخلقنا لهم من مثله ما ~~يركبون } والأصل ما يركبونه... والضمير فى { من مثله } ~~للإبل. خلقها لهم للركوب فى البر، مثل السفن المركوبة فى البحر، والعرب ~~تشبه الإبل بالسفن. وقيل إنه للإبل والدواب وكل ما يركب. والأصح أنه ~~للسفن. أى خلقنا لهم سفنا أمثالها، أى أمثال سفينة نوح يركبون فيها. قال ~~الضحاك وغيره هى السفن المتخذة بعد سفينة نوح - عليه السلام -. ثم بين - ~~سبحانه - مظهرا آخر من مظاهر فضله على الناس فقال { وإن نشأ ~~نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون. إلا ~~رحمة منا ومتاعا إلى حين }. الصريخ المغيث أى فلا مغيث ~~لهم. أو فلا إغاثة لهم، على أنه مصدر كالصراخ، لأن المستغيث الخائف ينادى ~~به من ينقذه، فيصرخ المغيث له قائلا جاءك الغوث والعون. والاستثناء هنا ~~مفرغ من أعم العلل. أى وإن نشأ أن نغرق المحمولين فى السفن أغرقناهم، دون ~~أن يجدوا من يغيثهم منا، أو من ينقذهم من الغرق، سوى رحمتنا بهم، وفضلنا ~~عليهم، وتمتيعنا إياهم بالحياة إلى وقت معين تنقضى عنده حياتهم. فالآيتان ~~الكريمتان تصوران مظاهر قدرة الله ورحمته بعباده أكمل تصوير وذلك لأن ~~السفن التى تجرى فى البحر - مهما عظمت - تصير عندما تشتد أمواجه فى حالة ~~شديدة من الاضطراب، ويغشى الراكبين فيها من الهول والفزع ما يغشاهم، وفى ~~تلك الظروف العصيبة لا نجاة لهم مما هم فيه إلا عن طريق رعاية الله - ~~تعالى - ورحمته بهم. ثم ذكر - سبحانه - جانبا من رد المشركين السيئ على ~~من يدعوهم إلى الخير، ومن جهالاتهم ms4285 حيث تعجلوا العذاب الذى لا محيص لهم ~~عنه، ومن أحوالهم عند قيام الساعة، فقال - تعالى - { وإذا قيل ~~لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم... }. ### || [36.45-54] # وقوله - تعالى - { وإذا قيل لهم اتقوا ما بين ~~أيديكم وما خلفكم... } حكاية لموقف المشركين من الناصحين ~~لهم، ويكف أنهم صموا آذانهم عن سماع الآيات التنزيلية، بعد صممهم عن ~~التفكر فى الآيات التكوينية. أى وإذا قال قائل لهؤلاء المشركين على سبيل ~~النصح والإرشاد { اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم } ~~أى احذروا ما تقدم من ذنوبكم وما تأخر، وصونوا أنفسكم عن ارتكاب المعاصى ~~التى ارتكبها الظالمون من قبلكم، فأهلكوا بسببها وأبيدوا، وآمنوا بالله ~~ورسوله واعملوا العمل الصالح، لعلكم بسبب ذلك تنالون الرحمة من الله - ~~تعالى -. وجواب " إذا " محذوف دل عليه ما بعده، والتقدير إذا قيل لهم ذلك ~~أعرضوا عن الناصح، واستخفوا به، وتطاولوا عليه. ويشهد لهذا الجواب ~~المحذوف قوله - تعالى - بعد ذلك { وما تأتيهم من آية من ~~آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين }. و " من " ~~الأولى مزيدة لتأكيد إعراضهم وصممهم عن سماع الحق، والثانية للتبعيض. أى ~~ولقد بلغ الجحود والجهل والعناد عند هؤلاء المشركين، أنهم ما تأتيهم آية ~~من الآيات التى تدل على وحدانية الله - تعالى - وقدرته، وعلى أن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم صادق فى دعوته، إلا كانوا عن كل ذلك معرضين إعراضا ~~تاما، شأنهم فى ذلك شأن الجاحدين من قبلهم. وأضاف - سبحانه - إليه الآيات ~~التى أتتهم، لتفخيم شأنها، وبيان أنها آيات عظيمة، كان من شأنهم - لو ~~كانوا يعقلون - أن يتدبروها، ويتبعوا من جاء بها. ثم حكى - سبحانه - ~~موقفا آخر، من مواقفهم القبيحة ممن نصحهم وأرشدهم إلى الصواب، فقال - ~~تعالى - { وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال ~~الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشآء ~~الله أطعمه... }. وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ~~أن أبا بكر الصديق - رضى الله عنه - كان يطعم مساكين المسلمين، فلقيه أبو ~~جهل فقال له يا أبا بكر أتزعم أن الله قادر على إطعام هؤلاء؟ قال نعم. ~~قال ms4286 فما باله لم يطعمهم؟ قال أبو بكر ابتلى - سبحانه - قوما بالفقر، ~~وقوما بالغنى، وأمر الفقراء بالصبر، وأمر الأغنياء بالإعطاء. فقال أبو ~~جهل والله يا أبا بكر إن أنت إلا فى ضلال، أتزعم أن الله قادر على إطعام ~~هؤلاء وهو لا يطعمهم، ثم تطعمهم أنت.. فنزلت هذه الآية. وقيل كان العاصى ~~بن وائل السهمى، إذا سأله المسكين قال له اذهب إلى ربك فهو أولى منى بك. ~~ثم يقول قد منعه الله فأطعمه أنا.. والمعنى وإذا قال قائل من المؤمنين ~~لهؤلاء الكافرين أنفقوا على المحتاجين شيئا من الخير الكثير الذى رزقكم ~~الله - تعالى - إياه. # قال الكافرون - على سبيل الاستهزء والسخرية - للمؤمنين هؤلاء الفقراء ~~الذين طلبتهم منا أن ننفق عليهم، لو شاء الله لأطعمهم ولأغناهم كما ~~أغنانا. { إن أنتم } أيها المؤمنون { إلا في ضلال مبين } ~~فى أمركم لنا بالإنفاق عليهم أو على غيرهم. قال الشوكانى ما ملخصه وقوله ~~{ أنطعم من لو يشآء الله أطعمه } حكاية لتهكم ~~الكافرين، وقد كانوا سمعوا المؤمنين يقولون إن الرزاق هو الله، وإنه يغنى ~~من يشاء، ويفقر من يشاء، فكأنهم حاولوا بهذا القول الإلزام للمؤمنين، ~~وقالوا نحن نوافق مشيئة الله فلا نطعم من لم يطعمه الله. وهذا غلط منهم ~~ومكابرة ومجادلة بالباطل، فإن الله - سبحانه - أغنى بعض خلقه وأفقر بعضا، ~~وأمر الغنى أن يطعم الفقير، وابتلاه به فيما فرض له من ماله من الصدقة، ~~وقولهم { من لو يشآء الله أطعمه } هو وإن كان كلاما صحيحا ~~فى نفسه، ولكنهم لما قصدوا به الإنكار لقدرة الله، وإنكار جواز الأمر ~~بالإنفاق مع قدرة الله، كان احتجاجهم من هذه الحيثية باطلا. وقوله { ~~إن أنتم إلا في ضلال مبين } من تتمة كلام الكفار. وقيل ~~هو رد من الله عليهم. ثم يحكى القرآن إنكارهم للبعث، واستهزاءهم بمن يؤمن ~~به فيقول { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ~~}. أى ويقول الكافرون للمؤمنين - على سبيل الاستهزاء والتكذيب بالبعث - { ~~متى هذا الوعد } الذى تعدوننا به من أن هناك بعثا، وحسابا ~~وجزاء... أحضروه لنا { إن كنتم صادقين } فيما تعدوننا ms4287 به. وهنا ~~يجئ الرد الذى يزلزلهم، عن طريق بيان بعض مشاهد يوم القيامة، فيقول - ~~سبحانه - { ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم ~~وهم يخصمون. فلا يستطيعون توصية ولا إلى ~~أهلهم يرجعون } المراد بالصيحة هنا النفخة الأولى التى ينفخها ~~إسرافيل بأمر الله - تعالى - فيموت جميع الخلائق. وقوله { يخصمون } ~~أى يختصمون فى أمور دنياهم. وفى هذا اللفظ عدة قراءات سبعية. منها قراءة ~~أبو عمرو وابن كثير { وهم يخصمون } - بفتح الياء والخاء وتشديد ~~الصاد مع الفتح - ومنها قراءة عاصم والكسائى { وهم يخصمون } ~~بفتح الياء وكسر الخاء وتشديد الصاد مع الكسر. ومنها قراءة حمزة { ~~يخصمون } بإسكان الخاء وكسر الصاد مع التخفيف. أى أن هؤلاء ~~الكافرين الذين يستنكرون قيام الساعة، ويستبعدون حصولها، جاهلون غافلون، ~~فإن الساعة آتية لا ريب فيها، وستحل بهم بغتة فإنهم ما ينتظرون { إلا ~~صيحة واحدة } يصيحها إسرافيل بأمرنا، فتأخذهم هذه الصيحة وتصعقهم ~~وتهلكهم { وهم يخصمون } أى وهم يتخاصمون، ويتنازعون فى أمور ~~دنياهم. وعندما تنزل بهم هذه الصيحة، لا يستطيع بعضهم أن يوصى بعضا بما ~~يريد أن يقول له ولا يستطيعون جميعا الرجوع إلى أهليهم، لأنهم يصعقون فى ~~أماكنهم التى يكونون فيها عند حدوث هذه الصيحة. # فأنت ترى أن الآيتين الكريمتين قد اشتملتا على أبلغ تصوير لأهوال علامات ~~يوم القيامة، ولسرعة مجئ هذه الأهوال. أخرج الشيخان عن أبى هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه، ولا ~~يطويانه، ولتقومن الساعة والرجل يليط حوضه - أي يسده بالطين - فلا يسقى ~~منه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن ناقته فلا يطعمه، ولتقومن ~~الساعة وقد رفع أكلته إلى فمه فلا يطعمها ". # ثم بين - سبحانه - حالهم عند النفخة الثانية فقال { ونفخ في ~~الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون }. ~~والمراد بالنفخ هنا النفخة الثانية التى يكون معها البعث والحساب. والصور ~~القرن الذى ينفخ فيه إسرافيل، ولا يعلم كيفيته سوى الله - تعالى - ~~والأجداث جمع جدث - بفتحتين - كفرس وأفراس - وهى القبور. وينسلون أى ~~يسرعون بطريق الجبر والقهر لا بطريق ms4288 الاختيار، والنسلان الإسراع فى ~~السير. أى ونفخ فى الصور النفخة الثانية، فإذا بهؤلاء الكافرين الذين ~~كانوا يستبعدون البعث وينكرونه، يخرجون من قبورهم سراعا - وبدون اختيار ~~منهم - متجهين إلى ربهم ومالك أمرهم ليقضى فيهم بقضائه العادل. { ~~قالوا } بعد خروجهم من قبورهم بسرعة وفزع { يويلنا } أى يا ~~هلاكنا احضر فهذا أوان حضورك. ثم يقولون بفزع أشد { من بعثنا من ~~مرقدنا } أى من أثارنا من رقادنا، وكأنهم لهول ما شاهدوا قد ~~اختلطت عقولهم، وأصيبت بالهول، فتوهموا أنهم كانوا نياما. قال ابن كثير - ~~رحمه الله - { قالوا يويلنا من بعثنا من مرقدنا } ~~يعنون قبورهم التى كانوا يعتقدون فى الدار الدنيا أنهم لا يبعثون منها، ~~فلما عاينوا ما كذبوه فى محشرهم قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا، وهذا ~~لا ينفى عذابهم فى قبورهم، لأنه بالنسبة إلى ما بعده فى الشدة كالرقاد. ~~وقوله { هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون } رد من ~~الملائكة أو من المؤمنين عليهم، أو هو حكاية لكلام الكفرة فى رد بعضهم ~~على بعض على سبيل الحسرة واليأس. و " ما " موصولة والعائد محذوف، أى هذا ~~الذى وعده الرحمن والذى صدقه المرسلون. قال صاحب الكشاف فإن قلت إذا ~~جعلت " ما " مصدرية، كان المعنى هذا وعد الرحمن، وصدق المرسلين، على ~~تسمية الموعود والمصدق فيه بالوعد والصدق، فما وجه قوله { وصدق ~~المرسلون }؟ إذا جعلتها موصولة؟ قلت تقديره هذا الذى وعده الرحمن، ~~والذى صدقه المرسلون، بمعنى والذى صدق فيه المرسلون، من قولهم صدقوهم ~~الحديث والقتال... ثم بين - سبحانه - سرعة امتثالهم وحضورهم للحساب فقال ~~{ إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع ~~لدينا محضرون }. أى ما كانت النفخة التى حكيت عنهم آنفا { ~~إلا صيحة واحدة } صاحها إسرافيل بإذننا وأمرهم فيها بالقيام ~~من قبورهم { فإذا هم جميع } دون أن يتخلف أحد منهم لدينا محضرون ~~ومجموعون للحساب والجزاء. # { فاليوم } وهو يوم القيامة { لا تظلم نفس شيئا } من ~~الظلم، وإنما كل نفس توفى حقها. وقوله - تعالى - { ولا تجزون ~~إلا ما كنتم تعملون } أى ولا تجزون إلا جزاء ما كنتم ~~تعملونه فى الدنيا، ms4289 فالجملة الكريمة تأكيد وتقرير لما قبلها. وشبيه بهذه ~~الآية قوله - تعالى - # ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم ~~نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا ~~بها وكفى بنا حاسبين # وبعد هذا الحديث المتنوع عن أحوال الكافرين يوم القيامة، جاء الحديث عما ~~أعده الله - تعالى - بفضله وكرمه للمؤمنين، وعما يقال للكافرين فى هذا ~~اليوم من تبكيت وتأنيب فقال - تعالى - { إن أصحاب الجنة ~~اليوم... }. ### || [36.55-64] # فقوله - تعالى - { إن أصحاب الجنة اليوم في شغل ~~فاكهون } بيان لأحوالهم الطيبة، بعد بيان أحوال الكافرين السيئة. ~~والشغل الشأن الذى يشغل الإنسان عما سواه من الشئون، لكونه أهم عنده من ~~غيره، وما فيه من التنكير للتفخيم، كأنه قيل فى شغل أى شغل. وفاكهون أى ~~متنعمون متلذذون فى النعمة التى تحيط بهم، مأخوذ من الفكاهة - بفتح الفاء ~~- وهي طيب العيش مع النشاط. يقال فكه الرجل فكها وفاكه فهو فكه وفاكه، ~~إذا طاب عيشه، وزاد سروره، وعظم نشاطه وسميت الفاكهة بذلك لتلذذ الإنسان ~~بها. أى يقال للكافرين فى يوم الحساب والجزاء زيادة فى حسرتهم - إن أصحاب ~~الجنة اليوم فى شغل عظيم، يتلذذون فيه بما يشرح صدورهم، ويرضي نفوسهم، ~~ويقر عيونهم، ويجعلهم فى أعلى درجات التنعم والغبطة. وعبر عن حالهم هذه ~~بالجملة الاسمية المؤكدة، للإشعار بأن هذه الحال ثابتة لهم ثبوتا تاما، ~~بفضل الله - تعالى - وكرمه. ثم بين - سبحانه - جانبا من كيفية هذا التمتع ~~بالجنة ونعيمها فقال { هم وأزواجهم في ظلال على ~~الأرآئك متكئون }. و " هم " مبتدأ، و " أزواجهم " معطوف عليه. ~~و " متكئون " خبر المبتدأ. قال الإمام الرازى ولفظ الأزواج هنا يحتمل ~~وجهين أحدهما أشكالهم فى الإحسان. وأمثالهم فى الإيمان، كما قال - تعالى ~~- # وآخر من شكله أزواج # وثانيهما الأزواج هم المفهومون من زوج المرأة وزوجة الرجل، كما فى قوله ~~- تعالى - # إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم... # ويبدو أن المراد بالأزواج هنا حلائلهم اللاتى أحلهن الله لهم، زيادة فى ~~مسرتهم ويهجتهم، وعلى هذا سار عامة المفسرين. والظلال جمع ظل أو ظلة، وهى ~~ما يظل الإنسان ويقيه من الحر. ms4290 والأرائك جمع أريكة وهى ما يجلس عليه ~~الإنسان من سرير ونحوه للراحة والمتعة. أى أن أصحاب الجنة هم وحلائلهم ~~يجلسون على الأرائك متكئين فى متعة ولذة. { لهم فيها } أى فى الجنة ~~{ فاكهة } كثيرة متنوعة { ولهم ما يدعون } أى ولهم فوق ~~ذلك جميع ما يطلبونه من مطالب وما يتمنونه من أمنيات. فقوله { يدعون ~~} يصح أن يكون من الدعاء بمعنى الطلب، كما يصح أن يكون من الادعاء بمعنى ~~التمنى. يقال ادع على ما شئت أى تمن على ما شئت. ويقال فلان فى خير ~~ما يدعى، أى فى خير ما يتمنى. ثم ختم - سبحانه - هذا العطاء الجزيل ~~للمؤمنين بقوله { سلام قولا من رب رحيم }. وللمفسرين فى ~~إعراب قوله { سلام } أقوال منها أنه مبتدأ خبره الناصب للفظ { قولا ~~} أى سلام يقال لهم قولا... وقد أشار صاحب الكشاف إلى بعض هذه الأقوال ~~فقال وقوله { سلام } بدل من قوله { ما يدعون } كأنه قال لهم ~~سلام يقال لهم قولا من جهة رب رحيم. # والمعنى أن الله - تعالى - يسلم عليهم بواسطة الملائكة، أو بغير واسطة، ~~مبالغة فى تكريمهم، وذلك غاية متمناهم.. وقد ذكر الإمام ابن كثير عند ~~تفسيره لهذه الآية بعض الأحاديث، منها ما رواه ابن أبى حاتم - بسنده - عن ~~جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " بينما أهل الجنة في نعيمهم، إذ سطع لهم نور، فرفعوا رءوسهم فإذ الرب - ~~تعالى - قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال السلام عليكم يا أهل الجنة. فذلك ~~قوله { سلام قولا من رب رحيم } قال فينظر إليهم وينظرون ~~إليه، فلا يلتفتون إلى شئ من النعيم ما داموا ينظرون إليه. حتى يحتجب ~~عنهم، ويبقى نوره وبركته عليهم وفي ديارهم ". # والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة - كما يقال الإمام الفخر الرازى - ~~يراها تشير إلى أن أصحاب الجنة ليسوا فى تعب، كما تشير إلى وحدتهم وإلى ~~حسن المكان، وإلى إعطائهم كل ما يحتاجونه، وإلى تلذذهم بالنعيم وإلى ~~تلقيهم لأجمل تحية.. هذا هو حال المؤمنين، وهذا بعض ما يقال لهم من ألفاظ ~~التكريم، ms4291 فماذا يقال للمجرمين. لقد بين - سبحانه - بعد ذلك ما يقال ~~للمجرمين فقال { وامتازوا اليوم أيها المجرمون } أى ~~ويقال للمجرمين فى هذا اليوم - على سبيل الزجر والتأنيب انفردوا - أيها ~~المجرمون - عن المؤمنين، واتجهوا إلى ما أعد لكم من عذاب فى جهنم، بسبب ~~كفركم وجحودكم للحق. يقال امتاز وتميز القوم بعضهم عن بعض، إذا انفصل كل ~~فريق عن غيره. قال تعالى # ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون. فأما ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة ~~يحبرون. وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ~~ولقآء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون # وقوله - تعالى - بعد ذلك { ألم أعهد إليكم يبني ءادم ~~أن لا تعبدوا الشيطان } من جملة ما يقال لهم - أيضا - على ~~سبيل التقريع والتوبيخ. والعهد بالشئ الوصية به، والمراد به هنا وصية ~~الله - تعالى - للناس على ألسنة رسله، أن يخلصوا له العبادة والطاعة، وأن ~~يخالفوا، ما يوسوس لهم به الشيطان من شرك ومعصية. قال الآلوسى والمراد ~~بالعهد هنا. ما كان منه - تعالى - على ألسنة الرسل - عليهم السلام - من ~~الأوامر والنواهى التى من جملتها قوله - تعالى - # يابني ءادم لا يفتننكم الشيطان كمآ أخرج ~~أبويكم من الجنة.. # وقيل هو الميثاق المأخوذ عليهم فى عالم الذر، إذ قال - سبحانه - # ألست بربكم قالوا بلى... # وقيل هو ما نصب لهم من الحجج العقلية والسمعية الآمرة بعبادة الله - ~~تعالى - الزاجرة عن عبادة غيره. # .. والمراد بعبادة الشيطان طاعته فيما يوسوس به إليهم، ويزينه لهم، عبر ~~عنها بالعبادة لزيادة التحذير والتنفير عنها. والمعنى لقد عهدت إليكم - ~~يا بنى آدم - عهدا مؤكدا على ألسنة رسلى، أن لا تعبدوا الشيطان وأن لا ~~تستمعوا لوسوسته، وأن لا تتبعوا خطواته، لأنه لكم عدو ظاهر العداوة، بحيث ~~لا تخفى عداوته على أحد من العقلاء. فجملة { إنه لكم عدو ~~مبين } تعليل لوجوب الانتهاء عن طاعة الشيطان. وقوله { وأن ~~اعبدوني هذا صراط مستقيم } بيان لما يجب عليهم أن ~~يفعلوه بعد النهى عما يجب عليهم أن يجتنبوه. و " أن " فى قوله { أن لا ~~تعبدوا } وفى قوله { وأن اعبدوني } مفسرة، والجملة الثانية ~~معطوفة على ms4292 الأولى. أى لقد عهدت إليكم بأن تتركوا عبادة الشيطان، وعهدت ~~إليكم أن تعبدونى وحدى دون غيرى. والإشارة فى قوله { هذا صراط ~~مستقيم } تعود إلى إخلاص العبادة لله - تعالى -. أى هذا الذى ~~أمرتكم به من إخلاص العبادة والطاعة لى هو الطريق الواضح المستقيم، الذى ~~يوصلكم إلى عز الدنيا، وسعادة الآخرة. وقوله - سبحانه - { ولقد ~~أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون } ~~استئناف مسوق لتأكيد النهى عن طاعة الشيطان، ولتشديد التوبيخ لمن اتبع ~~خطواته. " وجبلا كثيرا " بمعنى خلقا كثيرا حتى إنهم لكثرتهم كالجبل ~~العظيم. ولفظ " جبلا " قرأه نافع وعاصم - بكسر الجيم والباء، وقرأه ~~ابن كثير وحمزة والكسائى { جبلا } بضم الجيم وتسكين الباء مع تخفيف ~~اللام وجيمع القراءات بمعنى واحد. أى ولقد أغوى الشيطان منكم يا بنى آدم ~~خلقا كثيرا، فهل عقلتم ذلك، واتعظتم بما فعله مع كثير من أبناء جنسكم، ~~وأخلصتم لنا العبادة والطاعة، واتخذتم الشيطان عدوا لكم كما صرح ~~بعداوتكم. وبالعمل على إغوائكم. قال - تعالى - # إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما ~~يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير # وقال - سبحانه - حكاية عنه # قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين. إلا عبادك ~~منهم المخلصين # وبعد هذا التوبيخ لمن أطاعوا الشيطان، يقال لهم فى النهاية { هذه ~~جهنم التي كنتم توعدون }. أى هذه جهنم ماثلة أمام أعينكم ~~أيها الكافرون، وهى التى كنتم توعدون بها فى الدنيا، وكنتم تقابلون ذلك ~~بالسخرية والتكذيب. { اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون } ~~أى ذوقوا حرها ولهيبها وسعيرها، بسبب كفركم فى الدنيا، وموتكم على هذا ~~الكفر. والأمر فى قوله - تعالى - { اصلوها } للتحقير والإهانة، كما فى ~~قوله - تعالى - # ذق إنك أنت العزيز الكريم # والذين يأمرونهم بذلك هم خزنة النار، بأمر من الله - تعالى -. ثم تنتقل ~~السورة الكريمة فتحكى لنا جانبا آخر من أحوال الكافرين فى هذا اليوم ~~العصيب، كما تحكى لنا جانبا من مظاهر قدرة الله - تعالى - فتقول { ~~اليوم نختم على أفواههم وتكلمنآ... }. ### || [36.65-68] # والمراد باليوم فى قوله - تعالى - { اليوم نختم على ~~أفواههم... } يوم القيامة. وقوله { نختم } من الختم، والختم ~~الوسم على الشئ بطابع ونحوه، مأخوذ ms4293 من وضع الخاتم على الشئ وطبعه فيه ~~للاستيثاق، لكى لا يخرج منه ما هو بداخله، ولا يدخله ما هو خارج عنه. أى ~~فى يوم القيامة نختم على أفواه الكافرين فنجعلها لا تنطق، وإنما تكلمنا ~~أيديهم، وتشهد عليهم أرجلهم بما كانوا يكسبونه فى الدنيا من أقوال باطلة، ~~وأفعال قبيحة. قالوا وسبب الختم على أفواههم، أنهم أنكروا أنهم كانوا ~~مشركين فى الدنيا، كما حكى عنهم - سبحانه - ذلك فى قوله - تعالى - # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ~~ما كنا مشركين # أو ليكونوا معروفين لأهل الموقف فى ذلك اليوم العصيب، أو لأن إقرار غير ~~الناطق أبلغ فى الحجة من إقرار الناطق، أو ليعلموا أن أعضاءهم التى ~~ارتكبت المعاصى فى الدنيا، قد صارت شهودا عليهم فى الآخرة. وجعل - سبحانه ~~ما تنطق به الأيدى كلاما، وما تنطق به الأرجل شهادة، لأن مباشرة المعاصى ~~- غالبا - تكون بالأيدى، أما الأرجل فهى حاضرة لما ارتكب بالأيدى من ~~سيئات، وقول الحاضر على غيره شهادة بما له، أما قول الفاعل فهو إقرار ~~ونطق بما فعله. قال الجمل وقال الكرخى أسند سبحانه فعل الختم إلى نفسه، ~~وأسند الكلام والشهادة إلى الأيدى والأرجل، لئلا يكون فيه احتمال أن ذلك ~~منهم كان جبرا، أو قهرا، والإقرار مع الإجبار غير مقبول. فقال تكلمنا ~~أيديهم وتشهد أرجلهم، أى باختيارها بعد إقدار الله لها على الكلام، ليكون ~~أدل على صدور الذنب منهم. وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه ~~الآيات جملة من الأحاديث، التى صرحت بأن أعضاء الإنسان تشهد عليه يوم ~~القيامة بما ارتكبه فى الدنيا من سيئات. ومن تلك الأحاديث ما جاء عن أنس ~~بن مالك - رضى الله عنه - أنه قال # " كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم - فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال " ~~أتدرون مم أضحك؟ قلنا الله ورسوله أعلم. قال من مجادلة العبد ربه يوم ~~القيامة. يقول رب ألم تجرنى من الظلم؟ فيقول بلى، فيقول لا أجيز علي ~~إلا شاهدا من نفسي، فيقول الله - تعالى - له كفى بنفسك اليوم عليك ms4294 ~~حسيبا، وبالكرام الكاتبين شهودا. قال فيختم على فيه. ويقال لأركانه - أي ~~لأعضائه - انطقى. فتنطق بما عمله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول بعدا ~~وسحقا فعنكن كنت أناضل ". # وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # ويوم يحشر أعدآء الله إلى النار فهم يوزعون. ~~حتى إذا ما جآءوها شهد عليهم سمعهم ~~وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون # ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء الكافرين هم فى قبضته فى كل وقت فقال { ~~ولو نشآء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا ~~الصراط فأنى يبصرون }. وقوله { لطمسنا } الطمس إزالة ~~أثر الشئ عن طريق محوه. يقال طمست الشئ طمسا - من باب ضرب - بمعنى محوته ~~وأزلت أثره، والمطموس والطميس الأعمى. ومفعول المشيئة محذوف. والصراط ~~الطريق وهو منصوب بنزع الخافض. أى ولو نشاء طمس أعينهم بأن نمحو عنها ~~الرؤية والإبصار لفعلنا، ولكنا لم نفعل بهم ذلك فضلا منا عليهم، ورحمة ~~بهم، فكان من الواجب عليهم أن يقابلوا نعمنا بالشكر لا بالكفر. وقوله - ~~سبحانه - { فاستبقوا الصراط } معطوف على { لطمسنا } على ~~سبيل الفرض. أى لو نشاء محو أبصارهم لمحوناها، فلو أرادوا فى تلك الحالة ~~المبادرة إلى الطريق ليسيروا فيه، أو ليعبروه لما استطاعوا ذلك. لأنهم ~~كيف يستطيعون ذلك وهم لا يبصرون شيئا. فالاستفهام فى قوله - تعالى - { ~~فأنى يبصرون } لاستبعاد اجتيازهم الطريق، ونفى قدرتهم على ~~التصرف. وقوله - سبحانه - { ولو نشآء لمسخناهم على ~~مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون } والمسخ ~~تبديل الخلقة وتحويلها من حال إلى حال، ومن هيئة إلى هيئة. أى وفى قدرتنا ~~إذا شئنا، أن نغير صورهم الإنسانية إلى صور أخرى قبيحة، كأن نحولهم إلى ~~قردة أو حيوانات وهم { على مكانتهم } أى وهم فى مكانهم الذى ~~يقيمون فيه { فما استطاعوا } بسبب هذا المسخ { مضيا } أى ~~ذهابا إلى مقاصدهم { ولا يرجعون } أى ولما استطاعوا - أيضا - إذا ~~ذهبوا أن يرجعوا. أى فى إمكاننا أن نمسخهم وهم جالسون فى أماكنهم، فلا ~~يقدرون أن يمضوا إلى الأمام، أو أن يعودوا إلى الخلف. فالمقصود بالآيتين ~~الكريمتين تهديدهم على استمرارهم فى كفرهم، وبيان أنهم تحت قدرة الله - ~~تعالى - وفى قبضته، وأنه - سبحانه ms4295 - قادر على أن يفعل بهم ما يشاء من طمس ~~للأبصار، ومن مسخ للصور، ومن غير ذلك مما يريده - تعالى -. ثم بين - ~~سبحانه - أحوال الإنسان عندما يتقدم به العمر فقال { ومن نعمره ~~ننكسه في الخلق أفلا يعقلون } وقوله { نعمره ~~} من التعمير. بمعنى إطالة العمر. قال القرطبى وقوله { ننكسه } ~~قرأه عاصم وحمزة - بضم النون الأولى وتشديد الكاف - من التنكيس. وقرأه ~~الباقون { ننكسه } - بفتح النون الأولى وضم الكاف - من نكست الشئ ~~أنكسه نكسا إذا قلبته على رأسه فانتكس. قال قتادة المعنى أنه يصير ~~إلى حال الهرم الذى يشبه حال الصبا... قال الشاعر # من عاش أخلقت الأيام جدته وخانه ثقتاه السمع والبصر # فطول العمر يصير الشباب هرما، والقوة ضعفا، والزيادة نقصا.. وقد ~~استعاذ النبى صلى الله عليه وسلم من أن يرد إلى أرذل العمر. # . والمعنى " ومن نطل عمره ننكسه فى الخلق " أى نرده إلى أرذل العمر، ~~فنجعله - بقدرتنا - ضعيفا بعد أن كان قويا، وشيخا بعد أن كان شابا فتيا، ~~وناقص العقل بعد أن كان مكتمله... { أفلا يعقلون } ذلك - أيها ~~الناس - مع أنه من الأمور المشاهدة أمام أبصاركم، وتعرفون أن من قدر على ~~تحويل الإنسان من ضعف إلى قوة، ومن قوة إلى ضعف.. قادر - أيضا - على ~~إعادته إلى الحياة مرة أخرى بعد موته. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف ~~قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ~~ما يشآء وهو العليم القدير # وقوله - سبحانه - # ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم ~~من بعد علم شيئا # وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد هددت الكافرين بسوء المصير إذا استمروا فى ~~كفرهم، وبينت جانبا من فضل الله - تعالى - عليهم، لعلهم يفيئون إلى ~~رشدهم، ويشكرونه على نعمه. ثم رد - سبحانه - على الكافرين الذين وصفوا ~~النبى صلى الله عليه وسلم بأنه شاعر، كما قالوا عن القرآن أنه شعر، فقال ~~- تعالى - { وما علمناه الشعر وما... }. ### || [36.69-70] # أي وما علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما الذى علمناه إياه هو ~~القرآن الكريم، ms4296 المشتمل على ما يسعد الناس فى دنياهم وفى آخرتهم. ~~فالمقصود من هذه الجملة الكريمة، نفى أن يكون القرآن شعرا بأبلغ وجه لأن ~~الذى علمه الله - تعالى - لنبيه هو القرآن وليس الشعر، وما دام الأمر ~~كذلك فالقرآن ليس شعرا. وقوله - تعالى - { وما ينبغي له } أى ما ~~علمناه الشعر، وإنما علمناه القرآن، فقد اقتضت حكمتنا أن لا نجعل الشعر ~~فى طبعه صلى الله عليه وسلم ولا فى سليقته، فحتى لو حاوله - على سبيل ~~الفرض - فإنه لا يتأتى له، ولا يسهل عليه ولا يستقيم مع فطرته صلى الله ~~عليه وسلم. والضمير فى قوله - تعالى - { إن هو إلا ذكر ~~وقرآن مبين } يعود إلى القرآن الكريم أى ما هذا القرآن الكريم ~~إلا ذكر من الأذكار النافعة، والمواعظ الناجحة، والتوجيهات الحكيمة، وهو ~~فى الوقت نفسه { وقرآن مبين } أى كتاب مقروء من الكتب السماوية ~~الواضحة، التى لا تختلط ولا تلتبس بكلام البشر. وقد أنزلناه على الرسول ~~الكريم { لينذر } به { من كان حيا }. أى من كان مؤمنا عاملا ذا ~~قلب حى، ونفس نقية، وأذن واعية، لأن من كانت هذه صفاته انتفع بالإنذار ~~والتذكير. { ويحق القول على الكافرين } أى أن من كان ذا ~~قلب فإنه ينتفع بالإنذار، أما من كان مصرا على كفره وضلاله، فإن كلمة ~~العذاب قد حقت عليه، وصارت نهايته الإلقاء به فى جهنم وبئس القرار. وقد ~~تكلم المفسرون هنا كلاما مفصلا. عن كون القرآن ليس شعرا، وكون الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ليس شاعرا، وعلى رأسهم صاحب الكشاف فقد قال ما ملخصه ~~كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنه شاعر. فرد عليهم بقوله { ~~وما علمناه الشعر } أى أن القرآن ليس بشعر، وأين هو من ~~الشعر. والشعر إنما هو كلام موزون مقفى يدل على معنى، فأين الوزن؟ وأين ~~التقفية؟ وأين المعانى التى ينتحيها الشعراء من معانيه؟ وأين نظم كلامهم ~~من نظمه وأساليبه... { وما ينبغي له } أى وما يصح له، ولا يتطلبه ~~إن طلبه، أى جعلناه بحيث لو أراد قرض الشعر لم يتأت له. ولم يتسهل ms4297 كما ~~جعلناه أميا.. لتكون الحجة أثبت، والشبهة أدحض... فإن قلت فقوله # أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب # قلت ما هو إلا كلام من جنس كلامه صلى الله عليه وسلم الذى كان يرمى به ~~على السليفة. من غير صنعة ولا تكلف، إلا أنه اتفق ذلك من غير قصد إلى ~~ذلك، ولا التفات منه إذا جاء موزونا، كما يتفق فى كثير من إنشاءات الناس ~~فى خطبهم ورسائلهم، أشياء موزونة، ولا يسميها أحد شعرا، ولا يخطر ببال ~~السامع ولا المتكلم أنها شعر... " ثم ذكر - سبحانه - المشركين ببعض ~~النعم التى أسبغها عليهم، والتى يرونها بأعينهم، ويعلمونها بعقولهم، ~~وسلى النبى صلى الله عليه وسلم عما لقيه منهم، فقال - تعالى - { ~~أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ... ~~}. ### || [36.71-76] # والاستفهام فى قوله - تعالى - { أولم يروا أنا خلقنا ~~لهم مما عملت أيدينآ أنعاما... } للإنكار والتعجب من ~~أحوال هؤلاء المشركين، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام. والأنعام ~~جمع نعم وهى الإبل والبقر والغنم. والمعنى أعمى هؤلاء المشركون عن مظاهر ~~قدرتنا، ولم يروا بأعينهم، ولم يعلموا بعقولهم. أنا خلقنا لهم مما عملته ~~أيدينا. وصنعته قدرتنا. أنعاما كثيرة هم لها مالكون يتصرفون فيها تصرف ~~المالك فى ملكه. وأسند - سبحانه - العمل إلى الأيدى، للإشارة إلى أن خلق ~~هذه الأنعام كان بقدرته - تعالى - وحده دون أن يشاركه فى ذلك مشارك، أو ~~يعاونه معاون. كما يقول القائل هذا الشئ فعلته بيدى وحدى، للدلالة على ~~تفرده بفعله. والتعبير بقوله - تعالى - { لهم } للإشعار بأن خلق هذه ~~الأنعام إنما حدث لمنفعتهم ومصلحتهم. و { ما } فى قوله { مما عملت ~~} موصولة. والعائد محذوف. أى مما عملته أيدينا. وقوله { فهم لها ~~مالكون } بيان لإحدى المنافع المترتبة على خلق هذه الأنعام لهم. أما ~~المنافع الأخرى فقد جاءت بعد ذلك فى قوله { وذللناها لهم... } ~~أى وجعلنا هذه الأنعام مذللة ومسخرة لهم، بحيث أصبحت فى أيديهم سهلة ~~القيادة، مطواعة لما يريدونه منها، يقودونها فتنقاد للصغير والكبير. كما ~~قال القائل # لقد عظم البعير بغير لب فلم يستغن بالعظم البعير يصرفه الصبي ms4298 ~~بكل وجه ويحبسه على الخسف الجرير وتضربه الوليدة بالهراوي فلا غير ~~لديه ولان نكير # ففى هذه الجملة الكريمة تذكير لهم بنعمة تسخير الأنعام لهم، ولو شاء - ~~سبحانه - لجعلها وحشية بحيث ينفرون منها. والفاء فى قوله { فمنها ~~ركوبهم ومنها يأكلون } تفريع على ما تقدم وركوب بمعنى ~~مركوب. أى وصيرنا هذه الأنعام مذللة ومسخرة لهم، فمنها ما يستعملونه فى ~~ركوبهم والانتقال عليها من مكان إلى آخر، ومنها ما يستعملونه فى مآكلهم ~~عن طريق ذبحه. وفضلا عن كل ذلك، فإنهم " لهم " فى تلك الأنعام " منافع " ~~أخرى غير الركوب وغير الأكل كالانتفاع بها فى الحراثة وفى نقل الأثقال... ~~ولهم فيها - أيضا - " مشارب " حيث يشربون من ألبانها. والاستفهام فى ~~قوله { أفلا يشكرون } للتخصيص على الشكر، أى فهلا يشكرون الله - ~~تعالى - على هذه النعم، ويخلصون له العبادة والطاعة. ثم بين - سبحانه - ~~موقفهم الجحودى من هذه النعم فقال { واتخذوا من دون الله ~~آلهة لعلهم ينصرون }. أى إن هؤلاء الكافرين لم يقابلوا ~~نعمنا عليهم بالشكر، وإنما قابلوها بالجحود والبطر. فقط تركوا عبادتنا، ~~واتخذوا من دوننا آلهة أخرى لا تنفع ولا تضر، متوهمين أنها تنصرهم عند ما ~~يطلبون نصرها. وراجين أن تدفع عنهم ضرا عند التماس ذلك منها. وقوله - ~~تعالى - { لا يستطيعون نصرهم. # . } دفع لما توهموه من نصرهم ونفى لما توقعوه من نفعهم. أى هذه الآلهة ~~المزعومة، لا يستطيعون نصر هؤلاء الكافرين. لأنهم أعجز من أن ينصروا ~~أنفسهم، فضلا عن نصرهم لغيرهم. وقال - سبحانه - { لا يستطيعون } ~~بالواو والنون على طريقة جمع العقلاء بناء على زعم المشركين أن هذه ~~الأصنام تنفع أو تضر أو تعقل. والضمير " هم " فى قوله - تعالى - { وهم ~~لهم جند محضرون } يعود إلى المشركين، والضمير فى قوله { ~~لهم } يعود إلى الآلهة المزعومة. أى وهؤلاء الكفار - لجهالتهم وانطماس ~~بصائرهم - قد صاروا فى الدنيا بمنزلة الجند الذين أعدوا أنفسهم لخدمة هذه ~~الآلهة والدفاع عنها. والحضور عندها لخدمتها، ورعايتها وحفظها. ويرى ~~بعضهم أن الضمير " هم " للآلهة، والضمير فى " لهم " للمشركين، عكس القول ~~الأول، فيكون المعنى وهؤلاء الآلهة لا يستطيعون نصر ms4299 المشركين وهم أى ~~الآلهة - " لهم " أى للمشركين، { جند محضرون } أى جند محضرون ~~معهم إلى النار، ليلقوا فيها كما يلقى الذين عبدوهم، كما قال - تعالى - # يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا ~~وقودها الناس والحجارة # والفاء فى قوله - تعالى - { فلا يحزنك قولهم } للإفصاح. أى ~~إذا كان حال هؤلاء المشركين كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم من ~~الجهالة والغفلة، فأعرض عنهم، ولا تحزن عليهم، ولا تبال بأقوالهم. وقوله ~~- سبحانه - { إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون } تعليل ~~للنهى عن الحزن بسبب أقوالهم. أى لا تحزن - أيها الرسول الكريم - بسبب ~~أقوالهم الباطلة، فإنا نعلم علما تاما ما يسرونه من حقد عليك، وما ~~يعلنونه من أعمال قبيحة، وسنعاقبهم على كل ذلك العقاب الذى يستحقونه. ~~فالآية الكريمة تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما كان يلقاه من هؤلاء ~~المشركين. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بإقامة الأدلة الساطعة على ~~أن البعث حق، وعلى أن قدرته - تعالى - لا يعجزها شئ، فقال - تعالى - { ~~أولم ير الإنسان أنا... }. ### || [36.77-83] # وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآيات، # " أن أبي بن خلف جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده عظم ~~رميم، وهو يفتته ويذريه في الهواء ويقول يا محمد، أتزعم أن الله يبعث ~~هذا؟ فقال صلى الله عليه وسلم نعم. يميتك الله - تعالى - ثم يبعثك، ثم ~~يحشرك إلى النار " # ونزلت هذه الآيات إلى آخر السورة... والمراد بالإنسان جنسه. ويدخل فيه ~~المنكرون للبعث دخولا أوليا. وأصل النطفة الماء القليل الذى يبقى فى ~~الدلو أو القربة. وجمعها نطف ونطاف. يقال نطفت القربة، إذا تقاطر ماؤها ~~بقلة. والمراد بها هنا المنى الذى يخرج من الرجل، إلى رحم المرأة. ~~والخصيم الشديد الخصام والجدال لغيره، والمراد به هنا الكافر والمجادل ~~بالباطل. والمعنى أبلغ الجهل بهذا الإنسان، أنه لم يعلم أنا خلقناه ~~بقدرتنا، من ذلك الماء المهين الذى يخرج من الرجل فيصب فى رحم المرأة، ~~وأن من أوجده من هذا الماء قادر على أن يعيده إلى الحياة بعد الموت. لقد ~~كان من الواجب عليه أن ms4300 يدرك ذلك، ولكنه لغفلته وعناده، بادر بالمبالغة فى ~~الخصومة والجدل الباطل. وجاهر بذلك مجاهرة واضحة، مع علمه بأصل خلقته. ~~قال الآلوسى ما ملخصه وقوله - تعالى - { أولم ير الإنسان أنا ~~خلقناه من نطفة } كلام مستأنف مسوق لبيان بطلان إنكارهم ~~البعث، بعد ما شاهدوا فى أنفسهم ما يوجب التصديق به... والهمزة للإنكار ~~والتعجب من أحوالهم، وإيراد الإنسان مورد الضمير، لأن مدار الإنكار ~~متعلق بأحواله من حيث هو إنسان. والمراد بالإنسان الجنس. والخصيم إنما ~~هو الكافر المنكر للبعث مطلقا. وقوله { فإذا هو خصيم مبين } ~~عطف على الجملة المنفية، داخل فى حيز الإنكار والتعجب كأنه قيل أو لم ير ~~أنا خلقناه من أخس الأشياء وأمهنها، فأظهر الخصومة فى أمر يشهد بصحته ~~مبدأ فطرته شهادة بينة... وقوله - تعالى - { وضرب لنا مثلا ~~ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم } معطوف ~~على الكلام المتقدم، وداخل فى حيز الإنكار. أى أن هذا الإنسان الجاهل ~~المجادل بالباطل، لم يكتف بذلك، بل ضرب لنا مثلا هو فى غاية الغرابة، ~~حيث أنكر قدرتنا على إحياء الموتى، وعلى بعثهم يوم القيامة، فقال - دون ~~أن يفطن إلى أصل خلقته - من يحيى العظام وهى رميم، أى وهى بالية أشد ~~البلى. فرميم بزنة فعيل بمعنى فاعل. من رم اللازم بمعنى بلى، أو ~~بمعنى مفعول، من رم المتعدى بمعنى أبلى يقال رمه إذا أبلاه. فيستوى فيه ~~المذكر والمؤنث. قال صاحب الكشاف فإن قلت لم سمى قوله { من يحيي ~~العظام وهي رميم } مثلا؟ قلت لما دل عليه من قصة عجيبة شبيهة ~~بالمثل، وهى إنكار قدرة الله - تعالى - على إحياء الموتى. # . مع أن ما أنكر من قبيل ما يوصف الله - تعالى - بالقدرة عليه، بدليل ~~النشأة الأولى.. ثم لقن الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم الجواب ~~الذى يخرس ألسنة المنكرين للبعث فقال { قل يحييها الذي ~~أنشأهآ أول مرة وهو بكل خلق عليم }... أى قل - ~~أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاهلين المنكرين لإعادة الحياة إلى ~~الأجساد بعد موتها، قل لهم يحيى هذه الأجسام والأجساد البالية، الله - ~~تعالى - الذى أوجدها ms4301 من العدم دون أن تكون شيئا مذكورا، ومن قدر على ~~إيجاد الشئ من العدم قادر من باب أولى على إعادته بعد هلاكه. وهو - ~~سبحانه - بكل شئ فى هذا الوجود عليم علما تاما، لا يخفى عليه شئ فى ~~الأرض ولا فى السماء، سواء أكان هذا الشئ صغيرا أم كبيرا، مجموعا أم ~~مفرقا. قال الشوكانى وقد استدل أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعى بهذه الآية ~~على أن العظام مما تحله الحياة - أى أنها بعد الموت تكون نجسة. وقال ~~الشافعى لا تحله الحياة، وأن المراد بقوله { من يحيي العظام } من ~~يحيى أصحاب العظام على تقدير مضاف محذوف. ورد بأن هذا التقدير خلاف ~~الظاهر. وقوله - تعالى - { الذي جعل لكم من الشجر ~~الأخضر نارا فإذآ أنتم منه توقدون } دليل آخر على ~~إمكانية البعث وهو بدل من قوله - تعالى - قبل ذلك { الذي أنشأهآ ~~أول مرة... }. والمراد بالشجر الأخضر الشجر الندى الرطب، كشجر ~~المرخ والعفار وهما نباتان أخضران إذا ضرب أحدهما بالآخر اتقدت ~~منهما شرارة نار بقدرة الله - تعالى -. قال ابن كثير المراد بذلك سرح - ~~أى شجر المرخ والعفار. ينبت بأرض الحجاز فيأتى من أراد قدح نار وليس معه ~~زناد، فيأخذ منه عودين أخضرين، ويقدح أحدهما بالآخر، فتتولد النار من ~~بينهما، كالزناد سواء سواء. روى هذا عن ابن عباس - رضى الله عنهما - وفى ~~المثل " لكل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار ". أى لكل شجر حظ من النار، ~~ولكن أكثر الأشجار حظا من النار المرخ والعفار. فهو مثل يضرب فى تفصيل ~~بعض الشئ على بعض. أى قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنكرين للبعث، ~~يحيى الأجساد البالية الله - تعالى - الذى أنشأها أول مرة، والذى جعل لكم ~~- بفضله ورحمته وقدرته - من الشجر الأخضر الرطب نارا، فإذا أنتم من هذا ~~الشجر الأخضر توقدون النار. وتنتفعون بها فى كثير من أحوال حياتكم. وإذا ~~فمن قدر على إحداث النار من الشجر الأخضر - مع ما فيه من المائية المضادة ~~لها - كان أقدر على إعادة الأجساد بعد فنائها. ### | [37 - سورة الصافات] ### || [37.1-5] # والواو فى قوله - تعالى - { والصافات ms4302 } للقسم. وجوابه قوله { ~~إن إلهكم لواحد } و " الصافات " من الصف، وهو أن تجعل ~~الشئ على خط مستقيم. تقول صففت القوم فاصطفوا، إذا أقمتهم على خط مستقيم. ~~سواء أكانوا فى الصلاة، أم فى الحرب، أم فى غير ذلك. و " الزاجرات " من ~~الزجر، وهو الدفع بقوة. تقول زجرت الإبل زجرا - من باب قتل - إذا منعتها ~~من الدخول فى شئ ودفعتها إلى غيره. و " التاليات " من التلاوة، بمعنى ~~القراءة فى تدبر وتأمل. وأكثر المفسرين على أن المراد وأكثر المفسرين على ~~أن المراد بالصافات والزاجرات والتاليات جماعة من الملائكة موصوفة بهذه ~~الصفات. فيكون المعنى وحق الملائكة الذين يصفون أنفسهم صفا لعبادة الله - ~~تعالى - وطاعته، أو الذين يصفون أجنحتهم فى السماء انتظارا لأمر الله، ~~والذين يزجرون غيرهم عن ارتكاب المعاصى، أو يزجرون السحاب إلى الجهات ~~التى كلفهم الله - تعالى - بدفعه إليها، والذين يتلون آيات الله المنزلة ~~على أنبيائه تقربا إليه - تعالى - وطاعة له. وقد جاء وصف الملائكة بأنهم ~~صافون فى قوله - تعالى - فى السورة نفسها # وإنا لنحن الصآفون. وإنا لنحن المسبحون # كما جاء وصفهم بذلك فيما رواه مسلم فى صحيحه عن حذيفة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " فضلنا على الناس بثلاث جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض ~~مسجدا. وجعلت لنا تربتها طهورا إذا لم نجد الماء ". # وفى حديث آخر رواه مسلم وغيره عن جابر بن سمره قال # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ~~ربهم "؟ قلنا وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال " يتمون الصفوف المتقدمة، ~~ويتراصون في الصف ". # وجاء وصفهم بما يدل على أنهم يلقون الذكر على غيرهم من الأنبياء، لأجل ~~الإعذار والإنذار به. كما فى قوله - تعالى - فى أوائل المرسلات # فالملقيات ذكرا. عذرا أو نذرا # قال الإمام ابن كثير قوله { فالتاليات ذكرا } هم الملائكة ~~يجيئون بالكتاب والقرآن من عند الله إلى الناس، وهذه الآية كقوله - تعالى ~~- # فالملقيات ذكرا. عذرا أو نذرا # ومنهم من يرى أن المراد بالصافات والزاجرات والتاليات هنا العلماء الذين ~~يصفون أقدامهم ms4303 عند الصلاة وغيرها من الطاعات، ويزجرون غيرهم عن المعاصى، ~~ويتلون كلام الله - تعالى -. ومنهم من يرى أن المراد بالصافات الطيور ~~التى تصف أجنحتها فى الهواء بالزاجرات وبالتاليات جماعات الغزاة فى سبيل ~~الله، الذين يزجرون أعداء الله - تعالى - ويكثرون من ذكره. ويبدو لنا أن ~~القول الأول هو الأظهر والأرجح، لأن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ~~التى سقناها قبل ذلك تؤيده، ويؤيده - أيضا - ما يجئ بعد ذلك من أوصاف ~~للملائكة كما فى قوله - تعالى - # لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل ~~جانب # والمراد بالملأ الأعلى هنا. والملائكة. ولأن هذا القول هو المأثور عن ~~جماعة من الصحابة والتابعين، كابن مسعود وابن عباس، ومسروق، وسعيد بن ~~جبير، وعكرمة ومجاهد. وإنما أقسم الله - تعالى - هنا بالملائكة، لشرفهم، ~~وسمو منزلتهم وامتثالهم لأوامره - سبحانه - امتثالا تاما وله - تعالى - ~~أن يقسم بما شاء من خلقه، تنويها بشأن المقسم، ولفتا لأنظار الناس إلى ما ~~فيه من منافع. ولفظ " الصافات " مفعوله محذوف. والتقدير، وحق الملائكة ~~الصافات نفوسها أو أجنحتها طاعة وامتثالا لأمر الله - تعالى -. والترتيب ~~بالفاء فى هذه الصفات، على سبيل الترقى، إذ الأولى كمال، والثانية أكمل، ~~لتعدى منفعتها إلى الغير، والثالثة أكمل وأكمل، لتضمنها الأمر بالمعروف ~~والنهى عن المنكر والتخلى عن الرذائل، والتحلى بالفضائل. وقوله " صفا، ~~وزجرا، وذكرا " مصادر مؤكدة لما قبلها. وقوله - سبحانه { إن ~~إلهكم لواحد } جواب للقسم، وهو المقسم عليه. أى وحق الملائكة ~~الذين تلك صفاتهم، إن ربكم - أيها الناس - لواحد لا شريك له فى ذاته، ولا ~~فى صفاته ولا فى أفعاله، ولا فى خلقه. وقوله { رب السماوات ~~والأرض وما بينهما ورب المشارق } بدل من قوله { ~~لواحد } أو خبر بعد خبر لمبتدأ محذوف. أى إن إلهكم - أيها الناس - ~~لواحد هو - سبحانه - رب السموات والأرض، ورب ما بينهما من مخلوقات ~~كالهواء وغيره، ورب المشارق التى تشرق منها الشمس فى كل يوم على مدار ~~العام، إذ لها فى كل يوم مشرق معين تشرق منه. ولها فى كل يوم - أيضا مغرب ~~تغرب فيه. واكتفى هنا بذكر المشارق عن المغارب، لأن ms4304 كل واحد منهما يستلزم ~~الآخر، ولأن الشروق أدل على القدرة، وأبلغ فى النعمة، ولأن الشروق سابق ~~على الغروب، وقد قال - تعالى - فى آية أخرى # رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو ~~فاتخذه وكيلا # والمراد بهما هنا جنسهما، فهما صادقان على كل مشرق من مشارق الشمس التى ~~هى ثلاثمائة وستون مشرقا - كما يقول العلماء - وعلى كل مغرب من مغاربها ~~التى هى كذلك. وقال فى سورة الرحمن # رب المشرقين ورب المغربين # أى مشرق الشتاء ومشرق الصيف ومغربهما، أو مشرق الشمس والقمر ومغربهما. ~~وبذلك يتبين أنه لا تعارض بين مجئ هذه الألفاظ تارة مفردة، وتارة على ~~سبيل التثنية وتارة على سبيل الجمع. قال بعض العلماء قوله { ورب ~~المشارق } أى ولكل نجم مشرق، ولكل كوكب مشرق فهى مشارق كثيرة فى كل ~~جانب من جوانب السموات الفسيحة. # وللتعبير دلالة أخرى دقيقة فى التعبير عن الواقع فى هذه الأرض التى نعيش ~~عليها كذلك، فالأرض فى دورتها أمام الشمس تتوالى المشارق على بقاعها ~~المختلفة - كما تتوالى المغارب، فكلما جاء قطاع منها أمام الشمس، كان ~~هناك مشرق على هذا القطاع. وكان هناك مغرب على القطاع المقابل له فى ~~الكرة الأرضية.. وهى حقيقة ما كان يعرفها الناس فى زمان نزول القرآن ~~الكريم، أخبرهم الله - تعالى - بها فى ذلك الزمان القديم.. ثم بين - ~~سبحانه - بعد ذلك بعض مظاهر قدرته فى خلقه لهذه السموات وكيف أنه - تعالى ~~- قد زين السماء الدنيا بالكواكب. وحفظها من تسلل أى شيطان إليها فقال ~~تعالى { إنا زينا السمآء... }. ### || [37.6-10] # وقوله - تعالى - { زينا } من التزيين بمعنى التحسين والتجميل. ~~والمراد بالسماء الدنيا السماء التى هى أقرب سماء إلى الأرض. فالدنيا ~~مؤنث أدنى بمعنى أقرب. والكواكب جمع كوكب وهو النجم الذى يرى فى السماء. ~~وقوله { بزينة الكواكب } فيه ثلاث قراءات سبعية، فقد قرأ ~~الجمهور بإضافة زينة إلى الكواكب. أى بلا تنوين فى لفظ " بزينة ". وقرأ ~~بعضهم بتنوين لفظ " زينة " وخفض لفظ الكواكب على أنه بدل منه. وقرأ بعضهم ~~بتنوين لفظ { بزينة } ونصب لفظ الكواكب، على أنه مفعول لفعل محذوف ms4305 أى ~~أعنى الكواكب. والمعنى إنا بقدرتنا وفضلنا زينا السماء الدنيا التى ~~ترونها بأعينكم - أيها الناس - بالكواكب، فجعلناها مضيئة بحيث تهتدون بها ~~فى سيركم من مكان إلى مكان. كما قال - تعالى - فى آية أخرى # ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح وجعلناها ~~رجوما للشياطين # ومما لا شك أن منظر السماء وهى مليئة بالنجوم، يشرح الصدور، ويؤنس ~~النفوس، وخصوصا للسائرين فى فجاح الأرض، أو ظلمات البحر. قوله - سبحانه - ~~{ وحفظا من كل شيطان مارد } ينان لما أحاط به - سبحانه ~~- السماء الدنيا من حفظ ورعاية. ولفظ " حفظا " منصوب على المصدرية بإضمار ~~فعل قبله. أى وحفظناها حفظا، أو معطوف على محل " بزينة ". والشيطان كل ~~متمرد من الجن والإنس والدواب. والمراد به هنا المتمرد من الجن. والمارد ~~الشديد العتو والخروج عن طاعة الله - تعالى - المتعرى من كل خير. أى إنا ~~جعلنا السماء الدنيا مزينة بالكواكب وضيائها، وجعلناها كذلك محفوظة من كل ~~شيطان متجرد من الخير، خارج عن طاعتنا ورحمتنا. وقوله - سبحانه - { لا ~~يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل ~~جانب. دحورا ولهم عذاب واصب } جملة مستأنفة لبيان حالهم ~~عند حفظ السماء، وبيان كيفية الحفظ، وما يصيبهم من عذاب وهلاك إذا ما ~~حاولوا استراق السمع منها. ولفظ " يسمعون " بتشديد السين - وأصله ~~يتسمعون. فأدغمت التاء فى السين والضمير للشياطين، وقرأ الجمهور { لا ~~يسمعون } بإسكان السين. قال صاحب الكشاف الضمير فى { لا ~~يسمعون } لكل شيطان، لأنه فى معنى الشياطين، وقرئ بالتخفيف ~~والتشديد. وأصله " يتسمعون ". والتسمع تطلب السماع. يقال تسمع فسمع. أو ~~فلم يسمع. فإن قلت أى فرق بين سمعت فلانا يتحدث، وسمعت إليه يتحدث. وسمعت ~~حديثه، وإلى حديثه؟ قلت المعدى بنفسه يفيد الإدراك، والمعد بإلى يفيد ~~الإصغاء مع الإدراك. والملأ فى الأصل الجماعة يجتمعون على أمر فيملأون ~~النفوس هيبة، والمراد بالملأ الأعلى هنا الملائكة الذين يسكنون السماء. ~~وسموا بذلك لشرفهم، ولأنهم فى جهة العلو، بخلاف غيرهم فإنهم يسكنون ~~الأرض. # وقوله { ويقذفون } من القذف بمعنى الرجم والرمى، و { دحورا } ~~مفعولا لأجله، أى يقذفون لأجل الدحور، وهو الطرد والإبعاد، مصدر ~~دحره يدحره دحرا ms4306 ودحورا إذا طرده وأبعده. والواصب الدائم، ~~من الوصوب بمعنى الدوام، يقال وصب الشئ يصب وصوبا، إذا دام وثبت، ~~ومنه قوله # وله الدين واصبا # أى دائما ثابتا. والمعنى إنا زينا السماء الدنيا بنور الكواكب، وحفظناها ~~- بقدرتنا ورعايتنا - من كل شيطان متجرد من الخير، فإن هذا الشيطان ~~وأمثاله كلما حاولوا الاستماع إلى الملائكة فى السماء لم نمكنهم من ذلك، ~~بل قذفناهم ورجمناهم بالشهب والنيران من كل جانب من جوانب السماء، من أجل ~~أن ندمرهم ونطردهم ونبعدهم عنها، ولهم منا - فوق كل ذلك - عذاب دائم ثابت ~~لا نهاية له. وقوله { إلا من خطف الخطفة } استثناء من الواو ~~فى " يسمعون " و " من " فى محل بدل من الواو. والخطف الأخذ للشئ بسرعة ~~وخفية واختلاس وغفلة من المأخوذ منه. أى لا يسمع الشياطين إلى الملأ ~~الأعلى، إلا الشيطان الذى خطف الخطفة من كلام الملائكة بسرعة وخفة، فيما ~~يتفاوضون فيه من أحوال البشر - دون ما يتعلق بالوحى - فإنه فى هذه الحالة ~~يتبع هذا الشيطان ويلحقه { شهاب ثاقب } أى شعلة من النار تثقب الجو ~~بضوئها فتهلكه وتحرقه وتثقبه وتمزقه. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # وأنا لمسنا السمآء فوجدناها ملئت حرسا ~~شديدا وشهبا. وأنا كنا نقعد منها مقاعد ~~للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا # ومما يدل على أن استراقهم للسمع، واختطافهم للخطفة، إنما يكون فى غير ~~الوحى، قوله - تعالى - # إنهم عن السمع لمعزولون # وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال كانت الشياطين مقاعد فى السماء ~~فكانوا يستمعون الوحى قال وكانت النجوم لا تجرى، وكانت الشياطين لا ترمى. ~~قال فإذا سمعوا الوحى نزلوا إلى الأرض، فزادوا فى الكلمة تسعا. قال فلما ~~بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الشيطان إذا قعد مقعده، جاءه شهاب ~~فلم يخطئه حتى يحرقه. ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم أن ~~يوبخ المنكرين للبعث والحساب، وحكى جانبا من أقوالهم الباطلة حول هذه ~~القضية، ورد عليهم ردا يزهق باطلهم.. فقال - تعالى - { فاستفتهم ~~أهم أشد خلقا أم من خلقنآ... }. ### || [37.11-21] # والفاء فى قوله ms4307 - تعالى - { فاستفتهم... } هى الفصيحة، ~~والاستفتاء الاستخبار عن الشئ ومعرفة وجه الصواب فيه. والمراد من ~~الاستفهام فى الآية توبيخ المشركين على إصرارهم على شركهم وجهلهم. وتعجيب ~~العقلاء من أحوالهم. واللازب أى الملتصق بعضه ببعض. يقال لزب الشئ يلزب ~~لزبا ولزوبا، إذا تداخل بعضه فى بعض، والتصق بعضه ببعض. والطين اللازب هو ~~الذى يلزق باليد - مثلا - إذا ما التقت به قال النابغة الذبيانى # فلا تحسبون الخير لا شر بعده ولا تحسبون الشر ضربة لازب # أى ضربة ملازمة لا مفارقة لها. والمعنى إذا كان الأمر كما أخبرناك أيها ~~الرسول الكريم - من أن كل شئ فى هذا الكون يشهد بوحدانيتنا وقدرتنا، ~~فاسأل هؤلاء المشركين { أهم أشد خلقا } أى أهم أقوى خلقة وأمتن ~~بنية، وأضخم أجسادا.. { أم من خلقنآ } من ملائكة غلاظ شداد، ومن ~~سماوات طباق، ومن أرض ذات فجاج. لا شك أنهم لن يجدوا جوابا يردون به ~~عليك، سوى قولهم إن خلق الملائكة والسموات والأرض. أشد من خلقنا. وقوله - ~~تعالى - { إنا خلقناهم من طين لازب } إشارة إلى المادة ~~الأولى التى خلقوا منها فى ضمن خلق أبيهم آدم - عليه السلام -. أى إنا ~~خلقناهم من طين ملتصق بعضه ببعض، ومتداخل بعضه فى بعض. فأنت ترى أن الآية ~~الكريمة قد ساقت دليلين واضحين على صحة البعث الذى أنكره المشركون. أما ~~الدليل الأول فهو ما يعترفون به من أن خلق السموات والأرض والملائكة.. ~~أعظم وأكبر منهم.. ومن كان قادرا على خلق الأعظم والأكبر كان من باب ~~أولى قادرا على خلق الأقل والأصغر. وقد ذكر - سبحانه - هذه الحقيقة فى ~~آيات كثيرة منها قوله - تعالى - # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون # وأما الدليل الثانى فهو قوله - تعالى - { إنا خلقناهم من ~~طين لازب } وذلك لأن من خلقهم أولا من طين لازب، قادر على أن ~~يعيدهم مرة أخرى بعد أن يصيروا ترابا وعظاما. إذ من المعروف لدى كل عاقل ~~أن الإعادة أيسر من الابتداء. وقد قرر - سبحانه - هذه الحقيقة فى آيات ~~منها قوله - تعالى - # وهو الذي ms4308 يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض ~~وهو العزيز الحكيم # ثم بين - سبحانه - أن حال هؤلاء المشركين تدعو إلى العجب فقال { بل ~~عجبت ويسخرون }. قال الجمل وقوله { بل عجبت } إضراب إما ~~عن مقدر دل عليه قوله { فاستفتهم } أى هم لا يقرون بل عجبت، وإما ~~عن الأمر بالاستفتاء، أى لا تستفتهم فإنهم معاندون، بل انظر إلى تفاوت ~~حالك وحالهم. # أى بل عجبت - أيها الرسول الكريم - ومن حقك أن تعجب، من إنكار هؤلاء ~~الجاحدين لإمكانية البعث، مع هذه الأدلة الساطعة التى سقناها لهم على أن ~~البعث حق. وجملة { ويسخرون } حالية. أى والحال أنهم يسخرون من ~~تعجبك ومن إنكارك عليهم ذلك، ومن إيمانك العميق بهذه الحقيقة، حتى إنك ~~لترددها على مسامعهم صباح مساء. قال الآلوسى وقرأ حمزة والكسائى { بل ~~عجبت } - بضم التاء -.. وأولت هذه القراءة بأن ذلك من باب الفرض، أى لو ~~كان العجب مما يجوز على لعجبت من هذه الحال. ثم قال والذى يقتضيه كلام ~~السلف أن العجب فينا انفعال يحصل للنفس عند الجهل للسبب، ولذا قيل إذا ~~ظهر السبب بطل العجب، وهو فى الله - تعالى - بمعنى يليق لذاته - تعالى - ~~وهو - سبحانه - أعلم به، فلا يعينون معناه. وقوله - تعالى - { وإذا ~~ذكروا لا يذكرون. وإذا رأوا آية يستسخرون } ~~بيان لشدة تماديهم فى الباطل، وإصرارهم عليه. أى أن هؤلاء القوم من دأبهم ~~ومن صفاتهم الملازمة لهم، أنهم إذا وعظوا بما ينفعهم لا يتعظون، وإذا ~~رأوا آية واضحة فى دلالتها على الحق { يستسخرون } أى يبالغون فى ~~السخرية وفى الاستهزاء بها، يقال استسخر القوم من الشئ، إذا استدعى بعضهم ~~بعضا للاستهزاء به. ثم بين - سبحانه - أنهم لا يكتفون بالسخرية، بل قالوا ~~أقوالا تدل على جحودهم وجهلهم، فقال - تعالى - { وقالوا إن ~~هذآ إلا سحر مبين }. أى وقالوا - على سبيل الجحود والعناد ~~- ما هذا الذى أتانا به محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا سحر واضح بين، ~~ولا يشك أحد منا فى كونه كذلك. { أإذا متنا وكنا ترابا ~~وعظاما أإنا لمبعوثون. أو آبآؤنا ms4309 الأولون }. أى ~~أنهم لم يكتفوا بقولهم إن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم سحر واضح، ~~بل أضافوا إلى ذلك على سبيل المبالغة فى الإنكار لما جاءهم به قولهم ~~أئذا متنا وانتهت حياتنا ووضعنا فى قبورنا، وصرنا ترابا وعظاما أئنا ~~لمبعوثون ومعادون إلى الحياة مرة أخرى؟ وهل آباؤنا الأولون الذين صاروا ~~من قبلنا عظاما ورفاتا يبعثون أيضا؟ ولا شك أن قولهم هذا دليل واضح على ~~انطماس بصائرهم، وعلى شدة غفلتهم عن آثار قدرة الله - تعالى - التى لا ~~يعجزها شئ. والتى من آثارها إيجادهم من العدم. ولذا لقن الله - تعالى - ~~نبيه صلى الله عليه وسلم الجواب الذى يخرس ألسنتهم فقال { قل نعم ~~وأنتم داخرون }. أى قل لهم - أيها الرسول الكريم - ستبعثون أنتم ~~وآباؤكم الأقدمون، وأنتم جميعا { داخرون } أى صاغرون مستسلمون، لا ~~تستطيعون التأخر أو التردد.. يقال دخر الشخص يدخر - بفتح الخاء - دخورا، ~~إذا ذل وصغر وهان. # ثم بين - سبحانه - أن بعثهم من قبورهم إنما يقع بصيحة واحدة فقال { ~~فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون } والزجرة ~~واحدة من الزجر، يقال زجر الراعى غنمه إذا صاح عليها، ومنعها من شئ معين. ~~والضمير راجع إلى البعثة المدلول عليها بسياق الكلام، والفاء هى الفصيحة. ~~أى إذا كان الأمر كما ذكرنا. فإنما بعثهم من مرقدهم يكون بصيحة واحدة ~~يصيحها إسرافيل فيهم بأمرنا، فإذا هم قيام من قبورهم ينظرون إلى ما حولهم ~~فى ذهول، وينتظرون فى استسلام وذلة حكم الله - تعالى - فيهم. والمراد ~~بهذه الزجرة النفخة الثانية التى يقوم بها إسرافيل بأمر الله - تعالى - ~~كما قال - تعالى - # ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في ~~الأرض إلا من شآء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا ~~هم قيام ينظرون # والتعبير عن الصيحة بالزجرة للدلالة على شدتها وعنفها على هؤلاء ~~المشركين، وأنها قد أتتهم ممن لا يستطيعون معصية أمره. ثم بين - سبحانه - ~~أحوالهم بعد هذه الزجرة فقال { وقالوا يويلنا } أى وقالوا بعد ~~أن خرجوا من قبورهم فى ذهول { يويلنا } أى يا هلا كنا أحضر فهذا ~~أوان ms4310 حضورك. وقوله { هذا يوم الدين } يصح أن يكون من كلام ~~بعضهم مع بعض بعد أن رأوا أن ما كانوا ينكرونه، قد أصبح حقيقة واقعة أمام ~~أعينهم. أى قال بعضهم لبعضهم فى ذعر وفزع يا ويلنا هذا يوم الجزاء على ~~الأعمال. الذى كنا ننكره فى الدنيا، قد أصبح حقيقة ماثلة أمام أعيننا. ~~ويصح أن يكون هو وما بعده، وهو قوله - تعالى - { هذا يوم ~~الفصل الذي كنتم به تكذبون } من كلام الملائكة على ~~سبيل التأنيب لهم. أى تقول لهم الملائكة اطلبوا ما شئتم من الويل ~~والهلاك، فهذا اليوم هو يوم الجزاء على الأعمال، وهو يوم الفصل والقضاء ~~الذى كنتم تكذبون به فى الدنيا، وتستهزئون ممن يأمركم بحسن الاستعداد له، ~~وينذركم بسوء المصير إذا ما سرتم فى طريق الكفر به، والإنكار له. ثم بين ~~- سبحانه - حكمه العادل فيهم، وصور أحوالهم البائسة تصويرا تقشعر من هوله ~~الجلود، وحكى جانبا من حسراتهم خلال تساؤلهم فيما بينهم فقال - تعالى - { ~~احشروا الذين... }. ### || [37.22-39] # وقوله - تعالى - { احشروا } من الحشر بمعنى الجمع مع السوق يقال حشر ~~القائد جنده حشرا - من باب قتل - إذا جمعهم. والمحشر المكان الذى يجتمع ~~فيه الخلائق. والمراد بالذين ظلموا المشركون الذين أشركوا مع الله - ~~تعالى - آلهة أخرى فى العبادة ومن الآيات التى وردت وأطلق فيها الظلم على ~~الشرك والكفر، قوله - تعالى - # إن الشرك لظلم عظيم # وقوله - سبحانه - # والكافرون هم الظالمون # وقد ثبت فى الحديث الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم فسر الظلم بالشرك ~~فى قوله - تعالى - # الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ~~أولئك لهم الأمن وهم مهتدون # والمراد بأزواجهم أشباههم، ونظراؤهم وأمثالهم فى الشرك والكفر، وهذا ~~التفسير مأثور عن عدد من الصحابة والتابعين، منهم عمر بن الخطاب، ~~والنعمان بن بشير، وابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة ومجاهد، وأبو ~~العالية. وقيل المراد بأزواجهم. قرناؤهم من الشياطين، بأن يحشر كل كافر ~~مع شيطانه. وقيل المراد بهم نساؤهم اللائى كن على دينهم، بأن كن مشركات ~~فى الدنيا كأزواجهن، ويبدو لنا أن جميع من ذكروا محشور. والعياذ بالله. ms4311 ~~إلى جهنم. إلا أن تفسير الأزواج هنا بالأشباه والنظائر والأصناف أولى، ~~خصوصا وأن إطلاق الأزواج على الأصناف والأشباه جاء كثيرا فى القرآن ~~الكريم ومن ذلك قوله - تعالى - # سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ~~ومن أنفسهم ومما لا يعلمون # والمراد بما كانوا يعبدونه الآلهة الباطلة التى كانوا فى الدنيا ~~يعبدونها من دون الله، كالأصنام والأوثان. والأمر من الله - تعالى - ~~للملائكة فى هذا اليوم الشديد، وهو يوم القيامة. أى احشروا واجمعوا الذين ~~كانوا مشركين فى الدنيا، واجمعوا معهم كل من كان على شاكلتهم فى الكفر ~~والضلال، ثم اجمعوا معهم - أيضا - آلهتهم الباطلة التى عبدوها من دون ~~الله - تعالى - ثم ألقوا بها جميعا فى جهنم، ليذوقوا سعيرها وحرها. وفى ~~حشر الآلهة الباطلة مع عابديها، زيادة تحسير وتخجيل لهؤلاء العابدين ~~لأنهم رأوا بأعينهم بطلان وخسران ما كانوا يفعلونه فى الدنيا. والضمير فى ~~قوله { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } يعود إلى المشركين ~~وأشباههم وآلهتهم. وقوله { فاهدوهم } من الهداية بمعنى الدلالة على ~~الشئ والإرشاد إليه. أى احشروهم جميعا إلى جهنم، وعرفوهم طريقها إن كانوا ~~لا يعرفونه، وأروهم إياه إن كانوا لا يرونه. والتعبير بالهداية والصراط ~~فيه ما فيه من التهكم بهم، والتأنيب لهم فكأنه - سبحانه - يقول بما أنهم ~~لم يهتدوا فى الدنيا إلى الخير وإلى الحق، وإلى الصراط المستقيم، ~~فليهتدوا فى الآخرة إلى صراط الجحيم. وقوله - سبحانه - { وقفوهم ~~إنهم مسئولون } زيادة فى توبيخهم وإذلالهم، والوقف هنا بمعنى ~~الحبس. # قال القرطبى يقال وقفت الدابة أقفها وقفا فوقفت هى وقوفا.. أى احبسوهم، ~~وهذا يكون قبل السوق إلى الجحيم، وفيه تقديم وتأخير أى قفوهم للحساب ثم ~~سوقوهم إلى النار.. أى واحبسوهم فى موقف الحساب، لأنهم مسئولون عما كانوا ~~يقترفونه فى الدنيا من عقائد زائفة، وأفعال منكرة، وأقوال باطلة. ولا ~~تعارض بين هذه الآية وأمثالها من الآيات التى صرحت بأن المجرمين يسألون ~~يوم القيامة، وبين آيات أخرى صرحت بأنهم لا يسألون كما فى قوله - تعالى - # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن # أقول لا تعارض بين هذه الآيات، ms4312 لأن فى يوم القيامة مواقف متعددة، فقد ~~يسألون فى موقف ولا يسألون فى آخر.. أو أن السؤال المثبت هو سؤال التوبيخ ~~والتقريع والسؤال المنفى هو سؤال الاستعلام والاستخبار. قوله - تعالى - { ~~ما لكم لا تناصرون } تقريع آخر لهم، أى ما الذى جعلكم فى هذا ~~اليوم عاجزين عن التناصر فيما بينكم - أيها الكافرون - مع أنكم فى الدنيا ~~كنتم تزعمون أنكم جميع منتصر؟ ثم أضرب - سبحانه - عما تقدم إلى بيان ~~حالهم يوم القيامة فقال { بل هم اليوم مستسلمون }. ~~والاستسلام أصله طلب السلامة، والمراد به هنا الانقياد التام، والخضوع ~~المطلق، يقال استسلم العدو لعدوه، إذا انقاد له وخضع لأمره. أى ليسوا فى ~~هذا اليوم بقادرين على التناصر، بل هم اليوم خاضعون ومستسلمون، لعجزهم عن ~~أى حيلة تنقذهم مما هم فيه من بلاء. ثم يحكى - سبحانه - ما يدور بينهم من ~~مجادلات يوم القيامة فيقول { وأقبل بعضهم على بعض ~~يتسآءلون } ويبدو أن التساؤل والتجادل هنا، يكون بين الأتباع ~~والمتبوعين، أو بين العامة والزعماء. كما تدل عليه آيات منها قوله - ~~تعالى - # ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم ~~يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين ~~استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا ~~مؤمنين # ثم حكى - سبحانه - ما قاله الضعفاء للزعماء فقال { قالوا إنكم ~~كنتم تأتوننا عن اليمين } وللمفسرين فى تأويل معنى اليمين ~~هنا اتجاهات منها أن المراد باليمين هنا الجهة التى هى جهة الخير واليمن ~~أى قال الضعفاء للرؤساء إنكم كنتم فى الدنيا توهموننا وتخدعوننا بالبقاء ~~على ما نحن عليه من عبادة الأصنام والأوثان، لأن بقاءنا على ذلك فيه ~~الخير واليمن والسلامة. فأين مصداق ما قلتموه لنا وقد نزل بنا ما نزل من ~~أهوال وآلام؟ فالمقصود بالآية الكريمة بيان ما يقوله الأتباع للمتبوعين ~~على سبيل الحسرة والندامة، لأنهم خدعوا بوسوستهم، وأصيبوا بالخيبة بسبب ~~اتباعهم لهم. وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله اليمين لما كانت ~~أشرف العضوين وأمتنهما، وكانوا يتيمنون بها، فبها يصافحون، ويماسحون، ~~ويناولون ويتناولون، ويزاولون أكثر الأمور. # لما كانت استعيرت لجهة الخير وجانبه، فقيل أتاه عن ms4313 اليمين، أى من الخير ~~وناحيته.. ومنهم من يرى أن المراد باليمين هنا اليمين الشرعية التى هى ~~القسم، وعن بمعنى الباء. أى قالوا لهم إنكم كنتم فى الدنيا تأتوننا ~~بالأيمان المغلظة على أننا وأنتم على الحق فصدقناكم، فأين نحن وأنتم الآن ~~من هذه الآيمان المغلظة؟ لقد ظهر كذبها وبطلانها، وأنتم اليوم مسئولون ~~عما نحن فيه من كرب. ومنهم من يرى أن المراد باليمين هنا القوة والغلبة. ~~أى أنكم كنتم فى الدنيا تجبروننا وتقسروننا على أتباعكم لأننا كنا ضعفاء ~~وكنتم أقوياء. والذى نراه أن الآية الكريمة تسع كل هذه الأقوال، لأن ~~الرؤساء أوهموا الضعفاء بأنهم على الحق، وأقسموا لهم على ذلك، وهددوهم ~~بالقتل أو الطرد إن هم اتبعوا ما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم. ~~ومقصود الضعفاء من هذا القول، إلقاء المسئولية كاملة على الرؤساء، توهما ~~منهم أن هذا الإلقاء سيخفف عنهم شيئا من العذاب. ثم يحكى القرآن بعد ذلك ~~أن الرؤساء قد ردوا عليهم بخمسة أجوبة. أولها { قالوا بل لم ~~تكونوا مؤمنين } أى قال الرؤساء للأتباع نحن لم نتسبب فى كفركم ~~فى الدنيا، بل أنتم الذين أبيتم الإيمان باختياركم، وآثرتم عليه الكفر ~~باختياركم - أيضا - فكفركم نابع من ذواتكم، وليس من شئ خارج عنكم، ولم ~~يدخل الإيمان قلوبكم فى وقت من الأوقات. فالجملة الكريمة إضراب إبطالى ~~من المتبوعين، عما ادعاه التابعون. وثانيها يتجلى فى قوله - تعالى - { ~~وما كان لنا عليكم من سلطان } أى وما كان لنا عليكم من ~~قوة أو غلبة تجبركم على البقاء فى الكفر والضلال، ولكنكم أنتم الذين ~~رضيتم بالكفر عن اختيار واقتناع منكم به. وثالثها قوله - تعالى - { بل ~~كنتم قوما طاغين } أى نحن لم يكن لنا سلطان عليكم، بل أنتم ~~الذين كنتم فى الدنيا قوما طاغين وضالين مثلنا. والطغيان مجاوزة الحد فى ~~كل شئ. ورابعها نراه فى قوله - سبحانه - { فحق علينا قول ~~ربنآ إنا لذآئقون } والفاء للتفريع على ما تقدم، من كون ~~الرؤساء لم يجبروا الضعفاء على البقاء فى الكفر. أى نحن وأنتم لم تكونوا ~~مؤمنين أصلا. فكانت ms4314 نتيجتنا جميعا، أن استحققنا العذاب، وأن لزمنا ما ~~توعدنا به خالقنا من ذوق العذاب، جزاء كفرنا وشركنا به - تعالى -. وخامس ~~هذه الأجوبة بينه - سبحانه - فى قوله - حكاية عنهم - { فأغويناكم ~~إنا كنا غاوين }. أى فدعوناكم للغواية والضلالة دعوة غير ملجئة، ~~فاستجبتم لنا باختياركم الغى على الرشد { إنا كنا غاوين } ~~مثلكم، فلا تلومونا ولوموا أنفسكم فنحن ما أجبرناكم على اتباعنا ولكن ~~أنتم الذين اتبعتمونا باختياركم. وهكذا رد الرؤساء على الضعفاء فيما ~~اتهموهم به من أنهم السبب فيما حل بهم من عذاب أليم يوم القيامة. # وهنا - يبين - سبحانه - حكمه العادل فى الجميع، فى الرؤساء والأتباع ~~فيقول { فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون } أى كما ~~كانوا متشاركين فى الدنيا فى الغواية والضلالة، فإنهم فى الآخرة مشتركون ~~جميعا فى حلول العذاب بهم، وذوقهم لآلامه وسعيره. فالضمير فى قوله { ~~فإنهم } يعود للتابعين والمتبوعين، لأنهم جميعا مستحقون للعذاب. ثم ~~بين - سبحانه - الأسباب التى أدت بالكافرين جميعا إلى هذا المصير السيئ ~~فقال { إنا كذلك نفعل بالمجرمين } أى مثل هذا العذاب ~~الأليم نفعل بالمجرمين، لأنهم أشركوا معنا غيرنا فى العبادة، وآذوا رسلنا ~~الذين جاءوا لهدايتهم وإرشادهم. { إنهم كانوا } فى الدنيا { ~~إذا قيل لهم } على سبيل النصيحة والدعوة إلى الحق { لا إله ~~إلا الله يستكبرون } عن قبول هذه النصيحة، ويعرضون عنها، ~~ويصرون على كفرهم وجحودهم للحق، ويستكبرون عن النطق بكلمة الإيمان. { ~~ويقولون } لمن نصحهم { أإنا لتاركوا آلهتنا لشاعر ~~مجنون }. أى ويقولون باستهزاء وغرور لمن دعاهم إلى الإيمان وإلى قول ~~لا إله إلا الله، يقولون له أتدعونا إلى أن نترك ما عليه آباؤنا وأجدادنا ~~عن عقائد وأفعال، وإلى أن نتبع ما جاءنا به هذا الشاعر المجنون. ويعنون ~~بالشاعر المجنون - قبحهم الله - رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى أرسله ~~الله - تعالى - لهدايتهم. ولذا رد الله - تعالى -عليهم بقوله { بل ~~جآء بالحق وصدق المرسلين }. أى ليس الرسول صلى الله ~~عليه وسلم شاعرا أو مجنونا، كما زعمتم - أيها الجاهلون - بل هو رسول صادق ~~فيما يبلغه عن ربه، وقد جاءكم بالحق وهو دين التوحيد الذى ms4315 دعا إليه جميع ~~الرسل، فكان مصدقا لهم فى الدعوة إليه، فكيف تزعمون أنه شاعر مجنون؟ { ~~إنكم }.. أيها المشركون بسبب هذه المزاعم { لذآئقو } فى هذا ~~اليوم { العذاب الأليم } الذى يذلكم ويخزيكم ويجعلكم فى حزن دائم. ~~{ وما تجزون إلا ما كنتم تعملون } أى وما نجازيكم ~~بهذا الجزاء الموجع المؤلم. إلا بسبب أعمالكم القبيحة فى الدنيا. وهكذا ~~نجد الآيات الكريمة قد بينت لنا بأسلوب مؤثر بديع، سوء عاقبة الكافرين، ~~بسبب إعراضهم عن الحق. واستكبارهم عن الدخول فيه، ووصفهم للرسول صلى الله ~~عليه وسلم بما هو برئ منه. وكعادة القرآن الكريم فى المقارنة بين مصير ~~الأشرار ومصير الأخيار - ليهلك ن هلك عن بينة ويحيا من حى عن بينة - أتبع ~~- سبحانه - الحديث عن سوء عاقبة الكافرين - بالحديث عن حسن عاقبة ~~المؤمنين، فقال - تعالى - { إلا عباد الله... }. ### || [37.40-49] # قال الآلوسى ما ملخصه قوله { إلا عباد الله المخلصين } ~~استثناء منقطع من ضمير " ذائقو " وما بينهما اعتراض جئ به مسارعة إلى ~~تحقيق الحق. ببيان أن ذوقهم العذاب ليس إلا من جهتهم لا من جهة غيرهم ~~أصلا. فإلا مؤولة بلكن. فالمعنى إنكم - أيها المشركون - لذائقو العذاب ~~الأليم، لكن عباد الله المخلصين - ليسوا كذلك - أولئك لهم رزق معلوم.. ~~ولفظ { المخلصين } قرأه بعض القراء السبعة - بفتح اللام - أى لكن ~~عباد الله - تعالى - الذين أخلصهم الله - تعالى - لطاعته وتوحيده ليسوا ~~كذلك. وقرأه البعض الآخر بكسر اللام. أى لكن عباد الله الذين أخلصوا له ~~العبادة والطاعة، لا يذوقون حر النار كالمشركين. واسم الإشارة فى قوله { ~~أولئك لهم رزق معلوم } يعود إلى هؤلاء العباد المخلصين. ~~أى أولئك العباد المتصفون بتلك الصفة الكريمة وهى الإخلاص، لهم رزق عظيم ~~معلوم فى وقته، كما قال - تعالى - # ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا # ومعلوم فى خصائصه الكريمة وصفاته الحسنة ككونه لذيذ الطعم، حسن المنظر، ~~غير مقطوع ولا ممنوع إلى غير ذلك من الصفات التى تجعله محل الرغبة ~~والاشتهاء. وقوله - تعالى - { فواكه وهم مكرمون } بدل مما ~~قبله، أو خبر لمبتدأ محذوف، أى هذا الرزق المعلوم، هو فواكه. والمراد ~~بهذه الفواكه ms4316 ما يأكله الآكل على سبيل التلذذ والتفكه، وجميع ما يأكله ~~أهل الجنة كذلك حتى اللحم والخبز، لأنهم فى الجنة فى غنى عن القوت الذى ~~يحفظون به حياتهم. وخصت الفاكهة بالذكر لأنها أطيب ما يأكله الآكلون. ~~وفضلا عن كل ذلك فهم فيها منعمون مكرمون، لا يحتاجون إلى شئ إلا ويجدونه ~~بين أيديهم، بفضل الله - تعالى - ورحمته. ثم بين - سبحانه - مكانهم ~~وهيئتهم فقال { في جنات النعيم. على سرر متقابلين ~~} أى هم فى جنات ليس فيها إلا النعيم الدائم، وهم فى الوقت نفسه يجلسون ~~على سرر متقابلين، بأن تكون وجوههم متقابلة لا متدابرة، فإن من شأن ~~المتصافين أن يجلسوا متقابلين. { يطاف عليهم بكأس من ~~معين } والكأس. هو الإناء الذى فيه شراب، فإن لم يكن فيه شراب فهو ~~قدح، وقد يسمى الشراب ذاته كأسا، فيقال شربت كأسا، وذلك من باب تسمية ~~الشئ باسم محله. و { معين } اسم فاعل من معن وهو صفة لكأس مأخوذ من ~~عان الماء إذا نبع وظهر على الأرض. أى يطاف على هؤلاء العباد المخلصين ~~وهم فى الجنة، بكأس ملئ بخمر لذة للشاربين، نابعة من العيون، وظاهرة ~~للأبصار، تجرى فى أنهار الجنة كما تجرى المياه فى الأنهار. فالتعبير ~~بقوله - تعالى - { بكأس من معين } يشعر بكثرتها، وقربها ممن ~~يريدها. # وقوله - تعالى - { بيضآء لذة للشاربين } صفتان للكأس ~~باعتبار ما فيه. أى هذه الخمر التى يطاف بها عليهم، بيضاء اللون، لذيذة ~~الطعم والرائحة عند الشاربين. { لا فيها غول } أى أذى أو مضرة، ~~والغول. إهلاك الشئ - على غرة وغفلة. يقال غاله يغوله غولا، واغتاله ~~اغتيالا، إذا قضى عليه بغتة، وأخذه من حيث لا يشعر. أى أن خمر الآخرة ليس ~~فيها ما يضر أو يؤذى، كما هو الحال بالنسبة لخمر الدنيا { ولا هم ~~عنها ينزفون } و { عن } هنا للسببية، فهى بمعنى الباء، أى ولا هم ~~بسبب شربها تذهب عقولهم، وتختل أفكارهم، كما هو الحال فى خمر الدنيا. ~~وأصل النزف نزع الشئ من مكانه وإذهابه بالتدريج، يقال نزف فلان ماء ~~البئر ينزفه - من باب ضرب - إذا نزحه ms4317 شيئا فشيئا إلى نهايته، ويقال نزف ~~الرجل - كعنى - إذا سكر حتى اختل عقله، وخصت هذه المفسدة بالذكر مع ~~عموم ما قبلها، لكونها من أعظم مفاسد الخمر. وقوله - تعالى - { ~~وعندهم قاصرات الطرف عين } بيان لمتعة أخرى من المتع التى ~~أحلها الله - تعالى - لهم. وقاصرات من القصر بمعنى الحبس، وعين، جمع ~~عيناء، وهى المرأة الواسعة العين فى جمال. أى وفضلا عن ذلك، فقد متعنا ~~هؤلاء العباد بمتع أخرى. وهى أننا جعلنا عندهم للمؤانسة نساء قصرن ~~أبصارهن على أزواجهن لا يمدونها إلى غيرهم، لشدة محبتهن لهم، ومن صفات ~~هؤلاء النساء - أيضا أنهن جميلات العيون. { كأنهن } أى هؤلاء ~~النسوة { بيض مكنون } ، أى كأنهن كبيض النعام. الذى أخفاه الريش ~~فى العش، فلم تمسه الأيدى، ولم يصبه الغبار، فى صفاء البشرة، ونقاء ~~الجسد. وشبههن ببيض النعام، لأن لونه مع بياضه وصفائه يخالطه شئ من ~~الصفرة وهو لون محبوب فى النساء عند العرب ولذا قالوا فى النساء الجميلات ~~بيضات الخدور. وإلى هنا تجد الآيات الكريمة قد بشرت عباد الله المخلصين. ~~بالعطاء المتنوع الجزيل، الذى تنشرح له الصدور، وتقر به العيون، وتبتهج ~~له النفوس. ثم حكى - سبحانه - بعض المحاورات التى تدور بين عباده ~~المخلصين، بعد أن رأوا ما أعده - سبحانه - لهم من نعيم مقيم.. فقال - ~~تعالى - { فأقبل بعضهم على بعض... }. ### || [37.50-61] # قال صاحب الكشاف فإن قلت علام عطف قوله { فأقبل بعضهم على ~~بعض }؟ قلت هو معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك # يطاف عليهم بكأس من معين # والمعنى يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشاربين. قال الشاعر # وما بقيت من اللذات إلا أحاديث الكرام على المدام # فيقبل بعضهم على بعض { يتسآءلون } عما جرى لهم وعليهم فى الدنيا. ~~إلا أن جئ به ماضيا على عادة الله فى أخباره. أى أن هؤلاء العباد ~~المخلصين، بعد أن أعطاهم الله ما أعطاهم من النعم، أقبل بعضهم على بعض { ~~يتسآءلون } فيما بينهم عن ذكرياتهم، وإذا بواحد منهم يقول لإخوانه ~~- من باب التحدث بنعمة الله { إني كان لي قرين } أى إنى فى ~~الدنيا كان لى صديق ms4318 ملازم لى، ينهانى عن الإيمان - بالبعث والحساب، ~~ويقول لى - بأسلوب التهكم والاستهزاء { أإنك لمن المصدقين ~~} أى أئنك - أيها الرجل - لمن المصدقين بأن هناك بعثا وحسابا، وثوابا ~~وعقابا، وجنة ونارا. ثم يضيف إلى ذلك قوله { أإذا متنا } وانتهت ~~حياتنا فى هذه الدنيا، ووضعنا فى قبورنا { وكنا ترابا وعظاما ~~} أى وصارت أجسادنا مثل التراب ومثل العظام البالية. { أإنا ~~لمدينون } أى أئنا بعد كل ذلك لمبعوثون ومعادون إلى الحياة مرة ~~أخرى، ومجزيون بأعمالنا. فقوله - تعالى - { لمدينون } من الدين ~~بمعنى الجزاء، ومنه قوله - تعالى - # ملك يوم الدين # والاستفهام للاستبعاد والإنكار من ذلك القرين للبعث والحساب. وهنا يعرض ~~هذا المؤمن على إخوانه، أن يشاركوه فى الاطلاع على مصير هذا القرين ~~الكافر بالبعث فيقول لهم { هل أنتم مطلعون } أى هل أنتم ~~مطلعون معى على أهل النار لنرى جميعا حال ذلك القرين الذى حكيت لكم حاله؟ ~~والاستفهام للتخصيص، أى هيا صاحبونى فى الاطلاع على هذا القرين الكافر. { ~~فاطلع } ذلك الرجل المؤمن ومعه إخوانه على أهل النار. فرآه فى سواء ~~الجحيم، أى فرأى ذلك الرجل الذى كان قرينه وصاحبه الملازم له فى الدنيا، ~~ملقى به فى { سوآء الجحيم } أى فى وسط النار، وسمى الوسط سواء ~~لاستواء المسافة منه إلى باقى الجوانب. قال الآلوسى واطلاع أهل الجنة على ~~أهل النار، ومعرفة من فيها، مع ما بينهما من التباعد غير بعيد بأن يخلق ~~الله - تعالى - فيهم حدة النظر، ويعرفهم من أرادوا الاطلاع عليه. ولعلهم ~~- إن أرادوا ذلك - وقفوا على الأعراف. فاطلعوا على من أرادوا الاطلاع ~~عليه من أهل النار. وقبل إن لهم طاقات فى الجنة ينظرون منها من علو إلى ~~أهل النار، وعلم القائل بأن القرين من أهل النار، لأنه كان منكرا للبعث. ~~ثم يحكى القرآن بعد ذلك ما قاله ذلك الرجل المؤمن لقرينه فى الدنيا بعد ~~أن رآه فى وسط الجحيم فيقول. # { قال تالله إن كدت لتردين. ولولا نعمة ربي ~~لكنت من المحضرين }. وقوله { تالله } قسم فيه معنى ~~التعجب، و { إن } مخففة من الثقيلة. واللام فى قوله { لتردين } هى ms4319 ~~الفارقة بين إن المخففة والنافية، والجملة جواب القسم، وتردين أى تهلكنى ~~يقال أردى فلان فلانا إذا أهلكه. وردى فلان - من باب رضى - إذا ~~هلك. و { المحضرين } من الإحضار، يقال أحضر المجرم ليلقى جزاءه، ~~وهذا اللفظ يستعمل عند الإطلاق فى الشر، إذ يدل على السوق مع الإكراه ~~والقسر. أى قال الرجل المؤمن لقرينه الملقى فى وسط جهنم، وحق الله - ~~تعالى - لقد كدت أيها القرين أن تهلكنى بصدك إياى عن الإيمان بالبعث ~~والحساب ولولا نعمة ربى على، حيث عصمنى من طاعتك، ووفقنى للإيمان.. ~~لكنت اليوم من الذين أحضروا للعذاب مثلك ومثل أشباهك، ولساقنى ملائكة ~~العذاب إلى هذا المصير الأليم الذى أنت فيه اليوم، فحمدا لله - تعالى - ~~على الإيمان والهداية. وقوله - تعالى - { أفما نحن بميتين. ~~إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين } بيان لما ~~يقوله هذا الرجل المؤمن لأصحابه الذين معه فى الجنة، وبعد أن انتهى من ~~كلامه مع قرينه. وهذا الكلام يقوله على سبيل التلذذ والتحدث بنعمة الله ~~عليهم. والاستفهام للتقرير، والفاء للعطف على مقدر يستدعيه المقام، ~~والمعطوف عليه محذوف. والمعنى أنحن مخلدون فى هذا النعيم، ولن يلحقنا موت ~~مرة أخرى بعد موتتنا الأولى التى لحقتنا فى الدنيا، ولن يصيبنا شئ من ~~العذاب كما أصاب غيرنا؟ إننا لنشعر جميعا بأننا لن نموت مرة أخرى، وسنبقى ~~فى هذا النعيم الدائم بفضل الله ورحمته. وبعضهم يرى أن هذا السؤال من أهل ~~الجنة للملائكة حين يذبح الموت. قال القرطبى قوله { أفما نحن ~~بميتين. إلا موتتنا الأولى } هو من قول أهل الجنة ~~للملائكة حين يذبح الموت، ويقال " يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل ~~النار خلود بلا موت ". والإشارة فى قوله - تعالى - { إن هذا ~~لهو الفوز العظيم } لما سبق الإخبار به من نفى الموت والعذاب ~~عن أهل الجنة، وهذا القول - أيضا - حكاية لما يقوله ذلك المؤمن لمن معه ~~فى الجنة، أى إن هذا النعيم الدائم الذى نحن فيه - يا أهل الجنة - لهو ~~الفوز العظيم، الذى لا يدانيه فوز، ولا يقاربه فلاح. ثم يقول لهم - أيضا ~~- { لمثل ms4320 هذا فليعمل العاملون } أى لمثل هذا العطاء ~~الجزيل، والنعيم المقيم، فليعمل العاملون، لا لغير ذلك من الأعمال ~~الدنيوية الزائلة الفانية. ثم ساق - سبحانه - ما يدل على البون الشاسع. ~~بين النعيم المقيم الذى يعيش فيه عباد الله الملخصون. وبين الشقاء الدائم ~~الذى يعيش فيه الكافرون، فقال - تعالى - { أذلك خير نزلا أم ~~شجرة... }. ### || [37.62-74] # واسم الإشارة " ذلك " فى قوله - تعالى - { أذلك خير نزلا ~~أم شجرة الزقوم } يعود إلى نعيم الجنة الذى سبق الحديث عنه، ~~والذى يشمل الرزق المعلوم وما عطف عليه. والاستفهام للتوبيخ والتأنيب. ~~والنزل ما يقدم للضيف وغيره من طعام ومكان ينزل به. و " ذلك " مبتدأ، و " ~~خير " خبره، و " نزلا " تمييز لخير، والخيرية بالنسبة لما اختاره الكفار ~~على غيره، والجملة مقول لقول محذوف. وشجرة الزقوم هى شجرة لا وجود لها فى ~~الدنيا، وإنما يخلقها الله - تعالى - فى النار، كما يخلق غيرها من أصناف ~~العذاب كالحيات والعقارب. وقيل هى شجرة سامة متى مست جسد أحد تورم ومات، ~~وتوجد فى الأراضى المجدبة المجاورة للصحراء. والزقوم من التزقم، وهو ~~ابتلاع الشئ الكريه، بمشقة شديدة. والمعنى قل - أيها الرسول الكريم - ~~لهؤلاء الكافرين أذلك النعيم الدائم الذى ينزل به المؤمنون فى الجنة خير، ~~أم شجرة الزقوم التى يتبلغ بها الكافرون وهم فى النار، فلا يجدون من ~~ورائها إلا الغم والكرب لمرارة طعمها، وقبح رائحتها وهيئتها. ومعلوم أنه ~~لا خير فى شجرة الزقوم، ولكن المؤمنين لما اختاروا ما أدى بهم إلى نعيم ~~الجنة وهو الإيمان والعمل الصالح، واختار الكافرون ما أدى بهم إلى النار ~~وبئس القرار، قيل لهم ذلك على سبيل التوبيخ والتقريع، لسوء اختيارهم. ثم ~~بين - سبحانه - شيئا عن هذه الشجرة فقال { إنا جعلناها فتنة ~~للظالمين } أى إنا جعلنا هذه الشجرة محنة وابتلاء وامتحانا لهؤلاء ~~الكافرين الظالمين، لأنهم لما أخبرهم رسولنا صلى الله عليه وسلم بوجود ~~هذه الشجرة فى النار. كذبوه واستهزأوا به، فحق عليهم عذابنا بسبب هذا ~~التكذيب والاستهزاء. قال القرطبى ما ملخصه قوله - تعالى - { إنا ~~جعلناها فتنة للظالمين } أى، المشركين. وذلك أنهم قالوا. ms4321 ~~كيف تكون فى النار شجرة مع أن النار تحرق الشجر..؟ وكان هذا القول جهلا ~~منهم، إذ لا يستحيل فى العقل أن يخلق الله فى النار شجرا من جنسها لا ~~تأكله النار، كما يخلق الله فيها الأغلال والقيود والحيات والعقارب. ثم ~~بين - سبحانه - أصل هذه الشجرة ومنبتها فقال { إنها شجرة ~~تخرج في أصل الجحيم } أى منبتها وأصلها يخرج من أسفل ~~الجحيم، أما أغصانها وفروعها فترتفع إلى دركاتها. ثم بين - سبحانه - ~~ثمرها فقال { طلعها كأنه رءوس الشياطين } أى ثمرها الذى ~~يخرج منها، وحملها الذى يتولد عنها، يشبه فى تناهى قبحه وكراهيته، رؤوس ~~الشياطين التى هى أقبح ما يتصوره العقل، وأبغض شئ يرد على الخاطر. قال ~~صاحب الكشاف ما ملخصه شبه حمل شجرة الزقوم برؤوس الشياطين، للدلالة على ~~تناهيه فى الكراهة وقبح المنظر، لأن الشيطان مكروه مستقبح فى طباع الناس، ~~لاعتقادهم أنه شر محض لا يخالطه خير، فيقولون فى القبيح الصورة كأنه وجه ~~شيطان، أو كأنه رأس شيطان، وإذا صوره المصورون صوروه على أقبح صورة. # كما أنهم اعتقدوا فى الملك أنه خير محض لا شر فيه، فشبهوا به الصورة ~~الحسنة، قال الله - تعالى - # ما هذا بشرا إن هذآ إلا ملك كريم # وهذا تشبيه تخييلى. وقيل الشيطان حية عرفاء لها صورة قبيحة المنظر.. ~~فجاء التشبيه بها.. وقوله - تعالى - { فإنهم لآكلون منها ~~فمالئون منها البطون } تقريع على ما تقدم من كونها فتنة لهم. ~~أى هذا هو حال تلك الشجرة، وهذا هو أصلها وثمرها، وإن هؤلاء الكفار الذين ~~يستهزئون بمن يحدثهم عنها لآكلون من ثمارها حتى تمتلئ بطونهم، رغما عنهم، ~~وإذلالا لهم. { ثم إن لهم عليها } أى على ما يأكلونه منها { ~~لشوبا من حميم } أى لشرابا مخلوطا بماء شديد الحرارة يقطع ~~الأحشاء، كما قال - تعالى - # وسقوا مآء حميما فقطع أمعآءهم # فالشوب الخلط يقال شاب فلان طعامه، إذا خلطه بغيره. والحميم الماء الذى ~~بلغ الغاية فى الحرارة. فطعامهم - والعياذ بالله - قد اجتمع فيه مرارة ~~الزقوم وحرارة الماء وهذا أشنع ما يكون عليه الطعام. ثم بين - سبحانه - ~~مصيرهم ms4322 الدائم فقال. { ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم } أى ~~ثم إن مرجعهم ومصيرهم ومقرهم الدائم بعد كل ذلك لإلى دركات الجحيم لا ~~إلى غيرها. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك الأسباب التى أدت بهم إلى هذا ~~المصير السيئ فقال - تعالى - { إنهم ألفوا آبآءهم ~~ضآلين. فهم على آثارهم يهرعون } وقوله { ألفوا ~~} من الإلف للشئ بمعنى التعود عليه بعد وجوده وحصوله. وقوله { ~~يهرعون } من الإهراع بمعنى الإسراع الشديد، أو الإسراع الذى ~~تصحبه رعدة وفزع، يقال هرع وأهرع - بالبناء للمجهول فيهما - إذا ~~استحث وأزعج، ويقال فلان يهرع - بضم الياء - إذا جاء مسرعا فى غضب أو ~~ضعف أو خوف. أى إن ما أصاب هؤلاء الكافرين من عذاب أليم، سببه أنهم وجدوا ~~آباءهم مقيمين على الضلال، فاقتدوا بهم اقتداء أعمى، وساروا خلفهم وعلى ~~آثارهم بسرعة وبغير تدبر أو تعقل، كما يسير الأعمى خلف من يذهب به إلى ~~طريق هلاكه. فالآيتان الكريمتان توبيخ شديد لهؤلاء الكافرين، لأنهم لم ~~يكتفوا بتقليد آبائهم فى الضلال، بل أسرعوا إلى ذلك إسراعا لا تمهل معه ~~ولا تدبر. ثم بين - سبحانه - أحوال السابقين عليهم فقال { ولقد ضل ~~قبلهم أكثر الأولين }. أى ولقد ضل قبل هؤلاء الظالمين من ~~قومك - أيها الرسول الكريم - أكثر الأقوام السابقين الذين أرسلنا إليهم ~~رسلنا لهدايتهم. وفى التعبير بقوله { أكثر } إنصاف ومدح للقلة المؤمنة ~~التى اتبعت الحق. # { ولقد أرسلنا فيهم منذرين } أى ولقد أرسلنا فى هؤلاء ~~السابقين أنبياء كثيرين. ينذرونهم ويخوفونهم من عاقبة الكفر والشرك، ولكن ~~أكثر هؤلاء الأقوام لم يستيجبوا للحق. { فانظر } - أيها الرسول الكريم ~~- { كيف كان عاقبة المنذرين } أى فانظر وتأمل كيف كانت ~~عاقبة هؤلاء الذين أنذروا فلم يستجيبوا للحق، لقد كانت عاقبتهم أن ~~دمرناهم تدميرا { إلا عباد الله المخلصين } أى دمرنا ~~هؤلاء الأقوام إلا عبادنا الذين أخلصوا لنا العبادة والطاعة فقد أنجيناهم ~~بفضلنا ورحمتنا. ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك قصص بعض الأنبياء السابقين مع ~~أقوامهم لتثبيت فؤاد النبى صلى الله عليه وسلم وتسليته عما أصابه من ~~قومه، وابتدأ تلك القصص ببيان جانب من قصة نوح - عليه السلام ms4323 - مع قومه ~~فقال - تعالى - { ولقد نادانا نوح فلنعم... }. ### || [37.75-82] # وقصة نوح - عليه السلام - قد وردت فى القرآن الكريم فى سور متعددة منها ~~سورة الأعراف، وسورة هود، وسورة نوح، وسورة المؤمنون. وهنا يحدثنا القرآن ~~عن جانب من النعم التى أنعم بها الله - تعالى - على نبيه نوح - عليه ~~السلام - حيث أجاب له دعاءه، ونجاه وأهله من الكرب العظيم وأهلك أعداءه ~~المكذبين. واللام فى قوله { ولقد نادانا نوح... } واقعة فى جواب ~~القسم محذوف والمراد بالنداء الدعاء الذى تضرع به نوح - عليه السلام - ~~وطلب منا أن ننصره على قومه الكافرين فاستجبنا له أحسن إجابة، ونعم ~~المجيبون نحن، فقد أهلكنا أعداءه بالطوفان. أخرج ابن مردويه عن عائشة ~~قالت كان النبى - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى فى بيتى فمر بهذه الآية، ~~قال " صدقت ربنا، أنت أقرب من دعى، وأقرب من بغى - أى طلب لإجابة ~~الدعاء - فنعم المدعو أنت، ونعم المعطى أنت، ونعم المسئول أنت ربنا ونعم ~~المصير ". والمراد بأهله فى قوله - تعالى - { ونجيناه وأهله ~~من الكرب العظيم } الذين آمنوا معه. أى ونجيناه وأهله الذين ~~آمنوا معه - بفضلنا وإحساننا - من الكرب العظيم، الذى حل بأعدائه ~~الكافرين، حيث أغرقناهم أجمعين. { وجعلنا ذريته هم ~~الباقين } أى وجعلنا ذريته من بعده هم الذين بقوا وبقى نسلهم من ~~بعدهم، وذلك لأن الله - تعالى - أهلك جميع الكافرين من قومه، أما من كان ~~معه من المؤمنين من غير ذريته، فقد قيل إنهم ماتوا، ولم يبق سوى أولاده. ~~قال ابن كثير قوله - تعالى - { وجعلنا ذريته هم ~~الباقين } قال ابن عباس لم تبق إلا ذرية نوح. وقال قتادة الناس كلهم ~~من ذرية نوح. وروى الترمذى وابن جرير وابن أبى حاتم عن سمرة عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم فى قوله { وجعلنا ذريته هم الباقين } ~~قال # " هم سام، وحام، ويافث ". # وروى الإمام أحمد - بسنده - عن سمرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال # " سام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم ". # { وتركنا عليه في الآخرين. سلام على نوح في ~~العالمين } أى وأبقينا عليه ms4324 فى الأمم التى ستأتى من بعده إلى يوم ~~القيامة، الذكر الحسن، والكلمة الطيبة ألا وهى قولهم سلام على نوح فى ~~العالمين، أى تحية وأمان وثناء جميل على نوح فى العالمين. وقوله { إنا ~~كذلك نجزي المحسنين. إنه من عبادنا ~~المؤمنين } تعليل لما منحه - سبحانه - لعبده نوح من نعم وفضل ~~وإجابة دعاء. أى مثل ذلك الجزاء الكريم الذى جازينا به نوحا - عليه ~~السلام - نجازى كل من كان محسنا فى أقواله وأفعاله. # وإن عبدنا نوحا قد كان من عبادنا الذين بلغوا درجة الكمال فى إيمانهم ~~وإحسانهم. قال صاحب الكشاف قوله { وتركنا عليه في الآخرين } ~~أى من الأمم هذه الكلمة، وهى " سلام على نوح " يعنى يسلمون عليه تسليما ~~ويدعون له. فإن قلت فما معنى قوله { في العالمين }. قلت معناه ~~الدعاء بثبوت هذه التحية فيهم جميعا، وأن لا يخلو أحد منهم منها، كأنه ~~قيل ثبت الله التسليم على نوح وأدامه فى الملائكة والثقلين، يسلمون عليه ~~عن آخرهم. علل - سبحانه - مجازاة نوح بتلك التكرمة السنية، من تبقية ~~ذكره، وتسليم العالمين عليه إلى آخر الدهر، بأنه كان محسنا، ثم علل كونه ~~محسنا، بأنه كان عبدا مؤمنا، ليريك جلالة محل الإيمان، وأنه لقصارى ~~من صفات المدح والتعظيم، ويرغبك فى تحصيله وفى الازدياد منه. ثم ختم - ~~سبحانه - القصة بقوله { ثم أغرقنا الآخرين } أى لقد أضفنا إلى ~~تلك النعم التى أعطيناها لنبينا نوح - عليه السلام - أننا أغرقنا أعداءه ~~الذين آذوه، وأعرضوا عن دعوته. وتلك سنتنا لا تتخلف، أننا ننجى المؤمنين، ~~ونهلك الكافرين. وجاءت بعد قصة نوح - عليه السلام - قصة إبراهيم - عليه ~~السلام - وقد حكى الله - تعالى - ما دار بين إبراهيم وبين قومه، كما حكى ~~بعض النعم التى أنعمها - سبحانه - عليه، بسبب إيمانه وإحسانه، فقال - ~~تعالى - { وإن من شيعته... }. ### || [37.83-113] # والضمير فى قوله { وإن من شيعته لإبراهيم } يعود على نوح ~~- عليه السلام - وشيعة الرجل أعوانه وأنصاره وأتباعه، وكل جماعة اجتمعوا ~~على أمر واحد أو رأى واحد فهم شيعة، والجمع شيع مثل سدرة وسدر. قال ~~القرطبى الشيعة الأعوان، وهو مأخوذ من الشياع، ms4325 وهو الحطب الصغار الذى ~~يوقد مع الكبار حتى يستوقد. والمعنى وإن من شيعة نوح لإبراهيم - عليهما ~~السلام - لأنه تابعه فى الدعوة إلى الدين الحق، وفى الصبر على الأذى من ~~أجل إعلاء كلمة الله تعالى ونصرة شريعته.. وهكذا جميع الأنبياء - عليهم ~~الصلاة والسلام -اللاحق منهم يؤيد السابق، ويناصره فى دعوته التى جاء بها ~~من عند ربه، وإن اختلفت شرائعهم فى التفاصيل والجزئيات، فهى متحدة فى ~~الأصول والأركان. وكان بين نوح وإبراهيم، نبيان كريمان هما هود، وصالح - ~~عليهما السلام - والظرف فى قوله - تعالى - { إذ جآء ربه بقلب ~~سليم } متعلق بمحذوف تقديره اذكر أى اذكر - أيها العاقل لتعتبر وتتعظ ~~- وقت أن جاء إبراهيم إلى ربه بقلب سليم من الشرك ومن غيره من الآفات ~~كالحسد والغل والخديعة والرياء. والمراد بمجيئه ربه بقلبه إخلاص قلبه ~~لدعوة الحق، واستعداده لبذل نفسه وكل شئ يملكه فى سبيل رضا ربه - عز وجل ~~-. فهذا التعبير يفيد الاستسلام المطلق لربه والسعى الحثيث فى كل ما ~~يرضيه. قال صاحب الكشاف فإن قلت ما معنى المجئ بقلبه ربه؟ قلت معناه أنه ~~أخلص لله قلبه، وعرف ذلك منه فضرب المجئ مثلا لذلك. وقوله { إذ قال ~~لأبيه وقومه ماذا تعبدون } شروع فى حكاية ما دار بينه ~~وبين أبيه وقومه. والجملة بدل من الجملة السابقة عليها، أو هى ظرف لقوله ~~{ سليم } أىلقد كان إبراهيم - عليه السلام - سليم القلب، نقى السريرة، ~~صادق الإيمان، وقت أن جادل أباه وقومه قائلا لهم أى شئ هذا الذى تعبدونه ~~من دون الله - تعالى - ثم أضاف إلى هذا التوبيخ لهم توبيخا آخر فقال لهم ~~{ أإفكا آلهة دون الله تريدون }؟ والإفك أسوأ الكذب. ~~يقال أفك فلان يأفك إفكا فهو أفوك.. إذا اشتد كذبه. وهو مفعول به ~~لقوله { تريدون } وقوله { آلهة } بدل منه. وجعلت الآلهة نفس الإفك على ~~سبيل المبالغة. أى أتريدون إفكا آلهة دون الله؟ إن أرادتكم هذه يمجها ~~ويحتقرها كل عقل سليم. ثم حذرهم من السير فى طريق الشرك فقال { فما ~~ظنكم برب العالمين }. والاستفهام للإنكار والتحذير من سوء ~~عاقبتهم إذا ms4326 ما استمروا فى عبادتهم لغيره - تعالى - أى فما الذى تظنون أن ~~يفعله بكم خالقكم ورازقكم إذا ما عبدتم غيره؟ إنه لاشك سيحاسبكم على ذلك ~~حسابا عسيرا، ويعذبكم عذابا أليما، وما دام الأمر كذلك فاتركوا عبادة هذه ~~الآلهة الزائفة. # وأخلصوا عبادتكم لخالقكم ورازقكم. قال الآلوسى قوله { فما ظنكم ~~برب العالمين } أى أى شئ ظنكم بمن هو حقيق بالعبادة، لكونه ربا ~~للعالمين؟ أشككتم فيه حتى تركتم عبادته - سبحانه - بالكلية، أو أعلمتم أى ~~شئ هو حتى جعلتم الأصنام شركاءه أو أى شئ ظنكم بعقابه - عز وجل - حتى ~~اجترأتم على الإفك عليه، ولم تخافوا عذابه. وعلى أية حال فالآية تدل ~~دلالة على واضحة على استنكاره لما كان عليه أبوه وقومه من عبادة لغير ~~الله - تعالى - وعلى نفور فطرته لما هم عليه من باطل. ويهمل القرآن ~~الكريم هنا ردهم عليه لتفاهته. وتنتقل السورة للإشارة إلى ما أضمره ~~إبراهيم - عليه السلام - لتلك الآلهة الباطلة فتقول { فنظر نظرة ~~في النجوم. فقال إني سقيم. فتولوا عنه ~~مدبرين }. قالوا كان قوم إبراهيم يعظمون الكواكب، ويعتقدون تأثيرها ~~فى العالم.. وتصادف أن حل أوان عيد لهم. فدعوه إلى الخروج معهم كما هى ~~عادتهم فى ذلك العيد. فتطلع إلى السماء، وقلب نظره فى نجومها، ثم قال لهم ~~معتذرا عن الخروج معهم - ليخلوا بالأصنام فيحطمها - { إني سقيم } ~~أى مريض مرضا يمنعنى من مصاحبتكم. { فتولوا عنه مدبرين } ~~أى فتركوه وحده وانصرفوا إلى خارج بلدتهم. قال الإمام ابن كثير ما ملخصه ~~وإنما قال إبراهيم لقومه ذلك ليقيم فى البلد إذا ذهبوا إلى عيدهم، فإنه ~~كان قد أزف خروجهم إلى عيد لهم، فأحب أن يختلى بآلهتهم ليكسرها، فقال لهم ~~كلاما هو حق فى نفس الأمر فهموا منه أنه سقيم على ما يعتقدونه، فتولوا ~~عنه مدبرين. قال قتادة والعرب تقول لمن تفكر فى أمر نظر فى النجوم، يعنى ~~قيادة أنه نظر فى السماء متفكرا فيما يلهيهم به فقال { إني سقيم } ~~أى ضعيف. وقول النبى صلى الله عليه وسلم # " لم يكذب إبراهيم غير ثلاث كذبات اثنتين في ذات ms4327 الله، قوله { إني ~~سقيم } وقوله { بل فعله كبيرهم هذا } وقوله في سارة " ~~هي أختي ". # ليس المراد بالكذب هنا الكذب الحقيقى الذى يذم فاعله، حاشا وكلا، وإنما ~~أطلق الكذب على هذا تجوزا، وإنما هو من المعارض فى الكلام لمقصد شرعى ~~دينى، كما جاء فى الحديث # " إن من المعاريض لمندوحة عن الكذب ". # وقيل قوله { إني سقيم } أى بالنسبة لما يستقبل، يعنى مرض الموت. ~~وقيل أراد بقوله { إني سقيم } أى، مريض القلب من عبادتكم للأوثان ~~من دون الله - تعالى -.. ويبدو لنا أى نظر إبراهيم - عليه السلام - فى ~~النجوم، إنما هو نظر المؤمن المتأمل فى ملكوت الله - تعالى - المستدل ~~بذلك على وحدانية الله وقدرته، وأنه إنما فعل ذلك أمامهم - وهم قوم ~~يعظمون النجوم - ليقنعهم بصدق اعتذاره عن الخروج معهم، ويتم له ما يريده ~~من تحطيم الأصنام. # كما يبدو لنا أن قوله { إني سقيم } المقصود منه إنى سقيم القلب ~~بسبب ما أنتم فيه من كفر وضلال، فإن العاقل يقلقه ويزعجه ويسقمه ما أنتم ~~فيه من عكوف على عبادة الأصنام. وقال لهم ذلك ليتركوه وشأنه، حتى ينفذ ما ~~أقسم عليه بالنسبة لتلك الأصنام. فكلام إبراهيم حق فى نفس الأمر - كما ~~قال الإمام ابن كثير - وقد ترك لقومه أن يفهموه على حسب ما يعتقدون. ثم ~~حكى - سبحانه - ما فعله إبراهيم بالأصنام بعد أن انفرد بها فقال { ~~فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون }. وأصل الروغ ~~الميل إلى الشئ بسرعة على سبيل الاحتيال. يقال راغ فلان نحو فلان. إذا ~~مال إليه لأمر يريده منه على سبيل الاحتيال. أى فذهب إبراهيم مسرعا إلى ~~الأصنام بعد أن تركها القوم وانصرفوا إلى عيدهم، فقال لها على سبيل ~~التهكم والاستهزاء أيتها الأصنام ألا تأكلين تلك الأطعمة التى قدمها لك ~~الجاهلون على سبيل التبرك؟ وخاطبها كما يخاطب من يعقل فقال { ألا ~~تأكلون } لأن قومه أنزلوها تلك المنزلة. وقوله { ما لكم لا ~~تنطقون } زيادة فى السخرية بتلك الأصنام، وفى إظهار الغيظ منها، ~~والضيق بها، والغضب عليها. هذا الغضب الذى كان من آثاره ما بينه القرآن ms4328 ~~فى قوله { فراغ عليهم ضربا باليمين } أى فمال عليهم ~~ضاربا إياهم بيده اليمنى، حتى حطمهم كما قال - تعالى - فى آية أخرى # فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه ~~يرجعون # وقال - سبحانه - { ضربا باليمين } للدلالة على أن إبراهيم - ~~عليه السلام - لشدة حنقه وغضبه على الأصنام - قد استعمل فى تحطيمها أقوى ~~جارحة يملكها وهى يده اليمنى. وقيل يجوز أن يراد باليمين اليمين التى ~~حلفها حين قال # وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا ~~مدبرين # وانتهى إبراهيم من تحطيم الأصنام، وارتاحت نفسه لما فعله بها، وشفى قلبه ~~من الهم والضيق الذى كان يجده حين رؤيتها.. وجاء قومه من رحلتهم، ووجدوا ~~أصنامهم قد تحطمت، ويترك القرآن هنا ما قالوه لإبراهيم عندما رأوا منظر ~~آلهتهم بهذه الصورة المفزعة لهم، مكتفيا بإبراز حالهم فيقول { ~~فأقبلوا إليه يزفون }. أى فحين رأوا آلهتهم بهذه الصورة. ~~أقبلوا نحو إبراهيم يسرعون الخطا ولهم جلية وضوضاء تدل على شدة غضبهم لما ~~أصاب آلهتهم. يقال زف النعام يزف زفا وزفيفا، إذا جرى بسرعة ~~حتى لكأنه يطير. ولم يأبه إبراهيم - عليه السلام - لهياج قومه، وإقبالهم ~~نحوه بسرعة وغضب، بل رد عليهم ردا منطقيا سليما، فقال لهم { ~~أتعبدون ما تنحتون. والله خلقكم وما تعملون ~~} أى قال لهم موبخا ومؤنبا أتعبدون أصناما أنتم تنحتونها وتقطعونها من ~~الحجارة أو من الخشب بأيديكم، وتتركون عبادة الله - تعالى - الذى خلقكم ~~وخلق الذى تعملونه من الأصنام وغيرها. # قال القرطبى ما ملخصه قوله - تعالى - { والله خلقكم وما ~~تعملون } " ما " فى موضع نصب، أى خلقكم وخلق ما تعملونه من الأصنام، ~~يعنى الخشب والحجارة وغيرها. وقيل إن " ما " استفهام، ومعناه التحقير ~~لعملهم. وقيل هى نفى أى أنتم لا تعملون ذلك لكن الله خالقه والأحسن أن ~~تكون " ما " مع الفعل مصدرا. والتقدير والله خلقكم وعملكم، وهذا مذهب أهل ~~السنة، أن الأفعال خلق الله - عز وجل - واكتساب للعباد. وروى أبو هريرة ~~عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال # " إن الله خالق كل صانع وصنعته ". # ولكن هذا المنطق الرصين من إبراهيم، لم يجد أذنا واعية ms4329 من قومه، بل ~~قابلوا قوله هذا بالتهديد والوعيد الذى حكاه - سبحانه - فى قوله { ~~قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم } أى ~~قالوا فيما بينهم ابنوا لإبراهيم بنيانا، ثم املأوه بالنار المشتعلة، ثم ~~ألقوا به فيها فتحرقه وتهلكه. فالمراد بالجحيم النار الشديدة التأجج. وكل ~~نار بعضها فوق بعض فهى جحيم، وهذا اللفظ مأخوذ من الجحمة وهى شدة ~~التأجج والاتقاد - يقال جحم فلان النار - كمنع - إذا أوقدها وأشعلها، ~~واللام فيه عوض عن المضاف إليه - أى - ألقوه فى جحيم ذلك البنيان الملئ ~~بالنار. وبنوا البنيان، وأضرموه بالنار، وألقوا بإبراهيم فيها، فماذا ~~كانت النتيجة؟ كانت كما قال - سبحانه - بعد ذلك { فأرادوا به ~~كيدا } أى شرا وهلاكا عن طريق إحراقه بالنار { فجعلناهم } - ~~بقدرتنا التى لا يعجزها شئ - الأسفلين أى الأذلين المقهورين، حيث أبطلنا ~~كيدهم، وحولنا النار إلى برد وسلام على عبدنا إبراهيم - عليه السلام -. ~~وهكذا رعاية الله - تعالى - تحرس عباده المخلصين، وتجعل العاقبة لهم على ~~القوم الكافرين. ثم تسوق لنا السورة الكريمة بعد ذلك جانبا آخر من قصة ~~إبراهيم - عليه السلام - هذا الجانب يتمثل فى هجرته من أجل نشر دعوة الحق ~~وفى تضرعه إلى ربه أن يرزقه الذرية الصالحة، فتقول { وقال إني ~~ذاهب إلى ربي سيهدين. رب هب لي من الصالحين.. ~~} أى قال إبراهيم بعد أن نجاه الله - تعالى - من كيد أعدائه { وقال ~~إني ذاهب إلى ربي } أى إلى المكان الذى أمرنى ربى بالسير ~~إليه، وهو بلاد الشام، وقد تكفل - سبحانه - بهدايتى إلى ما فيه صلاح دينى ~~ودنياى. قال القرطبى " هذه الآية أصل فى الهجرة والعزلة. وأول من فعل ذلك ~~إبراهيم - عليه السلام - وذلك حين خلصه الله من النار { وقال إني ~~ذاهب إلى ربي } أى مهاجر من بلد قومى ومولدى، إلى حيث أتمكن من ~~عبادة ربى، فإنه { سيهدين } فيما نويت إلى الصواب. # قال مقاتل هو أول من هاجر من الخلق مع لوط وسارة. إلى الأرض المقدسة وهى ~~أرض الشام.. والسين فى قوله { سيهدين } لتأكيد وقوع الهداية فى ~~المستقبل، بناء على شدة توكله، وعظيم أمله فى ms4330 تحقيق ما يرجوه من ربه، ~~لأنه ما هاجر من موطنه إلا من أجل نشر دينه وشريعته - سبحانه -. ثم أضاف ~~إلى هذا الأمل الكبير فى هداية الله - تعالى - له، أملا آخر وهو منحه ~~الذرية الصالحة فقال { رب هب لي من الصالحين }. أى وأسألك ~~يا ربى بجانب هذه الهداية إلى الخير والحق، أن تهب لى ولدا هو من عبادك ~~الصالحين، الذين أستعين بهم على نشر دعوتك، وعلى إعلاء كلمتك. وأجاب الله ~~- تعالى - دعاء عبده إبراهيم، كما حكى ذلك فى قوله { فبشرناه ~~بغلام حليم }. أى فاستجبنا لإبراهيم دعاءه فبشرناه على لسان ~~ملائكتنا بغلام موصوف بالحلم وبمكارم الأخلاق. قال صاحب الكشاف - وقد ~~انطوت البشارة على ثلاثة على أن الولد غلام ذكر، وأنه يبلغ أوان الحلم، ~~وأنه يكون حليما. وهذا الغلام الذى بشره الله - تعالى - به. المقصود به ~~هنا إسماعيل - عليه السلام -. والفاء فى قوله - تعالى - { فلما ~~بلغ معه السعي } فصيحة، أى بشرناه بهذا الغلام الحليم، ثم عاش ~~هذا الغلام حتى بلغ السن التى فى إمكانه أن يسعى معه فيها، ليساعده فى ~~قضاء مصالحه. قيل كانت سن إسماعيل فى ذلك الوقت ثلاث عشرة سنة. { قال ~~يبني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ~~ماذا ترى }. أى فلما بلغ الغلام مع أبيه هذه السن، قال الأب لابنه ~~يا بنى إنى رأيت فى منامى أنى أذبحك، فانظر ماذا ترى فى شأن نفسك. قال ~~الآلوسى ما ملخصه يحتمل أنه - عليه السلام - رأى فى منامه أنه فعل ذلك.. ~~ويحتمل أنه رأى ما تأويله ذلك، ولكنه لم يذكره وذكر التأويل، كما يقول ~~الممتحن وقد رأى أنه راكب سفينة رأيت فى المنام أنى ناج من هذه المحنة. ~~ورؤيا الأنبياء وحى كالوحى فى اليقظة، وفى رواية أنه رأى ذلك فى ليلة ~~التروية فأخذ يفكر فى أمره، فسميت بذلك، فلما رأى ما رآه سابقا عرف أن ~~هذه الرؤيا من الله، فسمى بيوم عرفة، ثم رأى مثل ذلك فى الليلة الثالثة ~~فهم بنحره فسمى بيوم النحر. ولعل السر فى كونه مناما لا يقظة، أن ms4331 تكون ~~المبادرة إلى الامتثال، أدل على كمال الانقياد والإخلاص. وإنما شاوره ~~بقوله { فانظر ماذا ترى } مع أنه سينفذ ما أمره الله - تعالى - ~~به فى منامه سواء رضى إسماعيل أم لم يرض، لأن فى هذه المشاورة إعلاما له ~~بما رآه، لكى يتقبله بثبات وصبر، وليكون نزول هذا الأمر عليه أهون، ~~وليختبر عزمه وجلده. # وقوله { قال يأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شآء ~~الله من الصابرين } حكاية لما رد به إسماعيل على أبيه إبراهيم ~~- عليهما السلام - وهو رد يدل على علو كعبه فى الثبات، وفى احتمال ~~البلاء، وفى الاستسلام لقضاء الله وقدره. أى قال الابن لأبيه يا أبت افعل ~~ما تؤمر به من قبل الله - تعالى - ولا تتردد فى ذلك وستجدنى إن شاء الله ~~من الصابرين على قضائه. وفى هذا الرد ما فيه من سمو الأدب، حيث قدم مشيئة ~~الله - تعالى -، ونسب الفضل إليه، واستعان به - سبحانه - فى أن يجعله من ~~الصابرين على البلاء. وهكذا الأنبياء - عليهم السلام - يلهمهم الله - ~~تعالى - فى جميع مراحل حياتهم ما يجعلهم فى أعلى درجات السمو النفسى، ~~واليقين القلبى. والكمال الخلقى. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما كان من ~~الابن وأبيه فقال { فلما أسلما وتله للجبين } وأسلما ~~بمعنى استلسلما وانقادا لأمر الله، فالفعل لازم، أو بمعنى سلم الذبيح ~~نفسه وسلم الأب ابنه، فيكون متعديا والمفعول محذوف. وقوله { وتله } ~~أى صرعه وأسقطه، وأصل التل الرمى على التل وهو الرمل الكثيف المرتفع، ~~ثم عمم فى كل رمى ودفع، يقال تل فلان فلانا إذا صرعه وألقاه على الأرض. ~~والجبين أحد جانبى الجبهة، وللوجه جبينان، والجبهة بينهما. أى فلما ~~استسلم الأب والابن لأمر الله - تعالى - وصرع الأب ابنه على شقه، وجعل ~~جبينه على الأرض، واستعد الأب لذبح ابنه.. كان ما كان منا من رحمة بهما. ~~ومن إكرام لهما، ومن إعلاء لقدرهما. قال صاحب الكشاف فإن قلت أين جواب ~~لما؟ قلت هو محذوف تقديره فلما أسلما وتله للجبين { وناديناه أن ~~يإبراهيم. قد صدقت الرؤيآ } كان ما كان مما تنطق به ~~الحال، ولا ms4332 يحيط به الوصف من استبشارها واغتباطهما، وحمدهما لله، وشكرهما ~~على ما أنعم به عليهما من دفع البلاء العظيم بعد حلوله، وما اكتسبا فى ~~تضاعيفه من الثواب، ورضوان الله الذى ليس وراءه مطلوب.. وقد ذكروا هنا ~~آثار منها أن إسماعيل - عليه السلام - لما هم أبوه بذبحه قال له يا أبت ~~اشدد رباطى حتى لا أضطرب، واكفف عنى ثيابك حتى لا يتناثر عليها شئ من دمى ~~فتراه أمى فتحزن، وأسرع مر السكين على حلقى ليكون أهون للموت على، فإذا ~~أتيت أمى فاقرأ عليها السلام منى.. وكان ذلك عند الصخرة التى بمنى.. ~~وقوله - سبحانه - { وناديناه أن يإبراهيم. قد صدقت ~~الرؤيآ } أى وعندما صرع إبراهيم ابنه ليذبحه، واستسلما لأمرنا.. ~~نادينا إبراهيم بقولنا { يإبراهيم. قد صدقت الرؤيآ } أى ~~قد فعلت ما أمرناك به، ونفذت ما رأيته فى رؤياك تنفيذا كاملا، يدل على ~~صدقك فى إيمانك، وعلى قوة إخلاصك. # قال الجمل فإن قلت كيف قال الله - تعالى - لإبراهيم قد صدقت الرؤيا وهو ~~إنما رأى أن يذبح ابنه، وما كان تصديقها إلا لو حصل منه الذبح. قلت جعله ~~الله مصدقا لأنه بذل جهده ووسعه، وأتى بما أمكنه، وفعل ما يفعله الذابح، ~~فأتى بالمطلوب، وهو انقيادهما لأمر الله. وجملة { إنا كذلك ~~نجزي المحسنين } تعليل لما قبلها. أى فعلنا ما فعلنا من تفريج ~~الكرب عن إبراهيم وإسماعيل، لأن سنتنا قد اقتضت أن نجازى المحسنين الجزاء ~~الذى يرفع درجاتهم، ويفرج كرباتهم، ويكشف الهم والغم عنهم. واسم الإشارة ~~فى قوله { إن هذا لهو البلاء المبين } يعود إلى ما ~~ابتلى الله - تعالى - نبيه إبراهيم وإسماعيل. أى إن هذا الذى ابتلينا به ~~هذين النبيين الكريمين، لهو البلاء الواضح، والاختبار الظاهر، الذى به ~~يتميز قوى الإيمان من ضعيفه، والذى لا يحتمله إلا أصحاب العزائم ~~العالية، والقلوب السليمة، والنفوس المخلصة لله رب العالمين. ثم بين - ~~سبحانه - مظاهر فضله على هذين النبيين الكريمين فقال { وفديناه ~~بذبح عظيم } والذبح بمعنى المذبوح فهو مصدر بمعنى اسم المفعول ~~كالطحن بمعنى المطحون. أى وفدينا إسماعيل - عليه السلام - بمذبوح عظيم فى ms4333 ~~هيئته، وفى قدره، لأنه من عندنا، وليس من عند غيرنا. قيل افتداه الله - ~~تعالى - بكبش أبيض، أقرن، عظيم القدر. { وتركنا عليه في ~~الآخرين. سلام على إبراهيم. كذلك نجزي ~~المحسنين. إنه من عبادنا المؤمنين } أى ومن مظاهر ~~فضلنا وإحساننا وتكريمنا لنبينا إبراهيم - أننا أبقينا ذكره الحسن فى ~~الأمم التى ستأتى من بعده، وجعلنا التحية والسلام منا ومن المؤمنين عليه ~~إلى يوم الدين، ومثل هذا الجزاء نجزى المحسنين - أنه - عليه السلام - من ~~عبادنا الصادقين فى إيمانهم. ثم بين - سبحانه - مظهرا آخر من مظاهر فضله ~~على نبيه إبراهيم فقال { وبشرناه بإسحاق نبيا من ~~الصالحين. وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ~~ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين } أى ومن مظاهر ~~تكريمنا لإبراهيم، أننا بشرناه بولد آخر هو إسحاق، الذى جعلناه نبيا من ~~أنبيائنا الصالحين لحمل رسالتنا، وأفضنا على إبراهيم وعلى إسحاق الكثير ~~من بركاتنا الدينية والدنيوية، بأن جعلنا عددا كبيرا من الأنبياء من ~~نسلهما. ومع ذلك فقد اقتضت حكمتنا أن نجعل من ذريتهما من هو محسن فى قوله ~~وعمله، ومن هو ظالم لنفسه بالكفر والمعاصى ظلما واضحا بينا، وسنجازى كل ~~فريق بما يستحقه من ثواب أو عقاب. هذا ومن الأحكام والآداب التى أخذها ~~العلماء من هذه الآيات ما يأتى 1 - أن الرسل جميعا قد جاءوا من عند الله ~~- تعالى - بدين واحد فى أصوله، وأن كل واحد منهم قد سار على نهج سابقه فى ~~الدعوة إلى وحدانية الله، وإلى مكارم الأخلاق، وقد بين - سبحانه - فى ~~مطلق هذه القصة، أن إبراهيم كان من شيعة نوح - عليه السلام - أى من ~~أتباعه الذين ساروا على سنته فى دعوة الناس إلى عبادة الله وحده. # وقد أمر - عز وجل - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقتدى بإخوانه السابقين ~~من الأنبياء، فقال # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده # 2 - أن تعاطى الحيل الشرعية من أجل إزالة المنكر، أمر مشروع، فإن ~~إبراهيم - عليه السلام - لكى يقضى على الأصنام، اعتذر لقومه عن الخروج ~~معهم فى يوم عيدهم، وقال لهم إنى سقيم - بعد أن نظر فى ms4334 النجوم. وكان ~~مقصده من وراء ذلك، أن يختلى بالأصنام ليحطمها، ويثبت لقومه أنها لا تصلح ~~للألوهية. 3 - أن سنة الله - تعالى - قد اقتضت أن يراعى - بفضله وكرمه - ~~عباده المخلصين، وأن ينصرهم على أعدائهم، الذين يبيتون لهم الشرور ~~والسوء. ونرى ذلك جليا فى هذه القصة، فقد أضمر الكافرون لإبراهيم الكيد ~~والإهلاك. فأنجاه الله - تعالى - من مكرهم، كما قال - تعالى - { ~~فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين }. 4 - أن على ~~المؤمن إذا لم يتمكن من نشر دعوة الحق فى مكان معين أن ينتقل منه إلى ~~مكان آخر متى كان قادرا على ذلك. وهذا ما فعله إبراهيم - عليه السلام - ~~فقد قال لقومه بعد أن يئس من صلاحهم، وبعد أن نجاه الله من كيدهم { ~~إني ذاهب إلى ربي سيهدين }. 5 - أن الدعاء متى صدر من ~~نفس عامرة بالإيمان والتقوى، ومن قلب سليم من الهوى.. كان جديرا ~~بالإجابة. فلقد تضرع إبراهيم إلى ربه أن يرزقه الذرية الصالحة، فأجاب ~~الله دعاءه. كما حكى - سبحانه - ذلك فى قوله { رب هب لي من ~~الصالحين. فبشرناه بغلام حليم } ثم قال - سبحانه - ~~بعد ذلك { وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين }. 6 ~~- أن إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - قد ضربا أروع الأمثال فى صدق ~~الإيمان، وفى الاستسلام لأمر الله - تعالى - وفى الرضاء بقضائه. ~~فكافأهما - عز وجل - على ذلك مكافأة جزيلة، بأن جعل الذكر الحسن باقيا ~~لإبراهيم إلى يوم القيامة، وبأن افتدى الذبيح بذبح عظيم. قال - تعالى - ~~{ وفديناه بذبح عظيم. وتركنا عليه في الآخرين. ~~سلام على إبراهيم. كذلك نجزي المحسنين. إنه ~~من عبادنا المؤمنين }. 7 - أن الذبيح الذى ورد ذكره فى هذه ~~القصة، والذى افتداه الله - تعالى - بذبح عظيم، هو إسماعيل - عليه السلام ~~- وعلى ذلك سار جمهورالعلماء، ومن أدلتهم على ما ذهبوا إليه ما يأتى أ أن ~~سياق القصة يدل دلالة واضحة على أن الذبيح إسماعيل، لأن الله - تعالى - ~~حكى عن إبراهيم أنه تضرع إليه - تعالى -بقوله { رب هب لي من ~~الصالحين } فبشره - سبحانه - { بغلام حليم } ، وهذا الغلام ~~عندما بلغ السن التى يمكنه معها مساعدة أبيه ms4335 فى أعماله. # قال له أبوه { يبني إني أرى في المنام أني ~~أذبحك فانظر ماذا ترى } ثم افتدى الله - تعالى - هذا الغلام ~~بذبح عظيم. ثم قال - تعالى - بعد كل ذلك { وبشرناه بإسحاق ~~نبيا من الصالحين }. وهذا يدل على أن المبشر به الأول وهو ~~إسماعيل، غير المبشر به الثانى وهو إسحاق. ب أن البشارة بمولد إسحاق - ~~عليه السلام - قد جاء الحديث عنها مفصلا فى سورة هود. وظروف هذه البشارة ~~وملابساتها، تختلف عن الظروف والملابسات التى وردت هنا فى سورة الصافات، ~~وقد أشار إلى ذلك الإمام السيوطى فقال وتأملت القرآن فوجدت فيه ما يقتضى ~~القطع - أو ما يقرب منه - على أن الذبيح إسماعيل، وذلك لأن البشارة وقعت ~~مرتين مرة فى قوله - تعالى - { رب هب لي من الصالحين. ~~فبشرناه بغلام حليم. فلما بلغ معه السعي ~~قال يبني إني أرى في المنام أني أذبحك.. }. ~~فهذه الآية قاطعة فى أن المبشر به هو الذبيح. ومرة فى قوله - فى سورة هود ~~- # وامرأته قآئمة فضحكت فبشرناها بإسحاق # فقد صرح فيها بأن المبشر به إسحاق، ولم يكن بسؤال من إبراهيم ، بل قالت ~~امرأته إنها عجوز، وأنه شيخ، وكان ذلك فى بلاد الشام، لما جاءت الملائكة ~~إليه، بسبب قوم لوط، وكان إبراهيم فى آخره عمره. أما البشارة الأولى ~~فكانت حين انتقل من العراق إلى الشام، وحين كان سنه لا يستغرب فيه الولد، ~~ولذلك سأله، فعلمنا بذلك أنهما بشارتان فى وقتين بغلامين، أحدهما بغير ~~سؤال وهو إسحاق، والثانية قبل ذلك بسؤال وهو غيره، فقطعنا بأنه إسماعيل ~~وهو الذبيح. ج - أن القول بأن الذبيح إسماعيل قد ورد - كما قال الإمام ~~ابن القيم - عن كثير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وأما القول بأنه ~~إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجها. ثم قال الإمام ابن القيم وسمعت شيخ ~~الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يقول هذا القول إنما هو متلقى عن أهل ~~الكتاب، مع أنه باطل بنص كتابهم فإن فيه إن الله أمر إبراهيم أن يذبح ~~ابنه " بكره " وفى لفظ " وحيده " ولا يشك أهل الكتاب مع ms4336 المسلمين أن ~~إسماعيل هو بكر أولاد إبراهيم. ومن العلماء الذين فصلوا القول فى هذه ~~المسألة، الإمام ابن كثير، فقد قال رحمه الله " وقد ذهب جماعة من أهل ~~العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق، وحكى ذلك عن طائفة من السلف، حتى نقل عن ~~بعض الصحابة - أيضا - وليس ذلك فى كتاب ولا سنة، وما أظن ذلك تلقى ~~إلا عن أحبار أهل الكتاب، وهذا كتاب الله شاهد ومرشد إلى أنه إسماعيل، ~~فإنه ذكر البشارة بالغلام الحليم، وذكر أنه الذبيح، ثم قال بعد ذلك { ~~وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين }. # ولما بشرت الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا # إنا نبشرك بغلام عليم # وقال - تعالى - # فبشرناها بإسحاق ومن ورآء إسحاق يعقوب # أى يولد له فى حياتهما ولد يسمى يعقوب، فيكون من ذريته عقب ونسل. وقد ~~قدمنا أنه لا يجوز بعد ذلك أن يؤمر بذبحه وهو صغير، لأن الله قد وعدهما ~~بأنه سيعقب، ويكون له نسل، فكيف يمكن بعد هذا أن يؤمر بذبحه صغيرا، ~~وإسماعيل وصف هنا بالحلم، لأنه مناسب لهذا المقام. قال الآلوسى - رحمه ~~الله - بعد أن ساق أقوال العلماء فى ذلك بالتفصيل " والذى أميل إليه أنه ~~- أى الذبيح - إسماعيل - عليه السلام - ، بناء على أن ظاهر الآية يقتضيه، ~~وأنه المروى عن كثير من أئمة أهل البيت، ولم أتيقن صحة حديث مرفوع يقتضى ~~خلاف ذلك، وحال أهل الكتاب لا يخفى على ذوى الألباب ". هذه بعض الأحكام ~~والآداب التى يمكن أن نأخذها من هذه القصة، التى حكاها - سبحانه - عن ~~نبيه إبراهيم - عليه السلام - فى هذه السورة الكريمة، وهناك أحكام وآداب ~~أخرى يستطيع أن يستخلصها المتدبر فى هذه الآيات الكريمة. ثم ذكر - سبحانه ~~- جانبا من قصة موسى وهارون - عليهما السلام - وهما من ذرية إبراهيم ~~وإسحاق، فقال - تعالى - { ولقد مننا على موسى... }. ### || [37.114-122] # وموسى هو ابن عمران بن يصهر بن ماهيث بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق، وكانت ~~ولادته فى حوالى القرن الثالث عشر ق م. وهارون أخو موسى، قيل كان شقيقا ~~له، وقيل كان أخا له لأمه.. والمعنى لقد أنعمنا على ms4337 موسى - وهارون - ~~عليهما السلام بنعمة النبوة، وبغيرها من النعم الأخرى. والتى من بينها ~~أننا نجيناهما وقومهما المؤمنين، من استعباد فرعون إياهم، ومن ظلمه لهم. ~~{ ونصرناهم فكانوا هم الغلبين } أى ونصرنا موسى ~~وهارون ومن آمن بهما. فكانوا بسبب هذا النصر الذى منحناهم إياه، هم ~~الغالبين لأعدائهم، بعد أن كانوا تحت أسرهم وقهرهم. { وآتيناهما } ~~بعد كل ذلك { الكتاب المستبين } أى الكتاب المبين الواضح وهو ~~التوراة. يقال استبان الشئ، إذا ظهر ووضح وضوحا تاما. { وهديناهما ~~الصراط المستقيم } أى وهديناهما وأرشدناهما - بفضلنا وإحساننا ~~- إلى الطريق الواضح الذى لا عوج فيه. { وتركنا عليهما في ~~الآخرين. سلام على موسى وهارون } أى وأبقينا عليهما فى ~~الأمم المتأخرة الثناء الجميل، والذكر الحسن. { إنا كذلك نجزي ~~المحسنين } أى مثل هذا التكريم نجازى عبادنا المسحنين { إنهما ~~من عبادنا المؤمنين } أى الذين صدقوا فى إيمانهم، وفى طاعتهم ~~لنا. ثم ساق - سبحانه - جانبا من قصة إلياس - عليه السلام - وهو أيضا من ~~ذرية إبراهيم وإسحاق، فقال - تعالى - { وإن إلياس لمن... }. ### || [37.123-132] # وإلياس - عليه السلام - هو ابن فنحاص بن العيزار بن هارون - عليه السلام ~~- فهو ينتهى نسبه - أيضا - إلى إبراهيم وإسحاق. ويعرف إلياس فى كتب ~~الإسرائيليين باسم إيليا وقد أرسله الله - تعالى - إلى قوم كانوا يعبدون ~~صنما يسمونه بعلا. ويقال إن رسالته كانت فى عهد " آخاب " أحد ملوك بنى ~~إسرائيل فى حوالى القرن العاشر ق م. والمعنى { وإن إلياس لمن ~~المرسلين } الذين أرسلناهم إلى الناس ليخرجوهم من ظلمات الكفر إلى ~~نور الإيمان. وقوله { إذ قال لقومه ألا تتقون } شروع فى ~~بيان ما نصح به إلياس قومه، والظرف مفعول لفعل محذوف، والتقدير اذكر وقت ~~أن قال لقومه ألا تتقون الله. وتخشون عذابه ونقمته. والاستفهام للحض على ~~تقوى الله - تعالى - واجتناب ما يغضبه. ثم أنكر عليهم عبادتهم لغيره - ~~سبحانه - فقال { أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين ~~}. والبعل اسم للصنم الذى كان يعبده قومه، وهو صنم قيل سميت باسمه مدينة ~~بعلبك بالشام، وكان قومه يسكنون فيها، وقيل البعل الرب بلغة اليمن. أى ~~قال لهم على سبيل التوبيخ والزجر ms4338 أتعبدون صنما لا يضر ولا ينفع وتتركون ~~عبادة أحسن من يقال له خالق، وهو الله - عز وجل - الذى خلقكم ورزقكم. ~~ولفظ الجلالة فى قوله { الله ربكم ورب آبآئكم ~~الأولين } بدل من { أحسن الخالقين }. أى أتعبدون صنما ~~صنعتموه بأيديكم، وتذرون عبادة الله - تعالى - الذى هو ربكم ورب آبائكم ~~الأولين. وقرأ غير واحد من القراء السبعة { الله } - بالرفع - على أنه ~~مبتدأ، و { ربكم } خبره. والتعرض لذكر ربوبيته - تعالى - لآبائهم ~~الأولين، الغرض منه التأكيد على بطلان عبادتهم لغيره - سبحانه - فكأنه ~~يقول لهم إن الله - تعالى - الذى أدعوكم لعبادته وحده ليس هو ربكم وحدكم ~~بل - أيضا - رب آبائكم الأولين، الذين من طريقهم أتيتم إلى هذه الحياة. ~~وقوله - تعالى - { فكذبوه فإنهم لمحضرون } بيان ~~لموقفهم من نبيهم، ولما حل بهم من عذاب بسبب إعراضهم عن دعوته. أى دعا ~~إلياس قومه على عبادة الله - تعالى - وحده، فكذبوه وأعرضوا عن دعوته، ~~وسيترتب على تكذيبهم هذا، إحضارهم إلى جهنم إحضارا فيه ذلهم وهوانهم. { ~~إلا عباد الله المخلصين } فإنهم ناجون من الإحضار ~~الأليم، لأنهم سيكونون يوم القيامة محل تكريمنا وإحساننا. { وتركنا ~~عليه في الآخرين } أى وأبقينا على إلياس فى الأمم الآخرين { ~~سلام على إل ياسين } أى أمان وتحية منا ومنهم على إلياس ومن ~~آمن معه. { إنا كذلك نجزي المحسنين. إنه من ~~عبادنا المؤمنين } ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانبا من قصة ~~لوط مع قومه. فقال - تعالى - { وإن لوطا لمن... }. ### || [37.133-138] # ولوط - عليه السلام - هو ابن أخ لسيدنا إبراهيم - عليه السلام - وكان قد ~~آمن به وهاجر معه، كما فى قوله - تعالى - # فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي # وقد أرسل الله - تعالى - لوطا إلى قرية سدوم - من قرى الشام - وكان ~~أهلها يعبدون الأصنام ويرتكبون الفاحشة، التى لم يسبقهم إليها أحد من ~~العالمين. أى { وإن لوطا } - عليه السلام - { لمن ~~المرسلين } الذين أرسلناهم لهداية الناس، { إذ نجيناه ~~وأهله أجمعين } أى اذكر - أيها العاقل - وقت أن نجيناه وجميع ~~المؤمنين معه، بفضلنا ورحمتنا. { إلا عجوزا في الغابرين } ~~والمراد بالعجوز أمرأته التى بقيت على كفرها ms4339 وكانت تفشى أسرار زوجها، أى ~~نجينا لوطا والمؤمنين معه من أهله، إلا عجوزا بقيت فى العذاب مع القوم ~~الغابرين أى مع الباقين فى العذاب. { ثم دمرنا الآخرين } أى ~~ثم دمرنا القوم الآخرين الباقين على كفرهم، كما دمرنا من بقى على كفره من ~~أهل لوط، كامرأته التى أعرضت عن دعوة الحق، وانحازت إلى قومها المفسدين. ~~ثم وجه - سبحانه - الخطاب لمشركى قريش فقال { وإنكم لتمرون ~~عليهم مصبحين. وباليل أفلا تعقلون }؟ أى وإنكم ~~يا أهل مكة لتمرون على مساكن قوم لوط المهلكين، وأنتم سائرون إلى بلاد ~~الشام، تارة تمرون عليهم وأنتم داخلون فى وقت الصباح، وتارة تمرون عليهم ~~وأنتم داخلون فى وقت الليل، وترون بأعينكم ما حل بهم من دمار. وقوله { ~~أفلا تعقلون } معطوف على مقدر، أى أتشاهدون ذلك فلا تعقلون، ~~فالاستفهام للتوبيخ والحض على الاعتبار بأحوال الماضين. ثم ختم - سبحانه ~~- هذه القصص، بذكر جانب من قصة يونس - عليه السلام - فقال { وإن ~~يونس لمن... }. ### || [37.139-148] # ويونس - عليه السلام - هو ابن متى، وقد ثبت فى الصحيحين عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال # " ما ينبغى لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى ". # وملخص قصته أن الله - تعالى - أرسله إلى أهل نينوى بالعراق، وفى حوالى ~~القرن الثامن قبل الميلاد، فدعاهم إلى إخلاص العبادة لله - فاستعصوا ~~عليه، فضاق بهم ذرعا، وأخبرهم أن العذاب سيأتيهم خلال ثلاثة أيام، فلما ~~كان اليوم الثالث خرج يونس من بلدة قومه، قبل أن يأذن الله له بالخروج، ~~فلما افتقده قومه، آمنوا وتابوا، وتضرعوا بالدعاء إلى الله قبل أن ينزل ~~بهم العذاب. فلما لم ير يونس نزول العذاب، استحى أن يرجع إليهم وقال لا ~~أرجع إليهم كذابا أبدا، ومضى على وجهه فأتى سفينة فركبها فلما وصلت اللجة ~~وقفت ولم تتحرك. فقال صاحبها ما يمنعها أن تسير إلا أن فيكم رجلا مشئوما، ~~فاقترعوا ليلقوا فى البحر من وقعت عليه القرعة، فكانت على يونس ثم ~~أعادوها فوقعت عليه، فلما رأى ذلك ألقى بنفسه فى البحر، فالتقمه الحوت. ~~والمعنى وإن يونس ms4340 - عليه السلام - لمن المرسلين الذين اصطفيناهم لحمل ~~رسالتنا وتبليغها إلى الناس. { إذ أبق } أى هرب من قومه بغير إذن من ~~ربه - يقال أبق العبد - كضرب ومنع - إذا هرب من سيده فهو آبق. { إلى ~~الفلك المشحون } أى هرب من قومه إلى الفلك الملئ بالناس ~~والأمتعة { فساهم } أى فقارع من فى السفينة بالسهام، يقال استهم ~~القوم إذا اقترعوا { فكان من المدحضين }. أى من المغلوبين حيث ~~وقعت عليه القرعة دون سواء. يقال دحضت حجة فلان، إذا بطلت وخسرت. { ~~فالتقمه الحوت وهو مليم } أى بعد أن وقعت القرعة عليه، ~~ألقى بنفسه فى البحر، { فالتقمه الحوت } أى ابتلعه بسرعة يقال ~~لقم فلان الطعام - كسمع - والتقمه، إذا ابتلعه بسرعة، وتلقمه إذا ~~ابتلعه على مهل. وجملة { وهو مليم } حالية فى محل نصب، أى فالتقمه ~~الحوت وهو مكتسب من الأفعال ما يلام عليه، حيث غادر قومه بدون إذن من ~~ربه. يقال رجل مليم، إذا أتى من الأقوال أو الأفعال ما يلام عليه، وهو ~~اسم فاعل من ألام الرجل، إذا أتى ما يلام عليه. { فلولا أنه ~~كان من المسبحين. للبث في بطنه إلى يوم ~~يبعثون } أى فلولا أن يونس - عليه السلام - كان من المسبحين لله - ~~تعالى - المداومين على ذكره. لولا هذا التسبيح للبث يونس ف بطن الحوت إلى ~~يوم القيامة. فهاتان الآيتان تدلان دلالة واضحة على أن الإكثار من ذكر ~~الله - تعالى - وتسبيحه. # . بسبب فى تفريج الكروب، وإزالة الهموم، بإذن الله ورحمته. وفى الحديث ~~الشريف # " تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ". # ورحم الله الإمام القرطبى فقد قال " أخبر الله - عز وجل - أن يونس كان ~~من المسبحين، وأن تسبيحه كان سبب نجاته، ولذا قيل إن العمل الصالح يرفع ~~صاحبه إذا عثر. وفى الحديث الشريف # " من استطاع منكم أن تكون له خبيئة من عمل صالح فليفعل " # فليجتهد العبد، ويحرص على خصلة من صالح عمله، يخلص فيها بينه وبين ربه، ~~ويدخرها ليوم فاقته وفقره، ويسترها عن خلق الله، لكى يصل إليه نفعها وهو ~~أحوج ما يكون إليه. فنبذناه بالعراء وهو ms4341 سقيم، والنبذ الطرح، والعراء، ~~الخلاء. أى أن يونس - عليه السلام - بعد أن التقمه الحوت أخذ فى الإكثار ~~من تسبيحنا ومن دعائنا، فاستجبنا له دعاءه، وأمرنا الحوت بطرحه فى الفضاء ~~الواسع من الأرض. وجملة { وهو سقيم } حالية. أى ألقيناه بالأرض ~~الفضاء حالة كونه عليلا سقيما، لشدة ما لحقه من تعب وهو فى بطن الحوت. { ~~وأنبتنا عليه شجرة من يقطين } أى ومن مظاهر رحمتنا ~~به، أننا جعلنا فوقه شجرة من يقطين لكى تظلل عليه وتمنع عنه الحر. ~~واليقطين يطلق على كل شجر لا يقوم على ساق، كالبطيخ والقثاء والقرع وهو ~~مأخوذ من قطن بالمكان إذا أقام به. وقد قالوا إن المراد بهذه الشجرة، هى ~~شجرة القرع، وقيل غير ذلك. { وأرسلناه إلى مئة ألف أو ~~يزيدون. فآمنوا فمتعناهم إلى حين } أى وبعد أن ~~تداركته رحمتنا، وأخرجناه من بطن الحوت، ورعيناه برعايتنا، أرسلناه إلى ~~مائة ألف من الناس أو يزيدون على ذلك فى نظر الناظر إليهم، فآمنوا جميعا ~~{ فمتعناهم } بالحياة { إلى حين } انتهاء آجالهم. قال ~~الإمام ابن كثير ولا مانع من أن يكون الذين أرسل إليهم أولا، أمر ~~بالعودة إليهم بعد خروجه من بطن الحوت، فصدقوه كلهم، وآمنوا به، وحكى ~~البغوى أنه أرسل إلى أمة أخرى بعد خروجه من بطن الحوت، فصدقوه كلهم، ~~وآمنوا به، وحكى البغوى أنه أرسل إلى أمة أخرى بعد خروجه من الحوت، كانوا ~~مائة ألف ما أو يزيدون. هذا ومن العبر التى نأخذها من هذه القصة، أن رحمة ~~الله - تعالى - قريب من المحسنين، وأن العبد إذا تاب توبة صادقة نصوحا، ~~وفى الوقت الذى تقبل فيه التوبة، قبل الله - تعالى - توبته، وفرج عنه ~~كربه، وأن التسبيح يكون سببا فى رفع البلاء. وبعد هذه الجولة مع قصص بعض ~~الأنبياء، أمر الله - تعالى - رسولة صلى الله عليه وسلم أن يسأل هؤلاء ~~المشركين، سؤال توبيخ وتأنيب، عما قالوه فى شأن الملائكة من باطل وزور، ~~وأن يرد على أكاذيبهم ردا يخرص ألسنتهم فقال - تعالى - { فاستفتهم ~~ألربك البنات... }. ### || [37.149-170] # وقوله - تعالى - { فاستفتهم... } معطوف على قوله - تعالى ms4342 - فى ~~أوائل السورة # فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنآ... # عطف جملة على جملة. والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والاستفتاء ~~الاستخبار والاستفهام وطلب الفتيا من المفتى. أى أسأل - أيها الرسول - ~~هؤلاء المشركين سؤال تقريع وتأنيب { ألربك البنات ولهم ~~البنون } أى أسألهم بأى وجه من وجوه القسمة جعلوا لربك البنات وجعلوا ~~لأنفسهم البنين؟ إن قسمتهم هذه لهى قسمة جائرة وفاسدة عند كل عاقل، لأنه ~~لا يليق فى أى عقل أن يجعلوا لله - تعالى - الجنس الأدنى وهو جنس ~~الإناث، بينما يجعلون لأنفسهم الجنس الأعلى. وشبيه بهذه الآية قوله - ~~تعالى - # ألكم الذكر وله الأنثى. تلك إذا قسمة ضيزى # قال صاحب الكشاف { فاستفتهم } معطوف على مثله فى أول السورة، وإن ~~تباعدت بينهما المسافة، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم باستفتاء قريش عن ~~وجه إنكارهم البعث أولا. ثم ساق الكلام موصولا بعضه ببعض، ثم أمره ~~باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى التى قسموها، حيث جعلوا لله الإناث ~~ولأنفسهم الذكور، فى قولهم الملائكة بنات الله، مع كراهتهم الشديدة لهن. ~~ولقد ارتكبوا فى ذلك ثلاثة أنواع من الكفر أحدها التجسيم، لأن الولادة ~~مختصة بالأجسام. والثانى تفضيل أنفسهم على ربهم، حيث جعلوا أوضع الجنسين ~~له، وأرفعهما لهم. والثالث أنهم استهانوا بأكرم خلق الله، وأقربهم إليه، ~~حيث أنثوهم. ولو قيل لأقلهم وأدناهم فيك أنوثة، أو شكلك شكل النساء، للبس ~~لقائله جلد النمور، ولا نقلبت حماليقه - أى أجفان عينيه. وقوله - سبحانه ~~- { أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون } تقريع ~~آخر لهم على جهالاتهم وسفههم، حيث أضرب - سبحانه - عن الكلام الأول إلى ~~ما هو أشد منه فى التبكيت والتأنيب. أى إنهم زعموا أنه لربك البنات ولهم ~~البنون، فهل كانوا حاضرين وقت أن خلقنا الملائكة حتى يعرفوا أنهم إناث؟ ~~كلا إنهم لم يكونوا حاضرين وإنما هم يهرفون بما لا يعرفون. وشبيه بهذه ~~الآية قوله - تعالى - # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون # قال صاحب الكشاف فإن قلت لم قال { وهم شاهدون } فخص علم ~~المشاهدة؟ قلت ما هو إلا ms4343 الاستهزاء بهم وتجهيل.. وذلك لأنهم كما لم ~~يعلموا ذلك بطريق المشاهدة، لم يعلموه بخلق علمه فى قلوبهم، ولا بإخبار ~~صادق، ولا بطريق استدلال ونظر. ثم أخبر - سبحانه - عن كذبهم فقال { ألا ~~إنهم من إفكهم ليقولون. ولد الله وإنهم ~~لكاذبون } والإفك أشنع الكذب وأقبحه. يقال أفك فلان كضرب وعلم - ~~إفكا وأفكا، إذا كذب كذبا فاحشا. أى ألا إن هؤلاء الكافرين. # من شدة كذبهم، وشناعة جهلهم ليقولون زورا وبهتانا { ولد الله } ~~أى اتخذ الله ولدا { وإنهم لكاذبون } فى ذلك كذبا # تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا # وافتتحت الآية الكريمة بأداة الاستفتاح " ألا " لتأكيد قولهم، وأنهم ~~كانوا مصرين على هذا القول الذى لا نهاية لبطلانه. ثم كرر - سبحانه - ~~توبيخهم وتقريعهم فقال { أصطفى البنات على البنين } ~~والاصطفاء الاختيار والانتقاء. والاستفهام للإنكار والنفى، أى هل اختار ~~الله البنات على البنين فى زعمهم؟ كلا إن الله - تعالى - لم يفعل شيئا من ~~ذلك لأنه - سبحانه - غنى عن العالمين. { ما لكم كيف تحكمون } ~~أى أى شئ حدث لكم، وكيف أصدرتم هذه الأحكام الظاهرة البطلان عند كل من ~~كان عنده أثر من عقل. وقوله { أفلا تذكرون }. معطوف على كلام ~~محذوف والتقدير أتجهلون هذه الأمور الواضحة، فلا تعقلون ولا تتذكرون ولا ~~تعتبرون. وقوله - تعالى - { أم لكم سلطان مبين. فأتوا ~~بكتابكم إن كنتم صادقين } إضراب وانتقال من توبيخهم على ~~جهالاتهم، إلى تحديهم وإثبات كذبهم. أى بل ألكم حجة واضحة على صحة هذا ~~القول الذى قلتموه من أن الملائكة بنات الله؟ إن كانت عندكم هذه الحجة ~~فأتوا بها إن كنتم صادقين فيما زعمتم. فالمقصود بالآيتين الكريمتين ~~تعجيزهم وإثبات المزيد من جهالاتهم وأكاذيبهم. ثم حكى - سبحانه - زعما ~~آخر من زعمهم فى شأن الملائكة فقال { وجعلوا بينه وبين ~~الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون ~~} والمراد بالجنة هنا الملائكة. سمو بذلك لاجتنانهم واستتارهم عن ~~الأعين. أى أن المشركين لم يكتفوا بما قالوا فى الآيات السابقة، بل ~~أضافوا إلى ذلك جريمة أخرى، وهى أنهم جعلوا بين الله - تعالى - وبين ~~الملائكة نسبا، ولقد ms4344 علمت الجنة، - أى الملائكة -، " إنهم " أى القائلون ~~لهذه المقالة الباطلة " لمحضرون " أى إلى العذاب يوم القيامة. ليذوقوا ~~سوء عاقبة كذبهم. قال القرطبى أكثر أهل التفسير أن الجنة ها هنا ~~الملائكة. عن مجاهد قال قالوا - يعنى كفار قريش - الملائكة بنات الله، ~~فقال لهم أبو بكر فمن أمهاتهن؟ قالوا مخدرات الجن... ومعنى " نسبا " ~~مصاهرة. وقال قتادة قالت اليهود إن الله صاهر الجن فكانت الملائكة من ~~بينهن. وقال الحسن أشركوا الشيطان فى عبادة الله، فهو النسب الذى جعلوه. ~~ثم نزه - سبحانه - ذاته عما افتروه فقال { سبحان الله عما ~~يصفون } أى تنزه الله - تعالى - وتقدس عما يقوله هؤلاء الجاهلون. ~~وقوله { إلا عباد الله المخلصين } استثناء منقطع من قوله ~~{ لمحضرون } وما بينهما جملة معترضة لتنزيه الله - تعالى - وتقديسه. ~~أى والله لقد علمت الملائكة أن المشركين القائلين بهذا القول الفاسد ~~لمحضرون إلى النار، ويدعون إليها دعا، لكن عباد الله الذين أخلصوا له ~~العبادة والطاعة ليسوا كذلك، بل هم ناجون من عذاب جهنم، لتنزيههم الخالق ~~- عز وجل - عما لا يليق به. # ثم حقر - سبحانه - من شأن المشركين، ومن شأن آلهتهم المزعومة فقال { ~~فإنكم وما تعبدون.مآ أنتم عليه بفاتنين.إلا ~~من هو صال الجحيم }. وهذا الكلام يجوز أن يكون حكاية لما رد به ~~الملائكة على المشركين الذين قالوا الإفك والزور قبل ذلك، ويجوز أن يكون ~~كلاما مستأنفا من الله - تعالى - على سبيل الاستخفاف والتهكم بالمشركين ~~وبآلهتهم. والفاء فى قوله { فإنكم } واقعة فى جواب شرط مقدر. و " ~~الواو " فى قوله { وما تعبدون } للعطف على اسم إن، أو بمعنى مع. و ~~" ما " موصولة أو مصدرية. و " ما " فى قوله { مآ أنتم عليه ~~بفاتنين } نافية والضمير فى " عليه " يعود على الله - عز وجل - ~~والجار والمجرور متعلق " بفاتنين " والمراد بالفتن هنا الإفساد، من ~~قولهم فلان فتن على فلان خادمة. إذا أفسده. وجملة { مآ أنتم عليه ~~بفاتنين } خبر إن. و { صال } - بكسر اللام - اسم فاعل منقوص - كقاض ~~- مضاف إلى ما بعده. وحذفت ياؤه لالتقاء الساكنين. والمعنى إذا أدركتم - ~~أيها المشركون - ما قلناه لكم. فثقوا ms4345 أنكم أنك أنتم وآلهتكم لن تستطيعوا ~~أن تضلوا أحدا هداه الله - تعالى - لكنكم تستطيعون أن تضلوا من كان من ~~أهل الجحيم مثلكم. فالمقصود بهذه الآيات الكريمة، الاستخفاف بالمشركين ~~وبآلهتهم، وبيان أن من هداه الله، تعالى - لا سلطان لهم عليه فى إغوائه ~~أو إضلاله. قال صاحب الكشاف والضمير فى " عليه " لله - تعالى - ومعناه ~~فإنكم ومعبوديكم ما أنتم وهم جميعا بفاتنين على الله، إلا أصحاب النار ~~الذين سبق فى علمه أنهم لسوء أعمالهم يستوجبون أن يصلوها. فإن قلت كيف ~~يفتنونهم على الله؟ قلت يفسدونهم عليه بإغوائهم واستهوائهم. من قولك فتن ~~فلان على فلان امرأته، كما تقول أفسدها وخيبها عليه.. ثم بين - سبحانه - ~~أن الملائكة معترفون اعترافا تاما بطاعتهم لله - تعالى - وبمداومتهم على ~~عبادته وتسبيحه فقال { وما منآ إلا له مقام معلوم. ~~وإنا لنحن الصآفون. وإنا لنحن المسبحون } ~~أى لقد اعترف الملائكة بطاعتهم الكاملة لله - تعالى - وقالوا وما منا أحد ~~إلا له مقام معلوم فى عبادة الله - تعالى - وطاعته، وإنا لنحن الصافون ~~أنفسنا فى مواقف العبودية والطاعة لله - عز وجل - وإنا لنحن المسبحون ~~والمنزهون له - تعالى - عن كل مالا يليق به. وقد ذكر الإمام ابن كثير ~~هنا جملة من الأحاديث منها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوما ~~لجلسائه # " أطت السماء وحق لها أن تئط - أى سمع لها صوت شديد - ليس فيها ~~موضع قدم إلا عليه ملك راكع أو ساجد " # ، ثم قرأ { وإنا لنحن الصآفون. وإنا لنحن ~~المسبحون } ثم أخبر - سبحانه - عن حال المشركين قبل أن يأتيهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال { وإن كانوا ليقولون. لو ~~أن عندنا ذكرا من الأولين. لكنا عباد الله ~~المخلصين. فكفروا به فسوف يعلمون }. و " إن " فى ~~قوله { وإن كانوا... } هى المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير محذوف. ~~والقائلون هم كفار مكة، والفاء فى قوله { فكفروا به } وهى الفصيحة ~~الدالة على محذوف مقدر. والمعنى إن حال هؤلاء الكافرين وشأنهم، أنهم ~~كانوا يقولون قبل مجئ الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم { لو أن ~~عندنا ذكرا من ms4346 الأولين } أى لو أن عندنا كتابا من كتب ~~الأولين كالتوراة والإنجيل لكنا عباد الله المخلصين أى لكنا بسبب وجود ~~هذا الكتاب من عباد الله الذين يخلصون له العبادة والطاعة. فجاءهم محمد ~~صلى الله عليه وسلم بالكتاب المبين كما تمنوا وطلبوا، فكانت النتيجة أن ~~كفروا به، فسوف يعلمون سوء عاقبة هذا الكفر، # يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون # ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببشارة المؤمنين بنصره، وبتسلية النبى ~~صلى الله عليه وسلم عما أصابه من أعدائه، فقال - تعالى - { ولقد ~~سبقت كلمتنا... }. ### || [37.171-182] # والمراد بكلمتنا فى قوله { ولقد سبقت كلمتنا.. } ما وعد ~~الله - تعالى - به رسله وعباده الصالحين من جعل العاقبة الطيبة لهم. ومن ~~الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد # وقوله - سبحانه - # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي ~~عزيز # أى والله لقد سبق وعدنا لعبادنا المرسلين بالنصر والفوز { إنهم ~~لهم المنصورون } على أعدائهم { وإن جندنا لهم ~~الغالبون } لمن عاداهم وناوأهم. وهذا الوعد بالنصر لا يتعارض مع ~~هزيمتهم فى بعض المواطن - كيوم أحد مثلا - لأن هذه الهزيمة إنما هى لون ~~من الابتلاء الذى اقتضته حكمة الله - تعالى - ليتميز قوى الإيمان من ~~ضعيفه، أما النصر فى النهاية فهو للمؤمنين وهذا ما حكاه لنا التاريخ ~~الصحيح، فقد تم فتح مكة، ودخل الناس فى دين الله أفواجا، بعد أن جاهد ~~النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهزموا الكافرين، ولم يفارق الرسول صلى ~~الله عليه وسلم هذه الدنيا إلا بعد أن صارت كلمة الله هى العليا، وكلمة ~~الذين كفروا هى السفلى. ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم ~~بالإعراض عن المشركين، وبالصبر على أذاهم، فقال { فتول عنهم ~~حتى حين } أى فأعرض عنهم إلى وقت الذى يأذن الله لك فيه بقتالهم { ~~وأبصرهم فسوف يبصرون } أى وانظر إليهم وراقبهم عندما ~~ينزل بهم عذابنا، فسوف يبصرون هم ذلك فى دنياهم وفى آخرتهم. والأمر ~~بمشاهدة ذلك إشعار ms4347 بأن نصره صلى الله عليه وسلم عليهم، آت لا ريب فيه حتى ~~لكأنه وواقع بين يديه، مشاهد أمامه. والاستفهام فى قوله - سبحانه - { ~~أفبعذابنا يستعجلون } للتوبيخ والتأنيب. أى أبلغ الجهل ~~وانطماس البصيرة بهؤلاء المشركين، أنهم يستعجلون عذابنا. عن ابن عباس - ~~رضى الله عنهما - أن المشركين قالوا للنبى صلى الله عليه وسلم يا محمد ~~أرنا العذاب الذى تخوفنا به، فنزلت هذه الآية. ثم بين - سبحانه - حالهم ~~عندما ينزل بهم هذا العذاب الذى استعجلوا نزوله فقال { فإذا نزل ~~بساحتهم فسآء صباح المنذرين }. والساحة فى الأصل تطلق ~~على الفتاء الواسع للدار والمراد بها هنا القوم الذين يكونون فيها ~~والمخصوص بالذم محذوف. أى فإذا نزل العذاب بهؤلاء المشركين، فبئس الصباح ~~صباحهم. ولن ينفعهم حينئذ ندم أو توبة، وخص الصباح بالذكر، لأن العذاب ~~كان يأتيهم فيه فى الغالب. أخرج الشيخان عن أنس، رضى الله عنه. قال # " صبح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، فلما خرجوا بفئوسهم ومساحيهم ~~ورأوا الجيش، رجعوا يقولون محمد والله، محمد والخميس - أى والجيش فقال ~~صلى الله عليه وسلم " الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء ~~صباح المنذرين " ". # ثم كرر - سبحانه - تهديده ووعيده لهم على سبيل التأكيد لعلهم يعتبرون ~~فقال { وتول عنهم حتى حين. وأبصر فسوف ~~يبصرون } أى وأعرض عنهم حتى حين، وأبصر ما توعدناهم به من عذاب ~~أليم، فسوف يبصرون هم ذلك. { سبحان ربك رب العزة عما ~~يصفون } أى تنزه وتقدس ربك - أيها الرسول الكريم - عما وصفه به ~~الواصفون الجاهلون من صفات لا تليق بذاته. وقوله { رب العزة } ~~بدل من ربك أى هو صاحب العزة والغلبة والقوة التى لا يقف أمام قوتها شئ ~~والتى لا يملكها أحد سواه. { وسلام على المرسلين } أى سلام ~~وأمان وتحية منا على المرسلين { والحمد لله رب العالمين ~~} أى والثناء الكامل لله - تعالى - رب العالمين جميعا وخالقهم ورازقهم، ~~ومحييهم ومميتهم. ### | [38 - سورة ص] ### || [38.1-11] # سورة " ص " من السور القرآنية التى افتتحت ببعض حروف التهجى، وقد سبق أن ~~بينا بشئ من التفصيل آراء العلماء فى ms4348 هذه المسألة، عند تفسيرنا لسورة ~~البقرة، وآل عمران، والأعراف. ويونس.. وقلنا ما خلاصته لعل أقرب الأقوال ~~إلى الصواب، أن هذه الحروف المقطعة قد وردت فى بعض السور القرآنية على ~~سبيل الإيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن. فكأن الله - تعالى - يقول ~~لأولئك المعارضين فى أن القرآن من عند الله هاكم القرآن ترونه مؤلفا من ~~كلام من جنس ما تؤلفون منه كلامكم، ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف ~~الهجائية التى تنظمون منها حروفكم. فإن كنتم فى شك من كونه منزلا من عند ~~الله فهاتوا مثله، وادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك، أو فى ~~الإتيان بعشر سور من مثله، أو بسورة واحدة من مثله. فعجزوا وانقلبوا ~~خاسرين. وثبت أن هذا القرآن من عند الله - تعالى -. والواو فى قوله - ~~تعالى - { والقرآن ذي الذكر } للقسم. والمقسم به القرآن ~~الكريم. وجواب القسم محذوف، لدلالة ما بعده عليه. والذكر، يطلق على الشرف ~~ونباهة الشأن، يقال فلان مذكور، أى صاحب شرف ونباهة. ومنه قوله - تعالى - # وإنه لذكر لك ولقومك # ويطلق ويراد به التذكير على أنه مصدر، لأن القرآن مشتمل على المواعظ ~~والأحكام وقصص الأنبياء. وغير ذلك مما يسعد الناس فى دينهم ودنياهم. ~~وهذان الإطلاقان ينطبقان على القرآن الكريم، فيكون المعنى وحق القرآن ~~الكريم ذى الشرف العظيم، وذى التذكير الحكيم المشتمل على ما ينفع الناس ~~فى دنياهم وآخرتهم.. إنك - أيها الرسول الكريم - لصادق فى كل ما تبلغه عن ~~ربك ولم يصدر منك إطلاقا ما يخالف الحق الذى أمرناك بتبليغه للناس. قال ~~بعض العلماء ما ملخصه اعلم أنهم اختلفوا فى تعيين الشئ الذى أقسم الله - ~~تعالى - عليه فى قوله { والقرآن ذي الذكر }. فقال بعضهم إن ~~المقسم عليه مذكور، وهو قوله - تعالى - { إن ذلك لحق تخاصم ~~أهل النار } أو قوله - تعالى - { إن هذا لرزقنا ما ~~له من نفاد } أو قوله - تعالى - { كم أهلكنا من قبلهم ~~من قرن }.. والحق أن القول بأن المقسم عليه مذكور ظاهر السقوط. وقال ~~آخرون إن المقسم عليه محذوف، واختلفوا فى تقديره، فقال صاحب الكشاف ms4349 ~~التقدير { والقرآن ذي الذكر } إنه لمعجز. وقدره ابن عطية فقال ~~والتقدير والقرآن ذى الذكر ليس الأمر كما يقول الكفار.. وقوله - تعالى - ~~{ بل الذين كفروا في عزة وشقاق } انتقال من القسم ~~والمقسم به، إلى بيان حال الكفار وما هم عليه من غرور وعناد. # والمراد بالعزة هنا الحمية والاستكبار عن اتباع الحق، كما في قوله - ~~تعالى - # وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم ~~فحسبه جهنم ولبئس المهاد # وليس المراد بها القهر والغلبة كما فى قوله - تعالى - # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن ~~المنافقين لا يعلمون # وأصل الشقاق المخالفة والمنازعة بين الخصمين حتى لكأن كل واحد منهما فى ~~شق غير الذى فيه الآخر. والمراد به هنا مخالفة المشركين لما جاءهم به ~~النبى صلى الله عليه وسلم. والمعنى وحق القرآن الكريم ذى الشرف وسمو ~~القدر. إنك - أيها الرسول الكريم - لصادق فيما تبلغه عن ربك، ولست كما ~~يقول أعداؤك فى شأنك. بل الحق أن هؤلاء الكافرين فى حمية واستكبار عن ~~قبول الهداية التى جئتهم بها من عند ربك، وفى مخالفة ومعارضة لكل مالا ~~يتفق مع ما وجدوا عليه آباءهم من عبادة للأصنام، ومن عكوف على عاداتهم ~~الباطلة. والتعبير بفى قوله { في عزة وشقاق } للإشعار بأن ما ~~هم عليه من عناد ومن مخالفته للحق، قد أحاط بهم من كل جوانبهم، كما يحيط ~~الظرف بالمظروف. ثم خوفهم - سبحانه - بما أصاب الأمم من قبلهم، وحذرهم من ~~أن يكون مصيرهم كمصير المكذبين السابقين فقال { كم أهلكنا من ~~قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص }. و " كم " ~~هنا خبرية. ومعناها الإخبار عن عدد كثير. وهى فى محل نصب على أنها مفعول ~~به لأهلكنا. وصيغة الجمع فى أهلكنا للتعظيم و " من " فى قوله { من ~~قبلهم } لابتداء الغاية، وفى قوله { من قرن } مميزة لكم. ~~والقرن يطلق على الزمان الذى يعيش فيه جيل من الناس، ومدته - على الراجح ~~- مائة سنة والمراد به هنا أهل الزمان. والمراد بالنداء فى قوله - تعالى ~~- { فنادوا } الاستغاثة والضراعة إلى الله أن يكشف عنهم العذاب. و { لات ~~} هى لا ms4350 المشبهة بليس - وهذا رأى سيبويه - فهى حرف نفى زيدت فيه التاء ~~لتأكيد هذا النفى. وأشهر أقوال النحويين فيها أنها تعمل عمل ليس، وأنها ~~لا تعمل إلى فى الحين خاصة، أو فى لفظ الحين ونحوه من الأزمنة، كالساعة ~~والأوان، وأنها لابد أن يحذف اسمها أو خبرها، والأكثر حذف المرفوع منهما ~~وإثبات المنصوب. والحين ظرف مبهم يتخصص بالإضافة. وقوله { مناص } مصدر ~~ميمى بمعنى الفرار والخلاص. يقال ناص فلان من عدوه - من باب قال - فهو ~~ينوص نوصا ومناصا، إذا فر منه، وهرب من لقائه. أو بمعنى النجاة والفوت. ~~يقال ناصه ينوصه إذا فاته ونجا منه. والمراد بقوله - تعالى - { ~~أهلكنا } الشروع فى الإهلاك بدليل قوله - تعالى - بعد ذلك { ~~فنادوا } إذ من المعروف أن من هلك بالفعل لا يستغيث ولا ينادى. # والمعنى إن هؤلاء الكافرين المستكبرين عن طاعتنا وعبادتنا، قد علموا ~~أننا أهلكنا كثيرا من السابقين أمثالهم، وأن هؤلاء السابقين عندما رأوا ~~أمارات العذاب ومقدماته، جأروا إلينا بالدعاء أن نكشفه عنهم، واستغاثوا ~~جاءت فى غير وقتها، ولقد قلنا لهم عندما استغاثوا بنا عند فوات الأوان { ~~ولات حين مناص }. أى ليس الوقت الذى استغثتم بنا فيه وقت نجاة ~~وفرار من العقاب، بل هو وقت تنفيذ العقوبة فيكم، بعد أن تماديتم فى ~~كفركم، وأعرضتم عن دعوة الحق بدون إنابة أو ندم. وشبيه بهذه الآية قوله - ~~تعالى - # فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ~~وكفرنا بما كنا به مشركين. فلم يك ينفعهم ~~إيمانهم لما رأوا بأسنا.. # وقوله - سبحانه - # حتى إذآ أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم ~~يجأرون. لا تجأروا اليوم إنكم منا لا ~~تنصرون # ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك جانبا من أكاذيب المشركين الناتجة عن ~~استكبارهم وشقاقهم فقال { وعجبوا أن جآءهم منذر منهم ~~وقال الكافرون هذا ساحر كذاب. أجعل الآلهة ~~إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب. وانطلق الملأ ~~منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا ~~لشيء يراد }.. وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات ~~منها # " أن جماعة من قريش اجتمعوا في نفر من مشيخة قريش، فقال ms4351 بعضهم لبعض ~~انطلقوا بنا إلى أبي طالب، لنكلمه في شأن ابن أخيه... فلما دخلوا على أبي ~~طالب قالوا له أنت كبيرنا وسيدنا، فأنصفنا من ابن أخيك، فمره فليكف عن ~~شتم آلهتنا، وندعه وإلهه. فقال أبو طالب للنبي صلى الله عليه وسلم يا ابن ~~أخي هؤلاء مشيخة قريش، وقد سألوك أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك. ~~فقال صلى الله عليه وسلم " يا عم، أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم؟ قال ~~وإلام تدعوهم؟ قال أدعوهم أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب، ويملكون ~~بها العجم ". فقال أبو جهل من بين القوم ما هي وأبيك؟ لنعطينها لك وعشرة ~~أمثالها، فقال صلى الله عليه وسلم " تقولون لا إله إلا الله ". فنفر أبو ~~جهل وقال سلنا غير هذا. فقال صلى الله عليه وسلم " لو جئتمونى بالشمس حتى ~~تضعوها في يدي، ما سألتكم غيرها " فقاموا غضابا. وقالوا والله لنشتمنك ~~وإلهك الذي أرسلك بهذا ". # وقوله - تعالى - { وعجبوا... } مأخوذ من العجب، وهو تغير فى النفس ~~من أمر لا ترتاح إليه، وتخفى لديها أسبابه. أى وعجب هؤلاء الكافرون من ~~مجئ منذر منهم ينذرهم بسوء عاقبة الشرك. ويأمرهم بعبادة الله - تعالى - ~~وحده. { وقال } هؤلاء { الكافرون } عندما دعاهم الرسول صلى الله ~~عليه وسلم إلى الدين الحق. { هذا ساحر كذاب } أى قالوا هذا ~~الرسول ساحر لأنه يأتينا بخوارق لم نألفها، وكذاب فيما يسنده إلى الله - ~~تعالى - من أنه - سبحانه - أرسله إلينا. # وقال - سبحانه - { وقال الكافرون } بالإظهار دون الإضمار، ~~لتسجيل الكفر والجحود عليهم. وللإيذان بأن كفرهم هو الباعث لهم على وصف ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بما هو منزه عنه من السحر والكذب. ثم أضافوا ~~إلى هذا القول الباطل، أقوالا أخرى لا تقل عن غيرها فى البطلان والفساد. ~~فقالوا - كما حكى القرآن - { أجعل الآلهة إلها واحدا }. ~~والاستفهام للإنكار أى أجعل محمد صلى الله عليه وسلم الآلهة المتعددة، ~~إلها واحدا. وطلب منا أن ندين له بالعبادة والطاعة؟ { إن هذا ~~لشيء عجاب } أى إن هذا الذى طلبه منا، ودعانا إليه، لشئ قد بلغ ms4352 ~~النهاية فى العجب والغرابة ومجاوزة ما يقبله العقل. و { عجاب } أبلغ ~~من عجيب. لأنك تقول فى الرجل الذى فيه طول هذا رجل طويل، بينما تقول فى ~~الرجل الذى تجاوز الحد المعقول فى الطول هذا رجل طوال. فلفظ { عجاب } ~~صيغة مبالغة سماعية، وقد حكاها - سبحانه - عنهم للإشعار بأنهم كانوا ~~يرون - لجهلهم وعنادهم - أن ما جاءهم به الرسول - - هو شئ قد تجاوز الحد ~~فى العجب والغرابة. واسم الإشارة يعود إلى جعله صلى الله عليه وسلم ~~الآلهة إلها واحدا، لأنهم يرون - لانطماس بصائرهم - أن ذلك مخالف مخالفة ~~تامة لما ورثوه، عن آبائهم وأجدادهم من عبادة للأصنام. وما كان مخالفا ~~لما ورثوه عن آبائهم فهو - فى زعمهم - متجاوز الحد فى العجب. ثم صور - ~~سبحانه - حرصهم على صرف الناس عن دعوة الحق. تصويرا بديعا، فقال { ~~وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على ~~آلهتكم }. أى وانطلق الأشراف فى قريش عن مجلس أبى طالب، بعد أن ~~سمعوا من الرسول صلى الله عليه وسلم ما أغضبهم وخيب آمالهم. انطلقوا ~~يقولون أن امشوا فى طريقكم التى كان عليها آباؤكم واصبروا على عبادة ~~آلهتكم مهما هون محمد صلى الله عليه وسلم من شأنها، ومهما نهى عن ~~عبادتها. { إن هذا لشيء يراد } أى إن هذا الذى يدعونا إليه ~~محمد صلى الله عليه وسلم من عبادة الله - تعالى - وحده وترك عبادة آلهتنا ~~لشئ يراد من جهته هو، وهو مصمم عليه كل التصميم، ونحن من جانبنا يجب أن ~~نقابل تصميمه على دعوته، بتصميم منا على عبادة آلهتنا. وعلى هذا المعنى ~~تكون الإشارة هنا عائدة إلى ما يدعوهم إليه النبى صلى الله عليه وسلم من ~~عبادة الله وحده. ويصح أن تكون الإشارة إلى دينهم هم، فيكون المعنى إن ~~هذا الدين الذى نحن عليه لشئ يراد لنا، وقد وجدنا عليه آباءنا، وما دام ~~الأمر كذلك فلن نتركه مهما كرهنا فيه محمد صلى الله عليه وسلم. # قال الآلوسى قوله { إن هذا لشيء يراد } تعليل للأمر ~~بالصبر، والإشارة إلى ما وقع وشاهدوه من أمر النبى صلى الله ms4353 عليه وسلم ~~وتصلبه فى أمر التوحيد، ونفى ألوهية آلهتهم.. أى إن هذا لشئ عظيم يراد به ~~من جهته صلى الله عليه وسلم إمضاؤه وتنفيذه. فاقطعوا أطماعكم عن استنزاله ~~إلى إرادتكم، واصبرو على عبادة آلهتكم. وقيل إن هذا الأمر لشئ من نوائب ~~الدهر يراد بنا، فلا حيلة إلا تجرع مرارة الصبر. وقيل إن هذا - أى دينكم ~~- يطلب لينتزع منكم ويطرح ويراد إبطاله.. ثم يضيفون إلى ذلك قولهم { ما ~~سمعنا بهذا فى الملة الآخرة... } أى ما سمعنا بهذا ~~الدين الذى يدعونا إليه محمد صلى الله عليه وسلم فى ملة العرب التى ~~أدركنا عليها آباءنا، أو ما سمعنا بهذا الذى يقوله محمد صلى الله عليه ~~وسلم فى الملة الآخرة، وهى ملة عيسى - عليه السلام - فإن أتباعه ~~يقولون بالتثليث، ويقولون بأنه الدين الذى جاء به عيسى. وعلى هذين ~~القولين يكون قوله { فى الملة الآخرة } متعلق بسمعنا. ويصح أن ~~يكون المعنى ما سمعنا بهذا الذى يدعونا إليه محمد صلى الله عليه وسلم ~~كائنا فى الملة التى تكون فى آخر الزمان، والتى حدثنا عنها الكهان وأهل ~~الكتاب. وعلى هذا الرأى يكون قوله { فى الملة الآخرة } حالا من ~~اسم الإشارة وليس متعلقا بسمعنا. ثم أكدوا نفيهم لعدم سماعهم لما جاءهم ~~به الرسول صلى الله عليه وسلم بقولهم { إن هذا إلا اختلاق } ~~أى ما سمعنا شيئا مما يقوله، وما يقوله ما هو إلا كذب وتخرص اختلقه من ~~عند نفسه، دون أن يسبقه إليه أحد. يقال اختلاق فلان هذا القول، إذا ~~افتراه واصطنعه واخترعه من عند نفسه، دون أن يكون له أصل من الواقع. ثم ~~صرحوا فى نهاية المطاف بالسبب الحقيقى الذى حال بينهم وبين الإيمان، ألا ~~وهو الحقد والحسد، وإنكار أن يختص الله تعالى رسوله من بينهم بالرسالة، ~~فقالوا - كما حكى القرآن عنهم - { أأنزل عليه الذكر من ~~بيننا؟... }. والاستفهام للإنكار والنفى. أى كيف يدعى محمد صلى الله ~~عليه وسلم أنه قد نزل عليه القرآن من بيننا، ونحن السادة الأغنياء ~~العظماء، وهو دوننا فى ذلك؟ إننا ننكر وننفى دعواه ms4354 النبوة من بيننا. قال ~~صاحب الكشاف أنكروا أن يختص بالشرف من بين أشرافهم ورؤسائهم وينزل عليه ~~الكتاب من بينهم، كما قالوا # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # وهذا الإنكار ترجمة عما كانت تغلى به صدورهم من الحسد على ما أوتى من ~~شرف النبوة من بينهم. ولقد حكى القرآن أحقادهم هذه على النبى صلى الله ~~عليه وسلم فى آيات كثيرة ورد عليها بما يبطلها ومن ذلك قوله - تعالى - # وإذا جآءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى ~~مثل مآ أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل ~~رسالته... # ولقد صرح أبو جهل بهذا الحسد للنبى صلى الله عليه وسلم فعندما سأله ~~سائل، أتظن محمدا على حق أم على باطل؟ كان جوابه إن محمدا لعلى حق ولكن ~~متى كنا لبنى هاشم تبعا. أى متى كانت أسرتنا تابعة لبنى هاشم!! وفى رواية ~~أنه قال تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، ~~وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب، وكنا كفرسى رهان، قالوا منا ~~نبى يأتيه الوحى من السماء، فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا ~~نصدقه. وقوله - سبحانه - { بل هم في شك من ذكري } إضراب عن ~~كلام يفهم من السياق. وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم ~~من أذى. أى هؤلاء الجاحدون الحاقدون لم يقطعوا برأى فى شأنك - أيها ~~الرسول الكريم - وفى شأن ما جئتهم به، ولم يستندوا فى أقوالهم إلى دليل ~~أو ما يشبه الدليل، وإنما هم فى شك من هذا القرآن الذى أيدناك به، بدليل ~~أنك تراهم يصفونك تارة بالسحر، وتارة بالكهانة، وتارة بالشعر، ولو عقلوا ~~وأنصفوا لآمنوا بك وصدقوك. وقوله - سبحانه - { بل لما يذوقوا ~~عذاب } إضراب عن مجموع الكلامين السابقين المشتملين على الحسد والشك. ~~أى لا تحزن - أيها الرسول الكريم - من مسالكهم الخبيثة، وأقوالهم ~~الفاسدة. فإنهم ما فعلوا ذلك إلا لأنهم لم يذوقوا عذابى بعد، فإذا ذاقوه ~~زال حسدهم وشكهم، وتيقنوا بأنك على الحق المبين، وهم على الباطل الذى لا ~~يحوم حوله ms4355 حق. وفى التعبير بقوله { لما } إشارة إلى أن نزول العذاب ~~بهم وتذوقهم له، قريب للحصول. ثم أنكر عليهم - سبحانه - بعد ذلك اعتراضهم ~~على اختيار نبيه صلى الله عليه وسلم للرسالة، وساق هذا الإنكار بأسلوب ~~توبيخى تهكمى فقال - تعالى - { أم عندهم خزآئن رحمة ~~ربك العزيز الوهاب } أى أنهم لم يملكوا خزائن رحمة ربك - ~~أيها الرسول الكريم - حتى يعطوا منها من يشاءون ويمنعوها عمن يشاءون، ~~ويتخيروا للنبوة صناديدهم ويترفعوا بها عنك.. وإنما المالك لكل ذلك هو ~~الله - تعالى - العزيز الذى لا يغلبه غالب - الوهاب، أى الكثير العطاء ~~لعباده. والمراد بالعندية فى قوله { عندهم } الملك والتصرف. وتقديم ~~الظرف " عند " لأنه محل الإنكار. وفى إضافة الرب - عز وجل - إلى الضمير ~~العائد إلى النبى صلى الله عليه وسلم تشريف وتكريم له صلى الله عليه ~~وسلم. وجئ بصفة " العزيز " للرد على ما كانوا يزعمونه لأنفسهم وآلهتهم من ~~ترفع وتكبر. كما جئ بصفة " الوهاب " للإشارة إلى أن النبوة هبة من الله ~~- تعالى - لمن يختاره من عباده، وهو - سبحانه - أعلم حيث يجعل رساته. # وقوله - عز وجل - { أم لهم ملك السماوات والأرض وما ~~بينهما... } تأكيد لما أفادته الآية السابقة من عدم ملكيتهم لشئ من ~~خزائن الله - تعالى - أى أن هؤلاء الكافرين ليست عندهم خزائن ربك - أيها ~~الرسول الكريم - وليسوا بمالكين شيئا - أى شئ - من هذه العوالم العلوية ~~أو السفلية، وإنما هم خلق صغير من خلقنا العظيم الكبير. وقوله - سبحانه - ~~{ فليرتقوا فى الأسباب } تعجيز لهم، وتهكم بهم، واستخفاف ~~بأقوالهم ومزاعمهم، والأسباب جمع سبب وهو كل ما يتوصل به إلى غيره من حبل ~~أو نحوه. والفاء جواب لشرط محذوف. والتقدير إن كان عندهم خزائن رحمتنا، ~~ولهم شئ من ملك السموات والأرض وما بينهما، فليصعدوا فى الطرق التى ~~توصلهم إلى ما نملكه حتى يستولوا عليه، ويدبروا أمره، وينزلوا الوحى على ~~من يختارونه للنبوة من أشرافهم وصناديدهم. فالجملة الكريمة قد اشتملت على ~~نهاية التعجيز لهم، والتهكم بهم وبأقوالهم، حيث بين - سبحانه - أنهم ~~أدعياء فيما يزعمون، وأنهم يهرفون بما لا يعرفون.. ثم بشر الله ms4356 - تعالى - ~~رسوله صلى الله عليه بالنصر عليهم فقال { جند ما هنالك مهزوم ~~من الأحزاب }. ولفظ " جند " خبر لمبتدأ محذوف. و " ما " مزيدة ~~للتقليل والتحقير، نحو قولك أكلت شيئا ما. أى شيئا قليلا، وقيل هى ~~للتكثير والتهويل كقولهم لأمر ما جدع قصير أنفه. أى لأمر عظيم.. وعلى كلا ~~المعنيين فالمقصود أنهم لا وزن لهم بجانب قدرة الله - تعالى - و " هنالك ~~" صفة لجند، أو ظرف لمهزوم، وهو إشارة إلى المكان البعيد. و " مهزوم " ~~خبر ثان للمبتدأ المقدر، وأصل الهزم غمز الشئ اليابس حتى يتحطم ~~ويكسر. يقال تهزمت القربة، بمعنى يبست، وتكسرت. وهزم الجيش بمعنى ~~غلب وكسر. والمعنى هؤلاء المشركون - أيها الرسول الكريم - لا تهتم ~~بأمرهم، ولا تكترث بجموعهم، فهم سواء أكانوا قليلين أم كثيرين، لا قيمة ~~لهم بجانب قوتنا التى لا يقف أمامها شئ، ومهما تحزبوا عليك فهم جند ~~مهزومون ومغلوبون أمام قوة المؤمنين فى مواطن متعددة. فالآية الكريمة ~~بشارة للمؤمنين بالنصر على أعدائهم كما قال - تعالى - # سيهزم الجمع ويولون الدبر # قال صاحب الكشاف قوله { جند ما هنالك مهزوم من ~~الأحزاب } يريد ما هم إلا جيش من الكفار المتحزبين على رسل الله ~~مهزوم مكسور عما قريب، فلا تبال بما يقولون، ولا تكترث لما به يهذون، و " ~~ما " مزيدة، وفيها معنى الاستعظام.. إلا أنه على سبيل الاستهزاء بهم. و { ~~هنالك } إشارة حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول العظيم، ~~من قولهم لمن ينتدب لأمر ليس من أهله لست هنالك. وبذلك نرى الآيات ~~الكريمة قد حكت أقوال المشركين، وردت عليها ردا يكبتهم ويزهق باطلهم، ~~وختمت بما يبشر المؤمنين بالنصر عليهم. ثم ساق - سبحانه - جانبا مما أصاب ~~السابقين من دمار حين كذبوا رسلهم لكى يعتبر المشركون المعاصرون للنبى ~~صلى الله عليه وسلم ولكى يقلعوا عن شركهم حتى لا يصيبهم ما أصاب أمثالهم ~~من المتقدمين عليهم، فقال - تعالى - { كذبت قبلهم قوم ~~نوح... }. ### || [38.12-16] # فقوله - تعالى - { كذبت قبلهم قوم نوح... } استئناف مقرر ~~لوعيد قريش بالهزيمة. ولوعد المؤمنين بالنصر، وتأنيث قوم باعتبار المعنى، ~~وهو أنهم أمة ms4357 وطائفة. أى ليس قومك - يا محمد - هم أول المكذبين لرسلهم، ~~فقد سبقهم إلى هذا التكذيب قوم نوح، فكانت عاقبتهم الإغراق بالطوفان. ~~وسبقهم - أيضا - إلى هذا التكذيب قوم عاد، فقد كذبوا نبيهم هودا، فكانت ~~عاقبتهم الإهلاك بالريح العقيم. التى ما أتت على شئ إلا جعلته كالرميم. ~~وقوله { وفرعون ذو الأوتاد } معطوف على ما قبله أى وكذب - أيضا ~~- فرعون رسولنا موسى - عليه السلام -. وقوله { ذو الأوتاد } صفة ~~لفرعون. والأوتاد جمع وتد، وهو ما يدق فى الأرض لتثبيت الشئ وتقويته. ~~والمراد بها هنا المبانى الضخمة العظيمة، أو الجنود الذين يثبتون ملكه ~~كما تثبت الأوتاد البيت، أو الملك الثابت ثبوت الأوتاد. قال الآلوسى ما ~~ملخصه والأصل إطلاق ذى الأوتاد على البيت المشدود والمثبت بها، فشبه هنا ~~فرعون فى ثبات ملكه.. ببيت ثابت ذى عماد وأوتاد.. أو المراد بالأوتاد ~~الجنود لأنهم يقولون ملكه كما يقوى الوتد الشئ. أو المراد بها المبانى ~~العظيمة الثابتة. ويصح أن تكون الأوتاد على حقيقتها فقد قيل إنه كان يربط ~~من يريد قتله بين أوتاد متعددة، ويتركه مشدودا فيها حتى يموت.. أى وفرعون ~~صاحب المبانى العظيمة، والجنود الأقوياء، والملك الوطيد... كذب رسولنا ~~موسى - عليه السلام -، فكانت عاقبة هذا التكذيب أن أغرقناه ومن معه جميعا ~~من جنوده الكافرين. وكذب - أيضا - قوم ثمود نبيهم صالحا، وقوم لوط نبيهم ~~لوطا، وأصحاب الأيكة وهم قوم شعيب. كذبوه كذلك - فكانت نتيجة هذا التكذيب ~~الإهلاك لهؤلاء المكذبين - كما قال - تعالى - # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان ~~الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # والإشارة فى قوله - تعالى - { أولئك الأحزاب } تعود إلى ~~هؤلاء الأقوام المكذبين لرسلهم وسموا بالأحزاب، لأنهم تحزبوا ضد رسلهم، ~~وانضم بعضهم إلى بعض فى تكذيبهم، ووقفوا جميعا موقف المحارب لهؤلاء الرسل ~~الكرام. وقوله - سبحانه - { إن كل إلا كذب الرسل فحق ~~عقاب } استئناف مقرر لما قبله من تكذيب هؤلاء الأقوام لرسلهم، وبيان ~~للأسباب التى أدت إلى عقاب المكذبين. و " إن " هنا ms4358 نافية، ولا عمل لها ~~لانتقاض النفى بإلا. و " إلا " أداة استثناء مفرغ من أعم الصفات أو ~~الأحكام وجملة { كذب الرسل } فى محل رفع خبر " كل ". أى ليس ~~لهؤلاء الأقوام من صفات سوى تكذيب الرسل، فكانت نتيجة هذ التكذيب أن حل ~~بهم عقابى وثبت عليهم عذابى. # الذى دمرهم تدميرا. والإخبار عن كل حزب من هذه الأحزاب بأنه كذب الرسل، ~~إما لأن تكذيب كل حزب لرسوله يعتبر من باب التكذيب لجميع الرسل لأن ~~دعوتهم واحدة، وإما من قبيل مقابلة الجمع بالجمع، والمقصود تكذيب كل حزب ~~لرسوله. وقد جاء تكذيبهم فى الآية السابقة بالجملة الفعلية { كذبت ~~قبلهم... } وجاء فى هذه الآية بالجملة الأسمية لبيان إصرارهم على ~~هذا التكذيب، ومداومتهم عليه، وإعراضهم عن دعوة الرسل لهم إعراضا تاما. ~~وقوله - سبحانه - { وما ينظر هؤلآء إلا صيحة واحدة ~~ما لها من فواق }. بيان للعذاب المعد للمشركين المعاصرين للنبى ~~صلى الله عليه وسلم بعد بيان العقاب الذى حل بالسابقين. والمراد بالصيحة ~~هنا النفخة الثانية التى ينفخها إسرافيل فى الصور، فيقوم الخلائق من ~~قبورهم للحساب والجزاء. وقيل المراد بها النفخة الأولى، وضعف هذا القول ~~بأنهم لن يكونوا موجودين وقتها حتى يصعقوا بها.. وينظرون هنا بمعنى ~~ينتظرون. وجعلهم - سبحانه - منتظرين للعقاب مع أنهم لم ينتظروه على سبيل ~~الحقيقة للإشعار بتحقق وقوعه، وأنهم بصدد لقائه، فهم لذلك فى حكم ~~المنتظرين له. أى وما ينتظر هؤلاء المشركون الذين هم أمثال المهلكين من ~~قبلهم، { إلا صيحة واحدة } أى نفخة واحدة ينفخها إسرافيل # فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون # وهذه النفخة { ما لها من فواق } أى ليس لها من توقف وانتظار حتى ~~ولو بمقدار فواق ناقة وهو الزمن الذى يكون بين الحلبتين، أو الزمن الذى ~~يكون فيه رجوع اللبن فى الضرع بعد الحلب. والمقصود بيان أن هذه الصيحة ~~سريعة الوقوع، وأنها لن تتأخر عن وقتها، وأنها صيحة واحدة فقط يتم بعدها ~~كل شئ يتعلق بالبعث والجزاء. قال الجمل فى حاشيته ما ملخصه قوله { ما ~~لها من فواق } يجوز أن يكون قوله { لها ms4359 } رافعا لقوله { من ~~فواق } على الفاعلية لاعتماده على النفى. وأن يكون جملة من مبتدأ ~~وخبر، وعلى التقديرين فالجملة المنفية صفة لصيحة، ومن مزيدة.. والفواق - ~~بفتح الفاء وضمها - الزمان الذى بين حلبتى الحالب ورضعتى الراضع - ~~والمعنى ما لها من توقف قدر فواق ناقة. وفى الحديث # " العيادة قدر فوق ناقة ". # ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة، ببيان ما جبل عليه هؤلاء ~~المشركون من جهالات وسفاهات، حيث تعجلوا العقاب قبل وقوعه بهم، فقال - ~~تعالى - { وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم ~~الحساب }. والقط النصيب والقطعة من الشئ. مأخوذ من قط الشئ إذا ~~قطعه وفصله عن غيره. فهم قد أطلقوا القطعة من العذاب على عذابهم، باعتبار ~~أنها مقتطعة من العذاب الكلى المعد لهم ولغيرهم. أى وقال هؤلاء المشركون ~~الجاهلون يا ربنا { عجل لنا قطنا } أى عجل لنا نصيبنا من ~~العذاب الذى توعدتنا به، ولا تؤخره إلى يوم الحساب. # وتصدير دعائهم بنداء الله - تعالى - بصفة الربوبية، يشعر بشدة استهزائهم ~~بهذا العذاب الذى توعدهم الله - تعالى - به على لسان رسوله صلى الله عليه ~~وسلم. ونسب - سبحانه - القول إليهم جميعا مع أن القائل هو النضر بن ~~الحارث، أو أبو جهل.. لأنهم قد رضوا بهذا القول، ولم يعترضوا على قائله. ~~وقيل المراد بقوله - تعالى - { عجل لنا قطنا.. } أى صحائف ~~أعمالنا لننظر فيها قبل يوم الحساب. وقيل المراد به نصيبهم من الجنة أى ~~عجل لنا نصيبنا من الجنة التى وعد رسولك بها أتباعه، وأعطنا هذا النصيب ~~فى الدنيا قبل يوم الحساب لأننا لا نؤمن بوقوعه. وعلى جميع الأقوال، ~~فالمراد بيان أنهم قوم قد بلغ بهم التطاول والغرور منتهاه، حيث استهزءوا ~~بيوم الحساب، وطلبوا تعجيل نزول العذاب بهم فى الدنيا، بعد أن سمعوا من ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أن عقوبتهم مؤجلة إلى الآخرة. قال - تعالى - # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون # وقال - سبحانه - # ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده ~~وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون # ثم واصلت السورة الكريمة تسليتها للرسول ms4360 صلى الله عليه وسلم حيث أمرته ~~بالصبر، وذكرت له - بشئ من التفصيل - قصص بعض الأنبياء - عليهم السلام - ~~وبدأت بقصة داود - عليه السلام - الذى آتاه الله الملك والنبوة قال - ~~تعالى - { اصبر على ما يقولون واذكر... }. ### || [38.17-26] # والخطاب فى قوله - تعالى - { اصبر على ما يقولون... } للنبى ~~صلى الله عليه وسلم. أى اصبر - أيها الرسول الكريم - على ما قاله أعداؤك ~~فيك وفى دعوتك لقد قالوا عنك إنك ساحر ومجنون وكاهن وشاعر.. وقالوا عن ~~القرآن الكريم إنه أساطير الأولين.. وقالوا فى شأن دعوتك إياهم إلى ~~وحدانية الله - تعالى - # ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة إن هذا إلا ~~اختلاق # وقالوا غير ذلك مما يدل على جهلهم وجحودهم للحق، وعليك - أيها الرسول ~~الكريم - أن تصبر على ما صدر منهم من أباطيل، فإن الصبر مفتاح الفرج، وهو ~~الطريق الذى سلكه كل نبى من قبلك. وقال - سبحانه - { اصبر على ما ~~يقولون } بصيغة المضارع، لاستحضار الصورة الماضية. وللإشعار بأن ما ~~قالوه فى الماضى سيجددونه فى الحاضر وفى المستقبل فعليه أن يعد نفسه ~~لاستقبال هذه الأقوال الباطلة بصبر وسعة صدر حتى يحكم الله - تعالى - ~~بحكمه العادل، بينه وبينهم. وقوله - تعالى - { واذكر عبدنا ~~داوود ذا الأيد إنه أواب } معطوف على جملة " واصبر ".. ~~وداود - عليه السلام - هو ابن يسى من سبط " يهوذا " بن يعقوب بن إسحاق بن ~~إبراهيم وكانت ولادة داود فى حوالى القرن الحادى عشر قبل الميلاد. وقد ~~منحه الله - تعالى - النبوة والملك. وقوله - تعالى - { ذا الأيد } ~~صفة لداود، والأيد القوة. يقال آد الرجل يئيد أيدا وإيادا، إذا قوى ~~واشتد عوده، فهو أيد. ومنه قولهم فى الدعاء أيدك الله. أى قواك و { ~~أواب } صيغة مبالغة من آب إذا رجع. أى اصبر - أيها الرسول الكريم - ~~على أذى قومك حتى يحكم الله بينك وبينهم واذكر - لتزداد ثباتا وثقة - قصة ~~وحال عبدنا داود، صاحب القوة الشديدة فى عبادتنا وطاعتنا وفى دحر ~~أعدائنا.. { إنه أواب } أى كثير الرجوع إلى ما يرضينا. ثم بين - ~~سبحانه - بعض مظاهر فضله ونعمه على عبده داود - عليه السلام - فقال { ~~إنا ms4361 سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي ~~والإشراق... } والعشى الوقت الذى يكون من الزوال إلى الغروب أو إلى ~~الصباح. والإشراق وقت إشراق الشمس، أى سطوعها وصفاء ضوئها، قالوا وهو ~~وقت الضحى.. فالإشراق غير الشروق، لأن الشروق هو وقت طلوع الشمس. وهو ~~يسبق الإشراق أى إن من مظاهر فضلنا على عبدنا داود، أننا سخرنا وذللنا ~~الجبال معه، بأن جعلناها بقدرتنا تقتدى به فتسبح بتسبيحه فى أوقات العشى ~~والإشراق. وقال - سبحانه - { معه } للإشعار بأن تسبيحها كان سبيل ~~الاقتداء به فى ذلك. أى أنها إذا سمعته يسبح الله - تعالى - ويقدسه ~~وينزهه، رددت معه ما يقوله. # وهذا التسبيح من الجبال لله - تعالى - إنما هو على سبيل الحقيقة ولكن ~~بكيفية لا يعلمها إلا هو - عز وجل - بدليل قوله - سبحانه - # تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن ~~وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا # والقول بأن تسبيح الجبال كان بلسان الحال ضعيف لأمور منها المخالفة ~~لظاهر ما تدل عليه الآية من أن هناك تسبيحا حقيقيا بلسان المقال، ومنها ~~أن تقييد التسبيح بكونه بالعشى والإشراق. وبكونه مع داود، يدل على أنه ~~تسبيح بلسان المقال، إذ التسبيح بلسان الحال موجود منها فى كل وقت، ولا ~~يختص بكونه فى هذين الوقتين أو مع داود. وخص - سبحانه - وقتى العشى ~~والإشراق بالذكر. للإشارة إلى مزيد شرفهما، وسمو درجة العبادة فيهما. ~~وقوله - تعالى - { والطير محشورة... } معطوف على الجبال وكلمة ~~محشورة بمعنى مجموعة. وهى حال من الطير. والعامل قوله { سخرنا }. أى إنا ~~سخرنا الجبال لتسبح مع داود عند تسبيحه لنا، كما سخرنا الطير وجمعناها ~~لتردد معه التسبيح والتقديس لنا. والتعبير بقوله { محشورة } يشير ~~إلى أن الطير قد حبست وجمعت لغرض التسبيح معه، حتى لكأنها تحلق فوقه ولا ~~تكاد تفارقه من شدة حرصها على تسبيح الله - تعالى - وتقديسه. وجملة { ~~كل له أواب } مقررة لمضمون ما قبلها من تسبيح الجبال والطير. ~~واللام فى " له " للتعليل، والضمير يعود إلى داود - عليه السلام -. أى كل ~~من الجبال والطير. من أجل تسبيح داود، ms4362 كان كثير الرجوع إلى التسبيح. ويصح ~~أن يكون الضمير يعود إلى الله - تعالى - فيكون المعنى كل من داود والجبال ~~والطير، كان كثير التسبيح والتقديس والرجوع إلى الله - تعالى - بما ~~يرضيه. وقوله - تعالى - { وشددنا ملكه } أى قوينا ملك داود، عن ~~طريق كثرة الجند التابعين له، وعن طريق ما منحناه من هيبة ونصرة وقوة.. { ~~وآتيناه الحكمة } أى النبوة، وسعة العلم، وصالح العمل، وحسن ~~المنطق. { وفصل الخطاب } أى وآتيناه أيضا الكلام البليغ الفاصل ~~بين الحق والباطل، وبين الصواب والخطأ، ووفقناه للحكم بين الناس بطريقة ~~مصحوبة بالعدل، وبالحزم الذى لا يشوبه تردد أو تراجع. ثم ساق - سبحانه - ~~ما يشهد لعبده داود بذلك فقال { وهل أتاك نبأ الخصم إذ ~~تسوروا المحراب }. والاستفهام للتعجيب والتشويق لما يقال ~~بعده، لكونه أمرا غريبا تتطلع إلى معرفته النفس. والنبأ الخبر الذى له ~~أهمية فى النفوس.. والخصم أى المتخاصمين أو الخصماء. وهو فى الأصل مصدر ~~خصمه أى غلبه فى المخاصمة والمجادلة والمنازعة، ولكونه فى الأصل صح ~~إطلاقه على المفرد والمثنى والجمع، والمذكر والمؤنث.. قالوا وهو مأخوذ من ~~تعلق كل واحد من المتنازعين بخصم الآخر. # أى بجانبه.. والظرف فى قوله { إذ تسوروا المحراب } متعلق ~~بمحذوف. والتسور اعتلاء السور، والصعود فوقه، إذ صيغة التفعل تفيد العلو ~~والتصعد. كما يقال تسنم فلان الجمل، إذ علا فوق سنامه. والمحراب المكان ~~الذى كان يجلس فيه داود - عليه السلام - للتعبد وذكر الله - تعالى -. ~~والمعنى وهل وصل إلى علمك - أيها الرسول الكريم - ذلك النبأ العجيب، ألا ~~وهو نبأ أولئك الخصوم، الذين تسلقوا على داود غرفته، وقت أن كان جالسا ~~فيها لعبادة ربه، دون إذن منه، ودون علم منه بقدومهم.. إن كان هذا النبأ ~~العجيب لم يصل إلى علمك، فها نحن نقصه عليك. وقوله { إذ دخلوا ~~على داوود ففزع منهم... } بدل مما قبله. والفزع انقباض فى ~~النفس يحدث للإنسان عند توقع مكروه. أى أن هؤلاء الخصوم بعد أن تسوروا ~~المحراب، دخلوا على داود، فخاف منهم، لأنهم أتوه من غير الطريق المعتاد ~~للإتيان وهو الباب، ولأنهم أتوه فى غير ms4363 الوقت الذى حدده للقاء الناس ~~وللحكم بينهم، وإنما أتوه فى وقت عبادته. ومن شأن النفس البشرية أن تفزع ~~عندما تفاجأ بحالة كهذه الحالة. قال القرطبى فإن قيل لم فزع داود وهو ~~نبى، وقد قويت نفسه بالنبوة واطمأنت بالوحى، ووثقت بما آتاه الله من ~~المنزلة، وأظهر على يديه من الآيات، وكان من الشجاعة فى غاية المكانة؟ ~~قيل له ذلك سبيل الأنبياء قبله، لم يأمنوا القتل والأذية، ومنهما كان ~~يخاف. ألا ترى إلى موسى وهارون - عليهما السلام - كيف قالا # إننا نخاف أن يفرط علينآ أو أن يطغى # - أى فرعون -، فقال الله لهما # لا تخافآ إنني معكمآ أسمع وأرى # ثم بين - سبحانه - ما قاله أولئك الخصوم لداود عندما شاهدوا عليه أمارات ~~الوجل والفزع، فقال { قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا ~~على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنآ ~~إلى سوآء الصراط }.. والبغى الجور والظلم.. وأصله من بغى الجرح ~~إذا ترامى إليه الفساد. والشطط مجاوزة الحد فى كل شئ. يقال شط فلان على ~~فلان فى الحكم واشتط.. إذا ظلم وتجاوز الحق إلى الباطل. وقوله { ~~خصمان } خبر لمبتدأ محذوف أى نحن خصمان. والجملة استئناف معلل للنهى ~~فى قولهم " لا تخف " أى قالوا لداود لا تخف، نحن خصمان بغى بعضنا على ~~بعض، فاحكم بيننا بالحكم الحق، ولا تتجاوزه إلى غيره، { واهدنآ ~~إلى سوآء الصراط } أى وأرشدنا إلى الطريق الوسط، وهو طريق الحق ~~والعدل. وإضافة سواء الصراط، من إضافة الصفة إلى الموصوف. ثم أخذا فى شرح ~~قضيتهما فقال أحدهما " إن هذا أخى له تسع وتسعون نعجة ولى نعجة واحدة، ~~فقال أكفلنيها وعزنى فى الخطاب ". والمراد بالأخوة هنا الأخوة فى الدين ~~أو فى النسب، أو فيهما وفى غيرهما كالصحبة والشركة. # والنعجة الأنثى من الضأن. وتطلق على أنثى البقر. وقوله { أكفلنيها ~~} أى ملكنى إياها، وتنازل لى عنها، بحيث تكون تحت كفالتى وملكيتى كبقية ~~النعاج التى عندى، ليتم عددها مائة. وقوله { وعزني في الخطاب } ~~أى غلبنى فى المحاجة والمخاطبة لأنه أفصح وأقوى منى.. يقال فلان عز فلانا ~~فى الخطاب، إذا ms4364 غلبه. ومنه قولهم فى المثل من عز بز. أى من غلب غيره ~~سلبه حقه. أى قال أحدهما لداود - عليه السلام - إن هذا الذى يجلس معى ~~للتحاكم أمامك أخى. وهذا الأخ له تسع وتسعون نعجة، أما أنا فليس لى سوى ~~نعجة واحدة، فطمع فى نعجتى وقال لى { أكفلنيها } أى ملكنيها وتنازل ~~عنها { وعزني في الخطاب }. أى وغلبنى فى مخاطبته لى، لأنه أقوى ~~وأفصح منى. وأمام هذه القضية الواضحة المعالم، وأمام سكوت الأخ المدعى ~~عليه أمام أخيه المدعى، وعدم اعتراضه على قوله.. أمام كل ذلك. لم يلبث أن ~~قال داود فى حكمه { لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى ~~نعاجه.. } واللام فى قوله { لقد... } جواب لقسم محذوف. وإضافة " ~~سؤال " إلى { نعجتك } من إضافة المصدر إلى مفعوله، والفاعل محذوف. ~~أى بسؤاله، كما فى قوله - تعالى - # لا يسأم الإنسان من دعآء الخير # أى من دعائه. وقوله { نعاجه } متعلق بسؤال على تضمينه معنى الضم. أى قال ~~داود - عليه السلام - بعد فراغ المدعى من كلامه، وبعد إقرار المدعى عليه ~~بصدق أخيه فيما ادعاه - والله إن كان ما تقوله حقا - أيها المدعى - فإن ~~أخاك فى هذه الحالة يكون قد ظلمك بسبب طلبه منك أن تتنازل له عن نعجتك ~~لكى يضمها إلى نعاجه الكثيرة. وإنما قلنا إن داود - عليه السلام - قد قال ~~ذلك بعد إقرار المدعى عليه بصحة كلام المدعى، لأنه من المعروف أن القاضى ~~لا يحكم إلا بعد سماع حجة الخصوم أو الخصين حتى يتمكن من الحكم بالعدل. ~~ولم يصرح القرآن بأن داود - عليه السلام - قد قال حكمه بعد سماع كلام ~~المدعى عليه، لأنه مقرر ومعروف فى كل الشرائع، وحذف ما هو مقرر ومعلوم ~~جائز عند كل ذى عقل سليم. ثم أراد داود - عليه السلام - وهو الذى آتاه ~~الله الحكمة وفصل الخطاب - أراد أن يهون المسألة عن نفس المشتكى، وأن ~~يخفف من وقع ما قاله أخوه الغنى له، وما فعله معه، فقال { وإن ~~كثيرا من الخلطآء ليبغي بعضهم على بعض إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم... }. ~~أى ms4365 قال داود للمشتكى - على سبيل التسلية له - وإن كثيرا من الخلطاء، أى ~~الشركاء - جمع خليط، وهو من يخلط ماله بمال غيره. # { ليبغي بعضهم على بعض } أى ليعتدى بعضهم على بعض، ~~ويطمع بعضهم فى مال الآخر { إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } فإنهم لا يفعلون ذلك لقوة إيمانهم، ولبعدهم عن كل ما لا ~~يرضى خالقهم، فالجملة الكريمة منصوبة المحل على الاستثناء، لأن الكلام ~~قبلها تام موجب. وقوله { وقليل ما هم } بيان لقلة عدد المؤمنين ~~الصادقين الذين يعدلون فى أحكامهم. ولفظ " قليل " خبر مقدم و " ما " ~~مزيدة للإبهام وللتعجب من قلتهم. و " هم " مبتدأ مؤخر. فكأنه - سبحانه - ~~يقول ما أقل هؤلاء المؤمنين الذين يعملون الصالحات ويحرصون على إعطاء كل ~~ذى حق حقه، والجملة الكريمة اعتراض تذييلى. وبهذا نرى أن داود - عليه ~~السلام - قد قضى بين الخصمين، بما يحق الحق ويبطل الباطل. ثم بين - ~~سبحانه - ما حاك بنفس داود - عليه السلام - بعد أن دخل عليه الخصمان، ~~وبعد أن حكم بينهما بالحكم السابق فقال { وظن داوود أنما ~~فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب }. والظن ~~معناه ترجيح أحد الأمرين على الآخر. وفتناه بمعنى امتحناه واختبرناه ~~وابتليناه، مأخوذ من الفتن بمعنى الابتلاء والاختبار. أى وظن داود - عليه ~~السلام - أن دخول الخصمين عليه بهذه الطريقة، إنما هو لأجل الاعتداء ~~عليه. وأن ذلك لون من ابتلاء الله - تعالى - له، وامتحانه لقوة إيمانه، ~~ولكن لما لم يتحقق هذا الظن، وإنما الذى تحقق هو القضاء بينهما بالعدل، ~~استغفر ربه من ذلك الظن، { وخر راكعا } أى ساجدا لله - تعالى - ~~وعبر عنه بالركوع لأنه فى كل منهما انحناء وخضوع لله - عز وجل - " وأناب ~~" أى ورجع داود إلى الله - تعالى - بالتوبة وبالمداومة على العبادة ~~والطاعة. واسم الإشارة فى قوله - تعالى - { فغفرنا له ذلك.. } ~~يعود إلى الظن الذى استغفر منه ربه، وهو ظنه بأن حضور الخصمين إليه بهذه ~~الطريقة غير المألوفة، القصد منها الاعتداء عليه، فلما ظهر له أنهما حضرا ~~إليه فى خصومه بينهما ليحكم فيها، استغفر ربه من ذلك الظن السابق، فغفر ~~الله - تعالى ms4366 - له. فقوله - تعالى - { فغفرنا له ذلك } أى ~~فغفرنا له ذلك الظن الذى استغفر منه.. { وإن له عندنا ~~لزلفى } أى لقربه منا ومكانه سامية { وحسن مآب } أى وحسن ~~مرجع فى الآخرة وهو الجنة. ثم ختم - سبحانه - هذه القصة، بتلك التوجيهات ~~الحكيمة، والآداب القويمة، التى وجهها - سبحانه - إلى كل حاكم فى شخص ~~داود - عليه السلام - فقال { يداوود إنا جعلناك خليفة ~~في الأرض.. } والخليقة هو من يخلف غيره وينوب منابه، فهو فعيل بمعنى ~~فاعل. والتاء فيه للمبالغة. أى يا داود إنا جعلناك - بفضلنا ومنتنا - ~~خليفة ونائبا عنا فى الأرض، لتتولى سياسة الناس، ولترشدهم إلى الصراط ~~المستقيم. # والجملة الكريمة مقولة لقول محذوف معطوفة على ما سبقتها. أى فغفرنا له ~~ذلك وقلنا له يا داود إنا جعلناك خليفة فى الأرض. ويصح أن تكون مستأنفة ~~لبيان مظاهر الزلفى والمكانة الحسنة التى وهبها - سبحانه - لداود؟ حيث ~~جعله خليفة فى الأرض. والفاء فى قوله - تعالى - { فاحكم بين ~~الناس بالحق ولا تتبع الهوى.. } للتفريع، أو هى جواب ~~لشرط مقدر. والهوى ميل النفس إلى رغباتها بدون تحر للعدل والصواب. أى إذا ~~كان الأمر كما أخبرناك فاحكم - يا داود - بين الناس بالحكم الحق الذى ~~أرشدك الله - تعالى - إليه، وواظب على ذلك فى جميع الأزمان والأحوال ولا ~~تتبع هوى النفس وشهواتها، فإن النفس أمارة بالسوء. وقوله - سبحانه - { ~~فيضلك عن سبيل الله... } بيان للمصير السيئ الذى يؤدى إليه ~~اتباع الهوى فى الأقوال والأحكام. وقوله { فيضلك } منصوب بأن ~~المضمرة بعد فاء السببية، على أنه جواب للنهى السابق. أى ولا تتبع الهوى، ~~فإن اتباعك له، يؤدى بك إلى الضلال عن طريق الحق، وعن مخالفة شرع الله - ~~تعالى - ودينه. ثم بين - سبحانه - عاقبة الذين يضلون عن سبيله فقال { ~~إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد ~~بما نسوا يوم الحساب }. أى إن الذين يضلون عن دين الله وعن ~~طريقه وشريعته، بسبب اتباعهم للهوى، لهم عذاب شديد لا يعلم مقداره إلا ~~الله - تعالى - لأنهم تركوا الاستعداد ليوم الحساب، وما فيه من ثواب ~~وعقاب. هذا، ومن الأحكام ms4367 والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما ~~يأتى 1 - سمو منزلة داود - عليه السلام - عند ربه، فقد افتتحت هذه ~~الآيات، بأن أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتذكر ما ~~حدث لأخيه داود. ليكون هذا التذكير تسلية له عما أصابه من المشركين وعونا ~~له على الثبات والصبر. ثم وصف - سبحانه - عبده داود بأنه كان قويا فى ~~دينه، ورجاعا إلى ما يرضى ربه، وأنه - سبحانه - قد وهبه نعما عظيمة، ~~وآتاه الحكمة وفصل الخطاب. ثم ختمت هذه الآيات - أيضا - بالثناء على داود ~~- عليه السلام - حيث قال - سبحانه - { وإن له عندنا لزلفى ~~وحسن مآب }. وببيان أنه - تعالى - قد جعله خليفة فى الأرض. ومن ~~الأحاديث التى وردت فى فضله - عليه السلام - ما أخرجه البخاري فى تاريخه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذكر داود، وحدث عنه قال # " كان أعبد البشر ". # وأخرجه الديلمى عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا ينبغى لأحد أن يقول إنى أعبد من داود ". # 2 - أن قصة الخصمين اللذين تسورا على داود المحراب، قصة حقيقية، وأن ~~الخصومة كانت بين اثنين من الناس فى شأن غنم لهما، وأنهما حين دخلا عليه ~~بتلك الطريقة الغريبة التى حكاها القرآن الكريم، فزع منهما داود - عليه ~~السلام - وظن أنهما يريدان الاعتداء عليه، وأن الله - تعالى - يريد ~~امتحانه وثباته أمام أمثال هذه الأحداث. فلما تبين لداود بعد ذلك أن ~~الخصمين لا يريدان الاعتداء عليه، وإنما يريدان التحاكم إليه فى مسألة ~~معينة، استغفر ربه من ذلك الظن السابق - أى ظن الاعتداء عليه فغفر الله - ~~تعالى - له.. والذى يتدبر الآيات الكريمة يراها واضحة وضوحا جليا فى ~~تأييد هذا المعنى. قال أبو حيان ما ملخصه - بعد أن ذكر جملة من الآراء - ~~والذى أذهب إليه ما دل عليه ظاهر الآية من أن المتسورين للمحراب كانوا من ~~الإنس، دخلوا عليه من غير المدخل، وفى غير وقت جلوسه للحكم وأنه فزع ~~منهم ظانا أنهم يغتالونه، إذ كان منفردا فى محرابه لعبادة ربه، ms4368 فلما اتضح ~~له أنهم جاءوا فى حكومته، وبرز منهم اثنان للتحاكم... وأن ما ظنه غير ~~واقع، استغفر من ذلك الظن، حيث اختلف ولم يقع مظنونة، وخر ساجدا منيبا ~~إلى الله - تعالى - فغفر الله له ذلك الظن، ولذلك أشار بقوله { ~~فغفرنا له ذلك } ولم يتقدم سوى قوله - تعالى - { وظن ~~داوود أنما فتناه } ويعلم قطعا أن الأنبياء معصومون من ~~الخطايا، ولا يمكن وقوعهم فى شئ منها، ضرورة أننا لو جوزنا عليهم شيئا من ~~ذلك لبطلت الشرائع، ولم نثق بشئ مما يذكرون أنه أوحى الله به إليهم، فما ~~حكى الله - تعالى - فى كتابه. يمر على ما أراده - تعالى -، وما حكى ~~القصاص مما فيه غض من منصب النبوة، طرحناه. 2 - ومع أن ما ذكرناه سابقا، ~~وما نقلناه عن الإمام أبى حيان، هو المعنى الظاهر من الآيات، وهو الذى ~~تطمئن إليه النفس، لأنه يتناسب مع مكانة داود - عليه السلام -، ومع ثناء ~~الله - تعالى - عليه وتكريمه له. أقول مع كل ذلك، إلا أننا وجدنا كثيرا ~~من المفسرين عند حديثهم عن قصة الخصوم الذين تسوروا على داود المحراب، ~~يذكرون قصصا فى نهاية النكارة، وأقوالا فى غاية البطلان والفساد. فمثلا ~~نرى ابن جرير وغيره يذكرون قصة مكذوبة ملخصها " أن داود - عليه السلام - ~~كان يصلى فى محرابه... ثم تطلع من نافذة المكان الذى كان يصلى فيه، فرأى ~~امرأة جميلة فأرسل إليها فجاءته، فسألها عن زوجها فأخبرته بأن زوجها، ~~اسمه " أوريا " وأنه خرج مع الجيش الذى يحارب الأعداء. # . فأمر داود - عليه السلام - قائد الجيش أن يجعله فى المقدمة لكى يكون ~~عرضة للقتل.. وبعد قتله تزوج داود بتلك المرأة.. ونرى صاحب الكشاف بعد أن ~~يذكر هذه القصة، ثم يعلق عليها بقوله " فهذا ونحوه مما يقبح أن يحدث ~~به عن بعض المتسمين بالصلاح من أبناء المسلمين، فضلا عن بعض أعلام ~~الأنبياء.. " نراه يذكر معها قصصا أخرى ملخصها أن داود - عليه السلام - ~~لم يعمل على قتل " أوريا " وإنما سأله أن يتنازل له عن امرأته، فانصاع ~~لأمره وتنازل له عنها.. أو أنه خطبها بعد ms4369 أن خطبها " أوريا " فآثر أهلها ~~داود على " أوريا ". قال صاحب الكشاف كان أهل زمان داود - عليه السلام - ~~يسأل بعضهم بعضا أن ينزل له عن امرأته، فيتزوجها إذا أعجبته، وكان لهم ~~عادة فى المواساة بذلك قد اعتادوها.. فاتفق أن عين داود وقعت على امرأة ~~رجل يقال له " أوريا " فأحبها، فسأله النزول عنها، فاستحيا أن يرده، ~~ففعل، فتزوجها، وهى أم سليمان - عليه السلام - وقيل خطبها " أوريا " ثم ~~خطبها داود فآثر أهلها داود على أوريا.. والذى نراه أن هذه الأقوال وما ~~يشبهها عارية عن الصحة، وينكرها النقل والعقل، ولا يليق بمؤمن أن يقبل ~~شيئا منها.. ينكرها النقل لأنها لم تثبت من طريق يعتد به، بل الثابت أنها ~~مكذوبة. قال ابن كثير قد ذكر المفسرون ها هنا قصة، أكثرها مأخوذ من ~~الإسرائيليات، ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه، ولكن روى ابن ~~أبى حاتم حديثا لا يصح سنده، لأنه من رواية يزيد الرقاشى، عن أنس - ويزيد ~~وإن كان من الصالحين - لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة.. وقال السيوطى القصة ~~التى يحكونها فى شأن المرأة وأنها أعجبته، وأنه أرسل زوجها مع البعث حتى ~~قتل، أخرجها ابن أبى حاتم من حديث أنس مرفوعا، وفى إسناده ابن لهيعة، ~~وحاله معروف - عن ابن صخر، عن زيد الرقاشى، وهو ضعيف.. وقال البقاعى وتلك ~~القصة وأمثالها من كذب اليهود - وقد أخبرنى بعض من أسلم منهم أنهم ~~يتعمدون ذلك فى حق داود - عليه السلام - لأن عيسى - عليه السلام - من ~~ذريته، ليجدوا سبيلا إلى الطعن فيه. إذا فهذه القصص وتلك الأقوال غير ~~صحيحة من ناحية النقل، لأن رواتها معروفون بالضعف. وبالنقل عن ~~الإسرائيليات. ويروى أن الإمام عليا - رضى الله عنه - قال " من حدث ~~بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين جلدة، وهو حد الفرية ~~على الأنبياء ". وهى غير صحيحة من ناحية العقل، لأنه ليس من المعقول أن ~~يمدح الله - تعالى - نبيه داود هذا المدح فى أول الآيات وفى آخرها كما ~~سبق أن أشرنا، ثم نرى بعد ذلك من يتهمه بأنه ms4370 أعجب بامرأة، ثم تزوجها بعد ~~أن احتال لقتل زوجها، بغير حق. # أو طلب منه التنازل له عنها، أو خطبها على خطبته. إن هذه الأفعال يتنزه ~~عنها كثير من الناس الذين ليسوا بأنبياء، فكيف يفعلها واحد من أعلام ~~الأنبياء. هو داود - عليه السلام - الذى مدحه الله - تعالى - بالقوة فى ~~دينه. وبكثرة الرجوع إلى ما يرضى الله - تعالى -، وبأنه - سبحانه - آتاه ~~الحكمة وفصل الخطاب. وبأن له عند ربه { لزلفى وحسن مآب }. ~~والخلاصة أن كل ما قيل عند تفسير هذه الآيات، مما يتصل بزواج داود بتلك ~~المرأة أو بزوجها لا أساس له من الصحة. لأنه لم يقم عليه دليل أو ما يشبه ~~الدليل. بل قام الدليل على عدم صحته إطلاقا. لأنه يتنافى مع عصمة ~~الأنبياء. الذين صانهم الله - تعالى - من ارتكاب ما يخدش الشرف والمروءة ~~قبل النبوة وبعدها. قال الإمام ابن حزم ما ملخصه " ما حكاه الله - تعالى ~~- عن داود قول صادق صحيح. لا يدل على شئ مما قاله المستهزئون الكاذبون ~~المتعلقون بخرافات ولدها اليهود. وإنما كان ذلك الخصم قوما من بنى آدم ~~بلا شك. مختصيمن فى نعاج من الغنم. ومن قال إنهم كانوا ملائكة معرضين ~~بأمر النساء. فقد كذب الله - تعالى - ما لم يقل، وزاد فى القرآن ما ليس ~~فيه.. لأن الله - تعالى - يقول { وهل أتاك نبأ الخصم } فقال ~~هو لم يكونوا خصمين. ولا بغى بعهضم على بعض. ولا كان لأحدهما تسع وتسعون ~~نعجة. ولا كان للآخر نعجة واحدة ولا قال له { أكفلنيها.. }. 4 - ~~هذا وهناك أقوال أخرى ذكرها المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات. منها أن ~~استغفار داود - عليه السلام - إنما كان سببه أنه قضى لأحد الخصمين قبل أن ~~يسمع حجة الآخر. قال الإمام الرازى ما ملخصه لم لا يجوز أن يقال إن تلك ~~الزالة التى جعلت داود يستغفر ربه - إنما حصلت لأنه قضى لأحد الخصمين، ~~قبل أن يسمع كلام الخصم الآخر، فإنه لما قال له { لقد ظلمك ~~بسؤال نعجتك إلى نعاجه.. } فحكم عليه بكونه ظالما بمجرد ~~دعوى الخصم بغير بينة لكون ms4371 هذا الخصم مخالفا للصواب، فعند هذا اشتغل داود ~~بالاستغفار والتوبة، إلا أن هذا من باب ترك الأولى والأفضل. والذى نراه ~~أن هذا القول بعيد عن الصواب، ولا يتناسب مع منزلة داود - عليه السلام - ~~الذى آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب، وذلك لأن من أصول القضاء وأولياته، ~~أن لا يحكم القاضى بين الخصمين أو الخصوم إلا بعد سماع حججهم جميعا، فكيف ~~يقال بعد ذلك أن داود قضى لأحد الخصمين قبل أن يستمع إلى كلام آخر. # قال صاحب الكشاف فإن قلت كيف سارع داود إلى تصديق أحد الخصمين، حتى ظلم ~~الآخر قبل استماع كلامه؟. قلت ما قال داود ذلك إلا بعد اعتراف صاحبه، ~~ولكنه لم يحك فى القرآن لأنه معلوم، ويروى أنه قال أريد أخذها منه وأكمل ~~نعاجى مائة فقال داود إن رمت ذلك ضربنا منك هذا وهذا. وأشار إلى طرف ~~الأنف والجبهة.. ومنهم من يرى، أن استغفار داود - عليه السلام - كان سببه ~~أن قوما من الأعداء أرادوا قتله، فتسوروا عليه المحراب، فلما دخلوا عليه ~~لقصد قتله وجدوا عنده أقواما. فلم يستطيعوا تنفيذ ما قصدوه، وتصنعوا هذه ~~الخصومة فعلم داود قصدهم، وعزم على الانتقام منهم، ثم عفا عنهم، واستغفر ~~ربه مما كان قد عزم عليه، لأنه كان يرى أن الأليق به العفو لا الانتقام. ~~وهذا القول - وإن كان لا بأس به من حيث المعنى - إلا ان الرأى الذى سقناه ~~سابقا، والذى ذهب إليه الإمام أبو حيان، أرجح وأقرب إلى ما هو ظاهر من ~~معنى الآيات. وملخصه أن الخصومة حقيقية بين اثنين من البشر، واستغفار ~~داود - عليه السلام - سببه أنه ظن أنهم جاءوا لاغتياله ولإيذائه، وأن ~~هذا ابتلاء من الله - تعالى - ابتلاه به، ثم تبين له بعد ذلك أنهم ما ~~جاءوا للاعتداء عليه وإنما جاءوا ليقضى بينهم فى خصومة، فاستغفر ربه من ~~ذلك الظن. فغفر الله - تعالى - له. ولعلنا بهذا البيان نكون قد وفقنا ~~للصواب، فى تفسير هذه الآيات الكريمة، التى ذكر بعض المفسرين عند تفسيرها ~~أقوالا وقصصا لا يؤيدها عقل أو نقل، ولا ms4372 يليق بمسلم أن يصدقها، لأنها ~~تتنافى مع عصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - الذين اختارهم الله - ~~تعالى - لتبليغ دعوته، وحمل رسالته. وإرشاد الناس إلى إخلاص العبادة له - ~~سبحانه - وإلى مكارم الأخلاق، وحميد الخصال. ثم بين - سبحانه - أنه لم ~~يخلق السموات والأرض عبثا، وأن حكمته اقتضت عدم المساواة بين الأخيار ~~والأشرار، وأن هذا القرآن قد أنزله - سبحانه - لتدبير آياته، والعمل ~~بتوجيهاته فقال - تعالى - { وما خلقنا السمآء... }. ### || [38.27-29] # والمراد بالباطل فى قوله - تعالى - { وما خلقنا السمآء ~~والأرض وما بينهما باطلا... } العبث واللهو واللعب وما ~~يخالف الحق، والجملة الكريمة مستأنفة لتقرير أن يوم القيامة حق، وأن كفر ~~الكافرين به ضلال وجهل. وقوله { باطلا } صفة لمصدر محذوف، أو مفعول ~~لأجله. أى وما خلقنا - بقدرتنا التى لا يعجزها شئ - السموات والأرض وما ~~بينهما من مخلوقات لا يعلمها إلا الله - تعالى -.. ما خلقنا ذلك خلقا ~~باطلا لا حكمة فيه، أو خلقناه من أجل متابعة الهوى وترك العدل والصواب. ~~وإنما خلقنا هذا الكون خلقا مشتملا على الحكم الباهرة، وعلى المصالح ~~الجمة والأسرار البليغة، والمنافع التى لا يحصيها العد، والهيئات ~~والكيفيات التى تهدى من يتفكر فيها إلى اتباع الحق والرشاد. واسم ~~الإشارة فى قوله - سبحانه - { ذلك ظن الذين كفروا... } ~~يعود إلى ما نفاه - سبحانه - من خلقه للسموات والأرض وما بينهما على سبيل ~~اللهو والعبث. أى نحن ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا خلقا ~~مشتملا على الحكم الباهرة.. ولكن الذين كفرواهم الذين يظنون ويعتقدون ~~أننا خلقنا هذه الكائنات من أجل الباطل واللهو واللعب.. وسبب هذا الظن ~~والاعتقاد الفاسد منهم، كفرهم بالحق، وجحودهم ليوم القيامة وما فيه من ~~حساب وثواب وعقاب، وإعراضهم عما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم من ~~هدايات وإرشادات. وقوله - تعالى - { فويل للذين كفروا من ~~النار } بيان للعاقبة السيئة التى حلت بهم بسبب هذا الظن الفاسد.. ~~فالفاء للتفريع على ظنهم الباطل والويل الهلاك والدمار. و { من } ~~ابتدائية أو بيانية أو تعليلية. أى القول بأن خلق هذا الكون خال من ~~الحكمة، هو ظن واعتقاد الذين كفروا وحدهم، ms4373 وما دام هذا مظنونهم ومعتقدهم ~~فهلاك لهم كائن من النار التى نسلطها عليهم فتحرق أجسادهم، وتجعلهم ~~يذوقون العذاب المهين. وقال - سبحانه - { فويل للذين ~~كفروا... } بالإظهار فى مقام الإضمار، للإشعار بعلية صلة الموصول ~~للحكم أى أن هذا الويل والهلاك كائن لهم بسبب كفرهم. وقال - سبحانه - { ~~فويل للذين كفروا } ولم يقل للذين ظنوا للإشارة إلى أن ~~ظنهم القبيح هذا، ما هو إلا نتيجة كفرهم وجحودهم للحق. ثم بين - سبحانه - ~~أن حكمته قد اقتضت استحالة المساواة بين الأخيار والفجار، فقال - تعالى - ~~{ أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين ~~كالفجار }. و " أم " فى الآية الكريمة منقطعة بمعنى بل الإضرابية، ~~والهمزة للاستفهام الإنكارى. والإضراب هنا انتقالى من تقرير أن هذا ~~الكون لم يخلقه الله - تعالى - عبثا إلى تقرير استحالة المساواة بين ~~المؤمنين والكافرين. # والمعنى وكما أننا لم نخلق هذا الكون عبثا، كذلك اقتضت حكمتنا ~~وعدالتنا.. استحالة المساواة - أيضا - بين المتقين والفجار. وذلك لأن ~~المؤمنين المتقين، قد قدموا لنا فى دنياهم ما يرضينا، فكافأناهم على ذلك ~~بما يرضيهم، ويسعدهم ويشرح صدورهم، ويجعلهم يوم القيامة خالدين فى جنات ~~النعيم. أما المفسدون الفجار، فقد قدموا فى دنياهم ما يغضبنا ويسخطنا ~~عليهم، فجازيناهم على ذلك بما يستحقون من عذاب السعير. وربك - أيها ~~العاقل - " لا يضيع أجر من أحسن عملا " " ولا يظلم الناس شيئا ولكن الناس ~~أنفسهم يظلمون ". فالمقصود بالآية الكريمة إعلان استحالة التسوية فى ~~الآخرة بين المؤمنين والكافرين، لأن التسوية بينهما ظلم، وهو محال عليه - ~~تعالى -، وما كان البعث والجزاء والثواب والعقاب يوم القيامة إلا ليجزى - ~~سبحانه - الذين أساءوا بما عملوا، ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى،. ومن ~~الآيات التى تشبه فى معناها هذه الآية قوله - تعالى - # أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم ~~كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سوآء محياهم ~~ومماتهم سآء ما يحكمون # ثم مدح - سبحانه - القرآن الكريم الذى أنزله على رسوله صلى الله عليه ~~وسلم وبين حكمة إنزاله، فقال { كتاب أنزلناه إليك مبارك ~~ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب }. ~~وقوله { كتاب } خبر لمبتدأ محذوف. والمقصود ms4374 به القرآن الكريم. أى هذا ~~كتاب { أنزلناه إليك } بقدرتنا ورحمتنا - أيها الرسول الكريم، ~~ومن صفاته أنه { مبارك } أى كثير الخيرات والبركات.. وجعلناه كذلك { ~~ليدبروا آياته } أى ليتفكروا فيما اشتملت عليه آياته من ~~أحكام حكيمة، وآداب قويمة، وتوجيهات جامعة لما يسعدهم فى دنياهم ~~وآخرتهم... { وليتذكر أولوا الألباب } أى وليتعظ أصحاب ~~العقول السليمة بما جاء فيه من قصص وعبر عن السابقين، كما قال - سبحانه - # لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان ~~حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه ~~وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون # ثم ذكر - سبحانه - جانبا من قصة سليمان - عليه السلام - فمدحه لكثرة ~~رجوعه إلى الله، وذكر بعض النعم التى منحها إياه، كما ذكر اختباره له. ~~وكيف أن سليمان - عليه السلام - طلب من ربه المغفرة والملك، فأعطاه - ~~سبحانه - ما طلبه. قال - تعالى - { ووهبنا لداوود سليمان ~~نعم العبد... }. ### || [38.30-40] # فى هذه الآيات الكريمة مسألتان ذكر بعض المفسرين فيهما كلاما غير مقبول. ~~أما المسألة الأولى فهى مسألة عرض الخيل على سيدنا سليمان والمقصود به. ~~وأما المسألة الثانية فهى مسألة المقصود بقوله - تعالى - { ولقد ~~فتنا سليمان... }. وسنسير فى تفسير هذه الآيات على الرأى الذى ~~تطمئن إلى صحته نفوسنا، ثم نذكر بعده بعض الأقوال التى قيلت فى هذا ~~الشأن، ونرد على ما يستحق الرد منه، فنقول - وبالله - التوفيق - المخصوص ~~بالمدح فى قوله - تعالى - { نعم العبد } محذوف، والمقصود به ~~سليمان - عليه السلام -. أى ووهبنا - بفضلنا وإحساننا - لعبدنا داود ابنه ~~سليمان - عليهما السلام - ونعم العبد سليمان فى دينه وفى خلقه وفى شكره ~~لخالقه - تعالى -. وجملة { إنه أواب } تعليل لهذا المدح من الله ~~- تعالى - لسليمان - عليه السلام - أى إنه رجاع إلى ما يرضى الله - تعالى ~~- مأخوذ من آب الرجل إلى داره، إذا رجع إليها. و " إذ " فى قوله { إذ ~~عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد } منصوب بفعل ~~تقديره اذكر، و " عليه " متعلق بعرض و " العشى " يطلق على الزمان ~~الكائن من زوال الشمس إلى آخر النهار. وقيل إلى مطلع الفجر. والصافنات ~~جمع صافن، والصافن من الخيل ms4375 الذى يقف على ثلاثة أرجل ويرفع الرابعة فيقف ~~على مقدم حافرها. والجياد جمع جواد، وهو الفرس السريع العدو، الجيد ~~الركض، سواء أكان ذاكرا أم أنثى، يقال جاد الفرس يجود جودة فهو جواد، ~~إذا كان سريع الجرى، فاره المظهر.. أى اذكر - أيها العاقل - ما كان من ~~سليمان - عليه السلام - وقت أن عرض عليه بالعشى الخيول الجميلة الشكل. ~~السريعة العدو. قال صاحب الكشاف فإن قلت. ما معنى وصفها بالصفون؟ قلت ~~الصفون لا يكاد يوجد فى الهجن، وإنما هو فى - الخيل - العراب الخلص وقيل ~~وصفها بالصفون والجودة، ليجمع لها بين الوصفين المحمودين واقفة وجارية، ~~يعنى إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة فى مواقفها، وإذا جرت كانت سراعا خفافا ~~فى جريها.. ثم حكى - سبحانه - ما قاله سليمان - عليه السلام - خلال ~~استعراضه للخيول الصافنات الجياد على سبيل الشكر لربه، فقال - تعالى - { ~~فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى ~~توارت بالحجاب }. والخير يطلق كثيرا على المال الوفير، كما فى ~~قوله - تعالى - # وإنه لحب الخير لشديد # والمراد به هنا الخيل الصافنة الجيدة، والعرب تسمى الخيل خيرا، لتعلق ~~الخير بها، روى البخارى عن أنس - رضى الله عنه - أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال # " الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة ". # و { عن } هنا تعليلية. والمراد ب { ذكر ربي } طاعته وعبادته ~~والضمير فى قوله { حتى توارت } يعود إلى الخيل الصافنات الجياد، ~~والمراد بالحجاب ظلام الليل الذى يحجب الرؤية. والمعنى فقال سليمان وهو ~~يستعرض الخيل أو بعد استعراضه لها إنى أحببت استعراض الصافنات الجياد، ~~وأحببت تدريبها وإعدادها للجهاد، من أجل ذكر ربى وطاعته وإعلاء كلمته، ~~ونصرة دينه، وقد بقيت حريصا على استعراضها وإعدادها للقتال فى سبيل الله، ~~حتى توارت واختفت عن نظرى بسبب حلول الظلام الذى يحجب الرؤية { ردوها ~~علي } أى قال سليمان لجنده ردوا الصافنات الجياد على مرة أخرى، ~~لأزداد معرفة بها، وفهما لأحوالها.. والفاء فى قوله - تعالى - { فطفق ~~مسحا بالسوق والأعناق } فصيحة تدل على كلام محذوف يفهم من ~~السياق. و " طفق " فعل من أفعال الشروع ms4376 يرفع الاسم وينصب الخبر، واسمه ~~ضمير يعود على سليمان، و " مسحا " مفعول مطلق لفعل محذوف. والسوق ~~والأعناق جمع ساق وعنق. أى قال سليمان لجنده ردوا الصافنات الجياد على، ~~فردوها عليه، فأخذ فى مسح سيقانها وأعناقها إعجابا بها، وسرورا بما هى ~~عليه من قوة هو فى حاجة إليها للجهاد فى سبيل الله - تعالى -. هذا هو ~~التفسير الذى تطمئن إليه نفوسنا لهذه الآيات، لخلوه من كل ما يتنافى مع ~~سمو منزلة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -. ولكن كثيرا من المفسرين ~~نهجوا نهجا آخر، معتمدين على قصة ملخصها أن سليمان - عليه السلام - جلس ~~يوما يستعرض خيلا له، حتى غابت الشمس دون أن يصلى العصر، فحزن لذلك وأمر ~~بإحضار الخيل التى شغله استعراضها عن الصلاة، فأخذ فى ضرب سوقها وأعناقها ~~بالسيف، قربة لله - تعالى -. فهم يرون أن الضمير فى قوله - تعالى - { ~~حتى توارت بالحجاب } يعود إلى الشمس. أى حتى استترت الشمس ~~بما يحجبها عن الأبصار. وأن المراد بقوله - تعالى - { فطفق مسحا ~~بالسوق والأعناق } الشروع فى ضرب سوق الخيل وأعناقها بالسيقف ~~لأنها شغلته عن صلاة العصر. قال الجمل { فطفق مسحا بالسوق ~~والأعناق } أى جعل يضرب سوقها وأعناقها بالسيف. هذا قول ابن عباس ~~وأكثر المفسرين. ولم يرتض الإمام الرازى - رحمه الله - هذا التفسير الذى ~~عليه أكثر المفسرين، وإنما ارتضى أن الضمير فى { توارت } يعود إلى ~~الصافنات الجياد وأن المقصود بقوله - تعالى - { فطفق مسحا ~~بالسوق والأعناق } الإعجاب بها والمسح عليها بيده حبا لها.. ~~فقد قال ما ملخصه إن رباط الخيل كان مندوبا إليه فى دينهم، كما أنه كذلك ~~فى دين الإسلام، ثم إن سليمان - عليه السلام - احتاج إلى الغزو. فجلس ~~وأمر بإحضار الخيل وأمر بإجرائها. # وذكر أنى لا أحبها لأجل الدنيا وإنما أحبها لأمر الله، وطلب تقوية دينه. ~~وهو المراد من قوله { عن ذكر ربي } ثم إنه - عليه السلام - أمر ~~بإعدائها وتسييرها حتى توارت بالحجاب أى غابت عن بصره. ثم أمر الرائضين ~~بأن يردوا تلك الخيل إليه، فلما عادت طفق يمسح سوقها وأعناقها. والغرض من ~~ذلك التشريف لها ms4377 لكونها من أعظم الأعوان فى دفع العدو... وإظهار أنه خبير ~~بأحوال الخيل وأمراضها وعيوبها فكان يمتحنها ويمسح سوقها وأعناقها، حتى ~~يعلم هل فيها ما يدل على المرض.. وقال بعض العلماء نقلا عن ابن حزم تأويل ~~الآية على أنه قتل الخيل إذ اشتغل بها عن الصلاة، خرافة موضوعة.. قد جمعت ~~أفانين من القول لأن فيها معاقبة خيل لا ذنب لها والتمثيل بها. وإتلاف ~~مال منتفع به بلا معنى. ونسبة تضييع الصلاة إلى نبى مرسل. ثم يعاقب الخيل ~~على ذنبه لا على ذنبها.. وإنما معنى الآية أنه أخبر أنه أحب حب الخير، من ~~أجل ذكر ربه حتى توارت الشمس أو تلك الصافنات بحجابها. ثم أمر بردها. ~~فطفق مسحا بسوقها وأعناقها بيده، برا بها، وإكراما لها، هذا هو ظاهر ~~الآية الذى لا يحتمل غيره، وليس فيها إشارة أصلا إلى ما ذكروه من قتل ~~الخيل، وتعطيل الصلاة.. والحق أن ما ذهب إليه كثير من المفسرين من أن ~~سليمان - عليه السلام - شغل باستعراض الخيل عن صلاة العصر، وأنه أمر بضرب ~~سوقها وأعناقها.. لا دليل عليه لا من النقل الصحيح ولا من العقل السليم.. ~~وأن التفسير المقبول للآية هو ما ذكره الإمام الرازى والإمام ابن حزم، ~~وما سبق أن ذكرناه من أن المقصود بقوله - تعالى - { فطفق مسحا ~~بالسوق والأعناق } إنما هو تكريمها.. وأن الضمير فى قوله { ~~حتى توارت } يعود إلى الصافنات لأنه أقرب مذكور. ثم تحدثت الآيات ~~الكريمة بعد ذلك عن فتنة سليمان - عليه السلام - فقال - تعالى - { ~~ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ~~ثم أناب.. } وقوله { فتنا } من الفتن بمعنى الابتلاء ~~والاختبار والامتحان. تقول فتنت الذهب بالنار، أى اختبرته لتعلم جودته.. ~~قال الآلوسى وأظهر ما قيل فى فتنة سليمان - عليه السلام - أنه قال لأطوفن ~~الليلة على سبعين امرأة. تأتى كل واحدة بفارس يجاهد فى سبيل الله - تعالى ~~- ولم يقل إن شاء الله. فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة وجاءت بشق رجل. ~~وقد روى ذلك الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة مرفوعا، وفيه # " فوالذي نفس محمد بيده ms4378 لو قال إن شاء الله لجاهدوا فرسانا ". # ولكن الذى فى صحيح البخارى أربعين بدل سبعين. وأن الملك قال له قل إن ~~شاء الله، فلم يقل - أى فلم يقل ذلك على سبيل النسيان. # . والمراد بالجسد ذلك الشق الذى ولدته له. ومعنى إلقائه على كرسيه وضع ~~القابلة له عليه ليراه. وقد ذكروا أن سليمان إنما قال " تحمل كل امرأة ~~فارسا يجاهد فى سبيل الله " على سبيل التمنى للخير، وطلب الذرية الصالحة ~~المجاهدة فى سبيل الله. ومعنى " فلم يقل " أى بلسانه على سبيل النسيان، ~~والنسيان معفو عنه، إلا أن سليمان - عليه السلام - لسمو منزلته اعتبر لك ~~ذنبا يستحق الاستغفار منه، فقال بعد ذلك " رب اغفر لى... " وقوله " ~~لأطوفن الليلة... " كناية عن الجماع، قالوا ولعل المقصود. طوافه عليهن ~~ابتداء من تلك الليلة، ولا مانع من أن يستغرق طوافه بهن عدة ليال. وقد ~~استنبط العلماء من هذا الحديث أن فتنة سليمان، هى تركه تعليق ما طلبه على ~~مشيئة الله، وأن عقابه على ذلك كان عدم تحقق ما طلبه. وهذا الرأى فى ~~تقديرنا هو الرأى الصواب فى تفسير الآية الكريمة لأنه مستند إلى حديث ~~صحيح ثابت فى الصحيحين وفى غيرهما، ولأنه يتناسب مع عصمة الأنبياء وسمو ~~منزلتهم، فإن النسيان الذى لا يترتب عليه ترك شئ من التكاليف التى كلفهم ~~الله - تعالى - بها جائز عليهم. وقد ذكرنا عند تفسيرنا لقوله - تعالى - # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا. إلا أن ~~يشآء الله # أن الوحى مكث فترة لم ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه نسى ~~أن يقول - عندما سأله المشركون عن بعض الأشياء إن شاء الله، وقال سأجيبكم ~~على ما سألتمونى عنه غدا. ومن العلماء من آثر عدم تعيين الفتنة التى ~~اختبر الله - تعالى - بها سيدنا سليمان - عليه السلام -، بتركه المشيئة، ~~فقال بعد أن ذكر الحديث السابق وجائز أن تكون هذه الفتنة التى تشير إليها ~~الآيات هنا وأن يكون الجسد هو هذا الوليد الشق، ولكن هذا مجرد احتمال. ثم ~~قال وكل ما نخرج به هو ms4379 أنه كان هناك ابتلاء من الله وفتنة لنبى الله ~~سليمان - عليه السلام - فى شأن يتعلق بتصرفاته فى الملك والسلطان، كما ~~يبتلى الله أنبياءه ليوجههم ويرشدهم، ويبعد خطاهم عن الزلل، وأن سليمان ~~أناب إلى ربه ورجع. وطلب المغفرة، واتجه إلى الله بالرجاء والدعاء.. ونرى ~~أنه رأى لا بأس به، وإن كنا نؤثر عليه الرأى السابق لاستناده فى استنباط ~~المراد من الفتنة هنا إلى الحديث الصحيح. هذا. وهناك أقوال أخرى ذكروها ~~فى المقصود بفتنة سليمان وبالجسد الذى ألقاه الله على كرسى سليمان، وهى ~~أقوال ساقطة، تتنافى مع عصمة الأنبياء - عليهم السلام -. ومن هذه الأقوال ~~قول بعضهم إن الجسد الذى ألقى على كرسى سليمان، عبارة عن شيطان تمثل له ~~فى صورة إنسان، ثم أخذ من سليمان خاتمه الذى كان يصرف به ملكه. # وقعد ذلك الشيطان على كرسى سليمان، ولم يعد لسليمان ملكه إلا بعد أن عثر ~~على خاتمه. وقول بعضهم إن سبب فتنة سليمان - عليه السلام - هو سجود إحدى ~~زوجاته لتمثال أبيها الذى قتله سليمان فى إحدى الحروب، وقد بقيت على هذه ~~الحال هى وجواريها أربعين ليلة، دون أن تعلم سليمان بذلك. وقول بعضهم إن ~~سبب فتنة سليمان أنه ولد له ولد فخاف عليه من الشياطين، فأمر السحاب ~~بحفظه وتغذيته. ولكن هذا الولد وقع ميتا على كرسى سليمان، فاستغفر سليمان ~~ربه لأنه لم يعتمد عليه فى حفظ ابنه. إلى غير ذلك من الأقوال الساقطة ~~الباطلة، التى تتنافى مع عصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وتتنافى ~~- أيضا - مع كل عقل سليم، ولا مستند لها إلا النقل عن الإسرائيليات وعن ~~القصاص الذين يأتون بقصص ما أنزل الله بها من سلطان. قال أبو حيان - رحمه ~~الله - نقل المفسرون فى هذه الفتنة وفى إلقاء الجسد أقوالا يجب براءة ~~الأنبياء منها، يوقف عليها فى كتبهم، وهى مما لا يحل نقلها، وهى إم من ~~أوضاع اليهود، أو الزنادقة، ولم يبين الله - تعالى - الفتنة ما هى، ولا ~~الجسد الذى ألقاه على كرسى سليمان. وأقرب ما قيل فيه، أن المراد بالفتنة ~~كونه ms4380 لم يستثن فى الحديث الذى قال فيه لأطوفن الليلة على سبعين امرأة.. ~~والجسد الملقى هو المولود شق رجل.. وقوله - سبحانه - { قال رب ~~اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي... ~~} بيان لما قاله سليمان - عليه السلام - بعد الابتلاء والاختبار من الله ~~- تعالى - له. أى قال سليمان - عليه السلام - يا رب اغفر لى ما فرط منى ~~من ذنوب وزلات.. { وهب لي ملكا } عظيما { لا ينبغي لأحد ~~من بعدي } أى لا يحصل مثله لأحد من الناس من بعدى { إنك أنت ~~} يا إلهى { الوهاب } أى الكثير العطاء لمن تريد عطاءه. وقدم سليمان ~~- عليه السلام - طلب المغفرة على طلب الملك، للإشارة إلى أنها هى الأهم ~~عنده. قال الإمام الرازى - رحمه الله - دلت هذه الآية على أنه يجب تقديم ~~مهم الدين على مهم الدنيا، لأن سليمان طلب المغفرة أولا، ثم بعدها طلب ~~المملكة، وأيضا الآية تدل على أن طلب المغفرة من الله - تعالى - سبب ~~لانفتاح أبواب الخيرات فى الدنيا، لأن سليمان طلب المغفرة أولا، ثم توسل ~~به إلى طلب المملكة. ولا يقال كيف طلب سليمان - عليه السلام - الدنيا ~~والملك مع حقارتهما إلى جانب الآخرة وما فيها من نعيم دائم لأن سليمان - ~~عليه السلام - ما طلب ذلك إلا من أجل خدمة دينه وإعلاء كلمة الله فى ~~الأرض، والتمكن من أداء الحقوق لأصحابها، ونشر العدالة بين الناس، وإنصاف ~~المظلوم، وإعانة المحتاج. # وتنفيذ شرع الله - تعالى - على الوجه الأكمل. فهو - عليه السلام - لم ~~يطلب الملك للظلم أو البغى.. وإنما طلبه للتقوى به على تنفيذ شريعة الله ~~- تعالى - فى الأرض. ولقد وضح الإمام القرطبى هذا المعنى فقال كيف أقدم ~~سليمان على طلب الدنيا، مع ذمها من الله - تعالى -...؟ فالجواب أن ذلك ~~محمول عند العلماء على أداء حقوق الله - تعالى - وسياسة ملكه، وترتيب ~~منازل خلقه، وإقامة حدوده، والمحافظة على رسومه وتعظيم شعائره، وظهور ~~عبادته، ولزوم طاعته... وحوشى سليمان - عليه السلام - أن يكون سؤاله طلبا ~~لنفس الدنيا. لأنه هو والأنبياء، أزهد خلق الله فيها، وإنما سأل مملكتها ~~لله. كما ms4381 سأل نوح دمارها وهلاكها لله، فكانا محمودين مجابين إلى ذلك. ~~ومعنى قوله { لا ينبغي لأحد من بعدي } أى أن يسأله. فكأنه ~~سأل منه السؤال بعده، حتى لا يتعلق به أمل أحد، ولم يسأل منع الإجابة.. ~~والفاء فى قوله - تعالى - { فسخرنا له الريح تجري ~~بأمره رخآء حيث أصاب } للتفريع على ما تقدم من طلب سليمان ~~من ربه أو يهبه ملكا لا ينبغى لأحد من بعده. والتسخير التذليل والانقياد. ~~أى دعانا - سليمان - عليه السلام والتمس منا أن نعطيه ملكا لا ينبغى لأحد ~~من بعده، فاستجبنا له دعاءه، وذللنا له الريح، وجعلناها منقادة لأمره ~~بحيث تجرى بإذنه رخية لينة، إلى حيث يريدها أن تجرى. وقوله { تجري } ~~حال من الريح. وقوله { بأمره } من إضافة المصدر لفاعله. أى بأمره ~~إياها. ولا تنافى بين هذه الآية وبين قوله - تعالى - فى آية أخرى # ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض ~~التي باركنا فيها... # لأن المقصود من الآيتين بيان أن الريح تجرى بأمر سليمان، فهى تارة تون ~~لينة وتارة تكون عاصفة، وفى كلتا الحالتين هى تسير بأمره ورغبته. وقوله { ~~والشياطين كل بنآء وغواص } معطوف على الريح أى سخرنا ~~له الريح تجرى بأمره.. وسخرنا له الشياطين. بأن جعلناهم منقادين لطاعته، ~~فمنهم من يقوم ببناء المبانى العظيمة التى يطلبها سليمان منهم. ومنهم ~~الغواصون الذين يغوصون فى البحار ليستخرجوا له منها اللؤلؤ والمرجان، ~~وغير ذلك من الكنوز التى اشتملت عليها البحار. وقوله - سبحانه - { ~~وآخرين مقرنين في الأصفاد } معطوف على كل بناء، داخل معه ~~فى حكم البدل من الشياطين. أى أن الشياطين المسخرين لسليمان كان منهم ~~البناءون، وكان منهم الغواصون، وكان منهم المقيدون بالسلاسل والأغلال، ~~لتمردهم وكثرة شرورهم. فمعنى { مقرنين }مقرونا بعضهم ببعض بالأغلال ~~والقيود. # والأصفاد جمع صفد وهو ما يوثق به الأسير من قيد وغل. ثم بين - ~~سبحانه - أنه أباح لسليمان - عليه السلام - أن يتصرف فى هذا الملك الواسع ~~كما يشاء فقال { هذا عطآؤنا } أى منحنا هذا الملك العظيم لعبدنا ~~سليمان - عليه السلام - وقلنا له هذا عطاؤنا لك { فامنن أو ~~أمسك ms4382 بغير حساب } أى فأعط من شئت منه. وأمسك عمن شئت. فأن غير ~~محاسب منا لا على العطاء ولا على المنع. ثم بين - سبحانه - ما أعده ~~لسليمان - عليه السلام - فى الآخرة، فقال { وإن له عندنا } أى ~~فى الآخرة { لزلفى } لقرابة وكرامة { وحسن مآب } أى وحسن مرجع ~~إلينا يوم القيامة. ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن أيوب - عليه ~~السلام - فذكرت نداءه لربه، واستجابة الله - تعالى - له وما وهبه من نعم ~~جزاء صبره، فقال - تعالى - { واذكر عبدنآ أيوب... }. ### || [38.41-44] # قال الإمام الرازى اعلم أن قصة أيوب هى القصة الثالثة من القصص ~~المذكورة فى هذه السورة، واعلم أن داود وسيلمان كانا ممن أفاض الله عليه ~~أصناف الآلاء والنعماء، وأيوب كان ممن خصه الله بأنواع البلاء، والمقصود ~~من جميع هذه القصص الاعتبار. فكأن الله - تعالى - يقول لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم اصبر على سفاهة قومك، فإنه ما كان فى الدنيا أكثر نعمة ومالا ~~من داود وسليمان، وما كان أكثر بلاء ومحنة من أيوب، فتأمل فى أحوال هؤلاء ~~لتعرف أن أحوال الدنيا لا تنتظم لأحد، وأن العاقل لابد له من الصبر على ~~المكاره.. وأيوب - عليه السلام - هو ابن أموص بن برزاح، وينتهى نسبه إلى ~~إسحاق بن إبراهيم - عليهما السلام - وكانت بعثته على الراجح بين موسى ~~ويوسف - عليهما السلام -. وكان صاحب أموال كثيرة، وله أولاد.. فابتلى فى ~~ماله وولده وجسده، وصبر على كل ذلك صبرا جميلا. فكافأه الله - تعالى - ~~على صبره، بأن أجاب دعاءه، وآتاه أهله ومثلهم معهم.. وقوله - سبحانه - { ~~واذكر عبدنآ أيوب.. } معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك # واذكر عبدنا داوود... # و " النصب " - بضم فسكون - وقرأ حفص ونافع - بضم النون والصاد - ~~التعب والمشقة مأخوذ من قولهم أنصبنى الأمر، إذا شق عليه وأتعبه. والعذاب ~~الآلام الشديدة التى يحس بها الإنسان فى بدنه. أى واذكر - أيها الرسول ~~الكريم - حال أخيك أيوب - عليه السلام - حين دعا ربه - تعالى - فقال يا ~~رب أنت تعلم أنى مسنى الشيطان بالهموم الشديدة، وبالآلام المبرحة التى ~~حلت بجسدى فجعلتنى فى نهاية التعب والمرض. ms4383 وجمع - سبحانه - فى بيان ما ~~أصابه بين لفظى النصب والعذاب، للإشارة إلى أنه قد أصيب بنوعين من ~~المكروه الغم الشديد بسبب زوال الخيرات التى كانت بين يديه، وهو ما يشير ~~إليه لفظ " النصب " والألم الكثير الذى حل بجسده بسبب الأمراض والأسقام، ~~والعلل، وهو ما يشير إليه لفظ " العذاب ". ونسب ما مسه من نصب وعذاب إلى ~~الشيطان تأدبا منه مع ربه - عز وجل - حيث أبى أن ينسب الشر إليه - سبحانه ~~-، وإن كان الكل من خلق الله - تعالى -. وفى هذا النداء من أيوب لربه، ~~أسمى ألوان الأدب والإجلال، إذا اكتفى فى تضرعه بشرح حاله دون أن يزيد ~~على ذلك، ودون أن يقترح على خالقه - عز وجل - شيئا معينا، أو يطلب شيئا ~~معينا. قال صاحب الكشاف ألطف أيوب - عليه السلام - فى السؤال حيث ذكر ~~نفسه بما يوجب الرحمة. # . ولم يصرح بالمطلوب. ويحكى أن عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت ~~له يا أمير المؤمنين، مشت جرذان - أى فئران - بيتى على العصا!! فقال لها ~~ألطفت فى السؤال، لا جرم لأجعلنها تثب وثب الفهود، وملأ بيتها حبا. وشبيه ~~بهذه الآية قوله - تعالى - فى سورة الأنبياء # وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت ~~أرحم الراحمين # وقد ذكر بعض المفسرين هنا قصصا وأقوالا فى غاية السقوط والفساد، حيث ~~ذكروا أن أيوب - عليه السلام - مرض زمنا طويلا، وأن الديدان تناثرت من ~~جسده، وأن لحمه قد تمزق. وهذه كلها أقوال باطلة، لأن الله - تعالى - عصم ~~أنبياءه من الأمراض المنفرة، التى تؤدى إلى ابتعاد الناس عنهم، سواء ~~أكانت أمراضا جسدية أم عصبية أم نفسية.. والذى يجب اعتقاده أن الله - ~~تعالى - قد ابتلى عبده أيوب ببعض الأمراض التى لا تتنافى مع منصب النبوة، ~~وقد صبر أيوب على ذلك حتى ضرب به المثل فى الصبر، فكانت عاقبة صبره أن ~~رفع الله - تعالى - عنه الضر والبلاء، وأعطاه من فضله الكثير من نعمه. ~~وقوله - سبحانه - { اركض برجلك هذا مغتسل بارد ~~وشراب } حكاية لما قيل له بعد ندائه لربه، أو مقول لقول محذوف معطوف ms4384 ~~على قوله { نادى }. وقوله { اركض } بمعنى الدفع والتحريك للشئ. ~~يقال ركض فلان الدابة برجلة إذا دفعها وحركها بها. والمغتسل اسم للمكان ~~الذى يغتسل فيه، والمراد به هنا الماء الذى يغتسل به. وقوله { هذا ~~مغتسل } مقول لقول محذوف. والمعنى لقد نادانا عبدنا أيوب بعد أن ~~أصابه من الضر ما أصابه، والتمس منا الرحمة والشفاء مما نزل به من مرض، ~~فاستجبنا له دعاءه، وأرشدناه إلى الدواء، بأن قلنا له { اركض ~~برجلك } أى اضرب بها الأرض، فضربها فنبعت من تحت رجله عين الماء، ~~فقلنا له هذا الماء النابع من العين إذا اغتسلت به وشربت منه، برئت من ~~الأمراض، ففعل ما أمرناه به، فبرئ بإذننا من كل داء. ثم بين - سبحانه - ~~أنه بفضله وكرمه لم يكتف بمنح أيوب الشفاء من مرضه، بل أضاف إلى ذلك أن ~~وهب له الأهل والولد فقال - تعالى - { ووهبنا له أهله ~~ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي ~~الألباب }. والآية الكريمة معطوفة على كلام مقدر يفهم من السياق أى ~~استجاب أيوب لتوجيهنا، فاغتسل وشرب من الماء، فكشفنا عنه ما نزل به من ~~بلاء، وعاد أيوب معافى، ولم نكتف بذلك بل وهبنا له أهله. ووهبنا له { ~~ومثلهم معهم } أى بأن رزقناه بعد الشفاء أولادا كعدد الأولاد ~~الذين كانوا معه قبل شفائه من مرضه، فصار عددهم مضاعفا. وذلك كله { ~~رحمة منا } أى من أجل رحمتنا به { وذكرى لأولي ~~الألباب } أى ومن أجل أن يتذكر ذلك أصحاب العقول السليمة، فيصبروا ~~على الشدائد كما صبر أيوب، ويلجأوا إلى الله - تعالى - كما لجأ، فينالوا ~~منا الرحمة والعطاء الجزيل. # قال الآلوسى ما ملخصه قوله { ووهبنا له أهله } الجمهور على ~~أنه - تعالى - أحيا له من مات من أهله، وعافى المرضى، وجمع له من تشتت ~~منهم، وقيل - وإليه أميل - وهبه من كان حيا منهم، وعافاه من الأسقام، ~~وأرغد لهم العيش فتناسلوا حتى بلغ عددهم عدد من مضى، ومثلهم معهم، فكان ~~له ضعف ما كان، والظاهر أن هذه الهبة كانت فى الدنيا. ثم بين - سبحانه - ~~منة أخرى من المنن التى ms4385 من بها على عبده أيوب فقال { وخذ بيدك ~~ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا ~~نعم العبد إنه أواب }. والجملة الكريمة معطوفة على قوله ~~قبل ذلك { اركض } أو على { وهبنا } بتقدير وقلنا له. والضغث فى اللغة ~~القبضة من الحشيش اختلط فيها الرطب باليابس. وقيل هى قبضة من عيدان ~~مختلفة يجمعها أصل واحد. والحنث يطلق على الإثم وعلى الخلف فى ~~اليمين. والآية الكريمة تفيد أن أيوب - عليه السلام - قد حلف أن يضرب ~~شيئا وأن عدم الضرب يؤدى إلى حنثه فى يمينه، أى إلى عدم وفائه فيما حلف ~~عليه، فنهاه الله - تعالى - عن الحنث فى يمينه، وأوجد له المخرج الذى ~~يترتب عليه البر فى يمينه دون أن يتأذى المضروب بأى أذى يؤلمه. وقد ذكروا ~~فيمن وقع عليه الضرب وسبب هذا الضرب، روايات لعل أقربها إلى الصواب، أن ~~أيوب أرسل امرأته فى حاجة له فأبطأت عليه، فأقسم أنه إذا برئ من مرضه ~~ليضربنها مائة ضربه، وبعد شفائه رخص له ربه أن يأخذ حزمة صغيرة - وهى ~~المعبر عنها بالضغث - وبها مائة عود، ثم يضرب بها مرة واحدة، وبذلك يكون ~~قد جمع بين الوفاء بيمينه، وبين الرحمة بزوجته التى كانت تحسن خدمته خلال ~~مرضه، وتقوم بواجبها نحوه خير قيام. والمعنى وهبنا له بفضلنا ورحمتنا ~~أهله ومثلهم معهم، وقلنا له بعد شفائه خذ بيدك حزمة صغيرة من الحشيش فيها ~~مائة عود، فاضرب بها من حلفت أن تضربه مائة ضربة، وبذلك تكون غير حانث فى ~~يمينك. هذا وقد تكلم العلماء عن هذه الرخصة. أهى خاصة بأيوب، أم هى عامة ~~للناس؟. فقال بعضهم إذا حلف الشخص أن يضرب فلانا مائة جلدة، أو أن يضربه ~~ضربا غير شديد، فيكفيه مثل هذا الضرب المذكور الذى جاء فى الآية لأن شرع ~~من قبلنا شرع لنا. وقال آخرون هذه الرخصة خاصة بأيوب - عليه السلام - ولا ~~تنسحب إلى غيره، لأن الخطاب إليه وحده. ولأن الله - تعالى - لم يبين لنا ~~فى الآية كيفية اليمين، ولا من يقع عليه الضرب. # ثم بين - سبحانه - أنه ms4386 جعل لعبده أيوب هذا المخرج لصبره وكثرة رجوعه إلى ~~ما يرضيه - تعالى - فقال { إنا وجدناه صابرا نعم ~~العبد إنه أواب }. أى إنا وجدنا عبدنا أيوب صابرا على ما ~~أصبناه به من بلاء، ونعم العبد هو. إنه كثير الرجوع إلينا فى كل أحواله. ~~وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت لنا جانبا من فضائل أيوب - عليه السلام ~~- ومن النعم التى أنعم الله - تعالى - بها عليه جزاء صبره وطاعته لربه. ~~وبعد أن عرض - سبحانه - قصص داود وسليمان وأيوب بشئ من التفصيل. أتبع ذلك ~~بالحديث عن عدد من الأنبياء على سبيل الإجمال، فقال - تعالى - { ~~واذكر عبادنآ إبراهيم... }. ### || [38.45-48] # أى واذكر - أيها الرسول الكريم - حال عبادنا إبراهيم وإسحاق، ويعقوب. ~~أصحاب القوة فى الطاعة، وأصحاب البصيرة المشرقة الواعية فى أمور الدين. ~~فالأيدى مجاز مرسل عن القوة، والأبصار جمع بصر بمعنى بصيرة على سبيل ~~المجاز - أيضا - ويصح أن يكون المراد بقوله { أولي الأيدي ~~والأبصار } أى أصحاب الأعمال الجليلة، والعلوم الشريفة، فيكون ذكر ~~الأيدى من باب ذكر السبب وإرادة المسبب، والأبصار بمعنى البصائر، لأن عن ~~طريقها تكون العلوم النافعة. قال صاحب الكشاف قوله { أولي الأيدي ~~والأبصار } يريد أولى الأعمال والفكر، كأن الذين لا يعملون أعمال ~~الآخرة، ولا يجاهدون فى الله، ولا يفكرون أفكار ذوى الديانات، ولا ~~يستبصرون، كأن هؤلاء فى حكم الزمنى - أى المرضى - الذين لا يقدرون على ~~إعمال جوارحهم. والمسلوبى العقول الذين لا استبصار بهم. وقيه تعريض بكل ~~من لم يكن من عمال الله، ولا من المستبصرين فى دين الله، وتوبيخ على ~~تركهم المجاهدة والتأمل، مع كونهم متمكنين منهما ثم بين - سبحانه - أسباب ~~وصفهم بتلك الأوصاف الكريمة، فقال - تعالى - { إنآ أخلصناهم ~~بخالصة ذكرى الدار... }. ومعنى { أخلصناهم } خالصين ~~لطاعتنا وعبادتنا. والباء فى قوله { بخالصة } للسببية، وخالصة اسم ~~فاعل. والتنوين فيها للتفخيم، وهى صفة لمحذوف. و { ذكرى الدار } ~~بيان لها بعد إبهامها للتفخيم. أو محلها النصب بإضمار أعنى.. أو الرفع ~~على أنها خبر لمبتدأ محذوف أى هى. و { ذكرى } مصدر مضاف لمفعوله، ~~وتعريف الدار للعهد. أى الدار الآخرة. والمعنى ms4387 إنا جعلنا هؤلاء العباد - ~~وهم إبراهيم وإسحاق يعقوب - خالصين لطاعتنا وعبادتنا، متبعين لأوامرنا ~~ونواهينا، لا تصافهم بخصلة خالصة من كل ما لا يرضينا، وهى تذكرهم للدار ~~الآخرة وما فيها من ثواب وعقاب. وقرأ نافع { بخالصة } بدون تنوين على ~~الإضافة لذكرى. من إضافة الصفة إلى الموصوف. أو المصدر لفاعله إن جعلت ~~خالصة مصدرا كالعاقبة. أى أخلصناهم بأن خلصت لهم ذكرى الدار. ثم أثنى ~~عليهم - سبحانه - بثناء آخر فقال { وإنهم عندنا لمن ~~المصطفين الأخيار }. أى وإن هؤلاء العباد، لهم عندنا ممن ~~اصطفيناهم لحمل رسالتنا، واخترناهم لتبليغ دعوتنا. ومن العباد الأخيار. ~~أى الذين يفضلون على غيرهم فى المناقب الحميدة، والصفات الكريمة. جمع خير ~~- بإسكان الياء - أفعل تفضيل. ثم أثنى - سبحانه - على عدد آخر من عباده ~~الصالحين فقال { واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل ~~وكل من الأخيار }. وإسماعيل بن إبراهيم - عليهما السلام - ولم ~~يذكر فيما سبق مع أبيه ومع أخيه إسحاق، ومع ابن أخيه يعقوب، اعتناء ~~بشأنه، وللإشارة إلى عراقته فى الصبر وفى تحمل الشدائد. واليسع هو ابن ~~شافاط أو أخطوب قيل استخلفه إلياس من بعده على بنى إسرائيل، ثم منحه الله ~~- تعالى - النبوة. # وكانت وفاته فى حوالى سنة 840 ق.م وفدن بالسامرة. وذا الكفل هو ابن ~~أيوب. بعثه الله - تعالى - بعد أبيه، وكان مقيما بالشام. والأكثرون على ~~أنه نبى لذكره معهم. وقيل هو رجل صالح من بنى إسرائيل. ولم يكن نبيا، ~~وسمى بذلك لأنه تكفل لأحد أنبيائهم بالقيام بالطاعات فوفى بذلك. والتنوين ~~فى قوله - تعالى - { وكل من الأخيار } عوض عن المضاف إليه. أى ~~وكل هؤلاء العباد الذين ذكرناهم، من أهل الخير والفضل والصلاح والصبر على ~~الأذى. ثم عقبت السورة الكريمة على ذلك، بعقد مقارنة بين عاقبة المؤمنين ~~الصادقين، وعاقبة الكافرين الجاحدين، وذكرت جانبا مما يدور بين أهل النار ~~من مجادلات.. فقال - تعالى - { هذا ذكر وإن للمتقين... ~~}. ### || [38.49-64] # قال الآلوسى " هذا " إشارة إلى ما تقدم من الآيات الناطقة بمحاسنهم " ~~ذكر " أى شرف لهم... والمراد أن فى ذكر قصصهم.. شرف عظيم لهم. أو المعنى ~~هذا المذكور ms4388 من الآيات نوع من الذكر الذى هو القرآن، وذكر ذلك للانتقال ~~من نوع من الكلام إلى آخر، كما يقول الجاحظ فى كتبه فهذا باب، ثم يشرع فى ~~باب آخر. ويقول الكاتب إذا فرغ من فصل من كتابه وأراد الشروع فى آخر هذا، ~~وكان كيت وكيت، ويحذف على ما قيل الخبر فى مثل ذلك كثيرا، وعليه { ~~هذا وإن للطاغين لشر مآب... } وقوله - تعالى - { ~~وإن للمتقين لحسن مآب } بيان لما أعده لهم - سبحانه - ~~فى الآخرة من عطاء جزيل، وثواب عظيم. والمآب اسم مكان من آب فلان يؤوب ~~إذا رجع، والمراد بالمتقين كل من تحققت فيه صفة التقوى والخوف من الله - ~~تعالى - وعلى رأسهم الأنبياء الذين اصطفاهم الله - تعالى - واختارهم ~~لتبليغ رسالته. أى وإن للمتقين فى الآخرة لمنزل كريم يرجعون إليه فى ~~الآخرة. فيجدون فيه مالا عين رأت. ولا أذن سمعت. ولا خطر على قلب بشر. ~~واسم الإشارة فى قوله - تعالى - { هذا ذكر } يعود إلى ما ذكره - ~~سبحانه - فى الآيات السابقة، عن هؤلاء الأنبياء من ثناء وتكريم. والذكر ~~الشرف والفضل. أى هذا الذى ذكرناه عن هؤلاء الأنبياء شرف لهم، وذكر جميل ~~يذكرون به إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ثم فصل - سبحانه - ما أعده ~~لهم فى الآخرة من تكريم فقال { جنات عدن مفتحة لهم ~~الأبواب }. والعدن فى اللغة الإقامة الدائمة فى المكان. يقال عدن ~~فلان بمكان كذا، إذا أقام به إقامة دائمة. وجنات بدل اشتمال من قوله { ~~لحسن مآب }. أى هؤلاء المتقون أكرمناهم فى الدنيا بالذكر الحسن. ~~ونكرمهم فى الآخرة بأن ندخلهم جنات عظيمة دخولا دائما مؤبدا، وقد فتحت ~~أبوابها على سبيل التكريم لهم. والحفاوة بمقدمهم. { متكئين ~~فيها... } أى فى تلك الجنات. وانتصب لفظ " متكئين " على الحال من ضمير ~~" لهم " والعامل فيه قوله { مفتحة }. وقوله { يدعون فيها ~~بفاكهة كثيرة وشراب } استئناف لبيان حالهم فى الجنات، أو ~~حال - أيضا - من ضمير " لهم ". أى أن المتقين لهم جنات عظيمة. فاتحة لهم ~~أبوابها على سبيل التكريم ويجلسون فيها جلسة الآمن المطمئن المنعم، حيث ~~يتكئون ويستندون ms4389 على الآرائك، ويطلبون أنواعا كثيرة من الفاكهة اللذيذة، ~~ومن الشراب الطيب، فيبلى طلبهم فى الحال. ثم يضاف إلى هذه الفاكهة ~~والشراب، ما بينه - سبحانه - فى قوله { وعندهم قاصرات الطرف ~~أتراب } أى وعندهم فضلا عن كل ما تقدم نساء ذوات حياء، وقد قصرن ~~أعينهن على أرواحهن فلا يتطلعن إلى غيرهم، لشدة محبتهن لهم. # وهن متساويات فى السن والجمال والأخلاق الكريمة. فمعنى أتراب أنهن ~~متساويات فى السن والجمال والشباب. مأخوذ من التراب. لأن التراب يمسهن فى ~~وقت واحد لاتحاد مولدهن أو من الترائب وهى عظام الصدر المتماثلة. ثم بين ~~- سبحانه - أن هذا العطاء العظيم مقابل عملهم الصالح فى الدنيا فقال { ~~هذا ما توعدون ليوم الحساب }. واللام فى قوله { ~~ليوم } للتعليل. أى هذا الذى ذكرناه لكم من نعيم الجنات. هو جزاء ~~إيمانكم وعملكم الصالح من أجل يوم الحساب. ثم ختم - سبحانه - جزاءهم ~~ببيان أنه جزاء خالد لا ينقطع ولا ينقص فقال { إن هذا لرزقنا ~~ما له من نفاد }. أى إن هذا الذى ذكرناه لكم - أيها المتقون - من ~~الجنات وما اشتملت عليه من نعيم، هو رزقنا الدائم لكم. وليس له من نفاذ ~~أو انقطاع أو انتقاص. يقال نفد الشئ نفادا ونفدا، إذا فنى وهلك وذهب. ومن ~~الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر ~~غير ممنون # أى غير مقطوع. وبعد هذا الحديث الذى يشرح الصدور عن المؤمنين وحسن ~~عاقبتهم. جاء الحديث عن الكافرين وسوء مصيرهم - كما هى عادة القرآن ~~الكريم فى قرن الترغيب بالترهيب فقال - تعالى - { هذا وإن ~~للطاغين لشر مآب }. واسم الإشارة خبر لمبتدأ محذوف. أى الأمر ~~هذا، أو مبتدأ محذوف الخبر أى هذا للمؤمنين. وجملة { وإن ~~للطاغين لشر مآب } معطوفة على جملة " هذا " على التقديرين. أى ~~الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - بالنسبة للمتقين، أما الطاغون ~~الذين تجاوزوا الحدود فى الكفر والجحود والإعراض عن الحق، فإن مرجعهم ~~إلينا سيكون شر مرجع، بسبب إصرارهم على كفرهم. { جهنم يصلونها ~~فبئس المهاد } أى إذا كان المتقون يدخلون ms4390 الجنات التى فتحت لهم ~~أبوابها، فإن الطاغين تستقبلهم جهنم بسعيرها ولهيبها فيلقون فيها ~~ويفترشون نارها، وبئست هى فراشا ومهادا. { هذا فليذوقوه ~~حميم وغساق } واسم الإشارة هنا مرفوع على الابتداء، وخبره قوله { ~~حميم وغساق } وما بينهما اعتراض. والحميم الماء الذى بلغ النهاية ~~فى الحرارة، والغساق صديد يسيل من أجساد أهل النار مأخوذ من قولهم غسق ~~الجرح - كضرب وسمع - غسقانا إذا سال منه الصديد وما يشبهه. أى هذا هو ~~عذابنا الذى أعددناه لهم، يتمثل فى ماء بلغ الغاية فى الحرارة، وفى قيح ~~وصديد يسيلان من أجسادهم، فليذوقوا كل ذلك جزاء كفرهم وجحودهم. { وآخر ~~من شكله أزواج } أى ليس عذابهم مقصورا على الحميم والغساق بل ~~لهم أنواع أخرى من العذاب، تشبه فى شكلها وفى فظاعتها وفى شدتها، الحميم ~~والغساق. # فقوله { وآخر } مبتدأ، وقوله { من شكله } صفته، وقوله { ~~أزواج } خبره. والآية الكريمة معطوفة على الآية التى قبلها. ثم حكى - ~~سبحانه - بعد ذلك ما يقوله أهل النار بعضهم لبعض على سبيل الندم والتحسر ~~والتقريع. فقال { هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا ~~بهم إنهم صالوا النار }. والفوج الجمع الكثير من الناس، ~~والاقتحام ركوب الشدة والدخول فيها. يقال قحم فلان نفسه فى الأمر، إذا ~~رمى نفسه فيه من غير روية. أى قال الكفار بعضهم لبعض بعد أن رأوا غيرهم ~~يلقى فى النار معهم، أو قالت الملائكة لهم على سبيل التقريع والتأنيب { ~~هذا فوج } أى جمع كثير من أتباعكم وإخوانكم فى الضلال. { ~~مقتحم معكم } أى داخل معكم النار وعلى غير اختيار منه. وإنما ~~يساق إليها سوقا فى ذلة ومهانة. وهنا يقول زعماء الكفر { لا مرحبا ~~بهم إنهم صالوا النار } أى لا مرحبا ولا أهلا بهؤلاء ~~الداخلين فى النار معنا، لأنهم سيصلون سعيرها مثلنا، ولن يستطيعوا أن ~~يدفعوا شيئا من حرها عنا.. فقوله { مرحبا } مفعول به لفعل محذوف ~~وجوبا، والتقدير أتوا معنا لا مرحبا بهم. والجملة دعائية لا محل لها من ~~الإعراب أى لا أتوا مكانا رحبا بل ضيقا، وهنا يحكى القرآن رد الفوج ~~المقتحم للنار معهم فيقول { قالوا ms4391 بل أنتم لا مرحبا ~~بكم.. } أى قال الداخلون فى النار وهم الأتباع لرؤسائهم بل أنتم ~~الذين لا مرحبا بكم، وإنما الضيق والهلاك لكم. { أنتم قدمتموه ~~لنا فبئس القرار } أى لا مرحبا بكم لأنكم أنتم أيها الزعماء ~~الذين تسببتم لنا دخول النار معكم، إذ دعوتمونا فى الدنيا إلى الكفر ~~فاتبعناكم فبئس القرار والمنزل لنا ولكم جهنم. فالجملة الكريمة تعليل ~~لأحقية الرؤساء بدخول النار، ويقولها الأتباع على سبيل التشفى منهم. ثم ~~يضيفون إلى ذلك قولهم { ربنا من قدم لنا هذا فزده ~~عذابا ضعفا في النار }. أى يا ربنا من كان سببا فى نزول هذا ~~العذاب بنا، فزده عذابا مضاعفا فى النار، لأننا لولا هؤلاء الرؤساء ~~وإضلالهم لنا، لما صرنا إلى هذا المصير الأليم. وشبيه بهذه الآية قوله - ~~تعالى - حكاية عنهم # وقالوا ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا ~~فأضلونا السبيلا. ربنآ آتهم ضعفين من العذاب ~~والعنهم لعنا كبيرا # ثم حكى - سبحانه - ما يقوله أئمة الكفر، عندما يدورون بأعينهم فى النار، ~~فلا يرون المؤمنين الذين كانوا يستهزئون بهم فى الدنيا فقال { وقالوا ~~ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار.. } ~~أى وقال رؤساء الكفر على سبيل التحسر والتعجب وهم ملقون فى النار مالنا ~~لا نرى معنا فى جهنم رجالا من فقراء المؤمنين، كنا نعدهم فى الدنيا من ~~الأراذل الأخساء، لسوء حالهم، وقلة ذات يدهم. قال القرطبى قال ابن عباس ~~يريدون أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقول أبو جهل أين بلال؟ أين صهيب؟ ~~أين عمار؟ أولئك فى الفردوس، واعجبا لأبى جهل! مسكين أسلم ابنه عكرمة، ~~وابنته جويرية، وأسلمت أمه، وأسلم أخوه، وكفر هو. # قال # ونورا أضاء الأرض شرقا ومغربا وموضع رجلي منه أسود مظلم # ثم حكى القرآن ما سأله هؤلاء المشركون لأنفسهم عندما تلفتوا فى النار، ~~فلم يجدوا أحدا من المؤمنين الذين كانوا يصفونهم بأنهم من الأشرار فقال ~~{ أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار }. أى ~~إنهم بعد أن دخلوا النار أخذوا يدورون بأعينهم فيها فلم يروا المؤمنين ~~الذين كانوا يستهزئون بهم فى الدنيا، فقالوا ms4392 فيما بينهم ما بالنا لا نرى ~~الرجال الذين كنا نسخر منهم فى الدنيا، ألم يدخلوا معنا النار؟ أم دخلوها ~~ولكن أبصارنا لا تراهم وزاغت عنهم؟ فهم يتحسرون على أحوالهم البائسة بعد ~~أن وجدوا أنفسهم فى النار، وليس معهم من كانوا يسخرون منهم فى الدنيا وهم ~~فقراء المؤمنين. قال صاحب الكشاف قوله { أتخذناهم سخريا } ~~قرئ بلفظ الإخبار على أنه صفة لقوله { رجالا } مثل قوله { كنا ~~نعدهم من الأشرار } وقرئ بهمزة الاستفهام على أنه إنكار على ~~أنفسهم وتأنيب لها فى الاستسخار منهم. وقوله { أم زاغت عنهم ~~الأبصار } له وجهان من الاتصال أحدهما أن يتصل بقوله { مالنا } أى ~~مالنا لا نراهم فى النار؟ كأنهم ليسوا فيها، بل أزاغت عنهم أبصارنا فلا ~~نراهم وهم فيها؟ قسموا أمرهم بين أن يكونوا من أهل الجنة وبين أن يكونوا ~~من أهل النار إلا أنهم خفى عليهم مكانهم. الوجه الثانى أن يتصل بقوله { ~~أتخذناهم سخريا.. } على معنى أى الفعلين فعلنا بهم ~~الاستسخار منهم، أم الازدراء بهم والتحقير، وأن أبصارنا كانت تعلو عنهم ~~وتقتحمهم، على معنى إنكار الأمرين جميعا على أنفسهم... واسم الإشارة فى ~~قوله - تعالى - { إن ذلك لحق تخاصم أهل النار } يعود ~~إلى التخاصم الذى حكى عنهم. وقوله { لحق } خبر إن. وقوله { تخاصم ~~} خبر لمبتدأ محذوف، والجملة بيان لاسم الإشارة، وفى الإبهام أولا ~~والتبيين ثانيا مزيد تقرير له. أى إن ذلك الذى قصصناه عليك - أيها ~~الرسول الكريم - من تخاصم أهل النار فيما بينهم وتلاعنهم.. حق لا شك فيه، ~~وثابت ثبوتا لا يختلف عليه عاقلان. وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ساقت ~~بأبلغ بيان ما أعده الله - تعالى - للمتقين من ثواب، وما أعده للطاغين من ~~عقاب. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بتلقين رسوله صلى الله عليه ~~وسلم الرد الذى يرد به على المشركين المعترضين على دعوته، وببيان موقف ~~إبليس من أمر الله - تعالى - له بالسجود لآدم، وببيان ما أعده - سبحانه - ~~لإبليس وجنده من عذاب. فقال - تعالى - { قل إنمآ أنا منذر ~~وما... }. ### || [38.65-88] # والمعنى قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين إنما ms4393 وظيفتى ~~الإنذار والتخويف لكم من عذاب شديد، إذا بقيتم على كفركم، وأعرضتم عن ~~دعوتى. واقتصر على الإنذار مع أنه مبشر - أيضا - لأنه المناسب لردهم عن ~~شركهم، وعن وصفهم له تارة بأنه ساحر، وأخرى بأنه كاهن.. إلخ. وقوله - ~~سبحانه - { وما من إله إلا الله الواحد القهار. ~~رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز ~~الغفار } نفى لكل شريك مع الله - تعالى - فى ذاته، أو صفاته، أو فى ~~خلقه لهذا الكون. أى ليس هناك من إله سوى الله - تعالى - فى هذا الكون، ~~وهو - سبحانه - الواحد الأحد، القاهر فوق عباده، الموجد للسموات والأرض ~~وما بينهما، الغالب لكل شئ، الكثير المغفرة لمن يشاء من عباده. فأنت ترى ~~أنه - سبحانه - قد وصف ذاته فى هاتين الآيتين بخمس صفات تليق بذاته ~~وببيان أن الشرك به - سبحانه - فى العبادة أو الطاعة ظلم عظيم وجهل فاضح. ~~ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم أن ما جاءهم به ~~من عند ربه أمر عظيم، لا يليق بعاقل أن يعرض عنه فقال { قل هو نبأ ~~عظيم. أنتم عنه معرضون }. أى قل - يا محمد - لهؤلاء ~~المشركين إن ما جئتكم به من عند ربى من قرآن كريم، ومن هدايات بها تسعدون ~~فى دنياكم وآخرتكم، هو خبر عظيم، يجب أن تلقوا إليه أسماعكم، وأن تهيئوا ~~نفوسكم لقبوله.. ولكنكم قابلتموه بالإعراض والصدود، لفرط غفلتكم، وشدة ~~جهالتكم، وتماديكم فى كفركم. فالآية الأولى دعوة هامة لهم لكى يقلعوا عن ~~شركهم، والآية الثانية توبيخ لهم على عنادهم حيث تركوا ما ينفعهم، وعكفوا ~~على ما يضرهم. ثم نفى صلى الله عليه وسلم عن نفسه أن يكون عنده علم بشئ ~~من أخبار الملأ الأعلى، إلا عن طريق الوحى فقال - كما حكى القرآن عنه { ~~ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون } ~~والمراد بالملأ الأعلى عالم السموات وما فيه من ملائكة لا يعصون الله ما ~~أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون. قال القرطبى الملأ الأعلى هم الملائكة فى قول ~~ابن عباس والسدى. اختصموا فى أمر آدم حين خلق، فقالوا # أتجعل ms4394 فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء... # وقال إبليس { أنا خير منه خلقتني من نار ~~وخلقته من طين } وفى هذا بيان أن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~أخبر عن قصة آدم وغيره وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلهى.. وقال ابن كثير ~~وقوله { ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ ~~يختصمون } أى لولا الوحى من أين كنت أدرى باختلاف الملأ الأعلى. # يعنى فى شأن آدم، وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه فى تفضيله ~~عليه..؟ فالآية تنفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم علم شئ من أخبار الملأ ~~الأعلى إلا عن طريق الوحى. وجملة { إن يوحى إلي إلا أنمآ ~~أنا نذير مبين } معترضة بين إيراد اختصامهم على سبيل الإجمال، ~~ثم إيراده فى الآيات الآتية بعد ذلك على سبيل التفصيل. و " إن " نافية ~~ونائب فاعل " يوحى " ضمير تقدير هو يعود على المفهوم مما سبق. وهو شأن ~~الملأ الأعلى، و " أنما " بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل. أى ليس لى ~~من علم بما يدور فى الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى، وهذا الوحى لا ينزل ~~على إلا من أجل أنى رسول من عند الله - تعالى - أنذركم بما يكلفنى به ~~إنذارا واضحا بينا. ثم فصل - سبحانه - هذا التخاصم الذى أشار إليه - ~~سبحانه - قبل ذلك فى قوله { ما كان لي من علم بالملإ ~~الأعلى إذ يختصمون } فقال { إذ قال ربك ~~للملائكة إني خالق بشرا من طين. فإذا سويته ~~ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين }. و " إذ " فى ~~قوله { إذ قال ربك... } بدل من قوله { إذ يختصمون } ، ~~لاشتمال ما فى حيزها على تفصيل تلك الخصومة. وقيل هى منصوبة بتقدير اذكر. ~~قالوا والمراد بالملائكة هنا، ما يشمل إبليس، بدليل أن الأمر بالسجود ~~لآدم كان للجميع، وأنهم جميعا امتثلوا لأمر الله - تعالى - ما عدا ~~إبليس. والمراد بالبشر آدم - عليه السلام - مأخوذ من مباشرته للأرض، أو ~~من كونه ظاهر البشرة، أى الجلد والهيئة. أى لم يكن لى من علم بالملأ ~~الأعلى وقت اختصامهم، حين قال الله - تعالى - للملائكة ms4395 ومعهم إبليس { ~~إني خالق بشرا من طين } هو آدم عليه - السلام - فإذا صورته ~~على صورة البشر، وأفضت عليه ما به من الحياة من الروح التى هى من أمرى - ~~ولا علم لأحد بها سواى، فاسجدوا له سجود تحية وتكريم. ولا تعارض بين وصف ~~آدم هنا بأنه خلق من طين، وبين وصفه فى آيات أخرى بأنه خلق من تراب، أو ~~من صلصال من حمأ مسنون، فإن المادة التى خلق منها آدم وإن كانت واحدة، ~~إلا أنها مرت بمراحل متعددة، وكل آية تتحدث عن مرحلة معينة. وأضاف - ~~سبحانه - الروح إلى ذاته، للإشعار بأن هذه الروح لا يملكها إلا هو - ~~تعالى -، وأن مرد كنهها وكيفية هذا النفخ، مما استأثر - سبحانه - به، ولا ~~سبيل لأحد إلى معرفته، كما قال - تعالى - # ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ومآ ~~أوتيتم من العلم إلا قليلا # والفاء فى قوله { فقعوا له... } جواب إذا. والمراد بالوقوع السقوط ~~أى فاسقطوا وخروا له حالة كونكم ساجدين له بأمرى وإذنى، على سبيل التحية ~~له، لأن السجود بمعنى العبادة لا يكون لغير الله تعالى. ثم بين - سبحانه ~~- ما كان بعد ذلك فقال { فسجد الملائكة كلهم ~~أجمعون. إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين ~~}. أى امتثل الملائكة لأمر الله - تعالى - فسجدوا جميعا لآدم فى وقت ~~واحد، إلا إبليس فإنه أبى الامتثال لأمر ربه، واستكبر عن طاعته، وصار ~~بسبب ذلك من الكافرين الجاحدين لأمر الله - تعالى -. قال صاحب الكشاف ~~ولفظ " كل " للإحاطة و " أجمعون " للاجتماع، فأفادا معا أنهم سجدوا عن ~~آخرهم، ما بقى منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعا فى وقت واحد، غير ~~متفرقين فى أوقات. فإن قلت كيف ساغ السجود لغير الله،؟ قلت الذى لا يسوغ ~~هو السجود لغير الله على وجه العبادة فأما على وجه التكرمة والتبجيل، فلا ~~يأباه العقل، إلا أن يعلم الله تعالى فيه مفسدة فينهى عنه. ثم حكى - ~~سبحانه - ما قاله لإبليس حين عصى أمره فقال { قال يإبليس ما ~~منعك أن تسجد لما خلقت بيدي.. }. ومذهب السلف فى مثل ms4396 ~~هذا التعبير، أن اليد - مفردة أو غير مفردة - إذا وصف الله تعالى بها ~~ذاته، فهى ثابتة له،على الوجه الذى يليق بكماله، مع تنزهه -سبحانه - عن ~~مشابهته للحوداث. ومذهب الخلف تأويل اليد بالقدرة أو النعمة. والتثنية في ~~يدى، للتأكيد الدال على مزيد القدرة في خلقه. أى قال الله - تعالى - ~~لإبليس على سبيل التأنيب والتقريع يا إبليس ما الذى منعك من السجود لآدم ~~الذى خلقته بيدى؟ { أستكبرت أم كنت من العالين } أى ~~أمنعك من السجود لآدم تكبرك من غير موجب هذا التكبر، أم كنت ممن علا على ~~غيره بدون حق؟ والاستفهام للتوبيخ والإنكار. { قال أنا خير ~~منه } أى قال إبليس فى الجواب على ربه - تعالى - أنا خير من آدم. { ~~خلقتني من نار وخلقته من طين } فهو - لعنه الله - يرى ~~أن النار أفضل من الطين، ولا يصح سجود الفاضل للمفضول. ولا شك أن هذا ~~التعليل من إبليس فى نهاية سوء الأدب، لأنه بعدم سجوده قد عصى رب ~~العالمين، وفضلا عن ذلك فإن هذه العلة لا تقتضى صحة المدعى، لأن النار ~~ليست خيرا من الطين حتى يكون المخلوق منها أفضل، إذ النار يطفئها الطين.. ~~وقد رد - سبحانه - على هذا التطاول من إبليس بقوله { فاخرج منها ~~فإنك رجيم. وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين ~~}. والفاء فى قوله { فاخرج } لترتيب الأمر بالطرد على ما حدث منه. # والضمير فى " منها " يعود إلى السماء، أو إلى الجنة، لأنه كان فيهما. أى ~~قال - تعالى - لإبليس على سبيل الزجر ما دمت يا إبليس قد عصيت أمرى، ~~فاخرج من الجنة ومن كل مكان فيه تكريم لك، فإنك رجيم، أى مطرود من رحمتى. ~~وإن عليك لعنتى وغضبى إلى يوم القيامة، فإذا ما جاء هذا اليوم ازدادت ~~لعنتى عليك. { قال رب فأنظرني } أى فأمهلنى { إلى يوم ~~يبعثون } أى فأخرنى ولا تمتنى إلى يوم البعث، لأتمكن من إغواء ذرية ~~آدم. { قال فإنك من المنظرين. إلى يوم الوقت ~~المعلوم } أى قال - سبحانه - قد أجبت لك ما تقتضيه حكمتى، وهو أنى ~~سأؤخر إهلاكك إلى الوقت الذى ms4397 حددته لفناء الخلائق وهو وقت النفخة الأولى، ~~لا إلى وقت البعث الذى طلبه إبليس. { قال } أى إبليس { فبعزتك } ~~أى فبحق سلطانك وقهرك { لأغوينهم أجمعين } أى لأغوين بنى ~~آدم جميعا بالمعاصى، ولأضلنهم ولأمنينهم { إلا عبادك منهم ~~المخلصين } فلا يتأثرون بإغوائى، لأنى لا قدرة لى عليهم. { قال ~~فالحق والحق أقول. لأملأن جهنم منك وممن ~~تبعك منهم أجمعين } وقوله { فالحق } مبتدأ محذوف ~~الخبر أى فالحق قسمى لأملأن.. وقوله { والحق أقول } لفظ الحق ~~منصوب هنا على أنه مفعول لأقول، قدم عليه لإفادة الحصر. والجملة من ~~الفاعل والمفعول معترضة بين القسم والمقسم عليه لتقرير مضمون الجملة ~~القسمية. أى قال الله - تعالى - فى رده على إبليس فالحق قسمى ويمينى - ~~ولا أقول إلا الحق - لأملأن جهنم من جنسك يا إبليس، وممن تبعك من الناس ~~جميعا، لأن هذا جزاء من عصانى. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بأمر ~~رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس، أنه لا يريد من وراء دعوته عرضا ~~زائلا من أعراض الدنيا فقال { قل مآ أسألكم عليه من ~~أجر ومآ أنآ من المتكلفين. إن هو إلا ذكر ~~للعالمين. ولتعلمن نبأه بعد حين }. أى قل - أيها ~~الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين وغيرهم إنى لا أسألكم أجرا على تبليغكم ~~ما أمرنى الله بتبليغه إليكم، وما أنا من الذين يتكلفون ويتصنعون القول ~~أو الفعل الذى لا يحسنونه، بل أنا رسول من عند الله وصادق فيما أبلغه ~~عنه. وما هذا القرآن الذى جئتكم به من عند ربى، إلا وعظ بليغ للثقلين، ~~وشرف عظيم لهما فى اتباع أوامره ونواهيه. لتعلمن - أيها الناس - صدق ما ~~أخبركم به من وعد ومن وعيد بعد وقت محدد فى علم الله - تعالى - وبعد فهذا ~~تفسير لسورة " ص " نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا ~~لعباده. والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد ~~وعلى آله وصحبه وسلم؟. ### | [39 - سورة الزمر] ### || [39.1-4] # افتتحت سورة " الزمر " بالثناء على القرآن الكريم، وببيان مصدره، قال - ~~تعالى - { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم }. أى ~~هذا الكتاب ms4398 وهو القرآن الكريم. قد نزل عليك - يا محمد - من لدن الله - ~~تعالى - { العزيز } أى الغالب على كل شئ { الحكيم } فى كل ~~تصرفاته وأفعاله، وليس هذا القرآن قولا مفترى كما زعم الجاحدون الذين ~~انطمست بصائرهم، واستحبوا العمى على الهدى. والذى يتتبع آيات القرآن ~~الكريم، يرى أن الله - تعالى - إذا ذكر تنزيله لكتابه أتبع ذلك ببعض ~~أسمائه الحسنى، المتضمنة لصفاته الجليلة. ففى أول سورة غافر نجد قوله - ~~تعالى - { حم. تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ~~}. وفى أول سورة الجاثية نجد قوله - تعالى - { حم. تنزيل الكتاب ~~من الله العزيز الحكيم }. وفى أول سورة الأحقاف نجد مثل هذا ~~الافتتاح. وفى أول سورة فصلت نجد قوله - تعالى - # حم. تنزيل من الرحمن الرحيم # وفى صدر سورة " يس " نجد قوله - سبحانه - # تنزيل العزيز الرحيم. لتنذر قوما مآ أنذر ~~آبآؤهم... # ولا يخفى أن ذكره - سبحانه - لبعض أسمائه الحسنى، بعد ذكره لتنزيل هذا ~~القرآن على قلب رسوله صلى الله عليه وسلم فيه ما فيه من الثناء على ~~القرآن الكريم، ومن بيان أنه قد نزل من عند الله - تعالى - وحده، الذى له ~~الخلق والأمر. تبارك الله رب العالمين. ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما ~~يدعو الناس إلى قبول هذا الكتاب، وإلى العمل بهداياته، فقال - تعالى - { ~~إنآ أنزلنآ إليك الكتاب بالحق.. }. أى هذا الكتاب هو ~~تنزيل من عند الله - تعالى - الغالب على كل شئ. والحكيم فى أقواله ~~وأفعاله. وقد أنزله - سبحانه - عليك - يا محمد - تنزيلا ملتبسا بالحق ~~الذى لا يحوم حوله باطل، أو ما يشبه الباطل، وذلك يوجب قبوله والعمل بكل ~~ما فيه. قال الآلوسى قوله - تعالى - { إنآ أنزلنآ إليك ~~الكتاب بالحق } بيان لكونه نازلا بالحق، وتوطئة لما يذكر بعد.. ~~أو شروع فى بيان المنزل إليه، وما يجب عليه إثر بيان شأن المنزل.. والباء ~~متعلقة بالإنزال، وهى للسببية، أى أنزلناه بسبب الحق، أى إثباته ~~وإظهاره. أو بمحذوف وقع حالا من المفعول وهى للملابسة. أى أنزلناه ملتبسا ~~بالحق والصواب. والمراد أن كل ما فيه موجب للعمل والقبول حتما. والفاء فى ~~قوله - تعالى ms4399 - { فاعبد الله مخلصا له الدين } لترتيب ~~ما بعدها على ما قبلها. والعبادة أقصى درجات التذلل والخضوع للمعبود - عز ~~وجل - والإخلاص معناه أن يقصد المسلم بعبادته وقوله وعمله وجه الله - ~~تعالى -. # أى أنزلنا إليك - أيها الرسول الكريم - هذا الكتاب بالحق الذى لا يشوبه ~~باطل، وما دام الأمر كذلك فعليك أن تخلص لربك عبادتك وطاعتك ودينك إخلاصا ~~تاما، لا يحوم حوله رياء أو تفاخر، أو غير ذلك مما يتنافى مع إخلاص ~~الخضوع لله - تعالى - وحده. قال الشوكانى وفى الآية دليل على وجوب النية، ~~وإخلاصها من الشوائب لأن الإخلاص من الأمور القلبية التى لا تكون إلا ~~بأعمال القلب، وقد جاءت السنة الصحيحة أن ملاك الأمر فى الأقوال والأفعال ~~النية، كما فى حديث # " إنما الأعمال بالنيات " # وحديث # " لا قول ولا عمل إلا بنية ". # وجملة { ألا لله الدين الخالص } مؤكدة ومقررة لمضمون ما ~~قبلها من وجوب إفراد العبادة والطاعة لله - تعالى - وزادها تأكيدا ~~وتقريرا لما قبلها تصديرها بأداة الاستفتاح { ألا } واشتمالها على أسلوب ~~القصر. أى ألا إن الله - تعالى - وحده - وليس لأحد سواه - الدين الخالص ~~من شوائب الشرك والرياء. والعبادة لوجهه وحده، والخضوع لقدرته التى لا ~~يعجزها شئ. ثم بين - سبحانه - ما عليه المشركون من ضلال فقال { ~~والذين اتخذوا من دونه أوليآء ما نعبدهم ~~إلا ليقربونآ إلى الله زلفى إن الله يحكم ~~بينهم.. } فالمراد بالموصول المشركون، ومحله الرفع على الابتداء، ~~وخبره قوله - تعالى - بعد ذلك { إن الله يحكم بينهم } ~~وجملة { ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى ~~} فى محل نصب على الحال بتقدير القول، والاستثناء مفرغ من أعم العلل. ~~والزلفى اسم أقيم مقام المصدر الذى يتلاقى معه فى المعنى، والمأخوذ من ~~قوله { ليقربونآ }. أى لله - تعالى - وحده الدين الخالص، ~~والمشركون الذين اتخذوا معبودات باطلة ليعبدوها من دون الله، كانوا ~~يقولون فى الرد على من ينهاهم عن ذلك إننا ما نعبد هذه المعبودات إلا من ~~أجل أن نتوسل بها، لكى تقربنا إلى الله قربى، ولتكون شفيعة لنا عنده حتى ~~يرفع عنا البلاء والمحن. { إن الله يحكم ms4400 بينهم } أى بين ~~هؤلاء المشركون وبين غيرهم من المؤمنين الذين أخلصوا لله - تعالى ~~-العبادة والطاعة { في ما هم فيه يختلفون } من أمر التوحيد ~~والشرك، بأن يجازى المؤمنين بحسن الثواب، ويجازى الكافرين بسوء العقاب. { ~~إن الله } - تعالى - { لا يهدي } أى لا يوفق للاهتداء للحق { ~~من هو كاذب كفار }. أى من كان دائم الكذب على دين الله، شديد ~~الجحود لآيات الله وبراهينه الدالة على وحدانيته، وعلى أنه لا رب لهذا ~~الكون سواه. ثم أبطل - سبحانه - كل تصور للشرك والشركاء، بأن نزه - تعالى ~~- ذاته عن اتخاذ الولد فقال { لو أراد الله أن يتخذ ~~ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشآء سبحانه هو ~~الله الواحد القهار }. # أى لو أراد الله - تعالى - على سبيل الفرض والتقدير - أن يتخذ ولدا، ~~لاختار من خلقه ما يريده هو، لا ما يريده الضالون، لكنه - سبحانه - لم ~~يختر أحدا ليكون ولدا له، فدل ذلك على بطلان زعم الزاعمين بأن الملائكة ~~بنات الله، أو بأن عزيرا ابن الله، أو بأن المسيح ابن الله. { ~~سبحانه هو الله الواحد القهار } أى تنزه - عز وجل - ~~عن كل شئ من ذلك، فإنه هو الله الواحد فى ذاته وفى صفاته، القهار لكل ~~مخلوقاته. قال الإمام ابن كثير بين - تعالى - فى هذه الآية أنه لا ولد ~~له كما يزعمه جهلة المشركين فى الملائكة، والمعاندون من اليهود والنصارى ~~فى العزير وعيسى فقال { لو أراد الله أن يتخذ ولدا ~~لاصطفى مما يخلق ما يشآء } أى. لكان الأمر على خلاف ما ~~يزعمون. وهذا شرط لا يلزم وقوعه ولا جوازه، بل هو محال، وإنما قصد ~~تجهيلهم فيما ادعوه وزعموه، كما قال # لو أردنآ أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنآ ~~إن كنا فاعلين # وكما قال # قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين # كل هذا من باب الشرط، ويجوز تعليق الشرط على المستحيل لقصد المتكلم. ~~وقال بعض العلماء ما ملخصه إرادة اتخاذ الولد هنا ممتنعة، لأن الإرادة ~~لا تتعلق إلا بالممكنات، واتخاذ الولد محال، كما ثبت بالبرهان القطعى ~~فتستحيل إرادته. وجعلها فى الآية ms4401 شرطا وتعليق الجواب عليها، لا يقتضى ~~إمكانها فضلا عن وقوعها، وقد عرف فى فصيح الكلام تعليق المحال على المحال ~~جوازا ووقوعا. على أن الولدية تقتضى التجانس بين الوالد والولد. إذ هو ~~قطعة منه. وقد ثبت أن كل ما عداه - سبحانه - مخلوق له. فيلزم بموجب ~~التجانس أن يكون المخلوق من جنس الخالق، وهو يستلزم حدوث الخالق، أو قدم ~~المخلوق، وكلاهما محال. ثم أقام - سبحانه - المزيد من الأدلة على ~~وحدانيته وقدرته، عن طريق التأمل فى ملكوت السموات والأرض، وفى ظاهرة ~~الليل والنهار، وفى تسخير الشمس والقمر، وفى خلق بنى آدم من نفس واحدة... ~~فقال - تعالى - { خلق السماوات والأرض بالحق... }. ### || [39.5-7] # فقوله - تعالى - { خلق السماوات والأرض بالحق } تفصيل ~~لبعض أفعاله الدالة على وحدانيته - سبحانه - وقدرته. أى الله وحده هو ~~الذى أوجد هذه السموات وتلك الأرض، إيجادا ملتبسا بالحق والحكمة ~~والمصلحة التى تعود عليكم - أيها الناس - بالخير والمنفعة ومن كان شأنه ~~كذلك، استحال أن يكون له شريك أو ولد. ثم ساق - سبحانه - دليلا ثانيا على ~~وحدانيته فقال { يكور الليل على النهار ويكور ~~النهار على الليل }. والتكوير فى اللغة طرح الشئ بعضه على ~~بعض. يقال كور فلان المتاع، إذا ألقى بعضه على بعض، ومنه كور العمامة. أى ~~انضمام بعض أجزائها على بعض. والمقصود أن الليل والنهار كلاهما يكر على ~~الآخر فيذهبه ويحل محله، بطريقة متناسقة محكمة لا اختلال معها ولا ~~اضطراب. قال صاحب الكشاف " والتكوير اللف واللى. يقال كار العمامة على ~~رأسه وكورها. وفيه أوجه، منها أن الليل والنهار خلفة يذهب هذا ويأتى ~~مكانه هذا، وإذا غشى مكانه، فكأنما ألبسه ولف عليه، كما يلف اللباس على ~~اللابس. ومنها أن كل واحد منهما يغيب الآخر إذا طرأ عليه، فشبه فى تغييبه ~~إياه بشئ ظاهر لف عليه ما غيبه عن مطامح الأبصار. ومنها أن هذا يكر على ~~هذا كرورا متتابعا، فشبه ذلك بتتابع أكوار العمامة بعضها على إثر بعض ". ~~قال بعض العلماء ما ملخصه " والتعبير بقوله " يكور.. " تعبير عجيب، يقسر ~~الناظر فيه قسرا على الالتفات إلى ما ms4402 كشف حديثا عن كروية الأرض فهو يصور ~~حقيقة مادة ملحوظة على وجه الأرض، فالأرض الكروية تدور حول نفسها فى ~~مواجهة الشمس، فالجزء الذى يواجه الشمس من سطحها المكور يغمره الضوء ~~ويكون نهارا. ولكن هذا الجزء لا يثبت لأن الأرض تدور. وكلما تحركت بدأ ~~الليل يغمر السطح الذى كان عليه النهار. وهذا السطح مكور، فالنهار كان ~~عليه مكورا، والليل يتبعه مكورا كذلك، وبعد فترة يبدأ النهار من الناحية ~~الأخرى يتكور على الليل، وهكذا فى حركة دائبة " يكور - سبحانه - الليل ~~على النهار ويكور النهار على الليل ". واللفظ يرسم الشكل، ويحدد الوضع، ~~ويعين نوع طبيعة الأرض وحركتها، وكروية الأرض ودورانها، يفسران هذا ~~التعبير تفسيرا أدق من أى تفسير آخر لا يستصحب هذه النظرية. ثم ذكر - ~~سبحانه - دليلا ثالثا على وحدانيته وقدرته فقال { وسخر الشمس ~~والقمر كل يجري لأجل مسمى } والتسخير التذليل ~~والانقياد والطاعة التامة. أى وجعل - سبحانه - الشمس والقمر منقادين ~~لأمره انقيادا تاملا وكلاهما يجرى فى مداره إلى الوقت المحدد فى علم الله ~~- تعالى - لنهاية دورانه، وانقطاع حركته. وهما فى جريانهما يسيران بنظام ~~محكم دقيق غاية الدقة، كما قال - تعالى - # لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا اليل ~~سابق النهار وكل في فلك يسبحون # ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { ألا هو العزيز ~~الغفار }. وفى تصدير الجملة الكريمة بأداة الاستفتاح { ألا } إشارة ~~إلى كمال الاعتناء بمضمونها، وإلى وجوب التدبر فيما اشتملت عليه. أى ألا ~~إن الله - تعالى -وحده هو الخالق لكل تلك المخلوقات، وهو وحده المتصرف ~~فيها، والمهيمن عليها، وهو وحده { العزيز } الغالب على كل ما سواه، ~~الكثير المغفرة لذنوب عباده التائبين إليه توبة نصوحا. ثم ساق - سبحانه - ~~أدلة أخرى على وحدانية فقال { خلقكم من نفس واحدة ثم ~~جعل منها زوجها }. أى خلقكم - سبحانه - من نفس واحدة هى نفس ~~أبيكم آدم ثم خلق من هذه النفس الواحدة، زوجها وهى أمكم حواء. قال ~~الشوكانى والتعبير بالجعل دون الخلق مع العطف بثم. للدلالة على أن خلق ~~حواء من ضلع آدم، أدخل فى كونه آية ms4403 باهرة دالة على كمال القدرة لأن خلق ~~آدم هو على عادة الله المستمرة فى خلقه، وخلق حواء على الصفة المذكورة لم ~~تجربه عادة لكونه - تعالى - لم يخلق أنثى من ضلع رجل غيرها. وقال الجمل ~~فإن قلت كيف عطف بثم مع أن خلق حواء من آدم سابق على خلقنا منه؟ أجيب بأن ~~ثم هنا للترتيب فى الإخبار لا فى الإيجاد. أو المعطوف متعلق بمعنى ~~واحدة، فثم عاطفة عليه لا على خلقكم، فمعناه خلقكم من نفس واحدة أفردت ~~بالإيجاد، ثم شفعت بزوجة. أو هو معطوف على خلقكم، لكن المراد بخلقهم، ~~خلقهم يوم أخذ الميثاق دفعة لا على هذا الخلق، الذى هو فيه الآن بالتوالد ~~والتناسل. وقوله - تعالى - { وأنزل لكم من الأنعام ~~ثمانية أزواج } بيان لبعض آخر من أفعاله - تعالى - الدالة على ~~وحدانيته وقدرته. والجملة الكريمة معطوفة على ما قبلها وهى قوله { خلقكم ~~}. أى وأنزل لكم من كل من الإبل والبقر والغنم والمعز زوجين ذكرا وأنثى ~~يتم بهما التناسل وبقاء النوع. قالوا وعبر - سبحانه - عن الخلق ~~بالإنزال، لما يروى أنه - تعالى - خلق هذه الأنواع فى الجنة ثم أنزلها، ~~فيكون الإنزال على سبيل الحقيقة. أو أن الكلام على سبيل المجاز، لأن هذه ~~الأنعام لا تعيش إلا عن طريق ما تأكله من نبات، والنبات لا يخرج إلا ~~بالماء النازل من السماء فكأن الأنعام نازلة من السماء، لأن سبب سببها ~~منزل منها.. أو أن " أنزل " هنا بمعنى أنشأ وأوجد. أو لأن الخلق إنما ~~يكون بأمر من السماء. وقوله - تعالى - { يخلقكم في بطون ~~أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث } ~~بيان لكيفية خلق ما خلقه الله من الأناسى والأنعام بتلك الطريقة العجيبة. # أى أنه - تعالى - يخلقكم - أيها الناس - بقدرته فى بطون أمهاتكم خلقا من ~~بعد خلق، بأن يحولكم من نطفة إلى علقة إلى مضغة، إلى عظام مكسوة باللحم، ~~ثم يحولكم بعد ذلك إلى خلق آخر، وهذه المراحل كلها تتم وأنتم فى ظلمات ~~بطون أمهاتكم، وظلمات الأرحام التى بداخل البطون وظلمات الغشاء الذى ~~بداخل الأرحام والبطون، وذلك ms4404 كله من أقوى الأدلة على قدرة الله - تعالى - ~~ورعايته لخلقه. وصدق الله إذ يقول # ألم نخلقكم من مآء مهين. فجعلناه في قرار ~~مكين. إلى قدر معلوم. فقدرنا فنعم القادرون # واسم الإشارة فى قوله - تعالى - { ذلكم الله ربكم له ~~الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون } يعود إليه - ~~سبحانه - باعتبار أفعاله السابقة. وتصرفون من الصرف بمعنى الابتعاد عن ~~الشئ إلى غيره. أى ذلكم العظيم الشأن الذى ذكرنا لكم بعض مظاهر قدرته، هو ~~الله ربكم الذى له ملك كل شئ، والذى لا معبود بحق سواه، فكيف تصرفون عن ~~عبادته إلى عبادة غيره؟ وكيف تزعمون أن له شريكا أو ولدا.. مع توفر ~~الأدلة على بطلان ذلك. والمتأمل فى هاتين الآيتين يراهما قد ذكرتا ألوانا ~~من البراهين على وحدانية الله - تعالى - وقدرته، كخلق السموات والأرض ~~بالحق، وتكوير الليل على النهار، والنهار على الليل، وتسخير الشمس والقمر ~~لمنافع الناس، وخلق الناس جميعا من نفس واحدة، ورعايتهم بلطفه وإحسانه فى ~~مراحل حياتهم، وإيجاد الأنعام التى تنفعهم فى شئونهم المختلفة. ثم بين - ~~سبحانه - أنه غنى عن خلقه، وأنهم هم الفقراء إليه فقال { إن تكفروا ~~فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر ~~وإن تشكروا يرضه لكم }. أى إن تكفروا - أيها الناس - بعد ~~أن سقنا لكم من الأدلة ما سقنا على صحة الإيمان وفساد الكفر، فإن الله - ~~تعالى - غنى عنكم وعن إيمانكم وعبادتكم وعن الخلق أجمعين. ومع ذلك فإنه - ~~سبحانه - لرحمته بكم، لا يرضى لعباده الكفر، أى لا يحبه منهم ولا يحمده ~~لهم، ولا يجازى الكافر المجازاة التى يجازى بها المؤمن فإن المؤمن له ~~جنات النعيم، أما الكافر فله نار الجحيم. وإن تشكروا الله على نعمه - ~~أيها الناس - بأن تخلصوا له العبادة والطاعة وتستعملوا نعمه فيما خلقت ~~له، يرض لكم هذا الشكر، ويكافئكم عليه مكافأة جزيلة. بأن يزيدكم من نعمه ~~وإحسانه وخيره. { ولا تزر وازرة وزر أخرى } أى ولا تحمل ~~نفس يوم القيامة حمل أخرى، وإنما كل نفس تجازى على حسب أعمالها فى ~~الدنيا. { ثم إلى ربكم مرجعكم ms4405 } يوم القيامة { ~~فينبئكم } أى فيخبركم { بما كنتم تعملون } فى دنياكم، ~~ويجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. # { إنه } - سبحانه - { عليم بذات الصدور } أى عليم بما ~~تخفيه الصدور من أسرار، وبما تضمره القلوب من أقوال وأفعال.. لا يخفى ~~عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء. قال الجمل فى حاشيته قوله { ولا ~~يرضى لعباده الكفر } معنى عدم الرضا به، لا يفعل فعل ~~الراضى، بأن يأذن فيه ويقر عليه، ويثيب فاعله ويمدحه، بل يفعل فعل الساخط ~~بأن ينهى عنه، ويذم عليه، ويعاقب مرتكبه وإن كان بإرادته، إذ لا يخرج شئ ~~عنها. أو المعنى ولا يرضى لعباده المؤمنين الكفر، وهم الذين قال الله - ~~تعالى - فى شأنهم # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان # فيكون الكلام عاما فى اللفظ خاصا فى المعنى، كقوله - تعالى - # عينا يشرب بها عباد الله # أى بعض العباد. وبذلك ترى هذه الآية الكريمة قد أقامت الأدلة المتعددة ~~على وحدانية الله - تعالى - وعلى كمال قدرته، وعلى أن من شكر الله - ~~تعالى - على نعمه، فإن عاقبة هذا الشكر تعود على الشاكر بالخير الجزيل، ~~أما من جحد نعم الله - تعالى - وأشرك معه فى العبادة غيره، فإن عاقبة هذا ~~الجحود، تعود على الجاحد بالشر الوبيل، وبالشفاء فى الدنيا والآخرة. وبعد ~~أن أقام - سبحانه - الأدلة المتعددة على وحدانيته وكمال قدرته، أتبع ذلك ~~بالحديث عن طبيعة الإنسان فى حالتى السراء والضراء، ونفى - سبحانه - ~~المساواة بين المؤمنين والكافرين، والعلماء والجهلاء فقال - تعالى - { ~~وإذا مس الإنسان ضر دعا... }. ### || [39.8-9] # والمراد بالإنسان هنا الكافر، بدليل قوله - تعالى - { وجعل لله ~~أندادا ليضل عن سبيله }. والمراد بالضر ما يصيب الإنسان ~~من مصائب فى نفسه أو ماله أو أهله. أى وإذا نزل بالإنسان ضر من مرض أو ~~غيره من المكاره { دعا ربه منيبا إليه } أى أسرع إلى الله - ~~تعالى - بالدعاء والإنابة والتضرع، وترك الآلهة التى كان يدعوها فى حالة ~~الرخاء. كما قال - تعالى - # بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شآء ~~وتنسون ما تشركون # وقوله - تعالى - { ثم إذا خوله نعمة منه ms4406 نسي ما ~~كان يدعو إليه من قبل.. } بيان لحالة هذا الإنسان بعد أن ~~كشف الله - تعالى - عنه الضر. وخوله من التخويل بمعنى الإعطاء مرة بعد ~~أخرى، ومنه الحديث الشريف كان رسول الله صلى لله عليه وسلم يتخولنا ~~بالموعظة مخافة السآمة علينا أى يتعهدنا بها وقتا بعد وقت. و { ما } فى ~~قوله { نسي ما كان يدعو إليه من قبل } موصولة مرادا ~~بها الضر، أو مرادا بها البارى - عز وجل -. أى هذا هو حال ذلك الإنسان ~~عند نزول الضر به، فإذا ما كشفنا عنه ضره، وأعطيناه نعما عظيمة على ~~سبيل التفضل منا.. نسى الضر الذى كان يتضرع إلينا من قبل لنزيله عنه، أو ~~نسى الخالق - عز وجل - الذى كشف عنه بقدرته ذلك الضر. ولم يكتف بهذا ~~النسيان، بل جعل لله - تعالى - أندادا أى أمثالا وأشباها ونظائر يعبدها ~~من دونه. واللام فى قوله - تعالى - { ليضل عن سبيله } ~~للتعليل. أى فعل ما فعل من جعله شركاء لله - تعالى فى العبادة، ليضل ~~الناس بذلك الفعل عن سبيل الله وعن دينه الذى ارتضاه لعباده. وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو { ليضل } بفتح الياء. أى ليزداد ضلالا على ضلاله. ~~وقوله - تعالى - { قل تمتع بكفرك قليلا إنك من ~~أصحاب النار } بيان لسوء عاقبة هذا الإنسان المشرك. أى قل - أيها ~~الرسول الكريم - لهذا الإنسان الذى جعل لله شركاء فى العبادة... قل له ~~تمتع بكفرك تمتعا قليلا، أو زمانا قليلا إنك من أصحاب النار الملازمين ~~لها، والخالدين فيها. ثم نفى - سبحانه - المساواة بين هذا الإنسان ~~المشرك وبين الإنسان الملازم لطاعة ربه فقال { أمن هو قانت ~~آنآء اليل ساجدا وقآئما يحذر الآخرة ويرجوا ~~رحمة ربه... } وكلمة { أمن } أصلها " أم " التى بمعنى بل ~~وهمزة الاستفهام. و " من " التى هى اسم موصول وهى هنا مبتدأ وخبره محذوف. ~~والقانت من القنوت بمعنى ملازمة الطاعة والمواظبة عليها بخشوع وإخلاص. # وآناء الليل ساعاته والاستفهام للإنكار والنفى. أى بل أمن هو قائم ~~ساعات الليل لعبادة الله - ساجدا وقائما يحذر عذاب الآخرة، ويرجو رحمة ~~ربه، كمن هو جاعل لله ms4407 - تعالى - شركاء فى العبادة؟ مما لا شك أنهما لا ~~يستويان فى عرف أى عاقل، وفى نظر أى ناظر. ويصح أن تكون " أم " متصلة. ~~وقد حضف معادلها ثقة بدلالة الكلام عليه، فيكون المعنى أهذا الكافر الذى ~~جعل لله أندادا ليضل عن سبيله أحسن حالا، أم الذى هو ملازم للطاعات آناء ~~الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه؟ ووصف القنوت بأنه فى ~~أناء الليل، لأن العبادة فى تلك الأوقات أقرب إلى القبول وقدم السجود على ~~القيام، لأن السجود أدخل فى معنى العبادة. قال الآلوسى ما ملخصه وقد ~~ذكروا أن هذه الآية نزلت فى عثمان بن عفان، وقيل فى عمار بن ياسر.. ~~والظاهر أن المراد المتصف بذلك من غير تعيين، ولا يمنع من ذلك نزولها ~~فيمن علمت، وفيها دليل على فضل الخوف والرجاء. وقد أخرج الترمذى والنسائى ~~وابن ماجه عن أنس قال # " دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل وهو في الموت، فقال له كيف ~~تجدك؟ قال أرجو وأخاف. فقال صلى الله عليه وسلم " لا يجتمعان في قلب عبد ~~في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الذي يرجو، وآمنه الذي يخاف ". # ثم نفى - سبحانه - أيضا المساواة بين العالم والجاهل فقال { قل هل ~~يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } أى قل - ~~أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين الذين جعلوا لله أندادا إنه لا ~~يستوى عند الله - تعالى - المشرك والمؤمن، ولا يستوى عنده - أيضا - الذين ~~يعلمون الحق، ويعملون بمقتضى علمهم، والذين لا يعلمونه بمقتضى جهلهم ~~وضلالهم، ويعرضون عن كل من يدعوهم إلى الحق وإلى الصراط المستقيم. ثم ختم ~~- سبحانه - الآية الكريمة بقوله { إنما يتذكر أولوا ~~الألباب } أى إنما يعتبر ويتعظ بهذه التوجيهات والإرشادات، أصحاب ~~العقول السليمة والمدارك القويمة. ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله ~~عليه وسلم أن يذكر المؤمنين بأن يواظبوا على إخلاص العبادة لله - تعالى - ~~رسوله صلى الله عليه وسلم أن يذكر المؤمنين بأن يواظبوا على إخلاص ~~العبادة لله - تعالى - وأن يهاجروا إلى الأرض التى يتمكنون فيها من نشر ~~دينه وإعلاء كلمته، ms4408 وأن ينذر المشركين بسوء المصير إذا ما استمروا فى ~~كفرهم وضلالهم.. فقال - تعالى - { قل يعباد الذين آمنوا ~~اتقوا... } ### || [39.10-16] # والمعنى قل - أيها الرسول الكريم - لعبادى المؤمنين الصادقين داوموا على ~~الخوف من ربكم، وعلى صيانة أنفسكم من كل ما يغضبه. وفى التعبير بقوله - ~~تعالى - { قل يعباد الذين آمنوا } دون قوله قل لعبادى الذين ~~آمنوا.. تكريم وتشريف لهم، لأنه - سبحانه - أمر رسوله صلى الله عليه وسلم ~~أن يناديهم بهذا النداء الذى فيه ما فيه من التكريم لهم، حيث أضافهم إلى ~~ذاته - تعالى - وجعل وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هى التبليغ ~~عنه - عز وجل -. قال الآلوسى قوله - تعالى { قل يعباد الذين ~~آمنوا اتقوا ربكم } أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يذكر المؤمنين ويحملهم على التقوى والطاعة، إثر تخصيص التذكر بأولى ~~الألباب، وفيه إيذان بأنهم هم. أى قل لهم قولى هذا بعينه، وفيه تشريف لهم ~~بإضافتهم إلى ضمير الجلالة ومزيد اعتناء بشأن المأمور به، فإن نقل عين ~~أمر الله - تعالى - أدخل فى إيجاب الامتثال به. وجملة { للذين ~~أحسنوا في هذه الدنيا حسنة } تعليل لوجوب الامتثال ~~لما أمره به من تقوى الله - تعالى - والاستجابة لإرشاداته. وقوله { ~~للذين أحسنوا } متعلق بمحذوف خبر مقدم، وقوله { في هذه ~~الدنيا } بقوله أحسنوا، وقوله { حسنة } مبتدأ مؤخر. أى للذين ~~أحسنوا فى هذه الدنيا أقوالهم وأعمالهم.. حسنة عظيمة فى الآخرة، ألا وهى ~~جنة عرضها السموات والأرض. وقوله - تعالى - { وأرض الله واسعة ~~} جملة معترضة لإزاحة ما عسى أن يتعللوا به من أعذار، إذا ما حملهم ~~البقاء فى أوطانهم على التفريط فى أداء حقوق الله. قال صاحب الكشاف ومعنى ~~{ وأرض الله واسعة } أن لا عذر للمفرطين فى الإحسان ألبتة، ~~حتى إن اعتلوا بأوطانهم وبلادهم، وأنهم لا يتمكنون فيها من التوفر على ~~الإحسان، وصرف الهمم إليه قيل لهم فإن أرض الله واسعة، وبلاده كثيرة، ~~فلا تجتمعوا مع العجز، وتحولوا إلى بلاد أخر، واقتدوا بالأنبياء ~~والصالحين فى مهاجرتهم إلى غير بلادهم ليزدادوا إحسانا إلى إحسانهم وطاعة ~~إلى طاعتهم. ومن الآيات التى ms4409 وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - # يعبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي ~~فاعبدون. كل نفس ذآئقة الموت ثم إلينا ~~ترجعون # ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة الصابرين فقال { إنما يوفى ~~الصابرون أجرهم بغير حساب } أى إنما يوفى الصابرون على ~~مفارقة الأوطان، وعلى تحمل الشدائد والمصائب فى سبيل إعلاء كلمة الله... ~~يوفون أجرهم العظيم كل ذلك بغير حساب من الحاسبين. لأنهم لا يستطيعون ~~معرفة ما أعده - سبحانه - لهؤلاء الصابرين من عطاء جزيل، ومن ثواب عظيم، ~~وإنما الذى يعرف ذلك هو الله - تعالى - وحده. # قال الإمام الشوكانى أى يوفيهم الله أجرهم فى مقابلة صبرهم بما لا يقدر ~~على حصره حاصر، ولا يستطيع حسبانه حاسب. والحاصل أن الآية تدل على أن ~~ثواب الصابرين وأجرهم لا نهاية له، لأن كل شئ يدخل تحت الحساب فهو متناه، ~~وما كان لا يدخل تحت الحساب فهو غير متناه. وهى فضيلة عظيمة ومثوبة ~~جليلة، تقتضى أن على كل راغب فى ثواب الله، وطامع فيما عنده من الخير، أن ~~يتوفر على الصبر، ويزم نفسه بزمامه، ويقيدها بقيده، فإن الجزع لا يرد ~~قضاء قد نزل، ولا يجلب خيرا قد سلب، ولا يدفع مكروها قد وقع.. ثم أمر - ~~سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس ما أمره به خالقه فقال ~~{ إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين } ~~أى قل لهم يا محمد إني أمرت من قبل الله - عز وجل - أن أعبده عبادة خالصة ~~لا مجال معها للشرك أو الرياء، أو غير ذلك مما يتنافى مع الطاعة التامة ~~لخالقى - سبحانه -. { وأمرت لأن أكون أول المسلمين } ~~أى أمرنى ربى بأن أخلص له العبادة إخلاصا تاما وكاملا، لكى أكون على رأس ~~المسلمين وجوههم له، حتى يقتدى بى الناس فى إخلاصى وطاعتى له - عز وجل -. ~~قال - تعالى - # قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين. لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول ~~المسلمين # وقوله - سبحانه - { قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب ~~يوم عظيم } بيان لسوء عاقبة الشرك والمشركين. أى وقل ms4410 لهم - أيها ~~الرسول الكريم - إنى أخاف إن عصيت ربى، فلم أخلص له العبادة والطاعة، ~~عذاب يوم عظيم الأهوال شديد الحساب، وهو يوم القيامة، ولذلك فأنا لشدة ~~خوفى من عذاب خالقى، أكثرهم إخلاصا له - عز وجل - وامتثالا لأمره، ~~ومحافظة على طاعته. { قل الله أعبد مخلصا له ديني } أى ~~وقل لهم - أيضا - الله - تعالى - وحده هو الذى أعبده عبادة لا يحوم حولها ~~شرك، ولا يخالطها شئ من الرياء أو التكلف. فأنت ترى أن الله - تعالى - قد ~~أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلن للناس بأساليب متنوعة، أنه لن ~~يتراجع عن طاعته التامة لربه، وأن عليهم أن يتأسوا به فى ذلك. قال الجمل ~~أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أولا بأن يخبرهم بأنه مأمور ~~بالعبادة والإخلاص فيها، وثانيا بأن يخبرهم بأنه مأمور بأن يكون أول من ~~أطاع وانقاد وأسلم. وثالثا بأن يخبرهم بخوفه من العذاب على تقدير ~~العصيان. ورابعا بأن يخبرهم بأنه امتثل الأمر وانقاد وعبد الله - تعالى - ~~وأخلص له الدين على أبلغ وجه وآكده، إظهارا لتصلبه فى الدين، وحسما ~~لأطماعهم الفارغة، وتمهيدا لتهديدهم بقوله { فاعبدوا ما شئتم ~~من دونه. # .. } فالأمر فى قوله - تعالى - { فاعبدوا ما شئتم من ~~دونه... } للتهديد والتقريع والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها. ~~والمعنى إذا كان الأمر كما ذكرت لكم - أيها المشركون - من أنى أول ~~المسلمين وجوههم لله - تعالى - وحده، فاعبدوا ما شئتم أن تعبدوه من دونه ~~- عز وجل - فسترون عما قريب سوء عاقبة شرككم وجحودكم لنعم الله - تعالى ~~-. وقوله { قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم ~~وأهليهم يوم القيامة } بيان لسوء عاقبة من أعرض عن دعوة ~~الحق، وقوله { الذين خسروا... } خبر إن. أى قل يا محمد لهؤلاء ~~المشركين ليس الخاسرون هم الذين أخلصوا عبادتهم لله - تعالى - وحده - كما ~~زعمتم - وإنما الخاسرون هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، بسبب ~~إلقائهم فى النار، وحرمانهم من النعيم الذين أعده الله - تعالى - لعباده ~~المؤمنين. وقال - سبحانه - خسروا أنفسهم وأهليهم للإشعار بأن هؤلاء ~~المشركين لم يخسروا أنفسهم فقط بسبب ms4411 دخولهم النار، وإنما خسروا فوق ذلك ~~أهليهم لأنهم حيل بينهم وبين أهليهم، لأن أهلهم إن كانوا من أهل النار ~~فقد خسروهم كما خسروا أنفسهم، وإن كانوا من أهل الجنة فقد ذهبوا عنهم ~~ذهابا لا رجوع بعده. وجملة { ألا ذلك هو الخسران المبين ~~} مستأنفة لتأكيد ما قبلها، وتصديرها بحرف التنبيه، للإشعار بأن هذا ~~الخسران الذى حل بهم قد بلغ الغاية والنهاية فى بابه. وقوله - سبحانه - { ~~لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ~~ظلل... } تفصيل لهذا الخسران بعد تهويله عن طريق الإبهام والإجمال. ~~والظلل جمع ظلة، وأصلها السحابة التى تظل ما تحتها، والمراد بها هنا ~~طبقات النار التى تكون من فوقهم ومن تحتهم. وأطلق عليها هذا الاسم من باب ~~التهكم بهم، إذ الأصل فى الظل أنها تقى من الحر، بينما الظلل التى فوق ~~المشركين وتحتهم محرقة. أى هؤلاء المشركين طبقات من النار من فوقهم، ~~وطبقات أخرى من النار من تحتهم، فهم محاطون بها من كل جانب، ولا يستطيعون ~~التفلت منها. قال الجمل فى حاشيته " فإن قلت الظلة ما فوق الإنسان فكيف ~~سمى ما تحته بالظلة؟ قلت فيه وجوه الأول أنه من باب إطلاق اسم أحد الضدين ~~على الآخر. والثانى أن الذى تحته من النار يكون ظلة لآخر تحته فى النار ~~لأنها دركات. الثالث أن الظلة التحتانية إذا كانت مشابهة الفوقانية فى ~~الإيذاء والحرارة، سميت باسمها لأجل المماثلة والمشابهة ". واسم ~~الإشارة فى قوله { ذلك يخوف الله به عباده... } يعود ~~إلى العذاب الشديد الذى أعده - سبحانه - لأولئك المشركين. # أى ذلك العذاب الشديد يخوف الله - تعالى - به عباده، حتى يحذروا ما يوصل ~~إليه، ويجتنبوا كل قول أو فعل من شأنه أن يفضى إلى النار. وقوله { ~~يعباد فاتقون } نداء منه - تعالى - للناس يدل على رحمته بهم، ~~وفضله عليهم، أى عليكم يا عبادى أن تلتزموا طاعتى، وتجتنبوا معصيتى، لكى ~~تنالوا رضائى وجنتى، وتبتعدوا عن سخطى ونارى. وإلى هنا نرى هذه الآيات ~~الكريمة قد بشرت الصابرين بالعطاء الذى لا يعلم مقدار فضله إلا الله - ~~تعالى -، وأمرت بإخلاص ms4412 العبادة لله - سبحانه - بأساليب متنوعة، وحذرت ~~المشركين من سوء المصير إذا ماستمروا فى شركهم وكفرهم. وبعد أن بين - ~~سبحانه - ما أعده للخاسرين من عذاب أليم، أتبع ذلك ببيان ما أعده للمتقين ~~من نعيم مقيم، فقال - تعالى - { والذين اجتنبوا... } ### || [39.17-20] # والطاغوت يطلق على كل معبود سوى الله - تعالى - كالشيطان والأصنام وما ~~يشبههما، مأخوذ من الطغيان، وهو مجاوزة الحد فى كل شئ. ويستعمل فى الواحد ~~والجمع والمذكر المؤنث. والاسم الموصول مبتدأ. وجملة { أن يعبدوها ~~} بدل اشتمال من الطاغوت، وجملة { لهم البشرى } هى الخبر. ~~والمعنى والذين اجتنبوا عبادة الطاغوت، وكرهوا عبادة غير الله - تعالى - ~~أيا كان هذا المعبود، وأقبلوا على الخضوع والخشوع له وحده - عز وجل. ~~أولئك الذين يفعلون ذلك { لهم البشرى } العظيمة فى حياتهم، وعند ~~مماتهم، وحين يقفون بين يدى الله - تعالى - { فبشر عباد } أى ~~فبشر - أيها الرسول الكريم - عبادى الذين هذه مناقبهم، وتلك صفاتهم... ثم ~~وصفهم - سبحانه - بما يدل على صفاء عقولهم، وطهارة قلوبهم، فقال { ~~الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه... }. ~~وللعلماء فى تفسير هذه الجملة الكريمة أقوال منها أن المراد بالقول الذى ~~يتبعون أحسنه. ما يشمل تعاليم الإسلام كلها النابعة من الكتاب والسنة. ~~والمراد بالأحسن الواجب والأفضل، مع جواز الأخذ بالمندوب والحسن. فهم ~~يتركون العقاب مع أنه جائز، ويأخذون بالعفو لأنه الأفضل، كما قال - تعالى ~~- # وأن تعفوا أقرب للتقوى... # وكما قال - سبحانه - # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن ~~صبرتم لهو خير للصابرين # فيكون المعنى الذين يستمعون الأقوال الحسنة والأشد حسنا فيأخذون بما هو ~~أشد حسنا... ومنها أن المراد بالقول هنا ما يشمل الأقوال كلها سواء أكانت ~~طيبة أم غير طيبة، فهم يستمعون من الناس إلى أقوال متباينة، فيتبعون ~~الطيب منها، وينبذون غيره. قال صاحب الكشاف ما ملخصه قوله { الذين ~~يستمعون القول فيتبعون أحسنه } هم الذين اجتنبوا ~~وأنابوا لأغيرهم، وإنما أراد بهم أن يكونوا مع الاجتناب والإنابة على ~~هذه الصفة.. وأراد أن يكونوا نقادا فى الدين، مميزين بين الحسن والأحسن، ~~والفاضل والأفضل، فإذا اعترضهم أمران واجب ومندوب، اختاروا الواجب... فهم ms4413 ~~حريصون على فعل ما هو أكثر ثوابا عند الله. وقيل يستمعون القرآن وغيره ~~فيتبعون القرآن. وقيل يستمعون أوامر الله فيتبعون أحسنها. نحو القصاص ~~والعفو، والانتصار والإغضاء. وعن ابن عباس هو الرجل يجلس مع القوم فيسمع ~~الحديث فيه محاسن ومساوئ، فيحدث بأحسن ما سمع، ويكف عما سواه. ويبدو لنا ~~أن هذا القول الأخير المأثور عن ابن عباس - رضى الله عنهما - هو أقرب ~~الأقوال إلى الصواب، لأنه هو الظاهر من معنى الجملة الكريمة. وقوله - ~~سبحانه - { أولئك الذين هداهم الله وأولئك ~~هم أولوا الألباب } ثناء آخر من الله - تعالى - على هؤلاء ~~المؤمنين الذين اجتنبوا عبادة الطاغوت، وأخلصوا لله - تعالى - العبادة. ~~أى أولئك الذين هداهم الله - تعالى - إلى دينه الحق، وإلى الصراط ~~المستقيم، وأولئك هم أصحاب العقول السليمة، والمدارك القويمة، والقلوب ~~الطاهرة النقية. # . قال الآلوسى وفى الآية دلالة على حط قدر التقليد المحض، ولذا قيل # شمر وكن فى أمور الدين مجتهدا ولا تكن مثل عير قيد فانقادا # واستدل بها على أن الهداية تحصل بفعل الله - تعالى - وقبول النفس لها... ~~ثم بين - سبحانه - أن من أحاطت به خطيئته، لن يستطيع أحد إنقاذه من ~~العذاب فقال - تعالى - { أفمن حق عليه كلمة العذاب ~~أفأنت تنقذ من في النار }. والاستفهام للنفى، والتقدير أفمن ~~وجب عليه العذاب بسبب إصراره على كفره حتى النهاية، أفتستطيع أنت - أيها ~~الرسول الكريم - أن تنقذه من هذا المصير الأليم؟ لا - أيها الرسول الكريم ~~- إنك لا تستطيع ذلك. لأن من سبق عليه قضاؤنا بأنه من أهل النار، بسبب ~~استحبابه الكفر على الإيمان لن تستطيع أنت أو غيرك إنقاذه منها. وقوله - ~~تعالى - { لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من ~~فوقها غرف مبنية... } بيان لحسن عاقبة المؤمنين، بعد بيان ~~سوء عاقبة من حقت عليهم كلمة العذاب.. والغرف جمع غرفة، وتطلق على الحجرة ~~التى تكون مرتفعة عن الأرض. أى هذا حال الذين حقت عليهم كلمة العذاب، أما ~~حال الذين اتقوا ربهم فيختلف اختلافا تاما عن غيرهم، فإن الله - تعالى - ~~قد أعد لهم - على سبيل التكريم والتشريف - غرفا من ms4414 فوقها غرف أخرى مبنية. ~~ووصفت بذلك للإشارة إلى أنها معدة ومهيأة لنزولهم فيها، قبل أن يقدموا ~~عليها، زيادة فى تكريمهم وحسن لقائهم. وهذه الغرف جميعها { تجري من ~~تحتها الأنهار } ليكون ذلك أدعى إلى زيادة سرورهم. وقوله - تعالى ~~- { وعد الله لا يخلف الله الميعاد } تذييل مؤكد ~~لمضمون ما قبله من كون المتقين لهم تلك الغرف المبنية. ولفظ " وعد " مصدر ~~منصوب بفعل مقدر. أى وعدهم - تعالى - بذلك وعدا لا يخلفه، لأنه - سبحانه ~~- ليس من شأنه أن يخلف الموعد الذى يعده لعباده. وقد ذكر الإمام ابن ~~كثير عند تفسيره لهذه الآية بعض الأحاديث، منها ما رواه الإمام أحمد عن ~~أبى مالك الأشعرى، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن فى الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، أعدها الله ~~لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى والناس نيام ". # وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة قد بشرت المتقين بأحسن البشارات وأكرمها، ~~وتوعدت المصرين على كفرهم وفجورهم باستحالة إنقاذهم من عذاب النار. ثم ~~ضرب - سبحانه - مثلا لسرعة زوال الحياة الدنيا، وقرب اضمحلال بهجتها. كما ~~بين حال من شرح الله صدره للإسلام فقال - تعالى - { ألم تر أن ~~الله أنزل... }. ### || [39.21-22] # والاستفهام فى قوله - تعالى - { ألم تر أن الله أنزل من ~~السمآء مآء... } للتقرير. والينابيع جمع ينبوع، وهو المنبع أو ~~المجرى الذى يكون فى باطن الأرض، والذى يحمل الكثير من المياه الجارية أو ~~المخزونة فى جوف الأرض. والمعنى لقد علمت - أيها العاقل - أن الله - ~~تعالى - أنزل من السحب المرتفعة فى جو السماء، ماء كثيرا، فأدخله بقدرته ~~فى عيون ومسارب فى الأرض، هذه العيون والمسارب تارة تكون ظاهرة على وجه ~~الأرض، وتارة تكون فى باطنها، وكل ذلك من أعظم الأدلة على قدرة الله - ~~تعالى - ورحمته بعباده. ثم بين - سبحانه - مظهرا آخر من مظاهر قدرته فقال ~~{ ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه... }. أى هذا ~~الماء الذى أنزله - سبحانه - بقدرته من السماء، قد سلكه ينابيع فى الأرض، ~~ثم يخرج بسبب هذا الماء زرعا مختلفا فى ألوانه ms4415 وفى أشكاله، فمنه ما هو ~~أخضر ومنه ما هو أصفر، ومنه ما ليس كذلك مما يدل على كمال قدرة الله - ~~تعالى -. وقوله - تعالى - { ثم يهيج فتراه مصفرا ثم ~~يجعله حطاما } بيان لمظهر ثالث من مظاهر قدرته - عز وجل -. ~~والفعل " يهيج " مأخوذ من الهيج بمعنى اليبس والجفاف. يقال هاج ~~النبات هيجا وهياجا، إذا يبس وأصفر. أو مأخوذ من الهيج بمعنى شدة ~~الحركة. يقال هاج الشئ يهيج، إذا ثار لمشقة أو ضرر، ثم يعقب ذلك الهيجان ~~الجفاف واليبس. أى ثم يصاب هذا الزرع المختلف الألوان بالجفاف والضمور، ~~فتراه مصفرا من بعد اخضراره ونضارته، ثم يجعله - سبحانه - " حطاما " أى ~~فتاتا متكسرا. يقال حطم الشئ حطما - من باب تعب - إذا تكسر وتفتت ~~وتحطم. { إن في ذلك } الذى ذكرناه من إنزال الماء من السماء، ومن ~~سلكه ينابيع فى الأرض، ومن إخراج النبات المختلف الألوان بسببه { ~~لذكرى } عظيمة { لأولي الألباب }. أى لأصحاب العقول السليمة، ~~والأفكار القويمة. والمقصود من هذه الآية الكريمة، التحذير من الإنهماك ~~فى الحياة الدنيا ومتعها، حيث شبهها - سبحانه - فى سرعة زوالها وقرب ~~اضمحلالها - بالزرع الذى يبدو مخضرا وناضرا... ثم يعقب ذلك الجفاف ~~والذبول والاضمحلال. وفى هذا المعنى وردت آيات كثيرة، منها قوله - تعالى ~~- # واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كمآء أنزلناه ~~من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما ~~تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا # ثم نفى - سبحانه - المساواة بين المؤمن والكافر، وبين المهتدى والضال ~~فقال { أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على ~~نور من ربه.. }. أى أفمن شرح الله - تعالى - صدره للإسلام، ~~وجعله مستعدا لقبول الحق فهو بمقتضى هذا الشرح والقبول صار على نور ~~وهداية من ربه، كمن قسا قلبه وغلظ، وأصبح أسيرا للظلمات والأوهام. # لاشك أنهما لا يستويان فى عقل أى عاقل. فالاستفهام للإنكار والنفى، و " ~~من " اسم موصول مبتدأ، والخبر محذوف لدلالة قوله - تعالى - { فويل ~~للقاسية قلوبهم من ذكر الله } عليه. أى فهلاك وخزى ~~لأولئك المشركين الذين قست قلوبهم من أجل ذكر الله - تعالى -، الذى من ~~شأنه أن تلين ms4416 له القلوب، ولكن هؤلاء الكافرين إذا ما ذكر الله - تعالى -، ~~اشمأزت قلوبهم، وقست نفوسهم، لانطماس بصائرهم، واستحواذ الشيطان عليهم. ~~ومنهم من جعل " من " فى قوله { من ذكر الله } بمعنى عن. أى فويل ~~للقاسية قلوبهم عن قبول ذكر الله وطاعته وخشيته. قال صاحب الكشاف قوله { ~~من ذكر الله } أى من أجل ذكره، أى إذا ذكر الله عندهم أو آياته ~~اشمأزوا، وازدادت قلوبهم قساوة، كقوله - تعالى - # فزادتهم رجسا إلى رجسهم # وقرئ عن ذكر الله. فإن قلت ما الفرق بين من وعن فى هذا؟ قلت إذا قلت قسا ~~قلبه من ذكر الله، فالمعنى ما ذكرت، من أن القسوة من أجل الذكر وبسببه. ~~وإذا قلت عن ذكر الله، فالمعنى غلظ عن قبول الذكر وجفا عنه. ونظيره سقاه ~~من العيمة. أى من أجل عطشه. وسقاه عن العيمة، إذا أرواه حتى أبعده عن ~~العطش. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان مآل هؤلاء الذين قست ~~قلوبهم فقال { أولئك في ضلال مبين }. أى أولئك المتصفون ~~بتلك الصفات الذميمة فى ضلال واضح عن الصراط المستقيم. وشبيه بهذه الآية ~~قوله - تعالى - # فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ~~ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ~~كأنما يصعد في السمآء كذلك يجعل الله ~~الرجس على الذين لا يؤمنون # ثم مدح - سبحانه - كتابه مدحا يليق به، وبين حال المؤمنين الصادقين عند ~~سماعه، وسلى نبيه صلى الله عليه وسلم عما أصابه من أعدائه. فقال - تعالى ~~- { الله نزل أحسن الحديث كتابا... }. ### || [39.23-26] # وقوله - تعالى - " مثانى " جمع مثنى من التثنية بمعنى التكرار والإعادة ~~ولذا سميت سورة الفاتحة بالسبع المثانى، لأنها تكرر وتعاد مع كل صلاة. أى ~~الله - تعالى - نزل بفضله ورحمته عليك - يا محمد - أحسن الحديث { ~~كتابا متشابها } أى يشبه بعضه بعضا فى فصاحته وبلاغته، وفى نظمه ~~وإعجازه، وفى صحة معانيه وأحكامه، وفى صدقه وهداياته وإرشاداته إلى ما ~~يسعد الناس فى دنياهم وآخرتهم... " مثانى " أى تثنى وتكرر فيه القصص ~~والمواعظ، والأمثال والأحكام والوعد والوعيد، كما تثنى وتكرر قراءاته فلا ~~تمل على كثرة الترداد، ms4417 وإنما يزداد المؤمنون حبا وتعلقا بتلاوته كلما ~~أكثروا من هذه التلاوة. وسمى - سبحانه - كتابه حديثا، لأن النبى صلى الله ~~عليه وسلم كان يحدث به قومه، ويخبرهم بما كان ينزل عليه منه. فلفظ الحديث ~~هنا بمعنى المحدث به لا بمعنى كونه مقابلا للقديم. ولفظ " كتابا " بدل من ~~قوله { أحسن الحديث } وقوله { متشابها مثاني } صفتان ~~للكتاب. ووصف بهما وهو مفرد وكلمة " مثانى " جمع، باعتبار اشتماله على ~~الكثير من السور والآيات والقصص والمواعظ والأحكام. أى الله - تعالى - ~~أنزل أحسن الحديث كتابا مشتملا على السور والآيات والمواعظ... التى يشبه ~~بعضها فى الإعجاز.. والتى تثنى وتكرر فلا تمل على كثرة التكرار.. ورحم ~~الله صاحب الكشاف فقد أجاد عند تفسيره لهذه الآية فقال له ما ملخصه " ~~وإيقاع اسم مبتدأ، وبناء " نزل " عليه، فيه تفخيم لأحسن الحديث ورفع منه، ~~واستشهاد على حسنه، وتأكيد لاستناده إلى الله، وأنه من عنده، وأن مثله لا ~~يجوز أن يصدر إلا عنه، وتنبيه على أنه وحى معجز مباين لسائر الأحاديث. ~~فإن قلت كيف وصف الواحد بالجمع؟ قلت إنما صح ذلك لأن الكتاب جملة ذات ~~تفاصيل، وتفاصيل الشئ هى جملته لا غير، ألا تراك تقول القرآن سور ~~وآيات... كما تقول الإنسان عظام وعروق، فإن قلت ما فائدة التثنية ~~والتكرير؟ قلت النفوس أنفر شئ عن حديث الوعظ والنصيحة، فما لم يكرر عليها ~~عودا عن بدء لم يرسخ فيها، ولم يعمل عمله، ومن ثم كانت عادة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يكرر عليهم ما كان يعظ به وينصح ثلاث مرات، ليركزه ~~فى قلوبهم، كى يغرسه فى صدورهم... وقوله - تعالى - { تقشعر منه ~~جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم ~~وقلوبهم إلى ذكر الله... }. استئناف مسوق لبيان آثار هذا ~~القرآن الكريم فى نفوس قارئيه وسامعيه بعد بيان أوصافه فى ذاته. وقوله " ~~تقشعر " من الاقشعرار، وهو الانقباض الشديد للبدن. يقال اقشعر جسد فلان، ~~إذا انقبض جلده واهتز. # .. وهو هنا كناية عن الخوف الشديد من الله - تعالى -. أى أن هذا الكتاب ~~العظيم عندما يقرؤه أو يسمعه المؤمنون ms4418 الصادقون الذين يخشون ربهم تقشعر ~~جلودهم من شدة ما اشتمل عليه من زواجر ونذر. ثم تلين جلودهم وقلوبهم إذا ~~ما قرأوا أو استمعوا إلى آيات الرحمة والمغفرة. قال الجمل " فإن قلت لم ~~ذكرت الجلود وحدها أولا ثم قرنت القلوب بها ثانيا؟. قلت ذكر الخشية التى ~~تحملها القلوب مستلزم لذكر القلوب، فكأنه قيل تقشعر جلودهم وتخشى قلوبهم ~~فى أول الأمر، فإذا ذكروا الله - تعالى - وذكروا رحمته وسعتها، استبدلوا ~~بالخشية رجاء فى قلوبهم، وبالقشعريرة لينا فى جلودهم.. والخلاصة أن من ~~صفات هؤلاء المؤمنين الصادقين، أنهم يجمعون عند قراءتهم أو سماعهم للقرآن ~~الكريم بين الخوف والرجاء، الخوف من عذاب الله - تعالى - والرجاء فى ~~رحمته ومغفرته، إذ أن اقشعرار الجلود كناية عن الخوف الشديد، ولين الجلود ~~والقلوب كناية عن السرور والارتياح، وعدى الفعل " تلين " بإلى لتضمينه ~~معنى تسكن وتطمئن. ومفعول { ذكر الله } محذوف للعلم به، أى ثم تلين ~~جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله رحمته وثوابه وجنته. قال ابن كثير ما ملخصه ~~هؤلاء المؤمنون يخالفون غيرهم من وجوه أحدها أن سماع هؤلاء تلاوة الآيات، ~~وسماع أولئك نغمات الأبيات. الثانى أنهم إذا تليت عليهم آيات الرحمن خروا ~~سجدا وبكيا، بأدب وخشية ورجاء ومحبة وفهم وعلم، ولم يكونوا - كغيرهم - ~~متشاغلين لاهين عنها. الثالث أنهم يلزمون الأدب عند سماعها.... ولم ~~يكونوا يتصارخون ويتكلفون ما ليس فيهم. قال قتادة عند قراءته لهذه الآية ~~هذا نعت أولياء الله، نعتهم الله بأنهم تقشعر جلودهم وتبكى أعينهم، ~~وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم، والغشيان عليهم، ~~إنما هذا فى أهل البدع، وهذا من الشيطان... واسم الإشارة فى قوله - ~~تعالى - { ذلك هدى الله يهدي به من يشآء ومن يضلل ~~الله فما له من هاد } يعود إلى الكتاب الذى مرت أوصافه، ~~وأوصاف القارئين له والمستمعين إليه. أى ذلك الكتاب العظيم المشتمل على ~~أحسن الإرشادات وأحكمها، هدى الله الذى يهدى بسببه من يشاء من عباده إلى ~~الصراط المستقيم، ومن يضلله - سبحانه - عن طريق الحق، فماله من هاد يهديه ~~إلى هذا الطريق القويم. ثم ms4419 نفى - سبحانه - المساواة بين هؤلاء الذين ~~يخشون ربهم، وبين غيرهم ممن قست قلوبهم، وانحرفت نفوسهم عن الحق، فقال - ~~تعالى - { أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم ~~القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون ~~}. والاستفهام للنفى والإنكار، و " من " اسم موصول مبتدأ، والخبر محذوف. ~~أى أفمن كان يوم القيامة مصيره إلى النار التى يتقيها ويحاول درأها عن ~~نفسه بوجهه الذى هو أشرف أعضائه، كمن يأتى يوم القيامة آمنا مطمئنا بعيدا ~~عن النار وسعيرها؟ وفى الآية الكريمة ما فيها من تهويل عذاب يوم القيامة، ~~إذ جرت عادة الإنسان أن يتقى الآلام بيديه وجوارحه، فإذا ما اتقاها ~~بوجهه الذى هو أشرف أعضائه، كان ذلك دليلا على أن ما نزل به فى نهاية ~~الفظاعة والشدة. # وفى قوله - تعالى - { سوء العذاب } مبالغة أخرى، إذ نفس العذاب ~~سوء، فإذا ما وصف بعد ذلك بالسوء، كان أشد فى الفظاعة والإهانة والألم. ~~وجملة { وقيل للظالمين... } عطف على من " يتقى... " أى هذا هو ~~مصير الظالمين، إنهم يتقون النار بوجوههم التى هى أشرف أعضائهم، وهذا ~~الاتقاء لن يفيدهم شيئا، بل ستغشاهم النار بلهبها، ويقال لهم ذوقوا ~~العذاب الأليم بسبب ما كنتم تكسبون فى الدنيا من أقوال باطلة، وأفعال ~~قبيحة. { كذب الذين من قبلهم } من أمم الكفر والضلال { ~~فأتاهم العذاب } المقدر لكل أمة من أمم الكفر. { من حيث ~~لا يشعرون } أى من الجهة التى لا تخطر لهم على بال، أن العذاب ~~يأتيهم منها، فيكون وقعه عليهم أشد وأفظع. { فأذاقهم الله ~~الخزي في الحياة الدنيا } أى العذاب الذى يذلهم ويخزيهم فى ~~الحياة الدنيا { ولعذاب الآخرة } المعد لهم { أكبر } كيفا ~~وكما { لو كانوا يعلمون } أى لو كانوا من أهل العلم والفهم ~~لما ارتكبوا ما ارتكبوا من كفر وفسوق وعصيان، أدى بهم إلى العذاب المهين. ~~ثم كرر - سبحانه - مدحه للقرآن الكريم، بأن بين أنه مشتمل على كل مثل ~~نافع للناس، وأنه لا لبس فيه ولا اختلاف، وساق مثلا للمشرك الذى يعبد ~~آلهة كثيرة، وللمؤمن الذى يعبد إلها واحدا، وبين أن جميع الناس سيعمهم ~~الموت. وأنهم ms4420 جميعا سيرجعون إلى الله للحساب، فقال - تعالى - { ولقد ~~ضربنا للناس في هذا القرآن... }. ### || [39.27-31] # واللام فى قوله - تعالى - { ولقد ضربنا للناس... } موطئة ~~للقسم. أى والله لقد ضربنا وكررنا بأساليب متنوعة فى هذا القرآن العظيم، ~~من كل مثل يحتاج إليه الناس فى أمورهم وشئونهم، وينتفعون به فى دنياهم ~~ودينهم. وقوله - تعالى - { لعلهم يتذكرون } تعليل لضرب ~~المثل. أى فعلنا ذلك فى كتابنا الذى هو أحسن الحديث، كى يتعظوا ويعتبروا ~~ويتذكروا ما أمرناهم به، أو نهيناهم عنه. فلعل هنا بمعنى كى التعليلية، ~~وهذا التعليل إنما هو بالنسبة إلى غيره - تعالى -. وقوله - سبحانه - { ~~قرآنا عربيا غير ذي عوج... } ثناء آخر منه - تعالى - على ~~كتابه الكريم. والجملة الكريمة حال مؤكدة من قوله قبل ذلك { هذا ~~القرآن... } أى هذا القرآن قرآنا عربيا لا لبس فيه ولا اختلاف ولا ~~اضطراب ولا تناقض. قال صاحب الكشاف قوله { قرآنا عربيا } حال ~~مؤكدة كقولك جاءنى زيد رجلا صالحا، وإنسانا عاقلا. ويجوز أن ينتصب على ~~المدح { غير ذي عوج } أى مستقيما بريئا من التناقض والاختلاف. فإن ~~قلت فهلا قيل مستقيما، أو غير معوج؟ قلت فيه فائدتان إحداهما نفى أن يكون ~~فيه عوج قط، كما قال # ولم يجعل له عوجا # والثانية أن لفظ العوج مختص بالمعانى دون الأعيان... وقيل المراد بالعوج ~~الشك واللبس، وأنشد # وقد أتاك غير ذى عوج من الإله وقول غير مكذوب # وقوله { لعلهم يتقون } علة أخرى لاشتمال القرآن على ~~الامتثال المتكررة المتنوعة. أى كررنا الأمثال النافعة فى هذا القرآن ~~للناس، كى يتقوا الله - تعالى - ويخشوا عقابه. ثم ضرب - سبحانه - مثلا ~~للعبد المشرك وللعبد المؤمن، فقال { ضرب الله مثلا رجلا ~~فيه شركآء متشاكسون ورجلا سلما لرجل... } وقوله ~~{ مثلا } مفعول ثان لضرب، و { رجلا } مفعوله الأول. وأخر عن ~~المفعول الثانى للتشويق إليه، وليتصل به ما هو من تتمته، وهو التمثيل ~~لحال الكافر والمؤمن. وقوله { متشاكسون } من الشاكس بمعنى التنازع ~~والتخاصم وسوء الخلق، يقال رجل شكس وشكس - بفتح الشين مع إسكان الكاف ~~أو كسرها وفعله من باب كرم - إذا كان صعب الطباع، ms4421 عسر الخلق. وقوله " ~~سلما " بفتح السين واللام - مصدر وصف به على سبيل المبالغة. وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو " سالما " أى خالصا لسيده دون أن ينازعه فيه منازع. ~~والمعنى إن مثل المشرك الذى يعبد آلهة متعددة، كمثل عبد مملوك لجماعة ~~متشاكسين متنازعين لسوء أخلاقهم وطباعهم، وهذا العبد موزع وممزق بينهم، ~~لأن أحدهم يطلب منه شيئا معينا، والثانى يطلب منه شيئا يباين ما طلبه ~~الأول، والثالث يطلب منه ما يتناقض مع ما طلبه الأول والثانى... وهو حائر ~~بينهم جميعا، لا يدرى أو يطيع ما أمره به الأول أم الثانى أم الثالث. # ..؟ لأنه لا يملك أن يطيع أهواءهم المتنازعة التى تمزق أفكاره وقواه. ~~هذا هو مثل المشرك فى حيرته وضلاله وانتكاس حاله. أما مثل المؤمن فهو ~~كمثل عبد مملوك لسيد واحد، وخالص لفرد واحد، وليس لغيره من سبيل إليه، ~~فهو يخدم سيده بإخلاص وطاعة، لأنه يعرف ماله وما عليه، وفى راحة تامة من ~~الحيرة والمتاعب التى انغمس فيها ذلك العبد الذى يملكه الشركاء ~~المتشاكسون. فالمقصود بهذين المثلين بيان ما عليه العبد المشرك من ضلال ~~وتحير وتمزق، وما عليه العبد المؤمن من هداية واستقرار واطمئنان. واختار ~~- سبحانه - الرجل لضرب المثلين، لأنه أتم معرفة من غيره لما يتعبه ولما ~~يريحه ولما يسعده ولما يشقيه. قال صاحب الكشاف - رحمه الله - عند تفسيره ~~لهذه الآية واضرب - يا محمد - لقومك مثلا وقل لهم ما تقولون فى رجل من ~~المماليك قد اشترك فيه شركاء، بينهم اختلاف وتنازع. كل واحد منهم يدعى ~~أنه عبده، فهم يتجاذبونه، ويتعاورونه فى مهن شتى، وإذا عنت له حاجة ~~تدافعوه، فهو متحير فى أمره، قد تشعبت الهموم قلبه، وتوزعت أفكاره، لا ~~يدرى أيهم يرضى بخدمته، وعلى أيهم يعتمد فى حاجاته. وفى آخر قد سلم لمالك ~~واحد وخلص له، فهو معتنق لما لزمه من خدمته معتمد عليه فيما يصلحه، فهمه ~~واحد، وقلبه مجتمع، أى هذين العبدين أحسن وأجمل شأنا؟ والمراد تمثيل حال ~~من يثبت آلهة شتى... ويبقى متحيرا ضائعا لا يدرى أيهم يعبد، وممن يطلب ~~رزقه؟ ms4422 فهمه شعاع - بفتح الشين أى متفرق -، وقلبه أوزاع، وحال من لم ~~يثبت إلا إلها واحدا، فهو قائم بما كلفه، عارف بما أرضاه وما أسخطه، ~~متفضل عليه فى عاجله، مؤمل للثواب فى آجله. والاستفهام فى قوله - تعالى - ~~{ هل يستويان مثلا } للإنكار والاستبعاد. أى لا يستوى الرجل ~~الذى فيه شركاء متشاكسون، والرجل الذى سلم لرجل آخر، فى رأى أى ناظر، وفى ~~عقل أى عاقل، فالأول فى حيرة من أمره، والثانى على بينة من شأنه. وساق - ~~سبحانه - هذا المعنى فى صورة الاستفهام، للإشعار بأن ذلك من الجلاء ~~والوضوح بحيث لا يخفى على كل ذى عقل سليم. وانتصب لفظ " مثلا " على ~~التمييز المحول عن الفاعل، لأن الأصل هل يستوى مثلهما وحالهما؟ وجملة { ~~الحمد لله } تقرير وتأكيد لما قبلها من نفى الاستواء واستبعاده، ~~وتصريح بأن ما عليه المؤمنون من إخلاص فى العبودية لله - تعالى - يستحق ~~منهم كل شكر وثناء على الله - عز وجل - حيث وفقهم لذلك. وقوله - تعالى - ~~{ بل أكثرهم لا يعلمون } إضراب وانتقال من بيان عدم ~~الاستواء على الوجه المذكور، إلى بيان أن أكثر الناس وهم المشركون لا ~~يعلمون هذه الحقيقة مع ظهورها ووضوحها لكل ذى عينين يبصرهما، وعقل يعقل ~~به. # ثم أخبر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم بأن الموت سينزل به كما ~~سينزل بأعدائه الذين يتربصون به ريب المنون، ولكن فى الوقت الذى يشاؤه ~~الله - تعالى - فقال - { إنك ميت وإنهم ميتون }. أى ~~إنك - أيها الرسول الكريم - سيلحقك الموت، كما أنه سيلحق هؤلاء المشركين ~~لا محالة، وما دام الأمر كذلك فأى موجب لتعجل الموت الذى يعم الخلق ~~جميعا. وجاء الحديث عن حلول الموت به صلى الله عليه وسلم وبأعدائه، ~~بأسلوب التأكيد، للإيذان بأنه لا معنى لاستبطائهم لموته صلى الله عليه ~~وسلم ولا للشماتة به صلى الله عليه وسلم إذا ما نزل به الموت، إذ لا يشمت ~~الفانى فى الفانى مثله. ثم بين - سبحانه - ما يكون بينه وبينهم يوم ~~القيامة فقال { ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم ~~تختصمون }. أى ثم إنكم جميعا يوم القيامة ms4423 عند ربكم وخالقكم تختصمون ~~وتحتكمون، فتقيم عليهم - أيها الرسول الكريم - الحجة، بأنك قد بلغت ~~الرسالة، وهم يعتذرون بالأباطيل والتعليلات الكاذبة، والأقوال الفاسدة، ~~وسينتقم ربك من الظالم للمظلوم، ومن المبطل للمحق. هذا، وقد ساق الإمام ~~ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية، جملة من الأحاديث والآثار فقال ما ملخصه ~~ثم إن هذه الآية - وإن كان سياقها فى المؤمنين والكافرين، وذكر الخصومة ~~بينهم فى الدار الآخرة - فإنها شاملة لكل متنازعين فى الدنيا، فإنه تعاد ~~عليهم الخصومة فى الدار الآخرة. روى ابن أبى حاتم عن الزبير بن العوام - ~~رضى الله عنه - قال # " لما نزلت هذه الآية قلت يا رسول الله أتكرر علينا الخصومة؟ قال نعم. ~~قلت إن الأمر إذا لشديد ". # وروى الإمام أحمد عن أبى سعيد الخدرى قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " والذي نفسي بيده إنه ليختصم حتى الشاتان فيما انتطحتا ". # وقال ابن عباس يخاصم الصادق الكاذب، والمظلوم الظالم، والمهدى ~~الضال، والضعيف المستكبر. ثم بين - سبحانه - أنه لا أحد أشد ~~ظلما ممن كذب على الله - تعالى - وكذب بالصدق إذ جاءه، وأن من صفات ~~المتقين أنهم يؤمنون بالحق، ويدافعون عنه، وأنه - سبحانه - سيكفر عنهم ~~سيئاتهم... فقال - تعالى - { فمن أظلم ممن كذب على ~~الله... }. ### || [39.32-37] # والفاء فى قوله - تعالى - { فمن أظلم ممن كذب على ~~الله... } لترتيب ما بعدها على ما قبلها، والاستفهام للإنكار والنفى. ~~أى ما دام الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - من أنك ستموت وهم ~~سيموتون، وأنكم جميعا ستقفون أمام ربكم للحساب والجزاء.. فلا أحد أشد ~~ظلما من هؤلاء المشركين الذين كذبوا على الله، بأن عبدوا من دونه آلهة ~~أخرى، ونسبوا إليه الشريك أو الولد، ولم يكتفوا بكل ذلك، بل كذبوا بالأمر ~~الصدق وقت أن جئتهم به من عند ربك. والتعبير بقوله { وكذب ~~بالصدق إذ جآءه } يدل على أنهم بادروا بتكذيب ما جاءهم به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم من عند ربه، بمجرد أن سمعوه، ودون أن يتدبروه ~~أو يفكروا فيه. وتكذيبهم بالصدق، يشمل تكذيبهم للقرآن الكريم، ولكل ما ~~جاءهم ms4424 به الرسول صلى الله عليه وسلم. والاستفهام فى قوله - تعالى - { ~~أليس في جهنم مثوى للكافرين } للتقرير. والمثوى ~~المكان مأخوذ من قولهم ثوى فلان بمكان كذا، إذا أقام به. يقال ثوى ~~يثوى ثواء، كمضى يمضى مضاء.. أى أليس فى جهنم مكانا يكفى لإهانة ~~الكافرين وإذلالهم وتعذيبهم؟ بل إن فيها لمكانا يذلهم ويذوقون فيه سوء ~~العذاب. ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة أهل الصدق والإيمان فقال { ~~والذي جآء بالصدق وصدق به أولئك هم ~~المتقون }. والمراد بالذى جاء بالصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمراد بالذى صدق به ما يشمل الرسول صلى الله عليه وسلم ويشمل كل من آمن ~~به واتبعه فيما جاء به، كأبى بكر الصديق وغيره من الصحابة. قال الآلوسى ~~ما ملخصه قوله - تعالى - { والذي جآء بالصدق وصدق به } ~~الموصول عبارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخرجه ابن جرير وغيره ~~عن ابن عباس... والمؤمنون داخلون بدلالة السياق وحكم التبعية، دخول الجند ~~فى قولك نزل الأمير موضع كذا.. والجمع فى قوله - تعالى - { أولئك ~~هم المتقون } باعتبار دخول الأتباع تباعا ومراتب التقوى متفاوتة، ~~ولرسول الله صلى الله عليه وسلم أعلاها... ثم بين - سبحانه - ما أعده ~~لهؤلاء المتقين من نعيم فقال { لهم ما يشآءون عند ربهم... ~~}. أى لهؤلاء المتقين كل ما يشاءونه عند ربهم ومالك أمرهم، بسبب تصديقهم ~~للحق، واتباعهم لما جاءهم به رسولهم صلى الله عليه وسلم. وفى قوله { ~~عند ربهم } تكريم وتشريف لهم. وقوله { ذلك جزآء ~~المحسنين } أى ذلك الذى ذكرناه من حصولهم على ما يشتهونه جزاء من ~~أحسنوا فى أقوالهم وأفعالهم. ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر تكريمه ~~لهم، ورحمته بهم فقال { ليكفر الله عنهم أسوأ الذي ~~عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا ~~يعملون }. # واللام فى قوله { ليكفر... } متعلقة بمحذوف، أى أعطاهم - سبحانه ~~- ما أعطاهم من فضله ورحمته ليكفر عنهم أسوأ الذنوب التى عملوها، كالكفر ~~قبل الإسلام، بأن يغفر لهم ذلك ولا يؤاخذهم عليه. وإذا غفر الله - تعالى ~~- لهؤلاء المتقين أسوأ أعمالهم، غفر لهم - بفضله ورحمته ما هو ms4425 دونه ~~بالطريق الأولى. { ويجزيهم أجرهم } أى ويعطيهم ثواب أعمالهم ~~{ بأحسن الذي كانوا يعملون } أى يعطيهم فى مقابل عملهم ~~الصالح فى الدنيا جنات فيها ما لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب ~~بشر. على هذا التفسير يكون قوله - تعالى - أسوأ وأحسن، أفعل تفضيل حيث ~~كفر - سبحانه - عنهم أسوأ أعمالهم، وكافأهم على أعمالهم بما هو أحسن منها ~~وهو الجنة. وهذا منتهى الفضل والإحسان من الله - تعالى - لعباده ~~المتقين، حيث عاملهم بالفضل ولم يعاملهم بالعدل. ومنهم من يرى أن قوله ~~أسوأ وأحسن، بمعنى السيئ والحسن، فيكون أفعل التفضيل ليس على بابه، وإلى ~~هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله ما معنى إضافة الأسوأ والأحسن إلى ~~الذى عملوا؟ وما معنى التفضيل فيهما؟. قلت أما الإضافة فما هى من إضافة ~~أفعل إلى الجملة التى يفضل عليها، ولكن من إضافة الشئ إلى ما هو بعضه من ~~غير تفضيل. كقولك الأشج أعدل بنى مروان. وأما التفضيل فإيذان بأن السيئ ~~الذى يفرط منهم من الصغائر والزلات المكفرة، هو عندهم الأسوأ لاستعظامهم ~~المعصية، والحسن الذى يعملونه هو عند الله الأحسن لحسن إخلاصهم فيه، ~~فلذلك ذكر سيئهم بالأسوأ، وحسنهم بالأحسن. ثم بين - سبحانه - عصمته لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم بأبلغ وجه وأتمه فقال { أليس الله بكاف ~~عبده ويخوفونك بالذين من دونه }. وقراءة الجمهور { ~~عبده } بالإفراد وقرأ حمزة والكسائى { عباده } والاستفهام للتقرير. قال ~~القرطبى وذلك أنهم خوفوا النبى صلى الله عليه وسلم مضرة الأوثان فقالوا ~~له أتسب آلهتنا لئن لم تنته عن ذكرها لتصيبنك بالسوء. وقال قتادة مشى ~~خالد بن الوليد إلى العزى ليكسرها بالفأس، فقال له سادتها احذرك منها يا ~~خالد، فإن لها شدة لا يقوم لها شئ. فعمد خالد إلى العزى فهشم أنفها حتى ~~كسرها، وتخويفهم لخالد تخويف للنبى صلى الله عليه وسلم لأنه هو الذى ~~أرسله. ويدخل فى الآية تخويفهم النبى صلى الله عليه وسلم بكثرة جمعهم ~~وقوتهم.. والمعنى أليس الله - تعالى - بكاف عبده محمدا صلى الله عليه ~~وسلم من كل سوء؟ وكاف عباده المؤمنين الصادقين من ms4426 أعدائهم؟ بلى إنه - ~~سبحانه - لعاصم نبيه صلى الله عليه وسلم من أعدائه، ولناصر عباده المتقين ~~على من ناوأهم. والحال أن هؤلاء المشركين يخوفونك - أيها الرسول الكريم - ~~من أصنامهم التى يعبدونها من دونه - تعالى -، مع أن هذه الآلهة الباطلة ~~أتفه من أن تدافع عن نفسها فضلا عن غيرها. # { ومن يضلل الله } أى من يضلله الله - تعالى - { فما له ~~من هاد } يهديه إلى الصراط المستقيم. { ومن يهد الله } أى ~~ومن يهده الله - تعالى - إلى طريق الحق والصواب. { فما له من ~~مضل } أى فما له من أحد كائنا من كان يستطيع إضلاله. { أليس ~~الله بعزيز ذي انتقام } بلى إنه - سبحانه - لعزيز لا يغلبه ~~غالب، ولا يمانعه مانع، ولا ينازعه منازع. ولذو انتقام شديد من أعدائه، ~~ولا يستطيع أحد أن يمنع انتقامه منهم. ثم حكى - سبحانه - ما كان عليه ~~هؤلاء المشركون من تناقض بين أقوالهم وأفعالهم. وأمر النبى صلى الله عليه ~~وسلم أن يهددهم بسوء المصير إذا ما استمروا على كفرهم... فقال - تعالى - ~~{ ولئن سألتهم من خلق السماوات... }. ### || [39.38-44] # والمعنى ولئن سألت - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المشركين من الذى خلق ~~هذه السموات التى ترونها بأعينكم، وخلق هذه الأرض التى فوقها تعيشون.. ~~لئن سألتهم هذا السؤال، لا يملكون فى الإجابة عليه إلا إن يقولوا خلقهم ~~الله، فلفظ الله فاعل لفعل محذوف. وقولهم هذا دليل واضح على تناقضهم مع ~~أنفسهم. لأنهم يعترفون بأن الخالق هو الله، ولكنهم يشركون معه فى العبادة ~~آلهة أخرى لا تنفع ولا تضر. ولذا أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه ~~وسلم أن يقول لهم مبكتا وموبخا { قل أفرأيتم ما تدعون من ~~دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ~~ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته ~~}؟ أى قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاهلين إذا كان الأمر كما ~~ذكرتم من أن الخالق لهذا الكون هو الله، فأخبرونى عن هذه الآلهة التى ~~تعبدونها من دونه - سبحانه - أتستطيع أن تدفع ضرا أراده الله - تعالى - ~~بى؟ أم تستطيع أن تمنع رحمة أو خيرا ms4427 أعطاه الله لى؟ كلا إنها لا تستطيع ~~شيئا من ذلك، وعبادتكم لها إنما هى نوع من السفه والحماقة. وقال - سبحانه ~~- { هل هن... } بالتأنيث على سبيل التحقير لتلك الآلهة المزعومة، ~~ولأنهم كانوا يسمونها بأسماء الإناث، كاللات، والعزى، ومناة. إلخ. وقدم ~~الضر لأن دفعه أهم، وعلق - سبحانه - إرادة الضر والرحمة بذاته صلى الله ~~عليه وسلم فقال { إن أرادني الله بضر... } ليرد عليهم ردا ~~يخرس ألسنتهم، حيث خوفوه صلى الله عليه وسلم منها وزعموا أنه لو استمر فى ~~تحقيرها فإنها ستؤذيه. قال صاحب الكشاف فإن قلت لم فرض المسألة فى نفسه ~~دونهم؟ قلت لأنهم خوفوه مضرة الأوثان وتخبيلها، فأمر بأن يقررهم - أولا - ~~بأن خالق العالم هو الله وحده، ثم يقول لهم بعد التقرير فإذا أرادنى خالق ~~العالم الذى أقررتم به بضر من مرض أو فقر أو غير ذلك من النوازل، أو ~~برحمة من صحة أو غنى أو نحوهما. هل هؤلاء اللائى خوفتمونى إياهن كاشفات ~~عنى ضره، أو ممسكات رحمته، حتى إذا ألقمهم الحجر وقطعهم، حتى لا يحيروا ~~ببنت شفة قال { حسبي الله } كافيا لمضرة أوثانكم { عليه ~~يتوكل المتوكلون } وفيه تهكم. ويروى أنه صلى الله عليه ~~وسلم سألهم فسكتوا، فنزل { قل حسبي الله.. } أى قل - أيها ~~الرسول الكريم - فى الرد عليهم وفى السخرية من آلهتم الله - تعالى - ~~الخالق لكل شئ، كافينى فى جميع أمورى، وعاصمنى من كيدكم وكيد من تتوهمون ~~كيده، وعليه وحده لا على غيره يتوكل المتوكلون، لعلمهم أن كل ما سواه تحت ~~ملكوته وقدرته. # ثم أمره - سبحانه - مرة أخرى أن يتحداهم وأن يتهددهم فقال { قل ~~يقوم اعملوا على مكانتكم } أى وقل لهم للمرة الثالثة ~~اعملوا ما شئتم عمله من العداوة لى، والتهديد بآلهتكم. والمكانة مصدر مكن ~~- ككرم -، يقال مكن فلان من الشئ مكانة، إذا تمكن منه أبلغ تمكن. أى ~~اعملوا ما فى إمكانكم عمله معى. والأمر للتهديد والوعيد. { إني ~~عامل } أى إنى سأقابل عملكم السيئ بعمل أحسن من جانبى، وهو الدعوة إلى ~~وحدانية الله، وإلى مكارم الأخلاق. { فسوف تعلمون } من منا الذى ms4428 ~~ينجح فى عمله، ومن منا يأتيه عذاب يخزيه ويفضحه ويهينه فى الدنيا، ومن ~~منا الذى يحل عليه عذاب مقيم فى الآخرة. فالمراد بالعذاب المخزى عذاب ~~الدنيا، والمراد بالعذاب المقيم عذاب الآخرة. ولقد تحقق ما توعدهم - ~~سبحانه - به، حيث أنزل عليهم عقابه فى بدر وفى غيرها فأخزاهم وهزمهم، أما ~~عذاب الآخرة فهو أشد وأبقى. ثم أخذت السورة الكريمة فى تسلية الرسول صلى ~~الله عليه وسلم عما أصابه منهم، فقال - تعالى - { إنآ أنزلنا ~~عليك الكتاب للناس بالحق... }. أى إنا أنزلنا عليك - ~~أيها الرسول الكريم - القرآن لأجل منفعة الناس ومصلحتهم، وقد أنزلناه ~~متلبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل. { فمن اهتدى } إلى الصراط ~~المستقيم، وإلى الحق المبين فهدايته تعود إلى نفسه { ومن ضل } عن ~~الطريق المستقيم، فإثم ضلاله. وإنما يعود على نفسه وحدها. { ومآ أنت ~~عليهم } يا محمد { بوكيل } أى بمكلف بهدايتهم، وبإجبارهم على ~~اتباعك، وإنما أنت عليك البلاغ، ونحن علينا الحساب. ثم ساق - سبحانه - ما ~~يدل على كمال قدرته، ونفاذ مشيئته فقال - تعالى - { الله يتوفى ~~الأنفس حين موتها... }. أى الله - بقدرته وحدها يقبض أرواح ~~مخلوقاته حين انتهاء آجالها بأن يقطع تعلقها بالأجسام قطعا كليا، ويسلب ~~هذه الأجسام والأبدان ما به قوام حياتها، بأن تصير أجساما هامدة لا إدراك ~~لها. ولا حركة فيها. وقوله - تعالى - { والتي لم تمت في ~~منامها } معطوف على الأنفس، أى يسلب الحياة عن الأنفس التى انتهى ~~أجلها سلبا ظاهرا وباطنا، ويسلب الحياة عنها سلبا ظاهرا فقط فى حال ~~نومها، إذ أنها فى حالة النوم تشبه الموتى من حيث عدم التمييز والتصرف. ~~فالآية الكريمة تشير إلى أن التوفى للأنفس أعم من الموت، إذ أن هناك ~~وفاتين. وفاة كبرى وتكون عن طريق الموت، ووفاة صغرى وتكون عن طريق النوم. ~~كما قال - تعالى - # وهو الذي يتوفاكم باليل... # أى يجعلكم تنامون فيه نوما يشبه الموت فى انقطاع الإدراك والإحساس. ~~وقوله - تعالى - { فيمسك التي قضى عليها الموت ~~ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى } بيان لحالة الأنفس التى ~~انتهى أجلها، والتى لم ينته أجلها بعد. # أى ms4429 الله - تعالى - وحده هو الذى يتوفى الأنفس حين الموت، وحين النوم، ~~أما الأنفس التى انتهى أجلها فيمسك - سبحانه - أرواحها إمساكا تاما بحيث ~~لا تعود إلى أبدانها مرة أخرى، وأما التى لم يحن وقت موتها، فإن الله - ~~تعالى - يعيدها إلى أبدانها عند اليقظة من نومها، وتستمر على هذه الحالة ~~إلى أجل مسمى فى علمه - تعالى - فإذا ما انتهى أجلها الذى حدده - سبحانه ~~- لها، خرجت تلك الأرواح من أبدانها خروجا تاما، كما هو الشأن فى الحالة ~~الأولى. ولا شك أن الله - تعالى - الذى قدر على ذلك، قادر أيضا - على ~~إعادة الأرواح إلى أجسادها عند البعث والنشور يوم القيامة. فالآية ~~الكريمة مسوقة لبيان كمال قدرة الله - تعالى - ولبيان أن البعث حق، وأنه ~~يسير على قدرة الله التى لا يعجزها شئ. ولا منافاة بين هذه الآية التى ~~صرحت بأن الله - تعالى - هو الذى يتوفى الأنفس عند موتها، وبين قوله - ~~تعالى - # قل يتوفاكم ملك الموت... # وقوله - تعالى - # حتى إذا جآء أحدكم الموت توفته رسلنا... # لأن المتوفى فى الحقيقة هو الله - تعالى - وملك الموت إنما يقبض الأرواح ~~بإذنه - سبحانه - ولملك الموت أعوان وجنود من الملائكة ينتزعون الأرواح ~~بأمره المستمد من أمر الله - عز وجل -. قال القرطبى " فإذا يقبض الله ~~الروح فى حالين فى حالة النوم وحالة الموت، فما قبضه فى حال النوم فمعناه ~~أنه يغمره بما يحبسه عن التصرف فكأنه شئ مقبوض. وما يقبضه فى حال الموت ~~فهو يمسكه ولا يرسله إلى يوم القيامة. وفى الآية تنبيه على عظيم قدرته، ~~وانفراده بالألوهية، وأنه يفعل ما يشاء ويحيى ويميت، ولا يقدر على ذلك ~~سواه. واسم الإشارة فى قوله { إن في ذلك لآيات لقوم ~~يتفكرون } يعود إلى المذكور من التوفى والإمساك والإرسال. أى إن ~~فى ذلك الذى ذكرناه لكم من قدرتنا على توفى الأنفس وإمساكها وإرسالها، ~~لآيات بينات على وحدانيتنا وقدرتنا، لقوم يحسنون التأمل والتفكير ~~والتدبر، فيما أرشدناهم إليه وأخبرناهم به. ثم نعى - سبحانه - على الكفار ~~غفلتهم وعدم تفكرهم فقال { أم اتخذوا من دون الله شفعآء ~~قل أولو ms4430 كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون }. و ~~" أم " هنا بمعنى بل والهمزة، والاستفهام للإنكار، والمراد بالشفعاء تلك ~~الأصنام التى زعموا أنها ستشفع لهم يوم القيامة. والمعنى لقد ترك هؤلاء ~~المشركون التفكر والتدبر فى دلائل وحدانيته وقدرته - سبحانه - ولم ~~يلتفتوا إلى ما ينفعهم، بل اتخذوا الأصنام آلهة لينالوا بواسطتها الشفاعة ~~عند الله. قل لهم - أيها الرسول الكريم - مرشدا ومنبها أتفعلون ذلك ولو ~~كانت هذه الآلهة لا تملك شيئا من أمرها، ولا تعقل شيئا مما يتوجهون به ~~إليها؟ ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم أن الله ~~- تعالى - هو مالك الشفاعة كلها، وأنه لن يستطيع أحد أن يشفع إلا بإذنه، ~~فقال { قل لله الشفاعة جميعا. # .. }. أى قل لهم الله - تعالى - هو المالك للشفاعة كلها، وآلهتكم هذه لا ~~تملك شيئا من ذلك، بل أنتم وآلهتكم - أيها المشركون - ستكونون وقودا لنار ~~جهنم. وهو سبحانه - { له ملك السماوات والأرض } ملكا تاما ~~لا تصرف لأحد فى شئ منهما معه، ولا شفاعة لأحد إلا بإذنه. { ثم ~~إليه ترجعون } يوم القيامة فيحاسبكم على أعمالكم، ويجازى الذين ~~أساءوا بما عملوا ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. ثم بين - سبحانه - أحوال ~~هؤلاء المشركين، عندما يذكر - سبحانه - وحده دون أن تذكر معه آلهتهم، كما ~~بين أحوالهم السيئة يوم القيامة، وكيف أنهم يندمون ولا ينفعهم الندم، ~~وكيف أنهم لو ملكوا فى هذا اليوم ما فى الأرض جميعا ومثله معه، لقدموه ~~فداء لأنفسهم من أهوال عذاب يوم القيامة.. فقال - تعالى - { وإذا ~~ذكر الله وحده اشمأزت... }. ### || [39.45-52] # وقوله - تعالى - { اشمأزت.. } أى نفرت وانقبضت وذعرت، مأخوذ من ~~الشمز، وهو نفور النفس مما تكرهه. قال الإمام الرازى أعلم أن هذا ~~نوع آخر من الأعمال القبيحة للمشركين وهو أنك إذا ذكرت الله وحده.. ظهرت ~~آثار النفرة فى وجوههم وقلوبهم، وإذا ذكرت الأصنام والأوثان ظهرت آثار ~~الفرح.. وذلك يدل على الجهل والحماقة، لأن ذكر الله رأس السعادة، وعنوان ~~الخيرات، وأما ذكر الأصنام فهو رأس الحماقات.. أى إنك - أيها الرسول ~~الكريم - إذا ذكرت الله - تعالى - وحده، ونسبت ms4431 إليه ما يليق به - سبحانه ~~- من وحدانيته وقدرته.. دون أن تذكر معه الأصنام اشمأزت وانقبضت وذعرت ~~نفوس هؤلاء المشركين الجهلاء، أما إذا ذكرت آلهتهم سواء أذكرت الله - ~~تعالى - معها أم لم تذكره، إذا هم يستبشرون ويبتهجون. والتعبير ~~بالاشمئزاز والاستبشار، يشعر بأنهم قد بلغوا الغاية فى الأمرين، فهم عند ~~ذكر الله - تعالى - تمتلئ قلوبهم إلى نهايتهم غما وهما وانقباضا وذعرا. ~~وعند ذكر أصنامهم تمتلئ قلوبهم إلى نهايتها - أيضا - بهجة وسرورا حتى ~~لتظهر آثار ذلك على بشرتهم... وحالهم هذا يدل على أنهم قد بلغوا الغاية - ~~أيضا - فى الجهالة والسفاهة والغفلة.. وهذا الذى ذكرته الآية الكريمة من ~~اشمئزاز الكافرين عند ذكر الله - تعالى - واستبشارهم عند ذكر غيره، نرى ~~ما يشبهه عند كثير من الناس... فكم من أناس إذا حدثتهم عن ذات الله - ~~تعالى - وصفاته، وعن سلامة دينه وتشريعاته، وعن آداب قرآنه وهداياته، وعن ~~كل ما يتعلق بوجوب تنفيذ أوامره ونواهيه.. انقبضت نفوسهم، واكفهرت ~~وجوههم، وتمنوا لو أنك تركت الحديث عن ذلك. أما إذا سمعوا ما يتعلق ~~بالتشريعات والنظم التى هى من صنع البشر - استبشرت نفوسهم، وابتهجت ~~أساريرهم. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ~~آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ~~ولوا على أدبارهم نفورا # وقال الآلوسى وقد رأينا كثيرا من الناس على نحو هذه الصفة التى وصف الله ~~- تعالى - بها المشركين، يهشون لذكر أموات يستغيثون بهم ويطلبون منهم، ~~ويطربون من سماع حكايات كاذبة عنهم.. وينقبضون من ذكر الله - تعالى - ~~وحده - ونسبة الاستقلال بالتصرف إليه - عز وجل - وسرد ما يدل على مزيد ~~عظمته وجلاله. وينفرون ممن يفعل ذلك كل النفرة، وينسبونه إلى ما يكره.. ~~ثم أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يلتجئ إلى خالقه وحده ~~من شرور هؤلاء المشركين، وأن يفوض أمره إليه، فقال - تعالى - { قل ~~اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب ~~والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه ~~يختلفون }. # ولفظ { اللهم } أصله يا الله. فلما استعمل دون حرف النداء. عوض عنه ms4432 ~~بالميم المشددة التى فى آخره. ولفظ " فاطر، وعالم " منصوبان على النداء. ~~أى قل - أيها الرسول الكريم - على سبيل الاستعاذة والاعتزال لما عليه ~~هؤلاء المشركون من جهل وسفه، يا الله، يا خالق السموات والأرض ويا عالم ~~الغائب والمشاهد والخفى والظاهر من أمور خلقك، أنت وحدك الذى تحكم بين ~~عبادك فيما كانوا فيه يختلفون فى الدنيا، فتجازى كل نفس بما تستحقه من ~~ثواب أو عقاب. وما دام الأمر كذلك، فاهدنى إلى صراط المستقيم، وجنبنى ~~الشرك والمشركين. فالمقصود بالآية الكريمة تسلية الرسول صلى الله عليه ~~وسلم عما فعله المشركون معه، وإرشاده إلى ما يعصمه من كيدهم. وتعليم ~~العباد وجوب الالتجاء إلى الله - تعالى - وحده - لدفع كيد أعدائه عنهم. ~~وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسير لهذه الآية جملة من الأحاديث، منها ~~ما رواه الإمام مسلم فى صحيحه عن أبى مسلمة بن عبد الرحمن قال سألت ~~عائشة بأى شئ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته إذا قام من ~~الليل؟ قالت كان إذا قام من الليل افتتح صلاته بقوله " اللهم رب جبريل ~~وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض. عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم ~~بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، أهدنى لما اختلف فيه من الحق ~~بإذنك، إنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم... ". وقال صاحب الكشاف " بعل - ~~بكسر العين - أى دهش وفزع رسول الله صلى الله عليه وسلم من شدة شكيمتهم ~~فى الكفر، فقيل له " ادع الله بأسمائه الحسنى، وقل أنت وحدك تقدر على ~~الحكم بينى وبينهم، ولا حيلة لغيرك فيهم " وفيه وصف حالهم، وإعذار لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وتسلية له، ووعيد لهم.. وبعد هذه التسلية من ~~الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم بين - سبحانه - لهؤلاء الذين ~~إذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوبهم.. بين لهم ما لهم من سوء المصير فقال { ~~ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله ~~معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة.. ~~}. أى أن العذاب المعد لهؤلاء المشركين شئ رهيب، ولو أن لهم جميع ms4433 ما أعد ~~فى الأرض من خيرات، ولهم - أيضا - مثل ذلك منضما إليه، لقدموه فداء ~~لأنفسهم، أملا فى النجاة من سوء العذاب الذى ينتظرهم يوم القيامة. فالآية ~~الكريمة وعيد لهم ليس بعده وعيد، وتيئيس لهم من النجاة ليس بعده تيئيس. ~~ومن الآيات الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - # إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض ~~جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم ~~القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم. ~~يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين ~~منها ولهم عذاب مقيم # ثم هددهم - سبحانه - بتهديد آخر فقال { وبدا لهم من الله ~~ما لم يكونوا يحتسبون }. أى وظهر لهم يوم القيامة من ألوان ~~العقوبات، ومن فنون الآلام، ما لم يكونوا فى الدنيا يظنون أنه سيقع بهم، ~~وما لم يكن واردا فى حسبانهم. قال صاحب الكشاف وقوله - تعالى - { وبدا ~~لهم من الله... } وعيد لهم بعذاب مادروا كنهه لفظاعته وشدته، ~~وهو نظير قوله - تعالى - فى الوعد # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين.. # والمعنى وظهر من سخط الله وعذابه، ما لم يكن قط فى حسابهم، وما لم ~~يحدثوا به أنفسهم. وقيل عملوا أعمالا حسبوها حسنات، فإذا هى سيئات. وعن ~~سفيان الثورى أنه قرأها فقال ويل. لأهل الرياء. ويل لأهل الرياء. وجزع ~~بعض الصالحين عند موته، فسئل عن سبب ذلك فقال أخشى أن يبدو لى من الله ما ~~لم أحتسبه، ثم قرأ هذه الآية. ثم تهديد ثالث يتمثل فى قوله - تعالى - { ~~وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا ~~به يستهزئون }. والمراد بسيئات ما كسبوا الأعمال السيئة التى ~~اكتسبوها فى دنياهم، وهذا البدو والظهور يكون عند عرض صحائف أعمالهم ~~عليهم. و " ما " موصولة أو مصدرية. أى وظهر لهم عند عرض صحائف أعمالهم ~~عليهم يوم القيامة، الذى عملوه واكتسبوه فى الدنيا من رذائل { وحاق ~~بهم } أى وأحاط ونزل بهم العذاب الذى كانوا يستهزئون به فى حياتهم ~~ويتهكمون بمن كان يحذرهم منه فى الدنيا. وبعد هذا التصوير الرهيب لمصير ms4434 ~~هؤلاء المشركين يوم القيامة، عادت السورة إلى بيان تناقضهم مع أنفسهم، ~~فهم إن سئلوا عمن خلق السموات والأرض، قالوا إن خالقهما هو الله، ومع ذلك ~~يعبدون غيره وتشمئز قلوبهم عند ذكره وحده. وهم يتقربون إلى آلهتهم ~~بالطاعات، ومع ذلك فهم عند نزول الشدائد بهم، ينسون تلك الآلهة ويتجهون ~~إلى الله - تعالى - وحده بالدعاء. لنستمع إلى السورة الكريمة وهى تحكى ~~أحوالهم فى السراء والضراء فتقول { فإذا مس الإنسان ضر ~~دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنمآ ~~أوتيته على علم... } والمراد بالإنسان هنا هو جنس الكفار، ~~بدليل سياق، الآيات وسباقها ويصح أن يراد به جنس الإنسان عموما، ويدخل ~~فيه الكفار دخولا أوليا. أى فإذا أصاب الإنسان ضر، من مرض أو فقر أو ~~نحوهما، دعانا قاعدا أو قائما. لكى نكشف عنه ما نزل به من بلاء. { ثم ~~إذا خولناه نعمة منا... } أى ثم إذا أجبنا لهذا الإنسان ~~دعوته وكشفنا عنه الضر وأعطيناه على سبيل التفضل والإحسان نعمة من ~~عندنا، بأن حولنا مرضه إلى صحة، وفقره إلى غنى. # { قال } هذا الإنسان الظلوم الكفار { إنمآ أوتيته على ~~علم } منى بوجوه المكاسب، أو على علم منى بأن سأعطى هذه النعمة، بسبب ~~استعدادى واجتهادى وتفوقى فى مباشرة الأسباب التى توصل إلى الغنى والجاه. ~~وقال - سبحانه - { خولناه } لأن التخويل معناه العطاء بدون مقابل، ~~مع تكراره مرة بعد مرة. وجاء الضمير فى قوله { أوتيته } مذكرا مع أنه ~~يعود إلى النعمة. لأنها بمعنى الإنعام. أى إذا خولناه شيئا من الإنعام ~~الذى تفضلنا به عليه، قال إنما أوتيته على علم وتبوغ عندى. وقوله - تعالى ~~- { بل هي فتنة } رد لقوله ذلك، وزجر لهذا الجاحد عما تفوه به. ~~أى ليس الأمر كما زعم هذا الجاحد، فإننا ما أعطيناه هذه النعم بسبب علمه ~~- كما زعم - وإنما أعطيناه ما أعطيناه على سبيل الإحسان منا عليه، وعلى ~~سبيل الابتلاء والاختبار له، ليتبين قوى الإيمان من ضعيفه، وليتميز ~~الشاكر من الجاحد. { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أى ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون هذه الحقائق، ولا يفطن إليها ms4435 إلا من استنارت ~~بصيرته، وطهرت سيريرته. قال صاحب الكشاف فإن قلت ما السبب فى عطف هذه ~~الآية بالفاء، وعطف مثلها فى أول السورة بالواو؟ قلت السبب فى ذلك أن هذه ~~وقعت مسببة من قوله { وإذا ذكر الله وحده اشمأزت ~~قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة } على معنى أنهم يشمئزون ~~من ذكر الله، ويستبشرون بذكر الآلهة. فإذا مس أحدهم ضر دعا من اشمأز من ~~ذكره، دون من استبشر بذكره، وما بينهما من الآى اعتراض.. ثم بين - سبحانه ~~- المصير السيئ للجاحدين السابقين ليعتبر بهم اللاحقون فقال { قد ~~قالها الذين من قبلهم فمآ أغنى عنهم ما ~~كانوا يكسبون }. والضمير فى قوله { قالها } يعود إلى ما حكاه ~~- سبحانه - عن هذا الإنسان الجاحد من قوله { إنمآ أوتيته على ~~علم }. فهذه الكلمة قد قالها قارون عندما نصحه الناصحون، فقد رد عليهم ~~بقوله # إنمآ أوتيته على علم عندي # فكانت نهايته أن خسف الله به وبداره الأرض. أى قد قال هذه الكلمة الدالة ~~على الجحود والغرور، بعض الأقوام الذين سبقوا قومك والذين يشبهونهم فى ~~البطر والكنود، فكانت نتيجة ذلك أن أخذهم الله - تعالى - أخذ عزيز مقتدر، ~~ولم ينفعهم شيئا ما جمعوه من حطام الدنيا، وما اكتسبوه من متاعها. { ~~فأصابهم سيئات ما كسبوا... } أى فأصاب هؤلاء السابقين، ~~العقاب الذى يستحقونه بسبب سيئاتهم التى اكتسبوها واقترفوها فى دنياهم. ~~فالكلام على حذف مضاف. أى فأصابهم جزاء سيئات كسبهم بأن أنزل الله - ~~تعالى - بهم العقوبة التى يستحقونها بسبب إصرارهم على الكفر والمعاصى. { ~~والذين ظلموا من هؤلاء } أى من هؤلاء المشركين ~~المعاصرين لك - أيها الرسول الكريم -. # { سيصيبهم } - أيضا - سيئات ما كسبوا، كما أصاب الذين من قبلهم. { ~~وما هم بمعجزين } أى وما هم بفائتين أو هاربين من عذابنا. { ~~أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشآء ~~ويقدر } أى أعموا عن التفكر والإبصار، ولم يشاهدوا بأعينهم أن الله ~~- تعالى - يوسع الرزق لمن يشاء من عباده، ويضيقه على من يشاء أن يضيقه ~~عليه منهم، إذ أن ذلك مرجعه إلى مشيئته وحكمته - سبحانه - إذ سعة الرزق ~~ليست دليلا ms4436 على رضاه، كما أن ضيقه ليس دليلا على غضبه. { إن في ~~ذلك } الذى ذكرناه { لآيات } واضحات { لقوم يؤمنون } ~~بالحق ويستجيبون له، وينتفعون بالهدايات التى نسوقها لهم. وبذلك نرى هذه ~~الآيات الكريمة، قد صورت حال المشركين أكمل تصوير، كما بينت ما أعد ~~لهم من عذاب مقيم، بسبب إصرارهم على كفرهم، وإعراضهم عن دعوة الحق. ثم ~~فتح - سبحانه - لعباده باب رحمته، ونهاهم عن اليأس من مغفرته، وأمرهم أن ~~يتوبوا إليه توبة صادقة نصوحا، قبل أن يفاجئهم الموت والحساب، فقال - ~~تعالى - { قل يعبادي الذين أسرفوا... }. ### || [39.53-59] # ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { قل يعبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم } روايات منها ما رواه محمد بن إسحاق عن ~~نافع عن ابن عمر عن أبيه عمر بن الخطاب قال لما اجتمعنا على الهجرة. ~~تواعدت أنا وهشام بن العاص بن وائل السهمى وعياش بن أبى ربيعة بن ~~عتبة، فقلنا الموعد أضاة بنى غفار - أى غدير بنى غفار - وقلنا من تأخر ~~منا فقد حبس فليمض صاحبه فأصبحت أنا وعياش بن عتبة، وحبس عنا هشام، وإذا ~~به قد فتن فافتتن، فكنا نقول بالمدينة هؤلاء قد عرفوا الله - عز وجل ~~- وآمنوا برسوله صلى الله عليه وسلم، ثم افتتنوا لبلاء لحقهم لا نرى لهم ~~توبة، وكانوا هم - أيضا - يقولون هذا فى أنفسهم. فأنزل الله - عز وجل - ~~فى كتابه { قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم.. ~~} إلى قوله - تعالى - # أليس في جهنم مثوى للمتكبرين # قال عمر فكتبتها بيدى، ثم بعثتها إلى هشام. قال هشام فلما قدمت على خرجت ~~بها إلى ذى طوى فقلت اللهم فهمنيها، فعرفت أنها نزلت فينا، فرجعت فجلست ~~على بعيرى فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم. والأمر فى قوله - تعالى ~~- { قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله } موجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وإضافة العباد إلى الله - تعالى - للتشريف والتكريم. والإسراف تجاوز ~~الحد فى كل شئ، وأشهر ما يكون استعمالا فى الإنفاق، كما فى قوله - تعالى ~~- # يابني ءادم خذوا زينتكم عند كل مسجد ms4437 وكلوا ~~واشربوا ولا تسرفوا # والمراد بالإسراف هنا الإسراف فى اقتراف المعاصى والسيئات، والخطاب ~~للمؤمنين المذنبين. وعدى الفعل " أسرفوا " بعلى، لتضمنه معنى الجناية، أى ~~جنوا على أنفسهم. والقنوط اليأس، وفعله من بابى ضرب وتعب. يقال فلان ~~قانط من الحصول على هذا الشئ، أى يائس من ذلك ولا أمل له فى تحقيق ما ~~يريده. والمعنى قل - أيها الرسول الكريم - لعبادى المؤمنين الذين جنوا ~~على أنفسهم بارتكابهم للمعاصى، قل لهم لا تيأسوا من رحمة الله - تعالى - ~~ومن مغفرته لكم. وجملة { إن الله يغفر الذنوب جميعا } ~~تعليلية. أى لا تيأسوا من رحمة الله - تعالى لأنه هو الذى تفضل بمحو ~~الذنوب جميعها. لمن يشاء من عباده المؤمنين العصاة. { إنه } - سبحانه ~~- { هو الغفور الرحيم } أى هو الواسع المغفرة والرحمة لمن يشاء ~~من عباده المؤمنين، فهم إن تابوا من ذنوبهم قبل - سبحانه - توبتهم كما ~~وعد تفضلا منه وكرما، وإن ما توا دون أن يتوبوا، فهم تحت رحمته ومشيئته، ~~إن شاء غفر لهم، وإن شاء عذبهم، ثم أدخلهم الجنة بفضله وكرمه. # أما غير المؤمنين، فإنهم إن تابوا من كفرهم ودخلوا فى الإسلام، غفر - ~~سبحانه - ما كان منهم قبل الإسلام لأن الإسلام يجب ما قبله. وإن ~~ماتوا على كفرهم فلن يغفر الله - تعالى - لهم، لقوله # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # قال الإمام الشوكانى واعلم أن هذه الآية أرجى آية فى كتاب الله، ~~لاشتمالها على أعظم بشارة، فإنه أولا أضاف العباد إلى نفسه لقصد تشريفهم، ~~ومزيد تبشيرهم، ثم وصفهم بالإسراف فى المعاصى.. ثم عقب على ذلك بالنهى عن ~~القنوط من الرحمة.. ثم جاء بما لا يبقى بعده شك ولا يتخالج القلب عند ~~سماعه ظن فقال { إن الله يغفر الذنوب.. } فالألف واللام قد ~~صيرت الجمع الذى دخلت عليه للجنس الذى يستلزم استغراق أفراده، فهو فى قوة ~~إن الله يغفر كل ذنب كائنا ما كان، إلا ما أخرجه النص القرآنى وهو الشرك. ~~ثم لم يكتف بما أخبر به عباده من مغفرة كل ذنب، بل ms4438 أكد ذلك بقوله { جميعا ~~} فيالها من بشارة ترتاح لها النفوس.. وما أحسن تعليل هذا الكلام بقوله { ~~إنه هو الغفور الرحيم.. }. وقال الجمل فى حاشيته ما ملخصه ~~وفى هذه الآية من أنواع المعانى والبيان أشياء حسنة، منها إقباله عليهم، ~~ونداؤهم، ومنها إضافتهم إليه إضافة تشريف، ومنها الالتفات من التكلم إلى ~~الغيبة، فى قوله { من رحمة الله } ، ومنها إضافة الرحمة لأجل ~~أسمائه الحسنى، ومنها إعادة الظاهر بلفظه فى قوله { إن الله ~~يغفر } ومنها إبراز الجملة من قوله { إنه هو الغفور ~~الرحيم } مؤكدة بإن، والفصل، وبإعادة الصفتين اللتين تضمنتهما الجملة ~~السابقة. وقال عبد الله بن مسعود وغيره هذه أرجى آية فى كتاب الله تعالى. ~~وبعد أن فتح - سبحانه - لعباده باب رحمته فتحا واسعا كريما.. أتبع ذلك ~~بحضهم على التوبة والإنابة إليه، حتى يزيدهم من فضله وإحسانه فقال { ~~وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن ~~يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون }. أى قل لهم - أيها ~~الرسول الكريم - لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا، ~~وارجعوا إليه بالتوبة والإنابة، وأخلصوا له العبادة، من قبل أن ينزل بكم ~~العذاب الذى لا تستطيعون دفعه ثم لا تجدون من ينجيكم منه. فأنت ترى أن ~~الآية الأولى بعد أن فتحت للعصاة باب رحمة الله على مصراعيه، جاءت الآية ~~الثانية فحثتهم على التوبة الصادقة النصوح، حتى تكون رحمة الله - تعالى - ~~بهم أكمل وأتم وأوسع، فإن التوبة النصوح سبب فى تحويل السيئات إلى حسنات. ~~كما قال - تعالى - # إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك ~~يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا ~~رحيما # ثم أمرهم باتباع أوامر القرآن الكريم ونواهيه فقال { واتبعوا ~~أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم } أى واتبعوا هذا ~~القرآن الكريم، الذى هو أحسن ما أنزله - سبحانه - إليكم، بسبب ما اشتمل ~~عليه من هدايات سامية، ومن تشريعات حكيمة، ومن آداب قويمة. فإن اتباع ما ~~اشتمل عليه هذا القرآن من توجيهات. يؤدى إلى السعادة فى الدنيا والآخرة. ~~وقوله { من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم ~~لا تشعرون ms4439 } متعلق بالأمر بالاتباع، وإرشاد إلى وجوب الامتثال بدون ~~تأخير أو تسويف. أى سارعو إلى اتباع إرشادات وتشريعات وآداب هذا القرآن، ~~من قبل أن ينزل بكم العذاب فجأة وبدون مقدمات، بحيث لا تشعرون بإتيانه ~~إلا عند نزوله. فالآية الكريمة تقرير وتأكيد لما قبلها من الدعوة إلى ~~المسارعة بالتوبة وبالعمل الصالح. وقوله { أن تقول نفس ~~يحسرتا على ما فرطت في جنب الله... } فى موضع المفعول ~~لأجله بتقدير مضاف محذوف. أى اتبعوا ما أمرناكم به، واحذروا ما نهيناكم ~~عنه، كراهة أن تقول نفس يوم القيامة { يحسرتا } أى يا ندامتى { ~~على ما فرطت في جنب الله... } أى بسبب تفريطى وتقصيرى فى ~~طاعة الله، وفى حقه - تعالى -. وأصل الجنب والجانب الجهة المحسوسة للشئ، ~~وأطلق على الطاعة على سبيل المجاز، حيث شبهت بالجهة. بجامع تعلق كل منهما ~~- أى الجانب والطاعة - بصاحبه. إذ الطاعة لها تعلق بالله - تعالى -. كما ~~أن الجهة لها تعلق بصاحبها. قال صاحب الكشاف فإن قلت لم نكرت " نفس "؟ ~~قلت لأن المراد بها بعض الأنفس وهى نفس الكافر. ويجوز أن يكون نفس متميزة ~~من الأنفس إما بلجاج فى الكفر شديد، أو بعذاب عظيم، ويجوز أن يراد ~~التكثير، كما قال الأعشى # دعا قومه حولي فجاءوا لنصره وناديت قوما بالمسناة غيبا ورب بقيع لو ~~هتفت بجوه أتاني كريم ينفض الرأس مغضبا # وهو يريد أفواجا من الكرام ينصرونه، لا كريما واحدا.. وجملة { وإن ~~كنت لمن الساخرين } فى محل نصب على الحال. أى فرطت فى جنب الله ~~وطاعته، والحال أنى لم أكن إلا من الساخرين بدينه، المستهزئين بأتباع هذا ~~الدين الحق. قال قتادة لم يكفه أنه ضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها. ثم ~~ذكر - سبحانه - مقالة أخرى مما تقوله تلك النفس فقال { أو تقول لو ~~أن الله هداني } إلى طاعته واتباع دينه { لكنت من ~~المتقين } للشرك والمعاصى، ومن الذين صانوا أنفسهم عما يغضبه - ~~سبحانه - ولا يرضيه. ثم ذكر - سبحانه - مقالة ثالثة لها فقال { أو ~~تقول } هذه النفس { حين ترى العذاب } فى الآخرة { لو أن ~~لي كرة } أى ms4440 رجعة إلى الدنيا { فأكون } فيها { من ~~المحسنين } لأقوالهم وأفعالهم، وعقائدهم، بحيث أخلص العبادة لله - ~~تعالى - وأطيعه فى السر والعلن. # وهكذا يصور القرآن الكريم أحوال النفوس فى الآخرة، تصوير مؤثرا بليغا، ~~يحمل كل عاقل على الإيمان الصالح الذى ينفعه فى ذلك اليوم الهائل ~~الشديد. وقوله - سبحانه - { بلى قد جآءتك آياتي فكذبت ~~بها واستكبرت وكنت من الكافرين } رد منه - عز وجل - ~~على هذا القائل { لو أن الله هداني لكنت من ~~المتقين } وتكذيب له فى هذه الدعوى. والمراد بالآيات الحجج ~~والبراهين الدالة على حقيقة دين الإسلام، وعلى رأسها آيات القرآن ~~الكريم. أى ليس الأمر كما ذكرت أيها النادم على ما فرط منه، من أن الله ~~لم يهدك إلى الطريق القويم، بل الحق أن الله - تعالى قد أرشدك إليه عن ~~طريق إرسال رسوله، وإنزال كتابه، ولكنك كذبت رسوله، واستكبرت عن سماع ~~آيات الله وعن اتباعها، وكنت فى دنياك من الكافرين بها، الجاحدين لصدقها، ~~فأصابك ما أصابك من عذاب الآخرة بسبب أعمالك القبيحة فى الدنيا. قال ~~الشوكانى وجاء - سبحانه - بخطاب المذكر فى قوله " جاءتك، وكذبت، ~~واستكبرت، وكنت " لأن النفس تطلق على المذكر والمؤنث. قال المبرد تقول ~~العرب نفس واحد. أى، إنسان واحد.. ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث ~~عن أحوال الكافرين والمؤمنين يوم القيامة، وعن مظاهر قدرة الله - تعالى - ~~وعن تلقين الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم الجواب الذى يرد به ~~على المشركين. وعن أحوال الناس عند النفخ فى الصور.. قال - تعالى - { ~~ويوم القيامة ترى الذين كذبوا... }. ### || [39.60-70] # فقوله - { ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على ~~الله وجوههم مسودة.. } بيان لحالة الكافرين يوم القيامة، ~~ولما تكون عليه هيئتهم من خزى وهوان. أى وفى يوم القيامة إذا نظرت - أيها ~~الرسول الكريم - أو - أيها العاقل - إلى وجوه الذين كذبوا على الله، بأن ~~أشركوا معه فى العبادة آلهة أخرى، أو جعلوا له صاحبة أو ولدا.. إذا نظرت ~~إليها رأيتها مسودة مكفهرة بسبب ما أحاط بهم من عذاب، وما شاهدوه من ~~أهوال. وقوله { وجوههم مسودة } جملة من مبتدأ وخبر، ms4441 وهى فى ~~محل نصب على الحال من الذين كذبوا.. والاستفهام فى قوله { أليس في ~~جهنم مثوى للمتكبرين } للتقرير والمثوى المكان والمقام. ~~يقال ثوى فلان بالمكان وأثوى فيه، إذا أقام به، فهو ثاو ومنه قوله - ~~تعالى - # وما كنت ثاويا في أهل مدين # أى أليس فى جهنم مكانا ومقرا لإهانة المتكبرين وإذلالهم، بسبب تطاولهم ~~على غيرهم، وتكذيبهم لآيات الله؟ بلى إن بها ما يجعلهم يذوقون العذاب ~~الأليم. ثم بين - سبحانه - حال المؤمنين يوم القيامة، بعد بيانه لحال ~~الذين كذبوا على الله فقال { وينجي الله الذين اتقوا ~~بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون }. ~~ومفازتهم اسم مصدر. أو مصدر ميمى. من فاز فلان بكذا، إذا ظفر به، ونال ~~مراده منه. أى وينجى الله - تعالى - بفضله ورحمته، { الذين ~~اتقوا } الشرك والمعاصى من عذاب جهنم، { بمفازتهم } أى بسبب ~~فوزهم برضا الله - تعالى - ورحمته، جزاء إيمانهم وتقواهم، وقرأ حمزة ~~والكسائى { بمفازاتهم } بالجمع. ويصح أن تكون الباء فى قوله { ~~بمفازتهم } للملابسة، والجار والمجرور متعلق بمحذوف هو حال من ~~الذين اتقوا. أى ينجيهما حالة كونهم متلبسين. وقوله { لا يمسهم ~~السوء ولا هم يحزنون } يجوز أن يكون تفسيرا لذلك الفوز، ~~كأنه قيل وما مظاهر فوزهم فكان الجواب لا يمسهم السوء الذى يصيب غيرهم من ~~الكافرين والعصاة، ولا هم يحزنون على شئ تركوه خلفهم فى الدنيا. ويجوز أن ~~يكون حالا من الذين اتقوا. أى ينجيهم بسبب مفازتهم، حال كونهم لا يمسهم ~~السوء، أى لا يمسهم شئ مما يكره لا فى الحال ولا فى الاستقبال، ولا هم ~~يحزنون على ما كان منهم فى الماضى. فأنت ترى أن الله - تعالى - قد كرم ~~المتقين تكريما عظيما، حيث نجاهم من عذاب جهنم، وجعلهم آمنين من كل ما ~~يغمهم فى كل زمان أو مكان. قال الإمام الرازى ما ملخصه هذه آية جامعة، ~~لأن الإنسان إذا علم أنه لا يمسه السوء، كان فراغ البال بحسب الحال، ~~وإذا علم أنه لا يحزن كان هادئ النفس عما وقع فى قلبه بسبب فوات الماضى، ~~فحينئذ يظهر أنه سلم عن ms4442 كل الآفات. # وقد دلت الآية على أن المؤمنين، لا ينالهم الخوف والرعب فى القيامة، ~~وتأكد هذا بقوله # لا يحزنهم الفزع الأكبر.. # ثم ساق - سبحانه - ما يدل على كمال قدرته فقال { الله خالق كل ~~شيء وهو على كل شيء وكيل }. أى الله - تعالى - هو وحده ~~الخالق لكل شئ فى هذا الكون، وهو - سبحانه - المتصرف فى كل شئ فى هذا ~~الوجود، بحيث لا يخرج مخلوق عن إذنه ومشيئته. { له مقاليد ~~السماوات والأرض } أى له وحده مفاتيح خزائنهما، والمقاليد جمع ~~مقلاد، أو اسم جمع لا واحد له من لفظه، مأخوذ من التقليد بمعنى ~~الإلتزام. أى أنه لا يملك أمر السموات والأرض، ولا يتمكن من التصرف ~~فيهما غيره - تعالى -. قال صاحب الكشاف قوله { له مقاليد ~~السماوات والأرض } أى هو مالك أمرهما وحافظهما لأن حافظ الخزائن ~~ومدبر أمرها، هو الذى يملك مقاليدها، ومنه قولهم فلان ألقيت إليه مقاليد ~~الملك، وهى المفاتيح، ولا واحد لها من لفظها وقيل جمع مقليد.. والكلمة ~~أصلها فارسية. فإن قلت ما للكتاب العربى المبين وللفارسية؟ قلت التعريب ~~أحالها عربية، كما أخرج الاستعمال المهمل عن كونه مهملا، ثم بين - سبحانه ~~- مصير الكافرين فقال { والذين كفروا بآيات الله ~~أولئك هم الخاسرون } أى والذين كفروا بآيات الله التنزيلية ~~والكونية الدالة على وحدانيته، أولئك هم البالغون أقصى الدرجات فى ~~الخسران. وهذه الآية الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك { ~~وينجي الله الذين اتقوا } وما بينهما اعتراض للدلالة على ~~هيمنة الله - تعالى - على شئون خلقه.. أى وينجى الله الذين اتقوا ~~بمفازتهم.. والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الكاملون فى الخسران. وهذه ~~المقابلة فيها ما فيها من تأكيد الثواب العظيم للمتقين، والعقاب الأليم ~~للكافرين. ثم أمر الله - تعالى - رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوبخ ~~الكافرين على جهالاتهم. فقال { قل أفغير الله تأمروني ~~أعبد أيها الجاهلون }. وقد ذكروا فى سبب نزولها أن المشركين ~~قالوا للنبى صلى الله عليه وسلم استلم بعض آلهتنا ونؤمن بإلهك. ~~والاستفهام للإنكار والتوبيخ، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام، و " ~~غير " منصوب ms4443 بقوله { أعبد } ، وأعبد معمول لتأمرونى على تقدير أن ~~المصدرية، فلما حذفت بطل عملها. والمعنى قل - أيها الرسول الكريم - ~~لهؤلاء المشركين على سبيل التوبيخ والتأنيب أبعد أن شاهدتهم ما شاهدتم من ~~الآيات الدالة على وحدانية الله - تعالى -، وعلى صدقى فيما أبلغه عنه، ~~أبعد كل ذلك تأمرونى أن أعبد غير الله - تعالى - أيها الجاهلون بكل ما ~~يجب لله - تعالى - من تنزيه وتقديس. ووصفهم هنا بالجهل، لأن هذا الوصف هو ~~الوصف المناسب للرد على ما طلبوه منه صلى الله عليه وسلم من إشراك آلهتهم ~~فى العبادة. # ثم حذر - سبحانه - من الشرك أبلغ تحذير فقال { ولقد أوحي ~~إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ~~ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين. بل الله ~~فاعبد وكن من الشاكرين } قال الجمل قوله { ولقد ~~أوحي إليك... } هذه اللام دالة على قسم مقدر وقوله { لئن ~~أشركت } هذه اللام - أيضا - دالة على قسم مقدر، وقوله { ~~ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين } كل من هذين ~~اللامين واقعة فى جواب القسم الثانى. والثانى وجوابه جواب الأول. وأما ~~جواب الشرط فى قوله { لئن أشركت } فمحذوف، لدخول جواب القسم ~~عليه، فهو من قبيل قول ابن مالك # واحذف لدى اجتماع شرط مقسم جواب ما أخرت فهو ملتزم # وقوله { أوحي } مسلط على { إليك } وعلى { الذين من ~~قبلك } فيكون المعنى ولقد أوحى إليك - أيها الرسول الكريم - وأوحى ~~إلى الرسل الذين من قبلك أيضا لئن أشركت، بالله - تعالى - على سبيل الفرض ~~{ ليحبطن عملك } أى ليفسدن عملك فسادا تاما { ولتكونن ~~من الخاسرين } خسارة ليس بعدها خسارة فى الدنيا والآخرة. قال صاحب ~~الكشاف فإن قلت الموحى إليهم، جماعة، فكيف قال { لئن أشركت } على ~~التوحيد؟ قلت معناه. أوحى إليك لئن أشركت ليحبطن عملك، وإلى الذين من ~~قبلك مثله أو أوحى إليك وإلى كل واحد منهم، لئن أشركت ليحبطن عملك. كما ~~تقول فلان كسانا حلة. أى كل واحد منا. فإن قلت كيف صح الكلام مع علم الله ~~- تعالى - أن رسله لا يشركون ولا تحبط أعمالهم. قلت هو على سبيل الفرض. ~~والمحالات يصح فرضها.. والآية ms4444 الكريمة تحذر من الشرك بأسلوب فيه ما فيه ~~من التنفير منه ومن التقبيح له، لأنه إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم ~~لو وقع فى شئ منه - على سبيل الفرض - حبط عمله، وكان من الخاسرين. فكيف ~~بغيره من أفراد أمته؟ وقوله - تعالى - { بل الله فاعبد وكن ~~من الشاكرين } أمر منه - تعالى - بالثبات على عبادة الله - تعالى ~~- وحده، وبالمداومة على شكره، ونهى عن طاعة المشركين، ولفظ الجلالة منصوب ~~بقوله { فاعبد } والفاء جزائية فى جواب شرط مقدر. أى لا تطع - أيها ~~الرسول الكريم - المشركين فيما طلبوه منك، بل اجعل عبادتك لله - تعالى - ~~وحده، وكن من الشاكرين له على نعمه التى لا تحصى. ثم بين - سبحانه - أن ~~هؤلاء المشركين بعبادتهم لغير الله - تعالى - قد تجاوزوا حدودهم معه - عز ~~وجل - ولم يعطوه ما يستحقه من تنزيه وتقديس فقال { وما قدروا ~~الله حق قدره }. أى أن هؤلاء المشركين بعبادتهم لغيره - تعالى ~~-، ما عظموه حق تعظيمه، وما أعطوه ما يستحقه - سبحانه - من تقديس وتكريم ~~وتنزيه وطاعة. # ثم ساق - سبحانه - ما يدل على وحدانيته. وكمال قدرته. فقال { والأرض ~~جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه }. والقبضة المرة من القبض، وتطلق على المقدار المقبوض ~~بالكف. ومطويات أى مجموعات تحت قدرته وملكه، كما يجمع الكتاب المطوى، ~~والجملة الكريمة حال من لفظ الجلالة، فيكون المعنى إن هؤلاء المشركين لم ~~يعظموا الله حق تعظيمه، حيث أشركوا معه فى العبادة آلهة أخرى هى من ~~مخلوقاته، والحال أنه - سبحانه - هو المتولى لإبقاء السموات والأرض على ~~حالهما فى الدنيا، وهو المتولى لتبديلهما، أو إزالتهما فى الآخرة، فالأرض ~~كلها مع عظمتها وكثافتها تكون يوم القيامة فى قبضته وتحت قدرته، كالشئ ~~الذى يقبض عليه القابض، والسموات كذلك مع ضخامتها واتساعها، تكون مطويات ~~بيمينه وتحت قدرته وتصرفه، كما يطوى الواحد منا الشئ الهين القليل ~~بيمينه، وما دام الأمر كذلك فكيف يشركون معه غيره فى العبادة؟ فالمقصود ~~من الآية الكريمة بيان وحدانيته وعظمته وقدرته - سبحانه - وبيان ما عليه ~~المشركون من جهالة وانطماس بصيرة حين أشركوا معه فى العبادة ms4445 غيره. قال ~~صاحب الكشاف والغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته ومجموعته، ~~تصوير عظمته، والتوقيف على كنه جلاله لا غير، من غير ذهاب بالقبضة ولا ~~باليمين إلى جهة حقيقة أو جهة مجاز.. وقال الآلوسى والكلام فى هذه الآية ~~عند كثير من الخلف، تمثيل لحال عظمته - تعالى - ونفاذ قدرته.. بحال من ~~يكون له قبضة فيها الأرض جميعا، ويمين بها يطوى السموات، أو بحال من يكون ~~له قبضة فيها الأرض والسموات، ويمين بها يطوى السموات. والسلف يقولون إن ~~الكلام هنا تنبيه على مزيد جلالته - تعالى -. إلا أنهم لا يقولون إن ~~القبضة مجاز عن الملك أو التصرف، ولا اليمين مجاز عن القدرة، بل ينزهون ~~الله - تعالى - عن الأعضاء والجوارح، ويؤمنون بما نسبه - تعالى - إلى ~~ذاته بالمعنى اللائق به الذى أراده - سبحانه - وكذا يفعلون فى الأخبار ~~الواردة فى هذا المقام. فقد أخرج البخارى ومسلم عن ابن مسعود قال # " جاء حبر من الأحبار إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد. إنا ~~نجد الله يحمل السموات يوم القيامة على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر ~~على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع. فيقول أنا ~~الملك. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقا لقول ~~الحبر، ثم قرأ هذه الآية.. " # وقدم - سبحانه - الأرض على السموات لمباشرتهم لها، ومعرفتهم بحقيقتها. ~~وخص يوم القيامة بالذكر، وإن كانت قدرته عامة وشاملة لدار الدنيا - أيضا ~~- لأن الدعاوى تنقطع فى ذلك اليوم. # كما قال - تعالى - # والأمر يومئذ لله # روى الشيخان عن ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " يطوى الله السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول أنا ~~الملك، أين الجبارون، أين المتكبرون، أين ملوك الأرض ". # وقوله - تعالى - { سبحانه وتعالى عما يشركون } تنزيه ~~له - تعالى - عما افتراه المفترون. أى تنزه وتقدس الله - تعالى - عن شرك ~~المشركين، وعن ضلال الضالين. ثم بين - سبحانه - حال الناس عند النفخة ~~الأولى والثانية فقال { ونفخ في الصور فصعق من في ~~السماوات ومن ms4446 في الأرض إلا من شآء الله }. والصور ~~اسم للقرن الذى ينفخ فيه إسرافيل بأمر الله - تعالى - وحقيقته لا يعلمها ~~إلا هو - سبحانه - وقوله { فصعق } من الصعق بمعنى الموت أو بمعنى ~~الصوت الشديد الذى يجعل الإنسان فى حالة ذهول شديد حتى لكأنه قد فارق ~~الحياة. أى ونفخ فى الصور بأمر الله - تعالى - النفخة الأولى، فخر ميتا ~~كل من كان حيا فى السموات أو فى الأرض. { إلا من شآء الله } له ~~الحياة من أهلهما، قالوا والمستثنى من الصعق جبريل وإسرافيل وميكائيل. ~~ولم يرد حديث صحيح يعتمد عليه فى تعيين من استثناه الله - تعالى - من ~~ذلك، فالأولى تفويض من استثناه الله من الصعق إلى علمه - عز وجل -. { ~~ثم نفخ فيه أخرى } أى ثم نفخ فى الصور نفخة أخرى - وهى ~~النفخة الثانية التى يكون بعدها البعث والنشور. { فإذا هم قيام ~~ينظرون } أى فإذا بهؤلاء الذين صعقوا بعد النفخة الأولى قيام من ~~قبورهم، ينظرون حولهم بدهشة وحيرة ماذا يفعل بهم، أو ينظرون على أى حال ~~يكون مصيرهم. فالآية الكريمة تفيد أن النفخ فى الصور يكون مرتين المرة ~~الأولى يكون بعدها الصعق والموت لجميع الأحياء، والنفخة الثانية يكون ~~بعدها البعث والنشور وإعادة الحياة مرة أخرى. والمراد بالأرض فى قوله - ~~تعالى - بعد ذلك { وأشرقت الأرض بنور ربها... } أرض ~~المحشر. وأصل الإشراق الإضاءة. يقال أشرقت الشمس إذا أضاءت، وشرقت إذا ~~طلعت. قال ابن كثير وقوله { وأشرقت الأرض بنور ربها } أى ~~أضاءت - الأرض - يوم القيامة، إذا تجلى الحق - تبارك وتعالى - للخلائق ~~لفصل القضاء. والمراد بالكتاب فى قوله - تعالى - { ووضع الكتاب } ~~صحائف الأعمال التى تكون فى أيدى أصحابها. فالمراد بالكتاب جنسه، أى أعطى ~~كل واحد كتابه إما بيمينه. وإما بشماله. وقيل المراد بالكتاب هنا اللوح ~~المحفوظ الذى فيه أعمال الخلق. { وجيء بالنبيين ~~والشهدآء } أى وبعد أن أعطى كل إنسان صحائف أعماله جئ بالنبيين لكى ~~يشهدوا على أممهم أنهم بلغوهم ما كلفهم الله بتبليغه إليهم، وجئ بالشهداء ~~وهم الملائكة الذين يسجلون على الناس أعمالهم من خير وشر، كما قال - ~~تعالى - # وجآءت ms4447 كل نفس معها سآئق وشهيد # وقيل المراد بهم من استشهدوا فى سبيل الله. ثم بين - سبحانه - مظاهر ~~عدالته فى جمل حكيمة فقال { وقضي بينهم بالحق } أى وقضى - ~~سبحانه - بين الجميع بقضائه العادل { وهم لا يظلمون } أى نوع من ~~الظلم. { ووفيت كل نفس ما عملت } من خير أو شر { ~~وهو أعلم بما يفعلون } أى وهو سبحانه - عليم بما يفعلونه ~~من طاعة أو معصية، لا يخفى عليه شئ من أحوال خلقه، بل هو - تعالى - يعلم ~~السر وأخفى. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان مصير الكافرين، ~~وببيان مصير المتقين، وببيان ما يقوله المتقون عندما يرون النعيم المقيم ~~الذى أعده - سبحانه - لهم، فقال - تعالى - { وسيق الذين ~~كفروا إلى جهنم... }. ### || [39.71-75] # وقوله - تعالى - { وسيق } من السوق بمعنى الدفع، والمراد به هنا ~~الدفع بعنف مع الإهانة و { زمرا } أى جماعات متفرقة بعضها فى إثر ~~بعض. جمع زمرة وهى الجماعة القليلة، أى وسيق الذين كفروا إلى نار جهنم ~~جماعات جماعات، وأفواجا أفواجا. { حتى إذا جآءوها فتحت ~~أبوابها } لتستقبلهم بحرها وسعيرها، وكأنها قبل مجيئهم إليها كانت ~~مغلقة كما تغلق أبواب السجون، فلا تفتح إلا لمن هم أهل لها بسبب جرائمهم. ~~{ وقال لهم خزنتهآ } على سبيل الزجر والتأنيب { ألم ~~يأتكم رسل منكم } أى من جنسكم تفهمون عنهم ما يقولونه لكم. ~~وهؤلاء الرسل { يتلون عليكم آيات ربكم } المنزلة ~~لمنفعتكم { وينذرونكم لقآء يومكم هذا } أى ويخوفونكم ~~من أهوال يومكم هذا وهو يوم القيامة. { قالوا بلى ولكن ~~حقت كلمة العذاب على الكافرين } أى قالوا فى جوابهم ~~على سائلهيم بلى قد أتانا الرسل وبلغونا رسالة الله، ولكننا لم نطعهم، ~~فحقت كلمة العذاب علينا، ووجبت علينا كلمة الله التى قال فيها # لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين # وهنا رد عليهم السائلون بقولهم ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها، خلودا ~~أبديا { فبئس مثوى المتكبرين } أى فبئس المكان المعد ~~للمتكبرين جهنم. وبعد هذا البيان المرعب لمصير الكافرين، جاء البيان الذى ~~يشرح الصدور بالنسبة لحال المتقين فقال - تعالى - { وسيق الذين ~~اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا } أى جماعات. قال ms4448 الآلوسى ~~أى جماعات مرتبة حسب ترتب طبقاتهم فى الفضل. وفى صحيح مسلم وغيره عن أبى ~~هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أول زمرة تدخل الجنة من أمتى على صورة القمر ليلة البدر ". # والمراد بالسوق هنا الحث على المسير للإسراع إلى الإكرام بخلافه فيما ~~تقدم فإنه لإهانة الكفرة، وتعجيلهم إلى العقاب والآلام، واختير ~~للمشاكلة.. ثم بين - سبحانه - ما أعده لهؤلاء المتقين من نعيم مقيم فقال ~~{ حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها وقال لهم ~~خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين }. ~~والواو فى قوله { وفتحت } للحال، والجملة حالية بتقدير قد، وجواب { ~~إذا } مقدر بعد قوله { خالدين }. أى حتى إذا جاءوها، وقد فتحت ~~أبوابها على سبيل التكريم لهم، وقال لهم خزنتها بفرح وحبور سلام عليكم من ~~جميع المكاره، طبتم من دنس المعاصى، فادخلوها خالدين أى حتى إذا جاءوها ~~وقالوا لهم ذلك سعدوا وابتهجوا. قال صاحب الكشاف ما ملخصه وحتى هنا هى ~~التى تحكى بعدها الجمل. والجملة المحكية بعدها هى الشرطية، إلا أن جزاءها ~~محذوف لأنه صفة ثواب أهل الجنة، فدل بحذفه على أنه شئ لا يحيط به الوصف. ~~وحق موقعه ما بعد " خالدين ". وقيل حتى إذا جاءوها، جاءوها وفتحت ~~أبوابها. # أى مع فتح أبوابها.. ثم بين - سبحانه - ما يقوله المتقون عند دخولهم ~~الجنة على سبيل الشكر لله - تعالى - فقال { وقالوا الحمد ~~لله الذي صدقنا وعده } بأن بعثنا من مرقدنا، ومنحنا المزيد ~~من عطائه ونعمه { وأورثنا الأرض } أى أرض الجنة التى استقروا ~~فيها. { نتبوأ من الجنة حيث نشآء } أى ينزل كل واحد ~~منا من جنته الواسعة حيث يريد، دون أن يزاحمه فيها مزاحم، أو ينازعه ~~منازع. { فنعم أجر العاملين } الجنة التى منحها - سبحانه - ~~لعباده المتقين. { وترى الملائكة حآفين من حول ~~العرش } أى محدقين محيطين بالعرش مصطفين بحافته وجوانبه. جمع حاف ~~وهو المحدق بالشئ. يقال حففت بالشئ إذا أحطت به، مأخوذ من الحفاف وهو ~~الجانب للشئ. { يسبحون بحمد ربهم } أى يمجدون ربهم بكل ~~خير، وينزهونه عن كل سوء. { وقضي بينهم بالحق } أى وقضى - ~~سبحانه ms4449 - بين العباد بالحق الذى لا يحوم حوله باطل. { وقيل الحمد ~~لله رب العالمين } على قضائه بالحق، وعلى مجازاته الذين ~~أساءوا بما عملوا، ومجازاته الذين أحسنوا بالحسنى. وبعد. فهذا تفسير محرر ~~لسورة " الزمر " نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا ~~لعباده. والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد ~~وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [40 - سورة غافر] ### || [40.1-6] # سورة " غافر " من السور التى افتتحت ببعض الحروف المقطعة، وهو قوله - ~~تعالى - { حم }. وقد ذكرنا آراء العلماء فى تلك الحروف المقطعة بشئ من ~~التفصيل، عند تفسيرنا لسور البقرة، وآل عمران، والأعراف، ويونس.. وقلنا ~~ما خلاصته لعل أقرب الأقوال إلى الصواب، أن هذه الحروف المقطعة، قد جئ ~~بها فى افتتاح بعض السور على سبيل الإيقاظ والتنبيه للذين تحداهم ~~القرآن. فكأنه - سبحانه - يقول لهؤلاء المعاندين والمعارضين فى أن القرآن ~~من عند الله ها كم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه ~~كلامكم، ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها ~~حروفكم، فإن كنتم فى شك فى أنه من عند الله - تعالى - فهاتوا مثله، أو ~~عشر سور فى مثله، أو سورة واحدة من مثله، فعجزوا وانقلبوا خاسرين، وثبت ~~أن هذا القرآن من عند الله، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا. وقوله - تعالى - { تنزيل الكتاب من الله } جملة من ~~مبتدأ وخبر، أى هذا الكتاب منزل عليك - أيها الرسول الكريم - من الله - ~~تعالى - وحده، وليس من عند أحد غيره. ثم وصف - سبحانه - ذاته بثمانى صفات ~~تليق بذاته فقال { العزيز } أى الغالب لكل من سواه، من العز بمعنى ~~القوة والغلبة. يقال عز فلان يعز - من باب تعب - فهو عزيز، إذا كان ~~معروفا بالقوة والمنعة، ومنه قولهم أرض عزاز إذا كانت صلبة قوية. { ~~العليم } أى المطلع على أحوال خلقه دون أن يخفى عليه شئ منها. { ~~غافر الذنب } أى ساتر لذنوب عباده، ومزيل لأثرها عنهم بفضله ~~ورحمته. فلفظ { غافر } من الغفر بمعنى الستر والتغطية، يقال غفر الله ms4450 ~~- تعالى - ذنب فلان غفرا ومغفرة وغفرانا، إذا غطاه وستره وعفا عنه. ~~ولفظ الذنب يطلق على كل قول أو فعل تسوء عاقبته، مأخوذ من ذنب الشئ، أى ~~نهايته { وقابل التوب } والتوب مصدر بمعنى الرجوع عن الذنب ~~والتوبة منه. يقال تاب فلان عن الذنب توبة وتوبتا إذا رجع عنه. أى أنه - ~~سبحانه يغفر ذنوب عباده، ويقبل توبتهم فضلا منه وكرما. قال صاحب الكشاف ~~ما بال الواو فى قوله { وقابل التوب }؟ قلت فيها نكته جليلة، وهى ~~إفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين بين أن يقبل توبته فيكتبها له طاعة ~~من الطاعات، وأن يجعلها محاءة للذنوب، كأنه لم يذنب. كأنه قال جامع ~~المغفرة والقبول.. { شديد العقاب } أى لمن أشرك به، وأعرض عن الحق ~~الذى جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم { ذي الطول } أى ذى الفضل ~~والثواب والإنعام على من يشاء من عباده. # والطول السعة والغنى والزيادة، يقال لفلان على فلان طول، أى زيادة ~~وفضل، ومنه الطول فى الجسم لأنه زيادة فيه. قال - تعالى - # ومن لم يستطع منكم طولا... # أى غنى وسعة. { لا إله إلا هو } أى لا إله بحق وصدق إلا هو - ~~سبحانه -. { إليه المصير } أى إليه المرجع والمآب يوم القيامة، ~~ليحاسبكم على أعمالكم فى الدنيا. قال القرطبى روى عن عمر بن الخطاب - رضى ~~الله عنه - أنه افتقد رجلا ذا بأس شديد من أهل الشام فلما سأل عنه قيل له ~~تتابع فى هذا الشراب. فقال عمر لكاتبه اكتب من عمر بن الخطاب إلى فلان، ~~سلام عليك، وأنا أحمد الله إليك الذى لا إله هو { بسم الله الرحمن ~~الرحيم. حم. تنزيل الكتاب من الله العزيز ~~العليم }. إلى قوله - تعالى - { إليه المصير }. ثم ختم ~~الكتاب وقال لرسوله لا تدفعه إليه حتى تجده صاحيا. ثم أمر من عنده ~~بالدعاء له بالتوبة. فلما وصل الكتاب إلى الرجل جعل يقرؤه ويقول قد وعدنى ~~الله أن يغفر لى، وحذرنى عقابه، فلم يبرح يرددها حتى بكى، ثم نزع فأحسن ~~النزع وحسنت توبته. فلما بلغ عمر ذلك قال هكذا فاصنعوا إذا ms4451 رأيتم أحدكم ~~قد زل زلته فسددوه وادعوا الله له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانا ~~للشيطان عليه. ثم هون - سبحانه - على نبيه صلى الله عليه وسلم من شأن ~~الكافرين، وأخبره بأنهم أتفه من أن يغتر بهم فقال { ما يجادل في ~~آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك ~~تقلبهم في البلاد }. والمراد بالجدال هنا الجدال بالباطل، ~~وأما الجدال من أجل الوصول إلى الحق فمحمود. وقوله { فلا يغررك } ~~جواب لشرط محذوف. والتقلب التنقل من مكان إلى آخر من أجل الحصول على ~~المنافع والمكاسب. أى ما يجادل فى آيات الله الدالة على وحدانيته وقدرته، ~~عن طريق التكذيب بها والطعن فيها.. إلا الذين كفروا بالحق لما جاءهم، ~~وإذا تقرر ذلك، فلا يغررك - أيها الرسول الكريم - تقلبهم فى البلاد، ~~وتصرفهم فيها عن طريق التجارات الرابحة، وجمع الأموال الكثيرة، فإن ما ~~بين أيديهم من أموال إنما هو لون من الاستدراج، وعما قريب ستزول هذه ~~الأموال من بين أيديهم، وستكون عليهم حسرة.. { كذبت قبلهم } ~~أى قبل هؤلاء الكافرين المجادلين بالباطل ليدحضوا به الحق { قوم نوح ~~} الذين أغرقناهم بسبب هذا التكذيب لنبيهم. { والأحزاب من ~~بعدهم } أى وكذلك الأقوام الآخرون الذين جاءوا من بعد قوم نوح، قد ~~تحزبوا على أنبيائهم، وأجمعوا على تكذيبهم، كما فعل قوم عاد مع نبيهم ~~هود، وكما فعل قوم ثمود مع نبيهم صالح، وكما فعل أهل مدين مع نبيهم ~~شعيب.. فالضمير فى قوله - تعالى - { من بعدهم } يعود إلى قوم نوح. # وأفردهم - سبحانه - بالذكر لأنهم أول قوم كذبوا رسولهم بعد أن مكث فيهم ~~ألف سنة إلا خمسين عاما. ولم يزدهم دعاؤه لهم إلا عتوا ونفورا. وقوله - ~~تعالى - { وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه ~~وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق } بيان لما فعله ~~هؤلاء الأقوام الظالمون مع أنبيائهم الذين جاءوا لهدايتهم.. أى أن هؤلاء ~~الأقوام المجرمين، لم يكتفوا بالتكذيب لأنبيائهم، بل إن كل أمة منهم قد ~~مكرت بنبيها، وأرادت به السوء، وحاولت أن تتمكن منه بالأسر أو بالقتل، ~~وجادلته بالجدال الباطل، لتزيل به الحق الذى جاء به من عند ms4452 ربه وتبطله. ~~والتعبير بقوله { ليأخذوه } يشعر بأن هؤلاء المجرمين كانوا حريصين ~~على التمكن من إيذاء نبيهم ومن الاعتداء عليه، كما يحرص الشخص على أخذ ~~عدوه وأسره ليفعل به ما يشاء. وقوله - تعالى - { فأخذتهم فكيف ~~كان عقاب } بيان لما آل إليه مكرهم وجدالهم بالباطل. أى هموا بما ~~هموا، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، وحاولوا أن يجعلوا رسولهم بمنزلة ~~الأسير فيهم. فكانت نتيجة كل ذلك أن أخذناهم أخذ عزيز مقتدر، بأن دمرناهم ~~تدميرا فكيف كان عقابى لهم؟ لقد كان عقابا مدمرا، جعلهم أثرا بعد عين، ~~وترك آثار مساكنهم تشهد بهلاكهم واستئصالهم. ثم بين - سبحانه - سنة من ~~سننه التى لا تتخلف فقال { وكذلك حقت كلمة ربك على ~~الذين كفروا أنهم أصحاب النار }. أى وكما حقت كلمة ~~ربك - أيها الرسول الكريم - ووجبت بإهلاك الأمم الماضية التى كذبت ~~أنبياءها، وجعلهم وقودا للنار، فكذلك تكون سنتنا مع المكذبين لك من قومك، ~~إذا ما استمروا فى تكذيبهم لك، ولم يعودوا إلى طريق الحق. فالآيات ~~الكريمة تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتحذير لمشركى قريش من ~~الاستمرار فى غيهم. ثم بين - سبحانه - مظهرا من مظاهر رحمته بالمؤمنين، ~~وتكريمهم، فذكر أن حملة عرشه من وظائفهم الاستغفار للمؤمنين، والدعاء لهم ~~بالخير فقال - تعالى - { الذين يحملون العرش ومن ~~حوله... } ### || [40.7-9] # والمراد بالذين يحملون العرش عدد من الملائكة المقربين إلى الله - تعالى ~~- ولا يعلم عددهم أحد سوى الله - تعالى - لأنه لم يرد نص صحيح فى تحديد ~~عددهم. والمراد بمن حوله عدد آخر من الملائكة يطوفون بالعرش مهللين ~~مسبحين مكبرين لله - تعالى - كما قال - تعالى - # وترى الملائكة حآفين من حول العرش يسبحون ~~بحمد ربهم... # وعرش الله - تعالى - كما قال الراغب مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم، ~~فعلينا أن نؤمن بان لله - تعالى - عرشا عظيما، أما كيفيته وهيئته فنفوض ~~معرفتها إلى الخالق - عز وجل -. وقد ذكر هذا اللفظ فى القرآن الكريم فى ~~إحدى وعشرين آية. والاسم الموصول فى قوله - تعالى - { الذين ~~يحملون العرش } مبتدأ. وخبره قوله { يسبحون... }. والجملة ~~الكريمة مستأنفة ومسوقة لتسلية النبى صلى ms4453 الله عليه وسلم ببيان أن هؤلاء ~~الملائكة الذين هم أقرب الملائكة إلى الله - تعالى - يضمون إلى تسبيحهم ~~لذاته - سبحانه -، الاستغفار للمؤمنين، والدعاء لهم. وقد ذكر كثير من ~~المفسرين كلاما طويلا فى صفة هؤلاء الملائكة وفى صفة العرش. رأينا أن ~~نضرب عنه صفحا لضعفه وقلة فائدته. أى الملائكة الكرام المقربون إلينا، ~~والحاملون لعرشنا، والحافون به، من صفاتهم أنهم { يسبحون بحمد ~~ربهم } أى ينزهون الله - تعالى - عن كل نقص، ويلهجون بحمده وبالثناء ~~عليه بما يليق به. { ويؤمنون به } - تعالى - إيمانا تاما لا ~~يشوبه ما يتنافى مع هذا الإيمان والإذعان لله الواحد القهار. قال صاحب ~~الكشاف فإن قلت ما فائدة قوله - تعالى - { ويؤمنون به } ولا يخفى ~~أن حملة العرش ومن حوله مؤمنون؟ قلت فائدته إظهار شرف الإيمان وفضله، ~~والترغيب فيه، كما وصف الأنبياء فى غير موضع من كتابه بالصلاح كذلك، كما ~~عقب أعمال الخير بقوله - تعالى - # ثم كان من الذين آمنوا # فأبان بذلك فضل الإيمان. ويستغفرون للذين آمنوا، أى أنهم بجانب تسبيحهم ~~وحمدهم لربهم، وإيمانهم به، يتضرعون إليه - سبحانه - أن يغفر للذين آمنوا ~~ذنوبهم. وفى هذا الاستغفار منهم للمؤمنين، إشعار بمحبتهم لهم، وعنايتهم ~~بشأنهم، لأنهم مثلهم فى الإيمان بوحدانية - الله تعالى - وفى وجوب إخلاص ~~العبادة والطاعة له. ثم حكى - سبحانه - كيفية استغفارهم للمؤمنين فقال { ~~ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما }. والجملة الكريمة ~~على تقدير قول محذوف، وهذا القول فى محل نصب على الحال من فاعل { ~~ويستغفرون } وقوله { رحمة وعلما } منصوبان على التمييز. ~~أى إنهم يستغفرون للذين آمنوا، حالة كونهم قائلين يا ربنا يا من وسعت ~~رحمتك ووسع علمك كل شئ، تقبل دعاءنا. # { فاغفر } بمقتضى سعة رحمتك وعلمك { للذين تابوا } إليك ~~توبة صادقة نصوحا { واتبعوا سبيلك } الحق، وصراطك المستقيم. { ~~وقهم عذاب الجحيم } أى وصنهم يا ربنا واحفظهم من الوقوع فى ~~جهنم لأن عذابها كرب عظيم. يا { ربنا وأدخلهم جنات عدن ~~} أى وادخلهم جناتك دخولا دائما لا انقطاع معه. يقال عدن فلان بالمكان ~~يعدن عدنا، إذا لزمه وأقام فيه دون أن يبرحه، ومنه سمى الشئ ms4454 المخزون ~~فى باطن الأرض بالمعدن، لأنه مستقر بداخلها. { التي وعدتهم } ~~فضلا منك وكرما. وأدخل معهم { ومن صلح } لدخولها بسبب إيمانهم ~~وعملهم الطيب { من آبآئهم وأزواجهم وذرياتهم ~~إنك أنت } يا مولانا { العزيز } أى الغالب لكل شئ { الحكيم ~~} فى كل تصرفاتك وأفعالك. فالمراد بالصلاح فى قوله - تعالى - { ومن ~~صلح من آبآئهم } من كان منهم مؤمنا بالله، وعمل عملا صالحا، ~~ودعوا لهم بذلك. ليتم سرورهم وفرحهم إذ وجود الآباء والأزواج والذرية مع ~~الإنسان فى الجنة، يزيد سروره وانشراحه. { وقهم } يا ربنا { ~~السيئات } أى احفظهم يا ربنا من ارتكاب الأعمال السيئات، ومن ~~العقوبات التى تترتب على ذلك، بأن تتجاوز عن خطاياهم. { ومن تق ~~السيئات يومئذ } أى فى يوم القيامة الذى تجازى فيه كل نفس بما ~~كسبت { فقد رحمته } أى فقد رحمته برحمتك الواسعة من كل سوء. { ~~وذلك } الذى تقدم من رحمتهم ومن إدخالهم الجنة، ومن وقايتهم السوء. { ~~هو الفوز العظيم } الذى لا يضارعه فوز، والظفر الكبير الذى لا ~~يقاربه ظفر، والأمل الذى لا مطمع وراءه لطامع. وبذلك نرى هذه الآيات ~~الكريمة، قد أخبرتنا أن الملائكة المقربين يدعون للمؤمنين بما يسعدهم فى ~~دنياهم وآخرتهم. وكعادة القرآن الكريم فى قرن الترغيب بالترهيب أو العكس ~~جاء الحديث بعد ذلك عن الكافرين. مبينا انقطاعهم عن كل من يشفع لهم، أو ~~يدعو لهم بخير - كما دعا الملائكة للمؤمنين - فقال - تعالى - { إن ~~الذين كفروا... }. ### || [40.10-12] # والمقت أشد أنواع البغض والغضب. يقال مقته مقتا، إذا غضب عليه غضبا ~~شديدا، ومنه قوله - تعالى - # ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النسآء إلا ما ~~قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وسآء سبيلا # والمنادى لهؤلاء الكافرين هم الملائكة خزنة النار، أو المؤمنون. وهذا ~~النداء إنما يكون يوم القيامة، يوم توفى كل نفس ما كسبت. أى إن الذين ~~كفروا بعد أن أحاطت بهم النار، وبعد أن عادوا على أنفسهم بأشد ألوان ~~الندامة والحسرة والمقت. لإيثارها الكفر على الإيمان. بعد كل ذلك { ~~ينادون } بأن يقال لهم إن مقت الله - تعالى - لكم بسبب إصراركم على ~~الكفر حتى هلكتم.. ms4455 أشد وأعظم من مقتكم لأنفسكم مهما بلغ مقتكم لها ~~وكراهيتكم لها. قال الآلوسى ما ملخصه قوله { ينادون } المنادى لهم ~~الخزنة أو المؤمنون يقولون إعظاما لحسرتهم { لمقت الله أكبر ~~من مقتكم أنفسكم } وهذا معمول للنداء لتضمنه معنى القول، ~~كأنه قيل ينادون مقولا لهم لمقت.. ومقت مصدر مضاف إلى الاسم الجليل إضافة ~~المصدر لفاعله، وكذا إضافة المقت الثانى إلى ضمير الخطاب.. وقوله - ~~سبحانه - { إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون } تعليل لمقت ~~الله أى لغضب الله - تعالى - عليكم، أشد من غضبكم على أنفسكم الأمارة ~~بالسوء وذلك لأنكم جاءتكم دعوة الحق على ألسنة رسلكم، فأعرضتم عنها ~~وصممتم على الكفر والفسوق والعصيان، حتى أدرككم الموت، وها أنتم اليوم ~~تجزون ما كنتم تعملونه فى الدنيا. ثم يحكى - سبحانه - ما يقوله الكافرون ~~بعد أن أنزل بهم - سبحانه - عقابه العادل فيقول { قالوا ربنآ ~~أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين... }. وأرادوا ~~بالموتة الأولى خلقهم من مادة لا روح فيها وهم فى بطون أمهاتهم.. وأرادوا ~~بالثانية قبض أرواحهم عند انقضاء آجالهم. وأرادوا بالحياة الأولى نفخ ~~أرواحهم فى أجسادهم وهى فى الأرحام، وأرادوا بالثانية إعادتهم إلى الحياة ~~يوم البعث، للحساب والجزاء. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ~~ثم يميتكم ثم يحييكم... # { فاعترفنا بذنوبنا } أى أنت يا ربنا الذى - بقدرتك وحدها - ~~أمتنا إماتتين اثنتين، وأحييتنا إحياءتين اثنتين، وها نحن قد اعترفنا ~~بذنوبنا التى وقعت منا فى الدنيا، وندمنا على ما كان منا أشد الندم.. { ~~فهل إلى خروج من سبيل } أى فهل بعد هذا الاعتراف، فى ~~الإمكان أن تخرجنا من النار، وأن تعيدنا إلى الحياة الدنيا، لنؤمن بك حق ~~الإيمان. ونعمل غير الذى كنا نعمل. فأنت ترى أن الآية تصور ذلهم وحسرتهم ~~أكمل تصوير، وأنهم يتمنون العودة إلى الدنيا ليتداركوا ما فاتهم، ولكن ~~هذا التمنى والتلهف جاء بعد فوات الأوان. قال ابن كثير ما ملخصه هذه ~~الآية كقوله - تعالى - # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ~~ثم يميتكم ثم يحييكم... # وهذا هو الصواب الذى لا شك فيه ولا مرية. وقال السدى أميتوا ms4456 فى الدنيا ~~ثم أحيوا فى قبورهم فخوطبوا، ثم أميتوا ثم أحيوا يوم القيامة. وقال ابن ~~زيد أحيوا حين أخذ عليهم الميثاق من صلب آدم، ثم خلقهم فى الأرحام. ثم ~~أماتهم يوم القيامة. وهذا القولان ضعيفان لأنه يلزمهما على ما قالا ثلاث ~~إحياءات وإماتات. والمقصود من هذا كله أن الكفار يسألون الرجعة وهم وقوف ~~بين يدى الله، كما قال - تعالى - # ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ~~ربهم ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل ~~صالحا إنا موقنون # ثم بين - سبحانه - أن تذللهم هذا لن يجديهم، وأن ما هم فيه من عذاب سببه ~~إعراضهم عن دعوة الحق فى الدنيا، فقال { ذلكم بأنه إذا دعي ~~الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا ~~فالحكم لله العلي الكبير }. أى ذلكم الذى نزل بكم من ~~عذاب سببه، أنكم كنتم فى الدنيا إذا عبد الله - تعالى - وحده، وطلب منكم ~~ذلك كفرتم به - عز وجل -، وإن يشرك به غيره من الأصنام أو غيرها آمنتم، ~~وما دام هذا حالكم فى الدنيا، فأخسأوا فى النار ولا تؤملوا فى الخروج ~~منها، بحال من الأحوال، فالحكم لله وحده دون غيره، وهو سبحانه الذى حكم ~~عليكم بما حكم.. وهو - سبحانه - { العلي } أى المتعالى عن أن يكون ~~له مماثل فى ذاته أو صفاته { الكبير } أى العظيم الذى هو أعظم وأكبر ~~من أن يكون له شريك أو صاحبة أو ولد. وجمع - سبحانه - لذاته بين هذين ~~الوصفين للدلالة على كبريائه وعظمته. ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدل ~~على فضله ورحمته بعباده، وعلى وحدانيته وكمال قدرته، وعلى أن يوم القيامة ~~آت لا ريب فيه، وعلى أن كل نفس ستجازى فى هذا اليوم بما كسبت بدون ظلم أو ~~محاباة، لأن القضاء فيه لله الواحد القهار. فقال - تعالى - { هو ~~الذي يريكم آياته وينزل... } ### || [40.13-22] # والمقصود بآياته - عز وجل - فى قوله { هو الذي يريكم ~~آياته... } الدلائل الدالة على وحدانيته وقدرته، كخلقه للشمس والقمر ~~والليل والنهار، والبحار والأنهار، والسماء والأرض، والمطر والرعد، ~~والنجوم والرياح، والأشجار الكبيرة والصغيرة.. إلى غير ذلك من ms4457 آياته التى ~~لا تحصى فى هذا الوجود.. أى هو - سبحانه - الذى يريكم آياته الدالة على ~~وحدانيته وقدرته، لتزدادوا - أيها المؤمنون - إيمانا على إيمانكم، وثباتا ~~على ثباتكم، ويقينا على يقينكم، بأن المستحق للعبادة والطاعة هو الله ~~الواحد القهار. وقد ساق - سبحانه - فى كتابه عشرات الآيات الدالة على ~~وحدانيته وقدرته، ومن ذلك قوله - تعالى - # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف اليل ~~والنهار لآيات لأولي الألباب # وقوله عز وجل # ومن آياته منامكم باليل والنهار وابتغآؤكم ~~من فضله.. # وقوله - تعالى - # إن في اختلاف اليل والنهار وما خلق الله في ~~السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون # والمراد بالرزق فى قوله { وينزل لكم من السمآء رزقا ~~}.. الأمطار التى تنزل من السماء على الأرض، فتحييها بعد موتها، بأن ~~تحولها من أرض جدباء يابسة، إلى أرض خضراء بشتى الزروع والثمار. وأطلق - ~~سبحانه - على المطر رزقا. لأنه سبب فيه، وأفرده بالذكر مع كونه من جملة ~~الآيات التى يريها - تعالى - لعباده لتفرده بعنوان كونه من آثار رحمته، ~~وجلائل نعمه، الموجبة لشكره - عز وجل -، ولوجوب إخلاص العبادة له. وقوله ~~- تعالى - { وما يتذكر إلا من ينيب } بيان لمن هو أهل ~~للانتفاع بهذه الآيات. أى وما يتذكر وينتفع بهذه الآيات إلا من يرجع عن ~~المعصية إلى الطاعة وعن الكفر إلى الإيمان، وعن العناد والجحود، إلى ~~التفكر والتدبر بقلب سليم. فقوله { ينيب } من الإنابة، ومعناها ~~الرجوع عن الكفر والمعاصى إلى الإيمان والطاعة. والفاء فى قوله - تعالى ~~- { فادعوا الله مخلصين له الدين... } للإفصاح عن شرط ~~مقدر. أى إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من أن كل شئ فى هذا الوجود يدل على ~~وحدانية الله - تعالى - فأخلصوا له العبادة والطاعة { ولو كره ~~الكافرون } منكم ذلك - أيها المؤمنون - فلا تلتفتوا إلى كراهيتهم، ~~وامضوا فى طريق الحق، ودعوهم يموتوا بغيظهم.. وقد أخذ العلماء من هذه ~~الآية الكريمة، وجوب إخلاص العبادة لله - تعالى - ووجوب الإكثار من ~~التضرع إليه بالدعاء. ومن الأحاديث التى أوردها الإمام ابن كثير عند ~~تفسيره لهذه الآية، ما رواه الإمام مسلم وأبو داود، والنسائى، وأحمد، عن ~~أبى ms4458 الزبير محمد بن مسلم المكى قال كان عبد الله بن الزبير يقول فى دبر ~~كل صلاة حين يسلم " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله ~~الحمد، وهو على كل شئ قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ~~ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا ~~الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون قال وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يهلل بهن دبر كل صلاة ". # ثم يذكر - سبحانه - بعد ذلك من صفاته العظمى، ما يزيد المؤمنين فى إخلاص ~~العبادة له، فيقول { رفيع الدرجات ذو العرش.. } أى هو - ~~تعالى - وحده صاحب الرفعة والمقام العالى، وهو وحده صاحب العرش العظيم، ~~الذى لا يعلم مقدار عظمته إلا هو.. قال الآلوسى قوله { رفيع ~~الدرجات } رفيع صفة مشبهة أضيفت إلى فاعلها من رفع الشئ إذا ~~علا.. والدرجات مصاعد الملائكة إلى أن يبلغوا العرش، أى رفيع درجات ~~ملائكته ومعارجهم إلى عرشه.. ويجوز أن يكون كناية عن رفعة شأنه وسلطانه - ~~عز شأنه - كما أن قوله - تعالى - { ذو العرش } كناية عن ملكه - جل ~~جلاله -. والمراد بالروح فى قوله - تعالى - { يلقي الروح من ~~أمره على من يشآء من عباده } الوحى الذى يوحى به على ~~أنبيائه، وأمين هذا الوحى جبريل - عليه السلام -. أى هو وحده - سبحانه - ~~الذى يلقى الوحى. حالة كون هذا الوحى ناشئا من أمره وقضائه على من يختاره ~~لهذا الإلقاء من عباده الصالحين. فقوله { من أمره } متعلق بمحذوف ~~حال من الروح. وسمى الوحى روحا، لأن الأرواح تحيا به، كما أن الأجساد ~~تحيا بالغذاء. وقوله - تعالى - { لينذر يوم التلاق } بيان ~~للوظيفة الخاصة بمن يختاره - سبحانه - من عباده لإلقاء الوحى عليه. ~~والإنذار الإعلام المقترن بالتخويف والتحذير، فكل إنذار إعلام، وليس كل ~~إعلام إنذارا. والمراد بيوم التلاق يوم القيامة، وسمى بيوم التلاق لأنه ~~يتلاقى فيه الأولون والآخرون والمؤمنون والكافرون، والظالمون ~~والمظلومون.. الكل يتلاقى فى ساحة المحشر ليقضى الله - تعالى - فيهم ~~بقضائه العادل. أى يلقى - سبحانه - بوحيه على ms4459 أنبيائه، لينذروا الناس ~~ويحذروهم من سوء العذاب يوم القيامة، إذا ما استمروا فى كفرهم وعصيانهم ~~لخالقهم. ثم صور - سبحانه - أحوال الناس فى هذا اليوم العصيب، فقال { ~~يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء... } ~~وهذه الجملة الكريمة بدل من قوله { يوم التلاق } أى يلقى - سبحانه ~~- على من يشاء من عباده، لكى ينذر الناس من أهوال ذلك اليوم الذى تلتقى ~~فيه الخلائق، والذى يظهرون فيه ظهورا تاما، دون أن يخفى منهم شئ على الله ~~- تعالى -. والله - تعالى - لا يخفى عليه شئ من أمرهم لا فى هذا اليوم ~~ولا فى غيره، ولكنه - سبحانه - ذكر بروزهم وعدم خفائهم عليه فى هذا ~~اليوم، لأنهم - لجهلهم - كانوا يتوهمون فى الدنيا أنهم يستطيعون التستر ~~عنه، كما أشار - سبحانه - إلى ذلك فى قوله - تعالى - # ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا ~~حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما ~~يعلنون إنه عليم بذات الصدور # ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال قوله { يوم هم بارزون } أى ~~ظاهرون لا يسترهم شئ من جبل أو أكمة أو بناء، لأن الأرض بارزة قاع صفصف، ~~ولا عليهم ثياب، إنما هم عراة مكشوفون، كما جاء فى الحديث # " يحشرون عراة حفاة غرلا " # { لا يخفى على الله منهم شيء } أى من أعمالهم ~~وأحوالهم... فإن قلت قوله { لا يخفى على الله منهم شيء ~~} بيان وتقرير لبروزهم، والله - تعالى - لا يخفى عليه منهم شئ برزوا أم ~~لم يبرزوا، فما معناه؟ قلت معناه أنهم كانوا يتوهمون فى الدنيا أنهم إذا ~~استتروا بالحيطان والحجب، أن الله لا يراهم وتخفى عليه أعمالهم، فهم ~~اليوم صائرون من البروز والانكشاف إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما كانوا ~~يتوهمونه قال - تعالى - # ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما ~~تعملون.. # وقوله - تعالى - { لمن الملك اليوم لله الواحد ~~القهار } السائل والمجيب هو الله - تعالى -. أى ينادى الله - تعالى ~~- فى المخلوقات فى ذلك اليوم، لمن الملك فى هذا اليوم الهائل الشديد؟ ثم ~~يجيب - سبحانه - على هذا السؤال بقوله { لله الواحد القهار ~~}. قال القرطبى ما ms4460 ملخصه قال الحسن هو السائل - تعالى - وهو المجيب، لأنه ~~يقول ذلك حين لا أحد يجيبه، فيجيب نفسه سبحانه فيقول { لله ~~الواحد القهار }. وعن ابن مسعود قال يحشر الناس على أرض بيضاء ~~مثل الفضة، لم يعص الله - جل وعلا - عليها، فيأمر مناديا ينادى { لمن ~~الملك اليوم } فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم { لله الواحد ~~القهار }. فيقول المؤمنون هذا الجواب سرورا وتلذذا، ويقوله الكافرون ~~غما وانقيادا وخضوعا. ثم قال والقول الأول ظاهر جدا، لأن المقصود إظهار ~~انفراده - تعالى - بالملك عند انقطاع دعاوى المدعين، وانتساب المنتسبين، ~~إذ قد ذهب كل ملك وملكه. وبعد أن قرر - سبحانه - أن الملك فى هذا اليوم ~~له وحده. أتبع ذلك ببيان ما يحدث فى هذا اليوم فقال { اليوم تجزى ~~كل نفس بما كسبت... }. أى فى هذا اليوم الهائل الشديد تجازى ~~كل نفس من النفوس المؤمنة والكافرة، والبارة والفاجرة. بما كسبت فى ~~دنياها من خير أو شر، ومن طاعة أو معصية. { لا ظلم اليوم } ولا ~~جور ولا محاباة ولا وساطات.. وإنما تعطى كل نفس ما تستحقه من ثواب أو ~~عقاب. # { إن الله سريع الحساب } لأنه - سبحانه - لا يحتاج إلى ~~تفكير عند محاسبته لخلقه، بل هو - سبحانه - قد أحاط بكل شئ علما، كما قال ~~- تعالى - # عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا ~~أكبر إلا في كتاب مبين # ثم يوجه الله - تعالى أمره إلى النبى صلى الله عليه وسلم بأن يحذر كفار ~~قريش من أهوال هذا اليوم فيقول { وأنذرهم يوم الأزفة إذ ~~القلوب لدى الحناجر كاظمين.. }. والآزفة القيامة. وأصل ~~معنى الأزفة القريبة، وسميت القيامة بذلك لقربها، يقال أزف - بزنة فرح - ~~يوم الرحيل إذا دنا وقرب. والحناجر جمع حنجرة وهى الحلقوم. وكاظمين حال ~~من أصحاب القلوب على المعنى. فإن ذكر القلوب يدل على ذكر أصحابها. وأصل ~~الكظم الحبس والإمساك للشئ. يقال كظم القربة إذا ملأها بالماء، وسد ~~فاها، حتى لا يخرج منها شئ من الماء. والمعنى وأنذر - أيها الرسول الكريم ~~- الناس، وحذرهم من أهوال ms4461 يوم عظيم قريب الوقوع، هذا اليوم تكون قلوبهم ~~فيه مرتفعة عن مواضعها من صدورهم. ومتشبثة بحناجرهم، ويكونون كاظمين ~~عليها وممسكين بها حتى لا تخرج مع أنفساهم. كما يمسك صاحب القربة فمها ~~لكى لا يتسرب منها الماء. فالآية الكريمة تصوير يديع لما يكون عليه الناس ~~فى هذا اليوم من فزع شديد، وكرب عظيم. وخوف ليس بعده خوف. والحديث عن قرب ~~يوم القيامة قد جاء فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى - # اقتربت الساعة وانشق القمر.. # وقوله - سبحانه - # اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون # والظاهر أن قوله هنا { يوم الأزفة } هو المفعول الثانى للإنذار ~~ليس ظرفا له. لأن الإنذار والتخويف من أهوال يوم القيامة واقع فى دار ~~الدنيا. وقوله { إذ القلوب } بدل من يوم الآزفة. قال صاحب الكشاف ~~فإن قلت " كاظمين " بم انتصب؟ قلت هو حال من أصحاب القلوب على المعنى، ~~لأن المعنى إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها. ويجوز أن يكون حالا من ~~القلوب، وأن القلوب، كاظمة على غم وكرب فيها مع بلوغها الحناجر. وإنما ~~جمع جمع السلامة، لأنه وصفها بالكظم الذى هو من أفعال العقلاء، كما ~~قال - تعالى - # والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين... # وقوله - تعالى - { ما للظالمين من حميم ولا شفيع ~~يطاع } نفى لكون هؤلاء الظالمين يوجد فى هذا اليوم من ينفعهم أو يدافع ~~عنهم. والحميم هو الإنسان الذى يحبك ويشفق عليك ويهتم بأمرك، ومنه قيل ~~لخاصة الرجل حامته. والشفيع من الشفع، بمعنى الانضمام، يقال شفع فلان ~~لفلان إذا انضم إليه ليدافع عنه. أى ليس للظالمين فى هذا اليوم قريب أو ~~محب يعطف عليهم، ولا شفيع يطيعهم فى الشفاعة لهم، لأنهم فى هذا اليوم ~~يكونون محل غضب الجميع ونقمتهم، بسبب ظلمهم وإصرارهم على كفرهم. # فالآية الكريمة نفت عنهم الصديق الذى يهتم بأمرهم، والشفيع الذى يشفع ~~لهم، والإنسان الذى تكون له أية كلمة تسمع فى شأنهم. ثم أكد - سبحانه - ~~شمول علمه لكل شئ فقال { يعلم خآئنة الأعين وما تخفي ~~الصدور }. والمراد بخائنة الأعين النظرة الخائنة التى يتسلل بها ~~المتسلل ليطلع على ms4462 ما حرم الله الاطلاع عليه. والجملة خبر لمبتدأ محذوف. ~~والإضافة فى قوله { خآئنة الأعين } على معنى من، وخائنة نعت ~~لمصدر محذوف. أى هو - سبحانه - يعلم النظرة الخائنة من الأعين، وهى التى ~~يوجهها صاحبها فى تسلل وخفية إلى محارم الله - تعالى - كما يعلم - سبحانه ~~- الأشياء التى يخفيها الناس فى صدورهم، وسيجازيهم على ذلك فى هذا اليوم ~~بما يستحقون. قال القرطبى # " ولما جئ بعبد الله بن أبى سرح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما ~~اطمأن أهل مكة، وطلب له الأمان عثمان بن عفان، صمت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم طويلا، ثم قال " نعم ". فلما انصرف قال صلى الله عليه وسلم ~~لمن حوله " ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه ". فقال رجل من ~~الأنصار فهلا أومأت إلي يا رسول الله؟ فقال " إن النبي لا تكون له ~~خائنة أعين ". # ثم بين - سبحانه - أن القضاء الحق فى هذا اليوم مرده إليه وحده فقال { ~~والله يقضي بالحق... }. أى والله - تعالى - يقضى بين عباده ~~قضاء ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل. { والذين يدعون من ~~دونه لا يقضون بشيء.. } أى والآلهة الذين يعبدهم الكفار من ~~دون الله - تعالى - لا يقضون بشئ أصلا، لأنهم لا يعلمون شيئا، ولا يقدرون ~~على شئ، وإذا فهم أعجز وأتفه من أن يلتفت إليهم. { إن الله } - ~~تعالى - { هو السميع } لكل شئ { البصير } بكل شئ، لا يخفى عليه ~~شئ فى الأرض ولا فى السماء. ثم وبخ - سبحانه - هؤلاء الظالمين على عدم ~~اعتبارهم واتعاظهم بمن كان قبلهم فقال { أولم يسيروا في ~~الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من ~~قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في ~~الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من ~~الله من واق }. أى أبلغت الجهالة والغفلة وانطماس البصيرة بهؤلاء ~~المشركين من قومك - يا محمد - أنهم لم يعتبروا ولم يتعظوا بالظالمين ~~السابقين الذين دمرناهم تدميرا. إنهم يمرون عليهم مصبحين وبالليل، وإنهم ~~ليشاهدون آثارهم ماثلة أمام أعينهم، يشاهدون آثار قوم صالح، ويشاهدون ~~آثار غيرهم. ولقد كان هؤلاء ms4463 السابقون الظالمون، أشد من مشركى قريش فى ~~القوة والبأس، وأشد منهم فى إقامة المبانى الفارهة، والحصون الحصينة. # . فلما استمروا فى جحودهم وكفرهم، أخذهم الله - تعالى - أخذ عزيز مقتدر، ~~بسبب ذنوبهم. وما كان لهم من دون الله - تعالى - من يدفع عنهم عذابه، أو ~~يقيهم من بأسه. { ذلك } الأخذ من أسبابه { بأنهم كانت ~~تأتيهم رسلهم بالبينات } أى بالدلائل الواضحات على ~~صدقهم فيما يبلغونهم عن ربهم. { فكفروا } أى بالرسل وبما جاءوهم به ~~{ فأخذهم الله } أى فأهلكهم - سبحانه - { إنه قوي ~~شديد العقاب } أى إنه - سبحانه - قوى لا يحول بين ما يريد أن ~~يفعله حائل، شديد العقاب لمن كفر به، وأعرض عن دعوة رسله. وبذلك نرى ~~الآيات الكريمة قد ساقت لنا أنواعا متعددة من مظاهر قدرة الله، ومن أهوال ~~يوم القيامة، ومن علمه الشامل لكل شئ، ومن قضائه العادل ومن أخذه ~~للظالمين أخذ عزيز مقتدر. ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن جانب ~~من قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون. فذكرت جانبا من التهديدات التى ~~وجهها فرعون إلى موسى وقومه، وكيف أن موسى - عليه السلام - رد عليه ردا ~~قويا حكيما، فقال - تعالى - { ولقد أرسلنا موسى ~~بآياتنا... } ### || [40.23-27] # والمراد بآياتنا فى قوله { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا } ~~تلك الآيات التسع التى أعطاها الله - تعالى - لموسى، لتكون معجزات له ~~دالة على صدقة، وهى العصا، واليد، والسنون، والبحر، والطوفان، والجراد، ~~والقمل والضفادع، والدم. قال - تعالى - # ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات.. # والمراد بالسلطان المبين الحجة القاهرة الظاهرة التى تغلب بها فى الحجاج ~~والجدال على فرعون. أى والله لقد منحنا موسى - عليه السلام - بفضلنا ~~وقدرتنا معجزات باهرات، ومنحناه - أيضا - حجة قوية واضحة، يدمر بها حجج ~~أعدائه. وقوله - سبحانه - { إلى فرعون وهامان وقارون... ~~} بيان لمن أرسله الله - تعالى - إليهم. وفرعون لقب لكل ملك من ملوك مصر ~~فى تلك العهود السابقة، والمراد به هنا ذلك الملك الجبار الظالم الذى ~~أرسل فى عهده موسى - عليه السلام -، ويقال إنه " منفاح " بن رمسيس ~~الثانى. و { هامان } هو وزير فرعون { قارون } هو الذى كان من قوم ms4464 ~~موسى فبغى عليهم. وأعطاه الله - تعالى - الكثير من الأموال.. ثم خسف به ~~وبداره الأرض. وخص - سبحانه - هؤلاء الثلاثة بالذكر، مع أن رسالة موسى ~~كانت لهم ولأتباعهم، لأنهم هم الزعماء البارزون، الذين كانوا يدبرون ~~المكايد ضد موسى - عليه السلام - فيتبعهم العامة من أقوامهم. وقوله { ~~فقالوا ساحر كذاب } أرسلناه إلى هؤلاء الطغاة ومعه آياتنا ~~الدالة على صدقه، فكان جوابهم على دعوته إياهم إلى عبادة الله - تعالى - ~~وحده. أن قالوا فى شأنه، إنه ساحر يموه على الناس بسحره، وأنه كذاب فى ~~دعواه أنه رسول من رب العالمين. وهكذا كانت نتيجة أول لقاء بين موسى - ~~عليه السلام - وبين هؤلاء الطغاة الظالمين. أنهم وصفوه بالسحر والكذب، ~~وهو المؤيد بآيات الله، وبحججه الظاهرة. وما وصفوه بذلك إلا من أجل الحسد ~~والعناد، والحرص على دنياهم وملكهم. ثم لم يكتفوا بهذا القول، بل انتقلوا ~~إلى مرحلة أخرى أشد وأطغى، فقالوا - كما حكى القرآن عنهم { فلما ~~جآءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبنآء ~~الذين آمنوا معه واستحيوا نسآءهم... }. أى فحين وصل ~~إليهم موسى - عليه السلام - بدعوته - وخاطبهم بما أمره الله - تعالى - أن ~~يخاطبهم به، وجابههم بالحق الذى زوده الله - تعالى - به. ما كان منهم إلا ~~أن قالوا - على سبيل التهديد والوعيد - اقتلوا الذكور من أبناء الذين ~~آمنوا مع موسى، ودخلوا فى دينه، واتركوا الإناث بدون قتل لخدمتكم، ~~وليكون ذلك أبلغ فى إذلالهم. إذ بقاء النساء بدون رجال فتنة كبيرة. وذل ~~عظيم. والتعبير بقوله { فلما جآءهم بالحق من عندنا } ~~يشعر بأن هؤلاء الظالمين قد جاءهم الحق إلى بيوتهم ومساكنهم، وأنهم لم ~~يخرجوا لطلبه، وإنما هو الذى جاءهم عن طريق موسى، المؤيد بآيات الله - ~~تعالى -. # والقائلون { اقتلوا أبنآء الذين آمنوا معه ~~واستحيوا نسآءهم } هم الملأ من قوم فرعون الذين كانوا يزينون ~~له الظلم والعدوان. إرضاء له. وإرهابا لموسى - عليه السلام - ولمن آمن ~~معه. قال الإمام الرازى والصحيح أن هذا القتل كان غير القتل الذى وقع فى ~~وقت ولادة موسى، لأن القتل فى ذلك الوقت كان بسبب أن المنجمين قد أخبروا ~~فرعون ms4465 بولادة عدو له يظهر عليه، فأمر بقتل الأبناء فى ذلك الوقت. وأما فى ~~هذا الوقت. فموسى - عليه السلام - كان قد جاءه وأظهر المعجزات. فعند ذلك ~~أمر بقتل أبناء الذين آمنوا معه، لئلا ينشأوا على دين موسى، فيقوى بهم. ~~وهذه العلة مختصة بالبنين دون البنات. فلهذا السبب أمر بقتل الأبناء.. ~~وقوله - تعالى - { وما كيد الكافرين إلا في ضلال } ~~توهين لشأن الكافرين فى كل زمان ومكان، وتشجيع للمؤمنين على أن يسيروا فى ~~طريق الحق دون أن يرهبهم وعد أو وعيد. فإن النصر سيكون فى النهاية لهم. ~~أى وما كيد الكافرين ومكرهم وعدوانهم، إلا مصيره إلى الضلال والضياع ~~والبطلان. يقال ضل فلان الطريق إذا ضاع منه الرشد. والتبست عليه السبل. ~~وصار تائها لا يعرف له طريقا يوصله إلى ما يريد. ثم بين - سبحانه - لونا ~~آخر من ألوان فجور فرعون وبغيه فقال { وقال فرعون ذروني ~~أقتل موسى... }. والجملة الكريمة معطوفة على قوله { قالوا ~~اقتلوا أبنآء الذين آمنوا معه } وجملة { وما ~~كيد الكافرين إلا في ضلال } اعتراضية، جئ بها مسارعة ~~لبيان خسرانهم وضلالهم. أى وقال فرعون لحاشيته ومستشاريه وخاصته اتركونى ~~لأقتل موسى - عليه السلام - وأتخلص منه ومن أقواله التى فيها ما فيها من ~~الضرر بى وبكم. ويبدو من أسلوب الآية الكريمة أن اتجاه فرعون لقتل موسى ~~كان يجد معارضة مستشاريه. لأنهم يرون أن قتله لا ينهى المتاعب، بل قد ~~يزيدها اشتعالا لأن عامة الناس سيفهمون أن قتل موسى كان بسبب أنه على ~~الحق، فتثور ثائرتهم لقتله، أو لأنهم كانوا يخافون أن قتله سيؤدى إلى ~~نزول العذاب بهم، غضبا من رب موسى، ولعل بعضهم كان يعتقد أن موسى على حق ~~ولكن الخوف منعه من الجهر بذلك، أو لأنهم كانوا يرون أن قتل موسى سيؤدى ~~إلى تفرغ فرعون لهم، وهم لا يريدون هذا التفرغ، لأنه يؤدى إلى ضياع ~~الكثير من منافعهم. قال صاحب الكشاف قوله { ذروني أقتل موسى } ~~كانوا إذا هم بقتله كفوه بقولهم ليس موسى بالذى تخافه. وهو أقل من ذلك ~~وأضعف وما هو إلا بعض ms4466 السحرة.. وإنك إذا قتلته أدخلت الشبهة على الناس. # واعتقدوا أنك قد عجزت عن معارضته بالحجة. والظاهر أن فرعون - لعنه الله ~~- كان قد استيقن أن موسى نبيا. وأن ما جاء به آيات وما هو بسحر، ولكن ~~الرجل كان قتالا سفاكا للدماء فى أهون شئ، فكيف لا يقتل من أحس منه بأنه ~~هو الذى يثل عرشه. ويهدم ملكه. ولكنه كان يخاف إن هم بقتله. أن يعاجل ~~بالهلاك.. وقوله { وليدع ربه } تظاهر من فرعون بأنه لا يبالى ~~بما يكون من وراء قتله لموسى. وأنه غير مكترث لا بموسى ولا برب موسى. ~~فالجملة الكريمة بيان لما جبل عليه هذا الطاغية من فجور وتكبر واستهزاء ~~بالحق فكأنه يقول إنى قاتل لموسى وليدع ربه لكى يخلصه منى..!! ثم نرى ~~فرعون بعد ذلك يتظاهر أمام حاشيته، أنه ما حمله على إرادة قتل موسى، إلا ~~الحرص على منفعتهم. فيقول { إني أخاف أن يبدل دينكم ~~أو أن يظهر في الأرض الفساد } أى اتركونى لأقتل موسى. ~~وليدع ربه لكى يخلصه منى. إن كان فى إمكانه ذلك. فإنى أخاف إن لم أقتله ~~أن يبدل دينكم الذى أنتم عليه بدين آخر أو بأن يظهر فى الأرض التى تعيشون ~~عليها الفساد، عن طريق بث الفتن بينكم وإيقاد نار العداوة فى صفوفكم. ~~والعمل على اضطراب أمر دنياكم ومعاشكم. وهكذا الطغاة الماكرون فى كل زمان ~~ومكان يضربون الحق بكل سلاح من أسلحتهم الباطلة. ثم يزعمون بعد ذلك أمام ~~العامة والبسطاء والمغلوبين على أمرهم.. أنهم ما فعلوا ذلك إلا من أجل ~~الحرص على مصالحهم الدينية والدنيوية!! قال الإمام الرازى والمقصود من ~~هذا الكلام، بيان السبب لقتل موسى، وهو أن وجوده يوجب إما فساد الدين أو ~~فساد الدنيا، أما فساد الدين فلأن القوم اعتقدوا أن الدين الصحيح هو الذى ~~كانوا عليه. فلما كان موسى ساعيا فى إفساده كان فى اعتقادهم أنه ساع فى ~~إفساد الدين الحق. وأما فساد الدنيا فهو أنه لا بد وأن يجتمع عليه قوم، ~~ويصير ذلك سببا لوقوع الخصومات وإثارة الفتن. ولما كان حب ms4467 الناس لأديانهم ~~فوق حبهم لأموالهم، لا جرم بدأ فرعون يذكر الدين فقال { إني أخاف ~~أن يبدل دينكم } ثم أتبعه بذكر فساد الدنيا فقال { أو أن ~~يظهر في الأرض الفساد } ثم حكى - سبحانه - ما قاله موسى ~~عليه السلام - بعد أن سمع من فرعون تهديداته له، وتطاوله عليه، فقال - ~~تعالى - { وقال موسى إني عذت بربي وربكم من ~~كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب }. وقوله { عذت ~~} بمعنى استجرت ولجأت. يقال عاذ فلان بفلان واستعاذ به، إذا لجأ إليه. ~~واستجار به. أى وقال موسى - عليه السلام - لقومه على سبيل التثبيت لهم ~~على الحق يا قوم. إنى استجرت وتحصنت بربى وربكم من شر كل مستكبر عن ~~الإيمان بالحق، كافر بيوم الحساب وما فيه من ثواب وعقاب. # وفى هذا القول الذى قاله موسى لقومه يتجلى صدق إيمانه، وقوة يقينه ~~ووثوقه برعاية الله - تعالى - له، كما يتجلى فيه حرصه على نصحه لقومه ~~بالثبات على الحق، لأن الله - تعالى - الذى هو ربه وربهم، كفيل برعايته ~~ورعايتهم وبانجائه وبإنجائهم من فرعون وملئه، كما يتجلى فيه أن الاستكبار ~~عن اتباع الحق، والتكذيب بالبعث، على رأس الأسباب التى تعين على قسوة ~~القلب، وفساد النفس. قال صاحب الكشاف وقوله { وربكم } فيه بعث لهم ~~على أن يقتدوا به، فيعوذوا بالله عياذه، ويعتصموا بالتوكل عليه اعتصامه، ~~وقال { من كل متكبر } لتشمل استعاذته من فرعون وغيره من ~~الجبابرة، وليكون على طريقة التعريض، فيكون أبلغ. وأراد بالتكبر ~~الاستكبار عن الإذعان للحق، وهو أقبح استكبار وأدله على دناءة صاحبه، ~~ومهانة نفسه، وعلى فرط ظلمه وعسفه. وقال { لا يؤمن بيوم ~~الحساب } لأنه إذا اجتمع فى الرجل التجبر والتكذيب بالجزاء وقلة ~~المبالاة بالعاقبة، فقد استكمل أسباب القسوة والجراءة على الله وعباده، ~~ولم يترك عظيمة إلا ارتكبها.. وخلال هذا الوعيد والتهديد من فرعون وملئه ~~لموسى - عليه السلام -، قيض الله - تعالى - لموسى رجلا مؤمنا من آل فرعون ~~كان يخفى إيمانه. هذا الرجل أخذ يدافع عن موسى دفاعا حكيما مؤثرا، يحمل ~~الترغيب تارة والترهيب أخرى، والإرشاد تارة والتأنيب أخرى.. ويحكى ~~القرآن ذلك ms4468 بأسلوبه البليغ فيقول { وقال رجل مؤمن من آل ~~فرعون... }. ### || [40.28-35] # قال الإمام الرازى اعلم أنه - تعالى - لما حكى عن موسى - عليه السلام - ~~أنه ما زاد فى دفع مكر فرعون وشره على الاستعاذة بالله، بين أنه - تعالى ~~- قيض إنسانا أجنبيا غير موسى حتى ذب عنه على أحسن الوجوه، وبالغ فى ~~تسكين تلك الفتنة، واجتهد فى إزالة ذلك الشر. ثم قال - رحمه الله - يقول ~~مصنف هذا الكتاب ولقد جريت فى أحوال نفسى أنه كلما قصدنى شرير بشر ولم ~~أتعرض له، وأكتفى بتفويض ذلك الأمر إلى الله، فإنه - سبحانه - يقيض ~~أقواما لا أعرفهم ألبتة. يبالغون فى دفع ذلك الشر.. وظاهر الآية الكريمة ~~يفيد أن هذا الرجل المؤمن كان من حاشية فرعون بدليل قوله - تعالى - { ~~من آل فرعون } ولم يكن من بنى إسرائيل. وقد رجح ابن جرير - رحمه ~~الله - ذلك فقال وأولى القولين فى ذلك بالصواب عندى القول الذى قاله ~~السدى من أن الرجل المؤمن كان من آل فرعون، ولذا فقد أصغى لكلامه واستمع ~~منه ما قاله، وتوقف عن قتل موسى عند نهيه عن قتله.. ولو كان إسرائيليا ~~لكان حريا أن يعاجل هذا القائل له ولملئه بالعقوبة على قوله، لأنه لم يكن ~~يستنصح بنى إسرائيل لاعتداده إياهم أعداء له.. ولكنه لما كان من ملأ ~~قومه، استمع إليه، وكف فرعون عما كان قد هم به من قتل موسى.. قالوا وهذا ~~الرجل المؤمن هو الذى نصح موسى - عليه السلام - بقوله # إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك ~~من الناصحين # وكان اسمه " حزقيل " او " حبيب ". أى وقال رجل مؤمن من آل فرعون ~~وحاشيته، وكان يكتم إيمانه عنهم، حتى لا يصيبه أذى منهم، فعندما سمع ~~فرعون يقول # ذروني أقتل موسى # قال لهم { أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد ~~جآءكم بالبينات من ربكم }. أى أتقتلون رجلا لأنه يقول ~~ربى الله وحده، وقد جاءكم بالحجج البينات، وبالمعجزات الواضحة من عند ~~ربكم، كدليل على صدقه فيما يبلغه عنه. فقوله { أن يقول ربي ~~الله } فى موضع المفعول لأجله. أى أتقتلونه ms4469 من أجل قوله هذا. وجملة { ~~وقد جآءكم بالبينات من ربكم } حالية من فاعل يقول ~~وهو موسى - عليه السلام -. والمقصود بهذا الاستفهام الإنكار عليهم ~~والتبكيت لهم، حيث قصدوا قتل رجل كل ذنبه أنه عبد الله - تعالى - وحده ~~وقد جاءهم بالمعجزات الواضحات الدالة على صحة فعله وقوله. قال الإمام ~~ابن كثير وقد كان هذا الرجل يكتم إيمانه عن قومه القبط، فلم يظهر إلا هذا ~~اليوم حين قال فرعون # ذروني أقتل موسى # فأخذت الرجل غضبة لله - تعالى - و " أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان ~~جائر " اللهم إلا ما رواه البخارى فى صحيحه حيث قال حدثنا على بن عبد ~~الله، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعى، حدثنى عروة بن الزبير قال ~~قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص أخبرنى بأشد شئ صنعه المشركون برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال # " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء الكعبة، إذ أقبل عقبة بن ~~أبى معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه، ~~فخنقه خنقا شديدا. فأقبل أبو بكر - رضي الله عنه - فأخذ بمنكبه ودفع عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد ~~جاءكم بالبينات من ربكم ". # وقال القرطبى وعن على - رضى الله عنه - قال اجتمعت قريش بعد وفاة أبى ~~طالب بثلاث فأرادوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل هذا يجؤه - ~~أى يضربه -، وهذا يتلتله - أى يحركه تحريكا شديدا - فلم يغثه أحد ~~إلا أبو بكر وله ضفيرتان، فأقبل يجأ هذا ويتلتل ذا، ويقول بأعلى صوته ~~ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله، والله إنه لرسول الله، فقطعت إحدى ~~ضفيرتى أبى بكر يومئذ. ثم يحكى القرآن أن ذلك الرجل المؤمن، لم يكتف ~~بالإنكار على قومه قصدهم موسى بالقتل بل أخذ فى محاولة إقناعهم بالعدول ~~عن هذا القصد بشتى الأساليب والحجج فقال { وإن يك كاذبا ~~فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي ~~يعدكم.. }. أى أنه قال لهم إن كان موسى - على سبيل ms4470 الفرض - كاذبا ~~فيما يقوله ويفعله فعليه وحده يقع ضرر كذبه، وليس عليكم منه شئ، وإن كان ~~صادقا فيما يقوله ويفعله فعليه وحده يقع ضرر كذبه، وليس عليكم منه شئ، ~~وإن كان صادقا فيما يقوله ويفعله، فلا أقل من أن يصيبكم بعض الذى يعدكم ~~به من سوء عاقبة مخالفة ما أتاكم به من عند ربه.. فأنت ترى أن الرجل كان ~~فى نهاية الحكمة والإنصاف وحسن المنطق، فى مخاطبته لقومه، حيث بين لهم ~~أن الأمر لا يخرج عن فرضين، وكلاهما لا يوجب قصد موسى - عليه السلام - ~~بالقتل. ورحم الله صاحب الكشاف فقد أجاد عند تفسيره لهذه الآية فقال ما ~~ملخصه وقوله { أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله... } ~~هذا إنكار عظيم منه، وتبكيت شديد لهم، كأنه قال أترتكبون الفعلة الشنعاء ~~التى هى قتل نفس محرمة، وما لكم علة قط فى ارتكابها إلا كلمة الحق التى ~~نطق بها وهى قوله { ربي الله }.. ثم أخذ فى الاحتجاج عليهم على ~~طريقة التقسيم فقال لا يخلو من أن يكون كاذبا أو صادقا، فإن يك كاذبا ~~فعليه يعود كذبه ولا يتخطاه ضرره، وإن يك صادقا يصبكم بعض ما يعدكم به إن ~~تعرضتم له. # فإن قلت لم قال { بعض الذي يعدكم } وهو - أى موسى - نبى ~~صادق، لابد لما يعدهم أن يصيبهم كله لا بعضه؟ قلت لأنه احتاج فى مقاولة ~~خصوم موسى ومنا كريه، إلى أن يلاوصهم - أى يحايلهم - ويداريهم، ويسلك ~~معهم طريق الإنصاف فى القول ويأتيهم من جهة المناصحة، فجاء بما علم أنه ~~أقرب إلى تسليمهم لقوله، وأدخل فى تصديقهم له وقبولهم منه، فقال { وإن ~~يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم } وهو كلام المنصف ~~فى مقاله، غير المشتط فيه، ليسمعوا منه ولا يردوا عليه، وذلك أنه حين ~~فرضه صادقا، فقد أثبت أنه صادق فى جميع ما يعد، ولكنه أردفه بقوله { ~~يصبكم بعض الذي يعدكم } ليهضمه بعض حقه فى ظاهر الكلام، ~~فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه وافيا، فضلا عن أن يتعصب له، وتقديم ~~الكاذب على الصادق أيضا من ms4471 هذا القبيل. ثم أرشد الرجل المؤمن الحصيف قومه ~~إلى سنة من سنن الله التى لا تتغير فقال { إن الله لا يهدي ~~من هو مسرف كذاب }. أى إن سنة الله - تعالى - قد اقتضت أنه - ~~سبحانه - لا يهدى إلى الحق والصواب، من كان مسرفا فى أموره، متجاوزا ~~الحدود التى شرعها الله - تعالى - ومن كان كذابا فى إخباره عن الله - ~~تعالى -، ولو كان موسى مسرفا أو كذابا، لما أيده الله - تعالى - ~~بالمعجزات الباهرة. وبالحجج الساطعة الدالة على صدقه. فالجملة الكريمة ~~إرشاد لهم عن طريق خفى إلى صدق موسى فيما يبلغه عن ربه، وتعريض بما عليه ~~فرعون من ظلم وكذب. قال الجمل فى حاشيته فالجملة الكريمة كلام ذو وجهين ~~نظرا لموسى وفرعون. الوجه الأول أن هذا إشارة إلى الرمز والتعريض بعلو ~~شأن موسى، والمعنى إن الله هدى موسى إلى الإتيان بالمعجزات الباهرة، ومن ~~هداه الله إلى ذلك لا يكون مسرفا ولا كذابا. الوجه الثانى أن يكون المراد ~~أن فرعون مسرف فى عزمه على قتل موسى. وكاذب فى ادعائه الألوهية، والله لا ~~يهدى من كان كذلك... ثم أخذ فى تذكيرهم بنعم الله عليهم، وفى تحذيرهم من ~~نقمه فقال { يقوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض ~~فمن ينصرنا من بأس الله إن جآءنا }. أى وقال الرجل ~~المؤمن لقومه - أيضا - يا قوم، أى يا أهلى ويا عشيرتى، أنتم اليوم لكم ~~الملك، حالة كونكم ظاهرين، أى غالبين ومنتصرين فى أرض مصر، عالين فيها ~~على بنى إسرائيل قوم موسى. وإذا كان أمرنا كذلك، فمن يستطيع أن ينصرنا من ~~عذاب الله، إن أرسله علينا، بسبب عدم شكرنا له، واعتدائنا على خلقه. # وإنما نسب إليهم ما يسرهم من الملك والظهور فى الأرض دون أن يسلك نفسه ~~معهم، وسلك نفسه معهم فى موطن التحذير، تطييبا لقلوبهم، وإيذانا بأنه ~~ناصح أمين لهم، وأنه لا يهمه سوى منفعتهم ومصلحتهم.. وهنا نجد القرآن ~~الكريم يخبرنا بأن فرعون بعد أن استمع إلى نصيحة الرجل المؤمن، أخذته ~~العزة بالإثم، وقال ما يقوله كل طاغية معجب بنفسه { مآ ms4472 أريكم ~~إلا مآ أرى ومآ أهديكم إلا سبيل الرشاد }. أى ~~قال فرعون لقومه، فى رده على نصيحة الرجل المؤمن يا قوم لا أشير عليكم ~~ولا أخبركم إلا بما أراه صوابا وخيرا، وهو أن أقتل موسى - عليه السلام - ~~وما أهديكم برأيى هذا إلا إلى طريق السداد والرشاد. وغرض فرعون بهذا ~~القول، التدليس والتمويه على قومه. وأنه ما يريد إلا منفعتهم، مع أن ~~الدافع الحقيقى لقوله هذا، هو التخلص من موسى حتى يخلو له الجو فى تأليه ~~نفسه على جهلة قومه، فإنهم كانوا كما قال - تعالى - فى شأنهم # فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما ~~فاسقين # ولكن الرجل المؤمن لم يسكت أمام هذا التدليس والتمويه الذى نطق به ~~فرعون، بل استرسل فى نصحه لقومه، وحكى القرآن عنه ذلك فقال { وقال ~~الذي آمن يقوم إني أخاف عليكم مثل يوم ~~الأحزاب.. } أى قال لهم يا قوم إنى أخاف عليكم إذا تعرضتم لموسى - ~~عليه السلام - بالقتل أو بالتكذيب، أن ينزل بكم عذاب مثل العذاب الذى نزل ~~على الأمم الماضية التى تحزبت على أنبيائها، وأعرضت عن دعوتهم، فكانت ~~عاقبتها خسرا.. فالمراد بالأحزاب تلك الأمم السابقة التى وقفت من ~~أنبيائها موقف العداء والبغضاء. وكأن تلك الأمم من حزب، والأنبياء من حزب ~~آخر.. والمراد باليوم هنا الأحداث والوقائع والعقوبات التى حدثت فيه. ~~فالكلام على حذف مضاف. أى أخاف عليكم مثل حادث يوم الأحزاب. وقوله { ~~مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من ~~بعدهم.. } بدل أو عطف بيان من قوله { مثل يوم الأحزاب }. ~~والدأب العادة الدائمة المستمرة يقال دأب فلان على كذا. إذا داوم عليه ~~وجد فيه، ثم غلب استعماله فى الحال والشأن والعادة. أى أخاف عليكم أن ~~يكون حالكم وشأنكم كحال قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم كقوم لوط، ~~فهؤلاء الأقوام كذبوا أنبياءهم فدمرهم الله - تعالى - تدميرا، فاحذروا أن ~~تسيروا على نهجهم بأن تقصدوا موسى - عليه السلام - بالقتل أو الإيذاء، ~~فينزل بكم العذاب مثل ما نزل بهم. { وما الله } - تعالى - { يريد ~~ظلما للعباد } أى فما أنزله - سبحانه - بهم ms4473 من عذاب، إنما هو ~~بسبب إصرارهم على شركهم. وعلى الإعراض عن دعوة أنبيائهم، وما ظلمهم الله ~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. # ثم يواصل الرجل المؤمن تذكير قومه بأهوال يوم القيامة فيقول { ~~ويقوم إني أخاف عليكم يوم التناد } أخاف عليكم ~~يوم القيامة الذى يكثر فيه نداء أهل الجنة لأهل النار. ونداء أهل النار ~~لأهل الجنة، ونداء الملائكة لأهل السعادة وأهل الشقاوة. فلفظ " التناد " ~~- بتخفيف الدال وحذف الياء - تفاعل من النداء، يقال تنادى القوم، إذا ~~نادى بعضهم بعضا.. وقوله { يوم تولون مدبرين ما لكم ~~من الله من عاصم... } بدل من يوم التناد. أى أخاف عليكم من ~~أهوال يوم القيامة، يوم تنصرفون عن موقف الحساب والجزاء فتتلقاكم النار ~~بلهيبها وسعيرها، وتحاولون الهرب منها فلا تستطيعون. لأنه لا عاصم لكم ~~ولا مانع فى هذا اليوم من عذاب الله - تعالى- وعقابه. { ومن يضلل ~~الله فما له من هاد } أى ومن يضلله الله - تعالى - عن طريق ~~الحق بسبب سوء استعداده، واستحبابه العمى على الهدى، فما له من هاد يهديه ~~إلى الصراط المستقيم. وهكذا نجد الرجل المؤمن بعد أن خوف قومه من العذاب ~~الدنيوى، أتبع ذلك بتخويفهم من العذاب الأخروى. ثم ذكرهم بعد ذلك بما كان ~~من أسلافهم مع أحد أنبيائهم فقال { ولقد جآءكم يوسف من ~~قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جآءكم ~~به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده ~~رسولا }. والذى عليه المحققون أن المراد بيوسف هنا يوسف بن يعقوب - ~~عليهما السلام - والمراد بمجيئه إليهم مجيئه إلى آبائهم، إذ بين يوسف ~~وموسى - عليهما السلام - أكثر من أربعة قرون، فالتعبير فى الآية الكريمة ~~من باب نسبة أحوال الآباء إلى الأبناء لسيرهم على منوالهم وعلى طريقتهم ~~فى الإعراض عن الحق. أى ولقد جاء يوسف - عليه السلام - إلى آبائكم من ~~قبل مجئ موسى إليكم، وكان مجيئه إلى آبائكم مصحوبا بالمعجزات والبينات، ~~والآيات الواضحات الدالة على صدقه. { فما زلتم في شك مما ~~جآءكم به } أى فما زال آباؤكم فى شك مما جاءهم به من البينات ~~والهدى، كشأنكم أنتم ms4474 مع نبيكم موسى - عليه السلام -. { حتى إذا ~~هلك } أى مات يوسف - عليه السلام -. { قلتم } أى قال آباؤكم الذين ~~أنتم من نسلهم { لن يبعث الله من بعده رسولا } فهم قد ~~كذبوا رسالته فى حياته، وكفروا بمن بعده من الرسل بعد موته، لأنهم نفوا ~~أن يكون هناك رسول من بعده. فأنت ترى أن الرجل المؤمن يحذر قومه من أن ~~يسلكوا مسلك آبائهم، فى تكذيب رسل الله، وفى الإعراض عن دعوتهم. قال ابن ~~كثير قوله - تعالى - { ولقد جآءكم يوسف من قبل ~~بالبينات } يعنى أهل مصر، قد بعث الله فيهم رسولا من قبل موسى، ~~وهو يوسف - عليه السلام -، كان عزيز أهل مصر، وكان رسولا يدعو إلى الله ~~أمته القبط، فما أطاعوه تلك الساعة إلا لمجرد الوزارة والجاه الدنيوى. # ولهذا قال { فما زلتم في شك مما جآءكم به حتى ~~إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا } أى ~~يئستم فقلتم طامعين { لن يبعث الله من بعده رسولا } وذلك ~~لكفرهم وتكذيبهم. وقوله { كذلك يضل الله من هو مسرف ~~مرتاب } أى مثل ذلك الإضلال الفظيع، يضل الله - تعالى - من هو مسرف ~~فى ارتكاب الفسوق والعصيان، ومن هو مرتاب فى دينه، شاك فى صدق رسوله، ~~لاستيلاء الشيطان والهوى على قلبه. ثم بين لهم أن غضب الله - تعالى - ~~شديد، على الذين يجادلون فى آياته الدالة على وحدانيته وعلى كمال قدرته، ~~وعلى صدق أنبيائه، بغير حجة أو دليل فقال { الذين يجادلون في ~~آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند ~~الله وعند الذين آمنوا... }. وقوله { الذين ~~يجادلون... } مبتدأ، وخبره قوله - تعالى - { كبر مقتا.. } ~~والفاعل ضمير يعود إلى الجدال المفهوم من قوله { يجادلون } أى كبر ~~جدالهم { مقتا } تمييز محول عن الفاعل، أى عظم بغضا جدالهم عند الله ~~وعند المؤمنين. أى الذين يجادلون فى آيات الله الدالة على وحدانيته، وعلى ~~صدق أنبيائه بغير دليل أو برهان أتاهم من الله - تعالى - عن طريق رسله، ~~هؤلاء الذين يفعلون ذلك، كبر وعظم بغضا جدالهم عند الله - تعالى - وعند ~~الذين آمنوا. قال الجمل وهذه الصفة ms4475 - وهى الجدال بالباطل بدون برهان - ~~موجودة فى فرعون وقومه، ويكون الرجل المؤمن قد عدل عن مخاطبتهم إلى الاسم ~~الغائب، لحسن محاورته لهم، واستجلاب قلوبهم. وأبرز ذلك فى صورة تذكرهم ~~فلم يخصهم بالخطاب وفى قوله { كبر } ضرب من التعجب والاستعظام ~~لجدالهم. وقوله { كذلك يطبع الله على كل قلب ~~متكبر جبار } أى مثل ذلك الطبع العجيب، يطبع الله - تعالى - ~~ويختم بالكفر والعمى على قلب كل إنسان متكبر عن الاستماع للحق، متطاول ~~ومتجبر على خلق الله - تعالى - بالعدوان والإيذاء. ومع هذا النصح الزاخر ~~بالحكم الحكيمة، والتوجيهات السليمة، والإرشادات القويمة من الرجل ~~المؤمن لقومه.. ظل فرعون سادرا فى غيه، مصرا على كفره وضلاله.. إلا أن ~~الرجل المؤمن لم ييأس من توجيه النصح بل أخذ يذكر وينذر ويبشر.. ويحكى ~~القرآن الكريم كل ذلك فيقول { وقال فرعون يهامان... }. ### || [40.36-46] # والمراد بالصرح فى قوله - تعالى - { وقال فرعون يهامان ~~ابن لي صرحا... } البناء العالى المكشوف للناس، الذى يرى الناظر من ~~فوقه ما يريد أن يراه، مأخوذ من التصريح بمعنى الكشف والإيضاح. والأسباب ~~جمع سبب، وهو كل ما يتوصل به إلى الشئ، والمراد بها هنا أبواب السماء ~~وطرقها، التى يصل منها إلى ما بداخلها. أى وقال فرعون لوزيره هامان يا ~~هامان ابن لى بناء ظاهرا عاليا مكشوفا لا يخفى على الناظر وإن كان بعيدا ~~عنه، لعلى عن طريق الصعود على هذا البناء الشاهق أبلغ الأبواب الخاصة ~~بالسموات، فأدخل منها فأنظر إلى إله موسى. والمراد بالظن فى قوله { ~~وإني لأظنه كاذبا } اليقين لقوله - تعالى - فى آية أخرى # وقال فرعون يأيها الملأ ما علمت لكم من ~~إله غيري فأوقد لي يهامان على الطين فاجعل ~~لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني ~~لأظنه من الكاذبين # فقوله - كما حكى القرآن عنه - # ما علمت لكم من إله غيري # قرينة قوية على أن المراد بالظن فى الآيتين اليقين والجزم، بسبب غروره ~~وطغيانه. أى وإنى لأعتقد وأجزم بأن موسى كاذبا فى دعواه أن هناك إلها ~~غيرى لكم، وفى دعواه أنه رسول إلينا. وكرر لفظ الأسباب ms4476 لأن اللفظ الثانى ~~يدل على الأول، والشئ إذا أبهم ثم أوضح، كان تفخيما لشأنه، فلما أراد ~~تفخيم ما أمل بلوغه من أسباب السموات أبهمها ثم أوضحها. وقوله { فأطلع } ~~قرأه الجمهور بالرفع عطفا على { أبلغ } فيكون فى حيز الترجى. وقرأه بعض ~~القراء السبعة بالنصب فيكون جوابا للأمر فى قوله { ابن لي صرحا.. ~~}. ولا شك أن قول فرعون هذا بجانب دلالته على أنه بلغ الغاية فى الطغيان ~~والفجور والاستخفاف بالعقول، يدل - أيضا - على شدة خداعه، إذ هو يريد أن ~~يتواصل من وراء هذا القول إلى أنه ليس هناك إله سواه لشاهده هو وغيره من ~~الناس. قال الإمام ابن كثير وذلك لأن فرعون بنى هذا الصرح، الذى لم ير ~~فى الدنيا بناء أعلى منه، وإنما أراد بهذا أن يظهر لرعيته تكذيب موسى ~~فيما قاله، من أن هناك إلها غير فرعون.. وقال الجمل فى حاشيته ما ملخصه ~~وقول فرعون هذا المقصود منه التلبيس والتمويه والتخليط على قومه توصلا ~~لبقائهم على الكفر، وإلا فهو يعرف حقيقة الإله، وأنه ليس فى جهة، ولكنه ~~أراد التلبيس، فكأنه يقول لهم لو كان إله موسى موجودا لكان له محل، ومحله ~~إما الأرض وإما السماء، ولم نره فى الأرض، فيبقى أن يكون فى السماء، ~~والسماء لا يتوصل إليها إلا بسلم.. ثم بين - سبحانه - أن مكر فرعون هذا ~~مصيره إلى الخسران فقال { وكذلك زين لفرعون سوء ~~عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في ~~تباب }. # والتباب الهلاك والخسران، يقال تب الله - تعالى - فلانا، أى أهلكه، وتبت ~~يدا فلان، أى خسرتا ومنه قوله - سبحانه - # تبت يدآ أبي لهب وتب.. # أى ومثل ذلك التزيين القبيح، زين لفرعون سوء عمله، فرآه حسنا، لفجوره ~~وطغيانه، وصد عن سبيل الهدى والرشاد، لأنه استحب العمى على الهدى. وما ~~كيد فرعون ومكره وتلبيسه واحتياله فى إبطال الحق، إلا فى هلاك وخسران ~~وانقطاع. ثم حكى القرآن الكريم أن الرجل المؤمن قد تابع حديثه ونصائحه ~~لقومه، بعد أن استمع إلى ما قاله فرعون من باطل وغرور فقال { وقال ~~الذي ms4477 آمن يقوم اتبعون.. } أى فيما أنصحكم به، وأرشدكم ~~إليه. { أهدكم سبيل الرشاد } أى اتبعونى فيما نصحتكم به، ~~فإن فى اتباعكم لى هدايتكم إلى الطريق الذى كله صلاح وسعاده وسداد. أما ~~اتباعكم لفرعون فيؤدى بكم إلى طريق الغىا والضلال. { يقوم إنما ~~هذه الحياة الدنيا متاع... } أى هذه الدنيا متاع زائل ~~مهما طالت أيامه.. { وإن الآخرة } وحدها { هي دار القرار ~~} أى هى الدار التى فيها البقاء والدوام والخلود. { من عمل ~~سيئة } فى هذه الدنيا { فلا يجزى } فى الآخرة { إلا ~~مثلها } كرما من الله - تعالى - وعدلا. { ومن عمل صالحا ~~من ذكر أو أنثى وهو مؤمن } بالله - تعالى - إيمانا ~~حقا. { فأولئك } المؤمنون الصادقون { يدخلون الجنة ~~يرزقون فيها بغير حساب } أىيرزقون فيها رزقا واسعا هنيئا، ~~لا يعلم قدره إلا الله - تعالى -، ولا يحاسبهم عليه محاسب فقد تفضل - ~~سبحانه - على عباده. أن يضاعف لهم الحسنات دون السيئات. ثم استنكر موقف ~~قومه منه فقال { ويقوم ما لي أدعوكم إلى النجاة } من ~~العذاب الدنيوى والأخروى، بأن آمركم بالإيمان والعمل الصالح، وأنهاكم عن ~~قتل رجل يقول ربى الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم وهو موسى - عليه ~~السلام -. وأنتم { وتدعونني إلى النار } أى تدعوننى لما يوصل ~~إلى النار وهو عبادة غير الله - تعالى -، والموافقة على قتل الصالحين أو ~~إيذائهم.. قال صاحب الكشاف فإن قلت لم كرر نداء قومه؟ ولم جاء بالواو فى ~~النداء الثالث دون الثانى؟ قلت أما تكرير النداء ففيه زيادة تنبيه لهم، ~~وإيقاظ عن سنة الغفلة، وفيه أنهم قومه وعشيرته.. ونصيحتهم عليه واجبة، ~~فهو يتحزن لهم، ويتلطف بهم، ويستدعى بذلك أن لا يتهموه - فإن سرورهم ~~سروره، وغمهم غمه - وأن ينزلوا على تنصيحه لهم، كما كرر إبراهيم - عليه ~~السلام - فى نصيحة أبيه قوله # يأبت # فى سورة مريم. وأما المجئ بالواو العاطفة فى النداء الثالث دون الثانى، ~~فلأن الثانى داخل على كلام هو بيان للمجمل، وتفسير له فأعطى الداخل عليه ~~حكمه فى امتناع دخول الواو. # وأما الثالث فداخل على كلام ليس بتلك المثابة. وقوله { تدعونني ~~لأكفر بالله وأشرك به ما ms4478 ليس لي به علم.. } ~~بدل من قوله { وتدعونني إلى النار } وتفسير وبيان له. أى أنا ~~أدعوكم إلى النجاة من النار، وأنتم تدعوننى إلى الإشراك بالله - تعالى - ~~وإلى الكفر به، مع أنى أعلم علم اليقين أنه - سبحانه - لا شريك له، لا فى ~~ذاته ولا فى صفاته. وقوله { وأنا أدعوكم إلى العزيز ~~الغفار } بيان للفرق الشاسع بين دعوته لهم ودعوتهم له. فهم يدعونه ~~إلى الشرك والكفر، وإلى عبادة آلهة قد قام الدليل القاطع على بطلانها، ~~وهو يدعوهم إلى عبادة الله - تعالى - وحده، الغالب لكل ما سواه، الواسع ~~المغفرة لمن تاب إليه بعد أن عصاه.. ثم يؤكد لهم بصورة لا تقبل الشك أو ~~التردد أنما يطلبونه منه هو الباطل وأن ما يطلبه منهم هو الحق فيقول { ~~لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في ~~الدنيا ولا في الآخرة.. } وجرم فعل ماض بمعنى حق وثبت ووجب. ~~وقد وردت هذه الكلمة فى القرآن فى خمسة مواضع، وفى كل موضع جاءت متلوة ~~بأن واسمها. وجمهور النحاة على أنها مركبة من " لا " و " جرم " تركيب ~~خمسة عشر. ومعناها بعد هذا التركيب معنى الفعل حق وثبت، والجملة بعدها هى ~~الفاعل لهذا الفعل.. ومن النحاة من يرى أن " لا " نافية للجنس، و " جرم " ~~اسمها، وما بعدها خبرها. أى حق وثبت لدى بما لا يقبل الشك، أن آلهتكم ~~التى تدعوننى لعبادتها آلهة باطلة، لا وزن لها ولا قيمة لا فى الدنيا ولا ~~فى الآخرة.. { وأن مردنآ } جميعا { إلى الله } - تعالى - ~~وحده { وأن المسرفين } أى المستكثرين من المعاصى فى الدنيا { ~~هم أصحاب النار } فى الآخرة. ثم نصح نصائحه الحكيمة الغالية ~~بقوله فستذكرون يا قوم ما أقول لكم من حق وصدق. { وأفوض أمري ~~إلى الله } - تعالى - وحده لكى يعصمنى من كل سوء. { إن الله } ~~- تعالى - { بصير بالعباد } لا يخفى عليه شئ من أقوالهم أو ~~أفعالهم، وسيجازى يوم القيامة كل نفس بما كسبت. وقوله - تعالى - { ~~فوقاه الله سيئات ما مكروا } بيان للعاقبة الطيبة التى ~~أكرمه الله - سبحانه - بها بعد صدوعه بكلمة الحق ms4479 أمام فرعون وجنده.. أى ~~فكانت نتيجة إيمان هذا الرجل، وجهره بكلمة الحق، ونصحه لقومه، أن وقاه ~~الله - تعالى - ما أراده الظالمون به من أذى وعدوان ومن مكر سيئ.. { ~~وحاق بآل فرعون } أى ونزل وأحاط بفرعون وقومه { سوء ~~العذاب } بأن أغرقهم الله - تعالى - فى أليم، وجعلهم عبرة لمن يعتبر. # ثم بين - سبحانه - سوء مصيرهم بعد موتهم، وعند قيام الساعة، فقال { ~~النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم ~~الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب }.. والغدو ~~أول النهار. والعشى آخره. وجملة { النار يعرضون عليها.. } ~~بدل من قوله - تعالى - { سوء العذاب }. بعرض أرواح فرعون وملئه ~~على النار بعد موتهم وهم فى قبورهم فى الصباح والمساء، { ويوم ~~تقوم الساعة } يقال لملائكة العذاب { أدخلوا آل فرعون ~~أشد العذاب } وهو عذاب جهنم وبئس المصير مصيرهم. قال القرطبى ~~والجمهور على أن هذا العرض فى البرزخ واحتج بعض أهل العلم فى تثبيت عذاب ~~القبر بقوله - تعالى - { النار يعرضون عليها غدوا ~~وعشيا } ما دامت الدنيا.. قال مجاهد وغيره هذه الآية تدل على عذاب ~~القبر فى الدنيا ألا تراه يقول - سبحانه - عن عذاب الآخرة { أدخلوا ~~آل فرعون أشد العذاب } وفى الحديث عن ابن مسعود إن أرواح ~~آل فرعون ومن كان مثلهم من الكفار، تعرض على النار بالغداة والعشى، فيقال ~~هذه داركم.. هذا، والمتأمل فى هذه الآية الكريمة، يرى أن القرآن قد ساق ~~على لسان مؤمن آل فرعون، أسمى الأساليب وأحكمها فى الدعوة إلى الحق، فقد ~~بدأ نصحه بنهى قومه عن قتل موسى - عليه السلام - ثم ذكرهم بنعم الله ~~عليهم، وبسوء عاقبة الظالمين، وبأن نعيم الدنيا زائل، أما نعيم الآخره ~~فباق، وبأن ما يدعوهم إليه هو الحق، وبأن ما يدعونه إليه هو الباطل. ثم ~~ختم تلك النصائح الغالية بتفويض أمره إلى الله فقال { فستذكرون ~~مآ أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله ~~بصير بالعباد } فكانت نتيجة هذا التفويض، أن وقاه الله - تعالى - ~~من سوء مكر أعدائه، ونجاه من شرورهم، وأن جعل مكرهم السيئ يحيق بهم. ثم ~~حكى - سبحانه - جانبا مما يدور ms4480 بين أهل النار من مجادلات، وكيف أن كل ~~فريق منهم يطلب من الملائكة تخفيف العذاب عنه، ولكن لا يجابون إلى طلبهم، ~~ولا تقبل معذرتهم، وأن سنة الله قد اقتضت أن ينصر عباده الصالحين فى ~~الدنيا والآخرة قال - تعالى - { وإذ يتحآجون في النار... ~~}. ### || [40.47-55] # و { إذ } فى قوله - تعالى - { وإذ يتحآجون في النار } ~~متعلق بمحذوف تقديره اذكر، أى واذكر - أيها الرسول الكريم - لقومك ~~ليعتبروا ويتعظوا وقت أن يتخاصم أهل النار فيما بينهم. { فيقول ~~الضعفاء } منهم { للذين استكبروا } فى الدنيا وكانوا ~~رؤساء وقادة { إنا كنا لكم تبعا } أى إنا كنا فى الدنيا ~~تابعين لكم، ومنقادين لهواكم ومسخرين لخدمتكم.. والاستفهام فى قوله - ~~تعالى - { فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار } ~~للطلب المصحوب بالرجاء والاستجداء.. أى هذا هو حالنا أمامكم، وقد كنا فى ~~الدنيا منقادين لكم انقياد العبد لسيده، فادفعوا عنا شيئا من هذا العذاب ~~المهين الذى نزل بنا، فطالما دافعنا عنكم فى الدنيا وسرنا وراءكم بدون ~~تفكير أو معارضة.. وقوله { نصيبا } منصوب بفعل مقدر يدل عليه قوله { ~~مغنون } أى فهل أنتم تدفعون عنا جزءا من العذاب الذى نحن فيه، ~~وتحملون عنا نصيبا منه. وهنا يرد عليهم المستكبرون، بضيق وملل. ويحكى ~~القرآن ذلك فيقول { قال الذين استكبروا } أى للضعفاء. { ~~إنا كل فيهآ } أى إنا نحن وأنتم جميعا فى جهنم، فكيف ندفع عنكم ~~شيئا من العذاب، وإننا لو كانت عندنا القدرة على دفع شئ من العذاب، ~~لدفعناه عن أنفسنا. لفظ { كل } مبتدأ، وفيها متعلق بمحذوف خبر، والجملة ~~من المبتدأ والخبر، خبر إن. وجملة { إن الله قد حكم بين ~~العباد } من جملة الرد، أى إن الله - تعالى - قد حكم بين العباد ~~بحكمه العادل، فجعل للمؤمنين الجنة، وجعل للكافرين النار وقدر لكل منا ~~ومنكم عذابا لا تغنى فيه نفس عن نفس شيئا. وبعد أن يئس الكل من نصرة ~~بعضهم لبعض، اتجهوا جميعا نحو خزنة جهنم لعلهم يشفعون لهم عند ربهم، ~~ويحكى القرآن ذلك فيقول { وقال الذين في النار لخزنة ~~جهنم } وهم الملائكة المكلفون بتعذيب الكافرين. قالوا لهم ms4481 { ~~ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب } أى ~~ادعوا ربكم أن يخفف عنا يوما واحدا من الأيام الكثيرة التى ينزل علينا ~~العذاب فيها بدون انقطاع، لعلنا فى هذا اليوم نستطيع أن نلتقط أنفاسنا ~~التى مزقها العذاب الدائم. وهنا يرد عليهم خزنة جهنم بقولهم { أولم ~~تك تأتيكم رسلكم بالبينات } أى قالوا لهم على سبيل ~~التوبيخ والتأنيب أو لم تك رسلكم فى الدنيا تنذركم بسوء مصير الكافرين، ~~وتأتيكم بالمعجزات الواضحات الدالة على صدقهم. { قالوا بلى } أى ~~الكافرون لخزنة جهنم بلى أتونا بكل ذلك فكذبناهم. وهنا رد عليهم الخزنة ~~بقولهم ما دام الأمر كما ذكرتم من أن الرسل قد نصحوكم ولكنكم أعرضتم عنهم ~~{ فادعوا } ما شئتم فإن الدعاء والطلب والرجاء لن ينفعكم شيئا. { ~~وما دعاء الكافرين إلا في ضلال } أى وما دعاء الكافرين ~~وتضرعهم إلا فى ضياع وخسران. # ثم بين - سبحانه - سنة من سننه التى لا تتخلف فقال { إنا لننصر ~~رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم ~~يقوم الأشهاد }. والإشهاد جمع شاهد، وعلى رأسهم الأنبياء الذين ~~يشهدون على أممهم يوم القيامة بأنهم قد بلغوهم دعوة الله، والملائكة ~~الذين يشهدون للرسل بالتبليغ، وللمؤمنين بالإيمان وللكافرين بالكفر، وكل ~~من يقوم يوم القيامة للشهادة على غيره يكون من الأشهاد. أى لقد اقتضت ~~سنتنا التى لا تتخلف أن ننصر رسلنا والمؤمنين فى الدنيا بالحجة الدامغة ~~التى تزهق باطل أعدائهم، وبالتغلب عليهم، وبالانتقام منهم. وإن ننصرهم فى ~~الآخرة كذلك بأن نجعل لهم الجنة، والنار لأعدائهم. قال صاحب الكشاف قوله ~~{ في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد } أى فى ~~الدنيا والآخرة، يعنى أنه ينصرهم فى الدارين جميعا بالحجة والظفر على ~~أعدائهم، وإن غلبوا فى الدنيا فى بعض الأحايين امتحانا من الله، فالعاقبة ~~لهم، ويتيح الله من يقتص من أعدائهم ولو بعد حين. وما ذكره صاحب الكشاف ~~فإننا نراه واقعا فى سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وفى سيرة أتباعه ~~فلقد هاجر النبى صلى الله عليه وسلم من مكة وليس معه سوى أبى بكر الصديق، ~~وعاد إليها بعد ثمانى سنوات فاتحا ms4482 غازيا ظافرا، ومن حوله الآلاف من ~~أصحابه. والمؤمنون قد يغلبون - أحيانا - ويعتدى عليهم.. ولكن ~~العاقبة لابد أن تكون لهم. متى داوموا على التمسك بما يقتضيه إيمانهم من ~~الثبات على الحق، ومن العمل الصالح.. وعبر - سبحانه - عن يوم القيامة، ~~بيوم يقوم الأشهاد، للإشعار بأن نصر الرسل والمؤمنين فى هذا اليوم سيكون ~~نصرا مشهودا معلوما من الأولين والآخرين، لا ينكره منكر. ولا ينازع فيه ~~منازع. وقوله { يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم } أى ~~وننصرهم يوم القيامة يوم يقدم الظالمون أعذارهم لكى نعفو عنهم. فلا يقبل ~~منهم عذر واحد، لأنها أعذار ساقطة. وجاءت فى غير وقتها. ولا منافاة بين ~~هذه الآية وبين قوله - تعالى - # ولا يؤذن لهم فيعتذرون # لأن المقصود منهما واحد. وهو أنهم ليس لهم عذر مقبول حتى يلتفت إليهم، ~~وإنما عذرهم مرفوض رفضا تاما. { ولهم اللعنة } من الله - تعالى ~~- ومن عباده المؤمنين { ولهم } - أيضا - { سوء الدار } وهى ~~جهنم وسوؤها ما يسوء فيها من العذاب، فالإضافة من باب إضافة الصفة إلى ~~الموصوف. أى ولهم الدار السوءى. وفى هاتين الآيتين ما فيهما من البشارة ~~السارة العظيمة للمؤمنين ومن الإهانة التى ليس بعدها إهانة للكافرين. ثم ~~ساق - سبحانه - مثالا من نصره لرسله ولعباده المؤمنين. فقال - تعالى - { ~~ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل ~~الكتاب. هدى وذكرى لأولي الألباب }. أى والله لقد ~~آتينا عبدنا ونبينا موسى ما يهتدى به من المعجزات والصحف والشرائع. # وأورثنا من بعده قومه بنى إسرائيل الكتاب وهو التوراة. لكى ينتفعوا ~~بإرشاداته وأحكامه وتوجيهاته. وفعلنا ما فعلنا من أجل أن يكون ذلك الكتاب ~~هداية وذكرى لأصحاب العقول السليمة فقوله - تعالى - { هدى وذكرى } ~~مفعول لأجله. أو هما مصدران فى موضع الحال. أى وأورثنا بنى إسرائيل ~~الكتاب، حالة كونه هاديا ومذكرا لأولى الألباب. لأنهم هم الذين ينتفعون ~~بالهدايات. وهم الذين يتذكرون ويعتبرون دون غيرهم. ثم ختم - سبحانه ~~الآيات الكريمة بأمر النبى صلى الله عليه وسلم بالصبر على أذى أعدائه. ~~فقال { فاصبر إن وعد الله حق.. }. أى إذا كان الأمر كما ~~ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم ms4483 - من أننا سننصر رسلنا والذين آمنوا فى ~~الحياة الدنيا { ويوم يقوم الأشهاد.. } فاصبر على ما أصابك من ~~أعدائك، فإن ما وعدك الله - تعالى - به من النصر ثابت لا شك فيه، وحق لا ~~باطل معه. { واستغفر لذنبك } فإن استغفارك هذا وأنت المعصوم ~~من كل ما يغضبنا - يجعل أمتك تقتدى بك فى ذلك، وتسير على نهجك فى الإكثار ~~من فعل الطاعات. { وسبح بحمد ربك بالعشي ~~والإبكار } أى وبجانب استغفارك من الذنوب، أكثر من تسبيح ربك ومن ~~تنزيهه عن كل مالا يليق به عند حلول الليل، وعند تباكير الصباح، فإن هذا ~~الاستغفار، وذلك التسبيح، خير زاد للوصول إلى السعادة والفوز فى الدنيا ~~والآخرة. قال الإمام الرازى ما ملخصه واعلم أن مجامع الطاعات محصورة فى ~~قسمين التوبة عما لا ينبغى، والاشتغال بما ينبغى، والأول مقدم على الثانى ~~بحسب الرتبة الذاتية. فوجب أن يكون مقدما عليه فى الذكر.. أما التوبة عما ~~لا ينبغى، فنراها فى قوله - تعالى - { واستغفر لذنبك }. وأما ~~الاشتغال بما ينبغى، فنراه فى قوله - تعالى - { وسبح بحمد ~~ربك بالعشي والإبكار }. والتسبيح عبارة عن تنزيه الله - ~~تعالى - عن كل ما لا يليق به، والعشى والإبكار، قيل صلاة العصر وصلاة ~~الفجر. وقيل الإبكار عبارة عن أول النهار إلى النصف. والعشى عبارة عن ~~النصف إلى آخر النهار، فيدخل فيه كل الأوقات، وبالجملة فالمراد منه ~~المواظبة على ذكر الله. وأن لا يفتر اللسان عنه.. ثم تعود السورة الكريمة ~~مرة أخرى إلى توبيخ الذين يجادلون فى آيات الله بغير حجة أو برهان، وتبين ~~الأسباب التى حملتهم على ذلك، وترشد إلى العلاج من شرورهم، وتنفى ~~المساواة بين الكافر والمؤمن، وتدعو المؤمنين إلى الإكثار من التضرع إلى ~~الله - تعالى - فتقول { إن الذين يجادلون في آيات... }. ### || [40.56-60] # والمراد بالمجادلة فى قوله - تعالى - { إن الذين يجادلون ~~في آيات الله بغير سلطان أتاهم... } المجادلة بالباطل ~~بدون حجة أو دليل، أما المجادلة لإحقاق الحق والكشف عنه.. فهى محمودة، ~~لأنها تهدى إلى الخير والصلاح.. قال صاحب الكشاف فأما الجدال فى آيات ~~الله، لإيضاح ملتبسها، وحل ms4484 مشكلها ومقادحة أهل العلم فى استنباط معانيها ~~ورد أهل الزيغ عنها، فأعظم جهاد فى سبيل الله. وجملة { إن في ~~صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه } خبر إن، والكبر ~~بمعنى التكبر والتعالى والتعاظم على الغير. والمعنى إن الذين يجادلون فى ~~آيات الله - تعالى - الدالة على وحدانيته وصدق رسله، وليس عندهم دليل أو ~~برهان على صحة دعواهم.. هؤلاء المجادلون بالباطل ما حملهم على ذلك إلا ~~التكبر والتعاظم والتطلع إلى الرياسة وإلى أن تكون النبوة فيهم أو فيمن ~~يميلون إليهم.. وهم جميعا لن يصلوا إلى شئ من ذلك، ولن يبلغوا ما تتوق ~~إليه نفوسهم المريضة، لأن العطاء والمنع بيد الله - تعالى - وحده. وصدق ~~الله إذ يقول # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز ~~الحكيم # فالآية الكريمة تبين أن على رأس الأسباب التى حملت هؤلاء المجادلين ~~بالباطل على جدالهم. هو حبهم للتكبر والتعالى.. قال الآلوسى قوله { ~~بغير سلطان أتاهم.. } أى بغير حجة فى ذلك أتتهم من جهته - ~~تعالى - وتقييد المجادلة بذلك مع استحالة إتيان الحجة، للإيذان بأن ~~المتكلم فى أمر الدين، لابد من استناده إلى حجة واضحة وبرهان مبين، وهذا ~~عام فى كل مجادل مبطل.. وقوله { ما هم ببالغيه } صفة لقوله { ~~كبر } أى ما هم ببالغى موجب الكبر ومقتضيه، وهو متعلق إرادتهم من دفع ~~الآيات أو من الرياسة أو النبوة.. وقوله - سبحانه - { فاستعذ ~~بالله إنه هو السميع البصير } إرشاد منه - تعالى - ~~إلى ما يقى من شرور هؤلاء المجادلين بالباطل. أى هذا هو حال المجادلين ~~بالباطل وهذا هو الدافع إلى جدالهم، وما دام هذا هو حالهم، فالتجئ إلى ~~الله - تعالى - أيها الرسول الكريم - لكى يحفظك من شرورهم وكيدهم، إنه - ~~تعالى - هو السميع لكل شئ، البصير بما ظهر وخفى من شئون عباده. ثم بين - ~~سبحانه - للناس من طريق المشاهدة صغر حجمهم بالنسبة إلى بعض خلقه - تعالى ~~- فيقول { لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق ~~الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون }. أى لخلق ~~السموات والأرض ابتداء وبدون ms4485 مثال سابق، أكبر وأعظم من خلق الناس. ومما ~~لا شك فيه أن من قدر على خلق الأعظم، فهو على خلق ما هو أقل منه أقدر ~~وأقدر، ولكن أكثر الناس لاستيلاء الغفلة والهوى عليهم، لا يعلمون هذه ~~الحقيقة الجلية. # وقوله - تعالى - { أكبر من خلق الناس } إنما هو من باب ~~تقريب الأشياء إلى الفهم. فمن المعروف بين الناس أن معالجة الشئ الكبير ~~أشد من معالجة الشئ الصغير. وإن كان الأمر بالنسبة إلى الله - تعالى - لا ~~تفاوت بين خلق الكبير وخلق الصغير، إذ كل شئ خاضع لإرادته كما قال - ~~سبحانه - # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # قال صاحب الكشاف فإن قلت كيف اتصل قوله { لخلق السماوات ~~والأرض... } بما قبله؟ قلت إن مجادلتهم فى آيات الله كانت مشتملة على ~~إنكار البعث. وهو أصل المجادلة ومدارها، فحجوا بخلق السموات والأرض ~~لأنهم كانوا مقرين بأن الله خالقهم، وبأنهما خلق عظيم لا يقادر قدره، ~~وخلق الناس بالقياس إلى خلقهما شئ قليل، فمن قدر على خلقهما مع عظمهما. ~~كان على خلق الإنسان مع ضآلته أقدر.. وقوله - تعالى - { وما يستوي ~~الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات ولا المسيء... } نفى لعدم المساواة بين الأخيار ~~والأشرار. والمتقين والفجار.. أى كما أنه لا يصح فى عرف أى عاقل المساواة ~~بين الأعمى والبصير. كذلك لا تصح المساواة بين المؤمنين الذين قدموا فى ~~دنياهم العمل الصالح، وبين الكافرين والفاسقين الذين لطخوا حياتهم بالعمل ~~السيئ، والفعل القبيح.. ولفظ " قليلا " فى قوله - تعالى - { قليلا ~~ما تتذكرون } مفعول مطلق، وهو صفة لموصوف محذوف، و " ما " مزيدة ~~للتأكيد. أى. تذكرا قليلا تتذكرون. ثم أكد - سبحانه - مجئ الساعة فى ~~الوقت الذى يختاره - تعالى - فقال { إن الساعة لآتية لا ~~ريب فيها } أى لا ريب ولا شك فى مجيئها فى الوقت الذى يشاؤه - عز ~~وجل - { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } بذلك لغفلتهم ~~وقصور نظرهم، واستحواذ الشيطان عليهم.. ثم أمر - سبحانه - عباده المؤمنين ~~أن يكثروا من التضرع إليه بالدعاء فقال { وقال ربكم ادعوني ~~أستجب لكم... }. أى وقال ربكم ms4486 - أيها المؤمنون - تضرعوا إلى ~~بالدعاء، وتقربوا إلى بالطاعات، أستجب لكم، ولا أخيب لكم رجاء. ولا تنافى ~~بين تفسير الدعاء هنا بالسؤال والتضرع إلى الله - تعالى -، وبين تفسيره ~~بالعبادة، لأن الدعاء هو لون من العبادة، بل هو مخها كما جاء فى الحديث ~~الشريف. والإنسان الذى التزم فى دعائه الآداب والشروط المطلوبة، كان ~~دعاؤه جديرا بالإجابة، فقد حكى لنا القرآن الكريم فى آيات كثيرة، أن ~~الأنبياء والصالحين، عندما دعوا الله - تعالى - أجاب لهم دعاءهم، ومن ذلك ~~قوله - تعالى - # ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه ~~وأهله من الكرب العظيم # ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الذين يتكبرون عن طاعة الله وعن دعائه فقال ~~{ إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون ~~جهنم داخرين } أى إن الذين يستكبرون عن طاعتى، وعن التقرب إلى ~~بما يرضينى، سيدخلون يوم القيامة نار جهنم حالة كونهم أذلاء صاغرين. ~~فقوله { داخرين } من الدخور بمعنى الانقياد والخضوع يقال دخر فلان ~~يدخر دخورا إذا ذل وهان. هذا، وقد ذكر الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه ~~الآية جملة من الأحاديث التى تتصل بموضوع الدعاء فارجع إليه إن شئت. وبعد ~~أن بين - سبحانه - مصير الذين يستكبرون عن عبادته، أتبع ذلك ببيان ألوان ~~من النعم التى أنعم بها على عباده، كنعمة السماء والأرض، ونعمة خلق ~~الإنسان ورزقه من الطيبات، ونعمة الليل والنهار.. فقال - تعالى - { ~~الله الذي جعل... }. ### || [40.61-68] # فقوله - تعالى - { الله الذي جعل لكم اليل لتسكنوا ~~فيه والنهار مبصرا } بيان لنعمتى الليل والنهار اللتين أنعم ~~بهما - سبحانه - على الناس. أى الله - تعالى - هو وحده الذى جعل لكم - ~~أيها الناس - الليل لتسكنوا فيه، وتستريحوا من عناء العمل بالنهار وهيأه ~~لهذه الاستراحة بأن جعله مظلما ساكنا.. وجعل لكم بقدرته وفضله النهار ~~مبصرا، أى جعله مضيئا مسفرا، بحيث تبصرون فيه ما تريدون إبصاره، من ~~الأشياء المتنوعة. قال صاحب الكشاف قوله { مبصرا } هو من الإسناد ~~المجازى لأن الإبصار فى الحقيقة لأهل النهار. فإن قلت لم قرن الليل ~~بالمفعول له، والنهار بالحال؟ وهلا كانا حالين أو مفعولا لهما. فيراعى حق ms4487 ~~المقابلة؟ قلت هما متقابلان من حيث المعنى، لأن كل واحد منهما يؤدى مؤدى ~~الآخر، ولأنه لو قال لتبصروا فيه فاتت الفصاحة التى فى الإسناد المجازى، ~~ولو قيل ساكنا - والليل يجوز أن يوصف بالسكون على الحقيقة، ألا ترى إلى ~~قولهم ليل ساج وساكن لا ريح فيه - لم تتميز الحقيقة من المجاز. وقوله { ~~إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر ~~الناس لا يشكرون } بيان لموقف أكثر الناس من نعم الله - تعالى - ~~عليهم. أى إن الله - تعالى - لصاحب فضل عظيم على الناس جميعا، ولكن ~~أكثرهم لا يشكرونه على آلائه ونعمه، لغفلتهم وجهلهم واستيلاء الأهواء ~~والشهوات عليهم. وقال - سبحانه - { لذو فضل } بالتنكير للإشعار ~~بأنه فضل لا تحيط به عبارة أو وصف. واسم الإشارة فى قوله - تعالى - { ~~ذلكم الله ربكم خالق كل شيء.. } يعود إلى من ~~سبقت صفاته ونعمه وهو الله - عز وجل -. و { ذلكم } مبتدأ، وما بعده ~~أخبار متعددة. أى ذلكم الذى أعطاكم من النعم ما أعطاكم هو الله - تعالى - ~~ربكم خالق كل شئ فى هذا الوجود. لا إله إلا هو فى هذا الكون.. وقوله - ~~تعالى - { فأنى تؤفكون } تعجيب من انصرافهم - بعد هذه النعم - ~~عن الحق إلى الباطل، وعن الشكران إلى الكفران. أى فكيف تنقلبون عن عبادته ~~- سبحانه - إلى عبادة غيره، مع أنه - عز وجل - هو الخالق لكل شئ، وهو ~~صاحب تلك النعم التى تتمتعون بها. وقوله - تعالى - { كذلك يؤفك ~~الذين كانوا بآيات الله يجحدون } بيان لحال الذين ~~وقفوا من نعم الله - تعالى - موقف الجحود والكفران. ويؤفك هنا بمعنى ~~القلب والصرف عن الشئ، من الأفك - بالفتح - مصدر أفكه عن الشئ بمعنى صرفه ~~عنه - وبابه ضرب - ومنه قوله - تعالى - # قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا... # أى لتصرفنا عن عبادتها. والمعنى مثل ذلك الصرف العجيب من الحق إلى ~~الباطل، ينصرف وينقلب كل أولئك الذين انتكست عقولهم، والذين كانوا ~~بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا يجحدون ويكفرون. وبعد أن بين - ~~سبحانه - مظاهر نعمه عن طريق الزمان - الليل والنهار - أتبع ذلك ببيان ~~نعمه عن طريق المكان - الأرض والسماء - فقال ms4488 { الله الذي جعل ~~لكم الأرض قرارا } أى جعل الأرض مكانا لاستقراركم عليها، ~~والسعى فيها. { والسمآء بنآء } أى وجعل لكم السماء بمنزلة القبة ~~المبنية المضروبة فوق رءوسكم، فأنتم ترونها بأعينكم مرفوعة فوقكم بغير ~~عمد. قال الآلوسى قوله { والسمآء بنآء } أى قبة، ومنه أبنية ~~العرب لقبابهم التى تضرب. وإطلاق ذلك على السماء على سبيل التشبيه، وهو ~~تشبيه بليغ. وفيه إشارة لكرويتها. وهذا بيان لفضله - تعالى - المتعلق ~~بالمكان بعد بيان فضله المتعلق بالزمان. وقوله { وصوركم ~~فأحسن صوركم } بيان لفضله - تعالى - المتعلق بذواتهم. أى جعل ~~لكم الأرض مستقرا، والسماء بناء، وصور أشكالكم فى أحسن تقويم. وأجمل ~~هيئة. كما قال - تعالى - # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # { ورزقكم من الطيبات } أى ورزقكم من الرزق الطيب الحلال ~~المستلذ. { ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب ~~العالمين } أى ذلكم الذى أعطاكم تلك النعم المتعلقة بزمانكم، ~~ومكانكم، وذواتكم، ومطعمكم ومشربكم. هو الله ربكم الذى تولاكم بتربيته ~~ورعايته فى جميع أطوار حياتكم فتبارك الله - تعالى - وتعاظم فى ذاته وفى ~~صفاته، فهو رب العالمين ومالك أمرهم. { هو الحي } أى هو - سبحانه - ~~المنفرد بالحياة الدائمة الباقية.. { لا إله إلا هو } إذ لا ~~موجود يدانيه ولا فى صفاته ولا فى أفعاله. { فادعوه مخلصين ~~له الدين الحمد لله رب العالمين } أى فاعبدوه عبادة ~~خالصة لوجهه الكريم، وأطيعوه طاعة لا مكان معها للتردد أو التكاسل، حالة ~~كونكم قائلين الحمد لله رب العالمين. قال ابن جرير كان جماعة من أهل ~~العلم يأمرون من قال لا إله إلا الله، أن يتبعها بقوله { الحمد ~~لله رب العالمين } عملا بهذه الآية. ثم لقن الله - تعالى - ~~نبيه صلى الله عليه وسلم الرد الذى يوبخ به المشركين فقال { قل إني ~~نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما ~~جآءني البينات من ربي.. }. أى قل - أيها الرسول الكريم - ~~لهؤلاء المشركين الذين يطلبون منك مشاركتهم فى عبادة آلهتهم قل لهم إنى ~~نهيت من ربى وخالقى ومالك أمرى عن عبادة غيره - تعالى -، والسبب فى ذلك ~~أن كل الدلائل والبراهين التى أكرمنى - سبحانه- بها، تشهد ms4489 وتصرح بأن ~~المستحق للعبادة هو الله - تعالى - وحده. فقوله { لما جآءني ~~البينات من ربي } بيان السبب الذى من أجله نهاه ربه عن عبادة ~~غيره، وهذه البينات تشمل دلائل التوحيد العقلية والنقلية. # وقوله { وأمرت أن أسلم لرب العالمين } أى إنى بعد ~~أن نهانى ربى عن عبادة غيره أمرنى بأن أسلم وجهى إليه بالعبادة والطاعة، ~~إذ هو وحده رب العالمين ومالك أمرهم. ثم بين - سبحانه - مظاهر قدرته فى ~~خلق الإننسان فى أطوار مختلفة، فقال - تعالى - { هو الذي ~~خلقكم من تراب } أى خلق أباكم آدم من تراب، وأنتم فرع عنه. { ~~ثم من نطفة } وأصل النطفة الماء الصافى. أو القليل من الماء ~~الذى يبقى فى الدلو أو القربة، وجمعها نطف ونطاف. يقال نطفت القربة إذا ~~تقاطر ماؤها بقلة. والمراد بها هنا المنى الذى يخرج من الرجل، ويصب فى ~~رحم المرأة، { ثم من علقة } والعلقة قطعة من الدم المتجمد. { ~~ثم يخرجكم طفلا } أى ثم يخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالا ~~صغارا، بعد أن تكامل خلقكم فيها. فقوله { طفلا } اسم جنس يصدق على ~~القليل والكثير. ثم { لتبلغوا أشدكم } بعد ذلك، بعد أن ~~تنتقلوا من مرحلة الطفولة إلى المرحلة التى تكتمل فيها أجسامكم وعقولكم. ~~{ ثم لتكونوا شيوخا } بعد ذلك، بأن تصلوا إلى السن التى ~~تتناقص فيها قوتكم والجملة الكريمة معطوفة على قوله { لتبلغوا } ~~أو معمولة لمحذوف كالجمل التى تقدمتها، أى ثم يبقيكم لتكونوا شيوخا. { ~~ومنكم من يتوفى من قبل } أى ومنكم من يدركه الموت من قبل ~~أن يدرك سن الشيخوخة، أو سن الشباب، أو سن الطفولة. وقوله - تعالى - { ~~ولتبلغوا أجلا مسمى } معطوف على مقدر. أى فعل ذلك بكم ~~لكي تعيشوا، ولتبلغوا أجلا مسمى تنتهى عنده حياتكم، ثم تبعثون يوم ~~القيامة للحساب. والجزاء. وقوله { ولعلكم تعقلون } أى ~~ولعلكم تعقلون عن ربكم أنه هو الذى يحيبكم يوم القيامة كما أماتكم، وكما ~~أنشأكم من تلك الأطوار المتعددة وأنتم لم تكونوا قبل ذلك شيئا مذكورا. ثم ~~ختم - سبحانه - هذه الآيات الزاخرة بكثير من النعم بقوله - تعالى - { ~~هو الذي يحيي } من يريد إحياءه ms4490 { ويميت } من يشاء إماتته. { ~~فإذا قضى أمرا } أى فإذا أراد إبراز أمر من الأمور إلى هذا ~~الوجود { فإنما يقول له } أى لهذا الأمر { كن فيكون } فى ~~الحال بدون توقف على سبب من الأسباب، أو علة من العلل. ثم ساق - سبحانه - ~~بعد ذلك - ما يسلى النبى صلى الله عليه وسلم عما أصلبه من المشركين، بأن ~~بين له سوء عاقبتهم يوم القيامة، وبأن أمره بالصبر على كيدهم، وبشره بأن ~~العاقبة ستكون له ولأتباعه.. فقال - تعالى - { ألم تر إلى ~~الذين يجادلون... }. ### || [40.69-78] # والاستفهام فى قوله - تعالى - { ألم تر إلى الذين ~~يجادلون في آيات الله... } للتعجيب من أحوال هؤلاء المشركين. ~~حيث أنكروا الحق الواضح وانساقوا وراء الأوهام والأباطيل. والمعنى انظر - ~~أيها الرسول الكريم - إلى أحوال المشركين، وتعجب من سلوكهم الذميم، حيث ~~جادلوا فى الآيات الدالة على وحدانية الله وقدرته بدون علم أو حجة. وقوله ~~{ أنى يصرفون } أى انظر كيف يصرفون عن آيات الله الموجبة ~~للإيمان بها. إلى الجحود والتكذيب والجدال بالباطل فيها؟ لقد كان من ~~المنتظر منهم أن يهتدوا إلى الحق بعد أن وصل إليهم.. ولكنهم عموا وصموا ~~عنه. لانطماس بصائرهم، واستحواذ الشيطان عليهم. وقوله { الذين ~~كذبوا بالكتاب.. } بدل من قوله # الذين يجادلون في آيات الله # أى تعجب من هؤلاء الذين كذبوا بالقرآن الكريم. الذى أنزلناه إليك - يا ~~محمد - لتخرجهم به من الظلمات إلى النور. وكذبوا - أيضا - { وبمآ ~~أرسلنا به رسلنا } من سائر الكتب والمعجزات. فهم لم يكتفوا ~~بالتكذيب بك بل أضافوا إلى ذلك تكذيبهم بكل كتاب ورسول. وقوله - تعالى - ~~{ فسوف يعلمون } وعيد شديد لهم على تكذيبهم بالرسل وبكتبهم، أى ~~فسوف يعلمون سوء عاقبة تكذيبهم لأنبياء الله - تعالى - ولكتبه التى ~~أنزلها عليهم. ثم فصل - سبحانه - هذا الوعيد، وبين ما أعده لهم من عذاب ~~فقال { إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون. ~~في الحميم ثم في النار يسجرون } و " إذ " هنا ظرف ~~بمعنى " إذا " وهو متعلق بيعلمون، وعبر - سبحانه - بالظرف الدال على ~~المضى، للدلالة على تحقق الخبر، حتى لكأن العذاب قد نزل بهم فعلا. ~~والأغلال جمع ms4491 غل - بضم الغين - وهو القيد يوضع فى اليد والعنق فيجمعهما. ~~والسلاسل جمع سلسلة، وهى ما يربط بها الجانى على سبيل الإذلال له. ~~والحميم الماء البالغ أقصى درجات الحرارة. ويسجرون مأخوذ من سجر التنور، ~~إذا ملأه بالوقود. والمعنى فسوف يعلمون سوء عاقبة تكذيبهم وجدالهم ~~بالباطل يوم القيامة، وقت أن توضع الأغلال والقيود فى أعناقهم، ثم يسحبون ~~ويجرون إلى الحميم بعنف وإهانة، ثم يلقى بهم فى النار التى تمتلئ بهم، ~~ويكونون وقودا لها. قال صاحب الكشاف فإن قلت وهل قوله { فسوف ~~يعلمون. إذ الأغلال.. } إلا مثل قولك سوف أصوم أمس؟ قلت ~~المعنى على إذا، إلا أن الأمور المستقبلة لما كانت فى أخبارك الله - ~~تعالى - متيقنة مقطوعا بها، عبر عنها بلفظ ما كان ووجد. والمعنى على ~~الاستقبال.. وقوله - تعالى - { ثم قيل لهم أين ما كنتم ~~تشركون } تبكيت وتأنيب لهم. أى ثم قيل بعد هذا العذاب المهين لهم ~~أين تلك الآلهة التى كنتم تعبدونها من دون الله، لكى تدفع عنكم شيئا من ~~العذاب الأليم الذى نزل بكم؟ وقوله { قالوا ضلوا عنا بل ~~لم نكن ندعوا من قبل شيئا. # .. } حكاية لجوابهم الذى يدل على حسرتهم وبؤسهم. أى قالوا ذهبوا وضاعوا ~~وغابوا عنا ولم نعد نعرف لهم طريقا، ولا هم يعرفون عنا طريقا. ثم أضربوا ~~عن هذا القول توهما منهم أن هذا الإضراب ينفعهم فقالوا بل لم نكن نعبد من ~~قبل فى الدنيا شيئا يعتد به، وإنما كانت عبادتنا لتلك الآلهة أوهاما ~~وضلالا.. وقوله - تعالى - { كذلك يضل الله الكافرين } أى ~~مثل هذا الضلال البين والتخبط الواضح، يضل الله - تعالى - الكافرين، ~~ويجعلهم يتخبطون فى إجابتهم على السائلين لهم. ثم بين - سبحانه - الأسباب ~~التى أدت بهم إلى هذا العذاب المهين فقال { ذلكم بما كنتم ~~تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم ~~تمرحون. ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها ~~فبئس مثوى المتكبرين }. وقوله { تمرحون } من المرح ~~وهو التوسع فى الفرح مع الأشر والبطر. أى ذلكم الذى نزل بكم من العذاب، ~~بسبب فرحكم وبطركم فى الأرض بالباطل، وبسبب مرحكم وأشركم وغروركم ms4492 فيها. ~~وحق عليكم أن يقال لكم بسبب ذلك ادخلوا أبواب جهنم المفتوحة أمامكم، حالة ~~كونكم خالدين فيها خلودا أبديا، فبئس { مثوى } أى مكان ~~المتكبرين } عن قبول الحق جهنم. وقال - سبحانه - { فبئس ~~مثوى المتكبرين } ولم يقل فبئس مدخل المتكبرين، للإشارة إلى ~~خلودهم فى جهنم، إذ الثواء معناه الإقامة الدائمة، مأخوذ من ثوى فلان ~~بالمكان إذا أقام به إقامة دائمة. ثم ذكر الله - تعالى - لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم الوصية بالصبر فقال { فاصبر إن وعد الله حق ~~فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ~~فإلينا يرجعون } وقوله { فإما نرينك } أصله فإن ~~نرك، فزيدت " ما " لتوكيد " إن " الشرطية، وجوابها محذوف، وقوله { أو ~~نتوفينك } جوابه { فإلينا يرجعون } والمعنى إذا كان ~~حال هؤلاء المشركين كما ذكرنا لك يا محمد، فاصبر على جدالهم بالباطل، إن ~~وعد الله - تعالى - بتعذيبهم وبنصرك عليهم حق. فإن نرك بعض الذى نعدهم به ~~من القتل والأسر والهزيمة فبها ونعمت، أو نتوفينك قبل ذلك فإلينا مرجعهم ~~يوم القيامة، فنجازيهم بما يستحقون من عقاب. فالآية الكريمة تأمر النبى ~~صلى الله عليه وسلم بمداومة الصبر، وتحض على تبليغ ما أنزل إليه من ربه ~~بدون كلل أو ملل، ثم بعد ذلك يترك النتائج لله - تعالى - يسيرها كيف ~~يشاء، فإما أن يطلعه على ما توعد به أعداءه، وإما أن يتوفاه قبل ذلك. ~~وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو ~~نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب # ثم ساق - سبحانه - تسلية أخرى للرسول صلى الله عليه وسلم فقال { ~~ولقد أرسلنا رسلا. # .. } أى رسلا كثيرين { من قبلك } أى من قبل إرسالك إلى الناس. { ~~منهم من قصصنا عليك } كنوح وهود وصالح وإبراهيم. وغيرهم. { ~~ومنهم من لم نقصص عليك } أخبارهم وأحوالهم لأن حكمتنا ~~قد اقتضت ذلك. كما قال - تعالى - فى آية أخرى # ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم ~~نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما # والمراد بالآية فى قوله - تعالى - { وما كان لرسول أن يأتي ~~بآية إلا بإذن الله } المعجزة الخارقة الدالة على صدقه فيما ms4493 ~~يبلغه عن ربه. أى وما صح وما استقام لرسول من الرسل أن يأتى بمعجزة من ~~عند نفسه، وإنما يأتى بها بإذن الله - تعالى - ومشيئته، إذ المعجزات ~~جميعا عطايا من الله - تعالى - لرسله لتأييدهم فى دعوتهم. { فإذا ~~جآء أمر الله } أى فإذا جاء الوقت الذى حدده - سبحانه - لعذاب ~~أعدائه { قضي بالحق } أى قضى بين الناس جميعا بالحق، فينجى - ~~سبحانه - بقضائه العادل عباده المؤمنين. { وخسر هنالك ~~المبطلون } أى وخسر - عند مجئ أمر الله، عند القضاء بين خلقه - ~~المبطلون، وهم الذين ماتوا مصرين على كفرهم أو فسوقهم عن أمره. وكما قال ~~- تعالى - فى آيات أخرى منها قوله - تعالى - # ولله ملك السماوات والأرض ويوم تقوم الساعة ~~يومئذ يخسر المبطلون # ثم بين - سبحانه - فى أواخر هذه السورة الكريمة، جانبا آخر من نعمه على ~~عباده، ووبخ الفاسقين على عدم اعتبارهم بأحوال من سبقهم من الأمم، وهددهم ~~بأنهم عند مجئ العذاب إليهم لن ينفعهم إيمانهم.. فقال - تعالى - { ~~الله الذي جعل... }. ### || [40.79-85] # وقوله - تعالى - { الله الذي جعل لكم الأنعام.. } بيان ~~لنعمة أخرى من نعمه التى تتعلق بما سخره - سبحانه - لخدمة الإنسان من ~~دواب، بعد بيانه قبل لكثير من النعم التى تتعلق بالليل والنهار، والسماء ~~والأرض.. إلخ. والأنعام جمع نعم، وأطلق على الإبل والبقر والغنم، قالوا ~~والمراد بها هنا الإبل خاصة لأن معظم المنافع التى ذكرت هنا توجد فيها. ~~أى الله - تعالى - هو الذى خلق لكم بقدرته الإبل { لتركبوا ~~منها ومنها تأكلون } أى لتركبوا بعضا منها، ولتأكلوا بعضا ~~آخر منها. فمن فى الموضعين للتبعيض. { ولكم فيها منافع } أخرى ~~غير الأكل وغير الركوب، كالانتفاع بألبانها وأوبارها وجلودها.. { ~~ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم } أى ومن منافعها - ~~أيضا - أنكم تستعملونها فى الأمور الهامة كحمل الأثقال، والانتقال عليها ~~من مكان إلى مكان.. كما قال - تعالى - # وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه ~~إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم # { وعليها وعلى الفلك تحملون } أى وعلى هذه الإبل فى ~~البر وعلى السفن فى البحر تحملون. كما قال - تعالى - # والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم ms4494 من الفلك ~~والأنعام ما تركبون # هذا، ولا مانع من أن يكون المراد بالأنعام هنا ما يشمل الإبل والبقر ~~والغنم، وإلى هذا المعنى ذهب الإمام ابن كثير، فقد قال يقول - تعالى - ~~ممتنا على عباده بما خلق لهم من الأنعام! وهى الإبل والبقر والغنم، ~~فالإبل تركب وتؤكل وتحلب، ويحمل عليها الأثقال فى الأسفار والرحال إلى ~~البلاد النائبة، والأقطار الشاسعة، والبقر تؤكل ويشرب لبنها، وتحرث عليها ~~الأرض، والغنم تؤكل ويشرب لبنها، والجميع تجز أوبارها وأصوافها وأشعارها. ~~فيتخذ منه الأثاث والثياب والأمتعة... " وقوله - تعالى - { ويريكم ~~آياته فأي آيات الله تنكرون } تعجب من غفلتهم عن هذه ~~الآيات المبثوثة فى الكون، والتى تدل جميعها على وحدانية الله - تعالى - ~~وقدرته. ولفظ " أى " منصوب بقوله { تنكرون } وقدم وجوبا لأن له صدر ~~الكلام. أى أنه - سبحانه - فى كل وقت وحين يريكم آياته الدالة على قدرته ~~ووحدانيته، فقولوا لى. أية تلك الآيات تنكرون دلالتها على ذلك. إنها ~~جميعا تنطق وتصرح بوجوب إخلاص العبادة لله - عز وجل - فكيف جحدتموها أو ~~غفلتم عنها مع وضوحها؟ فالآية الكريمة توبيخ شديد لأولئك الذين استحبوا ~~العمى على الهدى مع أن كل شئ فى هذا الكون يدعوهم إلى الإيمان بالله ~~الواحد القهار. ثم وبخهم - سبحانه - مرة أخرى لعدم اتعاظهم بمصارع ~~الغابرين فقال { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف ~~كان عاقبة الذين من قبلهم... } أى أقبعوا فى بيوتهم. # فلم يسيروا فى أقطار الأرض. فينظروا كيف كانت عاقبة الأمم المكذبة من ~~قبلهم، كقوم صالح وقوم لوط، وقوم شعيب وغيرهم. فالاستفهام للتوبيخ ~~والتأنيب، والفاء فى قوله { أفلم... } للعطف على مقدر. ثم فصل - ~~سبحانه - حال الذين كانوا من قبل كفار مكة فقال { كانوا أكثر ~~منهم } أى فى العدد { وأشد قوة } أى فى الأبدان والأجسام { ~~وآثارا في الأرض } أى وكانوا أظهر منهم فى العمران والحضارة ~~والغنى. { فمآ أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } أى أن ~~هؤلاء الغابرين عندما حل بهم عذابنا لم تغن عنهم شيئا كثرتهم أو قوتهم أو ~~أموالهم.. بل أخذناهم أخذ عزيز مقتدر فى زمن يسير. ثم بين - سبحانه - ~~موقف ms4495 هؤلاء الجاحدين من رسلهم فقال { فلما جآءتهم رسلهم ~~بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم... }. أى ~~فحين جاء الرسل إلى هؤلاء الجاهلين، فرحوا بما لديهم من العلوم الدنيوية ~~كالتجارة والزراعة.. واغتروا بتلك القشور التى كانوا يسمعونها ممن كانوا ~~يزعمون أنهم على شئ من العلم الدينى، واستهزأوا بما جاءهم به الرسل من ~~علوم تهدى إلى الرشد، وتدعو إلى إخلاص العبادة لله. واعتقدوا - لغبائهم - ~~وانطماس بصائرهم - أنه لا علم أنفع من علومهم ففرحوا بها.. ورحم الله ~~صاحب الكشاف فقد فصل القول عند تفسيره لهذه الآية فقال قوله { فرحوا ~~بما عندهم من العلم } فيه وجوه منها أنه أراد العلم الوارد ~~على سبيل التهكم فى قوله - تعالى - # بل ادارك علمهم في الآخرة # وعلمهم فى الآخرة أنهم كانوا يقولون لانبعث ولا نعذب. ومنه أن يريد علم ~~الفلاسفة والدهريين عن بنى يونان، وكانوا إذا سمعوا بوحى الله دفعوه ~~وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم. ويجوز أن يريد بما فرحوا به من العلم ~~علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها، كما قال - تعالى - # يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن ~~الآخرة هم غافلون # فلما جاءهم الرسل بعلوم الديانات.. لم يلتفتوا إليها وصغروها واستهزءوا ~~بها، واعتقدوا أنه لا أنفع وأجلب للفوائد من علمهم، ففرحوا به. ويبدو لنا ~~أن هذا الرأى الأخير الذى ذكره صاحب الكشاف، هو أقرب الآراء إلى الصواب. ~~وقوله - سبحانه - { وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } ~~بيان لما نزل بهم من عذاب بسبب تكذيبهم لرسلهم، واستهزائهم بهم. أى ونزل ~~بهؤلاء الكافرين العذاب الأليم بسبب استهزائهم برسلهم، وإعراضهم عن ~~دعوتهم. ثم بين - سبحانه - حالهم عندما أحاط بهم العذاب فقال { فلما ~~رأوا بأسنا } أى عاينوا عذابنا النازل بهم. { قالوا } بفزع ~~وخوف { آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به ~~مشركين } أى وكفرنا بما كنا به مشركين فى الدنيا من عبادة لغير الله ~~- تعالى - واعتماد على سواه. وقد بين - سبحانه - أن إيمانهم هذا لن ~~ينفعهم لأنه جاء فى غير وقته فقال { فلم يك ينفعهم ~~إيمانهم } شيئا من النفع لأنه إيمان جاء عند معاينة العذاب، ms4496 ~~والإيمان الذى يدعى فى هذا الوقت لا قيمة له، لأنه جاء فى وقت الاضطرار ~~لافى وقت الاختيار. # ولفظ " سنة " فى قوله - تعالى - { سنت الله التي قد خلت ~~في عباده... } منصوب على أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف. أى سن الله - ~~تعالى - ذلك، وهو عدم نفع الإيمان عند حلول العذاب سنة ماضية فى الناس، ~~بحيث لا تتخلف فى أى زمان أو مكان. { وخسر هنالك الكافرون } ~~أى فى هذا الوقت الذى ينزل الله - تعالى - فيه العذاب على الكافرين ~~يخسرون كل شئ، بحيث لا تنفعهم لا أموالهم ولا أولادهم ولا آلهتهم التى ~~كانوا يتوهمون شفاعتها. وبعد فهذا تفسير وسيط لسورة " غافر " نسأل الله - ~~تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده وصلى الله على سيدنا محمد ~~وعلى آله وصحبه وسلم - ### | [41 - سورة فصلت] ### || [41.1-8] # سورة " فصلت " من السور التى بدئت ببعض حروف التهجى. والرأى الراجح فى ~~هذه الحروف أنها جئ بها للإيقاظ والتنبيه على أن هذا القرآن من عند الله ~~- تعالى -، بدليل أنه مؤلف من جنس الحروف التى يتخاطب بها المشركون، ومع ~~ذلك فقد عجزوا عن أن يأتوا بسورة من مثله. وقوله { تنزيل من ~~الرحمن الرحيم } بيان لمصدر هذا القرآن، وقوله { تنزيل } ~~خبر لمبتدأ محذوف. أى هذا القرآن ليس أساطير الأولين - كما زعم الجاحدون ~~الجاهلون - وإنما هو منزل من عند الله - تعالى - صاحب الرحمة العظيمة ~~الدائمة. إذ لفظ " الرحمن " بمعنى عظيم الرحمة، لأن فعلان صيغة مبالغة فى ~~كثرة الشئ وعظمته، أما صيغة فعيل فتستعمل فى الصفات الدائمة ككريم، فكأنه ~~- تعالى - يقول هذا الكتاب منزل من الله - تعالى - العظيم الرحمة ~~الدائمة. قال بعض العلماء وإنما خص هذان الوصفان بالذكر، لأن الخلق فى ~~هذا العالم كالمرضى المحتاجين، والقرآن مشتمل على كل ما يحتاج إليه ~~المرضى من الأدوية، وعلى كل ما يحتاج إليه الأصحاء من الأغذية. فكان أعظم ~~النفع من الله على هذا العالم إنزال القرآن الناشئ عن رحمته ولطفه بخلقه. ~~ثم أثنى - سبحانه - على هذا القرآن الذى أنزله بمقتضى رحمته وحكمته فقال ~~{ كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا ms4497 لقوم ~~يعلمون. بشيرا ونذيرا }. ومعنى { فصلت آياته } ميزت ~~فى ألفاظها بفواصل ومقاطع، وميزت فى معانيها لاشتمالها على أنواع متعددة ~~من المعانى الحكيمة. وقوله { قرآنا } منصوب على المدح، أو على الحال ~~من كتاب، { عربيا } صفة للقرآن. وقوله { لقوم يعلمون } ~~متعلق بفصلت. أى هذا القرآن منزل من عند الله - تعالى - الذى وسعت رحمته ~~كل شئ، وهو كتاب فصلت آياته ووضحت وميزت من حيث ألفاظها تفصيلا بليغا، إذ ~~اشتملت على فواصل ومقاطع فيما بينها ليسهل فهمه وحفظه. وفصلت آياته من ~~حيث معانيها تفصيلا حكيما. إذ بعضها جاء لبيان ذاته وصفاته وأفعاله - ~~تعالى -، وبعضها اشتمل على ألوان من نعمه التى لا تحصى، وبعضها جاء بأسمى ~~أنواع الهدايات والآداب والأحكام والقصص والمواعظ، وبعضها جاء لتبشير ~~المؤمنين بحسن الثواب، ولإنذار الكافرين بسوء العقاب. وخص - سبحانه - ~~الذين يعلمون بالذكر، لأنهم هم الذين ينتفعون بما اشتمل عليه هذا الكتاب ~~من تفصيل لآياته شامل لألفاظها ومعانيها. قال صاحب الكشاف قوله { ~~لقوم يعلمون } أى لقوم عرب يعلمون ما نزل عليهم من الآيات ~~المفصلة المبينة بلسانهم العربى، لا يلتبس عليهم شئ منه. فإن قلتبم يتعلق ~~قوله { لقوم يعلمون }؟ قلت يجوز أن يتعلق بتنزيل، أو بفصلت، أى ~~تنزيل من الله لأجلهم. أو فصلت آياته لهم. # وأجود أن يكون صفة مثل ما قبله وما بعده، أى قرآنا عربيا كائنا لقوم عرب ~~لئلا يفرق بين الصلات والصفات.. وقوله - تعالى - { فأعرض ~~أكثرهم فهم لا يسمعون } بيان لموقف الناس من هذا القرآن ~~المنزل من الرحمن الرحيم. والمراد بالأكثر هنا الكافرون الذين لا ينتفعون ~~بهدايات القرآن الكريم. أى هذا القرآن أنزلناه إليك لتخرج الناس به من ~~الظلمات إلى النور، فأعرض أكثرهم عن هداياته لاستحواذ الشيطان عليهم، فهم ~~لا يسمعون سماع تدبر واتعاظ، وإنما يسمعون بقلوب قاسية، وعقول خالية من ~~إدراك معانيه، ومن الاستجابة له. ونفى - سبحانه - سماعهم له، مع أنهم ~~كانوا يسمعون من الرسول صلى الله عليه وسلم ومن أصحابه، لأنهم لما سمعوه ~~ولم يؤمنوا به.. صار سماعهم بمنزلة عدمه. ثم حكى - سبحانه - أقوالهم التى ~~تدل على ms4498 توغلهم فى الكفر والعناد فقال { وقالوا قلوبنا في ~~أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن ~~بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون } ، والأكنة ~~جمع كنان وهو الغطاء للشئ. و { وقر } الصمم الذى يحول بين الإنسان ~~وبين سماع ما يقال له. والحجاب من الحجب بمعنى الستر لأنه يمنع المشاهدة، ~~ومنه قيل للبواب حاجب، لأنه يمنع من الدخول. أى وقال الكافرون للنبى صلى ~~الله عليه وسلم على سبيل تيئيسه من إيمانهم إن قلوبنا قد كستها أغطية ~~متكاثفة جعلتها لا تفقه ما تقوله لنا، وما تدعونا إليه، وإن آذاننا فيها ~~صمم يحول بيننا وبين سماع حديثك، وإن من بيننا ومن بينك حاجزا غليظا يحجب ~~التواصل والتلاقى بيننا وبينك، وما دام حالنا وحالك كذلك فاعمل ما شئت ~~فيما يتعلق بدينك، ونحن من جانبنا سنعمل ما شئنا فيما يتعلق بديننا. وهذه ~~الأقوال التى حكاها القرآن عنهم، تدل على أنهم قوم قد بلغوا أقصى درجات ~~الجحود والعناد فقلوبهم قد أغلقت عن إدراك الحق، وأسماعهم قد صمت عن ~~سماعه، وأشخاصهم قد أبت الاقتراب من شخص الرسول صلى الله عليه وسلم الذى ~~يحمل لهم الخير والنور، وما حملهم على ذلك إلا اتباعهم للهوى والشيطان. ~~وصدق الله إذ يقول # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي ~~القوم الفاسقين # ثم لقن الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم الجواب الذى يرد به ~~عليهم فقال { قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلي ~~أنمآ إلهكم إله واحد }. أى قل - أيها الرسول الكريم - ~~لهؤلاء الجاحدين إنما أنا بشر مثلكم فى الصفات البشرية أوجدنى الله - ~~تعالى - بقدرته كما أوجدكم، وينتهى نسبى ونسبكم إلى آدم - عليه السلام - ~~إلا أن الله - تعالى - قد اختصنى بوحيه ورسالته - وهو أعلم حيث يجعل ~~رسالته - وأمرنى أن أبلغكم أن إلهكم وخالقكم. # . هو إله واحد لا شريك له، فعليكم أن تخلصلوا له العبادة والطاعة. وقوله ~~{ فاستقيموا إليه واستغفروه } أى فالزموا الاستقامة فى ~~طريقكم إليه - تعالى - بالإيمان به وطاعته والإخلاص فى عبادته. وقوله - ~~تعالى - {.. وويل للمشركين. الذين لا يؤتون ~~الزكاة وهم ms4499 بالآخرة هم كافرون } تهديد لهم بسوء المصير ~~إذا استمروا على عنادهم وشركهم. والويل لفظ دال على الشر أو الهلاك، وهو ~~مصدر لافعل له من لفظه، والمراد به هنا الدعاء عليهم بالخزى والهلاك. أى ~~فهلاك وخزى وعقاب شديد لهؤلاء المشركين، الذين لا يؤتون الزكاة، أى لا ~~يؤمنون بها، ولا يخرجونها إلى مستحقيها، ولا يعملون على تطهير أنفسهم ~~بأدائها... وفضلا عن كل ذلك فهم بالآخرة وما فيها من حساب وثواب وعقاب ~~كافرون. قال ابن كثير والمراد بالزكاة ها هنا طهارة النفس من الأخلاق ~~المرذولة... وقال قتادة يمنعون زكاة أموالهم، واختاره ابن جرير.. وفيه ~~نظر، لأن إيجاب الزكاة إنما كان فى السنة الثانية من الهجرة، وهذه الآية ~~مكية. اللهم إلا أن يقال لا يبعد أن يكون أصل الزكاة - وهو الصدقة - كان ~~مأمورا به فى ابتداء البعثة، كقوله - تعالى - # وآتوا حقه يوم حصاده # فأما الزكاة ذات النصب والمقادير فإنما بين أمرها فى المدينة، ويكون هذا ~~جمعا بين القولين.. وقال بعض العلماء قد استدل بعض علماء الأصول بهذه ~~الآية الكريمة على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، لأنه - تعالى - صرح ~~فى هذه الآية الكريمة، بأنهم مشركون، وأنهم كافرون بالآخرة، وقد توعدهم - ~~سبحانه - بالويل على كفرهم بالآخرة، وعدم إيتائهم الزكاة، سواء أقلنا إن ~~الزكاة فى الآية هى زكاة المال المعروفة، أو زكاة الأبدان عن طريق فعل ~~الطاعات، واجتناب المعاصى. ورجع بعضهم - أن المراد بالزكاة هنا زكاة ~~الأبدان - لأن السورة مكية وزكاة المال المعروفة إنما فرضت فى السنة ~~الثانية من الهجرة. وعلى أية حال فالآية تدل على خطاب الكفار بفروع ~~الإسلام. أعنى امتثال أوامره واجتناب نواهيه، وما دلت عليه هذه الآية من ~~أنهم مخاطبون بذلك، وأنهم يعذبون على الكفر والمعاصى، جاء موضحا فى آيات ~~أخر كقوله - تعالى - # ما سلككم في سقر. قالوا لم نك من المصلين. ~~ولم نك نطعم المسكين. وكنا نخوض مع ~~الخآئضين.. # وخص - سبحانه - من بين أوصاف المشركين منع الزكاة مقرونا بالكفر ~~بالآخرة، لأن أحب شئ إلى الإنسان ماله، وهو شقيق روحه، فإذا بذله ~~للمحتاجين، فذلك ms4500 أقوى دليل على استقامته، وصدق نيته. وقوله - تعالى - { ~~إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر ~~غير ممنون } بيان لحسن عاقبة المؤمنين، بعد بيان سوء عاقبة ~~الكافرين. أى إن الذين آمنوا إيمانا حقا وعملوا الأعمال الصالحات، لهم ~~أجر عظيم غير { ممنون } أى غير مقطوع عنهم، من مننت الحبل إذا قطعته، ~~أو غير منقوص عما وعدهم الله به، أو غير ممنون به عليهم، بل يعطون ما ~~يعطون من خيرات جزاء أعمالهم الصالحة فى الدنيا، فضلا من الله - تعالى - ~~وكرما. ثم أمر الله - تعالى - صلى الله عليه وسلم - أن يوبخ هؤلاء ~~المشركين على إصرارهم على كفرهم، مع أن مظاهر قدرة الله - تعالى - ~~الماثلة أمام أعينهم تدعوهم إلى الإيمان، فقال - تعالى - { قل ~~أإنكم لتكفرون بالذي خلق... }. ### || [41.9-12] # قال الإمام الرازى ما ملخصه اعلم أنه - تعالى - لما أمر نبيه صلى الله ~~عليه وسلم أن يقول للناس # قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلي... # أردفه بما يدل على أنه لا يجوز إثبات الشركة بينه - تعالى - وبين هذه ~~الأصنام فى الإلهية والمعبودية، وذلك بأن بين كمال قدرته وحكمته فى خلق ~~السموت والأرض فى مدة قليلة.. والاستفهام فى قوله { أإنكم ~~لتكفرون... } بمعنى الإنكار، وهو لإنكار شيئين الكفر بالله.. ~~وجعل الأنداد له. والمعنى قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين على ~~سبيل الإنكار لأفعالهم أئنكم لتكفرون بالله - تعالى - الذى خلق الأرض فى ~~يومين. قال الآلوسى وإن واللام فى قوله { أإنكم لتكفرون } ~~لتأكيد الإنكار.. وعلق - سبحانه - كفرهم بالاسم الموصول لتفخيم شأنه - ~~تعالى - واستعظام كفرهم به. واليوم فى المشهور عبارة عن زمان كون الشمس ~~فوق الأفق، وأريد منه ها هنا الوقت مطلقا، لأنه لا يتصور ذلك قبل خلق ~~السماء والكواكب والأرض نفسها، ثم إن ذلك الوقت يحتمل أن يكون بمقدار ~~اليوم المعروف، ويحتمل أن يكون أقل منه أو أكثر، والأقل أنسب بالمقام. ~~قال سعيد بن جبير - رضى الله عنه - إن الله - تعالى - قادر على أن يخلق ~~هذا الكون كله فى لحظة، ولكنه خلق السموات والأرض فى ستة أيام، ليعلم ~~خلقه التثبت والتأنى ms4501 فى الأمور. وقوله { وتجعلون له أندادا } ~~معطوف على قوله { تكفرون } وداخل معه فى حكم الإنكار. والأنداد جمع ند ~~وهو مثل الشئ يضاده وينافره ويتباعد عنه. وأصله من ند البعير إذا نفر ~~وذهب على وجهه شاردا. أى وتجعلون له أمثالا ونظراء تعبدونها من دونه، ~~وتسمونها - زورا وكذبا - آلهة، وجمع - سبحانه - الأنداد باعتبار واقعهم، ~~لأنهم كانوا يعبدون آلهة شتى، فمنهم من عبد الأصنام، ومنهم من عبد ~~الملائكة، ومنهم من عبد الكواكب. واسم الإشارة فى قوله { ذلك رب ~~العالمين } يعود إلى الموصول باعتبار اتصافه بما فى حيز الصلة. أى ~~ذلك الموصوف بتلك القدرة الباهرة، رب العالمين جميعا، وخالق جميع ~~المخلوقات، والمتولى لتربيتها دون سواه. وقوله { وجعل فيها ~~رواسي من فوقها.. } معطوف على { خلق الأرض في يومين ~~}. والرواسى جميع راس من الرسو - بفتح الراء وسكون السين - بمعنى الثبات ~~والاستقرار فى المكان، يقال رسا الشئ إذا ثبت واستقر. وهو صفة لموصوف ~~محذوف. أى وجعل فيها جبالا رواسى من فوقها، لكى تستقر وتثبت، ولا تميد أو ~~تضطرب بكم. وقال - تعالى - { من فوقها } لبيان الواقع، إذ وجود ~~الجبال من فوق الأرض، ومشاهدة الإنسان لذلك بعينيه، يزيده اقتناعا بقدرة ~~الله - تعالى - الباهرة وحكمته البليغة. # { وبارك فيها } أى وجعلها مباركة زاخرة بأنواع الخيرات والمنافع، ~~عن طريق الزروع والثمار المبثوثة فوقها، والمياه التى تخرج من جوفها. ~~والكنوز التى تحصل من باطنها. { وقدر فيهآ أقواتها } ~~والأقوات جمع قوت. والمراد بها أرزاق أهل الأرض وما يصلحهم. أى وجعل ~~أقوات أهلها يحتاجون إليها فى معايشهم ومنافعهم، على مقادير محددة معينة، ~~بحيث نشر فى كل قطر من أقطارها أقواتا تناسب أهله، وبذلك يتبادل الناس ~~المنافع فيما بينهم، فيعمر الكون، ويزيد الاتصال والتعارف فيما بينهم. ~~قال ابن جرير بعد أن ذكر جملة من الأقوال فى معنى هذه الآية والصواب فى ~~القول فى ذلك أن يقال إن الله - تعالى - أخبر أنه قدر فى الأرض أقوات ~~أهلها، وذلك ما يقوتهم من الغذاء، ويصلحهم من المعاش. ولم يخصص - جل ~~ثناؤه - بقوله { وقدر فيهآ أقواتها } أنه قدر فيها قوتا ms4502 دون ~~قوت، بل عم الخبر عن تقديره جميع الأقوات.. وقوله - تعالى - { في ~~أربعة أيام } متعلق بمحذوف يدل، عليه ما قبله. أى خلق الأرض، ~~وجعل فيه رواسى من فوقها، وبارك فيها، وقدر فيها أقواتها فى تمام أربعة ~~أيام، فتكون المدة التى خلق فيها الأرض وما عليها أربعة أيام. وقوله - ~~سبحانه - { سوآء للسآئلين } تأكيد لما دلت عليه الآية الكريمة ~~من أن خلق كل من الأرض وما فيها وما عليها قد حدث فى أربعة أيام. قال ~~الآلوسى وقيدت الأيام الأربعة بقوله { سوآء } فإنه مصدر مؤكد لمضمر هو ~~صفة الأيام. أى - فى أربعة أيام - استوت سواء، أى استواء. وقوله - تعالى ~~- { للسآئلين } متعلق بمحذوف وقع خبر لمبتدأ محذوف، أى هذا الحصر ~~فى أربعة، كائن للسائلين عن مدة خلق الأرض، وما فيها.. وقال الجمل فى ~~حاشيته فإن قيل لم جعلت مدة خلق الأرض بما فيها، ضعف مدة خلق السموات، مع ~~كون السماء أكبر من الأرض وأكثر مخلوقات وعجائب؟ قلت للتنبيه على أن ~~الأرض هى المقصودة بالذات لما فيها من الثقلين ومن كثرة المنافع، فزادات ~~مدتها ليكون ذلك أدخل فى المنة على ساكنيها، وللاعتناء بشأنهم وشأنهم - ~~أيضا - زادت مدتها لما فيها من الابتلاء بالمعاصى والمجاهدات ~~والمعالجات.. ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر قدرته فى خلق السماء، ~~فقال { ثم استوى إلى السمآء وهي دخان.. }. ومعنى ~~استوائه - سبحانه - إلى السماء، ارتفاعه إليها بلا كيف أو تشبيه أو ~~تحديد، لأنه - سبحانه - منزه عن ذلك. والدخان ما ارتفع من لهب النار. ~~والمراد به هنا ما يرى من بخار الأرض أو بخار الماء ويصح أن يكون معنى { ~~ثم استوى إلى السمآء } تعلقت إرادته - تعالى - بخلقها. قال ~~الآلوسى قوله { ثم استوى إلى السمآء } أى قصد إليها وتوجه، ~~دون إرادة تأثير فى غيرها، من قولهم استوى إلى مكان كذا، إذا توجه إليه ~~لا يلوى على غيره. # . وقوله { وهي دخان } أى أمر ظلمانى، ولعله أريد بها مادتها التى ~~منها تركبت. وقوله - تعالى - { فقال لها وللأرض ائتيا ~~طوعا أو كرها... } بيان لما وجهه - سبحانه - إليهما من ms4503 أوامر. ~~والمراد بإتيانهما انقيادهما التام لأمره - تعالى -. أى فقال - سبحانه - ~~للسماء وللأرض أخرجا ما خلقت فيكما من المنافع لمصالح العباد، فأنت يا ~~سماء، أبرزى ما خلقت فيك من شمس وقمر ونجوم.. وأنت يا أرض أخرجى ما خلقت ~~فيك من نبات وأشجار وكنوز. قال الفخر الرازى والمقصود من هذا القول إظهار ~~كمال القدرة، أى ائتيا شئتما أم أبيتما، كما يقول الجبار لمن تحت يده ~~لتفعلن هذا شئت أم لم تشأ، ولتفعلنه طوعا أو كرها، وانتصابهما على الحال، ~~بمعنى طائعين أو مكرهين.. وقوله { قالتآ أتينا طآئعين } بيان ~~لامتثالهما التام لأمره - تعالى -. أى قالتا فعلنا ما أمرتنا به منقادين ~~خاضعين متسجيبين لأمرك، فأنت خالقنا وأنت مالك أمرنا. قال القرطبى وقوله ~~{ قالتآ أتينا طآئعين } فيه وجهان أنه تمثيل لظهور الطاعة ~~منهما، حيث انقادا وأجابا فقام مقام قولهما. ومنه قول الراجز # امتلأ الحوض وقال قطني مهلا رويدا ملأت بطني # يعنى ظهر ذلك فيه. وقال أكثر أهل العلم بل خلق الله - تعالى - فيهما ~~الكلام فتكلمتا كما أراد - سبحانه -. وجمعهما - سبحانه - جمع من يعقل، ~~لخطابهما بما يخاطب به العقلاء. ثم فصل - سبحانه - بديع صنعه فى خلق ~~السموات فقال { فقضاهن سبع سماوات في يومين... } أى ~~ففرغ من خلقهن وتسويتهن على أبدع صورة وأحكم صنع فى مقدار يومين. والضمير ~~فى قوله { فقضاهن } إما راجع إلى السماء على المعنى لأنها سبع ~~سموات، وإما مبهم يفسره ما بعده وهو سبع سموات. وقوله { وأوحى في ~~كل سمآء أمرها } أى وأوحى فى كل منها ما أراده وما أمر به، ~~وخلق فيها ما اقتضته حكمته من الملائكة ومن خلق لا يعلمه إلا هو - سبحانه ~~-. وقوله { وزينا السمآء الدنيا بمصابيح وحفظا } ~~أى وزينا السماء الدنيا أى القريبة منكم - بكواكب مضيئة، وحفظناها حفظا ~~عظيما من الاختلال والاضطراب والسقوط { ذلك } الذى ذكرناه لكم من خلق ~~السموات والأرض، وخلق ما فيهما. { تقدير العزيز العليم } أى ~~تقدير الله - القاهر - لكل شئ. والعليم بما ظهر وبما بطن فى هذا الكون. ~~وقد أخذ العلماء من هذه الآيات الكريمة أن خلق الأرض ms4504 وما عليها من جبال ~~ومن أقوات للعباد قد تم فى أربعة أيام، وأن خلق السموات كان فى يومين ~~فيكون مجموع الأيام التى خلق الله - تعالى - فيها السموات والأرض وما ~~بينهما ستة أيام. # وقد جاء ذلك فى آيات متعددة، منها قوله - تعالى - # إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام # وقوله - سبحانه - # ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام وما مسنا من لغوب... # كما أخذ العلماء منها - أيضا - أن خلق الأرض متقدم على خلق السموات ~~بدليل قوله - تعالى - بعد حديثه عن خلق الأرض، ثم استوى إلى السماء وهى ~~دخان. وبدليل قوله - تعالى - فى آية أخرى # هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى ~~إلى السمآء فسواهن سبع سماوات # وعلى هذا الرأى سار جمهور العلماء، وردوا على من قال بأن خلق السموات ~~متقدم على خلق الأرض، لأن الله - تعالى يقول فى سورة النازعات # أأنتم أشد خلقا أم السمآء بناها. رفع سمكها ~~فسواها. وأغطش ليلها وأخرج ضحاها. والأرض ~~بعد ذلك دحاها # أى بسطها. ردوا عليهم بما روى عن ابن عباس من أنه سئل عن الجمع بين ~~الآيات التى معنا، وبين آيات سورة النازعات فقال إنه - تعالى - خلق الأرض ~~أولا غير مدحوة ثم خلق السماء، ثم دحا الأرض بعد ذلك، وجعل فيها الرواسى ~~والأنهار وغيرهما. أى أن أصل خلق الأرض كان قبل خلق السماء، ودحوها ~~بجبالها وأشجارها كان بعد خلق السماء، وردوا عليهم - أيضا - بأن لفظ " ~~بعد " فى قوله - تعالى - # والأرض بعد ذلك دحاها # بمعنى مع أى والأرض مع ذلك بسطها ومهدها لسكنى أهلها فيها. وردوا عليهم ~~- أيضا - بأنه - تعالى - لما خلق الأرض غير مدحوة، وهى أهل لكل ما فيها ~~كان كل ما فيها كأنه قد خلق بالفعل لوجود أصله فيها. قال بعض العلماء ~~والدليل من القرآن على أن وجود الأصل يمكن به إطلاق الخلق على الفرع، - ~~وإن لم يكن موجودا بالفعل - قوله - تعالى - # ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم... # فقوله # خلقناكم ثم صورناكم # أى ms4505 بخلقنا وتصويرنا لأبيكم آدم الذى هو أصلكم. كما أخذ منها العلماء أن ~~وجود هذا الكون، بتلك الصورة البديعة، المتمثلة فى هذه الأرض وما أقلت. ~~وفى هذه السموات وما أظلت.. من أكبر الأدلة التى تحمل العقلاء على إخلاص ~~العبادة لله الواحد القهار. وبعد هذا الحديث المتنوع عن مظاهر قدرة الله ~~فى هذا الكون، انتقلت السورة إلى تهديد المشركين، وإنذارهم بأن عاقبتهم ~~ستكون كعاقبة الظالمين الذين سبقوهم، فقال - تعالى - { فإن ~~أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة... }. ### || [41.13-18] # ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات والتى قبلها روايات تتعلق بما بين ~~النبى صلى الله عليه وسلم وبين بعض المشركين، منها ما ذكره محمد بن كعب ~~القرظى قال # " حدثت أن عتبة بن ربيعة قال يوما لقريش - ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم جالس في المسجد وحده يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه، وأعرض ~~عليه أمورا لعله يقبل بعضها. فقالوا بلى يا أبا الوليد، فقم إليه فكلمه. ~~فقام إليه عتبة فقال " يا محمد، يابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من السلطة ~~- أي من الشرف - في العشيرة وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به ~~جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتم ودينهم، وكفرت به من مضى من ~~آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل بعضها. ثم قال ~~إن كنت - يا بن أخي - تريد مالا أعطيناك من المال حتى تكون أكثرنا ~~مالا، وإن كنت تريد ملكا جعلناك ملكا علينا.. وإن كان الذي يأتيك ~~رئيا تراه - أي ترى بعض الجن - طلبنا لك الطب حتى تبرأ. فلما فرغ عتبة ~~قال صلى الله عليه وسلم " أفرغت يا أبا الوليد؟ " قال نعم. قال " فاسمع ~~مني " قال أفعل فتلا عليه النبي صلى الله عليه وسلم من أول سورة " فصلت ~~". # - وفى رواية أنه لما بلغ قوله - تعالى - { فإن أعرضوا فقل ~~أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود.. } قال له ~~عتبة حسبك ما عندك غير هذا. ثم عاد عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض لقد ~~جاءكم عتبة بوجه غير الذى ذهب ms4506 به، فلما جلس إليهم قالوا له ماوراءك يا ~~أبا الوليد؟ فقال لقد سمعت من محمد صلى الله عليه وسلم قولا ما سمعت مثله ~~قط، والله ما هو بالسحر، ولا بالشعر، ولا بالكهانة. يا معشر قريش، ~~أطيعونى واجعلوها لى، خلوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ~~ليكونن لقوله الذى سمعت نبأ. فقالوا لقد سحرك محمد صلى الله عليه وسلم ~~فقال " هذا رأيى فيه فاصنعوا ما بدا لكم " فقوله - تعالى - { فإن ~~أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد ~~وثمود } تهديد لهؤلاء المشركين، بعد أن وضح الحق لهم فى أكمل صورة.. ~~والصاعقة - كما يقول ابن جرير - كل أمر هائل رآه الرائى أو عاينه أو ~~أصابه، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل، يكون ~~مصعوقا.. والمراد بها هنا العذاب الشديد الذى أنزله الله - تعالى - على ~~قوم عاد وثمود فصعقهم وأهلكهم. # والمعنى قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين لقد أقمت لكم الأدلة ~~الناصعة على وحدانية الله - تعالى - وعلى عظيم قدرته، وعلى أنى رسول من ~~عنده، وصادق فيما أبلغه عنه. { فإن أعرضوا } عن دعوتك، ولجوا فى ~~طغيانهم، واستمروا فى كفرهم وعنادهم. { فقل } لهم على سبيل التحذير ~~لقد { أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود }. وخص ~~- سبحانه - عادا وثمود بالذكر، لأن مشركى قريش يعرفون ما جرى لهؤلاء ~~الظالمين. إذ قوم عاد كانوا بالأحقاف - أى بالمكان المرتفع الكثير الرمال ~~- فى جنوب الجزيرة العربية ورسولهم هو هود - عليه السلام -. وأما ثمود ~~فهم قوم صالح - عليه السلام -، ومساكنهم كانت بشمال الجزيرة العربية، ~~ومازالت آثارهم باقية، وأهل مكة كانوا يمرون عليها فى طريقهم إلى بلاد ~~الشام للتجارة. والضمير فى قوله - تعالى - { إذ جآءتهم الرسل ~~من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا ~~الله... } يعود إلى قوم عاد وثمود. والمراد بالرسل هود وصالح - عليهما ~~السلام - من باب إطلاق الجمع على الاثنين، أو من باب إدخال من آمن بهما ~~معهما فى المجئ إلى هؤلاء الأقوام لدعوتهم إلى عبادة الله وحده. وقوله { ~~إذ جآءتهم الرسل... } حال من قوله { صاعقة ms4507 عاد ~~وثمود } وقوله { من بين أيديهم ومن خلفهم } متعلق ~~بجاءتهم. والمراد بالجملة الكريمة أن الرسل بذلوا كل جهدهم فى إرشاد قوم ~~عاد وثمود إلى الحق ولم يتركوا وسيلة إلا اتبعوها معهم وبينوا لهم ~~بأساليب متعددة حسن عاقبة المؤمنين وسوء عاقبة الكافرين. وقوله { ألا ~~تعبدوا إلا الله } بيان لما نصح به الرسل أقوامهم و " أن " ~~يصح أن تكون مصدرية، أى بأن لا تعبدوا إلا الله، ويصح أن تكون مخففة من ~~الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف. أو تفسيرية لأن مجئ الرسل يتضمن قولا. ~~أى جاء الرسل إلى قوم عاد وثمود بكل دليل واضح على وجوب إخلاص العبادة ~~لله، ولم يتركوا وسيلة إلا اتبعوها معهم، وقالوا لهم اجعلوا عبادتكم لله ~~- تعالى - وحده. قال صاحب الكشاف ما ملخصه قوله { إذ جآءتهم ~~الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم... } أى أتوهم من كل ~~جانب، واجتهدوا بهم، واعملوا فيهم كل حيلة، فلم يروا منهم إلا العتو ~~والإعراض، كما حكى الله - تعالى - عن الشيطان أنه قال # ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم... # يعنى لآتينهم من كل جهة، ولأعملن فيهم كل حيلة. وعن الحسن أنذروهم بعذاب ~~الله الدنيوى والأخروى. وقيل معناه إذ جاءتهم الرسل من قبلهم ومن بعدهم، ~~بمعنى أن هودا وصالحا قد أمروهم بالإيمان بهما وبجميع الرسل الذين من ~~قبلهم والذين من بعدهم، فكأن الرسل جميعا قد جاءهم. وقوله - تعالى - { ~~قالوا لو شآء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بمآ ~~أرسلتم به كافرون } حكاية للرد السيئ الذى رد به قوم عاد ~~وثمود على رسلهم. # ومفعول المشيئة محذوف أى قال هؤلاء الكافرون لرسلهم على سبيل التكذيب ~~لهم، والتهكم بهم. أنتم لستم رسلا، ولو شاء الله - تعالى - أن يرسل إلينا ~~رسلا لأرسل ملائكة، وما دام الأمر كذلك فإنا بما أرسلتم به - أيها الرسل ~~- كافرون، وإلى ما تدعونا إليه مكذبون. والسبب الذى حمل هؤلاء الجاهلين ~~على هذا القول زعمهم أن الرسل لا يكونون من البشر، مع أن كل عقل سليم ~~يؤيد أن الرسول لا يكون إلا من البشر كما قال - تعالى - # ومآ ms4508 أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين ~~لهم... # ثم فصل - سبحانه - بعد ذلك حال كل فريق منهم، وبين ما نزل به من عذاب ~~مهين فقال { فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير ~~الحق وقالوا من أشد منا قوة... }. أى هذا هو قولهم ~~على سبيل الإجمال لرسلهم، وإليك جانبا من حال قوم عاد، ومن أقوالهم ~~الباطلة. إنهم قد استكبروا فى الأرض بغير الحق. واغتروا بما بين أيديهم ~~من نعم، وقالوا على سبيل التباهى والتفاخر والتكبر من أشد منا قوة. وقيد ~~استكبارهم فى الأرض بأنه بغير الحق. لبيان واقعهم، حيث كانوا كما وصفهم ~~الله - تعالى - فى آيات أخرى متجبرين متعالين على غيرهم، ومن ذلك قوله - ~~تعالى # أتبنون بكل ريع آية تعبثون. وتتخذون مصانع ~~لعلكم تخلدون. وإذا بطشتم بطشتم جبارين # الاستفهام فى قوله - تعالى - الذى حكاه عنهم { من أشد منا ~~قوة } للإنكار والنفى. أى لا أحد أقوى منا، فنحن فى استطاعتنا أن ~~ندفع كل عذاب ينزل بنا، وهذا هو الشعور الكاذب الذى يشعر به الطغاة ~~الجاهلون فى كل زمان ومكان. وقد رد الله - تعالى - عليهم وعلى أمثالهم ~~ردا منطقيا حكيما يخرس ألسنتهم فقال { أولم يروا أن الله ~~الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا ~~بآياتنا يجحدون }. أى أعموا وصموا عن الحق، ولم يعلموا أن الله ~~- تعالى - الذى أوجدهم من العدم، هو - سبحانه - أشد منهم قوة وبأسا. إنهم ~~لغرورهم وجهالاتهم نسوا كل ذلك، وكانوا بآياتنا الدالة على قدرتنا ~~ووحدانيتنا يجحدون، ويعاندون وينكرون الحق الذى جاءتهم به رسلهم. ثم حكى ~~- سبحانه - ما نزل بهم من عذاب بسبب إصرارهم على كفرهم، وبسبب غرورهم ~~وبطرهم فقال { فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام ~~نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة ~~الدنيا... }. ولفظ " صرصرا " من الصر - بفتح الصاد - وهو شدة الحر، ~~أى من الصر - بكسر الصاد - وهو شدة البرد الذى يقبض البدن، أو من الصرة ~~التى هى الصيحة المزعجة، ومنه قوله - تعالى - # فأقبلت امرأته في صرة... # أى فى صيحة. ولا مانع من أن تكون هذه الريح التى أرسلها الله - تعالى - ~~عليهم، ms4509 قد اجتمع فيها الصوت الشديد المزعج، والبرد الشديد القاتل. وقوله ~~{ نحسات } جمع نحسة - بفتح النون وكسر الحاء - صفة مشبهة من نحس - ~~كفرح وكرم - ضد سعد. أى فأرسلنا على قوم عاد ريحا شديدة الهبوب والصوت، ~~وشديدة البرودة أو الحرارة فى أيام نحسات أو مشئومات نكدات عليهم بسبب ~~إصرارهم على كفرهم وفعلنا ذلك معهم لنذيقهم العذاب المخزى لهم فى الحياة ~~الدنيا. { ولعذاب الآخرة أخزى } أى أشد خزيا وإهانة لهم من ~~عذاب الدنيا. { وهم لا ينصرون } أى وهم لا يجدون أحدا يدفع عنهم ~~هذا العذاب بحال من الأحوال. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك، حال ثمود وما ~~نزل بهم من عذاب فقالك { وأما ثمود فهديناهم... } أى وأما ~~قوم ثمود الذين أرسلنا إليهم نبينا صالحا، فبينا لهم عن طريقه سبيل ~~الرشاد وسبيل الغى، فالمراد بالهداية هنا البيان والإرشاد والدلالة على ~~الخير. { فاستحبوا العمى على الهدى } أى فاختاروا الكفر ~~على الإيمان، وآثروا الغى على الرشد. فالمراد بالعمى هنا الكفر والضلال، ~~والمراد بالهداية الإيمان والطاعة. { فأخذتهم صاعقة ~~العذاب الهون بما كانوا يكسبون } أى فكانت نتيجة ~~إيثارهم الكفر على الإيمان وتصميمهم على ذلك.. أن أنزلنا عليهم الصاعقة ~~التى أهلكتهم، والعذاب المبين الذى أبادهم، بسبب ما اكتسبوه من ذنوب ~~وقبائح. وقد حكى - سبحانه - ما أنزله بعاد وثمود من عذاب فى آيات كثيرة، ~~منها قوله - تعالى - # كذبت ثمود وعاد بالقارعة. فأما ثمود ~~فأهلكوا بالطاغية. وأما عاد فأهلكوا بريح ~~صرصر عاتية. سخرها عليهم سبع ليال وثمانية ~~أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم ~~أعجاز نخل خاوية # وقد ذكر بعضهم أن الأيام النحسات التى نزل فيها العذاب على قوم عاد، ~~كانت فى أواخر شهر شوال، وأن أولها كان فى يوم الأربعاء، وآخرها - أيضا - ~~كان فى يوم الأربعاء، ولذا صار بعض الناس يتشاءم من هذا اليوم. والحق أن ~~ما ذكروه فى هذا الشأن لا دليل عليه، ولا يلتفت إليه، وأن ما أصاب هؤلاء ~~إنما كان بشؤم كفرهم ومعاصيهم. قال بعض العلماء بعد أن ذكر بعض الآثار ~~التى ذكروها فى أن يوم الأربعاء يوم ms4510 نحس " فهذه الروايات وأمثالها لا تدل ~~على شؤم يوم الأربعاء على من لم يكفر بالله ولم يعصه، لأن أغلبها ضعيف، ~~وما صح معناه منها فالمراد ينحسه شؤمه على أولئك الكفرة العصاة الذين ~~أهلكهم الله فيه بسبب كفرهم ومعاصيهم ". ثم بين - سبحانه - فضله على ~~المؤمنين، ورحمته بهم فقال { ونجينا الذين آمنوا... } أى ~~ونجينا الذين آمنوا من عذاب الدنيا ومن عذاب الآخرة. { وكانوا ~~يتقون } أى يتقون الله - تعالى - ويصونون أنفسهم عن كل ما لا يرضيه. ~~ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من أحوال الظالمين يوم القيامة، يوم ~~تشهد عليهم أسماعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون، يوم يعلمون أن ما ~~جاءهم به رسلهم حق لا ريب فيه، فقال - تعالى - { ويوم يحشر ~~أعدآء... }. ### || [41.19-24] # والظرف فى قوله { ويوم يحشر أعدآء الله إلى النار ~~فهم يوزعون } متعلق بمحذوف تقديره اذكر. وقوله { يوزعون } من ~~الوزع وأصله الكف، تقول وزع فلان فلانا عن الشئ، أى كفه ومنعه عنه. ومنه ~~قول الشاعر # ولن يزع النفس اللجوج عن الهوى من الناس، إلا وافر العقل كامله # والمراد هنا أن يكف أولهم ويمنع عن التحرك حتى يرد آخرهم فيلحق بأولهم، ~~بحيث يجتمعون جميعا للحساب ثم يدعون إلى نار جهنم. والمعنى واذكر - أيها ~~العاقل - يوم يحشر أعداء الله جميعا إلى النار، بعد أن حوسبوا على ~~أعمالهم السيئة { فهم يوزعون } أى فهم يحبسون فى هذا اليوم العصيب ~~حتى يلحق آخرهم بأولهم، ويكفون جميعا عن الحركة حتى يقضى الله - تعالى - ~~بقضائه العادل فيهم. والتعبير بقوله { أعدآء الله } يدل على ذمهم، ~~وعلى أن ما أبهم من عذاب مهين. إنما هو بسبب عداوتهم لله - تعالى - ~~ولرسله - صلوات الله عليهم -، حيث أعرضوا عن الحق الذى جاءهم به الرسل من ~~عند ربهم. والتعبير بقوله { يوزعون } يشعر بأنهم يحبسون ويمنعون عن ~~الحركة بغلظة وزجر. ثم بين - سبحانه - أحوالهم عندما يعرضون على النار ~~فقال { حتى إذا ما جآءوها شهد عليهم سمعهم ~~وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون }. والمراد ~~بشهادة هذه الأعضاء عليهم أنها تنطق - بإذن الله - تعالى - وتخبر بما ~~اجترحوه من ms4511 سيئات، وبما فعلوه من قبائح. قال صاحب الكشاف ما ملخصه " فإن ~~قلت " ما " فى قوله { حتى إذا ما جآءوها } ما هى؟ قلت مزيدة ~~للتأكيد، ومعنى التأكيد فيها أن وقت مجيئهم النار لا محالة أن يكون وقت ~~الشهادة عليهم، ولا وجه لأن يخلو منها... فإن قلت كيف تشهد عليهم أعضاؤهم ~~وكيف تنطق؟ قلت الله - عز وجل - ينطقها... بأن يخلق فيها كلاما.. وشهادة ~~الجلود بالملامسة للحرام، وما أشبه ذلك مما يفضى إليها من المحرمات. وقيل ~~المراد بالجلود الجوارح - وقيل هو كناية عن الفروج.. ثم حكى - سبحانه - ~~ما يقوله هؤلاء الكافرون لجوارحهم على سبيل التوبيخ والتعجيب فقال { ~~وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا.. } أى وقال هؤلاء ~~الكافرون لجلودهم التى تشمل جميع جوارحهم بتعجب وذهول لماذا شهدتم علينا ~~مع أننا ما دافعنا إلا عنكم، لكى ننقذكم من النار؟ وهنا ترد عليهم جوارهم ~~بقولها - كما حكى سبحانه عنها - { قالوا أنطقنا الله الذي ~~أنطق كل شيء... } أى قالوا فى الرد عليهم أنطقنا الله - تعالى ~~- الذى أنطق كل شئ بقدرته التى لا يعجزها شئ { وهو } - سبحانه - الذى { ~~خلقكم أول مرة } ولم تكونوا شيئا مذكورا. { وإليه } ~~وحده { ترجعون } فيحاسبكم على أعمالكم، ويحكم فيكم بحكمه العادل. # وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية عددا من الأحاديث، منها ~~ما جاء عن أنس ابن مالك - رضى الله عنه - قال # " ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وتبسم فقال " ألا تسألون عن ~~أي شئ ضحكت "؟ قالوا يا رسول الله، من أي شئ ضحكت؟ قال " عجبت من مجادلة ~~العبد ربه يوم القيامة، يقول أي ربي، أليس قد وعدتنى أن لا تظلمني؟ قال ~~بلى. فيقول فإني لا أقبل علي شاهدا إلا من نفسي. فيقول الله - تعالى - ~~أو ليس كفى بي شهيدا. وبالملائكة الكرام الكاتبين؟ قال فيردد هذا الكلام ~~مرارا قال فيختم على فيه، وتتكلم أركانه بما كان يعمل. فيقول بعدا لكن ~~وسحقا، فعنكن كنت أجادل ". # وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # اليوم نختم على أفواههم وتكلمنآ أيديهم ~~وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ms4512 # ثم حكى - سبحانه - ما يقال لهؤلاء الكافرين يوم القيامة من جهته - تعالى ~~- أو من جهة جوارحهم التى شهدت عليهم فقال - تعالى - { وما كنتم ~~تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ~~ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم ~~كثيرا مما تعملون }. وقوله { تستترون } من الاستتار ~~بمعنى الاستخفاء، " وما " نافية. وقوله { أن يشهد عليكم... } ~~فى موضع نصب على نزع الخافض أى من أن يشهد عليكم.. أو مفعول لأجله. أى ~~مخافة أو خشية أن يشهد عليكم سمعكم. والمعنى أن جوارحهم تقول لهم يوم ~~القيامة على سبيل التبكيت أنتم - أيها الكافرون - لم تكونوا فى الدنيا ~~تخفون أعمالكم السيئة، خوفا من أن نشهد عليكم ولكنكم كنتم تخفونها. ~~لاعتقادكم أن الله - تعالى - لا يعلم ما تخفونه من أعمالكم، ولكنه يعلم ~~ما تظهرونه منها. وما حملكم على هذا الاعتقاد الباطل إلا جهلكم بصفات ~~الله - تعالى - وكفركم باليوم الآخر وما فيه من حساب وجزاء، واستبعادكم ~~أننا سنشهد عليكم. قال القرطبى قوله - تعالى - { وما كنتم ~~تستترون أن يشهد عليكم سمعكم... } يجوز أن يكون هذا ~~من قول الجوارح لهم، ويجوز أن يكون من قول الله - تعالى - لهم، أو ~~الملائكة. وفى صحيح مسلم عن ابن مسعود قال اجتمع عند البيت ثلاثة نفر، ~~قرشيان وثقفى، - أى شخص من قبيلة ثقيف - أو ثقفيان وقرشى، قليل فقه ~~قلوبهم، كثير شحم بطونهم. فقال أحدهم أترون الله - تعالى - يسمع ما نقول ~~فقال الآخر يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا. فأنزل الله - عز وجل - { ~~وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم }. ~~فالآية الكريمة تنعى على المشركين جهالاتهم الفاضحة، حيث ظنوا أن الله - ~~تعالى - لا يعلم الكثير من أعمالهم، وتنبه المؤمنين إلى أن من الواجب ~~عليهم أن يعلموا أن الله - تعالى - معهم، ولا يخفى عليه شئ من أقوالهم أو ~~أفعالهم، وأنه - سبحانه - يعلم السر، وأخفى ورحم الله من قال # إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل خلوت. ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن ~~الله يغفل ساعة ولا أن ما يخفى عليك، يغيب # ثم بين - سبحانه - سوء ms4513 عاقبة ظن هؤلاء الكافرين الجاهلين فقال { ~~وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم }. و { ~~ذلكم } اسم إشارة يعود إلى ظنهم السابق، وهو مبتدأ، وقوله { أرداكم ~~} خبره. أى وذلكم الظن الذى ظننتموه بربكم، وهو أنه - سبحانه - لا يعلم ~~كثيرا مما تعملونه سرا، هذا الظن { أرداكم } أى أهلككم، يقال ردى ~~فلان - كصدى - إذا هلك { فأصبحتم } أيها الكافرون من الخاسرين لكل ~~شئ فى دنياكم. { فإن يصبروا } عن العذاب { فالنار مثوى ~~لهم } أى فالنار هى المكان المعد لثوائهم فيه، ولبقائهم به بقاء ~~أبديا. يقال ثوى فلان بالمكان إذا أقام به إقامة دائمة.؟ { وإن ~~يستعتبوا فما هم من المعتبين } أى وإن يطلبوا الرضا ~~عنهم، فما هم من المرضى عنهم، وإنما هم من المغضوب عليهم، أو وإن يطلبوا ~~منا الرجوع إلى ما يرضينا بأن نعيدهم إلى الدنيا، فما هم من المجابين إلى ~~ذلك. قال القرطبى وأصل الكلمة من العتب - بفتح العين وسكون التاء - وهى ~~الموجدة، يقال عتب عليه يعتب - كضرب يضرب - إذا وجد عليه. فإذا ~~فاوضه فيما عتب عليه فيه، قيل عاتبه، فإذا رجع إلى مسرتك فقد أعتب. ~~والاسم العتبى، وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرى العاتب قال الشاعر # فإن أك مظلوما فعبدا ظلمته وإن تك ذا عتبى فمثلك يعتب # وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة، قد بينت الأحوال السيئة التى يكون عليها ~~الكافرون يوم القيامة، والمجادلات التى تدور بينهم وبين جوارحهم فى هذا ~~اليوم العسير عليهم. ثم بين - سبحانه - جانبا من الأسباب التى أوقعتهم فى ~~هذا المصير الأليم، ومن الأقوال السيئة التى كانوا يتواصون بها فيما ~~بينهم، وعن عاقبة هذا التواصى الأثيم فقال - تعالى - { وقيضنا ~~لهم قرنآء فزينوا لهم ما بين... }. ### || [41.25-29] # قال الجمل ما ملخصه قوله { وقيضنا... } أى سببنا وهيأنا وبعثنا ~~لهم قرناء يلازمونهم ويستولون عليهم استيلاء القيض على البيض. والقيضص ~~قشر البيض.. والتقييض - أيضا - التيسير والتهيئة، تقول قيضت لفلان الشئ، ~~أى هيأته ويسرته له.. والقرناء جمع قرين، وهو الصديق الملازم للشخص الذى ~~لا يكاد يفارقه، وله تأثير عليه والمراد بما بين أيديهم شهوات الدنيا ms4514 ~~وسيئاتها. والمراد بما خلفهم ما يتعلق بالآخرة من بعث وحساب وثواب وعقاب. ~~والمعنى إن حكمتنا قد اقتضت أن نهيئ ونسبب لهؤلاء المشركين قرناء سوء، ~~هؤلاء القرناء يزينون لهم القبيح من أعمال الدنيا التى يعيشون فيها، كما ~~يزينون لهم إنكار ما يتعلق بما خلفهم من أمور الآخرة، كتكذيبهم بالبعث ~~والحساب والجزاء. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا ~~فهو له قرين. وإنهم ليصدونهم عن السبيل ~~ويحسبون أنهم مهتدون # وقوله - تعالى - { وحق عليهم القول في أمم قد ~~خلت من قبلهم من الجن والإنس... } بيان لما ترتب على ~~استجابتهم لقرناء السوء، وانقيادهم لهم انقياد التابع للمتبوع. أى وثبت ~~عليهم القول الذى قاله - سبحانه - لإبليس، وتحقق مقتضاه وهو قوله - تعالى ~~- # لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين # وقوله { في أمم } فى محل نصب على الحال من الضمير فى { عليهم ~~} أى وثبت عليهم العذاب. حالة كونهم داخلين فى جملة أمم كافرة جاحدة، قد ~~مضت من قبلهم، وهذه الأمم منها ما هو من الجن، ومنها ما هو من الإنس. ~~وجملة { إنهم كانوا خاسرين } تعليل لاستحقاقهم العذاب. ~~والضمير لكفار قريش ولغيرهم من الأمم السابقة التى هلكت على الكفر. ثم ~~حكى - سبحانه - ما تواصى به المشركون فيما بينهم فقال { وقال ~~الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا ~~فيه لعلكم تغلبون }. وقوله { والغوا فيه } من اللغو، ~~وهو الكلام الساقط الذى لا فائدة فيه يقال لغا فلان فى كلامه يلغو، إذا ~~نطق بكلام ساقط لا خير فيه. ويبدو أن هذا الكلام قد قاله الزعماء من كفار ~~مكة لأتباعهم، فقد ورد عن ابن عباس أنه قال قال أبو جهل - لأتباعه - إذا ~~قرأ محمد فصيحوا فى وجهه، حتى لا يدري ما يقول. أى وقال زعماء الكفر ~~لأتباعهم لا تسمعوا لهذا القرآن الذى يقرأه محمد صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه، ولا تنصتوا إليه، بل ابتعدوا عن قارئيه، والغوا فيه أى وأظهروا ~~عند قراءته أصواتكم باللغو من القول، كالتشويش على القارئ، والتخليط عليه ~~فى قراءته بالتصفيق وبرفع الصوت ms4515 بالخرافات والهذيان.. { لعلكم ~~تغلبون } أى لعلكم بعملكم هذا تتغلبون على المسلمين، وتجعلونهم ~~ينصرفون عن قراءة القرآن. # ولا شك أن قولهم هذا دليل واضح على خوفهم من تأثير القرآن فى القلوب، ~~هذا التأثير الذى حمل كثيرا منهم عند سماعه على الدخول فى الإسلام ونبذ ~~الكفر والكافرين. كما يدل على أنهم لعجزهم عن معارضته، وعن الإتيان ~~بسورة من مثله، لجأوا إلى تلك الأساليب السخيفة، لصرف الناس عن سماع ~~القرآن الكريم. وقد رد - سبحانه - على فعلهم هذا بما يناسبه من تهديد ~~فقال { فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ~~ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون }. أى فوالله ~~لنجعلن الذين كفروا بهذا القرآن والذين شوشوا على قارئيه بالصياح ~~والاستهزاء، لنجعلنهم يذوقون العذاب الذى يهينهم، ويحسون به إحساسا ~~أليما. ولنجزينهم فى الآخرة الجزاء المناسب لقبح أعمالهم التى عملوها فى ~~الدنيا. قال الآلوسى قوله - تعالى - { ولنجزينهم أسوأ ~~الذي كانوا يعملون } أى جزاء سيئات أعمالهم التى هى فى أنفسها ~~أسوأ، فأفعل للزيادة المطلقة وقيل إنه - سبحانه - لا يجازيهم بمحاسن ~~أعمالهم كإغاثة الملهوف، وصلة الأرحام وإكرام الضيف.. لأن هذه الأعمال قد ~~حبطت بسبب كفرهم.. وقال الجمل فى حاشيته وفى هذا تعريض بمن لا يكون عند ~~سماعه لكلام الله خاضعا خاشعا متفكرا متدبرا. وتهديد ووعيد شديد لمن يصدر ~~عنه عند سماعه ما يشوش على القارئ ويخلط عليه القراءة، فانظر إلى عظمة ~~القرآن المجيد، وتأمل فى هذا التغليظ والتشديد، واشهد لمن عظمه وأجل ~~قدره، وألقى إليه السمع وهو شهيد، بالفوز العظيم. واسم الإشارة فى قوله ~~- تعالى - { ذلك جزآء أعدآء الله... } يعود إلى ما تقدم من ~~العذاب الشديد المعد لهؤلاء الكافرين، وهو مبتدأ، وجملة { جزآء ~~أعدآء الله } خبره وقوله { النار } بدل أو عطف بيان. أى ذلك ~~العذاب الشديد الذى نذيقه للكافرين جزاء عادل لأعداء الله، وهذا العذاب ~~الشديد يتمثل فى النار التى أعدها - سبحانه - لهم. وجملة { لهم فيها ~~دار الخلد } مؤكدة لما قبلها. أى لهم فى تلك النار الإقامة الدائة ~~الباقية المستمرة، فهى بمثابة الدار المهيأة لسكنهم الدائم. وقوله - ~~سبحانه - { جزآء بما كانوا بآياتنا ms4516 يجحدون } بيان لحكم ~~الله العادل فيهم. أى نجازيهم جزاء أليما بسبب جحودهم لآياتنا الدالة على ~~وحدانيتنا وعلى صدق رسلنا. ثم صور - سبحانه - أحوالهم وهم يتقلبون فى ~~النار وحكى بعض أقوالهم التى يقولونها وهم فى ذلك العذاب الأليم فقال { ~~وقال الذين كفروا } على من أضلوهم. { ربنآ أرنا ~~الذين أضلانا من الجن والإنس... } أى قالوا يا ربنا ~~أطلعنا على الفريقين اللذين زينوا لنا الكفر والفسوق والعصيان من أفراد ~~الجن والإنس { نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من ~~الأسفلين } أى أرنا إياهم لننتقم منهم، بأن ندوسهما بأقدامنا ~~احتقارا لهم، وغضبا عليهم، ليكونا بذلك فى أسفل مكان من النار، وفى أحقره ~~وأكثرهم سعيرا. وهكذا تتحول الصداقة التى كانت بين الزعماء والأتباع فى ~~الدنيا، إلى عداوة تجعل كل فريق يحتقر صاحبه، ويتمنى له أسوأ العذاب. ~~وكعادة القرآن فى المقارنة بين عاقبة الأشرار وعاقبة الأخيار، جاء الحديث ~~عن حسن عاقبة المؤمنين، بعد الحديث عن سوء مصير الكافرين، فقال - تعالى - ~~{ إن الذين قالوا ربنا... }. ### || [41.30-36] # والمعنى إن الذين قالوا بكل صدق وإخلاص ربنا الله - تعالى - وحده، لا ~~شريك له لا فى ذاته ولا فى صفاته. { ثم استقاموا } أى ثم ثبتوا ~~على هذا القول، وعملوا بما يقتضيه هذا القول من طاعة الله - تعالى - فى ~~المنشط والمكره، وفى العسر واليسر، ومن اقتداء برسوله صلى الله عليه وسلم ~~فى كل أحواله. قال صاحب الكشاف و { ثم } لتراخى الاستقامة عن الإقرار فى ~~المرتبة وفضلها عليه. لأن الاستقامة لها الشأن كله. ونحوه قوله - تعالى - # إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ~~ثم لم يرتابوا # والمعنى ثم ثبتوا على الإقرار ومقتضياته. ولقد بين لنا النبى صلى الله ~~عليه وسلم أن الاستقامة على أمر الله جماع الخيرات، ففى صحيح مسلم عن ~~سفيان بن عبد الله الثقفى قال # " قلت يا رسول الله " قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك " ~~قال " قل آمنت بالله ثم استقم.. " # وقوله - تعالى - { تتنزل عليهم الملائكة ألا ~~تخافوا ولا تحزنوا } بيان للآثار الطيبة التى تترتب على هذا ~~القول المؤيد بالثبات على ms4517 طاعة الله - تعالى - وتنزل الملائكة عليهم بهذه ~~البشارات يشمل ما يكون فى حياتهم عن طريق إلهامهم بما يشرح صدورهم، ~~ويطمئن نفوسهم، كما يشمل تبشيرهم بما يسرهم عند موتهم وعند بعثهم. قال ~~الآلوسى قوله - تعالى - { تتنزل عليهم الملائكة } قال ~~مجاهد عند موتهم وعن زيد بن أسلم عند الموت، وعند القبر، وعند البعث، ~~وقيل معنى { تتنزل عليهم } يمدونهم فيما يعن ويطرأ لهم من ~~الأمور الدينية والدنيوية بما يشرح صدورهم، ويدفع عنهم الخوف والحزن ~~بطريق الإلهام كما أن الكفرة يغريهم ما قيض لهم من قرناء السوء بتزيين ~~القبائح. والخوف غم يلحق النفس لتوقع مكروه فى المستقبل. والحزن غم ~~يلحقها لفوات نفع فى الماضى. أى إن الذين قالوا ربنا الله باعتقاد جازم، ~~ثم استقاموا على طاعته فى جميع الأحوال، تتنزل عليهم من ربهم الملائكة، ~~لتقول لهم فى ساعة احتضارهم وعند مفارقتهم الدنيا، وفى كل حال من أحوالهم ~~لا تخافوا - أيها المؤمنون الصادقون - مما أنتم قادمون عليه فى المستقبل، ~~ولا تحزنوا على ما فارقتموه من أموال أو أولاد. { وأبشروا } عما ~~قريب، بالجنة التى كنتم توعدون بها فى الدنيا. ثم يقولون لهم - أيضا - ~~على سبيل الزيادة فى المسرة { نحن أوليآؤكم في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة }. أى نحن نصراؤكم على الخير، وأعوانكم على ~~الطاعة فى الحياة الدنيا التى توشكون على مفارقتها، وفى الآخرة التى هى ~~الدار الباقية، سنتلقاكم فيها بالتكريم والترحاب. { ولكم فيها } أى ~~فى الدار الآخرة، ما تشتهى أنفسكم، من أنواع الطيبات التى أعدها لكم ~~خالقكم فى جناته. # { ولكم فيها ما تدعون } أى ما تتمنوه وتطلبونه، فقوله { ~~تدعون } افتعال من الدعاء بمعنى الطلب. قوله - تعالى - { نزلا ~~من غفور رحيم } حال من قوله { ما تدعون } ، وأصل النزل ~~ما يقدم للضيف عند نزوله على المضيف من مأكل طيب، ومشرب حسن، ومكان فيه ~~راحته. أى لكم فى الدارالآخرة جميع ما تطلبونه وما تدعونه، حال كون هذا ~~المعطى لكم رزقا وضيافة مهيأة لكم من ربكم الواسع المغفرة والرحمة. ثم ~~سمت السورة الكريمة بعد ذلك بمنازل الذين يقومون بالدعوة إلى الحق ms4518 بحكمة ~~وإخلاص فقال - تعالى - { ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى ~~الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين }. أى. ~~لا أحد أحسن قولا، وأعظم منزلة، ممن دعا غيره إلى طاعة الله - تعالى - ~~وإلى المحافظة على أداء ما كلفه به. ولم يكتف بهذه الدعوة لغيره، بل أتبع ~~ذلك بالعمل الصالح الذى يجعل المدعوين يزدادون استجابة له. { وقال } ~~بعد كل ذلك على سبيل السرور والابتهاج والتحدث بنعمة الله { إنني ~~من المسلمين }. أى من الذين أسلموا وجوههم لله - تعالى - وأخلصوا ~~له القول والعمل. قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية، أى وهو فى نفسه مهتد ~~بما يقوله، فنفعه لنفسه لازم ومتعد، وليس هو من الذين يأمرون بالمعروف ~~ولا يأتونه، وينهون عن المنكر ويأتونه.. وهذه الآية عامة فى كل من دعا ~~إلى خير، وهو فى نفسه مهتد. وقيل المراد بها المؤذنون الصلحاء... والصحيح ~~أن الآية عامة فى المؤذنين وفى غيرهم. ثم أرشد - سبحانه - إلى ما ينمى ~~روح المحبة والمودة.. بين الداعى والمدعوين بصفة خاصة، وبين المسلم وغيره ~~بصفة عامة، فقال { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة }. أى ~~ولا تستوى الخصلة الحسنة ولا الخصلة السيئة، لا فى ذواتهما ولا فى الآثار ~~التى تترتب عليهما، إذا الخصلة الحسنة جميلة فى ذاتها، وعظيمة فى الآثار ~~الطيبة التى تنتج عنها، أما الخصلة السيئة فهى قبيحة فى ذاتها وفى ~~نتائجها. وقوله - تعالى - { ادفع بالتي هي أحسن } إرشاد منه ~~- تعالى - إلى ما يجب أن يتحلى به عباده المؤمنون. أى ما دامت الخصلة ~~الحسنة لا تتساوى مع الخصلة السيئة، فعليك - أيها المسلم - أن تدفع ~~السيئة إذا جاءتك من المسئ، بأحسن ما يمكن دفعها به من الحسنات، بأن ~~تقابل ذنبه بالعفو، وغضبه بالصبر، وقطعه بالصلة وفظاظته بالسماحة. وقوله ~~- سبحانه - { فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ~~ولي حميم } بيان للآثار الجميلة التى تترتب على دفع السيئة ~~بالحسنة. والولى هو الصديق المحب الشفيق عليك، من الولى بمعنى القرب. ~~والحميم يطلق فى الأصل على الماء الحار.. والمراد به هنا الصديق الصدوق ~~معك. # أى أنت إذا دفعت السيئة ms4519 بالحسنة، صار عدوك الذى أساء إليك، كأنه قريب ~~منك، لأن من شأن النفوس الكريمة أنها تحب من أحسن إليها، ومن عفا عنها، ~~ومن قابل شرها بالخير، ومنعها بالعطاء. ولما كانت هذه الأخلاق تحتاج إلى ~~مجاهدة للنفس.. عقب - سبحانه - على هذه التوجيهات السامية بقوله { وما ~~يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاهآ إلا ذو ~~حظ عظيم }. والضمير فى { يلقاها } يعود إلى تلك الخصال ~~الكريمة السابقة، التى على رأسها الدفع بالتى هى أحسن. أى وما يستطيع ~~القيام بتلك الأخلاق العظيمة التى على رأسها الدعوة إلى الله ومقابلة ~~السيئة بالحسنة.. إلا الذين صبروا على المكاره وعلى الأذى. وما يستطيعها ~~- أيضا - إلا صاحب الحظ الوافر، والنصيب الكبير، من توفيق الله - تعالى - ~~له إلى مكارم الأخلاق. والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة يراها قد رسمت ~~للمسلم أحكم الطرق، وأفضل الوسائل، التى ترفع درجته عند - خالقه - تعالى ~~-. ثم أرشد - سبحانه - عباده إلى ما يبعدهم عن كيد الشيطان، فقال { ~~وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ~~إنه هو السميع العليم }. والنزغ والنخس والغرز بمعنى واحد. ~~وهو إدخال الإبرة أو طرف العصا فى الجلد. المراد به هنا وسوسة الشيطان ~~وكيده للإنسان. والمعنى وإن تعرض لك من الشيطان وسوسة تثير غضبك، وتحملك ~~على خلاف ما أمرك الله - تعالى - به... فاستعذ بالله، أى فالتجئ إلى حماه ~~واستجر به من كيد الشيطان { إنه } - سبحانه - هو السميع لدعائك، ~~العليم بكل أحوالك، القادر على دفع كيد الشيطان عنك. فالآية الكريمة ترشد ~~المؤمن إلى العلاج الذى يحميه من وسوسة الشيطان وكيده، ألا وهو الاستعاذة ~~بالله السميع لكل شئ، العليم بكل شئ القادر على كل شئ. وبعد هذه البشارات ~~الكريمة، والتوجيهات الحكيمة للمؤمنين.. ساق - سبحانه - أنواعا من الأدلة ~~الكونية الدالة على وحدانيته وقدرته، فقال - تعالى - { ومن آياته ~~اليل والنهار... }. ### || [41.37-39] # والمراد بالآيات فى قوله - تعالى - { ومن آياته.. } العلامات ~~الدالة دلالة واضحة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته. أى ومن آياته على ~~وحدانيته وقدرته - تعالى - وعلى وجوب إخلاص العبادة له، وجود الليل ~~والنهار والشمس والقمر بتلك الطريقة البديعة، حيث ms4520 إن الجميع يسير بنظام ~~محكم، ويؤدى وظيفته أداء دقيقا. كما قال - تعالى - # لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا اليل ~~سابق النهار وكل في فلك يسبحون # وقوله - تعالى - { لا تسجدوا للشمس ولا للقمر ~~واسجدوا لله الذي خلقهن... } نهى عن السجود لغيره - ~~تعالى - وأمر بالسجود له وحده. أى لا تسجدوا - أيها الناس - للشمس ولا ~~للقمر، لأنهما - كغيرهما - من جملة مخلوقات الله - تعالى -، واجعلوا ~~طاعتكم وعبادتكم لله الذى خلق كل شئ فى هذا الكون، إن كنتم حقا تريدون أن ~~تكون عبادتكم مقبولة عنده - عز وجل -. فالآية الكريمة تقيم الأدلة على ~~وجوب إخلاص العبادة لله - عز وجل - وتنهى عن عبادة غيره - تعالى -. قال ~~الجمل هذا رد على قوم عبدوا الشمس والقمر، وإنما تعرض للأربعة مع أنهم لم ~~يعبدوا الليل والنهار، للإيذان بكمال سقوط الشمس والقمر عن رتبة ~~السجودية لهما، بنظمهما فى المخلوقية فى سلك الأعراض التى لا قيام لها ~~بذاتها، وهذا هو السر فى نظم الكل فى سلك آياته. وإنما عبر عن الأربع ~~بضمير الإناث - مع أن فيها ثلاثة مذكرة، والعادة تغليب المذكر على ~~المؤنث - لأنه لما قال ومن آياته، فنظم الأربعة فى سلك الآيات، صار كل ~~واحد منها آية فعبر عنها بضمير الإناث فى قوله { خلقهن }. ثم بين ~~- سبحانه - أن استكبار الجاهلين عن عبادة الله - تعالى - وحده، لن ينقص ~~من ملكه شيئا فقال { فإن استكبروا فالذين عند ربك ~~يسبحون له باليل والنهار وهم لا يسأمون }. أى ~~فإن تكبر هؤلاء الكافرون عن إخلاص العبادة لله - تعالى - فلا تحزن أيها ~~الرسول الكريم - فإن الذين عند ربك من الملائكة. ينزهونه - تعالى - ~~ويعبدونه عبادة دائمة بالليل والنهار وهم لا يسأمون ولا يملون، ~~لاستلذاذهم لتلك العبادة والطاعة، وخوفهم من مخالفة أمره - عز وجل -. ~~فالآية الكريمة تهون من شأن هؤلاء الكافرين، وتبين أنه - تعالى - فى غنى ~~عنهم وعن عبادتهم لأن عنده من مخلوقاته الكرام من يعبده بالليل والنهار ~~بدون سأم أو كلل. والمراد بالعندية فى قوله - تعالى - { عند ربك } ~~عندية المكانة والتشريف لا عندية المكان. وقوله { فالذين ms4521 عند ~~ربك } تعليل لجواب الشرط المقدر، أى فإن استكبروا فدعهم وشأنهم ~~فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار. # وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا ~~يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون. يسبحون ~~اليل والنهار لا يفترون # ثم بين - سبحانه - آية أخرى من آياته الدالة على وجوب إخلاص العبادة له ~~فقال { ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذآ ~~أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت.. } و { خاشعة } ~~أى، يابسة جدبة، خشعت الأرض، إذا أجدبت لعدم نزول المطر عليها وقوله { ~~اهتزت } أى تحركت بالنبات قبل بروزه منها وبعد ظهوره على سطحها و { ~~وربت } أى انتفخت وعلت، لأن النبات إذا قارب الظهور ترى الأرض، ~~ارتفعت له، ثم تشققت عنه. يقال ربا الشئ إذا زاد وعلا وارتفع، ومنه ~~الربوة للمكان المرتفع من الأرض. أى ومن آياته - تعالى - الدالة على وجوب ~~العبادة له وحده، أنك - أيها العاقل - ترى الأرض يابسة جامدة، فإذا ~~أنزلنا عليها بقدرتنا المطر، تحركت بالنبات، وارتفعت بسببه، ثم تصدعت ~~عنه. وعنى - سبحانه - هنا بقوله { خاشعة } لأن الحديث عن وجوب السجود ~~لله - تعالى - وحده، والحديث عن السجود والطاعة يناسبه الخشوع. وفى سورة ~~الحج قال - سبحانه - # وترى الأرض هامدة.. # لأن الحديث هناك كان عن البعث، وعن إمكانيته، فناسب أن يعبر بالهمود ~~الذى يدل على فقدان الحياة. قال - تعالى - # يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب... # وقوله - تعالى - { إن الذي أحياها لمحى الموتى ~~إنه على كل شيء قدير } بيان لمظاهر قدرته - عز وجل -. أى ~~إن الذى أحياها بنزول المطر عليها، ويخرج النبات منها، لقادر عن أن يحيى ~~الموتى عن طريق البعث والنشور، إنه - سبحانه - على كل شئ قدير. وبعد هذا ~~الحديث عن مظاهر قدرة الله فى هذا الكون، جاءت الآيات بعد ذلك لتهديد ~~الذين يلحدون فى آياته - تعالى - ولتمدح القرآن الكريم، ولتسلى النبى صلى ~~الله عليه وسلم عما لقيه من أعدائه، ولتبين أن من عمل صالحا فثمار عمله ~~لنفسه، ومن عمل سيئا فعلى نفسه وحده يجنى.. قال ms4522 - تعالى - { إن ~~الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينآ ~~أفمن... }. ### || [41.40-46] # وقوله - تعالى - { يلحدون } من الإلحاد وهو الميل عن الاستقامة، ~~والعدول عن الحق. يقال ألحد فلان فى كلامه إذا مال عن الصواب، ومنه اللحد ~~فى القبر، لأنه أميل إلى ناحية منه دون الأخرى. والمعنى إن الذين يميلون ~~عن الحق فى شأن آياتنا بأن يؤولوها تأويلا فاسدا، أو يقابلوها باللغو ~~فيها وعدم التدبر لما اشتملت عليه من توجيهات حكيمة.. هؤلاء الذين يفعلون ~~ذلك { لا يخفون علينآ } أى ليسوا بغائبين عن علمنا، بل هم تحت ~~بصرنا وقدرتنا، وسنجازيهم بما يستحقون من عقاب مهما ألحدوا ومالوا عن ~~الحق والصواب. فالجملة تهديد لهم على تحريفهم الباطل لآيات الله - تعالى ~~-. ثم بين - سبحانه - البون الشاسع بين عاقبة المؤمنين وعاقبة الكافرين، ~~فقال { أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا ~~يوم القيامة }؟ والغرض من هذا الاستفهام بيان أن الذين يلحدون فى ~~آيات الله سيكون مصيرهم الإلقاء فى النار، وأن الذين استجابوا للحق ~~وساروا على طريقه وهم المؤمنون، سيأتون آمنين من الفزع يوم القيامة. قال ~~الآلوسى " وكان الظاهر أن يقابل الإلقاء فى النار بدخول الجنة، لكنه عدل ~~عنه إلى ما فى النظم الجليل، اعتناء بشأن المؤمنين، لأن الأمن من العذاب ~~أعم وأهم، ولذا عبر عن الأول بالإلقاء الدال على القهر والقسر، وعبر عن ~~الثانى بالإتيان الدال على أنه بالاختيار والرضا، مع الأمن ودخول ~~الجنة.. " وقوله - تعالى - { اعملوا ما شئتم إنه بما ~~تعملون بصير } تهديد آخر لهم على إلحادهم. أى اعملوا أيها ~~الملحدون ما شئتم من أعمال قبيحة، فإنها لا تخفى على خالقكم - عز وجل -، ~~لأنه بصير بكم، ومطلع على أفعالكم، وسيجازيكم عليها الجزاء العادل الذى ~~تستحقونه. فالمقصود من الأمر فى قوله - تعالى - { اعملوا } التهديد ~~والوعيد. ثم أضاف - سبحانه - إلى ما سبق تهديدا ثالثا فقال { إن ~~الذين كفروا بالذكر لما جآءهم }. وخبر " إن " هنا ~~محذوف للعلم به مما سبق، أى إن الذين كفروا بالقرآن الكريم حين جاءهم على ~~لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، خاسرون أو ms4523 هالكون أو معذبون عذابا ~~شديدا. { وإنه } أى هذا القرآن الكريم هو الحق الذى جاءهم به صلى الله ~~عليه وسلم، لعل هذا التدبر يوصلهم إلى الهداية والرشاد { لكتاب ~~عزيز } أى لكتاب منيع معصوم بعصمة الله - تعالى - له من كل تحريف أو ~~تبديل. ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى فقال { لا يأتيه الباطل ~~من بين يديه ولا من خلفه } أى لا يستطيع الباطل أن يتطرق ~~إليه من أى جهة من الجهات، لا من جهة لفظه ولا من جهة معناه لأن الله - ~~تعالى - تكفل بحفظه وصيانته، كما قال - تعالى - # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # قال صاحب الكشاف فإن قلت أما طعن فيه الطاعنون وتأوله المبطلون؟ قلت ~~بلى، ولكن الله قد تكفل بحمايته عن تعلق الباطل به، بأن قيض قوما عارضوهم ~~بإبطال تأويلهم، وإفساد أقاويلهم. فلم يخلوا طعن طاعن إلا ممحوقا، ولا ~~قول مبطل إلا مضمحلا. وقوله { تنزيل من حكيم حميد } أى هذا ~~الكتاب منزل من لدن الله الحكيم فى أقواله وأفعاله، المحمود على ما أسدى ~~لعباده من نعم لا تحصى. ثم سلى - سبحانه - نبيه صلى الله عليه وسلم عما ~~أصابه من أعدائه فقال { ما يقال لك إلا ما قد قيل ~~للرسل من قبلك }. أى لا تحزن - أيها الرسول الكريم - من ~~الأقوال الباطلة التى قالها المشركون فى حقك، فإن ما قالوه فى شأنك قد ~~قاله السابقون عليهم فى حق رسلهم. فالآية الكريمة من أبلغ الآيات فى ~~تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم لأنها كانها تقول له، إن ما أصابك من ~~أذى قد أصاب إخوانك، فاصبر كما صبروا. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # كذلك مآ أتى الذين من قبلهم من رسول إلا ~~قالوا ساحر أو مجنون. أتواصوا به بل هم قوم ~~طاغون # ثم علل - سبحانه - هذه التسلية وهذا التوجيه بقوله { إن ربك ~~لذو مغفرة وذو عقاب أليم }. أى ما يقال لك إلا مثل ما قيل ~~لإخوانك من قبلك، وما دام الأمر كذلك. فاصبر كما صبروا، إن ربك الذى ~~تولاك بتربيته ورعايته، لذو مغفرة عظيمة ms4524 لعباده المؤمنين وذو عقاب أليم ~~للكفار المكذبين. ثم رد - سبحانه - على بعض الشبهات التى أثاروها حول ~~القرآن الكريم ردا يخرس ألسنتهم فقال { ولو جعلناه قرآنا ~~أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته ءأعجمي ~~وعربي... }. والأعجمى يطلق على الكلام الذى لا يفهمه العربى، كما ~~يطلق على من لا يحسن النطق بالعربية. وقوله { ءأعجمي وعربي } ~~خبر لمبتدأ محذوف. أى ولو أنزلنا هذا القرآن بلغة العجم كما قالوا هلا ~~أنزل هذا القرآن بلغة العجم. لو فعلنا ذلك - كما أرادوا - لقالوا مرة ~~أخرى على سبيل التعجب فلا فصلت ووضحت آيات هذا الكتاب بلغة نفهمها؟ ثم ~~لأضافوا إلى التعجب والإنكار، تعجبا آخر فقالوا أقرآن أعجمى ورسول عربى؟ ~~ومقصدهم من هذه الشبهة الداحضة، إنما هو إنكار الإيمان به سواء أنزل ~~بلغة العرب أم بلغة العجم. فهم عند نزوله عربيا قالوا من بين ما قالوا لا ~~تسمعوا لهذا القرآن والغو فيه، ولو نزل بلسان أعجمى، لاعترضوا وقالوا هلا ~~نزل بلسان عربى نفهمه. ولو جعلنا بعضه أعجميا وبعضه عربيا لقالوا أقرآن ~~أعجمى ورسول عربى. وهكذا المعاندون الجاحدون لا يقصدون من وراء جدالهم ~~إلا التعنت والسفاهة. # ثم أمر الله - تعالى - رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم بالرد ~~الذى يكبتهم فقال { قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء... } ~~أى قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاحدين هذا القرآن هو للذين آمنوا ~~إيمانا حقا هداية إلى الصراط المستقيم، وشفاء لما فى الصدور من أسقام. ~~كما قال - سبحانه - فى آية أخرى # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين... # ثم بين - سبحانه - موقف الكافرين من هذا الكتاب فقال { والذين لا ~~يؤمنون } أى بهذا الكتاب، وبمن نزل عليه الكتاب. { في آذانهم ~~وقر } أى فى آذانهم صمم عن سماع ما ينفعهم. { وهو عليهم عمى ~~} أى وهذا القرآن عميت قلوبهم عن تدبره وعن الاهتداء به. وقوله - تعالى - ~~{ أولئك ينادون من مكان بعيد } ذم شنيع لهم على ~~إعراضهم عن هذا القرآن الذى ما أنزله الله - تعالى - إلا لإخراجهم من ~~الظلمات إلى النور. أى أولئك الكافرون الذين لم ms4525 ينتفعوا بالقرآن مثلهم فى ~~صممهم وانطماس بصائرهم، كمثل من يناديه مناد من مكان بعيد، فهو لا يسمع ~~منه شيئا، ولا يعقل عنه شيئا، لوجود المسافة الشاسعة بين المنادى، وبين ~~من وقع عليه النداء. قال القرطبى قوله - تعالى - { أولئك ~~ينادون من مكان بعيد } يقال ذلك لمن لا يفهم من التمثيل. ~~وحكى أهل اللغة أنه يقال للذى يفهم أنت تسمع من قريب، ويقال للذى لا يفهم ~~أنت تنادى من بعيد أى كأنه ينادى من موضع بعيد منه، فهو لا يسمع النداء ~~ولا يفهمه. وقال الضحاك { ينادون } يوم القيامة بأقبح أسمائهم { من ~~مكان بعيد } فيكون ذلك لتوبيخهم وفضيحتهم. ومن يتدبر هذه الآية ~~الكريمة يرى مصداقها فى كل زمان ومكان، فهناك من ينتفع بهذا القرآن قراءة ~~وسماعا وتطبيقا.. وهناك من يستمعون إلى هذا القرآن، فلا يزيدهم إلا صمما، ~~ورجسا إلى رجسهم وعمى على عماهم. ثم بين - سبحانه - زيادة فى التسلية ~~لرسوله صلى الله عليه وسلم، أن اختلاف الأمم فى شأن ما جاء به الرسل شئ ~~قديم فقال - تعالى - { ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف ~~فيه.. }. أى ولقد آتينا نبينا موسى - عليه السلام - كتابه التوراة ~~ليكون هداية ونورا لقومه، فاختلفوا فى شأن هذا الكتاب، فمنهم من آمن به، ~~ومنهم من صد عنه. { ولولا كلمة سبقت من ربك } - أيها ~~الرسول الكريم - وهى ألا يعذب المكذبين من أمتك فى الدنيا عذابا يستأصلهم ~~ويهلكهم. لولا ذلك { لقضي بينهم } أى لأهلكهم كما أهلك السابقين ~~من قبلهم. { وإنهم } أى كفار قومك { لفي شك منه مريب } ~~أى لفى شك من هذا القرآن وريبة من أمره، جعلهم يعيشون فى قلق واضطراب. # ثم بين - سبحانه - سنة من سننه التى لا تتخلف فقال { من عمل ~~صالحا فلنفسه ومن أسآء فعليها.. } أى من عمل عملا ~~صالحا بأن آمن بالله، وصدق بما جاء به رسله، فثمرة عمله الصالح لنفسه. { ~~ومن أسآء فعليها } أى ومن عمل عملا سيئا، فضرر هذا العمل واقع ~~عليها وحدها { وما ربك بظلام للعبيد } أى وليس ربك - ~~أيها الرسول الكريم - بذى ظلم لعباده الذين ms4526 خلقهم بقدرته، ورباهم بنعمته. ~~فقوله { ظلام } صيغة نسب - كثمار وخباز - وليس صيغة مبالغة. قال بعض ~~العلماء ما ملخصه " وفى هذه الآية وأمثالها سؤال معروف، وهو أن لفظة " ~~ظلام " فيها صيغة مبالغة. ومعلوم أن نفى المبالغة لا يستلزم نفى أصل ~~الفعل. فقولك - مثلا - زيد ليس بقتال للرجال لا ينفى إلا مبالغته فى ~~قتلهم، فلا ينافى أنه ربما قتل بعض الرجال. ومعلوم أن المراد بنفى ~~المبالغة - وهى لفظ ظلام - فى هذه الآية وأمثالها المراد به نفى الظلم من ~~أصله. وقد أجابوا عن هذا الإشكال بإجابات منها أن نفى صيغة المبالغة ~~هنا، قد جاء فى آيات كثيرة ما دل على أن المراد به نفى الظلم من أصله، ~~ومن ذلك قوله - تعالى - # ولا يظلم ربك أحدا # وقوله - تعالى - # إن الله لا يظلم الناس شيئا... # ومنها أن المراد بالنفى فى الآية، نفى نسبة الظلم إليه. لأن صيغة فعال ~~تستعمل مرادا بها النسبة، فتغنى عن ياء النسب.. كقولهم " لبان " أى ذو ~~لبن، ونبال أى صاحب نبل.. ثم بين - سبحانه - فى أواخر هذه السورة ~~الكريمة، أن علم قيام الساعة إليه - تعالى - وحده، وأن الإنسان لا يسأم ~~من طلب المزيد من الخير فإذا مسه الشر يئس وقنط. وأن حكمته - تعالى - قد ~~اقتضت أن يقيم للناس الأدلة على قدرته ووحدانيته من أنفسهم وعن طريق هذا ~~الكون الذى يعيشون فيه فقال - تعالى - { إليه يرد علم ~~الساعة وما تخرج... }. ### || [41.47-54] # وقوله - تعالى - { إليه يرد علم الساعة وما تخرج ~~من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا ~~تضع إلا بعلمه.. } بيان لانفراد الخالق - عز وجل - بوقت قيام ~~الساعة، وبإحاطة علمه - تعالى - بكل شئ، وإرشاد للمؤمنين إلى ما يقولونه ~~إذا ما سئلوا عن ذلك. والأكمام جمع كم - بكسر الكاف - وهو الوعاء الذى ~~تكون الثمرة بداخله. أى إلى الله - تعالى - وحده مرجع علم قيام الساعة، ~~وما تخرج ثمرات من أوعيتها الكائنة بداخلها، وما تحمل من أنثى حملا ولا ~~تضعه إلا بعلمه وإرادته - عز وجل - و " من " فى قوله { من ثمرات } ~~وفى قوله { من ms4527 أنثى } مزيدة لتأكيد الاستغراق. وفى قوله { من ~~أكمامها } ابتدائية. قال الجمل " فإن قلت قد يقول الرجل الصالح قولا ~~فيصيب فيه، وكذلك الكهان والمنجمون. قلت أما قول الرجل الصالح فهو من ~~إلهام الله، فكان من علمه - تعالى - الذى يرد إليه، وأما الكهان ~~والمنجمون فلا يمكنهم القطع والجزم فى شئ ما يقولونه ألبتة، وإنما غايته ~~ادعاء ظن ضعيف قد لا يصيب. وعلم الله - تعالى - هو العلم اليقين المقطوع ~~به الذى لا يشركه فيه أحد. ثم بين - سبحانه - تبرأ المشركين من آلهتهم ~~يوم القيامة فقال { ويوم يناديهم أين شركآئي قالوا ~~آذناك ما منا من شهيد. وضل عنهم ما كانوا ~~يدعون من قبل وظنوا ما لهم من محيص }. والظرف " ~~يوم " منصوب بفعل مقدر، ومعنى " آذناك " أعلمناك وأخبرناك، آذان فلان ~~غيره يؤذنه، إذا أعلمه بما يريد إعلامه به. والنداء والسؤال إنما ~~لتوبيخهم والتهكم بهم فى هذا الموقف العظيم. والظن هنا بمعنى اليقين. أى ~~واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ يوم ينادى الله - تعالى - المشركين ~~فيقول لهم يوم القيامة أين شركائى الذين كنتم تعبدونهم من دونى ليقربوكم ~~إلى أو ليشفعوا لكم عندى؟ { قالوا } على سبيل التحسر والتذلل يا ربنا ~~لقد { آذناك } أى لقد أعلمناك بأنه مامنا أحد يشهد بأن لك شريكا، فقد ~~انكشفت عنا الحجب، واعترفنا بأنك أنت الواحد القهار. { وضل عنهم } ~~أى وغاب عن هؤلاء المشركين، ما كانوا يدعون من قبل أى ما كانوا يعبدونه ~~فى الدنيا من أصنام وغيرها. { وظنوا ما لهم من محيص } أى ~~وأيقنوا بأنه لا مهرب ولا منجى لهم من العذاب. يقال حاص يحيص حيصا ومحيصا ~~إذا هرب. وقوله - تعالى - { لا يسأم الإنسان من دعآء ~~الخير وإن مسه الشر فيئوس قنوط } بيان لما جبل ~~عليه الإنسان من حب للمال وغيره من ألوان النعم. # ومن ضيقه بما يخالف ذلك. ويبدو أن المراد بالإنسان فى هذه الآية ~~وأمثالها جنسه الغالب، وإلا فهناك مؤمنون صادقون، إذا رزقهم الله النعم ~~شكروا، وإذا ابتلاهم بالمحن صبروا. والمراد بالخير ما يشمل المال والصحة ~~والجاه والسلطان وما إلى ذلك ms4528 مما يشتهى. والسأم الملل، يقال سئم فلان هذا ~~الشئ، إذا مله وضاق به وانصرف عنه. واليأس أن ينقطع قلب الإنسان عن رجاء ~~الحصول على الشئ، يقال يئس فلان من كذا - من باب فهم -، إذا فقد الرجاء ~~فى الظفر به. والقنوط أن يظهر أثر ذلك اليأس على وجهه وهيئته، بأن يبدو ~~منكسرا متضائلا مهموما. فكأن اليأس شئ داخل من أعمال القلب بينما القنوط ~~من الآثار الخارجية التى تظهر علاماتها على الإنسان. أى لا يسأم ~~الإنسان ولا يمل ولا يهدأ من طلب الخير والسعة فى النعم. { وإن ~~مسه الشر } من عسر أو مرض { فيئوس قنوط } أى فهو كثير ~~اليأس والقنوط من رحمة الله - تعالى - وفضله، بحيث تنكسر نفسه، ويظهر ذلك ~~على هيئته. وعبر - سبحانه - بيئوس وقنوط وهما من صيغ المبالغة، للإشارة ~~إلى شدة حزنه وجزعه عندما يعتريه الشر. ثم بين - سبحانه - حالة أخرى من ~~حالات هذا الإنسان فقال { ولئن أذقناه رحمة منا من ~~بعد ضرآء مسته ليقولن هذا لي ومآ أظن ~~الساعة قآئمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي ~~عنده للحسنى... }. أى ولئن أعطينا هذا الإنسان الجحود نعمة منا ~~تتعلق بالمال أو بالصحة أو بغيرهما، من بعد أن كان فقيرا أو مريضا.. ~~ليقولن على سبيل الغرور والبطر هذا الذى أعطيته شئ استحقه، لأنه جاءنى ~~بسبب جهدى وعلمى. ثم يضيف إلى ذلك قوله { ومآ أظن الساعة ~~قآئمة } أى وما أعتقد أن هناك بعثا أو حسابا أو جزاء. { ولئن ~~رجعت إلى ربي } على سبيل الفرض والتقدير { إن لي عنده ~~للحسنى } أى إن لى عنده ما هو أحسن وأفضل مما أنا فيه من نعم فى ~~الدنيا. وقوله - تعالى - { فلننبئن الذين كفروا بما ~~عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ } بيان للعاقبة ~~السيئة التى يكون عليها هذا الإنسان الجاحد. أى فلنعلمن هؤلاء الكافرين ~~بأعمالهم السيئة، ولنرينهم عكس ما اعتقدوه بأن ننزل بهم الذل والهوان بدل ~~الكرامة والحسنى التى أيقنوا أنهم سيحصلون عليها، ولنذيقنهم عذابا غليظا، ~~لا يمكنهم الفكاك منه أو التفصى عنه لشدته وإحاطته بهم من كل جانب، ms4529 فهو ~~كالوثاق الغليظ الذى لا يمكن للإنسان أن يخرج منه. ثم أكد - سبحانه - ما ~~ذكره من حالات الإنسان فقال { وإذآ أنعمنا على الإنسان } ~~بنعمة من نعمنا التى توجب عليه شكرنا وطاعتنا. { أعرض ونأى ~~بجانبه } أى أعرض عن شكرنا وطاعتنا، وتكبر وتفاخر على غيره وادعى أن ~~هذه النعمة من كسبه واجتهاده. # وقوله { ونأى بجانبه } كناية عن الانحراف والتكبر والصلف ~~والبطر. والنأى البعد. يقال نأى فلان عن مكان كذا، إذا تباعد عنه. وقوله ~~- تعالى - { وإذا مسه الشر فذو دعآء عريض } بيان ~~لحالة هذا الإنسان فى حالة الشدة والضر. أى هكذا حالة هذا الإنسان ~~الجاحد، فى حالة إعطائنا النعمة له يتكبر ويغتر ويجحد. وفى حالة إنزال ~~الشدائد به يتضرع ويتذلل إلينا بالدعاء الكثير الواسع. وفى معنى هذه ~~الآيات الكريمة، جاءت آيات كثيرة، منها قوله - تعالى - # كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى # وقوله - تعالى - # إن الإنسان خلق هلوعا. إذا مسه الشر جزوعا. ~~وإذا مسه الخير منوعا # ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوبخ هؤلاء الكافرين ~~على جحودهم وجهالاتهم فقال { قل أرأيتم إن كان من عند ~~الله ثم كفرتم به... }. أى قل - أيها الرسول الكريم - ~~لهؤلاء الجاحدين أخبرونى إن كان هذا القرآن من عند الله - تعالى - وحده، ~~ثم كفرتم به مع ظهور الأدلة والبراهين على وجوب الإيمان به. والاستفهام ~~فى قوله - تعالى - { من أضل ممن هو في شقاق بعيد } ~~للنفى والإنكار أى لا أحد أكثر ضلالا منكم - أيها الكافرون - بسبب ~~معاداتكم للحق، وابتعادكم عنه، ونفوركم منه نفورا شديدا. والشقاق ~~والمشاقة بمعنى المخالفة والمعاداة. من الشق - أى الجانب - فكأن كل واحد ~~من المتعاديين أو المتخالفين صار فى شق غير شق صاحبه. ووصف - سبحانه - ~~شقاقهم بالبعد، للإشارة بأنهم قد بلغوا فى هذا الضلال مبلغا كبيرا، ~~وشوطا بعيدا. فالآية الكريمة تجهيل لهؤلاء الكافرين، وحث لهم على التأمل ~~والتدبر. ثم بين - سبحانه - أن حكمته قد اقتضت أن يطلع الناس فى كل زمان ~~ومكان على دلائل وحدانيته وقدرته، وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم ms4530 ~~فيما بلغه عنه، فقال { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي ~~أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق.. }. والمراد ~~بالآيات فى قوله { آياتنا } الدلائل والبراهين الدالة على وحدانيته - ~~سبحانه - وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم. والآفاق جمع أفق - كأعناق ~~جمع عنق - وهو الناحية والجهة، يقال أفق فلان يأفق - كضرب يضرب - إذا سار ~~فى آفاق الأرض وجهاتها المتعددة. والمعنى سنطلع الناس على دلائل ~~وحدانيتنا وقدرتنا فى أقطار السموات والأرض، من شمس وقمر ونجوم، وليل ~~ونهار، ورياح وأمطار، وزرع وثمار، ورعد وبرق وصواعق، وجبال وبحار. ~~سنطلعهم على مظاهر قدرتنا فى هذه الأشياء الخارجية التى يرونها بأعينهم، ~~كما سنطلعهم على آثار قدرتنا فى أنفسهم عن طريق ما أودعنا فيهم من حواس ~~وقوى، وعقل، وروح، وعن طريق ما يصيبهم من خير وشر، ونعمة ونقمة. ولقد صدق ~~الله - تعالى - وعده، ففى كل يوم بل فى كل ساعة، يطلع الناس على أسرار ~~جديدة فى هذا الكون الهائل، وفى أنفسهم. # . وكلها تدل على وحدانيته - تعالى - وقدرته، وعلى صحة دين الإسلام الذى ~~جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام. وقوله - تعالى - { أولم يكف ~~بربك أنه على كل شيء شهيد } استئناف مسوق لتوبيخ ~~الكافرين على عنادهم مع ظهور الأدلة على أن ما جاء به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم من عند ربه هو الحق المبين. والهمزة للإنكار، والواو للعطف ~~على مقدر يقتضيه المقام، والباء مزيدة للتأكيد، وقوله { بربك } فاعل كفى. ~~والمعنى ألم يغن هؤلاء الجاحدين عن الآيات الموعودة الدالة على صحة هذا ~~الدين، أن ربك - أيها الرسول الكريم - شهيد على كل شئ، وعلى أنك صادق ~~فيما تبلغه عنه.. بلى إن فى شهادة ربك وعلمه بكل شئ ما يغنيك عن كل شئ ~~سواه. ثم بين - سبحانه - فى ختام السورة حقيقة أمر أولئك الكافرين فقال { ~~ألا إنهم في مرية من لقآء ربهم ألا إنه ~~بكل شيء محيط }. أى ألا إن هؤلاء المشركين فى مرية وشك وريبة ~~من لقاء ربهم يوم القيامة، لإنكارهم البعث والحساب والجزاء.. ألا إنه - ~~سبحانه - بكل شئ محيط إحاطة تامة لا ms4531 يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى ~~السماء. وسيجمعهم يوم القيامة للحساب والجزاء، ولن يستطيعوا النجاة من ~~ذلك. وبعد فهذا تفسير لسورة " فصلت " نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا ~~لوجهه، ونافعا لعباده، والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات. وصلى الله ~~على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [42 - سورة الشورى] ### || [42.1-6] # سورة " الشورى " من السور التى افتتحت ببعض حروف التهجى، وقد سبق أن ~~ذكرنا أن أقرب الأقوال الى الصواب فى المقصود بهذه الحروف، أنها وردت فى ~~افتتاح بعض السور على سبيل الإيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن. فكأن ~~الله - تعالى - يقول لأولئك المعارضين فى أن القرآن من عند الله هاكم ~~القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم، ومنظوما من ~~حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم، فإن كنتم فى شك ~~من أنه منزل من عند الله، فهاتوا مثله أو عشر سور من مثله، أو سورة من ~~مثله.. فعجزوا وانقلبوا خاسرين، وثبت أن هذا القرآن من عند الله - تعالى ~~- وقد ذكر بعض المفسرين عند تفسيره لهذه السورة آثارا واهية، رأينا أن ~~نذكر بعضها للتنبيه على سقوطها. قال الإمام ابن كثير ما ملخصه وقد روى ~~الإمام ابن جرير ها هنا أثرا غريبا عجيبا منكرا، فقال جاء رجل إلى ابن ~~عباس فقال له - وعنده حذيفة ابن اليمان - أخبرنى عن تفسير قول الله - ~~تعالى - { حم عسق }. فأطرق ابن عباس ثم أعرض عنه. فقال حذيفة للرجل ~~أنا أنبئك بها، قد عرفت لم كرهها؟ نزلت فى رجل من أهل بيته يقال له " ~~عبد الإله " أو عبد الله، ينزل على نهر من أنهار الشرق، تبنى عليه ~~مدينتان، يشق النهر بينهما شقا. فإذا أذن الله فى زوال ملكهم.. بعث الله ~~على إحداهما نارا ليلا.. ثم بخسف الله - تعالى - بالأخرى فذلك قوله { ~~حم عسق }. يعنى عزيمة من الله وفتنة وقضاء حم { حم } ، وعين، ~~يعنى عدلا منه، وسين يعنى سيكون، وق، يعنى واقع بهاتين المدينتين.. ~~والكاف فى قوله - تعالى - { كذلك } بمعنى مثل، واسم ms4532 الإشارة يعود ~~إلى ما اشتملت عليه هذه السورة الكريمة من عقائد وأحكام وآداب. أى مثل ما ~~فى هذه السورة الكريمة من دعوة إلى وحدانية الله، وإلى مكارم الأخلاق، ~~أوحى الله به إليك وإلى الرسل من قبلك، لتبلغوه للناس كى يعتبروا ~~ويتعظوا. قال الآلوسى ما ملخصه قوله - تعالى - { كذلك يوحي ~~إليك وإلى الذين من قبلك } كلام مستأنف، وارد لتحقيق أن ~~مضمون السورة، موافق لما فى تضاعيف الكتب المنزلة، على سائر الرسل ~~المتقدمين فى الدعوة إلى التوحيد والإرشاد إلى الحق. والكاف مفعول { ~~يوحي } أى يوحى مثل ما فى هذه السورة من المعانى.. وجئ بقوله { ~~يوحي } بدل { أوحى } للدلالة على استمراره فى الماضى، وأن إيحاء مثله، ~~عادته - تعالى - و { العزيز الحكيم } صفتان له - عز وجل -. # وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح ~~والنبيين من بعده وأوحينآ إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى ~~وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود ~~زبورا # ثم ذكر - سبحانه - صفات أخرى لذاته فقال { له ما في السماوات ~~وما في الأرض وهو العلي العظيم }. أى لقد أوحى الله - ~~تعالى - إليك أيها الرسول الكريم - بهذا القرآن كما أوحى إلى الرسل من ~~قبلك بما شاء من وحى، وهو - سبحانه - العزيز الذى لا يغلبه غالب، الحكيم ~~فى كل أقواله وأفعاله، والذى له جميع ما فى السماوات وما فى الأرض خلقا ~~وملكا وتصرفا.. وهو - سبحانه - { العلي } أى المتعالى عن الأشباه ~~والانداد والأمثال والأضداد. { العظيم } أى فى ذاته وفى صفاته، وفى ~~أفعاله. ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر علو شأنه وكمال عظمته وجلاله فقال { ~~تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن }. والفعل { ~~تكاد } مضارع " كاد " الذى هو من أفعاله المقاربة، وقوله { ~~يتفطرن } أى يتشققن. والضمير فى قوله - تعالى - { من فوقهن ~~} يعود إلى السماوات، باعتبار أن كل سماء تنفطر فوق التى تليها. وهذا ~~التفطر سببه الخشية من الله - تعالى -، الخوف من جلاله وعظمته فيكون ~~المعنى تكاد السماوات يتشققن مع عظمهن { من فوقهن } أى من أعلاهن، ~~خشية ورهبة من عظمته - عز وجل -، كما قال - تعالى ms4533 - # ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من ~~دآبة والملائكة وهم لا يستكبرون يخافون ~~ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون # ويصح أن يكون هذا التفطر سببه، شدة الفرية التى افتراها المشركون على ~~الله - تعالى - حيث زعموا أن لله ولدا، كما قال سبحانه - # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا ~~إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا # قال صاحب الكشاف فإن قلت لم قال { من فوقهن }؟ قلت لأن أعظم ~~الآيات وأدلها على الجلال والعظمة فوق السماوات، وهى العرش، والكرسى، ~~وصفوف الملائكة، المرتجة بالتسبيح والتقديس حول العرش، وما لا يعلم كنهه ~~إلا الله - تعالى - من آثار ملكوته العظمى، فلذا قال { يتفطرن من ~~فوقهن } أى يبتدئ الانفطار من جهتهن الفوقانية. أو لأن كلمة الكفر ~~جاءت من الذين تحت السماوات، فكان القياس أن يقال من تحتهن، من الجهة ~~التى جاءت منها الكلمة، ولكنه بولغ فى ذلك فجعلت مؤثرة فى جهة الفوق. ~~كأنه قيل يكدن يتفطرن من الجهة التى فوقهن، دع الجهة التى تحتهن. وقوله - ~~تعالى - { والملائكة يسبحون بحمد ربهم } مؤكد لما ~~قبله من بيان علو شأنه - عز وجل -، وسمو عظمته وجلاله. أى والملائكة ~~ينزهون ربهم - تعالى - عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله، خوفا منه - ~~سبحانه -، ورهبة لذاته. # وقوله { ويستغفرون لمن في الأرض } معطوف على { ~~يسبحون }. والمراد بمن فى الأرض المؤمنون بصفة خاصة، لأنهم هم ~~الذين يستحقون ذلك، كما قال - تعالى - فى آية أخرى # الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ~~ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا # أى أن الملائكة ينزهون الله - تعالى - عما لا يليق به. ويطلبون للمؤمنين ~~من أهل الأرض عفو الله - تعالى - ورحمته وغفرانه. وقوله { ألا إن ~~الله هو الغفور الرحيم } تذييل قصد به الثناء على الله - ~~تعالى - بما هو أهله. أى ألا إن الله - تعالى - وحده، هو الواسع المغفرة ~~والرحمة لمن يشاء من عباده، لا يمنعه من ذلك مانع، ولا يحاسبه على ما ~~يفعل محاسب. ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة المشركين فقال ms4534 { والذين ~~اتخذوا من دونه أوليآء الله حفيظ عليهم ومآ ~~أنت عليهم بوكيل }. أى والذين اتخذوا من دون الله - تعالى - ~~شفعاء وشركاء ليقربوهم إليه زلفى، الله - تعالى - وحده رقيب عليهم، ~~وسيجازيهم بما يستحقون من عقاب يوم القيامة، وما أنت - أيها الرسول ~~الكريم - عليهم بحفيظ أو رقيب على أعمالهم، وإنما أنت عليك البلاغ ونحن ~~علينا الحساب. ثم بين - سبحانه - الحكمة من إنزال هذا القرآن على الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - كما بين أنواعا من الأدلة عن كمال قدرته، ووجوب ~~إفراده بالعبادة والخضوع. ووجوب التحاكم إلى شريعته عند الاختلاف ~~والتنازع. فقال - تعالى - { وكذلك أوحينآ إليك قرآنا ~~عربيا... بكل شيء عليم }. ### || [42.7-12] # والكاف فى قوله - تعالى - { وكذلك أوحينآ إليك قرآنا ~~عربيا.. } فى محل نصب على المصدرية، واسم الإشارة يعود إلى مصدر { ~~أوحينآ }. أى ومثل ذلك الإيحاء البديع الواضح، أوحينا إليك - أيها ~~الرسول الكريم - قرآنا عربيا، لا لبس فيه ولا غموض. وقوله - سبحانه - { ~~لتنذر أم القرى ومن حولها } تعليل لهذا الإحياء. ~~والمراد بأم القرى أهلها. وسميت مكة بأم القرى، لأنها مكان أول بيت وضع ~~للناس، ولأنها قبلة أهل القرى كلها ومحجهم، ولأنها أعظم القرى شأنا ~~وغيرها كالتبع لها، كما يتبع الفرع الأصل، أى أوحينا إليك هذا القرآن ~~لتنذر به أهل أم القرى، ولتنذر به - أيضا - من حولها من أهل القرى ~~الأخرى. وخص أهل أم القرى ومن حولها بالذكر فى الإنذار، لأنهم أقرب ~~الناس - إليه صلى الله عليه وسلم - كما قال - تعالى - فى آية أخرى # وأنذر عشيرتك الأقربين # وليس معنى هذا التخصيص أن رسالته - صلى الله عليه وسلم - كانت إليهم ~~وحدهم، لأن هناك آيات أخرى كثيرة قد صرحت بأن رسالته - صلى الله عليه ~~وسلم - كانت إلى الناس كافة، ومن هذه الآيات وقوله - تعالى - # قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا # وقوله - سبحانه - { ومآ أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين } وقوله - عز وجل - { وأوحي إلي هذا ~~القرآن لأنذركم به ومن بلغ }. فهذه الآيات وغيرها تنطق ~~وتشهد بأن رسالته - صلى الله عليه وسلم - كانت للناس جميعا، بل للإنس ~~وللجن، ms4535 كما يشير إلى ذلك قوله - تعالى - # وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن يستمعون ~~القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ~~ولوا إلى قومهم منذرين # وجملة { وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه } معطوفة على ما ~~قبلها. والمراد بيوم الجمع يوم القيامة، لأنه اليوم الذى يجتمع فيه ~~الأولون والآخرون بين يدى الله - تعالى - للحساب والجزاء، والثواب ~~والعقاب. أى أوحينا إليك هذا القرآن لتنذر به أهل مكة ومن حولها، وتنذر ~~الناس جميعا وتخوفهم من أهوال يوم القيامة، الذى يجتمع فيه الخلائق ~~للحساب. وقوله { لا ريب فيه } كلام معترض لتقرير ما قبله وتأكيده، ~~أو صلة ليوم الجمع. وقوله { فريق في الجنة وفريق في ~~السعير } بيان للنتيجة التى ترتبت على هذا الإنذار. أى بعد هذا ~~الإنذار الذى أنذرته للناس - أيها الرسول الكريم - هناك فريق آمن بك ~~وصدقك فكان مصيره إلى الجنة، وهناك فريق أعرض عنك وكذبك، فكان مصيره إلى ~~النار. وقوله - تعالى - { ولو شآء الله لجعلهم أمة ~~واحدة ولكن يدخل من يشآء في رحمته } بيان لكمال ~~قدرته - عز وجل -. # أى ولو شاء الله - تعالى - أن يجعل الناس أمة واحدة على الدين الحق ~~لجعلهم كذلك، لأن قدرته لا يعجزها شئ، ولكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك ~~ليتميز الخبيث من الطيب، والمهتدى من الضال. أما المهتدون فهم أهل رحمته ~~ورضوانه، وأما الضالون فهم أهل عذابه وغضبه فقوله - تعالى - { ولكن ~~يدخل من يشآء في رحمته } بيان لمن عرفوا الدين الحق ~~واتبعوه وقوله - سبحانه - { والظالمون ما لهم من ولي ~~ولا نصير } بيان لمن استحبوا العمى على الهدى. قال الآلوسى ما ملخصه ~~{ ولكن يدخل من يشآء في رحمته } أى أنه - تعالى - ~~يدخل فى رحمته من يشاء أن يدخله فيها، ويدخل فى عذابه من يشاء أن يدخله ~~فيه، ولا ريب فى أن مشيئته - تعالى - لكل من الإدخالين، تابعة لاستحقاق ~~كل فريق لعمله. وقال { والظالمون ما لهم من ولي ولا ~~نصير } ولم يقل ويدخل من يشاء فى عذابه، للإيذان بأن الإدخال فى ~~العذاب، بسبب سوء اختيار الداخلين فيه. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى ms4536 - # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق ~~القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس ~~أجمعين # وقوله - سبحانه - # ولو شآء الله لجمعهم على الهدى # ثم أنكر - سبحانه - على أولئك الجاهلين اتخاذهم آلهة من دونه فقال { ~~أم اتخذوا من دونه أوليآء فالله هو الولي ~~وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير }. فأم ~~بمعنى بل وهمزة الاستفهام الإنكارى، لإنكار وقوع الشرك منهم ونفيه ~~بأبلغ وجه. أى أن ما فعله هؤلاء المشركون من اتخاذهم آلهة من دونه - ~~تعالى - شئ منكر بلغ النهاية فى قبحه وفساده. قال صاحب الكشاف " معنى ~~الهمزة فى { أم } الإنكار وقوله { فالله هو الولي } أى هو ~~الذى يجب أن يتولى وحده، ويعتقد أنه المولى والسيد، فالفاء فى قوله { ~~فالله هو الولي } جواب شرط مقدر، كأنه قيل بعد إنكار كل ولى ~~سواه. أى إن أرادوا وليا بحق، فالله هو الولى بالحق، لا ولى سواه. { ~~وهو يحيي } الموتى أى وهو - سبحانه - الذى فى قدرته إعادة الحياة ~~الى الموتى بعد موتهم. { وهو على كل شيء قدير } أى وهو - ~~تعالى - وحده الذى لا يعجز قدرته شئ، وما دام الأمر كذلك، فكيف اتخذ ~~أولئك الجاهلون أولياء من دونه. ثم وجه - سبحانه - أمره إلى نبيه - صلى ~~الله عليه وسلم - بأن يرشد المؤمنين إلى وجوب تحاكمهم إلى شريعته - تعالى ~~- إذا ما دب خلاف بينهم، أو بينهم وبين أعدائهم، فقال { وما ~~اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله }. أى عليكم ~~أيها المؤمنون - إذ ما اختلفتم فى أمر من الأمور، أن تحتكموا فيه إلى ~~شريعة الله - عز وجل -، وأن تقبلوا عن إذعان وطاعة حكمه - تعالى -. # وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - { فإن تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا }. ~~واسم الإشارة فى قوله - سبحانه - { ذلكم الله ربي عليه ~~توكلت وإليه أنيب } يعود إلى الله - تعالى - الذى يجب أن ~~يكون التحاكم إليه وحده عند الاختلاف. أى ذلك الحاكم العادل الذى لا حاكم ~~بحق سواه { ربي } وخالقى ورازقى.. { عليه } وحده { توكلت ms4537 } ~~واعتمدت فى جميع شئونى { وإليه أنيب } أى وإليه وحده أرجع فى كل ~~أمورى. { فاطر السماوات والأرض } أى هو خالقهما وموجدهما على ~~غير مثال سابق، من فطر الشئ إذا ابتدعه واخترعه دون أن يسبق إلى ذلك. { ~~جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا ~~} أى جعل لكم - سبحانه - بقدرته من جنس أنفسكم أزواجا، أى نساء تجمع ~~بينكم وبينهن المودة والرحمة، كما قال - تعالى - # ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ~~لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة # وقوله - سبحانه - { ومن الأنعام أزواجا } معطوف على ما قبله. ~~أى كما خلق لكم من أنفسكم أزواجا، خلق - أيضا - للأنعام من جنسها إناثا، ~~ليحصل التوالد والتناسل والتعمير لهذا الكون. وقوله - تعالى - { ~~يذرؤكم فيه } بيان للحكمة من هذا الجعل والخلق للأزواج. والذرء ~~التكاثر والبث. يقال ذرأ فلان الشئ، إذا بثه وكثره. والضمير المنصوب فى ~~قوله { يذرؤكم } يعود إلى المخاطبين وإلى الأنعام، على سبيل ~~التغليب للعقلاء على غيرهم. والضمير فى قوله { فيه } يعود إلى التزاوج ~~بين الذكور والإناث المفهوم من قوله - تعالى - { جعل لكم من ~~أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا }. أى يكثركم ~~وينميكم بسبب هذا التزاوج الذى يحصل بين ذكوركم وإناثكم حيث يتناسل - ~~أحيانا - بين الذكر الواحد والأنثى الواحدة، عدد كبير من الأولاد. وقال - ~~سبحانه - { يذرؤكم فيه } ولم يقل يذرؤكم به أى بسببه، للأشعار بأن ~~هذا التزاوج قد صار مثل المنبع والأصل للبث والتكثير. قال - تعالى - { ~~يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من ~~نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما ~~رجالا كثيرا ونسآء }. قال بعض العلماء فإن قيل ما وجه إفراد ~~الضمير المجرور فى قوله { يذرؤكم فيه } مع أنه على ما ذكرتم، ~~يعود إلى الذكور والإناث من الآدميين والأنعام؟. فالجواب أن من أساليب ~~اللغة العربية التى نزل بها القرآن. رجوع الضمير بصيغة الإفراد إلى ~~المثنى أو الجمع باعتبار ما ذكر. ومنه قوله - تعالى - # قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم ~~وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم ~~به # أى يأتيكم بما ذكر من سمعكم وأبصاركم وقلوبكم. ms4538 # ثم نزه - سبحانه - ذاته عن الشبيه أو النظير.. فقال { ليس كمثله ~~شيء }. أى مثله شئ - تعالى - لا فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى أفعاله، ~~فالكاف مزيدة فى خبر { ليس } و { شيء } اسمها. أى ليس شئ مثله. أو ~~أن الكاف أصلية. فيكون المعنى ليس مثله - تعالى - أحد لا فى الذات ولا فى ~~الصفات ولا فى الأفعال. وذلك كقول العرب مثلك لا يبخل، يعنون أنت لا تبخل ~~على سبيل الكناية، قصدا إلى المبالغة فى نفى البخل عن المخاطب بنفيه عن ~~مثله، فيثبت انتفاؤه عنه بدليله. والمقصود من الجملة الكريمة على كل ~~تفسير تنزيهه - تعالى - عن مشابهة خلقه فى الذات أو الصفات أو الأفعال. ~~قال صاحب الكشاف قالوا مثلك لا يبخل، فنفوا البخل عن مثله، وهم يريدون ~~نفيه عن ذاته، قصدوا المبالغة فى ذلك فسلكوا به طريق الكناية، لأنهم إذا ~~نفوه عمن يسد مسده، وعمن هو على أخص أوصافه، فقد نفوه عنه. ونظيره قولك ~~للعربى العرب لا تخفر الذمم، كان أبلغ من قولك أنت لا تخفر.. وقوله - ~~تعالى - { وهو السميع البصير } أى وهو - سبحانه - السميع لكل ~~أقوال خلقه، البصير بما يسرونه وما يعلنونه من أفعال. { له مقاليد ~~السماوات والأرض } أى له وحده مفاتيح خزائنهما، وله وحده - أيضا ~~- ملك هذه الخزائن، لأن ملك مفاتيحها يستلزم ملكها. والمقاليد جمع مقلاد ~~أو أقليد وهو المفتاح. { يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر } ~~أى هو - سبحانه - الذى يوسع الرزق لمن شاء أن يوسعه له، ويضيقه على من ~~يشاء أن يضيقه عليه. { إنه } - تعالى - { بكل شيء عليم } ~~لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء. وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة ~~قد أقامت أوضح الأدلة وأقواها، على وحدانية الله - تعالى - وكمال قدرته. ~~ثم أكد - سبحانه - الحقيقة التى افتتحت بها السورة الكريمة، وهى وحدة ~~الأديان فى جوهرها وأصولها، وبين الأسباب التى أدت إلى اختلاف الناس فى ~~عقائدهم، وأرشد النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى أفضل الأساليب فى ~~الدعوة إلى الحق، فقال - تعالى - { شرع لكم من الدين ما... ~~ولهم عذاب شديد ms4539 }. ### || [42.13-16] # قال الفخر الرازى أعلم أنه - تعالى - لما عظم وحيه إلى نبيه محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - بقوله # كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك # ذكر فى هذه الآية تفصيل ذلك فقال { شرع لكم من الدين ما ~~وصى به نوحا.. }. أى شرع الله لكم يا أصحاب محمد من الدين ما وصى ~~به نوحا ومحمدا وإبراهيم وموسى وعيسى.. وإنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة ~~بالذكر، لأنهم أكابر الأنبياء، وأصحاب الشرائع العظيمة، والأتباع ~~الكثيرة. والمراد بما شرعه - سبحانه - على ألسنة هؤلاء الرسل أصول ~~الأديان التى لا يختلف فيها دين عن دين، أو شريعة عن شريعة، كإخلاص ~~العبادة لله - تعالى - والإيمان بكتبه ورسله وملائكته واليوم الآخر، ~~والتحلى بمكارم الأخلاق كالصدق والعفاف. أما ما يتعلق بفروع الشرائع، ~~كتحليل بعض الطيبات لقوم على سبيل التيسير لهم، وتحريمها على قوم على ~~سبيل العقوبة لهم فهذا لا يدخل فى الأصول الثابتة فى جميع الأديان، وإنما ~~يختلف باختلاف الظروف والأحوال. ويؤيد ذلك قوله - تعالى - # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا # وقوله - سبحانه - حكاية عن عيسى - عليه السلام - # ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم # والمعنى سن الله - تعالى - لكم يا أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من ~~العقائد ومكارم الأخلاق، ما سنه لنوح - عليه السلام - الذى هو أول أولى ~~العزم من الرسل، وأول أصحاب الشرائع الجامعة. وشرع الله - تعالى - لكم ~~أيضا ما أوحاه إلى نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - من آداب وأحكام ~~وأوامر ونواه. وشرع لكم كذلك ما وصى به - سبحانه - أنبياءه إبراهيم وموسى ~~وعيسى، من وصايا تتعلق بوجوب طاعة الله - تعالى -، وإخلاص العبادة له، ~~والبعد عن كل ما يتنافى مع مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم. وقوله - سبحانه ~~- { أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } تفصيل وتوضيح ~~لما شرعه - سبحانه - لهؤلاء الكرام، ولما أوصاهم به. والمراد بإقامة ~~الدين التزام أوامره ونواهيه، وطاعة الرسل فى كل ما جاءوا به من عند ربهم ~~طاعة تامة. قال صاحب الكشاف والمراد إقامة دين الإسلام الذى هو توحيد ~~الله - تعالى - وطاعته، والإيمان برسله وكتبه، وبيوم الجزاء، وسائر ms4540 ما ~~يكون الرجل بإقامته مسلما، ولم يرد الشرائع التى هى مصالح الأمم حسب ~~أحوالها، فإنها مختلفة متفاوتة. قال الله - تعالى - # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا # ومحل { أن أقيموا } إما النصب على أنه بدل من مفعول شرع ~~والمعطوفين عليه، وإما الرفع على الاستئناف، كأنه قيل وما ذلك المشروع؟ ~~فقيل هو إقامة الدين. أى أوصاكم كما أوصى من قبلكم بالمحافظة على ما ~~اشتمل عليه دين الإسلام من عقائد وأحكام وآداب. # . وأصول أجمعت عليها جميع الشرائع الإلهية، كما أوصاكم بعدم الاختلاف ~~فى أحكامه التى لا تقبل الاختلاف أو التفرق. ثم بين - سبحانه - موقف ~~المشركين من الدين الحق فقال { كبر على المشركين ما ~~تدعوهم إليه }. أى شق وعظم على المشركين دعوتكم إياهم إلى ~~وحدانية الله - تعالى - وإلى ترك ما ألفوه من شرك، ومن تقاليد فاسدة ~~ورثوها عن آبائهم. وقوله - تعالى - { الله يجتبي إليه من ~~يشآء ويهدي إليه من ينيب } بيان لكمال قدرته - تعالى - ~~ونفاذ مشيئته. والاجتباء الاصطفاء والاختيار. أى الله - تعالى - بإرادته ~~وحكمته يصطفى ويختار لرسالته من يشاء من عباده، ويهدى إلى الحق من ينيب ~~إليه، ويرجع إلى طاعته - عز وجل - ويقبل على عبادته. ثم بين - سبحانه - ~~الأسباب التى أدت إلى اختلاف المختلفين فى أمر الدين، وإلى تفرقهم شيعا ~~وأحزابا فقال { وما تفرقوا إلا من بعد ما جآءهم ~~العلم بغيا بينهم }. والاستثناء مفرغ من أعم الأوقات ~~والأحوال والضمير فى قوله { تفرقوا } يعود على كل الذين اختلفوا ~~على أنبيائهم، وأعرضوا عن دعوتهم. وقوله { بغيا } مفعول لأجله، مبين ~~السبب الحقيقى للتفرق والاختلاف. أى وما تفرق المتفرقون فى أمر الدين. ~~وأعرضوا عما جاءتهم به رسلهم، فى كل زمان ومكان، إلا من بعد أن علموا ~~الحق، ووصل إليهم عن طريق أنبيائهم، ولم يحملهم على هذا التفرق والاختلاف ~~إلا البغى الذى استولى على نفوسهم، والحسد لرسل الله - تعالى - على ما ~~آتاهم الله من فضله. فقوله - تعالى - { إلا من بعد ما جآءهم ~~العلم } زيادة فى ذمهم، فإن الاختلاف بعد العلم، أدعى إلى الذم ~~والتحقير، لأنه يدل على أن هذا الاختلاف ms4541 لم يكن عن جهل، وإنما كان عن علم ~~وإصرار على الباطل. وقوله - تعالى - { بغيا بينهم } زيادة أخرى ~~تحمل كل عاقل على احتقارهم ونبذهم، لأن هذه الجملة الكريمة تدل على أن ~~اختلافهم لم يكن من أجل الوصول إلى الحق، وإنما كان الدافع إليه، البغى ~~والحسد والعناد. أى أن اختلافهم على أنبيائهم كان الدافع إليه الظلم ~~وتجاوز الحد، والحرص على شهوات الدنيا ولذائذها، والخوف على ضياع شئ منها ~~من بين أيديهم. ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله ورحمته بهذه الأمة فقال ~~{ ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى ~~لقضي بينهم }. والمراد بهذه الكلمة ما وعد الله - تعالى - نبيه ~~- صلى الله عليه وسلم - من أنه لن يهلك أمته بعذاب يستأصل شأفتهم، كما ~~أهلك قوم نوح وغيرهم، ومن أنه - تعالى - سيؤخر عذابهم إلى الوقت الذى ~~يختاره ويشاؤه - سبحانه -. # أى ولولا كلمة سبقت من ربك - أيها الرسول الكريم -، بعدم إهلاكهم بعقوبة ~~تستأصل شأفتهم، وبتأخير العذاب عنهم إلى أجل مسمى فى علمه - تعالى - لقضى ~~بينهم بقطع دابرهم بسبب هذا الاختلاف الذى أدى بهم إلى الإعراض عن ~~دعوتك، وإلى عكوفهم على كفرهم. { وإن الذين أورثوا ~~الكتاب } وهم أهل الكتاب المعاصرين لك من اليهود والنصارى { من ~~بعدهم } أى من بعد الذين سبقوهم فى الاختلاف على أنبيائهم. { لفي ~~شك منه مريب } أى لفى شك من هذا القرآن. ومن كل ما جئتهم به من ~~عند ربك، هذا الشك أوقعهم فى الريبة وقلق النفس واضطرابها وتذبذبها، ~~ولذلك لم يؤمنوا بما جئتهم به من عند ربك. ثم حض - سبحانه - نبيه - صلى ~~الله عليه وسلم - على المضى فى دعوته فقال { فلذلك فادع }. واسم ~~الإشارة يعود إلى ما سبق الحديث عنه من ذم التفرق، ومن الأمر بإقامة ~~الدين، أى فلأجل ما أمرناك به من دعوة الناس إلى إقامة الدين وإلى النهى ~~عن الاختلاف والتفرق، من أجل ذلك فادع الناس إلى الحق الذى بعثناك به، ~~وإلى جمعهم على كلمة التوحيد، التى تجعلهم يعيشون حياتهم آمنين مطمئنين. ~~{ واستقم كمآ أمرت } أى واستقم على الصراط الذى ms4542 كلفناك بالسير ~~على نهجه. والزم المنهج القويم الذى أمرناك بالتزامه. { ولا تتبع ~~أهوآءهم } أى ولا تتبع شيئا من أهواء هؤلاء الذين فرقوا دينهم ~~وكانوا شيعا. { وقل } لهم بكل ثبات وقوة { آمنت بمآ أنزل ~~الله من كتاب } أى آمنت بكل ما أنزله - تعالى - من كتب سماوية، ~~فالمراد بالكتاب جنسه. { وأمرت لأعدل بينكم } أى وأمرنى ~~ربى أن أعدل بينكم فى الحكم عند رفع قضاياكم إلى، فإن العدل شريعة الله ~~تعالى. { الله ربنا وربكم } أى الله - تعالى - وحده هو ~~الخالق لنا ولكم، وهو المنعم علينا وعليكم بالنعم التى لا تحصى. { لنآ ~~أعمالنا ولكم أعمالكم } أى لنا أعمالنا التى سيحاسبنا ~~الله عليها يوم القيامة، ولكم أنتم أعمالكم التى ستحاسبون عليها، فنحن لا ~~نسأل عن أعمالكم وأنتم لا تسألون عن أعمالنا. { لا حجة بيننا ~~وبينكم } أى لا احتجاج ولا خصومة بيننا وبينكم، لأن الحق قد ظهر، ~~فلم يبق للجدال أو الخصام حاجة بيننا وبينكم. { الله يجمع ~~بيننا وإليه المصير } أى. الله - تعالى - يجمع بيننا وبينكم ~~يوم القيامة، وإليه وحده، مصيرنا ومصيركم، وسيجازى كل فريق منا ومنكم بما ~~يستحقه من جزاء. فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد اشتملت على عشر جمل، ~~هذه الجمل الكريمة قد جاءت بأسمى ألوان الدعوة إلى الله - تعالى - ~~بالحكمة والموعظة الحسنة. ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الذين يجادلون ~~بالباطل فقال { والذين يحآجون في الله من بعد ما ~~استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم }. # وقوله { داحضة } من الدحض بمعنى الزلل والزوال. وأصله الطين الذى لا ~~تستقر عليه الأقدام. يقال دحضت رجل فلان، إذا زلت وزلقت. أى والذين ~~يخاصمون فى الله. فى دينه وشريعته، { من بعد ما استجيب له } ~~أى من بعد أن استجاب العقلاء من الناس لهذا الدين الحق، واتبعوا رسوله. { ~~حجتهم داحضة عند ربهم } أى حجة هؤلاء المجادلين ~~بالباطل، زائلة وزاهقة { وعليهم غضب } لا يقادر قدره من ربهم { ~~ولهم عذاب شديد } يوم القيام. ثم بين - سبحانه - حال الكافرين ~~والمؤمنين بالنسبة ليوم القيامة، كما بين جانبا من فضله على عباده، ومن ~~حرمته ms4543 بهم، فقال - تعالى - { الله الذي أنزل... في الآخرة ~~من نصيب }. ### || [42.17-20] # والمراد بالكتاب فى قوله - تعالى - { الله الذي أنزل ~~الكتاب بالحق والميزان } جنسه أى جميع الكتب السماوية التى ~~أنزلها على أنبيائه. والمراد بالميزان العدل والقسط الذى تضمنته شريعته - ~~عز وجل - وأمر الناس بإقامته بينهم فى أمور معاشهم. وتسمية العدل ~~بالميزان من باب تسمية الشئ باسم آلته، لأن الميزان آلة الإنصاف والقسط ~~بين الناس فى معاملاتهم. قال - تعالى - # لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط # وقال - سبحانه - # الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه ~~البيان الشمس والقمر بحسبان والنجم والشجر ~~يسجدان والسمآء رفعها ووضع الميزان ألا ~~تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا ~~تخسروا الميزان # أى الله - تعالى - هو وحده الذى أنزل جميع الكتب السماوية لهداية الناس ~~ومنفعتهم، وقد أنزلها - سبحانه - ملتبسة بالحق الذى لا يحوم حوله باطل، ~~وأنزل كذلك شريعته العادلة ليتحاكم إليها الناس فى قضاياهم ومعاملاتهم. ~~وقوله - تعالى - { وما يدريك لعل الساعة قريب } إرشاد ~~إلى أن وقت قيام الساعة لا يعلمه إلا الله - تعالى - أى إن وقت قيام ~~الساعة لا يعلمه إلا الله - تعالى - وحده، وأى شئ يجعلكم عالما بوقتها ~~إذا كان مرد علمها إلى الله وحده، ومع ذلك لعل وقت قيامها قريب. وقال { ~~قريب } ولم يقل قريبة، لأن تأنيث الساعة غير حقيقى، أو لأن لفظ فعيل ~~يستوى فيه المذكر والمؤنث، كما فى قوله - تعالى - # إن رحمت الله قريب من المحسنين # وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند ~~الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا # وقوله - تعالى - { يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ~~والذين آمنوا مشفقون منها } بيان لموقف الكافرين ~~والمؤمنين من الساعة. أى يستعجل الكافرون قيام الساعة، استعجال استهزاء ~~وإستخفاف لجهلهم وانطماس بصائرهم، أما الذين آمنوا بالله واليوم الآخر. ~~فهم خائفون مشفقون من قيامها، لما فيها من أهوال وحساب وثواب وعقاب، ~~ولأنهم لا يدرون ما الذى سيفعله الله - تعالى - بهم. فقوله - تعالى - { ~~مشفقون } من الإشفاق، وهو عناية مشوبة بخوف، ms4544 لأن المشفق يحب المشفق ~~عليه، ويخاف ما يلحقه. فإذا عدى بحرف " من " فمعنى الخوف فيه أظهر، وإذا ~~عدى بحرف " فى " فمعنى العناية فيه أظهر. وقوله - سبحانه - { ~~ويعلمون أنها الحق } تأكيد لإيمان المؤمنين بها، ومدح لهم ~~على هذا الإيمان. أى أن المؤمنين وجلون من الساعة لما فيها من حساب.. ~~ومع ذلك فهم لصدق يقينهم يعتقدون أنها آتية لا ريب فيها، ويستعدون ~~لاستقبالها بالإيمان العميق، وبالعمل الصالح الذى يرضى الله - تعالى -. # ثم وبخ - سبحانه - الذين يشكون فى البعث والنشور فقال { ألا إن ~~الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد }. وقوله { ~~يمارون } من المماراة بمعنى المجادلة والمخاصمة. يقال مارى فلان فى ~~الشئ يمارى مراء ومماراة، إذا خاصم وجادل. أى ألا إن الذين يخاصمون فى ~~قيام الساعة خصام شك وريبة، لفى ضلال بعيد عن الحق، وفى ذهول شديد عن ~~الصواب، لأن قدرة الله - تعالى - لا يعجزها شئ، ولأن حكمته قد اقتضت أن ~~يجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب. ثم بين - سبحانه - أنه رءوف ~~رحيم بعباده فقال { الله لطيف بعباده } أى حفى بهم، عطوف ~~عليهم، يفيض عليهم جميعا من صنوف بره ما لا تحصيه العقول، ومن مظاهر ذلك ~~أنه لا يعاجلهم بالعقوبة، مع مجاهرتهم بمعصيته، وأنه يرزقهم جميعا مع أن ~~أكثرهم لا يشكرونه على نعمه. وقوله { يرزق من يشآء } أى يبسط ~~رزقه ويوسعه لمن يشاء من خلقه { وهو } سبحانه { القوي العزيز ~~} أى وهو العظيم القوة الغالب على كل من سواه. ثم حكى - تعالى - سنته ~~التى لا تتخلف فقال { من كان يريد حرث الآخرة نزد له ~~في حرثه }. والحرث فى الأصل مصدر بمعنى إلقاء البذور فى الأرض، ~~لتنبت ما ينفع الناس من زرع. والمراد به ثمرات الأعمال ونتائجها، تشبيها ~~لها بثمرات البذور. والمعنى من كان يريد من الناس بأعمال ثواب الآخرة، ~~ورضا الله - تعالى - ضاعف الله - عز وجل - له الأجر والثواب والعطاء. { ~~ومن كان يريد حرث الدنيا } أى ومن كان يريد بعمله شهوات ~~الدنيا نؤته منها، ما قدرناه له من حطامها وزخارفها. { وما ms4545 له في ~~الآخرة من نصيب } أى وليس له فى الآخرة نصيب من خيراتها الباقية، ~~ونعيمها الدائم. وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله - تعالى - # من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشآء ~~لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما ~~مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو ~~مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا كلا نمد ~~هؤلاء وهؤلاء من عطآء ربك وما كان عطآء ~~ربك محظورا # ثم انتقلت السورة الكريمة إلى توبيخ المشركين على إصرارهم على كفرهم، ~~وقارنت بين مصيرهم السئ، وبين المصير الطيب الذى وعد الله به المؤمنين... ~~فقال - تعالى - { أم لهم شركاء شرعوا.... بذات ~~الصدور }. ### || [42.21-24] # قال القرطبى قوله - تعالى - { أم لهم شركاء } أى ألهم، والميم ~~صلة الهمزة للتقريع. وهذا متصل بقوله # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا # وقوله - تعالى - # الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان # كانوا لا يؤمنون به، فهل لهم آلهة شرعوا لهم الشرك الذى لم يأذن به ~~الله؟ وإذا استحال هذا فالله لم يشرع الشرك، فمن أين يدينون به. فالآية ~~الكريمة تنكر عليهم شركهم بأبلغ أسلوب، وتؤنبهم على جهالتهم حيث أشركوا ~~بالله - تعالى - دون أن يكون عندهم دليل أو ما يشبه الدليل على صحة ما ~~وقعوا فيه من باطل. والمراد بكلمة الفصل فى قوله - تعالى - { ولولا ~~كلمة الفصل لقضي بينهم } ما تفضل به - سبحانه - من ~~تأخير العذاب الماحق عنهم. أى ولولا حكمنا بتأخير العذاب عنهم - فضلا منا ~~وكرما - لقضى الأمر بين هؤلاء الكافرين وبين المؤمنين، بأن أهلكنا ~~الكافرين واستأصلنا شأفتهم فى الدنيا، ولكن شاء ربك أن يؤخر عذابهم إلى ~~يوم القيامة. { وإن الظالمين لهم عذاب أليم } فى ~~الآخرة، بسبب إصرارهم على ظلمهم وموتهم على الكفر والشرك. ثم صور - ~~سبحانه - أحوالهم السيئة يوم القيامة تصويرا مؤثرا فقال { ترى ~~الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم }. أى ~~ترى - أيها العاقل - هؤلاء الظالمين يوم القيامة { مشفقين مما ~~كسبوا } أى خائفين خوفا شديدا، بسبب ما اكتسبوه فى الدنيا من سيئات ~~على رأسها الكفر، وهذا الذعر الشديد لن ينفعهم، فإن ms4546 العذاب واقع بهم لا ~~محالة، سواء أخافوا أم لم يخافوا. وقوله - تعالى - { والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ~~ما يشآءون عند ربهم.. } بيان للثواب العظيم الذى أعده الله ~~- تعالى - لعباده المؤمنين. والروضات جمع روضة، وهو أشرف بقاع الجنة ~~وأطيبها وأعلاها. أى هذا هو مصير الظالمين يوم القيامة، أما الذين آمنوا ~~وعملوا فى دنياهم الأعمال الصالحات، فهم يوم القيامة يكونون فى أشرف بقاع ~~الجنات وأطيبها وأسماها منزلة، حالة كونهم لهم ما يشاءون من خيرات عند ~~ربهم. { ذلك هو الفضل الكبير } أى الذى أعطيناه للمؤمنين من ~~خيرات، هو الفضل الكبير. الذى لا يعادله فضل، ولا يماثله كرم. واسم ~~الإشارة فى قوله - تعالى - { ذلك الذي يبشر الله ~~عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات }. أى ذلك الفضل ~~الكبير، هو البشارة العظمى والعطاء الجزيل، الذى يمنحه الله - تعالى - ~~يوم القيامة لعباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات. قال الآلوسى قوله { ~~ذلك } أى الفضل الكبير، أو الثواب المفهوم من السياق، هو { الذي ~~يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } أى يبشر به فحذف الجار ثم العائد إلى الموصول، كما هو ~~عادتهم فى التدريج فى الحذف ولا مانع من حذفهما دفعة. # وجوز كون { ذلك } إشارة إلى التبشير المفهوم من " يبشر ". أى ذلك ~~التبشير يبشره الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات. ثم أمر الله - ~~تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم - أن يؤكد لأولئك المشركين من قومه، أنه ~~لا يسألهم أجرا على دعوته، وإنما يسألهم المودة والمعاملة الحسنة لقرابته ~~منهم فقال { قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة ~~في القربى }. والضمير المجرور فى { عليه } يعود إلى التبليغ ~~والتبشير والإنذار الذى يفعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - معهم { ~~القربى } مصدر كالقرابة والخطاب لكفار قريش. وللعلماء فى تفسير هذه ~~الآية أقوال أولها أن المراد بالقربى الصلة والقرابة التى تربط بين ~~الرسول وبين كفار قريش. أى قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين ~~إنى لا أسألكم على التبليغ أجرا، لكن أسألكم أن تودونى لقرابتى فيكم، ~~فتكفوا عنى أذاكم، وتمنعوا عنى أذى غيركم، وتستجيبوا لدعوتى، ms4547 فإن صلة ~~القرابة والرحم التى بينى وبينكم توجب عليكم ذلك. فالقربى هنا بمعنى ~~القرابة وصلة الرحم. و { في } للسببية بمعنى لام التعليل كما جاء فى ~~الحديث الشريف # " دخلت امرأة النار فى هرة ". # ولا شك أن منع أذاهم عنه - صلى الله عليه وسلم - بسبب قرابته فيهم ليس ~~أجرا. وثانيها أن المراد بالقربى هنا أقاربه وعشيرته وعترته فيكون المعنى ~~لا أسألكم أجرا على دعوتى لكم إلى الخير والحق، ولكن أسألكم أن تحفظونى ~~فى قرابتى وأهل بيتى، بأن تحسنوا إليهم ولا تؤذوهم بأى نوع من الأذى. ولا ~~شك - أيضا - أن إحسانهم إلى أقاربه، ليس أجرا منهم له على ذلك لأن ~~الإحسان إلى الناس، شئ قررته جميع الشرائع وتقتضيه مكارم الأخلاق. ~~وثالثها أن المراد بالقربى هنا التقرب إلى الله - تعالى - بالإيمان ~~والعمل الصالح. أى لا أسألكم على التبليغ أجرا، ولكن أسألكم أن تتقربوا ~~إلى الله - تعالى - بما يرضيه بأن تتركوا الكفر والفسوق والعصيان، ~~وتدخلوا فى الإيمان والطاعة لله - تعالى -. وهذا الذى طلبه منهم، ليس ~~أجرا على التبليغ، لأن التقرب إلى الله بالطاعات فرض عليهم. وقد رجح ~~العلماء القول الأول، واستدلوا على هذا الترجيح بأحاديث منها ما رواه ~~البخارى عن ابن عباس أن سئل عن معنى قوله - تعالى - { إلا ~~المودة في القربى } ، فقال سعيد بن جبير " قربى آل محمد " ~~فقال ابن عباس عجلت. إن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يكن بطن من ~~قريش إلا كان له فيهم قرابة. فقال إلا أن تصلوا ما بينى وبينكم من ~~القرابة. وقال ابن كثير بعد أن ساق هذا الحديث وغيره، وبهذا الرأى قال ~~مجاهد وعكرمة، وقتادة، والسدى، وأبو مالك، وعبد الرحمن بن زيد، وغيرهم. # وقال الإمام ابن جرير - بعد أن ساق هذه الأقوال - وأولى الأقوال فى ذلك ~~بالصواب، وأشبهها بظاهر التنزيل، قول من قال معناه لا أسألكم عليه أجرا ~~يا معشر قريش، إلا أن تودونى فى قرابتى منكم، وتصلوا الرحم التى بينى ~~وبينكم. وإنما قلت هذا التأويل أولى بتأويل الآية، لدخول { في } فى قوله ~~{ إلا المودة في القربى ms4548 }. ولو كان معنى ذلك على ما قاله ~~من قال إلا أن تودوا قرابتى، أو تتقربوا إلى الله، لم يكن لدخول { في } ~~فى الكلام فى هذا الموضع وجه معروف ولكان التنزيل إلا مودة القربى، إن ~~عنى به الأمر بمودة قرابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو إلا ~~المودة بالقربى إن عنى به الأمر بالتودد والتقرب إلى الله - تعالى -. وفى ~~دخول { في } فى الكلام أوضح الدليل على أن معناه إلا مودتى فى قرابتى ~~منكم. ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على عباده فقال { ومن ~~يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور ~~شكور }. وقوله { يقترف } من القرف بفتح القاف وإسكان الراء. ~~بمعنى الكسب، يقال فلان يقرف لعياله، أى يكسب لهم ما يكفيهم لأمور ~~معاشهم. ومن يكتسب حسنة يبغى بها التقرب إلى الله تعالى، نضاعف له - ~~بفضلنا وإحساننا - ثوابها، إن الله تعالى واسع المغفرة لعباده. كثير ~~الشكر للطائعين بأن يعطيهم من فضله أكثر مما يستحقون ويرجون. ثم عادت ~~السورة إلى توبيخ الكافرين على كذبهم وعنادهم، فقال تعالى { أم ~~يقولون افترى على الله كذبا }. أى بل أيقولون إن محمدا - ~~صلى الله عليه وسلم - قد افترى على الله - تعالى - كذبا فيما يدعونا ~~إليه، وفيما يتلوه علينا من قرآن؟ ثم أجاب - سبحانه - عن افترائهم هذا ~~بقوله { فإن يشإ الله يختم على قلبك } أى فإن يشأ ~~الله - تعالى - يجعلك من المختوم على قلوبهم حتى تفترى عليه الكذب، لأن ~~افتراء الكذب على الله لا يكون إلا ممن طبع الله على قلوبهم فهم لا ~~يفقهون، وأنت أيها الرسول الكريم مبرأ ومنزه عن ذلك. فالمقصود من الجملة ~~الكريمة تنزيه ساحة الرسول - صلى الله عليه وسلم - عما قاله المشركون فى ~~شأنه، وإثبات أن افتراء الكذب. إنما هو من شأنهم لا من شأنه - صلى الله ~~عليه وسلم -. قال صاحب الكشاف قوله { فإن يشإ الله يختم ~~على قلبك } أى فإن يشأ الله - تعالى - يجعلك من المختوم على ~~قلوبهم، حتى تفترى عليه الكذب، فإنه لا يجترئ على افتراء الكذب على الله ms4549 ~~إلا من كان فى مثل حالهم. # وهذا الأسلوب مؤداه استبعاد الافتراء من مثله، وأنه فى البعد مثل الشرك ~~بالله، والدخول فى جملة المختوم على قلوبهم ومثال هذا أن يخون بعض ~~الأمناء فيقول لعل الله خذلنى، لعل الله أعمى قلبى، وهو لا يريد إثبات ~~الخذلان وعمى القلب، وإنما يريد استبعاد أن يخون مثله، والتنبيه على أنه ~~ركب من تخوينه أمر عظيم. وقوله - سبحانه - { ويمح الله الباطل ~~ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور } ~~كلام مستأنف غير داخل فى جواب الشرط، لأنه - تعالى - يمحو الباطل مطلقا، ~~وسقطت الواو من الفعل { يمح } لفظا لالتقاء الساكنين، وخطا حملا له ~~على اللفظ، كما كتبوا # سندع الزبانية # فهو مرفوع لا محزوم، ويؤيد عطف { ويحق } المرفوع عليه. أى من شأن ~~الله - تعالى - أن يمحو الباطل، وأن يثبت الحق بكلماته الفاصلة، وقضائه ~~العادل، كما قال - تعالى - # بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو ~~زاهق # { إنه } سبحانه - { عليم بذات الصدور } أى مطلع على ما ~~تخفيه الصدور من أسرار ونوايا، لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء، ~~وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر. ثم تحدثت السورة الكريمة عن ~~دلائل الإيمان فى الأنفس والآفاق، وعن آثار القدرة فيما يحيط بالناس، ~~وفيما يتعلق بحياتهم ومعاشهم، وفيما يتعلق بمظاهر لطفه بهم، وفضله عليهم، ~~فقال - تعالى - { وهو الذي يقبل التوبة... وعلى ~~ربهم يتوكلون }. ### || [42.25-36] # قال الجمل فى حاشيته قوله - تعالى - { وهو الذي يقبل ~~التوبة عن عباده } قال ابن عباس يريد أولياءه وأهل طاعته. ~~والتوبة واجبة من كل ذنب، فإن كان معصية بين العبد وربه فلها ثلاثة شروط، ~~الإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها، والعزم على عدم العودة إليها. ~~وإن كانت المعصية تتعلق بحق آدمى، أضيف إلى ذلك أن يبرأ من حق صاحبها.. ~~والمعنى وهو - سبحانه - وحده الذى يقبل التوبة من عباده التائبين إليه، ~~شفقة عليهم، ورحمة بهم، بأن يكفر سيئاتهم، ولا يعاقبهم عليها. والقبول ~~يعدى بعن، لتضمنه معنى الإبانة والقطع، ويعدى بمن لتضمنه معنى الآخذ كما ~~فى قوله ms4550 - تعالى - # وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم ~~كفروا بالله وبرسوله # وعدى بعن هنا للإشارة إلى تجاوزه سبحانه عن خطايا عباده. وقوله - تعالى ~~- { ويعفوا عن السيئات } تأكيد لما قبله وتقرير له أى أنه ~~عز وجل يقبل التوبة من عباده التائبين، وفضلا عن ذلك، يعفو عن سيئاتهم، ~~ويسترها عليهم، بل ويحولها - بفضله إلى حسنات، كما قال - تعالى - # إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك ~~يبدل الله سيئاتهم حسنات # وقوله - سبحانه - { ويعلم ما تفعلون } تحذير من التمادى فى ~~تأخير التوبة، وفى اقتراف ما نهى عنه، فكأنه - تعالى - يقول لقد فتحت لكم ~~باب التوبة والعفو، فأقبلوا على طاعتى، واتركوا معصيتى، فإنى عليم بما ~~تفعلونه من خير أو شر، وسأجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب. و { ~~ما } فى قوله { ويعلم ما تفعلون } موصولة، والعائد محذوف. أى ~~ويعلم الذى تفعلونه دون أن يخفى عليه - تعالى - شئ منه. وقوله - تعالى - ~~{ ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~ويزيدهم من فضله.. } معطوف على قوله { يقبل التوبة ~~عن عباده }. أى ويستجيب سبحانه من الذين آمنوا دعاءهم، ويزيدهم من ~~فضله وإحسانه، بأن يعطيهم من النعم والخيرات أكثر مما سألوا. قال الآلوسى ~~ما ملخصه والموصول مفعول بدون تقدير شئ، بناء على أن { يستجيب } ~~يتعدى بنفسه، كما يتعدى باللام، نحو شكرته وشكرت له، أو بتقدير اللام على ~~أنه من باب الحذف والإيصال، والأصل ويستجيب للذين آمنوا.. { ~~والكافرون لهم عذاب شديد } أى هذا هو حال المؤمنين يجيب ~~لهم - سبحانه - دعاءهم، ويزيدهم من فضله وإحسانه... أما الكافرون الذين ~~ستروا نعمه، وجحدوا فضله، فلهم عذاب شديد لا يعلم مقداره إلا هو- سبحانه ~~-. ثم بين - سبحانه - جانبا مما اقتضته حكمته فى تدبير أمور عباده فقال { ~~ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ~~ولكن ينزل بقدر ما يشآء }. والبغى تجاوز الحد فى كل ~~شئ يقال بغى الجرح، إذا أظهر ما بداخله من دم أو غيره. # وبغى القوم، إذا تجاوزوا حدودهم فى العدوان على غيرهم. أى ولو بسط الله ~~- تعالى - الرزق لعباده، بأن وسعه ms4551 عليهم جميعا توسعة فوق حاجتهم، { ~~لبغوا في الأرض } أى لتجاوزوا حدودهم، ولتكبروا فيها، ولطغوا ~~وعتوا وتركوا الشكر لنا، وقالوا ما قاله قارون # إنمآ أوتيته على علم عندي # وقوله { ولكن ينزل بقدر ما يشآء } بيان لما اقتضته ~~حكمته - تعالى - أى أن حكمته - تعالى - قد اقتضت عدم التوسعة فى الرزق ~~لجميع عباده، لأن هذه التوسعة تحملهم على التكبر والغرور والبطر، لذا ~~أنزل الله - تعالى - لهم الرزق بتقدير محدد اقتضته حكمته ومشيئته، كما ~~قال - سبحانه - # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله ~~إلا بقدر معلوم # وقوله - تعالى - { إنه بعباده خبير بصير } تعليل لتنزيله ~~الرزق على عباده بتقدير وتحديد دقيق. أى فعل ما فعل - سبحانه - من إنزال ~~الرزق على عباده بقدر، لأنه - تعالى - خبير بخفايا أحوال عباده، وبطوايا ~~نفوسهم، بصير بما يقولونه وبما يفعلونه. قال صاحب الكشاف أى أنه - تعالى ~~- يعلم ما يؤول إليه حالهم، فيقدر لهم ما هو أصلح لهم، وأقرب إلى جمع ~~شملهم، فيفقر ويغنى، ويمنع ويعطى، ويقبض ويبسط، كما توجبه الحكمة ~~الربانية، ولو أغناهم جميعا لبغوا، ولو أفقرهم لهكلوا. ولا شبهة فى أن ~~البغى مع الفقر أقل، ومع البسط أكثر وأغلب، وكلاهما سبب ظاهر للإقدام ~~على البغى والإحجام عنه، فلو عم البسط، لغلب البغى حتى ينقلب الأمر اإلى ~~عكس ما هو عليه الآن. ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ألوانا من نعمه على ~~عباده، وكلها تدل على وحدانيته وكمال قدرته فقال - تعالى - { وهو ~~الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا }. أى وهو - ~~سبحانه - الذى ينزل المطر على عباده، من بعد أن انتظروه فترة طويلة حتى ~~ظهرت على ملامحهم علامات اليأس، وبدأت على وجوههم أمارات القنوط. وقوله - ~~تعالى - { وينشر رحمته } معطوف على { ينزل }. أى ينزل ~~الأمطار بعد يأس الناس من نزولها، وينشر رحمته عليهم عن طريق ما ينتج عن ~~هذه الأمطار من خيرات وبركات وأرزاق. { وهو } - سبحانه - { الولي ~~} أى الذى يتولى عباده برحمته وإحسانه { الحميد } أى المحمود على ~~فعله، حيث أنزل على عباده الغيث بعد أن ينسوا منه، والمتأمل فى هذه الآية ms4552 ~~الكريمة يراها تصور جانبا من فضل الله على عباده بطريقة محسوسة، فالتعبير ~~بالغيب يشعر بالغوث والنجدة بعد أن فقد الناس الأمل فى ذلك، والتعبير ~~بالقنوط يشعر بأن آثار الضيق قد ظهرت على وجوههم، والتعبير بقوله - تعالى ~~- { وينشر رحمته } ، يشعر بانتشار الرجاء والفرح والانشراح على ~~الوجوه بعد أن حل بها القنوط. # والتعبير بقوله - تعالى - { وهو الولي الحميد } يشعر بقرب ~~الله - تعالى - من عباده، وبوجوب شكره على ما أعطى بعد المنع، وعلى ما ~~فرج بعد الضيق. ثم بين - سبحانه - لونا آخر من ألوان كمال قدرته فقال { ~~ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما ~~من دآبة }. والمراد بالآيات هنا الدلائل والعلامات الواضحة الدالة ~~على كمال قدرته - عز وجل -. وقوله { وما بث } معطوف على { خلق ~~السماوات والأرض }. أى ومن العلامات الناصعة الدالة على كمال ~~قدرته - تعالى - خلقه للسماوات وللأرض بتلك الصورة الباهرة التى نشاهدها ~~بأعيننا، وخلقه - أيضا - لما بث فيهما من دابة، ولما نشر وفرق فيهما من ~~دواب لا يعلم عددها إلا الله - تعالى -. والدابة اسم لكل ما يدب على وجه ~~الأرض أو غيرها. وظاهر الآية الكريمة يفيد وجود دواب فى السماوات. قال ~~صاحب الكشاف فإن قلت لم قال { فيهما من دآبة } والدواب فى الأرض ~~وحدها؟. قلت يجوز أن ينسب الشئ إلى جميع المذكور وإن كان متلبسا ببعضه ~~كما يقال بنو تميم فيهم شاعر مجيد، أو شجاع بطل، وإنما هو فخذ من ~~أفخاذهم. ويجوز أن يكون للملائكة - عليهم السلام - مشى مع الطيران، ~~فيوصفوا بالدبيب كما يوصف به الأناسى، ولا يبعد أن يخلق - سبحانه - فى ~~السماوات حيوانا يمشى فيها مشى الأناسى على الأرض، سبحان الذى خلق ما ~~نعلم وما لا نعلم من أصناف الخلق. وقوله - تعالى - { وهو على ~~جمعهم إذا يشآء قدير } بيان لكمال قدرته - عز وجل -. أى وهو ~~- سبحانه - قادر قدرة تامة على جمع الخلائق يوم القيامة للحساب والجزاء. ~~كما قال - تعالى - فى آية أخرى # قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات ~~يوم معلوم # ثم بين - سبحانه - أن ما يصب الناس من بلاء ms4553 إنما هو بسبب أعمالهم فقال { ~~ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفوا عن كثير }. أى وما أصابكم - أيها الناس - من بلاء، كمرض ~~وخوف وفقر فإنما هو بسبب ما اكتسبتموه من ذنوب، وما اقترفتموه من خطايا، ~~ويعفو - سبحانه - عن كثير من السيئات التى ارتكبتموها، فلا يحاسبكم عليها ~~رحمة منه بكم. قال - تعالى - # ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ~~ظهرها من دآبة # وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث ~~والآثار منها ما رواه ابن أبى حاتم عن على بن أبى طالب - رضى الله عنه - ~~قال ألا أخبركم بأفضل آية فى كتاب الله، وحدثنا بها رسول - صلى الله عليه ~~وسلم - قال { ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم } وسأفسرها لك يا على ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء فى ~~الدنيا، فبما كسبت أيديكم، والله - تعالى - أحلم من أن يثنى عليه العقوبة ~~فى الآخرة، وما عفا الله عنه فى الدنيا فالله أكرم من أن يعود بعد عفوه. # ثم حذر - سبحانه - الناس من عقابه فقال { ومآ أنتم بمعجزين ~~في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ~~}. أى وما أنتم - أيها الناس - بقادرين على الهرب منا فى أى مكان من ~~الأرض أو فى غيرها، لأن قدرتنا لا يعجزها أن تأتى بكم من أى مكان كنتم ~~فيه، وليس لكم غير الله - تعالى - من ولى يتولى أموركم، أو نصير يدفع ~~عنكم عذابه. قال - تعالى - # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز ~~الحكيم # ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانبا من دلائل قدرته عن طريق ما يشاهده ~~الناس فى البحر، فقال - تعالى - { ومن آياته الجوار في ~~البحر كالأعلام }. والجوار جمع جارية والمراد بها السفينة لأنها ~~تجرى فى البحر، وهى صفة لموصوف محذوف. والأعلام جمع علم وهو الجبل ~~الكبير، وأصله الأثر الذى يعلم به الشئ كعلم الطريق، وعلم الجيش، وسمى ~~علما لأن الناس يسترشدون به فى ms4554 سيرهم. أى ومن آياته - سبحانه - الدالة ~~على كمال قدرته، هذه السفن الجارية فى البحر، حتى لكأنها من ضخامتها ~~وعظمها الجبال الشاهقة. { إن يشأ } - سبحانه - { يسكن الريح } ~~التى بسببها تجرى السفن فى البحار { فيظللن رواكد على ~~ظهره } أى فيصرن ثوابت على ظهر البحر لا يجرين. يقال ركد الماء ركودا ~~- من باب قعد - إذا سكن، فهو راكد. وكل شىء ثابت فى مكانه فهو راكد. { ~~إن في ذلك } الذى ذكرناه لكم من السفن المسخرة فى البحر بأمره - ~~تعالى { لآيات } عظيمات { لكل صبار شكور } أى لكل إنسان قد ~~تحلى بصفتى الصبر والشكر لله - تعالى -، حتى صارتا هاتان الصفتان سجية من ~~سجاياه.. { أو يوبقهن بما كسبوا } أى أو يهلكهن ويغرقهن ~~بسبب ما اكتسبه الراكبون فى هذه السفن من ذنوب وخطايا. يقال أوبق فلان ~~فلانا إذا حبسه أو أهلكه. ووبق فلان - كوعد ووجل، وبوقا إذا هلك. وهو ~~معطوف على قوله " يسكن " وكذلك قوله " ويعفو ". أى إن يشأ - سبحانه - ~~يسكن الريح فتظل السفن ساكنة على ظهر البحر، أو إن يشأ يرسل الريح عاصفة ~~بتلك السفن بمن فيها، أو إن يشأ ينج ناسا بالعفو عنهم. قال صاحب الكشاف " ~~يوبقهن " يهلكهن. # والمعنى أنه إن يشأ يبتلى المسافرون فى البحر بإحدى بليتين إما أن يسكن ~~الريح فيركد الجوارى على ظهر البحر، ويمنعهن من الجرى، وإما أن يرسل ~~الريح عاصفة فيهلكن إغراقا بسبب ما كسبوا من الذنوب { ويعف عن ~~كثير } منها. فإن قلت علام عطف " يوبقهن " قلت على " يسكن " لأن ~~المعنى إن يشأ يسكن الريح فيركدن، أو يعصفها فيغرقن بعصفها. فإن قلت فما ~~معنى إدخال فى حكم الإيباق حيث جزم جزمه؟ قلت معناه أو إن يشأ يهلك ناسا ~~وينج ناسا على طريق العفو عنهم. فإن قلت فمن قرأ " ويعفو "؟ قلت قد ~~استأنف الكلام. ثم بين - سبحانه - أن علمه شامل لكل شئ فقال { ويعلم ~~الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص } ~~والمحيص المهرب والمنجى من العذاب. يقال خاص فلان عن الشئ، إذا حاول ~~الفرار منه. وقراءة الجمهور بنصب " يعلم " على أنه ms4555 منصوب على فعل مقدر. ~~أى فعل ما فعل - سبحانه - لينتقم من الظالمين، وليعلم الذين يجادلون فى ~~آياتنا الدالة على وحدنيتنا وقدرتنا.. أنهم لا محيص لهم ولا مهرب من ~~عذابنا، بسبب جدالهم بالباطل ليدحضوا به الحق. ثم بين - سبحانه - أن متاع ~~الدنيا مهما كثر فهو إلى زوال، فقال { فمآ أوتيتم من شيء ~~فمتاع الحياة الدنيا... } أى فما أعطيتم من شئ من متع الحياة ~~الدنيا كالغنى والصحة والجاه. فإنما هو متاع زائل من متع الحياة الدنيا. ~~{ وما عند الله } من عطاء وثواب فى الآخرة. خير وأبقى، أى هو خير ~~فى ذاته من متاع الحياة الدنيا، وأبقى منه زمانا حيث لا يزول ولا يفنى. ~~وقوله { للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } متعلق ~~بقوله { خير وأبقى } أى هذا الذى ذكرناه لكم من نعم الآخرة خير ~~وأبقى، للذين آمنوا بالله - تعالى - إيمانا حقا وللذين هم يتوكلون ولا ~~يعتمدون إلا على ربهم وحده، لا على غيره أصلا. وبعد هذا البيان المفصل ~~للبراهين الدالة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته، وللنعم التى أسبغها ~~- سبحانه - على عباده... بعد كل ذلك أخذت السورة الكريمة فى بيان الصفات ~~الطيبة والمناقب الحميدة، التى وفق الله - تعالى - عباده المؤمنين للتحلى ~~بها، فقال { والذين يجتنبون كبائر... لمن عزم ~~الأمور }. ### || [42.37-43] # وقوله - تعالى - { والذين يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش } معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك # وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ~~ربهم يتوكلون # أو بدل منه. وكبائر الإثم هى الذنوب الكبيرة التى يترتب عليها إقامة ~~الحد على فاعلها أو الوعيد الشديد من الله - تعالى - لمرتكبها، كقتل ~~النفس، وتعاطى الربا، وما يشبه ذلك من الكبائر. والفواحش جمع فاحشة، وهى ~~من جملة كبائر الإثم، إلا أن الله - تعالى - خصها بالذكر من باب عطف ~~الخاص على العام، اهتماما وأكثر ما تطلق الفواحش على جريمة الزنا. كما ~~قال - تعالى - # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وسآء سبيلا # والمعنى وما عند الله - تعالى - من ثواب فى الآخرة خير وأبقى للذين ~~آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، وللذين يجتنبون ارتكاب كبائر الآثام، كقتل ms4556 ~~النفس، وأكل أموال الناس بالباطل، ويجتنبون كذلك ما فحش وعظم قبحه من ~~الذنوب، كالزنا والبخل بما آتاهم الله من فضله.. وليس المراد من هذه ~~الآية الكريمة فتح الباب لارتكاب صغائر الآثام والذنوب، بل المراد بيان ~~فضل الله - تعالى - على عباده، ورحمته بهم، وبيان أن اجتناب كبائر الإثم ~~والفواحش، يؤدى - بفضل الله وكرمه - إلى غفران صغائر الذنوب، كما قال - ~~تعالى - # إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما # وقوله - سبحانه - { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } صفة أخرى ~~من صفاتهم الكريمة. أى ما عند الله خير وأبقى، للذين آمنوا وعلى ربهم ~~يتوكلون، وللذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وللذين من صفاتهم - أيضا ~~- أنهم يتجاوزون عن الشخص الذى أغضبهم، ويصفحون عنه، ويحلمون عليه. وخص ~~حالة غضبهم بالغفران، لأن هذه الحالة لا يقدر عليها إلا أصحاب العزائم ~~القوية، إذ من المعروف أن الإنسان فى حالة غضبه، كثيرا ما يفقد صوابه، ~~ويغلب عليه عدم السيطرة على مشاعره، فإذا ما استطاع أن يكظم غيظه فى حالة ~~غضبه، كان ذلك دليلا على قوة إيمانه وعلى ملكه لنوازع نفسه. قال صاحب ~~الكشاف " هم يغفرون " أى هم الأخصاء بالغفران فى حال الغضب، لا يغول ~~الغضب أحلامهم كما يقول حلوم الناس. والمجئ بلفظ " هم " وإيقاعه مبتدأ ~~وإسناد " يغفرون " إليه، لهذه الفائدة، ومثله " هم ينتصرون ". ثم ذكر - ~~سبحانه - صفات كريمة لهم فقال { والذين استجابوا لربهم } ~~أى أطاعوه فى كل ما أمرهم به، أو نهاهم عنه.. { وأقاموا الصلاة ~~} أى حافظوا عليها، وأدوها فى أوقاتها بخشوع وإخلاص لله رب العالمين. { ~~وأمرهم شورى بينهم } أى شأنهم أنهم إذا حدث بينهم أمر هام ~~يحتاج إلى المراجعة والمناقشة، تجمعوا وتشاوروا فيما هو أنفع وأصلح. # قال القرطبى ما ملخصه " قوله - تعالى - { وأمرهم شورى ~~بينهم } أى يتشاورون فى الأمور. والشورى مصدر شاورته - والتشاور ~~استخراج الرأى من الغير.. قال الحسن ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمورهم. ~~وقال ابن العربى الشورى ألفة للجماعة، ومسبار للعقول، وسبب إلى الصواب. ~~وقد قال الشاعر الحكيم # إذا بلغ الرأى المشورة ms4557 فاستعن برأى لبيب أو نصيحة حازم ولا تجعل ~~الشورى عليك غضاضة فإن الخوافى قوة للقوادم # وقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يستشير أصحابه فى الأمور التى ~~تتعلق بالحروب وما يشببها من الأمور الدنيوية، ولم يكن يشاورهم فى ~~الأحكام لأنها منزلة من عند الله - تعالى -. فأما الصحابة فكانوا ~~يتشاورون فى الأحكام، ويستنطبونها من الكتاب والسنة، فقد تشاوروا فى ~~الخلافة بعد موت الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفى ميراث الجد، وفى حروب ~~المرتدين. وقوله { ومما رزقناهم ينفقون } أى ومن صفات ~~هؤلاء المؤمنين الصادقين - أيضا - أنهم مما أعطيناهم من الرزق، يتصدقون ~~على غيرهم من المحتاجين. { والذين إذآ أصابهم البغي هم ~~ينتصرون } أى أن من صفاتهم كذلك أنهم إذا بغى عليهم باغ، أو ظلمهم ~~ظالم، أو اعتدى على كرامتهم أو على دينهم معتد، فإنهم لا يخضعون له، ولا ~~يذلون أمامه، وإنما هم ينتصرون لدينهم ولكرامتهم، بأن يقابلوا بغيه ~~وعدوانه، بما يردعه ويجعله يخشى إصابتهم بأذى. وقوله - تعالى - { ~~وجزآء سيئة سيئة مثلها.. } بيان لوجوب عدم تجاوز الحد ~~عنه دفع الظلم. أى أن الله - تعالى - يأمركم أنكم إذا أردتم الانتصار من ~~الباغى فعليكم أن تقابلوا بغيه وظلمه وعدوانه بمثله بدون زيادة منكم على ~~ذلك، كما قال - تعالى - فى آية أخرى # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن ~~صبرتم لهو خير للصابرين # قال الشوكانى " ذكر - سبحانه - المغفرة عند الغضب فى معرض المدح فقال { ~~وإذا ما غضبوا هم يغفرون } كما ذكر الانتصار على الباغى ~~فى معرض المدح - أيضا - لأنه التذلل لمن بغى، ليس من صفات من جعل الله له ~~العزة، حيث قال - سبحانه - # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن ~~المنافقين # فالانتصار عند البغى فضيلة، كما أن العفو عند الغضب فضيلة. قال النخعى ~~كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم السفهاء. ولكن هذا الانتصار ~~مشروط بالاقتصار على ما جعله الله - تعالى - له، وعدم مجاوزته، كما بينه ~~- سبحانه - عقب ذلك بقوله { وجزآء سيئة سيئة مثلها } ~~فبين - سبحانه - أن العدل فى الانتصار، هو الاقتصار على المساواة.. " ثم ~~بين - سبحانه - ما ms4558 هو أسمى من مقابلة السيئة بمثلها فقال { فمن عفا ~~وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين ~~}. # أى فمن عفا عمن أساء إليه، وأصلح فيما بينه وبين غيره فأجره كائن على ~~الله - تعالى - وحده، وسيعطيه - سبحانه - من الثواب ما لا يعلمه إلا هو - ~~عز وجل -. إنه - تعالى - لا يحب الظالمين بأى لون من ألوان الظلم. وفى ~~الحديث القدسى # " يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسى وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ". # ثم أكد - سبحانه - ما سبق أن بينه من أن دفع بغى الباغى أمر محمود، فقال ~~تعالى { ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما ~~عليهم من سبيل }. واللام فى قوله { ولمن انتصر } هى لام ~~الابتداء، وقوله { بعد ظلمه } مصدر مضاف لمفعوله و " من " شرطية، ~~وجوابها { فأولئك ما عليهم من سبيل } والمراد بالسبيل ~~المؤاخذة والحرج.. أى أن من انتصر لدينه وعرضه بعد ظلم الظالم له، فأولئك ~~الذين يفعلون ذلك، لا يؤاخذون من أحد، ولا يلامون من غيرهم، لأنهم باشروا ~~حقهم الذى شرعه الله - تعالى - لهم، وهو مقابلة السيئة بمثلها. ثم بين - ~~سبحانه - على من تقع المؤاخذة والمعاقبة فقال { إنما السبيل ~~على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير ~~الحق }. أى إنما المؤاخذة والمعاقبة كائنة على الذين يظلمون غيرهم من ~~الناس، ويتكبرون ويتجاوزون حدودهم فى الأرض بغير الحق. وقيد - سبحانه - ~~البغى فى الأرض بكونه بغير الحق، لبيان أنه لا يكون إلا كذلك، إذ معناه ~~فى اللغة تجاوز الحد. يقال بغى الجرح، إذ تجاوز الحد فى فساده، فهذا ~~القيد إنما هو لبيان الواقع، وللتنفير منه. { أولئك لهم ~~عذاب أليم } أى أولئك الذين من صفاتهم الظلم والبغى لهم عذاب أليم، ~~بسبب ما اجترحوه من ظلم وبغى. ثم ختم - سبحانه - هذه الصفات الكريمة ~~للمؤمنين فقال { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم ~~الأمور }. أى وللإنسان الصابر على الأذى الذى يصفح عمن أساء إليه، ~~الثواب الجزيل، والعاقبة الحسنة، لأن ذلك الصبر والمغفرة منه، لمن الأمور ~~التى تدل على الهمة، وقوة العزيمة.. هذا، والمتأمل فى هذه الآيات ~~الكريمة، يراها ms4559 قد مدحت المؤمنين الصادقين بجملة من الصفات الحميدة، التى ~~تعتبر على رأس الصفات الأساسية، لكل أمة تريد أن تنال الظفر والسعادة فى ~~دنياها وآخرتها. وبعد هذا الحديث عن المؤمنين وعن صفاتهم الكريمة وعما ~~أعده سبحانه لهم من ثواب، جاء الحديث عن الظالمين وما أعد لهم من عقاب، ~~وأمرهم - سبحانه - بالاستجابة لدعوة الحق من قبل أن يأتى يوم الحساب، ~~الذى لا ينفعهم فيه شفيع أو نصير، فقال - تعالى - { ومن يضلل ~~الله فما... فإن الإنسان كفور }. ### || [42.44-48] # وقوله تعالى { ومن يضلل الله فما له من ولي من ~~بعده.. } أى ومن يخذله الله تعالى ويبعده عن طريق الهداية بسبب زيغه ~~وإيثاره الغى على الرشد، فليس لهذا الضال من ناصر ينصره بعد الله - تعالى ~~-. فالمراد بالضلال هنا ما هو ضد الهداية والتوفيق للخير. والضمير فى ~~قوله " من بعده " يعود إلى الله - عز وجل - وقيل يعود للخذلان المفهوم من ~~قوله " يضلل ". ثم بين - سبحانه - حال الظالمين عندما يعرضون على النار ~~فقال { وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون ~~هل إلى مرد من سبيل }. أى وترى - أيها العاقل - الظالمين ~~حين رأوا العذاب المعد لهم يوم القيامة، تراهم فى نهاية الحسرة والذلة، ~~ويقولون فى ندامة وانكسار هل إلى { مرد } أى مرجع إلى الدنيا من سبيل ~~أو طريق، فنعمل غير الذى كنا نعمل. وقوله - سبحانه - { وتراهم ~~يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف ~~خفي } بيان لحالهم عندما يعرضون على النار بعد بيان ما يقولونه عند ~~رؤيتهم لها. أى أنهم عند رؤيتهم لجهنم يقولون هل من طريق للهرب من هذا ~~العذاب لكى نرجع إلى الدنيا فنؤمن بالله - تعالى - ونعمل صالحا، فلما ~~وجدوا أنه لا طريق إلى ذلك زاد انكسارهم وذلهم وتراهم - أيها العاقل - ~~يعرضون على النار عرضا مؤلما، فهم خاضعون متضائلون من شدة ما أصابهم من ~~ذل، يسترقون النظر إلى النار من طرف خفى، أى من عين لا تكاد تتحرك من شدة ~~ضعفها وهوانها.. قال صاحب الكشاف { خاشعين } متضائلين متقاصرين بما ~~يلحقهم، وقوله { من الذل } متعلق بخاشعين - { ينظرون من ms4560 ~~طرف خفي } أى يبتدئ نظرهم من تحريك لأجفانهم ضعيف خفى بمسارقته ~~كما ترى المصبور - أى المحبوس للقتل - ينظر إلى السيف، وهكذا نظر الناظر ~~إلى المكاره، لا يقدر أن يفتح أجفانه عليها، ويملأ عينيه منها، كما يفعل ~~الناظر إلى الشئ المحبوب... ". ثم بين - سبحانه - ما يقوله المؤمنون ~~الفائزون برضا الله - تعالى - بعد رؤيتهم لأحوال هؤلاء الظالمين فقال { ~~وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا ~~أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا إن ~~الظالمين في عذاب مقيم }. أى وقال المؤمنون - على سبيل ~~التحدث بنعمة الله عليهم - بعد أن رأوا انكسار الظالمين وذلتهم... قالوا ~~هؤلاء هم الخاسرين الذين خسروا أنفسهم يوم القيامة بتعريضها للعذاب ~~المهين، وخسروا أهليهم لأنهم إن كانوا معهم فى النار فلن ينفعوهم بشئ، ~~وإن كانوا فى الجنة فلن يستطيعوا الوصول إليهم... ألا إن ذلك العذاب ~~المقيم الذى حل بهؤلاء الظالمين هو الخسران التام الكامل الذى لا خسران ~~أفظع منه. # { وما كان لهم من أوليآء ينصرونهم من دون ~~الله ومن يضلل الله.. } أى لم يكن لهؤلاء الظالمين من نصراء ~~أو شفعاء يحولون بينهم وبين العذاب الذى أعده - سبحانه - لهم بسبب ظلمهم ~~وكفرهم. { ومن يضلل الله } أى ومن يضله الله - تعالى - عن طريق ~~الهداية والرشاد { فما له من سبيل } أى فما له من طريق إلى الهدى ~~أو النجاة. ثم يوجه - سبحانه - أمره إلى هؤلاء المعاندين، يدعوهم إلى ~~الاستجابة للحق من قبل أن يأتى يوم القيامة الذى لا شك فى مجيئه... فيقول ~~{ استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا ~~مرد له من الله.. }. أى استجيبوا - أيها الناس - لدعوة الحق ~~التى دعاكم إليها ربكم وخالقكم، عن طريق الرسول الذى أرسله - سبحانه - ~~إليكم، ولتكن استجابتكم عاجلة فى هذه الدنيا، من قبل أن يأتى يوم القيامة ~~الذى لن يستطيع أحد أن يرده أو يدفعه، بعد أن حكم - سبحانه - بمجيئه، ~~وجعل له أجلا محددا لا يتخلف عنه. ثم بين - سبحانه - حالهم عند مجئ هذا ~~اليوم فقال { ما لكم من ملجأ يومئذ وما لكم من ~~نكير }. والملجأ هو المكان ms4561 الذى يلجأ إليه الإنسان عند الشدائد ~~والكروب لاتقائها، والنكير بمعنى الإنكار. أى ليس لكم فى هذا اليوم ملجأ ~~تلتجئون إليه من العذاب، وليس لكم القدرة على إنكار شئ مما اجترحتموه فى ~~الدنيا من الكفر والعصيان، لأنه مسجل عليكم، فما نزل بكم من عذاب بسبب ~~كفركم وإعراضكم عن الحق، شئ أنتم تستحقونه، ولن تجدوا يوم القيامة من ~~ينكر استحقاقكم لهذا العذاب. قال الآلوسى قوله - تعالى - { وما لكم ~~من نكير } أى إنكار على أنه مصدر أنكر على غير القياس. ونفى مع ~~قوله - تعالى حكاية عنهم # والله ربنا ما كنا مشركين # تنزيلا لما يقع من إنكارهم منزلة العدم، نفعه وقيام الحجة، وشهادة ~~الجوارح عليهم، أو يقال إن الأمرين باعتبار تعدد الأحوال والمواقف.. ". ~~ثم بين - سبحانه - وظيفة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فقال { فإن ~~أعرضوا فمآ أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك ~~إلا البلاغ.. }. أى فإن أعرض هؤلاء الظالمون عن دعوتك - أيها ~~الرسول الكريم -، فلا تحزن لذلك، فإننا ما أرسلناك لتكون رقيبا على ~~أعمالهم، ومكرها لهم على الإيمان، وإنما أرسلناك لتبلغ دعوة ربك إليهم، ~~ومن شاء بعد ذلك فليؤمن ومن شاء فليكفر. والمراد بالإنسان فى قوله - ~~سبحانه - { وإنآ إذآ أذقنا الإنسان منا رحمة فرح ~~بها } جنسه الشامل للجميع والمراد بالرحمة ما يشمل الغنى والصحة ~~وغيرهما من النعم. أى وإنا إذا أعطينا ومنحنا الإنسان بفضلنا وكرمنا ~~نعمة كالمال والولد والجاه. # فرح بها وانشرح لها. { وإن تصبهم } أى الناس { سيئة } من ~~بلاء أو مرض أو خوف أو فقر { بما قدمت أيديهم } أى بسبب ما ~~اكتسبته أيديهم من المعاصى والسيئات حزنوا وامتعضوا. وقوله { فإن ~~الإنسان كفور } تعليل لجواب الشرط المحذوف، أى وإن تصبهم سيئة بما ~~قدمت أيديهم نسوا نعمنا وقنطوا، فإن الإنسان الكافر كثير الكفر والجحود ~~لنعم خالقه - عز وجل - أما من آمن وعمل صالحا فإنه يشكر ربه عند النعم، ~~ويصبر عند البلاء والنقم. * * * ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ~~بالحديث عن مظاهر قدرته التى لا يعجزها شئ، وعن نفاذ مشيئته وحكمته، وعن ~~فضله على نبيه - صلى الله عليه ms4562 وسلم - حيث أوحى إليه بما أوحى، من هدايات ~~للناس. فقال - تعالى - { لله ملك السماوات والأرض... ~~إلى الله تصير الأمور }. ### || [42.49-53] # وقوله - تعالى - { لله ملك السماوات والأرض يخلق ~~ما يشآء.. } بيان لكمال قدرته - سبحانه -، ولنفاذ مشيئته. والملك - ~~بضم الميم - الاستيلاء على الشئ والتمكن من التصرف فيه. أى لله - تعالى - ~~وحده ملك جميع ما فى السماوات والأرض، وليس لأحد معه شئ لا اشتراكا ولا ~~استقلالا، وهو - سبحانه - " يخلق ما يشاء " أن يخلقه، من غير أن يكون ~~لأحد وصاية عليه، أو اختيار لشئ معين.. ثم فصل - سبحانه - بعض مظاهر هذه ~~القدرة التامة، والإرادة النافذة فقال { يهب لمن يشآء إناثا ~~ويهب لمن يشآء الذكور أو يزوجهم ذكرانا ~~وإناثا ويجعل من يشآء عقيما } فهذه الجملة الكريمة بدل ~~مفصل من مجمل، أو بدل بعض من كل. وأحوال الناس بالنسبة للذرية لا تخلو عن ~~هذه الأقسام الأربعة فهو - سبحانه - إما أن يهب لمن يشاء من عباده إناثا ~~لا ذكور معهن، وإما أن يهب لهم ذكورا لا إناث معهن، وإما أن يهب لبعضهم ~~الإناث والذكور معا وهذا معنى قوله - تعالى - { أو يزوجهم ~~ذكرانا وإناثا } إذ التزويج معناه الجمع بين البنين والبنات. ~~وإما أن يجعل بعضهم عقيما، أى لا ذرية له، ذكرا كان أو أنثى. يقال رجل ~~عقيم وامرأة عقيم، إذا كانا لا ذرية لهما. وهذه الأحوال الأربعة كلها ~~مشاهدة فى حياة الناس، فمنهم من معه الإناث فقط، ومنهم من معه الذكور ~~فقط ومنهم من معه الذكور والإناث ومنهم من ليس معه منهما شئ وهذا كله ~~يدل على كمال قدرته - سبحانه -، وعلى نفاذ إرادته وحكمته، إذ أعطى من ~~يشاء إعطاءه بفضله، ومنع من يشاء منعه لحكمة يعلمها، لا راد لقضائه، ولا ~~معقب لحكمه. فالآية الكريمة مسوقة لبيان أن العطاء والمنع بيد الله - ~~تعالى - وحده، وأن أحوال البشر بالنسبة للذرية خاضعة لمشيئته وحده، وهو - ~~سبحانه - يقدرها وفق علمه وإرادته وحكمته ليس لأحد مدخل فى اختيار نوع ~~معين من الذرية، وليس عند أحد القدرة على إنجاب شئ منها، إذا أراد الله ms4563 ~~منعه من ذلك. قال صاحب الكشاف ما ملخصه " فإن قلت لم قدم الإناث أولا ~~على الذكور مع تقدمهم عليهن، ثم رجع فقدمهم؟ ولم عرف الذكور بعدما نكر ~~الإناث ". قلت قدم الإناث لبيان أنه - سبحانه - يفعل ما يشاء، لا ما ~~يشاءه الإنسان، فكان ذكر الإناث اللاتى من جملة ما لا يشاؤه الإنسان ~~أهم، والأهم واجب التقديم... وأخر - سبحانه - الذكور، فلما أخرهم لذلك ~~تدارك تأخيرهم، وهم أحقاء بالتقديم بتعريفهم، لأن التعريف تنويه وتشهير، ~~فكأنه قال ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المذكورين الذين لا يخفون ~~عليكم، ثم أعطى بذلك كلا الجنسين حقه من التقديم والتأخير، وعرف أن ~~تقديمهن لم يكن لتقدمهن، ولكن لمقتض آخر، فقال { ذكرانا وإناثا } ~~، كما قال # إنا خلقناكم من ذكر وأنثى.. # وقوله - تعالى - { إنه عليم قدير } تذييل قصد به تأكيد قدرته ~~وحكمته. أى إنه - سبحانه - واسع العلم بأحوال عباده وبما يصلحهم، قدير ~~على كل شئ، فهو يفعل ما يفعله عن قدرة واختيار، لا مكره له ولا معقب ~~لحكمه. ثم بين - سبحانه - الطرق التى بها يقع التكليم منه - تعالى - ~~للمختارين من عباده فقال { وما كان لبشر أن يكلمه الله ~~إلا وحيا أو من ورآء حجاب أو يرسل رسولا ~~فيوحي بإذنه ما يشآء.. }. فهذه الآية الكريمة قد دلت على أن ~~تكليم الله - تعالى - للبشر وقع على ثلاثة أوجه الأول عن طريق الوحى، وهو ~~الإعلام فى خفاء وسرعة عن طريق الإلقاء فى القلب يقظة أو مناما، ويشمل ~~الإلهام والرؤيا المنامية. والوحى مصدر أوحى، وقد غلب استعماله فيما ~~يلقى للمصطفين الأخيار من الكلمات الإلهية. والثانى عن طريق الإسماع من ~~وراء حجاب، أى حاجز، بأن يسمع النبى كلاما دون أن يرى من يكلمه، كما حدث ~~لموسى. عليه السلام - عندما كلمه ربه - عز وجل -، وهذا الطريق هو المقصود ~~بقوله - تعالى - { أو من ورآء حجاب }. والثالث عن طريق إرسال ~~ملك، وظيفته أن يبلغ الرسول ما أمره الله بتبليغه له، وهو المقصود بقوله ~~- تعالى - { أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشآء }. ~~وهذا الطريق الثالث قد وضحه الحديث الذى ms4564 رواه الإمام البخارىعن عائشة - ~~رضى الله عنها - # " أن الحارث بن هشام، سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال يا ~~رسول الله، كيف يأتيك الوحى؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - أحيانا يأتينى ~~مثل صلصلة الجرس - " # وهو أشد على - أى أحيانا يأتينى مشابها صوته وقوع الحديد بعضه على بعض - ~~فيفصم عنى وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا فيكلمنى ~~فأعى ما يقول. قالت عائشة ولقد رأيته - صلى الله عليه وسلم - ينزل عليه ~~الوحى فى اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقا. والمعنى ~~وما صح وما استقام لبشر أن يكلمه الله - تعالى - فى من حال الأحوال إلا ~~موحيا إليه، أو مسمعا أياه ما يريد إسماعه له من وراء حجاب أو يرسل إليه ~~ملكا ليبلغه ما يريده - سبحانه - منه. وقوله - تعالى - { إنه علي ~~حكيم } تعليل لما قبله، أى إنه - سبحانه - متعال عن صفات النقص، حكيم ~~فى كل أقواله وأفعاله. # ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال { وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما ~~كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان.. }. والكاف فى قوله " ~~كذلك " بمعنى مثل واسم الإشارة يعود إلى ما أوحاه إلى الرسل السابقين. ~~والمراد بالروح القرآن - وسماه - سبحانه - روحا، لأن الأرواح تحيا به، ~~كما تحيا الأبدان بالغذاء المادى. أى ومثل إيحائنا إلى غيرك من الرسل، ~~أوحينا إليك - أيها الرسول الكريم، هذا القرآن، الذى هو بمنزلة الأرواح ~~للأجساد، وقد أوحيناه إليك بأمرنا وإرادتنا ومشيئتنا، وأنت - أيها الرسول ~~الكريم - ما كنت تعرف أو تدرك حقيقة هذا الكتاب حتى عرفناك إياه، وما كنت ~~تعرف أو تدرك تفاصيل، وشرائع وأحكام هذا الدين الذى أوحيناه إليك بعد ~~النبوة. فالمقصود بهذه الآية الكريمة نفى علم الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - بهذا القرآن قبل النبوة، ونفى أن يكون - أيضا - عالما بتفاصيل ~~وأحكام هذا الدين لا نفى أصل الإيمان. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما ~~لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك ms4565 عظيما # وقوله - سبحانه - # نحن نقص عليك أحسن القصص بمآ أوحينآ إليك ~~هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين # والضمير فى قوله - تعالى - { ولكن جعلناه نورا نهدي ~~به من نشآء من عبادنا } يعود إلى القرآن الكريم، الذى عبر ~~عنه بالروح. أى ولكن جعلنا هذا القرآن العظيم نورا ساطعا، نهدى به من ~~نشاء هدايته من عبادنا. { وإنك } أيها الرسول الكريم { لتهدي } ~~من أرسلناك إليهم { إلى صراط مستقيم } أى طريق واضح قويم لا ~~اعوجاج فيه ولا التواء. وقوله { صراط الله } بدل مما قبله، وإضافته ~~إلى الله - تعالى - للتفخيم والتشريف. أى وإنك لترشد الناس إلى صراط الله ~~{ الذي له ما في السماوات وما في الأرض } ملكا وخلقا ~~وتصرفا.. { ألا إلى الله } - تعالى - وحده { تصير الأمور } ~~أى تنتهى إليه الأمور وتصعد إليه وحده، فيقضى فيها بقضائه العادل، وبحكمه ~~النهائى الذى لا معقب له. وبعد فهذا تفسير وسيط لسورة " الشورى " نسأل ~~الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده. وصلى الله على ~~سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [43 - سورة الزخرف] ### || [43.1-8] # سورة " الزخرف " من السور التى افتتحت بالحروف المقطعة، وقد سبق أن قلنا ~~فى المراد بهذه الحروف ما خلاصته هذه الحروف التى افتتحت بها بعض السور، ~~يغلب على الظن أنه جئ بها للتنبيه إلى إعجاز القرآن، لأنه مؤلف من كلام ~~هو من جنس كلامهم، ومع ذلك فقد عجزوا عن أن يأتوا بسورة من مثله.. و ~~الواو فى قوله - تعالى - { والكتاب المبين } للقسم، والمقسم به ~~الكتاب، وجواب القسم قوله - تعالى - بعد ذلك { إنا جعلناه ~~قرآنا عربيا... }. أى وحق هذا الكتاب الواضح المرشد إلى طريق ~~الحق والسعادة، لقد جعلنا بقدرتنا وحكمتنا هذا الكتاب قرآنا عربيا { ~~لعلكم تعقلون }. أى جعلناه كذلك لكى تفهموه وتتعقلوا معانيه، ~~وتهتدوا إلى ما فيه من الأحكام السامية، والآداب العالية. قال صاحب ~~الكشاف أقسم - سبحانه - بالكتاب المبين وهو القرآن وجعل قوله { إنا ~~جعلناه قرآنا عربيا } جوابا للقسم، وهو من الأيمان الحسنة ~~البديعة، لتناسب القسم والمقسم عليه، وكونهما من واد واحد.. و { ~~المبين } أى ms4566 البين الذى أنزل بلغتهم وأساليبهم... فقوله - تعالى - { ~~لعلكم تعقلون } بيان للحكمة التى من أجلها أنزل الله - تعالى ~~- هذا القرآن بلسان عربى مبين. أى جعلناه كذلك رجاء أن تعقلوا وتفهموا ~~أوامره ونواهيه، وتوجيهاته وإرشاداته. ثم بين - سبحانه - المنزلة السامية ~~التى جعلها لهذا القرآن، والصيانة التامة التى أحاطه بها فقال { ~~وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم }. والمراد ~~بأم الكتاب اللوح المحفوظ، وسمى بذلك لأن جميع الكتب السماوية منقولة ~~عنه. كما قال - تعالى - { بل هو قرآن مجيد في لوح ~~محفوظ }. وقيل المراد بأم الكتاب علمه الأزلى - عز وجل -. أى وإن ~~هذا القرآن المبين لثابت، وكائن فى اللوح المحفوظ، وهو { لدينا } أى ~~عندنا { لعلي } أى لرفيع الشأن، عظيم القدر { حكيم } أى محكم ~~النظم فى أعلى طبقات البلاغة. فلا يضيره تكذيب المكذبين، ولا طعن ~~الطاعنين. فالآية الكريمة تدل دلالة واضحة على القيمة العظيمة التى جعلها ~~- سبحانه - لهذا القرآن، فى علمه - تعالى - وتقديره، كما أن وصف هذا ~~الكتاب بقوله { علي حكيم } يؤكد هذه المنزلة السامية ويقررها. ~~وبعد هذا البيان المشرف للقرآن الكريم، أتبع - سبحانه - ذلك بالكشف عن ~~مدى الإسراف القبيح الذى ارتكبه المشركون حين أعرضوا عنه فقال - تعالى - ~~{ أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما ~~مسرفين }. والهمزة للاستفهام الإنكارى، والفاء للعطف على مقدر ~~يقتضيه المقام، والضرب هنا بمعنى التنحى والابتعاد والإهمال، تقول ضربت ~~عن فلان صفحا، إذا أعرضت عنه وتركته، والصفح مصدر صفحت عنه، إذا أعرضت ~~عنه، وذلك بأن تعطيه صفحة وجهك أى جانبه. # وهو منصوب لنضرب من غير لفظه، كما فى قولهم قعدت جلوسا. أو على الحال من ~~الفاعل على المصدرية أى صافحين. والمراد بالذكر هنا القرآن الكريم. ~~والمعنى أنعرض عنكم ونهملكم فلا نذكركم بالقرآن الكريم، ولا نرشدكم إلى ~~هداياته. بسبب إسرافكم على أنفسكم، ومحاربتكم للحق، وإيثاركم الغى على ~~الرشد؟!! لا لن نفعل ذلك، بل سننزل هذا القرآن على نبينا محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - ومن شاء بعد ذلك فليؤمن، ومن شاء فليكفر. قال الشوكانى قوله ~~{ أن كنتم قوما مسرفين } قرأ نافع وحمزة والكسائى ms4567 بكسر { إن ~~} على أنها شرطية، والجزاء محذوف لدلالة ما قبله عليه. وقرأ الباقون ~~بفتحها على التعليل، أى لأن كنتم قوما منهمكين فى الإسراف مصرين عليه. ~~ثم سلى - سبحانه - نبيه - صلى الله عليه وسلم - عن مكرهم فقال { وكم ~~أرسلنا من نبي في الأولين } و { كم } هنا خبرية ~~لإفادة كثرة الأنبياء والمرسلين وهى مفعول مقدم لأرسلنا. وقوله { من ~~نبي } تمييز لها. أى ما أكثر الرسل الذين أرسلناهم فى الأمم الأولين ~~لهدايتهم، فكان موقف أكثر هؤلاء الأمم من رسلهم. يدل على إعراضهم عنهم، ~~وتكذيبهم لهم، فاصبر - أيها الرسول الكريم - على أذى قومك، كما صبر الذين ~~من قبلك. ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى فقال { وما يأتيهم من ~~نبي إلا كانوا به يستهزئون } أى أن هؤلاء السابقين ~~لم يأتهم نبى من الأنبياء لهدايتهم، إلا استهزأوا به، وسخروا منه، ~~وأعرضوا عنه. فماذا كانت نتيجتهم؟ كانت استهزائهم برسلهم كما قال - تعالى ~~- { فأهلكنآ أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين ~~}. والضمير فى قوله { منهم } يعود إلى القوم المسرفين، المخاطبين ~~بقوله - تعالى - { أفنضرب عنكم الذكر صفحا... } وفى ~~الآية التفات من الخطاب الى الغيبة، لأنه كان الظاهر أن يقال فأهلكنا أشد ~~منكم بطشا - أيها المشركون -. وقوله { أشد منهم } مفعول به ~~لأهلكنا. وأصله نعت لمحذوف. أى فأهلكنا قوما أشد منهم بطشا. والبطش ~~السطوة والقوة. يقال فلان بطش بفلان إذا أخذه بقوة وعنف، ومنه قوله - ~~تعالى - # وإذا بطشتم بطشتم جبارين # والمراد " بمثل الأولين " صفتهم المتمثلة فى استئصال شأفتهم، وقطع ~~دابرهم. أى هكذا كان موقف السابقين من رسلهم، لقد استهزءوا برسلهم ~~فأهلكناهم، وكانوا أشد قوة وبطشا من قومك المسرفين أيها الرسول الكريم - ~~وقد اقتضت حكمتنا أن نسوق لقومك قصص هؤلاء السابقين وصفاتهم وما حل بهم ~~من نكبات، لكى يعتبروا بهم، ولا ينهجوا نهجهم، حتى لا يصيب قومك ما أصاب ~~أولئك السابقين المكذبين. ومن الآيات الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى ~~قوله - تعالى - # أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم ~~قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله ms4568 بذنوبهم ~~وما كان لهم من الله من واق # ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك نماذج من تناقض هؤلاء المشركين مع أنفسهم ومن ~~مواقفهم الجحودية من نعم الله - تعالى - عليهم.. فقال - تعالى - { ~~ولئن سألتهم من خلق السماوات... إلى ربنا ~~لمنقلبون }. ### || [43.9-14] # واللام فى قوله - تعالى - { ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض } للقسم. وجوابه قوله - تعالى - بعد ذلك { ~~ليقولن خلقهن... }. والمعنى وحق الله الذى لا إله إلا هو، ~~لئن سألت - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المشركين عمن خلق هذا الكون، ~~ليقولون بدون تردد الله - تعالى - المتصف فى نفس الأمر بالعزة والعلم. ~~فالآية الكريمة تدل دلالة صريحة على أن هؤلاء المشركين يعترفون بأن الله ~~هو الخالق لهذا العالم، وأن معبوداتهم بعض خلقه - تعالى - ولكنهم لجهلهم ~~وانطماس بصائرهم أشركوها معه فى العبادة، وقالوا # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى... # ويبدو أن هاتين الصفتين { العزيز العليم } ليستا من أقوالهم. ~~فهم كانوا يعترفون بأن الله هو الخالق لهذا الكون، ولكنهم لم يكونوا ~~يعرفون الله بصفاته التى جاء بها القرآن الكريم. ولذا قال بعض العلماء ~~الذى يظهر أن هذا الكلام مجزأ، فبعضه من قولهم وبعضه من قول الله - تعالى ~~-، فالذى هو من قولهم { خلقهن } ، وما بعده من قول الله - عز وجل ~~-، وأصل الكلام أنهم قالوا خلقهن الله، ويدل عليه قوله - تعالى - فى آية ~~أخرى # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله # ثم لما قالوا خلقهن الله وصف الله - تعالى - ذاته بهاتين الصفتين. ثم ~~وصف - سبحانه - ذاته بصفات أخرى فقال { الذي جعل لكم الأرض ~~مهدا... }. المهد والمهاد الفراش المهد المذلل الذى يستقر عليه من جلس ~~فوقه. أى الخالق لهذا العالم هو الله العزيز العليم، الذى جعل لكم الأرض ~~كالفراش الممهد، حيث بسطها لكم، وجعلها صالحة لسيركم عليها، ولإنبات ~~الزروع فيها. { وجعل لكم فيها سبلا } أى وجعل لكم فيها طرقا ~~متعددة، لكى تسلكوها، فتصلوا من بلد إلى آخر، ومن قطر إلى قطر، كما قال - ~~تعالى - فى آية أخرى # والله جعل لكم الأرض بساطا لتسلكوا منها ~~سبلا فجاجا # وقوله - تعالى ms4569 - { لعلكم تهتدون } بيان للحكمة من جعل الأرض ~~كذلك، أى جعلها ممهدة كثيرة الطرق، لعلكم تهتدون إلى ما تريدون الوصول ~~إليه من البلاد، ومن المنافع المتعددة. ثم وصف - سبحانه - ذاته بصفة ~~ثانية فقال { والذي نزل من السمآء مآء بقدر }. أى ~~وهو - تعالى - الذى أنزل من السماء ماء بمقدار معين على قدر حاجتهم ~~ومصلحتكم، فلا هو بالكثير الذى يغرقكم ولا هو بالقليل الذى لا يكفى ~~حاجتكم، بل نزله بقدر كفايتكم، كما قال - سبحانه - # وأنزلنا من السمآء مآء بقدر فأسكناه في ~~الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون # وكقوله - تعالى - فى آية ثانية # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله ~~إلا بقدر معلوم... # وقوله - سبحانه - { فأنشرنا به بلدة ميتا } بيان للآثار ~~المترتبة على هذا الإنزال للماء. أى نحن الذين بقدرتنا أنزلنا من السماء ~~ماء على قدر حاجتكم، وحسبما تقتضيه مصلحتكم، فأحيينا بهذا الماء بلدة ~~مجدبة، لا نبات فيها ولا زرع. فالمراد بالنشور الإحياء للأرض عن طريق ~~إنبات الزرع بها، بعد أن كانت مجدبة. وقوله { كذلك تخرجون } ~~بيان لإمكانية إحياء الناس بعد موتهم. أى مثل ذلك الإحياء للأرض بعد ~~موتها، تخرجون أنتم من قبوركم أحياء يوم القيامة. قال الآلوسى وفى ~~التعبير عن إخراج النبات بالإنشار الذى هو إحياء الموتى، وعن إحيائهم ~~بالإخراج، تفخيم الإنبات، وتهوين لأمر البعث، وفى ذلك من الرد على ~~منكريه ما فيه.. وشبيه بهذه الآية قوله # وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ~~حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت ~~فأنزلنا به المآء فأخرجنا به من كل الثمرات ~~كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون # ثم وصف - سبحانه - ذاته بصفة ثالثة فقال { والذي خلق الأزواج ~~كلها } أى خلق أصناف وأنواع المخلوقات كلها. فالمراد بالأزواج هنا ~~الأصناف المختلفة من الذكر والأنثى. ومن غير ذلك من أنواع مخلوقاته التى ~~لا تحصى. قال - سبحانه - # سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ~~ومن أنفسهم ومما لا يعلمون # وقوله - تعالى - { وجعل لكم من الفلك والأنعام ما ~~تركبون } أى وسخر لكم بقدرته ورحمته من السفن التى ms4570 تستعملونها فى ~~البحر، ومن الإبل التى تستعملونها فى البر، ما تركبونه وتحملون عليه ~~أثقالكم، وتنتقلون بواسطته من مكان إلى آخر. فما فى قوله { ما ~~تركبون } موصولة، والعائد محذوف والجملة مفعول { جعل } وقوله { ~~من الفلك والأنعام } بيان له مقدم عليه. أى وجعل لكم ما ~~تركبونه من الفلك والأنعام. ثم بين - سبحانه - الحكمة من هذا التذليل ~~والتسخير للفلك والأنعام فقال { لتستووا على ظهوره } ~~والضمير فى { ظهوره } يعود إلى { ما } فى قوله { ما تركبون } ~~وجاء مفردا رعاية للفظ { ما } وجمع الظهور لأن المراد بالمركوب جنسه. ~~والاستواء الاستعلاء على الشئ، والتمكن منه، أى سخر لكم من السفن ~~والأنعام ما تركبونه، ولتستعلوا على ظهوره استعلاء المالك على مملوكه. { ~~ثم تذكروا } بعد كل هذا التمكن والاستعلاء { نعمة ربكم ~~إذا استويتم عليه } أى على تلك السفن والأنعام التى ~~تركبونها. والضمير فى { عليه } يعود - أيضا - الى { ما } فى قوله { ~~ما تركبون } باعتبار لفظه { وتقولوا } على سبيل الشكر لله - ~~تعالى - والاعتراف بفضله { سبحان الذي سخر لنا هذا }. ~~أى وتقولوا جل شأن الله، وتنزه عن الشريك والمثيل، فهو الذى سخر لنا هذا ~~المركوب من الفلك والأنعام، وجعله منقادا لنا، طائعا لأمرنا. { وما ~~كنا له مقرنين } أى والحال أننا ما كنا لهذا المركوب الصعب ~~بقادرين على التمكن منه، لولا أن الله - تعالى - سخره لنا، وجعله منقادا ~~لأمرنا. # فقوله { مقرنين } أى مطيقين وقادرين وضابطين، من أقرن الشئ، إذا ~~أطاقه وقدر عليه، حتى لكأنه صار له قرنا، أى مثله فى الشدة والقوة. ~~والمقصود ما كنا بقادرين أو بمطيقين لتذليل هذه السفن والأنعام، لولا أن ~~الله - تعالى - قد جعلها منقادة لنا، ومسخرة لخدمتنا. ولا يخفى أن الجمل ~~أقوى من الإنسان، وأن البحر لو لم يذلله - سبحانه - لنا، لما قدرت ~~السفن على الجرى فيه. قال القرطبى قوله { وما كنا له مقرنين ~~} أى مطيقين.. أو ضابطين وفى أصله قولان أحدهما أنه مأخوذ من الإقران، ~~يقال أقرن يقرن إقرانا إذا أطاق. وأقرنت كذا أطقته وحكمته، كأنه جعله فى ~~قرن - أى حبل - فأوثقه به وشده. والثانى أنه مأخوذ ms4571 من المقارنة، وهو أن ~~يقرن بعضها ببعض فى السير يقال قرنت كذا بكذا إذا ربطته به، وجعلته ~~قرينه. وقوله { وإنآ إلى ربنا لمنقلبون } من جملة ما ~~يقولونه - أيضا - عند استوائهم على ظهور السفن والإبل. أى تقولون إذا ~~استويتم عليه سبحان الذى سخر لنا هذا المركب الصعب، وما كنا بقادرين على ~~تذليله لولا أن الله - تعالى - وفقنا لذلك، وإنا إلى ربنا وخالقنا ~~لراجعون يوم القيامة، لكى يحاسبنا على أعمالنا، ويجازينا عليها بجزائه ~~العادل. هذا، وقد ذكر الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات، جملة من ~~الأحاديث، منها ما رواه مسلم وأبو داود والنسائى.. # " عن عبد الله بن عمر أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ركب ~~راحلته كبر ثلاثا ثم قال { سبحان الذي سخر لنا هذا ~~وما كنا له مقرنين وإنآ إلى ربنا لمنقلبون ~~}. ثم يقول اللهم إنى أسألك فى سفرى هذا البر والتقوى. ومن العمل ما ترضى ~~اللهم هون علينا السفر. واطولنا البعيد. اللهم أنت الصاحب فى السفر. ~~والخليفة فى الأهل. اللهم اصحبنا فى سفرنا. واخلفنا فى أهلنا ". # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ذكرت أنواعا متعددة من مظاهر قدرة الله - ~~تعالى -، ومن رحمته بعباده، لكى يخلصوا له العبادة والطاعة. ثم حكى - ~~سبحانه - ما افتراه المشركون على خالقهم ورازقهم من أكاذيب ورد عليها بما ~~يزهق باطلهم، فقال - تعالى - { وجعلوا له من عباده ~~جزءا... كان عاقبة المكذبين }. ### || [43.15-25] # والمراد بالجعل فى قوله - تعالى - { وجعلوا له من عباده ~~جزءا... } الاعتقاد الباطل، والحكم الفاسد. والمراد بالجزء الولد. ~~والمقصود به خصوص البنات، كما يدل عليه سياق الآيات. قال الآلوسى ما ~~ملخصه قوله { وجعلوا له من عباده جزءا... } متصل بقوله - ~~تعالى - قبل ذلك # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض... # والمراد بيان تناقضهم فى أنفسهم.. حيث اعترفوا بأنه - تعالى - خالق ~~السماوات والأرض، ثم وصفوه بصفات المخلوقين.. وعبر عن الولد بالجزء، لأنه ~~بضعة - وفرع - من والده، كما قيل أولادنا أكبادنا.. وقيل الجزء اسم ~~للإناث، يقال أجزأت المرأة إذا ولدة أنثى.. أى أن هؤلاء المشركين بلغ من ~~تناقضهم ms4572 فى أقوالهم وأفعالهم، أنهم إذا سألهم سائل عن خالق هذا الكون ~~قالوا الله. ومع ذلك فهم لجهالتهم اعتقدوا اعتقادا باطلا بأن الملائكة ~~بناته، مع أن الملائكة من مخلوقاته التى يشملها هذا الكون. فالمقصود من ~~الآية الكريمة تجهيل هؤلاء المشركين، وتعجيب كل عاقل من سفاهتهم. والظاهر ~~أن المراد بالإنسان فى قوله - تعالى - { إن الإنسان لكفور ~~مبين } الكافر والفاسق من بنى آدم، لأن الإنسان المؤمن لا يجحد نعم ~~الله، وإنما يشكره - تعالى - عليها. أى إن الإنسان الكافر والفاسق عن ~~أمر ربه، لشديد الجحود لنعم ربه، مظهرا ذلك فى أقواله وفى أفعاله. ثم ساق ~~- سبحانه - ما يدل على السخرية منهم ومن أحوالهم الشاذة فقال { أم ~~اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين } ~~فالاستفهام للتوبيخ والإنكار. و { أصفاكم } أى آثركم واختصكم. يقال ~~أصفى فلان فلانا بالشىء، إذا اختصه به. ومنه قولهم لما يختص السلطان به ~~نفسه من الأشياء النفسية الصوافى. أى لقد زعمتم أن الملائكة بنات الله، ~~فخبرونى بربكم هلى يعقل أن يتخذ الله - تعالى - أولاده من البنات اللائى ~~هن أقل منزلة من البنين فى تقديركم، ويترك لكم الذكور؟ إن من شأن الذى ~~يختار جنس الأولاد أن يختار أعلاهم منزلة فبأى منطق زعمتم أن الملائكة ~~بنات الله. قال صاحب الكشاف قوله { أم اتخذ مما يخلق... } ~~أى بل آتخذ والهمزة للإنكار، تجهيلا لهم، وتعجيبا من شأنهم، حيث لم ~~يرضوا بأن جعلوا لله من عباده جزءا حتى جعلوا ذلك الجزء شر الجزءين. وهو ~~الاناث دون الذكور.. فكأنه قيل هبوا أن إضافة اتخاذ الولد إليه - تعالى ~~- جائزة فرضا وتمثيلا أما تستحون من الشطط فى القسمة، ومن ادعائكم أن ~~آثركم على نفسه بخير الجزءين..؟. ثم أكد - سبحانه - جهلهم وغفلتهم عن ~~المنطق السليم فقال { وإذا بشر أحدهم بما ضرب ~~للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم.. }. ~~أى أنهم قالوا الملائكة بنات الله، والحال أن الواحد منهم إذا بشره بأن ~~امرأته قد ولدت له أنثى، صار وجهه مسودا من شدة الحزن، وظل ممتلئا بالهم ~~والكرب. # فالمراد بقوله { بما ضرب للرحمن مثلا ms4573 } جنس البنات حيث ~~قالوا الملائكة بنات الله. قال الجمل قوله { وإذا بشر ~~أحدهم... } استئناف مقرر لما قبله. وقيل حال، على معنى أنهم نسبوا ~~إليه ما ذكر، ومن حالهم أن أحدهم إذا بشر به اغتم والالتفات إلى الغيبة ~~للإيذان بأن قبائحهم اقتضت الإعراض عنهم، وتحكى لغيرهم ليتعجب منها. و ~~{ ما } فى قوله { بما ضرب للرحمن مثلا } موصولة ومعناها ~~البنات وضرب بمعنى جعل. والمفعول الأول الذى هو عائد الموصول محذوف. أى ~~ضربه، ومثلا هو المفعول الثانى، والمثل بمعنى الشبه أى المشابه. ثم أضاف ~~- سبحانه - إلى تبكيتهم السابق تبكيتا آخر فقال { أومن ينشأ في ~~الحلية وهو في الخصام غير مبين }. والاستفهام ~~للإنكار. وكلمة { من } عبارة عن جنس الإناث. وهى فى محل نصب بمضمر ~~معطوف على { جعلوا } و { ينشأ } يربى وينشأ. يقال نشأ فلان فى ~~بنى فلان، إذا شب وترعرع فيهم و { الحلية } اسم لما يتحلى ويتزين ~~به. أى أيجترئون ويجعلون لله - تعالى - الإناث، اللائى من شأنهن أن ~~ينشأن فى الزينة، لأن هذه الحياة هى المناسبة لهن ولتكوينهن الجسدى، ~~واللائى من شأن معظمهن أنهن لا يقدرون على الدفاع عن أنفسهن لضعفهن ~~وقصورهن فى الجدال وفى بيان الحجة التى ترد الخصم، وتزيل الشبهة... ~~فالمقصود من الآية الكريمة تأنيب هؤلاء المشركين على جهلهم وسوء أدبهم، ~~حيث إنهم نسبوا إلى الله - تعالى - الإناث اللائى من شأنهن النشأة فى ~~الحلية والدعة والنعومة، فصرن بمقتضى هذه النشأة، وبمقتضى تكوينهن البدنى ~~والعقلى، لا يقدرن على جدال أو قتال.. بينما نسبوا إلى أنفسهم الذكور ~~الذين هم قوامون على النساء. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى # ثم توعدهم - سبحانه - بسوء المصير بسبب افترائهم الكذب فقال { ~~وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا أشهدوا خلقهم... } والجعل هنا بمعنى القول والحكم على ~~الشئ، كما تقول جعلت زيدا أفضل الناس، أى حكمت عليه بذلك. أى أن هؤلاء ~~المشركين زعموا وحكموا بأن الملائكة الذين هم عباد الرحمن، وصفوة خلقه، ~~وأهل طاعته، وزعموا أنهم إناث، فهل كانوا حاضرين وقت أن ms4574 خلقناهم حتى ~~حكموا عليهم بهذا الحكم الباطل؟ كلا إنهم لم يكونوا حاضرين، ولذا { ~~ستكتب شهادتهم } فى صحائف أعمالهم المليئة بالسيئات { ~~ويسألون } عنها سؤال تأنيب وتوبيخ يوم القيامة. فالمراد بالكتابة ~~والسؤال معاقبتهم على افترائهم الكذب. وتجهيلهم فيما قالوه، ثم حكى - ~~سبحانه - لونا من ألوان معاذيرهم الكاذبة فقال { وقالوا لو شآء ~~الرحمن ما عبدناهم }. أى وقال هؤلاء المشركون على سبيل ~~الاحتجاج بالأعذار الباطلة لو شاء الرحمن عدم عبادتنا للملائكة أو ~~للأصنام ما عبدناهم. # ثم يرد الله - تعالى - عليهم بما يخرس ألسنتهم، ويهدم معاذيرهم فقال { ~~ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون }. أى ~~قالوا ما قالوه من غير علم أو برهان.. لأن مشيئة الله لا يعلمها أحد ~~سواه، ولأنه - سبحانه - قد اقتضت حكمته ومشيئته. أن يجعل للانسان القدرة ~~على اختيار طريق الحق أو طريق الباطل، وهم قد اختاروا طريق الباطل، ~~واستحبوا الكفر على الإيمان دون أن يكرههم على ذلك مكره، فما قالوه ما ~~هو إلا نوع من أنواع خرصهم وكذبهم وظنونهم الفاسدة. وقد فصلنا القول فى ~~مسألة المشيئة عند تفسيرنا لقوله - تعالى - فى سورة الأنعام # سيقول الذين أشركوا لو شآء الله مآ أشركنا... # وعند تفسيرنا لقوله - تعالى - فى سورة النحل # وقال الذين أشركوا لو شآء الله ما عبدنا من ~~دونه من شيء نحن ولا آباؤنا.. # وقوله - تعالى - { أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به ~~مستمسكون } إضراب عن نفى أن يكون لهم فيما ادعوه علم عن طريق ~~العقل، إلى إبطال أن يكون لهم علم من جهة النقل. و { أم } بمعنى بل ~~والهمزة. والاستفهام للإنكار والتوبيخ، أى بل أأعطيناهم كتابا من قبل ~~القرآن، فيه ما يشهد بصحة أقوالهم فهم بهذا الكتاب مستمسكون؟ كلا إننا لم ~~نعطهم شيئا من ذلك. ثم بين - سبحانه - مستندهم الحقيقى فقال { بل ~~قالوا إنا وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا على ~~آثارهم مهتدون }. أى أنهم ليس لهم فى الحقيقة مستند لا من العقل ~~ولا من النقل، وإنما مستندهم الوحيد تقليدهم لآبائهم فى جهالاتهم ~~وسفاهاتهم وكفرهم. فقد قالوا عندما دعاهم الرسول ms4575 - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى الدين الحق إنا وجدنا آباءنا على أمة، أى على دين وطريقة تؤم وتقصد، ~~وهى عبادة هذه الآلهة { وإنا على آثارهم } وطريقتهم { ~~مهتدون } أى سائرون بدون تفكر أو تدبر، أو حجة أو دليل، فهم أشبه ~~ما يكونون بقطيع الأنعام الذى يسير خلق قائده دون أن يعرف إلى أى طريق ~~يسير.. وقوله - سبحانه - { وكذلك مآ أرسلنا من قبلك في ~~قرية من نذير إلا قال مترفوهآ إنا وجدنآ ~~آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون } ~~تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه منهم من أذى، ومن قول ~~باطل. و { الكاف } بمعنى مثل. واسم الإشارة ذلك يعود إلى حال الكافرين ~~من قبلهم. أى لا تحزن - أيها الرسول الكريم - لما تراه من إعراض المشركين ~~عن دعوتك. فإن شأنهم كشأن سابقيهم فى الكفر والضلال، فإننا ما أرسلنا من ~~قبلك من رسول فى قرية من القرى، أو فى قوم من الأقوام، إلا قال المنعمون ~~منهم، والذين أبطرهم الترف لمن جاءهم بالحق إنا وجدنا آباءنا على دين ~~وطريقة تؤم وتقصد، وإنا على آثارهم، وعلى نهجهم، مقتدون. # أى مقتدون بهم فى عبادتهم وأفعالهم. وخص المترفين بالذكر، لأنهم القادة ~~الذين صرفهم التنعم وحب الجاه والسلطان، عن النظر والتدبر والاستماع ~~للحق، وجعلهم يستحبون العمى على الهدى. وهنا يحكى القرآن رد الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - فيقول { قل أولو جئتكم بأهدى مما ~~وجدتم عليه آبآءكم.. }. أى قال الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- لقومه الذين أصروا على تقليد آبائهم فى الكفر والضلال أتتبعون آباءكم ~~وتقتدون بهم فى الكفر، حتى جئتكم بدين أهدى وأصوب مما كان عليه آباؤكم؟ ~~وقوله - تعالى - { قل أولو جئتكم } قراءة ابن عامر وحفص عن ~~عاصم. وقرأ الجمهور { قل أولو جئتكم... } على أن الأمر ~~للرسول - صلى الله عليه وسلم. وقوله - تعالى - { قالوا إنا بمآ ~~أرسلتم به كافرون } أى قال المترفون فى الرد على رسلهم إنا ~~بما أرسلتم به من الهدى والدعوة إلى الدين الحق كافرون، وباقون على الدين ~~الذى كان عليه آباؤنا. وقوله - سبحانه - { فانتقمنا ms4576 منهم ~~فانظر كيف كان عاقبة المكذبين } بيان للعاقبة السيئة ~~التى حاقت بهم بسبب إصرارهم على كفرهم وتقليدهم لآبائهم. أى قالوا للرسل ~~هذا القول الذى يدل على إيثارهم الغى على الرشد، فانتقمنا منهم بأن ~~أخذناهم أخذ عزيز مقتدر، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته ~~الصيحة، ومنهم من خسفنا به الأرض، ومنهم من أغرقنا. { فانظر } - أيها ~~العاقل - وتأمل { كيف كان عاقبة المكذبين } لقد كانت ~~عاقبتهم أن دمرناهم تدميرا. هذا، والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة، يراها ~~من أجمع الآيات القرآنية التى حكت الأقوال الباطلة التى تفوه بها ~~المشركون، وردت عليهم ردا منطقيا حكيما يهدمها من قواعدها. لقد ذكرت - ~~أولا - أنهم جعلوا الله - تعالى - من عباده جزاء... ثم ردت عليهم بأنهم ~~جاحدون لنعم الله، وأنهم لو كانوا يعقلون لما حكموا هذا الحكم الذى يدل ~~على جهلهم وغفلتهم، لأنه لو كان الأمر كما ذكروا - على سبيل الفرض ~~والتقدير - لما اختار - سبحانه - لذاته جنس البنات، وأعطاهم البنين.. ثم ~~ذكرت - ثانيا - حالهم عندما يبشرون بالأنثى، وتهكمت بهم حين نسبوا إلى ~~الله { أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير ~~مبين } والمقصود بذلك جنس البنات، ثم ذكرت - ثالثا - أنهم حكموا على ~~الملائكة بأنهم إناث، وردت عليهم بأن حكمهم هذا ساقط، لأنهم لم يشهدوا ~~خلقهم حتى يحكموا عليهم هذا الحكم الفاسد، وأنهم سيجازون على أحكامهم ~~التى لا دليل عليها، بما يستحقون من عقاب. ثم ذكرت - رابعا - معاذيرهم ~~التى اعتذروا بها عندما حاصرتهم الحجج الدامغة، فقد قالوا { لو شآء ~~الرحمن } فرد - سبحانه - عليهم بقوله { ما لهم بذلك من ~~علم إن هم إلا يخرصون } ، لأن قولهم هذا ما هو إلا لون من ~~ألوان الاحتيال على الحقيقة بالأقوال الساقطة. # ثم ذكرت - خامسا - أنهم فى إصرارهم على كفرهم لم يستندوا إلى دليل عقلى ~~أو نقلى، وإنما استندوا على شئ واحد هو التقليد لآبائهم فى جهلهم ~~وضلالهم.. وهكذا ذكر القرآن أقوالهم وشبهاتهم.. ثم رد عليها بما يدحضها.. ~~وبعد هذا البيان الماحق لشبهات المشركين ولأقوالهم الباطلة.. أتبع - ~~سبحانه - ذلك بذكر جانب من قصة ms4577 إبراهيم - عليه السلام - مع قومه، وبذكر ~~جانب من اعتراضاتهم على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعلى دعوته، ورد ~~عليها بما يخرس ألسنتهم فقال - تعالى - { وإذ قال إبراهيم ~~لأبيه... والآخرة عند ربك للمتقين }. ### || [43.26-35] # أى واذكر - أيها الرسول الكريم - لقومك حال جدك إبراهيم - عليه السلام - ~~وقت أن قال لأبيه آزر ولقومه الذين كانوا عاكفين على عبادة الأصنام، ~~مقلدين فى ذلك آباءهم... قال لهم إننى برئ مما تعبدونه من هذه الأوثان. ~~وذكرهم - سبحانه - هنا بحال إبراهيم، لأنه كان أعظم آبائهم، ومحط فخرهم، ~~والمجمع على محبته منهم. فكأنه - تعالى - يقول لهم هذا هو حال جدكم ~~إبراهيم الذى تعتزون به فلماذا لم تقلدوه فى إنكاره لعبادة الأصنام، وفى ~~هجره لما كان عليه أبوه وقومه، وإخلاصه العبادة لله - تعالى - وحده. ~~وقوله { برآء } مصدر وقع موقع الصفة وهى برئ، على سبيل المبالغة فى ~~التبرى من عبادتهم لغير الله - تعالى - يقال تبرأت من فلان، فأنا منه ~~براء. أى كرهت قوله وفعله والقرب منه. والاستثناء فى قوله { إلا ~~الذي فطرني فإنه سيهدين } منقطع، أى أنا برئ من عبادة ~~أصنامكم، لكنى أعبد الذى خلقنى وفطرنى بقدرته، فإنه والذى سيهدين إلى ~~الصراط المستقيم. ويصح أن يكون متصلا بناء على أنهم كانوا يعبدون الله - ~~تعالى - ويشركون معه فى هذه العبادة أصنامهم. أى إننى برئ من عبادة ~~أصنامكم، إلا أنى لا أعبد إلا الله - تعالى - الذى فطرنى. أى خلقنى ~~بقدرته على غير مثال سابق. وقال هنا { سيهدين } وقال فى آية أخرى # الذي خلقني فهو يهدين # للدلالة على ثقة ابراهيم - عليه السلام - بفضل ربه - تعالى - عليه، وأنه ~~يهديه فى الحال وفى الاستقبال، وأن هذه الهداية مصاحبة له فى كل وقت من ~~أوقات حياته. ومن الآيات الكثيرة التى تشبه هاتين الآيتين قوله - تعالى - ~~حكاية عن نبيه إبراهيم # فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذآ ~~أكبر فلمآ أفلت قال يقوم إني بريء مما ~~تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات ~~والأرض حنيفا ومآ أنا من المشركين... # وقوله - سبحانه - # قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم ms4578 وآبآؤكم ~~الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ~~الذي خلقني فهو يهدين... # والضمير المنصوب فى قوله - تعالى - بعد ذلك { وجعلها كلمة ~~باقية في عقبه... } يعود إلى كلمة التوحيد، والمشتملة على ~~البراءة من كل عبادة لغير الله - تعالى -، والمعبر عنها قبل ذلك بقوله - ~~تعالى - { إنني برآء مما تعبدون }. وضمير الفاعل المستتر ~~فى قوله - سبحانه - { وجعلها... } يعود إلى الله - تعالى -. أى وجعل ~~الله - تعالى - بفضله وكرمه، كلمة التوحيد، باقية فى عقب ابراهيم، وفى ~~ذريته من بعده، بأن جعل من ذريته الأنبياء والصالحين الذين قالوا ربنا ~~الله ثم استقاموا. # ويؤيد هذا المعنى قوله - تعالى - فى سورة الصافات # سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين إنه ~~من عبادنا المؤمنين وبشرناه بإسحاق نبيا ~~من الصالحين وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ~~ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين.. # ويصح أن يكون ضمير الفاعل يعود إلى إبراهيم - عليه السلام -، على معنى ~~أنه وصى ذريته من بعده بعبادة الله - تعالى - وحده، وأنه دعا ربه أن يجعل ~~فى ذريته من يعبده وحده. فيكون المعنى وجعل ابراهيم هذه الكلمة وهى كلمة ~~التوحيد باقية فى ذريته حيث أوصاهم بعبادة الله وحده. ويشهد لذلك قوله - ~~تعالى - { ووصى بهآ } - أى بكلمة التوحيد - { إبراهيم ~~بنيه ويعقوب يابني إن الله اصطفى لكم الدين ~~فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون.. }. ثم بين - سبحانه - ~~الحكمة فى ذلك الجعل فقال { لعلهم يرجعون } أى جعلها كذلك ~~رجاء أن يرجع إلى كلمة التوحيد من أشرك من ذرية ابراهيم، ببركة دعائه لهم ~~بالإيمان ودعاء من آمن منهم. فلقد حكى القرآن عن إبراهيم أن دعا الله - ~~تعالى - بقوله # رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي... # وبقوله # واجنبني وبني أن نعبد الأصنام # وقوله - سبحانه - { بل متعت هؤلاء وآبآءهم حتى ~~جآءهم الحق ورسول مبين } إضراب عن كلام محذوف ينساق إليه ~~الكلام، والمراد " بهؤلاء " أهل مكة المعاصرين للنبى - صلى الله عليه ~~وسلم - وقوله { متعت } من التمتع بمعنى إعطائهم ما يشتهون من ~~المطاعم والمشارب والنعم المتعددة، واشتغالهم بذلك عن طاعة الله - تعالى ~~- وشكره. والمعنى اقتضت حكمتنا أن نجعل كلمة التوحيد باقية ms4579 فى بعض ذرية ~~إبراهيم لعل من بقى من هذه الذرية على الشرك أن يرجع إليها، ولكنهم لم ~~يرجعوا بل أصروا على كفرهم، فلم أعاجلهم بالعقوبة، بل متعت هؤلاء ~~المشركين المعاصرين لك - أيها الرسول الكريم - بأن أمددتهم بالنعم ~~المتعددة هم وآباؤهم، وبقيت تلك النعم فيهم { حتى جآءهم الحق ~~} وهو دعوتك إياهم إلى إخلاص العبادة لنا، وجاءهم { رسول مبين } ~~هو أنت - أيها الرسول الكريم - فإن رسالتك واضحة المعالم، بينة المقاصد، ~~ليس فيها شئ من الغموض الذى يحملها على الإعراض عنها. فالمقصود من الآية ~~الكريمة، بيان أن الكلمة الباقية فى عقب إبراهيم وهى كلمة التوحيد، لم ~~يتبعها جميع أفراد ذريته، بل اتبعها قوم وكفر بها آخرون وأن هؤلاء ~~الكافرين - وعلى رأسهم كفار قريش - لم يعاجلهم الله - تعالى - بالعقوبة، ~~بل أعطاهم نعما متعددة، فلم يشكروه - تعالى - عليها، واستمروا على ذلك، ~~حتى جاءهم الحق، فلم يؤمنوا به، ولا بمن حمله إليهم وهو الرسول المبين - ~~صلى الله عليه وسلم -. ومن الآيات التى تدل على أن ذرية إبراهيم كان منها ~~المؤمن، وكان منها الكافر. # قوله - تعالى - # ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ~~ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد ~~وكثير منهم فاسقون # ثم بين - سبحانه - موقفهم من الحق الذى جاءهم به الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال { ولما جآءهم الحق قالوا هذا سحر ~~وإنا به كافرون }. أى وحين جاءهم الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- بالحق من عند ربهم، لكى يخرجهم من ظلمات الكفر، إلى نور الإيمان.. ~~قالوا - على سبيل الجحود والعناد - هذا الذى جئتنا به نوع من السحر، وإنا ~~به كافرون مكذبون. والتعبير بقوله { جآءهم } يشعر بأن الحق قد وصل ~~إليهم دون أن يتبعوا أنفسهم فى البحث عنه، ومع ذلك فقد استقبلوه بالجحود ~~والإنكار. ثم حكى - سبحانه - لونا آخر من ألوان حسدهم وعنادهم فقال { ~~وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم }. والمراد بالقريتين مكة أو الطائف.. ومقصودهما ~~إحداهما، كالوليد بن المغيرة من مكة، وكعروة بن مسعود من الطائف.. ويعنون ~~بالعظم كثرة المال، والرئاسة فى قومه. أى ms4580 وقال هؤلاء المشركون - على سبل ~~العناد والحسد - هلا أنزل هذا القرآن، الذى يقرؤه علينا محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - على رجل عظيم فى ماله وسلطانه، ويكون من إحدى هاتين ~~القريتين، وهما مكة أو الطائف. فهم لجهلهم وانطماس بصائرهم، استكثروا أن ~~ينزل هذا القرآن على محمد - صلى الله عليه وسلم - الذى وإن كان فى القمة ~~من الشرف والسمو بين قومه إلا أنه لم يكن أكثرهم مالا وسلطانا، وهم ~~يريدون أن تكون النبوة فى زعيم من زعمائهم، أو رئيس من رؤسائهم. وهذا ~~منهم - كما يقول الآلوسى - لجهلهم بأن رتبة الرسالة، إنما تستدعى عظيم ~~النفس، بالتخلى عن الرذائل الدنية، والتحلى بالكمالات والفضائل القدسية، ~~دون التزخرف بالزخارف الدنيوية. وقد وبخهم الله - تعالى - على جهلهم هذا ~~بقوله { أهم يقسمون رحمت ربك } فالاستفهام للإنكار ~~والتهكم بهم، والتعجب من تفكيرهم. والمراد بالرحمة ما يشمل النبوة، وما ~~أنزله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - من وحى، وما منحه إياه من خلق ~~كريم، وخير عميم. أى كيف بلغ الجهل والغباء بهؤلاء المشركين إلى هذه ~~الدرجة؟ إنهم ليس بيدهم ولا بيد غيرهم عطاء ربك، وليس عندهم مفاتيح ~~الرسالة ليضعوها حيث شاؤا، وليختاروا لها من أرادوا. وما دام الأمر كذلك ~~فكيف يعترضون على نزول القرآن عليك - أيها الرسول الكريم -؟. ثم بين - ~~سبحانه - مظاهر قدرته فى خلقه فقال { نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحياة الدنيا.. } أى نحن قسمنا بينهم ~~أرزاقهم فى هذه الدنيا، ولم نترك تقسيمها لأحد منهم، ونحن الذين - ~~بحكمتنا - تولينا تدبير أسبابها ولم نكلها إليهم لعلمنا بعجزهم وقصورهم. # ونحن الذين رفعنا بعضهم فوق بعض درجات فى الدنيا، فهذا غنى وذاك فقير، ~~هذا مخدوم، وذاك خادم، وهذا قوى، وذاك ضعيف. ثم ذكر - سبحانه - الحكمة من ~~هذا التفاوت فى الأرزاق فقال { ليتخذ بعضهم بعضا ~~سخريا }. أى فعلنا ذلك ليستخدم بعضهم بعضا فى حوائجهم، ويعاون بعضهم ~~بعضا فى مصالحهم، وبذلك تنتظم الحياة، وينهض العمران. ويعم الخير بين ~~الناس، ويصل كل واحد إلى مطلوبه على حسب ما قدر الله - تعالى - له من رزق ~~واستعداد.. ms4581 ولو أنا تركنا أمر تقسيم الأرزاق إليهم لتهارجوا وتقاتلوا، ~~وعم الخراب فى الأرض، لأن كل واحد منهم يريد أن يأخذ ما ليس من حقه، لأن ~~الحرص والطمع من طبيعته. وإذا كان هذا هو حالهم بالنسبة لأمور دنياهم ~~فكيف أباحوا لأنفسهم التحكم فى منصب النبوة، وهو بلا شك أعلى شأنا، وأبعد ~~شأوا من أمور الدنيا. وقوله { سخريا } بضم السين - من التسخير، ~~بمعنى تسخير بعضهم لبعض وخدمة بعضهم لبعض، وعمل بعضهم لبعض، فالغنى - ~~مثلا - يقدم المال لغيره، نظير ما يقدمه له ذلك الغير من عمل معين.. ~~وبذلك تنتظم أمور الحياة، وتسير فى طريقها الذى رسمه - سبحانه - لها. قال ~~الجمل ما ملخصه قوله { ليتخذ بعضهم بعضا سخريا } أى ~~ليستخدم بعضهم بعضا، فيسخر الأغنياء بأموالهم، الأجراء الفقراء بالعمل، ~~فيكون بعضهم سببا لمعاش بعض، هذا بماله، وهذا بأعماله، فيلتئم قوام ~~العالم، لأن الأرزاق لو تساوت لتعطلت المعايش، فلم يقدر أحد منهم أن ينفك ~~عما جعلناه إليه من هذا الأمر الدنئ، فكيف يطمعون فى الاعتراض فى أمر ~~النبوة، أيتصور عاقل أن نتولى قسم الناقص، ونكل العالى إلى غيرنا..؟. ~~هذا، والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها تقرر سنة من سنن الله - تعالى ~~- التى لا تغيير لها ولا تبديل، والتى تؤيدها المشاهدة فى كل زمان ومكان، ~~فحتى الدول التى تدعى المساواة فى كل شئ.. ترى سمة التفاوت فى الأرزاق ~~وفى غيرها واضحة جلية، وصدق الله فى قوله { ورفعنا بعضهم ~~فوق بعض درجات }. ومن الآيات التى تشبه هذه الآية قوله - تعالى ~~- # والله فضل بعضكم على بعض في الرزق... # وقوله - سبحانه - # انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة ~~أكبر درجات وأكبر تفضيلا # ثم ختم - سبحانه - هذا التهوين لحطام الدنيا فقال { ولولا أن ~~يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر ~~بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج ~~عليها يظهرون }. و { ولولا } حرف امتناع لامتناع. والكلام ~~على حذف مضاف. والمراد بالأمة الواحدة أمة الكفر. والمعارج جمع معرج وهى ~~المصاعد التى يصعد عليها إلى أعلى. أى ولولا كراهة أن يكون الناس جميعا ~~أمة واحدة ms4582 مجتمعة على الكفر حين يشاهدون سعة الرزق، ورفاهية العيش، ظاهرة ~~بين الكافرين. # . لولا كراهية ذلك. لجعلنا بمشيئتنا وقدرتنا، لمن يكفر بالرحمن، الشئ ~~الكثير من حطام الدنيا، بأن نجعل لبيوتهم سقفا من فضة، ولجعلنا لهم مصاعد ~~فخمة عليها يرقون إلى أعلى مساكنهم. ولجعلنا - أيضا - لبيوتهم أبوابا ~~وسررا ثمينة { عليها يتكئون } أى على السرر يتكئون وهم جالسون ~~فوقها. { وزخرفا } أى ولجعلنا لهم زخرفا، ليستعملوه فى أسقف ~~منازلهم، وفى أبواب بيوتهم، وفى غير ذلك من شئون حياتهم. والزخرف يطلق ~~على الشئ الذى يتزين به. فيشمل الذهب والفضة، وغيرهما مما يستعمله الناس ~~فى تزيين بيوتهم. وقوله { وإن كل ذلك لما متاع الحياة ~~الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين } أى وما كل ما ~~ذكرناه من البيوت الموصوفة بما ذكرناه من الصفات السابقة، إلا شئ يتمتع ~~به المتمتعون فى الحياة، التى أمرها إلى زوال واضمحلال.. أما الآخرة التى ~~زينتها باقية لا تنتهى ولا تنقطع، فهى عند ربك خاصة بالمؤمنين الصادقين، ~~الذين آثروا النعيم الباقى على النعيم الفانى، فقدموا فى دنياهم العمل ~~الصالح، الذى ينفعهم فى أخراهم. وبعد هذا الحديث الجامع عن هوان شأن ~~الدنيا عند الله - تعالى -، أتبع - سبحانه - ذلك ببيان حال الذين يعرضون ~~عن ذكر الله - تعالى -، وأنهم يوم القيامة لن ينفعهم ندمهم أو تحسرهم، ~~وسلى النبى - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه منهم. فقال - تعالى - { ~~ومن يعش عن ذكر... من دون الرحمن آلهة يعبدون ~~}. ### || [43.36-45] # وقوله - سبحانه - { يعش } أى يعرض. يقال عشا فلان يعشو، كدعا يدعو، ~~وعشى يعشى، كرضى يرضى، إذا ضعف بصره، ومنه قولهم ناقة عشواء، إذا كانت لا ~~تبصر إلا شيئا قليلا، والمراد هنا عمى البصيرة وضعف إدراكها للخير. ومنه ~~قولهم ركب فلان العشواء، إذا خبط أمره على غير هدى أو بصيرة. والمعنى ومن ~~يتعام عن ذكر الرحمن، ويعرض عن قرآنه، ويتجاهل هدى الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - { نقيض له شيطانا } أى، نهيئ ونسبب له شيطانا ~~رجيما يستولى عليه، ويستحوذ على قلبه وعقله. { فهو له قرين } أى ~~فذلك الشيطان يكون ملازما ومصاحبا لهذا ms4583 الإنسان الذى أعرض عن القرآن، ~~ملازمة القرين لقرينه، والشئ لظله. ومن الآيات التى تشبه هذه الآية قوله ~~- تعالى - # وقيضنا لهم قرنآء فزينوا لهم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم ~~قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم ~~كانوا خاسرين # ثم بين - سبحانه - الآثار التى تترتب على مقارنة الشيطان للإنسان فقال ~~{ وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم ~~مهتدون }. والضمير فى { وإنهم } يعود إلى الشيطان باعتبار ~~جنسه، وفى قوله - تعالى - { ليصدونهم } يعود إلى { ومن } فى ~~قوله { ومن يعش... } باعتبار معناها. أى ومن يعرض عن طاعة الله، ~~نهيئ له شيطانا، فيكون ملازما له ملازمة تامة، وإن هؤلاء الشياطين ~~وظيفتهم أنهم يصدون هؤلاء الفاسقين عن ذكر الله - تعالى -، وعن سبيله ~~الحق وصراطه المستقيم. { ويحسبون } أى هؤلاء الكافرون { أنهم ~~مهتدون } إلى السبيل الحق. فالضمائر فى قوله { ويحسبون } وما ~~بعده يعود إلى الكافرين. ويصح أن يكون الضمير فى قوله { ويحسبون } ~~يعود إلى الكفار، وفى قوله { أنهم مهتدون } يعود إلى الشيطان، ~~فيكون المعنى ويظن هؤلاء الكافرون أن الشياطين مهتدون إلى الحق، ولذلك ~~اتبعوهم وأطاعوهم. ثم بين - سبحانه - ما يكون بين هذا الإنسان الكافر ~~وبين قرينه من الشياطين يوم القيامة، فقال - تعالى - { حتى إذا ~~جآءنا قال يليت بيني وبينك بعد المشرقين ~~فبئس القرين }. أى لقد استمر هذا المعرض عن ذكر الله فى غيه. ~~ومات على ذلك حتى إذا جاءنا يوم القيامة لحساب والجزاء، { قال } لقرينه ~~الذى صده عن طريق الحق.. { يليت بيني وبينك بعد ~~المشرقين } أى أتمنى أن تكون المسافة التى بينى وبينك من البعد ~~والمفارقة، كالمسافة التى بين المشرق والمغرب. فالمراد بالمشرقين المشرق ~~والمغرب فعبر - سبحانه - بالمشرقين على سبيل التغليب لأحدهما على الآخر. ~~{ فبئس القرين } أى فبئس القرين أنت - أيها الشيطان - فالمخصوص ~~بالذم محذوف. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما سيقال لهذا العاشى عن ذكر ~~الله ولقرينه على سبيل التأنيب والتوبيخ فقال { ولن ينفعكم ~~اليوم إذ ظلمتم. # .. }. والضمير فى قوله { ينفعكم } يعود إلى التمنى المذكور فى قوله ~~{ يليت بيني وبينك بعد المشرقين.. } و ms4584 { إذ } ظرف ~~لما مضى من الزمان، بدل من { اليوم }. أى ولن ينفعكم ندمكم وتمنيكم ~~اليوم شيئا، بعد أن تبين لكم أنكم كنتم ظالمين فى الدنيا، ومصرين على ~~الكفر والضلال. وقوله { أنكم في العذاب مشتركون } تعليل ~~لما قبله، أى ولن ينفعكم اليوم تمنيكم وندمكم لأنكم فى هذا اليوم أنتم ~~وقرناؤكم مشتركون فى العذاب، كما كنتم فى الدنيا مشتركون فى سببه، وهو ~~الكفر والضلال. قال صاحب الكشاف ما ملخصه قوله { أنكم في ~~العذاب مشتركون } فى محل الرفع على الفاعلية. يعنى ولن ينفعكم ~~كونكم مشتركين فى العذاب كما ينفع الواقعين فى الأمر الصعب اشتراكهم فيه ~~لتعاونهم فى تحمل أعبائه. لأن كل واحد منكم، به من العذاب ما هو فوق ~~طاقته.. ولك أن تجعل الفاعل التمنى فى قوله { يليت بيني ~~وبينك... } على معنى ولن ينفعكم اليوم ما أنتم فيه من تمنى مباعدة ~~القرين، وقوله { أنكم في العذاب مشتركون } تعليل، أى ولن ~~ينفعكم تمنيكم، لأن حقكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤكم فى العذاب... وتقويه ~~قراءة من قرأ { إنكم } بالكسر. وبعد هذا التوبيخ الشديد للمعرض عن ذكر ~~الله ولشيطانه، يوجه الله - تعالى - خطابه لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ~~ليزيده تسلية وتثبيتا فيقول { أفأنت تسمع الصم أو تهدي ~~العمي ومن كان في ضلال مبين }. والاستفهام للنفى أى ~~أفأنت - أيها الرسول الكريم - تستطيع أن تسمع الصم صوتك، أو أن تهدى ~~الذين انطمست بصائرهم إلى الطريق الحق. أو أن تخرج من كان فى الضلال ~~الواضح إلى الهدى والرشاد؟ كلا إنك لن تستطيع ذلك، لأن الهداية ~~والإضلال، من الله - تعالى - وحده. وأنت - أيها الرسول الكريم - عليك ~~البلاغ ونحن علينا الحساب. فالمقصود من الآية الكريمة تسلية الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - ونهيه من أن يضيق صدره بسبب إعراضهم المستمر عن دعوة ~~الحق، وبيان أن الهداية والإضلال بيد الله - تعالى - وحده. وسماهم - ~~سبحانه - صما وعميا، مع أنهم يسمعون ويبصرون، لأنهم بمنزلة الصم والعمى ~~فى عدم انتفاعهم بالهدى والرشاد الذى جاءهم به - صلى الله عليه وسلم -. ~~وقوله - تعالى - { ومن كان في ضلال مبين } معطوف ms4585 على العمى ~~والصم باعتبار تغاير الصفات. أى أنت - أيها الرسول الكريم - لن تستطيع ~~هداية من كان أصم وأعمى، ومن كان مصرا على الضلال المبين وما دام الأمر ~~كذلك فسر فى طريقك، دون أن تذهب نفسك عليهم حسرات.. وقوله - سبحانه - { ~~فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو ~~نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون } ~~زيادة فى تسليته وتثبيته - صلى الله عليه وسلم -. # أى أن أمرك - أيها الرسول الكريم - مع هؤلاء الظالمين لا يخلو عن حالين ~~إما أن نتوفينك قبل أن ترى نقمتنا منهم.. وفى هذه الحالة فسنتولى نحن ~~عذابهم والانتقام منهم، حسب إرادتنا ومشيئتنا، وإما أن نبقى حياتك حتى ~~ترى بعينيك العذاب الذى توعدناهم به، فإنا عليهم وعلى غيرهم مقتدرون على ~~تنفيذ ما نتوعد به من دون أن يستطيع أحد الإفلات من قبضتنا وقدرتنا. قال ~~ابن كثير أى نحن قادرون على هذا وعلى هذا. ولم يقبض الله - تعالى - ~~رسوله، حتى أقر عينه من أعدائه، وحكمه فى نواصيهم، وملكه ما تضمنته ~~صياصيهم. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو ~~نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب # والفاء فى قوله - تعالى - { فاستمسك بالذي أوحي ~~إليك... } واقعة جوابا لشرط مقدر. أى إذا كان الأمر كما ذكرنا لك من ~~أن أمرك مع هؤلاء المشركين لا يخلو عن حالين فاستمسك - أيها الرسول ~~الكريم - بما أوحينا إليك من هدايات وإرشادات { إنك على صراط ~~مستقيم } وطريق قويم لا عوج فيه ولا اضطراب. { وإنه } أى هذا ~~القرآن { لذكر لك ولقومك } أى لشرف عظيم لك ولشرف عظيم لأهل ~~مكة الذين بعثت فيهم بصفة خاصة، ولغيرهم ممن آمن بك بصفة عامة كما قال - ~~تعالى - # لقد أنزلنآ إليكم كتابا فيه ذكركم... # أى عزكم وشرفكم. وقوله { وسوف تسألون } تحذير من مخالفة ما ~~اشتمل عليه هذا القرآن من أحكام وآداب وتشريعات. أى وسوف تسألون يوم ~~القيامة عنه، وعن القيام بحقه، وعن مقدار تمسككم بأوامره ونواهيه وعن ~~شكركم لله - تعالى - على منحكم لهذه النعمة. ثم أضاف - سبحانه - إلى هذا ~~التثبيت لنبيه - صلى ms4586 الله عليه وسلم - تثبيتا آخر فقال { وسئل من ~~أرسلنا من قبلك من رسلنآ أجعلنا من دون ~~الرحمن آلهة يعبدون }. والمقصود من الآية الكريمة بيان أن ~~الرسل جميعا، قد دعوا أقوامهم إلى عبادة الله - تعالى - وحده، كما قال - ~~سبحانه - # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ~~ومنهم من حقت عليه الضلالة # وكما قال - تعالى - # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون # قال صاحب الكشاف ما ملخصه ليس المراد بسؤال الرسل حقيقة السؤال ~~لاستحالته، ولكنه مجاز عن النظر فى أديانهم، وأنهم ما جاءوا قط بعبادة ~~الأوثان، وإنما جاءوا بالأمر بعبادة الله - تعالى - وحده.. وقيل إن النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - جمع الله له الأنبياء، فى ليلة الإسراء فى بيت ~~المقدس، فصلى بهم إماما، وقيل له سلهم فلم يتشكك ولم يسأل. # وقيل معناه، سل أمم من أرسلنا من قبلك، وهم أهل الكتابين التوارة ~~والإنجيل فإذا سألهم فكأنما سأل - رسلهم - فالكلام على حذف مضاف. فالآية ~~الكريمة تقرر على كل الوجوب بأبلغ أسلوب، أن جميع الرسل قد جاءوا بعقيدة ~~واحدة، وبدين واحد، هو عبادة الله - تعالى - ونبذ كل معبود سواه. * * * ~~ثم تمضى السورة الكريمة فى تسليتها للرسول - صلى الله عليه وسلم - وفى ~~تثبيتها للمؤمنين، فتذكر جانبا من قصة موسى - عليه السلام مع فرعون، وكيف ~~أن فرعون خسر من دعوة موسى - عليه السلام - وتباهى على قومه بذلك، وكيف ~~أنه استخف بهم فأطاعوه، فكانت عاقبته وعاقبتهم أن أغرقهم الله جميعا. قال ~~- تعالى - { ولقد أرسلنا موسى... سلفا ومثلا ~~للآخرين }. ### || [43.46-56] # وقصة موسى - عليه السلام - مع فرعون ومع بنى إسرائيل، على رأس القصص ~~التى تكرر الحديث عنها فى القرآن الكريم، فى سور متعددة، وذلك لما فيها ~~من مساجلات ومحاورات بين أهل الحق وأهل الباطل، ولما فيها من عبر وعظات ~~لقوم يعقلون. لقد وردت هذه القصة فى سور البقرة، والأعراف، ويونس، وهود، ~~والإسراء، وطه، والقصص، والصافات، وغافر.. ولكن بأساليب متنوعة يكمل ~~بعضها بعضا. وهنا ms4587 تبدأ هذه القصة بقوله - تعالى - { ولقد أرسلنا ~~موسى بآياتنآ إلى فرعون وملئه فقال إني ~~رسول رب العالمين }. أى والله لقد أرسلنا نبينا موسى - عليه ~~السلام - { بآياتنآ } الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا، والتى على رأسها ~~اليد والعصا.. وأرسلناه بهذه الآيات { إلى فرعون وملئه } أى ~~أشراف قومه فقال لهم ناصحا ومرشدا إنى رسول رب العالمين إليكم، لآمركم ~~بعبادة الله - تعالى - وحده، وأنهاكم عن عبادة غيره. { فلما جآءهم ~~بآياتنآ إذا هم منها يضحكون } أى فحين جاء موسى - عليه ~~السلام - إلى فرعون وملئه بآياتنا الدالة على قدرتنا سارعوا إلى الضحك ~~والسخرية بها، بدون تأمل أو تدبر، شأن المغرورين الجهلاء. فقوله - تعالى ~~- { إذا هم منها يضحكون } جواب { لما } والتعبير يشير إلى ~~مسارعتهم إلى السخرية والاستخفاف بالآيات التى جاء بها موسى - عليه ~~السلام -، مع أن هذه الآيات كانت تقتضى منهم التدبر والتفكر لو كانوا ~~يعقلون. وقوله - سبحانه - { وما نريهم من آية إلا هي ~~أكبر من أختها } بيان لقسوة قلوبهم، وعدم تأثرها بالآيات ~~والمعجزات. أى وما نريهم من آية دالة على صدق نبينا موسى، إلا وتكون هذه ~~الآية أكبر من أختها السابقة عليها، فى الدلالة على ذلك، مع كون الآية ~~السابقة عظيمة وكبيرة فى ذاتها. والمقصود بالجملة الكريمة، بيان أن هؤلاء ~~القوم لم يأتهم موسى - عليه السلام - بآية واحدة تشهد بصدقه فيما جاءهم ~~به من عند ربه، وإنما أتاهم بمعجزات متعددة، وكل معجزة أدل على صدقه مما ~~قبلها. ويصح أن يكون المراد وصف الجميع بالكبر، على معنى أن كل واحدة ~~لكمالها فى ذاتها، إذا نظر إليها الناظر، ظنها أكبر من البواقى ~~لاستقلالها بإفادة الغرض الذى جاءت من أجله. وإلى هذا المعنى أشار صاحب ~~الكشاف بقوله والغرض بهذا الكلام، أنهن موصوفات بالكبر، لا يكدن يتفاوتن ~~فيه، وكذلك العادة فى الأشياء التى تتلاقى فى الفضل. وتتفاوت منازلها فيه ~~التفاوت اليسير، أن تختلف آراء الناس فى تفضيلها، فيفضل بعضهم هذا، ~~وبعضهم ذاك، فعلى ذلك بنى الناس كلامهم فقالوا رأيت رجالا بعضهم أفضل من ~~بعض، وربما اختلفت آراء الرجل الواحد فيها، فتارة ms4588 يفضل هذا وتارة يفضل ~~ذاك، ومنه بيت الحماسة # من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التى يسرى بها السارى # وقوله - تعالى - { وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون ~~} بيان للمصير السيئ الذى آلو إليه. أى وأخذناهم بسبب إصرارهم على الكفر ~~والمعاصى، بالعذاب الدنيوى الشديد لكى يرجعوا عما هم عليه من كفر وفسوق، ~~ولكنهم لم يرجعوا. فالمراد بالعذاب هنا العذاب الدنيوى، الذى أشار إليه - ~~سبحانه - بقوله # فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل ~~والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا ~~وكانوا قوما مجرمين # ثم حكى - سبحانه - ما قالوه بعد أن نزل بهم العذاب، فقال { وقالوا ~~يأيه الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك ~~إننا لمهتدون }. وجمهور المفسرين على أن قولهم هذا، كان على ~~سبيل التعظيم لموسى - عليه السلام - لأنهم كانوا يوقرون السحرة، ~~ويعتبرونهم العلماء. قال ابن كثير قوله { يأيه الساحر } أى ~~العالم... وكان علماء زمانهم هم السحرة، ولم يكن السحر عندهم فى زمانهم ~~مذموما، فليس هذا منهم على سبيل الانتقاص، لأن الحال حال ضرورة منهم ~~إليه، فهى تقتضى تعظيمهم لموسى - عليه السلام -... و { ما } فى قوله { ~~بما عهد عندك } مصدرية أى بعهده عندك، والمراد بهذا العهد ~~النبوة. وسميت عهدا، لأن الله - تعالى - عاهد نبيه أن يكرمه بها، أو لأن ~~لها حقوقا تحفظ كما يحفظ العهد. وقوله { إننا لمهتدون } مرتب ~~على كلام محذوف. أى وحين أخذنا فرعون وقومه بالعذاب، قالوا لموسى - على ~~سبيل التذلل والتعظيم من شأنه - يأيها الساحر الذى غلبنا بسحره وعلمه، ~~ادع لنا ربك بحق عهده إليك بالنبوة، لئن كشف عنا ربك هذا العذاب الذى نزل ~~بنا { إننا لمهتدون } أى إننا لمؤمنون ثابتون على ذلك، متبعون ~~لك فى كل ما تأمرنا به أو تنهانا عنه. فدعا موسى - عليه السلام - ربه أن ~~يكشف عنهم العذاب، فأجاب الله دعوته بأن كشف عنهم، فماذا كانت النتيجة؟ ~~كانت النتيجة أنهم نقضوا عهودهم، واستمروا على كفرهم، كما قال - تعالى - ~~{ فلما كشفنا عنهم العذاب } أى فحين كشفنا عنهم العذاب ~~الذى حل بهم { إذا هم ينكثون } أى إذا هم ينقضون عهدهم بالإيمان ~~فلا ms4589 يؤمنون. يقال نكث فلان عهده ونقضه، إذا لم يف به. ومن سوء أدبهم أنهم ~~قالوا ادع لنا ربك، فكأن الله - تعالى - رب موسى وحده، وليس ربا لهم. ~~وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - # ولما وقع عليهم الرجز قالوا يموسى ادع لنا ~~ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز ~~لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني ~~إسرآئيل...فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم ~~بالغوه إذا هم ينكثون # ثم حكى - سبحانه - جانبا من طغيان فرعون وفجوره، واستخفافه بعقول قومه ~~فقال { ونادى فرعون في قومه.. } أى أن فرعون جمع زعماء ~~قومه، وأخبرهم بما يريد أن يقول لهم. # أو أنه أمر مناديا ينادى فى قومه جميعا، ليعلمهم بما يريد إعلامهم به، ~~وأسند - سبحانه - النداء إلى فرعون، لأنه هو الآمر به. والتعبير بقوله { ~~في قومه } يشعر بأن النداء قد وصل اليهم جميعا ودخل فى قلوبهم. ~~وقوله - تعالى - { قال يقوم أليس لي ملك مصر وهذه ~~الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون... } حكاية لما ~~قاله فرعون لقومه. أى أن فرعون جمع عظماء قومه، وقال لهم - بعد أن خشى ~~إيمانهم بموسى { يقوم أليس لي ملك مصر } بحيث لا ينازعنى ~~فى ذلك منازع، ولا يخالفنى فى ذلك مخالف، فالاستفهام للتقرير. وفضلا عن ~~ذلك فإن هذه الأنهار التى ترونها متفرعة من النيل تجرى تحت قدمى، أو من ~~تحت قصرى. { أفلا تبصرون } ذلك، وتستدلون به على قوة أمرى، وسعة ~~ملكى، وعظم شأنى فمفعول { تبصرون } محذوف، أى أفلا تبصرون عظمتى. و ~~{ أم } فى قوله { أم أنآ خير من هذا الذي هو ~~مهين ولا يكاد يبين } هى المنقطعة المقدرة بمعنى بل التى هى ~~للاضراب، والإشارة بهذا تعود لموسى - عليه السلام -. أى بل أنا خير من ~~هذا الذى هو فقير وليس صاحب ملك أو سطوة أو مال... وفى الوقت نفسه { لا ~~يكاد يبين } أى لا يكاد يظهر كلامه لعقدة فى لسانه. ثم أضاف إلى ~~ذلك قوله - كما حكى القرآن عنه { فلولا ألقي عليه أسورة ~~من ذهب أو جآء معه الملائكة مقترنين }. والأسورة ~~جمع سوار، وهو كناية ms4590 عن تمليكه، وكانوا إذا ملكوا رجلا عليهم، جعلوا فى ~~يديه سوارين، وطوقوه بطوق من ذهب، علامة على أنه ملكهم. أى فهلا لو كان ~~موسى ملكا أو رسولا، أن يحلى نفسه بأساور من ذهب، أو جاء إلينا ومعه ~~الملائكة محيطين به، ومتقارنين معه، لكى يعينوه ويشهدوا له بالنبوة. ولا ~~شك أن هذه الأقوال التى تفوه بها فرعون، تدل على شدة طغيانه، وعلى عظم ~~غروره، وعلى استغلاله الضخم لغفلة قومه وسفاهتهم وضعفهم. ورحم الله ~~الإمام ابن كثير فقد قال ما ملخصه وهذا الذى قاله فرعون - لعنه الله - ~~كذب واختلاق، وإنما حمله على هذا الكفر والعناد، وهو ينظر إلى موسى - ~~عليه السلام - بعين كافرة شقية، وقد كان موسى من الجلالة والعظمة والبهاء ~~فى صورة يبهر أبصار ذوى الألباب. وقوله { ولا يكاد يبين } افتراء ~~- أيضا - فإنه وإن كان قد أصاب لسانه فى حال صغره شئ من جهة تلك الجمرة، ~~فقد سأل ربه أن يحل عقدة من لسانه، فاستجاب الله - تعالى - له وفرعون ~~إنما أراد بهذا الكلام، أن يروج على رعيته، لأنهم كانوا جهلة أغبياء.. ~~وقوله - تعالى - { فاستخف قومه فأطاعوه إنهم ~~كانوا قوما فاسقين } بيان لما كان عليه فرعون من لؤم وخداع، ~~ولما كان عليه قومه من جبن وخروج على طاعة الله - تعالى -. # أى وبعد أن قال فرعون لقومه ما قال من تطاول على موسى - عليه السلام - ~~طلب منهم الخفة والسرعة والمبادرة إلى الاستجابة لما قاله لهم، فأجابوه ~~إلى طلبه منهم، لأنهم كانوا قوما خارجين على طاعتنا، مؤثرين الغى على ~~الرشد، والضلالة على الهداية.. ثم بين - سبحانه - سوء عاقبتهم فقال { ~~فلمآ آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين ~~فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين }. وقوله { آسفونا } ~~أى أغضبونا أشد الغضب، من أسف فلان أسفا، إذا اشتد غضبه و { سلفا } أى ~~قدوة لمن بعدهم من الكفار فى استحقاق مثل عقوبتهم. وهو مصدر وصف به على ~~سبيل المبالغة، ولذا يطلق على القليل والكثير. يقال سلفه الشئ سلفا، إذا ~~تقدم ومضى. وفلان سلف له عمل صالح، أى تقدم له عمل صالح ومنه ms4591 الأسلاف، أى ~~المتقدمون على غيرهم. أى فلما أغضبنا فرعون وقومه أشد الغضب، بسبب ~~إصرارهم على الكفر والفسوق والعصيان، انتقمنا منهم انتقاما شديدا، حيث ~~أغرقناهم أجمعين فى اليم. { فجعلناهم سلفا } أى قدوة لمن بعدهم ~~فى الكفر فى استحقاق مثل عقوبتهم كما جعلناهم { مثلا } أى عبرة وموعظة ~~{ للآخرين } الذين يعملون مثل أعمالهم.. وبذلك نرى فى هذه الآيات ~~الكريمة، جانبا من قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. ويتجلى فى ~~هذا الجانب من القصة طغيان فرعون، واستخفافه بعقول قومه، ومجاهرته بالكذب ~~والفجور.. فكانت عاقبتهم جميعا الدمار والبوار. ثم انتقلت السورة الكريمة ~~من الحديث عن جانب من قصة موسى، إلى الحديث عن جانب من قصة عيسى - عليه ~~السلام - فقال - تعالى - { ولما ضرب ابن مريم... وهم لا ~~يشعرون }. ### || [43.57-66] # ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { ولما ضرب ابن ~~مريم مثلا.. } روايات منها أنه لما نزل قوله - تعالى - # وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ... # تعلق المشركون بأمر عيسى وقالوا ما يريد محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~إلا أن نتخذه إلها، كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم فأنزل الله - تعالى ~~- { ولما ضرب ابن مريم مثلا.. }. وقال الواحدى أكثر ~~المفسرين على أن هذه الآية، # " نزلت فى مجادلة ابن الزبعرى - قبل أن يسلم - مع النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - فإنه لما نزل قوله - تعالى - { إنكم وما تعبدون من ~~دون الله حصب جهنم }. قال ابن الزبعرى خصمتك - يا محمد - ~~ورب الكعبة. أليست النصارى يعبدون المسيح، واليهود يعبدون عزيرا، وبنو ~~مليح يعبدون الملائكة؟ فإن كان هؤلاء فى النار، فقد رضينا أن نكون نحن ~~وآلهتنا فى النار؟. فقال له النبى - صلى الله عليه وسلم - " ما أجهلك ~~بلغة قومك؟ أما فهمت أن ما لما لا يعقل " # ؟. وفى رواية أنه - صلى الله عليه وسلم - قال له # " إنهم يعبدون الشيطان " # وأنزل الله - تعالى - { ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا ~~قومك منه يصدون }. وكلمة { يصدون } قرأها الجمهور بكسر ~~الصاد. وقرأها ابن عامر والكسائى بضم الصاد. وهما بمعنى واحد. ومعناهما ~~يضجون ويصيحون فرحا. يقال صد ms4592 يصد - بكسر الصاد وضمها - بمعنى ضج - كعكف - ~~بضم الكاف وكسرها. ويرى بعضهم أن { يصدون } - بكسر الصاد - بمعنى ~~يضجون ويصيحون ويضحكون.. وأن { يصدون } - بضم الصاد - بمعنى الصاد - ~~بمعنى يعرضون. من الصد بمعنى الإعراض عن الحق. والمعنى وحين ضرب ابن ~~الزبعرى، عيسى ابن مريم مثلا، وحاجك بعبادة النصارى له، فاجأك قومك - ~~كفار قريش - بسبب هذه المحاجة، بالصياح والضجيج والضحك، فرحا منهم بما ~~قاله ابن الزبعرى، وظنا منهم أنه قد انتصر عليك فى الخصومة والمجادلة. ~~فمن فى قوله { منه } الظاهر أنها للسببية، كما فى قوله - تعالى - # مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا... # والمراد بالمثل هنا الحجة والبرهان. قال الآلوسى والحجة لما كانت تسير ~~مسير الأمثال شهرة، قيل لها مثل. أو المثل بمعنى المثال. أى جعله مقياسا ~~وشاهدا على إبطال قوله - صلى الله عليه وسلم - إن آلهتهم من حصب جهنم، ~~وجعل عيسى - عليه السلام - نفسه مثلا من باب الحج عرفة. ثم بين - سبحانه ~~- أقوالهم التى بنو عليها باطلهم فقال { وقالوا أآلهتنا خير ~~أم هو }؟ والضمير { هو } يعود إلى عيسى - عليه السلام -. # ومرادهم بالاستفهام تفضيل عيسى - عليه السلام - على آلهتهم، مجاراة ~~للنبى - صلى الله عليه وسلم -. فكأنهم يقولون لقد أخبرتنا بأن عيسى ابن ~~مريم رسول من رسل الله - تعالى - وأنه خير من آلهتنا.. فإن كان فى النار ~~يوم القيامة لأن الله - تعالى - يقول # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا فى النار. وقد أبطل الله زعمهم هذا بقوله ~~{ ما ضربوه لك إلا جدلا }. أى لا تهتم - أيها الرسول الكريم ~~- بما قالوه، فإنهم ما ضربوا لك هذا المثل بعيسى إلا من أجل مجادلتك ~~بالباطل، وليس من أجل الوصول إلى الحق. وقوله { بل هم قوم ~~خصمون } مؤكد لما قبله من كونهم قالوا ذلك لأجل الجدل بالباطل، لا ~~لطلب الحق، وإضراب عن مزاعمهم وعن مجاراتهم فى خصومتهم. أى ذرهم - أيها ~~الرسول الكريم - فى باطلهم يعمهون، فإنهم قوم مجبولون على الخصومة، وعلى ~~اللجاج فى الباطل. فقوله { خصمون } جمع خصم - بفتح فكسر - وهو ~~الإنسان ms4593 المبالغ فى الجدل والخصومة، دون أن يكون هدفه الوصول إلى الحق. ~~وجاء التعبير فى قوله { ما ضربوه لك إلا جدلا } بصيغة ~~الجمع، مع أن ضارب المثل واحد، وهو ابن الزبعرى، لأن إسناد فعل الواحد ~~إلى الجماعة، من الأساليب المعروفة فى اللغة العربية، ومنه قول الشاعر # فسيف بنى عبس وقد ضربوا به نبا بيدى ورقاء عن رأس خالد # فإنه قد نسب الضرب إلى جميع بنى عبس، مع تصريحه بأن الضراب واحد، وهو ~~رقاء.. ولأنهم لما أيدوا ابن الزبعرى فى قوله، فكأنهم جميعا قد قالوه.. ~~ثم بين - سبحانه - حقيقة عيسى - عليه السلام - فقال { إن هو إلا ~~عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني ~~إسرائيل }. أى ليس هو أى عيسى - عليه السلام - إلا عبد من عبادنا ~~الذين أنعمنا عليهم بنعمة النبوة { وجعلناه مثلا } أى أمرا ~~عجيبا، جديرا بأن يسير ذكره كالأمثال { لبني إسرائيل } الذين ~~أرسلناه إليهم، حيث خلقناه من غير أب، وأعطيناه المعجزات الباهرات التى ~~منها إبراء الأكمة والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله.. وهذا كله دليل على ~~وحدانيتنا، وكمال قدرتنا ونفاذ إرادتنا. فالآية الكريمة ترفع من شأن عيسى ~~- عليه السلام -، وتحدد منزلته، وتنفى عنه غلو المغالين فى شأنه، وإنقاص ~~المنقصين من قدره. ثم أكد - سبحانه - كمال قدرته فقال { ولو نشآء ~~لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون }. و " من " ~~فى قوله - تعالى - { منكم } يصح أن تكون للبدلية، فيكون المعنى ولو ~~نشاء إهلاككم أيها الكافرون لفعلنا ولجعلنا بدلا منكم ملائكة يخلفونكم ~~بعد موتكم، ولكنا لم نشأ ذلك لحكم نحن نعلمها. ويصح أن تكون للتبعيض ~~فيكون المعنى ولو نشاء لجعلنا منكم يا رجال قريش ملائكة، بطريق التوليد ~~منكم، من غير واسطة نساء، فهذا أمر سهل علينا، مع أنه أعجب من حال عيسى ~~الذى تستغربونه، لأنه جاء من غير أب، مع أن الأم من طبيعتها الولادة. # فالمقصود بالآية الكريمة بيان أن قدرة الله - تعالى - لا يعجزها شئ، وأن ~~ما تعجبوا منه، الله - تعالى - قادر على أن يأتى بما هو أعجب منه. قال ~~صاحب الكشاف قوله { ولو نشآء } لقدرتنا ms4594 على خلق عجائب الأمور، ~~وبدائع الفطر، { لجعلنا منكم } أى لولدنا منكم يا رجال { ~~ملائكة } يخلفونكم فى الأرض، كما يخلفكم أولادكم، كما ولدنا عيسى ~~من أنثى من غير فحل، لتعرفوا تميزنا بالقدرة الباهرة، ولتعلموا أن ~~الملائكة أجسام.. وذات الله - تعالى - متعالية عن ذلك. ثم بين - سبحانه - ~~بعض ما يتعلق بعيسى - عليه السلام - فقال { وإنه لعلم ~~للساعة }. فالضمير فى { إنه } يعود إلى عيسى لأن السياق فى ~~شأنه، وقيل يعود إلى القرآن أو إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وضعف ~~ذلك لأن الكلام فى شأن عيسى. والمراد بالعلم العلامة، واللام فى قوله { ~~للساعة } بمعنى على. والكلام على حذف مضاف. والمعنى وإن عيسى - ~~عليه السلام - عند نزوله من السماء فى آخر الزمان حيا، ليكونن علامة على ~~قرب قيام الساعة، ودليلا على أن نهاية الدنيا توشك أن تقع.. قال الآلوسى ~~{ وإنه } أى عيسى عليه السلام - { لعلم للساعة } أى أنه ~~بنزوله شرط من أشراطها. وقد نطقت الأخبار بنزوله - عليه السلام - فى آخر ~~الزمان، فقد أخرج البخارى ومسلم والترمذى وأبو داود وابن ماجه، عن أبى ~~هريرة قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " لينزلن ابن مريم، حكما عدلا فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن ~~الجزية، وليذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله ~~أحد ". # وقال ابن كثير ما ملخصه قوله { وإنه لعلم للساعة } ~~الصحيح أن الضمير يعود على عيسى، فإن السياق فى ذكره، ثم المراد بذلك ~~نزوله قبل يوم القيامة كما قال - تعالى - # وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل ~~موته... # أى قبل موت عيسى. وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - # " أنه أخبر بنزول عيسى قبل يوم القيامة، إماما عادلا، وحكما مقسطا ". # وقوله { فلا تمترن بها } أى فلا تشكن فى وقوعها فى الوقت الذى ~~يشاؤه الله - تعالى -، فقوله { تمترن } من المرية بمعنى الشك ~~والريب. وقوله { واتبعون هذا صراط مستقيم } أى ~~واتبعوا - أيها الناس - ما جئتكم به من عند ربى، فإن هذا الذى جئتكم به، ~~هو الطريق المستقيم الذى يوصلكم إلى السعادة ms4595 فى الدنيا والآخرة. # { ولا يصدنكم الشيطان } أى ولا يمنعنكم الشيطان بسبب ~~وسوسته لكم، عن طاعتى واتباعى { إنه لكم عدو مبين } أى إن ~~الشيطان عداوته لكم ظاهرة، وكيده لكم واضح، كما قال - تعالى - # إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما ~~يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير # ثم حكى - سبحانه - ما قاله عيسى - عليه السلام - لقومه، عندما بعثه الله ~~إليهم فقال { ولما جآء عيسى بالبينات قال قد ~~جئتكم بالحكمة }. والبينات جمع بينة. وهى صفة لموصوف محذوف، ~~والمراد بها المعجزات التى أيد الله - تعالى - بها عيسى - عليه السلام -. ~~والمراد بالحكمة التشريعات والتكاليف والمواعظ التى أرشدهم إليها، عن ~~طريق الكتاب الذى أنزله الله تعالى إليه، وهو الإنجيل. أى وحين جاء عيسى ~~- عليه السلام - إلى قومه، قال لهم على سبيل النصح والإرشاد يا قوم لقد ~~جئتكم بالمعجزات البينات الواضحة التى تشهد بصدقى وجئتكم بالإنجيل ~~المشتمل على ما تقتضيه الحكمة الإلهية من آداب وتشريعات ومواعظ. وقوله { ~~ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه } متعلق بمحذوف ~~والتقدير قد جئتكم بالحكمة لأعلمكم إياها، وجئتكم - أيضا - لأبين لكم ~~ولأصحح لكم بعض الأمور التى تختلفون فيها. وقال - سبحانه - { ~~ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه } ولم يقل لكم كل ~~الذى تختلفون فيه، للإشعار بالرحمة بهم، وبالستر عليهم، حيث بين البعض ~~وترك البعض الآخر، لأنه لا ضرورة تدعو إلى بيانه. قال صاحب الكشاف فإن ~~قلت هلا بين لهم كل الذى يختلفون فيه؟ قلت كانوا يختلفون فى الديانات، ~~وما يتعلق بالتكليف، وفيهما سوى ذلك مما لم يتعبدوا بمعرفته والسؤال عنه، ~~وإنما بعث ليبين لهم ما اختلفوا فيه مما يعنيهم من أمر دينهم... وقوله - ~~تعالى - { فاتقوا الله وأطيعون إن الله هو ربي ~~وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم }. أى إذا كان ~~الأمر كما ذكرت لكم، فاتقوا الله - تعالى - بأنه تصونوا أنفسكم عن كل ما ~~يغضبه، وبأن تطيعونى فى كل ما آمركم به أو أنهاكم عنه. وإن الله - تعالى ~~- هو ربى وربكم فأخلصوا له العبادة والطاعة، وهذا الذى آمركم به أو ~~أنهاكم عنه، هو الطريق القويم، الذى ms4596 يوصلكم إلى السعادة الدنيوية ~~والأخروية. ثم بين - سبحانه - موقف أهل الكتاب من دعوة عيسى - عليه ~~السلام - فقال { فاختلف الأحزاب من بينهم... }. والأحزاب ~~جمع حزب، والمراد بهم الفرق التى تحزبت وتجمعت على الباطل من بعد عيسى. ~~وضمير الجمع فى قوله { من بينهم } يعود إلى من بعث إليهم عيسى - ~~عليه السلام - من اليهود والنصارى. وقيل يعود إلى النصارى خاصة، لأنهم هم ~~الذين اختلفوا فى شأنه، فمنهم من قال هو الله ومنهم من قال هو ابن الله. ~~ومنهم من قال ثالث ثلاثة. # قال الآلوسى قوله { فاختلف الأحزاب } أى الفرق المتحزبة { من ~~بينهم } أى من بين من بعث إليهم، وخاطبهم بما خاطبهم من اليهود ~~والنصارى وهم أمة دعوته - عليه السلام -. وقيل المراد النصارى، وهم أمة ~~إجابته، وقد اختلفوا فرقا ملكانية، ونسطورية، ويعقوبية. وقوله - تعالى - ~~{ فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم } بيان ~~للعقاب الشديد الذى أعده الله - تعالى - لهم، بسبب اختلافهم وبغيهم، ~~ونسبتهم إلى عيسى ما هو برئ منه. أى فهلاك وعذاب شديد للذين ظلموا أنفسهم ~~بالكفر، وبافترائهم على عيسى - عليه السلام -، وما أشد حسرتهم فى هذا ~~اليوم العصيب. والاستفهام فى قوله { هل ينظرون إلا الساعة ~~أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون } للنفى. وينظرون ~~بمعنى ينتظرون. والخطاب لكفار مكة الذين أعرضوا عن دعوة الحق. أى ما ~~ينتظر هؤلاء المشركون إلا قيام الساعة، وهذا القيام سيأتيهم فجأة، وبدون ~~شعور منهم بها، وحينئذ يندمون ولن ينفعهم الندم، ولو كانوا عقلاء لاتبعوا ~~الحق الذى جاءهم به رسولنا - صلى الله عليه وسلم -، قبل فوات الأوان. ~~فالآية الكريمة دعوة لهؤلاء المشركين إلى الاستجابة للرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا دعاهم لما يصلحهم، من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا ~~خلال. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد ~~جآء أشراطها فأنى لهم إذا جآءتهم ذكراهم # وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد وبخت المشركين على جدالهم بالباطل وردت ~~عليهم بما يخرس ألسنتهم، وبينت الحق فى شأن عيسى - عليه السلام - وتوعدت ~~المختلفين فى أمره - اختلافا ms4597 يتنافى مع ما جاءهم به - بالعذاب الشديد. ~~وبعد هذا الحديث عن جانب عن قصة موسى، وعن جانب من قصة عيسى - عليهما ~~السلام -، وعن موقف أقوامهما منهما.. بعد كل ذلك رسمت السورة الكريمة ~~صورة واضحة لحسن عاقبة المؤمنين، ولسوء عاقبة المكذبين، ليهلك من هلك عن ~~بينة، ويحيا من حى عن بينة، فقال - تعالى - { الأخلاء يومئذ... ~~ورسلنا لديهم يكتبون }. ### || [43.67-80] # وقوله - تعالى - { الأخلاء } جمع خليل بمعنى صديق. وسمى الأصدقاء ~~أخلاء، لأن المودة التى بينهم تخللت قلوبهم واختلطت بنفوسهم. أى الأصدقاء ~~فى الدنيا، يصير بعضهم لبعض يوم القيامة أعداء، لأنهم كانوا يجتمعون على ~~الشرور والآثام فى الدنيا، وكانوا يتواصون بالبقاء على الكفر والفسوق ~~والعصيان فلما جاء يوم القيامة، وانكشفت الحقائق.. انقلبت صداقتهم إلى ~~عداوة. { إلا المتقين } فإن صداقتهم فى الدنيا تنفعهم فى ~~الآخرة، لأنهم أقاموها على الإيمان والعمل الصالح والطاعة لله رب ~~العالمين. فالآية الكريمة إنذار للكافرين الذين كانت صداقاتهم فى الدنيا ~~تقوم على محاربة الحق، ومناصرة الباطل... وبشارة عظيمة للمتقين الذين ~~بنوا صداقتهم فى الدنيا على طاعة الله - عالى - ونصرة دينه، والعمل ~~بشريعته. ثم بشر الله - تعالى - عباده بجملة من البشارات الكريمة، فقال - ~~تعالى - { يعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم ~~تحزنون الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ~~ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون }. والخوف ~~معناه توقع ما يخشاه ويغتم له الإنسان فى المستقبل. والحزن معناه غم ~~يلحق الإنسان من أجل شئ مضى. وقوله { تحبرون } أى تفرحون وتسرون ~~سرورا عظيما يظهر حباره - بفتح الحاء وكسرها - أى أثره الحسن على وجوهكم ~~وأفئدتكم، فهو من الحبر - بفتح الحاء والباء - بمعنى الأثر. ويصح أن ~~يكون من الحبر - بسكون الباء - بمعنى الزينة وحسن الهيئة. وبهذا ترى ~~الآيات الكريمة قد نفت عنهم الخوف والحزن، وفتحت لهم أبواب الجنة، ~~وأعلمتهم بأنهم سيكونون هم وأزواجهم فى سرور دائم. أى يقول الله - تعالى ~~- لعباده من المؤمنين يوم القيامة يا عباد الذين شرفتكم بالإضافة إلى ~~ذاتى، لا خوف عليكم اليوم من أمر المستقبل، ولا أنتم تحزنون على أمر مضى. ~~وقوله { الذين آمنوا بآياتنا ms4598 وكانوا مسلمين } فى محل ~~نصب، صفة لقوله " يا عباد " أى يا عباد الذين آمنوا بآياتنا الدالة على ~~وحدانيتنا وعلى صدق نبينا - صلى الله عليه وسلم -. وكانوا فى الدنيا ~~مخلصين وجوههم لنا، وجاعلين أنفسهم سالمة لطاعتنا.. { ادخلوا ~~الجنة أنتم وأزواجكم } أى ونساؤكم المؤمنات { تحبرون ~~} أى تسرون وتتلذذون بتلك النعم التى أنعم بها - سبحانه - عليكم. فالمراد ~~بأزواجهم هنا نساؤهم، لأن فى هذه الصحبة تلذذا أكثر، ونعيما أكبر. ~~والإضافة فى قوله { أزواجكم } للاختصاص التام، فتخرج الأزواج غير ~~المؤمنات. ومنهم من يرى أن المراد بقوله { وأزواجكم } نظراؤكم ~~وأشباهكم فى الطاعة لله - تعالى -. أى ادخلوا الجنة أنتم وأشباهكم فى ~~الإيمان والطاعة، دخولا لا تنالون معه إلا الفرح الدائم، والسرور الذى ~~لا انقطاع له. وشبيه بهذ الآية قوله - تعالى - # إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون هم ~~وأزواجهم في ظلال على الأرآئك متكئون # ثم بين - سبحانه - مظاهر أخرى لتكريمه لهؤلاء العباد فقال { يطاف ~~عليهم بصحاف من ذهب وأكواب... }. والصحاف جمع صحفة، ~~وهى الآنية الواسعة الكبيرة التى توضع فيها الأطعمة. والأكواب جمع كوب ~~وهو ما يوضع فيه الشراب. وفى الكلام حذف يعرف من السياق، والتقدير يقال ~~لهم ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون، فإذا ما دخلوها واستقروا فيها، ~~يطاف عليهم بأطعمة وأشربة فى أوان من ذهب. ولم تذكر الأطعمة والأشربة ~~للعلم بها، إذ لا معنى للطواف بالصحاف والأكواب وهى فارغة.. { وفيها ~~ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين } أى وفى الجنة التى ~~دخلوها كل ما تشتهيه الأنفس من أنواع المشتهيات، وكل ما تتلذذ بين الأعين ~~وتسر برؤيته. { وأنتم } أيها المؤمنون { فيها خالدون } خلودا ~~أبديا لا نهاية له. ثم ختم - سبحانه - هذا التكريم لعباده بقوله { ~~وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ~~لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون }. واسم ~~الإشارة { تلك } مبتدأ وخبره { الجنة } وما بعدهما صفة الجنة.. ~~وفى الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب على سبيل التشريف. وقال - سبحانه ~~- { وتلك } بالإفراد، للإشعار بأن الخطاب لكل واحد من أهل الجنة، ~~على سبيل العناية به، والإعلاء من شأنه. أى ويقال لهم يوم ms4599 القيامة على ~~سبيل التشريف وهذه الجنة التى أورثتموها بسبب أعمالكم الصالحة فى الدنيا، ~~لكم فيها فاكهة كثيرة، وثمار شهية لذيذة، منها تأكلون أكلا هنيئا مريئا. ~~وعبر بقوله - تعالى - { أورثتموها } للإشعار بأنها قد صارت إليهم ~~بفضل الله وكرمه، كما يصير الميراث إلى الوارث. وقوله { بما كنتم ~~تعملون } بيان للأسباب التى أوصلتهم إلى هذه المنازل العالية، فإن ~~أعمالهم الطيبة التى تقبلها الله - تعالى - منهم، جعلتهم - بفضله وإحسانه ~~- فى أعلى الدرجات وأسماها. وكعادة القرآن الكريم فى المقارنة بين ~~الأخيار والأشرار جاء الحديث عن سوء عاقبة الكافرين بعد الحديث عن حسن ~~عاقبة المؤمنين، فقال - تعالى - { إن المجرمين في عذاب ~~جهنم خالدون }. أى إن الكافرين بالحق، الراسخين فى الإجرام، ~~الكاملين فيه، سيكونون يوم القيامة، فى عذاب جهنم خالدين فيه خلودا ~~أبديا. { لا يفتر عنهم } أى لا يخفف عنهم العذاب، فقوله { ~~يفتر } مأخوذ من الفتور بمعنى الهدوء والسكون، يقال فترت الحمى، إذا ~~خفت حدتها، وفتر المرض إذا سكن قليلا. { وهم فيه مبلسون } أى ~~وهم فى هذا العذاب فى أقصى درجات الحزن والذلة واليأس يقال أبلس فلان ~~إبلاسا، إذا سكت عن الكلام سكوتا مصحوبا بالحزن وانقطاع الحجة. ثم بين - ~~سبحانه - أن ما نزل بهؤلاء المجرمين من عذاب كان بسبب كفرهم فقال - تعالى ~~- { وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين }. أى ~~نحن ما ظلمنا هؤلاء الكافرين بإنزال هذا العذاب المهين الدائم بهم، ولكن ~~هم الذين ظلموا أنفسهم، باستحبابهم العمى على الهدى، وإيثارهم الغى على ~~الرشد. # ثم حكى - سبحانه - بعض أقوالهم بعد نزول العذاب بهم فقال { ونادوا ~~يمالك ليقض علينا ربك }. والمراد بذلك سؤال خازن النار ~~واللام فى قوله { ليقض } لام الدعاء. أى وبعد أن طال العذاب على ~~هؤلاء الكافرين، نادوا فى ذلة واستجداء قائلين لخازن النار يا مالك ادع ~~لنا ربك كى يقضى علينا، بأن يميتنا حتى نستريح من هذا العذاب. فالمراد ~~بالقضاء هنا الإهلاك والإماتة، ومنه قوله - تعالى - { فوكزه ~~موسى فقضى عليه... } أى فأهلكه. وفى هذا النداء ما فيه من ~~الكرب والضيق، حتى إنهم ليتمنون الموت لكى يستريحوا ms4600 مما هم فيه من عذاب. ~~وهنا يجيئهم الرد بما يزيدهم غما على غمهم، وهو قوله - تعالى - { قال ~~إنكم ماكثون } أى قال مالك فى الرد عليهم إنكم ماكثون فيه بدون ~~موت يريحكم من عذابها، وبدون حياة تجدون معها الراحة والأمان. وقوله - ~~سبحانه - { لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم ~~للحق كارهون } تأكيد منه - تعالى - وتقرير لرد مالك عليهم، ~~ومبين لسبب مكثهم فيها.. أى لقد جئناكم - أيها الكافرون - بالحق على ~~ألسنة رسلنا الذين لم يتركوا وسيلة من الوسائل إلا وسلكوها معكم فى ~~الإرشاد إلى طريق الهدى، ولكن أكثرهم كان كارها للحق والهدى، معرضا ~~عنهما إعراضا كليا، مصرا على كفره وشركه. وعبر - سبحانه - بالأكثر لأن ~~قلة منهم لم تكن كارهة للحق، ولكنها كانت منقادة لأمر سادتها وكبرائها.. ~~أما الذين كانوا يعرفون الحق ولكن يكرهونه، فهم الزعماء والكبراء، لأنهم ~~يرون فى اتباعه انتقاصا من شهواتهم وتصادما مع أهوائهم. ثم وبخهم - ~~سبحانه - على مكرهم، وبين أنه مكر بائر خائب فقال { أم أبرموا ~~أمرا فإنا مبرمون }. و { أم } هنا منقطعة بمعنى بل ~~والهمزة، والجملة الكريمة كلام مستأنف مسوق لتأنيب المشركين على ما دبروه ~~من كيد للرسول - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين. والإبرام الإتقان ~~للشئ والإحكام له، وأصله الفتل المحكم. يقال أبرم فلان الحبل، إذا أتقن ~~فتله. أى بل أحكموا كيدهم للنبى - صلى الله عليه - وسلم - ولأصحابه؟ إن ~~كانوا يظنون ذلك فقد خاب ظنهم، لأن مكرنا أعظم من مكرهم، وكيدنا يزهق ~~كيدهم.. فالمقصود بالآية الكريمة الانتقال من عدم إجابة ندائهم، إلى ~~تأنيبهم على ما كان منهم فى الدنيا من مكر بالحق وأهله، وكيف أن هذا ~~المكر السئ كانت نتيجته الخسران لهم. وقوله - سبحانه - { أم ~~يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم... } توبيخ آخر ~~لهم على جهلهم وانطماس بصائرهم. والمراد بالسر هنا حديثهم مع أنفسهم، ~~والمراد بنجواهم ما تكلم به بعضهم مع بعض دون أن يطلعوا عليه أحدا غيرهم. # أى بل أيظن هؤلاء الجاهلون أننا لا نعلم ما يتحدثون به مع أنفسهم، وما ~~يتحدثون به مع غيرهم فى خفية واستتار. وقوله ms4601 - سبحانه - { بلى ~~ورسلنا لديهم يكتبون } أى إذا كانوا يظنون ذلك فقد خابوا ~~وخسروا، فإننا نعلم سرهم ونجواهم. ورسلنا الذين يحفظون عليهم أعمالهم، ~~ملازمون لهم، ويسجلون عليهم كل صغيرة وكبيرة. وبعد هذا التهديد والوعيد ~~لأولئك الكافرين.. تأخذ السورة الكريمة فى تلقين الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - الحجة التى يجابههم بها، وفى تسليته عما أصابه منهم، وفى الثناء ~~على الله - تعالى - بما هو أهله من تمجيد وتعظيم، ثم تختتم بهذا النداء ~~الخاشع من الرسول - صلى الله عليه وسلم - لخالقه - عز وجل - فتقول { قل ~~إن كان للرحمن... سلام فسوف يعلمون }. ### || [43.81-89] # و { إن } فى قوله - تعالى - { قل إن كان للرحمن ولد... ~~} يرى بعضهم أنها شرطية، وأن الكلام مسوق على سبيل الفرض والتقدير. ~~والمعنى قل - أيها الرسول الكريم - ردا على هؤلاء الكافرين الذين نسبوا ~~الولد إلى الله - تعالى -، قل لهم إن كان للرحمن ولد - على سبيل الفرض ~~والتقدير - فأنا أول العابدين لهذا الولد، ولكن هذا الفرض قد ثبتت ~~استحالته يقينا لا شك معه، فما أدى إليه، وما ترتب عليه من نسبتكم الولد ~~إلى الله - تعالى - محال - أيضا - وإذا فأنا لا أعبد إلا الله - تعالى - ~~وحده، وأنزهه - سبحانه - عن الولد أو الشريك. ومن الآيات الكريمة التى ~~نفت عن الله - عز وجل - الولد قوله - تعالى - # بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم ~~تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء ~~عليم # وقوله - عز وجل - # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا ~~إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ~~ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا # ومن المفسرين الذين رجحوا أن تكون { إن } هنا شرطية، الإمام ابن جرير، ~~فقد قال بعد أن ذكر بعض الأقوال فى ذلك وأولى الأقوال عندنا بالصواب فى ~~ذلك، قول من قال معنى { إن } الشرط الذى يقتضى الجزاء. ومعنى الكلام قل ~~يا محمد لمشركى قومك، الزاعمين أن الملائكة بنات الله، إن كان للرحمن ولد ~~- على سبيل الفرض - فأنا أول العابدين. ولكنه لا ولد له فأنا ms4602 أعبده لأنه ~~لا ينبغى أن يكون له ولد. وإذا وجه الكلام إلى ما قلنا من هذا الوجه. لم ~~يكن على وجه الشك، ولكن على الإلطاف فى الكلام، وحسن الخطاب، كما قال - ~~جل ثناؤه - # وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين # وقال الإمام ابن كثير يقول - تعالى - { قل } يا محمد { إن كان ~~للرحمن ولد فأنا أول العابدين }. أى لو فرض هذا ~~لعبدته على ذلك، لأنى عبد من عبيده، مطيع لجميع ما أمرنى به، ليس عندى ~~استكبار ولا إباء عن عبادته، فلو فرض هذا كان هذا، ولكن هذا ممتنع فى حقه ~~- تعالى -، والشرط لا يلزم منه الوقوع ولا الجواز - أيضا - كما قال - ~~تعالى - # لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما ~~يخلق ما يشآء سبحانه هو الله الواحد القهار # وقال صاحب الكشاف - رحمه الله - قوله - تعالى - { قل إن كان ~~للرحمن ولد.. } وصح ذلك وثبت ببرهان صحيح. # . { فأنا أول العابدين } أى فأنا أول من يعظم ذلك الولد، ~~وأسبقكم إلى طاعته.. وهذا كلام وارد على سبيل الفرض والتمثيل لغرض، وهو ~~المبالغة فى نفى الولد، والإطناب فيه... وذلك أنه علق العبادة بكينونة ~~الولد، وهى محال فى نفسها، فكان المعلق بها محالا مثلها.. ويرى بعض ~~العلماء أن { إن } فى الآية نافية بمعنى ما، فيكون المعنى قل - أيها ~~الرسول - لهؤلاء الكافرين ما كان للرحمن من ولد، وما صح وما أمكن ذلك، ~~فهو مستحيل عقلا وشرعا.. وما دام الأمر كذلك، فأنا أول العابدين لله - ~~تعالى - المنزهين له عن الولد والشريك وغيرهما. قال الإمام القرطبى قوله ~~- تعالى - { قل إن كان للرحمن ولد... } اختلف فى معناه. ~~فقال ابن عباس والحسن والسدى المعنى ما كان للرحمن ولد. { إن } بمعنى ~~ما، ويكون الكلام على هذا تاما، ثم تبتدى بقوله - تعالى - { فأنا ~~أول العابدين }. وقيل المعنى قل يا محمد، إن ثبت له ولد، فأنا ~~أول من يعبد ولده، ولكن يستحيل أن يكون له ولد، وهو كما تقول لمن تناظره ~~إن ثبت ما قلت بالدليل، فأنا أول من يعتقده، وهذا مبالغة فى ms4603 الاستبعاد، ~~أى لا سبيل إلى اعتقاده.. و { إن } على هذا للشرط، وهو الأجود. وقيل إن ~~معنى { العابدين } الآنفين. وقال بعض العلماء لو كان كذلك لكان ~~العبدين.. بغير ألف، يقال عبد - بكسر الباء - يعبد عبدا - بفتحها - إذا ~~أنف وغضب فهو عبد، والاسم العبدة، مثل الآنفة.. ويبدو لنا أن الرأيين ~~يؤديان إلى نفى أن يكون لله - تعالى - ولد وإن كان الرأى الأول - وهو أن ~~حرف { إن } للشرط - هو المتبادر من معنى الآية وعليه جمهور المفسرين. ثم ~~نزه - عز وجل - ذاته عن أقوال المفترين فقال { سبحان رب ~~السماوات والأرض رب العرش عما يصفون }. وسبحان ~~اسم مصدر بمعنى التنزيه والتقديس، منصوب على أنه مفعول مطلق بفعل محذوف، ~~أى سبحت الله - تعالى - تسبيحا، ونزهته تنزيها، عن أن يكون له ولد أو ~~شريك، فهو - عز وجل - رب السماوات، ورب الأرض رب العرش العظيم، وهو ~~المتعالى عن كل ما وصفه الكافرون والفاسقون من صفات لا تليق بجلاله. وجاء ~~هذا التنزيه والتقديس بلفظ { سبحان } ، لا بلفظ الفعل سبح أو يسبح، ~~لأن النقص الذى أرادوا إلصاقه به شنيع، فكان من المناسب أن يؤتى بأقوى ~~لفظ فى التنزيه والتقديس. و { ما } فى قوله { عما يصفون } ~~مصدرية، أى عن وصفهم لله الولد، ويصح أن تكون موصولة والعائد محذوف. أى ~~عن الذى يصفونه به. وفى إضافة رب إلى العرش، مع أنه أعظم الأجرام، تنبيه ~~على أن جميع المخلوقات تحت ملكوته وربوبيته، فكيف يتخذ من خلقه ولدا؟. # والفاء فى قوله - تعالى - { فذرهم يخوضوا ويلعبوا.. } ~~للافصاح عن شرط مقدر.. أى إذا كان الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول ~~الكريم - فاترك هؤلاء الكافرين يخوضون فى باطلهم، وينهمكون فى لعبهم.. { ~~حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون } وهو يوم القيامة، ~~الذى سنحاسبهم فيه حسابا عسيرا، ونعاقبهم بالعقوبة التى يستحقونها. ~~فالآية الكريمة تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما لحقه منهم من ~~أذى، وتهديد لأولئك الكافرين على أقوالهم الباطلة، وأفعالهم الشنيعة. ثم ~~أكد - سبحانه - أنه هو الإله الحق، وأن كل ما عداه باطل، فقال { وهو ~~الذي في السمآء إله ms4604 وفي الأرض إله وهو ~~الحكيم العليم }. والجار والمجرور فى قوله { في السمآء.. ~~وفي الأرض } متعلق بلفظ { إله } ، لأنه بمعنى معبود أو بمعنى ~~مستحق للعبادة، وهذا اللفظ الكريم خبر مبتدأ محذوف، أى هو إله... أى وهو ~~- سبحانه - وحده المعبود بحق فى السماء، والمعبود بحق فى الأرض، لا إله ~~غيره، ولا رب سواه، وهو - عز وجل - { الحكيم } فى كل أقواله وأفعاله ~~{ العليم } بكل شئ فى هذا الوجود. فالآية الكريمة تدل على أن المستحق ~~للعبادة من أهل السماء ومن أهل الأرض، هو الله - تعالى -، وكل معبود سواه ~~فهو باطل. قال الجمل ما ملخصه قوله - سبحانه - { وهو الذي في ~~السمآء إله... } الجار والمجرور متعلق بلفظ إله، لأنه بمعنى ~~معبود فى السماء ومعبود فى الأرض.. وبما تقرر من أن المراد بإله معبود، ~~اندفع ما قيل من أن هذا يقتضى تعدد الآلهة، لأن النكرة إذا أعيدت نكرة ~~تعددت، كقولك أنت طالق وطالق. وإيضاح هذا الإندفاع، أن الإله بمعنى ~~المعبود، وهو - تعالى - معبود فيهما. والمغايرة إنما هى بين معبوديته فى ~~السماء، ومعبوديته فى الأرض، لأن المعبودية من الأمور الإضافية فيكفى ~~التغاير فيها من أحد الطرفين، فإذا كان العابد فى السماء غير العابد فى ~~الأرض، صدق أن معبوديته فى السماء غير معبوديته فى الأرض مع أن المعبود ~~واحد، وفيه دلالة على اختصاصه - تعالى - باستحقاق الألوهية، فإن التقديم ~~يدل على الاختصاص.. وقوله - تعالى - { وتبارك الذي له ملك ~~السماوات والأرض وما بينهما } ثناء منه - سبحانه - على ~~ذاته بما هو أهله. ولفظ { تبارك } فعل ماض، أى تعالى الله وتعظم، ~~وزاد خيره وكثر إنعامه، وهو مأخوذ من البركة - بفتح الراء - بمعنى الكثرة ~~من كل خير.. أو من البرك - بسكون الراء - بمعنى الثبوت والدوام... وكل شئ ~~ثبت ودام فقد برك. أى وتعالى الله وتقدس، وثبت خيره، وزاد إنعامه، فهو - ~~سبحانه - الذى له ملك السماوات والأرض، وله ملك ما بينهما من مخلوقات ~~أخرى لا يعلمها أحد سواه. { وعنده علم الساعة } أى وعنده وحده ~~لا عند غيره العلم التام بوقت قيام الساعة. # فالمصدر وهو { علم ms4605 } مضاف لمفعوله وهو { الساعة } والعالم بذلك ~~هو الله - تعالى -. والمراد بالساعة يوم القيامة، وسميت بذلك لسرعة ~~قيامها، كما قال - تعالى - # ولله غيب السماوات والأرض ومآ أمر الساعة ~~إلا كلمح البصر أو هو أقرب... # { وإليه ترجعون } أى وإليه وحده مرجعكم للحساب أو الجزاء، ~~وليس إلى أحد سواه - عز وجل -. ثم بين - سبحانه - أنه لا شفاعة لأحد إلا ~~بإذنه، فقال ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم ~~يعلمون. والمراد بالموصول فى قوله { ولا يملك الذين يدعون ~~} الأصنام وغيرها مما عبد من دون الله - تعالى -، وهو فاعل، وجملة { ~~يدعون } صلة لا محل لها من الإعراب، والعائد محذوف. والشفاعة من ~~الشفع بمعنى الضم، لأن الشفيع ينضم إلى المشفوع له، فيصير شفعا بعد أن ~~كان فردا. والاستثناء فى قوله { إلا من شهد بالحق } متصل، ~~لأن المستثنى منه عام، ثم استثنى منه الموحدون، كعيسى ابن مريم. والمعنى ~~ولا يملك المعبودون من دون الله - تعالى - الشفاعة لأحد من الناس، إلا من ~~شهد بالحق منهم، وأخلص العبادة لله - تعالى - وحده، كعيسى ابن مريم، ~~وعزير، والملائكة، فهؤلاء يملكونها إذا أذن الله - سبحانه - لهم بها. ~~ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعا، إذا كان المستثنى منه خاصا بالأصنام ~~فيكون المعنى ولا تملك الأصنام الشفاعة لأحد، لكن من شهد بالحق وبوحدانية ~~الله كعيسى ابن مريم وغيره، فإنه يملكها بإذن الله - تعالى -. ويصح أن ~~يكون المراد بقوله { إلا من شهد بالحق } المؤمن المشفوع فيه ~~فيكون المعنى ولا يملك أحد الشفاعة لأحد. إلا لمن آمن بالله - تعالى - ~~ويشهد الشهادة الحق وهو المؤمن، فإنه تجوز الشفاعة له، أما الكافر فلا ~~يملك أحد أن يشفع له. كما قال - تعالى - # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى... # وجملة { وهم يعلمون } حالية. أى والحال أنهم يعلمون علما يقينا، ~~أن المستحق للعباد هو الله - تعالى -. وقيد - سبحانه - الشهادة بقوله { ~~وهم يعلمون } للإشعار بأن الشهادة بالحق مع العلم بها هى ~~المعتدة، أما الشهادة بدون علم بالمشهود بها فإنها لا تكون كذلك. وجمع - ~~سبحانه - الضمير { هم } باعتبار معنى { من ms4606 } ، وأفرده فى ضمير { ~~شهد } باعتبار لفظها. ثم بين - سبحانه - ما كان عليه المشركون من ~~تناقض بين أقوالهم وأفعالهم فقال { ولئن سألتهم من خلقهم ~~ليقولن الله فأنى يؤفكون }. أى والله لئن سألت - يا ~~محمد - هؤلاء الكافرين عمن خلقهم وخلق من يعبدونهم من دون الله، ليقولن ~~الله هو الخالق لكل المخلوقات. وقوله { فأنى يؤفكون } استفهام ~~قصد به التعجب من أحوالهم المتناقضة أى دمتم قد اعترفتم بأن الخالق لكم ~~ولغيركم هو الله، فكيف انصرفتم عن عبادة الله إلى عبادة غيره. # وكيف أشركتم معه غيره فى ذلك مع اعترافكم بأنه - سبحانه - هو الخالق لكل ~~شئ. يقال أفك فلان فلانا يأفك إفكا - من باب طرب وعلم - إذا صرفه وقلبه ~~عن الشئ. وسميت قرى قوم لوط بالمؤتفكات لأن جبريل جعل عاليها سافلها بأمر ~~الله - تعالى -. ثم حكى - سبحانه - ما تضرع به الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - إلى ربه فقال { يرب إن هؤلاء قوم لا ~~يؤمنون.. }. والقيل، والقال، والقول.. كلها مصادر بمعنى واحد. ~~والضمير يعود إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم وقراءة الجمهور بفتح اللام ~~وضم الهاء، وعلى أنه معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك # سرهم ونجواهم # ويكون مقول القول { يرب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون ~~}. والمعنى أيحسب هؤلاء الكافرون الجاهلون، أننا لا نسمع سرهم ونجواهم، ~~ونسمع تضرع رسولنا إلينا بقوله { يرب إن هؤلاء قوم لا ~~يؤمنون }؟ إن كانوا يحسبون ذلك الحسبان، فقد كذبوا وخسروا، لأننا ~~نعلم ذلك وغيره علما تاما. ويصح أن يكون قوله - تعالى - { وقيله } ~~منصوبا بفعل محذوف والتقدير ويعلم قيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون.. ~~وقرأ عاصم وحمزة { وقيله } بكسر اللام والهاء، عطفا على الساعة أى وعنده ~~- سبحانه - علم الساعة، وعلم قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - يا رب إن ~~هؤلاء المشركين قوم لا يؤمنون. والتعبير بالنداء لفظ الرب، يشعر بالقرب، ~~ويوحى بالإجابة ويفيد كمال التضرع.. كما أن التعبير بقوله { قوم } ~~يشير إلى أن كفرهم كان كفرا جماعيا، لا كفرا فرديا. وقوله - تعالى - { ~~فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون } إرشاد وتسلية ~~من ms4607 الله - تعالى - لنبيه. أى فأعرض عنهم، ولا تطمع فى إيمانهم لشدة ~~كفرهم، { وقل سلام } أى وقل لهم أمرى وشأنى الآن مسالمتكم ~~ومتاركتكم.. { فسوف يعلمون } سوء عاقبة كفرهم وإصرارهم على ~~باطلهم. وبعد فهذا تفسير لسورة " الزخرف " نسأل الله - تعالى - أن يجعله ~~خالصا لوجهه، ونافعا لعباده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ~~وسلم. ### | [44 - سورة الدخان] ### || [44.1-8] # سورة " الدخان " من السور المبدوءة بالحروف المقطعة، وقد سبق أن قلنا إن ~~أقرب الآراء إلى الصواب فى معناها أن الله - تعالى - جاء بها فى أوائل ~~بعض السور للتحدى والتعجيز والتنبيه إلى أن هذا القرآن من عند الله - عز ~~وجل - فكأنه - تعالى - يقول للمكذبين هذا هو القرآن، مؤلف من كلمات وحروف ~~هى من جنس ما تتخاطبون به، فإن كنتم فى شك فى كونه من عنده - تعالى - ~~فأتوا بسورة من مثله.. فعجزوا وانقلبوا خاسرين، وثبت أن هذا القرآن من ~~عند الله - تعالى -. والواو فى قوله - تعالى - { والكتاب المبين ~~} للقسم، وجوابه { إنآ أنزلناه في ليلة مباركة }. ~~والمراد بالليلة المباركة ليلة القدر... أى وحق هذا القرآن الواضح ~~الكلمات، البين الأسلوب، لقد ابتدأنا إنزاله فى ليلة كثيرة البركات ~~والخيرات. فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هذه الليلة بأنها مباركة، ~~لزيادة خيرها وفضلها، ولما تتابع فيها من نعم دينية ودنيوية.. ولله - ~~تعالى - أن يفضل بعض الأزمنة على بعض وبعض الأمكنة على بعض وبعض الرسل ~~على بعض.. لا راد لفضله، ولا معقب لحكمه.. قال الإمام ابن كثير " يقول ~~الله - تعالى - " مخبرا عن هذا القرآن الكريم أنه أنزله فى ليلة مباركة، ~~وهى ليلة القدر، كما قال - تعالى - # إنا أنزلناه في ليلة القدر.. # وكان ذلك فى شهر رمضان، كما قال - تعالى - # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن # ومن قال بأنها - أى الليلة المباركة - ليلة النصف من شعبان - كما روى عن ~~عكرمة - فقد أبعد النجعة، فإن نص القرآن أنها فى رمضان ". هذا وقد فصل ~~بعضهم أدلة من قال بأن المراد بها ليلة القدر، وأدلة من قال بأن المراد ~~بها ليلة النصف من ms4608 شعبان. والحق أن المراد بها ليلة القدر، التى أنزل ~~فيها القرآن من شهر رمضان، كما نصت على ذلك آية سورة البقرة التى تقول # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن... # والأحاديث التى أوردها بعضهم فى أن المراد بها ليلة النصف من شعبان، ~~أحاديث مرسلة أو ضعيفة، أو لا أساس لها.. فثبت أن المراد بها ليلة القدر. ~~وقوله - سبحانه - { إنا كنا منذرين } استئناف مبين لمقتضى ~~الإنزال.. والإنذار إخبار فيه تخويف وترهيب، كما أن التبشير إخبار فيه ~~تأمين وترغيب. أى أنزلنا هذا القرآن فى تلك الليلة المباركة، أو ابتدأنا ~~إنزاله فيها، لأن من شأننا أن نخوف بكتبنا ووحينا، حتى لا يقع الناس فى ~~أمر نهيناهم عن الوقوع فيه. وقوله - تعالى - { فيها يفرق كل ~~أمر حكيم } جملة مستأنفة - أيضا - لبيان وجه تخصيص هذه الليلة ~~بإنزال القرآن فيها. # وقوله { يفرق } أى يفصل ويبين ويكتب. و { حكيم } أى ذو حكمة، أو ~~محكم لا تغيير فيه. أى فى هذه الليلة المباركة يفصل ويبين ويكتب، كل أمر ~~ذى حكمة باهرة، وهذا الأمر صادر عن الله - تعالى -، الذى لا راد لقضائه، ~~ولا مبدل لحكمه. قال صاحب الكشاف ما ملخصه فإن قلت { إنا كنا ~~منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم } ما موقع هاتين ~~الجملتين؟ قلت هما جملتان مستأنفتان، فسر بهما جواب القسم الذى هو قوله - ~~تعالى - { إنآ أنزلناه في ليلة مباركة } كأنه قيل ~~أنزلناه لأن من شأننا الإنذار والتحذير من العقاب، وكان إنزالنا إياه فى ~~هذه الليلة خصوصا، لأن إنزال القرآن من الأمور الحكيمة، وهذه الليلة مفرق ~~كل أمر حكيم. ومعنى { يفرق } يفصل ويكتب كل أمر حكيم من أرزاق العباد ~~وآجالهم وجميع أمورهم.. ". ثم بين - سبحانه - أن مرد هذه الكتابة ~~والتقدير للأشياء إليه وحده فقال { أمرا من عندنآ.. }. ولفظ { ~~أمرا... } يرى بعضهم أنه حال من { كل أمر... } أى يفرق فى هذه ~~الليلة المباركة كل أمر ذى حكمة، حالة كون هذا الأمر من عندنا وحدنا لا ~~من عند غيرنا. ويصح أن يكون منصوبا على الاختصاص، وتنكيره للتفخيم، أى ~~أعنى بهذا الأمر ms4609 الحكيم، أمرا عظيما كائنا من عندنا وحدنا. وقد اقتضاه ~~علمنا وتدبيرنا. وقوله { إنا كنا مرسلين رحمة من ~~ربك.. } بدل من قوله { إنا كنا منذرين }. أى أنزلنا هذا ~~القرآن، فى تلك الليلة المباركة لأن من شأننا إرسال المرسلين إلى الناس، ~~لأجل الرحمة بهم، والهداية لهم، والرعاية لمصالحهم. وقوله { إنه هو ~~السميع العليم } تعليل لما قبله. أى فعل ما فعل من إنزال القرآن، ~~ومن إرسال الرسل، لأنه - سبحانه - هو السميع لمن تضرع إليه، العليم بجميع ~~أحوال خلقه. ثم وصف - سبحانه - ذاته بما يدل على كمال قدرته، ونفاذ ~~إرادته فقال { رب السماوات والأرض وما بينهمآ.. } من ~~هواء، ومن مخلوقات لا يعلمها إلا الله - تعالى -. { إن كنتم ~~موقنين } أى إن كنتم على يقين فى إقراركم حين تسألون عمن خلق ~~السماوات والأرض وما بينهما. وجواب الشرط محذوف، أى إن كنتم من أهل ~~الإيقان علمتم بأن الله الله - تعالى - وحده، هو رب السماوات والأرض وما ~~بينهما. { لا إله إلا هو } - سبحانه - { يحيي } من يريد ~~إحياءه، { ويميت } من يريد إماتته، هو - تعالى - { ربكم ورب ~~آبآئكم الأولين }. أى هو - سبحانه - الذى تعهدكم بالرعاية ~~والتربية والخلق، كما فعل ذلك مع آبائكم الأولين، الذين أنتم من نسلهم.. ~~ثم بين - سبحانه - أحوال الكافرين، وكيف أنهم عندما ينزل بهم العذاب، ~~يجأرون إلى الله - تعالى - أن يكشفه عنهم. فقال - تعالى - { بل هم ~~في شك... إنا منتقمون }. ### || [44.9-26] # و { بل } فى قوله - تعالى - { بل هم في شك يلعبون } ~~للاضراب الإبطالى، لأن المقصود من الآية الكريمة، نفى إيقانهم بأن خالق ~~السماوات والأرض هو الله، لعدم جريهم على ما يقتضيه هذا الإيقان، لأنهم ~~لو كانوا موقنين حقا بذلك، لأخلصوا لله - تعالى - العبادة والطاعة. فيكون ~~المعنى إن هؤلاء الكفار لم يكونوا موقنين بأن رب السماوات والأرض وما ~~بينهما هو الله، بل قالوا ما قالوا فى ذلك على سبيل الشك واللعب. قال ~~الآلوسى " قوله { بل هم في شك... } إضراب إبطالى، أبطل به ~~إيقانهم لعدم جريهم على موجبه، وتنوين { شك } للتعظيم، أى فى شك عظيم. ~~{ يلعبون } أى لا يقولون ms4610 ما يقولون عن جد وإذعان، بل يقولونه مخلوطا ~~بهزء ولعب. وهذه الجملة خبر بعد خبر لهم... والالتفات عن خطابهم لفرط ~~عنادهم، وإهمال أمرهم.. ". والفاء فى قوله - تعالى - { فارتقب ~~يوم تأتي السمآء بدخان مبين } لترتيب ما بعدها على ما ~~قبلها، ولتسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأمره بالصبر حتى يحكم ~~الله بينه وبينهم. والارتقاب الانتظار، وأكثر ما يستعمل الارتقاب فى ~~الأمر المكروه والمراد باليوم مطلق الوقت، وهو مفعول به لارتقب. قال ~~الآلوسى ما ملخصه " والمراد بالسماء جهة العلو، وإسناد الإتيان بذلك ~~إليها من قبيل الإسناد إلى السبب، لأنه يحصل بعدم إمطارها... ". أى ~~فارتقب يوم تأتى السماء بجدب ومجاعة، فإن الجائع جدا يرى بينه وبين ~~السماء كهيئة الدخان، وهى ظلمة تعرض للبصر لضعفه.. وإرادة الجدب والمجاعة ~~منه مجاز، من باب ذكر المسبب وإرادة السبب.. وبعض العرب يسمى الشر الغالب ~~دخانا، ووجه ذلك أن الدخان مما يتأذى به فأطلق على كل مؤذ يشبهه، وأريد ~~به هنا الجدب، ومعناه الحقيقى معروف ". وللمفسرين فى معنى هذه الآية ~~إتجاهات أولها ما ورد فى الحديث الصحيح من # " أن مشركى مكة، لما أصروا على كفرهم وعلى إعراضهم عن الحق، دعا عليهم ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله " اللهم أعنى عليهم بسبع كسبع ~~يوسف.. " # فأصابهم القحط والبلاء والجوع.. وكنى عن ذلك بالدخان، لأن العرب يسمون ~~الشر الغالب بالدخان، فيقولون كان بيننا أمر ارتفع له دخان.. والسبب فيه ~~أن الإنسان إذا اشتد ضعفه، أظلمت عيناه، فيرى الدنيا كالمملوءة بالدخان. ~~روى البخارى وغيره عن ابن مسعود قال # " إن قريشا لما أبطأت عن الإسلام، واستعصت على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - دعا عليهم بسنين كسنى يوسف، فأصابهم من الجهد والجوع حتى ~~أكلوا العظام والميتة وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلا ~~الدخان... فقيل يا رسول الله، استسق الله لمضر فإنها قد هلكت، فاستسقى ~~لهم فسقوا، فأنزل الله { إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم ~~عآئدون } ". # قال ابن كثير " وهذا الحديث مخرج فى الصحيحين، ورواه الإمام أحمد فى ~~مسنده، وهو عند الترمذى والنسائى ms4611 فى تفسيرهما، وعن ابن جرير وابن أبى ~~حاتم من طرق متعددة ". وعلى هذا الرأى يكون الدخان قد وقع فعلا، بمعنى أن ~~المشركين قد أصابهم بلاء شديد فى عهد النبى - صلى الله عليه وسلم -. ثم ~~كشف الله عنهم ما كشف ببركة دعاء النبى - صلى الله عليه وسلم -. أما ~~الاتجاه الثانى فيرى أصحابه، أن المراد بالدخان، ما يكون قبل يوم القيامة ~~من دخان يسبق ذلك، كعلامة من علامات البعث والنشور. واستدل أصحاب هذا ~~الاتجاه، بأحاديث ذكرها المفسرون. قال ابن كثير " وقال آخرون لم يمض ~~الدخان بعد، بل هو من أمارات الساعة، كما تقدم من حديث حذيفة بن أسيد ~~الغفارى. قال أشرف علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غرفته ونحن ~~نتذاكر الساعة، فقال " لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات طلوع الشمس من ~~مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى ابن مريم، ~~والدجال وثلاثة خسوف خسوف بالمشرق وخسوف بالمغرب، وخسوف بجزيرة العرب، ~~ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس - أو تحشر الناس - تبيت معهم حيث باتوا، ~~وتقيل حيث قالوا ". ثم ساق ابن كثير بعد ذلك أحاديث أخرى، وقال فى ~~نهايتها والظاهر أن ذلك يوم القيامة ". ويبدو لنا أن الاتجاه الأول أقرب ~~إلى سياق الآيات التى ذكرها الله - تعالى - فى هذه السورة، ولا يتعارض ~~ذلك مع كون ظهور الدخان علامة من علامات قرب يوم القيامة، كما جاء فى ~~حديث حذيفة بن أسيد الغفارى، الذى ذكره ابن كثير - رحمه - الله - وقال فى ~~شأنه تفرد بإخراجه مسلم فى صحيحه. ومن المفسرين الذين رجحوا الاتجاه ~~الأول الإمام الطبرى، فقد قال بعد أن ساق هذين القولين وأولى القولين ~~بالصواب فى ذلك قول ابن مسعود، من أن الدخان الذى أمر الله - تعالى - ~~نبيه ان يرتقبه، هو ما أصاب قومه من الجهد بدعائه عليهم. وإنما قلت القول ~~الذى قاله ابن مسعود - رضى الله عنه - هو أولى بتأويل الآية، لأن الله - ~~تعالى - توعد بالدخان مشركى قريش.. ولأن الأخبار قد تظاهرت بأن ذلك كائن. ~~والمعنى فانتظر يا محمد لمشركى ms4612 قومك، يوم تأتيهم السماء من البلاء الذى ~~يحل بهم، بمثل الدخان المبين ". ومنهم - أيضا - الإمام الآلوسى، فقد قال ~~- رحمه الله - هذا، والأظهر حمل الدخان على ما روى عنا ابن مسعود، لأن ~~أنسب بالسياق، لما أنه فى كفار قريش، وبيان سوء حالهم ". # وقوله - سبحانه - { يغشى الناس } صفة ثانية للدخان، والمراد بهم ~~كفار مكة وأمثالهم ممن أصابه الجوع والبلاء. أى ارتقب - أيها الرسول ~~الكريم - يوم تأتى السماء لهؤلاء المشركين بعذاب من صفاته أنه عذاب واضح، ~~يحسونه بحواسهم، ويشعرون به شعورا جليا، ومن صفاته كذلك أنه يحيط بهم من ~~كل جوانبهم، ويجعلهم يتضرعون إلينا ويقولون { هذا عذاب أليم } ~~أى شديد ألمه، وعظيم هوله. ثم يقولون - أيضا - { ربنا اكشف ~~عنا العذاب إنا مؤمنون } أى يا ربنا أزل عنا هذا العذاب ~~المتمثل فى الجوع والمرض وغيرهما، فإنك إن رفعت عنا ذلك آمنا برسولك - ~~صلى الله عليه وسلم -، واتبعنا دعوته، ولكنهم بعد أن كشف الله - تعالى - ~~عنهم هذا العذاب، نقضوا عهودهم، وأصروا على كفرهم. ولذا عقب الله - تعالى ~~- على تضرعهم هذا بقوله { أنى لهم الذكرى.. } أى كيف يتأتى ~~لهم التذكر والاعتبار والاتعاظ... والحال أنهم { وقد جآءهم ~~رسول مبين } هو محمد - صلى الله عليه وسلم -، الذى لم يترك بابا ~~من أبواب الخير إلا وأرشدهم إليه، ولم يترك وسيلة من وسائل الهداية إلا ~~وسلكها معهم.. ولكنهم استحبوا العمى على الهدى، ولذا أكد القرآن ذلك فقال ~~{ ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون }. أى كيف ~~يتعظون والحال أنه قد جاءهم رسول عظيم الشأن، وضح الحق أكمل توضيح. فما ~~كان منهم بعد أن استمعوا إليه، إلا الإعراض عن دعوته، ولم يكتفوا بهذا ~~الإعراض والصدود، بل قالوا فى شأنه بجهالة وسوء أدب { معلم } أى ~~إنسان يعلمه غيره من البشر، وقالوا فى شأنه - أيضا - { مجنون } أى ~~مختلط فى عقله. ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله عليهم، ورحمته ~~بهم، فقال { إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عآئدون ~~}. أى إنا بفضلنا ورحمتنا كاشفوا العذاب عنكم كشفا قليلا - أيها المشركون ~~-، ولكنكم لم تقابلوا فضلنا عليكم، ورحمتنا ms4613 بكم، بالشكر والطاعة بل ~~قابلتم ذلك بالإصرار على الكفر، والثبات على الجحود. فالمراد بقوله - ~~تعالى - { إنكم عآئدون } عزمهم وإصراهم على الاستمرار على ~~الكفر، لأنهم لم يوجد منهم إيمان، حتى يتركوه ويعودوا إلى الكفر، وإنما ~~الذى وجد منهم هو الوعد بالإيمان إذا انكشف عنهم العذاب، فلما انكشف ~~عنهم، نقضوا عهودهم، واستمروا على كفرهم. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى ~~- # وقالوا يأيه الساحر ادع لنا ربك بما عهد ~~عندك إننا لمهتدون فلما كشفنا عنهم العذاب ~~إذا هم ينكثون # ثم هددهم - سبحانه - تهديدا ترتعد له القلوب فقال { يوم نبطش ~~البطشة الكبرى إنا منتقمون }. وقوله { يوم } منصوب ~~بفعل مقدر. وقوله { نبطش } من البطش بمعنى الأخذ بقوة وعنف. # يقال بطش فلان بفلان يبطش به، إذا نكل به تنكيلا شديدا. أى اذكر - أيها ~~العاقل - لتعتبر وتتعظ يوم أن نأخذ هؤلاء الكافرين أخذ عزيز مقتدر، حيث ~~ننتقم انتقاما يذلهم ويخزيهم. وهذا البطش الشديد منا لهم سيكون جزءا منه ~~فى الدنيا، كانتقامنا منهم يوم بدر وسيكون أشده وأعظمه وأدومه عليهم... ~~يوم القيامة. وبذلك نرى السورة الكريمة بعد أن مدحت القرآن الكريم مدحا ~~عظيما، وبينت جانبا من مظاهر فضل الله - تعالى - على عباده، أخذت فى ~~تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من أعدائه، وهددت هؤلاء ~~الأعداء بسوء المصير فى الدنيا، وفى الآخرة. ثم انتقلت السورة الكريمة ~~إلى الحديث عن جانب من قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه، وكيف أن ~~الله - تعالى - أجاب دعاء نبيه موسى، فأهلك فرعون وقومه، ونجى موسى وبنى ~~إسرائيل من شرورهم فقال - تعالى - { ولقد فتنا قبلهم قوم ~~فرعون... ما فيه بلاء مبين }. ### || [44.17-33] # واللام فى قوله - تعالى - { ولقد فتنا قبلهم قوم ~~فرعون.. } موطئة للقسم. وقوله { فتنا } من الفتن بمعنى الاختبار ~~والامتحان. يقال فتنت الذهب بالنار، إذا أدلخته فيها لتعرف جودته من ~~رداءته. والمراد به هنا إخبارهم وامتحانهم، بإرسال موسى - عليه السلام - ~~وبالتوسعة عليهم تارة، وبالتضييق عليهم تارة أخرى. والمعنى والله قد ~~اختبرنا فرعون وقومه من قبل أن نرسلك - أيها الرسول الكريم - إلى هؤلاء ~~المشركين، ms4614 وكان اختبارنا وامتحاننا لهم عن طريق إرسال نبينا موسى إليهم، ~~وعن طريق ابتلائهم بالسراء والضراء لعلهم يرجعون إلى طاعتنا، ولكنهم لم ~~يرجعوا فأهلكناهم. فالآية الكريمة المقصود بها تسلية - صلى الله عليه ~~وسلم - عما أصابه من قومه، ببيان أن تكذيب الأقوام لرسلهم، حاصل من قبله، ~~فعليه أن يتأسى بالرسل السابقين فى صبرهم. والمراد بالرسول الكريم فى ~~قوله - تعالى - { وجآءهم رسول كريم } موسى - عليه السلام -، ~~فقد أرسله - سبحانه - إلى فرعون وقومه، فبلغهم رسالة ربه، ولكنهم كذبوه ~~وعصوه.. ووصف - سبحانه - نبيه موسى بالكرم، على سبيل التشريف له، ~~والإعلاء من قدره، فقد كان - عليه السلام - كليما لربه، ومطيعا لأمره، ~~ومتحليا بأسمى الأخلاق وأفضلها. و { أن } فى قوله - تعالى - { أن ~~أدوا إلي عباد الله.. } مفسرة لأن مجئ الرسول إليهم يتضمن ~~معنى القول. وقوله { أدوا إلي } بمعنى سلموا إلى، أو ضموا ~~إلى... قوله { عباد الله } مفعول به. والمراد بهم بنو إسرائيل. ~~والمعنى جاء إلى فرعون وقومه رسول كريم، هو موسى - عليه السلام -، فقال ~~لهم سلموا إلى بنى إسرائيل، وأطلقوهم من الذل والهوان، واتركوهم يعيشون ~~أحرارا فى هذه الدنيا. ويؤيد هذا المعنى قوله - تعالى - فى موضع آخر # فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا ~~بني إسرائيل ولا تعذبهم.. # ويصح أن يكون المراد بقوله { أن أدوا إلي.. } بمعنى أن ~~استجيبوا لدعوتى، والمراد بالعباد ما يشمل بنى إسرائيل وغيرهم، ويكون لفظ ~~{ عباد الله } منصوب بحرف نداء محذوف. وعليه يكون المعنى أرسلنا ~~إلى فرعون وقومه رسولا كريما، فجاء إليهم وقال لهم على سبيل النصح ~~والإرشاد، يا عباد الله، إنى رسول الله إليكم، فاستمعوا إلى قولى، ~~واتبعوا ما أدعوكم إليه من عبادة الله - تعالى - وحده، وترك عبادة غيره. ~~قال الآلوسى قوله { أن أدوا إلي عباد الله... } أى ~~أطلقوهم وسلموهم إلى، والمراد بهم بنو إسرائيل الذين كان فرعون يستعبدهم، ~~والتعبير عنهم بعباد الله، للإشارة إلى أن استعباده إياهم ظلم منه لهم.. ~~أو أدوا إلى حق الله - تعالى - من الإيمان وقبول الدعوة يا عباد الله، ~~على أن مفعول { أدوا } محذوف، وعباد منادى، وهو ms4615 عام لبنى إسرائيل ~~والقبط والأداء بمعنى الفعل للطاعة - وقبول الدعوة. # . ". وقوله - سبحانه - { إني لكم رسول أمين } تعليل لما ~~تقدم. أى استجيبوا لدعوتى، وأطيعوا أمرى، فإنى مرسل من الله - تعالى ~~إليكم، وأمين على الرسالة، لأنى لم أبدل شيئا مما كلفنى به ربى. وقوله - ~~سبحانه - { وأن لا تعلوا على الله.. } معطوف على قوله { ~~أن أدوا.. } وداخل فى حيز القول. أى قال لهم أرسلوا معى بنى ~~إسرائيل، واستجيبوا لدعوتى، واحذروا أن تتجبروا أو تتكبروا على الله - ~~تعالى -، بأن تستخفوا بوحيه أو تعرضوا عن رسوله... { إني آتيكم ~~بسلطان مبين } أى إنى آتيكم من عنده - تعالى - بحجة واضحة لا ~~سبيل إلى إنكارها، وببرهان ساطع يشهد بصدقى وأمانتى.. { وإني عذت ~~بربي وربكم أن ترجمون } أى وإنى اعتصمت واستجرت بربى ~~وربكم من أن ترجمونى بالحجارة، أو من أن تلحقوا بى ما يؤذينى، وهذا ~~الاعتصام بالله - تعالى - يجعلنى لا أبالى بكم، ولا أتراجع عن تبليغ ~~دعوته - سبحانه - بحال من الأحوال. { وإن لم تؤمنوا لي ~~فاعتزلون } أى قال لهم - أيضا - فى ختام نصحه لهم إنى لن أتراجع عن ~~دعوتكم إلى الحق مهما وضعتم فى طريقى من عقبات وعليكم أن تؤمنوا بى، فإن ~~لم تؤمنوا بى. فكونوا بمعزل عنى بحيث تتركونى وشأنى حتى أبلغ رسالة ربى، ~~فإنه لا موالاة ولا صلة بينى وبينكم، ما دمتم مصرين على كفركم. فأنت ترى ~~أن موسى - عليه السلام - قد طلب من فرعون وقومه الاستجابة لدعوته، ونهاهم ~~عن التكبر والغرور، وبين لهم أنه رسول أمين على وحى الله - تعالى -، وأنه ~~معتصم بربه من كيدهم، وأن عليهم إذا لم يؤمنوا به أن يتركوه وشأنه، لكى ~~يبلغ رسالة ربه، ومن شاء بعد ذلك فليؤمن ومن شاء فليكفر. ولكن الإرشادات ~~الحكيمة من موسى لفرعون وقومه، لم تجد أذنا صاغية، فإن الطغيان فى كل ~~زمان ومكان، لا يعجبه منطق الحق والعدل والمسالمة، ولكن الذى يعجبه هو ~~التكبر فى الأرض بغير الحق، وإيثار الغى على الرشد.. ولذا نجد موسى - ~~عليه السلام - يلجأ إلى ربه يطلب منه العون والنصرة فيقول - كما ms4616 حكى ~~القرآن عنه - { فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون ~~}. والآية الكريمة معطوفة على كلام محذوف، يفهم من السياق، والتقدير وبعد ~~أن أمر موسى فرعون وقومه بإخلاص العبادة لله - تعالى - ونهاهم عن ~~الإشراك به.. بعد كل ذلك أصروا على تكذيبه، وأعرضوا عن دعوته، وآذوه ~~بشتى ألوان الأذى فدعا ربه دعاء حارا قال فيه يا رب إن هؤلاء القوم - وهم ~~فرعون وشيعته - قوم راسخون فى الكفر والإجرام، فأنزل بهم عقابك الذى ~~يستحقونه. # ثم حكت السورة الكريمة بعد ذلك ما يدل على أن الله - تعالى - قد أجاب ~~دعاء موسى - عليه السلام -، وأنه - سبحانه - قد أرشده إلى ما يفعله فقال ~~{ فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون }. قال الجمل " ~~قوله { فأسر } قرأ الجمهور بقطع الهمزة وقرأ نافع وابن كثير بوصلها، ~~وهما لغتان جيدتان الأولى من أسريت والثانية من سريت. قال - تعالى - # سبحان الذي أسرى بعبده # وقال # والليل إذا يسر # والإسراء السير ليلا، فذكر الليل - هنا تأكيد له بغير اللفظ - إذ ~~الإسراء والسرى السير ليلا ". والكلام على تقدير القول، أى فقال الله - ~~تعالى - على سبيل التعليم والإرشاد سر يا موسى ببنى إسرائيل وبمن آمن ~~معك من القبط من مصر، بقطع من الليل { إنكم متبعون } من جهة ~~فرعون وملئه، متى علموا بخروجكم. { واترك البحر رهوا... } أى ~~متى وصلت إلى البحر - أى البحر الأحمر - فاضربه بعصاك، ينفلق - بإذن الله ~~- فسر فيه أنت ومن معك، واتركه ساكنا مفتوحا على حاله، فإذا ما سار خلفك ~~فرعون وجنوده أغرقناهم فيه. يقال رها البحر يرهو، إذا سكن. وجاءت الخيل ~~رهوا، أى ساكنة، ويقال - أيضا - رها الرجل رهوا، إذا فتح بين رجليه وفرق ~~بينهما، وهو حال من البحر. قال الإمام الرازى " وفى لفظ { رهوا } ~~قولان أحدهما أنه الساكن، يقال عيش راه، إذا كان خافضا وادعا ساكنا... ~~والثانى أن الرهو هو الفرجة الواسعة، أى ذا رهو، أى ذا فرجة حتى يدخل ~~فيها فرعون وقومه فيغرقوا.. وإنما أخبره - سبحانه - بذلك حتى يبقى فارغ ~~القلب من شرهم وإيذائهم ". وقوله { إنهم جند مغرقون } تعليل ~~للأمر بتركه رهوا، أى ms4617 اترك البحر على حاله، فإن أعداءك سيغرقون فيه ~~إغراقا يدمرهم ويهلكهم. ثم بين - سبحانه - سوء مآلهم فقال { كم ~~تركوا من جنات وعيون } و { كم } هنا خبرية للتكثير ~~والتهويل، أى ما أكثر ما ترك هؤلاء المغرقون خلفهم من بساتين ناضرة، ~~وعيون يخرج منها الماء النمير.. { وزروع } كثيرة متنوعة { ومقام ~~كريم } أى ومحافل ومنازل كانت مزينة بألوان من الزينة والزخرفة.. { ~~ونعمة كانوا فيها فاكهين } أى وتنعم وترفه كانوا فيه ~~يتلذذون، بما بين أيديهم من رغد العيش. وكثرة الفاكهة.. والنعمة - بفتح ~~النون - بمعنى التنعم والتلذذ، والنعمة - بالكسر - المنة والإنعام بالشئ ~~وتطلق على الجنس الصادق بالقليل والكثير. وقوله { كذلك } فى محل رفع ~~خبر لمبتدأ محذوف، أى الأمر كذلك. قال الجمل ما ملخصه " قوله { كذلك ~~} خبر مبتدأ محذوف. أى الأمر كذلك فالوقف يكون على هذا اللفظ، وتكون ~~الجملة اعتراضية لتقرير وتوكيد ما قبلها... ويبتدأ بقوله { ~~وأورثناها قوما آخرين } وهو معطوف على { كم تركوا. # . } أى تركوا أمورا كثيرة أورثناها قوما آخرين، وهم بنو إسرائيل ". وقال ~~الزمخشرى الكاف فى محل نصب، على معنى مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها { ~~وأورثناها قوما آخرين } ليسوا منهم. فعلى هذا يكون قوله { ~~وأورثناها } معطوفا على تلك الجملة الناصبة للكاف، فلا يجوز الوقف ~~على { كذلك } حينئذ. وقال الآلوسى والمراد بالقوم الآخرين بنو ~~إسرائيل، وهم مغايرون للقبط جنسا ودينا، ويفسر ذلك قوله - تعالى - فى ~~سورة الشعراء # كذلك وأورثناها بني إسرائيل # وهو ظاهر فى أن بنى اسرائيل رجعوا إلى مصر، بعد هلاك فرعون وملكوها. ~~وقيل المراد بالقوم الآخرين غير بنى اسرائيل ممن ملك مصر بعد هلاك فرعون، ~~لأنه لم يرد فى مشهور التواريخ أن بنى اسرائيل رجعوا إلى مصر، ولا أنهم ~~ملكوها قط. وما فى سورة الشعراء من باب قوله - تعالى - # وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في ~~كتاب # أو من باب عندى درهم ونصفه. فليس المراد خصوص ما تركوه، بل نوعه وما ~~يشبهه. وقيل المراد من إيراثها إياهم تمكينهم من التصرف فيها، ولا يتوقف ~~ذلك على رجوعهم إلى مصر، كما كانوا ms4618 فيها أولا.. والذى نراه - كما سبق أن ~~قلنا عند تفسير سورة الشعراء - أن الآية صريحة فى توريث بنى اسرائيل ~~للجنات والعيون.. التى خلفها فرعون وقومه بعد غرقهم، بمعنى أنهم عادوا ~~إلى مصر بعد غرق فرعون ومن معه، ولكن عودتهم كانت لفترة معينة، خرجوا ~~بعدها إلى الأرض المقدسة التى دعاهم موسى - عليه السلام - لدخولها كما ~~جاء فى قوله - تعالى - # ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله ~~لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا ~~خاسرين.. # ثم بين - سبحانه - أن فرعون وقومه بعد أن غرقوا، لم يحزن لهلاكهم أحد، ~~فقال { فما بكت عليهم السمآء والأرض وما كانوا ~~منظرين }. أى أن هؤلاء المغرقين، الذين كانوا ملء السمع والبصر، ~~وكانوا يذلون غيرهم، وكانوا يملكون الجنات والعيون.. هؤلاء الطغاة، لم ~~يحزن لهلاكهم أحد من أهل السماوات أو أهل الأرض، ولم يؤخر عذابهم لوقت ~~آخر فى الدنيا أو فى الآخرة، بل نزل بهم الغرق والدمار بدون تأخير أو ~~تسويف.. فالمقصود من الآية الكريمة ببيان هوان منزلة هؤلاء المغرقين، ~~وتفاهة شأنهم، وعدم أسف أحد على غرقهم، لأنهم كانوا ممقوتين من كل عاقل.. ~~قال صاحب الكشاف ما ملخصه كان العرب إذا مات فيهم رجل خطير قالوا فى ~~تعظيم مهكله بكت عليه السماء والأرض وبكته الريح، وأظلمت له الشمس.. قال ~~جرير فى رثاء عمر بن العزيز # نعى النعاة أمير المؤمنين لنا يا خير من حج بيت الله واعتمروا حملت ~~أمرا عظيما فاصطبرت له وقمت فيه بأمر الله يا عمرا الشمس طالعة ليست ~~بكاسفة تبكى عليك نجوم الليل والقمرا # وقالت ليلى بنت طريف الخارجية، ترثى أخاها الوليد # أيا شجر الخابور مالك مورقا كأنك لم تجزع على ابن طريف # وذلك على سبيل التمثيل والتخييل، مبالغة فى وجوب الجزع والبكاء عليه.. ~~وفى الآية تهكم بهم وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده، فيقال فيه بكت ~~عليه السماء والأرض. يعنى فما بكى عليهم أهل السماء والأرض، بل كانوا ~~بهلاكهم مسرورين.. وقال الإمام ابن كثير قوله { فما بكت عليهم ~~السمآء والأرض.. } أى لم تكن لهم أعمال صالحة ms4619 تصعد فى أبواب ~~السماء فتبكى على فقدهم، ولا لهم بقاع فى الأرض عبدوا الله فيها ففقدتهم ~~فلهذا استحقوا أن لا ينظروا ولا يؤخروا.. ثم ساق - رحمه الله - جملة من ~~الأحاديث منها ما أخرجه ابن جرير # " عن شريح بن عبيد الحضرمى قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن ~~الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا، ألا لا غربة على مؤمن. ما مات مؤمن فى ~~غربة غابت عنه فيها بواكيه. إلا بكت عليه السماء والأرض. ثم قرأ - صلى ~~الله عليه وسلم - هذه الآية. ثم قال إنهما لا يبكيان على كافر ". # ثم بين - سبحانه - جانبا من نعمه على بنى إسرائيل فقال { ولقد ~~نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين }. أى والله ~~لقد نجينا بفضلنا ورحمتنا - بنى إسرائيل من العذاب المهين، الذى كان ~~ينزله بهم أعداؤهم، كقتلهم للذكور، واستبقائهم للإناث. وقوله { من ~~فرعون } بدل من العذاب على حذف المضاف، والتقدير من عذاب فرعون.. أو ~~على المبالغة كأن فرعون نفس العذاب، لإفراطه فى تعذيبهم وإهانتهم. ثم ~~بين - سبحانه - حال فرعون فقال { إنه كان عاليا من ~~المسرفين } أى نجيناهم من فرعون الذى كان متكبرا متجبرا، ومن ~~المسرفين فى فعل الشرور، وفى ارتكاب القبائح.. ثم بين - سبحانه - جانبا ~~آخر من إكرامه لبنى اسرائيل فقال { ولقد اخترناهم على ~~علم على العالمين }. والاختيار الاصطفاء على سبيل التشريف ~~والتكريم، أى ولقد اصطفينا بنى إسرائيل على عالمى زمانهم، ونحن عالمون ~~بذلك علما اقتضته حكمتنا ورحمتنا. فقوله { على علم } فى موضع الحال ~~من الفاعل، والمراد بالعالمين أهل زمانهم المعاصرين لهم، بدليل قوله - ~~تعالى - فى الأمة الإسلامية # كنتم خير أمة أخرجت للناس... # وهذا الاصطفاء والاختيار، إنما مرده إلى من يعمل منهم عملا صالحا، أما ~~الذين لم يعلموا ذلك فلا مزية لهم ولا فضل، ولذا نجد كثيرا من الآيات تذم ~~من يستحق الذم منهم. ومن ذلك قوله - تعالى - # لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان ~~داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا ~~يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ~~ما كانوا يفعلون ms4620 # ثم بين - سبحانه - بعض المعجزات التى جاءتهم على أيدى رسلهم فقال { ~~وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين }. # أى وأعطيناهم من المعجزات الدالة على صدق رسلهم كموسى وعيسى وغيرهما، ما ~~فيه بلاء مبين. أى ما فيه اختبار وامتحان ظاهر ليتميز الخبيث من الطيب، ~~والكافر من المؤمن. ومن هذه الآيات فلق البحر بالنسبة لموسى، وإبراء ~~الأكمه والأبرص، بالنسبة لعيسى. ومن هذه الآيات الكريمة نرى جانبا من قصة ~~موسى - عليه السلام -، وكيف أنه بلغ رسالة ربه على أكمل وجه، وسلك مع ~~فرعون وقومه أحكم السبل فى الدعوة إلى الحق.. كما نرى فيها فضل الله - ~~تعالى - على نبيه، وعلى بنى إسرائيل، حيث نجاهم من ظلم فرعون وطغيانه، ~~وأهكله ومن معه أمام أعينهم، وأورثهم كنوز أعدائهم.. * * * وبعد هذا ~~الحديث عن موسى - عليه السلام - وعن قومه، وعن فرعون وشيعته.. بعد كل ذلك ~~انتقلت السورة، للحديث عن موقف المشركين من قضية البعث والنشور، وردت ~~عليهم بما يدل على إمكانية البعث وصحته. وأنه واقع لا محالة، وبينت سوء ~~عاقبة من ينكر ذلك، ومن يصر على كفره وجحوده فقال الله - تعالى - { إن ~~هؤلاء ليقولون... ما كنتم به تمترون }. ### || [44.34-50] # واسم الإشارة فى قوله - تعالى - { إن هؤلاء ليقولون } ~~يعود إلى مشركى مكة، الذين سبق الحديث عنهم فى قوله - تعالى - # بل هم في شك يلعبون # الخ. وذكر - سبحانه - قصة فرعون وقومه فى الوسط، للاشارة إلى التشابه ~~بين الفريقين فى التكذيب للحق، وفى الإصرار على الضلال. وكانت الإشارة ~~للقريب، لتحقيرهم والتهوين من شأنهم. و { إن } فى قوله - تعالى - { ~~إن هي إلا موتتنا الأولى... } نافية. أى هؤلاء الكافرين ~~ليقولون على سبيل الجزم والتكذيب للبعث ما الموتة التى نموتها فى نهاية ~~حياتنا الدنيوية، إلا الموتة النهائية لا حياة بعدها ولا بعث نشور. ~~ومرادهم من الأولى السابقة المتقدمة على الموعد الذى يوعدونه للبعث ~~والنشور. قال بعض العلماء وذلك أنهم لما وعدوا بعد الحياة الدنيا حالتين ~~أخريين. الأولى منها الموت، والأخرى حياة البعث، أثبتوا الحالة الأولى ~~وهى الموت، ونفوا ما بعدها. وسموها أولى مع أنهم ms4621 اعتقدوا أنه لا شئ ~~بعدها، لأنهم نزلوا جحدهم على الإثبات فجعلوها أولى على ما ذكرت لهم.. ~~وقوله { وما نحن بمنشرين } تأكيد لما سبقه. أى قالوا ليس هنا ~~من موت سوى الموت المزيل لحياتنا، ثم لا بعث ولا حساب ولا نشور بعد ذلك. ~~يقال أنشر الله - تعالى - الموتى نشورا، إذا أحياهم بعد موتهم، فهم ~~منشرون. ثم بين - سبحانه - مطالبهم المتعتنة، وأدلتهم الباطلة فقال { ~~فأتوا بآبآئنا إن كنتم صادقين }. والفاء للإفصاح، ~~والخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين الذين كانوا يؤمنون ~~بالبعث. أى إن هؤلاء الكافرين قالوا - أيضا للرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- وللمؤمنين. إن كان الأمر كما تقولون من أن هناك بعثا وحسابا.. فأعيدوا ~~الحياة إلى آبائنا الأولين، واجعلوهم يخرجون إلينا مرة لنراهم. وقوله - ~~سبحانه - { أهم خير أم قوم تبع... } تهديد لهم على ~~جهالاتهم وإصرارهم على كفرهم. والمراد بتبع أبو كريب بن مليك، ويسمى بتبع ~~الحميرى. وهو أحد ملوك حمير. وكان مؤمنا، وقومه كانوا كافرين فأهلكهم ~~الله. وإليه ينسب الأنصار، ولفظ { تبع } يعد لقبا لكل ملك من ملوك ~~اليمن، كما أن لقب فرون يعد لقبا لمن ملك مصر كافرا.. أى إن هؤلاء ~~الكافرين المعاصرين لك - أيها الرسول الكريم - ليسوا خيرا من قوم تبع، ~~الذين كانوا أشد منهم قوة وأكثر جمعا، فلما لجوا فى طغيانهم أهلكهم الله ~~- تعالى - وإن مصير هؤلاء المشركين - إذا ما استمروا فى عنادهم - سيكون ~~كمصير قوم تبع.. فالمقصود من الآية الكريمة تحذير الكافرين من التمادى فى ~~الضلال، لأن هذا التمادى سيؤدى بهم إلى الخسران، كما هو حال قوم تبع ~~الذين لا يخفى أمرهم عليهم. # والمراد بمن قبلهم فى قوله - تعالى - { والذين من قبلهم ~~أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين } الأقوام السابقون على ~~قوم تبع، كقوم عاد وثمود وغيرهم. أو على هؤلاء الكافرين المعاصرين للنبى ~~- صلى الله عليه وسلم -. أى والذين من قبل قوم تبع أو من قبل قومك من ~~الظالمين، أهلكناهم لأنهم كانوا قوما مجرمين. ثم لفت - سبحانه - أنظار ~~الناس إلى التفكر فى خلق السماوات والأرض فقال { وما خلقنا ~~السماوات ms4622 والأرض وما بينهما.. } من مخلوقات لا يعلمها ~~إلا الله - تعالى - ما خلقنا ذلك { لاعبين } أى عابثين أو لغير غرض ~~صحيح. وقوله - تعالى - { ما خلقناهمآ إلا بالحق } استثناء ~~مفرغ من أعم الأحوال. أى ما خلقناهما إلا خلقا ملتبسا بالحق مؤيدا ~~بالحكمة.. { ولكن أكثرهم لا يعلمون } ذلك، لانطماس ~~بصائرهم، واستحواذ الشيطان عليهم. ثم بين - سبحانه - أن يوم القيامة آت ~~لا ريب فيه، وسيحكم - سبحانه - فى هذا اليوم بين الناس بحكمه العادل فقال ~~{ إن يوم الفصل } وهو يوم القيامة الذى يفصل فيه الله - عز وجل ~~- بين المحق والمبطل، وبين المهتدى والضال.. هذا اليوم { ميقاتهم ~~أجمعين } أى وقت اجتماعهم للحساب جميعا دون أن يتخلف منهم أحد. ثم ~~وصف - سبحانه - هذا اليوم بقوله { يوم لا يغني مولى عن ~~مولى شيئا ولا هم ينصرون }. وقوله { يوم لا ~~يغني... } بدل من يوم الفصل. والمولى يطلق على القريب والصديق ~~والناصر.. أى فى هذا اليوم، وهو يوم الفصل، لن يستطيع قريب أن ينفع ~~قريبه، أو صديق أن ينفع صديقه شيئا من النفع، ولا هم ينصرون من عذاب الله ~~- تعالى - إذا ما أراد - سبحانه - إنزال عذابه بهم. وقوله { إلا من ~~رحم الله... } فى محل رفع على أنه بدل من ضمير { ينصرون }. أو ~~فى محل نصب على الاستثناء منه أى لا يستطيع صديق أن يدفع العذاب عن ~~صديقه، ولا قريب أن ينفع قريبه أو ينصره، إلا من رحمه الله - تعالى -، ~~وذلك بأن يعفو - سبحانه - عنه، أو يقبل شفاعة غيره فيه. { إنه } - ~~سبحانه - هو { العزيز } الذى لا يغلب { الرحيم } الذى وسعت رحمته ~~كل شئ. ثم بين - سبحانه - طعام أهل النار وحالهم يوم القيامة فقال { ~~إن شجرة الزقوم طعام الأثيم كالمهل يغلي في ~~البطون كغلي الحميم.. }. والمراد بشجرة الزقوم الشجرة التى ~~خلقها الله - تعالى - فى جهنم، وسماها الشجرة الملعونة، ليكون طعام أهل ~~النار منها. ولفظ الزقوم اسم لتلك الشجرة، أو من الزقم بمعنى الالتقام ~~والابتلاع للشئ. والأثيم الكثير الآثام والسيئات. والمراد به الكافر ~~لدلالة ما قبله عليه. والمهل هو النحاس المذاب، أو ردئ ms4623 الزيت الحار. # أى إن الشجرة المعلونة التى هى شجرة الزقوم، خلقها الله - تعالى - لتكون ~~طعاما للإنسان الكافر، الكثير الآثام والجرائم.. فتنزل فى بطنه كما ينزل ~~النحاس الجار المذاب، فيغلى فيها كغلى الماء البالغ نهاية الحرارة. فقوله ~~{ كغلي الحميم } نعت لمصدر محذوف. أى غليا كغلى الحميم. وقوله - ~~سبحانه - { خذوه فاعتلوه إلى سوآء الجحيم ثم ~~صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم ذق إنك أنت ~~العزيز الكريم... } مقول لقول محذوف، هذا القول موجه من الله - ~~تعالى - لملائكة العذاب. وقوله - سبحانه { فاعتلوه } من العتل وهو ~~الأخذ بمجامع الشئ، وجره بغلظة وقهر. يقال عتل فلان فلانا يعتله عتلا، ~~إذا جذبه جذبا شديدا، وسار به إلى ما يكره السير إليه. أى يقول الله - ~~تعالى - لملائكة العذاب فى هذا اليوم العسير خذوا هذا الكافر الأثيم، ~~فجروه بغلظة، وسوقوه بشدة { إلى سوآء الجحيم } أى إلى وسطها. { ~~ثم صبوا فوق رأسه } على سبيل التنكيل به { من عذاب ~~الحميم } صبا يذله ويوجعه ويجعل رأسه تغلى من شدة حرارة هذا الماء. ~~ثم قولوا له بعد ذلك على سبيل التهكم به، والتقريع له { ذق } أى تذوق ~~شدة هذا العذاب فالأمر للإهانة. { إنك } كنت تزعم فى الدنيا، بأنك { ~~إنك أنت العزيز الكريم }. ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات ~~بقوله { إن هذا ما كنتم به تمترون } أى إن هذا العذاب ~~الذى نزل بكم أيها الكافرون، هو ما كنتم بشأنه تجادلون وتخاصمون فى ~~الدنيا، فمنكم من كان ينكره، ومنكم من كان يشكك فى صحته. فها هو ذا قد ~~أصبح حقيقة واقعة فوق رءوسكم. وهكذا نجد الآيات الكريمة، قد وضحت أن يوم ~~القيامة حق لا ريب فيه، وأن الكافرين به سيصيبهم عذاب شديد يذلهم يخزيهم. ~~* * * وبعد هذا الحديث عن الكافرين وسوء مصيرهم، ختم - سبحانه - السورة ~~الكريمة بالحديث عن المتقين وحسن عاقبتهم فقال - تعالى - { إن ~~المتقين في... فارتقب إنهم مرتقبون }. ### || [44.51-59] # أى إن الذين اتقوا الله - تعالى - وصانوا أنفسهم عن كل ما لا يرضيه ~~سيكونون يوم القيامة { في مقام أمين } أى فى مكان يأمن معه صاحبه ~~من كل ms4624 خوف. فالمراد بالمقام - بالفتح - موضع القيام، أى الثبات ~~والملازمة. وقرأ ابن عامر ونافع، { مقام } - بضم الميم - أى موضع ~~الإقامة. والمراد أنهم فى مكان أو مجلس لا خوف فيه ولا مكروه. وقوله { ~~في جنات وعيون } بدل من { مقام أمين } بأعادة حرف الجر أى ~~هم فى مكان آمن، تتوسطه وتحيط به البساتين الناضرة، وعيون الماء ~~المتفجرة. { يلبسون من سندس } والسندس هو أجود أنواع الحرير ~~وأرقه، واحدة سندسة. { وإستبرق } وهو ما كان سميكا من الديباج ~~والحرير. { متقابلين } أى يجلسون فى مجالس متقابلة، بحيث ينظر ~~بعضهم إلى بعض. { كذلك } أى الأمر كذلك. من أن المتقين لهم كل هذا ~~النعيم. { وزوجناهم بحور عين } أى وزوجناهم بنساء يحار الطرف ~~فيهم لجمالهن وحسنهن، والحور جمع حوراء.. وهى التى يحار الطرف فيها لفرط ~~جمالها. والعين جمع عيناء. وهى التى اتسعت عينها فى حسن وجمال. { ~~يدعون فيها } أى فى الجنات { بكل فاكهة آمنين }. أى ~~يطلبون ويأمرون غيرهم بأن يحضر لهم كل ما يشتهونه من فاكهة أو غيرها، ~~فيلبى طلبهم وهم آمنون فى أماكنهم من كل خوف أو ضرر. ثم بين - سبحانه - ~~أن بقاءهم فى تلك الجنات بقاء دائم فقال { لا يذوقون فيها ~~الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم ~~}. أى هم باقون بقاء دائما فى تلك الجنات، بحيث لا يموتون فيها أبدا، إلا ~~الموتة الأولى التى ذاقوها عند نهاية آجالهم فى الدنيا، ووقاهم - سبحانه ~~- بعدها عذاب الجحيم، الذى حل بالكافرين. قال الآلوسى وقوله { لا ~~يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى } جملة ~~مستأنفة أو حالية، وكأنه أريد أن يقال لا يذوقون فيها الموت البتة، فوضع ~~الموتة الأولى موضع ذلك، لأن الموتة الماضية محال ذوقها فى المستقبل فهو ~~من باب التعليق بالمحال، كأنه قيل إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها فى ~~المستقبل فإنهم يذوقونها. ونظيره قول القائل لمن يستسقيه لا أسقيك إلا ~~الجمر، وقد علم أن الجمر لا يسقى. وقوله { فضلا من ربك } أى ~~أعطوا كل ذلك فضلا من ربك، فقوله { فضلا } منصوب على المصدرية بفعل ~~محذوف. أو على أنه مفعول ms4625 لأجله. أى لأجل الفضل منه - سبحانه -. { ذلك ~~} الذى أعطيناهم إياه { هو الفوز العظيم } الذى لا يدانيه ولا ~~يساميه فضل. { فإنما يسرناه بلسانك } أى فإنما أنزلناه ~~عليك - يا محمد - هذا القرآن وجعلناه بلغتك ولغة قومك { لعلهم ~~يتذكرون } ما فيه من هدايات ويعتبرون بما اشتمل عليه من عبر ~~وعظات. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله { فارتقب إنهم ~~مرتقبون }. أى فعلنا ذلك لعلهم يتذكرون، فإن لم يتذكروا ويتعظوا ~~ويؤمنوا بما جئتهم به. فارتقب وانتظر ما يحل بهم من عذاب، وما وعدناك به ~~من النصر عليهم، إنهم - أيضا - منتظرون ومرتقبون ما يحل بك من موت أو ~~غيره. ونحن بفضلنا ورحمتنا سنحقق لك ما وعدناك به، وسنخيب ظنونهم ~~وآمالهم. وبعد فهذا تفسير وسيط لسورة " الدخان ". نسأل الله - تعالى - أن ~~يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله ~~وصحبه وسلم. ### | [45 - سورة الجاثية] ### || [45.1-5] # سورة " الجاثية " من السور التى افتتحت ببعض حروف التهجى، وقد سبق أن ~~قلنا، إن هذه الحروف الرأى الراجح فى معناها، أنها سيقت للتنبيه على ~~إعجاز القرآن، وعلى أنه من عند الله - عز وجل -. وقوله - سبحانه - { ~~تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم } بيان لمصدر ~~هذا القرآن، وأنه من عند الله - تعالى - لا من عند غيره. أى هذا القرآن ~~من الله - تعالى - صاحب العزة التى لا عزة سواها، وصاحب الحكمة التى لا ~~تقاربها حكمة، فهو - سبحانه - القاهر فوق عباده وهو الحكيم فى كل ~~تصرفاته. ثم ساق - سبحانه - ستة أدلة على وحدانيته، وكمال قدرته، وجلال ~~عظمته ويتمثل الدليل الأول فى قوله - تعالى - { إن في السماوات ~~والأرض لآيات للمؤمنين } أى إن فى خلق هذه السماوات ~~المزينة بالمصابيح، والتى لا ترى فيه من تفاوت، والمرفوعة بغير عمد.. وفى ~~خلق الأرض الممهدة المفروشة المثبتة بالجبال.. فى كل ذلك لبراهين ساطعة ~~للمؤمنين، على أن الخالق لهما هو الله - تعالى - وحده، المستحق للعبادة ~~والطاعة. فالمراد بقوله - تعالى - { إن في السماوات ~~والأرض... } أى إن فى خلقهما، كما صرح - سبحانه - بذلك فى آيات ~~كثيرة، منها قوله - تعالى - # إن ms4626 في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار لآيات لأولي الألباب # والمراد بالآيات الدلائل والبراهين الدالة على قدرته - سبحانه - ~~ووحدانيته. والدليل الثانى والثالث قوله - تعالى - { وفي خلقكم ~~وما يبث من دآبة آيات لقوم يوقنون }. قوله { وفي ~~خلقكم } جار ومجرور خبر مقدم، وقوله { آيات } مبتدأ مؤخر. أى وفى ~~خلقكم - أيها الناس - من نطفة، فعلقة، فمضغة.. إلى أن نخرجكم من بطون ~~أمهاتكم.. وفيما نبثه وننشره ونوجده من دواب لا تعد ولا تحصى على ظهر ~~الأرض. فى كل ذلك { آيات } بينات، وعلامات واضحات، على كمال قدرتنا، ~~لقوم يوقنون بأن القادر على هذا الخلق، إنما هو الله - تعالى - وحده. ~~والدليل الرابع قوله - تعالى - { واختلاف الليل والنهار... ~~} والمراد باختلافهما تفاوتهما طولا وقصرا، وتعاقبهما دون أن يسبق أحدهما ~~الآخر كما قال - تعالى - # لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا الليل ~~سابق النهار وكل في فلك يسبحون # وكون الليل والنهار يسيران على هذا النظام الدقيق المطرد الذى لا ينخرم، ~~دليل على أن هذا الاختلاف، تدبير من إله قادر حكيم، لا يدخل أفعاله تفاوت ~~أو اختلال. والدليل الخامس قوله - تعالى - { ومآ أنزل الله من ~~السمآء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها }. ~~وقوله { ومآ أنزل الله.. } معطوف على { اختلاف } ، والمراد ~~من السماء جهة العلو. # والمراد بالرزق المطر الذى ينزل من السحاب، وسمى رزقا لأن المطر سبب ~~لأرزاق العباد. أى ومن الآيات الدالة على قدرته - سبحانه - إنزاله المطر ~~من السماء فينزل على الأرض، فتهتز وتربو وتنبت من كل زوج بهيج، بعد أن ~~كانت جدباء هامدة. وأما الدليل السادس فهو قوله - تعالى - { وتصريف ~~الرياح } والمراد بتصريفها تقليبها فى الجهات المختلفة، ونقلها من ~~حال إلى حال، وتوجيهها على حسب مشيئته - سبحانه -، فتارة تراها حارة، ~~وتارة تراها باردة. أى ومن الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته، تقليبه - ~~سبحانه - للرياح كما يشاء ويختار. وفى ذلك الذى بيناه لكم { آيات } ~~واضحات على قدرتنا { لقوم يعقلون } ذلك. قال الجمل فى حاشيته ~~وحاصل ما ذكر هنا من الدلائل ستة، على ثلاث فواصل الأولى { ~~للمؤمنين } ، والثانية { يوقنون } ، والثالثة، ms4627 { يعقلون ~~}. ووجه التغاير بينها، أن المنصف من نفسه إذا نظر فى السماوات والأرض ~~وأنه لا بد لهما من صانع آمن، وإذا نظر فى خلق نفسه ونحوها، ازداد إيمانا ~~فأيقن. وإذا نظر فى سائر الحوادث عقل واستحكم علمه، فاختلاف الفواصل ~~الثلاث، لاختلاف الآيات فى الدقة والظهور. وما ذكر فى هذه الآيات الكريمة ~~من أدلة ساطعة على قدرة الله ووحدانيته جاء فى آيات كثيرة، من أجمعها ~~قوله - تعالى - # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع ~~الناس ومآ أنزل الله من السمآء من مآء فأحيا ~~به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دآبة ~~وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السمآء ~~والأرض لآيات لقوم يعقلون # وبعد أن ذكر - سبحانه - هذه الأدلة الكونية الساطعة التى تحمل الناس على ~~إخلاص العبادة له وحده، أتبع ذلك بتهديد الذين عموا عنها، والذين اتخذوا ~~آيات الله هزوا.. فقال - تعالى - { تلك آيات الله نتلوها... ~~عذاب من رجز أليم }. ### || [45.6-11] # والمراد بالآيات فى قوله - سبحانه - { تلك آيات الله نتلوها ~~عليك بالحق.. } آيات القرآن الكريم، كما فى قوله - تعالى - # تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن ~~المرسلين # و { تلك } مبتدأ، و { آيات الله } خبر و { نتلوها عليك ~~} حال عاملها ما دل عليه { تلك } من معنى الإشارة. وقوله { ~~بالحق } حال من فاعل { نتلوها } أو من مفعوله، أى نتلوها محقين، ~~أو ملتبسة بالحق. أى تلك - أيها الرسول الكريم - آيات الله - تعالى - ~~المنزلة إليك، نتلوها عليك تلاوة ملتبسة بالحق الذى لا يحوم حوله باطل. ~~وكانت الإشارة للبعيد، لما فى ذلك من معنى الاستقصاء للآيات، ولعلو ~~شأنها، وكمال معانيها، والوفاء فى مقاصدها. وأضاف - سبحانه - الآيات ~~إليه، لأنه هو الذى أنزلها على نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وفى هذه ~~الإضافة ما فيها من التشريف لها، والسمو لمنزلتها. وجعل - سبحانه - ~~تلاوة جبريل للقرآن تلاوة له، للإشعار بشرف جبريل، وأنه ما خرج فى ~~تلاوته عما أمره الله - تعالى - به، فهو رسوله الأمين، إلى رسله ~~المكرمين. وقوله - سبحانه - { فبأي حديث بعد ms4628 الله ~~وآياته يؤمنون } تعجيب من حالهم، حيث أصر هؤلاء الكافرون على ~~كفرهم، مع وضوح البراهين والأدلة على بطلان ذلك. أى فبأى حديث بعد آيات ~~الله المتلوة عليك يؤمن هؤلاء الجاهلون؟ إن عدم إيمانهم بعد ظهور الأدلة ~~والبراهين على وجوب الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، دليل على ~~انطماس بصائرهم، واستيلاء العناد والجحود على قلوبهم. قال الآلوسى وقوله ~~{ فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون } هو من باب ~~قولهم أعجبنى زيد وكرمه، يريدون أعجبنى كرم زيد، إلا أنهم عدلوا عنه ~~للمبالغة فى الإعجاب. أى فبأى حديث بعد هذه الآيات المتلوة بالحق ~~يؤمنون، وفيه دلالة على أنه لا بيان أزيد من هذا البيان، ولا آية أدل من ~~هذه الآية. وقال الواحدى فبأى حديث بعد حيث الله، أى القرآن، وقد جاء ~~إطلاقه عليه فى قوله - تعالى - # الله نزل أحسن الحديث.. # وحسن الإضمار لقرينة تقدم الحديث. وقوله { وآياته } عطف عليه ~~لتغايرهما إجمالا وتفصيلا.. والفاء فى جواب شرط مقدر، والظرف صفة { ~~حديث }. ثم هدد - تعالى - هؤلاء المشركين بقوله { ويل لكل ~~أفاك أثيم }. والويل لفظ يدل على الشر أو الهلاك. وهو مصدر لا فعل ~~له من لفظه، وقد يستعمل بدون حرف النداء كما هنا، وقد يستعمل معه كما فى ~~قوله - تعالى - # يويلنا من بعثنا من مرقدنا # والأفاك هو الإنسان الكثير الإفك وهو أشنع الكذب وأقبحه. والأثيم هو ~~الإنسان المرتكب للذنوب والآثام بقلبه وجوارحه، فهو سيئ الظاهر وسيئ ~~الباطن. # أى هلاك وعذاب وحسرة يوم القيامة لكل إنسان ينطق بأقبح الأكاذيب ويفعل ~~أسوأ السيئات. هذا الإنسان - أيضا - من صفاته أنه { يسمع آيات ~~الله تتلى عليه } صباح مساء. { ثم } بعد ذلك { يصر } ~~على كفره { مستكبرا } أى متكبرا عن الإيمان. { كأن لم ~~يسمعها } أى كأنه لم يسمع هذه الآيات، لأنها لم توافق هواه أو ~~شهواته. والتعبير بقوله { ثم يصر مستكبرا } للتعجيب من ~~حاله، حيث يصر على كفره، بعد سماع ما يدعو إلى التخلى عن الكفر، ويحمل ~~على الدخول فى الإيمان. والإصرار على الشئ ملازمته وعدم الانفكاك عنه، ~~مأخوذ من الصر - بفتح الصاد ms4629 - وهو الشد، ومنه صرة الدراهم، لأنها مشدودة ~~على ما بداخلها. قال صاحب الكشاف فإن قلت ما معنى { ثم } فى قوله { ~~ثم يصر مستكبرا }؟ قلت كمعناه فى قول القائل، يرى غمرات ~~الموت ثم يزورها. زذلك أن غمرات الموت خليقة بأن ينجو رائيها بنفسه، ~~ويطلب الفرار عنها. وأما زيارتها والإقدام على مزاولتها، فأمر مستبعد، ~~فمعنى { ثم } الإيذان بأن فعل المقدم عليها بعدما رآها وعاينها، شئ ~~يستبعد فى الغايات والطباع. وكذلك آيات الله الواضحة الناطقة بالحق، من ~~تليت عليه وسمعها كان مستبعدا فى العقول إصراره على الضلالة عندها، ~~واستكباره عن الإيمان بها. وقوله - تعالى - { فبشره بعذاب ~~أليم } تهكم بهذا الأفاك الأثيم.. واستهزاء به. لأن البشارة فى الأصل ~~إنما تكون من أجل الخبر السار، الذى تتهلل له البشرة. أى فبشره بعذاب ~~أليم، بسبب إصراره على كفره، واستحبابه العمى على الهدى. ثم بين - سبحانه ~~- صفة أخرى من صفات هذا الأفاك الأثيم فقال { وإذا علم من ~~آياتنا شيئا اتخذها هزوا }. أى وإذا بلغ هذا الإنسان شئ ~~من آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا، بادر إلى الاستهزاء بها ~~والسخرية منها، ولم يكتف بالاستهزاء بما سمعه، بل استهزأ بالآيات كلها ~~لرسوخه فى الكفر والجحود. والتعبير بقوله { وإذا علم } زيادة فى ~~تحقيره وتجهيله، لأن اتخاذه الآيات هزوا بعد علمه بمصدرها، يدل على ~~إيغاله فى العناد والضلال. وقوله { أولئك لهم عذاب مهين ~~} بيان لسوء عاقبته. أى أولئك الذين يفعلون ذلك لهم فى الآخرة عذاب ~~يهينهم ويذلهم، ويجعلهم محل سخرية العقلاء واحتقارهم. { من ورآئهم ~~جهنم } أى من قدامهم جهنم لأنهم يوجهون إليها بعد موتهم، أو هى من ~~خلفهم لأنهم معرضون عنها، ومهملون لما يبعدهم عن دخولها. والوراء اسم ~~يستمعل بمعنى الأمام والخلف، لأنه يطلق على الجهة التى يواريها الشخص ~~فتعم الخلف والأمام. { ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا } ~~أى ولا يدفع عنهم ما كسبوه فى الدنيا من أموال شيئا من العذاب، ولو كان ~~هذا الشىء يسيرا، كما قال - تعالى - # إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم من الله شيئا وأولئك ms4630 هم وقود النار # فقوله { ولا يغني } من الغناء - بفتح الغين - بمعنى الدفع والنفع، ~~ومنه قول الشاعر # وقل غناء عنك مال جمعته إذا صار ميراثا وواراك لاحد # { ولا ما اتخذوا من دون الله أوليآء } أى ولا يغنى ~~عنهم - أيضا - ما اتخذوه من دون الله - تعالى - من معبودات باطلة. و { ~~ما } فى قوله { ما كسبوا } و { ما اتخذوا } موصولة والعائد ~~محذوف. ويصح أن تكون فى الموضعين مصدرية. { ولهم عذاب عظيم } ~~لا يعلم مقدار شدته وهوله إلا الله - تعالى - وحده. والإشارة فى قوله - ~~تعالى - { هذا هدى } تعود إلى القرآن الكريم. والهدى مصدر هداه إلى ~~الشئ إذا دله وأرشده إليه. أى. هذا القرآن الذى أوحيناه إليك يا محمد، فى ~~أعلى درجات الهداية وأكملها. { والذين كفروا بآيات ربهم ~~} الدالة على وجوب إخلاص العبادة له. { لهم عذاب من رجز ~~أليم } والرجز يطلق على أشد أنواع العذاب.. أى لهم أشد أنواع العذاب، ~~وأكثره إيلاما وإهانة. وجمهور القراء قرأ { أليم } بالخفض على أنه نعت ~~لقوله { رجز } وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم { أليم } بالرفع، على أنه ~~صفة لعذاب. وهذه الآيات تهديد لكل من كانت فيه هذه الصفات التى منها كثرة ~~الكذب، وكثرة اقتراف السيئات، والإصرار على الباطل.. ويدخل فى هذا ~~التهديد دخولا أوليا، النضر بن الحارث، الذى كان يشترى أحاديث الأعاجم ~~ليشغل بها الناس عن سماع القرآن، والذى قيل إن هذه الآيات قد نزلت فيه. ~~ثم انتقلت السورة الكريمة بعد هذا التهديد الشديد للأفاكين.. إلى بيان ~~جانب من النعم التى أنعم بها - سبحانه - على عباده، ودعت المؤمنين إلى ~~الصبر والصفح، فقال - تعالى - { الله الذي سخر لكم.... ~~ثم إلى ربكم ترجعون }. ### || [45.12-15] # وقوله - تعالى - { سخر } من التسخير بمعنى التذليل والتيسير. يقال ~~سخر الله - تعالى - الإبل للإنسان، إذا ذللها له، جعلها منقادة لأمره. ~~أى الله - تعالى - وحده، هو الذى بقدرته ورحمته { سخر لكم ~~البحر } بأن جعلكم متمكنين من الانتفاع بخيراته، وبأن جعله على هذه ~~الصفة التى تستطيعون منها استخراج ما فيه من خيرات. وقوله { لتجري ~~الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من ms4631 فضله.. } بيان لبعض ~~الأسباب التى من أجلها سخر الله - تعالى - البحر على هذه الصفة. أى جعل ~~لكم البحر على هذه الصفة، لكى تتمكن السفن من الجرى فيه بأمره - تعالى - ~~وقدرته، ولتطلبوا ما فيه من خيرات، تارة عن طريق استخراج ما فيه من كنوز، ~~وتارة عن طريق التجارة فيها.. وكل ذلك بتيسير الله - تعالى - وفضله ~~ورحمته بكم. وقوله { ولعلكم تشكرون } متعلق بمحذوف. أى ~~أعطاكم ما أعطاكم من النعم، وجعل البحر على صفة تتمكنون معها من الجرى ~~فيه وأنتم فى سفنكم، ومن استخراج ما فيه من خيرات.. لعلكم بعد ذلك تشكرون ~~الله - تعالى - على هذه النعم، وتستعملونها فيما خلقت من أجله. وقوله - ~~تعالى - { وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض ~~جميعا منه.. } تعميم بعد تخصيص. أى يسر لكم الانتفاع بما فى البحر ~~من خيرات، ويسر لكم - أيضا - الانتفاع بكل ما فى السماوات والأرض من نعم ~~لا تعد ولا تحصى، وكلها منه - تعالى - وحده، لا من أحد سواه. فقوله { ~~جميعا } حال من { وما في الأرض } ، أو تأكيد له. والضمير فى ~~قوله - { منه } - يعود إلى الله - عز وجل -، والجار والمجرور حال من ~~{ ما } أيضا، أى جميعا كائنا منه - تعالى - لا من غيره. قال صاحب الكشاف ~~فإن قلت ما معنى { منه } فى قوله { جميعا منه }؟ وما موقعها ~~من الإعراب؟ قلت هى واقعة موقع الحال. والمعنى أنه سخر هذه الأشياء ~~كائنة منه وحاصلة من عنده. يعنى أنه مكونها وموجدها بقدرته وحكمته، ثم ~~سخرها لخلقه، ويجوز أن يكون خبر لمبتدأ محذوف تقديره هى جميعا منه. { ~~إن في ذلك } المذكور من تسخير البحر وما فى السماوات والأرض لكم { ~~لآيات } ساطعات، وعلامات واضحات، ودلائل بينات، على وحدانية الله - ~~تعالى - وقدرته وفضله { لقوم يتفكرون } فى هذه النعم، ~~ويحسنون شكرها. وخص المتفكرين بالذكر، لأنهم هم الذين ينتفعون بما بين ~~أيديهم من نعم، إذ بالتفكر السليم ينتقل العاقل من مرحلة الظن، إلى مرحلة ~~اليقين، التى يجزم معها بأن المستحق للعبادة والحمد، إنما هو الله رب ~~العالمين. ثم أمر الله - تعالى - نبيه ms4632 - صلى الله عليه وسلم - أن يحض ~~المؤمنين على التجاوز والصفح، عما يصدر من المشركين من كلمات بذيئة، ومن ~~أفعال قبيحة، حتى يأتى الله بأمره. # .. فقال - تعالى - { قل للذين آمنوا يغفروا للذين ~~لا يرجون أيام الله }. وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه ~~الآية روايات منها وما روى عن ابن عباس أنها نزلت فى عمر بن الخطاب، شتمه ~~مشرك بمكة قبل الهجرة فهم أن يبطش به، فنزلت. ومقول القول محذوف لأن ~~الجواب دال عليه. والرجاء هنا بمعنى الخوف. والمراد بأيام الله وقائعه ~~بأعدائه. أى قل - أيها الرسول الكريم - لأتباعك المؤمنين، على سبيل النصح ~~والإرشاد، قل لهم اغفروا يغفروا للمشركين الذين لا يخافون من وقائع الله ~~ونقمته بأعدائه، ولا يتوقعون أن هناك عذابا شديدا سينتظرهم، وأن هناك ~~ثوابا عظيما سينتظر المؤمنين. فالآية الكريمة توجيه حكيم للمؤمنين إلى ~~التسامح والصبر على كيد أعدائهم، حتى يأتى الله - تعالى - بأمره، الذى ~~فيه النصر للمؤمنين، والخسران للكافرين. وقوله - سبحانه - { ليجزي ~~قوما بما كانوا يكسبون } علة للأمر بالصفح والمغفرة، وهو ~~متعلق بما قبله، والمراد بالقوم المؤمنون الذين أمروا بالتسامح والعفو.. ~~والتنكير فى لفظ { قوما } للتعظيم. أى أمر الله المؤمنين بذلك، ~~ليجزيهم يوم القيامة بما كسبوا فى الدنيا من الأعمال الصالحة، التى منها ~~الصبر على أذى أعدائهم، والإغضاء عنهم، واحتمال المكروه منهم. قال صاحب ~~الكشاف قوله { ليجزي قوما } تعليل للأمر بالمغفرة أى إنما أمروا ~~بأن يغفروا، لما أراده الله من توفيتهم جزاء مغفرتهم يوم القيامة. فإن ~~قلت قوله { قوما } ما وجه تنكيره، وإنما أراد الذين آمنوا وهم معارف؟ ~~قلت هو مدح لهم وثناء عليهم، كأنه قيل ليجزى أيما قوم. أو قوما مخصوصين، ~~لصبرهم وإغضائهم على أعدائهم من الكفار، وعلى ما كانوا يجرعونهم من ~~الغصص. ثم عقب - سبحانه - على ذلك بما يؤكد عدالة الجزاء، واحتمال كل نفس ~~لما تعمله فقال { من عمل صالحا فلنفسه ومن أسآء ~~فعليها }. أى من عمل عملا صالحا، فثواب هذا العمل يعود إلى نفسه، ~~ومن عمل سيئا فعقاب هذا العمل يعود عليها - أيضا -. { ثم إلى ms4633 ~~ربكم ترجعون } يوم القيامة فترون ذلك رأى العين، وتشاهدون أن ~~كل إنسان سوف يجازى على حسب عمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. ثم انتقلت ~~السورة الكريمة إلى الحديث عن نعم الله - سبحانه - على بنى إسرائيل، وعن ~~موقفهم منها، وأمرت النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يتمسك بالشريعة التى ~~أنزلها الله - سبحانه - عليه.. فقال { ولقد آتينا بني ~~إسرائيل... ورحمة لقوم يوقنون }. ### || [45.16-20] # والمراد بإسرائيل يعقوب عليه السلام - وببنيه ذريته من بعده. والمراد ~~بالكتاب التوراة - أو جنس الكتاب فيشمل التوراة والإنجيل والزبور. أى ~~والله لقد أعطينا بنى إسرائيل { الكتاب } ليكون هداية لهم، وآتيناهم ~~- أيضا - { والحكم } أى الفقه والفهم للأحكام حتى يتمكنوا من القضاء ~~بين الناس، وأعطيناهم كذلك { النبوة } بأن جعلنا عددا كبيرا من ~~الأنبياء فيهم ومنهم. وهكذا منحهم - سبحانه - نعما عظمى تتعلق بدينهم، ~~أما النعم التى تتعلق بدنياهم فقد بينها - سبحانه - فى قوله { ~~ورزقناهم من الطيبات } أى ورزقناهم من المطاعم والمشارب ~~الطيبات التى جعلناها حلالا لهم. وقوله { وفضلناهم على ~~العالمين } بيان لنعمة أخرى. وللمفسرين فى معنى هذه الجملة اتجاهان ~~أحدهما أن المقصود بها فضلناهم على العالمين بأمور معينة حيث جعلنا عددا ~~من الأنبياء منهم، وأنزلنا المن والسلوى عليهم. قال الآلوسى قوله { ~~وفضلناهم على العالمين } حيث آتيناهم ما لم نؤت غيرهم من ~~فلق البحر، وإظلال الغمام، ونظائرهما، فالمراد تفضيلهم على العالمين ~~مطلقا من بعض الوجوه، لا من كلها، ولا من جهة المرتبة والثواب فلا ينافى ~~ذلك تفضيل أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - عليهم من وجه آخر، ومن جهة ~~المرتبة والثواب. والثانى أن المقصود بها فضلناهم على عالمى زمانهم. قال ~~الإمام الرازى، ما ملخصه فإن قيل إن تفضيلهم على العالمين، يقتضى ~~تفضيلهم على أمة - محمد - صلى الله عليه وسلم - وهذا باطل، فكيف الجواب؟ ~~قلنا الجواب من وجه أقربها إلى الصواب أن المراد فضلتكم على عالمى ~~زمانكم، وذلك لأن الشخص الذى سيوجد بعد ذلك وهو الآن ليس بموجود، لم يكن ~~من جملة العالمين حال عدمه، وأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - لم تكن ms4634 ~~موجودة فى ذلك الوقت، فلا يلزم من كون بنى إسرائيل أفضل العالمين فى ذلك ~~الوقت، أنهم أفضل من الأمة الإسلامية. وقال الشيخ الشنقيطى ما ملخصه ~~قوله - تعالى - { وفضلناهم على العالمين }. ذكر - سبحانه - ~~فى هذه الآية أنه فضل بنى إسرائيل على العالمين، كما ذكر ذلك فى آيات ~~أخرى.. ولكن الله - تعالى - بين أن أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - خير ~~من بنى إسرائيل، وأكرم على الله، كما صرح بذلك فى قوله # كنتم خير أمة أخرجت للناس # فخير صيغة تفضيل، والآية نص صريح فى أنهم خير من جميع الأمم، بنى ~~إسرائيل وغيرهم. ويؤيد ذلك من حديث معاوية بن حيدة القشيرى، # " أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال فى أمته أنتم توفون سبعين أمة، ~~أنتم خيرها وأكرمها على الله " # ، وقد رواه عنه الإمام أحمد والترمذى وابن ماجه والحاكم وهو حديث ~~مشهور. # واعلم أن ما ذكرنا من كون الأمة الإسلامية أفضل من بنى إسرائيل وغيرهم، ~~لا يعارض ما ورد من آيات فى تفضيل بنى إسرائيل. لأن ذلك التفضيل الوارد ~~فى بنى إسرائيل، ذكر فيهم حال عدم وجود أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~والمعدوم فى حال عدمه ليس بشئ حتى يفضل على غيره، أو يفضل غيره عليه. ~~ولكنه - تعالى - بعد وجود الأمة الإسلامية صرح بأنها خير الأمم، فثبت أن ~~كل ما جاء فى القرآن من تفضيل بنى إسرائيل، إنما يراد به ذكر أحوال ~~سابقة. وهذا الاتجاه الثانى هو الذى نرجحه، لأن المقصود بالآية الكريمة ~~وأمثالها تذكير بنى إسرائيل المعاصرين للنبى - صلى الله عليه وسلم - بنعم ~~الله عليهم وعلى آبائهم، حتى يشكروه عليها. ومن مظاهر هذا الشكر - بل على ~~رأسه - إيمانهم بما جاءهم به النبى - صلى الله عليه وسلم -. ولكن بنى ~~إسرائيل لم يقابلوا تلك النعم بالشكر، بل قابلوا بالجحود والحسد للنبى - ~~صلى الله عليه وسلم - على ما آتاه الله - تعالى - من فضله، فكانت نتيجة ~~ذلك أن لعنهم الله وغضب عليهم، وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت. ~~ولقد سبق أن قلنا عند تفسيرنا لقوله - تعالى ms4635 - فى سورة البقرة # وأني فضلتكم على العالمين # والعبرة التى نستخلصها من هذه الآية وأمثالها أن الله - تعالى - فضل بنى ~~إسرائيل على غيرهم من الأمم السابقة على الأمة الإسلامية، ومنحهم الكثير ~~من النعم ولكنهم لم يقابلوا ذلك بالشكر.. فسلب الله عنهم ما حباهم به من ~~نعم. ووصفهم فى كتابه بنقض العهد، وقسوة القلب. وهذا مصير كل أمة بدلت ~~نعمة الله كفرا، لأن الميزان عند الله للتقوى والفعل الصالح، وليس للجنس ~~أو اللون أو النسب. ثم بين - سبحانه - نعمة أخرى من النعم التى أنعم بها ~~على بنى إسرائيل فقال { وآتيناهم بينات من الأمر } ~~والبينات جمع بينة، وهى الدليل الواضح الصريح. و { من } بمعنى فى. أى ~~وأعطيناهم - فضلا عن كل ما سبق - دلائل واضحة، وشرائع بينة تتعلق بأمر ~~دينهم، بأن فصلنا لهم الحلال والحرام، والحسن والقبيح، والحق والباطل، ~~فصاروا بذلك على علم تام بشريعتهم، بحيث لا يخفى عليهم شئ مما اشتملت ~~عليه من أوامر أو نواهى، أو حلال أو حرام. فالمقصود من هذه الجملة ~~الكريمة أن الله - تعالى - قد أعطاهم شريعة واضحة لا غموض فيها ولا ~~التباس، ولا عوج فيها ولا انحراف. بل إن شريعتهم قد أخبرتهم عن طريق ~~رسلهم بمبعث النبى - صلى الله عليه وسلم وبوجوب إيمانهم به عند ظهوره، ~~ومن ذلك قوله - تعالى - # وإذ قال عيسى ابن مريم يبني إسرائيل إني ~~رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من ~~التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه ~~أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر ~~مبين # ثم بين - سبحانه - الموقف القبيح الذى وقفه بنو إسرائيل من نعم الله ~~عليهم فقال { فما اختلفوا إلا من بعد ما جآءهم ~~العلم بغيا بينهم }. والبغى تجاوز الحق إلى الباطل فى كل شئ. ~~يقال بغت المرأة إذا أتت ما لا يحل لها. وبغى فلان على فلان إذا اعتدى ~~عليه، ومنه قوله - تعالى - # فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي ~~تبغي حتى تفيء إلى أمر الله # والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أو الأوقات، وقوله { بغيا } مفعول ~~لأجله. أى أن ms4636 بنى إسرائيل أنعمنا عليهم بتلك النعم الدينية والدنيوية، ~~فما اختلفوا فى أمور دينهم التى وضحناها لهم، إلا عن علم لا عن جهل، ولم ~~يكن خلافهم فى حال من الأحوال إلا من أجل البغى والحسد فيما بينهم، لا من ~~أجل الوصول إلى الحق. فأنت ترى أن الجملة الكريمة توبخ إسرائيل توبيخا ~~شديدا، لأنها بينت أن خلافهم لم يكن عن جهل، وإنما كان عن علم، والاختلاف ~~بعد العلم بالحق أقبح وأشنع، وأن اختلافهم لم يكن من أجل الوصول إلى ~~الحق، وإنما كان سببه البغى والحسد. فهم قد اختلقوا فى الحق مع علمهم به، ~~لأن العلم كالمطر، لا تستفيد منه إلا الأرض الطيبة النقية، وكذلك لا ~~يستفيد من العلم إلا أصحاب النفوس الصافية، والقلوب الواعية... والنفوس ~~عندما يستولى عليها الهوى، تحول المقتضى إلى مانع. ورحم الله الإمام ~~الرازى فقد قال عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه والمقصود من هذه الجملة، ~~التعجب من أحوالهم، لأن حصول العلم يوجب ارتفاع الخلاف. وها هنا صار مجئ ~~العلم سببا لحصول الاختلاف، وذلك لأنهم لم يكن مقصودهم من العلم نفس ~~العلم، وإنما المقصود منه طلب الرياسة والبغى. وقوله - تعالى - { إن ~~ربك يقضي بينهم يوم القيامة } بيان لحكم الله العادل ~~فيهم. أى إن ربك - أيها الرسول الكريم - يقضى بين هؤلاء المختلفين يوم ~~القيامة، بقضائه العادل، بأن ينزل بهم العقاب الذى يستحقونه بسبب ما ~~كانوا يختلفون فيه من أمر الدين، الذى جعل الله أحكامه واضحة لهم، ولا ~~تحتمل الاختلاف أو التنازع. ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يتمسك بالدين الذى أوحاه إليه، فقال { ثم جعلناك ~~على شريعة من الأمر فاتبعها }. والشريعة فى الأصل ~~تطلق على المياه والأنهار التى يقصدها الناس للشرب منها، والمراد بها هنا ~~الدين والملة، لأن الناس يأخذون منهما ما تحيا به أرواحهم، كما يأخذون من ~~المياه والأنهار ما تحيا به أبدانهم. قال القرطبى الشريعة فى اللغة ~~المذهب والملة. # ويقال لمشرعة الماء - وهى مورد الشاربة - شريعة. ومنه الشارع لأنه طريق ~~إلى المقصد. فالشريعة ما ms4637 شرع الله لعباده من الدين، والجمع الشرائع ~~والشرائع فى الدين المذاهب التى شرعها الله - تعالى - لخلقه. أى ثم ~~جعلناك - أيها الرسول الكريم - على شريعة ثابتة، وسنة قويمة، وطريقة ~~حميدة، من أمر الدين الدين الذى أوحيناه إليك، { فاتبعها } اتباعا ~~تاما لا انحراف عنه { ولا تتبع أهوآء الذين لا ~~يعلمون } من أهل الكفر والضلال والجهل. وقد ذكروا أن كفار قريش ~~قالوا للنبى - صلى الله عليه وسلم - ارجع إلى دين آبائك، فإنهم كانوا ~~أفضل منك، فنزلت هذه الآية. وقوله - سبحانه - { إنهم لن يغنوا ~~عنك من الله شيئا } تعليل للنهى عن اتباع أهوائهم. أى إنك - ~~أيها الرسول الكريم - إن اتبعت أهواء هؤلاء الضالين، صرت مستحقا ~~لمؤاخذتنا، ولن يستطيع هؤلاء أو غيرهم، أن يدفع عنك شيئا مما أراده الله ~~- تعالى - بك. { وإن الظالمين بعضهم أوليآء بعض } ~~أى بعضهم نصراء بعض فى الدنيا، أما فى الآخرة فولايتهم تنقلب إلى عداوة. ~~{ والله } - تعالى - هو { ولي المتقين } الذين أنت إمامهم ~~وقدوتهم، فاثبت على شريعتنا التى أوحيناها إليك، لتنال ما أنت أهله من ~~رضانا وعطائنا. ثم أثنى - سبحانه - على القرآن الكريم الذى أنزله على ~~نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال { هذا بصائر للناس وهدى ~~ورحمة لقوم يوقنون }. والبصائر جمع بصيرة - وهى للقلب ~~بمنزلة البصر للعين. فهى النور الذى يبصر به القلب هدايته، كما أن البصر ~~هو النور الذى تبصر به العين طريقها. وقوله { هذا } مبتدأ، وبصائر ~~خبره، وجمع الخبر باعتبار ما فى القرآن من تعدد الآيات والبراهين. أى هذا ~~القرآن الذى أنزلناه إليك - أيها الرسول - الكريم - { بصائر ~~للناس } لأن ما فيه من حجج وبراهين، تكشف للقلب طريق الحق، كما تكشف ~~العين للإنسان مساره وهو - أيضا - { هدى } أى هداية عظيمة إلى الرشاد ~~والسعادة { ورحمة } واسعة { لقوم يوقنون } أى لقوم من ~~شأنهم الإيقان من عند الله - تعالى -، وبأنك - أيها الرسول الكريم - ~~صادق فيما تبلغه عن ربك. وخص الموقنين بالذكر، لأنهم هم الذين ينتفعون ~~بحجج القرآن الكريم، وبهداياته، أما الذين فى قلوبهم مرض أو شك، فإنهم لا ~~ينتفعون بذلك. قال - تعالى - # وإذا ms4638 مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم ~~إيمانا وهم يستبشرون.. وأما الذين في قلوبهم ~~مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم ~~كافرون # وقال - سبحانه - # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى ~~أولئك ينادون من مكان بعيد # ثم فرقت السورة الكريمة بين حال الذين يجترحون السيئات، وحال الذين ~~يعملون الصالحات، وحكت جانبا من أقوال المشركين، وردت عليهم بما يبطلها، ~~فقال - تعالى - { أم حسب الذين اجترحوا... أكثر ~~الناس لا يعلمون }. ### || [45.21-26] # و { أم } فى قوله - تعالى - { أم حسب الذين اجترحوا ~~السيئات } منقطعة، وتقدر ببل والهمزة، وما فيها من معنى بل ~~للانتقال من البيان الأول إلى الثانى، والهمزة لإنكار الحسبان. ~~والاجتراح الاكتساب، ومنه الجارحة للأعضاء التى يكتسب بها كالأيدى. ويقال ~~فلان جارحة أهله، أى هو الذى يكتسب لهم أرزاقهم. وحسب فعل ماض، والذين ~~فاعله، وجملة { أن نجعلهم } ساد مسد المفعولين. والمعنى بل أحسب ~~الذين اكتسبوا ما يسوء من الكفر والمعاصى، أن نجعلهم متساوين مع الذين ~~آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات فى دار الدنيا أو فى الدار الآخرة؟ كلا!! ~~لا يستوون فيهما، فإن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يحيون فى الدنيا حياة ~~طيبة لا مكان فيها للهموم والأحقاد والإحن ببركة إيمانهم، وفى الآخرة ~~ينالون رضا الله - تعالى - وحسن ثوابه. أما الذين اجترحوا السيئات فهم فى ~~شقاء فى الدنيا وفى الآخرة. قال الشوكانى قرأ الجمهور { سواء } بالرفع ~~على أنه خبر مقدم. والمبتدأ محياهم ومماتهم. والمعنى إنكار حسبانهم أن ~~محياهم ومماتهم سواء. وقرأ حمزة والكسائى وحفص { سواء } بالنصب على أنه ~~حال من الضمير المستتر فى الجار والمجرور فى قوله { كالذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات } أو على أنه معفول ثان لحسب. وقوله { سآء ~~ما يحكمون } أى بئس حكما حكمهم الذى زعموا فيها تسويتنا بين الذين ~~اجترحوا السيئات، والذين آمنوا وعملوا الصالحات. فالمقصود بهذه الجملة ~~الكريمة، توبيخهم على أحكامهم الباطلة، وأفكارهم الفاسدة. قال الآلوسى ~~قوله { سآء ما يحكمون } أى ساء حكمهم هذا، وهو الحكم بالتساوى، ~~فما ms4639 مصدرية، والكلام إخبار عن قبح حكمهم المعهود. ويجوز أن يكون لإنشاء ~~ذمهم على أن { سآء } بمعنى بئس، فتكون كلمة { ما } نكرة موصوفة، وقعت ~~تمييزا مفسرا لضمير الفاعل المبهم والمخصوص بالذم محذوف أى بئس شيئا ~~حكموا به ذلك. ثم أكد - سبحانه - عدم المساواة بين الفريقين فقال { ~~وخلق الله السماوات والأرض بالحق } أى خلقهما خلقا ~~ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل. وقوله { ولتجزى كل نفس ~~بما كسبت } معطوف على مقدر يفهم من سياق الكلام. أى خلقهما بالحق ~~ليبرهن بذلك على وحدانيته وقدرته. ولتجزى كل نفس يوم القيامة بسبب ما ~~اكتسبته من أعمال. ويصح أن يكون معطوفا على قوله { بالحق }. أى ~~خلقهما بالحق المقتضى للعدل بين العباد، ولتجزى كل نفس بما كسبت، فهو ~~منعطف المسبب على السبب. { وهم لا يظلمون } أى الخلائق المدلول ~~عليهم بقوله { كل نفس } لا يلحقهم شئ من الظلم يوم القيامة، لأن ~~الله - تعالى - قد كتب على نفسه أنه لا يظلم أحدا. والاستفهام فى قوله - ~~سبحانه - { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه } للتعجب من ~~حال هؤلاء المشركين، ولتسلية النبى - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه ~~منهم من أذى. # والمراد بهواه ما يستحسنه من تصرفات، حتى ولو كانت تلك التصرفات فى ~~نهاية القبح والشناعة والجهالة. والمعنى انظر وتأمل - أيها الرسول الكريم ~~- فى أحوال هؤلاء الكافرين فإنك لن ترى جهالة كجهالاتهم، لأنهم إذا حسن ~~لهم هواهم شيئا اتخذوه إلها لهم، مهما كان قبح تصرفهم، وانحطاط تفكيرهم، ~~وخضعوا له كما يخضع العابد لمعبوده. قال ابن عباس كان الرجل فى الجاهلية ~~يعبد الحجر الأبيض زمانا. فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثانى وترك الأول. ~~وقوله { وأضله الله على علم } أى وأضل الله - تعالى - هذا ~~الشقى، بأن خلق فيه الضلالة، على علم منه - سبحانه - بأن هذا الشقى أهل ~~لذلك لاستحبابه العمى على الهدى. فيكون قوله { على علم } حال من ~~الفاعل، أى أضله - سبحانه - حالة كونه عالما بأنه من أهل الضلال. ويصح أن ~~يكون حالا من المفعول، أى وأضل الله - تعالى - هذا الشقى، والحال أن هذا ms4640 ~~الشقى عالم بطريق الإيمان، ولكنه استحب الغى على الرشد. وقوله { ~~وختم على سمعه وقلبه } والختم الوسم بطابع ونحوه، مأخوذ ~~من وضع الخاتم على الشئ، وطبعه فيه للاستيثاق، لكى لا يخرج منهما بداخله ~~ولا يدخله ما هو خارج عنه. أى وطبع على سمعه وقلبه، فجعله لا يسمع سماع ~~تدبر وانتفاع، ولا يفقه ما فيه هدايته ورشده. { وجعل على بصره ~~غشاوة } أى وجعل على بصره غطاء، يحجب عنه الرؤية السليمة للأشياء ~~وأصل الغشاوة ما يغطى به الشئ، من غشاه إذا غطاه. والاستفهام فى قوله - ~~تعالى - { فمن يهديه من بعد الله } للإنكار والنفى. أى لا ~~أحد يستطيع أن يهدى هذا الإنسان الذى اتخذ إلهه هواه من بعد أن أضله ~~الله - عز وجل -. { أفلا تذكرون } أى أفلا تتفكرون وتتأملون ~~فيما سقت لكم من مواعظ وعبر، تفكرا يهديكم إلى الرشد، ويبعثكم على ~~الإيمان. فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة، تسلية للرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - عما أصابه من المشركين، وتعجيب من أحوالهم التى بلغت الغاية فى ~~الجهالة والضلالة. ودعوة لهم إلى التذكير والاعتبار، لأن ذلك ينقلهم من ~~الكفر إلى الإيمان. ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك جانبا من أقوالهم الباطلة ~~فقال { وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ~~ونحيا وما يهلكنآ إلا الدهر }. أى وقال هؤلاء المشركون ~~على سبيل الجهل والعناد والجحود للحق، ما الحياة إلا هذه الحياة الدنيوية ~~التى نحياها فيها، وليس هناك حياة سواها، فنحن نموت ثم يحيا أولادنا من ~~بعدنا أو يموت بعضنا ويحيا البعض الآخر إلى زمن معين، أو نكون أمواتا فى ~~أصلاب آبائنا، ثم نحيا بعد ذلك عند الولادة. # { وما يهلكنآ } عند انتهاء آجالنا { إلا الدهر } أى إلا ~~مرور الزمان، وكر الأعوام وتقلب الشهور والأيام. قال ابن كثير ما ملخصه " ~~يخبر - تعالى - عن قول الدهرية من الكفار، ومن وافقهم من مشركى العرب فى ~~إنكار المعاد { وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا ~~نموت ونحيا... } أى ما ثم إلا هذه الدار، يموت قوم ويعش آخرون، ~~وما ثم معاد ولا قيامة.. ولهذا قالوا { وما ms4641 يهلكنآ إلا ~~الدهر } - أى إلا مرور الأيام والليالى - فكابروا المعقول وكذبوا ~~المنقول... وفى الحديث الصحيح - الذى رواه الشيخان وغيرهما - عن أبى ~~هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال # " يقول الله - تعالى - يؤذينى ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدى ~~الأمر، أقلب ليله ونهاره ". # والمقصود من هذا الحديث النهى عن سب الدهر، لأن الله - تعالى - هو ~~الخالق له، فمن يسب الدهر، فكأنما سب الله - تعالى - لأنه - سبحانه - هو ~~الذى يقلب الليالى والأيام. وقد كان العرب فى الجاهلية إذا ما أصابتهم ~~شدة أو نكبة، قالوا يا خيبة الدهر، فيسندون تلك الأفعال والمصائب إلى ~~الدهر ويسبونه. وقوله - تعالى - { وما لهم بذلك من علم ~~إن هم إلا يظنون } رد عليهم فيما قالوه من أقوال باطلة تتعلق ~~بإنكارهم للبعث والحساب. أى وليس لهم فيما زعموه من إنكارهم للبعث من علم ~~مستند إلى نقل أو عقل، إن هم إلا يظنون ظنا مبنيا على الوهم والضلال. { ~~وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } أى وإذا تليت عليهم ~~آيات القرآن، الواضحة فى دلالتها على أن يوم القيامة حق، وأن الحساب حق. ~~{ ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبآئنآ إن ~~كنتم صادقين } أى ما كان ردهم على من يذكرهم بالبعث إلا أن قالوا ~~لهم أعيدوا إلينا آباءنا الذين ماتوا إن كنتم صادقين فى قولكم إن هناك ~~بعثا وحسابا وثوابا وعقابا. وقوله { حجتهم } - بالنصر - خبر كان، ~~واسمها قوله { إلا أن قالوا }. وسمى - سبحانه - أقوالهم مع ~~بطلانها حجة، على سبيل التهكم بهم، والاستهزاء بهذه الأقوال. قال صاحب ~~الكشاف فإن قلت لم سمى قولهم حجة وليس بحجة؟ قلت لأنهم أدلوا به كما يدلى ~~المحتج بحجته، وساقوه مساقها، فسميت حجة على سبيل التهكم، أو لأنه فى ~~حسبانهم وتقديرهم حجة، أو لأنه فى أسلوب قول القائل تحية بينهم ضرب ~~وجيع.. كأنه قيل ما كان حجتهم إلا ما ليس بحجة. والمراد نفى أن تكون لهم ~~حجة ألبتة. ثم ختم - سبحانه - هذه الآية بأمر النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- بأن يرد عليهم بما يخرس ألسنتهم ms4642 فقال { قل الله يحييكم } أى ~~وأنتم فى الدنيا { ثم يميتكم } عند انقضاء آجالكم فى الدنيا، { ~~ثم يجمعكم إلى يوم القيامة } بأن يعيدكم إلى الحياة ~~مرة أخرى للحساب والجزاء، وهذا اليوم وهو يوم القيامة آت { لا ريب ~~فيه } ولا شك فى حدوثه. # { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ذلك، لاستيلاء الهوى ~~والشيطان على قلوبهم، ولو عقلوا لعلموا أن من أنشأ الإنسان من العدم، ~~قادر على إعادته بعد موته من باب أولى. ثم أخذت السورة الكريمة فى ~~أواخرها فى تذكير الناس بأهوال يوم القيامة لكى يستعدوا للقاء هذا اليوم ~~بالإيمان والعمل الصالح، فذكرتهم بأحوال الأخيار والأشرار فى هذا اليوم ~~العصيب، وبينت لهم أن الندم لن ينفع فى هذا اليوم.. فقال - تعالى - { ~~ولله ملك السماوات والأرض... وهو العزيز ~~الحكيم }. ### || [45.27-37] # قال الإمام الرازى قوله { ولله ملك السماوات والأرض } ~~أنه - تعالى - لما احتج بكونه قادرا على الإحياء فى المرة الأولى، وعلى ~~كونه قادرا على الإحياء فى المرة الثانية فى الآيات المتقدمة، عمم بعد ~~ذلك الدليل فقال { ولله ملك السماوات والأرض } أى لله - ~~تعالى - القدرة على جميع الممكنات سواء أكانت من السماوات أم من الأرض. ~~أى { لله } - تعالى - وحده { ملك السماوات والأرض } خلقا ~~وتصرفا وإحياء وإماتة لا راد لقضائه. ولا معقب لحكمه. ثم بين - سبحانه - ~~سوء عاقبة الكافرين يوم القيامة فقال { ويوم تقوم الساعة ~~يومئذ يخسر المبطلون }. أى ولله - تعالى - ملك السماوات ~~والأرض، وله - أيضا - ملك وقت قيام الساعة. لأنه لا يستطيع أحد أن يعلم ~~وقت قيامها، أو يتصرف فيه، إلا هو - عز وجل - وفى اليوم الذى تقوم فيه ~~الساعة يخسر المبطلون، أنفسهم وأهليهم، ويصيرون فى حال شديدة من الهم ~~والغم والكرب، لأنهم كذبوا بهذا اليوم، وكفروا به وقالوا # ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما ~~يهلكنآ إلا الدهر # قال الشوكانى وقوله { ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر ~~المبطلون } أى المكذبون الكافرون المتعلقون بالأباطيل، يظهر فى ذلك ~~اليوم خسرانهم لأنهم يصيرون إلى النار، والعامل فى { يوم } هو الفعل { ~~يخسر } ويومئذ بدل منه، والتنوين للعوض عن المضاف ms4643 إليه المدلول عليه ~~بما أضيف إليه المبدل منه، فيكون التقدير { ويوم تقوم الساعة ~~} يوم تقوم الساعة، فيكون بدلا توكيديا. والأحسن أن يكون العامل فى { ~~يوم } هو { ملك } - أى ما يدل عليه هذا اللفظ. أى ولله - تعالى - ~~ملك السماوات والأرض - وملك يوم تقوم الساعة، ويكون قوله { يومئذ } ~~معمولا ليخسر.. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # فإذا جآء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك ~~المبطلون # ثم يعرض - سبحانه - مشهدا من مشاهد هذا اليوم الهائل الشديد فيقول { ~~وترى كل أمة جاثية }. وقوله - سبحانه - { جاثية } من ~~الجثو وهو الجلوس على الركب بتحفز وترقب وخوف. يقال جثنا فلان على ~~ركبتيه يجثو جثوا وجثيا، إذ برك على ركبتيه وأنامله فى حالة تحفز، كأنه ~~منتظر لما يكرهه. أى وترى - أيها العاقل - فى هذا اليوم الذى تشيب من ~~هوله الولدان، كل أمة من الأمم متميزة عن غيرها، وجاثية على ركبها، ~~مترقبة لمصيرها فى تلهف وخوف فالجملة الكريمة تصور أهوال هذا اليوم، ~~وأحوال الناس فيه، تصويرا بليغا مؤثرا، يبعث على الخوف الشديد من هذا ~~اليوم، وعلى تقديم العمل الصالح الذى ينفع صاحبه # يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ ~~لله # وقوله { كل أمة } مبتدأ، وقوله { تدعى إلى كتابها } ~~خبره. # أى كل أمة تدعى إلى سجل أعمالها الذى أمر الله - تعالى - ملائكته ~~بكتابته لتحاسب عليه. وقوله { اليوم تجزون ما كنتم ~~تعملون } مقول لقول مقدر. أى ويقال لهم جميعا فى هذا الوقت اليوم ~~تجدون جزاء أعمالكم التى كنتم تعملونها فى الدنيا من خير أو شر. ويقال ~~لهم - أيضا - { هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق }. أى ~~هذا كتابنا الذى سجلته عليكم الملائكة، يشهد عليكم بالحق، لأنه لا زيادة ~~فيما كتب عليكم ولا نقصان، وإنما هى أعمالكم أحصيناها عليكم. قال القرطبى ~~قوله - تعالى - { هذا كتابنا } قيل من لقول الله لهم. وقيل من ~~قول الملائكة. { ينطق عليكم بالحق } أى يشهد. وهو استعارة، ~~يقال نطق الكتاب بكذا، أى بين. وقيل إنهم يقرءونه فيذكرهم الكتاب ما ~~عملوا، فكأنه ينطق عليهم. دليله قوله - تعالى - # ويقولون يويلتنا مال هذا ms4644 الكتاب لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها # وقوله - سبحانه - # ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون # وقوله { ينطق } فى موضع الحال من الكتاب ". وقال الجمل فى حاشيته فإن ~~قيل كيف أضيف الكتاب إليهم فى قوله { كل أمة تدعى إلى ~~كتابها }. وأضيف هنا إلى الله - تعالى - فقال { هذا كتابنا ~~}؟ فالجواب أنه لا منافاة بين الأمرين، لأنه كتابهم بمعنى أنه مشتمل على ~~أعمالهم، وكتاب الله، بمعنى أنه - سبحانه - هو الذى أمر الملائكة ~~بكتابته. وقوله - سبحانه - { إنا كنا نستنسخ ما كنتم ~~تعملون } تعليل للنطق بالحق، أى إنا كنا نأمر ملائكتنا بنسخ ~~أعمالكم، أى بكتابتها وتثبيتها عليكم فى الصحف، حسنة كانت أو سيئة، ~~فالمراد بالنسخ هنا الإثبات لا الإزالة. ثم فصل - سبحانه - ما يترتب ~~على ما سبق من أحكام فقال { فأما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته } أى فيدخلهم - ~~سبحانه - فى جنته ورضوانه. { ذلك } العطاء الجزيل { هو الفوز ~~المبين } الذى لا يدانيه فوز. { وأما الذين كفروا } ~~فيقال لهم على سبيل التوبيخ والتقريع والزجر { أفلم تكن آياتي ~~تتلى عليكم } أى أفلم تأتكم رسلى بآياتى الدالة على وحدانيتى ~~وعلى صدقهم فيما يبلغونه عنى؟ بلى لقد جاءكم رسلى بآياتى. { ~~فاستكبرتم } عن الاستماع إليهم، وعن الاستجابة لهم، واتباع ~~دعوتهم. { وكنتم قوما مجرمين } أى وكنتم فى الدنيا قوما ~~عادتكم الإجرام، واجتراح السيئات، واقتراف المنكرات. { وإذا قيل } ~~لكم فى الدنيا { إن وعد الله حق } أى إن ما وعد الله - تعالى ~~- به من البعث والحساب حق وصدق { والساعة لا ريب فيها } أى لا ~~شك فيها. { قلتم } على سبيل العناد والجحود { ما ندري ما ~~الساعة } أى قلتم على سبيل الإنكار لها، والاستبعاد لحصولها لا نعرف ~~أن هناك شيئا اسمه الساعة، ولا نعترف بها اعترافا يدل على إيماننا بها. # { إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين } أى كنتم ~~فى الدنيا تقولون لا نوقن ولا نؤمن بحدوث الساعة، ولكنا نظن ونتوهم أن ~~هناك شيئا اسمه الساعة، وما نحن بمستيقنين بإتيانها. ولعل هذا الكلام ~~الذى حكاه القرآن الكريم عنهم، هو كلام الشاكين ms4645 المتحيرين من الكافرين ~~أما الجاحدون منهم فهم الذين حكى القرآن عنهم أنهم قالوا # ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما ~~يهلكنآ إلا الدهر... # ثم بين - سبحانه - ما ترتب على هذه الأقوال الباطلة من نتائج فقال { ~~وبدا لهم سيئات ما عملوا } أى وظهر لهؤلاء الكافرين ~~سيئات أعمالهم على حقيقتها التى كانوا لا يتوقعونها. { وحاق بهم } ~~أى وأحاط ونزل بهم { ما كانوا به يستهزئون } أى فى الدنيا، ~~فقد كانوا فى الدنيا ينكرون البعث والحساب والجزاء ويستهزئون بمن يحدثهم ~~عن ذلك. فنزل بهم العذاب المهين، جزاء استهزائهم وإنكارهم. { وقيل } ~~لهم على سبيل التأنيب والزجر { اليوم ننساكم } أى نهملكم ونترككم ~~فى النار { كما نسيتم } أنتم فى الدنيا وأنكرتم { لقآء ~~يومكم هذا } وهو يوم القيامة { ومأواكم النار } أى ~~ومسكنكم الذى تؤون إليه النار وبئس القرار. { وما لكم من ~~ناصرين } أى وليس لكم من ناصرين ينصرونكم، ويخففون عنكم هذا العذاب ~~الذى حل بكم. ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت بهم إلى هذا المصير ~~السئ فقال { ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا }. ~~أى ذلكم العذاب المبين الذى نزل بكم سببه أنكم استهزأتم بآيات القرآن ~~الكريم، وسخرتم منها، وكذبتم من جاء بها. { وغرتكم الحياة ~~الدنيا } أى وخدعتكم الحياة الدنيا بزخارفها ومتعها وشهواتها. { ~~فاليوم لا يخرجون منها } أى من النار. { ولا هم ~~يستعتبون } أى ولا هم يطلب منهم أن يرضوا ربهم، بان يتوبوا إليه ~~مما كان منهم من كفر وفسوق فى الدنيا، لأن التوبة قد فات أوانها. فقوله { ~~يستعتبون } من العتب - بفتح العين وسكون التاء - وهى الموجدة. ~~يقال عتب عليه يعتب، إذا وجد عليه، فإذا فاوضه فيما عتب عليه فيه، قيل ~~عاتبه. والمقصود من الآية الكريمة أن هؤلاء الكافرين لا يقبل منهم فى هذا ~~اليوم عذر أو توبة. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله { فلله ~~الحمد } أى فلله - تعالى - وحده الحمد والثناء { رب السماوت ~~ورب الأرض رب العالمين } لا رب سواه ولا خالق غيره. { ~~وله الكبريآء } أى العظمة والسلطان والجلال { في السماوات ~~والأرض وهو العزيز الحكيم }. قال ابن ms4646 كثير أى هو العظيم ~~الممجد الذى كل شئ خاضع لديه. فقير إليه وفى الحديث الصحيح يقول الله - ~~تعالى - # " العظمة إزارى، والكبرياء ردائى، فمن نازعنى واحدا منهما أسكنته نارى ~~". # { وهو العزيز } أى الذى لا يغالب ولا يمانع، { الحكيم } فى ~~أقواله وأفعاله. وبعد فهذا تفسير محرر لسورة " الجاثية " نسأل الله - ~~تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا لعباده. والحمد لله الذى بنعمته تتم ~~الصالحات. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [46 - سورة الأحقاف] ### || [46.1-6] # سورة " الأحقاف " من السور التى افتتحت ببعض الحروف الهجائية، وأقرب ~~الأقوال إلى الصواب فى معناها أن يقال إن هذه الحروف المقطعة قد وردت فى ~~افتتاح بعض السور، للإشعار بأن هذا القرآن الذى تحدى به الله - تعالى - ~~المشركين، هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التى يعرفونها، ويقدرون ~~على تأليف الكلام منها، فإذا عجزوا عن الإتيان بسورة من مثله، فذلك ~~لبلوغه فى الفصاحة والحكمة مرتبة فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها بمراحل شاسعة. ~~وفضلا عن كل ذلك فإن تصدير بعض السور، يمثل هذه الحروف المقطعة يجذب ~~أنظار المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم، إلى الإنصات والتدبر، ~~لأنه يطرق أسماعهم فى أول التلاوة بألفاظ غير مألوفة فى مجارى كلامهم. ~~وذلك مما يلفت أنظارهم، ليتبينوا ما يراد منها، فيسمعوا حكما وحججا ~~ومواعظ من شأنها أنها تهديهم إلى الحق، لو كانوا يعقلون. وقد سبق أن بينا ~~- بشئ من التفصيل - آراء العلماء فى هذه الحروف المقطعة. وقوله - تعالى - ~~{ تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم } بيان لمصدر ~~هذا القرآن، وأنه من عند الله - تعالى -، لا من عند غيره. أى أن هذا ~~القرآن منزل من عند الله - تعالى - { العزيز } أى صاحب العزة ~~الغالبة، والسلطان القاهر { الحكيم } فى كل أقواله وأفعاله وتصريفه ~~لشئون خلقه. ثم بين - سبحانه - أنه لم يخلق هذا الكن عبثا، فقال { ما ~~خلقنا السماوات والأرض وما بينهمآ إلا بالحق ~~وأجل مسمى... }. وقوله { إلا بالحق } استثناء مفرغ من ~~أهم الأحوال، وهو صفة لمصدر محذوف، وقوله { وأجل مسمى } معطوف ~~على " الحق " والكلام على تقدير ms4647 مضاف محذوف. أى ما خلقنا هذا الكون ~~بسمائه وأرضه وما بينهما من مخلوقات لا يعلمها إلا الله، ما خلقنا كل ذلك ~~إلا خلقا ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل وبالحكمة التى اقتضتها ~~إرادتنا ومشيئتنا. وما خلقنا كل ذلك - أيضا - إلا بتقدير أجل معين، هو ~~يوم القيامة الذى تفنى عنده جميع المخلوقات. فالمراد بالأجل المسمى يوم ~~القيامة الذى ينتهى عنده آجال الناس، ويقفون بين يدى الله - تعالى - ~~للحساب والجزاء. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما باطلا ~~ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من ~~النار # وقوله - سبحانه - # وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ~~ما خلقناهمآ إلا بالحق... # ثم بين - سبحانه - موقف المشركين من خالقهم فقال { والذين ~~كفروا عمآ أنذروا معرضون }. والإنذار الإعلام المقترن ~~بتهديد، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذار. و " ما " فى قوله { ~~عمآ أنذروا } يصح أن تكون موصولة والعائد محذوف، ويصح أن تكون ~~مصدرية. # والإعراض عن الشئ الصدود عنه، وعدم الإقبال عليه، وأصله من العرض - ~~بضم العين - وهو الجانب، لأن المعرض عن الشئ يعطيه جانب عنقه، مبتعدا ~~عنه. أى نحن الذين خلقنا بقدرتنا وحكمتنا، السماوات والأرض وما بينهما، ~~بالحق الذى اقتضته مشيئتنا، وبتقدير أمد معين، عند انتهائه # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات # ومع كل هذه الدلائل الساطعة الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا، فالذين كفروا ~~بالحق، عن الذى أنذروه من الحساب والجزاء معرضون، وفى طغيانهم يعمهون.. ~~فالآية الكريمة قد وضحت أن هذا الكون لم يخلقه الله - تعالى - عبثا، وأن ~~لهذا الكون نهاية ينتهى عندها، وأن الكافرين - لجهلهم وعنادهم - لم ~~يستجيبوا لمن دعاهم إلى إخلاص العبادة لله الواحد القهار، ولم يستعدوا ~~لاستقبال يوم القيامة بالإيمان والعمل الصالح. ثم أمر الله - تعالى - ~~رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يوبخ هؤلاء الكافرين على جهالاتهم ~~وعنادهم، فقال { قل أرأيتم ما تدعون من دون الله ~~أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في ~~السماوات... }. وقوله { أرأيتم } بمعنى أخبرونى، ومفعوله ~~الأول قوله { ما تدعون } وجملة " ماذا خلقوا ms4648 " سدت مسد مفعوله ~~الثانى. وجملة " أرونى " مؤكدة لقوله { أرأيتم } لأنها - أيضا - ~~بمعنى أخبرونى. والمعنى قل - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المشركين - على ~~سبيل التوبيخ والتأنيب - أخبرونى عن هذه الآلهة التى تعبدونها من دول ~~الله - تعالى -، أى شئ فى الأرض أوجدته هذه الآلهة؟ إنها قطعا لم تخلق ~~شيئا من الأرض. فالأمر فى قوله { أروني } للتعجيز والتبكيت. و " أم " ~~فى قوله { أم لهم شرك في السماوات } للإضراب عن أن يكونوا ~~قد خلقوا شيئا، إلى بيان أنهم لا مشاركة لهم مع الله فى خلق السماوات أو ~~الأرض أو غيرهما. فقوله { شرك } بمعنى مشاركة.. أى بل ألهم مشاركة من ~~الله - تعالى - فى خلق شئ من السماوات؟ كلا، لا مشاركة لهم فى خلق أى شئ، ~~وإنما الخالق لكل شئ هو الله رب العالمين. فالاستفهام للتوبيخ والتقريع. ~~فالمراد من الآية الكريمة نفى استحقاق معبوداتهم لأى لون من ألوان ~~العبادة بأبلغ وجه، لأن هذه المعبودات لا مدخل لها فى خلق أى شئ لا من ~~العوالم السفلية ولا من العوالم العلوية، وإنما الكل مخلوق لله - تعالى - ~~وحده. ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - # هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه # وبعد أن أفحمهم - سبحانه - من الناحية العقلية، أتبع ذلك بإفحامهم ~~بالأدلة النقلية، فقال - تعالى - { ائتوني بكتاب من قبل ~~هذآ أو أثارة من علم إن كنتم صادقين }. # والأمر فى قوله - تعالى - { ائتوني } للتعجيز والتهكم - أيضا - كما ~~فى قوله { أروني }. وقوله { أثارة من علم } أى بقية من علم ~~يؤثر عن الأولين، وينسب إليهم. قال القرطبى وفى الصحاح " أو أثارة من علم ~~" أى بقية منه. وكذلك الأثرة - بالتحريك - ويقال سمنت الإبل على ~~أثارة، أى على بقية من شحم كان فيها قبل ذلك.. والأثارة مصدر كالسماحة ~~والشجاعة، وأصل الكلمة من الأثر، وهى الرواية، يقال أثرت الحديث ~~آثره أثرا وأثارة وأثرة فأنا آثر، إذا ذكرته من غيرك، ومنه ~~قيل حديث مأثور، أى نقله الخلق عن السلف. أى هاتوا لى - أيها المشركون - ~~كتابا من قبل هذا القرآن يدل على صحة ms4649 ما أنتم عليه من شرك، فإن لم ~~تستطيعوا ذلك - ولن تستطيعوا -، فأتونى ببقية من علم يؤثر عن السابقين، ~~ويسند إليهم، ويشهد لكم بصحة ما أنتم فيه من كفر. { إن كنتم ~~صادقين } فيما تزعمونه من أنكم على الحق. وهكذا أخذ عليهم القرآن ~~الحجة، وألزمهم ببطلان ما هم عليه من ضلال، بالأدلة العقلية المتمثلة فى ~~شهادة هذا الكون المفتوح، وبالأدلة النقلية المتمثلة فى أنه لا يوجد ~~عندهم كتاب أو ما يشبه الكتاب. يستندون إليه فى استحقاق تلك المعبودات ~~للعبادة. والحق أن هذا الآية الكريمة على رأس الآيات التى تخرس أصحاب ~~الأقوال التى لا دليل على صحتها، وتعلم الناس مناهج البحث الصحيح الذى ~~يوصلهم إلى الحق والعدل.. ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المشركين قد بلغوا ~~الذروة فى ضلالهم وجهلهم فقال { ومن أضل ممن يدعوا من ~~دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة }. ~~أى لا أحد أشد ضلالا وجهلا من هؤلاء المشركين الذين يعبدون من دون الله - ~~تعالى - آلهة، هذه الآلهة لا تسمع كلامهم، ولا تعقل نداءهم، ولا تشعر ~~بعبادتهم لها منذ أن عبدوها، إلى أن تقوم الساعة. فإذا ما قامت الساعة، ~~تحولت هذه الآلهة - بجانب عدم شعورها بشئ إلى عدوة لهؤلاء العابدين لها. ~~قال بعض العلماء وفى قوله { إلى يوم القيامة } نكتة حسنة، ~~وذلك أنه جعل يوم القيامة غاية لعدم الاستجابة، ومن شأن الغاية انتهاء ~~المغيا عندها. لكن عدم الاستجابة مستمر بعد هذه الغاية، لأنهم فى يوم ~~القيامة لا يستجيبون لهم. فالوجه - والله أعلم - أنها من الغايات ~~المشعرة، بأن ما بعدها وإن وافق ما قبلها، إلا أنه أزيد منه زيادة بينة ~~تلحقه بالثانى، حتى كأن الحالتين وإن كانتا نوعا واحدا، لتفاوت ما بينهما ~~كالشئ وضده، وذلك أن الحالة الأولى التى جعات غايتها القيامة لا تزيد على ~~عدم الاستجابة، والحالة الثانية التى فى القيامة زادت على الاستجابة، ~~بالعداوة بالكفر بعبادتهم إياهم. ثم أكد - سبحانه - عدم إحساس الأصنام ~~بعابديها فقال { وهم عن دعآئهم غافلون }. # أى وهذه الاصنام عن عبادة عابديها غافلة، لا تدرك ms4650 شيئا، ولا تحس بمن ~~حولها. قال صاحب الكشاف وإنما قيل " من " و " هم " لأنه أسند إليهم ما ~~يسند إلى أولى العلم من الاستجابة والغفلة، ولأنهم كانوا يصفونهم ~~بالتمييز جهلا وغباوة. ويجوز أن يريد كل معبود من دون الله من الجن ~~والإنس والأوثان. ثم بين ما يكون بين العابدين والمعبودين من عداوة يوم ~~القيامة فقال { وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآء ~~وكانوا بعبادتهم كافرين }. أى وإذا جمع الله - تعالى - ~~الناس للحساب والجزاء يوم القيامة، صار الكفار مع من عبدوهم من دون الله ~~أعداء، يلعن بعضهم بعضا، { وكانوا } أى المعبودن { بعبادتهم } ~~أى بعبادة الكفر إياهم { كافرين } أى جاحدين مكذبين. وشبيه بهذه ~~الآية قوله - تعالى - { واتخذوا من دون الله آلهة ~~ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ~~ويكونون عليهم ضدا }. وقوله - سبحانه - # وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا ~~مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم ~~القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم ~~بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين # ثم لقن الله - سبحانه - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أجوبه أخرى، ليرد ~~بها على الأقوال الزائفة التى تفوه بها المشركون فقال - تعالى - { ~~وإذا تتلى عليهم آياتنا... القوم الظالمين }. ### || [46.7-10] # وقوله { تتلى } من التلاوة بمعنى القراءة بتمهل وترتيل. أى وإذا ~~تتلى على هؤلاء الكافرين، آياتنا الواضحة الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا { ~~قال الذين كفروا للحق لما جآءهم } أى قالوا للآيات ~~المتلوة عليهم. والتى اشتملت على الحق الذى يهديهم إلى الصراط المستقيم. ~~{ هذا سحر مبين } أى قالوا هذا الذى جئتنا به يا محمد سحر ~~واضح، وتمويه ظاهر. والتعبير بقوله - سبحانه - { قال الذين ~~كفروا للحق لما جآءهم } يشعر بأن هؤلاء الجاحدين ~~الجاهلين، قد بادروا إلى وصف ما جاءهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~بأنه سحر، بدون تفكر أو تأمل أو انتظار. وفى وصفهم لما جاءهم به الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - بأنه سحر، دليل على عجزهم عن الإتيان بمثله، أو ~~بسورة من مثله. ثم حكى - سبحانه - جانبا من أكاذيبيهم فقال { أم ~~يقولون افتراه... } و " أم " هنا منقطعة بمعنى ms4651 بل والهمزة، وتفيد ~~الإضراب والانتقال من حكاية أقوالهم الباطلة السابقة. إلى أقوال أخرى ~~أشد منها بطلانا وكذبا. والاستفهام للإنكار والتعجب من حالهم. والافتراء ~~أشنع الكذب. أى بل أيقول هؤلاء الكافرون لك - أيها الرسول الكريم - إنك ~~إفتريت هذا القرآن واختلقته من عند نفسك؟. ثم لقن الله - تعالى - نبيه - ~~صلى الله عليه وسلم الرد الذى يخرسهم فقال { قل إن افتريته ~~فلا تملكون لي من الله شيئا }. أى قل لهم - أيها الرسول ~~الكريم - فى الرد على زعمهم أنك افتريت هذا القرآن إن كنت على سبيل الفرض ~~والتقدير قد افتريته من عند نفسى، عاقبنى ربى، ولا تستطيعون أنتم أو ~~غيركم أن تمنعوا عنى شيئا من عذابه وعقابه، وما دام الأمر كذلك فكيف ~~أفتريه، وأنا أعلم علم اليقين أن افتراء شئ منه يؤدى إلى عقابى؟ فجواب " ~~إن " فى قوله { إن افتريته } محذوف، وتقديره عاجلنى بالعقوبة، ~~وقوله { فلا تملكون لي من الله شيئا } قام مقامه. قال - ~~تعالى - # ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه ~~باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من ~~أحد عنه حاجزين # وقوله { هو أعلم بما تفيضون فيه } أى الله - تعالى - الذى ~~زعمتم أنى أفترى عليه الكذب، هو أعلم منى ومنكم ومن كل المخلوقات، بما ~~تندفعون فيه من القدح فى آياته، والإعراض عن دعوته، وسيجازيكم على ذلك ~~بما تستحقونه من عقاب. فقوله { تفيضون } من الإفاضة، وهى الأخذ فى ~~الشئ باندفاع وعنف، وأصله من فاض الإناء، إذا سال بشدة. وقوله - سبحانه ~~- { كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور ~~الرحيم } ترهيب لهم من الإنسياق فى كفرهم، وترغيب لهم فى الدخول فى ~~الإيمان لينالوا مغفرة الله - تعالى - ورحمته. # أى كفى بشهادة الله - تعالى - بينى وبينكم شهادة، فهو الذى يعلم أنى ~~صادق فيما أبلغه عنه، ويعلم أنكم الكاذبون فيما تزعمونه، وهو - سبحانه - ~~الواسع المغفرة والرحمة، لمن تاب إليه وأناب. ثم أمره الله - تعالى - أن ~~يبين لهم ما جاءهم به من هداية، قد جاء بها الرسل من قبله لأقوامهم، وأنه ~~رسول كسائر الرسل السابقين فقال - تعالى - { قل ما ms4652 كنت بدعا ~~من الرسل.. }. والبدع من كل شئ أوله ومبدؤه. يقال فلان بدع فى هذا ~~الأمر، أى هو أول فيه دون أن يسبقه فيه سابق، من الابتداع بمعنى ~~الاختراع. أى وقل لهم - أيها الرسول الكريم - إنى لست أول رسول أرسله ~~الله - تعالى - إلى الناس، وإنما سبقنى كثيرون أنتم تعرفون شيئا من ~~أخبارهم ومن أخبار أقوامهم، وما دام الأمر كذلك فكيف تنكرون نبوتى، ~~وتشككون فى دعوتى؟. وقوله - سبحانه - { ومآ أدري ما يفعل بي ~~ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي ومآ أنا ~~إلا نذير مبين } بيان لوظيفته - صلى الله عليه وسلم -. أى ~~وإننى وأنا رسول الله لا أعلم ما سيفعله الله - تعالى - بى أو بكم فى ~~المستقبل من أمور الدنيا، هل سأبقى معكم فى مكة أو سأهاجر منها. وهل ~~سيصيبكم العذاب عاجلا أو آجلا؟ فإنى ما أفعل معكم، ولا أقول لكم إلا ما ~~أوحاه الله - تعالى -إلى، وما أنا إلا نذير مبين، أوضح لكم الحق من ~~الباطل، وأخوفكم من سوء المصير، إذا ما بقيتم على كفركم وشرككم. ~~فالمقصود بقوله - تعالى - { ومآ أدري ما يفعل بي ولا بكم ~~} أى فى دار الدنيا، أما بالنسبة للآخرة، فالله - تعالى - قد بشره وبشر ~~أتباعه بالثواب العظيم فى آيات كثيرة، ومن ذلك قوله - تعالى - # ولسوف يعطيك ربك فترضى # وقوله - سبحانه - { وبشر المؤمنين بأن لهم من ~~الله فضلا كبيرا }. قال الإمام ابن كثير ما ملخصه قال الحسن ~~البصرى فى قوله { ومآ أدري ما يفعل بي ولا بكم } أى فى ~~الدنيا، أأخرج كما أخرجت الأنبياء قبلى؟ أم أقتل كما قتلوا، ولا أدرى ~~أيخسف بكم أو ترمون بالحجارة؟ أما فى الآخرة فمعاذ الله، قد علم أنه فى ~~الجنة. وهذا القول هو الذى عول عليه ابن جرير، وأنه لا يجوز غيره، ولا ~~شك أن هذا هو اللائق به - صلى الله عليه وسلم، فإنه بالنسبة للآخرة، جازم ~~أنه يصير إلى الجنة ومن اتبعه، وأما فى الدنيا فلم يدر ما كان يؤول إليه ~~أمره وأمر المشركين. أيؤمنون أم يكفرون فيعذبون فيستأصلون ms4653 بكفرهم؟. ~~والمتدبر فى هذه الآية الكريمة، يراها قد اشتملت على أسمى ألوان الأدب من ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - مع خالقه - عز وجل - فقد فوض - صلى الله ~~عليه وسلم - أمره إلى خالقه، وصرح بأنه لا يتبع إلا ما يوحيه إليه سبحانه ~~- وأنه لا علم له بالغيب، وإنما علم ذلك إلى الله - تعالى - وحده. # ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - مرة أخرى، أن ~~يذكرهم بإيمان العقلاء من أهل الكتاب بهذا الدين، لعلهم عن طريق هذا ~~التذكير يقلعون عن كفرهم وعنادهم فقال { قل أرأيتم إن كان ~~من عند الله وكفرتم به }. أى قل - أيها الرسول الكريم - ~~لهؤلاء الكافرين أخبرونى إن كان هذا الذى أوحاه الله - تعالى - إلى من ~~قرآن، هو من عنده - تعالى - وحده، والحال أنكم كفرتم به ألستم فى هذه ~~الحالة تكونون ظالمين لأنفسكم وللحق الذى جئتكم به من عند خالقكم؟ لا شك ~~أنكم فى هذه الحالة تكونون ظالمين جاحدين. وقوله - سبحانه - { وشهد ~~شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن ~~واستكبرتم... } معطوف على ما قبله على سبيل التأكيد لظلمهم. أى ~~أخبرونى إن كان هذا القرآن من عند الله، والحال أنكم قد كفرتم به، مع أن ~~شاهدا من بنى إسرائيل الذين تثقون بشهادتهم، قد شهد على مثل القرآن ~~بالصدق. لاتفاق التوراة والقرآن على وحدانية الله - تعالى - وعلى أن ~~البعث حق، وعلى أن الجزاء حق.. فآمن هذا الشاهد بالقرآن وبمن جاء به ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - واستكبرتم أنتم عن الإيمان.. ألستم فى ~~هذا الحالة تكونون على رأس الظالمين الجاحدين لكل ما هو حق وصدق؟! فجواب ~~الشرط فى الآية محذوف. أى إذا كان الأمر كما ذكرنا ومع ذلك لم تؤمنوا فقد ~~كفرتم وظلمتم، والله - تعالى - لا يهدى القوم الذين من شأنهم استحباب ~~الظلم على العدل، والعمى على الهدى. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به ~~من أضل ممن هو في شقاق بعيد # قال صاحب الكشاف - رحمه الله - جواب الشرط محذوف وتقديره. إن ms4654 كان القرآن ~~من عند الله وكفرتم به، ألستم ظالمين، ويدل على هذا المحذوف قوله - تعالى ~~- { إن الله لا يهدي القوم الظالمين }. والشاهد من ~~بنى إسرائيل عبد الله بن سلام.. وفيه نزل { وشهد شاهد من بني ~~إسرائيل على مثله... }. والضمير للقرآن. أى على مثله فى ~~المعنى، وهو ما فى التوراة من المعانى المطابقة لمعانى القرآن من التوحيد ~~والوعيد وغير ذلك. وعلى رأى صاحب الكشاف تكون الآية مدنية فى سورة مكية، ~~لأن إيمان عبد الله بن سلام - رضى الله عنه - كان بالمدينة ولم يكن بمكة. # ومن المفسرين من يرى أن الآية الكريمة نزلت فى شأن من كل من آمن من أهل ~~الكتاب، وأنها لم تنزل فى عبد الله بن سلام بصفة خاصة.. قال الإمام ابن ~~كثير وهذا الشاهد اسم جنس، يعم عبد الله بن سلام وغيره، فإن هذه الآية ~~مكية نزلت قبل إسلام عبد الله بن سلام، وهذه كقوله - تعالى - # وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق ~~من ربنآ إنا كنا من قبله مسلمين # قال مسروق والشعبى ليس بعبد الله بن سلام. هذه الآية مكية، وإسلامه كان ~~بالمدينة.. وقال مالك عن أبى النضر، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال ما سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لأحد يمشى على الأرض " إنه من أهل ~~الجنة " إلا لعبد الله بن سلام، قال وفيه نزلت { وشهد شاهد من ~~بني إسرائيل على مثله }.. وكذا قال ابن عباس ومجاهد ~~والضحاك وقتادة.. وعلى أية حال فالمقصود من الآية الكريمة إثبات أن هذا ~~القرآن من عند الله - تعالى -، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - صادق ~~فيما يبلغه عن ربه، وأن العقلاء من أهل الكتاب قد شهدوا بذلك، وآمنوا ~~بالنبى - صلى الله عليه وسلم - فكان من الواجب على المشركين - لو كانوا ~~يعقلون -أن يقلعوا عن عنادهم، وأن يتبعوا الحق الذى جاءهم به النبى - صلى ~~الله عليه وسلم -. ثم حكى - سبحانه - بعض الأعذار الفاسدة، التى اعتذر ~~بها الكافرون عن عدم دخولهم فى الإسلام، ورد عليهم بما يكبتهم، ms4655 وبشر ~~المؤمنين الصادقين بما يشرح صدورهم فقال { وقال الذين كفروا ~~للذين آمنوا... بما كانوا يعملون }. ### || [46.11-14] # وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { وقال الذين ~~كفروا للذين آمنوا } روايات منها أن مشركى مكة حين رأوا أن ~~أكثر المؤمنين من الفقراء، كعمار، وبلال، وعبد الله بن مسعود.. قالوا ~~ذلك. وسبب قولهم هذا، اعتقادهم الباطل، أنهم هم الذين لهم عند الله ~~العظمة والجاه والسبق إلى كل مكرمة، لأنهم هم أصحاب المال والسلطان، أما ~~أولئك الفقراء فلا خير فيهم، ولا سبق لهم إلى خير.. أى وقال الذين كفروا ~~للذين آمنوا - على سبيل السخرية والاستخفاف بهم -، لو كان هذا الذى أنتم ~~عليه من الإيمان بما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - حقا وخيرا، لما ~~سبقتمونا إليه، ولما سبقنا إليه غيركم من المؤمنين لأننا نحن العظماء ~~الأغنياء.. وأنتم الضعفاء الفقراء.. فهم - لانطماس بصائرهم وغرورهم - ~~توهموا أنهم لغناهم وجاههم هم المستحقون للسبق إلى كل خير، وأن غيرهم من ~~الفقراء لا يعقل ما يعقلونه، ولا يفهم ما يفهمونه.. ومن الآيات الكريمة ~~التى تشبه هذه الآية قوله - تعالى - # وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء ~~من الله عليهم من بيننآ.. # وقوله - سبحانه - { وإذ لم يهتدوا به فسيقولون ~~هذآ إفك قديم } تعجيب من غرروهم وعنادهم، ورميهم بما هو برئ ~~منه. و " إذ " ظرف لكلام محذوف دل عليه الكلام، أى وإذا لم يهتدوا بما ~~جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من عند ربه، ظهر عنادهم واستكبارهم ~~وقالوا هذا القرآن كذب قديم من اخبار السابقين، نسبه محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى ربه. وشبيه بهذا الآية. قوله - تعالى - # وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى ~~عليه بكرة وأصيلا.. # ثم بين - سبحانه - أن هذا القرآن هو المهيمن على الكتب السماوية التى ~~سبقته فقال - تعالى - { ومن قبله كتاب موسى إماما ~~ورحمة.. }. أى ومن قبل هذا القرآن الذى أنزلناه على نبينا محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - كان كتاب موسى وهو التوراة { إماما } يهتدى به ~~فى الدين { ورحمة } من الله - تعالى - لمن آمن به. ms4656 وقوله { ومن ~~قبله } خبر مقدم، و { كتاب موسى } مبتدأ مؤخر، وقوله { ~~إماما ورحمة } حالان من { كتاب موسى }. والمقصود من هذه ~~الجملة الكريمة، الرد على قولهم فى القرآن { هذآ إفك قديم } ~~فكأنه - تعالى - يقول لهم كيف تصفون القرآن بذلك، مع أنه قد سبقه كتاب ~~موسى الذى تعرفونه، والذى وافق القرآن فى الأمر بإخلاص العبادة لله - ~~تعالى - وحده، وفى غير ذلك من أصول الشرائع. ثم مدح - سبحانه - هذا ~~القرآن بقوله { وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا ~~لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين }. # أى وهذا القرآن الذى أنزلناه على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~مصدق لكتاب موسى الذى هو إمام ورحمة، ومصدق لغيره من الكتب السماوية ~~السابقة وأمين عليها، وقد أنزلناه بلسان عربى مبين، امتنانا منا على من ~~بعث الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيهم وهم العرب. وقد اقتضت حكمتنا أن ~~نجعل من وظيفة هذا الكتاب الإنذار للظالمين بسوء المصير إذا ما أصروا ~~على ظلمهم، والبشارة للمحسنين بحسن عاقبتهم بسبب إيمانهم وإحسانهم. فاسم ~~الاشارة فى قوله { وهذا } يعود للقرآن الكريم، وقوله مصدق صفة ~~لكتاب. وقوله { لسانا عربيا } حال من الضمير فى " مصدق " الذى ~~هو صفة للكتاب والضمير فى " لينذر " يعود إلى الكتاب، و " الذين ظلموا " ~~مفعوله. أى لينذر الكتاب الذين ظلموا، وقوله { وبشرى ~~للمحسنين } فى محل نصب عطفا على محل " لينذر ". وقال - سبحانه - ~~فى صفة هذا الكتاب { مصدق لسانا عربيا } ولم يقل مصدق ~~لكتاب موسى، للتنبية على أنه مصدق لكتاب موسى ولغيره من الكتب السماوية ~~السابقة. والتعبير بقوله { لسانا عربيا } فيه تكريم للعرب، ~~وتذكير لهم بنعمة الله عليهم، حيث جعل القرآن الذى هو أجمع الكتب ~~السماوية للهدايات والخيرات بلسانهم، وهذا يقتضى إيمانهم به، وحصرهم على ~~اتباع إرشاداته. وقوله - تعالى - { لينذر الذين ظلموا ~~وبشرى للمحسنين } بيان لوظيفة هذا الكتاب، وتحديد لمصير كل ~~فريق، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من من حى عن بينه. ثم فصل - سبحانه - ~~ما أعده للمحسنين من جزيل الثواب فقال { إن الذين قالوا ~~ربنا الله... } أى قالوا ذلك بألسنتهم، وصدقت هذا ms4657 القول قلوبهم { ~~ثم استقاموا } بعد ذلك على صراط الله المستقيم، بأن فعلوا بإخلاص ~~وطاعة كل ما أمرهم - سبحانه - بفعله، واجتنبوا بقوة كل ما أمرهم ~~بإجتنابه، وقوله { فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } خبر ~~" إن " وجئ بالفاء فى خبر الموصول لما فيه من معنى الشرط. أى إن الذين ~~قالوا ذلك، ثم استقاموا وثبتوا على طاعتنا فلا خوف عليهم من لحوق مكروه ~~بهم، ولا هم يحزنون بسبب فوات محبوب لديهم، وإنما هم فى سعادة مستمرة، ~~وفى سرور دائم، لا يعكره خوف من مستقبل مجهول، ولا حزن على أمر قد مضى. { ~~أولئك } الموصوفون بما ذكر من الإيمان والاستقامة، هم { ~~أصحاب الجنة خالدين فيها } خلودا أبديا. { جزآء بما ~~كانوا يعملون } أى يجزون هذا الجزاء الطيب بسب أعمالهم الصالحة، ~~التى كانوا يعملونها فى الدنيا. وبعد هذا الحديث عن حقيقة هذا الدين، وعن ~~حسن عاقبة الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا، جاء الحديث عن وجوب ~~الإحسان إلى الوالدين وعما يترتب عليه هذا الإحسان من ثواب عظيم، قال - ~~تعالى - { ووصينا الإنسان بوالديه... كانوا يوعدون ~~}. ### || [46.15-16] # قال الإمام ابن كثير لما ذكر - تعالى - فى الآية الأولى التوحيد له، ~~وإخلاص العبادة والاستقامة إليه، عطف، بالوصية بالوالدين، كما هو مقرون ~~فى غير ما آية من القرآن، كقوله # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا # وقال # أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير # إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. وقوله - سبحانه - { ووصينا ~~الإنسان بوالديه إحسانا... } من الإيصاء بالشئ بمعنى الأمر ~~به. قال - تعالى - # وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا # أى أمرنى بالمحافظة على أدائهما.. وقوله { إحسانا } قراءة عاصم ~~وحمزة والكسائى. وقرأ غيرهم من بقية السبعة { حسنا } وعلى القراءتين ~~فانتصابهما على المصدرية. أى ووصينا الإنسان وأمرناه بأن يحسن إلى ~~والديه إحسانا أو حسنا، بأن يقدم إليهما كل ما يؤدى إلى برهما وإكرامهما. ~~ويصح أن يكون وصينا بمعنى ألزمنا، فيتعدى لاثنين، فيكون المفعول الثانى ~~منها، قوله { إحسانا } أو { حسنا }. وقوله - سبحانه - { حملته ~~أمه كرها ووضعته كرها } تعليل للإيصاء المذكور ولفظ { ~~كرها } قرئ بضم ms4658 الكاف وفتحها، وهما قراءتان سبعيتان، قالوا ومعناهما ~~واحد كالضعف - بتشديد الضاد وفتحها أو ضمها - فهما لغتان بمعنى واحد. ~~وهذا اللفظ منصوب على الحال من الفاعل. أى حملته أمة ذات كره. ووضعته ذات ~~كره، أو هو صفة لمصدر مقدر، أى حملته حملا ذا كره، ووضعته كذلك. ولا شك ~~فى أن الأم تعانى فى أثناء حملها ووضعها لوليدها، الكثير من المشاق ~~والآلام والمتاعب.. فكان من الوفاء أن يقابل ذلك منها بالإحسان ~~والإكرام. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فى آية أخرى # حملته أمه وهنا على وهن # أى حملته أمة ضعفا على ضعف، لأن الحمل كلما تزايد وعظم فى بطنها، ازداد ~~ضعفها.. وقوله - تعالى - { وحمله وفصاله ثلاثون شهرا } ~~بيان لمدة الحمل والفطام، والكلام على حذف مضاف. والفصال مصدر فاصل، وهو ~~بمعنى الفطام، وسمى الفطام فصالا، لأن الطفل ينفصل عن ثدى أمه فى نهاية ~~الرضاع. أى ومدة حمل الطفل مع مدة فصاله عن ثدى أمه، ثلاثون شهرا. قال ~~صاحب الكشاف فإن قلت المراد بيان مدة الرضاع لا الفطام، فكيف عبر عنه ~~بالفصال.. قلت لما كان الرضاع يليه الفصال ويلابسه، لأنه ينتهى به ويتم، ~~سمى فصالا.. وفيه فائدة، وهى الدلالة على الرضاع التام المنتهى بالفصال ~~ووقته.. وقال الشوكانى وقد استدل بهذه الآية على أن أقل الحمل ستة أشهر، ~~لأن مدة الرضاع سنتان، أى مدة الرضاع الكامل، كما فى قوله - تعالى - # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ~~لمن أراد أن يتم الرضاعة # فذكر - سبحانه - فى هذه الآية أقل مدة الحمل، وأكثر مدة الرضاع. وفى هذه ~~الآية إشارة الى أن حق الأم، آكد من حق الأب، لأنها هى التى حملت وليدها ~~بمشقة ووضعته بمشقة، وأرضعته هذه المدة بتعب ونصب. # . وقوله - تعالى - { حتى إذا بلغ أشده وبلغ ~~أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك ~~التي أنعمت علي وعلى والدي.. } غاية لمحذوف يفهم ~~من سياق الكلام. والأشد قوة الإنسان واشتعال حرارته، من الشدة بمعنى ~~القوة والارتفاع. يقال شد النهار، إذا ارتفع، وهو مفرد جاء بصيغة الجمع، ~~ولا واحد له من ms4659 لفظه. والمراد ببلوغ أشده أن يصل سنه على الراجح - إلى ~~ثلاث وثلاثين سنة. وقوله { أوزعني } أى رغبنى ووفقنى، من قولك ~~أوزعت فلانا بكذا، إذا أغريته وحببته فى فعله. أى أن هذا الإنسان بعد أن ~~بقى فى بطن أمه ما بقى، وبعد أن وضعته وأرضعته وفطمته وتولته برعايتها، ~~واستمرت حياته " حتى إذا بلغ أشده " أى حتى إذا بلغ زمن استكمال قوته، ~~وبلغ أربعين سنة وهى تمام اكتمال العقل والقوة والفتوة. { قال } على ~~سبيل الشكر لخالقه { رب أوزعني... } أى يا رب وفقنى وألهمنى { ~~أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى ~~والدي } بأن وفقتنى ووفقتهما إلى صراطك المستقيم، وبأن رزقتهما ~~العطف على، ورزقتنى الشكر لهما، ووفقنى - أيضا - { وأن أعمل ~~صالحا ترضاه } منى، وتقبله عندك { وأصلح لي في ~~ذريتي } أى واجعل - يا إلهى - الصلاح راسخا فى ذريتى، وساريا ~~فيها، لأن صلاح الذرية فيه السعادة الغامرة للآباء. { إني تبت ~~إليك } توبة صادقة نصوحا وإنى من المسلمين الذين أخلصوا نفوسهم ~~لطاعتك، وقلوبهم لمرضاتك. فأنت ترى أن الآية الكريمة قد اشتملت على أسمى ~~ألوان الدعوات، التى عن طريق إجابتها تتحقق السعادة الدنيوية والأخروية. ~~قال صاحب الكشاف فإن قلت ما معنى " فى " فى قوله { وأصلح لي في ~~ذريتي }؟ قلت معناه أن يجعل ذريته موقعا للصلاح ومظنته، كأنه قال ~~هب لى الصلاح فى ذريتى، وأوقعه فيهم. وفى الآية الكريمة تنبيه للعقلاء، ~~إلى أن شأنهم - خصوصا عند بلوغ سن الأربعين. أن يكثروا من التضرع إلى ~~الله بالدعاء، وأن يتزودوا بالعمل الصالح، فإنها السن التى بعث الله - ~~تعالى - فيها معظم الأنبياء، والتى فيها يكتمل العقل، وتستجمع القوة، ~~ويرسخ فيها خلق الإنسان الذى تعوده وألفه ورحم الله القائل # إذا المرء وافى الأربعين ولم يكن له دون ما يهوى حياء ولا ستر فدعه ~~ولا تنفس عليه الذى مضى وإن جر أسباب الحياة له العمر # ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة من يسلك هذا الطريق القويم فقال { ~~أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا.. ~~}. واسم الإشارة يعود إلى الإنسان باعتبار الجنس. أى أولئك الموصوفون ~~بما ms4660 ذكر من الصفات الجميلة، هم { الذين نتقبل عنهم ~~أحسن ما عملوا } من الأعمال الطيبة المتقبلة عندنا... { ~~ونتجاوز عن سيئاتهم } فلا نعاقبهم عليها، لكثرة توبتهم ~~إلينا. # . بل نجعلهم { في } عداد { أصحاب الجنة } الخالدين فيها، ~~والمتنعمين بخيراتها. فالجار والمجرور فى قوله { أصحاب الجنة } ~~فى محل نصب على الحال، على سبيل التشريف والتكريم، كما تقول أكرمنى ~~الأمير فى أصحابه، أى حالة كونى معدودا من أصحابه. وقوله - تعالى - { ~~وعد الصدق الذي كانوا يوعدون } تذييل مؤكد لما قبله. ~~ولفظ { وعد } مصدر لفعل مقدر. أى وعدهم الله - تعالى - وعد الصدق الذى ~~كانوا يوعدون به على ألسنة الرسل فى الدنيا. هذا، وقد ذكر بعض المفسرين ~~أن هاتين الآيتين نزلتا فى شأن أبى بكر الصديق - رضى الله عنه -، وقد ~~استجاب الله دعاءه، فأسلم أبواه وأولاده جميعا.. وبعد أن ساق - سبحانه - ~~هذه الصورة الوضيئة لأصحاب الجنة، أتبع ذلك ببيان صورة سيئة لنوع آخر من ~~الناس، فقال - تعالى - { والذي قال لوالديه... وبما ~~كنتم تفسقون }. ### || [46.17-20] # والاسم الموصول فى قوله - تعالى - { والذي قال لوالديه ~~أف لكمآ.. } بمعنى الذين، وهو مبتدأ وخبره قوله { أولئك ~~الذين حق عليهم القول.. } وهذا صريح فى أن المراد بقوله ~~{ والذي } العموم وليس الإفراد، وهذا يدل - أيضا - على فساد قول من ~~قال إن الآية نزلت فى شأن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق - رضى الله عنهما ~~- والصحيح أنها فى حق كل كافر عاق لوالديه، منكر للبعث. قال ابن كثير عند ~~تفسيره لهذه الآية وهذا عام فى كل من قال هذا، ومن زعم أنها نزلت فى عبد ~~الرحمن بن أبى بكر، فقوله ضعيف، لأن عبد الرحمن اسلم بعد ذلك، وحسن ~~إسلامه، وكان من خيار أهل زمانه. أخرج البخارى عن يوسف بن ماهك قال كان ~~مروان على الحجاز، استعمله معاوية بن أبى سفيان، فخطب وجعل يذكر يزيد بن ~~معاوية لكى يبايع له بعد أبيه. فقال له عبد الرحمن بن أبى بكر شيئا.. ~~فقال مروان إن هذا الذى أنزل فيه { والذي قال لوالديه أف ~~لكمآ... }. فقالت عائشة من وراء حجاب ما ms4661 أنزل الله فينا شيئا من ~~القرآن، إلا أن الله أنزل عذرى. وفى رواية للنسائى أنها قالت كذب مروان، ~~والله ما هو به، ولو شئت أن أسمى الذى نزلت فيه لسميته.. ولفظ " أف " اسم ~~صوت ينبىء عن التضجر، أو اسم فعل مضارع هو أتضجر. والمقصود به هنا إظهار ~~الملل والتأفف والكراهية لما يقوله أبواه من نصح له. وقوله { ~~أتعدانني } فعل مضارع من وعد الماضى، وحذف واوه فى المضارع مطرد. ~~والنون الأولى نوع الرفع، والثانية نون الوقاية. وقوله { أن أخرج } ~~أن وما دخلت عليه فى تأويل مصدر هو المفعول الثانى لقوله { ~~أتعدانني }. أى والذى قال لوالديه - على سبيل الإنكار والإعراض ~~عن نصحهما - { أف لكمآ } أى أقول بعدا وكرها لقولكما، أو إنى ~~متضجر من قولكما. { أتعدانني أن أخرج } أى أتعداننى الخروج ~~من قبرى بعد أن أموت، لكى أبعث وأحاسب على عملى، والحال أنه { قد ~~خلت } أى مضت { القرون } الكثيرة { من قبلي } دون أن يخرج أحد ~~منهم من قبره، ودون أن يرجع بعد أن مات. فالآية الكريمة تصور بوضوح ما ~~كان عليه هذا الإنسان، من سوء أدب مع أبويه، ومن إنكار صريح للبعث ~~والحساب والجزاء. ثم حكى - سبحانه - ما رد به الأبوان فقال { وهما ~~يستغثيان الله ويلك آمن إن وعد الله حق... }. ~~وقوله { يستغثيان الله } أى يلتمسان غوثه وعونه فى هداية هذا ~~الإنسان إلى الصراط المستقيم، والجملة فى محل نصب على الحال. ولفظ " ~~ويلك " فى الأصل، يقال فى الدعاء على شخص بالهلاك والتهديد. # والمراد به هنا حض المخاطب على الإيمان والطاعة لله رب العالمين. أى ~~هذا هو حال الإنسان العاق الجاحد، أما حال أبواه، فإنهما يفزعان لما ~~قاله وترتعش أفئدتهما لهذا التطاول والصدود عن الحق، فيلجآن إلى الله، ~~ويلتمسان منه - سبحانه - الهداية لابنهما، ويحضان هذا الابن على الإيمان ~~بوحدانية الله - تعالى -، وبالبعث والحساب والجزاء، فيقولان له { ~~ويلك آمن إن وعد الله حق } ولا خلف فيه، ولا راد له.. ~~والمتأمل فى هذه الجملة الكريمة يراها تصور لهفة الوالدين على إيمان ~~ولدهما أكمل تصوير، فهما يلتمسان ms4662 من الله له الهداية، ثم يهتفان بهذا ~~الابن العاق بفزع أن يترك هذا الجحود، وأن يبادر إلى الإيمان بالحق.. ~~ولكن الابن العاق يصر على كفره، ويلج فى جحوده { فيقول } فى الرد على ~~أبويه { ما هذآ إلا أساطير الأولين }. أى ما هذا الذى ~~تعداننى إياه من البعث والحساب والجزاء.. إلا أباطيل الأولين وخرافاتهم ~~التى سطروها فى كتبهم. فالأساطير جمع أسطورة، وهى ما سجله الأقدمون فى ~~كتبهم من خرافات وأكاذيب. وقوله { أولئك.. } اسم الإشارة هذا ~~يعود إلى العاقين المكذبين بالبعث والجزاء المذكورين فى قوله - تعالى - ~~قبل ذلك { والذي قال لوالديه أف لكمآ.. }. أى أولئك ~~القائلون ذلك، هم { الذين حق عليهم القول } أى وجب عليهم ~~العذاب الذى حكم به - سبحانه - على أمثالهم فى قوله - تعالى - لإبليس # لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين # كما يفيده قوله - سبحانه - بعد ذلك. { في أمم قد خلت من ~~قبلهم من الجن والإنس }. أى أولئك الذين وجب عليهم ~~العذاب، حالة كونهم مندرجين فى أمم قد مضت من قبلهم من طائفة الجن ومن ~~طائفة الإنس { إنهم } جميعا { كانوا خاسرين } لأنهم استحبوا ~~الكفر على الإيمان. ثم بين - سبحانه - مظهرا من مظاهر عدالته فى حكمه ~~بين عباده فقال { ولكل درجات مما عملوا ~~وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون }. والتنوين فى ~~قوله { ولكل } عوض عن المضاف إليه المحذوف، والجار والمجرور فى قوله ~~{ مما عملوا } صفة لقوله { درجات } ، و { من } بيانية، { ~~ما } موصولة. وقوله { وليوفيهم أعمالهم } علة لمحذوف.. ~~والمعنى ولك فريق من الفريقين فريق المؤمنين المعبر عنهم بقوله - تعالى - # أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا.. # وفريق الكافرين المعبر عنهم بقوله - تعالى - { أولئك الذين ~~حق عليهم القول.. }. لكل فريق من هؤلاء وهؤلاء { درجات } ~~حاصلة من الذى عملوه من الخير والشر، وقد فعل - سبحانه - ذلك معهم، ~~ليوفيهم جزاء أعمالهم. { وهم } جميعا { لا يظلمون } شيئا، بل كل ~~فريق منهم يجازى على حسب عمله. كما قال - تعالى - # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # ثم بين - سبحانه - ما سيكون عليه الكافرون يوم ms4663 القيامة من حال سيئة فقال ~~{ ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم ~~طيباتكم في حياتكم الدنيا. # . }. والظرف متعلق بمحذوف تقديره اذكر. وقوله { يعرض } من العرض ~~بمعنى الوقوف على الشئ، وتلقى ما يترتب على هذا الوقوف على هذا الشئ من ~~خير أو شر. والمراد بالعرض على النار هنا مباشرة عذابها، وإلقائهم فيها، ~~ويشهد لهذا قوله - تعالى - بعد ذلك # ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس ~~هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا ~~العذاب بما كنتم تكفرون # قال الآلوسى قوله { ويوم يعرض الذين كفروا على ~~النار }. أى يعذبون بها، من قولهم عرض بنو فلان على السيف، إذا ~~قتلوا به، وهو مجاز شائع.. وقوله { أذهبتم.. } إلخ مقول لقول ~~محذوف. وهذا اللفظ قرأه ابن كثير وابن عامر { أأذهبتم } بهمزتين على ~~الاستفهام الذى هو للتقريع والتوبيخ، وقرأه الجمهور { أذهبتم } بهمزة ~~واحدة على الخبر من غير استفهام. أى واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ، ~~يوم يقف الذين كفروا على النار، فيرون سعيرها ثم يلقون فيها، ويقال لهم - ~~على سبيل الزجر والتأنيب - { أذهبتم طيباتكم في ~~حياتكم الدنيا } أى ضيعتم وأتلفتم الطيبات التى أنعم الله بها ~~عليكم فى حياتكم الدنيا، حيث { استمتعتم بها } استمتاعا دنيويا ~~دون أن تدخروا للآخرة منها شيئا.. { فاليوم تجزون عذاب ~~الهون } أى تجزون عذاب الهون والخزى والذل. { بما كنتم ~~تستكبرون في الأرض بغير الحق } أى بسبب استكبارهم فى ~~الأرض بغير الحق.. { وبما كنتم تفسقون } أى وبسبب خروجكم فى ~~الدنيا عن طاعة الله - تعالى -، وعن هدى أنبيائه. وقيد - سبحانه - ~~استكبارهم فى الأرض بكونه بغير الحق، ليسجل عليهم هذه الرذيلة، وليبين ~~أنهم قوم دينهم التكبر والغرور وإيثار اتباع الباطل على الحق. قال الجمل ~~والحاصل أنه - تعالى - علل ذلك العذاب بأمرين أحدهما الاستكبار والترفع ~~وهو ذنب القلب. والثانى الفسق وهو ذنب الجوارح، وقدم الأول على الثانى، ~~لأن أحوال القلب أعظم وقعا من أعمال الجوارح. ثم انتقلت السورة الكريمة ~~بعد ذلك إلى الحديث عن مصارع الغابرين الذين كانوا أشد قوة وأكثر جمعا من ~~مشركى قريش، لكى يعتبروا بهم، ويقلعوا ms4664 عن كفرهم، حتى لا يكون مصيرهم ~~كمصير من سبقوهم فى الكفر والطغيان، فقال - سبحانه - { واذكر أخا ~~عاد... وما كانوا يفترون }. ### || [46.21-28] # والمقصود بقوله - تعالى - { أخا عاد } هود - عليه السلام - فقد ~~أرسله الله - تعالى - إلى قبيلة عاد، ليأمرهم بعبادة الله - تعالى -، ~~وكانوا قوما جبارين، فلم يستمعوا إلى نصحه، فكانت عاقبتهم الهلاك ~~والتدمير. وقد وردت قصته معهم فى سور متعددة، منها سورة الأعراف، وسورة ~~هود، وسورة الشعراء، وسورة الحاقة.. قال القرطبى ما ملخصه قوله - تعالى - ~~{ واذكر أخا عاد } هو هود بن عبد الله بن رباح، كان أخاهم فى ~~النسب لا فى الدين، إذ أنذر قومه بالأحقاف، والأحقاف ديار عاد.. وهى جمع ~~حقف - بكسر الحاء -، وهو ما استطال من الرمل العظيم واعوج، ولم يبلغ أن ~~يكون جبلا.. ويغلب على الظن أن مساكنهم كانت على مرتفعات من الأرض فى ~~شمال حضر موت، وعلى مقربة من المكان الذى يسمى الآن بالربع الخالى ~~غربى عمان.. والمعنى واذكر - أيها الرسول الكريم - لقومك ليعتبروا ~~ويتعظوا قصة هود - عليه السلام - وقت أن أنذر قومه، وهم يعيشون بتلك ~~الأماكن المرتفعة المسماة بالأحقاف. وقوله { وقد خلت النذر من ~~بين يديه ومن خلفه } جملة حالية من محل نصب. أى جاد هود ~~إلى قومه فأمرهم بإخلاص العبادة لله - تعالى - وحده، وخوفهم من سوء عاقبة ~~مخالفته، والحال أنه قد أخبرهم بأن الرسل الذين سبقوه، والذين يأتون من ~~بعده، كليهم قد بعثهم الله - تعالى - لهداية أقوامهم، ولعبادته - سبحانه ~~- وحده. فالنذر جمع نذير، والمراد بهم الرسل الذين يخوفون أقوامهم من سوء ~~عاقبة الإشراك مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة. والمراد بقوله { ~~من بين يديه ومن خلفه } الرسل السابقون عليه، والمتأخرون ~~عنه. ثم ذكر - سبحانه - جانبا من نصائح هود لقومه فقال { ألا ~~تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم ~~عظيم }. أى أنذرهم قائلا لهم إنى أحذركم من عبادة أحد سوى الله - ~~تعالى - وآمركم بإخلاص العبادة له - تعالى - وحده، لأنى أخاف عليكم عذاب ~~يوم هائل عظيم، وهو يوم القيامة، # يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا ms4665 من أتى الله ~~بقلب سليم # فأنت ترى أن هودا - عليه السلام - بجانب أنه قد أمر قومه بما يسعدهم، ~~فإنه قد بين لهم - أيضا - أنه ما حمله على هذا الأمر إلا خوفه عليهم، ~~وحرصه على نجاتهم من عذاب يوم القيامة. ولكن قومه لم يقابلوا ذلك بالطاعة ~~والإذعان، بل قابلوا دعوة نبيهم لهم بالإعراض والاستخفاف، وقد حكى ~~القرآن ذلك بقوله { قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا ~~فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين }. أى قال قوم ~~هود له - على سبيل الإنكار والسفاهة - أجئتنا بهذه الدعوة { ~~لتأفكنا عن آلهتنا } أى لتصرفنا وتبعدنا عن عبادة آلهتنا ~~التى ألفنا عبادتها يقال أفك فلان فلانا عن الشئ، إذا صرفه عنه. # ثم أضافوا إلى هذا الإنكار، إنكارا آخر مصحوبا بالتحدى والاستهزاء ~~فقالوا { فأتنا بما تعدنآ }. أى إن كان الأمر كما تقول فأتنا ~~بما تعدنا به من العذاب العظيم، { إن كنت من الصادقين } فيما ~~أخبرتنا به. وهكذا نلمس فى ردهم سوء الظن، وعدم الفهم، واستعجال العذاب، ~~والإصرار على الباطل الذى ألفوه.. ولكن هودا - عليه السلام - قابل كل ~~هذه الجهالات بالحلم والأناة، فرد عليهم بقوله { قال إنما ~~العلم عند الله.. } أى قال لهم إنما علم وقت نزول العذاب كم عند ~~الله - تعالى - وحده، ولا مدخل لى فى ذلك. وإنما أنا { وأبلغكم ~~مآ أرسلت به } إليكم من ربى وربكم، وتلك هى وظيفتى. ثم عقب على ~~هذا الرد بما يدل على حمقهم وغبائهم فقال { ولكني أراكم ~~قوما تجهلون }. أى أنا لا علم لى بوقت نزول العذاب عليكم، لأن ~~رسالتى محصورة فى التبليغ والإنذار.. وهذا كان يجب أن يكون مفهوما لديكم ~~لوضوحه.. ولكنى أراكم قوما تجهلون ما هو واضح، وتنكرون ما هو حق، وتصرون ~~على ما هو باطل، وتطالبوننى بما لا أملكه. ثم يجمل السياق بعد ذلك ما كان ~~بين هود وقومه من جدال طويل، ليصل إلى العذاب الذى استعجلوه فيقول { ~~فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا ~~هذا عارض ممطرنا... } والفاء فى قوله { فلما ~~رأوه... } فصيحة. والضمير فى قوله { رأوه } يعود إلى { ما ms4666 } فى ~~قوله - تعالى - قبل ذلك { فأتنا بما تعدنآ } والمراد به ~~العذاب. قال الشوكانى الضمير فى " رأوه " يرجع إلى " ما " فى قوله { ~~بما تعدنآ }. وقال المبرد والزجاج الضمير فى " رأوه " يعود إلى غير ~~مذكور، وبينه قوله { عارضا } ، فالضمير يعود إلى السحاب. أى فلما رأوا ~~السحاب عارضا، فعارضا نصب على التكرير، أى التفسير. وسمى الحساب عارضا ~~لأنه يبدو فى عرض السماء. قال الجوهرى العارض السحاب يعترض فى الأفق.. ~~والمعنى وأتى العذاب الذى استعجله قوم هود إليهم، فلما رأوه بأعينهم، ~~متمثلا فى سحاب يظهر فى أفق السماء، ومتجها نحو أوديتهم ومساكنهم. { ~~قالوا } وهم يجهلون أنه العذاب الذى استعجلوه { هذا عارض ~~ممطرنا } أى هذا سحاب ننتظر من ورائه المطر الذى ينفعنا.. قيل إنها ~~حبس عنهم المطر لفترة طويلة، فلما رأوا السحاب فى أفق السماء، استبشروا ~~وفرحوا وقالوا { هذا عارض ممطرنا }. وهنا جاءهم الرد على ~~لسان هود بأمر ربه، فقال لهم { بل هو ما استعجلتم به ريح ~~فيها عذاب أليم... }. أى قال لهم هود - عليه السلام - ليس الأمر ~~كما توقعتم من أن هذا العارض سحاب تنزل منه الأمطار عليكم، بل الحق أن ~~هذا العارض هو العذاب الذى استعجلتم نزوله، وهو يتمثل فى ريح عظيمة تحمل ~~العذاب المهلك الأليم لكم. # فقوله { ريح } يصح أن يكون بدلا من " ما " أو من " هو " فى قوله { ~~بل هو ما استعجلتم } كما يصح أن يكون خبر المبتدأ محذوف، ~~وجملة { فيها عذاب أليم } صفة لقوله { ريح }. ثم وصف - سبحانه ~~- هذا الريح بصفة أخرى فقال { تدمر كل شيء بأمر ~~ربها.. }. أى هذه الريح التى أرسلها الله - تعالى - عليهم، من صفاتها ~~أنها تدمر وتهلك كل شئ مرت به يتعلق بهؤلاء الظالمين من نفس أو مال أو ~~غيرهما.. والتعبير بقوله { بأمر ربها } لبيان أنها لم تأتهم من ~~ذاتها، وإنما أتتهم بأمر الله - تعالى - وبقضائه وبمشيئته. والفاء فى ~~قوله { فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم } فصيحة - أيضا -. ~~أى هذه الريح أرسلناها عليهم فدمرتهم، فصار الناظر إليهم لا يرى شيئا من ~~آثارهم سوى مساكنهم، لتكون هذه المساكن ms4667 عبرة لغيرهم. قال الجمل وقوله { ~~لا يرى إلا مساكنهم } قرأ حمزة وعاصم { لا يرى } بضم ~~الياء على البناء للمفعول، ومساكنهم بالرفع لقيامه مقام الفاعل. والباقون ~~من السبعة بفتح تاء الخطاب - على البناء للفاعل - و { مساكنهم } ~~بالنصب على أنه مفعول به.. وقوله { كذلك نجزي القوم ~~المجرمين } أى مثل ذلك الجزاء المهلك المدمر، نجازى القوم الذين من ~~دأبهم الإجرام والطغيان. وهكذا طوى - سبحانه - صفحة أولئك الظالمين من ~~قوم هود - عليه السلام - وما ظلمهم - سبحانه - ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. ~~ولم تكتف السورة الكريمة بعرض مصارع هؤلاء المجرمين، الذين لا يخفى أمرهم ~~على المشركين المعاصرين للنبى - صلى الله عليه وسلم - بل أخذت فى تذكير ~~هؤلاء المشركين، بما يحملهم على الزيادة من العظة والعبرة لو كانوا ~~يعقلون، فقال - تعالى - { ولقد مكناهم فيمآ إن ~~مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا ~~وأفئدة }. و " ما " فى قوله { فيمآ إن مكناكم فيه } ~~موصولة. و " إن " نافية. أى والله لقد مكنا قوم هود وغيرهم من الأقوام ~~السابقين عليكم - يا أهل مكة فى الذى لم نمكنكم فيه، بأن جعلناهم أشد ~~منكم قوة، وأكثر جمعا، وأعطيناهم من فضله أسماعا وأبصارا وأفئدة. ~~فالمقصود من الآية بيان أن المشركين السابقين، أعطاهم الله - تعالى - من ~~الأموال والأولاد والقوة.. أكثر مما أعطى الكافرين المعاصرين للنبى - صلى ~~الله عليه وسلم -. ولكن هؤلاء الطغاة السابقين لما لم يشكروا الله - ~~تعالى - على نعمه كانت عاقبتهم الهلاك، كما يدل عليه قوله - سبحانه - بعد ~~ذلك { فمآ أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا ~~أفئدتهم من شيء. # . }. أى أعطيناهم من النعم ما لم نعطكم يا أهل مكة، ولكنهم لما لم ~~يشكرونا على نعمنا، ولم يستعملوها فى طاعتنا، أخذناهم أخذ عزيز مقتدر، ~~دون أن تنفعهم شيئا أسماعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم، حين نزل بهم ~~عذابنا، بل كل ما بين أيديهم من قوة ومن نعم ذهب أدراج الرياح وصار معهم ~~هباء منثورا. و " من " فى قوله { من شيء } لتأكيد عدم الإغناء. أى ~~ما أغنت عنهم شيئا حتى ولو كان هذا الشئ فى غاية القلة والحقارة. ms4668 ثم بين ~~- سبحانه - أن ما أصابهم من دمار كان بسبب جحودهم للحق واستهزائهم به، ~~فقال { إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزئون }. أى هذا الهلاك والدمار الذى حاق بهم، ~~كان بسبب جحودهم لآيات الله الدالة على وحدانيته وكمال قدرته، واستهزائهم ~~بما جاءهم به رسلهم من الحق. ومن الآيات القرآنية التى وردت فى هذا ~~المعنى، قوله - تعالى - # فأهلكنآ أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين # وقوله - سبحانه - # أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد ~~قوة وآثارا في الأرض فمآ أغنى عنهم ما كانوا ~~يكسبون # ثم أضاف - سبحانه - إلى هذا التذكير والتخويف للمشركين، تذكيرا وتخويفا ~~آخر، فقال { ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى } أى ~~والله لقد أهلكنا ما حولكم يا أهل مكة من القرى الظالمة، كقوم هود وصالح ~~وغيرهم. { وصرفنا الآيات } أى كررناها ونوعناها بأساليب مختلفة { ~~لعلهم يرجعون } عما كانوا عليه من الشرك والفجور، ولكنهم لم ~~يرجعوا عما كانوا فيه من ضلال وبغى، فدمرناهم تدميرا.. { فلولا ~~نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة ~~} أى فهلا نصرهم ومنعهم من الهلاك. هؤلاء الآلهة الذين اتخذوهم من دون ~~الله قربانا يتقربون بهم إليه - سبحانه - كما قالوا # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # " فلولا " هنا حرف تحضيض بمعنى " هلا " والمفعول الأول لاتخذوا محذوف أى ~~الذين اتخذوهم، و { آلهة } هو المفعول الثانى، و " قربانا " حال. وهو ~~كل ما يتقرب به إلى الله - تعالى - من طاعة أو نسك. والجمع قرابين. وقوله ~~- تعالى - { بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا ~~يفترون } إضراب انتقالى عن نفى النصرة إلى ما هو أشد من ذلك. أى أن ~~هؤلاء الآلهة لم يكتفوا بعدم نصر أولئك الكافرين، بل غابوا عنهم وتركوهم ~~وحدهم، ولم يحضروا إليهم.. وذلك الغياب الذى حدث من آلهتهم عنهم. مظهر من ~~مظاهر كذب هؤلاء الكافرين وافترائهم على الحق فى الدنيا. حيث زعموا أن ~~هذه الآلهة الباطلة ستشفع لهم يوم القيامة، وقالوا - كما حكى القرآن عنهم ~~- # هؤلاء شفعاؤنا عند ms4669 الله... # وها هم اليوم لا يرون آلهتهم، ولا يجدون لهم شيئا من النفع. وبعد هذا ~~التذكير والوعيد للكافرين، بين - سبحانه - جانبا من مظاهر تكريمه لنبيه ~~- صلى الله عليه وسلم - حيث أرسل له نفرا من الجن، يستمعون القرآن، ~~ويؤمنون به، فقال - تعالى - { وإذ صرفنآ إليك نفرا... في ~~ضلال مبين }. ### || [46.29-32] # قال القرطبى ما ملخصه قوله - تعالى - { وإذ صرفنآ إليك ~~نفرا من الجن... } هذا توبيخ لمشركى قريش. أى أن الجن سمعوا ~~القرآن فآمنوا به وعلموا أنه من عند الله، وأنتم معرضون مصرون على ~~الكفر.. قال المفسرون لما مات أبو طالب، خرج النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- إلى الطائف، يلتمس من أهلها النصرة، ويدعوهم إلى الإيمان.. أغروا به ~~سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويضحكون به.. فانصرف - صلى الله عليه وسلم - ~~عنهم، حتى إذا كان ببطن نخلة - وهو موضع بين مكة والطائف - قام يصلى من ~~الليل، فمر به نفر من جن نصيبين - وهو موضع قرب الشام - فاستمعوا إليه ~~وقالوا أنصتوا.. وهناك روايات أخرى كثيرة فى عدد هؤلاء الجن، وفى الأماكن ~~التى التقوا فيها مع النبى - صلى الله عليه وسلم - عليهم، وفيمن كان مع ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - خلال التقائه بهم.. ويبدو لنا من مجموع هذه ~~الروايات أن لقاء النبى - صلى الله عليه وسلم - بالجن قد تعدد، وأن هذه ~~الآيات تحكى لقاء معينا، وسورة الجن تحكى لقاء آخر. قال الآلوسى وقد أخرج ~~الطبرانى فى الأوسط، وابن مردويه عن الحبر، أى عن ابن عباس أنه قال صرفت ~~الجن إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرتين. وذكر الخفاجى أنه قد ~~دلت الأحاديث، على أن وفادة الجن كانت ست مرات، ويجمع بذلك اختلاف ~~الروايات فى عددهم، وفى غير ذلك. و " النفر " على المشهور - ما بين ~~الثلاة والعشرة من الرجال وهو مأخوذ من النفير، لأن الرجل إذا حزبه أمر ~~نفر بعض الناس الذين يهتمون بأمره لإغاثته. والمعنى واذكر - أيها الرسول ~~الكريم - لقومك، وقت أن صرفنا إليك، ووجهنا نحوك، نفرا من الجن، يستمعون ~~القرآن منك. { فلما حضروه } أى فحين حضروا ms4670 القرى، عند تلاوته ~~منك، أو فحين حضروا مجلسك { قالوا } على سبيل التناصح - { أنصتوا ~~} أى قال بعضهم لبعض اسكتوا لأجل أن نستمع إلى هذا القرآن، وهذا يدل على ~~سمو أدبهم وحرصهم على تلقى العلم. { فلما قضي } أى فحين انتهى ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قراءته. { ولوا إلى قومهم ~~منذرين } أى انصرفوا إلى قومهم ليخوفوهم من عذاب الله - تعالى - إذا ~~ما عصوه أو خالفوا أمره - سبحانه -. { قالوا يقومنآ إنا ~~سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى.. } أى وبعد أن انصرفوا ~~إلى قومهم منذرين، ووصلوا إليهم. قالوا لهم يا قومنا إنا سمعنا كتابا ~~عظيم الشأن، جليل القدر، أنزل من بعد نبى الله - تعالى - موسى - عليه ~~السلام -. # وهذا الكتاب { مصدقا لما بين يديه } أى مصدقا لما قبله ~~من الكتب وهو - أيضا - { يهدي إلى الحق } الذى لا يحوم حوله ~~الباطل، ويهدى - أيضا - { إلى طريق مستقيم } أى إلى طريق ~~قويم واضح يصل بأتباعه إلى السعادة. قال الآلوسى قوله { أنزل من ~~بعد موسى } ذكروه دون عيسى - عليهما السلام - لأنه متفق عليه عند ~~أهل الكتابين، ولأن الكتاب المنزل عليه أجل الكتب قبل القرآن، وكان عيسى ~~مأمورا بمعظم ما فيه أو بكله. وقال عطاء لأنهم كانوا على اليهودية، وهذا ~~القول يحتاج إلى نقل صحيح. وعن ابن عباس أن الجن لم تكن سمعت بعيسى، فلذا ~~قالوا ذلك. وفى هذا القول بعد، فإن اشتهار أمر عيسى، وانتشار أمر ~~دينه، أظهر من أن يخفى، لا سيما على الجن، ومن هنا قال أبو حيان إن هذا ~~لا يصح عن ابن عباس. ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما يدل على إيمانهم بما ~~سمعوه فقال { يقومنآ أجيبوا داعي الله... }. أى وقالوا ~~لقومهم - أيضا - يا قومنا أجيبوا داعى الله الذى دعاهم الى الحق وإلى ~~طريق مستقيم. { وآمنوا به } أى وآمنوا بهذا الرسول الكريم وبما جاء ~~من عند ربه. { يغفر لكم من ذنوبكم } أى أجيبوا داعى الله ~~وآمنوا به، يغفر لكم ربكم من ذنوبكم التى وقعتم فيها، ويبعدكم بفضله ~~ورحمته من عذاب أليم. والتعبير بقوله { من ذنوبكم ms4671 } يدل على حسن ~~أدبهم، وعلى أنهم يفوضون المغفرة إلى ربهم، فهو - سبحانه - إنشاء غفرها ~~جميعا، وإن شاء غفر بعضها. ثم ختموا الترغيب فى الإيمان بالترهيب من ~~الإصرار على الكفر والمعاصى فقالوا - كما حكى القرآن عنهم - { ومن ~~لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض }. أى ~~قالوا لقومهم إنكم إذا أجبتم داعى الله، غفر لكم - سبحانه - ذنوبكم أما ~~الذى يعرض عن هذا الداعى الصادق الأمين، فإنه لن يستطيع أن يفلت من عذاب ~~الله، ولن يقدر على الهرب من عقابه، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شئ، ولا ~~يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء. { وليس له من دونه ~~أوليآء } أى وليس لهذا المعرض من أنصار يستطيعون دفع عذاب الله ~~عنه. { أولئك } أى الذين لم يجيبوا داعى الله { في ضلال ~~مبين } أى فى ضلال واضح لا يخفى على أحد من العقلاء. هذا، ومن ~~الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآيات 1- أن رسالة النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - كانت إلى الإنس والجن، لأن هذه الآيات تحكى إيمان بعض الجن ~~به - صلى الله عليه وسلم - ودعوتهم غيرهم إلى الإيمان به. 2- أن هذه ~~الآيات تدل على أن حكم الجن كحكم الإنس فى الثواب واعقاب وفى وجوب العمل ~~بما أمرهم الله - تعالى - به وفى وجوب الانتهاء عما نهاهم عنه، لأن قوله ~~- تعالى - { يقومنآ أجيبوا داعي الله وآمنوا به ~~يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ~~ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض ~~وليس له من دونه أوليآء أولئك في ضلال ~~مبين }. # أقول هاتان الآيتان اللتان حكاهما الله - تعالى - على ألسنة بعض الجن ~~تدلان على ثواب المطيع، وعذاب العاصى. قال بعض العلماء ما ملخصه وقد دلت ~~آية أخرى على أن المؤمنين من الجن يدخلون الجنة وهى قوله - تعالى - فى ~~سورة الرحمن # ولمن خاف مقام ربه جنتان فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان # ويستأنس لهذا - أيضا - بقوله - تعالى - # لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن # فإنه يشير إلى أن فى الجنة جنا يطمثون النساء كالإنس. وبهذا يعلم أن ما ms4672 ~~ذهب إليه بعض العلماء، أنه يفهم من قوله - تعالى - { يقومنآ ~~أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ~~ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم } أن المؤمنين من الجن ~~لا يدخلون الجنة، وأن جزاء إيمانهم، وإجابتهم داعى الله، هو الغفران ~~وإجارتهم من العذاب الأليم فقط.. هذا الفهم إنما هو خلاف التحقيق، وأن ~~المؤمنين من الجن يدخلون الجنة.. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، ~~بتوبيخ المشركين على جهلهم وعدم تفكيرهم، وبين ما سيكونون عليه من خزى ~~يوم القيامة، وأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالصبر على أذاهم. فقال { ~~أولم يروا أن الله الذي خلق... إلا القوم ~~الفاسقون }. ### || [46.33-35] # والهمزة فى قوله { أولم يروا أن الله... } للاستفهام ~~الإنكارى، والواو للعطف على مقدر يستدعيه المقام... أى أبلغ العمى ~~والجهل بهؤلاء الكافرين، أنهم لم يروا ولم يعقلوا أن الله - تعالى - الذى ~~خلق السماوات والأرض بقدرته { ولم يعي بخلقهن } أى ولم يتعب ~~ولم ينصب بسبب خلقهن، من قولهم عيى فلان بالأمر - كفرح - إذا تعب، أو ~~المعنى ولم يعجز عن خلقهن ولم يتحير فيه، مأخوذ من قولهم عيى فلان بأمره، ~~إذا تحير ولم يعرف ماذا يفعل. وقوله { بقادر على أن يحيي ~~الموتى } فى محل رفع خبر { أن } ، والباء فى قوله - تعالى - { ~~بقادر } مزيدة للتأكيد. فالمقصود بالآية الكريمة توبيخ المشركين على ~~جهلهم وانطماس بصائرهم، حيث لم يعرفوا أن الله - تعالى - الذى أوجد ~~الكون، قادر على أن يعيدهم الى الحياة بعد موتهم. وأورد القرآن ذلك فى ~~أسلوب الاستفهام الإنكارى، ليكون تأنيبهم على جهلهم أشد. وقوله { بلى ~~إنه على كل شيء قدير } تقرير وتأكيد لقدرته - تعالى - ~~على إحياء الموتى، لأن لفظ { بلى } يؤتى به فى الجواب لإبطال النفى ~~السابق، وتقرير نقيضه، بخلاف لفظ { نعم } فإنه يقرر النفى نفسه. أى بلى ~~إنه - سبحانه - قادر على إحياء الموتى، لأنه - تعالى - على كل شئ قدير. ~~ثم كرر - سبحانه - التذكير للناس بأحوال الكافرين يوم الحساب ليعتبروا ~~ويتعظوا فقال { ويوم يعرض الذين كفروا على النار } ~~أى واذكر - أيها العاقل - يوم يلقى الذين كفروا فى النار، بعد مشاهدتها ms4673 ~~ورؤيتها.. ثم يقال لهم على سبيل الزجر والتهكم { أليس هذا ~~بالحق } أى أليس هذا العذاب كنتم تنكرونه فى الدنيا. قد ثبت عليكم ~~ثبوتا لا مفر لكم منه، ولا محيد لكم عنه.. { قالوا بلى وربنا ~~} أى قالوا فى الجواب.. بلى يا ربنا إن هذا العذاب حق، وإنكارنا له فى ~~الدنيا إنما كان عن جهل وغفلة وغرور منا.. فهم قد اعترفوا بأن الحساب حق، ~~والجزاء حق.. فى وقت لا ينفع فيه الاعتراف. ولذا جاء الرد عليهم بقوله - ~~تعالى - { قال } - سبحانه - { فذوقوا العذاب } أى فتذوقوا طعمه ~~الأليم، ووقعه المهين { بما كنتم تكفرون } أى بسبب كفركم ~~وجحودكم. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بأمر نبيه - صلى الله عليه ~~وسلم - بالصبر على مكرهم فقال { فاصبر كما صبر أولوا ~~العزم من الرسل }. أى إذا كان الأمر كما ذكرنا لك - أيها ~~الرسول الكريم - فاصبر على أذى قومك، كما صبر إخوانك أولو العزم من ~~الرسل، أى أصحاب الجد والثبات والصبر على الشدائد والبلاء.. وهم - على ~~أشهر الأقوال - نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد - صلوات الله عليهم جميعا ~~-. # وقوله { ولا تستعجل لهم } نهى منه - تعالى - لنبيه عن ~~استعجال العذاب لهم. أى ولا تستعجل لهم العذاب. فالمفعول محذوف للعلم ~~به.. ثم بين - سبحانه ما يدعو إلى عدم الاستعجال فقال { كأنهم ~~يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من ~~نهار.. }. أى اصبر - أيها الرسول - على أذى قومك كما صبر إخوانك أولو ~~العزم من الرسل. ولا تستعجل العذاب لهؤلاء الكافرين فإنه آتيهم لا ريب ~~فيه، وكأنهم عندما يرون هذا العذاب ويحل بهم، لم يلبثوا فى الدنيا إلا ~~وقتا قليلا وزمنا يسيرا، لأن شدة هذا العذاب تنسيهم كل متع الدنيا ~~وشهواتها. وقوله - تعالى - { بلاغ } خبر لمبتدأ محذوف أى هذا الذى ~~أنذرتكم به، أو هذا القرآن، بلاغ كاف فى وعظكم وإنذاركم إذا تدبرتم فيه، ~~وتبليغ من الرسول - صلى الله عليه وسلم إليكم. { فهل يهلك إلا ~~القوم الفاسقون } كلا، إنه لا يهلك بعذاب الله - تعالى - إلا ~~القوم الخارجون عن طاعته، الواقعون فى معصيته فالاستفهام للنفى.. وبعد ms4674 ~~فهذا تفسير لسورة " الأحقاف " نسأل الله أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا ~~لعباده. والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات. وصلى الله على سيدنا محمد ~~وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [47 - سورة محمد] ### || [47.1-3] # افتتحت سورة القتال بهذا الذم الشديد للكافرين، وبهذا الثناء العظيم على ~~المؤمنين. افتتحت بقوله - سبحانه - { الذين كفروا وصدوا عن ~~سبيل الله أضل أعمالهم والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو ~~الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح ~~بالهم }. وقوله { الذين كفروا }.. مبتدأ، خبره قوله - سبحانه ~~- { أضل أعمالهم }. والمراد بهم كفار قريش، الذين أعرضوا عن ~~الحق وحرضوا غيرهم على الإعراض عنه. فقوله { صدوا } من الصد بمعنى ~~المنع، والمفعول محذوف. وقوله { أضل أعمالهم } أى أبطلها ~~وأحبطها وجعلها ضائعة ذاهبة لا أثر لها ولا وجود، والمراد بهذه الأعمال ~~ما كانوا يعملونه فى الدنيا من عمل حسن، كإكرام الضيف، وبرد الوالدين، ~~ومساعدة المحتاج. أى الذين كفروا بالله - تعالى - وبكل ما يجب الإيمان ~~به، ومنعوا غيرهم من اتباع الدين الحق الذى أمر الله - تعالى - باتباعه { ~~أضل } - سبحانه - أعمالهم، بأن جعلها ذاهبة ضائعة غير مقبولة عنده. ~~كما قال - تعالى - # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # قال صاحب الكشاف { أضل أعمالهم } أى أبطلها وأحبطها وحقيقته، ~~جعلها ضالة ضائعة ليس لها من يتقبلها ويثيب عليها، كالضالة من الإبل، ~~التى هى مضيعة لا رب لها يحفظها ويعتنى بأمرها، أو جعلها ضالة فى كفرهم ~~ومعاصيهم، ومغلوبة بها، كما يضل الماء اللبن. وأعمالهم ما كانوا يعملونه ~~فى كفرهم بما يسمونه مكارم من صلة الأرحام، وفك الأسرى. وقيل أبطل ما ~~عملوه من الكيد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصد عن سبيل الله، ~~بأن نصره عليهم وأظهر دينه على الدين كله. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما ~~أعده للمؤمنين من ثواب فقال { والذين آمنوا وعملوا } ~~الأعمال { الصالحات } التى توافر فيها الإخلاص والاتباع لهدى ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقوله { وآمنوا بما نزل على ~~محمد } من باب عطف الخاص على العام، فقد أفرده بالذكر مع أنه ms4675 داخل ~~فى الإيمان والعمل الصالح، للإشارة إلى أنه شرط فى صحة الإيمان، ~~وللإشعار بسمو مكانة هذا المنزل عليه - صلى الله عليه وسلم - وبعلو ~~قدره. وقوله { وهو الحق من ربهم } جملة معترضة، لتأكيد ~~حقية هذا المنزل على النبى - صلى الله عليه وسلم - وتقرير كماله وصدقه. ~~أى وهذا المنزل على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو الحق الكائن من ~~عند الله - تعالى - رب العالمين، لا من عند أحد سواه. وقوله { كفر ~~عنهم سيئاتهم } خبر الموصول، أى والذين آمنوا وعملوا الأعمال ~~الصالحة، محا عنهم - سبحانه - ما عملوه من أعمال سيئة، ولم يعاقبهم ~~عليها، فضلا منه وكرما. # فقوله { كفر } من الكفر بمعنى الستر والتغطية، يقال كفر الزارع ~~زرعه إذا غطاه، وستره حماية له مما يضره. والمراد به هنا المحو والإزالة ~~على سبيل المجاز. وقوله { وأصلح بالهم } معطوف على ما قبله. أى ~~محا عنهم بسبب إيمانهم وعملهم الصالح، ما اقترفوه من سيئات، كما قال - ~~تعالى - # إن الحسنات يذهبن السيئات # ولم يكتف - سبحانه - بذلك، بل وأصلح أحوالهم وأمورهم وشئونهم، بأن وفقهم ~~للتوبة الصادقة فى الدنيا، وبأن منحهم الثواب الجزيل فى الآخرة. فالمراد ~~بالبال هنا الحال والأمر والشأن. قال القرطبى والبال كالمصدر، ولا يعرف ~~منه فعل، ولا تجمعه العرب إلا فى ضرورة الشعر، فيقولون فيه بالات.. وهذه ~~الجملة الكريمة وهى قوله { وأصلح بالهم } نعمة عظمى لا يحس بها ~~إلا من وهبه الله - تعالى - إياها، فإن خزائن الأرض لا تنفع صاحبها إذا ~~كان مشتت القلب، ممزق النفس، مضطرب المشاعر والأحوال. أما الذى ينفعه فهو ~~راحة البان. وطمأنينة النفس، ورضا القلب، والشعور بالأمان والسلام. ~~والإشارة فى قوله { ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا ~~الباطل.. } تعود إلى ما مر من ذم الكافرين، ومدح المؤمنين. أى ذلك ~~الذين حكمنا به من ضلال أعمال الكافرين، ومن إصلاح بال المؤمنين، سببه أن ~~الذين كفروا اتبعوا فى دنياهم الطريق الباطل الذى لا خير فيه ولا فلاح. ~~وأن الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحاة فى دنياهم، اتبعوا طريق الحق ~~الكائن من ربهم. فالمراد بالباطل هنا. الكفر وما ms4676 يتبعه من أعمال قبيحة، ~~والمراد بالحق الإيمان والعمل الصالح. وقوله { ذلك } مبتدأ، وخبره ما ~~بعده. وقوله { كذلك يضرب الله للناس أمثالهم } أى ~~مثل ذلك البيان الرائع الحكيم، يبين الله - تعالى - للناس أحوال ~~الفريقين، وأوصافهما الجارية فى الغرابة مجرى الأمثال، وهى اتباع ~~المؤمنين الحق وفوزهم، واتباع الكافرين الباطل وخسرانهم. قال صاحب ~~الكشاف فإن قلت أين ضرب الأمثال؟ قلت فى جعل اتباع الباطل مثلا لعمل ~~الكفار، واتباع الحق مثلا لعمل المؤمنين، أو فى أن جعل الإضلال مثلا ~~لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثلا لفوز المؤمنين ". ثم أرشد الله - ~~تعالى - المؤمنين إلى ما يجب عليهم فعله عند لقائهم لأعدائهم، وبعد ~~انتصارهم عليهم، كما بين لهم الحكمة من مشروعية القتال. والجزاء الحسن ~~الذى أعده للمجاهدين، فقال - تعالى - { فإذا لقيتم الذين... ~~عرفها لهم }. ### || [47.4-6] # والفاء فى قوله - تعالى - { فإذا لقيتم } لترتيب ما بعدها من ~~إرشاد المؤمنين إلى ما يجب عليهم فعله عند قتل أعدائهم، على ما قبلها وهو ~~بيان حال الكفار. فالمراد باللقاء هنا القتال لا مجرد اللقاء والرؤية. ~~كما أن المراد بالذين كفروا هنا المشركون وكل من كان على شاكلتهم ممن ليس ~~بيننا وبينهم عهد بل بيننا وبينهم حرب وقتال. وقوله - سبحانه - { ~~فضرب الرقاب } أمر للمؤمنين بما يجب فعله عند لقائهم لأعدائهم. ~~وقوله { فضرب } منصوب على أنه مصدر لفعل محذوف. أى فإذا كان حال ~~الذين كفروا كما ذكرت لكم من إحباط أعمالهم بسبب اتباعهم الباطل وإعراضهم ~~عن الحق، فإذا لقيتموهم للقتال، فلا تأخذكم بهم رأفة، بل اضربوا رقابهم ~~ضربا شديدا. والتعبير عن القتل بقوله { فضرب الرقاب } ، لتصويره ~~فى أفظع صوره. ولتهويل أمر القتال، ولإرشاد المؤمنين إلى ما يجب عليهم ~~فعله. قال صاحب الكشاف قوله { لقيتم } من اللقاء وهو الحرب { ~~فضرب الرقاب } أصله فاضربوا الرقاب ضربا، فحذف الفعل وقدم ~~المصدر، فأنيب منابه مضافا إلى المفعول، وفيه اختصار مع إعطاء معنى ~~التوكيد، لأنك تذكر المصدر، وتدل على الفعل بالنصبة التى فيه. وضرب ~~الرقاب عبارة عن القتل.. وذلك أن قتل الإنسان أكثر ما يكون بضرب رقبته، ~~فوقع عبارة ms4677 عن القتل، وإن ضرب بغير رقبته من المقاتل. على أن فى هذه ~~العبارة من الغلظة والشدة، ما ليس فى لفظ القتل، لما فيها من تصوير القتل ~~بأشنع صورة، وهو حز العنق، وإطارة العضو الذى هو رأس البدن. وقوله - ~~سبحانه - { حتى إذآ أثخنتموهم فشدوا الوثاق } بيان ~~لما يكون من المؤمنين بعد مثل حركة أعدائهم، وإنزال الهزيمة بهم. وقوله { ~~أثخنتموهم } من الإثخان بمعنى كثرة الجراح، مأخوذ من الشئ ~~الثخين، أى الغليظ، يقال أثخن الجيش فى عدوه، إذا بالغ فى إنزال الجراحة ~~الشديدة به، حتى أضعفه وأزال قوته. والوثاق - بفتح الواو وكسرها - اسم ~~للشئ الذى يوثق به الأسير كالرباط أى عند لقائكم - أيها المؤمنون - ~~لأعدائكم، فاضربوا أعناقهم، فإذا ما تغلبتم عليهم وقهرتموهم، وأنزلتم بهم ~~الجراح التى تجعلهم عاجزين عن مقاومتكم، فأحكموا قيد من أسرتموه منهم، ~~حتى لا يستطيع التفلت أو الهرب منكم. وقوله - سبحانه - { فإما منا ~~بعد وإما فدآء } إرشاد لما يفعلونه بعد ذلك. والمن الإطلاق ~~بغير عوض، يقال من فلان على فلان إذا أنعم عليه بدون مقابل. والفداء ما ~~يقدمه الأسير من أموال أو غيرها لكى يفتدى بها نفسه من الأسر. وقوله { ~~منا } و { فدآء } منصوبان على المصدرية بفعل محذوف أى فإما تمنون ~~عليهم بعد الأسر منا بأن تطلقوا سراحهم بدون مقابل، وإما أن تفدوا فداء ~~بأن تأخذوا منهم فدية فى مقابل إطلاق سراحهم. # وقوله - سبحانه - { حتى تضع الحرب أوزارها } غاية لهذه ~~الأوامر والإرشادات. وأوزار الحرب آلاتها وأثقالها التى لا تقوم إلا ~~بها، كالسلاح وما يشبه. قال الشاعر # وأعددت للحرب أوزارها رماحا طوالا وخيلا ذكورا # أى افعلوا بهم ما أمرناكم بفعله، واستمروا على ذلك حتى تنتهى الحرب التى ~~بينكم وبين أعدئاكم بهزيمتهم وانتصاركم عليهم. وسميت آلات الحرب وأحمالها ~~بالأوزار، لأن الحرب لما كانت لا تقوم إلا بها، فكأنها تحملها وتستقل ~~بها، فإذا انقضت الحرب فكأنها وضعت أحمالها وانفصلت عنها. ثم بين - ~~سبحانه - الحكمة من مشروعية قتال الأعداء، مع أنه - سبحانه - قادر على ~~إهلاك هؤلاء الأعداء، فقال { ذلك ولو يشآء الله لانتصر ~~منهم ms4678 ولكن ليبلوا بعضكم ببعض }. واسم الإشارة ~~خبر لمبتدأ محذوف، أى الأمر ذلك، أو فى محل نصب على المفعولية بفعل ~~محذوف، أى افعلوا ذلك الذى أمرناكم به وأرشدناكم إليه واعلموا أنه - ~~سبحانه - لو يشاء الانتصار من هؤلاء الكافرين والانتقام منهم لفعل، أى لو ~~يشاء إهلاكهم لأهلكم، ولكنه - سبحانه - لم يفعل ذلك بل أمركم بمحاربتهم ~~ليختبر بعضكم ببعض، فيتميز عن طريق هذا الاختبار والامتحان، قوى الإيمان ~~من ضعيفه. كما قال - تعالى - # ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ~~والصابرين ونبلوا أخباركم # ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما أعده للمجاهدين من ثواب عظيم فقال { ~~والذين قتلوا في سبيل الله } أى والذين استشهدوا وهم ~~يقاتلون من أجل إعلاء كلمة الله. { فلن يضل أعمالهم } أى فلن ~~يضيع أعمالهم ولن يبطلها. بل { سيهديهم } أى بل سيوصلهم إلى طريق ~~السعادة والفلاح. { ويصلح بالهم } أى ويصلح أحوالهم وشئونهم ~~وقلوبهم. { ويدخلهم الجنة عرفها لهم } أى ويدخلهم ~~بعد كل ذلك الجنة يوم القيامة ويهديهم إلى بيوتهم ومساكنهم فيها، بحيث لا ~~يخطئونها، حتى لكأنهم يقيمون فيها منذ خلقوا، وذلك كله بإلهام من الله - ~~تعالى - لهم. قال الآلوسى ما ملخصه { عرفها لهم } هذا التعريف فى ~~الآخرة. قال مجاهد يهدى أهل الجنة إلى بيوتهم ومساكنهم، وحيث قسم الله - ~~تعالى - لهم منها، لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا... وذلك بإلهام منه ~~- عز وجل -. وورد فى بعض الآثار أن حسناته تكون دليلا له على منزلته ~~فيها، وقيل إنه - تعالى - رسم على كل منزل اسم صاحبه وهو نوع من التعريف. ~~وقيل معنى عرفها لهم. طيبها لهم من العرف وهو الرائحة الطيبة، ومنه طعام ~~معرف، أى مطيب. وعن الجبائى أن التعريف فى الدنيا، وهو يذكر أوصافها، ~~والمراد أنه - سبحانه - لم يزل يمدحها لهم، حتى عشقوها، فاجتهدوا فى فعل ~~ما يوصلهم إليها.. هذا ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما ~~يأتى 1- وجوب قتال الكافرين بكل شدة وقوة، حتى تضعف شوكتهم، وتدول ~~دولتهم، ويخضعوا لحكم شريعة الإسلام فيهم. # وفى هذه المعنى وردت آيات كثيرة، منها قوله - تعالى - # يأيها النبي ms4679 جاهد الكفار والمنافقين واغلظ ~~عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير # 2- أخذ بعض العلماء من قوله - تعالى - { فإما منا بعد ~~وإما فدآء حتى تضع الحرب أوزارها } أن الأسير من ~~الأعداء يدور أمره بين هاتين الحالتين إما أن نطلق سراحه بدون مقابل، ~~وإما أن نطلق سراحه فى مقابل فدية معينة نأخذها منه، وقد تكون هذه الفدية ~~مالا، أو عملا، أو غير ذلك مما فيه منفعة للمسلمين. ويرى بعض العلماء أن ~~هذه الآية منسوخة بقوله - تعالى - # فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم ~~كل مرصد # ويرى المحققون من العلماء أن هذه الآية، وهى قوله - تعالى - { فإما ~~منا بعد وإما فدآء }. تحكى حالات معينة يكون امر الأسرى ~~فيها دائرا بين المن والفداء، لأنهما من مصلحة المسلمين، وهناك حالات ~~أخرى يكون الأصلح فيها قتل الأعداء، أو استرقاقهم. فمسألة الأسرى من ~~الأعداء، يكون الحكم فيها على حسب ما تقتضيه مصلحة المسلمين، ومرجع الحكم ~~فيها إلى البصراء بالحرب وبوضع خططها، لأنهم أعرف الناس بكيفية معاملة ~~الأسرى. وهذا الرأى الأخير هو الذى تطمئن إليه النفس، لأنه الثابت من فعل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن أفعال أصحابه، ولأن ذكر المن ~~والفداء لا ينافى جواز غيره كالقتل - مثلا - لأن هذا الغير مفهوم من آيات ~~أخرى ذكرت هذا الحكم فى أوقات وحالات معينة. وقد رجح هذا الرأى كثير من ~~العلماء، منهم الإمام ابن جرير، فقد قال ما ملخصه - بعد أن ساق جملة من ~~الأقوال - والصواب من القول عندنا فى ذلك، أن هذه الآية محكمة غير منسوخة ~~لأنه غير مستنكر أن يكون جعل الخيار من المن والقتل والفداء إلى الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - وإلى القائمين بعده بأمر الأمة. وإن لم يكن القتل ~~مذكورا فى هذه الآية، لأنه قد أذن - سبحانه - بقتلهم فى آيات أخرى منها # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # وقد فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - كل ذلك، مع الأسرى ففى بدر قتل ~~عقبة بن أبى معيط. وأخذ الفداء من غيره.. ومن على ثمامة بن ms4680 أثال ~~الحنفى وهو أسير فى يده. وقال القرطبى - بعد أن ذكر أربعة أقوال - الخامس ~~أن الآية محكمة، والإمام مخير فى كل حال. وبهذا قال كثير من العلماء ~~منهم ابن عمر، والحسن وعطاء، وهو مذهب مالك والشافعى والثورى والأوزاعى.. ~~وغيرهم، وهو الاختيار لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء ~~الراشدين فعلوا كل ذلك. # فقد قتل النبى - صلى الله عليه وسلم - فى بدر النضر بن الحارث. وأخذ ~~الفداء من أسارى بدر.. وقد من على سبى هوزان، وهذا كله ثابت فى ~~الصحيح. وقال بعض العلماء ما ملخصه وما نحسبنا مخطئين إذ قلنا إن الذى ~~كان من النبى - صلى الله عليه وسلم - من الأعمال المختلفة، كان نزولا على ~~مقتضى المصلحة، ولذلك نراه كان يجتهد فى تعرف وجوه المصلحة، فيستشير ~~أصحابه. ولو كان الأمر أمر خطة مرسومة، واحدا لا يتخطى. ما كان هناك معنى ~~للاستشارة، ولا للنزول على رأى بعض أصحابه، ولما خالف فى الحرب الواحدة ~~بين أسير وأسير، فقتل هذا، وأخذ الفداء من هذا. ومن على هذا. وإذا ~~فالمصلحة العامة وحدها المحكمة، وهى الخطة التى تتبع فى الحروب، خصوصا ~~والحرب مكر وخديعة، ما دامت مكر أو خديعة فليترك للماكرين وضع خطط المكر ~~والخديعة ولا يرسم لهم كيف يمكرون، وإلا ما كانوا ماكرين. 3- بشارة ~~الشهداء بالثواب الجزيل، وبالأجر العظيم، ويكفى لذلك قوله - تعالى - { ~~والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم ~~سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة ~~عرفها لهم }. وقد ذكر الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات ~~جملة من الأحاديث منها ما أخرجه الإمام أحمد عن قيس الجذامى قال قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " يعطى الشهيد ست خصال عند أول قطرة من دمه يكفر عنه كل خطيئة، ويرى ~~مقعده من الجنة، ويزوج من الحور العين، ويؤمن من الفزع الأكبر، ومن عذاب ~~القبر، ويحلى حلة الإيمان ". # ثم وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين بشرهم بنصره متى نصروا دينه، وتوعد ~~الكافرين بالخيبة والخسران، ووبخهم على عدم تدبرهم فى مصير الذين من ~~قبلهم، وسلى النبى - صلى الله ms4681 عليه وسلم - عما أصابه من أعدائه، فقال - ~~تعالى - { يأيها الذين آمنوا إن تنصروا... فلا ~~ناصر لهم }. ### || [47.7-13] # والمراد بنصر المؤمنين لله - تعالى - نصرهم لدينه، بأن يستقيموا على ~~أمره ويتبعوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى كل ما أمرهم به أو نهاهم ~~عنه. والمعنى يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإيمان، إن تنصروا دين ~~الله - عز وجل - وتتبعوا رسوله، { ينصركم } - سبحانه - على أعدائكم ~~{ ويثبت أقدامكم } عند قتالكم إياهم ويوفقكم بعد ذلك للثبات ~~على دينه، والشكر على نعمه. وفى معنى هذه الآية، وردت آيات كثيرة، منها ~~قوله - تعالى - # ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز # وقوله - سبحانه - # وكان حقا علينا نصر المؤمنين # وقوله - عز وجل - # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد # وبعد هذا النداء الذى يحمل أكرم البشارات للمؤمنين، ذم - سبحانه - ~~الكافرين ذما شديدا، فقال { والذين كفروا فتعسا لهم ~~وأضل أعمالهم }. والاسم الموصول مبتدأ وخبره محذوف، و { ~~تعسا } منصوب على المصدر بفعل مضمر من لفظه، واللام فى قوله { لهم ~~} لتبيين المخاطب، كما فى قولهم سقيا له، أى أعنى له يقال تعس فلان - من ~~باب منع وسمع - بمعنى هلك. قال القرطبى ما ملخصه وقوله { تعسا لهم ~~} نصب على المصدر بسبيل الدعاء، مثل سقيا له.. وفيه عشرة أقوال الأول ~~بعدا لهم. الثانى حزنا لهم.. الخامس هلاكا لهم.. يقال تعسا لفلان، أى ~~ألزمه الله هلاكا. ومنه الحديث الشريف # " تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة. إن أعطى رضى، وإن لم يعط لم يرض ". # وفى رواية # " تعس وانتكس، وإذا شيك - أى أصابته شوكة - فلا انتقش " # أى فلا شفى من مرضه. والمعنى والذين كفروا فتعسوا تعسا شديدا، وهلكوا ~~هلاكا مبيرا، وأضل الله - تعالى - أعمالهم، بأن أحبطها ولم يقبلها منهم، ~~لأنهم صدرت عن نفوس أشركت مع خالقها ورازقها آلهة أخرى فى العبادة. فقوله ~~{ وأضل أعمالهم } معطوف على الفعل المقدر الذى نصب به لفظ " ~~تعسا " ودخلت الفاء على هذا اللفظ، تشبيها للاسم الموصول بالشرط. ثم بين ~~- سبحانه - الأسباب التى أدت بهم إلى الخسران والضلال فقال ms4682 { ذلك ~~بأنهم كرهوا مآ أنزل الله فأحبط أعمالهم }. ~~أى ذلك الذى حل بهم من التعاسة والإضلال بسبب أنهم كرهوا ما أنزله - ~~تعالى - على رسوله - صلى الله عليه وسلم - من قرآن يهدى إلى الرشد، فكانت ~~نتيجة هذه الكراهية، أن أحبط الله أعمالهم الحسنة التى عملوها فى الدنيا ~~كإطعام وصلة الأرحام.. لأن هذه الأعمال لم تصدر عن قلب سليم، يؤمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. ثم وبخهم - سبحانه - على عدم ~~اعتبارهم بما فى هذا الكون من عبر وعظات فقال { أفلم يسيروا في ~~الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~}. # والهمزة للاستفهام التقريعى، والفاء معطوفة على مقدر، أى أقبعوا فى ~~مساكنهم فلم يسيروا فى جنبات الأرض، فيشاهدوا كيف كانت عاقبة المكذبين من ~~قبلهم كقوم عاد وثمود ولوط.. وغيرهم. وقوله { دمر الله عليهم ~~وللكافرين أمثالها } جملة مستأنفة، كأنه قيل كيف كانت عاقبة ~~الذين من قبلهم؟ فكان الجواب دمر الله - تعالى - عليهم مساكنهم وأموالهم، ~~فالمفعول محذوف للتهويل والمبالغة فى الإهلاك، يقال دمر الله - تعالى - ~~الأعداء تدميرا، إذا أهلكهم إهلاكا شديدا. ودمر عليهم، أى أهلك ما يختص ~~بهم، وجاء هنا بكلمة " عليهم " لتضمين التدمير معنى الإيقاع أو الهجوم. ~~وقوله { وللكافرين أمثالها } وعيد وتهديد لهؤلاء الكافرين ~~المعاصرين للنبى - صلى الله عليه وسلم - أى هكذا كنت عاقبة المجرمين ~~السابقين، وللكافرين المعاصرين لك - أيها الرسول الكريم - السائرين على ~~درب سابقيهم فى الكفر والضلال والطغيان، أمثال تلك العاقبة السيئة. ~~فالضمير فى قوله - تعالى - { أمثالها } يعود إلى العاقبة المتقدمة. ~~وجمع - سبحانه - لفظ الأمثال باعتبار تعدد العذاب الذى نزل بالأمم ~~المكذبة السابقة. واسم الإشارة فى قوله - سبحانه - { ذلك بأن ~~الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى ~~لهم }. أى ذلك التدمير والإهلاك الذى حل بالمكذبين، بسبب أن الله - ~~تعالى - هو ولى المؤمنين وناصرهم ومؤيدهم... أما الكافرون فلا مولى لهم ~~ينصرهم أو يدفع عنهم ما حل بهم من دمار وخسران. فالمراد بالمولى هنا ~~الناصر والمعين، وأن نصرته - تعالى - هى للمؤمنين خاصة. ولا يناقض هذا ~~قوله - تعالى - فى آية أخرى # ثم ردوا ms4683 إلى الله... # لأن المراد بقوله { مولاهم الحق } إلههم الحق، ومالكهم الحق، ~~وخالقهم وخالق كل شئ. ثم بين - سبحانه - ما أعده للمؤمنين من ثواب عظيم، ~~وما أعده للكافرين من عذاب أليم، فقال { إن الله يدخل ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون.. } أى ~~يتمتعون وينتفعون بملاذ الدنيا أياما قليلة. { ويأكلون } مآكلهم ~~بدون تفكر أو تحر للحلال أو شكر لله { كما تأكل الأنعام } ~~طعامها الذى يلقيه إليها صاحبها. فالمقصود بالجملة الكريمة ذم هؤلاء ~~الكافرين، لشبههم بالأنعام التى لا تعقل، فى كونهم يأكلون طعامهم دون أن ~~يشكروا الله - تعالى - عليه، ودون أن يفرقوا بين الحلال والحرام، ودون أن ~~يرتفعوا بإنسانيتهم عن مرتبة الحيوان الأعجم. قال الآلوسى والمعنى أن ~~أكلهم مجرد عن الفكر والنظر، كما تقول للجاهل تعيش كما تعيش البهيمة، ~~فأنت لا تريد التشبيه فى مطلق العيش، ولكن فى خواصه ولوازمه. وحاصلة أنهم ~~يأكلون غافلين عن عواقبهم ومنتهى أمورهم. # وقوله { والنار مثوى لهم } بيان لسوء عاقبتهم فى الآخرة، بعد ~~بيان صورتهم القبيحة فى الدنيا. والمثوى اسم مكان لمحل إقامة الإنسان. ~~بأى والنار هى المكان المعد لنزولهم فيه يوم القيامة. ثم سلى - سبحانه - ~~نبيه عما أصابه منهم من أذى فقال { وكأين من قرية هي ~~أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم ~~فلا ناصر لهم }. وكلمة { كأين } مركبة من كاف التشبيه وأى ~~الاستفهامية المنونة، ثم هجر معنى جزأيها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم ~~الخبرية الدالة على التكثير، ويكنى بها عن عدد مبهم فتحتاج إلى تميز ~~بعدها. وهى مبتدأ.. وقوله { أهلكناهم } خبرها. و { من قرية ~~} تمييز لها. والمراد بالقرية أهلها، وهم مشركو قريش. أى وكم من أهل قرية ~~هم أشد قوة من أهل قريتك التى أخرجوك منها - أيها الرسول الكريم - فترتب ~~على فعلهم هذا أن أهلكناهم دون أن ينصرهم من عقابنا ناصر، أو أن يجيرهم ~~من عذابنا مجير. قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه وهذا تهديد ~~شديد ووعيد أكيد لأهل مكة، فى تكذيبهم لرسول الله - صلى الله عليه ms4684 وسلم - ~~وهو سيد المرسلين، وخاتم النبيين. روى ابن أبى حاتم، بسنده - عن ابن عباس ~~أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لما خرج من مكة إلى الغار، التفت إليها ~~وقال يا مكة أنت أحب بلاد الله إلى الله وأنت أحب بلاد الله إلى، ولو ~~أن المشركين لم يخرجونى لم أخرج منك.. فأنزل الله هذه الآية. ثم واصلت ~~السورة الكريمة حديثها فى الموازنة والمقارنة بين حال المؤمنين وحال ~~الكافرين. فقال - تعالى - { أفمن كان على بينة... فقطع ~~أمعآءهم }. ### || [47.14-15] # والاستفهام فى قوله - تعالى - { أفمن كان على بينة من ~~ربه } للإنكار والنفى، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه السياق، و " ~~من " مبتدأ، والخبر قوله { كمن زين له سوء عمله }. ~~والبينة ما يتبين به الحق من كل شئ، كالنصوص الصحيحة فى النقليات ~~والبراهين السليمة فى العقليات. والمراد بمن كان على بينة من ربه الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - وأتباعه، والمراد بمن زين له سوء عمله، واتبعوا ~~أهوائهم المشركون الذين استحبوا العمى على الهدى. والمعنى أفمن كان على ~~بينة من أمر ربه، وعلى طريقة سليمة من هديه، يستوى مع من كان على ضلالة ~~من أمره، بأن ارتكب الموبقات مع توهمه بأنها حسنات، واتبع هواه دون أن ~~يفرق بين القبيح والحسن؟ لا شك أنهما لا يستويان فى عقل أى عاقل. فإن ~~الفريق الأول مهتد فى منهجه وسلوكه، والفريق الثانى فى النقيض منه. ثم ~~أكد - سبحانه - هذا المعنى بأن بين مصير الفريقين فقال { مثل ~~الجنة التي وعد المتقون }. والمراد بالمثل هنا الصفة. ~~وهو مبتدأ، والكلام على تقدير الاستفهام الإنكارى، وتقدير مضاف محذوف، ~~والخبر قوله - تعالى - { كمن هو خالد في النار }. أى أمثل ~~أهل الجنة كمثل من هو خالد فى النار أو أمثل الجنة جزاء من هو خالد فى ~~النار، وقدر الاستفهام فى المبتدأ لأنه مرتب على الإنكار الساق فى قوله ~~{ أفمن كان على بينة من ربه }. ورحم الله - تعالى - ~~صاحب الكشاف، فقد قال فإن قلت ما معنى قوله - تعالى - { مثل ~~الجنة التي وعد المتقون فيهآ أنهار } كمن هو خالد ms4685 ~~فى النار؟ قلت هو كلام فى صورة الإثبات، ومعناه النفى والإنكار، ~~لانطوائه تحت حكم كلام مصدر بحروف الإنكار، ودخوله فى حيزه، وانخراطه فى ~~سلكه، وهو قوله - تعالى - { أفمن كان على بينة من ~~ربه كمن زين له سوء عمله.. }؟ فكأنه قيل أمثل الجنة ~~كمن هو خالد فى النار، أى كمثل جزاء من هو خالد فى النار؟ فإن قلت فلم ~~عرى فى حرف الإنكار؟ وما فائدة التعرية؟ قلت تعريته من حرف الإنكار ~~فيها زيادة تصوير لمكابرة من يسوى بين المتمسك بالبينة والتابع لهواه، ~~وأنه بمنزلة من يثبت التسوية بين الجنة التى تجرى فيها الأنهار، وبين ~~النار التى يسقى أهلها الجحيم.. وقوله - سبحانه - { فيهآ أنهار ~~من مآء غير آسن } تفسير مسوق لشرح محاسن الجنة أى صفة الجنة ~~التى وعد الله - تعالى - بها عباده المتقين، أنها فيها أنهار من ماء ليس ~~متغيرا فى طعمه أو رائحته، وإنما هو ماء طيب لذيذ تشتهيه النفوس. # والماء الآسن هو الماء الذى تغير طعمه وريحه، لطول مكثه فى مكان معين. ~~يقال أسن الماء يأسن - كضرب - يضرب، إذا تغير. { وأنهار من ~~لبن لم يتغير طعمه } أى وفيها - أيضا - أنهار من لبن لم ~~يتغير طعمه لا بالحموضة ولا بغيرها مما يجرى على الألبان التى تشرب فى ~~الدنيا. { وأنهار من خمر لذة للشاربين } أى وفيها ~~كذلك أنهار من خمر هى فى غاية اللذة لمن يشربها، إذ لا يعقبها ذهاب عقل، ~~ولا صداع. وقال - سبحانه - { لذة للشاربين } للإشعار بأنها ~~لذيذة لجميع من يشربونها بخلاف خمر الدنيا فإن من الناس من ينفر منها ~~ويعافها حتى ولو كان على غير دين الإسلام. { وأنهار من عسل ~~مصفى } أى وفيها - أيضا - أنهار من عسل لا يخالطه ما يخالط عسل ~~الدنيا من الشمع أو غيره. { ولهم } أى للمؤمنين { فيها } أى فى ~~الجنة فضلا عن كل ذلك { من كل الثمرات } التى يشتهونها، وأهم من ~~كل ذلك أنهم لهم فيها { ومغفرة من ربهم } أى لهم ثواب عظيم ~~وفضل كبير من ربهم، حيث ستر لهم ذنوبهم، وأزالها عنهم، وحولها إلى ms4686 حسنات ~~بكرمه وإحسانه. وقوله - سبحانه - { كمن هو خالد في النار ~~وسقوا مآء حميما فقطع أمعآءهم } أى أمثل جزاء ~~المؤمنين الذى هو الجنة التى فيها ما فيها من أنهار الماء واللبن والخمر ~~والعسل.. كمثل عقاب الكافرين والمتمثل فى نارهم خالدين فيها أبدا، وفى ~~ماء فى أشد درجات الحرارة، يشربونه فيقطع أمعاءهم؟ لا شك أن كل عاقل يرى ~~فرقا شاسعا، بين حسن عاقبة المؤمنين، وسوء عاقبة الكافرين. وبذلك نرى أن ~~هاتين الآيتين قد فرقت بين الأخيار والأشرار فى المنهج والسلوك، وفى ~~المصير الذى يصير إليه كل فريق. وبعد هذا الحديث المفصل عن حال المؤمنين ~~وحال الكافرين وعن مصير كل فريق. انتقلت السورة إلى الحديث عن المنافقين، ~~وعن موقفهم من النبى - صلى الله عليه وسلم - ومن القرآن الكريم الذى ~~أنزله الله - تعالى - عليه، فقال - سبحانه - { ومنهم من ~~يستمع... يعلم متقلبكم ومثواكم }. ### || [47.16-19] # وضمير الجمع فى قوله - تعالى - { ومنهم من يستمع إليك } ~~يعود إلى هؤلاء الكافرين الذين يأكلون كما تأكل الأنعام، وذلك باعتبار أن ~~المنافقين فرقة من الكافرين، إلا أنها تخفى هذا الكفر وتبطنه. كما يحتمل ~~أن يعود إلى كل من أظهر الإسلام، باعتبار أن من بينهم قوما قالوا كلمة ~~الإسلام بأفواههم دون أن تصدقها قلوبهم. وعلى كل حال فإن النفاق قد ظهر ~~بالمدينة، بعد أن قويت شوكة المسلمين بها. وصاروا قوة يخشاها أعداؤهم، ~~هذه القوة جعلت بعض الناس يتظاهرون بالإسلام على كره وهم يضمرون له ~~ولأتباعه العداوة والبغضاء... ويؤيدهم فى ذلك اليهود وغيرهم من الضالين. ~~أى ومن هؤلاء الذين يناصبونك العداوة والبغضاء - أيها الرسول الكريم قوم ~~يستمعون إليك بآذانهم لا بقلوبهم. { حتى إذا خرجوا من ~~عندك } أى من مجلسك الذى كانوا يستمعون إليك فيه، { قالوا } على ~~سبيل الاستهزاء والتهكم { للذين أوتوا العلم } من أصحابك، ~~الذين فقهوا كلامك وحفظوه. { ماذا قال آنفا } أى ماذا كان يقول ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - قبل أن نفارق مجلسه. فقوله { آنفا } اسم ~~فاعل، ولم يسمع له فعل ثلاثى، بل سمع ائتنف يأتنف واستأنف يستأنف بمعنى ~~ابتدأ. قال القرطبى ms4687 قوله { ماذا قال آنفا } أى ماذا قال الآن.. ~~فآنفا يراد به الساعة التى هى أقرب الأوقات إليك، من قولك استأنفت الشئ ~~إذا ابتدأت به ومنه قولهم أمر أنف، وروضة أنف، أى لم يرعها أحد. وقال ~~الآلوسى ما ملخصه قوله { ومنهم من يستمع إليك... } هم ~~المنافقون، وإفراد الضمير باعتبار اللفظ، كما أن جمعه باعتبار المعنى. ~~قال ابن جرير، كانوا يحضرون مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فيسمعون كلامه ولا يعونه ولا يراعونه حق رعايته تهاونا منهم. ومقصودهم ~~بقولهم { ماذا قال آنفا } الاستهزاء وإن كان بصورة الاستعلام. و { ~~آنفا } اسم فاعل على غير القياس أو بتجريد فعله من الزوائد لأنه لم ~~يسمع له ثلاثى، بل المسموع استأنف وأتنف. ثم بين - سبحانه - حالهم فقال { ~~أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ~~واتبعوا أهوآءهم }. أى أولئك المنافقون الذين قالوا هذا ~~القول القبيح، هم الذين طبع الله - تعالى - على قلوبهم بأن جعلها بسبب ~~استحبابهم الضلالة على الهداية لا ينتفعون بنصح، ولا يستجيبون لخير، وهم ~~الذين اتبعوا أهواءهم وشهواتهم فصاروا لا يعقلون حقا، ولا يفقهون حديثا. ~~فالآية الكريمة تصور تصويرا بليغا ما كان عليه هؤلاء المنافقون من مكر ~~وخداع، ومن خبث وسوء طوية. وترد عليهم بهذا الذم الشديد الذى يناسب ~~جرمهم. ثم يعقب - سبحانه - على ذلك ببيان حال المؤمنين الصادقين فيقول { ~~والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم }. # أى هذا هو حال المنافقين، وهذا هو الحكم الذى يناسبهم، أما الذين اهتدوا ~~إلى الحق، واستجابوا له، وخالطت بشاشته قلوبهم، فهم الذين زادهم الله - ~~تعالى - هداية على هدايتهم. وزادهم علما وبصيرة وفقها فى الدين، ومنحهم ~~بفضله وإحسانه خلق التقوى والخشية منه، والطاعة لأمره، وكافأهم على ذلك ~~بما يستحقون من ثواب جزيل. ثم تعود السورة الكريمة إلى توبيخ هؤلاء ~~المنافقين على غفلتهم وانطماس بصائرهم، فتقول { فهل ينظرون إلا ~~الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جآء أشراطها ~~فأنى لهم إذا جآءتهم ذكراهم }؟. فالاستفهام للإنكار ~~والتعجب من حالهم، وقوله { أن تأتيهم } بدل اشتمال من الساعة، ~~والأشراط جمع شرط - بالتحريك مع الفتح - وهو العلامة، ms4688 وأصله الإعلام ~~عن الشئ. يقال أشرط فلان نفسه لكذا، إذا أعلمها له وأعدها، ومنه الشرطى - ~~كتركى - والجمع شرط - بضم ففتح - سموا بذلك لأنهم أعلموا أنفسهم ~~بعلامات يعرفون بها، وتميزهم عن غيرهم. وقوله { فأنى لهم } خبر ~~مقدم و { ذكراهم } مبتدأ مؤخر، والضمير فى قوله { جآءتهم } ~~يعود إلى الساعة، والكلام على حذف مضاف قبل قوله { ذكراهم } أى فأنى ~~لهم نفع ذكراهم؟ والمعنى ما ينتظر هؤلاء الجاهلون إلا الساعة، التى ~~سيفاجئهم مجيؤها مفاجأة بدون مقدمات، والحق أن علاماتها قد ظهرت دون أن ~~يرفعوا لها رأسا، ودون أن يعتبروا بها أو يتعظوا لاستيلاء الأهواء عليهم. ~~ولكنهم عندما تداهمهم الساعة بأهوالها، ويقفون للحساب. يتذكرون ويؤمنون ~~بالله ورسله.. ولكن إيمانهم فى ذلك الوقت لن ينفعهم، لأنه جاء فى غير ~~محله الذى يقبل فيه، وتذكرهم واتعاظهم - أيضا - لن يفيدهم لأنه جاء بعد ~~فوات الأوان. ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - # فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا # وقوله - تعالى - # وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان ~~بعيد # وقوله - عز وجل - # يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى # قال الآلوسى الظاهر أن المراد بأشراط الساعة هنا علاماتها التى كانت ~~واقعة إذ ذاك، وأخبروا أنها علامات لها، كبعثة نبينا - صلى الله عليه ~~وسلم - فقد أخرج أحمد والبخارى ومسلم والترمذى عن أنس قال قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - # " بعثت أنا والساعة كهاتين - وأشار بالسبابة والوسطى ". # وأراد - صلى الله عليه وسلم - مزيد القرب بين مبعثه والساعة، فإن ~~السبابة تقرب من الوسطى. وأخرج أحمد عن بريدة قال سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم يقول # " بعثت أنا والساعة جميعا. وإن كادت لتسبقنى " # وهذا أبلغ فى إفادة القرب. وعدوا منها انشقاق القمر الذى وقع له - صلى ~~الله عليه وسلم - والدخان الذى وقع لأهل مكة، أما أشراطها مطلقا فكثيرة، ~~ومنها ككون الحفاة العراة رعاء الشاة يتطاولون فى البنيان. # ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يداوم على ~~استغفاره وطاعته لله - تعالى - وأن يأمر اتباعه بالاقتداء به ms4689 فى ذلك فقال ~~{ فاعلم أنه لا إله إلا الله }. والفاء فى قوله { ~~فاعلم } للإفصاح عن جواب شرط معلوم مما مر من آيات. والتقدير إذا ~~تبين لك ما سقناه عن حال السعداء والأشقياء، فاعلم أنه لا إله إلا الله، ~~واثبت على هذا العلم، واعمل بمقتضاه، واستمر على هذا العمل { ~~واستغفر لذنبك } أى واستغفر الله - تعالى - من أن يقع منك ذنب، ~~واعتصم بحبله لكى يعصمك من كل ما لا يرضيه. واستغفر - أيضا { ~~وللمؤمنين والمؤمنات } بأن تدعو لهم بالرحمة والمغفرة { ~~والله } - تعالى - بعد كل ذلك { يعلم متقلبكم ~~ومثواكم } أى يعلم كل متقلب وكل إقامة لكم سواء أكانت فى بر أم فى ~~بحر أم فى غيرهما. والمقصود أنه - تعالى - يعلم جميع أحوالكم ولا يخفى ~~عليه شئ منها، والمتقلب المتصرف، من التقلب وهو التصرف والانتقال من مكان ~~إلى آخر. والمثوى المسكن الذى يأوى إليه الإنسان، ويقيم به. قال الإمام ~~ابن كثير وقوله { فاعلم أنه لا إله إلا الله } هذا ~~إخبار بأنه لا إله إلا الله، ولا يتأتى كونه آمرا بعلم ذلك، ولهذا عطف ~~عليه بقوله { واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات }. وفى الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يقول # " اللهم اغفر لى خطيئتى وجهلى، وإسرافى فى أمرى، وما أنت أعلم به منى. ~~اللهم اغفر لى هزلى وجدى، وخطئى وعمدى، وكل ذلك عندى ". # وفى الصحيح أنه كان يقول فى آخر الصلاة # " اللهم اغفر لى ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت. وما ~~أنت أعلم به منى، أنت إلهى لا إله إلا أنت ". # وفى الصحيح أنه قال # " يأيها الناس. توبوا إلى ربكم فإني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم ~~أكثر من سبعين مرة ". # ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة وجوب المداومة على ~~استغفار الله - تعالى - والتوبة إليه توبة صادقة نصوحا. لأنه إذا كان ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو الذى غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما ~~تأخر - قد أمره - سبحانه - بالاستغفار، فأولى بغيره أن يواظب على ذلك، ~~لأن ms4690 الاستغفار بجانب أنه ذكر لله - تعالى - فهو - أيضا شكر له - سبحانه - ~~على نعمه. وقد توسع الإمام الآلوسى فى الحديث عن معنى قوله - تعالى - { ~~واستغفر لذنبك.. } فارجع إليه إن شئت. ثم بين - سبحانه - بعد ~~ذلك حال المنافقين عندما يدعون إلى القتال فى سبيل الله، وكيف أنهم ~~يستولى عليهم الذعر والهلع عند مواجهة هذا التكليف، وكيف سيكون مصيرهم ~~إذا ما استمروا على هذا النفاق. فقال - تعالى - { ويقول الذين ~~آمنوا لولا... على قلوب أقفالهآ }. ### || [47.20-24] # قال الإمام الرازى ما ملخصه لما بين الله حال المنافق والكافر، ~~والمهتدى المؤمن عند استماع الآيات العلمية، من التوحيد والحشر وغيرهما.. ~~أتبع ذلك ببيان حالهم فى الآيات العملية، فإن المؤمن كان ينتظر ورودها، ~~ويطلب تنزيلها، وإذا تأخر عنه التكليف كان يقول هلا أمرت بشئ من العبادة. ~~والمنافق كان إذا نزلت الآية أو السورة وفيها تكليف كره ذلك.. فذكر - ~~سبحانه - تباين حال الفريقين فى العلم والعمل. فالمنافق لا يفهم العلم ~~ولا يريد العمل، والمؤمن يعلم ويحب العمل. فقوله - تعالى - { ويقول ~~الذين آمنوا لولا نزلت سورة } حكاية لتطلع المؤمنين ~~الصادقين إلى نزول القرآن، وتشوقهم إلى الاستماع إليه، والعمل بأحكامه. ~~أى ويقول الذين آمنوا إيمانا حقا، لرسوله - صلى الله عليه وسلم - يا رسول ~~الله هلا نزلت سورة جديدة من هذا القرآن الكريم، الذى نحبه ونحب العمل ~~بما فيه من هدايات وآداب وأحكام وجهاد فى سبيل الله - عز وجل -. قوله { ~~فإذآ أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال ~~رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر ~~المغشي عليه من الموت.. } بيان لموقف المنافقين من ~~الجهاد فى سبيل الله، وتصوير بديع لما انطوت عليه نفوسهم من جبن خالع. ~~والمراد بقوله { محكمة } أى واضحة المعانى فيما سيقت له من الأمر ~~بالجهاد فى سبيل الله، بحيث لا يوجد مجال لتأويل معناها على الوجه الذى ~~سيقت له. أى هذا هو حال المؤمنين بالنسبة لحبهم للقرآن الكريم، أما حال ~~المنافقين فإنك تراهم إذا ما أنزلت سورة فاصلة بينة تأمر أمرا صريحا ~~بالقتال لإعلاء كلمة الله تراهم ينظرون إليك ms4691 كنظر من حضره الموت فصار ~~بصره شاخصا لا يتحرك من شدة الخوف والفزع. والمقصود أنهم يوجهون أبصارهم ~~نحو النبى - صلى الله عليه وسلم - بحدة وهلع، لشدة كراهتهم للقتال معه، ~~إذ فى هذا القتال عز للإسلام، ونصر للمؤمنين، والمنافقون يبغضون ذلك. ~~فالآية الكريمة ترسم صورة خالدة بليغة لكل نفس لئيمة خوارة، مبتوتة عن ~~الإيمان، وعن الفطرة السليمة، متجردة عن الحياء الذى يستر مخازيها. ~~وقوله - تعالى - { فأولى لهم } تهديد ووعيد لهم على جبنهم وخبث ~~طويتهم. وقوله { أولى } يرى بعضهم أنه فعل ماض بمعنى قارب، وفاعله ~~ضمير يعود إلى الموت، أى قاربهم ما يهلكهم وهو الموت الذى يرتعدون منه.. ~~ويرى آخرون أن قوله { أولى } اسم تفضيل بمعنى أحق وأجدر، وأنه خبر ~~لمبتدأ محذوف، واللام بمعنى الباء. أى فالعقاب والهلاك أولى بهم وأحق ~~وأجدر. ويكون قوله - تعالى - بعد ذلك { طاعة وقول معروف } ~~كلام مستأنف والخبر محذوف. أى طاعة وقول معروف منكم لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - خير لكم من هذا السلوك الذميم. # ويصح أن يكون قوله - سبحانه - { أولى } مبتدأ. وقوله { لهم } ~~متعلق به. والخبر قوله { طاعة }. واللام فى { لهم } أيضا. بمعنى ~~الباء. ويكون المعنى أولى بهؤلاء المنافقين من أن ينظروا إليك نظر المغشى ~~عليه من الموت، الطاعة التامة لك، والقول المعروف أمامك، لأن ذلك يحملهم ~~متى أخلصوا قلوبهم لله - تعالى - على الإقلاع عن النفاق. ولعل هذا القول ~~الأخير هو أقرب الأقوال إلى سياق الآيات، لأن فيه إرشادا لهم إلى ما ~~يحميهم من تلك الأخلاق المرذولة التى على رأسها الخداع والجبن والخور. ~~وقوله { فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان ~~خيرا لهم } متعلق بما قبله. أى أولى لهم الطاعة والقول المعروف، ~~وأولى لهم وأجدر بهم إذ جد الجد، ووجب القتال، أن يخلصوا لله - تعالى - ~~نياتهم، فإنهم لو صدقوا الله فى إيمانهم، لكان صدقهم خيرا لهم، من تلك ~~المسالك الخبيثة التى سلكوها مع نبيهم - صلى الله عليه وسلم -. قال ~~الشوكانى قوله { فإذا عزم الأمر } عزم الأمر أى جد الأمر ~~والقتال ووجب وفرض. وأسند العزم إلى ms4692 الأمر وهو لأصحابه على سبيل المجاز. ~~وجواب { إذا } قيل هو { فلو صدقوا الله } وقيل محذوف ~~والتقدير كرهوه أى إذا جد الأمر ولزم القتال خالفوا وتخلفوا. ثم بين - ~~سبحانه - ما هو متوقع منهم، ووجه الخطاب إليهم على سبيل الالتفات ليكون ~~أزجر لهم، فقال { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا ~~في الأرض وتقطعوا أرحامكم }. قال الفخر الرازى ما ~~ملخصه وهذه الآية فيها إشارة إلى فساد قول قالوه، وهو أنهم كانوا يقولون ~~كيف نقاتل العرب وهم من ذوى أرحامنا وقبائلنا. والاستفهام للتقرير ~~المؤكد، وعسى للتوقع، وفى قوله { إن توليتم } وجهان أحدهما أنه ~~من الولاية، يعنى فهل يتوقع منكم - أيها المنافقون - إن أخذتم الولاية ~~وسار الناس بأمركم، إلا الإفساد فى الأرض وقطع الأرحام؟ وثانيهما أنه من ~~التولى بمعنى الإعراض وهذا أنسب - أى إن كنتم تتركون القتال، وتقولون ~~فيه الإفساد وقطع الأرحام، لكون الكفار أقاربنا، فإن فى هذه الحالة لا ~~يتوقع منكم إلا الإفساد وقطع الأرحام كما كان حالكم فى الجاهلية. وعلى ~~كلا القولين فالمقصود من الآية توبيخهم على جبنهم وكراهتهم لما يأمرهم به ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - من الجهاد فى سبيل الله - تعالى -، ~~وتقريعهم على أعذارهم الباظلة، ببيان أنهم لو أعرضوا عن القتال وخالفوا ~~تعاليم الإسلام فلن يكون منهم إلا الإفساد وقطع الأرحام، وكذلك سيكون ~~حالهم لو تولوا أمور الناس، وكانوا حكاما لهم. وقوله { أن تفسدوا.. ~~} خبر عسى، وقوله { إن توليتم.. } جملة معترضة، وجواب { إن } ~~محذوف لدلالة قوله { فهل عسيتم.. } عليه. أى ما يتوقع منكم إلا ~~الإفساد وقطع الأرحام، إن أعرضتم عن تعاليم الإسلام، أو إن توليتم أمور ~~الناس، فأحذروا أن يكون منكم هذا التولى الذى سيفضى بكم إلى سوء المصير، ~~الذى بينه - سبحانه - فى قوله { أولئك الذين لعنهم ~~الله } أى طردهم من رحمته { فأصمهم وأعمى أبصارهم } ~~بأن جعلهم بسبب إعراضهم عن الحق - كالصم الذين لا يسمعون، وكالعمى الذين ~~لا يبصرون، لأنهم حين عطلوا أسماعهم وأبصارهم عن التدبر والتفكر صاروا ~~بمنزلة الفاقدين لتلك الحواس. # ثم ساق - سبحانه - ما يدعو إلى التعجيب من حالهم ms4693 فقال { أفلا ~~يتدبرون القرآن.. } والفاء للعطف على جملة محذوفة، والاستفهام ~~للإنكار والزجر. أى أيعرضون عن كتاب الله - تعالى - فلا يتدبرونه مع أنه ~~زاخر بالمواعظ والزواجر والأوامر والنواهى. { أم على قلوب ~~أقفالهآ } ، أى، بل على قلوب هؤلاء المنافقين أقفالها التى حالت ~~بينهم وبين التدبر والتفكر، والأقفال جمع قفل - بضم فسكون - وهو الآلة ~~التى تقفل بها الأبواب وما يشبهها، والمراد التسجيل عليهم بأن قلوبهم ~~مغلقة، لا يدخلها الإيمان، ولا يخرج منها الكفر والنفاق. قال صاحب ~~الكشاف فإن قلت لم نكرت القلوب وأضيفت الأقفال إليها؟ قلت أما التنكير ~~ففيه وجهان أن يراد على قلوب قاسية مبهم أمرها فى ذلك. أو يراد على بعض ~~القلوب وهى قلوب المنافقين. وأما إضافة الأقفال، فلأنه يريد الأقفال ~~المختصة بها، وهى أقفال الكفر التى استغلقت فلا تنفتح. وشبيه بهذه الآية ~~قوله - تعالى - # أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا # وقد أخذ العلماء من هذه الآية وأمثالها، وجوب التدبر والتفكر فى آيات ~~القرآن الكريم، والعمل بما فيها من هدايات وإرشادات، وأوامر ونواه، وآداب ~~وأحكام، لأن عدم الامتثال لذلك يؤدى إلى قسوة القلوب وضلال النفوس، كما ~~هو الحال فى المنافقين والكافرين. ثم تواصل السورة حديثها عن المنافقين، ~~فتفصح عن الأسباب التى حملتهم على هذا النفاق، وتصور أحوالهم السيئة ~~عندما تتوفاهم الملائكة، وتهددهم بفضح رذائلهم، وهتك أسرارهم.. قال - ~~تعالى - { إن الذين ارتدوا... ونبلوا أخباركم }. ### || [47.25-31] # والمراد بارتدادهم على أدبارهم رجوعهم إلى ما كانوا عليه من كفر وضلال. ~~أى إن الذين رجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر والضلال، وهم المنافقون، ~~الذين يتظاهرون بالإسلام ويخفون الكفر. وقوله { من بعد ما ~~تبين لهم الهدى } ذم لهم على هذا الارتداد، لأنهم لم يعودوا ~~إلى الكفر عن جهالة، وإنما عادوا إليه من بعد أن شاهدوا الدلائل الظاهرة، ~~والبراهين الساطعة على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - صادق فيما يبلغه ~~عن ربه، وعلى أن الإسلام هو الدين الحق. وقوله { الشيطان سول ~~لهم وأملى لهم } جملة من مبتدأ وخبر، وهى خبر ms4694 إن فى قوله - ~~سبحانه - { إن الذين ارتدوا }. وقوله { سول } من التسويل ~~بمعنى التزيين والتسهيل. يقال سولت لفلان نفسه هذا الفعل، أى زينته ~~وحسنته له، وصورته له فى صورة الشئ الحسن مع أنه قبيح. وقوله { ~~وأملى } من الإملاء وهو الإبقاء ملاوة من الدهر، أى زمنا منه أى ~~الشيطان زين لهؤلاء المنافقين سوء أعمالهم، ومد لهم فى الأمانى الباطلة، ~~والآمال الفاسدة، وأسباب الغواية والضلال. وأسند - سبحانه - هذا التسويل ~~والإملاء إلى الشيطان، مع أن الخالق لذلك هو الله - تعالى - لأن الشيطان ~~هو السبب فى هذا الضلال والخسران. ثم بين - سبحانه - أسباب هذا الارتداء ~~فقال { ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل ~~الله سنطيعكم في بعض الأمر }. أى ذلك الارتداء عن الحق ~~والتردى فى الباطل. بسبب أن هؤلاء المنافقين قالوا للذين كرهوا ما نزل ~~الله من الهدى على نبيه - صلى الله عليه وسلم - وهم اليهود ومن على ~~شاكلتهم، قالوا لهم { سنطيعكم في بعض الأمر } أى سنطيعكم فى ~~بعض أموركم وأحوالكم التى على رأسها العداوة لهذا الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - ولما جاء به من عند ربه. كما قال - تعالى - حكاية عنهم فى آية ~~أخرى # ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم ~~الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم ~~لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن ~~قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون # وقوله - سبحانه - { والله يعلم إسرارهم } تهديد لهم على ~~هذا الدس والكيد والتآمر على الإسلام وأتباعه. أى والله - تعالى - يعلم ~~ما يسرونه من أقوال سيئة، ومن أفعال قبيحة، وسيعاقبهم على ذلك عقابا ~~شديدا. وكلمة { إسرارهم } - بكسر الهمزة - مصدر أسررت إسرارا، ~~بمعنى كتمت الشئ وأخفيته وقرأ بعض القراء السبعة { أسرارهم } - بفتح ~~الهمزة - جمع سر. يعلم الأشياء التى يسرونها ويخفونها. ثم بين - سبحانه - ~~حالهم عندما تقبض الملائكة أرواحهم فقال { فكيف إذا توفتهم ~~الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم }. # والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، والاستفهام للاستعظام والتهويل، و ~~" كيف " منصوب بفعل محذوف هو العامل فى الظرف " إذا ". والمراد بوجوههم ~~كل ما أقبل منهم، وبأدبارهم كل ما ms4695 أدبر من أجسامهم. أى هؤلاء الذين ~~ارتدوا على أدبارهم، وقالوا ما قالوا من كفر وضلال، كيف يكون حالهم إذا ~~توفتهم الملائكة وقبضت أرواحهم؟ لا شك أن حالهم سيكون أسوأ حال وأقبحه، ~~لأن ملائكة الموت يضربون عند قبض أرواحهم وجوه هؤلاء المنافقين وأدبارهم، ~~ضربا أليما موجعا. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ~~يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق # واسم الإشارة فى قوله { ذلك بأنهم اتبعوا مآ أسخط ~~الله وكرهوا رضوانه } يعود إلى توفى الملائكة لهم، وقبضهم ~~لأرواح هؤلاء المنافقين. أى ذلك الضرب الأليم لهم من الملائكة عند قبضهم ~~لأرواحهم بسبب أن هؤلاء المنافقين قد اتبعوا ما يغضب الله - تعالى - من ~~الكفر والمعاصى، وبسبب أنهم كرهوا ما يرضيه من الإيمان والطاعة. { ~~فأحبط } - سبحانه - { أعمالهم } بأن أبطلها ولم يقبلها منهم، ~~لأنها لم تصدر عن قلب سليم. ثم هددهم - سبحانه - بكشف أستارهم، وفضح ~~أسرارهم فقال { أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن ~~يخرج الله أضغانهم }. و " أم " منقطعة بمعنى بل والهمزة، ~~والاستفهام للتقريع والتوبيخ، و " أن " مخففة من الثقنلة، واسمها ضمير ~~الشأن محذوف، والجملة بعدها خبرها، وأن وصلتها سادة مسد مفعولى حسب. ~~والأضغان جمع ضغن، وهو الحقد الشديد. يقال ضغن صدر فلان ضغنا - بزنة ~~تعب -، إذا اشتد حقده وغيظه، والاسم الضغن، بمعنى الالتواء والاعوجاج ~~الذى يكون فى كل شئ، ويقال تضاغن القوم، إذا انطوت قلوبهم على البغض ~~والحقد. أى بل أحسب هؤلاء المنافقون الذين امتلأت قلوبهم بمرض الكفر ~~والضلال، أن الله - تعالى - غير قادر على إظهار أحقادهم الشديدة لرسوله - ~~صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين؟ إن حسبانهم هذا هو لون من جهالاتهم ومن ~~غباوتهم وانطماس بصائرهم. لأن الله - تعالى - لا يخفى عليه شئ، ولا يعجزه ~~شئ فى الأرض ولا فى السماء. ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر قدرته فقال { ~~ولو نشآء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ~~ولتعرفنهم في لحن القول }. والمراد بالإرادة هنا ~~التعريف والعلم الذى يقوم مقام الرؤية بالبصر، كما فى قولهم سأريك يا ~~فلان ما أصنع بك. أى سأعلمك ms4696 بذلك. والفاء فى قوله { فلعرفتهم ~~بسيماهم } لترتيب المعرفة على الإرادة، والمراد بسيماهم علاماتهم. ~~يقال سوم فلان فرسه تسويما، إذا جعل له علامة يتميز بها. وكررت اللام فى ~~قوله { فلعرفتهم } للتأكيد. ولحن القول أسلوب من أساليبه المائلة ~~عن الطريق المعروفة، كأن يقول للقائل قولا يترك فيه التصريح إلى التعريض ~~والإبهام، يقال لحنت لفلان ألحن لحنا، إذا قلت له قولا يفهمه عنك ~~ويخفى على غيره. # قال الجمل واللحن يقال على معنيين، أحدهما الكناية بالكلام حتى لا يفهمه ~~غير مخاطبك - ومنه قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - لبعض أصحابه فى ~~غزوة الأحزاب # " وإن وجدتموهم - أى بنى قريظة - على الغدر فالحنوا لى لحنا أعرفه ". # والثانى صرف الكلام من الإعراب إلى الخطأ - أى من النطق السليم إلى ~~النطق الخطأ -. ويقال من الأول لحنت - بفتح الحاء - ألحن فأنا لاحن، ~~ويقال من الثانى لحن - بكسر الحاء إذا لم ينطق نطقا سليما - فهو لحن. ~~والمعنى ولو نشاء إعلامك وتعريفك - أيها الرسول الكريم - بهؤلاء ~~المنافقين وبذواتهم وأشخاصهم لفعلنا، لأن قدرتنا لا يعجزها شئ { ~~فلعرفتهم بسيماهم } أى بعلاماتهم الخاصة بهم، والتى يتميزون ~~بها عن غيرهم. { ولتعرفنهم } - أيضا - { في لحن القول ~~} أى ولتعرفنهم بسبب أقوالهم المائلة عن الأساليب المعروفة فى الكلام، ~~حيث يتخاطبون فيما بينهم بمخاطبات لا يقصدون ظاهرها، وإنما يقصدون أشياء ~~أخرى فيها الإساءة إليك وإلى أتباعك. قال الإمام ابن كثير قوله - تعالى ~~- { ولو نشآء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم } ~~يقول - تعالى - ولو نشاء يا محمد لأريناك أشخاصهم، فعرفتهم عيانا، ولكن ~~لم يفعل سبحانه - ذلك فى جميع المنافقين، سترا منه على خلقه. { ~~ولتعرفنهم في لحن القول } أى فيما يبدون من كلامهم ~~الدال على مقاصدهم. كما قال عثمان - رضى الله عنه - ما أسر أحد سريرة إلا ~~أبداها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه. وفى الحديث # " ما اسر أحد سريرة إلا كساه الله جلبابها ". # وعن أبى مسعود عقبة بن عمرو قال # " خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبة فحمد الله وأثنى عليه ثم ~~قال " إن منكم منافقين، فمن سميت فليقم. ثم قال قم ms4697 يا فلان، قم يا فلان - ~~حتى سمى ستة وثلاثين رجلا - ثم قال إن فيكم - أو منكم - فاتقوا الله ". # وقوله - سبحانه - { والله يعلم أعمالكم } ببان لعلمه ~~الشامل - سبحانه - وتهديد لمن يجترح السيئات، أى والله - تالى - يعلم ~~أعمالكم علما تاما كاملا، وسيجازيكم عليها بما تستحقون من ثواب أو عقاب. ~~ثم بين - سبحانه - سنة من سننه فى خلقه فقال { ولنبلونكم ~~حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا ~~أخباركم }. أى ولنعاملنكم - أيها الناس - معاملة المختبر لكم ~~بالتكاليف الشرعية المتنوعة، حتى نبين ونظهر لكم المجاهدين منكم من ~~غيرهم، والصابرين منكم وغير الصابرين { ونبلوا أخباركم } أى ~~ونظهر أخباركم حتى يتميز الحسن منها من القبيح. فالمراد بقوله { حتى ~~نعلم المجاهدين.. } إظهار هذا العلم للناس، حتى يتميز قوى ~~الإيمان من ضعيفه، وصحيح العقيدة من سقيمها. وإلى هنا نجد الآيات ~~الكريمة قد هددت المنافقين تهديدا شديدا، ووبختهم على مسالكهم الذميمة، ~~وفضحتهم على رءوس الأشهاد، وحذرت المؤمنين من شرورهم. ثم ختم - سبحانه - ~~السورة الكريمة بالدعوة إلى صلاح الأعمال، وبتهديد الكافرين بالعذاب ~~الشديد، وبتبشير المؤمنين بالثواب الجزيل، وبدعوتهم إلى الإكثار من ~~الإنفاق فى سبيله.. فقال - تعالى - { إن الذين كفروا ~~وصدوا عن سبيل... لا يكونوا أمثالكم }. ### || [47.32-38] # والمراد بالذين كفروا فى قوله - تعالى - { إن الذين كفروا ~~وصدوا عن سبيل الله } جميع الكافرين، كمشركى قريش، ~~والمنافقين، وأهل الكتاب. أى إن الذين كفروا بكل ما يجب الإيمان به، { ~~وصدوا } غيرهم عن الإيمان بالحق. و " سبيل الله " الواضح المستقيم. ~~{ وشآقوا الرسول } أى عادوه وخالفوه وآذوه، وأصل المشاقة أن ~~تصير فى شق وجانب، وعدوك فى شق وجانب آخر، والمراد بها هنا العداوة ~~والبغضاء. وقوله { من بعد ما تبين لهم } ذم وتجهيل لهم، حيث ~~حاربوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بعد أن ظهر لهم أنه على ~~الحق، وأنه صادق فيما يبلغه عن ربه. وقوله { لن يضروا الله ~~شيئا وسيحبط أعمالهم } بيان للآثار السيئة التى ترتبت على ~~هذا الصدود والعداوة. أى هؤلاء الذين كفروا، وصدوا غيرهم عن سبيل الله، ~~وحاروا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هؤلاء ms4698 لن يضروا الله - تعالى - ~~شيئا بسبب كفرهم وضلالهم، وسيبطل - سبحانه - أعمالهم التى عملوها فى ~~الدنيا، وظنوها نافعة لهم، كإطعام الطعام، وصلة الأرحام. لأن هذه الأعمال ~~قد صدرت من نفس كافرة ولن يقبل - سبحانه - عملا من تلك النفوس، كما قال - ~~تعالى - # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # وكما قال - سبحانه - # إنما يتقبل الله من المتقين # ثم وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين، أمرهم فيه بالمداومة على طاعته ~~ومراقبته فقال. { يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم }. أى يا من ~~آمنتم بالله - تعالى حق الإيمان، أطعيوا الله - تعالى فى كل ما أمركم ~~به. وأطيعوا رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولا تبطلوا ثواب أعمالكم بسبب ~~ارتكابكم للمعاصى، التى على رأسها النفاق والشقاق، والمن والرياء، وما ~~يشبه ذلك من ألوان السيئات. عن أبى العالية قال كان أصحاب النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - يظنون أنه لا يضر مع " لا إله إلا الله " ذنب، كما لا ~~ينفع مع الشرك عمل، فنزلت هذه الآية، فخافوا أن يبطل الذنب العمل. وروى ~~نافع عن ابن عمر قال كنا معشر أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - نرى ~~أنه ليس شئ من الحسنات إلا مقبول حتى نزلت هذه الآية، فقلنا ما هذا الذى ~~يبطل أعمالنا؟ فقلنا الكبائر الموجبات والفواحش حتى نزل قوله - تعالى - # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # فلما نزلت كففنا من القول فى ذلك، فكنا نخاف على من أصاب الكبائر ~~والفواحش، ونرجو لمن لم يصبها. # ثم بين - سبحانه - سوء مصير الذين استمروا على كفرهم حتى ماتوا عليه ~~فقال { إن الذين كفروا } بالله - تعالى -، وبكل ما يجب ~~الإيمان به. { وصدوا عن سبيل الله } أى ومنعوا غيرهم عن ~~الطريق التى توصلهم إلى طاعة الله ورضاه. { ثم ماتوا } جميعا، { ~~وهم كفار } دون أن يقلعوا عن كفرهم. { فلن يغفر الله ~~لهم } شيئا من ذنوبهم، لأن استمرارهم على الكفر حال بينهم وبين ~~المغفرة. ومن الآيات الكثيرة التى تشبه هذه الآية فى معناها ms4699 قوله - تعالى ~~- # إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل ~~من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به ~~أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين # والفاء فى قوله { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم ~~وأنتم الأعلون } فصيحة، والخطاب للمؤمنين على سبيل التبشير ~~والتثبيت والحض على مجاهدة المشركين. أى إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من ~~أن الله - تعالى - لن يغفر للكافرين.. { فلا تهنوا } أى فلا تضعفوا ~~- أيها المؤمنون - أمامهم. ولا تخافوا من قتالهم.. من الوهن بمعنى الضعف، ~~وفعله وهن بمعنى ضعف، ومنه قوله - تعالى - # وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما ~~وهنوا لمآ أصابهم في سبيل الله # وقوله { وتدعوا إلى السلم } معطوف على { تهنوا } داخل ~~فى حيز النهى. أى فلا تضعفوا عن قتال الكافرين، ولا تدعوهم إلى الصلح ~~والمسالمة على سبيل الخوف منهم، وإظهار العجز أمامهم، فإن ذلك نوع من ~~إعطاء الدنية التى تأباها تعاليم دينكم. وقوله { وأنتم الأعلون ~~والله معكم ولن يتركم أعمالكم } جمل حالية. أى لا ~~تضعفوا ولا تستكينوا لأعدائكم والحال أنكم أنتم الأعلون، أى الأكثر قهرا ~~وغلبة لأعدائكم، والله - تعالى - معكم - بعونه ونصره وتأييده. { ولن ~~يتركم أعمالكم } أى ولن ينقصكم شيئا من أجور أعمالكم، يقال ~~وترت فلانا حقه - من باب وعد - إذ انقصته حقه ولم تعطه له كاملا، ~~وترت الرجل، إذا قتلت له قتيلا، أو سلبت منه ماله. قالوا ومحل النهى عن ~~الدعوة إلى صلح الكفار ومسالمتهم، إذا كان هذا الصلح أو تلك المسالمة ~~تؤدى إلى إذلال المسلمين أو إظهارهم بمظهر الضعيف القابل لشروط أعدائه.. ~~أما إذا كانت الدعوة إلى السلم لا تضر بمصلحة المسلمين فلا بأس من ~~قبولها، عملا بقوله - تعالى - # وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله # ثم بين - سبحانه - ما يدل على هوان هذه الدنيا فقال { إنما ~~الحياة الدنيا لعب ولهو }. قال الجمل يعنى كيف تمنعكم ~~الدنيا عن طلب الآخرة، وقد علمتم أن الدنيا كلها لعب ولهو، إلا ما كان ~~منها فى عبادة الله - تعالى - وطاعته. واللعب ما يشغل الإنسان وليس فيه ms4700 ~~منفعة فى الحال أو المآل، ثم إذا استعمله الإنسان ولم ينتبه لأشغاله ~~المهمة فهو اللعب، وإن أشغله عن مهمات نفسه فهو اللهو. # { وإن تؤمنوا } إيمانا حقا { وتتقوا } الله - تعالى - { ~~يؤتكم أجوركم } كاملة غير منقوصة، { ولا يسألكم ~~أموالكم } أى ولا يأمركم - سبحانه - أن تخرجوا جميع أموالكم على ~~سبيل دفعها فى الزكاة المفروضة، أو فى صدقة التطوع، فالسؤال بمعنى الأمر ~~والتكليف ويصح أن يكون المعنى ولا يسألكم رسولكم - صلى الله عليه وسلم - ~~شيئا من أموالكم، على سبيل الأجر له على تبليغ دعوة ربه، كما قال - تعالى ~~- # قل مآ أسألكم عليه من أجر ومآ أنآ من ~~المتكلفين # فالضمير على المعنى الأول يعود إلى الله تعالى، وعلى الثانى يعود إلى ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثم أشار - سبحانه - إلى جانب من حكمته فى ~~تشريعاته فقال { إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ~~ويخرج أضغانكم }. وقوله { يحفكم } من الإحفاء بمعنى ~~الإلحاف وهو المبالغة فى الطلب. يقال أحفاه فى المسألة، إذا ألح عليه فى ~~طلبها إلحاحا شديدا، ومنه قوله - تعالى - # لا يسألون الناس إلحافا # وأصله من أحفيت البعير، إذا أرهقته فى المشى حتى انبرى ورق خفه. أى إن ~~يكلفكم بأخراج جميع أموالكم، ويبالغ فى طلب ذلك منكم، تبخلوا بها فلا ~~تعطوها، وبذلك { يخرج أضغانكم } أى يظهر أحقادكم وكراهيتكم ~~لهذا التكليف، لأن حبكم الجم للمال يجعلكم تكرهون كل تشريع يأمركم بإخراج ~~جميع أموالكم. فقوله { فيحفكم } عطف على فعل الشرط، وقوله { ~~تبخلوا } جواب الشرط، وقوله { ويخرج أضغانكم } معطوف على ~~هذا الجواب. ثم تختتم السورة الكريمة بالدعوة إلى الإنفاق فى سبيل الله ~~فقال { ها أنتم هؤلاء } - أيها المؤمنون - { تدعون ~~لتنفقوا في سبيل الله } أى فى وجوه الخير التى على رأسها ~~الجهاد فى سبيل إعلاء كلمة الله، ونصرة دينه. { فمنكم من يبخل } ~~أى فمنكم - أيها المخاطبون - من يبخل بماله عن الإنفاق فى وجوه الخير { ~~ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه } أى ومن يبخل فإنما ~~يبخل عن داعى نفسه لا عن داعى ربه، أو فإنما يبخل على نفسه. يقال بخل ~~عليه وعنه - كفرح وكرم ms4701 - بمعنى، لأن البخل فيه معنى المنع والإمساك ~~ومعنى التضييق على منع عنه المعروف، فعدى بلفظ { عن } نظرا للمعنى ~~الأول، ولفظ { على } نظرا للمعنى الثانى { والله } - تعالى - هو { ~~الغني وأنتم الفقرآء } إليه، لاحتياجكم إلى عونه احتياجا ~~تاما، { وإن تتولوا } أى وإن تعرضوا عن هذا الإرشاد الحكيم. { ~~يستبدل قوما غيركم } أى يخلق بدلكم قوما آخرين. { ثم ~~لا يكونوا أمثالكم } أى ثم لا يكونوا أمثالكم فى الإعراض عن ~~الخير، وفى البخل بما آتاهم الله من فضله. والمتأمل فى هذه الآية يراها ~~قد اشتملت على أسمى ألوان الدعوة إلى الإيمان والسخاء، والنهى عن الجحود ~~والبخل. وبعد فهذا تفسير وسيط لسورة محمد - صلى الله عليه وسلم - نسأل ~~الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده. وصلى الله على ~~سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [48 - سورة الفتح] ### || [48.1-7] # افتتحت سورة " الفتح " بهذه البشارات السامية، والمدائح العالية للنبى - ~~صلى الله عليه وسلم - افتتحت بقوله - تعالى - { إنا فتحنا لك ~~فتحا مبينا }. والفتح فى الأصل إزالة الأغلاق عن الشئ.. وفتح ~~البلد المقصود به الظفر به، ووقوعه تحت سيطرة الفاتح. والذى عليه ~~المحققون من العلماء أن المراد بالفتح هنا صلح الحديبية وما ترتب عليه من ~~خيرات كثيرة، ومنافع جمة للمسلمين. ويشهد لذلك أحاديث متعددة منها ما ~~أخرجه البخارى وأبو داود والنسائى عن ابن مسعود قال أقبلنا من الحديبية ~~مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان قد خرج إليها - صلى الله عليه ~~وسلم - يوم الاثنين هلال ذى القعدة، فأقام بها بضعة عشر يوما، ثم قفل ~~راجعا إلى المدينة، فبينما نحن نسير إلى المدينة إذ أتاه الوحى - وكان ~~إذا أتاه اشتد عليه - فسرى عنه وبه من السرور ما شاء الله، فأخبرنا أنه ~~أنزل عليه { إنا فتحنا لك فتحا مبينا }. # " وروى الإمام أحمد وأبو داود عن مجمع بن جارية الأوسى قال شهدنا ~~الحديبية، فلما انصرفنا منها وجدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~واقفا عند كراع الغميم - موضع بين مكة والمدينة - وقد جمع الناس وقرأ ~~عليهم { إنا فتحنا لك فتحا مبينا ms4702 } الآيات. فقال رجل يا ~~رسول الله، أو فتح هو؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - أي والذى نفسى بيده ~~إنه لفتح ". # ويرى بعضهم أن المراد بالفتح هنا فتح مكة، والتعبير عنه بالماضى فى قوله ~~{ إنا فتحنا لك فتحا مبينا } لتحقق الوقوع، فهو من قبيل ~~قوله - تعالى - # أتى أمر الله فلا تستعجلوه... # ويبدو لنا أن المراد بالفتح هنا صلح الحديبية لوجود الآثار الصحيحة التى ~~تشهد لذلك، ولأن هذا الصلح قد ترتب عليه من المنافع للدعوة الإسلامية ما ~~يجعله من أعظم الفتوح، إن لم يكن أعظمها. لقد ترتب عليه أن انتشر الأمان ~~بين المسلمين والمشركين، فاستطاع المسلمون أن ينشروا دعوة الحق فى مكة ~~وفى غيرها، كما استطاعوا أن ينتقلوا من مكان إلى آخر للتبشير بدينهم، ~~فترتب على ذلك أن دخل فى الإسلام عدد كبير من الناس. قال الزهرى لم يكن ~~فتح أعظم من صلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين، فسمعوا ~~كلامهم، وتمكن الإسلام من قلوبهم، وأسلم خلق كثير، وكثر بهم سواد ~~الإسلام. قال ابن هشام والدليل على صحة قول الزهرى، أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - خرج إلى الحديبية فى ألف وأربعمائة من أصحابه ثم خرج ~~إلى مكة فى عام الفتح - بعد ذلك بسنتين - فى عشرة آلاف من أصحابه. # وقد أكد - سبحانه - هذا الفتح بثلاثة أنواع من المؤكدات، وهى " إن " ~~والمصدر " فتحا " والوصف " مبينا " وذلك للمسارعة إلى تبشير المؤمنين ~~بتحقق هذا الفتح، ولإدخال السرور على قلوبهم، بعد تلك الشروط التى اشتمل ~~عليها الصلح، والتى ظنها بعضهم أن فيها إجحافا بالمسلمين. وأسند - سبحانه ~~- الفعل إلى نون العظمة { فتحنا } لتفخيم شأن المخبر - عز وجل - وعلو ~~شأن المخبر عنه وهو الفتح. وقدم - سبحانه - الجار والمجرور { لك } على ~~المفعول المطلق { فتحا } للاهتمام وللإشعار بأن ذلك الفتح كان من ~~أجله - صلى الله عليه وسلم - وفى ذلك ما فيه من تعظيم أمره - صلى الله ~~عليه وسلم - ومن وجوب طاعته، والامتثال لأمره. ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك ~~مظاهر فضله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - فقال { ليغفر لك ms4703 ~~الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته ~~عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله ~~نصرا عزيزا }. واللام فى قوله { ليغفر } متعلقة بقوله { ~~فتحا } وهى للتعليل. والمراد بما تقدم من ذنبه - صلى الله عليه وسلم - ~~ما كان قبل النبوة، وبما تأخر منه ما كان بعدها. والمراد بالذنب هنا ~~بالنسبة له - صلى الله عليه وسلم - ما كان خلاف الأولى، فهو من باب حسنات ~~الأبرار سيئات المقربين، أو المراد بالغفران الحيلولة بينه وبين الذنوب ~~كلها، فلا يصدر منه - صلى الله عليه وسلم - ذنب، لأن غفران الذنوب معناه ~~سرتها وتغطيتها وإزالتها. قال الشوكانى وقوله - تعالى - { ليغفر ~~لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } اللام متعلقة ~~بفتحنا وهى لام العلة، قال المبرد هى لام كى ومعناها إنا فتحنا لك فتحا ~~مبينا - أى ظاهرا واضحا مكشوفا - لكى يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة فى ~~الفتح، فلما انضم إلى المغفرة شئ حادث واقع حسن معنى كى. وقال ابن عطية ~~المراد أن الله فتح لك لكى يجعل الفتح علامة لغفرانه لك، فكأنها لام ~~الصيرورة.. وقال بعض العلماء وقوله { ليغفر لك الله ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر } هو كناية عن عدم المؤاخذة. أو ~~المراد بالذنب ما فرط منه - صلى الله عليه وسلم - من خلاف الأولى بالنسبة ~~لمقامه - صلى الله عليه وسلم - أو المراد بالغفران الحيلولة بينه وبين ~~الذنوب كلها، فلا يصدر منه ذنب. لأن الغفر هو الستر، والستر إما بين ~~العبد والذنب، وهو اللائق بمقام النبوة، أو بين الذنب وعقوبته، وهو ~~اللائق بغيره. واللام فى { ليغفر } للعلة الغائية. أى أن مجموع ~~المتعاطفات الأربعة غاية للفتح المبين، وسبب عنه لا كل واحد منها. # والمعنى يسرنا لك هذا الفتح لإتمام النعمة عليك، وهدايتك إلى الصراط ~~المستقيم، ولنصرك نصرا عزيزا. ولما امتن الله عليه بهذه النعم، صدرها بما ~~هو أعظم، وهو المغفرة الشاملة ليجمع له بين عزى الدنيا والآخرة. فليست ~~المغفرة مسببة عن الفتح. ولقد كان - صلى الله عليه وسلم - مع هذه المغفرة ~~من الله - تعالى - له، أعبد الناس ms4704 لربه، وأشدهم خوفا منه، وأكثرهم صلة ~~به. قال ابن كثير قال الإمام أحمد # " حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن زياد بن علاقة قال سمعت المغيرة بن ~~شعبة يقول كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يصلى حتى ترم قدماه أى ~~تتورم - فقيل له أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال " ~~أفلا أكون عبدا شكورا ". # وعن عروة بن الزبير # " عن عائشة قالت كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى قام حتى ~~تتفطر رجلاه - أى تتشقق - فقالت له عائشة يا رسول الله، أتصنع هذا وقد ~~غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال " يا عائشة، أفلا أكون عبدا ~~شكورا.. ". # وقوله - تعالى - { ويتم نعمته عليك } معطوف على ما قبله. ~~أى ويتم - سبحانه - نعمه عليك - أيها الرسول الكريم - بأن يظهر دعوتك، ~~ويكتب بها النصر، والخلود، ويعطيك من الخصائص والمناقب ما لم يعطه لأحد ~~من الأنبياء، فضلا عن غيرهم. { ويهديك صراطا مستقيما } أى ~~ويهديك ويرشدك - سبحانه - بفضله وكرمه، إلى الطريق القويم، والدين الحق، ~~والأقوال الطيبة، والأعمال الصالحة.. { وينصرك الله } - تعالى - ~~{ نصرا عزيزا } أى نصرا قويا منيعا لا يغلبه غالب، ولا يدفعه دافع، ~~لأنه من خالفك الذى لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه.. هذا، والمتأمل فى ~~هذه الآيات الكريمة، يرى أن الله - تعالى - قد أكرم نبيه - صلى الله عليه ~~وسلم - إكراما لا يدانيه إكرام، ومنحه من الخير والفضل ما لم يمنحه لأحد ~~سواه. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من مظاهر فضله على المؤمنين فقال ~~{ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ~~ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم.. }.. والسكينة من السكون، ~~والمراد بها الثبات والطمأنينة التى أودعها - سبحانه - فى قلوب المؤمنين، ~~فترتب على ذلك أن أطاعوا الله ورسوله. بعد أن ظنوا أن فى شروط صلح ~~الحديبية ظلما لهم. وأن بايعوا النبى - صلى الله عليه وسلم - على الموت ~~بعد أن بلغهم أن عثمان - رضى الله عنه - قد قتله المشركون، وفى التعبير ~~عن ذلك بالإنزال، إشعار بعلو شأنها، حتى لكأنها كانت مودعة ms4705 فى خزائن ~~رحمة الله - تعالى -، ثم أنزلها بفضله فى قلوبهم بعد ذلك. # . أى هو - سبحانه - بفضله ورحمته، الذى أنزل السكينة والطمأنينة والثبات ~~فى قلوب المؤمنين، فانشرحت صدورهم لهذا الصلح بعد أن ضاقت فى أول الأمر. ~~وقوله { ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم } تعليل لهذا ~~الانزال للسكينة. أى أوجد السكينة وخلقها فى قلوبهم، ليزدادوا يقينا على ~~يقينهم، وتصديقا لى تصديقهم وثباتا على ثباتهم. وشبيه بهذه الآية قوله - ~~تعالى - # إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا # وقوله - سبحانه - # وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم ~~إيمانا وهم يستبشرون # وقد أخذ العلماء من هذه الآية وأمثالها، أن الإيمان يزيد وينقص. قال ~~الآلوسى ما ملخصه قال البخارى لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار، ~~فما رأيت أحدا منهم يختلف فى أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص. ~~واحتجوا على ذلك بالعقل والنقل. أما العقل، فلأنه لو لم تتفاوت حقيقة ~~الإيمان لكان إيمان آحاد الأمة المنهمكين فى الفسوق والمعاصى، مساويا ~~لإيمان الأنبياء، واللازم باطل، فكذا الملزوم.. وأما الثانى فلكثرة ~~النصوص فى هذا المعنى، ومنها الآية التى معنا وأمثالها، ومنها وما روى # " عن ابن عمر قال قلنا يا رسول الله، إن الايمان يزيد وينقص، قال " نعم ~~يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخله النار ". # وقال الإمام النووى وغيره إن الايمان بمعنى التصديق القلبى، يزيد وينقص ~~- أيضا بكثرة النظر، ووضوح الأدلة، ولهذا كان إيمان الصديقين أقوى من ~~إيمان غيرهم.. ثم بين - سبحانه - شمول ملكه وقدرته فقال { ولله ~~جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما }. ~~أى ولله - تعالى - وحده جنود السماوات والأرض من ملائكة وجن وإنس، إذ ~~الكل تحت قهره وسلطانه، فهو - سبحانه - الذى يدبر أمرهم كيف شاء، ويدفع ~~بعضهم ببعض كما تقتضى حكمته وإرادته، وهو - تعالى - العليم بكل شئ. ~~الحكيم فى جميع أفعاله.. واللام فى قوله - سبحانه - { ليدخل ~~المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار.. } متعلقة بمحذوف أو بقوله { فتحنا }.. أى فعل - سبحانه ~~- ما فعل من جعل جنود السماوات والأرض تحت ms4706 سيطرته وملكه، ومن دفع الناس ~~بعضهم ببعض، ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجرى من تحتها الأنهار. { ~~خالدين فيها } خلودا أبديا { ويكفر عنهم سيئاتهم ~~} التى فعلوها فى دنياهم، بأن يغفرها لهم، ويزيلها عنهم، بل ويحولها لمن ~~شاء منهم بفضله وكرمه إلى حسنات. { وكان ذلك } الإدخال للمؤمنين ~~الجنة، وتكفير سيئاتهم.. { عند الله } - تعالى - { فوزا عظيما ~~} لا يقادر قدره، لأنه نهاية آمال المؤمنين، وأقصى ما يتمناه العقلا ~~المخلصون. { ويعذب } - سبحانه - بعدله { المنافقين ~~والمنافقات والمشركين والمشركات الظآنين ~~بالله ظن السوء... }. أى الظانين بالله - تعالى - وبرسوله ~~وبالمؤمنين الظن السيئ بأن توهموا أن الدائرة ستدور على المؤمنين وأنهم ~~هم الذين سينتصرون. # أو أنهم هم على الحق. وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه على ~~الباطل. فقوله { السوء } صفة لموصوف محذوف. أى الظانين بالله ظن ~~الأمر السوء. وقوله - تعالى - { عليهم دآئرة السوء } دعاء ~~عليهم بأن ينزل بهم ما توقعوه للمؤمنين من سوء. أى عليهم وحدهم ينزل ما ~~يتمنونه للمؤمنين من شر وسوء. والدائرة فى الأصل تطلق على الخط بالشىء، ~~ثم استعملت فى النازلة المحيطة بمن نزلت به، وتستعمل أكثر ما تستعمل فى ~~المصائب والمكاره. قال صاحب الكشاف قوله { عليهم دآئرة ~~السوء } أى ما يظنونه ويتوقعونه بالمؤمنين فهو حائق بهم ودائر علهيم. ~~والسوء الهلاك والدمار. فإن قلت هل من فرق بين السوء والسوء؟ قلت ~~هما كالكره والكره، والضعف والضعف من ساء، إلا أن المفتوح غالب فى ~~أن يضاف إليه ما يراد ذمه من كل شئ، وأما السوء بالضم، فجار مجرى الشر ~~الذى هو نقيض الخير. ثم قال - تعالى - { وغضب الله عليهم ~~ولعنهم وأعد لهم جهنم وسآءت مصيرا }. أى ليس ~~عليهم دائرة السوء فقط، بل وفضلا عن ذلك فقد غضب الله - تعالى - عليهم، ~~وطردهم من رحمته، وأعد لهم فى الآخرة نار جهنم، وساءت هذه النار مصيرا ~~لهم. ثم أكد - سبحانه - ملكيته لكل شئ فقال { ولله جنود ~~السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما } ، أى ولله ~~- تعالى - وحده جنود السماوات والأرض، وكان - سبحانه - وما زال غالبا على ~~كل شئ، حكيما فى كل ms4707 أوامره ونواهيه. وفى كل تصرفاته وأفعاله. ولما كان ~~المقصود من ذكر الجنود هنا تهديد المنافقين والمشركين، وأنهم فى قبضته - ~~تعالى -، ناسب أن تذيل الآية هنا بقوله { وكان الله عزيزا ~~حكيما } لأن العزة تقتضى الغلبة للغير. ولما كان المقصود من ذكر ~~الجنود فى الآية الرابعة، بيان أن المدبر لهذا الكون هو الله - تعالى - ~~ناسب أن تذيل الآية هناك بقوله - سبحانه - { وكان الله عليما ~~حكيما }. ثم حدد الله - تعالى - الوظيفة التى كلف بها رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم - وبشر المؤمنين الذين وفوا بعهودهم بالأجر العظيم فقال { ~~إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا... فسيؤتيه أجرا ~~عظيما }. ### || [48.8-10] # وقوله { مبشرا } من التبشير، وهو الإخبار بالأمر السار لمن لا علم ~~له بهذا الأمر. وقوله { ونذيرا } من الإنذار، وهو الإخبار بالأمر ~~المخيف، لكى يجتنب ويحذر. أى { إنآ أرسلناك } - أيها الرسول ~~الكريم - إلى الناس، لتكون { شاهدا } لمن آمن منهم بالإيمان، ولمن ~~كفر منهم بالكفر، بعد أن بلغتهم رسالة ربك تبليغا تاما كاملا. ولتكون { ~~مبشرا } للمؤمنين منهم برضا الله عنهم ومغفرته لهم { ونذيرا } ~~للكافرين وللعصاة بسوء المصير إذا ما استمروا على كفرهم وعصيانهم. ~~والحكمة فى جعله - صلى الله عليه وسلم - شاهدا مع أن الله - تعالى - لا ~~يخفى عليه شئ إظهار العدل الإلهى للناس فى صورة جلية واضحة، وتكريم ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - بهذه الشهادة. وجمع - سبحانه - بين كونه - ~~صلى الله عليه وسلم - { مبشرا ونذيرا } لأن من الناس من ينفعه ~~الترغيب فى الثواب، ومنهم من لا يزجره إلى التخويف من العقاب. وانتصاب { ~~شاهدا ومبشرا ونذيرا } على الحال المقدرة. وفى معنى هذه ~~الآية وردت آيات كثيرة، منها قوله - تعالى - # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا... # وقوله - سبحانه - # ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من ~~أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلآء... # وقوله - عز وجل - # يأيها النبي إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا ~~ونذيرا # ثم بين - سبحانه - الحكمة من إرساله - صلى الله عليه وسلم - فقال { ~~لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه ~~وتسبحوه بكرة وأصيلا }. وقوله { وتعزروه } من ~~التعزير بمعنى ms4708 النصرة مع التعظيم والتفخيم. وقوله { وتوقروه } أى ~~تعظموه وتقدروه. وقوله { وتسبحوه } من التسبيح بمعنى التنزيه. ~~تقول سبحت الله - تعالى - أى نزهته عما لا يليق به، و { بكرة } أول ~~النهار، و { أصيلا } آخره، والمراد ظاهرهما، أو جميع أوقات النهار، ~~كما يقال شرقا وغربا لجميع الجهات. والخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- ولأمته، كقوله - تعالى - # يأيها النبي إذا طلقتم النسآء... # والقراءة بتاء الخطاب، هى قراءة الجمهور من القراء. قال الآلوسى وهو من ~~باب التغليب، غلب فيه المخاطب على الغائب فيفيد أن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - مخاطب بالإيمان برسالته كأمته.. أى أرسلناك - أيها الرسول الكريم ~~- شاهدا ومبشرا ونذيرا، لتكون على رأس المؤمنين بما أرسلناك به، وليتبعك ~~فى ذلك أصحابك ومن سيأتى بعدهم، بأن يؤمنوا بالله ورسوله إيمانا حقا، ~~ولينصروك ويعظموك، وليسبحوا الله - تعالى - فى الصباح والمساء. وعلى هذا ~~يكون الضمير فى قوله - تعالى - { وتعزروه وتوقروه } يعود ~~إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفى قوله { وتسبحوه } يعود إلى ~~الله - تعالى -. # قال القرطبى ما ملخصه قرأ ابن كثير وأبو عمرو { ليؤمنوا } وكذلك { ~~يعزروه ويوقروه ويسبحوه } كله بالياء على الخبر.. وقرأ الباقون بالتاء فى ~~الخطاب... والهاء فى قوله { وتعزروه وتوقروه } للنبى - صلى ~~الله عليه وسلم - وهنا وقف تام. ثم تبتدئ بقوله { وتسبحوه } أى ~~تسبحوا الله بكرة وأصيلا. وقيل الضمائر كلها لله - تعالى - فعلى هذا يكون ~~تأويل { وتعزروه وتوقروه } أى تثبتوا له صحة الربوبية، ~~وتنفوا عنه أن يكون له ولد أو شريك.. ثم مدح - سبحانه - الذين عاهدوا ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - ووفوا بعهودهم أكمل وفاء، فقال { إن ~~الذين يبايعونك إنما يبايعون الله.. }. وقوله - ~~سبحانه - { يبايعونك } من المبايعة أو من البيعة، بمعنى المعاهدة ~~أو العهد، وسميت المعاهدة مبايعة، لاشتمال كل واحد منهما على معنى ~~المبادلة، وعلى وجوب الصدق والوفاء. والمراد بهذه المبايعة، ما كان من ~~المؤمنين فى صلح الحديبية، عندما عاهدوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~على الثبات وعلى مناجزة المشركين بعد أن أشيع أنهم قتلوا عثمان - رضى ~~الله عنه -. أى إن الذين يبايعونك على الموت ms4709 أو على عدم الفرار عند لقاء ~~المشركين، إنما يبايعون ويعاهدون الله - تعالى - على ذلك قبل أن يبايعوك ~~أنت، لأن المقصود من هذه البيعة إنما هو طاعته - سبحانه - وامتثال أمره، ~~كما قال - تعالى - # من يطع الرسول فقد أطاع الله # فالمقصود بقوله { إنما يبايعون الله } تأكيد وجوب الوفاء ~~بما عاهدوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليه من الثبات وعدم الفرار، ~~والطاعة له فى كل ما يأمرهم به. وقوله - سبحانه - { يد الله فوق ~~أيديهم } زيادة فى تأكيد وجوب الوفاء. ومذهب السلف فى هذه الآية ~~وأمثالها من آيات الصفات أنه يجب الإيمان بها، وتفويض علم معناها المراد ~~منها إلى الله - تعالى - وترك تأويلها مع تنزيهه - تعالى - عن حقيقتها، ~~لاستحالة مشابهته - تعالى - بالحوادث، كما قال - سبحانه - # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # أما الخلف فمذهبهم تأويل هذه الصفات على معنى يليق بجلاله، فيؤولون اليد ~~هنا بالقوة أو القدرة. أى قوة الله - تعالى - ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم، ~~كما يقال اليد فى هذه المسألة لفلان، أى الغلبة والنصرة له. أو المعنى يد ~~الله - تعالى - بالوفاء بما وعدهم من الخير والنصرة فوق أيديهم.. ~~والمقصود بهذه الجملة - كما أشرنا - زيادة التأكيد على وجوب الوفاء ~~والثبات. قال صاحب الكشاف لما قال - سبحانه - { إنما يبايعون ~~الله } أكده تأكيدا على سبيل التمثيل، فقال { يد الله فوق ~~أيديهم } يريد أن يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التى تعلو ~~أيدى المبايعين هى يد الله، والله - تعالى - منزه عن الجوارح وعن صفات ~~الأجسام. # . وإنما المعنى تقرير أن عقد الميثاق من الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~كعقده مع الله - تعالى -. ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الناكثين فقال { ~~فمن نكث فإنما ينكث على نفسه } أى فمن نقض العهد ~~بعد إبرامه وتوثيقه، فإنما عاقبة نقضه يعود وبالها وشؤمها عليه. فقوله { ~~نكث } مأخوذ من النكث - بكسر النون - وهو فك الخيوط المغزولة بعد ~~غزلها، وقوله { ومن أوفى بما عاهد عليه الله ~~فسيؤتيه أجرا عظيما } أى ومن ثبت على الوفاء بما عاهد الله - ~~تعالى - عليه فسيعطيه - سبحانه - من فضله أجرا ms4710 عظيما على ذلك. والهاء فى ~~قوله { عليه } قرأها حفص بالضم، توصلا إلى تفخيم لفظ الجلالة، ~~الملائم لتفخيم أمر العهد المشعر به الكلام، وقرأها الجمهور بالكسر. هذا، ~~وقد وردت أحاديث متعددة، تصرح بأن الذين كانوا مع النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - فى صلح الحديبية قد بايعوا جميعا النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~على الموت أو على الفرار، سوى جماعة من المنافقين، امتنعوا عن هذه ~~البيعة، لمرض قلوبهم، وسوء طويتهم.. ومن هذه الأحاديث ما أخرجه الشيخان ~~عن سلمة بن الأكوع قال بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت ~~الشجرة، قيل على أى شئ؟ قال على الموت. وروى مسلم فى صحيح عن جابر بن عبد ~~الله أنه سئل كم كان عددكم يوم الحديبية؟ قال كنا أربع عشرة مائة، ~~فبايعنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أن لا نفر - سوى الجد بن قيس ~~فإنه اختفى تحت بطن بعيره، ولم يسرع مع القوم.. وهكذا فاز المؤمنون ~~الصادقون بشرف هذه البيعة وحرم منها المنافقون لمرض قلوبهم. ثم انتقلت ~~السورة الكريمة إلى الحديث عن المتخلفين، الذين لم يخرجوا مع النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - إلى صلح الحديبية، فتحكى أعذارهم الزائفة، وتفضحهم على ~~رءوس الأشهاد، وترد على أقوالهم الباطلة، وتأمر النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - بالإعراض عنهم، وإهمال أمرهم، فهم قوم استحوذ عليهم الشيطان ~~فأنساهم ذكر الله.. ### || [48.11-17] # قال الإمام الرازى ما ملخصه لما بين - سبحانه - حال المنافقين، ذكر ~~المتخلفين - بعد ذلك - فإن قوما من الأعراب امتنعوا عن الخروج مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة، لظنهم أنه يهزم، فإنهم قالوا أهل ~~مكة قاتلوه على باب المدينة.. فكيف يذهب إليهم.. واعتذروا عن الخروج معه ~~- صلى الله عليه وسلم -. والمخلفون جمع مخلف، وهو المتروك فى مكان خلف ~~الخارجين من البلد كالنساء والصبيان، فإنهم فى العادة لا يخرجون مع ~~الرجال للجهاد، وعبر عنهم بالمخلفين على سبيل الذم لهم. والأعراب اسم جنس ~~لبدو العرب، واحده أعرابى، والأنثى أعرابية، والمقصود بهم هنا سكان ~~البادية من قبائل غفار، ومزينة، وجهينة، ms4711 وأشجع، وأسلم، والديل، ~~وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد دعاهم إلى الخروج معه إلى مكة، ~~ليساعدوه على إقناع قريش شفى الإذن بدخول مكة للطواف بالبيت الحرام.. ~~ولكنهم اعتذروا. وقوله - سبحانه - سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا ~~أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا.. إعلام من الله - تعالى - لنبيه - صلى الله ~~عليه وسلم - بما سيقوله هؤلاء المتخلفون له، بعد عودته إليهم من صلح ~~الحديبية. أى سيقول المخلفون لك - أيها الرسول الكريم - إننا ما تخلفنا ~~عنك باختيارنا، ولكن انشغالنا بحفظ ورعاية أموالنا ونسائنا وأولادنا ~~الصغار، حال بيننا وبين الخروج معك إلى الحديبية، وما دام الأمر كذلك { ~~فاستغفر لنا } الله - تعالى - لكى يغفر لنا ذنوبنا التى وقعنا ~~فيها بسبب هذا التخلف الذى لم يكن عن تكاسل أو معصية لك. ولما كان قولهم ~~هذا لم يكن صحيحا، فقد رد الله - تعالى - عليهم بقوله { يقولون ~~بألسنتهم ما ليس في قلوبهم }. أى هم ليسوا صادقين ~~فيما يقولون، والحق أنهم يقولون قولا من أطراف ألسنتهم، دون أن تؤيده ~~قلوبهم، فإن السبب الحقيقى لعدم خروجهم معك، هو ضعف إيمانهم، ومرض ~~قلوبهم، وتذبذب نفوسهم. فالجملة الكريمة تكذيب لهم فيما قالوه، وفضيحة ~~لهم على رءوس الأشهاد. ثم أمر الله - تعالى - أن يجابههم بقوله { قل ~~فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا ~~أو أراد بكم نفعا }.. والاستفهام للإنكار والنفى. أى قل - ~~أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المتخلفين من الأعراب لا أحد يستطيع أن يمنع ~~عنكم قضاء الله - تعالى -، إن أراد بكم ما يضركم من قتل أو هزيمة، أو إن ~~أراد بكم ما ينفعكم، من نصر أو غنيمة لأن قضاء الله - تعالى - لا دافع ~~له، كما قال - سبحانه - # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده # ثم أضرب - سبحانه - عن ذلك وقال { بل كان الله بما تعملون ~~خبيرا } أى إن تخلفكم ليس سببه ما زعمتم، بل الحق أن تخلفكم كان بسبب ~~ضعف إيمانكم، والله - تعالى - مطلع على أحوالكم اطلاعا تاما، وسيجازيكم ~~بما تستحقون. ثم ms4712 أكد - سبحانه - كذبهم بإضراب آخر عن أقوالهم فقال { بل ~~ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى ~~أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن ~~السوء وكنتم قوما بورا } والبور فى الأصل مصدر كالهلك، ~~يوصف به المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث. وهو هنا مستعمل بمعنى ~~اسم الفاعل وقيل هو جمع بائر، كحائل وحول. قال صاحب الكشاف والبور من ~~بار، كالهلك من هلك بناء ومعنى، ولذلك وصف به الواحد والجمع والمذكر ~~والمؤنث. ويجوز أن يكون جمع بائر كعائذ وعوذ.. والمعنى ليس الأمر كما ~~زعمتم - أيها المخلفون - من أن أموالاكم وأولادكم هى التى شغلتكم عن ~~الخروج مع رسولكم - صلى الله عليه وسلم - ولكن الحق أنكم ظننتم أن العدو ~~سيستأصل شأفة المؤمنين بالقتل والإهلاك. وأنهم لن يعودوا بعد ذلك إلى ~~أهليهم أبدا.. وزين الشيطان هذا الظن الفاسد فى قلوبكم، ومكنه من نفوسكم ~~فقبعتم فى دياركم، وظننتم، فى كل ما يتعلق بالرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- وبأتباعه الصادقين { ظن السوء } أى الظن الذى كله سوء وشر ~~ومنكر.. { وكنتم } فى علم الله - تعالى - وحكمه { قوما بورا } ~~أى قوما هالكين فاسدين، لا تصلحون لشئ من الخير، ولا تستحقون إلا الخزى ~~والعقاب. فأنت ترى أن الله - تعالى - قد ذم هؤلاء المتخلفين وفضحهم ~~وتوعدهم بسوء المصير، لأسباب متعددة، منها سوء ظنهم بالله - تعالى - ~~وبرسوله، - صلى الله عليه وسلم - فقد توهموا أن الرسول والمؤمنين سيقتلون ~~على يد أعدائهم، وأنهم لن يعودوا إلى أهليهم أبدا. ومنها اعتذارهم ~~الكاذب، بانشغالهم بأموالهم وأهليهم.. ومنها تعمدهم الكذب. وتفوههم ~~بالكلام الذى لا تؤيده قلوبهم. ثم ختم - سبحانه - هذا الذم والتهديد ~~للمتخلفين بقوله { ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنآ ~~أعتدنا للكافرين سعيرا }. أى ومن لم يؤمن بالله - تعالى - ~~إيمانا حقا، وبصدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى كل ما جاء به من عند ~~ربه، ويطيعه فى كل ما أمر به أو نهى عنه، عاقبناه عقابا شديدا، فإنا قد ~~هيأنا للكافرين نارا مسعرة، تحرق الأبدان، وتشوى الوجوه.. ثم بين - ~~سبحانه - أنه هو المالك لكل شئ فقال { ولله ms4713 ملك السماوت ~~والأرض } خلقا وتصرفا { يغفر لمن يشآء } أن يغفر له { ~~ويعذب من يشآء } أن يعذبه. { وكان } - سبحانه - وما زال { ~~غفورا } أى واسع المغفرة { رحيما } أى واسع الرحمة. # ثم عادت السورة الكريمة إلى حكاية أقوال هؤلاء المنافقين، وإلى الرد ~~عليها، فقال - تعالى - { سيقول المخلفون إذا انطلقتم ~~إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم.. }. والمراد ~~بالمخلفين هنا السابقون الذين وصفوا بأنهم من الأعراب، فاللام للعهد. أى ~~سيقول المخلفون عن الخروج معك يا محمد إلى مكة بعد أن خاب ظنهم فرجعتم ~~سالمين إليهم بعد صلح الحديبية، سيقولون لك ولأصحابك { ذرونا ~~نتبعكم } أى اتركونا لنسير معكم، لنشارككم فى جمع الغنائم التى ~~تنالونها من أعدائكم. فقوله { ذرونا } بمعنى اتركونا ودعونا. قال ~~الآلوسى والمراد بالمغانم هنا مغانم خيبر - كما عليه عامة المفسرين - ولم ~~نقف على خلاف فى ذلك، وأيد بأن السين تدل على القرب، وخيبر أقرب المغانم ~~التى انطلقوا إليها من الحديبية - كما علمت - فإرادتها كالمتعينة، وقد ~~جاء فى الأخبار الصحيحة أن الله - تعالى - وعد أهل الحديبية أن يعوضهم من ~~مغانم مكة مغانم خيبر، إذا قفلوا موادعين لا يصيبون شيئا ". وقد كان رجوع ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من صلح الحديبية فى ذى الحجة من ~~السنة السادسة، وخروجهم إلى خيبر كان فى المحرم من السنة السابعة، وقد ~~أصاب المسلمون من خيبر غنائم كثيرة، وقد جعلها - صلى الله عليه وسلم - ~~لمن شهد معه صلح الحديبية دون غيرهم. وقوله { يريدون أن ~~يبدلوا كلام الله } أى يريد هؤلاء المخلفون بقولهم { ~~ذرونا نتبعكم } أن يغيروا حكم الله - تعالى - الذى حكم به، وهو ~~أن غنائم خيبر خاصة لمن شهد صلح الحديبية، أما هؤلاء المخلفون فلا نصيب ~~لهم فيها. ثم لقن الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - الرد الذى ~~يخرسهم فقال { قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من ~~قبل... } أى قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المخلفين - على سبيل ~~الإقناط والتيئيس والزجر - لا تتبعونا ونحن متجهون إلى خيبر لفتحها. ~~فالنفى فى قوله { لن تتبعونا } بمعنى النهى للمبالغة فى منعهم من ~~الخروج مع ms4714 المؤمنين إلى خيبر. وقوله { كذلكم قال الله من ~~قبل } أى مثل هذا النهى الصادر منى قد قاله الله - تعالى - من قبل ~~رجوعنا من الحديبية، فقد أمرنى بمنعكم من الخروج معى إلى خيبر، وبحرمانكم ~~من غنائمها، عقابا لكم على معصيتكم لى، وعلى سوء ظنكم بى وبأصحابى.. ثم ~~حكى - سبحانه - ما سيقوله هؤلاء المنافقون بعد مجابهتهم بتلك الحقيقة ~~فقال { فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا ~~يفقهون إلا قليلا }. أى فسيقولون لك - أيها الرسول الكريم - ~~بعد منعك إياهم من الخروج معكم إلى خيبر، وبعد أن ذكرت لهم حكم الله ~~فيهم.. سيقولون لك على سبيل السفاهة وسوء الأدب أنتم أيها المؤمنون ~~تريدون بسبب هذا المنع من الخروج معكم إلى خيبر، أن تحسدوننا وتمنعوننا ~~حقنا فى الغنيمة، والله - تعالى - لم يأمركم بمنعنا، وإنما أنتم الذين ~~فعلتموه حسدا لنا. # وقوله { بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا } إضراب عن ~~قولهم هذا على سبيل التسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - أى ليس الحق ~~كما زعموا، بل الحق أنهم قوم دأبهم الحمق والجهالة، ولا يفقهون من أمور ~~الدين إلا فقها قليلا، لا يسمن ولا يغنى من جوع. قال صاحب الكشاف فإن قلت ~~ما الفرق بين حرفى الإضراب؟ قلت الأول إضراب معناه رد أن يكون حكم الله ~~أن لا يتبعوهم وإثبات الحسد. والثانى إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى ~~المؤمنين، إلى وصفهم بما هو أطم منه، وهو الجهل وقلة الفقه.. ثم فتح - ~~سبحانه - أمام هؤلاء المخلفين من الأعراب باب التوبة، فأمر النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يدعوهم إلى الجهاد معه، فإن صدقوا أفلحوا، وإن ~~أعرضوا خسروا فقال { قل للمخلفين من الأعراب ~~ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم ~~أو يسلمون }. أى قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المخلفين من ~~الأعراب عن الخروج معك، ستدعون فى المستقبل إلى القتال معى لقوم أصحاب ~~قوة وشدة فى الحرب، فيكون بينكم وبينهم أمران لا ثالث لهما إما قتالكم ~~لهم، وإما الإسلام منهم. " فأو " فى قوله { أو يسلمون } للتنويع ~~والحصر. وجملة { تقاتلونهم أو يسلمون } مستأنفة ms4715 للتعليل، ~~كما فى قوله سيدعوك الأمير للقائه يكرمك أو يخزى عدوك. وقد اختلف ~~المفسرون فى المراد بهؤلاء القوم أولى البأس الشديد، فمنهم من قال فارس ~~والروم، ومنهم من قال بنو حنيفة أتباع مسيلمة الكذاب. والذى عليه ~~المحققون من العلماء أن المقصود بهم هوازن وثقيف الذين التفى بهم ~~المسلمون فى غزوة حنين بعد فتح مكة. وذلك لأن عددا كبيرا من تلك القبائل ~~المتخلفة قد اشتركت فى تلك الغزوة، حتى لقد بلغ عدد المسلمين فيها ما ~~يقرب من اثنى عشر ألفا، ولأن أهل هوازن وثقيف قد كانوا يجيدون الرماية ~~والكر والفر، فاستطاعوا فى أول المعركة - بعد أن اغتر المسلمون بقوتهم - ~~أن يفرقوا بعض صفوف المسلمين، ثم تجمع المسلمون بعد ذلك وانتصر عليهم، ثم ~~كانت النتيجة أن انتهت تلك الغزوة بإسلام هوازن وثقيف. كما هو معروف فى ~~كتب السيرة. ولقد أشار القرآن الكريم إلى ما كان بين المسلمين وبين هوازن ~~وثقيف من قتال فى قوله - تعالى - { لقد نصركم الله في ~~مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ~~فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما ~~رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله ~~سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا ~~لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزآء ~~الكافرين ثم يتوب الله من بعد ذلك على من ~~يشآء والله غفور رحيم }. # وقد رجح فضيلة شيخنا الدكتور أحمد السيد الكومى أن يكون المقصود بالقوم ~~أولى البأس الشديد هوازن وثقيف، فقال ما ملخصه وتكاد تنفق كتب السيرة على ~~أن الجيش الذى ذهب لفتح مكة، ثم ذهب بعد ذلك إلى غزوة هوازن وثقيف يوم ~~حنين، كان يضم بين جوانحه العدد الكثير من قبائل أسلم وأشجع وجهينة وغفار ~~ومزينة. وإذن فالأمر المحقق أن القبائل المتخلفة يوم الحديبية، ساهمت فى ~~الجهاد بقسط وافر يوم. فتح مكة، ويوم حنين.. وقد أقام المسلمون بمكة بعد ~~أن فتحوها - بدون قتال يذكر - خمسة عشر يوما.. ثم ذهبوا لقتال هوازن ~~وثقيف... وكانوا رماة مهرة ذوى مهارة حربية، ودراية بفنون القتال فهزموا ~~المسلمين فى أول الأمر، ms4716 ثم هزمهم المسلمون. ومن كل ذلك يترجح الحكم بأن ~~هؤلاء القوم هم هوازن، وأن كثيرا من المخلفين أسلم إسلاما خالصا، وحسنت ~~توبته... وقوله - سبحانه - { فإن تطيعوا يؤتكم الله ~~أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل ~~يعذبكم عذابا أليما } بيان للثواب العظيم الذى أعده - ~~سبحانه - للطائفين، وللعذاب الأليم الذى توعد به الفاسقين. أى فإن تطيعوا ~~- أيها المخالفون - رسولكم - صلى الله عليه وسلم - يؤتكم الله من فضله ~~أجرا حسنا، وإن تتولوا وتعرضوا عن الطاعة، كما أعرضتم من قبل فى صلح ~~الحديبية عن طاعته، يعذبكم - سبحانه - عذابا أليما. ثم ختم - سبحانه - ~~هذه الآيات برفع الحرج عن الذين تخلفوا لأعذار حقيقية فقال { ليس ~~على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على ~~المريض حرج.. }. أى ليس على هؤلاء إثم فى التخلف عن الجهاد، لما ~~بهم من الأعذار والعاهات المرخصة لهم فى التخلف عنه. { ومن يطع ~~الله ورسوله } فيما أمرا به أو نهيا عنه، { يدخله ~~جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول } عن ~~طاعتهما { يعذبه } الله - تعالى - { عذابا أليما } لا يقادر ~~قدره. ثم بشر الله - تعالى - المؤمنين الصادقين ببشارات متنوعة، ومدحهم ~~مدحا عظيما، وبين - سبحانه - أن سنته فى خلقه لن تتخلف، فقال - تعالى - { ~~لقد رضي الله عن المؤمنين... بما تعملون ~~بصيرا }. ### || [48.18-24] # واللام فى قوله - تعالى - { لقد رضي الله عن المؤمنين ~~إذ يبايعونك تحت الشجرة... } هى الموطئة للقسم، وتسمى ~~هذه البيعة بيعة الرضوان. والشجرة كانت بالحديبية، وقد جلس - صلى الله ~~عليه وسلم - تحتها ليبايع أصحابه على الموت أو على عدم الفرار، فبايعوه ~~على ذلك - ما عدا بعض المنافقين -، وقد كان الناس بعد ذلك يترددون على ~~تلك الشجرة ويصلون تحتها، ويدعون الله - تعالى -.. فأمر عمر - رضى الله ~~عنه - قطعها خشية الافتتان بها. أى والله لقد رضى الله - تعالى - عن ~~المؤمنين الذين بايعوك - أيها الرسول الكريم - تحت الشجرة، على الموت من ~~أجل إعلاء كلمة ربهم. وفى هذه الجملة أسمى وأعلى ما يتمناه إنسان، وهو ~~رضا الله - تعالى - عنه ودخوله فى زمرة العباد الذين ظفروا بمغفرته - ~~سبحانه ms4717 - ورحمته. قال الآلوسى - رحمه الله - والتعبير بالمضارع لاستحضار ~~صورة هذه المبايعة. وقوله - سبحانه - { تحت الشجرة } متعلق ~~بيبايعونك.. وفى التقييد بذلك إشارة إلى مزيد وقع تلك المبايعة فى ~~النفوس. ولذا استوجبت رضا الله - تعالى - الذى لا يعادله شئ، ويستتبع ما ~~لا يكاد يخطر على البال. ويكفى فيما ترتب على ذلك ما أخرجه أحمد عن جابر، ~~ومسلم عن أم بشر، عنه، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة ". # وصح برواية الشيخين وغيرهما فى أولئك المؤمنين من حديث جابر، أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - قال لهم # " أنتم خير أهل الأرض.. ". # وقوله - تعالى - { فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة ~~عليهم وأثابهم فتحا قريبا } بشارة أخرى لهؤلاء المؤمنين ~~الصادقين. أى لقد رضى - سبحانه - عن الذين بايعوك تحت الشجرة - أيها ~~الرسول الكريم - حيث علم ما فى قلوبهم من الصدق والإخلاص وإيثار الآخرة ~~على الأولى، فأنزل السكينة والطمأنينة والأمان عليهم، { وأثابهم } ~~أى وأعطاهم منحهم فتحا قريبا، وهو فتح خيبر، الذى كان بعد صلح الحديبية ~~بأقل من شهرين. وقيل المراد به فتح مكة، والأول أرجح، لأن فتح خيبر لم ~~يكن فتح أقرب منه، ولأن المسلمين قد أصابوا من فتح خيبر غنائم كثيرة. وقد ~~أشار - سبحانه - بعد ذلك إلى تلك الغنائم فقال { ومغانم كثيرة ~~يأخذونها... }. أى وأثابكم مغانم كثيرة تأخذونها من خيبر. { وكان ~~الله } - تعالى - وما زال { عزيزا } أى غالبا { حكيما } فى كل ~~أفعاله وأحكامه. { وعدكم الله مغانم كثيرة ~~تأخذونها.. } أيها المؤمنون من أعدائكم فى مستقبل أيامكم. وقد صدق ~~الله - تعالى - وعده معهم، فلقد غنموا بعد ذلك من بلاد فارس والروم ~~وغيرهما. # والإشارة فى قوله { فعجل لكم هذه } تعود إلى مغانم خيبر، ~~كما روى عن مجاهد - وعليه يكون المراد بالناس فى قوله { وكف أيدي ~~الناس عنكم } أهل خيبر وحلفاءهم من بنى أسد وغطفان حين جاءوا ~~لنصرة يهود خيبر، فألقى الله الخوف فى قلوبهم جميعا. ويرى بعض المفسرين ~~أن الإشارة فى قوله { فعجل لكم هذه } إلى صلح الحديبية وقد ~~روى ذلك ms4718 عن ابن عباس. وعليه يكون المراد بالناس فى قوله { وكف ~~أيدي الناس عنكم } مشركى قريش، أى منعهم من حربكم، بأن قذف فى ~~قلوبهم الرعب منكم. ويبدو لنا أن هذا الرأى الذى قاله ابن عباس - رضى ~~الله عنهما - هو الأقرب إلى الصواب، لأنه يتسق مع سياق الآيات، ولأنه ~~يؤكد أن صلح الحديبية كان فتحا ومغنما، كان فتحا بدليل قول الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - لمن شك فى ذلك # " أى والذى نفسى بيده إنه لفتح " # وكان مغنما لأن المسلمين غنموا من ورائه انتشار الدعوة الإسلامية فى ~~آفاق الأرض. واللام فى قوله { ولتكون آية للمؤمنين } ~~متعلقة بمحذوف، أى فعل ما فعل من التعجيل والكف لتكون تلك النعم ~~والبشارات علامات للمؤمنين على رعاية الله - تعالى - لهم، ورضاه عنهم. { ~~ويهديكم } أيها المؤمنون { صراطا مستقيما } أى طريقا ~~واضحا قويما، به تصلون إلى ما تبغونه من عزة وأمان. وقوله { وأخرى ~~لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها... } معطوف على { ~~هذه }. أى فعجل لكم هذه المغانم، وعجل لكم مغانم أخرى، لم تقدروا ~~على الحصول عليها قبل ذلك لبعدها عن أن تنالها أيديكم. وقد أحاط الله بها ~~لأنه - سبحانه - لا يعجزه شئ { وكان الله على كل شيء ~~قديرا }. وتختلف الأقوال فى هذه المغانم الأخرى فمنهم من يرى أنها فتح ~~مكة، ومنهم من يرى أنها فتح خيبر. ومنهم من يرى أنها مغانم هوازن وثقيف، ~~ومنهم من يرى أنها مغانم المسلمين من الفرس والروم. ويبدو لنا أن أرجح ~~هذه الأقوال أولها، لأنه ترتب على هذا الصلح فى الحديبية أن فتحت مكة بعد ~~سنتين منه، بسبب نقض المشركين له، وقد تم فتحا بدون قتال يذكر، بعد أن ~~حدث ما حدث بين المسلمين وبين مشركى مكة من قتال انتصر فيه المسلمون تارة ~~كغزوة بدر، وانتصر فيه المشركون أخرى كغزوة أحد... فالمسلمون لم يقدروا ~~على دخول مكة إلا فى عام الفتح، وبعد أن أحاط الله - تعالى بها - بقدرته ~~التى لا يغلبها شئ، وبعد أن استعصت على المسلمين زمنا طويلا، وقد سلمها - ~~سبحانه - لهم بأقل ms4719 أنواع القتال { وكان الله على كل شيء ~~قديرا }. والذى يتأمل فى هذه الآيات الكريمة يرى الله - تعالى -، قد ~~بشر المسلمين الذين شهدوا صلح الحديبية ببشارات متعددة. # بشرهم - أولا - برضاه عنهم - وهذه أسمى بشارة وأعلاها.. وبشرهم - ثانيا ~~- بتفضله عليهم بمنحهم السكينة والطمأنينة التى تجعلهم فى ثبات وأمان.. ~~وبشرهم - ثالثا - بفتوحات وغنائم منها القريب العاجل، ومنها الآجل ~~المتحقق، الذى يكاد لتحققه أن يشاهدوه بأعينهم لأن الله - تعالى وعد به ~~ووعده لا يتخلف. ثم بشرهم - رابعا - بأنهم هم المنصورون لأن سنته قد ~~اقتضت ذلك، فقال { ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا ~~الأدبار... } وتولية الأدبار كناية عن الهزيمة، لأن المنهزم يعطى ~~ظهره لمن انتصر عليه. أى ولو قاتلكم الذين كفروا وأنتم على تلك الحالة من ~~قوة الإيمان، وصدق العهد، وإخلاص النية، وحسن الاستعداد، ومباشرة ~~الأسباب.. لولوا الأدبار أمامكم { ثم لا يجدون وليا } يعينهم ~~{ ولا نصيرا } لنصرهم. وقوله { سنة الله التي قد خلت ~~من قبل.. } زيادة فى تثبيتهم وفى إدخال السرور على قلوبهم.. ولفظ { ~~سنة } منصوب على المصدرية بفعل محذوف. أى سن الله انتصار أهل الحق ~~على أهل الباطل سنة قديمة وممتدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. { ~~ولن تجد } أيها العاقل - { لسنة الله } - تعالى - { ~~تبديلا } أو تغييرا أو تحويلا. وفى هذا المعنى وردت آيات كثيرة، منها ~~قوله - تعالى - # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم ~~لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون # ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة من نعمه التى أنعمها عليهم فى رحلتهم هذه ~~التى انتهت بصلح الحديبية فقال { وهو الذي كف أيديهم ~~عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن ~~أظفركم عليهم.. }. والمراد ببطن مكة الحديبية، وسميت بذلك ~~لأنها قريبة من مكة. أى وهو - سبحانه - الذى منع المشركين - بقدرته ~~وحكمته من مهاجمتكم والاعتداء عليكم، ومنعكم من مهاجمتهم وقتالهم، فى هذا ~~المكان القريب من مكة، وكان ذلك بعد أن نصركم عليهم، وجعلكم أعلى منهم فى ~~القوة والحجة والثبات، وكان - سبحانه - وما زال { بما تعملون ~~بصيرا }. وقد ذكروا فى هذا الظفر روايات منها ما أخرجه الإمام مسلم ms4720 ~~وغيره عن أنس قال لما كان يوم الحديبية، هبط على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأصحابه. ثمانون رجلا من أهل مكة فى السلاح، من قبل جبل ~~التنعيم، يريدون غرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعا عليهم، ~~فأخذوا فعفا عنهم، فنزلت هذه الآية ". فالآية الكريمة تذكير من الله - ~~تعالى - لعباده المؤمنين، بجانب من نعمه عليهم، ورحمته بهم. وهو تذكير ~~يتعلق بأمور شاهدوها بأعينهم، وعاشوا أحداثها، وعند ما يأتى التذكير ~~بالأمور المشاهدة المحسوسة، يكون أدعى إلى الشكر لله - عز وجل -. ثم ~~ذكرهم - سبحانه - بنعمة أخرى من نعمه عليهم، وكشف لهم عن جانب من حكمته ~~فى منع القتال بينهم وبين مشركى مكة، وفى هدايتهم إلى هذا الصلح فقال { ~~هم الذين كفروا وصدوكم... بكل شيء عليما }. ### || [48.25-26] # والمراد بالذين كفروا فى قوله - تعالى - { هم الذين كفروا ~~وصدوكم } مشركو قريش، الذين منعوا النبى - صلى الله عليه وسلم - من ~~دخول مكة، ومن الطواف بالبيت الحرام. والهدى مصدر بمعنى المفعول، أى ~~المهدى، والمقصود به ما يهدى إلى بيت الله الحرام من الإبل والبقر ~~والغنم، ليذبح تقربا إلى الله - تعالى - وكان مع المسلمين فى رحلتهم هذه ~~التى تم فيها صلح الحديبية سبعين بدنة - على المشهور - ولفظ الهدى قرأه ~~الجمهور بالنصب عطفا على الضمير المنصوب فى قوله { صدوكم } وقرأ أبو عمرو ~~بالجر عطفا على المسجد.. وقوله { معكوفا } أى محبوسا. يقال عكفه ~~يعكفه عكفا، إذا حبسه ومنه الاعتكاف فى المسجد، بمعنى الاحتباس فيه، وهو ~~حال من الهدى. وقوله { أن يبلغ محله } منصوب بنزع الخافض، أى ~~عن أن يبلغ محله، أى مكانه الذى يذبح فيه وهو منى. والتعبير بقوله { هم ~~الذين كفروا... } تصريح بذمهم وتوبيخهم على موقفهم المشين من ~~المؤمنين، الذين لم يأتوا إلى مكة لحرب، وإنما أتوا لأداء شعيرة من شعائر ~~الله. أى هم فى ميزان الله واعتباره الكافرون حقا. لأنهم صدوكم ومنعوكم - ~~أيها المؤمنون - عن دخول المسجد الحرام، وعن الطواف به، ولم يكتفوا بذلك، ~~بل منعوا الهدى المحبوس من أجل ذبحه على سبيل التقرب به إلى الله ms4721 - تعالى ~~- من الوصول إلى محله الذى يذبح فيه فى العادة وهو منى. قال القرطبى ما ~~ملخصه " قوله { والهدي معكوفا } أى محبوسا.... { أن يبلغ ~~محله }. أى منحره.. والمحل - بالكسر - غاية الشئ، وبالفتح هو الموضع ~~الذى يحله الناس، وكان الهدى سبعين بدنة، ولكن الله - تعالى - بفضله جعل ~~ذلك الموضع - وهو الحديبية - له محلا. وفى صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله ~~قال نحرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية البدنة عن ~~سبعة، والبقرة عن سبعة... وفى البخارى عن ابن عمر قال خرجنا مع رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - معتمرين، فحال كفار قريش دون البيت فنحر رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بدنة وحلق رأسه.. ". وقوله - تعالى - { ~~ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات لم ~~تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة ~~بغير علم.. } بيان لحكمة الله - تعالى - فى منع الحرب بين ~~الفريقين. وجواب " لولا " محذوف لدلالة الكلام عليه. والمراد بالرجال ~~المؤمنين وبالنساء المؤمنات سبع رجال وامرأتان كانوا بمكة. قال الآلوسى " ~~وكانوا على ما أخرج أبو نعيم بسند جيد وغيره عن أبى جمعة جنبذ بن سبع - ~~تسعة نفر سبعة رجال - وهو منهم - وامرأتين. # وجملة { لم تعلموهم } صفة رجال ونساء على تغليب المذكر على ~~المؤنث. وقوله { أن تطئوهم } بدل اشتمال من رجال ونساء، والوطء ~~الدوس، والمراد به هنا الإهلاك. وقوله { معرة } أى مكروه وأذى ~~يقال عره يعره عرا، إذا أصابه بمكروه، وأصله من العر وهو ~~الجرب. والمراد به هنا تعيير الكفار للمؤمنين بقولهم لقد قتلتم من هم على ~~دينكم. والمعنى ولولا كراهة أن تهلكوا - أيها المؤمنين - أناسا مؤمنين ~~موجودين فى مكة بين كفارها، وأنتم لا تعرفونهم، فيصيبكم بسبب إهلاكهم ~~مكروه، لولا كل ذلك لما كف أيديكم عن كفار مكة، بل لسلطكم عليهم لكى ~~تقتلوهم. واللام فى قوله - سبحانه - { ليدخل الله في ~~رحمته من يشآء } متعلقة بما يدل عليه جواب لولا المقدر. أى لولا ~~ذلك لما كف أيديكم عن كفار مكة، ولكنه - سبحانه - كف أيديكم عنهم، ليدخل ~~فى رحمته بسبب هذا الكف من يشاء ms4722 من عباده، وعلى رأس هؤلاء العباد، ~~المؤمنون والمؤمنات الذين كانوا فى مكة، والذين اقتضت رحمته أن يتمم لهم ~~أجورهم بإخراجهم من بين ظهرانى الكفار، ويفك أسرهم، ويرفع ما كان ينزل ~~بهم من العذاب... كذلك قد شملت رحمته - تعالى - بعض كفار مكة، الذين ~~تركوا بعد ذلك الكفر ودخلوا فى الإسلام، كأبى سفيان وغيره من الذين ~~أسلموا بعد فتح مكة أو بعد صلح الحديبية. وقوله - سبحانه - { لو ~~تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا ~~أليما } تأكيد لما دل عليه الكلام السابق، من أن حكمته - تعالى - قد ~~اقتضت كف أيدى المؤمنين عن الكافرين، رحمة بالمؤمنين الذين يعيشون فى مكة ~~مع هؤلاء الكافرين. وقوله { تزيلوا } أى تميزوا. يقال زلته ~~زيلا، أى مزته، وزيله فتزيل أى فرقه فتفرق أى لو تميز هؤلاء ~~المؤمنون والمؤمنات الذين يعيشون فى مكة عن كفارها وفارقوهم وخرجوا منها، ~~وانعزلوا عنهم، لعدبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما، تارة عن طريق ~~إهلاكهم، وتارة عن طريق إذلالهم وأخذهم أسرى، و " من " فى قوله { ~~منهم } للبيان لا للتبعيض. ثم بين - سبحانه - ما كان عليه المشركون ~~من جهالات وحماقات استولت على نفوسهم فقال { إذ جعل الذين ~~كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية }. ~~والظرف { إذ } منصوب بفعل مقدر. والحمية الأنفة والتكبر والغرور ~~والتعالى بغير حق. يقال حمى أنفه من الشئ - كرضى - إذا غضب منه، وأعرض ~~عنه. أى واذكر - أيها العاقل - وقت أن تمسك الكافرون وقيدوا أنفسهم ~~بالحمية الباطلة، التى هى حمية الملة الجاهلية، حيث منعوا المسلمين من ~~دخول مكة، ومن الطواف بالمسجد الحرام، وحيث منعوا الهدى من أن يبلغ محله، ~~وحيث أبوا أن يكتب فى الصحيفة التى عقدت بينهم وبين المسلمين، بسم الله ~~الرحمن الرحيم، أو محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # .. فهذا كله من حميتهم الجاهلية التى لا أساس لها من علم أو خلق أو ~~دين... وقوله { فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى ~~المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى... } معطوف على ما ~~قبله، للمقابلة بين حال الفريقين، مقابلة تتجلى فيها رعايته - سبحانه - ~~للمؤمنين، وغضبه على الكافرين. أى ms4723 هذا هو حال الكافرين، رسخت الجهالات فى ~~قلوبهم حتى صرفتهم عن سبيل الرشد، أما حال المؤمنين فأنهم قابلوا تصرفات ~~هؤلاء الكافرين بالاحتقار والازدراء ومبايعة رسولهم - صلى الله عليه وسلم ~~- على الموت إذا لزم الأمر ذلك. فأنزل الله - تعالى - طمأنينته وسكينته ~~على قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى قلوب أصحابه، حيث لم ~~يجعلهم يقابلون سفاهات المشركين بسفاهات مثلها... { وألزمهم ~~كلمة التقوى } أى وجعلهم ملتزمين بما تقتضيه كلمة التقوى، وهى ~~شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، من أناة وسكون وثبات ~~ووقار وخلق كريم وإخلاص فى الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله. { وكانوا ~~أحق بها وأهلها } أى وكان المؤمنون أحق بهذه الكلمة من ~~الكفار، وكانوا أهلا لها دون الكفار، لأن المؤمنين استجابوا للحق. أما ~~الكافرون فقد أنفوا منه، وتطاولوا عليه، بمقتضى حميتهم الجاهلية... { ~~وكان } - سبحانه - وما زال { بكل شيء عليما } لا يخفى عليه ~~أمر، ولا يغيب عن علمه شئ، والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يرى ألوانا من ~~المقابلات التى تدل على مدح الله - تعالى - للمؤمنين، وعلى احتقاره ~~للكافرين. فقد عبر - سبحانه - فى جانب الكافرين بكلمة جعل التى تشعر بأن ~~الكافرين كأنهم قد ألقوا هذه الحمية الجاهلية فى قلوبهم إلقاء بدون تعقل ~~أو تدبر، بينما عبر فى جانب المؤمنين بكلمة أنزل التى تشعر كأن السكينة ~~كانت فى خزائنه - تعالى - ثم أنزلها بعد ذلك على قلب رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم - وعلى قلوب المؤمنين، ليزدادوا إيمانا على إيمانهم.. ونرى ~~الفاعل لجعل هو الذين كفروا، بينما الفاعل لأنزل هو الله - عز وجل -. ~~ونرى المفعول لجعل هو الحمية، وهى كلمة مشتعلة منفرة، وقد كررها - سبحانه ~~- ليزداد العقلاء نفورا منها.. ونرى المفعول لأنزل هو السكينة وهى كلمة ~~فيها ما فيها من الوقار والسكون والثبات والطمأنينة. ونرى الحمية قد ~~أضيفت إلى الجاهلية، بينما السكينة أضيفت إلى الله - تعالى -. ونرى أن ~~الله - تعالى - قد أضاف كل ذلك مدحا عظيما لعباده المؤمنين حيث ألزمهم ~~كلمة التقوى، وجعلهم أحق بها وأهلا لها دون أعدائهم الذين آثروا ms4724 الغى على ~~الرشد، والباطل على الحق... وفى ذلك ما فيه من الثناء على المؤمنين ~~والتحقير للكافرين. ثم أكد الله - تالى - صدق ما شاهده النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - فى رؤياه، وبين الحكمة التى من أجلها أرسله إلى الناس كافة ~~فقال - تعالى - { لقد صدق الله رسوله... بالله ~~شهيدا }. ### || [48.27-28] # قال الآلوسى ما ملخصه " رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى المنام ~~قبل خروجه إلى الحديبية، أنه هو وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين، وقد حلقوا ~~وقصروا، فقص الرؤيا على أصحابه، ففرحوا واستبشروا، وظنوا أنهم سيدخلونها ~~فى عامهم هذا، وقالوا إن رؤيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حق، فلما ~~تأخر ذلك قال بعض المنافقين - على سبيل التشكيك والاعتراض - والله ما ~~حلقنا ولا قصرنا، ولا رأينا المسجد الحرام، فنزلت هذه الآية. وقد روى عن ~~عمر - رضى الله عنه - أنه قال نحو ذلك - على سبيل الفهم والاستكشاف - ~~ليزداد يقينه... والصدق يكون بالقول ويكون بالفعل، وما فى الآية صدق ~~بالفعل، وهو التحقيق، أى حقق - سبحانه - للرسول رؤيته.. ". وقوله { ~~بالحق } صفة لمصدر محذوف، أى صدقا ملتبسا بالحق، أو بمحذوف على أنه ~~حال من الرؤيا، أى رؤيا ملتبسة بالحق. والمعنى والله لقد أرينا رسولنا ~~محمدا - صلى الله عليه وسلم - الرؤيا الصادقة التى لا تتخلف، ولا يحوم ~~حولها ريب أو شك، وحققنا له ما اشتملت عليه هذه الرؤيا من بشارات سارة، ~~وعطايا كريمة، على حسب ما اقتضته حكمتنا وإرادتنا. وقوله { لتدخلن ~~المسجد الحرام إن شآء الله آمنين محلقين ~~رءوسكم ومقصرين لا تخافون.. } جواب لقسم محذوف وقوله { ~~آمنين } وما بعده، حال من فاعل { لتدخلن }.. أى والله لتدخلن - ~~أيها المؤمنون - المسجد الحرام فى عامكم المقبل إن شاء الله، حالة كونكم ~~آمنين من كل فزع، وحالة كونكم بعضكم يحلق شعر رأسه كله، وبعضكم يكتفى بقص ~~جزء منه، وحالة كونكم لا تخافون أذى المشركين بعد ذلك. وقوله { إن شآء ~~الله } فيه ما فيه من الإشعار بأن الرؤيا مع صدقها، تحقيقها موكول ~~إلى مشيئة الله - تعالى - وإلى قدرته، لا إلى أحد سواه، ms4725 وفيه ما فيه من ~~تعليم الناس وإرشادهم إلى أنهم يجب عليهم أن يقولوا ذلك ويعتقدوه عند ~~إرادتهم لفعل من الأفعال، كما قال - تعالى - # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن ~~يشآء الله... # قال بعض العلماء " إن الله - تالى - استثنى فيما يعلم، ليستثنى الخلق ~~فيما لا يعلمون ". ويرى بعضهم أن الاستثناء هنا لتحقيق الخبر وتأكيده. ~~واستدل بعضهم بهذه الآية على أن الحلق غير متعين فى النسك، بل يجزئ عنه ~~التقصير، إلا أن الحلق أفضل، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة قال ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " " اللهم اغفر للمحلقين " قالوا يا رسول الله، والمقصرين، قال اللهم ~~اغفر للمحلقين، قالوا يا رسول الله، والمقصرين، قال اللهم اغفر ~~للمحلقين.. ثم قال بعد الثالثة والمقصرين ". # واستدل بها - أيضا - على أن التقصير للرأس دون اللحية، ودون سائر شعر ~~البدن، إذ الظاهر أن المراد ومقصرين شعر رءوسكم. وقوله { لا تخافون ~~} تأكيد وتقرير لقوله { آمنين } أى آمنين عند دخولكم مكة للعمرة ولا ~~تخافون بعد إتمامها، لأن عناية الله - تعالى - ورعايته معكم... وقوله { ~~فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا ~~قريبا } بيان للحكمة فى تأخير دخولهم مكة عام الحديبية، وتمكينهم من ~~دخولها فى العام الذى يليه. والجملة الكريمة معطوفة على قوله { لقد ~~صدق الله رسوله... } أى والله لقد حقق الله - تعالى - لرسوله ~~رؤياه فى دخول مكة، ولكن فى الوقت الذى يشاؤه ويختاره وتقتضيه حكمته، ~~لأنه - تعالى - علم ما لم تعلموه أنتم من أن المصلحة فى عدم دخولكم مكة ~~فى عام صلح الحديبية، وأن هذا الصلح هو خير لكم من دخولها، لما يترتب ~~عليه من منافع كثيرة لكم، وقد جعل - سبحانه - بفضله - وإحسانه { من ~~دون ذلك } أى من قبل دخولكم مكة، وطوافكم بالمسجد الحرام { فتحا ~~قريبا } هو فتح خيبر الذى خرجتم منه بالغنائم الوفيرة، أو فتح خيبر ~~ومعه صلح الحديبية، الذى قال فيه الزهرى لا فتح فى الإسلام كان أعظم من ~~صلح الحديبية... هذا، وقد بسط الإمام ابن كثير ما أصابه المسلمون ms4726 بعد ~~صلح الحديبية من خيرات فقال ما ملخصه " ورجع الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- من الحديبية فى ذى القعدة من السنة السادسة.. ثم خرج فى المحرم من ~~السنة السابعة إلى خيبر، ففتحها الله - تعالى - عليه... فلما كان فى ذى ~~القعدة من السنة السابعة، خرج إلى مكة معتمرا، هو وأهل الحديبية، فأحرم ~~من ذى الحليفة، وساق معه الهدى... وسار إلى مكة بالسيوف مغمدة فى قربها. ~~فدخلها وبين يديه أصحابه يلبون، وعبد الله بن رواحه آخذ بزمام ناقة ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - وينشد ويقول # خلوا بنى الكفار عن سبيله إنى شهيد أنه رسوله # وخرج المشركون من مكة لكى لا يروا الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~وأصحابه، أما النساء والأطفال فقد جلسوا على الطرق ينظرون إلى الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - وإلى المؤمنين.. ومكث الرسول وأصحابه بمكة ثلاثة ~~أيام اعتمر خلالها هو وأصحابه، ثم عادوا إلى المدينة. وهكذا تحققت رؤيا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى الوقت الذى أراده - سبحانه - ثم بين ~~- سبحانه - الحكمة من إرساله لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - فقال { ~~هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله }. # . أى هو - عز وجل - وحده، الذى أرسل رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم ~~- إرسالا ملتبسا بالهدى، أى بالدليل الواضح والبرهان الساطع الذى يهدى ~~للطريق التى هى أقوم.. وأرسله - أيضا - بالدين الحق وهو دين الإسلام، ~~الذى هو خاتم الأديان وأكملها، { ليظهره على الدين كله } ~~أى من أجل أن يظهره ويعليه على جميع الأديان، لما فيه من هدايات، ~~وعبادات، وآداب، وأحكام، وتشريعات، قد جمعت محاسن الأديان السابقة التى ~~جاء بها الأنبياء، وأضافت إليها جديدا اقتضته حكمة الله - تعالى - ورحمته ~~بهذه الأمة التى أرسل رسوله محمدا إليها. وقد بين - سبحانه - أن هذا ~~الدين هو المقبول عنده دون سواه، فقال # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ~~وهو في الآخرة من الخاسرين # ولقد ظهر هذا الدين فعم المشارق، والمغارب، وسيبقى - بإذن الله - ظاهرا ~~عل الأديان كلها بقوة حجته، ونصاعة براهينه ms4727 إلى أن يرث الله الأرض ومن ~~عليها. والباء فى قوله { وكفى بالله شهيدا } مزيدة لتأكيد هذا ~~الإظهار. أى وكفى بشهادة الله - تعالى - شهادة على حقية هذا الدين، وعلى ~~هذا الإظهار الذى تكفل الله - تعالى - به لدين الإسلام. ثم ختم - ~~سبحانه - السورة الكريمة بهذه الآية التى فيها ما فيها من الثناء على ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعلى أصحابه، الذين رضى عنهم وأرضاهم فقال ~~{ محمد رسول الله والذين معه أشدآء... ~~وأجرا عظيما }. ### || [48.29] # وقوله - تعالى - { محمد رسول الله } مبتدأ وخبر، أو { ~~محمد } خبر لمتبدأ محذوف، و { رسول الله } بدل أو عطف بيان ~~من الاسم الشريف. أى هذا الرسول الذى أرسله الله - تعالى - بالهدى ودين ~~الحق، هو محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. { والذين معه } ~~وهم أصحابه - وعلى رأسهم من شهد معه صلح الحديبية، وبايعه تحت الشجرة - ~~من صفاتهم أنهم { أشدآء على الكفار } أى غلاظ عليهم، وأنهم { ~~رحمآء بينهم }. أى أنهم مع إخوانهم المؤمنين يتوادون ويتعاطفون ~~ويتعاونون على البر والتقوى... وقوله - تعالى - { محمد رسول ~~الله } فيه أسمى التكريم للرسول - صلى الله عليه وسلم - حيث شهد له - ~~سبحانه - بهذه الصفة، وكفى بشهادته - عز وجل - شهادة، وحيث قدم الحديث ~~عنه بأنه أرسله بالهدى ودين الحق، ثم أخر اسمه الشريف على سبيل التنويه ~~بفضله، والتشويق إلى اسمه. وفى وصف أصحابه بأنهم أشداء على الكفار رحماء ~~بينهم، مدح عظيم لهم، وجمع بين الوصفين على سبيل الاحتراس، فهم ليسوا ~~أشداء مطلقا، ولا رحماء مطلقا، وإنما شدتهم على أعدائهم، ورحمتهم ~~لإخوانكم فى العقيدة، وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # يأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه ~~فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة ~~على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في ~~سبيل الله ولا يخافون لومة لائم... # قال صاحب الكشاف " وعن الحسن أنه قال " بلغ من تشددهم على الكفار أنهم ~~كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم، ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم، ~~وبلغ من تراحمهم فيما بينهم، أنه كان لا يرى مؤمن مؤمنا إلا صافحه.. ". ~~وأسمى من هذا ms4728 كله فى بيان تراحمهم قوله - تعالى - # ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.. # ثم وصفهم بوصف آخر فقال { تراهم ركعا سجدا يبتغون ~~فضلا من الله ورضوانا }. أى تراهم وتشاهدهم - أيها العاقل ~~- راكعين ساجدين محافظين على الصلاة ولا يريدون من وراء ذلك إلا التقرب ~~إلى الله - تعالى - والظفر برضاه وثوابه.. ثم وصفهم بوصف ثالث فقال { ~~سيماهم في وجوههم من أثر السجود.. } أى علامتهم وهو ~~نور يجعله الله - تعالى - فى وجوههم يوم القيامة، وحسن سمت يعلو وجوههم ~~وجباهم فى الدنيا، من أثر كثرة سجودهم وطاعتهم لله رب العالمين. فالمقصود ~~بهذه الجملة بيان أن الوضاءة والإشراق والصفاء.. يعلو وجوههم من كثرة ~~الصلاة والعبادة لله، وليس المقصود أن هناك علامة معينة - كالنكتة التى ~~تكون فى الوجه - كما قد يتبادر إلى بعض الأذهان. واختار - سبحانه - لفظ ~~السجود، لأنه يمثل أعلى درجات العبودية والإخلاص لله - تعالى -. # قال الآلوسى " أخرج بن مردويه بسند حسن عن أبى بن كعب قال قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - # " فى قوله - تعالى - { سيماهم في وجوههم من أثر ~~السجود } النور يوم القيامة ". # ثم قال الآلوسى ولا يبعد أن يكون النور علامة على وجوههم فى الدنيا ~~والآخرة - للآثار السابقة - لكنه لما كان فى الآخرة أظهر وأتم خصه النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - بالذكر... ". واسم الإشارة فى قوله - تعالى - { ~~ذلك مثلهم في التوراة } يعود إلى جميع أوصافهم الجليلة ~~السابقة، والمثل هو الصفة العجيبة والقصة ذات الشأن. أى ذلك الذى ذكرناه ~~عن هؤلاء المؤمنين الصادقين من صفات كريمة تجرى مجرى الأمثال، صفتهم فى ~~التوراة التى أنزلها الله - تعالى - على نبيه موسى - عليه السلام -. ثم ~~بين - سبحانه - صفتهم فى الإنجيل فقال { ومثلهم في الإنجيل ~~كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على ~~سوقه يعجب الزراع.. }. وقوله { ومثلهم في الإنجيل ~~} معطوف على ما قبله وهو مثلهم فى التوراة، والإنجيل هو الكتاب الذى ~~أنزله الله - تعالى - على نبيه عيسى - عليه السلام -. والشط فروع الزرع، ~~وهو ما خرج منه وتفرغ على شاطئيه. أى جانبيه. وجمعه أشطاء، وشطوء، يقال ~~شطأ ms4729 الزرع وأشطأ، إذا أخرج فروعه التى تتولد عن الأصل. وقوله { فآزره ~~} أى فقوت تلك الفروع أصولها، وآزرتها، وجعلتها مكينة ثابتة فى الأرض. ~~وأصله من شد الإزار. تقول أزرت فلانا، إذا شددت إزاره عليه. وتقول ~~آزرت البناء - بالمد والقصر - إذا قويت أساسه وقواعده. ومنه قوله - تعالى ~~- حكاية عن موسى - عليه السلام - { واجعل لي وزيرا من أهلي ~~هارون أخي اشدد به أزري }. وقوله { فاستغلظ } أى فصار ~~الزرع غليظا بعد أن كان رقيقا. وقوله { فاستوى على سوقه } أى ~~فاستقام وتكامل على سيقانه التى يعلو عليها. وقوله { يعجب ~~الزراع } أى يعجب الخبراء بالزراعة لقوته وحسن هيئته. والمعنى أن ~~صفة المؤمنين فى الإنجيل، أنهم كالزرع، يظهر فى أول أمره رقيقا ضعيفا ~~متفرقا، ثم ينبت بعضه حول بعض، ويغلظ ويتكامل حتى يقوى ويشتد، وتعجب ~~جودته أصحاب الزراعة، العارفين بها. فكذلك النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~وأصحابه، كانوا فى أول الأمر فى قلة وضعف، ثم لم يزالوا يكثرون ويزدادون ~~قوة، حتى بلغوا ما بلغوا فى ذلك. وصدق الله إذا يقول # واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض ~~تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم ~~بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون # قال صاحب الكشاف " وهذا مثل ضربه الله - تعالى - لبدء أمر الإسلام ~~وترقيه فى الزيادة إلى أن قوى واستحكم. # لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - قام وحده، ثم قواه الله - تعالى - بمن ~~معه. كما يقوى الطاقة الأولى من الزرع ما يحتف بها مما يتولد منها، حتى ~~يعجب الزراع ". وعلى هذا التفسير الذى سرنا عليه يكون وصفهم فى التوراة، ~~هو المعبر عنه بقوله - تعالى - { أشدآء على الكفار رحمآء ~~بينهم.. } ويكون وصفهم فى الإنجيل هو المعبر عنه بقوله - سبحانه - ~~{ كزرع أخرج شطأه... }. ولا شك أن هذه الأوصاف كانت موجودة ~~فى الكتابين قبل أن يحرفا ويبدلا، بل بعض هذه الأوصاف موجودة فى ~~الكتابين، حتى بعد تحريفهما. فقد أخرج بن جرير وعبد بن حميد عن قتادة قال ~~" مكتوب فى الإنجيل سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، يأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر.. ". ويرى بعض المفسرين ms4730 أن المذكور فى التوراة ~~والإنجيل شئ واحد، وهو الوصف المذكور إلى نهاية قوله { ومثلهم في ~~الإنجيل } وعلى هذا الرأى يكون الوقف تاما على هذه الجملة، وما بعدها ~~وهو قوله { كزرع أخرج شطأه.. } كلام مستأنف. قال القرطبى " ~~قوله - تعالى - { ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في ~~الإنجيل.. } قال الفراء فيه وجهان إن شئت قلت المعنى ذلك مثلهم فى ~~التوراة وفى الإنجيل أيضا، كمثلهم فى القرآن، فيكون الوقف على " ~~الإنجيل ". وإن شئت قلت تمام الكلام ذلك مثلهم فى التوراة. ثم ابتدأ ~~فقال ومثلهم فى الإنجيل. وكذا قال ابن عباس وغيره هما مثلان، أحدهما فى ~~التوراة، والآخر فى الإنجيل... ". والذى نراه أن ما ذهب إليه ابن عباس ~~من كونهما مثلين، أحدهما مذكور فى التوراة والآخر فى الإنجيل، هو الرأى ~~الراجح، لأن ظاهر الآية يشهد له. وفى هذه الصفات ما فيها من رسم صورة ~~مشرقة مضيئة لهؤلاء المؤمنين الصادقين. وقوله - تعالى - { ليغيظ ~~بهم الكفار } تعليل لما يعرب عنه الكلام، من إيجاده - تعالى - ~~لهم على هذه الصفات الكريمة. أى جعلهم - سبحانه - كذلك بأن وفقهم لأن ~~يكونوا أشداء على الكفار، ولأن يكونوا رحماء فيما بينهم، ولأن يكونوا ~~مواظبين على أداء الطاعات.. لكى يغيظ بهم الكفار، فيعيشوا وفى قلوبهم ~~حسرة مما يرونه من صفات سامية للمؤمنين. ثم ختم - سبحانه - السورة ~~الكريمة بهذا الوعد الجميل، فقال { وعد الله الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما }. و ~~" من " فى قوله { منهم } الراجح أنها للبيان والتفسير، كما فى قوله - ~~تعالى - # فاجتنبوا الرجس من الأوثان.. # أى وعد الله - تعالى - بفضله وإحسانه، الذين آمنوا وعملوا الصالحات. وهم ~~أهل بيعة الرضوان، ومن كان على شاكلتهم فى قوة الإيمان.. وعدهم جميعا ~~مغفرة لذنوبهم، وأجرا عظيما لا يعلم مقداره إلا هو - سبحانه -. # ويجوز أن تكون من هنا للتبعيض، لكى يخرج من هؤلاء الموعودين بالمغفرة ~~والأجر العظيم أولئك الذين أظهروا الإسلام وأخفوا الكفر، وهم المنافقون ~~الذين أبوا مبايعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأبوا الخروج معه ~~للجهاد، والذين من صفاتهم أنهم كانوا إذا لقوا المؤمنين قالوا ms4731 آمنا، # وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ~~إنما نحن مستهزئون.. # هذا، وقد أخذ العلماء من هذه الآية وأمثالها وجوب احترام الصحابة ~~وتوقيرهم، والثناء عليهم، لأن الله - تعالى - قد مدحهم ووعدهم بالمغفرة ~~وبالأجر العظيم. قال القرطبى " روى أبو عروة الزبيرى من ولد الزبير أنه ~~قال كنا عند مالك بن أنس، فذكروا رجلا ينتقص أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقرأ مالك هذه الآية { محمد رسول الله ~~والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم.. ~~}. فقال مالك من أصبح من الناس فى قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فقد أصابته هذه الآية. ثم قال الإمام القرطبى - ~~رحمه الله - قلت لقد أحسن مالك فى مقالته وأصاب فى تأويله، فمن نقص واحدا ~~منهم أو طعن عليه فى روايته، فقد رد على الله رب العالمين، وأبطل شرائع ~~المسلمين ".. وبعد فهذا تفسير لسورة " الفتح " تلك السورة التى بشرت ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بألوان من البشارات العالية، ~~وأدبتهم بأنواع من الآداب السامية، وعرفتهم بأعدائهم من المنافقين ~~والكافرين، وحكت الكثير من مظاهر فضل الله - تعالى - ورحمته بعباده ~~المؤمنين.. نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده. ~~وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.. ### | [49 - سورة الحجرات] ### || [49.1-5] # افتتحت سورة " الحجرات " بهذا النداء المحبب إلى القلوب، ألا وهو الوصف ~~بالإيمان، الذى من شأن المتصفين به، أن يمتثلوا لما يأمرهم الله - تعالى ~~- به، ويجتنبوا ما ينهاهم عنه. افتتحت بقوله - تعالى - { يأيها ~~الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ~~}. وقوله { تقدموا } مضارع قدم اللازم بمعنى تقدم، ومنه مقدمة ~~الجيش ومقدمة الكتاب - بكسر الدال فيهما - وهو اسم فاعل فيهما بمعنى ~~تقدم. ويصح أن يكون مضارع قدم المتعدى، تقول قدمت فلانا على فلان، إذا ~~جعلته متقدما عليه، وحذف المفعول لقصد التعميم. وقوله { بين يدي ~~الله ورسوله } تشبيه لمن يتعجل فى إصدار حكم من أحكام الدين بغير ~~استناد إلى حكم الله ورسوله، بحالة من يتقدم بين يدى سيده أو رئيسه، بأن ms4732 ~~يسير أمامه فى الطريق، أو على يمينه أو شماله. وحقيقة الجلوس بين يدى ~~الشخص أن يجلس بين الجهتين المقابلتين ليمينه أو شماله قريبا منه أو ~~أمامه. قال الجمل قوله { بين يدي الله ورسوله } جرت هذه ~~العبارة هنا على سنن من المجاز، وهو الذى يسميه أهل البيان تمثيلا، أى ~~استعارة تمثيلية، شبه تعجل الصحابة فى إقدامهم على قطع الحكم فى أمر ~~من أمور الدين، بغير إذن الله ورسوله، بحالة من تقدم بين يدى متبوعه إذا ~~سار فى طريق، فإنه فى العادة مستهجن.. والغرض تصوير كمال الهجنة، وتقبيح ~~قطع الحكم بغير إذن الله ورسوله. أو المراد بين يدى رسول الله، وذكر لفظ ~~الجلالة على سبيل التعظيم للرسول - صلى الله عليه وسلم وإشعار بأنه من ~~الله بمكان يوجب إجلاله. والمعنى يا من آمنتم بالله - تعالى - حق ~~الإيمان احذروا أن تتسرعوا فى الأحكام، فتقولوا قولا، أو تفعلوا فعلا ~~يتعلق بأمر دينى، دون أن تستندوا فى ذلك إلى الله - تعالى - وحكم رسوله - ~~صلى الله عليه وسلم - { واتقوا الله } - تعالى - فى كل ما تأتون ~~وتذرون، إن الله سميع لأقوالكم، عليم بجميع أحوالكم. قال الإمام ابن ~~كثير عند تفسيره لهذه الآية هذه آداب أدب الله - تعالى بها عباده ~~المؤمنين، فيما يعاملون به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من التوقير ~~والاحترام والتبجيل والإعظام. فقال { يأيها الذين آمنوا لا ~~تقدموا بين يدي الله ورسوله }. أى لا تسرعوا فى ~~الأشياء بين يديه. أى قبله، بل كونوا تبعا له فى جميع الأمور، حتى يدخل ~~فى عموم هذا الأدب الشرعى، حديق معاذ، إذ قال له النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - حين بعثه إلى اليمن # " بم تحكم؟ قال بكتاب الله، قال فإن لم تجد؟ قال فبسنة رسول الله، قال ~~فإن لم تجد؟ قال أجتهد رأيى ". # فالغرض منه أنه أخر رأيه ونظره واجتهاده، إلى ما بعد الكتاب والسنة، ~~ولو قدمه قبل البحث عنهما لكان من باب التقديم بين يدى الله ورسوله. وقال ~~الإمام القرطبى ما ملخصه قوله { لا تقدموا بين يدي الله ~~ورسوله } أى ms4733 لا تقدموا قولا ولا فعلا بين يدى الله، وقول رسوله ~~وفعله، فيما سبيله أن تأخذوا عنه من أمر الدين والدنيا.. واختلف فى سبب ~~نزول هذه الآية على ستة أقوال منها ما ذكره الواحدى من حديث ابن جريج قال ~~حدثنى ابن أبى مليكة أن عبد الله بن الزبير أخبره أنه قدم ركب من بنى ~~تميم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر يا رسول الله، أمر ~~عليهم القعقاع بن معبد. وقال عمر يا رسول الله، أمر الأقرع بن حابس، ~~فقال أبو بكر لعمر ما أردت إلا خلافى. وقال عمر ما أردت خلافك، فتماديا ~~حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت هذه الاية. وقال قتادة إن ناسا كانوا يقولون ~~لو أنزل فى كذا، فنزلت هذه الآية. وقال الحسن نزلت فى قوم ذبحوا ~~أضحيتهم قبل أن يصلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فأمرهم أن يعيدوا ~~الذبح. وعلى آية حال فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والمقصود من ~~الآية الكريمة نهى المؤمنين فى كل زمان ومكان عن أن يقولوا قولا أو ~~يفعلوا فعلا يتعلق بأمر شرعى، دون أن يعودوا فيه إلى حكم الله ورسوله. ثم ~~وجه - سبحانه - نداء ثانيا إلى المؤمنين، أكد فيه وجوب احترامهم للرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال { يأيها الذين آمنوا لا ~~ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا ~~له بالقول كجهر بعضكم لبعض }. قال الآلوسى هذه الآية ~~شروع فى النهى عن التجاوز فى كيفية القول عند النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- بعد النهى عن التجاوز فى نفس القول والفعل. وإعادة النداء مع قرب العهد ~~به، للمبالغة فى الإيقاظ والتنبيه، والإشعار باستقلال كل من الكلامين ~~باستدعاء الاعتناء بشأنه. أى يا من آمنتم بالله واليوم الآخر.. واظبوا ~~على توقيركم واحترامكم لرسولكم - صلى الله عليه وسلم - ولا ترفعوا ~~أصواتكم فوق صوته عند مخاطبتكم له. ولا تجعلوا أصواتكم مساوية لصوته - ~~صلى الله عليه وسلم - حين الكلام معه، ولا تنادوه باسمه مجردا بأن تقولوا ~~له يا محمد، ولكن قولوا له يا رسول الله، أو يا ms4734 نبى الله. والكاف فى قوله ~~{ كجهر بعضكم لبعض } فى محل نصب على أن نعت لمصدر محذوف أى ~~ولا تجهروا له بالقول جهرا مثل جهر بعضكم لبعض. قال القرطبى وفى هذا دليل ~~على أنهم لم ينهوا عن الجهر مطلقا، حتى لا يسوغ لهم إلا أن يكلموه بالهمس ~~والمخافتة، وإنما نهوا عن جهر مخصوص مقيد بصفته، أعنى الجهر المنعوت ~~بمماثلة ما قد اعتادوه منهم فيما بينهم، وهو الخلو من مراعاة أبهة ~~النبوة، وجلالة مقدارها، وانحطاط سائر الرتب وإن جلت عن رتبتها. # وقوله - سبحانه - { أن تحبط أعمالكم وأنتم لا ~~تشعرون } بيان لما يترتب على رفع الصوت عند مخاطبته - صلى الله عليه ~~وسلم - من خسران. والجملة تعليل لما قبلها، وهى فى محل نصب على أنها ~~مفعول لأجله. أى نهاكم الله - تعالى - عن رفع أصواتكم فوق صوت النبى، وعن ~~أن تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض، كراهة أو خشية أن يبطل ثواب ~~أعمالكم بسبب ذلك، وأنتم لا تشعرون بهذا البطلان. قال ابن كثير وقوله { ~~أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون } أى إنما نهيناكم ~~عن رفع الصوت عنده - صلى الله علهي وسلم - خشية أن يغضب من ذلك، فيغضب ~~الله لغضبه، فيحبط الله عمل من أغضبه وهو لا يدرى. وقال العلماء يكره رفع ~~الصوت عند قبره، كما كان يكره فى حياته، لأنه محترم حيا وفى قبره. ولقد ~~امتثل الصحابة لهذه الإرشادات امتثالا تاما، فهذا # " أبو بكر يروى عنه أنه لما نزلت هذه الآية قال يا رسول الله، والله لا ~~أكلمك إلا كأخى السرار - أى كالذى يتكلم همسا. وهذا ثابت بن قيس، كان ~~رفيع الصوت، فلما نزلت هذه الآية قال أنا الذى كنت أرفع صوتى على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنا من أهل النار، حبط عملى، وجلس فى أهل ~~بيته حزينا.. فلما بلغ النبى - صلى الله عليه وسلم - ما قاله ثابت، قال ~~لأصحابه " لا. بل هو من أهل الجنة ". # قال بعض العلماء وما تضمنته هذه الآية من لزوم توقير النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - جاء مبينا ms4735 فى آيات أخرى، منها قوله - تعالى - # لا تجعلوا دعآء الرسول بينكم كدعآء بعضكم ~~بعضا # وقد دلت آيات من كتاب الله على أن الله - تعالى - لم يخاطبه فى كتابه ~~باسمه، وإنما يخاطبه بما يدل على التعظيم كقوله - سبحانه - { يأيها ~~النبي. يأيها الرسول. يأيها المدثر }. مع ~~أنه - سبحانه - قد نادى غيره من الأنبياء بأسمائهم، كقوله - تعالى - # وقلنا يآءادم # وقوله - عز وجل - # وناديناه أن يإبراهيم قد صدقت الرؤيآ # أما النبى - صلى الله عليه وسلم - فلم يذكر اسمه فى القرآن فى خطاب، ~~وإنما ذكر فى غير ذلك، كقوله - تعالى - # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل # ثم مدح - سبحانه - الذين يغضون أصواتهم فى حضرة الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال { إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول ~~الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم ~~للتقوى }. # وقوله { يغضون } بمعنى يخفضون. يقال غض فلان من صوته ومن طرفه إذا ~~خفضه. وكل شئ كففته عن غيره فقد غضضته. وقوله { امتحن } أى اختبر ~~وأخلص، وأصله من امتحان الذهب وإذابته ليخلص جيده من خبيثه، والمراد به ~~هنا إخلاص القلوب لمراقبة الله وتقواه. أى إن الذين يخفضون أصواتهم فى ~~حضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعند مخاطبتهم له. أولئك الذين ~~يفعلون ذلك، هم الذين أخلص الله - تعالى - قلوبهم لتقواه وطاعته، وجعلها ~~خالصة من أى شئ سوى هذه الخشية والطاعة. قال صاحب الكشاف { امتحن ~~الله قلوبهم للتقوى } من قولك امتحن فلان لأمر كذا وجرب ~~له، ودرب للنهوض به، فهو مضطلع به غير وان عنه، والمعنى أنهم صبروا على ~~التقوى، أقوياء على احتمال مشاقها. أو وضع الامتحان موضع المعرفة، لأن ~~تحقق الشئ باختباره، كما يوضع الخبر موضعها، فكأنه قيل عرف الله قلوبهم ~~للتقوى. وقوله { لهم مغفرة وأجر عظيم } بشارة عظيمة من ~~الله - تعالى - لهم. أى لهؤلاء الغاضين أصواتهم عند رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - مغفرة لذنوبهم، وأجر كبير لا يعرف مقداره أحد سوى الله - ~~تعالى -. ولقد التزم المسلمون بهذا الأدب فى حياة النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - وبعد مماته، فقد ms4736 سمع عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - رجلا يرفع ~~صوته فى المسجد النبوى فقال له من أين أنت - أيها الرجل -؟ فقال من ~~الطائف، فقال له لو كنت من أهل المدينة لأوجعتك ضربا. ثم أشار - سبحانه - ~~إلى ما فعله بعض الناس من رفع أصواتهم عند ندائهم للنبى - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال { إن الذين ينادونك من ورآء الحجرات ~~أكثرهم لا يعقلون ولو أنهم صبروا حتى ~~تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم ~~}. وقد ذكروا فى سبب نزول هاتين الآيتين أن جماعة من بنى تميم أتوا إلى ~~المدينة فى عام الوفود فى السنة التاسعة، فوقفوا بالقرب من منزل النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - فى ساعة القيلولة وأخذوا يقولون يا محمد اخرج ~~إلينا.. فكره النبى - صلى الله عليه وسلم - منهم ذلك. والمراد بالحجرات ~~حجرات نسائه - صلى الله عليه وسلم - جمع حجرة وهى القطعة من الأرض ~~المحجورة، أى المحددة بحدود لا يجوز تخطيها، ويمنع الدخول فيها إلا بإذن. ~~أى إن الذين ينادونك - أيها الرسول الكريم - { من ورآء الحجرات ~~}. أى خلف حجرات أزواجك وخارجها، أكثرهم لا يجرون على ما تقتضيه العقول ~~السليمة، والآداب القويمة من مراعاة الاحترام والتوقير لمن يخاطبونه من ~~الناس، فضلا عن أفضلهم، وأشرفهم، وذلك لأنهم من الأعراب الذين لم يحسنوا ~~مخاطبة الناس، لجفائهم وغلظ طباعهم. # وقال - سبحانه - { أكثرهم } للإشعار بأن قلة منهم لم تشارك هذه ~~الكثرة فى هذا النداء الخارج عن حدود الأدب واللياقة. قال صاحب الكشاف ما ~~ملخصه وورود الآية على النمط الذى وردت عليه، فيه ما لا يخفى على الناظر ~~من إكبار للنبى - صلى الله عليه وسلم وإجلال لمقامه. ومن ذلك مجيئها على ~~النظم المسجل على الصائحين به السفه والجهل بسبب ما أقدموا عليه. ومن ~~ذلك التعبير بلفظ الحجرات وإيقاعها كناية عن موضع خلوته ومقيله مع بعض ~~نسائه، والمرور على لفظها بالاقتصار على القدر الذى يظهر به موضع ~~الاستنكار عليهم. ومن ذلك شفع ذمهم باستجفائهم واستركاك عقولهم، وقلة ~~ضبطهم لمواضع التمييز فى المخاطبات، تهوينا للخطب، وتسلية له - صلى الله ms4737 ~~عليه وسلم -. ثم أرشدهم - سبحانه - إلى السلوك الأفضل فقال - تعالى - { ~~ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا ~~لهم }. أى ولو أن هؤلاء الذين ينادونك - أيها الرسول الكريم - من ~~وراء الحجرات، صبروا عليك حتى تخرج إليهم ولم يتعجلوا بندائك بتلك الصورة ~~الخالية من الأدب، لكان صبرهم خبرا لهم { والله } - تعالى - { ~~غفور رحيم } أى واسع المغفرة والرحمة. قال صاحب الكشاف يحكى عن ~~أبى عبيد - العالم الزاهد الثقة - أنه قال ما دققت باب عالم قط، حتى يخرج ~~فى وقت خروجه. وقوله { أنهم صبروا } فى موضع رفع على الفاعلية، ~~لأن المعنى ولو ثبت صبرهم. فإن قلت هل من فرق بين قوله { حتى ~~تخرج } وإلى أن تخرج؟ قلت إن " حتى " مختصة بالغاية المضروبة، تقول ~~أكلت السمكة حتى رأسها، ولو قلت حتى نصفها، أو صدرها، لم يجز، و " إلى " ~~عامة فى كل غاية، فقد أفادت " حتى " بوضعها أن خروج رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إليهم غاية قد ضرب لصبرهم، فما كان لهم أن يقطعوا أمرا دون ~~الانتهاء إليه. فإن قلت فأى فائدة فى قوله { إليهم }؟ قلت فيه أنه ~~لو خرج ولم يكن خروجه إليهم ولأجلهم، للزمهم أن يصبروا إلى أن يعلموا أن ~~خروجه إليهم. هذا والمتدبر فى هذه الآيات الكريمة، يراها قد رسمت ~~للمؤمنين أسمى ألوان الأدب فى مخاطبتهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وفى إلزامهم بألا يقولوا قولا أو يفعلوا فعلا، يتعلق بشأن من شئون ~~دينهم إلا بعد معرفتهم بأن هذا القول أو الفعل يستند إلى حكم شرعى، شرعه ~~الله - تعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم -. كما أنه يراها قد مدحت ~~الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذمت الذين لا ~~يلتزمون هذا الأدب عند مخاطبته أو ندائه. ثم وجهت السورة نداء ثالثا إلى ~~المؤمنين أمرتهم فيه بالتثبت من صحة الأخبار التى تصل إليهم، وأرشدتهم ~~إلى مظاهر فضل الله - تعالى - عليهم لكى يواظبوا على شكره، فقال - تعالى ~~- { يأيها الذين آمنوا... والله عليم حكيم }. ### || [49.6-8] # ذكر المفسرون فى سبب نزول ms4738 هذه الآيات روايات منها ما روى عن ابن عباس ~~قال كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد بعث الوليد بن عقبة إلى بنى ~~المصطلق ليأخذ منهم الصدقات، وإنهم لما أتاهم الخبر فرحوا وخرجوا يتلقون ~~رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فرجع الوليد - ظنا منه أنهم ~~يريدون قتله - فقال يا رسول الله إن بنى المصطلق قد منعوا الصدقة، فغضب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذلك غضبا شديدا، فبينما هو يحدث ~~نفسه أن يغزوهم إذا أتاه الوفد فقالوا يا رسول الله، إنا بلغنا أن رسولك ~~رجع من نصف الطريق، وإنا خشينا أن ما رده كتاب جاء منك لغضب غضبته علينا، ~~وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله. فأنزل الله - تعالى - الآية. ~~والفاسق هو الخارج عن الحدود الشرعية التى يجب التزامها، مأخوذ من قولهم ~~فسقت الرطبة، إذا خرجت عن قشرتها، وسمى بذلك لانسلاخه عن الخير والرشد. ~~وقرأ الجمهور { فتبينوا } وقرأ حمزة والكسائى { فتثبتوا } ~~ومعناهما واحد، إذ هما بمعنى التأنى وعدم التعجل فى الأمور حتى تظهر ~~الحقيقة فيما أخبر به الفاسق. أى يا من آمنتم بالله حق الإيمان، إن ~~جاءكم فاسق بخير من الأخبار، ولا سيما الأخبار الهامة، فلا تقبلوه بدون ~~تبين أو تثبت، بل تأكدوا وتيقنوا من صحته قبل قبوله منه. والتعبير " بإن ~~" المفيدة للشك، للإشعار بأن الغالب فى المؤمن أن يكون يقظا، يعرف مداخل ~~الأمور، وما يترتب عليها من نتائج، ويحكم عقله فيما يسمع من أنباء، فلا ~~يصدق خبر الفاسق إلا بعد التثبت من صحته. قال صاحب الكشاف وفى تنكير ~~الفاسق والنبأ شياع فى الفساق والأنباء، كأنه قال أى فاسق جاءكم بأى نبأ ~~فتوقفوا فيه، وتطلبوا بيان الأمر، وانكشاف الحيققة ولا تعتمدوا على قول ~~الفاسق، لأن من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذى هو نوع منه. ~~وقال القرطبى وفى الآية دليل على قبول خبر الواحد إذا كان عدلا، لأنه ~~إنما أمر فيها بالتثبت عن نقل خبر الفاسق، ومن ثبت فسقه بطل قوله فى ~~الأخبار إجماعا، لأن ms4739 الخبر أمانة والفسق قرينة يبطلها. وقوله { أن ~~تصيبوا قوما بجهالة }.. تعليل للأمر بالتبين، بتقدير لام ~~التعليل، أو بتقدير ما هو بمعنى المفعول لأجله. والجهالة بمعنى الجهل ~~بحقيقة الشئ. أى تثبتوا - أيها المؤمنون - من صحة خبر الفاسق، لئلا ~~تصيبوا قوما بما يؤذيهم، والحال أنكم تجهلون حقيقة أمرهم، أو خشية أن ~~تصيبوا قوما بجهالة، لظنكم أن النبأ الذى جاء به الفاسق حقا. وقوله { ~~فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } بيان للنتائج السيئة ~~التى تترتب على تصديق خبر الفاسق، و { تصبحوا } بمعنى تصيروا، ~~والندم غم يلحق الإنسان لأمور وقعت منه، ثم صار يتمنى بعد فوات الأوان ~~عدم وقوعها. # أى فتصيروا على ما فعلتم مع هؤلاء القوم نادمين ندما شديدا، بسبب ~~تصديقكم لخبر الفاسق بدون تبين أو تثبت. فالآية الكريمة ترشد المؤمنين فى ~~كل زمان ومكان إلى كيفية استقبال الأخبار استقبالا سليما، وإلى كيفية ~~التصرف معها تصرفا حكيما، فتأمرهم بضرورة التثبت من صحة مصدرها، حتى لا ~~يصاب قوم بما يؤذيهم بسبب تصديق الفاسق فى خبره، بدون تأكد أو تحقق من ~~صحة ما قاله.. وبهذا التحقق من صحة الأخبار، يعيش المجتمع الإسلامى فى ~~أمان واطمئنان، وفى بعد عن الندم والتحسر على ما صدر منه من أحكام. ثم ~~أرشد - سبحانه - المؤمنين إلى جانب من نعمه عليهم، ورحمته بهم فقال { ~~واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في ~~كثير من الأمر لعنتم }. والعنت الوقوع فى الأمر الشاق ~~المؤلم يقال عنت فلان - بزنة فرح - إذا وقع فى أمر يؤدى إلى هلاكه أو ~~تعبه أو إيذائه. ويفهم من الآية الكريمة أن بعض المسلمين، صدقوا الوليد ~~بن عقبة، وأشاروا على الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يعجل بعقاب بنى ~~المصطلق. والمراد بطاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم أخذه برأيهم، ~~وتنفيذه لما يريدونه منه. والمراد بالكثير من الأمر الكثير من الأخبار ~~والأحكام التى يريدون تنفيذها حتى ولو كانت على غير ما تقتضيه المصلحة ~~والحكمة. أى واعلموا - أيها المؤمنون - أن فيكم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - الذى أرسله - سبحانه - لكى يهديكم ms4740 إلى الحق وإلى الطريق ~~القويم.. وهو - عليه الصلاة والسلام - لو يطيعكم فى كثير من الأخبار التى ~~يسمعها منكم، وفى الأحكام التى تحبون تطبيقها عليكم أو على غيركم.. لو ~~يطيعكم فى كل ذلك لأصابكم العنت والمشقة، ولنزل بكم ما قد يؤدى إلى ~~هلاككم وإتلاف أموركم. قال الآلوسى ما ملخصه وقوله { واعلموا أن ~~فيكم رسول الله } عطف على ما قبله، و " أن " بما فى حيزها ساد ~~مسد مفعولى " اعلموا " باعتبار ما قيد به من الحال، وهو قوله { لو ~~يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم }. وتقديم خبر " ~~أن " للحصر المستتبع زيادة التوبيخ، وصيغة المضارع للاستمرار. و { ~~لو } لامتناع استمرار طاعته - عليه الصلاة والسلام - لهم فى كثير مما ~~يعن لهم من الأمور. وفى الكلام إشعار بأنهم زينوا للرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - الإيقاع ببنى المصطلق. وفى هذا التعبير مبالغات منها إيثار " لو ~~" ليدل على الفرض والتقدير ومنها ما فى العدول إلى المضارع من تصوير ما ~~كانوا عليه، وتهجينه. # ومنها ما فى التعبير بالعنت من الدلالة على أشد المحذور، فإنه الكسر بعد ~~الجبر، والرمز الخفى على أنه ليس بأول بادرة منهم. وقوله - سبحانه - { ~~ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في ~~قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ~~} استدراك على ما يقتضيه الكلام السابق، وبيان لمظاهر فضله عليهم ورحمته ~~- سبحانه - بهم. أى ولكنه - صلى الله عليه وسلم - لا يطيعكم فى كل ما يعن ~~لكم، وإنما يتبين الأمور والأخبار ويتثبت من صحتها ثم يحكم، وقد حبب الله ~~- تعالى - إلى كثير منكم الإيمان المصحوب بالعمل الصالح والقول الطيب ~~وزينه وحببه فى قلوبكم، وكره وبغض إليكم الكفر والفسوق والعصيان لكل ما ~~أمر به أو نهى عنه. ورحم الله صاحب الكشاف فقد أجاد عند تفسير هذه الآية، ~~فقال ما ملخصه قوله { لو يطيعكم في كثير من الأمر ~~لعنتم } أى لوقعتم فى العنت والهلاك.. وهذا يدل على أن بعض ~~المؤمنين زينوا للرسول - صلى الله عليه وسلم - الإيقاع ببنى المصطلق... ~~وأن بعضهم كانوا يتصونون ويزعهم جدهم فى التقوى عن الجسارة على ذلك، وهم ms4741 ~~الذين استثناهم - سبحانه - بقوله { ولكن الله حبب ~~إليكم الإيمان } أى إلى بعضكم، ولكنه أغنت عن ذكر البعض صفتهم ~~المفارقة لصفة غيرهم، وهذا من إيجازات القرآن، ولمحاته اللطيفة، التى لا ~~يفطن لها إلا الخواص. فإن قلت كيف موقع { ولكن } وشريطتها مفقودة ~~من مخالفة ما بعدها لما قبلها نفيا وإثباتا؟ قلت هى مفقودة من حيث اللفظ، ~~حاصلة من حيث المعنى، لأن الذين حبب إليهم الإيمان قد غايرت صفتهم ~~المتقدم ذكرهم، فوقعت لكن فى موقعها من الاستدراك. واسم الإشارة فى قوله ~~{ أولئك هم الراشدون } يعود إلى المؤمنين الصادقين، الذين ~~حبب الله - تعالى - إليهم الإيمان وزينه فى قلوبهم. أى أولئك المتصفون ~~بتلك الصفات الجليلة، هم الثابتون على دينهم، المهتدون إلى طريق الرشد ~~والصواب، إذ الرشد هو الاستقامة على طريق الحق، مع الثبات عليه، والتصلب ~~فيه، والتمسك به فى كل الأحوال. وقوله - سبحانه - { فضلا من ~~الله ونعمة.. } تعليل لما من به - سبحانه - عليهم من تزيين ~~الإيمان فى قلوبهم. أى فعل ما فعل من تحبيب الإيمان إليكم، ومن تبغيض ~~الكفر إلى قلوبكم، لأجل فضله عليكم، ورحمته بكم، وإنعامه عليكم بالنعم ~~التى لا تحصى. { والله } - تعالى - { عليم } بكل شئ { حكيم } ~~فى كل أفعاله وأقواله وتصرفاته. وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد رسمت ~~للمؤمنين أحكم الطرق فى تلقى الأخبار، وأرشدتهم إلى مظاهر فضله عليهم، ~~لكى يستمروا على شكرهم له وطاعتهم لرسله. ثم انتقلت السورة إلى دائرة ~~أوسع وأرحب، فدعت المؤمنين إلى التدخل بين الطوائف المتنازعة لعقد ~~المصالحة بينها، وإلى قتال الفئة الباغية حتى ترجع إلى حكم الله - تعالى ~~- فقال - سبحانه - { وإن طآئفتان من المؤمنين... ~~لعلكم ترحمون }. ### || [49.9-10] # وقد ذكروا فى سبب نزول هاتين الآيتين روايات منها ما رواه الإمام أحمد ~~عن أنس قال قيل للنبى - صلى الله عليه وسلم - لو أتيت عبد الله بن أبى؟ ~~فانطلق إليه النبى - صلى الله عليه وسلم وركب حمارا، وانطلق المسلمون ~~يمشون، وهى أرض سبخة، فلما انطلق إليه - عليه الصلاة والسلام - قال إليكم ~~عنى، فوالله لقد آذانى ريح حمارك. فقال رجل من الأنصار والله ms4742 لحمار رسول ~~الله أطيب ريحا منك. قال فغضب لعبد الله رجال من قومه، وغضب للأنصارى ~~أصحابه. قال فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدى.. فبلغنا أنه أنزلت فيهم { ~~وإن طآئفتان من المؤمنين... }. والخطاب فى الآية لأول ~~الأمر من المسلمين، والأمر فى قوله { فأصلحوا } للوجوب، والطائفة ~~الجماعة من الناس. أى وإن حدث قتال بين طائفتين من المؤمنين، فعليكم يا ~~أولى الأمر من المؤمنين أن تتدخلوا بينهما بالإصلاح، عن طريق بذل النصح، ~~وإزالة أسباب الخلاف. والتعبير " بإن " للإشعار بأنه لا يصح أن يقع قتال ~~بين المؤمنين، فإن وقع على سبيل الندرة، فعلى المسلمين أن يعملوا بكل ~~وسيلة على إزالته. وجاء " إقتتلوا " بلفظ الجمع، لأن لفظ الطائفة وإن كان ~~مفردا فى اللفظ إلا أنه جمع فى المعنى، فروعى فيه المعنى هنا. وروعى فيه ~~اللفظ فى قوله { بينهما }. قالوا والنكنة فى ذلك أنهم فى حال القتال ~~يكونون مختلطين فلذا جاء الأسلوب بصيغة الجمع، وفى حال الصلح يكونون ~~متميزين متفرقين فلذا جاء الأسلوب بصيغة التثنية. ثم بين - سبحانه - حكمه ~~فى حال اعتداء إحداهما على الأخرى فقال { فإن بغت إحداهما ~~على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى ~~أمر الله }. والبغى التعدى وتجاوز الحد والامتناع عن قبول الصلح ~~المؤدى إلى الصواب. أى فإن بغت إحدى الطائفتين على الأخرى، وتجاوزت حدود ~~العدل والحق، فقاتلوا - أيها المؤمنون - الفئة الباغية، حتى تفئ وترجع ~~إلى حكم الله - تعالى - وأمره، وحتى تقبل الصلح الذى أمرناكم بأن تقيموه ~~بينهم. وقوله { فإن فآءت فأصلحوا بينهما بالعدل ~~وأقسطوا } بيان لما يجب على المؤمنين أن يفعلوه مع الفئة الباغية، ~~إذا ما قبلت الصلح ورجعت إلى حكم الله - تعالى -. أى فإن رجعت الفئة ~~الباغية عن بغيها، وقبلت الصلح، وأقلعت عن القتال، فأصلحوا بين الطائفتين ~~إصلاحا متسما بالعدل التام وبالقسط الكامل. وقيد - سبحانه - الإصلاح ~~بالعدل. ثم أكد ذلك بالأمر بالقسط حتى يلتزم الذين يقومون بالصلح بينهما ~~العدالة التى لا يشوبها أى حيف أو جور على إحدى الطائفتين. وقوله { إن ~~الله يحب المقسطين } تذييل المقصود به حض المؤمنين على ~~التقيد ms4743 بالعدل فى أحكامهم، لأن الله - تعالى - يحب من يفعل ذلك. # وقوله { إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين ~~أخويكم.. } استئناف مقرر لمضمون ما قبله من الأمر بوجوب الإصلاح ~~بين المتخاصمين. أى إنما المؤمنون إخوة فى الدين والعقيدة، فهم يجمعهم ~~أصل واحد وهو الإيمان، كما يجمع الإخوة أصل واحد وهو النسب، وكما ان ~~أخوة النسب داعية إلى التواصل والتراحم والتناصر فى جلب الخير، ودفع ~~الشر، فكذلك الأخوة فى الدين تدعوكم إلى التعاطف والتصالح، وإلى تقوى ~~الله وخشيته، ومتى تصالحتم واتقيتم الله - تعالى - كنتم أهلا لرحمته ~~ومثوبته. قال صاحب الكشاف فإن قلت فلم خص الإثنان بالذكر دون الجمع فى ~~قوله فأصلحوا بين أخويكم -؟ قلت لأن أقل من يقع بينهم الشقاق اثنان، فإذا ~~لزمت المصالحة بين الأقل، كانت بين الأكثر ألزم، لأن الفساد فى شقاق ~~الجمع أكثر منه فى شقاق الاثنين. هذا، وقد أخذ العلماء من هاتين الآيتين ~~جملة من الأحكام منها أن الأصل فى العلاقة بين المؤمنين أن تقوم على ~~التواصل والتراحم، لا على التنازع والتخاصم، وأنه إذا حدث نزاع بين ~~طائفتين من المؤمنين، فعلى بقية المؤمنين أن يقوموا بواجب الإصلاح ~~بينهما حتى يرجعا إلى حكم الله - تعالى -. قال الشوكانى إذا تقاتل فريقان ~~من المسلمين، فعلى المسلمين أن يسعوا بالصلح بينهم، ويدعوهم إلى حكم الله ~~فإن حصل بعد ذلك التعدى من إحدى الطائفتين على الأخرى، ولم تقبل الصلح ~~ولا دخلت فيه، كان على المسلمين أن يقاتلوا هذه الطائفة الباغية، حتى ~~ترجع إلى أمر الله وحكمه، فإن رجعت تلك الطائفة الباغية عن بغيها، وأجابت ~~الدعوة إلى كتاب الله وحكمه، فعلى المسلمين أن يعدلوا بين الطائفتين فى ~~الحكم، ويتحروا الصواب المطابق لحكم الله، ويأخذوا على يد الطائفة ~~الظالمة، حتى تخرج من الظلم، وتؤدى ما يجب عليها نحو الأخرى. ثم وجه - ~~سبحانه - إلى المؤمنين نداء رابعا، نهاهم فيه عن أن يسخر بعضهم من بعض، ~~أو أن يعيب بعضهم بعضا فقال { يأيها الذين آمنوا لا ~~يسخر... فأولئك هم الظالمون }. ### || [49.11] # وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية روايات ms4744 منها أنها نزلت فى قوم من بنى ~~تميم، سخروا من بلال، وسلمان، وعمار، وخباب.. لما رأوا من رثاثة حالهم، ~~وقلة ذات يدهم. ومن المعروف بين العلماء، أن العبرة بعموم اللفظ، لا ~~بخصوص السبب. وقوله { يسخر } من السخرية، وهى احتقار الشخص لغيره ~~بالقول أو بالفعل، يقال سخر فلان من فلان، إذا استهزأ به، وجعله مثار ~~الضحك، ومنه قوله - تعالى - حكاية عن نوح مع قومه # .. قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما ~~تسخرون # قال صاحب الكشاف والقوم الرجال خاصة، لأنهم القوام بأمور النساء.. ~~واختصاص القوم بالرجال صريح فى الآية، وفى قول الشاعر أقوم آل حصن أم ~~نساء. وأما قولهم فى قوم فرعون وقوم عاد هم الذكور والإناث، فليس لفظ ~~القوم بمتعاطف للفريقين، ولكن قصد ذكر الذكور، وترك ذكر الإناث لأنهن ~~توابع لرجالهن. أى يا من آمنتم بالله حق الإيمان، لا يحتقر بعضكم بعضا ~~ولا يستهزئ بعضكم من بعض. وقوله { عسى أن يكونوا خيرا ~~منهم } تعليل للنهى عن السخرية. أى عسى أن يكون المسخور منه خيرا ~~عند الله - تعالى - من الساخر، إذ أقدار الناس عنده - تعالى - ليست على ~~حسب المظاهر والأحساب.. وإنما هى على حسب قوة الإيمان، وحسن العمل. ~~وقوله { ولا نسآء من نسآء عسى أن يكن خيرا ~~منهن }. معطوف على النهى السابق، فى ذكر النساء بعد القوم قرينة ~~على أن المراد بالقوم الرجال خاصة. أى عليكم يا معشر الرجال أن تبتعدوا ~~عن احتقار غيركم من الرجال، وعليكن يا جماعة النساء أن تقلعن إقلاعا تاما ~~من السخرية من غيركن. ونكر - سبحانه - لفظ { قوم } و { نسآء } ~~للإشعار بأن هذا النهى موجه إلى جميع الرجال والنساء، لأن هذه السخرية ~~منهى عنها بالنسبة للجميع. وقد جاء النهى عن السخرية موجها إلى جماعة ~~الرجال والنساء، جريا على ما كان جاريا فى الغالب، من أن السخرية كانت ~~تقع فى المجامع والمحافل، وكان الكثيرون يشتركون فيها على سبيل التلهى ~~والتلذذ. ثم قال - تعالى - { ولا تلمزوا أنفسكم } أى ولا ~~يعب بعضكم بعضا بقول أو إشارة سواء أكان على وجه ms4745 يضحك أم لا، وسواء كان ~~بحضرة الملموز أم لا، فهو أعم من السخرية التى هى احتقار الغير بحضرته، ~~فالجملة الكريمة من باب عطف العام على الخاص. يقال لمز فلان فلانا، إذا ~~عابه وانتقصه، وفعله من باب ضرب ونصر. ومنهم من يرى أن اللمز ما كان ~~سخرية ولكن على وجه الخفية، وعليه يكون العطف من باب عطف الخاص على ~~العام، مبالغة فى النهى عنه حتى لكأنه جنس آخر. # أى ولا يعب بعضكم بعضا بأى وجه من وجوه العيب. سواء أكان ذلك فى حضور ~~الشخص أم فى غير حضوره. وقال - سبحانه - { ولا تلمزوا ~~أنفسكم } مع أن اللامز يلمز غيره، للإشارة إلى أن من عاب أخاه ~~المسلم، فكأنما عاب نفسه، كما قال - تعالى # ... فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم ~~تحية من عند الله مباركة طيبة # وقوله { ولا تنابزوا بالألقاب } أى ولا يخاطب أحدكم غيره ~~بالألفاظ التى يكرهها، بأن يقول له أحمق، أو يا أعرج، أو يا منافق.. أو ~~ما يشبه ذلك من الألقاب السيئة التى يكرهها الشخص. فالتنابر التعاير ~~والتداعى بالألقاب المكروهة، يقال نبزه ينبزه - كضربه يضربه - إذا ناداه ~~بلقب يكرهه، سواء أكان هذا اللقب للشخص أم لأبيه أم لأمه أم لغيرهما. ~~وقوله - تعالى - { بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان } تعليل ~~للنهى عن هذه الرذائل والمراد بالاسم ما سبق ذكره من السخرية واللمز ~~والتنابر بالألقاب، والمخصوص بالذم محذوف. أى بئس الفعل فعلكم أن تذكروا ~~إخوانكم فى العقيدة بما يكرهونه وبما يخرجهم عن صفات المؤمنين الصادقين، ~~بعد أن هداهم الله - تعالى - وهداكم إلى الإيمان. وعلى هذا فالمراد من ~~الآية نهى المؤمنين أن ينسبوا إخوانهم فى الدين إلى الفسوق بعد اتصافهم ~~بالإيمان. قال صاحب الكشاف الاسم ها هنا بمعنى الذكر، من قولهم فلان ~~طار اسمه فى الناس بالكرم أو باللؤم، كما يقال طار ثناؤه وصيته.. كأنه ~~قيل بئس الذكر المرتفع للمؤمنين.. أن يذكروا بالفسق. ويصح أن يكون المراد ~~من الآية الكريمة نهى المؤمنين عن ارتكابهم لهذه الرذائل، لأن ارتكابهم ~~لهذه الراذائل، يؤدى بهم إلى الفسوق والخروج ms4746 عن طاعة الله - تعالى - بعد ~~أن اتصفوا بصفة الإيمان. وقد أشار إلى هذا المعنى الإمام ابن جرير فقال ~~ما ملخصه وقوله { بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان }. يقول - ~~تعالى - ومن فعل ما نهينا عنه، وتقدم على معصيتنا بعد إيمانه، فسخر من ~~المؤمنين، ولمز أخاه المؤمن ونبزه بالألقاب، فهو فاسق، بئس الاسم الفسوق ~~بعد الإيمان، يقول فلا تفعلوا فتستحقوا إن فعلتموه. أن تسموا فساقا - ~~بعد أن وصفتهم بصفة الإيمان. وقال الإمام الفخر الرازى ما ملخصه هذا أى ~~قوله - تعالى - { بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان } من تمام ~~الزجر كأنه - تعالى - يقول يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم، ولا ~~تلمزوا أنفسكم، ولا تنابزوا فإن من يفعل ذلك يفسق بعد إيمانه، والمؤمن ~~يقبح منه أن يأتى بعد إيمانه بفسوق.. ويصير التقدير بئس الفسوق بعد ~~الإيمان. ويبدو لنا أن هذا الرأى أنسب للسياق، إذ المقصود من الآية ~~الكريمة نهى المؤمنين عن السخرية أو اللمز أو التنابز بالألقاب، لأن ~~تعودهم على ذلك يؤدى بهم إلى الفسوق عن طاعة الله - تعالى - والخروج عن ~~آدابه، وبئس الوصف وصفهم بذلك أى بالفسق بعد الإيمان. # ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله { ومن لم يتب فأولئك ~~هم الظالمون } أى ومن لم يتب عن ارتكاب هذه الرذائل، فأولئك هم ~~الظالمون لأنفسهم، حيث وضعوا العصيان موضع الطاعة، والفسوق فى موضع ~~الإيمان. هذا، ومن الإحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآية ~~وجوب الابتعاد عن أن يعيب المسلم أخاه المسلم، أو يحتقره، أو يناديه بلقب ~~سيئ. قال الآلوسى انفق العلماء على تحريم تلقيب الإنسان بما يكره، سواء ~~كان صفة له أم لأبيه أم لأمه أم لغيرهما. ويستثنى من ذلك نداء الرجل بلقب ~~قبيح فى نفسه، لا على قصد الاستخفاف به، كما إذا دعت له الضرورة لتوقف ~~معرفته، كقول المحدثين سليمان الأعمش، وواصل الأحدب. ثم وجه - سبحانه - ~~إلى عباده المؤمنين نداء خامسا، نهاهم فيه عن أن يظن بعضهم ببعض ظنا سيئا ~~بدون مبرر، كما نهاهم عن التجسس وعن الغيبة، حتى تبقى للمسلم حرمته ~~وكرامته.. فقال ms4747 - تعالى - { يأيها الذين آمنوا ~~اجتنبوا... }. ### || [49.12] # وقوله - تعالى - { اجتنبوا } من الاجتناب يقال اجتنب فلان فلانا ~~إذا ابتعد عنه، حتى لكأنه فى جانب والآخر فى جانب مقابل. والمراد بالظن ~~المنهى عنه هنا الظن السيئ بأهل الخير والصلاح بدون دليل أو برهان. قال ~~بعض العلماء ما ملخصه والظن أنواع منه ما هو واجب، ومنه ما هو محرم، ومنه ~~ما هو مباح. فالمحرم كسوء الظن بالمسلم المستور الحال، الظاهر العدالة، ~~ففى الحديث الشريف # " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث.. " # وفى حديث آخر # " إن الله حرم من المسلم ودمه وعرضه وأن يظن به ظن السوء ". # وقلنا كسوء الظن بالمسلم المستور الحال... لأن من يجاهر بارتكاب ~~الخبائث.. لا يحرم سوء الظن به، لأن من عرض نفسه للتهم كان أهلا لسوء ~~الظن به. والظن الواجب يكون فيما تعبدنا الله - تعالى - بعلمه، ولم ينصب ~~عليه دليلا قاطعا، فهنا يجب الظن للوصول إلى المعرفة الصحيحة، كقبول ~~شهادة العدل، وتحرى القبلة.. والظن المباح مثلوا له بالشك فى الصلاة حين ~~استواء الطرفين... وحرمة سوء الظن بالناس، إنما تكون إذا كان لسوء الظن ~~أثر يتعدى إلى الغير، وأما أن تظن شرا لتتقيه، ولا يتعدى أثر ذلك إلى ~~الغير فذلك محمود غير مذموم، وهو محمل ما ورد من أن " من الحزم سوء ~~الظن.. ". أى يا من آمنتم بالله - تعالى - إيمانا حقا، ابتعدوا ابتعادا ~~تاما عن الظنون السيئة بأهل الخير من المؤمنين، لأن هذه الظنون السيئة ~~التى لا تستند إلى دليل أو أمارة صحيحة إنما هى مجرد تهم، تؤدى إلى تولد ~~الشكوك والمفاسد.. فيما بينكم.. وجاء - سبحانه - بلفظ " كثيرا " منكرا ~~لكى يحتاط المسلم فى ظنونه، فيبتعد عما هو محرم منها، ولا يقدم إلا على ~~ما هو واجب أو مباح منها - كما سبق أن أشرنا -. وقوله - سبحانه - { إن ~~بعض الظن إثم } تعليل للأمر باجتناب الظن. والإثم الذنب الذي ~~يستحق فاعله العقوبة عليه. يقال أثم فلان - كعلم - بأثم إثما فهو آثم إذا ~~ارتكب ذنبا. والمراد بهذا البعض المذموم من الظن ما عبر عنه - سبحانه - ~~قبل ms4748 ذلك بقوله { اجتنبوا كثيرا من الظن }. أى إن الكثير ~~من الظنون يؤدى بكم إلى الوقوع فى الذنوب والآثام فابتعدوا عنه. قال ابن ~~كثير ينهى الله عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو التهمة والتخون ~~للأهل والأقارب والناس من غير محله، لأن بعض ذلك يكون إثما محضا، فليجتنب ~~كثيرا منه احتياطا.. # " عن حارثة بن النعمان قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث ~~لازمات لأمتى " الطيرة والحسد وسوء الظن " فقال رجل ما الذى يذهبن يا ~~رسول الله من هن فيه؟ قال " إذا حسدت فاستغفر الله، وإذا ظننت فلا تحقق، ~~وإذا تطيرت فامض " ". # وأخرج البيهقى فى شعب الإيمان عن سعيد بن المسيب قال كتب إلى بعض ~~إخوانى من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ضع أمر أخيك على ~~أحسنه، ما لم يأتك ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من امرئ مسلم شرا وأنت ~~تجد لها فى الخير محملا، ومن عرض نفسه للتهم فلا يلومن إلا نفسه.. وقوله ~~- سبحانه - { ولا تجسسوا } أى خذوا ما ظهر من أحوال الناس ولا ~~تبحثوا عن بواطنهم أو أسرارهم. أو عوراتهم ومعايبهم، فإن من تتبع عورات ~~الناس فضحه الله - تعالى -. فالتجسس مأخوذ من الجس، وهو البحث عما خفى من ~~أمور الناس، وقرأ الحسن وأبو رجاء { ولا تحسسوا } من الحس، وهما بمعنى ~~واحد. وقيل هما متغايران التجسس - بالجيم - معرفة الظاهر، وأن التحسس - ~~بالحاء - تتبع البواطن وقيل بالعكس.. وعلى أية حال فالمراد هنا من التجسس ~~والتحسس النهى عن تتبع عورات المسلمين، أخرج أبو داود وغيره # " عن أبى برزة الأسلمى قال خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال ~~يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه. لا تتبعوا عورات ~~المسلمين، فإن من تتبع عورات المسلمين، فضحه الله - تعالى - فى قعر بيته ~~". # وعن معاوية بن أبى سفيان قال سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول # " إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم ". # ثم نهى - سبحانه - بعد ذلك عن الغيبة فقال { ولا يغتب بعضكم ~~بعضا ms4749 } والغيبة - بكسر الغين - أن تذكر غيرك فى غيابه بما يسوءه يقال ~~اغتاب فلان فلانا، إذا ذكره بسوء فى غيبته، سواء أكان هذا الذكر بصريح ~~اللفظ أم بالكناية، أم بالإشارة، أم بغير ذلك. روى أبو داود وغيره عن ~~أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال # " أتدرون ما الغيبة؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال ذكرك أخاك بما يكره. ~~قيل أرأيت إن كان فى أخى ما أقول؟ قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، ~~وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته ". # ثم ساق - سبحانه - تشبيها ينفر من الغيبة أكمل تنفير فقال { أيحب ~~أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه }. ~~والاستفهام للتقرير لأنه من الأمور المسلمة أن كل إنسان يكره أكل لحم ~~أخيه حيا، فضلا عن أكله ميتا. والضمير فى قوله { فكرهتموه } يعود ~~على الأكل المفهوم من قوله { يأكل } و { ميتا } حال من اللحم أو ~~من الأخ. # أى اجتنبوا أن تذكروا غيركم بسوء فى غيبته، فإن مثل من يغتاب أخاه ~~المسلم كمثل من يأكل لحمه وهو ميت، ولا شك أن كل عاقل يكره ذلك وينفر منه ~~أشد النفور. ورحم الله - صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الجملة ~~قوله - تعالى - { أيحب أحدكم أن يأكل.. } تمثيل وتصوير ~~لما يناله المغتاب من عرض غيره على أفظع وجه وأفحشه. وفيه مبالغات شتى ~~منها الاستفهام الذى معناه التقرير، ومنها جعل ما هو الغاية فى الكراهة ~~موصولا بالمحبة، ومنها إسناد الفعل إلى أحدكم، والإشعار بأن أحدا من ~~الأحدين لا يحب ذلك، ومنها أنه - سبحانه - لم يقتصر على تمثيل الاغتياب ~~بأكل لحم الإنسان، وإنما جعله أخا، ومنها أنه لم يقتصر على أكل لحم الأخ ~~وإنما جعله ميتا.. وانتصب " ميتا " على الحال من اللحم أو من الأخ.. ~~وقوله { فكرهتموه } فيه معنى الشرط. أى إن صح هذا فقد كرهتموه - ~~فلا تفعلوه - وهى الفاء الفصيحة. والحق أن المتأمل فى هذه الآية الكريمة ~~يراها قد نفرت من الغيبة بأبلغ أسلوب وأحكمه، لأنها من الكبائر والقبائح ~~التى تؤدى إلى تمزق ms4750 شمل المسلمين، وإيقاد نار الكراهية فى الصدور. قال ~~الآلوسى ما ملخصه وقد أخرج العلماء أشياء لا يكون لها حكم الغيبة، وتنحصر ~~فى ستة أسباب الأول التظلم، إذ من حق المظلوم أن يشكو ظالمه إلى من تتوسم ~~فيه إزالة هذا الظلم. الثانى الاستعانة على تغيير المنكر بذكره لمن يظن ~~قدرته على إزالته. الثالث الاستفتاء، إذ يجوز للمستفتى أن يقول للمفتى ~~ظلمنى فلان بكذا.. الرابع تحذير المسلمين من الشر، كتجريح الشهود والرواة ~~والمتصدين للإفتاء بغير علم. الخامس المجاهرون بالمعاصى وبارتكاب ~~المنكرات، فإنه يجوز ذكرهم بما تجاهروا به.. السادس التعريف باللقب الذى ~~لا يقصد به الإساءة كالأعمش والأعرج. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ~~بدعوة المؤمنين إلى التوبة والإنابة فقال { واتقوا الله إن ~~الله تواب رحيم }. أى واتقوا - أيها المؤمنون - بأن تصونوا ~~أنفسكم عن كل ما أمركم - سبحانه - باجتنابه، إن الله - تعالى - كثير ~~القبول لتوبة عباده، الذين يتوبون من قريب، ويرجعون إلى طاعته رجوعا ~~مصحوبا بالندم على ما فرط منهم من ذنوب، ومقرونا بالعزم على عدم العودة ~~إلى تلك الذنوب لا فى الحال ولا فى الاستقبال. ومستوفيا لكل ما تستلزمه ~~التوبة الصادقة من شروط. وهو - أيضا - واسع الرحمة لعباده المؤمنين، ~~المستقيمين على أمره. وبذلك نرى هذه الآية الكريمة قد نهت المسلمين عن ~~رذائل، يؤدى تركها إلى سعادتهم ونجاحهم، وفتحت لهم باب التوبة لكى يقلع ~~عنها من وقع فيها.. وبعد هذه النداءات الخمسة للمؤمنين، التى اشتملت على ~~الآداب النفسية والاجتماعية.. وجه - سبحانه - نداء إلى الناس جميعا، ~~ذكرهم فيه بأصلهم وبميزان قبولهم عنده، فقال - سبحانه - { يأيها ~~الناس... }. ### || [49.13] # وقد ورد فى سبب نزول هذه الآية روايات منها أن الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - أمر بنى بياضة أن يزوجوا امرأة منهم لأبى هند - وكان حجاما للنبى ~~- صلى الله عليه وسلم - فقالوا يا رسول الله، نزوج بناتنا - موالينا - أى ~~عبيدنا، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. والمراد بالذكر والأنثى آدم ~~وحواء. أى خلقناكم جميعا من أب واحد ومن أم واحدة، فأنتم جميعا تنتسبون ~~إلى أصل واحد، ويجمعكم وعاء واحد، ms4751 وما دام الأمر كذلك فلا وجه للتفاخر ~~بالحساب والأنساب. قال الآلوسى أى خلقناكم من آدم وحواء، فالكل سواء فى ~~ذلك، فلا وجه للتفاخر بالنسب، كما قال الشاعر # الناس فى عالم التمثيل أكفاء أبوهم آدم والأم حواء. # وجوز أن يكون المراد هنا إنا خلقنا كل واحد منكم من أب وأم، ويبعده عدم ~~ظهور ترتب ذم التفاخر بالنسب عليه، والكلام مساق له.. وقوله { ~~وجعلناكم شعوبا وقبآئل لتعارفوا... } بيان لما ~~ترتب على خلقهم على تلك الصورة، وللحكمة من ذلك. والشعوب جمع شعب، وهو ~~العدد الكثير من الناس يجمعهم - فى الغالب أصل واحد. والقبائل جمع قبيلة ~~وتمثل جزءا من الشعب، إذ أن الشعب مجموعة من القبائل. قال صاحب الكشاف ~~والشعب الطبقة الأولى من الطبقات الست التى علها العرب. وهى الشعب، ~~والقبيلة، والعمارة، والبطن، والفخذ، والفصيلة.. وسميت الشعوب بذلك، لأن ~~قبائل تشعبت منها.. والمعنى خلقناكم - أيها الناس - من ذكر وأنثى، ~~وجعلناكم شعوبا وقبائل { لتعارفوا } أى ليعرف بعضكم نسب بعض، ~~فينتسب كل فرد إلى آبائه، ولتتواصلوا فيما بينكم وتتعاونوا على البر ~~والتقوى، لا ليتفاخر بعضكم على بعض بحسبه أو نسبه أو جاهه. وقوله - ~~سبحانه - { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } تعليل لما ~~بدل ------------ النهى عن التفاخر بالأنساب. أى إن أرفعكم منزلة عند ~~الله، وأعلاكم عنده - سبحانه - درجة.. هو أكثرهم تقوى وخشية منه - تعالى ~~- فإن أردتم الفخر ففاخروا بالتقوى وبالعمل الصالح. { إن الله ~~عليم } بكل أحوالكم { خبير } بما ترونه وتعلنونه من أقوال وأفعال. ~~وقد ساق الإمام ابن كثير - رحمه الله - عند تفسيره لهذه الآية. جملة من ~~الأحاديث التى تنهى عن التفاخر، وتحض على التقوى، فقال فجميع الناس فى ~~الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء سواء، وإنما يتفاضلون بالأمور ~~الدينية، وهى طاعة الله ورسوله.. روى البخارى - بسنده - عن أبى هريرة قال # " سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أى الناس أكرم؟ قال " أكرمهم ~~أتقاهم قالوا ليس عن هذا نسألك قال فأكرم الناس يوسف نبى الله، ابن خليل ~~الله، قالوا ليس عن هذا نسألك. قال فعن معادن العرب تسألونى؟ قالوا ms4752 نعم. ~~قال فخياركم فى الجاهلية خياركم فى الإسلام إذا فقهوا " ". # وروى مسلم عن أبى هريرة قال # " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الله لا ينظر إلى صوركم ~~وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ". # وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب ~~الناس يوم فتح مكة قال # " يأيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية - أى تكبرها، ~~وتعظمها بآبائها، الناس رجلان، رجل يرتقى كريم على الله، وفاجر شقى هين ~~على الله. إن الله - تعالى - يقول { يأيها الناس إنا ~~خلقناكم من ذكر وأنثى.. } ثم قال " أقول قولى هذا وأستغفر ~~الله لى ولكم ". # ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالرد على الأعراب الذين قالوا آمنا، ~~دون أن يدركوا حقيقة الإيمان، وبين من هم المؤمنون الصادقون. فقال - ~~تعالى - { قالت الأعراب آمنا قل... بصير بما تعملون ~~}. ### || [49.14-18] # والإعراب اسم جنس لبدو العرب، واحده أعرابى، وهم الذين يسكنون البادية. ~~والمراد بهم هنا جماعة منهم لا كلهم، لأن منهم، # من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق ~~قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة ~~لهم سيدخلهم الله في رحمته # قال الآلوسى قال مجاهد نزلت هذه الآيات فى بنى أسد، وهم قبيلة كانت تسكن ~~بجوار المدينة، أظهروا الإسلام، وقلوبهم دغلة، إنما يحبون المغانم وعرض ~~الدنيا.. ويروى أنهم قدموا المدينة فى سنة مجدبة، فأظهروا الشهادتين، ~~وكانوا يقولون لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - جئناك بالأثقال ~~والعيال، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان.. يمنون بذلك على النبى - صلى ~~الله عليه وسلم -. وقوله - سبحانه - { قالت الأعراب آمنا } من ~~الإيمان، وهو التصديق القلبى، والإذعان النفسى والعمل بما يقتضيه هذا ~~الإيمان من طاعة لله - تعالى - ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -. وقوله { ~~أسلمنا } من الإسلام بمعنى الاستسلام والانقياد الظاهرى بالجوارح، ~~دون أن يخالط الإيمان شغاف قلوبهم. أى قالت الأعراب لك - أيها الرسول ~~الكريم - آمنا وصدقنا بقلوبنا لكل ما جئت به، وامتثلنا لما تأمرنا به ~~وتنهانا عنه. قل لهم { لم تؤمنوا } أى لم تصدقوا تصديقا ms4753 صحيحا عن ~~اعتقاد قلب وخلوص نية.. { ولكن قولوا أسلمنا } أى ولكن ~~قولوا نطقنا بكلمة الإسلام واستسلمنا لما تدعونا إليه إستسلاما ظاهريا ~~طمعا فى الغنائم، أو خوفا من القتل. قال صاحب الكشاف فإن قلت ما وجه قوله ~~- تعالى - { قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا } ~~والذى يقتضيه نظم الكلام أن يقال قل لا تقولوا آمنا، ولكن قولوا ~~أسلمنا... قلت أفاد هذا النظم تكذيب دعواهم أولا، ودفع ما انتحلوه، فقيل ~~قل لم تؤمنوا، وروعى فى هذا النوع من التكذيب أدب حسن حين لم يصرح بلفظه، ~~حيث لم يقل كذبتم، ووضع، " لم تؤمنوا " الذى هو نفى ما ادعوا إثباته ~~موضعه.. واستغنى بالجملة التى هى " لم تؤمنوا " عن أن يقال لا تقولوا ~~آمنا، لاستهجان أن يخاطبوا بلفظ مؤداه النهى عن القول بالإيمان.. وقوله ~~{ ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } جملة حالية من ضمير، " ~~قولوا " و " لما " لفظ يفيد توقع حصول الشئ الذى لم يتم حصوله. أى قولوا ~~أسلمنا والحال أنه لم يستقر الإيمان فى قلوبكم بعد، فإنه لو استقر فى ~~قلوبكم لما سلكتم هذا المسلك، ولما مننتم على الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - بإسلامكم. قال الإمام ابن كثير ما ملخصه وقد استفيد من هذه الآية ~~الكريمة أن الإيمان أخص من الإسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ~~ويدل عليه حديث جبريل، حين سأل عن الإسلام. # ثم عن الإيمان.. فترقى من الأعم إلى الأخص. كما يدل على ذلك حديث ~~الصحيحين # " عن سعد بن أبى وقاص، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أعطى رجلا ولم ~~يعط آخر. فقال سعد يا رسول الله، مالك عن فلان إنى لأراه مؤمنا، فقال " ~~أو مسلما ". # فقد فرق - صلى الله عليه وسلم - بين المؤمن والمسلم. فدل على أن ~~الإيمان أخص من الإسلام. كما دل هنا عن أن هؤلاء الأعراب المذكورين فى ~~هذه الآية، إنما هم مسلمون لم يستحكم الإيمان فى قلوبهم. فادعوا لأنفسهم ~~مقاما أعلى مما وصلوا إليه، فأدبوا بذلك.. ثم أرشدهم - سبحانه - إلى ما ~~يكمل إيمانهم فقال { وإن تطيعوا الله ورسوله لا ms4754 ~~يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم ~~}. ومعنى " لا يلتكم " لا ينقصكم. يقال لات فلان فلانا حقه - كباع - إذا ~~نقصه. أى وإن تطيعوا الله - تعالى - ورسوله، بأن تخلصوا العبادة، وتتركوا ~~المن والطمع، لا ينقصكم - سبحانه - من أجور أعمالكم شيئا، إن الله - ~~تعالى - واسع المغفرة والرحمة لعباده التائبين توبة صادقة نصوحا. ثم بين ~~- سبحانه - صفات عباده المؤمنين الصادقين فقال { إنما المؤمنون ~~الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ~~أولئك هم الصادقون }. أى إنما المؤمنون حق الإيمان ~~وأكمله، هم الذين آمنوا بالله - تعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - { ~~ثم لم يرتابوا } أى لم يدخل قلوبهم شئ من الريبة أو الشك فيما ~~أخبرهم به نبيهم - صلى الله عليه وسلم -. وأتى - سبحانه - بثم التى ~~للتراخى، للتنبيه على أن نفى الريب عنهم ليس مقصورا على وقت إيمانهم فقط، ~~بل هو مستمر بعد ذلك إلى نهاية آجالهم، فكأنه - سبحانه - يقول إنهم آمنوا ~~عن يقين، واستمر معهم هذا اليقين إلى النهاية. ثم أتبع ذلك ببيان الثمار ~~الطيبة التى ترتبت على هذا الإيمان الصادق فقال { وجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله }. أى وبذلوا من أجل ~~إعلاء كلمة الله - تعالى -، ومن أجل دينه أموالهم وأنفسهم. قال الآلوسى ~~وتقديم الأموال على الأنفس من باب الترقى من الأدنى إلى الأعلى. ويجوز ~~بأن يقال قدم الأموال لحرص الكثيرين عليها، حتى إنهم يهلكون أنفسهم ~~بسببها... { أولئك هم الصادقون } أى أولئك الذين فعلوا ذلك ~~هم الصادقون فى إيمانهم. ثم أمر - سبحانه - رسوله - صلى الله عليه وسلم - ~~أن يخبرهم بأن الله - تعالى - لا يخفى عليه شئ من أحوالهم فقال { قل ~~أتعلمون الله بدينكم }. وقوله { أتعلمون } من ~~الإعلام بمعنى الإخبار، فلذا تعدى بالتضعيف لواحد بنفسه، وإلى الثانى ~~بحرف الجر. # أى قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الأعراب على سبيل التوبيخ أتخبرون ~~الله - تعالى - بما أنتم عليه من دين وتصديق حيث قلتم آمنا، على سبيل ~~التفاخر والتباهى.. وأحال أن الله - تعالى - { يعلم ما في ~~السماوات وما في الأرض } دون أن يخفى ms4755 عليه شئ من أحوال ~~المخلوقات الكائنة فيهما. وقوله - سبحانه - { والله بكل شيء ~~عليم } مقرر لما قبله ومؤكد له. ثم أشار - تعالى - إلى نوع آخر من ~~جفائهم وقلة إدراكهم فقال { يمنون عليك أن أسلموا... }. ~~والمن تعداد النعم على الغير، وهو مذموم من الخلق، محمود من الله - تعالى ~~-. أى هؤلاء الأعراب يعدون إيمانهم بك منة عليك، ونعمة أسدوها إليك حيث ~~قالوا لك جئناك بالأموال والعيال، وقاتلك الناس ولم نقاتلك.. وقوله { ~~أن أسلموا } فى موضع المفعول لقوله { يمنون } لتضمينه معنى ~~الاعتداد، أو هو بتقدير حرف الجر فيكون المصدر منصوبا بنزع الخافض أو ~~مجرورا بالحرف المقدر. أى يمنون عليك بإسلامهم. ثم أمر الله - تعالى - ~~نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم بما يدل على غفلتهم فقال { قل ~~لا تمنوا علي إسلامكم... }. أى قل لهم لا تتفاخروا على ~~بسبب إسلامكم، لأن ثمرة هذا الإسلام يعود نفعها عليكم لا على. ثم بين - ~~سبحانه - أن المنة له وحده فقال { بل الله يمن عليكم أن ~~هداكم للإيمان... }. أى قل لهم - أيها الرسول الكريم - ليس الأمر ~~كما زعمتم من أن إسلامكم يعتبر منه على، بل الحق أن الله - تعالى - ~~هو الذى يمن عليكم أن أرشدكم إلى الإيمان، وهداكم إليه، وبين لكم طريقه، ~~فادعيتم أنكم آمنتم مع أنكم لم تؤمنوا ولكنكم أسلمتم فقط. قال صاحب ~~الكشاف وسياق هذه الآية فيه لطف ورشاقة، وذلك أن الكائن من الأعاريب قد ~~سماه الله إسلاما، ونفى أن يكون - كما زعموا - إيمانا فلما منوا على ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - بما كان منهم، قال الله - تعالى - لرسوله ~~إن هؤلاء يعتدون عليك بما ليس جديرا بالاعتداد به.. ثم قال بل الله يعتد ~~عليكم أن أمدكم بتوفيقه، حيث هداكم للإيمان - على ما زعمتم - وادعيتم ~~أنكم أرشدتم إليه، ووفقتم له إن صح زعمكم، وصدقت دعواكم.. وفى إضافة ~~الإسلام عليهم، وإيراد الإيمان غير مضاف، ما لا يخفى على المتأمل... ~~وجواب الشرط فى قوله { إن كنتم صادقين } محذوف، يدل عليه ما ~~قبله. أى إن كنتم صادقين فى إيمانكم فاعتقدوا، ms4756 أن المنة إنما هى لله - ~~تعالى - عليكم، حيث أرشدكم إلى الطريق الموصل إلى الإيمان الحق. وشبيه ~~فى المعنى بهذه الآية قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - للأنصار فى إحدى ~~خطبه # " يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بى، وكنتم متفرقين ~~فألفكم الله بى، وكنتم عالة فأغناكم الله بى؟ " # وكان - صلى الله عليه وسلم - كلما قال شيئا، قالوا الله ورسوله أمن. ~~والحق أن هداية الله - تعالى - لعبده إلى الإيمان تعتبر منة منه - ~~سبحانه - لا تدانيها منه، ونعمة لا تقاربها نعمة، وعطاء ساميا جليلا منه ~~- تعالى - لا يساميه عطاء فله - عز وجل - الشكر الذى لا تحصيه عبارة على ~~النعمة، ونسأله - تعالى - أن يديمها علينا حتى نلقاه. ثم ختم - سبحانه - ~~السورة الكريمة بقوله { إن الله يعلم غيب السماوات ~~والأرض... } أى إنه - تعالى - يعلم ما خفى وغاب عن عقول الناس من ~~أحوال السماوات والأرض { والله بصير بما تعملون } - أيها ~~الناس - لا يعزب عنه شئ من أقوالكم أو أفعالكم. وبعد فهذا تفسير وسيط ~~لسورة " الحجرات " تلك السورة التى رسمت للناس معالم عالم كريم، تشع فيه ~~الآداب السامية، والأخلاق العالية، والقيم الجليلة، وتختفى فيه ما يتعارض ~~مع هذه المعانى كالحقد والغيبة والتقاتل والتفاخر بالأحساب والأنساب. ~~نسأل الله - أن يجعل القرآن ربيع نفوسنا، وأنس قلوبنا. وصلى الله على ~~سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [50 - سورة ق] ### || [50.1-11] # سورة " ق " من السور القرآنية، التى افتتحت ببعض حروف التهجى، وأقرب ~~الأقوال إلى الصواب فى معنى هذه الحروف، أنها جئ بها على سبيل الإيقاظ ~~والتنبيه للذين تحداهم القرآن. فكأن الله - تعالى - يقول لهؤلاء ~~المعارضين فى أن القرآن من عند الله ها كم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو ~~من جنس ما تؤلفون منه كلامكم، ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية ~~التى تنظمون منها حروفكم. فإن كنتم فى شك فى كونه منزلا من عند الله - ~~تعالى - فهاتوا مثله، أو عشر سور من مثله، أو سورة واحدة من مثله. فعجزوا ~~وانقلبوا خاسرين، وثبت أن هذا القرآن من عند ms4757 الله - سبحانه -. وهذا الرأى ~~وهو كون " ق " من الحروف الهجائية، هو الذى نطمئن إليه، وهناك أقوال أخرى ~~فى معنى هذا الحرف، تركناها لضعفها كقول بعضهم إن " ق " اسم جبل محيط ~~بجميع الأرض.. وهى أقوال لم يقم دليل نقلى أو عقلى على صحتها. قال ابن ~~كثير وقد روى عن بعض السلف، أنهم قالوا " ق " جبل محيط بالأرض، يقال له ~~جبل " ق " وكأن هذا - والله أعلم - من خرافات بنى إسرائيل التى أخذها ~~عنهم بعض الناس.. والواو فى قوله - تعالى - { والقرآن المجيد } ~~للقسم، والمقسم به القرآن الكريم، وجواب القسم محذوف لدلالة ما بعده ~~عليه، وهو استبعادهم لعبثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتكذيبهم للبعث ~~والحساب.. وقوله { المجيد } صفة للقرآن. أى ذى المجد والشرف وكثرة ~~الخير. ولفظ المجيد مأخوذ من المجد، بمعنى السعة والكرم، وأصله من مجدت ~~الإبل وأمجدت، إذا وقعت فى مرعى مخصب، واسع، الجنبات، كثير الأعشاب. ~~والمعنى أقسم بالقرآن ذى المجد والشرف، وذى الخير الوفير الذى يجد فيه كل ~~طالب مقصوده، إنك - أيها الرسول الكريم - لصادق فيما تبلغه عن ربك من أن ~~البعث حق والحساب حق، والجزاء حق... ولكن الجاحدين لم يؤمنوا بذلك. { ~~بل عجبوا أن جآءهم منذر منهم } وهو أنت يا محمد، ~~فلم يؤمنوا بك، بل قابلوا دعوتك بالإنكار والتعجب. { فقال ~~الكافرون هذا شيء عجيب } أى هذا البعث الذى تخبرنا عنه يا ~~محمد شئ يتعجب منه، وتقف دون أفهامنا حائرة. قال الآلوسى ما ملخصه قوله - ~~تعالى - { بل عجبوا أن جآءهم منذر منهم... } بل ~~للإضراب عما ينبئ عنه جواب القسم المحذوف، فكأنه قيل إنا أنزلنا هذا ~~القرآن لتنذر به الناس، فلم يؤمنوا به، بل جعلوا كلا من المنذر والمنذر ~~به عرضة للتكبر والتعجب، مع كونهما أوفق شئ لقضية العقول، وأقربه إلى ~~التلقى بالقبول. # . وقوله { أن جآءهم } بتقدير لأن جاءهم، ومعنى " منهم " أى من ~~جنسهم، وضمير الجمع يعود إلى الكفار.. وقوله { فقال الكافرون ~~هذا شيء عجيب } تفسير لتعجبهم.. وإضمارهم أولا، للإشعار ~~بتعينهم بما أسند إليهم، وإظهارهم ثانيا، لتسجيل الكفر عليهم.. وقوله - ~~سبحانه - { أإذا ms4758 متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد } ~~تقرير للتعجب، وتأكيد للإنكار الصادر عنهم، والعامل فى " إذا " مضمر ~~لدلالة ما بعده عليه.. أى أحين نموت ونصير ترابا وعظاما نرجع إلى الحياة ~~مرة أخرى، كما يقول محمد - صلى الله عليه وسلم -، وكما يقول القرآن الذى ~~نزل عليه. لا، إننا لن نبعث ولن نعود إلى الحياة مرة أخرى، وما يخبرنا به ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - من أن الرجوع إلى الحياة مرة أخرى حق، كلام ~~بعيد عن عقولنا وأفهامنا. فاسم الإشارة " ذلك " يعود إلى محل النزاع وهو ~~الرجوع إلى الحياة مرة أخرى، والبعث بعد الموت. والرجع بمعنى الرجوع. ~~يقال رجعته أرجعه رجعا ورجوعا، بمعنى أعدته.. ومنه قوله - تعالى - # فإن رجعك الله إلى طآئفة منهم # أى ذلك الرجوع إلى الحياة مرة أخرى بعيد عن الأفهام، وعن العادة، وعن ~~الإمكان. وبعد هذا التصوير الأمين لحججهم وأقوالهم، ساق - سبحانه - الرد ~~الذى يدفع تلك الحجج والأقوال فقال { قد علمنا ما تنقص ~~الأرض منهم }. أى قد علمنا علما تاما دقيقا ما تأكله الأرض من ~~أجسادهم بعد موتهم، ومن علم ذلك لا يعجزه أن يعيدهم إلى الحياة مرة أخرى. ~~وقوله - سبحانه - { وعندنا كتاب حفيظ } تأكيد وتقرير لما قبله. ~~أى وعندنا بجانب علمنا الشامل الدقيق. كتاب حافظ لجميع أحوال العباد، ~~ومسجلة فيه أقوالهم وأفعالهم، والمراد بهذا الكتاب اللوح المحفوظ. ثم كشف ~~- سبحانه - عن حقيقة أحوالهم، وعن الأسباب التى دفعتهم إلى إيثار الباطل ~~على الحق فقال { بل كذبوا بالحق لما جآءهم فهم ~~في أمر مريج }. أى إن هؤلاء الكافرين لم يكتفوا بإنكارهم ~~للبعث.. بل جاءوا بما هو أشنع وأفظع منه، وهو تكذيبهم لنبوتك - أيها ~~الرسول الكريم - تلك النبوة الثابتة بالمعجزات الناصعة، ومن مظاهر هذا ~~التكذيب أنهم تارة يقولون عنك ساحر، وتارة يقولون عنك كاهن وتارة يصفوك ~~بالجنون. فهم فى أمر مريج، أى مضطرب مختلط. بحيث لا يستقرون على حال. ~~يقال مرج الأمر - بزنة طرب - إذا اختلط وتزعزع، وفقد الثبات والاستقرار ~~والصلاح.. ومنه قولهم مرجت أمانات الناس، إذا فسدت وعمتهم الخيانة، ومرج ~~الخاتم ms4759 فى إصبع فلان، إذا تخلخل واضطرب لشدة هزال صاحبه. وفى هذا الرد ~~عليهم تصوير بديع معجز، حيث بين - سبحانه - بأنه عليم بما تأكله الأرض من ~~أجسادهم المغيبة فيها، وبتناقص هذه الاجساد رويدا رويدا، وأن كل أحوالهم ~~مسجلة فى كتاب حفيظ، وأنهم عندما فارقوا الحق الثابت وكذبوه، مادت الأرض ~~من تحتهم واضطربت، واختلطت عليهم الأمور والتبست، فصاروا يلقون التهم ~~جزافا دون أن يستقروا على رأى، أو يجتمعوا على كلمة. # . ثم شرعت السورة الكريمة فى بيان الأدلة على قدرة الله - تعالى - وعلى ~~أن البعث حق، وعلى أن استبعادهم له إنما هو لون من جهالاتهم وانطماس ~~بصائرهم، فقال - تعالى - { أفلم ينظروا إلى السمآء ~~فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج ~~}. والاستفهام للإنكار والتعجيب من جهلهم، والهمزة متعلقة بمحذوف، ~~والفاء عاطفة عليه أى أأعرضوا عن آيات الله فى هذا الكون، فلم ينظروا إلى ~~السماء فوقهم. كيف بنيناها هذا البناء العجيب، بأن رفعناها بدون عمد، ~~وزيناها بالكواكب، وحفظناها من أى تصدع أو تشقق أو تفتق. فقوله { فروج ~~} جمع فرج، وهو الشق بين الشيئين. والمراد سلامتها من كل عيب وخلل. ومن ~~الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - # الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق ~~الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من ~~فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر ~~خاسئا وهو حسير # ثم بين - سبحانه - مظاهر قدرته فى بسط الأرض، بعد بيان مظاهر قدرته فى ~~رفع السماء فقال { والأرض مددناها } أى والأرض بسطناها ومددناها ~~بقدرتنا، وجعلناها مترامية الأطراف والمناكب، كما تشاهدون ذلك بأعينكم. ~~قالوا وامتدادها واتساعها لا ينافى كرويتها، لأن عظم سطحها يجعل الناظر ~~إليها يراها كأنها مسطحة ممدودة. { وألقينا فيها رواسي } أى ~~وألقينا فيها جبالا ثوابت تمنعها من الاضطراب.. فقوله { رواسي } جمع ~~راسية بمعنى ثابتة وهو صفة لموصوف محذوف. { وأنبتنا فيها } أى فى ~~الأرض { من كل زوج بهيج } أى وأنبتنا فيها من كل صنف حسن يبهج ~~ويسر الناظرين إليه، مأخوذ من البهجة بمعنى الحسن يقال بهج الشئ - كظرف ~~- فهو ms4760 بهيج أى حسن جميل. وقوله { تبصرة وذكرى.. } علتان لما ~~تقدم من الكلام، وهما منصوبتان بفعل مقدر. أى فعلنا ما فعلنا من مد ~~الأرض، ومن تثبيتها بالجبال، ومن إنبات كل صنف حسن من النبات فيها، لأجل ~~أن نبصر عبادنا بدلائل وحدانيتنا وقدرتنا، ونذكرهم بما يجب عليهم نحو ~~خالقهم من شكر وطاعة. وقوله { لكل عبد منيب } متعلق بكل من ~~المصدرين السابقين وهما التبصرة والذكرى. أى هذه التبصرة والذكى كائنة ~~لكل عبد منيب، أى كثير الرجوع إلى ربه بالتدبر فى بدائع صنعته، ودلائل ~~قدرته. ثم انتقلت الآيات إلى بيان مظاهر قدرته فى إنزال المطر، بعد بيان ~~مظاهر قدرته فى خلق السماوات والأرض وما اشتملنا عليه من كائنات، فقال - ~~تعالى - { ونزلنا من السمآء مآء مباركا } أى ماء كثير ~~المنافع والخيرات للناس والدواب والزروع. { فأنبتنا به } أى بذلك ~~الماء { جنات } أى بساتين كثيرة زاخرة بالثمار. # . { وحب الحصيد } أى وحب النبات الذى من شأنه أن يحصد عند ~~استوائه كالقمح والشعير وما يشبههما من الزروع. فالحصيد بمعنى المحصود، ~~وهو صفة لموصوف محذوف أى وحب الزرع الحصيد. فهذا التركيب من باب حذف ~~الموصوف وإقامة الصفة مقامه للعلم به. وخص الحب بالذكر، لاحتياج الناس ~~إليه أكثر من غيره، فصار كأنه المقصود بالبيان. وقوله { والنخل... } ~~معطوف على { جنات } ، و { باسقات } حال من النخل. ومعنى " باسقات ~~" مرتفعات، من البسوق بمعنى الارتفاع والعلو. يقال بسق فلان على أصحابه - ~~من باب دخل - إذا فاقهم وزاد عليهم فى الفضل. والنخل اسم جنس يذكر ويؤنث ~~ويجمع. وخص بالذكر مع أنه من جملة ما اشتملت عليه الجنات، لمزيد فضله ~~وكثرة منافعه. وجملة { لها طلع نضيد } فى محل نصب على الحال من ~~النخل. والطلع أول ما يخرج من ثمر الخل. ويسمى الكفرى. يقال طلع ~~الطلع طلوعا. إذا كان فى أول ظهوره. والنضيد بمعنى المنضود، أى المتراكب ~~بعضه فوق بعض مأخوذ من نضد فلان المتاع ينضده، إذا رتبه ترتيبا حسنا. أى ~~وأنبتنا - أيضا - فى الأرض بعد إنزالنا الماء عليها من السحاب، النخل ~~الطوال، الزاخر بالثمار الكثيرة التى ترتب ms4761 بعضها على بعض بطريقة جميلة.. ~~وقوله { رزقا للعباد } بيان للحكمة من إنزال المطر وإنبات ~~الزرع.. أى أنبتنا ما أنبتنا من الجنات ومن النخل الباسقات.. ليكون ذلك ~~رزقا نافعا للعباد.. { وأحيينا به بلدة ميتا } أى ~~وأحيينا بذلك الماء الذى أنزلناه بلدة كانت مجدبة، وأرضا كانت خالية من ~~النبات والزروع، وتذكير { ميتا } لكون البلدة بمعنى المكان. وقوله { ~~كذلك الخروج } جملة مستأنفة لبيان أن الخروج من القبور عند ~~البعث، مثله كمثل هذا الإحياء للأرض التى كانت جدباء ميتة، بأن أنبتت من ~~كل زوج بهيج بعد أن كانت خالية من ذلك. فوجه الشبه بين إحياء الأرض ~~بالنبات بعد جدبها، وبين إحياء الإنسان بالبعث بعد موته، استواء الجميع ~~فى أنه جاء بعد عدم. قال ابن كثير قوله { وأحيينا به بلدة ~~ميتا... } وهى الأرض التى كانت هامدة، فلما نزل عليها الماء اهتزت ~~وربت وأنبتت من كل زوج بهيج.. وذلك بعد أن كانت لا نبات فيها، فهذا مثال ~~للبعث بعد الموت والهلاك، كذلك يحيى الله الموتى، وهذا المشاهد من عظيم ~~قدرته بالحس، أعظم مما أنكره الجاحدون للبعث.. كقوله - تعالى - # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس # وقوله # أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات ~~والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي ~~الموتى بلى إنه على كل شيء قدير # وقوله - تعالى - # ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذآ أنزلنا ~~عليها المآء اهتزت وربت إن الذي أحياها ~~لمحى الموتى إنه على كل شيء قدير # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أقامت ألوانا من الأدلة على وحدانية الله - ~~تعالى - وقدرته، وعلى أن البعث حق، وأنه آت لا ريب فيه. وبعد هذا العرض ~~البديع لمظاهر قدرة الله - تعالى - فى هذا الكون، ولمظاهر نعمه على خلقه، ~~ساقت السورة الكريمة جانبا من أحوال المكذبين للرسل السابقين. تسلية ~~للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من قومه، فقال - تعالى - { ~~كذبت قبلهم قوم نوح... من خلق جديد }. ### || [50.12-15] # أى لا تحزن - أيها الرسول الكريم - لما أصابك من أذى من هؤلاء المشركين ~~الجاحدين المكذبين فقد سبقهم ms4762 إلى هذا التكذيب والكفر والجحود " قوم نوح " ~~- عليه السلام -، فإنهم قد قالوا فى حقه إنه مجنون، كما حكى عنهم ذلك فى ~~قوله - تعالى - # كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا ~~مجنون وازدجر # وقوله { أصحاب الرس } معطوف على ما قبله، والرس فى لغة العرب ~~البئر التى لم تبن بعد بالحجارة، وقيل هى البئر مطلقا. وللمفسرين فى ~~حقيقة أصحاب الرس أقوال فمنهم من قال إنهم من بقايا قبيلة ثمود، بعث الله ~~إليهم واحدا من أنبيائه، فكذبوه ورسوه فى تلك البئر، أى ألقوا به فيها ~~فأهلكهم - سبحانه - بسبب ذلك. وقيل هم الذين قتلوا حبيبا النجار عندما ~~جاء يدعوهم إلى الدين الحق، وكانت تلك البئر بأنطاكية، وبعد قتلهم له ~~ألقوه فيها. وقيل هم قوم شعيب - عليه السلام -.. واختار ابن جرير - رحمه ~~الله - أن أصحاب الرسل هم أصحاب الأخدود، الذين جاء الحديث عنهم فى سورة ~~البروج. والمراد بثمود قوم صالح - عليه السلام - الذين كذبوه فأهلكهم ~~الله - تعالى -. والمراد بعاد قوم هود - عليه السلام - الذين اغتروا ~~بقوتهم، وكذبوا نبيهم، فأخذهم - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر. { وفرعون ~~} هو الذى أرسل الله إليه موسى - عليه السلام - فكذبه وقال لقومه # فقال أنا ربكم الأعلى فأخذه الله نكال ~~الآخرة والأولى # { وإخوان لوط } هم قومه الذين أتوا بفاحشة لم يسبقوا إليها. ~~قالوا ووصفهم الله - تعالى - بأنهم إخوانه، لأنه كانت تربطه بهم رابطة ~~المصاهرة حيث إن امرأته - عليه السلام - كانت منهم. { وأصحاب ~~الأيكة } هم قوم شعيب - عليه السلام - كما قال - تعالى - # كذب أصحاب الأيكة المرسلين إذ قال لهم ~~شعيب ألا تتقون # والأيكة اسم لمنطقة كانت مليئة بالأشجار، ومكانها - فى الغالب - بين ~~الحجاز وفلسطين حول خليج العقبة، ولعلها المنطقة التى تسمى بمعان. وكان ~~قوم شعيب يبعدون الأوثان، ويطففون فى المكيال فنهاهم شعيب عن ذلك، ولكنهم ~~كذبوه فأهلكهم الله - تعالى -. { وقوم تبع } وهو تبع الحميرى ~~اليمانى، وكان مؤمنا وقومه كفار، قالوا وكان اسمه سعد أبو كرب، وقد أشار ~~القرآن إلى قصتهم فى آيات أخرى منها قوله - تعالى - # أهم خير أم قوم تبع.. # والتنوين فى قوله ms4763 - تعالى - { كل كذب الرسل... } عوض عن ~~المضاف إليه. أى كل قوم من هؤلاء الأقوام السابقين كذبوا رسولهم الذى جاء ~~لهدايتهم. وقوله { فحق وعيد } بيان لما حل بهم بسبب تكذيبهم ~~لرسلهم. # أى كل واحد من هؤلاء الأقوام كذبوا رسولهم، فكانت نتيجة ذلك أن وجب ونزل ~~بهم وعيدى، وهو العذاب الذى توعدتهم به، كما قال - سبحانه - # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان ~~الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # قال ابن كثير قوله { كل كذب الرسل... } أى كل من هذه الأمم، ~~وهؤلاء القرون كذب رسوله، ومن كذب رسولا فكأنما كذب جميع الرسل. { ~~فحق وعيد } أى فحق عليهم ما أوعدهم الله - تعالى - على التكذيب من ~~العذاب والنكال، فليحذر المخاطبون أن يصيبهم ما أصابهم، فإنهم قد كذبوا ~~رسولهم كما كذب أولئك. وبعد هذا العرض لمصارع المكذبين، عادت السورة إلى ~~تقرير الحقيقة التى كفر بها الجاهلون والجاحدون، وهى أن البعث حق، فقال - ~~تعالى - { أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس ~~من خلق جديد } والاستفهام للإنكار والنفى، وقوله { عيينا } ~~من العى بمعنى العجز. يقال عيى فلان بهذا الشئ، إذا عجز عنه، وانقطعت ~~حيلته فيه، ولم يهتد إلى طريقة توصله إلى مقصوده منه. واللبس الخلط. يقال ~~لبس على فلان الأمر - من باب ضرب - إذا اشتبه واختلط عليه، ولم يستطع ~~التمييز بين ما هو صواب وما هو خطأ. أى أفعجزت قدرتنا عن خلق هؤلاء ~~الكافرين وإيجادهم من العدم، حتى يتوهموا أننا عاجزون عن إعادتهم إلى ~~الحياة بعد موتهم؟. كلا إننا لم نعجز عن شئ من ذلك لأن قدرتنا لا يعجزها ~~شئ، ولكن هؤلاء الكافرين لانطماس بصائرهم، واستيلاء الشيطان عليهم، قد ~~صاروا فى لبس وخلط من أمرهم، بدليل أنهم يقرون بأننا نحن الذين خلقناهم ~~ولم يكونوا شيئا مذكورا، ومع ذلك فهم ينكرون قدرتنا على " الخلق الجديد " ~~أى على إعادتهم إلى الحاية الدنيا مرة أخرى بعد موتهم. فقوله - تعالى - { ~~بل هم في لبس من خلق ms4764 جديد } أى بل إن هؤلاء الكافرين فى ~~خلط وشك وحيرة من أن يكون هناك خلق جديد أى خلق مستأنف لهم بعد موتهم، مع ~~أنهم - لو كانوا يعقلون - لعلموا أن القادر على الخلق من العدم، قادر على ~~إعادة هذا المخلوق من باب أولى، كما قال - سبحانه - # وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه.. # قال الآلوسى وقوله { بل هم في لبس من خلق جديد } عطف ~~على مقدر يدل عليه ما قبله، كأن قيل إنهم معترفون بالأول غير منكرين ~~قدرتنا عليه، فلا وجه لإنكارهم الثانى، بل هم فى خلط وشبهة فى خلق ~~مستأنف.. وقال بعض العلماء ما ملخصه فى الآية أسئلة ثلاثة لم عرف الخلق ~~الأول؟ ولم نكر اللبس؟ ولم نكر الخلق الجديد؟. وللإجابة على ذلك نقول ~~عرف الخلق الأول للتعميم والتهويل والتفخيم ومنه تعريف الذكور فى قوله # يهب لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور # وأما التنكير فأمره منقسم، فأحيانا يقصد به التفخيم، من حيث ما فيه من ~~الإبهام.. وهو المقصود هنا من تنكير لفظ { لبس }. كأنه قيل بل هم فى لبس ~~أى لبس. وأحيانا يقصد به التقليل والتهوين لأمره، وهو المقصود هنا بقوله ~~من { خلق جديد } أى أن هذا الخلق الجديد شئ هين بالنسبة إلى الخلق ~~الأول، وإن كان كل شئ هين بالنسبة إلى قدرة الله - تعالى -. ثم صورت ~~السورة الكريمة بعد ذلك علم الله - تعالى - الشامل لكل شئ تصويرا يأخذ ~~بالألباب، وبينت سكرات الموت وغمراته، وأحوال الإنسان عند البعث.. بيانا ~~رهيبا مؤثرا. قال - تعالى - { ولقد خلقنا الإنسان ~~ونعلم... اليوم حديد }. ### || [50.16-22] # والمراد بالإنسان فى قوله - تعالى - { ولقد خلقنا الإنسان ~~ونعلم ما توسوس به نفسه } جنسه. وقوله { توسوس } ~~من الوسوسة وهو الصوت الخفى، والمراد به حديث الإنسان مع نفسه. قال ~~الشاعر # وأكذب النفس إذا حدثتها إن صدق النفس يزرى بالأمل # و { ما } موصولة، والضمير عائد عليها والباء صلة، أى ونعلم الأمر الذى ~~تحدثه نفسه به. ويصح أن تكون مصدرية، والضمير للإنسان، والباء للتعدية، ~~أى ونعلم وسوسة نفسه إياه. والمتدبر ms4765 فى هذه الآية يرى أن افتتاحها يشير ~~إلى مضمونها، لأن التعبير بخلقنا، يشعر بالعلم التام بأحوال المخلوق، إذ ~~خالق الشئ وصانعه أدرى بتركيب جزئياته. أى والله لقد خلقنا بقدرتنا هذا ~~الإنسان. ونعلم علما تاما شاملا ما تحدثه به نفسه من أفكار وخواطر.. ~~وقوله { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } تقرير ~~وتوكيد لما قبله. وحبل الوريد عرق فى باطن العنق يسرى فيه الدم، ~~والإضافة بيانية. أى حبل هو الوريد. أى ونحن بسبب علمنا التام بأحواله ~~كلها، أقرب إليه من أقرب شئ لديه، وهو عرق الوريد الذى فى باطن عنقه، أو ~~أقرب إليه من دمائه التى تسرى فى عروقه. فالمقصود من الآية الكريمة بيان ~~أن علم الله - تعالى - بأحوال الإنسان، أقرب إلى هذا الإنسان، من ~~أعضائه ومن دمائه التى تسرى فى تلك الأعضاء. والمقصود من القرب القرب عن ~~طريق العلم، لا القرب فى المكان لاستحالة ذلك عليه - تعالى -. قال ~~القرطبى قوله { ولقد خلقنا الإنسان } يعنى الناس. { ~~ونعلم ما توسوس به نفسه } أى ما يختلج فى سره وقلبه ~~وضميره، وفى هذا زجر عن المعاصى التى استخفى بها.. { ونحن أقرب ~~إليه من حبل الوريد } هو حبل العاتق، وهو ممتد من ناحية ~~حلقه إلى عاتقه، وهما وريدان عن يمين وشمال.. والحبل هو الوريد فأضيف إلى ~~نفسه لاختلاف اللفظين.. وهذا تمثيل لشدة القرب. أى ونحن أقرب إليه من حبل ~~وريده الذى هو من نفسه.. وهذا القرب، هو قرب العلم والقدرة، وأبعاض ~~الإنسان يحجب البعض البعض، ولا يحجب علم الله - تعالى - شئ. وقال ~~القشيرى فى هذه الآية هيبة وفزع وخوف لقوم، وروح وأنس وسكون قلب لقوم. ~~وعلى هذا التفسير الذى سرنا عليه. وسار عليه من قبلنا جمهور المفسرين ~~يكون الضمير { نحن } يعود إلى الله - تعالى -، وجئ بهذا الضمير بلفظ { ~~نحن } على سبيل التعظيم. ويرى الإمام ابن كثير أن الضمير هنا يعود ~~إلى الملائكة، فقد قال - رحمه الله - وقوله { ونحن أقرب إليه ~~من حبل الوريد } يعنى ملائكته - تعالى - أقرب إلى الإنسان من ~~حبل وريده إليه. ومن تأوله على ms4766 العلم فإنما فر لئلا يلزم حلول أو اتحاد، ~~وهما منفيان بالإجماع - تعالى الله وتقدس - ولكن اللفظ لا يقتضيه فإنه ~~لم يقل وأنا أقرب إليه من حبل الوريد وإنما قال { ونحن أقرب ~~إليه من حبل الوريد } كما قال فى المحتضر { ونحن ~~أقرب إليه منكم } يعنى ملائكته. # وكذلك الملائكة أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه، بإقدار الله لهم ~~على ذلك. وهذا الذى ذهب إليه ابن كثير وإن كان مقبولا - لأنه قرب ~~الملائكة من العبد بإقدار الله لهم على ذلك - إلا أن ما ذهب إليه الجمهور ~~من أن الضمير { نحن } لله - تعالى - أدل على قرب الله - سبحانه - ~~لأحوال عباده، وأظهر فى معنى الآية، وأزجر للإنسان عن ارتكاب المعاصى. و ~~{ إذ } فى قوله - تعالى - { إذ يتلقى المتلقيان... } ~~ظرف منصوب بقوله { أقرب }. أى ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، فى ~~الوقت الذى يتلقى فيه { المتلقيان } وهما الملكان جميع ما يصدر ~~عن هذا الإنسان. وهو - سبحانه - وإن كان فى غير حاجة إلى كتابة هذين ~~الملكين لما يصدر عن الإنسان، إلا أنه - تعالى - قضى بذلك لحكم متعددة، ~~منها إقامة الحجة على العبد يوم القيامة، كما أشار - سبحانه - إلى ذلك فى ~~قوله # ... ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا ~~اقرأ كتبك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # ومفعول التلقى فى الفعل الذى هو يتلقى، وفى الوصف الذى هو المتلقيان، ~~محذوف، والتقدير إذ يتلقى المتلقيان جميع ما يصدر عن الإنسان فيكتبانه ~~عليه. وقوله { عن اليمين وعن الشمال قعيد } بيان ليقظة ~~الملكين وحرصهما على تسجيل كل ما يصدر عن الإنسان. و { قعيد } بمعنى ~~المقاعد، أى الملازم للإنسان، كالجليس بمعنى المجالس. والمعنى عن يمين ~~الإنسان ملك ملازم له لكتابة الحسنات، وعن الشمال كذلك ملك آخر ملازم له ~~لكتابة السيئات وحذف لفظ قعيد من الأول لدلالة الثانى عليه، كما فى قول ~~الشاعر # نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأى مختلف # أى نحن راضون بما عندنا وأنت راض بما عندك.. ثم أكد - سبحانه - كل هذه ~~المعانى بقوله { ما يلفظ من قول إلا ms4767 لديه رقيب ~~عتيد } أى ما يتكلم هذا الإنسان من كلام، وما يفعل من فعل، إلا ولديه ~~ملك " رقيب " أى حفيظ يكتب أقواله " عتيد " أى مهيأ لذلك، حاضر عنده لا ~~يفارقه. يقال عتد الشئ - ككرم - عتادة وعتادا، أى حضر، فهو عتد ~~وعتيد، ويتعدى بالهمزة وبالتضعيف، فيقال أعتده صاحبه وعتده، إذا ~~هيأه وأعده. والمراد أن الملكين اللذين أحدهما عن يمينه والثانى عن ~~شماله، كلاهما مراقب لأعمال الإنسان، حاضر لكتابتها. وشبيه بهذه الآية ~~قوله - تعالى - # وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما ~~تفعلون # وقوله - سبحانه - # أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ~~ورسلنا لديهم يكتبون # وقوله - عز وجل - # هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا ~~نستنسخ ما كنتم تعملون # قال بعض العلماء ما ملخصه وبعض العلماء يرى أن الملكين يكتبان كل شئ حتى ~~الأنين فى المرض.. لأن قوله - تعالى - { من قول } نكرة فى سياق النفى ~~فتعم كل قول.. وبعضهم يرى أن الملكين لا يكتبان من الأعمال إلا ما فيه ~~ثواب أو عقاب، وقالوا إن فى الآية نعتا محذوفا، سوغ حذفه العلم به، لأن ~~كل الناس يعلمون أن الجائز لا ثواب فيه ولا عقاب، وتقدير النعت المحذوف ~~ما يلفظ من قول مستوجب للجزاء إلا ولديه رقيب عتيد.. ثم بين - سبحانه - ~~حالة الإنسان عند الاحتضار فقال { وجاءت سكرة الموت ~~بالحق ذلك ما كنت منه تحيد }. أى. وجاءت لكل إنسان سكرة ~~الموت وشدته وغمرته وكربته، ملتبسة بالحق الذى لا شك فيه ولا باطل معه { ~~ذلك } أى الموت الذى هو نهاية كل حى { ما كنت منه تحيد } أى ~~تميل وتهرب وتفر منه فى حياتك. يقال حاد فلان عن الشئ يحيد حيدة.. ~~إذا تنحى عنه وابتعد. أخرج الإمام أحمد وابن جرير عن عبد الله مولى ~~الزبير بن العوام قال لما حضر أبو بكر الموت، بكت ابنته عائشة، وتمثلت ~~بقول الشاعر # لعمرك ما يغنى الحذار عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # فقال لها أبو بكر - رضى الله عنه - لا تقولى ذلك يا بنتى، ولكن قولى { ~~وجاءت ms4768 سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه ~~تحيد }. ثم بين - سبحانه - نهاية هذه الدنيا فقال { ونفخ في ~~الصور } أى النفخة الأخيرة.. { ذلك يوم الوعيد } أى ذلك ~~الوقت الذى يكون فيه النفخ الأخير فى الصور، هو الوقت الذى توعد الله - ~~تعالى - فيه كل كافر بسوء المصير، كما وعد كل مؤمن بحسن الجزاء. وخص ~~الوعيد بالذكر، لتهويل هذا اليوم، وتحذير العصاة مما سيكون فيه. { ~~وجآءت كل نفس } من النفوس المؤمنة والكافرة والمطعية والعاصية ~~{ معها سآئق وشهيد } أى معها ملك يسوقها إلى المحشر، ومعها ~~ملك آخر يشهد عليها.. ثم يقال للكافر فى هذا اليوم العصيب { لقد ~~كنت في غفلة } تامة { من هذا } الذى تعانيه اليوم وتشاهده ~~{ فكشفنا عنك غطآءك } أى فأنزلنا عنك فى هذا اليوم تلك الغفلة ~~التى كانت تحجبك عن الاستعداد لهذا اليوم بالإيمان والعمل الصالح. { ~~فبصرك اليوم حديد } أى فبصرك ونظرك فى هذا اليوم نافذ قوى، ~~تستطيع أن تبصر به ما كنت تنكره فى الدنيا، من البعث والحساب والثواب ~~والعقاب. يقال فلان حديد البصر، إذا كان شديد الإبصار بحيث ترى أكثر مما ~~يراه غيره. وهكذا نرى أن هذه الآيات الكريمة، قد بينت بأسلوب بليغ مؤثر، ~~شمول علم الله - تعالى - لكل شئ، كما بينت حالة الإنسان يوم القيامة، ~~يوم تأتى كل نفس ومعها سائق وشهيد.. ثم يحكى - سبحانه - بعد ذلك ما يقوله ~~قرين الإنسان يوم القيامة فيقول { وقال قرينه هذا... فيها ~~ولدينا مزيد }. ### || [50.23-35] # والمراد بقرينه فى قوله - تعالى - { وقال قرينه... } الملك ~~الموكل بكتابه ما يصدر عن الإنسان فى حياته، وجاء به مفردا مع أن لكل ~~إنسان قرينين لأن المراد به الجنس. ويصح أن يكون المراد بقرينه هنا، ~~شيطانه الذى أضله وأغواه.. قال الآلوسى ما ملخصه قوله { وقال ~~قرينه... } أى شيطانه المقيض له فى الدنيا، ففى الحديث # " " ما من أحد إلا وقد وكل به قرينة من الجن " قالوا ولا أنت يا رسول ~~الله؟ قال " ولا أنا، إلا أن الله - تعالى - أعاننى عليه، فأسلم فلا ~~يأمرنى إلا بخير ". # وقوله { هذا ما لدي عتيد ms4769 } إشارة إلى الشخص الكافر نفسه، أى ~~هذا ما عندى قد هيأته لجهنم.. وقال قتادة قرينه الملك الموكل بسوقه ~~وبكتابة سيئاته، يقول مشيرا إلى ما فى صحيفته وما فيها من سيئات هذا الذى ~~فى صحيفته من سيئات مكتوب عندى، وحاضر للعرض. و " ما " نكرة موصوفة ~~بالظرف وبعتيد، أو موصولة والظرف صلتها، و " عتيد " خبر بعد خبر لإسم ~~الاشارة، أو خبر لمبتدأ محذوف.. ثم يقال بعد ذلك للملكين بالموكلين به، ~~أو للسائق والشهيد { ألقيا في جهنم كل كفار عنيد } ~~أى اقذفا فى جهنم باحتقار وغضب كل " كفار " أى كل مبالغ فى الجحود والكفر ~~" عنيد " أى معاند للحق مع علمه بأنه حق.. يقال عند فلان عن الحق - من ~~باب - قعد فهو عاند وعنيد وعنود، إذا ركب الخلاف والعصيان وأبى أن ~~ينقاد للحق مع علمه بأنه حق، مأخوذ من العند وهو عظم يعرض فى الحلق ~~فيحول بين الطعام وبين دخوله إلى الجسم. وقوله { مناع للخير ~~معتد مريب } صفات أخرى لذلك الكافر الملقى فى جهنم. أى مبالغ فى ~~المنع لكل خير يجب فعله. وهو بعد ذلك كثير الاعتداء، وكثير الشك فيما هو ~~حق وبر. { الذي جعل مع الله إلها آخر } فى العبادة ~~والطاعة { فألقياه } أيها الملكان { في العذاب الشديد } ~~الذى يذله ويهينه. والاسم الموصول مبتدأ يشبه الشرط فى العموم، ولذا دخلت ~~الفاء فى خبره وهو قوله { فألقياه... }. { قال قرينه } أى ~~شيطانه الذى كان يزين له السوء فى الدنيا.. والجملة مستأنفة لأنها جواب ~~عما يزعمه الكافر يوم القيامة من أن قرينه هو الذى أغواه وحمله على ~~الكفر.. أى قال الشيطان فى رده على الكافر يا ربنا إننى ما أطغيته، ولا ~~أجبرته على الكفر والعصيان { ولكن } هو الذى { كان في ضلال ~~بعيد } دون أن أكرهه أنا على هذا الضلال أو الكفر. وشبيه بهذه الآية ~~قوله - تعالى - # وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم ~~وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي ~~عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ~~فلا تلوموني ولوموا أنفسكم مآ أنا بمصرخكم ~~ومآ ms4770 أنتم بمصرخي # { قال } أى - الخالق - عز وجل { لا تختصموا لدي } أى لا ~~تتنازعوا عندى فى هذا الموقف، فإن التنازع لا فائدة فيه. { وقد ~~قدمت إليكم بالوعيد } أى والحال أنى قد حذرتكم على ألسنة ~~رسلى من سوء عاقبة الكفر، والآن لا مجال لهذا الاعتذار أو التخاصم. { ما ~~يبدل القول لدي } أى لا خلف لوعدى، ولا معقب لحكمى، بل هو ~~كائن لا محالة، وهو أنى # لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين # { ومآ أنا بظلام للعبيد } أى وما أنا من شأنى أن أعذب ~~أحدا بدون ذنب جناه. وإنما أنا من شأنى أن أجازى الذين أساؤوا بما عملوا، ~~وأجازى الذين أحسنوا بالحسنى، وأعفو عن كثير من ذنوب عبادى سوى الشرك بى. ~~{ يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من ~~مزيد } أى اذكر - أيها العاقل - لتتعظ وتعتبر - يوم نقول لجهنم هل ~~امتلأت من كل كفار عنيد مناع للخير معتد مريب، واكتفيت من كل من جعل معى ~~إلها آخر..؟ فترد جهنم وتقول يا إلهى { هل من مزيد } أى يا إلهى ~~هل بقى شئ منى لم يمتلئ من هؤلاء الكافرين؟ أنت تعلم يا خالقى أنى قد ~~امتلأت، ولم يبق منى موضع لقدم. قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية يخبر ~~الله - تعالى - أنه يقول لجهنم يوم القيامة هل امتلأت؟ وذلك أنه وعدها ~~أنه سيملؤها من الجنة والناس أجمعين، فهو - سبحانه - يأمر بمن يأمر به ~~إليها، ويلقى فيها وهى تقول { هل من مزيد } أى هل بقى شئ ~~تزيدونى؟.. هذا هو الظاهر من سياق الآية، وعليه تدل الأحاديث، فقد أخرج ~~البخارى عن أنس بن مالك. عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال # " يلقى فى النار - الكفرة - وتقول هل من مزيد، حتى يضع - سبحانه - ~~فيها قدمه فتقول قط قط - أى حسبى حسبى -.. ". # وعن ابن عباس قوله { وتقول هل من مزيد } أى وهل فى من ~~مكان يزاد فى. وعن عكرمة قوله وتقول { هل من مزيد } وهل فى ~~مدخل واحد؟ قد امتلأت. وقال الشوكانى وهذا الكلام على طريق التخييل ~~والتمثيل ولا سؤال ms4771 ولا جواب. كذا قيل والأولى أنه على طريقة التحقيق، ~~ولا يمنع من ذلك عقل ولا شرع. قال الواحدى أراها الله تصديق قوله { ~~لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين }. فلما ~~امتلأت قال لها { هل امتلأت وتقول هل من مزيد } أى قد ~~امتلأت ولم يبق فى موضع لم يمتلئ. وقيل إن هذا الاستفهام بمعنى ~~الاستزادة. أى إنها تطلب الزيادة على من قد صار فيها. # . والمزيد إما مصدر كالمحيد. أو اسم مفعول كالمنيع، فالأولى بمعنى له من ~~زيادة. والثانى بمعنى هل من شئ تزيدونيه.. وكعادة القرآن فى المقارنة بين ~~عاقبة الأشرار والأخيار، جاء بعد ذلك الحديث عن المتقين وحسن عاقبتهم ~~فقال - تعالى - { وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد ~~}. وقوله { وأزلفت } من الإزلاف بمعنى القرب، يقال أزلفه إذا ~~قربه، ومنه الزلفة والزلفى بمعنى القربة والمنزلة.. وهو معطوف على ~~قوله - سبحانه - # ونفخ في الصور # وقوله { غير بعيد } صفة لموصوف مذكر محذوف، ولذا قال غير بعيد ولم ~~يقل غير بعيدة. أى وأدنيت وقربت الجنة للمتقين فى مكان غير بعيد منهم، ~~فصاروا يرونها ويشاهدون ما فيها من خيرات لا يحيط بها الوصف. وفائدة قوله ~~{ غير بعيد } بعد قوله { وأزلفت } للتأكيد والتقرير، كقولك ~~فلان قريب غير بعيد، وعزيز غير ذليل.. قال الجمل ما ملخصه فإن قيل ما وجه ~~التقريب مع أن الجنة مكان، والأمكنة يقرب منها وهى لا تقرب؟. فالجواب أن ~~الجنة لا تنقل.. لكن الله - تعالى لا يطوى المسافة التى بين المؤمن ~~والجنة - حتى لكأنها حاضرة أمامه - وذلك من باب التكريم والتشريف للمؤمن. ~~واسم الإشارة فى قوله { هذا ما توعدون لكل أواب ~~حفيظ } يعود إلى الجنة التى قربت لهم.. والجملة على تقدير القول، أى ~~قربت الجنة ممن هم أهلها، ويقال لهم عند دخولها هذا الذى ترونه من نعيم، ~~هو ما سبق أن وعد الله - تعالى - به كل { أواب } أى رجاع إليه ~~بالتوبة { حفيظ } أى حافظ لحدوده وأوامره ونواهيه بحيث لا يتجاوزها، ~~وإنما ينفذها، ويقف عندها. { من خشي الرحمن بالغيب.. } ~~أى من خاف مقام ربه دون أن يراه أو ms4772 يطلع عليه، والجملة بدل أو عطف بيان ~~من قوله { لكل أواب حفيظ } وقوله { بالغيب } متعلق ~~بمحذوف حال من الرحمن، أى خشيه وهو غائب عنه لا يراه ولا يشاهده. { ~~وجآء بقلب منيب } أى وجاء ربه يوم القيامة بقلب راجع إليه، ~~مخلص فى طاعته، مقبل على عبادته.. هؤلاء الذين يفعلون ذلك فى دنياهم، ~~يقال لهم يوم الحساب على سبيل التبشير والتكريم { ادخلوها بسلام ~~} أى ادخلوا الجنة التى وعدكم الله إياها بسلام وأمان واطمئنان. { ذلك ~~} اليوم وهو يوم الثواب والعطاء الجزيل من الله - تعالى - { يوم ~~الخلود } الذى لا انتهاء له، ولا موت بعده.. { لهم ما يشآءون ~~فيها } أى لهؤلاء المتقين ما يشاءون ويشتهون.. فى الجنة. { ولدينا ~~مزيد } أى وعندنا - فضلا عن كل هذا النعيم الذى يرفلون فيه - المزيد ~~منه، مما لم يخطر لهم على بال، ولم تره أعينهم قبل ذلك. قال ابن كثير ~~وقوله { ولدينا مزيد } كقوله - تعالى - # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # وقد تقدم فى صحيح مسلم عن صهيب بن سنان، أنها النظر إلى وجه الله ~~الكريم. ثم تحدثت السورة الكريمة فى أواخرها من مصارع المكذبين السابقين، ~~وعن مظاهر قدرة الله - تعالى - وعن الدواء الذى يزيل عن القلوب همومها، ~~وعن أهوال يوم القيامة، فقال - تعالى - { وكم أهلكنا قبلهم ~~من قرن... من يخاف وعيد }. ### || [50.36-45] # و { كم } فى قوله - تعالى - { وكم أهلكنا قبلهم من ~~قرن... } خبرية بمعنى كثير، وهى منصوبة بما بعدها، والقرن يطلق على ~~جماعة من الناس تعيش فى زمن واحد، ومقداره مائة سنة - على الراجح -. ~~وقوله { من قرن } تمييز لكم، وجملة { هم أشد منهم بطشا ~~} صفة، والبطش السطوة والأخذ بشدة. أى واعلم - أيها الرسول الكريم - أننا ~~أهلكنا كثيرا من القرون الماضية التى كذبت رسلها، كقوم نوح وعاد وثمود، ~~وقد كانوا أشد من قومك قوة وأكثر جمعا، وما دام الأمر كما ذكرنا لك، فلا ~~تحزن ولا تبتئس لما يصيبك من الكافرين المعاصرين لك، فنحن فى قدرتنا أن ~~ندمرهم تدميرا. والضمير فى قوله - تعالى - { فنقبوا في البلاد ~~} يعود إلى أهل تلك القرون المهلكة الماضية. ms4773 والتنقيب السير فى الأرض، ~~والطواف فيها. والبحث بين أرجائها، يقال نقب فلان فى الأرض، إذا ذهب فيها ~~وأصل النقب الخرق والدخول فى الشئ، ومنه قولهم نقب فلان الجدار، إذا ~~أحدث فيه خرقا. والمراد به هنا السير فى الأرض، والتفتيش فيها.. قال ~~الآلوسى { فنقبوا في البلاد } أى ساروا فى الأرض وطوفوا فيها ~~حذر الموت.. قال الشاعر # نقبوا فى البلاد حذر الموت وجالوا فى الأرض كل مجال # وشاع التنقيب فى العرف بمعنى التنقير عن الشئ والبحث عن أحواله.. والفاء ~~على تفسير التنقيب بالسير ونحوه، لمجرد التعقيب، وعلى تفسيره بالتصرف ~~للسببيه، لأن تصرفهم فى البلاد مسبب عن اشتداد بطشهم، وهى على الوجهين ~~عاطفة على معنى ما قبلها، كأنه قيل اشتد بطشهم فنقبوا فى البلاد.. ~~والاستفهام فى قوله - سبحانه - { هل من محيص } للإنكار والنفى، ~~والمحيص المعدل والمهرب، يقال حاص فلان عن الشئ يحيص حيصا، ومحيصا، ~~إذا عدل وحاد عنه، وحاول الهروب منه. أى أن هؤلاء المكذبين السابقين، ~~كانوا أشد من مشركى قريش قوة وأكثر جميعا، وكانوا أكثر ضربا فى الأرض ~~وسيرا فيها فلما نزل بهم بأسنا حاولوا الهرب والفرار، فلم يجدوا مكانا ~~يهربون فيه، بل نزل بهم عذابنا فدمرناهم تدميرا. فعليكم - أيها المشركون ~~- أن تعتبروا بهم، حتى لا يصيبكم ما أصابهم. فالمقصود بالآية الكريمة، ~~تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتحذير أعدائه من سوء عاقبة الكفر ~~والعناد. { إن في ذلك } الإهلاك للأمم المكذبة السابقة { ~~لذكرى } أى لتذكرة وعبرة { لمن كان له قلب } أى لمن كان له ~~قلب يعى ما يسمع، ويعقل ما يوجه إليه، ويعمل بمقتضى هذا التوجيه الحكيم. ~~{ أو ألقى السمع وهو شهيد } أى فيما سقناه عبرة وعظة لمن ~~كان له قلب يعى الحقائق، ولمن أصغى إلى ما يلقى إليه من إرشادات، وهو ~~حاضر الذهن صادق العزم لتنفيذ ما جاءه من الحق. # . قال صاحب الكشاف { لمن كان له قلب } أى قلب واع، لأن من لا ~~يعى قلبه فكأنه لا قلب له، وإلقاء السمع الإصغاء. { وهو شهيد } أى ~~حاضر بفطنته، لأن من لا يحضر ms4774 ذهنه فكأنه غائب.. أو هو مؤمن شاهد على ~~صحته، وأنه وحى الله.. ثم بين - سبحانه - مظاهر قدرته ووحدانيته فقال { ~~ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام وما مسنا من لغوب }. واللغوب التعب والنصب ~~والإعياء، مصدر لغب - كدخل - يقال لغب فلان لغوبا، إذا اشتد تعبه وضعفه. ~~أى والله لقد خلقنا بقدرتنا السماوات والأرض وما بينهما من كائنات لا ~~يعلمها إلى الله، فى ستة أوقات وما مسنا بسبب هذا الخلق العظيم نصب أو ~~تعب أو إعياء. فالمراد بالأيام مطلق الأوقات التى لا يعلم مقدارها إلا ~~الله - تعالى - وقيل هذه الأيام من أيام الدنيا، وقيل من أيام الآخرة.. ~~وقال سعيد بن جبير الله - تعالى - قادر على أن يخلق السماوات والأرض وما ~~بينهما فى لمحة ولحظة، ولكنه - سبحانه - خلقهن فى ستة أيام ليعلم عباده ~~التثبت فى الأمور والتأنى فيها. والمقصود بالآية الكريمة بيان كمال قدرة ~~الله - تعالى -. والرد على من أنكر البعث والنشور. وعلى اليهود الذين ~~زعموا أن الله - تعالى - خلق العالم فى ستة أيام ثم استراح فى اليوم ~~السابع وهو يوم السبت. والفاء فى قوله { فاصبر على ما يقولون ~~} فصيحة. أى إذا كان الحال كما بينا لك يا محمد، فاصبر على ما يقوله ~~هؤلاء الضالون المكذبون من أقوال لا يؤيدها عقل أو نقل. وقوله { ~~وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~الغروب } إرشاد له - صلى الله عليه وسلم - إلى ما يعينه على الصبر. ~~أى اصبر - أيها الرسول الكريم - على أقوال هؤلاء الكافرين، ونزه ربك - ~~تعالى - عن كل ما لا يليق به، وتقرب إليه بالعبادات والطاعات { قبل ~~طلوع الشمس وقبل الغروب } وهما وقتا الفجر والعصر. وخصهما ~~- سبحانه - بالذكر لفضلهما وشرفهما. { ومن الليل فسبحه } - ~~أيضا - ونزهه عن كل ما لا يليق به، { وأدبار السجود } أى وفى ~~أدبار وأعقاب الصلوات فأكثر من تسبيحه - عز وجل - وتقديسه. ومن الأحاديث ~~التى وردت فى فضل التسبيح بعد الصلوات المكتوبة، ما ثبت فى الصحيحين عن ~~أبى هريرة - أنه قال # " " جاء فقراء المهاجرين فقالوا يا رسول الله، ذهب أهل ms4775 الدثور بالدرجات ~~العلى والنعيم المقيم. فقال " وما ذاك "؟ قالوا يصلون كما نصلى، ويصومون ~~كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق. فقال - صلى الله عليه وسلم - " أفلا ~~أعلمكم شيئا إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من ~~فعل مثل ما فعلتم؟ تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين ". ~~قال فقالوا يا رسول الله سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلناه ففعلوا ~~مثله. فقال - صلى الله عليه وسلم - " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء " ". # وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل ~~طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آنآء الليل ~~فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى # ثم أمر - سبحانه - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يلقى سمعه لما يخبره ~~به - تعالى - من أهوال يوم القيامة فقال { واستمع... } والمستمع ~~إليه محذوف للتهويل والتعظيم.. أى واستمع - أيها الرسول الكريم - أو - ~~أيها العاقل - لما سأخبرك به من أهوال يوم القيامة. ثم بين - سبحانه - ~~ذلك فقال { يوم يناد المناد من مكان قريب }. أى استمع ~~استماع تنبه وتيقظ يوم يناد المناد وهو إسرافيل - عليه السلام - من مكان ~~قريب بحيث يسمع نداءه الناس جميعا.. قال ابن كثير قال قتادة قال كعب ~~الأحبار يأمر الله ملكا أن ينادى على صخرة بيت المقدس أيتها العظام ~~البالية، والأوصال المتقطعة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. وفى ~~ورود الأمر بالاستماع مطلقا، ثم توضيحه بما بعده، تهويل وتعظيم للمخبر ~~به، لما فى الإبهام، ثم التفسير، من التهويل والتفخيم لشأن المحدث عنه. ~~وقوله { يوم يسمعون الصيحة بالحق } بدل من قوله { ~~يوم يناد }. أى يوم يسمعون صيحة البعث من القبور. والحشر للجزاء، ~~سماعا ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل، والمراد بهذه الصيحة النفخة ~~الثانية { ذلك } اليوم هو { يوم الخروج } من الأجداث كأنهم ~~جراد منتشر. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ~~ينسلون # قالوا يويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد ~~الرحمن وصدق المرسلون # ثم بين - سبحانه - ما يدل على كمال ms4776 قدرته فقال { إنا نحن نحيي ~~ونميت وإلينا المصير }. أى إنا بقدرتنا وإرادتنا نحيى ونميت ~~من نشاء إحياءه أو إماتته، وإلينا وحدنا مرجع العباد ومصيرهم، لا يشاركنا ~~فى ذلك مشارك. اذكر - أيضا - أيها العاقل { يوم تشقق الأرض ~~عنهم سراعا.. } أى يوم تتشقق الأرض عن من فى باطنها من مخلوقات، ~~فيخرجون إلينا سراعا. كما قال - تعالى - # يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن ~~لبثتم إلا قليلا # وقوله { ذلك حشر علينا يسير } أى ذلك التشقق للأرض وما ~~يترتب عليه من بعث وجمع وحشر، يسير وهين علينا، لأن قدرتنا لا يعجزها شئ. ~~ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الآية التى فيها من التسلية ~~للرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن التحديد الدقيق لوظيفته، فقال - تعالى ~~- { نحن أعلم بما يقولون ومآ أنت عليهم ~~بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد }. # أى نحن - أيها الرسول الكريم - أعلم بما يقوله هؤلاء المشركون فى شأنك ~~وفى شأن دعوتك، وسنجازيهم على ذلك بما يستحقونه من عقاب، فاصبر على ~~أقوالهم، وبلغ رسالة ربك دون أن تخشى أحدا سواه. وأنت لست بمسلط عليهم ~~لتجبرهم على اتباعك، وتقهرهم على الدخول فى الإسلام، وإنما وظيفتك ~~التذكير بهذا القرآن لمن يخشى عذابى، ويخاف وعيدى. كما قال - سبحانه - # فذكر إنمآ أنت مذكر لست عليهم بمصيطر # وكما قال - تعالى - # وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو ~~نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب # وبعد فهذا تفسير محرر لسورة " ق " التى حفظها بعض الصحابة من فم النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - خلال تكراره لها فى خطب الجمعة. نسأل الله - تعالى ~~- أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، وأنس نفوسنا. وصلى الله على سيدنا محمد ~~وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [51 - سورة الذاريات] ### || [51.1-14] # والمراد بالذاريات الرياح التى تذرو الشىء، أى تسوقه وتحركه وتنقله من ~~مكانه. فهذا اللفظ اسم فاعل من ذرا المعتل، بمعنى فرق وبدد. يقال ~~ذرت الرياح التراب تذروه ذروا، وتذريه ذريا - من بابى عدا ~~ورمى - إذا طيرته وفرقته. ومنه قوله - تعالى - # واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كمآء أنزلناه ~~من السماء فاختلط به ms4777 نبات الأرض فأصبح هشيما ~~تذروه الرياح.. # أى تنقله وتحركه من مكان إلى آخر. والمفعول محذوف، و " ذروا " مصدر ~~مؤكد، وناصبه لفظ الذاريات، أى وحق الرياح التى تذروا التراب وغيره ذروا، ~~وتحركه تحريكا شديدا. والمراد بالحاملات السحب التى تحمل الأمطار ~~الثقيلة، فتسير بها من مكان إلى آخر. والوقر - بكسر الواو - كالحمل وزنا ~~ومعنى، وهو مفعول به. أى فالسحب الحاملات للأمطار الثقيلة، وللمياه ~~الغزيرة، التى تنزل على الأرض اليابسة، فتحولها - بقدرة الله - تعالى - ~~إلى أرض خضراء. وهذا الوصف للسحاب بأنه يحمل الأمطار الثقيلة، قد جاء ما ~~يؤيده من الآيات القرآنية، ومن ذلك قوله - تعالى - # وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ~~حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ~~ميت.. # وقوله - سبحانه - # هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشىء ~~السحاب الثقال.. # والمراد بالجاريات السفن التى تجرى فى البحر، فتنقل الناس وأمتعتهم من ~~بلد إلى بلد. وقوله { يسرا } صفة لمصدر محذوف بتقدير مضاف، أى ~~فالجاريات بقدرة الله - تعالى - فى البحر جريا ذا يسر وسهولة، إلى حيث ~~يسيرها ربانها. ويصح أن يكون قوله { يسرا } حال. أى فالجاريات فى حال ~~كونها ميسرة مسخرا لها البحر. ومن الآيات التى تشبه فى معناها هذه الآية ~~قوله - تعالى - # ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام # والمراد بالمقسمات فى قوله - سبحانه - { فالمقسمات أمرا } ~~الملائكة، فإنهم يقسمون أرزاق العباد وأمورهم وشئونهم.. على حسب ما ~~يكلفهم الله - تعالى - به من شئون مختلفة. و { أمرا } مفعول به، للوصف ~~الذى هو المقسمات، وهو مفرد أريد به الجمع، أى المقسمات لأمور العباد ~~بأمر الله - تعالى - وإرادته. وهذا التفسير لتلك الألفاظ، قد ورد عن بعض ~~الصحابة، فعن أبى الطفيل أنه سمع عليا - رضى الله عنه - يقول - وهو على ~~منبر الكوفة - لا تسألونى عن آية فى كتاب الله، ولا عن سنة رسول الله، ~~إلا أنبأتكم بذلك، فقام إليه ابن الكواء فقال يا أمير المؤمنين. ما معنى ~~قوله - تعالى - { والذاريات ذروا } قال الريح. { ~~فالحاملات وقرا } قال السحاب. { فالجاريات يسرا } قال ~~السفن، { فالمقسمات أمرا } قال الملائكة. وروى مثل هذا ms4778 ~~التفسير عن عمر بن الخطاب، وعن ابن عباس. # ومن العلماء من يرى أن هذه الألفاظ جميعها صفات للرياح. قال الإمام ~~الرازى هذه صفات أربع للرياح، فالذاريات هى الرياح التى تنشىء السحاب ~~أولا. والحاملات هى الرياح التى تحمل السحب التى هى بخار الماء.. ~~والجاريات هى الرياح التى تجرى بالسحب بعد حملها. والمقسمات هى الرياح ~~التى تفرق الأمطار على الأقطار. ومع وجاهة رأى الإمام الرازى فى هذه ~~المسألة، إلا أننا نؤثر عليه الرأى السابق، لأنه ثابت عن بعض الصحابة، ~~ولأن كون هذه الألفاظ الأربعة لها معان مختلفة، أدل على قدرة الله - ~~تعالى - وعلى فضله على عباده. وقد تركنا أقوالا ظاهرة الضعف والسقوط. ~~كقول بعضهم الذاريات هن النساء، فإنهن يذرين الأولاد، بمعنى أنهن يأتين ~~بالأولاد بعضهم فى إثر بعض، كما تنقل الرياح الشىء من مكان إلى مكان. قال ~~الآلوسى ثم إذا حملت هذه الصفات على أمور مختلفة متغايرة بالذات - كما هو ~~الرأى المعول عليه - فالفاء للترتيب فى الأقسام ذكرا ورتبة، باعتبار ~~تفاوت مراتبها فى الدلالة على كمال قدرته - عز وجل - وهذا التفاوت إما ~~على الترقى أو التنزل، لما فى كل منها من الصفات التى تجعلها أعلى من وجه ~~وأدنى من آخر. وإن حملت على واحد وهو الرياح، فهى لترتيب الأفعال ~~والصفات، إذ الريح تذرو الأبخرة إلى الجو أولا، حتى تنعقد سحابا، فتحمله ~~ثانيا، وتجرى به ثالثا ناشرة وسائقة له إلى حيث أمرها الله - تعالى - ثم ~~تقسم أمطاره. وقوله { إنما توعدون لصادق } جواب القسم. و " ~~ما " موصولة والعائد محذوف، والوصف بمعنى المصدر. أى وحق هذه الأشياء ~~التى ذكرتها لكم إن الذى توعدونه من الجزاء والحساب والبعث.. لصدق لا ~~يحوم حوله كذب أوشك. ويجوز أن تكون " ما " مصدرية. أى إن الوعد بالبعث ~~والجزاء والحساب لصادق. وقوله { وإن الدين لواقع } تأكيد ~~وتقريرلما قبله. أى وإن الجزاء على الأعمال لواقع وقوعا لا ريب فيه. ~~فالمراد بالدين هنا الجزاء، كما فى قوله - سبحانه - # يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق.. # ومنه قولهم " كما تدين تدان " أى كما تعمل تجازى، ومعنى ms4779 وقوعه حصوله. ثم ~~أقسم - سبحانه - قسما آخر بالسماء ذات الحبك فقال { والسمآء ذات ~~الحبك إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من ~~أفك }. والحبك جمع حبيكة، كطريقة - وزنا ومعنى -، أو جمع حباك - ~~كمثل ومثال -، والحبيكة والحباك. الطريقة فى الرمل وما يشبهه. أى وحق ~~السماء ذات الطرق المتعددة، والتى لا ترونها بأعينكم لبعدها عنكم. ويرى ~~بعضهم أن معنى ذات الحبك ذات الخلق الحسن المحكم.. أو ذات الزينة ~~والجمال. قال القرطبى وفى الحبك أقوال الأول قال ابن عباس ذات الخلق ~~الحسن المستوى يقال، حبك فلان الثوب يحبكه - بكسر الباء - إذا أجاد ~~نسجه. # الثانى ذات الزينة. الثالث ذات النجوم، الرابع ذات الطرائق. ولكنها تبعد ~~من العباد فلا يرونها. الخامس ذات الشدة.... وقوله { إنكم لفي ~~قول مختلف } جواب القسم. وقوله { يؤفك عنه.. } من الأفك ~~- بفتح الهمزة وسكون الفاء - بمعنى الصرف للشىء عن وجهه الذى يجب أن يكون ~~عليه. والضمير فى " عنه " يعود إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - أو إلى ~~القرآن الكريم. فيكون المعنى وحق السماء ذات الطرق المتعددة، وذات الهيئة ~~البديعة المحكمة الجميلة.. إنكم - أيها المشركون - " لفى قول مختلف " أى ~~متناقض متخالف، فمنكم من يقول عن القرآن الكريم أنه أساطير الأولين، ~~ومنكم من يقول عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - إنه ساحر أو مجنون. ~~والحق أنه يصرف عن الإيمان بهذا القرآن الكريم الذى جاء به الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - من صرفه الله - تعالى - عنه، بسبب إيثاره الغى على ~~الرشد، والضلالة على الهداية، والكفر على الإيمان. والتعبير بقوله { ~~من أفك } للإشعار بأن هذا الشقى الذى آثر الكفر على الإيمان، قد ~~صرف عن الرشاد وعن الخير صرفا، ليس هناك ما هو أشد منه فى سوء العاقبة. ~~فهذا التعبير شبيه فى التهويل بقوله - تعالى - # فغشيهم من اليم ما غشيهم # قال الجمل { يؤفك } يصرف { عنه } عن النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- والقرآن الكريم. أى عن الإيمان به { من أفك } أى من صرف عن ~~الهداية فى علم الله - تعالى -. وقيل الضمير للقول المذكور، أى يرتد، أى ~~يصرف عن ms4780 هذا القول من صرف عنه فى علم الله - تعالى - وهم المؤمنون. ثم ~~بين - سبحانه - سوء عاقبة المكذبين فقال { قتل الخراصون ~~الذين هم في غمرة ساهون يسألون أيان يوم ~~الدين يوم هم على النار يفتنون }. والخراصون جمع ~~خراص، وأصل الخرص الظن والتخمين، ومنه الخارص الذى يخرص النخلة ليقدر ~~ما عليها من ثمر، والمراد به هنا الكذب، لأنه ينشأ غالبا عن هذا الخرص، ~~والمراد بالآية الدعاء عليهم باللعن والطرد من رحمة الله - تعالى. أى لعن ~~وطرد من رحمة الله - تعالى - هؤلاء الكذابون، الذين قالوا فى الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - ما هو منزه عنه.. والذين هم { في غمرة ~~ساهون } أى فى جهالة تغمرهم كما يغمر الماء الأرض. فهم ساهون وغافلون ~~عن كل خير. فالغمرة ما يغمر الشىء ويستره ويغطيه، ومنه قولهم نهر غمر، ~~أى يغمر من دخله. والمراد أنهم فى جهالة غامرة لقلوبهم. وفى غفلة تامة ~~عما ينفعهم. وهذا التعبير فيه ما فيه من تصوير ما هم عليه من جهالة ~~وغفلة، حيث يصورهم - سبحانه - وكأن ذلك قد أحاط بهم وغمرهم حتى لكأنهم لا ~~يحسون بشىء مما حولهم. # ثم بين - سبحانه - ما كانوا عليه من سوء أدب فقال { يسألون ~~أيان يوم الدين }. و " أيان " بمعنى متى. أى يسألون سؤال ~~استهزاء واستخفاف فيقولون متى يكون هذا البعث الذى تحدثنا عنه يا محمد، ~~ومتى يوم الجزاء والحساب الذى تهددنا به؟ وهنا يأتيهم الجواب الذى يردعهم ~~ويبين لهم سوء مصيرهم. فيقول - سبحانه - { يوم هم على النار ~~يفتنون } أى يقع هذا اليوم الذى تسألون عنه وهو يوم البعث والحساب ~~والجزاء.. يوم تحرقون بالنار - أيها الكافرون -، وتعذبون فيها عذاب ~~أليما. و " يفتنون " مأخوذ من الفتن بمعنى الاختبار والامتحان، يقال ~~فتنت الذهب بالنار، إذا أذبته لتظهر جودته من غيرها. والمراد به هنا ~~الإحراق بالنار. وعدى " يفتنون " بعلى، لتضمنه معنى يعرضون، أو على بمعنى ~~فى. وقوله { ذوقوا فتنتكم.. } مقول القول محذوف. أى هذا اليوم ~~الذى يسألون عنه واقع يوم الجزاء.. يوم يقال لهم وهم يعرضون على النار ~~ذوقوا العذاب المعد ms4781 لكم، أو ذوقوا سوء عاقبة كفركم. { هذا } العذاب ~~المهين، هو { الذي كنتم به تستعجلون } فى الدنيا، وتقولون ~~- على سبيل الاستهزاء والإنكار - للنبى - صلى الله عليه وسلم - ولأصحابه # متى هذا الوعد إن كنتم صادقين # وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أكدت بأقوى الأساليب وأحكمها، أن يوم البعث ~~والجزاء والحساب حق، وأن المكذبين بذلك سيذوقون أشد العذاب. وكعادة ~~القرآن الكريم فى قرن الترغيب بالترهيب أو العكس، جاء الحديث عن حسن ~~عاقبة المتقين بعد الحديث عن سوء مصير المكذبين فقال - سبحانه - { إن ~~المتقين في... }. ### || [51.15-23] # والمعنى { إن المتقين } وهم الذين صانوا أنفسهم عن كل مالا ~~يرضى الله - تعالى -. { في جنات وعيون } أى مستقرين فى جنات ~~وبساتين فيها عيون عظيمة، لا يبلغ وصفها الواصفون. { آخذين مآ ~~آتاهم ربهم } أى هم منعمون فى الجنات وما اشتملت عليه من عيون ~~جارية، حالة كونهم آخذين وقابلين لما أعطاهم ربهم من فضله وإحسانه. وقوله ~~{ إنهم كانوا قبل ذلك محسنين } بمثابة التعليل لما ~~قبله. أى هم فى هذا الخير العميم من ربهم لأنهم، كانوا قبل ذلك - أى فى ~~الدنيا - محسنين لأعمالهم، ومؤدين لكل ما أمرهم به - سبحانه - بإتقان ~~وإخلاص. ثم بين - سبحانه - مظاهر إحسانهم فقال { كانوا قليلا من ~~الليل ما يهجعون } أى كانوا ينامون من الليل وقتا قليلا، أما ~~أكثره فكانوا يقضونه فى العبادة والطاعة. والهجوع النوم ليلا، وقيده ~~بعضهم بالنوم القليل، إذ الهجعة هى النومة الخفيفة، تقول أتيت فلانا بعد ~~هجعة، أى بعد نومة قليلة. عن الحسن قال كانوا لا ينامون من الليل إلا ~~أقله، كابدوا قيام الليل. ثم مدحهم - سبحانه - بصفة أخرى فقال { ~~وبالأسحار هم يستغفرون } والأسحار جمع سحر، وهو الجزء ~~الأخير من الليل. أى، وكانوا فى أوقات الأسحار يرفعون أكف الضراعة إلى ~~الله - تعالى - يستغفرونه مما فرط منهم من ذنوب، ويلتمسون منه - تعالى - ~~قبول توبتهم وغسل حوبتهم. قال الإمام الرازى ما ملخصه وفى الآية إشارة ~~إلى أنهم كانوا يتهجدون ويجتهدون، ثم يريدون أن يكون عملهم أكثر من ذلك، ~~وأخلص منه، ويستغفرون من التقصير، وهذه سيرة الكريم يأتى ms4782 بأبلغ وجوه ~~الكرم ويستقله، ويعتذر من التقصير، واللئيم يأتى بالقليل ويستكثره. وفيه ~~وجه آخر ألطف منه وهو أنه - تعالى - لما بين أنهم يهجعون قليلا، والهجوع ~~مقتضى الطبع. قال { يستغفرون } أى من ذلك القدر من النوم القليل. ~~ومدحهم بالهجوع ولم يمدحهم بكثرة السهر.. للإشارة إلى أن نومهم عبادة، ~~حيث مدحهم بكونهم هاجعين قليلا، وذلك الهجوع أورثهم الاشتغال بعبادة ~~أخرى، وهو الاستغفار.. فى وجوه الأسحار، ومنعهم من الإعجاب بأنفسهم ومن ~~الاستكبار... ثم مدحهم - سبحانه - للمرة الثالثة فقال { وفي ~~أموالهم حق للسآئل والمحروم }. والسائل هو من يسأل ~~غيره العون والمساعدة. والمحروم هو المتعفف عن السؤال مع أنه لا مال له ~~لحرمان أصابه، بسبب مصيبة نزلت به، أو فقر كان فيه.. أو ما يشبه ذلك. قال ~~ابن جرير بعد أن ذكر جملة من الأقوال فى المراد من المحروم هنا. والصواب ~~من القول فى ذلك عندى أنه الذى قد حرم الرزق واحتاج، وقد يكون ذلك بذهاب ~~ماله وثمره فصار ممن حرمه الله. # وقد يكون بسبب تعففه وتركه المسألة. وقد يكون بأنه لا سهم له فى الغنيمة ~~لغيبته عن الواقعة. أى أنهم بجانب قيامهم الليل طاعة لله - تعالى - ~~واستغفارا لذنوبهم.. يوجبون على أنفسهم فى أموالهم حقا للسائل والمحروم، ~~تقربا إلى الله - سبحانه - بمقتضى ما جبلوا عليه من كرم وسخاء. فالمراد ~~بالحق هنا ما يقدمونه من أموال للمحتاجين على سبيل التطوع وليس المراد به ~~الزكاة المفروضة، لأن السورة مكية والزكاة إنما فرضت فى السنة الثانية من ~~الهجرة. قال الآلوسى { وفي أموالهم حق } هو غير الزكاة كما ~~قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وقال منذر بن سعيد هذا الحق هو الزكاة ~~المفروضة، وتعقب بأن السورة مكية. وفرض الزكاة بالمدينة. وقيل أصل فريضة ~~الزكاة كان بمكة والذى كان بالمدينة القدر المعروف اليوم.. والجمهور على ~~الأول. والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة يرى أن هؤلاء المتقين، قد مدحهم ~~الله - تعالى - هذا المدح العظيم، لأنهم عرفوا حق الله عليهم فأدوه ~~بإحسان وإخلاص، وعرفوا حق الناس عليهم فقدموه بكرم وسخاء. ثم لفت - ~~سبحانه - الأنظار ms4783 إلى ما فى الأرض من دلائل على قدرته ووحدانيته فقال { ~~وفي الأرض آيات للموقنين }. أى وفى الأرض آيات عظيمة وعبر ~~وعظات بليغة، تدل على وحدانية الله وقدرته، كصنوف النبات، والحيوانات، ~~والمهاد، والجبال، والقفار، والأنهار، والبحار. وهذه الآيات والعبر لا ~~ينتفع بها إلا الموقنون بأن المستحق للعبادة إنما هو الله - عز وجل -. ثم ~~لفتة أخرى إلى النفس البشرية، قال - تعالى - { وفي أنفسكم ~~أفلا تبصرون }. أى وفى أنفسكم وذواتكم وخلقكم... أفلا تبصرون ~~إبصار تذكر واعتبار، فإن فى خلقكم من سلالة من طين، ثم جعلكم نطفة فعلقة ~~فمضغة فخلقا آخر، ثم فى رعايتكم فى بطون أمهاتكم. ثم فى تدرجكم من حال ~~إلى حال، ثم فى اختلاف ألسنتكم وألوانكم، ثم فى التركيب العجيب الدقيق ~~لأجسادكم وأعظائكم. ثم فى تفاوت عقولكم وأفهامكم واتجاهاتكم. فى كل ذلك ~~وغيره، عبرة للمعتبرين وعظة للمتعظين. ورحم الله صاحب الكشاف، فقد قال ~~عند تفسيره لهاتين الآيتين { وفي الأرض آيات } تدل على الصانع ~~وقدرته وحكمته وتدبيره، حيث هى مدحوة كالبساط.. وفيها المسالك والفجاج ~~للمتقلبين فيها، والماشين فى مناكبها. وهى مجزأة فمن سهل وجبل، وبر وبحر، ~~وقطع متجاورات من صلبة ورخوة، وطيبة وسبخة، وهى كالطروقة تلقح بألوان ~~النبات.. وتسقى بماء واحد، ونفضل بعضها على بعض فى الأكل، وكلها موافقة ~~لحوائج ساكنيها. فى كل ذلك آيات { للموقنين } أى للموحدين الذين ~~سلكوا الطريق السوى.. فازدادوا إيمانا على إيمانهم. { وفي أنفسكم ~~} فى حال ابتدائها وتنقلها من حال إلى حال، وفى بواطنها وظواهرها، من ~~عجائب الفطر. وبدائع الخلق، ما تتحير فيه الأذهان، وحسبك بالقلوب، وما ~~ركز فيها من العقول، وخصت به من أصناف المعانى، وبالألسن والنطق ومخارج ~~الحروف، وما فى تركيبها وترتيبها ولطائفها من الآيات الدالة على حكمة ~~المدبر. # . فتبارك الله أحسن الخالقين. ثم لفتة ثالثة للأنظار إلى الأسباب ~~الظاهرة للرزق، تراها فى قوله - تعالى - { وفي السمآء رزقكم ~~وما توعدون }. أى أن أرزاقكم مقدرة مكتوبة عنده - سبحانه - وهى ~~تنزل إليكم من جهة السماء، عن طريق الأمطار التى تنزل على الأرض الجدباء. ~~فتنبت بإذن الله من كل ms4784 زوج بهيج. كما قال - تعالى - # هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السمآء ~~رزقا # وقال - سبحانه - # يدبر الأمر من السمآء إلى الأرض ثم يعرج ~~إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون # قال القرطبى قوله { وفي السمآء رزقكم } الرزق هنا ما ينزل من ~~السماء من مطر ينبت به الزرع، ويحيى به الإنسان.. أى وفى السماء سبب ~~رزقكم، سمى المطر سماء لأنه من السماء ينزل. وقال سفيان الثورى { وفي ~~السمآء رزقكم } أى عند الله فى السماء رزقكم. وقوله { وما ~~توعدون } أى وفى السماء محددة ومقدرة أرزاقكم. وما توعدون به من ثواب ~~أو عقاب، ومن خير أو شر، ومن بعث وجزاء. و { وما } فى محل رفع عطف على ~~قوله { رزقكم } أى وفى السماء رزقكم والذى توعدونه من ثواب على ~~الطاعة، ومن عقاب على المعصية. فالآية الكريمة وإن كانت تلفت الأنظار إلى ~~أسباب الرزق وإلى مباشرة هذه الأسباب، إلا أنها تذكر المؤمن بأن يكون ~~اعتماده على خالق الأسباب، وأن يراقبه ويطيعه فى السر والعلن لأنه - ~~سبحانه - هو صاحب الخلق والأمر. ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات بهذا ~~القسم فقال { فورب السمآء والأرض إنه لحق مثل ~~مآ أنكم تنطقون }. والضمير فى قوله { إنه } يعود إلى ما ~~سبق الإخبار عنه من أمر البعث والحساب والجزاء والرزق.. وغير ذلك مما ~~يدل على صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما أخبر به عن ربه. ولفظ " ~~مثل " منصوب بنزع الخافض، و " ما " مزيدة للتأكيد أى فوحق رب السماء ~~والأرض، إن جميع ما ذكرناه لكم فى هذه السورة، أو فى هذا القرآن، حق ثابت ~~لا مرية فيه، كمثل نطقكم الذى تنطقونه بألسنتكم دون أن تشكوا فى كونه قد ~~صدر عنكم لا عن غيركم. فالمقصود بالآية الكريمة، تأكيد صدق ما أخبر به ~~الله - تعالى - عباده فى هذه السورة وغيرها، لأن نطقهم بألسنتهم حقيقة لا ~~يجادل فيها مجادل، وكذلك ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من عند ~~ربه، وما تلاه عليهم فى هذه السورة وغيرها، حق ثابت لا ريب ms4785 فيه. وهكذا ~~نرى هذه الآيات قد بشرت المتقين بألوان من البشارات، ثم لفتت عقول الناس ~~إلى ما فى الأرض وإلى ما فى أنفسهم وإلى ما فى السماء من عظات وعبر. ثم ~~انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن قصص بعض الأنبياء السابقين فبدأت ~~بجانب من قصة إبراهيم - عليه السلام - مع الملائكة الذين جاءوا لبشارته ~~بابنه إسحاق، فقال - تعالى - { هل أتاك حديث... }. ### || [51.24-37] # وهذه القصة التى تحكى لنا هنا ما دار بين إبراهيم - عليه السلام - وبين ~~الملائكة الذين جاءوا لبشارته بابنه إسحاق، ولإخباره بإهلاك قوم لوط، قد ~~وردت قبل ذلك فى سورتى هود والحجر. وقد افتتحت هنا بأسلوب الاستفهام { ~~هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين } للإشعار ~~بأهمية هذه القصة، وتفخيم شأنها، وبأنها لا علم بها إلا عن طريق الوحى... ~~وقيل إن هل هنا بمعنى قد. والمعنى هل أتاك - أيها الرسول الكريم - حديث ~~ضيف إبراهيم المكرمين؟ إننا فيما أنزلناه عليك من قرآن كريم، نقص عليك ~~قصتهم بالحق الذى لا يحوم حوله باطل، على سبيل التثبيت لك، والتسلية ~~لقلبك. والضيف فى الأصل مصدر بمعنى الميل، يقال ضاف فلان فلانا إذا مال ~~كل واحد منهما نحو الآخر، ويطلق على الواحد والجماعة. والمراد هنا جماعة ~~الملائكة الذين قدموا على إبراهيم - عليه السلام - وعلى رأسهم جبريل، ~~ووصفهم بأنهم كانوا مكرمين، لإكرام الله - تعالى - لهم بطاعته وامتثال ~~أمره. ولإكرام إبراهيم لهم، حيث قدم لهم أشهى الأطعمة وأجودها. قال ~~الآلوسى قيل كانوا اثنى عشر ملكا وقيل كانوا ثلاثة جبريل وإسرافيل ~~وميكائيل. وسموا ضيفا لأنهم كانوا فى صورة الضيف، ولأن إبراهيم - عليه ~~السلام - حسبهم كذلك، فالتسمية على مقتضى الظاهر والحسبان. وبدأ بقصة ~~إبراهيم وإن كانت متأخرة عن قصة عاد، لأنها أقوى فى غرض التسلية. والظرف ~~فى قوله { إذ دخلوا عليه.. } متعلق بلفظ { حديث } السابق. ~~أى هل بلغك حديثهم الواقع فى وقت دخولهم عليه.. أو بمحذوف تقديره اذكر، ~~أى اذكر وقت أن دخلوا عليه { فقالوا سلاما } ، أى فقالوا نسلم ~~عليك سلاما. { قال سلام قوم منكرون } أى قال إبراهيم فى ~~جوابه عليهم ms4786 عليكم سلام، أنتم قوم منكرون أى غير معروفين لى قبل ذلك. قال ~~صاحب الكشاف أنكرهم للسلام الذى هو علم الإسلام، أو أراد أنهم ليسوا من ~~معارفه، أو من جنس الناس الذين عهدهم.. أو رأى لهم حالا وشكلا خلاف حال ~~الناس وشكلهم، أو كان هذا سؤالا لهم، كأنه قال أنتم قوم منكرون فعرفونى ~~من أنتم... وقيل إن إبراهيم قد قال ذلك فى نفسه، والتقدير هؤلاء قوم ~~منكرون، لأنه لم يرهم قبل ذلك. وقال إبراهيم فى جوابه عليهم { سلام } ~~بالرفع، لإفادة الدوام والثبات عن طريق الجملة الاسمية، التى تدل على ~~ذلك، وللإشارة إلى أدبه معهم، حيث رد على تحيتهم بأفضل منها. ثم بين - ~~سبحانه - ما فعله إبراهيم بعد ذلك فقال { فراغ إلى أهله ~~فجآء بعجل سمين } أى فذهب إلى أهله فى خفية من ضيوفه. فجاء ~~إليهم بعجل ممتلىء لحما وشحما. يقال راغ فلان إلى كذا، إذا مال إليه فى ~~استخفاء وسرعة. # { فقربه إليهم } أى فذهب إلى أهله فذبح عجلا وشواه، فقر به ~~إلى ضيوفه وقال لهم { ألا تأكلون } أى حضهم على الأكل شأن المضيف ~~الكريم. فقال لهم على سبيل التلطف وحسن العرض ألا تأكلون من طعامى. قال ~~ابن كثير وهذه الآيات انتظمت آداب الضيافة، فإنه جاء بطعامه من حيث لا ~~يشعرون بسرعة. ولم يمتن عليهم أولا فقال نأتيكم بطعام؟ بل جاء به بسرعة ~~وخفاء، وأتى بأفضل ما وجد من ماله، وهو عجل سمين مشوى فقربه إليهم، لم ~~يضعه وقال اقتربوا، بل وضعه بين أيديهم، ولم يأمرهم أمرا يشق على سامعه ~~بصيغة الجزم، بل قال { ألا تأكلون } على سبيل العرض والتلطف، كما ~~يقول القائل اليوم إن رأيت أن تتفضل وتحسن وتتصدق. فافعل. ولكن إبراهيم ~~مع هذا العرض الحسن، والكرم الواضح، لم يجد من ضيوفه استجابة لدعوته. { ~~فأوجس منهم خيفة } أى فأضمر فى نفسه خوفا منهم حين رأى ~~إعراضا عن طعامه، مع حضهم على الأكل منه، ومع جودة هذا الطعام. وهنا كشف ~~الملائكة له عن ذواتهم فقالوا { لا تخف } أى لا تخف فإنا رسل ms4787 الله { ~~وبشروه بغلام عليم } أى وبشروه بغلام سيولد له، وسيكون كثير ~~العلم عندما يبلغ سن الرشد، وهذا الغلام إسحاق - عليه السلام -. ثم يحكى ~~القرآن بعد ذلك ما كان من امرأته بعد أن سمعت بهذه البشرى فقال { ~~فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت ~~عجوز عقيم }. أى فأقبلت امرأة إبراهيم - عليه السلام - وهى تصيح فى ~~تعجب واستغراب من هذه البشرى. فضربت بيدها على وجهها وقالت أنا عجوز عقيم ~~فكيف ألد؟. والصرة من الصرير وهو الصوت، ومنه صرير الباب، أى صوته، والصك ~~الضرب الشديد على الوجه، وعادة ما تفعله النساء إذا تعجبن من شىء. وشبيه ~~بهذه الآية قوله - تعالى - فى سورة هود # قالت يويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي ~~شيخا إن هذا لشيء عجيب # وهنا رد عليها الملائكة بما يزيل تعجبها واستغرابها واستبعادها لأن يكون ~~لها ولد مع كبر سنها، ويحكى القرآن ذلك فيقول { قالوا كذلك قال ~~ربك إنه هو الحكيم العليم }. أى قال الملائكة لامرأة ~~إبراهيم لا تتعجبى من أن يكون لك غلام فى هذه السن، فإن هذا الحكم هو حكم ~~ربك. وهذا القول الذى بشرناك به هو قوله - سبحانه - وقوله لا مرد له إنه ~~- تعالى - هو الحكيم فى كل أقواله وأفعاله. العليم بأحوال خلقه. وهنا عرف ~~إبراهيم - عليه السلام - حقيقة ضيوفه فأخذ يسألهم { قال فما ~~خطبكم أيها المرسلون } والخطب الأمر الهام، والشأن ~~الخطير، وجمعه خطوب. أى قال لهم إبراهيم بعد أن اطمأن إليهم، وعلم أنهم ~~ملائكة. فما شأنكم الخطير الذى من أجله جئتم إلى أيها المرسلون بعد هذه ~~البشارة؟ { قالوا } فى الإجابة عليه، { إنآ أرسلنآ } ، بأمر ~~ربنا { إلى قوم مجرمين } قوم لوط { لنرسل عليهم ~~حجارة من طين } أى لنرسل عليهم - بعد قلب قراهم - حجارة من طين ~~متحجر، حالة كون هذه الحجارة { مسومة عند ربك ~~للمسرفين } أى معلمة عند الله - تعالى - وفى علمه، وقد أعدها - ~~سبحانه - لرجم هؤلاء الذين أسرفوا فى عصيانهم له - تعالى - وأتوا بفاحشة ~~لم يسبقهم إليها أحد من العاملين. # فقوله { مسومة } حال من الحجارة، والسومة العلامة. ومنه قوله ms4788 - ~~تعالى - # والخيل المسومة # والفاء فى قوله - تعالى - بعد ذلك { فأخرجنا من كان فيها ~~من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من ~~المسلمين } هى الفصيحة، لأنها قد أفصحت عن كلام محذوف. والمعنى ~~ففارق الملائكة إبراهيم ذاهبين إلى قوم لوط لإهلاكهم وجرى بينهم وبين لوط ~~- عليه السلام - ما جرى ثم أخذوا فى تنفيذ ما كلفناهم به، فأخرجنا - ~~بفضلنا ورحمتنا - من كان فى قرية لوط من المؤمنين دون أن يمسهم عذابنا، ~~فما وجدنا فى تلك القرية غير أهل بيت واحد من المسلمين، أما بقية سكان ~~هذه القرية فقد دمرناهم تدميرا. ووصف - سبحانه - الناجين من العذاب - وهم ~~لوط وأهل بيته إلا امرأته - بصفتى الإيمان والإسلام، على سبيل المدح ~~لهم، أى أنهم كانوا مصدقين بقلوبهم، ومنقادين لأحكام الله - تعالى - ~~بجوارحهم. قال ابن كثير احتج بهاتين الآيتين من ذهب إلى رأى المعتزلة، ~~ممن لا يفرقون بين معنى الإيمان، والإسلام، لأنه أطلق عليهم المؤمنين ~~والمسلمين وهذا الاستدلال ضعيف، لأن هؤلاء كانوا قوما مؤمنين، وعندنا أن ~~كل مؤمن مسلم ولا ينعكس، فاتفق الاسمان هنا لخصوصية الحال، ولا يلزم ذلك ~~فى كل حال. ثم بين - سبحانه - أنه قد ترك من وراء هلاكهم ما يدعو غيرههم ~~إلى الاعتبار بهم فقال { وتركنا فيهآ } أى فى قرية قوم لوط التى ~~جعل الملائكة عاليها سافلها { آية } أى علامة تدل على ما أصابهم من ~~هلاك، قيل هى تلك الأحجار التى أهلكوا بها. وهذه الآية إنما هى { ~~للذين يخافون العذاب الأليم } لأنهم هم الذين يعتبرون ~~وينتفعون بها، أما غيرهم من الذين استحوذ عليهم الشيطان، فإن هذه الآيات ~~لا تزيدهم إلا رجسا على رجسهم. ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن جانب من قصص ~~موسى وهود وصالح ونوح. - عليهم السلام - مع أقوامهم، فقال - سبحانه - { ~~وفي موسى إذ.. }. ### || [51.38-46] # وقوله - سبحانه - { وفي موسى } معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك ~~وتركنا فيهآ والكلام على حذف مضاف. والظرف فى قوله { إذ ~~أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين }. متعلق بمحذوف ~~هو نعت لقوله آية قبل ذلك. أى وتركنا فى قصة موسى - أيضا ms4789 - أية، هذه ~~الآية كائنة وقت أن أرسلناه إلى فرعون { بسلطان مبين } أى ~~بمعجزة واضحة بينة هى اليد والعصا وغيرهما. وقوله - سبحانه - { ~~فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون } بيان لموقف ~~فرعون من موسى - عليه السلام - أى أرسلنا موسى بآياتنا الدالة على صدقه ~~إلى فرعون وملئه، فما كان من فرعون إلا أن أعرض عن دعوة الحق، وتعاظم على ~~موسى بملكه وجنوده وقوته.. وقال فى شأن موسى - عليه السلام - هو ساحر أو ~~مجنون. والركن جانب البدن. والمراد به هنا جنوده الذين يركن إليهم، وقوته ~~التى اغتر بها. قال الآلوسى قوله { فتولى بركنه } أى فأعرض عن ~~الإيمان بموسى، على أن ركنه جانب بدنه وعطفه، والتولى به كناية عن ~~الإعراض، والباء للتعدية، لأن معناه ثنى عطفه. وقال قتادة تولى بقومه ~~على أن الركن بمعنى القوم، لأنه يركن إليهم ويتقوى بهم، والباء للمصاحبة ~~أو الملابسة.. وقيل تولى بقوته وسلطانه. فالركن يستعار للقوة... ثم بين - ~~سبحانه - نتيجة إعراض فرعون عن الحق فقال { فأخذناه وجنوده ~~فنبذناهم في اليم وهو مليم }. والنبذ الطرح للشىء بدون ~~اكتراث أو اهتمام به، و قوله { مليم } من ألام، إذا أتى ما يلام عليه، ~~كأغرب إذا أتى أمرا غريبا، وجملة، وهو مليم، حال من المفعول فى قوله { ~~فأخذناه }. أى فأخذنا فرعون هو وجنوده الذين ارتكن إليهم أخذ عزيز ~~مقتدر، فألقينا بهم جميعا فى البحر بدون اعتداد بهم، بعد أن أتى فرعون ~~بما يلام عليه من الكفر والطغيان. قال صاحب الكشاف فإن قلت كيف وصف نبى ~~الله يونس - عليه السلام - بما وصف به فرعون فى قوله - تعالى - # فالتقمه الحوت وهو مليم # قلت موجبات اللوم تختلف، وعلى حسب اختلافها تختلف مقادير اللوم، فراكب ~~الكبيرة ملوم على مقدارها، وكذلك مقترف الصغيرة. ألا ترى إلى قوله - ~~تعالى - # وعصوا رسله # وقوله # وعصى ءادم ربه فغوى # لأن الكبيرة والصغيرة يجمعهما اسم العصيان، كما يجمعهما اسم القبيح ~~والسيئة. ثم تنتقل السورة بعد ذلك إلى بيان ما حل بقوم هود - عليه السلام ~~- فتقول { وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ~~ما تذر ms4790 من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم ~~}. أى وتركنا فى قصة عاد - أيضا - وهم قوم هود - عليه السلام - آية ~~وعبرة، وقت أن أرسلنا عليهم الريح العقيم. # أى الريح الشديدة التى لا خير فيها من إنشاء مطر، أو تلقيح شجر، وهى ريح ~~الهلاك وأصل العقم اليبس المانع من قبول الأثر. شبه - سبحانه - الريح ~~التى أهلكتهم وقطعت دابرهم، بالمرأة التى انقطع نسلها، بجامع انعدام ~~الأثر فى كل. ثم وصف - سبحانه - هذه الريح التى توهموا أنها تحمل لهم ~~الخير، بينما هى تحمل لهم الهلاك، وصفها بقوله { ما تذر من شيء ~~أتت عليه } أى ما تترك من شىء مرت عليه. { إلا جعلته ~~كالرميم } أى إلا جعلته كالشىء الميت الذى رم وتحول إلى فتات مأخوذ ~~من رم الشىء إذا تفتت وتهشم. ويقال للنبات إذا يبس وتفتت رميم وهشيم. كما ~~يقال للعظم إذا تكسر وبلى رميم. ومنه قوله - تعالى - # قال من يحيي العظام وهي رميم # ثم انتقلت السورة بعد ذلك إلى بيان ما حل بقوم صالح - عليه السلام - ~~فقال - تعالى - { وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى ~~حين }. أى وتركنا - كذلك - فى قصة صالح - عليه السلام - مع قومه آية ~~وعظة، وقت أن قال لهم - على سبيل الإنذار والتحذير من المداومة على ~~الكفر.. تمتعوا بحياتكم التى تعيشونها فى هذه الدنيا، حتى وقت معين فى ~~علم الله - تعالى - تنتهى عنده أعماركم. وهذا التمتع بالحياة حتى حين، ~~يحتمل أن المقصود به، ما أشار إليه - سبحانه - فى سورة هود بقوله # فعقروها # - أى الناقة - # فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد ~~غير مكذوب # ويحتمل أن يكون المقصود به ما قدره الله - تعالى - من عمر منذ أن بلغهم ~~صالح رسالة ربه إلى أن عقروا الناقة، وحق عليهم العذاب. قال القرطبى قوله ~~{ وفي ثمود } أى وفيهم - أيضا - عبرة وعظة، حين قيل لهم عيشوا ~~متمتعين بالدنيا { حتى حين } أى إلى وقت الهلاك وهو ثلاثة أيام، ~~كما فى سورة هود.. وقيل معنى { تمتعوا } أى أسلموا وتمتعوا إلى وقت ~~فراغ آجالكم. ثم بين - سبحانه - ما ms4791 كان منهم من كفر وفجور فقال { ~~فعتوا عن أمر ربهم } أى فتكبروا واستهانوا بما أمرهم الله ~~- تعالى - به على لسان نبيهم صالح - عليه السلام -. { فأخذتهم ~~الصاعقة } وهى كل عذاب مهلك، من الصعق بمعنى الإهلاك. { وهم ~~ينظرون } أى وهم يرونها عيانا، لأن العذاب - كما تشير الآية - نزل ~~بهم نهارا. { فما استطاعوا من قيام وما كانوا ~~منتصرين } أى أنه حين نزل بهم عذابنا، أعجزهم عن الحركة، وشل ~~حواسهم، فما استطاعوا أن يهربوا منه. وما قدروا على القيام بعد أن كانوا ~~قاعدين، وما نصرهم من بأسنا ناصر. ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات بلمحة عن ~~قصة نوح - عليه السلام - فقال { وقوم نوح من قبل } أى وأهلكنا ~~قوم نوح من قبل هؤلاء جميعا بالطوفان. { إنهم كانوا قوما ~~فاسقين } أى خارجين عن طاعتنا، منغمسين فى الكفر والعصيان. وهكذا ~~ساقت السورة الكريمة جانبا من قصص هؤلاء الأنبياء، ليكون فى ذلك تسلية ~~للنبى - صلى الله عليه وسلم - وتذكرة للمتذكرين. وبعد هذا الحديث عن ~~هؤلاء الأقوام.. جاء الحديث عن مظاهر قدرة الله - تعالى - وسعة رحمته، ~~ووافر نعمه، وحض الناس على شكره - تعالى - وطاعته. فقال - عز وجل - { ~~والسمآء.. }. ### || [51.47-51] # ولفظ { السمآء... } منصوب على الاشتغال. أى وبنينا السماء بنيناها { ~~بأييد } أى بقوة وقدرة. يقال آد الرجل يئيد - كباع - إذا اشتد وقوى. ~~{ وإنا لموسعون } أى وإنا لقادرون على توسعتها بتلك الصورة ~~العجيبة من الوسع بمعنى القدرة والطاقة، يقال أوسع الرجل، أى صار ذا سعة، ~~والمفعول محذوف، أى وإنا لموسعون السماء، أو الأرزاق. فالجملة تصوير بديع ~~لمظاهر قدرة الله، وكمال قوته، وواسع فضله. { والأرض فرشناها } ~~أى وفرشنا الأرض بقدرتنا - أيضا -، بأن مهدناها وبسطناها وجعلناها صالحة ~~لمنفعتكم وراحتكم. { فنعم الماهدون } نحن، يقال مهدت الفراش، ~~إذا بسطته ووطأته وحسنته. وفى هاتين الآيتين ما فيهما من الدلالة على ~~قدرة الله - تعالى - ورحمته بعباده، حيث أوجد هذه السماء الواسعة التى ~~تعتبر الأرض بما فيها كحلقة فى فلاة بالنسبة لها، فهى تحوى مئات الملايين ~~من النجوم المتناثرة فى أرجائها.. وأوجد - سبحانه - الأرض لتكون موطنا ~~للإنسان، ومنزلا لراحته. ثم ms4792 قال - تعالى - { ومن كل شيء ~~خلقنا زوجين } أى نوعين متقابلين كالذكر والأنثى. والليل ~~والنهار، والسماء والأرض، والغنى والفقر، والهدى والضلال. { لعلكم ~~تذكرون } أى فعلنا ذلك لعلكم تعتبرون وتتعظون وتتذكرون ما يجب ~~عليكم نحونا من الشكر والطاعة وإخلاص العبادة لنا وحدنا. والفاء فى قوله ~~{ ففروا إلى الله.. } للتفريع على قوله - تعالى - { ~~لعلكم تذكرون } ، أى ما دام الأمر كما ذكرت لكم من وجود ~~التذكر والاعتبار، ففروا إلى الله من معصيته إلى طاعته، ومن كفره إلى ~~شكره، ومن السيئات إلى الحسنات. قال الإمام الرازى ما ملخصه وفى هذا ~~التعبير لطائف لأنه ينبىء عن سرعة الإهلاك، كأنه يقول الاهلاك والعذاب ~~أسرع وأقرب، من أن يحتمل الحال الإبطاء فى الرجوع. فافزعوا سريعا إلى ~~الله - تعالى - وفروا إلى طاعته، فإنه لا مهرب منه. وقوله { إني ~~لكم منه نذير مبين } تعليل للأمر بالفرار، أى أسرعوا إلى ~~طاعة الله - تعالى - إنى لكم من عقابه المعد لمن يصر على معصيته نذير ~~بين الإنذار. ثم أكد - سبحانه - هذا الإنذار، ونهى عن التقاعس فقال { ~~ولا تجعلوا مع الله إلها آخر } أى واحذروا أن تجعلوا ~~مع الله - تعالى - إلها آخر، فى العبادة أو الطاعة { إني لكم ~~منه } - سبحانه - { نذير مبين }. فالآية الأولى كان التعليل ~~فيها للأمر بالفرار إلى الله - تعالى - والثانية كان التعليل فيها للنهى ~~عن الإشراك به - سبحانه -. وبذلك ترى أن هذه الآيات الكريمة، قد بينت ~~جانبا من الدلائل على قدرة الله - تعالى - وأمرت الناس بإخلاص العبادة ~~لله، ونهت عن الإشراك به. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، ببيان ~~مواقف الأقوام من رسلهم، وببيان الوظيفة التى أوجد الله - تعالى - الناس ~~من أجلها فقال { كذلك مآ.. }. ### || [51.52-60] # وقوله { كذلك } خبر لمبتدأ محذوف. أى الأمر كذلك، واسم الإشارة ~~مشار به إلى الكلام الذى سيتلوه، إذ أن ما بعده وهو قوله { مآ أتى ~~الذين من قبلهم من رسول } تفسير له. أى الأمر - أيها ~~الرسول الكريم - كما نخبرك، من أنه ما أتى الأقوام الذين قبل قومك من ~~رسول يدعوهم إلى عبادتنا وطاعتنا، إلا قالوا له - كما ms4793 قال قومك فى شأنك - ~~هو - ساحر أو مجنون. والمقصود بالآية الكريمة تسلية الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - عما أصابه من مشركى قريش، حيث بين له - سبحانه - أن الرسل ~~السابقين قد كذبتهم أممهم، فصبروا حتى أتاهم نصره - سبحانه -. ثم أضاف - ~~سبحانه - إلى هذه التسلية تسلية أخرى فقال { أتواصوا به }؟ ~~والضمير المجرور يعود إلى القول المذكور، والاستفهام للتعجيب من أحوالهم. ~~أى أوصى السابقون اللاحقين أن يقولوا لكل رسول يأتيهم من ربهم. أنت - ~~أيها الرسول - ساحر أو مجنون؟ وقوله - سبحانه - { بل هم قوم ~~طاغون } إضراب عن تواصيهم إضراب إبطال، لأنهم لم يجمعهم زمان واحد حتى ~~يوصى بعضهم بعضا، وإنما الذى جمعهم تشابه القلوب، والالتقاء على الكفر ~~والفسوق والعصيان. أى أوصى بعضهم بعضا بهذا القول القبيح؟ كلا لم يوص ~~بعضهم بعضا لأنهم لم يتلاقوا، وإنما تشابهت قلوبهم، فاتحدت ألسنتهم فى ~~هذا القول المنكر. ثم تسلية ثالثة نراها فى قوله - تعالى - { فتول ~~عنهم } أى فأعرض عنهم وعن جدالهم، وسر فى طريقك الذى رسمه الحكيم ~~الخبير لك. { فمآ أنت } أيها الرسول الكريم - { بملوم } على ~~الإعراض عنهم، وما أنت بمعاتب منا على ترك مجادلتهم. { وذكر ~~فإن الذكرى تنفع المؤمنين } أى أعرض عن هؤلاء ~~المشركين، وداوم على التذكير والتبشير والإنذار مهما تقول المتقولون، ~~فإن التذكير بما أوحيناه إليك من هدايات سامية، وآداب حكيمة.. ينفع ~~المؤمنين، ولا ينفع غيرهم من الجاحدين. ثم بين - سبحانه - الوظيفة التى ~~من أجلها أوجد الله - تعالى - الجن والإنس فقال { وما خلقت ~~الجن والإنس إلا ليعبدون }. وللعلماء فى تفسير هذه الآية ~~أقوال منها أن معناها إنى ما أوجدت الجن والإنس إلا وهم مهيئون لعبادتى ~~وطاعتى. بسبب ما ركبت فيهم من عقول تعقل، وبسبب ما أرسلت إليهم من رسل ~~يهدونهم إلى الخير، فمنهم من أطاع الرسل، وجرى ما مقتضى ما تقتضيه ~~الفطرة، فآمن بالرسل، واتبع الحق والرشد، ففاز وسعد، ومنهم من أعرض عن ~~دعوة الرسل، وعاند فطرته وموجب استعداده فخسر وخاب. ومنهم من يرى أن ~~معناها إنى ما خلقت الجن والإنس إلا ليقروا لى بالعبودية طوعا ms4794 أو كرها، ~~لأن المؤمن يطيع باختياره، والكافر مذعن منقاد لقضاء ربه، كما فى قوله - ~~تعالى - # ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها # ومنهم من يرى معناها إنى ما خلقت الجن والإنس إلا ليعرفونى. قال ~~القرطبى ما ملخصه قوله - تعالى - { وما خلقت الجن والإنس ~~إلا ليعبدون } قيل إن هذا خاص فيمن سبق فى علم الله أنه يعبده. ~~فجاء بلفظ العموم ومعناه الخصوص.. فالآية فى المؤمنين منهم. وقال على - ~~رضى الله عنه - أى وما خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم بعبادتى قال - تعالى ~~- # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين حنفآء # وقيل { إلا ليعبدون } أى إلا ليقروا لى بالعبادة طوعا أو كرها. ~~ويبدو لنا أن أرجح هذه الأقوال هو ما أشرنا إليه أولا، من أن معنى الآية ~~الكريمة، أن الله - تعالى - قد خلق الثقلين لعبادته وطاعته، ولكن منهم من ~~أطاعه - سبحانه -، ومنهم من عصاه. لاستحواذ الشيطان عليه. قال الإمام ~~ابن كثير بعد أن ذكر جملة من الأقوال ومعنى الآية أنه - تعالى - خلق ~~العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه ~~عذبه أشد العذاب. وفى الحديث القدسى قال الله - عز وجل - # " يا ابن آدم، تفرغ لعبادتى أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت ~~صدرك شغلا، ولم أسد فقرك... ". # وفى بعض الكتب الإلهية. يقول الله - تعالى - # " يابن آدم، خلقتك لعبادتى فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا تتعب، فاطلبنى ~~تجدنى. فإن وجدتنى وجدت كل شىء، وإن فتك فاتك كل شىء، وأنا أحب إليك من ~~كل شىء ". # ثم بين - سبحانه - أنه غنى عن العالمين فقال { مآ أريد منهم من ~~رزق ومآ أريد أن يطعمون } أى ما أريد منهم منفعة أو رزقا ~~كما يريد الناس بعضهم من بعض.. وما أريد منهم طعاما ولا شرابا، فأنا الذى ~~أطعم ولا أطعم كما قال - سبحانه - # قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات ~~والأرض وهو يطعم ولا يطعم # قال الآلوسى والآية لبيان أن شأنه - تعالى - مع عباده ليس كشأن السادة ~~مع عبيدهم، لأنهم إنما يملكونهم ms4795 ليستعينوا بهم فى تحصيل معايشهم ~~وأرزاقهم، ومالك العبيد نفى أن يكون ملكه إياهم لذلك، فكانه - سبحانه - ~~يقول ما أريد أن أستعين بهم، كما يستعين ملاك العبيد بعبيدهم، فليشتغلوا ~~بما خلقوا له من عبادتى. ثم بين - سبحانه - أنه هو صاحب القوة والرزق ~~فقال { إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } أى ~~إن الله - تعالى - هو الرزاق لغيره دون أحد سواه، وهو - سبحانه - صاحب ~~القوة التى لا تشبهها قوة، وهو المتين أى الشديد القوة - أيضا - فهو صفة ~~للرزاق، أو لقوله { ذو } ، أو خبر مبتدأ محذوف. # وهو مأخوذ من المتانة بمعنى القوة الفائقة. ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة ~~الظالمين فقال { فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب ~~أصحابهم فلا يستعجلون }. والذنوب فى الأصل الدلو ~~العظيمة المملوءة ماء، ولا يقال لها ذنوب إذا كانت فارغة. وجمعها ~~ذنائب، كقلوص وقلائص، وكانوا يستسقون الماء فيقسمونه بينهم على ~~الأنصباء. فيكون لهذا ذنوب، ولهذا ذنوب. فالمراد بالذنوب هنا النصيب، ~~والمعنى فإن للذين ظلموا أنفسهم بعبادتهم لغير الله، وبظلمهم لغيرهم، ~~نصيبا من العذاب، مثل نصيب نظرائهم فى الظلم والكفر، فلا يستعجلون عذابى، ~~فإنه نازل بهم فى الوقت الذى أريد. { فويل للذين كفروا من ~~يومهم الذي يوعدون } أى فهلاك للذين كفروا، هذا الهلاك سيكون ~~فى اليوم الذى توعدتهم بالهلاك فيه، والذى هو نازل بهم بلا ريب أو شك، ~~وبعد فهذا تفسير لسورة " الذاريات " ، نسأل الله - تعالى - أن يجعله ~~خالصا لوجهه، ونافعا لعباده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ~~وسلم. ### | [52 - سورة الطور] ### || [52.1-16] # افتتح الله - تعالى - هذه السورة الكريمة بالقسم خمسة أشياء هى من أعظم ~~مخلوقاته، للدلالة على كمال قدرته، وبديع صنعته، وتفرد ألوهيته.. فقال - ~~سبحانه - { والطور } والمراد به جبل الطور، والمشار إليه فى قوله - ~~تعالى - # والتين والزيتون وطور سينين # قال القرطبى والطور اسم الجبل الذى كلم الله - تعالى - عليه موسى، أقسم ~~الله به تشريفا وتكريما له، وتذكيرا لما فيه من الآيات.. وقيل إن الطور ~~اسم لكل جبل أنبت، ومالا ينبت فليس بطور. { وكتاب مسطور } أى ~~مكتوب متسق الكتابة، ms4796 منتظم الحروف، مرتب المعانى، فالمراد بالكتاب ~~المكتوب. وبالمسطور الذى سطرت حروفه وكلماته تسطيرا جميلا حسنا. والأظهر ~~أن المقصود به القرآن الكريم، لأن الله - تعالى - قد أقسم به كثيرا، ومن ~~ذلك قوله - سبحانه - # حم والكتاب المبين # يس والقرآن الحكيم # وقيل المقصود به جنس الكتب السماوية المنزلة. وقيل صحائف الأعمال. قال ~~الألوسى قوله { وكتاب مسطور } أى مكتوب على وجه الانتظام، فإن ~~السطر ترتيب الحروف المكتوبة. والمراد به على ما قال الفراء الكتاب الذى ~~تكتب فيه الأعمال، ويعطاه العبد يوم القيامة بيمينه أو بشماله، وقال ~~الكلبى هو التوراة. وقيل القرآن الكريم وقيل اللوح المحفوظ. وقوله فى { ~~في رق منشور } متعلق بمسطور. أى مسطور فى رق. والرق - بالفتح - ~~كل ما يكتب فيه من ألواح وغيرها. وأصله الجلد الرقيق الذى يكتب عليه. ~~والمنشور المبسوط، ومنه قوله - تعالى - # ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا # أى أن هذا الكتاب المسطور، كائن فى صحائف مبسوطة ظاهرة لكل من ينظر ~~إليها. وقوله. { والبيت المعمور } هو بيت فى السماء السابعة ~~تطوف به الملائكة بأمر الله - تعالى -. قال ابن كثير ثبت فى الصحيحين أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال فى حديث الإسراء والمعراج، بعد ~~مجاوزته إلى السماء السابعة # " ثم رفع بى إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله فى كل يوم سبعون ألفا من ~~الملائكة ". # وقيل المراد بالبيت المعمور هنا البيت الحرام، وسمى بذلك لأنه معمور ~~بالحجاج والعمار، { والسقف المرفوع } ، أى والسماء المرفوعة، ~~وسميت سقفا لكونها بمثابة السقف للأرض كما قال - تعالى - # وجعلنا السمآء سقفا محفوظا وهم عن آياتها ~~معرضون # { والبحر المسجور } أى المملوء بالماء، يقال، سجر فلان الحوض ~~إذا ملأه بالماء. أو المسجور بمعنى المملوء بالنار من السجر، وهو ~~إيقاد النار فى التنور، ومنه قوله - تعالى - # ... ثم في النار يسجرون # والمراد بالبحر هنا جنسه. قال ابن عباس تملأ البحار كلها يوم القيامة ~~بالنار، فيزاد بها فى نار جهنم. # وبهذا نرى أن الله - تعالى - قد أقسم بخمسة أشياء من مخلوقاته، للدلالة ~~على وحدانيته، وعلى شمول قدرته، وعلى بديع صنعته. ms4797 وجواب هذا القسم قوله - ~~سبحانه - { إن عذاب ربك لواقع } أى وحق هذه المخلوقات ~~الضخمة البديعة، إن عذاب ربك لواقع وقوعا لا شك فيه على الكافرين يوم ~~القيامة. وقوله { ما له من دافع } خبر ثان لإن فى قوله { إن ~~عذاب ربك لواقع } أى هو واقع دون أن يستطيع أحد أن يدفعه أو ~~يرده. عن جبير بن مطعم - رضى الله عنه - قال قدمت المدينة على رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - لأكلمه فى أسارى بدر، فجئت إليه وهو يصلى بأصحابه ~~صلاة المغرب، فسمعته يقرأ { والطور } ألى { إن عذاب ربك ~~لواقع ما له من دافع } فكأنما صدع قلبى، فأسلمت خوفا من نزول ~~العذاب وما كنت أظن أن أقوم مقامى... والظرف فى قوله { يوم تمور ~~السمآء مورا } متعلق بقوله { لواقع } ومنصوب به، أى إن هذا ~~العذاب لواقع يوم تضطرب السماء اضطرابا شديدا، وتتحرك بمن فيها تحكرا ~~تتداخل معه أجزاؤها. فالمور. هو الحركة والاضطراب والدوران، والمجىء ~~والذهاب، والتموج والتكفؤ، يقال مار الشىء مورا، إذا تحرك واضطرب. { ~~وتسير الجبال سيرا } أى عذاب ربك واقع يوم تضطرب السماء ~~بأهلها وتزول الجبال عن أماكنها، وتتطاير كالسحب، ثم تتفت كالرمال، ثم ~~تصير كالصوف المنفوش. قال - تعالى - # وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر ~~السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء # وقال - سبحانه - # يوم تكون السمآء كالمهل وتكون الجبال ~~كالعهن ولا يسأل حميم حميما # وقوله { فويل يومئذ للمكذبين } أى فهلاك وحسرة فى هذا ~~اليوم للمكذبين به. { الذين هم في خوض يلعبون } أى إذا ~~كان الأمر كما ذكرنا لك - أيها العاقل - فهلاك وحسرة فى هذا اليوم ~~للمكذبين بالحق، الذين هم عاشوا حياتهم الدنيا يلهون ويلعبون دون أن ~~يذكروا حسابا ولا ثوابا ولا عقابا. وأصل الخوض المشى فى الماء، ثم غلب ~~استعماله فى الاندفاع فى كل باطل. ثم بين - سبحانه - حالهم يوم القيامة ~~فقال { يوم يدعون إلى نار جهنم دعا هذه ~~النار التي كنتم بها تكذبون }. والدع الدفع بعنف وشدة. ~~يقال دع فلان فلانا دعا، إذا دفعه بجفوة وغلظة، ومنه قوله - تعالى ms4798 ~~- # أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع ~~اليتيم # أى اذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ، يوم يدفع هؤلاء المكذبون إلى ~~النار دفعا قويا. لا رحمة معه، ولا شفقة فيه، ثم يقال لهم بعد هذا الطرد ~~الشديد هذه هى النار التى كنتم بها تكذبون فى الدنيا، ادخلوها فبئس مئوى ~~المتكبرين. ثم يقال لهم - أيضا - على سبيل التوبيخ والزجر { أفسحر ~~هذا } أى أفسحر هذا الذى ترونه من العذاب كما كنتم تزعمونه فى ~~الدنيا؟ { أم أنتم لا تبصرون } أى أم أنتم عمى عن مشاهدة ~~العذاب المعد لكم فلا تبصرونه؟ لا، إن هذا العذاب ليس سحرا، ولستم أنتم ~~بمحجوبين عن رؤيته، بل هو أمام أعينكم، ومهيأ لاستقبالكم، وهذه النار ~~تناديكم، وملائكتنا تقول لكم { اصلوها } أى ادخلوها، وقاسوا حرها { ~~فاصبروا أو لا تصبروا } أى ادخلوها داخرين فاصبروا على ~~سعيرها أو لا تصبروا، فهى مأواكم لا محالة. # { سوآء عليكم } الأمران، الصبر وعدمه، لأن كليهما لا فائدة لكم ~~من روائه. فقوله { سوآء عليكم } خبر لمبتدأ محذوف. أى الأمران ~~سواء بالنسبة لكم. { إنما تجزون } فى هذا اليوم عاقبة، { ما ~~كنتم تعملون } أى فى الدنيا. قال صاحب الكشاف فإن قلت لم علل ~~استواء الصبر وعدمه بقوله { إنما تجزون ما كنتم تعملون ~~}؟ قلت لأن الصبر إنما يكون له مزية على الجزع، لنفعة فى العاقبة بأن ~~يجازى عليه الصابر جزاء الخير، فأما الصبر على العذاب الذى هو الجزاء، ~~ولا عاقبة له ولا منفعة، فلا مزية له على الجزع. وكعادة القرآن الكريم فى ~~المقارنة بين سوء عاقبة المكذبين، وحسن عاقبة المؤمنين، جاء الحديث عن ~~المتقين، بعد الحديث عن الكافرين، فقال - تعالى - { إن ~~المتقين... }. ### || [52.17-28] # المعنى { إن المتقين } الذين صانوا أنفسهم عن كل ما نهى الله - ~~تعالى - عنه. { في جنات } عظيمة وفى { نعيم } دائم لا ينقطع. { ~~فاكهين } أى متلذذين متنعمين بما يحيط بهم من خيرات، مأخوذ من ~~الفكاهة - بفتح الفاء - وهى طيب العيش مع النشاط، يقال فكه الرجل فكها، ~~وفكاهة فهو فكه وفاكه. إذا طاب عيشه، وزاد سروره، وعظم نشاطه، وسميت ~~الفاكهة بهذا الاسم ms4799 لتلذذ الإنسان بها. { بمآ آتاهم ربهم ~~ووقاهم ربهم عذاب الجحيم } أى متلذذين بسبب ما آتاهم ~~ربهم من جنات عظيمة، ووقاهم - سبحانه - بفضله ورحمته العذاب الذى يؤلمهم. ~~ويقال لهم فضلا عن ذلك على سبيل التكريم { كلوا واشربوا ~~هنيئا } أى كلوا أكلا مريئا، واشربوا شربا هنيئا. والهنىء من المأكول ~~والمشروب مالا يلحقه تعب أو سوء عاقبة. وقوله { متكئين على ~~سرر مصفوفة } منصوب على الحال من فاعل { كلوا } أو من الضمير ~~المستكن فى قوله { جنات }. أى هم فى جنات عظيمة، حالة كونهم متكئين ~~فيها على سرر موضوعة على صفوف منتظمة، وعلى خطوط مستوية، والسرر جمع ~~سرير وهو ما يجلس عليه الإنسان للراحة. وقوله { وزوجناهم بحور ~~عين } بيان لنعمة أخرى من النعم التى يتلذذون بها. أى وفضلا عن كل ذلك، ~~فقد زوجناهم بنساء جميلات. وبذلك نرى أن هؤلاء المتقين، قد أكرمهم الله - ~~تعالى - بكل أنواع النعيم، من مسكن طيب، ومأكل كريم، ومشرب هنىء، وأزواج ~~مطهرات من كل سوء. ثم بين - سبحانه - أنواعا أخرى من تكريمه - تعالى - ~~لهم، فقال { والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ~~بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم ومآ ألتناهم من ~~عملهم من شيء }. والأية الكريمة بيان لحال طائفة من أهل الجنة - ~~وهم الذين شاركتهم ذريتهم الأقل عملا منهم فى الإيمان - إثر بيان حال ~~المتقين بصفة عامة. والاسم الموصول مبتدأ، وخبره جملة { ألحقنا ~~بهم ذريتهم }. والمراد بالذرية هنا ما يشمل الآباء والأبناء ~~وقوله { واتبعتهم } معطوف على { آمنوا }. وقوله { بإيمان ~~} متعلق بالاتباع، والباء للسببية أو بمعنى فى. ومعنى { ألتناهم } ~~أنقصناهم. يقال فلان ألت فلانا حقه يألته - من باب ضرب - إذا بخسه ~~حقه. والمعنى والذين آمنوا بنا حق الإيمان واتبعتهم ذريتهم فى هذا ~~الإيمان، ألحقنا بهم ذريتهم، بأن جمعناهم معهم فى الجنة، وما نقصنا ~~هؤلاء المتبوعين شيئا من ثواب أعمالهم، بسبب إلحاق ذريتهم بهم فى الدرجة، ~~بل جمعنا بينهم فى الجنة. وساوينا بينهم فى العطاء - حتى ولو كان بعضهم ~~أقل من بعض فى الأعمال - فضلا منا وكرما. قال الإمام ابن كثير يخبر - ~~تعالى - عن فضله وكرمه، وامتنانه ولطفه ms4800 بخلقه وإحسانه أن المؤمنين إذا ~~اتبعتهم ذرياتهم فى الإيمان، يلحقهم بآبائهم فى المنزلة وإن لم يبلغوا ~~عملهم، لتقر أعين الآباء بالأبناء عندهم فى منازلهم، فيجمع بينهم على ~~أحسن الوجوه، بأن يرفع الناقص العمل بكامل العمل، ولا ينقص ذاك من عمله ~~ومنزلته. # للتساوى بينه وبين ذاك. ولهذا قال { ألحقنا بهم ذريتهم ~~ومآ ألتناهم من عملهم من شيء }. عن ابن عباس قال إن ~~الله ليرفع ذرية المؤمن فى درجته، وإن كانوا دونه فى العمل، لتقر بهم ~~عينه، ثم قرأ هذه الآية. وفى رواية أخرى عنه قال - عندما سئل عن هذه ~~الآية - هم ذرية المؤمنين يموتون على الإيمان، فإن كانت منازل آبائهم ~~أرفع من منازلهم ألحقوا بآبائهم، ولم ينقصوا من أعمالهم التى عملوها ~~شيئا. وقال صاحب الكشاف فإن قلت ما معنى تنكير الإيمان؟ قلت معناه ~~الدلالة على أنه إيمان خاص عظيم المنزلة، ويجوز أن يراد إيمان الذرية ~~الدانى المحل، كأنه قال بشىء من الإيمان، لا يؤهلهم لدرجة الآباء ~~ألحقناهم بهم. قال الجمل والذرية هنا تصدق على الآباء والأبناء، فإن ~~المؤمن إذا كان عمله الصالح أكثر ألحق به من هو دونه فى العمل أبا كان أو ~~ابنا، وهذا منقول عن ابن عباس وغيره. وعن ابن عباس - أيضا - يرفعه إلى ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - قال # " إذا دخل أهل الجنة الجنة، سأل أحدهم عن أبويه وعن زوجته وولده، ~~فيقال إنهم لم يدركوا ما أدركت، فيقول يارب إنى عملت لى ولهم، فيؤمر ~~بإلحاقهم به ". # وقوله { كل امرىء بما كسب رهين } أى كل إنسان مرهون بعمله ~~عند الله - تعالى - فإن كان عمله صالحا سعد وفاز، وأطلق نفسه من كل ما ~~يسوؤها ويحزنها، وإن كان غير ذلك جوزى على حسب عمله وسعيه. والتعبير ~~بقوله { رهين } للإشعار بأن كل إنسان مرتهن بعمله، حتى لكأن العمل ~~بمنزلة الدين، وأن الإنسان لا يستطيع الفكاك منه إلا بعد أدائه. ثم ~~بين - سبحانه - جانبا آخر من مظاهر فضله على عباده المؤمنين فقال { ~~وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون }. أى ~~وأمددنا هؤلاء المؤمنين - على سبيل ms4801 الزيادة عما عندهم بفاكهة كثيرة لا ~~مقطوعة ولا ممنوعة وبلحم لذيذ تشتهيه نفوسهم. { يتنازعون فيها ~~كأسا } أى يتجاذبون على سبيل المداعبة، ويتعاطون على سبيل التكريم، ~~الأوانى المملوءة بالخمر التى هى لذة للشاربين. { لا لغو فيها ~~ولا تأثيم } أى لا يصدر منهم فى أعقاب شربهم لتلك الخمر، ما جرت به ~~العادة فى أعقاب شرب خمر الدنيا، من أن الشارب لها يصدر منه كلام ساقط لا ~~خير فيه، ويأتى من الأقوال والأفعال ما يعاقب عليه. ويرتكب الإثم بسببه. ~~قال صاحب الكشاف { لا لغو فيها } أى فى شربها { ولا تأثيم } ~~أى لا يتكلمون فى أثناء الشرب بسقط الحديث، ومالا طائل تحته، كفعل ~~المتنادمين فى الدنيا على الشراب فى سفههم وعربدتهم، ولا يفعلون ما يؤثم ~~به فاعله، أى ينسب إلى الإثم لو فعله فى دار التكليف من الكذب والشتم ~~والفواحش، وإنما يتكلمون بالحكم وبالكلام الحسن متلذذين بذلك، لأن عقولهم ~~ثابتة غير زائلة وهم حكماء علماء. # { ويطوف عليهم غلمان لهم } أى ويطوف عليهم بتلك الكئوس ~~المليئة بالخمر، غلمان لهم، لكى يكونوا فى خدمتهم. { كأنهم ~~لؤلؤ مكنون } أى كأن هؤلاء الغلمان فى صفائهم ونقائهم، لؤلؤ ~~مصون ومحفوظ فى صدفه لم تنله الأيدى. يقال كننت الشىء كنا ~~وكنونا، إذا جعلته فى كن، وسترته عن الأعين. ثم حكى - سبحانه - ~~تساؤلهم وهم فى الجنة، فقال { وأقبل بعضهم على بعض ~~يتسآءلون } أى وأقبل بعضهم على بعض وهم فى الجنة، يسأل أحدهم الآخر ~~عن أحواله وعن أعماله، وعن حسن عاقبته. { قالوا } أى قال كل مسئول ~~لسائله { إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين } أى إنا كنا ~~فى الدنيا ونحن نعيش بين أهلنا خائفين من أهوال يوم القيامة، وكنا نقدم ~~العمل الصالح الذى نرجو أن ننال بسببه رضا ربنا فقبل - تعالى - بفضله منا ~~هذا العمل { فمن الله علينا } أى فتكرم علينا بمغفرته ~~ورضوانه. { ووقانا عذاب السموم } أى وأنقذنا من عذاب النار ~~التى تنفذ بحرها وسعيرها، إلى العظام والمسام، نفاذ الريح الحارة إلى ~~الأجساد، فتؤثر فيها تأثير السم فى البدن. قال صاحب الكشاف والسموم ms4802 الريح ~~الحارة التى تدخل المسام، فسميت بها نار جهنم، لأنها بهذه الصفة. { ~~إنا كنا من قبل ندعوه.. } أى إنا كنا من قبل فى الدنيا ~~ندعوه أن يجنبنا هذا العذاب كما كنا - أيضا - نخلص له العبادة والطاعة. { ~~إنه } - سبحانه - { هو البر الرحيم } أى هو المحسن على ~~عباده، الرحيم بهم. فالبر - بفتح الباء - مشتق من البر - بكسرها -، ~~بمعنى المحسن، يقال بر فلان فى يمينه، إذا صدق فيها، وأحسن أداءها. وبذلك ~~نرى هذه الآيات الكريمة، قد بشرت المتقين ببشارات متعددة، وذكرت نعما ~~متعددة أنعم بها - سبحانه - عليهم. ثم عادت السورة الكريمة مرة أخرى إلى ~~الحديث عن الكافرين، فأمرت النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يمضى فى ~~طريقه دون أن يهتم بأكاذيبهم، وحكت جانبا من هذه الأكاذيب التى قالوها فى ~~حقه - صلى الله عليه وسلم - ولقتنه الجواب المزهق لها.. فقال - تعالى - { ~~فذكر فمآ أنت... }. ### || [52.29-44] # والفاء فى قوله - سبحانه - { فذكر فمآ أنت بنعمة ربك ~~بكاهن ولا مجنون } للإفصاح. والكاهن هو الإنسان الذى يزعم ~~أنه يخبر عن الأشياء المغيبة، والمجنون هو الإنسان الذى سلب عقله، فصار ~~لا يعى ما يقول. أى إذا كان الأمر كما ذكرنا لك قبل ذلك - أيها الرسول ~~الكريم - فاثبت على ما أنت عليه من التذكير بما أوحينا إليك.. فما أنت ~~بسبب إنعام الله عليك بكاهن ولا مجنون كما يزعم أولئك الكافرون. قال ~~الجمل والباء فى قوله { بنعمة ربك } للسببية، وهى متعلقة بالنفى ~~الذى أفادته " ما " أى انتفى كونك كاهنا أو مجنونا، بسبب إنعام الله عليك ~~بالعقل الراجح، وعلو الهمة، وكرم الفعال، وطهارة الأخلاق، وهم معترفون ~~بذلك لك قبل النبوة. ثم أخذت السورة الكريمة فى تقريع هؤلاء الجاهلين ~~بأسلوب استنكارى فيه ما فيه من التعجب من جهالاتهم. وفيه ما فيه من الرد ~~الحكيم على أكاذيبهم، فساقت أقاويلهم بهذا السلوب الذى تكرر فيه لفظ " أم ~~" خمس عشرة مرة، وكلها إلزامات ليس لهم عنها جواب. وبدأت بقوله - تعالى- ~~{ أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون قل ~~تربصوا فإني معكم من المتربصين } ، و " أم " فى ~~هذه ms4803 الآيات بمعنى بل والهمزة. وقوله { نتربص } من التربص بمعنى ~~الانتظار والترقب. وقوله { ريب المنون } يعنون به حوادث الدهر ~~التى تحدث له - صلى الله عليه وسلم - منها الموت. فالمنون الدهر، وريبه ~~حوادثه التى يصيبه بسببها الهلاك. أى بل أيقولون عنك - أيها الرسول ~~الكريم - إنك شاعر، وأنهم يترقبون موتك لكى يستريحوا منك. كما استراحوا ~~من الشعراء الذين من قبلك، كزهير والنابغة.. قل لهم على سبيل التبكيت ~~والتهديد تربصوا وترقبوا موتى فإنى معكم من المنتظرين، وستعلمون أينا خير ~~مقاما وأحسن عاقبة. قال الآلوسى { نتربص به ريب المنون } ~~أى الدهر، وهو فعول من المن بمعنى القطع لأنه يقطع الأعمال وغيرها، ~~ومنه حبل منين أى مقطوع، والريب مصدر رابه إذا أقلقه، أريد به حوادث ~~الدهر وصروفه، لأنها تقلق النفوس، وعبر عنها بالمصدر مبالغة... وأخرج ابن ~~جرير وغيره عن ابن عباس، تفسيره المنون بالموت. روى أن قريشا اجتمعت فى ~~دار الندوة، وكثرت آراؤهم فيه - صلى الله عليه وسلم - حتى قال قائل منهم ~~تربصوا به ريب المنون، فإنه شاعر سيهلك كما هلك زهير والنابغة والأعشى، ~~فافترقوا على هذه المقالة. ثم وبخهم - سبحانه - على غفلتهم وعنادهم فقال ~~{ أم تأمرهم أحلامهم بهذآ أم هم قوم طاغون ~~}. والأحلام جمع حلم - بكسر الحاء - والمراد بها هنا العقول. وكان شيوخ ~~قريش يدعون بذى الأحلام والنهى. # ويطلق الحلم فى الأصل على ضبط النفس عن هيجان الغضب. وأطلق هنا على ~~العقل لكونه منشأ له. أى بل أتأمرهم عقولهم التى زعموا سلامتها، بأن ~~يقولوا فى شأنك - أيها الرسول الكريم - إنك شاعر أم مجنون؟ لا، إن أى عقل ~~سليم لم يأمرهم بذلك، وإنما هم قوم دأبهم الطغيان والعناد وتجاوز الحدود ~~التى لا يجوز تجاوزها. والعقول إذا استعملت فى الشرور والآثام، ضاع ~~رشدها، وفقدت سلامتها. ولقد قيل لعمرو بن العاص. رضى الله عنه - ما بال ~~قومك لم يؤمنوا وهم أصحاب الأحلام؟ فقال تلك عقول كادها الله - تعالى - ~~أى لم يصحبها التوفيق والرشاد. { أم يقولون تقوله بل لا ~~يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين ~~} والتقول تكلف القول ms4804 واختلاقه. وأكثر ما يكون استعمالا فى الكذب، يقال ~~فلان تقول على فلان، إذا افترى عليه الكذب. أى بل أيقولون عنك - أيها ~~الرسول - إنك افتريت هذا القرآن، واختلقته من عند نفسك، لا إنك معصوم عن ~~ذلك، وأنت ما نطقت إلا بما أوحيناه إليك، ولكنهم هم المفترون للكذب عليك، ~~وما حملهم على ذلك إلا عدم إيمانهم بالحق، وانغماسهم فى الباطل، وإصرارهم ~~على الجحود. وإذا كان الأمر - كما زعموا - فها هو ذا القرآن أمامهم ~~يسمعون آياته.. فليأتوا بحديث يشابه القرآن فى بلاغته. وهدايته، وسمو ~~تشريعاته وآدابه. وقد تحداهم - سبحانه - فى آيات أخرى أن يأتوا بعشر سور ~~من مثله فقال # أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله ~~مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن ~~كنتم صادقين # ثم تحداهم سبحانه - أن يأتوا بسورة واحدة من مثله فقال # وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ~~فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهدآءكم من دون ~~الله إن كنتم صادقين # ولكنهم فى جميع مراحل التحدى، وقفوا عاجزين مبهوتين، فثبت أن هذا القرآن ~~من عند الله، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. ثم ~~وبخهم - سبحانه - على عدم تفكرهم فى خلق أنفسهم فقال { أم خلقوا ~~من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا ~~السماوات والأرض بل لا يوقنون }. أى بل أخلقوا على ~~هذه الكيفية البديعة، والهيئة القويمة، من غير أن يكون هناك خالق لهم؟ أم ~~هم الذين خلقوا أنفسهم بدون احتياج لخالق؟ أم هم الذين قاموا بخلق ~~السموات والأرض؟ لا، إن شيئا من ذلك لم يحدث، فإنهم لم يخلقوا من غير ~~شىء، وإنما الذى خلقهم بقدرته - تعالى - هو الله وحده، كما خلق - سبحانه ~~- السموات والأرض بقدرته - أيضا - وهم يعترفون بذلك، كما فى قوله - تعالى ~~- # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله.. # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله... # وقوله { بل لا يوقنون } أى هم ليسوا على يقين من أمرهم، وإنما هم ~~يخبطون خبط عشواء، فهم مع اعترافهم بأن الله - تعالى - هو الذى خلقهم، ~~إلا ms4805 أن هذا الاعتراف صار كالعدم، لأنهم لم يعملوا بموجبه، من إخلاص ~~العبادة له - تعالى - والإيمان بالحق الذى جاءهم به رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - من عند خالقهم. ثم قال - تعالى - { أم عندهم ~~خزآئن ربك أم هم المصيطرون } أى بل أعند هؤلاء ~~الغافلين { خزآئن ربك } أى مفاتيح أرزاقه - تعالى - لعباده، ~~ومقدراته لهم، حتى يقسموها عليهم كما شاءوا، أم هم المصيطرون على أحوال ~~هذا الكون، المتسلطون على مقدراته، حتى لكأنهم أربابه المتغلبون عليه؟. ~~كلا لا شىء لهم من ذلك إطلاقا، وإنما هم وغيرهم فقراء إلى رزق الله - ~~تعالى - لهم { أم لهم سلم يستمعون فيه... } والسلم هو ~~ما يتوصل به إلى الأمكنة العالية. أى بل ألهم سلم يصعدون بواسطته إلى ~~السماء، ليستمعوا إلى وحينا وأمرنا ونهينا.. إن كان أمرهم كذلك { ~~فليأت مستمعهم بسلطان مبين } أى فليأت من استمع منهم ~~إلى شىء من كلامنا أو وحينا بحجة واضحة تدل على صدقه فيما ادعاه. ومما لا ~~شك فيه أنهم لا حجة لهم، بل هم كاذبون إذا ما ادعوا ذلك، لأن وحى الله - ~~تعالى - خاص بأناس معينين، ليسوا منهم قطعا. { أم له البنات ~~ولكم البنون } أى بل أيقولون إن لله - تعالى - البنات ولهم ~~الذكور، إن قولهم هذا من أكبر الأدلة على جهلهم وسوء أدبهم. لأن الله - ~~تعالى - هو الخالق للنوعين، وهو - سبحانه - # يهب لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور # { أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون } أى بل ~~أتسألهم أجرا على دعوتك إياهم إلى الحق، فهم بسبب ذلك قد أثقلتهم الديون ~~والمغارم، فصاروا ينفرون من دعوتك؟ كلا إنك لم تطلب منهم شيئا من ذلك. ~~والمغرم الدين الذى يكون على الإنسان، فيثقل كاهله، ويحزن نفسه. { أم ~~عندهم الغيب فهم يكتبون } أى بل أيزعمون أن عندهم علم ~~الغيب فهم يكتبونه للناس، ويطلعونهم عليه..؟. كلا إنهم لا علم لهم بشىء ~~من الغيب، لأن علم الغيب مرده إلى الله - تعالى - وحده، كما قال - سبحانه ~~- # عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ~~ارتضى من رسول... # { أم يريدون ms4806 كيدا فالذين كفروا هم المكيدون } ~~أى بل أيريدون بك - أيها الرسول الكريم - الكيد والأذى والهلاك، إن كانوا ~~يريدون بك ذلك فاعلم أن الذين كفروا بك وبدعوتك وأرادوا بك وبها الكيد ~~والأذى، هم المغلوبون الخاسرون الذين يحيق بهم كيدهم ويعود عليهم وباله. ~~فقوله { المكيدون } اسم مفعول من الكيد، وهو المكر والخبث. # . وقد عاد عليهم وبال مكرهم فعالا، فقد خرج - صلى الله عليه وسلم - من ~~بين جموعهم ليلة الهجرة، دون أن يروه، وكانوا محيطين بداره ليقتلوه، ~~وأحبط الله - تعالى - مكرهم. { أم لهم إله غير الله ~~سبحان الله عما يشركون }. أى بل ألهم إله غير الله - ~~تعالى - يرزقهم من فضله، ويرعاهم بلطفه فى جميع أطوار حياتهم. كلا إنهم ~~لا إله لهم سواه - تعالى - وتنزه - سبحانه - عن شركهم وكفرهم. { وإن ~~يروا كسفا من السمآء ساقطا يقولوا سحاب ~~مركوم } والكسف جمع كسفة وهى القطعة من الشىء، والمركوم ~~المتراكم الذى تجمع بعضه فوق بعض. أى وإذا رأى هؤلاء الجاهلون قطعة عظيمة ~~من العذاب نازلة عليهم لتهديدهم وزجرهم. قالوا هذا النازل علينا سحاب ~~متراكم، قد اجتمع بعضه فوق بعض ليسقينا، ولم يصدقوا أنه نذير عذاب شديد ~~لهم. وهذا شأن الطغاة المعاندين، وقد سبقهم إلى ذلك قوم عاد، فإنهم حين ~~رأوا العذاب مقبلا نحوهم قالوا # هذا عارض ممطرنا # فرد الله - تعالى - عليهم بقوله # بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم # هذا والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة يراها قد حملت على المشركين حملة ~~شديدة، حيث وبختهم على جهالاتهم، وتحدتهم بأسلوب تعجيزى أن يأتوا بمثل ~~القرآن الكريم، وتهكمت بهم وبعقولهم الفارغة التى انقادوا لها بدون تفكر ~~أو تدبر، وبينت أنهم قوم متناقضون مع أنفسهم، لأنهم يقرون أن الله - ~~تعالى - هو الخالق لهم ولغيرهم، ومع ذلك فهم يعبدون غيره. وينسبون البنات ~~إليه دون البنين.. وقد ذكر بعض المفسرين أن ما أصابهم من هزيمة يوم بدر، ~~كان فى السنة الخامسة عشرة من بعثته - صلى الله عليه وسلم - وأن هذه ~~الآيات قد تكرر فيها لفظ " أم " خمس عشرة مرة، بعدد هذه ms4807 السنين، ولذا ~~قالوا إن ذلك فيه إشارة إلى إعجاز القرآن الكريم. ثم ختم - سبحانه - ~~السورة الكريمة. بتوجيه الخطاب إلى النبى - صلى الله عليه وسلم -، على ~~سبيل التسلية والتكريم، حيث أمره - سبحانه - بالإعراض عنهم، لأنه - ~~سبحانه - هو الذى سيتولى حسابهم وعقابهم.. فقال - تعالى - { فذرهم.. ~~}. ### || [52.45-49] # والفاء فى قوله - سبحانه - { فذرهم... } واقعة فى جواب شرط مقدر. ~~أى إذا كان حال هؤلاء المشركين كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - ~~فاتركهم فى طغيانهم يعمهون.. { حتى يلاقوا يومهم الذي ~~فيه يصعقون } أى فدعهم يخوضوا ويلعبوا حتى يأتيهم اليوم الذى فيه ~~يموتون ويهلكون. قال القرطبى قوله { يصعقون } بفتح الياء قراءة ~~العامة. وقرأ ابن عامر وعاصم بضمها. قال الفراء هما لغتان صعق وصعق ~~مثل سعد وسعد. قال قتادة يوم يموتون. وقيل هو يوم بدر، وقيل يوم ~~النفخة الأولى. وقيل يوم القيامة يأتيهم فيه من العذاب ما يزيل ~~عقولهم.... وقوله { يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا... } ~~بدل من قوله { يومهم }. أى اتركهم - أيها الرسول الكريم - ولا تكترث ~~بهم. وامض فى دعوتك إلى الحق، فعما قريب سيأتيهم اليوم الذى لن ينفعهم ~~فيه مكرهم السيىء، وكيدهم القبيح.. { ولا هم ينصرون } فيه من ~~عقابنا من أى جهة من الجهات، أو من أى شخص من الأشخاص. { وإن ~~للذين ظلموا } وهم هؤلاء الكافرون { عذابا دون ذلك } أى ~~عذابا آخر دون ذلك العذاب الذى سينزل بهم عند موتهم وفى حياتهم.. { ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون } لا يعلمون ذلك، لجهلهم بما ~~سينتظرهم من عقاب. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بتلك التسلية ~~الرقيقة لنبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال { واصبر لحكم ربك ~~فإنك بأعيننا.. }. أى واصبر - أيها الرسول الكريم - { ~~لحكم ربك } إلى أن ننزل بهم عقابنا فى الوقت الذى نشاؤه ونختاره ~~{ فإنك بأعيننا } أى فإنك بمرأى منا وتحت رعايتنا وحمايتنا ~~وحفظنا.. { وسبح بحمد ربك حين تقوم } أى وأكثر من ~~تسبيح ربك وتنزيهه عن كل مالا يليق به حين تقوم من منامك، أو من مجلسك، ~~أو حين تقوم للصلاة.. { ومن الليل فسبحه } أى ومن الليل ~~فأكثر من تسبيح ms4808 ربك { وإدبار النجوم } أى وأكثر من تسبيحه - ~~تعالى - وقت إدبار النجوم وغروبها، وذلك فى أواخر الليل. وبذلك ترى أن ~~الله - تعالى - قد أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالإكثار من التسبيح ~~له - عز وجل - فى كل الأوقات، لأن هذا التسبيح يجلو عن النفس همومها ~~وأحزانها.. وبعد فهذا تفسير لسورة " الطور " نسأل الله - تعالى - أن ~~يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله ~~وصحبه وسلم. ### | [53 - سورة النجم] ### || [53.1-18] # افتتح الله - تعالى - هذه السورة بهذا القسم العظيم، للدلالة على صدق ~~رسوله - صلى الله عليه وسلم - وللرد على أولئك المشركين الجاهلين، الذين ~~زعموا أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قد اختلق القرآن الكريم. والنجم ~~هو الكوكب الذى يبدو للناظرين، لامعا فى جو السماء ليلا. والمراد به هنا ~~جنسه، أى ما يشمل كل نجم بازغ فى السماء، فأل فيه للجنس. وقيل أل فيه ~~للعهد والمراد به نجم مخصوص هو الشعرى، وهو نجم كان معروفا عند العرب. ~~وقد جاء الحديث عنه فى آخر السورة، فى قوله - تعالى - { وأنه هو ~~رب الشعرى } قالوا وكانت قبيلة خزاعة تعبده. وقيل المراد به ~~الثريا، فإنه من النجوم المشهورة عند العرب. وقيل المراد به هنا المقدار ~~النازل من القرآن على النبى - صلى الله عليه وسلم - وجمعه نجوم، وقد فسره ~~بعضهم بذلك فى قوله - تعالى - # فلا أقسم بمواقع النجوم # ومعنى " هوى " سقط وغرب. يقال هو الشىء يهوى - بكسر الواو - - هويا - ~~بضم الهاء وفتحها - إذا سقط من أعلى إلى أسفل.. قال الآلوسى وأظهر ~~الأقوال، القول بأن المراد بالنجم، جنس النجم المعروف، فإن اصله اسم جنس ~~لكل كوكب. وعلى القول بالتعيين، فالأظهر القول بأنه الثريا ووراء هذين ~~القولين، القول بأن المراد به المقدار النازل من القرآن... وقوله - ~~سبحانه - { ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن ~~الهوى }. جواب القسم. و " ما " نافية. و " ضل " من الضلال، والمراد ~~به هنا عدم الاهتداء إلى الحق، وإلى الطريق المستقيم. و " غوى " من الغى، ~~وهو الجهل الناشىء من اعتقاد فاسد، وهو ضد ms4809 الرشد.. و " الهوى " الميل مع ~~شهوات النفس، دون التقيد بما يقتضيه الحق، أو العقل السليم. والمعنى وحق ~~النجم الذى ترونه بأعينكم - أيها المشركون - عند غروبه وأفوله، وعند ~~رجمنا به للشياطين.. إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - الذى أرسلناه إليكم ~~- # إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا # ما ضل عن طريق الحق فى أقواله وأفعاله، وما كان رأيه مجانبا للصواب فى ~~أمر من الأمور، وما ينطق بنطق صادر عن هوى نفسه ورأيه، وإنما ينطق بما ~~نوحيه إليه من قرآن كريم، ومن قول حيكم، ومن توجيه سديد. وقد أقسم - ~~سبحانه - بالنجم عند غروبه، للإشعار بأن هذا المخلوق العظيم مسخر ~~لإرادة الله - تعالى - وقدرته فهو مع لمعانه وظهوره فى السماء لا يتأبى ~~عن الغروب والأفول، إذا ما أراد الله - تعالى - له ذلك، ولا يصلح أن يكون ~~إلها، لأنه خاضع لإرادة خالقه. # ولقد حكى - سبحانه - عن نبيه إبراهيم أنه حين # جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي ~~فلمآ أفل قال لا أحب الآفلين # قال بعض العلماء والوجه أن يكون قوله { إذا هوى } بدل اشتمال من ~~النجم، لأن المراد من النجم أحواله الدالة على قدرة خالقه ومصرفه، ومن ~~أعظم أحواله حال هويه وسقوطه، ويكون " إذا " اسم زمان مجردا عن معنى ~~الظرفية، فى محل جر بحرف القسم... وقال - سبحانه - { صاحبكم } ~~للإشارة إلى ملازمته - صلى الله عليه وسلم - لهم، طوال أربعين سنة قبل ~~البعثة، وأنهم فى تلك المدة الطويلة لم يشاهدوا منه إلا الصدق، والأمانة، ~~والعقل الراجح، والقول السديد.. وأنهم لم يخف عليهم حاله بل كانوا ~~مصاحبين له، ومطلعين على سلوكه بينهم، فقولهم بعد بعثته - صلى الله عليه ~~وسلم - إنه ساحر أو مجنون.. هو نوع من كذبهم البين، وجهلهم المطبق.. ~~وقوله { إن هو إلا وحي يوحى } استئناف بيانى مؤكد لما قبله. ~~والضمير " هو " يعود إلى المنطوق به، المفهوم من قوله - تعالى - { وما ~~ينطق عن الهوى }. أى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يصدر ~~نطقه فيما يأتيكم به عن هوى نفسه ورأيه، وإنما الذى ينطق به، هو وحى ms4810 من ~~الله - تعالى - أوحاه إليه على سبيل الحقيقة التى لا يحوم حولها شك أو ~~ريب. ومتعلق " يوحى " محذوف للعلم به. أى ما هذا الذى ينطق به إلا وحى ~~أوحاه - سبحانه - إلى نبيكم - صلى الله عليه وسلم -. قال الإمام ابن ~~كثير قوله { إن هو إلا وحي يوحى } أى إنما يقول ما أمر ~~بتبليغه إلى الناس كاملا موفورا من غير زيادة ولا نقصان.. فعن عبد الله ~~بن عمرو قال # " كنت أكتب كل شىء أسمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أريد ~~حفظه، فنهتنى قريش فقالوا إنك تكتب كل شىء تسمعه من رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشر يتكلم فى الغضب، ~~فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك له، فقال " اكتب فوالذى نفسى بيده، ما خرج ~~منى إلا الحق ". # وعن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال # " " لا أقول إلا حقا " فقال بعض أصحابه فإنك تداعبنا يا رسول الله؟ قال ~~" إنى لا أقول إلا حقا ". # وقال صاحب الكشاف ويحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء، ويجاب ~~بأن الله - تعالى - إذا سوغ لهم الاجتهاد، كان الاجتهاد وما يستند إليه ~~كله وحيا لا نطقا عن الهوى. # ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من صفات جبريل - عليه السلام - الذى ~~ينزل بالقرآن على النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال { علمه شديد ~~القوى }. أى علم النبى - صلى الله عليه وسلم - القرآن، ملك من ~~ملائكتنا الكرام، وهو جبريل - عليه السلام - الذى أعطيناه قوة شديدة، ~~استطاع بها أن ينفذ ما كلفناه بتنفيذه. والضمير المنصوب فى " علمه " هو ~~المفعول الأول، والثانى محذوف. أى القرآن، لأن علم تتعدى إلى مفعولين. ~~وقوله { شديد القوى } صفة لموصوف محذوف. أى ملك شديد القوى. قالوا ~~وقد بلغ من شدة قوته، أنه اقتلع قرى قوم لوط - عليه السلام - ثم رفعها ~~إلى السماء، ثم قلبها. بأن جعل أعلاها أسفلها.. وقوله - تعالى - { ذو ~~مرة فاستوى } صفة أخرى من صفات جبريل - عليه السلام - والمرة - ~~بكسر الميم - تطلق على قوة الذات، ms4811 وحصافة العقل ورجاحته، مأخوذ من أمررت ~~الحبل، إذا أحكمت فتله.. وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - # إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش ~~مكين مطاع ثم أمين... # وقوله { فاستوى } أى فاستقام على صورة ذاته الحقيقية، دون الصورة ~~الآدمية التى كان ينزل بها على الرسول - صلى الله عليه وسلم -. { وهو ~~بالأفق الأعلى } أى وهو - أى جبريل - بالجهة العليا من السماء ~~المقابلة للناظر إليها { ثم دنا فتدلى } أى ثم قرب جبريل - ~~عليه السلام - من النبى - صلى الله عليه وسلم - { فتدلى } أى ~~فانخفض من أعلى إلى أسفل.. وأصل التدلى أن ينزل الشىء من طبقته إلى ما ~~تحتها، حتى لكأنه معلق فى الهواء، ومنه قولهم تدلت الثمرة إذا صارت معلقة ~~فى الهواء من أعلى إلى أسفل.. ثم صور - سبحانه - شدة قرب جبريل من النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - فقال { فكان قاب قوسين أو أدنى } ~~والقاب المقدار المعين وقيل هو ما بين وتر القوس ومقبضها.. والقوس آلة ~~معروفة عند العرب، يشد بها وتر من جلد، وتستعمل فى الرمى بالسهام. وكان ~~من عادة العرب فى الجاهلية، أنهم إذا تحالفوا، يخرجون قوسين ويلصقون ~~إحداهما بالأخرى، فيكون قاب إحداهما ملاصقا للآخر، حتى لكأنهما قاب واحد، ~~ثم ينزعونهما معا ويرمون بهما سهما واحدا، فيكون ذلك دليلا على التحالف ~~التام والرضا الكامل... والمعنى أن جبريل - عليه السلام - بعد أن كان ~~بالجهة العليا من السماء، ثم قرب من النبى - صلى الله عليه وسلم -، ثم ~~زاد فى القرب، حتى كان على مقدار مسافة قوسين منه - صلى الله عليه وسلم - ~~أو أقرب من ذلك. # قال صاحب الكشاف قوله { قاب قوسين } مقدار قوسين عربيتين، والقاب ~~والقيب، والقاد والقيد، المقدار.. وقد جاء التقدير بالقوس، والرمح، ~~والسوط، والذراع، والباع، والخطوة والشبر... ومنه الحديث الشريف " لقاب ~~قوس أحدكم من الجنة، وموضع قده، خير من الدنيا وما فيها " والقد السوط... ~~فإن قلت كيف تقدير قوله { فكان قاب قوسين } ، قلت تقديره فكان ~~مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين فحذفت هذه المضافات... و " أو " فى قوله ~~{ أو أدنى } للشك، ms4812 ولكن هذا الشك من جهة العباد، أى أن الرائى إذا ~~رأى هذا الوضع قال هو قاب قوسين أو أقرب من ذلك، ويصح أن تكون بمعنى " بل ~~". قال الجمل قوله { أو أدنى } هذه الآية كقوله وأرسلناه ~~إلى مئة ألف أو يزيدون لأن المعنى فكان - جبريل - بأحد ~~هذين المقدارين فى رأى الرائى. أى لتقارب ما بينهما يشك الرائى فى ذلك. ~~وأدنى أفعل تفضيل. والمفضل عليه محذوف. أى أو أدنى من قاب قوسين. ويصح أن ~~تكون بمعنى بل، أى بل هو أدنى... وقوله { فأوحى إلى عبده مآ ~~أوحى } أى فأوحى جبريل - عليه السلام -إلى عبد الله ورسوله محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - ما أوحى من قرآن كريم، ومن هدى حكيم. فالضمير فى ~~قوله { فأوحى } أى جبريل، لأن الحديث فى شأنه وإيحاؤه إنما هو بأمر ~~الله - تعالى - ومشيئته، ويرى بعضهم أنه يعود إلى الله - تعالى -. قال ~~الآلوسى قوله { فأوحى } أى جبريل { إلى عبده } أى عبد الله، ~~وهو النبى - صلى الله عليه وسلم -، والإضمار - ولم يجر له - تعالى - ذكر، ~~لكونه فى غاية الظهور، ومثله كثير فى الكلام، ومنه # ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ~~ظهرها من دآبة.. # { مآ أوحى } أى الذى أوحاه، والضمير المستتر لجبريل - أيضا -. وقيل ~~الضمير المستتر لله - تعالى -. أى أوحى جبريل إلى عبد الله، ما أوحاه ~~الله إلى جبريل. والأول مروى عن الحسن، وهو الأحسن. وقيل ضمير أوحى الأول ~~والثانى لله - تعالى - والمراد بالعبد جبريل - عليه السلام - وهو كما ~~ترى... وأبهم - سبحانه - ما أوحاه، لتفخيم شأنه، وإعلاء قدره، حتى لكأنه ~~لا تحيط به عبارة، ولا يحده الوصف، وشبيه بهذا التعبير قوله - تعالى - # فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما ~~غشيهم.. # وعبر - سبحانه - عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - بعبده، وأضافه إليه، ~~للتشريف والتكريم، ولبيان أنه عبد من عباده - تعالى - الذين اصطفاهم لحمل ~~رسالته، وتبليغ ما أوحاه إليه. وقوله { ما كذب الفؤاد ما رأى ~~} رد على المشركين، وتكذيب لهم، فيما زعموه من أن الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - لم يتلق ms4813 الوحى عن جبريل، ولم يشاهده. # واللام فى قوله { الفؤاد } عوض عن المضاف إليه، والفؤاد العقل أو ~~القلب، ومنه قوله - تعالى - # وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به.. # وقراءة الجمهور { كذب } بفتح الذال مع التخفيف، وقرأ ابن عامر بفتحها ~~مع التشديد، و " ما " موصولة، والعائد محذوف. أى ما كذب فؤاد النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - وما أنكر، الذى رآه ببصره من صورة جبريل - عليه السلام ~~- لأنه لم يكن يجهله، بل كان معروفا لديه، وصاحب الوحى إليه، فهو - صلى ~~الله عليه وسلم - عرفه بقبله، وتأكدت هذه المعرفة برؤيته له بعينيه. ~~فالكذب هنا بمعنى الإنكار والتردد و الشك فى صحة ما يراه. قال صاحب ~~الكشاف قوله { ما كذب الفؤاد ما رأى } أى ما كذب فؤاد النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - ما رآه ببصره من صورة جبريل - عليه السلام -. أى ~~ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك، ولو قال ذلك - على سبيل الفرض - لكان ~~كاذبا لأنه عرفه، يعنى أنه رآه بعينه، وعرفه بقلبه، ولم يشك فى أن ما رآه ~~حق. وقرىء { ما كذب } - بالتشديد -، أى صدقه ولم يشك أنه جبريل ~~بصورته. ثم وبخ - سبحانه - المشركين على تكذيبهم للنبى - صلى الله عليه ~~وسلم - فيما يخبرهم عنه من شئون الوحى، فقال { أفتمارونه على ~~ما يرى }. والمماراة المجادلة والملاحاة بالباطل. يقال مارى فلان ~~فلانا مماراة ومراء، إذا جادله، مأخوذ من مرى الناقة يمريها. إذا ~~مسح ضرعها ليستدر لبنها، ويأخذه كاملا، فشبه الجدال بذلك، لأن كل واحد من ~~المتجادلين يمرى ما عند صاحبه، أى يسعى لاستخراج كل ما عنده، حتى يقيم ~~الحجة عليه. وعدى الفعل بعلى لتضمنه معنى المغالبة. أى أفتجادلون نبينا ~~محمدا - صلى الله عليه وسلم - فيما رآه بعينيه، وتجادلونه فى شىء هو تحقق ~~منه بعقله وبصره،وهو ملاقاته ورؤيته لأمين وحينا جبريل - عليه السلام -؟ ~~إن مجادلتكم له فى ذلك، هو من قبيل التعنت الواضح، والجهل الفاضح، لأنكم ~~كذبتموه وجادلتموه فى شىء هو قد رآه وتحقق منه، وأنتم تعلمون أنه صادق ~~أمين. فالمقصود بالاستفهام تبكيتهم وتجهيلهم ms4814 على جدالهم بالباطل. هذا وقد ~~ذكر العلماء، أن هذه الآيات، تشير إلى رؤية النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~لجبريل، على الهيئة التى خلقه الله - تعالى - عليها، فقد كان جبريل يأتى ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - فى صورة آدمى، فسأله أن يريه نفسه على ~~صورته التى خلق عليها، فأراه نفسه مرتين مرة فى الأرض وهى التى تشير ~~إليها هذا الآيات، ومرة فى السماء، وهى التى تشير إليها الآيات التالية. # وقد توسع الإمام ابن كثير فى ذكر الأحاديث التى وردت فى ذلك فقال ما ~~ملخصه عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم ير ~~جبريل فى صورته إلى مرتين، أما واحدة فإنه سأله أن يراه فى صورته، فسد ~~الأفق، وأما الثانية فإنه كان معه حيث صعد... وقوله - سبحانه - { ~~ولقد رآه نزلة أخرى.. } إشارة إلى المرة الثانية التى رأى ~~فيها الرسول - صلى الله عليه وسلم - جبريل على هيئته التى خلقه الله - ~~تعالى - عليها، وكان ذلك فى ليلة الإسراء والمعراج. أى والله لقد رأى ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - جبريل فى صورته التى خلق عليها، حالة كونه ~~نازلا من السماء نزلة أخرى. وقد جاء الإخبار عن هذه الرؤية بصيغة مؤكدة ~~بلام القسم وبقد.. للرد على المشركين الذين أنكروا ذلك، فكأنه - سبحانه - ~~يقول لهم لئن كنتم قد أنكرتم هذه الرؤية فى الأرض، فإنه - صلى الله عليه ~~وسلم - لم يره فى الأرض فقط، بل رآه رؤية أعظم من ذلك، وهى رؤيته له فى ~~السماء، حين كان مصاحبا له فى رحلته ليلة الإسراء والمعراج. قال الآلوسى ~~{ ولقد رآه نزلة أخرى } أى رأى النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- جبريل فى صورته التى خلقه الله عليها { نزلة أخرى } أى مرة ~~أخرى، وهى فعلة من النزول، أقيمت مقام المرة، ونصبت نصبها على الظرفية، ~~لأن أصل المرة مصدر مر يمر، ولشدة اتصال الفعل بالزمان يعبر به عنه. ولم ~~يقل مرة بدل نزلة، ليفيد أن الرؤية فى هذه المرة، كانت بنزول ودنو، ~~كالرؤية فى المرة الأولى، الدال ms4815 عليها ما مر... والمراد من الجملة ~~القسمية، نفى الريبة والشك عن المرة الأخيرة، وكانت ليلة الإسراء. وقوله ~~{ عند سدرة المنتهى } بيان للمكان الذى تمت عنده الرؤية ~~الثانية. والسدرة فى الأصل تطلق على شجرة النبق، وهو ثمر معروف فى ~~بلاد العرب. والمنتهى اسم مكان، أو مصدر ميمى بمعنى الانتهاء. وإضافة ~~السدرة إليه، من باب إضافة الشىء إلى مكانه، كما فى قولهم أشجار البستان. ~~أو من إضافة المحل إلى الحال، كما فى قولك كتاب الفقه أو النحو.. وسمى ~~هذا المكان بسدرة المنتهى، لانتهاء علوم الخلائق عنده، وما وراءه لا ~~يعلمه إلا الله - تعالى -. أخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال ~~لما أسرى برسول الله - صلى الله عليه وسلم - انتهى به إلى سدرة المنتهى، ~~وهى فى السماء السابعة وإليها ينتهى ما يعرج من الأرض فيقبض منها. وإليها ~~ينتهى ما يهبط من فوقها فيقبض منها. ثم بين - سبحانه - ما يدل على شرف ~~هذا المكان فقال { عندها جنة المأوى }. # أى عند سدرة المنتهى، جنة المأوى. أى الجنة التى تأوى وتسكن إليها أرواح ~~المؤمنين الصادقين، الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه. ثم نوه - سبحانه - ~~بما يحيط بذلك المكان من جلال وجمال لا تحيط العبارة بوصفه فقال { إذ ~~يغشى السدرة ما يغشى }. والظرف " إذ ". فى موضع الحال من " ~~سدرة المنتهى " ، لقصد الإشادة بما أحاط بذلك المكان من شرف وبهاء.. أو ~~هو متعلق بقوله { رآه }. أى ولقد رأى محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~جبريل - عليه السلام - على هيئته التى خلقه الله عليها مرة أخرى، عند ذلك ~~المكان الجليل المسمى بسدرة المنتهى، حالة كون هذا المكان ينزل به ما ~~ينزل، ويغشاه ما يغشاه من الفيوضات الربانية، والأنوار القدسية، والخيرات ~~التى لا يحيط بها الوصف.. فهذا الإبهام فى قوله { ما يغشى } ~~المقصود به التهويل والتعظيم والتكثير، لما يغشى هذا المكان من خيرات ~~وبركات.. وقوله - تعالى - { ما زاغ البصر وما طغى } بيان لما ~~كان عليه النبى - صلى الله عليه وسلم - من ثبات واطمئنان عند رؤيته لما ~~أذن الله - تعالى ms4816 - له فى رؤيته. والزيغ هو الميل عن حدود الاستقامة. ~~والطغيان تجاوز الحدود المشروعة. أى ما مال بصر النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - عما أذن الله - تعالى - له فى رؤيته. وما تجاوزه إلى ما لم يؤذن ~~له فى رؤيته، بل كان بصره - صلى الله عليه وسلم - منصبا على ما أبيح له ~~النظر إليه. فالمقصود من الآية الكريمة، الثناء على النبى - صلى الله ~~عليه وسلم -، ووصفه بما هو أهله من أدب وطاعة لخالقه - عز وجل -. قال ابن ~~كثير قوله { ما زاغ البصر وما طغى } قال ابن عباس ما ذهب ~~يمينا ولا شمالا، وما جاوز ما أمر به، وهذه صفة عظيمة فى الثبات والطاعة. ~~فإنه ما فعل إلا ما أمر به، ولا سأل فوق ما أعطى، وما أحسن قول القائل # رأى جنة المأوى وما فوقها ولو رأى غيره ما قد رآه لتاها # ثم عظم - سبحانه - من شأن ما أراه لنبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال { ~~لقد رأى من آيات ربه الكبرى }. والكلام جواب لقسم ~~محذوف، والآيات جمع آية، والمراد بها العجائب التى أطلع الله - تعالى - ~~عليها نبيه - صلى الله عليه وسلم - فى تلك الليلة، وهى ليلة الإسراء ~~والمعراج. والكبرى صفة لهذه الآيات، وحذف المرئى لتفخيم أمره وتعظيمه. أى ~~والله لقد رأى محمد - صلى الله عليه وسلم - فى تلك الليلة أمورا عظاما لا ~~يحيط بها الوصف، وقد أكرمناه برؤيتها ليزداد يقينا على يقينه، وثباتا على ~~ثباته، وقوة على قوته فى تبليغ رسالتنا، وحمل أمانتنا. # هذا، وقد جرينا فى تفسيرنا لهذه الآيات على الرأى الذى سار عليه ~~المحققون من العلماء وهو أن هذه الآيات تحكى رؤية النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - لجبريل مرتين، كما سبق أن بينا، وأن الضمائر فى تلك الآيات منها ~~ما يرجع إلى جبريل، ومنها ما يرجع إلى الله - عز وجل -. وقد أعدنا كل ~~ضمير إلى مرجعه الذى نراه مناسبا للمقام.. فمثلا الضمير المنصوب فى قوله ~~- تعالى - { ولقد رآه نزلة أخرى } قلنا إنه يعود إلى ~~جبريل. أى أن الرسول - صلى الله عليه ms4817 وسلم - رأى جبريل على هيئته التى ~~خلقه الله عليها مرة أخرى، غير المرة الأولى التى كانت فى أوائل بعثته - ~~صلى الله عليه وسلم -. ولكن بعض المفسرين يرون أن مرجع الضمير فى هذه ~~الآية وغيرها، يعود إلى الله - تعالى -، ويستدلون بذلك على أن الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - رأى ربه. وقد فصل القول فى هذه المسألة الإمام ~~الآلوسى فقال ما ملخصه فالضمائر فى " دنا " " وتدلى " " وأوحى.. " وكذلك ~~الضمير المنصوب فى " رآه " لله - عز وجل -.. واستدل بذلك مثبتو رؤية ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - لله - عز وجل - كابن عباس وغيره.. وخالفت ~~فى ذلك عائشة - رضى الله عنها - فقد أخرج مسلم عن مسروق قال # " كنت عند عائشة فقالت ثلاث من تكلم بواحدة منهن، فقد أعظم على الله - ~~تعالى - الفرية. قلت ما هن؟ قالت من زعم أن محمدا يعلم الغيب فقد كذب. ~~ومن زعم أن محمدا كتم شيئا فقد كذب، ومن زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم ~~على الله الفرية، فقلت يا أم المؤمنين ألم يقل الله - تعالى - { ولقد ~~رآه نزلة أخرى }؟. فقالت أنا أول من سأل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن ذلك فقال " لا، إنما هو جبريل، لم أره على صورته التى خلق ~~عليها سوى هاتين المرتين. رأيته منهبطا من السماء سادا ما بين السماء إلى ~~الأرض ". # ثم قال الآلوسى ولا يخفى أن جواب الرسول - صلى الله عليه وسلم - على ~~عائشة، ظاهر فى أن الضمير المنصوب فى { رآه } ليس راجعا إليه - تعالى ~~-، بل إلى جبريل - عليه السلام -... والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة ~~يراها ترد على المشركين مزاعمهم، بأبلغ أسلوب، وأقوى بيان، وتثبت أن هذا ~~القرآن، قد بلغه الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن جبريل - عليه السلام - ~~دون أن يزيد فيه شيئا، أو ينقص منه شيئا، وأنه - سبحانه - قد أعطى نبيه - ~~صلى الله عليه وسلم - من المعجزات، ومن الخيرات والبركات. # . ما لم يعط غيره. وبعد هذا التصوير البديع لما كان عليه النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - من حق واضح، ومن تكريم ms4818 عظيم ومن طاعة تامة لخالقه - عز ~~وجل - بعد كل ذلك أخذت السورة الكريمة، فى تصوير ما عليه المشركون من ~~باطل وجهل وفى تبكيتهم على عبادتهم لأصنام لا تسمع ولا تبصر، ولا تملك ~~الدفاع عن نفسها فضلا عن غيرها.. فقال - تعالى - { أفرأيتم ~~اللات... }. ### || [53.19-28] # والهمزة فى قوله { أفرأيتم } للإنكار والتهكم، والفاء لترتيب ~~الرؤية على ما سبق ذكره من صفات جليلة لله - تعالى - تدل على وحدانيته، ~~وكمال قدرته، ومن ثناء على النبى - صلى الله عليه وسلم - وعلى جبريل - ~~عليه السلام - والرؤية هنا، علمية ومفعلوها الثانى محذوف، لدلالة قوله - ~~سبحانه - { ألكم الذكر وله الأنثى } عليه. و " اللات " ~~اسم لصنم كان لثقيف بالطائف. قال الشاعر # وفرت ثقيف إلى " لاتها " بمنقلب الخائب الخاسر # وكان هذا الصنم على هيئة صخرة مربعة، قد بنوا عليه بناء ونقشوا عليه ~~نقوشا، وكانت قريش وجمهور العرب، يعظمونه ويعبدونه.. وكأنهم قد سموه بهذا ~~الاسم، على سبيل الاشتقاق من اسم الله - تعالى - فقالوا " اللات " قصدا ~~للتأنيث.. و { والعزى } فعلى من العز. وهى اسم لصنم، وقيل لشجرة ~~حولها بناء وأستار، وكانت بمكان يقال له نخلة، بين مكة والطائف، وكانت ~~قريش تعظمها، كما قال أبو سفيان يوم أحد " لنا العزى ولا عزى لكم ". فقال ~~- صلى الله عليه وسلم - قولوا له # " الله مولانا ولا مولى لكم ". # ولعلهم قد سموها بذلك. أخذا من لفظ العزيز، أو من لفظ العز، فهى تأنيث ~~الأعز، كالفضلى والأفضل. وأما " مناة " فكانت صخرة ضخمة، بمكان يقال له ~~المشلل، بين مكة والمدينة، وكانت قبيلة خزاعة والأوس والخزرج فى جاهليتهم ~~يعظمونها ويهلون منها للحج إلى الكعبة. قالوا وسميت بهذا الاسم، لأن دماء ~~الذبائح كانت تمنى عندها، أى تراق وتسكب. والمعنى لقد ذكرنا لكم - أيها ~~المشركون - ما يدل على وحدانيتنا، وكمال قدرتنا، وسمو منزلة نبينا - صلى ~~الله عليه وسلم -.. فأخبرونى بعد ذلك ما شأن هذه الأصنام التى لا تضر ولا ~~تنفع، كاللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى. إنها أشياء فى غاية الحقارة ~~والعجز، فكيف سويتم بينها وبين الخالق - عز وجل - فى العبادة، وكيف أبحتم ~~لأنفسكم ms4819 تعظيمها، وزعمتم أنها بنات الله..؟. فالمقصود بالاستفهام التعجيب ~~من أحوالهم، والتجهيل لعقولهم. ويصح أن تكون الرؤية فى قوله - سبحانه - { ~~أفرأيتم } بصرية، فلا تحتاج إلا لمفعول واحد. أى انظروا بأعينكم ~~إلى تلك الأصنام، التى من أشهرها اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ~~أترونها تملك الدفاع عن نفسها فضلا عن غيرها؟ إنها لا تملك شيئا، فكيف ~~عظمتموها مع حقارتها وعجزها؟ والاستفهام - أيضا - للتهكم بهم، والتعجيب ~~من تفكيرهم السقيم. قال الآلوسى والظاهر أن " الثالثة الأخرى " صفتان ~~لمناة. وهما على ما قيل للتأكيد.. وقال بعض الأجلة الثالثة للتأكيد. و { ~~الأخرى } للذم بأنها متأخرة فى الرتبة، وضيعة المقدار. # . والكلام خطاب لعبدة هذه المذكورات، وقد كانوا مع عبادتهم لها يقولون ~~إن الملائكة - عليهم السلام - وتلك المعبودات الباطلة، بنات الله. - ~~تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فقيل لهم تويبخا وتبكيتا { أفرأيتم ~~اللات والعزى.... } الخ. وقوله - سبحانه - { ألكم الذكر ~~وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى } توبيخ آخر لهم على ~~جهلهم، وبيان لسبب التوبيخ والتهكم.. ولفظ " ضيزى " بمعنى جائرة وظالمة. ~~يقال ضاز فلان فى حكمه، إذا جار وظلم ولم يراع القسط فى أقواله وأفعاله، ~~ويقال ضاز فلان فلانا حقه، إذا بخسه ونقصه.. قال الجمل ما ملخصه قرأ ~~الجمهور { ضيزى } من ضازه يضيزه. إذا جار عليه، فمعنى " ضيزى " جائرة. ~~وعلى هذا فتحتمل وجهين أحدهما أن تكون صفة على " فعلى " ، - بضم الفاء - ~~وإنما كسرت الفاء لتصح الياء كبيض - جمع أبيض -.. وثانيهما أن تكون من ~~ضأزه بالهمز كقراءة ابن كثير، إلا أن الهمزة قد خففت.. ومعنى ضأزه يضأزه ~~نقصه... أى أجعلتم لله - تعالى - البنات، وجعلتم لأنفسكم البنين، مع ~~تفضيلكم للبنين على البنات، ومع اعترافكم بأن الله - تعالى - هو الخالق ~~لكم ولكل شىء. إن فعلكم هذا لهو فى غاية الجور والظلم، لأنكم نسبتم إلى ~~الله - تعالى - وهو خالقكم ما استنكفتم من نسبه لأنفسكم.. فأنت ترى أنه - ~~سبحانه - لم يكتف بوصفهم بالكفر، بل أضاف إلى ذلك وصفهم بالجور والحمق ~~وانطماس البصيرة. وجملة { تلك إذا قسمة ضيزى } تعليل ~~للإنكار والتوبيخ المستفاد من الاستفهام فى قوله { ألكم ms4820 الذكر ~~وله الأنثى }. وقدم - سبحانه - الجار والمجرور فى قوله { ~~ألكم... } لإفادة التخصيص. والإشارة بتلك تعود إلى القسمة المفهومة ~~من قوله { ألكم الذكر وله الأنثى } و { إذا } فى قوله { ~~تلك إذا... } حرف جواب. أى إن كان الأمر كما زعمتم، فقسمتكم إذا ~~قسمة جائرة ظالمة. ثم بين لهم - سبحانه - وجه الحق فى هذه الأصنام فقال { ~~إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ ~~أنزل الله بها من سلطان... }. أى ما هذه الأصنام التى ~~عبدتموها من دون الله، أو توهمتم أنها تشفع لكم عنده - تعالى -. ما هى ~~إلا أسماء محضة، ليس فيها شىء أصلا من صفات الألوهية، وأنتم وآباؤكم ~~سميتموها آلهة من تلقاء أنفسكم، دون أن يكون معكم على هذه التسمية شىء من ~~الحجة أو الدليل أو البرهان.. فالضمير " هى " يعود إلى اللات والعزى ~~ومناة وغيرها من الآلهة الباطلة. والمراد بقوله { أسمآء } أنها ليس ~~لها من الألوهية التى أثبتوها لها سوى اسمها، وأما معناها وحقيقتها فهى ~~أبعد ما تكون عن ذلك.. وجملة " سميتموها " صفة للأسماء، والهاء هى ~~المفعول الثانى، والمفعول الأول محذوف، والتقدير إن هى إلا أسماء ~~سميتموها الأصنام، أى سميتم بها الأصنام. # والمراد بالسلطان الحجة والدليل، والمراد بالإنزال الإخبار بأنها آلهة ~~و " من " مزيدة لتوكيد عدم الإنزال على سبيل القطع والبت.. أى ما أخبر ~~الله - تعالى - عنها بأنها آلهة، بأى لون من ألوان الإخبار، ولا توجد ~~حجة من الحجج حتى ولو كانت واهية تشير إلى ألوهيتها.. ثم يهمل - سبحانه - ~~خطابهم بعد ذلك، ويذرهم فى أوهامهم يعمهون، ويلتفت بالحديث عنهم حتى ~~كأنهم لا وجود لهم، فيقول { إن يتبعون إلا الظن وما ~~تهوى الأنفس... }. أى ما يتبع هؤلاء الجاهلون فى عبادتهم لتلك ~~الآلهة الباطلة، إلا الظنون الكاذبة، وإلا ما تشتهيه أنفسهم الأمارة ~~بالسوء، وتقليد للآباء بدون تفكر أو تدبر.. فالمراد بالظن هنا الظن ~~الباطل الذى يقوم على الاعتقاد الفاسد، كما فى قوله - تعالى - # إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون # والتعريف فى قوله - سبحانه - { وما تهوى الأنفس } عوض عن المضاف ~~إليه. و { ما ms4821 } موصولة والعائد محذوف. أى والذى تهواه أنفسهم التى ~~استحوذ عليها الشيطان.. وجملة { ولقد جآءهم من ربهم ~~الهدى } حالية من فاعل " يتبعون " ، وجىء بها لزيادة التعجب من ~~حالهم. أى هم ما يتبعون إلا الظنون وما تهواه أنفسهم المحجوبة عن الحق، ~~والحال أنه قد جاء إليهم، ووصل إلى مسامعهم من ربهم، ما يهديهم إلى ~~الصواب لو كانوا يعقلون. وأكد - سبحانه - هذه الجملة بلام القسم وقد، ~~لتأكد الخبر، ولزيادة التعجب من أحوالهم التى بلغت الغاية فى الغرابة.. ~~والتعبير بقوله { جآءهم } يشعر بأن الحق قد وصل إليهم بدون عناء منهم، ~~ولكنهم مع ذلك رفضوه وأعرضوا عنه. والتعريف فى لفظ " الهدى " يدل على ~~كماله وسموه. أى. ولقد جاءهم من ربهم الهدى الكامل الذى ينتهى بمن يتبعه ~~إلى الفوز والسعادة. والمراد به ما جاء به النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~من قرآن كريم ومن سنة مطهرة.. ثم بين - سبحانه - أن شهوات النفس ومطالبها ~~وأمنياتها لا تتحقق إلا فى الإطار الذى يريده الله - تعالى - لها، فقال ~~{ أم للإنسان ما تمنى فلله الآخرة والأولى }. ~~والاستفهام هنا - أيضا - للإنكار، ولإبطال اتباعهم للظنون ولما تهوان ~~أنفسهم.. أى إن هؤلاء قد اتبعوا فى ضلالهم وكفرهم الظنون والأوهام، وما ~~تشتهيه قلوبهم من حب للرياسة، ومن تقليد للآباء، ومن تطلع إلى أن هذه ~~الأصنام ستشفع لهم عند الله - تعالى -.. مع أن وقائع الحياة وشواهدها ~~التى يرونها بأعينهم، تدل دلالة واضحة، على أنه ليس كل ما يتمناه ~~الإنسان يدركه، وليس كل ما يريده يتحقق له.. لأن كل شىء فى هذه الحياة ~~مرهون بإرادته ومشيئته - سبحانه - وهو - عز وجل - صاحب الدار الآخرة، ~~وصاحب الدار الأولى وهى دار الدنيا، ولا يقع فيهما إلا ما يريده. # . فالمقصود من الآيتين الكريمتين، نفى ما كان يتمناه أولئك المشركون من ~~شفاعة أصنامهم لهم يوم القيامة، كما حكى عنهم - سبحانه - ذلك فى قوله # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى... # ونفى ما كانت تتطلع إليه نفوس بعضهم، من نزول القرآن عليه، أو من ~~اختصاصه بالنبوة. فقد حكى - سبحانه - عنهم قولهم # .. لولا ms4822 نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # كما أن المقصود بها كذلك، ترويض النفس البشرية على عدم الجرى وراء ~~ظنونها وأهوائها، بل عليها أن تتمسك بالحق، وأن تعتصم بطاعة الله - تعالى ~~- وأن تباشر الأسباب التى شرعها - سبحانه -، ثم بعد ذلك تترك النتائج له ~~يسيرها كيف يشاء، فإن له الآخرة والأولى. وقدم - سبحانه - الجار والمجرور ~~فى قوله { أم للإنسان ما تمنى } لإفادة أن هذا التمنى هو ~~محط الإنكار، وأن الإنسان العاقل هو الذى لا يجرى وراء أمنياته، وإنما ~~هو الذى يسعى إلى تحقيق ما أمره الله - تعالى - به من تكاليف. وقدم - ~~سبحانه - الآخرة على الأولى، لأنها الأهم، إذ نعيمها هو الخالد الباقى، ~~أما شهوات الدنيا وملذاتها، فهى مهما كثرت، زائلة فانية. ثم بين - سبحانه ~~- أن الملائكة مع سمو منزلتهم، وشدة حرصهم على طاعة الله - تعالى -، لا ~~يملكون الشفاعة لأحد إلا بإذنه - عز وجل - فقال { وكم من ملك ~~في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد ~~أن يأذن الله لمن يشآء ويرضى }. و " كم " هنا خبرية ~~بمعنى كثير، وهى فى موضع رفع على الابتداء، وخبرها جملة، " لا تغنى ~~شفاعتهم... " وهى وإن كانت مفردة لفظا، إلا أنها فى معنى الجمع.. أى ~~وكثير من الملائكة المقربين لدينا فى السموات العلا، لا تغنى شفاعتهم ~~عندنا شيئا من الأشياء. إلا من بعد أن يأذن الله - تعالى - لهم فيها، لمن ~~يشاء أن يشفعوا له، ويرضى - سبحانه - عن هذا المشفوع له. فالآية الكريمة ~~من قبيل ضرب المثل للمشركين، الذين توهموا أن أصنامهم ستشفع لهم، وكأنه - ~~سبحانه - يقول لهم إذا كان الملائكة مع سمو منزلتهم عندنا لا يشفعون إلا ~~بإذننا، ولمن نرضى عنه... فكيف وصل بكم الجهل والحمق - أيها المشركون - ~~إلى توهم أن أصنامكم - مع خستها وحقارتها - ستشفع لكم عندنا؟. وقوله { ~~في السماوات } صفة " لملك " والمقصود بهذه الصفى التشريف والتكريم. ~~وقوله { شيئا } التنكير فيه للتقليل والتعميم، وهو فى موقع المفعول ~~المطلق. أى لا تغنى شفاعتهم شيئا من الإغناء حتى ولو كان فى غاية القلة. # . وشبيه بهذه الآية ms4823 قوله - تعالى - # ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له.. # وقوله - سبحانه - # .. ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته ~~مشفقون # وهذه الآيات الكريمة بجانب تيئيسها للكافرين من الحصول على أية شفاعة، ~~لأنهم ليسوا ممن رضى الله عنهم، تدعو المؤمنين إلى مواصلة المحافظة على ~~أداء حقوقه - سبحانه -، لينالوا رضاه عنهم يوم القيامة، وليكونوا أهلا ~~للحصول على الشفاعة التى يبغونها. ثم عادت السورة إلى ذم الكافرين الذين ~~وصفوا الملائكة بصفات لا تليق بهم. فقال - تعالى - { إن الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة } وما فيها من حساب وجزاء وثواب وعقاب... { ~~ليسمون الملائكة تسمية الأنثى } أى ليصفون الملائكة ~~بوصف الإناث فيقولون الملائكة بنات الله كما قال - تعالى - # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون # ولفظ " الملائكة " هنا فى معنى استغراق كل فرد، أى ليسمون كل واحد منهم ~~ويصفونه بصفة الأنوثة. وقوله - سبحانه - { وما لهم به من علم ~~إن يتبعون إلا الظن... } رد عليهم فيما قالوه، وتجهيل لهم ~~فيما زعموه، والجملة حال من ضمير " ليسمون ". أى إنهم ليصفون الملائكة ~~بالأنوثة، والحال أنهم لا علم لهم بتكوين هؤلاء الملائكة، أو بصفتهم.. ~~وإنما يتبعون الظن الباطل فى أقوالهم وأحكامهم. {.. وإن الظن لا ~~يغني من الحق شيئا } أى وإن الظن الباطل، والاعتقاد الخاطىء ~~لا يغنى فى معرفة الحق شيئا، حتى ولو كان هذا الشىء قليلا، لأن العقائد ~~السليمة، لا تبنى على الظنون والأوهام، وإنما تبنى على الحقائق الراسخة ~~والعلوم الثابتة. وأظهر - سبحانه - لفظ الظن هنا، مع تقدم ذكره لتكون ~~الجملة مستقلة بنفسها، ولتكون - أيضا - بمثابة المثل الذى يقال فى الموضع ~~الذى يناسبه. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة، قد وبخت المشركين على ~~شركهم بأسلوب منطقى سليم، حيث ساقت لهم الحقائق فى أسلوب يغلب عليه طابع ~~الموازنة والمقارنة، والاستشهاد بالواقع، ووضع أيديهم على أماكن الدواء، ~~لو كانوا من يريدونه، ويبحثون عنه. وبعد هذا البيان الحكيم الذى يحق ~~الحق، ويبطل الباطل، أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أى ~~يمضى فى طريقه الذى رسمه - سبحانه ms4824 - له، وأن يترك حساب هؤلاء الضالين لله ~~- تعالى - الذى يجازى كل نفس بما كسبت، والذى يعلم السر وأخفى، والذى ~~رحمته وسعت كل شىء.. فقال - تعالى - { فأعرض عن... }. ### || [53.29-32] # والفاء فى قوله { فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم ~~يرد إلا الحياة الدنيا } للإفصاح.. وأصل الإعراض لفت ~~الوجه عن الشىء، لأن الكاره لشىء يعرض بصفحة خده عنه. والمراد به هنا ترك ~~هؤلاء المشركين، وعدم الحرص على إيمانهم، بعد أن وصلتهم دعوة الحق.. أى ~~إذا كان الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - من أن هؤلاء ~~المشركين، ما يتبعون فى عقائدهم إلى الظن الباطل، وإلا ما تشتهيه ~~أنفسهم.. فاترك مجادلتهم ولا تهتم بهم، بعد أن بلغتهم رسالة ربك.. فإنهم ~~قوم قد أصروا على عنادهم. وعلى الإدبار عن وحينا وقرآننا الذى أنزلناه ~~إليك، ولم يريدوا من حياتهم إلا التشبع من زينة الحياة الدنيا، ومن ~~شهواتها ومتعها.. ومن كان كذلك فلن تستطيع أن تهديه، لأنه آثر الغى على ~~الرشد، والضلالة على الهداية. وجىء بالاسم الظاهر فى مقام الإضمار، فقيل ~~{ فأعرض عن من تولى عن ذكرنا } ولم يقل فأعرض عنهم.. ~~لبيان ما تؤذن به صلة الموصول من علة الأمر بالإعراض عنهم، وهى أنهم قوم ~~أعرضوا عن الوحى، ولم يريدوا سوى متع دنياهم، وأما ما يتعلق بالآخرة فهم ~~فى غفلة عنه. وقوله { ذلك مبلغهم من العلم } تسلية له - ~~صلى الله عليه وسلم - عما أصابه منهم، وتحقير لهم ولأفكارهم، وتهوين من ~~شأنهم.. أى ذلك الذى تراه منهم من التولى عن قرآننا، ومن الحرص على عرض ~~الحياة الدنيا، منتهى علمهم، ولا علم سواه.. فاسم الإشارة " ذلك " يعود ~~إلى المفهوم من الكلام السابق وهو توليهم عن القرآن الكريم، وتكالبهم على ~~الحياة الدنيا.. وفى هذه الجملة المعترضة ما فيها من تحقير أمرهم، ومن ~~الازدراء بعملهم الذى أدى بهم إلى إيثار الشر على الخير، والعاجلة على ~~الآجلة. وقوله - سبحانه - { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن ~~سبيله... } تعليل للأمر بالإعراض عنهم، والإهمال لشأنهم، وتسلية ~~أخرى له - صلى الله عليه وسلم -. أى ms4825 امض - أيها الرسول الكريم - فى ~~طريقك، وأعرض عن هؤلاء الجاحدين المعاندين، الذين أصروا على عدم ~~الاستجابة لك، بعد أن سلكت معهم كل وسيلة تهديهم إلى الحق.. إن ربك - ~~أيها الرسول الكريم - هو أعلم بمن أصر من الناس على الضلال، وهو - سبحانه ~~- أعلم بمن شأنه الاهتداء، والاستجابة للحق.. والمراد بالعلم هنا لازمه، ~~أى ما يترتب عليه من ثواب وعقاب، ثواب للمؤمنين، وعقاب للكافرين. وكرر - ~~سبحانه - قوله { هو أعلم } لزيادة التقرير، والمراد بمن ضل من أصر ~~على الضلال، وبمن اهتدى من عنده الاستعداد لقبول الحق والهداية. وقدم - ~~سبحانه - من ضل على من اهتدى هنا، لأن الحديث السابق واللاحق معظمة عن ~~المشركين، الذين عبدوا من دون الله - تعالى - أصناما لا تضر ولا تنفع. # . وضمير الفصل فى قوله - سبحانه - { هو أعلم } لتأكيد هذا العلم، ~~وقصره عليه - سبحانه - قصرا حقيقيا، إذ هو - تعالى - الذى يعلم دخائل ~~النفوس، وغيره لا يعلم. ثم بين - سبحانه - ما يدل على شمول ملكه لكل شىء ~~فقال { ولله ما في السماوات وما في الأرض.. }. أى ولله ~~- تعالى - وحده جميع ما فى السماوات وما فى الأرض خلقا، وملكا، وتصرفا.. ~~واللام فى قوله { ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ~~ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى } متعلقة بمحذوف يدل عليه ~~الكلام السابق. أى فعل ما فعل - سبحانه - من خلقه للسماوات والأرض وما ~~فيهما، ليجزى يوم القيامة، الذين اساءوا فى أعمالهم بما يستحقونه من ~~عقاب، وليجزى الذين أحسنوا فى أعمالهم بما يستحقونه من ثواب. وقوله { ~~بالحسنى } صفة لموصوف محذوف، أى بالمثوبة الحسنى التى هى الجنة. ~~وقوله { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ~~إلا اللمم.. } صفة لقوله { الذين أحسنوا } أو بدل منه. ~~والمراد بكبائر الإثم الآثام الكبيرة، والجرائم الشديدة، التى يعظم ~~العقاب عليها. كقتل النفس بغير حق، وأكل أموال الناس بالباطل.. والفواحش ~~جمع فاحشة، وهى ما قبح من الأقوال والأفعال كالزنا، وشرب الخمر.. وعطفها ~~على كبائر الإثم من باب عطف الخاص على العام، لأنها أخص من الكبائر، ~~وأشد إثما. واللم ما صغر من الذنوب، وأصله ما قل قدره من كل ms4826 شىء يقال ألم ~~فلان بالمكان، إذا قل مكثه فيه. وألم بالطعام إذا قل أكله منه.. وقيل ~~اللمم، مقاربة الذنب دون الوقوع فيه، من قولهم ألم فلان بالشىء، إذا ~~قاربه ولم يخالطه.. وجمهور العلماء على أن الاستثناء هنا منقطع، وأن ~~اللمم هو الذنوب الصغيرة، كالنظرة الخائنة ولكن بدون مداومة، والإكثار ~~من الممازحة.. قال الإمام ابن كثير ما ملخصه " واللمم " صغائر الذنوب، ~~ومحقرات الأعمال، وهذا استثناء منقطع.. قال الإمام أحمد عن ابن عباس - ~~رضى الله عنهما - قال ما رأيت شيئا أشبه باللمم، مما قال أبو هريرة، عن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - قال # " إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين ~~النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهى، والفرج يصدق ذلك أو ~~يكذبه ". # وعن مجاهد أنه قال فى هذه الآية { إلا اللمم } الذى يلم بالذنب ~~ثم يدعه، كما قال الشاعر # إن تغفر اللهم تغفر جما وأى عبد لك ما ألما # ومن العلماء من يرى أن الاستثناء هنا متصل، وأن المراد باللمم ارتكاب ~~شىء من الفواحش، ثم التوبة منها توبة صادقة نصوحا.. فعن الحسن أنه قال ~~اللمم من الزنا أو السرقة أو شرب الخمر، ثم لا يعود. # ... ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب، لأن العلماء قسموا ~~الذنوب إلى كبائر وصغائر، وأن اللمم من النوع الثانى الذى لا يدخل تحت ~~كبائر الإثم والفواحش. قال صاحب الكشاف واللمم ما قل وصغر... والمراد به ~~الصغائر من الذنوب، ولا يخلو قوله - تعالى - { إلا اللمم } من أن ~~يكون استثناء منقطعا.. كأنه قيل كبائر الإثم غير اللمم. وليس المقصود من ~~قوله - تعالى - { إلا اللمم } فتح الباب لارتكاب صغائر الذنوب، ~~وإنما المقصود فتح باب التوبة، والحض على المبادرة بها، حتى لا ييأس ~~مرتكب الصغائر من رحمة الله - تعالى - وحتى لا يمضى قدما في ارتكاب هذه ~~الصغائر، إذ من المعروف أن ارتكاب الصغائر، قد يجر إلى ارتكاب الكبائر. ~~كذلك من المقصود بهذا الاستثناء أن لا يعامل مرتكب الصغائر، معاملة مرتكب ~~الكبائر. هذا، ms4827 وقد أفاض الإمام الألوسى فى الحديث عن الكبائر والصغائر، ~~فقال والاية عند الأكثرين دليل على أن المعاصى منها الكبائر، ومنها ~~الصغائر.. وأنكر جماعة من الأئمة هذا الانقسام، وقالوا سائر المعاصى ~~كبائر. ثم قال واختلف القائلون بالفرق بين الكبائر والصغائر فى حد ~~الكبيرة فقيل هى كل ما لحق صاحبها عليها بخصوصها وعيد شديد، بنص كتاب أو ~~سنة.. وقيل كل جرمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، ورقة الديانة. ~~واعتمد الواحدى أنه لا حد لها يحصرها ويعرفها العباد به، وقد أخفى الله - ~~تعالى - أمرها ليجتهدوا فى اجتناب المنهى عنه، رجاء أن تجتنب الكبائر... ~~وقوله - سبحانه - { إن ربك واسع المغفرة... } تعليل ~~لاستثناء اللمم، وتنبيه على أن إخراجه عن حكم المؤاخذة، ليس لخلوه عن ~~الذنب فى ذاته، بل لسعة رحمة الله ومغفرته. أى إن ربك - أيها الرسول ~~الكريم - واسع المغفرة والرحمة، لعباده الذين وقعوا فيما نهاهم عنه - ~~سبحانه - ثم تابوا إليه توبة صادقة نصوحا. ثم بين - سبحانه - أن هذه ~~الرحمة الواسعة، صادرة عن علم شامل للظواهر والبواطن، فقال { هو ~~أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم ~~أجنة في بطون أمهاتكم... }. والظرف " إذ " متعلق بقوله { ~~أعلم } والأجنة جمع جنين، ويطلق على ما يكون بداخل الأرحام قبل خروجه ~~منها. وسمى بذلك، لأنه يكون مستترا فى داخل الرحم، كما قال - تعالى - # يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق ~~في ظلمات ثلاث.. # أى هو - سبحانه - أعلم بكم من وقت إنشائه إياكم من الأرض، ضمن خلقه ~~لأبيكم آدم، ومن وقت أن كنتم أجنة فى بطون أمهاتكم، يعلم أطواركم فيها، ~~ويرعاكم برحمته، إلى أن تنفصلوا عنها. وقال - سبحانه - { في بطون ~~أمهاتكم } مع أن الجنين لا يكون إلا فى بطن أمه، للتذكير برعايته ~~- تعالى - لهم، وهم فى تلك الأطوار المختلفة من وقت العلوق إلى حين ~~الولادة، وللحض على مداومة شكره وطاعته. # وقوله - تعالى - { فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن ~~اتقى } تحذير من التفاخر بالأعمال والأحساب والأنساب، لأنه - سبحانه ~~- لا يخفى عليه شىء من أحوال الناس، والفاء للتفريع على ما تقدم. ms4828 أى إذا ~~كان الأمر كما ذكرت لكم من عدم مؤاخذتى إياكم على اللمم، فإن ذلك بسبب ~~سعة رحمتى، فلا تمدحوا أنفسكم بأنكم فعلتم كذا وكذا من الأفعال الحسنة، ~~بل اشكرونى على سعة رحمتى ومغفرتى، فإنى أنا العليم بسائر أحوالكم، ~~الخبير بالظواهر والبواطن للأتقياء والأشقياء. قالوا والآية نزلت فى قوم ~~من المؤمنين، كانوا يعملون أعمالا حسنة، ثم يتفاخرون بها. قال صاحب ~~الكشاف قوله { فلا تزكوا أنفسكم... } أى فلا تنسبوها إلى ~~زكاء العمل، وزيادة الخير. وعمل الطاعات، أو إلى الزكاء والطهارة من ~~المعاصى، ولا تثنوا عليها واهضموها فقد علم الله الزكى منكم والتقى أولا ~~وآخرا، قبل أن يخرجكم من صلب آدم، وقبل أن تخرجوا من بطون أمهاتكم. وهذا ~~إذا كان على سبيل الإعجاب أو الرياء، فأما من اعتقد أن ما عمله من العمل ~~الصالح، من الله وبتوفيقه وتأييده. ولم يقصد به التمدح، لم يكن من ~~المزكين لأنفسهم، لأن المسرة بالطاعة طاعة، وذكرها شكر لله - تعالى -. ~~وقال الآلوسى والمراد النهى عن تزكية السمعة أو المدح للدنيا، أو التزكية ~~على سبيل القطع، وأما التزكية لإثبات الحقوق ونحوه - كالإخبار عن أحوال ~~الناس بما يعلم منهم وجربوا فيه من ثقة وعدالة فهى جائزة. وبعد هذا ~~التوجيه الحكيم للنفوس البشرية، والبيان البديع لمظاهر رحمة الله - تعالى ~~- بعباده بعد ذلك أخذت السورة فى الحديث مرة أخرى عن الكافرين. وفى الرد ~~على شبهاتهم، وفى بيان مظاهر قدرته - تعالى - فقال - سبحانه - { ~~أفرأيت الذي تولى.... }. ### || [53.33-62] # ذكر المفسرون روايات فى سبب نزول قوله - تعالى - { أفرأيت الذي ~~تولى وأعطى قليلا وأكدى } منها أنها نزلت فى الوليد بن ~~المغيرة، كان قد سمع قراءة النبى - صلى الله عليه وسلم -، وجلس إليه ~~ووعظه، فهم أن يدخل فى الإسلام. فعاتبه رجل من المشركين، وقال له ~~أتترك ملة آبائك؟ ارجع إلى دينك، واثبت عليه، وأنا أتحمل عنك كل شىء ~~تخافه فى الآخرة، لكن على أن تعطينى كذا وكذا من المال. فوافقه الوليد ~~على ذلك، ورجع عماهم به من الدخول فى الإسلام، وأعطى بعض المال لذلك ~~الرجل، ثم ms4829 أمسك عن الباقى، وبخل به، فأنزل الله - تعالى - هذه الآيات... ~~والاستفهام فى قوله - تعالى - { أفرأيت... } للتعجيب من حال هذا ~~الإنسان، الذى أعرض عن الحق، بعد أن عرف الطريق إليه. أى أفرأيت - أيها ~~الرسول الكريم - حالا أعجب من حال هذا الإنسان الذى تولى عن الهدى، ~~ونبذه وراء ظهره، بعد أن قارب الدخول فيه. { وأعطى قليلا } من ~~العطاء { وأكدى } أى ثم قطع هذا العطاء. قال صاحب الكشاف { ~~وأكدى } أى وقطع عطيته وأمسك، وأصله إكداء الحافر، وهو أن تلقاه ~~كديه، وهى صلابة كالصخر فيمسك عن الحفر... والمراد به هنا ذمه بالبخل ~~والشح، بعد ذمه بالتولى عن الحق. { أعنده علم الغيب فهو ~~يرى } أى أعند هذا الإنسان الذى أعرض عن الرشد، علم الغيوب المستترة ~~عن الأعين والنفوس، فهو وحده يراها، ويطلع عليها ويعلم أن فى إمكان الغير ~~أن يحمل عنه أوزاره وذنوبه يوم القيامة؟. كلا، إنه لا علم عنده بشىء من ~~ذلك، وإنما هو قد ارتد على أعقابه، لانطماس بصيرته. بعد أن قارب الرشد ~~والصواب. فالاستفهام فى قوله { أعنده علم الغيب... } للنفى ~~والإنكار. وقدم - سبحانه - الظرف " عنده " وهو مسند، على " علم الغيب " ~~وهو مسند إليه، لإفادة الاهتمام بهذه العندية التى من أعجب العجب ~~ادعاؤها، وللإشعار بأنه بعيد عنها بعد الأرض عن السماء. والفاء فى قوله ~~{ فهو يرى } للسببية، ومفعول { يرى } محذوف. أى فهو بسبب معرفته ~~للعوالم الغيبية، يبصر رفع العذاب عنه، ويعلم أن غيره سيتكفل بافتدائه من ~~هذا العذاب. ثم وبخه - سبحانه - على جهالته وعدم فهمه فقال { أم لم ~~ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ~~ألا تزر وازرة وزر أخرى... }. و " أم " هنا للإضراب ~~الانتقالى من ذمه على إعراضه وبخله، إلى ذمه على جهله وحمقه، وصحف موسى ~~هى التوراة التى أنزلها - سبحانه - عليه. وصحف إبراهيم هى الصحف التى ~~أوحى الله - تعالى - إليه بما فيها، وقد ذكر سبحانه ذلك فى قوله تعالى # إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى # وخصت صحف هذين النبيين الكريمين بالذكر، لأنها كانت أشهر من غيرها عند ~~العرب، ms4830 وكانوا يسألون أهل الكتاب من اليهود عما خفى عليهم من صحف موسى. ~~وقدم - سبحانه - هنا صحف موسى، لاشتهارها بسعة الأحكام التى اشتملت ~~عليها، بالنسبة لما وصل إليهم من صحف إبراهيم. وأما فى سورة الأعلى فقدمت ~~صحف إبراهيم على صحف موسى لوقوعهما بدلا من الصحف الأولى، وصحف إبراهيم ~~أقدم من صحف موسى، فكان الإتيان بهما على الترتيب الزمنى أنسب بالمقام. ~~وحذف - سبحانه - متعلق " وفى " ليتناول كل ما يجب الوفاء به، كمحافظته ~~على أداء حقوق الله - تعالى -، واجتهاده فى تبليغ الرسالة التى كلفه - ~~سبحانه - بتبليغها، ووقوفه عند الأوامر التى أمره - تعالى - بها، وعند ~~النواهى التى نهاه عنها.. و أن فى قوله - تعالى - { ألا تزر ~~وازرة وزر أخرى } مخففة من الثقيلة. واسمها ضمير الشأن محذوف، ~~والجملة بدل من صحف موسى وإبراهيم. وقوله { تزر } من الوزر بمعنى ~~الحمل.. وقوله { وازرة } صفة لموصوف محذوف. أى نفس وازرة. والمعنى ~~إذا كان هذا الإنسان المتولى عن الحق.. جاهلا بكل ما يجب العلم به من ~~شئون الدين، فهلا سأل العلماء عن صحف موسى وإبراهيم - عليهما السلام - ~~ففيها أنه لا تحمل نفس آئمة حمل أخرى يوم القيامة. قال الآلوسى وقوله { ~~ألا تزر وازرة وزر أخرى } أى أنه لا تحمل نفس من شأنها ~~الحمل، حمل نفس أخرى.. ولا يؤاخذ أحد بذنب غيره. ليتخلص الثانى من عقابه. ~~ولا يقدح فى ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - # " من سن سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة " # فإن ذلك وزر الإضلال الذى هو وزره لا وزر غيره. وقوله تعالى- { وأن ~~ليس للإنسان إلا ما سعى... } معطوف على ما قبله، لبيان ~~عدم إثابة الإنسان بعمل غيره، إثر بيان عدم مؤاخذته بذنب سواه. أى كما ~~أنه لا تحمل نفس آثمة حمل نفس اخرى، فكذلك لا يحصل الإنسان إلا على ~~نتيجة عمله الصالح، لا على نتيجة عمل غيره. فالمراد بالسعى فى الآية. ~~السعى الصالح، والعمل الطيب، لأنه قد جاء فى مقابلة الحديث عن الأوزار ~~والذنوب. وقوله - تعالى - { وأن سعيه سوف يرى ثم ~~يجزاه ms4831 الجزآء الأوفى } بيان لثمرة هذا السعى الصالح يوم ~~القيامة. أى ليس للإنسان إلا ثمرة عمله الصالح بدون زيادة أو نقص، وهذا ~~العمل الصالح سوف يراه مسجلا أمامه فى صحف مكرمة، وفى ميزان حسناته، ثم ~~يجازيه الله - تعالى - عليه الجزاء التام الكامل. الذى لا نقص فيه ولا ~~بخس. وفى رؤية الإنسان لعمله الصالح يوم القيامة، تشريف وتكريم له، كما ~~قال - تعالى - # يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين ~~أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز ~~العظيم # هذا، وقد توسع العلماء فى الجمع بين قوله - تعالى - { وأن ليس ~~للإنسان إلا ما سعى } وبين النصوص التى تفيد أن الإنسان قد ~~ينتفع بعمل غيره، وهذه خلاصة لأقوالهم قال الإمام ابن كثير ومن هذه ~~الآية استنبط الشافعى ومن اتبعه، أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى ~~الموتى. لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، ولهذا لم يندب إليه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أمته، ولا حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا ~~إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، وباب ~~القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء. ~~فأما الدعاء والصدقة، فذاك مجمع على وصولهما، ومنصوص من الشارع عليهما. ~~وأما الحديث الذى رواه مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة قال قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - # " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث ولد صالح يدعو له، أو صدقة ~~جارية من بعده، أو علم ينتفع به ". # فهذه الثلاثة فى الحقيقة. هى من سعيه وكده وعمله. وقال الجمل فى حاشيته ~~على الجلالين واستشكل الحصر فى هذه الآية { وأن ليس للإنسان ~~إلا ما سعى } بقوله - تعالى - فى آية أخرى # والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ~~ألحقنا بهم ذريتهم ومآ ألتناهم من عملهم ~~من شيء... # وبالأحاديث الواردة فى ذلك كحديث # " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث... ". # وأجيب بأنها مخصوصة بقوم إبراهيم وموسى، لأنها حكاية لما فى صحفهم، وأما ms4832 ~~هذه الأمة فلها ما سعت هى، وما سعى لها غيرها، لما صح من أن لكل نبى ~~وصالح شفاعة. وهو انتفاع بعمل الغير، ومن تأمل النصوص وجد من انتفاع ~~الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى، فلا يجوز أن تؤول الآية على خلاف ~~الكتاب والسنة واجتماع الأمة، وحينئذ فالظاهر أن الآية عامة، قد خصصت ~~بأمور كثيرة.. ثم قال الشيخ الجمل - رحمه الله - وقال الشيخ تقى الدين ~~أبو العباس أحمد بن تيمية من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله. فقد ~~خرق الإجماع. وذلك باطل من وجوه كثيرة أحدها أن الإنسان ينتفع بدعاء ~~غيره. وهو انتفاع بعمل الغير. ثانيها أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~يشفع لأهل الموقف فى الحساب ثم لأهل الجنة فى دخولها. ثالثها أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - يشفع لأهل الكبائر فى الخروج من النار، وهذا انتفاع ~~بسعى الغير. # رابعها أن الملائكة يستغفرون ويدعون لمن فى الأرض، وذلك منفعة بعمل ~~الغير. خامسها أن الله - تعالى - يخرج من النار من لم يعمل خيرا قط - أى ~~من المؤمنين - بمحض رحمته، وهذا انتفاع بغير عملهم. سادسها أن أولاد ~~المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم، وذلك انتفاع بمحض عمل الغير. سابعها ~~قال الله - تعالى - فى قصة الغلامين اليتيمين # وكان أبوهما صالحا # فانتفعا بصلاح أبيهما، وليس من سعيهما. ثامنها أن الميت ينتفع بالصدقة ~~عنه، وبالعتق، بنص السنة والإجماع، وهو من عمل الغير. تاسعها أن الحج ~~المفروض يسقط عن الميت، بحج وليه بنص السنة، وهو انتفاع بعمل الغير. ~~عاشرها أن الحج المنذور أو الصوم المنذور، يسقط عن الميت بعمل غيره، وهو ~~انتفاع بعمل الغير. حادى عشر المدين قد امتنع - صلى الله عليه وسلم - من ~~الصلاة عليه حتى قضى دينه أبو قتادة، وقضى دين الآخر على بن أبى طالب، ~~وانتفع بصلاة النبى - صلى الله عليه وسلم - وهو من عمل الغير. ثانى عشر ~~أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال لمن صلى وحده # " ألا رجل يتصدق على هذا فيصلى معه " # فقد حصل له فضل الجماعة بفعل الغير. ms4833 ثالث عشر أن الإنسان تبرأ ذمته من ~~ديون الغير، إذا قضاها عنه قاض، وذلك انتفاع بعمل الغير. رابع عشر أن من ~~عليه تبعات ومظالم، إذا حلل منها سقطت عنه، وهذا انتفاع بعمل الغير. خامس ~~عشر أن الجار الصالح ينفع فى المحيا وفى الممات - كما جاء فى الأثر - ~~وهذا انتفاع بعمل الغير. سادس عشر أن جليس أهل الذكر يرحم بهم، وهو لم ~~يكن معهم، ولم يجلس لذلك بل لحاجة عرضت له، والأعمال بالنيات، فقد انتفع ~~بعمل غيره. سابع عشر الصلاة على الميت، والدعاء له فى الصلاة، انتفاع ~~للميت بصلاة الحى عليه وهو عمل غيره. ثامن عشر أن الجمعة تحصل باجتماع ~~العدد، وكذا الجماعة بكثرة العدد وهو انتفاع للبعض بالبعض. تاسع عشر أن ~~الله - تعالى - قال لنبيه # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم # وقال - تعالى - # ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات.. # فقد رفع الله - تعالى - العذاب عن بعض الناس بسبب بعض، وذلك انتفاع بعمل ~~الغير. تمام العشرين أن صدقة الفطر تجب على الصغير وغيره ممن يمونه ~~الرجل، فإنه ينتفع بذلك من يخرج عنه، ولا سعى له فيها. ثم قال - رحمه ~~الله - ومن تأمل العلم وجد انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد ~~يحصى، فكيف يجوز أن تتأول الآية الكريمة، على خلاف صريح الكتاب والسنة، ~~وإجماع الأمة... والخلاصة أن الآية الكريمة فقد تكون من قبيل العام الذى ~~قد خص بأمور كثيرة. # كما سبق أن أشرنا، وقد تكون مخصوصة بقوم إبراهيم وموسى - عليهما السلام ~~-، لأنها حكاية عما فى صحفهما، أما الأمة الإسلامية فلها سعيها، ولها ما ~~سعى لها به غيرها، وهذا من فضل الله ورحمته بهذه الأمة. وقد قال بعض ~~الصالحين فى معنى هذه الآية ليس للإنسان إلا ما سعى عدلا، ولله - تعالى ~~- أن يجزيه بالحسنة ألفا فضلا. ولهذه المسألة تفاصيل أخرى فى كتب الفقه، ~~فليرجع إليها من شاء. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من مظاهر قدرته ~~ورحمته، فقال - تعالى - { وأن إلى ربك المنتهى }. أى وأن ~~إلى ربك وحده - لا إلى غيره - انتهاء ms4834 الخلق ومرجعهم ومصيرهم فيجازى الذين ~~أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. فقوله { المنتهى } ~~مصدر بمعنى الانتهاء، والمراد بذلك مرجعهم إليه - تعالى - وحده، { ~~وأنه هو أضحك وأبكى } أى وأنه - سبحانه - هو الذى أوجد ~~فى هذا الكون ما يؤدى إلى ضحك الإنسان وسروره تارة، وما يؤدى إلى حزنه ~~وبكائه تارة أخرى، فبسبب ما يحيط بالإنسان من مؤثرات ومن مشاعر مختلفة ~~تارة يضحك وتارة يبكى. وما أكثر هذه المؤثرات والأحوال والاعتبارات ~~والدوافع.. فى حياة الإنسان. فالآية الكريمة انتقال من وجوب الاعتبار ~~بأحوال الآخرة إلى وجوب الاعتبار بأحوال الإنسان، وبما يحيط به من ~~مؤثرات تارة تضحكه وتارة تبكيه. وأسند - سبحانه - الفعلين إليه لأنه هو ~~خالقهما، وهو الموجد لأسبابهما. وحذف - سبحانه - المفعول به لهما، لأنهما ~~هما المقصودان بالذات، لدلالتهما على كمال قدرته - تعالى - أى وأنه وحده ~~- عز وجل - هو الذى أوجد فى الإنسان الضحك والبكاء، فالفعلان منزلان ~~منزلة الفعل اللازم. وقدم - سبحانه - الضحك على البكاء، للإشعار بمزيد ~~فضله ومنته على عباده. وقوله { وأنه هو أمات وأحيا } أى ~~وأنه - تعالى - بقدرته وحدها، هو الذى أحيا من يريد إحياءه من مخلوقاته، ~~وأمات من يريد إماتته منهم. وهذا رد على أولئك الجاهلين الذين أنكروا ~~ذلك، وقالوا - كما حكى القرآن عنهم - # ... ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما ~~يهلكنآ إلا الدهر.. # وقوله - سبحانه - { وأنه خلق الزوجين الذكر ~~والأنثى من نطفة إذا تمنى }. وأصل النطفة الماء الصافى، ~~أو القليل من الماء الذى يبقى فى الدلو أو القربة، وجمعها نطف ونطاف، ~~يقال نطفت القربة، أذا تقاطر ماؤها بقلة. وقوله { تمنى } أى تتدفق فى ~~رحم المرأة، يقال أمنى الرجل ومنى إذا خرج منه المنى. أى وأنه - ~~تعالى - وحده، هو الذى خلق الزوجين الكائنين من الذكر والأنثى، من نطفة ~~تتدفق من الرجل إلى رحم الأنثى، فتلتقى ببويضة الأنثى، فيكون منهما ~~الإنسان - بإذن الله -. # كما قال - تعالى - # أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من ~~مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل ~~منه الزوجين الذكر والأنثى أليس ذلك بقادر ~~على ms4835 أن يحيي الموتى # وقوله - سبحانه - { وأن عليه النشأة الأخرى } أى وأن ~~عليه وحده - سبحانه - الإحياء بعد الإماتة، والإعادة إلى الحياة مرة ~~أخرى يوم البعث والنشور. والنشأة هى المرة من الإنشاء، أى الإيجاد ~~والتكوين والحلق، والأخرى مؤنث الأخير، والمراد أنه - سبحانه - يوجد ~~النشأة التى لا نشأة بعدها. وقوله { وأنه هو أغنى وأقنى ~~} أى وأنه - سبحانه - هو الذى أغنى الناس بالأموال الكثيرة المؤثلة، التى ~~يقتنيها الناس ويحتفظون بها لأنفسهم ولمن بعدهم. فقوله { أقنى } من ~~القنية بمعنى الادخار للشىء، والمحافظة عليه. قال الآلوسى قوله { ~~وأنه هو أغنى وأقنى } أى وأعطى القنية وهو ما يبقى ~~ويدوم من الأموال، ببقاء نفسه، كالرياض والحيوان والبناء. وأفرد - سبحانه ~~- ذلك بالذكر مع دخوله فى { أغنى } لأن القنية أنفس الأموال ~~وأشرفها.. وإنما لم يذكر المفعول، لأن القصد إلى الفعل نفسه... وقوله { ~~وأنه هو رب الشعرى } أى وأنه - سبحانه - هو رب ذلك الكوكب ~~المضىء، الذى يطلع بعد الجوزاء فى شدة الحر، ويسمى الشعرى اليمانية. وخص ~~هذا النجم بالذكر، مع أنه - تعالى - هو رب كل شىء لأن بعض العرب كانوا ~~يعبدون هذا الكوكب، فأخبرهم - سبحانه - بأن هذا الكوكب مربوب له - تعالى ~~- وليس ربا كما يزعمون. قال القرطبى واختلف فيمن كان يعبده فقال السدى ~~كانت تعبده حمير وخزاعة. وقال غيره أول من عبده رجل يقال له أبو كبشة، ~~أحد أجداد النبى - صلى الله عليه وسلم - من جهة أمهاته، ولذلك كان مشركو ~~قريش يسمون النبى - صلى الله عليه وسلم - ابن أبى كبشة. حين دعاهم إلى ما ~~يخالف دينهم... وبعد هذه الجولة فى الأنفس والآفاق، ساقت السورة جانبا من ~~مصارع الغابرين، فقال - تعالى - { وأنه أهلك عادا الأولى ~~وثمود فمآ أبقى وقوم نوح من قبل إنهم كانوا ~~هم أظلم وأطغى والمؤتفكة أهوى }. أى وأنه - تعالى ~~- هو الذى أهلك بقدرته قبيلة عاد الأولى، وهم قوم هود - عليه السلام -. ~~وسميت قبيلة عاد بالأولى، لتقدمها فى الزمان على قبيلة عاد الثانية، التى ~~هى قوم صالح - عليه السلام -، وتسمى - أيضا - بثمود. وقوله { وثمود } ~~معطوف على عاد. أى وأنه أهلك ms4836 - أيضا - قبيلة ثمود، دون أن يبقى منهم ~~أحدا. وهلاك هاتين القبيلتين قد جاء فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى - # كذبت ثمود وعاد بالقارعة فأما ثمود ~~فأهلكوا بالطاغية وأما عاد فأهلكوا بريح ~~صرصر عاتية # وقوله { وقوم نوح من قبل... } أى وأهلك - أيضا - قوم نوح من ~~قبل إهلاكه لعاد وثمود.. { إنهم كانوا } أى قوم نوح { هم ~~أظلم وأطغى } أى هم كانوا أشد فى الظلم والطغيان من عاد وثمود، ~~فقد آذوا نوحا - عليه السلام - أذى شديدا، استمر صابرا عليه زمنا طويلا. ~~وكان هلاكهم بالطوفان، كما قال - تعالى - # فأخذهم الطوفان وهم ظالمون # وقدم قبيلتى عاد وثمود فى الذكر على قوم نوح - مع أن قوم نوح أسبق - لأن ~~هاتين القبيلتين كانتا مشهورتين عند العرب أكثر، وديارهم معروفة لهم. ~~والمراد بالمؤتفكات قوم لوط - عليه السلام -، وسموا بذلك لأن قريتهم ~~ائتفكت بأهلها، أى انقلبت راسا على عقب. يقال أفكه عن كذا يأفكه ~~إذا قلبه وصرفه. ومنه الإفك، لأنه قلب للحق عن وجهه الصحيح. أى وأهلك - ~~سبحانه - القرى المؤتفكة بأهلها، بأن أهوى بها جبريل - عليه السلام - إلى ~~الأرض بعد أن رفعها إلى السماء { فغشاها ما غشى } أى فأصابها ~~ما أصابها من العذاب المهين، والدمار الشامل، كما قال - تعالى - # جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة ~~من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من ~~الظالمين ببعيد # ويجوز أن يكون الضمير فى { فغشاها } يعود إلى جميع الأمم المذكورة، ~~وأبهم - سبحانه - ما غشيهم من عذاب، للتهويل والتعميم. وقوله - سبحانه - ~~{ فبأي آلاء ربك تتمارى } تذكير بنعم الله - تعالى - بعد ~~التحذير من نقمة. أى فبأى نعمة من نعم الله - تعالى - تتشكك أيها ~~الإنسان. والآلاء جمع إلى، وأى اسم استفهام المقصود به التذكير بهذه ~~النعم. وسمى - سبحانه - ما مر فى آيات السور نعما، مع أن فيها النعم ~~والنقم، لأن فى النقم عظات للمتعظين، وعبرا للمعتبرين، فهى نعم بهذا ~~الاعتبار. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذا الانذار الشديد، فقال - ~~تعالى - { هذا نذير من النذر الأولى } والنذير بمعنى ~~المنذر، وهو من يخبر غيره بخبر فيه مضرة ms4837 به، لكى يحذره. أى هذا الرسول ~~الكريم، وما جاء به من قرآن حكيم، نذير لكم - أيها الناس - من جنس ~~الإنذارات الأولى. التى أتى بها الأنبياء السابقون لأممهم فاحذروا ~~مخالفة رسولنا - صلى الله عليه وسلم - لأن مخالفته تؤدى إلى هلاككم ~~وخسرانكم. فقوله - تعالى - { من النذر } على حذف مضاف، أى من جنس ~~النذر التى سبقت.. { أزفت الآزفة } أى قربت الساعة، ودنت القيامة، ~~يقال أزف السفر - كفرح - أزفا، إذا دنا وقرب، وأل فى الآزفة للعهد، ~~وهى علم بالغلبة على الساعة. { ليس لها } أى الساعة { من دون ~~الله كاشفة } أى ليس لها أحد سوى الله - تعالى - يستطيع الإخبار ~~عنها، والكشف عن علاماتها، والعلم بوقتها وبوقوعها. # والاستفهام فى قوله - تعالى - { أفمن هذا الحديث ~~تعجبون } للإنكار والتوبيخ. أى أفمن هذا القرآن وما اشتمل عليه من ~~هدايات وتشريعات.. تتعجبون، وتنكرون كونه من عند الله - تعالى -. { ~~وتضحكون ولا تبكون } أى وتضحكون ضحك استهزاء وتهكم منه وممن ~~جاء به - صلى الله عليه وسلم - ولا تبكون خشية من الله - تعالى -، ومن ~~سماع ما اشتمل عليه هذا القرآن من وعد ووعيد. { وأنتم سامدون } ~~أى وأنتم لاهون معرضون، يقال سمد يسمد كدخل - إذ اشتغل باللهو ~~والإعراض عن الرشد. أو المعنى وأنتم رافعون رءوسكم تكبرا يقال سمد ~~سمودا، إذا رفع رأسه تكبرا وغرورا، وكل متكبر فهو سامد، ومنه قولهم بعير ~~سامد فى سيره إذا رفع رأسه متبخترا فى مشيته. وقيل السمود الغناء بلغة ~~حمير، ومنه قوله بعضهم لجاريته اسمدى لنا، أى غنى لنا. أى وأنتم سادرون ~~فى غنائكم ولهوكم، دون أن تكترثوا بزواجر القرآن الكريم. وقوله - سبحانه ~~- { فاسجدوا لله واعبدوا } إرشاد لهم إلى ما يجب عليهم، ~~ونهى لهم عن الكفر والضلال. فالفاء فى قوله - تعالى - { فاسجدوا } ~~لترتيب الأمر بالسجود، على الإنذار بالعذاب الشديد إذا ما استمروا فى ~~كفرهم ولهوهم. والمراد بالسجود الخضوع لله - تعالى - وإخلاص العبادة له، ~~ويندرج فيه سجود الصلاة، وسجود التلاوة. أى اتركوا ما أنتم عليه من كفر ~~وضلال. وخصوا الله - تعالى - بالخضوع الكامل، وبالعبادة التامة، التى لا ~~شرك فيها لأحد ms4838 معه - سبحانه -. قال الآلوسى وهذه آية سجدة عند أكثر أهل ~~العلم، وقد سجد النبى - صلى الله عليه وسلم - عندها. أخرج الشيخان، وأبو ~~داود، والنسائى عن ابن مسعود قال # " أول سورة أنزلت فيها سجدة سورة " النجم " فسجد الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - وسجد الناس كلهم إلا رجلا ". # هذا، وقد ذكر بعض الفسرين قصة الغرانيق. وملخصها أن الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - قرأ سورة النجم، فلما بلغ قوله - تعالى - # أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة ~~الأخرى # ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى. وقد قال ~~الإمام ابن كثير عند حديثه عن هذه القصة إنها من روايات وطرق كلها ~~مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح. وقد ذكرنا عند تفسيرنا لقوله - تعالى ~~- # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا ~~إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ ~~الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته ~~والله عليم حكيم # ذكرنا ما يدل على بطلان هذه القصة من جهة النقل ومن جهة العقل... وبعد. ~~فهذا تفسير لسورة " النجم " نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ~~ونافعا لعباده. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.. ### | [54 - سورة القمر] ### || [54.1-8] # افتتحت السورة الكريمة بهذا الافتتاح الذى يبعث فى النفوس الرهبة ~~والخشية، فهو يخبر عن قرب انقضاء الدنيا وزوالها. إذ قوله - تعالى - { ~~اقتربت الساعة } أى قرب وقت حلول الساعة، ودنا زمان قيامها. ~~والساعة فى الأصل اسم لمدار قليل من الزمان غير معين، وتحديدها بزمن معين ~~اصطلاح عرفى، وتطلق فى عرف الشرع على يوم القيامة. وأطلق على يوم القيامة ~~يوم الساعة، لوقوعه بغتة، أو لسرعة ما فيه من الحساب، أو لأنه على طوله ~~قدر يسير عند الله - تعالى -. وقد وردت أحاديث كثيرة، تصرح بأن ما مضى من ~~الدنيا كثير بالنسبة لما بقى منها، ومن هذه الاحاديث ما رواه البزار عن ~~أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " خطب أصحابه ذات يوم، وقد كادت الشمس أن تغرب.. فقال " والذي نفسى بيده ~~ما بقى من ms4839 الدنيا فيما مضى منها، إلا كما بقى من يومكم هذا فيما مضى منه ~~". # وروى الشيخان عن سهل بن سعد قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول # " بعثت أنا والساعة هكذا " # وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى... وشبيه بهذا الافتتاح قوله - تعالى - ~~فى مطلع سورة الأنبياء # اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون # وقوله - سبحانه - فى افتتاح سورة النحل # أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى ~~عما يشركون # والمقصود من هذا الافتتاح المتحدث عن قرب يوم القيامة، تذكير الناس ~~بأهوال هذا اليوم، وحضهم على حسن الاستعداد لاستقباله عن طريق الإيمان ~~والعمل الصالح. وقوله - تعالى - { وانشق القمر } معطوف على ما ~~قبله عطف جملة على جملة. وقوله { وانشق } من الانشقاق بمعنى الافتراق ~~والانفصال. أى اقترب وقت قيام الساعة، وانفصل وانفلق القمر بعضه عن بعض ~~فلقتين، معجزة للنبى - صلى الله عليه وسلم -، وكان ذلك بمكة قبل هجرته - ~~صلى الله عليه وسلم - بنحو خمس سنين، وقد رأى هذا الانشقاق كثير من ~~الناس.. وقد ذكر المفسرون كثيرا من الأحاديث فى هذا الشأن، وقد بلغت ~~الأحاديث مبلغ التواتر المعنوى.. قال الإمام ابن كثير وهذا أمر متفق ~~عليه بين العلماء - أى انشقاق القمر-، فقد وقع فى زمان النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات. ثم ذكر - رحمه الله - جملة ~~من الأحاديث التى وردت فى ذلك، ومنها ما رواه الشيخان عن أنس بن مالك قال ~~سأل أهل مكة النبى - صلى الله عليه وسلم - آية، فانشق القمر بمكة مرتين، ~~فقال { اقتربت الساعة وانشق القمر }. وأخرج الإمام ~~أحمد عن جبير بن مطعم عن أبيه قال انشق القمر على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فصار فلقتين فلقة على هذا الجبل وفلقة على هذا الجبل. # فقالوا سحرنا محمد، فقالوا إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس ~~كلهم. وروى الشيخان عن ابن مسعود قال انشق القمر على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - شقتين، حتى نظروا إليه، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - " اشهدوا ". وقال ms4840 الآلوسى بعد أن ذكر عددا من الأحاديث فى هذا ~~الشأن والأحاديث الصحيحة فى الانشقاق كثيرة، واختلف فى تواتره، فقيل هو ~~غير متواتر وفى شرح المواقف أنه متواتر. وهو الذى اختاره العلامة السبكى، ~~فقد قال الصحيح عندى أن انشقاق القمر متواتر، منصوص عليه فى القرآن، مروى ~~فى الصحيحين وغيرهما من طرق شتى، لا يمترى فى تواتره. وقد جاءت أحاديثه ~~فى روايات صحيحة، عن جماعة من الصحابة، منهم عل بن أبى طالب، وأنس، وابن ~~مسعود.. ثم قال - رحمه الله - بعد أن ذكر شبهات المنكرين لحادث الانشقاق ~~والحاصل أنه ليس عند المنكر سوى الاستبعاد، ولا يستطيع أن يأتى بدليل على ~~الاستحالة الذاتية ولو انشق، والاستبعاد فى مثل هذه المقامات قريب من ~~الجنون. عند من له عقل سليم. ثم بين - سبحانه - موقف هؤلاء المشركين من ~~معجزاته - صلى الله عليه وسلم - فقال { وإن يروا آية يعرضوا ~~ويقولوا سحر مستمر }. أى وإن يرى هؤلاء المشركون آية ~~ومعجزة تدل على صدقك - أيها الرسول الكريم - يعرضوا عنها جحودا وعنادا. ~~ويقولوا - على سبيل التكذيب لك - ما هذا الذى أتيتنا به يا محمد إلا سحر ~~مستمر، أى سحر دائم نعرفه عنك، وليس جديدا علينا منك. قال صاحب الكشاف { ~~مستمر } أى دائم مطرد، وكل شىء قد انقادت طريقته، ودامت حاله، قيل ~~فيه قد استمر، لأنهم لما رأوا تتابع المعجزات، وترادف الآيات. قالوا " ~~هذا سحر مستمر ". وقيل مستمر، أى قوى محكم - من المرة بمعنى القوة -، ~~وقيل هو من استمر الشىء إذا اشتدت مرارته، أى مستبشع عندنا مر على ~~لهواتنا، لا نقدر أن نسيغه كما لا يساغ الشىء المر. وقيل مستمر، أى ~~مار ذاهب زائل عما قريب - من قولهم مر الشىء واستمر إذا ذهب. ثم أخبر ~~- سبحانه - عن حالهم فى الماضى، بعد بيان حالهم فى المستقبل، فقال - ~~تعالى - { وكذبوا واتبعوا أهوآءهم وكل أمر ~~مستقر }. أى أن هؤلاء الجاحدين جمعوا كل الرذائل، فهم إن يروا ~~معجزة تشهد لك بالصدق - أيها الرسول الكريم - يعرضوا عنها، ويصفوها بأنها ~~سحر، وهم فى ماضيهم كذبوا دعوتك، واتبعوا أهواءهم ms4841 الفاسدة، ونفوسهم ~~الأمارة بالسوء. # وجملة { وكل أمر مستقر } معترضة، وهى جارية مجرى المثل، ~~أى وكل أمر لا بد وأن يستقر إلى غاية، وينتهى إلى نهاية، وكذلك أمر هؤلاء ~~الظالمين، سينتهى إلى الخسران، وأمر المؤمنين سينتهى إلى الفلاح. وفى هذا ~~الاعتراض تسلية وتبشير للنبى - صلى الله عليه وسلم - ولأصحابه بحسن ~~العاقبة، وتيئيس وإقناط لأولئك المشركين من زوال أمر النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - كما كانوا يتمنون ويتوهمون. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون # ثم بين - سبحانه - أنهم قوم لا تتأثر قلوبهم بالمواعظ والنذر، فقال { ~~ولقد جآءهم من الأنبآء ما فيه مزدجر حكمة ~~بالغة فما تغن النذر }. والأنباء جمع نبأ وهو الخبر المشتمل ~~على أمور هامة، من شأنها أن يتأثر بها السامع. ومزدجر مصدر ميمى، وأصله ~~مزتجر. فأبدلت تاء الافتعال دالا، وأصله من الزجر. بمعنى المنع ~~والانتهار. أى ولقد جاء لهؤلاء المشركين فى لقرآن الكريم، من الأنباء ~~الهامة، ومن أخبار الأمم البائدة، ما فيه ازدجار وانتهار لهم عن الارتكاس ~~فى القبائح وعن الإصرار على الفسوق والكفر والعصيان. و " ما " فى قوله - ~~سبحانه - { ما فيه مزدجر } موصولة، وهى فاعل قوله { جآءهم } ، ~~وقوله { من الأنبآء } فى موضع الحال منها.. وقوله - تعالى - { ~~حكمة بالغة } بدل من " ما " أو خبر لمبتدأ محذوف. والحكمة العلم ~~النافع الذى يترتب عليه تحرى الصواب فى القول والفعل. أى هذا الذى جاءهم ~~من أنباء الماضين، ومن أخبار السابقين فيه ما فيه عن الحكم البليغة، ~~والعظات الواضحة التى لا خلل فيها ولا اضطراب. و " ما " فى قوله { فما ~~تغن النذر } نافية، والنذر جمع نذير بمعنى منذر. أى لقد جاء ~~إلى هؤلاء المشركين من الأخبار ومن الحكم البليغة ما يزجرهم عن ارتكاب ~~الشرور، وما فيه إنذار لهم بسوء العاقبة إذا ما استمروا فى غيهم، ولكن كل ~~ذلك لا غناء فيه، ولا نفع من ورائه لهؤلاء الجاحدين المعاندين الذين عمو ~~وصموا.. ويصح أن تكون " ما " هنا، للاستفهام الإنكارى. أى ما الذى تغنيه ~~النذر بالنسبة لهؤلاء المصرين على الكفر؟ إنها لا ms4842 تغنى شيئا ما داموا لم ~~يفتحوا قلوبهم للحق والفاء فى قوله - تعالى - { فتول عنهم ~~يوم يدع الداع إلى شيء نكر } للتفريع على ما تقدم، ~~وهى تفيد السببية. وقوله { يوم يدع الداع } ظرف لقوله { ~~يخرجون من الأجداث } والداع هو إسرافيل - عليه السلام - الذى ~~ينفخ فى الصور بأمر الله - تعالى -. والمراد بالنكر الأمر الفظيع الهائل، ~~الذى لم تألفه النفوس، ولم تر له مثيلا فى الشدة. أى إذا كان هذا حالهم ~~من عدم إغناء النذر فيهم، فتول عنهم - أيها الرسول الكريم -، ولا تبال ~~بهم، واتركهم فى طغيانهم يعمهون، وانتظر عليهم إلى اليوم الذى يدعوهم فيه ~~الداعى، إلى أمر فظيع عظيم، تنكره النفوس، لعدم عهدهم بمثله، وهو يوم ~~البعث والنشور. # قال الجمل وقوله { يوم يدع الداع } منصوب إما باذكر مضمرا.. ~~وإما بيخرجون.. وحذفت الواو من " يدع " لفظا لالتقاء الساكنين، ورسما ~~تبعا للفظ، وحذفت الياء من { الداع } للتخفيف.. والداع هو إسرافيل... ~~وقوله { خشعا أبصارهم } حال من الفاعل فى قوله { ~~يخرجون... } أى ذليلة أبصارهم بحيث تنظر إلى ما أمامها من أهوال ~~نظرة البائس الذليل، الذى لا يستطيع أن يحقق نظره فيما ينظر إليه. قال ~~القرطبى الخشوع فى البصر الخضوع والذلة. وأضاف - سبحانه - الخشوع إلى ~~الأبصار، لأن أثر العز والذل يتبين فى ناظر الإنسان. قال - تعالى - # أبصارها خاشعة # وقال - تعالى - # وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون ~~من طرف خفي... # ويقال خشع واختشع إذا ذل. وخشع ببصره إذا غضه.. وقرأ حمزة والكسائى ~~خاشعا أبصارهم.. وقوله { يخرجون من الأجداث كأنهم ~~جراد منتشر } أى يخرجون من القبور، وعيونهم ذليلة من شدة الهول، ~~وأجسادهم تملأ الآفاق، حتى لكأنهم جراد منتشر، قد سد الجهات. واستتر بعضه ~~ببعض. فالمقصود بالجملة الكريمة تشبيههم بالجراد فى الكثرة والتموج، ~~والاكتظاظ والانتشار فى الأقطار وهم يسرعون الخطا نحو أرض المحشر. وقوله ~~{ مهطعين إلى الداع } أى مسرعين نحوه، وقد مدوا أعناقهم إلى ~~الإمام، مأخوذ من الإهطاع، وهو الإسراع فى المشى مع مد العنق إلى ~~الإمام. يقال أهطع فلان فى جريه، إذا أسرع فيه من الخوف، فهو مهطع. ms4843 { ~~يقول الكافرون } وقد رأوا من أهوال يوم القيامة ما يدهشهم { ~~هذا يوم عسر } أى يقولون هذا يوم صعب شديد، بسبب ما يعانون من ~~أهواله ويتوقعون فيه من سوء العاقبة. والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة، ~~يراها قد وصفت أحوال الكافرين فى هذا اليوم، وصفا تقشعر من هوله ~~الأبدان.. فهم أذلاء ضعفاء ينظرون إلى ما يحيط بهم نظرة الخائف المفتضح، ~~وهم فى حالة خروجهم من قبورهم كأنهم الجراد المنتشر، فى الكثرة والتموج ~~والاضطراب، وهم يسرعون نحو الداعى بذعر دون أن يلووا على شىء، ودون أن ~~يكون فى إمكانهم المخالفة أو التأخر عن دعوته. ثم هم بعد ذلك يقولون على ~~سبيل التحسر والتفجع هذا يوم شديد الصعوبة والعسر. ثم عرضت السورة بعد ~~ذلك جانبا من مصارع الغابرين، لعل فى هذا العرض ما يروعهم عن الكفر ~~والجحود، وما يحملهم على انتهاج طريق الحق والهدى، فقال - تعالى - { ~~كذبت قبلهم... }. ### || [54.9-17] # وقصة نوح - عليه السلام - مع قومه، قد وردت بصورة أكثر تفصيلا فى سورة ~~أخرى. كسورة هود، والمؤمنون، ونوح، والأعراف. ولكنها جاءت هنا - كغيرها ~~من القصص - بصورة حاسمة قاصمة، تزلزل النفوس، وتفتح العيون على مصارع ~~الغابرين، لكى يعتبر الكافرون، وينتهوا عن كفرهم. قال الآلوسى قوله { ~~كذبت قبلهم قوم نوح... } شروع فى تعداد بعض ما ذكر من ~~الأنباء الموجبة للانزجار، ونوع تفصيل لها، وبيان لعدم تأثرهم بها، ~~تقريرا لفحوى قوله # فما تغن النذر # والفعل " كذبت " منزل منزلة اللازم. أى فعل التكذيب قبل قومك قوم ~~نوح... وفى هذه الجملة الكريمة تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأن ~~المصيبة إذا عمت خفت، وشبيه بهذه الآية قوله - سبحانه - # وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك... # وأسند - سبحانه - التكذيب إلى جميع قوم نوح - عليه السلام -. لأن الذين ~~آمنوا به منهم عدد قليل، كما قال - تعالى - فى سورة هود # ومآ آمن معه إلا قليل # وقوله - تعالى - { فكذبوا عبدنا } تأكيد لتكذيبهم له - عليه ~~السلام -، فكأنه - سبحانه - يقول إن قوم نوح - عليه السلام - قد اصروا ~~على تكذيبهم لعبدنا ونبينا، وتواصوا بهذا التكذيب فيما بينهم، ms4844 حتى لكأن ~~الكبار قد أوصوا الصغار. قال صاحب الكشاف فإن قلت ما معنى قوله { ~~فكذبوا عبدنا } بعد قوله { كذبت }؟ قلت معناه كذبوا ~~فكذبوا عبدنا. أى كذبوه تكذيبا على عقب تكذيب، كلما مضى منهم قرن مكذب، ~~تبعهم قرن مكذب. أو معناه كذبت قوم نوح الرسل، فكذبوا عبدنا، أى لما ~~كانوا مكذبين بالرسل، جاحدين للنبوة رأسا، كذبوا نوحا لأنه من جملة ~~الرسل... وقوله - سبحانه - { وقالوا مجنون وازدجر } بيان ~~لما كانوا عليه من انطماس بصيرة، ومن سوء خلق.. أى أنهم لم يكتفوا بتكذيب ~~نبيهم ومرشدهم وهاديهم إلى الخير. بل أضافوا إلى ذلك وصفه بالجنون، ~~والاعتداء عليه بأنواع الأذى والترهيب. فقوله { وازدجر } معطوف على ~~قوله { قالوا } وهو مأخوذ من الزجر بمعنى المنع والتخويف، وصيغة ~~الافتعال للمبالغة فى زجره وإيذائه. وقد حكى القرآن فى آيات أخرى ألوانا ~~من هذا الزجر والإيذاء ومن ذلك قوله - تعالى - كما حكى عنهم # قالوا لئن لم تنته ينوح لتكونن من ~~المرجومين # ثم حكى - سبحانه - ما فعله نوح - عليه السلام - بعد أن صبر على إيذاء ~~قومه فقال { فدعا ربه أني مغلوب فانتصر }. أى وبعد أن ~~يئس نوح - عليه السلام - من إيمان قومه.. تضرع إلى ربه قائلا يارب إن ~~قومى قد غلبونى بقوتهم وتمردهم.. فانتصر لى منهم، فأنت أقوى الأقوياء، ~~وأعظم نصير للمظلومين والمغلوبين على أمرهم من أمثالى. # وحذف متعلق " فانتصر " للإيجاز. أى فانتقم لى منهم. ولقد كانت نتيجة ~~هذا الدعاء، الإجابة السريعة، كما يشعر بذلك التعبير بالفاء فى قوله - ~~تعالى - بعد ذلك { ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر ~~}. أى فأجبنا لنوح دعاءه، ففتحنا أبواب السماء بماء كثير منهمر، أى منصب ~~على الأرض بقوة وبكثرة وتتابع. يقال همر فلان الماء يهمر - بكسر الميم ~~وضمها - إذا صبه بكثرة. وقراءة الجمهور { ففتحنآ } بتخفيف التاء، ~~وقرأ ابن عامر بتشديدها على المبالغة. قال الجمل والمراد من الفتح ~~والأبواب والسماء حقائقها فإن للسماء أبوابا تفتح وتغلق. والباء فى قوله ~~{ بماء } للتعدية على المبالغة، حيث جعل الماء كالآلة التى يفتح بها، ~~كما تقول فتحت بالمفتاح... وقوله { وفجرنا الأرض عيونا... ms4845 } ~~معطوف على قوله { ففتحنآ } وتفجير الماء إسالته بقوة وشدة وكثرة، ~~ومنه قوله - تعالى - # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا # وقوله { عيونا } تمييز محول عن المفعول به، والأصل وفجرنا عيون ~~الأرض، ولكن جىء به على هذا الأسلوب المشتمل على التمييز للمبالغة، حتى ~~لكأن الأرض جميعها قد تحولت إلى عيون متفجرة. وقوله - سبحانه - { ~~فالتقى المآء على أمر قد قدر } بيان لكمال حكمته - ~~تعالى - بعد بيان مظاهر قدرته. أى فاجتمع الماء النازل من السماء، مع ~~الماء المتفجر من الأرض، على أمر قد قدره الله - تعالى - وقضاه أزلا، وهو ~~هلاك قوم نوح بالطوفان. فالمراد بالماء ماء السماء وماء الأرض. وقال - ~~سبحانه - { فالتقى المآء } بالإفراد، لتحقيق أن التقاء الماءين لم ~~يكن بطريقة المجاورة، بل كان بطريق الاتحاد والاختلاط، حتى لكأن الماء ~~النازل من السماء. والمتفجر من الأرض، قد التقيا فى مكان واحد كما يلتقى ~~الجيشان المعدان لإهلاك غيرهما. و { على } فى قوله - تعالى - { ~~على أمر قد قدر } للاستعلاء المفيد لشدة التمكن والمطابقة. أى ~~التقى الماء بعضه ببعض على الحال والشأن الذى قدرناه وقضيناه له، دون أن ~~يحيد على ذلك قيد شعرة إذ كل شىء عندنا بمقدار. ثم بين - سبحانه - بعض ~~مظاهر فضله على عبده نوح - عليه السلام - فقال { وحملناه على ~~ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا... }. والدسر جمع دسار ~~- ككتاب وكتب - أى مسامير تربط بعض الخشب ببعض، وأصل الدسر الدفع ~~الشديد بقوة، سمى به المسمار، لأنه يدق فى الخشب فيدفع بقوة. وقيل الدسر ~~الخيوط التى تشد بها ألواح السفينة، وقيل الدسر صدرها ومقدمتها، وقوله { ~~ذات ألواح ودسر } صفة لموصوف محذوف. أى وحملنا نوحا ومن معه من ~~المؤمنين، على سفينة ذات ألواح من الخشب ومسامير يشد بها هذا الخشب ~~ويربط.. قال صاحب الكشف قوله { وحملناه على ذات ألواح ~~ودسر } أراد السفينة، وهو من الصفات التى تقوم مقام الموصوفات، فتنوب ~~منابها، وتؤدى مؤداها، بحيث لا يفصل بينهما وبينها. # وهذا من فصيح الكلام وبديعه... وعدى فعل { وحملناه } إلى نوح ~~وحده، مع أن السفينة حملت معه ms4846 المؤمنين، لأن هذا الحمل كان إجابة لدعوته، ~~وقد جاءت آيات أخرى أخبرت بأن المؤمنين كانوا معه فى السفينة، ومن هذه ~~الآيات، قوله - تعالى - # فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل ~~الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين... # وقوله { تجري بأعيننا } أى تجرى هذه السفينة بمرأى منا، وتحت ~~رعايتنا وقدرتنا. ثم بين - سبحانه - الأسباب التى جعلت قوم نوح محل غضب ~~الله - تعالى - ونقمته فقال { جزآء لمن كان كفر }. وقوله { ~~جزآء } مفعول لأجله، لقوله { فتحنآ } وما عطف عليه، أى فعلنا ما ~~فعلنا من فتح السماء بماء منهمر، جزاء لكفرهم بالله - تعالى - وبنبيه نوح ~~- عليه السلام - الذى كان نعمة لهم، ولكنهم كفروها ولم يشكروا الله ~~عليها، فاستحقوا الغرق والدمار. وحذف - سبحانه - متعلق { كفر } لدلالة ~~الكلام عليه، أى كفر به. قال الآلوسى. وقوله { جزآء لمن كان ~~كفر } أى فعلنا ذلك جزاء لنوح - عليه السلام -، فإنه كان نعمة أنعمها ~~الله - تعالى - على قومه فكفروها، وكذا كل نبى نعمة من الله - تعالى - ~~على أمته. وجوز أن يكون على حذف الجار، وإيصال الفعل إلى الضمير، ~~واستتاره فى الفعل، بعد انقلابه مرفوعا. أى لمن كفر به، وهو نوح - عليه ~~السلام - أى جحدت نبوته. فالكفر عليه ضد الإيمان، وعلى الأول كفران ~~النعمة... والضمير المنصوب فى قوله - تعالى - { ولقد تركناها ~~آية... } يعود إلى الفعلة المهلكة التى فعلها الله - تعالى - بقوم نوح ~~- عليه السلام -. أى ولقد تركنا فعلتنا بقوم نوح، وإهلاكنا لهم، آية ~~وعلامة لمن بعدهم. وعظة وعبرة لمن يعتبر ويتعظ بها. ويؤيد هذا المعنى ~~قوله - تعالى - # وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم ~~وجعلناهم للناس آية... # ويصح أن يكون الضمير يعود إلى السفينة. أى ولقد أبقينا هذه السفينة من ~~بعد إهلاك قوم نوح، علامة وعبرة لمن يشاهدها. ويؤيد هذا المعنى قوله - ~~تعالى - # فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناهآ آية ~~للعالمين # قال القرطبى قوله { ولقد تركناها آية... } يريد هذه الفعلة ~~عبرة. وقيل أراد السفينة، تركها آية لمن بعد قوم نوح يعتبرون بها فلا ~~يكذبون الرسل.. قال قتادة أبقاها الله - تعالى - بباقردى، من أرض ms4847 ~~الجزيرة - قرب الموصل بالعراق - لتكون عبرة وآية، حتى نظر إليها أوائل ~~هذه الأمة، وكم من سفينة صارت بعدها رمادا... ويبدو لنا أن الآية الكريمة ~~تتسع للرأيين فهذه العقوبة التى أنزلها - سبحانه - بقوم نوح - عليه ~~السلام - بقيت عبرة لمن بعدهم لينزجروا، ويكفوا عن تكذيب الرسل، كما أن ~~السفينة قد أبقاها - سبحانه - بعد إغراقهم إلى الزمن الذى قدره وأراده، ~~لتكون - أيضا - عبرة وعظة لغيرهم. # والاستفهام فى قوله { فهل من مدكر } للحض على التذكر ~~والاعتبار، ولفظ { مدكر } أصله مذتكر من الذكر الذى هو ضد ~~النسيان، فأبدلت التاء دالا مهملة، وكذا الذال المعجمة ثم أدغمت فيها، ~~ومنه قوله - تعالى - # وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة... # أى وتذكر بعد نسيان. أى ولقد تركنا ما فعلناه بقوم نوح عبرة، فاعتبروا ~~بذلك - أيها الناس -، وأخلصوا لله - تعالى - العبادة والطاعة، لتنجوا من ~~غضبه وعقابه. والاستفهام فى قوله - سبحانه - { فكيف كان عذابي ~~ونذر } للتهويل والتعجيب من شدة هذا العذاب الذى حاق بقوم نوح - عليه ~~السلام -. أى فكيف كان عذابى لهم، وإنذارى إياهم؟ لقد كانا على كيفية ~~هائلة لا يحيط بها الوصف، ولا تحدها العبارة. والنذر مفرده نذير، وجمع ~~لتكرار الإنذار من نوح - عليه السلام - لقومه. قال الجمل وقرىء فى السبع ~~بإثبات الياء وحذفها. وأما فى الرسم فلا تثبت لأنها من ياءات الزوائد، ~~وكذا يقال فى المواضع الآتية كلها... ثم بين - سبحانه - مظاهر فضله ~~ورحمته على هذه الأمة، حيث جعل كتابه ميسرا فى حفظه وفهمه، فقال - تعالى ~~- { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر }. ~~أى والله لقد سهلنا القرآن { للذكر } أى للتذكر والحفظ، بأن أنزلناه ~~فصيحا فى ألفاظه، بليغا فى تراكيبه، واضحا فى معانيه، سهل الحفظ لمن أراد ~~أن يحفظه.. فهل من معتبر ومتعظ، بقصصه، ووعده، ووعيده، وأمره، ونهيه؟. ~~وقد وردت هذه الآية فى أعقاب قصة نوح وهود وصالح ولوط - عليهم السلام -، ~~لتأكيد مضمون ما سبق فى قوله - تعالى - # ولقد جآءهم من الأنبآء ما فيه مزدجر حكمة ~~بالغة فما تغن النذر # وللتنبيه والإشعار بأن كل قصة من تلك القصص ms4848 جديرة بإيجاب الاتعاظ، ~~وكافية فى الاعتبار والازدجار # لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد # والمقصود بالآية الكريمة التحضيض على حفظ القرآن الكريم والاعتبار ~~بمواعظه، والعمل بما فيه من تشريعات حكيمة، وآداب قويمة، وهدايات سامية.. ~~ثم انتقلت إلى الحديث عن قصة قبيلة عاد مع نبيهم هود - عليه السلام - ~~فذكرت ما حل بهم من عقاب بسبب كفرهم وطغيانهم، فقال - تعالى - { ~~كذبت عاد... }. ### || [54.18-22] # المراد بعاد، تلك القبيلة التى ينتهى نسبها إلى جدهم عاد، وكانت مساكنهم ~~بالأحقاف فى جنوب الجزيرة العربية. وكانوا يعبدون الأصنام، فأرسل الله - ~~تعالى - إليهم نبيهم هودا - عليه السلام - لكى يأمرهم بعبادة الله - ~~تعالى - وحده، وينهاهم عن عبادة غيره.. وقد جاء الحديث عنهم بصورة أكثر ~~تفصيلا، فى سور الأعراف، وهود، والشعراء، والأحقاف... ولم تعطف قصتهم هنا ~~على قصة نوح التى قبلها، للإشعار بأنها قصة مستقلة جديرة بأن يعتبر بها ~~المعتبرون، ويتعظ بها المتعظون.. وحذف المفعول فى قوله { كذبت عاد ~~} للعلم به وهو نبيهم هود - عليه السلام - أى كذبت قبيلة عاد نبيها هودا ~~- عليه السلام -. والاستفهام فى قوله - سبحانه - { فكيف كان ~~عذابي ونذر } للتهويل، ولتشويق السامعين إلى معرفة العذاب الشديد ~~الذى حل بهم. أى كذبت قبيلة عاد نبيها، فهل علمتم ما حل بها من دمار ~~وهلاك؟ إن كنتم لم تعلموا ذلك فهاكم خبره.. { إنآ أرسلنا ~~عليهم ريحا صرصرا... } أى إنا أرسلنا عليهم ريحا شديدة ~~البرودة والقوة، ذات صوت هائل. { في يوم نحس مستمر } أى فى ~~يوم مشئوم عليهم، وشؤمه دائم ومستمر لم ينقطع عنهم حتى دمرهم. قال ابن ~~كثير قوله { مستمر } أى مستمر عليهم نحسه ودماره، لأنه يوم اتصل ~~فيهم عذابهم الدنيوى بالأخروى... وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات ~~لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب ~~الآخرة أخزى وهم لا ينصرون # وإضافة " يوم " إلى " نحس " من إضافة الزمان إلى ما يقع فيه، كقولهم يوم ~~فتح خيبر.. والمراد أنه يوم منحوس ومشئوم بالنسبة لهؤلاء المهلكين، وليس ~~المراد أنه يوم منحوس بذاته، لأن الأيام يداولها ms4849 الله - تعالى - بين ~~الناس، بمقتضى إرادته وحكمته. وقوله { تنزع الناس كأنهم ~~أعجاز نخل منقعر } بيان لقوة هذه الريح وشدتها.. والنزع ~~الإزالة للشىء بعنف، حتى يزول عن آخره، وينفصل عما كان متصلا به. ~~والمراد بالناس هؤلاء المهلكين من قوم هود - عليه السلام -. والأعجاز جمع ~~عجز، وهو مؤخر الشىء وأسفله. وأعجاز النخل أصولها التى تقوم عليها. ~~والمراد بها هنا النخل بتمامه ما عدا الفروع. وقوله { منقعر } اسم ~~فاعل انقعر، مطاوع قعره أى بلغ قعره بالحفر، يقال قعر فلان البئر إذا ~~بلغ قعرها فى الحفر، وهو صفة للنخل. أى أن الريح لشدتها وقوتها، كانت ~~تقتلعهم من أماكنهم، وتلقى بهم بعيدا وهم صرعى، فكأنهم وهم ممددون على ~~الأرض هلكى، أعجاز نخل قد انقلع عن أصوله، وسقط على الأرض.. قال ابن كثير ~~وذلك أن الريح كانت تأتى أحدهم، فترفعه حتى تغيبه عن الأبصار. # ثم تنكسه على أم رأسه، فيسقط على الأرض، فتنخلع رأسه فيبقى جثة بلا رأس، ~~ولهذا قال { كأنهم أعجاز نخل منقعر }. فالآية الكريمة ~~فيها ما فيها من التفظيع لما أصابهم من هلاك واستئصال. وشبيه بهذه الآية ~~قوله - تعالى - # وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية سخرها ~~عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى ~~القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية # ثم ختم - سبحانه - قصة هؤلاء الطغاة، بمثل ما ختم به قصة قوم نوح، من ~~تذكير للناس بما أصاب هؤلاء الظالمين من عذاب أليم، ومن دعوتهم إلى ~~الاعتبار بقصص القرآن، وزواجره ووعده ووعيده.. فقال - تعالى - { فكيف ~~كان عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر ~~فهل من مدكر }. ثم جاءت بعد قصة قوم هود، قصة قوم صالح - ~~عليهما السلام - فقال - سبحانه - { كذبت ثمود بالنذر. }. ### || [54.23-32] # قصة قبيلة ثمود مع نبيهم صالح - عليه السلام - قد وردت فى سور متعددة ~~منها سورة الأعراف، وسورة هود، وسورة الشعراء، وسورة النمل. وينتهى نسبهم ~~إلى جدهم ثمود، وقيل سموا بذلك لقلة ماء المكان الذى كانوا يعيشون فيه، ~~لأن الثمد هو الماء القليل. وكانت مساكنهم بالحجر - بكسر الحاء وسكون ~~الجيم -، وهو مكان يقع ms4850 بين الحجاز والشام، وما زال معروفا إلى الآن. ~~ونبيهم صالح - عليه السلام - ينتهى نسبه إلى نوح - عليه السلام -. وقوله ~~{ كذبت ثمود بالنذر } أى كذبت قبيلة ثمود بالنذر التى ~~جاءتهم عن طريق رسولهم صالح - عليه السلام - فالنذر بمعنى الإنذارات ~~التى أنذرهم بها صالح - عليه السلام - ثم حكى - سبحانه - مظاهر تكذيبهم ~~فقال { فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه... }. و " ~~بشرا " منصوب على المفعولية بالفعل " نتبعه " على طريقة الاشتغال، وقدم ~~لاتصاله بهمزة الاستفهام، لأن حقها التصدير، والاستفهام للإنكار، وواحدا ~~صفة لقوله { أبشرا }. أى أن قوم صالح - عليه السلام - حين جاءهم ~~برسالته التى تدعوهم إلى إخلاص العبادة لله - تعالى -، أنكروا ذلك، ~~وقالوا أنتبع واحدا من البشر جاءنا بهذا الكلام الذى يخالف ما كان عليه ~~آباؤنا وأجدادنا؟. { إنآ إذا لفي ضلال وسعر } أى إنا إذا ~~لو اتبعناه لصرنا فى ضلال عظيم، وفى { سعر } أى وفى جنون واضح، ومنه ~~قولهم ناقة مسعورة، إذا كانت لا تستقر على حال، وتفرط فى سيرها ~~كالمجنونة. أو المعنى إنا لو اتبعناه لكنا فى ضلال، وفى نيران عظيمة. ~~فالسعر بمعنى النار المسعرة، ثم أخذوا فى تفنيد دعوته، فقالوا { ~~أألقي الذكر عليه من بيننا.. } والاستفهام للإنكار ~~والنفى. والمراد بالإلقاء الإنزال. وبالذكر الوحى الذى أوحاه الله - ~~تعالى - إليه، وبلغه لهم. أى أأنزل الوحى على صالح وحده دوننا؟ لا لم ~~ينزل عليه الوحى دوننا، فهو واحد من أفنائنا، وليس من أشرافنا.. { بل ~~هو كذاب أشر } أى بل صالح فيما يدعونا إليه كذاب { أشر } أى ~~بطر متكبر، معجب بنفسه، يقال أشر فلان، إذا أبطرته النعمة، وصار مغرورا ~~متكبرا على غيره، ولا يستعمل نعم الله فيما خلقت له. وهكذا الجاهلون ~~الجاحدون، يقلبون الحقائق، وتصير الحسنات فى عقولهم سيئات، فصالح - عليه ~~السلام - الذى جاءهم بما يسعدهم، أصبح فى نظرهم كذابا مغرورا، لا يليق ~~بهم أن يتبعوه.. وقد ورد - سبحانه - عليهم ردا يحمل لهم التهديد والوعيد، ~~فقال - تعالى - { سيعلمون غدا من الكذاب الأشر }. أى ~~سيعلم هؤلاء الكافرون، فى الغد القريب يوم ينزل بهم العذاب المبين، من هو ~~الكذاب فى ms4851 أقواله، ومن هو المغرور المتكبر على غيره، أصالح - عليه السلام ~~- أم هم؟! والتعبير بالسين فى قوله { سيعلمون } لتقريب مضمون ~~الجملة وتأكيده. # والمراد بقوله { غدا } الزمن المستقبل القريب الذى سينزل فيه العذاب ~~عليهم.. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك، ما أمر به نبيه صالحا - عليه السلام ~~- فقال { إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم ~~فارتقبهم واصطبر ونبئهم أن المآء قسمة ~~بينهم كل شرب محتضر }. وقوله { مرسلوا الناقة ~~} أى مخرجوها وباعثوها، لأنهم اقترحوا على نبيهم صالح أن يأتيهم بمعجزة ~~تدل على صدقه، لكى يتبعوه، فأخرج الله - تعالى - لهم تلك الناقة، من مكان ~~مرتفع قريب منهم. وإلى هذا المعنى أشار - سبحانه - فى آيات أخرى منها ~~قوله - تعالى - # قالوا إنمآ أنت من المسحرين مآ أنت إلا بشر ~~مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين قال هذه ~~ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم # وقوله { فتنة } أى اختبارا وامتحانا لهم، فهو مفعول لأجله. وقوله { ~~فارتقبهم } من الارتقاب بمعنى الانتظار، ومثله { واصطبر } ~~فهو من الاصطبار، وأل فى قوله { ونبئهم أن المآء قسمة ~~بينهم.. } للعهد. أى الماء المعهود لهم، وهو ماء قريتهم الذى ~~يستعملونه فى حوائجهم المتنوعة. وقوله { قسمة } بمعنى المقسوم، وعبر ~~عنه بالمصدر للمبالغة. والضمير فى " بينهم " يعود عليهم وعلى الناقة، ~~وجىء بضمير العقلاء على سبيل التغليب. وقوله { محتضر } اسم مفعول ~~من الحضور الذى هو ضد الغيبة، وحذف المتعلق لظهوره. أى محتضر عنده صاحبه. ~~والشرب النصيب والمرة من الشرب. أى وقلنا لنبينا صالح على سبيل ~~الإرشاد والتعليم، بعد أن طلب منه قومه معجزة تدل على صدقه. قلنا له. ~~أخبرهم أننا سنرسل الناقة، وسنخرجها لهم أمام أعينهم، لتكون دليلا على ~~صدقك، ولتكون امتحانا واختبارا لهم، حتى يظهر لك وللناس أيؤمنون أم يصرون ~~على كفرهم. { فارتقبهم } - أيها الرسول الكريم -، وانتظر ماذا ~~سيصنعون بعد ذلك { واصطبر } على أذاهم صبرا جميلا، حتى يحكم الله ~~بينك وبينهم. { ونبئهم } أى وأخبرهم خبرا هاما، هذا الخبر هو { ~~أن المآء } الذى يستقون منه { قسمة بينهم } وبين الناقة، ~~أى مقسوم بينهم وبينها، فهم لا يشاركونها فى يوم شربها، ms4852 وهى لا تشاركهم ~~فى يوم شربهم. { كل شرب محتضر } أى كل نصيب من الماء يحضره ~~من هوله، فالناقة تحضر إلى الماء فى يومها، وهم يحضرون إليه فى يوم آخر. ~~ففى هاتين الآيتين تعليم حكيم من الله - تعالى - لنبيه صالح، وإرشاد له ~~إلى ما يجب أن يسكله معهم، بيقظة واعية يدل عليها قوله - تعالى- { ~~فارتقبهم } وبصبر جميل لا يأس معه ولا ضجر، كما يشير إليه قوله - ~~تعالى - { واصطبر }. وسياق القصة ينبىء عن كلام محذوف، يعلم من ~~سياقها، والتقدير أرسلنا الناقة، وقلنا له أخبرهم، أن الماء مقسوم بينهم ~~وبين الناقة واستمروا على ذلك فترة من الزمان، ولكنهم ملوا هذه القسمة، ~~ولم يرتضوها، وأجمعوا على قتل الناقة. # . { فنادوا صاحبهم } وهو " قدار بن سالف " وهو المعبر عنه ~~بقوله - تعالى - فى آية أخرى # إذ انبعث أشقاها # وعبر عنه - سبحانه - بصاحبهم، لأنه كان معروفا، وزعيما من زعمائهم.. ~~والمقصود بندائهم إياه إغراؤه بعقر الناقة وقتلها، مخالفين بذلك وصية ~~نبيهم لهم بقوله # ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم # وقوله - تعالى - { فتعاطى فعقر } مفرع على ما قبله، وقوله { ~~تعاطى } مطاوع للفعل عاطاه، وهو مشتق من عطا يعطو، إذا تناول الشىء. ~~وهذه الصيغة " تعاطى " تشير إلى تعدد الفاعل، فكأن هذا النداء بقتل ~~الناقة، تدافعوه فيما بينهم، وألقاه بعضهم على بعض، فكان كل واحد منهم ~~يدفعه إلى غيره، حتى استقر عند ذلك الشقى الذى ارتضى القيام به وتولى ~~كبره، حيث عقر الناقة، فمفعول " عقر " محذوف للعلم به. قال الآلوسى قوله ~~{ فتعاطى } العقر، أى فاجترأ على تعاطيه مع عظمه غير مكترث به. { ~~فعقر } أى فأحدث العقر بالناقة، وجوز أن يكون فتعاطى الناقة فعقرها. ~~أو فتعاطى السيف فقتلها، وعلى كل فمفعول تعاطى محذوف... ولا تعارض بين ~~هذه الآية التى تثبت أن الذى عقر الناقة هو هذا الشقى، وبين الآيات ~~الأخرى التى تصرح بأنهم هم الذين عقروها، كما فى قوله - تعالى - # فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام... # لأن المقصود أن القوم قد اتفقوا على هذا القتل للناقة، فنادوا واحدا ~~منهم لتنفيذه، فنفذه وهم ms4853 له مؤيدون، فصاروا كأنهم جميعا عقروها، لرضاهم ~~بفعله، والعقر. يطلق على القتل والذبح والجرح، والمراد هنا قتلها ونحرها. ~~والتعبير بقوله - تعالى بعد ذلك { فكيف كان عذابي ونذر } ~~يشير إلى هول العقوبة التى نزلت بهم، بسبب ما فعلوه من عقر الناقة، ومن ~~تكذيبهم لنبيهم. أى انظر وتدبر - أيها العاقل - كيف كان عذابى وإنذارى ~~لهؤلاء القوم؟ لقد كان شيئا هائلا لا تحيط به العبارة. ثم فصل - سبحانه - ~~هذا العقاب فقال { إنآ أرسلنا عليهم صيحة واحدة ~~فكانوا كهشيم المحتظر } والهشيم ما تهشم وتفتت وتكسر من ~~الشجر اليابس، مأخوذ من الهشم بمعنى الكسر للشىء اليابس، أو الأجوف. ~~والمحتظر هو الذى يعمل الحظيرة التى تكون مسكنا للحيوانات. أى إنا أرسلنا ~~عليهم - بقدرتنا ومشيئتنا - صيحة واحدة صاحها بهم جبريل - عليه السلام - ~~فصاروا بعدها كغصون الأشجار اليابسة المكسرة، يجمعها إنسان ليعمل منها ~~حضيرة لسكنى حيواناته. والمقصود بهذا التشبيه، بيان عظم ما أصابهم من ~~عقاب مبين، جعلهم، كالأعواد الجافة حين تتحطم وتتكسر ويجمعها الجامع ~~ليصنع منها حظيرته، أو لتكون تحت أرجل مواشيه. وهذا العذاب عبر عنه هنا ~~وفى سورة هود بالصيحة فقال # وأخذ الذين ظلموا الصيحة... # وعبر عنه فى سورة الأعراف بالرجفة فقال # فأخذتهم الرجفة... # وعبر عنه فى سورة فصلت بالصاعقة فقال # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا ~~يكسبون # وعبر عنه فى سورة الحاقة بالطاغية، فقال # فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية... # ولا تعارض بين هذه التعبيرات لأنها متقاربة فى معناها، ويكمل بعضها ~~بعضا، وهى تدل على شدة ما أصابهم من عذاب. فكأنه - سبحانه - يقول لقد نزل ~~بهؤلاء المكذبين الصحية التى زلزلت كيانهم، فصعقتهم وأبادتهم، وجعلتهم ~~كعيدان الشجر اليابس.. ثم ختم - سبحانه - هذه القصة بما ختم به سابقتها ~~فقال { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ~~}. وجاءت بعد قصة قوم صالح، قصة قوم لوط - عليهما السلام - فقال - تعالى ~~- { كذبت قوم لوط... }. ### || [54.33-40] # وقصة لوط - عليه السلام - قد وردت فى سور متعددة، منها سورة الأعراف، ~~وهود، والشعراء، والنمل، والعنكبوت.. ولوط - عليه السلام - هو - على ms4854 ~~الراجح - ابن أخى إبراهيم - عليه السلام -، وكان قد آمن به وهاجر معه إلى ~~أرض الشام، فبعثه الله - تعالى - إلى أهل سدوم. وهى قرية بوادى الأردن ~~وكالوا يأتون الفواحش التى لم يسبقهم إليها أحد.. وقوله - تعالى - { ~~كذبت قوم لوط بالنذر } أى كذبوا بالإنذارات والتهديدات ~~التى هددهم بها نبيهم لوط، إذا لم يستجيبوا لإرشاداته وأمره ونهيه.... ~~فكانت نتيجة هذا التكذيب والفجور الذى انغمسوا فيه الهلاك والدمار كما ~~قال - تعالى - { إنآ أرسلنا عليهم حاصبا... }. والحاصب ~~الريح التى تحصب، أى ترمى بالحصباء، وهى الحجارة الصغيرة التى تهلك من ~~تصيبه بأمر الله - تعالى -. فقوله { حاصبا } صفة لموصوف محذوف وهو ~~الريح، وجىء به مذكرا لكونه موصوفه وهو الريح فى تأويل العذاب، أى إنا ~~أرسلنا إليهم عذابا حاصبا أهلكهم.. والاستثناء فى قوله - سبحانه - { ~~إلا آل لوط نجيناهم بسحر } استثناء متصل، لأنهم من ~~قومه. والسحر هو الوقت الذى يختلط فيه سواد آخر الليل، ببياض أول النهار ~~وهو قبيل مطلع الفجر بقليل. أى إنا أرسلنا عليهم ريحا شديدة ترميهم ~~بالحصباء فتهلكهم، إلا آل لوط، وهم من آمن به من قومه، فقد نجيناهم من ~~هذا العذاب المهلك فى وقت السحر، فالباء فى قوله { بسحر } بمعنى " فى ~~" الظرفية. أو هى للملابسة، أى حال كونهم متلبسين بسحر. وقوله - تعالى - ~~{ نعمة من عندنا... } علة الإيحاء، والنعمة بمعنى الإنعام، ~~أى انجينا آل لوط من العذاب الذى نزل بقومه على سبيل الإنعام الصادر من ~~عندنا عليهم لا من عند غيرنا. وقوله - تعالى - { كذلك نجزي من ~~شكر } بيان لسبب هذا الإنعام والإيحاء.. أى مثل هذا الجزاء العظيم، ~~المتمثل فى إيحائنا للمؤمنين من آل لوط وفى إنعامنا عليهم.. نجازى كل ~~شاكر لنا، ومستجيب لأمرنا ونهينا. فالآية الكريمة بشارة للمؤمنين ~~الشاكرين حتى يزدادوا من الطاعة لربهم، وتعريض بسوء مصير الكافرين الذين ~~لم يشكروا الله - تعالى - على نعمه. وفى قوله - تعالى - { من عندنا ~~} تنويه عظيم بهذا الإنعام، لأنه صادر من عنده - تعالى - الذى لا تعد ~~ولا تحصى نعمه. ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت بقوم لوط إلى الدمار ~~والهلاك ms4855 فقال { ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا ~~بالنذر... }. والبطشة المرة من البطش، بمعنى الأخذ بعنف وقوة، ~~والمراد بها هنا الإهلاك الشديد. والتمارى تفاعل من المراء بمعنى ~~الجدال، والمراد به هنا التكذيب والاستهزاء، ولذا عدى بالباء دون فى. # أى والله لقد أنذرهم لوط - عليه السلام - وخوفهم من عذابنا الشديد الذى ~~لا يبقى ولا يذر، ولكنهم كذبوه واستهزءوا به، وبتهديده وبتخويفه إياهم. ~~ثم يحكى - سبحانه - صورة أخرى من فجورهم فقال { ولقد راودوه عن ~~ضيفه فطمسنآ أعينهم فذوقوا عذابي ونذر }. ~~والمراودة مقابلة، من راد فلان يرود، إذا جاء وذهب، لكى يصل إلى ما يريده ~~من غيره عن طريق المحايلة والمخادعة. والمراد بضيفه ضيوفه من الملائكة ~~الذين جاءوا إلى لوط - عليه السلام - لإخباره بإهلاك قومه، وبأن موعدهم ~~الصبح.. أى ووالله لقد حاول هؤلاء الكفرة الفجرة المرة بعد المرة، مع لوط ~~- عليه السلام - أن يمكنهم من فعل الفاحشة مع ضيوفه.. فكانت نتيجة ~~محاولاتهم القبيحة أن { طمسنآ أعينهم } اى حجبناها عن النظر، ~~فصاروا لا يرون شيئا أمامهم. قال القرطبى يروى أن جبريل - عليه السلام - ~~ضربهم بجناحه فعموا، وقيل صارت أعينهم كسائر الوجه لا يرى لها شق. كما ~~تطمس الريح الأعلام بما تسفى عليها من التراب. وقيل طمس الله على أبصارهم ~~فلم يروا الرسل. وعدى - سبحانه - فعل المراودة بعن. لتضمينه معنى ~~الإبعاد والدفع. أى حاولوا دفعه عن ضيوفه، ليتمكنوا منهم. وأسند ~~المراودة إليهم جميعا لرضاهم عنها، بقطع النظر عمن قام بها. وقوله { ~~فذوقوا عذابي ونذر } مقول لقول محذوف، أى طمسنا أعينهم وقلنا ~~لهم ذوقوا عذابى الشديد الذى سينزل بكم، بسبب تكذيبكم لرسولى، واستخفافكم ~~بما وجه إليكم من تخويف وإنذار. والمراد من هذا الأمر الخبر. أى فأذقتهم ~~عذابى الذى أنذرهم به لوط - عليه السلام -. ثم بين - سبحانه - ما حل بهم ~~من عذاب فقال { ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر... }. ~~والبكرة أول النهار وهو وقت الصبح، وجىء بلفظ بكرة للإشعار بتعجيل ~~العذاب لهم، أى والله لقد نزل بهم عذابنا فى الوقت المبكر من الصباح ~~نزولا دائما ثابتا مستقرا لا ينفك عنهم، ولا ms4856 ينفكون عنه.. وقلنا لهم ~~ذوقوا عذابى، وسوء عاقبة تكذيبكم لرسولى لوط - عليه السلام -. ثم ختم - ~~سبحانه - قصتهم بما ختم به القصص السابقة فقال { ولقد يسرنا ~~القرآن للذكر فهل من مدكر }. قال صاحب الكشاف فإن قلت ~~ما فائدة تكرير قوله { فذوقوا عذابي ونذر ولقد يسرنا ~~القرآن للذكر فهل من مدكر }؟ قلت فائدته أن يجددوا عند ~~استماع كل نبأ من أنباء الأولين ادكارا واتعاظا، وأن يستأنفوا تنبها ~~واستيقاظا إذا سمعوا الحث على ذلك والبعث عليه، وأن يقرع لهم العصا مرات، ~~ويقعقع لهم الشن تارات لئلا يغلبهم السهو، ولا تستولى عليهم الغفلة، وهذا ~~حكم التكرير، كقوله # فبأي آلاء ربكما تكذبان # عند كل نعمة عدها فى سورة الرحمن. وكقوله # ويل يومئذ للمكذبين # عند كل آية أوردها فى سورة المرسلات، وكذلك تكرير الأنباء والقصص فى ~~أنفسها، لتكون تلك العبر حاضرة للقلوب، مصورة للأذهان، مذكورة غير منسية ~~فى كل أوان... ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، ببيان ما حل بفرعون ~~وقومه، وبتحذير مشركى قريش من سوء عاقبة كفرهم، وببيان ما أعد لهم من ~~عذاب يوم القيامة، وبتبشير المتقين بحسن العاقبة فقال - تعالى - { ~~ولقد جآء آل فرعون... }. ### || [54.41-55] # وقصة فرعون وملئه مع موسى - عليه السلام - قد تكررت فى سور متعددة، منها ~~سور الأعراف، ويونس، وهود، وطه، والشعراء، والقصص. وهنا جاء الحديث عن ~~فرعون وملئه فى آيتين، بين - سبحانه - ما حل بهم من عذاب، بسبب تكذيبهم ~~لآيات الله - تعالى -، فقال - سبحانه - { ولقد جآء آل فرعون ~~النذر }. والمراد بآل فرعون أقرباؤه وحاشيته وأتباعه الذين كانوا ~~يؤيدونه ويناصرونه. والنذر " جمع نذير، اسم مصدر بمعنى الإنذار، وجىء به ~~بصيغة الجمع، لكثرة الإنذارات التى وجهها موسى - عليه السلام - إليهم. ~~أى والله لقد جاء إلى فرعون وآله، الكثير من الانذارات والتهديدات على ~~لسان نبينا موسى - عليه السلام - ولكنهم لم يستجيبوا له.. بل { ~~كذبوا بئاياتنا كلها } أى بل كذبوا بجميع المعجزات التى ~~أيدنا موسى - عليه السلام - بها، والتى كانت تدل أعظم دلالة على صدقة ~~فيما يدعوهم إليه. وأكد - سبحانه - هذه المعجزات بقوله، كلها للإشعار ~~بكثرتها، ms4857 وبأنهم قد أنكروها جميعا دون أن يستثنوا منها شيئا. وقوله { ~~فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر } بيان لشدة العذاب الذى نزل ~~بهم إذ الأخذ مستعار، للانتقام الشديد، وانتصاب { أخذ... } على ~~المفعولية المطلقة، وإضافته إلى " عزيز مقتدر " من إضافة المصدر إلى ~~فاعله. والعزيز الذى لا يغلبه غالب، والمقتدر الذى لا يعجزه شىء يريده. ~~أى فأخذناهم أخذا لم يبق منهم أحدا، بل أهلكناهم جميعا، لأن هذا الأخذ ~~صادر عن الله - عز وجل - الذى لا يغلبه غالب، ولا يعجزه شىء. ووصف - ~~سبحانه - ذاته هنا بصفة العزة والاقتدار، للرد على دعاوى فرعون وطغيانه ~~وتبجحه، فقد وصل به الحال أن زعم أنه الرب الأعلى.. فأخذه - سبحانه - أخذ ~~عزيز مقتدر، يحق الحق ويبطل الباطل. وبعد هذا الحديث المتنوع عن أخبار ~~الطغاة الغابرين، التفتت السورة الكريمة بالخطاب إلى كفار مكة، لتحذرهم ~~من سوء عاقبة الاقتداء بالكافرين، ولتدعوهم إلى التفكر والاعتبار، فقال - ~~تعالى - { أكفاركم خير من أولئكم أم لكم ~~برآءة في الزبر }. والاستفهام للنفى والإنكار، والمراد ~~بالخيرية، الخيرية الدنيوية، كالقوة والغنى والجاه، والسلطان، والخطاب ~~لأهل مكة. والبراءة من الشىء التخلص من تبعاته وشروره، والمراد بها ~~التخلص من العذاب الذى أعده الله - تعالى - للكافرين، والسلامة منه. ~~والزبر جمع زبور، وهو الكتاب الذى يكتب فيه. والمعنى أكفاركم - يا أهل ~~مكة - خير من اولئكم السابقين فى القوة والغنى والتمكين فى الأرض..؟ أم ~~أن لكم عندنا عهدا فى كتبنا، بأن لا نؤاخذكم على كفركم وشرككم..؟ كلا، ~~ليس لكم شىء من ذلك فأنتم لستم بأقوى من قوم نوح وهود وصالح ولوط، أو من ~~فرعون وملئه، وأنتم - أيضا - لم تأخذوا منا عهدا بأن نبرئكم من العقوبة ~~عن كفركم. # . وما دام الأمر كذلك فكيف أبحتم لأنفسكم الإصرار على الكفر والجحود؟ ~~إن ما أنتم عليه من شرك لا يليق بمن عنده شىء من العقل السليم. ثم انتقل ~~- سبحانه - إلى توبيخهم على شىء آخر من أقوالهم الباطلة فقال { أم ~~يقولون نحن جميع منتصر }. أى بل أيقولون نحن جميع يد ~~واحدة، وسننتصر على من خالفنا وعادانا؟ ولقد توهموا ذلك فعلا، ms4858 وجاهروا ~~به. وقد رد الله - تعالى - عليهم بما يبطل دعاواهم فقال { سيهزم ~~الجمع ويولون الدبر } والتعريف فى { الجمع } للعهد، ~~والدبر الظهر وما أدبر من المتجه إلى الأمام. أى سيهزم جمع هؤلاء ~~الكافرين ويولون أدبارهم نحوكم - أيها المؤمنون - ويفرون من أمامكم.. ~~والتعبير بالسين لتأكيد أمر هزيمتهم فى المستقبل القريب، كما فى قوله - ~~تعالى - # قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى ~~جهنم وبئس المهاد # والآية الكريمة من باب الإخبار بالغيب، الدال على إعجاز القرآن الكريم. ~~قال الآلوسى والآية من دلائل النبوة، لأن الآية مكية، وقد نزلت حيث لم ~~يفرض جهاد، ولا كان قتال، ولذا قال عمر يوم نزلت أى جمع يهزم، أى من جموع ~~الكفار. فلما كان يوم بدر، رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يثب فى ~~الدرع وهو يقول { سيهزم الجمع ويولون الدبر } فعرفت ~~تأويلها يومئذ... ثم بين - سبحانه - أن هزيمة المشركين ستعقبها هزيمة أشد ~~منها، وأنكى فقال { بل الساعة موعدهم والساعة أدهى ~~وأمر }. والمراد بالساعة، يوم القيامة " وأدهى " اسم تفضيل من ~~الداهية، وهى الأمر المنكر الفظيع الذى لا يعرف طريق للخلاص منه. وقوله { ~~وأمر } أى وأشد مرارة وقبحا. أى ليس هذا الذى يحصل لهم فى الدنيا من ~~هزائم نهاية عقوباتهم، بل يوم القيامة هو يوم نهاية وعيدهم السيىء، ويوم ~~القيامة هو أعظم داهية، وأشد مرارة مما سيصيبهم من عذاب دنيوى. ثم فصل - ~~سبحانه - ما سينزل بهم من عذاب يوم القيامة فقال { إن المجرمين ~~في ضلال وسعر }. أى فى بعد عن الاهتداء إلى الحق بسبب انطماس ~~بصائرهم، وإيثارهم الغى على الرشد، وفى نار مسعرة تغشاهم من فوقهم ومن ~~تحتهم. ويقال لهم { يوم يسحبون في النار على وجوههم ~~} أى يوم يجرون فى النار على وجوههم، على سبيل الإهانة والإذلال. { ~~ذوقوا مس سقر } أى ويقال لهم ذوقوا مس جهنم التى كنتم تكذبون ~~بها، وقاسوا آلامها وعذابها. فقوله - تعالى - { سقر } علم على جهنم، ~~مأخوذ من سقرت الشمس الشىء وصقرته، إذا غيرت معالمه وأذابته، وهو ممنوع ~~من الصرف للعلمية والتأنيث. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ms4859 مظاهر كمال قدرته ~~وحكمته فقال { إنا كل شيء خلقناه بقدر ومآ أمرنآ ~~إلا واحدة كلمح بالبصر }. # وقوله { كل } منصوب بفعل يفسره ما بعده، والقدر ما قدره الله - تعالى ~~- على عباده، حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته. أى إنا خلقنا كل شىء فى هذا ~~الكون، بتقدير حكيم، وبعلم شامل، وبإرادة تامة وبتصريف دقيق لا مجال معه ~~للعبث أو الاضطراب، كما قال - تعالى - # وكل شيء عنده بمقدار # وكما قال - سبحانه - # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله ~~إلا بقدر معلوم # وكما قال - عز وجل - # وخلق كل شيء فقدره تقديرا # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه وقد استدل بهذه الآية الكريمة أئمة ~~السنة، على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه بالأشياء قبل كونها. ~~وردوا بهذه الآية وبما شاكلها، وبما ورد فى معناها من أحاديث على الفرقة ~~القدرية، الذين ظهروا فى أواخر عصر الصحابة. ومن ذلك ما أخرجه الإمام ~~أحمد ومسلم والترمذى وابن ماجه عن ابى هريرة قال جاء مشركو قريش يخاصمون ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى القدر، فنزلت { يوم يسحبون ~~في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل ~~شيء خلقناه بقدر }. والباء فى قوله { بقدر } للملابسة. ~~أى خلقناه ملتبسا بتقدير حكيم، اقتضته سنتنا ومشيئتنا فى وقت لا يعلمه ~~أحد سوانا.. وقوله - سبحانه - { ومآ أمرنآ إلا واحدة ~~كلمح بالبصر } بيان لكمال قدرته - تعالى -. واللمح النظر السريع ~~العاجل الذى لا تريث معه ولا انتظار، يقال لمح فلان الشىء إذا أبصره بنظر ~~سريع.. وقوله { واحدة } صفة لموصوف محذوف. أى وما أمرنا وشأننا فى ~~خلق الأشياء وإيجادها، إلا كلمة واحدة وهى قول " كن " فتوجد هذه الأشياء ~~كلمح البصر فى السرعة. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # والمراد بهذه الآية وأمثالها بيان كمال قدرة الله - تعالى - وسرعة ~~إيجاده لكل ما يريد إيجاده، وتحذير الظالمين من العذاب الذى متى أراده ~~الله - تعالى - فلن يدفعه عنهم دافع، بل سيأتيهم كلمح البصر فى السرعة. ~~والتعبير بقوله { واحدة } لإفادة ms4860 أن كل ما يريد الله - تعالى - ~~إيجاده فسيوجد فى اسرع وقت، وبكلمة واحدة لا بأكثر منها، سواء أكان ذلك ~~الموجود جليلا أم حقيرا، صغيرا أم كبيرا.. ثم بين - سبحانه - ما يدل على ~~نفاذ هذه القدرة وسرعتها فقال { ولقد أهلكنآ أشياعكم ~~فهل من مدكر }. والأشياع جميع شيعة، وشيعة الرجل أعوانه ~~وأنصاره، وكل جماعة من الناس اتفقت فى رأيها فهم شيعة. قالوا وهو مأخوذ ~~من الشياع، وهو الحطب الصغار الذى يوقد مع الكبار، حتى تشتعل النار، ~~والمراد به هنا الأشباه والنظائر. # أى والله لقد أهلكنا أشباهكم ونظائركم فى الكفر من الأمم السابقة، ~~فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم، واتعظوا بما نزل بهم من عقاب. فالمقصود ~~بالآية الكريمة التهديد والتحذير. والاستفهام فيها للحض على الاتعاظ ~~والاعتبار. ثم بين - سبحانه - أن كل ما يعمله الإنسان. هو مسجل عليه، ~~فقال { وكل شيء فعلوه في الزبر }. أى وكل شىء فعله هؤلاء ~~المشركون وغيرهم، مكتوب ومحفوظ فى كتب الحفظة، ومسجل عليهم لدى الكرام ~~الكاتبين، بدون زيادة أو نقصان. كما قال - تعالى - بعد ذلك { وكل ~~صغير وكبير مستطر } أى وكل صغير من الأقوال أو الأفعال، وكل ~~كبير منهما، فهو مكتوب عندنا، ومسجل على صاحبه. فقوله { مستطر } ~~بمعنى مسطور ومكتتب. يقال سطر يسطر سطرا، إذا كتب، واستطر مثله، والآية ~~الكريمة مؤكدة لما قبلها. ومن الآيات الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى ~~قوله - تعالى - # وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا ~~في السمآء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في ~~كتاب مبين # ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بتلك البشارة العظيمة للمتقين فقال { ~~إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند ~~مليك مقتدر }. أى إن المتقين الذين صانوا أنفسهم عن كل محارم ~~الله - تعالى - كائنين فى جنات عاليات المقدار، وفى { نهر } أى وفى ~~سعة من العيش، ومن مظاهر ذلك أن الأنهار الواسعة تجرى من تحت مساكنهم، ~~فالمراد بالنهر جنسه. وقوله { في مقعد صدق } أى فى مكان مرضى، ~~وفى مجلس كريم، لا لغو فيه ولا تأثيم وهو الجنة، ms4861 فالمراد بالمقعد مكان ~~القعود الذى يقيم فيه الإنسان بأمان واطمئنان. { عند مليك ~~مقتدر } أى مقربين عند ملك عظيم، قادر على كل شىء. فالمراد ~~بالعندية هنا، عندية الرتبة والمكانة والتشريف. وقال - سبحانه - عند ~~مليك، للمبالغة فى وصفه - سبحانه - بسعة الملك وعظمه، إذ وصفه - سبحانه - ~~بمليك، أبلغ من وصفه بمالك أو ملك، لأن { مليك } صيغة مبالغة بزنة ~~فعيل. وتنكير " مقتدر " للتعظيم والتهويل، وهو أبلغ من قادر، إذ زيادة ~~المبنى تشعر بزيادة المعنى. أى عظيم القدرة بحيث لا يحيط بها الوصف. ~~وبهذا فهذا تفسير محرر لسورة " القمر " نسأل الله - تعالى - أن يجعله ~~خالصا لوجهه، ونافعا لعباده. والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى ~~الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.. والحمد لله الذى بنعمته تتم ~~الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.. ### | [55 - سورة الرحمن] ### || [55.1-13] # افتتحت السورة الكريمة بهذا الاسم الجليل لله - عز وجل - وهو لفظ مشتق ~~من الرحمة، وصيغته الدالة على المبالغة، تنبه إلى عظم هذه الرحمة وسعتها. ~~وهذا اللفظ مبتدأ، وما بعده أخبار له. ثم بين - سبحانه - مظاهر قدرته ~~ومنته على عباده بأجل النعم وأعظمها شأنا، فقال { علم القرآن } ~~والقرآن هو أعظم وحى أنزله - سبحانه - على أنبيائه ورسله. أى علم نبيه - ~~صلى الله عليه وسلم - القرآن الذى هو أعظم النعم شأنا وأرفعها مكانا، إذ ~~باتباع توجيهاته وإرشاداته، يظفر الإنسان بالسعادة الدنيوية والأخروية. ~~ولفظ { القرآن } هو المفعول الثانى لعلم، والمفعول الأول محذوف. وهذه ~~الآية الكريمة تتضمن الرد عل المشركين الذين زعموا أن هذا القرآن قد ~~تعلمه الرسول - صلى الله عليه وسلم - من البشر، كما حكى - سبحانه - عنهم ~~فى قوله # ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه ~~بشر.... # وفى قوله # وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه ~~وأعانه عليه قوم آخرون... # كما تتضمن الرد عليهم لزعمهم أنهم لا يعرفون الرحمن، كما فى قوله - ~~تعالى - # وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما ~~الرحمن... # وقوله - تعالى - { خلق الإنسان علمه البيان } بيان ~~لنعمتين أخريين من نعمه - سبحانه -. والمراد بالإنسان جنسه، والمراد ms4862 ~~بالبيان الفهم والنطق والإفصاح عما يريد الإفصاح عنه بالكلام الذى ~~أداته اللسان. أى خلق - سبحانه - بقدرته الإنسان على أجمل صورة، وأحسن ~~تقويم، ومكنه من الإفصاح عما فى نفسه عن طريق المنطق السليم، والقول ~~الواضح، كما مكنه من فهم كلام غيره له، فتميز بذلك عن الأجناس الأخرى، ~~وصار أهلا لحمل الأمانة التى عجزت عن حملها السموات والأرض والجبال، ~~وأصبح مستعدات لتلقى العلوم والخلافة فى الأرض.. ورحم الله - تعالى - ~~صاحب الكشاف، فقد صور هذه المعانى بأسلوبه الرصين فقال عدد الله - عز وجل ~~- آلاءه فقدم ما هو أسبق قدما من ضروب آلائه، وأصناف نعمائه، وهى نعمة ~~الدين، وقدم من نعمة الدين ما هو فى أعلى مراتبها، وأقصى مراقبها، وهو ~~إنعامه بالقرآن وتنزيله وتعليمه، لأنه أعظم وحى الله رتبة، وأعلاه منزلة، ~~وأحسنه فى أبواب الدين أثرا، وهو سنام الكتب السماوية، ومصداقها، والعيار ~~عليها. وأخر ذكر خلق الإنسان عن ذكره، ثم أتبعه إياه، ليعلم أنه إنما ~~خلقه للدين، وليحيط علما بوحيه، وكتبه، وما خلق الإنسان من أجله.. ثم ~~ذكر ما تميز به الإنسان عن سائر الحيوان من البيان، وهو المنطق الفصيح ~~المعرب عما فى الضمير.. ولفظ { الرحمن } مبتدأ، وهذه الأفعال مع ~~ضمائرها أخبار مترادفة، وإخلاؤها من العاطف، لمجيئها على نمط التعديد، ~~كما تقول زيد أغناك بعد فقر، أعزك بعد ذل، كثرك بعد قلة. # . فما تنكر من إحسانه... وقوله - تعالى - { الشمس والقمر ~~بحسبان } بيان لنعمة رابعة من نعمه - تعالى - التى لا تحصى. ~~والحسبان مصدر زيدت فيه الألف والنون، والمراد بحساب دقيق، وتقدير حكيم، ~~والجار والمجرور متعلق بمحذوف.. أى الشمس والقمر يجريان فى هذا الكون، ~~بحساب دقيق فى بروجهما ومنازلهما، بحيث لا يشوب جريهما اختلال أو اضطراب، ~~وبذلك يعرف الناس السنين والشهور والأيام، ويعرفون أشهر الحج والصوم، ~~وغير ذلك من شئون الحياة.. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا الليل ~~سابق النهار وكل في فلك يسبحون # ثم قال - تعالى - { والنجم والشجر يسجدان } والمراد ~~بالنجم هنا - عند بعضهم - النبات الذى لا ساق ms4863 له، وسمى بذلك. لأنه ينجم - ~~أى يظهر من الأرض - بدون ساق. ويرى آخرون أن المراد به نجوم السماء، فهو ~~اسم جنس لكل ما يظهر فى السماء من نجوم. ويؤيد هذا الرأى قوله - تعالى - # ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن ~~في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال ~~والشجر والدوآب وكثير من الناس وكثير حق ~~عليه العذاب... # والشجر هو النبات الذى له ساق وارتفاع عن وجه الأرض. والمراد بسجودهما ~~انقيادهما وخضوعهما لله - تعالى - كانقياد الساجد لخالقه.. قال ابن كثير ~~قال ابن جرير اختلف المفسرون فى معنى قوله { والنجم } بعد إجماعهم ~~على أن الشجر ما قام على ساق، فعن ابن عباس قال النجم ما انبسط على وجه ~~الأرض من النبات. وكذا قال هذا القول سعيد بن جبير، والسدى، وسفيان ~~الثورى، وقد اختاره ابن جرير.. وقال مجاهد النجم - المراد به هنا - الذى ~~يكون فى السماء، وكذا قال الحسن وقتادة، وهذا القول هو الأظهر... وقوله - ~~تعالى - { والسمآء رفعها ووضع الميزان... } أى والسماء ~~أوجدها بقدرته مرفوعة بدون أعمدة، وأنتم ترون ذلك بأعينكم. فالمقصود ~~بقوله { رفعها } لفت الأنظار إلى مظاهر قدرته - تعالى -، وإلى وجوب ~~شكره وإخلاص العبادة له، والتزام طاعته.. والميزان يطلق على الآلة التى ~~يزن الناس بها ما يريدون وزنه من الأشياء المختلفة. والمراد به هنا وجوب ~~التزام العدل فى الأحكام، وشاع إطلاق الميزان على العدل فى الأحكام، لأن ~~كليهما تضبط به الأحكام، وتنال الحقوق. أى والسماء خلقها مرفوعة ابتداء، ~~وشرع وأثبت العدل وأمر باتباعه فى الأقوال والأحكام، ليستقيم أمر الناس. ~~قال الآلوسى ما ملخصه قوله { ووضع الميزان } أى شرع العدل وأمر ~~به، لينتظم أمر العالم ويستقيم، كما قال - صلى الله عليه وسلم - # " بالعدل قامت السموات والأرض " # أى بقيتا على أتقن نظام.. وتفسير الميزان بالعدل، هو المروى عن مجاهد، ~~والطبرى، والأكثرين، وهو مستعار للعدل استعارة تصريحية. # وعن ابن عباس والحسن وقتادة، أن المراد بالميزان ما تعرف به مقادير ~~الأشياء، وهو الآلة المسماة بهذا الاسم.. أى أوجده فى الأرض ليضبط الناس ~~معاملاتهم فى أخذهم ms4864 وعطائهم... وجملة { ألا تطغوا في ~~الميزان } بمنزلة التعليل لما قبلها. أى شرع العدل بين الناس، وأوجب ~~عليهم التمسك به فى كل شئونهم، لئلا يتجاوزوه إلى غيره من الجور والظلم. ~~والطغيان هو تجاوز الحدود المشروعة فى كل شىء. ثم أكد - سبحانه - هذا ~~المعنى وهو التزام العدل تأكيدا صريحا فقال { وأقيموا الوزن ~~بالقسط ولا تخسروا الميزان }. وقوله { وأقيموا } من ~~الإقامة، والمراد به الإتيان بالشىء على أكمل صورة، ومنه قوله - تعالى ~~- # وأقيموا الصلاة... # أى أدوها كاملة الأركان والسنن والخشوع. والقسط العدل، يقال أقسط فلان ~~فى حكمه، إذا عدل، والباء للمصاحبة. وقوله { ولا تخسروا } من ~~الإخسار بمعنى النقص والبخس والجور. والمعنى شرع الله العدل، ونهاكم عن ~~تجاوزه، وأمركم أن تقيموا حياتكم عليه فى أوزانكم التى تتعاملون بها فيما ~~بينكم، وفى كل أحوالكم، فاحذروا أن تخالفوا أمره.. وكرر - سبحانه - لفظ " ~~الميزان " للتنبيه على شدة عناية الله - تعالى - بإقامة العدل بين الناس ~~فى معاملاتهم، وفى سائر شئونهم، إذ بدونه لا يستقيم لهم حال، ولا يصلح ~~لهم بال، ولا يستقر لهم قرار.. ثم انتقلت السورة الكريمة، إلى بيان جانب ~~من مظاهر نعمه الأرضية فقال - تعالى - { والأرض وضعها للأنام ~~}. والمراد بالأنام الخلائق المختلفون فى ألوانهم وأشكالهم وألسنتهم، ~~والذين يعيشون فى شتى أقطارها وفجاجها... وهو اسم جمع لا واحد له من ~~لفظه. أى والأرض " وضعها " أى أوجدها موضوعة على هذا النظام البديع، من ~~أجل منفعة الناس جميعا، لأن إيجادها على تلك الصورة الممهدة المفروشة.. ~~جعلهم ينتفعون بما فيها من كنوز وخيرات، ويتقلبون عليها من مكان إلى ~~آخر.. وصدق الله إذ يقول # هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا.. # وقوله - سبحانه - { فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام ~~والحب ذو العصف والريحان } ، بيان لبعض ما اشتملت عليه ~~هذه الأرض من خيرات. والفاكهة اسم لما يأكله الإنسان من ثمار على سبيل ~~التفكه والتلذذ، لا على سبيل القوت الدائم، مأخوذة من قولهم فكه فلان - ~~كفرح - إذا تلذذت نفسه بالشىء.. والأكمام جمع كم - بكسر الكاف -، وهو ~~الطلع قبل أن تخرج منه الثمار. وقوله { ذو ms4865 العصف } أى ذو القشر الذى ~~يكون على الحبن وسمى بذلك لأن الرياح تعصف به. أى تطيره لخفته، أو المراد ~~به الورق بعد أن ييبس ومنه قوله - تعالى - # فجعلهم كعصف مأكول # والريحان هو النبات ذو الرائحة الطيبة، وقيل هو الرزق. # أى فى هذه الأرض التى تعيشون عليها أوجد الله - تعالى - الفاكهة التى ~~تتلذذون بأكلها، وأوجد لكم النخيل ذات الأوعية التى يكون فيها الثمر.. ~~وأوجد لكم الحب، الذى تحيط به قشوره، كما ترون ذلك بأعينكم، فى سنابل ~~القمح والشعير وغيرهما. وأوجد لكم النبات الذى يمتاز بالرائحة الطيبة ~~التى تبهج النفوس وتشرح الصدور، فأنت ترى أنه - تعالى - قد ذكر فى هذه ~~الآيات ألوانا من النعم، فقد أوجد فى الأرض الفاكهة للتلذذ، وأوجد الحب ~~للغذاء، وأوجد النباتات ذات الرائحة الطيبة. قال القرطبى ما ملخصه وقراءة ~~العامة { والحب ذو العصف والريحان } بالرفع فيها كلها، ~~عطفا على " فاكهة " أى فيها فاكهة وفيها الحب ذو العصف، وفيها الريحان.. ~~وقرأ ابن عامر بالنصب فيها كلها عطفا على الأرض، أو بإضمار فعل، أى وخلق ~~الحب ذا العصف والريحان. أى وخلق الريحان. وقرأ حمزة والكسائى بجر { ~~الريحان } عطفا على العطف. أى فيها الحب ذو العصف والريحان، ولا ~~يمتنع ذلك على قول من جعل الريحان بمعنى الرزق، فيكون كأنه قال والحب ذو ~~الرزق، لأن العصف رزق للبهائم، والريحان رزق للناس... ثم ختم - سبحانه - ~~هذه النعم بقوله { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. والفاء ~~للتفريع على النعم المتعددة التى سبق ذكرها، والاستفهام للتعجيب ممن يكذب ~~بهذه النعم، والآلاء جمع إلى - بكسر الهمزة وفتحها وسكون اللام - وهى ~~النعمة، والخطاب للمكلفين من الجن والإنس، وقيل لأفراد الإنس مؤمنهم ~~وكافرهم، أى فبأى واحدة من هذه النعم تكذبان ربكما، أى تجحدان فضله ومننه ~~- يا معشر الجن والإنس - مع أن كل نعمة من هذه النعم تستحق منكم الطاعة ~~لى، والخضوع لعزتى والإخلاص فى عبادتى. قال الجمل ما ملخصه كررت هذه ~~الآية هنا إحدى وثلاثين مرة تقريرا للنعمة، وتأكيدا للتذكير بها، وذلك ~~كقول الرجل لمن أحسن إليه، وهو ينكر هذا ms4866 الإحسان ألم تكن فقيرا فأغنيتك، ~~أفتنكر هذا؟ ألم تكن عريانا فكسوتك، أفتنكر هذا...؟ ومثل هذا الكلام شائع ~~فى كلام العرب، وذلك أن الله - تعالى - عدد على عباده نعمه، ثم خاطبهم ~~بقوله { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. وقد كرر - سبحانه - ~~هذه الآية ثمانى مرات، عقب آيات فيها تعداد عجائب خلقه، ومبدأ هذا الخلق ~~ونهايته، ثم كررها سبع مرات عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها بعدد أبواب ~~جهنم.. ثم كررها - أيضا - ثمانى مرات فى وصف الجنتين وأهلهما، بعدد أبواب ~~الجنة، وكررها كذلك ثمانى مرات فى الجنتين التين هما دون الجنتين ~~السابقتين، فمن اعتقد الثمانية الأولى، وعمل بموجبها، استحق هاتين ~~الثمانيتين من الله - تعالى -، ووقاه السبعة السابقة بفضله وكرمه... ثم ~~انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن نعمة خلق الإنسان، وعن مظاهر قدرته ~~فى هذا الكون، فقال - تعالى - { خلق الإنسان... }. ### || [55.14-25] # والصلصال - الطين اليابس الذى تسمع له صوتا وصلصلة إذا قرع بشىء. ~~والفخار الخزف المجوف الذى صار كذلك بعد أن أدخل فى النار. ولا تعارض بين ~~هذه الآية، وبين غيرها من الآيات التى تحكى أن الإنسان خلق من تراب أو ~~من طين أو من صلصال من حمأ مسنون. لأن كل آية تتحدث عن مرحلة من مراحل ~~خلق الإنسان، لأن هذا التراب صار طينا، ثم خمر هذا الطين فصار حمأ ~~مسنونا، أى طينا أسود متغير الرائحة، ثم يبس هذا الطين فصار صلصالا ~~كالفخار. فالآيات الكريمة التى تحدثت عن خلق الإنسان لا يصادم بعضها ~~بعضا، وإنما يؤيد بعضها بعضا. قال بعض العلماء وقد أثبت العلم الحديث أن ~~جسم الإنسان يحتوى من العناصر ما تحتويه الأرض، فهو يتكون من الكربون، ~~والأكسجين، والحديد... وهذه نفسها هى العناصر المكونة للتراب، وإن اختلفت ~~نسبها من إنسان إلى آخر، وفى الإنسان عن التراب، إلا أن أصنافها واحدة. ~~إلا أن هذا الذى اثبته العلم لا يجوز أن يؤخذ على أنه التفسير الحتمى ~~للنص القرآنى. فقد تكون الحقيقة القرآنية تعنى هذا الذى أثبته العلم، أو ~~تعنى شيئا آخر سواه، وتقصد إلى صورة أخرى من ms4867 الصور الكثيرة التى يتحقق ~~بها معنى خلق الإنسان من تراب، أو من طين، أو من صلصال.. والذى ننبه ~~إليه بشدة، هو ضرورة عدم قصر النص القرآنى على كشف علمى بشرى، قابل للخطأ ~~والصواب، وقابل للتعديل والتبديل، كلما اتسعت معارف الإنسان، وكثرت ~~وتحسنت وسائله للمعرفة. والمعنى خلق - سبحانه - بقدرته أباكم آدم الذى هو ~~أصلكم، وعنه تفرع جنسكم من طين يابس يشبه الفخار فى يبوسته وصلابته. { ~~وخلق } - سبحانه - { الجآن } أى جنس الجن { من مارج من ~~نار } أى من لهب خالص لا دخان فيه، أو مما اختلط بعضه ببعض من اللهب ~~الأحمر وغير الأحمر، إذ المارج، هو المختلط، وهو اسم فاعل بمعنى اسم ~~المفعول مثل دافق، أى خلق جنس الجان من خليط من لهب النار. ومن فى قوله { ~~من نار } للبيان. قال ابن كثير يذكر الله - تعالى - خلقه الإنسان ~~من صلصال كالفخار، وخلقه الجان من مارج من نار، وهو طرف لهبها قاله ~~الضحاك، وعن ابن عباس من مارج من نار، أى من لهب النار.. وروى مسلم عن ~~عائشة قالت قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف ~~لكم ". # والمقصود بالآيتين تذكير بنى آدم بفضلهم على غيرهم، حيث بين - سبحانه - ~~لهم مبدأ خلقهم، وأنهم قد خلقوا من عنصر غير الذى خلق منه الجن، وأن الله ~~- تعالى - قد أمر إبليس المخلقو من النار، بالسجود لأبيهم آدم المخلوق من ~~الطين، فعليهم أن يشكروا الله - تعالى - على هذه النعمة، وأن يحذروا ~~وسوسة إبليس وجنوده. # وبعد أن أمر بشكر هذه النعم، أتبع ذلك ببيان مظهر آخر من مظاهر قدرته، ~~فقال { رب المشرقين ورب المغربين فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان }. أى هو - سبحانه - رب مشرق الشمس فى الشتاء ~~والصيف، ورب مغربها فيهما، وفى هذا التدبير المحكم منافع عظمى للإنسان ~~والحيوان والنبات. ولا تعارض بين هذه الآية، وبين قوله - تعالى - فى آية ~~أخرى # رب المشرق والمغرب... # لأن المراد بهما جنسهما، فهما صادقان على كل مشرق من مشارق الشمس ms4868 التى ~~هى ثلاثمائة وستون مشرقا، وعلى كل مغرب من مغاربها التى هى كذلك. أو بين ~~قوله - تعالى - فى آية ثالثة # رب السماوات والأرض وما بينهما ورب ~~المشارق # أى ورب جميع المشارق التى تشرق منها الشمس فى كل يوم على مدار العام إذ ~~لها فى كل يوم مشرق معين تشرق منه، ولها فى كل يوم أيضا - مغرب تغرب فيه. ~~ثم قال - سبحانه - { مرج البحرين يلتقيان بينهما ~~برزخ لا يبغيان فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان }. وقوله { مرج } من ~~المرج بمعنى الإرسال والتخلية، ومنه قولهم مرج فلان دابته. إذا أرسلها ~~إلى المرج، وهو المكان الذى ترعى فيه الدواب. ويصح أن يكون من المرج ~~بمعنى الخلط، ومنه قوله - تعالى - { فهم في أمر مريج } أى ~~مختلط، وقيل للمرعى مرج لاختلاط الدواب فيه بعضها ببعض. والمراد بالبحرين ~~البحر العذب، والبحر الملح، والبرزخ الحاجز الذى يحجز بينهما، بقدرة الله ~~- تعالى -. والمعنى خلق الله - تعالى - البحرين، وأرسلهما بقدرته فى ~~مجاريهما، بحيث يلتقيان ويتصل أحدهما بالآخر، ومع ذلك لم يختلطا، بل يبقى ~~المالح على ملوحته. والعذب على عذوبته، لأن حكمة الله قد اقتضت أن يفصل ~~بينهما، بحواجز من أجرام الأرض، أو بخواص فى كل منهما، تمنعهما هذه ~~الخواص وتلك الحواجز، من أن يختلطا، ولولا ذلك لاختلطا وامتزجا، وهذا من ~~أكبر الأدلة على قدرة الله - تعالى -، ورحمته بعباده، إذ أبقى الله - ~~تعالى - المالح على ملوحته، والعذب على عذوبته، لينتفع الناس بكل منهما ~~فى مجال الانتفاع به.. فالماء العذب ينتفع به فى الشراب للناس والدواب ~~والنبات.. والماء المالح ينتفع به فى أشياء أخرى، كاستخراج الملح منه، ~~وفى غير ذلك من المنافع.. ومن بديع صنع الله فى هذا الكون، أنك تشاهد ~~البحار الهائلة على سطح الأرض، والأنهار الكثيرة، ومع ذلك فكل نوع منهما ~~باق على خصائصه، مع أن كلا منهما قد يلتقى بالآخر. # قال بعض العلماء والمقصود بالبحرين ما يعرفه العرب من هذين النوعين وهما ~~نهر الفرات. وبحر العجم، المسمى اليوم بالخليج الفارسى. والتقاؤهما ~~انصباب ماء الفرات فى الخليج ms4869 الفارسى، فى شاطىء البصرة، والبلاد التى على ~~الشاطىء العربى من الخليج الفارسى تعرف عند العرب ببلاد البحرين لذلك. ~~والمراد بالبرزخ بينهما الفاصل بين الماءين الحلو والملح بيحث لا يغير ~~أحد البحرين طعم الآخر بجواره وذلك بسبب ما فى كل منهما من خصائص تدفع ~~عنه اختلاط الآخر به وهذا من مسائل الثقل النوعى. وذكر البرزخ تشبيه ~~بليغ، أى بينهما مثل البرزخ، ومعنى لا يبغيان أى لا يبغى أحدهما على ~~الآخر، أى لا يغلب عليه فيفسد طعمه، فاستعير لهذه الغلبة لفظ البغى... ~~وقال صاحب الظلال - رحمه الله - والبحران المشار إليهما هما البحر ~~المالح، والبحر العذب، ويشمل الأول البحار والمحيطات، ويشمل الثانى ~~الأنهار. ومرج البحرين أرسلهما وتركهما يلتقيان. ولكنهما لا يبغيان، ولا ~~يتجاوز كل منهما حده المقدر، ووظيفته المقسومة، وبينهما برزخ من طبيعتهما ~~من صنع الله - تعالى -. وتصب جميع الأنهار - تقريبا - فى البحار، وهى ~~التى تنقل إليها أملاح الأرض، فلا تغير طبيعة البحار ولا تبغى عليها، ~~ومستوى سطوح الأنهار أعلى- فى العادة - من مستوى سطح البحر، ومن ثم لا ~~يبغى البحر على الأنهار التى تصب فيه. ولا يغمر مجاريها بمائه الملح.. ~~وبينهما دائما هذا البرزخ من صنع الله، فلا يبغيان. فلا عجب أن يذكر - ~~سبحانه - البحرين، وما بينهما من برزخ، فى مجال الآلاء والنعم... ثم يذكر ~~- سبحانه - بعض نعمه المختبئة فى البحرين فيقول { يخرج منهما ~~اللؤلؤ والمرجان }. و { اللؤلؤ } - فى أصله حيوان، وهو ~~أعجب ما فى البحار، فهو يهبط إلى الأعماق، وهو داخل صدفة جيرية تقيه من ~~الأخطار.. ويفرز مادة لزجة تتجمد مكونة " اللؤلؤ ". والمرجان - أيضا - ~~حيوان يعيش فى البحار.. ويكون جزرا مرجانية ذات ألوان مختلفة صفراء ~~برتقالة ، أو حمراء قرنفلية، أو زرقاء زمردية. ومن اللؤلؤ والمرجان تتخذ ~~الحلى الغالية الثمن، العالية القيمة، التى تتحلى بها النساء.. والآية ~~الكريمة صريحة فى أن اللؤلؤ والمرجان يخرجان من البحرين - الملح والعذب - ~~إلا أن كثيرا من المفسرين ساروا على أنه - أى اللؤلؤ والمرجان - يخرج من ~~أحدهما فحسب، وهو البحر الملح.. قال الآلوسى ما ملخصه واللؤلؤ صغار الدر، ms4870 ~~والمرجان كباره.. وقيل العكس.. والمشاهد أن خروج " اللؤلؤ والمرجان " من ~~أحدهما وهو الملح.. لكن لما التقيا وصارا كالشىء الواحد جاز أن يقال ~~يخرجان منهما، كما يقال يخرجان من البحر، ولا يخرجان من جميعه، ولكن من ~~بعضه، كما تقول خرجت من البلد، وإنما خرجت من محلة من محاله، بل من دار ~~واحدة من دوره، وقد يسند إلى الإثنين ما هو لأحدهما، كما يسند إلى ~~الجماعة ما صدر من واحد منهم. # .. والحق أن ما سار عليه الإمام الآلوسى وغيره من أن اللؤلؤ والمرجان ~~يخرجان من البحر الملح لا من البحر العذب، مخالف لما جاء صريحا فى قوله - ~~تعالى - # وما يستوي البحران هذا عذب فرات سآئغ شرابه ~~وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا ~~وتستخرجون حلية تلبسونها... # فإن هذه الآية صريحة فى أن اللؤلؤ والمرجان يخرجان من كلا البحرين الملح ~~والعذب، وقد أثبتت البحوث العلمية صحة ذلك، فقد عثر عليهما فى بعض ~~الأنهار العذبة، التى فى ضواحى ويلز واسكتلاندا فى بريطانيا... ثم بين - ~~سبحانه - نعمة أخرى من نعمه التى مقرها البحار فقال { وله الجوار ~~المنشئات في البحر كالأعلام فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان }. والجوار أى السفن الجارية، فهى صفة لموصوف محذوف دل عليه ~~متعلقه، وهو قوله - تعالى - { في البحر }. والمنشآت جمع منشأة - اسم ~~مفعول - أى مرفوعة الشراع، وهو ما يسمى بالقلع، من أنشأ فلان الشىء، إذا ~~رفعه عن الأرض، وأنشأ فى سيره إذا اسرع.. أى وله - سبحانه - وحده لا ~~لغيره، التصرف المطلق فى السفن المرفوعة القلاع والتى تجرى فى البحر، وهى ~~تشبه الجبال فى ضخامتها وعظمتها. والتعبير بقوله - تعالى - { وله } ~~للاشعار بأن كونهم هم الذين صنعوها لا يخرجها عن ملكه - تعالى - وتصرفه، ~~إذ هو الخالق الحقيقى لهم ولها، وهو الذى سخر تلك السفن لتشق ماء البحر ~~بأمره. ومن الآيات الكثيرة التى تشبه هذه الآية فى دلالتها على قدرة الله ~~- تعالى - وعلى مننه على عباده بهذه السفن التى تجرى فى البحر بأمره. ~~قوله - تعالى - # ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام إن يشأ ~~يسكن الريح ms4871 فيظللن رواكد على ظهره إن في ~~ذلك لآيات لكل صبار شكور أو يوبقهن بما ~~كسبوا ويعف عن كثير # وبعد هذا الحديث المتنوع عن مظاهر قدرة الله - تعالى -، ونعمه على ~~عباده.. جاء الحديث عن تفرده - تعالى - بالبقاء، بعد فناء جميع المخلوقات ~~التى على ظهر الأرض، وعن افتقار الناس إليه وحده - سبحانه - وغناه عنهم ~~فقال - تعالى - { كل من عليها فان... }. ### || [55.26-36] # والضمير فى { عليها } يعود إلى الأرض بقرينة المقام، والمراد بمن ~~عليها كل من يعيش فوقها، ويدخل فيهم دخولا أوليا بنو آدم، لأنهم هم ~~المقصودون بالخطاب، ولذا جىء بمن الموصولة الخاصة بالعقلاء. أى كل من على ~~الأرض من إنسان وحيوان وغيرهما سائر إلى الزوال والفناء { ويبقى ~~وجه ربك } وذاته بقاء لا تغير معه ولا زوال، فهو - سبحانه - { ذو ~~الجلال } أى ذو العظمة والاستغناء المطلق { والإكرام } أى ~~والفضل التام، والإحسان الكامل.. وقال - سبحانه - { ويبقى وجه ~~ربك } ولم يقل ويبقى وجه ربكما. كما فى قوله { فبأي آلاء ~~ربكما... }. لأن الخطاب للنبى - صلى الله عليه وسلم - على سبيل ~~التكريم والتشريف، ويدخل تحته كل من يتأتى له الخطاب على سبيل التبع. قال ~~القرطبى لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة هلك أهل الأرض، فنزلت # كل شيء هالك إلا وجهه # فأيقنت الملائكة بالهلاك. وقوله { ويبقى وجه ربك } أى ويبقى ~~الله، فالوجه عبارة عن وجوده وذاته، قال الشاعر # قضى على خلقه المنايا فكل شىء سواه زائل # وهذا الذى ارتضاه المحققون من علمائنا... وقوله - تعالى - { يسأله ~~من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن } بيان ~~لغناه المطلق عن غيره، واحتياج غيره إليه. والمراد باليوم هنا مطلق الوقت ~~مهما قل زمنه، والشأن الأمر العظيم، والحدث الهام.. أى أنه - سبحانه - ~~يسأله من فى السماوات والأرض، سؤال المحتاج إلى رزقه، وفضله، وستره، ~~وعافيته.. وهو - عز وجل - فى كل وقت من الأوقات، وفى كل لحظة من اللحظات، ~~فى شأن عظيم. وأمر جليل، حيث يحدث ما يحدث من أحوال فى هذا الكون، فيحيى ~~ويميت، ويعز ويذل، ويغنى ويفقر، ويشفى ويمرض.. دون أن يشغله شأن ms4872 عن شأن.. ~~قال الآلوسى ما ملخصه قوله { كل يوم هو في شأن } أى كل وقت ~~من الأوقات، هو فى شأن من الشئون، التى من جملتها إعطاء ما سألوا. فإنه - ~~تعالى - لا يزال ينشىء أشخاصا، ويفنى آخرين، ويأتى بأحوال، ويذهب بأحوال، ~~حسبما تقتضيه إرادته المبنية على الحكم البالغة.. أخرج البخارى فى ~~تاريخه، وابن ماجه، وجماعة عن ابى الدرداء، عن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال فى هذه الآية # " من شأنه أن يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع قوما، و يخفض آخرين ". # وسأل بعضهم أحد الحكماء، عن كيفية الجمع بين هذه الآية، وبين ما صح من ~~أن القلم قد جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، فقال " شئون يبديها لا شئون ~~يبتديها ".. وانتصب " كل يوم " على الظرفية، والعامل فيه هو العامل فى ~~قوله - تعالى - { في شأن } وهو ثابت المحذوف، فكأنه قيل هو ثابت فى ~~شأن كل يوم. # .. ثم هدد - سبحانه - الذين يخالفون عن أمره تحذيرا شديدا، فقال { ~~سنفرغ لكم أيه الثقلان فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان }. وجىء بحرف التنفيس الدال على القرب وهو السين للإشعار ~~بتحقق ما أخبر به - سبحانه -. وقوله { نفرغ } من الفراغ، وهو الخلو ~~عما يشغل.. والمراد به هنا القصد إلى الشىء والإقبال عليه، يقال فلان ~~فرغ لفلان وإليه، إذا قصد إليه لأمر ما. والثقلان تثنية ثقل - بفتحتين -، ~~وأصله كل شىء له وزن وثقل، والمراد بهما هنا الإنس والجن. والمعنى سنقصد ~~يوم القيامة إلى محاسبتكم على أعمالكم، وسنجازيكم عليها بما تستحقون، ~~وسيكون هذا شأننا - أيها الثقلان - فى هذا اليوم العظيم. قال صاحب الكشاف ~~قوله { سنفرغ لكم } مستعار من قول الرجل لمن يتهدده، سأفرغ لك، ~~يريد سأتجرد للإيقاع بك من كل ما يشغلنى عنك، حتى لا يكون لى شغل سواه، ~~والمراد التوفر على النكاية فيه، والانتقام منه. ويجوز أن يراد ستنتهى ~~الدنيا وتبلغ آخرها، وتنتهى عند ذلك شئون الخلق التى أرادها بقوله - ~~تعالى - { كل يوم هو في شأن } ، فلا يبقى إلا شأن واحد، وهو ~~جزاؤكم، فجعل ذلك فراغا لهم على طريق المثل... ms4873 وقوله - سبحانه - { ~~يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من ~~أقطار السماوات والأرض فانفذوا... } مقول لقول محذوف، ~~دل عليه ما قبله. والمعشر - برنة مفعل - اسم للجمع الكثير الذى يعد عشرة ~~فعشرة. وقوله { تنفذوا } من النفاذ بمعنى الخروج من الشىء، والأمر ~~منه وهو قوله { فانفذوا } مستعمل فى التعجيز. والأقطار جمع قطر - بضم ~~القاف وسكون الطاء - وهو الناحية الواسعة.. والمعنى سنقصد إلى محاسبتكم ~~ومجازاتكم على أعمالكم يوم القيامة، وسنقول لكم على سبيل التعجيز ~~والتحدى. يا معشر الجن والإنس، إن استطعتم أن تنفذوا وتخرجوا من جوانب ~~السماوات والأرض ومن نواحيهما المتعددة. فانفذوا واخرجوا، و خلصوا أنفسكم ~~من المحاسبة والمجازاة.. وجملة { لا تنفذون إلا بسلطان } ~~بيان للتعجيز المتمثل فى قوله - تعالى - { فانفذوا } ، والسلطان ~~المراد به هنا القدرة والقوة. أى لا تنفذون من هذا الموقف العصيب الذى ~~أنتم فيه إلا بقدرة عظيمة، وقوة خارقة، تزيد على قوة خالقكم الذى جعلكم ~~فى هذا الموقف، وأنى لكم هذه القوة التى أنتم أبعد ما تكونون عنها؟. ~~فالمقصود بالآية الكريمة، تحذير الفاسقين والكافرين، من التمادى فى فسقهم ~~وكفرهم، وبيان أنهم سيكونون فى قبضة الله - تعالى - وتحت سلطانه، وأنهم ~~لن يستطيعوا الهروب من قبضته وقضائه فيهم بحكمه العادل. وشبيه بهذه الآية ~~قوله - تعالى - # فإذا برق البصر وخسف القمر وجمع الشمس ~~والقمر يقول الإنسان يومئذ أين المفر كلا لا ~~وزر إلى ربك يومئذ المستقر # وقوله - سبحانه - { يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس ~~فلا تنتصران } استئناف فى جواب سؤال مقدر عما سيصيبهم إذا ما ~~حاولوا الفرار. والشواظ اللهب الذى لا يخالطه دخان، لأنه قد تم اشتعاله ~~فصار أشد إحراقا. والنحاس المراد به هنا الدخان الذى لا لهب فيه، ويصح أن ~~يراد به الحديد المذاب. أى أنتم لا تستطيعون الهرب من قبضتنا بأى حال من ~~الأحوال، وإذا حاولتم ذلك، أرسلنا عليكم وصببنا على رءوسكم لهبا خالصا ~~فأحرقكم، ودخانا لا لهب معه فكتم أنفاسكم، وفى هذه الحالة لا تنتصران، ~~ولا تبلغان ما تبغيانه، ولا تجدان من يدفع عنكم عذابنا وبأسنا. هذا ~~والمتأمل فى تلك ms4874 الآيات الكريمة. يراها قد صورت بأسلوب بديع تفرد الله - ~~تعالى - بالملك والبقاء، وافتقار الخلائق جميعا إلى عطائه، وأنهم جميعا ~~فى قبضته، ولن يستطيعوا الهروب من حكمه فيهم. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ~~جانبا من أهوال يوم القيامة، ومن العذاب الذى يحيط بالمجرمين، وينزل بهم، ~~فقال - تعالى - { فإذا انشقت... }. ### || [55.37-45] # وجواب " إذا " فى قوله - سبحانه - { فإذا انشقت السمآء ~~فكانت وردة كالدهان } محذوف لتهويل أمره.. وقوله - سبحانه - ~~{ فكانت وردة } تشبيه بليغ، أى فكانت كالوردة فى الحمرة. والوردة ~~جمعها ورود، وهى زهرة حمراء معروفة ذات أغصان شائكة. والدهان ما يدهن به ~~الشىء.. أى فإذا انشقت السماء، فصارت حين انشقاقها وتصدعها، كالوردة ~~الحمراء فى لونها، وكالدهان الذى يدهن به الشىء فى ذوبانها وسيلانها، ~~رأيت ما يفزع القلوب، ويزلزل النفوس من شدة الهول. وشبيه بهذه الآية قوله ~~- تعالى - # ويوم تشقق السمآء بالغمام ونزل الملائكة ~~تنزيلا الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما ~~على الكافرين عسيرا # وقوله - سبحانه - # فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض ~~والجبال فدكتا دكة واحدة فيومئذ وقعت ~~الواقعة وانشقت السمآء فهي يومئذ واهية.. # وقوله - عز وجل - # يوم تكون السمآء كالمهل وتكون الجبال ~~كالعهن ولا يسأل حميم حميما # ثم بين - سبحانه - ما يترتب على هذا الانشقاق والذوبان للسماء من أهوال ~~فقال { فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن }. أى ~~ففى هذا اليوم العصيب، وهو يوم الحشر، لا يسأل عن ذنبه أحد، لا من الإنس ~~ولا من الجن. أى أنهم لا يسألون عن ذنوبهم عند خروجهم من قبورهم، وإنما ~~يسألون عن ذلك فى موقف آخر، وهو موقف الحساب والجزاء، أذ فى يوم القيامة ~~مواقف متعددة. وبذلك يجاب عن الآيات التى تنفى السؤال يوم القيامة، ~~والآيات التى تثبته، كقوله - تعالى - # فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون # وبعضهم يرى أن السؤال المنفى فى بعض الآيات هو سؤال الاستخبار ~~والاستعلام، والسؤال المثبت هو سؤال التوبيخ والتقريع.. عن الأسباب التى ~~جعلتهم ينحرفون عن الطريق المستقيم، ويسيرون فى طريق الفسوق والعصيان.. ~~ثم بين - سبحانه - ما يحل بالمجرمين فى ms4875 هذا اليوم من عذاب فقال { ~~يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي ~~والأقدام فبأي آلاء ربكما تكذبان هذه ~~جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون بينها ~~وبين حميم آن فبأي آلاء ربكما تكذبان }. وقوله ~~{ بسيماهم } أى بعلاماتهم التى تدل عليهم، وهى زرقة العيون. وسواد ~~الوجوه، كما فى قوله - تعالى - # ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله ~~وجوههم مسودة... # وكما فى قوله - سبحانه - # يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ ~~زرقا... # والنواصى جمع ناصية، وهى مقدم الرأس. والأقدام جمع قدم، وهو ظاهر الساق، ~~و " ال " فى هذين اللفظين عوض عن المضاف إليه. والمراد بالطواف فى قوله { ~~يطوفون بينها.. } كثرة التردد والرجوع إليها بين وقت وآخر. ~~والحميم الماء الشديد الغليان والحرارة. # و { آن } أى قد بلغ النهاية فى شدة الحرارة، يقال أنى الحميم، أى ~~انتهى حره إلى أقصى مداه، فهو آن وبلغ الشىء أناه - بفتح الهمزة وكسرها - ~~إذا وصل إلى غاية نضجه وإدراكه، ومنه قوله - تعالى - # يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي ~~إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه # أى نضجه.. أى فى هذا اليوم، وهو يوم الحساب والجزاء { يعرف ~~المجرمون } بسواد وجوههم، وزرقة عيونهم، وبما تعلو أفئدتهم من غبرة ~~ترهقها قترة. فتأخذ الملائكة بالشعر الذى فى مقدمة رءوسهم، وبالأمكنة ~~الظاهرة من سيقانهم، وتقذف بهم فى النار، وتقول لهم على سبيل الإهانة ~~والإذلال هذه جهنم التى كنتم تكذبون بها فى الدنيا أيها المجرمون، ~~فترددوا بين مائها الحار، وبين سعيرها البالغ النهاية فى الشدة. وفى قوله ~~{ فيؤخذ بالنواصي والأقدام } إشارة إلى التمكن منهم تمكنا ~~شديدا، بحيث لا يستطيعون التفلت أو الهرب. وقد ختمت كل آية من هذه الآيات ~~السابقة بقوله - تعالى - { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ~~لأن عقاب العصاة المجرمين، وإثابة الطائعين المتقين، يدل على كمال عدله - ~~سبحانه -، وعلى فضله ونعمته على من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. ~~قال الإمام ابن كثير ولما كان معاقبة العصاة المجرمين، وتنعيم المتقين، ~~ومن فضله. ورحمته، وعدله، ولطفه بخلقه، وكان إنذاره لهم من عذابه وبأسه، ~~مما ms4876 يزجرهم عما هم فيه من الشرك والمعاصى وغير ذلك قال ممتنا بذلك على ~~بريته { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. وكعادة القرآن ~~الكريم فى قرن أحوال الأخيار، بأحوال الأشرار، أو العكس جاء الحديث عما ~~أعده - سبحانه - للمتقين من جزيل الثواب، بعد الحديث عما سينزل بالمجرمين ~~من عقاب فقال - تعالى - { ولمن خاف... }. ### || [55.46-61] # قال الآلوسى قوله - تعالى - { ولمن خاف مقام ربه ~~جنتان... } شروع فى تعديد الآلاء التى تفاض فى الآخرة على المتقين، ~~بعد بيان سوء عاقبة المكذبين. و { مقام } مصدر ميمى بمعنى القيام مضاف ~~إلى الفاعل. أى ولمن خاف قيام ربه عليه وكونه مراقبا له، ومهيمنا عليه ~~فالقيام هنا مثله فى قوله - تعالى - # أفمن هو قآئم على كل نفس بما كسبت... # أو هو اسم مكان. والمراد به مكان وقوف الخلق فى يوم القيامة للحساب.. إذ ~~الخلق جميعا قائمون له - تعالى - كما فى قوله - سبحانه - # يوم يقوم الناس لرب العالمين # والمعنى ولكل من خاف القيام بين يدى ربه للحساب، وخشى هيمنته - سبحانه - ~~عليه، ومجازاته له... لكل من خاف ذلك وقدم فى دنياه العمل الصالح، { ~~جنتان } يتنقل بينهما، ليزداد سروره، وحبوره. قال صاحب الكشاف فإن ~~قلت لم قال { جنتان }؟ قلت الخطاب للثقلين، فكأنه قيل لكل حائفين ~~منكما جنتان. جنة للخائف الإنسى، وجنة للخائف الجنى. ويجوز أن يقال جنة ~~لفعل الطاعات، وجنة لترك المعاصى، لأن التكليف دائر عليهما، وأن يقال جنة ~~يثاب بها وأخرى تضم إليها على وجه التفضل، كقوله - تعالى - # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # وقوله { ذواتآ أفنان } صفة للجنتين. والأفنان جمع فنن - بفتحتين ~~- وهو الغصن. أى جنتان صاحبتا أغصان عظيمة. تمتاز بالجمال واللين ~~والنضرة. ثم وصفهما - سبحانه - بصفات أخرى كريمة فقال { فيهما ~~عينان تجريان } أى فى كل جنة منهما عين تجرى بالماء العذب ~~الفرات.. { فيهما من كل فاكهة زوجان } أى وفيهما كذلك من ~~كل نوع من أنواع الفاكهة صنفان، ليتفكه المتقون ويتلذذوا بتلك الفواكه ~~الكثيرة، التى لا هى مقطوعة، ولا هى ممنوعة. ثم بين - سبحانه - حسن ~~مجلسهم فقال { متكئين على فرش بطآئنها من إستبرق ~~وجنى ms4877 الجنتين دان }. والجملة الكريمة حال من قوله - تعالى - ~~{ ولمن خاف مقام ربه.. }. وعبر - سبحانه - بالاتكاء لأنه من ~~صفات المتنعمين الذين يعيشون عيشة راضية، لاهم معها ولا حزن. والفرش جمع ~~فراش - ككتب وكتاب - وهو ما يبسط على الأرض للنوم أو الاضطجاع. والبطائن ~~جمع بطانة، وهى ما قابل الظهارة من الثياب، ومشتقة من البطن المقابلة ~~للظهر، ومن أقوالهم أفرشنى فلان ظهره وبطنه، أى أطلعنى على سره وعلانيته. ~~والاستبرق الديباج المصنوع من الحرير السميك، وهو من أجود أنواع الثياب. ~~والمعنى أن هؤلاء الذين خافوا مقام ربهم ونهوا أنفسهم عن الهوى، يعيشون ~~فى الجنات حالة كونهم، متكئين فى جلستهم على فرش بطائنها من الديباج ~~السميك. { وجنى الجنتين دان } أى وما يجنى ويؤخذ من الجنتين ~~قريب التناول، دانى القطاف. # فالمراد بقوله تعالى { وجنى الجنتين } ما يجتنى من ثمارهما { ~~دان } من الدنو بمعنى القرب. أى أنهم لا يتعبون أنفسهم فى الحصول على ~~تلك الفواكه، وإنما يقطفون ما يشاءون منها، وهم متكئون على فراشهم ~~الوثير. ثم بين - سبحانه - ألوانا أخرى من نعيمهم فقال { فيهن ~~قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان كأنهن الياقوت ~~والمرجان }. وقوله - سبحانه - { قاصرات الطرف } صفة لموصوف ~~محذوف. والطمث كناية عن افتضاض البكارة. يقال طمث الرجل امرأته - من باب ~~ضرب وقتل -، إذا أزال بكارتها. وأصل الطمث الجماع المؤدى إلى خروج دم ~~الفتاة البكر، ثم أطلق على كل جماع وإن لم يكن معه دم. أى فى هاتين ~~الجنتين اللتين أعدهما - سبحانه - لمن خاف مقامه.. نساء قاصرات عيونهن ~~على أزواجهن، ولا يلتفتن إلى غيرهم. وهؤلاء النساء من صفاتهن - أيضا - ~~أنهن أبكار، لم يلمسهن ولم يزل بكارتهن أحد قبل هؤلاء الأزواج.. وكأن ~~هؤلاء النساء فى صفائهن وجمالهن وحمرة خدودهن.. الياقوت والمرجان. ثم ختم ~~- سبحانه - هذه النعم بقوله { هل جزآء الإحسان إلا ~~الإحسان } والاستفهام لنفى أن يكون هناك مقابل لعمل الخير، سوى ~~الجزاء الحسن، فالمراد بالإحسان الأول، القول الطيب، والفعل الحسن، ~~والمراد بالإحسان الثانى، الجزاء الجميل الكريم على فعل الخير. أى ما ~~جزاء ms4878 من آمن وعمل صالحا، وخاف مقام ربه، ونهى نفسه عن الهوى.. إلا أن ~~يجازى الجزاء الحسن، ويقدم له العطاء الذى يشرح صدره وتقر به عينه. وقد ~~عقب - سبحانه - بعد كل آية من تلك الآيات السابقة بقوله { فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان } لأن كل آية قد اشتملت على نعمة أو نعم ~~عظيمة من شأن العاقل أن يشكر الله - تعالى - عليها شكرا جزيلا. ثم واصلت ~~السورة حتى نهايتها، حديثها عن النعم التى منحها - سبحانه - لمن خاف مقام ~~ربه، فقال - تعالى - { ومن دونهما جنتان... }. ### || [55.62-78] # وقوله - سبحانه - { ومن دونهما جنتان } معطوف على قوله - ~~تعالى - قبل ذلك # ولمن خاف مقام ربه جنتان # ولفظ دون هنا يحتمل أنه بمعنى غير، أى ولمن خاف مقام ربه جنتان، وله - ~~أيضا - جنتان أخريان غيرهما، فهو من باب قوله - سبحانه - # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # قالوا ويشهد لهذا الاحتمال. أن الله - تعالى - قد وصفت هاتين الجنتين ~~بما يقارب وصفه للجنتين السابقتين، وأن تكرير هذه الأوصاف من باب الحض ~~على العمل الصالح الذى يوصل الى الظفر بتلك الجنات، وما اشتملت عليه من ~~خيرات. ويحتمل أن لفظ { دون } هنا بمعنى أقل، أى وأقل من تلك الجنتين ~~فى المنزلة والقدر، جنتان أخريان.. وعلى هذا المعنى سار جمهور المفسرين، ~~ومن المفسرين الذين ساروا على هذا الرأى الإمام ابن كثير، فقد قال - ~~رحمه الله - هاتان الجنتان دون اللتين قبلهما فى المرتبة والفضيلة ~~والمنزلة، بنص القرآن، فقد قال - تعالى - { ومن دونهما جنتان ~~}.. فالأوليان للمقربين، والأخريان لأصحاب اليمين.. والدليل على شرف ~~الأولين على الأخرين وجوه أحدها أنه نعت الأوليين قبل هاتين، والتقديم ~~يدل على الاعتناء، ثم قال { ومن دونهما جنتان } وهذا ظاهر فى ~~شرف المتقدم، وعلوه على الثانى. وقال هناك # ذواتآ أفنان # وهى الأغصان، أو الفنون فى الملاذ وقال ها هنا { مدهآمتان } أى ~~سوداوان من شدة الرى من الماء... وقال الإمام القرطبى فإن قيل كيف لم ~~يذكر أهل هاتين الجنتين، كما ذكر أهل الجنتين الأوليين؟. قيل الجنان ~~الأربع لمن خاف مقام ربه. إلا أن الخائفين مراتب، فالجنتان الأوليان ms4879 ~~لأعلى العباد منزلة فى الخوف من الله - تعالى -، والجنتان الأخريان لمن ~~قصرت حاله فى الخوف من الله - تعالى -. وقال الآلوسى قوله - تعالى - { ~~ومن دونهما جنتان } مبتدأ وخبر أى ومن دون تينك الجنتين فى ~~المنزلة والقدر جنتان أخريان والأكثرون على أن الأوليين للسابقين، وهاتين ~~لأصحاب اليمين.. وقوله { مدهآمتان } صفة للجنتين.. أى هما شديدتا ~~الخضرة، والخضرة إذا اشتدت ضربت إلى السواد من كثرة الرى... ثم فصل - ~~سبحانه - أوصاف هاتين الجنتين فقال { فيهما عينان نضاختان } ~~أى فوارتان بالماء الذى لا ينقطع منهما من النضخ وهو فوران الماء من ~~العيون مع حسنه وجماله. { فيهما فاكهة ونخل ورمان } وعطف ~~- سبحانه - النخل والرمان على الفاكهة مع أنهما منهما، لفضلهما، فكأنهما ~~لما لهما من المزية جنسان آخران. أو - كما يقول صاحب الكشاف - لأن النخل ~~ثمره فاكهة وطعام، والرمان فاكهة ودواء، فلم يخلصا للتفكه، ولذا قال أبو ~~حنيفة - رحمه الله - إذا حلف لا يأكل فاكهة، فأكل رمانا أو رطبا لم يحنث. # ... والضمير فى قوله - تعالى - { فيهن خيرات حسان } يعود إلى ~~الجنات الأربع الجنتين المذكورتين فى قوله - تعالى - # ولمن خاف مقام ربه جنتان # والجنتين المذكورتين هنا فى قوله - سبحانه - { ومن دونهما ~~جنتان }. ولفظ { خيرات } صفة لموصوف محذوف. أى نساء خيرات حسان. ~~أى فى هذه الجنات نساء فاضلات الأخلاق، حسان الخلق والخلق. قال الجمل ~~قوله { خيرات } فيه وجهان أحدهما أنه جمع خيرة بزنة فعلة بسكون ~~العين - يقال امرأة خيرة، وأخرى شرة، والثانى. أنه جمع خيرة المخفف من ~~خيرة بالتشديد، ويدل على ذلك قراءة خيرات - بتشديد الياء... وقوله { ~~حور مقصورات في الخيام } بدل من خيرات. والحور جمع حوراء، ~~وهى المرأة ذات الحور، أى ذات العين التى اشتد بياضها واشتد سوادها فى ~~جمال وحسن.. ومقصورات جمع مقصورة أى محتجبة فى بيتها، قد قصرت نفسها على ~~زوجها.. فهى لا تجرى فى الطرقات.. بل هى ملازمة لبيتها، وتلك صفة النساء ~~الفضليات اللاتى يزورهن من يريدهن، أما هن فكما قال الشاعر # ويكرمها جاراتها فيزرنها وتعتل عن إتيانهن فتعذر # أى فى تلك الجنات نساء خيرات فضليات ms4880 جميلات مخدرات. ملازمات لبيوتهن، لا ~~يتطلعن إلى غير رجالهن.. هؤلاء النساء { لم يطمثهن } أى لم ~~يلمسهن ويباشرهن { إنس قبلهم ولا جآن }. أى لم يجامعهن أحد ~~لا من الإنس ولا من الجن قبل الرجال الذين خصصهن الله - تعالى - لهم.. ~~وقوله { متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان... } ~~حال من قوله - تعالى - # ولمن خاف مقام ربه... # والرفرف مأخوذ من الرف بمعنى الارتفاع، وهو اسم جمع واحده رفرفة، أو ~~اسم جنس جمعى و { خضر } صفة له.. والعبقرى وصف لكل ما كان ممتازا فى ~~جنسه. نادر الوجود فى صفاته والمراد به هنا الثوب الموشى بالذهب، والبالغ ~~النهاية فى الجودة والجمال.. قال القرطبى العبقرى ثياب منقوشة تبسط.. قال ~~القتيبى كل ثوب وشى عند العرب فهو عبقرى. وقال أبو عبيد هو منسوب إلى أرض ~~يعمل فيها الوشى.. ويقال عبقر قرية باليمن تنسج فيها بسط منقوشة. وقال ~~ابن الأنبارى إن الأصل فيه أن عبقر قرية يسكنها الجن ينسب إليها كل فائق ~~جليل، ومنه قول النبى - صلى الله عليه وسلم - فى عمر ابن الخطاب فلم ار ~~عبقريا يفرى فريه... أى هؤلاء الذين خافوا مقام ربهم، قد أسكناهم بفضلنا ~~الجنات العاليات حالة كونهم فيها على الفرش الجميلة المرتفعة. وعلى ~~الأبسطة التى بلغت الغاية فى حسنها وجودتها ودقة وشيها.. ثم ختم - سبحانه ~~- السورة الكريمة بقوله { تبارك اسم ربك ذي الجلال ~~والإكرام }. أى جل شأن الله - تعالى -، وارتفع اسمه الجليل عما لا ~~يليق بشأنه العظيم، فهو - عز وجل - صاحب الجلال. أى العظمة والاستغناء ~~المطلق، والإكرام. أى الفضل التام، والإحسان الذى لا يقاربه إحسان. ~~وبعد فهذا تفسير لسورة " الرحمن " نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا ~~لوجهه ونافعا لعباده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.. ### | [56 - سورة الواقعة] ### || [56.1-26] # افتتحت سورة " الواقعة " بتقرير الحقيقة التى لا شك فيها، وهى أن يوم ~~القيامة حق وأن الحساب حق، وأن الجزاء حق.. وقد اختير الافتتاح بالظرف ~~المتضمن معنى الشرط، لأنه ينبه الأذهان ويحرك النفوس لترقب الجواب. ~~والواقعة من أسماء القيامة كالقارعة، والحاقة، والآزفة.. قال ms4881 الجمل وفى { ~~إذا } هنا أوجه أحدهما أنها ظرف محض، ليس فيها معنى الشرط، والعامل ~~فيها ليس، من حيث ما فيها من معنى النفى، كأنه قيل ينتفى التكذيب بوقوعها ~~إذا وقعت. والثانى أن العامل فيها اذكر مقدرا، الثالث أنها شرطية وجوابها ~~مقدر، أى إذا وقعت الواقعة كان، كيت وكيت، وهو العامل فيها... وقال بعض ~~العلماء والذى يظهر لى صوابه، أن إذا هنا هى الظرفية المتضمنة معنى ~~الشرط، وأن قوله الآنى { إذا رجت الأرض رجا } بدل من قوله { ~~وقعت الواقعة } وأن الجواب إذا هو قوله { فأصحاب ~~الميمنة.. }. وعليه فالمعنى إذا قامت القيامة، وحصلت هذه الأحوال ~~العظيمة، ظهرت منزلة أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة... وقوله - تعالى - { ~~ليس لوقعتها كاذبة } مؤكد لما قبله، من أن وقوع يوم القيامة ~~حق لا ريب فيه. وكاذبة صفة لموصوف محذوف، وهى اسم فاعل بمعنى المصدر.. أى ~~عندما تقع القيامة، لا تكذبها نفس من النفوس التى كانت تجحدها فى الدنيا، ~~بل كل نفس حينئذ تكون مصدقة لها. قال القرطبى قوله { ليس ~~لوقعتها كاذبة } الكاذبة مصدر بمعنى الكذب، والعرب قد تضع ~~الفاعل والمفعول موضع المصدر، كقوله - تعالى - # لا تسمع فيها لاغية # أى لغو.. أى ليس لقيام القيامة كذب ولا تخلف، بل هى واقعة يقينا.. أو ~~الكاذبة صفة والموصوف محذوف، أى ليس لوقعتها حال كاذبة أو نفس كاذبة... ~~وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم ~~القيامة لا ريب فيه... # وقوله - سبحانه - # فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ~~وكفرنا بما كنا به مشركين # ثم بين - سبحانه - ما يترتب على قيام الساعة من أحوال فقال { خافضة ~~رافعة } أى هى خافضة للأشقياء إلى أسفل الدركات وهى رافعة للسعداء ~~إلى أعلى الدرجات. والخفض والرفع يستعملان عند العرب فى المكان والمكانة. ~~وفى العز والإهانة.. ونسب - سبحانه - الخفض والرفع إلى القيامة على سبيل ~~المجاز. والمقصود بالآية الكريمة ترغيب الصالحين فى الازدياد من العمل ~~الصالح، لترفع منزلتهم يوم القيامة، وترهيب الفاسقين من سوء المصير الذى ~~ينتظرهم، إذا ما استمروا فى فسقهم وعصيانهم. ms4882 ويرى بعضهم أن المراد بالخفض ~~والرفع فى هذا اليوم، ما يترتب عليه من تناثر النجوم، ومن تبدل الأرض غير ~~الأرض، ومن صيرورة الجبال كالعهن المنفوش.. وعلى هذا يكون المقصود بالآية ~~التهويل من شأن يوم القيامة، حتى يستعد الخلق لاستقباله، بالإيمان ~~والعمل الصالح، حتى لا يصيبهم فيه ما يصيب العصاة المفسدين، من خزى ~~وهوان. # . والآية الكريمة تسع المعنيين، لأن فى هذا اليوم يرتفع الأخيار وينخفض ~~الأشرار، ولأن فيه - أيضا - # تبدل الأرض غير الأرض والسماوات... # والمراد بالرج فى قوله - تعالى - بعد ذلك { إذا رجت الأرض ~~رجا وبست الجبال بسا... } التحريك الشديد، والاضطراب ~~الواضح. يقال رج فلان الشىء رجا، إذا حركه بعنف وزلزله بقوة.. وقوله { ~~وبست } من البس بمعنى التفتيت والتكسر الدقيق، ومنه قولهم بس فلان ~~السويق، إذا فتته ولته وهيأه للأكل.. أى إذا رجت الأرض وزلزلت زلزالا ~~شديدا، وفتتت الجبال تفتيتا حتى صارت كالسويق الملتوت.. فكانت تلك الجبال ~~كالهباء المنبث أى المتفرق الذى يلوح من خلال شعاع الشمس إذا ما دخل من ~~نافذة.. إذا ما حدث كل ذلك، وجد كل إنسان جزاءه من خير أو شر، # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # فجواب الشرط ما ذكرته الآيات بعد ذلك من حسن عاقبة أصحاب الميمنة وسوء ~~عاقبة أصحاب المشأمة. ومن الآيات الكثيرة، التى وردت فى معنى هذه الآيات ~~قوله - تعالى - # يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا ~~مهيلا # والخطاب فى قوله - تعالى - { وكنتم أزواجا ثلاثة } للناس ~~جميعا، وكان بمعنى صار، والأزواج بمعنى الأصناف والأنواع.. أى وصرتم - ~~أيها الناس - فى هذا اليوم الهائل الشديد، أصنافا ثلاثة، على حسب أحوالكم ~~فى الدنيا.. ثم فصل - سبحانه - الحديث عن الأزواج الثلاثة فقال { ~~فأصحاب الميمنة مآ أصحاب الميمنة وأصحاب ~~المشأمة مآ أصحاب المشأمة والسابقون ~~السابقون }. والمراد بأصحاب الميمنة، أولئك السعداء الذين يؤتون ~~كتبهم يوم القيامة بأيمانهم، أو لأنهم يذهب بهم ذات اليمين إلى الجنة.. ~~أو سموا بذلك، لأنهم ميامين، أى أصحاب بركة على أنفسهم، لأنهم أطاعوا ~~ربهم وخالفوا أهواءهم.. فكانت عاقبتهم الجنة. ms4883 وسمى الآخرون بأصحاب ~~المشأمة، لأنهم مشائيم، أى أصحاب شؤم على أنفسهم، لأنهم طغوا وآثروا ~~الحياة الدنيا، فكانت عاقبتهم النار. أو سموا بذلك، لأنهم يؤتون كتبهم ~~بشمائلهم. أو لأنهم يذهب بهم ذات الشمال إلى النار.. والعرب تسمى الشمال ~~شؤما، كما تسمى اليمين يمنا. والتعبير بقوله { مآ أصحاب ~~الميمنة } للتفخيم والإعلاء من شأنهم، كما أن التعبير بقوله - ~~تعالى - { مآ أصحاب المشأمة } للتحقير والتعجيب من حالهم. ~~وجملة { مآ أصحاب الميمنة } مكونة من مبتدأ - وهو ما ~~الاستفهامية -، وخبر وهو ما بعدها، وهذه الجملة خبر لقوله { فأصحاب ~~الميمنة }. ووضع فيها الاسم الظاهر موضع الضمير للتفخيم، بخلاف ~~وضعه فى أصحاب المشأمة، فهو للتشنيع عليهم. وشبيه بهذا الأسلوب قوله - ~~تعالى - # الحاقة ما الحاقة # و # القارعة ما القارعة # ولا يؤتى بمثل هذا التركيب إلا فى مواضع التفخيم، أو التعجيب.. والمعنى ~~فأصحاب الميمنة، أى شىء هم فى أحوالهم وصفاتهم الكريمة، وأصحابه المشأمة، ~~أى شىء هم فى أحوالهم وصفاتهم القبيحة؟. وقد ترك هذا الاستفهام التعجيبى ~~على إبهامه، لتذهب النفس فيه كل مذهب من الثواب أو العقاب.. وقوله { ~~والسابقون السابقون } هؤلاء هم الصنف الثالث، وهم الذين سبقوا ~~غيرهم إلى كل قول أو فعل فيه طاعة لله - تعالى - وتقرب إلى جلاله. ~~والأظهر فى إعراب مثل هذا التركيب، أنه مبتدأ وخبر، على عادة العرب فى ~~تكريرهم اللفظ، وجعلهم الثانى خبرا عن الأول، ويعنون بذلك أن اللفظ ~~المخبر عنه، معروف خبره، ولا يحتاج إلى تعريفه، كما فى قول الشاعر # أنا ابو النجم وشعرى شعرى # يعنى أن شعرى هو الذى أتاك خبره، وانتهى إليك وصفه.. والمعنى والسابقون ~~هم الذين اشتهرت أحوالهم. وعرفت منزلتهم، وبلغت من الرفعة مبلغا لا يفى ~~به إلا الإخبار عنهم بهذا الوصف. وحذف - سبحانه - المتعلق فى الآية ~~لإفادة العموم، أى هم السابقون إلى كل فضل ومكرمة وطاعة.. وأخرهم - ~~سبحانه - عن أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة، لتشويق السامع إلى معرفة ~~أحوالهم، وبيان ما أعد لهم من ثواب عظيم، فصله بعد ذلك فى قوله - تعالى - ~~{ أولئك المقربون في جنات النعيم... } أى ~~والسابقون غيرهم إلى كل ms4884 فضيلة وطاعة، أولئك هم المقربون عند الله - تعالى ~~- وأولئك هم الذين مقرهم جنات النعيم. فالجملة الكريمة مستأنفة استئنافا ~~بيانيا، لأنها جواب يثيره فى النفوس قوله - تعالى - { والسابقون ~~السابقون } و { أولئك } مبتدأ، وخبره ما بعده. وما فيه من ~~معنى البعد، مع قرب العهد بالمشار إليه، للإشعار يسمو منزلتهم عند الله ~~- تعالى - ولفظ { المقربون } مأخوذ من القربة بمعنى الخطوة، وهو ~~أبلغ من القريب، للدلالة صيغته على الاصطفاء والاختباء.. أى أولئك هم ~~المقربون من ربهم - عز وجل - قربا لا يعرف أحد مقداره. وقوله - سبحانه - ~~{ في جنات النعيم } بيان لمظهر من مظاهر آثار هذا التقرب. قال ~~الآلوسى وقوله { في جنات النعيم } متعلق بقوله { ~~المقربون } أو بمضمر هو حال من ضميره، أى كائنين فى جنات النعيم. ~~وعلى الوجهين. فيه إشارة إلى أن قربهم محض لذة وراحة، لا كقرب خواص الملك ~~القائمين بأشغاله عنده، بل كقرب جلسائه وندمائه الذين لا شغل لهم، ولا ~~يرد عليهم أمر أو نهى، ولذا قيل { جنات النعيم } دون جنات الخلود ~~ونحوه... ثم قال - تعالى { ثلة من الأولين وقليل من ~~الآخرين } والثلة الجماعة الكثيرة من الناس، وأصلها القطعة من الشىء.. ~~وهى خبر لمبتدأ محذوف، وللمفسرين فى المراد بالثلة من الأولين، وبالقليل ~~من الآخرين، اتجاهان أولهما يرى أصحابه أن المراد بقوله { ثلة من ~~الأولين } أولئك السابقون من الأمم الكثيرة السابقة على الأمة ~~الإسلامية، وهم الذين صدقوا أنبياءهم وعزروهم ونصروهم. # والمراد بقوله { وقليل من الآخرين } المؤمنون من هذه الأمة ~~الإسلامية. وعلى هذا المعنى صار صاحب الكشاف. فقد قال الثلة، الأمة ~~الكثيرة من الناس، قال الشاعر # وجاءت إليهم ثلة خندقية بجيش كتيار من السيل مزبد # وقوله - عز وجل - { وقليل من الآخرين } كفى به دليلا على ~~الكثرة - أى فى لفظ { ثلة } - وهو من الثل وهو الكسر - كأنها جماعة ~~كسرت من الناس وقطعت منهم. والمعنى أن السابقين من الأولين كثير، وهم ~~الأمم من لدن آدم - عليه السلام - إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -.. { ~~وقليل من الآخرين } ، وهم أمة محمد - صلى الله عليه وسلم-. ~~وأما الاتجاه الثانى فيرى ms4885 أصحابه، أن الخطاب فى قوله - تعالى - { ~~وكنتم أزواجا ثلاثة } للأمة الإسلامية خاصة، وأن المراد ~~بقوله { ثلة من الأولين } صدر هذه الأمة الاسلامية. وأن ~~المراد بقوله - تعالى - { وقليل من الآخرين } من أتى بعد صدر ~~هذه الأمة إلى يوم القيامة. وقد أفاض الإمام ابن كثير فى ترجيح هذا ~~القول، فقال ما ملخصه وقد اختلفوا فى المراد بقوله { ثلة من ~~الأولين وقليل من الآخرين } فقيل المراد بالأولين الأمم ~~الماضية، وبالآخرين من هذه الأمة.. وهو اختيار ابن جرير. وهذا الذى ~~اختاره ابن جرير ههنا فيه نظر، بل هو قول ضعيف، لأن هذه الأمة، هى خير ~~الأمم بنص القرآن. فيبعد أن يكون المقربون أكثر منها، اللهم إلا أن يقابل ~~مجموع الأمم بهذه الأمة.. فالقول الراجح أن يكون المراد بقوله - تعالى - ~~{ ثلة من الأولين } أى من صدر هذه الأمة. والمراد بقوله { ~~وقليل من الآخرين } أى من هذه الأمة.. وروى عن الحسن أنه قال ~~أما السابقون فقد مضوا، ولكن اللهم اجعلنا من أصحاب اليمين. وقد رجح بعض ~~العلماء القول الأول فقال ما ملخصه وقد اختلف أهل العلم فى المراد بهذه ~~الثلة من الأولين، وهذا القليل من الآخرين المذكورين هنا. كما اختلفوا فى ~~الثلتين المذكورتين فى قوله - تعالى - بعد ذلك # ثلة من الأولين وثلة من الآخرين # وظاهر القرآن يفيد فى هذا المقام أن الأولين فى الموضعين من الأمم ~~الماضية، والآخرين فيهما من هذه الأمة. وأن قوله - تعالى - { ثلة ~~من الأولين وقليل من الآخرين } فى السابقين خاصة. وأن ~~قوله - تعالى - # ثلة من الأولين وثلة من الآخرين # فى أصحاب اليمين خاصة. وذلك لشمول الآيات لجميع الأمم، إذ قوله - تعالى ~~- { وكنتم أزواجا ثلاثة } خطاب لجميع أهل المحشر، فظهر أن ~~السابقين وأصحاب اليمين. منهم من هو من الأمم السابقة، ومنهم من هو من ~~هذه الأمة.. ولا غرابة فى أن يكون السابقون من الأمم السابقة أكثر. # . لأن الأمم الماضية أمم كثيرة.. وفيهم أنبياء كثيرون. وأما أصحاب ~~اليمين من هذه الأمة، فيحتمل أن يكونوا أكثر من أصحاب اليمين من جمع ~~الأمم، لأن الثلة تتناول ms4886 العدد الكثير وقد يكون أحد العددين.. الكثيرين، ~~أكثر من الآخر، مع أنهما كلاهما كثير. ولهذا تعلم أن ما دل عليه ظاهر ~~القرآن واختاره ابن جرير. لا ينافى ما جاء من أن نصف أهل الجنة من هذه ~~الأمة... ثم بين - سبحانه - ما أعده هؤلاء السابقين بالخيرات من عطاء ~~كريم، فقال { على سرر موضونة }. والسرر جمع سرير، وهو ما ~~يستعمله الإنسان لنومه أو الاتكاء عليه فى جلسته. والموضونة أى المنسوجة ~~بالذهب نسجا محكما، لراحة الجالس عليها ولتكريمه، يقال وضن فاان الغزل ~~يضنه، إذا نسجه نسجا متقنا جميلا. أى مستقرين على سرر قد نسجت أطرافها ~~بالذهب وبما يشبهه، نسجا بديعا يشرح الصدر. فقوله { على سرر ~~موضونة } حال من المقربين.. ومثله قوله { متكئين عليها ~~متقابلين } أى مضطجعين عليها اضطجاع الذى امتلأ قلبه بالراحة، ~~وفراغ البال من كل ما يشغله، وقد قابل وجه كل واحد منهم وجه الآخر، ليتم ~~سرورهم ونعيمهم، إذ تقابل وجوه الأحباب يزيد الأنس والبهجة. { يطوف ~~عليهم ولدان مخلدون } أى يدور عليهم من أجل خدمتهم ~~غلمان، شبابهم باق لا يتغير، وهيئتهم الجميلة على حالها لا تتبدل، فهم ~~دائما على تلك الهيئة المنعوتة بالشباب والمنظر الحسن. { بأكواب ~~وأباريق وكأس من معين } أى يطوفون عليهم، بأكواب أى ~~باقداح لا عرا لها، وأباريق، أى وبأوان ذات عرا { وكأس من ~~معين } أى وبإناء مملوء بالخمر الكثير الجارى فقوله { معين } من ~~المعن بمعنى الكثرة. { لا يصدعون عنها.. } أى لا يصيبهم صداع ~~أو تعب بسبب شرب هذه الخمر. فعن هنا بمعنى باء السببية. قوله { ولا ~~ينزفون } أى ولا تذهب الخمر عقولهم، كما تفعل خمر الدنيا بشاربيها، ~~مأخوذ من النزف، بمعنى اختلاط العقل. وقوله { وفاكهة مما ~~يتخيرون } أى ويطاف عليهم بفاكهة يتلذذون بأكلها، وهذه الفاكهة ~~تأتيهم من كل نوع، على حسب ما يريدون ويشتهون. { ولحم طير مما ~~يشتهون } مما يحبونه ويختارونه من هذه اللحوم الطيبة المحببة إلى ~~النفوس، يطاف عليهم به - أيضا -. وقوله { وحور عين } معطوف على قوله ~~{ ولدان مخلدون } أى ويطوف عليهم - أيضا - نساء عيونهن شديدة ~~البياض والسواد ms4887 فى سعة وجمال. وهؤلاء الحور العين { كأمثال ~~اللؤلؤ المكنون } أى يشبهن اللؤلؤ المكنون الذى لم تلمسه ~~الأيدى، فى صفاء بياضهن، وفى شدة جمالهن. وقوله - سبحانه - { جزآء ~~بما كانوا يعملون } بيان للأسباب التى أوصلتهم إلى هذا النعيم ~~الكبير.. ولفظ { جزآء } منصوب على أنه مفعول لأجله لفعل محذوف، أى ~~أعطيناهم هذا العطاء الجزيل، جزاء مناسبا بسبب ما كانوا يعملونه فى ~~الدنيا من أعمال صالحة. # قوله - تعالى - { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما ~~إلا قيلا سلاما سلاما } تتميم للنعم التى أنعم - سبحانه - ~~عليهم بها فى الجنة. واللغو الكلام الساقط الذى لا فائدة منه، ولا وزن ~~له. يقال لغا فلان يلغو. إذا قال كلاما يلام عليه. والتأثيم مصدر إثم، ~~إذا نسب غيره إلى الإثم وفعل ما لا يليق. أى أن هؤلاء المقربين لا ~~يسمعون فى الجنة كلاما لا يعتد به، ولا يسمعون - أيضا - كلاما سيئا أو ~~قبيحا، بأن ينسب بعضهم إلى بعض ما لا يليق به، وإنما الذى يسمعونه هو ~~الكلام الطيب المشتمل على الأمان المتكرر، والتحية الدائمة. ولفظ { ~~سلاما } الأول، بدل من قوله { قيلا } أو نعت له.. أى سالما من ~~العيوب. والتكرير لهذا اللفظ القصد منه التأكيد، والإشعاربكثرة تحيتهم ~~بهذا اللفظ الدال على المحبة والوئام. أى لا يسمعون فى الجنة إلا سلاما ~~إثر سلام، وتحية فى أعقاب تحية، ومودة تتلوها مودة. والاستثناء منقطع، ~~لأن السلام لا يندرج تحت اللغو، وهو من تأكيد المدح بما يشبه الذم، و { ~~قيلا } بمعنى قولا، وهو منصوب على الاستثناء.. وإلى هنا نجد الآيات ~~الكريمة، قد بينت أقسام الناس يوم القيامة، وفصلت ما أعده - سبحانه - ~~للسابقين، من عطاء جزيل، وفضل عميم. وبعد هذا الحديث الزاخر بالخيرات ~~والبركات عن السابقين.. جاء الحديث عن أصحاب اليمين وعما أعده الله - ~~تعالى - لهم من ثواب فقال - سبحانه - { وأصحاب اليمين... }. ### || [56.27-40] # قال الآلوسى قوله - تعالى - { وأصحاب اليمين... } شروع فى بيان ~~تفاصيل شئونهم، بعد بيان شئون السابقين. وأصحاب مبتدأ وقوله { مآ ~~أصحاب اليمين } جملة استفهامية مشعرة بتفخيمهم، والتعجب من ~~حالهم، وهى خبر المبتدأ.. أو معترضة، ms4888 والخبر قوله { في سدر ~~مخضود... }. والسدر شجر النبق، واحده سدرة، ومخضود. أى منزوع الشوك، ~~يقال خضد فلان الشجر، إذا قطع الشوك الذى به فهو خضيد ومخضود، أو مخضود ~~بمعنى ملىء بالثمر حتى تثنت أغصانه، من خضدت الغصن، إذا ثنيته وأملته إلى ~~جهة أخرى. أى وأصحاب اليمين، المقول فيهم ما أصحاب اليمين على سبل ~~التفخيم، مستقرون يوم القيامة فى حدائق مليئة بالشجر الذى خلا من الشوك ~~وامتلأ بالثمار الطيبة، التى تثنت أغصانها لكثرتها.. قال القرطبى وذكر ~~ابن المبارك قال حدثنا صفوان عن سليم بن عامر قال # " كان أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - يقولون إنه لينفعنا الأعراب ~~ومسائلهم. قال أقبل أعرابى يوما فقال يا رسول الله، لقد ذكر الله فى ~~القرآن شجرة مؤذية، وماكنت أرى فى الجنة شجرة تؤذى صاحبها؟ فقال - صلى ~~الله عليه وسلم - وما هى؟ قال السدر، فإن له شوكا مؤذيا، فقال - صلى الله ~~عليه وسلم - ألم يقل الله - تعالى - { في سدر مخضود }؟ خضد الله ~~- تعالى - شوكه فجعل مكان كل شوكة ثمرة ". # وقوله - تعالى - { وطلح منضود } بيان لنعمة ثانية. والطلح قالوا ~~هو شجر الموز. واحدة طلحة، والمنضود المتراكب بعضه فوق بعض، بحيث صار ~~ثمره متراصا على هيئة جميلة تسر الناظرين. فقوله { منضود } اسم مفعول ~~من النضد وهو الرص. يقال نضد فلان متاعه، - من باب ضرب - إذا وضع بعضه ~~فوق بعض بطريقة منسقة جميلة، ومنه قوله - تعالى - # والنخل باسقات لها طلع نضيد # وقوله - سبحانه - { وظل ممدود } أى متسع منبسط، بحيث لا يزول ~~كما يزول الظل فى الدنيا، ويحل محله ضوء الشمس. أخرج الشيخان وغيرهما عن ~~أبى هريرة - رضى الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال # " إن فى الجنة شجرة يسير الراكب فى ظلها عاما - وفى رواية مائة عام - ~~اقرءوا إن شئتم { وظل ممدود } ". # وقوله - سبحانه - { ومآء مسكوب } أى وفيها ماء كثير مصبوب يجرى ~~على الأرض، ويأخذون منه ما شاءوا، بدون جهد أو تعب. يقال سكب فلان الماء ~~سكبا، إذا صبه بقوة وكثرة. وقوله - تعالى - { وفاكهة كثيرة لا ms4889 ~~مقطوعة ولا ممنوعة } أى وهم بجانب كل ذلك يتلذذون فى الجنة ~~بفاكهة كثيرة، هذه الفاكهة ليست مقطوعة عنهم فى وقت من الأوقات، ولا ~~تمتنع عن طالبها متى طلبها. # وجمع - سبحانه - بين انتفاء قطعها ومنعها، للإشعار بأن فاكهة الجنة ~~ليست كفاكهة الدنيا فهى تارة تكون مقطوعة، لأنها لها أوقاتا معينة تظهر ~~فيها، وتارة تكون موجودة ولكن يصعب الحصول عليها، لامتناع أصحابها عن ~~إعطائها. وقوله - تعالى - { وفرش مرفوعة } أى وفيها - أيضا - ~~فرش منضدة، قد ارتفعت عن الأرض، ليتكىء عليها أهل الجنة وأزواجهم. ~~والضمير فى قوله - تعالى - { إنآ أنشأناهن إنشآء... } عائد ~~إلى غير مذكور، إلا أنه يفهم من سياق الكلام. لأن الحديث عن الفرش ~~المرفوعة يشير إلى من يجلس عليها، وهم الرجال ونساؤهم، أى نساؤهم من أهل ~~الدنيا أو الحور العين، ويرى بعضهم أنه يعود إلى مذكور، لأن المراد ~~بالفرش النساء، والعرب تسمى المرأة لباسا، وإزارا، وفراشا. والإنشاء ~~الخلق والإيجاد. فيشمل إعادة ما كان موجودا ثم عدم، كما يشمل الإيجاد ~~على سبيل الابتداء. أى إنا أنشأنا هؤلاء النساء المطهرات من كل رجس حسى ~~أو معنوى، إنشاء جميلا، يشرح الصدور. { فجعلناهن } بقدرتنا { ~~أبكارا } أى فصيرناهن أبكارا ليكون ذلك أكثر تلذذا بهن. قال الآلوسى ~~وفى الحديث الذى أخرجه الطبرانى عن أبى سعيد مرفوعا إن أهل الجنة إذا ~~جامعوا نساءهم، عدن أبكارا. وقوله { عربا أترابا } صفة أخرى من ~~صفات هؤلاء النساء الفضليات الجميلات. وقوله { عربا } جمع عروب - كرسل ~~ورسول - من أعرب فلان فى قوله إذا نطق بفصاحة وحسن بيان. وأترابا جمع ترب ~~- بكسر التاء وسكون الراء - وترب الإنسان هو ما كان مساويا له فى السن. ~~أى إنا أنشأنا هؤلاء النساء على تلك الصورة الجميلة، فجعلناهن أبكارا كما ~~جعلناهن - أيضا - محببات إلى أزواجهن، ومستويات فى سن واحدة. روى الترمذى ~~عن الحسن قال # " أتت عجوز فقالت يا رسول الله ادع الله - تعالى - أن يدخلنى الجنة، ~~فقال - صلى الله عليه وسلم - " يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز، فولت ~~تبكى ". فقال - صلى الله عليه وسلم - أخبروها أنها لا ms4890 تدخلها وهى عجوز، ~~إن الله - تعالى - يقول { إنآ أنشأناهن إنشآء ~~فجعلناهن أبكارا عربا أترابا... } ". # واللام فى قوله { لاصحاب اليمين } متعلقة بأنشأناهن، أو ~~جعلناهن. أى أنشأناهن كذلك، ليكن فى صحبة أصحاب اليمين، على سبيل التكريم ~~لهم.. وقوله { ثلة من الأولين وثلة من الآخرين } ~~خبر لمبتدأ محذوف. أى أصحاب اليمين جماعة كبيرة منهم من الأمم الماضية، ~~وجماعة كبيرة أخرى من هذه الأمة الإسلامية. وبذلك نرى أن الله - تعالى - ~~قد ذرك لنا ألوانا من النعم التى أنعم بها على أصحاب اليمين. كما ذكر قبل ~~ذلك ألوانا أخرى مما أنعم به على السابقين. # قال الآلوسى ولم يقل - سبحانه - فى حق أصحاب اليمين # جزآء بما كانوا يعملون # كما قال - سبحانه - ذلك فى حق السابقين، رمزا إلى أن الفضل فى حقهم ~~متمحض، كأن عملهم لقصوره عن عمل السابقين، لم يعتبر اعتباره. ثم الظاهر ~~أن ما ذكر من أصحاب اليمين، هو حالهم الذى ينتهون إليه فلا ينافى أن يكون ~~منهم من يعذب لمعاص فعلها، ومات غير تائب عنها، ثم يدخل الجنة.... وبعد ~~هذا الحديث الذى يشرح الصدور، ويقر العيون، وترتاح له الأفئدة. عن ~~السابقين وعن أصحاب اليمين.. جاء الحديث عن أصحاب الشمال، وهم الذين ~~استحبوا العمى على الهدى وآثروا الغى على الرشد، فقال - تعالى - { ~~وأصحاب الشمال... }. ### || [56.41-56] # وقوله - تعالى - { وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال } ~~أى ما قصة هؤلاء القوم؟ وما حالهم؟ وما جزاؤهم؟.. ثم بين - سبحانه - ذلك ~~فقال { في سموم وحميم } والسموم الريح الشديدة الحرارة. التى ~~تدخل فى مسام الجسد، فكأنها السم القاتل. والحميم الماء الذى بلغ النهاية ~~فى الغليان. أى هم فى الآخرة مستقرون فيما يهلكهم من الريح الحارة، ~~والماء الشديد الغليان. وهم كذلك فى { ظل من يحموم } أى فى دخان ~~أسود شديد يخنق أنفاسهم، والعرب يقولون لكل شىء شديد السواد أسود يحموم، ~~مأخوذ من الشىء الأحم، وهو الأسود من كل شىء، ومثله الحمم. و { من } فى ~~قوله { من يحموم } للبيان. إذ الظل هنا هو نفس اليحموم وتسميته ظلا ~~من باب التهكم بهم. وقوله - تعالى - { لا ms4891 بارد ولا كريم } ~~صفتان للظل. أى هذا الظل لا شىء فيه من البرودة التى يستروح بها من الحر. ~~ولا شىء فيه من النفع لمن يأوى إليه. فهاتان الصفتان لبيان انتفاء ~~البرودة والنفع عنه، ومتى كان كذلك انتفت عنه صفات الظلال التى يحتاج ~~إليها. قال صاحب الكشاف قوله - تعالى - { لا بارد ولا كريم } ~~نفى لصفتى الظل عنه، يريد أنه ظل ولكن لا كسائر الظلال سماه ظلا ثم نفى ~~عنه برد الظل وروحه ونفعه لمن يأوى إليه من أذى الحر، ليمحق ما فى مدلول ~~الظل من الاسترواح إليه. والمعنى أنه ظل حار ضار، إلا أن للنفى فى نحو ~~هذا شأنا ليس للإثبات، وفيه تهكم بأصحاب المشأمة، وأنهم لا يستأهلون ~~الظل البارد الكريم، الذى هو لأضدادهم فى الجنة... ثم بين - سبحانه - ~~الأسباب التى أدت بهؤلاء الاشقياء إلى هذا المصير الأليم، فقال - تعالى - ~~{ إنهم كانوا قبل ذلك مترفين } أى إنهم كانوا قبل ذلك ~~العذاب الذى حل بهم، أى كانوا فى الدنيا { مترفين } أى متنعمين ~~بطرين، متبعين لهوى أنفسهم، وسالكين خطوات الشيطان. دون أن يصدهم عن ذلك ~~صاد، أو يردعهم رادع. فالمراد بالترف هنا بطر النعمة، وعدم شكر الله - ~~تعالى - عليها، والمترف هو الذى يتقلب فى نعم الله - تعالى -، ولكنه ~~يستعملها فى المعاصى لا فى الطاعات، وفى الشرور لا فى الخيرات. وقوله - ~~سبحانه - { وكانوا يصرون على الحنث العظيم } بيان لسبب ~~آخر من الأسباب التى أدت بهم إلى هذا المصير السىء. والحنث الذنب الكبير، ~~والمعصية الشديدة، ويندرج تحته الإشراك بالله - تعالى -، وإنكار البعث ~~والجزاء، والحلف الكاذب مع تعمد ذلك. أى وكانوا فى الدنيا يصرون على ~~ارتكاب الذنوب العظيمة، ويتعمدون إتيانها بدون تحرج أو تردد، ومن مظاهر ~~ذلك أنهم أقسموا بالأيمان المغلظة أنه لا بعث ولا حساب، ولا جزاء، كما ~~قال - تعالى - # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من ~~يموت... # ثم حكى - سبحانه - لونا من أقوالهم الباطلة، وحججهم الداحضة فقال { ~~وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما ~~أإنا لمبعوثون أو آبآؤنا الأولون }. أى أنهم فوق ~~ترفهم ms4892 وإصرارهم على ارتكاب الآثام كانوا يقولون - على سبيل الإنكار - ~~لمن نصحهم باتباع الحق أئذا متنا، وانتهت حياتنا ووضعنا فى القبور، وصرنا ~~ترابا وعظاما، أئنا لمبعوثون ومعادون إلى الحياة مرة أخرى؟ وهل آباؤنا ~~الأولون الذين صاروا من قبلنا عظاما ورفاتا يبعثون - أيضا -؟. ولا شك أن ~~قولهم هذا دليل على انطماس بصائرهم، وعلى شدة غفلتهم عن آثار قدرة الله - ~~تعالى - التى لا يعجزها شىء، والتى من آثارها إيجادهم من العدم. ولذا لقن ~~الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - الجواب الذى يخرس ألسنتهم ~~فقال - سبحانه - { قل إن الأولين والآخرين لمجموعون ~~إلى ميقات يوم معلوم }. أى قال لهم - أيها الرسول الكريم - ~~إن الأمم السابقة التى من جملتها آباؤكم. والأمم اللاحقة التى من جملتها ~~أنتم. الكل مجموعون ومسوقون إلى المحشر فى وقت واحد محدد فى علم الله - ~~تعالى -. وعند ما يأتى هذا الوقت ماله من دافع. فالميقات هنا بمعنى الوقت ~~والأجل، والمراد به هنا يوم القيامة. ووصفه - سبحانه - بأنه معلوم، ~~للإشعار بكونه معينا وواقعا وقوعا لا ريب فيه، ولكن فى الوقت الذى يشاؤه ~~الله - تعالى - ويختاره. ثم بين - سبحانه - ما سيحل بهم من عذاب فى هذا ~~اليوم فقال { ثم إنكم أيها الضآلون المكذبون ~~لآكلون من شجر من زقوم... }. والجملة الكريمة معطوفة على ~~قوله - تعالى - { قل إن الأولين والآخرين ~~لمجموعون... } وداخلة فى حيز القول. و { ثم } للتراخى الزمانى ~~أو الرتبى والخطاب للمشركين الذين أعرضوا عن دعوة النبى - صلى الله عليه ~~وسلم -. و { من } فى قوله { من شجر } ابتدائية، وفى قوله { من ~~زقوم } بيانية. وشجر الزقوم لا وجود له فى الدنيا، وإنما يخلقه الله ~~- تعالى - فى النار كما يخلق غيره من أصناف العذاب، كالحيات والعقارب.. ~~وقيل هو شجر سام، متى مسه جسد إنسان، تورم هذا الإنسان ومات ويوجد هذا ~~الشجر فى الأراضى المجدبة المجاورة للصحراء. والزقوم من التزقم، وهو ~~ابتلاع الشىء الكريه، بمشقة شديدة.. والمعنى ثم قل لهم - أيها الرسول ~~الكريم - على سبيل التقريع والتبكيت إنكم أيها الضالون عن الحق. المكذبون ~~بالبعث والجزاء، لآكلون يوم القيامة ms4893 من شجر، هو شجر الزقوم، الذى هو أخبث ~~الشجر وأبشعه.. { فمالئون منها البطون } أى فمالئون من هذه ~~الشجرة الخبيثة بطونكم، لشدة الجوع الذى حل بكم. # . وجاء الضمير مؤنثا فى قوله { منها } لأن الشجر هنا بمعنى الشجرة، ~~أو لأن ضمائر الجمع لغير العاقل تأتى مؤنثة فى الغالب. ثم قال - تعالى - ~~{ فشاربون عليه من الحميم فشاربون شرب الهيم } ~~والضمير فى قوله { عليه } يعود على الأكل المستفاد من قوله { ~~لآكلون }.. أى ثم إنكم إيها الضالون المكذبون بعد هذا الأكل الخبيث من ~~شجرة الزقوم.. تشربون عليه فى بطونكم - ماء - قد بلغ أقصى درجات الحرارة، ~~فصرتم فى شرابكم كالإبل العطاش التى لا يرويها الماء مهما كثر لأنها ~~مصابة بداء، هذا الداء يمنعها من الشبع منه، فما تزال تشرب منه حتى تهلك. ~~فقوله { الهيم } صفة لموصوف محذوف، أى الإبل الهيم، جمع أهيم للمذكر، ~~وهيماء للمؤنث. والهيام - بضم الهاء - داء يصيب الإبل، يجعلها تشرب فلا ~~تشبع، وما تزال تشرب حتى تهلك، أو تسقم سقما شديدا يؤدى إلى موتها، ~~والفاء فى قوله - تعالى - { فشاربون عليه } عطف على { ~~لآكلون... } لإفادة أن شربهم مع عطشهم الشديد، يأتى بعد أكلهم من ~~الزقوم، بدون مهلة أو استراحة. وقوله { فشاربون شرب... } تأكيد ~~لما قبله، للتنبيه على أن هذا الشراب - مع فظاعته وقبحه - لا مفر منه، ~~ولا انفكاك لهم عنه. ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات بقوله { هذا ~~نزلهم يوم الدين } والنزل ما يعد للضيف من منزل حسن، ومأكل ~~حسن لإكرامه. أى هذا المذكور من أنواع العذاب المهين.. نزلهم ومسكنهم ~~ومقرهم أول قدومهم يوم الجزاء.. فالإشارة بقوله { هذا } إلى ما ذكر ~~قبل ذلك من عذاب مهين، من مظاهره أكلهم من الزقوم، وشربهم من الحميم.. ~~والتعبير عما أعد لهم من عذاب بالنزل، على سبل التهكم، كما فى قول الشاعر # وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا جعلنا القنا والمرهفات له نزلا # وبذلك نرى الآيات الكريمة، وقد بينت ما أعد لأصحاب الشمال، من عذاب ~~مهين، بأسلوب تقشعر من هوله الأبدان.. وبعد هذا الحديث الجامع عن أقسام ~~الناس يوم القيامة، ms4894 وعن جزاء كل قسم... أخذت السورة الكريمة فى إقامة ~~الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وعلى كمال قدرته... وجاءت هذه الأدلة ~~لا عن طريق أمور تخييلية، أو فلسفية، أو غيبية.. وإنما عن طريق أمور ~~يحسونها بأنفسهم، ويشاهدونها بأعينهم.. عن طريق خلقهم، وزروعهم التى ~~يزاولونها بأيديهم، والماء الذى يشربونه، والنار التى يوقدونها.. لنستمع ~~إلى السورة الكريمة، وهى تحكى كل ذلك فتقول { نحن خلقناكم... }. ### || [56.57-74] # وقوله - تعالى - { نحن خلقناكم فلولا تصدقون } رد ~~على إنكار المشركين للبعث والجزاء، ولولا هنا للتحضيض، والفاء لترتيب ~~التحضيض على ما قبله. أى نحن الذين خلقناكم - أيها الجاحدون - هذا الخلق ~~الأول بقدرتنا وحدها، فهلا صدقتم بذلك، وأطعتم رسولنا - صلى الله عليه ~~وسلم - فيما جاءكم به من عندنا، وأيقنتم بأن الأولين والآخرين سيقفون ~~أمامنا يوم القيامة للحساب؟. فالمراد بقوله - تعالى - { خلقناكم } ~~خلقهم من سلاله من طين، ثم جعلهم نطفة فى قرار مكين كما قال - تعالى - # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم ~~جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة ~~علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة ~~عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا ~~آخر فتبارك الله أحسن الخالقين.. # فإن قيل إنهم كانوا يعترفون بأن الله - تعالى - قد خلقهم، بدليل قوله - ~~تعالى - # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله... # فما فائدة قوله - سبحانه - { نحن خلقناكم... }؟ فالجواب أنهم ~~لما كان اعترافهم بمنزلة العدم، حيث أشركوا مع الله - تعالى - آلهة أخرى ~~فى العبادة قيل لهم على سبيل الإلزام والتبكيت { نحن ~~خلقناكم... }. ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك أربعة أدلة على صحة هذا ~~البعث وإمكانه، أما الدليل الأول فتراه فى قوله - تعالى - { ~~أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن ~~الخالقون... }. وقوله { تمنون } مأخوذ من أمنى بمعنى قذف المنى، ~~يقال أمنى الرجل النطفة، إذا قذفها. والاستفهام للتقرير، والرؤية علمية. ~~{ ما } موصولة وهى المفعول الأول لقوله { أفرأيتم } والجملة ~~الفعلية صلة الموصول، والعائد إلى الموصول محذوف. وجملة أأنتم تخلقونه... ~~هو المفعول الثانى. والضمير المنصوب فى قوله { تخلقونه } يعود إلى ~~الاسم الموصول فى قوله { ما تمنون }. أى أخبرونى - أيها ms4895 المشركون ~~عما تصبونه وتقذفونه من المنى فى أرحام النساء؟ أأنتم تخلقون ما تمنونه ~~من النطف علقا فمضغا.. أم نحن الذين خلقنا ذلك؟ لا شك أنكم تعرفون بأننا ~~نحن الذين خلقنا كل ذلك، وما دام الأمر كما تعرفون، فلماذا عبدتم مع الله ~~- تعالى - آلهة أخرى. فالاستفهام للتقرير حيث إنهم لا يملكون إلا ~~الاعتراف بأن الله - تعالى - وحده خلق الإنسان فى جميع أطواره. قال ~~الجمل و { أم } فى هذه المواضع الأربعة منقطعة، لوقوع جملة بعدها، ~~والمنقطعة تقدر ببل والهمزة الاستفهامية، فيكون الكلام مشتملا على ~~استفهامين، الأول أأنتم تخلقونه؟ وجوابه لا. والثانى مأخوذ من { أم } أى ~~بل أنحن الخالقون؟ وجوابه نعم. ثم أكد سبحانه - خلقه لكل شىء، وقدرته على ~~كل شىء. فقال - تعالى - { نحن قدرنا بينكم الموت وما ~~نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم ~~وننشئكم في ما لا تعلمون }. # أى نحن وحدنا الذين قدرنا لموتكم آجالا مختلفة، وأعمارا متفاوتة، فمنكم ~~من يموت صغيرا، ومنكم من يموت كبيرا، وما نحن بمسبوقين، أى وما نحن ~~بمغلوبين على ذلك، بل نحن قادرون قدرة تامة على تحديد آجالكم، فمن حضره ~~أجله فلن يستطيع أن يتأخر عنه ساعة، أو يتقدم عنه ساعة. كما قال - تعالى ~~- # فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون # وقوله - تعالى - { على أن نبدل أمثالكم } متعلق بقوله { ~~نحن قدرنا بينكم الموت... }. والمراد بتبديل أمثالهم ~~إيجاد قوم آخرين من ذرية أولئك الذين ماتوا. والمعنى نحن وحدنا الذين ~~قدرنا بينكم الموت وحددناه على حسب مشيئتنا ونحن الذين فى قدرتنا أن نبدل ~~من الذين ماتوا منكم أشباها لهم، نوجدهم بقدرتنا - أيضا - كما قال - ~~سبحانه - # وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ~~ويستخلف من بعدكم ما يشآء كمآ أنشأكم من ~~ذرية قوم آخرين # ويصح أن يكون قوله - تعالى - { قدرنا } بمعنى قضينا وكتبنا، ويكون ~~قوله { على أن نبدل أمثالكم } متعلق بقوله { ~~بمسبوقين } ، ويكون المراد بتبديل أمثالهم. إيجاد قوم آخرين سواهم. ~~والمعنى نحن الذين وحدنا كتبنا عليكم، وقضيناه على جميع الخلق فكل نفس ~~ذائقة الموت، وما نحن بمغلوبين على إهلاككم، ms4896 وعلى خلق أمثالكم بدلا منكم ~~كما قال - تعالى - # يأيها الناس أنتم الفقرآء إلى الله والله هو ~~الغني الحميد إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق ~~جديد وما ذلك على الله بعزيز # وقوله - سبحانه - { وننشئكم في ما لا تعلمون } بيان للون ~~آخر من ألوان قدرته - تعالى -. أى نحن لسنا بعاجزين ولا بمغلوبين.. على ~~أن نهلككم ونأتى بدلا منكم بغيركم. ولسنا - أيضا - بعاجزين على أن ننشئكم ~~بعد إهلاككم فيما لا تعلمونه من الصور، والهيئات، والصفات. قال صاحب ~~الكشاف قوله - تعالى - { نحن قدرنا بينكم الموت } أى ~~قدرناه تقديرا، وقسمناه عليكم قسمة الرزق على اختلاف وتفاوت كما تقتضيه ~~مشيئتنا فاختلفت أعماركم من قصير وطويل ومتوسط.. وقوله { وما نحن ~~بمسبوقين } يقال سبقته على الشىء إذا أعجزته عنه، وغلبته عليه، ولم ~~تمكنه منه، فمعنى قوله { وما نحن بمسبوقين على أن ~~نبدل أمثالكم } أنا قادرون على ذلك لا تغلبوننا عليه. ~~وأمثالكم جمع مثل - بسكون الثاء - أى على أن نبدل منكم ومكانكم أشباهكم ~~من الخلق { و } على أن { ننشئكم } فى خلق لا تعلمونها وما عهدتم ~~مثلها. يعنى أنا نقدر على الأمرين جميعا على خلق ما يماثلكم وما لا ~~يماثلكم، فيكف نعجز عن إعادتكم. ويجوز أن يكون أمثالكم جمع مثل، بفتحتين ~~أى على أن نبدل ونغير صفاتكم التى أنتم عليها فى خلقكم وأخلاقكم، وننشئكم ~~فى صفات لا تعلمونها. # .. ثم لفت - سبحانه - أنظارهم إلى ما يعلمونه من حالهم فقال { ولقد ~~علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون }. أى والله ~~لقد علمتم النشأة الأولى من خلقكم، حيث أوجدناكم من نطفة فعلقة فمضغة.. ~~فهلا تذكرتم ذلك وعقلتموه، وعرفتم أن من قدر على خلقكم ولم تكونوا شيئا ~~مذكورا.. قادر على إعادتكم إلى الحياة مرة أخرى؟. فالمقصود بهذه الآيات ~~الكريمة إقامة الأدلة الساطعة، على إمكانية البعث وعلى أن من قدر على خلق ~~الإنسان مع العدم قادر على إعادته. قال القرطبى وفى الخبر عجبا كل العجب ~~للمكذب بالنشأة الأخرى، وهو يرى النشأة الأولى. وعجبا للمصدق بالنشأة ~~الآخرة، وهو لا يسعى لدار القرار. ثم انتقتل السورة الكريمة إلى بيان ~~الدليل ms4897 الثانى على صحة البعث وإمكانيته. فقال - تعالى - { أفرأيتم ~~ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ~~لو نشآء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون إنا ~~لمغرمون بل نحن محرومون }. والحرث شق الأرض من أجل ~~زراعتها، والمراد به هنا وضع البذر فيها بعد حرثها. أى أخبرونى عن البذور ~~التى تلقون بها فى الأرض بعد حرثها، أأنتم الذين تنبتونها وتصيرونها زرعا ~~بهيجا نضرا أم نحن الذين نفعل ذلك؟ لا شك أنا نحن الذين نصير هذه البذور ~~زروعا ونباتا يانعا، ولو نشاء لجعلنا هذا النبات { حطاما } أى مكسرا ~~مهشما يابسا لا نفع فيه، فظللتم بسبب ذلك { تفكهون } أى فصرتم بسبب ~~ما أصاب زرعكم من هلاك، تتعجبون مما أصابه، وتتحسرون على ضياع أموالكم، ~~وتندمون على الجهد الذى بذلتموه من غير فائدة.. وأصل التفكه التنقل فى ~~الأكل من فاكهة إلى أخرى، ثم استعير للتنقل من حديث إلى آخر، وهو هنا ما ~~يكون من أحاديثهم المتنوعة بعد هلاك الزرع. والمراد بالتفكه هنا التعجب ~~والندم والتحسر على ما أصابهم. وقوله - سبحانه - { إنا لمغرمون ~~} مقول لقول محذوف. أى فصرتم بسبب تحطيم زروعكم تتعجبون، وتقولون على ~~سبيل التحسر إنا لمهلكون بسبب هلاك أقواتنا، من الغرام بمعنى الهلاك. أو ~~إنا لمصابون بالغرم والاحتياج والفقر، بسبب ما أصاب زرعنا. من الغرم وهو ~~ذهاب المال بلا مقابل. وتقولون - أيضا - { بل نحن محرومون } من ~~منافع هذا الزرع الذى كنا نعلق الآمال على الانتفاع به، والاستفادة ~~بثماره.. قال الإمام القرطبى - رحمه الله - عند تفسيره لهذه الآيات ~~والمستحب لكل من يلقى البذر فى الأرض أن يقرأ بعد الاستعاذة { ~~أفرأيتم ما تحرثون... } الآيات. ثم يقول بل الله الزارع، ~~والمنبت والمبلغ. اللهم صلى على محمد، وارزقنا ثمر هذا الزرع، وجنبنا ~~ضرره، واجعلنا لأنعمك من الشاكرين، ولآلائك من الذاكرين، وبارك فيه يا رب ~~العالمين... ثم ذكر - سبحانه - الدليل الثالث على إمكانية البعث، وعلى ~~كمال قدرته - تعالى - فقال { أفرأيتم المآء الذي ~~تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن ~~المنزلون لو نشآء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون ~~}. # أى وأخبرونى - أيضا - عن الماء الذى تشربونه، ms4898 أأنتم الذين أنزلتموه من { ~~المزن } أى من السحاب أم نحن الذين أنزلناه؟. لا شك أننا نحن الذين ~~أنزلناه، ولا تستطيعون إنكار ذلك، لأن إنكاركم لذلك يعتبر نوعا من ~~المكابرة المكشوفة، والمغالطة المفضوحة. وتخصيص هذا الوصف، وهو { الذي ~~تشربون } بالذكر، مع كثرة منافع الماء، لأن الشرب أهم المقاصد التى ~~من أجلها أنزل - سبحانه - الماء من السحاب. وقوله - سبحانه - { لو ~~نشآء جعلناه أجاجا... } بيان لمظهر من مظاهر رحمته - سبحانه ~~-. ومفعولى المشيئة هنا وفى ما قبله إلى قوله { لو نشآء ~~لجعلناه حطاما... } محذوف، للاكتفاء عنه بجواب الشرط. والماء ~~الأجاج هو الماء الشديد الملوحة والمرارة فى وقت واحد. أى لو نشاء أن ~~نجعل هذا الماء النازل من المزن لشربكم، ماء جامعا بين الملوحة والمرارة ~~لفعلنا، ولكنا لم نشأ ذلك رحمة بكم، وفضلا منا عليكم. وقوله { فلولا ~~تشكرون } حض على الشكر لله - تعالى - أى فهلا شكرتم الله - تعالى - ~~على هذه النعم، وأخلصتم له العبادة والطاعة ووضعتم نعمه فى مواضعها. ~~فالمراد بالشكر هنا أن يواظب العبد على شكر ربه، وعلى المداومة على ما ~~يرضيه وعلى استعمال النعم فيما خلقت له. أما شكر الرب - عز وجل - لعبده ~~فمعناه منحه الثواب الجزيل، على عمله الصالح ومنه قوله - تعالى - # ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم # قال بعض العلماء واعلم أن مادة الشكر تتعدى إلى النعمة تارة، وإلى النعم ~~أخرى. فإن عديت إلى النعمة، تعدت إليها بنفسها دون حرف الجر، كقوله - ~~تعالى - # رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت ~~علي... # وإن عديت إلى المنعم تعدت إليه بحرف الجر الذى هو اللام، كقوله - تعالى ~~- # واشكروا لي ولا تكفرون.. # وقال - سبحانه - هنا { لو نشآء جعلناه أجاجا } وقال فى ~~الآيات السابقة { لو نشآء لجعلناه حطاما... } بلام ~~التأكيد، لأن إنزال الماء من السماء وتحويله من ماء عذب إلى ماء ملح، مما ~~لا يتوهم أن لأحد قدرة عليه سوى الله - تعالى - لذا لم يحتج الأمر إلى ~~تأكيد.. أما جفاف الزرع بعد نضارته، حتى يعود حطاما، فمما يحتمل أنه من ~~فعل الزارع، أو لأى سبب ms4899 آخر، كآفة زراعية، لذا أكد - سبحانه - أنه هو ~~الفاعل لذلك على الحقيقة، وأنه - تعالى - قادر على تحطيمه بعد نموه ~~وريعانه. ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الدليل الرابع على قدرته - تعالى ~~- على البعث والنشور، فقال - تعالى - { أفرأيتم النار التي ~~تورون أأنتم أنشأتم شجرتهآ أم نحن المنشئون ~~نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين فسبح ~~باسم ربك العظيم }. # وقوله { تورون } أى توقدون، من أورى النار إذا قدحها وأوقدها. ويقال ~~ورى الزند يرى وريا، إذا خرجت ناره - وفعله من باب وعى - وأوراه ~~غيره إذا استخرج النار منه. وقوله { للمقوين } مأخوذ من أقوى ~~الرجل إذا دخل فى القواء، وهو الفضاء الخالى من العمران، والمراد بهم هنا ~~المسافرون، لأنهم فى معظم الأحيان يسلكون فى سفرهم الصحارى والفضاء من ~~الأرض. وخصهم - سبحانه - بالذكر، لأنهم أكثر من غيرهم انتفاعا بالنار، ~~وأحوج من غيرهم إليها. والمراد بشجرة النار المرخ والعفار، وهما شجرتان، ~~يقدح غصن إحدهما بغصن الأخرى فتتولد النار منهما بقدرة الله - تعالى -.. ~~ومن أمثال العرب لكل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار. أى وعلا على غيرهما ~~المرخ والعفار لأنهما أكثر الشجر نصيبا فى استخراج النار، فهو مثل يضرب ~~فى تفضيل الشىء على غيره. والمعنى وأخبرونى - أيضا - عن النار التى ~~تقدحونها وتستخرجونها من الشجر الرطب الأخضر، أأنتم خلقتم شجرتها، ~~واخترعتم أصلها، أم نحن الخالقون لها وحدنا؟. لا شك أن الجواب الذى لا ~~جواب غيره، أننا نحن الذين أنشأنا شجرتها لا أنتم. ونحن الذين جعلناها ~~تذكرة، تذكر الناس بها فى دار الدنيا إذا أحسوا بشدة حرارتها، بنار ~~الآخرة التى هى أشد وأبقى، حتى يقلعوا عن الأقوال والأفعال التى تؤدى بهم ~~إلى نار الآخرة. ونحن - أيضا - الذين جعلنا هذه النار { متاعا } أى ~~منفعة { للمقوين } أى للمسافرين، والذين هم فى حاجة إليها فى ~~شئونهم المختلفة. والفاء فى قوله - تعالى - { فسبح باسم ربك ~~العظيم } لترتيب ما بعدها على ما قبلها. أى وما دام الأمر كذلك، فسبح ~~- أيها العاقل - باسم ربك العظيم، بأن تنزهه عن الشرك والولد، وبأن تخلص ~~له العبادة والطاعة. وبذلك نرى أن هذه ms4900 الآيات الكريمة، قد ذكرت أربعة ~~أدلة على إمكانية البعث الأول عن طريق خلق الإنسان. والثانى عن طريق ~~إنبات النبات، والثالث عن طريق إنزال الماء من السحاب والرابع عن طريق ~~إنشاء الشجر الذى تستخرج منه النار. وإنها لأدلة واضحة على كمال قدرة ~~الله - تعالى - ووحدانيته لكل عبد منيب. وبعد أن ساق - سبحانه - هذه ~~الأدلة المتنوعة على كمال قدرته وعلى صحة البعث.. التفت - سبحانه - ~~بالحديث إلى أولئك الذين وصفوا القرآن بأنه أساطير الأولين.. فرد عليهم ~~بما يخرس ألسنتهم، ونعت القرآن بنعوت جليلة فقال - تعالى - { فلا ~~أقسم بمواقع... }. ### || [56.75-80] # قال بعض العلماء ورد القسم على هذا النحو فى القرآن الكريم كثيرا، ومن ~~ذلك قوله - تعالى - # فلا أقسم بالشفق والليل وما وسق # وقوله # فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس... # وقد جاء على غير هذه الصورة، أى من غير لا النافية، ومن غير الفعل " ~~أقسم " كما فى قوله - تعالى - # فورب السمآء والأرض إنه لحق.. # وتالله لأكيدن أصنامكم.. # وتارة يكون القسم بأشياء مختلفة من خلقه - تعالى - كالصافات، والطور، ~~والتين، والقرآن. والفاء فى قوله - تعالى - { فلا أقسم بمواقع ~~النجوم } للتفريع على ما تقدم من أدلة البعث. و { لا } عند أكثر ~~المفسرين فى هذا التركيب وأمثاله مزيدة للتأكيد، كما فى قوله - تعالى - # لئلا يعلم أهل الكتاب... # أى ليعلم أهل الكتاب. والمعنى هنا فأقسم بمواقع النجوم.. قالوا وزيادتها ~~هنا جاءت جريا على سنن العرب من زيادتها قبل القسم، كما قى قولهم لا ~~وأبيك، كأنهم ينفون ما سوى المقسم عليه، فيفيد الكلام التأكيد. ويرى ~~بعضهم أن { لا } هنا للنفى فيكون المعنى فلا أقسم بمواقع النجوم، لأن ~~الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم أصلا فضلا عن هذا القسم العظيم. قال ~~الآلوسى ما ملخصه { فلا أقسم... } لا مزيدة للتأكيد مثلها فى قوله ~~- تعالى - # لئلا يعلم أهل الكتاب # أو هى لام القسم - بعينها - أشبعت فتحتها فتولدت منها ألف أى فلأقسم.. ~~وقيل إن لا هنا للنفى والرد على ما يقوله الكفار فى القرآن من أنه سحر، ~~كأنه قيل فلا صحة لما يقولون فيه، ثم ms4901 استؤنف فقيل أقسم.. وقال بعضهم إن " ~~لا " كثيرا ما يؤتى بها قبل القسم على نحو الاستفتاح، كما فى قوله لا ~~وأبيك.. وقال أبو مسلم وجمع إن الكلام على ظاهره المتبادر منه. والمعنى ~~لا أقسم إذ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم. أى لا يحتاج إلى قسم أصلا، ~~فضلا عن هذا القسم العظيم... والمواقع جمع موقع، وموقع الشىء ما يوجد ~~فيه، وما يسقط من مكان مرتفع. فالمراد بمواقع النجوم مساقطها التى تسقط ~~فيها عند غروبها.. وقيل مواضعها من بروجها فى السماء، ومنازلها منها.. ~~وقيل المراد مواقعها يوم القيامة عدما تنتشر وتتفرق.. وأقسم - سبحانه - ~~بذلك، للتنويه بشأنها، ولما فيها من الدلالة على أن لهذا الكون خالقا ~~قادرا حكيما، يسير كواكبه بدقة ونظام بديع، لا اختلال معه ولا اضطراب.. ~~إذ كل نجم من هذه النجوم المتناثرة فى الفضاء، له مجاله الذى يغيب فيه، ~~وله مكانة الذى لا يصطدم فيه بغيره. قال بعض العلماء إن هذه النجوم ~~والكواكب، التى تزيد على عدة بلايين نجم، ما يمكن رؤيته بالعين المجردة، ~~وما لا يرى إلا بالمجاهر والأجهزة، وما يمكن أن تحسن به الأجهزة، دون أن ~~تراه كلها تسبح فى الفلك الغامض، ولا يوجد أى احتمال أن يقترب مجال ~~مغناطيسى لنجم، من مجال نجم آخر، أو يصطدم بكوكب آخر. # .. ومن العلماء من يرى أن المراد بمواقع النجوم أوقات نزول القرآن نجما ~~نجما، وطائفة من الآيات تلى طائفة أخرى.. قال ابن كثير واختلفوا فى معنى ~~قوله " بمواقع النجوم " فعن ابن عباس أنه يعنى نجوم القرآن فإنه نزل جملة ~~ليلة القدر، من السماء العليا إلى السماء الدنيا، ثم نزل مفرقا بعد ذلك.. ~~وعن قتادة " مواقع النجوم " منازلها.. وقال مجاهد مطالعها ومشارقها.. وعن ~~الحسن انتشارها يوم القيامة... ويبدو لنا أن تفسير النجوم هنا، بنجوم ~~السماء هو الأرجح، لأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة. وقوله - سبحانه ~~- { وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } كلام معترض بين ~~القسم وجوابه والضمير فى " وإنه " يعود إلى القسم المذكور فى قوله { ~~فلا أقسم بمواقع النجوم ms4902 } أو يعود إلى { بمواقع ~~النجوم } بتأويله بمعنى المذكور.. قال صاحب الكشاف { بمواقع ~~النجوم } أى بمساقطها، ومغاربها.. واستعظم ذلك بقوله { وإنه ~~لقسم لو تعلمون عظيم }.. وهو اعتراض فى اعتراض، لأنه ~~اعترض به بين المقسم والمقسم عليه، وهو قوله { إنه لقرآن كريم ~~} واعترض بقوله - لو تعلمون - بين الموصوف وصفته... وجواب " لو " إما ~~محذوف بالكلية لأنه لا يتعلق بذكره غرض، إذ المقصود هو نفى علمهم، أى ~~أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم عظيم، ولكنكم لا تعلمون قيمته ومنزلته. ~~وإما أن يكون جوابها مقدرا، فيكون المعنى أقسم بمواقع النجوم، وإنه لقسم ~~عظيم لو كان عندكم علم نافع، لعظمتموه، ولآمنتم بما أقسمنا عليه، ولكنكم ~~لم تعظموه ولم تؤمنوا لجهلكم، ولانطماس بصائركم.. والضمير فى قوله - ~~سبحانه - { إنه لقرآن كريم } راجع إلى غير مذكور فى الكلام ~~إلا أن علم المخاطبين به واستحضارهم له، نزل منزلة ذكره.. أى أقسم بمواقع ~~النجوم، إن هذا الذى يتلوه عليكم نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~لقرآن كريم. أى رفيع القدر طاهر الأصل، كثير المنافع، ظاهر الفضل، لأن ~~الناس يجدون فيه كل ما يريدونه من سعادة وخير.. وليس أمره - كما زعمتم - ~~من أن الشياطين تنزلت به، أو أنه من أساطير الأولين.. وقوله - سبحانه - { ~~في كتاب مكنون } وصف آخر للقرآن الكريم، والمكنون المستور ~~والمحجوب عن أنظار الناس، بحيث لا يعلم كنهه إلى الله - تعالى -، والمراد ~~بالكتاب اللوح المحفوظ. أى أن هذا القرآن الكريم قد جعله الله - تعالى - ~~فى كتاب مصون من غير الملائكة المقربين، بحيث لا يطلع عليه أحد سواهم. # . وقوله - سبحانه - { لا يمسه إلا المطهرون } صفة ~~للكتاب الذى هو اللوح المحفوظ. أى أن هذا القرآن قد اقتضت حكمتنا أن ~~نجعله فى كتاب مصون بحيث لا يطلع عليه قبل نزوله. من اللوح المحفوظ ولا ~~يمسه أحد، إلا الملائكة المطهرون من كل ما يوجب الطهارة. وعلى هذا ~~التفسير يكون الغرض من الآيات الكريمة، نفى ما زعمه المشركون من أن ~~القرآن تنزلت به الشياطين، وإثبات أن هذا القرآن مصون فى كتاب مستور عن ~~الأعين، هو اللوح ms4903 المحفوظ. وأن الملائكة المطهرين وحدهم الذين يطلعون على ~~هذا القرآن من اللوح المحفوظ، وهم وحدهم الذين ينزلون به على الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم -. كما قال - تعالى - # وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح ~~الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان ~~عربي مبين.. # وكما قال - سبحانه - # وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما ~~يستطيعون إنهم عن السمع لمعزولون.. # ومنهم من يرى أن قوله - تعالى - { لا يمسه إلا ~~المطهرون } صفة أخرى للقرآن الكريم، فيكون المعنى إن هذا القرآن ~~الكريم. لا يصح أن يمسه إلا المطهرون من الناس، عن الحدث الأصغر، والحدث ~~الأكبر، فيكون المراد بالطهارة الطهارة الشرعية.. وقد رجح العلماء الرأى ~~الأول الذى يرى أصحابه أن قوله - تعالى - { لا يمسه إلا ~~المطهرون } صفة للوح المحفوظ المعبر عنه بأنه كتاب مكنون، وأم ~~المراد بالمطهرين الملائكة المقربون.. وقالوا فى تأييد ما ذهبوا إليه إن ~~الآيات مسوقة لتنزيه القرآن عن أن تنزل به الشياطين، وأنه فى مكان مأمون ~~لا يصل إليه إلا الملائكة المقربون. والآيات - أيضا - مكية، والقرآن ~~المكى أكثر اهتمامه كان موجها إلى إبطال شبهات المشركين، وليس إلى ~~الأحكام الفرعية، التى تحدث عنها القرآن المدنى كثيرا. كذلك قالوا إن وصف ~~الكتاب بأنه { مكنون } يدل على شدة الصون والستر عن الأعين، بحيث لا ~~تناله أيدى البشر، وهذا لا ينطبق إلا على اللوح المحفوظ، أما القرآن ~~فيمسه المؤمن وغير المؤمن... قال الإمام القرطبى ما ملخصه قوله { لا ~~يمسه إلا المطهرون } اختلف فى معنى { لا يمسه } هل ~~هو حقيقة فى المس بالجارحة أو معنى؟ وكذلك اختلف فى { المطهرون } ~~من هم؟.. فقال أنس وسعيد بن جبير لا يمس ذلك الكتاب إلا المطهرون من ~~الذنوب وهم الملائكة.. وقيل المراد بالكتاب المصحف الذى بأيدينا، وهو ~~الأظهر، وقد روى مالك وغيره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان فى ~~كتابه الذى كتبه إلى شرحبيل بن كلال... " ألا يمس القرآن إلا طاهر ". ~~وقال أخت عمر لعمر عند إسلامه { لا يمسه إلا المطهرون } ~~فقام واغتسل. ثم أخذ الصحيفة التى بيدها، ms4904 وفيها القرآن. ثم قال اختلف ~~العلماء فى مس المصحف على غير وضوء فالجمهور على المنع. # . وفى مس الصبيان إياه على وجهين أحدهما المنع اعتبارا بالبالغ والثانى ~~الجواز، لأنه لو منع لم يحفظ القرآن. لأن تعلمه حال الصغر، ولأن الصبى ~~وإن كانت له طهارة إلا أنها ليست بكاملة، لأن النية لا تصح منه، فإذا جاز ~~أن يحمله على طهارة، جاز أن يحمله محدثا. ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات ~~الكريمة بقوله { تنزيل من رب العالمين } أى هذا الكتاب ~~الكريم منزل من رب العالمين، لا رب سواه، ولا خالق غيره، وبذلك يرى أن ~~هذه الآيات الكريمة، قد وصف الله - تعالى - فيها القرآن الكريم، بجملة من ~~الصفات الجليلة، فقد وصفه - سبحانه - بأنه كريم، ووصفه بأنه مصون ومحفوظ ~~من أن يمسه أحد سوى ملائكته المقربين، وسوى عباده المطهرين من الأحداث، ~~ووصفه بأنه منزل من عنده لا من عند أحد سواه كما زعم أولئك الجاهلون. ثم ~~تتحدث السورة فى أواخرها. بأسلوب مؤثر، عن لحظات الموت. وعن اللحظات التى ~~يفارق الإنسان فيها هذه الحياة، وأحباؤه من حوله لا يملكون له نفعا.. ~~وعن بيان الحالة التى يكون عليها هذا المفارق لهم، فتقول { أفبهذا ~~الحديث... }. ### || [56.81-96] # والاستفهام فى قوله - تعالى - { أفبهذا الحديث أنتم ~~مدهنون } للإنكار والتوبيخ. وهو داخل على مقدر. والمراد بالحديث ~~القرآن الكريم، وما تضمنه من هدايات وإرشادات وتشريعات.. وقوله { ~~مدهنون } من الإدهان وأصله جعل الجلد ونحوه مدهونا بشىء من الدهن ~~ليلين، ثم صار حقيقة عرفية فى الملاينة والمسايرة والمداراة ومنه قوله - ~~تعالى - # ودوا لو تدهن فيدهنون # والمراد به هنا تظاهر المشركين بمهادنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~وبما جاء به من قرآن كريم، وإبداؤهم من اللين خلاف ما يبطنون من المكر ~~والبغضاء. ويصح أن يكون الإدهان هنا بمعنى التكذيب والنفاق، إذ أن هذه ~~المعانى - أيضا - تتولد عن المداهنة والمسايرة. أى أتعرضون - أيها ~~المشركون - عن الحق الذى جاءكم به رسولنا - صلى الله عليه وسلم - فتظهرون ~~أمامه بمظهر المداهن والمهادن، الذى يلين أمام خصمه، ولا يقابله بالشدة ~~والحزم مع ms4905 أنه فى الوقت نفسه يضمر له أشد أنواع السوء والكراهية؟.. إذا ~~كان هذا شأنكم، فاعلموا أن تصرفكم هذا لا يخفى علينا؟!.. وقوله - سبحانه ~~- وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون معطوف على ما قبله من باب عطف الجملة على ~~الجملة. والكلام على حذف مضاف. والمعنى أتعرضون عن هذا القرآن على سبل ~~المداهنة والملاينة، وتجعلون شكر نعمة رزقنا لكم به. وبالمطر الذى لا ~~حياة لكم بدونه، أنكم تكذبون بكونهما من عند الله - تعالى - فتقولون فى ~~شأن القرآن، أساطير الأولين، وتقولون إذا ما أنزلنا المطر عليكم مطرنا ~~بسبب نوء كذا. أى بسبب سقوط النجم فى جهة المغرب من الفجر. قال الآلوسى ~~قوله { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } أى وتجعلون ~~شكركم أنكم تكذبون، تقولون أمطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا وأكثر ~~الروايات أن قوله - تعالى - { وتجعلون رزقكم } نزل فى ~~القائلين مطرنا بنوء كذا.. أخرج مسلم - فى صحيحه - عن ابن عباس قال # " مطر الناس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال - صلى الله ~~عليه وسلم - أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر. قالوا هذه رحمة وضعها الله ~~وقال بعضهم لقد صدق نوء كذا فنزلت هذه الآية { فلا أقسم ~~بمواقع النجوم } حتى بلغ { وتجعلون رزقكم أنكم ~~تكذبون } ". # ثم قال الإمام الآلوسى والآية على القول بنزولها فى قائلى ذلك ظاهرة فى ~~كفرهم المقابل للإيمان، فكأنهم كانوا يقولونه عن اعتقاد أن الكواكب ~~مؤثرة حقيقة موجدة للمطر، وهو كفر بلا ريب بخلاف قوله مع اعتقاد أنه من ~~فضل الله - تعالى -، وأن النوء ميقات وعلامة فإنه ليس بكفر... وقد ذكر ~~المفسرون هنا جملة من الأحاديث فى هذا المعنى فارجع إليها إن شئت. # .. ثم انتقلت الآيات إلى توبيخهم على أمر آخر، وهو غفلتهم عن قدرة الله ~~- تعالى - ووحدانيته وهم يشاهدون آثار قدرته أمام أعينهم فقال - تعالى - ~~{ فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ~~ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ~~فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونهآ إن كنتم ~~صادقين }. ولو فى الموضعين للتحضيض على التذكر والاعتبار، ولإبراز ~~عجزهم فى أوضح صورة، إذ ms4906 إظهار عجزهم هو المقصود هنا بالحض.. وقوله { ~~إذا بلغت } ظرف متعلق بقوله { ترجعونهآ } أى تردونها، وقد ~~قدم عليه لتهويله، والتشويق إلى الفعل المحضوض عليه، وهو إرجاع الروح إلى ~~صاحبها. والضمير فى { بلغت } يعود إلى الروح، وهى وإن كانت لم تذكر ~~إلا أنها مفهومه من الكلام. والحلقوم مجرى الطعام وأل فيه للعهد الجنسى. ~~وجملة { وأنتم حينئذ تنظرون } حال من ضمير { بلغت } ، ~~ومفعول { تنظرون } محذوف والتقدير تنظرون وتبصرون صاحب الروح وهو فى ~~تلك الحالة العصيبة. وجملة { ترجعونهآ.... } جواب الشرطين فى قوله ~~{ إن كنتم غير مدينين } وفى قوله { إن كنتم صادقين }. ~~وجملة { ونحن أقرب إليه منكم } مستأنفة لتأكيد توبيخهم ~~على جهالاتهم وعدم اعتبارهم حتى فى أوضح المواقف التى تدل على قدرة ~~خالقهم - عز وجل -. والمعنى إذ كنتم - أيها الجاحدون المكذبون - لم ~~تعتبروا ولم تتعظوا بكل ما سقناه لكم من ترغيب وترهيب على لسان رسولنا ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - فهلا اعتبرتم واتعظتم وآمنتم بوحدانيتنا ~~وقدرتنا.. حين ترون أعز وأحب إنسان إليكم، وقد بلغت روحه حلقومه، وأوشكت ~~على أن تفارق جسده.. { وأنتم } أيها المحيطون بهذا المحتضر ~~العزيزعليكم { حينئذ } أى حين وصل الأمر به إلى تلك الحالة التى تنذر ~~بقرب نهايته، أنتم { تنظرون } إلى ما يقاسيه من غمرات الموت، وتبصرون ~~ما فيه من شدة وكرب، وتحرصون كل الحرص على انجائه مما حل به ولكن حرصكم ~~يذهب أدراج الرياح. { ونحن } فى هذه الحالة وغيرها، { أقرب ~~إليه منكم } أى ونحن أقرب إليه منكم بعلمنا وبقدرتنا، حيث إنكم لا ~~تعرفون حقيقة ما هو فيه من أهوال ولا تدركون عظيم ما فيه من كرب، ولا ~~تقدرون على رفع شىء من قضائنا فيه وفى غيره. وقوله { ولكن لا ~~تبصرون } استدراك للكلام السابق. أى ونحن أقرب إلى هذا المحتضر ~~منكم، ولكنكم لا تدركون ذلك لجهلكم بقدرتنا النافذة، وحكمتنا البالغة.. { ~~فلولا إن كنتم غير مدينين } أى فهلا إن كنتم غير عاجزين ~~عن رد قضائنا فى هذا المحتضر الحبيب إليكم، وغير مربوبين لنا، وخاضعين ~~لسلطاننا.. يقال دان السلطان الرعية، إذا ساسهم وأخضعهم لنفوذه. ms4907 هلا إن ~~كنتم غير خاضعين لنا { ترجعونهآ } أى ترجعون الروح إلى صاحبها { ~~إن كنتم صادقين } فى اعتقادكم بأن آلهتكم تستطيع الدفاع عنكم وفى ~~اعتقادكم أنه لا بعث ولا حساب بعد الموت، وفى توهمكم أن هناك قوة سوى قوة ~~الله - عز وجل - يمكنها أن تساعدكم عند الشدائد والمحن. # وهكذا نجد هذه الآيات الكريمة، تقيم أوضح الأدلة وأكثرها تأثيرا فى ~~النفوس، على كمال قدرة الله - تعالى - وعلى نفاذ مشيئته وإرادته.. فهى ~~تتحدى البشر جميعا أن يعيدوا الروح إلى أحب الناس إليهم، وهم واقفون من ~~حوله وقفة الحائر المستسلم. العاجز عن فعل أى شىء من شأنه أن يدفع عن هذا ~~المحتضر ما فيه من كرب، أو أن يؤخر انتزاع روحه من جسده، ولو لزمن قليل.. ~~ثم تمضى السورة الكريمة بعد ذلك، فى بيان مصير هذه الروح، التى توشك أن ~~تستدبر الحياة الفانية، وتستقبل الحياة الباقية فتقول { فأمآ إن ~~كان من المقربين فروح وريحان وجنت نعيم }. ~~والروح بمعنى الراحة والأمان والاطمئنان والريحان شجر طيب الرائحة. أى ~~فأما إن كان صاحب هذه النفس التى فارقت الدنيا، من المقربين إلينا ~~السابقين بالخيرات.. فله عندنا راحة لا تقاربها راحة، وله رحمة واسعة، ~~وله طيب رائحة عند قبض روحه، وعند نزوله فى قبره، وعند وقوفه بين أيدينا ~~للحساب يوم الدين، وله جنات ينعم فيها بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا ~~خطر على قلب بشر. { وأمآ } إن كان هذا الانسان { من أصحاب ~~اليمين } وهم الذين ثقلت موازين حسناتهم.. { فسلام لك من ~~أصحاب اليمين } أى فتقول له الملائكة عند قبض روحه وفى قبره، وفى ~~الجنة، سلام لك يا صاحب اليمين، من أمثالك أصحاب اليمين. قال الآلوسى ~~وقوله { فسلام لك من أصحاب اليمين } قيل هو على تقدير ~~القول. أى فيقال لذلك المتوفى منهم سلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك ~~أصحاب اليمين. وجوز أن يكون المعنى فسلامة لك عما يشغل القلب من جهتهم ~~فإنهم فى خير. أى كن فارغ البال من جهتهم فإنهم بخير. وذكر بعض الأجلة أن ~~هذه ms4908 الجملة، كلام يفيد عظمة حالهم، كما يقال فلان ناهيك به، وحسبك أنه ~~فلان، إشارة إلى أنه ممدوح فوق حد التفصيل... { وأمآ إن كان } هذا ~~المتوفى { من المكذبين الضآلين } وهم أصحاب الشمال { ~~فنزل من حميم } أى فله نزل - أى مكان - { من حميم } أى ~~من ماء قد بلغ أقصى درجات الحرارة وعبر عن المكان الذى ينزل فيه بالنزل، ~~على سبل التهكم، إذا النزل فى الأصل يطلق على ما يقدم للضيف على سبل ~~التكريم.. وقوله { وتصلية جحيم } أى وله - أيضا - إدخال فى نار ~~جهنم التى تشوى جسده وتحرقه. { إن هذا لهو حق اليقين } ~~أى إن هذا الذى قصصناه عليك - أيها الرسول الكريم - فى هذه السورة ~~وغيرها، لهو الحق الثابت الذى لا يحوم حوله شك أو ريب. # . فقوله { حق اليقين } من إضافة الصفة إلى الموصوف، أى لهو ~~اليقين الحق.. أو هو من إضافة الشىء إلى نفسه مع اختلاف اللفظين، كما فى ~~قوله - تعالى - # حبل الوريد # إذ الحبل هو الوريد، والقصد من مثل هذا التركيب التأكيد. ثم ختم - ~~سبحانه - السورة الكريمة بقوله { فسبح باسم ربك العظيم } ~~أى إذا كان الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - فنزه ربك العظيم ~~فى ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، عن كل ما لا يليق به.. وبعد فهذا تفسير ~~لسورة " الواقعة " نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا ~~لعباده، وصلى الله على سيدنا محمد على آله وصحبه وسلم.. ### | [57 - سورة الحديد] ### || [57.1-6] # افتتحت سورة " الحديد " بتنزيه الله - تعالى - عن كل مالا يليق به، ~~وبالثناء عليه - تعالى - بما هو أهله، وببيان جانب من صفاته الجليلة، ~~الدالة على وحدانيته، وقدرته، وعزته، وحكمته، وعلمه المحيط بكل شىء. ~~افتتحت بقوله - عز وجل - { سبح لله ما في السماوات ~~والأرض وهو العزيز الحكيم }. وقوله { سبح } من ~~التسبيح، وأصله الإبعاد عن السوء، من قولهم سبح فلان فى الماء، إذا توغل ~~فيه، وسبح الفرس، إذا جرى بعيدا وبسرعة. قالوا وهذا الفعل { سبح } قد ~~يتعدى بنفسه، كما فى قوله - تعالى - # وسبحوه بكرة وأصيلا # وقد يتعدى باللام كما هنا. وهى ms4909 للتأكيد والتبيين أى سبح لله لا لغيره. ~~والمراد بالتسبيح هنا تنزيه الله - تعالى - عن كل مالا يليق بجلاله ~~وكماله. والمعنى نزه الله - تعالى - وعظمه وخضع له، وانقاد لمشيئته، جميع ~~ما فى السماوات والأرض من كائنات ومخلوقات.. لا يعلمها إلا هو - سبحانه ~~-. وقد جاء التسبيح تارة بصيغة الفعل الماضى كما فى هذه السورة، وكما فى ~~سورتى الحشر والصف، وتارة بصيغة المضارع، كما فى سورتى الجمعة والتغابن، ~~وتارة بصيغة الأمر كما فى سورة الأعلى، وتارة بصيغة المصدر كما فى سورة ~~الإسراء. جاء التسبيح بهذه الصيغ المتنوعة، للإشعار بأن تسبيح هذه ~~المخلوقات لله - تعالى - شامل لجميع الأوقات والأحوال. قال - تعالى - # تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن ~~وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا # وختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { وهو العزيز الحكيم } ~~، والعزيز هو الغالب على كل شىء، إذ العزة معناها الغلية على الغير، ومنه ~~قوله - تعالى - # وعزني في الخطاب # أى غلبنى فى الخصام. وفى أمثال - العرب من عز بز، أى من غلب غيره ~~تفوق عليه. والحكيم مأخوذ من الحكمة، وهى وضع الأمور فى مواضعها اللائقة ~~بها. أى وهو - سبحانه - الغالب الذى لا يغلبه شىء - الحكيم الذى يضع ~~الأمور فى مواضعها السليمة. ثم ذكر - سبحانه - صفات أخرى من صفاته ~~الجليلة فقال { له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت ~~وهو على كل شيء قدير }. أى. له - سبحانه - وحده دون أن ~~يشاركه مشارك، ملك السموات والأرض، إذ هو - تعالى - المتصرف فيهما، ~~والخالق لهما، إن شاء أبقاهما وإن شاء أزالهما. وملكه - سبحانه - ~~للسماوات والأرض، ملك حقيقى، لأنه لا ينازعه فيه منازع، ولا يشاركه ~~مشارك.. بخلاف ملك غيره لبعض متاع الدنيا، فإنه ملك زائل مهما طال، ~~ومفتقر إلى من يحميه ويدافع عنه. # وقوله { يحيي ويميت } صفة أخرى من صفاته - عز وجل - أى هو ~~الخالق للحياة لمن شاء أن يحييه، وهو الخالق للموت لمن أراد أن يميته. ~~وهذه الجملة خبر لمبتدأ محذوف، وهى فى الوقت نفسه بدل اشتمال مما قبلها ~~إذ الإحياء ms4910 والإماتة، مما يشتمل عليه ملك السماوات والأرض. وخص - ~~سبحانه - هاتين الصفتين بالذكر، لأنه هو المتفرد بهما، ولا يستطيع أحد أن ~~يدعى أن له عملا فيهما، ومن ادعى ذلك كانت دعواه من قبيل المغالطة ~~والمجادلة بالباطل، إذ الموجد الحقيقى لهما هو الله - عز وجل - وما سواه ~~فهو سبب لهما. وقوله - تعالى - { وهو على كل شيء قدير } ~~تذييل مؤكد لما قبله. أى وهو - سبحانه - على كل شىء من الأشياء التى من ~~جملتها ما ذكر - قدير على إيجادها أو إعدامها. ثم ذكر - سبحانه - صفات ~~أخرى من صفاته الجليلة فقال { هو الأول والآخر والظاهر ~~والباطن وهو بكل شيء عليم }. أى هو - سبحانه - الأول ~~والسابق على جميع الموجودات، إذ هو موجدها ومحدثها إبتداء. فهو موجود قبل ~~كل شىء وجودا لا حد ولا وقت لبدايته. { والآخر } أى الباقى بعد هلاك ~~وفناء جميع الموجودات، كما قال - تعالى - # كل شيء هالك إلا وجهه # وأوثر لفظ { الآخر } على لفظ الباقى ليتم الطباق بين الوصفين ~~المتقابلين... وهو { الظاهر } أى الظاهر وجوده عن طريق مخلوقاته التى ~~أوجدها بقدرته إذ من المعروف عند كل عاقل أن كل مخلوق لا بد له من خالق، ~~وكل موجود لا بد له من موجد. فلفظ { الظاهر } مشتق من الظهور الذى هو ~~ضد الخفاء، والمراد به هنا ظهور الأدلة العقلية والنقلية على وجوده ~~ووحدانيته وقدرته وعلمه. ويجوز أن يكون مشتقا من الظهور، بمعنى الغلبة ~~والعلو على الغير، كما فى قوله - تعالى - # إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم ~~في ملتهم.. # وعليه يكون المعنى وهو الغالب العالى على كل شىء. وهو { والباطن } ~~من البطون بمعنى الخفاء والاستتار، أى وهو - سبحانه - المحتجب يكنه ذاته ~~عن أن تدركه الأبصار، أو أن تحيط بحقيقة ذاته العقول، كما قال - تعالى - # لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو ~~اللطيف الخبير # ويصح أن يكون { الباطن } بمعنى العالم بما بطن وخفى من الأمور يقال ~~فلان أبطن بهذا الأمر من غيره، أى أعلم بهذا الشىء من غيره. ثم ختم - ~~سبحانه - الآية بقوله { وهو بكل شيء عليم ms4911 } أى وهو - سبحانه ~~- عليم بكل ما فى هذا الكون، لا تخفى عليه خافية من شئونه، كما قال - ~~تعالى - # إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في ~~السمآء # قال ابن كثير وهذه الآية هى المشار إليها فى حديث عرباض بن معاوية أنها ~~أفضل من ألف آية. # وقد اختلفت عبارات المفسرين فى هذه الآية على نحو بضعة عشر قولا وقال ~~البخارى قال يحيى الظاهر على كل شىء علما والباطن على كل شىء علما. وروى ~~الإمام مسلم - فى صحيحه -، والإمام أحمد - فى مسنده - عن أبى هريرة # " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو عند النوم فيقول " ~~اللهم رب السماوات ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شىء، منزل التوراة ~~والإنجيل والقرآن، فالق الحب والنوى، لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر كل ~~شىء أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شىء، وأنت الآخر فليس بعدك ~~شىء، وأنت الظاهر فليس فوقك شىء، وأنت الباطن فليس دونك شىء. اقض عنا ~~الدين، وأغننا من الفقر.. ". # ثم ساق - سبحانه - ألوانا اخرى من الأدلة التى تدل على وحدانيته وقدرته ~~فقال { هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة ~~أيام ثم استوى على العرش }. والأيام جمع يوم، واليوم فى ~~اللغة مطلق الوقت، أى فى ستة أوقات لا يعلم مقدارها إلا الله - تعالى -. ~~وقيل هذه الأيام من أيام الدنيا. والاستواء فى اللغة يطلق على الاستقرار، ~~كما فى قوله - تعالى - # واستوت على الجودي # أى استقرت سفينة نوح - عليه السلام - عند ذلك الجبل المسمى بذلك الاسم.. ~~كما يطلق بمعنى القصد، ومنه قولهم استوى إلى يخاصمتى، أى قصد لى. كما ~~يطلق بمعنى الاستيلاء والقهر، ومنه قول الشاعر # قد استوى بشر على العراق # وعرش الله، مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم أما حقيقته وكيفيته فلا ~~يعلمها إلى الله - تعالى -. وقد ذكر العرش فى إحدى وعشرين آية من القرآن ~~الكريم، كما ذكر الاستواء على العرش فى سبع آيات. أى هو - سبحانه - الذى ~~خلق السماوات والأرض فى ستة أوقات، ثم استوى على العرش، ms4912 استواء يليق به - ~~تعالى -. بلا كيف، ولا تمثيل، ولا تشبيه، لاستحالة اتصافه - تعالى بصفات ~~المحدثين، ولوجوب تنزيهه عما لا يليق به # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # قال الإمام مالك - رحمه الله - الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، ~~والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ثم بين - سبحانه - شمول علمه فقال ~~{ يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ~~ينزل من السمآء وما يعرج فيها }. وقوله { يلج } من ~~الولوج بمعنى الدخول، يقال ولج فلان بيته، إذا دخله. وقوله { يعرج } ~~من العروج وهو الذهاب فى صعود، والسماء، جهة العلو مطلقا. أى أنه - ~~سبحانه - يعلم ما يلج فى الأرض، وما يدخل فيها من ماء نازل من السماء، ~~ومن جواهر وكنوز قد طويت فى باطنها، ومن بذور ومعادن فى طياتها. # ويعلم - أيضا - { وما يخرج منها } من نبات وحبوب وكنوز، وغير ~~ذلك من أنواع الخيرات، ويعلم - كذلك - { ما ينزل من السمآء } ~~من أمطار، وثلوج، وبرد، وصواعق، وبركات، من عنده - تعالى - لأهل الأرض. ~~ويعلم - أيضا - ما يصعد فيها من الملائكة، ومن الأعمال الصالحة، كما قال ~~- تعالى - # إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه # وعدى العروج بحرف فى، لتضمنه معنى الاستقرار، وهو فى الأصل يعدى بحرف ~~إلى، كما فى قوله - تعالى - # تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة # وقوله - سبحانه - # وهو معكم أين ما كنتم # أى وهو معكم بعلمه ولطفه ورحمته.. أينما كنتم وحيثما وجدتم. قال الآلوسى ~~قوله - تعالى - وهو معكم أينما كنتم تمثيل لإحاطة علمه - تعالى - بهم، ~~وتصوير خروجهم عنه أينما كانوا، وقيل المعية مجاز مرسل عن العلم بعلاقة ~~السببية والقرينة السياق واللحاق مع استحالة الحقيقة. وقد أول السلف هذه ~~الاية بذلك، أخرج البيهقى فى الأسماء والصفات عن ابن عباس أنه قال فيها ~~عالم بكم أينما كنتم. وأخرج - أيضا - عن سفيان الثورى أنه سئل عنها فقال ~~علمه معكم. وفى البحر أنه اجمعت الأمة على هذا التأويل فيها، وأنها لا ~~تحمل على ظاهرها من المعية بالذات. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ~~بقوله ms4913 { والله بما تعملون بصير } أى والله - تعالى - لا ~~يخفى عليه شىء من أقوالكم أو أفعالكم.. بل هو مطلع عليكم اطلاعا تاما. ثم ~~أكد - سبحانه - كمال قدرته فقال { له ملك السماوات والأرض ~~} أى له - سبحانه - التصرف الكلى فى السماوات والأرض. وفيما فيهما من ~~موجودات، من حيث الإيجاد والإعدام وسائر التصرفات. { وإلى الله ~~ترجع الأمور } أى وإلى الله - تعالى - وحده لا إلى غيره، مرد ~~الأمور كلها، والحكم عليها، والتصرف فيها.. وليس إلى أحد غيره لا على ~~سبيل الاستقلال، ولا على سبيل الاشتراك. { يولج الليل في ~~النهار ويولج النهار في الليل } أى يدخل - سبحانه - ~~طائفة من الليل فى النهار، فيقصر الليل ويزيد النهار ويدخل طائفة من ~~النهار فى الليل، فيقصر النهار، ويزيد الليل، ثم يسيران على هذا النظام ~~البديع، دون أن يسبق أحدهما الآخر. { وهو عليم بذات الصدور ~~} و " ذات " هنا مؤنث ذو بمعنى صاحب. أى وهو - سبحانه - عليم علما تاما ~~بمكنونات الصدور، وما تضمره من خير أو شر وما يتردد فيها من خواطر ~~وأفكار. والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة من أول السورة إلى هنا، يراها قد ~~اشتملت على بضع عشرة صفة، من صفات الله عز وجل - الدالة على وجوب إخلاص ~~العبادة له، والانقياد لأمره ونهيه. ثم دعا - سبحانه - عباده المؤمنين ~~إلى التمسك بهذا الإيمان، وإلى تنفيذ تكاليفه، ووعدهم على ذلك بأجزل ~~الثواب، فقال - تعالى - { آمنوا بالله... }. ### || [57.7-11] # والخطاب فى قوله - تعالى - { آمنوا بالله ورسوله } إلى ~~الناس جميعا ويدخل فيه المؤمنون دخولا أوليا، ويكون المقصود بدعوتهم إلى ~~الإيمان المداومة عليه والتمسك بتعاليمه، وتنفيذ توجيهاته.. كما قال - ~~تعالى - # يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ~~والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي ~~أنزل من قبل # وقوله { وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } بيان ~~لما يقتضيه هذا الإيمان. وقوله { مستخلفين } اسم مفعول من ~~الاستخلاف، بمعنى أن يخلف الإنسان غيره، أو أن يخلفه غيره من بعده. أى ~~آمنوا - أيها الناس - بالله - تعالى - وبرسوله - صلى الله عليه وسلم - ~~إيمانا حقا، وإن من مقتضيات هذا الإيمان، أن تنفقوا من ms4914 أموالكم فى وجوه ~~الخير، فإن هذه الأموال هى عارية فى أيديكم، فقد ورثتموها من غيركم، ~~وغيركم سيرثها عنكم، وهى فى جيمع الأحوال ملك لله - تعالى - وحده على ~~الحقيقة. قال القرطبى قوله { وأنفقوا مما جعلكم ~~مستخلفين فيه } دليل على أن أصل الملك لله - سبحانه - وأن ~~العبد ليس له فيه إلا التصرف الذى يرضى الله فيثيبه على ذلك بالجنة، فمن ~~أنفق منها فى حقوق الله، وهان عليه الإنفاق منها، كما يهون على الرجل ~~النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه، كان له الأجر الجزيل. وقال الحسن ~~مستخلفين فيه ورثتكم إياه عمن كان قبلكم. وهذا يدل على أنها ليست ~~بأموالكم فى الحقيقة، وما أنتم إلا بمنزلة النواب والوكلاء، فاغتنموا ~~الفرصة فيها بإقامة الحق، قبل أن تزال عنكم إلى من بعدكم. ثم بين - ~~سبحانه - ما أعده لهؤلاء المنفقين فقال { فالذين آمنوا منكم } ~~إيمانا حقا.. { وأنفقوا } أموالهم فيما يرضى الله - تعالى - { ~~لهم } منه - عز وجل - { أجر كبير } لا يعلم مقداره إلا الله - ~~تعالى -. ثم رغبهم - سبحانه - فى الثبات على الإيمان بالله ورسوله فقال ~~{ وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم ~~لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم ~~مؤمنين }. أى وأى مانع يمنعكم من الثبات على الإيمان. ومن القيام ~~بتكاليفه، ومن إخلاص العبادة له - تعالى - وحده، والحال أن الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - بينكم صباح مساء، يدعوكم إلى الإيمان بربكم، وقد أخذ - ~~سبحانه - عليكم العهود والمواثيق على هذا الإيمان، عن طريق ما ركب فيكم ~~من عقول تعقل، وعن طريق ما نصب لكم من أدلة متنوعة كلها تدل على وجوب ~~إخلاص العبادة لله الواحد القهار. قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه ~~الآية أى وأى شىء يمنعكم من الإيمان، والرسول بين أظهركم يدعوكم إلى ~~ذلك، ويبين لكم الحجج والبراهين على صحة ما جاءكم به. # وقد روينا فى الحديث من طرق، فى أوائل شرح كتاب الإيمان من صحيح ~~البخارى، # " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوما لأصحابه " أى المؤمنين ~~أعجب إليكم إيمانا؟ " قالوا الملائكة. قال ms4915 " وما لهم لا يؤمنون وهم عند ~~ربهم؟ " قالوا فالأنبياء قال " ومالهم لا يؤمنون والوحى ينزل عليهم " ~~قالوا فنحن، قال " فما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ ولكن أعجب ~~المؤمنين إيمانا قوم يجيئون بعدكم، يجدون صحفا يؤمنون بما فيها ". # وقوله - تعالى - { وقد أخذ ميثاقكم } كما قال - تعالى - # واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي ~~واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا.. # ويعنى بذلك بيعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وزعم ابن جرير أن ~~المراد بذلك الميثاق الذى أخذ عليهم فى صلب آدم. وجواب الشرط فى قوله - ~~تعالى - { إن كنتم مؤمنين } محذوف لدلالة ما قبله عليه. أى إن ~~كنتم مؤمنين لسبب من الأسباب، فعلى رأس هذه الأسباب وجود الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - بينكم يدعوكم إلى هذا الإيمان ويقنعكم بوجوب الاعتصام ~~به. ثم ذكر - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على نبيه - صلى الله عليه ~~وسلم - وعليهم فقال { هو الذي ينزل على عبده آيات ~~بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن ~~الله بكم لرءوف رحيم }. والرءوف مبالغة فى الاتصاف ~~بالرأفة، ومعناها كراهية إصابة الغير بما يضره أو يؤذيه. والرحيم مبالغة ~~فى الاتصاف بصفة الرحمة. ومعناه محبة إيصال الخير والنفع إلى الغير. أى ~~هو - سبحانه - وحده الذى ينزل على عبده ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم ~~- { آيات بينات } أى حججا واضحات، ودلائل باهرات، لكى يخرجكم من ~~ظلمات الكفر والجهل، إلى نور الإيمان والعلم. وإن الله - تعالى - بكم - ~~أيها الناس - لكثير الرأفة والرحمة، حيث أنزل إليكم كتابه، وأرسل إليكم ~~رسوله - صلى الله عليه وسلم -. وكما حضهم - سبحانه - على الثبات على ~~الإيمان... حضهم أيضا مرة أخرى على الإنفاق فى سبيله بأبلغ أسلوب، ~~فقال { وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ~~ميراث السماوات والأرض }. والاستفهام فى قوله تعالى { وما ~~لكم ألا تنفقوا.. } للتعجيب من حال من يمسك عن الإنفاق فى ~~سبيل الله، مع أن كل المقتضيات تدعوه إلى هذا الإنفاق. والكلام فى قوله ~~- تعالى - { ولله ميراث السماوات والأرض } على حذف ~~مضاف، والجملة حال من فاعل { ألا تنفقوا } ، أو ms4916 من مفعوله المعلوم ~~مما تقدم. وإضافة ميراث إلى السماوات والأرض، من إضافة المصدر إلى ~~المفعول أى وأى سبب يحملكم على البخل وعدم الإنفاق فى سبيل إعلاء كلمة ~~الله، والحال أن لله - تعالى - ميراث أهل السماوات وأهل الأرض. # إنه لا عذر لكم فى الشح والإمساك بعد أن بينت لكم ما بينت من وجوب ~~الإنفاق فى سبيل الله. قال الآلوسى قوله { ولله ميراث ~~السماوات والأرض } أى يرث كل شىء فيهما، ولا يبقى لأحد مال، على ~~أن ميراثهما مجاز أو كناية عن ميراث ما فيهما، لأن أخذ الظرف يلزمه أخذ ~~المظروف. وجوز أن يراد يرثهما وما فيهما، واختير الأول، لأنه يكفى ~~لتوبيخهم، إذ لا علاقة لأخذ السماوات والأرض هنا.. والجملة مؤكدة ~~للتوبيخ، فإن ترك الإنفاق بغير سبب قبيح منكر، ومع تحقيق ما يوجب ~~الإنفاق أشد فى القبح، وأدخل فى الإنكار. ثم قال - تعالى - { لا ~~يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ~~أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد ~~وقاتلوا }. والمراد بمن أنفق من قبل الفتح وقاتل السابقون الأولون ~~من المهاجرين والأنصار، الذين أنفقوا الكثير من أموالهم، قيل فتح مكة.. ~~وقيل المراد بالفتح صلح الحديبية. وإنما كان الذين أنفقوا وقاتلوا قبل ~~هذا الوقت، أعظم درجة ممن فعل ذلك بعد هذا الوقت، لأن الأيام التى سبقت ~~الفتح تعرض المسلمون خلالها لكثير من المصائب والخوف والجوع ونقص ~~الثمرات.. فكان الإنفاق والجهاد فيها أشق على النفس، والثواب على قدر ~~المشقة. أى لا يستوى منكم - أيها المؤمنون - فى الفضيلة والدرجة من أنفق ~~الكثير من ماله، من قبل أن تفتح مكة، وجاهد فى سبيل الله - تعالى - جهادا ~~كبيرا، أولئك الذين فعلوا ذلك، أعظم درجة ومنزلة من الذين انفقوا وقاتلوا ~~بعد أن فتحت مكة. فالجملة الكريمة بيان لتفاوت الدرجات، على حسب تفاوت ~~الأحوال والأعمال، وعطف - سبحانه - القتال فى قوله { وقاتلوا } على ~~الإنفاق فى قوله { أنفقوا } للإشعار بشدة ارتباطهما، وأنه لا غنى ~~لأحدهما عن الآخر. قال القرطبى أكثر المفسرين على أن المراد بالفتح فتح ~~مكة. وقال الشعبى والزهرى فتح ms4917 الحديبية... وفى الكلام حذف. أى لا يستوى ~~منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل، فحذف ~~لدلالة الكلام عليه. وإنما كانت النفقة قبل الفتح أعظم، لأن حاجة الناس ~~كانت أكثر لضعف الإسلام، وفعل ذلك كان على المنفقين حينئذ أشق، والأجر ~~على قدر النصب. وقوله - تعالى - { من أنفق.. } عام يشمل جميع من ~~بذل ماله قبل الفتح فى سبيل الله. وقيل المراد به أبو بكر الصديق - رضى ~~الله عنه - لأنه أول من أسلم، وأول من أنفق. وقوله - عز وجل - { وكلا ~~وعد الله الحسنى } مدح للفريقين،ودفع للتوهم من أن يظن ظان أن ~~الفريق الثانى وهو الذى أنفق من بعد الفتح وقاتل، محروم من الأجر. # أى وكلا الفريقين وعده الله - تعالى - المثوبة الحسنى وهى الجنة، إلا أن ~~الذين انفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، أعظم درجة من الذين أنفقوا وقاتلوا ~~بعد ذلك. فهذه الآية أصل فى تفاضل أهل الفضل فيما بينهم، وأن الفضل ثابت ~~لهم جميعا إلا أنهم تفاوتوا على حسب أعمالهم وجهادهم وسبقهم. ثم حتم - ~~سبحانه - الآية الكريمة بقوله { والله بما تعملون خبير } ~~أى أنه - تعالى - لا تخفى عليه خافية من أعمالكم الظاهرة أو الباطنة ~~فأخلصوا أقوالكم وأفعالكم لله - تعالى - لتنالوا أجره وثوابه. وقد ساق ~~الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث التى تدل على ~~فضل الصحابة - رضوان الله عليهم - ومنها ما جاء فى الحديث الصحيح # " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال " لا تسبوا أصحابى، فوالذى ~~نفسى بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ". # ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة، بتحريض اشد وأقوى على الإنفاق ~~فى وجوه الخير، فقال - تعالى - { من ذا الذي يقرض الله ~~قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم }. قال ~~القرطبى القرض اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء، وأقرض فلان فلانا، أى أعطاه ~~ما يتجازاه واستقرضت من فلان أى طلبت منه القرض فأقرضنى، واقترضت منه أى ~~أخذت منه القرض. وأصل الكلمة القطع. ومنه المقراض، وأقرضته، ms4918 أى قطعت له ~~من مالى قطعة يجازى عليها. ثم قال والتعبير بالقرض فى هذه الآية، إنما هو ~~تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه، والله هو الغنى الحميد، لكنه - تعالى - ~~شبه عطاء المؤمن فى الدنيا بما يرجو به ثوابه فى الآخرة بالقرض، كما شبه ~~إعطاء النفوس والأموال فى أخذ الجنة بالبيع والشراء ". والقرض الحسن هو ~~الإنفاق من المال الحلال، مع صدق النية، دون رياء أو سمعة. أو من أو ~~أذى مع تحرى أوسط الأموال. والاستفهام للحض على البذل والعطاء، والتحريض ~~على التحلى بمكارم الأخلاق. و { من } اسم استفهام مبتدأ، و { ذا } اسم ~~إشارة خبره، و { الذي } وصلته صفة لاسم الإشارة، أو بدل منه. والمعنى ~~من هذا المؤمن القوى الإيمان، الذى يقدم ماله فى الجهاد من أجل إعلاء ~~كلمة الله، وفى غير ذلك من وجوه الخير كمعاونة المحتاجين، وسد حاجة ~~البائسين.. { فيضاعفه له } أى فيعطيه - سبحانه - أجره على إنفاقه ~~أضعافا مضاعفة. { وله أجر كريم } ، أى ولهذا المنفق - فضلا عن ~~كل ذلك - أجر كريم عند خالقه، لا يعلم مقداره إلا هو - تعالى -. فأنت ترى ~~أن هذه الآية الكريمة، قد اشتملت على ألوان من الحض على الإنفاق فى وجوه ~~الخير. # ومن ذلك التعبير بالاستفهام فى ذاته، لأنه للتنبيه وبعث النفوس إلى ~~التدبر والاستجابة. ومن ذلك - أيضا - التعبير بقوله { من ذا الذي ~~}.. إذ لا يستفهم بتلك الطريقة إلا إذا كان المقام ذا شأن وخطر، وكأن ~~المخاطب لعظم شأنه، من شأنه أن يشار إليه، وأن يجمع له بين اسم الإشارة ~~وبين الاسم الموصول. ومن ذلك تسميته ما يبذله الباذل قرضا، ولمن هذا ~~القرض؟ إنه لله الذى له خزائن السماوات والأرض. فكأنه - تعالى - يقول ~~أقرضونى مما أعطيتكم، وسأضاعف لكم هذا القرض أضعافا مضاعفة، يوم القيامة # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا # ومن ذلك إخفاء مرات المضاعفة، وضم الأجر الكريم إليها. ومن ذلك التعبير ~~عن الإنفاق بالقرض، إذ القرض معناه إخراج المال. وانتظار ما يقابله من ~~بدل. والخلاصة أن هذه الآية وما قبلها، فيها ما فيها ms4919 من الدعوة إلى ~~الإنفاق فى وجوه الخير، وإلى الجهاد فى سبيل الله. ثم بين - سبحانه - ما ~~أعده للمؤمنين الصادقين من ثواب، وساق جانبا مما يدور بينهم وبين ~~المنافقين من محاورات.. فقال - تعالى - { يوم ترى المؤمنين... ~~}. ### || [57.12-15] # وقوله - تعالى - { يوم ترى المؤمنين } منصوب بفعل مقدر، ~~والرؤية بصرية، والخطاب لكل من يصلح له. والمعنى واذكر - أيها العاقل - ~~لتتعظ ولتعتبر، يوم تبصر المؤمنين والمؤمنات { يسعى نورهم بين ~~أيديهم وبأيمانهم }. والأيمان جميع يمين. والمراد جهة ~~اليمين. أى يتحرك نورهم معهم من أمامهم، ومن جهة يمينهم، على سبيل ~~التشريف والتكريم لهم. قال ابن كثير يقول - تعالى - مخبرا عن المؤمنين ~~المتصدقين، أنهم يوم القيامة، يسعى نورهم بين أيديهم فى عرصات القيامة ~~بحسب أعمالهم، كما قال عبد الله بن مسعود يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، ~~ويمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، ~~ومنهم من نوره مثل الرجل القائم. وعطف - سبحانه - { المؤمنات } على ~~{ المؤمنين } للتنبيه على أن كلا من الذكر والأنثى. له أجره على ~~عمله الصالح، بدون إجحاف أو محاباة لجنس على جنس، كما قال - تعالى - # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم ~~بأحسن ما كانوا يعملون # والباء فى قوله { وبأيمانهم } بمعنى عن. واقتصر على ذكر الإيمان ~~على سبيل التشريف لتلك الجهة، والمراد أن نورهم يحيط بهم من جميع ~~جوانبهم. وقوله { بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم } مقول ~~لقول محذوف. وقوله { بشراكم } اسم مصدر من بشر. أى أخبر بما يسر. ~~والمعنى تقول لهم الملائكة على سبيل التكريم والتحية نبشركم اليوم بجنات ~~عظيمة. تجرى من تحت ثمارها وأشجارها الأنهار العذبة، حالة كونكم خالدين ~~فيها خلودا أبديا، وذلك الذى أنتم فيه من نور يسعى بين أيديكم، ومن جنات ~~أنتم خالدون فيها.. هو الفوز العظيم، الذى لا يعادله فوز أو فلاح. وقوله ~~- عز وجل - { يوم يقول المنافقون والمنافقات } بدل من ~~قوله - تعالى - { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات }. أى ~~واذكر - أيها العاقل - أيضا ms4920 - يوم يقول المنافقون والمنافقات، الذين ~~أظهروا الإسلام، وأبطنوا الكفر، يقولون للذين آمنوا، على سبيل التذلل ~~والتحسر. { انظرونا نقتبس من نوركم } أى انتظرونا وتريثوا ~~فى سيركم لكى نلحق بكم، فنستنير بنوركم الذى حرمنا منه، وننتفع بالاقتباس ~~من نوركم الذى أكرمكم الله - تعالى - به. قال الآلوسى { انظرونا } أى ~~انتظرونا { نقتبس من نوركم } نصب منه، وذلك بأن يلحقوا بهم، ~~فيستنيروا به.. واصل الاقتباس طلب القبس، أى الجذوة من النار. وقولهم ~~للمؤمنين ذلك، لأنهم فى ظلمة لا يدرون كيف يمشون فيها. وروى أن ذلك يكون ~~على الصراط. وقوله - سبحانه - { قيل ارجعوا ورآءكم ~~فالتمسوا نورا } حكاية لما يرد به عليهم المؤمنون، أو الملائكة. # أى قال المؤمنون فى ردهم على هؤلاء المنافقين ارجعوا وراءكم حيث الموقف ~~الذى كنا واقفين فيه فالتمسوا منه النور، أو ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا ~~نورا، عن طريق تحصيل سببه وهو الإيمان، أو ارجعوا خائبين فلا نور لكم ~~عندنا. وهذا القول من المؤمنين لهم، على سبيل التهكم بهم، إذا لا نور ~~وراء المنافقين. وقوله { ورآءكم } تأكيد لمعنى { ارجعوا } إذ ~~الرجوع يستلزم الوراء. ثم بين - سبحانه - ما حدث للمنافقين بعد ذلك فقال ~~{ فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة ~~وظاهره من قبله العذاب }. أى فضرب بين المؤمنين وبين ~~المنافقين بحاجز عظيم، هذا الحاجز العظيم، والسور الكبير { له باب } ~~باطن هذا الباب مما يلى المؤمنين { فيه الرحمة } أى فيه الجنة، ~~وظاهر هذا الباب مما يلى المنافقين { من قبله العذاب }. أى بأنى ~~من جهته العذاب. قالوا وهذا السور، هو الحجاب المذكور فى سورة الأعراف فى ~~قوله - تعالى - # وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا ~~بسيماهم # والمقصود بهذه الآية الكريمة، بيان أن المؤمنين فى مكان آمن تحيط به ~~الجنة، أما المنافقون ففى مكان مظلم يؤدى بهم إلى النار وبئس القرار. ثم ~~حكى - سبحانه - أن المنافقين لم يكتفوا بهذا الرجاء للمؤمنين، بل أخذوا ~~ينادونهم فى تحسر وتذلل فيقولون لهم - كما حكى القرآن عنهم - { ~~ينادونهم ألم نكن معكم }. أى ينادى المنافقون المؤمنين ~~نداء كله حسرة وندامة، فيقولون لهم ms4921 ألم نكن معكم فى الدنيا، نصلى كما ~~تصلون، وننطق بالشهادتين كما تنطقون؟ { قالوا بلى } اى قال ~~المؤمنون للمنافقين بل كنتم معنا فى الدنيا تنطقون بالشهادتين. { ~~ولكنكم } فى الدنيا { فتنتم أنفسكم } أى أظللتم أنفسكم ~~بالنفاق الذى هو كفر باطن، وإسلام ظاهر. { وتربصتم } والتربص ~~الانتظار والترقب، أى وانتظرتم وقوع المصائب بالمؤمنين. { وارتبتم ~~} أى وشككتم فى الحق الذى جاءكم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~وأعرضتم عنه. { وغرتكم الأماني } والأمانى جمع أمنية، وهى ما ~~يمنون به أنفسهم من الباطل. كزعمهم أنهم مصلحون، وأنهم على الحق، وأن ~~المسلمين على الباطل. { حتى جآء أمر الله } أى بقيتم على ~~الفتنة، والارتياب، والتربص، والاغترار بالباطل، حتى جاءكم أمر الله، وهو ~~قضاؤه فيكم بالموت. { وغركم بالله الغرور } أى وخدعكم فى ~~سعة رحمة الله الشيطان. فأطمعكم بأنكم ستنجون من عقابه - تعالى - مهما ~~فتنتم أنفسكم وتربصتم بالمؤمنين وارتبتم فى كون الإسلام حق. وها أنتم ~~الآن ترون سوء عاقبة نفاقكم، وإصراركم على كفركم. { فاليوم لا ~~يؤخذ منكم } أيها المنافقون { فدية } وهى ما يبذل من أجل ~~افتداء النفس من العذاب. { ولا من الذين كفروا } أى ولا يؤخذ ~~- أيضا - من الذين كفروا ظاهرا وباطنا فداء. { مأواكم } جميعا { ~~النار }. أى المكان الذى تستقرون فيه، هو النار. # { هي مولاكم } أى هذه النار هى أولى بكم من غيرها. والأصل هى ~~مكانكم الذى يقال فيه أولى بكم. ويجوز أن يكون المعنى هذه النار هى ~~ناصركم، من باب التهكم بهم، على حد قول الشاعر تحية بينهم ضرب وجيع... أى ~~لا ناصر لكم إلا النار. والمراد نفى الناصر لهم على سبيل القطع، بعد نفى ~~أخذ الفدية منهم. قال صاحب الكشاف قوله { هي مولاكم } قيل هى أولى ~~بكم... وحقيقة مولاكم، أى مكانكم الذى يقال فيه هو أولى بكم كما قيل هو ~~مئنة للكرم، أى مكان لقول القائل إنه لكريم. ويجوز أن يراد هى ناصركم. ~~أى، لا ناصر لكم غيرها. والمراد نفى الناصر على البتات، ونحوه قولهم أصيب ~~فلان بكذا فاستنصر بالجزع. ومنه قوله - تعالى - # وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل # وقيل ms4922 هى مولاكم، أى تتولاكم كما توليتم فى الدنيا أعمال أهل النار. وعطف ~~- سبحانه - الذين كفروا على المنافقين فى عدم قبول الفدية، لاتحادهم فى ~~التكذيب بيوم الدين، وفى الاستهزاء بالحق الذى جاءهم من عند الله - تعالى ~~-. والمخصوص بالذم فى قوله - تعالى - { وبئس المصير } محذوف ~~والتقدير وبئس المصير جهنم التى هى المكان الذى تصيرون إليه. فأنت ترى أن ~~المؤمنين قد بينوا للمنافقين، أنهم يوافقونهم على أنهم كانوا معهم فى ~~الدنيا. ولكن الذى أدى بهؤلاء المنافقين إلى هذا المصير الأليم هو فتنة ~~أنفسهم، والتربص بالمؤمنين، والارتياب فى صدق الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - والاغترار بخداع الشيطان.. فما نزل بهم من عذاب إنما هو بسبب ~~أفعالهم القبيحة. وبعد هذا الحديث المؤثر عن المؤمنين ونورهم، وعن ~~المنافقين وظلماتهم وعن تلك المحاورات التى تدور بينهم.. بعد كل ذلك حرض ~~- سبحانه - المؤمنين، على أن يروضوا أنفسهم على خشية الله - تعالى - ~~وحذرهم من أن ينهجوا نهج أهل الكتاب فى قسوة القلب، ووعدم - سبحانه - ~~المؤمنين الصادقين بالأجر الجزيل، وبالنور العظيم، فقال - تعالى - { ~~ألم يأن للذين... }. ### || [57.16-19] # والاستفهام فى قوله - تعالى - { ألم يأن } للتقرير، و " يأن " فعل ~~مضارع، يقال أنى الشىء - كرمى - أنيا وأناء - بالفتح - وإنى - بالكسر - ~~إذا حان أناه، أى وقته، فهو فعل معتل حذفت منه الياء لسبقه بلم الجازمة، ~~ومنه قوله - تعالى - # يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي ~~إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه # أى غير ناظرين حلول وقته. والخطاب فى الآية يحتمل أن يكون من باب العتاب ~~لطائفة من المؤمنين، أصابهم بعض الفتور أو التكاسل، فيما أمروا به من ~~الاجتهاد فى طاعة الله - تعالى - بعد أن فتح الله - تعالى لهم أقطار ~~الأرض ورزقهم بالكثير من لين العيش، وخيرات الدنيا. ويؤيد هذا ما أخرجه ~~ابن المبارك، وعبد الرازق، وابن المنذر عن الأعمش قال لما قدم أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، فأصابوا من لين العيش ما اصابوا. ~~بعد أن كان لهم من الجهد - وشظف العيش فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا ~~عليه، ms4923 فعوتبوا على ذلك فنزلت هذه الآية. ويحتمل أن يكون الخطاب فى الآية ~~لجميع المؤمنين، على سبيل الحض على المداومة على طاعة الله - تعالى -، ~~والتحذير من التقصير. قال الآلوسى ما ملخصه قوله - تعالى - { ألم ~~يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ~~}. استئناف لعتاب المؤمنين على الفتور والتكاسل فيما ندبوا إليه، ~~والمعاتب - على ما قاله الزجاج - طائفة منهم، وإلا فإن من المؤمنين من لم ~~يزل خاشعا منذ أن أسلم إلى أن لقى ربه. والخشوع التذلل والخضوع، واللام ~~فى قوله { لذكر الله } للتعليل، والمراد بذكرالله - تعالى - ما ~~يشمل كل قول أو فعل يؤدى إلى الخوف من الله - تعالى - بحيث يظهر أثر ذلك ~~على الجوارح. وقيل المراد به القرآن الكريم، فيكون قوله - تعالى - بعد ~~ذلك { وما نزل من الحق } من باب عطف الشىء على نفسه، لاختلاف ~~اللفظين، كما فى قوله - تعالى - # سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي ~~قدر فهدى # والمعنى لقد آن الأوان أن تخشع قلوب المؤمنين لذكر الله - تعالى - وأن ~~تلين قلوبهم لما أنزله - سبحانه - على نبيه - صلى الله عليه وسلم - من ~~قرآن، تقشعر منه جلود الذين يخافون ربهم، وترق له مشاعرهم ونفوسهم. وبعد ~~هذا التحريض للمؤمنين على المسارعة فى طاعة الله - تعالى - وخشيته ~~والإكثار من ذكره نهاهم - سبحانه - عن التشبه بأهل الكتاب، الذين طال ~~عليهم الأمد فى الانغماس فى شهوات الدنيا فقست قلوبهم فقال - تعالى - { ~~ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال ~~عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم ~~فاسقون }. # والمراد بالذين أوتوا الكتاب اليهود والنصارى، وبالكتاب التوراة ~~والإنجيل. والجملة الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - { تخشع } ~~والأمد الغاية من زمان أو مكان. والمراد به هنا الزمان الطويل. أى لقد آن ~~الأوان أن تخشع قلوب الذين آمنوا لذكر الله وما نزل من الحق، وآن الأوان ~~- أيضا - أن لا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبلهم، حيث طال عليهم ~~الوقت وهم منغمسون فى الشهوات والملذات، فقست قلوبهم، وصارت لا تتأثر لا ~~بالترغيب ولا بالترهيب، ولا تفرق بين الحرام والحلال. وأصبح كثير منهم ms4924 ~~خارجين عن الصراط المستقيم. فأنت ترى الآية الكريمة قد حضت المؤمنين على ~~الركون إلى ذكر الله - تعالى - بشدة ومداومة.. ونهتهم عن التشبه بأهل ~~الكتاب فى عدم الخشوع وفى قسوة القلوب، بسبب استيلاء المطامع والشهوات ~~على قلوبهم. قال صاحب الكشاف ما ملخصه قوله - تعالى - { ألم يأن } ~~من أنى الأمر إذا جاء أناه أى وقته.. والآية نهى للمؤمنين عن مماثلة أهل ~~الكتاب فى قسوة القلوب، وذلك أن بنى إسرائيل، كان الحق يحول بينهم وبين ~~شهواتهم، وإذا سمعوا التوراة والإنجيل خشعوا ورقت قلوبهم، فلما طال ~~عليهم الزمان، غلبهم الجفاء والقسوة، واختلفوا وأحدثوا ما أحدثوا من ~~التحريف وغيره. فإن قلت ما معنى لذكر الله وما نزل من الحق؟ قلت يجوز أن ~~يراد بالذكر وبما نزل من الحق القرآن، لأنه جامع للأمرين الذكر والموعظة ~~وأنه حق نازل من السماء. وأن يراد خشوعها إذا ذكر الله. وإذا تلى القرآن، ~~كقوله - تعالى - # إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا # والآية الكريمة تشير إلى أن الإهمال لذكر الله، والاسترسال فى الشهوات ~~كل ذلك يؤدى إلى قسوة القلوب وإلى الفسوق عن أمر الله - تعالى -. ولذا ~~وجدنا كثيرا من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، تحض على الإكثار من ~~ذكر الله - تعالى - قال - سبحانه - # والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله ~~لهم مغفرة وأجرا عظيما # وفى الحديث الشريف يقول - صلى الله عليه وسلم - # " لا يقعد قوم يذكرون الله - تعالى - إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم ~~الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم فيمن عنده ". # ولقد كان سماع الآية الكريمة، بتدبر وتفكر وخشوع، على رأس الأسباب التى ~~أدت إلى توبة بعض العصاة توبة صادقة نصوحا. فهذا هو الفضل بن عياض يذهب ~~ليلا لارتكاب ما نهى الله عنه، فيسمع قارئا يقرأ هذه الآية، فيرتجف ويعود ~~أدراجه وهو يقول بلى والله قد آن أوان الخشوع لذكر الله. # اللهم إنى تبت إليك، وجعلت توبتى إليك جوار بيتك الحرام. ثم وجه - ~~سبحانه - خطابه إلى المؤمنين فقال { اعلموا أن الله يحيي ~~الأرض بعد موتها قد بينا ms4925 لكم الآيات لعلكم ~~تعقلون }. وافتتاح الآية بقوله - تعالى - { اعلموا } يؤذن بأن ~~ما سيلقى على مسامعهم من توجيهات، جدير بالانتباه إلى مضمونه، وإلى ~~الامتثال لما اشتمل عليه من أمر أو نهى. وليس المقصود من الآية إخبار ~~المؤمنين بأن الله - تعالى - قادر على إحياء الأرض بعد موتها، فذلك أمر ~~يعتقدونه، ولا يتم إيمانهم إلا به. وإنما المقصود من هذه الآية الكريمة، ~~بيان أن المواظبة على ذكر الله - تعالى - وعلى تلاوة كتابه، كل ذلك يكون ~~له أثره فى خشوع النفوس، وفى طهارة القلوب.. كأثر المطر عندما ينزل على ~~الأرض الجدباء المقفرة.. فما تلبث إلا أن تهتز وتربو وتنبت من كل زوج ~~بهيج. قال الإمام الرازى قوله - تعالى - { اعلموا أن الله ~~يحيي الأرض بعد موتها }. فيه وجهان الأول أنه تمثيل. ~~والمعنى أن القلوب التى ماتت بسبب القساوة، المواظبة على الذكر سبب لعودة ~~حياة الخشوع إليها، كما يحيى الله - تعالى - الأرض بالغيث. والثانى أن ~~المراد من قوله { يحيي الأرض بعد موتها } ، بعث الأموات ~~فذكر ذلك ترغيبا فى الخشوع والخضوع، وزجرا عن القساوة. والمراد بالآيات ~~فى قوله - تعالى - { قد بينا لكم الآيات لعلكم ~~تعقلون } الدلائل الدالة على وحدانيته وقدرته، وعلمه - سبحانه -. أى ~~قد بينا لكم الدلائل والبراهين الناطقة بقدرتنا وحكمتنا.. لعلكم بهذا ~~البيان تعقلون ما أرشدناكم إليه، وتعملون بموجب ما عقلتموه، وبذلك تنالون ~~الفلاح والسعادة، وتخشع قلوبكم لذكرنا ولآياتنا. ثم بين - سبحانه - ما ~~أعده للمؤمنين الذين يبذلون أموالهم فى سبيله. والذين صدقوا ما عاهدوا ~~الله عليه. فقال { إن المصدقين والمصدقات ~~وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر ~~كريم }. وقراءة { إن المصدقين والمصدقات } بتشديد ~~الصاد - من التصدق، فأدغمت التاء فى الصاد بعد قلبها صادا لقرب ~~مخرجيهما.. وأصل الكلام المتصدقين والمتصدقات. وقرأ ابن كثير وغيره { ~~إن المصدقين والمصدقات } - بتخفيف الصاد - على أنه من ~~التصديق لما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -. قال صاحب الكشاف فإن ~~قلت علام عطف قوله { وأقرضوا }؟ قلت على معنى الفعل فى المصدقين، ~~لأن " أل " بمعنى الذين، واسم الفاعل بمعنى اصدقوا، فكأنه قيل ms4926 " إن ~~الذين اصدقوا وأقرضوا ". والمعنى إن المؤمنين والمؤمنات الذين تصدقوا ~~بأموالهم فى وجوه الخير والدين { وأقرضوا الله قرضا حسنا ~~} بأن أنفقوا أموالهم الحلال فى سبيل الله بدون من أو أذى. هؤلاء الذين ~~فعلوا ذلك { يضاعف لهم } أجرهم عند الله - تعالى - أضعافا كثيرة. # { ولهم } فضلا عن كل ذلك، أجر كريم، لا يعلم مقداره إلا هو - سبحانه ~~-. وقوله { والذين آمنوا بالله ورسله } مبتدأ. وقوله { ~~أولئك هم الصديقون } خبره، والذين آمنوا بالله ورسله ~~إيمانا حقا - لهم منزلة الصديقين منزلة المبالغين فى الصدق واليقين. ~~فالصديق - بتشديد الدال - هو المبالغ فى الصدق بما جاءه به الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - وفى تنفيذ ما كلف به تنفيذا تاما. { والشهدآء ~~عند ربهم } وهم الذين استشهدوا فى سبيل الله - تعالى - { لهم ~~أجرهم } العظيم عند الله - تعالى - { ونورهم } الذى يسعى بين ~~أيديهم وبأيمانهم يوم القيامة لهم كذلك. فعلى هذا التفسير يكون قوله { ~~والشهدآء عند ربهم } مبتدأ، وجملة { لهم أجرهم ~~ونورهم } ، خبره، ويكون الوقف على { الصديقون } وقفا تاما.. ~~والضمائر فى { لهم أجرهم ونورهم } للشهداء. ويصح أن يكون ~~قوله { والشهدآء } معطوف على { الصديقون } عطف المفرد على ~~المفرد، فهو عطف على الخبر، أى وهم الشهداء عند ربهم.. ويكون الموقف على ~~الشهداء تاما، وأخبر - سبحانه - عن الذين آمنوا بالله ورسله، أنهم صديقون ~~وشهداء. والمعنى على هذا الوجه والذين آمنوا بالله ورسله، أولئك هم الذين ~~فى حكمه - تعالى - بمنزلة الصديقين والشهداء المشهورين بعلو الرتبة، ~~ورفعة الدرجة. وقوله - تعالى - { عند ربهم لهم أجرهم ~~ونورهم } أى للذين آمنوا بالله ورسله عند ربهم، مثل أجر الصديقين ~~والشهداء ولهم مثل نورهم يوم القيامة، وناهيك به من أجر عظيم، ونور عميم. ~~وحذف ما يفيد التشبيه فى الجملتين، للتنبيه على قوة المماثلة وبلوغها حد ~~الاتحاد. وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله يريد أن المؤمنين بالله ~~ورسله، هم عند الله - تعالى - بمنزلة الصديقين والشهداء، وهم الذين سبقوا ~~إلى التصديق، واستشهدوا فى سبيل الله. وقوله { لهم أجرهم ~~ونورهم } أى لهم مثل أجر الصديقين والشهداء ومثل نورهم. فإن قلت كيف ~~يسوى بينهم ms4927 فى الأجر ولا بد من التفاوت؟ قلت المعنى أن الله - تعالى - ~~يعطى الذين آمنوا بالله ورسله أجرهم. ويضاعفه لهم بفضله. حتى يساوى أجرهم ~~مع أضعافه، أجر أولئك، أى أجر الصديقين والشهداء. ويجوز أن يكون قوله { ~~والشهدآء } مبتدأ، وقوله، { لهم أجرهم } خبره.... وقوله - ~~تعالى - { والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ أولئك ~~أصحاب الجحيم } بيان لسوء عاقبة الكافرين، بعد بيان حسن عاقبة ~~المؤمنين الصادقين. أى والذين كفروا بالله ورسله، وكذبوا بآياتنا الدالة ~~على وحدانيتنا وقدرتنا أولئك أصحاب الجحيم، الملازمون له ملازمة الشىء ~~لصاحبه. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد حضت المؤمنين على المواظبة ~~على ذكر الله - تعالى - وطاعته ونهتهم عن التشبه بالذين قست قلوبهم، ~~وبشرت المصدقين والمصدقات، والذين آمنوا بالله - تعالى - وبرسله إيمانا ~~حقا.. بالأجر العظيم، وبالعطاء الجزيل. ثم بين - سبحانه - حال الحياة، ~~التى ركن إليها الكافرون واطمأنوا بها.. ودعا المؤمنين إلى أن تكون هممهم ~~متجهة نحو الآخرة، عن طريق التسلح بالأعمال الصالحة. فقال - تعالى - { ~~اعلموا أنما الحياة... }. ### || [57.20-21] # أى { اعلموا } - أيها المؤمنون علم استجابة وامتثال لما آمركم به - ~~{ أنما الحياة الدنيا } التى تعيشون فيها ما شاء الله لكم أن ~~تعيشوا.. { لعب } واللعب هو قضاء الوقت فى قول أو فعل لا فائدة من ~~روائه. { ولهو } واللهو اسم لفعل أو قول يقصد من روائه التلذذ ~~والتمتع، وصرف الآلام والهموم عن النفس. { وزينة } الزينة اسم لما ~~يتزين به الإنسان من ملبس أو مسكن أو ما يشبههما مما يفعله من أجل أن ~~يكون فى أعين الناس مهيبا جميلا. { وتفاخر بينكم } أى وتفاخر ~~فيما بينكم بالأموال والمناصب والأحساب والأعمال.. وتكاثر فى الأموال ~~والأولاد، والتكاثر تفاعل من الكثرة - كما أن التفاخر تفاعل من الفخر - ~~وصيغة التفاعل جىء بها هنا، للمبالغة فى إظهار ما يتفاخرون به، وما ~~يتكاثرون فيه، حتى لكأنه ينافس غيره فى ذلك ويريد الظهور عليه. والحرص ~~على التفاخر والتكاثر فى الأموال والأولاد، من طبيعة كثير من الناس، كما ~~قال - تعالى - # ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر # ثم بين - سبحانه - حال الحياة الدنيا، التى يلعب الناس فيها، ويلهون ms4928 ~~ويتفاخرون. ويتكاثرون. فقال { كمثل غيث أعجب الكفار ~~نباته }. أى هذه الحياة الدنيا حالها وصفتها ومثلها كمثل مطر أعجب ~~الكفار وراقهم وسرهم، ما ترتب على هذا المطر، من نبات جميل نبت من الأرض ~~بعد هطول الغيث عليها. فقوله - تعالى - { كمثل } خبر لمبتدأ محذوف، ~~أى مثلها كمثل مطر. والمراد بالكفار هنا الجاحدون لنعم الله - تعالى - ~~الساترون لها، وخصوا بالذكر، لأنهم أشد إعجابا وسرورا وانغماسا فى زينة ~~الحياة الدنيا من غيرهم. وروى عن عبد الله بن مسعود - رضى الله عنه - أن ~~المراد بالكفار هنا الزراع الذين يزرعون الأرض بعد نزول المطر عليها، ~~ويبذورن فيها البذور سموا كفارا من الكفر بمعنى الستر والإخفاء، يقال ~~كفر الزارع بذره أو زرعه إذا أخفاه فى الأرض، حتى لا يتعرض للتلف أو ~~الضياع. وقوله - سبحانه - { ثم يهيج فتراه مصفرا ثم ~~يكون حطاما }. والهيجان الاضطراب والثوران، ومنه سميت الحرب ~~بالهيجاء، لأن فيها يضطرب المقاتلون، ويثور بعضهم على بعض. ويرى بعضهم أن ~~معنى { يهيج } هنا ييبس ويجف. وعطف - سبحانه - جملة { يهيج } بحرف ~~{ ثم } لإفادة التراخى الرتبى، إذ أن وصول النبات إلى درجة من ~~الهيجان وبلوغ منتهاه، لا يتأتى إلا بعد زمن طويل من بدء زراعته. ولم ~~يرتض بعض المحققين هذا المعنى فقال تفسير { يهيج } بييبس فيه تسامح، ~~فإن حقيقته أن يتحرك إلى أقصى ما يتأتى له. أى من الطول والغلظ. أى ثم ~~يتحرك هذا النبات الذى أعجب الكفار إلى أقصى ما يتأتى له من طول وقوة، ثم ~~يبدأ فى الضعف، فتراه - أيها الناظر إليه - نباتا مصفرا متغيرا عما كان ~~عليه من النضرة، آخذا فى الذبول وفى التهيؤ للحصاد. # ثم يكون بعد ذلك حطاما، أى نباتا محطما مكسرا. والمقصود بقوله - تعالى - ~~{ كمثل غيث.. } إلخ التقرير والتأكيد لما وصفت به الدنيا من كونها ~~لعبا ولهوا وزينة. وتشبيهها فى سرعة زوالها، وانقضاء نعيمها، وقلة ~~فائدتها.. بحال نبات ظهر على الأرض بعد هطول المطر عليها، واستمر فى ~~ظهوره وجماله ونضرته وهيجانه، لفترة ما من الحياة، أعجب خلالها الكفار ~~به، ثم حل بهذا النبات اليانع ms4929 الاصفرار والاضمحلال حتى صار حطاما مفتتا ~~تذروه الرياح. والمقصود بهذا التشبيه، زجر الناس عن الركون إلى الحياة ~~الدنيا ركونا ينسون معه فرائض الله - تعالى - وتكاليفه التى كلفهم بها - ~~سبحانه -. وعطف - سبحانه - { فتراه مصفرا } بالفاء للإشعار ~~بقصر المسافة، مهما طالت فى عرف الناس - بين نضرة الزرع واستوائه، وبين ~~اصفراره ونهايته. قال صاحب الكشاف - رحمه الله - أراد - سبحانه - أن ~~الدنيا ليست إلا محقرات من الأمور، وهى اللعب واللهو... وأما الآخرة فما ~~هى إلا أمور عظام. وشبه حال الدنيا بسرعة تقضيها، مع قلة جدواها، بنبات ~~أنبته الغيث فاستوى واكتمل، وأعجب به الكفار الجاحدون لنعمة الله، فيما ~~رزقهم من الغيث، والنبات.. فبعث عليه العاهة فهاج واصفر وصار حطاما. ثم ~~ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان عظم الآخرة، وهوان الدنيا فقال { ~~وفي الآخرة عذاب شديد } أى لمن كفر بالله - تعالى - وفسق عن ~~أمره. { ومغفرة من الله ورضوان } أى لمن آمن بالله - ~~تعالى - واتبع ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحافظ على أداء ~~ما كلف به بإخلاص وحسن اقتداء. { وما الحياة الدنيآ إلا ~~متاع الغرور } أى وما أحوال الحياة الدنيا وما اشتملت عليه من ~~شهوات، إلا متاع زائل، لا يقدم عليه، ولا يتشبع به إلا من خدع بزخرفه، ~~واغتر بمظهره. فالمراد بالغرور الخديعة، مصدر غره. أى خدعه وأطمعه ~~بالباطل. ثم أمرهم - سبحانه - بالمسارعة إلى ما يسعدهم، بعد أن بين لهم ~~حال الحياة الدنيا فقال { سابقوا إلى مغفرة من ربكم ~~وجنة عرضها كعرض السمآء والأرض }. وقوله - تعالى - ~~{ سابقوا } من المسابقة وهى محاولة أن يسبق الإنسان غيره. و { من ~~} فى قوله { من ربكم } ابتدائية، والجار والمجرور صفة المغفرة. ~~أى سارعوا - أيها المؤمنون - مسارعة السابقين لغيرهم، إلى مغفرة عظيمة ~~كائنة من ربكم. فالتعبير بقوله { سابقوا } لإلهاب الحماس وحض ~~النفوس إلى الاستجابة لما أمروا به، حتى لكأنهم فى حالة مسابقة يحرص كل ~~قرين فيها إلى أن يسبق قرينه. وقوله { وجنة عرضها كعرض ~~السمآء والأرض. # . } معطوف على المغفرة. أى سابقوا غيركم - أيها المؤمنون - إلى مغفرة ~~عظيمة من ربكم، وإلى جنة ms4930 كريمة هذه الجنة عرضها وسعتها ورحابتها.. كسعة ~~السماء والأرض. وهذه الجنة قد { أعدت للذين آمنوا بالله ~~ورسله } إيمانا حقا، جعلهم لا يقصرون فى أداء واجب من الواجبات التى ~~كلفهم - سبحانه - بها. قال الإمام الفخر الرازى ما ملخصه فى كون الجنة ~~عرضها كعرض السماء والأرض وجوه منها أن المراد لو جعلت السماوات والأرضون ~~طبقا طبقا.. لكان ذلك مثل عرض الجنة، وهذا غاية فى السعة لا يعلمها إلا ~~الله - تعالى -. ومنها أن المقصود المبالغة فى الوصف بالسعة للجنة، وذلك ~~لأنه لا شىء عندنا أعرض منهما. وخص - سبحانه - العرض بالذكر، ليكون أبلغ ~~فى الدلالة على عظمها، واتساع طولها، لأنه إذا كان عرضها كهذا، فإن العقل ~~يذهب كل مذهب فى تصور طولها، فقد جرت العادة أن يكون الطول أكبر من ~~العرض. قال الإمام ابن كثير وقد روينا فى مسند الإمام أحمد # " أن هرقل - ملك الروم - كتب إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال إنك ~~دعوتنى إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فأين النار؟ فقال - صلى الله عليه ~~وسلم - " سبحان الله، فأين الليل إذا جاء النهار ". # وإسم الإشارة فى قوله - تعالى - { ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشآء والله ذو الفضل العظيم } يعود إلى الذى وعد الله - ~~تعالى - به عباده المؤمنين من المغفرة والجنة. أى ذلك العطاء الجزيل فضل ~~الله - تعالى - وحده وهو صاحب الفضل العظيم لا يعلم مقداره إلا هو - عز ~~وجل -. فأنت ترى أن الله - تعالى - بعد أن بين حال الحياة الدنيا. دعا ~~المؤمنين إلى المسابقة إلى العمل الصالح، الذى يوصلهم إلى ما هو أكرم ~~وأبقى... وهو الجنة. وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - # زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ~~والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ~~والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع ~~الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب قل ~~أؤنبئكم بخير من ذلكم... # ثم بين - سبحانه - أن كل شىء فى هذه الحياة، خاضع لقضاء الله - تعالى - ~~وقدره، وأن على المؤمن الصادق أن يكون شاكرا عند الرخاء، صابرا عند ~~البلاء... فقال - تعالى - { مآ أصاب من مصيبة... }. ### || [57.22-24] ms4931 # و { مآ } فى قوله - تعالى - { مآ أصاب من مصيبة } نافية، و { ~~من } مزيدة لتأكيد هذا النفى وإفادة عمومه. ومفعول " أصاب " محذوف. ~~وقوله { في الأرض } إشارة إلى المصائب التى تقع فيها من فقر وقحط، ~~وزلازل. وقوله { ولا في أنفسكم } للإشارة إلى ما يصيب الإنسان ~~فى ذاته، كالأمراض، والهموم. والاستثناء فى قوله - تعالى - { إلا في ~~كتاب } من أعم الأحوال، والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ، أو علمه - عز ~~وجل - الشامل لكل شىء. وقوله { نبرأهآ } من البرء - بفتح الباء - ~~بمعنى الخلق والإيجاد، والضمير فيه يعود إلى النفس، أو إلى الأرض، أو ~~إلى جميع ما ذكره الله - تعالى - من خلق المصائب فى الأرض والأنفس. ~~والمعنى واعلموا - أيها المؤمنون علما يترتب عليه آثاره من العمل الصالح ~~- أنه ما أصابكم أو ما أصاب أحدا مصيبة، هذه المصيبة كائنة فى الأرض - ~~كالقحط والزلازل - أو فى أنفسكم - كالأسقام والأوجاع - إلا وهذه المصائب ~~مسجلة فى كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.. وهذا التسجيل كائن ~~من قبل أن نخلق هذه الأنفس، وهذه المصائب. وكرر - سبحانه - حرف النفى فى ~~قوله { ولا في أنفسكم } للإيماء إلى أن المصائب التى تتعلق ~~بذات الإنسان، يكون أشد تأثرا واهتماما بها، أكثر من غيرها. واسم ~~الإشارة فى قوله { إن ذلك على الله يسير } يعود إلى ~~الكتابة فى الكتاب. أى إن ذلك الذى أثبتناه فى لوحنا المحفوظ وفى علمنا ~~الشامل لكل شىء.. قبل أن نخلقكم، وقبل أن نخلق الأرض.. يسير وسهل علينا، ~~لأن قدرتنا لا يعجزها شىء، وعلمنا لا يعزب عنه شىء. فالآية الكريمة صريحة ~~فى بيان أن ما يقع فى الأرض وفى الأنفس من مصائب - ومن غيرها من مسرات - ~~مكتوب ومسجل عند الله - تعالى - قبل خلق الأرض والأنفس. وخص - سبحانه - ~~المصائب بالذكر، لأن الإنسان يضطرب لوقوعها اضطرابا شديدا، وكثيرا ما ~~يكون إحساسه بها، وإدراكه لأثرها، أشد من إحساسه وإدركه للمسرات. ومن ~~الآيات التى تشبه هذه الآية فى معناها قوله - تعالى - # قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا هو مولانا ~~وعلى الله فليتوكل المؤمنون # ثم بين ms4932 - سبحانه - الحكم التى من أجلها فعل ذلك فقال { لكيلا ~~تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بمآ آتاكم }. ~~فاللام فى قوله { لكيلا تأسوا.. } متعلقة بحذوف. وقوله { ~~تأسوا } من الأسى، وهو الحزن والضيق الشديد. يقال أسى فلان على كذا ~~- كفرح - فهو يأسى أسى، إذا حزن واغتم لما حدث، ومنه قوله - تعالى - ~~حكاية عن شعيب - عليه السلام - # فتولى عنهم وقال يقوم لقد أبلغتكم ~~رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم ~~كافرين # أى فعلنا ما فعلنا من إثبات ما يصيبكم فى كتاب من قبل خلقكم، وأخبرناكم ~~بذلك، لكى لا تحزنوا على ما أصابكم من مصائب حزنا يؤدة بكم إلى الجزع، ~~وإلى عدم الرضا بقضاء الله وقدره ولكى لا تفرحوا بما أعطاكم الله - تعالى ~~- من نعم عظمى وكثيرة.. فرحا يؤدى بكم إلى الطغيان وإلى عدم استعمال نعم ~~الله - تعالى - فيما خلقت له.. فإن من علم ذلك علما مصحوبا بالتدبر ~~والاتعاظ... هانت عليه المصائب، واطمأنت نفسه لما قضاه الله - تعالى - ~~وكان عند الشدائد صبورا، وعند المسرات شكورا. ورحم الله صاحب الكشاف فقد ~~قال عند تفسيره لهذه الآية يعنى أنكم إذا علمتم أن كل شىء مقدر مكتوب عند ~~الله، قل أساكم على الفائت، وفرحكم على الآتى، لأن من علم أن ما عنده ~~مفقود لا محالة، لم يتفاقم جزعه عند فقده، لأنه وطن نفسه على ذلك، وكذلك ~~من علم أن بعض الخير واصل إليه، وأن وصوله لا يفوته بحال، لم يعظم فرحه ~~عند نيله. فإن قلت فلا أحد يملك نفسه عند مضرة تنزل به، ولا عند منفعة ~~ينالها، أن لا يحزن ولا يفرح؟ قلت المراد الحزن المخرج إلى ما يذهل ~~صاحبه عن الصبر والتسليم لأمر الله - تعالى - ورجاء ثواب الصابرين، ~~والفرح المطغى الملهى عن الشكر. فأما الحزن الذى لا يكاد الإنسان يخلو ~~منه مع الاستسلام، والسرور بنعمة الله، والاعتداد بها مع الشكر، فلا بأس ~~بهما. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { والله لا يحب ~~كل مختال فخور }. أى والله - تعالى - لا يحب أحدا من شأنه ~~الاختيال بما ms4933 آتاه - سبحانه - من نعم دون أن يشكره - تعالى - عليها، ومن ~~شأنه - أيضا - التفاخر والتباهى على الناس بما عنده من أموال وأولاد.. ~~وإنما يحب الله - تعالى - من كان من عباده متواضعا حليما شاكرا لخالقه - ~~عز وجل -. فأنت ترى أن هاتين الآيتين قد سكبتا فى قلب المؤمن، كل معانى ~~الثقة والرضا بقضاء الله فى كل الأحوال. وليس معنى ذلك عدم مباشرة ~~الأسباب التى شرعها الله - تعالى - لأن ما سجله الله فى كتابه علينا قبل ~~أن يخلقنا، لا علم لنا به، وإنما علمه مرده إليه وحده - تعالى -. وهو - ~~سبحانه - لا يحاسبنا على ما نجهله، وإنما يحاسبنا على ما أمرنا به، أو ~~نهانا عنه، عن طريق رسوله - صلى الله عليه وسلم-. وكما سجل - سبحانه - ~~أحوالنا قبل أن يخلقنا، فقد شرع الأسباب وأمرنا بمباشرتها، وبين لنا فى ~~كثير من آياته، أن جزاءنا من خير أو شر على حسب أعملنا. # وعندما قال بعض الصحابة للنبى - صلى الله عليه وسلم - # " أفلا نتكل على ما قدره الله علينا؟ أجابهم بقوله " اعملوا فكل ميسر ~~لما خلق له ". # وقوله - سبحانه - بعد ذلك { الذين يبخلون ويأمرون ~~الناس بالبخل } بدل من قوله - تعالى - # كل مختال فخور # والمراد بالذين يبخلون كل من يبخل بما له أو بعمله.. فكأنه - تعالى - ~~يقول والله لا يحب الذين يبخلون بما أعطاهم من فضله، بخلا يجعلهم لا ~~ينفقون شيئا منه فى وجوه الخير، لأن حبهم لأموالهم جعلهم يمسكونها ويشحون ~~بها شحا شديدا.. ولا يكنفون بذلك، بل يأمرون غيرهم بالخبل والشح. وعلى ~~رأس هؤلاء الذين لا يحبهم الله - تعالى - المنافقون، فقد كانوا يبخلون ~~بأموالهم عن إنفاق شىء منها فى سبيل الله، وكانوا يتواصون بذلك فيما ~~بينهم، فقد قال - سبحانه - فى شأنهم # هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول ~~الله حتى ينفضوا ولله خزآئن السماوات ~~والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون # وقوله - سبحانه - { ومن يتول فإن الله هو الغني ~~الحميد } تذييل المقصود به ذم هؤلاء البخلاء على بخلهم. وجواب الشرط ~~محذوف، أغنت عنه جملة { فإن الله هو الغني الحميد ms4934 } ~~والغنى هو الموصوف بالغنى - وهى صفة من صفات الله - عز وجل - إذ هو الغنى ~~غنى مطلقا، والخلق جميعا فى حاجة إلى عطائه - سبحانه - والحميد وصف ~~مبالغة من الحمد. والمراد به أنه - تعالى - كثير الحمد والعطاء للمنفقين ~~فى وجوه الخير. أى ومن يعرض عن هدايات الله - تعالى - وعن إرشاداته... ~~فلن يضر الله شيئا، فإن الله - تعالى - هو صاحب الغنى المطلق الذى لا ~~يستغنى عن عطائه أحد، وهو - سبحانه - كثير الحمد والعطاء لمن استجاب ~~لأمره فأنفق مما رزقه الله بدون اختيال أو تفاخر أو أذى. ثم بين - سبحانه ~~- أن حكمته قد اقتضت أن يرسل رسله إلى الناس، ليهدوهم إلى طريق الحق، وأن ~~الناس منهم من اتبع الرسل، ومنهم من أعرض عنهم، ومنهم من ابتدع أمورا من ~~عند نفسه لم يرعها حق رعايتها.. فقال - تعالى - { لقد أرسلنا ~~رسلنا... }. ### || [57.25-27] # والمراد بالبينات فى قوله - تعالى - { لقد أرسلنا رسلنا ~~بالبينات } الحجج والدلائل التى تشهد لهم بأنهم رسل من عند الله - ~~تعالى - وتدخل فيها المعجزات دخولا أوليا. والمراد بالكتاب جنس الكتب. ~~وتشمل التوراة والإنجيل وغيرهما. والميزان الآلة المعروفة بين الناس ~~لاستعمالها فى المكاييل وغيرها.. والمراد بها العدل بين الناس فى أحكامهم ~~ومعاملاتهم. وشاع إطلاق الميزان على العدل، باستعارة لفظ الميزان على ~~العدل، على وجه تشبيه المعقول بالمحسوس، والمراد بإنزاله، تبليغه ونشره ~~بين الناس. أى بالله لقد أرسلنا رسلنا، وأيدناهم بالحجج والبراهين الدالة ~~على صدقهم، وأنزلنا معهم كتبنا السماوية، بأن بلغناهم إياها عن طريق ~~وحينا، وأنزلنا معهم العدل بأن أرشدناهم إلى طرقه، وإلى إعطاء كل ذى حق ~~حقه. قال ابن كثير يقول الله - تعالى - { لقد أرسلنا رسلنا ~~بالبينات } أى بالمعجزات، والحجج الباهرات، والدلائل القاطعات { ~~وأنزلنا معهم الكتاب } وهو النقل الصدق { والميزان } ~~وهو العدل أو وهوالحق الذى تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة المخالفة ~~للآراء السقيمة. وأكد - سبحانه - هذا الإرسال، للرد على أولئك الجاحدين ~~الذين أنكروا نبوة النبى - صلى الله عليه وسلم - ولبيان أنه واحد من ~~هؤلاء الرسل الكرام، وأن رسالته إنما هى امتداد لرسالتهم.. وقوله - تعالى ~~- { ليقوم الناس ms4935 بالقسط } علة لما قبله. أى أرسلنا الرسل. ~~وأنزلنا الكتاب وشرعنا العدل، ليقوم الناس بنشر ما يؤدى إلى صلاح بالهم، ~~واستقامة أحوالهم، عن طريق التزامهم بالحق والقسط فى كل أمورهم. قال ~~الآلوسى " والقيام بالقسط " أى بالعدل، يشمل التسوية فى أمور التعامل ~~باستعمال الميزان، وفى أمور المعاد باحتذاء الكتاب، وهو - أى القسط - لفظ ~~جامع مشتمل على جميع ما ينبغى الاتصاف به، معاشا ومعادا. وقوله - تعالى - ~~{ وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس } ~~معطوف على ما قبله. والمراد بإنزال الحديد خلقه وإيجاده. وتهيئته للناس، ~~والإنعام به عليهم، كما فى قوله - سبحانه - # وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم ~~في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق # والمراد بالبأس الشديد القوة الشديدة التى تؤدى إلى القتل وإلحاق الضرر ~~بمن توجه إليه، أى لقد أرسلنا رسلنا بالأدلة الدالة على صدقهم، وأنزلنا ~~معهم ما يرشد الناس إلى صلاحهم. وأوجدنا الحديد، وأنعمنا به عليكم، ليكون ~~قوة شديدة لكم فى الدفاع عن أنفسكم، وفى تأديب أعدائكم، وليكون كذلك مصدر ~~منفعة لكم فى مصالحكم وفى شئون حياتكم. فمن الحديد تكون السيوف وآلات ~~الحرب.. ومنه - ومعه غيره - تتكون القصور الفارهة، والمبانى العالية ~~الواسعة، والمصانع النافعة.. وآلات الزراعة والتجارة. فالآية الكريمة ~~تلفت أنظار الناس إلى سنة من سنن الله - تعالى - قد أرسل الرسل وزودهم ~~بالهدايات السماوية التى تهدى الناس إلى ما يسعدهم. # . وزودهم - أيضا - بالقوة المادية التى تحمى الحق الذى جاءوا به ونرد ~~كيد الكائدين له فى نحورهم، وترهب كل من يحاول الاعتداء عليه، كما قال - ~~تعالى - # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط ~~الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم # ورحم الله الإمام ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه أى ~~وجعلنا الحديد رادعا لمن أبى الحق، وعانده بعد قيام الحجة عليه، ولهذا ~~أقام الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمكة ثلاث عشرة سنة، تنزل عليه السور ~~المكية، لبيان أن دين الله حق. فلما قامت الحجة على من خالفه، شرع الله ~~القتال بعد الهجرة، حماية للحق، وأمرهم بضرب رقاب ms4936 من عاند الحق وكذبه. ~~وقد روى الإمام أحمد عن ابن عمر قال # " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثت بالسيف بين يدى الساعة حتى ~~يعبد الله وحده لا شريك له. وجعل رزقى تحت ظل رمحى، وجعلت الذلة والصغار ~~على من خالف أمرى، ومن تشبه بقوم فهو منهم ". # ولهذا قال - تعالى - { وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد } ~~يعنى السلاح كالسيف والحراب. { ومنافع للناس } أى فى معايشهم ~~كالفأس والقدوم.. وغير ذلك. هذا، ومن المفسرين الذين فصلوا القول فى ~~منافع الحديد، وفى بيان لماذا خصه الله - تعالى - بالذكر الإمام الفخر ~~الرازى فقد قال - رحمه الله - ما ملخصه ثم إن الحديد لما كانت الحاجة ~~إليه شديدة، جعله الله سهل الوجدان، كثير الوجود. والذهب لما كانت حاجة ~~الناس إليه قليلة، جعله الله - تعالى - عزيز الوجود. وبهذا تتجلى رحمة ~~الله على عباده، فإن كل شىء كانت حاجتهم إليه أكثر جعل الحصول عليه أيسر. ~~فالهواء - وهو أعظم ما يحتاج الإنسان إليه - جعل الله تعالى - الحصول ~~عليه سهلا ميسورا.. فعلمنا من ذلك أن كل شىء كانت الحاجة إليه أكثر، كان ~~وجدانه أسهل. ولما كانت الحاجة إلى رحمة الله - تعالى - أشد من الحاجة ~~إلى كل شىء، فنرجوه من فضله أن يجعلها أسهل الأشياء وجدانا، كما قال ~~الشاعر # سبحان من خص العزيز بعزة والناس مستغنون عن أجناسه وأذل أنفاس الهواء ~~وكل ذى نفس، فمحتاج إلى أنفاسه # وقوله - سبحانه - { وليعلم الله من ينصره ورسله ~~بالغيب.. } معطوف على محذوف يدل عليه السياق. والمراد بقوله { ~~وليعلم } أى وليظهر علمه - تعالى - للناس، حتى يشاهدوا آثاره. أى ~~وأنزل - سبحانه - الحديد لكى يستعملوه فى الوجوه التى شرعها الله وليظهر ~~- سبحانه - أثر علمه حتى يشاهد الناس، من الذى سيتبع الحق منهم، فينصر ~~دين الله - تعالى - وينصر رسله، ويستعمل نعمه فيما خلقت له حالة كونه لا ~~يرى الله - تعالى - بعينيه، وإنما يتبع أمره، ويؤمن بوحدانيته ووجوده ~~وعلمه وقدرته. # . عن طريق ما أوحاه - سبحانه - إلى رسول - صلى الله عليه وسلم -. فقوله ~~{ بالغيب } حال من فاعل { ينصره }. ثم ختم - سبحانه ms4937 - الآية ~~الكريمة بقوله { إن الله قوي عزيز } أى أن الله - تعالى - ~~هو المتصف بالقوة التى ليس بعدها قوة وبالعزة التى لا تقاربها عزة. وختمت ~~الآية بهذا الختام، لأنه هو المناسب لإرسال الرسل، ولإنزال الكتب ~~والحديد الذى فيه بأس شديد ومنافع للناس. فكان هذا الختام تعليل لما ~~قبله. أى لأن الله - تعالى - قوى فى أخذه عزيز فى انتقامه فعل ما فعل من ~~إرسال الرسل، ومن إنزال الحديد. وقوله - سبحانه - { ولقد أرسلنا ~~نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة ~~والكتاب.. } معطوف على جملة { لقد أرسلنا رسلنا ~~بالبينات } عطف الخاص على العام. أى لقد أرسلنا رسلا كثيرين.. ~~وبالله لقد أرسلنا نوحا وإبراهيم، وجعلنا فى ذريتهما عددا من الأنبياء، ~~وأوحينا إليهم كتبنا، التى تهدى أقوامهم إلى طريق الحق، كالتوراة التى ~~أنزلناها على موسى، وكالزبور الذى أنزلناه على داود. وخص - سبحانه - نوحا ~~وإبراهيم - عليهما السلام - بالذكر، لشهرتهما ولأن جميع الأنبياء من ~~نسلهما. والضمير فى قوله - تعالى - { فمنهم مهتد وكثير ~~منهم فاسقون } أى فمن ذريتهم من اهتدى إلى الدين الحق، وآمن به، ~~وقام بأداء تكاليفه. وكثير من أفراد هذه الذرية فاسقون. أى خارجون عن ~~الاهتداء إلى الحق، منغمسون فى الكفر والضلال. { ثم قفينا على ~~آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم } والتقفيه ~~إتباع الرسول برسول آخر يقال قفا فلان آثر فلان.. إذا اتبعه، وقفى على ~~أثره بفلان، إذا اتبعه إباه.. وأصله من القفا وهو مؤخر العنق.. فكأن الذى ~~يتبع أثر غيره قد أتاه من جهة قفاه. وضمير الجمع فى قوله { على ~~آثارهم } يعود إلى نوح وإبراهيم وذريتهما الذين كانت فيهم النبوة ~~والكتاب. أى ثم أرسلنا بعدهم رسولا بعد رسول. حتى انتهينا إلى عيسى - ~~عليه السلام - { وآتيناه الإنجيل } أى أوحيناه إليه ليكون هداية ~~لقومه. قالوا والإنجيل كلمة يونانية من النجل وهو الأصل، يقال رحم الله ~~ناجليه، أى والديه، وقيل الإنجيل مأخوذ من نجلت الشىء إذا استخرجته ~~وأظهرته. ويقال للماء الذى يخرج من البئر نجل. وقيل هو من النجل الذى هو ~~سعة العين، ومنه قولهم طعنة نجلاء، أى واسعة. وسمى ms4938 الإنجيل بهذا الاسم، ~~لأنه سعة ونور وضياء، أنزله الله - تعالى - على نبيه عيسى، ليكون بشارة ~~وهداية لقومه. وأعاد - سبحانه - مع عيسى - عليه السلام - كلمة { ~~قفينا } للإشعار بأن المسافة التى كانت بين عيسى - عليه السلام - ~~وبين آخر رسول من بنى إسرائيل كانت مسافة طويلة. # ثم بين - سبحانه - بعض السمات التى كانت واضحة فى أتباع عيسى فقال { ~~وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ~~ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ~~ابتغآء رضوان الله }. والرأفة اللين وخفض الجناح، والرحمة. ~~العطف والشفقة. قالوا وعطف الرحمة على الرأفة من باب عطف العام على ~~الخاص، لأن الرأفة، رحمة خاصة، تتعلق بدفع الأذى والضر. أما الرحمة فهى ~~أشمل وأعم، لأنها عطف وشفقة على كل من كان فى حاجة إليها. و " الرهبانية ~~" معناها الفعلة المنسوبة إلى الرهبان. وهم النصارى المبالغون فى الرهبة ~~والخوف من الله - تعالى - والزهد فى متاع الحياة الدنيا. قال بعض العلماء ~~والرهبانية اسم للحالة التى يكون عليها الراهب متصفا بها فى غالب شئون ~~دينه، والياء فيها ياء النسبة إلى الراهب على غير قياس، لأن قياس النسب ~~إلى الراهب الراهبية، والنون فيها مزيدة للمبالغة فى النسبة، كما زيدت فى ~~قولهم شعرانى، لكثير الشعر، ولحيانى لعظيم اللحية. وقوله - تعالى - { ~~ورهبانية ابتدعوها.. } منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر. أى ~~وابتدعوها رهبانية ابتدعوها، فهو من باب الاشتغال. ويصح أن يكون معطوفا ~~على قوله { رأفة ورحمة } وقوله { ابتدعوها } فى موضع الصفة، ~~والكلام على حذف مضاف، أى وجعلنا فى قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية مبتدعة ~~لهم. وجملة ما كتبناها عليهم، مستأنفة مبينة لجملة { ابتدعوها }. ~~والاستثناء فى قوله { إلا ابتغآء رضوان الله } منقطع. ~~والضمير فى قوله { فما رعوها } يعود لهؤلاء الذين ابتدعوا ~~الرهبانية. والمعنى ثم أتبعنا كل رسول من ذرية نوح وإبراهيم برسول آخر، ~~حتى انتهينا إلى عيسى - عليه السلام - فأرسلناه إلى بنى إسرائيل وآتيناه ~~الإنجيل وجعلنا فى قلوب الذين اتبعوه وآمنوا به { رأفة } أى لينا ~~وخفض جناح { ورحمة } أى شفقة وعطفا، وحب رهبانية مبتدعة منهم، أى هم ~~الذين ابتدعوها واخترعوها واختاروها لأنفسهم، زهدا ms4939 فى متاع الحياة ~~الدنيا. ونحن ما كتبنا هذه الرهبانية، وإنما هم الذين ابتدعوها من أجل أن ~~يرضى الله عنهم { فما رعوها حق رعايتها } أى ولكنهم بمرور ~~الأيام، لم يحافظ كثير منهم على ما تقتضيه هذه الرهبانية من زهد وتقى ~~وعفاف.. بل صارت طقوسا خالية من العبادة الصحيحة، ولم يصبر على تكاليفها ~~إلا عدد قليل منهم. ولذا ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { ~~فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم ~~فاسقون }. أى أما الذين استمروا على اتباعهم لعيسى - عليه السلام - ~~وعلى الإيمان بالحق إيمانا صحيحا خاليا مما يفسده.. فقد أعطيناهم أجورهم ~~الطيبة كاملة غير منقوصة. وأما الذين بدلوا ما جاء به عيسى - عليه السلام ~~- حيث كفروا به وقالوا الله ثالث ثلاثة، أو قالوا المسيح ابن الله ~~فسيلقون ما يستحقونه من عقاب. # وقوله { وكثير منهم فاسقون } يدل على أن الذين خرجوا عن ~~الدين الحق الذى جاء به عيسى - عليه السلام - وفسقوا عن أمر ربهم.. أكثر ~~من الذين آمنوا به إيمانا صحيحا. قال الإمام ابن جرير واختلف أهل ~~التأويل فى الذين لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها. فقال بعضهم هم الذين ~~ابتدعوها، ولم يقوموا بها، ولكنهم بدلوا وخالفوا دين الله الذى بعث به ~~عيسى، فتنصروا وتهودوا. وقال آخرون بل هم قوم جاءوا من بعد الذين ~~ابتدعوها فلم يرعوها حق رعايتها، لأنهم كانوا كفارا.. فهم الذين وصفهم ~~الله بأنهم لم يرعوها حق رعايتها. وأولى الأقوال فى ذلك بالصحة أن يقال ~~إن الذين وصفهم الله بأنهم لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها، بعض الطوائف ~~التى ابتدعتها، وذلك لأن الله - تعالى - قد أخبر أنه أتى الذين آمنوا ~~منهم أجرهم، فدل ذلك على أن منهم من قد رعاها حق رعايتها. وكثير منهم - ~~أى من الذين ابتدعوا الرهبانية - أهل معاص، وخروج عن طاعة الله - تعالى - ~~وعن الإيمان به. وقال الإمام الآلوسى ما ملخصه وقوله - تعالى - { ما ~~كتبناها عليهم } جملة مستأنفة. وقوله - سبحانه - { إلا ~~ابتغآء رضوان الله } استثناء منقطع، أى ما فرضناها نحن عليهم ~~رأسا، ولكن ابتدعوها وألزموا بها أنفسهم ابتغاء رضوان ms4940 الله. وقوله - ~~تعالى - { فما رعوها حق رعايتها } أى ما حافظوا عليها حق ~~المحافظة، ذم لهم من حيث إن ذلك كالنذر، وهو عهد مع الله - تعالى - يجب ~~رعايته، لا سيما إذا قصد به رضاه - عز وجل. وجائز أن يكون الاستثناء ~~متصلا من أعم العلل. أى ما قضيناها عليهم لشىء من الأشياء، إلا ليبتغوا ~~بها رضوان الله، ويستحقوا بها الثواب، ومن ضرورة ذلك أن يحافظوا عليها.. ~~إلا أنهم لم يحافظوا عليها، ولم يرعوها حق رعايتها. والفرق بين الوجهين ~~أن الأول يقتضى أنهم لم يؤمروا بها أصلا، وأن الثانى يقتضى أنهم أمروا ~~بها، لابتغاء رضوان الله، فما رعوها حق رعايتها. والظاهر أن الضمير فى ~~قوله { فما رعوها } يعود لأولئك الذين ابتدعوا الرهبانية، والمراد ~~نفى وقوع الرعاية من جميعهم، أى فما رعاها كلهم بل بعضهم. فالآية الكريمة ~~تثنى على الذين أحسنوا اتباع عيسى - عليه السلام - فطهروا أرواحهم من كل ~~دنس، وزهدوا فى متع الحياة الدنيا.. وتذم الذين بدلوا ما جاء به عيسى - ~~عليه السلام - وقالوا الأقوال الباطلة فى شأنه، وفعلوا الأفعال القبيحة ~~التى تغضب الله - تعالى - ثم ختم - سحبانه - السورة الكريمة بهذا النداء ~~للؤمنين فقال - تعالى - { يأيها الذين آمنوا اتقوا... }. ### || [57.28-29] # أى يامن آمنتم بالله - تعالى - حق الإيمان، اتقوا الله فى كل ما تأتون ~~وما تذرون، وداوموا على الإيمان برسوله - صلى الله عليه وسلم - واثبتوا ~~على ذلك. { يؤتكم كفلين من رحمته } أى يعطكم بسبب ذلك ~~نصيبين وضعفين من رحمته - سبحانه - وفضله. وأصل الكفل - كما يقول القرطبى ~~- كساء يكتفل به الراكب فيحفظه من السقوط.. أى يؤتكم نصيبين يحفظانكم من ~~هلكة المعاصى، كما يحفظ الكفل الراكب من السقوط. { ويجعل لكم ~~نورا تمشون به } أى ويجعل لم بفضله نورا تمشون به يوم القيامة. ~~كما قال - تعالى - # يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين ~~أيديهم وبأيمانهم # { ويغفر لكم } أى ما فرط منكم من ذنوب، بأن يزيلها عنكم. { ~~والله غفور رحيم } أى واسع المغفرة والرحمة لمن انقاه وأطاعه. ~~فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وعد المؤمنين على تقواهم وعلى ms4941 إيمانهم ~~برسوله، أن يؤتيهم نصيبين من رحمته.. وأن يجعل لهم نورا يمشون به، ~~فيهديهم إلى ما يسعدهم فى كل شئونهم، وأن يغفر لهم ما سبق من ذنوبهم.. ~~فضلا منه وكرما. قالوا وأعطى الله - تعالى - للمؤمنين نصيبين من الأجر، ~~لأن أولهما بسبب إيمانهم بالرسول - صلى الله عليه وسلم -. وثانيهما بسبب ~~إيمانهم بالرسل السابقين، كما أعطى مؤمنى أهل الكتاب نصيبين من الأجر ~~احدهما للإيمان بالرسول - صلى الله عليه وسلم - والثانى للإيمان - ~~بعيسى - عليه السلام - الذى نسخت شريعته بالشريعة المحمدية. وقوله - ~~سبحانه - { لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون ~~على شيء من فضل الله.. } رد على مزاعم أهل الكتاب أنهم شعب ~~الله المختار، وأنهم أفضل من الأمة الاسلامية. قال الجمل ما ملخصه لما ~~سمع من لم يؤمن من أهل الكتاب قوله - تعالى - { أولئك يؤتون ~~أجرهم مرتين بما صبروا.. } قالوا للمسلمين أما من آمن ~~منا بكتابكم فله أجره مرتين لإيمانه بكتابنا وكتابكم. ومن لم يؤمن منا ~~بكتابكم فله أجر كأجركم، فبأى شىء فضلتم علينا؟ فأنزل الله هذه الآية. و ~~{ لا } زائدة، واللام متعلقة بمحذوف، هو معنى الجملة الطلبية المتضمنة ~~لمعنى الشرط، إذ التقدير إن تتقوا وتؤمنوا برسوله، يؤتكم الله من فضله ~~كذا وكذا - وقد أعلمناكم بذلك - لكى يعلم أهل الكتاب عدم قدرتهم على شىء ~~من فضل الله. أى أنهم لا ينالون شيئا مما ذكر من فضله.. كالكفلين من ~~رحمته وكمغفرة الذنوب - لأنهم لم يؤمنوا برسوله - صلى الله عليه وسلم - ~~ولم يخلصوا العبادة له - عز وجل -... وقوله - سبحانه - { وأن ~~الفضل بيد الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل ~~العظيم } مؤكد لما قبله، ومقرر له. # أى ليعلم أهل الكتاب عدم قدرتهم على الظفر بشىء من فضل الله إلا إذا ~~آمنوا بالله ورسله.. وليعلموا - أيضا - أن الفضل والعطاء بيد الله - ~~تعالى - وحده، يمنحه لمن يشاء ويختار من عباده، وهو - سبحانه - صاحب ~~الفضل الواسع العظيم. وعلى هذا التفسير الذى سرنا عليه يكون المقصود من ~~الآيتين تحريض المؤمنين من هذه الأمة على الثبات على تقوى الله - تعالى - ~~واتباع رسوله - صلى ms4942 الله عليه وسلم - فى كل ما جاء به، وتبشيرهم بالعطاء ~~الجزيل إذا ما فعلوا ذلك. والرد على المتفاخرين من أهل الكتاب، الذين ~~زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأنهم ليس أحد أفضل منهم، وأن الأجر ثابت ~~لهم سواء آمنوا بالرسول - صلى الله عليه وسلم - أم استمروا على كفرهم. ~~قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهاتين الآيتين لما افتخر أهل الكتاب ~~بأنهم يؤتون أجرهم مرتين، أنزل الله هذه الآية { يأيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله.. } فى حق هذه الأمة. ~~وهى كقوله - تعالى - # يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل ~~لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر ~~لكم والله ذو الفضل العظيم # ومما يؤيد هذا القول - أى أن هذه الآية فى حق هذه الأمة - ما رواه ~~الإمام أحمد عن ابن عمر قال # " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثلكم ومثل اليهود والنصارى ~~كمثل رجل استعمل عمالا فقال من يعمل لى من صلاة الصبح إلى نصف النهار على ~~قيراط قيراط؟ ألا فعملت اليهود. ثم قال من يعمل لى من صلاة الظهر إلى ~~صلاة العصر على قيراط قيراط؟ ألا فعملت النصارى. ثم قال من يعمل لى من ~~صلاة العصر إلى غروب الشمس على قيراطين قيراطين؟ ألا فأنتم الذين عملتم ~~فغضبت النصارى واليهود، وقالوا نحن أكثر عملا وأقل عطاء. قال هل ظلمتكم ~~من أجركم شيئا، قالوا لا قال فإنما هو فضلى أوتيه من أشاء ". # ويرى بعض المفسرين أن الخطاب لمن آمن من أهل الكتاب، فيكون المعنى يا من ~~آمنتم بموسى وبعيسى وبمحمد - عليهم الصلاة والسلام - اتقوا الله وآمنوا ~~برسوله - صلى الله عليه وسلم - واثبتوا على ذلك، يؤتكم الله - تعالى - ~~كفلين من رحمته. وليعلم الذين لم يؤمنوا من أهل الكتاب، أنهم لن ينالوا ~~شيئا مما ناله المؤمنون منهم. ومن المفسرين الذين ساروا على هذا التفسير ~~الإمام ابن جرير، فقد قال - رحمه الله - عند تفسيره لهذه الآية يقول - ~~تعالى ذكره - يأيها الذين صدقوا الله ورسوله من أهل الكتابين التوراة ~~والإنجيل، خافوا الله، وآمنوا برسوله محمد - صلى ms4943 الله عليه وسلم - يؤتكم ~~كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم. # . أى يؤتكم أجرين لإيمانكم بعيسى وبمحمد - عليهما الصلاة والسلام -. ~~ويبدو لنا أن الخطاب فى هذه الآية للمؤمنين من هذه الأمة، على سبيل الحض ~~والتبشير، وأن قوله - تعالى - بعد ذلك { لئلا يعلم أهل ~~الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله... } ~~واضح فى ذلك، وأن جعل الخطاب لمؤمنى أهل الكتاب لا دليل عليه. ولذا قال ~~بعض المحققين هذه الآية الكريمة من سورة الحديد، فى المؤمنين من هذه ~~الأمة، وأن سياقها واضح فى ذلك، وأن من زعم من أهل العلم أنها فى أهل ~~الكتاب فقد غلط، وأن ما وعد الله به المؤمنين من هذه الأمة، أعظم مما وعد ~~به مؤمنى أهل الكتاب. وبعد فهذا تفسير لسورة " الحديد " نسأل الله - ~~تعالى - ان يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده - وصلى الله على سيدنا محمد ~~وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [58 - سورة المجادلة] ### || [58.1-4] # ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها ما أخرجه الإمام أحمد ~~عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن خولة بنت ثعلبة قالت فى والله وفى - ~~زوجى - أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة. قالت # " كنت عنده، وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه، قالت فدخل على يوما فراجعته ~~بشىء فغضب، فقال أنت على كظهر أمى. قالت ثم خرج فجلس فى نادى قومه ساعة، ~~ثم رجع، فإذا هو يريدنى عن نفسى، فقالت له كلا والذى نفس خوله بيده لا ~~تخلص إلى، وقلت ما قلت، حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه.. قالت ~~فواثبنى، فامتنعت عنه، فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف فألقيته ~~عنى. ثم خرجت إلى بعض جاراتى، فاستعرت منها ثيابا، ثم خرجت حتى جئت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فجلست بين يديه، فذكرت له - صلى الله عليه ~~وسلم - ما لقيت من زوجى، وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه. قالت فجعل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول " يا خويلة، ابن عمك شيخ كبير ms4944 ~~فاتى الله فيه ". قالت فوالله ما برحت حتى نزل فى قرآن، فتغشى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ما كان يتغشاه، ثم سرى عنه، فقال لى " يا ~~خويلة قد أنزل الله فيك وفى صاحبك قرآنا ". ثم قرأ على هذه الآيات ". # وفى رواية # " أنها أتت النبى - صلى الله عليه وسلم - فقالت له يا رسول الله، إن ~~أوسا تزوجنى وأنا شابة مرغوب فى، فلما خلا سنى، ونثرت بطنى، جعلنى عليه ~~كأمه، وتركنى إلى غير أحد، فإن كنت تجد لى رخصة يا رسول الله فحدثنى بها. ~~فقال - صلى الله عليه وسلم - " ما أمرت بشىء فى شأنك حتى الآن " وفى ~~رواية أنه قال لها " ما أراك إلا قد حرمت عليه ". فقالت يا رسول الله، ~~إنه ما ذكر طلاقا، وأخذت تجادل النبى - صلى الله عليه وسلم - ثم قالت ~~اللهم إنى أشكو إليك فافتى، وشدة حالى، وإن لى من زوجى أولادا صغارا، ~~إن ضمهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلى جاعوا. قالت وما برحت حتى نزل ~~القرآن، فقال - صلى الله عليه وسلم - " يا خولة أبشرى " ثم قرأ على هذه ~~الآيات ". # و " قد " فى قوله - تعالى - { قد سمع الله قول التي ~~تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله } للتحقيق ولتوقع ~~الإجابة من الله - تعالى - على ما جادلت فيه تلك المرأة النبى - صلى ~~الله عليه وسلم -. # قال صاحب الكشاف " فإن قلت ما معنى " قد " فى قوله { قد سمع... }؟ ~~قلت " معناه التوقع، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمجادلة ~~كانا يتوقعان أن يسمع الله - تعالى - مجادلتها وشكواها، وينزل فى ذلك ما ~~يفرج كربها ". والسماع فى قوله - تعالى - { سمع } بمعنى علم الله - ~~تعالى - التام بما دار بين تلك المرأة، وبين الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- سبحانه - لشكواها، وحكمه فى تلك المسألة، بما يبطل ما كان شائعا ~~بشأنها قبل نزول هذه الآية. وقوله { تجادلك } من المجادلة، وهى ~~المفاوضة على سبيل المغالبة والمنازعة، وأصلها من جدلت الحبل إذا أحكمت ~~فتله. وقوله { تشتكي } من الشكو، وأصله فتح الشكوة - وهى سقاء ~~صغير يجعل فيه الماء ms4945 - وإظهار ما فيها، ثم شاع هذا الاستعمال فى إظهار ~~الإنسان لما يؤلمه ويؤذيه، وطلب إزالته. والمعنى قد سمع الله - تعالى - ~~سماعا تاما، قول هذه المرأة التى تجادلك - أيها الرسول الكريم - فى شأن ~~ما دار بينها وبين زوجها، وفيما صدر عنه فى حقها من الظهار، وسمع - ~~سبحانه - شكواها إليه، والتماسها منه - عز وجل - حل قضيتها، وتفريج ~~كربتها، وإزالة ما نزل بها من مكروه. وقال - سبحانه - { التي ~~تجادلك } بأسلوب الاسم الموصول للإشعار بأنها كانت فى نهاية الجدال ~~والشكوى، وفى أقصى درجات التوكل على ربها، والأمل فى تفريج كربتها، رحمة ~~بها وبزوجها وبأبنائها. وقوله - سبحانه - { لله والله يسمع ~~تحاوركمآ } جملة حالية، والتحاور مراجعة الكلام من الجانبين. يقال ~~حاور فلان فلانا فى الكلام إذا راجعه فيما يقوله. أى والحال أن الله - ~~تعالى - يسمع ما يدور بينك - أيها الرسول الكريم - وبين تلك المرأة، من ~~مراجعة فى الكلام، ومن أخذ ورد فى شأن قضيتها. والمقصود بذلك، بيان ~~الاعتناء بشأن هذا التحاور، والتنويه بأهميته، وأنه - تعالى - قد تكرم ~~وتفضل بإيجاد التشريع الحكيم لحل هذه القضية. وعبر - سبحانه - بصيغة ~~المضارع، لزيادة التنويه بشأن ذلك التحاور، واستحضار صورته فى ذهن ~~السامع، ليزداد عظة واعتبارا. وجملة { إن الله سميع بصير } ~~تذييل قصد به التعليل لما قبله بطريق التحقيق. أى أنه - سبحانه - يسمع كل ~~المسموعات، ويبصر كل المبصرات، على أتم وجه وأكمله، ومن مقتضيات ذلك، أن ~~يسمع تحاوركما، ويبصر ما دار بينكما. قال القرطبى " أخرج ابن ماجة أن ~~عائشة - رضى الله عنها - قالت " تبارك الذى وسع سمعه كل شىء إنى لأسمع ~~كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى على بعضه، وهى تشتكى زوجها إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وهى تقول يا رسول الله!! أكل شبابى، ونثرت له بطنى، ~~حتى إذا كبر سنى. # . ظاهر منى!! اللهم إنى أشكو إليك. وفى البخارى عن عائشة قالت الحمد لله ~~الذى وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأنا فى ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله - تعالى ms4946 - ~~{ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها }. ثم ~~شرع - سبحانه - فى بيان شأن الظهار فى ذاته، وفى بيان حكمه المترتب عليه ~~شرعا فقال { الذين يظاهرون منكم من نسآئهم ما ~~هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ~~}. وقوله { يظاهرون } من الظهار، وهو لغة مصدر ظاهر، وهو مفاعلة من ~~الظهر. قال الآلوسى والظهار يراد به معان مختلفة راجعة إلى الظهر معنى ~~ولفظا باختلاف الأغراض، فيقال ظاهر زيد عمرا، أى قابل ظهره بظهره حقيقة، ~~وكذا إذا غايظه.. وظاهره إذا ناصره باعتبار أنه يقال قوى ظهره إذا نصره ~~". والمراد به هنا أن يقول الرجل لزوجته أنت على كظهر أمى، قاصدا بذلك ~~تحريم زوجته على نفسه كتحريم أمه عليه. وكان هذا القول من الرجل لامرأته ~~يؤدى إلى طلاقها منه، بحيث لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وقيل إلى ~~طلاقها منه طلاقا مؤبدا لا تحل له بعده. وقيل إن هذا القول لم يكن طلاقا ~~من كل وجه، بل كانت الزوجة تبقى بعده معلقة، فلا هى مطلقة، ولا هى غير ~~مطلقة. و " من " فى قوله { من نسآئهم } بيانية، لإفادة أن هذا ~~تشريع عام، وليس خاصا بخولة بنت ثعلبة، التى نزلت فى شأنها هذه الآيات. ~~وجملة { ما هن أمهاتهم } قائمة مقام الخبر، ودالة عليه. ~~والمعنى الذين يظاهرون منكم - أيها المؤمنون - من نسائهم بأن يقولوا لهن ~~أنتن علينا كظهر أمهاتنا، مخطئون فيما يقولون، فإن زوجاتهم لسن بأمهاتهم. ~~{ إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم } أى ليس أمهاتهم ~~على سبيل الحقيقة والواقع إلا النساء اللائى ولدنهم وأرضعنهم، وقمن ~~برعايتهم فى مراحل الطفولة والصبا والشباب. ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى ~~بقوله { وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا }. ~~أى وإن هؤلاء الرجال الذين يقولون لأزواجهم أنتن علينا كظهور أمهاتنا فى ~~الحرمة، ليتفوهون بما هو منكر من القول، فى حكم الشرع وفى حكم العقل، وفى ~~حكم الطبع. وفضلا عن كل ذلك فهو قول كاذب وباطل إذ لم يحرم الله - تعالى ~~- الزوجة على زوجها، كما حرم عليه أمه. فعلاقة الأزواج بأمهاتهم، تختلف ~~اختلافا تاما ms4947 عن علاقتهم بزوجاتهم. وإذا فالمقصود بهذه الجملة الكريمة ~~التوبيخ على هذا القول، وهو قول الرجل لزوجته أنت على كظهر أمى، وذم من ~~ينطق به، لأنه يعرض مقام الأمهات - وهو مقام فى أسمى درجات الاحترام ~~والتبجيل - - إلى تخيلات قبيحة تصاحب النطق بهذا الكلام. # وكعادة القرآن الكريم فى قرن الترهيب بالترغيب، حتى لا تيأس النفوس من ~~رحمة الله، ختمت الآية الكريمة بما يدل على فضله - تعالى -. فقال { ~~وإن الله لعفو غفور } أى وإن الله - تعالى - لكثير العفو ~~والمغفرة، لمن تاب إليه - سبحانه - وأناب وأقلع عن تلك الأقوال والأفعال ~~التى يبغضها - سبحانه -. ثم أخذت السورة الكريمة فى تفصيل حكم الظهار، ~~بعد بيان كونه منكرا من القول وزورا، فقال - تعالى - { والذين ~~يظاهرون من نسآئهم ثم يعودون لما قالوا ~~فتحرير رقبة من قبل أن يتمآسا }. وقد اختلف العلماء ~~فى معنى قوله - تعالى - { ثم يعودون لما قالوا }. فمنهم من ~~يرى أن المراد منه، ثم يرجعون عما قالوا، قاصدين معاشرة زوجاتهم.. أو ~~قاصدين تحليل ما حرموه على أنفسهم بالنسبة لزوجاتهم بسبب الظهار. ومنهم ~~من يرى أن المراد بهذه الجملة العودة إلى ما كانوا يقولونه فى الجاهلية، ~~بعد أن هداهم الله - تعالى - إلى الإسلام، فيكون المعنى ثم يعودون إلى ~~ما كانوا يقولونه فى الجاهلية من ألفاظ الظهار، التى يبغضها الله - تعالى ~~-. وهذا القول يبدو عليه الضعف من جهة جعله الفعل المضارع الدال على ~~الحال والاستقبال وهو { يظاهرون } ، بمعنى الماضى المنقطع، ومن جهة ~~جعلهم أن المظاهر بعد الإسلام، كان قد ظاهر فى الجاهلية، مع أن هذا ليس ~~بلازم. إذ لم يثبت أن " أوس بن الصامت " كان قد ظاهر من زوجته فى ~~الجاهلية، وهذا الحكم إنما هو حق المظاهر فى الإسلام. ومنهم من يرى أن ~~المراد بهذه الجملة تكرار لفظ الظهار، فمعنى ثم يعودون لما قالوا ثم ~~يعودون إلى تكرار لفظ الظهار مرة أخرى. وكان أصحاب هذا القول يرون، أن ~~الكفارة لا تكون إلا بتكرار ألفاظ الظهار، وهو قول لا يؤيده دليل، لأنه ~~لم يثبت أن خولة - أو غيرها - كرر ms4948 عليها زوجها لفظ الظهار أكثر من مرة، ~~بل الثابت أنه عندما قال لها أنت على كظهر أمى، ذهبت إلى الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - وقصت عليه ما جرى بينها بين زوجها. وقد رجح الإمام ابن ~~جرير الرأى الأول فقال والصواب من القول فى ذلك عندى أن يقال معنى اللام ~~فى قوله { لما قالوا } بمعنى إلى أو فى، لأ، معنى الكلام ثم يعودون ~~لنقض ما قالوا من التحريم فيحللونه، وإن قيل ثم يعودون إلى تحليل ما ~~حرموا، أو فى تحليل ما حرموا فصواب، لأن كل ذلك عود له، فتأويل الكلام ثم ~~يعودون لتحليل ما حرموا على أنفسهم مما أحله الله لهم. # والمعنى والذين يظاهرون منكم - أيها المؤمنون - من نسائهم، ثم يندمون ~~على ما فعلوا، ويريدون أن يعودوا عما قالوه، وأن يرجعوا إلى معاشرة ~~زوجاتهم. فعليهم فى هذه الحالة إعتاق رقبة { من قبل أن يتمآسا ~~} أى من قبل أن يستمتع أحدهما بالآخر، أى يحرم عليهما الجماع ودواعيه قبل ~~التكفير. والمراد بالرقبة المملوك، من تسمية الكل باسم الجزء. واسم ~~الإشارة فى قوله - سبحانه - { ذلكم توعظون به والله بما ~~تعملون خبير } يعود إلى الحكم بالكفارة. أى ذلكم الذى شرعنا لكم ~~- أيها المؤمنون - وهو الحكم بالكفارة إنما شرعناه من أجل أن تتعظوا به، ~~وتنزجروا عن النطق بالألفاظ التى تؤدى إلى الظهار، والله - تعالى - خبير ~~ومطلع على كل ما تقولونه من أقوال، وما تفعلونه من أفعال - وسيحاسبكم على ~~ذلك حسابا دقيقا. وما دام الأمر كذلك، فافعلوا ما أمركم به، واجتنبوا ما ~~نهاكم عنه. ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر يسره فى أحكامه فقال { ~~فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن ~~يتمآسا }. أى، فمن لم يجد منكم - أيها المؤمنون - رقبة يعتقها، أو ~~يجد المال الذى يشترى به الرقبة فيعتقها.. فعليه فى هذه الحالة، أن يصوم ~~شهرين متتابعين من قبل أن يستمتع أحدهما بالآخر. { فمن لم ~~يستطع فإطعام ستين مسكينا } أى فمن لم يستطع أن يصوم ~~شهرين متتابعين، لسبب من الأسباب كمرض أو غيره فعليه فى ms4949 هذه الحالة أن ~~يطعم ستين مسكينا، بأن يقدم لهم طعاما يكفى لغدائهم وعشائهم بصورة مشبعة. ~~واسم الإشارة فى قوله { ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله } ~~إشارة إلى ما سبق الحديث عنه، من تشريع يتعلق بالظهار. ومحله إما الرفع ~~على الابتداء، أو النصب بمضمر معلل بما بعده. أى ذلك واقع، أو فعلنا ذلك ~~ليزداد إيمانكم بالله ورسوله، وعملكم بشريعة الإسلام، وتنفيذكم للتكاليف ~~التى كلفكم الله - تعالى - بها. { وتلك حدود الله ~~وللكافرين عذاب أليم } أى وتلك الأحكام التى ذكرناها لكم هى ~~حدود الله - تعالى - التى لا يجوز تعديها، فالزموها وقفوا عندها، ~~وللكافرين الذين يتعدونها ولا يقفون عندها، عذاب شديد الألم على من ينزل ~~به. هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى ~~1 - أن الدعاء متى صدر عن لسان صادق، وعن قلب عامر باليقين.. أجابه الله ~~- تعالى - لصاحبه فى الحال أو فى الوقت الذى يريده - سبحانه -. والدليل ~~على ذلك أن السيدة خولة بنت ثعلبة، عندما تضرعت إلى الله - تعالى - ~~بالدعاء، أن يكشف كربها، وأن يحل قضيتها.. أجاب - سبحانه - دعاءها، وأنزل ~~قرآنا يتلى، وأحكاما يعمل بها فى شأن الظهار. # ورضى الله عن السيدة عائشة فقد قالت الحمد لله الذى وسع سمعه الأصوات، ~~لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا فى ~~ناحية البيت. ما أسمع ما تقول، فأنزل الله - عز وجل - { قد سمع ~~الله قول التي تجادلك في زوجها... } الآيات. وقال ~~القرطبى " المرأة التى اشتكت هى خولة بنت ثعلبة.. وقد مر بها عمر بن ~~الخطاب فى خلافته، والناس معه فاستوقفته طويلا ووعظته وقالت يا عمر قد ~~كنت تدعى عميرا، ثم قيل لك يا عمر، ثم قيل لك يا أمير المؤمنين، فاتق ~~الله يا عمر، فإن من أيقن بالموت خاف الفوت، ومن أيقن الحساب خاف العذاب. ~~فقيل له يا أمير المؤمنين، أتقف هذا الوقوف لتلك المرأة العجوز؟ فقال ~~والله لو حبستنى من أول النهار إلى آخره لا زلت إلا للصلاة المكتوبة. ~~أتدرون من هذه؟ إنها خولة بنت ثعلبة، ms4950 سمع الله قولها من فوق سبع سماوات، ~~أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعه عمر ". 2 - أخذ العلماء من قوله - ~~تعالى - { الذين يظاهرون منكم من نسآئهم.. } أنه ليس ~~للنساء ظهار، فلو ظاهرت امرأة من زوجها لم يلزمها شىء.. لأن الحل والعقد، ~~والتحليل والتحريم فى النكاح، إنما هو بيد الرجل لا بيد المرأة. ويرى ~~بعضهم أن عليها كفارة يمين، ولا يحول قولها هذا بينها وبين زوجها من ~~مجامعتها. كما أخذ الحنفية والحنابلة والمالكية من هذه الآية، أن الظهار ~~خاص بالمسلمين، لأنهم هم المخاطبون، ولأن غيرهم من الذميين ليسوا من أهل ~~الكفارة. وقال الشافعية كما يصح طلاق الذمى وتترتب عليه أحكامه، يصح ظهار ~~الذمى وتترتب عليه أحكامه.. كذلك أخذ العلماء من هذه الآية صحة ظهار ~~العبد من زوجته، لأن أحكام النكاح فى حقه ثابتة، وإذا تعذر عليه العتق ~~والإطعام. فإنه قادر على الصوم. 3 - يؤخذ من قوله - تعالى - { ~~وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا } أن الظهار ~~حرام، لأن الله - تعالى - قد وصفه بأنه منكر من القول، وبأنه زور. والفعل ~~الذى يوصف بهذا الوصف، يجب على المؤمن أن يتنزه عنه. 4 - يرى الحنفية ~~والظاهرية أنه يكفى فى الكفارة بالنسبة للظهار تحرير رقبة حتى ولو كانت ~~كافرة، لأن الله - تعالى - يقول { فتحرير رقبة } ولو كان ~~الإيمان شرطا لبينه كما بينه فى كفارة القتل. فوجب أن يطلق ما أطلقه، ~~وأن يقيد ما قيده، ويعمل بكل منهما فى موضعه. ويرى جمهور الفقهاء اشتراط ~~الإيمان فى الرقبة، لأنه من المعروف حمل المطلق على المقيد إذا كان من ~~جنسه، وما دام قد ورد النص على كون الرقبة مؤمنة فى بعض الآيات، فيجب حمل ~~بقية الآيات على ذلك. # 5 - دل قوله - تعالى - { من قبل أن يتمآسا } على حرمة الجماع ~~قبل التكفير. وألحق بعضهم بالجماع دواعيه من التقبيل ونحوه، لأن الأصل فى ~~الأحكام أنه إذا حرم شىء منها، أن يلحق بذلك الشىء المحرم ما يوصل إليه ~~إذ طريق المحرم محرم. ويرى بعضهم أن المحرم إنما هو الجماع فقط، لأن حرمة ~~الجماع ms4951 ليست لمعنى يخل بالنكاح، وعليه فلا يلزم من تحريم الجماع تحريم ~~دواعيه، فإن الحائض يحرم جماعها دون دواعيه. قال القرطبى ولا يقرب ~~المظاهر امرأته ولا يباشرها ولا يتلذذ بشىء حتى يكفر، خلافا للشافعى ~~فى أحد قوليه.. فإن وطئها قبل أن يكفر، استغفر الله - تعالى - وأمسك عنها ~~حتى يكفر كفارة واحدة. وقال مجاهد وغيره عليه كفارتان. 6 - قوله - تعالى ~~- { فصيام شهرين متتابعين.. } صريح فى وجوب تتابع الصوم ~~من غير انقطاع بين الأيام، فلو أفطر يوما من الشهرين من غير عذر انقطع ~~التتابع، ولزمه استئناف الصوم من جديد. أما الإفطار بعذر - كمرض ونحوه - ~~فيرى بعضهم وجوب الاستئناف، لزوال التتابع الذى صرحت به الآية. ويرى فريق ~~آخر من العلماء، إن الإفطار بعذر لا يمنع التتابع. 7 - أخذ العلماء من ~~قوله - تعالى - { فمن لم يستطع فإطعام ستين ~~مسكينا } أن المطلوب من المظاهر أن يطعم هؤلاء المساكين إطعاما ~~يشبعهم فى الغداء والعشاء، سواء أكان ذلك بالتمليك أم بالإباحة، فأيهما ~~وقع من المكفر أجزأه، وسواء أطعمهم جملة أم متفرقين. وأوجب الشافعية ~~تمليك المساكين.. بأن يملك لكل مسكين مدا أو صاعا من غالب قوت البلد ~~الذى يسكنه من عليه الكفارة. أما حكم من عجز عن الكفارة، فيرى جمهور ~~العلماء أنها لا تسقط عنه، بل تستقر فى ذمته حتى يتمكن من أدائها، كسائر ~~الديون والحقوق، فإنها لا تسقط، وإنما تبقى فى ذمة من عليه، حتى يتمكن من ~~أدائها. قال القرطبى " وقد ذكر الله - تعالى - الكفارة هنا مرتبة، فلا ~~سبيل إلى الصيام إلا عند العجز عن الرقبة، وكذلك لا سبيل إلى الإطعام ~~إلا عند عدم الاستطاعة على الصيام ". هذا، ومن أراد التوسع فى هذه ~~الأحكام الفقهية، فعليه يكتب الفروع وببعض كتب التفسير. ثم بين - سبحانه ~~- سوء عاقبة الذين يحاربون الله ورسوله، ولا يدركون أنه - سبحانه - معهم ~~أينما كانوا، ويعلم ما يتناجون به من إثم وعدوان ومعصية للرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال - تعالى - { إن الذين يحآدون... }. ### || [58.5-8] # وقوله - سبحانه - { يحآدون } من المحادة بمعنى المعاداة والمباغضة، ~~وأصلها أن تكون أنت ms4952 فى حد - أى فى جانب - وعدوك فى حد آخر، فكنى بها عن ~~المعاداة لأنها لازمة لها. وقوله { كبتوا } من الكبت بمعنى الخزى ~~والذل، يقال كبت الله العدو كبتا - من باب ضرب - إذا أهانه وأذله ~~وأخزاه. قال الجمل والذين يحادون الله هم الكافرون، وهذه الاية وردت فى ~~غزوة الأحزاب. والمقصود منها البشارة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~والمؤمنين، بأن أعداءهم المتحزبين القادمين عليهم، سيصيبهم الكبت والذل، ~~وسيتفرق جمعهم... والمعنى إن الذين يحاربون دين الإسلام الذى شرعه الله ~~- تعالى -. وجاء به رسوله - صلى الله عليه وسلم - { كبتوا } وأصابهم ~~الخزى والذل { كما كبت الذين من قبلهم } من أعداء الحق. ~~وأوثر هنا الفعل { يحآدون } لوقوعه عقب الكلام عن حدود الله - تعالى ~~- فى قوله - عز وجل - وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم. وقوله - تعالى ~~- { كبتوا } بمعنى سيكبتون، وعبر عن ذلك بالماضى، للإشعار بتحقق ~~الذل والخسران، لأولئك المتحزبين الذين جمعوا جموعهم لمحاربة الله ~~ورسوله. وقد حقق الله - تعالى - وعده، إذ ردهم بغيظهم دون أن ينالوا ~~خيرا. وجملة { وقد أنزلنآ آيات بينات... } حال من الضمير ~~فى { كبتوا.. } أى كبتوا لمجادلتهم للحق، والحال أنا قد أنزلنا آيات ~~واضحات، تدل على صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما جاء به من عند ~~ربه، وتشهد بأن أعداءه على الباطل والضلال. { وللكافرين } الذين ~~أعرضوا عن دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحاربوها { عذاب ~~مهين } أى عذاب يهينهم ويذلهم ويخزيهم. وقوله - تعالى - { يوم ~~يبعثهم الله جميعا } يصح أن يكون متعلقا بقوله { مهين } ~~كما يصح أن يكون منصوبا بفعل مقدر. أى اذكر - أيها العاقل - لتتعظ ~~وتعتبر، يوم يبعث الله - تعالى - هؤلاء الكافرين جميعا من قبورهم، ~~فينبثهم ويخبرهم بما عملوا من أعمال سيئة. والمراد بالإنباء فى قوله { ~~فينبئهم بما عملوا } المجازاة والمحاسبة وإنزال حكمه بهم. ~~وجملة { أحصاه الله } مستأنفة، لأنها بمنزلة الجواب عما قبلها، ~~فكأن سائلا سأل وقال كيف ينبئهم الله بأعمالهم؟ فكان الجواب أحصى الله - ~~تعالى - عليهم عملهم، وسجله عليهم تسجيلا تاما. وجملة { ونسوه } حال ~~من مفعول أحصى أى والحال أنهم قد ms4953 نسوا ما عملوه، لتهاونهم به حين ~~اقترفوه، ولاعتقادهم بأنهم لن يسألوا عنه يوم القيامة، فهم قد أنكروا ~~البعث والحساب والثواب والعقاب. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { ~~والله على كل شيء شهيد } أى والله - تعالى - مشاهد لكل ~~شىء فى هذا الكون، ولا تخفى عليه خافية من أحوال خلقه. # وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ~~ويقولون يويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا ~~حاضرا ولا يظلم ربك أحدا # ثم أقام - سبحانه - الأدلة على شمول علمه فقال { ألم تر أن ~~الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون ~~من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم }. والاستفهام فى قوله ~~{ ألم تر.. } للتقرير، والرؤية بمعنى العلم والإدراك القلبى.. ~~والخطاب لكل من هو أهل له. والنجوى اسم مصدر بمعنى المسارة، يقال نجوته ~~نجوا ونجوى وناجيته مناجاة، أى ساررته بكلام على انفراد، وأصله أن تخلو ~~بمن تناجيه بسر معين فى نجوة من الأرض، أى فى مكان مرتفع منفصل عما حوله. ~~وقيل أصله من النجاة، لأن الإسرار بالشىء فيه معاونة على النجاة. وتطلق ~~النجوى على القوم المتناجين، كما فى الآية التى معنا. قال الآلوسى وقوله ~~- تعالى - { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم } استئناف مقرر لما قبله من سعة علمه - تعالى -، و " يكون " ~~من كان التامة. و " من " مزيدة و " نجوى " فاعل، وإضافتها إلى ثلاثة من ~~إضافة المصدر إلى فاعله.. والاستثناء فى قوله { إلا هو رابعهم ~~} مفرغ من أهم الأحوال.... والمعنى لقد علمت - أيها العاقل - علما لا ~~يخالطه شك أو تردد، أن الله - تعالى - يعلم علما تاما، ما فى السماوات ~~وما فى الأرض من كائنات مختلفة الأجناس والأنواع.. وأنه - سبحانه - ما ~~يقع من تناجى ثلاثة فيما بينهم إلا وهو تعالى - يعلمه، كأنه حاضر معهم، ~~ومشاهد لهم، كما يعلمه الرابع حين يكون معهم فى التناجى. { ولا ~~خمسة إلا هو سادسهم } أى ولا يكون التناجى بين خمسة إلا ~~وهو - سبحانه - معهم، يعلم ما يتناجون ms4954 به كما يعلم ذلك سادسهم فيما لو ~~كان التناجى بين ستة. وقوله - تعالى - { ولا أدنى من ذلك ولا ~~أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا } بيان لشمول علمه ~~لجميع الأحداث. أى ولا يقع التناجى بين ما هو أقل من ذلك العدد أو أكثر - ~~كالاثنين والستة - إلا وهو - سبحانه - يعلم علما تاما ما يجرى بينهم فى ~~أى مكان كانوا، وعلى أية حال وجدوا. { ثم ينبئهم بما ~~عملوا يوم القيامة } أى ثم يخبرهم - سبحانه - يوم القيامة ~~بما عملوه فى الدنيا من أعمال كبيرة أو صغيرة، ويجازيهم عليها بما ~~يستحقونه من ثواب أو عقاب. { إن الله بكل شيء عليم } فهو ~~- سبحانه - لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء. # والمقصود بهذه الآية الكريمة، بيان شمول علم الله - تعالى - لكل شىء، ~~وأنه - سبحانه - يحصى على الناس أعمالهم إحصاء الحاضر معهم، المشاهد لهم، ~~الذى لا يعزب عنه شىء من حركاتهم أو سكناتهم، ولذا افتتح - سبحانه - ~~الآية بالعلم، واختتمها بالعلم - أيضا -. قال الإمام الرازى ما ملخصه ~~ذكر - سبحانه - الثلاثة والخمسة لوجوه أحدها أن هذه إشارة إلى كمال ~~رحمته، وذلك لأن الثلاثة إذا اجتمعوا، فإذا أخذ اثنان فى التناجى ~~والمشاورة بقى الواحد ضائعا وحيدا، فيضيق قلبه فيقول الله - تعالى - له ~~أنا جليسك وأنيسك. وثانيها أن العدد الفرد أشرف من الزوج، لأن الله وتر ~~يحب الوتر، فخص الأعداد الفردية بالذكر للتنبيه على شرفها. وثالثها أن ~~الآية نزلت فى قوم من المنافقين، اجتمعوا على التناجى مغايظة للمؤمنين، ~~وكانوا على هذين العددين أى كانوا فى مرة ثلاثة وفى مرة أخرى خمسة - ~~فنزلت الآية الكريمة بيانا للواقع. ويبدو لنا ان ذكر العدد إنما هو من ~~باب التمثيل، وأن المقصود الأصلى من الآية الكريمة، بيان أن علم الله - ~~تعالى - يشمل كل كبير وصغير، وكثير وقليل، ولذا قال - سبحانه - { ولا ~~أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما ~~كانوا }. قال القرطبى قال الفراء المعنىغير مقصود، والعدد غير مقصود، ~~لأنه - تعالى - إنما قصد - وهو أعلم - أنه مع كل عدد قل أو ms4955 كثر، يعلم ما ~~يقولون سرا وجهرا، ولا تخفى عليه خافية، فمن أجل ذلك اكتفى بذكر بعض ~~العدد، دون بعض... ثم عجب الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - ~~من حال قوم يؤثرون الغى على الرشد، وينصحون فلا يستجيبون للنصيحة، ~~وينهون عن الشرور فيأبون إلا الانغماس فيها، فقال - تعالى - { ألم ~~تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما ~~نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصيت ~~الرسول }. قال الآلوسى قال ابن عباس نزلت فى اليهود والمنافقين، ~~كانوا يتناجون دون المؤمنين، وينظرون إليهم ويتغامزون بأعينهم عليهم، ~~يوهمونهم عند أقاربه أنهم أصابهم شر، فلما كثر ذلك منهم شكا المؤمنون إلى ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - فنهاهم عن التناجى دون المؤمنين، فعادوا ~~لمثل فعلهم. والخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - والهمزة للتعجب من ~~حالهم، وصيغة المضارع للدلالة على تكرار فعلهم، وتجدده، واستحضار صورته ~~الغريبة. والمعنى إن شئت أن تعجب - أيها الرسول الكريم - فاعجب من حال ~~هؤلاء اليهود والمنافقين الذين نهيتهم أنت عن التناجى فيما بينهم، بما ~~يقلق المؤمنين ويغيظهم.. ولكنهم لم يستجيبوا لنصحك ونهيك، بل استمروا على ~~تناجيهم بما هو إثم وعدوان ومعصية لك، ولما جئتهم به من عند الله - تعالى ~~-. # وعبر بقوله - تعالى - { ثم يعودون لما نهوا عنه } ~~للإشعار بأنهم قوم لا تؤثر فيهم النصائح وإنما هم يستمعون إليها، ثم ~~يهجرون العمل بها. ويعودون إلى فجورهم وفسقهم. ووصف تناجيهم بأنه كان ~~مشتملا على الإثم والعدوان ومعصية الرسول، لا على الإثم فقط أو على ~~العدوان فقط.. لبيان أن تناجيهم مشتمل على كل أنواع السوء والفحشاء، فهم ~~يتناجون بكلام هو إثم وشر فى ذاته، وبأقوال مشتملة على ظلم المؤمنين ~~والاعتداء على دينهم وعلى أعراضهم، وبأفعال هى معصية للرسول - صلى الله ~~عليه وسلم -، لأنهم لم يستجيبوا لنهيه إياهم عن المناجاة بما يؤذى ~~المؤمنين ويحزنهم.. بل استمروا فى طغيانهم يعمهون. والباء فى قوله { ~~بالإثم } للملابسة، أى يتناجون متلبسين بالإثم وبالعدوان وبمعصية ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم -. ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المنافقين ~~ومن لف لفهم من اليهود، لم ms4956 يكتفوا بتلك المناجاة القبيحة التى كانوا ~~يديرونها فيما بينهم، لإغاظة المؤمنين، بل أضافوا إلى ذلك النطق أمام ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالكلام السيىء وبالعبارات التى تدل على ~~سوء طويتهم، فقال - تعالى - { وإذا جآءوك حيوك بما لم ~~يحيك به الله }. أى وإذا جاء هؤلاء المنافقين واليهود إلى ~~مجلسك - أيها الرسول الكريم - ألقوا إليك بتحية، هذه التحية لم يأذن بها ~~الله - تعالى - ولم يخاطبك بها. وقد كان المافقون عندما يدخلون على ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يقولون له كلمة " السلام عليكم " - وهى ~~تحية الإسلام، إنما يقولون له أنعم صباحا أو مساء.. متجنبين النطق بتحية ~~الإسلام، ومستعملين تحية الجاهلية. روى الشيخان عن عائشة # " أن ناسا من اليهود، دخلوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقالوا السام - أى الموت - عليك يا أبا القاسم. فقال - صلى الله عليه ~~وسلم - " وعليكم ". قالت عائشة وقلت عليكم السام ولعنكم الله وغضب عليكم. ~~فقال - صلى الله عليه وسلم - يا عائشة إن الله لا يحب الفاحش والمتفحش. ~~فقلت ألا تسمعهم يقولون السام؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - " أو سمعت ~~قولى عليكم " فأنزل الله - تعالى - { وإذا جآءوك حيوك بما ~~لم يحيك به الله } ". # ثم بين - سبحانه - رذيلة أخرى من رذائلهم المتعددة فقال { ويقولون ~~في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول }. والمراد ~~بأنفسهم هنا أى فيما بينهم وفى مجامعهم، أو فيما يبنهم وبين أنفسهم. أى ~~إذا جاءك هؤلاء المنافقون ومن على شاكلتهم فى الضلال، نطقوا أمامك بتحية ~~لم يحيك بها الله - تعالى - ولا يكتفون بذلك، بل يقولون فيما بينهم على ~~سبيل التباهى والجحود للحق { لولا يعذبنا الله بما نقول ~~} أى هلا يعذبنا الله بسبب ما قلناه لو كان محمدا - صلى الله عليه وسلم - ~~رسولا من عنده - تعالى - أى أنهم ينكرون نبوته - صلى الله عليه وسلم - ~~لأنها - فى زعمهم لو كانت حقا، لعذبهم الله - تعالى - بسبب إساءتهم إليه، ~~وإعراضهم عن نهيه لهم. # وقد رد الله - تعالى - عليهم بما يكبتهم، وبما يسلى نبيه - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال { حسبهم جهنم يصلونها ms4957 فبئس ~~المصير }. أى لا تحزن - أيها الرسول الكريم - لمسالك هؤلاء المنافقين ~~معك ومع أصحابك، فإن هؤلاء المنافقين ومن لف لفهم، كافيهم من العذاب جهنم ~~يصلونها ويقاسون حرها، فبئس المصير جهنم لو كانوا يعلمون. وبعد أن فضح ~~الله - تعالى - المنافقين ومن على شاكلتهم فى الكفر والضلال، وبين سوء ~~عاقبتهم بسبب مسالكهم الخبيثة.. بعد كل ذلك وجه الله - تعالى - ثلاث ~~نداءات إلى المؤمنين، أدبهم فيها بأدبه السامى.. فقال - تعالى - { ~~يأيها الذين آمنوا إذا... }. ### || [58.9-13] # فقوله - تعالى - { يأيها الذين آمنوا إذا تناجيتم ~~} تعليم وإرشاد منه - سبحانه - للمؤمنين، لكى يكون حديثهم فيما بينهم، ~~يقوم على الخير لا على الشر، وعلى الطاعة لا على المعصية، وعلى البر ~~والتقوى لا على الإثم والعدوان، حتى لا يتشبهوا بالمنافقين، الذين كانوا ~~على النقيض من ذلك. أى يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإيمان، { إذا ~~تناجيتم } بأن أسر بعضكم إلى بعض حديثا { فلا تتناجوا ~~بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول } كما هو شأن ~~المنافقين ومن على شاكلتهم فى الكفر والضلال. { وتناجوا } فيما ~~بينكم { بالبر والتقوى } والبر ضد الإثم والعدوان، وهو يعم ~~جميع أفعال الخير التى أمر الله - تعالى - بها. والتقوى الامتثال لأمر ~~الله - تعالى - وصيانة النفس عن كل مالا يرضاه. ثم ختم - سبحانه - الآية ~~الكريمة بقوله { واتقوا الله الذي إليه تحشرون } أى ~~وراقبوا الله - تعالى - فى كل أحوالكم، فإنه وحده يكون مرجعكم يوم ~~القيامة، وسيبعثكم ويجمعكم للحساب والجزاء. والمراد بالنجوى فى قوله - ~~تعالى - بعد ذلك { إنما النجوى من الشيطان ليحزن ~~الذين آمنوا.. } نجوى المنافقين فيما بينهم، وهى التى عبر عنها - ~~سبحانه - قبل ذلك بقوله # ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول # فأل فى قوله - تعالى - { النجوى } للعهد، أى إنما النجوى المعهودة ~~التى كان يتناجى المنافقون بها فيما بينهم، كائنة من الشيطان لا من غيره، ~~لأنه هو الذى حرضهم وأغراهم، بأن يتساروا بالإثم والعدوان. وقوله { ~~ليحزن الذين آمنوا } قرأ الجمهور { ليحزن } - بفتح ~~الياء وضم الزاى - مضارع حزن، فيكون { الذين آمنوا } فاعل، والحزن ~~الهم والغم. أى زين الشيطان للمنافقين هذه النجوى السيئة، لكى يحزن ~~المؤمنون ms4958 ويغتموا، بسبب ظنهم أن من وراء هذه النجوى أخبارا سيئة تتعلق ~~بهم أو بذويهم. وقرأ نافع { ليحزن } - بضم الياء وكسر الزاى - فيكون ~~{ الذين آمنوا } مفعولا. أى فعل الشيطان ما فعل مع المنافقين، لكى ~~يدخل الحزن والغم على المؤمنين. وأسند - سبحانه - النجوى إلى الشيطان، ~~باعتبار أنه هو الذى يوسوس بها، ويزينها فى قلوب هؤلاء المنافقين ~~وأشباههم. وجملة { وليس بضآرهم شيئا إلا بإذن ~~الله } معترضة لتثبيت المؤمنين، وتسليتهم عما أصابهم من المنافقين. ~~واسم ليس الشيطان أو التناجى، والاستثناء مفرغ من أهم الأحوال، و " شيئا ~~" منصوب على المفعول المطلق. أى لا تحزنوا - أيها المؤمنون - لمسالك ~~المنافقين معكم، ولا تخافوا من تناجيهم فيما بينهم، فإنها نجوى زينها لهم ~~الشيطان، واعلموا أن كيد الشيطان لن يضركم شيئا من الضرر فى حال من ~~الأحوال إلا فى حال إرادة الله - تعالى - ومشيئته. # وما دام الأمر كما بينت لكم، فاجعلوا توكلكم - أيها المؤمنون - على الله ~~- تعالى - وحده، ولا تبالوا بالمنافقين، ولا بتناجيهم، ولا بما يسوله ~~الشيطان لهم من قبائح، فإن كل شىء بقضاء الله وقدره. قال الآلوسى ما ~~ملخصه وحاصل هذا الكلام أن ما يتناجى المنافقون به مما يحزن المؤمنين. إن ~~وقع فهو إرادة الله - تعالى - ومشيئته، ولا دخل للمنافقين فيه، وما دام ~~الأمر كذلك، فلا يكترث المؤمنون بتناجيهم، وليتوكلوا على الله - عز وجل - ~~ولا يخافوا من تناجيهم. ثم إن التناجى بين المؤمنين قد يكون منهيا عنه، ~~فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال " إذا كنتم ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون الآخر، حتى تختلطوا ~~بالناس من أجل أن ذلك يحزنه ". ومثل التناجى فى ذلك، أن يتكلم اثنان ~~بحضور ثالث بلغة لا يفهمها الثالث، إن كان يحزنه ذلك. وروى الإمام مسلم ~~عن ابن عمر قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه، فإن ذلك يحزنه ~~". # والخلاصة أن تعاليم الإسلام، تنهى عن التناجى فى الحالات التى توقع ~~الريبة فى القلوب، وتزعزع الثقة ms4959 بين الأفراد والجماعات. وهذا النهى لون ~~من الأدب الحكيم الذى يحفظ للمؤمنين مودتهم ومحبتهم ويبعد عن نفوسهم ~~الشكوك والريب، ويطرد عن قلوبهم نزغات الشيطان الذى يجرى من ابن آدم مجرى ~~الدم. ثم لفت - سبحانه - أنظار المؤمنين إلى أدب رفيع فقال { يأيها ~~الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس ~~فافسحوا يفسح الله لكم }. وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول ~~هذه الآية روايات منها ما روى عن قتادة أنه قال نزلت هذه الآية فى مجالس ~~الذكر، وذلك أنهم كانوا إذا رأوا أحدهم مقبلا، ضنوا بمجالسهم عند رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض. وقال مقاتل ~~بن حيان # " أنزلت هذه الآية يوم الجمعة، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يومئذ فى الصفة، وفى المكان ضيق، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين ~~والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر وقد سبقوا فى المجالس فقاموا حيال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا السلام عليكم أيها النبى ورحمة الله ~~وبركاته، فرد النبى - صلى الله عليه وسلم - عليهم ثم سلموا على القوم بعد ~~ذلك، فردوا عليهم السلام، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم. فعرف ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ما يحملهم على القيام فلم يفسح لهم، فشق ~~ذلك عليه، فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار من غير أهل بدر قم يا ~~فلان، قم يا فلان. فشق ذلك على من أقيم من مجلسه وعرف - صلى الله عليه ~~وسلم - الكراهة فى وجوههم. فقال المنافقون ألستم تزعمون أن صاحبكم هذا ~~يعدل بين الناس؟ والله ما رأيناه قد عدل على هؤلاء.. فبلغنا أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قال " رحم الله رجلا يفسح لأخيه " فجعلوا يقومون ~~بعد ذلك سراعا " # ، ونزلت هذه الآية. وقوله { تفسحوا } من التفسح، وهو تفعل بمعنى ~~التوسع، يقال فسح فلان لفلان فى المجلس - من باب نفع - إذا أوجد له فسحة ~~فى المكان ليجلس فيه. والمعنى يا من آمنتم بالله حق الإيمان، إذا قيل ~~لكم توسعوا فى مجالسكم لتسع أكبر ms4960 قدر من إخوانكم فامتثلوا واستجيبوا. لأن ~~فعلكم هذا يؤدى إلى أن يفسح الله - تعالى - لكم فى رحمته، وفى منازلكم فى ~~الجنة، وفى كل شىء تحبونه. وحذف - سبحانه - متعلق { يفسح الله ~~لكم } ليشمل كل ما يرجو الناس أن يفسح الله لهم فيه من رزق، ورحمة، ~~وخير دنيوى وأخروى. والمراد بالمجالس مجالس الخير، كمجالس الذكر، ~~والجهاد، والصلاة، وطلب العلم، وغير ذلك من المجالس التى يحبها الله - ~~تعالى-. وقراءة الجمهور " إذا قيل لكم تفسحوا فى المجلس " ، بالإفراد ~~على إرادة الجنس.. أى قيل لم تفسحوا فى أى مجلس خير فافسحوا.. لأن هذا ~~التوسع يؤدى إلى ازدياد المحبة والمودة بينكم، وقرأ عاصم بصيغة الجمع. ثم ~~أرشدهم - سبحانه - إلى نوع آخر من الأدب السامى فقال { وإذا قيل ~~انشزوا فانشزوا }. والنشوز الارتفاع عن الأرض. يقال نشز ينشز ~~وينشز - من بابى نصر وضرب - إذا ارتفع من مكانه. أى وإذا قيل لكم - أيها ~~المؤمنون - أنهضوا من أماكنكم، للتوسعة على المقبلين عليكم، فانهضوا ولا ~~تتكاسلوا. وقوله { يرفع الله الذين آمنوا منكم ~~والذين أوتوا العلم درجات } جواب الأمر فى قوله { ~~فانشزوا }. وعطف " الذين أوتوا العلم " على " الذين آمنوا " من باب ~~عطف الخاص على العام، على سبيل التعظيم والتنويه بقدر العلماء. أى وإذا ~~قيل لكم ارتفعوا عن مواضعكم فى المجالس فارتفعوا، فإنكم إن تفعلوا ذلك، ~~يرفع الله - تعالى - المؤمنين الصادقين منكم درجات عظيمة فى الآخرة، ~~ويرفع العلماء منكم درجات أعظم وأكبر. ويرى بعضهم أن المراد بالموصولين ~~واحد، والعطف فى الآية لتنزيل التغاير فى الصفات، منزلة التغاير فى ~~الذات. والمعنى يرفع الله الذين آمنوا العالمين درجات عظيمة لا يعلم ~~مقدارها إلا الله - تعالى -. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل ~~على شمول علمه فقال { والله بما تعملون خبير }. أى والله - ~~تعالى - مطلع اطلاعا تاما على نواياكم، وعلى ظواهركم وبواطنكم، فاحذروا ~~مخالفة أمره، واتبعوا ما أرشدكم إليه من أدب وسلوك. # هذا ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة أن إفساح ~~المؤمن لأخيه المؤمن فى المجلس، من الآداب الإسلامية التى ينبغى التحلى ~~بها، ms4961 لأن هذا الفعل بجانب رفعه للدرجات فإنه سبب للتواد والتعاطف ~~والتراحم. قال القرطبى ما ملخصه والصحيح فى الآية أنها عامة فى كل مجلس ~~اجتمع المسلمون فيه للخير والأجر، سواء أكان مجلس حرب، أم ذكر، أم مجلس ~~يوم الجمعة.. ولكن بدون أذى، فقد أخرج الشيخان عن ابن عمر أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال # " لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ". # وعن ابن عمر - # " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يقام الرجل من مجلسه ثم ~~يجلس فيه آخر، " ولكن تفسحوا وتوسعوا ". # وعلى أية حال فإن الآية الكريمة ترشد المؤمنين فى كل زمان ومكان، إلى ~~لون من مكارم الأخلاق، ألا وهو التوسعة فى المجالس، وتقديم أهل العلم ~~والفضل، وإنزالهم منازلهم التى تليق بهم فى المجالس. كذلك أخذ العلماء من ~~هذه الآية الكريمة أنه يجوز القيام للقادم. قال الإمام ابن كثير وقد ~~اختلف الفقهاء فى جواز القيام للوارد إذا جاء - على أقوال فمنهم من رخص ~~فى ذلك محتجا بحديث # " قوموا إلى سيدكم ". # ومنهم من منع من ذلك، محتجا بحديث # " من أحب أن يتمثل له الرجال قياما. فليتبوأ مقعده من النار ". # ومنهم من فصل فقال يجوز القيام للقادم من سفر، وللحاكم فى محل ولايته، ~~كما دل عليه قصة سعد بن معاذ، فإنه # " لما استقبله البنى - صلى الله عليه وسلم - حاكما فى بنى قريظة، فرآه ~~مقبلا قال للمسلمين " قوموا إلى سيدكم " # ، وما ذاك إلا ليكون أنفذ لحكمه - والله أعلم -. فأما اتخاذه - أى ~~القيام - دينا، فإنه من شعار الأعاجم.. وفى الحديث المروى فى السنن # " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يجلس حيث انتهى به المجلس، ~~ولكن حيث يجلس يكون صدر ذلك المجلس، وكان الصحابة يجلسون منه على ~~مراتبهم، فالصديق عن يمينه، وعمر عن يساره، وبين يديه غالبا عثمان وعلى ~~لأنهما كانا ممن يكتب الوحى، وكان يأمرهما بذلك... " # كذلك أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة، فضل العلماء وسمو منزلتهم. قال ~~صاحب الكشاف عن عبد الله بن مسعود أنه ms4962 كان إذا قرأ هذه الآية قال يأيها ~~الناس افهموا هذه الآية، ولترغبكم فى العلم. وفى الحديث الشريف # " بين العالم والعابد مائة درجة " # وفى حديث آخر # " فضل العالم عل العابد، كفضل القمر ليلة البدر على سائر النجوم ". # وعن بعض الحكماء أنه قال ليت شعرى أى شىء أدرك من فاته العلم، وأى شىء ~~فات من أدرك العلم. وعن الأحنف كل عز لم يوطد بعلم فإلى ذل يصير. ثم ~~أرشدهم - سبحانه - إلى لون ثالث من الأدب السامى، فناداهم للمرة الثالثة ~~بقوله { يأيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول ~~فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم ~~وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم }. ~~والمراد بقوله - تعالى - { إذا ناجيتم } إذا أردتم المناجاة، كما ~~فى قوله - تعالى - # إذا قمتم إلى الصلاة # والمراد بقوله { بين يدي نجواكم } أى قبل مناجاتكم للرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - بقليل، والكلام من باب الاستعارة التمثيلية. حيث ~~شبهت هيئة قرب الشىء من آخر. بهيئة وصول الشخص إلى من يريد الوصول إليه، ~~على سبيل تشبيه المعقول بالمحسوس. واسم الإشارة فى قوله { ذلك خير ~~لكم وأطهر } يعود إلى تقديم الصدقة، والجملة بمنزلة التعليل ~~للأمر بتقديمها. والمعنى يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإيمان، إذا ~~أردتم مناجاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والحديث معه فى أمر ما على ~~سبيل السر، فقدموا صدقة للفقراء قبل مناجاته - صلى الله عليه وسلم - فذلك ~~التقديم خير لكم لما فيه من الثواب، وأكثر طهرا لنفوسكم، فإن لم تجدوا ~~شيئا تتصدقون به قبل مناجاتكم له - صلى الله عليه وسلم - فلا تحزنوا فإن ~~الله - تعالى - واسع المغفرة والرحمة. وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه ~~الآية روايات، منها ما جاء عن ابن عباس - رضى الله عنهما - أنه قال نزلت ~~بسبب أن المسلمين كانوا يكثرون المسائل على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم حتى شقوا عليه، فأراد الله - تعالى - أن يخفف عن نبيه - صلى الله ~~عليه وسلم - فلما نزلت هذه الآية، كف كثير من الناس، ثم وسع الله عليهم ~~بالآية التى بعدها. ms4963 وقال بعض العلماء إن هذا الأمر قد اشتمل على فوائد ~~كثيرة منها تعظيم أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإكبار شأن مناجاته، ~~كأنها شىء لا ينال بسهولة. ومنها التخفيف عن النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- بالتقليل من المناجاة، حتى يتفرغ - صلى الله عليه وسلم - للمهام العظمى ~~التى كلفه - سبحانه - بها. ومنها تهوين الأمر على الفقراء الذين قد ~~يغلبهم الأغنياء على مجلس الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإنهم إذا علموا ~~أن قرب الأغنياء من الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومناجاتهم له، تسبقها ~~الصدقة، لم يضجروا. ومنها عدم شغل الرسول - صلى الله عليه وسلم - بما لا ~~يكون مهما من الأمور، فيتفرغ للرسالة. # فإن الناس وقد جبلوا على الشح بالمال، يقتصدون فى المناجاة التى تسبقها ~~الصدقة. ومنها تمييز محب الدنيا من محب الآخرة، فإن المال محك الدواعى. ~~ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر لطفه بعباده فقال { أأشفقتم أن ~~تقدموا بين يدي نجواكم صدقات }. الإشفاق معناه أن ~~يتوقع الإنسان عدم حصوله على ما يريده والمراد به هنا الخوف. والاستفهام ~~مستعمل فيما يشبه اللوم والعتاب، لتخلف بعضهم عن مناجاة الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - بسبب تقديم الصدقة. و " إذ " فى قوله { فإذ لم ~~تفعلوا } ظرفية مفيدة للتعليل. والمعنى أخفتم - أيها المؤمنون - أن ~~تقدموا قبل مناجاتكم للرسول - صلى الله عليه وسلم - صدقة فيصيبكم بسبب ~~ذلك الفقر، إذا ما واظبتم على ذلك. { فإذ لم تفعلوا وتاب ~~الله عليكم } أى فحين لم تفعلوا ما كلفناكم به من تقديم الصدقة ~~قبل مناجاتكم للرسول - صلى الله عليه وسلم -، وتاب الله - تعالى - عليكم، ~~بأن رخص لكم فى هذه المناجاة بدون تقديم صدقة، وخفف عنكم ما كان قد كلفكم ~~به - سبحانه - والفاء فى قوله { فأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة وأطيعوا الله ورسوله } معطوفة على كلام محذوف. ~~أى فحين خففنا عنكم الصدقة - بفضلنا ورحمتنا - فداوموا على إقامة الصلاة، ~~وعلى إعطاء الزكاة لمستحقيها، وأطيعوا الله ورسوله، فى كل ما أمركم به أو ~~نهاكم عنه. واعلموا أن الله - تعالى - خبير بما تعملون، ولا يخفى عليه ~~شىء ms4964 من أقوالكم أو أفعالكم، وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى ~~الذين أحسنوا بالحسنى. وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية ناسخ للتى قبلها، ~~لأنها أسقطت وجوب تقديم الصدقة الذى أمرت به الآية السابقة. وقد لخص ~~الإمام الآلوسى كلام العلماء فى هذه المسألة تلخيصا حسنا فقال " واختلف ~~فى أن الأمر للندب أو للوجوب، لكنه نسخ بقوله - تعالى - { أأشفقتم ~~أن تقدموا... } وهو وإن كان متصلا به تلاوة، لكنه غير متصل به ~~نزولا. وقيل نسخ بآية الزكاة. والمعول عليه الأول. ولم يعين مقدار ~~الصدقة، ليجزىء القليل والكثير. أخرج الترمذى عن على بن أبى طالب قال لما ~~نزلت { يأيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول ~~فقدموا بين يدي نجواكم صدقة.... }. قال لى النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - # " " ما ترى فى دينار " قلت لا يطيقونه قال " نصف دينار " قلت لا ~~يطيقونه، قال " فكم "؟ قلت شعيرة. قال " فإنك لزهيد ". # فلما نزلت { أأشفقتم أن تقدموا... } قال - صلى الله عليه ~~وسلم - # " خفف الله عن هذه الأمة " # ولم يعمل بها - على المشهور - غير على - كرم الله وجهه. واختلف فى مدة ~~بقاء هذا الأمر. أى الأمر بتقديم الصدقة فعن مقاتل عشرة أيام. وقال قتادة ~~ساعة من نهار.... قال بعض العلماء " والآية الناسخة متأخرة فى النزول، ~~وإن كانت تالية للآية المنسوخة فى التلاوة. والظاهر - والله أعلم - أن ~~الحادثة من باب الابتلاء والامتحان، ليظهر للناس محب الدنيا من محب ~~الآخرة، والله بكل شىء عليم ". وقال أحد العلماء " ولا يشتم من قوله - ~~تعالى - { أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم ~~صدقات... }. أن الصحابة قد وقع منهم تقصير. فإن التقصير إنما يكون ~~إذا ثبت أنه كانت هناك مناجاة لم تصحبها صدقة، والآية قالت { فإذ لم ~~تفعلوا } أى ما أمرتم به من الصدقة، وقد يكون عدم الفعل، لأنهم لم ~~يناجوا، فلا يكون عدم الفعل تقصيرا. وأما التعبير بالإشفاق من جانبهم، ~~فلا يدل على تقصيرهم، فقد يكون الله - تعالى - علم - أن كثيرا منهم ~~استكثر التصدق عند كل مناجاة فى المستقبل لو دام الوجوب، فقال الله - ~~تعالى - لهم { أأشفقتم }. وكذلك ms4965 ليس فى قوله { وتاب الله ~~عليكم } ما يدل على أنهم قصروا، فإنه يحمل على أن المعنى أنه تاب ~~عليهم برفع التكليف عنهم تخفيفا، ومثل هذا يجوز أن يعبر عنه بالتوبة... ~~". ثم تعود السورة مرة أخرى إلى الحديث عن المنافقين وأشباههم، فتصور ~~أحوالهم، وتبين سوء مصيرهم، وتكشف القناع عن الأسباب التى أدت بهم إلى ~~الخسران والهلاك فقال - تعالى - { ألم تر إلى... }. ### || [58.14-19] # والاستفهام فى قوله - تعالى - { ألم تر إلى الذين ~~تولوا... } للتعجيب من حال هؤلاء المنافقين، حيث اتخذوا اليهود ~~حلفاء لهم، ينقلون إليهم أسرار المؤمنين... أى ألم ينته إلى علمك - أيها ~~الرسول الكريم - حال أولئك المنافقين، الذين اتخذوا اليهود أولياء، ~~يناصحونهم ويطلعونهم على أخباركم. فالمراد بالقوم الذين غضب الله عليهم ~~اليهود، ووصفهم بذلك للتنفير منهم، ولبيان أن المنافقين قد بلغوا النهاية ~~فى القبح والسوء، حيث والوا وناصروا من غضب الله عليهم، لا من رضى ~~الله عنهم. ثم دمغ - سبحانه - هؤلاء المنافقين برذيلة أخرى فقال { ما ~~هم منكم ولا منهم } أى أن هؤلاء المنافقين بمسلكهم هذا، صاروا ~~بمنزلة الذين ليسوا منكم - أيها المؤمنون - وليسوا - أيضا - منهم، أى من ~~اليهود. وإنما هم دائما لا مبدأ لهم ولا عقيدة، فهم كما قال - سبحانه - # مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى ~~هؤلاء... # وفى الحديث الشريف # " مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين غنمين - أى المترددة ين قطيعين - ~~لا تدرى أيهما تتبع ". # قال الجمل وقوله { ما هم منكم ولا منهم } فيه أوجه. أحدها ~~أن هذه الجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب، فقد أخبر عنهم بأنهم ~~ليسوا من المؤمنين الخلص، ولا من الكافرين الخلص، بل هم كقوله - تعالى - # مذبذبين بين ذلك... # والضمير فى قوله { ما هم } يعود على المنافقين، وفى قوله { منهم ~~} يعود على اليهود. الثانى أنها حال من فاعل " تولوا " والمعنى على ما ~~تقدم. الثالث أنها صفة ثانية لقوله " قوما " ، وعليه يكون الضمير فى قوله ~~" ما هم " يعود على اليهود، والضمير فى قوله " منهم " يعود على ~~المنافقين. يعنى أن اليهود ليسوا منكم - أيها المؤمنون - ولا ms4966 من ~~المنافقين. ومع ذلك تولاهم " المنافقون "... إلا أن فى هذا الوجه تنافرا ~~بين الضمائر، فإن الضمير فى " ويحلفون " عائد على المنافقين، وعلى ~~الوجيهن الأولين تتحد الضمائر ". ثم دمغهم - سبحانه - برذيلة ثالثة أشد ~~نكرا من سابقتيها فقال { ويحلفون على الكذب وهم ~~يعلمون }. أى أنهم ينقلون إلى اليهود أسرار المؤمنين، مع أنهم لا ~~تربطهم باليهود أية رابطة، لا من دين ولا من نسب... وفضلا عن كل ذلك، فإن ~~هؤلاء المنافقين يواظبون ويستمرون على الحلف الكاذب المخالف للواقع، ~~والحال أنهم يعلمون أنهم كاذبون علما لا يخالطه شك أو ريب. فأنت ترى أن ~~الله - تعالى - قد ذم هؤلاء المنافقين. بجملة من الصفات القبيحة، التى ~~على رأسها تعمدهم الكذب، وإصرارهم عليه. # قال صاحب الكشاف " قوله { ويحلفون على الكذب } أى يقولون ~~والله إنا لمسلمون، فيحلفون على الكذب الذى هو ادعاء الإسلام، { وهم ~~يعلمون } أن المحلوف عليه كذب بحت. فإن قلت فما فائدة قوله { وهم ~~يعلمون }؟ قلت الكذب أن يكون لا على وفاق المخبر عنه، سواء علم ~~المخبر أم لم يعلم.. فالمعنى أنهم الذين يخبرون وخبرهم خلاف ما يخبرون ~~عنه، وهم عالمون بذلك معتمدون له، كمن يحلف بالغموس... ". وقد ذكروا فى ~~سبب نزول هذه الآية روايات منها # " أنها نزلت فى رجل يقال له عبد الله بن نبتل - وكان من المنافقين ~~الذين يجالسون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم يرفعون حديثه إلى ~~اليهود، وفى يوم من الأيام كان - صلى الله عليه وسلم - جالسا فى إحدى ~~حجراته، فقال لمن حوله " يدخل عليكم الآن رجل قلبه جبار، وينظر بعينى ~~شيطان " فدخل ابن نبتل، - وكان أزرق أسمر قصيرا خفيف اللحية - فقال له - ~~صلى الله عليه وسلم - " علام تشتمنى أنت وأصحابك "؟ فحلف بالله ما فعل ~~ذلك، فقال له النبى - صلى الله عليه وسلم - " فعلت " فانطلق فجاء ~~بأصحابه، فحلفوا بالله ما سبوه " # ، فنزلت هذه الآية. ومن الآيات الكثيرة التى صرحت بأن المنافقين يحلفون ~~الأيمان الكاذبة على سبيل التعمد قوله - تعالى - # وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم ~~يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون ms4967 # ثم بين - سبحانه - ما أعده لهم من عذاب فقال { أعد الله لهم ~~عذابا شديدا.. } أى هيأ الله - تعالى - لهؤلاء المنافقين عذابا قد ~~بلغ النهاية فى الشدة والألم. وجملة { إنهم سآء ما كانوا ~~يعملون } تعليل لنزول العذاب الشديد بهم، أى إن هذا العذاب الشديد ~~المهيأ لهم سببه سوء أعمالهم فى الدنيا، واستحبابهم العمى على الهدى. ~~وقوله - سبحانه - { اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن ~~سبيل الله... } بيان لرذيلة رابعة أو خامسة، لا تقل في قبحها عما ~~سبقها من رذائل، وقوله { أيمانهم } جمع يمين بمعنى الحلف. وقوله { ~~جنة } من الجن بمعنى الستر عن الخاصة، وهذه المادة وما اشتق منها ~~تدول حول الستر والخفاء. وتطلق الجنة على الترس الذى يضعه المقاتل على ~~صدره أن على ذراعيه ليتقى به الضربات من عدوه. ومفعول { فصدوا } ~~محذوف للعلم به. أى أن هؤلاء المنافقين قد اتخذوا أيمانهم الكاذبة. وهى ~~حلفهم للمسلمين بأنهم معهم، وبأنهم لايضمرون شرا لهم.. اتخذوا من كل ذلك ~~وقاية وسترة عن المؤاخذة، كما يتخذ المقاتل الترس وقاية له من الأذى.. { ~~فصدوا } الناس { عن سبيل الله } أى عن دينه الحق، وطريقه ~~المستقيم. { فلهم عذاب مهين } أى فترتب على تسترهم خلف ~~الأيمان الفاجرة، وعلى صدهم غيرهم عن الحق، أن أعد الله - تعالى - لهم ~~عذابا يهينهم ويذلهم. # وقوله - سبحانه - { لن تغني عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم من الله شيئا.. } رد على ما كانوا يزعمونه من ~~أنهم لن يعذبوا، لأنهم أكثر أموالا وأولادا من المؤمنين. قال القرطبى " ~~قال مقاتل قال المنافقون إن محمدا يزعم أنه ينصر يوم القيامة لقد شقينا ~~إذا فوالله لننصرن يوم القيامة بأنفسنا وأولادنا وأموالنا إن كانت ~~قيامة، فنزلت ". ومن المعروف أن عبد الله بن أبى بن سلول - زعيم ~~المنافقين -، كان من أغنياء المدينة، وكان يوطن نفسه على أن يكون رئيسا ~~للمدينة قبيل - الإسلام، وهو القائل - كما حكى القرآن عنه - # لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل # أى أن هؤلاء المنافقين المتفاخرين بأموالهم وأولادهم، لن تغنى عنهم ~~أموالهم ولا أولادهم شيئا من الغناء. { أولئك } المنافقون هم { ~~أصحاب ms4968 النار هم فيها خالدون } خلودا أبديا، ثم بين - ~~سبحانه - حالهم يوم القيامة، وأنهم سيكونون على مثل حالهم فى الدنيا من ~~الكذب والفجور.. فقال - تعالى - { يوم يبعثهم الله جميعا ~~فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم ~~على شيء ألا إنهم هم الكاذبون }. أى اذكر - أيها ~~الرسول الكريم - يوم يبعث الله - تعالى - هؤلاء المنافقين جميعا للحساب ~~والجزاء " فيحلفون " لله - تعالى - فى الآخرة بأنهم مسلمون " كما " كانوا ~~" يحلفون لكم " فى الدنيا بأنهم مسلمون. " ويحسبون " فى الآخرة - لغبائهم ~~وانطماس بصائرهم " أنهم " بسبب تلك الأيمان الفاجرة " على شىء " من جلب ~~المنفعة أو دفع المضرة. أى يتوهمون فى الآخرة أن هذه الأيمان قد تنفعهم ~~فى تخفيف شىء من العذاب عنهم. { ألا إنهم هم الكاذبون } أى ~~الذين بلغوا فى الكذب حدا لا غاية وراءه. فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ~~بينت أن هؤلاء المنافقين فى الدنيا، قد بعثوا والنفاق ما زال فى قلوبهم، ~~وسلوكهم القبيح لا يزال متلبسا بهم. فهم لم يكتفوا بكذبهم علىالمؤمنين فى ~~الدنيا، بل وفى الآخرة - أيضا - يحلفون لله - تعالى - بأنهم كانوا ~~مسلمين. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ~~ما كنا مشركين # وقوله - سبحانه - # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون # ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية يعنى ليس العجب من ~~حلفهم لكم - فى الدنيا بأنهم مسلمون - فإنكم بشر تخفى عليكم السرائر. ~~ولكن العجب من حلفهم لله عالم الغيب والشهادة - بأنهم كانوا مسلمين فى ~~الدنيا. # والمراد وصفهم بالتوغل فى نفاقهم، ومرونهم عليه، وأن ذلك بعد موتهم ~~وبعثهم باق فيهم لا يضمحل ". وقال بعض العلماء ما ملخصه وقوله { ~~ويحسبون أنهم على شيء } حذفت صفة شىء، لظهور معناها من ~~المقام، أى ويحسبون أنهم على شىء نافع. وهذا يقتضى توغلهم فى النفاق، ~~ومرونتهم عليه، وأنه باق فى أرواحهم بعد بعثهم، لأن نفوسهم خرجت من ~~الدنيا متخلقة به، فإن النفوس إنما تكتسب تزكية أو خبثا فى عالم التكليف. ~~وفى الحديث أن النبى - صلى الله عليه ms4969 وسلم - قال # " إن رجلا من أهل الجنة يستأذن ربه أن يزرع، فيقول الله له أولست فيما ~~شئت؟ قال بلى يا ربى ولكن أحب أن أزرع، فأسرع وبذر، فيبادر الطرف نباته ~~واستواؤه واستحصاده أمثال الجبال. وكان رجل من أهل البادية عند النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله لا نجد هذا الرجل إلا قرشيا أو ~~أنصاريا، فإنهم أصحاب زرع، فأما نحن - أى أهل البوادى - فلسنا بأصحاب ~~زرع، فضحك النبى - صلى الله عليه وسلم - إقرارا لما فهمه الأعرابى ". # وفى حديث جابر بن عبد الله الذى رواه الإمام مسلم فى صحيحه، # " أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال يبعث كل عبد على ما مات عليه ". # قال عياض هو عام فى كل حالة مات عليها المرء، وقال السيوطى يبعث الزمار ~~بمزماره، وشارب الخمر بقدحه. قلت " ثم تتجلى لهم الحقائق على ما هى عليه، ~~إذ تصير العلوم على الحقيقة ". ثم بين - سبحانه - الأسباب التى جعلت ~~المنافقين ينغمسون فى نفاقهم فقال { استحوذ عليهم الشيطان ~~فأنساهم ذكر الله.. }. وقوله { استحوذ } من الحوذ وهو أن ~~يتبع السائق حاذيى البعير، أى أدبار فخذه ثم يسوقه سوقا عنيفا، لا يستطيع ~~البعير الفكاك منه... والمراد به هنا شدة الاستيلاء والغلبة... ومنه قول ~~السيدة عائشة فى عمر - رضى الله عنهما - " كان أحوذيا " أى كان ضابطا ~~للأمور، ومستوليا عليها استيلاء تاما... والمعنى إن هؤلاء المنافقين قد ~~استولى عليهم الشيطان استيلاء تاما، بحيث صيرهم تابعين لوساوسه وتزيينه، ~~فهم طوع أمره، ورهن إشارته، فترتب على طاعتهم له أن أنساهم طاعة الله - ~~تعالى -، وحسابه، وجزاءه، فعاشوا حياتهم يتركون ما هو خير، ويسرعون نحو ~~ما هو شر... { أولئك } الموصوفون بتلك الصفات القبيحة { حزب ~~الشيطان } أى جنوده وأتباعه { ألا إن حزب الشيطان هم ~~الخاسرون } خسارة لا تقاربها خسارة، لأنهم آثروا العاجل على الآجل، ~~والفانى على الباقى، والضلال على الهدى... ثم ختم - سبحانه - السورة ~~الكريمة ببيان سنة من سننه فى خلقه، وهى أن الذلة والصغار لأهل الباطل، ~~والعزة والغلبة لأهل الحق..... الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه، ms4970 فقال - ~~تعالى - { إن الذين يحآدون.... }. ### || [58.20-22] # أى إن الذين يحادون دين الله - تعالى -، ويحاربون ما جاء به رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم -، أولئك الذين يفعلون ذلك.... " فى الأذلين " أى فى عداد ~~أذل خلق الله - تعالى - وهم المنافقون ومن لف لفهم، من الكافرين وأهل ~~الكتاب. وقال - سبحانه - { أولئك في الأذلين } للإشعار ~~بأنهم مظروفون وكائنون، فى ذروة أشد خلق الله ذلا وصغارا. ثم بشر - ~~سبحانه - من هم على الحق بأعظم البشارات فقال { كتب الله ~~لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز }. أى ~~أثبت الله - تعالى - ذلك فى اللوح المحفوظ وقضاه، وأراد وقوعه فى الوقت ~~الذى يشاؤه. فالمراد بالكتابة القضاء والحكم. وعبر بالكتابة للمبالغة فى ~~تحقق الوقوع. وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية، أنه لما فتح الله - تعالى ~~- للمؤمنين ما فتح من الأرض، قال المؤمنون إنا لنرجو أن يفتح الله لنا ~~فارس والروم. فقال بعض المنافقين أتظنون الروم وفارس كبعض القرى التى ~~تغلبتم عليها، والله إنهم لأكثر عددا وأشد بطشا، من أن تظنوا فيهم ذلك، ~~فنزلت. قال الآلوسى { كتب الله } أى أثبت فى اللوح المحفوظ، أو قضى ~~وحكم.. وهذا التعبير جار مجرى القسم، ولذا قال - سبحانه - { لأغلبن ~~أنا ورسلي } أى بالحجة والسيف وما يجرى مجراه، أو بأحدهما... { ~~إن الله قوي } على نصر رسله وأوليائه { عزيز } لا يغلبه ~~غالب بل هو القاهر فوق عباده. والمقصود بالآية الكريمة تقرير سنة من سننه ~~- تعالى - التى لا تتخلف، وأن النصر سيكون حليفا لأوليائه، فى الوقت الذى ~~علمه وأراده. وشيبه بهذه الآية قوله - تعالى - # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد # وقوله - تعالى - # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم ~~لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون # ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الآية الجامعة لصفات المؤمنين ~~الصادقين فقال { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر يوآدون من حآد الله ورسوله }. وقوله { ~~يوآدون } من الموادة بمعنى حصول المودة والمحبة. أى لا تجد - أيها ~~الرسول الكريم - قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر حق الإيمان، يوالون ~~ويحبون من ms4971 حارب دين الله - تعالى - وأعرض عن هدى رسوله. والمقصود من هذه ~~الآية الكريمة النهى عن موالاة المنافقين وأشبهاهم، وإنما جاءت بصيغة ~~الخبر، لأنه أقوى وآكد فى التنفير عن موالاة أعداء الله، إذ الإتيان ~~بصيغة الخبر تشعر بأن القوم قد امتثلوا لهذا النهى، وأن الله - سبحانه - ~~قد أخبر عنهم بذلك. وافتتحت الآية بقوله { لا تجد قوما } لأن ~~هذا الافتتاح يثير شوق السامع لمعرفة هؤلاء القوم. # وقوله { ولو كانوا آبآءهم } تصريح بوجوب ترك هذه الموادة لمن ~~حارب الله ورسوله، مهما كانت درجة قرابة هذا المحارب. أى من شأن المؤمنين ~~الصادقين أن يبتعدوا عن موالاة أعداء الله ورسوله، ولو كان هؤلاء ~~الأعداء. { آبآءهم } الذين أتوا إلى الحياة عن طريقهم { أو ~~أبنآءهم } الذين هم قطعة منهم. { أو إخوانهم } الذين ~~تربطهم بهم رابطة الدم { أو عشيرتهم } التى ينتسبون إليها، وذلك ~~لأن قضية الإيمان يجب أن تقدم كل شىء. وقدم الآباء لأنهم أول من تجب ~~طاعتهم، وثنى بالأبناء لأنهم ألصق الناس بهم، وثلث بالإخوان لأنهم ~~الناصرون لهم، وختم بالعشيرة لأن التناصر بها يأتى فى نهاية المطاف. ثم ~~أثنى - سبحانه - على هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين لم يوالوا أعداء الله ~~مهما بلغت درجة قرابتهم فقال { أولئك كتب في قلوبهم ~~الإيمان }. أى أولئك الذين لا يوادون أعداء الله مهما كانوا، هم الذين ~~كتب الله - تعالى - الإيمان فى قلوبهم، فاختلط بها واختلطت به، فصارت ~~قلوبهم لا تحب إلا من أحب دين الله، ولا تبغض إلا من أبغضه. { ~~وأيدهم بروح منه } أى وثبتهم وقواهم بنور من عنده - سبحانه ~~- فصاروا بسبب ذلك أشداء على الكفار، رحماء بينهم. { ويدخلهم } - ~~سبحانه - يوم القيامة { جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها } خلودا أبديا، { رضي الله عنهم } بسبب ~~طاعتهم له، { ورضوا عنه } بسبب ثوابه لهم. { أولئك } ~~الموصوفون بذلك { حزب الله } الذى يشرف من ينتسب إليه. { ألا ~~إن حزب الله هم المفلحون } فلاحا ونجاحا ليس بعدهما ~~فلاح أو نجاح. وقد ذكروا روايات متعددة فى سبب نزول هذه الآية الكريمة، ~~منها أنها نزلت فى أبى عبيدة عامر بن ms4972 الجراح، فقد قتل أباه - وكان كافرا ~~- فى غزوة بدر. والآية الكريمة تصدق على أبى عبيدة وغيره ممن حاربوا ~~أباءهم وأبناءهم وإخوانهم وعشيرتهم، عندما استحب هؤلاء الآباء والأبناء ~~الكفر على الإيمان. وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة، وجوب عدم ~~موالاة الكفار والفساق والمنافقين والمجاهرين بارتكاب المعاصى.. مهما ~~بلغت درجة قرابتهم، ومهما كانت منزلتهم. ومن دعاء رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - # " اللهم لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندى يدا ولا نعمة ". # وبعد فهذا تفسير لسورة " المجادلة " نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا ~~لوجهه، ونافعا لعباده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصبحه وسلم. ### | [59 - سورة الحشر] ### || [59.1-5] # افتتحت سورة " الحشر " بالثناء على الله - تعالى - وبتنزيهه عن كل مالا ~~يليق بذاته الجليلة، فقال - عز وجل - { سبح لله ما في ~~السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم }. واصل ~~التسبيح لغة الإبعاد عن السوء. وشرعا تنزيه الله - تعالى - عن كل مالا ~~يليق بجلاله وكماله. والذى يتدبر القرآن الكريم، يجد أن الله - تعالى - ~~قد ذكر فيه أن كل شىء فى هذا الكون يسبح بحمده - تعالى -، كما فى قوله # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم # كما ذكر - سبحانه - أن الملائكة تسبح له، كما فى قوله # ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك... # وكذلك الرعد، كما فى قوله # ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته... # وكذلك الجبال والطير قال - تعالى - # إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي ~~والإشراق والطير محشورة كل له أواب # وقد سبق أن ذكرنا خلال تفسيرنا لقوله - تعالى - # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم... # أن الرأى الذى تطمئن إليه النفس، أن التسيبح حقيقى، ولكن بلغة لا يعملها ~~إلا الله - تعالى -. والمعنى سبح لله - تعالى - ونزهه عن كل ما لا يليق ~~به، جميع ما فى السماوات وجميع ما فى الأرض من كائنات ومخلوقات. وهو - عز ~~وجل - { العزيز } الذى لا يغلبه غالب { العزيز الحكيم } فى ~~أقواله وأفعاله. وقد افتتحت بعض السور - كسورة الحديد والحشر والصف - ~~بالفعل الماضى، لإفادة الثبوت والتأكيد، ms4973 وأن التسبيح قد تم فعلا. ~~وافتتحت بعض السور، كسورة الجمع والتغابن - بالفعل المضارع " يسبح " ~~لإفادة تجدد هذا التسبيح لى كل وقت، وحدوثه فى كل لحظة. ثم بين - سبحانه ~~- جانبا من مظاهر فضله على المؤمنين، حيث نصرهم على أعدائهم، فقال { هو ~~الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ~~ديارهم لأول الحشر... }. والمراد بالذين كفروا من أهل ~~الكتاب هنا يهود بنى النضير، وقصتهم معروفة فى كتب السنة والسيرة، ~~وملخصها أن هؤلاء اليهود كانوا يسكنون فى ضواحى المدينة فذهب إليهم النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - ليستعين بهم فى دفع دية لقتيلين قتلهما بعض ~~المسلمين خطأ، فاستقبلوه استقبالا حسنا، وأظهروا له - صلى الله عليه وسلم ~~- استعدادهم للمساعدة فيما يطلبه منهم، ثم خلا بعضهم ببعض وقالوا إنكم لن ~~تجدوا الرجل على مثل حاله هذه، فمن منكم يصعد إلى أعلى هذا البيت الذى ~~يجلس تحته محمد - صلى الله عليه وسلم - فيلقى عليه حجرا فيريحنا منه. ~~فتعهد واحد منهم بذلك، وقبل أن يتم فعله، نزل جبريل - عليه السلام - على ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بما أضمره اليهود من غدر وخيانة ~~فرجع - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة - وأخبر أصحابه بما أضمره له ~~يهود بنى النضير، ونزل قوله - تعالى - # يا أيهآ الذين آمنوا اذكروا نعمت الله ~~عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ~~فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون # ثم أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن يستعدوا لحصار بنى ~~النضير، وتأديبهم على غدرهم.. فحاصرهم المؤمنون بضعا وعشرين ليلة، وانتهى ~~الأمر بإجلائهم، عن المدينة، فمنهم من ذهب إلى خبير، ومنهم من ذهب إلى ~~غيرها. واللام فى قوله - تعالى - { لأول الحشر } متعلقة بأخرج، ~~والحشر الجمع، يقال حشر القائد جنده إذا جمعهم، ومنه قوله - تعالى - # وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير ~~فهم يوزعون # أى هو - سبحانه - الذى أخرج - بقدرته - الذين كفروا من أهل الكتاب من ~~ديارهم، وهم يهود بنى النضير عند مبدا الحشر المقدر لهم فى علمه، بأن ~~مكنكم - أيها المؤمنون - من ms4974 محاصرتهم وجمعهم فى مكان واحد، ثم طردهم من ~~المدينة المنورة إلى أماكن أخرى، بسبب غدرهم وسوء صنيعهم. قال صاحب ~~الكشاف اللام فى قوله { لأول الحشر } تتعلق بأخرج، وهى مثل اللام ~~فى قوله # يليتني قدمت لحياتي # وفى قولك جئته لوقت كذا.. والمعنى أخرج الذين كفروا عند أول الحشر. ~~ومعنى أول الحشر أن هذا أول حشرهم إلى الشام، وكانوا من سبط لم يصبهم ~~جلاء قط.. أو المعنى هذا أول حشرهم، وآخر حشرهم إجلاء عمر - رضى الله عنه ~~- لهم من خيبر إلى الشام. وقيل معناه أخرجهم من ديارهم لأول ما حشر ~~لقتالهم، لأنه أول قتال قاتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -... وقصر ~~- سبحانه - إخراجهم عليه فقال هو الذى أخرج الذين كفروا، مع أن المسلمين ~~قد اشتركوا فى إخراجهم عن طريق محاصرتهم للإشعار بأن السبب الحقيقى فى ~~إخراجهم من ديارهم، هو ما قذفه الله - تعالى - فى قلوبهم من الرعب.. أما ~~محاصرة المؤمنين لهم فهى أسباب فرعية، قد تؤدى إلى أخراجهم، وقد لا تؤدى، ~~وللإشعار - أيضا - بأن كل شىء إنما هو بقضاء الله وقدره.. ووصفهم - ~~سبحانه - بالكفر وبأنهم من أهل الكتاب، للتشنيع عليهم وزيادة مذمتهم، حيث ~~إنهم جمعوا بين رذيلتين رذيلة الكفر بالحق، ورذيلة عدم العلم بكتابهم ~~الذى أمر باتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذى يجدونه مكتوبا عندهم ~~فى التوراة والإنجيل، والذى يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر. و " من ~~" فى قوله - تعالى - { من أهل الكتاب } للبيان، حتى لا يظن بأن ~~المراد بالذين كفروا هنا، مشركو قريش، وإن كان الجميع يشتركون فى الكفر ~~والفسوق والعصيان. # وقوله - تعالى - { ما ظننتم أن يخرجوا.... } تذكير للمؤمنين ~~بنعم الله - تعالى - عليهم. أى ما ظننتم - أيها المؤمنون - أن يهود بنى ~~النضير سيخرجون من ديارهم بتلك السهولة، وذلك لتملكهم لألوان من القوة، ~~كقوة السلاح، وكثرة العدد، ووجود من يحميهم ممن يسكنون معكم فى المدينة، ~~وهم حلفاؤهم من بنى قومهم، كبنى قريظة وغيرهم، ومن غير بنى قومهم ~~كالمنافقين الذين وعدوهم ومنوهم. وقوله { وظنوا أنهم ~~مانعتهم حصونهم من الله } معطوف على ما ms4975 قبله. أى أنتم - ~~أيها المؤمنون - ظننتم أن اليهود لن يخرجوا من ديارهم لما معهم من قوة، ~~وهم - أيضا - ظنوا أن حصونهم ستمنع بأس الله عنهم، وأنها ستحول بينهم ~~وبين خروجهم منها، ونصركم عليهم. وقوله - سبحانه - { فأتاهم ~~الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم ~~الرعب... } متفرع عن الظن السابق، الذى ظنه المؤمنون، والذى ظنه ~~أعداؤهم وهم بنو النضير. أى أنتم ظننتم أنهم لن يخرجوا من ديارهم، وهم ~~ظنوا - أيضا - أن حصونهم ستمنعهم من نصركم عليهم، فكانت النتيجة أن أتاهم ~~بأس الله وعقابه من حيث لم يحتسبوا ومن حيث لم يخطر ببال، بأن قذف فى ~~قلوبهم الرعب والفزع فخرجوا من حصونهم التى تمنعوا بها، ومن ديارهم التى ~~سكنوها زمنا طويلا صاغرين أذلاء. والتعبير بقوله { من حيث لم ~~يحتسبوا } إشارة إلى أن ما نزل بهم من هزيمة، لم يكونوا يتوقعونها ~~أصلا، إذ الاحتساب مبالغة فى الحسبان، أى أتاهم عقاب الله - تعالى - من ~~المكان الذى كانوا يعتقدون أمانهم فيه، وفى زمان لم يكونوا أصلا يتوقعون ~~حلول هزيمتهم عنده. وعبر - سبحانه - بالقذف، لأنه كناية عن الرمى بقوة ~~وعنف وسرعة. والرعب شدة الخوف والفزع، وأصله الامتلاء. تقول رعبت الحوض ~~إذا ملأته. أى وقذف - سبحانه - فى قلوبهم الرعب الذى ملأها بالجزع والفزع ~~فاستسلموا بسبب ذلك لما حكم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليهم. ثم ~~بين - سبحانه - ما حدث منهم خلال جلائهم فقال { يخربون بيوتهم ~~بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يأولي ~~الأبصار } والتخريب إسقاط البناء وهدمه أو إفساده. أى أن هؤلاء ~~اليهود، بلغ من سوء نيتهم، ومن اضطراب أمرهم، أنهم عندما أجمعوا أمرهم ~~على الرحيل عن المدينة، أخذوا يخربون بيوتهم بأيديهم، عن طريق إسقاط ~~بنائها، وهدم السليم منها، وإزالة ما اشتملت عليه من أبواب وغيرها.. حتى ~~لا ينتفع المسلمون بها من بعدهم.. وأخذوا يخربونها - أيضا - بأيدى ~~المؤمنين، أى بسبب أن المؤمنين كانوا يزيلون من طريقهم كل عقبة حتى ~~يقتحموا عليهم ديارهم، فترتب على ذلك أن هدموا بعض بيوت بنى النضير من ~~الخارج، ليستطيعوا التمكن منهم. # قال صاحب ms4976 الكشاف ما معنى تخريبهم لها بأيدى المؤمنين؟ قلت لما عرضوهم ~~لذلك، وكانوا السبب فيه. فكأنهم أمروهم به، وكلفوهم إياه... أى أن يهود ~~بنى النضير بسبب تحصنهم فى ديارهم، ومحاولتهم عدم النزول على حكم الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - حملوا المؤمنين على تخريب هذه الحصون من الخارج، ~~ليدخلوا عليهم.. والخطاب فى قوله - تعالى - { فاعتبروا يأولي ~~الأبصار } لكل من يصلح له. قال الجمل فى حاشيته والاعتبار مأخوذ من ~~العبور والمجاوزة من شىء إلى شىء، ولهذا سميت العبرة عبرة، لأنها تنتقل ~~من العين إلى الخد. وسمى علم التعبير بذلك، لأن صاحبه ينتقل من المتخيل ~~إلى المعقول، وسميت الألفاظ عبارات، لأنها تنقل المعانى من لسان القائل ~~إلى عقل المستمع، ويقال السعيد من اعتبر بغيره، لأنه ينتقل بواسطه عقله ~~من حال ذلك الغير إلى حال نفسه. ولهذا قال القشيرى الاعتبار هو النظر فى ~~حقائق الأشياء، وجهات دلالتها، ليعرف بالنظر فيها شىء آخر... أى إذا كان ~~الأمر كان بينا لكم - أيها الناس -، فاعتبروا واتعظوا يا أصحاب العقول ~~السليمة، والعيون الناظرة، بما جرى لهؤلاء اليهود، حيث دبر الله - تعالى ~~- أمر إخراجهم من ديارهم تدبيرا حكيما، ونصر المؤمنين عليهم بأيسر طريق، ~~وجعل ديارهم من بعدهم، خير عبرة وعظة لكل ذى بصر، فقد خلفوها من بعدهم ~~شاهد صدق على أن الغدر نهايته الخسران.. وعلى أن النصر إنما هو لمن اتبع ~~الصدق والوفاء بالعهد.. قال الآلوسى واشتهر الاستدلال بهذه الجملة، على ~~مشروعية العمل بالقياس الشرعى، قالوا لأنه - تعالى - أمر فيها بالاعتبار، ~~وهو العبور والانتقال من الشىء إلى غيره، وذلك متحقق فى القياس، إذ فيه ~~نقل الحكم من الأصل إلى الفرع... ثم بين - سبحانه - جانبا من حكمته فى ~~إخراجهم فقال { ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء ~~لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار ~~}. ولفظ " لولا " هنا حرف امتناع لوجود أى امتنع وجود جوابها لوجود ~~شرطها.. و " أن " مصدرية، وهى مع ما فى حيزها فى محل رفع على الابتداء. ~~لأن لولا الامتناعية لا يليها إلا المبتدأ، والخبر محذوف. والجلاء ~~الإخراج. يقال ms4977 جلا فلان عن مكان كذا، إذا خرج منه. وأجلاه عنه غيره، إذا ~~أخرجه عنه قال القرطبى والجلاء مفارقة الوطن، يقال جلا بنفسه جلاء، ~~وأجلاه غيره إجلاء، والفرق بين الجلاء والإخراج - وإن كان معناهما فى ~~الإبعاد واحدا - من وجهين أحدهما أن الجلاء ما كان مع الأهل والولد، ~~والإخراج قد يكون مع بقاء الأهل والولد. الثانى أن الجلاء لا يكون إلا ~~لجماعة، والإخراج يكون لواحد ولجماعة. # ... أى ولولا أن الله - تعالى - قد قدر على هؤلاء اليهود، الجلاء عن ~~ديارهم، لولا أن ذلك موجود، لعذبهم فى الدنيا عذابا شديدا، استأصل معه ~~شأفتهم. ولكن الله - تعالى - كتب عليهم الجلاء دون القتل والإهلاك ~~لمصلحة اقتضتها حكمته، لعل من مظاهرها أن يغنم المسلمون ديارهم وأموالهم، ~~دون أن تراق دماء من الفريقين، ودون أن يعرض المؤمنون أنفسهم لمخاطر ~~القتال. وجملة { ولهم في الآخرة عذاب النار } مستأنفة. أى ~~أن هؤلاء اليهود أن نجوا من القتل والإهلاك فى الدنيا، فلن ينجوا فى ~~الآخرة من العذاب الذى يذلهم ويهينهم، بل سيحل بهم عذاب مقيم، لافكاك لهم ~~منه. واسم الإشارة فى قوله - تعالى - { ذلك بأنهم شآقوا ~~الله ورسوله } يعود إلى ما نزل وسينزل بهم من عذاب. وقوله - ~~تعالى - { شآقوا } من المشاقة بمعنى المعاداة والمخاصمة، حتى لكأن كل ~~واحد من المتخاصمين فى شق ومكان يخالف شق صاحبه ومكانه. أى ذلك الذى حل ~~بهم فى الدنيا من عقاب، والذى سيحل بهم فى الآخرة من عذاب، سببه أن هؤلاء ~~الذين كفروا من أهل الكتاب، عادوا الله - تعالى - وخالفوا دعوة رسوله - ~~صلى الله عليه وسلم -. { ومن يشآق الله } بأن يخالف ما أمر به، ~~أو نهى عنه. يعذبه الله - تعالى - ويخذله، فإنه - سبحانه - شديد العقاب. ~~وجملة { فإن الله شديد العقاب } قائمة مقام جواب الشرط، أى ~~ومن يخالف أمر الله - تعالى - عذبه، فإنه - سبحانه - شديد العقاب، لمن ~~أعرض عن طاعته وذكره. ثم ساق - سبحانه - ما يغرس الطمأنينة فى قلوب ~~المؤمنين، الذين اشتركوا فى تخريب ديار بنى النضير، وفى قطع نخيلهم، فقال ~~- تعالى - { ما قطعتم من لينة أو ms4978 تركتموها قآئمة ~~على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين }. و " ~~ما " شرطية فى موضع نصب، بقوله { قطعتم } وقوله { من لينة } ~~بيان لها.. وقوله { فبإذن الله } جزاء الشرط. واللام فى قوله - ~~تعالى - { وليخزي الفاسقين } متعلقة بمحذوف. واللينة واحدة ~~اللين، وهو النخل كله، أو كرام النخل فقط. قال الآلوسى ما ملخصه اللينة ~~هى النخلة مطلقا.. وهى فعلة من اللون، وياؤها مقلوبة عن واو لكسر ما ~~قبلها - فأصل لينة لونة.. وقيل اللينة النخلة مطلقا.. وقيل هى ~~النخلة القصيرة، وقيل الكريمة من النخل.. ويمكن أن يقال أراد باللينة ~~النخلة الكريمة... وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية روايات منها أن ~~المسلمين عندما أخذوا فى تقطيع نخيل اليهود، قال اليهود للنبى - صلى الله ~~عليه وسلم - { يا محمد إنك تنهى عن الفساد، فما بالك تأمر بقطع النخيل؟ ~~فأنزل الله هذه الآية. وقيل إن المسلمين بعد أن قطعوا بعض النخيل، ظنوا ~~أنهم قد أخطأوا فى ذلك، فقالوا لنسألن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فنزلت هذه الآية. # وقيل إن المسلمين نهى بعضهم بعضا عن قطع النخيل، وقالوا إنما هى مغانم ~~المسلمين، فنزلت هذه الآية لتصديق من نهى عن القطع، وتحليل من قطع من ~~الإثم. والمعنى لا تختلفوا - ايها المؤمنون - فى شأن ما فعلتموه بنخيل ~~بنى النضير، فإن ذلك قطع شيئا من هذه النخيل لا إثم عليه، والذى لم يقطع ~~لا إثم عليه - أيضا - لأن كلا الأمرين بإذن الله - تعالى - ورضاه، وفى ~~كليهما مصلحة لكم. لأن من قطع يكون قد فعل ما يغيظ العدو ويذله، ويحمله ~~على الاستسلام والخضوع لأمركم.. ومن ترك يكون قد فعل ما يعود بالخير ~~عليكم، لأن تلك النخيل الباقية، منفعتها ستئول إليكم.. وقد شرع - سبحانه ~~- لكم كلا الأمرين فى هذا المقام { وليخزي الفاسقين } عن ~~أمره، وهم يهود بنى النضير، ومن ناصرهم، وأيدهم، وسار على طريقتهم فى ~~الخيانة والغدر. فالآية الكريمة المقصود بها إدخال المسرة والبهجة فى ~~قلوب المؤمنين، حتى لا يتأثروا بما حدث منهم بالنسبة لنخيل بنى النضير، ~~وحتى يتركوا الخلاف فى شأن هذه المسألة، ms4979 بعد أن صدر حكم الله - تعالى - ~~فيها، وهو أن القطع والترك بإذنه ورضاه، لأن كلا الأمرين يغرس الحسرة فى ~~قلوب الأعداء.. وعبر - سبحانه - باللينة عن النخلة، لأن لفظ " لينة " أخف ~~لفظا، وأدخل فى كونها نخلة من كرام النخل. وقال - سبحانه - { أو ~~تركتموها قآئمة على أصولها } لتصوير هيئتها وحسنها وأن ~~فروعها قد بقيت قائمة على أصولها، التى هى جذورها وجذوعها. قال الآلوسى ~~وقوله { وليخزي الفاسقين } متعلق بمقدر على أنه علة له، وذلك ~~المقدر عطف على مقدر آخر. أى ليعز المؤمنين، وليخزى الفاسقين أى ليذلهم.. ~~والمراد بالفاسقين أولئك الذين كفروا من أهل الكتاب. ووضع الظاهر موضع ~~المضمر، إشعارا بعلة الحكم - أى أن فسقهم هو السبب فى إخزائهم... هذا، ~~ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية أن تخريب ديار العدو، وقطع ~~الأشجار التى يملكها، وهدم حصونه ومعسكراته.. جائز ما دام فى ذلك مصلحة ~~تعود على المسلمين، وما دامت هناك حرب بينهم وبين أعدائهم. ثم بين - ~~سبحانه - حكم الفىء الذى أفاءه على المسلمين فى غزوة بنى النضير وفيما ~~يشبهها من غزوات، وأمر المؤمنين بأن يطيعوا رسوله - صلى الله عليه وسلم - ~~فى أمره ونهيه، وأثنى - سبحانه - على المهاجرين والأنصار لقوة إيمانهم، ~~ولنقاء قلوبهم وسخاء نفوسهم.. فقال - تعالى - { ومآ أفآء.... }. ### || [59.6-10] # وقوله { ومآ أفآء الله على رسوله منهم فمآ ~~أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب... } معطوف على قوله - ~~تعالى - # ما قطعتم من لينة... # لبيان نعمة أخرى من النعم التى أنعم بها - سبحانه - على المؤمنين، فى ~~غزوة بنى النضير. و { أفآء } من الفىء بمعنى الرجوع، يقال فاء عليه، ~~إذا رجع، ومنه قوله - تعالى - فى شأن الإيلاء # فإن فآءو فإن الله غفور رحيم # والمراد به هنا معناه الشرعى وهو ما حصل عليه المؤمنون من أموال أعدائهم ~~بدون قتال، كأن يكون هذا المال عن طريق الصلح، كما فعل بنو النضير، فقد ~~صالحوا المؤمنين على الخروج من المدينة، على أن يكون لكل ثلاثة منهم حمل ~~بعير - سوى السلاح - وأن يتركوا بقية أموالهم للمسلمين. والضمير فى قوله ~~{ منهم } يعود إلى ms4980 بنى النضير، الذى عبر - سبحانه - عنهم بقوله # هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب... # وقوله { فمآ أوجفتم... } من الإيجاف بمعنى الإسراع فى السير ~~يقال وجف الفرس يجف وجفا ووجيفا، إذا أسرع فى سيره. والجملة خبر " ما ~~" الموصولة فى قوله { ومآ أفآء... } و { مآ } فى قوله { فمآ ~~أوجفتم } نافية. والركاب اسم جمع للإبل التى تركب، وفى الكلام حذف ~~أغنى عنه قوله - سبحانه - { فمآ أوجفتم... }. والمعنى أعلموا - ~~أيها المؤمنون - أن ما أعطاه الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم ~~- من أموال بنى النضير التى صالحوه عليها، فلا حق لكم فيها لأنكم لم ~~تنالوها بقتالكم لهم على الخيل أو الإبل، وإنما تفضل بها - سبحانه - على ~~نبيه - صلى الله عليه وسلم - بلا قتال يذكر، فقد كانت ديار بنى النضير ~~على بعد ميلين من المدينة، فذهب إليها المسلمون راجلين، وحاصروها حتى تم ~~استسلام بنى النضير لهم.. قال الآلوسى روى أن بنى النضير لما أجلوا عن ~~أوطانهم، وتركوا رباعهم وأموالهم. طلب المسلمون تخميسها كغنائم بدر، ~~فأنزل الله - تعالى - { ومآ أفآء الله على رسوله منهم ~~فمآ أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب... } فكانت لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة. فقد أخرج البخارى، ومسلم، وأبو داود، ~~والترمذى، والنسائى، وغيرهم عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - قال كانت ~~أموال بنى النضير، مما أفاء الله - تعالى - على رسوله - صلى الله عليه ~~وسلم - مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، وكانت لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - خاصة، فكان ينفق على أهله منها نفقة سنة، ثم يجعل ما ~~بقى فى السلاح والكراع عدة فى سبيل الله - تعالى -. # وقال الضحاك كانت أموال بنى النضير لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~خاصة، فآثر بها المهاجرين. وقسمها عليهم، ولم يعط الأنصار منها شيئا، إلا ~~ثلاثة منهم أعطاهم لفقرهم... وقوله - سبحانه - { ولكن الله ~~يسلط رسله على من يشآء... } استدراك على النفى فى قوله - ~~تعالى - { فمآ أوجفتم عليه... }. أى ليس لكم الحق - أيها ~~المؤمنون - فى أموال بنى النضير، لأنكم لم تظفروا بها ms4981 عن طريق قتال منكم ~~لهم، ولكن الله - تعالى - سلط رسوله - صلى الله عليه وسلم - عليهم وعلى ~~ما فى أيديهم، كما كان يسلط رسله على من يشاء من أعدائهم، والله - تعالى ~~- قدير على كل شىء.. وما دام الأمر كذلك، فاتركوا رسولكم - صلى الله عليه ~~وسلم - يتصرف فى أموال بنى النضير بالطريقة التى يريدها ويختارها بإلهام ~~من الله - عز وجل -. وقوله - تعالى - { مآ أفآء الله على ~~رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي ~~القربى... } يرى كثير من العلماء أنه وارد على سبيل الاستئناف ~~الابتدائى، وأنه سيق لبيان حكم شرعى جديد، يختلف عن الحكم الذى أوردته ~~الآية السابقة على هذه الآية.. إذ أن الاية السابقة، واردة فى حكم أحوال ~~بنى النضير بصفة خاصة، وهذه فى حكم الفىء بعد ذلك بصفة عامة. وعليه يكون ~~المعنى لقد بينت لكم - أيها المؤمنون - حكم أموال بنى النضير، وهى أنها ~~لرسولنا - صلى الله عليه وسلم - يضعها حيث شاء. أما ما أفاءه الله - ~~تعالى - على رسوله - صلى الله عليه وسلم - من أموال أهل القرى الأخرى، ~~كقريظة وفدك وغيرهما فحكم هذا الفىء أنه يقسم إلى خمسة أقسام قسم للرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - ينفق منه على نفسه وأهله وما تبقى منه يكون فى ~~مصالح المسلمين. وقسم لأقاربه - صلى الله عليه وسلم - وهم بنو هاشم وبنو ~~المطلب.. وقسم لليتامى وهم أطفال المسلمين الذين مات آباؤهم عنهم قبل أن ~~يبلغوا. وقسم للمساكين وهم الذين ليس لهم مال يكفيهم ضررويات الحياة. ~~وقسم لأبناء السبيل وهم المسافرون المنقطعون عن مالهم فى سفرهم، ولو ~~كانوا أغنياء فى بلدهم.. وقد رجح الإمام ابن جرير هذا الرأى، فقال بعد ~~استعراضه للأقوال والصواب من القول فى ذلك عندى أن هذه الآية حكمها غير ~~حكم الآية التى قبلها وذلك أن الآية التى قبلها، مال جعله الله - عز وجل ~~- لرسوله - صلى الله عليه وسلم - خاصة دون غيره. لم يجعل فيه لأحد ~~نصيبا.. فإذا كانت هذه الآية التى قبلها مضت، وذكر المال الذى خص الله به ~~رسوله - صلى الله عليه وسلم ms4982 - ولم يجعل لأحد منه شيئا، وكانت هذه الآية ~~خبرا عن المال الذى جعله الله لأصناف شتى، كان معلوما بذلك أن المال الذى ~~جعله لأصناف من خلقه. # غير المال الذى جعله للنبى - صلى الله عليه وسلم -. وقال الآلوسى عند ~~تفسيره لهذه الآية ما مخلصه قوله - تعالى - { مآ أفآء الله ~~على رسوله من أهل القرى... } بيان لحكم ما أفاءه الله ~~على رسوله من قرى الكفار على العموم، بعد بيان حكم ما أفاءه من بنى ~~النضير.. فالجملة جواب سؤال مقدر ناشىء مما فهم من الكلام السابق، فكأن ~~قائلا يقول قد علمنا حكم ما أفاءه الله - تعالى - من بنى النضير، فما حكم ~~ما أفاء الله - عز وجل - من غيرهم؟.. فقيل ما أفاء الله على رسوله من أهل ~~القرى فلله وللرسول ولذى القربى. ولذا لم يعطف على ما تقدم، ولم يذكر فى ~~الآية قيد الإيجاف ولا عدمه.. وسهمه - سبحانه - وسهم رسوله واحد، وذكره ~~- تعالى - افتتاح كلام للتيمن والتبرك. فإن لله ما فى السموات وما فى ~~الأرض، وفيه تعظيم لشأن الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وأهل القرى ~~المذكورون فى الآية هم أهل الصفراء، وينبع، ووادى القرى، وما هنالك من ~~قرى العرب، التى تسمى قرى عرينة، وحكمها مخالف لحكم أموال بنى النضير. ~~ومن العلماء من يرى أن الآية التى معنا، بمنزلة البيان والتفسير للآية ~~التى قبلها، لأن الآية الأولى لم تبين المستحقين للفىء الذى أفاءه الله - ~~تعالى - على رسوله من أموال بنى النضير، فجاءت الآية الثانية وبينت ~~المستحقين له. وعلى رأس المفسرين الذين قالوا بهذا الرأى صاحب الكشاف، ~~فقد قال عند تفسيره لهذه الآية لم يدخل - سبحانه - العاطف على هذه الجملة ~~- وهى قوله { مآ أفآء... } - لأنها بيان للأولى، فهى منها غير ~~أجنبية عنها. بين لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ما يصنع بما أفاءه الله ~~عليه، وأمره أن يضعه حيث يضع الخمس من الغنائم، مقسوما على الأقسام ~~الخمسة. وقال الإمام ابن كثير قوله - تعالى - { مآ أفآء الله ~~على رسوله من أهل القرى } أى جميع البلدان التى تفتح ~~هكذا، ms4983 فحكمها حكم أموال بنى النضير، ولهذا قال { فلله وللرسول ~~ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ~~}. فهذه مصارف أموال الفىء ووجوهه... ومن هذا نرى أن أصحاب الرأى الأول، ~~يقولون إن الآيتين فى حكمين مختلفين، لأن الآية الأولى فى بيان حكم أموال ~~بنى النضير، وأن الله - تعالى - قد جعلها للرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~يضعها حيث يشاء، وأما الآية الثانية فهى فى حكم أموال القرى الأخرى التى ~~أفاءها الله - تعالى - على رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأن الله - ~~تعالى - قد حدد له وجوه صرفها، فقال { فلله وللرسول ولذي ~~القربى. # .. }. وأما أصحاب الرأى الثانى فيرون أن الآية الثانية مفصلة لما أجملته ~~الآية الأولى، وأن كل فىء يقسم بالطريقة التى بينتها الآية الثانية. ~~ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب، لأن الثابت فى السنة الصحيحة ~~أن أموال بنى النضير، لم يخمسها - صلى الله عليه وسلم - بل كانت له خاصة، ~~يوزعها كما يشاء، وقد آثر بها المهاجرين، وقسمها عليهم ولم يعط الأنصار ~~منها شيئا سوى ثلاثة رجال منهم، كانت بهم حاجة فأعطاهم، وبذلك نرى أنه - ~~صلى الله عليه وسلم - لم يتقيد فى التوزيع لهذه الأموال، بمن ورد ذكرهم ~~فى الآية الثانية. وما دام الأمر كذلك، فلا حاجة إلى القول بأن الآية ~~الثانية، ببيان وتفصيل للآية الأولى. هذا وهناك أقوال أخرى فى معنى هذه ~~الآية، مبسوطة فى كتب الفقه والتفسير، فليرجع إليها من شاء المزيد من ~~الأحكام الفقهية... وقوله - سبحانه - { كي لا يكون دولة بين ~~الأغنيآء منكم... } بيان لحكمة هذا التشريع الذى شرعه - سبحانه - ~~بالنسبة للأموال التى أتت عن طريق الفىء.. والضمير المستتر فى قوله { ~~يكون } للفىء. و " الدولة " بضم الدال المشددة اسم لما يتداوله ~~الناس فيما بينهم من أموال، فيكون فى يد هذا تارة، وفى يد ذاك تارة أخرى. ~~والدولة - بفتح الدال المشددة - اسم للنوبة من الظفر والنصر فى الحرب ~~وغيرها. يقال لفلان على فلان دولة، أى غلبة ونصر. وبعضهم يرى أن الدولة - ~~بالضم والفتح - بمعنى واحد، وهو ما يدور ويدول للإنسان من الغنى ms4984 والنصر. ~~والمعنى شرعنا لكم هذه الأحكام المتعلقة بتقسيم الفىء، كى لا يكون المال ~~الناجم عنه، متداولا بين أيدى أغنيائكم دون فقرائكم. والمقصود بهذه ~~الجملة الكريمة، إبطال ما كان شائعا فى الجاهلية، من استئثار قواد ~~الجيوش، ورؤساء القبائل، بالكثير من الغنائم دون غيرهم ممن اشترك معهم فى ~~الحروب، كما قال أحد الشعراء، لأحد الرؤساء أو القادة # لك المرباع منها والصفايا وحكمك والنشيطة والفضول # أى لك - أيها القائد وحدك - من الغنيمة ربعها، والصفايا أى والنفيس ~~منها، ولك - أيضا ما تحكم به على العدو، ولك النشيطة، وهى ما يصيبه الجيش ~~من العدو قبل الحرب، ولك - كذلك - الفضول، أى ما يبقى بعد قسمة الغنائم. ~~وقد أبطل الإسلام كل ذلك، حيث جعل مصارف الفىء، تعود إلى المسلمين ~~جميعا، بطريقة عادلة، بينها - سبحانه - فى هذه الآية وفى غيرها.. قال بعض ~~العلماء والجدير بالذكر هنا أن دعاة المذاهب الاقتصادية الفاسدة، يحتجون ~~بهذه الآية على مذهبهم الفاسد، ويقولون ويجوز للدولة أن تستولى على مصادر ~~الإنتاج ورءوس الأموال، لتعطيها أو تشرك فيها الفقراء، وما يسمونهم طبقة ~~العمال، وهذا على ما فيه من كساد اقتصادى، وفساد اجتماعى، قد ثبت خطؤه ~~وظهر بطلانه مجانبا لحقيقة الاستدلال. # لأن هذا المال ترك لمرافق المسلمين العامة، من الإنفاق على المجاهدين، ~~وتأمين الغزاة فى الحدود والثغور، وليس يعطى للأفراد كما يقولون، ثم - هو ~~أساسا - مال جاء غنيمة للمسملين، وليس نتيجة كدح الفرد وكسبه الحلال. ~~ولما كان مال الغنيمة ليس ملكا لشخص، ولا هو - أيضا - كسب لشخص معين، ~~تحقق فيه العموم فى مصدره، وهو الغنيمة، والعموم فى مصرفه وهو عموم مصالح ~~الأمة، ولا دخل ولا وجود للفرد فيه، فشتان بين هذا الأصل فى التشريع، ~~وهذا الفرع فى التضليل... ثم أمر - سبحانه - المسلمين أن يمتثلوا أمر ~~رسولهم - صلى الله عليه وسلم - امتثالا تاما، فقال { ومآ آتاكم ~~الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا ~~الله إن الله شديد العقاب }. وقوله { آتاكم } من ~~الإتيان، والمقصود به هنا ما جاءهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من ~~هدايات وتشريعات، وآداب. ms4985 ويدخل فى ذلك دخولا أوليا قسمته لفىء بنى النضير ~~بين المهاجرين، دون الأنصار. أى ما أمركم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~بفعله - أيها المؤمنون - فافعلوه، وما نهاكم عن فعله فاجتنبوه، واتقوا ~~الله فى كل أحوالكم، فإنه - سبحانه - شديد العقاب لمن خالف أمره. ومنهم ~~من جعل { آتاكم } هنا بمعنى أعطاكم من الفىء، وجعل { نهاكم } ~~بمعنى نهاكم عن الأخذ منه، وكأن صاحب هذا الرأى يستعين على ما ذهب إليه ~~بفحوى المقام. قال صاحب الكشاف قوله { ومآ آتاكم الرسول } من ~~قسمة غنيمة أو فىء فخذوه وما نهاكم عنه، أى عن أخذه منه { فانتهوا } ~~عنه. والأجود أن يكون - الأمر والنهى - عاما فى كل ما آتى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ونهى عنه، أمر الفىء داخل فى عمومه... وقال الإمام ~~ابن كثير وقوله - تعالى - { ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا }. أى مهما أمركم به فافعلوه، ومهما نهاكم ~~عنه فاجتنبوه، فإنه إنما يأمر بخير، وينهى عن شر. أخرج الشيخان عن ابن ~~مسعود أنه قال لعن الله الواشمات والمستشومات والمتنمصات، والمتفلجات ~~للحسن، والمغيرات لخلق الله - عز وجل - فبلغ ذلك امرأة من بنى أسد يقال ~~لها أم يعقوب، وكان يقرأ القرآن، فأتته فقالت بلغنى انك قلت كذا وكذا، ~~فقال ومالى لا ألعن من لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو فى كتاب ~~الله. فقالت لقد قرأت ما بين لوحى المصحف فما وجدته. فقال إن كنت قرأتيه ~~فقد وجدتيه، أما قرأت { ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا }؟ قالت بلى. # قال فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنه. قالت إنى لأظن أهلك ~~يفعلونه!!.. قال اذهبى فانظرى، فذهبت فلم تر من حاجتها شيئا. فجاءت فقالت ~~ما رأيت شيئا. قال لو كان كذا لم تجامعنا... وقال بعض العلماء وفى الآية ~~دليل على وجوب الأخذ بالسنن الصحيحة فى كل الأمور. وعن أبى رافع أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال # " لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه أمر مما أمرت به أو نهيت عنه ms4986 ~~فيقول لا أدرى!! ما وجدنا فى كتاب الله اتبعناه.. ". # وهذا الحديث من أعلام النبوة، فقد وقع ذلك بعد من الجاهلين بكتاب الله، ~~وبمنصب الرسالة، ومن الزنادقة الصادين عن سبيل الله... ثم أثنى - سبحانه ~~- على المهاجرين الذين فارقوا أموالهم وعشيرتهم، من أجل إعلاء كلمته - ~~تعالى - فقال { للفقرآء المهاجرين الذين أخرجوا من ~~ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ~~ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم ~~الصادقون }. قال الإمام الرازى اعلم أن هذا بدل من قوله - تعالى - ~~{ ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل... } كأنه قيل أعنى بأولئك الأربعة، هؤلاء الفقراء المهاجرين ~~الذين من صفتهم كذا وكذا. ثم إنه - تعالى - وصفهم بأمور، أولها أنهم ~~فقراء، ثانيها أنهم مهاجرون وثالثها أنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم، ~~يعنى أن الكفار أجبروهم على الخروج.. ورابعها أنهم يبتغون فضلا من الله ~~ورضوانا، والمراد بالفضل ثواب الجنة، وبالرضوان قوله # ورضوان من الله أكبر # وخامسها قوله { وينصرون الله ورسوله } أى بأنفسهم ~~وأموالهم. وسادسها قوله { أولئك هم الصادقون } يعنىأنهم ~~لما هجروا لذات الدنيا وتحملوا شدائدها لأجل الدين، ظهر صدقهم فى ~~دينهم... فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف المهاجرين فى سبيله، بجملة ~~من المناقب الحميدة. التى استحقوا بسببها الفلاح والفوز برضوان الله. ثم ~~مدح - سبحانه - بعد ذلك الأنصار، الذين يحبون من هاجر إليهم فقال { ~~والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم ~~يحبون من هاجر إليهم }. والجملة الكريمة معطوفة على { ~~المهاجرين } أو مبتدأ وخبره { يحبون } والتبوؤ النزول فى ~~المكان، ومنه المباءة للمنزل الذى ينزل فيه الإنسان. والمراد بالدار ~~المدينة المنورة، وأل للعهد. أى الدار المعهودة المعروفة وهى دار الهجرة. ~~وقوله { والإيمان } منصوب بفعل مقدر، أى وأخلصوا الإيمان. قال صاحب ~~الكشاف فإن قلت ما معنى عطف الإيمان على الدار، ولا يقال تبوأوا ~~الإيمان؟.. قلت معناه تبوأوا الدار وأخلصوا الإيمان. كقوله علفتها تبنا ~~وماء باردا. أى وجعلوا الإيمان مستقرا ومتوطنا لهم، لتمكنهم منه، ~~واستقامتهم عليه، كما جعلوا المدينة كذلك. أو أراد دار الهجرة ودار ~~الإيمان، فأقام لام التعريف فى الدار مقام المضاف إليه، وحذف المضاف من ~~دار ms4987 الإيمان، ووضع المضاف إليه مقامه. # . أو سمى المدينة - لأنها دار الهجرة، ومكان ظهور الإيمان - ~~بالإيمان.. وقوله { من قبلهم } أى من قبل المهاجرين، وهو متعلق ~~بقوله { تبوءوا }. وقوله { يحبون من هاجر إليهم } ~~خبر لمبتدأ، أو حال من الذين تبوأوا الدار.. أى هذه هى صفات المهاجرين ~~الذين أخرجوا من ديارهم... وهذا هو جزاؤهم.. أما الذين سكنوا دار الهجرة ~~وهى المدينة المنورة، من قبل المهاجرين، وأخلصوا إيمانهم وعبادتهم لله - ~~تعالى-، فإن من صفاتهم أنهم يحبون إخوانهم الذين هاجروا إليهم حبا شديدا، ~~لأن الإيمان ربط قلوبهم برباط المودة والمحبة. وقوله { ولا يجدون ~~في صدورهم حاجة ممآ أوتوا } صفة أخرى من صفات الأنصار. ~~ومعنى { يجدون } هنا يحسون ويعلمون، والضمير للأنصار، وفى قوله { ~~أوتوا } للمهاجرين. والحاجة فى الأصل اسم مصدر بمعنى الاحتياج، أى ~~الافتقار إلى الشىء. والمراد بها هنا المأرب أو الرغبة الناشئة عن التطلع ~~إلى ما منحه النبى - صلى الله عليه وسلم - للمهاجرين دون الأنصار، من فىء ~~أو غيره. أى أن من صفات الأنصار - أيضا - أنهم لا تتطلع نفوسهم إلى شىء ~~مما أعطى للمهاجرين من الفىء أو غيره، لأن المحبة التى ربطت قلوب الأنصار ~~بالمهاجرين، جعلت الأنصار يرتفعون عن التشوف إلى شىء مما أعطاه النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - المهاجرين وحدهم.. ثم وصفهم - سبحانه - بصفة ثالثة ~~كريمة فقال { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم ~~خصاصة... }. والإيثار معناه أن يؤثر الإنسان غيره على نفسه، على ~~سبيل الإكرام والنفع، والخصاصة شدة الحاجة، وأصلها من خصاص البيت، وهو ~~ما يبقى بين عيدانه من الفرج والفتحات. أى أن من صفات الأنصار أنهم كانوا ~~يقدمون فى النفع إخوانهم المهاجرين على أنفسهم، ولو كانوا فى حاجة ماسة، ~~وفقر واضح، إلى ما يقدمونه لإخوانهم المهاجرين. ولقد ضرب الأنصار - رضى ~~الله عنهم - أروع الأمثال وأسماها فى هذا المضمار، ومن ذلك ما رواه ~~الشيخان والترمذى والنسائى وغيرهم عن أبى هريرة قال # " أتى رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله، أصابنى ~~الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد شيئا، فقال - صلى الله ms4988 عليه وسلم - " ألا ~~رجل يضيف هذا الرجل الليلة رحمه الله "؟ فقام رجل من الأنصار - وفى رواية ~~أنه أبو طلحة - فقال أنا يا رسول الله، فذهب به إلى أهله، فقال لامرأته ~~أكرمى ضيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت والله ما عندى إلا قوت ~~الصيبة!! قال إذا أراد الصبية العشاء فنوميهم، وتعالى فأطفئى السراج، ~~ونطوى بطوننا الليلة لضيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففعلت. ثم ~~غدا الضيف على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - " لقد عجب الله الليلة من فلان وفلانة " وأنزل الله ~~فيهما { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم ~~خصاصة... }. " # وقوله - سبحانه - { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون } تذييل قصد به حض الناس على التحلى بفضيلة السخاء ~~والكرم. والشح يرى بعضهم أنه بمعنى البخل، ويرى آخرون أن الشح غريزة فى ~~النفس تحملها على الإمساك والتقتير، وأما البخل فهو المنع ذاته، فكأن ~~البخل أثر من آثار الشح. قال صاحب الكشاف " الشح " - بالضم والكسر قد قرئ ~~بهما - اللؤم، وأن تكون نفس المرء كزة حريصة على المنع كما قال الشاعر # يمارس نفسا بين جنبيه كزة إذا هم بالمعروف قالت له مهلا # وقد أضيف إلى النفس لأنه غريزة فيها، وأما البخل فهو المنع نفسه، ومنه ~~قوله - تعالى - # وأحضرت الأنفس الشح... # أى ومن يوق - بتوفيق الله وفضله - شح نفسه وحرصها على الإمساك، ~~فيخالفها فيما تأمره به من المنع والتقتير. فأولئك الذين يخالفونها هم ~~المفلحون، الفائزون برضا الله - عز وجل -. ومن الأحاديث التى وردت فى ~~النهى عن الشح، ما أخرجه مسلم - فى صحيحه - عن جابر بن عبد الله، أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال # " إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك ~~من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم ". # ثم مدح - سبحانه - كل من سار على نهج المهاجرين والأنصار فى قوة ~~الإيمان، وفى طهارة القلب، وسماحة النفس فقال - تعالى - { والذين ~~جآءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ms4989 ~~ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في ~~قلوبنا غلا للذين آمنوا... }. قال الآلوسى قوله { ~~والذين جآءوا من بعدهم... } عطف عند الأكثرين أيضا على ~~المهاجرين، والمراد بهؤلاء قيل الذين هاجروا حين قوى الإسلام، فالمجىء ~~حسى، وهو مجيئهم إلى المدينة، وضمير من بعدهم، للمهاجرين الأولين. وقيل ~~هم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة، فالمجىء إما إلى الوجود أو ~~إلى الايمان وضمير { من بعدهم } للفريقين المهاجرين والأنصار. وهذا ~~هو الذى يدل عليه كلام عمر - رضى الله عنه - وكلام كثير من السلف كالصريح ~~فيه، فالآية قد استوعبت جميع المؤمنين... ويبدو لنا أن هذا الرأى الثانى، ~~وهو كون الذين جاءوا من بعدهم يشمل المؤمنين الصادقين جميعا، أقرب إلى ~~الصواب، لأنهم هم التابعون بإحسان للمهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة، ~~كما قال - تعالى - # والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ~~والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ~~ورضوا عنه... # وعليه يكون المعنى والذين جاءوا من بعد المهاجرين والأنصار، واتبعوهم ~~بإحسان إلى يوم القيامة { يقولون } على سبيل الدعاء لأنفسهم ~~ولإخوانهم فى العقيدة، { ربنا اغفر لنا } أى يا ربنا اغفر لنا ~~ذنوبنا، واغفر، لإخواننا فى الدين { الذين سبقونا بالإيمان ~~} فهم أسبق منا إلى الخير والفضل. # . { ولا تجعل } يا ربنا { في قلوبنا غلا } أى حسدا وحقدا ~~{ للذين آمنوا } أى يا ربنا لا تجعل فى قلوبنا أى غل أو حسد ~~لإخواننا المؤمنين جميعا. { ربنآ إنك رءوف رحيم } أى يا ~~ربنا إنك شديد الرأفة بعبادك واسع الرحمة بهم. وقد أخذ العلماء من هذه ~~الآية الكريمة، أن من حق الصحابة - رضى الله عنهم - على من جاءوا بعدهم، ~~أن يدعوا لهم، وأن ينزلوهم فى قلوبهم منزلة الاحترام والتبجيل والتكريم.. ~~ورحم الله الإمام القرطبى فقد أفاض فى بيان هذا المعنى، فقال ما ملخصه ~~قوله - تعالى - { والذين جآءوا من بعدهم... } يعنى ~~التابعين، ومن دخل فى الإسلام إلى يوم القيامة. قال ابن أبى ليلى الناس ~~على ثلاثة منازل المهاجرون، والذين تبوأوا الدار والإيمان، والذين جاءوا ~~من بعدهم، فاجتهد ألا تخرج من هذه المنازل. وهذه الآية دليل على وجوب ~~محبة الصحابة.. ms4990 وقال الإمام الرازى واعلم أن هذه الآيات قد استوعبت جميع ~~المؤمنين لأنهم إما المهاجرون، أو الأنصار، أو الذين جاءوا من بعدهم، ~~وبين أن من شأن من جاء من بعد المهاجرين والأنصار، أن يذكر السابقين، وهم ~~المهاجرون والأنصار بالدعاء والرحمة، فمن لم يكن كذلك، بل ذكرهم بسوء كان ~~خارجا من جملة أقسام المؤمنين، بحسب نص هذه الآية... وبعد أن رسمت السورة ~~الكريمة، تلك الصورة الوضيئة للمهاجرين والأنصار والذين ابتعوهم بإحسان.. ~~بعد كل ذلك أخذت فى رسم صورة أخرى، متباينة تمام المباينة مع صورة هؤلاء ~~الصادقين، ألا وهى صورة المنافقين، الذين انضموا إلى كل مناوئ للدعوة ~~الإسلامية، فقال - تعالى - { ألم تر... }. ### || [59.11-17] # قال الآلوسى قوله - تعالى - { ألم تر إلى الذين ~~نافقوا... } حكاية لما جرى بين الكفرة والمنافقين من الأقوال الكاذبة ~~والأحوال الفاسدة وتعجب منها بعد حكاية محاسن أحوال المؤمنين على اختلاف ~~طبقاتهم، والخطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو لكل أحد ممن يصلح ~~للخطاب. والآية - كما روى عن ابن عباس - نزلت فى رهط من بنى عوف منهم عبد ~~الله بن أبى بن سلول... بعثوا إلى بنى النضير بما تضمنته الجمل المحكية، ~~بقوله - تعالى - { يقولون لإخوانهم الذين كفروا من ~~أهل الكتاب... }. والمراد بالأخوة فى قوله - سبحانه - { ~~يقولون لإخوانهم } أخوة فى الكفر والفسوق والعصيان... }. ~~والمعنى ألم يصل إلى علمك - أيها الرسول الكريم - حال أولئك المنافقين ~~الذين أظهروا الإسلام، وأبطنوا الكفر، وهم يقولون لإخوانهم فى الكفر من ~~أهل الكتاب، وهم يهود بنى النضير، أثناء محاصرتكم - أيها المؤمنون - لهم. ~~يقولون لهم " والله لئن أخرجتم " من دياركم { لنخرجن معكم } ~~أى لنخرجن من ديارنا معكم، لنكون مصاحبين لكم حيثما سرتم. ويقولون لهم - ~~أيضا - { ولا نطيع فيكم أحدا أبدا.. } أى ولا نطيع فى شأنكم ~~أحدا أبدا، يريد العدوان عليكم، أو يريد منعنا من الخروج معكم ~~ومؤازرتكم.. ويقولون لهم - كذلك - { وإن قوتلتم لننصرنكم ~~} أى وإن قاتلكم المسلمون، لنقفن إلى جواركم، ولنقدمن العون الذى يؤدى ~~إلى نصركم. وقوله - سبحانه - { والله يشهد إنهم ~~لكاذبون } رد عليهم، وإبطال لمزاعمهم. أى والله - تعالى ms4991 - يشهد بأن ~~هؤلاء المنافقين لكاذبون فى أقوالهم، وفى عهودهم.. ثم أبطل - سبحانه - ~~أقوالهم بصورة أكثر تفصيلا فقال { لئن أخرجوا لا يخرجون ~~معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ~~ليولن الأدبار ثم لا ينصرون }. أى والله لئن أخرج ~~المؤمنون اليهود من ديارهم، فإن هؤلاء المنافقين لا يخرجون معهم، ولئن ~~قاتل المؤمنون اليهود، فإن المنافقين لن ينصروا اليهود، ولئن نصروهم - ~~على سبيل الفرض والتقدير - ليولين المنافقون الأدبار فرارا منكم - أيها ~~المؤمنون -، ثم لا ينصرون بعد ذلك، لاهم ولا من قاموا بنصرهم، لأن ~~الفريقين اجتمعوا على الباطل واتحدت قلوبهم فىالجبن والخور والحرص على ~~الحياة.. فأنت ترى أن هاتين الآيتين الكريمتين، قد وصفتا المنافقين، ~~بالكفر والعصيان، وبالتحالف مع كل محارب للدعوة الإسلامية، وبنقض ~~العهود، وخلف الوعود، وبالجبن الخالع، والكذب الواضح... وقد تحقق ما ~~أخبرت عنه الآيتان عن هؤلاء المنافقين. فإن يهود بنى النضير عندما جد ~~الجد، وحالت ساعة رحيلهم.. أرسلوا إلى المنافقين يطلبون عونهم، فما كان ~~من المنافقين إلا أن خذلوهم، وتحللوا من وعودهم لهم.. قال صاحب الكشاف ~~فإن قلت كيف قيل { ولئن نصروهم. # . } يعد الإخبار بأنهم لا ينصرونهم؟ قلت معناه، ولئن نصروهم على سبيل ~~الفرض والتقدير.. كقوله # لئن أشركت ليحبطن عملك # وكما يعلم - سبحانه - ما يكون فهو يعلم مالا يكون. والمعنى ولئن نصر ~~المنافقون اليهود لينهزمن المنافقون ثم لا ينصرون بعد ذلك. أى يهلكم الله ~~- تعالى - ولا ينفعهم نفاقهم، لظهور كفرهم، أو لينهزمن اليهود ثم لا ~~ينفعهم نصر المنافقين لهم. وفيه دليل على صحة النبوة لأنه إخبار ~~بالغيب... وبعد أن بشر الله - تعالى - المؤمنين بهزيمة أعدائهم أمامهم، ~~أتبع ذلك ببشارة أخرى، وهى أن هؤلاء المنافقين وإخوانهم فى الكفر، يخشون ~~المؤمنين خشية شديدة، فقال - سبحانه - { لأنتم أشد رهبة في ~~صدورهم من الله... }. والرهبة مصدر رهب، بمعنى خاف، يقال رهب ~~فلان فلانا، إذا خافه خوفا شديدا من داخل نفسه.. أى لأنتم - أيها ~~المؤمنون - أشد خوفا فى نفوس هؤلاء المنافقين واليهود، من ربهم الذى ~~خلقهم وأوجدهم. وقوله { ذلك بأنهم قوم لا يفقهون } ~~تعليل لسبب جبنهم وخوفهم، ms4992 واسم الإشارة يعود إلى كون المؤمنين أشد رهبة ~~فى صدور المنافقين واليهود من الله - تعالى -. أى أنتم أشد رهبة فى ~~قلوبهم من الله - تعالى - بسبب أنهم قوم لا يفقهون الحق، ولا يعلمون شيئا ~~عن عظمة الله - سبحانه - وجلاله وقدرته.. والمقصود من هذه الآية الكريمة، ~~تهوين أمر هؤلاء الأعداء فى نفوس المؤمنين وبيان أن هؤلاء الاعداء قد بلغ ~~الجبن والخور فيهم مبلغا كبيرا، لدرجة أن خشيتهم لكم، اشد من خشيتهم لله ~~- تعالى -. والتعبير بالرهبة للإشعار بأنها رهبة خفية لا يعلمها إلا ~~الله - تعالى - وأن هؤلاء المنافقين واليهود، مهما تظاهروا أمام المؤمنين ~~بالبأس والقوة. فهم فى قرارة نفوسهم يخافون المؤمنين خوفا شديدا.. قال ~~صاحب الكشاف رهبة مصدر رهب المبنى للمفعول، كأنه قيل أشد مرهوبية. وقوله ~~{ في صدورهم } دلالة على نفاقهم. يعنى أنهم يظهرون لكم فى العلانية ~~خوف الله، وأنتم أهيب فى صدورهم من الله - تعالى -. فإن قلت كأنهم كانوا ~~يرهبون من الله حتى تكون رهبتهم منهم أشد؟. قلت معناه أن رهبتهم فى السر ~~منكم، أشد من رهبتهم من الله التى يظهرونها لكم. وكانوا يظهرون لهم رهبة ~~شديدة من الله.... فأنت ترى أن الآية الكريمة قد قررت حقيقة راسخة فى ~~نفوس المنافقين وأشباههم، وإن كانوا يحاولون إخفاءها وسترها، وهى أن ~~خشيتهم من الناس أشد من خشيتهم من الله - تعالى -. ثم يقرر - سبحانه - ~~حقيقة أخرى، أيدتها التجارب والمشاهد الواقعية، فقال - تعالى - { لا ~~يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من ~~ورآء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا ~~وقلوبهم شتى... }. والآية الكريمة بدل اشتمال من التى قبلها، ~~لأن شدة الخوف من المؤمنين جعلت اليهود وحلفاءهم، لا يقاتلون المسلمين، ~~إلا من رواء الخنادق والحصون. # . والجدر جمع جدار، وهو بناء مرتفع يحتمى به من يقاتل من خلفه. و { ~~جميعا } بمعنى مجتمعين كلهم.. أى أن هؤلاء اليهود وحلفاءهم من ~~المنافقين، لا يقاتلونكم مجتمعين كلهم فى موطن من المواطن إلا فى قرى ~~محصنة بالخنادق وغيرها، أو يقاتلونكم من وراء الجدران التى يتسترون بها، ~~لأنهم يعجزون عن مبارزتكم، وعن مواجهتكم ms4993 وجها لوجه، لفرط رهبتهم منكم.. ~~قال ابن كثير يعنى أنهم فى جبنهم وهلعهم، لا يقدرون على مواجهة جيش ~~الإسلام، بالمبارزة والمقاتلة، بل إما فى حصون، أو من وراء جدر محاصرين، ~~فيقاتلونكم للدفع عنهم ضرورة... وقوله - تعالى - { بأسهم بينهم ~~شديد } جملة مستأنفة، كأن قائلا قال ولماذا لا يقاتلون المؤمنين إلا ~~على هذه الصورة؟ فكان الجواب بأسهم بينهم شديد. أى عداوتهم فيما بينهم ~~عداوة شديدة، بحيث لا يتفقون على رأى، وقوتهم يستعملونها فيما بينهم ~~استعمالا واسعا، فإذا ما التقوا بكم تحولت هذه القوة إلى جبن وهلع.. قال ~~صاحب الكشاف يعنى أن البأس الشديد الذى يوصفون به، إنما هو فيما بينهم ~~إذا اقتتلوا، ولو قاتلوكم لم يبق لهم ذلك البأس والشدة، لأن الشجاع يجبن ~~والعزيز يذل، عند محاربة الله ورسوله... وقوله - تعالى - { تحسبهم ~~جميعا وقلوبهم شتى } استئناف آخر للإجابة عما يقال من أنه ~~كيف تكون عداوتهم فيما بينهم شديدة، ونحن نراهم متفقين؟. فكان الجواب ليس ~~الأمر كما يظهر من حالهم من أن بينهم تضامنا وترابطا.. بل الحق أنهم ~~متدابرون مختلفون متباغضون.. وإن كانت ظواهرهم تدل على خلاف ذلك.. أى ~~تحسبهم أيها الناظر إليهم مؤتلفين.. والحال أن قلوبهم متفرقة، ومنازعهم ~~مختلفة وبواطنه تباين ظواهرهم.. وما دام الأمر كذلك فلا تبالوا بهم - ~~أيها المؤمنون -، بل أغلظوا عليهم، وجاهدوهم بكل قوة وجسارة.. واسم ~~الإشارة فى قوله { ذلك بأنهم قوم لا يعقلون } يعود ~~إلى ما سبق ذكره، من شدة عداوتهم فيما بينهم، ومن مخالفة بواطنهم ~~لظواهرهم. أى ذلك الذى ذكرناه لكم من شدة بأسهم فيما بينهم، ومن مخالفة ~~بواطنهم لظواهرهم، سببه أنهم قوم لا يعقلون الحق والهدى والرشاد.. وإنما ~~هم ينساقون وراء أهوائهم بدافع من الأحقاد والمطامع والشهوات، بدون إدراك ~~لعواقب الأمور، أو للفهم الصحيح.. ثم ساق - سبحانه - مثلين زيادة فى ~~تثبيت المؤمنين، وفى التهوين من شأن أعدائهم فقال - تعالى - { كمثل ~~الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم ~~عذاب أليم }. وقوله { كمثل.. } خبر لمبتدأ محذوف. والمراد ~~بالذين من قبلهم يهود بنى قينقاع، وكفار قريش الذين حل ms4994 بهم ما حل من ~~هزائم فى غزوة بدر. والوبال المرعى الضار الذى ترعاه الماشية، دون أن ~~تدرك سوء عاقبته. # أى مثل هؤلاء اليهود والمنافقين، وحالهم العجيبة.. كمثل الذين من قبلهم، ~~وهم يهود بنى قينقاع، الذين أخرجوا من المدينة بسبب غدرهم، وكان خروجهم ~~قبل خروج بنى النضير بزمن ليس بالطويل، وكمثل مشركى قريش الذين حلت بهم ~~الهزيمة فى غزوة بدر، فإن هؤلاء وهؤلاء قد ذاقوا فى الدنيا سوء عاقبة ~~كفرهم بدون إمهال.. أما فى الآخرة فلهم عذاب شديد الألم والإهانة. ووجه ~~الشبه بين السابقين واللاحقين، أن الجميع قد اغتروا بمالهم وقوتهم، ~~فتطاولوا على المؤمنين، ونقضوا عهودهم معهم.. فكانت عاقبتهم جميعا أن ~~أذلهم الله - تعالى - فى الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.. وأما المثل ~~الثانى فيتجلى فى قوله - تعالى - { كمثل الشيطان إذ قال ~~للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك.. }. ~~أى مثل المنافقين فى تزيينهم الشر والفساد ليهود بنى النضير.. كمثل ~~الشيطان إذ قال للإنسان فى الدنيا اكفر بالله - تعالى - فلما كفر ذلك ~~الإنسان ومات على الكفر، وبعث يوم القيامة، ووجد مصيره السيىء.. ندم ~~وألقى التبعة على الشيطان الذى قال له إنى برىء منك ومن كفرك، إنى أخاف ~~الله رب العالمين، ووجه الشبه أن المنافقين تبرأوا من معاونتهم ومن ~~مناصرتهم.. عندما حانت ساعة الجد.. كما يتبرأ الشيطان من كفر الكافر يوم ~~القيامة. ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - # وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم ~~وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي ~~عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ~~فلا تلوموني ولوموا أنفسكم مآ أنا بمصرخكم ~~ومآ أنتم بمصرخي.. # وقوله - سبحانه - { فكان عاقبتهمآ أنهما في النار ~~خالدين فيها.. } من تمام المثل الذى ضربه الله - تعالى - للمنافقين ~~واليهود.. أى فكان عاقبة ذلك الشيطان وذلك الإنسان، أنهما فى النار، ~~حالة كونهما خالدين فيها خلودا أبديا، وكذلك حال المنافقين واليهود.. { ~~وذلك } الخلود فى النار { جزآء الظالمين } الذين تجاوزوا ~~حدود الله - تعالى - وحاربوا أولياءه - سبحانه -. والمراد بالشيطان ~~والإنسان جنسهما، وقد ذكر ms4995 بعضهم هنا قصصا تدل على أن المراد بالإنسان ~~شخص معين، وقد أضربنا عنها صفحا لضعفها.. وبذلك ترى أن هذه الآيات ~~الكريمة قد ذمت المنافقين واليهود ذما شنيعا، وأضعفت من شأنهم، وساقت لهم ~~من الأمثلة ما يجعل المؤمنين يستخفون بهم، ويجاهدونهم بغلظة وشدة. ثم وجه ~~- سبحانه - نداء إلى المؤمنين أمرهم فيه بتقواه وبتقديم العمل الصالح ~~الذى ينفعهم يوم يلقونه، ونهاهم عن التشبه بالقوم الفاسقين.. فقال - ~~تعالى - { يأيها الذين آمنوا... }. ### || [59.18-21] # والمراد بالغد فى قوله - تعالى - { يأيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد... } يوم ~~القيامة.. أى يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإيمان { اتقوا ~~الله } أى صونوا أنفسكم عن كل ما يغضب الله - تعالى -، وراقبوه فى ~~السر والعلن. وقفوا عند حدوده فلا تتجاوزوها. { ولتنظر نفس ما ~~قدمت لغد } أى ولتنظر كل نفس، ولتتأمل فى الأعمال التى عملتها فى ~~الدنيا. والتى ستحاسب عليها فى يوم القيامة، فإن كانت خيرا ازدادت منها، ~~وإن كانت غير ذلك أقلعت عنها. وعبر - سبحانه - عن يوم القيامة بالغد، ~~للإشعار بقربه، وأنه آت لا ريب فيه، كما يأتى اليوم الذى يلى يومك. ~~والعرب تخبر عن المستقبل القريب بالغد كما فى قول الشاعر # فإن يك صدر هذا اليوم ولى فإن غدا لناظره قريب # وقال - سبحانه - { ولتنظر نفس } لإفادة العموم، أى كل نفس ~~عليها أن تنظر نظرة محاسبة ومراجعة فى أعمالها بحيث لا تقدم إلا على ما ~~كان صالحا منها. قال صاحب الكشاف فإن قلت ما معنى تنكير النفس والغد؟ قلت ~~أما تنكير النفس فاستقلالا للأنفس النواظر فيما قدمت للآخرة، كأنه قيل ~~ولتنظر نفس واحدة فى ذلك، وأما تنكير الغد، فلتعظيمه وإبهام أمره، كأنه ~~قيل لغد لا يعرف كنهه لعظمه. وعن مالك بن دينار مكتوب على باب الجنة ~~وجدنا ما عملنا، وربحنا ما قدمنا، وخسرنا ما خلفنا... وكرر - سبحانه - ~~الأمر بالتقوى فقال { واتقوا الله } للتأكيد. أى اتقوا الله بأن ~~تؤدوا ما كلفكم به من واجبات، وبأن تجتنبوا ما نهاكم عنه من سيئات. وقوله ~~- سبحانه - { إن الله خبير بما ms4996 تعملون } تعليل للحض على ~~التقوى أى اتقوه فى كل ما تأتون وما تذرون، لأنه - تعالى - لا تخفى عليه ~~خافية من أعمالكم، بل هو - سبحانه - محيط بها إحاطة تامة، وسيجازيكم ~~عليها بما تستحقون يوم القيامة. وقد جاء الأمر بتقوى الله - تعالى - فى ~~عشرات الآيات من القرآن الكريم، لأن تقوى الله - تعالى - هى جماع كل خير، ~~وملاك كل بر، ومن الأدلة على ذلك. أننا نرى القرآن يبين لنا أن تقوى الله ~~قد أمر بها كل نبى قومه، قال - تعالى - # كذبت قوم نوح المرسلين إذ قال لهم أخوهم ~~نوح ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا ~~الله وأطيعون... # وتارة نجد القرآن الكريم يبين لنا الآثار الطيبة التى تترتب على تقوى ~~الله فى الدنيا والآخرة، فيقول # ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السمآء والأرض... # ويقول # ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب # ويقول - سبحانه - # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # ويقول - عز وجل - # إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند ~~مليك مقتدر # وبعد هذا الأمر المؤكد بالتقوى، جاء النهى عن التشبه بمن خلت قلوبهم من ~~التقوى، فقال - تعالى - { ولا تكونوا كالذين نسوا الله ~~فأنساهم أنفسهم... }. أى تمسكوا - أيها المؤمنون - بتقوى الله ~~- تعالى - ومراقبته والبعد عن كل مالا يرضيه. واحذروا أن تكونوا كأولئك ~~الذين تركوا التكاليف التى كلفهم الله - تعالى - بها، فتركهم - سبحانه - ~~إلى أنفسهم، بأن جعلهم ناسين لها، فلم يسعوا إلى ما ينفعها، بل سعوا فيما ~~يضرها ويرديها. فالمراد بالنسيان هنا الترك والإهمال، والكلام على حذف ~~مضاف. أى نسوا حقوق الله - تعالى - وما أوجب عليهم من تكاليف. والفاء فى ~~قوله { فأنساهم } للسببية، أى أن نسيانهم لما يجب عليهم نحو أنفسهم ~~من تهذيب وتأديب.. كان سببه نسيانهم لما يجب عليهم نحو خالقهم من طاعته ~~وخشيته. ثم بين - سبحانه - سوء مصيرهم فقال { أولئك هم ~~الفاسقون } أى أولئك الذين تركوا ما يجب عليهم نحو خالقهم ونحو ~~أنفسهم، هم الفاسقون عن أمره، الخارجون على شريعته ودينه، الخالدون ms4997 يوم ~~القيامة فى العذاب المهين. ثم حذر - سبحانه - المؤمنين من نسيان طاعته، ~~وخشيته بأسلوب آخر فقال { لا يستوي أصحاب النار وأصحاب ~~الجنة أصحاب الجنة هم الفآئزون... }. أى لا يستوى ~~فى حكم الله - تعالى - وفى جزائه { أصحاب النار } الذين استحقوا ~~الخلود فيها { وأصحاب الجنة } الذين ظفروا برضوانه - تعالى - ~~بسبب إيمانهم وعملهم الصالح.. { أصحاب الجنة هم الفآئزون ~~} بالسعادة التى ليس بعدها سعادة، وبالنعيم الذى لا يقاربه نعيم. وقال - ~~سبحانه - { لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة... ~~} بدون بيان مالا يستويان فيه، للإشعار بالبون الشاسع بين الفريقين، فى ~~سلوكهم وفى أعمالهم، وفى تفكيرهم، وفى نظرتهم إلى الحياة، وفى العاقبة ~~التى ينتهى إليها كل فريق.. قال صاحب الكشاف هذا تنبيه للناس، وإيذان لهم ~~بأنهم لفرط غفلتهم، وقلة فكرهم فى العاقبة، وتهالكهم على إيثار العاجلة، ~~واتباع الشهوات كأنهم لا يعرفون الفرق بين الجنة والنار، والبون العظيم ~~بين أصحابهما، وأن الفوز مع أصحاب الجنة، فمن حقهم أن يعلموا ذلك وينبهوا ~~عليه، كما تقول لمن يعق أباه، هو أبوك، تجعله بمنزلة من لا يعرفه، فتنبهه ~~بذلك على حق الأبوة، الذى يقتضى البر والتعطف... ومن الآيات الكثيرة التى ~~تشبه هذه الآية فى معناها، قوله - تعالى - # وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما ~~تتذكرون # ثم نوه - سبحانه - بشأن القرآن الكريم، المشتمل على ألوان من الهدايات ~~والمواعظ، والآداب والأحكام، التى فى اتباعها سعادة الناس وفوزهم فقال { ~~لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته ~~خاشعا متصدعا من خشية الله. # .. }. والمراد بالجبل حقيقته والكلام على سبيل الفرض والتقدير، واختير ~~الجبل، لأنه أشد الأشياء صلابة، وقلة تأثر بما ينزل به. أى لو أنزلنا - ~~على سبل الفرض والتقدير - هذا القرآن العظيم الشأن على جبل من الجبال ~~العالية الشامخة الصلبة وخاطبناه به.. لرأيت - أيها العاقل - هذا الجبل ~~الذى هو مثال فى الشدة والغلظة والضخامة وعدم التأثر. لرأيته { خاشعا ~~متصدعا من خشية الله }. أى لرأيته متذللا متشققا من شدة ~~خوفه من الله - تعالى - ومن خشيته. قال الآلوسى وهذا تمثيل لعلو شأن ~~القرآن، ms4998 وقوة تأثيره، والغرض - من هذه الآية - توبيخ الإنسان على قسوة ~~قلبه، وقلة تخشعه عند تلاوة القرآن الكريم، وتدبر ما فيه من القوارع، وهو ~~الذى لو أنزل على جبل - وقد ركب فيه العقل - لخشع وتصدع. ويشير إلى كونه ~~تمثيلا، قوله - تعالى - { وتلك الأمثال نضربها للناس ~~لعلهم يتفكرون }. أى وتلك الأمثال الباهرة التى اشتمل عليها ~~هذا القرآن العظيم، نضربها ونسوقها للناس، لكى يتفكروا فيها، ويعملوا بما ~~تقتضيه من توجيهات حكيمة ومن مواعظ سديدة، ومن إرشادات نافعة. ثم ختم - ~~سبحانه - السورة الكريمة بالثناء على ذاته - تعالى - وببيان بعض أسمائه ~~الحسنى فقال - تعالى - { هو الله... }. ### || [59.22-24] # قال الجمل لما وصف - تعالى - القرآن بالعظم، ومعلوم أن عظم الصفة تابع ~~لعظم الموصوف، أتبع ذلك بوصف عظمته - تعالى - فقال { هو الله ~~الذي لا إله إلا هو } أى هو الله الذى وجوده من ذاته، فلا ~~عدم له بوجه من الوجوه، فلا شىء يستحق الوصف بهذا غيره، لأنه هو الموجود ~~أزلا وأبدا، فهو حاضر فى كل ضمير، غائب بعظمته عن كل حس، فلذلك تصدع ~~الجبل من خشيته. أى هو المعبود الذى لا تنبغى العبادة والألوهية إلا له، ~~الذى لا إله إلا هو، فإنه لا مجانس له، ولا يليق ولا يصح، ولا يتصور، أن ~~يكافئه أو يدانيه شىء... وقوله { عالم الغيب والشهادة } أى ~~هو - سبحانه - العليم علما تاما بما غاب عن أذهان الخلائق وعقولهم، وبما ~~هو حاضر ومشاهد أمام أعينهم. فالمراد بالغيب كل ما غاب عن إحساس الناس ~~وعن مداركهم.. والمراد بالشهادة ما يشاهدونه بعيونهم، ويدركونه بعقولهم.. ~~والتعريف فيهما للاستغراق الحقيقى، لأن الله - تعالى - لا يخفى عليه شىء ~~فى هذا الكون. وقوله - تعالى - { هو الرحمن الرحيم } أى هو ~~العظيم الرحمة الدائمها، لأن لفظ { الرحمن } صيغة مبالغة لكثرة ~~الشىء وعظمته، ولفظ { الرحيم } صيغة تدل على الدوام والاستمرار. ~~وقوله - سبحانه - { هو الله الذي لا إله إلا هو... } ~~تأكيد لأمر التوحيد لأن مقام التعظيم يقتضى ذلك. ثم عدد - سبحانه - بعد ~~ذلك بعض أسمائه الحسنى، وصفاته الجليلة فقال { الملك } أى المالك ~~لجميع الأشياء، والحاكم ms4999 على جميع المخلوقات والمتصرف فيها تصرف المالك فى ~~ملكه. { القدوس } أى المنزه عن كل نقص، البالغ أقصى ما يتصوره العقل ~~فى الطهارة وفى البعد عن النقائص والعيوب، وعن كل مالا يليق. من القدس ~~بمعنى الطهارة، والقدس - بفتح الدال - اسم للإناء الذى يتطهر به ومنه ~~القادوس. وجاء لفظ القدوس بعد لفظ الملك، للإشعار بأنه - تعالى - وإن ~~كان مالكا لكل شىء، إلا أنه لا يتصرف فيما يملكه تصرف الملوك المغرورين ~~الظالمين، وإنما يتصرف فى خلقه تصرفا منزها عن كل ظلم ونقص وعيب.. { ~~السلام } أى ذو السلامة من كل ما لا يليق، أو ذو السلام على عباده فى ~~الجنة، كما قال - تعالى - # سلام قولا من رب رحيم # { المؤمن } أى الذى وهب لعباده نعمة الأمان والاطمئنان، والذى صدق ~~رسله بأن أظهر على أيديهم المعجزات التى تدل على أنهم صادقون فيما ~~يبلغونه عنه. { المهيمن } أى الرقيب على عباده، الحافظ لأقوالهم ~~وأفعالهم وأحوالهم، من الأمن، ثم قلبت همزته هاء، وقيل أصله هيمن بمعنى ~~رقب، فهاؤه أصلية. { العزيز } أى الذى يغلب غيره، ولا يتجاسر على ~~مقامه أحد. # . { الجبار } أى العظيم القدرة، القاهر فوق عباده. قال القرطبى قال ~~ابن عباس الجبال هو العظيم. وجبروت الله عظمته. وهو على هذا القول صفة ~~ذات، من قولهم نخلة جبارة.. وقيل هو من الجبر وهو الإصلاح، يقال جبرت ~~العظم فجبر، إذا أصلحته بعد الكسر، فهو فعال من جبر، إذا أصلح الكسير ~~وأغنى الفقير... { المتكبر } أى الشديد الكبرياء، والعظمة ~~والجلالة، والتنزه عما لا يليق بذاته. وهاتان الصفتان - الجبار المتكبر - ~~صفتا مدح بالنسبة لله - تعالى -، وصفتا ذم بالنسبة لغيره - تعالى -، وفى ~~الحديث الصحيح عن أبى هريرة # " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال فيما يرويه عن ربه " ~~الكبرياء ردائى، والعظمة إزارى، فمن نازعنى فى واحد منهما قصمته. ثم ~~قذفته فى النار ". # { سبحان الله عما يشركون } أى تنزه - سبحانه - وتقدس عن ~~إشراك المشركين. وكفر الكافرين. { هو الله الخالق } لكل شىء ~~الموجد لهذا الكون على مقتضى حكمته.. { البارىء } أى المبدع المخترع ~~للأشياء. والمبرز لها من ms5000 العدم إلى الوجود. { المصور } أى المصور ~~للأشياء والمركب لها، على هيئات مختلفة، وأنواع شتى من التصوير، وهو ~~التخطيط والتشكيل.. { له الأسمآء الحسنى } والحسنى تأنيث ~~الأحسن. أى له الأسماء التى هى أحسن الأسماء لدلالتها على أفضل المعانى. ~~من تحميد. وتقديس. وقدرة. وسمع.. وغير ذلك من الأسماء الكريمة، والصفات ~~الجليلة. { يسبح له } - تعالى - وينزهه عن كل سوء { ما في ~~السماوات والأرض } من مخلوقات.. { وهو العزيز الحكيم ~~} أى وهو - عز وجل - الغالب لغيره. الحكيم فى كل تصرفاته. قال الإمام ~~ابن كثير وفى الصحيحين عن أبى هريرة # " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال " إن لله تسعة وتسعين إسما - ~~مائة إلا واحدا- من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر.. ". # ثم ذكر - رحمه الله - هذه الأسماء نقلا عن سنن الترمذى فقال هو الله ~~الذى لا إله إلا هو، الرحمن الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، ~~المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارىء، المصور، الغفار، ~~القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، ~~الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، ~~الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلى، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، ~~الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحيكم، الودود، المجيد، ~~الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوى، المتين، الولى، الحميد، المحصى، ~~المبدى، المعيد، المحيى، المميت، الحى، القيوم، الواحد، الماجد، الواجد، ~~الصمد، القادر، المقتدر، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالى، ~~المتعالى، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرءوف، مالك الملك، ذو الجلال ~~والإكرام، المقسط، الجامع، الغنى، المغنى، المانع، الضار، النافع، ~~النور، الهادى، البديع، الباقى، الوارث، الرشيد، الصبور. ثم قال الإمام ~~ابن كثير وسياق ابن ماجه - لهذا الحديث - بزيادة ونقصان، وتقديم وتأخير. # . والذى عول عليه جماعة من الحفاظ، أن سرد الأسماء فى هذا الحديث مدرج ~~فيه - أى ذكر الراوى فى الحديث كلاما لنفسه أو لغيره من غير فصل بين ~~ألفاظ الحديث وألفاظ الراوى - وأن أهل العلم جمعوا هذه الأسماء من القرآن ~~الكريم. ثم ليعلم أن الأسماء الحسنى ليست منحصرة فى التسعة والتسعين، ~~بدليل ما رواه الإمام أحمد عن ابن مسعود، عن رسول الله - صلى ms5001 الله عليه ~~وسلم - أنه قال # " ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال اللهم إنى عبدك، وابن عبدك، وابن ~~أمتك، ناصيتى بيدك، ماض فى حكمك، عدل فى قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، ~~سميت به نفسك، أو أعلمته أحدا من خلقك، أو أنزلته فى كتابك، أن تجعل ~~القرآن ربيع قلبي، ونور صدرى، وجلاء حزنى، وذهاب همى، إلا أذهب الله همه ~~وحزنه، وأبدله مكانه فرجا ". فقيل يا رسول الله، أفلا نتعلمها؟ فقال " ~~بلى، ينبغى لكل من سمعها أن يتعلمها " # وذكر أبو بكر بن العربى أن بعضهم جمع من الكتاب والسنة ألف اسم لله - ~~تعالى -. وبعد فهذا تفسير لسورة " الحشر " نسأل الله - تعالى - أن يجعله ~~خالصا لوجهه نافعا لعباده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ~~وسلم. ### | [60 - سورة الممتحنة] ### || [60.1-3] # افتتحت سورة " الممتحنة " بهذا النداء للمؤمنين، وقد تضمن هذا النداء ~~نهيهم عن موالاة أعداء الله وأعدائهم. وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه ~~الآيات روايات منها، ما ذكره الإمام الآلوسى فقال # " نزلت فى حاطب بن أبى بلتعة.. فقد أخرج الإمام أحمد، والبخارى، ومسلم، ~~وأبو داود، والترمذى، والنسائى، وابن حبان، وجماعة عن على بن أبى طالب - ~~رضى الله عنه - قال بعثنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا والزبير ~~والمقداد فقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ - وهومكان بين مكة والمدينة - ~~فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها فأتونى به فخرجنا حتى أتينا الروضة، ~~فإذا نحن بالظعينة فقلنا لها أخرجى الكتاب. فقالت ما معى من كتاب، فقلنا ~~أخرجى الكتاب أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فإذا فيه من حاطب بن أبى بلتعة، إلى أناس من ~~المشركين بمكة، يخبرهم ببعض أمر النبى - صلى الله عليه وسلم -. فقال - ~~صلى الله عليه وسلم - " ما هذا يا حاطب،؟ " فقال حاطب لا تعجل على يا ~~رسول الله إنى كنت إنسانا ملصقا فى قريش، ولم أكن منها، وكان من معك من ~~المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهلهم وأموالهم بمكة، فأحببت ms5002 إذ فاتنى ~~ذلك من النسب فيها، أن أصطنع إليهم يدا، يحمون بها قرابتى، وما فعلت ذلك ~~كفرا ولا ارتدادا عن الإسلام. فقال عمر دعنى يا رسول الله أضرب عنقه، ~~فقال، - صلى الله عليه وسلم - " إنه شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع ~~على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " # فنزلت هذه الآيات. وقد ذكروا أن هذه القصة كانت فى الوقت الذى أعد فيه ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - العدة لأجل العمرة، سنة صلح الحديبية، وقيل ~~كانت هذه القصة فى الوقت الذى تهيأ النبى - صلى الله عليه وسلم - لفتح ~~مكة، وكان من بين الذين علموا ذلك حاطب بن أبى بلتعة. والمراد بالعدو هنا ~~الأعداء عموما، ويدخل فيهم دخولا أولياء كفار قريش، الذين أرسل إليهم ~~حاطب بن أبى بلتعة خطابه، لكى يحذرهم من مهاجمة المسلمين لهم. والمراد ~~بالعداوة العداوة الدينية التى جعلت المشركين، يحرصون كل الحرص على أذى ~~المسلمين، أى يامن آمنتم بالله - تعالى - إيمانا حقا، احذروا أن تتخذوا ~~أعدائى وأعداءكم أولياء وأصدقاء وحلفاء. بل جاهدوهم وأغلظوا عليهم، ~~واقطعوا الصلة التى بينكم وبينهم. وناداهم بصفة الإيمان، لتحريك حرارة ~~العقيدة الدينية فى قلوبهم ولحضهم على الاستجابة لما نهاهم عنه. # وقدم - سبحانه - عداوته للمشركين، على عداوة المؤمنين لهم، لأن عداوة ~~هؤلاء المشركين لله - تعالى - أشد وأقبح، حيث عبدوا غير خالقهم، وشكروا ~~غير رزاقهم، وكذبوا رسل ربهم وآذوهم. وفى الحديث القدسى # " إنى والجن والإنس فى نبأ عظيم. أخلق ويعبد غيرى، وأرزق ويشكر سواى.. ~~خيرى إلى العباد نازل، وشرهم إلى صاعد، أتحبب إليهم بالنعم. ويتبغضون إلى ~~بالمعاصى ". # وعبر - سبحانه - بالاتخاذ الذى هو افتعال من الأخذ، للمبالغة فى نهيهم ~~عن موالاة هؤلاء الأعداء. إذ الاتخاذ يشعر بشدة الملابسة والملازمة. ~~والمفعول الأول لقوله { تتخذوا } قوله { عدوي } والمفعول ~~الثانى قوله { أوليآء }. وقوله - سبحانه - { تلقون إليهم ~~بالمودة } تفسير وتوضيح لهذه الموالاة التى نهوا عنها أو فى موضع ~~الحال من ضمير { لا تتخذوا }. وحقيقة الإلقاء قذف ما فى اليد على ~~الأرض أو فى الفضاء، والمراد به هنا إيصال ms5003 ما يدخل السرور على قلوب ~~أعدائهم. والباء فى قوله { بالمودة } لتأكيد اتصال الفعل بمفعوله. ~~أى احذروا أن تعاملوا أعدائى وأعداءكم معاملة الأصدقاء والحلفاء، بأن ~~تظهروا لهم المودة والمحبة. ويصح أن تكون الباء للسببية فيكون المعنى ~~تلقون إليهم بأخباركم التى لا يجوز لكم إظهارها لهم، بسبب مودتكم لهم. ~~وقد ذكروا أن حاطبا أرسل بهذه الرسالة إلى أهل مكة، عندما تجهز النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - وأصحابه للذهاب إليها لأجل العمرة عام الحديبية، أو ~~لأجل فتح مكة. قال صاحب الكشاف فإن قلت { تلقون } بم يتعلق؟ قلت يجوز ~~أن يتعلق بقوله { لا تتخذوا } حالا من ضميره.. ويجوز أن يكون ~~استئنافا. والإلقاء عبارة عن إيصال المودة والإفضاء بها إليهم يقال ~~ألقى إليه خراشى صدره - أى أسرار صدره - وأفضى إليه بقشوره. والباء فى ~~{ بالمودة } إما زائدة مؤكدة للتعدى مثلها فى قوله # ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة # وإما ثابتة على أن مفعول تلقون محذوف، ومعناه تلقون إليهم إخبار رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بسبب المودة التى بينكم وبينهم. ثم ساق - ~~سبحانه - الأسباب التى من شأنها تحمل المؤمنين على عدم موالاة أعداء الله ~~وأعدائهم، فقال { وقد كفروا بما جآءكم من الحق } أى ~~لا تتخذوا - أيها المؤمنون - هؤلاء الأعداء أولياء، وتلقون إليهم ~~بالمودة، والحال أن هؤلاء الأعداء قد كفروا بما جاءكم على لسان رسولكم - ~~صلى الله عليه وسلم - من الحق الذى يتمثل فى القرآن الكريم، وفى كل ما ~~أوحاه - سبحانه - إلى رسوله. فالمقصود من هذه الجملة الكريمة، تصوير ~~هؤلاء الكافرين، بما ينفر المؤمنين من إلقاء المودة إليهم. وقوله - تعالى ~~- { يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ~~ربكم } بيان لسبب آخر من الأسباب التى تدعو المؤمنين إلى مقاطعة ~~أعدائهم الكافرين. # وجملة { يخرجون الرسول } يصح أن تكون مستأنفة لبيان كفرهم، أو ~~فى محل نصب حال من فاعل { كفروا } وقوله { وإياكم } معطوف على ~~الرسول، وقدم عليهم على سبيل التشريف لمقامه - صلى الله عليه وسلم - ~~وجملة { أن تؤمنوا } فى محل نصب مفعول لأجله. أى أن هؤلاء الكافرين ~~لم يكتفوا بكفرهم بما جاءكم ms5004 - أيها المؤمنون - من الحق، بل تجاوزوا ذلك ~~إلى محاولة إخراج رسولكم - صلى الله عليه وسلم - وإخراجكم من مكة، من أجل ~~إيمانكم بالله ربكم، وإخلاصكم العبادة له - تعالى -. وأسند - سبحانه - ~~محاولة الإخراج إلى جميع الأعداء، لأنهم كانوا راضين بهذا الفعل ~~ومتواطئين على تنفيذه بعضهم عن طريق التخطيط له، وبعضهم عن طريق التنفيذ ~~الفعلى. والمتأمل فى هذه الجملة الكريمة، يراها قد ساقت أقوى الأسباب ~~وأعظمها، للتشنيع على مشركى قريش، ولإلهاب حماس المؤمنين من أجل عدم ~~إلقاء المودة إليهم. وجواب الشرط فى قوله - تعالى - { إن كنتم ~~خرجتم جهادا في سبيلي وابتغآء مرضاتي } محذوف ~~للدلالة ما قبله عليه أى إن كنتم - أيها المؤمنون - قد خرجتم من مكة من ~~أجل الجهاد فى سبيلى، ومن أجل طلب مرضاتى، فاتركوا اتخاذ عدوى وعدوكم ~~أولياء، واتركوا مودتهم ومصافاتهم. فالمقصود من الجملة الكريمة، زيادة ~~التهييج للمؤمنين، حتى لا يبقى فى قلوبهم أى شىء من المودة نحو الكافرين. ~~وقوله - سبحانه - { تسرون إليهم بالمودة } بدل من قوله ~~- تعالى - قبل ذلك { تلقون إليهم بالمودة }. بدل بعض من ~~كل. لأن إلقاء المودة أعم من أن تكون فى السر أو فى العلن. ويصح أن يكون ~~بدل اشتمال، لأن الإسرار إليهم بالمودة، مما اشتمل عليه إلقاء المودة ~~إليهم. وهذه الجملة جىء بها على سبيل العتاب والتعجيب ممن فى قلبه مودة ~~لهؤلاء الكافرين، بعد أن بين الله - تعالى - له، ما يوجب قطع كل صلة بهم. ~~ومفعول { تسرون } محذوف. أى ترسلون إليهم أخبار المسلمين سرا، بسبب ~~مودتكم لهم؟ وجملة { وأنا أعلم بمآ أخفيتم ومآ ~~أعلنتم } هى مناط التعجيب ممن يتخذ هؤلاء الأعداء أولياء. أو من يسر ~~إليهم بالمودة، وهى حالية من فاعل { تلقون و تسرون }. أى تفعلون ~~ما تفعلون من إلقاء المودة إلى عدوى وعدوكم، ومن إسراركم بها إليهم ~~والحال أنى أعلم منهم ومنكم بما أخفيتموه فى قلوبكم، وما أعلنتموه، ومخبر ~~رسولنا - صلى الله عليه وسلم - بذلك. وما دام الأمر كذلك فكيف أباح بعضكم ~~لنفسه، أن يطلع عدوى وعدوكم على مالا يجوز إطلاعه عليه؟! قال الآلوسى ~~قوله ms5005 { وأنا أعلم بمآ أخفيتم ومآ أعلنتم } فى ~~موضع الحال و { أعلم } أفعل تفضيل. والمفضل عليه محذوف. أى منكم.. و ~~{ مآ } موصولة أو مصدرية، وذكر { مآ أعلنتم } مع الاستغناء عنه، ~~للإشارة إلى تساوى العلمين فى علمه - عز وجل -. # ولذا قدم { مآ أخفيتم }. وفى هذه الحال إشارة إلى أنه لا طائل ~~لهم فى إسرار المودة إليهم كأنه قيل تسرون إليهم بالمودة والحال أنى أعلم ~~ما أخفيتم وما أعلنتم، ومطلع رسولى على ما تسرون، فأى فائدة وجدوى لكم فى ~~الإسرار؟. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان سوء عاقبة من يخالف ~~أمره فقال { ومن يفعله منكم فقد ضل سوآء السبيل ~~}. والضمير فى قوله { يفعله } يعود إلى الاتخاذ المفهوم من قوله { ~~لا تتخذوا }. أى ومن يفعل ذلك الاتخاذ لعدوى وعدوكم أولياء. ويلقى ~~إليهم بالمودة، فقد أخطأ طريق الحق والصواب. وضل عن الصراط المستقيم. ثم ~~بين - سبحانه - حال هؤلاء الأعداء عندما يتمكنون من المؤمنين فقال { إن ~~يثقفوكم يكونوا لكم أعدآء ويبسطوا إليكم ~~أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون ~~}. ومعنى { يثقفوكم } يظفروا بكم، ويدركوا طلبتهم منكم. وأصل الثقف ~~الحذق فى إدراك الشىء وفعله، ومنه رجل ثقف إذا كان سريع الفهم، ويقال ~~ثقفت الرجل فى الحرب إذا أدركته وظفرت به. أى إن يظفر بكم هؤلاء الأعداء ~~- أيها المؤمنون - ويتمكنوا منكم، يظهروا لكم ما انطوت عليه قلوبهم نحوكم ~~من بغضاء ولا يكتفون بذلك، بل يمدون إليكم أيديهم بما يضركم، وألسنتهم ~~مما يؤذيكم. ثم هم بعد كل ذلك يودون ويتمنون أن تصيروا كفارا مثلهم. فأنت ~~ترى أن الآية الكريمة، قد وضحت أن هؤلاء الكافرين، قد سلكوا فى عداوتهم ~~للمؤمنين كل مسلك، فهم عند تمكنهم من المؤمنين يظهرون حقدهم القديم، ~~ويؤذونهم بأيديهم وألسنتهم، ويتمنون فى جميع الأحوال أن يردوهم بعد ~~إيمانهم كافرين. وقال - سبحانه - { ويبسطوا إليكم.. } ~~للإشعار بكثرة ما ينزلونه بالمؤمنين من أذى، إذ التعبير بالبسط يدل على ~~الكثرة والسعة. وقوله { وودوا لو تكفرون } معطوف على جملة ~~الشرط والجزاء، ويكون - سبحانه - قد أخبر عنهم بخبرين أحدهما ما تضمنته ~~الجملة الشرطية من ms5006 عداوتهم للمؤمنين. وثانيهما تمنيهم ارتدادهم من ~~الإيمان إلى الكفر. قال صاحب الكشاف فإن قلت كيف أورد جواب الشرط مضارعا ~~مثله، ثم قال { وودوا } بلفظ الماضى؟ قلت الماضى وإن كان يجرى فى ~~باب الشرط مجرى المضارع فى علم الإعراب. فإن فيه نكتة، كأنه قيل وودوا ~~قبل كل شىء كفركم وارتدادكم. يعنى أنهم يريدون أن يلحقوا بكم مضار الدنيا ~~والدين جميعا، من قتل الأنفس وتمزيق الأعراض، وردكم كفارا. وهذا الرد إلى ~~الكفر أسبق المضار عندهم وأولها، لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم، ~~لأنكم بذالون لها دونه. والعدو أهم شىء عنده، أن يقصد أعز شىء عند صاحبه. ~~ثم بين - سبحانه - الآثار السيئة التى تترتب على ضلالهم عن سواء السبيل ~~فقال { لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم ~~القيامة يفصل بينكم. # .. }. والأرحام جمع رحم والمراد بهم الأقارب، الذين كان بعض المؤمنين ~~يوالون المشركين من أجلهم. أى منكم - أيها المؤمنون - من أفشى أسراركم ~~للكافرين، خوفا على أقاربه أو أولاده الذين يعيشون فى مكة مع هؤلاء ~~الكافرين، والحق أنه لن تنفعكم قراباتكم ولا أولادكم الذين توالون ~~المشركين من أجلهم شيئا من النفع يوم القيامة، لأنه فى هذا اليوم { ~~يفصل بينكم } أى يفرق بينكم وبين أقاربكم وأولادكم يوم القيامة، ~~كما قال - تعالى - # فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ~~ولا يتسآءلون # وكما قال - سبحانه - # يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه ~~وصحبته وبنيه لكل امرىء منهم يومئذ شأن ~~يغنيه # وخص - سبحانه - الأولاد بالذكر مع أنهم من الأرحام، لمزيد المحبة لهم - ~~والحنو عليهم. قال الشوكانى وجملة { يوم القيامة يفصل ~~بينكم } متسأنفة لبيان عدم نفع الأرحام والأولاد فى ذلك اليوم، ~~ومعنى { يفصل بينكم } يفرق بينكم، فيدخل أهل طاعته الجنة. ويدخل ~~أهل معصيته النار، وقيل المراد بالفصل بينهم، أنه يفر كل منهم من الآخر ~~من شدة الهول.. قيل ويجوز أن يتعلق { يوم القيامة } بما قبله. أى ~~لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة، فيوقف عليه، ويبتدأ بقوله { ~~يفصل بينكم } والأولى أن يتعلق بما بعده - أى يفصل بينكم يوم ~~القيامة، ms5007 فيوقف على { أولادكم } ويبتدأ بيوم القيامة. وقراءة ~~الجمهور { يفصل بينكم } - بضم الياء وإسكان الفاء وفتح الصاد - ~~على البناء للمجهول. وقرأ عاصم { يفصل بينكم } بفتح الياء وكسر ~~الصاد - على البناء للفاعل، وقرأ حمزة والكسائى { يفصل بينكم } ~~- بضم الياء وفتح الفاء وتشديد الصاد مع الكسر - بالبناء للفاعل - أيضا ~~-. وقرأ ابن عامر { يفصل بينكم } - بضم الياء وفتح الفاء ~~وتشديد الصاد مع الفتح - على البناء للمجهول. ثم ختم - سبحانه - الآية ~~الكريمة بقوله { والله بما تعملون بصير } أى والله - تعالى ~~- لا يخفى عليه شىء من أعمالكم، بل هو مطلع عليها اطلاعا تاما وسيجازيكم ~~يوم القيامة بما تستحقونه من ثواب أو عقاب. هذا، ومن الأحكام والآداب ~~التى أخذها العلماء من الآيات الكريمة ما يأتى 1 - أن هذه الآيات أصل فى ~~النهى عن موالاة الأعداء ومصافاتهم بأية صورة من الصور، وشبيه بها قوله - ~~تعالى - # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين ~~أوليآء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا ~~لله عليكم سلطانا مبينا # وقوله - سبحانه - # يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من ~~دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد ~~بدت البغضآء من أفواههم وما تخفي صدورهم ~~أكبر # 2 - أن هذه الآيات الكريمة تتجلى فيها رحمة الله - تعالى - بعباده ~~المؤمنين، حيث ناداهم بهذه الصفة مع وقوع بعضهم فى الخطأ الجسيم، وهو ~~إفشاء أسرار المؤمنين لأعدائهم قالوا وفى هذا رد على المعتزلة الذين ~~يقولون إن المعصية تنافى الإيمان. # 3 - أن هذه الآيات الكريمة فيها ما فيها من الأساليب الحكيمة فى الدعوة ~~إلى الفضائل واجتناب الرذائل، لأن الله - تعالى - عندما نهى المؤمنين عن ~~موالاة أعدائه وأعدائهم، ساق لهم الأسباب التى تحملهم على قطع كل صلة ~~بهؤلاء الأعداء. بأن ذكر لهم أن هؤلاء الأعداء قد كفروا بالحق، وحرصوا ~~على إخراج الرسول والمؤمنين من ديارهم، وأنهم إن يتمكنوا من المؤمنين، ~~فسينزلون بهم أشد ألوان الأذى. وهكذا يجب أن يتعلم الدعاة إلى الله - ~~تعالى - أن على رأس الوسائل التى توصلهم إلى النجاح فى دعوتهم، أن يأتوا ~~فى دعوتهم بالأسباب المقنعة لاعتناق الحق، واجتناب ms5008 الباطل. 4 - أن هذه ~~الآيات الكريمة صريحة فى أن ما يتعلق بالدين والعقيدة، يجب أن يقدم على ~~ما يتعلق بالأرحام والأولاد، لأن الأرحام والأولاد لن تنفع يوم القيامة، ~~وإنما الذى ينفع هو ما يتعلق بالاستجابة لما يفرضه الدين علينا من واجبات ~~وتكاليف. وبعد هذا النهى للمؤمنين عن موالاة أعداء الله وأعدائهم.. ساقت ~~لهم السورة الكريمة، جانبا من قصة إبراهيم - عليه السلام - الذى تبرأ من ~~كل صلة تربطه بغيره سوى صلة الإيمان، وإخلاص العبادة لله - تعالى -، ~~وأمرتهم بأن يقتدوا به فى ذلك لينالوا رضا الله - عز وجل - فقال - تعالى ~~- { قد كانت لكم... }. ### || [60.4-6] # والأسوة كالقدوة، وهى اتباع الغير على الحالة التى يكون عليها، قال - ~~تعالى - # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة # قال الآلوسى قوله - تعالى - { قد كانت لكم أسوة حسنة ~~في إبراهيم } تأكيد لأمر الإنكار عليهم، والتخطئة فى موالاة ~~الكفار، بقصة إبراهيم - عليه السلام - ومن معه، ليعلم أن الحب فى الله - ~~تعالى - والبغض فيه - سبحانه - من أوثق عرا الإيمان، فلا ينبغى أن يغفل ~~عنها. والأسوة - بضم الهمزة وكسرها - بمعنى الائتساء والاقتداء، وتطلق ~~على الخصلة التى من حقها أن يؤتسى ويقتدى بها، وعلى نفس الشخص المؤتسى ~~به. والمعنى قد كان لكم - أيها المؤمنون - أسوة حسنة، وخصلة حميدة، ~~ومنقبة كريمة، فى قصة أبيكم إبراهيم - عليه السلام -، وفى قصة الذين ~~آمنوا معه. وافتتح - سبحانه - الكلام بقوله { قد كانت } لتأكيد ~~الخبر، فإن هذا الأسلوب المشتمل على قد وفعل الكون، يفيد التأكيد بموجب ~~الخبر، والتعريض بغفلة من يخالفه. ووصف - سبحانه - الأسوة بالحسن، على ~~سبيل المدح لها والتحريض على الاقتداء بصاحبها. وعطف - سبحانه - على ~~إبراهيم الذين آمنوا معه، ليتم التمثيل لحال المسلمين مع رسولهم - صلى ~~الله عليه وسلم - أى كونوا - أيها المؤمنون - متأسين ومقتدين برسولكم - ~~صلى الله عليه وسلم - ومطيعين له، ومستجيبين لتوجيهاته، كما كان أتباع ~~أبيكم إبراهيم كذلك. ثم بين - سبحانه - ما يجب عليهم الاقتداء به من حال ~~إبراهيم - عليه السلام - والمؤمنين معه، فقال { إذ قالوا ~~لقومهم إنا برءآؤا منكم ومما تعبدون من دون ms5009 ~~الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة ~~والبغضآء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده } و { ~~إذ } ظرف زمان بمعنى وقت وحين، وهو يدل اشتمال من إبراهيم والذين معه. ~~أو خبر لكان. { برءآؤا } جمع برئ. يقال برئ فلان من كذا يبرأ براء ~~وبراءة. إذا ابتعد عنه، لكراهته له. أى قد كان لكم - أيها المؤمنون - ~~أسوة حسنة فى إبراهيم - عليه السلام - وفى الذين آمنوا معه، وقت أن قالوا ~~لقومهم الكافرين، بشجاعة وقوة إنا برآة منكم، ومن آلهتكم التى تعبدونها ~~من دون الله - عز وجل - وإننا قد كفرنا بكم وبمعبوداتكم { وبدا } أى ~~وظهر بيننا وبينكم العداوة والبغض على سبيل التأييد والاستمرار، ولن ~~نتخلى عن ذلك معكم، حتى تؤمنوا بالله - تعالى - وحده، وتتركوا عبادتكم ~~لغيره - تعالى -. فأنت ترى أن إبراهيم - عليه السلام - والمؤمنين معه، قد ~~أعلنوا بكل شجاعة وشدة، إيمانهم الكامل بالحق، وبراءتهم وكراهيتهم ~~واحتقارهم، لكل من أشرك مع الله - تعالى - فى العبادة آلهة أخرى. # وأنهم لم يكتفوا بالتغيير القلبى للمنكر، بل جاهروا بعداوتهم له، ~~وبالتنزه عن اقترابهم منه. وبتجافيهم عنه... ولعل هذا هو أقصى ما كانوا ~~يملكونه بالنسبة لتغيير هذا المنكر فى ذلك الوقت. وقد أخبرنا القرآن ~~الكريم أن إبراهيم - عليه السلام - لم يكتف بذلك، بل حطم الأصنام التى ~~كان يعبدها قومه وقال لهم # أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا ~~تعقلون # قال صاحب الكشاف أى كان فيهم - أى فى إبراهيم ومن آمن معه - مذهب حسن ~~مرضى، جدير بأن يؤتسى به، ويتبع أثره، وهو قولهم لكفار قومهم ما قالوا، ~~حيث كاشفوهم بالعداوة، وقشروا لهم العصا، وأظهروا لهم البغضاء والمقت، ~~وصرحوا بأن سبب عداوتهم وبغضائهم، ليس إلا كفرهم بالله. وما دام هذا ~~السبب قائما، كانت العداوة قائمة، حتى إن أزالوه وآمنوا بالله وحده، ~~انقلبت العداوة موالاة، والبغضاء مودة، والمقت محبة - فأفصحوا عن محض ~~الإخلاص. وقوله - تعالى - { إلا قول إبراهيم لأبيه ~~لأستغفرن لك.. } كلام معترض بين الأقوال التى حكاها - سبحانه - ~~عن إبراهيم - عليه السلام -. والاستثناء يترجح أنه منقطع، لأن هذا القول ~~من إبراهيم لأبيه، ليس ms5010 من جنس الكلام السابق، الذى تبرأ فيه هو ومن معه ~~مما عليه أقوامهم الكافرون. والمعنى اقتدوا - أيها المؤمنون - بأبيكم ~~إبراهيم - عليه السلام - وبالذين آمنوا معه، فى براءتهم من الشرك ~~والمشركين.. ولكن لا تقتدوا به فى استغفاره لأبيه الكافر، لأن استغفاره ~~له كان عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه. قال ~~الإمام الشوكانى ما ملخصه قوله { إلا قول إبراهيم لأبيه ~~لأستغفرن لك.. } هو استثناء متصل من قوله { في إبراهيم ~~} بتقدير مضاف.. أى قد كانت لكم أسوة حسنة فى مقالات إبراهيم، إلا فى ~~قوله لأبيه لأستغفرن لك. ويصح أن يكون استثناء متصلا من قوله { أسوة ~~حسنة } وصح ذلك لأن القول من جملة الأسوة، فكأنه قيل قد كانت لكم ~~أسوة حسنة فى إبراهيم فى جميع أقواله وأفعاله، إلا فى قوله لأبيه ~~لأستغفرن لك. أو هو استثناء منقطع، أى اقتدوا بإبراهيم فى كل أقواله ~~وأحواله. لكن لا تقتدوا به فى قوله لأبيه المشرك لأستغفرن لك، بأن ~~تستغفروا لآبائكم المشركين، لأن استغفار إبراهيم لأبيه المشرك كان عن ~~موعدة وعدها إياه، أو أنه ظن أن أباه قد أسلم... وقوله - سبحانه - { ~~ومآ أملك لك من الله من شيء } حكاية لبقية كلام إبراهيم ~~لأبيه، وليس الاستثناء متوجها إليه، لأن هذه الجملة بيان لما تحلى به ~~إبراهيم - عليه السلام - من آداب مع ربه - تعالى - حيث فوض الأمر إليه - ~~سبحانه -. أى وعد إبراهيم أباه بالاستغفار له، أملا فى هدايته، وقال له ~~يا أبت إنى لا أملك لك من أمر قبول الاستغفار شيئا، بل الأمر كله لله، إن ~~شاء عذبك وإن شاء عفا عنك، والجملة الكريمة فى محل نصب على الحال من فاعل ~~{ لأستغفرن لك } أى لأستغفرن لك حالة كونى لا أملك من أمر ~~المغفرة أو غيرها شيئا، وإنما الذى يملك ذلك هو الله - عز وجل -. # ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك جانبا مما تضرع به إبراهيم - عليه السلام - ~~إلى خالقه فقال { ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا ~~وإليك المصير }. أى يا ربنا عليك وحدك فوضنا أمورنا، وإليك ms5011 وحدك ~~قبول توبتنا، وإليك لا إلى أحد سواك مرجعنا ومصيرنا. { ربنا لا ~~تجعلنا فتنة للذين كفروا } والفتنة هنا مصدر بمعنى ~~المفتون، أى المعذب، مأخوذ من فتن فلان الفضة إذا أذابها. أى يا ربنا لا ~~تجعلنا مفتونين معذبين لهؤلاء الكافرين، بأن تسلطهم علينا فيفتنونا بعذاب ~~لا نستطيع صده، كما قال - تعالى - # إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات.. # أى عذبوهم وحاولوا إنزال الضرر والأذى بهم. ويصح أن يكون المعنى يا ربنا ~~لا تجعلنا فتنة للذين كفروا، بأن تعذبنا بأيديهم، فيظنوا بسبب ذلك أنهم ~~على الحق، ونحن على الباطل، ويزعموا أننا لو كنا على الحق ما انتصروا ~~علينا. ولبعض العلماء رأى آخر فى فهم هذه الآية، وهو أن المراد بالفتنة ~~هنا اضطراب حال المسلمين وفساده. وكونهم لا يصلحون أن يكونوا قدوة لغيرهم ~~فى وجوه الخير... فيكون المعنى يا ربنا لا تجعل أعمالنا وأقوالنا سيئة. ~~فيترتب على ذلك أن ينفر الكافرون من ديننا، بحجة أنه لو كان دينا سليما، ~~لظهر أثر ذلك على أتباعه، ولكانوا بعيدين عن كل تفرق وتباعد وتأخر. قال ~~بعض العلماء ما ملخصه قوله { ربنا لا تجعلنا فتنة ~~للذين كفروا }. الفتنة اضطراب الحال وفساده، وهى اسم مصدر، ~~فتجىء بمعنى المصدر، كقوله - تعالى - # والفتنة أشد من القتل # وتجىء وصفا للمفتون والفاتن. ومعنى جعلهم فتنة للذين كفروا جعلهم ~~مفتونين يفتنهم الذين كفروا، فيصدق ذلك بأن يتسلط عليهم الذين كفروا ~~فيفتنون. ويصدق - أيضا - بأن تختل أمور دينهم بسبب الذين كفروا. أى بسبب ~~محبتهم والتقرب منهم. وعلى الوجهين، فالفتنة من إطلاق المصدر على اسم ~~المفعول.. واللام فى " الذين كفروا " على الوجهين - أيضا - للملك، أى ~~مفتونين مسخرين لهم. ويجوز عندى أن تكون " فتنة " مصدرا بمعنى اسم ~~الفاعل، أى لا تجعلنا فاتنين، أى سبب فتنة للذين كفروا، فيكون كناية عن ~~معنى لا تغلب الذين كفروا علينا، واصرف عنا ما يكون من اختلال أمرنا، ~~وسوء الأحوال، كى لا يكون شىء من ذلك فاتنا للذين كفروا.. أى يزيدهم ~~كفرا، لأنهم يظنون أنا على الباطل وأنهم على الحق. # وقوله { واغفر لنا ms5012 ربنآ إنك أنت العزيز الحكيم ~~} أى واغفر لنا يا ربنا ذنوبنا، إنك أنت الغالب الذى لا يغالب، الحكيم فى ~~كل أقواله وأفعاله. وقوله - سبحانه - { لقد كان لكم فيهم ~~أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر } ~~تأكيد لقوله - تعالى - قبل ذلك { قد كانت لكم أسوة حسنة ~~في إبراهيم } والغرض من هذا التأكيد، تحريض المؤمنين على التأسى ~~بالسابقين فى قوة إيمانهم وشدة إخلاصهم. أى لقد كان لكم - أيها المؤمنون ~~- أسوة حسنة، وقدوة طيبة، فى أبيكم إبراهيم - عليه السلام - وفيمن آمن ~~به، وهذه القدوة إنما ينتفع بها من كان يرجو لقاء الله - تعالى - ورضاه، ~~ومن كان يرجو ثوابه وجزاءه الطيب. وجىء بلام القسم فى قوله { لقد ~~كان لكم.. } على سبيل المبالغة فى التأكيد بوجوب التأسى بإبراهيم، ~~وبمن آمن معه. وجملة { لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ~~} بدل من قوله { لكم } بدل اشتمال. وفائدة هذا البدل الإيذان بأن من ~~يؤمن بالله واليوم الآخر، لا يترك الاقتداء بإبراهيم - عليه السلام - ~~وبمن آمن معه، وأن ترك ذلك من علامات عدم الإيمان الحق. كما ينبىء عنه ~~التحذير فى قوله - تعالى - بعد ذلك { ومن يتول فإن الله ~~هو الغني الحميد }. أى ومن يعرض عن هذا التأسى، فوبال إعراضه ~~عليه وحده، فإن الله - تعالى - هو الغنى عن جميع خلقه، الحميد لمن يمتثل ~~أمره. والمتدبر فى هذه الآيات الكريمة، من أول السورة إلى هنا، يجد أن ~~الله - تعالى - لم يترك وسيلة للتنفير من موالاة أعدائه، إلا أظهرها وكشف ~~عنها. ثم فتح - سبحانه - لعباده باب رحمته وفضله، فبشرهم بأنه قد يهدى ~~إلى الإسلام قوما من الأعداء الذين تربط بينهم وبين المؤمنين رابطة الدم ~~والقرابة، وحدد لهم القواعد التى عليها يبنون مودتهم وعداوتهم لغيرهم، ~~فقال - تعالى - { عسى الله... }. ### || [60.7-9] # " عسى " فعل مقاربة يدل على الرجاء، وإذا صدر من الله - تعالى - كان ~~متحقق الوقوع، لصدوره من أكرم الأكرمين. قال صاحب الكشاف " عسى " وعد من ~~الله على عادات الملوك، حيث يقولون فى بعض الحوائج عسى أو لعل، فلا تبقى ~~شبهة للمحتاج فى تمام ms5013 ذلك، أو قصد به إطماع المؤمنين. وقال الجمل فى ~~حاشيته لما أمر الله المؤمنين بعداوة الكفار، عادى المؤمنون أقرباءهم ~~المشركين وأظهروا لهم العداوة والبراءة. وعلم الله شدة ذلك على المؤمنين، ~~فوعد - سبحانه - المسلمين بإسلام أقاربهم الكفار، فيوالونهم موالاة ~~جائزة، وذلك من رحمته - سبحانه - بالمؤمنين، ورأفته بهم، فقال { عسى ~~الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم ~~مودة }. والمعنى عسى الله - تعالى - أن يجعل بينكم - أيها المؤمنون ~~- وبين الذين عاديتموعم من أقاربكم الكفار، مودة ومحبة.. بأن يهديهم إلى ~~الدخول فى دين الإسلام، فتتحول عداوتكم لهم، إلى أخوة صادقة. وصلة طيبة، ~~ومحبة شديدة. وقد أنجز الله - تعالى - وعده، فهدى كثيرا من كفار قريش ~~إلى الدخول فى الإسلام، والتقوا هم وأقاربهم الذين سبقوهم إلى الإسلام، ~~على طاعة الله ومحبته، والدفاع عن دينه، وبذل أنفسهم وأموالهم فى سبيله. ~~{ والله قدير والله غفور رحيم } أى والله - تعالى - ~~شديد القدرة على أن يغير أحوال القلوب، فيصبح المشركون مؤمنين، والأعداء ~~أصدقاء، والله - تعالى - واسع المغفرة والرحمة، لمن استجاب لأمره ونهيه، ~~وأقلع عن المعصية إلى الطاعة، ونبذ الكفر وتحول إلى الإيمان. فالآية ~~الكريمة بشارة عظيمة للمؤمنين، بأنه - سبحانه - كفيل بأن يجمع شملهم ~~بكثير من أقاربهم الكافرين، وبأن يحول العداء الذى بينهم، إلى مودة ~~ومحبة، بسبب التقاء الجميع على طاعة الله - تعالى - وإخلاص العبادة له. ~~وقد تم ذلك بصورة موسعة، بعد أن فتحت مكة، ودخل الناس فى دين الله ~~أفواجا. ثم بين - سبحانه - للمؤمنين القاعدة التى يسيرون عليها فى مودتهم ~~وعداوتهم وصلتهم ومقاطعتهم. فقال - تعالى - { لا ينهاكم الله ~~عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم ~~من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن ~~الله يحب المقسطين }. وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه ~~الآية والتى بعدها روايات منها، ما أخرجه البخارى وغيره # " عن أسماء بنت أبى بكر الصديق قالت أتتنى أمى راغبة - أى فى عطائى - ~~وهى مشركة فى عهد قريش... فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أأصلها؟ فأنزل الله - تعالى - { لا ينهاكم الله }. فقال رسول ~~الله - صلى الله ms5014 عليه وسلم - " نعم صلى أمك " ". # وروى الإمام أحمد وجماعة عن عبد الله بن الزبير قال قدمت قتيلة بنت عبد ~~العزى - وهى مشركة - على ابنتها اسماء بنت أبى بكر بهدايا، فأبت أسماء أن ~~تقبل هديتها، أو تدخلها بيتها، حتى أرسلت إلى عائشة، لكى تسأل رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - عن هذا، فسألته، فأنزل الله - تعالى - { لا ~~ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين }. ~~وقال الحسن وأبو صالح نزلت هذه الآية فى قبائل من العرب كانوا قد صالحوا ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - على أن لا يقاتلوه، ولا يعينوا عليه. وقال ~~مجاهد نزلت فى قوم بمكة آمنوا ولم يهاجروا، فكان المهاجرون والأنصار ~~يتحرجون من برهم، لتركهم فرض الهجرة. قال الآلوسى - بعد أن ذكر هذه ~~الروايات وغيرهما - { والأكثرون على أنها فى كفرة اتصفوا بما فى حيز ~~الصلة... والذى تطمئن إليه النفس أن هاتين الآيتين، ترسمان للمسلمين ~~المنهج الذى يجب أن يسيروا عليه مع غيرهم، وهو أن من لم يقاتلنا من ~~الكفار، ولم يعمل أو يساعد على إلحاق الأذى والضرر بنا، فلا يأس من بره ~~وصلته. ومن قاتلنا، وحاول إيذاءنا منهم. فعلينا أن نقطع صلتنا به، وأن ~~نتخذ كافة الوسائل لردعه وتأديبه، حتى لا يتجاوز حدوده معنا. والمعنى { ~~لا ينهاكم الله } تعالى - أيها المؤمنون - { عن } مودة وصلة ~~الكافرين { الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم ~~يخرجوكم من دياركم } أى لم يقاتلوكم من أجل أنكم مسلمون، ~~ولم يحاولوا إلحاق أى أذى بكم، كالعمل على إخراجكم من دياركم. لا ينهاكم ~~الله - تعالى - عن { أن تبروهم } أى عن أن تحسنوا معاملتهم ~~وتكرموهم. وعن أن { تقسطوا إليهم } أى تقضوا إليهم بالعدل، ~~وتعاملوهم بمثل معاملتهم لكم، ولا تجوروا عليهم فى حكم من الأحكام. { ~~إن الله يحب المقسطين } أى العادلين فى أقوالهم وأفعالهم ~~وأحكامهم، الذين ينصفون الناس، ويعطونهم العدل من أنفسهم، ويحسنون إلى من ~~أحسن إليهم. { إنما ينهاكم الله } - تعالى - { عن } بر ~~وصلة { الذين قاتلوكم في الدين } أى قاتلوكم لأجل أنكم على ~~غير دينهم { وأخرجوكم من دياركم } التى تسكنونها ms5015 { ~~وظاهروا على إخراجكم }. أى وعاونوا غيرهم على إخراجكم من ~~دياركم، يقال ظاهر فلان فلانا على كذا، إذا عاونه فى الوصول إلى مطلبه. ~~وقوله { أن تولوهم } بدل اشتمال من { الذين قاتلوكم } ~~أى ينهاكم - سبحانه - عن موالاة، ومواصلة، وبر الذين قاتلوكم فى الدين، ~~وأخرجوكم من دياركم. { ومن يتولهم } أى ومن يبر منكم - أيها ~~المؤمنون - هؤلاء الذين قاتلوكم { فأولئك } الذين يفعلون ذلك { ~~هم الظالمون } لأنفسهم ظلما شديدا يستحقون بسببه العقاب الذى لا ~~يعلمه إلا هو - سبحانه -. فأنت ترى أن الآية الأولى قد رخصت لنا فى البر ~~والصلة - قولا وفعلا - للكفار الذين لم يقاتلونا لأجل ديننا، ولم يحاولوا ~~الإساءة إلينا، بينما الآية الثانية قد نهتنا عن البر أو الصلة لأولئك ~~الكافرين، الذين قاتلونا من أجل مخالفتنا لهم فى العقيدة، وحاولوا ~~إخراجنا من ديارنا أو أخرجوا بعضنا بالفعل - وعاونوا غيرهم على إنزال ~~الأذى بنا. # هذا، ويرى بعض العلماء أن الآية الأولى منسوخة. قال القرطبى قال ابن زيد ~~كان هذا فى أول الإسلام عند الموادعة، وترك الأمر بالقتال، ثم نسخ هذا ~~الحكم. قال قتادة نسخها قوله - تعالى - # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # والذى عليه المحققون من العلماء، أن الآية محكمة وليست منسوخة، لأنها ~~تقرر حكما يتفق مع شريعة الإسلام فى كل زمان ومكان، وهو أننا لا نؤذى ~~إلا من آذانا، ولا نقاتل إلا من أظهر العداوة لنا بأية صورة من الصور. ~~وأقوال النبى - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله تؤيد عدم النسخ، فقد كان - ~~صلى الله عليه وسلم - يستقبل الوفود التى تأتيه لمناقشتها فى بعض الأمور ~~الدينية، مقابلة كريمة، ويتجلى ذلك فيما فعله مع وفد نجران، ووفد تميم ~~وغيرهما. كذلك مما يؤيد عدم النسخ، أنه لا تعارض بين هذه الآية، وبين آية ~~السيف، لأن الأمر بالقتال إنما هو بالنسبة لقوم يستحقونه، بأن يكونوا قد ~~قالتونا أو أخرجونا من ديارنا، كما جاء فى الآية الثانية. وأما الرخصة فى ~~البر والصلة، فهى فى شأن الذين لم يقاتلونا ولم يخرجونا من ديارنا، وهذا ~~ما صرحت به الآية الأولى. ورحم الله الإمام ms5016 ابن جرير فقد قال بعد أن ذكر ~~الآراء فى ذلك وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب قول من قال عنى بقوله - ~~تعالى - { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم ~~في الدين.. } جميع أصناف الملل والأديان، أن تبروهم وتصلوهم وتقسطوا ~~إليهم.. ويشمل ذلك من كانت تلك صفته، دون تخصيص لبعض دون بعض. ولا معنى ~~لقول من قال ذلك منسوخ، لن بر المؤمن من أهل الحرب، ممن بينه وبينه قرابة ~~نسب، أو ممن لا قرابة بينه ولا نسب، غير محرم، ولا منهى عنه، إذا لم يكن ~~فى ذلك، دلالة له أو لأهل الحرب، على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم ~~بكراع أو سلاح. ثم انتقلت السورة الكريمة إل بيان بعض الأحكام التى تتعلق ~~بالنساء المؤمنات، اللاتى تركن أزواجهن الكفار، ورغبن فى الهجرة إلى دار ~~السلام فقال - تعالى - { يأيها الذين آمنوا إذا.... }. ### || [60.10-11] # قال الإمام القرطبى قوله - تعالى - { يأيها الذين آمنوا ~~إذا جآءكم المؤمنات مهاجرات } لما أمر الله المسلمين ~~بترك موالاة المشركين، واقتضى ذلك مهاجرة المسلمين عن بلاد الشرك إلى ~~بلاد الإسلام، وكان التناكح من أوكد أسباب الموالاة، فبين - سبحانه - ~~أحكام مهاجرة النساء. قال ابن عباس جرى الصلح مع مشركى قريش عام الحديبية ~~على أن من أتاه من أهل مكة رده إليهم، فجاءت سعيدة بنت الحارث الأسلمية ~~بعد الفراغ من الكتاب، والنبى - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية بعد، ~~فأقبل زوجها - وكان كافرا.. فقال يا محمد، اردد على امرأتى، فإنك شرطت ~~ذلك، وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. وقيل # " جاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط، فجاء أهلها يسألون رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أن يردها. وقيل هربت من زوجها عمرو بن العاص ومعها ~~أخواها فرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخويها وحبسها، فقالوا ~~للنبى - صلى الله عليه وسلم - ردها علينا للشرط، فقال " كان الشرط فى ~~الرجال لا فى النساء " فأنزل الله هذه الآية ". # والمعنى يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإيمان، { إذا جآءكم ~~المؤمنات مهاجرات } ، من ms5017 دار الكفر الى دار الإيمان، وراغبات ~~فى فراق الكافرين، والبقاء معكم. { فامتحنوهن } أى فاختبروهن ~~اختبارا يغلب معه الظن بأنهن صادقات فى هجرتهن وفى إيمانهن، وفى موافقة ~~قلوبهن لألسنتهن. وقد ذكر ابن جرير فى كيفية امتحانهن صيغا منها ما جاء ~~عن ابن عباس أنه قال كانت المرأة إذا أتت رسول الله - صلى الله عليها ~~وسلم - حلفها بأنها ما خرجت بغضا لزوجها، ولا رغبة فى الانتقال من أرض ~~إلى أرض، ولا التماسا لدنيا، وإنما خرجت حبا لله ولرسوله. وجملة { ~~الله أعلم بإيمانهن } معترضة لبيان أن معرفة خفايا القلوب، ~~مردها إلى الله - تعالى - وحده. قال صاحب الكشاف قوله { الله أعلم ~~بإيمانهن } أى منكم، لأنكم لا تكسبون فيه علما تطمئن معه نفوسكم، ~~وإن استحلفتموهن ودرستم أحوالهن، وعند الله حقيقة العلم به. والمراد ~~بالعلم فى قوله - تعالى - { فإن علمتموهن مؤمنات فلا ~~ترجعوهن إلى الكفار } الظن الغالب. أى فإن غلب على ظنكم ~~بعد امتحانهن أنهن مؤمنات صادقات فى إيمانهن، فأبقوهن عندكم، ولا ترجعوهن ~~إلى أزواجهن أو إلى أهلهن من الكفار. وسمى الظن القوى علما للإيذان بأنه ~~كالعلم فى وجوب العمل بمقتضاه، وإنما رد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~الرجال الذين جاءوه مؤمنين بعد صلح الحديبية، ولم يرد النساء المؤمنات، ~~لأن شرط الرد كان فى الرجال ولم يكن فى النساء - كما سبق أن ذكرنا نقلا ~~عن القرطبى -، ولأن الرجل لا يخشى عليه من الفتنة فى الرد ما يخشى على ~~المرأة، من إصابة المشرك إياها، وتخويفها، وإكراهها على الردة. # قال بعض العلماء قال كثير من المفسرين إن هذه الآية مخصصة لما جاء فى ~~معاهدة صلح الحديبية، والتى كان فيها من جاء من الكفار مسلما إلى ~~المسلمين ردوه إلى المشركين، ومن جاء من المسلمين كافرا للمشركين، لا ~~يردونه على المسلمين، فأخرجت الآية النساء من المعاهدة، وأبقت الرجال، من ~~باب تخصيص العموم. وتخصيص السنن بالقرآن، وتخصيص القرآن بالسنن، أمر ~~معلوم. ومن أمثلة تخصيص السنة بالكتاب، قوله - صلى الله عليه وسلم - # " ما أبين من حى فهو ميت " # أى فهو محرم، فقد ms5018 جاء تخصيص هذا العموم بقوله - تعالى - # ومن أصوافها وأوبارها # أى ليس محرما، ومن أمثلة تخصيص الكتاب بالسنة قوله - تعالى - # حرمت عليكم الميتة والدم # فقد جاء تخصيص هذا العموم بحديث # " أحلت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان فالجراد والحوت، وأما الدمان ~~فالكبد والطحال ". # وقال بعض المفسرين إنها ليست مخصصة للمعاهدة، لأن النساء لم يدخلن فيها ~~ابتداء، وإنما كانت فى حق الرجال فقط. والذى يظهر - والله أعلم - أنها ~~مخصصة لمعاهدة الحديبية، وهى من أحسن الأمثلة لتخصيص السنة بالقرآن - كما ~~قال الإمام ابن كثير. وقوله - سبحانه - { لا هن حل لهم ولا ~~هم يحلون لهن } تعليل للنهى عن رد المؤمنات المهاجرات إلى دار ~~الكفر، أو إلى أزواجهن الكفار. أى لا ترجعوا - أيها المؤمنون - النساء ~~المؤمنات المهاجرات إليكم من أرض الكفر إلى أزواجهن الكافرين، فإن هؤلاء ~~المؤمنات صرن بسبب إيمانهن لا يصح ارتباطهن بأزواجهن الكفار، كما لا يصح ~~لهؤلاء الكافرين الارتباط بالنساء المؤمنات. فالجملة الكريمة المقصود بها ~~تأكيد النهى عن رد المؤمنات المهاجرات إلى أرض الكفر، ووجوب التفرقة بين ~~المرأة المؤمنة وزوجها الكافر فى جميع الأحوال. قال ابن كثير هذه الآية ~~هى التى حرمت المسلمات على المشركين وقد كان ذلك جائزا فى أول الإسلام، ~~أن يتزوج المشرك المؤمنة... وقوله - تعالى - { وآتوهم مآ أنفقوا ~~} بيان لمظهر من مظاهر عدالة الإسلام فى أحكامه. والخطاب لولاة الأمور. ~~وهذا الإيتاء إنما هو للأزواج المعاهدين، أما إذا كانوا حزبيين فلا ~~يعطون شيئا. أى وسلموا إلى المشركين الذين جاءكم نساؤهم مؤمنات، ما دفعوه ~~لهن من مهور، قال القرطبى قوله { وآتوهم مآ أنفقوا } أمر الله - ~~تعالى - إذا أمسكت المرأة المسلمة، أن يرد إلى زوجها المشرك ما أنفق، ~~وذلك من الوفاء بالعهد، لأنه لما منع من أهله، بحرمة الإسلام، أمر- ~~سبحانه - برد المال إليه، حتى لا يقع عليهم خسران من الوجهين الزوجة ~~والمال. # فالمراد بقوله - تعالى - { مآ أنفقوا } ما دفعه المشركون لأزواجهم ~~المؤمنات. وعبر عن هذه المهور بالنفقة، للإشعار بأن هؤلاء الزوجات ~~المؤمنات، أصبحت لا صلة لهن بأزواجهن المشركين. وقوله - سبحانه - { ولا ~~جناح عليكم أن ms5019 تنكحوهن إذآ آتيتموهن ~~أجورهن } تكريم لهؤلاء النساء المسلمات اللائى فررن بدينهن من ~~أزواجهن المشركين. أى ولا حرج عليكم - أيها المؤمنون - فى نكاح هؤلاء ~~المؤمنات، بعد فراقهن لأزواجهن المشركين، وبعد استبرائكم لأرحامهن، ~~وعليكم أن تدفعوا لهن مهورهن كاملة غير منقوصة. ونص على دفع المهر لهن - ~~مع أنه أمر معلوم - لكى لا يتوهم متوهم، أن رد المهر إلى الزوج الكافر، ~~يغنى عن دفع مهر جديد لهن إذا تزوجن بعد ذلك بأزواج مسلمين، إذ المهر ~~المردود للكفار، لا يقوم مقام المهر الذى يجب على المسلم إذا ما تزوج ~~بامرأة مسلمة فارقت زوجها الكافر. والمراد بالإيتاء ما يشمل الدفع ~~العاجل، والتزام الدفع فى المستقبل. ثم نهى الله - تعالى - المسلمين عن ~~إبقاء الزوجات المشركات فى عصمتهم فقال { ولا تمسكوا بعصم ~~الكوافر }. والعصم جمع عصمة، والمراد بها هنا عقد النكاح الذى يربط ~~بين الزوج والزوجة، والكوافر جمع كافرة، كضوارب جمع ضاربة. أى ولا يصح ~~لكم - أيها المؤمنون - أن تبقوا فى عصمتكم، زوجاتكم اللائى آثرن الكفر ~~على الإيمان، وأبين الهجرة معكم من دار الكفر إلى دار الإسلام، وقد ~~بادر المسلمون بعد نزول هذه الآية بتطليق زوجاتهم الكافرات فطلق عمر بن ~~الخطاب - رضى الله عنه - امرأتين له كانتا مشركتين، وطلق طلحة بن عبيد ~~الله إحدى زوجاته وكانت مشركة. وهذه الجلمة الكريمة تأكيد لقوله - تعالى ~~- قبل ذلك { لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن }. ~~ثم بين - سبحانه - حكما آخر من الأحكام التى تدل على عدالة الإسلام فى ~~تشريعاته فقال { واسألوا مآ أنفقتم وليسألوا مآ ~~أنفقوا } والجملة الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك { ~~وآتوهم مآ أنفقوا }. أى كما أنى شرعت لكم أن تعطوا الأزواج ~~المشركين، مهور نسائهم المسلمات اللائى فررن إليكم، وتركن أزواجهن ~~الكفار، فكذلك شرعت لكم أن تطلبوا مهور نسائكم المشركات اللائى انفصلتم ~~عنهن لكفرهن، ولحقن بهؤلاء المشركين، وليطلب المشركون منكم مهور نسائهم ~~المؤمنات اللائى انفصلن عنهم وهاجرن إليكم. ثم ختم - سبحانه - هذه الآية ~~الكريمة ببيان أن هذه الأحكام، إنما هى من الله - تعالى - العليم بأحوال ~~النفوس، ms5020 الحكيم فى أقواله وأفعاله، فقال { ذلكم حكم الله ~~يحكم بينكم والله عليم حكيم }. أى ذلكم الذى ذكرناه ~~لكم من تشريعات تتعلق بالمؤمنات المهاجرات هى أحكام من الله - تعالى - ~~فاتبعوها، فهو - سبحانه - صاحب الحكم المطلق بينكم، وهو - سبحانه - عليم ~~بأحوال عباده، حكيم فى كل تصرفاته وتشريعاته. # وقوله - سبحانه - { وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى ~~الكفار فعاقبتم } بيان لحكم آخر يتعلق بالنساء اللائى التحقن ~~بالمشركين، وتركن أزواجهن المسلمين، وأبى المشركون أن يدفعوا للمسلمين ~~مهور هؤلاء الزوجات. والجملة الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك ~~{ واسألوا مآ أنفقتم وليسألوا مآ أنفقوا }. وقد ~~ذكروا أن المسلمين لما نزل قوله - تعالى - { يأيها الذين ~~آمنوا إذا جآءكم المؤمنات مهاجرات.. } الآية. كتبوا ~~إلى المشركين يعلمونهم بما تضمنته هذه الآية. فامتنع المشركون عن دفع ~~مهور النساء اللاتى ذهبن إليهم، بعد أن تركن أزواجهن المسلمين، فنزل قوله ~~- تعالى - { وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى ~~الكفار فعاقبتم }. قال ابن كثير أقر المؤمنون بحكم الله فأدوا ~~ما أمروا به من نفقات المشركين التى انفقوها على نسائهم، وأبى المشركون ~~أن يقروا بحكم الله فيما فرض عليهم من أداء نفقات المسلمين، فقال الله - ~~تعالى - للمؤمنين به، { وإن فاتكم شيء من أزواجكم } ~~الآية. وقوله { فاتكم } من الفوت بمعنى الفراق والترك والهرب.. ~~يقال فاتنى هذا الشىء، إذا لم أتمكن من الحصول عليه، وعدى بحرف إلى ~~لتضمنه معنى الفرار. ولفظ " شىء " هنا المراد به بعض، وقوله { من ~~أزواجكم } بيان للفظ شىء. وقوله { فعاقبتم } يرى بعضهم أنه ~~من العقوبة. وعليه يكون المعنى وإن تفلتت وفرت امرأة من أزواجكم - أيها ~~المؤمنون - إلى الكفار، وامتنعوا عن دفع مهرها لكم. { فعاقبتم } أى ~~فغزوتم أنتم بعد ذلك هؤلاء الكافرين وانتصرتم عليهم وظفرتم بمغانم منهم. ~~{ فآتوا الذين ذهبت أزواجهم } منكم إلى الكفار من هذه ~~المغانم { مثل مآ أنفقوا } أى مثل المهور التى أنفقوها على ~~زوجاتهم اللائى فررن إلى المشركين. ويرى بعضهم أن قوله { فعاقبتم } ~~صيغة تفاعل من العقبة - بضم العين وسكون القاف وهى النوبة، بمعنى أن ~~يصير الإنسان فى حالة تشبه حالة ms5021 غيره. قال الآلوسى قوله { فعاقبتم ~~} من العقبة لا من العقاب، وهى فى الأصل النوبة فى ركوب أحد الرفيقين ~~على دابة لهما والآخر بعده أى فجاءت عقبتكم أى نوبتكم من أداء المهر. شبه ~~الحكم بالأداء المذكور، بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب فى الركوب. وحاصل ~~المعنى إن لحق أحد من أزواجكم بالكفار، أو فاتكم شىء من مهورهن، { ~~فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل مآ أنفقوا } من ~~مهر المهاجرة التى تزوجتموها، ولا تعطوا شيئا لزوجها الكافر، ليكون قصاص. ~~وعبر عن هؤلاء الزوجات اللائى تركن أزواجهن المؤمنين، وفررن إلى ~~المشركين، بلفظ " شىء " لتحقير هؤلاء الزوجات، وتهوين أمرهن على ~~المسلمين، وبيان أنهن بمنزلة الشىء الضائع المفقود الذى لا قيمة له. قال ~~صاحب الكشاف وجميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين ست نسوة. # وقد أعطى الرسول - صلى الله عليه وسلم - المؤمنين مهور نسائهم - ~~اللاحقات بالمشركين - من الغنيمة. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله ~~{ واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون } أى واتقوا ~~الله - تعالى - أيها المؤمنون - فى كل شئونكم، ونفذوا ما أمركم به أو ~~نهاكم عنه، فإن الإيمان الحق به - عز وجل - يستزلم منكم ذلك. فالمقصود ~~بهذا التذييل، الحض على الوفاء بما أمر الله - تعالى - به، بدون تهاون أو ~~تقاعس. وبعد أن بين - سبحانه - حكم النساء المؤمنات المهاجرات من دار ~~الكفر إلى دار الإسلام، أتبع ذلك بأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~بمبايعتهن وغيرهن على عدم الإشراك بالله تعالى -، وعلى اجتناب الفواحش ~~ما ظهر منها وما بطن، فقال - تعالى - { يأيها النبي... }. ### || [60.12] # فهذه الآية الكريمة، اشتملت على أحكام متممة للأحكام المشتملة عليها ~~الآيتان السابقتان عليها. فكأن الله - تعالى - يقول # إذا جآءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله ~~أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ~~ترجعوهن إلى الكفار # وبايعهن أيها الرسول الكريم على إخلاص العبادة لله - تعالى -. قال ~~القرطبى ما ملخصه وفى صحيح مسلم عن عائشة قالت # " كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمتحن ~~بهذه الآية.. وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أقررن بذلك ms5022 من ~~قولهن، قال لهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " انطلقن فقد بايعتكن ~~". # ولا والله ما مست يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يد امرأة قط، ~~غير أنه بايعهن بالكلام.. وما مست كف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~كف امرأة قط، وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن # " قد بايعتكن كلاما ". # والمعنى { يأيها النبي إذا جآءك المؤمنات ~~يبايعنك } أى مبايعات لك، أو قاصدات مبايعتك، ومعاهدتك على الطاعة ~~لما تأمرهن به، أو تنهاهن عنه. وأصل المبايعة مقابلة شىء بشىء على سبيل ~~المعاوضة. وسميت المعاهدة مبايعة، تشبيها لها بها، فإن الناس إذا التزموا ~~قبول ما شرط عليهم من التكاليف الشرعية، - طمعا فى الثواب، وخوفا من ~~العقاب، وضمن لهم - صلى الله عليه وسلم - ذلك فى مقابلة وفائهم بالعهد - ~~صار كأن كل واحد منهم باع ما عنده فى مقابل ما عند الآخر. والمقتضى لهذه ~~المبايعة بعد الامتحان لهن، أنهن دخلن فى الإسلام، بعد أن شرع الله - ~~تعالى - ما شرع من أحكام وآداب.. فكان من المناسب أن يأخذ النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - عليهن العهود، بأن يلتزمن بالتكاليف التى كلفهن الله - ~~تعالى - بها. ثم بين - سبحانه - ما تمت عليه المبايعة فقال { على أن ~~لا يشركن بالله شيئا } أى يبايعنك ويعاهدنك على عدم ~~الإشراك بالله - تعالى - فى أى أمر من الأمور التى تتعلق بالعقيدة أو ~~بالعبادة أو بغيرهما. { ولا يسرقن ولا يزنين }. أى ويبايعنك ~~- أيضا - على عدم ارتكاب فاحشة السرقة، أو فاحشة الزنا، فإنهما من ~~الكبائر التى نهى الله - تعالى - عنها. { ولا يقتلن ~~أولادهن } أى ويبايعنك كذلك، على عدم قتلهن لأولادهن. والمراد به ~~هنا النهى عن قتل البنات، وكان ذلك فى الجاهلية يقع تارة من الرجال، ~~وأخرى من النساء، فكانت المرأة إذا حانت ولادتها حفرت حفرة، فولدت ~~بجانبها، فإذا ولدت بنتا رمت بها فى الحفرة، وسوتها بالتراب، وإذا ولدت ~~غلاما أبقته. # قال ابن كثير وقوله { ولا يقتلن أولادهن } وهذا يشمل قتله ~~بعد وجوده، كما كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الإملاق، ويعم ~~قتله وهو جنين، ms5023 كما قد يفعله بعض الجهلة من النساء، تطرح نفسها لئلا ~~تحبل، إما لغرض فاسد، أو ما أشبهه. وقوله { ولا يأتين ببهتن ~~يفترينه بين أيديهن وأرجلهن } معطوف على ما قبله ~~وداخل تحت النهى. والبهتان الخبر الكاذب الصريح فى كذبه، والذي يجعل من ~~قيل فيه يقف مبهوتا ومتحيرا من شدة أثر هذا الكذب السافر. والافتراء ~~اختلاق الكذب واختراع الشخص له من عند نفسه. وللمفسرين فى معنى هذه ~~الجملة الكريمة أقوال، منها أن المرأة فى الجاهلية كانت تلتقط المولود ~~وتقول لزوجها هذا ولدى منك، فذلك هو البهتان المفترى بين أيديهن وأرجلهن، ~~لأن الولد إذا وضعته الأم، سقط بين يديها ورجليها. ويرى بعضهم أن معنى ~~الجملة الكريمة ولا تأتوا بكذب شنيع تختلقونه من جهة أنفسكم، فاليد ~~والرجل كناية عن الذات، لأن معظم الأفعال بهما، ولذا قيل لمن ارتكب جناية ~~قولية أو فعلية هذا جزاء ما كسبت يداك. وقوله - سبحانه - { ولا ~~يعصينك في معروف } من الأقوال الجامعة لكل ما يخبر به النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - ويأمر بفعله، أو ينهى عن الاقتراب منه. ويشمل ذلك ~~النهى عن شق الجيوب، ولطم الخدود، ودعوى الجاهلية وغير ذلك من المنكرات ~~التى نهى الإسلام عنها. وقوله - سبحانه - { فبايعهن ~~واستغفر لهن الله } جواب { إذا } التى فى أول الآية. أى ~~إذا جاءك المؤمنات قاصدات لمبايعتك على الالتزام بتعاليم الإسلام، ~~فبايعهن على ذلك.. واستغفر لهن الله - تعالى - عما فرط منهن من ذنوب،. { ~~إن الله غفور رحيم } أى إن الله - تعالى - واسع المغفرة ~~والرحمة لعباده المؤمنين. وهذه المبايعة يبدو أنها وقعت منه - صلى الله ~~عليه وسلم - للنساء أكثر من مرة إذ منها ما وقع فى أعقاب صلح الحديبية، ~~بعد أن جاءه بعض النساء المؤمنات مهاجرات من دار الكفر إلى دار الإسلام، ~~كما حدث من أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط، ومن سبيعة الأسلمية، ومن ~~أميمة بنت بشر، ومن غيرهن من النساء اللائى تركن أزواجهن الكفار، وهاجرن ~~إلى دار الإسلام. ومنها ما وقع فى أعقاب فتح مكة، فقد جاء إليه - صلى ~~الله عليه ms5024 وسلم - بعد فتحها نساء من أهلها ليبايعنه على الإسلام. قال ~~الآلوسى والمبايعة وقعت غير مرة، ووقعت فى مكة بعد الفتح، وفى المدينة. ~~وممن بايعنه - صلى الله عليه وسلم - فى مكة، هند بنت عتبة، زوج أبى ~~سفيان.. فقرأ عليهن - صلى الله عليه وسلم - الآية، فلما قال { ولا ~~يسرقن } قالت والله إنى لأصيب الهنة من مال أبى سفيان ولا أدرى أيحل ~~لى ذلك؟ فقال أبو سفيان ما أصبت من شىء فيما مضى فهو حلال لك. # . فلما قرأ - صلى الله عليه وسلم - { ولا يزنين } قالت أو تزنى ~~الحرة؟.. فلما قرأ { ولا يقتلن أولادهن } قالت ربيناهم ~~صغارا وقتلتهم كبارا. وفى رواية أنها قالت قتلت الآباء وتوصينا ~~بالأولاد. فلما قرأ - صلى الله عليه وسلم - { ولا يأتين ~~ببهتن } قالت والله إن البهتان لقبيح، ولا يأمر الله - تعالى - إلا ~~بالرشد ومكارم الأخلاق. فلما قرأ { ولا يعصينك في معروف } ~~قالت والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفى أنفسنا أن نعصيك فى شىء. والتقييد ~~بالمعروف، مع أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يأمر إلا به، للتنبيه ~~على أنه لا يجوز طاعة مخلوق فى معصية الخالق. وتخصيص الأمور المعدودة ~~بالذكر فى حقهن، لكثرة وقوعها فيما بينهن. وقد ذكر الإمام ابن كثير، ~~جملة من الأحاديث التى تدل على أن هذه البيعة قد تمت فى أوقات متعددة، ~~وفى أماكن مختلفة، وأنها شملت الرجال والنساء. ومن هذه الأحاديث ما أخرجه ~~الإمام أحمد عن سلمى بنت قيس - إحدى نساء بنى عدى بن النجار - قالت # " جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نبايعه، فى نسوة من الأنصار، ~~فشرط علينا ألا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزنى، ولا نقتل أولادنا، ~~ولا نأتى ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه فى معروف.. ثم قال ~~- صلى الله عليه وسلم - " ولا تغششن أزواجكن ". قالت فبايعناه، ثم ~~انصرفنا. فقلت لامرأة منهن ارجعى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فسليه ما غش أزواجنا؟ فسألته فقال " تأخذ ماله فتحابى به غيره ". # وفى الصحيحين عن عبادة بن الصامت قال # " كنا عند ms5025 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى مجلس فقال بايعونى على ~~أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم.. ~~فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فى الدنيا، ~~فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه، فهو إلى الله، إن ~~شاء غفر له، وإن شاء عذبه ". # وكما افتتح - سبحانه - السورة الكريمة بنداء للمؤمنين، نهاهم فيه عن ~~موالاة أعدائه وأعدائهم، اختتمها - أيضا - بنداء لهم، نهاهم فيه مرة أخرى ~~عن مصافاة قوم قد غضب الله عليهم، فقال - تعالى - { يأيها الذين ~~آمنوا... }. ### || [60.13] # والمراد بالقوم الذين غضب الله عليهم المشركون، بصفة عامة، ويدخل فيهم ~~دخولا أوليا اليهود، لأن هذا الوصف كثيرا ما يطلق عليهم. فقد ذكروا فى ~~سبب نزول هذه الآية، أن قوما من فقراء المؤمنين، كانوا يواصلون اليهود. ~~ليصيبوا من ثمارهم، وربما أخبروهم عن شىء من أخبار المسلمين، فنزلت الآية ~~لتنهاهم عن ذلك. أى يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإيمان، ينهاكم ~~الله - تعالى - عن أن تتخذوا الأقوام الذين غضب الله عليهم أولياء، ~~وأصفياء، بأن تفشوا إليهم أسرار المسلمين، أو بأن تطلعوهم على مالا يصح ~~الاطلاع عليه. وقوله - تعالى - { قد يئسوا من الآخرة كما ~~يئس الكفار من أصحاب القبور } تعليل للنهى عن ~~موالاتهم، وتنفير من الركون إليهم. واليأس فقدان الأمل فى الحصول على ~~الشىء، أو فى توقع حدوثه. والكلام على حذف مضاف، أى قد يئس هؤلاء اليهود ~~من العمل للآخرة وما فيها من ثواب، وآثروا عليها الحياة الفانية.. كما ~~يئس الكفار من عودة موتاهم إلى الحياة مرة أخرى للحساب والجزاء، ~~لاعتقادهم بأنه لا بعث بعد الموت، ولا ثواب ولا عقاب - كما حكى القرآن ~~عنهم ذلك فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى - # قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا ~~لمبعوثون # فالمقصود من الآية الكريمة، تشبيه حال هؤلاء اليهود فى شدة إعراضهم عن ~~العمل للأخرة.. بحال أولئك الكفار الذين أنكروا إنكارا تاما، أن هناك ~~بعثا للأموات الذين فارقوا الحياة، ودفنوا فى ms5026 قبورهم. وعلى هذا الوجه ~~يكون قوله - تعالى - { من أصحاب القبور } متعلق بقوله { ~~يئسوا } و { من } لابتداء الغاية. ويصح أن يكون قوله - تعالى - { ~~من أصحاب القبور } بيانا للكفار، فيكون المعنى قد يئسوا من ~~الآخرة، وما فيها من جزاء.. كما يئس الكفار الذين ماتوا وسكنوا القبور، ~~من أن ينالوا شيئا - ولو قليلا - من الرحمة، أو تخفيف العذاب عنهم، أو ~~العودة إلى الدنيا ليعملوا عملا صالحا غير الذى أرداهم وأهلكهم. وعلى كلا ~~القولين، فالآية الكريمة تنهى المؤمنين عن موالاة قوم غضب الله عليهم، ~~بأبلغ أسلوب، وأحكم بيان. حيث وصفت هؤلاء القوم، بأنهم قد أحاط بهم غضب ~~الله - تعالى - بسبب فسوقهم عن أمره، وإعراضهم عن طاعته، وإنكارهم للدار ~~الآخرة وما فيها من جزاء. وبعد فهذا تفسير لسورة " الممتحنة " نسأل الله ~~- تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده. وصلى الله على سيدنا ~~محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [61 - سورة الصف] ### || [61.1-4] # افتتحت سورة " الصف " - كما افتتحت قبلها سورة الحديد والحشر بتنزيه ~~الله - تعالى - عن كل مالا يليق به. أى نزه الله - تعالى - وقدسه، جميع ~~ما فى السماوات وجميع ما فى الأرض من مخلوقات، وهو - عز وجل - { ~~العزيز } الذى لا يغلبه غالب { الحكيم } فى كل أقواله وأفعاله. ~~ثم وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين فقال { يأيها الذين ~~آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون }. وقد ذكروا فى سبب نزول ~~هذه الآيات روايات منها ما روى عن ابن عباس أنه قال كان أناس من المؤمنين ~~قبل أن يفرض الجهاد يقولون لوددنا أن الله - عز وجل - دلنا على أحب ~~الأعمال إليه، فنعمل به، فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال إليه، إيمان به ~~لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقروا به. فلما ~~نزل الجهاد كره ذلك أناس من المؤمنين وشق عليهم أمره، فنزلت هذه الآيات. ~~وقال قتادة والضحاك نزلت توبيخا لقوم كانوا يقولون قتلنا، ضربنا، ~~طعنا، وفعلنا، ولم يكونوا فعلوا ذلك. والاستفهام فى قوله - تعالى ~~- { لم تقولون } للانكار والتوبيخ على أن يقول الإنسان قولا لا ~~يؤيده فعله، ms5027 لأن هذا القول إما أن يكون كذبا، وإما أن يكون خلفا للوعد، ~~وكلاهما يبغضه الله - تعالى -. و { لم } مركبة من اللام الجارة، وما ~~الاستفهامية، وحذفت ألف ما الاستفهامية مع حرف الجر، تخفيفا لكثرة ~~استعمالها معا، كما فى قولهم بم، وفيم، وعم. أى يا من آمنتم بالله ~~واليوم الآخر.. لماذا تقولون قولا، تخالفه أفعالكم، بأن تزعموا بأنكم لو ~~كلفتم بكذا لفعلتموه، فلما كلفتم به قصرتم فيه، أو أن تقولوا بأنكم فعلتم ~~كذا وكذا، مع أنكم لم تفعلوا ذلك. وناداهم بصفة الإيمان الحق، لتحريك ~~حرارة الإيمان فى قلوبهم، وللتعريض بهم، إذ من شأن الإيمان الحق أن ~~يحمل المؤمن على أن يكون قوله مطابقا لفعله. وقوله - سبحانه - { كبر ~~مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } بيان للآثار ~~السيئة التى تترتب على القول الذى يخالفه الفعل. وقوله { كبر } بمعنى ~~عظم، لأن الشىء الكبير، لا يوصف بهذا الوصف، إلا إذا كان فيه كثرة وشدة ~~فى نوعه. والمقت البغض الشديد، ومنه قوله - تعالى - # ولا تنكحوا ما نكح ءابآؤكم من النسآء إلا ما ~~قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وسآء سبيلا # وهو منصوب على التمييز المحول عن الفاعل للإشعار بأن قولهم هذا مقت ~~خالص لا تشوبه شائبة من الرضا. أى كبر وعظم المقت الناشىء عن قولكم قولا ~~لا تطابقه أفعالكم. وقال - سبحانه - { كبر مقتا عند الله } ~~للإشعار بشناعة هذا البغض من الله - تعالى - لهم، بسبب مخالفة قولهم ~~لفعلهم، لأنه إذا كانت هذه الصفة عظيمة الشناعة عند الله، فعلى كل عاقل ~~أن يجتنبها، ويبتعد عنها. # قال صاحب الكشاف ما ملخصه، ونداؤهم بالإيمان تهكم بهم وبإيمانهم وهذا ~~من أفصح الكلام وأبلغه فى معناه. وقصد فى " كبر " التعجب من غير ~~لفظه... ومعنى التعجب تعظيم الأمر فى قلوب السامعين، لأن التعجب لا يكون ~~إلا من شىء خارج عن نظائره وأشكاله. وأسند إلى { أن تقولوا } ~~ونصب { مقتا } على التمييز، للدلالة على أن قولهم مالا يفعلون مقت ~~خالص لا شوب فيه، لفرط تمكن المقت منه. واختير لفظ المقت، لأنه أشد ~~البغض وأبلغه، ms5028 ومنه قيل نكاح المقت - وهو أن يتزوج الرجل امرأة أبيه -. ~~وإذا ثبت كبر مقته عند الله، فقد تم كبره وشدته، وانزاحت عنه الشكوك... ~~فأنت ترى أن الله - تعالى - قد ذم الذين يقولون مالا يفعلون ذما شديدا، ~~ويندرج تحت هذا الذم، الكذب فى القول، والخلف فى الوعد، وحب الشخص للثناء ~~دون أن يكون قد قدم عملا يستحق من أجله الثناء. وبعد أن وبخ - سبحانه - ~~الذين يقولون مالا يفعلون، أتبع ذلك ببيان من يحبهم الله - تعالى - فقال ~~{ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ~~كأنهم بنيان مرصوص }. ومبحة الله - تعالى - لشخص، معناها ~~رضاه عنه، وإكرامه له. والصف يطلق على الأشياء التى تكون منتظمة فى ~~مظهرها، متناسقة فى أماكنها، والمرصوص هو المتلاصق الذى انضم بعضه إلى ~~بعض. يقال رصصت البناء، إذا ألزقت بعضه ببعض حتى صار كالقطعة الواحدة. ~~والمعنى أن الله - تعالى - يحب الذين يقاتلون فى سبيل إعلاء دينه قتالا ~~شديدا، حتى لكأنهم فى ثباتهم، واجتماع كلمتهم، وصدق يقينهم.. بنيان قد ~~التصق بعضه ببعض، فلا يستطيع أحد أن ينفذ من بين صفوفه. فالمقصود بالآية ~~الكريمة الثناء على المجاهدين الصادقين، الذين يثبتون أمام الأعداء وهم ~~يقاتلونهم، ثباتا لا اضطراب معه ولا تزلزل. قال الإمام الرازى أخبر الله ~~- تعالى - أنه يحب من يثبت فى الجهاد، ويلزم مكانه، كثبوت البناء ~~المرصوص. ويجوز أن يكون على أن يستوى أمرهم فى حرب عدوهم، حتى يكونوا فى ~~اجتماع الكلمة، وموالاة بعضهم بعضا، كالبنيان المرصوص. ثم ساق - سبحانه - ~~جانبا مما قاله موسى - عليه السلام - لقومه. وكيف أنهم عندما انصرفوا عن ~~الحق، عاقبهم - سبحانه - بما يستحقون من عقاب فقال { وإذ قال ~~موسى... }. ### || [61.5] # وموسى - عليه السلام - هو ابن عمران، وهو واحد من أولى العزم من الرسل، ~~وينتهى نسبه إلى إبراهيم - عليه السلام -. وقد أرسله الله - تعالى - إلى ~~فرعون وقومه وإلى بنى إسرائيل، وقد لقى - عليه السلام - من الجميع أذى ~~كثيرا. ومن ذلك أن فرعون وقومه وصفوه بأنه ساحر، وبأنه مهين، ولا يكاد ~~يبين. وأن بنى إسرائيل قالوا له عندما أمرهم ms5029 بطاعته سمعنا وعصينا، وقالوا ~~له أرنا الله جهرة وقالوا له اجعل لنا إلها كما لهم آلهة.. وقالوا له ~~اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون. وقالوا عنه إنه مصاب فى جسده ~~بالأمراض، فبرأه الله - تعالى - مما قالوا. قال ابن كثير وفى هذا تسلية ~~لرسوله - صلى الله عليه وسلم - فيما أصابه من الكفار من قومه وغيرهم، ~~وأمر له بالصبر، ولهذا قال " رحمة الله على موسى، لقد أوذى بأكثر من هذا ~~فصبر ". وفيه نهى للمؤمنين عن أن ينالوا من النبى - صلى الله عليه وسلم ~~-، أو يوصلوا إليه أذى، كما قال - تعالى - # يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا ~~موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله ~~وجيها # أى واذكر - أيها الرسول الكريم - وذكر أتباعك ليتعظوا ويعتبروا، وقت أن ~~قال موسى - عليه السلام - لقومه على سبيل الإنكار والتعجيب من حالهم. { ~~يقوم لم تؤذونني } قال لهم يا أهلى ويا عشيرتى لماذا تلحقون ~~الأذى بى؟. " وقد " فى قوله - تعالى - { وقد تعلمون أني ~~رسول الله إليكم } للتحقيق، والجملة حالية، وجىء بالمضارع بعد ~~" قد " للدلالة على أن علمهم بصدقه متجدد بتجدد ما يأتيهم به من آيات ~~ومعجزات. قال الجمل قوله { وقد تعلمون أني رسول الله ~~إليكم } قد للتحقيق. أى تحقيق علمهم. أى لا للتقريب ولا للتقليل، ~~وفائدة ذكرها التأكيد، والمضارع بمعنى الماضى. أى وقد علمتم، وعبر ~~بالمضارع ليدل على استصحاب الحال، وعلى أنها مقررة للإنكار. فإن العلم ~~برسالته يوجب تعظيمه، ويمنع إيذاءه لأن من عرف الله - تعالى - وعظمته، ~~عظم رسوله. ثم بين - سبحانه - ما ترتب على إيثارهم الغى على الهدى، ~~فقال { فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم }. والزيغ هو ~~الميل عن طريق الحق، يقال زاغ يزيغ زيغا وزيغانا، إذا مال عن الجادة، ~~وأزاغ فلان فلانا، إذا حوله عن طريق الخير إلى طريق الشر. أى فلما أصروا ~~على الميل عن الحق مع علمهم به. واستمروا على ذلك دون أن تؤثر المواعظ فى ~~قلوبهم... أمال الله - تعالى - قلوبهم عن قبول الهدى. # لإيثارهم الباطل على الحق والضلالة على الهداية. كما قال ms5030 - تعالى - # ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ~~ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ~~ونصله جهنم وسآءت مصيرا # وقوله - سبحانه - { والله لا يهدي القوم الفاسقين } ~~تذييل قصد به التقرير لما قبله، من أن الزيغ يؤدى إلى عدم الهداية، وبيان ~~سنة من سنن الله فى خلقه، وهى أن من استحب العمى على الهدى، وأصر على ~~ذلك.. كانت عاقبه الخسران. أى وقد اقتضت حكمة الله - تعالى - أن لا يهدى ~~القوم الخارجين عن طريق الحق، إلى ما يسعدهم فى حياتهم وبعد مماتهم، ~~لأنهم هم الذين اختاروا طريق الشقاء، وأصروا على سولكها. ثم ذكر - سبحانه ~~- جانبا مما قاله عيسى - عليه السلام - لبنى إسرائيل، فقال - تعالى - { ~~وإذ قال عيسى... }. ### || [61.6] # أى واذكر - أيضا - أيها الرسول الكريم - وذكر الناس ليعتبروا ويتعظوا، ~~وقت أن قال عيسى ابن مريم، مخاطبا من أرسله الله إليهم بقوله { يبني ~~إسرائيل إني رسول الله إليكم } لكى أخرجكم من ظلمات ~~الكفر والشرك، إلى نور الإيمان والتوحيد. ولم يقل لهم يا قوم - كما قال ~~لهم - موسى - عليه السلام - بل قال { يبني إسرائيل } لأنه لا أب ~~له فيهم، وإن كانت أمه منهم، والأنساب إنما تكون من جهة الآباء، لا من ~~جهة الأمهات. وفى قوله { إني رسول الله إليكم } إخبار صريح ~~منه لهم، بأنه ليس إلها وليس ابن إله - كما زعموا وإنما هو عبد الله ~~ورسوله. وقوله { مصدقا لما بين يدي من التوراة } ~~جملة حالية لإثبات حقيقة رسالته، وحضهم على تأييده وتصديقه والإيمان ~~به. أى إنى رسول الله - تعالى - إليكم بالكتاب الذى أنزله الله على وهو ~~الإنجيل، حال كونى مصدقا للكتاب الذى أنزله الله - تعالى - على نبيه ~~موسى - عليه السلام - وهذا الكتاب هو التوراة، وما دام الأمر كذلك فمن ~~حقى عليكم، أن تؤمنوا به، وأن تتبعونى، لأنى لم آتكم بشىء يخالف التوراة، ~~بل هى مشتملة على ما يدل على صدقى، فكيف تعرضون عن دعوتى. وقوله { ~~مصدقا لما بين يدي } فيه نوع مجاز، لأن ما بين يدى ~~الإنسان هو ما أمامه، فسمى ما مضى ms5031 كذلك لغاية ظهوره واشتهاره. واللام فى ~~" لما " لتقوية العامل، نحوه قوله - تعالى - # فعال لما يريد # وقوله - سبحانه - { ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه ~~أحمد } معطوف على ما قبله. والتبشير الإخبار بما يسر النفس ويبهجها، ~~بحيث يظهر أثر ذلك على بشرة الإنسان، وكان إخباره بأن نبيا سيأتى من ~~بعده اسمه تبشيرا، لأنه سيأتيهم بما يسعدهم، ويرفع الأغلال عنهم، كما قال ~~- تعالى - # ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم # ولفظ { أحمد } اسم من أسماء نبينا - صلى الله عليه وسلم - وهو علم ~~منقول من الصفة، وهذه الصفة يصح أن تكون مبالغة من الفاعل. فيكون معناها ~~أنه - صلى الله عليه وسلم - أكثر حمدا لله - تعالى - من غيره. ويصح أن ~~تكون من المفعول، فيكون معناها أنه يحمده الناس لأجل ما فيه من خصال ~~الخير، أكثر مما يحمدون غيره. قال الآلوسى وهذا الاسم الجليل، علم لنبينا ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - وصح من رواية مالك، والبخارى، ومسلم.. عن ~~جبير بن مطعم قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " إن لى أسماء أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الحاشر الذى يحشر الناس على ~~قدمى، وأنا الماحى الذى يمحو الله بى الكفر، وأنا العاقب ". # وبشارة عيسى - عليه السلام - بنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ثابتة ~~ثبوتا قطعيا بهذه الآية الكريمة، وإذا كانت بعض الأناجيل قد خلت من هذه ~~البشارة، فبسبب ما اعتراها من تحريف وتبديل على أيدى علماء أهل الكتاب. ~~ومع ذلك فقد وجدت هذه البشارة فى بعض الأناجيل، كإنجيل يوحنا، فى الباب ~~الرابع عشر، قال الإمام الرازى فى الإصحاح الرابع عشر من إنجيل يوحنا ~~هكذا وأنا أطلب لكم إلى أبى، حتى يمنحكم ويعطيكم الفارقليط حتى يكون معكم ~~إلى الأبد. والفارقليط هو روح الحق واليقين. ومنهم من يرى أن لفظ فارقليط ~~معناه باليونانية أحمد أو محمد. ومن أصرح الأدلة على أن صفات الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - موجودة فى التوراة والإنجيل، قوله - تعالى - # الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل # وقوله - سبحانه - { فلما ms5032 جاءهم بالبينات قالوا هذا ~~سحر مبين } بيان لموقف بنى إسرائيل الجحودى من أنبياء الله - ~~تعالى -. والضمير فى قوله { جاءهم } يرى بعضهم أنه يعود لعيسى، ويرى ~~آخرون أنه يعود لمحمد - صلى الله عليه وسلم - أى فلما جاء عيسى - عليه ~~السلام - أو محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى بنى إسرئيل بالآيات البينات ~~الدالة على صدقه، قالوا على سبيل العناد والجحود هذا سحر واضح فى بابه. ~~لا يخفى على أى ناظر أو متأمل. ومن المعروف أن بنى إسرائيل قد كذبوا عيسى ~~- عليه السلام - وكفروابه، ونسبوا إلى أمه الطاهرة، ما هى بريئة منه، ~~ومنزهة عنه. كما كذبوا محمدا - صلى الله عليه وسلم - وكفروا به، وصدق ~~الله إذ يقول # فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله ~~على الكافرين # ووصفوا ما جاء به بأنه سحر مبين، على سبيل المبالغة فكأنهم يقولون إن ما ~~جاء به هو السحر بعينه، مع أنهم يعرفون أن ما جاء به هو الحق كما يعرفون ~~أبناءهم، ولكن ما جلبوا عليه من جحود وعناد، حال بينهم وبين النطق بكلمة ~~الحق. ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المشركين هم أشد الناس ظلما للحق، وأنه ~~- سبحانه - سيظهره لا محالة، رضوا بذلك أم كرهوا وأن هذا الدين سيظهره ~~الله - تعالى - على بقية الأديان، مهما كره الكافرون. فقال - تعالى - { ~~ومن أظلم... }. ### || [61.7-9] # والاستفهام فى قوله { ومن أظلم ممن افترى على الله ~~الكذب } للإنكار والنفى. والافتراء اختلاق الكذب واختراعه من جهة ~~الشخص دون أن يكون له أساس من الصحة، وقوله { وهو يدعى إلى ~~الإسلام } جملة حالية. أى ولا أحد أشد ظلما من إنسان يختلق الكذب من ~~عند نفسه على دين الله - تعالى - وشريعته، والحال أن هذا الإنسان يدعوه ~~الداعى إلى الدخول فى دين الإسلام الذى لا يرتضى الله - تعالى - سواه ~~دينا. { والله } - تعالى - { لا يهدي القوم الظالمين } ~~إلى ما فيه فلاحهم، لسوء استعدادهم، وإيثارهم الباطل على الحق. ثم بين - ~~سبحانه - ما يهدف إليه هؤلاء الظالمون من وراء افترائهم الكذب على الدين ~~الحق، فقال - تعالى - { يريدون ليطفئوا نور الله ms5033 ~~بأفواههم }. والمراد بنور الله دين الإسلام الذى ارتضاه - سبحانه ~~- لعباده دينا، وبعث به رسوله - صلى الله عليه وسلم - وقيل المراد به ~~حججه الدالة على وحدانيته - تعالى - وقيل المراد به القرآن.. وهى معان ~~متقاربة. والمراد بإطفاء نور الله محاولة طمسه وإبطاله والقضاء عليه، بكل ~~وسيلة يستطيعها أعداؤه، كإثارتهم للشبهات من حول تعاليمه، وكتحريضهم لمن ~~كان على شاكلتهم فى الضلال على محاربته. والمراد بأفواههم أقوالهم ~~الباطلة الخارجة من تلك الأفواه التى تنطق بما لا وزن له من الكلام. ~~والمعنى يريد هؤلاء الكافرون بالحق، أن يقضوا على دين الإسلام، وأن ~~يطمسوا تعاليمه السامية التى جاء بها النبى - صلى الله عليه وسلم - عن ~~طريق أقاويلهم الباطلة الصادرة عن أفواههم، من غير أن يكون لها مصداق من ~~الواقع تنطبق عليه، أو أصل تستند إليه، وإنما هى أقوال من قبيل اللغو ~~الساقط المهمل الذى لا وزن له ولا قيمة. قال صاحب الكشاف مثل حالهم فى ~~طلبهم إبطال نبوة النبى - صلى الله عليه وسلم - بالتكذيب، بحال من يريد ~~أن ينفخ فى نور عظيم منبثق فى الآفاق يريد الله أن يزيده ويبلغه الغاية ~~القصوى فى الإشراق أو الإضاءة، ليطفئه بنفخه ويطمسه. والجملة الكريمة ~~فيها ما فيها من التهكم والاستهزاء بهؤلاء الكافرين، حيث شبههم - سبحانه ~~- فى جهالاتهم وغفلتهم، بحال من يريد إطفاء نور الشمس الوهاج، بنفخة من ~~فمه الذى لا يستطيع إطفاء ما هو دون ذلك بما لا يحصى من المرات. وقوله - ~~تعالى - { والله متم نوره ولو كره الكافرون } ~~بشارة للمؤمنين بأن ما هم عليه من حق، لا بد أن يعم الآفاق. أى والله - ~~تعالى - بقدرته التى لا يعجزها شىء، متم نوره، ومظهر دينه ومؤيد نبيه - ~~صلى الله عليه وسلم - ولو كره الكافرون ذلك فإن كراهيتهم لظهور دين الله ~~- تعالى - لا أثر لها ولا قيمة. # فالآية الكريمة وعد من الله - تعالى - للمؤمنين، بإظهار دينهم، وإعلاء ~~كلمتهم، لكى يزيدهم ذلك ثباتا على ثباتهم، وقوة على قوتهم. ثم أكد - ~~سبحانه - وعده بإتمام نوره، وبين كيفية هذا الإتمام فقال { هو ~~الذي أرسل ms5034 رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره ~~على الدين كله... }. والمراد بالهدى القرآن الكريم المشتمل على ~~الإرشادات السامية، والتوجيهات القويمة، والأخبار الصادقة، والتشريعات ~~الحكيمة. والمراد بدين الحق دين الإسلام الذى هو خاتم الأديان. وقوله { ~~ليظهره على الدين كله } من الإظهار بمعنى الإعلاء ~~والغلبة بالحجة والبرهان، والسيادة والسلطان. والجملة تعليلية لبيان سبب ~~هذا الإرسال والغاية منه. والضمير فى " ليظهره " يعود على الدين الحق، ~~أوعلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أى هو الله - سبحانه - الذى أرسل ~~رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالقرآن الهادى للتى هى أقوم. ~~وبالدين الحق الثابت الذى لا ينسخه دين آخر، وكان هذا الإرسال لإظهار ~~هذا الدين الحق على سائر الأديان بالحجة والغلبة. { ولو كره ~~المشركون } ذلك، فإن كراهيتهم لا أثر لها فى ظهوره، وفى إعلائه على ~~جميع الأديان. ولقد أنجز الله - تعالى - وعده، حيث جعل دين الإسلام، هو ~~الدين الغالب على جميع الأديان، بحججه وبراهينه الدالة على أنه الدين ~~الحق الذى لا يحوم حوله باطل. هذا، وقد ساق الإمام ابن كثير بعض ~~الأحاديث التى تؤيد ذلك، ومنها ما ثبت فى الصحيح عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال # " إن الله زوى لى الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لى ~~منها ". # ثم وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين، أرشدهم فيه إلى ما يسعدهم، ~~وينجيهم من كل سوء، فقال - تعالى - { يأيها الذين آمنوا... ~~}. ### || [61.10-13] # وهذه الآيات الكريمة جواب عما قاله بعض المؤمنين لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لو نعلم أى الأعمال أحب إلى الله لعملناها، كما سبق. أن ~~ذكرنا فى سبب قوله - تعالى - # يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون # فكأنه - سبحانه - بعد أن نهاهم عن أن يقولوا قولا، تخالفه أفعالهم، وضرب ~~لهم الأمثال بجانب من قصة موسى وعيسى - عليهما السلام - وبشرهم بظهور ~~دينهم على سائر الأديان. بعد كل ذلك أرشدهم إلى أحب الأعمال إليه - ~~سبحانه - فقال { يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على ~~تجارة }. والتجارة فى الأصل معناها التصرف فى رأس المال، وتقليبه فى ~~وجوه المعاملات ms5035 المختلفة، طلبا للربح. والمراد بها هنا العقيدة السليمة، ~~والأعمال الصالحة، التى فسرت بها بعد ذلك فى قوله - تعالى - { ~~تؤمنون بالله ورسوله }. والاستفهام فى قوله - تعالى - { ~~هل أدلكم } للتشويق والتحضيض إلى الأمر المدلول عليه. والمعنى يا ~~من آمنتم بالله - تعالى - وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ألا تريدون ~~أن أدلكم على تجارة رابحة، تنجيكم مزاولتها ومباشرتها، من عذاب شديد ~~الألم؟ إن كنتم تريدون ذلك، فهاكم الطريق إليها، وهى { تؤمنون ~~بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله ~~بأموالكم وأنفسكم }. فقوله - سبحانه - { تؤمنون ~~بالله ورسوله } استئناف مفسر وموضح لقوله { هل أدلكم }؟ ~~فكأن سائلا قال وما هذه التجارة؟ دلنا عليها، فكان الجواب تؤمنون بالله ~~ورسوله. أى تداومون تامة على الإيمان بالله - تعالى - وبرسوله - صلى ~~الله عليه وسلم - وتجاهدون فى سبيل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه بأموالكم ~~وأنفسكم. قالوا وقوله { تؤمنون } خبر فى معنى الأمر، ويدل عليه ~~قراءة ابن مسعود آمنوا بالله رسوله، وجاهدوا فى سبيله. وفائدة العدول إلى ~~الخبر الإشعار بأنهم قد امتثلوا لما أرشدوا إليه، فكأنه - سبحانه - يخبر ~~عن هذا الامتثال الموجود عندهم. وجاء التعبير بقوله { هل أدلكم } ~~لإفادة أن ما يذكر بعد ذلك من الأشياء التى تحتاج إلى من يهدى إليها، ~~لأنها أمور مرد تحديدها إلى الله - تعالى -. وتنكير لفظ التجارة، للتهويل ~~والتعظيم، أى هل أدلكم على تجارة عظيمة الشأن..؟ وأطلقت التجارة هنا على ~~الإيمان والعمل الصالح، لأنهما يتلاقيان ويتشابهان فى أن كليهما المقصود ~~من ورائه الربح العظيم، والسعى من أجل الحصول على المنافع. وقدم - سبحانه ~~- هنا الجهاد بالأموال على الجهاد بالأنفس، لأن المقام مقام تفسير وتوضيح ~~لمعنى التجارة الرابحة عن طريق الجهاد فى سبيل الله، ومن المعلوم أن ~~التجارة تقوم على تبادل الأموال، وهذه الأموال هى عصب الجهاد، فعن طريقها ~~تشترى الأسلحة والمعدات التى لا غنى للمجاهدين عنها، وفى الحديث الشريف " ~~من جهز غازيا فقد غزا ". # وقدم - سبحانه - فى قوله # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة.. # قدم الأنفس على الأموال، لأن الحديث هناك، كان فى معرض الاستبدال والعرض ~~والطلب، ms5036 والأخذ والعطاء.. فقدم - سبحانه - الأنفس لأنها أعز ما يملكه ~~الإنسان، وجعل فى مقابلها الجنة لأنها أعز ما يوهب، وأسمى ما تتطلع إلى ~~نيله النفوس. واسم الإشارة فى قوله { ذلكم خير لكم إن ~~كنتم تعلمون } يعود إلى ما سبق ذكره من الإيمان والجهاد. أى ~~ذلكم الذى أرشدناكم إلى التمسك به من الإيمان والجهاد فى سبيل الله، هو ~~خير لكم من كل شىء إن كنتم من أهل العلم والفهم. فقوله { تعلمون } ~~منزل منزلة الفعل اللازم، للإشعار بأن من يخالف ذلك لا يكون لا من أهل ~~العلم، ولا من أهل الإدراك. وجعله بعضهم فعلا متعديا، ومفعوله محذوف، ~~والتقدير إن كنتم تعلمون أنه خير لكم فافعلوه، ولا تتقاعسوا عن ذلك. ~~وقوله - سبحانه - { يغفر لكم ذنوبكم } مجزوم على أنه جواب ~~لشرط مقدر، أى إن تمتثلوا أمره - تعالى - يغفر لكم ذنوبكم. ويصح أن يكون ~~مجزوما على أنه جواب للأمر المدلول عليه بلفظ الخبر فى قوله - تعالى - ~~قبل ذلك { تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون }. لأنهما - ~~كما قلنا - وإن جاءا بلفظ الخبر، إلا أنهما فى معنى الأمر، أى آمنوا ~~وجاهدوا. أى آمنوا بالله - تعالى - إيمانا حقا، وجاهدوا فى سبيل إعلاء ~~كلمته بأموالكم وأنفسكم، يغفر لكم - سبحانه - ذنوبكم، بأن يزيلها عنكم، ~~ويسترها عليكم. { ويدخلكم } فضلا عن ذلك { جنات } عاليات { ~~تجري من تحتها الأنهار } أى تجرى من تحت مساكنها وبساتينها ~~الأنهار. ويعطيكم { مساكن طيبة } أى قصورا مشتملة على كل ما هو ~~طيب ونافع. وخصت المساكن الطيبة بالذكر، لأن المجاهدين قد فارقوا ~~مساكنهم، ومنهم من استشهد بعيدا عنها، وفيها أهله وماله... فوعدهم - ~~سبحانه - بما هو خير منها. وقوله { في جنات عدن } أى هذه المساكن ~~الطيبة كائنة فى جنات باقية خالدة، لا تزول ولا تنتهى، بل أصحابها يقيمون ~~فيها إقامة دائمة، يقال عدن فلان بالمكان، إذا أقام فيه إقامة مؤبدة. { ~~ذلك الفوز العظيم } أى ذلك الذى منحناكم إياه من مغفرة ~~لذنوبكم، ومن خلودكم فى الجنة.. هو الفوز العظيم الذى لا يقاربه فوز، ولا ~~يدانيه ظفر. وقوله - سبحانه - { وأخرى تحبونها } بيان لنعمة ~~أخرى يعطيهم ms5037 - سبحانه - إياها، سوى ما تقدم من نعم عظمى. ولفظ " أخرى " ~~مبتدأ خبره دل عليه ما تقدم، وقوله { تحبونها } صفة للمبتدأ. أى ~~ولكم - فضلا عن كل ما تقدم - نعمة أخرى تحبونها وتتطلعون إليها. # وهذه النعمة هى { نصر } عظيم كائن { من الله } - تعالى - لكم { ~~وفتح قريب } أى عاجل { وبشر المؤمنين } أى وبشر - أيها ~~الرسول الكريم - المؤمنين بذلك، حتى يزدادوا إيمانا على إيمانهم، وحتى ~~تزداد قلوبهم انشراحا وسرورا. ويدخل فى هذا النصر والفتح القريب دخولا ~~أوليا فتح مكة، ودخول الناس فى دين الله أفواجا. وهذه الآية الكريمة من ~~معجزات القرآن الكريم، الراجعة إلى الإخبار بالغيب، حيث أخبر - سبحانه - ~~بالنصر والفتح، فتم ذلك للنبى - صلى الله عليه وسلم - ولأصحابه، فى أكمل ~~صورة، وأقرب زمن. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بنداء ثالث وجهه إلى ~~المؤمنين، دعاهم فيه إلى التشبه بالصالحين الصادقين من عباده فقال { ~~يأيها الذين آمنوا... }. ### || [61.14] # والحواريون جمع حوارى. وهم أنصار عيسى - عليه السلام - الذين آمنوا به ~~وصدقوه، وأخلصوا له ولازموه، وكانوا عونا له فى الدعوة إلى الحق، وكانوا ~~اثنى عشر رجلا. يقال فلان حوارى فلان، أى هو من خاصة أصحابه، ومنه قول ~~البنى - صلى الله عليه وسلم - فى الزبير بن العوام # " لكل نبى حوارى، وحواريى الزبير ". # وأصل الحور شدة البياض والصفاء، ومنه قولهم فى خالص لباب الدقيق ~~الحوارى، وفى النساء البيض الحسان الحواريات والحوريات. وسمى الله - ~~تعالى - أصفياء عيسى وأنصاره بذلك لشدة إخلاصهم له، وطهارة قلوبهم من ~~الغش والنفاق، فصاروا فى نقائهم وصفائهم كالشىء الأبيض الخالص. والأنصار ~~جمع نصير، وهو من ينصر غيره نصرا شديدا مؤزرا. والمراد بنصر الله - تعالى ~~- نصر دينه وشريعته ونبيه الذى أرسله بالهدى، ودين الحق. وقرأ نافع وابن ~~كثير وأبو عمرو كونوا أنصارا لله. والمعنى يا من آمنتم بالله - تعالى - ~~حق الإيمان داوموا وواظبوا على أن تكونوا أنصارا لدين الله فى كل حال، ~~كما كان الحواريون كذلك، عندما دعاهم عيسى - عليه السلام - إلى نصرته ~~والوقوف إلى جانبه. فالكلام محمول على المعنى، والمقصود منه حض المؤمنين ~~على طاعة الرسول ms5038 - صلى الله عليه وسلم - وعلى الاستجابة التامة لما ~~يدعوهم إليه، كما فعل الحواريون مع عيسى، حيث ثبتوا على دينهم، وصدقوا مع ~~نبيهم، دون أن تنال منهم الفتن أو المصائب. قال صاحب الكشاف فإن قلت ما ~~وجه صحة التشبيه - وظاهره تشبيه كونهم أنصارا بقول عيسى { من ~~أنصاري إلى الله }. قلت التشبيه محمول على المعنى، وعليه يصح، ~~والمراد كونوا أنصار الله، كما كان الحواريون أنصار عيسى كذلك حين قال ~~لهم من أنصارى إلى الله. فإن قتل فما معنى قوله { من أنصاري ~~إلى الله }؟ قلت يجب أن يكون معناه مطابقا لجواب الحواريين { نحن ~~أنصار الله } والذى يطابقه أن يكون المعنى من جندى متوجها إلى نصرة ~~دين الله. والاستفهام فى قوله - تعالى - { من أنصاري إلى ~~الله } للحض على نصرته والوقوف إلى جانبه. وأضافهم - عليه السلام - ~~إليه، باعتبارهم أنصار دعوته ودينه. وقوله { إلى الله } متعلق ~~بأنصارى، ومعنى " إلى " الانتهاء المجازى. أى قال عيسى للحواريين على ~~سبيل الامتحان لقوة إيمانهم من الجند المخلصون الذين أعتمد عليهم بعد ~~الله - تعالى - فى نصرة دينه، وفى التوجه إليه بالعبادة والطاعة وتبليغ ~~رسالته..؟ فأجابوه بقولهم نحن أنصار دين الله - تعالى - ونحن الذين على ~~استعداد أن نبذل نفوسنا وأموالنا فى سبيل تبليغ دعوته - عز وجل - ومن أجل ~~إعلاء كلمته. # وقوله - تعالى - { فآمنت طآئفة من بني إسرائيل ~~وكفرت طآئفة } مفرع على ما قبله، لبيان موقف قومه منه. أى قال ~~الحواريون لعيسى عندما دعاهم إلى اتباع الحق نحن أنصار دين الله، ونحن ~~الذين سنثبت على العهد.. أما بقية بنى إسرائيل فقد افترقوا إلى فرقتين ~~فرقة آمنت بعيسى وبما جاء به من عند الله - تعالى -، وفرقة أخرى كفرت به ~~وبرسالته. وقوله { فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم ~~فأصبحوا ظاهرين }. بيان للنتائج التى تحققت لكل طائفة من ~~الطائفتين المؤمنين والكافرين. وقوله { ظاهرين } من الظهور بمعنى ~~الغلبة،يقال ظهر فلان على فلان، إذا تغلب عليه وقهره. أى كان من قوم عيسى ~~من آمن به، ومنهم من كفر به، فأيدنا وقوينا ونصرنا الذين آمنوا به، على ~~الذين كفروا به، ms5039 فصار المؤمنون ظاهرين ومنتصرين على أعدائهم بفضله - ~~تعالى - ومشيئته. والمقصود من هذا الخبر حض المؤمنون فى كل زمان ومكان، ~~على الإيمان والعمل الصالح، لأن سنة الله - تعالى - قد اقتضت أن يجعل ~~العاقبة لهم، كما جعلها لأتباع عيسى المؤمنين، على أعدائهم الكافرين. قال ~~بعض العلماء وتأويل هذا النص يمكن أن ينصرف إلى أحد معنيين إما أن الذين ~~آمنوا برسالة عيسى - عليه السلام -، هم المسيحيون إطلاقا، من استقام، ومن ~~دخلت فى عقيدته الانحرافات، وقد أيدهم الله - تعالى - على اليهود الذين ~~لم يؤمنوا به أصلا، كما حدث فى التاريخ. وإما أن الذين آمنوا هم الذين ~~أصروا على التوحيد فى وجه المؤهلين لعيسى، والمثلثين وسائر النحل التى ~~انحرفت عن التوحيد. ومعنى أنهم أصبحوا ظاهرين، أى بالحجة والبرهان، أو أن ~~التوحيد الذى هم عليه، هو الذى أظهره الله بهذا الدين الأخير - أى دين ~~الإسلام - وجعل له الجولة الأخيرة فى الأرض. كما وقع فى التاريخ. هذا ~~المعنى الأخير هو الأرجح والأقرب فى هذا السياق. وبعد فهذا تفسير لسورة " ~~الصف " نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده. وصلى ~~الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [62 - سورة الجمعة] ### || [62.1-4] # افتتحت سورة " الجمعة " كغيرها من أخواتها " المسبحات " بالثناء على ~~الله - تعالى - وببيان أن المخلوقات جميعها، تسبح بحمده - تعالى - وتقدس ~~له. والتسبيح تنزيه الله - تعالى - عما لا يليق به، اعتقادا وقولا وعملا ~~مأخوذ من السبح وهو المر السريع فى الماء أو الهواء، لأن المسبح لله، - ~~تعالى - مسرع فى تنزيهه - تعالى - وتبرئته من كل سوء. وقوله { ~~القدوس } من التقديس بمعنى التعظيم والتطهير وغير ذلك من صفات ~~الكمال. أى أن التسبيح نفى ما لا يليق بذاته - تعالى -، والتقديس إثبات ~~ما يليق بجلاله - سبحانه - والمعنى ينزه الله - تعالى - ويبعده عن كل ~~نقص، جميع ما فى السماوات، وجميع ما فى الأرض من مخلوقات، فهو - سبحانه - ~~{ الملك } أى المدبر لشئون هذا الكون، المتصرف فيه تصرف المالك فيما ~~يملكه.. { القدوس } أى البليغ فى الطهارة وفى التنزه عن كل نقص، من ~~القدس - ضم ms5040 القاف وسكون الدال - بمعنى الطهر، وأصله القدس - بفتح ~~القاف والدال - وهو الإناء الذى يكون فيه ما يتطهر به، ومنه القادوس وهو ~~إناء معروف. { العزيز } الذى لا يغلبه غالب { الحكيم } فى كل ~~أقواله وأفعاله وتصرفاته. هذا، ومن الآيات الكثيرة الدالة على أن جميع من ~~فى السماوات ومن فى الأرض، يسبحون لله - تعالى - قوله - عز وجل - # تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن ~~وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا.. # ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على خلقه، فقال { هو الذي ~~بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم ~~آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة... }. ~~وقوله { الأميين } جمع أمى، وهو صفة لموصوف محذوف. أى فى الناس أو ~~فى القوم الأميين، والمراد بهم العرب، لأن معظمهم كانوا لا يعرفون ~~القراءة والكتابة. وسمى من لا يعرف القراءة والكتابة بالأمى، لغلبة ~~الأمية عليه، حتى لكأن حاله بعد تقدمه فى السن، كحاله يوم ولدته أمه فى ~~عدم معرفته للقراء ة والكتابة. و " من " فى قوله - تعالى - { منهم } ~~للتبعيض، باعتبار أنه واحد منهم، ويشاركهم فى بعض صفاتهم وهى الأمية. ~~وقوله { يتلوا... } من التلاوة، وهى القراءة المتتابعة المرتلة، التى ~~يكون بعضها تلو بعض. وقوله { ويزكيهم } من التزكية بمعنى التطهير ~~والتنقية من السوء والقبائح. والمراد بالكتاب القرآن، والمراد بتعليمه ~~بيان معانيه وحقائقه، وشرح أحكامه وأوامره ونواهيه.. والمراد بالحكمة ~~العلم النافع، المصحوب بالعمل الصالح، وفى وضعها إلى جانب الكتاب إشارة ~~إلى أن المقصود بها السنة النبوية المطهرة، إذ بالكتاب وبالسنة، يعرف ~~الناس أصلح الأقوال والأفعال، وأعدل الأحكام وأقوم الآداب، وأسمى ~~الفضائل. # . أى هو - سحبانه - وحده، الذى { بعث } بفضله وكرمه، { في } العرب { ~~الأميين رسولا } كريما عظيما، كائنا { منهم } أى من جنسهم ~~يعرفون حسبه ونسبه وخلقه.. هذا الرسول الكريم أرسلناه إليهم، ليقرأ عليهم ~~آيات الله - تعالى - التى أنزلها عليه لهدايتهم وسعادتهم، متى آمنوا بها، ~~وعملوا بما اشتملت عليه من توجيهات سامية.. وأرسلناه إليهم - أيضا - ~~ليزكيهم، أى وليطهرهم من الكفر والقبائح والمنكرات وليعلمهم الكتاب، بأن ~~يحفظهم إياه، ms5041 ويشرح لهم أحكامه، ويفسر لهم ما خفى عليهم من ألفاظه ~~ومعانيه. وليعلمهم - أيضا - الحكمة. أى العلم النافع المصحوب بالعمل ~~الطيب وصدر - سبحانه - الآية الكريمة بضمير اسم الجلالة، لتربية المهابة ~~فى النفوس، ولتقوية ما اشتملت عليه من نعم وأحكام، إذ هو - سبحانه - وحده ~~الذى فعل ذلك لا غيره. وعبر - سبحانه - بفى المفيدة للظرفية فى قوله - ~~تعالى - { في الأميين }. للإشعار بأن هذا الرسول الكريم الذى ~~أرسله إليهم، كان مقيما فيهم، وملازما لهم، وحريصا على أن يبلغهم رسالة ~~الله - تعالى - فى كل الأوقات والأزمان. والتعبير بقوله { منهم } ~~فيه ما فيه من دعوتهم إلى الإيمان به، لأن هذا الرسول الكريم، ليس غريبا ~~عنهم، بل هو واحد منهم شرفهم من شرفه، وفضلهم من فضله.. وهذه الآية ~~الكريمة صريحة فى أن الله - تعالى - قد استجاب دعوة نبيه إبراهيم - عليه ~~السلام - عندما دعاه بقوله # ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم ~~آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ~~إنك أنت العزيز الحكيم.. # وقد جاء ترتيب هذه الآية الكريمة وأمثالها فى أسمى درجات البلاغة ~~والحكمة، لأن أول مراحل تبليغ الرسالة، يكون بتلاوة القرآن، ثم ثنى - ~~سبحانه - بتزكيه النفوس من الأرجاس، ثم ثلث بتعليم الكتاب والحكمة لأنهما ~~يكونان بعد التبليغ والتزكية للنفوس. ولذا قالوا إن تعليم الكتاب غير ~~تلاوته، لأن تلاوته معناها، قراءته قراءة مرتلة، أما تعليمه فمعناه بيان ~~أحكامه، وشرح ما خفى من ألفاظه وأحكامه.. فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة، ~~قد اشتملت على جملة من الصفات الجليلة التى منحها - سبحانه - لنبيه محمد ~~- صلى الله عليه وسلم -. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك حال الناس قبل بعثته ~~- صلى الله عليه وسلم - فقال { وإن كانوا من قبل لفي ضلال ~~مبين }. وهذه الجملة الكريمة فى موضع الحال من قوله { هو الذي ~~بعث في الأميين... } و " إن " فى قوله { وإن كانوا... } ~~مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف.. أى هو - سبحانه - بفضله ~~وكرمه، الذى بعث فى الأميين رسولا منهم، وحالهم أنهم كانوا قبل إرسال هذا ~~الرسول الكريم فيهم، فى ضلال واضح لا يخفى أمره ms5042 على عاقل، ولا يلتبس قبحه ~~على ذى ذوق سليم وحقا لقد كان الناس قبل أن يبزغ نور الإسلام، الذى جاء ~~به النبى - صلى الله عليه وسلم - من عند ربه، فى ضلال واضح، وظلام دامس، ~~من حيث العقائد والعبادات، والأخلاق والمعاملات. # . فكان من رحمة الله - تعالى - بهم، أن أرسل فيهم رسوله محمدا - صلى ~~الله عليه وسلم - لكى يخرجهم من ظلمات الكفر والفسوق والعصيان، إلى نور ~~الهداية والاستقامة والإيمان. ثم بين - سبحانه - أن رسالة رسوله محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - لن يكون نفعها مقصورا على المعاصرين له والذين ~~شاهدوه.. بل سيعم نفعها من سيجيئون من بعدهم، فقال - تعالى - { ~~وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز ~~الحكيم... }. وقوله { وآخرين } جمع آخر بمعنى الغير، والجملة ~~معطوفة على قوله قبل ذلك { في الأميين... } فيكون المعنى هو - ~~سبحانه - الذى بعث فى الأميين رسولا منهم، كما بعثه فى آخرين منهم. { ~~لما يلحقوا بهم } أى لم يجيئوا بعد، وهم كل من يأتى بعد ~~الصحابة من أهل الإسلام إلى يوم القيامة، بدليل قوله - تعالى - # وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن ~~بلغ... # أى وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به يا أهل مكة، ولأنذر به جميع من بلغه ~~هذا الكتاب، ووصلت إليه دعوته من العرب وغيرهم إلى يوم القيامة.. وفى ~~الحديث الشريف # " بلغوا عن الله - تعالى - فمن بلغته آية من كتاب الله، فقد بلغه أمر ~~الله ". # وعن محمد بن كعب قال من بلغه القرآن فكأنما رأى النبى - صلى الله عليه ~~وسلم -... ويصح أن يكون قوله { وآخرين منهم لما يلحقوا ~~بهم... } معطوف على الضمير المنصوب فى قوله { ويعلمهم... } ~~فيكون المعنى هو الذى بعث فى الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ~~ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويعلم آخرين منهم { لما يلحقوا ~~بهم } أى لم يجيئوا بعد وسيجيئون... وهم كل من آمن بالرسول من بعد ~~الصحابة إلى يوم القيامة. قال صاحب الكشاف وقوله { وآخرين } مجرور ~~عطف على الأميين يعنى أنه بعثه فى الأميين الذين على عهده، وفى آخرين من ~~الأميين الذين لم يلحقوا بهم ms5043 بعد، وسيلحقون بهم، وهم الذين بعد الصحابة. ~~وقيل لما نزلت قيل # " من هم يا رسول الله، فوضع يده على سلمان ثم قال " لو كان الإيمان عند ~~الثريا لتناوله رجال من هؤلاء ". # وقيل هم الذين يأتون من بعدهم إلى يوم القيامة. ويجوز أن ينتصب عطفا عل ~~المنصوب فى { ويعلمهم } أى يعلمهم ويعلم آخرين، لأن التعليم إذا ~~تناسق إلى آخر الزمان كان كله مستندا إلى أوله، فكأنه هو الذى تولى كل ما ~~وجد منه. # .. والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها تشير إلى أن دعوة النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ستبلغ غير المعاصرين له - صلى الله عليه وسلم - وأنهم ~~سيتبعونها، ويؤمنون بها، ويدافعون عنها.. وهذا ما أيده الواقع، فقد دخل ~~الناس فى دين الله أفواجا من العرب ومن غير العرب، ومن أهل المشارق ~~والمغارب.. فالآية الكريمة تخبر عن معجزة من معجزات القرآن الكريم، ألا ~~وهى الإخبار عن أمور مستقبلة أيدها الواقع المشاهد. وقوله - تعالى - { ~~وهو العزيز الحكيم } تذييل المقصود به بيان أن قدرته - تعالى ~~- لا يعجزها شىء، وأن حكمته هى أسمى الحكم وأسدها. أى وهو - سبحانه - ~~العزيز الذى لا يغلب قدرته شىء، الحكيم فيما يريده ويقدره ويوجده. واسم ~~الإشارة فى قوله { ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء... } ~~يعود إلى ما تقدم ذكره من كرمه - تعالى - على عباده، حيث اختص رسوله ~~محمدا - صلى الله عليه وسلم - بهذه الرسالة الجامعة لكل خير وبركة، وحيث ~~وفق من وفق من الأميين وغيرهم، إلى اتباع هذا الرسول الكريم.. أى ذلك ~~البعث منا لرسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - لكى يهدى الناس بإذننا ~~إلى الصراط المستقيم، هو فضلنا الذى نؤتيه ونخصه لمن نشاء اختصاصه به من ~~عبادنا.. { والله } - تعالى - هو { ذو الفضل العظيم } الذى ~~لا يقاربه فضل، ولا يدانيه كرم. كما قال - سبحانه - # قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشآء والله ~~واسع عليم يختص برحمته من يشآء والله ذو ~~الفضل العظيم # ثم انتقلت السورة الكريمة - بعد هذا البيان - لفضل الله - تعالى - على ~~نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وعلى ms5044 من أرسله لهدايتهم، إلى الحديث عن ~~جانب من رذائل اليهود، وأمرت النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يتحداهم ~~وأن يرد على أكاذيبهم.. فقال - تعالى { مثل الذين... }. ### || [62.5-8] # والمراد بالمثل فى قوله - تعالى - { مثل الذين حملوا ~~التوراة... } الصفة والحال.. والمراد بالذين حملوا التوراة اليهود ~~الذين كلفهم الله - تعالى - بالعمل بما اشتملت عليه التوراة من هدايات ~~وأحكام وآداب.. ولكنهم نبذوها وتركوا العمل بها.. والأسفار جمع سفر، وهو ~~الكتاب الكبير المشتمل على ألوان من العلم النافع، وسمى بذلك لأنه يسفر ~~ويكشف عما فيه من المعانى المفيدة للمطلع عليها. والمعنى حال هؤلاء ~~اليهود الذين أنزل الله - تعالى - عليهم التوراة لهدايتهم.. ولكنهم لم ~~ينتفعوا بها.. كحال الحمار الذى يحمل كتب العلم النافع، ولكنه لم يستفد ~~من ذلك شيئا، لأنه لا يفقه شيئا مما يحمله.. ففى هذا المثل شبه الله - ~~تعالى - اليهود الذين لم ينتفعوا بالتوارة التى فيها الهداية والنور، ~~بحال الحمار الذين يحمل كتب العلوم النافعة دون أن يستفيد بها. ووجه ~~الشبه بين الاثنين هو عدم الانتفاع بما من شأنه أن ينتفع به انتفاعا ~~عظيما، لسمو قيمته، وجلال منزلته. قال صاحب الكشاف شبه اليهود فى أنهم ~~حملة التوراة وقراؤها وحفاظ ما فيها، ثم إنهم غير عاملين بها، ولا ~~بمنتفعين بآياتها... بالحمار، حمل أسفارا، أى كتبا كبارا من كتب العلم، ~~فهو يمشى بها، ولا يدرى منها إلا ما يمر بجنبيه وظهره من الكد والتعب، ~~وكل من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله، وبئس المثل... وقال الإمام ابن ~~كثير يقول - تعالى - ذا ما لليهود الذين أعطوا التوراة فلم يعملوا بها، ~~إن مثلهم فى ذلك كمثل الحمار يحمل أسفارا.. فهو يحملها حملا حسيا ولا ~~يدرى ما عليه، وكذلك هؤلاء. لم يعملوا بمقتضى ما فى التوراة بل أولوه ~~وحرفوه، فهم أسوأ من الحمار، لأن الحمار لا فهم له، وهؤلاء لهم فهوم لم ~~يستعملوها، ولهذا قال - تعالى - فى آية أخرى # أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم ~~الغافلون.. # وقال القرطبى وفى هذا المثل تنبيه من الله - تعالى - لمن حمل الكتاب، ms5045 أن ~~يتعلم معانيه، ويعمل بما فيه، لئلا يلحقه من الذم ما لحق هؤلاء اليهود، ~~قال الشاعر # زوامل للأسفار لا علم عندهم بجيدها، إلا كعلم الأباعر لعمرك ما يدرى ~~البعير إذا غدا بأوساقه، أو راح ما فى الغرائر # وعبر - سبحانه - عن تكليفهم العمل بالتوراة وعن تركهم لذلك بقوله { ~~حملوا التوراة ثم لم يحملوها } للإشعار بأن هذا ~~التكليف منه - تعالى - لهم، كان عهدا مؤكدا عليهم، حتى لكأنهم تحملوه كما ~~يتحمل الإنسان شيئا قد وضع فوق ظهره أو كتفيه. ولكنهم نبذوا هذا العهد، ~~وألقوا بما فوق أكتافهم من أحمال، وانقادوا لأهوائهم وشهواتهم انقياد ~~الأعمى لقائده.. ولفظ " ثم " فى قوله { ثم لم يحملوها } ~~للتراخى النسبى، لأن عدم وفائهم بما عهد إليهم، أشد عجبا من تحملهم لهذه ~~العهود. # وشبههم، بالحمار الذى هو مثل فى البلادة والغباء، لزيادة التشنيع عليهم، ~~والتقبيح لحالهم، حيث زهدوا وأعرضوا عن الانتفاع بأثمن شىء نافع، - وهو ~~كتاب الله - كما هو شأن الحمار الذى لا يفرق فيما يحمله على ظهره بين ~~الشىء النافع والشىء الضار. وجملة " يحمل أسفارا " فى موضع الحال من ~~الحمار، أو فى موضع جر على أنها صفة للحمار، باعتبار أن المقصود به ~~الجنس، فهو معرفة لفظا، نكرة معنى. قال صاحب الكشاف فإن قلت " يحمل " ما ~~محلة؟ قلت محله النصب على الحال، أو الجر على الوصف، لأن لفظ الحمار هنا، ~~كلفظ اللئيم فى قول الشاعر # ولقد أمر على اللئيم يسبنى # ثم أضاف - سبحانه - إلى ذم هؤلاء اليهود ذما آخر فقال { بئس مثل ~~القوم الذين كذبوا بآيات الله.. }. و { بئس } فعل ~~ذم، وفاعله ما بعده وهو قوله { مثل القوم } وقد أغنى هذا الفاعل ~~عن ذكر المخصوص بالذم، لحصول العلم بأن المذموم هو حال هؤلاء القوم الذين ~~وصفهم - سبحانه - بأنهم قد كذبوا بآياته. أى بئس المثل مثل هؤلاء القوم ~~الذين كذبوا بآيات الله - تعالى - الدالة على وحدانيته وقدرته، وعلى صدق ~~أنبيائه فيما يبلغونه عنه - تعالى -. وقوله { والله لا يهدي ~~القوم الظالمين } تذييل قصد به بيان الأسباب التى أدت إلى عدم ~~توفيق الله ms5046 - تعالى - لهم إلى الهداية. أى والله - تعالى - قد اقتضت ~~حكمته، أن لا يهدى إلى طريق الخير، من ظلم نفسه، بأن آثر الغى على الرشد، ~~والعمى على الهدى، والشقاوة على السعادة، لسوء استعداه، وإنطماس بصيرته. ~~ثم أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يتحدى اليهود، وأن ~~يرد على مزاعمهم ردا يخرس ألسنتهم، ويكشف عن أكاذيبهم.. فقال - سبحانه - ~~{ قل يأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم ~~أوليآء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن ~~كنتم صادقين }. قال الآلوسى وأمر - صلى الله عليه وسلم - أن يقول ~~لهم ذلك، إظهارا لكذبهم، فإنهم كانوا يقولون # نحن أبناء الله وأحباؤه # ويدعون أن الآخرة خالصة لهم عند الله. وروى أنه لما ظهر رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كتب يهود المدينة إلى يهود خيبر إن اتبعتم محمدا ~~أطعناه، وإن خالفتموه خالفناه. فقالوا - أى يهود خيبر - " نحن أبناء خليل ~~الرحمن، ومنا عزير ابن الله، ومنا الأنبياء ومتى كانت النبوة فى العرب؟ ~~نحن أحق بها من محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولا سبيل إلى اتباعه، فنزلت ~~هذه الآيات... والمقصود بالذين هادوا، أى الذين ادعو أنهم على الديانة ~~اليهودية، يقال هاد فلان وتهود. # إذا دخل فى اليهودية، نسبة إلى يهوذا أحد أبناء يعقوب - عليه السلام -، ~~أو سموا بذلك حين تابوا عن عبادة العجل، من هاد يهود هودا بمعنى ~~تاب، ومنه قوله - تعالى - # واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة ~~إنا هدنآ إليك... # أى تبنا إليك. ومعنى، أولياء الله.. مقربين منه، كرماء عليه، لهم منزلة ~~خاصة عنده - تعالى - وقوله { فتمنوا الموت... } جواب الشرط، ~~والتمنى معناه ارتياح النفس، ورغبتها القوية فى الحصول على الشىء. ~~ويستعمل التمنى فى المعنى القائم بالقلب، بأن تتطلع نفس الشخص إلى الحصول ~~على الشىء. كما يستعمل عن طريق النطق باللسان، بأن يقول الإنسان بلسانه، ~~ليتنى أحصل على كذا. وهذا المعنى الثانى هو المراد هنا، لأن المعنى ~~الكائن فى القلب لا يعلمه أحد سوى الله - تعالى -. ومعنى الآية الكريمة ~~قل يا محمد لهؤلاء اليهود الزاعمين أنهم أبناء ms5047 الله وأحباؤه، وأنهم ~~أولياء الله - تعالى - المقربون إليه من دون سائر خلقه.. قل لهم على سبيل ~~التحدى والتعجيز والتبكيت - إن كان الأمر كما زعمتم، فاذكروا أمام الناس ~~بألسنتكم لفظا، يدل على أنكم تحبون الموت وترغبون فيه، لكى تظفروا بعد ~~الموت بالمحبة الكاملة من الله، ولكى تنتقلوا من شقاء الدنيا ومتاعبها ~~إلى النعيم الخالص بعد موتكم. وجواب الشرط فى قوله { إن كنتم ~~صادقين } محذوف لدلالة ما قبله عليه. أى إن كنتم صادقين فى دعواكم ~~أنكم أولياء الله من دون الناس فتمنوا الموت. وافتتحت الآية الكريمة بلفظ ~~{ قل } للاهتمام بشأن التحدى من الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم، ~~ولبيان أنه أمر من الله - تعالى - وليس للرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~سوى التنفيذ. وجىء بإن الشرطية المفيدة للشك، مع أنهم قد زعموا أنهم ~~أولياء لله فعلا، للإشعار بأن زعمهم هذا وإن كانوا قد كرروا النطق ~~والتباهى به.. إلا أنه بمنزلة الشىء الذى تلوكه الألسنة، دون أن يكون له ~~أساس من الواقع، فهو لوضوح بطلانه صار بمنزلة الشىء الذى يفترض وقوعه ~~افتراضا على سبيل التوبيخ لهم. قال الآلوسى ما ملخصه قوله { قل ~~يأيها الذين هادوا } أى تهودوا { إن زعمتم أنكم ~~أوليآء لله } أى أحباء لله، ولم يضف - سبحانه - لفظ أولياء ~~إليه، كما فى قوله # ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم.. # ليؤذن بالفرق بين مدعى الولاية، ومن يخصه - تعالى - بها. وقوله { من ~~دون الناس.. } حال من الضمير الراجع إلى اسم { إن } أى متجاوزين عن ~~الناس. { فتمنوا الموت } أى فتمنوا من الله أن يميتكم وينقلكم ~~من دار البلية إلى محل الكرامة. فإن من أيقن أنه من أهل الجنة أحب أن ~~يخلص إليها من هذه الدنيا التى هى دار كدر وتعب. # .. ثم أخبر - سبحانه - عن واقعهم وعن حالتهم المستقبلة فقال { ولا ~~يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم ~~بالظالمين }. أى أن هؤلاء اليهود لا يتمنى أحدهم الموت أبدا. بسبب ~~ما قدمته أيديهم من آثام، والله - تعالى - لا تخفى عليه خافية من سيئاتهم ~~واعتداءاتهم وظلمهم بل هو ms5048 - سبحانه - يسجل ذلك عليهم، ويجازيهم بما ~~يستحقونه من عقاب.. فالآية الكريمة خبر من الله - تعالى - عن اليهود ~~بأنهم يكرهون الموت، ولا يتمنونه، ولا يستطيعون قبول ما تحداهم به - صلى ~~الله عليه وسلم - من طلبهم تمنى الموت، لعلمهم بأنهم لو أجابوه إلى طلبه، ~~لحل بهم الموت الذى يكرهونه. وقد صح من عدة طرق عن ابن عباس أنه قال لو ~~تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه.. وقال ابن جرير وبلغنا أن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - قال # " لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النار.. ". # وقال ابن كثير وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال # " قال أبو جهل - لعنه الله - إن رأيت محمدا عند الكعبة، لآتينه حتى أطأ ~~عنقه. قال فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لو فعل لأخذته ~~الملائكة عيانا، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من ~~النار. ولو خرج الذين يباهلون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرجعوا ~~لا يجدون مالا ولا أهلا ". # وقال صاحب الكشاف ما ملخصه وقوله { ولا يتمنونه أبدا } أى ~~بسبب ما قدموا من الكفر، وقد قال لهم - صلى الله عليه وسلم - # " والذى نفسى بيده لا يقولها أحد منكم إلا غص بريقه " # فلولا أنهم كانوا موقنين بصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتمنوا، ~~ولكنهم علموا أنهم لو تمنوا لماتوا من ساعتهم ولحقهم الوعيد فما تمالك ~~أحد منهم أن يتمنى، وهى إحدى المعجزات - لأنها إخبار بالغيب وكانت كما ~~أخبر -. فإن قلت ما أدراك أنهم لم يتمنوا الموت؟ قلت لو تمنوا لنقل ذلك ~~عنهم، كما نقلت سائر الحوادث، ولكان ناقلوه من أهل الكتاب وغيرهم من أولى ~~المطاعن فى الإسلام، أكثر من الذر، وليس أحد منهم نقل عنه ذلك... هذا، ~~ويكفى فى تحقيق هذه المعجزة، ألا يصدر تمنى الموت عن اليهود الذين تحداهم ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - بذلك، وهم الذين كانوا يضعون العراقيل فى ~~طريق دعوته.. ولا يقدح فى هذه المعجزة، أن ينطق يهودى بعد العهد النبوى ~~بتمنى الموت، وهو حريص على الحياة، لأن ms5049 المعنيين بالتحدى هم اليهود ~~المعاصرون للعهد النبوى. والمقصود بقوله - تعالى - { والله عليم ~~بالظالمين } التهديد والوعيد. # أى والله - تعالى - عليم علما تاما بأحوال هؤلاء الظالمين، وسيعاقبهم ~~العقاب الذىيتناسب مع ظلمهم وبغيهم. فالمراد من العلم لازمه، وهو الجزاء ~~والحساب.. وعبر - سبحانه - هنا بقوله { ولا يتمنونه... } وفى ~~سورة البقرة بقوله # ولن يتمنوه... # للإشعار بأنهم يكرهون الموت فى الحال وفى المستقبل كراهة شديدة. ثم أمر ~~الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - بأن يخبرهم بأنهم لا مفر ~~لهم من الموت، مهما حرصوا على الهروب منه. فقال - تعالى - { قل إن ~~الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم... }. أى قل ~~- أيها الرسول الكريم - لهؤلاء اليهود الذين يكرهون الموت، ويزعمون أنهم ~~أحباب الله؟.. قل لهم على سبيل التوبيخ والتبكيت إن الموت الذى تكرهونه، ~~وتحرصون على الفرار منه، لا مهرب لكم منه، ولا محيص لكم عنه، فهو نازل ~~بكم إن عاجلا أو آجلا كما قال - سبحانه - # أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في ~~بروج مشيدة... # فالمقصود بهذه الآية الكريمة إخبارهم بأن هلعهم من الموت مهما اشتد لن ~~يفيدهم شيئا، لأن الموت نازل بهم لا محالة.. ثم بين - سبحانه - أنهم بعد ~~الموت، سيجدون الجزاء العادل فقال { ثم تردون إلى عالم ~~الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون }. ~~أى قل لهم - أيها الرسول الكريم - إن الموت نازل بكم لا محالة. ثم بعد ~~هلاككم سترجعون إلى الله - تعالى - الذى يعلم السر والعلانية، والجهر ~~والخفاء، فيجازيكم على أعمالكم السيئة، بما تستحقونه من عقاب. فالمراد ~~بالإنباء عما كانوا يعملونه، الحساب على ذلك، والمجازاة عليه. وشبيه ~~بهذه الآيات قوله - تعالى - فى سورة البقرة # قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة ~~من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ~~ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله ~~عليم بالظالمين ولتجدنهم أحرص الناس على ~~حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ~~ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر ~~والله بصير بما يعملون # وبعد هذا التوبيخ والتحدى لليهود الذين زعموا أنهم أولياء لله من دون ms5050 ~~الناس.. وجه - سبحانه - للمؤمنين نداء أمرهم فيه بالمسارعة إلى أداء ~~فرائضه ونهاهم عن أن تشغلهم دنياهم عن ذكره وطاعته، فقال - تعالى - { ~~يأيها الذين آمنوا... }. ### || [62.9-11] # والمقصود بالنداء فى قوله - سبحانه - { يأيها الذين آمنوا ~~إذا نودي للصلاة... } جميع المكلفين بها، الذين يجب عليهم ~~أداؤها.. وناداهم - سبحانه - بصفة الإيمان، لتحريك حرارة الإيمان فى ~~قلوبهم، ولتحريضهم على المسارعة إليها، إذ من شأن المؤمن القوى، أن يكون ~~مطيعا لما يأمره خالقه به. والمراد بالنداء الأذان والإعلام بوقت ~~حلولها. والمقصود بالصلاة المنادى لها هنا صلاة الجمعة، بدليل قوله - ~~تعالى - { من يوم الجمعة }. واللام فى قوله { للصلاة } ~~للتعليل، و { من } بمعنى فى، أو للبيان، أو للتبعيض، لأن يوم الجمعة ~~زمان، تقع فيه أعمال، منها الصلاة المعهودة فيه وهى صلاة الجمعة لأن ~~الأمر بترك البيع خاص بها، لوجود الخطبة فيها. وقوله { فاسعوا... } ~~جواب الشرط، من السعى، وهو المشى السريع. والمراد به هنا المشى المتوسط ~~بوقار وسكينة، وحسن تهيؤ لصلاة الجمعة.. قال الآلوسى ما ملخصه قوله { ~~فاسعوا إلى ذكر الله } أى امشوا إليه بدون إفراط فى ~~السرعة.. فقد أخرج الستة فى كتبهم عن أبى سلمة من حديث أبى هريرة قال قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون، وعليكم ~~السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا ". # والمراد بذكر الله الخطبة والصلاة جميعا، لاشتمالهما عليه، واستظهر ~~بعضهم أن المراد به الصلاة، وقصره بعضهم على الخطبة... وإنما عبر - ~~سبحانه - بالسعى لتضمنه معنى زائدا على المشى، وهو الجد والحرص على ~~التبكير، وعلى توقى التأخير. والمعنى يامن آمنتم بالله حق الإيمان، إذا ~~نادى المنادى لأجل الصلاة فى يوم الجمعة، فامضوا إليها بجد، وإخلاص نية، ~~وحرص على الانتفاع بما تسمعونه من خطبة الجمعة، التى هى لون من ألوان ذكر ~~الله - تعالى - وطاعته. والأمر فى قوله - سبحانه - { فاسعوا إلى ~~ذكر الله وذروا البيع.. } الظاهر أنه للوجوب، لأن الأمر ~~يقتضى الوجوب، ما لم يوجد له صارف عن ذلك، ولا صارف له هنا. والمراد من ~~البيع هنا ms5051 المعاملة بجميع أنواعها، فهو يعم البيع والشراء وسائر أنواع ~~المعاملات. أى إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة، فاخرجوا إليها بحرص وسكينة ~~ووقار. واتركوا المعاملات الدنيوية من بيع، وشراء، وإجارة، وغيرها. وإنما ~~قال - سبحانه - { وذروا البيع... } لأنه أهم أنواع المعاملات، ~~فهو من باب التعبير عن الشىء بأهم أجزائه. واسم الإشارة فى قوله - ~~سبحانه - { ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } يعود إلى ~~ما سبق ذكره من الأمر بالسعى إلى ذكر الله، متى نودى للصلاة، وترك ~~الاشتغال بالبيع وما يشبهه. أى ذلك الذى أمرتكم به من السعى إلى ذكر الله ~~عند النداء للصلاة من يوم الجمعة، ومن ترك أعمالكم الدنيوية. # . خير لكم مما يحصل لكم من رزق فى هذه الأوقات، عن طريق البيع أو الشراء ~~أو غيرهما. فالمفضل عليه محذوف، لدلالة الكلام عليه، والمفضل هو السعى ~~إلى ذكر الله - تعالى -. وهذا التفضيل باعتبار أن منافع السعى إلى ذكر ~~الله - تعالى - باقية دائمة، أما المنافع الدنيوية فهى زائلة فانية.. ~~وجواب الشرط فى قوله { إن كنتم تعلمون } محذوف أى إن كنتم ~~تعلمون ما هو خير لكم، فاسعوا إلى ذكر الله عند النداء للصلاة، واتركوا ~~البيع والشراء. أو إن كنتم من أهل العلم والفقه السليم للأمور، عرفتم أن ~~امتثال أمر الله - تعلى - بأن تسعوا، إلى ذكره عند النداء لصلاة الجمعة، ~~خير لكم من الاشتغال فى هذا الوقت بالبيع والشراء.. إذ فى هذا الامتثال ~~سعادتكم ونجاتكم من خزى الدنيا وعذاب الآخرة. ثم بين - سبحانه - جانبا من ~~مظاهر تيسيره عليهم فى تشريعاته فقال { فإذا قضيت الصلاة ~~فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله... }. أى ~~فإذا فرغتم من أداء الصلاة وأقمتموها على أكل وجه، فانتشروا فى الأرض، ~~وامشوا فى مناكبها، لأداء أعمالكم التى كنتم قد تركتموها عند النداء ~~للصلاة، واطلبوا الربح واكتساب المال والرزق، من فضل الله - تعالى - ومن ~~فيض إنعامه، والأمر هنا للإباحة، لأنه وارد بعد حظر، فهو كقوله - تعالى ~~- # وإذا حللتم فاصطادوا... # أى أن الانتشار فى الأرض بعد الصلاة لطلب الرزق، ليس واجبا عليهم، إذ ~~طلب الرزق ms5052 قد يكون فى هذا الوقت، وقد يكون فى غيره.. والمقصود من الآية ~~إنما هو تنبيه الناس، إلى أن لهم فى غير وقت الصلاة، سعة من الزمن فى طلب ~~الرزق، وفى الاشتغال بالأمور الدنيوية، فعليهم أن يسعوا إلى ذكر الله، ~~إذا ما نودى للصلاة من يوم الجمعة، وأن يحرصوا على ذلك حرصا تاما، مصحوبا ~~بالنية الطيبة، وبالهيئة الحسنة. وبالمضى المبكر إلى المسجد. وقوله - ~~سبحانه - { واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون } ~~تحذير لهم من الانتشار فى الأرض لمصالحهم الدنيوية، دون أن يعطو طاعة ~~الله - تعالى - وعبادته، ما تستحقه من عناية ومواظبة. أى إذا قضيت ~~الصلاة، فانتشروا فى الأرض لتحصيل معاشكم، دون أن يشغلكم ذلك عن الإكثار ~~من ذكر الله - تعالى - فى كل أحوالكم، فإن الفلاح كل الفلاح فى تقديم ما ~~يتعلق بأمور الدين، على ما يتعلق بأمور الدنيا، وفى تفضيل ما يبقى على ما ~~يفنى. والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها ترسم للمسلم التوازن السامى، ~~بين ما يقتضيه دينه، وما تقتضيه دنياه. إنها تأمره بالسعى فى الأرض، ولكن ~~فى غير وقت النداء للصلاة من يوم الجمعة، ودون أن يشغله هذا السعى عن ~~الإكثار من ذكر الله، فإن الفلاح فى الإقبال على الطاعات التى ترضيه - ~~سبحانه - ومن بين هذه الطاعات أن يكثر الإنسان من ذكر الله - تعالى -، ~~حتى فى حالة سعيه لتحصيل رزقه. # ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بعتاب يحمل فى طياته ثوب التأديب ~~والإرشاد والتأنيب، لمن آثر مطالب الدنيا على مطالب الآخرة فقال - تعالى ~~- { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ~~وتركوك قآئما... }. قال الإمام ابن كثير ما ملخصه يعاتب - تبارك ~~وتعالى - على ما كان وقع من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة، ~~التى قدمت المدينة يومئذ، فقال { وإذا رأوا تجارة أو ~~لهوا انفضوا إليها وتركوك قآئما... }. فقد أخرج ~~الشيخان وغيرهما عن جابر قال قدمت عير - أى تجارة - المدينة، ورسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة - فخرج الناس، وبقى اثنا ~~عشر رجلا، فنزلت هذه الآية. وفى رواية عن جابر - أيضا ms5053 - أنه قال # " بينما النبى - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة، فقدمت عير إلى ~~المدينة، فابتدرها الناس، حتى لم يبق مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~إلا اثنا عشر رجلا، فقال - صلى الله عليه وسلم - " والذى نفسى بيده، لو ~~تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد، لسال بكم الوادى نارا " # ونزلت هذه الآية..BR>> وفى رواية أن الذين بقوا فى المسجد كانوا أربعين، ~~وأن العير كانت لعبد الرحمن بن عوف، وكان قد أصاب أهل المدينة جوع وغلاء ~~سعر... وفى رواية أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب، فقدم دحية ~~الكلى بتجارة له. فتلقاه أهله بالدفوف. فخرج الناس. و " إذا " فى قوله - ~~تعالى - { وإذا رأوا تجارة... } ظرف للزمان الماضى المجرد عن ~~الشرط، لأن هذه الآية نزلت على الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد أن ~~انفض عنه من انفض وهو يخطب وقوله { انفضوا } من الانفضاض، بمعنى ~~التفرق. يقال انفض فلان عن فلان إذا تركه وانصرف عنه، وهو من الفض، بمعنى ~~كسر الشىء والتفريق بين أجزائه. والضمير فى قوله { إليها } يعود ~~للتجارة، وكانت عودته إليها دون اللهو، لأن الانفضاض كان لها بالأصالة، ~~والمراد باللهو هنا فرحهم بمجىء التجارة واستقبالهم لها بالدفوف، لأنهم ~~كانوا فى حالة شديدة من الفقر وغلاء الأسعار. والتعبير بأو يشير إلى أن ~~بعض المنفضين قد انفضوا من أجل التجارة، وأن البعض الآخر قد انفض من أجل ~~اللهو. قال الجمل فى حاشيته والذى سوغ لهم الخروج وترك الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - يخطب، أنهم ظنوا أن الخروج بعد تمام الصلاة جائز، لانقضاء ~~المقصود وهو الصلاة، لأنه كان - صلى الله عليه وسلم - فى أول الإسلام ~~يصلى الجمعة قبل الخطبة كالعيدين، فلما وقعت هذه الواقعة، ونزلت الآية، ~~قدم الخطبة وأخر الصلاة. # .. وقوله - سبحانه - { وتركوك قآئما } جملة حالية من فاعل { ~~انفضوا } والمقصود بها توبيخهم على هذا التصرف، حيث تركوا رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - واقفا يخطب على المبنر، وانصرفوا إلى التجارة ~~واللهو. وقوله - سبحانه - { قل ما عند الله خير من ~~اللهو ومن التجارة والله ms5054 خير الرازقين } إرشاد ~~لهم إلى ما هو الأنفع والأبقى والأكرم لهم. أى قل - أيها الرسول الكريم - ~~لهؤلاء الذين انفضوا عنك وأنت تخطب.. قل لهم ما عند الله - تعالى - من ~~ثواب ومن عطاء خير من اللهو الذى يشغلكم عن ذكر الله، ومن التجارة التى ~~تبتغون من ورائها الربح المادى، والمنافع العاجلة. والله - تعالى - هو ~~خير الرازقين لأنه - سبحانه - هو وحده الذى يقسم الأرزاق، وهو الذى يعطى ~~ويمنع، كما قال - سبحانه - # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز ~~الحكيم # وقدمت التجارة على اللهو فى صدر الآية، لأن رؤيتها كانت الباعث الأعظم ~~على الانفضاض إليها، وترك الرسول - صلى الله عليه وسلم - قائما يخطب على ~~المنبر، ولم يبق معه إلا عدد قليل من أصحابه. وأخرت فى آخر الآية وقدم ~~اللهو عليها، ليكون ذمهم على انفضاضهم أشد وأوجع، حتى لا يعودوا إلى مثل ~~ذلك. هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى ~~1 - فضل يوم الجمعة، وفضل صلاة يوم الجمعة، والتحذير من ترك أدائها. ومن ~~الأحاديث التى وردت فى هذا المعنى، ما رواه مسلم وأبو داود والنسائى عن ~~أبى هرير، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال # " خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم. وفيه أدخل الجنة، ~~وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا فى يوم الجمعة ". # وروى الشيخان عن أبى هريرة أنه سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول # " نحن الآخرون - أى زمنا - السابقون يوم القيامة قبل غيرهم -، بيد أنهم ~~- أى اليهود والنصارى - أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، ثم ~~هذا يومهم الذى فرض عليهم - أى تعظيمه - فاختلفوا فيه فهدانا الله، ~~فالناس لنا فيه تبع اليهود غدا - أى السبت - والنصارى بعد غد - أى الأحد ~~- ". # وروى مسلم والنسائى عن ابن عمر أنه سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول على أعواد مبره # " لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات - أى تركهم صلاة الجمعة - أو ~~ليختمن الله على ms5055 قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين.. ". # قال القرطبى ما ملخصه وإنما سميت الجمعة جمعة، لأنها مشتقة من الجمع حيث ~~يجتمع الناس فيها للصلاة.. وكان يقال ليوم الجمعة العروبة.. قال ~~البيهقى وروينا عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب الزهرى، أن مصعب بن عمير، ~~كان أول من جمع الجمعة بالمدينة بالمسلمين، قبل أن يهاجر إليها الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم -. ثم قال القرطبى وأما أول جمعة جمعها - صلى الله ~~عليه وسلم - بأصحابه، قال أهل السير والتاريخ # " قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مهاجرا حتى نزل بقباء، على بنى ~~عمروا بن عوف، يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول حين ~~اشتد الضحى - ومن تلك السنة يعد التاريخ - فأقام بقباء إلى يوم الخميس، ~~وأسس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة، فأدركته الجمعة فى بنى سالم ~~بن عوف، فى بطن واد لهم، فجمع بهم وخطب، وهى أول خطبة خطبها بالمدينة، ~~وقال فيها الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأستغفره، وأستهديه ". # 2 - الآية الكريمة وإن كانت قد أمرت المؤمنين بالسعى إلى صلاة الجمعة ~~عند النداء لها، إلا أن هناك أحاديث متعددة تحض على التبكير بالحضور ~~إليها، وبالغسل لها، وبمس الطيب، وبالحضور إليها على أحسن حالة.. ومن تلك ~~الأحاديث ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال # " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة - أى كغسل الجنابة - ثم راح إلى ~~المسجد، فكأنما قرب بدنة - أى ناقة ضخمة.. ومن راح فى الساعة الثانية ~~فكأنما قرب بقرة، ومن راح فى الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن - أى ~~له قرون - ومن راح فى الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح فى ~~الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون ~~الذكر ". # وروى ابن ماجه عن ابن مسعود قال سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول # " إن الناس يجلسون يوم القيامة على قدر تراوحهم إلى الجمعات، الأول ثم ~~الثانى ثم الثالث ثم الرابع، وما رابع أربعة من الله ببعيد ". # وروى ms5056 الشيخان عن أبى سعيد الخدرى، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال # " على كل مسلم الغسل يوم الجمعة، ويلبس من صالح ثيابه، وإن كان له طيب ~~مس منه.. ". # 3 - أخذ العلماء من قوله - تعالى - {... إذا نودي للصلاة من ~~يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا ~~البيع.. } أن صلاة الجمعة فريضة محكمة، وأن السعى لأدائها واجب، وأن ~~ترك ذلك محرم شرعا. # . ومن المعروف بين العلماء أن الأمر يقتضى الوجوب، ما لم يوجد له صارف، ~~ولا صارف له هنا.. قال الإمام القرطبى فرض الله - تعالى - الجمعة على كل ~~مسلم، ردا على من يقول إنها فرض على الكفاية، ونقل عن بعض الشافعية أنها ~~سنة. وجمهور الأمة والأئمة أنها فرض على الأعيان، لقوله - تعالى - {... ~~إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ~~ذكر الله وذروا البيع... }. وثبت عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال # " لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على ~~قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين ". # وهذا حجة واضحة فى وجوب الجمعة وفرضيتها... قال بعض العلماء جاء فى ~~الآية الكريمة الأمر بالسعى، والأمر للوجوب فيكون السعى واجبا، وقد أخذ ~~العلماء من ذلك أن الجمعة فريضة، لأنه - سبحانه - قد رتب الأمر للذكر على ~~النداء للصلاة، فأذا كان المراد بالذكر هو الصلاة، فالدلالة ظاهرة، لأنه ~~لا يكون السعى لشىء واجبا، حتى يكون ذلك الشىء واجبا. وأما إذا كان ~~المراد بالذكر الخطبة فقط، فهو كذلك لأن الخطبة شرط الصلاة، وقد أمر ~~بالسعى إليه، والأمر للوجوب، فإذا وجب السعى للمقصود تبعا، فما ذلك إلا ~~لأن المقصود بالذات واجب.. كما أن الاشتغال بالبيع أو الشراء وقت النداء ~~محرم، لأن الأمر للوجوب، وقال بعضهم هو مكروه كراهة تحريم... ومما يدل ~~على أن صلاة الجمعة فريضة محكمة، وأن السعى إليها واجب، وأن الاشتغال ~~عنها بالبيع أبو الشراء محرم، ما جاء فى الأحاديث من الأمر بالمحافظة ~~عليها، ومن التحذير من تركها، ومن ذلك ما رواه أبو داود من حديث أبى ~~الجعد، أن رسول الله - صلى الله عليه ms5057 وسلم - قال # " من ترك ثلاث جمع تهاونا بها، طبع الله على قلبه ". # 4 - قوله - تعالى - { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في ~~الأرض.. } يدل دلالة واضحة، على سمو شريعة الإسلام، وعلى سماحتها ~~ويسرها، وجمعها بين مطالب الدنيا ومطالب الآخرة. ومع أن هذا الأمر ~~بالانتشار بعد الصلاة للإباحة - كما سبق أن قلنا - إلا أن بعض السف كان ~~إذا انتهت الصلاة، خرج من المسجد، ودار فى السوق ساعة، ثم رجع إلى المسجد ~~فصلى ما شاء أن يصلى. قال الإمام ابن كثير كان عراك بن مالك - أحد كبار ~~التابعين - إذا صلى الجمعة، انصرف فوقف على باب المسجد وقال اللهم إنى ~~أجبت دعوتك وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتنى، فارزقنى من فضلك وأنت خير ~~الرازقين... هذا، وهناك أحكام أخرى توسع المفسرون والفقهاء فى الحديث ~~عنها، فليرجع إليها من شاء المزيد من معرفة هذه الأحكام والآداب.. وبعد ~~فهذا تفسير لسورة " الجمعة " نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ~~ونافعا لعباده.. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [63 - سورة المنافقون] ### || [63.1-4] # افتتح الله - تعالى - السورة الكريمة، بالحديث عن صفة من أبرز الصفات ~~الذميمة للمنافقين، ألا وهى صفة الكذب والخداع، فقال - تعالى - { إذا ~~جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله... ~~}. و { إذا } هنا ظرف للزمان الماضى، بقرينة كون جملتيها ماضيتين، ~~وجواب " إذا " قوله { قالوا نشهد إنك لرسول الله... } ~~والخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم -. و { المنافقون } جمع ~~منافق، وهو من يظهر الإسلام ويخفى الكفر، أو من يظهر خلاف ما يبطن من ~~أقوال وأفعال. أى إذا حضر المنافقون إلى مجلسك - أيها الرسول الكريم ~~-قالوا لك على سبيل الكذب والمخادعة والمداهنة.. نشهد أنك رسول من عند ~~الله - تعالى -، وأنك صادق فيما تبلغه عن ربك. وعبروا عن التظاهر ~~بتصديقهم له - صلى الله عليه وسلم - بقوله { نشهد } - المأخوذ من ~~الشهادة التى هى إخبار عن أمر مقطوع به - وأكدوا هذه الشهادة بإن واللام، ~~للإيهام بأن شهادتهم صادقة، وأنهم لا يقصدون بها إلا وجه الحق، وأن ما ~~على ألسنتهم يوافق ما فى قلوبهم. ms5058 قال الشوكانى أكدوا شهادتهم بإن ~~واللام، للإشعار بأنها صادرة من صميم قلوبهم، مع خلوص نياتهم، والمراد ~~بالمنافقين، عبد الله بن أبى وأتباعه. ومعنى نشهد نحلف، فهو يجرى مجرى ~~القسم، ولذا يتلقى بما يتلقى به القسم.. ومثل نشهد نعلم، فإنه يجرى مجرى ~~القسم كما فى قول الشاعر # ولقد علمت لتأتين منيتى إن المنايا لا تطيش سهامها # وقوله { والله يعلم إنك لرسوله } جملة معترضة مقررة ~~لمضمون ما قبلها، من كونه - صلى الله عليه وسلم - رسول من عند الله - ~~تعالى - حقا. وجملة { والله يشهد إن المنافقين ~~لكاذبون } معطوفة على قوله { قالوا نشهد }. أى إذا حضر ~~المنافقون إليك - أيها الرسول الكريم - قالوا كذبا وخداعا نشهد إنك لرسول ~~الله، والله - تعالى - { يعلم إنك لرسوله } حقا سواء شهدوا ~~بذلك أم لم يشهدوا، فأنت لست فى حاجة إلى هذه الشهادة التى تخالف ~~بواطنهم. { والله } - تعالى - { يشهد إن المنافقين ~~لكاذبون } فى قولهم نشهد إنك لرسول الله، لأن قولهم هذا يباين ما ~~أخفته قلوبهم المريضة، من كفر ونفاق وعداوة لك وللحق الذى جئت به. ~~والإيمان الحق لا يتم إلا إذا كان ما ينطق به اللسان، يوافق ويواطىء، ما ~~أضمره القلب، وهؤلاء قد قالوا بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم، فثبت كذبهم فى ~~قولهم نشهد إنك لرسول الله.. قال صاحب الكشاف فإن قلت أى فائدة فى قوله - ~~تعالى - { والله يعلم إنك لرسوله }؟ قلت لو قال قالوا ~~نشهد إنك لرسول الله، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون، لكان يوهم أن ~~قولهم هذا كذب، فوسط بينهما قوله { والله يعلم إنك ~~لرسوله } ليميط هذا الإيهام. # .. وجىء بالفعل { يشهد } فى الإخبار عن كذبهم فيما قالوه، ~~للمشاكلة، حتى يكون إبطال خبرهم مساويا لإخبارهم ولما نطقوا به. ثم بين ~~- سبحانه - جانبا من الوسائل التى كانوا يستعملونها لكى يصدقهم من يسمعهم ~~فقال - تعالى - { اتخذوا أيمانهم جنة }. والأيمان - بفتح ~~الهمزة - جمع يمين، والجنة - بضم الجيم - ما يستتر به المقاتل ليتقى ~~ضربات السيوف والرماح والنبال.. أى أن هؤلاء المنافقين إذا ظهر كذبهم، أو ~~إذا جوبهوا بما يدل على كفرهم ونفاقهم، أقسموا، ms5059 بالأيمان المغلظة بأنهم ~~ما قالوا أو فعلوا ما يسىء إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - أو إلى ~~المؤمنين.. فهم يستترون بالحلف الكاذب، حتى لا يصيبهم أذى من المؤمنين، ~~كما يستتر المقاتل بترسه من الضربات. وقد حكى القرآن كثيرا من أيمانهم ~~الكاذبة، ومن ذلك قوله - تعالى - # ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ~~ولكنهم قوم يفرقون # وقوله - سبحانه - # يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة ~~الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ~~ينالوا... # وقوله - عز وجل - # يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله ~~أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين # قال الآلوسى قال قتادة كلما ظهر شىء منهم يوجب مؤاخذتهم، حلفوا كاذبين، ~~عصمة لأموالهم ودمائهم... والفاء فى قوله - تعالى - { فصدوا عن ~~سبيل الله... } للتفريع على ما تقدم. أى اتخذوا أيمانهم الفاجرة ~~ذريعة أمام المؤمنين لكى يصدقوهم، فتمكنوا عن طريق هذه الأيمان الكاذبة، ~~من صد بعض الناس عن الصراط المستقيم، ومن تشكيكهم فى صحة ما جاء به النبى ~~- صلى الله عليه وسلم -. فهم قد جمعوا بين رذيلتين كبيرتين إحداهما ~~تعمد الأيمان الكاذبة، والثانية إعراضهم عن الحق، ومحاولتهم صرف غيرهم ~~عنه. وقوله - سبحانه - { إنهم سآء ما كانوا يعملون } ~~تذييل قصد به بيان قبح أحوالهم، وسوء عاقبتهم. و " ساء " فعل ماض بمعنى ~~بئس فى إفادة الذم، و " ما " موصولة والعائد محذوف. أى إن هؤلاء ~~المنافقين بئس ما كانوا يقولونه من أقوال كاذبة، وساء ما كانوا يفعلونه ~~من أفعال قبيحة، سيكونون بسببها يوم القيامة فى الدرك الأسفل من النار. ~~واسم الإشارة فى قوله - تعالى - بعد ذلك { ذلك بأنهم آمنوا ~~ثم كفروا } يعود إلى ما تقدم ذكره من الكذب، ومن الصد عن سبيل ~~الله، ومن قبح الأقوال والأفعال. أى ذلك الذى ذكر من حالهم الذى دأبوا ~~عليه من الكذب والخداع والصد عن سبيل الله... سببه أنهم { آمنوا } أى ~~نطقوا بكلمة الإسلام بألسنتهم دون أن يستقر الإيمان فى قلوبهم، ثم ~~كفروا، أى ثم ارتكسوا فى الكفر واستمروا عليه، وظهر منهم ما يدل على ~~رسوخهم فيه ظهورا جليا، كقولهم # أنؤمن ms5060 كمآ آمن السفهآء... # وكقولهم للمجاهدين # لا تنفروا في الحر... # { فطبع على قلوبهم } أى فختم الله - تعالى - عليها بالكفر ~~نتيجة إصرارهم عليه، فصاروا، بحيث لا يصل إليها الإيمان. { فهم لا ~~يفقهون } أى فهم لا يدركون حقيقة الإيمان أصلا، ولا يشعرون به، ولا ~~يفهمون حقائقه لانطماس بصائرهم. وقوله { ذلك } مبتدأ، وقوله { ~~بأنهم آمنوا ثم كفروا... } خبر والباء للسببية. و { ثم ~~} للتراخى النسبى، لأن إبطان الكفر مع إظهار الإيمان أعظم من الكفر ~~الصريح، وأشد ضررا وقبحا. قال صاحب الكشاف فإن قلت المنافقون لم يكونوا ~~إلا على الكفر الثابت الدائم، فما معنى قوله { آمنوا ثم كفروا ~~}؟. قلت فيه ثلاثة أوجه أحدها آمنوا أى نطقوا بكلمة الشهادة، وفعلوا كما ~~يفعل من يدخل فى الإسلام، ثم كفروا. أى ثم ظهر كفرهم بعد ذلك وتبين بما ~~أطلع الله عليه المؤمنين من قولهم إن كان ما يقوله محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - حقا فنحن حمير.. والثانى آمنوا، أى نطقوا بالإيمان عند المؤمنين، ~~ثم نطقوا بالكفر عند شياطينهم استهزاء بالإسلام، كقوله - تعالى - # وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا ~~إلى شياطينهم قالوا إنا معكم # الثالث أن يراد أهل الردة منهم... ثم رسم - سبحانه - لهم بعد ذلك صورة ~~تجعل كل عاقل يستهزىء بهم، ويحتقرهم، ويسمو بنفسه عن الاقتراب منهم. فقال ~~- تعالى - { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن ~~يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة }. ~~قال القرطبى قال ابن عباس كان عبد الله بن أبى، وسيما جسيما صحيحا صبيحا، ~~ذلق اللسان، فإذا قال سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - مقالته. وقال ~~الكلبى المراد ابن أبى، وجد بن قيس، ومعتب بن قشير، كانت لهم أجسام ~~ومنظر، وفصاحة.. و { خشب } - بضم الخاء والشين - جمع خشبة - بفتحهما ~~- كثمرة وثمر. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائى كأنهم خشب - بضم ~~الخاء وسكون الشين - كبدنة وبدن. أى وإذا رأيت - أيها الرسول الكريم ~~- هؤلاء المنافقين، أعجبتك أجسامهم، لكمالها وحسن تناسقها، وإن يقولوا ~~قولا حسبت أنه صدق، لفصاحته، وأحببت الاستماع إليه لحلاوته. وعدى الفعل " ~~تسمع " باللام، لتضمنه معنى تصغ لقولهم. ms5061 وجملة { كأنهم خشب ~~مسندة } مستأنفة، أو خبر لمبتدأ محذوف. أى كأنهم وهم جالسون فى ~~مجلسك، مستندين على الجدران، وقد خلت قلوبهم من الخير والإيمان، كأنهم ~~بهذه الحالة، مجموعة من الأخشاب الطويلة العريضة، التى استندت إلى ~~الحوائط، دون أن يكون فيها حسن، أو نفع، أو عقل. فهم أجسام تعجب، وأقوال ~~تغرى بالسماع إليها، ولكنهم قد خلت قلوبهم من كل خير، وامتلأت نفوسهم بكل ~~الصفات الذميمة. # فهم كما قال القائل # لا بأس بالقوم من طول ومن غلظ جسم البغال وأحلام العصافير # وشبههم - سبحانه - بالخشب المسندة على سبيل الذم لهم، أى كأنهم فى عدم ~~الانتفاع بهم، وخلوهم من الفائدة كالأخشاب المسندة إلى الحوائط الخالية ~~من أية فائدة. ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال فإن قلت ما معنى { ~~كأنهم خشب مسندة }؟. قلت شبهوا فى استنادهم - وما هم إلا ~~أجرام خالية عن الإيمان والخير بالخشب المسندة إلى الحوائط لأن الخشب ~~إذا انتفع به، كان فى سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع، وما دام ~~متروكا فارغا غير منتفع به، أسند إلى الحائط، فشبهوا به فى عدم الانتفاع. ~~ويجوز أن يراد بالخشب المسندة الأصنام المنحوتة من الخشب، المسندة إلى ~~الحيطان، وشبهوا بها فى حسن صورهم، وقلة جدواهم، والخطاب للرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - أو لكل من يخاطب... فأنت ترى القرآن الكريم وصفهم بتلك ~~الصفة البديعة فى التنفير منهم وعدم الاغترار بمظهرهم لأنهم كما قال ~~القائل # لا تخدعنك اللحى ولا الصور تسعة أعشار من ترى بقر تراهم كالسحاب منتشرا ~~وليس فيه لطالب مطر فى شجر السرو منهم شبه له رواء وماله ثمر # ثم وصفهم - سبحانه - بعد ذلك بالجبن والخور فقال { يحسبون كل ~~صيحة عليهم... }. والصيحة المرة من الصياح، والمراد بها ما ينذر ~~ويخيف أى يظنون لجبن قلوبهم ولسوء نواياهم، وخبث نفوسهم - أن كل صوت ~~ينادى به المنادى، لنشدان ضالة، أو انفلات دابة.. إنما هو واقع عليهم ضار ~~بهم مهلك لهم.. قال الآلوسى قوله { يحسبون كل صيحة ~~عليهم } أى واقعة عليهم، ضارة لهم، لجبنهم وهلعهم. وقيل كانوا ms5062 على ~~وجل من أن ينزل الله - تعالى - فيهم ما يهتك أستارهم، ويبيح دماءهم ~~وأموالهم. والوقف على " عليهم " الواقع مفعولا ثانيا ل " يحسبون " وهو ~~وقف تام. وقوله - تعالى - { هم العدو } استئناف. أى هم الكاملون ~~فى العداوة، والراسخون فيها، فإن أعدى الأعداء، العدو المداجى. { ~~فاحذرهم } لكونهم أعدى الأعداء، ولا تغترن بظواهرهم... وقوله - ~~سبحانه - { قاتلهم الله أنى يؤفكون } دعاء عليهم بالطرد ~~من رحمة الله - تعالى -، وتعجيب لكل مخاطب من أحوالهم التى بلغت النهاية ~~فى السوء والقبح. عن ابن عباس أن معنى { قاتلهم الله } طردهم من ~~رحمته ولعنهم، وكل شىء فى القرآن قتل فهو لعن... و { أنى } بمعنى كيف، ~~و { يؤفكون } بمعنى يصرفون، من الأفك - بفتح الهمزة والفاء - بمعنى ~~الانصراف عن الشىء. أى لعن الله - تعالى - هؤلاء المنافقين، وطردهم من ~~رحمته، لأنهم بسبب مساكلهم الخبيثة، وأفعالهم القبيحة، وصفاتهم السيئة.. ~~صاروا محل مقت العقلاء، وعجبهم، إذ كيف ينصرفون عن الحق الواضح إلى ~~الباطل الفاضح، وكيف يتركون النور الساطع، ويدخلون فى الظلام الدامس؟!! ~~وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد فضحت المنافقين، وحذرت من شرورهم، ~~ووصفتهم بالصفات التى تخزيهم، وتكشف عن دخائلهم المريضة. ثم وصفهم - ~~سبحانه - بصفات أخرى، لا تقل فى قبحها وبشاعتها عن سابقتها فقال - تعالى ~~- { وإذا قيل لهم... }. ### || [63.5-8] # وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات متعددة، فصلها الإمام ~~ابن كثير - رحمه الله - فقال ما ملخصه وقد ذكر غير واحد من السلف أن هذا ~~السياق نزل فى عبد الله بن أبى بن سلول وأتباعه، فقد ذكر محمد بن إسحاق، ~~أنه لما قدم النبى - صلى الله عليه وسلم - المدينة بعد غزوة أحد، قام عبد ~~الله بن أبى، والرسول - صلى الله عيه وسلم - يخطب للجمعة، فقال أيها ~~الناس، هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكرمكم الله به.. فأخذ بعض ~~المسلمين بثيابه من نواحيه وقالوا له اجلس يا عدو الله، لست لهذا المقام ~~بأهل، وقد صنعت ما صنعت - يعنون مرجعه بثلث الناس دون أن يشتركوا فى غزوة ~~أحد -. فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول ms5063 والله لكأنما قلت بجرا - أى ~~أمرا منكرا - أن قمت أشدد أمره. فلقيه رجال من الأنصار بباب المسجد، ~~فقالوا له ويلك، مالك؟.. ارجع للنبى يستغفر لك رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال والله ما أبتغى أن يستغفر لى. وفى رواية أنه قيل له لو أتيت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فسألته أن يستغفر لك، فجعل يلوى رأسه ~~ويحركه استهزاء.. ثم قال الإمام ابن كثير - رحمه الله - ما ملخصه وذكر ~~ابن إسحاق فى حديثه عن غزوة بنى المصطلق - وكانت فى شعبان من السنة ~~الخامسة من الهجرة - # " أن غلاما لعمر بن الخطاب - رضى الله عنه - اسمه الجهجاه بن سعيد ~~الغفارى تزاحم على ماء مع رجل من الأنصار اسمه سنان بن وبر.. فقال سنان ~~يا معشر الأنصار، وقال الجهجاه يا معشر المهاجرين. فغضب عبد الله بن أبى ~~- وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم - وقال أو قد فعلوها؟!! قد نافرونا ~~وكاثرونا فى بلادنا. والله ما مثلنا وجلابيب قريش - يعنى المهاجرين - إلا ~~كما قال القائل " سمن كلبك يأكلك " والله لئن رجعنا إلى المدينة، ليخرجن ~~الأعز منها الأذل. فذهب زيد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره ~~الخبر.. فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله، مر عباد بن بشر فليضرب عنق عبد ~~الله بن أبى بن سلول. فقال - صلى الله عليه وسلم - فكيف إذا الناس تحدث ~~يا عمر، أن محمدا يقتل أصحابه؟ لا، ولكن ناد يا عمر فى الناس بالرحيل. ~~فلما بلغ عبد الله بن أبى أن ذلك قد بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أتاه فاعتذر إليه، وحلف بالله ما قال الذى قاله عنه زيد بن أرقم.. وراح ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مهجرا فى ساعة كان لا يروح فيها، فلقيه ~~أسيد بن الحضير، فقال له يا رسول الله، لقد رحت فى ساعة ما كنت تروح ~~فيها. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أما بلغك ما قال صاحبك بن ~~أبى؟ زعم أنه إذا قدم المدينة أنه سيخرج الأعز ms5064 منها الأذل. فقال ~~أسيد فأنت يا رسول الله العزيز وهو الذليل.. وإنما خرج رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فى هذا الوقت الذى لم يتعود السفر فيه، ليشغل الناس عن ~~الحديث، الذى كان من عبد الله بن أبى ". # قال ابن إسحق ونزلت سورة المنافقين فى ابن أبى وأتباعه، فلما نزلت أخذ ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأذن زيد بن أرقم ثم قال # " هذا الذى أوفى الله بأذنه ". # وفى رواية أنه - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى زيد فقرأها عليه ثم قال # " إن الله قد صدقك " # ثم قال ابن إسحاق وبلغنى أن عبد الله بن عبد الله بن أبى بلغه ما كان من ~~أمر أبيه، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له # " يا رسول الله بلغنى أنك تريد قتل أبى.. فإن كنت فاعلا، فمرنى به، فأنا ~~أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده ~~منى، وإنى أخشى أن تأمر غيرى بقلته، فلا تدعنى نفسى أن أرى قاتل أبى يمشى ~~على الأرض فأقتله، فأكون قد قتلت مؤمنا بكافر، فأدخل النار. فقال - صلى ~~الله عليه وسلم - " بل نترفق به ونحسن صحبته، ما بقى معنا ". # وذكر عكرمة وابن زيد وغيرهما أن الناس لما قفلوا راجعين إلى المدينة، ~~وقف عبد الله بن عبد الله بن أبى على باب المدينة، واستل سيفه، فجعل ~~الناس يمرون عليه، فلما جاء أبوه قال له وراءك فقال له أبوه ويلك مالك؟ ~~فقال والله لا تجوز من ها هنا حتى يأذن لك رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فإنه العزيز وأنت الذليل. فلما جاء رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وكان يسير فى مؤخرة الجيش شكا إليه عبد الله بن أبى ما فعله ابنه ~~عبد الله معه. فقال ابنه والله يا رسول الله لا يدخلها حتى تأذن له. فأذن ~~له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال عبد الله لأبيه أما إذ أذن لك ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجز الآن. ms5065 والآن وبعد ذكر جانب من هذه ~~الآثار التى وردت فى سبب نزول هذه الآيات، نعود إلى تفسيرها فنقول وبالله ~~التوفيق. # قوله - تعالى - { وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم ~~رسول الله لووا رءوسهم.. } بيان لصفة أخرى من صفات ~~المنافقين، تدل على عنادهم وإصرارهم على كفرهم ونفاقهم. والقائل لهم { ~~تعالوا يستغفر لكم رسول الله } جماعة من المؤمنين، ~~على سبيل النصح لهؤلاء المنافقين لعلهم يقلعون عن كفرهم وفجورهم. والمراد ~~باستغفار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم توبتهم من ذنوبهم، وتركهم ~~لنفاقهم، وإعلان ذلك أمامه - صلى الله عليه وسلم - لكى يدعو الله - تعالى ~~- لهم بقبول توبتهم. وقوله { لووا رءوسهم } من اللى بمعنى ~~الإمالة من جانب إلى آخر، يقال لوى فلان رأسه، إذا أمالها وحركها، وهو ~~كناية عن التكبر والإعراض عن النصيحة. أى وإذ قال قائل لهؤلاء المنافقين ~~لقد نزل فى شأنكم ما نزل من الآيات القرآنية التى تفضحكم.. فتوبوا إلى ~~الله توبة نصوحا، وأقلعوا عن نفاقكم، وأقبلوا نحو رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بقلب سليم، لكى يستغفر الله - تعالى - لكم، بأن يلتمس منه ~~قبول توبتكم.. ما كان من هؤلاء المنافقين، إلا أن تكبروا ولجوا فى ~~طغيانهم، وأمالوا رءوسهم استهزاء وسخرية ممن نصحهم. { ورأيتهم } ~~أيها المخاطب { يصدون } أى يعرضون عن النصيحة { وهم ~~مستكبرون } عن قبولها، لانطماس بصائرهم، وإصرارهم على ما هم فيه ~~من باطل وجحود للحق. قال الآلوسى ما ملخصه روى أنه لما صدق الله - تعالى ~~- زيد بن أرقم فيما أخبر به عن ابن أبى، مقت الناس ابن أبى، وقال له ~~بعضهم امض إلى رسول الله - صلى الله عيه وسلم - واعترف بذنبك، يستغفر لك، ~~فلوى رأسه إنكارا لهذا الرأى، وقال لهم لقد أشرتم على بالإيمان فآمنت، ~~وأشرتم على بأن أعطى زكاة مالى فأعطيت.. ولم يبق لكم إلا أن تأمرونى ~~بالسجود لمحمد - صلى الله عليه وسلم -. وفى حديث أخرجه أحمد والشيخان.. ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعاهم ليستغفر لهم، فلووا رءوسهم... ~~وقوله { يستغفر لكم... } مجزوم فى جواب الأمر، وهو قوله { ~~تعالوا } وقوله ms5066 { لووا رءوسهم } جواب { إذا }. والتعبير ~~بقوله { تعالوا } تتضمن إرادة تخليص هؤلاء المنافقين مما هم فيه من ~~ضلال، وإرادة ارتفاعهم من انحطاط هم فيه إلى علو يدعون إليه، لأن الأصل ~~فى كله " تعالى " أن يقولها من كان فى مكان عال، لمن هو أسفل منه. ~~والتعبير بقوله - تعالى -، { ورأيتهم يصدون وهم ~~مستكبرون } يرسم صورة بغيضة لهم وهم يتركون دعوة الناصح لهم، ~~بعناد وتكبر وغرور، وبراهم الرائى بعينه وهم على تلك الصورة المنكرة، ~~التى تدل على جهالاتهم وإعراضهم عن كل خير. # وقوله - سبحانه - { سوآء عليهم أستغفرت لهم أم لم ~~تستغفر لهم لن يغفر الله لهم.. } تيئيس له - صلى ~~الله عليه وسلم - من إيمانهم، ومن قبولهم للحق. ولفظ " سواء " اسم مصدر ~~بمعنى الاستواء، والمراد به الفاعل. أى مستو، ولذلك يوصف به كما يوصف ~~بالمصدر، كما فى قوله - تعالى - # قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سوآء ~~بيننا وبينكم... # أى مستوية. أى إن هؤلاء الراسخين فى الكفر والنفاق، قد استوى عندهم ~~استغفارك لهم وعدم استغفارك، فهم لتأصل الجحود فيهم صاروا لا يفرقون بين ~~الحق والباطل، ولا يؤمنون بثواب أو عقاب.. ولذلك فلن يغفر الله - تعالى - ~~لهم مهما حرصت على هدايتهم وصلاحهم. وقوله - سبحانه - { إن الله ~~لا يهدي القوم الفسقين } تعليل لانتفاء المغفر من الله - ~~تعالى - لهم. أى لن يغفر الله - تعالى - لهم، لأن سنته - سبحانه - قد ~~اقتضت أن لا يهدى إلى طاعته، وأن لا يشمل بمغفرته، من فسق عن أمره، وآثر ~~الباطل على الحق، والكفر على الإيمان، لسوء استعداده، واتباعه لخطوات ~~الشيطان. وقوله - سبحانه - { هم الذين يقولون لا تنفقوا ~~على من عند رسول الله حتى ينفضوا... } كلام مستأنف ~~جار مجرى التعليل لفسقهم، وحكاية لجانب من أقوالهم الفاسدة.. والقائل هو ~~عبد الله بن أبى، كما جاء فى روايات أسباب النزول لهذه الآيات، والتى سبق ~~أن ذكرنا بعضها. ونسب - سبحانه - القول إليهم جميعا، لأنهم رضوا به، ~~وقبلوه منه. ومرادهم بمن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المهاجرون ~~الذين تركوا ديارهم فى مكة، واستقروا بالمدينة. أى إن هؤلاء ms5067 المنافقين لن ~~يغفر الله - تعالى - لهم، لأنهم فسقوا عن أمره، ومن مظاهر فسوقهم ~~وفجورهم، أنهم أيدوا زعيمهم فى النفاق، عندما قال لهم لا تنفقوا على من ~~عند رسول الله من فقراء المهاجرين، ولا تقدموا لأحد منهم عونا أو مساعدة، ~~حتى ينفضوا من حوله. أى حتى يتفرقوا من حوله. يقال انفض القوم إذا فنيت ~~أزوادهم يقال نفض الرجل وعاءه من الزاد فانفض، إذا انتهى زاده وليس ~~مرادهم حتى ينفضوا ويتفرقوا عنه، فإذا فعلوا ذلك فانفقوا عليهم. وإنما ~~مرادهم، استمروا على عدم مساعدتكم لهم، حتى يتركوا المدينة، وتكون مسكنا ~~لكم وحدكم. وقوله - سبحانه - { ولله خزآئن السماوات ~~والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون }. والخزائن جمع ~~خزينة، وهى ما يخزن فيها المال والطعام وما يشبههما، والمراد بها أرزاق ~~العباد التى يمنحها الله - تعالى - لعباده. أى ولله - تعالى - وحده لا ~~لأحد غيره، ملك أرزاق العباد جميعا فيعطى من يشاء، ويمنع من يشاء، ولكن ~~المنافقين لا يفقهون ذلك ولا يدركونه، لجهلهم بقدرة الله - تعالى -، ~~ولاستيلاء الجحود والضلال على نفوسهم. # ثم حكى - سبحانه - قولا آخر من أقوالهم القبيحة فقال { يقولون لئن ~~رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل.. }. والقائل هو عبد الله بن سلول، ولكن القرآن نسب القول ~~إليهم جميعا لأنهم رضوا بقوله، ووافقوه عليه. وجاء الأسلوب بصيغة ~~المضارع، لاستحضار هذه المقالة السيئة، وتلك الصورة البغيضة لهؤلاء ~~القوم. والأعز هو القوى لعزته، بمعنى أنه يغلب غيره، والأذل هو الذى ~~يغلبه غيره لذلته وضعفه. وأراد عبد الله بن أبى بالأعز، نفسه، وشيعته من ~~المنافقين، وأراد بالأذل، الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من ~~المهاجرين وغيرهم من المؤمنين الصادقين. والمراد بالرجوع فى قوله { لئن ~~رجعنآ } الرجوع إلى المدينة بعد انتهاء غزوة بنى المصطلق. أى يقول ~~هؤلاء المنافقون - على سبيل التبجح وسوء الأدب - لئن رجعنا إلى المدينة ~~بعد انتهاء هذه الغزوة، ليخرجن الفريق الأعز منا الفريق الأذل من ~~المدينة، حتى لا يبقى فيها أحد من هذا الفريق الأذل، بل تصبح خالية الوجه ~~لنا. وقد رد الله - تعالى - على مقالتهم الباطلة ms5068 هذه بما يخرس ألسنتهم ~~فقال { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ~~ولكن المنافقين لا يعلمون }. أى لقد كذب المنافقون ~~فيما قالوا، فإن لله - تعالى - وحده العزة المطلقة والقوة التى لا تقهر، ~~وهى - أيضا - لمن أفاضها عليه من رسله ومن المؤمنين الصادقين، وهى بعيدة ~~كل البعد عن أولئك المنافقين. وقال - سبحانه - { ولرسوله ~~وللمؤمنين } بإعادة حرف الجر، لتأكيد أمر هذه العزة، وأنها ~~متمكنة منهم لأنها مستمدة من إيمانهم بالله - تعالى - وحده. وقوله - ~~تعالى - { ولكن المنافقين لا يعلمون } استدرك قصد به ~~تجهيل هؤلاء المنافقين، أى ليست العزة إلا لله - تعالى - ولرسوله ~~وللمؤمنين، ولكن المنافقين لا يعلمون ذلك، ولا يعرفونه لاستيلاء الجهل ~~والغباء عليهم، لأنهم لو كانت لهم عقول تعقل، لعلموا أن العزة لدعوة ~~الحق، بدليل انتشارها فى الآفاق يوما بعد يوم، وانتصار أصحابها على ~~أعدائهم حينا بعد حين، وازدياد سلطانهم وقتا بعد وقت. قال صاحب الكشاف ~~قوله - تعالى - { ولله العزة... } أى الغلبة والقوة لله - ~~تعالى -، ولمن أعزه الله وأيده من رسوله، ومن المؤمنين، وهم الأخصاء ~~بذلك، كما أن المذلة والهوان، للشيطان وذويه من الكافرين والمنافقين. وعن ~~الحسن بن على - رضى الله عنهما - أن رجلا قال له إن الناس يزعمون أن فيك ~~تيها، قال ليس بتيه، ولكنه عزة، وتلا هذه الآية. وقال الإمام الرازى ~~العزة غير الكبر، ولا يحل للمؤمن أن يذل نفسه - لغير الله - فالعزة معرفة ~~الإنسان بحقيقة نفسه، وإكرامها عن أن يضعها فى غير موضعها اللائق بها، ~~كما أن الكبر جهل الإنسان بنفسه، وإنزالها فوق منزلتها، فالعزة تشبه ~~الكبر من حيث الصورة، وتختلف من حيث الحقيقة، كاشتباه التواضع بالضعة، ~~فالتواضع محمود، والضعة مذمومة، والكبر مذموم والعزة محمودة. # .. هذا، وإن المتدبر لهذه الآيات الكريمة وفى أسباب نزولها، ليرى فيها ~~ألوانا من العظات والعبر. يرى فيها التصرف الحكيم من الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - إذ أنه - صلى الله عليه وسلم - بمجرد أن بلغته تلك الأقوال ~~التى قالها عبد الله بن أبى، لكى يثير الفتنة بين المسلمين، ما كان منه ~~إلا أن أمر عمر ابن الخطاب، بأن ms5069 ينادى فى الناس بالرحيل.. لكى يشغل الناس ~~عما تفوه به ابن أبى، حتى لا يقع بينهم ما لا تحمد عقباه. كما يرى كيف ~~أنه - صلى الله عليه وسلم - عالج تلك الأحداث بحكمة حكيمة فعندما أشار ~~عليه عمر - رضى الله عنه - بقتل بن أبى.. ما كان منه - صلى الله عليه ~~وسلم - إلا أن قال له يا عمر، كيف إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه؟! ~~وأبى - صلى الله عليه وسلم - أن يأمر بقتله بل ترك لعشيريته من الأنصار ~~تأديبه وتوبيخه. ولقد بلغ الحال بابنه عبد الله - رضى الله عنه - وهو ~~أقرب الناس إليه، أن يمنعه من دخول المدينة حتى يأذن له رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بدخولها. كما يرى المتدبر لهذه الآيات، والأحداث التى ~~نزلت فيها، أن النفوس إذا جحدت الحق، واستولت عليها الأحقاد، واستحوذ ~~عليها الشيطان.. أبت أن تسلك الطريق المستقيم، مهما كانت معالمه واضحة ~~أمامها.. فعبد الله بن أبى وجماعته، وقفوا من الدعوة الإسلامية موقف ~~المحارب لها ولأتباعها، وسلكوا فى إذاعة السوء حول الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - وحول أصحابه كل مسلك.. مع أن آيات القرآن الكريم، كانت تتلى ~~على مسامعهم صباح مساء، ومع أن إرشادات الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~كانت تصل إليهم يوما بعد يوم، ومع أن المؤمنين الصادقين كانوا لا يكفون ~~عن نصحهم ووعظهم.. كما نرى أن الإيمان متى خالطت بشاشته القلوب، ضحى ~~الإنسان من أجله بكل شىء.. فعبد الله بن عبد الله بن أبى بن سلول، يقول ~~للرسول - صلى الله عليه وسلم - يا رسول الله بلغنى أنك تريد قتل أبى، فإن ~~كنت لابد فاعلا فمرنى به فأنا أحمل إليك رأسه.. ثم يقف على باب المدينة ~~شاهرا سيفه، ثم يمنع أباه من دخولها حتى يأذن له الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - بدخولها، وحتى يقول إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو العزيز، ~~وأنه هو - أى عبد الله ابن أبى - هو الذليل. وهكذا تعطينا هذه الآيات ~~وأحداثها ما تعطينا من عبر وعظات.. ثم تختتم السورة الكريمة ms5070 بنداء توجهه ~~إلى المؤمنين، تأمرهم فيه بالمواظبة على طاعة الله - تعالى - وتنهاهم عن ~~أن يشغلهم عن ذلك شاغل، وتحضهم على الإنفاق فى سبيل إعلاء كلمته - ~~سبحانه -، وعلى تقديم العمل الصالح الذى ينفعهم قبل فوات الأوان، قال - ~~تعالى - { يأيها الذين آمنوا لا تلهكم... }. ### || [63.9-11] # والمقصود من هذه الآيات الكريمة نهى المؤمنين عن التشبه بالمنافقين ~~الذين سبق الحديث عنهم بصورة مفصلة، وحضهم على الاستجابة لما كلفهم الله ~~- تعالى - به. أى يامن آمنتم بالله - تعالى - إيمانا حقا، { لا ~~تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله... } ~~أى لا تشغلكم أموالكم التى تهتمون بجمعها وتحصيلها.. ولا أولادكم الذين ~~هم أشهى ثمرات حياتكم.. لا يشغلكم ذلك عن أداء ما كلفكم - سبحانه - ~~بأدائه من طاعات، فالمراد بذكر الله، ما يشمل جميع التكاليف من صلاة ~~وزكاة وصيام وحج، وغير ذلك من الطاعات التى أمر الله - تعالى - بها. وخص ~~الأموال والأولاد بتوجيه النهى عن الاشتغال بهما اشتغالا يلهى عن ذكر ~~الله، لأنهما أكثر الأشياء التى تلهى عن طاعة الله - تعالى.. فمن أجل ~~الاشتغال بجمع المال، يقضى الإنسان معظم حياته، وكثير من الناس من أجل ~~جمع المال، يضحون بما يفرضه عليهم دينهم من واجبات، ومن أخلاق، ومن سلوك ~~وآداب.. ومن أجل راحة الأولاد قد يضحى الآباء براحتهم، وبما تقضى به ~~المروءة، وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث يقول # " الولد مجبنة مبخلة ". # والتعبير بقوله - تعالى - { لا تلهكم أموالكم ولا ~~أولادكم عن ذكر الله } يشعر بأن المسلم إذا اشتغل بجمع ~~المال. وبرعاية الأولاد، دون أن يصرفه ذلك عن طاعة الله، أو عن أداء حق ~~من حقوقه - تعالى -، فإن هذا الاشتغال لا يكون مذموما، بل يكون مرضيا عنه ~~من الله - تعالى -. واسم الإشارة فى قوله - سبحانه - { ومن يفعل ~~ذلك فأولئك هم الخاسرون } يعود إلى ما سبق ذكره من ~~اللهو عن ذكر الله، بسبب الأموال والأولاد. أى ومن يشغله حبه لماله ~~وأولاده عن ذكر الله، وعن أداء ما كلفه - سبحانه - به، فأولئك هم ~~البالغون أقصى درجات الخسرات والغفلة، لأنهم خالفوا ما أمرهم ms5071 به ربهم، ~~وآثروا ما ينفعهم فى عاجلتهم الفانية، على ما ينفعهم فى آجلتهم الباقية، ~~ثم حضهم - سبحانه - على الإنفاق فى سبيله فقال { وأنفقوا من ما ~~رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ~~رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن ~~من الصالحين }. والمراد بالإنفاق إنفاق المال فى وجوه الخير ~~والطاعات، فيشمل الزكاة المفروضة، والصدقات المستحبة، وغير ذلك من وجوه ~~البر والخير. و " من " فى قوله - تعالى - { من ما رزقناكم } ~~للتبعيض إذ المطلوب إنفاقه بعض المال الذى يملكه الإنسان، وليس كله، ~~وهذا من باب التوسعة منه - تعالى - على عباده، ومن مظاهر سماحة شريعته - ~~عز وجل -. # والمراد بالموت علاماته وأماراته الدالة على قرب وقوعه. وقوله { ~~فيقول } معطوف على قوله { أن يأتي } ومسبب عنه. و { لولا } ~~بمعنى هلا فهى حرف تحضيض. وقوله { فأصدق } منصوب على أنه فى جواب ~~التمنى، وقوله { وأكن } بالجزم، لأنه معطوف على محل { فأصدق } ~~كأنه قيل إن أخرتنى إلى أجل قريب أتصدق وأكن من الصالحين. والمعنى يا من ~~آمنتم بالله حق الإيمان، لا تشغلكم أموالكم ولا أولادكم عن طاعة الله - ~~تعالى - بل داوموا عليها كل المداومة، وأنفقوا بسخاء وسماحة نفس مما ~~أعطيناكم من أرزاق كثيرة، ومن نعم لا تحصى، وليكن إنفاقكم من قبل أن تنزل ~~بأحدكم أمارات الموت وعلاماته.. وحينئذ يقول أحدكم يارب، هلا أخرت وفاتى ~~إلى وقت قريب من الزمان لكى أتدارك ما فاتنى من تقصير، ولكى أتصدق ~~بالكثير من مالى، وأكون من عبادك الصالحين. وقال - سبحانه -، { من ما ~~رزقناكم } فأسند الزرق إليه، لكى يكون أدعى إلى الامتثال ~~والاستجابة، لأنه - سبحانه - مع أن الأرزاق جميعها منه، إلا أنه - فضلا ~~منه وكرما - اكتفى منهم بإنفاق جزء من تلك الأزراق. وقدم - سبحانه - ~~المفعول وهو " أحدكم " على الفاعل وهو " الموت " ، للإهتمام بالمفعول، ~~وللإشعار بأن الموت نازل بكل إنسان لا محالة. والتعبير بقوله { لولا ~~أخرتني إلى أجل قريب.... } يشعر بأن القائل قد قال ذلك ~~زيادة فى تأميل الاستجابة، فكأنه يقول يا رب ألتمس منك أن تؤخر أجلى إلى ~~وقت قريب لا إلى ms5072 وقت بعيد لكى أتدارك ما فاتنى فى هذا الوقت القريب الذى ~~هو منتهى سؤالى، وغاية أملى.. وقد بين - سبحانه - بعد ذلك أنه لا تأخير ~~فى الأجل متى انتهى لا من قريب ولا من بعيد.. فقال { ولن يؤخر ~~الله نفسا إذا جآء أجلهآ.. }. أى ولن يؤخر الله - تعالى - ~~نفسا من النفوس، متى انتهى أجلها فى هذه الحياة، وانقضى عمرها من هذه ~~الدنيا، كما قال - سبحانه - # فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون # وقوله { والله خبير بما تعملون } أى والله - تعالى - مطلع ~~إطلاعا تاما على أعمالكم الظاهرة والباطنة، وسيجازيكم عليها بما تستحقون ~~من ثواب أو عقاب. وبعد فهذا تفسير لسورة " المنافقون " نسأل الله - تعالى ~~- أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا لعابده. والحمد لله الذى بنعمته تتم ~~الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.. ### | [64 - سورة التغابن] ### || [64.1-6] # سورة " التغابن " هى آخر السور المفتتحة بالتسبيح، فقد قال - سبحانه - ~~فى مطلعها. { يسبح لله ما في السماوات وما في ~~الأرض.. } أى ينزه الله - تعالى - عن كل نقص، ويجله عن كل مالا يليق ~~به، جميع الكائنات التى فى سماواته - سبحانه - وفى أرضه، كما قال - عز ~~وجل - # تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن ~~وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا # وجىء هنا وفى سورة الجمعة بصيغة المضارع { يسبح } للدلالة على تجدد ~~هذا التسبيح، وحدوثه فى كل وقت وآن. وجىء فى سورة الحديد، والحشر، والصف، ~~بصيغة الماضى سبح. للدلالة على أن التسبيح قد استقر وثبت لله - تعالى ~~- وحده، من قديم الزمان. وقوله - سبحانه - { له الملك وله ~~الحمد وهو على كل شيء قدير } مؤكد لما قبله، من بيان ~~أن جميع الكائنات تسبح لله - تعالى - لأنه مالكها وصاحب الفضل المطلق ~~عليها. وتقديم الجار والمجرور { له } لإفادة الاختصاص والقصر. أى له - ~~سبحانه - وحده ملك هذا الكون، وله وحده الحمد التام المطلق من جميع ~~مخلوقاته، وليس لغيره شىء منهما، وإذا وجد شىء منهما لغيره فهو من فيضه ~~وعطائه، إذ هو - سبحانه ms5073 - القدير الذى لا يقف فى وجه قدرته وإرادته شىء. ~~ثم بين - سبحانه - أقسام خلقه فى هذه الحياة فقال { هو الذي ~~خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن }. والخطاب فى قوله { ~~خلقكم } لجيمع المكلفين من هذه الأمة. والفاء فى قوله { فمنكم ~~كافر } للتفريع المشعر بالتعجب من وجود من هو كافر بالله - تعالى - مع ~~أنه - سبحانه - هو الذى خلقه، وخلق كل شىء. وقدم ذكر الكافر، لأنه الأهم ~~فى هذا المقام، ولأنه الأكثر عددا فى هذه الحياة. أي هو سبحانه - الذى ~~خلقكم بقدرته، دون أن يشاركه فى ذلك مشارك، وزودكم بالعقول التى تعينكم ~~على معرفة الخير من الشر، والنافع من الضار وأرسل إليكم رسوله محمدا - ~~صلى الله عليه وسلم - لكى يخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وأنزل ~~معه الكتاب الذى يدلكم على أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنه ~~صادق فيما يبلغه عن ربه، وأمركم هذا الرسول الكريم بإخلاص العبادة لله - ~~تعالى - وحده، ولم يترك رسولنا - صلى الله عليه وسلم - وسيلة تهديكم إلى ~~الحق إلا وأرشدكم إليها..... ومع ذلك وجد منكم المختار للكفر بالحق، ~~المعرض عن الإيمان بوحدانية الله - تعالى - وكان منكم المستجيب للحق ~~باختياره المخلص فى عقيدته لله - تعالى - المؤمن بوحدانيته، المؤدى لجميع ~~التكاليف التى كلفه - سبحانه - بها. # قال القرطبى - بعد أن ذكر جملة من الأقوال فى معنى هذه الآية - وقال ~~الزجاج - وقوله أحسن الأقوال، والذى عليه الأئمة والجمهور من الأمة - إن ~~الله خلق الكافر، وكفره فعل له وكسب، مع أن الله خالق الكفر. وخلق ~~المؤمن، وإيمانه فعل له وكسب، مع أن الله خالق الإيمان. والكافر يكفر ~~ويختار الكفر بعد خلق الله إياه، لأن الله - تعالى - قدر ذلك عليه وعلمه ~~منه، ولا يجوز أن يوجد من كل واحد منهما، غير الذى قدر عليه، وعلمه ~~منه... وقوله { والله بما تعملون بصير } أى والله - تعالى ~~- لا تخفى عليه خافية من أعمالكم، وسيحاسبكم عليها يوم القيامة، وسيجازى ~~الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. { خلق ~~السماوات والأرض بالحق } أى خلقهن خلقا ملتبسا بالحق الذى ms5074 ~~لا يحوم حوله باطل، وبالحكمة التى لا يشوبها اضطراب أو عبث، فالباء فى ~~قوله " بالحق " للملابسة. والمراد بالسماوات والأرض ذواتهن وأجرامهن التى ~~هى أكبر من خلق الناس. والمراد بالحق المقصد الصحيح، والغرض السليم، ~~الواقع على أتم الوجوه وأفضلها وأحكمها. ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر ~~نعمه على الناس فقال { وصوركم فأحسن صوركم }. وقوله { ~~وصوركم } من التصوير، وهو جعل الشىء على صورة لم يكن عليها، وهو ~~ماخوذ من مادة صار الشىء إلى كذا، بمعنى تحول إليه، أو من صاره إلى كذا، ~~بمعنى أماله وحوله. أى وأوجدكم - سبحانه - يا بنى آدم على أحسن الصور ~~وأكملها وأبدعها وأجملها، بدليل أن الإنسان لا يتمنى أن يكون على غير ~~صورته التى خلقه الله عليها، كأن يكون على صورة حيوان أو غيره. وصدق الله ~~إذ يقول # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # قال الآلوسى ولعمرى إن الإنسان أعجب نسخة فى هذا العالم، قد اشتملت على ~~دقائق وأسرار شهدت ببعضها الآثار، وعلم ما علم منها أولو الأبصار، وكل ما ~~يشاهد من الصور الإنسانية حسن، لكن الحسن كغيره من المعانى على طبقات ~~ومراتب.. كما قال بعض الحكماء شيئان لا غاية لهما الجمال والبيان. وقوله ~~- تعالى - { وإليه المصير } معطوف على ما قبله، لأن التصوير ~~يقتضى الإيجاد، فبين - سبحانه - أن هذا الإيجاد يعقبه الفناء لكل شىء ~~سوى وجهه الكريم. أى وإليه وحده - تعالى - مرجعكم بعد انتهاء آجالكم فى ~~هذه الحياة، لكى يجازيكم على أعمالكم الدنيوية. ثم بين - سبحانه - شمول ~~علمه لكل شىء فقال { يعلم ما في السماوات والأرض } أى هو ~~- سبحانه - لا يخفى عليه شىء فى السماوات والأرض. { ويعلم ما ~~تسرون وما تعلنون } - أيها الناس - والتصريح بذلك مع اندراجه ~~فيما قبله، من علم ما فى السماوات وما فى الأرض، لمزيد التأكيد فى الوعد ~~والوعيد. # { والله عليم بذات الصدور } والمراد بذات الصدور، النوايا ~~والخواطر التى تخفيها الصدور، وتكتمها القلوب. أى والله - تعالى - عليم ~~علما تاما بالنوايا والخواطر التى اشتملت عليها الصدور، فأنت ترى أن هذه ~~الآية الكريمة قد اشتملت على ثلاث جمل، ms5075 كل جملة منها أخص من سابقتها. ~~وجمع - سبحانه - بينها للإشارة إلى أن علمه - تعالى - محيط بالجزئيات ~~والكليات، دون أن يعزب عن علمه - تعالى - شىء منها. وفى هذا رد على أولئك ~~الكفار الجاحدين، الذين استبعدوا إعادتهم إلى الحياة، بعد أن أكلت الأرض ~~أجسادهم، وقالوا - كما حكى القرآن عنهم - # أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد # ثم وبخهم - سبحانه - على عدم اعتبارهم بالسابقين من قبلهم فقال { ألم ~~يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال ~~أمرهم ولهم عذاب أليم }. والاستفهام فى قوله { ألم ~~يأتكم.. } للتقرير والتبكيت. والمراد بالذين كفروا من قبل قوم نوح ~~وعاد وثمود وغيرهم، من الأقوام الذين أعرضوا عن الحق، فكانت عاقبتهم ~~الدمار والهلاك. والخطاب لمشركى قريش وأمثالهم، ممن استحبوا العمى على ~~الهدى. والوبال فى الأصل الشدة المترتبة على أمر من الأمور، ومنه الوبيل ~~للطعام الثقيل على المعدة. المضر لها.. والمراد به هنا العقاب الشديد ~~الذى نزل بهم فأهلكهم، وعبر عن هذا العقاب بالوبال، للإشارة إلى أنه ~~عذابا ثقيلا جدا، لم يستطيعوا الفرار أو الهرب منه. والمراد بأمرهم كفرهم ~~وفسوقهم عن أمر ربهم، ومخالفتهم لرسلهم. وقوله { فذاقوا } معطوف على ~~كفروا، عطف المسبب على السبب والذوق مجاز فى مطلق الإحساس والوجدان. شبه ~~ما حل بهم من عقاب، بشىء كريه الطعم والمذاق. وعبر عن كفرهم بالأمر، ~~للإشعار بأنه أمر قد بلغ النهاية فى القبح والسوء. والمعنى لقد أتاكم ~~ووصف إلى علمكم - أيها المشركون - حال الذين كفروا من قبلكم من أمثال قوم ~~نوح وعاد وثمود وغيرهم، وعلمتم أن إصرارهم على كفرهم قد أدى بهم إلى ~~الهلاك وإلى العذاب الأليم، فعليكم أن تعتبروا بهم. وأن تفيئوا إلى ~~رشدكم، وأن تتبعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذى أرسله الله - ~~تعالى - لإخراجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. فالمقصود من الآية ~~الكريمة تحذير الكافرين الذين أرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليهم ~~من سوء عاقبة إصرارهم على كفرهم. ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت إلى ~~سوء عاقبة هؤلاء السابقين فقال { ذلك بأنه كانت تأتيهم ms5076 ~~رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا }. أى ذلك ~~الذى أصاب الأقوام السابقين من هلاك ودمار، سببه أنهم كانت تأتيهم رسلهم ~~بالآيات البينات، وبالمعجزات الواضحات، الدالة على صدقهم، فما كان من ~~هؤلاء الأقوام إلا أن أعرضوا عن دعوة الرسل، وقال كل قوم منهم لرسولهم ~~على سبيل الإنكار والتكذيب والتعجب أبشر مثلنا يهدوننا إلى الحق ~~والرشد؟!!. # فالباء فى قوله { بأنه } للسببية، والضمير ضمير الشأن لقصد التهويل ~~والاستفهام فى قوله { أبشر } للإنكار والمراد بالبشر الجنس، وهو ~~مرفوع على أنه مبتدأ وخبره جملة { يهدوننا }. وشبيه بهذه الآية ما ~~حكاه القرآن من قول قوم صالح له # فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنآ إذا ~~لفي ضلال وسعر أألقي الذكر عليه من بيننا ~~بل هو كذاب أشر.. # والفاء فى قوله { فكفروا وتولوا واستغنى الله } ~~للسببية. أى فكفروا بسبب هذا القول الفاسد { وتولوا } أى وأعرضوا ~~عن الحق إعراضا تاما { واستغنى الله } أى واستغنى الله - تعالى ~~- عنهم وعن إيمانهم، والسين والتاء للمبالغة فى غناه - سبحانه - عنهم. { ~~والله غني حميد } أى والله - تعالى - غنى عنهم وعن العالمين، ~~محمود من كل مخلوقاته بلسان الحال والمقال وهو - تعالى - يجازى الشاكرين ~~له بما يستحقونه من جزاء كريم. ثم حكى - سبحانه - مزاعم الجاحدين للبعث ~~والحساب، ورد عليهم بما يبطلها، ودعاهم إلى الإيمان بالحق، وحضهم على ~~العمل الصالح الذى ينفعهم يوم القيامة، وبشر المؤمنين بما يشرح صدورهم، ~~وبين أن كل شىء فى هذا الكون يسير بإذنه - تعالى - وإرادته، فقال - ~~سبحانه - { زعم الذين... }. ### || [64.7-13] # قال صاحب الكشاف قوله { زعم الذين كفروا أن لن ~~يبعثوا }. الزعم ادعاء العلم، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم # " زعموا مطية الكذب " # وعن شريح لكل شىء كنية وكنية الكذب زعموا، ويتعدى المفعولين تعدى العلم، ~~كما قال الشاعر # وإن الذى قد عاش يا أم مالك يموت، ولم أزعمك عن ذاك معزلا # و " أن " مع ما فى حيزها قائم مقامهما. و { بلى } حرف يذكر فى ~~الجواب لإثبات النفى فى كلام سابق، والمراد هنا إثبات ما نفوه وهو ~~البعث. أى زعم الذين كفروا من أهل مكة ms5077 وأشباههم من المشركين، أنهم لن ~~يبعثوا يوم القيامة، لأن البعث وما يترتب عليه من حساب، فى زعمهم محال. ~~قل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل الجزم واليقين، كذبتم فيما ~~تزعمونه من أنه لا بعث ولا حساب.. والله لتبعثن يوم القيامة، ثم لتنبؤن ~~بما عملتموه فى الدنيا من أعمال سيئة، ولتحاسبن عليها حسابا عسيرا، يترتب ~~عليه الإلقاء بكم فى النار. وجىء فى نفى زعمهم بالجملة القسمية، لتأكيد ~~أمر البعث الذى نفوه بحرف { لن } ولبيان أن البعث وما يترتب عليه من ~~ثواب وعقاب، أمر ثابت ثبوتا قطعيا. وجملة { ثم لتنبؤن بما ~~عملتم } ارتقاء فى الإيطال. و { ثم } للتراخى النسبى. أى قل ~~لهم إنكم لا تبعثون فحسب، بل ستبعثون، ثم تجدون بعد ذلك ما هو أشد من ~~البعث، ألا وهو إخباركم بأعمالكم السيئة، ثم الإلقاء بكم فى النار بعد ~~ذلك. فالمراد بالإنباء لازمه، وهو ما يترتب عليه من حساب وعقاب. واسم ~~الإشارة فى قوله { وذلك على الله يسير } يعود إلى البعث وما ~~يترتب عليه من حساب. أى وذلك البعث والحساب، يسير وهين على الله - تعالى ~~- لأنه - سبحانه - لا يعجزه شىء، ولا يحول دون تنفيذ قدرته حائل. فهذا ~~التذييل المقصود به إزالة ما توهموه وعموه من أن البعث أمر محال، كما ~~قالوا # أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد # والفاء فى قوله - تعالى - { فآمنوا بالله ورسوله والنور ~~الذي أنزلنا.. } هى الفصيحة، أى التى تفصح عن شرط مقدر. والمراد ~~بالنور القرآن الكريم، كما قال - تعالى - # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت ~~تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا ~~نهدي به من نشآء من عبادنا # والمعنى إذا علمتم ما ذكرناه لكم - أيها المشركون - فاتركوا العناد، ~~وآمنوا بالله - تعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - إيمانا حقا، ~~وآمنوا - أيضا - بالقرآن الكريم الذى أنزلناه على عبدنا ورسولنا محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - ليكون هذا القرآن معجزة ناطقة بصدقه - صلى الله ~~عليه وسلم -. # وجملة { والله بما تعملون خبير } تذييل قصد به الوعد ~~والوعيد، أى والله - تعالى ms5078 - مطلع إطلاعا تاما على كل تصرفاتكم، وسيمنحكم ~~الخير إن آمنتم، وسيلقى بكم فى النار إن بقيتم على كفركم. ثم حذرهم - ~~سبحانه - من أهوال يوم القيامة فقال - تعالى - { يوم يجمعكم ~~ليوم الجمع ذلك يوم التغابن }. والظرف { يوم } ~~متعلق بقوله - تعالى - قبل ذلك { ثم لتنبؤن بما عملتم ~~}. والمراد بيوم الجمع يوم القيامة سمى بذلك لأنه اليوم الذى يجتمع فيه ~~الأولون والآخرون؟ فى مكان واحد للحساب والجزاء. وسمى - أيضا بيوم ~~التغابن، لأنه اليوم الذى يغبن فيه أهل الحق أهل الباطل. والتغابن تفاعل ~~من الغبن بمعنى الخسران والنقص، يقال غبن فلان فلانا إذا بخسه حقه، بأن ~~أخذ منه سلعة بثمن أقل من ثمنها المعتاد، وأكثر ما يستعمل الغبن فى البيع ~~والشراء، وفعله من باب ضرب، ويطلق الغبن على مطلق الخسران أى قل - أيها ~~الرسول الكريم - لهؤلاء الجاحدين للبعث لتبعثن يوم القيامة ثم لتنبؤن بما ~~عملتم يوم القيامة يوم يجتمع الخلائق للحساب فيغبن فيه أهل الحق أهل ~~الباطل، ويغبن فيه المؤمنون الكافرين، لأن أهل الإيمان ظفروا بالجنة، ~~وبالمقاعد التى كان سيظفر بها الكافرون لو أنهم آمنوا، ولكن الكافرين ~~استمروا على كفرهم فخسروا مقاعدهم فى الجنة، ففاز بها المؤمنون. قال ~~القرطبى { يوم التغابن } أى يوم القيامة.. وسمى يوم القيامة بيوم ~~التغابن، لأنه غبن أهل الجنة أهل النار. أى أن أهل اجنة أخذوا الجنة، ~~وأهل النار أخذوا النار على طريق المبادلة فوقع الغبن على الكافرين لأجل ~~مبادلتهم الخير بالشر، والنعيم بالعذاب. يقال غبنت فلانا، إذا بايعته أو ~~شاريته، فكان النقص عليه، والغلبة لك. فإن قيل فأى معاملة وقعت بينهما ~~حتى يقع الغبن فيها؟ قيل له هو تمثيل الغبن فى الشراء والبيع. وقال ~~الآلوسى ما ملخصه { ذلك يوم التغابن } أى يوم غبن فيه أهل ~~الجنة أهل النار، فالتفاعل ليس على ظاهره، كما فى التواضع والتحامل ~~لوقوعه من جانب واحد، واختير للمبالغة. وقد ورد هذا التفسير عن ابن عباس ~~ومجاهد وقتادة. واختاره الواحدى. وقال غير واحد { ذلك يوم ~~التغابن } أى اليوم الذى غبن فيه بعض الناس بعضا، بنزول السعداء ms5079 ~~منازل الأشقياء لو كانوا سعداء، وبالعكس ففى الحديث الصحيح # " ما من عبد يدخل الجنة إلا أرى مقعده من النار - لو أساء - ليزداد ~~شكرا، وما من عبد يدخل النار إلا أرى مقعده من الجنة - لو أحسن ليزداد ~~حسرة - " # وهو مستعار من تغابن القوم فى التجارة، وفيه تهكم بالأشقياء لأنهم لا ~~يغبنون حقيقة السعداء، بنزولهم فى منازلهم من النار. # ثم فصل - سبحانه - أحوال الناس فى هذا اليوم الهائل الشديد فقال { ومن ~~يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ~~ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار }. أى ومن يؤمن ~~بالله - تعالى - إيمانا حقا، ويعمل عملا صالحا، يكفر الله - تعالى - عنه ~~سيئاته التى عملها فى الدنيا بأن يزيلها من صحيفة عمله - فضلا منه - ~~تعالى - وكرما - وفوق ذلك يدخله بفضله وإحسانه جنات تجرى من تحت ثمارها ~~الأنهار { خالدين فيهآ أبدا } أى خلودا أبديا. { ذلك } الذى ~~ذكرناه لكم من تكفير السيئات، ومن دخول الجنات.. هو { الفوز ~~العظيم } الذى لا فوز يقاربه أو يدانيه. { والذين كفروا } ~~بربهم بأن أشركوا معه فى العبادة آلهة أخرى. { وكذبوا بآياتنآ ~~} الدالة على وحدانيتنا، وعلى صدق نبينا - صلى الله عليه وسلم -. { ~~أولئك } الكافرون المكذبون هم { أصحاب النار خالدين ~~فيها } خلودا أبديا { وبئس المصير } مصيرهم النار. ففى هاتين ~~الآيتين الكريمتين، بيان للتغابن، وتفصيل له، لاحتوائهما على بيان منازل ~~السعداء والأشقياء، وهو ما وقع فيه التغابن. ثم بين - سبحانه - أن كل شىء ~~بقضائه وقدره فقال { مآ أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ~~}. والمراد بالمصيبة الرزية والنكبة، وكل ما يسوء الإنسان فى نفسه أو ~~ماله أو ولده.. والمفعول محذوف، و " من " للتأكيد، و { مصيبة } ~~فاعل. أى ما أصاب أحدا مصيبة فى نفسه أو ماله أو ولده.. إلا بإذن الله - ~~تعالى - وأمره وإرادته، لأن كل شىء بقضائه - سبحانه - وقدره. قال القرطبى ~~قيل سبب نزولها أن الكفار قالوا لو كان ما عليه المسلمون حقا لصانهم الله ~~- تعالى - عن المصائب. فأنزل الله - تعالى - هذه الآية للرد على ~~المشركين، ولبيان أن كل شىء بإرادته - سبحانه -. ثم بين - سبحانه - أن ~~الإيمان ms5080 الحق يعين على استقبال المصائب بصبر جميل فقال { ومن يؤمن ~~بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم } أى ومن ~~يؤمن بالله - تعالى - إيمانا حقا يهد قلبه إلى الصبر الجميل، وإلى ~~الاستسلام لقضائه - سبحانه - لأن إيمانه الصادق يجعله يعتقد أن ما أصابه ~~لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، والله - تعالى - عليم بكل شىء، ~~لا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء. قال الإمام ابن كثير قوله - ~~تعالى - { ومن يؤمن بالله يهد قلبه } أى ومن أصابته ~~مصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره فصبر واحتسب واستسلم لقضائه - تعالى - ~~هدى الله قلبه، وعوضه عما فاته من الدنيا. وفى الحديث المتفق عليه # " عجبا للمؤمن، لا يقضى الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته ضراء ~~صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا ~~للمؤمن ". # ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة بحض الناس على الطاعة والإخلاص ~~فى العبادة، وحذرهم من اقتراف المعاصى فقال { وأطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على ~~رسولنا البلاغ المبين }. أى وعليكم - أيها الناس - أن تطيعوا ~~الله - تعالى - طاعة تامة، وأن تطيعوا رسوله فى كل ما يأمركم به أو ~~ينهاكم عنه. فإن أعرضتم عن ذلك، وانصرفتم عما أمرناكم به أو نهيناكم عنه ~~فلا ضرر على رسولنا بسبب إعراضكم لأن حسابكم وجزاءكم علينا يوم القيامة، ~~وليس على رسولنا - صلى الله عليه وسلم - بالنسبة لكم سوى البلاغ الواضح ~~البين، بحيث لا يترك بابا من أبواب الخير إلا ويبينه لكم، ولا يترك ~~بابا من أبواب الشر إلا وحذركم منه. { الله } - تعالى - { لا ~~إله إلا هو } أى هو المستحق للعبادة دون غيره، فأخلصوا له هذه ~~العبادة والطاعة { وعلى الله } - تعالى - وحده { فليتوكل ~~المؤمنون } أى فليفوضوا أمورهم إليه، وليعقدوا رجاءهم عليه فهو - ~~سبحانه - صاحب الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين. وفى نهاية السورة ~~الكريمة، وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين، حذرهم فيه من فتنة الأزواج ~~والأولاد والأموال، وحضهم على مراقبته وتقواه، وحذرهم من البخل والشح، ~~ووعدهم بالأجر ms5081 العظيم متى أطاعوه.. فقال - تعالى - { يأيها ~~الذين آمنوا إن من... }. ### || [64.14-18] # ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها ما روى عن ابن عباس - ~~رضى الله عنهما - أن رجلا يسأله عن هذه الآيات فقال هؤلاء رجال أسلموا من ~~مكة، فأرادوا أن يأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأبى أولادهم ~~وأزواجهم أن يتركوهم - ليهاجروا. فلما أتوا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أى بالمدينة - رأوا الناس قد تفقهوا فى الدين، فهموا أن يعاقبوهم ~~- أى يعاقبوا أولادهم وأزواجهم - فأنزل الله - تعالى - هذه الآيات. وفى ~~رواية أخرى عن ابن عباس أن هذه الآيات نزلت بالمدينة فى عوف بن مالك ~~الأشجعى، شكى إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - جفاء أهله وولده فنزلت. ~~وصدرت الآيات الكريمة بالنداء بصفة الإيمان، لحضهم على الاستجابة لما ~~اشتملت عليه هذه الآيات من توجيهات سامية وإرشادات عالية.. فإن من شأن ~~الإيمان الحق، أن يحمل صاحبه على طاعة الله - عز وجل -. و " من " فى ~~قوله { إن من أزواجكم وأولادكم.. } للتبعيض. والمراد ~~بالعداوة ما يشمل العداوة الدينية والدنيوية، بأن يكون هؤلاء الأولاد ~~والأزواج يضمرون لآبائهم وأزواجهم العداوة والبغضاء وسوء النية، يسبب ~~الاختلاف فى الطباع أو فى العقيدة والأخلاق. والعفو ترك المعاقبة على ~~الذنب بعد العزم على هذه المعاقبة. والصفح الإعراض عن الذنب وإخفاؤه، ~~وعدم إشاعته. أى يا من آمنتم بالله حق الإيمان، إن بعض أزواجكم ~~وأولادكم، يعادونكم ويخالفونكم فى أمر دينكم. وفى أمور دنياكم، { ~~فاحذروهم } أى فاحذروا أن تطيعوهم فى أمر يتعارض مع تعاليم دينكم، ~~فإنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق. { وإن تعفوا } - أيها ~~المؤمنون - عنهم، بأن تتركوا عقابهم بعد التصميم عليه { وتصفحوا } ~~عنهم، بأن تتركوا عقابهم بدون عزم عليه.. { وتغفروا } ما فرط منهم ~~من أخطاء، بأن تخفوها عليهم. وقوله { فإن الله غفور رحيم } ~~قائم مقام جواب الشرط. أى وإن تفعلوا ذلك من العفو والصفح والمغفرة، ~~يكافئكم الله - تعالى - على ذلك مكافأة حسنة، فإن الله - تعالى - واسع ~~المغفرة والرحمة لمن يعفون ويصفحون ويغفرون. وقوله - تعالى - { إنمآ ~~أموالكم وأولادكم فتنة ms5082 } تعميم بعد تخصيص، وتأكيد ~~التحذير الذى اشتملت عليه الآية السابقة. والمراد بالفتنة هنا ما يفتن ~~الإنسان ويشغله ويلهيه عن المداومة على طاعة الله - تعالى -. أى إن ~~أموالكم وأولادكم - أيها المؤمنون - على رأس الأمور التى تؤدى المبالغة ~~والمغالاة فى الاشتغال بها، إلى التقصير فى طاعة الله - تعالى -، وإلى ~~مخالفة أمره. والإخبار عنهم بأنهم { فتنة } للمبالغة، والمراد أنهم ~~سبب للفتنة أى لما يشغل عن رضاء الله وطاعته، إذا ما جاوز الإنسان الحد ~~المشروع فى الاشتغال بهما. # قال الآلوسى قوله - تعالى - { إنمآ أموالكم وأولادكم ~~فتنة } أى بلاء ومحنة، لأنهم يترتب عليهم الوقوع فى الإثم والشدائد ~~الدنيوية وغير ذلك. وفى الحديث. # " يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيقال أكل عياله حسناته ". # وأخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذى.. عن بريدة قال. # " كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يخطب، فأقبل الحسن والحسين عليهما ~~قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل صلى الله عليه وسلم من فوق المنبر، ~~فحملهما.. ثم صعد المنبر فقال صدق الله إذ يقول { إنمآ أموالكم ~~وأولادكم فتنة } ، إنى لما نظرت إلى هذين الغلامين يمشيان ~~ويعثران، لم أصبر أن قطعت كلامى، ونظرت إليهما ". # وقال الجمل قال الحسن فى قوله - تعالى - { إن من أزواجكم ~~وأولادكم عدوا لكم } أدخل - سبحانه - { من } للتبعيض، ~~لأنهم كلهم ليسوا بأعداء، ولم يذكر { من } فى قوله { إنمآ ~~أموالكم وأولادكم فتنة } ، لأنهما لا يخلوان من الفتنة، ~~واشتغال القلب بهما، وقدم الأموال على الأولاد، لأن الفتنة بالمال أكثر. ~~وترك ذكر الأزواج فى الفتنة، لأن منهن من يكن صلاحا وعونا على الآخرة. ~~وقوله - سبحانه - { والله عنده أجر عظيم } معطوف على جملة ~~{ إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة }. أى والله - تعالى ~~- عنده أجر عظيم، لمن آثر محبة الله - تعالى - وطاعته، على محبة الأزواج ~~والأولاد والأموال. والفاء فى قوله - سبحانه - { اتقوا الله ما ~~استطعتم } للإفصاح والتفريع على ما تقدم. و { ما } فى قوله { ما ~~استطعتم } مصدرية ظرفية. والمراد بالاستطاعة نهاية الطاقة والجهد. ~~أى إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من أن المؤمن الصادق فى إيمانه هو الذى لا ~~يشغله ماله أو ولده ms5083 أو زوجه عن ذكر الله - تعالى - فابذلوا نهاية قدرتكم ~~واستطاعتكم فى طاعة الله - تعالى - وداوموا على ذلك فى جميع الأوقات ~~والأزمان. وليس بين هذه الآية، وبين قوله - تعالى - # اتقوا الله حق تقاته # تعارض، لأن كلتا الآيتين تأمران المسلم بأن يبذل قصارى جهده، ونهاية ~~طاقته، فى المواظبة على أداء ما كلفه الله به، ولذلك فلا نرى ما يدعو إلى ~~قول من قال إن الآية التى معنا نسخت الآية التى تقول # يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته # قال الآلوسى أخرج ابن أبى حاتم عند سعيد بن جبير قال لما نزلت # اتقوا الله حق تقاته # اشتد على القوم العمل، فقاموا حتى ورمت أقدامهم. فأنزل الله هذه الآية { ~~فاتقوا الله ما استطعتم } تخفيفا على المسلمين. وحذف ~~متعلق التقوى، لقصد التعميم، أى فاتقوا الله مدة استطاعتكم فى كل ما ~~تأتون وما تذرون، واعلموا أنه - تعالى - # يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر # و # وما جعل عليكم في الدين من حرج # ومن الأحاديث التى وردت فى معنى الآية الكريمة، ما رواه البخارى عن جابر ~~بن عبد الله قال # " بايعت رسول الله - صلى الله - عليه وسلم - على السمع والطاعة، فلقننى ~~" فيما استطعت ". # وعطف قوله - تعالى - { واسمعوا وأطيعوا } على قوله { ~~فاتقوا الله } من باب عطف الخاص على العام، للاهتمام به. أى ~~فاتقوا الله - تعالى - فى كل ما تأتون وما تذرون، واسمعوا ما يبلغكم إياه ~~رسولنا عنا سماع تدبر وتفكر، وأطيعوه فى كل ما يأمركم به أو ينهاكم عنه. ~~{ وأنفقوا } مما رزقكم الله - تعالى - من خير، يكن ذلك الإنفاق { ~~خيرا لأنفسكم } فى دنياكم وفى آخرتكم. { ومن يوق شح ~~نفسه } أى ومن يستطع أن يبعد نفسه عن الشح والبخل. { فأولئك ~~هم المفلحون } أى الفائزون فوزا تاما لا نقص معه. ثم ختم - ~~سبحانه - السورة الكريمة بالحض على الإنفاق فى سبيله فقال { إن ~~تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم }. أى إن تبذلوا ~~أموالكم فى وجوه الخير التى يحبها الله - تعالى -، بذلا مصحوبا بالإخلاص ~~وطيب النفس، يضاعف الله - تعالى - لكم ثواب ms5084 هذا الإنفاق والإقراض بأن ~~يجعل لكم الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. { ويغفر لكم } ~~فضلا عن ذلك ذنوبكم ببركة هذا الإنفاق الخالص لوجهه الكريم. { والله ~~شكور } أى كثير الشكر لمن أطاعه { حليم } لا يعاجل بالعقوبة ~~المذنبين. { عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم } ~~أى هو - سبحانه - يعلم علما تاما ما كان خافيا عليكم وما كان ظاهرا لكم، ~~وهو - عز وجل - القوى الذى لا يغلبه غالب، الحكيم فى كل أقواله وأفعاله. ~~وبعد فهذا تفسير لسورة " التغابن " نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا ~~لوجهه ونافعا لعباده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [65 - سورة الطلاق] ### || [65.1-3] # افتتح الله - تعالى - السورة الكريمة بتوجيه النداء إلى النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال { يأيها النبي إذا طلقتم ~~النسآء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة }. ~~وأحكام الطلاق التى وردت فى هذه الآية، تشمل النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- كما تشمل جميع المكلفين من أمته - صلى الله عليه وسلم -. وإنما كان ~~النداء له - صلى الله عليه وسلم - وكان الخطاب بالحكم عاما له ولأمته، ~~تشريفا وتكريما له - صلى الله عليه وسلم - لأنه هو المبلغ للناس، وهو ~~إمامهم وقدوتهم والمنفذ لأحكام الله - تعالى - فيهم. قال صاحب الكشاف ~~خص النبى - صلى الله عليه وسلم - بالنداء، وعم بالخطاب، لأن النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - إمام أمته وقدوتهم، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم ~~يا فلان افعلوا كيت وكيت، وإظهارا لتقدمه، واعتبارا لترؤسه، وأنه مدرة ~~قومه ولسانهم - والمدرة القرية. أى أنه بمنزلة القرية لقومه، وأنه الذى ~~يصدرون عن رأيه، ولا يستبدون بأمر دونه، فكان هو وحده فى حكم كلهم، وساد ~~مسد جميعهم. وهذا التفسير الذى اقتصر عليه صاحب الكشاف، هو المعول عليه، ~~وهو الذى يناسب بلاغة القرآن وفصاحته، ويناسب مقام النبى - صلى الله عليه ~~وسلم -. وقيل الخطاب له ولأمته والتقدير يأيها النبى وأمته إذا طلقتم، ~~فحذف المعطوف لدلالة ما بعده عليه. وقيل هو خطاب لأمته فقط، بعد ندائه - ~~عليه السلام - وهو من تلوين الخطاب، خاطب أمته بعد أن خاطبه. وقيل إن ~~الكلام على إضمار ms5085 قول، أى يأيها النبى قل لأمتك إذا طلقتم. والحق أن الذى ~~يتدبر القرآن الكريم، يرى أن الخطاب والأحكام المترتبة عليه، تارة تكون ~~خاصة به - صلى الله عليه وسلم - كما فى قوله - تعالى - # يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك ~~وإن لم تفعل فما بلغت رسالته # وتارة يكون شاملا له - صلى الله عليه وسلم - ولأمته كما فى هذه الآية ~~التى معنا، وكما فى قوله - تعالى - # يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ ~~عليهم # وتارة يكون - صلى الله عليه وسلم - خارجا عنه كما فى قوله - تعالى - # إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ~~فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا ~~كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ~~رب ارحمهما كما ربياني صغيرا # فصيغة الخطاب هنا وإن كانت موجهة إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - إلا ~~إنه ليس داخلا فيها، لأن والديه لم يكونا موجودين عند نزول هاتين ~~الآيتين. والمراد بقوله { إذا طلقتم النسآء } أى إذا أردتم ~~تطليقهن، لأن طلاق المطلقة من باب تحصيل الحاصل. # وهذا الأسلوب يرد كثيرا فى القرآن الكريم، ومنه قوله - تعالى - # يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم.. # أى إذا أردتم القيام للصلاة فاغسلوا. والمراد بالنساء هنا الزوجات ~~المدخول بهن، لأن غير المدخول بهن خرجن بقوله - تعالى - # يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم ~~عليهن من عدة تعتدونها # واللام فى قوله - سبحانه - فطلقوهن لعدتهن، هى التى تسمى بلام التوقيت، ~~وهى بمعنى عند، أو بمعنى فى، كما يقول القائل كتبت هذا الكتاب لعشر مضين ~~من شهر كذا. ومنه قوله - تعالى - # أقم الصلاة لدلوك الشمس.. # أى عند أو فى وقت دلوكها. وقوله { وأحصوا العدة } من الإحصاء ~~بمعنى العد والضبط، وهو مشتق من الحصى، وهى من صغار الحجارة، لأن العرب ~~كانوا إذا كثر عدد الشىء، جعلوا لكل واحد من المعدود حصاة، ثم عدوا مجموع ~~ذلك الحصى. والمراد به هنا شدة الضبط، والعناية بشأن العد، حتى لا يحصل ~~خطأ فى ms5086 وقت العدة. والمعنى يأيها النبى، أخبر المؤمنين ومرهم، إذا أرادوا ~~تطليق نسائهم المدخول بهن، من المعتدات بالحيض، فعليهم أن يطلقوهن فى وقت ~~عدتهن. أى فى طهر لم يجامعوهن فيه، ثم يتركوهن حتى تنقضى عدتهن. وعليهم ~~كذلك أن يضبطوا أيام العدة ضبطا تاما حتى لا يقع فى شأنها خطأ أو لبس. ~~قال الإمام ابن كثير ما ملخصه خوطب النبى - صلى الله عليه وسلم - أولا ~~تشريفا وتكريما، ثم خاطب الأمة تبعا، فقال { يأيها النبي إذا ~~طلقتم النسآء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا ~~العدة... }. روى ابن أبى حاتم عن أنس قال # " طلق النبى - صلى الله عليه وسلم - حفصة، فأتت أهلها، فأنزل الله - ~~تعالى - هذه الآية. وقيل له راجعها فإنها صوامة قوامة، وهى من أزواجك فى ~~الجنة ". # وروى البخارى # " أن عبد الله بن عمر، طلق امرأة له وهى حائض، فذكر عمر لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ذلك، فتغيظ - صلى الله عليه وسلم - ثم قال ~~فليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها ~~فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها، فتلك العدى التى أمر الله - تعالى -. " # ثم قال - رحمه الله - ومن ها هنا أخذ الفقهاء أحكام الطلاق، وقسموه إلى ~~طلاق سنة، وطلاق بدعة. فطلاق السنة أن يطلقها طاهرا من غير جماع، أو ~~حاملا قد استبان حملها. والبدعى هو أن يطلقها فى حال الحيض، - وما يشبهه ~~كالنفاس -، أو فى طهر قد جامعها فيه، ولا يدرى أحملت أم لا؟. # .. وتعليق { طلقتم } بإذا الشرطية، يشعر بأن الطلاق خلاف الأصل، ~~إذ الأصل فى الحياة الزوجية أن تقوم على المودة والرحمة، وعلى الدوام ~~والاستقرار. قال - تعالى - # ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ~~لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة... # قال القرطبى روى الثعلبى من حديث ابن عمر قال قال رسول - صلى الله عليه ~~وسلم - # " إن من أبغض الحلال إلى الله الطلاق ". # وعن أبى موسى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " لا تطلقوا النساء إلا من ريبة فإن الله - عز وجل - لا يحب الذواقين ~~ولا الذواقات ". # وعن ms5087 أنس قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " ما حلف بالطلاق، ولا استحلف به إلا منافق ". # والمراد بالأمر فى قوله - تعالى - { فطلقوهن لعدتهن } ~~إرشاد المؤمنين إلى ما يجب عليهم اتباعه إذا ما أرادوا مفارقة أزواجهم، ~~ونهيهم عن إيقاع الطلاق فى حال الحيض أو ما يشبهها كالنفاس، لأن ذلك يكون ~~طلاقا بدعيا محرما، إذ يؤدى إلى تطويل عدة المرأة لأن بقية أيام الحيض لا ~~تحسب من العدة، ويؤدى - أيضا - إلى عدم الوفاء لها، حيث طلقها فى وقت ~~رغبته فيها فاترة.. ولكن الطلاق مع ذلك يعتبر واقعا ونافذا عند جمهور ~~العلماء. قال القرطبى من طلق فى طهر لم يجامع فيه، نفذ طلاقه وأصاب ~~السنة، وإن طلقها وهى حائض نفذ طلاقه وأخطأ السنة. وقال سعيد بن المسبب ~~لا يقع الطلاق فى الحيض لأنه خلاف السنة، وإليه ذهبت الشيعة. وفى ~~الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال # " طلقت امرأتى وهى حائض، فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فتغيظ وقال فليراجعها ثم فليمسكها حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى حيضتها التى ~~طلقها فيها ". # وكان عبد الله بن عمر قد طلقها تطليقة، فحسبت من طلاقها، وراجعها عبد ~~الله بن عمر كما أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وفى رواية أن ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال له " هى واحدة " وهذا نص. وهو يرد على ~~الشيعة قولهم. وقد بسط الفقهاء وبعض المفسرين الكلام فى هذه المسألة ~~فليرجع إليها من شاء... والمخاطب بقوله { وأحصوا العدة } ~~الأزواج على سبيل الأصالة، لأنهم هم المخاطبون بقوله { طلقتم } ~~وبقوله { فطلقوهن } ، ويدخل معهم الزوجات على سبيل التبع، وكذلك ~~كل من له صلة بهذا الحكم، وهو إحصاء العدة. ثم أمر - سبحانه - بتقواه ~~فقال { واتقوا الله ربكم } أى، واتقوا الله ربكم، بأن ~~تصونوا أنفسم عن معصيته، التى من مظاهرها إلحاق الضرر بأزواجكم، بتطليقهن ~~فى وقت حيضهن. أو فى غير ذلك من الأوقات المنهى عن وقوع الطلاق فيها. # فالمقصود بهذه الجملة الكريمة التحذير من التساهل فى أحكام الطلاق ~~والعدة، كما كان أهل الجاهلية ms5088 يفعلون. وجمع - سبحانه - بين لفظ الجلالة، ~~وبين الوصف بربكم، لتأكيد الأمر بالتقوى، وللمبالغة فى وجوب المحافظة على ~~هذه الأحكام. ثم بين - سبحانه - حكما آخر يتعلق بالأزواج والزوجات فقال { ~~لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن ~~يأتين بفاحشة مبينة }. والجملة الكريمة مستأنفة، أو حال ~~من ضمير { وأحصوا العدة } أى حالة كون العدة فى بيوتهن، ~~والخطاب للأزواج، والزوجات، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال والأساليب. ~~والفاحشة الفعلة البالغة الغاية فى القبح والسوء، وأكثر إطلاقها على ~~الزنا. وقوله { مبينة } صفة للفاحشة، وقراءة الجمهور - بكسر الياء ~~- أى بفاحشة توضح لمن تبلغه أنها فاحشة لشدة قبحها. وقرأ ابن كثير { ~~مبينة } بفتح الياء - أى بفاحشة قامت الحجة على مرتكيبيها قياما ~~لا مجال معه للمناقشة أو المجادلة. أى واتقوا الله ربكم - أيها المؤمنون ~~- فيما تأتون وتذرون، ومن مظاهر هذه التقوى، أنكم لا تخرجون زوجاتكم ~~المطلقات من مساكنهن إلى أن تنقضى عدتهن، وهن - أيضا - لا يخرجن منها ~~بأنفسهن فى حال من الأحوال، إلا فى حال إتيانهن بفاحشة عظيمة ثبتت عليهن ~~ثبوتا واضحا. فالمقصود بالجملة الكريمة نهى الأزواج عن إخراج المطلقات ~~المعتدات من مساكنهن عند الطلاق إلى أن تنتهى عدتهن، ونهى المعتدات عن ~~الخروج منها إلا عند ارتكابهن الفاحشة الشديدة القبح. وأضاف - سبحانه - ~~البيوت إلى ضمير النساء فقال { لا تخرجوهن من بيوتهن } ~~للإشعار بأن استحقاقهن للمكث فى بيوت أزواجهن مدة عدتهن كاستحقاق المالك ~~لما يملكه، ولتأكيد النهى عن الإخراج والخروج. وقد أخذ العلماء من هذه ~~الآية الكريمة، أن المطلقة لا يصح إخراجها أو خروجها من بيت الزوجية ما ~~دامت فى عدتها، إلا لأمر ضرورى. قال الألوسى ما ملخصه وقوله { لا ~~تخرجوهن من بيوتهن } أى من مساكنهن عند الطلاق إلى أن ~~تنقضى عدتهن.. وعدم العطف للإيذان باستقلاله بالطلب اعتناء به، والنهى ~~عن الإخراج يتناول بمنطوقة عدم إخراجهن غضبا عليهن، أو كراهة ~~لمساكنتهن.. ويتناول بإشارته عدم الإذن لهن بالخروج، لأن خروجهن محرم، ~~لقوله - تعالى - { ولا يخرجن } فكأنه قيل لا تخرجوهن، ولا تأذنوا ~~لهن فى الخروج إذا طلبن ذلك، ولا يخرجن بأنفسهن ms5089 إن أردن، فهناك دلالة على ~~أن سكونهن فى البيوت حق للشرع مؤكد، فلا يسقط بالإذن.. وهذا رأى ~~الأحناف. ومذهب الشافعية أنهما لو اتفقا على الانتقال جاز. إذ الحق لا ~~يعدوهما، فيكون المعنى لا تخرجوهن ولا يخرجن باستبدادهن. والاستثناء فى ~~قوله { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } يرى بعضهم أنه ~~راجع إلى { ولا يخرجن } فتكون الفاحشة المبينة هى نفس الخروج قبل ~~انقضاء العدة، أى لا يطلق لهن فى الخروج، إلا فى الخروج الذى هو فاحشة، ~~ومن المعلوم أنه لا يطلق لهن فيه، فيكون ذلك منعا من الخروج على أبلغ ~~وجه. # . كما يقال لا تزن إلا أن تكون فاسقا... وقال بعض العلماء والذى تخلص لى ~~أن حكمة السكنى للمطلقة، أنها حفظ للأعراض، فإن المطلقة يكثر التفات ~~العيون لها، وقد يتسرب سوء الظن إليها، فيكثر الاختلاف عليها، ولا تجد ذا ~~عصمة يذب عنها، فلذلك شرعت لها السكنى، فلا تخرج إلا لحاجياتها ~~الضرورية.. ومن الحكم - أيضا - فى ذلك أن المطلقة قد لا تجد مسكنا، لأن ~~غالب النساء لم تكن لهن أموال، وإنما هن عيال على الرجال.. ويزاد فى ~~المطلقة الرجعية، قصد استبقاء الصلة بينها وبين مطلقها، لعله يثوب إليه ~~رشده فيراجعها.. فهذا مجموع علل، فإذا تخلفت واحدة منها لم يتخلف الحكم، ~~لأن الحكم المعلل بعلتين فأكثر لا يبطله سقوط بعضها... واسم الإشارة فى ~~قوله { وتلك حدود الله } يعود إلى الأحكام التى سبق الحديث ~~عنها، والحدود جمع حد، وهو مالا يصح تجاوزه أو الخروج عنه. أى وتلك ~~الأحكام التى بيناها لكم، هى حدود الله - تعالى - التى لا يصح لم تعديها ~~أو تجاوزها، وإنما يجب عليكم الوقوف عندها، وتنفيذ ما اشتملت عليه من ~~آداب وهدايات. ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة من يتجاوز حدوده فقال { ومن ~~يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه } أى ومن يتجاوز حدود ~~الله التى حدها لعباده، بأن أخل بشىء منها، فقد حمل نفسه وزرا، وأكسبها ~~إثما، وعرضها للعقوبة والعذاب. وقوله - تعالى - { لا تدرى لعل ~~الله يحدث بعد ذلك أمرا } ترغيب فى امتثال الأحكام ~~السابقة، ms5090 بعد أن سلك فى شأنها مسلك الترهيب من مخالفتها، ودعوة إلى فتح ~~باب المصالحة بين الرجل وزوجه، وعدم السير فى طريق المفارقة حتى ~~النهاية.. والخطاب لكل من يصلح له، أو هو للمتعدى بطريق الالتفات، ~~والجملة الكريمة مستأنفة، مسوقة لتعليل مضمون ما قبلها، وتفصيل لأحواله. ~~أى اسلك - أيها المسلم - الطريق الذى أرشدناك إليه فى حياتك الزوجية، ~~وامتثل ما أمرناك به، فلا تطلق امرأتك وهى حائض، ولا تخرجها من بيتها قبل ~~تمام عدتها.. ولا تقفل باب المصالحة بينك وبينها، بل اجعل باب المصالحة ~~مفتوحا، فإنك لا تدرى لعل الله - تعالى - يحدث بعد ذلك النزاع الذى نشب ~~بينك وبين زوجك أمرا نافعا لك ولها، بأن يحول البغض إلى حب، والخصام إلى ~~وفاق، والغضب إلى رضا.. فالجملة الكريمة قد اشتملت على أسمى ألوان ~~الإرشاد لحمل النفوس المتجهة نحو الطلاق.. إلى التريث والتعقل، وفتح باب ~~المواصلة بعد المقاطعة والتقارب بعد التباعد، لأن تقليب القلوب بيد الله ~~- عز وجل - وليس بعيدا عن قدرته - تعالى - تحويل القلوب إلى الحب بعد ~~البغض. # قال القرطبى الأمر الذى يحدثه الله أن يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها، ~~ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه، ~~فيراجعها. وقال جميع المفسرين أراد بالأمر هنا الرغبة فى الرجعة... ثم ~~بين - سبحانه - حكما يتعلق بما بين الزوجين من حقوق فقال - تعالى - { ~~فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو ~~فارقوهن بمعروف.. }. والفاء فى قوله { فإذا بلغن.. } ~~للتفريع على ما تقدم من أحكام تتعلق بالعدة. والمراد ببلوغ أجلهن، مقاربة ~~نهاية مدة العدة بقرينة ما بعده، لأن الرجل لا يؤمر بإمساك زوجه بعد ~~انقضاء عدتها، لأن الإمساك يكون قبل انقضائها. فالكلام من باب المجاز، ~~لمشابهة مقاربة الشىء، بالحصول فيه، والتلبس به. والمراد بالإمساك ~~المراجعة وعدم السير فى طريق مفارقتها. والمعروف ما أمر به الشرع من حسن ~~المعاملة بين الزوجين، وحرص كل واحد منهما على أداء ما عليه لصاحبه من ~~حقوق. والمعنى لقد بينت لكم جانبا من الأحكام التى تتعلق بعدة النساء، ~~فإذا قاربن وشارفن ms5091 آخر عدتهن، فأمسكوهن وراجعوهن بحسن معاشرة، أو فارقوهن ~~بمعروف بأن تعطوهن حقوقهن كاملة غير منقوصة، بأن تكفوا ألسنتكم عن ذكرهن ~~بسوء.. والأمر فى قوله { فأمسكوهن } و { فارقوهن } ~~للإباحة، و " أو " للتخيير. والتعبير بالإمساك للإشعار بأن المطلقة ~~طلاقا رجعيا لها حكم الزوجة، ما عدا الاستمتاع بها، فعليه أن يستمسك بها، ~~ولا يتسرع فى فراقها، فهى ما زالت فى عصمته. وقدم - سبحانه - الإمساك ~~على الفراق، للإشارة إلى أنه هو الأولى رعاية لحق الزوجية، وإبقاء ~~للمودة والرحمة. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن ~~فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف... # ثم قال - سبحانه - { وأشهدوا ذوي عدل منكم } أى وأشهدوا ~~عند المراجعة لأزواجكم وعند مفارقتكم لهن رجلين تتوفر فيهما العدالة ~~والاستقامة لأن الإشهاد يقطع التنازع، ويدفع الريبة، وينفى التهمة. ~~والأمر فى قوله { وأشهدوا } للندب والاستحباب فى حالتى المراجعة ~~والمفارقة، فهو كقوله - تعالى - # وأشهدوا إذا تبايعتم # وهذا رأى جمهور العلماء. قال الآلوسى قوله { وأشهدوا ذوي عدل ~~منكم } أى عند الرجعة إن اخترتموها، أو الفرقة إن اخترتموها، تبريا ~~عن الريبة، وقطعا للنزاع. وهذا أمر ندب كما فى قوله - تعالى - # وأشهدوا إذا تبايعتم # وقال الشافعى فى القديم إنه للوجوب فى الرجعة. وزعم الطبرسى أن الظاهر ~~أنه أمر بالإشهاد على الطلاق، وأنه مروى عن أثمة أهل البيت، وأنه ~~للوجوب، وشرط فى صحة الطلاق... وقوله { وأقيموا الشهادة ~~لله } معطوف على ما قبله، والخطاب لكل من تتعلق به الشهادة. والمراد ~~بإقامة الشهادة أداؤها بالعدل والصدق. أى وعليكم - أيها المؤمنون - عند ~~أدائكم للشهادة، أن تؤدوها بالعدل والأمانة، وأن تجعلوها خالصة لوجه الله ~~- تعالى - وامتثالا لأمره. # والجملة الكريمة دليل على أن أداء الشهادة على وجهها الصحيح عند الحكام ~~وغيرهم، أمر واجب، لأن الشهادة هنا اسم للجنس، ولأن الله - تعالى - يقول ~~فى آية أخرى # ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم ~~قلبه... # والإشارة فى قوله - سبحانه - { ذلكم يوعظ به من كان ~~يؤمن بالله واليوم الآخر } تعود إلى جميع ما تقدم من ~~أحكام، كإحصاء العدة وعدم إخراج المطلقة من بيت الزوجية حتى ms5092 تنتهى عدتها، ~~والحث على أداء الشهادة بالحق والعدل. والوعظ معناه التحذير مما يؤذى ~~بطريقة تؤثر فى القلوب، وتهدى النفوس إلى الرشد. أى ذلك الذى ذكرناه لكم ~~من أحكام إنما يتأثر به، ويعمل بمقتضاه الذين يؤمنون بالله - تعالى - ~~وباليوم الآخر إيمانا حقا. وخص - سبحانه - الذين يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر بالذكر، لأنهم هم المنتفعون بهذه الأحكام، وهم المنفذون لها تنفيذا ~~صحيحا. ثم بشر - سبحانه - عباده الذين يتقونه ويراقبونه ببشارات متعددة ~~فقال { ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب }. والجملة الكريمة اعتراض بين قوله - تعالى - { ~~وأقيموا الشهادة لله } وبين قوله - سبحانه - بعد ذلك # واللائي يئسن من المحيض # وجىء بهذا الاعتراض بين هذه الأحكام لحمل النفوس على تقبل تشريعاته - ~~تعالى - وآدابه، ولحض الزوجين على مراقبته - سبحانه - وتقواه. أى ومن يتق ~~الله - تعالى - فى كل أقواله وأفعاله وتصرفاته. يجعل له - سبحانه - مخرجا ~~من هموم الدنيا وضوائقها ومتاعبها، ومن شدائد الموت وغمراته، ومن أهوال ~~الآخرة وعذابها، ويزرقه الفوز بخير الدارين، من طرق لا تخطر له على بال، ~~ولا ترد له على خاطر، فإن أبواب رزقه - سبحانه - لا يعلمها أحد إلا هو - ~~عز وجل -. وفى هذه الجملة الكريمة ما فيها من البشارة للمؤمن، حتى يثبت ~~فؤاده، ويستقيم قلبه، ويحرص على طاعة الله - تعالى - فى كل أحواله. قال ~~القرطبى قال أبو ذر، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " إنى لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم، ثم تلا { ومن يتق ~~الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا ~~يحتسب } ". # وعن جابر بن عبد الله قال # " نزلت هذه الآية فى عوف بن مالك الأشجعى، أسر المشركون ابنا له، فأتى ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - وأخبره بذلك. فقال له - صلى الله عليه وسلم ~~- " اتق الله واصبر، وآمرك وزوجك أن تستكثرا من قول لا حول ولا قوة إلا ~~بالله ". فعاد إلى بيته وقال لامرأته إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أمرنى وإياك أن نستكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله. فقالت نعم ما ms5093 ~~أمرنا، فجعلا يقولان ذلك، فغفل العدو عن ابنه، فساق غنمهم وجاء بها إلى ~~أبيه عوف، " # فنزلت الآية... ثم قال - تعالى - { ومن يتوكل على الله ~~فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله ~~لكل شيء قدرا }. ولفظ { حسب } بمعنى كاف وأصله اسم مصدر أو ~~مصدر، ومعنى { بالغ أمره } بإضافة الوصف إلى مفعوله، أى يبلغ ما ~~يريده - سبحانه -، وقرأ الجمهور { بالغ أمره } بتنوين الوصف ونصب ~~أمره على المفعولية، والمراد بأمره، شأنه ومراده. وهذه الجملة تعليل لما ~~قبلها. أى ومن يفوض أمره إلى الله - تعالى - ويتوكل عليه وحده، فهو - ~~سبحانه - كافيه فى جميع أموره، لأنه - سبحانه - يبلغ ما يريده، ولا يفوته ~~مراد، ولا يعجزه شىء، ولا يحول دون أمره حائل.. ومن مظاهر حكمه فى خلقه، ~~أنه عز وجل - قد جعل لكل شىء تقديرا قبل وجوده، وعلم علما تاما مقاديرها ~~وأوقاتها وأحوالها. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # إنا كل شيء خلقناه بقدر # وقوله - سبحانه - # وخلق كل شيء فقدره تقديرا # وقوله - عز وجل - # وكل شيء عنده بمقدار # قال بعض العلماء ما ملخصه ولهذه الجملة، وهى قوله - تعالى - { قد ~~جعل الله لكل شيء قدرا } موقع تتجلى فيه صورة من صور ~~إعجاز القرآن، فى ترتيب مواقع الجمل بعضها بعد بعض.. فهذه الجملة لها ~~موقع الاستئناف البيانى الناشىء عما اشتملت عليه جمل { ومن يتق ~~الله يجعل له مخرجا.. } إلى قوله { إن الله بالغ ~~أمره } لأن استعداد السامعين لليقين بما تضمنته تلك الجمل متفاوت، ~~فقد يستبعد بعض السامعين تحقق الوعد لأمثاله، فيقول أين أنا من تحصيل هذا ~~الشىء.. ويتملكه اليأس.. فيقول الله - تعالى - له { قد جعل الله ~~لكل شيء قدرا } أى فلا تيأس أيها الإنسان. ولها موقع التعليل ~~لجملة { وأحصوا العدة } فإن العدة من الأشياء التى تعد، فلما ~~أمر الله بإحصائها علل ذلك فقال { قد جعل الله لكل شيء ~~قدرا }. ولها موقع التذبيل لجملة { وتلك حدود الله ومن ~~يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه } أى الذى وضع تلك ~~الحدود، قد جعل الله لكل شىء قدرا لا يعدوه، كما ms5094 جعل الحدود. ولها موقع ~~التعليل لجملة { فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن ~~بمعروف أو فارقوهن بمعروف } ، لأن المعنى إذا بلغن ~~القدر الذى جعله الله لمدة العدة، فقد حصل المقصد الشرعى، الذى أشار إليه ~~بقوله - تعالى - { لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك ~~أمرا }. ولها موقع التعليل لجملة { وأقيموا الشهادة } فإن ~~الله - تعالى - جعل الشهادة قدرا لرفع النزاع. فهذه الجملة جزء آية، وهى ~~تحتوى على حقائق من الحكمة... ثم ذكر - سبحانه - أحكاما أخرى تتعلق بعدة ~~أنواع أخرى من النساء وأكد الأمر بتقواه - عز وجل - وأمر برعاية النساء ~~والانفاق عليهن.. فقال - تعالى - { واللائي يئسن... }. ### || [65.4-7] # قال القرطبى قوله - تعالى - { واللائي يئسن من المحيض من ~~نسآئكم } لما بين - سبحانه - أمر الطلاق والرجعة فى التى تحيض، ~~وكانوا قد عرفوا عدة ذوات الأقراء، عرفهم - سبحانه - فى هذه السورة عدة ~~التى لا ترى الدم. وقال أبو عثمان عمر بن سالم لما نزلت عدة النساء فى ~~سورة " البقرة " فى المطلقة والمتوفى عنها زوجها، قال أبى بن كعب يا رسول ~~الله، إن ناسا يقولون قد بقى من النساء من لم يذكر فيهن شىء، الصغار ~~وذوات الحمل، فنزلت هذه الآية. وقال مقاتل لما ذكر - سبحانه - قوله # والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء.. # قال خلاد بن النعمان يا رسول الله فما عدة التى لم تحض، وما عدة التى ~~انقطع حيضها، وعدة الحبلى، فنزلت هذه الآية... وجملة { واللائي ~~يئسن من المحيض... } معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك # فطلقوهن لعدتهن.. # لبيان أحكام أخرى تتعلق بعدة نوع آخر من النساء بعد بيان عدة النساء ~~ذوات الأقراء. والمراد باللائى يئسن من المحيض النساء اللائى تقدمن فى ~~السن، وانقطع عنهن دم الحيض. وقوله { يئسن } من اليأس، وهو فقدان ~~الأمل من الحصول على الشىء. والمراد بالمحيض دم الحيض الذى يلفظه رحم ~~المرأة فى وقت معين، وفى حال معينة.. وقوله { إن ارتبتم } من ~~الريبة بمعنى الشك. قوله { واللائي } اسم موصول مبتدأ، وقوله { ~~يئسن } صلته، وجملة الشرط والجزاء وهى قوله { إن ارتبتم ~~فعدتهن ثلاثة أشهر } خبره. والمعنى لقد بينت لكم - أيها ms5095 ~~المؤمنون - عدة النساء المعتدات بالمحيض، أما النساء المتقدمات فى السن ~~واللائى فقدن الأمل فى رؤية دم الحيض، فعليكم إن ارتبتم، وشككتم فى عدتهن ~~أو جهلتموها، أن تقدروها بثلاثة أشهر. هذا، وقد قدر بعضهم سن اليأس ~~بالنسبة للمرأة بستين سنة، وبعضهم قدره بخمس وخمسين سنة. وبعضهم لم يحدده ~~بسن معينة، بل قال إن هذا السن يختلف باختلاف الذوات والأفطار والبيئات.. ~~كاختلاف سن ابتداء الحيض. وقوله - تعالى - { واللائي لم يحضن } ~~معطوف على قوله { واللائي يئسن } وهو مبتدأ وخبره محذوف لدلالة ~~ما قبله عليه. والتقدير واللائى يئسن من المحيض من نسائكم، إن إرتبتم فى ~~عدتهن، فعدتهن ثلاثة أشهر، واللاتى لم يحضن بعد لصغرهن، وعدم بلوغهن سن ~~المحيض.. فعدتهن - أيضا - ثلاثة أشهر. ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان ~~عدة المرأة ذات الحمل، فقال - تعالى - { وأولات الأحمال ~~أجلهن أن يضعن حملهن... }. وقوله { وأولات } اسم ~~جمع للفظ ذات. بمعنى صاحبة، لأنه لا مفرد لكلمة { أولات } من لفظها، ~~كما أنه لا مفرد من لفظها لكلمة " أولو " التى هى بمعنى أصحاب، وإنما ~~مفردها " ذو ". # والأحمال جمع حمل - بفتح الحاء - كصحب وأصحاب، والمراد به الجنين الذى ~~يكون فى بطن المرأة. والأجل انتهاء المدة المقدرة للشىء. وقوله { ~~أولات... } مبتدأ، و { أجلهن } مبتدأ ثان، وقوله { أن ~~يضعن حملهن } خبر المبتدأ الثانى، والمبتدأ وخبره، خبر الأولى. ~~والمعنى والنساء ذوات الأحمال { أجلهن } أى نهاية عدتهن، أن يضعن ~~ما فى بطونهن من حمل، فمتى وضعت المرأة ما فى بطنها، فقد انقضت عدتها، ~~لأنه ليس هناك ما هو أدل على براءة الرحم، من وضع الحمل. وهذا الحكم عام ~~فى كل ذوات الأحمال، سواء أكن مطلقات، أم كن قد توفى عنهن أزواجهن. وقد ~~ساق الإمام ابن كثير جملة من الأحاديث التى تؤيد ذلك، ومن تلك الأحاديث ~~ما رواه الشيخان، من أن سبيعة الأسلمية وضعت بعد موت زوجها بأربعين ليلة، ~~فخطبت فأنكحها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأحد أصحابه. وعن أبى بن ~~كعب قال قلت للنبى - صلى الله عليه وسلم - { وأولات الأحمال ~~أجلهن أن يضعن حملهن ms5096 } للمطلقة ثلاثا وللمتوفى عنها ~~زوجها؟ فقال هى للمطلقة ثلاثا وللمتوفى عنها. قالوا ولا تعارض بين هذه ~~الآية، وبين قوله - تعالى - فى سورة البقرة # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا... # لأن آية سورة البقرة، خاصة بالنساء اللائى توفى عنهن أزواجهن ولم يكن ~~هؤلاء النساء من ذوات الأحمال. وفى هذه المسألة أقوال أخرى مبسوطة فى ~~مظانها... ثم كرر - سبحانه - الأمر بتقواه، وبشر المتقين بالخير العميم ~~فقال { ومن يتق الله } - تعالى - فينفذ ما كلف به. ويبتعد عما ~~نهى عنه. { يجعل له } سبحانه { من أمره يسرا } أى يجعل له ~~من الأمر العسير أمرا ميسورا. ويحول له الأمر الصعب إلى أمر سهل، لأنه - ~~سبحانه - له الخلق والأمر.. { ذلك } الذى ذكرناه لكم من أحكام { ~~أمر الله } أى حكمه وشرعه { أنزله إليكم } لتعلموا به، ~~وتسيروا على هديه. { ومن يتق الله } - تعالى - فى كل شئونه ~~وأحواله.. { يكفر عنه سيئاته } أى يمح عنه ذنوبه، ولا ~~يؤاخذه عليها، { ويعظم له أجرا } أى ويضاعف له حسناته، ويجزل ~~له العطاء والمثوبة يوم القيامة. ثم أمر - سبحانه - الرجال بأن يحسنوا ~~معاملة النساء المطلقات، ونهاهم عن الإساءة إليهن بأى لون من ألوان ~~الإساءة فقال { أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم... ~~} والخطاب للرجال الذين يريدون فراق أزواجهن، والضمير المنصوب فى قوله { ~~أسكنوهن } يعود إلى النساء المطلقات. و { من } للتبعيض، والوجد ~~السعة والقدرة. أى أسكنوا المطلقات فى بعض البيوت التى تسكنونها والتى فى ~~وسعكم وطاقتكم إسكانهن فيها. قال صاحب الكشاف قوله { أسكنوهن } ~~وما بعده بيان لما شرط من التقوى فى قوله { ومن يتق الله ~~يكفر عنه سيئاته. # .. } كأنه قيل كيف نعمل بالتقوى فى شأن المعتدات؟ فقيل { أسكنوهن ~~}. فإن قلت فقوله { من وجدكم } ما موقعه؟ قلت هو عطف بيان لقوله { ~~من حيث سكنتم } ، وتفسير له، كأنه قيل أسكنوهن مكانا من مسكنكم ~~مما تطيقونه. والسكنى والنفقة واجبتان لكل مطلقة. وعند مالك والشافعى ليس ~~للمبتونة إلا السكن ولا نفقة لها، وعن الحسن وحماد لا نفقه لها ولا سكنى، ~~لحديث فاطمة بنت قيس # " أن زوجها أبت ms5097 طلاقها، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ~~لا سكنى لك ولا نفقة... ". # ثم أتبع - سبحانه - الأمر بالإحسان إلى المطلقات، بالنهى عن إلحاق ~~الأذى بهن فقال { ولا تضآروهن لتضيقوا عليهن.. }. ~~أى ولا تستعملوا معهن ما يؤذيهن ويضرهن، لكى تضيقوا عليهن ما منحه الله - ~~تعالى - لهن من حقوق، بأن تطيلوا عليهن مدة العدة، فتصبح الواحدة منهن ~~كالمعلقة، أو بأن تضيقوا عليهن فى السكنى، حتى يلجأن إلى الخروج، ~~والتنازل عن حقوقهن. وقوله - تعالى - { وإن كن أولات حمل ~~فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن.. } أى وإن كان ~~المطلقات أصحاب حمل - فعليكم يا معشر الأزواج - أن تقدموا لهن النفقة ~~المناسبة، حتى يضعن حملهن. قال الإمام ابن كثير قال كثير من العلماء ~~منهم ابن عباس، وطائفة من السلف. هذه هى البائن، إن كانت حاملا أنفق ~~عليها حيث تضع حملها، قالوا بدليل أن الرجعية تجب نفقتها سواء أكانت ~~حاملا أم غير حامل. وقال آخرون بل السياق كله فى الرجعيات، وإنما نص على ~~الإنفاق على الحامل - وإن كانت رجعية - لأن الحمل تطول مدته غالبا. ~~فاحتيج إلى النص على وجوب الإنفاق إلى الوضع، لئلا يتوهم أنه إنما تجب ~~النفقة بمقدار مدة العدة... ولما كان الحمل ينتهى بالوضع، انتقلت السورة ~~الكريمة إلى بيان ما يجب للمطلقات بعد الوضع، فقال - تعالى - { فإن ~~أرضعن لكم فآتوهن أجورهن }. أى عليكم - أيها المؤمنون ~~- أن تقدموا لنسائكم ذوات الحمل اللائى طلقتموهن طلاقا بائنا، عليكم أن ~~تقدموا لهن النفقة حتى يضعن حملهن، فإذا ما وضعن حملهن وأرادوا أن يرضعن ~~لكم أولادكم منهن، فعليكم - أيضا - أن تعطوهن أجورهن على هذا الإرضاع، ~~وأن تلتزموا بذلك لهن. وقد أخذ العلماء من هذه الآية أن الأم المطلقة ~~طلاقا بائنا، إذا أرادت أن ترضع ولدها بأجر المثل، فليس لأحد أن يمنعها ~~من ذلك، لأنها أحق به من غيرها، لشدة شفقتها عليه.. وليس للأب أن يسترضع ~~غيرها حينئذ. كما أخذوا منها - أيضا - أن نفقة الولد الصغير على أبيه، ~~لأنه إذا لزمته أجرة الرضاع، فبقية النفقات الخاصة بالصغير تقاس على ذلك. ~~وقوله ms5098 - سبحانه - { وأتمروا بينكم بمعروف } حض منه - ~~سبحانه - للآباء والأمهات على التعاون والتناصح فى وجوه الخير والبر. # والائتمار معناه التشاور وتبادل الرأى، وسمى التشاور بذلك لأن ~~المتشاورين فى مسألة، يأمر أحدهما الآخر بشىء فيستجيب لأمره، ويقال أئتمر ~~القوم وتآمروا بمعنى واحد. أى عليكم - أيها الآباء والأمهات - أن ~~تتشاوروا فيما ينفع أولادكم، وليأمر بعضكم بعضا بما هو حسن، فيما يتعلق ~~بالإرضاع والأجر وغيرهما. وقوله - تعالى - { وإن تعاسرتم ~~فسترضع له أخرى } إرشاد إلى ما يجب عليهما فى حالة عدم ~~التراضى على الإرضاع أو الأجر. والتعاسر مأخوذ من العسر الذى هو ضد ~~اليسر والسماحة، يقال تعاسر المتبايعان، إذا تمسك كل واحد منهما برأيه، ~~دون أن يتفقا على شىء. أى وإن اشتد الخلاف بينكم، ولم تصلوا إلى حل، بأن ~~امتنع الأب عن دفع الأجرة للأم، أو امتنعت الأم عن الإرضاع إلا بأجر ~~معين. فليس معنى ذلك أن يبقى المولود جائعا بدون رضاعة، بل على الأب أن ~~يبحث عن مرضعة أخرى، لكى ترضع له ولده، فالضمير فى قوله { له } يعود ~~على الأب. قال صاحب الكشاف قوله { وإن تعاسرتم فسترضع له ~~أخرى } أى فستوجد مرضعة غير الأم ترضعه، وفيه طرف من معاتبة الأم على ~~المعاسرة، كما تقول لمن تستقضيه حاجة فيتوانى سيقضيها غيرك. تريد لن تبقى ~~غير مقضية وأنت ملوم. وقد علق المحشى على الكشاف بقوله وخص الأم ~~بالمعاتبة، لأن المبذول من جهتها هو لينها وهو غير متمول ولا مضنون به فى ~~العرف، وخصوصا فى الأم على الولد، ولا كذلك المبذول من جهة الأب، فإنه ~~المال المضنون به عادة فالأم إذا أجدى باللوم، وأحق بالعتب... قالوا وفى ~~هذه الجملة - أيضا - طرف من معاتبة الأب، لأنه كان من الواجب عليه أن ~~يسترضى الأم، ولا يكون مصدر عسر بالنسبة لها، حرصا على مصلحة الولد. ثم ~~رسم - سبحانه - لعباده المنهج الذى لو ابتعوه لعاشوا آمنين مطمئنين فقال ~~{ لينفق ذو سعة من سعته }. والإنفاق بذل المال فى المصالح ~~المتنوعة التى أحلها الله - تعالى -، كالمأكل والمشرب، والملبس، والمسكن، ~~وإعطاء كل ذى حق ms5099 حقه.. والسعة البسطة فى المال والرزق. أى على كل من ~~أعطاه الله - تعالى - سعة وبسطة فى المال والرزق، أن ينفق مما أعطاه الله ~~- تعالى - وأن لا يبخل، فإن البخل صفة قبيحة، ولا سيما فى الأغنياء. ~~فعليكم - أيها الآباء - أن تعطوا بسخاء كل من يستحقون العطاء، وعلى رأسهم ~~الأمهات لأولادكم، اللائى يقمن بإرضاعهم بعد مفارقتكم لهن، وأن لا تبخلوا ~~عليهن فى أجرة الرضاع، أو فى النفقة على الأولاد. ثم قال - تعالى - { ~~ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممآ آتاه الله... } ~~أى ومن كان رزقه ضيقا وليس واسعا. # . فلينفق على قدر ماله ورزقه وطاقته، مما آتاه الله - تعالى - من رزق. ~~وقوله { لا يكلف الله نفسا إلا مآ آتاها... } تعليل ~~لما قبله، أى فلينفق كل إنسان على نفسه وعلى زوجه، وعلى أولاده، وعلى ~~أقاربه، وعلى غيرهم. على حسب حاله، فإن كان موسرا أنفق على حسب يسره، وإن ~~كان معسرا أنفق على حسب عسره.. لأن الله - تعالى - لا يكلف نفسا إلا بقدر ~~ما أعطاها من طاقة أو رزق.. روى ابن جرير أن عمر بن الخطاب سأل عن أبى ~~عبيدة فقيل له إنه يلبس الغليظ من الثياب، ويأكل الخشن من الطعام، فبعث ~~إليه بألف دينار، وقال للرسول انظر ماذا يصنع أذا أخذها فلما أخذها، ما ~~لبث أن لبس ألين الثياب، وأكل أطيب الطعام.. فجاء الرسول فأخبره فقال عمر ~~رحم الله أبا عبيدة، لقد عمل بهذه الآية { لينفق ذو سعة من ~~سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممآ آتاه ~~الله.. }. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببشارة لمن يتبع أمره فقال ~~{ سيجعل الله بعد عسر يسرا } أى سيجعل الله - تعالى - ~~بفضله وإحسانه - اليسر بعد العسر، والسعة بعد الضيق، والغنى بعد الفقر.. ~~لمن شاء من عباده، لأنه - سبحانه - هو الذى يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، ~~وهو بعباده خبير بصير. قال الإمام ابن كثير وقد روى الإمام أحمد عن أبى ~~هريرة قال # " دخل رجل على أهله. فلما رأى ما بهم من الفاقة خرج إلى البرية، لما رأت ~~امرأته ذلك قامت ms5100 إلى الرحى فوضعتها، وإلى التنور فسجرته - أى أوقدته -، ~~ثم قالت اللهم ارزقنا، فنظرت، فإذا الجفنة قد امتلأت.. قال وذهبت إلى ~~التنور فوجدته ممتلئا، قال فرجع الزوج فقال لأهله أأصبتم بعدى شيئا؟ ~~فقالت امرأته نعم من ربنا.. فذكر الرجل ذلك للنبى - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال أما إنه لو لم ترفعها، لم تزل تدور إلى يوم القيامة ". # وبعد هذه التشريعات الحكيمة التى تتعلق بالطلاق وما يترتب عليه من آثار، ~~وبعد هذا التذكير المتكرر بوجوب تقوى الله - تعالى - والمحافظة على أداء ~~تكاليفه، وبعد هذا الوعظ المؤثر فى قلوب الذين يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر.. بعد كل ذلك ساق - سبحانه - جانبا من سوء عاقبة الأقوام الذين ~~فسقوا عن أمر ربهم، وخالفوا رسله وكرر الأمر بتقواه، وذكر الناس بجانب من ~~نعمه، حيث أرسل إليهم رسوله - صلى الله عليه وسلم - ليتلوا عليهم آياته.. ~~كما ذكرهم بعظيم قدرته - تعالى - وشمول علمه، فقال - سبحانه - { ~~وكأين من قرية... }. ### || [65.8-12] # وكلمة { وكأين } اسم لعدد كثير منهم، يفسره ما بعده، فهى بمعنى " ~~كم " الخبرية التى تفيد التكثير، وهى مبتدأ، وقوله { من قرية } ~~تمييز لها. وجملة { عتت عن أمر ربها } خبر للمبتدأ. والعتو ~~الخروج عن الطاعة، يقال عتا فلان يعتو عتوا وعتيا. إذا تجبر وطغى وتجاوز ~~الحدود فى الاستكبار والعناد. والمراد بالقرية أهلها، على سبيل المجاز ~~المرسل، من إطلاق المحل وإرادة الحال، فهو كقوله - تعالى - # وسئل القرية التي كنا فيها # والقرينة على أن المراد بالقرية أهلها، قوله - تعالى - بعد ذلك { ~~أعد الله لهم عذابا شديدا... }. والمراد بالمحاسبة فى ~~قوله { فحاسبناها... } المجازاة والمعاقبة الدنيوية على أعمالهم، ~~بدليل قوله - تعالى - عن العذاب الأخروى بعد ذلك { أعد الله ~~لهم عذابا شديدا... }. ويجوز أن يراد بالمحاسبة هنا العذاب ~~الأخروى، وجىء بلفظ الماضى على سبيل التأكيد وتحقق الوقوع، كما فى قوله - ~~تعالى - # ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار... # ويكون قوله - سبحانه - { أعد الله لهم عذابا شديدا.. } ~~تكريرا للوعيد. والمعنى وكثير من أهل القرى الماضية، خرجوا عن طاعة ربهم، ~~وعصوا رسله، فكانت نتيجة ذلك أن سجلنا عليهم أفعالهم تسجيلا ms5101 دقيقا، ~~وجازيناهم عليها جزاء عادلا، بأن عذبناهم عذابا فظيعا. وعاقبناهم عقابا ~~نكرا.. والشىء النكر بضمتين وبضم فسكون - ما ينكره العقل من شدة كيفية ~~حدوثه إنكارا عظيما. والفاء فى قوله - تعالى - { فذاقت وبال ~~أمرها... } للتفريع على ما تقدم. والوبال الثقل، ومنه الطعام الوبيل، ~~أى الوخيم الثقيل على المعدة فيكون سببا فى فسادها ومرضها. والذوق ~~الإحساس بالشىء إحساسا واضحا.. أى فترتب على هذا الحساب والعقاب، أن ذاق ~~أهل تلك القرى سوء عاقبة بغيهم وجحودهم لنعم الله.. وكان عاقبة أمرها ~~خسرا أى وكانت نهايتهم نهاية خاسرة خسارة عظيمة، كما يخسر التاجر صفقته ~~التجارية التى عليها قوام حياته. ثم بين - سبحانه - ما أعده لهم فى ~~الآخرة من عذاب، بعد بيان ما حل بهم فى الدنيا فقال { أعد الله ~~لهم عذابا شديدا... }. أى أن ما أصابهم فى الدنيا بسبب فسوقهم ~~عن أمر ربهم، ليس نهاية المطاف، بل هيأ الله - تعالى - لهم عذابا أشد من ~~ذلك وأبقى فى الآخرة.. وما دام كذلك { فاتقوا الله يأولي ~~الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ~~ذكرا... }. والألباب جمع لب، وهو العقل السليم الذى يرشد صاحبه إلى ~~الخير والبر. وقوله { الذين آمنوا } منصوب بإضمار أعنى على سبيل ~~البيان للمنادى، أو عطف بيان له. والمراد بالذكر القرآن الكريم، وقد سمى ~~بذلك فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى - # لقد أنزلنآ إليكم كتابا فيه ذكركم... # أى فيه شرفكم وعزكم، وفيه ما يذكركم بالحق، وينهاكم عن الباطل. أى ~~فاتقوا الله - تعالى - يا أصحاب العقول السليمة، ويامن آمنتم بالله - ~~تعالى - حق الإيمان، فهو - سبحانه - الذى أنزل عليكم القرآن الكريم، ~~الذى فيه ما يذكركم عما غفلتم عنه من عقيدة سليمة، ومن أخلاق كريمة، ومن ~~آداب قويمه.. وفى ندائهم يوصف " أولى الألباب " إشعار بأن العقول الراجحة ~~هى التى تدعو أصحابها إلى تقوى الله وطاعته، وإلى كل كمال فى الطباع ~~والسلوك. والمراد بالرسول فى قوله - تعالى - { رسولا يتلوا ~~عليكم آيات الله مبينات } محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~وللمفسرين جملة من الأقوال فى إعرابه، فمنهم من يرى أنه منصوب ms5102 بفعل مقدر، ~~ومنهم من يرى أنه بدل من ذكرا... والمعنى فاتقوا الله - أيها المؤمنون - ~~فقد أنزلنا إليكم قرآنا فيه ما يذكركم بخير الدنيا والآخرة.. وأرسلنا ~~إليكم رسولا هو عبدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - لكى يتلو عليكم آياتنا ~~تلاوة تدبر وفهم، يعقبهما تنفيذ ما اشتملت عليه هذه الآيات من أحكام ~~وأداب وهدايات.. ولكى يخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ظلمات الشرك ~~الذى كانوا واقعين فيه، إلى نور الإيمان الذى صاروا إليه. ومنهم من فسر ~~الذكر بالرسول - صلى الله عليه وسلم -.. قال الآلوسى ما ملخصه وقوله { ~~قد أنزل الله إليكم ذكرا } هو النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - وعبر عنه بالذكر، لمواظبته على تلاوة القرآن الذى هو ذكر.. وقوله ~~- تعالى - { رسولا } بدل من { ذكرا } ، وعبر عن إرساله بالإنزال، ~~لأن الإرسال مسبب عنه.. والظاهر أن الذكر هو القرآن، والرسول هو محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - ورسولا منصوب بمقدر، أى وأرسل رسولا... ثم بين - ~~سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين الصادقين فقال { ومن يؤمن بالله } ~~إيمانا حقا { ويعمل } عملا { صالحا يدخله } - سبحانه - ~~بفضله وإحسانه { جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيهآ أبدا } خلودا أبديا.. وقوله { قد أحسن الله له ~~رزقا } حال من الضمير المنصوب فى قوله { يدخله } ، والجمع فى ~~الضمائر باعتبار معنى { من } كما أن الأفراد فى الضمائر الثلاثة باعتبار ~~لفظها والرزق كل ما ينتفع به الإنسان، وتنكيره للتعظيم. أى قد وسع الله ~~- تعالى - لهذا المؤمن الصادق فى إيمانه رزقه فى الجنة، وأعطاه من الخير ~~والنعيم، ما يشرح صدره، ويدخل السرور على نفسه. ويصلح باله.. ثم ختم - ~~سبحانه - السورة الكريمة بما يدل على كمال قدرته، وسعة علمه فقال { ~~الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن.. ~~}. أى الله - تعالى - وحده هو الذى خلق سبع سماوات طباقا وخلق من الأرض ~~مثلهن، أى فى العدد فهى سبع كالسماوات. # والتعدد قد يكون باعتبار أصول الطبقات الطينية والصخرية والمائية ~~والمعدنية، وغير ذلك من الاعتبارات التى لا يعلمها إلا الله - تعالى -. ~~قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية يقول - تعالى ms5103 - مخبرا عن ~~قدرته التامة، وسلطانه العظيم، ليكون ذلك باعثا على تعظيم ما شرع من ~~الدين القويم { الله الذي خلق سبع سماوات } كقوله - ~~تعالى - إخبارا عن نوح أنه قال لقومه # ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا... # وقال - تعالى - # تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن # وقوله { ومن الأرض مثلهن } أى سبعا - أيضا - كما ثبت فى ~~الصحيحين # " من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه مع سبع أرضين ". # وفى صحيح البخارى # " خسف به إلى سبع آرضين.. " # ومن حمل ذلك على سبعة أقاليم، فقد أبعد النجعة، وأغرق فى النزع، وخالف ~~القرآن والحديث بلا مستند.. وقال الآلوسى الله الذى خلق سبع سماوات مبتدأ ~~وخبر { ومن الأرض مثلهن } أى وخلق من الأرض مثلهن، على أن { ~~مثلهن } مفعول محذوف، والجملة معطوفة على الجملة قبلها. والمثلية ~~تصدق بالاشتراك فى بعض الأوصاف، فقال الجمهور هى هنا فى كونها سبعا ~~وكونها طباقا بعضها فوق بعض، بين كل أرض وأرض مسافة كما بين السماء ~~والأرض، وفى كل أرض سكان من خلق الله، لا يعلم حقيقتهم أحد إلا الله - ~~تعالى -. وقيل المثلية فى الخلق لا فى العدد ولا فى غيره، فهى أرض واحدة ~~مخلوقة كالسماوات السبع. ورد هذا القيل بأنه قد صح من رواية البخارى ~~وغيره، قوله - صلى الله عليه وسلم - # " اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن.. ". # والذى نراه أن كون المثلية فى العد، هو المعول عليه، لورود الأحاديث ~~الصحيحة التى صرحت بأن الأرضين سبع، فعلينا أن نؤمن بذلك، وأن نرد كيفية ~~تكوينها، وهيئاتها، وأبعادها، ومساحاتها، وخصائصها.. إلى علم الله - ~~تعالى -. وقوله { يتنزل الأمر بينهن } أى يجرى أمر الله - ~~تعالى - وقضاؤه وقدره بينهن، وينفذ حكمه فيهن، فالمراد بالأمر قضاؤه ~~وقدره ووحيه. واللام فى قوله - تعالى - { لتعلموا أن الله ~~على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل ~~شيء علما } متعلقة بقوله { خلق }... أى خلق - سبحانه - سبع ~~سماوات ومن الأرض مثلهن، وأخبركم بذلك، لتعلموا علما تاما أن الله - ~~تعالى - على كل شىء قدير، وأن علمه - تعالى ms5104 - قد أحاط بكل شىء سواء أكان ~~هذا الشىء جليلا أم حقيرا، صغيرا أم كبيرا.. وبعد فهذا تفسير لسورة " ~~الطلاق " نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا لعباده، وصلى ~~الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.. ### | [66 - سورة التحريم] ### || [66.1-5] # وقد افتتح سبحانه - السورة الكريمة بقوله - تعالى - { يأيها ~~النبي لم تحرم.... ثيبات وأبكارا }. وقد ذكر ~~المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات متعددة، منها ما رواه الشيخان ~~وغيرهما عن عائشة - رضى الله عنها - قالت # " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشرب عسلا عند زينب بنت جحش، ~~ويمكث عندها فتواطأت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها فلتقل له أكلت ~~مغافير؟ - والمغافير صمغ حلو له رائحة كريهة - إنى أجد منك ريح مغافير. ~~فدخل على إحداهما فقالت له ذلك، فقال بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن ~~أعود إليه، وقد حلفت، فلا تخبرى بذلك أحدا، فنزلت هذه الآيات ". # وفى رواية أن التى شرب عندها العسل حفصة بنت عمر، وأن القائلة له ذلك ~~سودة بنت زمعة، وصفية بنت حيى. قالوا والاشتباه فى الاسم لا يضر، بعد ~~ثبوت أصل القصة. وأخرج النسائى والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس، أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة ~~وحفصة حتى جعلها على نفسه حراما، فأنزل الله - تعالى - { يأيها ~~النبي لم تحرم مآ أحل الله لك.. الآيات.. }. وروى ~~ابن جرير عن زيد بن أسلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصاب أم ~~إبراهيم مارية، فى بيت بعض نسائه - وفى رواية فى بيت حفصة فقالت يا رسول ~~الله فى بيتى وعلى فراشى؟ فجعلها أى مارية - عليه حراما، وحلف بهذا.. ~~فأنزل الله هذه الآيات. قال القرطبى ما ملخصه " وأصح هذه الأقوال أولها.. ~~والصحيح أن التحريم كان فى العسل، وأنه شربه عند زينب، وتظاهرت عليه ~~عائشة وحفصة فيه، فجرى ما جرى فحلف أن لا يشربه وأسر ذلك، ونزلت الآية فى ~~الجميع ". وقال الإمام ابن كثير - بعد أن ساق عددا من ms5105 الروايات فى هذا ~~الشأن والصحيح أن ذلك كان فى تحريمه - صلى الله عليه وسلم - للعسل. وقال ~~الآلوسى قال النووى فى شرح مسلم الصحيح أن الآية فى قصة العسل، لا فى قصة ~~مارية المروية فى غير الصحيحين، ولم تأت قصة مارية من طريق صحيح. والصواب ~~أن شرب العسل كان عند زينب بنت جحش... وقد افتتح - سبحانه - السورة ~~الكريمة بتوجيه النداء إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال { ~~يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك }. وفى ~~توجيه النداء إليه - صلى الله عليه وسلم - تنبيه إلى أن ما سيذكر بعد ~~النداء، شىء مهم، بالنسبة له ولسائر المسلمين. # والاستفهام فى قوله - تعالى - { لم تحرم مآ أحل الله ~~لك.. } للنفى المصحوب بالعتاب منه - سبحانه - لنبيه - صلى الله عليه ~~وسلم -. وجملة { تبتغي مرضاة أزواجك } حال من فاعل { ~~تحرم } ، والعتاب واقع على مضمون هذه الجملة والتى قبلها، وهى قوله ~~{ لم تحرم مآ أحل الله لك }. والمعنى يا أيها الرسول ~~الكريم، لماذا حرمت على نفسك ما أحله الله - تعالى - لك من شراب أو غيره؟ ~~أفعلت ذلك من أجل إرضاء أزواجك؟. إنه لا ينبغى لك أن تفعل ذلك، لأن ما ~~أباحه الله - تعالى - لك، لا يصح أن تحرمه على نفسك أو أن تمتنع عن ~~تعاطيه، فتشق على نفسك من أجل إرضاء غيرك. قال بعض العلماء " ناداه بلفظ ~~" النبى " إشعارا بأنه الذى نبئ بأسرار التحليل والتحريم الإلهى، ~~والمراد بتحريمه ما أحل له، امتناعه منه، وحظره إياه على نفسه. وهذا ~~المقدار مباح، ليس فى ارتكابه جناح، وإنما قيل له { لم تحرم مآ ~~أحل الله لك } رفقا به، وشفقة عليه، وتنويها لقدره ولمنصبه - ~~صلى الله عليه وسلم - أن يراعى مرضاة أزواجه بما يشق عليه، جريا على ما ~~ألف من لطف الله - تعالى - به، ورفعه عن أن يحرج بسبب أحد من البشر الذين ~~هم أتباعه.. ". وقوله - سبحانه - { والله غفور رحيم } تسلية ~~للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من وقع هذا اللوم، ومن أثر هذا ~~العتاب، وإرشاد له - صلى الله عليه وسلم ms5106 - بأن ما فعله داخل تحت مغفرة ~~الله - تعالى - ورحمته. أى والله - تعالى - واسع المغفرة والرحمة وقد غفر ~~لك - بفضله وكرمه ما فعلته بسبب بعض أزواجك، وجعلك على رأس من تظلهم ~~رحمته. ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر رحمته فقال { قد فرض ~~الله لكم تحلة أيمانكم }. وقوله { فرض } هنا بمعنى ~~شرع، والتحلة مصدر بمعنى التحليل، والمراد بها الكفارة، وهى مصدر حلل ~~كالتكرمة مصدر كرم، من الحل الذى هو ضد العقد. أى قد شرع الله - تعالى - ~~لكم تحليل الايمان التى عقدتموها، عن طريق الكفارة، لأن اليمين إذا كانت ~~فى أمر لا يحبه الله - تعالى - فالعدول عنها أولى وأفضل. وفى الحديث ~~الشريف يقول - صلى الله عليه وسلم - # " إنى والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يمينى ~~وفعلت الذى هو خير ". # وقد اختلف العلماء فى التحريم الذى كن من النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~أكان بيمين أم لا. وظاهر الآية يؤيد القول بالإيجاب لقوله - تعالى - { ~~قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } لأن هذه الجملة ~~الكريمة تشعر بأن هناك يمينا تحتاج إلى كفارة. # وقد جاء فى بعض الروايات الصحيحة أنه قال # " بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش، فلن أعود له، وقد حلفت. لا تخبرى بذلك ~~أحدا.. ". # قال الآلوسى ما ملخصه واختلفوا هل كفر النبى - صلى الله عليه وسلم - عن ~~يمينه هذه أولا؟ فعن الحسن أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكفر لأنه كان ~~مغفورا له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وإنما هو تعليم للمؤمنين. وعن مقاتل ~~أنه - صلى الله عليه وسلم - أعتق رقبة.. ونقل مالك عن زيد بن أسلم أنه - ~~صلى الله عليه وسلم - أعطى الكفارة. وقوله - سبحانه - { والله ~~مولاكم } أى وهو - سبحانه - سيدكم ومتولى أموركم وناصركم. وهو - ~~تعالى - { العليم الحكيم } أى العليم بجميع أحوالكم وشئونكم، ~~الحكيم فى كل أقواله وأفعاله وتدبير شئون عباده. والظرف فى قوله - تعالى ~~- { وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا } ~~متعلق بمحذوف تقديره اذكر، وقوله { أسر } من الإسرار بالشىء بمعنى ~~كتمانه وعدم إشاعته. ms5107 والمراد ببعض أزواجه حفصة - رضى الله عنها -. ~~والمراد بالحديث قوله لها - كما جاء فى بعض الروايات - # " بل شربت عسلا عند زينب، ولن أعود، وقد حلفت فلا تخبرى بذلك أحدا.. ". # أو قوله لها فى شأن مارية # " إنى قد حرمتها على نفسى، فاكتمى ذلك فأخبرت بذلك عائشة ". # أى واذكر - أيها العاقل لتعتبر وتتعظ - وقت أن أسر النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى زوجه حفصة حديثا، يتعلق بشربه العسل فى بيت زينب بنت ~~جحش، وقوله - صلى الله عليه وسلم - لحفصة لا تخبرى بذلك أحدا ". { ~~فلما نبأت به } أى فلما أخبرت حفصة عائشة بهذا الحديث الذى ~~أمرت بكتمانه { وأظهره الله عليه } أى وأطلع الله - تعالى - ~~نبيه - صلى الله عليه وسلم - على ما قالته حفصة لعائشة. فالمراد ~~بالإظهار الاطلاع، وهو مشتق من الظهور بمعنى التغلب. وعبر بالإظهار عن ~~الاطلاع، لأن حفصة وعائشة كانتا حريصتين على عدم معرفة ما دار بينهما فى ~~هذا الشأن، فلما أطلع الله - تعالى - نبيه على ذلك كانتا بمنزلة من غلبتا ~~على أمرهما. وقوله - سبحانه - { عرف بعضه وأعرض عن بعض ~~} بيان للمسلك السامى الذى سلكه - صلى الله عليه وسلم - فى معاتبته لحفصة ~~على إفشائها لما أمرها أن تكتمه والمفعول الأول لعرف محذوف أى عرفها ~~بعضه. أى فحين خاطب - صلى الله عليه وسلم - حفصة فى شأن الحديث الذى ~~أفشته، اكتفى بالإشارة إلى جانب منه، ولم يذكر لها تفاصيل ما قاله لها ~~سابقا. # لسمو أخلاقه - صلى الله عليه وسلم - إذ فى ذكر التفاصيل مزيد من الخجل ~~والإحراج لها. قال بعضهم ما زال التغافل من فعل الكرام وما استقصى كريم ~~قط وقال الشاعر # ليس الغبى بسيد فى قومه لكن سيد قومه المتغابى # وإنما عرفها - صلى الله عليه وسلم - ببعض الحديث، ليوقفها على خطئها ~~وعلى أنه كان من الواجب عليها أن تحفظ سره - صلى الله عليه وسلم -. قالوا ~~ولعل حفصة رضى الله عنها - قد فعلت ذلك، ظنا منها أنه لا حرج فى إخبار ~~عائشة بذلك، أو أنها اجتهدت فأخطأت، ثم تابت وندمت على خطئها. ثم حكى ms5108 - ~~سبحانه - ما قالته حفصة للرسول - صلى الله عليه وسلم - وما رد به عليها ~~فقال { فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال ~~نبأني العليم الخبير }. أى فلما سمعت من الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - ما يدل على أنه قد أطلع على ما قالته لعائشة، قالت له من ~~أخبرك بما دار بينى وبينها؟ فأجابها - صلى الله عليه وسلم - بقوله أخبرنى ~~بذلك الله - تعالى - العليم بجميع أحوال عباده وتصرفاتهم.. الخبير بما ~~تكنه الصدور، وبما يدور فى النفوس من هواجس وخواطر. وإنما قالت له - صلى ~~الله عليه وسلم - { من أنبأك هذا } لتتأكد من أن عائشة لم ~~تخبره - صلى الله عليه وسلم - بما دار بينهما فى هذا الشأن.. فلما قال ~~لها - صلى الله عليه وسلم - { نبأني العليم الخبير } تحقق ~~ظنها فى كتمان عائشة لما قالته لها، وتيقنت أن الذى أخبره بذلك هو الله - ~~عز وجل -. وفى تذييل الآية الكريمة بقوله { العليم الخبير } ~~إشارة حكيمة وتنبيه بليغ، إلى أن من الواجب على كل عاقل، أن يكون ملتزما ~~لكتمان الأسرار التى يؤتمن عليها، وأن إذاعتها - ولو فى أضيق الحدود - لا ~~تخفى على الله - عز وجل - لأنه - سبحانه - عليم بكل معلوم، ومحيط بخبايا ~~النفوس وخلجاتها. ثم وجه - سبحانه - بعد ذلك خطابه إلى حفصة وعائشة، ~~فأمرهما بالتوبة عما صدر منهما. فقال { إن تتوبآ إلى الله ~~فقد صغت قلوبكما }. ولفظ { صغت } بمعنى مالت وانحرفت عن ~~الواجب عليهما. يقال صغا فلان يصغو ويصغى صغوا، إذا مال نحو شىء معين. ~~ويقال صغت الشمس، إذا مالت نحو الغروب، ومنه قوله - تعالى - # ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة # وجواب الشرط محذوف، والتقدير إن تتوبا إلى الله، فلتوبتكما موجب أو سبب، ~~فقد مالت قلوبكما عن الحق، وانحرفت عما يجب عليكما نحو الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - من كتمان لسره، ومن حرص على راحته، ومن احترام لكل تصرف من ~~تصرفاته. # . وجاء الخطاب لهما على سبيل الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، مبالغة فى ~~المعاتبة، فإن المبالغ فى ذلك يوجه الخطاب إلى من يريد معاتبته مباشرة. ms5109 ~~وقال - سبحانه - { فقد صغت قلوبكما } بصيغة الجمع للقلوب، ولم ~~يقل قلبا كما بالتثنية، لكراهة اجتماع تثنيتين فيما هو كالكلمة الواحدة، ~~مع ظهور المراد، وأمن اللبس. ثم ساق - سبحانه - ما هو أشد فى التحذير ~~والتأديب فقال { وإن تظاهرا عليه فإن الله هو ~~مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ~~ذلك ظهير }. وقوله { تظاهرا } أصله تتظاهرا فحذفت إحدى التاءين ~~تخفيفا. والمراد بالتظاهر التعاون والتآزر، يقال ظاهر فلان فلانا إذا ~~أعانه على ما يريده، وأصله من الظهر، لأن من يعين غيره فكأنه يشد ظهره، ~~ويقوى أمره قال - تعالى - # إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ~~ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا ~~فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم # وجواب الشرط - أيضا - محذوف - أى وإن تتعاونا عليه بما يزعجه، ويغضبه، ~~من الإفراط فى الغيرة، وإفشاء سره. فلا يعدم ناصرا ولا معينا بل سيجد ~~الناصر الذى ينصره عليكما، فإن الله - تعالى - { هو مولاه } أى ~~ناصره ومعينه { وجبريل } كذلك ناصره ومعينه عليكما. { وصالح ~~المؤمنين } أى وكذلك الصالحون من المؤمنين من أنصاره وأعوانه. { ~~والملائكة بعد ذلك ظهير } أى والملائكة بعد نصر الله - ~~تعالى - له، وبعد نصر جبريل وصالح المؤمنين له، مؤيدونه ومناصرونه ~~وواقفون فى صفه ضدكما. وفى هذه الآية الكريمة أقوى ألوان النصر والتأييد ~~للرسول - صلى الله عليه وسلم - وأسمى ما يتصوره الإنسان من تكريم الله - ~~تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ومن غيرته - عز وجل - عليه، ومن ~~دفاعه عنه - صلى الله عليه وسلم -. وفيها تعريض بأن من يحاول إغضاب ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإنه لا يكون من صالح المؤمنين. وقوله { ~~وجبريل } مبتدأ، وقوله { وصالح المؤمنين والملائكة ~~} معطوف عليه. وقوله { بعد ذلك } متعلق بقوله { ظهير } الذى هو ~~خبر عن الجميع. وقد جاء بلفظ المفرد، لأن صيغة فعيل يستوى فيها الواحد ~~وغيره. فكأنه - تعالى - قال والجميع بعد ذلك مظاهرون له، واختير الإفراد ~~للإشعار بأنهم جميعا كالشىء الواحد فى تأييده ونصرته، وبأنهم يد واحدة ~~على من يعاديه. قال صاحب الكشاف فإن قلت قوله { بعد ذلك } تعظيم ~~للملائكة ومظاهرتهم، وقد تقدمت نصرة ms5110 الله وجبريل وصالح المؤمنين، ونصرة ~~الله - تعالى - أعظم وأعظم؟ قلت مظاهرة الملائكة من جملة نصرة الله، ~~فكأنه فضل نصرته - تعالى - بهم وبمظاهرتهم على غيرها من وجوه نصرته، ~~لفضلهم.. ". وخص جبريل بالذكر مع أنه من الملائكة، للتنويه بمزيد فضله، ~~فهو أمين الوحى، والمبلغ عن الله - تعالى - إلى رسله. # هذا، ومما يدل على أن الخطاب فى قوله - تعالى - { إن تتوبآ إلى ~~الله } ، لحفصة وعائشة، ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن ابن عباس أنه قال ~~لم أزل حريصا على أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - اللتين قال الله - تعالى - فيهما { إن تتوبآ إلى ~~الله فقد صغت قلوبكما }. فلما كان ببعض الطريق.. قلت يا ~~أمير المؤمنين، من المرأتان من أزواج النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~اللتان قال الله تعالى - فيهما { إن تتوبآ إلى الله فقد ~~صغت قلوبكما }. فقال عمر واعجبا لك يا ابن عباس.. هما حفصة ~~وعائشة. ثم أضاف - سبحانه - إلى تكريمه لنبيه تكريما آخر، وإلى تهديده ~~لمن تسىء إليه من أزواجه تهديدا آخر فقال - تعالى - { عسى ربه إن ~~طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن }. قال الجمل ~~ما ملخصه سبب نزولها أنه - صلى الله عليه وسلم - لما أشاعت حفصة ما أسرها ~~به، اغتم - صلى الله عليه وسلم - وحلف أن لا يدخل عليهن شهرا مؤاخذة لهن. ~~ولما بلغ عمر - رضى الله عنه - أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قد اعتزل ~~نساءه.. قال له يا رسول الله لا يشق عليك أمر النساء، فإن كنت طلقتهن فإن ~~الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك. قال ~~عمر وقلما تكلمت بكلام إلا رجوت أن الله يصدق قولى الذى أقوله فنزلت هذه ~~الآية. فاستأذن عمر النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يخبر الناس أنه لم ~~يطلق نساءه فأذن له فقام على باب المسجد، ونادى بأعلى صوته لم يطلق النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - نساءه. و { عسى } كلمة تستعمل فى الرجاء، ~~والمراد بها هنا التحقيق، لأنها صادرة عن الله - عز وجل -. قال ms5111 الآلوسى { ~~عسى } فى كلامه - تعالى - للوجوب، وأن الوجوب هنا إنما هو بعد تحقق ~~الشرط وقيل هى كذلك إلا هنا، والشرط معترض بين اسم { عسى } وخبرها. ~~والجواب محذوف. أى إن طلقكن فعسى.. و { أزواجا } مفعلو ثان ل { ~~يبدل } و { خيرا } صفته.. أى عسى إن طلقكن رسولنا محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - بإذن ربه ومشيئته، أن يبدله - سبحانه - أزواجا خيرا منكن. ثم ~~وصف - سبحانه - هؤلاء الأزواج بقوله { مسلمات } منقادات ومطيعات لله ~~ولرسوله، ومتصفات بكل الصفات التى أمر بها الإسلام. { مؤمنات } أى ~~مذعنات ومصدقات بقلوبهن لكل ما جاء به النبى - صلى الله عليه وسلم - من ~~عند ربه. { قانتات } أى قائمات بالطاعة لله ولرسوله على أكمل وجه. # { تائبات } أى مقلعات عن الذنوب والمعاصى، وإذا مسهن شىء منها ندمن ~~وتبن إليه - تعالى - توبة صادقة نصوحا. { عابدات } أى مقبلات على ~~عبادته - تعالى - إقبالا عظيما. { سائحات } أى ذاهبات فى طاعة الله ~~أى مذهب، من ساح الماء إذا سال فى انحاء متعددة، وقيل معناه مهاجرات. ~~وقيل صائمات. تشبيها لهن بالسائح الذى لا يصحب معه الزاد غالبا فلا يزال ~~ممسكا عن الطعام حتى يجده. { ثيبات } جمع ثيب - بوزن سيد - وهى ~~المرأة التى سبق لها الزواج، من ثاب يثوب ثوبا، إذا رجع، وسميت المرأة ~~التى سبق لها الزواج بذلك. لأنها ثابت إلى بيت أبويها بعد زواجها، أو ~~رجعت إلى زوج آخر غير زوجها الأول. { وأبكارا } جمع بكر، وهى الفتاة ~~العذراء التى لم يسبق لها الزواج، وسميت بذلك لأنها لا تزال على أول ~~حالتها التى خلقت عليها. وهذه الصفات جاءت منصوبة على أنها نعت لقوله { ~~أزواجا }. أو حال. ولم يعطف بعضها على بعض بالواو، لأجل التنصيص على ~~ثبوت جميع تلك الصفات لكل واحدة منهن. وعطف - سبحانه - { وأبكارا } ~~على ما قبله لتنافى الوصفين، إذ الثيبات لا يوصفن بالأبكار، وكذلك ~~الأبكار لا يوصفن بالثيبات، ولا يجتمع الوصفان فى ذات واحدة. قال صاحب ~~الكشاف فإن قلت كيف تكون المبدلات خيرا منهن، ولم يكن على وجه الأرض ~~نساء خير من أمهات المؤمنين؟ قلت إذا طلقهن ms5112 رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لعصيانهن له، وإيذائهن إياه، لم يبقين على تلك الصفة، وكان غيرهن ~~من الموصوفات بهذه الأوصاف مع الطاعة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~والنزول على هداه ورضاه خيرا منهن. فإن قلت لم أخليت الصفات كلها من ~~العاطف، ووسط بين الثبات والأبكار؟ قلت لأنهما صفتان متنافيتان لا ~~يجتمعان فيهن اجتماع سائر الصفات فيهن، فلم يكن بد من الواو. هذا، ~~والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة يراها ترسم جانبا من حياة الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - مع أزواجه، وهذا الجانب فيه ما فيه من العظات التى من ~~أبرزها تكريم الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - وإرشاده إلى ~~ما هو أهدى وأقوم، وسمو أخلاقه - صلى الله عليه وسلم - فى معاملته لأهله، ~~وتحذير أزواجه من أن يتصرفن أى تصرف لا يرغب فيه، ولا يميل إليه وتعليم ~~المؤمنين والمؤمنات - فى كل زمان ومكان - كيف تكون العلاقة الطيبة بين ~~الرجال والنساء. ثم وجه - سبحانه - بعد ذلك نداءين إلى المؤمنين، أمرهم ~~فى أولهما أن يؤدوا واجبهم نحو أنفسهم ونحو أهليهم، حتى ينجو من عذاب ~~النار، وأمرهم فى ثانيهما بالمداومة على التوبة الصادقة النصوح، ووجه ~~نداء إلى الكافرين بين لهم فيه سوء عاقبة كفرهم، ثم وجه - سبحانه - نداء ~~إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - أمره فيه بأن يجاهد الكفار والمنافقين ~~جهادا مصحوبا بالغلظة والخشونة.. فقال - تعالى - { يأيها الذين ~~آمنوا... }. ### || [66.6-9] # وقوله - تعالى - { قوا } أمر من الوقاية، يقال وقى يقى، كضرب يضرب. ~~والمعنى يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإيمان، أبعدوا أنفسكم عن ~~النار عن طريق فعل الحسنات. واجتناب السيئات، وأبعدوا أهليكم - أيضا - ~~عنها، عن طريق نصحهم وإرشادهم وأمرهم بالمعروف. ونهيهم عن المنكر. قال ~~القرطبى، قال قتادة ومجاهد قوا أنفسكم بأفعالكم، وقوا أهليكم بوصيتكم. ~~ففى الحديث الصحيح أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال # " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالإمام الذى على الناس راع وهو مسئول ~~عنهم، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم ". # وقال - صلى الله عليه وسلم - # " ما نحل ms5113 والد ولدا، أفضل من أدب حسن ". # وقال - صلى الله عليه وسلم - # " مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم فى ~~المضاجع ". # وقد روى مسلم فى صحيحه # " أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أوتر يقول قومى فأوترى يا ~~عائشة ". # وذكر القشيرى # " أن عمر - رضى الله عنه - لما نزلت هذه الآية قال يا رسول الله نقى ~~أنفسنا فكيف بأهلينا؟ فقال " تنهونهم عما نهاكم الله عنه، وتأمرونهم بما ~~أمركم الله به ". # وجاء لفظ النار منكرا، للتهويل. أى نارا عظيمة لا يعلم مقدار حرها إلا ~~الله - تعالى -. وقوله { وقودها الناس والحجارة } أى هذه ~~النار لا توقد كما يوقد غيرها بالحطب وما يشبهها، وإنما مادة اشتعالها ~~تتكون من الناس الذين كانوا فى الدنيا يشركون مع الله - تعالى - آلهة ~~أخرى فى العبادة، ومن الحجارة التى كانت تعبد من دونه - تعالى -. ثم أضاف ~~- سبحانه - إلى تهويلها أمرا آخر وصفة أخرى فقال { عليها ملائكة ~~غلاظ شداد لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ~~ما يؤمرون }. والغلاظ جمع غليظ وهو المتصف بالضخامة والغلظة التى ~~هى ضد الرقة. وهذا اللفظ صفة مشبهة، وفعله غلظ ككرم. وشداد جمع شديد، وهو ~~المتصف بالقوة والشدة، يقال فلان شديد على فلان، أى قوى عليه، بحيث ~~يستطيع أن ينزل به ما يريد من الأذى والعقاب. أى هذه النار من صفاتها - ~~أيضا - أن الموكلين بإلقاء الكفار والفساق فيها، ملائكة قساة فى أخذهم ~~أهل النار، أقوياء عليهم، بحيث لا يستطيع أهل النار أن يفلتوا منهم، أو ~~أن يعصوا لهم أمرا. وهؤلاء الملائكة من صفاتهم كذلك أنهم لا يعصون لله - ~~تعالى - أمرا. وإنما ينفذون ما يكلفهم - سبحانه - به تنفيذا تاما. قال ~~صاحب الكشاف فإن قلت أليس الجملتان - لا يعصون. # . ويفعلون فى معنى واحد؟ قلت لا فإن معنى الأولى أنهم يتقبلون أوامره ~~ويلتزمونها ولا يأبونها ولا ينكرونها، ومعنى الثانية أنهم يؤدون ما ~~يؤمرون به، ولا يتثاقلون عنه ولا يتوانون فيه. ثم بين - سبحانه - ما ~~تقوله الملائكة لأهل النار عند ما يعرضون عليها فقال { يأيها ~~الذين كفروا لا ms5114 تعتذروا اليوم } والمراد باليوم، يوم ~~القيامة فأل فيه للعهد. أى تقول الملائكة لهم فى هذا اليوم العسير على ~~سبيل التبكيت والتوبيخ - لا تعتذروا - أيها الكافرون عن كفركم، بأن ~~تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير أو بأن غيرنا أضلنا، أو بأننا ما كنا ~~مشركين.. فإن هذه الأعذار لن تنفعكم، وأنتم فى هذا اليوم إنما تعاقبون ~~على كفركم فى الدنيا، وعلى إصراركم على ذلك حتى أدرككم الموت. فالآية ~~الكريمة تبيوخ الكافرين، وتيئيس لهم من قبلو أعذارهم الكاذبة. ثم يرشد - ~~سبحانه - المؤمنين، إلى ما يعينهم على الوقاية من النار فيقول { ~~يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة ~~نصوحا.. }. والتوبة العزم الصادق على عدم العودة إلى المعصية والندم ~~على ما فعله منها فى الماضى، والنصوح صيغة مبالغة من النصح، وصفت بها ~~التوبة على سبيل الإسناد المجازى، والمقصود وصف التائبين بها، من نصح ~~فلان التوب إذا خاطه، فكأن التائب يرقع ما مزقه بالمعصية. أو من قولهم ~~عسل ناصح. وقد ذكروا فى معنى هذه الجملة أكثر من عشرين وجها. قال ~~القرطبى ما ملخصه اختلفت عبارة العلماء، وأرباب القلوب، فى التوبة النصوح ~~على ثلاثة وعشرين قولا، فقيل هى التى لا عودة بعدها، كما لا يعود اللبن ~~إلى الضرع. وقال قتادة النصوح الصادقة الناصحة.. الخالصة. وقال القرطبى ~~التوبة النصوح يجمعها أربعة أشياء الاستغفار باللسان، والإقلاع ~~بالأبدان، وإضمار ترك العود بالجنان، ومهاجرة سىء الإخوان. وقال الفقهاء ~~التوبة التى لا تعلق لها بحق آدمى لها ثلاثة شروط احدها أن يقلع عن ~~المعصية، وثانيها أن يندم على ما فعله، وثالثها أن يعزم على أن لا يعود ~~إليها. فإذا اجتمعت هذه الشروط فى التوبة كانت نصوحا. وإن كانت تتعلق بحق ~~آدمى، فشروطها أربعة، هذه الثلاثة المتقدمة، والرابع أن يبرأ من حق ~~صاحبها، فإن كانت المعصية مالا أو نحوه رده إليه، وإن كانت حد قذف ونحوه ~~مكنه من نفسه، أو طلب العفو منه، وإن كانت غيبة استحله منها. وهى واجبة ~~من كل معصية على الفور، ولا يجوز تأخيرها... وقوله - سبحانه - { عسى ~~ربكم ms5115 أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار }. والرجاء المستفاد من فعل { عسى ~~} مستعمل هنا فى الوعد الصادق منه - تعالى - على سبيل الكرم والفضل، فقد ~~قالوا إن كل ترج فى القرآن واقع منه - تعالى - فضلا منه وكرما. # أى يا من آمنتم بالله حق الإيمان، توبوا إلى الله - تعالى - " توبة ~~صادقة " بحيث تندمون على ما فرط منكم من ذنوب، وتعزمون على عدم العودة ~~إليها، وتستمرون على توبتكم طوال حياتكم.. فإنكم متى فعلتم ذلك غفر الله ~~- تعالى - لكم ذنوبكم وكفر عنكم سيئاتكم، وأدخلكم جنات تجرى من تحت ~~أشجارها وثمارها الأنهار. قال صاحب الكشاف قوله { عسى ربكم } ~~إطماع من الله لعباده. وفيه وجهان أحدهما أن يكون على ما جرت به عادة ~~الجبابرة من الإجابة بعسى ولعل. ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت. ~~والثانى أن يجىء به تعليما للعباد وجوب الترجح بين الخوف والرجاء... ~~والظرف فى قوله - سبحانه - { يوم لا يخزى الله النبي ~~والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم ~~وبأيمانهم } منصوب بقوله - تعالى - قبل ذلك { ويدخلكم } ، ~~أو بفعل مضمر تقديره اذكر. وقوله { لا يخزى } من الخزى بمعنى ~~الافتضاح يقال أخزى الله فلانا إذا فضحه، والمراد به هنا عذاب النار. ~~وقوله { والذين آمنوا معه } معطوف على النبى، وجملة { ~~نورهم يسعى } مستأنفة. أى يدخلكم الله - بفضله وكرمه - { ~~جنات تجري من تحتها الأنهار } يوم القيامة، يوم ينجى - ~~سبحانه - النبى - صلى الله عليه وسلم - وينجى الذين آمنوا معه من عذاب ~~النار، ومن خزى هذا اليوم العصيب. وهم جميعا وعلى رأسهم الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - نورهم وهم على الصراط، يسعى ويمتد وينتشر { بين ~~أيديهم }. أى أمامهم { وبأيمانهم } أى وعن أيمانهم. ويقولون ~~- على سبيل الحمد والشكر لله - تعالى - يا ربنا { أتمم لنا ~~نورنا } بأن تزيده ولا تنقصه حتى ندخل جنتك. { واغفر لنآ } يا ~~ربنا ذنوبنا { إنك } يا ربنا، { على كل شيء قدير }. وفى ~~عطف الذين آمنوا على النبى - صلى الله عليه وسلم - إشعار بأن سبب انتفاء ~~خزيهم، هو إيمانهم الصادق، وعملهم الصالح، وصحبتهم الكريمة للنبى - صلى ms5116 ~~الله عليه وسلم -. والضمير فى قوله { نورهم } يعود إلى النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - والذين آمنوا معه. وخص - سبحانه - الأمام واليمين ~~بالذكر، لفضل هذين المكانين، إذ النور عندما يكون من الأمام يستمتع ~~الإنسان بمشاهدته، وعندما يكون من جهة اليمين يزداد تفاؤلا وانشراحا به. ~~والتخصيص بذلك لا ينفى أن يكون النور محيطا بهم من كل جوانبهم، وهو نور ~~حقيقى يكرم الله - تعالى - به عباده الصالحين. وختموا دعاءهم بقولهم - ~~كما حكى القرآن عنهم - { إنك على كل شيء قدير } للإشارة ~~إلى أنهم كانوا على جانب كبير من رجاء تحقيق دعائهم، لأنهم يسألون ويدعون ~~الله - تعالى - الذى لا يقف أمام قدرته شىء. ثم أمر - سبحانه - نبيه - ~~صلى الله عليه وسلم - أن يجاهد الكفار والمنافقين جهادا كبيرا فقال { ~~يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ ~~عليهم }. # وخص النبى - صلى الله عليه وسلم - بالأمر بالجهاد، مع أن الأمر به يشمل ~~المؤمنين معه، لأنه - صلى الله عليه وسلم - هو قائدهم ورائدهم. وجهاده - ~~صلى الله عليه وسلم - للكفار يكون بدعوتهم إلى الحق حتى يسلموا، فإذا لم ~~يستجيبوا جاهدهم بالسيف والسلاح حتى يزهق باطلهم. وجهاده للمنافقين يكون ~~بتأديبهم وزجرهم وإلقاء الرعب فى قلوبهم، حتى يأمن المؤمنون شرهم، وحتى ~~يشعروا بأن النبى والمؤمنين لهم بالمرصاد. والغلظة فى الأصل تطلق على ~~الشىء الصلب الغليظ، والمراد بها هنا معاملتهم بالشدة والخشونة والقسوة.. ~~حتى يأمن المؤمنون جانبهم، ويتقوا شرهم. أى يا أيها النبى الكريم جاهد ~~أنت ومن معك من المؤمنين، الكفار والمنافقين. وعاملهم جميعا بالخشونة ~~والغلظة.. حتى يهابوك أنت ومن معك، وحتى تكونوا فى مأمن منهم ومن أذاهم ~~إذ الحق لا بد له من قوة تحميه وتدفع عنه كيد أعدائه. وقوله - تعالى - { ~~ومأواهم جهنم وبئس المصير } بيان لسوء مصيرهم فى ~~الآخرة. أى أن هؤلاء الكافرين والمنافقين، حالهم فى الدنيا المجاهدة ~~والمعاملة التى لا تسامح معها ولا تساهل، حتى تكون كلمتهم السفلى، وكلمة ~~الله - تعالى - هى العليا. أما حالهم فى الآخرة، فالإلقاء بهم فى جهنم، ~~وبئس المأوى والمسكن جهنم، فالمخصوص بالذم محذوف، وهو جهنم، أو ms5117 المأوى. ~~وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أرشدت النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~والمؤمنين، إلى ما يسعدهم فى دنياهم وآخرتهم. وبعد هذه النداءات، ~~للمؤمنين، وللكافرين وللنبى - صلى الله عليه وسلم - ضرب - سبحانه - مثلين ~~لنساء كافرات فى بيوت أنبياء، ولنساء مؤمنات فى بيوت كفار، لتزداد ~~الموعظة وضوحا، وليزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، وليشعر الجميع - ~~ولا سيما أزواج النبى - صلى الله عليه وسلم - أنهم مسئولون أمام الله - ~~تعالى - عن أعمالهم.. فقال - تعالى - { ضرب الله مثلا... }. ### || [66.10-12] # والمراد بضرب المثل. إيراد حالة غريبة، ليعرف بها حالة أخرى مشابهة لها ~~فى الغرابة. وقوله { مثلا } مفعول ثان لضرب، والمفعول الأول { ~~امرأت نوح... }. والمتدبر للقرآن الكريم، يراه قد أكثر من ضرب ~~الأمثال، لأن فيها تقريبا للبعيد، وتوضيحا للغريب وتشبيه الأمر المعقول ~~بالأمر المحسوس، حتى يرسخ فى الأذهان... أى جعل الله - تعالى - مثلا لحال ~~الكافرين، وأنه لا يغنى أحد عن أحد { امرأت نوح وامرأت لوط ~~} عليهما السلام. وعدى الفعل { ضرب } باللام، للإشعار بأن هذا المثل ~~إنما سيق من أجل أن يعتبر به الذين كفروا، وأن يقلعوا عن جهالاتهم التى ~~جعلتهم يعتقدون أن أصنامهم ستشفع لهم يوم القيامة. وقوله - تعالى - { ~~كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين ~~فخانتاهما... } بيان لحال هاتين المرأتين، ولما قامتا به من أفعال ~~شائنة، تتنافى مع صلتهما بهذين النبيين الكريمين.. والمراد بالتحتية هنا ~~كونهما زوجين لهذين النبيين الكريمين، وتحت عصمتهما وصيانتهما، وأشد ~~الناس التصاقا بهما. وقال - سبحانه - { كانتا تحت عبدين... } ~~للتعظيم، أى كانتا فى عصمة نبيين لهما من سمو المنزلة ما لهما عند الله - ~~تعالى -. ووصفهما - سبحانه - بالصلاح، مع أنهما نبيان والنبوة أعظم هبة ~~من الله لعبد من عباده - للتنويه بشأن الصالحين من الناس، حتى يحرصوا على ~~هذه الصفة، ويتمسكوا بها، فقد مدح الله - تعالى - من هذه صفته فى آيات ~~كثيرة، منها قوله - تعالى - # وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين # وخيانة امرأة نوح له، كانت عن طريق إفشاء أسراره، وقولها لقومه إنه ~~مجنون. وخيانة امرأة لوط له، كانت عن طريق إرشاد قومه إلى ضيوفه.. مع ~~استمرار هاتين ms5118 المرأتين على كفرهما.. قال الإمام ابن كثير قوله { ~~فخانتاهما } أى فى الإيمان، لم يوافقا هما على الإيمان، ولا ~~صدقاهما فى الرسالة.. وليس المراد بقوله { فخانتاهما } فى فاحشة، ~~بل فى الدين، فإن نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع فى الفاحشة.. وعن ابن ~~عباس قال مازنتا، أما امرأة نوح، فكانت تخبر أنه مجنون، وأما خيانة امرأة ~~لوط، فكانت تدل على قومها على أضيافه. وفى رواية عنه قال كانت خيانتهما ~~أن امرأة نوح، كانت تفشى سره، فإذا آمن معه نوح أحد أخبرت الجبابرة من ~~قوم نوح به، وأما امرأة لوط، فكانت إذا أضاف لوط أحدا، أخبرت به أهل ~~المدينة ممن يعمل السوء... وقوله - تعالى - { فلم يغنيا عنهما ~~من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين } ~~بيان لما أصابهما من سوء العاقبة بسبب خيانتهما. أى أن نوحا ولوطا - ~~عليهما السلام - مع جلالة قدرهما، لم يستطيعا أن يدفعا شيئا من العذاب عن ~~زوجتيهما الخائنتين لهما، وإنما قيل لهاتين المرأتين عند موتهما. # أو يوم القيامة، ادخلا النار مع سائر الداخلين من الكفرة الفجرة.. وقوله ~~{ شيئا } منصوب على أنه مفعول مطلق لقوله { يغنيا } ، وجاء منكرا ~~للتقليل والتحقير، أى فلم يغنيا عنهما شيئا من الإغناء حتى ولو كان ~~قليلا.. وقوله { مع الداخلين } بعد قوله { ادخلا النار } ~~لزيادة تبكيتهما، ولتأكيد مساواتهما فى العذاب مع غيرهما من الكافرين ~~الخائنين الذين لا صلة لهما بالأنبياء من حيث القرابة أو ما يشبهها. ثم ~~ضرب - سبحانه - مثلا للمؤمنين فقال { وضرب الله مثلا ~~للذين آمنوا امرأت فرعون } وهى آسية ابنة مزاحم، التى ~~لم يمنعها ظلام الكفر الذى كانت تعيش فيه فى بيت فرعون، ولم يشغلها ما ~~كانت فيه من متاع الحياة الدنيا وزينتها.. عن أن تطلب الحق، وتعرض عن ~~الباطل، وأن تكفر بكل ما يدعيه زوجها من كذب وطغيان. قال الجمل آمنت ~~بموسى - عليه السلام - لما غلب السحرة، وتبين لها أنه على الحق. ولم ~~تضرها الوصلة بالكافر، وهى الزوجية التى هى من أعظم الوصل ولا نفعه ~~إيمانها، لأن كل امرىء بما كسب رهين.. وروى الشيخان ms5119 عن أبى موسى الأشعرى # " أنه قال كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع مريم ابنة ~~عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد - صلى الله عليه وسلم - وآسية ~~بنت مزاحم، امرأة فرعون ". # قيل إنها إسرائيلية وأنها عمة موسى. وقيل إنها ابنة عم فرعون.. ومن ~~فضائلها أنها اختارت القتل على الملك، وعذاب الدنيا على النعيم الذى كانت ~~فيه - بعد أن خالط الإيمان قلبها. أى وجعل الله - تعالى - حال امرأة ~~فرعون، مثلا للمؤمنين، حيث آمنت بالحق بعد أن تبين لها، دون أن يصرفها عن ~~ذلك أى صارف، فكان ما فعلته فى أسمى درجات الإخلاص وصدق اليقين.. والظرف ~~فى قوله { إذ قالت... } متعلق بمحذوف، أو بقوله { مثلا }. أى ~~وضرب الله - تعالى - مثلا للذين آمنوا، حال امرأة فرعون وقت أن قالت { ~~رب ابن لي عندك بيتا في الجنة } أى ابن لى بيتا فى ~~مستقر رحمتك، أو فى جنتك التى لا يستطيع أحد التصرف فيها إلا بإذنك. ~~وقوله { في الجنة } بدل أو عطف بيان لقوله - تعالى - { عندك } ~~وقدم عندك، للإشعار بأن محبتها للقرب من رحمته - تعالى - أهم من أى شىء ~~آخر. { ونجني من فرعون وعمله } أى ونجنى من طغيان فرعون، ~~ومن عمله الذى بلغ النهاية فى السوء والقبح.. { ونجني } - أيضا - من ~~القوم الظالمين، وهم أتباع فرعون وحاشيته وملؤه، وشيعته.. وفى هذا الدعاء ~~أسمى ألوان الأدب، فهى تسأل الله - تعالى - أن يعوضها عن دار فرعون، دارا ~~فى أعلى درجات الجنة. # . وهذا الدعاء يشعر بأن فرعون وقومه، قد صدوها عن الإيمان، وهددوها ~~بأنها إن آمنت.. حرموها من قصر فرعون، وزينته وفخامته. كما أنها سألت ~~ربها - عز وجل - أن ينجيها من ذات فرعون، ومن علمه السىء، ومن كل من حام ~~حول فرعون، واتبعه فى طغيانه وكفره. وقوله - سبحانه - { ومريم ~~ابنت عمران.. } معطوف على { امرأت فرعون... }. أى وضرب ~~الله - تعالى - مثلا آخر للمؤمنين مريم ابنة عمران.. { التي ~~أحصنت فرجها } أى حفظته وصانته، إذ الإحصان جعل الشىء حصينا، ~~بحيث لا يتوصل إليه، وهو كناية عن عفتها وطهارتها وبعدها ms5120 عن كل فاحشة.. ~~وقوله { فنفخنا فيه من روحنا } مفرع على ماقبله. قال الآلوسى ~~وقوله { فنفخنا فيه } النافخ رسوله جبريل - عليه السلام - ~~فالإسناد مجازى. وقيل الكلام على حذف مضاف، أى فنفخ رسولنا، وضمير { ~~فيه } للفرج. واشتهر أن جبريل - عليه السلام - نفخ فى جيبها فوصل أثر ~~ذلك إلى الفرج. وقال الفراء ذكر المفسرون أن الفرج جيب درعها، وهو محتمل ~~لأن الفرج معناه فى اللغة، كل فرجة بين شيئين، وموضع جيب درع المرأة ~~مشقوق فهو فرج، وهذا أبلغ فى الثناء عليها، لأنها إذا منعت جيب درعها، ~~فهى للنفس أمنع... أى فنفخ رسولنا جبريل فى فرجها أو فى جيب درعها، روحا ~~من أرواحنا هى روح عبدنا ونبينا عيسى - عليه السلام -. وإضافة الروح إلى ~~ذاته - تعالى - لأنه هو الخالق والموجد وللإشارة إلى أن تكوين المخلوق ~~الحى فى رحمها، كان على غير الأسباب المعتادة. وقوله - تعالى - { ~~وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من ~~القانتين } زيادة فى مدحها، وفى الثناء عليها.. أى وكان من صفات ~~مريم ابنة عمران أنها آمنت إيمانا حقا { بكلمات ربها } أى ~~بشرائعه التى شرعها لعباده، وبما ألقاه إليها من إرشادات عن طريق وحيه. و ~~{ وكتبه } أى وصدقت بكتبه التى أنزلها على أنبيائه، وقرأ الجمهور ~~وكتابه بالإفراد، على أن المراد به جنس الكتب، أو الإنجيل الذى أنزله - ~~سبحانه - على ابنها عيسى. و { من } فى قوله - تعالى - { وكانت من ~~القانتين } للابتداء، أى وكانت من نسل الرجال القانتين، الذين بذلوا ~~أقصى جهدهم فى طاعة الله - تعالى -، وفى إخلاص العبادة له. ويصح أن تكون ~~{ من } للتبعيض. أى وكانت من عداد المواظبين على الطاعة، وجىء بجمع ~~الذكور على سبيل التغليب، وللإشعار بأن طاعتها لا تقل عن طاعة الرجال، ~~الذين بلغوا الغاية فى المواظبة على طاعة الله - تعالى -. وبذلك نرى أن ~~هذه الآيات الكريمة، قد اشتملت على ثلاثة أمثال مثل للكافرين، ومثلين ~~للمؤمنين. وقد تضمن مثل الكفار، أن الكافر يعاقب على كفره، دون أن ينفعه ~~ما بينه وبين المؤمنين من قرابة أو نسب. # . كما حدث لامرأة نوح وامرأة لوط.. وأما ms5121 المثلان اللذان للمؤمنين، فقد ~~تضمنا أن اتصال المؤمن بالكافر، لا يضره شيئا إذا فارقه فى كفره وعمله.. ~~وقد وضح صاحب الكشاف هذا المعنى فقال ما ملخصه مثل الله - تعالى - حال ~~الكفار، فى أنهم يعاقبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين.. دون أن ينفعهم ما ~~بينهم وبينهم من صلة أو قرابة - بحال امرأة نوح وامرأة لوط فإنهما لما ~~نافقتا وخانتا الرسولين. لم يغن عنهما ما بينهما وبينهما من وصلة الزواج ~~شيئا.. ومثل حال المؤمنين - فى أن وصلة الكافرين لا تضرهم. ولا تنقص شيئا ~~من ثوابهم وزلفاهم عند الله - بحال امرأة فرعون، فإنها مع كونها زوجة ~~أعدى أعداء الله، فإنها بسبب إيمانها قد رفع منزلتها عنده.. وبحال مريم ~~ابنة عمران، فقد أعطاها الله ما أعطاها من الكرامة.. مع أن قومها كانوا ~~كافرين.. وفى طى هذين التمثيلين تعريض بأمى المؤمنين المذكورتين فى أول ~~السورة، وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بما كرهه، وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده... وإشارة إلى أن من حقهما أن ~~تكونا فى الإخلاص والكمال فيه، كمثل هاتين المؤمنتين، وأن لا تتكلا على ~~أنهما زوجا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن ذلك الفضل لا ينفعهما ~~إلا مع كونهما مخلصتين.. وأسرار التنزيل ورموزه فى كل باب، بالغة من ~~اللطف والخفاء، حدا يدق عن تفطن العالم، ويزل عن تبصره.. وبعد فهذا تفسير ~~لسورة " التحريم " نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا ~~لعباده، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [67 - سورة الملك] ### || [67.1-4] # لفظ { تبارك } فعل ماض لا ينصرف. وهو مأخوذ من البركة، بمعنى ~~الكثرة من كل خير. وأصلها النماء والزيادة أى كثر خيره وإحسانه، وتزايدت ~~بركاته. أو مأخوذ من البركة بمعنى الثبوت. يقال برك البعير، إذا أناخ فى ~~موضعه فلزمه وثبت فيه. وكل شئ ثبت ودام فقد برك. أى ثبت ودام خيره على ~~خلقه. والملك - بضم الميم وسكون اللام - السلطان والقدرة ونفاذ الأمر. أى ~~جل شأن الله - تعالى - وكثر خيره وإحسانه، وثبت فضله ms5122 على جميع خلقه، فهو ~~- سبحانه - الذى بيده وقدرته التمكن والتصرف فى كل شئ على حسب ما يريد ~~ويرضى، وهو - عز وجل - الذى لا يعجزه أمر فى الأرض أو فى السماء. واختار ~~- سبحانه - الفعل " تبارك " للدلالة على المبالغة فى وفرة العظمة ~~والعطاء، فإن هذه الصيغة ترد للكناية عن قوة الفعل وشدته.. كما فى قولهم ~~تواصل الخير، إذا تتابع بكثرة مع دوامه.. والتعريف فى لفظ " الملك " ~~للجنس. وتقديم المسند وهو " بيده " على المسند إليه، لإفادة الاختصاص. ~~أى بيده وحده لا بيد أحد سواه جميع أنواع السلطان والقدرة، والأمر ~~والنهى.. قال الإمام الرازى وهذه الكلمة تستعمل لتأكيد كونه - تعالى - ~~ملكا ومالكا، تقول بيد فلان الأمر والنهى، والحل والعقد. وذكر اليد إنما ~~هو تصوير للإحاطة ولتمام قدرته، لأنها محلها مع التنزه عن الجارحة.. ~~وجملة { وهو على كل شيء قدير } معطوفة على قوله { ~~بيده الملك } الذى هو صلة الموصول، وذلك لإفادة التعميم بعد ~~التخصيص، لأن الجملة الأولى وهى { الذي بيده الملك } أفادت ~~عموم تصرفه فى سائر الموجودات، وهذه أفادت عموم تصرفه - سبحانه - فى سائر ~~الموجودات والمعدومات، إذ بيده - سبحانه - إعدام الموجود، وإيجاد ~~المعدوم. ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على شمول قدرته، وسمو حكمته، ~~فقال { الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم ~~أحسن عملا.. }. والموت صفة وجودية تضاد الحياة والمراد بخلقه ~~إيجاده. أو هو عدم الحياة عما هى من شأنه. والمراد بخلقه على هذا المعنى ~~تقديره أزلا. واللام فى قوله { ليبلوكم... } متعلقة بقوله { ~~خلق } وقوله { ليبلوكم } بمعنى يختبركم ويمتحنكم... وقوله { ~~أيكم } مبتدأ، و { أحسن } خبره، و { عملا } تمييز، والجملة ~~فى محل نصب مفعول ثان لقوله { ليبلوكم }. والمعنى ومن مظاهر قدرته ~~- سبحانه - التى لا يعجزها شئ، أنه خلق الموت لمن يشاء إماتته، وخلق ~~الحياة لمن يشاء إحياءه، ليعاملكم معاملة من يختبركم ويمتحنكم، أيكم أحسن ~~عملا فى الحياة، لكى يجازيكم بما تستحقونه من ثواب.. أو المعنى خلق الموت ~~والحياة، ليختبركم أيكم أكثر استعدادا للموت، وأسرع إلى طاعة ربه - عز ~~وجل -. # قال القرطبى ما ملخصه قوله { الذي خلق ms5123 الموت والحياة }.. ~~قيل الذى خلقكم للموت والحياة، يعنى للموت فى الدنيا والحياة فى الآخرة. ~~وقدم الموت على الحياة، لأن الموت إلى القهر أقرب.. وقيل لأنه أقدم، لأن ~~الأشياء فى الابتداء كانت فى حكم الموت.. وقيل لأن أقوى الناس داعيا إلى ~~العمل، من نصب موته بين عينيه، فقدم لأنه فيما يرجع على الغرض الذى سيقت ~~له الآية أهم. قال قتادة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " إن الله - تعالى - أذل ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة، ثم دار ~~موت، وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء.. ". # وعن أبى الدرداء أن النبى صلى الله عليه وسلم قال # " لولا ثلاث ما طأطأ ابن آدم رأسه الفقر والمرض والموت، وإنه مع ذلك ~~لوثاب.. ". # وقال العلماء الموت ليس بعدم محض، ولا فناء صرف، وإنما هو انقطاع تعلق ~~الروح بالبدن ومفارقته، وحيلولة بينهما، وتبدل حال، وانتقال من دار إلى ~~دار، والحياة عكس ذلك.. وأوثر بالذكر من المخلوقات الموت والحياة، لأنهما ~~أعظم العوارض لجنس الحيوان، الذى هو أعجب موجود على ظهر الأرض، والذى ~~الإنسان نوع منه، وهو المقصود بالمخاطبة، إذ هو الذى رضى بحمل الأمانة ~~التى عجزت عن حملها السموات والأرض.. والتعريف فى الموت والحياة للجنس. و ~~" أحسن " أفعل تفضيل، لأن الأعمال التى يقوم بها الناس فى هذه الحياة ~~متفاوته فى الحسن من الأدنى إلى الأعلى. وجملة { وهو العزيز ~~الغفور } تذييل قصد به أن جميع الأعمال تحت قدرته وتصرفه. أى وهو - ~~سبحانه - الغالب الذى لا يعجزه شئ الواسع المغفرة لمن شاء أن يغفر له ~~ويرحمه من عباده، كما قال - تعالى - # وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم ~~اهتدى # ثم بين - سبحانه - مظهرا آخر من مظاهر قدرته التى لا يعجزها شئ فقال { ~~الذي خلق سبع سماوات طباقا... }. والجملة الكريمة صفة ~~للعزيز الغفور، أو عطف بيان أو بدل، أو خبر لمبتدأ محذوف. وطباقا صفة ~~لسبع سموات. وهى مصدر طابق مطابقة وطباقا، من قولك طابق فلان النعل، إذا ~~جعله طبقة فوق أخرى، وهو جمع طبق، كجبل ms5124 وجبال، أو جمع طبقة كرحبة ~~ورحاب.. أى هو - سبحانه - لا غيره الذى أوجد وخلق على غير مثال سابق سبع ~~سموات متطابقة، أى بعضها فوق بعض، بطريقة متقنة محكمة.. لا يقدر على ~~خلقها بتلك الطريقة إلا هو، ولا يعلم كنه تكوينها وهيئاتها.. أحد سواه - ~~عز وجل -. وقوله - سبحانه - { ما ترى في خلق الرحمن من ~~تفاوت } مؤكد لما قبله، والتفاوت مأخوذ من الفوت، وأصله الفرجة بين ~~الإصبعين. # تقول تفاوت الشيئان تفاوتا، إذا حدث تباعد بينهما، والجملة صفة ثانية ~~لسبع سماوات، أو مستأنفة لتقرير وتأكيد ما قبلها.. والخطاب لكل من يصلح ~~له. أى هو - سبحانه - الذى خلق سبع سماوات بعضها فوق بعض، مع تناسقها، ~~وإتقان تكوينها، وإحكام صنعها.. بحيث لا ترى - أيها العاقل - فى خلق ~~السموات السبع شيئا من الاختلاف، أو الاضطراب، أو عدم التناسب.. بل كلها ~~محكمة، جارية على مقتضى نهاية النظام والإبداع. وقال - سبحانه - { ما ~~ترى في خلق الرحمن.. } ولم يقل ما ترى فى السموات السبع من ~~تفاوت، للإشعار بأن هذا الخلق البديع، هو ما اقتضته رحمته - تعالى - ~~بعباده، لكى تجرى أمورهم على حالة تلائم نظام معيشتهم.. وللتنبيه - أيضا ~~- على أن جميع مخلوقاته تسير على هذا النمط البديع فى صنعها وإيجادها، ~~كما قال - تعالى - # صنع الله الذي أتقن كل شيء # وكما قال - سبحانه - # الذي أحسن كل شيء خلقه... # قال صاحب الكشاف قوله { ما ترى في خلق الرحمن من ~~تفاوت } أى من اختلاف واضطراب فى الخلقة ولا تناقض، إنما هى مستوية ~~ومستقيمة، وحقيقة التفاوت عدم التناسب، كأن بعض الشئ يفوت بعضا ولا ~~يلائمه، ومنه قولهم خلق متفاوت، وفى نقيضه متناصف. فإن قلت ما موقع هذه ~~الجملة مما قبلها؟ قلت هى صفة مشايعة لقوله { طباقا } وأصلها ما ترى ~~فيهن من تفاوت، فوضع مكان الضمير قوله { خلق الرحمن } تعظيما ~~لخلقهن، وتنبيها على سبب سلامتهن من التفاوت، وهو أنه خلق الرحمن، وأنه ~~يباهر قدرته هو الذى يخلق مثل ذلك الخلق المتناسب.. ثم ساق - سبحانه - ~~بأسلوب فيه ما فيه من التحدى، ما يدل على أن خلقه ms5125 خال من التفاوت والخلل ~~فقال { فارجع البصر هل ترى من فطور. ثم ارجع ~~البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو ~~حسير } و { الفطور } جمع فطر، وهو الشق والصدع، يقال فطر فلان الشئ ~~فانفطر، إذا شقه، وبابه نصر. وقوله { كرتين } مثنى كرة، وهى ~~المرة من الكر، وهو الرجوع إلى الشئ مرة أخرى، يقال كر المقاتل على ~~عدوه، إذا عاد إلى مهاجمته بعد أن تركه. والمراد بالكرتين هنا معاودة ~~النظر وتكريره كثيرا، بدون الاقتصار على المرتين، فالتثنية هنا كناية عن ~~مطلق التكرير، كما فى قولهم لبيك وسعديك. وقوله { خاسئا } أى صاغرا ~~خائبا لأنه لم يجد ما كان يطلبه ويتمناه. وقوله { حسير } بمعنى كليل ~~ومتعب، من حسر بصر فلان يحسر حسورا إذا كل وتعب من طول النظر ~~والتأمل والفحص، وفعله من باب قعد. والمعنى ما ترى - أيها الناظر - فى ~~خلق الرحمن من تفاوت أو خلل.. فإن كنت لا تصدق ما أخبرناك به، أو فى أدنى ~~شك من ذلك، فكرر النظر فيما خلقنا حتى يتضح لك الأمر، ولا يبقى عندك أدنى ~~شك أو شبهه. # والاستفهام فى قوله { هل ترى من فطور } للتقرير أى إنك مهما ~~نظرت فى خلق الرحمن. وشددت فى التفحص والتأمل.. فلن ترى فيه من شقوق أو ~~خلل أو تفاوت.. وقوله { ثم ارجع البصر كرتين } تعجيز إثر ~~تعجيز، وتحد فى أعقاب تحد.. أى ثم لا تكتف بإعادة النظر مرة واحدة، فربما ~~يكون قد فاتك شئ فى النظرة الأولى والثانية.. بل أعد النظر مرات ومرات.. ~~فتكون النتيجة التى لا مفر لك منها، أن بصرك - بعد طول النظر والتأمل - ~~ينقلب إليك خائبا وهو كليل متعب.. لأنه - بعد هذا النظر الكثير - لم يجد ~~فى خلقنا شيئا من الخلل أو الوهن أو التفاوت. قال صاحب الكشاف ما ملخصه ~~قوله { ينقلب إليك البصر } أى إن رجعت البصر، وكررت النظر، ~~لم يرجع إليك بصرك بما التمسته من رؤية الخلل، وإدراك العيب، بل يرجع ~~إليك بالخسوء والحسور.. أى بالبعد عن إصابة الملتمس. فإن قلت كيف ينقلب ~~البصر خاسئا حسيرا ms5126 برجعه كرتين اثنتين؟ قلت معنى التثنية هنا التكرير ~~بكثرة كقولك لبيك وسعديك.. فإن قلت فما معنى { ثم ارجع البصر }؟ ~~قلت أمره برجع البصر، ثم أمره بأن لا يقتنع بالرجعة الأولى، وبالنظرة ~~الحمقاء وأن يتوقف بعدها، ويجم بصره ثم يعاود ويعاود، إلى أن يحسر ~~بصره من طول المعاودة، فإنه لا يعثر على شئ من فطور.. هذا، والمتأمل فى ~~هذه الآيات الكريمة، يراها قد ساقت ما يدل على وحدانية الله - تعالى - ~~وقدرته بأبلغ أسلوب، ودعت الغافلين الذين فسقوا عن أمر ربهم، إلى التدبر ~~فى هذا الكون الذى أوجده - سبحانه - فى أبدع صورة وأتقنها، فإن هذا ~~التدبر من شأنه أن يهدى إلى الحق، ويرشد إلى الصواب.. ثم ساق - سبحانه - ~~بعد ذلك أدلة أخرى على وحدانيته وقدرته، وبين ما أعده للكافرين من عذاب، ~~بسبب إصرارهم على كفرهم.. فقال - تعالى - { ولقد زينا ~~السمآء الدنيا بمصابيح... } ### || [67.5-11] # قال الإمام الرازى اعلم أن هذا هو الدليل الثانى على كونه - تعالى - ~~قادرا عالما، وذلك لأن هذه الكواكب نظرا إلى أنها محدثة ومختصة بمقدار ~~معين، وموضع خاص، وسير معين، تدل على أن صانعها قادر. ونظرا إلى كونها ~~محكمة متقنة موافقة لمصالح العباد، ومن كونها زينة لأهل الدنيا، وسببا ~~لانتفاعهم بها، تدل على أن صانعها عالم. ونظير هذه الآية قوله - تعالى - ~~فى سورة الصافات # إنا زينا السمآء الدنيا بزينة الكواكب. ~~وحفظا من كل شيطان مارد # وقوله { زينا } من التزيين بمعنى التحسين والتجميل. و { الدنيا ~~} صيغة تفضيل من الدنو بمعنى القرب. والمصابيح جمع مصباح وهو السراج ~~المضئ. والمراد بها النجوم. وسميت بالمصابيح على التشبيه بها فى حسن ~~المنظر، وفى الإضاءة ليلا.. والرجوم جمع رجم، وهو فى الأصل مصدر رجمه ~~رجما - من باب نصر - إذا رماه بالرجام أى بالحجارة، فهو اسم لما ~~يرجم به، أى ما يرمى به الرامى غيره من حجر ونحوه، تسمية للمفعول ~~بالمصدر، مثل الخلق بمعنى المخلوق. وصدرت الآية الكريمة بالقسم، ~~لإبراز كال العناية بمضمونها. والمعنى وبالله لقد زينا وجملنا السماء ~~القريبة منكم بكواكب مضيئة كإضاءة السرج، وجعلنا - بقدرتنا ms5127 - من هذه ~~الكواكب، ما يرجم الشياطين ويحرقها، إذا ما حاولوا أن يسترقوا السمع، كما ~~قال - تعالى - # وأنا لمسنا السمآء فوجدناها ملئت حرسا ~~شديدا وشهبا. وأنا كنا نقعد منها مقاعد ~~للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا # قال الإمام ابن كثير قوله { وجعلناها رجوما للشياطين } ~~عاد الضمير فى قوله { وجعلناها } على جنس المصابيح لاعلى عينها، ~~لأنه لا يرمى بالكواكب التى فى السماء، بل بشهب من دونها، وقد تكون ~~مستمدة منها - والله أعلم -. قال قتادة إنما خلقت هذه النجوم لثلاث خصال ~~خلقها زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها ~~غير ذلك فقد قال برأيه، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به.. ~~فالضمير فى قوله { وجعلناها } يعود إلى المصابيح، ومنه من أعاده ~~إلى السماء الدنيا، على تقدير وجعلنا منها رجوما للشياطين الذين يسترقون ~~السمع. وقوله - تعالى - { وأعتدنا لهم عذاب السعير } ~~بيان لسوء مصيرهم فى الآخرة، بعد بيان سوء مصيرهم فى الدنيا عن طريق ~~إحراقهم بالشهب. أى وهيأنا لهؤلاء الشياطين فى الآخرة - بعد إحراقهم فى ~~الدنيا بالشهب - عذاب النار المشتعلة المستعرة. فالسعير - بزنة فعيل - ~~اسم لأشد النار اشتعالا. يقال سعر فلان النار - كمنع - إذا أوقدها بشدة. ~~وكان السعير عذابا للشياطين - مع أنهم مخلوقون من النار، لأن نار جهنم ~~أشد من النار التى خلقوا منها، فإذا ألقوا فيها صارت عذابا لهم، إذ ~~السعير أشد أنواع النار التهابا واشتعالا وإحراقا. # . وقوله { وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم ~~وبئس المصير } معطوف على ما قبله. أى هيأنا للشياطين عذاب ~~السعير، وهيأنا - أيضا - للذين كفروا بربهم من الإنس عذاب جهنم، وبئس ~~المصير عذاب جهنم. ثم بين - سبحانه - أحوالهم الأليمة حينما يلقون جميعا ~~فى النار فقال { إذآ ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي ~~تفور.. } والظرف " إذا " متعلق بقوله { سمعوا } والشهيق تردد ~~النفس فى الصدر بصعوبة وعناء.. أى أن هؤلاء الكافرين بربهم، عندما يلقون ~~فى النار، يسمعون لها صوتا فظيعا منكرا، { وهي تفور } أى وحالها ~~أنها تغلى بهم غليان المرجل بما فيه، إذا الفوز شدة ms5128 الغليان، ويقال ذلك ~~فى النار إذا هاجت، وفى القدر إذا غلت.. { تكاد تميز من ~~الغيظ } أى تكاد النار تتقطع وينفصل بعضها عن بعض، لشدة غضبها عليهم، ~~والتهامها لهم، وتميز أصله تتميز فحذفت إحدى التاءين تخفيفا. والغيظ أشد ~~الغضب، والجملة فى محل نصب على الحال، أو فى محل رفع على أنها خبر لمبتدأ ~~محذوف. أى هى تكاد تتقطع من شدة غضبها عليهم.. وقوله { كلما ألقي ~~فيها فوج سألهم خزنتهآ.. } كلام مستأنف لبيان حال أهلها. ~~والفوج الجماعة من الناس ولفظ { كلما } مركب من كل الدال على الشمول، ومن ~~ما المصدرية الظرفية. أى فى كل وقت وآن، يلقى بجامعة من الكافرين فى ~~النار، يسألهم خزنتها من الملائكة، سؤال تبكيت وتقريع، بقولهم { ألم ~~يأتكم نذير } أى ألم يأتكم يا معشر الكافرين نذير فى الدنيا، ~~ينذركم ويخوفكم من أهوال هذا اليوم، ويدعوكم إلى إخلاص العبادة لله - ~~تعالى - وحده. ثم حكى - سبحانه - ما رد به الكافرون على خزنة جهنم فقال { ~~قالوا بلى قد جآءنا نذير فكذبنا وقلنا ما ~~نزل الله من شيء.. }. أى قال الكافرون - على سبيل التحسر ~~والتفجع - فى ردهم على خزنة جهنم بلى لقد جاءنا المنذر الذى أنذرنا ~~وحذرنا من سوء عاقبة الكفر.. ولكننا كذبناه، وأعرضنا عن دعوته، بل ~~وتجاوزنا ذلك بأن قلنا له على سبيل العناد والجحود والغرور ما نزل الله ~~على أحد من شئ من الأشياء التى تتلوها علينا، وتأمرنا بها، أو تنهانا عن ~~مخالفتها. وقوله { إن أنتم إلا في ضلال كبير } يحتمل أنه ~~من كلام الكافرين لرسلهم الذين أنذروهم وحذروهم من الإصرار على الكفر. ~~أى جاءنا الرسل الذين أنذرونا.. فكذبناهم، وقلنا لهم ما نزل الله من شئ ~~من الأشياء على ألسنتكم.. وقلنا لهم - أيضا - ما أنتم إلا فى ضلال كبير، ~~أى فى ذهاب واضح عن الحق، وبعد شديد عن الصواب. ويحتمل أن يكون من كلام ~~الملائكة، أى قال لهم الملائكة على سبيل التجهيل والتوبيخ ما أنتم - أيها ~~الكافرون - إلا فى ضلال كبير، بسبب تكذيبكم لرسلكم، وإعراضكم عمن حذركم ~~وأنذركم. # قال صاحب ms5129 الكشاف فإن قلت { إن أنتم إلا في ضلال كبير } ~~من المخاطبون به؟ قلت هو من جملة قول الكفار وخطابهم للمنذرين، على أن ~~النذير بمعنى الإنذار. والمعنى ألم يأتكم أهل نذير أو وصف به منذروهم ~~لغلوهم فى الإنذار، كأنهم ليسوا إلا إنذارا.. ويجوز أن يكون من كلام ~~الخزنة للكفار على إرادة القول أرادوا حكاية ما كانوا عليه من ضلالهم فى ~~الدنيا، أو أرادوا بالضلال الهلاك... وجمع - سبحانه - الضمير فى قوله { ~~إن أنتم... } مع أن الملائكة قد سألوهم { ألم يأتكم نذير ~~} بالإفراد، للإشعار بأن هؤلاء الكافرين لم يكتفوا بتكذيب النذير الذى ~~أنذرهم، بل كذبوه وأتباعه الذين آمنوا به. فكأن كل فوج منهم كان يقول ~~للرسول الذى جاء لهدايته أنت وأتباعك فى ضلال كبير. ثم بين - سبحانه - ~~جانبا آخر من حسراتهم فى هذا اليوم فقال { وقالوا لو كنا ~~نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير.. }. أى ~~وقال الكافرون بربهم - على سبيل الحسرة والندامة - لو كنا فى الدنيا نسمع ~~ما يقال لنا على لسان رسولنا، سماع طاعة وتفكر واستجابة، أو نعقل ما يوجه ~~إلينا من هدايات وإرشادات.. لو كنا كذلك، ما صرنا فى هذا اليوم من جملة ~~أصحاب النار المسعرة، الذين هم خالدون فيها أبدا. وقدم - سبحانه - السماع ~~على التعقل، مراعاة للترتيب الطبيعى، لأن السماع يكون أولا، ثم يعقبه ~~التعقل والتدبر لما يسمع. والفاء الأولى فى قوله - تعالى - { ~~فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير } للإفصاح، ~~والثانية للسببية، والسحق البعد، يقال سحق - ككرم وعلم - سحقا، ~~أى بعد بعدا، وفلان أسحقه الله، أى أبعده عن رحمته، وهو مصدر ناب ~~عن فعله فى الدعاء، ونصبه على أنه مفعول به لفعل مقدر، أى ألزمهم الله ~~سحقا، أو منصوب على المصدرية، أى فسحقهم الله سحقا. أى إذا كان الأمر كما ~~أخبروا عن أنفسهم، فقد أقروا واعترفوا بذنوبهم، وأن الله - تعالى - ما ~~ظلمهم، وأن ندمهم لن ينفعهم فى هذا اليوم.. بل هم جديرون بالدعاء عليهم ~~بالطرد من رحمة الله - تعالى - وبخلودهم فى نار السعير. واللام فى قوله { ~~لأصحاب } للتبيين، كما ms5130 فى قولهم سقيا لك. فالآية الكريمة توضح أن ~~ما أصابهم من عذاب كان بسبب إقرارهم بكفرهم، وإصرارهم عليه حتى الممات، ~~وفى الحديث الشريف # " لن يدخل أحد النار، إلا وهو يعلم أن النار أولى به من الجنة " # وفى حديث آخر # " لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم ". # وكعادة القرآن الكريم فى قرنه الترغيب بالترهيب أو العكس، أخذت السورة ~~فى بيان حسن عاقبة المؤمنين، بعد بيان سوء عاقبة الكافرين، وفى لفت أنظار ~~الناس إلى نعم الله - تعالى - عليهم، لكى يشكروه ويخلصوا له العبادة.. ~~قال - تعالى - { إن الذين يخشون... }. ### || [67.12-18] # قوله { يخشون } من الخشية، وهى أشد الخوف وأعظمه، والغيب مصدر غاب ~~يغيب، وكثيرا ما يستعمل بمعنى الغائب، وهو ما لا تدركه الحواس ولا يعلم ~~ببداهة العقل. أى إن الذين يخشون ربهم فيخافون عذابه، ويعبدونه كأنهم ~~يرونه، مع أنهم لا يرونه بأعينهم.. هؤلاء الذين تلك صفاتهم، لهم من ~~خالقهم - عز وجل - مغفرة عظيمة، وأجر بالغ الغاية فى الكبر والضخامة. ~~وقوله { بالغيب } حال من الفاعل، أى غائبا عنهم، أو من المفعول. أى ~~غائبين عنه. أى. يخشون عذابه دون أن يروه - سبحانه -. ويجوز أن يكون ~~المعنى يخشون عذابه حال كونهم غائبين عن أعين الناس، فهم يراقبونه - ~~سبحانه - فى السر، كما يراقبونه فى العلانية كما قال الشاعر # يتجنب الهفوات فى خلواته عف السريرة، غيبه كالمشهد # والحق أن هذه الصفة، وهى خوف الله - تعالى - بالغيب، على رأس الصفات ~~التى تدل على قوة الإيمان، وعلى طهارة القلب، وصفاء النفس.. ثم بين - ~~سبحانه - بأبلغ أسلوب، أن السر يتساوى مع العلانية بالنسبة لعلمه - تعالى ~~- فقال { وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم ~~بذات الصدور... }. وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية، أن المشركين ~~كانوا ينالون من النبى صلى الله عليه وسلم فلما أطلعه الله - تعالى - على ~~أمرهم، فقال بعضهم لبعض أسروا قولكم كى لا يسمعه رب محمد.. وصيغة الأمر ~~فى قوله { وأسروا } و { اجهروا } مستعملة فى التسوية بين ~~الأمرين، كما فى قوله - تعالى - { فاصبروا أو لا تصبروا... ~~} أى إن إسراركم - أيها ms5131 الكافرون - بالإساءة إلى نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم - أو جهركم بهذه الإساءة، يستويان فى علمنا، لأننا لا يخفى ~~علينا شئ من أحوالكم، فسواء عندنا من أسر منكم القول ومن جهر به. وجملة { ~~إنه عليم بذات الصدور } تعليق للتسوية المستفادة من صيغة ~~الأمر أى سواء فى علمه - تعالى- إسراركم وجهركم، لأنه - سبحانه - عليم ~~علما تاما بما يختلج فى صدوركم، وما يدور فى نياتكم التى هى بداخل ~~قلوبكم. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ~~ونحن أقرب إليه من حبل الوريد # ثم أكد - سبحانه - شمول علمه لكل شئ بقوله { ألا يعلم من خلق ~~وهو اللطيف الخبير }. واللطيف من اللطف، وهو العالم بخبايا ~~الأمور، والمدبر لها برفق وحكمة ويسر.. والخبير من الخبر، وهو العلم ~~بجزئيات الأشياء الخفية، التى من شأنها أن يخبر الناس بعضهم بعضا ~~بحدوثها، لأنها كانت خافية عليهم. ولفظ { من } فى قوله { من خلق } ~~يصح أن يكون مفعولا لقوله { يعلم } ، والعائد محذوف أى ألا يعلم الله ~~- تعالى - شأن الذين خلقهم، والحال أنه - سبحانه - هو الذى لطف علمه ودق، ~~إذ هو المدبر لأمور خلقه برفق وحكمة، العليم علما تاما بأسرار النفوس ~~وخبايا ما توسوس به. # . ويجوز أن يكون { من } فاعلا لقوله { يعلم } على أن المقصود به ذاته - ~~تعالى - ويكون مفعول يعلم محذوفا للعلم به، والمعنى ألا يعلم السر ~~ومضمرات القلوب الله الذى خلق كل شئ وأوجده - وهو - سبحانه - الموصوف ~~بأنه لطيف خبير. والاستفهام على الوجهين لإنكار ما زعمه المشركون من ~~انتفاء علمه - تعالى - بما يسرونه فيما بينهم، حيث قال بعضهم لبعض أسروا ~~قولكم كى لا يسمعه رب محمد. ثم ذكر - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على ~~عباده فقال { هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا ~~في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور }. ~~والذلول السهلة المذللة المسخرة لما يراد منها من مشى عليها، أو غرس ~~فيها، أو بناء فوقها.. من الذل وهو سهولة الانقياد للغير، ومنه قوله - ~~تعالى - # قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول... # أى غير ms5132 مذللة ولا مدربة على حرث الأرض.. والأمر فى قوله { فامشوا ~~في مناكبها } للإباحة، والمناكب جمع منكب وهو ملتقى الكتف مع ~~العضد والمراد به هنا جوانبها أو طرقها وفجاجها أو أطرافها.. وهو مثل ~~لفرط التذليل، وشدة التسخير.. أى هو - سبحانه - الذى جعل لكم - بفضله ~~ورحمته - الأرض المتسعة الأرجاء، مذللة مسخرة لكم، لتتمكنوا من الانتفاع ~~بها عن طريق المشى عليها، أو البناء فوقها. أو غرس النبات فيها.. وما دام ~~الأمر كذلك فامشوا فى جوانبها وأطرافها وفجاجها.. ملتمسين رزق ربكم فيها ~~وداوموا على ذلك، ففى الحديث الشريف # " التمسوا الرزق فى خبايا الأرض ". # والمراد بقوله { وكلوا من رزقه } الانتفاع بما فيها من وجوه ~~النعم، وعبر عنه بالأكل لأنه أهم وجوه الانتفاع. فالآية الكريمة دعوة ~~حارة للمسلمين لكى ينتفعوا بما فى الأرض من كنوز، حتى يستغنوا عن غيرهم ~~فى مطعمهم ومشربهم وملبسهم وسائر أمور معاشهم.. فإنه بقدر تقصيرهم فى ~~استخراج كنوزها، تكون حاجتهم لغيرهم. قال بعض العلماء قال الإمام النووى ~~فى مقدمة المجموع إن على الأمة الإسلامية أن تعمل على استثمار وإنتاج كل ~~حاجاتها حتى الإبرة، لتستغنى عن غيرها، وإلا احتاجت إلى الغير بقدر ما ~~قصرت فى الإنتاج.. وقد أعطى الله - تعالى - العالم الإسلامى الأولوية ~~فى هذا كله. فعليهم أن يحتلوا مكانهم، ويحافظوا على مكانتهم، ويشيدوا ~~كيانهم بالدين والدنيا معا.. وقد أفاض بعض العلماء فى بيان معنى قوله - ~~تعالى - { هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا.. } فقال ما ~~ملخصه والناس لطول إلفهم لحياتهم على هذه الأرض وسهولة استقرارهم عليها. # . ينسون نعمة الله فى تذليلها لهم وتسخيرها، والقرآن يذكرهم هذه النعمة ~~الهائلة، ويبصرهم بها، فى هذا التعبير الذى يدرك منه كل أحد، وكل جيل، ما ~~ينكشف له من علم هذه الأرض الذلول.. والله - تعالى - جعل الأرض ذلولا ~~للبشر من حيث جاذبيتها.. ومن حيث سطحها.. ومن حيث تكوينها، ومن حيث إحاطة ~~الهواء بها.. ومن حيث حجمها.. وقوله { وإليه النشور } معطوف على ~~ما قبله، لبيان أن مصيرهم إليه - تعالى - بعد قضائهم فى الأرض المذللة ~~لهم، مدة حياتهم.. أى وإليه ms5133 وحده مرجعكم، وبعثكم من قبوركم، بعد أن قضيتم ~~على هذه الأرض، الأجل الذى قدره - سبحانه - لكم. ثم حذر - سبحانه - من ~~بطشه وعقابه فقال { أأمنتم من في السمآء أن يخسف بكم ~~الأرض فإذا هي تمور }.. والخسف انقلاب ظاهر السطح من بعض ~~الأرض فصير باطنا، والباطن ظاهرا.. والمور شدة الاضطراب والتحرك. يقال ~~مار الشئ مورا، إذا ارتج واضطرب، والمراد بمن فى السماء الله - عز وجل ~~- بدون تحيز أو تشبيه أو حلول فى مكان. قال الإمام الآلوسى قوله { ~~أأمنتم من في السمآء } وهو الله - عز وجل - كما ذهب إليه غير ~~واحد، فقيل على تأويل من فى السماء أمره وقضاؤه، يعنى أنه من التجوز فى ~~الإسناد، أو أن فيه مضافا مقدرا، وأصله من فى السماء أمره، فلما حذف ~~وأقيم المضاف إليه مقامه ارتفع واستتر، وقيل على تقدير خالق من فى ~~السماء.. وقيل فى بمعنى على، ويراد العلو بالقهر والقدرة.. وأئمة السلف ~~لم يذهبوا إلى غيره - والآية عندهم من المتشابه وقد قال صلى الله عليه ~~وسلم آمنوا بمتشابهه ولم يقل أولوه. فهم مؤمنون بأنه - عز وجل - فى ~~السماء على المعنى الذى أراده - سبحانه - مع كمال التنزيه. وحديث الجارية ~~- التى قال لها الرسول صلى الله عليه وسلم أين الله؟ فأشارت إلى السماء - ~~من أقوى الأدلة فى هذا الباب. وتأويله بما أول به الخلف، خروج عن دائرة ~~الإنصاف عند ذوى الألباب.. والمعنى أأمنتم - أيها الناس - من فى السماء ~~وهو الله - عز وجل - أن يذهب الأرض بكم، فيجعل أعلاها أسفلها.. فإذا هى ~~تمور بكم وتضطرب، وترتج ارتجاجا شديدا تزول معه حياتكم. فالمقصود بالآية ~~الكريمة تهديد الذين يخالفون أمره، بهذا العذاب الشديد، وتحذيرهم من ~~نسيان بطشه وعقابه. والباء فى قوله { بكم } للمصاحبة. أى يخسفها وأنتم ~~مصاحبون لها بذواتكم، بعد أن كانت مذللة ومسخرة لمنفعتكم.. ثم انتقل - ~~سبحانه - من تهديدهم بالخسف إلى تهديدهم بعذاب آخر فقال { أم أمنتم ~~من في السمآء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون ~~كيف نذير }. أى بل أأمنتم - أيها الناس - من السماء، وهو الله - عز ~~وجل - بسلطانه ms5134 وقدرته. # . أن يرسل عليكم { حاصبا } أى ريحا شديدة مصحوبة بالحصى والحجارة ~~التى تهلك، فحينئذ ستعلمون عند معاينتكم للعذاب، كيف كان إنذارى لكم ~~متحققا وواقعا وحقا.. فالاستفهام فى الآيتين المقصود به التعجيب من أمنهم ~~عذاب الله - تعالى - عند مخالفتهم لأمره، وخروجهم عن طاعته. وقدم - ~~سبحانه - التهديد بالخسف على التهديد بإرسال الحصب، لأن الخسف من أحوال ~~الأرض، التى سبق أن بين لهم أنه خلقها مذللة لهم، وفيها ما فيها من ~~منافعهم، فهذه المنافع ليس عسيرا على الله - تعالى - أن يحولها إلى عذاب ~~لهم... ثم ذكرهم - سبحانه - بما جرى للكافرين السابقين فقال { ولقد ~~كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير }.. أى ووالله ~~لقد كذب الذين من قبل كفار مكة من الأمم السابقة، كقوم نوح وعاد وثمود.. ~~فكان إنكارى عليهم، وعقابى لهم، شديدا ومبيرا ومدمرا لهم تدميرا تاما. ~~فالنكير بمعنى الإنكار، والاستفهام فى قوله { فكيف كان نكير } ~~للتهويل. أى إن إنكارى عليهم كفرهم كان إنكارا عظيما، لأنه ترتب عليه، أن ~~أخذتهم أخذ عزيز مقتدر. كما قال - تعالى - # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان ~~الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # ثم تنتقل السورة بعد هذا التهديد والإنذار، إلى دعوتهم إلى التأمل ~~والتفكر، فى مشهد الطير صافات فى الجو.. وفى أحوال أنفسهم عند اليأس ~~والفقر، وعند الهزيمة والإعراض عن الحق.. فيقول - سبحانه - { أولم ~~يروا إلى الطير.. }. ### || [67.19-22] # قال بعض العلماء قوله { أولم يروا إلى الطير.. } عطف على ~~جملة # هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا.. # استرسالا فى الدلائل على انفراد الله - تعالى - بالتصرف فى الموجودات، ~~وقد انتقل من دلالة أحوال البشر وعالمهم، إلى دلالة أعجب أحوال ~~العجماوات، وهى أحوال الطير فى نظام حركاتها فى حال طيرانها، إذ لا تمشى ~~على الأرض كما هو فى حركات غيرها على الأرض، فحالها أقوى دلالة على عجيب ~~صنع الله المنفرد به.. والاستفهام فى قوله - تعالى - { أولم ~~يروا... } للتعجيب من حال المشركين، لعدم تفكرهم فيما يدعو ms5135 إلى التفكر ~~والاعتبار.. والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام، والطير جمع طائر كصحب ~~وصاحب.. والمعنى أغفل هؤلاء المشركون، وانطمست أعينهم عن رؤية الطير ~~فوقهم، وهن { صافات } أى باسطات أجنحتهن فى الهواء عند الطيران فى ~~الجو، { ويقبضن } أى ويضممن أجنحتهن تارة على سبيل الاستظهار بها ~~على شدة التحرك فى الهواء.. { ما يمسكهن } فى حالتى البسط والقبض ~~{ إلا الرحمن } الذى وسعت رحمته وقدرته كل شئ، والذى أحسن كل ~~شئ خلقه.. { إنه } - سبحانه - { بكل شيء بصير } أى إنه - ~~سبحانه - مطلع على أحوال كل شئ، ومدبر لأمره على أحسن الوجوه وأحكمها.. ~~قال صاحب الكشاف { صافات } باسطات أجنحتهن فى الجو عند طيرانها، ~~لأنهن إذا بسطنها صففن قوادمها صفا { ويقبضن } أى ويضممنها إذا ~~ضربن بها جنوبهن. فإن قلت لم قيل { ويقبضن } ولم يقل وقابضات؟ قلت ~~لأن الأصل فى الطيران هو صف الأجنحة، لأن الطيران فى الهواء كالسباحة فى ~~الماء، والأصل فى السباحة مد الأطراف وبسطها. وأما القبض فطارئ على ~~البسط. للاستظهار به على التحرك، فجئ بما هو طارئ غير أصل بلفظ الفعل، ~~على معنى أنهن صافات، ويكون منهن القبض تارة كما يكون من السابح.. ~~والمراد بإمساكهن عدم سقوطهن إلى الأرض بقدرته وحكمته - تعالى - حيث أودع ~~فيها من الخصائص ما جعلها تطير فى الجو، كالسابح فى الماء. وشبيه بهذه ~~الآية قوله - تعالى - # ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السمآء ~~ما يمسكهن إلا الله... # ثم لفت أنظارهم للمرة الثانية إلى قوة بأسه، ونفاذ إرادته، وعدم وجود من ~~يأخذ بيدهم إذا ما أنزل بهم عقابه فقال { أمن هذا الذي هو ~~جند لكم ينصركم من دون الرحمن }. والاستفهام ~~للتحدى والتعجيز، و { أم } منقطعة بمعنى بل، فهى للإضراب الانتقالى من ~~غرض إلى آخر، ومن حجة إلى أخرى. و { من } اسم استفهام مبتدأ، وخبره اسم ~~الإشارة، وما بعده صفته. والمراد بالجند الجنود الذين يهرعون لنصرة من ~~يحتاج إلى نصرتهم. ولفظ { دون } أصله ظرف للمكان الأسفل.. ويطلق على ~~الشئ المغاير، فيكون بمعنى غير كما هنا، والمقصود بالآية تحقير شأن هؤلاء ~~الجند، والتهوين ms5136 من شأنهم. # والمعنى بل أخبرونى - أيها المشركون - بعد أن ثبتت غفلتكم وعدم تفكيركم ~~تفكيرا ينفعكم، من هذا الحقير الذى تستعينون به فى نصركم ودفع الضر ~~عنكم، متجاوزين فى ذلك إرادة الرحمن ومشيئته ونصره. أو من هذا الذى ~~ينصركم نصرا كائنا غير نصر الرحمن، أو من ينصركم من عذاب كائن من عنده - ~~تعالى -. والجواب الذى لا تستطيعون جوابا سواه هو أنه لا ناصر لكم يستطيع ~~أن ينصركم من دون الله - تعالى -، كما قال - سبحانه - # وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن ~~يردك بخير فلا رآد لفضله... # وكما قال - عز وجل - # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده # وقوله - سبحانه - { إن الكافرون إلا في غرور } كلام معترض ~~بين ما قبله وما بعده، لبيان حالهم القبيح وواقعهم المنكر. والغرور صفة ~~فى النفس تجعلها تعرض عن الحق جحودا وعنادا وجهلا. أى ليس الكافرون إلا ~~فى غرور عظيم، وفى جهل تام، عن تدبر الحق، لأنهم زين لهم الشيطان سوء ~~أعمالهم، فرأوها حسنة. ثم انتقل - سبحانه - إلى إلزامهم بنوع آخر من ~~الحجج فقال { أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك ~~رزقه }.. أى بل أخبرونى من هذا الذى يزعم أنه يستطيع أن يوصل إليكم ~~الرزق والخير، إذا أمسك الله - تعالى - عنكم ذلك، أو منع عنكم الأسباب ~~التى تؤدى إلى نفعكم وإلى قوام حياتكم، كمنع نزول المطر إليكم، وكإهلاك ~~الزروع والثمار التى تنبتها الأرض.. إنه لا أحد يستطيع أن يرزقكم سوى ~~الله - تعالى -. وقوله { بل لجوا في عتو ونفور } جملة ~~مستأنفة جواب لسؤال تقديره فهل انتفع المشركون بتلك المواعظ فكان الجواب ~~كلا إنهم لم ينتفعوا، بل { لجوا } أى تمادوا فى اللجاج والجدال بالباطل و ~~{ في عتو } أى وفى استكبار وطغيان، وفى { ونفور } أى شرود ~~وتباعد عن الطريق المستقيم. أى أنهم ساروا فى طريق أهوائهم حتى النهاية، ~~دون أن يستمعوا إلى صوت نذير أو واعظ أو مرشد. ثم ضرب - سبحانه - مثلا ~~لأهل الإيمان وأهل الكفر، وأهل الحق وأهل ms5137 الباطل، فقال - سبحانه - { ~~أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي ~~سويا على صراط مستقيم }. والمكب هو الإنسان الساقط على ~~وجهه، يقال كب فلان فلانا وأكبه، إذا صرعه وقلبه بأن جعل وجهه على ~~الأرض.. فهو اسم فاعل من أكب. وقوله { أهدى } مشتق من الهدى، وهو ~~معرفة طريق الحق والسير فيها، والمفاضلة هنا ليست مقصودة، لأن الذى يمشى ~~مكبا على وجهه، لا شئ عنده من الهداية أو الرشد إطلاقا حتى يفاضل مع ~~غيره، وفيه لون من التهكم بهذا المكب على وجهه. # و " السوى " هو الإنسان الشديد الاستواء والاستقامة، فهو فعيل بمعنى ~~فاعل. ومنه قوله - تعالى - حكاية عما قاله إبراهيم - عليه السلام - لأبيه ~~- # يأبت إني قد جآءني من العلم ما لم يأتك ~~فاتبعني أهدك صراطا سويا # أى مستويا. قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية { أفمن ~~يمشي مكبا على وجهه أهدى... } هذا مثل ضربه الله ~~للمؤمن والكافر، فالكافر مثله فيما هو فيه، كمثل من يمشى مكبا على وجهه، ~~أى يمشى منحنيا لا مستويا على وجهه، أى لا يدرى أين يسلك، ولا كيف يذهب، ~~بل هو تائه حائر ضال، أهذا أهدى { أمن يمشي سويا } أى منتصب ~~القامة { على صراط مستقيم } أى على طريق واضح بين، وهو فى ~~نفسه وهو فى نفسه مستقيم وطريقه مستقيمة. هذا مثلهم فى الدنيا، وكذلك ~~يكونون فى الآخرة، فالمؤمن يحشر يمشى سويا على صراط مستقيم.. وأما الكافر ~~فإنه يحشر يمشى على وجهه إلى النار.. وروى الإمام أحمد عن أنس قال # " قيل يا رسول الله، كيف يحشر الناس على وجوههم؟ فقال " أليس الذى ~~أمشاهم على أرجلهم قادرا على أن يمشيهم على وجوههم " # وقال الجمل هذا مثل للمؤمن والكافر، حيث شبه - سبحانه - المؤمن فى تمسكه ~~بالدين الحق، ومشيه على منهاجه، بمن يمشى فى الطريق المعتدل، الذى ليس ~~فيه ما يتعثر به.. وشبه الكافر فى ركوبه ومشيه على الدين الباطل، بمن ~~يمشى فى الطريق الذى فيه حفر وارتفاع وانخفاض، فيتعثر ويسقط على وجهه، ~~وكلما تخلص من عثرة وقع فى أخرى. فالمذكور ms5138 فى الآية هو المشبه به، ~~والمشبه محذوف، لدلالة السياق عليه.. وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة قد ~~لفتت أنظار الناس إلى التفكر والاعتبار، ووبخت المشركين على جهالاتهم ~~وطغيانهم، وساقت مثالا واضحا للمؤمن والكافر، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى ~~من حى عن بينة. ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم فى بضع ~~آيات أن يذكر الكافرين بنعم الله - تعالى - عليهم، وأن يرد على شبهاتهم ~~وأكاذيبهم بما يدحضها، وأن يكل أمره وأمرهم إليه وحده - تعالى - فقال { ~~قل هو الذي أنشأكم... }. ### || [67.23-30] # أى قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين - على سبيل تبصيرهم ~~بالحجج والدلائل الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا، وعلى سبيل التنويع فى ~~الإرشاد والتوجيه.. قل لهم الرحمن - عز وجل - هو الذى أنشأكم وأوجدكم فى ~~كل طور من أطوار حياتكم، وهو سبحانه - الذى أوجد لكم السمع الذى تسمعون ~~به، والأبصار التى تبصرون بها الكائنات، والأفئدة أى والقلوب التى ~~يدركونها بها.. ولكنكم - مع كل هذه النعم - { قليلا ما تشكرون ~~} خالقكم - عز وجل -. وجمع - سبحانه - الأفئدة والأبصار، وأفرد السمع، ~~لأن القلوب تختلف باختلاف مقدار ما تفهمه مما يلقى إليها من إنذار أو ~~تبشير، ومن حجة أو دليل، فكان من ذلك تعدد القلوب بتعدد الناس على حسب ~~استعدادهم. وكذلك شأن الناس فيما تنتظمه أبصارهم من آيات الله فى كونه، ~~فإن أنظارهم تختلف فى عمق تدبرها وضحولته، فكان من ذلك تعدد المبصرين، ~~بتعدد مقادير ما يستنبطون من آيات الله فى الآفاق. وأما المسموع فهو ~~بالنسبة للناس جميعا شئ واحد، هو الحجة يناديهم بها المرسلون، والدليل ~~يوضحه لهم النبيون. لذلك كان الناس جميعا كأنهم سمع واحد، فكان إفراد ~~السمع إيذانا من الله بأن حجته واحدة، ودليله واحد لا يتعدد. وقوله { ~~قليلا ما تشكرون } صفة لمصدر محذوف، أى شكرا قليلا، و { ما } ~~مزيدة لتأكيد التقليل. وعبر - سبحانه - بقوله { قليلا } لحضهم على ~~الإكثار من شكره - تعالى -، وذلك عن طريق إخلاص العبادة له - عز وجل - ~~ونبذ عبادة غيره. ثم أمره - سبحانه - للمرة الثانية أن يذكرهم بنعمة أخرى ~~فقال { قل هو ms5139 الذي ذرأكم في الأرض وإليه ~~تحشرون }. أى وقل لهم - أيها الرسول الكريم - الرحمن - تعالى - وحده ~~{ هو الذي ذرأكم في الأرض }. أى هو الذى خلقكم وبثكم ~~وكثركم فى الأرض، إذ الذرء معناه الإكثار من الموجود.. وقوله { ~~وإليه تحشرون } بيان لمصيرهم بعد انتهاء آجالهم فى هذه الدنيا. ~~أى وإليه وحده - لا إلى غيره - يكون مرجعكم للحساب والجزاء يوم القيامة. ~~ثم حكى - سبحانه - أقوالهم التى تدل على طغيانهم وجهالاتهم فقال { ~~ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين }. والوعد ~~مصدر بمعنى الموعود، والمقصود به ما أخبرهم به صلى الله عليه وسلم من أن ~~هناك بعثا وحسابا وجزاء.. ومن أن العاقبة والنصر للمؤمنين. أى ويقول ~~هؤلاء الجاحدون للرسول صلى الله عليه وسلم ولأصحابه، على سبيل التهكم ~~والاستهزاء متى يقع هذا الذى تخبروننا عنه من البعث والحساب والجزاء، ومن ~~النصر لكم لا لنا..؟. وجواب الشرط محذوف والتقدير إن كنتم صادقين فيما ~~تقولونه لنا، فأين هو؟ إننا لا نراه ولا نحسه. # وهنا يأمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم للمرة الثالثة، أن ~~يرد عليهم الرد الذى يكبتهم فيقول { قل إنما العلم عند ~~الله وإنمآ أنا نذير مبين }. أى قل لهم يا محمد علم ~~قيام الساعة، وعلم اليوم الذى سننتصر فيه عليكم.. عند الله - تعالى - ~~وحده، لأن هذا العلم ليس من وظيفتى. وإنما وظيفتى أنى نذير لكم، أحذركم ~~من سوء عاقبة كفركم، فإذا استجبتم لى نجوتم، وإن بقيتم على كفركم هلكتم. ~~واللام فى قوله { العلم } للعهد أى العلم بوقت هذا الوعد، عند الله - ~~تعالى - وحده. والمبين اسم فاعل من أبان المتعدى، أى مبين لما أمرت ~~بتبليغه لكم بيانا واضحا لا لبس فيه ولا غموض. ثم حكى - سبحانه - حالهم ~~عندما يرون العذاب الذى استعجلوه فقال { فلما رأوه زلفة ~~سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم ~~به تدعون }. والفاء فى قوله { فلما رأوه زلفة... } هى ~~الفصيحة. و { لما } ظرف بمعنى حين. و { رأوه } مستعمل فى المستقبل وجئ به ~~بصيغة الماضى لتحقق الوقوع، كما فى قوله - تعالى - # أتى أمر ms5140 الله فلا تستعجلوه... # و { زلفة } اسم مصدر لأزلف إزلافا، بمعنى القرب. ومنه قوله - تعالى ~~- # وأزلفت الجنة... # أى قربت للمتقين، وهو حال من مفعول { رأوه }. والمعنى لقد حل ~~بالكافرين العذاب الذى كانوا يستعجلونه ويقولون متى هذا الوعد. فحين رأوه ~~نازلا بهم، وقريبا منهم { سيئت وجوه الذين كفروا } أى ساءت ~~رؤيته وجوههم، وحلت عليها غبرة ترهقها قترة. { وقيل } لهم على سبيل ~~التوبيخ والتأنيب { هذا الذي كنتم به تدعون } أى هذا هو ~~العذاب الذى كنتم تتعجلون وقوعه فى الدنيا، وتستهزئون بمن يحذركم منه. ~~فقوله { تدعون } من الدعاء بمعنى الطلب، أو من الدعوى. و { سيئت ~~} فعل مبنى للمجهول. وأسند - سبحانه - حصول السوء إلى الوجوه، لتضمينه ~~معنى كلحت وقبحت واسودت، لأن الخوف من العذاب قد ظهرت آثاره على وجوههم. ~~وقال - سبحانه - { سيئت وجوه الذين كفروا } بالإظهار، ولم ~~يقل وجوههم، لذمهم بصفة الكفر، التى كانت السبب فى هلاكهم. ومفعول { ~~تدعون } محذوف. والتقدير وقيل لهم هذا الذى كنتم تدعون عدم وقوعه. ~~قد وقع، وها أنتم تشاهدونه أمام أعينكم. والجار والمجرور فى قوله { به ~~} متعلق بتدعون لأنه مضمن معنى تكذبون. والقائل لهم هذا القول هم خزنة ~~النار، على سبيل التبكيت لهم. ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه ~~وسلم للمرة الرابعة، أن يرد على ما كانوا يتمنونه بالنسبة له ولأصحابه ~~فقال { قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو ~~رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب أليم }. ولقد كان ~~المشركون يتمنون هلاك النبى صلى الله عليه وسلم وكانوا يرددون ذلك فى ~~مجالسهم، وقد حكى القرآن عنهم ذلك فى آيات منها قوله - تعالى - # أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون # أى قل لهم - أيها الرسول الكريم - { أرأيتم } أى أخبرونى { إن ~~أهلكني الله }. - تعالى - وأهلك - { ومن معي } من أصحابى ~~وأتباعى { أو رحمنا } بفضله وإحسانه بأن رزقنا الحياة الطويلة، ~~ورزقنا النصر عليكم. فأخبرونى فى تلك الحالة { فمن يجير ~~الكافرين من عذاب أليم } أى من يستطيع أن يمنع عنكم عذاب ~~الله الأليم، إذا أراد أن ينزله بكم؟ مما لا شك فيه أنه لن ms5141 يستطيع أحد أن ~~يمنع ذلك عنكم. قال صاحب الكشاف كان كفار مكة يدعون على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وعلى المؤمنين بالهلاك، فأمر بأن يقول لهم نحن مؤمنون ~~متربصون لإحدى الحسنيين إما أن نهلك كما تتمنون، فننقلب إلى الجنة، أو ~~نرحم بالنصرة عليكم، أما أنتم فماذا تصنعون؟ من يجيركم - وأنتم كافرون - ~~من عذاب أليم لا مفر لكم منه. يعنى إنكم تطلبون لنا الهلاك الذى هو ~~استعجال للفوز والسعادة، وأنتم فى أمر هو الهلاك الذى لا هلاك بعده.. ~~والمراد بالهلاك الموت، وبالرحمة الحياة والنصر بدليل المقابلة، وقد منح ~~الله - تعالى - نبيه العمر المبارك النافع، فلم يفارق صلى الله عليه وسلم ~~الدنيا إلا بعد أن بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ودخل الناس فى دين الله ~~أفواجا، وكانت كلمته هى العليا. والاستفهام فى قوله { أرأيتم } ~~للإنكار والتعجيب من سوء تفكيرهم. والرؤية علمية، والجملة الشرطية بعدها ~~سدت مسد المفعولين. وقال - سبحانه - { فمن يجير الكافرين } ~~للإشارة إلى أن كفرهم هو السبب فى بوارهم وفى نزول العذاب الأليم بهم. ~~ثم أمره - سبحانه - للمرة الخامسة، أن يبين لهم أنه هو وأصحابه معتمدون ~~على الله - تعالى - وحده، ومخلصون له العبادة والطاعة، فقال { قل هو ~~الرحمن آمنا به وعليه توكلنا.. } أى وقل يا محمد ~~لهؤلاء الجاحدين إذا كنتم قد أشركتم مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى ~~العبادة، فنحن على النقيض منكم، لأننا أخلصنا عبادتنا للرحمن الذى أوجدنا ~~برحمته، وآمنا به إيمانا حقا، وعليه وحده توكلنا وفوضنا أمورنا. وأخر - ~~سبحانه - مفعول { آمنا } وقدم مفعول { توكلنا } ، للتعريض ~~بالكافرين، الذين أصروا على ضلالهم، فكأنه يقول نحن آمنا ولم نكفر كما ~~كفرتم، وتوكلنا عليه وحده، ولم نتوكل على ما أنتم متوكلون عليه من ~~أصنامكم وأموالكم وأولادكم.. وقوله { فستعلمون من هو في ~~ضلال مبين } مسوق مساق التهديد والوعيد أى فستعلمون فى عاجل أمرنا ~~وآجله، أنحن الذين على الحق أم أنتم؟ ونحن الذين على الباطل أم أنتم؟.. ~~فالمقصود بالآية الكريمة التهديد والإنذار، مع إخراج الكلام مخرج ~~الإنصاف، الذى يحملهم على التدبر والتفكر لو كانوا يعقلون. ms5142 # ثم أمر - سبحانه - صلى الله عليه وسلم للمرة السادسة، أن يذكرهم بنعمة ~~الماء الذى يشربونه فقال { قل أرأيتم إن أصبح مآؤكم ~~غورا فمن يأتيكم بمآء معين }. وقوله { غورا } مصدر ~~غارت البئر، إذا نضب ماؤها وجف. يقال غار الماء يغور غورا، إذا ذهب ~~وزال.. والمعين هو الماء الظاهر الذى تراه العيون، ويسهل الحصول عليه، ~~وهو فعيل من معن إذا قرب وظهر. أى وقل لهم - أيها الرسول الكريم - على ~~سبيل التوبيخ وإلزام الحجة أخبرونى إن أصبح ماؤكم غائرا فى الأرض، بحيث ~~لا يبقى له وجود أصلا. فمن يستطيع أن يأتيكم بماء ظاهر على وجه الأرض، ~~تراه عيونكم، وتستعملونه فى شئونكم ومنافعكم. إنه لا أحد يستطيع ذلك إلا ~~الله - تعالى - وحده، فعليكم أن تشكروه على نعمه، لكى يزيدكم منها. ### | [68 - سورة القلم] ### || [68.1-16] # افتتحت سورة " القلم " بأحد الحروف المقطعة، وهى آخر سورة فى ترتيب ~~المصحف، افتتحت بواحد من هذه الحروف. أما بالنسبة لترتيب النزول، فقد ~~تكون أول سورة نزلت على النبى صلى الله عليه وسلم فى السور المفتتحة ~~بالحروف المقطعة. وقد قلنا عند تفسيرنا لسورة البقرة وردت هذه الحروف ~~المقطعة تارة مفردة بحرف واحد، وتارة مركبة من حرفين أو ثلاثة، أو أربعة، ~~أو خمسة. فالسور التى بدئت بحرف واحد ثلاث سور وهى ص، ق، ن. والسور التى ~~بدئت بحرفين تسع سور وهى طه، يس، طس، وحم، فى ست سور، وهى غافر، فصلت، ~~الزخرف، الدخان، الجاثية، الأحقاف. والسور التى بدئت بثلاثة أحرف، ثلاث ~~عشرة سورة وهى " ألم " فى ست سور، وهى البقرة، آل عمران، العنكبوت، ~~الروم، لقمان، السجدة. و { الر } فى خمس سور وهى يونس، هود، يوسف، ~~إبراهيم، الحجر. و { طسم } فى سورتين وهما الشعراء، والقصص. وهناك سورتان ~~بدئتا بأربعة أحرف وهما الرعد، " المر " ، والأعراف " المص ". وهناك ~~سورتان - أيضا - بدئتا بخمسة أحرف، وهما " مريم " " كهيعص " والشورى " حم ~~عسق " فيكون مجموع السور التى افتتحت بالحروف المقطعة تسعا وعشرين سورة. ~~هذا، وقد وقع خلاف بين العلماء فى المعنى المقصود بتلك الحروف المقطعة ~~التى افتتحت بها بعض ms5143 السور القرآنية، ويمكن إجمال خلافهم فى رأيين ~~رئيسيين الرأى الأول يرى أصحابه أن المعنى المقصود منها غير معروف، فهى ~~من المتشابه الذى استأثر الله - تعالى - بعلمه. وإلى هذا الرأى ذهب ابن ~~عباس - فى بعض الروايات عنه - كما ذهب إليه الشعبى، وسفيان الثورى وغيرهم ~~من العلماء. فقد أخرج ابن المنذر عن الشعبى أنه سئل عن فواتح السور فقال ~~إن لكل كتاب سرا، وإن سر هذا القرآن فى فواتح السور. ويروى عن ابن عباس ~~أنه قال عجزت العلماء عن إدراكها. وعن على بن أبى طالب أنه قال " إن لكل ~~كتاب صفوة، وصفوة الكتاب حروف التهجى ". وفى رواية أخرى عن الشعبى أنه ~~قال " سر الله فلا تطلبوه " ومن الاعتراضات التى وجهت إلى هذا الرأى، ~~أنه إذا كان الخطاب بهذه الفواتح غير مفهوم للناس لأنه من المتشابه، فإنه ~~يترتب على ذلك أنه كالخطاب بالمهمل، أو مثل ذلك كمثل المتكلم بلغة أعجمية ~~مع أناس عرب لا يفهمونها. وقد أجيب عن ذلك بأن هذه الألفاظ، لم ينتف ~~الإفهام عنها عند كل أحد، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يفهم المراد ~~منها، وكذلك بعض أصحابه المقربين، ولكن الذى ننفيه أن يكون الناس جميعا ~~فاهمين لمعنى هذه الحروف المقطعة فى أوائل بعض السور. # وهناك مناقشات أخرى للعلماء حول هذا الرأى، يضيق المجال عن ذكرها. أما ~~الرأى الثانى فيرى أصحابه أن المعنى المقصود منها معلوم، وأنها ليست من ~~المتشابه الذى استأثر الله - تعالى - بعلمه. وأصحاب هذا الرأى قد اختلفوا ~~فيما بينهم فى تعيين هذا المعنى المقصود على أقوال كثيرة من أهمها ما ~~يأتى أ - أن هذه الحروف أسماء للسور، بدليل قول النبى صلى الله عليه وسلم ~~" من قرأ حم السجدة حفظ إلى أن يصبح " ، وبدليل اشتهار بعض السور ~~بالتسمية بها كسورة " ص " وسورة " يس ". ولايخلو هذا القول من الضعف، لأن ~~كثيرا من السور قد افتتحت بلفظ واحد من هذه الفواتح، والغرض من التسمية ~~رفع الاشتباه. ب - وقيل إن هذه الحروف قد جاءت هكذا فاصلة، للدلالة على ~~انقضاء سورة وابتداء ms5144 أخرى. ج - وقيل إنها حروف مقطعة، بعضها من أسماء ~~الله - تعالى -، وبعضها من صفاته، فمثلا { ألم } أصلها أنا الله أعلم. د ~~- وقيل إنها اسم الله الأعظم. إلى غير ذلك من الأقوال التى لا تخلوا من ~~مقال، والتى أوصلها الإمام السيوطى فى كتابه " الإتقان " إلى أكثر من ~~عشرين قولا. ه - ولعل أقرب الآراء إلى الصواب أن يقال إن هذه الحروف ~~المقطعة، قد وردت فى افتتاح بعض السور، للإشعار بأن هذا القرآن الذى ~~تحدى الله به المشركين، هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التى ~~يعرفونها، ويقدرون على تأليف الكلام منها، فإذا عجزوا عن الإتيان بسورة ~~من مثله، فذلك لبلوغه فى الفصاحة والبلاغة، مرتبة يقف فصحاؤهم وبلغاؤهم ~~دونها بمراحل شاسعة. وفضلا عن ذلك، فإن تصدير هذه السور بمثل هذه الحروف ~~المقطعة، يجذب أنظار المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم، إلى ~~الإنصات والتدبر، لأنه يطرق أسماعهم فى أول التلاوة ألفاظ غير مألوفة فى ~~مجارى كلامهم. وذلك مما يلفت أنظارهم ليتبينوا ما يراد منها، فيسمعوا ~~حكما وحججا قد تكون سببا فى هدايتهم واستجابتهم للحق. هذه خلاصة لآراء ~~العلماء فى الحروف المقطعة، التى افتتحت بها بعض السور القرآنية، ومن ~~أراد مزيدا لذلك فليرجع - مثلا - إلى كتاب " البرهان " للزركشى. وكتاب " ~~الإتقان " للسيوطى، وتفسير " الآلوسى ". ولفظ " ن " على الرأى الذى ~~رجحناه، يكون إشارة إلى إعجاز القرآن... وقيل هو من المتشابه الذى استأثر ~~الله بعلمه.. وقد ذكر بعض المفسرين أقوالا أخرى، لا يعتمد عليها لضعفها، ~~ومن ذلك قولهم إن " نون " اسم لحوت عظيم.. أو اسم للدواة... وقيل " نون " ~~لوح من نور.. والواو فى قوله { والقلم } للقسم، والمراد بالقلم ~~جنسه، فهو يشمل كل قلم يكتب به و " ما " فى قوله { وما يسطرون } ~~موصولة أو مصدرية. # و { يسطرون } مضارع سطر - من باب نصر -، يقال سطر الكتاب سطرا، إذا ~~كتبه، والسطر الصف من الشجر وغيره، وأصله من السطر بمعنى القطع، لأن صفوف ~~الكتابة تبدو وكأنها قطع متراصة. وجواب القسم قوله { مآ أنت ~~بنعمة ربك بمجنون }. أى وحق القلم الذى ms5145 يكتب به الكاتبون ~~من مخلوقاتنا المتعددة، إنك - أيها الرسول الكريم - لمبرأ مما اتهمك به ~~أعداؤك من الجنون، وكيف تكون مجنونا وقد أنعم الله - تعالى - عليك ~~بالنبوة والحكمة. فالمقصود بالآيات الكريمة تسلية النبى صلى الله عليه ~~وسلم عما أصابه من المشركين، ودفع تهمهم الباطلة دفعا يأتى عليها من ~~القواعد فيهدمها، وإثبات أنه رسول من عنده - تعالى -. وأقسم - سبحانه - ~~بالقلم، لعظيم شرفه، وكثرة منافعه، فبه كتبت الكتب السماوية، وبه تكتب ~~العلوم المفيدة.. وبه يحصل التعارف بين الناس.. وصدق الله إذ يقول # اقرأ وربك الأكرم. الذى علم بالقلم. علم ~~الإنسان ما لم يعلم # قال القرطبى أقسم - سبحانه - بالقلم. لما فيه من البيان كاللسان. وهو ~~واقع على كل قلم مما يكتب به من السماء من فى الأرض، ومنه قول أبى ~~الفتح البستى # إذا أقسم الأبطال يوما بسيفهم وعدوه مما يكسب المجد والكرم كفى ~~قلم الكتاب عزا ورفعة مدى الدهر أن الله أقسم بالقلم # والضمير فى قوله { يسطرون } راجع إلى غير مذكور فى الكلام، إلا أنه ~~معلوم للسامعين، لأن ذكر القلم يدل على أن هناك من يكتب به. ونفى - ~~سبحانه - عنه صلى الله عليه وسلم الجنون بأبلغ أسلوب، لأن المشركين كانوا ~~يصفونه بذلك، قال - تعالى -. # وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم ~~لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون # قال الآلوسى قوله { مآ أنت بنعمة ربك بمجنون }. جواب ~~القسم، والباء الثانية مزيدة لتأكيد النفى. ومجنون خبر ما، والباء الأولى ~~للملابسة، والجار والمجرور فى موضع الحال من الضمير فى الخبر، والعامل ~~فيها معنى النفى. والمعنى انتفى عنك الجنون فى حال كونك ملتبسا بنعمة ربك ~~أى منعما عليك بما أنعم من حصافة الرأى، والنبوة.. وفى إضافته صلى الله ~~عليه وسلم إلى الرب - عز وجل - مزيد إشعار بالتسلية والقرب والمحبة. ~~ومزيد إشعار - أيضا - بنفى ما افتراه الجاهلون من كونه صلى الله عليه ~~وسلم مجنونا، لأن هذه الصفة لا تجتمع فى عبد أنعم الله - تعالى - عليه، ~~وقربه، واصطفاه لحمل رسالته وتبليغ دعوته. ثم بشره - سبحانه - ببشارة ~~ثانية فقال { وإن لك لأجرا ms5146 غير ممنون }. وقوله { ~~ممنون } مأخوذ من المن بمعنى القطع، تقول مننت الحبل، إذا قطعته، ~~ويصح أن يكون من المن، بمعنى أن يعطى الإنسان غيره عطية ثم يفتخر بها ~~عليه، ومنه قوله - تعالى - # يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن ~~والأذى... # أى وإن لك - أيها الرسول الكريم - عندنا، لأجرا عظيما لا يعلم مقداره ~~إلا نحن، وهذا الأجر غير مقطوع بل هو متصل ودائم وغير ممنون. وهذه الجملة ~~الكريمة وما بعدها، معطوفة على جملة جواب القسم، لأنهما من جملة المقسم ~~عليه.. ثم أثنى - سبحانه - عليه بأجمل ثناء وأطيبه فقال { وإنك ~~لعلى خلق عظيم }. والخلق - كما يقول الإمام الرازى - ملكه ~~نفسانية، يسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الجميلة... و... والعظيم ~~الرفيع القدر، الجليل الشأن، السامى المنزلة. أى وإنك - أيها الرسول ~~الكريم - لعل دين عظيم، وعلى خلق كريم، وعلى سلوك قويم، فى كل ما تأتيه ~~وما تتركه من أقوال وأفعال.. والتعبير بلفظ " على " يشعر بتمكنه صلى الله ~~عليه وسلم ورسوخه فى كل خلق كريم. وهذا أبلغ رد على أولئك الجاهلين الذين ~~وصفوه بالجنون، لأن الجنون سفه لا يحسن معه التصرف. أما الخلق العظيم، ~~فهو أرقى منازل الكمال، فى عظماء الرجال. وإن القلم ليعجز عن بيان ما ~~اشتملت عليه هذه الآية الكريمة، من ثناء من الله - تعالى - على نبيه صلى ~~الله عليه وسلم. قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه ~~قال قتادة ذكر لنا أن سعد بن هشام سأل السيدة عائشة عن معنى هذه الآية ~~فقالت ألست تقرأ القرآن؟ قال بلى. قالت فإن خلق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان القرآن.. ومعنى هذا، أنه صلى الله عليه وسلم صار امتثال القرآن ~~أمرا ونهيا، سجية له وخلقا وطبعا، فمهما أمره القرآن فعله، ومهما نهاه ~~عنه تركه، هذا مع ما جبله الله عليه من الخلق الكريم، كالحكمة، والعفة، ~~والشجاعة، والعدالة.. وكيف لا يكون صلى الله عليه وسلم جماع كل خلق عظيم ~~وهو القائل # " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ". # ثم بشره - سبحانه - ببشارات أخرى ms5147 فقال { فستبصر ويبصرون. ~~بأيكم المفتون. إن ربك هو أعلم بمن ضل عن ~~سبيله وهو أعلم بالمهتدين }. والفاء فى قوله { ~~فستبصر... } للتفريع على ما تقدم من قوله { مآ أنت بنعمة ~~ربك بمجنون } والفعل " تبصر ويبصرون " من الإبصار الذى هو ~~الرؤية بالعينين، وقيل بمعنى العلم.. والسين فى { فستبصر... } ~~للتأكيد. والباء فى قوله { بأيكم.. } يرى بعضهم أنها بمعنى فى. ~~والمفتون اسم مفعول، وهو الذى أصابته فتنة. أدت إلى جنونه، والعرب كانوا ~~يقولون للمجنون فتنته الجن. أو هو الذى اضطرب أمره واختل تكوينه وضعف ~~تفكيره.. كأولئك المشركين الذين قالوا فى النبى صلى الله عليه وسلم ~~أقوالا لا يقولها عاقل.. أى لقد ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - أنك ~~بعيد عما اتهمك به الكافرون، وأن لك عندنا المنزلة التى ليس بعدها منزلة. # . وما دام الأمر كذلك فسترى وسنعلم، وسيرى وسيعلم هؤلاء المشركون، فى أى ~~قريق منكم الإصابة بالجنون؟ أفى فريق المؤمنين أم بفريق الكافرين.. قال ~~الجمل فى حاشيته ما ملخصه قوله { فستبصر ويبصرون } قال ابن ~~عباس فستعلم ويعلمون يوم القيامة حين يتميز الحق من الباطل، وقيل فى ~~الدنيا بظهور عاقبة أمرك.. { بأيكم المفتون } الباء مزيدة فى ~~المبتدأ، والتقدير أيكم المفتون، فزيدت الباء كزيادتها فى نحو بحسبك ~~درهم.. وقيل الباء بمعنى " فى " الظرفية، كقولك زيد بالبصرة. أى فيها. ~~والمعنى فى أى فرقة منكم المفتون. وقيل المفتون مصدر جاء على مفعول ~~كالمعقول والميسور. أى، بأيكم الفتون.. وجملة { إن ربك هو ~~أعلم بمن ضل عن سبيله... } تعليل لما ينبئ عنه ما قبله من ~~ظهور جنونهم بحيث لا يخفى على أحد، وتأكيد لوعده صلى الله عليه وسلم ~~بالنصر، ولوعيدهم بالخيبة والخسران. أى إن ربك - أيها الرسول الكريم - ~~الذى خلقك فسواك فعدلك، هو أعلم بمن ضل عن سبيله، وبمن أعرض عن طريق الحق ~~والصواب.. وهو - سبحانه - أعلم بالمهتدين الذين اهتدوا إلى ما ينفعهم ~~ويسعدهم فى دنياهم وآخرتهم.. وما دام الأمر كذلك فذرهم فى طغيانهم ~~يعمهون، وسر فى طريقك، فستكون العاقبة لك ولأتباعك. ثم أرشده - سبحانه - ~~إلى جانب من مسالكهم الخبيثة، وصفاتهم ms5148 القبيحة، وحذره من الاستجابة إلى ~~شئ من مقترحاتهم، فقال { فلا تطع المكذبين. ودوا لو ~~تدهن فيدهنون } وقوله { ودوا } من الود بمعنى المحبة. ~~وقوله { تدهن } من الإدهان وهى المسايرة والمصانعة والملاينة للغير. ~~وأصله أن يجعل على الشئ دهنا لكى يلين أو لكى يحسن شكله، ثم استعير ~~للملاينة والمساهلة مع الغير. أى إن ربك - أيها الرسول الكريم - لا يخفى ~~عليه شئ من أحوالك وأحوالهم، وما دام الأمر كذلك، فاحذر أن تطيع هؤلاء ~~المكذبين فى شئ مما يقترحونه عليك، فإنهم أحبوا وودوا أن تقبل بعض ~~مقترحاتهم، وأن تلاينهم وتطاوعهم فيما يريدون منك.. وهم حينئذ يظهرون لك ~~من جانبهم الملاينة والمصانعة.. حتى لكأنهم يميلون نحو الاستجابة لك، ~~وترك إيذائك وإيذاء أصحابك. فالآية الكريمة تشير إلى بعض المساومات التى ~~عرضها المشركون على النبى صلى الله عليه وسلم وما أكثرها، ومنها ما ذكره ~~ابن إسحاق فى سيرته من أن بعض زعماء المشركين قالوا للنبى صلى الله عليه ~~وسلم يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت فى ~~الأمر، فإن كان الذى تعبد خيرا مما نعبد، كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن ~~كان ما نعبد خيرا مما تعبد، كنت قد أخذت بحظك منه، فنزلت سورة " الكافرون ~~". # ومنها ما دار بينه صلى الله عليه وسلم وبين الوليد بن المغيرة تارة، ~~وبينه وبين عتبة بن ربيعة تارة أخرى.. مما هو معروف فى كتب السيرة. ولقد # " قال الرسول صلى الله عليه وسلم لعمه أبى طالب عندما نصحه بأن يترك ~~المشركين وشأنهم، وقال له يا ابن أخى أشفق على نفسك وعلى، ولا تحملنى من ~~الأمر ما لا أطيق. قال له صلى الله عليه وسلم يا عماه، والله لو وضعوا ~~الشمس فى يمينى، والقمر فى يسارى. على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى ~~يظهره الله أو أهلك فيه.. ". # والتعبير بقوله { ودوا لو تدهن فيدهنون } يشير إلى أن ~~الملاينة والمصانعة كانت منهم، لا منه صلى الله عليه وسلم، فهم الذين ~~كانوا يحبون منه أن يستجيب لمقترحاتهم، لكى يقابلوا ms5149 ذلك بالتظاهر بأنهم ~~على صلة طيبة به وبأصحابه. قال صاحب الكشاف قوله { فلا تطع ~~المكذبين } تهييج وإلهاب للتصميم على معاصاتهم، وكانوا قد أرادوا ~~على أن يعبد الله مدة، وآلهتهم مدة، ويكفوا عن غوائلهم. وقوله { لو ~~تدهن } لو تلين وتصانع { فيدهنون }. فإن قلت لماذا رفع " ~~فيدهنون " ولم ينصب بإضمار " أن " وهو جواب التمنى؟ قلت قد عدل إلى طريق ~~آخر، وهو أنه جعل خبر مبتدأ محذوف. أى فهم يدهنون، كقوله # فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا # على معنى ودوا لو تدهن فهم يدهنون.. ثم يكرر - سبحانه - النهى للنبى صلى ~~الله عليه وسلم عن طاعة كل حلاف مهين. هماز مشاء بنميم.. فيقول { ولا ~~تطع كل حلاف مهين. هماز مشآء بنميم. ~~مناع للخير معتد أثيم. عتل بعد ذلك زنيم ~~}. وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآيات الكريمة، نزلت فى الوليد بن ~~المغيرة.. وقيل إنها نزلت فى الأخنس بن شريق.. والآيات الكريمة يشمل ~~النهى فيها كل من هذه صفاته، ويدخل فيها الوليد بن المغيرة، والأخنس بن ~~شريف.. دخولا أوليا. أى ولا تطع - أيها الرسول الكريم - كل من كان كثير ~~الحلف بالباطل، وكل من كان مهينا، أى حقير ذليلا وضيعا. من المهانة، وهى ~~القلة فى الرأى والتمييز. { هماز } أى عياب للناس، أو كثير الاغتياب ~~لهم، من الهمز، وأصله الطعن فى الشئ بعود أو نحوه، ثم استعير للذى يؤذى ~~الناس بلسانه وبعينه وبإشارته، ويقع فيهم بالسوء، ومنه قوله - تعالى - # ويل لكل همزة لمزة # { مشآء بنميم } أى نقال للحديث السيئ لكى يفسد بين الناس.. ~~والنميم والنميمة مصدران بمعنى السعاية والإفساد. يقال نم فلان ~~الحديث - من بابى قتل وضرب - إذا سار بين الناس بالفتنة. وأصل النم الهمس ~~والحركة الخفيفة ثم استعملت فى السعى بين الناس بالفساد على سبيل المجاز. ~~{ مناع للخير معتد أثيم } أى هو شديد المنع لكل ما فيه ~~خير، ولكل من يستحقه، خصوصا إذا كان من يستحقه من المؤمنين. # ثم هو بعد ذلك { معتد } أى كثير العدوان على الناس { أثيم } أى ~~مبالغ فى ارتكابه ms5150 للآثام، لا يترك سيئة دون أن يرتكبها. وقد جاءت صفات ~~الذم السابقة بصيغة المبالغة، للإشعار برسوخه فيها، وباقترافه لها بسرعة ~~وشدة. { عتل بعد ذلك زنيم } والعتل هو الجاف الغليظ، القاسى ~~القلب الفظ الطبع، الأكول الشروب.. بدون تمييز بين حلال وحرام. مأخوذ من ~~عتله يعتله - بكسر التاء وضمها - إذا جره بعنف وغلظة.. { والزنيم } هو ~~اللصيق بالقوم دون أن يكون منهم، وإنما هو دعى فيهم، حتى لكأنه فيهم ~~كالزنمة، وهى ما يتدلى من الجلد فى حلق المعز أو الشأة.. وقيل الزنيم، هو ~~الشخص الذى يعرف بالشر واللؤم بين الناس، كما تعرف الشاة بزنمتها. أى ~~بعلامتها. ومعنى " بعد ذلك " كمعنى " ثم " أى ثم هو بعد كل تلك الصفات ~~القبيحة السابقة جاف غليظ، ملصق بالقوم، دعى فيهم... فهذه تسع صفات، كل ~~صفة منها قد بلغت النهاية فى القبح والسوء، ساقها - سبحانه - لذم الوليد ~~بن المغيرة وأشباهه فى الكفر والفجور. وقوله { أن كان ذا مال ~~وبنين... } متعلق بقوله قبل ذلك { ولا تطع كل حلاف.. } ~~أى ولا تطع من كانت هذه صفاته لكونه ذا مال وبنين، فإن ماله وولده لن ~~يغنى عنه من الله - تعالى - شيئا. وقوله { إذا تتلى عليه ~~آياتنا قال أساطير الأولين } كلام مستأنف جار مجرى التعليل ~~للنهى عن طاعته، والأساطير جمع أسطورة بمعنى أكذوبة. أى لا تطعه - لأنه ~~فضلا عما اتسم به من صفات قبيحة - تراه إذا تتلى عليه آياتنا الدالة على ~~وحدانيتنا وقدرتنا.. وعلى صدقك يا محمد فيما تبلغه عنا، قال هذا العتل ~~الزنيم، هذه الآيات أكاذيب الأولين وترهاتهم. ثم ختم هذه الآيات بأشد ~~أنواع الوعيد لمن هذه صفاته فقال - تعالى - { سنسمه على ~~الخرطوم }. أى سنبين أمره ونوضحه توضيحا يجعل الناس يعرفونه معرفة ~~تامة لاخفاء معها ولا لبس ولا غموض، كما لا تخفى العلامة الكائنة على ~~الخرطوم، الذى يراد به هنا الأنف. والوسم عليه يكون بالنار. أو سنلحق به ~~عارا لا يفارقه، بل يلازمه مدى الحياة، وكان العرب إذا أرادوا أن يسبوا ~~رجلا سبة قبيحة.. قالوا قد وسم فلان ميسم سوء.. أى ms5151 التصق به عار لا ~~يفارقه، كالسمة التى هى العلامة التى لا يمحى أثرها.. وذكر الوسم ~~والخرطوم فيه ما فيه من الذم، لأن فيه جمعا بين التشويه الذى يترتب على ~~الوسم السيئ، وبين الإهانة، لأن كون الوسم فى الوجه بل فى أعلى جزء ~~من الوجه وهو الأنف.. دليل على الإذلال والتحقير. ومما لا شك فيه أن وقع ~~هذه الآيات على الوليد بن المغيرة وأمثاله، كان قاصما لظهورهم، ممزقا ~~لكيانهم، هادما لما كانوا يتفاخرون به من أمجاد زائفة، لأنه ذم لهم من رب ~~الأرض والسماء، الذى لا يقول إلا حقا وصدقا. # كذلك كانت هذه الآيات تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ولأصحابه، عما ~~أصابهم من أذى، من هؤلاء الحلافين بالباطل والزور، المشائين بين الناس ~~بالنميمة، المناعين لكل خير وبر. وبمناسبة الحديث السابق الذى فيه إشارة ~~إلى المال والبنين، اللذين كانا من أسباب بطر هؤلاء الكافرين وطغيانهم.. ~~ساق القرآن بعد ذلك قصة أصحاب الجنة، لتكون موعظة وعبرة كل عاقل، فقال - ~~تعالى - { إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة... ~~}. ### || [68.17-33] # قال الإمام ابن كثير ما ملخصه هذا مثل ضربه الله - تعالى - لكفار قريش، ~~فيما أهدى إليهم من الرحمة العظيمة، وأعطاهم من النعم الجسيمة، وهو بعثه ~~محمدا صلى الله عليه وسلم إليهم فقابلوه بالتكذيب والمحاربة.. وقد ذكر ~~بعض السلف أن أصحاب الجنة هؤلاء كانوا من أهل اليمن كانوا من قرية يقال ~~لها " ضروان " على ستة أميال من صنعاء.. وكان أبوهم قد ترك لهم هذه ~~الجنة، وكانوا من أهل الكتاب، وقد كان أبوهم يسير فيها سيرة حسنة، فكان ~~ما استغله منها يرد فيها ما يحتاج إليه، ويدخر لعياله قوت سنتهم، ويتصدق ~~بالفاضل. فلما مات وورثه أولاده، قالوا لقد كان أبونا أحمق، إذ كان يصرف ~~من هذه الجنة شيئا للفقراء، ولو أنا منعناهم لتوفر ذلك لنا، فلما عزموا ~~على ذلك عوقبوا بنقيض قصدهم، فقد أذهب الله ما بأيديهم بالكلية أذهب رأس ~~المال، والربح.. فلم يبق لهم شئ.. وقوله - سبحانه - { بلوناهم } أى ~~اختبرناهم وامتحناهم، مأخوذ من البلوى، التى تطلق ms5152 على الاختبار، ~~والابتلاء قد يكون بالخير وقد يكون بالشر، كما قال - تعالى - # كل نفس ذآئقة الموت ونبلوكم بالشر والخير ~~فتنة # . وكما فى قوله - سبحانه - # وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم ~~يرجعون # والمراد بالابتلاء هنا الابتلاء بالشر بعد جحودهم لنعمة الخير. أى إنا ~~امتحنا مشركى قريش بالقحط والجوع. حتى أكلوا الجيف، بسبب كفرهم بنعمنا، ~~وتكذيبهم لرسولنا صلى الله عليه وسلم كما ابتلينا من قبلهم أصحاب الجنة، ~~بأن دمرناها تدميرا، بسبب بخلهم وامتناعهم عن أداء حقوق الله منها.. ~~ويبدو أن قصة أصحاب الجنة، كانت معروفة لأهل مكة، ولذا ضرب الله - تعالى ~~- المثل بها. حتى يعتبروا ويتعظوا.. ووجه المشابهة بين حال أهل مكة، وحال ~~أصحاب الجنة.. يتمثل فى أن كلا الطرفين قد منحه الله - تعالى - نعمة ~~عظيمة، ولكنه قابلها بالجحود وعدم الشكر. و { إذ } فى قوله { إذ ~~أقسموا ليصرمنها مصبحين.. } تعليلية. والضمير فى { ~~أقسموا } يعود لمعظمهم، لأن الآيات الآتية بعد ذلك، تدل على أن ~~أوسطهم قد نهاهم عما اعتزموه من حرمان المساكين، ومن مخالفة ما يأمرهم ~~شرع الله - تعالى - به.. قال - تعالى - { قال أوسطهم ألم ~~أقل لكم لولا تسبحون.. }. وقوله { ليصرمنها } من ~~الصرم وهو القطع. يقال صرم فلان زرعه - من باب ضرب - إذا جزه وقطعه، ~~ومنه قولهم انصرم حبل المودة بين فلان وفلان، إذا انقطع. وقوله { ~~مصبحين } أى داخلين فى وقت الصباح المبكر. أى إنا امتحنا أهل مكة ~~بالبأساء والضراء، كما امتحنا أصحاب البستان الذين كانوا قبلهم، لأنهم ~~أقسموا بالأيمان المغلظة، ليقطعن ثمار هذا البستان فى وقت الصباح المبكر. # { ولا يستثنون } أى دون أن يجعلوا شيئا - ولو قليلا - من ثمار ~~هذا البستان للمتحاجين، الذين أوجب الله - تعالى - لهم حقوقا فى تلك ~~الثمار. وقيل معنى { ولا يستثنون } ولم يقولوا إن شاء الله، كما ~~قال - تعالى - # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن ~~يشآء الله... # والجملة الكريمة معطوفة على قوله تعالى { ليصرمنها } ، وهى فى ~~الوقت نفسه مقسم عليه. أى أقسموا ليصرمنها فى وقت الصباح المبكر، وأقسموا ~~كذلك على أن لا يعطوا شيئا منها للفقراء والمساكين. ms5153 ثم بين - سبحانه - ما ~~ترتب على هذا القسم الذى لم يقصد به الخير، وإنما قصد به الشر فقال { ~~فطاف عليها طآئف من ربك وهم نآئمون. ~~فأصبحت كالصريم }. والطائف مأخوذ من الطواف، وهو المشى حول ~~الشئ من كل نواحيه ومنه الطواف حول الكعبة. وأكثر ما يستعمل لفظ الطائف ~~فى الشر كما هنا، ومنه قوله - تعالى - # إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان ~~تذكروا فإذا هم مبصرون # وعدى لفظ " طائف " بحرف " على " لتضمينه معنى تسلط أو نزل. والصريم - ~~كما يقول القرطبى - الليل المظلم.. أى احترقت فصارت كالليل الأسود. وعن ~~ابن عباس كالرماد الأسود. أو كالزرع المحصود. فالصريم بمعنى المصروم، أى ~~المقطوع ما فيه.. أى أقسم هؤلاء الجاحدون على أن لا يعطوا شيئا من جنتهم ~~للمحتاجين، فكانت نتيجة نيتهم السيئة، وعزمهم على الشر.. أن نزل بهذه ~~الحديقة بلاء أحاط بها فأهلكها، فصارت كالشئ المحترق الذى قطعت ثماره، ~~ولم يبق منه شئ ينفع. ولم يعين - سبحانه - نوع هذا الطائف، أو كيفية ~~نزوله، لأنه لا يتعلق بذكره غرض، وإنما المقصود ما ترتب عليه من آثار ~~توجب الاعتبار. وتنكير لفظ { طآئف } للتهويل. و { من } فى قوله { من ~~ربك } للابتداء والتقييد بكونه من الرب - عز وجل - لإفادة أنه بلاء ~~لا قبل لأحد من الخلق بدفعه. قال القرطبى فى هذه الآية دليل على أن العزم ~~مما يؤاخذ به الإنسان، لأنهم عزموا على أن يفعلوا، فعوقبوا قبل فعلهم. ~~ومثله قوله - تعالى - # ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب ~~أليم # وفى الحديث الصحيح # " إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول فى النار. قيل يا رسول ~~الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال إنه كان حريصا على قتل صاحبه ". # ثم يصور - سبحانه - أحاسيسهم وحركاتهم، وقد خرجوا لينفذوا ما عزموا عليه ~~من سوء.. فيقول { فتنادوا مصبحين } أى فنادى بعضهم بعضا فى ~~وقت الصباح المبكر، حتى لا يراهم أحد. فقالوا فى تناديهم { أن اغدوا ~~على حرثكم إن كنتم صارمين } أى قال بعضهم لبعض هيا بنا ~~لنذهب إلى بستاننا لكى نقطع ما فيه ms5154 من ثمار فى هذا الوقت المبكر، حتى لا ~~يرانا أحد، إذ الغدو هو الخروج إلى المكان فى غدوة النهار. # أى فى أوله. قال صاحب الكشاف فإن قلت هلا قيل اغدوا إلى حرثكم، وما معنى ~~" على "؟. قلت لما كان الغدو إليه ليصرموه ويقطعوه كان غدوا عليه، كما ~~تقول غدا عليهم العدو. ويجوز أن يضمن الغدو معى الإقبال، كقولهم يغدى ~~عليه بالجفنة ويراح. أى فأقبلوا على حرثكم باكرين.. وجواب الشرط فى قوله ~~{ إن كنتم صارمين } محذوف لدلالة ما قبله عليه. أى إن كنتم ~~صارمين فاغدوا { فانطلقوا وهم يتخافتون } أى فانطلقوا ~~مسرعين نحو جنتهم وهم يتسارون فيما بينهم، إذ التخافت تفاعل من خفت ~~فلان فى كلامه، إذا نطق به بصوت منخفض لا يكاد يسمع. وجملة { أن لا ~~يدخلنها اليوم عليكم مسكين } مفسرة لما قبلها لأن ~~التخافت فيه معنى القول دون حروفه أى انطلقوا يتخافتون وهم يقولون فيما ~~بينهم احذروا أن يدخل جنتكم اليوم وأنتم تقطعون ثمارها أحد من المساكين. ~~وجملة { وغدوا على حرد قادرين } حالية. والحرد القصد. ~~يقال فلان حرد فلان - من باب ضرب - أى قصد قصده. قال الإمام ~~الشوكانى الحرد يكون بمعنى المنع والقصد.. لأن القاصد إلى الشئ حارد. ~~يقال حرد يحرد إذا قصد.. وقال أبو عبيدة { على حرد } أى على منع، ~~من قولهم حردت الإبل حردا، إذا قلت ألبانها. والحرود من الإبل القليلة ~~اللبن.. وقال السدى { على حرد } أى على غضب.. وقال الحسن على حرد، ~~أى على حاجة وفاقة. وقيل { على حرد } أى على انفراد. يقال حرد يحرد ~~حردا، إذا تنحى عن قومه، ونزل منفردا عنهم دون أن يخالطهم. أى أن أصحاب ~~الجنة ساروا إليها غدوة، على أمر قد قصدوه وبيتوه.. موقنين أنهم قادرون ~~على تنفيذه، لأنهم قد اتخذوا له جميع وسائله، من الكتمان والتبكير والبعد ~~عن أعين المساكين. أو ساروا إليها فى الصباح المبكر، وهم ليس معهم أحد من ~~المساكين أو من غيرهم، وهم فى الوقت نفسه يعتبرون أنفسهم قادرين على قطع ~~ثمارها، دون أن يشاركهم أحد فى تلك الثمار. ms5155 ثم صور - سبحانه - حالهم ~~تصويرا بديعا عندما شاهدوا جنتهم، وقد صارت كالصريم، فقال { فلما ~~رأوها قالوا إنا لضآلون } أى فحين شاهدوا جنتهم - وهلى ~~على تلك الحال العجيبة - قال بعضهم لبعض إنا الضالون عن طريق جنتنا، ~~تائهون عن الوصول إليها.. لأن هذه الجنة الخاوية على عروشها ليست هى ~~جنتنا التى عهدناها بالأمس القريب، زاخرة بالثمار. ثم اعترفوا بالحقيقة ~~المرة، بعد أن تأكدوا أن ما أمامهم هى حديقتهم فقالوا { بل نحن ~~محرومون } أى لسنا بضالين عن الطريق إليها، بل الحقيقة أن الله - ~~تعالى - قد حرمنا من ثمارها. # . بسبب إصرارنا على حرماننا المساكين من حقوقهم منها. وهنا تقدم إليهم ~~أوسطهم رأيا، وأعدلهم وأمثلهم تفكيرا.. فقال لهم { ألم أقل لكم ~~لولا تسبحون } والاستفهام للتقرير. و { لولا } حرف تحضيض ~~بمعنى هلا. والتسبيح هنا بمعنى الاستغفار والتوبة، وإعطاء كل ذى حق حقه. ~~أى قال لهم - أعقلهم وأصلحهم - بعد أن شاهد ما شاهد من أمر الحديقة. قال ~~لهم لقد قلت لكم عندما عزمتم على حرمان المساكين حقوقهم منها.. اتقوا ~~الله ولا تفعلوا ذلك، وسيروا على الطريقة التى كان يسير عليها أبوكم، ~~وأعطوا المساكين حقوقهم منها، ولكنكم خالفتمونى ولم تطيعوا أمرى، فكانت ~~نتيجة مخالفتكم لنصحى، ما ترون من خراب الجنة التى أصابنى من خرابها ما ~~أصابكم. وكعادة كثير من الناس الذين لا يقدرون النعمة إلا بعد فوات ~~الأوان.. قالوا لأعقلهم وأصلحهم { سبحان ربنآ إنا كنا ~~ظالمين }. أى قالوا وهم يعترفون بظلمهم وجرمهم.. { سبحان ~~ربنآ } أى تنزه ربنا ونستغفره عما حدث منا، فإننا كنا ظالمين لأنفسنا ~~حين منعنا حق الله - تعالى - عن عباده. ثم حكى - سبحانه - ما دار بينهم ~~بعد أن أيقنوا أن حديقتهم قد دمرت فقال { فأقبل بعضهم على ~~بعض يتلاومون } أى يلوم بعضهم بعضا، وكل واحد منهم يلقى التبعة ~~على غيره، ويقول له أنت الذى كنت السبب فيما أصابنا من حرمان.. { ~~قالوا يويلنا } أى يا هلاكنا ويا حسرتنا.. { إنا كنا ~~طاغين } أى إنا كنا متجاوزين لحدودنا، وفاسقين عن أمر ربنا، عندما ~~صممنا على البخل بما أعطانا - سبحانه ms5156 - من فضله { عسى ربنآ } ~~بفضله وإحسانه { أن يبدلنا خيرا منهآ } أى أن يعطينا ما هو ~~خير منها { إنآ إلى ربنا } لا إلى غيره { راغبون } أى ~~راغبون فى عطائه، راجعون إليه بالتوبة والندم.. قال الآلوسى قال مجاهد ~~إنهم تابوا فأبدلهم الله - تعالى - خيرا منها. وحكى عن الحسن التوقف وسئل ~~قتادة عنهم أهم من أهل الجنة أم من أهل النار؟ فقال للسائل لقد كلفتنى ~~تعبا.. ثم ختم - سبحانه - قصتهم بقوله { كذلك العذاب } أى مثل ~~الذى بلونا به أصحاب الجنة، من إهلاك جنتهم بسبب جحودهم لنعمنا.. يكون ~~عذابنا لمن خالف أمرنا من كبار مكة وغيرهم. فقوله { كذلك } خبر مقدم، ~~و { العذاب } مبتدأ مؤخر. والمشار إليه هو ما تضمنته القصة من إتلاف ~~تلك الجنة، وإذهاب ثمارها. وقدم المسند وهو الخبر، على المسند إليه وهو ~~المبتدأ، للاهتمام بإحضار تلك الصورة العجيبة فى ذهن السامع. وقوله { ~~ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون } يدل على أن ~~المراد بالعذاب السابق عذاب الدنيا. أى مثل ذلك العذاب الذى أنزلناه ~~بأصحاب الجنة فى الدنيا، يكون عذابنا لمشركى قريش، أما عذاب الآخرة فهو ~~أشد وأبقى وأعظم.. ولو كانوا من أهل العلم والفهم، لعلموا ذلك، ولأخذوا ~~منه حذرهم عن طريق الإيمان والعمل الصالح. # هذا، والمتأمل فى هذه القصة، يراها زاخرة بالمفاجآت، وبتصوير النفس ~~الإنسانية فى حال غناها وفى حال فقرها، فى حال حصولها على النعمة وفى ~~حال ذهاب هذه النعمة من بين يديها. كما يراها تحكى لنا سوء عاقبة ~~الجاحدين لنعم الله، إذ أن هذا الجحود يؤدى إلى زوال النعم، ورحم الله ~~القائل من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها، ومن شكرها فقد قيدها بعقالها. ~~ثم تبدأ السورة بعد ذلك بيان حسن عاقبة المؤمنين، وفى محاجة المجرمين، ~~وفى تحديهم بالسؤال تلو السؤال إلزاما لهم بالحجة، وتقريعا لهم على ~~غفلتهم، وتذكيرا لهم بيوم القيامة الذى سيندمون عنده، ولن ينفعهم الندم. ~~قال - تعالى - { إن للمتقين عند ربهم جنات... }. ### || [68.34-43] # قوله - سبحانه - { إن للمتقين عند ربهم.. } بيان لما ~~وعد به - سبحانه - المؤمنين الصادقين، بعد بيان ms5157 وعيده للجاحدين المكذبين. ~~أى إن للذين اتقوا ربهم، وصانوا أنفسهم عما حرمه.. جنات ليس لهم فيها إلا ~~النعيم الخالص، والسرور التام. والخير الذى لا ينقطع ولا يمتنع. واللام ~~فى قوله { للمتقين } للاستحقاق، وقال - سبحانه - { عند ~~ربهم } للتشريف والتكريم. أى هذه الجنات اختص الرب - عز وجل - بها ~~الذين اتقوه فى كل أحوالهم. وإضافة الجنات إلى النعيم، للإشارة إلى أن ~~النعيم ملازم لها لا يفارقها فلا يكون فيها ما يكون فى جنات الدنيا من ~~تغير فى الأحوال، فهى تارة مثمرة، وتارة ليست كذلك. والاستفهام فى قوله { ~~أفنجعل المسلمين كالمجرمين } للنفى والإنكار. والفاء ~~للعطف على مقدر يقتضيه الكلام. أى أنحيف فى أحكامنا فنجعل الذين أخلصوا ~~لنا العبادة. كالذين أشركوا معنا آلهة أخرى؟ أو نجعل الذين أسلموا وجوههم ~~لنا، كالذين فسقوا عن أمرنا؟ كلا، لن نجعل هؤلاء كهؤلاء، فإن عدالتنا ~~تقتضى التفريق بينهم. قال الجمل لما نزلت هذه الآية وهى قوله { إن ~~للمتقين... } قال كفار مكة للمسلمين إن الله فضلنا عليكم فى ~~الدنيا، فلابد وأن يفضلنا عليكم فى الآخرة، فإذا لم يحصل التفضيل، فلا ~~أقل من المساواة فأجابهم الله - تعالى - بقوله { أفنجعل ~~المسلمين كالمجرمين }. ثم أضاف - سبحانه - إلى توبيخهم ~~توبيخا آخر فقال { ما لكم كيف تحكمون }. وقوله { ما لكم ~~} جملة من مبتدأ وخبر، وهى بمثابة تأنيب آخر لهم وقوله { كيف ~~تحكمون } تجهيل لهم، وتسفيه لعقولهم. أى ما الذى حدث لعقولكم، حتى ~~ساويتم بين الأخيار والأشرار والأطهار والفجار، ومن أخلصوا لله عبادتهم، ~~ومن كفروا به؟ ثم انتقل - سبحانه - من توبيخهم على جهلهم، إلى توبيخهم ~~على كذبهم فقال { أم لكم كتاب فيه تدرسون. إن لكم ~~فيه لما تخيرون }. و { أم } هنا وما بعدها للإضراب الانتقالى، ~~وهى بمعنى بل، والضمير فى قوله { فيه } يعود على الكتاب. وقوله { ~~تدرسون } أى تقرأون بعناية وتفكير. وقوله { تخيرون } أصله ~~تتخيرون. والتخير تطلب ما هو خير. يقال فلان تخير الشئ واختاره، إذا أخذ ~~خيره وجيده. أى بل ألكم - أيها المشركون - كتاب قرأتم فيه بفهم وتدبر ~~المساواة بين المتقين والمجرمين، وأخذتم منه ما ms5158 اخترتموه من أحكام؟ إنه ~~لا يوجد كتاب سماوى، أو غير سماوى، يوافقكم على التسوية بين المتقين ~~والمجرمين. وأنتم إنما تصدرون أحكاما كاذبة. ما أنزل الله بها من سلطان. ~~ثم انتقل - سبحانه - إلى توبيخهم على لون آخر من مزاعمهم فقال { أم ~~لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن ~~لكم لما تحكمون }. # أى وقل لهم - يا محمد - على سبيل إلزامم الحجة بل ألكم { أيمان } أى ~~عهود ومواثيق مؤكدة { علينا } وهذه العهود { بالغة } أقصى مداها ~~فى التوكيد، وثابتة لكم علينا { إلى يوم القيامة } بأنا قد ~~سوينا بين المسلمين والمجرمين فى أحكامنا، كما زعمتم أنتم؟ إن كانت لكم ~~علينا هذه الأيمان والعهود، فأظهروها للناس، وفى هذه الحالة يكون من حقكم ~~أن تحكموا بما حكمتم به. ومما لا شك فيه، أنهم ليست لهم عهود عند الله ~~بما زعموه من أحكام، وإنما المقصود من الآية الكريمة، بيان كذبهم فى ~~أقوالهم، وبيان أنهم لا يستطيعون أن يأتوا بجواب يثبتون به مدعاهم. وقوله ~~{ إن لكم لما تحكمون } جواب القسم، لأن قوله { أم لكم ~~أيمان علينا } بمعنى أم أقسمنا لكم إيمانا موثقة بأننا رضينا ~~بأحكامكم التى تسوون فيها بين المسلمين والمجرمين. ثم أمر - سبحانه - ~~رسوله صلى الله عليه وسلم - أن يسألهم سؤال تبكيت وتأنيب فقال { سلهم ~~أيهم بذلك زعيم }. والزعيم هو الضامن، والمتكلم عن القوم، ~~والناطق بلسانهم.. واسم الإشارة يعود على الحكم الباطل الذى حكموه، وهو ~~التسوية بين المسلمين والمجرمين. أى سل - أيها الرسول الكريم - هؤلاء ~~المشركين، سؤال تقريع وتوبيخ، أى واحد منهم سيكون يوم القيامة، كفيلا ~~بتحمل مسئولية هذا الحكم، وضامنا بأن المسلمين سيكونون متساوين مع ~~المجرمين فى الأحكام عند الله - تعالى -. ثم انتقل - سبحانه - إلى ~~إلزامهم الحجة عن طريق آخر فقال { أم لهم شركآء فليأتوا ~~بشركآئهم إن كانوا صادقين }. أى بل ألهم شركاء يوافقونهم ~~على هذا الحكم الباطل، إن كان عندهم ذلك، فليأتوا بشركائهم إن كانوا ~~صادقين فى زعمهم التسوية بين المتقين والمجرمين. والمراد بالشركاء هنا ~~الأصنام التى يشركونها فى العبادة مع الله - عز وجل -. وحذف ms5159 متعلق ~~الشركاء لشهرته. أى أم لهم شركاء لنا فى الألوهية يشهدون لهم بصحة ~~أحكامهم. والأمر فى قوله { فليأتوا... } للتعجيز. والمتدبر فى هذه ~~الآيات الكريمة، يرى أن الله - تعالى - قد وبخهم باستفهامات سبعة أولها ~~قوله - تعالى - { أفنجعل... } الثانى { ما لكم... } الثالث { ~~كيف تحكمون } الرابع { أم لكم كتاب } الخامس { أم ~~لكم أيمان } السادس { أيهم بذلك زعيم } السابع { أم ~~لهم شركآء }. قال الآلوسى وقد نبه - سبحانه - فى هذه الآيات، على ~~نفى جميع ما يمكن أن يتعلقوا به فى تحقيق دعواهم، حيث نبه - سبحانه - على ~~نفى الدليل العقلى بقوله { ما لكم كيف تحكمون }. وعلى نفى ~~الدليل النقلى بقوله { أم لكم كتاب.. } ، وعلى نفى أن يكون الله ~~وعدهم بذلك بقوله { أم لكم أيمان... } وعلى نفى التقليد الذى هو ~~أوهن من حبال القمر بقولهم { أم لهم شركآء... }. ثم بين - ~~سبحانه - جابنا من أهوال يوم القيامة، ومن حال الكافرين فيه، فقال { ~~يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا ~~يستطيعون. # خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا ~~يدعون إلى السجود وهم سالمون }. والظرف " يوم " يجوز ~~أن يكون متعلقا بقوله - تعالى - قبل ذلك { فليأتوا ~~بشركآئهم... } ويصح أن يكون متعلقا بمحذوف تقديره، اذكر، والمراد ~~باليوم، يوم القيامة. والكشف عن الساق معناه التشمير عنها وإظهارها، وهو ~~مثل لشدة الحال، وصعوبة الخطب والهول، وأصله أن الإنسان إذا اشتد خوفه، ~~أسرع فى المشى، وشمر عن ثيابه، فينكشف ساقه. قال صاحب الكشاف الكشف عن ~~الساق، والإبداء عن الخدام - أى الخلخال الذى تلبسه المرأة فى رجلها - ~~وهو جمع خدمة كرقاب جمع رقبة - مثل فى شدة الأمر، وصعوبة الخطب، وأصله ~~فى الروع والهزيمة وتشمير المخدرات عن سوقهن فى الهرب، وإبداء خدامهن ~~عند ذلك.. كما قال الشاعر # أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها وإن شمرت عن سوقها الحرب شمرا # فمعنى يوم يكشف عن ساق يوم يشتد الأمر يتفاقم، ولا كشف ولا ساق، كما ~~تقول للأقطع الشحيح يده مغلولة، ولا يد ثم ولا غل، وإنما هو مثل فى ~~البخل.. فإن قلت فلم جاءت منكرة فى التمثيل؟ قلت ms5160 للدلالة على أنه أمر ~~مبهم فى الشدة، فظيع خارج عن المألوف.. والمعنى اذكر لهم - أيها الرسول ~~الكريم - لكى يعتبروا ويتعظوا أهوال يوم القيامة، يوم يشتد الأمر، ويعظم ~~الهول. { ويدعون } هؤلاء الذين فسقوا عن أمر ربهم فى هذا اليوم { ~~إلى السجود } لله - تعالى - على سبيل التوبيخ لهم، لأنهم كانوا ~~ممتنعين عنه فى الدنيا.. { فلا يستطيعون } أى فلا يستطيعون ذلك، ~~لأنه الله - تعالى - سلب منهم القدرة على السجود له فى هذا اليوم العظيم، ~~لأنه يوم جزاء وليس يوم تكليف والذين يدعونهم إلى السجود، هم الملائكة ~~بأمره - تعالى -. وقوله { خاشعة أبصارهم... } حال من فاعل { ~~يدعون } وخشوع الأبصار كناية عن الذلة والخوف الشديد، ونسب الخشوع إلى ~~الأبصار، لظهور أثره فيها. أى هم يدعون إلى السجود فلا يستطيعون ذلك. ~~لأنه - تعالى - سلب منهم القدرة عليه، ثم يساقون إلى النار، حالة كونهم ~~ذليلة أبصارهم، منخفضة رءوسهم.. { ترهقهم ذلة } أى تغشاهم ~~وتعلوهم ذلة وانكسار.. { وقد كانوا } فى الدنيا { يدعون إلى ~~السجود } لله - تعالى - { وهم سالمون } أى وهم قادرون على ~~السجود له - تعالى -، ومتمكنون من ذلك أقوى تمكن..، ولكنهم كانوا يعرضون ~~عمن يدعوهم إلى إخلاص العبادة لله - تعالى -، ويستهزئون به.. قال الإمام ~~ابن كثير ما ملخصه قوله { يوم يكشف عن ساق... } يعنى يوم ~~القيامة وما يكون فيه من الأهوال، والزلازل، والبلايا، والامتحان، ~~والأمور العظام.. روى البخارى عن أبى سعيد الخدرى قال سمعت النبى صلى ~~الله عليه وسلم يقول يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى ~~من كان يسجد فى الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره، طبقا واحدا - ~~أى يصير ظهره كالشئ الصلب فلا يقدر على السجود-. وعن ابن عباس قال { ~~يوم يكشف عن ساق } وهو يوم كرب وشدة.. ثم ختم - سبحانه - ~~السورة الكريمة، بالتهديد الشديد للكافرين، وببيان جانب من تصرفه الحكيم ~~معهم، وبتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم، ويأمره بالصبر ~~على أذاهم، وعلى أحقادهم التى تنبئ عنها نظراتهم المسمومة إليه، فقال - ~~تعالى - { فذرني ومن يكذب... }. ### || [68.44-52] # الفاء فى قوله { فذرني ومن ms5161 يكذب بهذا الحديث... } ~~لترتيب ما بعدها على ما قبلها. والفعل { ذرنى } من الأفعال التى يأتى ~~منها الأمر بالمضارع، ولم يسمع لها ماض، وهو بمعنى أترك. يقال ذره ~~يفعل كذا، أى اتركه. ومنه قوله - تعالى - # ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف ~~يعلمون # والمراد بالحديث { بهذا الحديث... } ما أوحاه - تعالى - إلى ~~نبيه - صلى الله عليه وسلم من قرآن كريم، ومن توجيهات حكيمة، لكى يبلغها ~~للناس. والاستدراج استنزال الشئ من درجة إلى أخرى، والانتقال به من حالة ~~إلى أخرى، والسين والتاء فيه للطلب والمراد به هنا التمهل فى إنزال ~~العقوبة. والإملاء الإمداد فى الزمن، والإمهال والتأخير، مأخوذ من ~~الملاوة والملوة، وهى الطائفة الطويلة من الزمن. والملوان الليل والنهار، ~~والمراد به هنا إمدادهم بالكثير من النعم. يقال أملى فلان لبعيره، إذا ~~أرخى له فى الزمام، ووسع له فى القيد، ليتسع المرعى. والكيد كالمكر، وهو ~~التدبير الذى يقصد به غير ظاهره، بحيث ينخدع الممكور به، فلا يفطن لما ~~يراد به، حتى يقع عليه ما يسوؤه. وإضافة الكيد إليه - تعالى - يحمل على ~~المعنى اللائق به كإبطال مكر أعدائه، وكإمدادهم بالنعم. ثم يأخذهم أخذ ~~عزيز مقتدر. والمقصود بهاتين الآيتين الكريمتين تسلية النبى صلى الله ~~عليه وسلم عما أصابه من أعدائه. والمعنى إذا كانت أحوال هؤلاء المشركين، ~~كما ذكرت لك - أيها الرسول الكريم - فكل أمرهم إلى، واترك أمر هؤلاء ~~الذين يكذبونك فيما جئتهم به من عندنا إلى ربك، ولا تشغل بالك بهم. فإنى ~~سأقربهم قليلا قليلا إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم، بأن أسوق لهم النعم، ~~حتى يفاجئهم الهلاك من حيث لا يعلمون أن صنعنا هذا معهم هو لون من ~~الاستدراج، ثم إنى أمد لهم فى أسباب الحياة الرغدة، ليزدادوا إثما، ثم ~~آخذهم أخذ عزيز مقتدر، وهذا لون من ألوان كيدى الشديد القوى، الذى لا ~~يفطن إليه أمثال هؤلاء الجاهلين الأغبياء.. وشبيه بهاتين الآيتين قوله - ~~تعالى - # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم ~~بغتة فإذا هم مبلسون. فقطع دابر القوم ms5162 ~~الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين # وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ". # وقال الحسن البصرى كم من مستدرج بالإحسان، وكم من مفتون بالثناء عليه، ~~وكم من مغرور بالستر عليه. قال الآلوسى وقوله { سنستدرجهم... } ~~استئناف مسوق لبيان كيفية التعذيب المستفاد من الكلام السابق إجمالا. ~~وقوله { من حيث لا يعلمون } أى من حيث لا يعلمون أنه ~~استدراج، بل يزعمون أن ذلك إيثار لهم، وتفضل على المؤمنين مع أنه سبب ~~هلاكهم. # وقوله { وأملي لهم } أى وأمهلهم ليزدادوا إثما. { إن كيدي ~~متين } أى لا يدفع بشئ. وتسمية ذلك كيدا - وهو ضرب من الاحتيال - ~~لكونه فى صورته - حيث إنه - سبحانه - يفعل معهم ما هو نفع لهم ظاهرا، ~~ومراده - عز وجل - به الضرر، لما علم من خبث جبلتهم، وتماديهم فى الكفر ~~والجحود.. ثم عادت السورة الكريمة إلى إبطال معاذيرهم، بأسلوب الاستفهام ~~الإنكارى، الذى تكرر فيها كثيرا، فقال - تعالى - { أم تسألهم ~~أجرا فهم من مغرم مثقلون. أم عندهم الغيب ~~فهم يكتبون }؟ والمغرم والغرامة ما يفرض على المرء أداؤه من مال ~~وغيره. والمثقلون جمع مثقل، وهو من أثقلته الديون، حتى صار فى حالة عجز ~~عن أدائها. والمراد بالغيب علم الغيب، وهو ما غاب عن علم البشر، فالكلام ~~على حذف مضاف. والمعنى بل أتسألهم - يا محمد - على دعوتك لهم إلى الحق ~~والخير { أجرا } دنيويا { فهم } من أجل ذلك مثقلون بالديون ~~المالية، وعاجزون عن دفعها لك.. فترتب على هذا الغرم الثقيل. أن أعرضوا ~~عن دعوتك، وتجنبوا الدخول فى دينك؟. أم أن هؤلاء القوم عندهم علم الغيب، ~~بأن يكونوا قد اطلعوا على ما سطرناه فى اللوح المحفوظ من أمور غيبية لا ~~يعلمها أحد سوانا.. فهم يكتبون ذلك، ثم يصدرون أحكامهم. ويجادلونك فى ~~شأنها. وكأنهم قد اطلعوا على بواطن الأمور!. الحق الذى لا حق سواه، أن ~~هؤلاء القوم، أنت لم تطلب منهم أجرا على دعوتك إياهم إلى إخلاص العبادة ~~لنا، ولا علم عندهم بشئ من ms5163 الغيوب التى لا يعلمها أحد سوانا، وكل ما ~~يزعمونه فى هذا الشأن فهو ضرب من الكذب والجهل.. وما دام الأمر كما ذكرنا ~~لك { فاصبر } أيها الرسول الكريم - لحكم ربك، ولقضائه فيك وفيهم، وسر ~~فى طريقك التى كلفناك به، وهو تبليغ رسالتنا إلى الناس.. وستكون العاقبة ~~لك ولأتباعك. { ولا تكن } - أيها الرسول الكريم - { كصاحب ~~الحوت } وهو يونس - عليه السلام -. أى لا يوجد منك ما وجد منه، من ~~الضجر، والغضب على قومه الذين لم يؤمنوا، ففارقهم دون أن يأذن له ربه ~~بمفارقتهم.. والظرف فى قوله { إذ نادى وهو مكظوم } منصوب ~~بمضاف محذوف، وجملة { وهو مكظوم } فى محل نصب على الحال من فاعل " ~~نادى ". والمكظوم - بزنة مفعول - المملوء غضبا وغيظا وكربا، مأخوذ من كظم ~~فلان السقاء إذا ملأه، وكظم الغيظ إذا حبسه وهو ممتلئ به. أى لا يكن حالك ~~كحال صاحب الحوت، وقت ندائه لربه - عز وجل - وهو مملوء غيظا وكربا، لما ~~حدث له مع قومه، ولما أصابه من بلاء وهو فى بطن الحوت. # وهذا النداء قد أشار إليه - سبحانه - فى آيات منها قوله - تعالى - # وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر ~~عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت ~~سبحانك إني كنت من الظالمين. فاستجبنا له ~~ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين # وقوله - سبحانه - { لولا أن تداركه نعمة من ربه ~~لنبذ بالعرآء وهو مذموم.. } استئناف لبيان جانب من فضله ~~- تعالى - على عبده يونس - عليه السلام -. و { لولا } هنا حرف امتناع ~~لوجود، و { أن } يجوز أن تكون مخففة من { أن } الثقيلة، واسمها ضمير ~~الشأن، وهو ومحذوف، وجملة { تداركه نعمة من ربه } خبرها. ~~ويجوز أن تكون مصدرية، أى لولا تدارك رحمة من ربه. والتدارك تفاعل من ~~الدرك - بفتح الدال - بمعنى اللحاق بالغير. والمقصود به هنا المبالغة فى ~~إدراك رحمة الله - تعالى - لعبده يونس - عليه السلام -. قال الجمل قرأة ~~العامة { تداركه } ، وهو فعل ماضى مذكر، حمل على معنى النعمة، لأن ~~تأنيثها غير حقيقى، وقرأ ابن عباس وابن مسعود تدراكته - على لفظ النعمة ms5164 - ~~وهو خلاف المرسوم. والمراد بالنعمة رحمته - سبحانه - بيونس - عليه السلام ~~- وقبول توبته، وإجابة دعائه.. والنبذ الطرح والترك للشئ، والعراء الأرض ~~الفضاء الخالية من النبات وغيره. والمعنى لولا أن الله - تدارك عبده يونس ~~برحمته، وبقبول توبته.. لطرح من بطن الحوت بالأرض الفضاء الخالية من ~~النبات والعمران.. وهو مذموم، أى وهو ملوم ومؤاخذ منا على ما حدث منه.. ~~ولكن ملامته ومؤاخذته منا قد امتنعت، لتداركه برحمتنا، حيث قبلنا توبته، ~~وغسلنا حوبته، ومنحناه الكثير من خيرنا وبرنا.. فالمقصود من الآية ~~الكريمة بيان جانب من فضل الله - تعالى - على عبده يونس - عليه السلام -، ~~وبيان أن رحمته - تعالى - به، ونعمته عليه، قد حالت بينه ويبن أن يكن ~~مذموما على ما صدر منه، من مغاضبة لقومه ومفارقته لهم بدون إذن من ربه.. ~~قال الجمل ما ملخصه قوله { وهو مذموم } أى ملوم ومؤاخذ بذنبه ~~والجملة حال من مرفوع " نبذ " ، وهى محط الامتناع المفاد بلولا، فهى ~~المنفية لا النبذ بالعراء.. أى لنبذ بالعراء وهو مذموم، لكنه رحم فنبذ ~~غير مذموم.. فلولا - هنا -، حرف امتناع لوجود، وأن الممتنع القيد فى ~~جوابها لا هو نفسه.. وقوله { فاجتباه ربه فجعله من ~~الصالحين } تأكيد وتفصيل لنعمة الله - تعالى - التى أنعم بها على ~~عبده يونس - عليه السلام -، وهو معطوف على مقدر. أى فتدراكته النعمة ~~فاصطفاه ربه - عز وجل - حيث رد عليه الوحى بعد انقطاعه، وأرسله إلى مائة ~~ألف أو يزيدون من الناس، وقبل توبته، فجعله من عباده الكاملين فى الصلاح ~~والتقوى، وفى تبليغ الرسالة عن ربه. # ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، ببيان ما كان عليه الكافرون من ~~كراهية للنبى صلى الله عليه وسلم ومن حقد عليه، فقال - تعالى - { وإن ~~يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما ~~سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون. وما هو ~~إلا ذكر للعالمين }. وقوله { ليزلقونك } من الزلق ~~- بفتحتين -، وهو تزحزح الإنسان عن مكانه، وقد يؤدى به هذا التزحزح إلى ~~السقوط على الأرض، يقال زلقه يزلقه، وأزلقه يزلقه إزلاقا، إذا ~~نحاه وأبعده عن مكانه، واللام فيه للابتداء. قال الشوكانى قرأ الجمهور { ~~ليزلقونك ms5165 } بضم الياء من أزلقه، أى أزل رجله.. وقرأ نافع وأهل ~~المدينة { ليزلقونك } - بفتح الياء - من زلق عن موضعه. و { إن } ~~هى المخففة من الثقيلة، - واسمها ضمير الشأن محذوف، و " لما " ظرفية ~~منصوبة بيزلقونك. أو هى حرف، وجوابها محذوف لدلالة ما قبلها عليه. أى لما ~~سمعوا الذكر كادوا يزلقونك.. أى وإن يكاد الذين كفروا ليهلكونك، أو ~~ليزلون قدمك عن موضعها، أو ليصرعونك بأبصارهم من شدة نظرهم إليك شزرا، ~~بعيون ملؤها العداوة والبغضاء حين سمعوا الذكر، وهو القرآن الكريم.. { ~~ويقولون } على سبيل البغض لك { إنه لمجنون } أى إن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم لمن الأشخاص الذين ذهبت عقولهم.. { وما هو } أى ~~القرآن الذى أنزلناه عليك { إلا ذكر للعالمين } أى تذكير ~~بالله - تعالى - وبدينه وبهداياته.. وشرف لهم وللعالمين جميعا. وجاء قوله ~~{ يكاد } بصيغة المضارع، للإشارة إلى استمرار ذلك فى المستقبل. وجاء ~~قوله { سمعوا } بصيغة الماضى، لوقوعه مع { لما } ، وللإشعار بأنهم ~~قد حصل منهم هذا القول السيئ. وجاء قوله { ليزلقونك } بلام ~~التأكيد للإشعار بتصميمهم على هذه الكراهية، وحرصهم عليها. وقوله - ~~سبحانه - { وما هو إلا ذكر للعالمين } رد على أكاذيبهم، ~~وإبطال لأقوالهم الزائفة، حيث وصفوه صلى الله عليه وسلم بالجنون، لأنه ~~إذا كان ما جاء به شرف وموعظة وهداية وتذكير بالخير للناس.. لم يكن ~~معقولا أن يكون مبلغه مجنونا. ومنهم من فسر قوله - تعالى - { ~~ليزلقونك بأبصارهم... } أى ليحسدونك عن طريق النظر الشديد ~~بعيونهم.. قال الإمام ابن كثير وقوله { وإن يكاد الذين ~~كفروا ليزلقونك بأبصارهم } قال ابن عباس ومجاهد ~~وغيرهما { ليزلقونك } لينفذونك بأبصارهم، أى ليعينوك بأبصارهم، ~~بمعنى ليحسدونك لبغضهم إياك، لولا وقاية الله لك، وحمايتك منهم. وفى هذه ~~الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله - عز وجل -، كما ~~وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة. ثم ساق - رحمه الله - ~~جملة من الأحاديث فى هذا المعنى، منها ما رواه أبو داود فى سننه، عن أنس ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا رقية إلا من عين أو حمه - أى سم -، أودم ms5166 لا يرقأ ". # وروى الإمام مسلم فى صحيحه عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال # " العين حق، ولو كان شئ سابق القدر سبقت العين ". # وعن ابن عباس - أيضا - قال # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين فيقول " أعيذ ~~كما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة - والهامة كل ذات سم يقتل -، ~~ومن كل عين لامة ". # وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " العين حق حتى لتورد الرجل القبر، والجمل القدر، وإن أكثر هلاك أمتى فى ~~العين ". # وبعد فهذا تفسير محرر لسورة " ن " نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا ~~لوجهه، ونافعا لعباده. والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله ~~عليه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.. ### | [69 - سورة الحاقة] ### || [69.1-12] # كلمة " الحاقة " مأخوذة من حق الشئ إذا ثبت وجوده ثبوتا لا يحتمل الشك.. ~~وهى من أسماء الساعة، وسميت الساعة بهذا الاسم لأن الأمور تثبت فيها ~~وتحق، خلافا لما كان يزعمه الكافرون من أنه لا بعث ولا حساب ولا جزاء. ~~والهاء فيها يصح أن تكون هاء التأنيث، فيكون لفظ " الحاقة " صفة لموصوف ~~محذوف، أى الساعة الحاقة. ويصح أن تكون هاء مصدر، بزنة فاعلة، مثل ~~الكاذبة للكذب والباقية للبقاء، والطاغية للطغيان. وأصلها تاء المرة، ~~ولكنها لما أريد بها المصدر، قطع النظر عن المرة، وصار لفظ " الحاقة " ~~بمعنى الحق الثابت الوقوع. ولفظ " الحاقة " مبتدأ، و " ما " مبتدأ ثان، ~~ولفظ الحاقة الثانى، خبر المبتدأ الثانى، والجملة من المبتدأ الثانى ~~وخبره، خبر المبتدأ الأول. قال القرطبى ما ملخصه قوله - تعالى - { ~~الحاقة. ما الحآقة } يريد القيامة، سميت بذلك لأن الأمور ~~تحق فيها. وقيل سميت بذلك، لأنها تكون من غير شك. أو لأنها أحقت لأقوام ~~الجنة، ولأقوام النار، أو لأن فيها يصير كل إنسان حقيقا بجزاء عمله، أو ~~لأنها تحق كل محاق فى دين الله بالباطل. أى تبطل حجة كل مخاصم فى ~~دين الله بالباطل - يقال حاققته فحققته فأنا أحقه، إذا غالبته ~~فغلبته.. والتحاق التخاصم، ms5167 والاحتقاق الاختصام.. و " ما " فى قوله { ~~ومآ أدراك ما الحاقة } اسم استفهام المقصود به هنا التهويل ~~والتعظيم، وهى مبتدأ. وخبرها جملة { أدراك ما الحاقة } وما ~~الثانية وخبرها فى محل نصب سادة مسد المفعول الثانى لقوله { أدراك } ~~لأن أدرى يتعدى لمفعولين، الأول بنفسه والثانى بالباء، كما فى قوله - ~~تعالى - { قل لو شآء الله ما تلوته عليكم ولا ~~أدراكم به }. وهذا الأسلوب الذى جاءت به هذه الآيات الكريمة، فيه ~~ما فيه من التهويل من شأن الساعة، ومن التعظيم لأمرها، فكأنه - تعالى - ~~يقول يوم القيامة الذى يخوض فى شأنه الكافرون، والذى تحق فيه الأمور ~~وتثبت. أتدرى أى شئ عظيم هو؟ وكيف تدرى أيها المخاطب؟ ونحن لم نحط أحدا ~~بكنه هذا اليوم، ولا بزمان وقوعه؟ وإنك - أيها العاقل - مهما تصورت هذا ~~اليوم، فإن أهواله فوق ما تتصور، وكيفما قدرت لشدائده فإن هذه الشدائد ~~فوق ما قدرت. ومن مظاهر هذا التهويل لشأن يوم القيامة افتتاح السورة بلفظ ~~" الحاقة " الذى قصد به ترويع المشركين، لأن هذا اللفظ يدل على أن يوم ~~القيامة حق. كما أن تكرار لفظ " ما " ثلاث مرات، مستعمل - أيضا - فى ~~التهويل والتعظيم، كما أن إعادة المبتدأ فى الجملة الواقعة خبرا عنه ~~بلفظه، بأن قال { ما الحآقة } ولم يقل ما هى يدل أيضا على التهويل. # لأن الإظهار فى مقام الإضمار يقصد به ذلك، ونظيره قوله - تعالى - # وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين # وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال # والخطاب فى الآيات الكريمة، لكل من يصلح له، لأن المقصود تنبيه الناس ~~إلى أن الساعة حق. وأن الحساب والجزاء فيها حق، لكى يستعدوا لها ~~بالإيمان والعمل الصالح. قال بعض العلماء ما مخلصه واستعمال " ما أدراك ~~" غير استعمال " ما يدريك ".. فقد روى عن ابن عباس أنه قال كل شئ من ~~القرآن من قوله { ومآ أدراك } فقد أدراه، وكل شئ من قوله # وما يدريك # فقد طوى عنه. فإن صح هذا عنه فمراده أن مفعول " ما أدراك " محقق الوقوع، ~~لأن الاستفهام فيه للتهويل وأن مفعول " ما يدريك " غير محقق الوقوع لأن ms5168 ~~الاستفهام فيه للإنكار، وهو فى معنى نفى الدراية. قال - تعالى - # ومآ أدراك ما هيه. نار حامية # وقال - سبحانه - # وما يدريك لعل الساعة قريب # ثم فصل - سبحانه - أحوال بعض الذين كذبوا بالساعة، وبين ما ترتب على ~~تكذيبهم من عذاب أليم فقال { كذبت ثمود وعاد بالقارعة. ~~فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية. وأما عاد ~~فأهلكوا بريح صرصر عاتية }. وثمود هم قوم صالح - عليه ~~السلام -، سموا بذلك باسم جدهم ثمود. وقيل سموا بذلك لقلة المياه التى ~~كانت فى مساكنهم، لأن الثمد هو الماء القليل. وكانت مساكنهم بين الحجاز ~~والشام. وما زالت أماكنهم معروفة باسم قرى صالح وتقع بين المملكة ~~الأردنية الهاشمية، والمملكة العربية السعودية. وقد ذكرت قصتهم فى سور ~~الأعراف، وهود، والشعراء، والنمل، والقمر.. إلخ. وأما عاد فهم قبيلة عاد، ~~وسموا بذلك نسبة إلى جدهم الذى كان يسمى بهذا الاسم، وكانت مساكنهم ~~بالأحقاف باليمن - والأحقاف جمع حقف وهو الرمل الكثير المائل.. وينتهى ~~نسب عاد وثمود إلى نوح - عليه السلام -. والقارعة اسم فاعل من قرعه، إذا ~~ضربه ضربا شديدا، ومنه قوارع الدهر، أى شدائده وأهواله، ويقال قرع فلان ~~البعير، إذا ضربه ومنه قولهم العبد يقرع بالعصا. ولفظ القارعة، من أسماء ~~يوم القيامة، وسمى يوم القيامة بذلك، لأنه يقرع القلوب ويزجرها لشدة ~~أهواله وهو صفة لموصوف محذوف، أى بالساعة القارعة. والطاغية من الطغيان ~~وهو تجاوز الحد، والمراد بها هنا الصاعقة أو الصيحة التى أهلكت قوم ثمود، ~~كما قال - تعالى - # وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ~~ديارهم جاثمين # ولفظ الطاغية - أيضا - صفة لموصوف محذوف. والريح الصرصر العاتية هى ~~الريح الشديدة التى يكون لها صوت كالصرير، كما قال - تعالى - # فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات # والعاتية من العتو بمعنى الشدة والقوة وتجاوز الحد. # أى كذبت قبيلة ثمود، وقبيلة عاد، بالقيامة التى تقرع القلوب، وتزلزل ~~النفوس، فأما قبيلة " ثمود " فأهلكوا، بالصيحة أو بالصاعقة، أو بالرجفة، ~~التى تجاوزت الحد فى الشدة والهول والطغيان. وأما قبيلة عاد، فأهلكت ~~بالريح الشديدة، التى لها صوت عظيم، والتى تجاوزت كل حد فى قوتها. وابتدأ ms5169 ~~- سبحانه - بذكر ما أصاب هاتين القبيلتين، لأنهما أكثر القبائل المكذبة ~~معرفة لمشركى قريش، لأنهما من القبائل العربية، ومساكنها كانت فى شمال ~~وجنوب الجزيرة العربية. ثم بين - سبحانه - كيفية نزول العذاب بهم فقال { ~~سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما ~~}. والتسخير التذليل عن طريق القهر والأمر الذى لا يمكن مخالفته. وحسوما ~~من الحسم بمعنى التتابع، من حسمت الدابة، إذا تابعت كيها على الداء مرة ~~بعد مرة حتى ينحسم.. أو من الحسم بمعنى القطع، ومنه سمى السيف حساما لأنه ~~يقطع الرءوس، وينهى الحياة. قال صاحب الكشاف " والحسوم " لا يخلو من أن ~~يكون جمع حاسم، كشهود وقعود. أو مصدرا كالشكور والكفور، فإن كان جمعا ~~فمعنى قوله { حسوما } نحسات حسمت كل خير، واستأصلت كل بركة. أو ~~متتابعة هبوب الرياح، ما خفتت ساعة حتى أتت عليهم، تمثيلا لتتابعها ~~بتتابع فعل الحاسم فى إعادة الكى على الداء، كرة بعد كرة حتى ينحسم. وإن ~~كان مصدرا، فإما أن ينتصب بفعله مضمرا، أى تحسم حسوما، بمعنى تستأصل ~~استئصالا، أو يكون صفة كقولك ذات حسوم.. أى أرسل الله - تعالى - على ~~هؤلاء المجرمين الريح التى لا يمكنها التخلف عن أمره، فبقيت تستأصل ~~شأفتهم، وتخمد أنفاسهم... { سبع ليال وثمانية أيام ~~حسوما } أى متتابعة ومتوالية حتى قطعت دابرهم، ودمرتهم تدميرا. وقوله ~~{ حسوما } يصح أن يكون نعتا لسبع ليال وثمانية أيام، ويصح أن يكون ~~منصوبا على المصدرية بفعل من لفظه، أى تحسمهم حسوما. ثم صور - سبحانه - ~~هيئاتهم بعد أن هلكوا فقال { فترى القوم فيها صرعى ~~كأنهم أعجاز نخل خاوية } والخطاب فى قوله { فترى... ~~} لغير معين. والفاء للتفريع على ما تقدم والضمير فى قوله { فيها } ~~يعود إلى الأيام والليالى. أو إلى مساكنهم. وقوله { صرعى } أى هلكى، ~~جمع صريع كقتيل وقتلى، وجريح وجرحى. والأعجاز جمع عجز، والمراد بها هنا ~~جذوع النخل التى قطعت رءوسها. وخاوية أى ساقطة، مأخوذ من خوى النجم، إذا ~~سقط للغروب أو من خوى المكان إذا خلا من أهله وسكانه، وصار قاعا صفصفا. ~~بعد أن كان ممتلئا بعماره. أى أرسل الله - تعالى ms5170 - على هؤلاء ~~الظالمين الريح المتتابعة لمدة سبع ليال وثمانية أيام، فدمرتهم تدميرا، ~~وصار الرائى ينظر إليهم فيراهم وقد ألقوا على الأرض هلكى، كأنهم فى ضخامة ~~أجسادهم... جذوع نخل ساقطة على الأرض، وقد انفصلت رءوسها عنها. # وعبر - سبحانه - بقوله { فترى القوم.. } لاستحضار صورتهم فى ~~الأذهان، حتى يزداد المخاطب اعتبارا بأحوالهم، وبما حل بهم. والتشبيه ~~بقوله { كأنهم أعجاز نخل خاوية } المقصود منه تشنيع ~~صورتهم، والتنفير من مصيرهم السيئ، لأن من كان هذا مصيره، كان جديرا ~~بأن يتحامى، وأن تجتنب أفعاله التى أدت به إلى هذه العاقبة المهينة. ~~والاستفهام فى قوله { فهل ترى لهم من باقية } للنفى، ~~والخطاب - أيضا - لكل من يصلح له، وقوله { باقية } صفة لموصوف ~~محذوف.. أى فهل ترى لهم من فرقة أو نفس باقية. ثم بين - سبحانه - النهاية ~~السيئة لأقوام آخرين فقال { وجآء فرعون ومن قبله ~~والمؤتفكات بالخاطئة. فعصوا رسول ربهم ~~فأخذهم أخذة رابية }. وفرعون هو الذى قال لقومه - من بين ~~ما قال - أنا ربكم الأعلى... وقد أرسل الله - تعالى - إليه نبيه موسى - ~~عليه السلام - ولكنه أعرض عن دعوته.. وكانت نهايته الغرق. والمراد بمن ~~قبله الأقوام الذين سبقوه فى الكفر، كقوم نوح وإبراهيم - عليهما السلام ~~-. والمراد بالمؤتفكات قرى قوم لوط - عليه السلام - التى اقتلعها جبريل - ~~عليه السلام - ثم قلبها بأن جعل عاليها سافلها، مأخوذ من ائتفك الشئ إذا ~~انقلب رأسا على عقب. قال - تعالى - # فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة ~~من سجيل منضود # والمراد بالمؤتفكات هنا سكانها وهم قوم لوط الذين أتوا بفاحشة ما سبقهم ~~إليها أحد من العالمين. وخصوا بالذكر، لشهرة جريمتهم وبشاعتها وشناعتها.. ~~ولمرور أهل مكة على قراهم وهم فى طريقهم إلى الشام للتجارة، كما قال - ~~تعالى - # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين. وبالليل ~~أفلا تعقلون # أى وبعد أن أهلكنا أقوام عاد وثمود.. جاء فرعون، وجاء أقوام آخرون قبله، ~~وجاء قوم لوط، وكانوا جميعا كافرين برسلنا، ومعرضين عن دعوة الحق ~~ومرتكبين للفعلات الخاطئة، والفواحش المنكرة. ومن مظاهر ذلك أنهم { ~~فعصوا رسول ربهم } أى كل أمة من أمم الكفر تلك، عصت ms5171 رسولها ~~حين أمرها بالمعروف، ونهاها عن المنكر. فكانت نتيجة إصرارهم على ارتكاب ~~المعاصى والفواحش.. أن أخذهم الله - تعالى - { أخذة رابية } أى ~~أخذة زائدة فى الشدة - لزيادة قبائحهم - على الأخذات التى أخذ بها غيرهم. ~~فقوله { رابية } مأخوذ من ربا الشئ إذا زاد وتضاعف. وقال - سبحانه - ~~{ فعصوا رسول ربهم } ولم يقل رسولهم، للإشعار بأنهم لم ~~يكتفوا بمعصية الرسول الذى هو بشر مثلهم، وإنما تجاوزوا ذلك إلى ~~الاستخفاف بما جاءهم به من عند ربهم وخالقهم وموجدهم. والتعبير بالأخذ، ~~للإشعار بسرعة الإهلاك وشدته، فإذا وصف هذا الأخذ بالزيادة عن المألوف، ~~كان المقصود به الزيادة فى الاعتبار والاتعاظ لأن هؤلاء جميعا قد أهلكهم ~~- سبحانه - هلاك الاستئصال، الذى لم يبق منهم باقية. # ثم حكى - سبحانه - ما جرى لقوم نوح - عليه السلام - وبين جانبا من مننه ~~ونعمه على المخاطبين، فقال { إنا لما طغا المآء حملناكم ~~في الجارية. لنجعلها لكم تذكرة وتعيهآ أذن ~~واعية } وقوله { طغا } من الطغيان وهو مجاوزة الحد فى كل شئ، ~~والجارية صفة لموصوف محذوف. أى اذكروا - أيها الناس - لتعتبروا وتتعظوا، ~~ما جرى للكافرين من قوم نوح - عليه السلام - فإنهم حين أصروا على كفرهم، ~~أغرقناهم بالطوفان، وحين علا الماء واشتد فى ارتفاعه اشتدادا خارقا ~~للعادة.. حملنا آباءكم الذين آمنوا بنوح - عليه السلام - فى السفينة ~~الجارية، التى صنعها نوح بأمرنا. وحفظناهم - بفضلنا ورحمتنا - فى تلك ~~السفينة إلى أن انتهى الطوفان. وقد فعلنا ذلك { لنجعلها لكم ~~تذكرة } أى لنجعل لكم هذه النعمة وهى إنجاؤكم وإنجاء آبائكم من ~~الغرق - عبرة وعظة وتذكيرا بنعم الله - تعالى - عليكم. وهذه النعمة ~~والمنة { وتعيهآ } وتحفظها { أذن واعية } أى أذن من شأنها أن ~~تحفظ ما يجب حفظه، وتعى ما يجب وعيه. فقوله { واعية } من الوعى بمعنى ~~الحفظ للشئ فى القلب. يقال وعى فلان الشئ يعيه إذا حفظه أكمل حفظ. وقال - ~~سبحانه - { حملناكم في الجارية } مع أن الحمل كان للآباء ~~الذين آمنوا بنوح - عليه السلام - لأن فى نجاة الآباء، نجاة للأبناء، ~~ولأنه لو هلك الآباء لما وجد الأبناء. قال صاحب الكشاف قوله { ~~حملناكم } أى ms5172 حملنا آباءكم، فى الجارية، أى فى السفينة الجارية، ~~لأنهم إذا كانوا من نسل المحمولين الناجين، كان حمل آبائهم منة عليهم، ~~وكأنهم هم المحمولون، لأن نجاتهم سبب ولادتهم. { لنجعلها } الضمير ~~للفعلة وهى نجاة المؤمنين وإغراق الكفرة { تذكرة } عبرة وعظة. { ~~وتعيهآ أذن واعية } من شأنها أن تعى وتحفظ ما يجب حفظه ~~ووعيه، ولا تضيعه بترك العمل. فإن قلت لم قيل أذن واعية على التوحيد ~~والتنكير؟ قلت للإيذان بأن الوعاة فيهم قلة، ولتوبيخ الناس بقلة من يعى ~~منهم، وللدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت وعقلت عن الله، فهى السواد ~~الأعظم عند الله، وأن ما سواها لا يبالى بهم، وإن ملأوا الخافقين.. وبذلك ~~نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ذكرت الناس بأهوال يوم القيامة بأبلغ ~~أسلوب، وبينت ما حل بالمكذبين بطريقة تبعث الخوف والوجل فى القلوب. ثم ~~أخذت السورة فى تفصيل أهوال يوم القيامة، وفى بيان ما تكون عليه الأرض ~~والسماء فى هذا اليوم، وفى بيان ما أعده - سبحانه - لمن أوتى كتابه ~~بيمينه فى هذا اليوم، فقال - تعالى - { فإذا نفخ في الصور... ~~}. ### || [69.13-24] # الفاء فى قوله - تعالى - { فإذا نفخ في الصور.. } للتفريع، أى ~~لتفريع ما بعدها على ما قبلها، وهو الحديث عن أهوال يوم القيامة. والصور ~~هو البوق الذى ينفخ فيه إسرافيل بأمر الله - تعالى -. قال الآلوسى قوله { ~~فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة } شروع فى بيان نفس ~~الحاقة، وكيفية وقوعها، إثر بيان عظم شأنها، بإهلاك مكذبيها. والمراد ~~بالنفخة الواحدة النفخة الأولى، التى عندها يكون خراب العالم. وقيل هى ~~النفخة الثانية. والأول أولى، لأنه هو المناسب لما بعده. وجواب الشرط ~~قوله { فيومئذ وقعت الواقعة }. أو قوله { يومئذ ~~تعرضون لا تخفى منكم خافية }. أى فإذا نفخ إسرافيل فى ~~الصور بأمرنا. وقعت الواقعة التى لا مفر من وقوعها، لكى يحاسب الناس على ~~أعمالهم. ووصفت النفخة بأنها واحدة، للتأكيد على أنها نفخة واحدة وليست ~~أكثر، وللتبيه على أن هذه النفخة - مع أنها واحدة - تتأثر بها السموات ~~والأرض والجبال، وهذا دليل على وحدانية الله - تعالى - وقدرته. وقوله ms5173 - ~~سبحانه - { وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة ~~واحدة } بيان لما ترتب على تلك النفخة الهائلة من آثار. والمراد بحمل ~~الأرض والجبال إزالتهما من أماكنهما، وتفريق أجزائهما. والدك هو الدق ~~الشديد الذى يترتب عليه التكسير والتفتيت للشئ. أى عندما ينفخ إسرافيل فى ~~الصور بأمرنا نفخة واحدة، وعندما تزال الأرض والجبال عن أماكنهما، وتتفتت ~~أجزاؤهما تفتتا شديدا. فيومئذ { وقعت الواقعة } أى ففى هذا ~~الوقت تقع الواقعة التى لا مرد لوقوعها، والواقعة من أسماء يوم القيامة. ~~كالحاقة، والقارعة. ثم بين - سبحانه - ما تكون عليه السماء فى هذا اليوم ~~فقال { وانشقت السمآء فهي يومئذ واهية }. والانشقاق ~~الانفطار والتصدع. ومعنى { واهية } ضعيفة متراخية. يقال وهى البناء ~~يهى وهيا واه، إذا كان ضعيفا جدا، ومتوقعا سقوطه. أى وفى هذا الوقت ~~- أيضا - الذى يتم فيه النفخ فى الصور بأمرنا تتصدع السماء وتتفطر، وتصير ~~فى أشد درجات الضعف والاسترخاء والتفرق. وقيد - سبحانه - هذا الضعف بهذا ~~الوقت، للإشارة إلى أنه ضعف طارئ، قد حدث بسبب النفخ فى الصور، أما قبل ~~ذلك فكانت فى نهاية الإحكام والقوة. وهذا كله للتهويل من شأن هذه ~~النفخة، ومن شأن المقدمات التى تتقدم قيام الساعة، حتى يستعد الناس لها ~~بالإيمان والعمل الصالح. والمراد بالملك فى قوله - تعالى - { ~~والملك على أرجآئهآ } جنس الملك، فيشمل عدد مبهم من ~~الملائكة.. أو جميع الملائكة إذا أردنا بأل معنى الاستغراق. والأرجاء ~~الأطراف والجوانب، جمع رجا بالقصر، وألفه منقلبة عن واو، مثل قفا ~~وقفوان. أى والملائكة فى ذلك الوقت يكونون على أرجاء السماء وجوانبها، ~~ينفذون أمر الله - تعالى - { ويحمل عرش ربك فوقهم ~~يومئذ ثمانية } أى والملائكة واقفون على أطراف السماء، ~~ونواحيها. # ويحمل عرش ربك فوق هؤلاء الملائكة فى هذا اليوم، ثمانية منهم، أو ثمانية ~~من صفوفهم التى لا يعلم عددها إلا الله - تعالى -. وعرش الله - تعالى - ~~مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم، فنحن نؤمن بأن الله - عز وجل - عرشا، إلا ~~أننا نفوض معرفة هيئته وكنهه.. إلى الله - تعالى -. قال الألوسى ما ملخصه ~~قوله { والملك على أرجآئهآ } أى والجنس المتعارف بالملك، ~~وهم ms5174 الملائكة.. على جوانب السماء التى لا تتشقق.. { ويحمل عرش ~~ربك فوقهم } أى فوق الملائكة الذين هم على الأرجاء المدلول ~~عليهم بالملك، وقيل فوق العالم كلهم. { يومئذ ثمانية } أى من ~~الملائكة، أو ثمانية صفوف لا يعلم عدتهم إلا الله - تعالى -. هذا، وقد ~~وردت فى صفة هؤلاء الملائكة الثمانية، أحاديث ضعيفة لذا ضربنا صفحا عن ~~ذكرها. ثم بين - سبحانه - ما يجرى على الناس فى هذا اليوم فقال { ~~يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية }. والعرض أصله ~~إظهار الشئ لمن يريد التأمل فيه، أو الحصول عليه، ومنه عرض البائع سلعته ~~على المشترى. وهو هنا كناية عن لازمه وهو المحاسبة. أى فى هذا اليوم ~~تعرضون للحساب والجزاء، لا تخفى منكم خافية، أى تعرضون للحساب، دون أن ~~يخفى منكم أحد على الله - تعالى - أو دون أن تخفى منكم نفس واحدة على ~~خالقها - عز وجل -. قال الجمل وقوله { يومئذ تعرضون } أى ~~تسألون وتحاسبون، وعبر عنه بذلك تشبيها له بعرض السلطان العسكر والجند، ~~لينظر فى أمرهم فيختار منهم المصلح للتقريب والإكرام، والمفسد للإبعاد ~~والتعذيب. والفاء فى قوله - تعالى - { فأما من أوتي كتابه ~~بيمينه.. } لتفصيل ما يترتب على العرض والحساب من جزاء. والمراد ~~بكتابه ما سجلته الملائكة عليه من أعمال فى الدنيا، والمراد بيمينه يده ~~اليمنى، لأن من يعطى كتابه بيده اليمنى، يكون هذا الإعطاء دليلا على ~~فوزه ونجاته من العذاب. والعرب يذكرون التناول باليمين، على أنه كناية عن ~~الاهتمام بالشئ المأخوذ، وعن الاعتزاز به، ومنه قول الشاعر # إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين # وجملة { فيقول هآؤم اقرؤا كتابيه } جواب " أما " - ولفظ ~~" هاؤم " هنا اسم فعل أمر. بمعنى خذوا، والهاء فى قوله " كتابيه وحسابيه ~~" وما ماثلهما للسكت، والأصل كتابى وحسابى فأدخلت عليهما هاء السكت لكى ~~تظهر فتحة الياء. والمعنى فى هذا اليوم يعرض كل إنسان للحساب والجزاء، ~~ويؤتى كل فرد كتاب أعماله، فأما من أعطى كتاب أعماله بيمينه، على سبيل ~~التبشير والتكريم، { فيقول } على سبيل البهجة والسرور لكل من يهمه أن ~~يقول له { هآؤم اقرؤا كتابيه } أى ms5175 هذا هو كتابى فخذوه واقرءوه ~~فإنكم ستجدونه مشتملا على الإكرام لى، وتبشيرى بالفوز الذى هو نهاية ~~آمالى، ومحط رجائى. # { إني ظننت } أى تيقنت وعلمت { أني ملاق حسابيه } أى ~~إنى علمت أن يوم القيامة حق، وتيقنت أن الحساب والجزاء صدق، فأعددت للأمر ~~عدته عن طريق الإيمان الكامل، والعمل الصالح. قال الضحاك كل ظن فى ~~القرآن من المؤمن فهو يقين، ومن الكافر فهو شك. وهذه الجملة الكريمة ~~بمنزلة التعليل للبهجة والمسرة التى دل عليها قوله - تعالى - { هآؤم ~~اقرؤا كتابيه }. { فهو } أى هذا المؤمن الفائز برضا الله - ~~تعالى - { في عيشة راضية } أى فى حياة ذات رضا، أى ثابت ودائم ~~لها الرضا. فهى صيغة نسب، كلابن وتامر لصاحب اللبن والتمر. أو فهو فى ~~عيشة مرضية يرضى بها صاحبها ولا يبغضها، فهى فاعل بمعنى مفعول، على حد ~~قولهم ماء دافق بمعنى مدفوق. وفى هذا التعبير ما فيه من الدلالة على أن ~~هذه الحياة التى يحياها المؤمن فى الجنة، فى أسمى درجات الحبور والسرور، ~~حتى لكأنه لو كان للمعيشة عقل، لرضيت لنفسها بحالتها، ولفرحت بها فرحا ~~عظيما. { في جنة عالية } أى هذا الذى أوتى كتابه بيمينه، يكون - ~~أيضا - فى جنة مرتفعة على غيرها، وهذا لون من مزاياها. { قطوفها ~~دانية } أى ثمارها قريبة التناول لهذا المؤمن، يقطفها كلما أرادها ~~بدون تعب. فالقطوف جمع قطف بمعنى مقطوف، وهو ما يجتنيه الجانى من ~~الثمار، و { دانية } اسم فاعل، من الدنو بمعنى القرب. وجملة { ~~كلوا واشربوا هنيئا بمآ أسلفتم في الأيام ~~الخالية } مقول لقول محذوف. أى يقال لهؤلاء المؤمنين الصادقين، ~~الذين أعطوا كتابهم بأيمانهم كلوا أكلا طيبا، واشربوا هنيئا مريئا بسبب ~~ما قدمتموه فى دنياكم من إيمان بالله - تعالى - ومن عمل صالح خالص لوجهه ~~- تعالى -. قال الإمام ابن كثير أى يقال لهم ذلك، تفضلا عليهم، وامتنانا ~~وإنعاما وإحسانا، وإلا فقد ثبت فى الصحيح، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال # " اعملوا وسددوا وقاربوا، واعلموا أن أحدا منكم لن يدخله عمله الجنة. ~~قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال ms5176 ولا أنا، إلا أن يتغمدنى الله برحمة منه ~~وفضل ". # وكعادة القرآن الكريم، فى بيان سوء عاقبة الأشرار، بعد بيان حسن عاقبة ~~الأخيار، أو العكس، جاء الحديث عمن أوتى كتابه بشماله، بعد الحديث عمن ~~أوتى كتابه بيمينه، فقال - تعالى - { وأما من أوتي كتابه ~~بشماله فيقول... }. ### || [69.25-37] # أى { وأما من أوتي كتابه بشماله } أى من الجهة التى ~~يعلم أن الإتيان منها يؤدى إلى هلاكه وعذابه. { فيقول } على سبيل ~~التحسر والتفجع { يليتني لم أوت كتابيه } أى فيقول يا ~~ليتنى لم أعط هذا الكتاب، لأن إعطائى إياه بشمالى دليل على عذابى وعقابى. ~~{ ولم أدر ما حسابيه } أى ويا ليتنى لم أعرف شيئا عن حسابى، ~~فإن هذه المعرفة التى لم أحسن الاستعدا لها، أوصلتنى إلى العذاب المبين. ~~{ يليتها كانت القاضية } أى ويا ليت الموتة التى متها فى ~~الدنيا، كانت هى الموتة النهائية التى لا حياة لى بعدها. فالضمير للموتة ~~التى ماتها فى الدنيا، وإن كان لم يجر لها ذكر، إلا أنها عرفت من المقام. ~~والمراد بالقاضية القاطعة لأمره، التى لا بعث بعدها ولا حساب.. لأن ما ~~وجده بعدها أشد مما وجده بعد حلوله بها. قال قتادة تمنى الموت ولم يكن ~~عنده فى الدنيا شئ أكره منه. وشر من الموت ما يطلب منه الموت. ثم أخذ ~~الذى أوتى كتابه بشماله يتحسر على تفريطه وغروره، ويحكى القرآن ذلك فيقول ~~{ مآ أغنى عني ماليه } أى هذه الأموال التى كنت أملكها فى ~~الدنيا، وأتفاخر بها. لم تغن عنى شيئا من عذاب الله، ولم تنفعنى ولو ~~منفعة قليلة. فما نافية، والمفعول محذوف للتعميم، ويجوز أن تكون ~~استفهامية والمقصود بها التوبيخ. أى أى شئ أغنى عنى مالى؟ إنه لم يغن عنى ~~شيئا. { هلك عني سلطانيه } أى ذهب عنى، وغاب عنى فى هذا ~~اليوم ما كنت أتمتع به فى الدنيا من جاه وسلطان، ولم يحضرنى شئ منه، كما ~~أن حججى وأقوالى التى كنت أخاصم بها المؤمنين. قد ذهبت أدراج الرياح. ~~وعدى الفعل " هلك " بعن، لتضمنه معنى غاب وذهب. وخلال هذا التفجع والتحسر ms5177 ~~الطويل... يأتى أمر الله - تعالى الذى لا يرد، فيقول - سبحانه - للزبانية ~~المكلفين بإنزال العذاب بالكافرين { خذوه فغلوه } أى خذوا هذا ~~الكافر، فاجمعوا يديه إلى عنقه. فقوله { خذوه } معمول لقول محذوف. وهو ~~جواب عن سؤال نشأ مما سبق من الكلام. فكأنه قيل وماذا يفعل به بعد هذا ~~التحسر والتفجيع. فكان الجواب أمر الله - تعالى - ملائكته بقوله { ~~خذوه فغلوه }.. وقوله { فغلوه } من الغل - بضم الغين - وهو ~~ربط اليدين إلى العنق على سبيل الإذلال. { ثم الجحيم صلوه } ~~أى ثم بعد هذا التقييد والإذلال.. اقذفوه به إلى الجحيم، وهى النار ~~العظيمة، الشديدة التأجج والتوهج. ومعنى { صلوه } بالغوا فى تصليته ~~النار، بغمسه فيها مرة بعد أخرى. يقال صلى فلان النار، إذا ذاق حرها، ~~وصلى فلان فلانا النار، إذا أدخله فيها. وقلبه على جمرها كما تقلب ~~الشاة فى النار. # { ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه } ~~والسلسلة اسم لمجموعة من حلق الحديد، يربط بها الشخص لكى لا يهرب، أو ~~لكى يزاد فى إذلاله وهو المراد هنا. وقوله { ذرعها } أى طولها. ~~والمراد بالسبعين حقيقة هذا المقدار فى الطول، أو يكون هذا العدد كناية ~~عن عظيم طولها، كما فى قوله - تعالى - # استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر ~~لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم... # وقوله { فاسلكوه } من السلك بمعنى الإدخال فى الشئ، كما فى قوله ~~- تعالى - # ما سلككم في سقر # أى ما أدخلكم فيها. أى خذوا هذا الكافر، فقيدوه ثم أعدوه للنار المحرقة. ~~ثم اجعلوه مغلولا فى سلسلة طولها سبعين ذرعا، بحيث تكون محيطة به إحاطة ~~تامة. أى ألقوا به فى الجحيم وهو مكبل فى أغلاله. و { ثم } فى كل آية جئ ~~بها للتراخى الرتبى، لأن كل عقوبة أشد من سابقتها. إذ إدخاله فى السلسلة ~~الطويلة. أعظم من مطلق إلقائه فى الجحيم كما أن إلقاءه فى الجحيم، أشد من ~~مطلق أخذه وتقييده. وفى هذه الآيات ما فيها من تصوير يبعث فى القلوب ~~الخوف الشديد، ويحملها على حسن الاستعداد لهذا اليوم. الذى لا تغنى فيه ~~نفس عن ms5178 نفس شيئا. وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات بعض ~~الأحاديث والآثار، منها ما رواه ابن أبى حاتم، عن المنهال بن عمرو قال ~~إذا قال الله - عز وجل - { خذوه.. } ابتدره سبعون ألف ملك، وإن الملك ~~منهم ليقول هكذا - أى ليفعل هكذا - فيلقى سبعين ألفا فى النار. ثم بين - ~~سبحانه - الأسباب التى أدت بهذا الشقى إلى هذا المصير الأليم فقال { ~~إنه كان لا يؤمن بالله العظيم. ولا يحض على ~~طعام المسكين }. أى إن هذا الشقى إنما حل به ما حل من عذاب.. ~~لأنه كان فى الدنيا، مصرا على الكفر، وعلى عدم الإيمان بالله الواحد ~~القهار.. وكان كذلك { ولا يحض } أى لا يحث نفسه ولا غيره { على ~~طعام المسكين } أى على بذل طعامه أو طعام غيره للمسكين، الذى حلت ~~به الفاقة والمسكنة. ولعل وجه التخصيص لهذين الأمرين بالذكر، أن أقبح شئ ~~يتعلق بالعقائد، وهو الكفر بالله - تعالى - وأن أقبح شئ فى الطباع، هو ~~البخل وقسوة القلب. ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات، بزيادة البيان للمصير ~~الأليم لهذا الشقى فقال { فليس له اليوم } أى يوم القيامة { ~~ها هنا حميم } أى ليس له فى هذا اليوم من صديق ينفعه، أو من قريب ~~يشفق عليه، أو يحميه، أو يدفع عنه. { ولا طعام إلا من ~~غسلين } أى وليس له فى جهنم من طعام سوى الغسلين وهو صديد أهل ~~النار.. أو شجر يأكله أهل النار، فيغسل بطونهم، أى يخرج أحشاءهم منها، أو ~~ليس لهم إلا شر الطعام وأخبثه. # { لا يأكله } أى الغسلين { إلا الخاطئون } أى إلا ~~الكافرون الذين تعمدوا ارتكاب الذنوب، وأصروا عليها، من خطئ الرجل إذا ~~تعمد ارتكاب الذنب. فالخاطئ هو من يرتكب الذنب عن تعمد وإصرار. والمخطئ ~~هو من يرتكب الذنب عن غير إصرار وتعمد. وهكذا. نجد الآيات الكريمة قد ~~ساقت أشد ألوان الوعيد والعذاب.. للكافرين، بعد أن ساقت قبل ذلك، أعظم ~~أنواع النعيم المقيم للمؤمنين. وبعد هذا العرض - الذى بلغ الذروة فى قوة ~~التأثير - لأهوال يوم القيامة، ولبيان حسن عاقبة المتقين، وسوء عاقبة ms5179 ~~المكذبين.. بعد كل ذلك أخذت السورة فى أواخرها، فى تقرير حقيقة هذا ~~الدين، وفى تأكيد صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه، وفى ~~بيان أن هذا القرآن من عنده - تعالى - وحده.. فقال - سبحانه - { فلا ~~أقسم بما... }. ### || [69.38-52] # الفاء فى قوله { فلا أقسم بما تبصرون وما لا ~~تبصرون } للتفريع على ما فهم مما تقدم، من إنكار المشركين ليوم ~~القيامة، ولكون القرآن من عند الله. و { لا } فى مثل هذا التركيب يرى ~~بعضهم أنها مزيدة، فيكون المعنى أقسم بما تبصرون من مخلوقاتنا كالسماء ~~والأرض والجبال والبحار.. وبما لا تبصرون منها، كالملائكة والجن. وقوله { ~~إنه لقول رسول كريم } جواب القسم، وهو المحلوف عليه أى ~~أقسم إن هذا القرآن لقول رسول كريم، هو محمد صلى الله عليه وسلم. وأضاف - ~~سبحانه - القرآن إلى الرسول صلى الله عليه وسلم باعتبار أنه هو الذى ~~تلقاه عن الله - تعالى - وهو الذى بلغه عنه بأمره وإذنه. أى أن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم يقول هذا القرآن، وينطق به، على وجه التبليغ عن الله ~~- تعالى -. قال الإمام ابن كثير قوله { إنه لقول رسول ~~كريم } يعنى محمدا صلى الله عليه وسلم أضافه إليه على معنى التبليغ، ~~لأن الرسول من شأنه أن يبلغ عن المرسل، ولهذا أضافه فى سورة التكوير ~~إلى الرسول الملكى فقال # إنه لقول رسول كريم. ذي قوة عند ذي العرش ~~مكين. مطاع ثم أمين # وهو جبريل - عليه السلام -. وبعضهم يرى أن " لا " فى مثل هذا التركيب ~~ليست مزيدة، وإنما هى أصلية، ويكون المقصود من الآية الكريمة، بيان أن ~~الأمر فى الوضوح بحيث لا يحتاج إلى قسم، إذ كل عاقل عندما يقرأ القرآن، ~~يعتقد أنه من عند الله. ويكون المعنى فلا أقسم بما تبصرونه من مخلوقات، ~~وبما لا تبصرونه.. لظهور الأمر واستغنائه عن القسم.. قال الشوكانى قوله { ~~فلا أقسم بما تبصرون. وما لا تبصرون } هذا رد لكلام ~~المشركين، كأنه قال ليس الأمر كما تقولون. و " لا " زائدة والتقدير فأقسم ~~بما تشاهدونه وبما لا تشاهدونه. وقيل إن " لا ms5180 " ليست زائدة، بل هى لنفى ~~القسم، أى لا أحتاج إلى قسم لوضوح الحق فى ذلك. والأول أولى. وتأكيد قوله ~~{ إنه لقول رسول كريم } بإن وباللام، للرد على المشركين ~~الذين قالوا عن القرآن الكريم أساطير الأولين. ثم أضاف - سبحانه - إلى ~~هذا التأكيد تأكيدات أخرى فقال { وما هو بقول شاعر قليلا ~~ما تؤمنون. ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون } ~~والشاعر هو من يقول الشعر. والكاهن هو من يتعاطى الكهانة عن طريق الزعم ~~بأنه يعلم الغيب. وانتصب " قليلا " فى الموضعين على أنه صفة لمصدر محذوف، ~~و " ما " مزيدة لتأكيد القلة. والمراد بالقلة فى الموضعين انتفاء ~~الإيمان منهم أصلا أو أن المراد بالقلة إيمانهم اليسير، كإيمانهم بأن ~~الله هو الذى خلقهم، مع إشراكهم معه آلهة أخرى فى العبادة. # أى ليس القرآن الكريم بقول الشاعر، ولا بقول كاهن، وإنما هو تنزيل من رب ~~العالمين، على قلب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم لكى يبلغه إليكم، ولكى ~~يخرجكم بواسطته من ظلمات الكفر، إلى نور الإيمان. ولكنكم - أيها ~~الكافرون - لا إيمان عندكم أصلا، أو قليلا ما تؤمنون بالحق، وقليلا ما ~~تتذكرونه وتتعظون به. ففى الآيتين رد على الجاحدين الذين وصفوا الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بأنه شاعر أو كاهن. وخص هذين الوصفين بالذكر هنا لأن ~~وصفه صلى الله عليه وسلم بأنه { رسول كريم } كاف لنفى الجنون أو ~~الكذب عنه صلى الله عليه وسلم أما وصفه بالشعر والكهانة فلا ينافى عندهم ~~وصفه بأنه كريم، لأن العشر والكهانة كان معدودين عندهم من صفات الشرف، ~~لذا نفى - سبحانه - عنه صلى الله عليه وسلم أنه شاعر أو كاهن، وأثبت له ~~أنه رسول كريم. وقوله { تنزيل من رب العالمين } تأكيد لكون ~~القرآن من عند الله - تعالى - وأنه ليس بقول شاعر أو كاهن. أى هذا القرآن ~~ليس كما زعمتم - أيها الكافرون - وإنما هو منزل من رب العالمين، لا من ~~أحد سواه - عز وجل -. ثم بين - سبحانه - ما يحدث للرسول صلى الله عليه ~~وسلم لو أنه - على سبيل الفرض - غير أو بدل شيئا من ms5181 القرآن فقال { ~~ولو تقول علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه ~~باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من ~~أحد عنه حاجزين } والتقول افتراء القول، ونسبته إلى من لم ~~يقله، فهو تفعل من القول يدل على التكلف والتصنع والاختلاق. والأقاويل ~~جمع أقوال، الذى هو جمع قول، فهو جمع الجمع. أى ولو أن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم افترى علينا بعض الأقوال، أو نسب إلينا قولا لم نقله، أو لم ~~نأذن له فى قوله.. لو أنه فعل شيئا من ذلك على سبيل الفرض. { لأخذنا ~~منه باليمين } أى لأخذنا منه باليد اليمنى من يديه، وهو كناية عن ~~إذلاله وإهانته. أو لأخذناه بالقوة والقدر، وعبر عنهما باليمين، لأن قوة ~~كل شئ فى ميامنه. والمقصود بالجملة الكريمة التهويل من شأن الأخذ، وأنه ~~أخذ شديد سريع لا يملك معه تصرفا أو هربا. ثم أضاف - سبحانه - إلى هذا ~~التهويل ما هو أشد منه فى هذا المعنى فقال { ثم لقطعنا منه ~~الوتين }. أى ثم بعد هذا الأخذ بقوة وسرعة، لقطعنا وتينه. وهو عرق ~~يتصل بالقلب. متى قطع مات صاحبه. وهذا التعبير من مبتكرات القرآن الكريم، ~~ومن أساليبه البديعة، إذ لم يسمع عن العرب أنهم عبروا عن الإهلاك بقطع ~~الوتين. ثم بين - سبحانه - أن أحدا لن يستطيع منع عقابه فقال { فما ~~منكم من أحد عنه حاجزين }. # أى فما منكم من أحد - أيها المشركون - يستطيع أن يدفع عقابنا عنه، أو ~~يحول بيننا وبين ما نريده، فالضمير فى " عنه " يعود إلى الرسول صلى الله ~~عليه وسلم. قال صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الآيات التقول افتعال القول، ~~كأن فيه تكلفا من المفتعل، وسمى الأقوال المتقولة " أقاويل " تصغيرا بها ~~وتحقيرا، كقولك الأعاجيب والأضاحيك، كأنها جمع أفعولة من القول. والمعنى ~~ولو ادعى علينا شيئا لم نقله لقتلناه صبرا، كما يفعل الملوك بمن يتكذب ~~عليهم. معالجة بالسخط والانتقام، فصور قتل الصبر بصورته ليكون أهول، وهو ~~أن يؤخذ بيده، وتضرب رقبته. وخص اليمين عن اليسار، لأن القاتل إذا أراد ~~أن يوقع الضرب فى قفا المقتول أخذ بيساره، ms5182 وإذا أراد أن يوقعه فى جيده ~~وأن يكفحه بالسيف - وهو أشد على المصبور لنظره إلى السيف - أخذ بيمينه. ~~ومعنى { لأخذنا منه باليمين } لأخذنا بيمينه. كما أن قوله { ~~ثم لقطعنا منه الوتين } لقطعنا وتينه، والوتين نياط ~~القلب، وهو حبل الوريد، إذا قطع مات صاحبه. وفى هذه الآيات الكريمة أقوى ~~الأدلة على أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - لأنه لو كان - كما زعم ~~الزاعمون أنه من تأليف الرسول صلى الله عليه وسلم لما نطق بهذه الألفاظ ~~التى فيها ما فيها من تهديده ووعيده. كما أنها كذلك فيها إشارة إلى أنه ~~صلى الله عليه وسلم لم يتقول شيئا.. وإنما بلغ هذا القرآن عن ربه - عز ~~وجل - دون أن يزيد حرفا أو ينقص حرفا.. لأن حكمة الله - تعالى - قد اقتضت ~~أن يهلك كل من يفترى عليه الكذب، ومن يزعم أن الله - تعالى - أوحى إليه، ~~مع أنه - سبحانه - لم يوح إليه. وقوله - سبحانه - { وإنه ~~لتذكرة للمتقين } معطوف على قوله { إنه لقول ~~رسول كريم }. أى إن هذا القرآن لقول رسول كريم بلغه عن الله - ~~تعالى - وإنه لتذكير وإرشاد لأهل التقوى، لأنهم هم المنتفعون بهداياته. ~~وقوله - تعالى - { وإنا لنعلم أن منكم مكذبين } ~~تبكيت وتوبيخ لهؤلاء الكافرين، الذين جحدوا الحق بعد أن تبين لهم أنه حق. ~~أى وإنا لا يخفى علينا أن منكم - أيها الكافرون - من هو مكذب للحق عن ~~جحود وعناد، ولكن هذا لن يمنعنا من إرسال رسولنا بهذا الدين لكى يبلغه ~~إليكم، ومن شاء بعد ذلك فليؤمن ومن شاء فليكفر، وسنجازى كل إنسان بما ~~يستحقه من ثواب أو عقاب. وقوله - سبحانه - { وإنه لحسرة على ~~الكافرين } بيان لما يكون عليه الكافرون من ندم شديد، عندما يرون ~~حسن مصير المؤمنين، وسوء مصير المكذبين. # والحسرة هى الندم الشديد المتكرر، على أمر نافع قد مضى ولا يمكن تداركه. ~~أى وإن هذا القرآن الكريم، ليكون يوم القيامة، سبب حسرة شديدة وندامة ~~عظيمة، على الكافرين، لأنهم يرون المؤمنين به فى هذا اليوم فى نعيم مقيم، ~~أما هم فيجدون أنفسهم فى عذاب ms5183 أليم. وقوله { وإنه لحق ~~اليقين } معطوف على ما قبله، أى وإن هذا القرآن لهو الحق الثابت الذى ~~لا شك فى كونه من عند الله - تعالى - وأن محمدا صلى الله عليه وسلم قد ~~بلغه إلى الناس دون أن يزيد فيه حرفا، أو ينقص منه حرفا. وإضافة الحق إلى ~~اليقين، من إضافة الصفة إلى الموصوف. أى لهو اليقين الحق، أو هو من إضافة ~~الشئ إلى نفسه مع اختلاف اللفظين، كما فى قوله # حبل الوريد # ، إذ الحبل هو الوريد. والمقصود من مثل هذا التركيب التأكيد. وقد قالوا ~~إن مراتب العلم ثلاثة أعلاها حق اليقين، ويليها عين اليقين، ويليها علم ~~اليقين. فحق اليقين كعلم الإنسان بالموت عند نزوله به، وبلوغ الروح ~~الحلقوم، وعين اليقين كعلمه به عند حلول أماراته وعلاماته الدالة على ~~قربه.. وعلم اليقين كعلمه بأن الموت سينزل به لا محالة مهما طال الأجل.. ~~والفاء فى قوله - تعالى - { فسبح باسم ربك العظيم } ~~للإفصاح. أى إذا كان الأمر كما ذكرنا لك من أن هذا الدين حق، وأن البعث ~~حق، وأن القرآن حق، فنزه اسم ربك العظيم عما لا يليق به، من النقائص، فى ~~الاعتقاد أو فى العبادة، أو فى القول، أو فى الفعل. والباء فى قوله { ~~باسم ربك } للمصاحبة. أى نزه ربك تنزيها مصحوبا بكل ما يليق به من ~~طاعة وإخلاص ومواظبة على مراقبته وتقواه. ### | [70 - سورة المعارج] ### || [70.1-18] # قوله - تعالى - { سأل سآئل بعذاب واقع } قرأه الجمهور ~~بإظهار الهمزة فى { سأل }. وقرأه نافع وابن عامر " سال " بتخفيف ~~الهمزة. قال الجمل قرأ نافع وابن عامر بألف محضة، والباقون، بهمزة محققة ~~وهى الأصل. فأما القراءة بالألف ففيها ثلاثة أوجه أحدها أنها بمعنى قراءة ~~الهمزة، وإنما خففت بقلبها ألفا. والثانى أنها من سال يسال، مثل ~~خاف يخاف، والألف منقلبة عن واو، والواو منقلبة عن الهمزة. والثالث من ~~السيلان، والمعنى سال واد فى جهنم بعذاب. فالألف منقلبة عن ياء. وقد حكى ~~القرآن الكريم عن كفار مكة، أنهم كانوا يسألون النبى صلى الله عليه وسلم ~~على سبيل التهكم والاستهزاء ms5184 عن موعد العذاب الذى يتوعدهم به إذا ما ~~استمروا على كفرهم، ويستعجلون وقوعه. قال - تعالى - # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين # وقال - سبحانه - # ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده # وعلى هذا يكون السؤال على حقيقته، وأن المقصود به الاستهزاء بالنبى صلى ~~الله عليه وسلم وبالمؤمنين. ومنهم من يرى أن سأل هنا بمعنى دعا. أى دعا ~~داع على نفسه بعذاب واقع. قال الآلوسى ما ملخصه { سأل سآئل ~~بعذاب واقع } أى دعا داع به، فسؤال بمعنى الدعاء، ولذا عدى بالباء ~~تعديته بها فى قوله # يدعون فيها بكل فاكهة آمنين # والمراد استدعاء العذاب وطلبه.. وقيل إنها بمعنى " عن " كما فى قوله # فسئل به خبيرا # والسائل هو النضر بن الحارث - كما روى النسائى وجماعة وصححه الحاكم - ~~حيث قال إنكارا واستهزاء # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # وقيل السائل أو جهل، حيث قال # فأسقط علينا كسفا من السمآء # وعلى أية حال فسؤالهم عن العذاب، يتضمن معنى الإنكار والتهكم، كما ~~يتضمن معنى الاستعجال، كما حكته بعض الآيات الكريمة.. ومن بلاغة القرآن، ~~تعدية هذا الفعل هنا بالباء، ليصلح لمعنى الاستفهام الإنكارى، ولمعنى ~~الدعاء والاستعجال. أى سأل سائل النبى صلى الله عليه وسلم سؤال تهكم، عن ~~العذاب الذى توعد به الكافرين إذا ما استمروا على كفرهم. وتعجله فى ~~وقوعه بل أضاف إلى ذلك - لتجاوزه الحد فى عناده وطغيانه - أن قال # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # وقال - سبحانه - { بعذاب واقع } ولم يقل بعذاب سيقع، للإشارة ~~إلى تحقق وقوع هذا العذاب فى الدنيا والآخرة. أما الدنيا فمن هؤلاء ~~السائلين من قتل فى غزوة بدر وهو النضر بن الحارث، وأبو جهل وغيرهما، ~~وأما فى الآخرة فالعذاب النازل بهم أشد وأبقى. ثم وصف - سبحانه - العذاب ~~بصفات أخرى، غير الوقوع فقال { للكافرين ليس له دافع. # من الله ذي المعارج }. واللام فى قوله { للكافرين } ~~بمعنى على. أو للتعليل. أى سأل ms5185 سائل عن عذاب واقع على الكافرين، هذا ~~العذاب ليس له دافع يدفعه عنهم، لأنه واقع من الله - تعالى - { ذي ~~المعارج }. والمعارج جمع معرج، وهو المصعد، ومنه قوله - تعالى - # ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن ~~يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ~~ومعارج عليها يظهرون # وقد ذكر المفسرون فى المراد بالمعارج وجوها منها أن المراد بها السموات، ~~فعن ابن عباس أنه قال أى ذى السموات، وسماها معارج لأن الملائكة يعرجون ~~فيها. ومنها أن المراد بها النعم والمنن. فعن قتادة أنه قال ذى المعارج، ~~أى ذى الفواضل والنعم. وذلك لأن لأياديه ووجوه إنعامه مراتب، وهى تصل إلى ~~الناس على مراتب مختلفة. ومنها أن المراد بها الدرجات التى يعطيها ~~لأوليائه فى الجنة. وفى وصفه - سبحانه - ذاته ب { ذي المعارج } ~~استحضار لصورة عظمة جلاله، وإشعار بكثرة مراتب القرب من رضاه وثوابه، فإن ~~المعارج من خصائص منازل العظماء. فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هذا ~~العذاب الواقع على الكافرين. بجملة من الصفات، لتكون ردا فيه ما فيه من ~~التهديد والوعيد للجاحدين، الذى استهزأوا به وأنكروه. والمراد بالروح فى ~~قوله { تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة } جبريل - عليه السلام - وأفرد ~~بالذكر لتمييزه وفضله، فهو من باب عطف الخاص على العام. والضمير فى " ~~إليه " يعود إلى الله - تعالى -. أى تصعد الملائكة وجبريل - عليه السلام ~~- معهم، إليه - تعالى -. والسلف على أن هذا التعبير وأمثاله، من المتشابه ~~الذى استأثر - سبحانه - بعلمه. مع تنزيهه - عز وجل - عن المكان والجسمية. ~~ولوازم الحدوث، التى لا تليق بجلاله. وقيل " إليه " أى إلى عرشه - تعالى ~~- أو إلى محل بره وكرامته. قال القرطبى ما ملخصه قوله { في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة } أى عروج الملائكة إلى المكان الذى ~~هو محلهم فى وقت كان مقداره على غيرهم لو صعد، خمسين ألف سنة. وعن مجاهد ~~هذا اليوم هو مدة عمر الدنيا، من أول ما خلقت إلى آخر ما بقى منها، خمسون ~~ألف سنة. وقال ابن عباس هو يوم القيامة، ms5186 جعله الله على الكافرين مقدار ~~خمسين ألف سنة. ثم قال القرطبى " وهذا القول أحسن ما قيل فى الآية - إن ~~شاء الله - بدليل ما رواه قاسم بن أصبغ من حديث # " أبى سعيد الخدرى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة " ، فقلت ما أطول هذا؟ فقال صلى الله عليه وسلم " ~~والذى نفسى بيده، إنه ليخفف عن المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة ~~المكتوبة يصليها فى الدنيا ". # وفى رواية عن ابن عباس - أيضا - أنه سئل عن هذه الآية فقال أيام سماها ~~الله - عز وجل -، وهو أعلم بها كيف تكون وأكره أن أقول فيها مالا أعلم. ~~وقيل ذكر خمسين ألف سنة تمثيل - لما يلقاه الناس فى موقف الحساب من ~~شدائد، والعرب تصف أيام الشدة بالطول، وأيام الفرح بالقصر. وقال بعض ~~العلماء وقد ذكر - سبحانه - فى سورة السجدة أنه # يدبر الأمر من السمآء إلى الأرض ثم يعرج ~~إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون # وقال فى سورة الحج # وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون # وذكر هنا { في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة }. ~~والجمع بين هذه الآيات من وجهين أولهما ما جاء عن ابن عباس من أن يوم ~~الألف فى سورة الحج، هو أحد الأيام الستة التى خلق الله - تعالى - فيها ~~السموات والأرض. ويوم الألف فى سورة السجدة، وهو مقدار سير الأمر وعروجه ~~إليه - تعالى -. ويوم الخمسين ألف هنا هو يوم القيامة. وثانيهما أن ~~المراد بجميعها يوم القيامة، وأن الاختلاف باعتبار حال المؤمن والكافر. ~~ويدل لهذا الوجه قوله - تعالى - # فذلك يومئذ يوم عسير. على الكافرين غير ~~يسير # أى أن يوم القيامة يتفاوت طوله بحسب اختلاف الشدة، فهو يعادل فى حالة ~~ألف سنة من سنى الدنيا، ويعادل فى حالة أخرى خمسين ألف سنة. وقوله - ~~تعالى - { فاصبر صبرا جميلا. إنهم يرونه بعيدا. ~~ونراه قريبا... } متفرع على قوله - سبحانه - { سأل سآئل } ~~لأن السؤال كان سؤال استهزاء، يضيق به الصدر، وتغتم له النفس. والصبر ~~الجميل هو ms5187 الصبر الذى لا شكوى معه لغير الله - عز وجل - ولا يخالطه شىء ~~من الجزع، أو التبرم بقضاء الله وقدره. أى لقد سألوك - أيها الرسول ~~الكريم - عن يوم القيامة، وعن العذاب الذى تهددهم به... سؤال تهكم ~~واستعجال... فاصبر صبرا جميلا على غرورهم وجحودهم وجهالاتهم. إنهم يرون ~~هذا اليوم وما يصحبه من عذاب... يرونه " بعيدا " من الإمكان أن من ~~الوقوع، ولذلك كذبوا بما جئتهم به من عندنا، واستهزؤا بك.. ونحن نراه ~~قريبا من الإمكان، بل هو كائن لا محالة فى الوقت الذى تقتضيه حكمتنا ~~ومشيئتنا. ثم بين - سبحانه - جانبا من أهوال هذا اليوم فقال { يوم ~~تكون السمآء كالمهل. وتكون الجبال كالعهن. ~~ولا يسأل حميم حميما }. ولفظ " يوم " متعلق بقوله " قريبا " ~~أو بمحذوف يدل عليه قوله { واقع } أى هو واقع هذا العذاب يوم تكون ~~السماء فى هيئتها ومظهرها " كالمهل " أى تكون واهية مسترخية. # . كالزيت الذى يتبقى فى قعر الإناء. { وتكون الجبال ~~كالعهن } أى كالصوف المصبوغ ألوانا، لاختلاف ألوان الجبال، فإن ~~الجبال إذا فتتت وتمزقت فى الجو، أشبهت الصوف المنفوش إذا طيرته الرياح، ~~قيل أول ما تتغير الجبال تصير رملا مهيلا، ثم عهنا منفوشا، ثم هباء ~~منبثا. ووجه الشبه أن السماء فى هذا اليوم تكون فى انحلال أجزائها، ~~كالشىء الباقى فى قعر الإناء من الزيت، وتكون الجبال فى تفرق أجزائها ~~كالصوف المصبوغ الذى تطاير فى الجو. وفى هذا اليوم - أيضا - { ولا ~~يسأل حميم حميما } أى لا يسأل صديق صديقه النصرة أو المعونة، ~~ولا يسأل قريب قريبه المساعدة والمؤازرة.. لأن كل واحد منهما مشغول بهموم ~~نفسه من شدة هول الموقف، كما قال - تعالى - # يوم يفر المرء من أخيه. وأمه وأبيه. ~~وصحبته وبنيه. لكل امرىء منهم يومئذ شأن ~~يغنيه # والحميم هو الصديق الوفى القريب من نفس صديقه. وضمير الجمع فى قوله - ~~سبحانه - { يبصرونهم } يعود إلى الحميمين، نظرا لعمومهما، لأنه ~~ليس المقصود صديقين مخصوصين، وإنما المقصود كل صديق مع صديقه. والجملة ~~مستأنفة استئنافا بيانيا، إجابة عن سؤال تقديره ولماذا لا يسأل الصديق ~~صديقه فى هذا اليوم؟ ألأنه ms5188 لا يراه؟ فكان الجواب لا، إنه يراه ويشاهده، ~~ويعرف كل قريب قريبه، وكل صديق صديقه فى هذا اليوم.. ولكن كل واحد منهم ~~مشغول بهمومه. قال صاحب الكشاف { يبصرونهم } أى يبصر الأحماء ~~الأحماء، فلا يخفون عليهم، فلا يمنعهم من المساءلة أن بعضهم لا يبصر ~~بعضا، وإنما يمنعهم التشاغل. فإن قلت ما موقع يبصرونهم؟ قلت هو كلام ~~مستأنف، كأنه لما قال { ولا يسأل حميم حميما } قيل لعله لا ~~يبصره، فقيل فى الجواب يبصرونهم، ولكنهم لتشاغلهم لم يتمكنوا من تساؤلهم. ~~فإن قلت لم جمع الضميرين فى { يبصرونهم } وهى للحميمين؟ قلت ~~المعنى على العموم لكل حميمين، لا لحميمين اثنين. ثم بين - سبحانه - حالة ~~المجرمين فى هذا اليوم فقال { يود المجرم } أى يحب المجرم فى ~~هذا اليوم ويتمنى. { لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه } ~~أى يتمنى ويحب لو يفتدى نفسه من عذاب هذا اليوم بأقرب الناس إليه، ~~وألصقهم بنفسه.. وهم بنوه وأولاده. ويود - أيضا - لو يفتدى نفسه ب { ~~وصاحبته وأخيه } أى بزوجته التى هى أحب الناس إليه، وبأخيه ~~الذى يستعين به فى النوائب. { وفصيلته التي تؤويه } أى ويود ~~كذلك أن ينقذ نفسه، من العذاب بأقرب الأقرباء إليه. وهم أهله وعشيرته ~~التى ينتسب إليها، إذا الفصيلة هم الأقرباء الأدنون من القبيلة، والذين ~~هو واحد منهم. ومعنى { تؤويه } تضمه إليها، وتعتبره فردا منها، ~~وتدافع عنه بكل وسيلة. # وقوله { ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه } داخل فى إطار ما ~~يتمناه ويوده. أى يود هذا المجرم أن يفتدى نفسه من عذاب هذا اليوم، ~~بأولاده، ويصاحبته، وبأخيه، وبعشيرته التى هو فرد منها، وبأهل الأرض ~~جميعا من الجن والإنس. ثم يتمنى - أيضا - أن يقبل منه هذا الافتداء، لكى ~~ينجو بنفسه من هذا العذاب. فقوله { ثم ينجيه } معطوف على قوله { ~~يفتدي } أى يود لو يفتدى ثم لو ينجيه الافتداء. وكان العطف بثم، ~~للإشعار باستبعاد هذا الافتداء، وأنه عسير المنال. وقوله { ومن في ~~الأرض } معطوف على { بنيه } أى ويفتدى نفسه بجميع أهل الأرض. وهكذا ~~نرى الآيات الكريمة تحكى لنا بهذا الأسلوب المؤثر، حالة ms5189 المجرم فى هذا ~~اليوم، وأنه يتمنى أن يفتدى نفسه مما حل به من عذاب، بأقرب وأحب الناس ~~إليه، بل بأهل الأرض جميعا.. ولكن هيهات أن يقبل منه شئ من ذلك. ولذا جاء ~~الرد الزاجر له عما تمناه فى قوله - تعالى - { كلا إنها لظى } ~~وكلا حرف ردع وزجر، وإبطال لكلام سابق، وهو هنا ما كان يتمناه ويحبه.. من ~~أن يفتدى نفسه ببنيه، وبصاحبته وأخيه.. الخ. و " لظى " علم لجهنم، أو ~~لطبقة من طبقاتها، واللظى اللهب الخالص، والضمير للنار المدلول عنها بذكر ~~العذاب. أى كلا - أيها المجرم - ليس الأمر كما وددت وتمنيت.. وإنما الذى ~~فى انتظارك، هو النار التى هو أشد ما تكون اشتعالا. والتى من صفاتها ~~كونها { نزاعة للشوى } أى قلاعة لجلدة الرأس وأطراف البدن، ~~كاليد والرجل، ثم تعود هذه الجلدة والأطراف كما كانت. فقوله { نزاعة ~~} صيغة المبالغة من النزع بمعنى القلع والفصل. والشوى جمع شواة - بفتح ~~الشين -، وهى من جوارح الإنسان ما لم يكن مقتلا، مثل اليد والرجل. ~~والجمع باعتبار ما لكل أحد من جوارح وأطراف. يقال فلان رمى فأشوى، إذا لم ~~يصب مقتلا ممن رماه. وقيل الشواة جلدة الرأس. والجمع باعتبار كثرة الناس. ~~وهذه النار الملتهبة من صفاتها - أيضا - أنها { تدعوا من أدبر ~~وتولى } أى تدعو لدخولها والاصطلاء بحرها، من أدبر وأعرض وتولى عن ~~الحق والرشد، ونآى بجانبه عن طريق الهدى والاستقامة. قال ابن كثير هذه ~~النار تدعو إليها أبناءها الذين خلقهم الله - تعالى - لها وقدر لهم أهم ~~فى الدار الدنيا يعملون عملها، فتدعوهم يوم القيامة بلسان طلق ذلق ~~- أى فصيح بليغ - ثم تلتقطهم من بين أهل المحشر، كما يلتقط الطير الحب، ~~وذلك أنهم كانوا كما قال - سبحانه - ممن أدبر وتولى. أى ممن كذب بقلبه، ~~وترك العمل بجوارحه. { وجمع فأوعى } أى جمع المال بعضه على بعض ~~فأوعاه، أى فأمسكه فى وعائه وكنزه ومنع حق الله - تعالى - فيه، وبخل به ~~على مستحقيه. # فقوله { فأوعى } أى فجعله فى وعاء. وفى الحديث الشريف، يقول صلى ~~الله عليه وسلم # " لا توعى - أى لا ms5190 تجمع مالك فى الوعاء على سبيل الكنز - فيوعى الله ~~عليك " # - أى فيمنع الله - تعالى - فضله عنك، كما منعت وقترت. وفى قوله - سبحانه ~~- { وجمع } إشارة إلى الحرص والطمع، وفى قوله { فأوعى } إشارة ~~إلى بخله وطول أمله. قال قتادة { وجمع فأوعى } كان جموعا للخبيث ~~من المال. وبعد هذا البيان المؤثر الحكيم عن طبائع المجرمين، وعن أهوال ~~يوم الدين، وعن سوء عاقبة المكذبين.. اتجهت السورة الكريمة إلى الحديث عن ~~سجايا النفوس البشرية فى حالتى الخير والشر، والغنى والفقر، والشكر ~~والجحود.. واستثنت من تلك السجايا نفوس المؤمنين الصادقين، فقال - تعالى ~~-. { إن الإنسان خلق... }. ### || [70.19-35] # المراد بالإنسان فى قوله - تعالى - { إن الإنسان خلق ~~هلوعا. إذا مسه الشر جزوعا. وإذا مسه الخير ~~منوعا } جنسه لافرد معين منه، كما فى قوله - تعالى - # والعصر. إن الإنسان لفى خسر. إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات.. # وكما فى قوله - سبحانه - # خلق الإنسان من عجل سأوريكم آياتي فلا ~~تستعجلون # ويدخل فيه الكافر دخولا أوليا، لأن معظم الصفات التى استثنيت بعد ذلك ~~من صفات المؤمنين الصادقين، وعلى رأسها قوله - سبحانه - { إلا ~~المصلين }. وقوله { هلوعا } صيغة مبالغة من الهلع، وهو إفراط ~~النفس، وخروجها عن التوسط والاعتدال، عندما ينزل بها ما يضرها، أو عند ما ~~تنال ما يسرها. والمراد بالشر ما يشمل الفقر والمرض وغيرهما مما يتأذى به ~~الإنسان. والمراد بالخير ما يشمل الغنى والصحة وغير ذلك مما يحبه ~~الإنسان، وتميل إليه نفسه. والجزوع هو الكثير الجزع. أى الخوف. والمنوع ~~هو الكثير المنع لنعم الله - تعالى - وعدم إعطاء شئ منها للمتحاجين ~~إليها. قال الآلوسى ما ملخصه قوله { إن الإنسان خلق هلوعا } ~~الهلع سرعة الجزع عند مس المكروه، وسرعة المنع عند مس الخير، من قولهم ~~ناقة هلوع، أى سريعة السير. وسئل ابن عباس عن الهلوع فقال هو كما قال ~~الله - تعالى - { إذا مسه الشر جزوعا. وإذا مسه ~~الخير منوعا }. ولا تفسير أبين من تفسيره - سبحانه -. والإنسان ~~المراد به الجنس، أو الكافر.. وأل فى الشر والخير للجنس - أيضا. والتعبير ~~بقوله { خلق هلوعا } يشير إلى أن جنس الإنسان ms5191 - إلا من عصم الله - ~~مفطور ومطبوع، على أنه إذا أصابه الشر جزع، وإذا مسه الخير بخل.. وأن ~~هاتين الصفتين ليستا من الصفات التى يحبها الله - تعالى - بدليل أنه - ~~سبحانه - قد استثنى المصلين وغيرهم من التلبس بهاتين الصفتين. وبدليل أن ~~من صفات المؤمن الصادق أن يكون شكورا عند الرخاء صبورا عند الضراء. وفى ~~الحديث الشريف، يقول صلى الله عليه وسلم # " شر ما فى الرجل شح هالع، وجبن خالع ". # وفى حديث آخر يقول صلى الله عليه وسلم # " عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا ~~له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ". # قال الجمل وقوله { جزوعا } و { منوعا } فيهما ثلاثة أوجه أحدها ~~أنهما منصوبان على الحال من الضمير فى { هلوعا } ، وهو العامل فيهما. ~~والتقدير هلوعا حال كونه جزوعا وقت مس الشر، ومنوعا وقت مس الخير الثانى ~~أنهما خبران لكان أو صار مضمرة. أى إذا مسه الشر كان أوصار جزوعا، وإذا ~~مسه الخير كان أوصار منوعا. # الثالث أنهما نعتان لقوله " هلوعا ". ثم وصف - سبحانه - من استثناهم من ~~الإنسان الهلوع، بجملة من صفات الكريمة، فقال { إلا المصلين. ~~الذين هم على صلاتهم دآئمون }. أى إن الناس جميعا قد ~~جبلوا على الجزع عند الضراء، وعلى المنع عند السراء.. إلا المصلين منهم، ~~الذين يواظبون على أدائها مواظبة تامة، دون أن يشغلهم عن أدائها عسر أو ~~يسر، أو غنى أو فقر، أو إقامة أو سفر. فهم ممن قال - سبحانه - فى شأنهم # رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ~~وإقام الصلاة وإيتآء الزكاة يخافون يوما ~~تتقلب فيه القلوب والأبصار # وقال - سبحانه - { على صلاتهم دآئمون } للإشارة إلى أنهم ~~لا يشغلهم عنها شاغل، إذ الدوام على الشئ عدم تركه. وفى إضافة " الصلاة " ~~إلى ضمير " المصلين " تنويه بشأنهم، وإشعار باختصاصها بهم، إذ هم أصحابها ~~الملازمون لها. ثم وصفهم - سبحانه - بصفة ثانية فقال { والذين في ~~أموالهم حق معلوم. للسآئل والمحروم }. والمراد ~~بالحق المعلوم ما أوجبوه على أنفسهم من دفع جزء من أموالهم للمحتاجين، ~~على ms5192 سبيل التقرب إلى الله - تعالى - وشكره على نعمه، ويدخل فى هذا الحق ~~المعلوم دخولا أوليا ما فرضه - سبحانه - عليهم من زكاة أموالهم. قالوا ~~ولا يمنع ذلك من أن تكون السورة مكية، فقد يكون أصل مشروعية الزكاة بمكة، ~~ثم أتى تفصيل أحكامها بالمدينة، عن طريق السنة النبوية المطهرة. والسائل ~~هو الذى يسأل غيره الصدقة، والمحروم هو الذى لا يسأل غيره تعففا، وإن كان ~~فى حاجة إلى العون والمساعدة. أى ومن الذين استثناهم - سبحانه - من صفة ~~الهلع أولئك المؤمنون الصادقون الذين جعلوا فى أموالهم حقا معينا، ~~يخرجونه عن إخلاص وطيب خاطر، لمن يستحقونه من السائلين والمحرومين.. على ~~سبيل الشكر لخالقهم على ما أنعم عليهم من نعم. ووصف - سبحانه - ما يعطونه ~~من أموالهم بأنه { حق } للاشارة إلى أنهم - لصفاء أنفسهم - قد جعلوا ~~السائل والمحروم، كأنه شريك لهم فى أموالهم، وكأن ما يعطونه له إنما هو ~~بمثابة الحق الثابت عندهم له. ثم وصفهم - سبحانه - بصفات كريمة أخرى فقال ~~{ والذين يصدقون بيوم الدين } والتصديق بيوم الدين ~~معناه الإيمان الجازم باليوم الآخر وما فيه من بعث وحساب وجزاء. { ~~والذين هم من عذاب ربهم مشفقون } أى أن من صفاتهم ~~أنهم مع قوة إيمانهم، وكثرة أعمالهم الصالحة، لا يجزمون بنجاتهم من عذاب ~~الله - تعالى - وإنما دائما أحوالهم مبنية على الخوف والرجاء، إذ ~~الإشفاق توقع حصول المكروه وأخذ الحذر منه. وجملة { إن عذاب ~~ربهم غير مأمون } تعليلية، ومقررة لمضمون ما قبلها، أى إنهم ~~مشفقون من عذاب ربهم. # . لأن العاقل لا يأمن عذابه - عز وجل - مهما أتى من طاعات وقدم من أعمال ~~صالحة. وشبيه بهذه الآية قوله - سبحانه - # والذين يؤتون مآ آتوا وقلوبهم وجلة أنهم ~~إلى ربهم راجعون # ثم قال - تعالى - { والذين هم لفروجهم حافظون. إلا ~~على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم ~~غير ملومين. فمن ابتغى ورآء ذلك فأولئك هم ~~العادون }. أى أن من صفاتهم - أيضا - أنهم أعفاء، ممسكون لشهواتهم، ~~لا يستعملونها إلا مع زوجاتهم اللائى أحلهن - سبحانه - لهم أو مع ما ملكت ~~أيمانهم من الإماء والسرارى. وجملة { فإنهم ms5193 غير ملومين } ~~تعليل للاستثناء. أى هم حافظون لفروجهم، فلا يستعملون شهواتهم إلا مع ~~أزواجهم. أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير مؤاخذين على ذلك، لأن معاشرة ~~الأزواج وما ملكت الأيمان مما أحله الله - تعالى -. وقوله { فمن ~~ابتغى ورآء ذلك } أى فمن طلب خلاف ذلك الذى أحله - سبحانه -. { ~~فأولئك هم العادون } أى فأولئك هم المعتدون المتجاوزون ~~حدود خالقهم، الوالغون فى الحرام الذى نهى الله - تعالى - عنه. يقال عدا ~~فلان الشئ يعدوه عدوا، إذا جاوزه وتركه. أى أنهم تجاوزوا الحلال ~~وتركوه خلف ظهورهم، واتجهوا ناحية الحرام فولغوا فيه. قوله { والذين ~~هم لأماناتهم وعهدهم راعون } أى أن من صفات هؤلاء ~~المؤمنين الصادقين، الذين إذا مسهم الشر لا يجزعون، وإذا مسهم الخير لا ~~يمنعون.. أنهم لا يخلون بشئ من الأمانات التى يؤتمنون عليها، ولا ينقضون ~~شيئا من العهود التى يعاهدون غيرهم عليها، وإنما هم يراعون ذلك ويحفظونه ~~حفظا تاما. فقوله { راعون } جمع راع، وهو الذى يرعى الحقوق والأمانات ~~والعهود ويحفظها ويحرسها، كما يحرس الراعى غنمه وإبله حراسة تامة. وقوله ~~{ والذين هم بشهاداتهم قائمون } أى والذين هم من صفاتهم ~~أنهم يؤدون الشهادة على وجهها الحق، فلا يشهدون بالزور أو الباطل، ولا ~~يكتمون الشهادة إذا طلب منهم أن يؤدوها، عملا بقوله - تعالى - # ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم ~~قلبه # فالشهادات جمع شهادة. والمراد بالقيام بها أداؤها على أتم وجه وأكمله ~~وأعدله، إذ القيام بها يشمل الاهتمام بشأنها، وحفظها إلى أن يؤديها ~~صاحبها على الوجه الذى يحبه - سبحانه -. وكما افتتح - سبحانه - هذه ~~الصفات الكريمة بمدح الذين هم على صلاتهم دائمون، فقد ختمها بمدح الذين ~~يحافظون عليها فقال { والذين هم على صلاتهم يحافظون ~~} أى يؤدونها كاملة غير منقوصة. لافى خشوعها، ولا فى القراءة فيها، ولا ~~فى شئ من أركانها وسننها. وهذا الافتتاح والختام، يدل على شرفها وعلو ~~قدرها، واهتمام الشارع بشأنها. قال صاحب الكشاف فإن قلت كيف قال { على ~~صلاتهم دآئمون } ثم { على صلاتهم يحافظون }؟. قلت ~~معنى دوامهم عليها، أن يواظبوا على أدائها، لا يخلون بها، ولا يشتغلون ms5194 ~~عنها بشئ من الشواغل. # ومحافظتهم عليها أن يراعوا إسباغ الوضوء لها، ومواقيتها، وسننها، ~~وآدابها.. فالدوام يرجع إلى نفس الصلاة، والمحافظة تعود إلى أحوالها. ~~فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هؤلاء المؤمنين الصادقين، الذين حماهم ~~- سبحانه - من صلة الهلع.. وصفهم بثمانى صفات كريمة، منها المداومة على ~~الصلاة، والمحافظة على الإنفاق فى وجوه الخير، والتصديق بيوم القيامة ~~وما فيه من ثواب وعقاب، والحفظ لفروجهم، وأداء الأمانات والشهادات. ثم ~~بين - سبحانه - ما أعده لهم من عطاء جزيل فقال { أولئك في ~~جنات مكرمون } أى أولئك المتصفون بذلك فى جنات عظيمة، يستقبلون ~~فيها بالتعظيم والحفارة.. حيث تقول لهم الملائكة # سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار # وبعد هذه الصورة المشرقة لهؤلاء المكرمين.. أخذت السورة فى تصوير موقف ~~المشركين من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم إلى الحق، وفى تسليته ~~عما لحقه منهم من أذى، وفى بيان أحوالهم السيئة عندما يعرضون للحساب.. ~~فقال - تعالى -. { فمال الذين كفروا... }. ### || [70.36-44] # الاستفهام فى قوله - تعالى - { فمال الذين كفروا قبلك ~~مهطعين. عن اليمين وعن الشمال عزين } للتعجيب من ~~حال هؤلاء الذين كفروا، ومن تصرفاتهم التى تدل على منتهى الغفلة والجهل. ~~و " ما " مبتدأ، و { الذين كفروا } خبره. وقوله { مهطعين } ~~من الإهطاع، وهو السير بسرعة، مع مد العنق، واتجاه البصر نحو شئ معين. و ~~{ عزين } جمع عزة - كفئة - وهى الجماعة. وأصلها عزوة - بكسر العين ~~- من العزو، لأن كل فرقة تعتزى إلى غير من تعتزى إليه الأخرى، فلامها ~~واو، وقيل لامها هاء، والأصل عزهة. قال القرطبى والعزين جماعات متفرقة. ~~ومنه الحديث الذى خرجه مسلم وغيره، # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه يوما فرآهم حلقا ~~فقال مالى أراكم عزين ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ قالوا وكيف ~~تصف الملائكة عند ربها؟ قال يتمون الصفوف الأول، ويتراصون فى الصف ". # وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآيات، أن المشركين كانوا يجتمعون حول النبى ~~صلى الله عليه وسلم ويستمعون إليه، ثم يكذبونه ويستهزئون به وبالمؤمنين، ~~ويقولون لئن دخل هؤلاء ms5195 الجنة كما يقول محمد صلى الله عليه وسلم فلندخلنها ~~قبلهم، وليكونن لنا فيها أكثر مما لهم. والمعنى ما بال هؤلاء الكافرين ~~مسرعين نحوك - أيها الرسول الكريم - وناظرين إليك بعيون لا تكاد تفارقك، ~~وملتفين من حولك عن يمينك وعن شمالك، جماعات متعددة، ومظهرين التهكم ~~والاستهزاء بك وبأصحابك؟ ما بالهم يفعلون ذلك مع علمهم فى قراءة أنفسهم ~~بأنك أنت الصادق الأمين ". وقدم - سبحانه - الظرف { قبلك } الذى ~~بمعنى جهتك، على قوله { مهطعين } للاهتمام، حيث إن مقصدهم الأساسى ~~من الإسراع هو الاتجاه نحو النبى صلى الله عليه وسلم للاستهزاء به ~~وبأصحابه. والمراد بقوله { عن اليمين وعن الشمال } جميع ~~الجهات، إلا أنه عبر بهاتين الجهتين، لأنهما الجهتان اللتان يغلب الجلوس ~~فيهما حول الشخص. وقوله { عزين } تصوير بديع لالتفافهم من حوله متفرقة ~~فى مشاربها، وفى مآربها، وفى طباعها. والاستفهام فى قوله - تعالى - { ~~أيطمع كل امرىء منهم أن يدخل جنة نعيم } ~~للنفى والإنكار. أى أيطمع كل واحد من هؤلاء الكافرين أن يدخل الجنة التى ~~هى محل نعيمنا وكرامتنا بدون إيمان صادق، وبدون عمل نافع..؟ وقوله - ~~سبحانه - { كلا } ردع لهم وزجر عن هذا الطمع، أى كلا ليس الأمر كما ~~يزعمون من أنهم سيدخلون الجنة قبل المؤمنين أو معهم بعدهم.. وإنما هم ~~سيكون مأواهم جهنم وبئس المصير. وقال - سبحانه - { أيطمع كل ~~امرىء منهم } ولم يقل أيطمعون أن يدخلوا الجنة، للإشعار بأن كل ~~واحد من هؤلاء الكافرين كان طامعا فى دخولها، لاستيلاء الغرور والجهالة ~~على قلبه. # وجملة { إنا خلقناهم مما يعلمون } تأكيد لهذا الردع ~~والزجر، وتهوين من شأنهم، وإبطال لغرورهم، وتنكيس لخيلائهم بأسلوب بديع ~~مهذب.. لأنه مما لا شك فيه أنهم يعلمون أنهم قد خلقوا من ماء مهين، ومن ~~كان كذلك فلا يليق به - متى كان عاقلا - أن يغتر أو يتطاول. قال صاحب ~~الكشاف ما ملخصه ويجوز أن يراد بقوله { إنا خلقناهم مما ~~يعلمون } أى من النطفة المذرة، وهى منصبهم الذى لا منصب أوضع منه. ~~ولذلك أبهم وأخفى إشعارا بأنه منصب يستحيا من ذكره، فمن أين يتشرفون ~~ويدعون التقدم، ويقولون ms5196 لندخلن الجنة قبلهم. وقيل معناه إنا خلقناهم من ~~نطفة كما خلقنا بنى آدم كلهم، ومن حكمنا أن لا يدخل أحد الجنة، إلا ~~بالإيمان والعمل الصالح، فكيف يطمع فى دخولها من ليس له إيمان وعمل. ثم ~~ساق - سبحانه - ما يدل على كمال قدرته، وعلى زيادة التهوين من شأن هؤلاء ~~الكافرين، والتحقير من أمرهم فقال { فلا أقسم برب المشارق ~~والمغارب إنا لقادرون. على أن نبدل خيرا ~~منهم وما نحن بمسبوقين }. وجمع - سبحانه - هنا المشارق ~~والمغارب، باعتبار أن لها فى كل يوم من أيام السنة مشرقا معينا تشرق منه، ~~ومغربا معينا تغرب فيه. وقال فى سورة الرحمن # رب المشرقين ورب المغربين # أى مشرق ومغرب الشتاء. والصيف. وقال فى سورة المزمل # رب المشرق والمغرب # والمراد بهما هنا جنسهما، فهما صادقان على كل مشرق من مشارق الشمس، وعلى ~~كل مغرب من مغاربها. وبذلك يتبين أنه لا تعارض بين مجئ هذه الألفاظ تارة ~~مفردة، وتارة بصيغة المثنى، وتارة بصيغة الجمع. وجملة { إنا ~~لقادرون } جواب القسم. أى أقسم بالله - تعالى - الذى هو رب مشارق ~~الشمس والقمر والكواكب ومغاربها.. إنا لقادرون قدرة تامة { على أن ~~نبدل خيرا منهم } أى على أن نخلق خلقا آخر خيرا منهم ونهلك ~~هؤلاء المجرمين إهلاكا تاما.. أو على أن نبدل ذواتهم، فنخلقهم خلقا جديدا ~~يكون خيرا من خلقهم الذى هو عليه.. فإن قدرتنا لا يعجزها شئ. وقوله { ~~وما نحن بمسبوقين } معطوف على جواب القسم ومؤكد له. أى إنا ~~لقادرون على ذلك، وما نحن بمغلوبين أو عاجزين عن أن نأتى بقوم آخرين خير ~~منهم. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # يأيها الناس أنتم الفقرآء إلى الله والله هو ~~الغني الحميد. إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق ~~جديد. وما ذلك على الله بعزيز # وقوله - سبحانه - {... وإن تتولوا يستبدل قوما ~~غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } ، والمقصود بهذه الآيات ~~الكريمة تهديد المشركين وبيان أن قدرته - تعالى - لا يعجزها شئ. والفاء ~~فى قوله { فذرهم يخوضوا ويلعبوا... } للتفريع على ما ~~تقدم. # والخوض يطلق على السير فى الماء، والمراد به هنا الكلام ms5197 الكثير الذى لا ~~نفع فيه. واللعب اشتغال الإنسان بشئ لا فائدة من ورائه. والمراد به هنا ~~استهزاؤهم بالحق الذى جاء به النبى صلى الله عليه وسلم. أى ما دام الأمر ~~كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - فاترك هؤلاء الكافرين، ليخوضوا فى ~~باطلهم، ويلعبوا فى دنياهم، ولا تلتفت إليهم. ودعهم فى هزلهم ولهوهم { ~~حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون } وهو يوم القيامة ~~الذى لا شك فى إتيانه ووقوعه. وقوله { يوم يخرجون من ~~الأجداث سراعا } بدل من { يومهم }. والأجداث جمع جدث - بفتح ~~الجيم الدال - وهو القبر. أى اتركهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم ~~المحتوم. وهو اليوم الذى يخرجون فيه من قبورهم مسرعين إلى الداعى. { ~~كأنهم إلى نصب يوفضون } والنصب - بضمتين - حجارة كانوا ~~يعظمونها. وقيل هى الأصنام، وسميت بذلك لأنهم كانوا ينصبونها ويقيمونها ~~للعبادة. { يوفضون } أى يسرعون. يقال وفض فلان يفض وفضا - كوعد - ~~إذا أسرع فى سيره. أى يخرجون من قبورهم مسرعين إلى الداعى، مستبقين إليه، ~~كما كانوا فى الدنيا يسرعون نحو أصنامهم وآلهتهم لكى يستلموها، ويلتمسوا ~~منها الشفاعة. { خاشعة أبصارهم } أى يخرجون من قبورهم، حالة ~~كونهم ذليلة خاضعة أبصارهم، لا يرفعونها لما هم فيه من الخزى والهوان. { ~~ترهقهم ذلة } أى تغشاهم ذلة شديدة، وهوان عظيم. يقال رهقه ~~الأمر يرهقه رهقا، إذا غشيه بقهر وغلبة لا يمكن له دفعها. { ذلك ~~اليوم الذي كانوا يوعدون } أى ذلك الذى ذكرناه من الأهوال، ~~هو اليوم الذى كانوا يوعدونه فى الدنيا على ألسنة الرسل، والذى كانوا ~~ينكرون وقوعه، وها هو ذا فى حكم الواقع، لأن كل ما أخبر الله - تعالى - ~~عنه، فهو متحقق الوقوع. كما قال - سبحانه - فى أول السورة # سأل سآئل بعذاب واقع. للكافرين ليس له دافع # وهكذا افتتحت السورة بإثبات أن يوم القيامة حق، واختتمت كذلك بإثبات أن ~~يوم القيامة حق. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [71 - سورة نوح] ### || [71.1-4] # قصة نوح - عليه السلام - مع قومه، قد وردت فى سور متعددة منها سورة ~~الأعراف، ويونس، وهود، والشعراء، والعنكبوت. وينتهى نسب نوح - عليه ms5198 ~~السلام - إلى شيث بن آدم، وقد ذكر نوح فى القرآن فى ثلاثة وأربعين موضعا. ~~وكان قوم نوح يعبدون الأصنام، فأرسل الله - تعالى - إليهم نوحا ليدلهم ~~على طريق الرشاد. وقد افتتحت السورة هنا بالأسلوب المؤكد بإن، للاهتمام ~~بالخبر، وللاتعاظ بما اشتملت عليه القصة من هدايات وإرشادات. وأن فى قوله ~~{ أن أنذر قومك } تفسيرية، لأنها وقعت بعد أرسلنا، والإرسال ~~فيه معنى القول دون حروفه، فالجملة لا محل لها من الإعراب. ويصح أن تكون ~~مصدرية، أى بأن أنذر قومك.. والإنذار، هو الإخبار الذى معه تخويف. وقوم ~~الرجل هم أهله وخاصته الذين يجتمعون معه فى جد واحد. وقد يقيم الرجل بين ~~الأجانب. فيسميهم قومه على سبيل المجاز للمجاورة. أى إنا قد اقتضت حكمتنا ~~أن نرسل نوحا - عليه السلام - إلى قومه، وقلنا له يا نوح عليك أن تنذرهم ~~وتخوفهم من عذابنا، وأن تدعوهم إلى إخلاص العبادة لنا، من قبل أن ينزل ~~بهم عذاب مؤلم، لا طاقة لهم بدفعه، لأن هذا العذاب من الله - تعالى - ~~الذى لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه. وقال - سبحانه - { أن أنذر ~~قومك } ولم يقل أن أنذر الناس، لإثارة حماسته فى دعوته، لأن قوم ~~الرجل يحرص الإنسان على منفعتهم.. أكثر من حرصه على منفعة غيرهم. والآية ~~الكريمة صريحة فى أن ما أصاب قوم نوح من عذاب أليم، كان بسبب إصرارهم على ~~كفرهم، وعدم استماعهم إلى إنذاره لهم. ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما قاله ~~نوح لقومه فقال { قال يقوم إني لكم نذير مبين. أن ~~اعبدوا الله واتقوه وأطيعون }. أى قال نوح لقومه -على ~~سبيل التلطف فى النصح، والتقرب إلى قلوبهم - يا قوم ويا أهلى وعشيرتى إنى ~~لكم منذر واضح الإنذار، ولا أسألكم على هذا الإنذار الخالص أجرا، وإنما ~~ألتمس أجرى من الله. وإنى آمركم بثلاثة أشياء أن تخلصوا لله - تعالى - ~~العبادة، وأن تتقوه فى كل أقوالكم وأفعالكم، وأن تطيعونى فى كل ما آمركم ~~به وأنهاكم عنه. وافتتح كلامه معهم بالنداء { قال يقوم } ، أملا فى ~~لفت أنظارهم إليه، واستجابتهم له، فإن النداء من ms5199 شأنه التنبيه للمنادى. ~~ووصف إنذاره لهم بأنه { مبين } ، ليشعرهم بأنه لا لبس فى دعوته لهم ~~إلى الحق، ولا خفاء فى كونهم يعرفونه، ويعرفون حرصه على منفعتهم.. وقال { ~~إني لكم } للإشارة إلى أن فائدة استجابتهم له، تعود عليهم لا ~~عليه، فهو مرسل من أجل سعادتهم وخيرهم. # وأمرهم بطاعته، بعد أمرهم بعبادة الله وتقواه، لأن طاعتهم له هى طاعة ~~لله - تعالى - كما قال - تعالى - # من يطع الرسول فقد أطاع الله # ثم بين لهم ما يترتب على إخلاص عبادتهم لله، وخشيتهم منه - سبحانه - ~~وطاعتهم لنبيهم فقال { يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم ~~إلى أجل مسمى }. وقوله { يغفر } مجزوم فى جواب الأوامر ~~الثلاثة، و { من } للتبعيض أى يغفر لكم بعض ذنوبكم، وهى تلك التى ~~اقترفوها قبل إيمانهم وطاعتهم لنبيهم، أو الذنوب التى تتعلق بحقوق الله - ~~تعالى - دون حقوق العباد. ويرى بعضهم أن " من " هنا زائدة لتوكيد هذه ~~المغفرة. أى يغفر لكم جميع ذنوبكم التى فرطت منكم، متى آمنتم واتقيتم ~~ربكم، وأطعتم نبيكم. { ويؤخركم إلى أجل مسمى } أى ~~ويؤخر آجالكم إلى وقت معين عنده - سبحانه - ويبارك لكم فيها، بأن يجعلها ~~عامرة بالعمل الصالح، وبالحياة الآمنة الطيبة. فأنت ترى أن نوحا - عليه ~~السلام - قد وعدهم بالخير الأخروى وهو مغفرة الذنوب يوم القيامة، وبالخير ~~الدنيوى وهو البركة فى أعمارهم، وطول البقاء فى هناء وسلام. قال ابن كثير ~~{ ويؤخركم إلى أجل مسمى } أى ويمد فى أعماركم، ويدرأ ~~عنكم العذاب، الذى إذا لم تنزجروا عما أنهاكم عنه أوقعه - سبحانه - بكم. ~~وقد يستدل بهذه الآية من يقول إن الطاعة والبر وصلة الرحم. يزاد بها فى ~~العمر حقيقة، كما ورد به الحديث " صلة الرحم تزيد فى العمر ". وقوله { ~~إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر لو كنتم ~~تعلمون } بمنزلة التعليل لما قبله. أى يغفر لكم - سبحانه - من ~~ذنوبكم، ويؤخركم إلى أجل معين عنده - تعالى - إن الوقت الذى حدده الله - ~~عز وجل - لانتهاء أعماركم، متى حضر، لا يؤخر عن موعده، { لو كنتم ~~تعلمون } أى لو كنتم من أهل العلم لاستجبتم لنصائحى، وامتثلتم أمرى، ms5200 ~~وبذلك تنجون من العقاب الدنيوى والأخروى. قال الآلوسى قوله { لو ~~كنتم تعلمون }. أى لو كنتم من أهل العلم لسارعتم لما آمركم به. ~~لكنكم لستم من أهله فى شئ، لذا لم تسارعوا، فجواب لو مما يتعلق بأول ~~الكلام. ويجوز أن يكون مما يتعلق بآخره. أى لو كنتم من أهل العلم لعلمتم ~~ذلك، أى عدم تأخير الأجل إذا جاء وقته المقدر له. والفعل فى الوجهين منزل ~~منزلة اللازم. ثم قصت علينا الآيات الكريمة بعد ذلك، ما قاله نوح لربه. ~~على سبيل الشكوى والضراعة، وما وجهه إلى قومه من نصائح فيها ما فيها من ~~الترغيب والترهيب، ومن الإرشاد الحكيم، والتوجيه السديد.. قال - تعالى - ~~{ قال رب إني دعوت قومي... }. ### || [71.5-20] # قوله - تعالى - { قال رب إني دعوت قومي ليلا ~~ونهارا. فلم يزدهم دعآئي إلا فرارا } بيان للطرق ~~والمسالك التى سلكها نوح مع قومه، وهو يدعوهم إلى إخلاص العبادة لله - ~~تعالى - بحرص شديد ومواظبة تامة.. وموقف قومه من دعوته لهم. والمقصود ~~بهذا الخبر لازم معناه، وهو الشكاية إلى ربه، والتمهيد لطلب النصر منه - ~~تعالى - عليهم، لأنه - سبحانه - لا يخفى عليه أن نوحا - عليه السلام - لم ~~يقصر فى تبليغ رسالته. أى قال نوح متضرعا إلى ربه يا رب إنك تعلم أننى لم ~~أقصر فى دعوة قومى إلى عبادتك، تارة بالليل وتارة بالنهار، من غير فتور ~~ولا توان. { فلم يزدهم دعآئي } لهم إلى عبادتك وطاعتك { ~~إلا فرارا } أى إلا تباعدا من الإيمان وإعراضا عنه. والفرار ~~الزوغان والهرب. يقال فر فلان يفر فرارا، فهو فرور، إذا هرب من ~~طالبه، وزاغ عن عينه. والتعبير بقوله { دعوت قومي ليلا ~~ونهارا } ، يشعر بحرص نوح التام على دعوتهم، فى كل وقت يظن فيه أن ~~دعوته لهم قد تنفع. كما أن التعبير بقوله { فلم يزدهم دعآئي ~~إلا فرارا } يدل دلالة واضحة على إعراضهم التام عن دعوته، أى فلم ~~يزدهم دعائى شيئا من الهدى، وإنما زادهم بعدا عنى، وفرارا منى. وإسناد ~~الزيادة إلى الدعاء، من باب الإسناد إلى السبب، كما فى قولهم سرتنى ~~رؤيتك. وقوله ms5201 { فرارا } مفعول ثان لقوله { فلم يزدهم } ~~والاستثناء مفرغ من عموم الأحوال والمستثنى منه مقدر، أى فلم يزدهم دعائى ~~شيئا من أحوالهم التى كانوا عليها إلا الفرار. ويصح أن يكون الاستثناء ~~منقطعا. أى فلم يزدهم دعائى قربا من الحق، لكن زادهم فرارا منه. ثم أضاف ~~إلى فرارهم منه، حالة أخرى. تدل على إعراضهم عنه، وعلى كراهيتهم له، فقال ~~{ وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا ~~أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا ~~واستكبروا استكبارا }. وقوله { كلما } معمول لجملة { ~~جعلوا } التى هى خبر إن، واللام فى قوله { لتغفر لهم } ~~للتعليل. والمراد بأصابعهم جزء منها. واستغشاء الثياب معناه جعلها غشاء، ~~أى غطاء لرءوسهم ولأعينهم حتى لا ينظروا إليه، ومتعلق الفعل " دعوتهم " ~~محذوف لدلالة ما تقدم عليه، وهو أمرهم بعبادة الله وتقواه. والمعنى وإنى ~~- يا مولاى - كلما دعوتهم إلى عبادتك وتقواك وطاعتى فيما أمرتهم به، لكى ~~تغفر لهم ذنوبهم.. ما كان منهم إلا أن جعلوا أصابعهم فى آذانهم حتى لا ~~يسمعوا قولى، وإلا أن وضعوا ثيابهم على رءوسهم. وأبصارهم حتى لا يرونى، ~~وإلا أن { وأصروا } إصرارا تاما على كفرهم { واستكبروا ~~استكبارا } عظيما عن قبول الحق. فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة، قد ~~صورت عناد قوم نوح، وجحودهم للحق، تصويرا بلغ الغاية فى استحبابهم العمى ~~على الهدى. # فهى - أولا - جاءت بصيغة " كلما " الدالة على شمول كل دعوة وجهها إليهم ~~نبيهم نوح - عليه السلام - أى فى كل وقت أدعوهم إلى الهدى يكون منهم ~~الإعراض. وهى - ثانيا - عبرت عن عدم استماعهم إليه بقوله - تعالى - { ~~جعلوا أصابعهم في آذانهم }. وعبر عن الأنامل بالأصابع ~~على سبيل المبالغة فى إرادة سد المسامع، فكأنهم لو أمكنهم إدخال أصابعهم ~~جميعها فى آذانهم لفعلوا. حتى لا يسمعوا شيئا مما يقوله نبيهم لهم. ~~فإطلاق اسم الأصابع على الأنامل من باب المجاز المرسل، لعلاقة البعضية، ~~حيث أطلق - سبحانه - الكل وأراد البعض، مبالغة فى كراهيتهم لسماع كلمة ~~الحق. وهى - ثالثا - عبرت عن كراهيتهم لنبيهم ومرشدهم بقوله - تعالى - { ~~واستغشوا ثيابهم } أى بالغوا فى التغطى بها، حتى لكأنهم ~~قد طلبوا ms5202 منها أن تلفهم بداخلها حتى لا يتسنى لهم رؤيته إطلاقا. وهذا ~~كناية عن العداوة الشديدة، ومنه قول القائل لبس لى فلان ثياب العداوة. ~~وهى - رابعا - قد بينت بأنهم لم يكتفوا بكل ذلك، بل أضافوا إليه الإصرار ~~على الكفر - وهو التشدد فيه، والامتناع من الإقلاع عنه مأخوذ من الصرة ~~بمعنى الشدة - والاستكبار العظيم عن الاستجابة للحق. فقد أفادت هذه ~~الآية، أنهم عصوا نوحا وخالفوه مخالفة ليس هناك ما هو أقبح منها ظاهرا، ~~حيث عطلوا أسماعهم وأبصارهم، وليس هناك ما هو أقبح منها باطنا، حيث أصروا ~~على كفرهم، واستكبروا على اتباع الحق. ومع كل هذا الإعراض والعناد.. فقد ~~حكت لنا الآيات بعد ذلك، أن نوحا - عليه السلام - قد واصل دعوته لهم بشتى ~~الأساليب. فقال - كما حكى القرآن عنه - { ثم إني دعوتهم ~~جهارا }. وقوله { جهارا } صفة لمصدر محذوف. أى دعوتهم دعاء جهارا. ~~أى مجاهرا لهم بدعوتى، بحيث صارت دعوتى لهم أمامهم جميعا. { ثم ~~إني أعلنت لهم } تارة { وأسررت لهم إسرارا } ~~تارة أخرى. أى أنه - عليه السلام - توخى ما يظنه يؤدى إلى نجاح دعوته، ~~وراعى أحوالهم فى ذلك، فهو تارة يدعوهم جهرا، وتارة يدعوهم سرا، وتارة ~~يجمع بين الأمرين. قال صاحب الكشاف فإن قلت ذكر أنه دعاهم ليلا ونهارا، ~~ثم دعاهم جهارا، ثم دعاهم فى السر والعلن، فيجب أن تكون ثلاث دعوات ~~مختلفات حتى يصح العطف؟ قلت قد فعل - عليه السلام - كما يفعل الذى يأمر ~~بالمعروف وينهى عن المنكر، فى الابتداء بالأهوان والترقى فى الأشد ~~فالأشد، فافتتح بالمناصحة فى السر، فلما لم يقبلوا ثنى بالمجاهرة، فلما ~~لم تؤثر ثلث بالجمع بين الإسرار والإعلان. ومعنى " ثم " الدلالة على ~~تباعد الأحوال، لأن الجهار أغلظ من الإسرار، والجمع بين الأمرين أغلظ من ~~إفراد أحدهما. # . ثم حكى - سبحانه - جانبا من إرشادات نوح لقومه فقال { فقلت ~~استغفروا ربكم } أى فقلت لهم - على سبيل النصح والإرشاد إلى ~~ما ينفعهم ويغريهم بالطاعة - { استغفروا ربكم } بأن تتوبوا ~~إليه، وتقلعوا عن كفركم وفسوقكم { إنه } - سبحانه - { كان ~~غفارا }. أى كثير الغفران لمن تاب إليه ms5203 وأناب. { يرسل السمآء ~~عليكم مدرارا } والمراد بالسماء هنا المطر لأنه ينزل منها، وقد ~~جاء فى الحديث الشريف أن من أسماء المطر السماء. فقد روى الشيخان عن زيد ~~بن خالد الجهنى أنه قال # " صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية، على إثر ~~سماء كانت من الليل... " # أى على إثر إمطار نازلة بالليل. ومنه قول بعض الشعرا # إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا # والمدرار المطر الغزير المتتابع، يقال درت السماء بالمطر، إذا نزل منها ~~بكثرة وتتابع، والدر، والدرور معناه السيلان.. فقوله { مدرارا } ~~صيغة مبالغة منهما. أى استغفروا ربكم وتوبوا إليه، فإنكم إذا فعلتم ذلك ~~أرسل الله - تعالى - عليكم بفضله ورحمته، أمطارا غزيرة متتابعة، لتنتفعوا ~~بها فى مختلف شئون حياتكم. وفضلا عن ذلك { ويمددكم بأموال ~~وبنين ويجعل لكم جنات } أى بساتين عظيمة، { ويجعل ~~لكم أنهارا } جارية تحت أشجار هذه الجنات، لتزداد جمالا ونفعا. ~~قال الإمام الرازى ما ملخصه " إن قوم نوح لما كذبوه زمانا طويلا، حبس ~~الله عنهم المطر، وأعقم أرحام نسائهم.. فرجعوا إلى نوح، فقال لهم ~~استغفروا ربكم من الشرك، حتى يفتح عليكم أبواب نعمه. واعلم أن الاشتغال ~~بالطاعة، سبب لانفتاح أبواب الخيرات، ويدل عليه وجوه أحدها أن الكفر سبب ~~لخراب العالم. والإيمان سبب لعمارة العالم. وثانيها الآيات الكثيرة التى ~~وردت فى هذا المعنى، ومنها قوله - تعالى - # ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السمآء والأرض... # وثالثها أن عمر خرج يستسقى فما زاد على الاستغفار. فقيل له ما رأيتك ~~استسقيت؟ فقال لقد استسقيت لكم بمجاديح السماء، والمجاديح جمع مجدح - ~~بكسر فسكون وهو نجم من النجوم المعروفة عند العرب. وشكا رجل إلى الحسن ~~البصرى الفاقة، وشكا إليه آخر الجدب، وشكا إليه ثالث قلة النسل.. فأمر ~~الجميع بالاستغفار.. فقيل له أتاك رجال يشكون إليك أنواعا من الحاجة، ~~فأمرتهم جميعا بالاستغفار؟ فتلا الحسن هذه الآيات الكريمة. وما قاله ~~الإمام الرازى - رحمه الله - يؤيده القرآن الكريم فى كثير من آياته، ~~ويؤيده واقع الحياة التى نحياها ونشاهد ms5204 أحداثها. أما آيات القرآن الكريم ~~فمنها قوله - تعالى - # وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم مآء ~~غدقا # وقوله - سبحانه - على لسان هود - عليه السلام - # ويقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل ~~السمآء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى ~~قوتكم.. # وقال - عز وجل - # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فلنحيينه حياة طيبة # وأما واقع الحياة. فإننا نشاهد بأعيننا الأمم التى تطبق شريعة الله - ~~تعالى - وتعمل بما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم من آداب وأحكام ~~وهدايات. نرى هذه الأمم سعيدة فى حياتها، آمنة فى أوطانها، يأتيها رزقها ~~رغدا من كل مكان، وإذا أصابها شئ من النقص فى الأنفس أو الثمرات.. فذلك ~~من باب الامتحان الذى يمتحن الله - تعالى - به عباده، والذى لا يتعارض مع ~~كون العاقبة الطيبة إنما هى لهذه الأمم الصادقة فى إيمانها. وما يجرى على ~~الأمم والشعوب، يجرى أيضا على الأفراد والجماعات، فتلك سنة الله التى لا ~~تتغير. أما الأمم الفاسقة عن أمر ربها، فإنها مهما أوتيت من ثراء وبسطة ~~فى الرزق.. فإن حياتها دائما تكون متلبسة بالقلق النفسى، والشقاء القلبى، ~~والاكتئاب الذى يؤدى إلى فساد الحال واضطراب البال. وقوله - سبحانه - بعد ~~ذلك حكاية عن نوح - عليه السلام - { ما لكم لا ترجون لله ~~وقارا. وقد خلقكم أطوارا } بيان لما سلكه نوح فى دعوته ~~لقومه، من جمعه بين الترغيب والترهيب. فهو بعد أن أرشدهم إلى أن ~~استغفارهم وطاعتهم لربهم، تؤدى بهم إلى البسطة فى الرزق.. أتبع ذلك ~~بزجرهم لسوء أدبهم مع الله - تعالى - منكرا عليهم استهتارهم واستخفافهم ~~بما يدعوهم إليه. وقوله { ما لكم } مبتدأ وخبر، وهو استفهام قصد به ~~توبيخهم والتعجيب من حالهم. ولفظ " ترجون " يرى بعضهم أنه بمعنى تعتقدون. ~~والوقار معناه التعظيم والإجلال. والأطوار جمع طور، وهو المرة والتارة ~~من الأفعال والأزمان. أى ما الذى حدث لكم - أيها القوم - حتى صرتم لا ~~تعتقدون لله - تعالى - عظمة أو إجلالا، والحال أنه - سبحانه - هو الذى ~~خلقكم وأوجدكم فى أطوار متعددة، نطفة، فعلقة، فمضغة. كما قال - سبحانه - # ولقد خلقنا الإنسان من ms5205 سلالة من طين. ثم ~~جعلناه نطفة في قرار مكين. ثم خلقنا النطفة ~~علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة ~~عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا ~~آخر فتبارك الله أحسن الخالقين # وكما قال - تعالى - # الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف ~~قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ~~ما يشآء وهو العليم القدير # قال القرطبى ما ملخصه قوله - تعالى - { ما لكم لا ترجون ~~لله وقارا } قيل الرجاء هنا بمعنى الخوف. أى مالكم لا تخافون لله ~~عظمة وقدرة على أخذكم بالعقوبة. وقيل المعنى ما لكم لا تعلمون لله عظمة.. ~~أولا ترون لله عظمة.. أو لا تبالون أن لله عظمة. # . والوقار العظمة، والتوقير التعظيم.. وبعد هذا الترغيب والترهيب ~~والتوبيخ.. أخذ فى لفت أنظارهم إلى عجائب صنع الله فى خلقه، فقال { ~~ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا. ~~وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا }. ~~والاستفهام فى قوله { ألم تروا.. } للتقرير، والرؤية بصرية ~~وعلمية، لأنهم يشاهدون مخلوقات الله - تعالى - ويعلمون أنه - سبحانه - هو ~~الخالق. و { طباقا } أى متطابقة كل طبقة أعلى من التى تحتها. أى لقد ~~علمتم ورأيتم أن الله - تعالى - هو الذى خلق { سبع سماوات } ~~متطابقة، بعضها فوق بعض { وجعل القمر فيهن نورا } أى وجعل ~~- سبحانه - بقدرته القمر فى السماء الدنيا نورا للأرض ومن فيها. وإنما ~~قال { فيهن } مع أنه فى السماء الدنيا، لأنها محاطة بسائر السموات ~~فما فيها يكون كأنه فى الكل. أو لأن كل واحدة منها شفافة، فيرى الكل كأنه ~~سماء واحدة. فساغ أن يقال فيهن. وقوله { وجعل الشمس سراجا } ~~أى كالسراج فى إضاءتها وتوهجها وإزالة ظلمة الليل، إذ السراج هو المصباح ~~الزاهر نوره، الذى يضئ ما حوله. قال الآلوسى قوله { وجعل القمر ~~فيهن نورا } أى منورا لوجه الأرض فى ظلمة الليل، وجعله فيهن مع ~~أنه فى إحداهن - وهى السماء الدنيا -، كما يقال زيد فى بغداد وهو فى بقعة ~~منها. والمرجح له الإيجاز والملابسة بالكلية والجزئية، وكونا طباقا ~~شفافة. { وجعل الشمس سراجا } يزيل الظلمة.. وتنوينه ms5206 للتعظيم، ~~وفى الكلام تشبيه بليغ ولكون السراج أعرف وأقرب، جعل مشبها به، ولاعتبار ~~التعدى إلى الغير فى مفهومه بخلاف النور، كان أبلغ منه. وقال بعض العلماء ~~وفى جعل القمر نورا، إيماء إلى أن ضوء القمر ليس من ذاته. فإن القمر ~~مظلم. وإنما يستضئ بانعكاس أشعة الشمس على ما يستقبلها من وجهه، بحسب ~~اختلاف ذلك الاستقبال من تبعض وتمام، هو أثر ظهوره هلالا.. ثم بدرا. ~~وبعكس ذلك جعلت الشمس سراجا، لأنها ملتهبة، وأنوارها ذاتية فيها، صادرة ~~عنها إلى الأرض وإلى القمر، مثل أنوار السراج تملأ البيت. ثم انتقل نوح - ~~عليه السلام - من تنبيههم إلى ما فى خلق السموات والشمس والقمر من دلالة ~~على وحدانية الله وقدرته.. إلى لفت أنظارهم إلى التأمل فى خلق أنفسهم، ~~وفى مبدئهم وإعادتهم إلى الحياة مرة أخرى بعد موتهم، فقال - كما حكى ~~القرآن عنه - { والله أنبتكم من الأرض نباتا. ثم ~~يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا } والمراد بأنبتكم أنشأكم ~~وأوجدكم، فاستعير الإنبات للإنشاء للمشابهة بين إنبات النبات، وإنشاء ~~الإنسان، من حيث إن كليهما تكوين وإيجاد للشئ بقدرته - تعالى -. والمراد ~~بأنبتكم أنبت أصلكم وهو أبوكم آدم، فأنتم فروع عنه. و { نباتا } مصدر ~~لأنبت على حذف الزوائد، فهو مفعول مطلق لأنبتكم، جئ به للتوكيد، ومصدره ~~القياسى " إنباتا " واختير " نباتا " لأنه أخف. # قال الجمل قوله نباتا، يجوز أن يكون مصدرا لأنبت على حذف الزوائد. ويسمى ~~اسم مصدر، ويجوز أن يكون مصدرا لنبتم مقدرا. أى فنبتم نباتا - فيكون ~~منصوبا بالمطاوع المقدر. أى والله - تعالى - هو الذى أوجد وأنشأ أباكم ~~آدم من الأرض إنشاء وجعلكم فروعا عنه، ثم يعيدكم إلى هذه الأرض بعد موتكم ~~لتكون قبورا لكم، ثم يخرجكم منها يوم البعث للحساب والجزاء. وعبر - ~~سبحانه - عن الإنشاء بالإنبات، لأن هذا التعبير يشعر بأن الإنسان ~~مخلوق محدث، وأنه مثل النبات يحصد مثل يعود إلى الحياة مرة أخرى. وإلى ~~هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله " استعير الإنبات للإنشاء كما يقال ~~زرعك الله للخير. وكانت هذه الاستعارة أدل دليل على الحدوث لأنهم إذا ~~كانوا نباتا كانوا ms5207 محدثين لا محالة حدوث النبات ". ثم ختم نوح - عليه ~~السلام - إرشاداته لقومه، بلفت أنظارهم إلى نعمة الأرض التى يعيشون ~~عليها، فقال { والله جعل لكم الأرض بساطا. ~~لتسلكوا منها سبلا فجاجا } أى والله - تعالى - وحده هو ~~الذى جعل لكم - بفضله ومنته - الأرض مبسوطة، حيث تتقلبون عليها كما يتقلب ~~النائم على البساط. وجعلها لكم كذلك { لتسلكوا منها سبلا } ~~أى لكى تتخذوا منها لأنفسكم طرقا { فجاجا } أى متسعة جمع فج وهو ~~الطريق الواسع. وقوله { بساطا } تشبيه بليغ. أى جعلها لكم كالبساط، ~~وهذا لا يتنافى مع كون الأرض كروية، لأن الكرة إذا عظمت جدا، كانت القطعة ~~منها كالسطح والبساط فى إمكان الانتفاع بها، والتقلب على أرجائها. وهكذا ~~نرى أن نوحا - عليه السلام - قد سلك مع قومه مسالك متعددة لإقناعهم بصحة ~~ما يدعوهم إليه، ولحملهم على طاعته، والإيمان بصدق رسالته. لقد دعاهم ~~بالليل والنهار، وفى السر وفى العلانية، وبين لهم أن طاعتهم لله - تعالى ~~- تؤدى إلى إمدادهم بالأموال والأولاد، والجنات والأنهار ووبخهم على عدم ~~خشيتهم من الله - تعالى - وذكرهم بأطوار خلقهم، ولفت أنظارهم إلى بديع ~~صنعه - سبحانه - فى خلق السموات والشمس والقمر، ونبههم إلى نشأتهم من ~~الأرض، وعودتهم إليها، وإخراجهم منها للحساب والجزاء، وأرشدهم إلى نعم ~~الله - تعالى - فى جعل الأرض مبسوطة لهم. وهكذا حاول نوح - عليه السلام - ~~أن يصل إلى آذان قومه وإلى عقولهم وقلوبهم، بشتى الأساليب الحكيمة، ~~والتوجيهات القويمة، فى صبر طويل وإرشاد دائم. ولكن قومه كانوا قد بلغوا ~~الغاية فى الغباء والجهالة والعناد والطغيان، لذى نرى السورة الكريمة ~~تحكى عن نوح - عليه السلام - ضراعته إلى ربه، والتماسه منه - تعالى ~~استئصال شأفتهم، وقطع دابرهم، لنستمع فى تدبر إلى قوله - تعالى -. { ~~قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا... }. ### || [71.21-28] # قوله - سبحانه - { قال نوح رب إنهم عصوني ~~واتبعوا.. } كلام مستأنف. لأن ما سبقه يستدعى سؤالا تقديره ماذا ~~كانت عاقبة قوم نوح بعد أن نصحهم ووعظهم بتلك الأساليب المتعددة؟ فكان ~~الجواب { قال نوح } - عليه السلام - بعد أن طال نصحه لقومه، وبعد أن ~~مكث فيهم ألف سنة إلا ms5208 خمسين عاما، وبعد أن يئس من إيمانهم وبعد أن أخبره ~~- سبحانه - أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن. { قال } متضرعا إلى ربه ~~{ رب إنهم عصوني } أى إن قومى قد عصونى وخالفوا أمرى، ~~وكرهوا صحبتى، وأصروا واستكبروا استكبارا عظيما فى دعوتى. { ~~واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا } ~~أى إنهم أصروا على معصيتى، ولم يكتفوا بذلك بل بجانب إعراضهم عنى، اتبعوا ~~غيرى.. اتبعوا رؤساءهم أهل الأموال والأولاد الذين لم تزدهم النعم التى ~~أنعمت بها عليهم إلا خسرانا وجحودا، وضلالا فى الدنيا، وعقوبة فى الآخرة. ~~فالمراد بالذين لم يزدهم مالهم وولدهم إلا خسارا أولئك الكبراء والزعماء ~~الذين رزقهم الله المال والولد، ولكنهم استعملوا نعمه فى معصيته لا فى ~~طاعته. وقوله { ومكروا مكرا كبارا } صفة أخرى من صفاتهم ~~الذميمة، وهو معطوف على صلة " من " والجمع باعتبار معناها، كما أن ~~الإفراد فى الضمائر السابقة باعتبار اللفظ. والمكر هو التدبير فى خفاء ~~لإنزال السوء بالممكور به. أى أن هؤلاء الزعماء الذين استعملوا نعمك فى ~~الشر، لم يكتفوا بتحريض أتباعهم على معصيتى، بل مكروا بى وبالمؤمنين مكرا ~~قد بلغ النهاية فى الضخامة والعظم. فقوله { كبارا } مبالغة فى الكبر ~~والعظم. أى مكرا كبيرا جدا لا تحيط بحجمه العبارة. وكان من مظاهر مكرهم ~~تحريضهم لسفلتهم على إنزال الأذى بنوح - عليه السلام - وبأتباعه - ~~وإيهامهم لهؤلاء السفلة أنهم على الحق، وأن نوحا ومن معه على الباطل. ~~وكان من مظاهر مكرهم - أيضا - ما حكاه القرآن بعد ذلك عنهم فى قوله { ~~وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا ~~سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا }. أى ومن مظاهر مكر هؤلاء ~~الرؤساء أنهم قالوا لأتباعهم. احذروا أن تتركوا عبادة آلهتكم، التى وجدتم ~~على عبادتها آباءكم، واحذروا أيضا أن تتركوا عبادة هذه الأصنام الخمسة ~~بصفة خاصة، وهى ود وسواع ويغوث ويعوق ونسرا. قال الإمام ابن كثير عند ~~تفسيره لهذه الآية ما ملخصه وهذه أسماء أصنامهم التى كانوا يعبدونها من ~~دون الله. فقد روى البخارى عن ابن عباس صارت الأوثان التى كانت فى ms5209 قوم ~~نوح فى العرب بعد، أما " ود " فكانت لقبيلة بنى كلب بدومة الجندل. وأما " ~~سواع " فكانت لهذيل، وأما " يغوث " فكانت لبنى غطيف، وأما " يعوق " فكانت ~~لهمدان، وأما " نسر " فكانت لحمير. # وهى أسماء رجال صالحين من قوم نوح - عليه السلام - فلما هلكوا أوحى ~~الشيطان إلى قومهم، أن انصبوا إلى مجالسهم التى كانوا يجلسون عليها ~~أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا. وقال ابن جرير كانوا قوما صالحين بين ~~آدم ونوح، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين ~~كانوا يقتدرون بهم لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، ~~فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال إنما كانوا ~~يعبدونهم، وبهم يسقون المطر. فعبدوهم. وقوله - تعالى - { وقد ~~أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا } معمول ~~لقول مقدر، وهذا القول المقدر معطوف على أقوال نوح السابقة. أى قال نوح ~~مناجيا ربه بعد أن يئس من إيمان قومه يا رب، إن قومى قد عصونى، وإنهم قد ~~اتبعوا رؤساءهم المغرورين، وإن هؤلاء الرؤساء قد مكروا بى وبأتباعى مكرا ~~عظيما، ومن مظاهر مكرهم أنهم حرضوا السفهاء على العكوف على عبادة ~~أصنامهم.. وأنهم قد أضلوا خلقا كثيرا بأن حببوهم فى الكفر وكرهوا إليهم ~~الإيمان. وقال نوح - أيضا - وأسألك يا رب أن لا تزيد الكافرين إلا ضلالا ~~على ضلالهم، فأنت الذى أخبرتنى بأنه # " لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن " # وإذا فدعاء نوح - عليه السلام - عليهم بالازدياد من الضلال الذى هو ضد ~~الهدى، وإنما كان بعد أن يئس من إيمانهم، وبعد أن أخبره ربه أنهم لن ~~يؤمنوا. قال صاحب الكشاف قوله { وقد أضلوا كثيرا } الضمير ~~للرؤساء، ومعناه وقد أضلوا كثيرا قبل هؤلاء الذين أمروهم بأن يتمسكوا ~~بعبادة الأصنام.. ويجوز أن يكون الضمير للأصنام، كقوله - تعالى - # إنهن أضللن كثيرا من الناس # فإن قلت علام عطف قوله { ولا تزد الظالمين إلا ضلالا }؟ ~~قلت على قوله { رب إنهم عصوني } على حكاية كلام نوح.. ~~ومعناه قال رب إنهم عصون، وقال ولا تزد الظالمين إلا ضلالا. فإن قلت كيف ~~جاز ms5210 أن يريد لهم الضلال، ويدعو الله بزيادته؟ قلت لتصميمهم على الكفر، ~~ووقوع اليأس من إيمانهم.. ويجوز أن يريد بالضلال الضياع والهلاك.. وقوله ~~- سبحانه - { مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا ~~فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا } كلام معترض بين ~~ضراعات نوح إلى ربه، والمقصود به التعجيل ببيان سوء عاقبتهم، والتسلية ~~للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من قومه. و " من " فى قوله { ~~مما خطيئاتهم } للتعليل، و " ما " مزيدة لتأكيد هذا التعليل. ~~والخطيئات جمع خطيئة، والمراد بها هنا الإشراك به - تعالى - وتكذيب نوح ~~- عليه السلام - والسخرية منه ومن المؤمنين. أى بسبب خطيئاتهم الشنيعة، ~~وليس بسبب آخر { أغرقوا فأدخلوا نارا } يصلون سعيرها فى ~~قبورهم إلى يوم الدين، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى. # وهم عندما نزل بهم الطوفان الذى أهلكهم، وعندما ينزل بهم عذاب الله فى ~~الآخرة. لن يجدوا أحدا ينصرهم ويدفع عنهم عذابه - تعالى - لامن الأصنام ~~التى تواصوا فيما بينهم بالعكوف على عبادتها، ولا من غير هذه الأصنام. ~~فالآية الكريمة تعريض بمشركى قريش، الذين يزعمون أن أصنامهم ستشفع لهم ~~يوم القيامة، والذين حكى القرآن عنهم قولهم # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # والتعبير بالفاء فى قوله { أغرقوا فأدخلوا نارا فلم ~~يجدوا لهم من دون الله أنصارا } للإشعار بأن دخولهم ~~النار كان فى أعقاب غرقهم بدون مهلة، وبأن صراخهم وعويلهم كان بعد نزول ~~العذاب بهم مباشرة، إلا أنهم لم يجدوا أحدا، يدفع عنهم شيئا من هذا ~~العذاب الأليم. ثم واصلت السورة الكريمة حكاية ما ناجى نوح به ربه، فقالت ~~{ وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ~~ديارا }. أى وقال نوح متابعا حديثه مع ربه، ومناجاته له يا رب، لا ~~تترك على الأرض من هؤلاء الكافرين { ديارا } أى واحدا يسكن دارا، أو ~~واحدا منهم يدور فى الأرض ويتحرك عليها، بل خذهم جميعا أخذ عزيز مقتدر. ~~فقوله { ديارا } مأخوذ من الدار، أو الدوران، وهو التحرك، والمقصود ~~لا تذر منهم أحد أصلا، بل اقطع دابرهم جميعا. قالوا والديار من الأسماء ~~التى لا تستعمل إلا ms5211 فى النفى العام. يقال ما بالدارديار. أى ليس بها أحد ~~ألبتة، وهو اسم بزنة فيعال. وقوله { إنك إن تذرهم ~~يضلوا عبادك } تعليل لدعائه عليهم جميعا بالهلاك. أى يا رب لا ~~تترك منهم أحدا سالما، بل أهلكهم جميعا لأنك إن تترك منهم أحدا على أرضك ~~بدون إهلاك، فإن هؤلاء المتروكين من دأبهم - كما رأيت منهم زمانا طويلا - ~~إضلال عبادك عن طريق الحق. وقوله { ولا يلدوا إلا فاجرا ~~كفارا } زيادة فى ذمهم وفى التشنيع عليهم. والفاجر هو المتصف ~~بالفجور، والملازم له ملازمة شديدة، والفجور هو الفعل البالغ للنهاية فى ~~الفساد والقبح. والكفار هو المبالغ فى الكفر، والجحود لنعم الله - تعالى ~~-. أى إنك يا إلهى إن تتركهم بدون إهلاك، يضلوا عبادك عن كل خير، وهم فوق ~~ذلك، لن يلدوا إلا من هو مثلهم فى الفجور والكفران لأنهم قد نشأوا ~~أولادهم على كراهية الحق، وعلى محبة الباطل. قال الجمل فإن قيل كيف علم ~~نوح أن أولادهم يكفرون؟ أجيب بأنه لبث فيهم ألف سنة إلأ خمسين عاما، ~~فعرف طباعهم وأحوالهم، وكان الرجل منهم ينطلق إليه بابنه ويقول له احذر ~~هذا - أى نوحا - فإنه كذاب، وإن أبى حذرنى منه، فيموت الكبير، وينشأ ~~الصغير على ذلك. وعلى أية حال فالذى نعتقده أن نوحا - عليه السلام - ما ~~دعا عليهم بهذا الدعاء، وما قال فى شأنهم هذا القول - وهو واحد من أولى ~~العزم من الرسل - إلا بعد أن يئس من إيمانهم، وإلا بعد أن أخبره ربه أنه ~~لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، وإلا بعد أن رأى منهم - بعد ألف سنة إلا ~~خمسين عاما عاشها معها - أنهم قوم قد استحبوا العمى على الهدى، وأن ~~الأبناء منهم يسيرون على طريقة الآباء فى الكفر والفجور. # . وإلى جانب دعاء نوح - عليه السلام - على الكافرين بالهلاك الساحق.. ~~نراه يختتم دعاءه بالمغفرة والرحمة للمؤمنين، فيقول { رب اغفر لي ~~ولوالدي }. أى يا رب أسألك أن تغفر لى ذنوبى، وأن تغفر لوالدى - ~~أيضا - ذنوبهما، ويفهم من هذا الدعاء أنهما كانا مؤمنين، وإلا لما دعا ms5212 ~~لهما بهذا الدعاء. { ولمن دخل بيتي مؤمنا } واغفر يا إلهى ~~لكل من دخل بيتى وهو متصف بصفة الإيمان، فيخرج بذلك من دخله وهو كافر ~~كامرأته وابنه الذى غرق مع المغرقين. { وللمؤمنين ~~والمؤمنات } أى واغفر يا رب ذنوب المؤمنين والمؤمنات بك إلى يوم ~~القيامة. { ولا تزد الظالمين إلا تبارا } أى ولا تزد ~~الظالمين إلا هلاكا وخسارا ودمارا. يقال تبره يتبره، إذا أهلكه. ويتعدى ~~بالتضعيف فيقال تبره الله تتبيرا، ومنه قوله - تعالى - # إن هؤلاء متبر ما هم فيه # وهكذا اختتمت السورة الكريمة بهذا الدعاء الذى فيه طلب المغفرة ~~للمؤمنين، والهلاك للكافرين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ~~وسلم. ### | [72 - سورة الجن] ### || [72.1-15] # قد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات روايات منها ما أخرجه الشيخان ~~والترمذى، عن ابن عباس أنه قال # " انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فى طائفة من أصحابه، عامدين إلى ~~سوق عكاظ بنخلة، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم ~~الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا مالكم؟ قالوا حيل بيننا وبين ~~خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا ما ذاك إلا لشئ حدث، فاضربوا ~~مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الذى حال بيننا وبين خبر السماء؟ ~~فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فمر النفر - من الجن - الذى أخذوا ~~نحو تهامة، عامدين إلى سوق عكاظ، فوجدوا الرسول صلى الله عليه وسلم بنخلة ~~يصلى بأصحابه صلاة الصبح، فلما سمعوا القرآن، استمعوا إليه وقالوا هذا ~~الذى حال بيننا وبين خبر السماء. فرجعوا إلى قومهم فقالوا يا قومنا، إنا ~~سمعنا قرآنا عجبا، يهدى إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا آحدا، " # وأنزل الله - تعالى - على نبيه { قل أوحي إلي أنه ~~استمع نفر من الجن }. وروى أبو داود عن علقمة عن ابن مسعود ~~عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال # " أتانى داعى الجن، فذهبت معهم، فقرأت عليهم القرآن.. " # وهناك رواية ثالثة لابن إسحاق ملخصها أنه لما مات أبو طالب، خرج النبى ~~صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يلتمس النصرة من أهلها ms5213 ويدعوهم إلى ~~الإيمان.. فأغروا به سفهاءهم، يسبونه ويستهزئون به.. فانصرف صلى الله ~~عليه وسلم عنهم، حتى إذا كان ببطن نخلة - هو موضع بين مكة والطائف - قام ~~يصلى من الليل، فمر به نفر من جن نصيبين - وهو موضع قرب الشام - فاستمعوا ~~إليه، فلما فرغ من صلاته، ولوا إلى قومهم منذرين، قد آمنوا وأجابوا إلى ~~ما سمعوا، فقص الله - تعالى - خبرهم عليه.. وهناك روايات أخرى فى عدد ~~هؤلاء الجن، وفى الأماكن التى التقوا فيها مع النبى صلى الله عليه وسلم ~~وفيما قرأه الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم، وفيمن كان معه من الصحابة ~~خلال التقائه بهم.. ويبدو لنا من مجموع الروايات، أن لقاء النبى صلى الله ~~عليه وسلم بالجن قد تعدد، وأنهم تارة استمعوا إليه صلى الله عليه وسلم ~~دون أن يراهم، وتارة التقى بهم وقرأ عليهم القرآن. قال الآلوسى وقد دلت ~~الأحاديث على أن وفادة الجن كانت ست مرات، ويجمع بذلك بين اختلاف ~~الروايات فى عددهم وفى غير ذلك. وذكر ابن مردويه عن ابن عباس أنه قال ~~صرفت الجن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين.. قال القرطبى واختلف ~~أهل العلم فى أصل الجن. # فعن الحسن البصرى أن الجن ولد إبليس، والإنس ولد آدم، ومن هؤلاء وهؤلاء ~~مؤمنون وكافرون، وهم شركاء فى الثواب والعقاب، فمن كان من هؤلاء وهؤلاء ~~مؤمنا فهو ولى الله، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافرا فهو شيطان. وعن ابن ~~عباس أن الجن هم ولد الجان وليسوا بشياطين ومنهم المؤمن والكافر، ~~والشياطين هم ولد إبليس، لا يموتون إلا مع إبليس.. وقال بعض العلماء عالم ~~الجن من العوالم الكونية، كعالم الملائكة وقد أخبر الله - تعالى - أنه ~~خلقه من مارج من نار، أى أن عنصر النار فيه هو الغالب، وأنه يرى الأناسى ~~وهم لا يرونه، أى بصورته الجبلية، وإن كان يرى حين يتشكل بأشكال أخرى، ~~كما رئى جبريل حين تشكل بشكل آدمى. وأخبر - سبحانه - بأن الجن قادرون على ~~الأعمال الشاقة. وأن الله سخر الشياطين لسليمان يعملون له ما يشاء ms5214 من ~~محاريب وتماثيل.. وأخبر بأن من الجن مؤمنين، وأن منهم شياطين متمردين، ~~ومن هؤلاء إبليس اللعين. ولم يختلف أهل الملل فى وجودهم، بل اعترفوا به ~~كالمسلمين، وإن اختلفوا فى حقيقتهم، ولا تلازم بين الوجود والعلم ~~بالحقائق، ولا بينه وبين الرؤية بالحواس، فكثير من الأشياء الموجودة لا ~~تزال حقائقها مجهولة، وأسرارها محجوبة، وكثير منها لا يرى بالحواس. ألا ~~ترى الروح - وهى مما لا شك فى وجودها فى الإنسان والحيوان - لم يدرك ~~كنهها أحد ولم يرها أحد، وغاية ما علم من أمرها بعض صفاتها وآثارها.. وقد ~~بعث النبى صلى الله عليه وسلم إلى الجن، كما بعث إلى الإنس، فدعاهم إلى ~~التوحيد، وأنذرهم وبلغهم القرآن، وسيحاسبون على الأعمال يوم الحساب كما ~~يحاسب الناس، فمؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم وكل ذلك جاء صريحا فى ~~القرآن والسنة.. وقد افتتح - سبحانه - السورة الكريمة بأمر النبى صلى ~~الله عليه وسلم بأن يقول للناس ما حدث من الجن عند سماعهم للقرآن. فقال { ~~قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن }. وفى ~~هذا الأمر دلالة على أن المأمور به شئ هام، يستدعى من السامعين التيقظ ~~والانتباه، والامتثال للمأمور به، وتصديقه صلى الله عليه وسلم فيما أخبر ~~به. والنفر الجماعة من واحد إلى عشرة، وأصله فى اللغة الجماعة من الإنس ~~فأطلق على الجماعة من الجن وعلى وجه التشبيه. أى قل - أيها الرسول الكريم ~~- للناس، إن الله - تعالى - قد أخبرك عن طريق أمين وحيه جبريل أن جماعة ~~من الجن قد استمعوا إليك وأنت تقرأ القرآن.. فقالوا - على سبيل الفرح ~~والإعجاب بما سمعوا - { إنا سمعنا } من الرسول صلى الله عليه ~~وسلم { قرآنا عجبا } أى إنا سمعنا قرآنا جليل الشأن، بديع الأسلوب، ~~عظيم القدر.. هذا القرآن { يهدي إلى الرشد } أى إلى الخير ~~والصواب والهدى { فآمنا به } إيمانا حقا، لا يخالطه شك أو ريب { ~~ولن نشرك بربنآ أحدا } أى فآمنا بما اشتمل عليه هذا الكتاب ~~من دعوة إلى إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده، ولن نشرك معه فى العبادة ~~أحدا كائنا من كان هذا الحد. # والمقصود ms5215 من أمره صلى الله عليه وسلم بذلك، دعوة مشركى قريش إلى ~~الإيمان بالحق الذى جاء به صلى الله عليه وسلم كما آمن جماعة من الجن ~~به، وإعلامهم بأن رسالته صلى الله عليه وسلم تشمل الجن والإنس. وضمير " ~~أنه " للشأن، وخبر " أن " جملة { استمع نفر من الجن } ، ~~وتأكيد هذا الخبر بأن، للاهتمام به لغرابته. ومفعول " استمع " محذوف ~~لدلالة قوله { إنا سمعنا قرآنا عجبا } عليه. ووصفهم للقرآن ~~بكونه { قرآنا عجبا. يهدي إلى الرشد } يدل على تأثرهم به ~~تأثرا شديدا، وعلى إعجابهم العظيم بنظمه المتقن، وأسلوبه الحكيم، ومعانيه ~~البديعة.. ولذا أعلنوا إيمانهم به بدون تردد، كما يشعر بذلك التعبير ~~بالفاء فى قوله { فآمنا به... }. والتعبير بقوله - تعالى - { ~~فقالوا إنا سمعنا.. } يحتمل أنهم قالوا ذلك فيما بينهم، أو ~~لإخوانهم الذين رجعوا إليهم، كما فى قوله - تعالى - فى سورة الأحقاف # قالوا يقومنآ إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد ~~موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق ~~وإلى طريق مستقيم # ويحتمل أنهم قالوا ذلك فى أنفسهم على سبيل الإعجاب، كما فى قوله - ~~تعالى - # ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما ~~نقول # بل إننا نرجح أن قولهم هذا قد شمل كل ذلك، لأن هذا هو الذى يتناسب مع ~~إعجابهم بالقرآن الكريم، ومع حرصهم على إيمان أكبر عدد منهم به. ثم حكى - ~~سبحانه - أن هذا النفر من الجن بعد استماعهم إلى القرآن وإيمانهم به، ~~أخذوا فى الثناء على الخالق - عز وجل - فقال حكاية عنهم { وأنه ~~تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا }. ولفظ " ~~وأن " قد تكرر فى هذه السورة الكريمة أكثر من عشر مرات، تارة بالإضافة ~~إلى ضمير الشأن، وتارة بالإضافة إلى ضمير المتكلم. ومن القراء السبعة من ~~قرأة بفتح الهمزة، ومنهم من قرأه بكسرها، فمن قرأ { وأنه تعالى ~~جد ربنا... } بالفتح فعلى أنه معطوف على محل الجار والمجرور فى ~~قوله { فآمنا به... } فكأنه قيل فصدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ~~ربنا.. ومن قرأ بالكسر فعلى أنه معطوف على المحكى بعد القول، أى قالوا ~~إنا سمعنا قرآنا عجبا، ms5216 وقالوا إنه تعالى جد ربنا.. قال الجمل فى حاشيته ~~ما ملخصه قوله - تعالى - { وأنه تعالى جد ربنا... } قرأه ~~حمزة والكسائى وأبو عامر وحفص بفتح " أن " وقرأه الباقون بالكسر.. ~~وتلخيص هذا أن " أن " المشددة فى هذه السورة على ثلاثة أقسام قسم ليس ~~معه واو العطف، فهذا لا لخلاف بين القراء فى فتحه أو كسره، على حسب ما ~~جاءت به التلاوة واقتضته العربية، كقوله { قل أوحي إلي أنه ~~استمع. # .. } لا خلاف فى فتحه لوقوعه موقع المصدر، وكقوله { إنا سمعنا ~~قرآنا عجبا } لا خلاف فى كسره لأنه محكى بالقول. القسم الثانى أن ~~يقترن بالواو، وهو أربع عشرة كلمة، إحداها لا خلاف فى فتحها، وهى قوله # وأن المساجد لله... # وهذا هو القسم الثالث. والثانية وهى قوله # وأنه لما قام عبد الله... # كسرها ابن عامر وأبو بكر وفتحها الباقون. والاثنتا عشرة الباقية، فتحها ~~بعضهم، وكسرها بعضهم وهى قوله - تعالى - { وأنه تعالى جد ~~ربنا... } وقوله { وأنه كان يقول.... } { وأنا ~~ظننآ... } { وأنه كان رجال... } { وأنهم ~~ظنوا... } { وأنا لمسنا... } { وأنا كنا... } { ~~وأنا لا ندري.... } { وأنا منا الصالحون... } { ~~وأنا لما سمعنا الهدى... } { وأنا منا ~~المسلمون }. وقوله { تعالى } من التعالى وهو شدة العلو. و { ~~جد ربنا } الجد - بفتح الجيم - العظمة والجلال. قال القرطبى الجد ~~فى اللغة العظمة والجلال، ومنه قول أنس كان الرجل إذا حفظ البقرة وآل ~~عمران جد فى عيوننا. أى عظم. فمعنى جد ربنا عظمته وجلاله. وقيل معنى " جد ~~ربنا.. " غناه، ومنه قيل للحظ جد، ورجل مجدود، أى محظوظ. وفى الحديث " ~~ولا ينفع ذا الجد منك الجد " أى ولا ينفع ذا الغنى منك غناه، وإنما تنفعه ~~الطاعة.. وجملة { ما اتخذ صاحبة ولا ولدا } بيان وتفسير لما ~~قبله. أى آمنا به - سبحانه - إيمانا حقا، وصدقنا نبيه فيما جاءنا به من ~~عنده، وصدقنا - أيضا - أن الحال والشأن تعالى وتعاظم جلال ربنا، وتنزه فى ~~ذاته وصفاته، عن أن يكون له شريك فى ملكه. أو أن تكون له صاحبة أو أن ~~يكون له ولد، كما زعم الزاعمون من الكافرين الجاهلين. وفى هذا ms5217 القول من ~~هذا النفر من الجن، رد على أولئك المشركين الذين كانوا يزعمون أن ~~الملائكة بنات الله - تعالى -، وأنهم - أى الملائكة - جاءوا عن طريق ~~مصاهرته - سبحانه - للجن، كما حكى عنهم - سبحانه - ذلك فى قوله # وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت ~~الجنة إنهم لمحضرون. سبحان الله عما يصفون # ثم حكى - سبحانه - أقوالا أخرى لهؤلاء المؤمنين من الجن فقال { ~~وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا... } والمراد ~~بالسفيه هنا إبليس - لعنة الله - وقيل المراد به الجنس فيشمل كل كافر ~~ومتمرد من الجن، والشطط، مجاوزة الحد والعدل فى كل شئ، أى أننا ننزه الله ~~- تعالى - عما كان يقوله سفهاؤنا - وعلى رأسهم إبليس - من أن الله - عز ~~وجل - صاحبة أو ولدا، فإن هذا القول بعيد كل البعد عن الحق والعدل ~~والصواب. # وقوله { وأنا ظننآ أن لن تقول الإنس والجن على ~~الله كذبا } اعتذار منهم عن كفرهم السابق، فكأنهم يقولون بعد أن ~~استمعوا إلى القرآن، وآمنوا بالله - تعالى - وحده إننا ننزه الله - تعالى ~~- عما قاله السفهاء فى شأنه.. وإذا كنا قد اتبعناهم قبل إيماننا، فسبب ~~ذلك أننا صدقنا هؤلاء السفهاء فيما قالوه لنا، وما كنا نعتقد أو نتصور أو ~~نظن أن هؤلاء السفهاء يصل بهم الفجور والكذب.. إلى هذا الحد الشنيع. ~~وقوله { كذبا } مفعول به لتقول، أو صفة لمصدر محذوف، أى قولا مكذوبا. ثم ~~- حكى - سبحانه - عنهم تكذيبهم لما كان متعارفا عليه فى الجاهلية من أن ~~الجن سلطانا على الناس، وأن لهم قدرة على النفع والضر.. فقال - تعالى - { ~~وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الجن فزادوهم رهقا.. }. وقوله { يعوذون } من العوذ ~~بمعنى الاستجارة بالشئ والالتجاء إليه طلبا للنجاة. والرهق الإثم وغشيان ~~المحارم. قال صاحب الكشاف والرهق غشيان المحارم، والمعنى أن الإنس ~~باستعاذتهم بهم - أى بالجن - زادوهم كفرا وتكبرا. وذلك أن الرجل من العرب ~~كان إذا أمسى فى واد قفر فى بعض مسايره، وخاف على نفسه قال أعوذ بسيد هذا ~~الوادى من سفهاء قومه، يريد الجن وكبيرهم، فإذا سمعوا ذلك استكبروا ~~وقالوا سدنا ms5218 الجن والإنس، فذلك رهقهم، أو فزاد الجن والإنس رهقا ~~بإغوائهم وإضلالهم لاستعاذتهم بهم.. فالمقصود به من الآية الكريمة بيان ~~فساد ما كان شائعا فى الجاهلية - بل وفى بعض البيئات حتى الآن - من أن ~~الجن لهم القدرة على النفع والضر وأن بعض الناس كانوا يلجأون إليهم طلبا ~~لمنفعتهم وعونهم على قضاء مصالحهم. وإطلاق اسم الرجال على الجن، من باب ~~التشبيه والمشاكلة لوقوعه من رجال من الإنس، فإن الرجل اسم للمذكر ~~البالغ من بنى آدم. وقوله - سبحانه - { وأنهم ظنوا كما ~~ظننتم أن لن يبعث الله أحدا }. بيان لما استنكره هؤلاء ~~النفر المؤمنون من الجن على قومهم الكافرين. وعلى من يشبهونهم فى الكفر ~~من الإنس. أى وأنهم - أى الإنس - ظنوا واعتقدوا { كما ظننتم } ~~واعتقدتم أيها الجن، أن الله - تعالى - لن يبعث أحدا بعد الموت، وهذا ~~الظن منهم ومنكم ظن خاطئ فاسد، فإن البعث حق، وإن الحساب حق، وإن الجزاء ~~حق. وفى هذا القول من مؤمنى الجن، تعريض بمشركى قريش، الذين أنكروا ~~البعث، وقالوا # ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما ~~يهلكنآ إلا الدهر.. # ثم حكى - سبحانه - عنهم ما قالوه عند اقترابهم من السماء، طلبا لمعرفة ~~أخبارها.. قبل أن يؤمنوا فقال { وأنا لمسنا السمآء ~~فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا. # وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن ~~يستمع الآن يجد له شهابا رصدا }. وقوله { لمسنا } ~~من اللمس، وحقيقته الجس واليد، واستعير هنا، لطلب أخبار السماء، لأن ~~الماس للشئ فى العادة، إنما يفعل ذلك طلبا لاختباره ومعرفته. والحرس اسم ~~جمع للحراس، كخدم وكخدام، والشهب جمع شهاب، وهو القطعة التى تنفصل عن بعض ~~النجوم، فتسقط فى الجو أو على الأرض أو فى البحر. أى وأنا طلبنا أخباء ~~السماء كما هى عادتنا قبل أن نؤمن { فوجدناها ملئت حرسا ~~شديدا وشهبا } أى فوجدناها قد امتلأت بالحراس الأشداء من الملائكة ~~الذين يحرسونها من استراق السمع.. كما أنا قد وجدناها قد امتلأت بالشهب ~~التى تنقض على مسترقى السمع فتحرقهم. { وأنا كنا نقعد منها ~~} أى من السماء { مقاعد للسمع } أى كنا ms5219 نقعد منها مقاعد كائنة ~~للسمع، خالية من الحرس والشهب. { فمن يستمع الآن } بعد نزول ~~القرآن، الذى هو معجزة للنبى صلى الله عليه وسلم والذى آمنا به وصدقناه. ~~{ يجد له شهابا رصدا } أى فمن يجلس الآن ليسترق السمع من ~~السماء يجد له شهابا معدا ومهيأ للانقضاض عليه فيهلكه. فالرصد جمع راصد، ~~وهو الحافظ للشئ، وهو وصف لقوله " شهابا ". والفاء فى قوله { فمن ~~يستمع الآن } للتفريع على محذوف، وكلمة " الآن " فى مقابل كلمة " ~~كنا " الدالة على المحذوف. والتقدير كنا نقعد منها مقاعد للسمع، فنستمع ~~أشياء، وقد انقضى ذلك، وصرنا من يستمع الآن منا يجد له شهابا رصدا، ينقض ~~عليه فيحرقه. والمقصود من هاتين الآيتين تأكيد إيمانهم بالله - تعالى -، ~~وبرسوله صلى الله عليه وسلم، وحض غيرهم على اتباعهم، وتحذيرهم من التعرض ~~لاستراق السمع. قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهاتين الآيتين " يخبر ~~الله - تعالى - عن الجن حين بعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم ~~وأنزل عليه القرآن، وكان من حفظه له أن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا، ~~وحفظت من سائر أرجائها، وطردت الشياطين عن مقاعدها التى كانت تقعد فيها ~~قبل ذلك، لئلا يسترقوا شيئا من القرآن، فيلقوه على ألسنة الكهنة، فيلتبس ~~الأمر ويختلط ولا يدرى من الصادق، وهذا من لطف الله بخلقه، ورحمته ~~بعباده، وحفظه لكتابه العزيز، ولهذا قالت الجن { وأنا لمسنا ~~السمآء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا. ~~وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع ~~الآن يجد له شهابا رصدا } أى من يروم أن يسترق السمع اليوم ~~يجد له شهابا مرصدا، لا يتخطاه ولا يتعداه، بل يمحقه ويهلكه ". وقال بعض ~~العلماء والصحيح أن الرجم كان موجودا قبل المبعث. فلما بعث صلى الله عليه ~~وسلم كثر وازداد، كما ملئت السماء بالحرس والشهب. وليس فى الآية دلالة ~~على أن كل ما يحدث من الشهب إنما هو للرجم، بل إنهم إذا حاولوا استراق ~~السمع رجموا بالشهب، وإلا فالشهب الآن وفيما مضى قد تكون ظواهر طبيعية ~~ولأسباب كونية. # . ثم حكى - سبحانه - ما قالوه على سبيل ms5220 الإقرار بأنهم لا يعلمون شيئا ~~من الغيوب فقال { وأنا لا ندري أشر أريد بمن في ~~الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا }. أى وقال هؤلاء الجن ~~المؤمنون على سبيل الاعتراف بأن مرد علم الغيوب إلى الله - تعالى - وحده ~~قالوا وإنا لا ندرى ولا نعلم الآن، بعد هذه الحراسة المشددة للسماء، ~~أأريد بأهل الأرض ما يضر بهم، أم أراد الله - تعالى - بها ما ينفعهم؟. ~~قال الآلوسى ولا يخفى ما فى قولهم هذا من الأدب، حيث لم يصرحوا بنسبة ~~الشر إلى الله - تعالى -، كما صرحوا به فى الخير، وإن كان فاعل الكل هو ~~الله - تعالى - ولقد جمعوا بين الأدب وحسن الاعتقاد.. ثم حكى - سبحانه - ~~ما قالوه فى وصف حالهم وواقعهم فقال { وأنا منا الصالحون... ~~} أى منا الموصوفون بالصلاح والتقوى.. وهم الذين آمنوا بالله - تعالى - ~~إيمانا حقا، ولم يشركوا معه فى العبادة أحدا.. { ومنا دون ذلك } ~~أى ومنا قوم دون ذلك فى الصلاح والتقوى.. وهم الذين فسقوا عن أمر ربهم، ~~ولم يستقيموا على صراطه ودينه. وقوله { كنا طرآئق قددا } تشبيه ~~بليغ. والطرائق جمع طريقة، وهى الحالة والمذهب. وقددا جمع قدة، وهى ~~الفرقة والجماعة من الناس، الذين تفرقت مشاربهم وأهواؤهم. والجملة ~~الكريمة بيان وتفسير لما قبلها. أى وأنا فى واقع أمرنا منا الصالحون ~~الأخيار.. ومنا من درجته ورتبته أقل من ذلك بكثير أو بقليل.. فنحن فى ~~حياتنا كنا قبل سماعنا للقرآن كالمذاهب المختلفة فى حسنها وقبحها، ~~وكالطرق المتعددة فى استقامتها واعوجاجها.. أما الآن فقد وفقنا الله - ~~تعالى - إلى الإيمان به، وإلى إخلاص العبادة له.. ومن وجوه البلاغة فى ~~الآية الكريمة، أنهم قالوا { ومنا دون ذلك } ، ليشمل التعبير من ~~هم دون الكمال فى الصلاح، ومن هم قد انحدروا فى الشرور والآثام إلى درجة ~~كبيرة، وهم الأشرار. والمقصود به الآية الكريمة، مدح الصالحين، وذم ~~الطالحين، ودعوتهم إلى الاقتداء بأهل الصلاح والتقوى والإيمان. ثم حكى - ~~سبحانه - ما قالوه بشأن عجزهم المطلق أمام قدرة خالقهم فقال { وأنا ~~ظننآ أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه ~~هربا }. والظن هنا ms5221 بمعنى العلم واليقين. وقوله { نعجزه } من ~~الإعجاز، وهو جعل الغير عاجزا عن الحصول على ما يريد. وقوله { في ~~الأرض } و { هربا } فى موضع الحال. أى وأننا قد علمنا وتيقنا بعد ~~إيماننا وبعد سماعنا للقرآن.. أننا فى قبضة الله - تعالى - وتحت قدرته، ~~ولن نستطيع الهرب من قضائه سواء أكنا فى الأرض أم فى غيرها. # فقوله { في الأرض } إشارة إلى عدم قدرتهم على النجاة من قضائه - ~~تعالى - مهما حاولوا اللجوء إلى أية بقعة من بقاعها، ففى أى بقعة منها ~~يكونون، يدركهم قضاؤه وقدره. وقوله { ولن نعجزه هربا } إشارة ~~إلى أن هربهم إلى السماء لا إلى الأرض، لن ينجيهم مما يريده - سبحانه - ~~بهم. فالمقصود بالآية الكريمة إظهار عجزهم المطلق أمام قدرة الله - تعالى ~~- وعدم تمكنهم من الهرب من قضائه، سواء ألجأوا إلى الأرض، أم إلى السماء. ~~وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله - تعالى - # ومآ أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون ~~الله من ولي ولا نصير # ثم حكى - سبحانه - حالهم عندما سمعوا ما يهديهم إلى الرشد.. فقال - ~~تعالى - { وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن ~~يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا.. }. أى وأننا ~~لما سمعنا الهدى، أى القرآن من النبى صلى الله عليه وسلم { آمنا به ~~} بدون تردد أو شك { فمن يؤمن بربه } وبما أنزله على نبيه صلى ~~الله عليه وسلم { فلا يخاف بخسا } أى نقصا فى ثوابه { ولا ~~رهقا } أى ولا يخاف - أيضا - ظلما يلحقه بزيادة فى سيئاته، أو إهانة ~~تذله وتجعله كسير القلب، منقبض النفس. فالمراد بالبخس الغبن فى الأجر ~~والثواب. والمراد بالرهق الإهانة والمذلة والمكروه. والمقصود بالآية ~~الكريمة إظهار ثقتهم المطلقة فى عدالة الله - تعالى -. وقوله - سبحانه - ~~{ وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن ~~أسلم فأولئك تحروا رشدا. وأما القاسطون ~~فكانوا لجهنم حطبا } تأكيد وتفصيل لما قبله. والقاسطون هم ~~الجائرون الظالمون، جمع قاسط، وهو الذى ترك الحق واتبع الباطل، اسم فاعل ~~من قسط الثلاثى بمعنى جار، بخلاف المقسط فهو الذى ترك الباطل واتبع الحق. ~~مأخوذ من أقسط الرباعى بمعنى عدل. ms5222 أى وأنا - معاشر الجن - { منا ~~المسلمون } الذين أسلموا وجوههم لله وأخلصوا له العبادة. { ~~ومنا القاسطون } أى الجائرون المائلون عن الحق إلى الباطل. { ~~فمن أسلم } منا { فأولئك } المسلمون { تحروا ~~رشدا } أى توخوا وقصدوا الرشد والحق. { وأما القاسطون } وهم ~~الذين آثروا الغى على الرشد { فكانوا لجهنم حطبا } أى وقودا ~~لجهنم، كما توقد النار بما يلقى فيها من حطب وما يشبهه. وإلى هنا نرى ~~الآيات الكريمة قد حكت أقوالا متعددة، لهؤلاء النفر من الجن، الذين ~~استمعوا إلى القرآن، فآمنوا به، وقالوا لن نشرك بربنا أحدا. ثم بين - ~~سبحانه - سنة من سننه التى لا تتخلف، وهى أن الاستقامة على طريقة توصل ~~إلى السعادة، وأن الإعراض عن طاعته - تعالى - يؤدى إلى الشقاء، وأمر ~~رسوله صلى الله عليه وسلم أن يعلن للناس حقائق دعوته، وخصائص رسالته، ~~وإقراره أمامهم بأنه لا يملك لهم ضرا ولا نفعا، وأن علم الغيب مرده إلى ~~الله - تعالى - وحده، فقال - سبحانه - { وألو استقاموا ~~على... }. ### || [72.16-28] # قوله سبحانه { وألو استقاموا على الطريقة ~~لأسقيناهم مآء غدقا.. } معطوف على قوله - تعالى - # أنه استمع نفر من الجن.. # فهو من جملة الموحى به، وهو من كلام الله - تعالى - لبيان سنة من سننه ~~فى خلقه، واسم " أن " المخففة ضمير الشأن والخبر قوله، { وألو ~~استقاموا.. } والضمير يعود على القاسطين سواء أكانوا من الإنس أم من ~~الجن. والماء الغدق هو الماء الكثير، يقال غدقت عين فلان غدقا - ~~كفرح - إذا كثر دمعها فهى غدقة، ومنه الغيداق للماء الواسع الكثير، ~~والمراد لأعطيناهم نعما كثيرة. أى ولو أن هؤلاء العادلين عن طريق الحق ~~إلى طريق الباطل استقاموا على الطريقة المثلى، التى هى طريق الإسلام، ~~والتزموا بما جاءهم به النبى صلى الله عليه وسلم من عند ربه.. لو أنهم ~~فعلوا ذلك، لفتحنا عليهم أبواب الرزق، ولأعطيناهم من بركاتنا وخيراتنا ~~الكثير.. وخص الماء الغدق بالذكر، لأنه أصل المعاش والسعة. ومن الآيات ~~التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - # ومن يتق الله يجعل له مخرجا. ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب # وقوله - سبحانه - # ولو أن أهل القرى ms5223 آمنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السمآء والأرض... # وقوله - تعالى - # ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل ~~إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم # ثم بين - سبحانه - الحكمة فى هذا العطاء لعباده فقال { لنفتنهم ~~فيه } وأصل الفتن الامتحان والاختبار. تقول فتنت الذهب بالنار، أى ~~اختبرته لتعرف مقدار جودته. والمعنى نعطيهم ما نعطيهم من خيراتنا، ~~لنختبرهم ونمتحنهم، ليظهر للخلائق موقفهم من هذه النعم، أيشكروننا عليها ~~فنزيدهم منها، أم يجحدون ويبطرون فنمحقها من بين أيديهم..؟. والجملة ~~الكريمة معترضة بين ما قبلها، وبين قوله - تعالى - بعد ذلك { ومن ~~يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا }. وقوله { ~~يسلكه } من السلك بمعنى إدخال الشئ فى الشئ ومنه قوله - تعالى - # كذلك نسلكه في قلوب المجرمين # والصعد الشاق. يقال فلان فى صعد من أمره، أى فى مشقة وتعب، وهو ~~مصدر صعد - كفرح - صعدا وصعودا. أى ومن يعرض عن طاعة ربه ومراقبته ~~وخشيته.. يدخله - سبحانه - فى عذاب شاق أليم، لا مفر منه، ولا مهرب له ~~عنه. ومن الحقائق والحكم التى نأخذها من هاتين الآيتين، أن الاستقامة على ~~أمر الله، تؤدى إلى السعادة التى ليس بعدها سعادة، وأن رخاء العيش ~~وشظافته هما لون من ألوان الابتلاء والاختبار، كما قال - تعالى - # ونبلوكم بالشر والخير فتنة # وأن الإعراض عن ذكر الله... عاقبته الخسران المبين، والعذاب الأليم. ~~قال القرطبى ما ملخصه قوله { لنفتنهم فيه } أى لنختبرهم كيف ~~شكرهم فيه على تلك النعم. # وقال عمر بن الخطاب فى هذه الآية أينما كان الماء كان المال، وأينما كان ~~المال كانت الفتنة فمعنى { لأسقيناهم } لوسعنا عليهم فى الدنيا، ~~وضرب الماء الغدق الكثير لذلك مثلا، لأن الخير والرزق كله، بالمطر يكون، ~~فأقيم مقامه. وفى صحيح مسلم، عن أبى سعيد الخدرى، أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال # " أخوف ما أخاف عليكم، ما يخرج لكم من زهرة الدنيا، قالوا وما زهرة ~~الدنيا؟ قال بركات الأرض.. ". # وقال صلى الله عليه وسلم # " والله ما الفقر أخشى عليكم، وإنما أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا ~~كما بسطت ms5224 على من قبلكم، فتنافسوها، كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم ". # ثم بين - سبحانه - أن المساجد التى تقام فيها الصلاة والعبادات، يجب أن ~~تنسب إلى الله - تعالى - وحده، فقال { وأن المساجد لله ~~فلا تدعوا مع الله أحدا }. والجملة الكريمة معطوفة على ~~قوله - تعالى - قبل ذلك # أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن # والمساجد جمع مسجد، وهو المكان المعد لإقامة الصلاة والعبادة فيه. ~~واللام فى قوله { لله } ، للاستحقاق. أى وأوحى إلى - أيضا - أن المساجد ~~التى هى أماكن الصلاة والعبادة لا تكون إلا لله - تعالى - وحده، ولا يجوز ~~أن تنسب إلى صنم من الأصنام، أو طاغوت من الطواغيت. قال الإمام ابن كثير ~~قال قتادة كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم، أشركوا بالله، ~~فأمر الله نبيه والمؤمنين، أن يوحدوه وحده. وقال سعيد بن جبير نزلت فى ~~أعضاء السجود أى هى لله فلا تسجدوا بها لغيره.. وفى الحديث أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة - وأشار ~~بيده إلى أنفه - واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين. ويبدو لنا أن ~~المراد بالمساجد هنا الأماكن المعدة للصلاة والعبادة، لأن هذا هو ~~المتبادر من معنى الآية، وأن المقصود بها توبيخ المشركين الذين وضعوا ~~الأنصاب والأصنام، فى المسجد الحرام وأشركوها فى العبادة مع الله - تعالى ~~-. وأضاف - سبحانه - المساجد إليه، على سبيل التشريف والتكريم وقد تضاف ~~إلى غيره - تعالى - على سبيل التعريف فحسب، وفى الحديث الشريف # " الصلاة فى مسجدى هذا خير من ألف صلاة فى غيره، إلا المسجد الحرام ". # ثم بين - سبحانه - حال الصالحين من الجن، عندما استمعوا إلى النبى صلى ~~الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن، ويتقرب إلى الله - تعالى - بالعبادة ~~فقال { وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا ~~يكونون عليه لبدا } أى وأوحى الله - تعالى - فيما أوحى من ~~شأن الجن، { وأنه لما قام عبد الله } وهو محمد صلى الله ~~عليه وسلم { يدعوه } أى يدعو الله - تعالى - ويعبده فى الصلاة، { ~~كادوا } أى الجن { يكونون عليه لبدا } أى كادوا من شدة ~~التزاحم عليه، والتكتل ms5225 حوله. # .يكونون كاللبد، أى كالشئ الذى تلبد بعضه فوق بعض. ولفظ " لبدا " جمع ~~لبدة، وهى الجماعة المتزاحمة، ومنه لبدة الأسد للشعر المتراكم فى ~~رقبته. ووضع - سبحانه - الاسم الظاهر موضع المضمر، إذ مقتضى الظاهر أن ~~يقال وأنه لما قمت تدعو الله.. أو لما قمت أدعو الله.. تكريما للنبى صلى ~~الله عليه وسلم حيث وصفه بأنه " عبد الله " لما فى هذه الإضافة من ~~التشريف والتكريم. والجن إنما ازدحموا حول الرسول صلى الله عليه وسلم وهو ~~يصلى ويقرأ القرآن.. تعجبا مما شاهدوه من صلاته، ومن حسن قراءته، ومن ~~كمال اقتداء أصحابه، قياما، وركوعا، وسجودا.. ومنهم من يرى أن الضمير فى ~~" كادوا " يعود لكفار قريش، فيكون المعنى وأنه لما قام محمد صلى الله ~~عليه وسلم يدعو ربه.. كادوا من تزاحمهم عليه، يكونون كاللبد، لا لكى ~~ينتفعوا بما يسمعون، ولكن لكى يطفئوا نور الله بأفواههم، والحال أن الله ~~- تعالى - قد رد كيدهم فى نحورهم، وأبى إلا أن يتم نوره ولو كره ~~المشركون. قال صاحب الكشاف " عبد الله " هو النبى صلى الله عليه وسلم، ~~فإن قلت هلا قيل رسول الله أو النبى؟ قلت لأن تقديره وأوحى إلى أنه لما ~~قام عبد الله، فلما كان واقعا فى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~نفسه، جئ به على ما يقتضيه التواضع والتذلل، أو لأن المعنى أن عبادة عبد ~~الله، لله - تعالى - ليست بأمر مستبعد عن العقل ولا مستنكر، حتى يكونوا ~~عليه لبدا. ومعنى " قام يدعوه " قام يعبده. يريد قيامه لصلاة الفجر بنخلة ~~حين أتاه الجن، فاستمعوا لقراءته، وتزاحموا عليه. وقيل معناه لما قام ~~رسول يعبد الله وحده، مخالفا المشركين فى عبادتهم كاد المشركون لتظاهرهم ~~عليه وتعاونهم على عداوته، يزدحمون عليه متراكمين.. ويبدو لنا أن عودة ~~الضمير فى " كادوا " على مؤمنى الجن أرجح، لأن هذا هو الموافق لإعجابهم ~~بالقرآن الذى سمعوه من النبى صلى الله عليه وسلم لأن هذا هو الظاهر من ~~سياق الآيات، حيث ن الحديث عنهم، ولأن الآثار قد وردت فى أن الجن قد ~~التفوا ms5226 حول النبى صلى الله عليه وسلم حين سمعوا يقرأ القرآن. ومن هذه ~~الآثار قول الزبير بن العوام هم الجن حين استمعوا القرآن من النبى صلى ~~الله عليه وسلم كادوا يركب بعضهم بعضا ازدحاما عليه.. ثم أمر الله - ~~تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلن لجميع من أرسل إليهم، أنه لا ~~يعبد أحدا سواه - عز وجل - فقال { قل إنمآ أدعو ربي ولا ~~أشرك به أحدا }. # أى قل - أيها الرسول الكريم - لجميع من أرسلناك إليهم من الجن والإنس ~~إنى أعبد ربى وحده، وأتوجه إليه وحده بالدعاء والطلب، ولا أشرك معه أحدا ~~فى عبادتى أو صلاتى أو نسكى.. وقل لهم، كذلك { قل إني لا أملك ~~لكم ضرا } أى لا أملك ما يضركم { ولا رشدا } أى ولا أملك ما ~~ينفعكم، وإنما الذى يملك ذلك هو الله - تعالى - وحده. وقل لهم للمرة ~~الثالثة { إني لن يجيرني من الله أحد } أى إنى لن يمنعنى ~~أحد من الله - تعالى - إن أرادنى بسوء. { ولن أجد من دونه ~~ملتحدا } أى ولن أجد من دونه ملجأ أركن إليه. يقال التحد فلان إلى ~~كذا، أى مال إليه. فالآية الكريمة بيان لعجزه صلى الله عليه وسلم عن شئون ~~نفسه أمام قدرة خالقه - عز وجل - بعد بيان عجزه عن شئون غيره. وقوله - ~~سبحانه - { إلا بلاغا من الله ورسالاته... } استثناء ~~من مفعول { لا أملك } ، وهما قوله قبل ذلك { ضرا ولا رشدا } ~~وما يليهما اعتراض مؤكد لنفى الاستطاعة. أى قل لهم - أيها الرسول الكريم ~~- إنى لا أملك ما يضركم ولا أملك ما ينفعكم، وإنما الذى أملكه هو تبليغ ~~رسالات ربى إليكم، بأمانة واجتهاد. والبلاغ مصدر بلغ، وهو إيصال الكلام ~~أو الحديث إلى الغير، ويطلق على الكلام المبلغ من إطلاق المصدر على ~~المفعول، مثل " هذا خلق الله " ، و " من " ابتدائية صفة لقوله " بلاغا " ~~أى بلاغا كائنا من جهة الله - تعالى - وأمره. والرسالات جمع رسالة، وهى ~~ما يرسل إلى الغير من كلام أو كتاب. والمراد بها هنا تبليغ ما أوحاه الله ~~- تعالى - إلى نبيه للناس. قال ms5227 الآلوسى ما ملخصه وقوله { إلا بلاغا ~~من الله... } استثناء من مفعول لا أملك.. وما بينهما اعتراض.. فإن ~~كان المعنى لا أملك أن أضركم ولا أن أنفعكم، كان استثناء متصلا، كأنه قيل ~~لا أملك شيئا إلا بلاغا، وإن كان المعنى لا أملك أن أقسركم على الغى ~~والرشد، كان منقطعا، أو من باب لا عيب فيهم غير أن سيوفنا.. أى أنه من ~~أسلوب تأكيد الشئ بما يشبه ضده، وقوله { ورسالاته } عطف على قوله { ~~بلاغا } وقوله { من الله } متعلق بمحذوف وقع صفه له. أى بلاغا ~~كائنا من الله.. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك سوء عاقبة من يخالف أمره فقال ~~{ ومن يعص الله ورسوله } فيما أمرا به، أو نهيا عنه. { ~~فإن له } أى لهذا العاصى { نار جهنم خالدين فيهآ ~~أبدا } أى فحكمه أن له نار جهنم، وجمع - سبحانه - خالدين باعتبار معنى ~~" من " ، كما أن الإفراد فى قوله { فإن له } باعتبار لفظها. # وقوله " أبدا " مؤكد لمعنى الخلود. أى خالدين فيها خلودا أبديا لا نهاية ~~له. وقوله - سبحانه - { حتى إذا رأوا ما يوعدون ~~فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا } تهديد ووعيد ~~للكافرين بسبب استهزائهم بالمؤمنين، فقد حكى القرآن عن الكفار أنهم قالوا # نحن جميع منتصر # وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن ~~بمعذبين # وقالوا # متى هذا الوعد إن كنتم صادقين # و { حتى } هنا حرف ابتداء، وهى متعلقة بمحذوف دل عليه الكلام، وهو سخرية ~~الكافرين من المؤمنين. و { إذا } اسم زمان للمستقبل مضمن معنى الشرط، وهى ~~فى محل نصب بجوابه الذى هو قوله { فسيعلمون }. والمعنى أن هؤلاء ~~الكفار لا يزالون على ما هم عليه من غرور وعناد وجحود.. حتى إذا رأوا ما ~~يوعدون من العذاب فى الدنيا والآخرة { فسيعلمون } حينئذ من هو ~~أضعف جندا وأقل عددا، أهم المؤمنون - كما يزعم هؤلاء الكافرون -؟ أم أن ~~الأمر سيكون على العكس؟ لا شك أن الأمر سيكون على العكس، وهو أن الكافرين ~~فى هذا اليوم سيكونون فى غاية الضعف والذلة والهوان. وجئ بالجملة التى ~~أضيف إليها لفظ " إذا " فعلا ماضيا، للتنبيه ms5228 على تحقق الوقوع. والآية ~~الكريمة تشير إلى خيبة هؤلاء الكافرين، وتلاشى آمالهم.. فإنهم فى هذا ~~اليوم سيفقدون الناصر لهم، كما أنهم سيفقدونه من جهة أنفسهم، لأنهم مهما ~~كثر عددهم، فهم مغلوبون. ثم أمر الله - تعالى - رسوله للمرة الرابعة، أن ~~يعلن للناس أن هذا اليوم الذى يأتى فيه نصر الله للمؤمنين لا يعلمه إلا ~~هو، فقال - تعالى - { قل إن أدري أقريب ما توعدون أم ~~يجعل له ربي أمدا... }. أى وقل - أيها الرسول الكريم - ~~لهؤلاء الكافرين إن نصر الله لنا آت لا ريب فيه، وعذاب الله لكم آت - ~~أيضا - لا ريب فيه، ولكنى لا أدرى ولا أعلم أيتحقق ذلك فى الوقت العاجل ~~القريب، أم يجعل الله - تعالى - لذلك " أمدا " أى غاية ومدة معينة من ~~الزمان، لا يعلم وقتها إلا هو - سبحانه -. والمقصود من الآية الكريمة ~~بيان أن العذاب نازل بهم قطعا ولكن موعده قد يكون بعد وقت قريب، وقد يكون ~~بعد وقت بعيد، لأن تحديد هذا الوقت مرده إلى الله - تعالى - وحده. وقوله ~~- تعالى - بعد ذلك { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه ~~أحدا } تعليل لما قبله. أى أنا لا أدرى متى يكون عذابكم - أيها ~~الكافرون - لأن مرد علم ذلك إلى الله - تعالى - الذى هو عليم بكل شئ من ~~الظواهر والبواطن، والذى اقتضت حكمته أن لا يطلع أحدا على غيوبه، وعلى ما ~~استتر وخفى من أمور خلقه. # وقوله { إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من ~~بين يديه ومن خلفه رصدا } استثناء من النفى فى قوله { ~~فلا يظهر على غيبه أحدا }. أى هو - سبحانه - عالم الغيب، ~~فلا يطلع على غيبه أحدا من خلقه، إلا الرسول الذى ارتضاه واختاره من ~~خلقه، فإنه - سبحانه - قد يطلعه على بعض غيوبه، ليكون ذلك معجزة له، دالة ~~على صدقه أمام قومه. فإذا ما أراد - سبحانه - إطلاع رسوله المصطفى لحمل ~~رسالته على بعض غيوبه، سخر له من جميع جوانبه حرسا من الملائكة يحرسونه ~~من وسوسة الشيطان ونوازعه، ومن كل ما يتعارض مع توصيل وحيه - سبحانه - ~~إلى رسله - بكل أمانة ms5229 وصيانة. ومعنى { من ارتضى... } من اختار ~~واصطفى واجتبى، وعبر عن ذلك بقوله { من ارتضى } ، للإشعار بأنه - ~~سبحانه - يخص هؤلاء الذين رضى عنهم ورضوا عنه بالاطلاع على بعض غيوبه، ~~على سبيل التأييد والتكريم لهم. و " من " فى قوله { من رسول } ~~للبيان. والمراد بالرسول هنا ما يشمل كل رسول اختاره - سبحانه - لحمل ~~رسالته، سواء أكان من البشر أم من الملائكة. والضمير فى قوله - تعالى - { ~~فإنه } و { يسلك } يعودان على الله - عز وجل - وأطلق السلك على ~~إيصال الخبر إلى الرسول المرتضى، للإشعار بأن هذا الخبر الذى أطلع الله ~~- تعالى - رسوله عليه، قد وصل إليه وصولا مؤكدا، ومحفوظا من كل تحريف، ~~كما يدخل الشئ فى الشئ دخولا تاما بقوة وضبط، إذ حقيقة السلك. إدخال الشئ ~~فى الشئ بشدة وعناية.. والمراد بقوله { من بين يديه ومن ~~خلفه } جميع الجهات، وعبر عن جميع الجهات بذلك، لأن معظم ما يتعرض له ~~الإنسان يكون من هاتين الجهتين. والرصد جمع راصد، وهو ما يحفظ الشئ، ~~ويصونه من كل ما لا يريده، أى إلا من ارتضى - سبحانه - من رسول، فإنه - ~~عز وجل - يطلعه على ما يشاؤه من غيوبه، ويجعل له حراسا من جميع جوانبه، ~~يحفظونه من كل سوء. قال الآلوسى قوله { إلا من ارتضى من ~~رسول.. } أى لكن الرسول المرتضى بظهره - جل وعلا - على بعض الغيوب ~~المتعلقة برسالته.. إما لكون بعض هذه الغيوب من مباديها، بأن يكون معجزة، ~~وإما لكونه من أركانها وأحكامها كعامة التكاليف الشرعية، وكيفيات الأعمال ~~وأجزيتها، ونحو ذلك من الأمور الغيبية، التى بيانها من وظائف الرسالة. ~~بأن يسلك من جميع جوانبه عند إطلاعه على ذلك، حرسا من الملائكة يحرسونه ~~من تعرض الشياطين، لما أريد إطلاعه عليه.. واللام فى قوله - تعالى - { ~~ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم. # . } متعلقة بقوله { يسلك }. والضمير فى { يعلم } يعود إلى الله - ~~تعالى -، والمراد بالعلم علم المشاهدة الذى يترتب عليه الجزاء، أى أطلع ~~الله - تعالى - من ارتضاهم على بعض غيوبه، وحرسهم من وصول الشياطين إلى ~~هذا الذى أظهرهم عليه من غيوب.. ليعلم - تعالى - علم ms5230 مشاهدة يترتب عليه ~~الجزاء، أن الرسل قد أبلغو رسالته - سبحانه - إلى خلقه، وأنه - تعالى - ~~قد { وأحاط بما لديهم } أى أحاط علمه - تعالى - بكل ما لدى ~~الرسل وغيرهم من أقوال وأفعال، { وأحصى كل شيء عددا } أى ~~وأحصى كل شئ فى هذا الكون إحصاء تاما، وعلما كاملا. قال الشوكانى قوله { ~~ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم... } اللام ~~متعلقة بيسلك، والمراد به العلم المتعلق بالإبلاغ الموجود بالفعل، و " ~~أن " هى المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، والخبر الجملة، ~~والرسالات عبارة عن الغيب الذى أريد إظهاره لمن ارتضاه الله من رسول.. ~~وقال قتادة ليعلم محمد أن الرسل قبله قد أبلغوا الرسالة كما بلغ هو، وفيه ~~حذف تتعلق به اللام، أى أخبرناه صلى الله عليه وسلم بحفظنا الوحى، ليعلم ~~أن الرسل قبله كانوا على حالته من التبليغ بالحق والصدق. وقيل ليعلم ~~الرسل أن الملائكة قد بلغوا رسالات ربهم.. ويبدو لنا أن عودة الضمير فى " ~~ليعلم " إلى الله - تعالى - هو الأظهر، أى ليعلم الله - تعالى - أن رسله ~~قد أبلغوا رسالاته علم مشاهدة كما علمه غيبا، لأن علم الله بذلك لا يكون ~~إلا على وفق ما وقع.. وهكذا ساقت لنا سورة " الجن " الكثير من الحقائق ~~التى تتعلق بإصلاح العقائد والأخلاق والسلوك والأفكار التى طغى كثير منها ~~على العقول والأفهام.. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [73 - سورة المزمل] ### || [73.1-19] # وقد ذكرالمفسرون عند تفسيرهم لهذه السورة الكريمة روايات منها ما رواه ~~البزار والطبرانى فى الأوسط، وأبو نعيم فى الدلائل عن جابر - رضى الله ~~عنه - قال اجتمعت قريش فى دار الندوة فقالوا سموا هذا الرجل اسما تصدوا ~~الناس عنه فقالوا كاهن. قالوا ليس بكاهن. قالوا مجنون. قالوا ليس بمجنون. ~~قالوا ساحر. قالوا ليس بساحر.. فتفرق المشركون على ذلك. فبلغ ذلك النبى ~~صلى الله عليه وسلم فتزمل فى ثيابه وتدثر فيها، فأتاه جبريل فقرأ عليه { ~~يأيها المزمل } # يأيها المدثر... # وقيل إنه صلى الله عليه وسلم كان نائما بالليل متزملا فى قطيفة.. فجاءه ~~جبريل بقوله - تعالى - { يأيها المزمل. ms5231 قم الليل ~~إلا قليلا.. }. وقيل إن سبب نزول هذه الآيات ما رواه الشيخان ~~وغيرهما من حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " جاورت بحراء، فلما قضيت جوارى، هبطت، فنوديت فنظرت عن يمينى فلم أر ~~شيئا، ونظرت عن شمالى فلم أر شيئا.. فرفعت رأسى فإذا الذى جاءنى بحراء، ~~جالس على كرسى بين السماء والأرض.. فرجعت فقلت دثرونى دثرونى " # ، وفى رواية # " فجئت أهلى فقلت زملونى زملونى، فأنزل الله - تعالى - { يأيها ~~المدثر... } ". # وجمهور العلماء يقولون وعلى أثرها نزلت { يأيها المزمل... ~~}. و { المزمل } اسم فاعل من تزمل فلان بثيابه، إذا تلفف فيها، ~~وأصله المتزمل، فأدغمت التاء فى الزاى والميم. وافتتح الكلام بالنداء ~~للتنبيه على أهمية ما يلقى على المخاطب من أوامر أو نواه. وفى ندائه صلى ~~الله عليه وسلم بلفظ " المزمل " تلطف معه، وإيناس لنفسه، وتحبب إليه، حتى ~~يزداد نشاطا، وهو يبلغ رسالة ربه. والمعنى يأيها المزمل بثيابه، المتلفف ~~فيه، رهبة مما رآه من عبدنا جبريل. او هما وغما مما سمعه من المشركين، من ~~وصفهم له بصفات هو برئ منها. { قم الليل إلا قليلا } أى قم ~~الليل متعبدا لربك، { إلا قليلا } منه، على قدر ما تأخذ من راحة ~~لبدنك، فقوله { إلا قليلا } استثناء من الليل.. وقوله { نصفه ~~} بدل من { قليلا } بدل كل من كل، على سبيل التفصيل بعد الإجمال.. أى ~~قم نصف الليل للعبادة لربك، واجعل النصف الثانى من الليل لراحتك ونومك.. ~~ووصف - سبحانه - هذا النصف الكائن للراحة بالقلة فقال { إلا قليلا ~~} للإشعار بأن النصف الآخر، العامر بالعبادة والصلاة.. هو النصف الأكثر ~~ثوابا وقربا من الله - تعالى - بالنسبة للنصف الثانى المتخذ للراحة ~~والنوم. وقوله - سبحانه - { أو انقص منه قليلا. أو زد ~~عليه.. } تخيير له صلى الله عليه وسلم فيما يفعله، وإظهار لما اشتملت ~~عليه شريعة الإسلام من يسر وسماحة. # . فكأنه - تعالى - يقول له على سبيل التلطف والإرشاد إلى ما يشرح صدره ~~- يأيها المتلفف بثيابه، قم الليل للعبادة والصلاة، إلا وقتا قليلا منه ~~يكون لراحتك ونومك، وهذا الوقت القليل ms5232 المتخذ للنوم والراحة قد يكون نصف ~~الليل، أو قد يكون أقل من النصف بأن يكون فى حدود ثلث الليل، ولك - أيها ~~الرسول الكريم - أن تزيد على ذلك، بأن تجعل ثلثى الليل للعبادة، وثلثه ~~للنوم والراحة.. فأنت ترى أن الله - تعالى - قد رخص لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم فى أن يجعل نصف الليل أو ثلثه، أو ثلثيه للعبادة والطاعة، وأن يجعل ~~المقدار الباقى من الليل للنوم والراحة.. وخص - سبحانه - الليل بالقيام، ~~لأنه وقت سكون الأصوات.. فتكون العبادة فيه أكثر خشوعا، وأدعى لصفاء ~~النفس، وطهارة القلب، وحسن الصلة بالله - عز وجل -. هذا، وقد استمر وجوب ~~الليل على الرسول صلى الله عليه وسلم حتى بعد فرض الصلوات الخمس عليه ~~وعلى أمته. تعظيما لشأنه، ومداومة له على مناجاة ربه، خصوصا فى الثلث ~~الأخير من الليل، يدل على ذلك قوله - تعالى - # ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن ~~يبعثك ربك مقاما محمودا # وقد كان المسلمون يقتدون بالرسول صلى الله عليه وسلم فى قيام الليل وقد ~~أثنى - سبحانه - عليهم بسبب ذلك فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى - # تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا ~~وطمعا ومما رزقناهم ينفقون. فلا تعلم نفس ~~مآ أخفي لهم من قرة أعين جزآء بما كانوا ~~يعملون # وقد ذكر الإمام أحمد حديثا طويلا عن سعيد بن هشام، وفيه أنه سأل السيدة ~~عائشة عن قيامه صلى الله عليه وسلم بالليل، فقالت له ألست تقرأ هذه ~~السورة، يأيها المزمل..؟. إن الله افترض قيام الليل فى أول هذه السورة، ~~فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم. ~~وأمسك الله ختامها فى السماء اثنى عشر شهرا، ثم أنزل التخفيف فى آخر هذه ~~السورة، فصار قيام الليل تطوعا من بعد فريضة.. قال القرطبى ما ملخصه ~~واختلف هل كان قيام الليل فرضا وحتما، أو كان ندبا وحضا؟ والدلائل تقوى ~~أن قيامه كان حتما وفرضا، وذلك أن الندب والحض، لا يقع على بعض الليل دون ~~بعض، لأن قيامه ليس مخصوصا به وقت دون وقت. ms5233 واختلف - أيضا - هل كان فرضا ~~على النبى صلى الله عليه وسلم وحده؟ أو عليه وعلى من كان قبله من ~~الأنبياء؟ أو عليه وعلى أمته؟ ثلاثة أقوال.. أصحها ثالثها للحديث المتقدم ~~الذى رواه سعيد بن هشام عن عائشة - رضى الله عنها -. وقال بعض العلماء ~~بعد أن ساق أقوال العلماء فى هذه المسألة بشئ من التفصيل والذى يستخلص من ~~ذلك أن أرجح الأقوال، هو القول القائل بأن التهجد كان فريضة على النبى ~~صلى الله عليه وسلم وعلى أمته، إذ هو الذى يمكن أن تأتلف عليه النصوص ~~القرآنية، ويشهد له ما تقدم من الآثار عن ابن عباس وعائشة وغيرهما. # ويرى بعض العلماء أن وجوب التهجد باق على الناس جميعا، وأنه لم ينسخ، ~~وإنما الذى نسخ هو وجوب قيام جزء مقدر من الليل، لا ينقص كثيرا عن النصف. ~~ويرد على هذا القول بما ثبت فى الصحيحين، من # " أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذى سأله عما يجب عليه من ~~صلاة؟ قال خمس صلوات فى اليوم والليلة. قال هل على غيرها؟ قال لا إلا أن ~~تطوع ". # ويرى فريق آخر أن قيام الليل نسخ عن الرسول وعن أمته بآخر سورة المزمل. ~~واستبدل به قراءة القرآن، على ما يعطيه قوله - تعالى - # علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما ~~تيسر من القرآن # ويدل عليه - أيضا - ظاهر ما روى عن عائشة، من قولها فصار قيام الليل ~~تطوعا من بعد الفريضة، دون أن تقيد ذلك بقيد. ويرى فريق ثالث أن وجوب ~~التهجد استمر على النبى وعلى الأمة، حتى نسخ بالصلوات الخمس ليلة ~~المعراج. ويرى فريق رابع أن قيام الليل نسخ عن الأمة وحدها، وبقى وجوبه ~~على النبى صلى الله عليه وسلم على ما يعطيه ظاهر آية الإسراء. ولعل أرجح ~~هذه الأقوال هو القول الرابع.. فإن آية سورة الإسراء وهى قوله - تعالى - # ومن الليل فتهجد به نافلة لك... # تدل على أن وجوب التهجد قد بقى عليه صلى الله عليه وسلم. وقوله - تعالى ~~- { ورتل القرآن ترتيلا } إرشاد له صلى ms5234 الله عليه وسلم ~~ولأمته إلى أفضل طريقة لقراءة القرآن الكريم، حتى يستمروا عليها، وهم فى ~~أول عهدهم بنزول القرآن الكريم. والترتيل جعل الشئ مرتلا، أى منسقا ~~منظما، ومنه قولهم ثغر مرتل، أى منظم الأسنان، لم يشذ بعضها عن بعض. أى ~~قم - أيها الرسول الكريم - الليل إلا قليلا منه.. متعبدا لربك مرتلا ~~للقرآن ترتيلا جميلا حسنا، تستبين معه الكلمات والحروف، حتى يفهمها ~~السامع، وحتى يكون ذلك أعون على حسن تدبره، وأثبت لمعانيه فى القلب.. قال ~~الإمام ابن كثير وكذلك كان يقرأ صلى الله عليه وسلم فقد قالت عائشة كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ السورة فيرتلها.. وسئل أنس عن قراءته ~~صلى الله عليه وسلم فقال كانت مدا.. وقال صلى الله عليه وسلم # " زينوا القرآن بأصواتكم ". # وقال عبد الله بن مسعود لا تنثروه نثر الرمل، ولا تهذوه هذ الشعر ~~وقفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب - أى لا تسرعوا فى قراءته كما تسرعوا ~~فى قراءة الشعر. # والهذ سرعة القطع - هذا، وليس معنى قوله - سبحانه - { ورتل ~~القرآن ترتيلا } ، أن يقرأ بطريقة فيها تلحين أو تطريب يغير من ~~ألفاظ القرآن، ويخل بالقراءة الصحيحة من حيث الأداء، ومخارج الحروف، ~~والغن والمد، والإدغام والإظهار.. وغير ذلك مما تقتضيه القراءة السليمة ~~للقرآن الكريم. وإنما معنى قوله - تعالى - { ورتل القرآن ~~ترتيلا } أن يقرأه بصوت جميل وبخشوع وتدبر، وبالتزام تام للقراءة ~~الصحيحة، من حيث مخارج الحروف ومن حيث الوقف والمد والإظهار والإخفاء، ~~وغير ذلك.. وقد بسط القول فى هذه المسألة بعض العلماء فارجع إليه إن شئت. ~~وقوله - تعالى - { إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } تعليل ~~للأمر بقيام الليل، وهو كلام معترض بين قوله - سبحانه - { قم ~~الليل.. } وبين قوله - تعالى - بعد ذلك { إن ناشئة ~~الليل... }. والمراد بالقول الثقيل القرآن الكريم الذى أنزله - ~~سبحانه - على قلب نبيه صلى الله عليه وسلم. ويشهد لثقل القرآن على النبى ~~صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة، منها ما رواه الإمام البخارى من أن ~~السيدة عائشة قالت ولقد رأيته صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحى، ms5235 فى ~~اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا. ومنها قوله صلى ~~الله عليه وسلم # " ما من مرة يوحى إلى، إلا ظننت أن نفسى تفيض " # - أى تخرج.. ومنها قول زيد بن ثابت أنزل على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم شئ من القرآن - وفخذه على فخذى فكادت ترض فخذى - أى تتكسر.. ومنها ~~ما رواه هشام بن عروة عن أبيه، أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا أوحى ~~عليه وهو على ناقته، وضعت جرانها - أى باطن عنقها - فما تستطيع أن تتحرك، ~~حتى يسرى عنه. أى قم - أيها الرسول الكريم - الليل إلا قليلا منه ~~متعبدا لربك، متقربا إليه بألوان الطاعات، فإنا سنلقى عليك قولا ثقيلا، ~~وهذا القول هو القرآن الكريم، الثقيل فى وزنه وفى ميزان الحق، وفى أثره ~~فى القلوب، وفيما اشتمل عليه من تكاليف، وصدق الله إذا يقول # لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته ~~خاشعا متصدعا من خشية الله... # قال الجمل قوله { إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } أى ~~كلاما عظيما جليلا ذا خطر وعظمة، لأنه كلام رب العالمين، وكل شئ له خطر ~~ومقدار فهو ثقيل. أو هو ثقيل لما فيه من التكاليف، والوعد والوعيد، ~~والحلال والحرام، والحدود والأحكام. قال قتادة ثقيل والله فى فرائضه ~~وحدوده.. وقال محمد بن كعب ثقيل على المنافقين، لأنه يهتك اسرارهم.. وقال ~~السدى ثقيلا بمعنى كريم، مأخوذ من قولهم فلان ثقل على، أى كرم على.. ~~وقال ابن المبارك هو والله ثقيل مبارك، كما ثقل فى الدنيا، ثقل فى ~~الميزان يوم القيامة. # وقيل ثقيلا بمعنى أن العقل الواحد لا يفى بإدراك فوائده ومعانيه، ~~فالمتكلمون غاصوا فى بحار معقولاته. والفقهاء بحثوا فى أحكامه.. والأولى ~~أن جميع هذه المعانى فيه. وقيل المراد بالقول الوحى، كما فى الخبر، أن ~~النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا أوحى إليه، وهو على ناقته وضعت جرانها ~~- أى وضعت صدرها على الأرض - فما تستطيع أن تتحرك حتى يسرى عنه.. ويبدو ~~لنا أن وصف القرآن بالثقل وصف حقيقى، لما ثبت من ثقله على ms5236 النبى صلى الله ~~عليه وسلم وقت نزوله عليه.. وهذا لا يمنع أن ثقله يشمل ما اندرج فيه من ~~علوم نافعة، ومن هدايات سامية، ومن أحكام حكيمة، ومن آداب قويمة، ومن ~~تكاليف جليلة الشأن. وعبر - سبحانه - عن إيحائه بالقرآن إلى الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بالإلقاء للإشعار بأنه يلقى إليه على غير ترقب منه صلى ~~الله عليه وسلم، بل ينزل إليه فى الوقت الذى يريده سبحانه - وللإشارة من ~~أول الأمر إلى ما يوحى إليه شئ عظيم وشديد الوقع على النفس. ثم بين - ~~سبحانه - بعد ذلك الحكمة من أمره له صلى الله عليه وسلم بقيام الليل إلا ~~قليلا منه للعبادة والطاعة فقال { إن ناشئة الليل هي ~~أشد وطأ وأقوم قيلا }. وقوله { ناشئة } وصف من النشء ~~وهو الحدوث، وهو صفة لموصوف محذوف. وقوله { وطأ } بمعنى مواطأة ~~وموافقة، وأصل الوطء وضع الرجل على الأرض بنظام وترتيب، ثم استعير ~~للموافقة، ومنه قوله - تعالى - # ليواطئوا عدة ما حرم الله # ومنه قولهم وطأت فلانا على كذا، إذا وافقته عليه. وهو منصوب على ~~التمييز. وقوله { قيلا } بمعنى قولا. وقوله { وأقوم } بمعنى أفضل ~~وأنفع. والمعنى يأيها المزمل قم الليل إلا قليلا منه للعبادة والطاعة. ~~فإن العبادة الناشئة بالليل. هى أشد مواطأة وموافقة لإصلاح القلب، ~~وتهذيب النفس، وأقوم قولا، وأنفع وقعا، وأفضل قراءة من عبادة النهار، لأن ~~العبادة الناشئة بالليل يصحبها ما يصحبها من الخشوع والإخلاص، لهدوء ~~الأصوات بالليل، وتفرغ العابد تفرغا تاما لعبادة ربه. قال الشوكانى ما ~~ملخصه قوله { إن ناشئة الليل... } أى ساعاته وأوقاته، لأنها ~~تنشأ أولا فأولا، ويقال نشأ الشئ ينشأ، إذا ابتدأ وأقبل شيئا بعد شئ، فهو ~~ناشئ.. قال الزجاج ناشئة الليل، كل ما نشأ منه، أى حدث منه.. والمراد ~~ساعات الليل الناشئة، فاكتفى بالوصف عن الاسم الموصوف. وقيل إن ناشئة ~~الليل، هى النفس التى تنشأ من مضجعها للعبادة، أى تنهض، من نشأ من مكانه، ~~إذا نهض منه. { هي أشد وطأ } قرأ الجمهور { وطأ } بفتح الواو ~~وسكون الطاء مقصورة، وقرأ بعضهم { وطأ } بكسر الواو وفتح الطاء ms5237 ~~ممدودة. والمعنى على القراءة الأولى أن الصلاة الناشئة فى الليل، أثقل ~~على المصلى من صلاة النهار، لأن الليل للنوم. # . ومنه قوله صلى الله عليه وسلم # " اللهم اشدد وطأتك على مضر ". # والمعنى على القراءة الثانية أنها أشد مواطأة وموافقة بين السمع والبصر ~~والقلب واللسان، لانقطاع الأصوات والحركات، ومنه قوله - تعالى - # ليواطئوا عدة ما حرم الله # أى ليوافقوا. { وأقوم قيلا } أى وأشد مقالا. وأثبت قراءة، لحضور ~~القلب فيها، وهدوء الأصوات، وأشد استقامة واستمرارا على الصواب.. وقوله - ~~سبحانه - { إن لك في النهار سبحا طويلا } تقرير للأمر ~~بقيام الليل إلا قليلا منه للعبادة والطاعة والتقرب إليه - سبحانه -. ~~والسبح مصدر سبح، وأصله الذهاب فى الماء والتقلب فيه ثم استعير للتقلب ~~والتصرف المتسع، الذى يشبه حركة السابح فى الماء. أى إنا أمرناك بقيام ~~الليل للعبادة والطاعة، لأن لك فى النهار - أيها الرسول الكريم - تقلبا ~~وتصرفا فى مهماتك، واشتغالا بأعباء الرسالة يجعلك لا تستطيع التفرغ ~~لعبادتنا، أما فى الليل فتستطيع ذلك لأنه وقت السكون والراحة والنوم. ~~فالمقصود من الآية الكريمة التخفيف والتيسير عليه صلى الله عليه وسلم ~~وبيان الحكمة من أمره بقيام الليل - إلا قليلا منه - للعبادة، حيث لم ~~يجمع - سبحانه - عليه الأمر بالتهجد فى الليل والنهار، وإنما يسر عليه ~~الأمر، فجعله بالليل فحسب، أما النهار فهو لمطالب الحياة ولتبليغ رسالته ~~- سبحانه - إلى الناس. ثم أمره - سبحانه - بعد ذلك بالمداومة على ذكره ~~ليلا ونهارا فقال { واذكر اسم ربك وتبتل إليه ~~تبتيلا. رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو ~~فاتخذه وكيلا }. وقوله - سبحانه - { وتبتل } من التبتل، ~~وهو الاشتغال الدائم بعبادة الله - تعالى -، والانقطاع لطاعته. ومنه ~~قولهم بتل فلان الحبل، إذا قطعه، وامرأة بتول. أى منقطعة عن الزواج، ~~ومتفرغة لعبادة الله - تعالى -والمراد به هنا التفرغ لما يرضى الله - ~~تعالى -، والاشتغال بذلك عن كل شئ سواه. أى وداوم - أيها الرسول الكريم - ~~على ذكر الله - تعالى - عن طريق تسبيحه، وتحميده وتكبيره، وتفرغ لعبادته ~~وطاعته تفرغا تاما، دون أن يشغلك عن ذلك شاغل. فربك - عز وجل - هو { ~~رب المشرق والمغرب }. أى ms5238 هو - سبحانه - رب جهتى الشروق ~~والغروب للشمس. { لا إله إلا هو } مستحق للعبادة والطاعة، وما ~~دام الأمر كذلك { فاتخذه وكيلا }. أى فاتخذه وكيلك الذى تفوض ~~إليه أمرك، وتلجأ إليه فى كل أحوالك.. إذ الوكيل هو الذى توكل إليه ~~الأمور، ويترك له التصرف فيها. وليس المراد بقوله - تعالى - { واذكر ~~اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا } الانقطاع التام عن ~~الأعمال، لأن هذا يتنافى مع قوله - تعالى - قبل ذلك { إن لك في ~~النهار سبحا طويلا } وإنما المراد التنبيه إلى أنه صلى الله ~~عليه وسلم ينبغى له أن لا يشغله السبح الطويل بالنهار، عن طاعته - عز وجل ~~- وعن المداومة على مراقبته وذكره. # ومما لا شك فيه أن ما كان يقوم به النبى صلى الله عليه وسلم من الاشتغال ~~بأمر الدعوة إلى وحدانية الله - تعالى -، ومن تعليم الناس العلم النافع، ~~والعمل الصالح.. كل ذلك يندرج تحت المواظبة على ذكر الله - تعالى -، وعلى ~~التفرغ لعبادته. وقال - سبحانه - { وتبتل إليه تبتيلا } ~~ولم يقل تبتلا حتى يكون الفعل موافقا لمصدره، للإشارة إلى أن التبتل ~~والانقطاع إلى الله يحتاجان إلى عمل اختيارى منه صلى الله عليه وسلم، بأن ~~يجرد نفسه عن كل ما سوى الله - تعالى -، وبذلك يحصل التبتل الذى هو أثر ~~للتبتيل، بمعنى ترويض النفس وتعويدها على العبادة والطاعة. ووصف - سبحانه ~~- ذاته بأنه { رب المشرق والمغرب } ، لمناسبة الأمر بذكره ~~فى الليل والنهار، وهما وقت ابتداء طلوع الشمس وغروبها، فكأنه - سبحانه - ~~يقول داوم على طاعتى لأنى أنا رب جميع جهات الأرض، التى فيها تشرق الشمس ~~وتغرب. والمراد بالمشرق والمغرب هنا جنسهما، فهما صادقان على كل مشرق من ~~مشارق الشمس، التى هى ثلاثمائة وستون مشرقا - كما يقول العلماء - وعلى كل ~~مغرب من مغاربها التى هى كذلك. والمراد بالمشرقين والمغربين كما جاء فى ~~سورة الرحمن مشرق ومغرب الشتاء والصيف. والمراد بالمشارق والمغارب كما ~~جاء فى سورة المعارج مشرق ومغرب كل يوم للشمس والكواكب. ثم أمر الله - ~~تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بالصبر الجميل، على أذى قومه ~~فقال { واصبر على ms5239 ما يقولون واهجرهم هجرا ~~جميلا... }. أى اجعل يا محمد اعتمادك وتوكلك على وحدى، واصبر على ما ~~يقوله أعداؤك فى حقك من أكاذيب وخرافات.. واهجرهم هجرا جميلا، أى ~~واعتزلهم وابتعد عنهم، وقاطعهم مقاطعة حسنة، بحيث لا تقابل السيئة ~~يمثلها، ولا تزد على هجرهم بأن تسبهم، أو ترميهم بالقبيح من القول.. قال ~~الإمام الرازى ما ملخصه والمعنى أنك لما اتخذتنى وكيلا فاصبر على ما ~~يقولون، وفوض أمرهم إلى، فإنى لما كنت وكيلا لك أقوم بإصلاح أمرك، أحسن ~~من قيامك بإصلاح نفسك. واعلم أن مهمات العباد محصورة فى أمرين فى كيفية ~~معاملتهم مع الله، وقد ذكر - سبحانه - ذلك فى الآيات السابقة، وفى كيفية ~~معاملتهم مع الخلق، وقد جمع - سبحانه - كل ما يحتاج إليه فى هذا الباب فى ~~هاتين الكلمتين، وذلك لأن الإنسان إما أن يكون مخالطا للناس، أو مجانبا ~~لهم. فإن كان مخالطا لهم فعليه أن يصبر على إيذائهم.. وإما أن يكون ~~مجانبا لهم، فعليه أن يهجرهم هجرا جميلا. # . بأن يجانبهم بقلبه وهواه، ويخالفهم فى أفعالهم، مع المداراة ~~والإغضاء.. وقوله - سبحانه - { وذرني والمكذبين أولي ~~النعمة ومهلهم قليلا } أى ودعنى وشأنى مع هؤلاء المكذبين ~~بالحق، ولا تهتم أنت بأمرهم، فأنا خالقهم، وأنا القادر على كل شئ يتعلق ~~بهم. وقوله { أولي النعمة } وصف لهم جئ به على سبيل التوبيخ لهم، ~~والتهكم بهم، حيث جحدوا نعم الله، وتوهموا أن هذه النعم من مال أو ولد ~~ستنفعهم يوم القيامة. والنعمة - بفتح النون مع التشديد - تطلق على ~~التنعم والترفه وغضارة العيش فى الدنيا. وأما النعمة - بكسر النون - ~~فاسم للحالات الملائمة لرغبة الإنسان من غنى أو عافية أو نحوهما. وأما ~~النعمة - بالضم - فهى اسم المسرة. يقال فلان فى نعمة - بضم النون - ~~أى فى فرح وسرور. وقوله { ومهلهم قليلا } أى واتركهم ودعهم فى ~~باطلهم وقتا قليلا، فسترى بعد ذلك سوء عاقبة تكذيبهم للحق. وقوله - ~~سبحانه - { إن لدينآ أنكالا وجحيما.. } تعليل لما قبله. ~~والأنكال جمع نكل - بكسر النون وسكون الكاف - وهو القيد الثقيل، يوضع فى ~~الرجل لمنع الحركة. وسميت القيود بذلك ms5240 لأنها تجعل صاحبها موضع عبرة وعظة، ~~أو لأنها تجعل صاحبها ممنوعا من الحركة، والتقلب فى مناكب الأرض. أى إن ~~لدنيا ما هو أشد من ردك عليهم.. وهو تلك القيود التى نقيد حركتهم بها، ~~وإن لدينا " جحيما " أى نارا شديدة الاشتعال نلقى بهم فيها، وإن لدينا ~~كذلك " طعاما ذا غصة " أى طعاما يلتصق فى الحلوق، فلا هو خارج منها، ولا ~~هو نازل عنها، بل هو ناشب فيها لبشاعته ومرارته. وهذا الطعام ذو ~~الغصة، يشمل ما يتناولونه من الزقوم ومن الغسلين ومن الضريع، كما جاء ~~فى آيات أخرى. والغصة ما ينشب فى الحلق من عظم أو غيره، وجمعه ~~غصص. وإن لدينا فوق كل ذلك { وعذابا أليما } أى عذابا شديد ~~الإيلام لمن ينزل به. فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد توعدت هؤلاء ~~المكذبين بألوان من العقوبات الشديدة، توعدتهم بالقيود التى تشل حركتهم، ~~وبالنار المشتعلة التى تحرق أجسادهم، وبالطعام البشع الذى ينشب فى ~~حلوقهم، وبالعذاب الأليم الذى يشقيهم ويذلهم. والظرف فى قوله - تعالى - { ~~يوم ترجف الأرض والجبال... } منصوب بالاستقرار العامل فى ~~" الدنيا " ، الذى هو الخبر فى الحقيقة. أى استقر لهم ذلك العذاب الأليم ~~الدنيا، يوم القيامة، يوم تضطرب وتتزلزل الأرض والجبال. { وكانت ~~الجبال } فى هذا اليوم { كثيبا مهيلا } أو رملا مجتمعا، بعد ~~أن كانت قبل ذلك الوقت أحجارا صلبة كبيرة. فقوله { كثيبا } من كثب ~~الشئ يكثبه، إذا جمعه من قرب ثم صبه، وجمعه كثب وكثبان، وهى تلال ~~الرمال المجتمعة كالربوة. وقوله { مهيلا } اسم مفعول من هال الشئ ~~هيلا، إذا نثره، وفرقه بعد اجتماعه. # والشئ المهيل هو الذى يحرك أسفله فينهار أعلاه ويتساقط بسرعة. ثم يذكر ~~- سبحانه - بعد ذلك هؤلاء المكذبين بما حل بالمكذبين من قبلهم، فيقول { ~~إنآ أرسلنآ إليكم رسولا شاهدا عليكم كمآ ~~أرسلنآ إلى فرعون رسولا. فعصى فرعون الرسول ~~فأخذناه أخذا وبيلا }. أى إنا أرسلنا إليكم - أيها المكذبون ~~- رسولا عظيم الشأن، رفيع القدر، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، { ~~شاهدا عليكم } أى سيكون يوم القيامة شاهدا عليكم، بأنه قد بلغكم ~~رسالة الله ms5241 - تعالى - دون أن يقصر فى ذلك أدنى تقصير. والكاف فى قوله - ~~تعالى - { كمآ أرسلنآ إلى فرعون رسولا } للتشبيه، أى ~~أرسلنا إليكم - يا أهل مكة - رسولا شاهدا عليكم هو محمد صلى الله عليه ~~وسلم كما أرسلنا من قبلكم إلى فرعون رسولا شاهدا عليه، هو موسى - عليه ~~السلام -. وأكد الخبر فى قوله - تعالى - { إنآ أرسلنآ... } لأن ~~المشركين كانوا ينكرون نبوة النبى صلى الله عليه وسلم. ونكر رسولا، لأنهم ~~كانوا يعرفونه حق المعرفة، وللتعظيم من شأنه صلى الله عليه وسلم أى ~~أرسلنا إليكم رسولا عظيم الشأن، سامى المنزلة جامعا لكل الصفات الكريمة. ~~والفاء فى قوله { فعصى فرعون الرسول } للتفريع. أى أرسلنا ~~إليكم رسولا كما أرسلنا إلى فرعون رسولا قبل ذلك، فكانت النتيجة أن عصى ~~فرعون أمر الرسول الذى أرسلناه إليه، واستهزأ به، وتطاول عليه فكانت ~~عاقبة هذا التطاول، أن أخذناه { أخذا وبيلا }. أى أهلكنا فرعون ~~إهلاكا شديدا، وعاقبناه عقابا ثقيلا، فوبيل بزنة فعيل - صفة مشبهة، ~~مأخوذة من وبل المكان، إذا وخم هواؤه وكان ثقيلا رديئا. ويقال مرعى ~~وبيل، إذا كان وخما رديئا. وخص - سبحانه - موسى وفرعون بالذكر، لأن ~~أخبارهما كانت مشهورة عند أهل مكة. و { أل } فى قوله { فعصى ~~فرعون الرسول } للعهد. أى فعصى فرعون الرسول المعهود عندكم، وهو ~~موسى - عليه السلام -. قال صاحب الكشاف فإن قلت لم نكر الرسول ثم عرف؟ ~~قلت لأنه أراد أرسلنا إلى فرعون بعض الرسل، فلما أعاده وهو معهود بالذكر ~~أدخل لام التعريف. إشارة إلى المذكور بعينه.. وأظهر - سبحانه - اسم فرعون ~~مع تقدم ذكره فقال { فعصى فرعون الرسول } ، دون أن يؤتى ~~بضميره، للإشعار بفظاعة هذا العصيان، وبلوغه النهاية فى الطغيان. ~~والمقصود من هاتين الآيتين، تهديد المشركين، بأنهم إذا ما استمروا فى ~~تكذيبهم لرسولهم، محمد صلى الله عليه وسلم فقد يصيبهم من العذاب ما أصاب ~~فرعون عندما عصى موسى - عليه السلام -. ثم ذكرهم - سبحانه - بأهوال يوم ~~القيامة، لعلهم يتعظون أو يرتدعون فقال { فكيف تتقون إن ~~كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا. السمآء منفطر ~~به كان وعده مفعولا }. # والاستفهام فى قوله ms5242 { فكيف } مستعمل فى التوبيخ والتعجيز، و { ~~تتقون } بمعنى تصونون أنفسكم من العذاب، ومعنى { إن كفرتم } ~~إن بقيتم على كفركم وأصررتم عليه. وقوله { يوما } منصوب على أنه مفعول ~~به لقوله { تتقون }. وقوله { السمآء منفطر به } صفة ثانية ~~لهذا اليوم. والمراد بالولدان الأطفال الصغار، وبه بمعنى فيه.. والمقصود ~~بهاتين الآيتين - أيضا - تأكيد التهديد للمشركين، حتى يقلعوا عن شركهم ~~وكفرهم.. أى إذا كان الأمر كما ذكرنا لكم من سوء عاقبة المكذبين، فكيف ~~تصونون أنفسكم - إذا ما بقيتم على كفركم - من عذاب يوم هائل شديد، هذا ~~اليوم من صفاته أنه يحول الشعر الشديد السواد للولدان، إلى شعر شديد ~~البياض.. وهذا اليوم من صفاته - أيضا - أنه لشدة هوله، أن السماء - مع ~~عظمها وصلابتها - تصير شيئا منفطرا - أى متشققا { به } أى فيه، والضمير ~~يعود إلى اليوم.. وصدر - سبحانه - الحديث عن يوم القيامة، بلفظ الاستفهام ~~" كيف " للإشعار بشدة هوله. وأنه يعجز الواصفون عن وصفه. ووصف - سبحانه ~~- هذا اليوم بأنه يشيب فيه الولدان، ثم وصفه بأن السماء مع عظمها تتشقق ~~فيه، للارتقاء فى الوصف من العظيم إلى الأعظم، إذ أن تحول شعر الأطفال من ~~السواد إلى البياض - مع شدته وعظمه - أشد منه وأعظم، انشقاق السماء فى ~~هذا اليوم. قال صاحب الكشاف وقوله { يجعل الولدان شيبا } مثل ~~فى الشدة، يقال فى اليوم الشديد، يوم يشيب نواصى الأطفال والأصل فيه أن ~~الهموم والأحزان، إذا تفاقمت على الإنسان، أسرع فيه الشيب، كما قال أبو ~~الطيب # والهم يخترم الجسيم نحافة ويشيب ناصية الصبى ويهرم # ويجوز أن يوصف اليوم بالطول، وأن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة ~~والشيب. وقوله { السمآء منفطر به } وصف لليوم بالشدة - أيضا - ~~وأن السماء على عظمها وإحكامها تنفطر فيه فما ظنك بغيرها من الخلائق.. ~~ووصف - سبحانه - السماء بقوله { منفطر } بصيغة التذكير، حيث لم يقل ~~منفطرة، لأن هذه الصيغة، صيغة نسب. أى ذات انفطار، كما فى قولهم امرأة ~~مرضع وحائض، أى ذات إرضاع وذات حيض. أو على تأويل أن السماء بمعنى السقف، ~~كما فى قوله - تعالى - # وجعلنا السمآء سقفا محفوظا # أو ms5243 على أن السماء اسم جنس واحده سماوة، فيجوز وصفه بالتذكير والتأنيث. ~~وقوله { كان وعده مفعولا } الضمير فيه يعود إلى الخالق - عز ~~وجل - والوعد مصدر مضاف لفاعله. أى كان وعد ربك نافذا ومفعولا، لأنه - ~~سبحانه - لا يخلف موعوده. ويجوز أن تكون هذه الجملة صفة ثالثة لليوم، ~~والضمير فى وعده يعود إليه، ويكون من إضافة المصدر لمفعوله. أى كان الوعد ~~بوقوع يوم القيامة نافذا ومفعولا. ثم ختم - سبحانه - هذه التهديدات بقوله ~~{ إن هذه تذكرة فمن شآء اتخذ إلى ربه ~~سبيلا }. # واسم الإشارة " هذه " يعود إلى الآيات المتقدمة، المشتملة على الكثير ~~من القوارع والزواجر. والتذكرة اسم مصدر بمعنى التذكير والاتعاظ ~~والاعتبار. ومفعول " شاء " محذوف. والمعنى إن هذه الآيات التى سقناها لكم ~~تذكرة وموعظة، فمن شاء النجاة من أهوال يوم القيامة، فعليه أن يؤمن بالله ~~- تعالى - إيمانا حقا، وأن يتخذ بسبب إيامنه وعمله الصالح، طريقا وسبيلا ~~إلى ربه ورحمته ومغفرته. والتعبير بقوله { فمن شآء اتخذ... } ليس ~~من قبيل التخبير، وإنما المقصود به الحض والحث على سلوك الطريق الموصل ~~إلى الله - تعالى - بدليل قوله - تعالى - قبل ذلك { إن هذه ~~تذكرة } أى هذه الآيات تذكرة وموعظة، فمن ترك العمل بها ساءت ~~عاقبته، ولم يكن من الذين سلكوا طريق النجاة. وشبيه بهذه الآية قوله - ~~تعالى - # وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء ~~فليكفر # هذا، والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة، - من أول السورة إلى هنا - يراها ~~قد نادت الرسول صلى الله عليه وسلم نداء فيه ما فيه من الملاطفة ~~والمؤانسة، وأمرته بأن يقوم الليل إلا قليلا متعبدا لربه، كما أمرته ~~بالصبر على أذى المشركين، حتى يحكم الله - تعالى - بينه وبينهم. كما ~~يراها قد هددت المكذبين بأشد أنواع التهديد، وذكرتهم بأهوال يوم القيامة، ~~وبما حل بالمكذبين من قبلهم، وحرضتهم على سلوك الطريق المستقيم. وبعد هذه ~~الإنذارات المتعددة للمكذبين، عادت السورة الكريمة إلى الحديث عن قيام ~~الليل لعبادة الله - تعالى - وطاعته.. فقال - سبحانه - { إن ربك ~~يعلم أنك تقوم أدنى من... }. ### || [73.20] # المراد بالقيام فى قوله - تعالى - { إن ربك ms5244 يعلم أنك ~~تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه... } ~~التهجد بالليل عن طريق الصلاة تقربا إلى الله - تعالى -. وقوله { ~~أدنى } بمعنى أقرب، من الدنو بمعنى القرب، تقول رأيت فلانا أدنى إلى ~~فعل الخير من فلان. أى أقرب، واستعير هنا للأقل، لأن المسافة التى بين ~~الشئ والشئ إذا قربت كانت قليلة، وهو منصوب على الظرفية بالفعل " تقوم ". ~~وقوله { ونصفه وثلثه } قرأه بعض القراء السبعة بالجر عطفا على ~~{ ثلثي الليل } وقرأه الجمهور بالنصب عطفا على أدنى. والمعنى ~~على قراءة الجمهور إن ربك - أيها الرسول الكريم - يعلم أنك تقوم من ~~الليل، مدة قد تصل تارة إلى ثلثى الليل، وقد تصل تارة أخرى إلى نصفه أو ~~إلى ثلثه.. على حسب ما يتيسر لك، وعلى حسب أحوال الليل فى الطول والقصر. ~~والمعنى على قراءة غير الجمهور إن ربك يعلم أنك تقوم تارة أقل من ثلثى ~~الليل وتارة أقل من نصفه، وتارة أقل من ثلثه.. وذلك لأنك لم تستطع ضبط ~~المقدار الذى تقومه من الليل، ضبطا دقيقا، ولأن النوم تارة يزيد وقته ~~وتارة ينقص، والله - تعالى - قد رفع عنك المؤاخذة بسبب عدم تعمدك القيام ~~أقل من ثلث الليل.. فالآية الكريمة المقصود منها بيان رحمة الله - تعالى ~~- بنبيه صلى الله عليه وسلم حيث قبل منه قيامه بالليل متهجدا، حتى ولو ~~كان هذا القيام أقل من ثلث الليل.. وافتتاح الآية الكريمة بقوله - سبحانه ~~- { إن ربك يعلم... } يشعر بالثناء عليه صلى الله عليه وسلم. ~~وبالتلطف معه فى الخطاب، حيث إنه صلى الله عليه وسلم كان مواظبا على قيام ~~الليل. على قدر استطاعته، بدون تقصير أو فتور. وفى الحديث الشريف أنه صلى ~~الله عليه وسلم قام الليل حتى تورمت قدماه. والتعبير بقوله - تعالى - { ~~أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه } يدل على أن ~~قيامه صلى الله عليه وسلم كان متفاوتا فى طوله وقصره، على حسب ما تيسر له ~~صلى الله عليه وسلم، وعلى حسب طول الليل وقصره. وقوله - سبحانه - { ~~وطآئفة من الذين معك } معطوف على الضمير المستتر فى قوله ~~{ تقوم } أى ms5245 أنت أيها الرسول الكريم - تقوم أدنى من ثلثى الليل ونصفه ~~وثلثه، وتقوم طائفة من أصحابك للصلاة معك، أما بقية أصحابك فقد يقومون ~~للتهجد فى منازلهم. روى البخارى فى صحيحه عن عائشة، # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ذات ليلة فى المسجد، فصلى بصلاته ~~ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا فى الليلة الثالثة أو ~~الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أصبح قال " ~~قد رأيت الذى صنعتم، ولم يمنعنى من الخروج إليكم، إلا أنى خشيت أن تفرض ~~عليكم " ". # قال بعض العلماء قوله { وطآئفة من الذين معك } معطوف على ~~الضمير المستكن فى { تقوم } وهو - وإن كان ضمير رفع متصل -، قد سوغ ~~العطف عليه الفصل بينه وبين المعطوف. والمعنى أن الله يعلم أنه كان يقوم ~~كذلك جماعة من الذين آمنوا بك، واتبعوا هداك.. وقد يقال إن هذا يدل على ~~أن قيام الليل لم يكن فرضا على جميع الأمة، وهو خلاف ما تقرر تفسيره فى ~~أول السورة، ويخالف - أيضا - ما دلت عليه الآثار المتقدمة هناك.. والجواب ~~أنه ليس فى الآية ما يفيد أن الصحابه - رضوان الله عليهم - كانوا جميعا ~~يصلون مع النبى صلى الله عليه وسلم صلاة التهجد فى جماعة واحدة، فلعل ~~بعضهم كان يقيمها فى بيته، فلا ينافى ذلك فرضية القيام على الجميع.. ~~وقوله - سبحانه - { والله يقدر الليل والنهار } بيان ~~لشمول علمه - تعالى - ولنفاذ إرادته. أى والله - تعالى - وحده، هو الذى ~~يعلم مقادير ساعات الليل والنهار، وهو الذى يحدد زمانهما - طولا وقصرا - ~~على حسب ما تقتضيه مشيئته وحكمته. والآية الكريمة تفيد الحصر والاختصاص، ~~عن طريق سياق الكلام، ودلالة المقام. وقوله - تعالى - { علم أن لن ~~تحصوه فتاب عليكم } مؤكد لما قبله، وإحصاء الأشياء، عدها ~~والإحاطة بها. والضمير المنصوب فى قوله { تحصوه } يعود على المصدر ~~المفهوم من قوله { يقدر } فى الجملة السابقة. والتوبة فى قوله - سبحانه - ~~{ فتاب عليكم } يصح أن تكون بمعنى المغفرة، وعدم المؤاخذة، أو ~~بمعنى قبولها منهم، والتيسير عليهم فى الأحكام، وتخفيفها عنهم. أى ms5246 والله ~~- تعالى - هو الذى يقدر أجزاء الليل والنهار، وهو الذى يعلم - دون غيره - ~~أنكم لن تستطيعوا تقدير ساعاته تقديرا دقيقا.. ولذلك خفف الله عنكم فى ~~أمر القيام، ورفع عنكم المقدار المحدد، وغفر لكم ما فرط منكم من تقصير ~~غير مقصود، ورخص لكم أن تقوموا المقدار الذى تستطيعون قيامه من الليل، ~~مصلين ومتهجدين.. فالجملة الكريمة تقرر جانبا من فضل الله - تعالى - على ~~عباده، ومن رحمته بهم. والفاء فى قوله - تعالى - { فاقرءوا ما ~~تيسر من القرآن } للإفصاح، والمراد بالقراءة الصلاة، وعبر ~~عنها بالقراءة، لأنها من أركانها.. أى إذا كان الأمر كما وضحت لكم، فصلوا ~~ما تيسر لكم من الليل. قال الآلوسى قوله { فاقرءوا ما تيسر ~~من القرآن } أى فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل، وعبر عن الصلاة ~~بالقراءة كما عبر عنها بسائر أركانها، وقيل الكلام على حقيقته، من طلب ~~قراءة القرآن بعينها وفيه بعد عن مقتضى السياق. # ومن ذهب إلى الأول قال إن الله - تعالى - افترض قيام مقدار معين من ~~الليل، لقوله # قم الليل إلا قليلا. نصفه... # الخ. ثم نسخ بقيام مقدار ما منه، فى قوله { فتاب عليكم ~~فاقرءوا ما تيسر من القرآن... } فالأمر فى الموضعين ~~للوجوب، إلا أن الواجب أولا كان معينا من معينات، وثانيا كان بعضا مطلقا، ~~ثم نسخ وجوب القيام على الأمة مطلقا بالصلوات الخمس. ومن قال بالثانى ذهب ~~إلى أن الله - تعالى - رخص لهم فى ترك جميع القيام بالصلاة، وأمر بقراءة ~~شئ من القرآن ليلا، فكأنه قيل فتاب عليكم ورخص لكم من الترك، فاقرءوا ما ~~تيسر من القرآن، إن شق عليكم القيام.. وقال الإمام ابن كثير وقوله { ~~فاقرءوا ما تيسر من القرآن } أى من غير تحديد بوقت، أى ~~لكن قوموا من الليل ما تيسر، وعبر عن الصلاة بالقراءة، كما قال فى آية ~~أخرى # ولا تجهر بصلاتك # أى بقراءتك # ولا تخافت بها # وقد استدل الأحناف بهذه الآية على أنه لا يتعين قراءة الفاتحة فى ~~الصلاة، بل لو قرأ بها أو بغيرها من القرآن، ولو بآية. أجزأه واعتضدوا ~~بحديث ms5247 المسئ صلاته الذى فى الصحيحين، وفيه # " ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ". # وقد أجابهم الجمهور بحديث عبادة بن الصامت، وهو فى الصحيحين - أيضا - أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " # وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهى خداج.. غير تمام " # وفى صحيح ابن خزيمه عن أبى هريرة مرفوعا # " لا تجزئ صلاة من لم يقرأ بفاتحة الكتاب ". # وقوله - سبحانه - بعد ذلك { علم أن سيكون منكم مرضى ~~وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ~~وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيسر ~~منه.. } بدل اشتمال من جملة { علم أن لن تحصوه فتاب ~~عليكم.. } ، أو هو كلام مستأنف لبيان الحكمة التى من أجلها خفف الله ~~على المسلمين قيام الليل. أى صلوا من الليل على قدر استطاعتكم من غير ~~تحديد بوقت، فالله - تعالى - يعلم أنكم لا تستطيعون ضبط ساعات الليل ولا ~~أجزائه، فخفف عنكم لذلك، ولعلمه - أيضا - أن منكم المرضى الذين يعجزون عن ~~قيام ثلثى الليل أو نصفه أو أقل من ذلك بقليل. ومنكم - أيضا - الذين { ~~يضربون في الأرض } أى يسافرون فيها للتجارة وللحصول على مطالب ~~الحياة، وهم فى كل ذلك يبتغون ويطلبون الرزق من فضله - تعالى -. ومنكم - ~~أيضا - الذين يقاتلون من أجل إعلاء كلمة الله، ويجاهدون من أجل نشر دينه ~~وما دام الأمر كذلك، فقد أبحت لكم - بفضلى وإحسانى - أن تصلوا من الليل ~~ما تيسر لكم. # وقد جمع - سبحانه - بين السعى فى الأرض لطلب الرزق، وبين الجهاد فى ~~سبيله، للإشعار بأن الأول لا يقل فى فضله عن الثانى، متى توفرت فيه ~~النية الطيبة، وعدم الانشغال به عن ذكر الله - تعالى -. قال الإمام ~~القرطبى سوى الله - تعالى - فى هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين ~~المال والحلال، للنفقة على النفس والعيال.. فكان هذا دليلا على أن كسب ~~المال بمنزلة الجهاد فى سبيل الله. وفى الحديث الشريف # " ما من جالب يجلب ms5248 طعاما من بلد إلى بلد، فيبيعه بسعر يومه، إلا كانت ~~منزلته عند الله كمنزلة الشهداء، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم هذه الآية.. ~~". # وأعيدت جملة { فاقرءوا ما تيسر منه } لتأكيد التيسير ~~والتخفيف وتقريره، وليعطف عليه ما بعده من بقية الأوامر، وهى قوله - ~~تعالى - { وأقيموا الصلاة } أى وأدوها كاملة الأركان والخشوع ~~والسنن.. فى وقتها بدون تأخير. { وآتوا الزكاة } أى قدموها ~~لمستحقيها من الفقراء والمساكين وغيرهما. قال ابن كثير أى أقيموا الصلاة ~~الواجبة عليكم، وآتوا الزكاة المفروضة، وهذا يدل لمن قال إن فرض الزكاة ~~نزل بمكة، لكن مقادير النصاب لم تبين إلا بالمدينة.. وقوله { ~~وأقرضوا الله قرضا حسنا }. والقرض ما قدمته لغيرك من مال، ~~على أن يرده إليك بعد ذلك. والمراد من إقراض الله - تعالى - إعطاء ~~الفقراء والمساكين ما يحتاجونه على سبيل المعاونة والمساعدة. وشبه - ~~سبحانه - إعطاء الصدقة للمحتاج، بقرض يقدم له - تعالى -، للإشعار بأن ما ~~سيعطى لهذا المحتاج، سيعود إضعافه على المعطى. لأن الله - تعالى - قد وعد ~~أن يكافئ على الصدقة بعشر أمثالها، وهو - سبحانه - بعد ذلك يضاعف لمن ~~يشاء الثواب والعطاء. ووصف القرض بالحسن، لحض النفوس على الإخلاص وعلى ~~البعد عن الرياء والأذى.. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله { ~~وما تقدموا لأنفسكم من خير } أى أقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة، وأقرضوا الله قرضا حسنا، وافعلوا ما تستطيعونه - بعد ذلك - من ~~وجوه الخير، وما تقدموا لأنفسكم من هذا الخير الذى يحبه - سبحانه - { ~~تجدوه عند الله } أى تجدوا ثوابه وجزاءه عند الله - تعالى -، ~~ففى الكلام إيجاز بالحذف، وقد استغنى عن المحذوف بذكر الجزاء عليه. ~~والهاء فى قوله { تجدوه } هو المفعول الأول. والضمير المنفصل فى قوله ~~{ هو خيرا وأعظم أجرا } هو ضمير الفصل... و { خيرا } هو ~~المفعول الثانى. أى كل فعل موصوف بأنه خير، تقدمونه عن إخلاص لغيركم، لن ~~يضيع عند الله - تعالى - ثوابه، بل ستجدون جزاءه وثوابه مضاعفا عند الله ~~- تعالى -. { واستغفروا الله إن الله غفور رحيم } ~~أى وواظبوا على الاستغفار وعلى التوبة النصوح، وعلى التضرع إلى الله - ~~تعالى - أن يغفر لكم ما ms5249 فرط منكم، فإنه - سبحانه - واسع المغفرة والرحمة، ~~لمن تاب إليه وأناب.. ### | [74 - سورة المدثر] ### || [74.1-30] # قد افتتح الله - تعالى - سورة المدثر، بالملاطفة والمؤانسة فى النداء ~~والخطاب، كما افتتح سورة المزمل. والمدثر اسم فاعل من تدثر فلان، إذا لبس ~~الدثار، وهو ما كان من الثياب فوق الشعار الذى يلى البدن، ومنه حديث # " الأنصار شعار والناس دثار ". # قال القرطبى قوله - تعالى - { يأيها المدثر } ملاطفة فى ~~الخطاب من الكريم إلى الحبيب، إذ ناداه بحاله، وعبر عنه بصفته، ولم يقل ~~يا محمد ويا فلان، ليستشعر اللين والملاطفة من ربه، كما تقدم فى سورة ~~المزمل. ومثله # " قول النبى صلى الله عليه وسلم لعلى إذ نام فى المسجد " قم أبا ~~تراب ". وكان قد خرج مغاضبا لفاطمة - رضى الله عنها -، فسقط رداؤه وأصابه ~~التراب. " # ومثله # " قوله صلى الله عليه وسلم لحذيفة بن اليمان ليلة الخندق قم يا نومان ". # والمراد بالقيام فى قوله - تعالى - قم فأنذر، المسارعة والمبادرة ~~والتصميم على تنفيذ ما أمره - سبحانه - به، والإنذار هو الإخبار الذى ~~يصاحبه التخويف. أى قم - أيها الرسول الكريم - وانهض من مضجعك، وبادر ~~بعزيمة وتصميم، على إنذار الناس وتخويفهم من سوء عاقبتهم، إذا ما استمروا ~~فى كفرهم، وبلغ رسالة ربك إليهم دون أن تخشى أحدا منهم، ومرهم بأن يخلصوا ~~له - تعالى - العبادة والطاعة. والتعبير بالفاء فى قوله { فأنذر } ~~للإشعار بوجوب الإسراع بهذا الإنذار بدون تردد. وقال فأنذر، دون فبشر، ~~لأن الإنذار هو المناسب فى ابتداء تبليغ الناس دعوة الحق حتى يرجعوا عما ~~هم فيه من ضلال. ومفعول أنذر محذوف. أى قم فأنذر الناس، ومرهم بإخلاص ~~العبادة لله. وقوله { وربك فكبر } أمر آخر له صلى الله عليه ~~وسلم ولفظ { وربك } منصوب على التعظيم لفعل { كبر } قدم على عامله ~~لإفادة التخصيص. أى يأيها المدثر بثيابه لخوفه مما رآه من ملك الوحى، لا ~~تخف، وقم فأنذر الناس من عذاب الله، إذا ما استمروا فى شركهم، واجعل ~~تكبيرهم وتعظيمك وتبجيلك لربك وحده، دون أحد سواه، وصفه بما هو أهله من ~~تنزيه وتقديس. والمراد بتطهير الثياب ms5250 فى قوله - تعالى - { وثيابك ~~فطهر } تطهيرها من النجاسات. والمقصود بالثياب حقيقتها، وهى ما ~~يلبسه الإنسان لستر جسده.. ومنهم من يرى أن المقصود بها ذاته ونفسه صلى ~~الله عليه وسلم أى ونفسك فطهرها من كل ما يتنافى مع مكارم الأخلاق، ~~ومحاسن الشيم. وقال صاحب الكشاف قوله - تعالى - { وثيابك فطهر ~~} أمر بأن تكون ثيابه طاهرة من النجاسات، لأن طهارة الثياب شرط فى ~~الصلاة، ولا تصح إلا بها. وهى الأول والأحب فى غير الصلاة. وقبيح بالمؤمن ~~الطيب أن يحمل خبثا. # وقيل هو أمر بتطهير النفس مما يستقذر من الأفعال، ويستهجن من العادات. ~~يقال فلان طاهر الثياب، وطاهر الجيب والذيل والأردان، إذا وصفوه بالنقاء ~~من المعايب، ومدانس الأخلاق. ويقال فلان دنس الثياب للغادر - والفاجر -، ~~وذلك لأن الثوب يلابس الإنسان، ويشتمل عليه.. وسواء أكانت المراد ~~بالثياب هنا معناها الحقيقى، أو معناها المجازى المكنى به عن النفس ~~والذات، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مواظبا على الطهارة الحسية ~~والمعنوية فى كل شئونه وأحواله، فهو بالنسبة لثيابه كان يطهرها من كل دنس ~~وقذر، وبالنسبة لذاته ونفسه، كان أبعد الناس عن كل سوء ومنكر من القول أو ~~الفعل. إلا أننا نميل إلى حمل اللفظ على حقيقته، لأنه لا يوجد ما يوجب ~~حمله على غير ذلك. ثم أمره - سبحانه - بأمر رابع فقال { والرجز ~~فاهجر } والأصل فى كلمة الرجز أنها تطلق على العذاب، قال - تعالى - # فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه ~~إذا هم ينكثون # والمراد به هنا الأصنام والأوثان، أو المعاصى والمآثم التى يؤدى ~~اقترافها إلى العذاب. أى وداوم - أيها الرسول الكريم - على ما أنت عليه ~~من ترك عبادة الأصنام والأوثان، ومن هجر المعاصى والآثام. فالمقصود بهجر ~~الرجز المداومة على هجره وتركه، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يلتبس بشئ من ~~ذلك. ثم نهاه - سبحانه - عن فعل، لا يتناسب مع خلقه الكريم صلى الله عليه ~~وسلم فقال { ولا تمنن تستكثر } والمن أن يعطى الإنسان غيره ~~شيئا، ثم يتباهى به عليه، والاستكثار عد الشئ الذى يعطى كثيرا. أى ms5251 عليك - ~~أيها الرسول الكريم - أن تبذل الكثير من مالك وفضلك لغيرك، ولا تظن أن ما ~~أعطيته لغيرك كثيرا - مهما عظم وجل - فإن ثواب الله وعطاءه أكثر وأجزل.. ~~ويصح أن يكون المعنى ولا تعط غيرك شيئا، وأنت تتمنى أن يرد لك هذا الغير ~~أكثر مما أعطيته، فيكون المقصود من الآية النهى عن تمنى العوض. قال ابن ~~كثير قوله { ولا تمنن تستكثر } قال ابن عباس لا تعط العطية ~~تلتمس أكثر منها. وقال الحسن البصرى لا تمنن بعملك على ربك تستكثره، وعن ~~مجاهد لا تضعف أن تستكثر من الخير. وقال ابن زيد لا تمنن بالنبوة على ~~الناس تستكثرهم بها، تأخذ على ذلك عوضا من الدنيا. فهذه أربعة أقوال، ~~والأظهر القول الأول - المروى عن ابن عباس وغيره -. وقوله - سبحانه - { ~~ولربك فاصبر } أى وعليك - أيها الرسول الكريم - أن توطن نفسك ~~على الصبر، على التكاليف التى كلفك بها ربك، وأن تتحمل الآلام والمشاق فى ~~سبيل دعوة الحق، بعزيمة صادقة، وصبر جميل، وثبات لا يخالطه تردد أو ضعف. ~~فهذه ست وصايا قد اشتملت على ما يرشد إلى التحلى بالعقيدة السليمة، ~~والأخلاق الكريمة. # ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك جانبا من أهوال يوم القيامة فقال { فإذا ~~نقر في الناقور. فذلك يومئذ يوم عسير. على ~~الكافرين غير يسير }. والفاء فى قوله { فإذا نقر في ~~الناقور } للسببية. والناقور - بزنة فاعول من النقر، وهو اسم لما ~~ينقر فيه، أى لما ينادى فيه بصوت مرتفع. والمراد به هنا الصور أو القرن ~~الذين ينفخ فيه إسرافيل بأمر الله - تعالى - النفخة الثانية التى يكون ~~بعدها الحساب والجزاء. والفاء فى قوله { فذلك } واقعة فى جواب { إذا ~~} واسم الإشارة يعود إلى مدلول النقر وما يترتب عليه من حساب وجزاء. ~~وقوله { يومئذ } بدل من اسم الإشارة. والتنوين فيه عوض عن جملة وقوله { ~~عسير } و { غير يسير } صفتان لليوم. أى أنذر - أيها الرسول ~~الكريم - الناس، وبلغهم رسالة ربك، واصبر على أذى المشركين، فإنه إذا نفخ ~~إسرافيل بأمرنا النفخة الثانية، صار ذلك النفخ وما يترتب عليه من أهوال، ~~وقتا وزمانا ms5252 عسير أمره على الكافرين، وغير يسير وقعه عليهم. ووصف اليوم ~~بالعسير، باعتبار ما يقع فيه من أحداث يشيب من هولها الولدان. وقوله { ~~غير يسير } تأكيد لمعنى { عسير } كما يقال هذا أمر عاجل غير آجل. ~~قال صاحب الكشاف فإن قلت ما فائدة قوله { غير يسير } وقوله { ~~عسير } مغن عنه؟ قلت لما قال { على الكافرين } فقصر العسر ~~عليهم قال { غير يسير } ليؤذن بأنه لا يكون عليهم كما يكون على ~~المؤمنين يسيرا هينا، ليجمع بين وعيد الكافرين وزيادة غيظهم، وبين بشارة ~~المؤمنين وتسليتهم. ويجوز أن يراد أنه عسير لا يرجى أن يرجع يسيرا. كما ~~يرجى تيسير العسير من أمور الدنيا. ثم ذكر - سبحانه - جانبا من قصة زعيم ~~من زعماء المشركين. افترى الكذب على الله - تعالى - وعلى رسوله صلى الله ~~عليه وسلم فكانت عاقبته العذاب المهين، فقال - تعالى - { ذرني ومن ~~خلقت وحيدا. وجعلت له مالا ممدودا. وبنين ~~شهودا. ومهدت له تمهيدا. ثم يطمع أن أزيد. ~~كلا... }. وقد ذكر المفسرون أن هذه الآيات نزلت فى شأن الوليد بن ~~المغيرة المخزومى، وذكروا فى ذلك روايات منها أن المشركين عندما اجتمعوا ~~فى دار الندوة، ليتشاوروا فيما يقولونه فى شأن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وفى شأن القرآن الكريم - قبل أن تقدم عليهم وفود العرب للحج. فقال بعضهم ~~هو شاعر، وقال آخرون بل هو كاهن.. أو مجنون.. وأخذ الوليد يفكر ويرد ~~عليهم، ثم قال بعد أن فكر وقدر ما هذا الذى يقوله محمد صلى الله عليه ~~وسلم إلا سحر يؤثر، أما ترونه يفرق بين الرجل وامرأته، وبين الأخ وأخيه.. ~~قال الآلوسى نزلت هذه الآيات فى الوليد بن المغيرة المخزومى، كما روى عن ~~ابن عباس وغيره. # بل قيل كونها فيه متفق عليه.. وقوله { وحيدا } حال من الياء فى { ~~ذرني } أى ذرنى وحدى معه فأنا أغنيك فى الانتقام منه، أو من التاء فى ~~خلقت أى خلقته وحدى، لم يشركنى فى خلقه أحد، فأنا أهلكه دون أن أحتاج إلى ~~ناصر فى إهلاكه، أو من الضمير المحذوف العائد على " من " أى ذرنى ms5253 ومن ~~خلقته وحيدا فريدا لا مال له ولا ولد.. وكان الوليد يلقب فى قومه ~~بالوحيد.. لتفرده بمزايا ليست فى غيره - فتهكم الله - تعالى - به وبلقبه، ~~أو صرف هذا اللقب من المدح إلى الذم. أى اصبر - أيها الرسول الكريم - على ~~ما يقوله أعداؤك فيك من كذب وبهتان، واتركنى وهذا الذى خلقته وحيدا فريدا ~~لا مال له ولا ولد ثم أعطيته الكثير من النعم، فلم يشكرنى على ذلك. ~~والتعبير بقوله { ذرني } للتهديد والوعيد، وهذا الفعل يأتى منه الأمر ~~والمضارع فحسب، ولم يسمع منه فعل ماض. وقوله { وجعلت له مالا ~~ممدودا } أى وجعلت له مالا كثيرا واسعا، يمد بعضه بعضا، فقوله { ~~ممدودا } اسم مفعول من " مد " الذى بمعنى أطال بأن شبهت كثرة ~~المال، بسعة مساحة الجسم. أو من " مد " الذى هو بمعنى زاد فى الشئ من ~~مثله، ومنه قولهم مد الوادى النهر، أى مده بالماء زيادة على ما فيه. ~~قالوا وكان الوليد من أغنى أهل مكة، فقد كانت له أموال كثيرة من الإبل ~~والغنم والعبيد والبساتين وغير ذلك من أنواع الأموال. { وبنين ~~شهودا } أى وجعلت له - بجانب هذا المال الممدود - أولادا يشهدون ~~مجالسه، لأنهم لا حاجة بهم إلى مفارقته فى سفر أو تجارة، إذ هم فى غنى عن ~~ذلك بسبب وفرة المال فى أيدى أبيهم. فقوله { شهودا } جمع شاهد بمعى ~~حاضر، وهو كناية عن كثرة تنعمهم وائتناسه بهم. قيل كانوا عشرة، وقيل ~~ثلاثة عشر، منهم الوليد، وخالد، وعمارة، وهشام، والعاصى، وعبد شمس. وقد ~~أسلم منهم ثلاثة، وهم خالد، وهشام، وعمارة. { ومهدت له ~~تمهيدا } والتمهيد مصدر مهد، بمعنى سوى الشئ، وأزال منه ما يجعله ~~مضطربا متنافرا، ومنه مهد الصبى. أى المكان المعد لراحته. والمراد ~~بالتمهيد هنا تيسير الأمور، ونفاذ الكلمة، وجمع وسائل الرياسة له. أى ~~جعلت له مالا كثيرا، وأولادا شهودا، وفضلا عن ذلك، فقد هيأت له وسائل ~~الراحة والرياسة تهيئة حسنة، أغنته عن الأخذ والرد مع قومه، بل صار نافذ ~~الكلمة فيهم بدون عناء أو تعب. فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد ms5254 ذكرت ~~أن الله - تعالى - قد أعطى الوليد بن المغيرة، جماع ما يحتاجه الإنسان ~~فى هذه الحياة، فقد أعطاه المال الوفير، والبنين الشهود، والجاه التام ~~الذى وصل إليه بدون جهد أو تعب. # وقوله - سبحانه - { ثم يطمع أن أزيد } بيان لما جبل عليه ~~هذا الإنسان من طمع وشره.. أى مع إمدادى له بكل هذه النعم، هو لا يشبع، ~~بل يطلب المزيد منها لشدة حرصه وطمعه. و " ثم " هنا للاستبعاد والاستنكار ~~والتأنيب، فهى للتراخى الرتبى، والجملة معطوفة على قوله - قبل ذلك " ~~وجعلت ومهدت.. " أى أعطيته كل هذه النعم، ثم بعد ذلك هو شره لا يشبع، ~~وإنما يطلب المزيد منها ثم المزيد. وقوله - تعالى - { كلا } زجر وردع ~~وقطع لرجائه وطمعه، وحكم عليه بالخيبة والخسران. أى كلا، لن أعطيه شيئا ~~مما يطمع فيه، بل سأمحق هذه النعم من بين يديه، لأنه قابلها بالجحود ~~والبطر، ومن لم يشكر النعم يعرضها للزوال، ومن شكرها زاده الله - تعالى - ~~منها، كما قال - سبحانه - # لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي ~~لشديد # وقوله { إنه كان لآياتنا عنيدا } تعليل للزجر والردع وقطع ~~الرجاء. أى كلا لن أمكنه مما يريده ويتمناه.. لأنه كان إنسانا شديد ~~المعاندة والإبطال لآياتنا الدالة على وحدانيتنا، وعلى صدق رسولنا فيما ~~يبلغه عنا. ومن مظاهر ذلك أنه وصف رسولنا صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر.. ~~قال مقاتل مازال الوليد بعد نزول هذه الآية فى نقص من ماله وولده حتى ~~هلك. ثم بين - سبحانه - ما أعده له من عذاب أليم فقال { سأرهقه ~~صعودا }. والإرهاق الإتعاب الشديد، وتحميل الإنسان مالا يطيقه. ~~يقال فلان رهقه الأمر يرهقه، إذا حل به بقهر ومشقة لا قدرة له على ~~دفعها. ومنه قوله - تعالى - # ولا ترهقني من أمري عسرا # وقوله - سبحانه - # والذين كسبوا السيئات جزآء سيئة بمثلها ~~وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم ~~كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل ~~مظلما... # والصعود العقبة الشديدة، التى لا يصل الصاعد نحوها إلا بمشقة كبيرة، ~~وتعب قد يؤدى إلى الهلاك والتلف. وهذه الكلمة صيغة مبالغة من الفعل ms5255 ~~صعد. وهذه الآية الكريمة فى مقابل قوله - تعالى - قبل ذلك { ~~ومهدت له تمهيدا } أى أن هذا الجاه الذى أتاه فى الدنيا بدون ~~تعب.. سيلقى فى الآخرة ما هو نقيضه من تعب وإذلال.. قال صاحب الكشاف قوله ~~{ سأرهقه صعودا } أى سأغشيه عقبة شاقة المصعد. وهو مثل لما يلقى ~~من العذاب الشاق الصعد الذى لا يطاق. وعن النبى صلى الله عليه وسلم # " يكلف أن يصعد عقبة فى النار، كلما وضع عليها يده ذابت، فإذا رفعها ~~عادت، وإذا وضع رجله عليها ذابت، فإذا رفعها عادت " # وعنه صلى الله عليه وسلم # " الصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفا ثم يهوى فيه كذلك أبدا ". # ثم صور - سبحانه - حال هذا الشقى تصويرا بديعا يثير السخرية منه ومن ~~تفكيره فقال { إنه فكر وقدر } أى إن هذا الشقى ردد فكره ~~وأداره فى ذهنه، وقدر وهيأ فى نفسه كلاما شنيعا يقوله فى حق الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وفى حق القرآن الكريم. يقال قدر فلان الشئ فى نفسه، إذا ~~هيأه وأعده.. والجملة الكريمة تعليل للوعيد والزجر، وتقرير لاستحقاقه له، ~~أو بيان لمظاهر عناده.. وقوله - سبحانه - { فقتل كيف قدر. ~~ثم قتل كيف قدر } تعجيب من تفكيره وتقديره، وذم شديد له على ~~هذا التفكير السيئ.. أى إنه فكر مليا، وهيأ نفسه طويلا للنطق بما ~~يقوله فى حق الرسول صلى الله عليه وسلم وفى حق القرآن، { فقتل } أى فلعن، ~~أو عذب، وهو دعاء عليه { كيف قدر } أى كيف فكر هذا التفكير العجيب ~~البالغ النهاية فى السوء والقبح. وقوله { ثم قتل كيف قدر } ~~تكرير للمبالغة فى ذمه. والتعجيب من سوء تقديره، وفى الدعاء عليه باللعن ~~والطرد من رحمته - تعالى -. والعطف بثم لافادة التفاوت فى الرتبة، وأن ~~الدعاء عليه والتعجيب من حاله فى الجملة الثانية، أشد منه فى الجملة ~~الأولى. وقوله - تعالى - بعد ذلك { ثم نظر. ثم عبس وبسر. ~~ثم أدبر واستكبر... } تصوير آخر لحالة هذا الشقى، يرسم ~~حركات جسده، وخلجات قلبه، وتقاطيع وجهه.. رسما بديعا، يثير فى النفوس ~~السخرية من هذا الشقى. ms5256 أى إنه فكر تفكيرا مليا، وقدر فى نفسه ما سيقوله ~~فى شأن النبى صلى الله عليه وسلم تقديرا طويلا.. ولم يكتف بكل ذلك، بل ~~فكر وقدر { ثم نظر } أى ثم نظر فى وجوه من حوله نظرات يكسوها الجد ~~المصطنع المتكلف، حتى لكأنه يقول لهم اسمعوا وعوا لما سأقوله لكم.. { ~~ثم عبس وبسر } أى ثم قطب ما بين عينيه حين استعصى عليه أن يجد ~~فى القرآن مطعنا، وكلح وجهه، وتغير لونه، وارتعشت أطرافه، حين ضاقت عليه ~~مذاهب الحيل، فى أن يجد فى القرآن مطعنا. يقال عبس فلان يعبس ~~عبوسا، إذا قطب جبينه. وأصله من العبس وهو ما تعلق بأذناب الإبل من ~~أبوالها وأبعارها بعد أن جف عليها. ويقال بسر فلان يبسر بسورا، إذا ~~قبض ما بين عينيه كراهية للشئ. ومنه قوله - تعالى - # ووجوه يومئذ باسرة. تظن أن يفعل بها فاقرة # { ثم أدبر واستكبر } أى ثم إنه بعد هذا التفكير والتقدير، ~~وبعد هذا العبوس والبسور، بعد ذلك أدبر على الحق، واستكبر عن قبوله. { ~~فقال } - على سبيل الغرور والجحود - { إن هذآ إلا سحر ~~يؤثر } أى ما هذا القرآن الذى يقرؤه محمد صلى الله عليه وسلم علينا، ~~إلا سحر مأثور أى مروى عن الأقدمين، ومنقول من أقوالهم وكلامهم. وجملة { ~~إن هذآ إلا قول البشر } بدل مما قبلها، أى ما هذا القرآن ~~إلا سحر مأثور عن السابقين، فهو من كلام البشر، وليس من كلام الله - ~~تعالى - كما يقول محمد صلى الله عليه وسلم. # قال صاحب الكشاف فإن قلت ما معنى " ثم " الداخلة فى تكرير الدعاء؟ قلت ~~الدالة على أن الكرة الثانية أبلغ من الأولى، ونحوه قوله ألا يا اسلمى ~~ثم اسلمى، ثمت اسلمى. فإن قلت ما معنى المتوسطة بين الأفعال التى ~~بعدها؟ قلت الدلالة على أنه قد تأتى فى التأمل والتمهل، وكأن بين الأفعال ~~المتناسقة تراخيا وتباعدا.. فإن قلت فلم قيل { فقال إن هذآ... } ~~بالفاء بعد عطف ما قبله بثم؟ قلت لأن الكلمة لما خطرت بباله بعد التطلب، ~~لم يتمالك أن نطق بها من غير ms5257 تلبث. فإن قلت فلم لم يوسط حرف العطف بين ~~الجملتين؟ قلت لأن الأخرى جرت من الأولى مجرى التوكيد من المؤكد. ثم بين ~~- سبحانه - بعد ذلك الوعيد الشديد الذى توعد به هذا الشقى الأثيم فقال { ~~سأصليه سقر } وسقر اسم لطبقة من طبقات جهنم، والجملة الكريمة بدل ~~من قوله { سأرهقه صعودا } أى سأحرقه بالنار المتأججة الشديدة ~~الاشتعال. وقوله { ومآ أدراك ما سقر } تهويل من حال هذه النار ~~وتفظيع لشدة حرها. أى وما أدراك ما حال سقر؟ إن حالها وشدتها لا تستطيع ~~العبارة أن تحيط بها. وجملة { لا تبقي ولا تذر } بدل اشتمال من ~~التهويل الذى أفادته جملة { ومآ أدراك ما سقر } أى هذه النار ~~لا تبقى شيئا فيها إلا أهلكته، ولا تترك من يلقى فيها سليما، بل تمحقه ~~محقا، وتبلعه بلعا، وتعيده - بأمر الله تعالى - إلى الحياة مرة أخرى ~~ليزداد من العذاب، كما قال - تعالى - # كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب.. # وقوله { لواحة للبشر } صفة ثالثة من صفات سقر. ومعنى { ~~لواحة } مغيرة للبشرات. مسودة للوجوه، صيغة مبالغة من ~~اللوح بمعنى تغيير الشئ يقال فلان لوحته الشمس، إذا سودت ~~ظاهره وأطرافه. والبشر جمع بشرة وهى ظاهر الجلد. أى أن هذه النار من ~~صفاتها - أيضا - أنها تغير ألوان الجلود، فتجعلها مسودة بعد أن كانت على ~~غير هذا اللون، وأنها لا تنزل بالأجساد من الآلام ما لا يعلمه إلا الله - ~~تعالى -. وقوله - تعالى - { عليها تسعة عشر } صفة رابعة من ~~صفات سقر. أى على هذه النار تسعة عشر ملكا، يتولون أمرها، وينفذون ما ~~يكلفهم الله - تعالى - فى شأنه. قال القرطبى قوله - تعالى - { عليها ~~تسعة عشر } أى على سقر تسعة عشر من الملائكة، يلقون فيها ~~أهلها. ثم قيل على جملة النار تسعة عشر من الملائكة هم خزنتها مالك ~~وثمانية عشر ملكا. ويحتمل أن يكون التسعة عشر نقيبا. ويحتمل أن يكون تسعة ~~عشر ملكا بأعيانهم، وعلى هذا أكثر المفسرين.. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ~~جانبا من مظاهر قدرته وحكمته، وابتلائه لعباده بشتى أنواع الابتلاء، ~~ليتميز قوى ms5258 الإيمان من ضعيفه. فقال - تعالى - { وما جعلنآ ~~أصحاب النار إلا ملائكة... }. ### || [74.31-37] # قال الإمام ابن كثير يقول الله - تعالى - { وما جعلنآ أصحاب ~~النار } أى خزانها { إلا ملائكة } أى غلاظا شدادا. وذلك رد ~~على مشركى قريش حين ذكر عدد الخزنة. فقال أبو جهل يا معشر قريش، أما ~~يستطيع كل عشرة منكم لواحد منهم فتغلبونهم؟ فقال الله - تعالى - { وما ~~جعلنآ أصحاب النار إلا ملائكة } أى شديدى الخلق لا ~~يقاومون ولا يغالبون. وقد قيل إن أبا الأشد - واسمه كلدة بن أسيد بن خلف ~~- قال يا معشر قريش، اكفونى منهم اثنين وأنا أكفيكم سبعة عشر، إعجابا منه ~~بنفسه، وكان قد بلغ من القوة - فيما يزعمون - أنه كان يقف على جلد ~~البقرة، ويجاذبه عشرة لينتزعوه من تحت قدميه، فيتمزق الجلد، ولا يتزحزح ~~عنه.. وقال الجمل فى حاشيته قال ابن عباس لما نزلت هذه الآية # عليها تسعة عشر # قال أبو جهل لقريش ثكلتكم أمهاتكم! محمد صلى الله عليه وسلم يخبر أن ~~خزنة النار تسعة عشر، وأنتم الشجعان، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا ~~بواحد منهم؟. فقال أبو الأشد أنا أكفيكم منهم سبعة عشر، عشرة على ظهرى، ~~وسبعة على بطنى. وأكفونى أنتم اثنين.. فأنزل الله - تعالى - { وما ~~جعلنآ أصحاب النار إلا ملائكة.. }. والمقصود من هذه ~~الآية الكريمة الرد على المشركين، الذين سخروا من النبى صلى الله عليه ~~وسلم عندما عرفوا منه أن على سقر تسعة عشر ملكا يتولون أمرها.. أى إننا ~~أوجدنا النار لعذاب الكافرين، وما جعلنا خزنتها إلا من الملائكة الغلاظ ~~الشداد، الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، والذين لا قدرة ~~لأحد من البشر على مقاومتهم أو مخالفة أمرهم، لأنهم أشد بأسا، وأقوى بطشا ~~من كافة الإنس والجن.. والاستثناء من عموم الأنواع. أى وما جعلنا أصحاب ~~النار إلا من نوع الملائكة، الذين لا قدرة لأحد من البشر على مقاومتهم.. ~~وقوله - سبحانه - { وما جعلنا عدتهم إلا فتنة ~~للذين كفروا } بيان لحكمة أخرى من ذكر هذا العدد.. والفتنة ~~بمعنى الاختبار والامتحان. تقول فتنت الذهب بالنار، ms5259 أى اختبرته بها، ~~لتعلم جودته من رداءته. وقوله { إلا فتنة } مفعول ثان لقوله { ~~جعلنا } والكلام على حذف مضاف.. أى وما جعلنا عدة خزنة النار تسعة ~~عشر، إلا ليكون هذا العدد سبب فتنة واختبار للذين كفروا، ولقد زادهم هذا ~~الامتحان والاختبار جحودا وضلالا، ومن مظاهر ذلك أنهم استهزأوا بالنبى ~~صلى الله عليه وسلم عندما قرأ عليهم القرآن، فحق عليهم عذابنا ووعيدنا.. ~~قال الإمام الرازى وإنما صار هذا العدد سببا لفتنة الكفار من وجهين ~~الأول أن الكفار كانوا يستهزئون ويقولون لم لا يكونون عشرين - بدلا من ~~تسعة عشر - وما المقتضى لتخصيص هذا العدد؟. # والثانى أن الكفار كانوا يقولون هذا العدد القليل، كيف يكون وافيا ~~بتعذيب أكثر العالم من الجن والإنس..؟ وأجيب عن الأول بأن هذا السؤال ~~لازم على كل عدد يفرض، وأفعال الله - تعالى - لا تعلل، فلا يقال فيها لم ~~كان هذا العدد، فإن ذكره لحكمة لا يعلمها إلا هو - سبحانه -. وأجيب عن ~~الثانى بأنه لا يبعد أن الله - تعالى - يعطى ذلك العدد القليل قوة تفى ~~بذلك، فقد اقتلع جبريل وحده. مدائن قوم لوط على أحد جناحيه، ورفعها إلى ~~السماء.. ثم قلبها، فجعل عاليها سافلها.. - وأيضا - فأحوال القيامة، لا ~~تقاس بأحوال الدنيا، وليس للعقل فيها مجال.. وقوله - سبحانه - { ~~ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين ~~آمنوا إيمانا... } علة أخرى، لذكر هذا العدد. والاستيقان قوة ~~اليقين، فالسين والتاء للمبالغة. أى وما جعلنا عدتهم كذلك - أيضا - إلا ~~ليستيقن الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى، بأن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم صادق فيما يبلغه عن ربه، إذ أن الكتب السماوية التى بين أيديهم ~~قد ذكرت هذا العدد، كما ذكره القرآن الكريم، وإلا ليزداد المؤمنون إيمانا ~~على إيمانهم، بصدق نبيهم صلى الله عليه وسلم، إذ أن الإخبار عن المغيبات ~~عن طريق القرآن الكريم، من شأنها أن تجعل الإيمان فى قلوب المؤمنين ~~الصادقين، يزداد رسوخا وثباتا. قال الإمام ابن كثير قوله { ~~ليستيقن الذين أوتوا الكتاب } أى يعلمون أن هذا الرسول ~~حق، فإنه نطق بمطابقة ما بأيديهم من الكتب ms5260 السماوية المنزلة على الأنبياء ~~قبله.. وقال الآلوسى وأخرج الترمذى وابن مردويه عن جابر قال # " قال ناس من اليهود، لأناس من المسلمين هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟ ~~فأخبروا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " هكذا وهكذا " فى مرة ~~عشرة. وفى مرة تسعة ". # وقال الآلوسى واستشعر من هذا أن الآية مدنية، لأن اليهود إنما كانوا ~~فيها، وهو استشعار ضعيف، لأن السؤال لصحابى فلعله كان مسافرا فاجتمع ~~بيهودى حيث كان - وأيضا - لا مانع إذ ذاك من إتيان بعض اليهود نحو مكة.. ~~وقوله - تعالى - { ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب ~~والمؤمنون } معطوف على قوله { ليستيقن.. } وهو مؤكد لما ~~قبله، من الاستيقان وازدياد الإيمان، ونفى لما قد يعترى المستيقن من ~~شبهة عارضة. أى فعلنا ما فعلنا ليكتسب أهل الكتاب اليقين من نبوته صلى ~~الله عليه وسلم وليزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم. ولتزول كل ريبة أو ~~شبهة قد تطرأ على قلوب الذين أوتوا الكتاب، وعلى قلوب المؤمنين.. وقوله - ~~سبحانه - { وليقول الذين في قلوبهم مرض ~~والكافرون ماذآ أراد الله بهذا مثلا } بيان لعلة ~~أخرى لكون خزنة سقر تسعة عشر. # أى ما جعلنا عدتهم كذلك إلا فتنة للذين كفروا، وإلا ليستيقن الذين أوتوا ~~الكتاب من صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وإلا ليزداد الذين آمنوا ~~إيمانا، وإلا لنزول الريبة من قلوب الفريقين، وإلا ليقول الذين فى قلوبهم ~~مرض، أى شك وضعف إيمان، وليقول الكافرون المصرون على التكذيب ما الأمر ~~الذى أراده الله بهذا المثل، وهو جعل خزنة سقر تسعة عشر؟ فالمقصود ~~بالاستفهام فى قوله - تعالى - { ماذآ أراد الله بهذا ~~مثلا } الإنكار. والإشارة بهذا مرجعها إلى قوله - تعالى - قبل ذلك # عليها تسعة عشر # وقوله { مثلا } حال من اسم الإشارة، والمراد به العدد السابق. وسموه ~~مثلا لغرابته عندهم. أى ما الفائدة فى أن تكون عدة خزنة سقر تسعة عشر، ~~وليسوا أكثر أو أقل؟ وهم يقصدون بذلك نفى أن يكون هذا العدد من عنده - ~~تعالى -. قال الآلوسى قوله - تعالى - { ماذآ أراد الله بهذا ~~مثلا } أى أى شئ أراده الله ms5261 - تعالى -، أو ما الذى أراده الله - تعالى ~~- بهذا العدد المستغرب استغراب المثل. وعلى الأول تكون { ماذا } بمنزلة ~~اسم واحد.. وعلى الثانى هى مؤلفة من كلمة { ما } اسم استفهام مبتدأ، و { ~~ذا } اسم موصول خبره، والجملة بعده صلة، والعائد فيها محذوف، " ومثلا " ~~نصب على التمييز أو على الحال.. وعنوا بالإشارة التحقير، وغرضهم نفى أن ~~يكون ذلك من عند الله - تعالى -.. واسم الإشارة فى قوله - تعالى - { ~~كذلك يضل الله من يشآء } يعود إلى ما تضمنه الكلام ~~السابق، من استيقان أهل الكتاب، وازدياد المؤمنين إيمانا، واستنكار ~~الكافرين ومن فى قلوبهم مرض لهذا المثل. أى مثل ذلك الضلال الحاصل للذين ~~فى قلوبهم مرض وللكافرين، يضل الله - تعالى - من يشاء إضلاله من خلقه، ~~ومثل ذلك الهدى الحاصل فى قولب المؤمنين، يهدى الله من يشاء هدايته من ~~عباده، إذ هو - سبحانه - الخالق لكل شئ، وهو على كل شئ قدير. ثم ساق - ~~سبحانه - بعد ذلك ما يخرس ألسنة الكافرين، الذين أنكروا هذا العدد الذى ~~جعله الله - تعالى - على سقر، ليتصرف فيها على حسب إرادته - تعالى - ~~ومشيئته، فقال { وما يعلم جنود ربك إلا هو } والجنود ~~جمع جند، وهو اسم لما يتألف منه الجيش من أفراد. والمراد بهم هنا ~~مخلوقاته - تعالى - الذين سخرهم لتنفيذ أمره، وسموا جنودا، تشبيها لهم ~~بالجنود فى تنفيذ مراده - سبحانه -. أى وما يعلم عدد جنود ربك - أيها ~~الرسول الكريم - ولا مبلغ قوتهم، إلا هو - عز وجل - وما هذا العدد الذى ~~ذكرناه لك إلا جزء من جنودنا، الذين حجبنا علم عددهم وكثرتهم. # . عن غيرنا. قال الإمام ابن كثير قوله - تعالى - { وما يعلم ~~جنود ربك إلا هو } أى وما يعلم عددهم وكثرتهم إلا هو - تعالى ~~-، لئلا يتوهم متوهم أنماهم تسعة عشر فقط. وقد ثبت فى حديث الإسراء ~~المروى فى الصحيحين وغيرهما، # " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال فى صفة البيت المعمور، الذى ~~فى السماء السابعة فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك.. " # والضمير فى قوله { وما هي إلا ذكرى للبشر } يعود إلى ~~سقر.. ms5262 أى وما سقر التى ذكرت لكم أن عليها تسعة عشر ملكا يلون أمرها، إلا ~~تذكرة وعظة للبشر، لأن من يتذكر حرها وسعيرها وشدة عذابها.. من شأنه، أن ~~يخلص العبادة لله - تعالى -، وأن يقدم فى دنياه العمل الصالح الذى ينفعه ~~فى أخراه. وقيل الضمير للآيات الناطقة بأحوال سقر. أى وما هذه الآيات ~~التى ذكرت بشأن سقر وأهوالها إلا ذكرى للبشر. ثم أبطل - سبحانه - ما ~~أنكره الذين فى قلوبهم مرض، وما أنكره الكافرون مما جاء به القرآن ~~الكريم، فقال { كلا والقمر. والليل إذ أدبر. ~~والصبح إذآ أسفر. إنها لإحدى الكبر. نذيرا ~~للبشر. لمن شآء منكم أن يتقدم أو يتأخر }. و ~~{ كلا } حرف زجر وردع وإبطال لكلام سابق. والواو فى قوله { والقمر } ~~للقسم والمقسم به ثلاثة أشياء القمر والليل والصبح، وجواب القسم قوله { ~~إنها لإحدى الكبر... } أى كلا، ليس الأمر كما أنكر هؤلاء ~~الكافرون، من أن تكون عدة الملائكة الذين على سقر، تسعة عشر ملكا، أو من ~~أن تكون سقر مصير هؤلاء الكافرين، أو من أن فى قدرتهم مقاومة هؤلاء ~~الملائكة. كلا، ليس الأمر كذلك، وحق القمر الذى # قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم # وحق { والليل إذ أدبر } أى وقت أن ولى ذاهبا بسبب إقبال ~~النهار عليه، وحق، { والصبح إذآ أسفر } ، أى إذا أضاء وابتدأ ~~فى الظهور والسطوع. والضمير فى قوله - تعالى - { إنها لإحدى ~~الكبر } يعود إلى سقر. والكبر جمع كبرى، والمراد بها الأمور العظام، ~~والخطوب الجسام. أى إن سقر التى تهكم بها وبخزنتها الكافرون، لهى إحدى ~~الأمور العظام، والدواهى الكبار، التى قل أن يوجد لها نظير أو مثيل فى ~~عظمها وفى شدة عذاب من يصطلى بنارها. وأقسم - سبحانه - بهذه الأمور ~~الثلاثة، لزيادة التأكيد، ولإبطال ما تفوه به الجاحدون، بأقوى أسلوب. ~~وكان القسم بهذه الأمور الثلاثة، لأنها تمثل ظهور النور بعد الظلام، ~~والهداية بعد الضلال، ولأنها تناسب قوله - تعالى - قبل ذلك { كذلك ~~يضل الله من يشآء ويهدي من يشآء }. وانتصب لفظ " ~~نذيرا " من قوله { نذيرا للبشر } على أنه حال من الضمير فى قوله ms5263 ~~{ إنها لإحدى الكبر } أى إن سقر لعظمى العظائم، ولداهية ~~الدواهى، حال كونها إنذارا للبشر، حتى يقلعوا عن كفرهم وفسوقهم، ويعودوا ~~إلى إخلاص العبادة لخالقهم. # ويصح أن يكون تمييزا لإحدى الكبر، لما تضمنته من معنى التعظيم، كأنه ~~قيل إنها لإحدى الكبر إنذارا للبشر، وردعا لهم عن التمادى فى الكفر ~~والضلال.. فالنذير بمعنى الإنذار. وقوله - سبحانه - { لمن شآء ~~منكم أن يتقدم أو يتأخر } بدل مفصل من مجمل، هذا ~~المجمل هو قوله { للبشر }. أى إن سقر لهى خير منذر للذين إن شاءوا تقدموا ~~إلى الخير ففازوا، وإن شاءوا تأخروا عنه فهلكوا. فالمراد بالتقدم نحو ~~الطاعة والهداية. والمراد بالتأخر التأخر عنهما والانحياز نحو الضلال ~~والكفر إذ التقدم تحرك نحو الأمام، وهو كناية عن قبول الحق، وبعكسه ~~التأخر.. ويجوز أن يكون المعنى هى خير نذير لمن شاء منكم التقدم نحوها، ~~أو التأخر عنها. وتعليق { نذيرا } بفعل المشيئة، للإشعار بأن عدم التذكر ~~مرجعه إلى انطماس القلب، واستيلاء المطامع والشهوات عليه، وللإيذان بأن ~~من لم يتذكر، فتبعة تفريطه واقعة عليه وحده، وليس على غيره. قال الآلوسى ~~قوله { لمن شآء منكم أن يتقدم أو يتأخر } الجار ~~والمجرور بدل من الجار والمجرور فيما سبق، أعنى { للبشر } وضمير " شاء " ~~للموصول. أى نذيرا للمتمكنين منكم من السبق إلى الخير، والتخلف عنه. وقال ~~السدى أن يتقدم إلى النار المتقدم ذكرها، أو يتأخر عنها إلى الجنة، وقال ~~الزجاج أن يتقدم إلى المأمورات أو يتأخر عن المنهيات.. ثم بين - سبحانه - ~~جانبا من مظاهرعدله فى أحكامه وفى بيان الأسباب التى أدت إلى فوز ~~المؤمنين، وهلاك الكافرين.. فقال - تعالى - { كل نفس بما ~~كسبت... }. ### || [74.38-56] # قوله - تعالى - { رهينة } خبر عن { كل نفس } ، وهو بمعنى ~~مرهونة. أى كل نفس مرهونة عند الله - تعالى - بكسبها، مأخوذة بعملها، فإن ~~كان صالحا أنجاها من العذاب، وإن كان سيئا أهلكها، وجعلها محلا للعقاب. ~~قالوا وإنما كانت مرهونة، لأن الله - تعالى - جعل تكليف عباده كالدين ~~عليهم، ونفوسهم تحت استيلائه وقهره، فهى مرهونة، فمن وفى دينه الذى كلف ~~به، خلص نفسه من عذاب الله ms5264 - تعالى - الذين نزل منزلة علامة الرهن، وهو ~~أخذه فى الدين، ومن لم يوف عذب. والاستثناء فى قوله { إلا أصحاب ~~اليمين } استثناء متصل أى أن كل نفس مرهونة بعملها.. إلا أصحاب ~~اليمين وهم المؤمنين الصادقون فإنهم مستقرون { في جنات } عالية { ~~يتسآءلون. عن المجرمين } أى يسأل بعضهم بعضا عن أحوال ~~المجرمين. وهذا التساؤل إنما يكون قبل أن يروهم، فإذا ما رأوهم سألوهم ~~بقوله { ما سلككم في سقر } أى قال أصحاب اليمين للمجرمين ما ~~الذى أدخلكم فى سقر، وجعلكم وقودا لنارها وسعيرها؟ والسؤال إنما هو على ~~سبيل التوبيخ والتحسير لهؤلاء المجرمين. وعبر - سبحانه - بقوله { ما ~~سلككم... } للإشعار بأن الزج بهم فى سقر، كان بعنف وقهر، لأن السلك ~~معناه إدخال شئ بصعوبة وقسر، ومنه قوله - تعالى - # كذلك نسلكه في قلوب المجرمين. لا يؤمنون به ~~وقد خلت سنة الأولين # ثم حكى - سبحانه - ما رد به المجرمون على أصحاب اليمين فقال { قالوا ~~لم نك من المصلين. ولم نك نطعم المسكين. ~~وكنا نخوض مع الخآئضين. وكنا نكذب بيوم ~~الدين. حتى أتانا اليقين }. أى قال المجرمون لأصحاب اليمين ~~الذى أدى بنا إلى الإلقاء فى سقر، أننا فى الدنيا لم نقم بأداء الصلاة ~~الواجبة علينا، ولم نعط المسكين ما يستحقه من عطاء، بل بخلنا عليه، ~~وحرمناه حقوقه.. وكنا - أيضا - فى الدنيا نخوض فى الأقوال السيئة وفى ~~الأفعال الباطلة مع الخائضين فيها، دون أن نتورع عن اجتناب شئ منها. وأصل ~~الخوض الدخول فى الماء، ثم استعير للجدال الباطل، وللأحاديث التى لا خير ~~من ورائها. وكنا - أيضا - نكذب بيوم القيامة، وننكر إمكانه ووقوعه، ~~وبقينا على هذا الإنكار والضلال { حتى أتانا اليقين } أى حتى ~~أدركنا الموت، ورأينا بأعيننا صدق ما كنا نكذب به. فأنت ترى أن هؤلاء ~~المجرمين قد اعترفوا بأن الإلقاء بهم فى سقر لم يكن على سبيل الظلم لهم، ~~وإنما كان بسبب تركهم للصلاة وللإطعام، وتعمدهم ارتكاب الباطل من ~~الأقوال والأفعال، وتكذيبهم بيوم القيامة وما فيه من حساب وجزاء. وقوله - ~~سبحانه - { فما تنفعهم شفاعة الشافعين } حكم منه - ~~سبحانه - عليهم بحرمانهم ms5265 ممن يشفع لهم أو ينفعهم. # أى أن هؤلاء المجرمين لن تنفعهم يوم القيامة شفاعة أحد لهم، فيما لو ~~تقدم أحد الشفاعة لهم على سبيل الفرض والتقدير، وإنما الشفاعة تنفع غيرهم ~~من المسلمين. والاستفهام فى قوله { فما لهم عن التذكرة ~~معرضين. كأنهم حمر مستنفرة. فرت من قسورة ~~} للتعجيب من إصرارهم على كفرهم، ومن إعراضهم عن الحق الذى دعاهم إليه ~~نبيهم صلى الله عليه وسلم. والمراد بالتذكرة التذكير بمواعظ القرآن ~~وإرشاداته، والحمر جمع حمار، والمراد به الحمار الوحشى المعروف بشدة ~~نفوره وهروبه إذا ما أحس بحركة المقتنص له. وقوله { مستنفرة } أى ~~شديدة النفور والهرب فالسين والتاء للمبالغة. والقسورة الأسد، سمى بذلك ~~لأنه يقسر غيره من السباع ويقهرها، وقيل القسورة اسم لجماعة الرماة الذين ~~يطاردون الحمر الوحشية، ولا واحد له من لفظه، ويطلق هذا اللفظ عند العرب ~~على كل من كان بالغ النهاية فى الضخامة والقوة. من القسر بمعنى القهر. أى ~~ما الذى حدث لهؤلاء الجاحدين المجرمين، فجعلهم يصرون إصرارا تاما على ~~الإعراض عن مواعظ القرآن الكريم، وعن هداياته وإرشاداته، وأوامره ~~ونواهيه.. حتى لكأنهم - فى شدة إعراضهم عنه، ونفورهم منه - حمر وحشية قد ~~نفرت بسرعة وشدة من أسد يريد أن يفترسها، أو من جماعة من الرماة أعدوا ~~العدة لاصطيادها؟. قال صاحب الكشاف شبههم - سبحانه - فى إعراضهم عن ~~القرآن، واستماع الذكر والموعظة، وشرادهم عنه - بحمر جدت فى نفارها مما ~~أفزعها. وفى تشبيههم بالحمر مذمة ظاهرة، وتهجين لحالهم بين، كما فى قوله ~~- تعالى - # كمثل الحمار يحمل أسفارا # وشهادة عليهم بالبله وقلة العقل، ولا ترى مثل نفار حمير الوحش، واطرادها ~~فى العدو، إذا رابها رائب ولذلك كان أكثر تشبيهات العرب، فى وصف الإبل، ~~وشدة سيرها، بالحمر، وعدوها إذا وردت ماء فأحست عليه بقانص.. والتعبير ~~بقوله { فما لهم... } وما يشبهه قد كثر استعماله فى القرآن الكريم، ~~كما فى قوله - تعالى - # فما لهم لا يؤمنون... # والمقصود منه التعجيب من إصرار المخاطبين على باطلهم، أو على معتقد من ~~معتقداتهم.. مع أن الشواهد والبينات تدل على خلاف ذلك. وقال - سبحانه ms5266 - { ~~عن التذكرة } بالتعميم، ليشمل إعراضهم كل شئ يذكرهم بالحق، ~~ويصرفهم عن الباطل. وقوله - سبحانه - { بل يريد كل امرىء ~~منهم أن يؤتى صحفا منشرة } معطوف على كلام مقدر ~~يقتضيه المقام، وهو بيان لرذيلة أخرى من رذائلهم الكثيرة. والصحف جمع ~~صحيفة، وهى ما يكتب فيها. ومنشره صفة لها والمراد بها الصحف المفتوحة غير ~~المطوية. بحيث يقرؤها كل من رآها. وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية أن ~~المشركين قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم لن نتبعك حتى تأتى لكل واحد ~~منا بكتاب من السماء، عنوانه من رب العالمين، إلى فلان من فلان، نؤمر فى ~~هذا الكتاب باتباعك. # أى إن هؤلاء الكافرين لا يكتفون بمواعظ القرآن.. بل يريد كل واحد منهم ~~أن يعطى صحفا مفتوحة، وكتبا غير مطوية، بحيث يقرؤها كل من يراها. وفيها ~~الأمر من الله - تعالى - لهم بوجوب اتباعهم للرسول صلى الله عليه وسلم. ~~وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # أو ترقى في السمآء ولن نؤمن لرقيك حتى ~~تنزل علينا كتابا نقرؤه.. # وقوله - سبحانه - { كلا بل لا يخافون الآخرة } إبطال آخر ~~لكلامهم، وزجر لهم عن هذا الجدال السخيف. أى كلا ليس الأمر كما أرادوا ~~وزعموا بل الحق أن هؤلاء القوم لا يخافون الآخرة، وما فيها من حساب ~~وجزاء، لأنهم لو كانوا يخافون لما اقترحوا تلك المقترحات السخيفة ~~المتعنتة.. وقوله - تعالى - بعد ذلك { كلا إنه تذكرة } زجر ~~آخر مؤكد للزجر السابق. أى كلا ثم كلا، لن نمكنهم مما يريدون، ولن نستجيب ~~لمقترحاتهم السخيفة.. لأن القرآن الكريم فيه التذكير الكافى، والوعظ ~~الشافى، لمن هو على استعداد للاستجابة لذلك. فالضمير فى { إنه } يعود إلى ~~القرآن، لأنه معلوم من المقام، والجملة بمنزلة التعليل للردع عن سؤالهم ~~الذى اقترحوا فيه تنزيل صحف مفتوحة من عند الله - تعالى - تأمرهم باتباع ~~الرسول صلى الله عليه وسلم. وقوله - سبحانه - { فمن شآء ذكره } ~~تفريع عن كون القرآن تذكرة وعظة لمن كان له قلب يفقه، أو عقل يعقل. أى إن ~~القرآن الكريم مشتمل على ما يذكر الإنسان بالحق، وما يهديه إلى الخير ms5267 ~~والرشد، فمن شاء أن يتعظ به اتعظ، ومن شاء أن ينتفع بهداياته انتفع، ومن ~~شاء أن يذكر أوامره ونواهيه وتكاليفه.. فعل ذلك، وظفر بما يسعده، ويشرح ~~صدره. والتعبير بقوله - تعالى - { فمن شآء ذكره } يشعر بأن تذكر ~~القرآن وحفظه. والعمل بأحكامه وإرشاداته.. فى إمكان كل من كان عنده ~~الاستعداد لذلك. أى إن التذكر طوع مشيئتكم - أيها الناس - متى كنتم جادين ~~وصادقين ومستعدين لهذا التذكر، فاعملوا لذلك بدون إبطاء أو تردد.. ثم ختم ~~- سبحانه - السورة الكريمة بما يدل على نفاذ مشيئته وإرادته فقال { وما ~~يذكرون إلا أن يشآء الله هو أهل التقوى ~~وأهل المغفرة }. أى فمن شاء أن يذكر القرآن وما فيه من مواعظ ~~ذكر ذلك، ولكن هذا التذكر والاعتبار والاتعاظ. لا يتم بمجرد مشيئتكم، ~~وإنما يتم فى حال مشيئة الله - تعالى - وإرادته، فهو - سبحانه - أهل ~~التقوى، أى هو الحقيق بأن يتقى ويخاف عذابه، وهو - عز وجل - " أهل ~~المغفرة " أى هو - وحده - صاحب المغفرة لذنوب عباده، لا يسأل عما يفعل ~~وهم يسألون. فالمقصود من الآية الكريمة، بيان أن هذا التذكر لمواعظ ~~القرآن، لا يتم إلا بعد إرادة الله - تعالى - ومشيئة، لأنه هو الخالق لكل ~~شئ، وبيان أن مشيئة العباد لا أثر لها إلا إذا كانت موافقة لمشيئة الله، ~~التى لا يعلمها أحد سواه. أخرج الإمام أحمد والترمذى والنسائى وابن ماجة ~~عن أنس # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية { هو أهل ~~التقوى وأهل المغفرة } فقال قد قال ربكم أنا أهل أن أتقى ~~فلا يجعل معى إله، فمن اتقانى فلم يجعل معى إلها آخر، فأنا أهل أن أغفر ~~له ". ### | [75 - سورة القيامة] ### || [75.1-19] # افتتح الله - تعالى - هذه السورة الكريمة بقوله - تعالى - { لا ~~أقسم بيوم القيامة }. وللعلماء فى مثل هذا التركيب أقوال ~~منها أن حرف " لا " هنا جئ به، لقصد المبالغة فى تأكيد القسم، كما فى ~~قولهم لا والله. قال الآلوسى إدخال " لا " النافية صورة على فعل القسم، ~~مستفيض فى كلامهم وأشعارهم. ومنه قول امرئ القيس لا وأبيك يا بنة ~~العامرى.. ms5268 يعنى وأبيك. ثم قال وملخص ما ذهب إليه جار الله فى ذلك، أن " ~~لا " هذه، إذا وقعت فى خلال الكلام كقوله - تعالى - # فلا وربك لا يؤمنون # فهى صلة تزاد لتأكيد القسم، مثلها فى قوله - تعالى - # لئلا يعلم أهل الكتاب # لتأكيد العلم.. ومنها أن " لا " هنا، جئ بها لنفى ورد كلام المشركين ~~المنكرين ليوم القيامة، فكأنه - تعالى - يقول لا، ليس الأمر كما زعموا، ~~ثم قال أقسم بيوم القيامة الذى يبعث فيه الخلق للجزاء. قال القرطبى وذلك ~~كقولهم لا والله لا أفعل. فلا هنا رد لكلام قد مضى، وذلك كقولك لا والله ~~إن القيامة لحق، كأنك أكذبت قوما أنكروها.. ومنها أن " لا " فى هذا ~~التركيب وأمثاله على حقيقتها للنفى، والمعنى لا أقسم بيوم القيامة ولا ~~بغيره، على أن البعث حق، فإن المسألة أوضح من أن تحتاج إلى قسم. وقد رجح ~~بعض العلماء القول الأول فقال وصيغة لا أقسم، صيغة قسم، أدخل حرف النفى ~~على فعل " أقسم " لقصد المبالغة فى تحقيق حرمة المقسم به، بحيث يوهم ~~للسامع أن المتكلم يهم أن يقسم به، ثم يترك القسم مخافة الحنث بالمقسم به ~~فيقول لا أقسم به، أى ولا أقسم بأعز منه عندى. وذلك كناية عن تأكيد ~~القسم. والمراد بالنفس اللوامة النفس التقية المستقيمة التى تلوم ذاتها ~~على ما فات منها، فهى - مهما أكثرت من فعل الخير - تتمنى أن لو ازدادت من ~~ذلك، ومهما قللت من فعل الشر، تمنت - أيضا - أن لو ازدادت من هذا ~~التقليل. قال ابن كثير عن الحسن البصرى فى هذه الآية إن المؤمن والله ما ~~نراه إلا يلوم نفسه، يقول ما أردت بكلمتى؟ ما أردت بأكلتى؟.. وإن الفاجر ~~يمضى قدما ما يعاتب نفسه. وفى رواية عن الحسن - أيضا - ليس أحد من أهل ~~السموات والأرض إلا يلوم نفسه يوم القيامة. وجواب القسم يفهم من قوله - ~~تعالى - بعد ذلك { أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه }. ~~والمراد بالإنسان جنسه. أو المراد به الكافر المنكر للبعث. والاستفهام ~~للتوبيخ والتقريع. وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية أن ms5269 بعض المشركين ~~قالوا للنبى صلى الله عليه وسلم يا محمد حدثنى عن يوم القيامة، فأخبره ~~صلى الله عليه وسلم عنه. # فقال المشرك لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك - يا محمد - أو يجمع الله ~~العظام. فنزلت هذه الآية. والمعنى أقسم بيوم القيامة الذى لا شك فى وقوعه ~~فى الوقت الذى نشاؤه، وأقسم بالنفس اللوامة التقية التى تلوم ذاتها على ~~الخير، لماذا لم تستكثر منه، وعلى الشر لماذا فعلته، لنجمعن عظامكم - ~~أيها الناس - ولنبعثنكم للحساب والجزاء. وافتتح - سبحانه - السورة ~~الكريمة بهذا القسم، للإيذان بأن ما سيذكر بعده أمر بهم، من شأن النفوس ~~الواعية أن تستشرف له، وأن تستجيب لما اشتمل عليه من هدايات وإرشادات. ~~ووصف - سبحانه - النفس باللوامة بصيغة المبالغة للإشعار بأنها كريمة ~~مستقيمة تكثر من لوم ذاتها، وتحض صاحبها على المسارعة فى فعل الخيرات. ~~والعظام المراد بها الجسد، وعبر عنه بها، لأنه لا يقوم إلا بها، وللرد ~~على المشركين الذين استبعدوا ذلك، وقالوا - كما حكى القرآن عنهم - # من يحيي العظام وهي رميم # وقوله - سبحانه - { بلى قادرين على أن نسوي بنانه ~~} تأكيد لقدرته - تعالى - على إحياء الموتى بعد أن صاروا عظاما نخرة، ~~وإبطال لنفيهم إحياء العظام وهى رميم. و { قادرين } حال من فاعل ~~الفعل المقدر بعد بلى. وقوله { نسوي } من التسوية، وهى تقويم الشئ ~~وجعله متقنا مستويا، يقال سوى فلان الشئ إذا جعله متساويا لا عوج فيه ولا ~~اضطراب. والبنان جمع بنانة، وهى أصابع اليدين والرجلين، أو مفاصل تلك ~~الأصابع وأطرافها. أى ليس الأمر كما زعم هؤلاء المشركين من أننا لا نعيد ~~الإنسان إلى الحياة بعد موته للحساب والجزاء، بل الحق أننا سنجمعه ~~وسنعيده إلى الحياة حالة كوننا قادرين قدرة تامة، على هذا الجمع لعظامه ~~وجسده، وعلى جعل أصابعه وأطرافه وأنامله مستوية الخلق، متقنة الصنع، كما ~~كانت قبل الموت. وخصت البنان بالذكر، لأنها أصغر الأعضاء، وآخر ما يتم به ~~الخلق، فإذا كان - سبحانه - قادرا على تسويتها مع لطافتها ودقتها، فهو ~~على غيرها مما هو أكبر منها أشد قدرة. وقوله - تعالى - { بل يريد ms5270 ~~الإنسان ليفجر أمامه } بيان لحال أخرى من أحوال فجور هؤلاء ~~المشركين وطغيانهم، وانتقال من إنكار الحسبان إلى الإخبار عن حال هذا ~~الإنسان. والفجور يطلق على القول البالغ النهاية فى السوء، وعلى الفعل ~~القبيح المنكر، ويطلق على الكذب، ولذا وصفت اليمين الكاذبة، باليمين ~~الفاجرة فيكون فجر بمعنى كذب، وزنا ومعنى. ولفظ " الأمام " يطلق على ~~المكان الذى يكون فى مواجهة الإنسان، والمراد به هنا الزمان المستقبل ~~وهو يوم القيامة، الذى دل عليه قوله - تعالى - بعد ذلك { يسأل ~~أيان يوم القيامة }. # أى أن هذا الإنسان المنكر للبعث والحساب لا يريد أن يكف عن إنكاره ~~وكفره، بل يريد أن يستمر على فجوره وتكذيبه لهذا اليوم بكل إصرار وجحود، ~~فهو يسأل عنه سؤال استهزاء وتهكم فيقول { أيان يوم القيامة } ~~أى متى يجئ يوم القيامة هذا الذى تتحدثون عنه - أيها المؤمنون - وتخشون ~~ما فيه من حساب وجزاء؟ قال القرطبى قوله - تعالى - { بل يريد ~~الإنسان ليفجر أمامه } قال ابن عباس يعنى الكافر. يكذب بما ~~أمامه من البعث والحساب.. ودليله { يسأل أيان يوم ~~القيامة }. أى يسأل متى يكون؟ على وجه التكذيب والإنكار، فهو لا ~~يقنع بما هو فيه من التكذيب. ولكن يأثم لما بين يديه. ومما يدل أن الفجور ~~التكذيب، ما ذكره القتبى وغيره، من أن أعرابيا قصد عمر بن الخطاب، وشكى ~~إليه نقب إبله ودبرها - أى مرضها وجربها - وسأله أن يحمله على غيرها ~~فلم يحمله. فقال الأعرابى # أقسم بالله أبو حفص عمر ما مسها من نقب ولا دبر فاغفر له اللهم إن كان ~~فجر # يعنى إن كان كذبنى فيما ذكرت.. وأعيد لفظ الإنسان فى هذه الآيات أكثر ~~من مرة، لأن المقام يقتضى توبيخه وتقريعه، وتسجيل الظلم والجحود عليه. ~~والضمير فى " أمامه " يجوز أن يعود إلى يوم القيامة. أى بل يريد الإنسان ~~ليكذب بيوم القيامة، الثابت الوقوع فى الوقت الذى يشاؤه الله - عز وجل -. ~~ويجوز أن يعود على الإنسان، فيكون المعنى بل يريد الإنسان أن يستمر فى ~~فجوره وتكذيبه بيوم القيامة فى الحال وفى المآل. أى أن المراد ms5271 بأمامه ~~مستقبل أيامه. وجئ بلفظ " أيان " الدال على الاستفهام للزمان البعيد، ~~للإشعار بشدة تكذيبهم، وإصرارهم على عدم وقوعه فى أى وقت من الأوقات. ثم ~~ساق - سبحانه - جانبا من أهوال يوم القيامة، على سبيل التهديد والوعيد ~~لهؤلاء المكذبين. فقال { فإذا برق البصر. وخسف القمر. ~~وجمع الشمس والقمر. يقول الإنسان يومئذ أين ~~المفر }. و " برق " - بكسر الراء وفتحها - دهش وفزع وتحير ولمع من ~~شدة شخوصه وخوفه. يقال برق بصر فلان - كفرح ونصر - إذا نظر إلى البرق ~~فدهش وتحير. والمراد بخسوف القمر انطماس نوره، واختفاء ضوئه. والمراد ~~بجمع الشمس والقمر اقترانهما ببعضهما بعد افتراقهما واختلال النظام ~~المعهود للكون، اختلالا تتغير معه معالمه ونظمه. وجواب { إذا } قوله { ~~يقول الإنسان } أى فإذا برق بصر الإنسان وتحير من شدة الفزع ~~والخوف، بعد أن رأى ما كان يكذب به فى الدنيا. والتعريف فى البصر ~~للاسغراق إذ أبصار الناس جميعا فى هذا اليوم، تكون فى حالة فزع، إلا أن ~~هذا الفزع يتفاوت بينهم فى شدته. { وخسف القمر } أى ذهب ضوؤه. ~~وانطمس نوره. { وجمع الشمس والقمر } أى وقرن بينهما بعد أن ~~كانا متفرقين. # والتصقا بعد أن كانا متباعدين، وغاب ضوؤهما بعد أن كانا منيرين. { ~~يقول الإنسان يومئذ أين المفر } أى فإذا ما تم كل ~~ذلك، يقول الإنسان فى هذا الوقت الذى يبرق فيه البصر، ويخسف فيه القمر، ~~ويجمع فيه بين الشمس والقمر أين المفر. أى أين الفرار من قضاء الله - ~~تعالى - ومن قدره وحسابه. فالمفر مصدر بمعنى الفرار.. والاستفهام بمعنى ~~التمنى أى ليت لى مكانا أفر إليه مما أراه. وقوله - سبحانه - { كلا ~~لا وزر. إلى ربك يومئذ المستقر } إبطال لهذا ~~التمنى، ونفى لأن يكون لهذا الإنسان مهرب من الحساب. والوزر المراد به ~~الملجأ والمكان الذى يحتمى به الشخص للتوقى مما يخافه، وأصله، الجبل ~~المرتفع المنيع، من الوزر وهو الثقل. أى كلا لا وزر ولا ملجأ لك. أيها ~~الإنسان - من المثول أمام ربك فى هذا اليوم للحساب والجزاء. ومهما طال ~~عمرك، وطال رقادك فى قبرك.. فإلى ربك وحده نهايتك ومستقرك ms5272 ومصيرك، فى هذا ~~اليوم الذى لا محيص لك عنه. وقوله - سبحانه - { ينبأ الإنسان ~~يومئذ بما قدم وأخر } بيان لما يحدث له يوم القيامة، أى ~~يخبر الإنسان فى هذا اليوم بما قدم من أعمال حسنة. وبما أخر منها فلم ~~يعملها، مع أنه كان فى إمكانه أن يعملها، والمقصود بالآية المجازاة على ~~الأعمال لا مجرد الإخبار. قال الإمام ابن كثير قوله - تعالى - { ~~ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر } أى يخبر ~~بجميع أعماله قديمها وحديثها أولها وآخرها، صغيرها وكبيرها، كما قال - ~~سبحانه - # ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا # ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى بقوله { بل الإنسان على نفسه ~~بصيرة. ولو ألقى معاذيره }. والبصيرة هنا بمعنى الحجة ~~الشاهدة عليه، وهى خبر عن المبتدأ وهو { الإنسان } والجار والمجرور ~~متعلق بلفظ بصيرة والهاء فيها للمبالغة، مثل هاء علامة ونسابة. أى بل ~~الإنسان حجة بينة على نفسه، وشاهدة بما كان منه من الأعمال السيئة، ولو ~~أدلى بأية حجة يعتذر بها عن نفسه. لم ينفعه ذلك. قال صاحب الكشاف { ~~بصيرة } أى حجة بينة، وصفت بالبصارة على المجاز، كما وصفت الآيات ~~بالإبصار فى قوله # فلما جآءتهم آياتنا مبصرة # أو عين بصيرة والمعنى أنه ينبأ بأعماله، وإن لم ينبأ ففيه ما يجزئ عن ~~الإنباء، لأنه شاهد عليها بما عملت، لأن جوارحه تنطق بذلك، كما قال - ~~تعالى - # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون # { ولو ألقى معاذيره } أى ولو جاء بكل معذرة يعتذر بها عن ~~نفسه ويجادل عنها. وعن الضحاك ولو أرخى ستوره، وقال المعاذير الستور، ~~واحدها معذار، فإن صح فلأنه يمنع رؤية المحتجب، كما تمنع المعذرة عقوبة ~~المذنب. فإن قلت أليس قياس المعذرة أن تجمع معاذر لا معاذير؟ قلت ~~المعاذير ليس بجمع معذرة، إنما هو اسم جمع لها. # ونحوه المناكير فى المنكر. فالمقصود بهاتين الآيتين بيان أن الإنسان لن ~~يستطيع أن يهرب من نتائج عمله مهما حاول ذلك، لأن جوارحه شاهدة عليه، ~~ولأن أعذاره لن تكون مقبولة، لأنها جاءت فى غير وقتها، كما قال - تعالى - ~~{ يوم ms5273 لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم ~~اللعنة ولهم سوء الدار }. ثم أرشد الله - تعالى - نبيه ~~صلى الله عليه وسلم إلى ما يجب عليه عند تبليغ القرآن إليه عن طريق ~~الوحى. فقال - سبحانه - { لا تحرك به لسانك لتعجل به. ~~إن علينا جمعه وقرآنه. فإذا قرأناه فاتبع ~~قرآنه. ثم إن علينا بيانه }. والضمير فى { به } يعود ~~إلى القرآن الكريم المفهوم من المقام. والمراد بقوله { لا تحرك } ~~نهيه صلى الله عليه وسلم عن التعجيل فى القراءة. والمقصود بقوله قرآنه، ~~قراءته عليك، وتثبيته على لسانك وفى قلبك بحيث تقرؤه متى شئت فهو مصدر ~~مضاف لمفعوله. قال الآلوسى قوله { وقرآنه } أى إثبات قراءته فى ~~لسانك، فالقرآن هنا، وكذا فيما بعده، مصدر كالرجحان بمعنى القراءة.. مضاف ~~إلى المفعول وقيل قرآنه، أى تأليفه على لسانك.. أى لا تتعجل - أيها ~~الرسول الكريم - بقراءة القرآن الكريم عندما تسمعه من أمين وحينا جبريل - ~~عليه السلام -، بل تريث وتمهل حتى ينتهى من قراءته ثم اقرأ من بعده، ~~فإننا قد تكفلنا بجمعه فى صدرك وبقراءته عليك عن طريق وحينا، وما دام ~~الأمر كذلك، فمتى قرأ عليك جبريل القرآن فاتبع قراءته ولا تسبقه بها، ثم ~~إن علينا بعد ذلك بيان ما خفى عليك منه، وتوضيح ما أشكل عليك من معانيه. ~~قال الإمام ابن كثير ما ملخصه هذا تعليم من الله - تعالى - لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم فى كيفية تلقيه الوحى من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه، ~~ويسابق الملك فى قراءته. روى الشيخان وغيرهما عن ابن عباس قال كان النبى ~~صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، فكان يحرك شفتيه - يريد أن ~~يحفظه مخافة أن يتفلت منه شئ، أو من شدة رغبته فى حفظه - فأنزل الله - ~~تعالى - هذه الآيات. فأنت ترى أن الله - تعالى - قد ضمن لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم أن يجمع له القرآن فى صدره وأن يجريه على لسانه، بدون أى تحريف ~~أو تبديل، وأن يوضح له ما خفى عليه منه. قالوا فكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا ما ms5274 نزل عليه الوحى بعد ذلك بالقرآن، أطرق وأنصت، وشبيه ~~بهذه الآيات قوله - سبحانه - # فتعلى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من ~~قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما # ثم عادت السورة الكريمة مرة أخرى إلى الحديث عن يوم القيامة، وعن أحوال ~~الناس فيه، وعن حالة الإنسان فى وقت الاحتضار، وعن مظاهر قدرته - تعالى ~~- وعن حكمته فى البعث والحساب والجزاء، فقال - سبحانه - { كلا بل ~~تحبون... }.. ### || [75.20-40] # قوله - سبحانه - { كلا بل تحبون العاجلة. وتذرون ~~الآخرة } بيان لما جبل عليه كثير من الناس، من إيثارهم منافع الدنيا ~~الزائلة، على منافع الآخرة الباقية، وزجر ونهى لهم عن سلوك هذا المسلك، ~~الذى يدل على قصر النظر، وضعف التفكير. أى كلا - أيها الناس - ليس الرشد ~~فى أن تتركوا العمل الصالح الذى ينفعكم يوم القيامة، وتعكفوا على زينة ~~الحياة الدنيا العاجلة.. بل الرشد كل الرشد فى عكس ذلك، وهو أن تأخذوا من ~~دنياكم وعاجلتكم ما ينفعكم فى آخرتكم، كما قال - سبحانه - # وابتغ فيمآ آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس ~~نصيبك من الدنيا # وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - # إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون ورآءهم ~~يوما ثقيلا # ثم بين - سبحانه - حال السعداء والأشقياء يوم القيامة فقال { وجوه ~~يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة. ووجوه يومئذ ~~باسرة. تظن أن يفعل بها فاقرة }. وقوله { ناضرة } اسم ~~فاعل من النضرة - بفتح النون المشددة وسكون الضاد - وهى الجمال ~~والحسن. تقول وجه نضير، إذا كان حسنا جميلا. وقوله { باسرة } من البسور ~~وهو شدة الكلوح والعبوس، ومنه قوله - تعالى - # ثم عبس وبسر # يقال بسر فلان يبسر بسورا، إذا قبض ما بين عينيه كراهية للشئ الذى ~~يراه. والفاقرة الداهية العظمية التى لشدتها كأنها تقصم فقار الظهر. يقال ~~فلان فقرته الفاقرة، أى نزلت به مصيبة شديدة أقعدته عن الحركة. وأصل ~~الفقر الوسم على أنف البعير بحديدة أو نار حتى يخلص إلى العظم أو ما ~~يقرب منه. والمراد بقوله { يومئذ } يوم القيامة الذى تكرر ذكره فى السورة ~~أكثر من مرة. والجملة المقدرة المضاف إليها " إذ " والمعوض عنها ms5275 بالتنوين ~~تقديرها يوم إذ برق البصر. والمعنى يوم القيامة، الذى يبرق فيه البصر، ~~ويخسف القمر.. تصير وجوه حسنة مشرقة، ألا وهى وجوه المؤمنين الصادقين.. ~~وهذه الوجوه تنظر إلى ربها فى هذا اليوم نظرة سرور وحبور، بحيث تراه - ~~سبحانه - على ما يليق بذاته، وكما يريد أن تكون رؤيته - عز وجل - بلا ~~كيفية، ولا جهة، ولا ثبوت مسافة. وهناك وجوه أخرى تصير فى هذا اليوم ~~كالحة شديدة العبوس، وهى وجوه الكافرين والفاسقين عن أمر ربهم، وهذه ~~الوجوه { تظن } أى تعتقد أو تتوقع، أن يفعل بها فعلا يهلكها، ويقصم ~~ظهورها لشدته وقسوته. وجاء لفظ " وجوه " فى الموضعين منكرا، للتنويع ~~والتقسيم، كما فى قوله - تعالى - # فريق في الجنة وفريق في السعير # وكما فى قول الشاعر # فيوم علينا ويوم لنا ويوم نساء ويوم نسر # وقد أخذ العلماء من قوله - تعالى - { إلى ربها ناظرة } أن ~~الله - تعالى - يتكرم على عباده المؤمنين فى هذا اليوم، فيربهم ذاته ~~بالكيفية التى يريدها - سبحانه -. # ومنهم من فسر { ناضرة } بمعنى منتظرة، أى منتظرة ومتوقعة ما يحكم ~~الله - تعالى - به عليها. قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات ~~وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله - عز وجل - فى الدار الآخرة، فى الأحاديث ~~الصحاح، من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها ولا منعها. لحديث ~~أبى سعيد وأبى هريرة - وهما فى الصحيحين - # " أن ناسا قالوا يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال " هل ~~تضارون فى رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب " قالوا لا، قال " فإنكم ~~ترون ربكم كذلك ". # وفى الصحيحين عن جرير بن عبد الله قال # " نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القمر ليلة البدر فقال " إنكم ~~ترون ربكم كما ترون هذا القمر ". # ثم قال ابن كثير - رحمه الله - وهذا - بحمد الله - مجمع عليه بين ~~الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة. كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام، ~~وهداة الأنام. ومن تأول { إلى ربها ناظرة } فقال تنتظر الثواب ~~من ربها.. فقد أبعد هذا القائل النجعة، وأبطل فيما ذهب إليه. وأين ms5276 هو من ~~قوله - تعالى - # كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون # قال الشافعى ما حجب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه - عز وجل -. ~~ثم زجر - سبحانه - الذين يكذبون بيوم الدين، ويؤثرون العاجلة على الآجلة، ~~زجرهم بلون آخر من ألوان الردع والزجر، حيث ذكرهم بأحوالهم الأليمة ~~عندما يودعون هذه الدنيا فقال { كلا إذا بلغت التراقي. ~~وقيل من راق. وظن أنه الفراق }. والضمير فى { ~~بلغت } يعود إلى الروح المعلومة من المقام. كما فى قوله - تعالى - # فلولا إذا بلغت الحلقوم.. # ومنه قول الشاعر # أماوى ما يغنى الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # والتراقى جمع ترقوه، وهى العظام المحيطة بأعالى الصدر عن يمينه، وعن ~~شماله، وهى موضع الحشرجة، وجواب الشرط محذوف. أى حتى إذا بلغت روح ~~الإنسان التراقى، وأوشكت أن تفارق صاحبها.. وجد كل إنسان ثمار عمله الذى ~~عمله فى دنياه، وانكشفت له حقيقة عاقبته. والمقصود من الآية الكريمة وما ~~بعدها الزجر عن إيثار العاجلة على الآجلة. فكأنه - تعالى - يقول احذروا - ~~أيها الناس - ذلك قبل أن يفاجئكم الموت، وقبل أن تبلغ أرواحكم نهايتها، ~~وتنقطع عند ذلك آمالكم. وقوله - سبحانه - { وقيل من راق } بيان ~~لما يقوله أحباب الإنسان الذى بلغت روحه التراقى، على سبيل التحسر ~~والتوجع واستبعاد شفائه. و { من } اسم استفهام مبتدأ. و { راق } خبره، ~~وهو اسم فاعل من الرقية، وهى كلام يقوله القائل، أو فعل يفعله الفاعل ~~من أجل شفاء المريض. # والمراد به هنا مطلق الطبيب الذى يرجى على يديه الشفاء لهذا المحتضر. أى ~~اذكروا - أيها الناس - وقت بلوغ الروح نهايتها، ووقت أن وقف من يهمهم أمر ~~المريض مستسلمين لقضاء الله - تعالى - وملتمسين من كل من بيده شفاء ~~مريضهم، أن يتقدم لإنقاذه مما هو فيه من كرب، ولكنهم لا يجدون أحدا يحقق ~~لهم آمالهم. قال الآلوسى قوله { وقيل من راق } أى وقال من حضر ~~صاحبها، من يرقيه وينجيه مما هو فيه، من الرقية، وهو ما يستشفى به ~~الملسوع والمريض من الكلام المعد لذلك، ولعله أريد به مطلق الطبيب، أعم ~~من ms5277 أن يطب بالقول أو بالفعل.. والاستفهام عند البعض حقيقى. وقيل هو ~~استفهام استبعاد وإنكار. أى قد بلغ هذا المريض مبلغا لا أحد يستطيع أن ~~يرقيه. وقيل هذا الكلام من كلام ملائكة الموت. أى أيكم يرقى بروحه، ~~أملائكة الرحمة، أم ملائكة العذاب، من الرقى وهو العروج. والاستفهام عليه ~~حقيقى. ووقف حفص رواية عن عاصم على { من } وابتدأ بقوله { راق } وكأنه ~~قصد أن لا يتوهم أنهما كلمة واحدة، فسكت سكتة لطيفة، لتشعر أنهما كلمتان. ~~والضمير فى المستتر فى قوله - تعالى - { وظن أنه الفراق } ~~يعود إلى هذا الإنسان الذى أشرف على الموت، والذى بلغت روحه نهاية ~~حياتها، والظن هنا بمعنى اليقين، أو بمعنى العلم المقارب لليقين. أى ~~وأيقن هذا المحتضر، أو توقع أن نهايته قد اقتربت، وأنه عما قليل سيودع ~~أهله وأحبابه.. وسيفارقهم فراقا لا لقاء بعده، إلا يوم يقوم الناس ~~للحساب. وقوله - تعالى - { والتفت الساق بالساق } أى والتوت ~~والتصقت إحدى ساقيه بالأخرى. عند سكرات الموت وشدته، فصارتا متلاصقتين لا ~~تكاد إحداهما تتزحزح عن الأخرى، فكأنهما ملتفتان. ويصح أن يكون المعنى ~~والتفت الساق بالساق عند وضع هذا الذى أدركه الموت فى كفنه، لأن هذا ~~الكفن قد ضم جميع جسده، والتصقت كل ساق بالأخرى. ومنهم من يرى أن هذه ~~الآية الكريمة كناية عن هول الموت وشدته كما فى قوله - تعالى - # يوم يكشف عن ساق # والعرب لا تذكر الساق إلا فى المحن والشدائد العظام، ومنه قولهم قامت ~~الحرب على ساق. قال صاحب الكشاف " والتفت " ساقه بساقه والتوت عليها عند ~~الموت، وعن قتادة ماتت رجلاه فلا تحملانه وقد كان عليهما جوالا. وقيل ~~التفت شدة فراق الدنيا بشدة إقبال الآخرة، على أن الساق مثل فى الشدة. ~~وعن سعيد ابن المسيب هما ساقاه حين تلفان فى أكفانه. وقوله - سبحانه - { ~~إلى ربك يومئذ المساق } أى إلى ربك - أيها الرسول الكريم ~~- مساق الناس ومرجعهم - لا إلى غيره - يوم القيامة. # . لكى يحاسبوا على أعمالهم. فالمساق مصدر ميمى من ساق الشئ إذا سيره ~~أمامه إلى حيث يريد. ثم بين - سبحانه - جانبا من ms5278 الأسباب التى أدت إلى ~~سوء عاقبة المكذبين للحق، فقال - تعالى - { فلا صدق ولا صلى. ~~ولكن كذب وتولى. ثم ذهب إلى أهله ~~يتمطى }. والفاء للتفريع على ما تقدم، من قوله - تعالى - # أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه # إلخ. أو للتفريع والعطف على قوله - سبحانه - { إلى ربك ~~يومئذ المساق }.. أى أن هذا الإنسان الذى أنكر الحساب والجزاء، ~~وفارق الحياة، كانت عاقبة أمره خسرا، فلا هو صدق بالحق الذى جاءه الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ولا هو أدى الصلاة التى فرضها الله - تعالى - عليه، ~~ولكنه كذب بكل ذلك، وتولى، وأعرض عن سبيل الرشاد. ثم بعد ذلك { ذهب ~~إلى أهله يتمطى } أى ذهب إلى أهله متبخترا متفاخرا، متباهيا ~~بإصراره على كفره وفجوره. وقوله { يتمطى } من المط بمعنى المد. ~~وأصله يتمطط، قلبت فيه الطاء حرف علة، ووصف المتبختر فى مشيه بذلك، لأنه ~~يمط خطاه، ويمدها على سبيل الإعجاب بنفسه، والتباهى بما هو عليه من كفر ~~وضلال. ولم يذكر - سبحانه - المتعلق والمفعول فى الآيات الكريمة، ~~للإشعار بأن هذا الإنسان الجاحد الجاهل.. لم يصدق بشئ من الحق، ولم يؤد ~~الله - تعالى - فرضا ولا سنة، ولكنه استمر على تكذيبه وإعراضه عن الصراط ~~المستقيم، ولم يكتف بكل ذلك، بل تفاخر وتباهى أمام غيره بما هو عليه من ~~باطل. وقوله - سبحانه - { أولى لك فأولى. ثم أولى لك ~~فأولى } دعاء على هذا الإنسان الشقى، المصر على إعراضه عن الحق.. ~~بالهلاك وسوء العاقبة. و { أولى } اسم تفضيل من ولى، وفاعله ضمير ~~محذوف يقدره كل قائل أو سامع بما يدل على المكروه. والكاف فى قوله { لك } ~~للتبين، والكاف خطاب لهذا الإنسان المخصوص بالدعاء عليه. وقوله { ~~فأولى } تأكيد لقوله { أولى لك } وجملة { ثم أولى لك ~~فأولى } مؤكدة للجملة الأولى. أى أجدر بك هذا الهلاك الذى ينتظرك ~~قريبا - أيها الإنسان - الجاحد، ثم أجدر بك، لأنك أصررت على كل ما هو ~~باطل وسوء. قال القرطبى ما ملخصه هذا تهديد بعد تهديد، ووعيد بعد وعيد.. ~~روى # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المسجد ذات يوم، ms5279 فاستقبله أبو ~~جهل على باب المسجد، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، فهزه مرة ~~أو مرتين ثم قال " أولى لك فأولى " # فقال أبو جهل أتهددنى - يا محمد - فو الله إنى لأعز أهل هذا الوادى ~~وأكرمه، ونزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال لأبى جهل. وجئ ~~بحرف " ثم " فى عطف الجملة الثانية على الأولى، لزيادة التأكيد، ~~وللارتقاء فى الوعيد، وللإشعار بأن التهديد الثانى أشد من الأول، كما فى ~~قوله - تعالى - # كلا سوف تعلمون. ثم كلا سوف تعلمون # ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالإشارة إلى الحكمة من البعث ~~والجزاء، وببيان جانب من مظاهر قدرته فقال { أيحسب الإنسان أن ~~يترك سدى }. والاستفهام للإنكار كما قال فى قوله - تعالى - قبل ~~ذلك # أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه # و " سدى " - بضم السين مع القصر - بمعنى مهمل. يقال إبل سدى، أى ~~مهملة ليس لها راع يحميها.. وهو حال من فاعل " يترك ". أى أيظن هذا ~~الإنسان الذى أنكر البعث والجزاء، أن نتركه هكذا مهملا، فلا نجازيه على ~~أعماله التى عملها فى الدنيا؟ إن كان يحسب ذلك هفو فى وهم وضلال، لأن ~~حكمتنا قد اقتضت أن نكرم المتقين، وأن تعاقب المكذبين. والاستفهام فى ~~قوله { ألم يك نطفة من مني يمنى.. } للتقرير، ~~والنطفة القليل من الماء و { يمنى } يراق هذا المنى فى رحم المرأة. ~~أى كيف يحسب هذا الإنسان أنه سيترك سدى؟ ألم يك فى الأصل قطرة ماء تصب ~~من الرجل فى رحم المرأة وتراق فيه؟ بل إنه كان كذلك. ثم { كان } بعد ~~ذلك { علقة } أى قطعة دم متجمد { فخلق فسوى } أى فخلقه الله ~~- تعالى - خلقا آخر بقدرته، وسواه فى أحسن تقويم، كما قال # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم.. # وجملة { أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى } ~~بمثابة النتيجة بعد المقدمات والأدلة. أى أليس ذلك الرب العظيم الشأن ~~والقدرة، الذى أحسن كل شئ خلقه والذى خلق الإنسان فى تلك الأطوار ~~المتعددة.. أليس ذلك الإله صاحب الخلق والأمر. { بقادر على أن ~~يحيي الموتى } وعلى أن ms5280 يعيدهم إلى الحياة مرة أخرى، ليجازى ~~الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى؟ بلى إنه لقادر ~~على ذلك قدرة تامة. وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة ~~من الأحاديث منها أن رجلا كان إذا قرأ هذه الآية قال سبحانك اللهم وبلى. ~~فسئل عن ذلك فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك. وصلى الله ~~على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [76 - سورة الانسان] ### || [76.1-3] # الاستفهام فى قوله - تعالى - { هل أتى على الإنسان.. } ~~للتقرير. والمراد بالإنسان جنسه، فيشمل جميع بنى آدم، والحين المقدار ~~المجمل من الزمان، لأحد لأكثره ولا لأقله. والدهر الزمان الطويل غير ~~المحدد بوقت معين. والمعنى لقد أتى على الإنسان { حين من الدهر ~~} أى وقت غير محدد من الزمان الطويل الممتد فى هذه الحياة الدنيا. { لم ~~يكن شيئا مذكورا } أى لم يكن هذا الإنسان فى ذلك الحين من ~~الدهر، شيئا مذكورا من بين أفراد جنسه، وإنما كان شيئا غير موجود إلا فى ~~علم الله - تعالى -. ثم أوجده - سبحانه - بعد ذلك من نطفة فعلقة فمضغة.. ~~ثم أنشأه - سبحانه - بعد ذلك خلقا آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين. ~~فالمقصود بهذه الآية الكريمة بيان مظهر من مظاهر قدرته - عز وجل - حيث ~~أوجد الإنسان من العدم، ومن كان قادرا على ذلك، كان - من باب أول - ~~قادرا على إعادته إلى الحياة بعد موته، للحساب والجزاء. قال الإمام ~~الفخر الرازى ما ملخصه اتفقوا على أن " هل " هاهنا، وفى قوله - تعالى - # هل أتاك حديث الغاشية # بمعنى قد، كما تقول هل رأيت صنيع فلان، وقد علمت أنه قد رآه. وتقول هل ~~وعظتك وهل أعطيتك، ومقصودك أن تقرره بأنك قد أعطيته ووعظته. والدليل على ~~أن " هل " هنا ليست للاستفهام الحقيقى.. أنه محال على الله - تعالى - ~~فلابد من حمله على الخبر. وجاءت الآية الكريمة بأسلوب الاستفهام، لما فيه ~~من التشويق إلى معرفة ما سيأتى بعده من كلام. وجملة { لم يكن شيئا ~~مذكورا } فى وضع نصب على الحال من الإنسان، والعائد محذوف. أى حالة ms5281 ~~كون هذا الإنسان، لم يكن فى ذلك الحين من الدهر، شيئا مذكورا من بين ~~أفراد جنسه. وإنما كان نسيا منسيا، لا يعلم بوجوده أحد سوى خالقه - عز ~~وجل -. ثم فصل - سبحانه - بعد هذا التشويق، أطوار خلق الإنسان فقال { ~~إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه } ~~والمراد بالإنسان هنا - أيضا - جنسه وجميع أفراده. و " أمشاج " بمعنى ~~أخلاط من عناصر شتى، مشتق من المشج بمعنى الخلط، يقال مشج فلان بين كذا ~~وكذا - من باب ضرب - إذا خلط ومزج بينهما، وهو جمع مشج - كسبب، أو مشج ~~- ككتف، أو مشيج - كنصير. قال الجمل " أمشاج " نعت لنطفة. ووقع الجمع صفة ~~لمفرد، لأنه فى معنى الجمع، أو جعل كل جزء من النطفة نطفة، فاعتبر ذلك ~~فوصف بالجمع.. ويرى صاحب الكشاف ان لفظ " أمشاج " مفرد جاء على صيغة ~~أفعال، كلفظ أعشار فى قولهم برمة أعشار، أى برمة متكسرة قطعا قطعا، وعليه ~~يكون المفرد قد نعت بلفظ مفرد مثله. # فقد قال - رحمه الله - { من نطفة أمشاج } كبرمة أعشار.. وهى ~~ألفاظ مفردة غير جموع. ولذلك وقعت صفات للأفراد، والمعنى من نطفة قد ~~امتزج فيها الماءان.. وجملة " نبتليه " حال من الإنسان. أو من فاعل " ~~خلقنا ". أى إنا خلقنا الإنسان بقدرتنا وحدها. " من نطفة " أى من ~~منى، وهو ماء الرجل وماء المرأة، " أمشاج " أى ممتزج أحدهما بالآخر ~~امتزاجا تاما. أو خلقناه من نطفة مختلطة بعناصر متعددة، تتكون منها حياة ~~الإنسان بقدرتنا وحمكتنا. وخلقناه كلذلك حالة كوننا مريدين ابتلاءه ~~واختباره بالتكاليف، فى مستقبل حياته حين يكون أهلا لهذه التكاليف. { ~~فجعلناه } بسبب إرادتنا ابتلاءه واختباره بالتكاليف عند بلوغه سن ~~الرشد { سميعا بصيرا } أى فجعلناه بسبب هذا الابتلاء والاختبار ~~والتكاليف مزودا بوسائل الإدراك، التى بواسطتها يسمع الحق ويبصره ~~ويستجيب له ويدرك الحقائق والآيات الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا وصدق ~~رسلنا.. إدراكا سليما، متى اتبع فطرته، وخالف وساوس الشيطان وخطواته. وخص ~~- سبحانه - السمع والبصر بالذكر، لأنهما أنفع الحواس للإنسان، إذ عن ~~طريق السمع يتلقى دعوة الحق وما اشتملت عليه من هدايات، وعن طريق البصر ~~ينظر فى ms5282 الأدلة المتنوعة الكثيرة التى تدل على وحدانية الله - تعالى - ~~وعلى صدق أنبيائه فيما جاءوا به من عند ربهم. وقوله - سبحانه - { إنا ~~هديناه السبيل } تعليل لقوله { نبتليه } ، وتفصيل لقوله - ~~تعالى - { فجعلناه سميعا بصيرا } ، والمراد بالهداية هنا ~~الدلالة إلى طريق الحق، والإرشاد إلى الصراط المستقيم. أى إنا بفضلنا ~~وإحساننا - قد أرشدنا الإنسان إلى ما يوصله إلى طريق الحق والصواب، ~~وأرشدناه إلى ما يسعده، عن طريق إرسال الرسل وتزويده بالعقل المستعد ~~للتفكر والتدبر فى آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا. وقوله { إما ~~شاكرا وإما كفورا } حالان من ضمير الغيبة فى " هديناه " وهو ~~ضمير الإنسان. و " إما " للتفصيل باعتبار تعدد الأحوال مع اتحاد الذات ~~أو للتقسيم للمهدى بحسب اختلاف الذوات والصفات. أى إنا هديناه ودللناه ~~على ما يوصله إلى الصراط المستقيم، فى حالتى شكره وكفره، لأنه إن أخذ ~~بهدايتنا كان شاكرا، وإن أعرض عنها كان جاحدا وكافرا لنعمنا، فالهداية ~~موجودة فى كل الأحوال، إلا أن المنتفعين بها هم الشاكرون وحدهم. ومثل ذلك ~~كمثل رجلين، يرشدهما مرشد إلى طريق النجاة، فأحدهما يسير فى هذا الطريق ~~فينجو من العثرات والمتاعب والمخاطر.. والآخر يعرض عن ذلك فيهلك. ولما ~~كان الشكر قل من يتصف به، كما قال - سبحانه - # وقليل من عبادي الشكور # جاء التعبير بقوله - سبحانه - { شاكرا } بصيغة اسم الفاعل. ولما كان ~~الجحود والكفر يعم أكثر الناس، جاء التعبير بقوله - تعالى - { كفورا } ~~بصيغة المبالغة. والمقصود من الآية الكريمة قفل الباب أمام الذين يفسقون ~~عن أمر ربهم، ويرتكبون ما يرتكبون من السيئات.. ثم بعد ذلك يعلقون ~~أفعالهم هذه على قضاء الله وقدره، ويقولون - كما حكى القرآن عن المشركين ~~- # لو شآء الله مآ أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا ~~من شيء # ثم بين - سبحانه - بعد هذه الهداية، ما أعده لفريق الكافرين، وما أعده ~~لفريق الشاكرين، فقال - تعالى - { إنآ أعتدنا للكافرين... ~~}. ### || [76.4-22] # قوله - سبحانه - { إنآ أعتدنا للكافرين.. } كلام مستأنف ~~لبيان جزاء الكافرين بعد أن تطلعت إليه النفس، بعد سماعها لقوله - تعالى ~~- # إما شاكرا وإما كفورا # وابتداء - سبحانه - بذكر جزاء الكافر، لأن ذكره هو ms5283 الأقرب ولأن الغرض ~~بيان جزائه على سبيل الإجمال، ثم تفصيل القول بعد ذلك فى بيان جزاء ~~المؤمنين. والسلاسل جمع سلسلة، وهى القيود المصنوعة من الحديد والتى يقيد ~~بها المجرمون. وقد قرأ بعض القراء السبعة هذا اللفظ بالتنوين، وقرأه ~~آخرون بدون تنوين. والأغلال جمع غل - بضم الغين - وهو القيد الذى يقيد به ~~المذنب ويكون فى عنقه، قال - تعالى - # إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون. في ~~الحميم ثم في النار يسجرون # والمعنى إنا أعتدنا وهيأنا للكافرين سلاسل يقادون بها، وأغلالا تجمع بها ~~أيديهم إلى أعناقهم على سبيل الإذلال لهم، وهيأنا لهم - فوق ذلك - نارا ~~شديدة الاشتعال تحرق بها أجسادهم. ثم بين - سبحانه - ما أعده للمؤمنين ~~الصادقين من خير عميم فقال { إن الأبرار يشربون من كأس ~~كان مزاجها كافورا }. والأبرار جمع بر أو بار. وهو ~~الإنسان المطيع لله - تعالى - طاعة تامة، والمسارع فى فعل الخير، ~~والشاكر لله - تعالى - على نعمه. والكأس هو الإناء الذى توضع فيه الخمر، ~~ولا يسمى بهذا الاسم إلا إذا كانت الخمر بداخله، ويصح أن يطلق الكأس على ~~الخمر ذاتها على سبيل المجاز، من باب تسمية الحال باسم الحال، وهو المراد ~~هنا. لقوله - تعالى - { كان مزاجها كافورا }. و " من " للتبعيض. ~~والضمير فى قوله { مزاجها } يعود إلى الكأس التى أريد بها الخمر، ~~والمراد " بمزاجها " خليطها من المزج بمعنى الخلط يقال مزجت الشئ بالشئ، ~~إذا خلطته به. والكافور اسم لسائل طيب الرائحة، أبيض اللون، تميل إليه ~~النفوس. أى إن المؤمنين الصادقين، الذين أخلصوا لله - تعالى - الطاعة ~~والعبادة والشكر.. يكافئهم - سبحانه - على ذلك، بأن يجعلهم يوم القيامة ~~فى جنات عالية، ويتمتعون بالشراب من خمر، هذه الخمر كانت مخلوطة بالكافور ~~الذى تنتعش له النفوس، وتحبه الأرواح والقلوب، لطيب رائحته، وجمال شكله. ~~وذكر - سبحانه - هذه الأشياء فى هذه السورة - من الكافور - والزنجبيل، ~~وغيرهما، لتحريض العقلاء على الظفر فى الآخرة بهذه المتع التى كانوا ~~يشتهونها فى الدنيا، على سبيل تقريب الأمور لهم، وإلا فنعيم الآخرة لا ~~يقاس فى لذته ودوامه بالنسبة لنعيم الدنيا الفانى. قال ابن ms5284 عباس كل ما ~~ذكر فى القرآن مما فى الجنة وسماه، ليس له من الدنيا شبيه إلا فى الاسم. ~~فالكافور، والزنجبيل، والأشجار والقصور، والمأكول والمشروب، والملبوس ~~والثمار، لا يشبه ما فى الدنيا إلا فى مجرد الاسم. # وقوله - سبحانه - { عينا يشرب بها عباد الله... } بدل من ~~قوله { كان مزاجها كافورا } لأن ماءها فى بياض الكافور وفى ~~رائحته وبرودته. أى أن الأبرار يشربون من كأس، ماؤها ينبع من عين فى ~~الجنة، هذا الماء له بياض الكافور ورائحته وبرودته. وعدى فعل " يشرب " ~~بالباء، التى هى باء الإلصاق، لأن الكافور يمزج به شرابهم. أى عينا يشرب ~~عباد الله ماءهم وخمرهم بها. أى مصحوبا بمائها وخمرها. ومنهم من جعل ~~الباء هنا بمعنى من التبعيضية. أى عينا يشرب من بعض مائها وخمرها عباد ~~الله، وهم الأبرار. وعبر عنهم بذلك لتشريفهم وتكريمهم، حيث أضافهم - ~~سبحانه - إلى ذاته. قال صاحب الكشاف فإن قلت لم وصل فعل الشرب بحرف ~~الابتداء أولا، وبحرف الإلصاق آخرا؟ قلت لأن الكأس مبدأ شربهم وأول ~~غايته، وأما العين فبها يمزجون شرابهم، فكأن المعنى يشرب عباد الله بها ~~الخمر، كما تقول شربت الماء بالعسل.. وقوله - سبحانه - { يفجرونها ~~تفجيرا } صفة أخرى للعين، أى يسيرونها ويجرونها إلى حيث يريدون، ~~وينتفعون بها كما يشاؤون، ويتبعهم ماؤها إلى كل مكان يتوجهون إليه. ~~فالتعبير بقوله { يفجرونها تفجيرا } إشارة إلى كثرتها وسعتها ~~وسهولة حصولهم عليها يقال فجر فلان الماء، إذا أخرجه من الأرض بغزارة ~~ومنه قوله - تعالى - # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا # ثم بين - سبحانه - بعد ذلك فى آيات متعددة، الأسباب التى من أجلها وصلوا ~~إلى النعيم الدائم. فقال - تعالى - { يوفون بالنذر ويخافون ~~يوما كان شره مستطيرا }. والنذر ما يوجبه الإنسان على ~~نفسه من طاعة الله - تعالى -، والوفاء به أداؤه أداء كاملا. أى أن من ~~الأسباب التى جعلت الأبرار يحصلون على تلك النعم، أنهم من أخلاقهم الوفاء ~~بالنذر، ومن صفاتهم - أيضا - أنهم يخافون يوما عظيما هو يوم القيامة، ~~الذى كان عذابه فاشيا منتشرا غاية الانتشار. فقوله { مستطيرا ms5285 } ~~اسم فاعل من استطار الشئ إذا انتشر وامتد أمره، والسين والتاء فيه ~~للمبالغة، وأصله طار. ومنه قولهم استطار الغبار، إذا انتشر فى الهواء ~~وتفرق وجئ بصيغة المضارع فى قوله { يوفون } للدلالة على تجدد وفائهم ~~فى كل وقت وحين. والتعريف فى " النذر " للجنس، لأنه يعم كل نذر. وجاء لفظ ~~اليوم منكرا، ووصف بأن له شرا مستطيرا.. لتهويل أمره، وتعظيم شأنه، حتى ~~يستعد الناس لاستقباله بالإيمان والعمل الصالح. ثم وصفهم - سبحانه - ~~بصفات أخرى فقال { ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ~~ويتيما وأسيرا }. أى أن هؤلاء الأبرار من صفاتهم - أيضا أنهم ~~يطعمون الطعام مع حب هذا الطعام لديهم، ومع حاجتهم إليه واشتهائهم له. # ومع كل ذلك فهم يقدمونه للمسكين، وهو المحتاج إلى غيره لفقره وسكونه عن ~~الحركة.. ولليتيم وهو من فقد أباه وهو صغير، وللأسير وهو من أصبح أمره ~~بيد غيره، وخص الإطعام بالذكر لما فى تقديمه من كرم وسخاء وإيثار، لا ~~سيما مع الحاجة إليه، كما يشعر به قوله - تعالى - { على حبه } أى ~~على حبهم لذلك الطعام، وقيل الضمير فى قوله { على حبه } يعود إلى ~~الله - عز وجل - أى يطعمون الطعام على حبهم له - تعالى. والأول أولى. ~~ويؤيده قوله - تعالى - # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون # و " على " هنا بمعنى مع، والجملة فى محل نصب على الحال. أى حالة كونهم ~~كائنين على حب هذا الطعام. وخص هؤلاء الثلاثة بالذكر، لأنهم أولى الناس ~~بالرعاية والمساعدة. وقد ذكروا فى سبيل نزول هذه الآية، والآيتين اللتين ~~يعدها، روايات منها، أنها نزلت فى الإمام على وزوجه فاطمة - رضى الله ~~عنهما -. قال القرطبى - بعد أن ذكر هذه الروايات - والصحيح أنها نزلت فى ~~جميع الأبرار، وفى كل من فعل فعلا حسنا، فهى عامة.. وقوله - سبحانه - { ~~إنما نطعمكم لوجه الله } بيان لشدة إخلاصهم، ولطهارة ~~نفوسهم، وهو مقول لقول محذوف أى يقدمون الطعام لهؤلاء المحتاجين مع حبهم ~~لهذا الطعام، ومع حاجتهم إليه.. ثم يقولون لهم بلسان الحال أو المقال ~~إنما نطعمكم ابتغاء وجه الله - تعالى - وطلبا لمئويته ورحمته. { لا ~~نريد ms5286 منكم جزآء ولا شكورا } أى لا نريد منكم جزاء على ما ~~قدمناه لكم، ولا نريد منكم شكرا على ما فعلناه، فإننا لا نلتمس ذلك إلا ~~من الله - تعالى - خالقنا وخالقكم. ثم أضافوا إلى ذلك قولهم { إنا ~~نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا }. والعبوس صفة ~~مشبهة لمن هو شديد العبس، أى كلوح الوجه وانقباضه. والقمطرير الشديد ~~الصعب من كل شئ يقال اقمطر يومنا. إذا اشتدت مصائبه. ووصف اليوم ~~بهذين الوصفين على سبيل المجاز فى الإسناد، والمقصود وصف أهله بذلك، فهو ~~من باب فلان نهاره صائم. أى ويقولون لهم - أيضا - عند تقديم الطعام لهم ~~إنا نخاف من ربنا يوما، تعبس فيه الوجوه، من شدة هوله، وعظم أمره، وطول ~~بلائه. أى أنهم لم يقدموا الطعام - مع حبهم له - رياء ومفاخرة، وإنما ~~قدموه ابتغاء وجه الله، وخوفا من عذابه. والفاء فى قوله { فوقاهم ~~الله شر ذلك اليوم... } للتفريع على ما تقدم ولبيان ما ترتب ~~على إخلاصهم وسخائهم من ثواب. أى فترتب على وفائهم بالنذور، وعلى خوفهم ~~من عذاب الله - تعالى - وعلى سخائهم وإخلاصهم، ترتب على كل ذلك أن دفع ~~الله - تعالى - عنهم شر ذلك اليوم، وهو يوم القيامة. # { ولقاهم نضرة وسرورا } أى وجعلهم يلقون فيها حسنا وبهجة ~~فى الوجوه، وسرورا وانشراحا فى الصدور، بدل العبوس والكلوح الذى حل بوجوه ~~الكفار. { وجزاهم بما صبروا } أى بسبب صبرهم { جنة } ~~عظيمة.. و { وحريرا } جميلا يلبسونه. { متكئين فيها } أى فى ~~الجنة { على الأرائك } أى على السرر، أو على ما يتكأ عليه من سرير ~~أو فراش ونحوه. { لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا } أى ~~لا يرون فيها شمسا شديدة الحرارة بحيث تؤذيهم أو تضرهم، ولا يرون فيها ~~كذلك { زمهريرا } أى بردا مفرطا، يقال زمهر اليوم، إذا اشتد برده. ~~والمقصود من الآية الكريمة أنهم لا يرون فى الجنة إلا جوا معتدلا، لا هو ~~بالحار ولا هو بالبارد. وقوله - سبحانه - { ودانية عليهم ~~ظلالها... } معطوف على قوله قبل ذلك { متكئين } و " ظلالها " فاعل " ~~دانية " والضمير فى " ظلالها " يعود إلى الجنة. أى أن ms5287 الأبرار جالسون فى ~~الجنة جلسة الناعم البال، المنشرح الصدر. وظلال أشجار الجنة قريبة منهم، ~~ومحيطة بهم، زيادة فى إكرامهم. { وذللت قطوفها تذليلا } أى ~~أنهم - فضلا عن ذلك - قد سخرت لهم ثمار الجنة تسخيرا، وسهل الله - تعالى ~~- لهم تناولها تسهيلا عظيما، بحيث إن القاعد منهم والقائم والمضطجع، ~~يستطيع أن يتناول هذه الثمار اللذيذة بدون جهد أو تعب. فقوله - تعالى - { ~~وذللت } من التذليل بمعنى الانقياد والتسخير، يقال ذلل الكرم - ~~بضم الذال - إذا تدلت عناقيده وصارت فى متناول اليد. والقطوف جمع قطف - ~~بكسر القاف - وهو العنقود حين يقطف أو الثمار المقطوفة. وبعد أن وصف - ~~سبحانه - جانبا من طعامهم ولباسهم ومسكنهم أخذت السورة الكريمة فى وصف ~~شرابهم. فقال - تعالى - { ويطاف عليهم بآنية من فضة ~~وأكواب كانت قواريرا. قواريرا من فضة قدروها ~~تقديرا } وقوله { ويطاف } من الطواف، وهو السعى المكرر حول ~~الشئ، ومنه الطواف بالكعبة. والآنية جمع إناء، وهو اسم لكل وعاء يوضع فيه ~~الطعام والشراب والمراد بها هنا الأوانى التى يستعملونها فى مجالس ~~شرابهم. والأكواب جمع كوب، وهو القدح الذى لا عروة له، وعطفه على الآنية ~~من باب عطف الخاص على العام. والقوارير جمع قارورة وهى فى الأصل إناء ~~رقيق من الزجاج النقى الشفاف، توضع فيه الأشربة وما يشبهها، فتستقر فيه. ~~أى ويطاف على هؤلاء الأبرار بآنية كائنة من فضة، وبأكواب وأقداح من فضة - ~~أيضا - وجعلت هذه الأكواب فى مثل القوارير فى صفائها ونقائها، وفى مثل ~~الفضة فى جمالها وحسنها، بحيث يرى ما بداخلها من خارجها. وقوله - سبحانه ~~- { قدروها تقديرا } أى إن الطائفين بهذه الأكواب عليهم، قد ~~وضعوا فيها من الشراب على مقدار ما يشبع هؤلاء الأبرار ويرويهم بدون ~~زيادة أو نقصان والطائفون عليهم بذلك هم الخدم الذين جعلهم الله - تعالى ~~- لخدمة هؤلاء الأبرار. # وبنى الفعل للمجهول للعلم بهم. وقال - سبحانه - هنا { بآنية من ~~فضة } وفى سورة الزخرف # يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب... # زيادة فى تكريمهم وفى سمو منزلتهم، إذ تارة يطاف عليهم بأكواب من فضة، ~~وتارة يطاف عليهم بصحاف من ذهب، ومن ms5288 المعروف أنه كلما تعددت المناظر ~~الحسنة، والمشارب اللذيذة، كان ذلك أبهج للنفس. والمراد بالكينونة فى ~~قوله - تعالى - { كانت قواريرا... } أنها تكونت ووجدت على هذه ~~الصفة. قال الآلوسى قوله - تعالى - { كانت قواريرا } أى كانت تلك ~~الأكواب قوارير، جمع قارورة، وهى إناء رقيق من الزجاج توضع فيه الأشربة، ~~ونصبه على الحال، فإن " كان " تامة، وهو كما تقول خلقت قوارير. وقوله - ~~تعالى - { قواريرا من فضة } بدل. والكلام على التشبيه البليغ. ~~والمراد تكونت جامعة بين صفاء الزجاجة وشفيفها، ولون الفضة وبياضها. وقرأ ~~نافع والكسائى وأبو بكر بتنوين { قواريرا } فى الموضعين وصلا، ~~وإبداله ألفا وقفا. وابن كثير يمنع صرف الثانى ويصرف الأول.. والقراءة ~~بمنع صرفهما للباقين. وقال الشوكانى وجملة " قدروها تقديرا " صفة ~~لقوارير.. أى قدرها السقاة من الخدم، الذين يطوفون عليهم على قدر ما ~~يحتاج إليه الشاربون من أهل الجنة، من دون زيادة ولا نقصان..، وقيل قدرها ~~الملائكة. وقيل قدرها الشاربون لها من أهل الجنة على مقدار حاجتهم، فجاءت ~~كما يريدون فى الشكل لا تزيد ولا تنقص.. ثم بين - سبحانه - محاسن شراب ~~أهل الجنة فقال { ويسقون فيها كأسا كان مزاجها ~~زنجبيلا. عينا فيها تسمى سلسبيلا }. والمراد بالكأس ~~هنا كأس الخمر. والضمير فى قوله { فيها } يعود إلى الجنة. والزنجبيل نبات ~~ذو رائحة عطرية طيبة، والعرب كانوا يستلذون الشراب الممزوج به. والسلسبيل ~~وصف قيل مشتق من السلاسة بمعنى السهولة واللين، يقال ماء سلسل، أى عذب ~~سائغ للشاربين، ومعنى { تسمى } على هذا الرأى. أى توصف بالسلاسة ~~والعذوبة. وقيل السلسبيل اسم لهذه العين، لقوله - تعالى - { تسمى }. أى ~~أن هؤلاء الأبرار - بجانب كل ما تقدم من نعم - يسقون فى الجنة من كأس ~~مليئة بالخمر، وهذه الخمر التى يشربونها ممزوجة بالزنجبيل، فتزداد لذة ~~على لذتها. ويسقون - أيضا - من عين فيها - أى فى الجنة - تسمى سلسبيلا، ~~وذلك لسلاسة مائها ولذته وعذوبته، وسهولة نزوله إلى الحلق. قال صاحب ~~الكشاف { سلسبيلا } سميت بذلك - لسلاسة انحدارها فى الحلق، وسهولة ~~مساغها يعنى أنها فى طعم الزنجبيل، وليس فيها لذعة، ولكن فيها نقيض اللذع ~~وهو السلاسة، فقال ms5289 شراب سلسل وسلسال وسلسبيل، وقد زيدت الباء فى التركيب ~~حتى صارت الكلمة خماسية. ودلت على غاية السلاسة.. ثم أخبر - سبحانه - عن ~~نوع آخر من الخدم، يطوفون على هؤلاء الأبرار لخدمتهم، فقال { ويطوف ~~عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم ~~لؤلؤا منثورا }. # أى ويطوف على هؤلاء الأبرار { ولدان مخلدون } أى دائمون على ~~ما هم عليه من النضارة والشباب.. إذا رأيتهم - أيها المخاطب { ~~حسبتهم } وظننتهم { لؤلؤا منثورا } أى حسبتهم من حسنهم، ~~وصفاء ألوانهم، ونضارة وجوههم.. لؤلؤا ودرا مفرقا فى جنبات المجالس ~~وأوسطها. فقوله - تعالى - { مخلدون } احتراس المقصود منه دفع توهم ~~أنهم سيصيرون فى يوم من الأيام كهولا، قالوا وشبهوا باللؤلؤ المنثور، لأن ~~اللؤلؤ إذا نثر على البساط، كان أكثر جمالا منه فيما لو كان منظوما. { ~~وإذا رأيت ثم } وثم هنا ظرف مكان مختص بالبعيد، وهو منصوب على ~~الظرفية، ومفعول الرؤية غير مذكور، لأن القصد وإذا صدرت منك - أيها ~~المخاطب رؤية إلى هناك، أى إلى الجنة ونعيمها.. { رأيت نعيما } لا ~~يقادر قدره { وملكا كبيرا } أى واسعا لا غاية له. فقوله - سبحانه ~~- { رأيت } الثانية، جواب إذا. والمشار إليه " بثم " التى هى ~~بمعنى هناك معلوم من المقام، لأن المقصود به الجنة التى سبق الحديث عنها ~~فى مثل قوله { وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا } أى وإذا ~~سرحت ببصرك إلى هناك رأيت نعيما وملكا كبيرا. ثم فصل - سبحانه - جانبا من ~~مظاهر هذا النعيم العظيم فقال { عاليهم ثياب سندس خضر ~~وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم ~~شرابا طهورا } وقوله { عاليهم } بفتح الياء وضم الهاء - بمعنى ~~فوقهم، فهو ظرف خبر مقدم، وثياب مبتدأ مؤخر، كأنه قيل فوقهم ثياب ويصح أن ~~يكون حالا للأبرار. أى تلك حال أهل النعيم والملك الكبير وهم الأبرار. ~~وقرأ نافع وحمزة { عاليهم } - بسكون الياء وكسر الهاء - على أن الكلام ~~جملة مستأنفة استئنافا بيانيا، لقوله - تعالى - { رأيت نعيما ~~وملكا كبيرا } ، ويكون لفظ { عاليهم } أسم فاعل مبتدأ. وقوله ~~{ ثياب سندس } فاعله ساد مسد الخبر، ويصح أن يكون خبرا مقدما، وما ~~بعده مبتدأ مؤخر. وإضافة الثياب إلى السندس ms5290 بيانية، مثل خاتم ذهب والسندس ~~الديباج الرقيق. والاستبرق الديباج الغليظ. والمعنى أن هؤلاء الأبرار، ~~أصحاب النعيم المقيم، والملك الكبير، فوق أجسادهم ثياب من أفخر الثياب، ~~لأنهم يجمعون فى لباسهم بين الديباج الرقيق، والديباج الغليظ، على سبيل ~~التنعيم والجمع بين محاسن الثياب. وكانت تلك الملابس من اللون الأخضر، ~~لأنها أبهج للنفس، وشعار لباس الملوك. وكلمة " خضر " قرأها بعضهم بالرفع ~~على أنها صفة لثياب، وقرأها البعض الآخر بالجر، على أنها صفة لسندس. ~~وكذلك كلمة " وإستبرق " قرئت بالرفع عطفا على ثياب، وقرئت بالجر عطفا على ~~سندس. وقوله { وحلوا أساور من فضة } بيان لما يتزينون به ~~فى أيديهم، أى أن هؤلاء الأبرار يلبسون فى أيديهم أساور من فضة، كما هو ~~الشأن بالنسبة للملوك فى الدنيا، ومنه ما ورد فى الحديث من ذكر سوارى ~~كسرى. # وقوله - تعالى - { وسقاهم ربهم شرابا طهورا } أى وفضلا ~~عن كل تلك الملابس الفاخرة سقاهم ربهم - بفضله وإحسانه - شرابا بالغا ~~نهاية الطهر، فهو ليس كخمر الدنيا، فيه الكثير من المساوئ التى تؤدى إلى ~~ذهاب العقول.. وإنما خمر الآخرة شراب لذيذ طاهر من كل خبث وقذر وسوء. ~~وجاء لفظ " طهورا " بصيغة المبالغة، للإشعار بأن هذا الشراب قد بلغ ~~النهاية فى الطهارة. ثم ختم - سبحانه - هذا العطاء الواسع العظيم، ببيان ~~ما ستقوله الملائكة لهؤلاء الأبرار على سبيل التكريم والتشريف، فقال { ~~إن هذا كان لكم جزآء وكان سعيكم مشكورا }. ~~وهذه الآية الكريمة مقول لقول محذوف، والقائل هو الله - تعالى - أو ~~ملائكته بأمره - سبحانه - وإذنه، أى سقاهم ربهم شرابا طهورا فى الآخرة، ~~ويقال لهم عند تمتعهم بكل هذا النعيم، { إن هذا } النعيم الذى ~~تعيشون فيه { كان لكم جزآء } على إيمانكم وعملكم الصالح فى ~~الدنيا. { وكان سعيكم مشكورا } أى مرضيا ومقبولا عند خالقكم، ~~فازدادو - أيها الأبرار - سرورا على سروركم، وبهجة على بهجتكم. وبعد هذا ~~التفصيل لما أعده الله - تعالى - لعباده الأخيار من أصناف النعيم، ~~المتعلق بمأكلهم، ومشربهم.. أخذت السورة الكريمة. فى أواخرها - فى تثبيت ~~النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وفى دعوته صلى الله عليه وسلم ms5291 إلى ~~المداومة على التحلى بفضيلة الصبر، وإلى الإكثار من ذكره - تعالى - ~~وأنذرت الكافرين والفاسقين إذا ما استمروا فى ضلالهم. فقال - تعالى - { ~~فقدرنا فنعم... }. ### || [76.23-31] # جاء قوله - تعالى - { إنا نحن نزلنا عليك القرآن ~~تنزيلا } مؤكدا بجملة من المؤكدات. منها إن، ونحن، وتنزيلا.. للرد على ~~أولئك الجاحدين الذين أنكروا أن يكون القرآن من عند الله - تعالى - ~~وقالوا فى شأنه # لو نشآء لقلنا مثل هذا إن هذآ إلا أساطير ~~الأولين # أى إنا نحن - وحدنا - أيها الرسول الكريم -، الذين نزلنا عليك القرآن ~~تنزيلا محكما، وفصلناه تفصيلا متقنا، بأن أنزلناه على قلبك مفرقا على حسب ~~مشيئتنا وحكمتنا. والفاء فى قوله { فاصبر لحكم ربك } ~~للإفصاح. وعدى فعل الصبر باللام، لتضمنه معنى الخضوع والاستسلام لقضائه ~~- سبحانه -. أى ما دام الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - فاصبر ~~لحكم ربك، واخضع لقضائه ومشيئته، فهو - سبحانه - الكفيل بنصرك عليهم. ~~وقوله { ولا تطع منهم آثما أو كفورا } أى ولا تطع - أيها ~~الرسول الكريم - من هؤلاء المشركين، من كان داعيا إلى الإثم والفجور، ~~أو من كان داعيا إلى الكفر والجحود. ولم يقل - سبحانه - ولا تطع منهم ~~آثمار وكفورا بالواو، لأن الواو تجعل الكلام محتملا للنهى عن المجموع، ~~وأن طاعة أحدهما دون الآخر تكفى فى الامتثال. ولذا قال الزجاج إن " أو " ~~هنا أوكد من الواو، لأنك إذا قلت لا تطع زيدا وعمرا، فأطاع أحدهما كان ~~غير عاص، فإن أبدلتها بأو، فقد دللت على أن كل واحد منهما، أهل لأن ~~يعصى، ويعلم منه النهى عن إطاعتهما معا. والآثم هو الفاجر بأقواله ~~وأفعاله. والكفور هو الجاحد بقلبه ولسانه. ورحم الله صاحب الكشاف، فقد ~~قال عند تفسيره لهاتين الآيتين ما ملخصه تكرير الضمير بعد إيقاعه اسما ~~لإن تأكيد على تأكيد، لمعنى اختصاص الله - تعالى - بالتنزيل، ليتقرر فى ~~نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه إذا كان هو المنزل للقرآن، لم يكن ~~تنزيله على أى وجه نزل، إلا حكمة وصوابا، كأنه قيل ما نزل عليك القرآن ~~تنزيلا مفرقا منجما، إلا أنا لا غيرى، وقد عرفتنى ms5292 حكيما فاعلا لكل ما ~~أفعله. فإن قلت كلهم كانوا كفرة، فما معنى القسمة فى قوله { آثما أو ~~كفورا }؟ قلت معناه لا تطع منهم راكبا لما هو إثم، داعيا لك إليه، أو ~~فاعلا لما هو كفر، داعيا لك إليه. لأنهم إما أن يدعوه إلى مساعدتهم على ~~فعل إثم أو كفر، أو غير إثم ولا كفر فنهى عن أن يساعدهم على الاثنين دون ~~الثالث. فإن قلت معنى أو ولا تطع أحدهما، فهلا جئ بالواو وليكون نهيا عن ~~طاعتهما جميعا؟ قلت لو قيل ولا تطعهما، جاز أن يطيع أحدهما، وإذا قيل لا ~~تطع أحدهما، علم أن الناهى عن طاعة أحدهما عن طاعتهما جميعا أنهى، كما ~~إذا نهى عن أن يقول لأبويه أف، علم أنه منهى عن ضربهما بالطريق الأولى. # . والمقصود من هاتين الآيتين تثبيت فؤاد النبى صلى الله عليه وسلم ~~وتيئيس المشركين من استجابته صلى الله عليه وسلم لأى مطلب من مطالبهم ~~الفاسدة. ثم أرشده - سبحانه - إلى ما يعينه على الصبر والثبات. فقال { ~~واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا. ومن الليل ~~فاسجد له وسبحه ليلا طويلا }. والبكرة أول النهار. ~~والأصيل آخره. والمراد المداومة على ذكر الله - تعالى - فى كل وقت. أى ~~داوم - أيها الرسول الكريم - على ذكر الله - تعالى - فى أول النهار وفى ~~آخره، وعلى صلاة الفجر، والظهر والعصر. { ومن الليل فاسجد ~~له } - تعالى - وأكثر من ذكره، وواظب على صلاة المغرب والعشاء. { ~~وسبحه ليلا طويلا } أى ونزهه - تعالى - وتهجد له وقتا طويلا ~~من الليل. فهاتان الآيتان ترشدان الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ما يعينه ~~على الازدياد من فضيلة الصبر الجميل، والثبات على الحق. ومن الآيات ~~الكثيرة التى تشبه هاتين الآيتين فى معناهما قوله - تعالى - # وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ~~إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى ~~للذاكرين. واصبر فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين # وقوله - تعالى - # ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون. ~~فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين # ثم بين - سبحانه - جانبا من الأسباب التى تجعله صلى الله عليه وسلم لا ms5293 ~~يطيع أحدا منهم فقال { إن هؤلاء يحبون العاجلة ~~ويذرون ورآءهم يوما ثقيلا }. أى نحن قد نهيناك - يا محمد ~~- عن طاعة أحد من هؤلاء المشركين، لأنهم جميعا ديدنهم ودأبهم أنهم يحبون ~~{ العاجلة } أى الدنيا ولذائذها وشهواتها، العاجلة الزائلة. { ~~ويذرون ورآءهم } أى ويتركون وينبذون وراء ظهورهم { يوما ~~ثقيلا } وهو يوم القيامة، الشديد الأهوال، الذى يجعل الولدان شيبا. ~~ومع شدة هوله فهم لا يستعدون له ولا يحسبون له حسابا.. فالآية الكريمة ~~توبيخ وتجهيل لهم، حيث آثروا الفانى على الباقى، والعاجل على الآجل. ووصف ~~يوم القيامة بالثقل، لشدة ما يقع فيه من أهوال وكروب، فهو كالشئ الثقيل ~~الذى لا يستطاع حمله. ثم بين - سبحانه - مظاهر فضله عليهم، ومع ذلك ~~أشركوا معه فى العبادة غيره فقال { نحن خلقناهم وشددنآ ~~أسرهم وإذا شئنا بدلنآ أمثالهم تبديلا }. أى ~~نحن وحدنا الذين خلقناهم وأوجدناهم من العدم. ونحن وحدنا الذين { ~~وشددنآ أسرهم } أى قوينا وأحكمنا وأتقنا خلقهم، بأن منحناهم ~~السمع والأبصار والأفئدة والعقول.. وربطنا بين مفاصلهم وأجزاء أجسادهم ~~ربطا عجيبا معجزا. يقال أسر الله - تعالى - فلانا، أى خلقه - وبابه ضرب ~~- وفرس شديد الأسر، أى شديد الخلق، والأسر القوة، مشتق من الإسار - ~~بكسر الهمزة - وهو الحبل الذى تشد به الأحمال، يقال أسر فلان الحمل ~~أسرا، إذا أحكم ربطه، ومنه الأسير لأنه يربط بالإسار، أى القيد. # والمقصود بالأسر هنا الإحكام والإتقان، والامتنان عليهم بأن الله - ~~تعالى - خلقهم فى أحسن وأتقن خلق. وقوله - سبحانه - { وإذا شئنا ~~بدلنآ أمثالهم تبديلا } تأكيد لشمول قدرته - تعالى - أى ~~ونحن وحدنا الذين خلقناهم، ونحن وحدنا الذين ربطنا مفاصلهم وأعضاءهم ربطا ~~متقنا بديعا. ومع ذلك، فإننا إذا شئنا إهلاكهم أهلكناهم، وجئنا بأمثالهم ~~وأشباههم فى شدة الخلق، وبدلناهم تبديلا معجزا، لا يقدر عليه أحد سوانا. ~~وقوله { تبديلا } منصوب على أنه مفعول مطلق مؤكد لعامله وهو بدلناهم. ~~ومن الآيات الشبيهة لهذه الآية فى معناها قوله - تعالى - # إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان ~~الله على ذلك قديرا # وقوله - سبحانه - # إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد. وما ذلك ~~على الله ms5294 بعزيز # ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالحض على طاعته، وبالتحذير من معصيته ~~فقال { إن هذه تذكرة فمن شآء اتخذ إلى ربه ~~سبيلا }. أى إن هذه الآيات التى أنزلناها عليك يا محمد - تذكرة وموعظة ~~للناس، فمن شاء أن يتخذ إلى الله - تعالى - وسيلة وطريقة يتقرب بها إليه ~~- تعالى - اتخذها، لأنها خير هداية إلى رضاه - سبحانه -. والتعبير بقوله ~~{ فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا } تحريض شديد على ~~المسارعة إلى الطاعة، لأن الله - تعالى - قد مكن الناس من ذلك، حيث وهبهم ~~الاختيار والعقول المفكرة، وأرسل إليهم الرسل ليخرجوهم من الظلمات إلى ~~النور. ثم بين - سبحانه - أن مشيئته فوق كل مشيئة فقال { وما ~~تشآءون إلا أن يشآء الله }. أى وما تشاءون شيئا من ~~الأشياء، إلا بعد خضوع هذا الشئ لمشيئة الله - تعالى - وإرادته، إذ هو ~~الخالق - سبحانه - لكل شئ، وهو صاحب الخلق والأمر تبارك الله رب ~~العالمين. { إن الله كان عليما حكيما } أى إنه - تعالى - ~~كان وما زال صاحب العلم المطلق الذى لا يحده شئ، وصاحب الحكمة البليغة ~~التى لا نهاية لها. { يدخل } - سبحانه - { من يشآء } إدخاله { ~~في رحمته } لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه. { والظالمين ~~أعد لهم } - سبحانه - { عذابا أليما } بسبب إصرارهم على ~~ظلمهم، وإيثارهم الباطل على الحق، والغى على الرشد. نسأل الله - تعالى - ~~أن يجعلنا ممن هم أهل لرحمته ورضوانه، وأن يبعدنا عمن هم أهل لعذابه ~~ونقمته. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [77 - سورة المرسلات] ### || [77.1-15] # للمفسرين فى معنى هذه الصفات الخمس " المرسلات والعاصفات والناشرات ~~والفارقات والملقيات " اتجاهات، فمنهم من صدر تفسيره ببيان أن المراد بها ~~الملائكة. فقد قال صاحب الكشاف أقسم الله بطوائف من الملائكة، أرسلهن ~~بأوامره فعصفن فى مضيهن كما تعصف الرياح، تخففا فى امتثال أمره. وبطوائف ~~منهن نشرن أجنحتهن فى الجو عند انحطاطهن بالوحى، أو نشرن الشرائع فى ~~الأرض.. ففرقن بين الحق والباطل، فألقين ذكرا إلى الأنبياء عذرا، ~~للمحقين، أو نذرا للمبطلين. فإن قلت ما معنى عرفا؟ قلت متتابعة كشعر ~~العرف - أى عرف الفرس - يقال ms5295 جاءوا عرفا واحدا، وهم عليه كعرف الضبع ~~إذا تألبوا عليه.. ومنهم من يرى أن المراد بالمرسلات وما بعدها الرياح، ~~فقد قال الجمل فى حاشيته أقسم الله - تعالى - بصفات خمس موصوفها محذوف، ~~فجعلها بعضهم الرياح فى الكل، وجعلها بعضهم الملائكة فى الكل.. وغاير ~~بعضهم فجعل الصفات الثلاث الأول، لموصوف واحد هو الرياح وجعل الرابعة ~~لموصوف ثان وهو الآيات، وجعل الخامسة لموصوف ثالث وهو الملائكة.. وسنسير ~~نحن على هذا الرأى الثالث، لأنه هو تصورنا أقرب الآراء إلى الصواب، إذ أن ~~هذه الصفات من المناسب أن يكون بعضها للرياح، وبعضها للملائكة. فيكون ~~المعنى وحق الرياح المرسلات لعذاب المكذبين، فتعصفهم عصفا، وتهلكهم ~~إهلاكا شديدا، فقوله { عصفا } وصف مؤكد للإهلاك الشديد، يقال عصفت ~~الريح، إذا اشتدت، وعصفت الحرب بالقوم، إذا ذهبت بهم، وناقة عصوف، إذا ~~مضت براكبها مسرعة، حتى لكأنها الريح. وقوله { والناشرات نشرا } ~~أى وحق الرياح التى تنتشر انتشارا عظيما فى الآفاق، فتأتى بالسحب، التى ~~تتحول بقدرة الله - تعالى - إلى أمطار غزيرة نافعة. قال ابن كثير - بعد ~~أن ذكر آراء العلماء فى معنى هذه الألفاظ - والأظهر أن المرسلات هى ~~الرياح، كما قال - تعالى - # وأرسلنا الرياح لواقح... # وقال - سبحانه - # وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته # وهكذا العاصفات هى الرياح، يقال عصفت الريح إذا هبت بتصويت، وكذا { ~~والناشرات } هى الرياح التى تنشر السحاب فى آفاق السماء كما يشاء ~~الرب - عز وجل -. وقوله - سبحانه - { فالفارقات فرقا } يصح أن ~~يكون وصفا للملائكة الذين ينزلون بالشرائع المفرقة بين الحق والباطل، ~~وبين أهل الحق وأهل الضلال. ويصح أن يكون وصفا للآيات التى أنزلها الله - ~~تعالى - للتمييز بين الخير والشر، والرشد والغى. وقوله { ~~فالملقيات ذكرا } قال القرطبى هم الملائكة بإجماع، يلقون كتب ~~الله - تعالى - إلى الأنبياء - عليهم السلام -. فالمراد بالذكر فى قوله { ~~فالملقيات ذكرا } وحى الله - تعالى - الذى يبلغه الملائكة إلى ~~الرسل. وقوله { عذرا أو نذرا } منصوبان على أنهما بدل اشتمال من ~~قوله { ذكرا } أو مفعول لأجله. # أى أن الملائكة يلقون وحى الله - تعالى - إلى أنبيائه، لإزالة أعذار ~~المعتذرين ms5296 عن الإيمان، حتى لا يقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير، ~~ولإنذار الكافرين والفاسقين، حتى يقلعوا عن كفرهم وفسوقهم. وشبيه بهذه ~~الآية قوله - تعالى - # رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل # قال صاحب الكشاف فإن قلت ما العذر والنذر، وبماذا انتصبا؟ قلت هما ~~مصدران من أعذر إذا محا الإساءة، ومن أنذر إذا خوف على فعل كالكفر ~~والنكر، ويجوز أن يكون جمع عذير، بمعنى المعذرة، وجمع نذير بمعنى ~~الإنذار.. وأما انتصابهما فعلى البدل من ذكرا.. أو على المفعول له.. ~~وجملة # إنما توعدون لصادق # جواب القسم، وجئ بها مؤكدة، لتقوية تحقيق وقوع الجواب، وما وعدوا به هو ~~البعث والحساب. أى وحق الرياح المرسلة لعذاب المشركين.. وحق الملائكة ~~الذين نرسلهم بوحينا للتفريق بين الحق والباطل، ولتبليغ رسلنا ما كلفناهم ~~به.. إنكم - أيها الكافرون - لمبعوثون ومحاسبون على أعمالكم يوم القيامة ~~الذى لا شك فى وقوعه وحصوله وثبوته. ثم بين - سبحانه - علامات هذا اليوم ~~فقال { فإذا النجوم طمست } أى محقت وذهب ضوؤها، وزال نورها. ~~يقال طمست الشئ، من باب ضرب - إذا محوته واستأصلت أثره، { وإذا ~~السمآء فرجت } أى شقت أو فتحت، وتدلت أرجاؤها، ووهت أطرافها. { ~~وإذا الجبال نسفت } أى اقتلعت وأزيلت من أماكنها. يقال نسف ~~فلان البناء ينسفه، إذا قلعه من أصله. { وإذا الرسل أقتت } ~~أى بلغت وقتها الذى كانت تنتظره، وهو يوم القيامة، للقضاء بينهم وبين ~~أقوامهم. فقوله { أقتت } من التوقيت، وهو جعل الشئ منتهيا إلى وقته ~~المحدد له. قال الآلوسى قوله { وإذا الرسل أقتت } أى بلغت ~~ميقاتها. وجوز أن يكون المعنى عين لها الوقت الذى تحضر فيه للشهادة على ~~الأمم، وذلك عند مجئ يوم القيامة.. وجواب { إذا } وما عطف عليها فى قوله ~~{ فإذا النجوم طمست } محذوف، والتقدير وقع ما وعدناكم به وهو ~~يوم القيامة. وقوله { لأي يوم أجلت. ليوم الفصل. ~~ومآ أدراك ما يوم الفصل. ويل يومئذ ~~للمكذبين } تعليل لبلوغ الرسل إلى الوقت الذى كانوا ينتظرونه ~~لأخذ حقوقهم من أقوامهم الظالمين، والاستفهام للتهويل والتعظيم من شأن ~~هذا اليوم. أى ms5297 لأى يوم أخرت الأمور التى كانت متعلقة بالرسل؟ من تعذيب ~~الكافرين، وإثابة المتقين.. إنها أخرت وأجلت، ليوم الفصل، وهو يوم ~~القيامة، الذى يفصل الله - تعالى - فيه بقضائه العادل بين العباد. { ~~ومآ أدراك } ، - أيها المخاطب - { ما يوم الفصل }؟ إنه يوم ~~هائل شديد، لا تحيط العبارة بكنهه، ولا يعلم إلا الله - تعالى - وحده ~~مقدار أهواله. ويقال فى هذا اليوم لكل فاسق عن أمر ربه، ومشرك معه فى ~~العبادة غيره، { ويل يومئذ للمكذبين } أى هلاك وحسرة فى ~~هذا اليوم للمكذبين بالحق الذى جاء به الرسل، وبلغوه إلى أقوامهم. # وقد تكررت هذه الآية عشر مرات فى تلك السورة الكريمة، على سبيل الوعيد ~~والتهديد لهؤلاء المكذبين لرسلهم، والجاحدين لنعم خالقهم، والويل أشد ~~السوء والشر، وهو فى الأصل مصدر بمعنى الهلاك، وكان حقه النصب بفعل من ~~لفظه أو معناه، إلا أنه رفع على الابتداء، للدلالة على ثبات الهلاك ~~ودوامه للمدعو عليه. وقوله { يومئذ } ظرف للويل أو صفة له، ولذا صح ~~الابتداء به. ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك ألوانا من الأدلة على ~~وحدانية الله - تعالى - وقدرته، كإهلاك المكذبين السابقين، وخلق الأولين ~~والآخرين، والإنعام على الناس بالجبال والأنهار.. قال - تعالى - { ~~ألم نهلك... }. ### || [77.16-40] # الاستفهام فى قوله { ألم نهلك الأولين } وفى الآيات ~~المماثلة له بعد ذلك، للتقرير، والمقصود به استخراج الاعتراف والإقرار ~~من مشركى قريش على صحة البعث، لأن من قدر على الإهلاك، قارد على ~~الإعادة. أى لقد أهلكنا الأقوام الأولين الذين كذبوا رسلهم، كقوم نوح ~~وعاد وثمود. { ثم نتبعهم الآخرين } أى أهلكنا الأولين، ثم ~~نتبعهم بإهلاك المتأخرين عنهم، والذين يشبهون سابقيهم فى الكفر والجحود. ~~و " ثم " هنا للتراخى الرتبى، لأن إهلاك الآخرين الذين لم يعتبروا بمن ~~سبقهم سيكون أشد من إهلاك غيرهم، وفى ذلك تهديد شديد ووعيد واضح لمشركى ~~مكة. وقوله { كذلك نفعل بالمجرمين } أى مثل ذلك الفعل ~~الشنيع، والعقاب الأليم، نفعل بالمجرمين الذين أصروا على كفرهم وعنادهم ~~حتى أدركهم الموت. فالكاف بمعنى مثل، والإشارة فى قوله { كذلك } ~~تعود إلى الفعل المأخوذ من قوله { نفعل } أى مثل ms5298 ذلك الفعل نفعل ~~بالمجرمين. ثم كرر - سبحانه - التهديد والوعيد لهم، لعلهم يرتدعون أو ~~يتعظون فقال { ويل يومئذ للمكذبين }. ثم قال - سبحانه - ~~ممتنا على خلقه بإيجادهم فى هذه الحياة، ومحتجا على إمكان الإعادة ~~بخلقهم ولم يكونوا شيئا مذكورا، فقال { ألم نخلقكم من مآء ~~مهين }. أى لقد خلقناكم - أيها الناس - من نطفة حقيرة ضعيفة، من ~~مهن الشئ - بفتح الميم وضم الهاء - إذا ضعف، وميمه أصلية، وليس هو من ~~مادة هان، و " من " ابتدائية. وقوله { فجعلناه في قرار ~~مكين } تفصيل لكيفية الخلق على سبيل الإدماج، والقرار اسم للمكان ~~الذى يستقر فيه الماء، والمراد به رحم المرأة. والمكين صفة له. أى ~~خلقناكم من ماء ضعيف، ومن مظاهر قدرتنا وحكمتنا ولطفنا بكم أننا جعلنا ~~هذا الماء الذى خلقتم منه، فى مكان حصين، قد بلغ النهاية فى تمكنه ~~وثباته. فقوله { مكين } بمعنى متمكن، من مكن الشئ مكانة، إذا ثبت ~~ورسخ. وقوله { إلى قدر معلوم } بيان لبديع حكمته، والقدر ~~بمعنى المقدار المحدد المنضبط الذى لا يتخلف. أى جعلنا هذا الماء فى قرار ~~مكين، إلى وقت معين محدد فى علم الله - تعالى - يأذن عنده بخروج هذا ~~المخلوق من رحم أمه، إلى الحياة، وهذا الوقت هو مدة الحمل. وقوله - تعالى ~~- { فقدرنا فنعم القادرون } ثناء منه - تعالى - على ذاته ~~بما هو أهله. أى فقدرنا ذلك الخلق تقديرا حكيما منضبطا، وتمكنا من ~~إيجاده فى أطوار متعددة، فنعم المقدرون نحن، ونعم الموجدون نحن لما نوجده ~~من مخلوقات. وما دام الأمر كذلك فويل وهلاك يوم القيامة، للمكذبين ~~بوحدانيتنا وقدرتنا. ثم انتقل - سبحانه - إلى الاستدلال على إمكانية ~~البعث بطريق ثالث فقال { ألم نجعل الأرض كفاتا. # أحيآء وأمواتا. وجعلنا فيها رواسي شامخات }. ~~والكفات اسم للمكان الذى يكفت فيه الشئ. أى يجمع ويضم ويوضع فيه. يقال ~~كفت فلان الشئ يكفته كفتا، من باب ضرب - إذا جمعه ووضعه بداخل شئ ~~معين، ومنه سمى الوعاء كفاتا، لأن الشئ يوضع بداخله، وهو منصوب على أنه ~~مفعول ثان لقوله { نجعل } ، لأن الجعل هنا بمعنى التصيير. وقوله { ~~أحيآء وأمواتا } منصوبان على ms5299 أنهما مفعولان به، لقوله { كفاتا ~~}. أو مفعولان لفعل محذوف. أى لقد جعلنا الأرض وعاء ومكانا تجتمع فيه ~~الخلائق الأحياء منهم يعيشون فوقها، والأموات منهم يدفنون فى باطنها، { ~~وجعلنا فيها } - أيضا - جبالا { رواسي } أى ثوابت { ~~شامخات } أى مرتفعات ارتفاعا كبيرا، جمع شامخ وهو الشديد الارتفاع. ~~قال صاحب الكشاف الكفات من كفت الشئ إذا ضمه وجمعه.. وبه انتصب { ~~أحيآء وأمواتا } كأنه قيل كافتة أحياء وأمواتا، أو انتصبا بفعل ~~مضمر يدل عليه، وهو تكفت. والمعنى تكفت أحياء على ظهرها، وأمواتا فى ~~بطنها. فإن قلت لم قيل أحياء وأمواتا على التنكير، وهى كفات الأحياء ~~والأموات جميعا؟ قلت هو من تنكير التفخيم، كأنه قيل تكفت أحياء لا يعدون، ~~وأمواتا لا يحصرون.. وقوله - سبحانه - { وأسقيناكم مآء ~~فراتا } بيان لنعمة أخرى من أجل نعمه على خلقه، أى وأسقيناكم - بفضلنا ~~ورحمتنا - ماء { فراتا } أى عذبا سائغا للشاربين. وقوله - تعالى - { ~~ويل يومئذ للمكذبين } تكرير للتوبيخ والتقريع على ~~جحودهم لنعم الله، التى يرونها بأعينهم، ويحسونها بحواسهم ويستعملونها ~~لمنفعتهم. ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان المصير الأليم الذى ينتظر ~~هؤلاء المكذبين، فقال - تعالى - { انطلقوا إلى ما كنتم به ~~تكذبون. انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب. لا ~~ظليل ولا يغني من اللهب. إنها ترمي بشرر ~~كالقصر. كأنه جملت صفر } وقوله - سبحانه - { ~~انطلقوا } مفعول لقول محذوف. أى يقال للكافرين يوم القيامة - على ~~سبيل الإهانة والإذلال -انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به فى الدنيا من ~~العذاب. وقوله { انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب.. } بدل ~~مما قبله، وأعيد فعل { انطلقوا.. } على سبيل التوكيد، لقصد الزيادة ~~فى تقريعهم وتوبيخهم. والمراد بالظل دخان جهنم، وسمى بذلك لشدة كثافته، ~~أى انطلقوا - أيها المشركون - إلى ظل من دخان جهنم الذى يتصاعد من ~~وقودها، ثم يتفرق بعد ذلك إلى ثلاث شعب، شأن الدخان العظيم عندما يرتفع. ~~وسمى هذا الدخان العظيم الخانق بالظل، على سبيل التهكم بهم، إذ هم فى هذه ~~الحالة يكونون فى حاجة شديدة إلى ظل يأوون إلى برده. ثم وصف - سبحانه - ~~هذا الظل بصفة ثانية فقال { لا ظليل ms5300 } أى ليس هو بظل على سبيل ~~الحقيقة، وإنما هو دخان خانق لا برد فيه. ثم وصفه بصفة ثالثة فقال { ~~ولا يغني من اللهب } أى أن هذا الظل الى تنطلقون إليه لا يغنى ~~شيئا من الإغناء، من حر لهب جهنم التى هى مأواكم ونهايتكم. # وبهذه الصفات يكون لفظ الظل، قد فقد خصائصه المعروفة من البرودة والشعور ~~عنده بالراحة.. وصار المقصود به ظلا آخر، لا برد فيه، ولا يدفع عنهم شيئا ~~من حر اللهب. وهذه الصفات إنما جئ بها لدفع ما يوهمه لفظ " ظل ". وعدى ~~الفعل " يغنى " بحرف من، لتضمنه معنى يبعد. والضمير فى قوله - سبحانه ~~- { إنها ترمي بشرر كالقصر... } لجهنم، لأن السياق كله ~~فى شأنها وفى شأن المصطلين بلهيبها. والشرر واحده شررة، وهى القطعة التى ~~تتطاير من النار لشدة اشتعالها. والقصر البناء العالى المرتفع. وقيل هو ~~الغليظ من الشجر. أو هو قطع من الخشب، يجمعها الجامعون للاستدفاء بها من ~~البرد. وقوله { جملت } جمع جمل - كحجارة وحجر. وقال الآلوسى " ~~جمالة " بكسر الجيم - كما قرأ به حمزة والكسائى وحفص وهو جمع جمل. والتاء ~~لتأنيث الجمع. يقال جمل وجمال وجمالة.. والتنوين للتكثير. وقرأ الجمهور ~~{ جمالات } - بكسرالجيم مع الألف والتاء - جمع جمال.. فيكون جمع ~~الجمع.. والمعنى إنها - أى جهنم - ترمى المكذبين بالحق، الذين هم وقودها، ~~ترميهم بشرر متطاير منها لشدة اشتعالها، كل واحدة من هذا الشرر كأنها ~~البناء المرتفع فى عظمها وارتفاعها. وقوله - تعالى - { كأنه ~~جملت صفر } وصف آخر للشرر، أى كأن هذا الشرر فى هيئته ولونه ~~وسرعة حركته.. جمال لونها أصفر. واختبر اللون الأصفر للجمال، لأن شرر ~~النار عندما يشتد اشتعالها يكون مائلا إلى الصفرة. وقيل المراد بالصفر ~~هنا السواد، لأن سواد الإبل يضرب إلى الصفرة. فأنت ترى أن الله - تعالى ~~- قد شبه الشرر الذى ينفصل عن النار فى عظمته وضخامته بالقصر، وهو البناء ~~العالى المرتفع، وشبهه - أيضا - حين يأخذ فى الارتفاع والتفرق.. بالجمال ~~الصفر، فى هيئتها ولونها وسرعة حركتها، وتزاحمها. والمقصود بهذا التشبيه ~~زيادة الترويع والتهويل، فإن هؤلاء الكافرين لما كذبوا بالحساب والجزاء، ms5301 ~~وصف الله - تعالى - لهم نار الآخرة بتلك الصفات المرعبة، لعلهم يقلعون عن ~~شركهم، لا سيما وأنهم يرون النار فى دنياهم، ويرون شررها حين يتطاير.. ~~وإن كان الفرق شاسعا بين نار الدنيا ونار الآخرة. وزيادة فى التخويف ~~والإنذار ختمت هذه الآيات - أيضا - بقوله - تعالى - { ويل يومئذ ~~للمكذبين }. ثم صور - سبحانه - حالهم عندما يردون على النار، ~~ويوشكون على القذف بهم فيها، فقال - تعالى - { هذا يوم لا ~~ينطقون. ولا يؤذن لهم فيعتذرون. ويل يومئذ ~~للمكذبين. هذا يوم الفصل جمعناكم ~~والأولين. فإن كان لكم كيد فكيدون. ويل يومئذ ~~للمكذبين } أى ويقال لهؤلاء المجرمين - أيضا - عند الإلقاء ~~بهم فى النار هذا يوم لا ينطقون فيه بشئ ينفعهم، أو لا ينطقون فيه إطلاقا ~~لشدة دهشتهم، وعظم حيرتهم. # ويكون فى الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة، فإنهم بعد أن خوطبوا خطاب ~~إهانة وإذلال بقوله - تعالى - { انطلقوا } أعرض المخاطبون لهم، على ~~سبيل الإهمال لهؤلاء الكافرين، وقالوا لهم هذا يوم القيامة الذى لا يصح ~~لكم النطق فيه. وهذا لا يتعارض مع الآيات التى تفيد نطقهم، كما فى قوله - ~~تعالى - # وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون # لأن فى يوم القيامة مواطن متعددة، فهم قد ينطقون فى موطن، ولا ينطقون فى ~~موطن آخر. وقوله - تعالى - { ولا يؤذن لهم فيعتذرون } ~~معطوف على ما قبله. أى فى يوم القيامة لا ينطق هؤلاء المجرمون نطقا ~~يفيدهم، ولا يؤذن لهم فى الاعتذار عما ارتكبوه من سوء، حتى يقبل ~~اعتذارهم، وإنما يرفض اعتذارهم رفضا تاما، لأنه قد جاء فى غير وقته ~~وأوانه. يقال اعتذرت إلى فلان، إذا أتيت له بعذر يترتب عليه محو ~~الإساءة. ثم يقال لهم - أيضا - على سبيل التحدى والتقريع { هذا } هو يوم ~~القيامة { يوم الفصل } بين المحقين والمبطين { جمعناكم } ~~فيه - أيها الكافرون - مع من تقدمكم من الكفار { والأولين }. { ~~فإن كان لكم } - أيها الكافرون - { كيد } أى مخرج وحيلة ومنفذ ~~من العذاب الذى حل بكم { فكيدون } أى فافعلوه وقوموا به فأنتم الآن ~~فى أشد حالات الاحتياج إلى من يخفف العذاب عنكم. أو المعنى { فإن كان ~~لكم ms5302 كيد } أى قدرة على كيد دينى ورسلى والمؤمنين، كما كنتم تفعلون ~~فى الدنيا { فكيدون } أى فاظهروه اليوم. والأمر للتعجيز، لأنه من ~~المعروف أنهم فى يوم القيامة لا قدرة لهم ولا حيلة. وهكذا نجد أن هذه ~~الآيات الكريمة، قد ساقت ألوانا من الأدلة على وحدانية الله - تعالى -، ~~وعلى أن يوم البعث حق، وعلى العاقبة السيئة التى سيكون عليها الكافرون ~~يوم القيامة. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالموازنة بين حال ~~المتقين، وحال المجرمين، فقال { إن المتقين في... }. ### || [77.41-50] # أى { إن المتقين } الذين صانوا فى دنياهم أنفسهم عن الكفر ~~والفسوق والعصيان، واعتصموا بالرشد والهدى والإيمان. سيكونون يوم ~~القيامة { في ظلال } الأشجار والقصور، جمع ظل وهو كل موضع لا تصل ~~إليه الشمس. وفى { عيون } من ماء وعسل ولبن وخمر. وهم - أيضا - فى { ~~فواكه } وهى ما يتفكه به ويتنعم. جمع فاكهة { مما يشتهون } أى ~~يأكلون من تلك الفواكه ما يشتهونه منها، بدون تعب فى طلبها، فهى تحت ~~أيديهم. ويقال لهم - على سبيل التكريم والتشريف - { كلوا } أكلا مريئا { ~~واشربوا } شربا { هنيئا } جزاء { بما كنتم تعملون } فى الدنيا ~~من أعمال صالحة. { إنا كذلك نجزي المحسنين } أى إنا من ~~شأننا أننا نعطى مثل هذا الجزاء الطيب للمؤمنين الذين أحسنوا أقوالهم ~~وأفعالهم، وصانوا أنفسهم عن كل مالا يرضينا، هذا هو جزاء المتقين ~~المحسنين، أما الكافرون المكذبون، فيقال لهم مرة ومرات - على سبيل ~~التوبيخ والزجر - { كلوا وتمتعوا قليلا إنكم ~~مجرمون }. أى { كلوا } فى دنياكم كما تأكل الأنعام { ~~وتمتعوا } بملذاتكم متاعا { قليلا } سينتهى عما قريب، وستلقون ~~فى آخرتكم أشد أنواع العذاب. بسبب أنكم كنتم فى الدنيا دأبكم الإجرام، ~~والإصرار على الكفر والفسوق والعصيان. قال صاحب الكشاف فإن قلت كيف صح ~~أن يقال لهم ذلك فى الآخرة؟ قلت يقال لهم ذلك فى الآخرة إيذانا بأنهم ~~كانوا فى الدنيا أحقاء بأن يقال لهم، وكانوا من أهله، تذكيرا بحالهم ~~السمجة، وبما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع القليل، على النعيم والملك ~~الخالد. وعلل ذلك بكونهم مجرمين، دلالة على أن كل مجرم ماله إلا الأكل ms5303 ~~والتمتع أياما قليلة، ثم البقاء فى الهلاك أبدا. ويجوز أن يكون { كلوا ~~وتمتعوا } كلاما مستأنفا خطابا للمكذبين فى الدنيا.. وقوله - ~~سبحانه - { ويل يومئذ للمكذبين } أى هلاك دائم وعذاب ~~مقيم يوم القيامة للمكذبين، الذين آثروا المتاع القليل الفانى فى الدنيا، ~~على النعيم الدائم فى الآخرة. { وإذا قيل لهم اركعوا لا ~~يركعون } أى وإذا قيل لهؤلاء المجرمين اركعوا فى الدنيا مع ~~الراكعين، وأدوا فريضة الصلاة مع الرسول صلى الله عليه وسلم ومع ~~المؤمنين. إذا قيل لهم ذلك - على سبيل النصح والإرشاد - صموا آذانهم، ~~وأصروا واستكبروا استكبارا، وأبوا أن يصلوا مع المصلين. وعبر عن الصلاة ~~بالركوع، باعتبار أن الركوع من أهم أركانها، فهو من باب التعبير بالجزء ~~عن الكل. { ويل يومئذ للمكذبين } أى هلاك شديد يوم ~~القيامة لهؤلاء المكذبين. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذا التعجيب ~~من أحوالهم التى بلغت النهاية فى القبح والجحود والعناد فقال - تعالى - { ~~فبأي حديث بعده يؤمنون }. والفاء للإفصاح، أى إذا ~~كانوا لم يؤمنوا بهذا القرآن المشتمل على أسمى أنواع الهدايات وأحكمها ~~وأوضحها.. فبأى حديث بعد القرآن يؤمنون؟ إنه من المستبعد إيمانهم بعد أن ~~أعرضوا عن كل الحجج التى تهدى إلى الإيمان، فالاستفهام فى قوله { ~~فبأي حديث... } مستعمل فى الإنكار التعجيبى من حالهم، والضمير ~~فى " بعده " يعود إلى القرآن، وهو وإن لم يسبق له ذكر، فإنه ملحوظ فى ~~أذهانهم، إذ فى كل وقت يذكرهم الرسول صلى الله عليه وسلم به. وشبيه بهذه ~~الآية قوله - تعالى - { فبأي حديث بعده يؤمنون }. ### | [78 - سورة النبإ] ### || [78.1-20] # لفظ " عم " مركب من كلمتين، هما حرف الجر " عن " و " ما " التى هى اسم ~~استفهام، فأصل هذا اللفظ " عن ما " فأدغمت النون فى الميم لأن الميم ~~تشاركها فى الغنة، وحذفت الألف ليتميز الخبر عن الاستفهام. والجار ~~والمجرور متعلق بفعل " يتساءلون ". والتساؤل تفاعل من السؤال، بمعنى أن ~~يسأل بعض الناس بعضا عن أمر معين، على سبيل معرفة وجه الحق فيه، أو على ~~سبيل التهكم. والنبأ الخبر مطلقا، ويرى بعضهم أنه الخبر ذو الفائدة ~~العظيمة. والمعنى عن أى ms5304 شئ يتساءل هؤلاء المشركون؟ وعن أى أمر يسأل بعضهم ~~بعضا؟ إنهم يتساءلون عن النبأ العظيم، والخبر الهام الذى جاءهم به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم، والذى نطق به القرآن الكريم، من أن البعث حق، ومن أن ~~هذا القرآن الكريم من عند الله - تعالى - ومن أن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم صادق فيما يأمرهم به أو ينهاهم عنه. وافتتح - سبحانه - الكلام ~~بأسلوب الاستفهام، لتشويق السامع إلى المستفهم عنه، ولتهويل أمره، وتعظيم ~~شأنه. والضمير فى قوله { يتساءلون } يعود إلى المشركون، الذين كانوا ~~يكثرون من التساؤل فيما بينهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم، عما جاء به ~~من عند ربه، فقد أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن الحسن قال لما بعث النبى ~~صلى الله عليه وسلم جعلوا يتساءلون فيما بينهم - عن أمره وعما جاءهم به - ~~فنزل قوله - تعالى - { عم يتسآءلون. عن النبإ ~~العظيم.. }. وصح عود الضمير إليهم مع أنهم لم يسبق لهم ذكر، لأنهم ~~معروفون من السياق، إذ هم - دون غيرهم - الذين كانوا يتساءلون فيما بينهم ~~- على سبيل التهكم - عما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم. وقوله - تعالى ~~- { عن النبإ العظيم } تهويل لشأن هذا الأمر الذى يتساءلون ~~فيما بينهم عنه، ووصف - سبحانه - النبأ بالعظم، زيادة فى هذا التهويل ~~والتفخيم من شأنه، لكى تتوجه إليه أذهانهم، وتلتفت إليهم أفهامهم. فكأنه ~~- سبحانه - يقول عن أى شئ يسأل هؤلاء الجاحدون بعضهم بعضا؟ أتريدون أن ~~تعرفوا ذلك على سبيل الحقيقة؟ إنهم يتساءلون عن النبأ العظيم، وعن الخبر ~~الجسيم، { الذي هم فيه مختلفون } ما بين منكر له إنكارا ~~تاما، كما حكى - سبحانه - عنهم فى قوله # إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن ~~بمبعوثين # وما بين متردد فى شأنه، كما حكى - سبحانه - عن بعضهم فى قوله # وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب ~~فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا ~~وما نحن بمستيقنين # قال صاحب الكشاف قوله { عم } أصله عما، على أنه حرف جر، دخل على ما ~~الاستفهامية. ومعنى هذا ms5305 الاستفهام تفخيم الشأن، كأنه قال عن أى شئ ~~يتساءلون. ونحوه ما فى قولك زيد ما زيد؟ جعلته لانقطاع قرينه، وعدم ~~نظيره، كأنه شئ خفى عليك جنسه. فأنت تسأل عن جنسه، وتفحص عن جوهره، كما ~~تقول ما الغول وما العنقاء..؟. و { يتسآءلون } يسأل بعضهم بعضا.. ~~والضمير لأهل مكة، فقد كانوا يتساءلون فيما بينهم عن البعث. وقوله { عن ~~النبإ العظيم } بيان للشأن المفخم. فإن قلت قد زعمت أن الضمير فى ~~{ يتسآءلون } للكفار، فما تصنع بقوله { الذي هم فيه ~~مختلفون }؟ قلت كان فيهم من يقطع القول بإنكار البعث، ومنهم من ~~يشك. وقيلالضمير للمسلمين والكافرين جميعا، وكانوا جميعا يسألون عنه، أما ~~المسلم فليزداد خشية واستعدادا، وأما الكافر فليزداد استهزاء.. ثم هدد - ~~سبحانه - هؤلاء المستهزئين بما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم تهديدا ~~شديدا، فقال { كلا سيعلمون. ثم كلا سيعلمون }. و " ~~كلا " حرف زجر وردع، والمقصود بها هنا ردع أولئك المتسائلين عن النبأ ~~العظيم، ونوعدهم على اختلافهم فى شأنه. أى كلا ليس الأمر كما يتوهمه ~~أولئك المتسائلون، من استهزائهم بما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ومن إنكارهم لكون القرآن الكريم من عند الله، أو لكون البعث حق. بل الحق ~~كل الحق أن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق كل الصدق فيما يبلغه عن ربه، ~~وأن هؤلاء المتسائلين سيرون عما قريب سوء عاقبة استهزائهم واختلافهم. ~~والجملة الثانية وهى قوله { ثم كلا سيعلمون } جئ بها لزيادة ~~التهديد والوعيد، ولبيان أن الوعيد الثانى أشد وأبلغ من الوعيد الأول. ~~وحذف مفعول { سيعلمون } للتعميم والتهويل، أى سيعلمون علم اليقين ~~ما سيحل بهم من عذاب مقيم، وسيرون ذلك رأى العين عما قريب، كما قال - ~~تعالى - # إنهم يرونه بعيدا. ونراه قريبا # ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك تسعة أدلة، كلها تدل على أن البعث حق، لأن ~~القادر على إيجاد هذه الأشياء، قادر - أيضا - على إعادتهم إلى الحياة، ~~فقال - تعالى - { ألم نجعل الأرض مهادا } والاستفهام هنا ~~للتقرير، أى لقد جعلنا - بقدرتنا التى لا يعجزها شئ - الأرض كالفراش ~~الممهد الموطأ، لتتمكنوا من ms5306 الاستقرار عليها، ومن التقلب فيها.. كما ~~يتقلب الطفل فى مهده، أى فراشه. والمهاد مصدر بمعنى الفراش الموطأ ~~الممهد، وهو اسم لما يوضع للصبى لكى ينام عليه، ووصفت الأرض به على سبيل ~~المبالغة فى جعلها مكان استقرار الناس وانتفاعهم وراحتهم، والكلام على ~~سبيل التشبيه البليغ، أو على حذف مضاف. وجعل بمعنى صير. أى لقد صيرنا ~~الأرض بقدرتنا كفراش الصبى بالنسبة لكم، حيث تتقلبون عليها كما يتقلب ~~الصبى فى فراشه. # . أو صيرناها ذات مهاد. قال صاحب الكشاف ما ملخصه فإن قلت كيف اتصل قوله ~~{ ألم نجعل الأرض مهادا } بما قبله؟. قلت لما أنكروا البعث ~~قيل لهم ألم يخلق من يضاف إليه البعث هذه الخلائق العجيبة الدالة على ~~كمال قدرته، فما وجه إنكار قدرته على البعث، وما هو إلا اختراع كهذه ~~الاختراعات؟ ومهادا فراشا، وقرئ مهدا. ومعناه أنها لهم كالمهد للصبى، وهو ~~ما يمهد له فينوم عليه، تسمية للممهود بالصدر، كضرب الأمير، أو وصفت ~~بالمصدر، أو بمعنى ذات مهد.. وقوله { والجبال أوتادا } معطوف ~~على ما قبله، والأوتاد جمع وتد، وهو ما يشد به الشئ حتى لا يتحرك أو ~~يضطرب، والكلام على التشبيه - أيضا -. أى لقد صيرنا - بقدرتنا - الأرض ~~كالمهاد لتتمكنوا من الاستقرار عليها.. وجعلنا الجبال كالأوتاد للأرض، ~~لئلا تميد أو تضطرب بكم.. كما قال - تعالى - # وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم... # وقوله - سبحانه - { وخلقناكم أزواجا } دليل ثالث على قدرته، ~~والأزواج جمع زوج. وهو اسم للعدد الذى يكرر الواحد منه مرة واحدة، ~~والمراد به هنا الذكور والإناث. أى ومن مظاهر قدرتنا أننا خلقناكم - يا ~~بنى آدم - مزدوجين، أى ذكرا وأنثى، ليتأتى التناسل، وحفظ النوع من ~~الانقراض، وتنظيم أمر المعاش فى الأرض، عن طريق استمتاع كل نوع بالآخر، ~~كما قال - تعالى - # ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ~~لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة... # قال الآلوسى { أزواجا } أى مزدوجين ذكرا وأنثى ليتسنى التناسل. وقيل ~~أزواجا أى أصنافا فى اللون والصورة واللسان. وقيل يجوز أن يكون المراد من ~~الخلق أزواجا الخلق من منيين منى ms5307 الرجل ومنى المرأة.. وقوله - تعالى - { ~~وجعلنا نومكم سباتا } بيان لدليل رابع على قدرته - تعالى - ~~على البعث. و " السبات " مصدر بمعنى السبت، أى القطع، يقال سبت فلان الشئ ~~سبتا، إذا قطعه، وسبت فلان شعره، إذا حلقه وأزاله - وفعله كضرب ونصر -. ~~ويصح أن يكون قوله سباتا من السبت بمعنى الراحة والسكون، يقال سبت فلان ~~يسبت، إذا استراح بعد تعب، ومنه سمى يوم السبت، لأن اليهود ينقطعون فيه ~~عن أعمالهم للراحة. والمعنى وجعلنا - بمقتضى حكمتنا ورحمتنا - نومكم " ~~سباتا " أى قطعا للحركة، لتحصل لكم للراحة التى لا تستطيعون مواصلة العمل ~~إلا بعدها. وهذه الحالة التى لا بد لكم منها، وهى الراحة بعد عناء العمل ~~عن طريق النوم ثم استيقاظكم منه، أشبه ما تكون بإعادة الحياة إليكم بعد ~~موتكم.. وقوله - تعالى - { وجعلنا الليل لباسا. وجعلنا ~~النهار معاشا } بيان لنعمة أخرى من نعمه التى لا تحصى، والتى تدل ~~على كمال قدرته. # أى وجعلنا - بقدرتنا ورحمتنا - الليل كاللباس الساتر لكم، فهو يلفكم ~~بظلمته، كما يلف اللباس صاحبه.. كما أننا جعلنا النهار وقت معاشكم، لكى ~~تحصلوا فيه ما أنتم فى حاجة إلى تحصيله من أرزاق ومنافع. ووصف - سبحانه - ~~الليل بأنه كاللباس، والنهار بأنه وقت المعاش، لأن الشأن فيهما كذلك، إذ ~~الليل هو وقت الراحة والسكون والاختلاء.. والنهار هو وقت السعى والحركة ~~والانتشار. ثم لفت - سبحانه - الأنظار إلى مظاهر قدرته فى خلق السموات ~~فقال { وبنينا فوقكم سبعا شدادا }. أى وبنينا وأوجدنا ~~بقدرتنا التى لا يعجزها شئ، فوقكم - أيها الناس - سبع سماوات قويات ~~محكمات، لا يتطرق إليهن فطور أو شقوق على مر العصور، وكر الدهور. فقوله { ~~شدادا } جمع شديدة، وهى الهيئة الموصوفة بالشدة والقوة. وقوله - ~~سبحانه - { وجعلنا سراجا وهاجا } نعمة أخرى من نعمه الدالة ~~على قدرته. والمراد بالسراج الوهاج الشمس، وصفت بكونها سراجا، لأنها ~~كالمصباح فى إضاءته لما حوله. ووصف السراج بأنه وهاج، مبالغة فى شدة ~~ضيائه ولمعانه، من الوهج - يفتح الواو والهاء - بمعنى شدة الضياء.. ~~والكلام على التشبيه البليغ، والمقصود منه تقريب صفة المشبه إلى الأذهان، ~~وإلا فالشمس أعظم ms5308 من كل سراج. أى وأنشأنا وأوجدنا - بقدرتنا ومنتنا - فى ~~السماء، سراجا زاهرا مضيئا.. هو الشمس المتوهجة من شدة حرارتها وضيائها، ~~والتى تشرق على هذا الكون فتحول ظلامه إلى نور، بقدرته - تعالى -. أما ~~الدليل التاسع على قدرته - تعالى - على البعث، فنراه فى قوله - تعالى - { ~~وأنزلنا من المعصرات مآء ثجاجا. لنخرج به ~~حبا ونباتا. وجنات ألفافا }. والمعصرات - بضم الميم وكسر ~~الصاد - السحب التى تحمل المطر، جمع معصرة - بكسر الصاد - اسم فاعل، من ~~أعصرت السحابة إذا أوشكت على إنزال الماء لامتلائها به.. قال ابن كثير عن ~~ابن عباس " المعصرات " الرياح. لأنها تستدر المطر من السحاب.. وفى رواية ~~عنه أن المراد بها السحاب، وكذا قال عكرمة.. واختاره ابن جرير.. وقال ~~الفراء هى السحاب التى تتحلب بالماء ولم تمطر بعد، كما يقال امرأة معصر، ~~إذا حان حيضها ولم تحض بعد. وعن الحسن وقتادة المعصرات يعنى السموات. ~~وهذا قول غريب، والأظهر أن المراد بها السحاب، كما قال - تعالى - # الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه ~~في السمآء كيف يشآء ويجعله كسفا فترى الودق ~~يخرج من خلاله... # والثجاج المندفع بقوة وكثرة، يقال ثج الماء - كرد - إذا انصب بقوة ~~وكثرة. ومطر ثجاج، أى شديد الانصباب جدا. وقوله { ألفافا } اسم جمع ~~لا واحد له من لفظه، كالأوزاع للجماعات المتفرقة. وقيل جمع لفيف، كأشراف ~~وشريف. أى وأنزلنا لكم - يا بنى آدم - بقدرتنا ورحمتنا - من السحائب التى ~~أوشكت على الإمطار، ماء كثيرا متدفقا بقوة، لنخرج بهذا الماء حبا ~~تقتاتون به - كالقمح والشعير. # . ونباتا تستعملونه لدوابكم كالتبن والكلأ، ولنخرج بهذا الماء - أيضا - ~~بساتين قد التفت أغصانها لتقاربها وشدة نمائها. فهذه تسعة أدلة أقامها - ~~سبحانه - على أن البعث حق، وهى أدلة مشاهدة محسوسة، لا يستطيع عاقل إنكار ~~واحد منها.. وما دام الأمر كذلك فكيف ينكرون قدرته على البعث، مع أنه - ~~تعالى - قد أوجد لهم كل هذه النعم التى منها ما يتعلق بخلقهم، ومنها ما ~~يتعلق بالأرض والسموات، ومنها ما يتعلق بنومهم، وبالليل والنهار، ومنها ~~ما يتعلق بالشمس، وبالسحب التى تحمل لهم الماء الذى ms5309 لا حياة لهم بدونه. ~~وبعد إيراد هذه الأدلة المقنعة لكل عاقل، أكد - سبحانه - ما اختلفوا فيه، ~~وما تساءلوا عنه، وبين جانبا من أماراته وعلاماته فقال { إن يوم ~~الفصل كان ميقاتا. يوم ينفخ في الصور فتأتون ~~أفواجا. وفتحت السمآء فكانت أبوابا. وسيرت ~~الجبال فكانت سرابا }. والمراد بيوم الفصل يوم القيامة، لأن ~~فيه يكون الفصل بين المحق والمبطل، والمحسن والمسئ، فيجازى كل إنسان على ~~حسب عمله. والميقات - بزنة مفعال - مشتق من الوقت، وهو الزمان المحدد ~~لفعل ما. والمراد به هنا قيام الساعة، وبعث الناس من قبورهم. أى إن يوم ~~البعث والجزاء، كان ميعادا ووقتا محددا لبعث الأولين والأخرين، وما يترتب ~~على ذلك من جزاء وثواب وعقاب. وقوله { يوم ينفخ في الصور... } ~~بدل مما قبله، أى يوم القيامة آت لا ريب فيه، يوم نأمر إسرافيل بأن ينفخ ~~فى الصور، أى فى القرن الذى أوجدناه لذلك. { فتأتون أفواجا } أى ~~فتخرجون من قبوركم جماعات جماعات، وطوائف، طوائف دون أن يستطيع أحد منكم ~~التخلف عن الحضور إلى المكان الذى أعددناه لذلك. { وفتحت ~~السمآء... } فى هذا اليوم وشقت.. { فكانت أبوابا } أى فصارت ~~شقوقها وفتحاتها كالأبواب فى سعتها وكثرتها. { وسيرت الجبال... ~~} أى وأزيلت الجبال وحركت من أماكنها بعد تفتتها. { فكانت سرابا } ~~أى فصارت بعد تفتتها واقتلاعها من أماكنها.. كالسراب، وهو ما يلوح فى ~~الصحارى، فيظنه الرائى ماء وهو ليس بماء. وبعد هذا البيان البديع لجانب ~~من مظاهر قدرته - تعالى - على كل شئ، ومن ألوان نعمه على خلقه، ومن تقرير ~~أن البعث حق.. بعد كل ذلك، بين - سبحانه - جزاء الكافرين، وجزاء المتقين ~~فى هذا اليوم فقال - تعالى - { إن جهنم كانت... }. ### || [78.21-40] # قوله - سبحانه - { إن جهنم كانت مرصادا... } كلام مستأنف ~~لبيان أهوال جهنم وأحوالها. وجهنم اسم لدار العذاب فى الآخرة. والمرصاد ~~مفعال من الرصد. تقول رصدت فلانا أرصده، إذا ترقيته وانتظرته، بحيث لا ~~يهرب منك، " فمرصادا " صيغة مبالغة للراصد الشديد الرصد، وصفت جهنم بذلك، ~~لأن الكافرين لا يستطيعون التفلت منها مهما حاولوا ذلك. قال القرطبى " ~~مرصادا " مفعال من الرصد، والرصد ms5310 كل شئ كان أمامك.. وقال مقاتل " مرصادا ~~" أى محبسا. وقيل طريقا وممرا. وذكر القشيرى أن المرصاد المكان الذى يرصد ~~فيه الواحد العدد. أى هى معدة لهم، فالمرصاد بمعنى المحل.. وذكر ~~الماوردى، أنها بمعنى راصدة.. وفى الصحاح الراصد الشئ الراقب له. تقول ~~رصدته أرصده، إذا ترقبته.. والمعنى إن جهنم التى هى دار العذاب فى ~~الآخرة، كانت - بأمر الله - تعالى - ومشيئته - معدة ومهيئة للكافرين، فهى ~~ترصدهم وترقبهم بحيث لا يستطيعون الهرب منها، فهى كالحارس اليقظ الذى يقف ~~بالمرصد فلا يستطيع أحد أن يتجاوزه. والمقصود بالآية الكريمة تهديد ~~المشركين، وبيان أنهم لا مهرب لهم من جهنم، وأنها فى انتظارهم، كما ينتظر ~~العدو عدوه ليقضى عليه. وقوله { للطاغين مآبا } بدل من { ~~مرصادا } وقوله { مآبا } من الأوب بمعنى المرجع. يقال آب فلان ~~يؤوب، إذا رجع.. أى إن جهنم كانت للمتجاوزين الحد فى الظلم والطغيان، هى ~~المكان المهيأ لهم، والذى لا يستطيعون الهرب منه، بل هى مرجعهم الوحيد ~~الذى يرجعون إليه. وقوله { لابثين فيهآ أحقابا } أى مقيمين فى ~~جهنم أزمانا طويلا لا يعلم مقدارها إلا الله - تعالى - إذا الأحقاب جمع ~~حقب - بضمتين أو بضم فسكون -، وهو الزمان الطويل. { لا يذوقون ~~فيها } أى فى جهنم { بردا } أى شيئا يخفف عنهم حرها، من هواء بارد، ~~أو نسيم عليل { ولا شرابا } أى شيئا من الشراب الذى يطفئ عطشهم، ~~ويخفف من عذابهم. { إلا حميما وغساقا } والحميم. هو الماء ~~الذى بلغ الغاية فى الحرارة. والغساق هو ما يسيل من جلودهم من القيح ~~والدماء والصديد. يقال غسق الجرح - كضرب وسمع - غسقانا، إذا سالت منه ~~مياه صفراء. أى أن هؤلاء الطغاة لا يذوقون فى جهنم شيئا من الهواء ~~البارد، ولا من الشراب النافع، لكنهم يذوقون فيها الماء الذى بلغ النهاية ~~فى الحرارة والصديد الذى يسيل من جروحهم وجلودهم. فالاستثناء فى قوله { ~~إلا حميما وغساقا } ، استثناء منقطع، لأن الحميم ليس من جنس ~~البرد فى شئ، وكذلك الغساق ليس من جنس الشراب فى شئ. وقوله - سبحانه - { ~~جزآء وفاقا } بيان لعدالة الله - تعالى - معهم، أى أننا ms5311 لم نظلمهم ~~بإلقائهم فى جهنم، وإنما جازيناهم بذلك جزاء موافقا لأعمالهم السيئة فى ~~الدنيا. # فقوله { جزاء } منصوب على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف، وقوله { وفاقا } ~~صفة له والوفاق مصدر وافق، وهو هنا بمعنى اسم الفاعل. أى جوزوا جزاء ~~موافقا لأعمالهم القبيحة التى كانوا يعملونها فى الدنيا. ثم علل - سبحانه ~~- ما أصابهم من عذاب أليم، فقال { إنهم كانوا لا يرجون ~~حسابا. وكذبوا بآياتنا كذابا } أى إن هؤلاء الطغاة ~~كانوا فى الدنيا لا يخافون حسابنا، ولا يفكرون فيه، بل كانوا يكذبون به، ~~وبكل ما جاءهم به رسولنا تكذيبا عظيما. وقوله { كذابا } مصدر كذب، ~~ومجئ فعال بمعنى تفعيل فى مصدر فعل فصيح شائع. وأوثر هذا المصدر دون ~~التكذيب، للإشعار بأن تكذيبهم لآيات الله - تعالى - قد وصل الغاية فى ~~قبحه وإفراطه. وهو منصوب على أنه مفعول مطلق مؤكد لعامله. قال صاحب ~~الكشاف قوله { كذابا } أى تكذيبا. وفعال فى باب فعل، كله فاش ~~فى كلام فصحاء العرب لا يقولون غيره. وهو مصدر كذب.. ثم بين - سبحانه - ~~شمول علمه لكل شئ فقال { وكل شيء أحصيناه كتابا } و " كل ~~" منصوب على الاشتغال، والإحصاء للشئ ضبطه ضبطا محكما. وأصله من لفظ ~~الحصا، واستعمل فيه لأنهم كانوا يعتمدون على الحصا فى العد، كما يعتمد ~~بعض الناس الآن على الأصابع. قال الجمل وقوله { كتابا } فيه أوجه ~~أحدها أنه مصدر من معنى أحصيناه، أى إحصاء فالتجوز فى نفس المصدر. ~~والثانى أنه مصدر لأحصينا، لأنه فى معنى كتبنا. فالتجوز فى نفس الفعل.. ~~أى وكل شئ فى هذا الكون، قد أحصيناه إحصاء تاما، بحيث لا يعزب منه شئ عن ~~علمنا، مهما كان صغيرا. والفاء فى قوله { فذوقوا فلن نزيدكم ~~إلا عذابا } للتفريع على ما تقدم من كون جهنم كانت مرصادا، للطاغين ~~مآبا.. أى إن جهنم كانت معدة ومهيأة لهؤلاء الطغاة بسبب أعمالهم القبيحة، ~~وسيقال لهم يوم القيامة على سبيل الإذلال والإهانة، ذوقوا سوء عاقبة ~~كفركم وفسوقكم وعصيانكم، فلن نزيدكم إلا عذابا فوق العذاب الذى أنتم فيه. ~~قال ابن كثير قال قتادة، عن أبى ms5312 أيوب الأزدى، عن عبد الله بن عمرو قال لم ~~ينزل فى شأن أهل النار آية أشد من هذه الآية { فذوقوا فلن ~~نزيدكم إلا عذابا } قال فهم فى مزيد من العذاب أبدا.. وكعادة ~~القرآن الكريم فى الموازنة بين عاقبة الأشرار والأخيار، جاء الحديث عن ~~حسن عاقبة المتقين، بعد الحديث عن سوء عاقبة الطاغين فقال - تعالى - { ~~إن للمتقين مفازا } أى للمتقين الذين صانوا أنفسهم عن كل ما ~~لا يرضى ربهم.. { مفازا } أى فوزا برضوانه وجنته فقوله { مفازا } ~~مصدر بمعنى الفوز والظفر بالمطلوب، وتنوينه للتعظيم. ثم فصل - سبحانه - ~~مظاهر هذا الفوز فقال { حدآئق وأعنابا } أى إن لهم فى هذه ~~الجنان التى ظفروا بها حدائق، أى بساتين فيها ماء وأشجار مثمرة. # . سميت بذلك تشبيها لها بحدقة العين فى الهيئة، وحصول الماء فيها. وإن ~~لهم - كذلك - فى هذه الجنان { أعنابا } جمع عنب، وهو الكرم، وخصت الأعناب ~~بالذكر، لأنها من أعظم الفواكه وأحبها إلى النفوس. وإن لهم - أيضا - { ~~وكواعب أترابا } أى فتيات فى ريعان الشباب، قد تقاربت أعمارهن، ~~وتساوين فى الجمال والنضارة وحسن الهيئة. فالكواعب، جمع كاعب، وهى الفتاة ~~التى وصلت إلى سن البلوغ، وسميت بذلك لأنها فى تلك السن يتكعب ثدياها، أى ~~يستديران مع ارتفاع.. والأتراب، جمع ترب - بكسر التاء وسكون الراء - ~~وهو المساوى لغيره فى السن، وأكثر ما يطلق هذا اللفظ على الإناث. قيل ~~سمى من تقاربن فى السن بذلك، على سبيل التشبيه بالترائب، أى بالضلوع التى ~~فى الصدر فى التساوى.. وإن لهم - أيضا - { وكأسا دهاقا } أى كأسا ~~مليئة بالخمر. يقال دهق الحوض - كجعل - وأدهقه، إذا ملأه حتى فاض من ~~جوانبه. { لا يسمعون فيها } أى فى الجنة { لغوا } أى كلاما ~~ساقطا لا يعتد به. ولا يسمعون - أيضا - { كذابا } أى كلاما كاذبا. ~~وقوله - سبحانه - { جزآء من ربك عطآء حسابا } بيان ~~لمظاهر فضله ومننه على هؤلاء المتقين.. وقوله { جزآء } منصوب بفعل ~~محذوف من لفظه، و { من } ابتدائية. أى هؤلاء المتقون كوفئوا مكافأة صادرة ~~من ربك على سبيل العطاء أى الإحسان والتفضل، حتى شبعوا واكتفوا. فقوله { ~~حسابا ms5313 } صفة للعطاء وهو بمعنى كاف. فهو مصدر أقيم مقام الوصف، من قولهم ~~أحسبه الشئ، إذا كفاه حتى قال حسبى، أى كافينى. قال صاحب الكشاف و { ~~حسابا } صفة بمعنى كافيا، من أحسبه الشى إذا كفاه حتى قال حسبى... ~~ويصح أن يكون قوله { حسابا } معناه " محسوبا " أى كافأهم الله - تعالى ~~- على أعمالهم الحسنة فى الدنيا مكافأة محسوبة، على قدر أعمالهم الطيبة. ~~وقوله { رب السماوات والأرض وما بينهما ~~الرحمن... } قرأه بعضهم بجر لفظ " رب " على أنه بدل " من ربك " ، ~~وقرأه البعض الآخر بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. أى هذا الجزاء ~~العظيم للمتقين هو كائن من ربك، الذى هو رب أهل السموات وأهل الأرض، ورب ~~ما بينهما من مخلوقات لا يعلمها إلا هو، وهو - سبحانه - صاحب الرحمة ~~الواسعة العظيمة التى لا تقاربها رحمة.. وقوله { لا يملكون منه ~~خطابا } مقرر ومؤكد لما قبله، من كونه - تعالى - هو رب كل شئ. أى أهل ~~السموات والأرض وما بينهما، خاضعون ومربوبون لله - تعالى - الواحد ~~القهار، الذى لا يقدر أحد منهم - كائنا من كان - أن يخاطبه إلا بإذنه، ~~ولا يملك أن يفعل ذلك إلا بمشيئته. # وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه # وقوله - سبحانه - # يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم ~~شقي وسعيد # والظرف فى قوله - تعالى - { يوم يقوم الروح والملائكة ~~صفا... } متعلق بقوله - تعالى - قبل ذلك { لا يملكون منه ~~خطابا }.. والمراد بالروح جبريل - عليه السلام -. أى لا يملك أحد أن ~~يخاطب الله - تعالى - إلا بإذنه، يوم القيامة، ويوم يقوم جبريل - عليه ~~السلام - بين يدى خالقه قيام تذلل وخضوع، ويقوم الملائكة - أيضا - قياما ~~كله أدب وخشوع، وهم فى صفوف منتظمة. { لا يتكلمون } أى لا ~~يستطيع جبريل ولا الملائكة ولا غيرهم الكلام { إلا من أذن له ~~الرحمن } منهم بالكلام أو بالشفاعة. { وقال صوابا } أى وقال ~~المأذون له فى الكلام قولا صوابا يرضى الخالق - عز وجل -. وكون المراد ~~بالروح جبريل - عليه السلام - هو الرأى الراجح، لأن القرآن الكريم قد ~~وصفه بذلك فى آيات منها ms5314 قوله - تعالى - # نزل به الروح الأمين. على قلبك لتكون من ~~المنذرين # وهناك أقوال أخرى فى المراد به، منها أنه ملك من الملائكة، ومنها أرواح ~~بنى آدم. وجملة " لا يتكلمون " مؤكدة لجملة { لا يملكون منه ~~خطابا } والضمير لجميع الخلائق. وقد أفادت الآية الكريمة أن الذين ~~يتكلمون فى هذا اليوم الهائل الشديد، هم الذين يأذن الله - تعالى - لهم ~~بالكلام، وهم الذين يقولون قولا صوابا يرضى الله - تعالى - عنه. وجملة " ~~وقال صوابا " يجوز أن تكون فى موضع الحال من الاسم الموصول " من " أى لا ~~يستطيع أحد منهم الكلام إلا الشخص الذى قد أذن الله - تعالى - له فى ~~الكلام، والحال أن هذا المأذون له قد قال صوابا. ويصح أن تكون معطوفة على ~~جملة { أذن له الرحمن }. أى لا يستطيعون الكلام إلا الذين ~~أذن لهم الرحمن فى الكلام، وإلا الذين قالوا قولا صوابا يرضى الله، فإنهم ~~يتكلمون. والمقصود من الآية الكريمة، بيان أن الخلائق جميعا يكونون فى ~~هذا اليوم، فى قبضة الرحمن وتحت تصرفه، وأنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ~~ضرا إلا بإذنه - تعالى -. واسم الإشارة فى قوله - تعالى - { ذلك ~~اليوم الحق } يعود إلى يوم البعث الذى يقوم الناس فيه لله رب ~~العالمين. أى ذلك اليوم الذى يقوم فيه الخلائق للحساب والجزاء، هو اليوم ~~الحق الذى لا شك فى حدوثه، ولا ريب فى ثبوته. والفاء فى قوله - تعالى - { ~~فمن شآء اتخذ إلى ربه مآبا } هى الفصيحة، ومفعول ~~المشيئة محذوف. أى لقد بينا لكم ما يهديكم، وإذا كان الأمر كذلك، فمن شاء ~~منكم أن يتخذ إلى ربه مرجعا حسنا وطريقا إلى رضاه، فليتخذه الآن، من قبل ~~أن يأتى هذا اليوم الذى لا بيع فيه ولا خلال. # ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذا الإنذار البليغ فقال { إنآ ~~أنذرناكم عذابا قريبا يوم ينظر المرء ما ~~قدمت يداه ويقول الكافر يليتني كنت ترابا }. ~~والإنذار الإخبار بحصول شئ تسوء عاقبته، فى وقت يستطيع المنذر فيه أن ~~يجنب نفسه الوقوع فى ذلك الشئ. أى إنا أخبرناكم - أيها الناس - بأن هناك ~~عذابا ms5315 قريبا، سيحل بمن يستحقه عما قريب. وذلك العذاب سيكون أشد هولا، ~~وأبقى أثرا، يوم القيامة، { يوم ينظر المرء ما قدمت ~~يداه } أى يوم يرى كل إنسان عمله حاضرا أمامه، ومسجلا عليه.. { ~~ويقول الكافر يليتني كنت ترابا } ، أى ويقول الإنسان ~~الكافر فى هذا اليوم على سبيل الحسرة والندامة، يا ليتنى كنت فى الدنيا ~~ترابا، ولم أخلق بشرا، ولم أكلف بشئ من التكاليف، ولم أبعث ولم أحاسب. ~~فالمقصود بالآية قطع أعذار المعتذرين بأبلغ وجه، من قبل أن يأتى يوم لا ~~ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. وصلى الله على سيدنا ~~محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [79 - سورة النازعات] ### || [79.1-14] # الواو فى قوله { والنازعات.. } وما بعده للقسم، وجواب القسم محذوف ~~دل عليه ما بعده، والتقدير وحق هذه المخلوقات العظيمة.. لتبعثن. وكذلك ~~المقسم به محذوف، إذ أن هذه الألفاظ وهى النازعات، والناشطات والسابحات، ~~والسابقات، والمدبرات، صفات لموصوفات محذوفة، اختلف المفسرون فى المراد ~~بها على أقوال كثيرة. أشهرها أن المراد بهذه الموصوفات، طوائف من ~~الملائكة، كلفهم الله - تعالى - بالقيام بأعمال عظيمة، وأفعال جسيمة. ~~والنازعات جمع نازعة. والنزع جذب الشىء بقوة، كنزع القوس عن كبده. ومنه ~~قوله - تعالى - فى النزع الحسى # ونزع يده فإذا هي بيضآء للناظرين # وقوله - سبحانه - فى النزع المعنوى # ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر ~~متقابلين # وقوله { غرقا } اسم مصدر من أغرق، وأصله إغراقا. والإغراق فى الشئ، ~~المبالغة فيه والوصول به إلى نهايته، يقال أغرق فلان هذا الأمر، إذا أوغل ~~فيه، ومنه قوله نزع فلان فى القوس فأغرق، أى بلغ غاية المد حتى انتهى إلى ~~النصل. وهو منصوب على المصدرية، لالتقائه مع اللفظ الذى قبله فى ~~المعنى، وكذلك الشأن بالنسبة للالفاظ التى بعده، وهى " نشطا، و " سبحا " ~~و " سبقا ". والمعنى وحق الملائكة الذين ينزعون أرواح الكافرين من ~~أجسادهم، نزعا شديدا، يبلغ الغاية فى القسوة والغلظة. ويشير إلى هذا ~~المعنى قوله - تعالى - فى آيات متعددة، منها قوله - سبحانه - # ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ~~يضربون ms5316 وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق # وقوله { والناشطات نشطا } المقصود به طائفة أخرى من الملائكة. ~~والناشطات من النشط، وهو السرعة فى العمل، والخفة فى أخذ الشئ، ومنه ~~الأنشوطة، للعقدة التى يسهل حلها، ويقال نشطت الدلو من البئر - من باب ~~ضرب - إذا نزعتها بسرعة وخفة. أى وحق الملائكة الذين ينشطون ويسرعون ~~إسراعا شديدا لقبض أرواح المؤمنين بخفة وسهولة ويقولون لهم - على سبيل ~~البشارة والتكريم - # يأيتها النفس المطمئنة. ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية # وقوله - سبحانه - { والسابحات سبحا } قسم ثالث بطائفة ثالثة من ~~طوائف الملائكة، التى تسبح فى هذا الكون، أى تنطلق بسرعة لتنفيذ أمر ~~الله - تعالى -، ولتسبيحه، وتحميده، وتكبيره، وتقديسه. أى وحق الملائكة ~~الذين يسرعون التنقل فى هذا الكون إسراعا شديدا، لتنفيذ ما كلفهم - ~~سبحانه - به، ولتسبيحه وتنزيهه عن كل نقص.. وقوله - تعالى - { ~~فالسابقات سبقا } المقصود به طائفة رابعة من الملائكة، تسبق ~~غيرها فى تنفيذ أمر الله - تعالى -، إذ السبق معناه أن يتجاوز السائر من ~~يسير معه، ويسبقه إلى المكان المقصود الوصول إليه، كما قال - تعالى - فى ~~صفات المتقين # أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون # وقوله { فالمدبرات أمرا } المقصود به طائفة خامسة من ~~الملائكة، من وظائفهم تدبير شأن الخلائق، وتنظيم أحوالهم بالطريقة التى ~~يأمرهم - سبحانه - بها، فنسبة التدبير إليهم، إنما هى على سبيل المجاز، ~~لأن كل شئ فى هذا الكون إنما هو بقضاء الله وتقديره وتدبيره. والمراد ~~بالأمر الشأن والغرض المهم، وتنوينه للتعظيم، ونصبه على المفعولية للفظ ~~المدبرات. أى وحق الملائكة الذين يرتبون شئون الخلائق، وينظمون أمورهم ~~بالطريقة التى يكلفهم - سبحانه - بها. وجاء العطف فى قوله { ~~فالسابقات } { فالمدبرات } بالفاء، للدلالة على ترتيب ما ~~بعدها على ما قبلها بغير مهلة. وللإيذان بأن هاتين الصفتين متفرعتين عما ~~قبلهما. وعلى هذا التفسير الذى سرنا فيه على أن هذه الصفات لموصوف واحد، ~~سار كثير من المفسرين فصاحب الكشاف صدر تفسيره لهذه الآيات بقوله أقسم - ~~سبحانه - بطوائف الملائكة، التى تنزع الأرواح من الأجساد وبالطوائف التى ~~تنشطها، أى تخرجها.. بالطوائف التى تسبح فى مضيها، أى تسرع فتسبق إلى ms5317 ما ~~أمروا به، فتدبر أمرا من أمور العباد مما يصلحهم فى دينهم ودنياهم، كما ~~رسم الله - تعالى - لهم.. وأسند التدبير إليهم - أى إلى الملائكة - لأنهم ~~من أسبابه. وقال الشوكانى أقسم - سبحانه - بهذه الأشياء التى ذكرها، وهى ~~الملائكة التى تنزع أرواح العباد عن أجسادهم، كما ينزع النازع القوس ~~فيبلغ بها غاية المد، وكذا المراد بالناشطات، والسابحات، والسابقات، ~~والمدبرات، يعنى الملائكة، والعطف مع اتحاد الكل لتنزيل التغاير الوصفى، ~~منزلة التغاير الذاتى، كما فى قول الشاعر # إلى الملك القرم، وابن الهمام وليث الكتيبة فى المزدحم # وهذا قول الجمهور من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم.. ومنهم من يرى أن ~~المراد بالنازعات النجوم تنتقل من مكان إلى مكان، أو الأقواس التى تنزع ~~السهام، أو الغزاة ينزعون من دار الإسلام إلى دار الحرب.. ومنهم من يرى ~~أن المراد بالناشطات الكواكب السيارة، أو السفن التى تمخر عباب الماء.. ~~وأن المراد بالسابحات والسابقات النجوم، أو الشمس والقمر، والليل ~~والنهار.. أما المدبرات فقد أجمعوا على أن المراد بها الملائكة. قال ~~الجمل اختلفت عبارات المفسرين فى هذه الكلمات، هل هى صفات لشئ واحد، أو ~~لأشياء مختلفة، على أوجه واتفقوا على أن المراد بقوله { ~~فالمدبرات أمرا } وصف لشئ واحد، وهم الملائكة. ويبدو لنا أن ~~كون هذه الصفات جميعها لشئ واحد، هو الملائكة، أقرب إلى الصواب لأنه ~~المأثور عن كثير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. ثم شرع - سبحانه - فى ~~بيان علامات القيامة وأهوالها فقال { يوم ترجف الراجفة. ~~تتبعها الرادفة... }. والراجفة من الرجف وهو الاضطراب الشديد، ~~والحركة القوية، لأن بسببها تضطرب الأمور، وتختل الشئون. يقال رجفت الأرض ~~والجبال، إذا اهتزت اهتزازا شديدا. والمراد بها ما يحدث فى هذا الكون عند ~~النفخة الأولى التى يموت بعدها جميع الخلائق. # والمراد بالرادفة النفخة الثانية، التى تردف الأولى، أى تأتى بعدها، ~~وفيها يبعث الموتى بإذن الله - تعالى -، يقال فلان جاء ردف فلان، إذا جاء ~~فى أعقابه. أى اذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ، يوم ينفخ فى الصور ~~فتضطرب الأرض وتهتز، ويموت جميع الخلق، ثم يتبع ذلك نفخة أخرى يبعث ms5318 بعدها ~~الموتى - بإذن الله - تعالى -. وجملة " تتبعها الرادفة " فى محل نصب على ~~الحال من الراجفة. وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - # ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في ~~الأرض إلا من شآء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا ~~هم قيام ينظرون # وقوله - سبحانه - { قلوب يومئذ واجفة. أبصارها ~~خاشعة } بيان لما يترتب على قيام الساعة، وبعث الخلائق، من خوف ورعب. ~~أى قلوب كثيرة فى هذا اليوم الهائل الشديد تكون فى نهاية الاضطراب ~~والفزع. يقال وجف القلب يجف وجفا ووجيفا، إذا ارتفعت ضرباته من شدة ~~الخوف.. وتكون أبصار أصحاب هذه القلوب خاشعة، أى ذليلة مهينة، لما ~~يعتريهم من الفزع الشديد، والرعب الذى لا حدود له.. ولفظ " قلوب " مبتدأ، ~~وتنكيره للتكثير، وقوله { واجفة } صفة للقلوب، وجملة { أبصارها ~~خاشعة } خبر ثان للقلوب. والمراد بهذه القلوب قلوب المشركين الذين ~~أنكروا فى الدنيا البعث والجزاء، فلما بعثوا اعتراهم الرعب الشديد، ~~والفزع الذى لا يقاربه فزع.. فأما قلوب المؤمنين فهى - بفضل الله ورحمته ~~- تكون فى أمان واطمئنان، كما قال - تعالى - # لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة ~~هذا يومكم الذي كنتم توعدون # وإضافة الأبصار إلى ضمير القلوب لأدنى ملابسة، لأن الأبصار لأصحاب هذه ~~القلوب، وكلاهما من جوارح الأجساد. وقوله - سبحانه - { يقولون ~~أإنا لمردودون في الحافرة. أإذا كنا عظاما ~~نخرة } حكاية لما كان يقوله هؤلاء الكافرون فى الدنيا، من إنكار ~~للبعث، ومن استهزاء لمن كان يذكرهم به، ومن استبعاد شديد لحصوله.. ~~والمراد بالحافرة العودة إلى الحياة مرة أخرى بعد موتهم وتحولهم إلى عظام ~~بالية. قال صاحب الكشاف { في الحافرة } أى فى الحالة الأولى يعنون ~~الحياة بعد الموت. فإن قلت ما حقيقة هذه الكلمة؟ قلت يقال رجع فلان فى ~~حافرته، أى فى طريقه التى جاء فيها فحفرها. أى أثر فيها بمشيه فيها جعل ~~أثر قدميه حفرا.. ثم قيل لمن كان فى أمر فخرج منه ثم عاد إليه، رجع إلى ~~حافرته، أى طريقته وحالته الأولى. وقوله { نخرة } صفة مشتقة من ~~قولهم نخر العظم - بفتح النون وكسر الخاء - إذا بلى وصار ms5319 سهل التفتيت ~~والكسر. وقرأ حمزة والكسائى " ناخرة " بمعنى بالية فارغة جوفاء، يسمع ~~منها عند هبوب الريح نخير، أى صوت. # أى أن هؤلاء المشركين كانوا يقولون فى الدنيا - على سبيل التعجيب ~~والاستهزاء والإنكار لأمر البعث والحساب أنرد إلى الحياة مرة أخرى بعد ~~موتنا وبعد أن نصير فى قبورنا عظاما بالية. وعبر - سبحانه - عن قولهم هذا ~~بالمضارع " يقولون " لاستحضار حالتهم الغريبة، حيث أنكروا ما قام الدليل ~~على عدم إنكاره، وللإشعار بأن هذا الإنكار كان متجددا ومستمرا منهم. ~~وقد ساق - سبحانه - أقوالهم هذه بأسلوب الاستفهام، للإيذان بأنهم كانوا ~~يقولون ما يقولون فى شأن البعث على سبيل التهكم والتعجب ممن يحدثهم عنه، ~~كما هو شأن المستفهم عن شئ الذى لا يقصد معرفة الحقيقة، وإنما يقصد ~~التعجيب والإنكار. وجملة { أإذا كنا عظاما نخرة } مؤكدة ~~للجملة السابقة عليها، التى يستبعدون فيها أمر البعث بأقوى أسلوب. وقوله ~~- تعالى - { قالوا تلك إذا كرة خاسرة } حكاية لقول آخر ~~من أقوالهم الفاسدة، وهو بدل اشتمال من قوله - سبحانه - قبل ذلك { ~~يقولون أإنا لمردودون في الحافرة }. واسم الإشارة " ~~تلك " يعود إلى الردة المستفادة من قولهم { أإنا لمردودون... ~~}. ولفظ " إذا " جواب لكلامهم المتقدم. والكرة المرة من الكر بمعنى ~~الرجوع، وجمعها كرات أى يقول هؤلاء الجاحدون أنرد إلى الحياة التى كنا ~~فيها بعد أن نموت ونفنى؟ وبعد أن نصير عظاما نخرة؟ لو حدث هذا بأن رددنا ~~إلى الحياة مرة أخرى، لكانت عودتنا عودة خاسرة غير رابحة، وهم يقصدون ~~بهذا الكلام الزيادة فى التهكم والاستهزاء بالبعث. والخسران أصله عدم ~~الربح فى التجارة، والمراد به هنا حدوث ما يكرهونه لهم. ونسب الخسران إلى ~~الكرة على سبيل المجاز العقلى، للمبالغة فى وصفهم الرجعة بالخيبة والفشل، ~~وإلا فالمراد خيبتهم وفشلهم هم، لأنهم تبين لهم كذبهم، وصدق من أخبرهم ~~بأن الساعة حق. وقد رد - سبحانه - عليهم ردا سريعا حاسما يخرس ألسنتهم ~~فقال { فإنما هي زجرة واحدة. فإذا هم بالساهرة ~~}. والزجرة المرة من الزجر، وهو الصياح المصحوب بالغضب، يقال زجر فلان ~~فلانا، إذا أمره أو نهاه عن شئ بحدة ms5320 وغضب. والساهرة الأرض المستوية ~~الخالية من النبات. والمراد بها هنا الأرض التى يحشر الله - تعالى - فيها ~~الخلائق. قال القرطبى قوله { فإذا هم بالساهرة } أى على وجه ~~الأرض، بعد أن كانوا فى بطنها. سميت بهذا الاسم، لأن فيها نوم الحيوان ~~وسهرهم، والعرب تسمى الفلاة ووجه الأرض ساهرة، بمعنى ذات سهر، لأنه يسهر ~~فيها خوفا منها، فوصفها بصفة ما فيها.. والفاء فى قوله { فإنما هي ~~زجرة... } للتفريع على قولهم السابق، وضمير " هى " يعود إلى الحالة ~~والقصة التى أنكروها، وهى قيام الساعة. أى قل لهم - أيها الرسول الكريم - ~~على سبيل التوبيخ والتقريع ليس الأمر كما زعمتم من أنه لا بعث ولا جزاء. # . بل الحق أن ذلك لآت لا ريب فيه، وأن عودتكم إلى الحياة مرة أخرى لا ~~تقتضى من خالقكم سوى صيحة واحدة يصيحها ملك من ملائكته بكم، فإذا أنتم ~~قيام من قبوركم، ومجتمعون فى المكان الذى يحدده الله - تعالى - لاجتماعكم ~~ولحسابكم وجزائكم. وعبر - سبحانه - عن اجتماعهم بأرض المحشر بإذا ~~الفجائية فقال { فإذا هم بالساهرة } للإيذان بأن اجتماعهم هذا ~~سيكون فى نهاية السرعة والخفة، وأنه سيتحقق فى أعقاب الزجرة بدون أقل ~~تأخير. ووصف - سبحانه - الزجرة بأنها واحدة، لتأكيد ما فى صيغة المرة من ~~معنى الوحدة، أى أن الأمر لا يقتضى سوى الإذن منا بصيحة واحدة لا أكثر، ~~تنهضون بعدها من قبوركم للحساب والجزاء، نهوضا لا تملكون معه التأخر أو ~~التردد.. والمراد بها النفخة الثانية. وقال - سبحانه - { فإذا هم } ~~بضمير الغيبة، إهمالا لشأنهم، وتحقيرا لهم عن استحقاق الخطاب. وشبيه ~~بهاتين الآيتين قوله - تعالى - # ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في ~~الأرض إلا من شآء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا ~~هم قيام ينظرون # وإلى هنا نجد السورة الكريمة قد حثتنا حديثا بليغا مؤثرا عن أهوال يوم ~~القيامة، وعن أحوال المجرمين فى هذا اليوم العسير. ثم ساق - سبحانه - بعد ~~ذلك جانبا من قصة موسى مع فرعون، لتكون تسلية للنبى صلى الله عليه وسلم ~~عما أصابه من هؤلاء الجاحدين، وتهديدا لهم حتى يقلعوا عن ms5321 غيهم.. فقال - ~~تعالى - { هل أتاك حديث... }. ### || [79.15-26] # قال الإمام الرازى اعلم أن وجه المناسبة بين هذه القصة وبين ما قبلها ~~من وجهين الأول أنه - تعالى - حكى عن الكفار إصرارهم على إنكار البعث، ~~حتى انتهوا فى ذلك الإنكار إلى حد الاستهزاء فى قولهم # تلك إذا كرة خاسرة # وكان ذلك يشق على الرسول صلى الله عليه وسلم فذكر - سبحانه - قصة موسى - ~~عليه السلام -، وبين أنه تحمل المشقة فى دعوة فرعون، ليكون ذلك لتسلية ~~للرسول صلى الله عليه وسلم. الثانى أن فرعون كان أقوى من كفار قريش.. ~~فلما تمرد على موسى، أخذه الله - تعالى - نكال الآخرة والأولى، فكذلك ~~هؤلاء المشركون فى تمردهم عليك، إن أصروا، أخذهم الله وجعلهم نكالا.. ~~والمقصود من الاستفهام فى قوله - تعالى - { هل أتاك حديث ~~موسى... } التشويق إلى الخبر، وجعل السامع فى أشد حالات الترقب لما ~~سيلقى إليه، حتى يكون أكثر وعيا لما سيسمعه. والخطاب للرسول صلى الله ~~عليه وسلم لقصد تسليته، ويندرج فيه كل من يصلح له. والمعنى هل وصل إلى ~~علمك - أيها الرسول الكريم - خبر موسى - عليه السلام - مع فرعون؟ إن كان ~~لم يصل إليك فهاك جانبا من خبره نقصه عليك، فتنبه له، لتزداد ثباتا على ~~ثباتك، وثقة فى نصر الله - تعالى - لك على ثقتك. والظرف " إذ " فى قوله - ~~تعالى - { إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى } متعلق ~~بلفظ " حديث " ، والجملة يدل اشتمال مما قبلها. و " الواد " المكان ~~المنخفض بين جبلين، أو بين مكانين مرتفعين. و " المقدس " بمعنى المطهر. و ~~" طوى " اسم للوادى. وقد جاء الحديث عنه فى آيات متعددة، منها قوله - ~~تعالى - # فلمآ أتاها نودي يموسى. إني أنا ربك فاخلع ~~نعليك إنك بالواد المقدس طوى # والمعنى هل بلغك - أيها الرسول الكريم - خبر موسى، وقت أن ناديناه وهو ~~بالواد المقدس طوى، الذى هو بجانب الطور الأيمن، بالنسبة للقادم من أرض ~~مدين التى هى فى شمال الحجاز. ويدل على ذلك قوله - تعالى - # فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب ~~الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا ~~لعلي ms5322 آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار ~~لعلكم تصطلون. فلمآ أتاها نودي من شاطىء ~~الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة ~~أن يموسى إني أنا الله رب العالمين # وقوله - سبحانه - { اذهب إلى فرعون... } مقول لقول محذوف، أى ~~ناديناه وقلنا له { اذهب } يا موسى إلى فرعون إنه طغى، أى إنه تجاوز ~~كل حد فى الكفر والغرور والعصيان. # وفرعون لقب لكل ملك من ملوك مصر فى ذلك الزمان، وقد قالوا إن فرعون الذى ~~أرسل الله - تعالى - إليه موسى - عليه السلام - هو منفتاح بن رمسيس ~~الثانى. ثم بين - سبحانه - ما قاله لموسى على سبيل الإرشاد إلى أحكم ~~وأفضل وسائل الدعوة إلى الحق فقال { فقل هل لك إلى أن ~~تزكى. وأهديك إلى ربك فتخشى }. والمقصود ~~بالاستفهام هنا الحض والترغيب فى الاستجابة للحق، كما تقول لمن تنصحه هل ~~كل فى كذا، والجار والمجرور " لك " خبر لمبتدأ محذوف، أى هل كل رغبة فى ~~التزكية. أى اذهب يا موسى إلى فرعون، فقل له على سبيل النصح الحكيم. ~~والإرشاد البليغ هل لك يا فرعون رغبة فى أن أدلك على ما يزكيك ويطهرك من ~~الرجس والفسوق والعصيان. وهل لك رغبة - أيضا - فى أن أرشدك إلى الطريق ~~الذى يوصلك إلى رضى ربك، فيترتب على وصولك إلى الطريق السوى، الخشية منه ~~- تعالى - والمعرفة التامة بجلاله وسلطانه. قال صاحب الكشاف قوله { ~~وأهديك إلى ربك... } أى وأرشدك إلى معرفة الله، أى أنبهك ~~عليه فتعرفه { فتخشى } لأن الخشية لا تكون إلا بالمعرفة.. وذكر ~~الخشية، لأنها ملاك الأمر، من خشى الله أتى منه كل خير، ومن أمن اجترأ ~~على كل شئ. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم " من خاف أدلج، - أى سار فى أول ~~الليل - ومن أدلج بلغ المنزل ". بدأ مخاطبته بالاستفهام الذى معناه ~~العرض، كما يقول الرجل لضيفه هل لك أن تنزل بنا؟ وأردفه الكلام الرقيق ~~ليستدعيه بالتلطف فى القول، ويستنزله بالمداراة من عتوه، كما أمر بذلك فى ~~قوله - تعالى - # فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو ~~يخشى... # والحق أن هاتين الآيتين فيهما أسمى ms5323 ألوان الإرشاد إلى الدعوة إلى الحق ~~بالحكمة والموعظة الحسنة. والفاء فى قوله - تعالى - { فأراه الآية ~~الكبرى. فكذب وعصى } للإفصاح والتفريع على كلام محذوف ~~يفهم من المقام. والتقدير فامتثل موسى - عليه السلام - أمر ربه، فذهب إلى ~~فرعون، فدعاه إلى الحق، فكذبه فرعون، فما كان من موسى إلا أن أراه الآية ~~الكبرى التى تدل على صدقه، وهى أن ألقى أمامه عصاه فإذا هى حية تسعى، وأن ~~نزع يده من جيبه فإذا هى بيضاء من غير سوء. ولكن فرعون لم يستجب لدعوة ~~موسى، بعد أن أراه الآية الكبرى الدالة على صدقه، بل كذب ما رآه تكذيبا ~~شديدا، وعصى أمر ربه عصيانا كبيرا. { ثم أدبر يسعى } أى ثم ~~أضاف إلى تكذيبه وعصيانه. إعراضه وتوليه عن الإيمان والطاعة. وسعيه سعيا ~~حثيثا فى إبطال أمر موسى، وإصراره، على تكذيب معجزته. وجاء العطف هنا ~~بثم، للدلالة على أنه قد تجاوز التكذيب والعصيان، إلى ما هو أشد منهما فى ~~الجحود والعناد، وهو الإعراض عن الحق والسعى الشديد فى إبطاله. # ثم بين - سبحانه - ما فعله بعد ذلك فقال { فحشر فنادى. فقال ~~أنا ربكم الأعلى }. والحشر جمع الناس، والنداء الجهر بالصوت ~~لإسماع الغير، ومفعولاهما محذوفان. أى فجمع فرعون الناس عن طريق جنده، ~~وناداهم بأعلى صوته، قائلا لهم أنا ربكم الأعلى الذى لا رب أعلى منه، ~~وليس الأمر كما يقول موسى من أن لكم إلها سواى. والتعبير بالفاء فى قوله ~~{ فنادى } للإشعار بأنه بمجرد أن جمعهم دعاهم إلى الاعتراف بأنه هو ~~رب الأرباب. وجاء نداؤه بالصيغة الدالة على الحصر { أنا ربكم ~~الأعلى } للرد على ما قاله موسى له. من وجوب إخلاص العبادة لله - ~~تعالى - وحده. ثم بين - سبحانه - ما ترتب على هذا الفجور الذى تلبس به ~~فرعون، وعلى هذا الطغيان الذى تجاوز معه كل حد، فقال { فأخذه ~~الله نكال الآخرة والأولى }. والنكال مصدر بمعنى التنكيل، ~~وهو العقاب الذى يجعل من رآه فى حالة تمتعه وتصرفه عما يؤدى إليه، يقال ~~نكل فلان بفلان، إذا أوقع به عقوبة شديدة تجعله نكالا وعبرة لغيره. ms5324 ~~وهو منصوب على أنه مصدر مؤكد لقوله { فأخذه } ، لأن معناه نكل به، ~~والتعبير بالأخذ للإشعار بأن هذه العقوبة كانت محيطة بالمأخوذ بحيث لا ~~يستطيع التفلت منها. والمراد بالآخرة الدار الآخرة، والمراد بالأولى ~~الحياة الدنيا. أى أن فرعون عندما تمادى فى تكذيبه وعصيانه وطغيانه.. ~~كانت نتيجة ذلك أن أخذه الله - تعالى - أخذ عزيز مقتدر، بأن أنزل به فى ~~الآخرة أشد أنواع الإحراق، وأنزل به فى الدنيا أفظع ألوان الإغراق. ~~وقدم - سبحانه - عذاب الآخرة على الأولى، لأنه أشد وأبقى. ومنهم من يرى ~~أن المراد بالآخرة قوله لقومه { أنا ربكم الأعلى } ، وأن ~~المراد بالأولى تكذيبه لموسى - عليه السلام - أى، فعاقبه الله - تعالى - ~~على هاتين المعصيتين وهذا العقاب الأليم، بأن أغرقه ومن معه جميعا.. ~~ويبدو لنا أن التفسير الأول هو الأقرب إلى ما تفيده الآية الكريمة، إذ من ~~المعروف أن الآخرة، هى ما تقابل الأولى وهى دار الدنيا، ولذا قال الإمام ~~ابن كثير قوله - تعالى - { فأخذه الله نكال الآخرة ~~والأولى } أى انتقم الله منه انتقاما جعله به عبرة ونكالا لأمثاله ~~من المتمردين فى الدنيا. ويوم القيامة بئس الرفد المرفود، كما قال - ~~تعالى - # وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم ~~القيامة لا ينصرون # هذا هو الصحيح فى معنى الآية، أن المراد بقوله { نكال الآخرة ~~والأولى } أى الدنيا والآخرة. وقيل المراد بذلك كلمتاه الأولى ~~والثانية. وقيل كفره وعصيانه، والصحيح الذى لا شك فيه الأول.. والإشارة ~~فى قوله - تعالى - { إن في ذلك لعبرة لمن يخشى } ، ~~تعود إلى حديث موسى الذى دار بينه وبين فرعون، وما ترتب عليه من نجاة ~~لموسى ومن إهلاك لفرعون. # أى إن فى ذلك الذى ذكرناه عما دار بين موسى وفرعون، لعبرة وعظة، لمن ~~يخشى الله - تعالى -، ويقف عند حدوده، لا لغيره ممن لا يتوبون ولا ~~يتذكرون ولا تخالط أنفسهم خشية الله - تعالى -. والمقصود من هذه القصة ~~كلها، تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم، وتهديد المشركين بأنهم إذا ما ~~استمروا فى طغيانهم، كانت عاقبتهم كعاقبة فرعون. وبعد هذا الاستطراد عن ~~طريق ذكر جانب مما دار ms5325 بين موسى وفرعون.. عادت السورة الكريمة، كما بدأت ~~إلى الحديث عن أهوال يوم القيامة، وعن إمكانية وقوعه، وعن أحوال الناس ~~فيه. وعن أن موعد قيامه مرد علمه إلى الله - تعالى - وحده، فقال - سبحانه ~~- { أأنتم أشد خلقا أم السمآء... }. ### || [79.27-46] # الخطاب فى قوله - تعالى - { أأنتم أشد خلقا... } لأولئك ~~الجاحدين الجاهلين الذين استنكروا إعادتهم إلى الحياة بعد موتهم، وقالوا # أإنا لمردودون في الحافرة # وجاء هذا الخطاب على سبيل التقريع والتوبيخ لهم، حيث بين لهم - سبحانه - ~~أن إعادتهم إلى الحياة، ليست بأصعب من خلق السموات والأرض. و { أشد } ~~أفعل تفضيل، والمفضل عليه محذوف، لدلالة قوله - تعالى - { أم ~~السمآء } عليه. والمراد بالأشد هنا الأصعب بالنسبة لاعتقاد ~~المخاطبين، إذ كل شئ فى هذا الكون خاضع لإرادة الله - تعالى - ومشيئته # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # والمعنى أخلقكم - أيها الجاهلون - بعد موتكم، وإعادتكم إلى الحياة بعد ~~هلاككم، أشد وأصعب فى تقديركم، أم خلق السماء التى ترون بأعينكم عظمتها ~~وضخامتها، والتى أوجدها - سبحانه وبناها بقدرته. فالمقصود من الآية ~~الكريمة لفت أنظارهم إلى أمر معلوم عندهم بالمشاهدة، وهو أن خلق السماء ~~أعظم وأبلغ من خلقهم، ومن كان قادرا على الأبلغ والأعظم كان على ما هو ~~أقل منه - وهو خلقهم وإعادتهم بعد موتهم - أقدر. وشبيه بهذه الآية قوله - ~~تعالى - # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس... # ثم بين - سبحانه - جانبا من بديع قدرته فى خلق السماء فقال { رفع ~~سمكها فسواها }. والسمك - بفتح السين - المشددة وسكون الميم ~~- الرفع فى الفضاء، وجعل الشئ عاليا عن غيره. تقول سمكت الشئ، إذا رفعته ~~فى الهواء، وبناء مسموك، أى مرتفع، ومنه قول الشاعر # إن الذى سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعز وأطول # أى أن الله - تعالى - بقدرته، جعل مقدار ارتفاع السماء عن الأرض عظيما، ~~وبجانب ذلك سوى بحكمته هذه السماء، بأن جعلها خالية من الشقوق والثقوب.. ~~كما قال - سبحانه - # ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت... # وجملة { وأغطش ليلها... } معطوفة على " بناها " والإغطاش ~~الإظلام الشديد. يقال " غطش الليل - من ms5326 باب ضرب - إذا اشتد ظلامه. أى ~~وجعل - بقدرته - ليل هذه السماء مظلما غاية الإظلام بسبب مغيب شمسها. { ~~وأخرج ضحاها } أى وأبرز وأضاء نهارها، إذ الضحكى فى الأصل انتشار ~~الشمس، وامتداد النهار. ثم سمى به هذا الوقت، لبروز ضوء الشمس فيه أكثر ~~من غيره، فهو من باب تسمية الشئ باسم أشرف أجزائه وأطيبها. وأضاف - ~~سبحانه - الليل والضحى إلى السماء لأنهما يحدثان بسبب غروب شمسها ~~وطلوعها. ثم انتقلت الآيات الكريمة من الاستدلال على قدرته - تعالى - عن ~~طريق خلق السماء، إلى الاستدلال على قدرته عن طريق خلق الأرض فقال { ~~والأرض بعد ذلك دحاها }. # ولفظ " الأرض " منصوب على الاشتغال. واسم الإشارة " ذلك " يعود إلى خلق ~~السماء وتسويتها ورفعها وإغطاش ليلها. وقوله { دحاها } من الدحو بمعنى ~~البسط، تقول دحوت الشئ أدحوه، إذا بسطته.. أى خلق - سبحانه - السماء ~~وسواها، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها، والأرض بعد كل ذلك الخلق البديع ~~للسماء، بسطها وأوسعها لتكون مستقرا لكم وموضعا لتقبلكم عليها.. وقد أخذ ~~بعض العلماء من هذه الآية، تأخر خلق الأرض عن خلق السماء.. وجمهور ~~العلماء على أن خلق الأرض متقدم على خلق السماء، بدليل قوله - تعالى - # هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى ~~إلى السمآء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء ~~عليم # قالوا فى الجمع بين هذه الآية التى معنا، وبين آية سورة البقرة، بما روى ~~عن ابن عباس من أنه سئل عن الجمع بين هاتين الآيتين فقال خلق الله - ~~تعالى - الأرض أولا غير مدحوة، ثم خلق السماء، ثم دحا الأرض بعد ذلك، ~~وجعل فيها الرواسى والأنهار وغيرهما. أى أن أصل خلق الأرض كان قبل خلق ~~السماء، ودحوها بجبالها وأشجارها، كان بعد خلق السماء. وقالوا - أيضا - ~~فى وجه الجمع، إن لفظ بعد فى قوله - تعالى - { بعد ذلك } بمعنى مع. ~~أى والأرض مع ذلك بسطها ومهدها لسكنى أهلها فيها.. وقدم - سبحانه - هنا ~~خلق السماء على الأرض، لأنه أدل على القدرة الباهرة، لعظم السماء ~~وانطوائها على الأعاجيب. وقوله - سبحانه - { أخرج منها مآءها ~~ومرعاها. والجبال أرساها } بدل اشتمال ms5327 من قوله { دحاها } ، ~~أو بيان وتفسير لدحوها، والمرعى مصدر ميمى أطلق على المفعول، كالخلق ~~بمعنى المخلوق، أى أخرج منها ما يرعى. أى والأرض جعلها مستقرا لكم، ~~ومكانا لانتفاعكم، بأن أخرج منها ماءها، عن طريق تفجير العيون والآبار ~~والبحار، وأخرج منها { مرعاها } أى جميع ما يقتات به الناس والدواب، ~~بدليل قوله - تعالى - بعد ذلك { متاعا لكم ولأنعامكم }. ~~وكذلك من مظاهر قدرته - تعالى- ورحمته بكم، أنه أثبت الجبال فى الأرض حتى ~~لا تميد أو تضطرب، فالمقصود بإرسال الجبال تثبيتها فى الأرض. وقوله - ~~تعالى - { متاعا لكم ولأنعامكم } بيان لوجه المنة فى خلق ~~الأرض على هذه الطريقة البديعة. والمتاع اسم لما يتمتع به الإنسان من ~~منافع الحياة الدنيا لمدة محدودة من الزمان، وانتصب لفظ " متاعا " هنا ~~بفعل مقدر من لفظه، أى متعناكم متاعا. والمعنى دحونا الأرض، وأخرجنا منها ~~ماءها ومرعاها.. لتكون موضع منفعة لكم، تتمتعون بخيراتها أنتم وأنعامكم، ~~إلى وقت معين من الزمان، تتركونها لانتهاء أعماركم. ثم بين - سبحانه - ~~حال الأشقياء والسعداء يوم القيامة، فقال { فإذا جآءت الطآمة ~~الكبرى }. والطامة اسم للمصيبة العظمى، التى تطم وتغلب وتعلو ما ~~سواها من مصائب، من قولهم طم الشئ يطمه طما، إذا غمره. # وكل شئ كثر وعلا على غيره، فقد طم عليه. ويقال طم الماء الأرض إذا ~~غمرها. وهذا الوصف ليوم القيامة، من أوصاف التهويل والشدة، لأن أحوالها ~~تغمر الناس وتجعلهم لا يفكرون فى شئ سواها. وجواب الشرط محذوف، والمجئ ~~هنا بمعنى الحدوث والوقوع، أى فإذا وقعت القيامة، وقامت الساعة.. حدث ما ~~حدث ما لم يكن فى الحسبان من شدائد وأهوال. وقوله { يوم يتذكر ~~الإنسان ما سعى } بدل اشتمال من الجملة التى قبلها وهى قوله { ~~فإذا جآءت الطآمة } لأن ما أضيف إليه لفظ " يوم " من الأحوال ~~التى يشملها يوم القيامة، وتذكر الإنسان لسعيه فى الدنيا، يكون بإطلاعه ~~على أعماله التى نسيها، ورؤيته إياها فى كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ~~إلا أحصاها. أى فإذا قامت القيامة، وتذكر الإنسان فى هذا الوقت ما كان ~~قد نسيه من أعمال فى دنياه، ms5328 وقع له من الخوف والفزع مالا يدخل تحت وصف.. ~~وقوله { وبرزت الجحيم لمن يرى } معطوف على قوله { جاءت }. ~~أى فإذا جاءت الطامة الكبرى، وتذكر الإنسان فيها ما كان قد نسيه من ~~أعمال دنيوية { وبرزت الجحيم } أى وأظهرت إظهارا واضحا لا ~~خفاء فيه ولا لبس { لمن يرى } أى لكل راء. كان الهول الأعظم وقوله - ~~سبحانه - { فأما من طغى... } تفصيل لأحوال الناس فى هذا اليوم. ~~أى { فأما من طغى } بأن تجاوز الحدود فى الكفر والفسوق والعصيان ~~{ وآثر الحياة الدنيا } بأن قدم متاعها الفانى، على نعيم ~~الآخرة الخالد.. { فإن الجحيم هي المأوى } أى فإن مصير ~~هذا الإنسان الشقى سيكون إلى النار الملتهبة، لا منزل له سواها فى هذا ~~اليوم. { وأما من خاف مقام ربه } أى خاف عظمته وجلاله، ~~وسلح نفسه بالإيمان والعمل الصالح استعدادا لهذا اليوم الذى يجازى فيه ~~كل إنسان بما يستحقه. { ونهى النفس عن الهوى } أى وزجر نفسه ~~وكفها عن السيئات والمعاصى والميول نحو الأهوال الضالة المضلة. { فإن ~~الجنة هي المأوى } أى فإن الجنة فى هذا اليوم، ستكون هى ~~مأواه ومنزله ومستقره.. ثم لقن الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم ~~الجواب الذى يرد به على المشركين، الذين كانوا يكثرون من سؤاله عن يوم ~~القيامة، على سبيل الإنكار والاستهزاء، فقال - تعالى - { يسألونك ~~عن الساعة أيان مرساها }. وأيان اسم يستفهم به عن تعيين ~~الوقت وتحديده، فهو ظرف زمان متضمن معنى " متى " ومرساها مصدر ميمى من ~~أرسى الشئ إذا ثبته وأقره، ولا يكاد يستعمل هذا اللفظ إلا فى الشئ ~~الثقيل، كما فى قوله - تعالى - { والجبال أرساها... }. ونسبة ~~الإرساء إلى الساعة، باعتبار تشبيه المعانى بالأجسام. و " أيان " خبر ~~مقدم، و " مرساها " مبتدأ مؤخر. # والمعنى يسألك يا محمد هؤلاء القوم عن وقت قيام الساعة، قائلين لك متى ~~يكون استقرارها وإرساؤها وإرساؤها ووقوعها؟. وأطلق على يوم القيامة ساعة ~~لوقوع بغتة، أو لسرعة ما فيه من الحساب، أو لأنه على طوله، زمان يسير عند ~~الله - تعالى -. وقوله - سبحانه - { فيم أنت من ذكراها. إلى ~~ربك منتهاهآ } واقع موقع ms5329 الجواب عن سؤالهم عن الساعة، وعن وقت ~~وقوعها. والمقصود بهذا الجواب توبيخهم على إلحاحهم فى السؤال عنها، مع أن ~~الأولى بهم كان الاستعداد لها بالإيمان والعمل الصالح. و " ما " فى قوله ~~{ فيم } اسم استفهام بمعنى أى شئ، وهى هنا مستعملة فى التعجيب من كثرة ~~أسئلتهم عن شئ لا يهمهم حدوثه، وإنما الذى يهمهم - لو كانوا يعقلون - هو ~~حسن الاستعداد له. قال الآلوسى قوله { فيم أنت من ذكراها } ~~إنكار ورد لسؤال المشركين عنها. أى فى أى شئ أنت من أن تذكر لهم وقتها، ~~وتعلمهم به حتى يسألونك بيانها، كقوله - تعالى - # يسألونك كأنك حفي عنها # فالاستفهام للإنكار. وفيم خبر مقدم، وأنت مبتدأ مؤخر. وقوله { من ~~ذكراها } على تقدير مضاف، أى ذكرى وقتها، وهو متعلق بما تعلق به ~~الخبر. وقيل { فيم } إنكار لسؤالهم، وما بعده استئناف تعليل للإنكار، ~~وبيان لبطلان السؤال. أى فيم هذا السؤال، ثم ابتدئ فقيل أنت من ذكراها. ~~أى إرسالك وأنت خاتم النبيين.. علامة من علاماتها. وقوله - تعالى - { ~~إلى ربك منتهاهآ } أى إلى ربك وحده منتهى علم قيامها، لأنه - ~~سبحانه - هو وحده - من دون غيره - العليم علما تاما بالوقت الذى ستقوم ~~فيه الساعة. ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله # إن الله عنده علم الساعة... # وقوله - سبحانه - # يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما ~~علمها عند ربي لا يجليها لوقتهآ إلا هو... # وقوله - تعالى - { إنمآ أنت منذر من يخشاها } تحديد ~~لوظيفته صلى الله عليه وسلم أى ليست وظيفتك - أيها الرسول الكريم - معرفة ~~الوقت الذى تقوم فيه الساعة، فهذا أمر مرد معرفته إلى الله وحده.. وإنما ~~وظيفتك امتثال ما أمرت به، من بيان اقترابها، وتفصيل أهوالها، ودعوة ~~الناس إلى حسن الاستعداد لها بالإيمان والعمل الصالح.. وإذا كان الأمر ~~كذلك فلماذا ترك هؤلاء الجاهلون ما يجب عليهم من الإيمان والعمل الصالح، ~~وأخذوا يسألونك عن أشياء خارجة عن وظيفتك؟. وخص - سبحانه - الإنذار بمن ~~يخشى قيام الساعة، مع أن رسالته صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة. ~~وإنذاره إنما هو لهم جميعا، لأن ms5330 هؤلاء الذين يخشون وقوعها، ويعملون العمل ~~الصالح الذى ينجيهم من أهوالها، هم الذين ينتفعون بهذا الإنذار. ثم ختم ~~- سبحانه - السورة الكريمة، ببيان حالهم عند قيام الساعة، فقال - تعالى - ~~{ كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية ~~أو ضحاها }. # والعشية هى الوقت الكائن من الزوال إلى الغروب. والضحى الوقت الكائن من ~~أوائل النهار إلى الزوال. أى كأن هؤلاء المشركين حين يرون الساعة وقد ~~فاجأتهم بأهوالها، لم يلبثوا فى دنياهم أو فى قبورهم إلا وقتا يسيرا، ~~يشبه العشية أو الضحى بالنسبة للزمان الطويل. فالمقصود من الآية الكريمة ~~بيان أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن المشركين عند إتيانها كأنهم ما ~~لبثوا فى انتظارها إلا يوما أو بعض يوم.. قال صاحب الكشاف فإن قلت كيف ~~صحت إضافة الضحى إلى العشية؟ قلت لما بينهما من الملابسة لاجتماعهما فى ~~نهار واحد. فإن قلت فهلا قيل إلا عشية أو ضحى وما فائدة الإضافة؟ قلت ~~للدلالة على أن مدة لبثهم، كأنها لم تبلغ يوما كاملا، ولكن ساعة منه ~~عشيته أو ضحاه، فلما ترك اليوم أضافه إلى عشيته. فهو كقوله { لم ~~يلبثوا إلا ساعة من نهار }. ### | [80 - سورة عبس] ### || [80.1-16] # قد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات ملخصها # " أن النبى صلى الله عليه وسلم كان جالسا فى أحد الأيام، مع جماعة من ~~زعماء قريش يدعوهم إلى الإسلام، ويشرح لهم تعاليمه، فأقبل عبد الله بن ~~أم مكتوم - وكان كفيف البصر - فقال أقرئنى وعلمنى مما علمك الله، يا رسول ~~الله، وكرر ذلك، وهو لا يعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم مشغول بدعوة ~~هؤلاء الزعماء إلى الإسلام، رجاء أن يسلم بسبب إسلامهم خلق كثير.. فلما ~~أكثر عبد الله من طلبه، أعرض عنه الرسول صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه ~~الآيات التى عاتب الله - تعالى - فيها نبيه صلى الله عليه وسلم على هذا ~~الإعراض.. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يكرمه، إذا رآه، ~~ويقول له " مرحبا بمن عاتبنى فيه ربى " ويبسط له رداءه.. " # قال الآلوسى وعبد الله ms5331 بن أم مكتوم، هو ابن خال السيدة خديجة، واسمه ~~عمرو بن قيس. وأم مكتوم كنية أمه، واسمها عاتكة بنت عبد الله المخزومية، ~~واستخلفه صلى الله عليه وسلم على المدينة أكثر من مرة.. وهو من المهاجرين ~~الأولين. قيل مات بالقادسية شهيدا يوم فتح المدائن أيام عمر بن الخطاب - ~~رضى الله عنه.. ولفظ " عبس " - من باب ضرب - مأخوذ من العبوس، وهو تقطيب ~~الوجه، وتغير هيئته مما يدل على الغضب. وقوله { وتولى } مأخوذ من ~~التولى وأصله تحول الإنسان عن مكانه الذى هو فيه إلى مكان آخر، والمراد ~~به هنا الإعراض عن السائل وعدم الإقبال عليه. وحذف متعلق التولى، ~~لمعرفة ذلك من سياق الآيات، إذ من المعروف أن إعراضه صلى الله عليه وسلم ~~كان عن عبد الله ابن أم مكتوم الذى قاطعه خلال حديثه مع بعض زعماء قريش. ~~وأل فى قوله - تعالى - { الأعمى } للعهد. والمقصود بهذا الوصف ~~التعريف وليس التنقيص من قدر عبد الله بن أم مكتوم - رضى الله عنه - ~~وكذلك فى هذا الوصف إيماء إلى أن له عذرا فى مقاطعة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم عند حديثه مع زعماء قريش، فهو لم يكن يراه وهو يحادثهم ويدعوهم إلى ~~الإسلام. وجاء الحديث عن هذه القصة بصيغة الحكاية، وبضمير الغيبة، ~~للإشعار بأن هذه القصة، من الأمور التى لا يحب الله - تعالى - أن يواجه ~~بها نبيه صلى الله عليه وسلم على سبيل التكريم له، والعطف عليه، والرحمة ~~به. وجملة { وما يدريك لعله يزكى } فى موضع الحال، ~~وفيها التفات من الغيبة إلى الخطاب، و " ما " استفهامية مبتدأ، وجملة " ~~يدريك " خبره. # والكاف مفعول أول، وجملة الترجى سادة مسد المفعول الثانى. والضمير فى { ~~لعله } يعود إلى عبد الله ابن أم مكتوم المعبر عنه بالأعمى. والمعنى عبس ~~صلى الله عليه وسلم وضاق صدره، وأعرض بوجهه، لأن جاءه الرجل الأعمى، وجعل ~~يخاطبه وهو مشغول بالحديث مع غيره. { وما يدريك } أى وأى شئ يجعلك ~~- أيها الرسول الكريم - داريا بحال هذا الأعمى الذى عبست فى وجهه { ~~لعله يزكى } أى لعله بسبب ما يتعلمه ms5332 منك يتطهر ويتزكى، ويزداد ~~نقاء وخشوعا لله رب العالمين { أو } لعله { يذكر } أى يتذكر ما كان فى ~~غفلة عنه { فتنفعه الذكرى } أى فتنفعه الموعظة التى سمعها منك. ~~قال الآلوسى ما ملخصه وفى التعبير عنه صلى الله عليه وسلم بضمير الغيبة ~~إجلال له.. كما أن فى التعبير عنه صلى الله عليه وسلم بضمير الخطاب فى ~~قوله - تعالى - { وما يدريك... } إكرام له - أيضا - لما فيه من ~~الإيناس بعد الإيحاش والإقبال بعد الإعراض.. ثم فصل - سبحانه - ما ~~كان منه صلى الله عليه وسلم بالنسبة لهذه القصة فقال { أما من ~~استغنى فأنت له تصدى وما عليك ألا يزكى. ~~وأما من جآءك يسعى. وهو يخشى. فأنت عنه ~~تلهى } أى أما من استغنى عن الإيمان، وعن إرشادك - أيها الرسول ~~الكريم - واعتبر نفسه فى غنى عن هديك.. { فأنت له تصدى } أى ~~فأنت تتعرض له بالقبول، وبالإصغاء لكلامه، رجاء أن يسلم، فيسلم بعده ~~غيره. يقال تصدى فلان لكذا، إذا تعرض له، وأصله تصدد من الصدد، ~~وهو ما استقبلك وصار قبالتك.. { وما عليك ألا يزكى } أى ~~وأى شئ عليك فى أن يبقى على كفره، بدون تطهر؟ إنه لا حرج عليك فى ذلك، ~~فأنت عليك البلاغ ونحن علينا الحساب و # إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشآء... # و " ما " نافية و " عليك " خبر مقدم، وقوله { ألا يزكى } مبتدأ ~~مؤخر. { وأما من جآءك يسعى } أى من جاءك مسرعا فى طلب الخير ~~والهداية والعلم، وهو هذا الأعمى، الذى لم يمنعه فقدانه لبصره من الحرص ~~على التفقه فى الدين. { وهو يخشى } أى وهو يخشى الله، ويخاف ~~عقابه، ويرجو ثوابه. { فأنت عنه تلهى } أى فأنت عنه تتشاغل، ~~وتفرغ جهدك مع هؤلاء الزعماء، طمعا فى إيمانهم. ويلاحظ أن هذه الآيات ~~الكريمة، أكثر حدة فى العتاب من سابقتها، حيث ساق - سبحانه - هذه الآيات ~~فى صورة أشبه ما تكون بالتعجيب ممن يفعل ذلك.. ثم ساق - سبحانه - ما هو ~~أشد فى العتاب وفى التحذير فقال { كلا إنها تذكرة }. أى كلا ~~- أيها الرسول الكريم - ليس الأمر ms5333 كما فعلت، من إقبالك على زعماء قريش ~~طمعا فى إسلامهم، ومن تشاغلك وإعراضك عمن جاء يسعى وهو يخشى. # . الضمير فى قوله { إنها } يعود إلى آيات القرآن الكريم، أى إن آيات ~~القرآن الكريم لمشتملة على التذكير بالحق، وعلى الموعظة الحكيمة التى ~~ينبغى على كل عاقل أن يعمل بموجبها، وأن يسير بمقتضاها. { فمن شآء ~~ذكره } أى فمن شاء أن يتعظ ويعتبر وينتفع بهذا التذكير فاز وربح، ومن ~~شاء غير ذلك خسر وضاع، فالجملة الكريمة لتهديد الذين يعرضون عن الموعظة، ~~وليست للتخبير كما يتبادر من فعل المشيئة. وهى معترضة للترغيب فى حفظ هذه ~~الآيات، وفى العمل بما اشتملت عليه من هدايات. وجاء الضمير مذكرا فى قوله ~~{ فمن شآء ذكره } لأن التذكرة هنا بمعنى التذكير والاتعاظ. أى ~~فمن شاء التذكير والاعتبار، تذكر واعتبر وحفظ ذلك دون أن ينساه.. وقوله { ~~في صحف مكرمة } خبر ثان لقوله { إنها تذكرة } وما ~~بينهما اعتراض.. أى إن آيات القرآن تذكرة، مثبتة أو كائنة فى صحف عظيمة { ~~مكرمة } عند الله - تعالى - لأنها تحمل آياته. هذه الصحف - أيضا - { ~~مرفوعة } أى ذات منزلة رفيعة { مطهرة } أى منزهة عن أن يمسها ما يدنسها. ~~وهى كائنة { بأيدي سفرة } وهم الملائكة الذين جعلهم الله - تعالى ~~- سفراء بينه وبين رسله جمع سافر بمعنى سفير. أى رسول وواسطة، أو هم ~~الملائكة الذين ينسخون ويكتبون هذه الآيات بأمره - تعالى - جمع سافر ~~بمعنى كاتب، يقال سفر فلان يسفره، إذا كتبه. { كرام بررة } أى ~~هذه الآيات بأيدى سفرة من صفاتهم أنهم مكرمون ومعظمون عنده - تعالى -، ~~وأنهم أتقياء مطيعون الله - تعالى - كل الطاعة، جمع بر، وهو من كان ~~كثير الطاعة والخشوع لله - عز وجل -.. هذا والمتأمل فى هذه الآيات ~~الكريمة يراها قد اشتملت على كثير من الآداب والأحكام، ومن ذلك أن شريعة ~~الله - تعالى - تجعل التفاضل بين الناس، أساسه الإيمان والتقوى، فمع أن ~~عبد الله ابن أم مكتوم، كان قد قاطع الرسول صلى الله عليه وسلم خلال ~~حديثه مع بعض زعماء قريش... ومع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتشاغل ms5334 ~~عنه إلا لحرصه على جذب هؤلاء الزعماء إلى الإسلام. مع كل ذلك، وجدنا ~~الآيات الكريمة، تعاتب النبى صلى الله عليه وسلم عتابا تارة فيه رقة. ~~وتارة فيه شدة. وذلك لأن الميزان الذى أنزله الله - تعالى - للناس مع ~~الرسل، لكى يبنوا عليه حياتهم، هو # إن أكرمكم عند الله أتقاكم # ولقد استجاب الرسول الكريم لهذا التوجيه الحكيم، فبنى حياته كلها بعد ~~ذلك على هذا الميزان العادل، ومن مظاهر ذلك إكرامه لابن أم مكتوم، وقوله ~~له كلما رآه # " أهلا بمن عاتبنى فيه ربى ". # وفعل صلى الله عليه وسلم ما يشبه ذلك، مع جميع المؤمنين الصادقين الذين ~~كانوا من فقراء المسلمين، ولم يكونوا أصحاب جاه أن نفوذ أو عشيرة قوية. # لقد جعل زيد بن حارثة - وهو الغريب عن مكة والمدينة، أميرا على الجيش ~~الإسلامى فى غزوة مؤتة، وكان فى هذا الجيش عدد كبير من كبار الصحابة. ~~وقال صلى الله عليه وسلم فى شأن سلمان الفارسى # " سلمان منا أهل البيت ". # " وقال صلى الله عليه وسلم فى شأن عمار بن ياسر، عندما استأذن عليه فى ~~الدخول ائذنوا له. مرحبا بالطيب المطيب ". # وكان من مظاهر تكريمه لعبد الله بن مسعود، أن جعله كأنه واحد من أهله ~~بيته. فعن أبى موسى الأشعرى قال قدمت أنا وأخى من اليمن، فمكثنا حينا وما ~~نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من كثرة ~~دخولهم على رسول الله، ولزومهم له.. وقال صلى الله عليه وسلم لأبى بكر ~~الصديق عندما حدث كلام بينه وبين سلمان وصهيب وبلال فى شأن أبى سفيان يا ~~أبا بكر لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك. فقد أخرج الإمام ~~مسلم فى صحيحه.. # " أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال فى نفر، فقالوا ما أخذت سيوف ~~الله من عدو الله مأخذها، فقال أبو بكر أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟. ~~فأتى النبى صلى الله عليه وسلم فأخبر فقال " يا أبا بكر لعلك أغضبتهم. ~~لئن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك " فأتاهم فقال ms5335 يا إخوتاه أأغضبتكم؟ قالوا ~~لا. ويغفر الله لك يا أخى.. " # ولقد سار خلفاؤه صلى الله عليه وسلم على هذه السنة، فكانوا يكرمون ~~الفقراء، فأبو بكر - رضى الله عنه - أذن لصهيب وبلال فى الدخول عليه، قبل ~~أن يأذن لأبى سفيان وسهيل بن عمرو.. وعمر - رضى الله عنه - يقول فى شأن ~~أبى بكر " هو سيدنا وأعتق سيدنا " يعنى بلال ابن رباح.. قال صاحب الكشاف ~~عند تفسيره، لهذه الآيات ولقد تأدب الناس بأدب الله فى هذا تأدبا حسنا، ~~فقد روى عن سفيان الثورى - رحمه الله -، أن الفقراء كانوا فى مجلسه ~~أمراء.. ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك، إلى الحديث عن جانب من نعم ~~الله - تعالى - على خلقه، وموقفهم من هذه النعم، فقال - تعالى - { قتل ~~الإنسان مآ... }. ### || [80.17-32] # قال الإمام الرازى اعلم أنه - تعالى - لما بدأ بذكر القصة المشتملة على ~~ترفع صناديد قريش على فقراء المسلمين، عجب عباده المؤمنين من ذلك، فكأنه ~~قيل وأى سبب فى هذا العجب والترفع؟ مع أن أوله نطفة قذرة، وآخره جيفة ~~مذرة، وفيما بين الوقتين حمال عذرة. فلا عجب أن ذكر الله - تعالى - ما ~~يصلح أن يكون علاجا لعجبهم وما يصلح أن يكون علاجا لكفرهم، فإن خلقة ~~الإنسان يستدل بها على وجود الصانع، وعلى القول بالبعث والحشر والنشر.. ~~والمراد بالإنسان هنا الإنسان الكافر الجاحد لنعم ربه. ومعنى " قتل " ~~لعن وطرد من رحمة الله - تعالى -، ويصح أن يكون المراد به الجنس، ويدخل ~~فيه الكافر دخولا أوليا. أى لعن وطرد من رحمة الله - تعالى - ذلك ~~الإنسان الذى ما أشد كفره وجحوده لنعم الله - تعالى -. والدعاء عليه ~~باللعن من الله - تعالى -، المقصود به التهديد والتحقير من شأن هذا ~~الإنسان الجاحد، إذ من المعلوم أن الله - سبحانه - هو الذى يتوجه إليه ~~الناس بالدعاء، وليس هو - سبحانه - الذى يدعو على غيره، إذ الدعاء فى ~~العادة إنما يكون من العاجز، وجل شأن الله - تعالى - عن العجز. وجملة " ~~ما أكفره " تعليل لاستحقاق هذا الإنسان الجاحد التحقير والتهديد. وهذه ~~الآية الكريمة المتأمل فيها يراها - مع بلوغها نهاية ms5336 الإيجاز - قد بلغت ~~- أيضا - نهاية الإعجاز فى أسلوبها، حيث جمعت أشد ألوان الذم والتحقير ~~بأبلغ أسلوب وأوجزه. ولذ قال صاحب الكشاف { قتل الإنسان } دعاء ~~عليه، وهى من أشنع دعواتهم، لأن القتل قصارى شدائد الدنيا وفظائعها { مآ ~~أكفره } تعجيب من إفراطه فى كفران نعمة الله، ولا ترى أسلوبا أغلظ ~~منه ولا أخشن متنا، ولا أدل على سخط، ولا أبعد فى المذمة، مع تقارب ~~طرفيه، ولا أجمع للائمة، على قصر متنه.. ثم فصل - سبحانه - جانبا من ~~نعمه، التى تستحق من هذا الإنسان الشكر لا الكفر فقال { من أي ~~شيء خلقه } أى من أى شئ خلق الله - تعالى - هذ الإنسان الكافر ~~الجحود، حتى يتكبر ويتعظم عن طاعته، وعن الإقرار بتوحيده، وعن الاعتراف ~~بأن هناك بعثا وحسابا وجزاء..؟. ثم وضح - سبحانه - كيفية خلق الإنسان ~~فقال { من نطفة خلقه فقدره } أى خلق الله - تعالى - ~~الإنسان من نطفة، أى من ماء قليل يخرج من الرجل إلى رحم المرأة - { ~~فقدره } أى فأوجد الله - تعالى - الإنسان بعد ذلك إيجادا متقنا ~~محكما، حيث صير بقدرته النطفة علقة فمضغة. # . ثم أنشأه خلقا آخر # فتبارك الله أحسن الخالقين # { ثم السبيل يسره } أى ثم بعد أن خلقه فى أحسن تقويم، ومنحه ~~العقل الذى يتمكن معه من التفكير السليم. يسر - سبحانه - له طريق النظر ~~القويم، الذى يميز به بين الحق والباطل، والخير والشر، والهدى والضلال. ~~قال ابن كثير قوله { ثم السبيل يسره } قال العوفى عن ابن ~~عباس ثم يسر عليه خروجه من بطن أمه. وهكذا قال عكرمة.. واختاره ابن جرير. ~~وقال مجاهد هذه الآية كقوله # إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا # أى بيناه له ووضحناه وسهلنا عليه علمه.. وهذا هو الأرجح. وجاء العطف " ~~بثم " هنا، للإشعار بالتراخى الرتبى، لأن تيسير معرفة طريق الخير والشر، ~~أعجب وأدل على قدرة الله - تعالى - وبديع صنعه من أى شئ آخر. ولفظ " ~~السبيل " منصوب على الاشتغال بفعل مقدر، أى ثم يسر السبيل يسره، فالضمير ~~فى يسره يعود إلى السبيل. أى سهل - سبحانه - الطريق للإنسان. { ثم ~~أماته فأقبره ms5337 } أى ثم أمات - سبحانه - هذا الإنسان، بأن سلبه ~~الحياة { فأقبره }. أى فجعله ذا قبر يوارى فيه جسده تكريما له، ولم يتركه ~~مطروحا على وجه الأرض، بحيث يستقذره الناس، ويكون عرضة لاعتداء الطيور ~~والحيوانات عليه. يقال قبر فلان الميت يقبره - بكسر الباء وضمها -، إذا ~~دفنه بيده فهو قابر. ويقال أقبره، إذا أمر بدفنه، أو مكن غيره من دفنه. ~~وفى الآية الكريمة إشارة إلى أن مواراة الأجساد فى القبور من سنن ~~الإسلام، أما تركها بدون دفن، أو حرقها.. فيتنافى مع تكريم هذه الأجساد. ~~{ ثم إذا شآء أنشره } أى ثم بعد أن خلق الله هذا الخلق ~~البديع، وهداه النجدين، وأمر بستر جسده فى القبر بعد موته.. بعد كل ذلك ~~إذا شاء أحياه بعد الموت، للحساب والجزاء. يقال أنشر الله - تعالى - ~~الموتى ونشرهم، إذا بعثهم من قبورهم. وقال - سبحانه - { إذا شآء } ~~للإشعار بأن هذا البعث إنما هو بإرادته ومشيئته، وفى الوقت الذى يختاره ~~ويريده، مهما تعجله المتعجلون. ثم زجر - سبحانه - هذا الإنسان زجرا ~~شديدا لتقصيره فى أداء حق خالقه، فقال - تعالى - { كلا لما يقض ~~مآ أمره } أى كلا إن هذا الإنسان الجاحد المغرور.. لم يقض ولم يؤد ~~ما أمره الله - تعالى - به من تكاليف ومن شكر لخالقه، ومن تأمل فى آياته، ~~ومن طاعة لرسله.. بل استمر فى طغيانه وعناده. فالمقصود بهذه الآية ~~الكريمة ردع هذا الإنسان الجاحد وزجره، وبيان أن هذا الردع سببه إهماله ~~لحقوق خالقه، وعدم اهتمامه بأدائها. ثم ساقت الآيات بعد ذلك ألوانا من ~~نعمه - تعالى - على خلقه فقال { فلينظر الإنسان إلى طعامه ~~} والفاء هنا للتفريع على ما تقدم، مع إفادتها معنى الفصيحة. # أى إذا أراد أن يقضى ويؤدى ما أمره الله - تعالى - من تكاليف، فلينظر ~~هذا الإنسان إلى طعامه، وكيف أوجده - سبحانه - له ورزقه إياه، ومكنه ~~منه. فإن فى هذا النظر والتدبر والتفكر، ما يعينه على طاعة خالقه، وإخلاص ~~العبادة له. ثم بين - سبحانه - مظاهر تهيئة هذا الطعام للإنسان.. فقال { ~~أنا صببنا المآء صبا }. قال الجمل قرأ الكوفيون { أنا } ~~بالفتح. على ms5338 البدل من طعامه، فيكون فى محل جر بدل اشتمال، بمعنى أن صب ~~الماء سبب فى إخراج الطعام فهو مشتمل عليه. وقرأ غيرهم بكسر الهمزة على ~~الاستئناف المبين لكيفية إحداث الطعام.. والصب إنزال الماء بقوة وكثرة. ~~أى إنا أنزلنا المطر من السماء إنزالا مصحوبا بالقوة والكثرة، لحاجتكم ~~الشديدة إليه فى حياتكم. { ثم شققنا الأرض شقا } أى ثم ~~شققنا الأرض بالنبات شقا بديعا حكيما، بحيث تخرج النباتات من باطنها ~~خروجا يبهج النفوس، وتقر به العيون. { فأنبتنا فيها حبا } أى ~~فأنبتنا فى الأرض حبا كثيرا، تقتاتون منه، وتدخرونه لحين حاجتكم إليه، ~~والحب يشمل الحنطة والشعير والذرة. { وعنبا وقضبا. وزيتونا ~~ونخلا. وحدآئق غلبا. وفاكهة وأبا } أى وأنبتنا فى ~~الأرض - أيضا - بقدرتنا ورحمتنا { عنبا } وهو ثمر الكرم المعروف بلذة ~~طعمه. { وقضبا } وهو كل ما يؤكل من النبات رطبا، كالقثاء والخيار ~~ونحوهما، وقيل هو العلف الرطب الذى تأكله الدواب، وسمى قضبا، لأنه يقضب - ~~أى يقطع - بعد ظهوره مرة بعد أخرى. وأنبتنا فيها كذلك { وزيتونا ~~ونخلا } وهما شجرتان معروفتان بمنافعهما الجمة، وبثمارهما المفيدة. { ~~وحدآئق غلبا } والحدائق جمع حديقة وهى البستان الملئ بالزروع ~~والثمار. و { غلبا } جمع غلباء. أى وأنبتنا فى الأرض حدائق عظيمة، ذات ~~أشجار ضخمة، قد التف بعضها على بعض لكثرتها وقوتها. فقوله { غلبا } بمعنى ~~عظاما، وأصلها من " الغلب " - بفتحتين -، بمعنى الغلظ، يقال شجرة ~~غلباء، وهضبة غلباء. أى عظيمة مرتفعة. ويقال حديقة غلباء، إذا كانت عظيمة ~~الشجر. ويقال رجل أغلب، إذا كان غليظ الرقبة. وأنبتنا فيها - أيضا - ~~بقدرتنا وفضلنا { وفاكهة وأبا }.. والفاكهة اسم للثمار التى ~~يتناولها الإنسان على سبيل التفكه والتلذذ، مثل الرطب والعنب والتفاح. ~~والأب اسم للكلأ الذى ترعاه الأنعام، مأخوذ من أب فلان الشئ، إذا قصده ~~واتجه نحوه، لحاجته إليه.. والكلأ والعشب يتجه إليه الإنسان بدوابه ~~للرعى.. قال صاحب الكشاف والأب المرعى، لأنه يؤب، أى يؤم وينتجع... وعن ~~أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - أنه سئل عن الأب فقال أى سماء تظلنى، ~~وأى أرض تقلنى، إذا قلت فى كتاب الله مالا علم لى به.. ms5339 وعن عمر - رضى ~~الله عنه - أنه قرأ هذه الآية فقال كل هذا قد عرفنا، فما الأب؟ ثم رفع ~~عصا كانت فى يده وقال هذا لعمر الله التكلف، وما عليك يابن أم عمر أن لا ~~تدرى ما الأب؟ ثم قال اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب، وما لا فدعوه. # فإن قلت فهذا يشبه النهى عن تتبع معانى القرآن والبحث عن مشكلاته؟ قلت ~~لم يذهب إلى ذلك، ولكن القوم كانت أكبر همتهم عاكفة عن العمل، وكان ~~التشاغل بشئ من العلم لا يعمل به تكلفا عندهم، فأراد أن الآية مسوقة فى ~~الامتنان على الإنسان بمطعمه، واستدعاء شكره، وقد علم من فحوى الآية، أن ~~الأب بعض ما أنبته الله للإنسان متاعا له أو لأنعامه فعليك بما هو ~~أهم، من النهوض بالشكر لله - تعالى - على ما تبين لك أو لم يشكل، مما عدد ~~من نعمه، ولا تتشاغل عنه بطلب معنى الأب، ومعرفة النبات الخاص الذى هو ~~اسم له، واكتف بالمعرفة الجملية، إلى أن يتبين لك فى غير هذا الوقت.. ~~وقال بعض العلماء والذى يتبين لى فى انتفاء علم الصديق والفاروق بمدلول ~~لفظ الأب، وهما من خلص العرب لأحد سببين إما لأن هذا اللفظ كان قد تنوسى ~~من استعمالهم، فأحياه القرآن لرعاية الفاصلة، فإن الكلمة قد تشتهر فى بعض ~~القبائل أو فى بعض الأزمان وتنسى فى بعضها، مثل اسم السكين عند الأوس ~~والخزرج. فقد قال أنس بن مالك ما كنا نقول إلا المدية، حتى سمعت قول ~~الرسول صلى الله عليه وسلم يذكر أن سليمان قال " ائتونى بالسكين أقسم ~~الطفل بينهما نصفين ". وإما لأن كلمة الأب تطلق على أشياء كثيرة، منها ~~النبت الذى ترعاه الأنعام، ومنها التبن. ومنها يابس الفاكهة، فكان إمساك ~~أبى بكر وعمر عن بيان معناه، لعدم الجزم بما أراد الله منه على التعيين، ~~وهل الأب مما يرجع إلى قوله { متاعا لكم } أو إلى قوله { ~~ولأنعامكم }. ثم ختم - سبحانه - هذه النعم بقوله { متاعا ~~لكم ولأنعامكم } ، أى أنبت لكم تلك الزروع والثمار.. لتكون ~~موضع انتفاع ms5340 لكم ولأنعامكم إلى حين من الزمان. إذ المتاع هو ما ينتفع به ~~الإنسان إلى حين ثم ينتهى ويزول، ولفظ " متاعا " منصوب بفعل محذوف، أى ~~فعل ذلك متاعا لكم، أو متعكم بذلك تمتيعا لكم ولأنعامكم. أو قوله { ~~متاعا لكم } حال من الألفاظ السابقة العنب والقضب والزيتون ~~والنخل. أى حالة كون هذه المذكورات موضع انتفاع لكم ولأنعامكم. ثم ختم - ~~سبحانه - السورة الكريمة بالحديث عن أحوال الناس فى يوم القيامة. فقال - ~~تعالى - { فإذا جآءت... }. ### || [80.33-42] # الفاء فى قوله - سبحانه - { فإذا جآءت الصآخة } للدلالة على ~~ترتيب ما بعدها على ما قبلها من فنون النعم. وجواب { إذا } محذوف يدل ~~عليه قوله - تعالى - بعد ذلك { لكل امرىء منهم يومئذ ~~شأن يغنيه } ، ويصح أن يكون جوابه قوله { وجوه يومئذ ~~مسفرة }. والصاخة الصيحة الشديدة التى تصخ الآذان، أى تزلزلها ~~لشدة صوتها، وأصل الصخ الصك الشديد، والمراد بها هنا النفخة الثانية التى ~~بعدها يبعث الناس من قبورهم.. أى فإذا جاءت الصيحة العظيمة التى بعدها ~~يخرج الناس من قبورهم للحساب والجزاء، كان ما كان من سعادة أقوام، ومن ~~شقاء آخرين. وقوله - سبحانه - { يوم يفر المرء من أخيه. ~~وأمه وأبيه } بدل مما قبله وهو قوله { فإذا جآءت ~~الصآخة } والفرار الهروب من أجل التخلص من شئ مخيف. والمعنى يوم ~~يقوم الناس من قبورهم للحساب والجزاء يكونون فى كرب عظيم، يجعل الواحد ~~منهم، يهرب من أخيه الذى هو من ألصق الناس به، ويهرب كذلك من أمه وأبيه، ~~ومن صاحبته - وهى زوجه - وبنيه الذين هم فرع عنه. والمراد بفراره منهم ~~عدم اشتغاله بشئ يتعلق بهم، وعدم التفكير فيهم وفى الالتقاء بهم، ~~لاشتغاله بحال نفسه اشتغالا ينسيه كل شئ سوى التفكير فى مصيره.. وذلك ~~لشدة الهول، وعظم الخطب. وخص - سبحانه - هؤلاء النفر بالذكر، لأنهم أخص ~~القرابات، وأولاهم بالحنو والرأفة، فالفرار منهم لا يكون إلا فى أشد ~~حالات الخوف والفزع. قال صاحب الكشاف " يفر " منهم لاشتغاله بما هو مدفوع ~~إليه، ولعلمه بأنهم لا يغنون عنه شيئا وبدأ بالأخ ثم بالأبوين لأنهما ~~أقرب منه ثم بالصاحبة والبنين، ms5341 لأنهم أقرب وأحب كأنه قال يفر من أخيه، بل ~~من أبويه، بل من صاحبته وبنيه.. وجملة { لكل امرىء منهم ~~يومئذ شأن يغنيه } مستأنفة. واردة لبيان سبب الفرار. ~~وللمبالغة فى تهويل شأن هذا اليوم. أى لكل واحد منهم فى هذا اليوم ~~العظيم، شأن وأمر يغنيه ويكفيه عن الاشتغال بأى أمر آخر سواه. يقال فلان ~~أغنى فلانا عن كذا، إذا جعله فى غنية عنه. وقد ساق ابن كثير - رحمه الله ~~- عند تفسيره لهذه الآية عددا من الأحاديث، منها ما رواه النسائى عن ابن ~~عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " تحشرون حفاة عراة غرلا " # - بضم فسكون - جمع أغرل، وهو الأقلف غير المختون - قال ابن عباس # " فقالت زوجته يا رسول الله، أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال { لكل امرئ ~~منهم يومئذ شأن يغنيه }. أو قال " ما أشغله عن النظر ". # ثم بين - سبحانه أقسام الناس فى هذا اليوم فقال { وجوه يومئذ ~~مسفرة. # ضاحكة مستبشرة } أى وجوه كثيرة فى هذا اليوم تكون مضيئة ~~مشرقة، يعلوها السرور، والاستبشار والانشراح، لما تراه من حسن استقبال ~~الملائكة لهم. وقوله { وجوه } مبتدأ وإن كان نكرة، إلا أنه صح ~~الابتداء به لكونه فى حيز التنويع و { مسفرة } خبره، وقوله { ~~يومئذ } متعلق به، والإسفار النور والضياء. والمراد أن هذه الوجوه ~~متهللة فرحا، وعليها أثر النعيم. أما القسم المقابل لهذا القسم، فقد عبر ~~عنه - سبحانه - بقوله { ووجوه يومئذ عليها غبرة } أى ~~عليها غبار، من شدة الهم والكرب والغم الذى يعلوها. { ترهقها ~~قترة } أى تغشاها وتعلوها ظلمة وسواد، وذلة وهوان، من شدة ما أصابها ~~من خزى وخسران. يقال فلان رهقه الكرب، إذا اعتراه وغشيه. { أولئك ~~} يعنى أصحاب تلك الوجوه التى يعلوها الغبار والسواد { هم الكفرة ~~الفجرة } أى الجامعون بين الكفر الذى هو فساد الاعتقاد، وبين الفجور ~~الذى هو فساد القول والفعل. نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا من ~~أصحاب الوجه المسفرة، الضاحكة المستبشرة. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ~~آله وصحبه وسلم.. ### | [81 - سورة التكوير] ### || [81.1-14] # تكرر لفظ " إذا " فى هذه ms5342 الآيات اثنى عشرة مرة، وجواب الشرط قوله { ~~علمت نفس مآ أحضرت }. وهذا التكرار بلفظ إذا من مقاصده ~~التشويق للجواب، لأن السامع عندما يجد هذا الظرف وقد تكرر يكون فى ترقب ~~وشوق لمعرفة الجواب. وعندما يسمعه يتمكن من نفسه كل التمكن. ولفظ " الشمس ~~مرفوع على أنه فاعل بفعل محذوف يفسره ما بعده، أى إذا كورت الشمس كورت، ~~وأصل التكوير لف الشئ على جهة الاستدارة، تقول كورت العمامة، إذا لففتها. ~~قال صاحب الكشاف فى التكوير وجهان أحدهما أن يكون من كورت العمامة إذا ~~لففتها. أى يلف ضوء الشمس لفا فيذهب انبساطه وانتشاره فى الآفاق، وهو ~~عبارة عن إزالتها والذهاب بها، لأنها ما دامت باقية، كان ضياؤها منبسطا ~~غير ملفوف. وثانيهما أن يكون لفها عبارة عن رفعها وسترها، لأن الثواب إذا ~~أريد رفعه، لف وطوى ونحوه قوله - تعالى - # يوم نطوي السمآء # أى إذا الشمس أزيل ضوؤها بعد انتشاره وانبساطه، فأصبحت مظلمة بعد أن ~~كانت مضيئة، ومستترة بعد أن كانت بارزة. { وإذا النجوم انكدرت ~~} أى تناثرت وتساقطت وانقلبت هيئتها من اللمعان والظهور، إلى الميل نحو ~~الظلام والسواد. أى وإذا النجوم تساقطت وانقضت. يقال انكدر البازى، إذا ~~نزل على فريسته بسرعة، وانكدر الأعداء على القوم إذا جاءوا أرسالا ~~متتابعين فانصبوا عليهم. ويصح أن يكون المعنى وإذا النجوم تغيرت وانطمس ~~نورها، وزال لمعانها، من قولهم كدرت الماء فانكدر، إذا خلط به ما يجعله ~~مائلا إلى السواد والغبرة. { وإذا الجبال سيرت } أى اقتلعت ~~من أماكنها فسارت فى الفضاء بقدرة الله - تعالى -. قال - تعالى - # ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة ~~وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا # وقال - سبحانه - # وسيرت الجبال فكانت سرابا # { وإذا العشار عطلت } والعشار جمع عشراء كنفساء، وهى ~~الناقة التى أتى على حملها عشرة أشهر. وتسمى بهذا الاسم إلى أن تضع لتمام ~~السنة. والنوق العشار كانت من أثمن الأموال عند العرب، وكان يحافظون ~~عليها حتى فى أشد حالات الخوف. ومعنى " عطلت " أهملت وتركت بدون راع ~~يحميها، أو يلتفت إليها، وهذا تصوير بديع لما يصيب الناس من أهوال، ms5343 ~~تجعلهم لا يلتفتون إلى أعز أموالهم لديهم. أى وإذا النوق العشار - التى ~~هى أغلى الأموال - عطلت، أى تركت دون أن يلتفت إليها أحد. لانشغال كل ~~إنسان بنفسه. وقيل المراد بالعشار السحب المحملة بالأمطار. أى وإذا السحب ~~الحاملة للأمطار قد عطلت عن نزول المطر منها، وصارت خالية من الماء الذى ~~يحيى الأرض بعد موتها. قال القرطبى ما ملخصه { وإذا العشار ~~عطلت } أى النوق الحوامل التى فى بطونها أولادها، الواحدة عشراء. # . وإنما خصت بالذكر، لأنها أعز ماتكون عند العرب.. وهذا على وجه المثل. ~~لأن فى القيامة لا تكون ناقة عشراء، ولكن أراد به المثل، أن هول يوم ~~القيامة، بحال ما لو كان للرجل ناقة عشراء لعطلها واشتغل بنفسه. وقيل ~~العشار السحاب يعطل مما يكون فيه وهو الماء فلا يمطر، والعرب تشبه السحاب ~~بالحامل. وقيل الديار تعطل فلا تسكن.. والأول أشهر، وعليه من ناس الأكثر. ~~{ وإذا الوحوش حشرت } أى وإذا الحيوانات المتوحشة - كالأسد ~~والنمر وغيرهما. { حشرت } أى جمعت من أماكنها المتفرقة، وخرجت فى ~~ذهول، وتلاقت دون أن يعتدى بعضها على بعض، مخالفة بذلك ما طبعت عليه من ~~النفور والتقاتل. قال الآلوسى قوله { وإذا الوحوش } جمع وحش، وهو ~~حيوان البر الذى ليس فى طبعه التأنس ببنى آدم.. { حشرت } أى جمعت من ~~كل جانب. وقيل حشرت. أى أميتت.. وقيل حشرت بعثت للقصاص، فيحشر كل شئ حتى ~~الذباب. أخرج مسلم والترمذى عن أبى هريرة فى هذه الآية قال # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم ~~القيامة، حتى يقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء.. ". # { وإذا البحار سجرت } أى امتلأت وفاض ماؤها واختلط عذبها ~~بملحها، وصارت بحرا واحدا، مأخوذ من قولهم سجر الحوض، إذا ملأه حتى فاض ~~من جانبيه. ويصح أن يكون معنى " سجرت " أحميت بالنار حتى تبخرت مياهها، ~~وظهرت النار فى مكانها، من قولهم سجر فلان التنور، إذا ملأه بالحطب المعد ~~للحرق. { وإذا النفوس زوجت } وقوله { زوجت } من التزويج ~~وهو جعل الشئ زوجا لغيره، بعد أن كان كلاهما فردا، ويطلق الزوج - أيضا ms5344 ~~- على الصنف والنوع، كما فى قوله - تعالى - # ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين # أى وإذا النفوس اقترنت كل واحدة منها ببدنها، أو بمن يشبهها، أو بعملها. ~~قال الفخر الرازى قوله { وإذا النفوس زوجت } فيه وجوه أحدها ~~قرنت الأرواح بالأجساد. ثانيها يصيرون فيها - أى يوم القيامة - ثلاثة ~~أصناف، كما قال - تعالى - # وكنتم أزواجا ثلاثة # ثالثها أنه يضم إلى كل صنف من كان من طبقته، فيضم الطائع إلى مثله.. ثم ~~قال - تعالى - { وإذا الموءودة سئلت. بأى ذنب ~~قتلت } ولفظ " الموءودة " من الوأد، وهو دفن الطفلة الحية. قال صاحب ~~الكشاف وأد يئد مقلوب من آد يؤود إذا أثقل. قال - تعالى - # ولا يؤوده حفظهما # لأنه إثقال بالتراب. فإن قلت ما حملهم على وأد البنات؟ قلت الخوف من ~~لحوق العار بهم من أجلهن، أو الخوف من الإملاق. فإن قلت فما معنى سؤال ~~الموءودة عن ذنبها الذى قتلت به؟ وهلا سئل الوائد عن موجب قتله لها؟ قلت ~~سؤالها وجوابها تبكيت لقاتلها، نحو التبكيت - لقوم عيسى - فى قوله - ~~تعالى - لعيسى # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله # أى وإذا الموءودة سئلت، على سبيل التبكيت والتقريع لمن قتلها، بأى سبب ~~من الأسباب قتلك قاتلك. ولا شك أنها لم ترتكب ما يوجب قتلها، وإنما القصد ~~من ذلك إلزام قائلها الحجة، حتى يزداد افتضاحا على افتضاحه. وقد حكى ~~القرآن فى كثير من الآيات، ما كان يفعله أهل الجاهلية من قتلهم للبنات، ~~ومن ذلك قوله - تعالى - # وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا ~~وهو كظيم. يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ~~أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا سآء ~~ما يحكمون # ولم يكن الوأد معمولا به عند جميع قبائل العرب، فقريش - مثلا - لم يعرف ~~عنها ذلك وإنما عرف فى قبائل ربيعة، وكنده، وتميم. ولكنهم لما كانوا ~~جميعا راضين عن هذا الفعل، جاء الحكم عاما فى شأن أهل الجاهلية. وقوله - ~~سبحانه - { وإذا الصحف نشرت } أى بسطت بعد أن كانت مطوية، وهى ~~صحف الأعمال التى سجلتها الملائكة ms5345 على أصحابها، سواء أكانت تلك الأعمال ~~خيرا أم شرا، فهذه الصحائف تطوى عند الموت، وتنشر يوم القيامة، يوم ~~الحساب والجزاء. قال - تعالى - # وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه ونخرج ~~له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا. اقرأ ~~كتبك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # { وإذا السمآء كشطت } أى قلعت وأزيلت، وأصل الكشط إزالة جلدة ~~الحيوان عنه. يقال كشطت البعير كشطا، إذا نزعت جلده منه. أى وإذا السماء ~~نزعت وأزيلت، فلم تبق على هيئتها التى كانت عليها، من إظلالها لما تحتها. ~~{ وإذا الجحيم سعرت } أى أوقدت إيقادا شديدا للكفار، والجحيم ~~هى النار ذات الطبقات المتعددة من الوقود كالحطب وغيره، وتسعيرها إيقادها ~~بشدة. { وإذا الجنة أزلفت } أى قربت وأدنيت من المؤمنين، ~~كما فى قوله - تعالى - # وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد # من الزلفى بمعنى القرب، يقال تزلف فلان إلى فلان، إذا تقرب منه. وقوله { ~~علمت نفس مآ أحضرت } هو جواب الشرط لكل تلك الظروف ~~السابقة. أى إذا الشمس كورت، وإذا النجوم انكدرت تبين لكل نفس ما عملته ~~من خير أو شر، ومن حسن أو قبيح.. ورأت ذلك رأى العين، كما قال - تعالى - # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما ~~عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا ~~بعيدا... # والمراد بالنفس عموم الأنفس، لأن النكرة فى سياق النفى تشمل كل نفس ~~وأسند - سبحانه - الإحضار إلى النفوس، لأنها هى المباشرة لأعمالها فى ~~الدنيا، والتى ستجد جزاءها فى الآخرة. وجعلت معرفة النفوس لجزاء أعمالها، ~~حاصلة عند حصول مجموع الشروط التى ذكرت فى الجمل الاثنتى عشرة، لأن بعض ~~الزمان والأحوال التى تضمنتها هذه الشروط مقارن لحصول علم النفوس ~~بأعمالها، كما فى الستة الأخيرة، فإنها تكون عند فصل القضاء، وبعضها يحصل ~~قبل ذلك بقليل، كما فى الأحوال الستة المذكورة أولا، إلا أنه لما كان بعض ~~هذه الأمور من مبادئ يوم القيامة، وبعضها من روادفه، نسب علمها بذلك إلى ~~زمان وقوع هذه الأمور كلها، تهويلا للخطب، وتفظيعا للأمر. # وإشعارا بأن ما يسبق يوم القيامة وما يعقبه، كل ms5346 ذلك من الأهوال التى ~~يشيب لها الولدان. وبعد أن ساق - ما ساق من أحوال تدل على شدائد يوم ~~القيامة، أتبع ذلك ببيان أن هذا القرآن من عنده - تعالى - وأن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم صادق فيما يبلغه عن ربه، فقال { فلا أقسم... }. ### || [81.15-29] # والفاء فى قوله - تعالى - { فلا أقسم بالخنس... } للتفريع ~~على ما تقدم من تحقيق وقوع البعث، وهى تعطى - أيضا - معنى الإفصاح، و " ~~لا " مزيدة لتأكيد القسم، وجواب القسم قوله - تعالى - { إنه لقول ~~رسول كريم }. و { الخنس } - بزنة ركع - جمع خانس، والخنوس ~~الاستخفاء والاستتار، يقال خنست الظبية والبقرة، إذا اختفت فى بيتها. و { ~~الجوار } جمع جارية، وهى التى تجرى بسرعة، من الجرى بمعنى الإسراع فى ~~السير. و { الكنس } جمع كانس. يقال كنس الظبى، إذا دخل كناسه - بكسر ~~الكاف - وهو البيت الذى يتخذه للمبيت، وسمى بذلك لأنه يتخذه من أغصان ~~الأشجار، ويكنس الرمل إليه حتى يكون مختفيا عن الأعين. وهذه الصفات، ~~المراد بها النجوم، لأنها بالنهار تكون مختفية عن الأنظار، ولا تظهر إلا ~~بالليل، فشبهت بالظباء التى تختفى فى بيوتها ولا تظهر إلا فى أوقات ~~معينة. أى إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من أن البعث حق.. فأقسم بالنجوم ~~التى تخنس بالنهار، أى يغيب ضؤوها عن العيون بالنهار، ويظهر بالليل، ~~والتى تجرى من مكان إلى آخر بقدرة الله - تعالى - ثم تكنس - أى تستتر وقت ~~غروبها - كما تتوارى الظباء فى كنسها.. إن هذا القرآن لقول رسول كريم. ~~قال ابن كثير ما ملخصه قوله - تعالى - { فلا أقسم بالخنس. ~~الجوار الكنس } هى النجوم تخنس بالنهار، وتظهر بالليل، روى ذلك ~~عن على بن أبى طالب وابن عباس ومجاهد. وقال بعض الأئمة وإنما قيل للنجوم ~~" الخنس " أى فى حال طلوعها، ثم هى جوار فى فلكها، وفى حال غيبوبتها، ~~يقال لها " كنس " ، من قول العرب. أوى الظبى إلى كناسه إذا تغيب فيه. وفى ~~رواية عن ابن عباس أنها الظباء، وفى أخرى أنها بقر الوحش حين تكنس إلى ~~الظل أو إلى بيوتها. وتوقف ابن جرير فى قوله ms5347 { بالخنس. الجوار ~~الكنس } هل هى النجوم أو الظباء وبقر الوحش قال ويحتمل أن يكون ~~الجميع مرادا.. وقوله { والليل إذا عسعس. والصبح إذا ~~تنفس } معطوف على ما قبله. وداخل فى حيز القسم. وقوله { عسعس } أدبر ~~ظلامه أو أقبل، فهذا اللفظ من الألفاظ التى تستعمل فى الشئ وضده، إلا أن ~~المناسب هنا يكون المراد به إقبال الظلام، لمقابلته بالصبح إذا تنفس، أى ~~أضاء وأسفر وتبلج. وقيل العسعسة رقة الظلام وذلك فى طرفى النهار، فهو من ~~المشترك المعنوى، وليس من الأضداد، أى أقبل وأدبر معا. أى وحق النجوم ~~التى تغيب بالنهار، وتجرى فى حال استتارها.. وحق الليل إذا أقبل بظلامه، ~~والصبح إذا أقبل بضيائه. { إنه } أى القرآن الكريم { لقول ~~رسول كريم } وهو جبريل - عليه السلام - الذى أرسله ربه إلى نبيه ~~محمد صلى الله عليه وسلم لكى يبلغه وحيه - تعالى -. # وأقسم الله - تعالى - بهذه الأشياء، لأنها فى حركاتها المختلفة، من ظهور ~~وأفول، ومن إقبال وإدبار.. تدل دلالة ظاهرة على قدرة الله - تعالى -، ~~وعلى بديع صنعه فى خلقه. ونسب - سبحانه - القول إلى الرسول - وهو جبريل - ~~لأنه هو الواسطة فى تبليغ الوحى إلى النبى صلى الله عليه وسلم. ثم وصف - ~~سبحانه - أمين وحيه جبريل بخمس صفات أولها قوله { كريم } أى ملك شريف، ~~حسن الخلق، بهى المنظر، ثانيها { ذي قوة } أى صاحب قوة وبطش. كما ~~قال - تعالى - # علمه شديد القوى... # ثالثها { عند ذي العرش مكين } أى أن من صفات جبريل - عليه ~~السلام - أنه ذو مكانة رفيعة، ومنزلة عظيمة عند الله - تعالى -. رابعها ~~قوله - تعالى - { مطاع } أى يطيعه من معه من الملائكة المقربين. وخامسها ~~قوله - سبحانه - { ثم أمين } و " ثم " بفتح الثاء - ظرف مكان ~~للبعيد. والعامل ما قبله أو ما بعده، والمعنى أنه مطاع فى السموات عند ذى ~~العرش، أو أمين فيها، أى يؤدى ما كلفه الله - تعالى - به بدون أية زيادة ~~أو نقص. قال الشوكانى ومن قال إن المراد بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم ~~فالمعنى أنه ذو قوة على تبليغ الرسالة إلى الأمة، مطاع يطيعه من ms5348 أطاع ~~الله، أمين على الوحى. وقوله { وما صاحبكم بمجنون } الخطاب ~~لأهل مكة، والمراد بصاحبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمعنى وما ~~محمد يا أهل مكة بمجنون، وذكره بوصف الصحبة للإشعار بأنهم عالمون بأمره، ~~وأنه ليس مما يرمونه من الجنون وغيره فى شئ، وأنهم افتروا عليه ذلك، عن ~~علم منهم، بأنه أعقل الناس وأكملهم، وهذه الجملة داخلة فى جواب القسم. ~~فأقسم - سبحانه - بأن القرآن نزل به جبريل، وأن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم ليس كما يقولون من أنه مجنون، وأنه يأتى القرآن من جهة نفسه. ~~فالمقصود بالآية نفى الجنون عن النبى صلى الله عليه وسلم بأكمل وجه، ~~وتوبيخ أعدائه الذين اتهموه بتهمة هم أول من يعلم - عن طريق مشاهدتهم ~~لاستقامة تفكيره، وسمو أخلاقه - أنه أكمل الناس عقلا وأقومهم سلوكا. ~~وقوله - سبحانه - { ولقد رآه بالأفق المبين } معطوف - أيضا ~~- على قوله - تعالى - قبل ذلك { إنه لقول رسول كريم } فهو ~~من جملة المقسم عليه. والمقصود بهذه الرؤية رؤية النبى صلى الله عليه ~~وسلم لجبريل - عليه السلام - لأول مرة، على الهيئة التى خلقه الله عليها، ~~عندما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتعبد فى غار حراء، وكان صلى الله ~~عليه وسلم قد سأل جبريل أن يريه نفسه، على الهيئة التى خلقه الله - تعالى ~~- عليها. # والأفقهو الفضاء الواسع الذى يبدو للعين ما بين السماء والأرض. والمبين ~~وصف للأفق، أى بالأفق الواضح البين، الذى لا تشتبه معه المرئيات. والمعنى ~~ووالله لقد رأى صاحبكم محمد صلى الله عليه وسلم جبريل، بصورته التى خلقه ~~الله عليها، بالأفق الواضح البين، الذى لا تلتبس فيه المرئيات، ولا مجال ~~فيه للأوهام والتخيلات. والمقصود من الآية الكريمة الرد على المشركين ~~الذين كانوا إذا أخبرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه رأى جبريل. كذبوه ~~واستهزءوا به، وتأكيد أن هذه الرؤية كانت حقيقة واقعة، لا مجال معها ~~للتشكيك أو اللبس. قال الإمام ابن كثير وقوله - تعالى - { ولقد ~~رآه بالأفق المبين } يعنى ولقد رأى محمد جبريل الذى يأتيه ~~بالرسالة عن الله - عز وجل - وعلى الصورة ms5349 التى خلقه الله عليها، له ~~ستمائه جناح { بالأفق المبين } أى البين، وهى الرؤية الأولى التى ~~كانت بالبطحاء - أى بالمكان المجاور لغار حراء. وهى المذكورة فى قوله - ~~تعالى - # علمه شديد القوى. ذو مرة فاستوى. وهو ~~بالأفق الأعلى. ثم دنا فتدلى. فكان قاب ~~قوسين أو أدنى. فأوحى إلى عبده مآ أوحى... # والضمير فى قوله - تعالى - { وما هو على الغيب بضنين } ~~يعود إلى الرسول صلى الله عليه وسلم المعبر عنه قبل ذلك " بصاحبكم ". ~~والغيب ما غاب عن مدارك الناس وحواسهم، لأن الله - تعالى - قد استأثر ~~بعلمه. والضنين هو البخيل بالشئ، مأخوذ من الضن - بالكسر والفتح - بمعنى ~~البخل. قال الآلوسى " وما هو " أى رسول الله صلى الله عليه وسلم " على ~~الغيب " أى على ما يخبر به من الوحى إليه وغيره من الغيوب " بضنين " من ~~الضن - بكسر الضاد وفتحها - بمعنى البخل، أى ببخيل، أى لا يبخل بالوحى، ~~ولا يقصر فى التعليم والتبليغ، ومنح كل ما هو مستعد له من العلوم، على ~~خلاف الكهنة فإنهم لا يطلعون غيرهم على ما يزعمون معرفته إلا بإعطائهم ~~حلوانا. وقرأ ابن كثير والكسائى وأبو عمر { بضنين } - بالظاء - أى ~~وما هو على الغيب بمتهم، من الظنة - بالكسر - بمعنى التهمة. ثم قال ورجحت ~~هذه القراءة، لأنها أنسب بالمقام، لاتهام الكفرة له صلى الله عليه وسلم ~~بذلك، ونفى التهمة، أولى من نفى البخل. وهذا القول لا نوافق الآلوسى - ~~رحمه الله - عليه، لأن القراءة متى ثبتت عن النبى صلى الله عليه وسلم لا ~~يجوز التفاضل بينها وبين غيرها التى هى مثلها فى الثبوت، والقراءتان هنا ~~سبعيتان، ومن ثم فلا ينبغى التفاضل بينهما. # والمعنى عليها واضح ولا تعارض فيه. أى وما محمد صلى الله عليه وسلم ~~ببخيل بتبليغ الوحى، بل هو مبلغ له على أكمل وجه وأتمه، وما هو - أيضا - ~~بمتهم فيما يبلغه عن ربه، لأنه صلى الله عليه وسلم سيد أهل الصدق ~~والأمانة. وقوله - سبحانه - { وما هو بقول شيطان رجيم } ~~معطوف - أيضا - على قوله - تعالى - { إنه لقول رسول كريم } ~~والضمير هنا يعود على القرآن ms5350 الكريم. أى وليس هذا القرآن الكريم، المنزل ~~على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بقول شيطان مرجوم مسترق للسمع.. وإنما ~~هو كلام الله - تعالى - الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ~~وهذا رد آخر على المشركين الذين زعموا أن القرآن الكريم إنما هو من باب ~~الكهانة، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو كاهن، تلقنه الشياطين ~~هذا القرآن. وقوله - سبحانه - { فأين تذهبون } جملة معترضة بين ~~ما سبقها، وبين قوله - تعالى - بعد ذلك { إن هو إلا ذكر ~~للعالمين } ، والمقصود فيها توبيخهم وتعجيزهم عن أن يأتوا ولو ~~بحجة واحدة يدافعون بها عن أنفسهم. والفاء لتفريع هذا التعجيز والتوبيخ، ~~على الحجج السابقة، المثبتة بأن هذا القرآن من عند الله - تعالى - وليس ~~من عند غيره. و { أين } اسم استفهام عن المكان، والاستفهام هنا للتعجيز ~~والتقريع، وهو منصوب بقوله { تذهبون }. أى إذا كان الأمر كما ذكرنا لكم، ~~فأى طريق تسلكون أوضح وأبين من هذا الطريق الذى أرشدناكم إليه؟ إنه لا ~~طريق لكم سوى هذا الطريق الذى أرشدناكم إليه. قال صاحب الكشاف قوله { ~~فأين تذهبون } استضلال لهم، كما يقال لتارك الجادة اعتسافا أو ~~ذهابا فى بنيات الطريق - أى فى الطريق المتشعبة عن الطريق الأصلى - أين ~~تذهب؟ مثلت حالهم فى تركهم الحق وعدولهم عنه إلى الباطل. { إن هو ~~إلا ذكر للعالمين } أى ما هذا القرآن الكريم، إلا تذكير ~~وإرشاد وهدايات للبشر جميعا. وهذا الذكر العظيم إنما هو { لمن شآء ~~منكم أن يستقيم } أى هو نافع لمن شاء منكم - أيها الناس - أن ~~يستقيم على طريق الحق، وأن يلزم الرشاد ويترك الضلال. والجملة الكريمة ~~بدل مما قبلها، للإشعار بأن الذين استجابوا لهدى القرآن قد شاءوا ~~لأنفسهم الهداية والاستقامة. فالمقصود بهذه الجملة الثناء عليهم، ~~والتنويه بشأنهم. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، ببيان أن مشيئته - ~~تعالى - هى النافذة، فقال { وما تشآءون إلا أن يشآء الله ~~رب العالمين }. أى وما تشاءون الاستقامة أو غيرها، إلا إذا شاءها ~~وأرادها الله - تعالى - رب العالمين، إذ مشيئة الله - تعالى - هى ~~النافذة، ms5351 أما مشيئتكم فلا وزن لها إلا إذا أذنت بها مشيئته - تعالى -. ~~فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن كل مشيئة لا قيمة لها ولا وزن.. إلا ~~إذا أيدتها مشيئة الله - عز وجل -. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله ~~وصحبه وسلم. ### | [82 - سورة الإنفطار] ### || [82.1-19] # قوله - سبحانه - { إذا السمآء انفطرت } بيان لما ستكون عليه ~~السماء عند اقتراب قيام الساعة. ومعنى { انفطرت } انشقت، من الفطر - ~~بفتح الفاء - بمعنى الشق، كما قال - تعالى - فى أول سورة الانشقاق # إذا السمآء انشقت # يقال فطرت الشئ فانفطر، أى شققته فانشق. أى إذا السماء تصدعت وتشققت فى ~~الوقت الذى يريده الله - تعالى - لها أن تكون كذلك. { وإذا ~~الكواكب انتثرت } أى وإذا النجوم تهاوت وتساقطت وتفرقت، ويقال ~~نثرت الشئ على الأرض، إذا ألقيته عليها متفرقا، فانتثار الكواكب معناه ~~تفرقا عن مواضعها التى كانت فيها. { وإذا البحار فجرت } أى ~~شققت جوانبها، فزالت الحواجز التى بينها، واختلط بعضها ببعض فصارت جميعها ~~بحرا واحدا، فقوله { فجرت } مأخوذ من الفجر - بفتح الفاء - وهو شق ~~الشئ شقا واسعا، يقال فجر الماء فتفجر، إذا شقه شقا واسعا ترتب عليه ~~سيلان الماء بشدة. { وإذا القبور بعثرت } أى صار باطنها ~~ظاهرها، وخرج ما فيها من الموتى مسرعين، يقال بعثر فلان متاعه، إذا ~~فرقه وبدده وقب بعضه على بعض. والمراد أن التراب الذى كان فيها يبعثر ~~ويزال، ويخرج الموتى من تلك القبور للحساب والجزاء. وقوله { علمت ~~نفس ما قدمت وأخرت } جواب { إذا } فى الآيات الأربع. أى ~~إذا تم ذلك، علمت كل نفس ما قدمت من خير أو شر، وما أخرت من سنة حسنة، أو ~~سنة سيئة يعمل بها بعدها. قال الجمل ما ملخصه واعلم أن المراد من هذه ~~الآيات أنه إذا وقعت هذه الأشياء التى هى أشراط الساعة، فهناك يحصل الحشر ~~والنشر، وهى هنا أربعة اثنان منها يتعلقان بالعلويات، واثنان يتعلقان، ~~بالسفليات، والمراد بهذه الآيات بيان تخريب العالم، وفناء الدنيا، ~~وانقطاع التكاليف.. وإنما كررت إذا لتهويل ما فى حيزها من الدواهى. وجواب ~~{ إذا } وما عطف عليها قوله ms5352 { علمت نفس } أى علمت كل نفس وقت هذه ~~المذكورات الأربعة { ما قدمت } من الأعمال وما أخرت منها فلم ~~تعمله. ومعنى علم النفس بما قدمت وأخرت العلم التفصيلى. وذلك عند نشر ~~الصحف - كما تقدم فى سورة التكوير - أما العلم الإجمالى فيحصل فى أول ~~زمن الحشر، لأن المطيع يرى آثار السعادة، والعاصى يرى آثار الشقاوة فى ~~أول الأمر، وأما العلم التفصيلى فإنما يحصل عند قراءة الكتب والمحاسبة.. ~~وبعد أن أشار - سبحانه - إلى أهوال علامات الساعة التى من شأنها أن تنبه ~~العقول والحواس والمشاعر.. أتبع ذلك بنداء للإنسان فقال - تعالى - { ~~يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم } والغرور ~~الخداع. يقال غر فلان فلانا، إذا خدعه وأطمعه بالباطل. والخطاب لجنس ~~الإنسان، وقيل للكافر. و " ما " استفهامية، والمقصود بالاستفهام ~~الإنكار والتعجيب من حال هذا الإنسان المخدوع. # أى يا أيها الإنسان المخلوق بقدرة ربك وحده، أى شئ غرك وخدعك وجعل ~~جانبا من جنسك يكفر بخالقه، ويعبد غيره، وجانبا آخر يعصى ربه، ويقصر فى ~~أداء حقوقه؟ قال الإمام ابن كثير قوله - تعالى - { يأيها ~~الإنسان ما غرك بربك الكريم } هذا تهديد، لا كما يتوهمه ~~بعض الناس من أنه إرشاد إلى الجواب، حيث قال { الكريم } ، حتى يقول ~~قائلهم غره كرمه. بل المعنى فى الآية ما غرك يا بن آدم بربك الكريم -، أى ~~العظيم - حتى أقدمت على معصيته، وقابلته بما لا يليق؟ كما جاء فى الحديث ~~" يقول الله يوم القيامة يا بن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ ".. وهذا الذى ~~تخيله هذا القائل ليس تحته طائل، لأنه إنما أتى باسمه الكريم لينبه على ~~أنه لا ينبغى أن يقابل الكريم بالأفعال القبيحة، وأعمال السوء.. والمقصود ~~بالنداء هنا التنبيه إلى ما سيأتى بعده من توجيهات، وليس المقصود به طلب ~~الإقبال على شئ معين. وإيثار تعريف الله - تعالى - بصفة الرب، لما فى ~~معنى الرب من التربية والرعاية والملكية، والإيجاد من العدم.. ففى هذا ~~الوصف تذكير للإنسان بنعم خالقه الذى أنشأه من العدم، وتعهده بالرعاية ~~والتربية. وكذلك الوصف بالكريم، فيه - أيضا - تذكير لهذا الإنسان بكرم ~~ربه عليه، ms5353 إذ مقتضى هذا الكرم منه - تعالى -، أن يقابل المخلوق ذلك ~~بالشكر والطاعة. وقوله - سبحانه - { الذي خلقك فسواك ~~فعدلك. في أى صورة ما شآء ركبك } صفات أخرى للرب - ~~عز وجل - الكريم المنان. والخلق هو الإيجاد على مقدار معين مقصود. ~~والتسوية جعل الشئ سويا، أى قويما سليما خاليا من الاضطراب والاختلال. ~~وقوله { فعدلك } قرأها بعضهم بفتح الدال مع التخفيف، وقرأها آخرون ~~بفتحها مع التشديد، وهما متقاربان، إلا أن التشديد يفيد المبالغة فى ~~التعديل، الذى هو جعل البنية معتدلة، متناسبة الأعضاء، فالتسوية ترجع إلى ~~عدم النقصان فى الأعضاء، والتعديل يرجع إلى عدم التخالف فيها وهذا، ~~باعتبار الأصل فى خلق الإنسان، فلا عبرة بوجود ما يخالف ذلك فى قلة من ~~أفراد الإنسان. والمعنى يأيها الإنسان، أى شئ خدعك وجرأك على معصية ربك ~~الكريم.. الذى من مظاهر كرمه أنه { خلقك فسواك } بأن جعل أعضاءك ~~سوية سليمة. مهيأة لاكتساب منافعها على حسب ما تقتضيه حكمة خالقك { فعدلك ~~} أى فعدل أعضاؤك بأن جعلها متناسقة متوازنة بعضها مع بعض، فلم يجعل - ~~مثلا - إحدى يديك طويلة والأخرى قصيرة، ولم يجعل - مثلا - جانبا من جسدك ~~أبيض، والأخر أسود. ومن مظاهر قدرته وكرمه - أيضا - أنه - سبحانه - ركبك ~~ووضعك فى أى صورة من الصور المتنوعة التى اقتضتها مشيئته وحكمته. # فقوله { في أى صورة } متعلق بركبك. و " ما " مزيدة، و " شاء " ~~صفة لصورة ولم يعطف " ركبك " على ما قبله بالفاء، كما عطف ما قبله بها، ~~لأنه بيان لقوله { فعدلك }. والتقدير فعدلك بأن ركبك فى أى صورة من ~~الصور التى شاءها لك، وهى صورة فيها ما فيها من العجائب والأسرار، فضلا ~~عن أنها أحسن صورة وأكملها، كما قال - تعالى - # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # فالمقصود من الآيات الكريمة، تذكير الإنسان بفضل ربه - تعالى - عليه، ~~وحضه على طاعته وشكره، وتوبيخه على تقصيره وجحوده، وتهديده بسوء المصير ~~إذا ما استمر فى غفلته وغروره. قال بعض العلماء إن خلق الإنسان على هذه ~~الصورة الجميلة السوية المعتدلة، الكاملة الشكل والوظيفة. أمر يستحق ~~التدبر الطويل، والشكر العميق، والأدب ms5354 الجم لربه الكريم الذى أكرمه بهذه ~~الخلقة. وهناك مؤلفات كاملة فى وصف كمال التكوين الإنسان العضوى ودقته ~~وإحكامه. كاكتمال التكوين الجسدى، والعضلى، والجلدى، والهضمى، والدموى ~~والعظمى، والتنفسى، والتناسلى، والعصبى.. للإنسان. وإن جزءا من أذن ~~الإنسان " الأذن الوسطى " لهو سلسلة من نحو أربعة آلاف جزئية دقيقة ~~معقدة، متدرجة بنظام بالغ الدقة فى الحجم والشكل. ومركز حاسة الإبصار فى ~~العين التى تحتوى على مائة وثلاثين مليونا من مستقبلات الضوء، وهى أطراف ~~الأعصاب، ويقوم بحمايتها الجفن ذو الأهداب الذى يقيها ليلا ونهارا.. ثم ~~يكشف القرآن بعد ذلك عن علة الغرور والغفلة - وهى التكذيب بيوم الحساب - ~~ويقرر أن كل عمل يعمله الإنسان هو مسجل عليه فيقول { كلا بل ~~تكذبون بالدين. وإن عليكم لحافظين. كراما ~~كاتبين. يعلمون ما تفعلون }. و " كلا " حرف ردع وزجر، وهى ~~هنا للردع والزجر عن الاغترار بكرم الله - تعالى - وعن جعله ذريعة إلى ~~الكفر والفسوق والعصيان. وقوله { كلا بل تكذبون بالدين } ~~إبطال لوجود ما يدعو إلى غرورهم لو كانوا يعقلون. أى كلا ليس هناك شئ ~~يقتضى غروركم بالله - تعالى - ويجرؤكم على عصيانه لو كنتم تتفكرون ~~وتتدبرون.. ولكن تكذيبكم بالبعث والحساب والجزاء هو الذى حملكم على الكفر ~~والفسوق والعصيان. قال الآلوسى ما ملخصه قوله { كلا } ردع عن الاغترار ~~بكرم الله - تعالى - وقوله { بل تكذبون بالدين } إضراب عن ~~جملة مقدرة، ينساق إليها الكلام، كأنه قيل بعد الردع بطريق الاعتراض، ~~وأنتم لا ترتدعون عن ذلك، بل تجترئون على أعظم منه، حيث تكذبون بالجزاء ~~والبعث رأسا، أو بدين الإسلام، اللذين هما من جملة أحكامه، فلا تصدقون ~~سؤالا ولا جوابا، ولا ثوابا ولا عقابا، وفيه ترق من الأهوان إلى الأعظم. ~~وعن الراغب " بل " هنا لتصحيح الثانى وإبطال الأول. كأنه قيل ليس هنا ~~مقتض لغرورهم، ولكن تكذيبهم بالبعث حملهم على ما ارتكبوه. # وقيل تقدير الكلام كلا إنكم لا تستقيمون على ما توجبه نعمى إليكم، ~~وإرشادى لكم، بل تكذبون بالدين.. وقوله { وإن عليكم ~~لحافظين } عطف على جملة { تكذبون بالدين } لتأكيد ثبوت ~~الجزاء على الأعمال، وتسجيل هذه الأعمال تسجيلا ms5355 تاما. وقوله { ~~لحافظين } صفة لموصوف محذوف. أى وإن عليكم لملائكة يحفظون أعمالكم ~~عليكم، ويسجلونها دون أن يضيعوا منها شيئا. وقوله { كراما كاتبين. ~~يعلمون ما تفعلون } صفات أخرى لهؤلاء الملائكة. أى وإن عليكم ~~ملائكة من صفاتهم أنهم يحفظون أعمالكم، ويسجلونها عليكم، وأنهم لهم عند ~~الله - تعالى - الكرامة والمنزلة الحسنة، وأنهم يكتبون أعمالكم كلها، ~~وأنهم يعلمون أفعالكم التى تفعلونها سواء أكانت قليلة أم كثيرة، صغيرة أم ~~كبيرة. فالمقصود بهذه الآيات الكريمة بيان أن البعث حق، وأن الحساب حق، ~~وأن الجزاء حق، وأن أعمال الإنسان مسجلة عليه تسجيلا تاما، بواسطة ~~ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. أما كيفية هذه الكتابة ~~من الملائكة لأعمال الإنسان، وعلى أى شئ تكون هذه الكتابة، ومتى تكون ~~هذه الكتابة.. فمن الأمور التى يجب الإيمان بها كما وردت، مع تفويض ~~كنهها وكيفيتها ودقتها إلى الله - تعالى - لأنه لم يرد حديث صحيح عن ~~المعصوم صلى الله عليه وسلم يعتمد عليه فى بيان ذلك. ثم بين - سبحانه - ~~النتائج المترتبة على كتابة الملائكة لأفعال الإنسان فقال { إن ~~الأبرار لفي نعيم. وإن الفجار لفي جحيم. ~~يصلونها يوم الدين. وما هم عنها بغآئبين }. ~~والأبرار جمع بر - بفتح الباء -، وهو الإنسان التقى الموفى بعهد الله - ~~تعالى -. والفجار جمع فاجر، وهو الإنسان الكثير الفجور، أى الخروج عن ~~طاعة الله - تعالى -. أى إن المؤمنين الصادقين الذين وفوا بما عاهدوا ~~الله عليه، لفى نعيم دائم، وهناء مقيم، وإن الفجار الذين نقضوا عهودهم مع ~~الله، وفسقوا عن أمره، لفى نار متأججة بعضها فوق بعض، هؤلاء الفجار الذين ~~شقوا عصا الطاعة { يصلونها } أى يدخلون الجحيم ويقاسون حرها { ~~يوم الدين } أى يوم الجزاء والحساب. { وما هم عنها ~~بغآئبين } أى وما هم عن المنار بمبعدين، بل هم ملازمون لها ملازمة ~~تامة. ثم فخم - سبحانه - وعظم من شأن يوم الجزاء فقال { ومآ أدراك ~~ما يوم الدين. ثم مآ أدراك ما يوم الدين }. و " ما ~~" اسم استفهام مبتدأ. وجملة " أدراك " خبره، والكاف مفعول أول. وجملة { ~~ما يوم الدين } المكونة من مبتدأ ms5356 وخبر سدت مسد المفعول الثانى ~~لأدراك. والتكرار للتهويل والتعظيم ليوم الدين، كما فى قوله - تعالى - # الحاقة. ما الحآقة. ومآ أدراك ما الحاقة # أى وأى شئ أدراك عظم وشدة يوم الحساب والجزاء، ثم أى شئ أدراك بذلك؟ ~~إننا نحن وحدنا الذين ندرك شدة هوله. # . وقد أخبرناك بجانب مما يحدث فيه من شدائد لتنذر الناس، حتى يستعدوا له ~~بالإيمان والعمل الصالح. ثم فصل - سبحانه - جانبا من أهواله فقال { ~~يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ ~~لله }. أى يوم الدين والجزاء هو اليوم الذى لا تملك فيه نفس لغيرها ~~شيئا من النفع. وإنما الذى ينفع فيه هو الإيمان والعمل الصالح، والأمر ~~فيه لله - تعالى - وحده، ولا سلطان ولا تصرف لأحد سواه. وقوله { يوم ~~لا تملك... } بيان ليوم الدين. وقد قرأ بعض القراء السبعة { يوم } ~~بالنصب على أنه منصوب بفعل محذوف. أى اذكر يوم لا تملك نفس لنفس شيئا. ~~وقرأ البعض الآخر بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. أى هو يوم لا تملك ~~نفس لنفس شيئا.. أو على أنه بدل من " يوم الدين ". وهكذا اختتمت السورة ~~الكريمة كما بدئت بالتهويل من شأن يوم القيامة، ليزداد العقلاء استعدادا ~~له، عن طريق الإيمان والعمل الصالح الذى يرضى الله - تعالى -. وصلى الله ~~على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [83 - سورة المطففين] ### || [83.1-17] # الويل لفظ دال على الهلاك أو الشر، وهو اسم لا فعل له من لفظه.. وقيل هو ~~اسم واد فى جهنم. و { المطففين } جمع مطفف، من الطفيف، وهو الشئ التافه ~~الحقير، لأن ما يغتاله المطفف من غيره شئ قليل. والتطفيف الإنقاص فى ~~المكيال أو الميزان عن الحدود المطلوبة. قال الإمام ابن جرير وأصل ~~التطفيف، من الشئ الطفيف، وهو القليل النزر. والمطفف المقلل صاحب الحق ~~عما له من الوفاء والتمام فى كيل أو وزن. ومنه قيل للقوم الذين يكونون ~~سواء فى حسبه أو عدد هم سواء كطف الصاع. يعنى بذلك كقرب الممتلئ منه ناقص ~~عن الملء.. وقوله { اكتالوا } من الاكتيال وهو افتعال من الكيل. والمراد ms5357 ~~به أخذ مالهم من مكيل من غيرهم بحكم الشراء. ومعنى { كالوهم أو ~~وزنوهم } كالوهم أو وزنوا لهم، فحذفت اللام، فتعدى الفعل إلى ~~المفعول، فهو من باب الحذف والإيصال. فالواوان فى { كالوهم أو ~~وزنوهم } يعودان إلى الاسم الموصول فى قوله { الذين إذا ~~اكتالوا }. والضميران المنفصلان " هم " ، يعودان إلى الناس. قال صاحب ~~الكشاف والضمير فى { كالوهم أو وزنوهم } ضمير منصوب راجع إلى ~~الناس. وفيه وجهان أن يراد كالوا لهم، أو وزنوا لهم فحذف الجار، وأوصل ~~الفعل، كما فى قول الشاعر # ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ولقد نهيتك عن بنات الأوبر # بمعنى جنيت لك. وأن يكون على حذف مضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، ~~والمضاف هو المكيل أو الموزون.. والمعنى هلاك شديد، وعذاب أليم، ~~للمطففين، وهم الذين يبخسون حقوق الناس فى حالتى الكيل والوزن وما ~~يشبههما، ومن مظاهر ذلك أنهم إذا اشتروا من الناس شيئا حرصوا على أن ~~يأخذوا حقوقهم منهم كاملة غير منقوصة، وإذا باعوا لهم شيئا، عن طريق ~~الكيل أو الوزن أو ما يشبههما { يخسرون } أى ينقصون فى الكيل أو ~~الوزن. يقال خسر فلان الميزان وأخسره، إذا نقصه، ولم يتمه كما يقتضيه ~~العدل والقسط. وافتتحت السورة الكريمة بلفظ " الويل " للإشعار بالتهديد ~~والتشديد، والوعيد الأليم لمن يفعل ذلك. وقوله { ويل } مبتدأ، وهو نكرة، ~~وسوغ الابتداء به كونه دعاء. وخبره " للمطففين ". وقال - سبحانه - { ~~إذا اكتالوا على الناس } ولم يقل من الناس. للإشارة إلى ما ~~فى عملهم المنكر من الاستيلاء والقهر والظلم. وإلى هذا المعنى أشار صاحب ~~الكشاف بقوله لما كان اكتيالهم من الناس اكتيالا يضرهم، ويتحامل فيه ~~عليهم، أبدل " على " مكان " من " للدلالة على ذلك. ويجوز أن يتعلق " على ~~" بيستوفون، ويقدم المفعول على الفعل لإفادة الخصوصية. أى يستوفون على ~~الناس خاصة، فأما أنفسهم فيستوفون لها. وقال الفراء " من " و " على " ~~يعتقبان فى هذا الموضوع، لأنه حق عليه، فإذا قال اكتلت عليك، فكأنه قال ~~أخذت ما عليك، وإذا قال اكتلت منك، فكقوله استوفيت منك. # . والتعبير بقوله { يستوفون } و { يخسرون } يدل على حرصهم الشديد فيما ~~يتعلق بحقوقهم، ms5358 وإهمالهم الشنيع لحقوق غيرهم، إذ استيفاء الشئ، أخذه ~~وافيا تاما، فالسين والتاء فيه للمبالغة. وأما { يخسرون } فمعناه إيقاع ~~الخسارة على الغير فى حالتى الكيل والوزن وما يشبههما. ثم أتبع - سبحانه ~~- هذا التهديد للمطففين. بما يجعل الناس يتعجبون من أحوالهم، فقال - ~~تعالى -. { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون. ليوم ~~عظيم. يوم يقوم الناس لرب العالمين }. والهمزة ~~للاستفهام التعجيبى من أحوالهم، والجملة مستأنفة مسوقة لتفظيع ما فعلوه ~~من بخس الناس أشياءهم. وأدخلت همزة الاستفهام على " لا " النافية لزيادة ~~التوبيخ والإنكار، حتى لكأن سوء عاقبة التطفيف لا تخطر لهم على بال. ~~والظن هنا مستعمل فى معناه الحقيقى، وهو اعتقاد الشئ اعتقادا راجحا. وقال ~~- سبحانه - { ألا يظن أولئك.. } ولم يقل ألا يظنون، لقصد ~~تمييزهم والتشهير بهم، زيادة فى ذمهم، وفى تقبيح أفعالهم. أى أبلغت ~~الجرأة بهؤلاء المطففين، أنهم صاروا من بلادة الحس، ومن فقدان الشعور، لا ~~يخشون الحساب يوم القيامة، ولا يخافون العذاب الشديد الذى سينزل بهم، يوم ~~يقوم الناس من قبورهم استجابة لأمر رب العالمين، حيث يتلقون جزاءه ~~العادل، وحكمه النافذ. ووصف - سبحانه - اليوم بالعظم. باعتبار عظم ما يقع ~~فيه من أهوال. وقوله { يوم يقوم الناس لرب العالمين } ~~بدل مما قبله. واللام فى قوله { لرب } للتعليل. أى يقومون لأجل ربوبيته - ~~تعالى - وتلقى حكمه الذى لا يستطيعون الفرار منه. وفى هذا الوصف ما فيه ~~استحضار جلاله - وعظمته - سبحانه -. قال القرطبى وفى هذا الإنكار ~~والتعجيب، وكلمة الظن. ووصف اليوم بالعظيم، وقيام الناس فيه لله خاضعين، ~~ووصف ذاته برب العالمين، بيان بليغ لعظم الذنب، وتفاقم الإثم فى ~~التطفيف، وفيما كان مثل حاله من الحيف وترك القيام بالقسط والعمل على ~~التسوية والعدل، فى كل أخذ وإعطاء، بل فى كل قول وعمل.. هذا، وقد جاء ~~الأمر بإيفاء الكيل والميزان، والنهى عن تطفيفهما، فى آيات كثيرة، منها ~~قوله - تعالى - # وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يقوم اعبدوا ~~الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا ~~المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني ~~أخاف عليكم عذاب يوم محيط # ومنها قوله - سبحانه - # وأوفوا الكيل ms5359 إذا كلتم وزنوا بالقسطاس ~~المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا # وقوله - تعالى - # وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا ~~إلا وسعها # قال بعض العلماء ما ملخصه والتصدى لشأن المطففين بهذا الأسلوب فى سورة ~~مكية، أمر يلفت النظر، فالسورة المكية عادة توجه اهتمامها إلى أصول ~~العقائد. # ومن ثم فالتصدى لهذا الأمر بذاته، يدل أولا على أن الإسلام، كان يواجه ~~فى البيئة المكية، حالة صارخة من هذا التطفيف يزاولها الكبراء.. الذين ~~يملكون إكراه الناس على ما يريدون فهم " يكتالون على الناس " لا من ~~الناس.. فكأن لهم سلطانا على الناس. ويدل - ثانيا - على طبيعة هذا الدين، ~~وشمول منهجه للحياة الواقعية، وشئونها العملية، وإقامتها على الأساس ~~الأخلاقى الأصيل فى طبيعة هذا المنهج الإلهى القويم.. ثم زجر - سبحانه - ~~هؤلاء الفاسقين عن أمره زجرا شديدا، وتوعدهم بالعذاب الشديد، فقال - ~~تعالى - { كلا إن كتاب الفجار لفي سجين }. وقوله { ~~كلا } حرف ردع وزجر، وما بعده كلام مستأنف، وقد تكرر فى الآيات التى ~~معنا ثلاث مرات، والمراد به هنا ردعهم وزجرهم عما كانوا فيه من الشرك، ~~والتطفيف فى الكيل والميزان. والفجار جمع فاجر، وهو مأخوذ من الفجور، وهو ~~شق الشئ شقا واسعا، وسمى الفجار بذلك مبالغة فى هتكهم لحرمات الله، وشقهم ~~لستر الشريعة، بدون خوف أو وجل. يقال فجر فلان فجورا فهو فاجر، وهم فجار ~~وفجرة، إذا تجاوزوا كل حد أمر الله - تعالى - بالوقوف عنده. والمراد ~~بالكتاب المكتوب. أى صحيفة الأعمال. والسجين اختلفوا فى معناه على ~~أقوال منها أنه علم أو وصف لواد فى جهنم، صيغ بزنة فعيل - بكسر الفاء ~~مع تشديد العين المكسورة -، مأخوذ من السجن بمعنى الحبس. يقال سجن ~~الحاكم فلانا يسجنه - بضم الجيم - سجنا، إذا حبسه. قال ابن كثير قوله { ~~كلا إن كتاب الفجار لفي سجين } أى إن مصيرهم ومأواهم ~~لفى سجين، - فعيل من السجن، وهو الضيق -، كما يقال فلان فسيق وشريب ~~وخمير وسكير ونحو ذلك، ولهذا عظم أمره فقال { ومآ أدراك ما ~~سجين }؟ أى هو أمر عظيم، وسجن مقيم، وعذاب أليم. ثم قد قال قائلون هو ms5360 ~~تحت الأرض السابعة.. وقيل بئر فى جهنم. والصحيح أن " سجينا " مأخوذ من ~~السجن، وهو الضيق، فإن المخلوقات كل ما تسافل منها ضاق، وكل ما تعالى ~~منها اتسع.. ولما كان مصير الفجار إلى جهنم، وهى أسفل سافلين. قال - ~~سبحانه - { كلا إن كتاب الفجار لفي سجين } وهو يجمع ~~الضيق والسفول.. أى كلا، ليس الأمر كما يزعم هؤلاء المشركون من أنه لا ~~بعث ولا جزاء، بل الحق أن البعث أمر واقع، ماله من دافع، وأن ما عمله ~~هؤلاء الفجار من كفر ومن تطفيف فى الكيل والميزان، لمكتوب فى صحائف ~~أعمالهم، ومسجل عليهم فى ديوان الشر الذى يوصلهم إلى قاع جهنم. وقوله { ~~ومآ أدراك ما سجين } تهويل وتفظيع لهذا الشئ الضيق الذى يؤدى ~~إلى القذف بهم فى أعماق جهنم. وقوله { كتاب مرقوم } خبر لمبتدأ ~~محذوف يعود إلى " كتاب الفجار " والمرقوم المكتوب كتابة واضحة بينة تشبه ~~الخط. # الظاهر فى الثوب المنسوج. يقال رقم فلان الكتاب، إذا جعل له رقما، أى ~~علامة يعرف بها. أى وهو - أى كتاب الفجار - كتاب بين الكتابة، يفهم صاحبه ~~ما فيه فهما واضحا لا خفاء معه ولا التباس. فقوله { كتاب مرقوم } ~~بيان وتفسير لكتاب الفجار، وهو ديوان الشر الجامع لأعمالهم السيئة. ومنهم ~~من جعل قوله - تعالى - { كتاب مرقوم } ليس تفسيرا لكتاب الفجار، ~~وإنما هو تفسير لقوله { سجين }. قال الشوكانى ما ملخصه وسجين هو ما فسره ~~به - سبحانه - من قوله { ومآ أدراك ما سجين. كتاب ~~مرقوم } فأخبر بهذا أنه كتاب مرقوم، أى مسطور. ومنهم من جعله بيانا ~~وتفسيرا لكتاب المذكور فى قوله { إن كتاب الفجار } على تقدير ~~هو كتاب مرقوم، أى قد بينت حروفه. والأولى ما ذكرناه أولا، ويكون ~~المعنى إن كتاب الفجار الذين من جملتهم المطففون.. لفى ذلك الكتاب المدون ~~للقبائح، المختص بالشر، وهو سجين، ثم ذكر ما يدل على تهويله، فقال { ~~ومآ أدراك ما سجين } ثم بينه بقوله { كتاب مرقوم }. ~~وعلى أية حال، فالمقصود بيان المصير السئ الذى ينتظر هؤلاء الفجار، حيث ~~سجلت عليهم أعمالهم فى ديوان الشر الذى يجمع ms5361 أعمالهم القبيحة، والتى ~~ستؤدى بهم إلى السجن الدائم، وإلى العذاب المقيم. وقوله - سبحانه - { ~~ويل يومئذ للمكذبين } وعيد وتهديد لأولئك المنكرين ~~للبعث، والذين من صفاتهم تطفيف الكيل والميزان. أى هلاك عظيم، وعذاب ~~أليم، وسجن دائم فى قاع جهنم، لأولئك المكذبين، للبعث والحساب والجزاء. ~~ثم فصل - سبحانه - هذا التكذيب فقال { الذين يكذبون بيوم ~~الدين } أى يكذبون بيوم القيامة وما فيه من ثواب وعقاب. { وما ~~يكذب به } أى بيوم الدين { إلا كل معتد أثيم } أى ~~وما يكذب بهذا اليوم إلا كل إنسان متجاوز الحدود المشروعة، ومبالغ فى ~~ارتكاب الآثام والقبائح. هذا المكذب بيوم القيامة من صفاته - أيضا - أنه ~~{ إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين }. ~~أى إذا تقرأ على هذا المكذب آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا وصدق ~~رسولنا.. قال هذه الآيات هى من أساطير الأقوام الأولين وترهاتهم وقصصهم ~~المخترعة التى لا أصل لها. فأنت ترى أن هؤلاء المكذبين، قد وصفهم الله ~~-تعالى - بثلاث صفات هى الاعتداء على الحق. والمبالغة فى ارتكاب الآثام، ~~والجرأة فى الافتراء والكذب، حيث وصفوا القرآن بأنه ليس من عند الله - ~~تعالى -. ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملتهم على أن يقولوا فى القرآن ~~ما قالوا، فقال { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا ~~يكسبون }. وقوله { ران } من الرين - بتشديد الراء مع الفتح - ~~وهو الصدأ الذى يعلو الحديد والمرآة وما يشبهها، يقال ران ذنب فلان على ~~قلبه - من باب باع - رينا وريونا، إذا غلب عليه وغطاه، وكل ما غلبك فقد ~~ران بك، ومنه قولهم ران النعاس على فلان، إذا استولى عليه. # أى كلا، ليس الأمر كما زعموا من أن القرآن أساطير الأولين، بل الحق أن ~~الذى حملهم على قولهم هذا، هو الكفر والعناد والجحود.. الذى استولى على ~~قلوبهم فى الدنيا فغطاهم وطمسها، فصارت لا تميز بين الكلام الحق والكلام ~~الباطل، ولا بين كلام الله - تعالى - وكلام غيره. وفى الحديث الشريف الذى ~~أخرجه الترمذى عن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن ~~العبد إذا أذنب ذنبا كانت نكتة ms5362 سوداء فى قلبه، فإن تاب منها صقل قلبه، أى ~~عاد إليه صفاؤه، وإن زاد - فى الذنوب - زادت حتى تعلو قلبه - وذلك هو ~~الران الذى قال الله فى شأنه { كلا بل ران على قلوبهم ~~ما كانوا يكسبون }. وقوله { بل ران } قرأه الجمهور بإدغام ~~اللام فى الراء بعد قلبها راء لتقارب مخرجيهما. وقرأه عاصم بالوقف الخفيف ~~على لام بل والابتداء بكلمة ران بدون إدغام. وقوله { كلا إنهم ~~عن ربهم يومئذ لمحجوبون } بيان لسوء مصيرهم يوم ~~القيامة. وكلا هنا تأكيد لسابقتها لزيادة الردع والزجر، ويصح أن تكون كلا ~~هنا بمعنى حقا. أى حقا إن هؤلاء الفجار سيكونون يوم القيامة فى حالة ~~احتجاب وامتناع عن رؤية الله - تعالى - وعن رضاه. قال الآلوسى " كلا " ~~ردع وزجر عن الكسب الرائن، أو بمعنى حقا " إنهم ". أى هؤلاء المكذبين { ~~عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لا يرونه - سبحانه - وهو - ~~وعز وجل - حاضر ناظر لهم، بخلاف المؤمنين، فالحجاب مجاز عن عدم الرؤية، ~~لأن المحجوب لا يرى ما حجب، و الحجب المنع، والكلام على حذف مضاف. أى عن ~~رؤية ربهم لممنوعون فلا يرونه - سبحانه -. واحتج مالك - رحمه الله - بهذه ~~الآية، على رؤية المؤمنين له - تعالى -، من جهة دليل الخطاب، وإلا فلو ~~حجب الكل لما أغنى هذا التخصيص. وقال الشافعى - رحمه الله - لما حجب - ~~سبحانه - قوما بالسخط دل على أن قوما يرونه بالرضا.. وقوله - سبحانه - { ~~ثم إنهم لصالوا الجحيم. ثم يقال هذا الذي ~~كنتم به تكذبون }. بيان للون آخر من سوء مصيرهم. أى أن هؤلاء ~~المكذبين سيكونون يوم القيامة محجوبين عن رؤية الله - تعالى - لسخطه ~~عليهم، وممنوعين من رحمته، ثم إنهم بعد ذلك لداخلون فى أشد طبقات النار ~~حرا.. ثم يقال لهم بواسطة خزنة جهنم على سبيل التقريع والتأنيب، هذا هو ~~العذاب الذى كنتم به تكذبون فى الدنيا، وتقولون لمن يحذركم منه # متى هذا الوعد إن كنتم صادقين # فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد اشتملت على أشد ألوان الإهانة لأنها ~~أخبرت أن هؤلاء المكذبين محجوبون عن ربهم، وأنهم مقاسون حر جهنم، وأنهم ms5363 ~~لا يقابلون من خزنتها إلا بالتيئيس من الخروج منها، وبالتأنيب والتقريع. ~~وكعادة القرآن الكريم فى قرن الترهيب بالترغيب، والعكس، ساقت السورة ~~الكريمة بعد ذلك، ما أعده - سبحانه - للأبرار من خير وفير، ومن نعيم ~~مقيم، فقال - تعالى - { كلا إن كتاب الأبرار... }. ### || [83.18-28] # قوله { كلا } هنا، تكرير للردع والزجر السابق فى قوله - تعالى - قبل ذلك # إن كتاب الفجار لفي سجين # لبيان ما يقابل ذلك من أن كتاب الأبرار فى عليين. ولفظ " عليين " جمع ~~على - بكسر العين وتشديد اللام المكسورة - من العلو. ويرى بعضهم أن ~~هذا اللفظ مفرد، وأنه اسم للديوان الذى تكتب فيه أعمال الأبرار. قال صاحب ~~الكشاف وكتاب الأبرار ما كتب من أعمالهم، وعليون علم لديوان الخير، الذى ~~دون فيه كل ما عملته الملائكة وصلحاء الثقلين. منقول من جمع " على " ~~بزنة فعيل - بكسر الفاء والعين المشددة - من العلو، كسجين من ~~السجن. سمى بذلك إما لأنه سبب الارتفاع إلى أعالى الدرجات فى الجنة، وإما ~~لأنه مرفوع فى السماء السابعة.. تكريما له وتعظيما.. أى حقا إن ما كتبته ~~الملائكة من أعمال صالحة للأتقياء الأبرار، لمثبت فى ديوان الخير، الكائن ~~فى أعلى مكان وأشرفه. وقوله - سبحانه - { ومآ أدراك ما ~~عليون } تفخيم لشأن هذا الديوان، وتنويه عظيم بشرفه. وقوله { ~~كتاب مرقوم } تفسير لما كتب لهؤلاء الأبرار من خير وبركة، أى ~~كتاب الأبرار كتاب واضح بين، يقرؤه أصحابه بسهولة ويسر، فتنشرح صدورهم، ~~وتقر عيونهم. وقوله - تعالى - { يشهده المقربون } صفة أخرى ~~جىء بها على سبيل المدح لهذا المكتوب من الأعمال الصالحة لهؤلاء الأخيار. ~~أى كتاب الأبرار، وصحائف أعمالهم، فى أسمى مكان وأعلاه، وهو كتاب واضح ~~بين، يقرءونه فيظهر البشر والسرور على وجوههم، وهو فرق ذلك { يشهده ~~المقربون } أى يطلع عليه الملائكة المقربون من الله - تعالى-، ~~ليكون هذا الاطلاع شهادة لهؤلاء الأبرار، بأنهم محل رضا الله - تعالى - ~~وتكريمه وثوابه. ثم بين - سبحانه - حالهم فى الجنة، بعد بيان ما اشتمل ~~عليه كتابهم من خير وبر فقال - تعالى - { إن الأبرار لفي ~~نعيم } أى لفى نعيم دائم، لا يحول ولا يزول. ms5364 { على الأرآئك ~~ينظرون } والأرائك جمع أريكة - بزنة سفينة - وهى اسم للسرير الذى ~~يكون مفروشا فرشا أنيقا جميلا. أى هم فى نعيم دائم لا يقادر قدره، وهم - ~~أيضا - يجلسون على السرر المهيأة لجلوسهم تهيئة حسنة، ينظرون إلى كل ما ~~يدخل البهجة والسرور على نفوسهم. وحذف مفعول " ينظرون " لقصد التعميم. أى ~~ينظرون إلى كل ما يبهج نفوسهم. { تعرف في وجوههم نضرة ~~النعيم } أى تعرف فى وجوههم - أيها الناظر إليهم - البهجة والحسن، ~~وصلاح البال، وهناءة العيش. وإضافة النضرة - وهى الجمال الواضح - إلى ~~النعيم - الذى هو بمعنى التنعم والترفه - من إضافة المسبب إلى السبب. # وهذه الجملة الكريمة صفة ثالثة من صفات هؤلاء الأبرار، ثم تأتى الصفة ~~الرابعة المتمثلة فى قوله - تعالى - { يسقون من رحيق ~~مختوم }. والرحيق اسم للخمر الطيبة الصافية الخالية من كل ما يكدر ~~أو يذهب العقل. والمختوم أى المسدود الذى لم تمسه يد قبل أيدى هؤلاء ~~الأبرار. وقوله { ختامه مسك } صفة ثانية للرحيق. أى أن هؤلاء ~~الأبرار من صفاتهم - أيضا - أنهم يسقيهم ربهم - بفضله وكرمه - من خمر ~~طيبة بيضاء لذيذة، خالصة من كل كدر.. هذه الخمر مختوم على إنائها بخاتم، ~~بحيث لم تمسها يد قبل أيديهم. وهذه الخمر - أيضا - من صفاتها أن شاربها ~~يجد فى نهاية شربها ما يشبه المسك فى جودة الرائحة. وقال الشوكانى وقوله ~~{ ختامه مسك } أى آخر طعمه ريح المسك إذا رفع الشارب فاه من آخر ~~شرابه، وجد ريحه كريح المسك. وقيل مختوم أوانيه بمسك مكان الطين، وكأنه ~~تمثيل لكمال نفساته، وطيب رائحته. والحاصل أن المختوم والختام إما أن ~~يكون من ختام الشىء وهو آخر أو من ختم الشىء وهو جعل الخاتم عليه، كما ~~تختم الأشياء بالطين ونحوه. وقراءة الجمهور { ختامه } وقرأ الكسائى ~~{ خاتمه } والخاتم والختام يتقاربان فى المعنى إلا أن الخاتم الاسم، ~~والختام المصدر.. واسم الإشارة فى قوله - تعالى - { وفي ذلك ~~فليتنافس المتنافسون } يعود للرحيق المختوم، الدال على ~~صلاح بالهم، وحسن أحوالهم. وأصل التنافس التغالب فى الشئ النفيس، وهو ~~الذى تحرص عليه النفوس، بحيث يبتغيه ويطلبه كل إنسان ms5365 لنفسه خاصة. يقال ~~نفس فلان على فلان بهذا الشئ - كفرح - إذا بخل به عليه. أى ومن أجل ~~الحصول على ذلك الرحيق المختوم، والنعيم المقيم.. فليرغب الراغبون، ~~وليتسابق المتسابقون، وليتنافس المتنافسون فى وجوه الخير. عن طريق ~~المسارعة فى تقديم الأعمال التى ترضى الله - تعالى -. فالمقصود من الآية ~~الكريمة تحريض الناس وحضهم على تقديم العمل الصالح، الذى يوصلهم يوم ~~القيامة إلى أعلى الدرجات. وقوله - سبحانه - { ومزاجه من ~~تسنيم. عينا يشرب بها المقربون } صفة ثالثة من صفات ~~هذا الرحيق. والمزاج ما يمزج به الشئ، ويطلق على الممزوج بالشئ - كما هنا ~~- فهو من إطلاق المصدر على المفعول. والتسنيم علم لعين فى الجنة مسماة ~~بهذا الاسم، وهذا اللفظ مصدر سنمه إذا رفعه. يقال سنم فلان الطعام. إذا ~~جعله كهيئة السنام فى ارتفاعه. قالوا وسميت هذه العين بهذا الاسم، لأنها ~~تنبع من مكان مرتفع، أو لعلو مكانتها. وقوله { عينا } منصوب على المدح. ~~أى ومزاج هذا الرحيق وخليطه كائن من ماء لعين فى الجنة، مرتفعة المكان ~~والمكانة، هذه العين يشرب منها المقربون إلى الله - تعالى- شرابهم. قال ~~الآلوسى والباء فى قوله { بها } إما زائدة. أى يشربها. أو بمعنى من. أى ~~يشرب منها، أو على تضمين يشرب معنى يروى. أى يشرب راوين بها. أى يروى بها ~~المقربون.. وإلى هنا نجد أن هذه الآيات الكريمة قد بشرت الأبرار ببشارات ~~متعددة، بشرتهم بأن صحائف أعمالهم فى أعلى عليين، وبأنهم فى تعيم مقيم، ~~وبأنهم ينظرون إلى كل ما يشرح صدورهم، وبأن الناظر إليهم يرى آثار النعمة ~~والرفاهية على وجوههم، وبأن شرابهم من خمر طيبة لذيذة الطعم والرائحة. ثم ~~حكى - سبحانه - جانبا من الرذائل التى كان يفعلها المشركون مع المؤمنين، ~~وبشر المؤمنين بأن العاقبة الطيبة ستكون لهم.. فقال - تعالى - { إن ~~الذين أجرموا... }. ### || [83.29-36] # قد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات، أن بعض المشركين - كأبى جهل ~~والعاص بن وائل - كانوا يستهزئون من فقراء المسلمين كصهيب وعمار بن ياسر. ~~وقوله - سبحانه - { أجرموا } من الإجرام، وهو ارتكاب الجرم. ويطلق ~~على الإثم العظيم. والذنب الكبير، والمراد ms5366 بإجرامهم هنا كفرهم بالله - ~~تعالى - واستهزاؤهم بالمؤمنين. أى إن الذين ارتكبوا فى دنياهم أقبح ~~الجرائم وأشنعها، وهم زعماء المشركين { كانوا } فى الدنيا { من ~~الذين آمنوا يضحكون } أى كانوا فى حياتهم يتهكمون بالمؤمنين، ~~ويسخرون منهم، ويعتبرونهم الأراذل الذين يجب الابتعاد عنهم. { وإذا ~~مروا بهم يتغامزون } أى وإذا مر هؤلاء المجرمون بالمؤمنين ~~سخروا منهم، وتغامزوا فيما بينهم على سبيل الاستهزاء بفقراء المؤمنين. ~~والتغامز تفاعل من الغمز وهو الإشارة بالجفون والحواجب على سبيل الطعن ~~والتهكم. أى يغمز أحدهم الآخر لينبه إلى ما عليه فقراء المسلمين من شظف ~~العيش، ومن غير ذلك من الأحوال التى لا يرضاها المشركون لجهلهم وغرورهم ~~وبلادة حسهم. { وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا ~~فكهين } أى وإذا رجع هؤلاء المجرمون إلى أهلهم من مجالسهم التى كانوا ~~فيها.. رجعوا متلذذين باستخفافهم بالمؤمنين. والسخرية منهم. فهم ~~لإيغالهم فى الكفر والفسوق والعصيان، لا يكتفون بالغمز واللمز عندما ~~يرون المؤمنين، بل يجعلونهم عند عودتهم إلى أهليهم، مادة تفكههم وضحكهم. ~~فقوله { فكهين } جمع فكه، صفة مشبهة، وهى قراءة حفص عن عاصم. وقرأ ~~الجمهور " فاكهين " اسم فاعل من فكه - بزنة - فرح - إذا مزح فى كلامه ~~ليضحك أو يضحك غيره. وحذف متعلق " فكهين " للعلم به. أى رجعوا فكهين بسبب ~~حديثهم عن المؤمنين. وقوله { وإذا رأوهم قالوا إن ~~هؤلاء لضالون } أى أن هؤلاء الذين أجرموا، لا يكتفون بغمز ~~المؤمنين ولمزهم وجعلهم مادة السخرية فى أحاديثهم مع أهليهم. بل إنهم ~~تجاوزوا ذلك، فهم عندما يرون المؤمنين يقولون عنهم هؤلاء هم الضالون، ~~لأنهم تركوا دين آبائهم وأجدادهم، ودخلوا فى دين آخر. فمرادهم بالضلال ~~فساد الرأى. وعدم البقاء على دينهم القديم. وهكذا الأشرار يرون أن أهل ~~الحق والتقى فى ضلال. وجملة { ومآ أرسلوا عليهم حافظين } ~~جملة حالية من الضمير فى { قالوا }. أى قالوا إن هؤلاء المؤمنين الضالون، ~~والحال أن هؤلاء المشركين ما أرسلهم الله - تعالى - ليكونوا وكلاء عنه، ~~حتى يحكموا على هذا الفريق بالضلال. وعلى غيره بالرشاد. فالمقصود بالآية ~~الكريمة تأنيب الذين أجرموا وتوبيخهم على تصرفاتهم، لأن الحكم على الغير ~~بالهداية والضلال. ms5367 هم ليسوا أهلا له إطلاقا لأن الله - تعالى - لم يكلفهم ~~بذلك، وإنما كلفهم بإتباع الرسول الذى أرسله - سبحانه - لهدايتهم. فحكمهم ~~على المؤمنين بالضلال يدل على نهاية الغرور والجهل. # ثم ببشر الله - تعالى - المؤمنين بما سيكونون عليه يوم القيامة من نعيم ~~فقال { فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون. ~~على الأرآئك ينظرون } والفاء فى قوله { فاليوم } للسببية، ~~والمراد باليوم يوم الجزاء والحساب. أى فبسبب استهزاء الذين أجرموا من ~~المؤمنين فى الدنيا، كافأ الله - تعالى - المؤمنين على صبرهم، بأن جعلهم ~~يوم القيامة يضحكون من الكفار حين يرونهم أذلاء مهانين، كما كان الكفار ~~يضحكون من المؤمنين فى الدنيا. فالمقصود من الآية الكريمة تسلية ~~المؤمنين، وتبشيرهم بأنهم سيأخذون بثأرهم من المشركين عما قريب.. وأنهم - ~~أى المؤمنين - سيكونون يوم القيامة على سرر قد فرشت بأجمل الفراش، وأنهم ~~لا ينظرون إلا إلى ما يسرهم ويبهج نفوسهم. ثم ختم - سبحانه - السورة ~~الكريمة بقوله { هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون }. ~~والاستفهام للتقرير. وقوله { ثوب } من التثويب والإثابة، أى المجازاة. ~~يقال ثوب فلان فلانا وأثابه، بمعنى جازاه المجازاة اللائقة به. والمعنى ~~لقد جوزى الكفار بالجزاء المناسب لتهكمهم بالمؤمنين فى الدنيا، فقد ~~أنزلنا بهم ما يستحقونه من عقاب أليم، جزاء وفاقا. وجاء الجزاء بأسلوب ~~الاستفهام، لتأكيد هذا الجزاء، حتى لكأن المخاطب هو الذى نطق بهذا الجزاء ~~العادل الذى استحقه الكافرون. ولبيان أن عدالة الله - تعالى - تقتص من ~~المعتدين مهما طالت بهم الحياة. والتعبير بثوب - مع أنه أكثر ما يستعمل ~~فى الخير - إنما هو من باب التهكم بهم، كما فى قوله - تعالى - # فبشرهم بعذاب أليم # نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من عباده المؤمنين الصادقين. وصلى الله ~~على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [84 - سورة الإنشقاق] ### || [84.1-25] # قوله { انشقت } من الانشقاق بمعنى الانفطار والتصدع، بحيث تتغير ~~هيئتها. ويختل نظامها. كما قال - تعالى - # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا ~~لله الواحد القهار # وانشقاق السماء قد ورد فى آيات متعددة منها قوله - تعالى - # ويوم تشقق السمآء بالغمام # وقوله - سبحانه - # فإذا انشقت السمآء فكانت ms5368 وردة كالدهان # ومعنى " أذنت " استمعت. يقال أذن له، بمعنى استمع له بإصغاء تام - وبابه ~~طرب - وفى الحديث الصحيح # " ما أذن الله لشئ إذنه لنبى يتغنى بالقرآن " # ، وقال الشاعر # صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا # وجملة " وحقت " معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه. أى جعلت حقيقة وجديرة ~~بالاستماع والانقياد لما يريده الله - تعالى - منها، من قولهم فلان محقوق ~~بكذا. وحق له أن يفعل كذا، أى وجب عليه ذلك وجوبا لا انفكاك له عنه. ~~وجواب الشرط " إذا " وما عطف عليه محذوف، والتقدير إذا السماء تصدعت ~~واختل نظامها، واستمعت لأمر ربها استماعا تاما، وانقادت لحكمه انقياد ~~العبد لسيده، وجعلت حقيقة وجديرة بالانقياد والاستماع والطاعة فى جميع ~~الأحوال. { وإذا الأرض مدت } أى بسطت وتساوت بحيث صارت فى ~~مستوى واحد، بدون ارتفاع فى جانب أو انخفاض فى آخر، كما قال - تعالى - # لا ترى فيها عوجا ولا أمتا # { وألقت ما فيها وتخلت } أى وطرحت ما بداخلها من أجساد ~~ومن كنوز، ومن غيرهما، وخلت من ذلك خلوا تاما. وقوله { وأذنت ~~لربها وحقت } تأكيد لقدرته - تعالى - ونفاذ أمره. أى واستمعت ~~الأرض كما استمعت السماء لأمر ربها، وحق لها أن تستمع وأن تنقاد لحكمه - ~~تعالى - لأنها خاضعة خضوعا تاما، لقضائه وأمره. إذا حدث كل ذلك.. قامت ~~الساعة، ووجد كل إنسان جزاءه عند ربه - سبحانه -. قال صاحب الكشاف حذف ~~جواب " إذا " ليذهب المقدر كل مذهب. أو اكتفاء بما علم فى مثلها من سورتى ~~التكوير والانفطار. وقيل جوابها ما دل عليه قوله { فملاقيه } أى إذا ~~السماء انشقت لاقى الإنسان كدحه. وقوله { وأذنت لربها ~~وحقت } أذن له استمع له.. والمعنى أنها فعلت فى انقيادها لله - ~~تعالى - حين أراد انشقاقها، فعل المطواع الذى إذا ورد عليه الأمر من جهة ~~المطاع أنصت له وأذعن، ولم يأب ولم يمتنع، كقوله - تعالى - # أتينا طآئعين # " وحقت " هو من قولك هو محقوق بكذا وحقيق به، يعنى وهى حقيقة بأن تنقاد ~~ولا تمتنع.. وقال الجمل فى حاشيته وقوله { وحقت } الفاعل فى الأصل ~~هو الله - تعالى ms5369 - أى حق وأوجب الله عليها سمعه وطاعته. # . فعلم من ذلك أن الفاعل محذوف، وأن المفعول هو سمعها وطاعتها له - ~~تعالى -. ثم وجه - سبحانه بعد ذلك نداء للإنسان، دعاه فيه إلى طاعته ~~وإخلاص العبادة له، فقال { يأيها الإنسان إنك كادح إلى ~~ربك كدحا فملاقيه } والمراد بالإنسان هنا جنسه. وأصل الكدح ~~فى كلام العرب السعى فى سبيل الحصول على الشئ بجد واجتهاد وعناء. مأخوذ ~~من كدح فلان جلده، إذا خدشه، ومنه قول الشاعر # وما الدهر إلا تارتان فمنهما أموت، وأخرى أبتغى العيش أكدح # وقول الآخر # ومضت بشاشة كل عيش صالح وبقيت أكدح للحياة وأنصب # أى وبقيت أسعى سعيا حثيثا للحياة، وأتعب من أجل الحصول على مطالبى فيها. ~~والضمير فى قوله { فملاقيه } يعود إلى الله - تعالى -، ويصح أن يعود ~~للكدح، بمعنى ملاق جزاء هذا الكدح. والمعنى يأيها الإنسان إنك باذل فى ~~حياتك جهدا كبيرا من أجل مطالب نفسك. وإنك بعد هذا الكدح والعناء.. مصيرك ~~فى النهاية إلى لقاء ربك، حيث يحاسبك على عملك وكدحك.. فقدم فى دنياك ~~الكدح المشروع، والعمل الصالح. والسعى الحثيث فى طاعته - تعالى -، لكى ~~تنال ثواب ربك ورضاه. قال ابن كثير وقوله { يأيها الإنسان ~~إنك كادح إلى ربك كدحا } أى ساع إلى ربك سعيا، وعامل ~~عملا { فملاقيه } ثم إنك ستلقى ما عملت من خير أو شر. ويشهد لذلك ما ~~رواه أبو داود الطيالسى.. عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~" قال جبريل يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب ما شئت فإنك مفارقه، ~~واعمل ما شئت فإنك ملاقيه ". ومن الناس من يعيد الضمير على قوله { ~~ربك } أى فملاق ربك فيجازيك بعملك، ويكافئك على سعيك، وعلى هذا فكلا ~~القولين متلازم. ثم فصل - سبحانه - بعد ذلك عاقبة هذا الكدح، والسعى ~~المتواصل.. فقال - تعالى - { فأما من أوتي كتابه ~~بيمينه. فسوف يحاسب حسابا يسيرا. وينقلب إلى ~~أهله مسرورا }. والمراد بالكتاب هنا صحيفة العمل التى سجلت فيها ~~حسنات الإنسان وسيئاته. والمراد بالحساب اليسير عرض الأعمال، مع التجاوز ~~عن الهفوات، بفضل الله ms5370 - تعالى - أى الناس جميعا يكدحون فى هذه الحياة، ~~ثم يعودون إلى خالقهم للحساب والجزاء، فأما من أعطى كتابه بيمينه، وهم ~~المؤمنون الصادقون، فسوف يحاسب من ربه - تعالى - حسابا يسيرا سهلا، بأن ~~تعرض أعماله على خالقه - تعالى - ثم يكون التجاوز عن المعاصى والثواب على ~~الطاعة، بدون مناقشة أو مطالبة بعذر أو حجة. ثم ينقلب هذا الإنسان بعد ~~ذلك إلى أهله وعشيرته، مبتهجا مسرورا، بسبب فضل الله - تعالى - عليه، ~~ورحمته به. وعبر - سبحانه - عن فوز هذا الإنسان بأنه يؤتى كتابه بيمينه، ~~للإشعار بأنه من أهل السعادة والتقوى، فقد جرت العادة أن اليد اليمنى ~~إنما تتناول بها الأشياء الزكية الحسنة. # والباء فى قوله { بيمينه } للملابسة أو المصاحبة، أو بمعنى فى. قال ~~الآلوسى والحساب اليسير هو السهل الذى لا مناقشة فيه. وفسره صلى الله ~~عليه وسلم بالعرض وبالنظر فى الكتاب، مع التجاوز، أخرج الشيخان عن عائشة # " أن النبى صلى الله عليه وسلم قال " ليس أحد يحاسب إلا هلك ". قلت يا ~~رسول الله، جعلنى الله فداك، أليس الله - تعالى - يقول { فأما من ~~أوتي كتابه بيمينه. فسوف يحاسب حسابا يسيرا } ~~، قال ذلك العرض يعرضون ومن نوقش الحساب هلك ". # وأخرج الإمام أحمد # " عن عائشة - أيضا - قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فى ~~بعض صلاته " اللهم حاسبنى حسابا يسيرا " فلما انصرف قلت له يا رسول الله، ~~ما الحساب اليسير؟ قال " أن ينظر فى كتابه فيتجاوز له عنه ". # ثم بين - سبحانه - حال الأشقياء، بعد بيانه لحال السعداء فقال { ~~وأما من أوتي كتابه ورآء ظهره. فسوف يدعوا ~~ثبورا. ويصلى سعيرا }. أى وأما من أعطى صحيفة أعماله - ~~لسوادها وقبح أعمالها - بشماله من وراء ظهره وهو الكافر - والعياذ بالله ~~- قيل تغل يمناه إلى عنقه، وتجعل شماله وراء ظهره، على سبيل الإهانة ~~والإذلال له. { فسوف يدعوا ثبورا } أى فسوف يطلب الهلاك، بأن ~~ينادى عليه بحسرة وندامة ويقول أيها الموت أقبل فهذا أوانك، لتنقذنى مما ~~أنا فيه من سوء. وفى طلبه للهلاك، وتفضيله على ما هو فيه، دليل على أن ~~هذا ms5371 الشقى - والعياذ بالله - قد وصل به الحال السيئ إلى أقصى مداه، حتى ~~لقد أصبح الهلاك نهاية أمانيه، كما قال الشاعر # كفى بك داء أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكن أمانيا # فالمراد بالدعاء فى قوله { يدعوا ثبورا } النداء. والثبور ~~الهلاك، بأن يقول يا ثبوراه أقبل فهذا أوان إقبالك. وقوله - تعالى - { ~~ويصلى سعيرا } بيان للعذاب الذى يحل به. أى ويدخل النار الشديدة ~~الاشتعال فيتقلب فيها، ويقاسى حرها. وقوله - سبحانه - { إنه كان ~~في أهله مسرورا. إنه ظن أن لن يحور } تعليل لما ~~أصابه من سوء. أى إن هذا الشقى كان فى الدنيا فرحا بطرا بين أهله، لا ~~يفكر فى عاقبة، ولا يعمل حسابا لغير ملذاته وشهواته، وإنه فوق ذلك { ظن } ~~أى أيقن أنه لن يرجع إلى ربه يوم القيامة، ليحاسبه على أعماله، ويجازيه ~~بما يستحقه من جزاء. قال القرطبى قوله { إنه ظن أن لن يحور ~~} أى لن يرجع حيا مبعوثا فيحاسب. ثم يثاب أو يعاقب. يقال حار فلان يحور ~~إذا رجع، ومنه قول لبيد # وما المرء إلا كالشهاب وضوئه يحور رمادا بعد إذ هو ساطع # فالحور فى كلام العرب الرجوع، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم # " اللهم إنى أعوذ بك من الحور بعد الكور " # يعنى من الرجوع إلى النقصان بعد الزيادة.. وقوله - سبحانه - { بلى ~~إن ربه كان به بصيرا } إيجاب لما نفاه، وإثبات لما ~~استبعده، وجملة " إن ربه " بمنزلة التعليل لما أفادته بلى من إبطال لما ~~نفاه. أى ليس الأمر كما زعم من أنه لن يبعث ولن يرجع إلى ربه.. بل الحق ~~الذى لا يشوبه باطل، أن هذا الشقى سيرجع إلى ربه يوم البعث والنشور، ~~ليجازيه على أعماله، لأنه - سبحانه - كان - وما زال - عليما بأحوال هذا ~~الشقى وغيره، إذ لا يخفى عليه - سبحانه - شئ فى الأرض ولا فى السماء. ~~فالمراد بالبصر هنا العلم التام بأحوال الخلق. ثم أقسم - سبحانه - ببعض ~~مخلوقاته، على أن مشيئته نافذة، وقضاءه لا يرد، وحكمه لا يتخلف. فقال { ~~فلا أقسم بالشفق. والليل وما وسق. والقمر ~~إذا اتسق. ms5372 لتركبن طبقا عن طبق }. والفاء فى قوله { ~~فلا أقسم } واقعة فى جواب شرط مقدر، وهى التى يعبر عنها بالفصيحة، ~~و " لا " مزيدة لتأكيد القسم، وجوابه " لتركبن ". والشفق الحمرة التى ~~تظهر فى الأفق الغربى بعد غروب الشمس، وهو ضياء من شعاعها، وسمى شفقا ~~لرقته، ومنه الشفقة لرقة القلب. والوسق جمع الأشياء، وضم بعضها إلى بعض. ~~يقال وسق الشئ يسقه - كضرب - إذا جمعه فاجتمع، ومنه قولهم إبل ~~مستوسقة، أى مجتمعة، وأمر متسق. أى مجتمع على ما يسر صاحبه ويرضيه. ~~واتساق القمر اجتماع ضيائه ونوره، وهو افتعال من الوسق. وهو الجمع والضم، ~~وذلك يكون فى الليلة الرابعة عشرة من الشهر. أى أقسم بالحمرة التى تظهر ~~فى الأفق العربى، بعد غروب الشمس، وبالليل وما يضمه تحت جناحه من مخلوقات ~~وعجائب لا يعلمها إلا الله - تعالى - وبالقمر إذا ما اجتمع نوره، وأكتمل ~~ضياؤه، وصار بدرا متلألئا. وفى القسم بهذه الأشياء، دليل واضح على قدرة ~~الله - تعالى - الباهرة، لأن هذه الأشياء تتغير من حال إلى حال، ومن هيئة ~~إلى هيئة.. فالشفق حالة تأتى فى أعقاب غروب الشمس، والليل يأتى بعد ~~النهار، والقمر يكتمل بعد نقصان.. وكل هذه الحالات الطارئة، دلائل على ~~قدرة الله - تعالى -. وقوله - سبحانه - { لتركبن طبقا عن ~~طبق } جواب القسم - كما سبق أن أشرنا -. والمراد بالركوب الملاقاة ~~والمعاناة، والخطاب للناس، والطبق جمع طبقة، وهى الشئ المساوى لشئ آخر، ~~والمراد بها هنا الحالة أو المرتبة، وعن بمعنى بعد. أى وحق الشفق، والليل ~~وما وسق، والقمر إذا اتسق.. لتلاقن - أيها الناس - أحوالا بعد أحوال، هى ~~طبقات ومراتب فى الشدة، بعضها أصعب من بعض، وهى الموت، وما يكون بعده من ~~حساب وجزاء يوم القيامة. # قال الآلوسى ما ملخصه قوله { لتركبن طبقا عن طبق } خطاب ~~لجنس الإنسان المنادى أولا، باعتبار شموله لأفراده، والمراد بالركوب ~~الملاقاة، والطبق فى الأصل ما طابق غيره مطلقا. وخص فى العرف بالحال ~~المطابقة لغيرها.. و " عن " للمجاوزة، أو بمعنى " بعد ". والجار والمجرور ~~متعلق بمحذوف صفة أو حالا من فاعل لتركبن، والظاهر أن " طبقا " منصوب ms5373 على ~~المفعولية، أى لتلاقن حالا كائنة بعد حال، كل واحدة مطابقة لأختها فى ~~الشدة والهول.. منها ما هو فى الدنيا، ومنها ما هو فى الآخرة. وقرأ ~~الأخوان - حمزة والكسائى - وابن كثير { لتركبن } بفتح الباء - على أنه ~~خطاب للإنسان - أيضا -، ولكن باعتبار اللفظ، لا باعتبار الشمول. وأخرج ~~البخارى عن ابن عباس أنه خطاب للنبى صلى الله عليه وسلم، أى لتركبن - ~~أيها الرسول الكريم - أحوال شريفة بعد أخرى من مراتب القرب. أو مراتب من ~~الشدة بعد مراتب من الشدة، ثم تكون العاقبة لك.. والفاء فى قوله - تعالى ~~- بعد ذلك { فما لهم لا يؤمنون. وإذا قرىء عليهم ~~القرآن لا يسجدون }. لترتيب ما بعدها من الإنكار والتعجيب على ~~ما قبلها، و " ما " للاستفهام الإنكارى. أى إذا كان الأمر كما وضحنا لك ~~- أيها الرسول الكريم - من أن البعث حق، ومن أن المستحق للعبادة هو الله ~~- تعالى - وحده.. فأى شئ يمنع هؤلاء الكافرين من الإيمان، مع أن كل ~~الدلائل والبراهين تدعوهم إلى الإيمان. وأى مانع منعهم من السجود ~~والخضوع لله - عند ما يقرأ عليهم القرآن الكريم، الذى أنزلناه عليك ~~لإخراجهم من الظلمات إلى النور. فالمقصود من الآيتين الكريمتين تعجيب ~~الناس من حال هؤلاء الكافرين الذين قامت أمامهم جميع الأدلة على صدق ~~اللرسول صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه، ومع ذلك فهم مصرون على ~~كفرهم وجحودهم وعنادهم. قال الآلوسى وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~سجد عند قراءة هذه الآية، فقد أخرج مسلم وأبو داود والترمذى.. عن أبى ~~هريرة قال سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى { إذا السمآء ~~انشقت } وفى # اقرأ باسم ربك.. # وهى سنة عند الشافعى، وواجبة عند أبى حنيفة.. أما الإمام مالك فالرواية ~~الراجحة فى مذهبه، أن هذه الآية ليست من آيات سجود التلاوة. وقوله - ~~سبحانه - { بل الذين كفروا يكذبون } إضراب انتقالى، من ~~التعجيب من عدم إيمانهم مع ظهور كل الأدلة على وجوب الإيمان، إلى ~~الإخبار عنهم بأنهم مستمرون على كفرهم، أى ليس هناك أى مانع الكافرين من ms5374 ~~الإيمان، بعد أن قامت جميع الشواهد على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، ~~بل الحق أن هؤلاء الكافرين إنما استمروا على كفرهم بسبب عنادهم وحسدهم ~~للرسول صلى الله عليه وسلم على ما آتاه الله - تعالى - من فضله، وتكذيبهم ~~للحق عنادا وجحودا. # وقوله - سبحانه - { والله أعلم بما يوعون } كلام معترض بين ~~سابقه ولا حقه، والمقصود به التهديد والوعيد. ومعنى " يوعون " يضمرون ~~ويخفون ويسرون، وأصل الإيعاء حفظ الأمتعة فى الوعاء، يقال أوعى فلان ~~الزاد والمتاع، إذا جعله فى الوعاء، والمراد به هنا الإضمار والإخفاء، ~~كما فى قوله الشاعر # والشر أخبث ما أوعيت من زاد # أى والله - تعالى - أعلم من كل أحد، بما يضمره هؤلاء الكافرون، وبما ~~يخفونه فى صدورهم من تكذيب للحق، ومن جحود للقرآن الكريم، ومن معاداة ~~للمؤمنين. وقوله { فبشرهم بعذاب أليم } تفريع على قوله { ~~بل الذين كفروا يكذبون }. والتبشير الإخبار بما يسر، ~~والمراد به هنا التهكم بهم، بدليل توعدهم بالعذاب الأليم. أى فبشر - أيها ~~الرسول الكريم - هؤلاء الكافرين المكذبين للحق، بالعذاب الأليم. ~~والاستثناء فى قوله - تعالى - { إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لهم أجر غير ممنون } استثناء منقطع. أى هذا ~~هو حال الكافرين، لكن الذين آمنوا إيمانا حقا، وقدموا فى دنياهم الأعمال ~~الصالحة، فلهم فى الآخرة أجر غير مقطوع، فقوله { ممنون } من من إذا ~~قطع يقال مننت الحبل إذا قطعته، أو لهم أجر خالص من شوائب الامتنان، وهو ~~أن يعطى الإنسان غيره عطاء، ثم يتباهى عليه به. نسأ الله - تعالى - أن ~~يجعلنا من عباده المؤمنين الصادقين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله ~~وصحبه وسلم. ### | [85 - سورة البروج] ### || [85.1-22] # والبروج جمع برج. وهى فى اللغة القصور العالية الشامخة، ويدل لذلك قوله ~~- تعالى - # أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في ~~بروج مشيدة # أى ولو كنتم فى قصور عظيمة محصنة. والمراد بها هنا المنازل الخاصة ~~بالكواكب السيارة، ومداراتها الفلكية الهائلة، وهى اثنا عشر منزلا الحمل، ~~والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، ~~والقوس، والجدى، والدلو، والحوت. وسميت بالبروج، لأنها بالنسبة لهذه ~~الكواكب كالمنازل ms5375 لساكنيها. قال القرطبى قوله { والسمآء ذات ~~البروج } قسم أقسم الله - عز وجل - به. وفى البروج أربعة أقوال أحدها ~~ذات النجوم. الثانى ذات القصور.. الثالث ذات الخلق الحسن. الرابع ذات ~~المنازل.. وهى اثنا عشر منزلا.. وقوله { واليوم الموعود } ~~المقصود به يوم القيامة، لأن الله - تعالى - وعد الخلق به، ليجازى فيه ~~الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. وقوله { وشاهد ~~ومشهود } قسم ثالث ببعض مخلوقاته - تعالى -. والشاهد اسم فاعل من ~~المشاهدة بمعنى الرؤية، فالشاهد هو الرائى، أو المخبر غيره عما رآه ~~وشاهده. والمشهود اسم مفعول، وهو هنا الشىء المرئى، أو المشهود عليه بأنه ~~حق. فالمراد بالشاهد من يحضر ذلك اليوم من الخلائق المبعوثين، وما يراه ~~فيه من عجائب وأهوال، من المشاهدة بمعنى الرؤية والحضور، أو من يشهد فى ~~ذلك اليوم على غيره، من الشهادة على الخصم. وقد ذكر المفسرون فى معنى ~~هذين اللفظين، ما يقرب من عشرين وجها. قال صاحب الكشاف وقوله { وشاهد ~~ومشهود } يعنى وشاهد فى ذلك اليوم ومشهود فيه. والمراد بالشاهد من ~~يشهد فيه من الخلائق كلهم. وبالمشهود ما فى ذلك اليوم من عجائبه. ثم قال ~~وقد اضطربت أقوال المفسرين فيما، فقيل الشاهد والمشهود محمد صلى الله ~~عليه وسلم ويوم القيامة. وقيل عيسى وأمته. وقيل أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم وسائر الأمم. وقيل يوم التروية ويوم عرفة. وقيل يوم عرفة ويوم ~~الجمعة. وقيل الحجر الأسود. والحجيج. وقيل الأيام والليالى. وقيل الحفظة ~~وبنو آدم.. ويبدو لنا أن أقرب الأقوال والصواب أن المراد بالشاهد هنا ~~الحاضر فى ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة، والرائى لأهواله وعجائبه. ~~وأن المراد بالمشهود ما يشاهد فى ذلك اليوم من أحوال يشيب لها الولدان. ~~وقال - سبحانه - { وشاهد ومشهود } بالتنكير، لتهويل أمرهما، ~~وتفخيم شأنهما. وقوله - تعالى - { قتل أصحاب الأخدود } جواب ~~القسم بتقدير اللام وقد. أى وحق السماء ذات البروج، وحق اليوم الموعود، ~~وحق الشاهد والمشهود، لقد قتل ولعن أصحاب الأخدود، وطردوا من رحمة الله ~~بسبب كفرهم وبغيهم. والأخدود وهو الحفرة العظيمة المستطيلة فى الأرض، ~~كالخندق، وجمعه ms5376 أخاديد، ومنه الخد لمجارى الدمع، والمخدة لأن الخد يوضع ~~عليها. # ويقال تخدد وجه الرجل، إذا صارت فيه التجاعيد.. ومنه قول الشاعر # ووجه كأن الشمس ألقت رداءها عليه، نقى اللون لم يتخدد # وقيل إن جواب القسم محذوف، دل عليه قوله - تعالى - { قتل أصحاب ~~الأخدود } كأنه قيل أقسم بهذه الأشياء إن كفار مكة لملعونون كما لعن ~~أصحاب الأخدود. وأصحاب الأخدود هم قوم من الكفار السابقين، حفروا حفرا ~~مستطيلة فى الأرض، ثم أضرموها بالنار، ثم ألقوا فيها المؤمنين، الذين ~~خالفوهم فى كفرهم، وأبوا إلا إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده. وقوله - ~~سبحانه - { النار ذات الوقود } بدل اشتمال مما قبله وهو ~~الأخدود. والوقود اسم لما توقد به النار كالحطب ونحوه. وذات الوقود صفة ~~للنار. أى قتل وطرد من رحمة الله أصحاب الأخدود، الذين أشعلوا فيه ~~النيران ذات اللهب الشديد، لكى يلقوا المؤمنين فيها. والظرف فى قوله - ~~تعالى - { إذ هم عليها قعود } متعلق بقوله - تعالى - { قتل }. ~~أى لعنوا وطردوا من رحمة الله، حين قعدوا على الأخدود، ليشرفوا على من ~~يعذبونهم من المؤمنين. فالضمير " هم " يعود على أولئك الطغاة الذين كانوا ~~يعذبون المؤمنين ويجلسون على حافات الأخدود ليروهم وهم يحرقون بالنار، أو ~~ليأمروا أتباعهم وزبانيتهم بالجد فى التعذيب حتى لا يتهاونوا فى ذلك. و { ~~على } للاستعلاء المجازى إذ من المعلوم أنهم لا يقعدون فوق النار، وإنما ~~هم يقعدون حولها، لإلقاء المؤمنين فيها. وجملة { وهم على ما ~~يفعلون بالمؤمنين شهود } فى موضع الحال من الضمير فى قوله ~~{ إذ هم عليها قعود }. أى أن هؤلاء الطغاة الظالمين، لم ~~يكتفوا بإشعال النار، والقعود حولها وهم يعذبون المؤمنين، بل أضافوا إلى ~~ذلك، أنهم يشهدون تعذيبهم، ويرونه بأعينهم على سبيل التشفى منهم، فقوله { ~~شهود } بمعنى حضور، أو بمعنى يشهد بعضهم لبعض أمام ملكهم الظالم، بأنهم ~~ما قصروا فى تعذيب المؤمنين، وهذا الفعل منهم. يدل على نهاية القسوة ~~والظلم، وعلى خلو قلوبهم من أى رحمة أو شفقة. قال الآلوسى وقوله { وهم ~~على ما يفعلون بالمؤمنين شهود } أى يشهد بعضهم لبعض ~~عند الملك، بأن ms5377 أحدا لم يقصر فيما أمر به، أو يشهدون عنده على حسن ما ~~يفعلون.. أو يشهد بعضهم على بعض بذلك الفعل الشنيع يوم القيامة، أو ~~يشهدون على أنفسهم بذلك، كما قال - تعالى - # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون # وقيل " على " بمعنى مع. أى وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، ~~لا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم.. ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت ~~هؤلاء الطغاة على إحراق المؤمنين فقال { وما نقموا منهم إلا ~~أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد. الذي له ملك ~~السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد }. ~~والنقمة هنا بمعنى الإنكار والكراهية. # يقال نقم فلان هذا الشئ، - من باب ضرب - إذا كرهه وأنكره. أى أن هؤلاء ~~الكافرين ما كرهوا المؤمنين، وما أنزلوا بهم ما أنزلوا من عذاب، إلا لشئ ~~واحد، وهو أن المؤمنين أخلصوا عبادتهم لله - تعالى - صاحب العزة التامة، ~~والحمد المطلق، والذى له ملك جميع ما فى السموات والأرض، وهو - سبحانه - ~~على كل شئ شهيد ورقيب، لا يخفى عليه أمر من أمور عباده، أو حال من ~~أحوالهم. فالمقصود من هاتين الآيتين الكريمتين، التعجيب من حال هؤلاء ~~المجرمين، حيث عذبوا المؤمنين، لا لشئ إلا من أجل إيمانهم بخالقهم، وكأن ~~الإيمان فى نظرهم جريمة تستحق الإحراق بالنار. وهكذا النفوس عندما ~~يستحوذ عليها الشيطان، تتحول الحسنات فى نظرها إلى سيئات، وقديما قال ~~المنكوسون من قوم لوط - عليه السلام - # أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس ~~يتطهرون # والاستثناء فى قوله { إلا أن يؤمنوا بالله... } استثناء ~~مفصح عن براءة المؤمنين مما يعاب وينكر، فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه ~~الذم كما فى قول القائل # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب # وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # قل يأهل الكتاب هل تنقمون منآ إلا أن آمنا ~~بالله ومآ أنزل إلينا ومآ أنزل من قبل وأن ~~أكثركم فاسقون # قال الإمام ابن كثير وقد اختلفوا فى أهل هذه القصة من هم؟ فعن على ابن ~~أبى طالب أنهم أهل فارس ms5378 حين أراد ملكهم تحليل زواج المحارم، فامتنع عليه ~~علماؤهم، فعمد إلى حفر أخدود، فقذف فيه من أنكر عليه منهم. وعنه أنهم ~~كانوا قوما من اليمن، اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم، فتغلب مؤمنوهم على كفارهم، ~~ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين، فخدوا لهم الأخاديد، وأحرقوهم فيها. ثم ~~ذكر - رحمه الله - بعد ذلك جملة من الآثار فى هذا المعنى فارجع إليها إن ~~شئت. وعلى أية حال فالمقصود بهذه الآيات الكريمة، تثبيت المؤمنين على ما ~~هم عليه من الإيمان، وتسليتهم عما أصابهم من أعدائهم، وإعلامهم بأن ما ~~نزل بهم من أذى، قد نزل ما هو أكبر منه بالمؤمنين السابقين، فعليهم أن ~~يصبروا كما صبر أسلافهم، وقد اقتضت سنته - تعالى - أن يجعل العاقبة ~~للمتقين. ثم هدد - سبحانه - كفار قريش بسوء المصير، إذا ما استمروا فى ~~إيذائهم للمؤمنين، فقال - تعالى - { إن الذين فتنوا ~~المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب ~~جهنم ولهم عذاب الحريق }. وقوله { فتنوا } من الفتن، ~~بمعنى الاختبار والامتحان. تقول فتنت الذهب بالنار، أى أدخلته فى النار ~~لتعلم جودته من رداءته، والمراد به هنا التعذيب والتحريق بالنار. أى إن ~~الظالمين الذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات، وأحرقوهم بالنار ثم لم يتوبوا ~~إلى الله - تعالى - من ذنوبهم، ويرجعوا عن تعذيبهم للمؤمنين والمؤمنات، ~~فلهم فى الآخرة عذاب جهنم، بسبب إصرارهم على كفرهم وعدوانهم، ولهم نار ~~أخرى زائدة على غيرها فى الإحراق. # والمراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات كفار قريش، كأبى جهل وأمية ابن ~~خلف. وغيرهما، فقد عذبوا بلالا، وعمار بن ياسر، وأباه وأمه سمية. ويؤيد ~~أن المراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات كفار قريش، قوله - تعالى - { ~~ثم لم يتوبوا } لأن هذه الجملة تحريض على التوبة، وترغيب فيها ~~للكافرين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم. ويصح أن يراد بهم جميع من ~~عذبوا المؤمنين والمؤمنات، ويدخل فيه أصحاب الأخدود، وكفار قريش دخولا ~~أوليا. وجمع - سبحانه - بين عذاب جهنم لهم، وبين عذاب الحريق، لبيان أن ~~العذاب لهم مضاعف، بسبب طغيانهم وشركهم. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما ~~أعده للمؤمنين والمؤمنات من ثواب وعطاه كريم فقال ms5379 { إن الذين ~~آمنوا وعملوا } الأعمال { الصالحات لهم } أى عند ربهم { ~~جنات تجري من تحتها الأنهار } أى تجرى من تحت أشجارها ~~وبساتينها الأنهار { ذلك } العطاء هو { الفوز الكبير } الذى ~~لا فوز يضارعه أو يقاربه. ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على نفاذ ~~قدرته ومشيئته، حتى يزداد المؤمنون ثباتا على ثباتهم، وصبرا على صبرهم ~~فقال { إن بطش ربك لشديد }. والبطش هو الأخذ بقوة وسرعة ~~وعنف. أى إن بطش ربك - أيها الرسول الكريم - بالظالمين والطغاة لبالغ ~~نهاية القوة والعنف فمر أصحابك فليصبروا على الأذى، فإن العاقبة الحسنة ~~ستكون لهم وحدهم. { إنه هو يبدىء ويعيد } أى إنه وحده هو ~~الذى يخلق الخلق أولا فى الدنيا، ثم يعيدهم إلى الحياة بعد موتهم للحساب ~~والجزاء، وهو - سبحانه - وحده الذى يبدئ البطش بالكفار فى الدنيا ثم ~~يعيده عليهم فى الآخرة بصورة أشد وأبقى. وحذف - سبحانه - المفعول فى ~~الفعلين، لقصد العموم، ليشمل كل ما من شأنه أن يبدأ وأن يعاد من الخلق أو ~~من العذاب أو من غيرهما. { وهو الغفور الودود } أى وهو - ~~سبحانه - الواسع المغفرة لمن تاب وآمن، وهو الكثير المحبة والود لمن ~~أطاعه واتبع هداه. { ذو العرش المجيد } أى وهو - عز وجل - صاحب ~~العرش العظيم، الذى لا يعرف كنهه إلا هو - سبحانه -، وهو { المجيد } أى ~~العظيم فى ذاته وصفاته. { فعال لما يريد } أى وهو - تعالى - ~~الذى يفعل كل شئ يريده. دون أن يعترض عليه أحد، بل فعله هو النافذ، وأمره ~~هو السارى والمطاع. وجاءت كلمة " فعال " بصيغة المبالغة، للدلالة على أن ~~ما يريده ويفعله - مع كثرته - هو فى غاية النفاذ والسرعة، كما قال - ~~تعالى - # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # فهذه الصفة من الصفات الجامعة لعظمته الذاتية، وعظمة نعمه ومننه ~~وعطاياه. ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على شدة بطشه، ونفاذ أمره ~~فقال { هل أتاك حديث الجنود. فرعون وثمود }. ~~والاستفهام هنا للتقرير والتهويل. والمراد بالجنود الجموع الكثيرة التى ~~عتت عن أمر ربها، فأخذها - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، وقوله { فرعون ~~وثمود ms5380 } بدل من الجنود. والمراد بفرعون وثمود ملؤهما وقومهما الذين ~~آثروا الغى على الرشد، والضلالة على الهداية، والباطل على الحق. أى لقد ~~بلغك - أيها الرسول الكريم - حديث فرعون الذى طغى وبغى، واتبعه قومه فى ~~طغيانه وبغيه، وحديث قوم صالح - عليه السلام - وهم الذين كذبوا نبيهم. ~~وآذوه، وعقروا الناقة التى نهاهم عن أن يمسوها بسوء. وكيف أنه - سبحانه - ~~قد دمر الجميع تدميرا شديدا، جزاء كفرهم وبغيهم. وخص - سبحانه - جند ~~فرعون وثمود بالذكر، لأنهم كانوا أشد من غيرهم بغيا وظلما، ولأنهم كانت ~~قصصهم معروفة لأهل مكة أكثر من غيرهم. وقوله - سبحانه - { بل الذين ~~كفروا في تكذيب. والله من ورآئهم محيط } إضراب ~~انتقالى، المقصود منه بيان أن هؤلاء المشركين المعاصرين للنبى صلى الله ~~عليه وسلم لم يتعظوا بمن سبقهم. أى لقد كانت عاقبة جنود فرعون وثمود، ~~الهلاك والدمار، بسبب إصرارهم على كفرهم، ولكن قومك - أيها الرسول - لم ~~يعتبروا بهم، بل استمروا فى تكذيبهم لك، وفى إعراضهم عنك.. واعلم أن الله ~~- تعالى - محيط بهم إحاطة تامة، ولن يفلتوا من عقابه بأية حيلة من الحيل، ~~فهم تحت قبضته وسلطانه، وسينزل بهم بأسه فى الوقت الذى يريده. وقوله - ~~سبحانه - { بل هو قرآن مجيد. في لوح محفوظ } إضراب ~~انتقالى آخر، من بيان شدة تكذيبهم للحق، إلى بيان القرآن الكريم هو كتاب ~~الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. أى ليس الأمر كما ~~قال هؤلاء المشركون فى القرآن من أنه أساطير الأولين.. بل الحق أن هذا ~~القرآن هو كلام الله - تعالى - البالغ النهاية فى الشرف والرفعة والعظمة. ~~وأنه كائن فى لوح محفوظ من التغيير والتبديل، ومن وصول الشياطين إليه. ~~ونحن نؤمن بأن القرآن الكريم كائن فى لوح محفوظ، إلا أننا نفوض معرفة ~~حقيقة هذا اللوح وكيفيته إلى علمه - تعالى -، لأنه من أمر الغيب الذى ~~تفرد الله - تعالى - بعلمه.. وما قيل فى وصف هذا اللوح لم يرد به حديث ~~صحيح يعتمد عليه. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [86 - سورة الطارق] ### || [86.1-17] # الطارق ms5381 اسم فاعل من الطروق. والمراد به هنا النجم الذى يظهر ليلا فى ~~السماء. قال القرطبى ما ملخصه الطارق النجم، اسم جنس سمى بذلك لأنه يطرق ~~ليلا، ومنه الحديث نهى النبى صلى الله عليه وسلم أن يطرق المسافر أهله ~~ليلا.. والعرب تسمى كل قاصد فى الليل طارقا. يقال طرق فلان، إذا جاء ~~ليلا.. وأصل الطرق الدق، ومنه سميت المطرقة، فسمى قاصد الليل طارقا، ~~لاحتياجه فى الوصول إلى الدق. وفى الحديث # " أعوذ بك من طوارق الليل والنهار، إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن.. ". # وقوله - تعالى - { ومآ أدراك ما الطارق } تنويه بشأنه إثر ~~تفخيمه بالإقسام به، فالاستفهام مستعمل فى تعظيم أمره. وقد جاء التعبير ~~بقوله - تعالى - { ومآ أدراك... } ثلاث عشرة مرة فى القرآن الكريم، ~~كلها جاء الخبر بعدها - كما هنا -، وكما فى قوله - تعالى - # ومآ أدراك ما سقر. لا تبقي ولا تذر. لواحة ~~للبشر # وكما فى قوله - سبحانه - # ومآ أدراك ما يوم الدين. ثم مآ أدراك ما يوم ~~الدين. يوم لا تملك نفس لنفس شيئا... # إلا واحدة لم يأت الخبر بعدها، وهى قوله - تعالى - # الحاقة. ما الحآقة. ومآ أدراك ما الحاقة.. # أما التعبير بقوله - تعالى - # وما يدريك... # فقد جاء ثلاث مرات، ولم يأت الخبر بعد واحدة من هذه المرات. قال - تعالى ~~- # وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا # وما يدريك لعل الساعة قريب # وما يدريك لعله يزكى # قال القرطبى قال سفيان كل ما فى القرآن وما أدراك فقد أخبر به، وكل شئ ~~قال فيه وما يدريك، لم يخبر به. وقوله { النجم الثاقب } بيان ~~وتفسير للطارق، والثاقب. أى المضئ الذى يثقب الظلام ويخرقه بنوره فينفذ ~~فيه ويبدده. والجملة الكريمة مستأنفة، وهى جواب عن سؤال مقدر نشأ مما ~~قبله، كأنه قيل وما هو الطارق؟ فكان الجواب هو النجم الثاقب. وقوله - ~~سبحانه - { إن كل نفس لما عليها حافظ } جواب القسم وما ~~بينهما كلام معترض لتفخيم شأن المقسم به.. والحافظ هو الذى يحفظ ما كلف ~~بحفظه، لمقصد معين. أى وحق السماء البديعة الصنع، وحق النجم الذى يطلع ~~فيها ms5382 فيبدد ظلام الليل، ما كل نفس من الأنفس إلا وعليها من الملائكة من ~~يحفظ عملها ويسجله، سواء أكان هذا العمل خيرا أم شرا. قال الإمام ~~الشوكانى ما ملخصه قرأ الجمهور بتخفيف الميم فى قوله لما، فتكون " إن " ~~مخففة من الثقيلة، فيها ضمير الشأن المقدر، وهو اسمها، واللام هى الفارقة ~~- بين " إن " النافية، و " إن " المخففة من الثقيلة - وما مزيدة. # أى إن الشأن كل نفس لعليها حافظ. وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بتشديد ~~الميم فى قوله { لما } ، فتكون " إن " نافية، و " لما " بمعنى إلا. أى ما ~~كل نفس إلا عليها حافظ. والحافظ هم الحفظة من الملائكة الذين يحفظون ~~عليها عملها وقولها وفعلها. وقيل الحافظ هو الله - تعالى - وقيل هو العقل ~~يرشدهم إلى المصالح. والأول أولى لقوله - تعالى - # ويرسل عليكم حفظة # وقوله # وإن عليكم لحافظين # وحفظ الملائكة إنما هو من حفظه - تعالى -. لأنهم لا يحفظون إلا بأمره - ~~عز وجل -. والمقصود من الآية الكريمة تحقيق تسجيل أعمال الإنسان عليه، ~~وأنه سيحاسب عليها وسيجازى عليها بما يستحقه من ثواب أو عقاب. وبعد أن ~~بين - سبحانه - أن كل نفس عليها حافظ يسجل عليها أعمالها، أتبع ذلك بأمر ~~الإنسان بالتفكر فيما ينفعه، بأن يعتبر بأول نشأته، وليعلم أن من خلقه ~~من ماء مهين، قادر على إعادته إلى الحياة مرة أخرى، فقال - تعالى - { ~~فلينظر الإنسان مم خلق. خلق من مآء دافق. ~~يخرج من بين الصلب والترآئب... }. والفاء فى قوله { ~~فلينظر... } للتفريع على ما تقدم، وهى بمعنى الفصيحة، وقوله { ~~خلق من مآء دافق } جواب الاستفهام فى قوله - سبحانه - { مم ~~خلق } والمقصود بالاستفهام هنا الحث والحض على التفكر والتدبر. و " ~~دافق " اسم فاعل من الدفق، وهو الصب للشئ بقوة وسرعة، يقال تدفق الماء ~~إذا سال باندفاع وسرعة. والمراد به هنا الماء الذى تخرج من الرجل ويصب فى ~~رحم المرأة. والصلب يطلق على فقار الظهر بالنسبة للرجل، والترائب جمع ~~تربية، وهى العظام التى تكون فى أعلى صدر المرأة، ويعبرون عنها بقولهم ~~موضع القلادة من المرأة. أى إذا كان الأمر كما ms5383 ذكرت لكم - أيها الناس -، ~~من أن كل نفس عليها حافظ يسجل عليها أقوالها وأفعالها.. فلينظر الإنسان ~~منكم نظر تأمل وتدبر واعتبار، وليسأل نفسه من أى شئ خلق؟ لقد خلقه الله - ~~تعالى - بقدرته، من ماء متدفق، يخرج بقوة وسرعة من الرجل، ليصب فى رحم ~~الأنثى. وهذا الماء الدافق من صفاته أنه يخرج من بين صلب الرجل، ومن بين ~~ترائب المرأة، حيث يختلط الماءان، ويتكون منهما الإنسان فى مراحله ~~المختلفة بقدرة الله - تعالى -. قال صاحب الكشاف فإن قلت ما وجه اتصال ~~قوله { فلينظر } بما قبله؟. قلت وجه اتصاله به أنه لما ذكر أن على كل نفس ~~حافظا، أتبعه بتوصية الإنسان بالنظر فى أول أمره. ونشأته الأولى، حتى ~~يعلم أن من أنشأه قادر على إعادته وجزائه، فيعمل ليوم الإعادة والجزاء، ~~ولا يملى على حافظه إلا ما يسره فى عاقبته. " مم خلق " استفهام جوابه { ~~خلق من مآء دافق } ، والدفق صب فيه دفع. # ومعنى " دافق " النسبة إلى الدفق الذى هو مصدر دفق، كاللابن والتامر. أو ~~الإسناد المجازى، والدفق فى الحقيقة لصاحبه. ولم يقل ماءين لامتزاجهما ~~فى الرحم، واتحادهما حين ابتدئ فى خلقه.. وقال بعض العلماء قوله { خلق ~~من مآء دافق } أى من ماء ذى دفق.. وكل من منى الرجل. ومنى المرأة، ~~اللذين يتخلق منهما الجنين، ذو دفق فى الرحم. { يخرج من بين ~~الصلب والترآئب } أى يخرج هذا الماء الدافق، من بين صلب كل ~~واحد منهما، وترائب كل منهما. أى أن أعضاء وقوى كل منهما، تتعاون فى ~~تكوين ما هو مبدأ لتوالد الإنسان ماء الرجل وهو المنى، ومادة المرأة وهى ~~البويضة المصحوبة بالسائل، المنصبان بدفع وسيلان سريع إلى الرحم عند ~~الاتصال الجنسى. ويسمى الفقهاء هذه المادة منيا وماء.. وقال فضيلة الشيخ ~~ابن عاشور وأطنب - سبحانه - فى وصف هذا الماء الدافق، لإدماج التعليم ~~والعبرة بدقائق التكوين، ليستيقظ الجاهل الكافر، ويزداد المؤمن علما ~~ويقينا. ووصف بأنه { يخرج من بين الصلب والترآئب } ، ~~لأن الناس لا يتفطنون لذلك.. وهذا من الإعجاز العلمى فى القرآن، الذى لم ~~يكن علم به للذين ms5384 نزل بينهم، وهو إشارة مجملة، وقد بينها حديث مسلم عن أم ~~سلمة وعائشة # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن احتلام المرأة فقال " تغتسل ~~إذا أبصرت الماء. فقيل له أترى المرأة ذلك؟ فقال وهل يكون الشبه إلا من ~~قبل ذلك، إذا علا ماء المرأة ماء الرجل، أشبه الولد أخواله، وإذا علا ~~ماء الرجل ماءها، أشبه أعمامه ". # وقال صاحب الظلال ولقد كان هذا سرا مكنونا فى علم الله لا يعلمه البشر، ~~حتى كان نصف القرن الأخير، حيث اطلع العلم الحديث على هذه الحقيقة ~~بطريقته، وعرف أنه فى عظام الظهر الفقارية، يتكون ماء الرجل. وفى عظام ~~الصدر العلوية يتكون ماء المرأة، حيث يلتقيان فى قرار مكين. فينشأ منهما ~~الإنسان.. وقوله - سبحانه - { إنه على رجعه لقادر. ~~يوم تبلى السرآئر. فما له من قوة ولا ناصر }. ~~بيان لكمال قدرته - تعالى- وأنه كما أنشأ الإنسان من ماء مهين، قادر على ~~إعادته إلى الحياة بعد موته. والضمير فى قوله { إنه } يعود إلى الله - عز ~~وجل - لأن الخالق للإنسان من ماء دافق هو الله - تعالى -. والضمير فى ~~قوله " رجعه " يعود إلى الإنسان المخلوق. وقوله { تبلى } من البلاء ~~بمعنى الاختبار والامتحان. ومنه قوله - تعالى - # إن هذا لهو البلاء المبين # والمراد بقوله { تبلى } هنا الكشف والظهور. و { السرائر } جمع سريرة، ~~وهى ما أسره الإنسان من أقوال وأفعال، والظرف " يوم " متعلق بقوله { ~~رجعه }. # أى إن الله - تعالى - الذى قدر على خلق الإنسان من ماء دافق. يخرج من ~~بين الصلب والترائب.. لقادر - أيضا - على إعادة خلق هذا الإنسان بعد ~~موته، وعلى بعثه من قبره للحساب والجزاء، يوم القيامة، يوم تكشف ~~المكنونات، وتبدو ظاهرة للعيان، وترفع الحجب عما كان يخفيه الإنسان فى ~~دنياه من عقائد ونيات وغيرهما. وفى هذا اليوم لا يكون للإنسان من قوة ~~تحميه من الحساب والجزاء، ولا يكون له من ناصر ينصره من بأس الله - تعالى ~~- أو من مدافع يدافع عنه. ثم أقسم - سبحانه - مرة أخرى بالسماء على أن ~~القرآن من عنده - تعالى - فقال { والسمآء ذات الرجع. ~~والأرض ms5385 ذات الصدع. إنه لقول فصل. وما هو ~~بالهزل }. والرجع المطر. وسمى بذلك لأنه يجئ ويرجع ويتكرر، وقيل ~~الرجع هنا الشمس والقمر والنجوم، يرجعن فى السماء حيث تطلع من ناحية، ~~وتغيب فى الأخرى. وقيل المراد بالرجع الملائكة، لأنهم يرجعون إليها ~~حاملين أعمال العباد. والصدع الشق والانفطار، يقال تصدع الشئ، إذا تشقق.. ~~والمراد به هنا ما تتشقق عنه الأرض من نبات. كما قال - تعالى - # أنا صببنا المآء صبا. ثم شققنا الأرض شقا. ~~فأنبتنا فيها حبا. وعنبا وقضبا # أى وحق السماء صاحبة المطر الذى ينزل من جهتها مرة فأخرى، لنفع العباد ~~والحيوان والنبات.. وحق الأرض ذات النبات البازغ من شقوقها. { إنه } أى ~~هذا القرآن { لقول فصل } أى لقول فاصل بين الحق والباطل، والهدى ~~والضلال. والغى والرشاد.. وقد بلغ النهاية فى ذلك حتى لكأنه نفس الفصل. { ~~وما هو بالهزل } أى وأن هذا القرآن، ليس فيه شائبة من شوائب ~~الهزل أو اللعب أو المزاح. بل هو جد كله، فيجب على كل عاقل، أن يتبع ~~هداه، وأن يستجيب لأمره ونهيه. وفى هذه الآيات الكريمة رد بليغ، على ~~أولئك المشركين الجاهلين، الذين وصفوا القرآن، بأنه نزل على الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ليهزل به، لأنه يخبرهم بأن الأموات سيعادون إلى الحياة ~~مرة أخرى، وذلك أمر تستبعده نفوسهم المطموسة. وفى قوله - تعالى - { ~~والسمآء ذات الرجع. والأرض ذات الصدع } مقابلة ~~لطيفة، حيث وصف - سبحانه - السماء والأرض بما ينسابهما، وبما يشير إلى أن ~~البعث حق، لأنه كما ينزل المطر من السماء فيحيى الأرض بعد موتها. كذلك ~~يحيى الله - تعالى - بقدرته الأجساد بعد موتها، وعاد الضمير فى قوله { ~~إنه } إلى القرآن - مع أنه لم يسبق له ذكر - لأنه معلوم من المقام. ثم ~~ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وبتبشيره بحسن العاقبة فقال - تعالى - { إنهم يكيدون كيدا. ~~وأكيد كيدا. فمهل الكافرين أمهلهم رويدا } ~~وقوله { رويدا } تصغير " رود " بزنة عود - من قولهم فلان يمشى على ~~رود، أى على مهل، وأصله من رادت الريح ترود، إذا تحركت حركة ضعيفة. # والكيد ms5386 العمل على إلحاق الضرر بالغير بطريقة خفية، فهو نوع من المكر. ~~والمراد به بالنسبة لهؤلاء المشركين تكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم، ~~ولما جاء به من عند ربه، فكيدهم مستعمل فى حقيقته. والمراد به بالنسبة ~~لله - تعالى - إمهالهم واستدراجهم، حتى يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، فى الوقت ~~الذى يختاره ويشاؤه. أى إن هؤلاء المشركين يحيكون المكايد لإبطال أمرك - ~~أيها الرسول الكريم -، وإنى أقابل كيدهم ومكرهم بما يناسبه من استدراج من ~~حيث لا يعلمون، ثم آخذهم أخذ عزيز مقتدر، فتمهل - أيها الرسول الكريم - ~~مع هؤلاء المشركين، ولا تستعجل عقابهم. وانتظر تدبيرى فيهم، وأمهلهم ~~وأنظرهم " رويدا " أى إمهالا قريبا أو قليلا، فإن كل آت قريب، وقد حقق - ~~سبحانه - لنبيه وعده بأن جعل العاقبة له ولأتباعه. وصلى الله على سيدنا ~~محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [87 - سورة الأعلى] ### || [87.1-19] # افتتحت السورة الكريمة، بأمر النبى صلى الله عليه وسلم بالمداومة على ~~تنزيه الله - تعالى - عن كل نقص، ويدخل فى هذا الأمر، كل من يصلح للخطاب. ~~والاسم المراد به الجنس، فيشمل جميع أسمائه - تعالى -. أى نزه - أيها ~~الرسول الكريم - أسماء ربك الأعلى عن كل ما لا يليق بها، فلا تطلقها على ~~غيره - تعالى - إذا كان خاصة به، كلفظ الجلالة، وكلفظ الرحمن، ولا تذكرها ~~فى موضع لا يتناسب مع جلالها وعظمتها، ولا تحرفها عن المعانى التى وضعت ~~لها كما يفعل الزائغون. فقد قال - تعالى - # ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين ~~يلحدون في أسمآئه سيجزون ما كانوا يعملون # ونزه ربك الأعلى، عن الشريك، وعن الوالد، وعن الولد، وعن الشبيه.. وعن ~~كل ما لا يليق به. قال الجمل أى نزه ربك عن كل ما لا يليق به، فى ذاته، ~~وصفاته، وأسمائه، وأفعاله، وأحكامه. أما فى ذاته فأن تعتقد أنها ليست من ~~الجواهر والأعراض. وأما فى صفاته فأن تعتقد أنها لسيت محدثة ولا متناهية ~~ولا ناقصة. وأما فى أفعاله فأن تعتقد أنه - سبحانه - مطلق لا اعتراض لأحد ~~عليه فى أمر من الأمور. وأما فى أسمائه فأن لا تذكره - سبحانه ms5387 - إلا ~~بالأسماء التى لا توهم نقصا بوجه من الوجوه.. وأما فى أحكامه فأن تعلم ~~أنه ما كلفنا لنفع يعود عليه، بل لمحض المالكية.. أخرج الإمام أحمد # " عن عامر بن عقبة الجهنى قال لما نزلت { فسبح باسم ربك ~~العظيم } قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم " اجعلوها فى ركوعكم ~~" فلما نزلت { سبح اسم ربك الأعلى } قال " اجعلوها فى ~~سجودكم ". # ثم وصف - سبحانه - ذاته بعد وصفه بالأعلى بصفات كريمة أخرى فقال { ~~الذي خلق فسوى }. والخلق هو الإيجاد للشىء على غير مثال ~~سابق، والتسوية هى جعل المخلوقات على الحالة والهيئة التى تناسبها، ~~وتتلاءم مع طبيعتها. أى الذى خلق الخلائق كلها، وجعلها متساوية فى ~~الأحكام والإتقان حسبما اقتضته حكمته. ومنح كل مخلوق ما يناسب طبيعته ~~ووظيفته. قال صاحب الكشاف قوله { الذي خلق فسوى } أى خلق كل ~~شئ فسوى خلقه تسوية، ولم يأت به متفاوتا غير ملتئم، ولكن على إحكام ~~واتساق، ودلالة على أنه صادر عن عالم، وأنه صنعة حكيم.. { والذي ~~قدر فهدى } والتقدير وضع الأشياء فى مواضعها الصحيحة، بمقدار ~~معين، وبكيفية معينة.. تقتضيها الحكمة، ويقرها العقل السليم. وقوله { ~~فهدى } من الهداية. بمعنى الإرشاد والدلالة على طريق الخير والبر. ~~أى وهو - سبحانه - الذى جعل الأشياء على مقادير مخصوصة فى أجناسها، وفى ~~أنواعها، وفى أفرادها. # وفى صفاتها وأفعالها.. وهدى كل مخلوق إلى ما ينبغى له طبعا واختيارا، ~~ووجهه إلى الوظيفة التى خلقه من أجلها، بأن أوجد فيه العقل والميول ~~والإلهامات والغرائز والدوافع التى تعينه على أداء تلك الوظيفة. وحذف - ~~سبحانه - المفعول فى قوله { الذي خلق فسوى. والذي قدر ~~فهدى } للعموم، لأن هذه الأفعال تشمل جميع مخلوقاته - عز وجل -. قال ~~الآلوسى { والذي قدر.. } أى جعل الأشياء على مقادير مخصوصة.. { ~~فهدى } أى فوجه كل واحد منها إلى ما يصدر عنه، وينبغى له.. فلو تتبعت ~~أحوال النباتات والحيوانات، لرأيت فى كل منها ما تحار فيه العقول، وتضيق ~~عنه دفاتر النقول. وأما فنون هداياته - سبحانه - للإنسان على الخصوص، ~~ففوق ذلك بمراحل.. وهيهات أن يحيط بها فلك العبارة والتحرير، ولا ms5388 يعلمها ~~إلا اللطيف الخبير. # أتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر # وقد فصل بعض العلماء الحديث عن مظاهر تقديره وهدايته - سبحانه - فقال ~~قوله - تعالى - { الذي خلق فسوى. والذي قدر فهدى ~~} أى الذى خلق كل شئ فسواه، فأكمل صنعته، وبلغ به غاية الكمال الذى ~~يناسبه، والذى قدر لكل مخلوق وظيفته وطريقته وغايته، فهداه إلى ما خلقه ~~لأجله، وألهمه غاية وجوده، وقدر له ما يصلحه مدة بقائه، وهداه إليه. وهذه ~~الحقيقة الكبرى ماثلة فى كل شئ فى هذا الوجود، ويشهد بها كل شئ فى رحاب ~~هذا الكون، من الكبير إلى الصغير. فالطيور لها غريزة العودة إلى الوطن.. ~~دون أن تضل عنه مهما بعد، والنحلة تهتدى إلى خليتها، مهما طمست الريح فى ~~هبوبها على الأعشاب والأشجار كل دليل يرى.. وسمك " السلمون " الصغير، ~~يمضى سنوات فى البحر، ثم يعود إلى نهره الخاص به.. وقوله - سبحانه - { ~~والذي أخرج المرعى. فجعله غثآء أحوى } بيان ~~لمظهر آخر من مظاهر قدرته - تعالى -، التى لا يعجزها شئ. والمرعى النبات ~~الذى ترعاه الحيوانات، وهو اسم مكان للأرض الذى يوجد فيها النبات. ~~والغثاء هو اليابس الجاف من النبات الذى ترعاه المواشى. والأحوى أى ~~المائل إلى السواد، مأخوذ من الحوة - بضم الحاء مع تشديد الواو ~~المفتوحة - وهى لون يكون بين السواد والخضرة أو الحمرة. ووصف الغثاء بأنه ~~أحوى، لأنه إذا طال عليه الزمن، وأصابته المياه، اسود وتعفن فصار أحوى. ~~أى وهو - سبحانه - وحده، الذى أنبت النبات الذى ترعاه الدواب، حالة كون ~~هذا النبات أخضر رطبا. ثم يحوله بقدرته - تعالى - بعد حين إلى نبات يابس ~~جاف. وهذا من أكبر الأدلة المشاهدة، على أنه - تعالى - يتصرف فى خلقه كما ~~يشاء، فهو القادر على تحويل الزرع الأخضر إلى زرع يابس جاف، كما أنه قادر ~~على إحياء الإنسان بعد موته. # فالمقصود من هذه الآيات الكريمة، الإرشاد إلى كمال قدرته، وتنوع نعمه - ~~سبحانه -، حتى يزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، وحتى يعود الكافرون ~~إلى رشدهم بعد هذا البيان الواضح الحكيم. ثم بين - سبحانه - جانبا من ~~مظاهر فضله ms5389 على نبيه صلى الله عليه وسلم فقال { سنقرئك فلا ~~تنسى. إلا ما شآء الله إنه يعلم الجهر وما ~~يخفى }. والنسيان زوال ما كان موجودا فى حافظة الإنسان. والاستثناء ~~مفرغ من أعم المفاعيل. ومفعول المشيئة محذوف. جريا على غالب استعماله فى ~~كلام العرب.. أى سنقرئك - أيها الرسول الكريم - القرآن على لسان أمين ~~وحينا جبريل - عليه السلام -. وسنجعلك حافظا وواعيا لما سيقرؤه جبريل ~~عليك، بحيث لا تنساه فى وقت من الأوقات، أو فى حال من الأحوال، إلا فى ~~الوقت أو فى الحال الذى يشاء الله - تعالى - أن ينسيك شيئا من ذلك. فإنك ~~ستنساه بأمره - تعالى - لأنه وحده - عز وجل - وهو العليم بما كان ظاهرا ~~من الأشياء، وبما كان خافيا منها. فالمقصود من هاتين الآيتين وعد الله - ~~تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم ببيان أنه - سبحانه - كما أنه قادر على ~~أن يقرئ الرسول صلى الله عليه وسلم قراءة لا ينساها، فهو أيضا قادر على ~~أن يزيل من صدره ما يشاء إزالته، عن طريق النسيان لما حفظه. فالمراد بهذا ~~الاستثناء بيان أنه - تعالى - لو أراد أن يصير الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ناسيا للقرآن لقدر على ذلك، كما قال - سبحانه - # ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك... # إذ هو - تعالى - على كل شئ قدير، ولكنه لم يشأ ذلك فضلا منه وكرما. قال ~~الإمام الشوكانى ما ملخصه قوله { سنقرئك فلا تنسى } أى ~~سنجعلك قارئا بأن نلهمك القراءة. فلا تنسى ما تقرؤه، والجملة مستأنفة ~~لبيان هدايته صلى الله عليه وسلم الخاصة، بعد بيان الهداية العامة، وهى ~~هدايته صلى الله عليه وسلم لحفظ القرآن. وقوله { إلا ما شآء ~~الله } استثناء مفرغ من أعم المفاعيل، أى لا تنسى مما تقرؤه شيئا من ~~الأشياء، إلا ما شاء الله أن تنساه، وهو لم يشأ - سبحانه - أن ينسى النبى ~~صلى الله عليه وسلم شيئا كقوله - تعالى - # خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما ~~شآء ربك # وقيل " لا " فى قوله { فلا تنسى } للنهى، والألف مزيدة لرعاية ~~الفاصلة، كما فى قوله - تعالى - # فأضلونا ms5390 السبيلا # يعنى فلا تغفل عن قراءته. وقال الإمام الرازى وهاتان الآيتان تدلان على ~~المعجزة من وجهين أحدهما أن رسول صلى الله عليه وسلم كان أميا، فحفظه ~~لهذا الكتاب المطول عن غير دراسة، ولا تكرار، ولا كتبة، خارق للعبادة ~~فيكون معجزا. # وثانيهما أن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة. فهذا إخبار عن أمر عجيب ~~غريب مخالف للعادة. سيقع فى المستقبل، وقد وقع، فكان هذا إخبارا عن ~~الغيب، فيكون معجزا.. وقوله - سبحانه - { ونيسرك لليسرى } ~~معطوف على قوله { سنقرئك } وجملة { إنه يعلم الجهر ~~وما يخفى } معترضة. والتيسير بمعنى التسهيل والتخفيف، وهو جعل ~~العمل يسيرا على عامله بأن يهيئ الله - تعالى - للعامل الأسباب التى تهون ~~له العسير، وتقرب له البعيد. واليسرى مؤنث الأيسر، بمعنى الأسهل، ~~والموصوف محذوف. والمعنى سنجعلك - أيها الرسول الكريم - صاحب ذاكرة قوية ~~تحفظ القرآن ولا تنساه. وسنوفقك توفيقا دائما للطريقة اليسرى فى كل باب ~~من أبواب الدين علما وعملا، واهتداء وهداية - وسنرزقك الأمور الحسنة التى ~~تجعلك تعيش سعيدا فى دنياك، وظافرا برضواننا فى أخراك. ولقد أنجز الله - ~~تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم وعده، حيث أعطاه شريعة سمحة، ومنحه ~~أخلاقا كريمة، من مظاهرها أنه صلى الله عليه وسلم ما خير بين الأمرين إلا ~~اختار أيسرهما، ودعا أتباعه إلى الأخذ بمبدأ التيسير، فقال # " يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا.. ". # فهاتان بشارتان عظيمتان للرسول صلى الله عليه وسلم. أولاهما تتمثل فى ~~إلهامه الذاكرة الواعية الحافظة لما يوحى إليه. وثانيتهما توفيقه صلى ~~الله عليه وسلم إلى الشريعة اليسرى، وإلى الأخلاق الكريمة وإلى الأخذ بما ~~هو أرفق وأيسر فى كل أحواله. ثم أمره - تعالى - بدوام التذكير بدعوة الحق ~~بدون إبطاء أو يأس فقال { فذكر إن نفعت الذكرى ~~سيذكر من يخشى. ويتجنبها الأشقى. الذى يصلى ~~النار الكبرى. ثم لا يموت فيها ولا يحيا }. والفاء ~~فى قوله { فذكر } للتفريع على ما تقدم، والأمر مستعمل هنا فى طلب ~~المداومة على التذكير بدعوة الحق التى أرسله - سبحانه - بها، والذكرى ~~بمعنى التذكير. والمعنى إذا كان الأمر كما أخبرناك - أيها ms5391 الرسول الكريم ~~- فداوم على تذكير الناس بالهدى ودين الحق، واتبع فى ذلك الحكمة والموعظة ~~الحسنة والمجادلة بالتى هى أحسن واهتم فى تذكيرك بمن تتوقع منهم قبول ~~دعوتك، وأعرض عن الجاحدين والمعاندين والجاهلين. قال صاحب الكشاف فإن قلت ~~كان الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بالذكرى نفعت أو لم تنفع.. فما ~~معنى اشتراط النفع؟.. قلت هو على وجهين أحدهما. أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد استفرغ مجهوده فى تذكيرهم، وما كانوا يزيدون على زيادة ~~الذكرى إلا عتوا وطغيانا، وكان النبى صلى الله عليه وسلم يتلظى حسرة ~~وتلهفا، ويزداد جدا فى تذكيرهم، وحرصا عليه، فقيل له # ومآ أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف ~~وعيد # وذلك بعد إلزام الحجة بتكرير التذكير. والثانى أن يكون ظاهره شرطا، ~~ومعناه ذما للمذكرين - بتشديد الكاف المفتوحة - وإخبارا عن حالهم، ~~واستبعادا لتأثير الذكرى فيهم، وتسجيلا عليهم بالطبع على قلوبهم، كما ~~تقول للواعظ عظ المكاسين إن سمعوا منك، قاصدا بهذا الشرط، استبعاد ذلك، ~~وأنه لن يكون. # . وقال الإمام الرازى ما ملخصه جاء التعليق بالشرط فى قوله - تعالى - { ~~فذكر إن نفعت الذكرى } مع أنه صلى الله عليه وسلم مطلوب ~~منه أن يذكر الناس جميعا، نفعتهم الذكرى أم لم تنفعهم - للتنبيه على أشرف ~~الحالين، وهو وجود النفع الذى من أجله شرعت الذكرى، كقوله - تعالى - # سرابيل تقيكم الحر # وللإشعار بأن المراد من الشرط البعث على الانتفاع بالذكرى، كما يقول ~~الإنسان لغيره بعد أن بين له الحق، قد أوضحت لك الأمر إن كنت تعقل، ~~فيكون مراده الحض على القبول.. ويبدو لنا أن المقصود بالآية الكريمة، ~~تحريض النبى صلى الله عليه وسلم على المداومة على دعوة الناس إلى قبول ~~الحق الذى جاء به، فإن هذا التذكير إن لم ينفع الناس جميعا، فسينفع ~~بعضهم، فقد اقتضت سنة الله - تعالى - أن لا تخلو الأرض ممن يستمع إلى ~~الحق، ويستجيب له. ويدل على هذا المعنى قوله - تعالى - بعد ذلك { ~~سيذكر من يخشى } أى سينتفع بتذكيرك - أيها الرسول الكريم - ~~من يخشى الله - تعالى - ويخاف عذابه، ms5392 ويرجو ثوابه. { ويتجنبها ~~الأشقى } أى ويتجنب الذكرى، ويبتعد عن الموعظة، ويتجافى عن النصيحة، ~~الإنسان الشديد الشقاوة والتعاسة، الذى أبى إلا الإصرار على كفره ~~وعناده، وخلا من خشية الله - تعالى -. والمراد بالأشقى الجنس، أى يبتعد ~~عن الانتفاع بالتذكير جميع الأشقياء وهم الكافرون. وقيل المراد به الكافر ~~المتوغل فى كفره كأبى جهل والوليد بن المغيرة وأشباههما. وقوله { الذى ~~يصلى النار الكبرى } صفة للأشقى. أى سيبتعد عن الانتفاع ~~بتذكيرك - أيها الرسول الكريم - الكافر المصر على كفره، الذى من صفاته ~~أنه سيصلى وسيلقى فى أشد طبقات النار سعيرا وحريقا، وهى الطبقة السفلى ~~منها. فوصف النار بالكبرى، من قبيل التهويل والإنذار للمصرين على كفرهم ~~{ ثم لا يموت فيها ولا يحيا } أى ثم إن هذا الشقى بعد أن ~~يلقى به فى النار الكبرى، { ثم لا يموت فيها } فيستريح من ~~العذاب { ولا يحيا } حياة طيبة فيها شئ من الراحة، بل يبقى هكذا # ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت # وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - # والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم ~~فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك ~~نجزي كل كفور # وبعد هذا البيان الذى يهز القلوب.. عن سوء عاقبة الأشقياء، ساق - سبحانه ~~- ما يدخل البهجة والسرور على النفوس، عن طريق بيان حسن عاقبة السعداء، ~~فقال { قد أفلح من تزكى. # وذكر اسم ربه فصلى }. أى قد أفلح وفاز وانتفع بالتذكير، ~~من حاول تزكية نفسه وتطهيرها من كل سوء. ومن ذكر اسم ربه بقلبه ولسانه، ~~فصلى الصلوات الخمس التى فرضها الله - تعالى - عليه. وأضاف إليها ما ~~استطاع من نوافل وسنن. وعبر - سبحانه - بقوله { قد أفلح } ليجمع فى ~~هذا التعبير البليغ، كل معانى الخير والنفع، لأن الفلاح معناه وصول المرء ~~إلى ما يطمح إليه من فوز ونفع. وجاء التعبير بالماضى المسبوق بقد، ~~للدلالة على تحقيق هذا الفلاح بفضل الله - تعالى - ورحمته. وقد اشتملت ~~هاتان الآيتان على الطهارة من العقائد الباطلة { تزكى } وعلى استحضار ~~معرفة الله - تعالى - { وذكر اسم ربه } وعلى أداء التكاليف ~~الشرعية التى على رأسها الصلاة ms5393 { فصلى }. وهذه المعانى هى التى وصلت ~~صاحبها إلى الفلاح الذى ليس بعده فلاح. وقوله - تعالى - { بل ~~تؤثرون الحياة الدنيا. والآخرة خير وأبقى } ~~الإضراب فيه عن كلام مقدر يفهم من السياق. والمعنى لقد بينت لكم ما يؤدى ~~إلى فلاحكم وفوزكم.. ولكنكم - يا بنى آدم - كثير منكم لم يستجب لما بينته ~~له، بل أنتم تؤثرون الحياة الدنيا، بأن تقدموا زينتها وشهواتها ومتعها.. ~~على ما ينفعكم فى آخرتكم، والحال أن ما فى الدار الآخرة من نعيم، خير ~~وأبقى من حطام الدنيا، لأن الدنيا ومتعها زائلة، أما الآخرة فخيرها باق ~~لا يزول. والخطاب لجميع الناس، ويدخل فيه الكافرون دخولا أوليا، وعليه ~~يكون المراد بإيثار الحياة الدنيا بالنسبة للمؤمنين، ما لا يخلو منه غالب ~~الناس، من اشتغالهم فى كثير من الأحيان بمنافع الدنيا، وتقصيرهم فيما ~~يتعلق بآخرتهم. ويرى كثير من العلماء أن الخطاب للكافرين على سبيل ~~الالتفات، ويؤيد أن الخطاب للكافرين قراءة أبى عمرو بالياء على طريقة ~~الغيبة. أى بل إن الكافرين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة، مع أن ~~الآخرة خير وأبقى. ثم ختم - سبحانه - السورة بقوله { إن هذا لفي ~~الصحف الأولى. صحف إبراهيم وموسى } أى إن هذا الذى ~~ذكرناه من فلاح من تزكى، ومن إيثاركم الحياة الدنيا على الآخرة، لكائن ~~وثابت ومذكور فى الصحف الأولى، التى هى صحف إبراهيم وموسى، التى أنزلها - ~~سبحانه - على هذين النبيين الكريمين، ليعلما الناس ما اشتملت عليه من ~~آداب وأحكام ومواعظ. وفى إبهام هذه الصحف، ووصفها بالقدم، ثم بيان أنها ~~لنبيين كريمين من أولى العزم من الرسل، تنويه بشأنها، وإعلاء من قدرها. ~~وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [88 - سورة الغاشية] ### || [88.1-26] # الاستفهام فى قوله - تعالى - { هل أتاك حديث الغاشية } ~~للتحقيق والتقرير، أو المقصود به التعجيب من حديث القيامة، والتشويق إلى ~~الاستماع إليه. والغاشية لفظ مشتق من الغشيان، وهو تغطية الشئ لغيره، ~~يقال غشيه الأمر، إذا غطاه، والمقصود بالغاشية يوم القيامة، ووصف يوم ~~القيامة بذلك، لأنه يغشى الناس بأهواله وشدائده، ويغطى عقولهم عن التفكير ~~فى أى ms5394 شئ سواه. والمعنى هل بلغك - أيها الرسول الكريم أو أيها المخاطب - ~~حديث يوم القيامة، الذى يغشى الناس بأحواله المفزعة، ويعمهم بشدائده.. إن ~~كان لم يأتك فهذا خبره، وتلك هى أقسام الناس فيه. وافتتاح السورة بهذا ~~الافتتاح - بجانب ما فيه من تشويق - يدل على أهمية هذا الخبر، وأنه من ~~الأخبار التى ينبغى الاستعداد لما اشتملت عليه من معانى لا يصح التغافل ~~عنها. ثم فصل - سبحانه - أحوال الناس فى هذا اليوم فقال { وجوه ~~يومئذ خاشعة }. قال الشوكانى الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر، ~~كأنه قيل ما هو؟ أو مستأنفة استئنافا نحويا، لبيان ما تضمنته من كون ~~ثم وجوه فى ذلك اليوم متصفة بهذه الصفة المذكورة، و " وجوه " مرتفع ~~على الابتداء - وإن كانت نكرة - لوقوعه فى مقام التفصيل.. والتنوين فى " ~~يومئذ " عوض عن المضاف إليه. أى يوم غشيان الغاشية. والخاشعة الذليلة ~~الخاضعة، وكل متضائل ساكن يقال له خاشع.. والمراد بالوجوه أصحابها، من ~~باب التعبير عن الكل بالبعض، وخصت الوجوه بالذكر، لأنها أشرف أعضاء ~~الإنسان، ولأنها هى التى تظهر عليها الآثار المختلفة من حزن أو فرح. أى ~~وجوه فى يوم قيام الساعة، تكون خاشعة ذليلة، تبدو عليها آثار الهوان ~~والانتكاس والخزى، كما قال - تعالى - # وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل... # وهذه الوجوه - أيضا - من صفاتها أنها { عاملة ناصبة } أى مكلفة ~~بالعمل الشاق المرهق الذى تنصب له الوجوه فى هذا اليوم، وتتعب تعبا ~~ما عليه من مزيد، كجر السلاسل، وحمل الأغلال، والخوض فى النار. فقوله { ~~عاملة } اسم فاعل من العمل، والمراد به هنا العمل الشاق المهين. وقوله { ~~ناصبة } من النصب، بمعنى التعب والإعياء يقال نصب فلان بكسر الصاد - ~~كفرح - ينصب نصبا، إذا تعب فى عمله تعبا شديدا. وفى هذه الصفات زيادة ~~توبيخ لأهل النار، لأنهم لما تركوا فى الدنيا الخشوع لله - تعالى - ~~والعمل الصالح، وآثروا متع الدنيا على ثواب الآخرة.. كان جزاؤهم يوم ~~القيامة، الإذلال، والعمل الشاق المهين الذى لا تعقبه راحة. ثم أخبر - ~~سبحانه - عن هذه الوجوه الشقية بأخبار أخرى فقال { تصلى نارا ~~حامية } أى ms5395 أن هذه الوجوه تشوى بالنار الحامية يوم القيامة. # يقال صلى فلان النار فهو يصلاها، إذا لفحته بحرها لفحا شديدا. { ~~تسقى من عين آنية } أى هذه الوجوه يسقى أصحابها من عين قد ~~بلغت النهاية فى الحرارة والغليان، إذ الشئ الآنى، هو الذى بلغ النهاية ~~فى الحرارة، يقال أنى الماء يأنى - كرمى يرمى -، إذا بلغ الغاية فى ~~الغليان، ومنه قوله - تعالى - # يطوفون بينها وبين حميم آن # قال الإمام ابن جرير قوله { تسقى من عين آنية } أى تسقى ~~أصحاب هذه الوجوه من شراب عين قد أنى حرها، فبلغ غايته فى شدة الحر، ~~وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل.. فعن ابن عباس هى التى قد طال ~~أنيها - أى حرها -. وقال بعضهم عنى بقوله { من عين آنية } أى ~~من عين حاضرة - أى حاضرة لعذابهم. وقوله - تعالى - { ليس لهم ~~طعام إلا من ضريع. لا يسمن ولا يغني من جوع }. ~~والضريع هو شجر فى النار يشبه الشوك، فيه ما فيه من المرارة والحرارة ~~وقبح الرائحة. وقوله { يسمن } من السمن - بكسر السين وفتح الميم - وهو ~~وفرة اللحم والشحم فى الحيوان وغيره. يقال فلان أسمنه الطعام، إذا عاد ~~عليه بالسمن. وقوله { يغنى } من الإغناء ودفع الحاجة، يقال أغنانى هذا ~~الشئ عن غيره، إذا كفاه واستغنى به عن سواه. أى أن أصحاب هذه الوجوه ~~التعيسة بجانب شرابهم من الماء البالغ النهاية فى الحرارة، لهم - أيضا - ~~طعام من أقبح الطعام وأردئه وأشنعه وأشده مرارة.. هذا الطعام لا يأتى ~~بسمن، ولا يغنى من جوع، بل إن آكله ليزدرده رغما عنه. فأنت ترى أن الله - ~~تعالى - قد أخبر عن أصحاب هذه الوجوه الشقية بجملة من الأخبار المحزنة ~~المؤلمة، التى منها ما يتعلق بهيئاتهم، ومنها ما يتعلق بأحوالهم، ومنها ~~ما يتعلق بشرابهم، ومنها ما يتعلق بطعامهم. ووصف - سبحانه - طعامهم بأنه ~~لا يسمن ولا يغنى من جوع، لزيادة تقبيح هذا الطعام، وأنه شر محض، لا مكان ~~لأية فائدة معه. قال صاحب الكشاف الضريع اليابس من نبات الشبرق، وهو جنس ~~من الشوك، ترعاه الإبل ms5396 ما دام رطبا، فإذا يبس تحامته الإبل وهو سم ~~قاتل.. فإن قلت كيف قيل { ليس لهم طعام إلا من ضريع } ~~وفى الحاقة # ولا طعام إلا من غسلين # قلت العذاب ألوان، والمعذبون طبقات، فمنهم أكلة الزقوم، ومنهم أكلة ~~الغسلين، ومنهم أكلة الضريع. والضريع منفعتا الغذاء منفيتان عنه وهما ~~إماطة الجوع، وإفادة القوة والسمن فى البدن. أو أريد أن لا طعام لهم ~~أصلا، لأن الضريع ليس بطعام للبهائم، فضلا عن الإنس، لأن الطعام ما أشبع ~~أو أسمن، وهما منه بمعزل، كما تقول ليس لفلان ظل إلى الشمس. نريد نفى ~~الظل على التوكيد. # . وبعد هذا الحديث المؤثر عن الكافرين وسوء عاقبتهم.. جاء الحديث عن ~~المؤمنين ونعيمهم، فقال - تعالى - { وجوه يومئذ ناعمة. ~~لسعيها راضية. في جنة عالية }. قال الآلوسى قوله { ~~وجوه يومئذ ناعمة } شروع فى رواية حديث أهل الجنة، وتقديم ~~حكاية أهل النار، لأنه أدخل فى تهويل الغاشية، وتفخيم حديثها، ولأن حكاية ~~حسن حال أهل الجنة، بعد حكاية سوء أهل النار، مما يزيد المحكى حسنا ~~وبهجة... وإنما لم تعطف هذه الجملة على تلك الجملة، إيذانا بكمال التباين ~~بين مضمونهما.. أى وجوه كثيرة تكون يوم القيامة، ذات بهجة وحسن، وتكون ~~متنعمة فى الجنة بما أعطاها - سبحانه - من خير عميم، جزاء عملها الصالح ~~فى الدنيا. { لسعيها راضية } أى لعملها الذى عملته فى الدنيا ~~راضية، لأنها قد وجدت من الثواب عليه فى الآخرة، أكثر مما كانت تتوقع ~~وترجو. فالمراد بالسعى العمل الذى كان يعمله الإنسان فى الدنيا، ويسعى ~~به من أجل الحصول على رضا خالقه، وهو متعلق بقوله { راضية }. وقدم عليه ~~للاعتناء بشأن هذا السعى. وقوله - تعالى - { في جنة عالية } ~~بيان لسمو مكانتهم. أى هم كائنون فى جنة عالية، مرتفعة المكان والمكانة، ~~فقد وصفت الجنة بالعلو، للمبالغة فى حسنها وفى علو منزلتها، فقد جرت ~~العادة أن تكون أحسن الجنات، ما كانت مرتفعة على غيرها. ثم وصف - سبحانه ~~- هذه الجنة بجملة من الصفات الكريمة فقال { لا تسمع فيها ~~لاغية }. أى لا تسمع فى هذه الجنة كلمة ذات لغو. ms5397 واللغو هو الكلام ~~الساقط الذى لا فائدة فيه. أى إنك - أيها المخاطب - لا تسمع فى الجنة إلا ~~الكلام الذى تسر له نفسك، وتقر به عينك،فلفظ اللاغية هنا مصدر بمعنى ~~اللغو، مثل الكاذبة للكذب، وهو صفة لموصوف محذوف. { فيها عين ~~جارية } أى فى هذه الجنة عيون تجرى بالماء بالعذب الزلال المتدفق. ~~قال صاحب الكشاف قوله { فيها عين جارية } يريد عيونا فى غاية ~~الكثرة كقوله # علمت نفس ما قدمت وأخرت # فالمراد بالعين عنا جنس العيون، وبالجارية التى لا ينقطع ماؤها.. { ~~فيها سرر مرفوعة } أى فى الجنة أماكن يجلس عليها أهلها جلوسا ~~مرتفعا عن الأرض. وينامون فوقها نوما هادئا لذيذا.. والسرر جمع سرير، وهو ~~الشئ ذو القوائم المرتفعة الذى يتخذ للجلوس والاضطجاع. ووصف - سبحانه - ~~هذه السرر بالارتفاع، لزيادة تصوير حسنها. { وأكواب موضوعة } ~~والأكواب جمع كوب. وهو عبارة عن الإناء الذى تشرب فيه الخمر. أى وفى ~~الجنة أكواب كثيرة قد وضعت بين أيدى أهلها، بحيث يشربون من الخمر التى ~~وضعت فيها، دون أن يجدوا أى عناء فى الحصول عليها. { ونمارق ~~مصفوفة } والنمارق جمع نمرقة - بضم النون وسكون الميم وضم الراء -، ~~وهى الوسادة الصغيرة التى يتكئ عليها الجالس والمضجع. # أى وفى الجنة وسائد كثيرة، قد صف بعضها إلى جانب بعض صفا جميلا، بحيث ~~يجدها الجالس قريبة منه فى كل وقت. { وزرابي مبثوثة } ~~والزرابى جمع زربية - بتثليث الزاى - وهى البساط الواسع الفاخر، أو ما ~~يشبهه من الأشياء الثمينة التى تتخذ للجلوس عليها. والمبثوثة أى المنتشرة ~~على الأرض، من البث بمعى النشر، كما فى قوله - تعالى - # وبث فيها من كل دآبة # أى وفيها بسط فاخرة جميلة.. مبسوطة فى كل مكان، ومتفرقة فى كل مجلس. ~~فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف الجنة التى أعدها - سبحانه - لعباده ~~المتقين بعدد من الصفات الكريمة المتنوعة. وصفها بأنها عالية فى ذاتها، ~~وبأنها خالية من الكلام الساقط، وبأن مياهها لا تنقطع، وبأن أثاثها فى ~~غاية الفخامة، حيث اجتمع فيها كل ما هو مريح ولذيذ. نسأل الله - تعالى - ~~أن يجعلنا جميعا من أهلها. ms5398 ثم ساق - سبحانه - أنواعا من الأدلة المشاهدة، ~~التى لا يستطيع أحد إنكارها، ليلفت أنظار الناس إلى مظاهر قدرته ~~ووحدانيته. فقال - تعالى - { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف ~~خلقت. وإلى السمآء كيف رفعت. وإلى الجبال ~~كيف نصبت. وإلى الأرض كيف سطحت }. والاستفهام ~~للتقريع والتوبيخ، والتحريض على التأمل والتفكر، والفاء للعطف على مقدر ~~يقتضيه المقام، والمراد بالنظر التدبر فى تلك المخلوقات، فإن من شأن هذا ~~التدبر، أنه يؤدى إلى الاعتبار والانتفاع.. والخطاب لأولئك الكافرين ~~الجاهلين، الذين أمامهم الشواهد الواضحة على وحدانية الله - تعالى - ~~وقدرته، ومع ذلك لم ينتبهوا لها. والمعنى أيستمر هؤلاء الكافرون فى جهلهم ~~وضلالهم، وفى إنكارهم لأمر البعث والحساب والجزاء.. فلا ينظرون نظر ~~اعتبار وتأمل، إلى الإبل - وهى أمام أعينهم - كيف خلقها الله ما - تعالى ~~- بهذه الصورة العجيبة، وأوجد فيها من الأعضاء المتناسقة، ومن التكوين ~~الخلقى، ما يجعلها تؤدى وظيفتها النافعة لبنى آدم، على أكمل وجه، فمن ~~لبنها يشربون، ومن لحمها يأكلون وعلى ظهرها يسافرون، وأثقالهم عليها ~~يحملون. وخص - سبحانه - الإبل بالذكر من بين سائر الحيوانات، لأنها أعز ~~الأموال عند العرب، وأقربها إلى مألوفهم وحاجتهم، وأبدعها خلقا وهيئة ~~وتكوينا. قال صاحب الكشاف قوله - تعالى - { أفلا ينظرون إلى ~~الإبل } نظر اعتبار { كيف خلقت } خلقا عجيبا، دالا على تقدير ~~مقدر، شاهدا بتدبير مدبر، حيث خلقها للنهوض بالأثقال، وجرها إلى البلاد ~~الشاحطة، أى البعيدة، فجعلها تبرك حتى تحمل عن قرب ويسر، ثم تنهض بما ~~حملت، وسخرها منقادة لكل من اقتادها بأزمتها، لا تعارض ضعيفا، ولا تمانع ~~صغيرا. فإن قلت كيف حسن ذكر الإبل، مع السماء والجبال والأرض، ولا ~~مناسبة؟.. قلت قد انتظم هذه الأشياء، نظر العرب فى أوديتهم وبواديهم، ~~فانتظمها الذكر على حسب ما انتظمها نظرهم. # . وقوله - تعالى - { وإلى السمآء كيف رفعت } أى وهلا ~~نظروا إلى السماء نظر اعتبار واتعاظ، فعرفوا أن الذى خلقها هذا الخلق ~~البديع، بأن رفعها بدون أعمدة.. هو الله - عز وجل -. { وإلى ~~الجبال كيف نصبت } أى كيف وجدت بهذا الوضع الباهر بأن نصبت على ~~وجه الأرض نصبا ثابتا راسخا. يحمى ms5399 الأرض من الاضطراب والتزلزل. { وإلى ~~الأرض كيف سطحت } أى كيف سويت وفرشت وبسطت بطريقة تجعل الناس ~~يتمكنون من الانتفاع بخيرها، ومن الاستقرار عليها، وهذا لا ينافى كونها ~~كروية، لأن الكرة إذا اشتد عظمها.. كانت القطعة منها كالسطح فى إمكان ~~الانتفاع بها. وبعد هذا التوبيخ لأولئك المشركين الذين عموا وصموا عن ~~الحق، ولم ينتبهوا لآيات الله - تعالى - الدالة على قدرته ووحدانيته.. ~~أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يداوم على التذكير بدعوة ~~الحق، فقال { فذكر إنمآ أنت مذكر. لست عليهم ~~بمصيطر }. والفاء فى قوله { فذكر } للتفريع، وترتيب ما بعدها على ~~ما قبلها. والأمر مستعمل فى طلب الاستمرار والدوام فى دعوته الناس إلى ~~الحق، ومفعول " فذكر " محذوف للعلم به. وجملة " إنما أنت مذكر " تعليل ~~للأمر بالمواظبة على تبليغ الناس ما أمره بتبليغه. والمصيطر هو المتسلط، ~~المتجبر، الذى يجبر الناس على الانقياد لما يأمرهم به. وقد قرأ الجمهور ~~هذا اللفظ بالصاد، وقرأ ابن عامر بالسين. أى إذا كان الأمر كما بينا لك - ~~أيها الرسول الكريم - من أحوال الناس يوم الغاشية، ومن أننا نحن الذين ~~أوجدنا هذا الكون بقدرتنا.. فداوم - أيها الرسول الكريم - على دعوة الناس ~~إلى الدين الحق، فهذه وظيفتك التى لا وظيفة لك سواها، وكل أمرهم بعد ~~ذلك إلينا، فأنت لست بمجبر لهم أو مكره إياهم على اتباعك، وإنما أنت عليك ~~البلاغ ونحن علينا الحساب. وقوله - سبحانه - { إلا من تولى ~~وكفر. فيعذبه الله العذاب الأكبر } كلام معترض بين ~~قوله { فذكر.. } وبين قوله - تعالى - بعد ذلك { إن إلينآ ~~إيابهم } والاستثناء فيه استثناء منقطع، و " إلا " بمعنى لكن، و " ~~من " موصولة مبتدأ.. والخبر. " فيعذبه الله العذاب الأكبر ". أى داوم - ~~أيها الرسول الكريم - على التذكير.. لكن من تولى وأعرض عن تذكيرك ~~وإرشادك، وأصر على كفره، فنحن الذين سنتولى تعذيبهم تعذيبا شديدا. ثم ختم ~~- سبحانه - السورة الكريمة بقوله { إن إلينآ إيابهم. ثم ~~إن علينا حسابهم }. وهاتان الآيتان تعليل لقوله - تعالى - ~~قبل ذلك { لست عليهم بمصيطر }. والإياب مأخوذ من الأوب ~~بمعنى الرجوع إلى المكان الذى ms5400 كان فيه قبل ذلك. والمراد به هنا الرجوع ~~إلى الله - تعالى - يوم القيامة للحساب والجزاء. # أى داوم - أيها الرسول الكريم - على تذكير الناس بدعوة الحق، بدون إجبار ~~لهم، أو تسلط عليهم، واتركهم بعد ذلك وشأنهم.. فإن إلينا وحدنا رجوعهم ~~بعد الموت لا إلى أحد سوانا، ثم إن علينا وحدنا - أيضا - حسابهم على ~~أعمالهم، ومجازاتهم عليها بالجزاء الذى نراه مناسبا لهم. وصدر - سبحانه - ~~الآيتين بحرف التأكيد " إن " وعطف الثانية على الأولى بحرف " ثم " المفيد ~~للتراخى فى الرتبة، وقدم خبر " إن " فى الجملتين على اسمها.. لإفادة ~~التهديد والوعيد، وتأكيد أن رجوعهم إليه - تعالى - أمر لا شك فيه. وإن ~~حسابهم يوم القيامة سيكون حسابا عسيرا، لأنه صادر عمن لا تخفى عليه خافية ~~فى الأرض ولا فى السماء. ### | [89 - سورة الفجر] ### || [89.1-14] # افتتح - سبحانه - السورة الكريمة بالقسم بخمسة أشياء لها شرفها وعظمها، ~~ولها فوائدها الدينية والدنيوية.. ولها دلالتها الواضحة على كمال قدرته - ~~تعالى -. أقسم أولا - بالفجر، وهو وقت انفجار الظلمة عن النهار من كل ~~يوم، ووقت بزوغ الضياء وانتشاره على الكون بعد ليل بهيم. فالمراد بالفجر ~~الوقت الذى يبدأ فيه النهار فى الظهور، بعد ظلام الليل، والتعريف فيه ~~للجنس، لأن المقصود هذا الوقت من كل يوم. وقيل المراد بالفجر هنا صلاة ~~الفجر، لأنها صلاة مشهودة، أى تشهدها الملائكة، كما أن التعريف فيه ~~للعهد، فقيل فجر يوم النحر، وقيل فجر يوم الجمعة.. ويبدو لنا أن الرأى ~~الأول أرجح، لأن قوله - تعالى - بعد ذلك { وليال عشر } يرجح أن ~~المراد به وقت معين. هذا الوقت يوجد مع كل يوم جديد. وأقسم - سبحانه - ~~ثانيا بقوله { وليال عشر } والمراد بها الليالى العشر الأول من ~~شهر ذى الحجة، لأنها وقت مناسك الحج، ففيها الإحرام، والطواف، والوقوف ~~بعرفة.. وقيل المراد بها الليالى العشر الأواخر من رمضان وقيل الليالى ~~العشر الأول من شهر المحرم.. قال الإمام ابن كثير والليالى العشر ~~المراد بها عشر ذى الحجة. كما قاله ابن عباس وابن الزبير، ومجاهد، وغير ~~واحد من السلف والخلف. وقد ثبت فى صحيح البخارى، ms5401 عن ابن عباس مرفوعا # " ما من أيام العمل الصالح، أحب إلى الله - تعالى - فيهن، من هذه الأيام ~~- يعنى عشر ذى الحجة - قالوا ولا الجهاد فى سبيل الله؟ قال ولا الجهاد فى ~~سبيل الله، إلا رجلا خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشئ ". # وقيل المراد بذلك العشر الأول من المحرم. وقيل العشر الأول من ~~رمضان. والصحيح القول الأول.. وأقسم - سبحانه - ثالثا ورابعا بقوله { ~~والشفع والوتر } والشفع ما يكون ثانيا لغيره، والوتر هو الشئ ~~المنفرد. وقد ذكرالمفسرون فى المراد بهذين اللفظين أقوالا متعددة، فمنهم ~~من يرى أنهما يعمان كل الأشياء شفعها ووترها، ومنهم من يرى أن المراد ~~بالشفع يوم النحر، لكونه اليوم العاشر من ذى الحجة، وأن المراد بالوتر ~~يوم عرفة، لأنه اليوم التاسع من شهر ذى الحجة. ومنهم من يرى أن المراد ~~بهما الصلاة المكتوبة، ما كان منها شفعا، كصلاة الظهر والعصر والعشاء ~~والصبح، وما كان منها وترا كالمغرب. ومنهم من يرى أن المراد بالشفع جميع ~~المخلوقات، وبالوتر الله - تعالى - الواحد الصمد. وقد رجح بعض العلماء ~~هذا القول فقال ما ملخصه والواقع أن أقرب الأقوال عندى - والله أعلم -. ~~أن المراد بالوتر، هو الله - تعالى -، للحديث # " إن الله وتر يحب الوتر " # وما سواه شفع.. لأنه ثبت علميا أنه لا يوجد كائن موجود بمعنى الوتر قط، ~~حتى الحصاة الصغيرة، فإنه ثبت أن كل كائن جماد أو غيره مكون من ذرات، ~~والذرة لها نواة ومحيط. ولهذا كان القول بأن الوتر هو الله، وبأن الشفع ~~جميع المخلوقات.. هو الراجح، وهو الأعم فى المعنى. وأقسم - سبحانه - ~~خامسا - بقوله { والليل إذا يسر } أى وحق الليل عندما يسرى ~~ويمضى، تاركا من خلفه ظلامه، ليحل محله النهار بضيائه. أو المعنى وحق ~~الليل وقت أن يسرى فيه السارون، بعد أن أخذوا حظهم من النوم، فإسناد ~~السرى إلى الليل على سبيل المجاز، كما فى قولهم ليل نائم، أى ينام فيه ~~الناس، وقرأ الجمهور { يسر } بحذف الياء وصلا ووقفا، اكتفاء عنها بالكسرة ~~تخفيفا. وقرأ نافع وأبو عمرو بإثبات الياء عند ms5402 الوصل، وبحذفها عند الوقف. ~~والمراد بالليل هنا عمومه، وقيل المراد به هنا ليلة القدر، أو ليلة ~~المزدلفة. والاستفهام فى قوله - تعالى - { هل في ذلك قسم لذى ~~حجر } للتقرير والتعظيم لما أقسم به - سبحانه - من مخلوقات. واسم ~~الإشارة " ذلك " يعود إلى تلك الأشياء التى أقسم الله - تعالى - بها. ~~والمراد بالحجر العقل، وسمى بذلك لأنه يحجر صاحبه ويمنعه عن ارتكاب ~~ما لا ينبغى، كما سمى عقلا، لأنه يعقل صاحبه عن ارتكاب السيئات، كما ~~يعقل العقال البعير عن الضلال. والمعنى هل فى ذلك الذى أقسمنا به من ~~الفجر، والليالى العشر، والشفع والوتر.. قسم، أى مقسم به، حقيق أن تؤكد ~~به الأخبار عند كل ذى عقل سليم؟. مما لا شك فيه أن كل ذى عقل سليم، يعلم ~~تمام العلم، أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء حقيق أن يقسم به، لكونها ~~- أى هذه الأشياء - أمورا جليلة، خليقة بالإقسام بها لفخامة شأنها، كما ~~أن كل ذى عقل سليم يعلم - أيضا - أن المقسم بهذا المقسم، وهو الله - عز ~~وجل - صادق فيما أقسم عليه. فالمقصود من وراء القسم بهذه الأشياء، تحقيق ~~المقسم عليه. بأسلوب فيه ما فيه من التأكيد والتشويق وتحقيق المقسم عليه. ~~وجواب القسم محذوف دل عليه قوله - تعالى - بعد ذلك { ألم تر كيف ~~فعل ربك بعاد }. إلى قوله { فصب عليهم ربك سوط ~~عذاب }. والتقدير وحق هذه المخلوقات لتعذبن - أيها الكافرون - كما عذب ~~الذين من قبلكم، مثل عاد وثمود وفرعون. قال الجمل فإن قلت ما فائدة قوله ~~- تعالى - { هل في ذلك قسم لذى حجر }. بعد أن أقسم - ~~سبحانه - بالأشياء المذكورة؟ قلنا هو لزيادة التأكيد والتحقيق للمقسم ~~عليه، كمن ذكر حجة باهرة، ثم قال أفيما ذكرته حجة؟. # وجواب القسم محذوف، أى لتعذبن يا كفار مكة، وقيل هو مذكور وهو قوله { ~~إن ربك لبالمرصاد } ، وقيل محذوف لدلالة المعنى عليه، أى ~~لنجازين كل أحد بعمله.. ثم ذكر - سبحانه - على سبيل الاستشهاد، ما أنزله ~~من عذاب مهين، بالأقوام المكذبين. فقال - تعالى - { ألم تر كيف ~~فعل ربك بعاد }. والاستفهام فى ms5403 قوله { ألم تر.. } ~~للتقرير، والرؤية علمية، تشبيها للعلم اليقينى بالرؤية فى الوضوح ~~والانكشاف، لأن أخبار هذه الأمم كانت معلومة للمخاطبين. ويجوز أن تكون ~~الرؤية بصرية، لكل من شاهد آثار هؤلاء الأقوام البائدين.. والمراد بعاد ~~تلك القبيلة المشهورة بهذا الاسم، والتى كانت تسكن الأحقاف، وهو مكان فى ~~جنوب الجزيرة العربية، معروف للعرب، قال - تعالى - # وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله ~~واتبعوا أمر كل جبار عنيد # سموا بذلك نسبة إلى أبيهم عاد بن عوص، بن إرم، بن سام، بن نوح - عليه ~~السلام - فقوله - تعالى - { إرم } عطف بيان لعاد، لأنه جده الأدنى. وقوله ~~- تعالى - { ذات العماد } صفة لعاد، و " ذات " وصف مؤنث لأن المراد ~~بعاد القبيلة، سمى أولاده باسمه، كما سمى بنو هاشم هاشما. والمقصود بهذه ~~القبيلة عاد الأولى، التى أرسل الله - تعالى - إليهم هودا - عليه السلام ~~-. وكانوا معروفين بقوتهم وضخامة أجسامهم.. وقد جاء الحديث عنهم كثيرا فى ~~القرآن الكريم، ومن ذلك قوله - تعالى - # فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق ~~وقالوا من أشد منا قوة.. # وقوله - سبحانه - { التي لم يخلق مثلها في البلاد } ~~صفة أخرى لقبيلة عاد. والمعنى لقد وصل إلى علمك - أيها الرسول الكريم - ~~بصورة يقينية، خبر قبيلة عاد، التى جدها الأدنى " إرم بن سام بن نوح " ~~والتى كانت تسكن بيوتا ذات أعمدة، ترفع عليها خيامهم ومبانيهم الفارهة.. ~~والتى لم يخلق مثلها - أى مثل هذه القبيلة - أحد فى ضخامة أجسام أفرادها، ~~وفى قوة أبدانها، وفيما أعطاها الله - تعالى - من غنى وقوة. قال الإمام ~~ابن كثير ما ملخصه قوله - تعالى - { ألم تر كيف فعل ربك ~~بعاد. إرم ذات العماد. التي لم يخلق مثلها في ~~البلاد } هؤلاء كانوا متمردين عتاة.. فذكر - سبحانه - كيف أهلكهم. ~~وهؤلاء هم عاد الأولى، وهم أولاد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح، وهم ~~الذين أرسل الله إليهم نبيهم هودا - عليه السلام - فكذبوه فأهلكهم الله - ~~تعالى -. فقوله { إرم ذات العماد } عطف بيان، زيادة تعريف بهم. ~~وقوله { ذات العماد } لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشعر التى ترفع ~~بالأعمدة ms5404 الشداد. وقال ها هنا { التي لم يخلق مثلها في ~~البلاد } أى القبيلة التى لم يخلق مثلها فى بلادهم، لقوتهم وشدتهم، ~~وعظم تركيبهم. # . فالضمير فى { مثلها } يعود إلى القبيلة. ومن زعم أن المراد بقوله { ~~إرم ذات العماد } مدينة إما دمشق أو الاسكندرية.. ففيه نظر.. ~~لأن المراد إنما هو الإخبار عن إهلاك القبيلة المسماة بعاد، وليس المراد ~~الإخبار عن مدينة أو إقليم. وإنما نبهت على ذلك لئلا يغتر بما ذكره ~~جماعة من المفسرين من أن المراد بقوله - تعالى - { إرم ذات ~~العماد... } مدينة مبنية بلبن الذهب والفضة.. فهذا كله من خرافات ~~الإسرائيلين.. وقوله - تعالى - { وثمود الذين جابوا ~~الصخر بالواد. وفرعون ذى الأوتاد } معطوف على ما ~~قبله. والمراد بثمود القبيلة المسماة بهذا الاسم، نسبة إلى جدها ثمود، ~~وقد أرسل الله - تعالى - إليهم نبيهم صالحا - عليه السلام - فكذبوه، ~~فأهلكهم الله - تعالى -. وكانت مساكنهم بين الشام والحجاز، ومازالت ~~معروفة حتى الآن باسم قرى صالح. وقوله { جابوا } بمعنى قطعوا. من ~~الجوب بمعنى القطع والخرق، والصخرة الحجارة العظيمة. والواد اسم للأرض ~~المنخفضة بين مكانين مرتفعين، وكان هؤلاء القوم يقطعون الصخور من الجبال، ~~ليتخذوا منها بيوتهم بواديهم، أى بالمكان الذى كانوا يسكنونه. فقوله { ~~بالواد } علم بالغلبة للمكان الذى كانوا يسكنون فيه، ويسمى بوادى القرى، ~~وقد قال - تعالى - فى شأنهم # وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين # والمراد بفرعون هنا هو وقومه. والمراد بالأوتاد الجنود والعساكر الذين ~~يشدون ملكه ويقوونه، كما تشد الخيام وتقوى بالأوتاد. قال الآلوسى وصف ~~فرعون بذلك لكثرة جنوده وخيامهم، التى يضربون أوتادها فى منازلهم، أو ~~لأنه كان يدق لمن يريد تعذيبه أربعة أوتاد، ويشده بها.. وقال بعض العلماء ~~ووصف فرعون بذى الأوتاد، لأن مملكته كانت تحتوى على الأهرامات، التى ~~بناها أسلافه، لأن صورة الهرم على الأرض تشبه الوتد المدقوق، ويجوز أن ~~يكون المراد بالأوتاد التمكن والثبات على سبيل الاستعارة، أى ذى القوة.. ~~وقال صاحب الظلال { وفرعون ذى الأوتاد } وهى على الأرجح ~~الأهرامات، التى تشبه الأوتاد الثابتة فى الأرض المتينة البنيان، وفرعون ~~المشار إليه هنا، هو فرعون الطاغية الجبار، ms5405 الذى أرسل الله - تعالى - ~~إليه موسى - عليه السلام -.. والمعنى لقد علمت - أيها الرسول الكريم - ~~وعلم معك كل من هو أهل للخطاب، ما فعله ربك بقبيلة عاد، التى جدها إرم بن ~~سام بن نوح، والتى كانت صاحبة أعمدة عظيمة ترفع عليها بيوتها، والتى لم ~~يخلق فى بلادها مثلها فى القوة والغنى. وعلمت - أيضا - ما فعله ربك بقوم ~~ثمود، الذين قطعوا صخر الجبال، واتخذوا منها بيوتا بوادى قراهم، التى ما ~~زالت معروفة. وعلمت - كذلك - ما فعلناه بفرعون صاحب المبانى القوية ~~الفخمة وصاحب الجنود والعساكر الذين يشدون ملكه. و { الذين طغوا ~~في البلاد } فأفسدوها، وتجاوزوا كل حد فى العصيان والظلم. # { فأكثروا فيها } أى فى البلاد { الفساد } عن طريق الفسوق ~~والخروج عن طاعتنا. { فصب عليهم ربك سوط عذاب } أى ~~فكانت نتيجة طغيانهم وفسادهم، أن أنزل ربك عليهم، نوعا عظيما من العذاب ~~المهين. والسوط آلة تتخذ من الجلود القوية، يضرب بها الجانى، وإضافتها ~~إلى العذاب، من إضافة الصفة إلى الموصوف. أى فصب عليهم ربك عذابا. " سوطا ~~" أى كالسوط فى سرعته، وشدته وتتابعه، فهو تشبيه بليغ. وعبر - سبحانه - ~~على إنزال العذاب بهم بالصب - وهو الإفراغ لما فى الظرف بقوة - للإيذان ~~بكثرته وتتابعه. وسميت أنواع العذاب النازلة بهم سوطا تسمية للشئ باسم ~~آلته. قال صاحب الكشاف وذكر السوط. إشارة إلى أن ما أحله بهم فى الدنيا ~~من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعد لهم فى الآخرة، كالسوط إذا قيس إلى ~~سائر ما يعذب به. وعن عمر بن عبيد كان الحسن إذا أتى على هذه الآية قال ~~إن عند الله أسواطا كثيرة، فأخذهم بسوط منها.. وقوله - سبحانه - { إن ~~ربك لبالمرصاد } تذييل وتعليل لإصابتهم بسوط عذاب. والمرصاد ~~فى الأصل اسم للمكان الذى يجلس فيه الجالس لترقب أو رؤية شئ ما. والمراد ~~إن ربك - أيها الرسول الكريم - يرصد عمل كل إنسان، ويحصيه عليه، ويجازيه ~~به، دون أن يخفى عليه - سبحانه - شئ فى الأرض أو السماء. وفى هذه الآيات ~~الكريمة تخويف شديد للكافرين، وتهديد لهم على إصرارهم فى جحودهم، وأنهم ~~إذا ms5406 ما ساروا فى طريق الجحود والعناد، فسيصيبهم ما أصاب هؤلاء الطغاة. ثم ~~ذكر - سبحانه - حال الإنسان عند اليسر والعسر، والغنى والفقر، والسراء ~~والضراء فقال { فأما الإنسان إذا... }. ### || [89.15-30] # الفاء فى قوله { فأما الإنسان... } للتفريع على ما تقدم، ولترتيب ~~ما بعدها على ما قبلها. والمراد بالإنسان هنا جنسه. وقيل المراد به ~~الكافر. ولفظ " الإنسان " مبتدأ، وخبره { فيقول ربي أكرمن ~~}. والمعنى هذه سنة ربك - أيها العاقل - فى عباده، أنه - تعالى - لهم ~~بالمرصاد، فهو يراقب أعمالهم، ويحاسبهم عليها، ويجازيهم بها، والسعيد من ~~الناس هو الذى يفقه هذه الحقيقة، فيؤدى ما كلفه خالقه به... فأما ~~الإنسان، الشقى الغافل عن طاعة ربه.. { إذا ما ابتلاه ربه ~~فأكرمه ونعمه } أى إذا ما اختبره وامتحنه ربه بألوان من ~~النعم، بأن منحه المال الكثير، والجاه العريض، وأسباب القوة والمنعة { ~~فيقول } على سبيل التباهى والتفاخر.. { ربي أكرمن } أى ربى ~~أعطانى ذلك، لأنى مستحق لهذه النعم، كما قال - تعالى - # ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضرآء مسته ~~ليقولن هذا لي ومآ أظن الساعة قآئمة ولئن ~~رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى # وقوله - سبحانه - { وأمآ إذا ما ابتلاه فقدر عليه ~~رزقه.. } بيان لموقف هذا الإنسان عند فقره. أى وأما إذا ما امتحنا ~~هذا الإنسان بسلب بعض النعم عنه، وبضيق الرزق.. { فيقول } على سبيل ~~التضجر والتأفف وعدم الرضا بقضائه - سبحانه - { ربي أهانن } أى ~~ربى أذلنى بالفقر، وأنزل بى الهوان والشرور. وقول هذا الإنسان فى ~~الحالين، قول مذموم، يدل على سوء فكره، وقصور نظره، وانطماس بصيرته، لأنه ~~فى حالة العطاء والسعة فى الرزق. يتفاخر ويتباهى، ويتوهم أن هذه النعم هو ~~حقيق وجدير بها، وليست من فضل الله - تعالى - وكأنه يقول ما قاله قارون # إنمآ أوتيته على علم عندي # وفى حالة المنع والضيق فى الرزق يجزع، ويأبى أن يرضى بقضاء الله وقدره.. ~~ولا يخطر بباله أن نعم الله، إنما هى فضل تفضل به - سبحانه - عليه ~~ليختبره، أيشكر أم يكفر. وأن تضييقه عليه فى الرزق، ليس من الإهانة فى ~~شئ، بل هو للابتلاء - أيضا ms5407 - والامتحان، كما قال - تعالى - # ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون # قال الإمام الشوكانى عند تفسيره لهاتين الآيتين وهذه صفة الكافر الذى ~~لا يؤمن بالبعث، لأنه لا كرامة عنده إلا الدنيا والتوسع فى متاعها، ولا ~~إهانة عنده إلا فوتها وعدم وصوله إلى ما يريد من زينتها، فأما المؤمن ~~فالكرامة عنده أن يكرمه الله بطاعته، ويوفقه لعمل الآخرة. ويحتمل أن يراد ~~الإنسان على العموم، لعدم تيقظه أن ما صار إليه من الخير، وما أصيب به ~~من الشر فى الدنيا، ليس إلا للاختبار والامتحان، وأن الدنيا بأسرها، لا ~~تعدل عند الله - تعالى - جناح بعوضة. # . واقتصر - سبحانه - فى الآية الكريمة على تقتير الرزق، فى مقابلة ~~النعمة، دون غير ذلك من الأمراض والآفات، للإشعار بأن هذا الإنسان ~~يعتبر دنياه جنته ومنتهى آماله، فهو لا يفكر إلا فى المال ولا يحزن إلا ~~من أجله، وأن المقياس عنده لمقادير الناس هو على حسب ما عندهم من أموال ~~كما قال شاعرهم # فلو شاء ربى كنت قيس بن عاصم ولو شاء ربى كنت عمرو بن مرثد ~~فأصبحت ذا مال كثير وطاف بى بنون كرام، سادة لمسود # ولما كان هذا القول مذموما من هذا الإنسان فى الحالين. لعدم شكره لله - ~~تعالى - فى حالة الرخاء، ولعدم صبره على قضائه فى حالة البأساء. لما كان ~~الأمر كذلك جاء حرف الردع بعد ذلك فقال - تعالى - { كلا بل لا ~~تكرمون اليتيم. ولا تحآضون على طعام المسكين ~~} فقوله - تعالى - { كلا } زجر وردع عن قول هذا الإنسان { ربي ~~أكرمن } عند حصول النعمة، وعن قوله { ربي أهانن } عند حصول ~~التقتير فى الرزق، لأن الله - تعالى - قد يوسع على الكافر وهو مهان ~~ومبغوض منه - تعالى -، وقد يضيق - سبحانه - على المؤمن مع محبته له، وكلا ~~الأمرين حاصل بمقتضى حكمته - عز وجل - والمؤمن الصادق هو الذى يشكر عند ~~الرخاء، ويصبر عند البأساء. و " بل " هنا للإضراب الانتقالى، من ذمهم ~~على القبيح من القول، إلى ذمهم بما هو أشنع منه، وهو ارتكابهم للقبيح من ~~الأفعال. أى كلا ليس قولكم هذا وهو ms5408 أن الإكرام فى الإعطاء، والإهانة ~~فى المنع - هو القبيح فحسب، بل هناك ما هو أقبح منه، وهو أنكم، أيها ~~الكافرون -. { لا تكرمون اليتيم } أى لا تعطفون على اليتيم ~~وهو الذى مات أبوه وهو صغير، بأن تتركوه معرضا للفقر والاحتياج، دون أن ~~تعملوا على تقديم يد المساعدة إليه. { ولا تحآضون على طعام ~~المسكين } أى ولا يحث بعضكم بعضا على إطعام المساكين والبائسين. ~~ونفى الحض على إطعامهم، نفى لإطعامهم من باب أولى، وفى ذلك زيادة ~~لمذلتهم، لأنهم لا يطعمون، ولا يحضون غيرهم عليه، لأنهم قوم خلت قلوبهم ~~من الرحمة والعطف. قال الآلوسى قوله - سبحانه - { بل لا تكرمون ~~اليتيم.. } الخ. انتقال وترق من ذم هذا الإنسان على القبيح من ~~القول، إلى الأقبح من الفعل، والالتفات إلى الخطاب، لتشديد التقريع، ~~وتأكيد التشنيع.. والجمع باعتبار معنى الإنسان، إذ المراد الجنس. أى بل ~~لكم أفعال وأحوال أشد شرا مما ذكر، وأدل على تهالككم على المال، حيث ~~أكرمكم - سبحانه - بكثرة المال، ولكنكم لم تؤدوا ما يلزمكم فيه من إكرام ~~اليتيم. والمراد بطعام المسكين إطعامه، فالطعام مصدر بمعنى الإطعام.. أو ~~المراد به الشئ المطعوم، ويكون الكلام على حذف مضاف. # أى على بذل طعام المسكين.. وقوله - سبحانه - { وتأكلون التراث ~~أكلا لما } بيان لرذيلة ثالثة من رذائلهم المتعددة. والتراث هو ~~المال الموروث عن الغير. والمراد بالأكل مطلق الانتفاع، وخص الأكل ~~بالذكر، لأنه يشمل معظم وجوه التصرفات المالية. واللم الجمع بدون ~~تفرقة بين الحلال والحرام، مأخوذ من قولهم لم الطعام، إذا أكله كله ~~دون أن يترك منه شيئا. أى ومن صفاتكم القبيحة أنكم تأكلون المال الموروث ~~عن غيركم، أكلا شديدا، بحيث لا تتركون منه شيئا، ولا تفرقون بين ما هو ~~حلال أو حرام، ولا بين ما يحمد وما لا يحمد، بل تأخذون حقوقكم وحقوق ~~غيركم من النساء والصبيان. ومن صفاتكم - أيضا - أنكم { وتحبون ~~المال حبا جما } أى حبا كثيرا مع حرص وشره. يقال جم الماء فى ~~الحوض، إذا كثر واجتمع، ومنه الجموع للبئر الكثيرة الماء. والحب المفرط ~~للمال من الصفات الذميمة، ms5409 لأنه يؤدى إلى جمعه من كل طريق، بدون تفرقة بين ~~ما يحل منه وما يحرم. فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هذا النوع من ~~الناس، بأنه قد جمع فى سوء سلوكه، بين النطق بالقبيح من الأقوال، وبين ~~ارتكاب القبيح من الأفعال، وهى ترك اليتيم بلا رعاية، وعدم الحض على ~~إطعام المحتاج، وجمع المال الموروث بدون تفرقة بين حلاله وحرامه، ~~والإفراط فى حب المال بطريقة ذميمة. وبعد هذا الزجر والردع لهم، لسوء ~~أقوالهم وأفعالهم، أخذت السورة الكريمة فى زجرهم وردعهم عن طريق تذكيرهم ~~بأهوال الآخرة فقال - تعالى - { كلا إذا دكت الأرض دكا ~~دكا }. وقوله - تعالى - { كلا إذا دكت الأرض دكا ~~دكا } ردع لهم وزجر عن أفعالهم السابقة، وهى عدم إكرام اليتيم، وعدم ~~الحض على طعام المسكين. وقوله { دكت الأرض } من الدك بمعنى الكسر ~~والدق والزلزلة الشديدة، والتحطيم الجسيم، وانتصب لفظ " دكا " الأول على ~~أنه مصدر مؤكد للفعل، وانتصاب الثانى على أنه تأكيد للأول. وقيل تكرار " ~~دكا " للدلالة على الاستيعاب، كقولك قرأت النحو بابا بابا، أى قرأته كله. ~~قال القرطبى قوله - تعالى - { كلا إذا دكت الأرض.. } أى ما ~~هكذا ينبغى أن يكون الأمر. فهو رد لانكبابهم على الدنيا، وجمعهم لها، فإن ~~من فعل ذلك يندم يوم تدك الأرض، ولا ينفعه الندم، والدك. الكسر والدق، أى ~~زلزلت وحركت تحريكا بعد تحريك. وقوله { دكا دكا } أى مرة بعد مرة، ~~زلزلت فكسر بعضها بعضا فتكسر كل شئ على ظهرها.. وقوله - تعالى - { ~~وجآء ربك... } هذه الآية وأمثالها من آيات الصفات التى يرى السلف ~~وجوب الإيمان بها كما جاءت، بمعنى أننا نؤمن بمجئ الله - تعالى - ولكن ~~من غير تكييف ولا تمثيل، بل نكل علم كيفية مجيئه إلى مشيئته - تعالى -. # والخلف يؤولون ذلك بأى المجئ هنا بمعنى مجئ أمره وقضائه. قال الآلوسى ~~قوله - تعالى - { وجآء ربك... } قال منذر بن سعيد، معناه ظهر - ~~سبحانه - للخلق هنالك، وليس ذلك بمجئ نقلة.. وقيل الكلام على حذف مضاف ~~للتهويل، أى وجاء أمر ربك وقضاؤه. واختار جمع أنه تمثيل لظهور آيات ~~اقتداره ms5410 - تعالى - وتبيين آثار قدرته وسلطانه، مثلت حاله - سبحانه - فى ~~ذلك، بحال الملك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة ما لا يظهر ~~بحضور عساكره ووزرائه وخواصه عن بكرة أبيهم، وأنت تعلم ما للسلف فى ~~المتشابه من الكلام. { والملك } أى جنس الملك، فيشمل جميع ~~الملائكة { صفا صفا } أى مصطفين، أو ذوى صفوف. وقوله - تعالى - { ~~وجيء يومئذ بجهنم } أى وأحضرت جهنم وظهرت وبرزت للكافرين ~~والفاسقين يوم القيامة، يوم تدك الأرض دكا. وقوله { يومئذ } منصوب ~~بقوله { وجئ }. وقوله { بجهنم } قائم مقام الفاعل. روى الإمام ~~مسلم فى صحيحه عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك ~~يجرونها.. ". # { يومئذ } أى فى هذا اليوم العسير، وهو يوم القيامة - وهو بدل من ~~قوله - تعالى - { إذا دكت الأرض } - { يتذكر الإنسان } ~~أى يتذكر ما فرط منه من ذنوب، وما ارتكبه من سيئات، وما وقع فيه من كفر ~~وفسوق عن أمر ربه. { وأنى له الذكرى } أى ومن أين له ~~الانتفاع بهذا التذكر، لأنه تذكر قد جاء فى غير وقت الانتفاع به، وهو وقت ~~الحساب على الأعمال، لا وقت التوبة من السيئ منها. { يقول } هذا ~~الانسان الشقى { يليتني قدمت لحياتي } أى يقول حين يرى ~~العذاب ماثلا أمامه، يقول - على سبيل التحسر والتفجع - يا ليتنى قدمت ~~أعمالا صالحة لأجل حياتى هذه فى الآخرة، فاللام للتعليل، وقدمت أعمالا ~~صالحة فى وقت حياتى فى الدنيا لأنتفع بها فى هذا اليوم، فتكون اللام ~~للتوقيت. { فيومئذ } أى ففى هذا اليوم لا ينفعه الندم ولا التحسر، ~~و { لا يعذب عذابه أحد. ولا يوثق وثاقه أحد } ~~والوثاق الرباط الذى يقيد به الأسير. أى ففى هذا اليوم لا يعذب كعذاب ~~الله أحد، ولا يوثق كوثاقه أحد، فالضمير فى قوله { عذابه } و { ~~ثاقه } يعود إلى الله - تعالى - ولفظ " أحد " فاعل. وقرأ الكسائى { ~~لا يعذب } و { لا يوثق } - بفتح الذال المشددة، وفتح الثاء - ~~على البناء للمفعول، والضمير فى قوله { عذابه } و { وثاقه } يعود للكافر. ms5411 ~~أى فيومئذ لا يعذب أحد مثل عذاب ذلك الإنسان الكافر المتحسر، ولا يوثق ~~أحد مثل وثاقه، ولفظ " أحد " هنا نائب فاعل. # وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - # قال الله إني منزلها عليكم # - أى المائدة - # فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا ~~أعذبه أحدا من العالمين # ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه البشارة العظيمة للمؤمنين فقال { ~~يأيتها النفس المطمئنة. ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية. فادخلي في عبادي. وادخلي جنتي ~~}. والنفس المطمئنة هى النفس الآمنة من الخوف أو الحزن فى يوم القيامة. ~~بسبب إيمانها الصادق، وعملها الصالح، والكلام على إرادة القول. أى يقول ~~الله - تعالى - على لسان ملائكته، إكراما للمؤمنين، عند وفاتهم، أو عند ~~تمام حسابهم يأيتها النفس الآمنة المطمئنة، الناعمة بروح اليقين، الواثقة ~~بفضل الله - تعالى - ورحمته. { ارجعي إلى ربك راضية ~~مرضية } أى ارجعى إلى ربك الذى خلقك، وأنت راضية تمام الرضا بما ~~أعطاك - سبحانه - من ثواب، ومرضى عنك منه - تعالى - بسبب إيمانك الصادق، ~~وعملك الصالح. { فادخلي في عبادي } أى فادخلى فى زمرة عبادى ~~الصالحين المرضيين. { وادخلي جنتي } التى وعدتهم بها، والتى ~~أعددتها لنعيمهم الدائم المقيم. وقد ذكروا أن هذه الآيات الكريمة نزلت فى ~~شأن عثمان بن عفان لما تصدق ببئر رومة. وقيل نزلت فى حمزة بن عبد المطلب ~~حين استشهد. قال القرطبى والصحيح أنها عامة فى نفس كل مؤمن مخلص طائع.. ~~نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا من أصحاب النفوس المطمئنة. وصلى ~~الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.. ### | [90 - سورة البلد] ### || [90.1-20] # افتتحت السورة الكريمة بالقسم، تشويقا لما يرد بعده، وتأكيدا للمقسم ~~عليه. و " لا " فى مثل هذا التركيب، يرى المحققون أنها مزيدة للتأكيد، ~~والمعنى أقسم بهذا البلد. أى مكة المكرمة، وقد جاء القسم بها فى قوله - ~~تعالى - # والتين والزيتون. وطور سينين. وهذا البلد ~~الأمين # قال الشيخ محمد عبده - رحمه الله - قوله { لا أقسم.. } عبارة من ~~عبارات العرب فى القسم، يراد بها تأكيد الخبر، كأنه فى ثبوته وظهوره لا ~~يحتاج إلى قسم. ويقال إنه يؤتى بها فى القسم ms5412 إذا أريد تعظيم المقسم به. ~~كأن القائل يقول إنى لا أعظمه بالقسم، لأنه عظيم فى نفسه، والمعنى فى كل ~~حال على القسم.. وقال بعض العلماء " لا " هذه للنفى، وهذه عبارة تعود ~~العرب أن يقولوها عندما يكون المقسم عليه ظاهرا أمره، كأنه - تعالى - ~~يقول أنا لا أقسم بهذه الأشياء، على إثبات هذا المطلوب الذى أذكره بعد، ~~لأن إثباته أظهر وأجلى وأقوى من أن يحاول محاول إثباته بالقسم. ويقال ~~معناه أنا لا أقسم بهذه الأشياء على إثبات المطلوب، لأنه أعظم وأجل وأكبر ~~من أن يقسم عليه، بهذه الأمور الهينة الشأن، والغرض على هذا الوجه، تعظيم ~~المقسم عليه، وتفخيم شأنه.. والإشارة بلفظ " هذا " مع بيانه بالبلد، ~~إشارة إلى حاضر فى أذهان السامعين، لأن مكة بعضهم كان يعيش فيها. وبعضهم ~~كان يعرفها معرفة لاخفاء معها، وشبيه بذلك قوله - تعالى - # إنمآ أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي ~~حرمها وله كل شيء # وفائدة الإتيان باسم الإشارة هنا تمييز المقسم به أكمل تمييز لقصد ~~التنويه به. وجملة { وأنت حل بهذا البلد } معترضة بين ~~القسم وجوابه. وقوله - تعالى - { حل } اسم مصدر أحل بمعنى أباح، فيكون ~~المعنى وأنت - أيها الرسول الكريم - قد استحل كفار مكة إيذاءك ومحاربتك.. ~~مع أنهم يحرمون ذلك النسبة لغيرك، فى هذا البلد الأمين. ويصح أن يكون لفظ ~~" حل " هنا بمعنى الحلال الذى هو ضد الحرام يقال هو حل وحلال، وحرم ~~وحرام.. فيكون المعنى وأنت أيها الرسول الكريم - قد أحل الله - تعالى - ~~لك أن تفعل بهؤلاء المشركين ما شئت من القتل أو العفو. وتكون الجملة ~~الكريمة، بشارة للنبى صلى الله عليه وسلم بأن الله - تعالى - سينصره على ~~مشركى قريش، ويمكنه من رقابهم.. وقد أنجز له - سبحانه - ذلك يوم الفتح ~~الأكبر. قال صاحب الكشاف أقسم الله - تعالى - بالبلد الحرام وما بعده، ~~على أن الإنسان خلق مغمورا فى مكابدة المشاق والشدائد، واعترض بين القسم ~~والمقسم عليه بقوله { وأنت حل بهذا البلد } يعنى ومن ~~المكابدة أن مثلك - يا محمد - على عظم حرمتك، يستحل بهذا البلد ~~الحرام، كما يستحل ms5413 الصيد فى غير الحرم. # وفيه تثبيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث على احتمال ما كان يكابد ~~من أهل مكة، وتعجيب من حالهم فى عداوته. أو سلى صلى الله عليه وسلم ~~بالقسم ببلده، على أن الإنسان لا يخلو من مقاساة الشدائد، واعترض بأن ~~وعده فتح مكة تتميما للتسلية والتنفيس عليه فقال { وأنت حل ~~بهذا البلد }. يعنى وأنت حل به فى المستقبل، تصنع فيه ما تريد ~~من القتل والأسر. فإن قلت أين نظير قوله { وأنت حل } فى معنى ~~الاستقبال؟ قلت قوله - تعالى - # إنك ميت وإنهم ميتون # وكفاك دليلا قاطعا على أنه للاستقبال، وأن تفسيره بالحال محال، أن ~~السورة بالاتفاق مكية، وأين الهجرة من وقت نزولها؟ فما بال الفتح؟. ويرى ~~بعضهم أن معنى قوله - تعالى - { وأنت حل بهذا البلد } ~~وأنت مقيم بهذا البلد، ونازل فيه، وحال به، وكفى فخرا لمكة أن تنزل ~~فيها - أيها الرسول الكريم - فإن الأمكنة الشريفة تزداد شرفا بنزول رسل ~~الله - تعالى - فيها، فكيف وأنت خاتمهم وإمامهم؟. قال بعض العلماء وحكى ~~ابن عطية عن بعض المتأولين أن معنى { وأنت حل بهذا البلد ~~} وأنت ساكن بهذا البلد، حال فيه.. وهو يقتضى أن تكون هذه الآية موضع ~~الحال من ضمير " أقسم " فيكون القسم بالبلد مقيدا باعتبار بلد محمد صلى ~~الله عليه وسلم وهو تأويل جميل، لو ساعد عليه ثبوت استعمال " حل " بمعنى ~~حال، أى مقيم فى مكان، فإن هذا لم يرد فى كتب اللغة.. ولذا لم يذكر هذا ~~المعنى صاحب الكشاف.. ويبدو لنا أن هذه الأقوال لا تعارض بينها، بل يؤيد ~~بعضها بعضا، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد آذاه أهل مكة، بينما حرموا ~~إيذاء غيره، وأن الله - تعالى - قد مكن رسوله صلى الله عليه وسلم منهم. ~~كما حدث فى غزوة الفتح، وأنه صلى الله عليه وسلم قد أقام معهم فى مكة ~~أكثر من خمسين سنة، وكان يلقب عندهم بالصادق الأمين.. وقوله - سبحانه - { ~~ووالد وما ولد } معطوف على المقسم به الأول وهو قوله - تعالى - ~~{ بهذا البلد }. وداخل فى حيز ms5414 القسم. والمراد بالوالد آدم - ~~عليه السلام -، والمراد بما ولد ذريته من بعده. أى أقسم بهذا البلد الذى ~~له ماله من الشرف، والمكانة السامية بين البلاد.. وأقسم بأبيكم آدم، ~~وبذريته من بعده.. أو أقسم بكل والد وبكل مولود. وجئ باسم الموصول " ما " ~~فى قوله { وما ولد } دون " من " مع أنها أكثر استعمالا فى العاقل ~~الذى هو مراد هنا، لأن " ما " أشد إبهاما، وشدة الإبهام المقصود بها هنا ~~التفخيم والتعظيم. # . وشبيه بذلك قوله - تعالى - # فلما وضعتها قالت رب إني وضعتهآ أنثى ~~والله أعلم بما وضعت... # كما أن تنكير لفظ " والد " هنا للتعظيم أيضا. وقيل المراد بالوالد هنا ~~إبراهيم - عليه السلام - وبما ولد الصالحون من ذريته. وقيل المراد ~~بالوالد من يولد له، وبقوله { وما ولد } الذى لم يولد له وعليه تكون ~~ما نافية. وقد رجح الإمام ابن جرير المعنى الأول فقال والصواب من القول ~~من ذلك، ما قاله الذين قالوا إن الله - تعالى - أقسم بكل والد وولده، لأن ~~الله - تعالى - عم كل والد وما ولد، وغير جائز أن يخص ذلك إلا بحجة يجب ~~التسليم لها من خبر أو عقل. ولا خبر بخصوص ذلك ولا برهان يجب التسليم له ~~بخصوصه، فهو على عمومه.. وقوله - تعالى - { لقد خلقنا الإنسان ~~في كبد } جواب القسم. والمراد بالإنسان جنسه، والكبد الشدة والتعب ~~والمشقة، من المكابدة للشئ، بمعنى تحمل المشاق والمتاعب فى فعله. وأصله ~~من كبد الرجل - بزنة طرب - فهو أكبد، إذا أصيبت كبده بالمرض، ثم ~~اتسع فيه فاستعمل فى كل تعب ومشقة تنال الإنسان. والمعنى لقد خلقنا ~~الإنسان لهذه الشدائد والآلام، التى هى من طبيعة هذه الحياة الدنيا، ~~والتى لا يزال يكابدها وينوء بها، ويتفاعل معها.. حتى تنتهى حياته، ولا ~~فرق فى ذلك بين غنى أو فقير، وحاكم أو محكوم وصالح أو طالح.. فالكل يجاهد ~~ويكابد ويتعب، من أجل بلوغ الغاية التى يبتغيها. قال الآلوسى ما ملخصه ~~قوله { لقد خلقنا الإنسان في كبد } أى فى تعب ومشقة، فإنه ~~لا يزال يقاسى فنون الشدائد من وقت نفخ الروح إلى ms5415 حين نزعها. وعن ابن عمر ~~- رضى الله عنهما - يكابد الشكر على السراء ويكابد الصبر على الضراء. ~~وقيل لقد خلقناه منتصب القامة واقفا، ولم نجعله منكبا على وجهه. وقيل ~~جعلناه منتصبا رأسه فى بطن أمه، فإذا أذن له فى الخروج قلب رأسه إلى قدمى ~~أمه.. وهذه الأقوال ضعيفة لا يعول عليها، والصحيح الأول.. والحق أن تفسير ~~الكبد بالمشقة والتعب، هو الذى تطمئن إليه النفس لأنه لا يوجد فى هذه ~~الحياة إنسان إلا وهو مهموم ومشغول بمطالب حياته، وفى كبد وتعب للحصول ~~على آماله ورغباته وغاياته، ورحم الله القائل # تعب كلها الحياة فما أعجب إلا من راغب فى ازدياد # وقال - سبحانه - { في كبد } للإشعار بأنه لشدة مقاساته ومكابدته ~~للمشاق والمتاعب، وعدم انفكاكه عنها.. كالظرف بداخل المظروف فهو فى محن ~~ومتاعب، حتى يصير إلى عالم آخر تغاير أحواله أحوال هذا العالم. ~~والاستفهام فى قوله - تعالى - بعد ذلك { أيحسب أن لن يقدر ~~عليه أحد. # يقول أهلكت مالا لبدا. أيحسب أن لم يره ~~أحد } للإنكار والتوبيخ. أى أيظن هذا الإنسان الذى هو فى تعب ومشقة ~~طول حياته، أنه قد بلغ من القوة والمنعة.. بحيث لا يقدر عليه أحد. إن كان ~~يتوهم ذلك، فهو فى ضلال مبين، لأن الله - تعالى - الذى خلقه، قادر على ~~إهلاكه فى لمح البصر، وقادر على أن يسلط عليه من يذله، ويقضى عليه. ويدخل ~~فى هذا التوبيخ دخولا أوليا، أولئك المشركون الذين اغتروا بقوتهم، فآذوا ~~النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه إيذاء شديدا. ثم حكى - سبحانه - جانبا ~~من أقوال هذا النوع الجاحد المغرور من بنى آدم فقال { يقول أهلكت ~~مالا لبدا }. أى يقول هذا الإنسان المغرور بقوته، والمفتون بماله، ~~المتفاخر بما معه من حطام الدنيا. يقول - على سبيل التباهى والتعالى على ~~غيره - لقد أنفقت مالا كثيرا، فى عداوة النبى صلى الله عليه وسلم، وفى ~~إيذاء أتباعه، وفى غير ذلك من الوجوه التى كان أهل الجاهلية يظنونها ~~خيرا، وما هى إلا شر محض. وعبر - سبحانه - عن إنفاق هذا الشقى لما له ~~بقوله { يقول ms5416 أهلكت... }. للإشعار، بأن ما أنفقه من مال هو شئ ~~هالك، لأنه لم ينفق فى الخير، وإنما أنفق فى الشر. والمال اللبد هو ~~المال الكثير الذى تلبد والتصق بعضه ببعض لكثرته وهو جمع لبدة - بضم ~~اللام وسكون الباء - كغرفة وغرف، وهى ما تلبد من صوف أو شعر، أى تجمع ~~والتصق بعضه بعض. وقوله - سبحانه - { أيحسب أن لم يره أحد ~~} توبيخ لهذا الغرور إثر توبيخ، وتجهيل فى أعقاب تجهيل. أى أيظن هذا ~~الجاهل المغرور، حين أنفق المال الكثير فى المعاصى والسيئات، أن الله - ~~تعالى - غير مطلع عليه؟ إن كان يظن ذلك فهو فى نهاية الجهالة وانطماس ~~البصيرة، لأن الله - تعالى - مطلع عليه، ولا تخفى عليه خافية فى الأرض ~~ولا فى السماء، وسيحاسبه على ذلك حسابا عسيرا. وفى الحديث الشريف لن تزل ~~قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن شبابه فيم أبلاه، وعن عمره فيم ~~أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه. ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ~~جانبا من مظاهر نعمه، على هذا الإنسان الجاهل والمغرور. فقال - تعالى - ~~{ ألم نجعل له عينين. ولسانا وشفتين. ~~وهديناه النجدين }. والاستفهام هنا للتقرير، لأن الله - تعالى ~~- قد جعل له كل ذلك، ولكنه لم يشكر الله - تعالى - على هذه النعم، بل ~~قابلها بالجحود والبطر.. أى لقد جعلنا لهذا الإنسان عينين، يبصر بهما، ~~وجعلنا له لسانا ينطق به، وشفتين - وهما الجلدتان اللتان تستران الفم ~~والأسنان - تساعدانه على النطق الواضح السليم. # واقتصر - سبحانه - على العينين، لأنهما أنفع المشاعر، ولأن المقصود ~~إنكار ظنه أنه لم يره أحد، ولأن الإبصار حاصل بذاتهما. وذكر - سبحانه - ~~اللسان وذكر معه الشفتين. للدلالة على أن النطق السليم، لا يتأتى إلا ~~بوجودهما معا، فاللسان لا ينطق نطقا صحيحا بدون الشفتين، وهما لا ينطقان ~~بدونه. وقوله - تعالى - { وهديناه النجدين } بيان لنعمة أخرى ~~هى أجل النعم وأعظمها. والنجد الأرض المرتفعة، وجمعه نجود، ومنه سميت ~~بلاد نجد بهذا الاسم، لأنها مرتفعة عن غيرها.. والمراد بالنجدين هنا طريق ~~الخير. وطريق الشر، أى وهدينا هذا الإنسان وأرشدناه إلى طريق ms5417 الخير ~~والشر، عن طريق رسلنا الكرام، وعن طريق ما منحناه من عقل، يميز به بين ~~الحق والباطل، ثم وهبناه الاختيار لأحدهما، كما قال - تعالى - # إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا # قال بعض العلماء وكأنهما إنما سميا نجدين - أى سبيل الخير والشر لأنهما ~~لما وضحت الدلائل، وقربت الحجج، وظهرت البراهين، جعلا كالطريق المرتفعة ~~العالية، فى أنها واضحة لذوى الأبصار. أو إنما سميا بذلك، للإشارة إلى ~~أن كل منهما وعورة يشق معها السلوك، ولا يصبر عليها إلا من جاهد نفسه ~~وراضها، وليس سلوك طريق الشر بأهون من سلوك الخير، بل الغالب أن يكون ~~طريق الشر، أشق وأصعب، وأحوج إلى الجهد.. وبعد بيان هذه النعم الجليلة ~~التى أنعم الله بها - سبحانه - على الإنسان، أتبع - سبحانه - ذلك بحضه ~~على المداومة على فعل الخير، وعلى إصلاح نفسه، فقال - تعالى - { فلا ~~اقتحم العقبة. ومآ أدراك ما العقبة. فك رقبة. ~~أو إطعام في يوم ذي مسغبة. يتيما ذا مقربة. ~~أو مسكينا ذا متربة }. والفاء فى قوله - سبحانه - { فلا ~~اقتحم العقبة } للتفريع على ما تقدم، والمقصود بهذه الآية الحض ~~على فعل الخير بدل الشر. وقوله { اقتحم } من الاقتحام للشئ، بمعنى دخوله ~~بشدة. يقال اقتحم الجنود أرض العدو، إذا دخلوها بقوة وسرعة، وبدون مبالاة ~~بارتكاب المخاطر. والعقبة فى الأصل الطريق الوعر فى الجبل، والمراد بها ~~هنا مجاهدة النفس، وقسرها على مخالفة هواها وشهوتها، وحملها على القول ~~والفعل الذى يرضى الله - تعالى -. والمعنى لقد جعلنا للإنسان عينين ~~ولسانا وشفتين. وهديناه النجدين. فهلا بعد كل هذه النعم، فعل ما يرضينا، ~~بأن جاهد نفسه وهواه، وبأن قدم ماله فى فك الرقاب، وإطعام اليتامى ~~والمساكين. قال الجمل وقوله { فلا اقتحم العقبة } أى فهلا ~~اقتحم العقبة، فلا بمعنى هلا التى للتحضيض. أى الذى أنفق ماله فى عداوة ~~النبى صلى الله عليه وسلم هلا أنفقه فى اقتحام العقبة فيأمن.. وقد ~~استعيرت العقبة لمجاهدة النفس، وحملها على الإنفاق فى سبيل الخير، لأن ~~هذه الأعمال شاقة على النفس، فجعلت كالذى يتكلف سلوك طريق وعر. # . ويصح أن ms5418 تكون " لا " هنا، على معناها الحقيقى وهو النفى، فيكون المعنى ~~أن هذا الإنسان الذى جعلنا له عينين.. لم يشكرنا على نعمنا، فلا هو ~~اقتحم العقبة، ولا هو فعل شيئا ينجيه من عذابنا. وإلى هذا المعنى أشار ~~صاحب الكشاف بقوله قوله { فلا اقتحم العقبة } يعنى فلم يشكر ~~تلك الأيادى والنعم بالأعمال الصالحة من فك الرقاب، وإطعام اليتامى ~~والمساكين.. بل غمط النعم، وكفر بالمنعم.. فإن قلت قلما تقع " لا " ~~الداخلة على الماضى، غير مكررة، فما لها لم تكرر فى الكلام الأفصح؟. قلت ~~هى متكررة فى المعنى، لأن المعنى { فلا اقتحم العقبة }.. فلا ~~فك رقبة، ولا أطعم مسكينا. ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك.. ~~والاستفهام فى قوله - سبحانه - { ومآ أدراك ما العقبة } ~~لتفخيم شأنها، والتهويل من أمرها، والتشويق إلى معرفتها. والكلام على حذف ~~مضاف، والتقدير وما أدراك ما اقتحام العقبة؟. ثم فسر - سبحانه - ذلك ~~بقوله { فك رقبة }. والمراد بفك الرقبة إعتاقها وتخليصها من الرق ~~والعبودية. إذ الفك معناه تخليص الشئ من الشئ.. وقد ساق الإمام ابن كثير ~~عند تفسيره لهذه الآية، جملة من الأحاديث التى وردت فى فضل عتق الرقاب، ~~وتحريرها من الرق.. ومن هذه الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم # " من أعتق رقبة مؤمنة، أعتق الله بكل إرب منها - أى عضو منها - إربا ~~منه من النار... ". # وقوله صلى الله عليه وسلم # " ومن أعتق رقبة مؤمنة فهى فكاكه من النار.. ". # وقراءة الجمهور { فك رقبة } برفع " فك " وإضافته إلى " رقبة ". ~~وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائى " فك " بفتح الكاف على أنه فعل ماض، ~~ونصب لفظ " رقبة " على أنه مفعول به. وقد ذهب جمع من المفسرين إلى أن ~~المراد بفك الرقبة أن يخلص الإنسان نفسه من المعاصى والسيئات، التى تكون ~~سببا فى دخوله النار. وقوله - سبحانه - { أو إطعام في يوم ذي ~~مسغبة } بيان لفضيلة ثانية من الفضائل التى تؤدى إلى مجاهدة النفس، ~~وحملها على طاعة الله - تعالى -. والمسغبة المجاعة، مصدر ميمى بمعنى ~~السغب، يقال سغب الرجل - كفرح ونصر - إذا أصابه الجوع. ووصف اليوم ~~بذلك ms5419 على سبيل المبالغة كما فى قولهم نهاره صائم.. وقرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو والكسائى " أطعم " بصيغة الفعل الماضى. أى اقتحام العقبة. أى التمكن ~~من حمل النفس على طاعة الله - تعالى - يتمثل فى فك الرقاب. وفى إطعام ~~المحتاجين فى يوم يشتد فيه جوعهم. وقوله - سبحانه - { يتيما ذا ~~مقربة. أو مسكينا ذا متربة } بيان لفضيلة ثالثة من ~~الفضائل التى تؤدى إلى رضا الله - تعالى -. # وقوله { يتيما } منصوب على أنه مفعول به لقوله " إطعام " أو أطعم على ~~القراءة الثانية. واليتيم هو الشخص الذى مات أبوه وهو صغير.. والمقربة ~~بمعنى القرابة، مصدر ميمى، من قرب فلان من فلان، إذا كان بينهما نسب ~~قريب.. والمتربة الحاجة والافتقار الشديد، مصدر ميمى من ترب الرجل - كطرب ~~- إذا افتقر، حتى لكأنه قد لصق بالتراب من شدة الفقر، وأنه ليس له مأوى ~~سوى التراب. وأما قولهم أترب فلان، فمعناه استغنى، حتى لكأن ماله قد صار ~~كالتراب من كثرته. أى اقتحام العقبة من أكبر مظاهره فك الرقاب، وإطعام ~~الطعام لليتامى الأقارب، وللمساكين المحتاجين إلى العون والمساعدة. وخص - ~~سبحانه - الإطعام بكونه فى يوم ذى مجاعة، لأن إخراج المال فى وقت القحط، ~~أثقل على النفس، وأوجب لجزيل الأجر، كما قال - تعالى - # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون # وقيد - سبحانه - اليتيم بكونه ذا مقربة، لأنه فى هذه الحالة يكون له ~~حقان حق القرابة، وحق اليتم، ومن كان كذلك فهو أولى بالمساعدة من غيره. ~~وقوله - تعالى - { ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا ~~بالصبر وتواصوا بالمرحمة } معطوف على قوله - تعالى - ~~قبل ذلك { فلا اقتحم العقبة... }. و " ثم " هنا للتراخى ~~الرتبى، للدلالة على أن ما بعدها أصل لقبول ما قبلها. والمعنى هلا كان ~~هذا الإنسان ممن فكوا الرقاب، وأطعموا لليتامى والمساكين.. ثم كان - ~~فضلا عن كل ذلك - من الذين آمنوا بالله - تعالى - إيمانا حقا، وممن أوصى ~~بعضهم بعضا بفضيلة الصبر، وفضيلة التراحم والتعاطف. لقد كان من الواجب ~~عليه.. لو كان عاقلا - أن يكون من المؤمنين الصادقين، ولكنه لتعاسته ~~وشقائه وغروره، لم يكن كذلك، لأنه لا ms5420 هو اقتحم العقبة، ولا هو آمن.. وخص ~~- سبحانه - من أوصاف المؤمنين تواصيهم بالصبر، وتواصيهم بالمرحمة، لأن ~~هاتين الصفتين على رأس الصفات الفاضلة بعد الإيمان بالله - تعالى - واسم ~~الإشارة فى قوله { أولئك أصحاب الميمنة } يعود على ~~الذين آمنوا وتواصوا بالصبر، وتواصوا بالمرحمة. أى أولئك الموصوفون بتلك ~~الصفات الكريمة، هم أصحاب الجهة اليمنى التى فيها السعداء الذين يؤتون ~~كتابهم بأيمانهم، فالمراد بالميمنة جهة اليمين.. ثم بين - سبحانه - بعد ~~ذلك سوء عاقبة الكافرين فقال { والذين كفروا بآياتنا } أى ~~الدلالة على وحدانيتا وقدرتنا { هم أصحاب المشأمة } أى هم فى ~~جهة الشمال التى فيها الأشقياء، أو هم أصحاب الشؤم على أنفسهم بسبب ~~إصرارهم على كفرهم. { عليهم نار مؤصدة } أى عليهم نار مغلقة ~~بحيث لا يستطيعون الخروج منها، تقول آصدت الباب وأوصدته، إذا أحكمت غلقه، ~~والاسم فيهما، الإصاد والوصاد.. نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من أصحاب ~~الميمنة. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [91 - سورة الشمس] ### || [91.1-15] # افتتح - سبحانه - هذه السورة الكريمة، بالقسم بكائنات عظيمة النفع، ~~جليلة القدر، لها آثارها فى حياة الناس والحيوان والنبات، ولها دلالتها ~~الواضحة على وحدانيته - تعالى - وكمال قدرته، وبديع صنعه. فقال - سبحانه ~~- { والشمس وضحاها } والضحى الوقت الذى ترتفع فيه الشمس بعد ~~إشراقها، فتكون أكمل ما تكون ضياء وشعاعا. فالمراد بضحاها ضوؤها - كما ~~يرى مجاهد -، أو النهار كله - كما اختار قتادة وغيره -، أو حرها - كما ~~قال مقاتل -. وهذه الأقوال لا تنافر بينها، لأن لفظ الضحى فى الأصل، يطلق ~~على الوقت الذى تنبسط فيه الشمس، ويمتد النهار، تقول ضحى فلان يضحى ~~- كرضى يرضى -، إذا برز للشمس، وتعرض لحرها، ومنه قوله - تعالى - # إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى. وأنك لا ~~تظمأ فيها ولا تضحى # وقوله - تعالى - { والقمر إذا تلاها } أى تبعها، تقول فلان ~~تلا فلانا يتلوه، إذا تبعه، قال بعض العلماء فأما أن القمر تابع للشمس ~~فيحتمل معنيين أحدهما أنه تال لها فى ارتباط مصالح الناس، وتعلق منافع ~~هذا العالم بحركته، وقد دل علم الهيئة على أن بين الشمس والقمر ms5421 من ~~المناسبة ما ليس بين غيرهما من الكواكب. وثانيهما أن القمر يأخذ نوره ~~ويستمده من نور الشمس. وهذا قول الفراء قديما، وقد قامت الأدلة عند علماء ~~الهيئة والنجوم، على أن القمر يستمد ضوءه من الشمس.. وقال الشيخ ابن ~~عاشور وفى الآية إشارة إلى أن نور القمر، مستفاد من نور الشمس، أى من ~~توجه أشعة الشمس إلى ما يقابل الأرض من القمر، وليس نيرا بذاته، وهذا ~~إعجاز علمى من إعجاز القرآن.. وقوله - سبحانه - { والنهار إذا ~~جلاها } أى جلى الشمس وأظهرها وكشفها للناظرين. قال الآلوسى وقوله { ~~والنهار إذا جلاها } أى جلى النهار الشمس، أى أظهرها، فإنها ~~تنجلى وتظهر إذا انبسط النهار، ومضى منه مدة، فالإسناد مجازى كالإسناد ~~فى نحو صام نهاره. وقيل الضمير المنصوب يعود إلى الأرض، وقيل إلى الدنيا، ~~والمراد بها وجه الأرض، وقيل إلى الظلمة، وجلاها حينئذ بمعنى أزالها، ~~وعدم ذكر المرجع على هذه الأقوال للعلم به. والأول أولى، لذكر المرجع ~~واتساق الضمائر.. وقوله - سبحانه - { والليل إذا يغشاها } أى ~~يغشى الليل الشمس فيغطى ضوءها، فالضمير فى يغشاها يعود إلى الشمس. وقيل ~~يعود إلى الدنيا، وقيل إلى الأرض أى يغشى الليل الدنيا والأرض بظلامه. ~~والحق أن فى قوله - تعالى - { جلاها } و { يغشاها } إشارة واضحة ~~إلى أن الضمير فيهما يعود إلى الشمس، إذ النهار يجلى الشمس ويكشفها أتم ~~انكشاف، والليل يزيل ضوءها ويستره، فنسب - سبحانه - إلى النهار ما يلائمه ~~بالنسبة للشمس، وكذلك الحال بالنسبة لليل. # ثم قال - تعالى - { والسمآء وما بناها } أى وحق السماء وحق من ~~بناها وأنشأها وأوجدها على تلك الصورة البديعة الرائعة. فما هنا اسم ~~موصول بمعنى من، والمراد بمن بناها الله - عز وجل - وأوثرت على من ~~التى تأتى للعاقل كثيرا، لإشعارها معنى الوصفية. أى وحق السماء، وحق ~~القادر العظيم الذى بناها وأوجدها على هذه الهيئة الجميلة الدقيقة. وقد ~~أشار إلى ذلك صاحب الكشاف فقال و الوجه أن تكون " ما " موصولة - أى فى ~~هذه الآية وما بعدها - وإنما أوثرت على من لإرادة معنى الوصفية، كأنه ~~قيل والسماء والقادر العظيم الذى ms5422 بناها. ومنهم من يرى أن " ما " هنا ~~مصدرية، فيكون المعنى وحق السماء وبنيانها. وقوله - تعالى - { والأرض ~~وما طحاها } أى وحق الأرض ومن بسطها من كل جانب، وجعلها مهيأة ~~للاستقرار عليها يقال طحى فلان الشئ ودحاه، إذا بسطه ووسعه. وقوله - ~~سبحانه - { ونفس وما سواها } أى وحق النفوس، وحق من أنشأها من ~~العدم فى أحسن تقويم، وجعلها مستعدة لتلقى ما يكملها ويصلحها. ويبدو أن ~~المراد بالنفس هنا ذات الإنسان، من باب إطلاق الحال على المحل، ويكون ~~المراد بتسويتها استواء خلقة الإنسان، وتركيب أعضائه فى أجمل صورة. ومن ~~قال بأن المراد بالنفس هنا القوة المدبرة للإنسان، يكون المقصود ~~بتسويتها. منحها القوى الكثيرة المتنوعة، التى توصلها إلى حسن المعرفة، ~~والتمييز بين الخير والشر، والنفع والضر، والهدى والضلال. قالوا وقوله - ~~تعالى - بعد ذلك { فألهمها فجورها وتقواها } يشير إلى أن ~~المراد بالنفس فى قوله - تعالى - { ونفس وما سواها } القوة ~~المدبرة للإنسان، والتى عن طريقها يدرك الأمور إدراكا واضحا، ويختار ~~منها ما يناسب استعداده. والإلهام هو التعريف والإفهام للشئ، أو ~~التمكين من فعله أو تركه، والفجور فعل ما يؤدى إلى الخسران والشقاء. ~~والتقوى هى الإتيان بالأقوال والأفعال التى ترضى الله - تعالى - وتصون ~~الإنسان من غضبه -عز وجل -. أى فعرف - سبحانه - النفس الإنسان و ألهمها ~~وأفهمها معنى الفجور والتقوى، وبين لها حالهما، ووضح لها ما ينبغى أن ~~تفعله وما ينبغى أن تتركه، من خير أو شر، ومن طاعة أو معصية، بحيث يتميز ~~عندها الرشد من الغى، والخبيث من الطيب. ومن الآيات التى وردت فى هذا ~~المعنى قوله - تعالى - # وهديناه النجدين # وقوله - عز وجل - # إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا # وقدم - سبحانه - هنا الفجور على التقوى، مراعاة لأحوال المخاطبين بهذه ~~السورة، وهم كفار قريش، الذين كانت أعمالهم قائمة على الفجور والخسران، ~~بسبب إعراضهم عما جاءهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من حق وبر. # وقوله - سبحانه - { قد أفلح من زكاها. وقد خاب من ~~دساها } يصح أن يكون جوابا للقسم. والفلاح الظفر بالمطلوب. والتزكية ~~التزود من الخير والطاعة، ms5423 والحرص على تطهير النفس من كل سوء، وقوله { ~~دساها } أى نقصها وأخفاها بالمعاصى والآثام. وأصل فعل دسى دسس، ~~فلما اجتمع ثلاث سينات، قلبت الثالثة ياء، يقال دس فلان الشئ إذا أخفاه ~~وكتمه. والمعنى وحق الشمس وضحاها، وحق القمر إذا تلاها. وحق النفس وحق من ~~سواها، وجعلها متمكنة من معرفة الخير والشر. لقد أفلح وفاز وظفر ~~بالمطلوب، ونجا من المكروه، من طهر نفسه من الذنوب والمعاصى. وقد خاب ~~وخسر نفسه. وأوقعها فى التهلكة، من نقصها وأخفاها وأخملها وحال بينها ~~وبين فعل الخير بسبب ارتكاب الموبقات والشرور. قال الآلوسى ما ملخصه ~~وقوله - تعالى - { قد أفلح من زكاها } جواب القسم. وإليه ذهب ~~الزجاج وغيره. والأصل لقد أفلح، فحذفت اللام لطول الكلام المقتضى ~~للتخفيف. وفاعل من " زكاها " ضمير " من " والضمير المنصوب للنفس.. ويرى ~~المحققون من العلماء أن جواب القسم محذوف، للعلم به، فكأنه - سبحانه - قد ~~قال وحق الشمس وضحاها، وحق القمر إذا تلاها.. ليقعن البعث والحساب ~~والجزاء، أو لتحاسبن على أعمالكم، ودليل هذا الجواب قوله - تعالى - بعد ~~ذلك { كذبت ثمود بطغواهآ } لأن هذه الآية الكريمة وما ~~بعدها، تدل على أن الله - تعالى - قد اقتضت سنته، أن يحاسب من فسق عن ~~أمره، وأصر على تكذيب رسله. وعلى هذا سار صاحب الكشاف، فقد قال فإن قلت ~~فأين جواب القسم؟ قلت هو محذوف، تقديره ليدمد من الله عليهم، أى ~~على مكة لتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما دمدم على قبيلة ثمود ~~لأنهم كذبوا صالحا - عليه السلام - وأما قوله { قد أفلح من ~~زكاها } فكلام تابع لقوله { فألهمها فجورها وتقواها } ~~على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم فى شئ.. وقد أقسم الله - تعالى - ~~بهذه الكائنات المختلفة، والتى لها مالها من المنافع بالنسبة للإنسان ~~وغيره، لتأكيد وحدانيته، وكمال قدرته، وبليغ حكمته. وبدأ - سبحانه - ~~بالشمس، لأنها أعظم هذه الكائنات، وللتنويه بشأن الإسلام، وأن هديه ~~كضياء الشمس، الذى لا يترك للظلام أثرا. وقد ساق الإمام ابن كثير عند ~~تفسيره لهذه الآيات بعض الأحاديث، منها ما رواه الطبرانى عن ابن عباس ms5424 - ~~رضى الله عنهما - قال # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر بهذه الآية { ونفس وما ~~سواها. فألهمها فجورها وتقواها } وقف ثم قال " اللهم ~~آت نفسى تقواها أنت وليها ومولاها. وخير من زكاها " # وعن أبى هريرة رضى الله عنه. قال # " سمعت النبى يقرأ { فألهمها فجورها وتقواها } قال " ~~اللهم آت نفسى تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها " ". # وبعد هذا الحديث الطويل المؤكد بالقسم، والدال على وحدانيته، وبديع ~~صنعه.. أتبع ذلك ببيان ما حل بالمكذبين السابقين، ليكون هذا البيان عبرة ~~وعظة للمشركين المعاصرين للنبى، فقال - تعالى - { كذبت ثمود ~~بطغواهآ. إذ انبعث أشقاها. فقال لهم رسول الله ~~ناقة الله وسقياها. فكذبوه فعقروها فدمدم ~~عليهم ربهم بذنبهم فسواها. ولا يخاف عقباها ~~}. والمراد بثمود تلك القبيلة التى أرسل الله - تعالى - إلى أهلها صالحا ~~- عليه السلام - لكى يأمرهم بإخلاص العبادة لله وحده. ومفعول " كذبت " ~~محذوف للعلم به. والباء فى قوله " بطغواها " للسببية، والطغوى اسم ~~مصدر من الطغيان، وهو مجاوزة الحد المعتاد. أى كذبت قبيلة ثمود - نبيهم ~~صالحا - عليه السلام بسبب طغيانهم وإفراطهم فى الجحود والتكبر والعناد ~~وقيل إن الباء للتعدية، والطغوى اسم للعذاب الذى نزل بهم، والذى توعدهم ~~به نبيهم. أى كذبت ثمود بعذابها، الذى توعدهم رسولهم به، إذا استمروا فى ~~كفرهم وطغيانهم. والظرف فى قوله - سبحانه - { إذ انبعث أشقاها } ~~متعلق بقوله { طغواها } ، لأن وقت انبعاث أشقاهم لقتل الناقة. هو أشد ~~أوقات طغيانهم وفجورهم. وفعل " انبعث " مطاوع بعث، تقول بعثته فانبعث، ~~كما تقول كسرته فانكسر. ويصح أن يكون متعلقا بقوله { كذبت }. وقوله { ~~أشقاها } أى أشقى تلك القبيلة، وهو قدار - بزنة غراب - بن سالف، ~~الذى يضرب به المثل فى الشؤم، فيقال فلان أشأم من قدار. أى كذبت ثمود ~~نبيها، بسبب طغيانها، وقت أن أسرع أشقى تلك القبيلة، وهو قدار بن سالف، ~~لعقر الناقة التى نهاهم نبيهم عن مسها بسوء. وعبر - سبحانه - بقوله { ~~انبعث } للإشعار بأنه قام مسرعا عندما أرسله قومه لقتل الناقة، ولم ~~يتردد فى ذلك لشدة كفره وجحوده. وقوله - تعالى - { فقال لهم ms5425 ~~رسول الله ناقة الله وسقياها } أى فقال لهم رسول الله - ~~تعالى - إليهم. وهو صالح - عليه السلام - على سبيل التحذير والإنذار ~~احذروا عقر ناقة الله - تعالى -، واحذروا سقياها، أى الوقت المحدد ~~لشرابها فلا تمنعوها فيه من الشرب، فإن لها يوم لا تشاركونها فيه الشرب، ~~وإن لكم يوما آخر هى لن تشارككم فيه. وقد قال لهم صالح - عليه السلام - ~~هذا الكلام، عندما شعر بأنهم قد بيتوا النية على عقرها. فالفاء فى قوله - ~~تعالى - { فقال لهم... } عاطفة على قوله { كذبت } لإفادة الترتيب ~~والتعقيب.. أى قال لهم ذلك فى أعقاب شعوره بتصميمهم على تكذيبه، وعلى قتل ~~الناقة. ولفظ " ناقة " منصوب على التحذير، والكلام على حذف مضاف. أى ~~احذروا عقر ناقة الله، وأضيفت إلى لفظ الجلالة، على سبيل التشريف لها، ~~لأنها قد جعلها - سبحانه - معجزة لنبيه صالح - عليه السلام - ودليلا على ~~صدقه. # وقوله { وسقياها } معطوف على ناقة الله، وهو منصوب - أيضا - على ~~التحذير. أى احذروا أن تقتلوا الناقة، واحذروا أن تشاركوها فى اليوم ~~الخاص بشربها، فضلا عن أن تؤذوها. وقوله - سبحانه - { فكذبوه ~~فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها } ~~بيان لموقفهم السيئ من تحذير نبيهم لهم، ولما أصابهم من عذاب مهلك بسبب ~~هذا التكذيب. وقوله { فدمدم } - بزنة فعلل - بمعنى تضعيف العذاب ~~وترديده، يقال دمدمت على الشئ، أى أطبقت عليه، ودمدم عليه القبر، أى ~~أطبقه عليه. أى فكذبت قوم صالح نبيهم، وأصروا على هذا التكذيب، وتجاوزوا ~~ذلك إلى عقر الناقة التى نهاهم عن مسها بسوء.. فكانت نتيجة ذلك، أن ~~أهلكهم الله - تعالى - وأن أخذهم أخذ عزيز مقتدر، فقد أطبق عليهم الأرض، ~~وسواها من فوقهم جميعا دون أن يفلت منهم أحد، وصاروا كلهم تحت ترابها، ~~ونجى - سبحانه - صالحا ومن آمن معه. بفضله ورحمته. والضمير فى قوله - ~~سبحانه - { ولا يخاف عقباها } يعود إلى الله - تعالى - أى ولا ~~يخاف الله - تعالى -عاقبة ما فعله بهؤلاء الطغاة الأشقياء، لأن الذى يخاف ~~إنما هو المخلوق. أما الخالق لكل شئ، فإنه - تعالى - لا يخاف أحدا، لأنه ~~لا يسأل عما يفعل، ولأنه - تعالى - هو ms5426 العادل فى أحكامه، والضمير فى ~~عقباها، يعود إلى الفعلة أو إلى الدمدمة. ومنهم من جعل الضمير فى " يخاف ~~" يعود إلى أشقاها، أى أن هذا الشقى قد أسرع إلى عقر الناقة دون أن يخشى ~~سوء عاقبة فعله، لطغيانه وجهله. نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا من ~~عباده الصالحين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [92 - سورة الليل] ### || [92.1-21] # أقسم الله - سبحانه - فى افتتاح هذه السورة بثلاثة أشياء، على أن أعمال ~~الناس مختلفة. أقسم - أولا - بالليل فقال { والليل إذا يغشى ~~} أى وحق الليل إذا يغشى النهار، فيغطى ضياءه، ويذهب نوره، ويتحول الكون ~~معه من حالة إلى حالة، إذ عند حلول الليل يسكن الخلق عن الحركة، ويأوى كل ~~إنسان أو حيوان إلى مأواه، ويستقبلون النوم الذى فيه ما فيه من الراحة ~~لأبدانهم، كما قال - تعالى - # وجعلنا الليل لباسا. وجعلنا النهار معاشا # وأقسم - ثانيا - بالنهار فقال { والنهار إذا تجلى } أى وحق ~~النهار حين ينكشف ويظهر، ويزيل الليل وظلمته، ويخرج الناس معه ليباشروا ~~أعمالهم المتنوعة. وأقسم - ثالثا - بقوله { وما خلق الذكر ~~والأنثى } و " ما " هنا يصح أن تكون موصولة، بمعنى الذى، فيكون - ~~سبحانه - قد أقسم بذاته، وجاء التعبير بما، للدلالة على الوصفية، ولقصد ~~التفخيم. فكأنه - تعالى - يقول وحق الخالق العظيم، الذى لا يعجزه شئ، ~~والذى خلق نوع الذكور، ونوع الإناث من ماء واحد. ويصح أن تكون " ما " ~~هنا حرفا مصدريا، فيكون المعنى وحق خلق الذكر والأنثى، وعليه يكون - ~~سبحانه - قد أقسم بفعل من أفعاله التى تدل على كمال قدرته، وبديع صنعته، ~~حيث أوجد الذكور والإناث من ماء واحد، كما قال - سبحانه - # وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى. من نطفة ~~إذا تمنى # وحيث وهب - سبحانه - الذكور لمن يشاء، ووهب الإناث لمن يشاء، وجعل ~~العقم لمن يشاء. وقوله - تعالى - { إن سعيكم لشتى } هو جواب ~~القسم. وشتى جمع شتيت. مثل جريح وجرحى، ومريض ومرضى. والشئ الشتيت هو ~~المتفرق المتناثر بعضه عن بعض، من الشتات بمعنى الابتعاد والافتراق. ~~والمعنى وحق الليل إذا يغشى النهار فيستر ضياءه، وحق ms5427 النهار إذا تجلى ~~وأسفر وأزال الليل وظلامه، وحق الخالق العظيم القادر الذى أوجد الذكور ~~والإناث. وحق كل ذلك، إن أعمالكم ومساعيكم - أيها الناس - فى هذه ~~الحياة، لهى ألوان شتى، وأنواع متفرقة، منها الهدى ومنها الضلال، ومنها ~~الخير، ومنها الشر، ومنها الطاعة، ومنها المعصية.. وسيجازى - سبحانه - كل ~~إنسان على حسب عمله. وحذف مفعول " يغشى " للتعميم، أى يغشى كل شئ ويواريه ~~بظلامه. وأسند - سبحانه - التجلى إلى النهار، على سبيل المدح له ~~بالاستنارة والإسفار. والمراد بالسعى العمل. وقوله " سعيكم " مصدر مضاف ~~فيفيد العموم فهو فى معنى الجمع أى إن مساعيكم لمتفرقة. قال القرطبى ~~السعى العمل، فساع فى فكاك نفسه، وساع فى عطبها، يدل عليه قوله صلى الله ~~عليه وسلم # " الناس غاديان فمبتاع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها ". # ثم فصل - سبحانه - ما أجمله فى قوله { إن سعيكم لشتى } ~~فقال { فأما من أعطى واتقى. وصدق بالحسنى. ~~فسنيسره لليسرى. وأما من بخل واستغنى. ~~وكذب بالحسنى. فسنيسره للعسرى. وما يغني ~~عنه ماله إذا تردى } والحسنى تأنيث الأحسن، وهى صفة لموصوف ~~محذوف. أى { فأما من أعطى } حق الله - تعالى -، بأن أنفق من ~~ماله فى وجوه الخير كإعتاق الرقاب، ومساعدة المحتاجين.. { واتقى } ~~المحارم والمعاصى { وصدق بالحسنى } أى وأيقن بالخصلة الحسنى، ~~وهى الإيمان بكل ما يجب الإيمان به، أو أيقن بالملة الحسنى، وهى ملة ~~الإسلام، أو بالمثوبة الحسنى وهى الجنة. { فسنيسره لليسرى ~~} أى فسنهيئه للخصلة التى توصله إلى اليسر والراحة وصلاح البال، بأن ~~نوفقه لأداء الأعمال الصالحة التى تؤدى إلى السعادة. وحذف مفعول " أعطى ~~واتقى " للعلم بهما، أى أعطى ما كلفه الله - تعالى - به، واتقى محارمه. { ~~وأما من بخل } بماله فلم يؤد حقوق الله - تعالى - فيه، ولم يبذل ~~شيئا منه فى وجوه البر. { واستغنى } أى واستغنى عن ثواب الله - ~~تعالى -، وتطاول على الناس بماله وجاهه، وآثر متع الدنيا على نعيم ~~الآخرة.. { وكذب بالحسنى } أى وكذب بالخصلة الحسنى التى تشمل ~~الإيمان بالحق، وبيوم القيامة وما فيه من حساب وجزاء. { فسنيسره ~~للعسرى } أى فسنهيئه للخصلة التى توصله إلى العسر والمشقة والشدة، ~~بأن ms5428 نجعله بسبب سوء اختياره، يؤثر الغى على الرشد، والباطل على الحق، ~~والبخل على السخاء، فتكون عاقبته فرطا، ونهايته الخسران والبوار. ~~والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة يراها، وقد وصفت المؤمنين الصادقين بثلاث ~~صفات هى جماع كل خير، وأساس جميع الفضائل وصفهم بالسخاء، وبالخوف من الله ~~- تعالى -، وبالتصديق بكل ما يجب التصديق به، ورتب على ذلك توفيقهم ~~للخصلة الحسنى.. التى تنتهى بهم إلى الفوز والسعادة. ووصف - أيضا - أهل ~~الفسوق والفجور بثلاث صفات، هى أساس البلاء، ومنبع الفساد، ألا وهى ~~البخل، والغرور، والتكذيب بكل ما يجب الإيمان به.. ورتب - سبحانه - على ~~ذلك تهيئتهم للخصلة العسرى، التى توصلهم إلى سوء المصير، وشديد العقاب.. ~~وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات، جملة من الأحاديث ~~الشريفة، فقال ما ملخصه قوله { وكذب بالحسنى } أى بالجزاء فى ~~الدار الآخرة { فسنيسره للعسرى } أى لطريق الشر، كما قال - ~~تعالى - # ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون # والآيات فى هذا المعنى كثيرة، ودالة على أن الله يجازى من قصد الخير ~~بالتوفيق له، ومن قصد الشر بالخذلان، وكل ذلك بقدر مقدر، والأحاديث ~~الدالة على هذا المعنى كثيرة. منها ما أخرجه البخارى # " عن على بن أبى طالب - رضى الله عنه - قال كنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فى بقيع الغرقد فى جنازة، فقال " ما منكم من أحد إلا وقد كتب ~~مقعده من الجنة، ومقعده من النار " فقالوا يا رسول الله أفلا نتكل؟ فقال ~~" اعملوا فكل ميسر لما خلق له " ثم قرأ { فأما من أعطى ~~واتقى... } إلى قوله { للعسرى } ". # و " ما " فى قوله - سبحانه - { وما يغني عنه ماله إذا ~~تردى } يجوز أن تكون نافية. والتردى السقوط من أعلى إلى أسفل. يقال ~~تردى فلان من فوق الجبل، إذا سقط من أعلاه إلى أسفله، والمراد به هنا ~~النزول إلى القبر بعد الموت، أو السقوط فى النار بسبب الكفر والفسوق ~~والعصيان، من الردى بمعنى الهلاك. أى ولا يغنى شيئا عن هذا الشقى الذى ~~بخل واستغنى وكذب بالحسنى، ms5429 ماله وجاهه وكل ما كان يملكه فى الدنيا، إذا ~~سقط يوم القيامة فى النار. ويجوز أن تكون " ما " استفهامية ويكون ~~الاستفهام المقصود به الإنكار والتوبيخ، أى وماذا يغنى عن هذا الشقى ~~ماله بعد هلاكه، وبعد ترديه فى جهنم يوم القيامة؟ إنه لن يغنى عنه شيئا ~~ماله الذى بخل به فى الدنيا، بل سيهوى فى جهنم دون أن يشفع له شافع، أو ~~ينصره ناصر، وصدق الله إذ يقول # ونرثه ما يقول ويأتينا فردا # وإذ يقول # ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ~~وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم... # ثم بين - سبحانه - بعد ذلك، أنه قد أعذر إلى عباده، حيث وضح لهم طريق ~~الخير وطريق الشر، وكشف لهم عن حسن عاقبة من أعطى واتقى وصدق بالحسنى، ~~وسوء عاقبة من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فقال - تعالى - { إن ~~علينا للهدى. وإن لنا للآخرة والأولى }. أى إن ~~علينا - بمقتضى حكمتنا ورحمتنا بعبادنا - أن نبين لهم طريق الحق، وطريق ~~الباطل، بواسطة رسلنا، فمن شاء بعد ذلك فليؤمن فينال الثواب، ومن شاء بعد ~~ذلك فليكفر فيحل به العقاب، لأننا نجازى كل إنسان على حسب عمله، بعد أن ~~هديناه النجدين، وأرشدناه إلى سبيل الرشد وسبيل الغى. وإن لنا وحدنا كل ~~ما فى الدنيا، وكل ما فى الآخرة. إذ الخلق والأمر بيدنا، والعطاء والمنع ~~لا يملكه أحد سوانا، وهذا الكون كله تحت تصرفنا وقدرتنا. والفاء فى قوله ~~- سبحانه - { فأنذرتكم نارا تلظى } للإفصاح عن مقدر، ~~لأنها تدل على مراعاة مضمون الكلام الذى قبلها، وتأتى بعده بما يفصله ~~ويزيده وضوحا.. وقوله { تلظى } أى تتوقد وتتوهج وتلتهب، وأصله تتلظى، ~~فحذفت إحدى التاءين تخفيفا. أى إذا كان الأمر كما ذكرت لكم، من حسن عاقبة ~~من أعطى واتقى، ومن سوء عاقبة من بخل واستغنى، ومن أن كل شئ تحت قدرتنا ~~وتصرفنا. # . فأكون بذلك قد حذرتكم من عذاب عظيم يوم القيامة، وخوفتكم من السقوط فى ~~نار عظيمة تلتهب وتتوقد، وهذه النار { لا يصلاهآ } أى لا يحترق بها ~~{ إلا الأشقى } أى من اشتد شقاؤه بسبب إصراره على ms5430 كفره وفجوره. ~~وقوله - تعالى - { الذي كذب وتولى } صفة لهذا الشقى، لزيادة ~~التشنيع عليه، والذم له. أى سيحترق بهذه النار هذا الإنسان الذى بلغ ~~الغاية فى الشقاء والتعاسة، والذى من صفاته أنه كذب بالحق، وأعرض عن ~~الطاعة. وسار فى طريق الكفر والجحود، حتى أدركه الموت، وهو على ذلك. ~~وكعادة القرآن الكريم فى المقابلة بين الأشرار والأخيار، وبين السعداء ~~والأشقياء، جاء الحديث بعد ذلك عن حال الأتقياء، فقال - تعالى - { ~~وسيجنبها الأتقى } أى وسيبتعد عن هذه النار المتأججة الأتقى، ~~وهو من بالغ فى صيانة نفسه عن كل ما يغضب الله - تعالى -، وحرص كل الحرص ~~على فعل ما يرضيه - عز وجل -. فالمراد بالأشقى والأتقى الشديد الشقاء، ~~والشديد التقوى. والتعبير بقوله { وسيجنبها } يشعر بابتعاده عنها ~~ابتعادا تاما، بحيث تكون النار فى جانب، وهذا الأتقى فى جانب آخر، كما ~~قال - تعالى - # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون. لا يسمعون حسيسها وهم في ما ~~اشتهت أنفسهم خالدون # والفعل " جنب " يتعدى إلى مفعولين، أولهما هنا هو لفظ الأتقى، الذى ~~ارتفع على أنه نائب فاعل، والمفعول الثانى هو الهاء. ثم وصف - سبحانه - ~~هذا الإنسان المبالغ فى تقواه وطاعته لربه فقال { الذى يؤتي ~~ماله يتزكى } أى هذا الإنسان الشديد التقوى من صفاته أنه يقد ~~ماله لغيره، وينفقه فى وجوه البر والطاعة، رجاء أن يكون عند ربه زاكيا ~~ناميا، خاليا من شبهة الرياء والتفاخر، وأملا فى أن يتطهر به من الذنوب. ~~فقوله { يتزكى } فى محل نصب على الحال من فاعل { يؤتى } أى يؤتى ماله حال ~~كونه لا يطلب من وراء ذلك إلا تزكية ماله، وتطهير نفسه. وقوله - سبحانه - ~~{ وما لأحد عنده من نعمة تجزى. إلا ابتغآء ~~وجه ربه الأعلى } بيان لبلوغه أسمى درجات الإخلاص والنقاء. ~~أى أن هذا الإنسان الكامل فى تقاه لا يفعل ما يفعل من وجوه الخيرات، من ~~أجل المجازاة لغيره على نعمة سلفت من هذا الغير له، وإنما يفعل ما يفعل ~~من أجل شئ واحد، وهو طلب رضا الله - تعالى - والظفر بثوابه، والإخلاص ~~لعبادته - سبحانه ms5431 -. قال الآلوسى وقوله { إلا ابتغآء وجه ~~ربه الأعلى } منصوب على الاستثناء المنقطع من قوله { من ~~نعمة } لأن الابتغاء لا يندرج فيها، فالمعنى لكنه فعل ذلك لابتغاء ~~وجه ربه - سبحانه - وطلب رضاه، لا لمكافأة لأحد على نعمة. وجوز أن يكون ~~نصبه على أنه مفعول لأجله، أى لا يؤتى ماله لأجل شئ من الأشياء إلا لأجل ~~طلب رضا ربه، لا لأجل شئ آخر، فهو استثناء مفرغ من أعم العلل والأسباب. # . وقوله - سبحانه - { ولسوف يرضى } المقصود به الوعد الصادق ~~لهذا التقى، بما يزيد فى سروره، وفى قرة عينه. أى ولسوف نعطى هذا التقى ~~الذى أعطى واتقى وصدق بالحسنى، من أجل الظفر برضا ربه - تعالى - لا من ~~أجل شئ آخر.. لسوف نعطيه عطاء يرضيه ويسعده ويشرح صدره. هذا، وأكثر ~~المفسرين على أن هذه الآيات الكريمة نزلت فى شأن سيدنا أبى بكر الصديق - ~~رضى الله عنه -. قال الإمام ابن جرير ما ملخصه وذكر أن هذه الآيات نزلت ~~فى أبى بكر الصديق.. فقد كان يعتق العجائز من النساء إذا أسلمن، ويشترى ~~الضعفة من العبيد فيعتقهم، فقال له أبوه يا بنى، أراك تعتق أناسا ضعفاء، ~~فلو أنك تعتق رجالا جلداء - أى أشداء - يقومون معك، ويمنعونك، ويدفعون ~~عنك. فقال أبو بكر أى أبت.. إنما أريد ما عند الله، فنزلت هذه الآيات.. ~~وقال الإمام ابن كثير وقد ذكر غير واحد من المفسرين، أن هذه الآيات قد ~~نزلت فى أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - حتى إن بعضهم حكى الإجماع من ~~المفسرين على ذلك، ولا شك أنه داخل فيها، وأولى الأمة بعمومها، فإن لفظها ~~لفظ العموم، وهو قوله { وسيجنبها الأتقى. الذى يؤتي ~~ماله يتزكى... } ولكنه مقدم الأمة، وسابقهم فى جميع هذه ~~الأوصاف، وسائر الأوصاف الحميدة، فإنه كان صديقا، تقيا، كريما، جوادا، ~~بذالا لماله فى طاعة مولاه، ونصرة رسوله صلى الله عليه وسلم.. نسأل الله ~~- تعالى - أن يحشرنا جميعا فى زمرة عباده الأتقياء الأنقياء. وصلى الله ~~على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [93 - سورة الضحى] ### || [93.1-11] # قد ذكر المفسرون فى ms5432 سبب نزول هذه السورة الكريمة روايات منها ما أخرجه ~~الإمام البخارى ومسلم وغيرهما عن جندب بن سفيان قال اشتكى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتت امرأة - وفى رواية أنها أم ~~جميل امرأة أبى لهب - فقالت يا محمد، ما أرى شيطانك إلا قد تركك. فأنزل ~~الله - تعالى - { والضحى. والليل إذا سجى. ما ودعك ~~ربك وما قلى }. وأخرج ابن أبى شيبة والطبرانى وابن مردويه، من ~~حديث خولة، وكانت تخدم النبى صلى الله عليه وسلم # " أن جروا دخل تحت سرير رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات، فمكث النبى ~~صلى الله عليه وسلم أياما لا ينزل عليه الوحى، فقال صلى الله عليه وسلم ~~يا خولة ماذا حدث فى بيتى، إن جبريل لا يأتينى، قالت خوله فقلت يا نبى ~~الله ما أتى علينا يوم خير منا اليوم. فأخذ برده فلبسه، وخرج، فقلت فى ~~نفسى لو هيأت البيت وكنسته، فأهويت بالمكنسة تحت السرير، فإذا بشئ ثقيل، ~~لم أزل به حتى بدا لى الجرو ميتا، فأخذته بيدى، فألقيته خلف الدار، فجاء ~~صلى الله عليه وسلم ترعد لحيته - وكان إذا نزل عليه الوحى أخذته الرعدة - ~~فقال يا خولة دثرينى، فأنزل الله - تعالى - هذه السورة.. " # وذكر بعضهم إن جبريل - عليه السلام - أبطأ فى نزوله على النبى صلى الله ~~عليه وسلم، فقال المشركون قد قلاه ربه وودعه. فأنزل الله - تعالى - هذه ~~الآيات.. والضحى هو وقت ارتفاع الشمس بعد إشراقها، وهو وقت النشاط ~~والحركة، والإقبال على السعى والعمل.. ولذا خص بالقسم به، وقيل المراد ~~بالضحى هنا النهار كله، بدليل أنه جعل فى مقابلة الليل كله. والأول أولى ~~لأن الضحى يطلق على وقت انتشار ضياء الشمس حين ترتفع، وتلقى بأشعتها على ~~الكون، ويبرز الناس لأعمالهم المتنوعة. ومعنى " سجا " سكن. يقال سجا ~~الليل يسجو سجوا، إذا سكن وهدأ وأسدل ظلامه على الكون. ويقال تسجى فلان ~~بملابسه، إذا غطى بها جميع جسده، ومنه قولهم سجى الميت تسجية، إذا غطى ~~بكفنه.. قال صاحب الكشاف قوله { سجى } أى سكن ms5433 وركد ظلامه. وقيل ليلة ~~ساجية. أى ساكنة الريح وقيل معناه سكون الناس والأصوات فيه. وسجا البحر ~~سكنت أمواجه. وطرف ساج، أى ساكن فاتر.. أى وحق الضحى وهو الوقت الذى ~~ترتفع فيه الشمس، ويتم إشراقها، ويأخذ الناس فى النشاط والحركة.. وحق ~~الليل إذا سكن وهجع فيه الناس بعد عناء العمل. وجواب القسم قوله - تعالى ~~- { ما ودعك ربك وما قلى } أى ما تركك ربك - أيها الرسول ~~الكريم - منذ أن اختارك لحمل رسالته، وما أبغضك ولا كرهك، بل أنت محل ~~رضانا ومحبتنا ورعايتنا. # . فقوله { ودعك } من التوديع، وهو فى الأصل الدعاء للمسافر، ببلوغ ~~الدعة، وخفض العيش، ثم استعير للمفارقة بعد الاتصال، تشبيها بفراق ~~المسافر فى انقطاع الصلة، حيث شبه - سبحانه - انقطاع صلة الكلام بانقطاع ~~صلة الإقامة. والمقصود نفى أن يكون الله - تعالى - قد قطع وحيه عن نبيه ~~صلى الله عليه وسلم. وقوله { قلى } من القلا - بكسر القاف - وهو شدة ~~البغض، يقال قلا فلان فلانا يقليه، إذا كرهه وأبغضه بشدة. ومنه قوله - ~~تعالى - # إني لعملكم من القالين # والمراد ما قطع الله - تعالى - عنك وحيه - أيها الرسول الكريم -، وما ~~كرهك، وهذا رد بليغ على المشركين الذين زعم بعضهم أن الله - تعالى - قد ~~ترك نبيه، وزعم آخرون أنه قد أبغضه، وحذف مفعول " قلا " للدلالة عليه فى ~~قوله - تعالى - { ما ودعك } ، وهو إيجاز لفظى لظهور المحذوف، ومثله ~~قوله - تعالى - بعد ذلك { فآوى } ، { فهدى } ، { فأغنى }.. ثم بشره - ~~سبحانه - ببشارتين عظيمتين، قد بلغتا الدرجة العليا فى السمو والرفعة، ~~فقال { وللآخرة خير لك من الأولى. ولسوف يعطيك ~~ربك فترضى } أى وللدار الآخرة وما أعده الله لك فيها من نعيم ~~لا يحيط به وصف، خير لك من دار الدنيا التى أعطيناك فيها ما أعطيناك فيها ~~من نبوة، وكرامة ومنازل عالية، وخلق كريم. وفضلا عن كل ذلك فأنت - أيها ~~الرسول الكريم - سوف يعطيك ربك من خيرى الدنيا والآخرة، كل ما يسعدك ~~ويرضيك، من نصر عظيم، وفتح مبين، وتمكين فى الأرض، وإعلاء لكلمة الحق على ~~يدك، وعلى أيدى أصحابك الصادقين، ومنازل عظمى فى ms5434 الآخرة لا يعلم مقدارها ~~إلا الله - تعالى -، كالمقام المحمود، والشفاعة، والوسيلة... وبذلك ترضى ~~رضاء تاما بما أعطاك - سبحانه - من نعم ومنن. فالمراد بالآخرة الدار ~~الآخرة التى تقابل الدار الأولى، وهى الحياة الدنيا، وبعضهم جعل المراد ~~بالآخرة، نهاية أمره صلى الله عليه وسلم فى هذه الدنيا، والمراد بالأولى ~~بداية أمره صلى الله عليه وسلم فى هذه الدنيا، فيكون المعنى ولنهاية أمرك ~~- أيها الرسول الكريم - خير من بدايته، فإن كل يوم يمضى من عمرك، سيزيدك ~~الله - تعالى - فيه، عزا على عز، ونصرا على نصر، وتأييدا على تأييد.. حتى ~~ترى الناس وقد دخلوا فى دين الله أفواجا.. وقد صدق الله - تعالى - لنبيه ~~وعده حيث فتح له مكة، ونشر دعوته فى مشارق الأرض ومغاربها. قال الآلوسى ~~وحمل الآخرة على الدار الآخرة المقابلة للدنيا، والأولى على الدار الأولى ~~وهى الدنيا، هو الظاهر. # . وقال بعضهم يحتمل أن يراد بهما نهاية أمره صلى الله عليه وسلم ~~وبدايته، فاللام فيها للعهد، أو عوض عن المضاف إليه. أى لنهاية أمرك خيرك ~~من بدايته، فأنت لا تزال تتزايد قوة، وتتصاعد رفعة.. وجئ بحرف الاستقبال ~~فى قوله - تعالى - { ولسوف يعطيك ربك فترضى } ، ~~لإفادة أن هذا العطاء مستمر غير مقطوع، كما فى قوله - تعالى - # ولسوف يرضى # وحذف المفعول الثانى فى قوله { يعطيك } ، ليعم كل وجوه العطاء التى ~~يحبها صلى الله عليه وسلم أى ولسوف يعطيك ربك عطاء يرضيك رضاء تاما. ~~والتعبير بقوله { فترضى } المشتمل على فاء التعقيب، للإشعار بأنه ~~عطاء عاجل النفع، وأنه سيأتى إليه صلى الله عليه وسلم فى وقت قريب، وقد ~~أنجز - سبحانه - وعده. قال الجمل وقوله - سبحانه - { وللآخرة } ~~اللام فيه للابتداء مؤكدة لمضمون الجملة. وإنما قيد بقوله - تعالى - { لك ~~} لأنها ليست خيرا لكل واحد. وقوله { ولسوف يعطيك... } هذا وعد ~~شامل لما أعطاه الله - تعالى - له من كمال النفس، وظهور الأمر، وإعلاء ~~الدين.. واللام لام الابتداء، والمبتدأ محذوف، أى ولأنت سوف يعطيك ربك، ~~وليست لام القسم، لأنها لا تدخل على المضارع، إلا مع نون التوكيد.. ثم ~~عدد - سبحانه - نعمه على ms5435 نبيه صلى الله عليه وسلم فقال { ألم يجدك ~~يتيما فآوى.. }. والاستفهام هنا للتقرير واليتيم هو من فقد أباه ~~وهو صغير. أى لقد كنت - أيها الرسول الكريم - يتيما، حيث مات أبوك وأنت ~~فى بطن أمك، فآواك الله - تعالى - بفضله وكرمه، وتعهدك برعايته وحمايته ~~وعصمته، وسخر لك جدك عبد المطلب ليقوم بكفالتك، ومن بعده سخر لك عمك أبا ~~طالب، حيث تولى رعايتك والدفاع عنك قبل الرسالة وبعدها، إلى أن مات. ~~وقوله - تعالى - { ووجدك ضآلا فهدى } بيان لنعمة أخرى أنعم - ~~سبحانه - بها على نبيه صلى الله عليه وسلم وللمفسرين فى معنى هذه الآية ~~كلام طويل، نختار منه قولين أولهما أن المراد بالضلال هنا الحيرة فى ~~الوصول إلى الحق، والغفلة عما أوحاه الله - تعالى - إليه بعد ذلك من قرآن ~~كريم، ومن تشريعات حكيمة.. مع اعتقاده صلى الله عليه وسلم قبل النبوة أن ~~قومه ليسوا على الدين الحق، بدليل أنه لم يشاركهم فى عبادتهم للأصنام، ~~ولا فى السلوك الذى يتنافى من مكارم الأخلاق. وإلى هذا المعنى أشار صاحب ~~الكشاف بقوله { ضالا } معناه الضلال عن علم الشرائع وما طريقه السمع.. ~~وقال الإمام الشيخ محمد عبده - رحمه الله - عند تفسيره لهذه الآية ما ~~ملخصه نشأ صلى الله عليه وسلم موحدا، لم يسجد لصنم، وطاهر الخلق، لم ~~يرتكب فاحشة، حتى عرف بين قومه بالصادق الأمين، فضلال الشرك، وضلال الهوى ~~فى العمل، كانا بعيدين عن ذاته الكريمة. # ولكن للضلال أنواع أخر، منها اشتباه المآخذ على النفس، حتى تأخذها ~~الحيرة فيما ينبغى أن تختار.. وهذا هو الذى عناه الله - تعالى - بالضلال ~~فى هذه الآية الكريمة. وقد هداه - سبحانه - إلى الحق بعد هذه الحيرة، بأن ~~اختار له دينا قويما وعلمه كيف يرشد قومه. هذا هو معنى قوله - تعالى - { ~~ووجدك ضآلا فهدى } ، وهو معنى قوله - تعالى - فى سورة الشورى # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت ~~تدري ما الكتاب ولا الإيمان... # وليس فى وصف النبى صلى الله عليه وسلم بالضال على هذا المعنى شين له، أو ~~حط من شأنه، بل هذا ms5436 فخره وإكليل مجده صلى الله عليه وسلم حيث كان على غير ~~علم فعلمه الله، ولم يكن مطلعا على الغيب، فأطلعه الله على ما يريد ~~إطلاعه عليه، وبهذا التفسير نستغنى عن خلط المفسرين فى التأويل.. أما ~~القول الثانى فى معنى الآية الكريمة، فهو أنه صلى الله عليه وسلم كان بين ~~قوم مشركين، وكان بعرضة أن يضل معهم، ولكن الله - تعالى - حبب إليه ~~الانفراد عنهم، واعتزال شركهم وسوء أخلاقهم.. فكان بذلك كالشجرة المنفردة ~~فى الصحراء، والعرب تسمى الشجرة التى بهذه الصفة ضالة. قال القرطبى قوله ~~- تعالى - { ووجدك ضآلا فهدى } أى غافلا عما يراد بك من أمر ~~النبوة، فهداك، أى أرشدك. والضلال هنا بمعنى الغفلة. وقال قوم { ضالا } ~~أى لم تكن تدرى القرآن الكريم والشرائع، فهداك الله إليهما. وقال قوم { ~~ضالا } أى وجدك فى قوم ضلال فهداهم الله - تعالى - بك، والعرب إذا وجدت ~~شجرة منفردة فى فلاة من الأرض، لا شجر معها، سموها ضالة، فيهتدى بها إلى ~~الطريق، فقال - سبحانه - لنبيه { ووجدك ضآلا فهدى } أى لا ~~أحد على دينك، وأنت وحيد ليس معك أحد، فهديت بك الخلق إلى دينى.. هذا ~~هما القولان اللذان نرتاح إليهما، وارتياحنا إلى أولهما أشد وأقوى لأن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم قد نشأ فى بيئة منحرفة فى عقائدها وأخلاقها، ~~لم تطمئن نفسه الكريمة إليها، إلا أنه كان حائرا فى الوصول إلى الدين ~~الحق، فهداه الله - تعالى - إليه، والهداية إلى الحق بعد الحيرة والضلال ~~عنه، منة عظمى، ونعمة كبرى. وهناك أقوال أخرى ضعيفة كقولهم { ضالا } أى ~~عن القبلة فهداك الله إليها، أو { ضالا } فى شعاب مكة، فهداك الله وردك ~~إلى عمك أو { ضالا } فى سفرك مع عمك إلى الشام، فردك الله - تعالى - ~~إليه. وقوله - سبحانه - { ووجدك عآئلا فأغنى } بيان لنعمة ~~ثالثة من نعمه - تعالى - على نبيه صلى الله عليه وسلم. وأصل العائل ~~الإنسان الذى له عائلة لا يستطيع الإنفاق عليها، ثم أطلق هذا اللفظ على ~~الإنسان الفقير حتى ولو لم تكن له عائلة أو أسرة، والفقر يسمى عيلة، كما ms5437 ~~فى قوله - تعالى - # وإن خفتم عيلة # - أى فقرا - # فسوف يغنيكم الله من فضله إن شآء... # أى وقد كنت - أيها الرسول الكريم - فقيرا، حيث مات أبوك دون أن يترك لك ~~مالا كثيرا، ونشأت فى كنف جدك ثم عمك، وأنت على هذه الحال، ثم أغناك الله ~~- تعالى - بفضله وكرمه بنوعين من الغنى أما أولهما - وهو الأعظم - فهو ~~غنى النفس، بأن منحك نفسا عفيفة قانعة بما أعطاك - سبحانه - من رزق، حتى ~~ولو كان كفافا. وأما ثانيهما فهو الغنى المادى عن الاحتياج إلى الناس، ~~بما أجراه على يديك من الربح فى التجارة، وبما وهبتك زوجك خديجة من ~~مالها، فعشت مستور الحال، غير محتاج إلى من ينفق عليك. وهكذا نجد الآيات ~~الكريمة تبين لنا أن من فضل الله - تعالى - على نبيه صلى الله عليه وسلم ~~أنه آواه فى يتمه وصغره، وهداه من ضلاله وحيرته، وأغناه بعد فقره وحاجته. ~~وبعد أن عدد - سبحانه - هذه النعم لنبيه صلى الله عليه وسلم أمره بشكرها، ~~وأداء حقوقها. فقال - تعالى - { فأما اليتيم فلا تقهر.. } ~~والقهر التغلب على الغير والإذلال له. أى إذا كان الأمر كما أخبرتك من ~~أنك كنت يتيما فآويناك، وكنت ضالا فهديناك، وكنت فقيرا فأغنيناك، فتذكر ~~هذه النعم، واشكر ربك عليها، ومن مظاهر هذا الشكر أن تواسى اليتيم، وأن ~~تكرمه. وأن تكون رفيقا به.. ولا تكن كأهل الجاهلية الذين كانوا يقهرون ~~الأيتام ويذلونهم ويظلمونهم.. ولقد استجاب النبى صلى الله عليه وسلم لما ~~أمره ربه به، فأكرم اليتامى ورعاهم، وحض على ذلك فى أحاديث كثيرة منها ~~قوله صلى الله عليه وسلم # " " أنا وكافل اليتيم كهاتين فى الجنة " وأشار صلى الله عليه وسلم. ~~بأصبعيه السبابة والوسطى ". # ومن الآيات القرآنية التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ~~حتى يبلغ أشده... # وقد تكرر الأمر برعاية اليتيم، وبالمحافظة على ماله فى مطلع سورة النساء ~~خمس مرات قال - تعالى - # وآتوا اليتامى أموالهم... # وقال - سبحانه - # وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما ~~طاب لكم من النسآء ms5438 مثنى وثلاث ورباع... # وقال - عز وجل - # وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح... # وقال سبحانه - # وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى ~~والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم... # وقال - تعالى - # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا... # وقوله - سبحانه - { وأما السآئل فلا تنهر } معطوف على ما ~~قبله. # أى وكما أننا قد هديناك بعد حيرة.. فاشكر نعمنا على ذلك، بأن تفتح صدرك ~~للسائل الذى يسألك العون، أو يسألك معرفة ما يجهله من علم. فالمراد ~~بالسائل، ما يشمل كل سائل عن مال، أو عن علم، أو عن غير ذلك من شئون ~~الحياة. قال القرطبى قوله { وأما السآئل فلا تنهر } أى لا ~~تزجره، فهو نهى عن إغلاظ القول.. وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال " ردوا السائل ببذل يسير، أو رد جميل.. " وفى حديث أبى هارون ~~العبدى قال كنا إذا أتينا أبا سعيد الخدرى يقول مرحبا بوصية رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، إن رسول الله قال # " إن الناس لكم تبع، وإن رجالا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون، فإذا ~~أتوكم فاستوصوا بهم خيرا.. " # وقوله - تعالى - { وأما بنعمة ربك فحدث } والتحديث ~~بالشئ الإخبار به، والحديث عنه، أى وكما كنت عائلا فأغنيناك بفضلنا ~~وإحساننا، فاشكرنا على ذلك، بأن تظهر نعمنا عليك ولا تسترها، وأذعها بين ~~الناس، وأمر أتباعك أن يفعلوا ذلك، ولكن بدون تفاخر أو مباهاة.. فإن ذكر ~~النعم على سبيل الرياء والتفاخر والتطاول على الغير.. يبغضه الله - تعالى ~~-، ويعاقب صاحبه عقابا أليما. قال الإمام ابن كثير وقوله { وأما ~~بنعمة ربك فحدث } أى وكما كنت عائلا فقيرا فأغناك الله، ~~فحدث بنعمة الله عليك، كما جاء فى الدعاء " واجعلنا شاكرين لنعمتك. مثنين ~~بها، قابليها، وأتمها علينا ". وعن أبى نضرة قال كان المسلمون يرون أن من ~~شكر النعم أن يحدث بها. وعن النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول على المنبر " من لم يشكر القليل، لم يشكر الكثير، ~~ومن لم يشكر الناس، لم يشكر الله والتحدث بنعمة الله ms5439 شكر، وتركها كفر، ~~والجماعة رحمة والفرقة عذاب.. " فأنت ترى أن الله - تعالى - قد ذكر ثلاث ~~نعم مما أنعم به على نبيه صلى الله عليه وسلم وأرشده إلى كيفية شكرها. ~~نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من عباده الشاكرين. وصلى الله على سيدنا ~~محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [94 - سورة الشرح] ### || [94.1-8] # الاستفهام فى قوله - سبحانه - { ألم نشرح لك صدرك } ~~للتقرير لأنه إذا دخل على النفى قرره، وهذا التقرير المقصود به التذكير، ~~حتى يداوم على شكره - تعالى -. وأصل الشرح البسط للشئ وتوسعته، يقال شرح ~~فلان الشئ، إذا وسعه، ومنه شرح فلان الكتاب، إذا وضحه، وأزال مجمله، وبسط ~~ما فيه من غموض. والمراد بشرح الصدر هنا توسعته وفتحه، لقبول كل ما هو من ~~الفضائل والكمالات النفسية. وإذهاب كل ما يصد عن الإدراك السليم وعن ~~الحق الخير والهدى. وهذا الشرح، يشمل الشق البدنى لصدره صلى الله عليه ~~وسلم كما يشمل الشرح المعنوى لصدره صلى الله عليه وسلم عن طريق إيداعه ~~الإيمان والهدى والعلم والفضائل. قال الإمام ابن كثير قوله { ألم ~~نشرح لك صدرك } يعنى أما شرحنا لك صدرك. أى نورناه وجعلناه ~~فسيحا رحيبا واسعا، كقوله # أفمن شرح الله صدره للإسلام... # وقيل المراد بقوله { ألم نشرح لك صدرك } شرح صدره ليلة ~~الإسراء، كما تقدم من رواية مالك بن صعصعة.. وهذا وإن كان واقعا، ولكن ~~لا منافاة، فإن من جملة شرح صدره صلى الله عليه وسلم الذى فعل بصدره ليلة ~~الإسراء، ما نشأ عنه من الشرح المعنوى - أيضا -.. والمعنى لقد شرحنا لك ~~- أيها الرسول الكريم - صدرك شرحا عظيما، بأن أمرنا ملائكتنا بشقه وإخراج ~~ما فيه مما يتنافى مع ما هيأناك له من حمل رسالتنا إلى الناس، وبأن ~~أودعنا فيه من الهدى والمعرفة والإيمان والفضائل والحكم.. ما لم نعطه ~~لأحد سواك. ونون العظمة فى قوله - سبحانه - { نشرح } تدل على عظمة ~~النعمة، من جهة أن المنعم العظيم، إنما يمنح العظيم من النعم، وفى ذلك ~~إشارة إلى أن نعمة الشرح، مما لا تصل العقول إلى كنه جلالتها. واللام فى ms5440 ~~قوله - تعالى - { لك } للتعليل، وهو يفيد أن ما فعله الله - تعالى - به، ~~إنما هو من باب تكريمه، ومن أجل تشريفه وتهيئته لحمل رسالته العظمى إلى ~~خلقه، فمنفعة هذا الشرح إنما تعود إليه وحده صلى الله عليه وسلم لا إلى ~~غيره. قال الإمام الرازى فإن قيل لم ذكر الصدر ولم يذكر القلب؟ فالجواب ~~أن محل الوسوسة هو الصدر، كما قال - تعالى - # الذى يوسوس في صدور الناس # فإزالة تلك الوسوسة، وإبدالها بدواعى الخير، هى الشرح، فلا جرم خص ذلك ~~الشرح بالصدر دون القلب. قال محمد بن على الترمذى القلب محل العقل ~~والمعرفة، وهو الذى يقصده الشيطان، فالشيطان يجئ إلى الصدر الذى هو حصن ~~القلب، فإذا وجد مسلكا أغار فيه، وبث فيه الهموم، فيضيق القلب، ولا يجد ~~للطاعة لذة، وإذا طرد العدو فى الابتداء، حصل الأمن، وانشرح الصدر. # . وقوله - سبحانه - { ووضعنا عنك وزرك. الذي أنقض ~~ظهرك } بيان لنعمة أخرى من النعم التى أنعم بها - سبحانه - على نبيه ~~صلى الله عليه وسلم. والمراد بالوضع هنا الإزالة والحط، لأن هذا اللفظ ~~إذا عدى بعن كان للحط والتخفيف، وإذا عدى بعلى كان للحمل والتثقيل. تقول ~~وضعت عن فلان قيده إذا أزلته عنه، ووضعته عليه إذا حملته إياه. والوزر ~~الحمل الثقيل، و { أنقض ظهرك } أى أثقله وأوهنه وأتعبه، حتى سمع ~~له نقيض، وهو الصوت الخفى الذى يسمع من الرحل الكائن فوق ظهر البعير، ~~إذا كان هذا الرحل ثقيلا، ولا يكاد البعير يحمله إلا بمشقة وعسر. والمعنى ~~لقد شرحنا لك - أيها الرسول الكريم - صدرك، وأزلنا عنك ما أثقل ظهرك من ~~أعباء الرسالة، وعصمناك من الذنوب والآثام، وطهرناك من الأدناس، فصرت - ~~بفضلنا وإحساننا - جديرا بحمل هذه الرسالة، بتبليغها على أكمل وجه وأتمه. ~~فالمراد بوضع وزره عنه صلى الله عليه وسلم مغفرة ذنوبه، وإلى هذا المعنى ~~أشار الإمام ابن كثير بقوله قوله - تعالى - { ووضعنا عنك ~~وزرك } بمعنى # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # وقال غير واحد من السلف فى قوله { الذي أنقض ظهرك } أى أثقلك ~~حمله.. ويرى ms5441 كثير من المفسرين أن المراد بوضع وزره عنه صلى الله عليه ~~وسلم إزالة العقبات التى وضعها المشركون فى طريق دعوته، وإعانته على ~~تبليغ الرسالة على أكمل وجه، ورفع الحيرة التى كانت تعتريه قبل النبوة. ~~قال بعض العلماء وقد ذكر جمهرة المفسرين أن المراد بالوزر فى هذه الآية ~~الذنب، ثم راحوا يتأولون الكلام، ويتمحلون الأعذار، ويختلفون فى جواز ~~ارتكاب الأنبياء للمعاصى، وكل هذا كلام، ولا داعى إليه، ولا يلزم حمل ~~الآية عليه. والمراد - والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم - بالوزر الحيرة ~~التى اعترته صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، حين فكر فيما عليه قومه من ~~عبادة الأوثان. وأيقن بثاقب فكره أن للكون خالقا هو الجدير بالعبادة، ثم ~~تحير فى الطريق الذى يسلكه لعبادة هذا الخالق، وما زال كذلك حتى أوحى ~~الله إليه بالرسالة فزالت حيرته. ولما دعا قومه إلى عبادة الله، وقابلوا ~~دعوته بالإعراض.. ثقل ذلك عليه، وغاظه من قومه أن يكذبوه.. وكان ذلك ~~حملا ثقيلا.. شق عليه القيام به. فليس الوزر الذى كان ينقض ظهره، ذنبا من ~~الذنوب.. ولكنه كان هما نفسيا يفوق ألمه، ألم ذلك الثقل الحسى.. فلما ~~هداه الله - تعالى - إلى إنقاذ أمته من أوهامها الفاسدة.. كان ذلك بمثابة ~~رفع الحمل الثقيل، الذى كان ينوء بحمله. لا جرم كانت هذه الآية واردة على ~~سبيل التمثيل، واقرأ إن شئت قوله - تعالى - # ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون. ~~فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين. واعبد ~~ربك حتى يأتيك اليقين # ويبدو لنا أن هذا القول الثانى، هو الأقرب إلى الصواب. لأن الكلام هنا ~~ليس عن الذنوب التى ارتكبها النبى صلى الله عليه وسلم قبل البعثة - كما ~~يرى بعض المفسرين - وإنما الكلام هنا عن النعم التى أنعم بها - سبحانه - ~~عليه والتى من مظاهرها توفيقه للقيام بأعباء الرسالة، وبإقناع كثير من ~~الناس بأنه على الحق، واستجابتهم له صلى الله عليه وسلم. وقوله - سبحانه ~~- { ورفعنا لك ذكرك } بيان لنعمة ثالثة من نعمه - تعالى - على ~~نبيه صلى الله عليه وسلم. أى لقد شرحنا لك - أيها ms5442 الرسول الكريم - صدرك، ~~وأزلنا عن قلبك الحيرة التى كانت تعتريك قبل تبليغ الرسالة وبعد تبليغها، ~~بأن يسرنا لك كل صعب. وفوق ذلك فقد رفعنا لك ذكرك، بأن جعنالك رفيع ~~الشأن، سامى المنزلة، عظيم القدر، ومن مظاهر ذلك أننا جعلنا اسمك مقرونا ~~باسمنا فى النطق بالشهادتين. وفى الأذان، وفى الإقامة، وفى التشهد، وفى ~~غير ذلك من العبادات، وأننا فضلناك على جميع رسلنا، بل على جميع الخلق ~~على الإطلاق، وأننا أعطيناك الشفاعة العظمى، وجعلنا طاعتك من طاعتنا. ~~قال الآلوسى أخرج أبو يعلى، وابن جرير.. عن أبى سعيد الخدرى عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال # " أتانى جبريل فقال لى إن ربك يقول أتدرى كيف رفعت ذكرك؟ قلت الله - ~~تعالى- أعلم. قال " إذا ذكرت ذكرت معى ". # ثم أضاف - سبحانه - إلى هذه النعم الجليلة، ما يدخل السرور على قلبه صلى ~~الله عليه وسلم وما يبعث الأمل فى نفسه وفى نفوس أصحابه، بأن بين لهم سنة ~~من سننه التى لا تتخلف فقال { فإن مع العسر يسرا }. والفاء ~~للإفصاح، ومع بمعنى بعد، وأل فى العسر لاستغراق أنواع العسر المعروفة ~~للمخاطبين. من فقر، وضعف، وقلة فى الوسائل التى تؤدى إلى إدراك المطلوب. ~~والجملة الثانية مؤكدة ومقررة للجملة الأولى. والتنكير فى قوله { يسرا } ~~للتفخيم. والمعنى إذا تقرر عندك ما أخبرنا به، من شرح الصدر، ووضع الوزر. ~~ورفع الذكر.. فاعلم أنه ما من عسر إلا ويعقبه يسر، وما من شدة إلا ويأتى ~~بعدها الفرج، وما من غم أو هم، إلا وينكشف، وتحل محله المسرة.. وما دام ~~الأمر كذلك، فتذرع أنت وأصحابك بالصبر، واعتصموا بالتوكل على الله، فإن ~~العاقبة لكم. ففى هاتين الآيتين ما فيهما من تسلية للنبى صلى الله عليه ~~وسلم ولأتباعه، ومن وعد صادق بأن كل صعب يلين، وكل شديد يهون، وكل عسير ~~يتيسر. متى صبر الإنسان الصبر الجميل، وتسلح بالعزيمة القوية، ~~وبالإيمان العميق بقضاء الله - تعالى - وقدره. وأكد - سبحانه - هاتين ~~الآيتين، لأن هذه القضية قد تكون موضع شك، خصوصا بالنسبة لمن تكاثرت ~~عليهم الهموم وألوان المتاعب، فأراد ms5443 - سبحانه - أن يؤكد للناس فى كل زمان ~~ومكان، أن اليسر يعقب العسر لا محالة، والفرج يأتى بعد الضيق، فعلى ~~المؤمن أن يقابل المصائب بصبر جميل، وبأمل كبير فى تيسير الله وفرجه ~~ونصره. # وقال - سبحانه - { مع العسر يسرا } ولم يقل بعد العسر يسرا، ~~للإشعار بأن هذا اليسر، ليس بعد العسر بزمن طويل، وإنما هو سيأتى فى ~~أعقابه بدون مهلة طويلة، متى وطن الإنسان نفسه على الصبر والأمل فى فرج ~~الله - تعالى -. وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهاتين الآيتين بعض ~~الآثار، منها ما رواه ابن أبى حاتم، عن عائد بن شريح قال سمعت أنس بن ~~مالك يقول # " كان النبى صلى الله عليه وسلم جالسا وحياله حجر فقال " لو جاء العسر ~~فدخل هذا الجحر، لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه ". # وعن الحسن قال كانوا يقولون لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين. وعن قتادة ~~ذكر لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم بشر أصحابه فقال # " لن يغلب عسر يسرين " # ومعنى هذا أن العسر معرف فى الحالين، فهو مفرد، واليسر منكر ~~فمتعدد، ولهذا قال # " لن يغلب عسر يسرين " # فالعسر الأول عين الثانى، واليسر تعدد.. وقال صاحب الكشاف فإن قلت كيف ~~تعلق قوله { فإن مع العسر يسرا } بما قبله؟ قلت كان ~~المشركون يعيرون رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالفقر فذكره ~~الله - تعالى - بما أنعم به عليه من جلائل النعم ثم قال { فإن مع ~~العسر يسرا } ، كأنه قال خولناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله، ~~فإن مع العسر الذى أنتم فيه يسرا. فإن قلت " إن مع " للصحبة، فما معنى ~~اصطحاب اليسر للعسر؟ قلت أراد أن الله يصيبهم بيسر بعد العسر الذى كانوا ~~فيه بزمان قريب، فقرب اليسر المترقب حتى جعله كالمقارن للعسر، زيادة فى ~~التسلية، وتقوية القلوب. فإن قلت فما المراد باليسرين؟ قلت يجوز أن يراد ~~بهما ما تيسر لهم من الفتوح فى أيام النبى صلى الله عليه وسلم، وما تيسر ~~لهم فى أيام الخلفاء.. وأن يراد يسر الدنيا ويسر الآخرة. فإن ms5444 قلت فما ~~معنى هذا التنكير؟ قلت التفخيم، كأنه قال إن مع العسر يسرا عظيما وأى ~~يسر.. وبعد هذا التعديد لتلك النعم العظيمة، أمر الله - تعالى - نبيه صلى ~~الله عليه وسلم فى الاجتهاد فى العبادة فقال - تعالى - { فإذا ~~فرغت فانصب وإلى ربك فارغب }. وأصل الفراغ خول ~~الإناء مما بداخله من طعام أو غيره، والمراد به هنا الخلو من الأعمال ~~التى تشغل الإنسان، والنصب التعب والاجتهاد فى تحصيل المطلوب. # أى فإذا فرغت - أيها الرسول الكريم - من عمل من الأعمال، فاجتهد فى ~~مزاولة عمل آخر من الأعمال التى تقربك من الله - تعالى -، كالصلاة، ~~والتهجد، وقراءة القرآن الكريم. واجعل رغبتك فى جميع أعمالك وعباداتك، من ~~أجل إرضاء ربك، لا من أجل شئ آخر، فهو وحده القادر على إبلاغك ما تريد، ~~وتحقيق آمالك. فالمقصود بهاتين الآيتين حثه صلى الله عليه وسلم وحث ~~أتباعه فى شخصه على استدامة العمل الصالح، وعدم الانقطاع عنه، مع إخلاص ~~النية لله - تعالى - فإن المواظبة على الأعمال الصالحة مع الاخلاص فيها، ~~تؤدى إلى السعادة التى ليس بعدها سعادة. ولقد استجاب صلى الله عليه وسلم ~~لهذا الإرشاد الحكيم، # " فقد قام الليل حتى تورمت قدماه، وعندما سئل لم كل هذه العبادة، وقد ~~غفر الله لك ما تقدم من ذنبك؟ قال " أفلا أكون عبدا شكورا ". # وسار أصحابه من بعده على هذا الهدى القويم فعمروا حياتهم بالباقيات ~~الصالحات من الأعمال، دون أن يكون للفراغ السيئ، مكان فى حياتهم، بل ~~واصلوا الجهاد بالجهاد، وأعمال البر بمثلها. ومن أقوال عمر بن الخطاب - ~~رضى الله عنه - إنى لأكره لأحدكم أن يكون خاليا، لا فى عمل دنيا ولا دين ~~". وفى رواية أنه قال " إنى لأنظر إلى الرجل فيعجبنى، فإذا قيل إنه لا ~~عمل له سقط من عينى ". نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا ممن يعمرون ~~أوقاتهم بالأعمال الصالحة، والخالصة لوجهه الكريم. وصلى الله على سيدنا ~~محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [95 - سورة التين] ### || [95.1-8] # اتفق المفسرون على أن المراد بطور سينين الجبل الذى كلم الله - تعالى - ~~عليه موسى - عليه ms5445 السلام - وسينين، وسيناء، وسينا، اسم للبقعة التى فيها ~~هذا الجبل، بإضافة " طور " إلى ما بعده، من إضافة الموصوف إلى الصفة. قال ~~الإمام الشوكانى " وطور سينين " هو الجبل الذى كلم الله عليه موسى، اسمه ~~الطور. ومعنى سينين المبارك الحسن.. وقال مجاهد سينين كل جبل فيه شجر ~~مثمر، فهو سينين وسيناء. وقال الأخفش طور جبل. وسينين شجر، واحدته سينه، ~~ولم ينصرف سينين كما لم ينصرف سيناء، لأنه جعل اسما للبقعة. وأقسم - ~~سبحانه - به، لأنه من البقاع المباركة، وأعظم بركة حلت به ووقعت فيه، ~~تكليم الله - تعالى -، لنبيه موسى - عليه السلام -. كما اتفقوا - أيضا - ~~على أن المراد بالبلد الأمين مكة المكرمة، وسمى بالأمين لأن من دخله كان ~~آمنا، وقد حرمها - تعالى - على جميع خلقه، وحرم شجرها وحيوانها، وفى ~~الحديث الصحيح، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال بعد فتحتها # " إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهى حرام إلى أن تقوم الساعة، ~~لم تحل لأحد قبلى، ولن تحل لأحد بعدى، ولم تحل لى إلا ساعة من نهار، فلا ~~يعضد - أى يقطع - شجرها - ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد.. ~~". # إلا أن خلافهم فى المراد بقوله - تعالى - { والتين والزيتون } ~~، وقد ذكر الإمام القرطبى هذا الخلاف فقال ما ملخصه قوله { والتين ~~والزيتون } قال ابن عباس وغيره هو تينكم الذى تأكلون، وزيتونكم ~~الذى تعصرون منه الزيت. قال - تعالى - # وشجرة تخرج من طور سينآء تنبت بالدهن وصبغ ~~للآكلين # وهى شجرة الزيتون. وقال أبو ذر # " أهدى للنبى صلى الله عليه وسلم سلة تين، فقال " كلوا " وأكل منها. ثم ~~قال " لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة، لقلت هذه.. ". # وعن معاذ أنه استاك بقضيب زيتون، وقال سمعت النبى صلى الله عليه وسلم ~~يقول # " نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة ". # وهذا هو الرأى الذى تطمئن إليه النفس لأنه هو المتبادر من اللفظ وهناك ~~أقوال أخرى رأينا أن نضرب عنها صفحا لضعفها وتهافتها. ثم قال الإمام ~~القرطبى وهذا القول هو أصح الأقوال، لأنه الحقيقة، ولا يعدل عن الحقيقة ~~إلى ms5446 المجاز إلا بدليل. وإنما أقسم بالتين لأنه كان ستر آدم فى الجنة، ~~لقوله - تعالى - # يخصفان عليهما من ورق الجنة # وكان ورق التين، ولأنه كثير المنافع. وأقسم بالزيتون لأنه الشجرة ~~المباركة، قال - تعالى - # يوقد من شجرة مباركة زيتونة... # وفيه منافع كثيرة... وقال الإمام ابن جرير بعد أن ساق جملة من الأقوال ~~من المقصود بالتين والزيتون والصواب من القول فى ذلك عندنا، قول من قال ~~التين هو التين الذى يؤكل. والزيتون هو الزيتون الذى يعصر منه الزيت، لأن ~~ذلك هو المعروف عند العرب، ولا يعرف جبل يسمى تينا، ولا جبل يقال له ~~زيتون. إلا أن يقول قائل المراد من الكلام القسم بمنابت التين، ومنابت ~~الزيتون، فيكون ذلك مذهبا، وإن لم يكن على صحة ذلك أنه كذلك، دلالة فى ~~ظاهر التنزيل.. وما ذهب إليه الإمامان ابن جرير والقرطبى، من أن المراد ~~بالتين والزيتون، حقيقتهما، هو الذى نميل إليه، لأنه هو الظاهر من معنى ~~اللفظ، ولأنه ليس هناك من ضرورة تحمل على مخالفته، ولله - تعالى - أن ~~يقسم بما شاء من مخلوقاته، فهو صاحب الخلق والأمر، تبارك الله رب ~~العالمين. وجملة { لقد خلقنا الإنسان في أحسن ~~تقويم... } وما عطف عليه جواب القسم. أى وحق التين الذى هو أحسن ~~الثمار، صورة وطعما وفائدة، وحق الزيتون الذى يكفى الناس حوائج طعامهم ~~وإضاءتهم، وحق هذا البلد الأمين، وهو مكة المكرمة، وحق طور سنين الذى كلم ~~الله - تعالى - عليه نبيه موسى تكليما.. وحق هذه الأشياء.. لقد خلقنا ~~الإنسان فى أعدل قامة، وأجمل صورة، وأحسن هيئة، ومنحناه بعد ذلك ما لم ~~نمنحه لغيره، من بيان فصيح، ومن عقل راجح، ومن علم واسع، ومن إرادة وقدرة ~~على تحقيق ما يبتغيه فى هذه الحياة، بإذننا ومشيئتنا. والتقويم فى الأصل ~~تصيير الشئ على الصورة التى ينبغى أن يكون عليها فى التعديل والتركيب. ~~تقول قومت الشئ تقويما، إذا جعلته على أحسن الوجوه التى ينبغى أن يكون ~~عليها.. فى التعديل والتركيب. تقول قومت الشئ تقويما، إذا جعلته على ~~أحسن الوجوه التى ينبغى أن يكون عليها.. ms5447 وهذا الحسن يشمل الظاهر والباطن ~~للإنسان. والمراد بالإنسان هنا جنسه. أى لقد خلقنا - بقدرتنا وحكمتنا - ~~جنس الإنسان فى أكمل صورة، وأحكم عقل.. وقوله - تعالى - { ثم ~~رددناه أسفل سافلين } معطوف على ما قبله وداخل فى حيز ~~القسم. وضمير الغائب يعود إلى الإنسان. وحقيقة الرد إرجاع الشئ إلى ~~مكانه السابق، والمراد به هنا تصيير الإنسان على حالة غير الحالة التى ~~كان عليها، وأسفل أفعل تفضيل، أى أشد سفالة مما كان يتوقع. وللمفسرين فى ~~هذه الآية الكريمة اتجاهات منها أن المراد بالرد هنا الرد على الكبر ~~والضعف، كما قال - تعالى - # الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف ~~قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ~~ما يشآء وهو العليم القدير # وعلى هذا الرأى يكون المردودن إلى أسفل سافلين، أى إلى أرذل العمر، هم ~~بعض أفراد جنس الإنسان، لأنه من المشاهد أن بعض الناس هم الذين يعيشون ~~تلك الفترة الطويلة من العمر، كما قال - تعالى - # هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من ~~علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ~~ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ~~ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون # وقد رجح ابن جرير هذا الرأى فقال " وأولى الأقوال فى ذلك عندى بالصحة، ~~وأشبهها بتأويل الآية، قول من قال معناه ثم رددناه إلى أرذل العمر. إلى ~~عمر الخرفى الذين ذهبت عقولهم من الهرم والكبر، فهو فى أسفل من سفل فى ~~إدبار العمر، وذهاب العقل.. ". ومنها أن المراد بالرد هنا الرد إلى ~~النار، والمعنى لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم، ثم رددناه إلى أقبح ~~صورة، وأخس هيئة.. حيث ألقينا به فى أسفل سافلين، أى فى النار، بسبب ~~استحبابه العمى على الهدى، والكفر على الإيمان. وقد رجح هذا الرأى ابن ~~كثير فقال قوله { ثم رددناه أسفل سافلين } أى إلى ~~النار.. أى ثم بعد هذا الحسن والنضارة، مصيره إلى النار، إن لم يطع الله ~~- تعالى - ويتبع الرسل. ولهذا قال { إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات... }. وعلى هذا الرأى - أيضا ms5448 -، يكون ~~المردودون إلى " أسفل سافلين " أى إلى النار، هم بعض أفراد جنس الإنسان، ~~وهم الكفار، والفاسقون عن أمره - تعالى -. ومنها أن المراد بالرد إلى ~~أسفل سافلين هنا الانحراف والارتداد عن الفطرة التى فطر الله - تعالى - ~~الناس عليها، بأن يعبد الإنسان مخلوقا مثله، ويترك عبادة خالقه، ويطيع ~~نفسه وشهواته وهواه.. ويترك طاعة ربه - عز وجل -. وقد فصل الأستاذ ~~الإمام هذا المعنى فقال ما ملخصه " أقسم - سبحانه - أنه قوم الإنسان ~~أحسن تقويم، وركبه أحسن تركيب، وأكد - سبحانه - ذلك بالقسم، لأن الناس ~~بسبب غفلتهم عما كرمهم الله به، صاروا كأنهم ظنوا أنفسهم كسائر أنواع ~~العجماوات، يفعلون كما تفعل، لا يمنعهم حياء ولا تردهم حشمة. فانحطت بذلك ~~نفوسهم عن مقامها، الذى كان لها بمقتضى الفطرة.. فهذا قوله { ثم ~~رددناه أسفل سافلين } ، أى صيرناه أسفل من كثير من ~~الحيوانات التى كانت أسفل منه، لأن الحيوان المفترس - مثلا - إنما يصدر ~~فى عمله عن فطرته التى فطر عليها، لم ينزل عن مقامه، ولم ينحط عن منزلته ~~فى الوجود. أما الإنسان فإنه بإهماله عقله، وجهله بما ينبغى أن يعمله ~~لتوفير سعادته وسعادة إخوانه، ينقلب أرذل من سائر أنواع الحيوان، ولطالما ~~قلت " إذا فسد الإنسان فلا تسل عما يصدر عنه من هذيان أو عدوان ". والذى ~~يتأمل الرأى الثانى والثالث يرى أن بينهما تلازما، لأن الانحراف عن ~~الفطرة السوية يؤدى إلى الدخول فى النار وبئس القرار، وهذان الرأيان أولى ~~بالقبول، لأن الاستثناء فى قوله - تعالى - بعد ذلك { إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون } ~~يؤيد ذلك، إذ المعنى عليها لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم، ثم رددناه ~~إلى النار بسبب انحرافه عن الفطرة، وإيثاره الغى على الرشد، والكفر على ~~الإيمان. # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وساروا على مقتضى فطرتهم، فأخلصوا لله ~~- تعالى - العبادة والطاعة.. فلهم أجر غير مقطوع عنهم أو غير ممنون به ~~عليهم، بل هم قد اكتسبوا هذا الأجر الدائم العظيم، بسبب إيمانهم وعملهم ~~الصالح. قال الآلوسى ما ملخصه قوله { ثم رددناه أسفل ~~سافلين } ، " ثم " هنا للتراخى ms5449 الزمانى أو الرتبى، والرد يجوز أن ~~يكون بمعنى الجعل، فينصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر. فأسفل مفعول ~~ثان، والمعنى ثم جعلناه من أهل النار، الذين هم أقبح، وأسفل من كل سافل.. ~~ويجوز أن يكون الرد بمعناه المعروف، وأسفل منصوب بنزع الخافض. أى رددناه ~~إلى أسفل الأمكنة السافلة وهو جهنم.. وقوله { إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات } استثناء متصل من ضمير " رددناه العائد على ~~الإنسان، فإنه فى معنى الجمع، فالمؤمنون لا يردون أسفل سافلين يوم ~~القيامة، بل يزدادون بهجة إلى بهجتهم. وحسنا على حسنهم.. ". و " ما " فى ~~قوله - سبحانه - { فما يكذبك بعد بالدين } اسم استفهام ~~مبتدأ، وخبره جملة " يكذبك ". والخطاب للإنسان الذين خلقه الله - تعالى ~~- فى أحسن تقويم، ففى الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب. والاستفهام ~~للإنكار والتعجيب من هذا الإنسان. والمعنى فأى شئ يحملك - أيها ~~الإنسان - على التكذيب بالدين وبالبعث وبالجزاء، بعد أن خلقناك فى أحسن ~~تقويم، وبعد أن أقمنا لك الأدلة على أن دين الإسلام هو الدين الحق، وعلى ~~أن رسولنا صادق فيما يبلغك عن ربه - عز وجل -؟ فالمقصود بقوله - تعالى - ~~{ يكذبك } يجعلك مكذبا، أى لا عذر لك فى التكذيب بالحق، وقيل ~~الخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم، وتكون " ما " بمعنى " من " ويكون ~~الاستفهام بها عن ذوات المخاطبين، أى فمن ذا الذى يكذبك - أيها الرسول ~~الكريم - ويكذب بيوم الدين والجزاء، بعد أن ظهرت الدلائل على صدقك..؟ إن ~~كل عاقل يجب عليه أن يصدقك ولا يكذبك، ولا يعرض عنك. والاستفهام فى قوله ~~- تعالى - { أليس الله بأحكم الحاكمين } للتقرير إذا ~~الجملة الكريمة تحقيق لما ذكر من خلق الإنسان فى أحسن تقويم، ثم رده إلى ~~أسفل سافلين. فكأنه - تعالى - يقول إن الذى فعل ذلك كله هو أحكم الحاكمين ~~خلقا وإيجادا. وصنعا وتدبيرا، وقضاء وتقديرا، فيجب على كل عاقل أن ~~يخلص له العبادة والطاعة وأن يتبع رسوله صلى الله عليه وسلم فى كل ما جاء ~~به من عند ربه - عز وجل -. وقد روى الإمام الترمذى عن أبى هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه ms5450 وسلم # " من قرأ منكم { والتين والزيتون... } ثم انتهى إلى قوله - ~~تعالى - { أليس الله بأحكم الحاكمين } فليقل بلى، وأنا ~~على ذلك من الشاهدين ". # نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا من عباده الصالحين. وصلى الله على ~~سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [96 - سورة العلق] ### || [96.1-19] # وقد أجمع المحققون من العلماء، على أن هذه الآيات الكريمة، أول ما نزل ~~على الرسول صلى الله عليه وسلم من قرآن على الإطلاق، فقد أخرج الشيخان ~~وغيرهما عن عائشة قالت أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الوحى، الرؤيا الصالحة فى النوم. فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق ~~الصبح. ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث - أى فيتعبد - فيه ~~الليالى ذوات العدد، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لذلك، حتى جاءه الحق وهو ~~فى غار حراء. فجاءه الملك فقال له { اقرأ } قال ما أنا بقارئ، قال صلى ~~الله عليه وسلم فأخذنى فغطنى حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى فقال { ~~اقرأ } فقلت ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى الثانية حتى بلغ منى الجهد، ~~ثم أرسلنى فقال { اقرأ } فقلت ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى الثالثة حتى ~~بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى فقال { اقرأ باسم ربك الذي ~~خلق. خلق الإنسان من علق.. }. وما ورد من أحاديث تفيد أن ~~أول سورة نزلت هى " سورة الفاتحة " فمحمول على أن أول سورة نزلت كاملة هى ~~سورة الفاتحة. كذلك ما ورد من أحاديث فى أن أول ما نزل سورة المدثر، ~~محمول على أن أول ما نزل بعد فترة الوحى. أما صدر سورة العلق فكان نزوله ~~قبل ذلك. قال الآلوسى - بعد أن ساق الأحاديث التى وردت فى ذلك - " ~~وبالجملة فالصحيح - كما قال بعض وهو الذى أختاره - أن صدر هذه السورة ~~الكريمة، هو أول ما نزل من القرآن على الإطلاق. وفى شرح مسلم الصواب أن ~~أول ما نزل " اقرأ " ، أى مطلقا، وأول ما نزل بعد فترة الوحى، " يأيها ~~المدثر " ، وأما قول من قال من المفسرين، أول ما نزل الفاتحة، ms5451 فبطلانه ~~أظهر من أن يذكر ". والذى نرجحه ونميل إليه أن أول ما نزل من قرآن على ~~الإطلاق، هو صدر هذه السورة الكريمة إلى قوله { ما لم يعلم } ، ~~لورود الأحاديث الصحيحة بذلك. أما بقيتها فكان نزوله متأخرا. قال ~~الأستاذ الإمام " أما بقية السورة فهو متأخر النزول قطعا، وما فيه من ~~ذكر أحوال المكذبين، يدل على أنه إنما نزل بعد شيوع خبر البعثة، وظهور ~~أمر النبوة، وتحرش قريش لإيذائه صلى الله عليه وسلم ". وقد افتتحت السورة ~~الكريمة بطلب القراءة من النبى صلى الله عليه وسلم مع أنه كان أميا ~~لتهيئة ذهنه لما سيلقى عليه صلى الله عليه وسلم من وحى.. فقال - سبحانه - ~~{ اقرأ باسم ربك الذي خلق }. # أى اقرأ - أيها الرسول الكريم - ما سنوحيه إليك من قرآن الكريم، ولتكن ~~قراءتك ملتبسة باسم ربك. وبقدرته وإرادته، لا باسم غيره، فهو - سبحانه - ~~الذى خلق الأشياء جميعها، والذى لا يعجزه أن يجعلك قارئا، بعد كونك لم ~~تكن كذلك. وقال - سبحانه - { باسم ربك } بوصف الربوبية، لأن هذا ~~الوصف ينبئ عن كمال الرأفة والرحمة والرعاية بشأن المربوب. ووصف - سبحانه ~~- ذاته بقوله { الذي خلق } للتذكير بهذه النعمة، لأن الخلق هو أعظم ~~النعم، وعليه تترتب جميعها. وجملة { خلق الإنسان من علق } بدل ~~من قوله { الذي خلق } بدل بعض من كل، إذ خلق الإنسان بمثل جزءا من ~~خلق المخلوقات التى لا يعلمها إلا الله. و " العلق " الدم الجامد، وهو ~~الطورالثانى من أطوار خلق الإنسان. وقيل العلق مجموعة من الخلايا التى ~~نشأت بطريقة الانقسام عن البويضة الملقحة، وسمى " علقا " لتعلقه بجدار ~~الرحم. والمقصود من هذه الجملة الكريمة بيان مظهر من مظاهر قدرته - تعالى ~~- فكأنه - سبحانه - يقول إن من كان قادرا على أن يخلق من الدم الجامد ~~إنسانا يسمع ويرى ويعقل.. قادر - أيضا - على أن يجعل منك - أيها الرسول ~~الكريم - قارئا، وإن لم تسبق لك القراءة. وخص - سبحانه - خلق الإنسان ~~بالذكر، لأنه أشرف المخلوقات ولأن فيه من بدائع الصنع والتدبير ما فيه. ~~وقوله - تعالى - { اقرأ وربك الأكرم } أى امض لما أمرتك به ms5452 ~~من القراءة، فإن ربك الذى أمرك بالقراءة هو الأكرم من كل كريم، والأعظم ~~من كل عظيم. قالوا وإنما كرر - سبحانه - الأمر بالقراءة، لأنه من الملكات ~~التى لا ترسخ فى النفس إلا بالتكرار والإعادة مرة فمرة. وجملة { ~~وربك الأكرم } مستأنفة لقصد بيان أنه - تعالى - أكرم من كل من ~~يلتمس منه العطاء، وأنه - سبحانه - قادر على أن يمنح نبيه نعمة القراءة، ~~بعد أن كان يجهلها. وقوله - تعالى - { الذى علم بالقلم } أى ~~علم الانسان الكتابة بالقلم، ولم يكن له علم بها، فاستطاع عن طريقها أن ~~يتفاهم مع غيره، وأن يضبط العلوم والمعارف، وأن يعرف أخبار الماضين ~~وأحوالهم، وأن يتخاطب بها مع الذين بينه وبينهم المسافات الطويلة. ~~ومفعولا " علم " محذوفان، دل عليهما قوله { بالقلم } أى علم ناسا ~~الكتابة بالقلم. وتخصيص هذه الصفة بالذكر، للإيماء إلى إزالة ما قد يخطر ~~بباله صلى الله عليه وسلم من تعذر القراءة بالنسبة له، لجهله بالكتابة، ~~فكأنه - تعالى - يقول له إن من علم غيرك القراءة والكتابة بالقلم، قادر ~~على تعليمك القراءة وأنت لا تعرف الكتابة، ليكون ذلك من معجزاتك الدالة ~~على صدقك، وكفاك بالعلم فى الأمة معجزة. وجملة { علم الإنسان ما ~~لم يعلم } خبر عن قوله - تعالى - { وربك الأكرم } وما ~~بينهما اعتراض، ويصح أن تكون بدل اشتمال مما قبلها وهو قوله { علم ~~بالقلم } أى علم الإنسان بالقلم وبدونه ما لم يكن يعلمه من الأمور ~~على اختلافها، والمراد بالإنسان فى هذه الآيات جنسه. # والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة، يراها قد جمعت أصول الصفات الإلهية، ~~كالوجود، والوحدانية، والقدرة والعلم، والكرم. قال الإمام ابن كثير عند ~~تفسيره لهذه الآيات فأول شئ من القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات، ~~وهو أول رحمة رحم الله بها العباد، وأول نعمة أنعم الله بها عليهم، وفيها ~~التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة، وأن من كرمه - تعالى - أن علم ~~الإنسان ما لم يعلم، فشرفه وكرمه بالعلم، وهو القدر الذى امتاز به أبو ~~البرية آدم على الملائكة.. وقال المرحوم الشيخ محمد عبده ثم إنه لا يوجد ~~بيان أبرع ms5453 ولا دليل أقطع على فضل القراءة والكتابة والعلم بجميع أنواعه، ~~من افتتاح الله كتابه وابتدائه الوحى، بهذه الآيات الباهرات، فإن لم يهتد ~~المسلمون بهذا الهدى، ولم ينبههم النظر فيه إلى النهوض، وإلى تمزيق تلك ~~الحجب التى حجبت عن أبصارهم نور العلم.. وإن لم يسترشدوا بفاتحة هذا ~~الكتاب المبين، ولم يستضيئوا بهذا الضياء الساطع.. فلا أرشدهم الله.. ثم ~~بين - سبحانه - بعد ذلك الأسباب التى تحمل الإنسان على الطغيان فقال { ~~كلا إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى }. و " كلا ~~" حرف ردع وزجر لمن تكبر وتمرد.. فهو زجر عما تضمنه ما بعدها، لأن ما ~~قبلها ليس فيه ما يوجب الزجر والردع، ويصح أن تكون " كلا " هنا بمعنى ~~حقا. وقوله { يطغى } من الطغيان، وهو تجاوز الحق فى التكبر والتمرد. ~~والضمير فى قوله { رآه } يعود على الإنسان الطاغى، والجملة متعلقة بقوله ~~{ يطغى } بحذف لام التعليل، والرؤية بمعنى العلم. والمعنى حقا إن ~~الإنسان ليتعاظم ويتكبر ويتمرد على الحق، لأنه رأى نفسه ذا غنى فى المال ~~والجاه والعشيرة، ورآها - لغروره وبطره - ليست فى حاجة إلى غيره. والمراد ~~بالإنسان هنا جنسه لأن من طبع الإنسان أن يطغى، إذا ما كثرت النعم بين ~~يديه، إلا من عصمه الله - تعالى - من هذا الخلق الذميم، بأن شكره - ~~سبحانه - على نعمه، واستعملها فى طاعته. وقيل المراد بالإنسان هنا أبو ~~جهل، وأن هذه الآيات وما بعدها حتى آخر السورة قد نزلت فى أبى جهل، فقد ~~أخرج البخارى عن ابن عباس قال # " قال أبو جهل لئن رأيت محمدا يصلى عند الكعبة، لأطأن على عنقه، فبلغ ~~ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فقال لئن فعل لأخذته الملائكة " # . ونزول هذه الآيات فى شأن أبى جهل لا يمنع عموم حكمها، ويدخل فى هذا ~~الحكم دخولا أوليا أبو جهل، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. # وقوله - تعالى - { إن إلى ربك الرجعى } تهديد ووعيد لهذا ~~الطاغى، والرجعى مصدر بمعنى الرجوع. تقول رجع إليه رجوعا ومرجعا ~~ورجعى بمعنى واحد. والمعنى لا تحزن - أيها الرسول الكريم - مما تفوه به ~~هذا ms5454 الطاغى وأمثاله، فإن إلى ربك وحده مرجعهم، وسيشاهدون بأعينهم ما ~~أعددناه لهم من عذاب مهين، وسيعلمون حق العلم أن ما يتعاظمون به من مال، ~~لن يغنى عنهم من عذاب الله شيئا يوم القيامة. ثم عجب - سبحانه - نبيه ~~صلى الله عليه وسلم من حال هذا الشقى وأمثاله، فقال { أرأيت الذي ~~ينهى. عبدا إذا صلى }. فالاستفهام فى قوله - تعالى - { ~~أرأيت... } للتعجيب من جهالة هذا الطاغى، وانطماس بصيرته، حيث نهى ~~عن الخير، وأمر بالشر، والمراد بالعبد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتنكيره للتفخيم والتعظيم. أى أرأيت وعلمت - أيها الرسول الكريم - حالا ~~أعجب وأشنع من حال هذا الطاغى الأحمق، الذى ينهاك عن إقامة العبادة لربك ~~الذى خلقك وخلقه. وقوله - سبحانه - { أرأيت إن كان على ~~الهدى. أو أمر بالتقوى } خطاب آخر للنبى صلى الله عليه ~~وسلم أى أرأيت - أيها الرسول الكريم - إن صار هذا الإنسان - الطاغى ~~الكافر - على الهدى، فاتبع الحق، ودعا إلى البر والتقوى.. أما كان ذلك ~~خيرا له من الإصرار على الكفر، ومن نهيه إياك عن الصلاة، فجواب الشرط ~~محذوف للعلم به. فالمراد بالهدى اهتداؤه إلى الصراط المستقيم، والمراد ~~بالتقوى صيانة نفسه عن كل ما يغضب الله - تعالى -، وأمره غيره بذلك. ~~وقوله - تعالى - { أرأيت إن كذب وتولى. ألم يعلم ~~بأن الله يرى }. أى أرأيت - أيها الرسول الكريم - إن كذب هذا ~~الكافر بما جئته به من عندنا، وتولى وأعرض عما تدعوه إليه من إيمان وطاعة ~~لله رب العالمين. أرأيت إن فعل ذلك، أفلا أرشده عقله إلى أن خالق هذا ~~الكون يراه، وسيجازيه بما يستحقه من عذاب مهين؟. فالمقصود من هذه الآيات ~~الكريمة التى تكرر فيها لفظ " أرأيت " ثلاث مرات تسلية النبى صلى الله ~~عليه وسلم. وتعجيبه من حال هذا الإنسان الطاغى الشقى، الذى أصر على ~~كفره. وآثر الغى على الرشد. والشرك على الإيمان.. وتهديد هذا الكافر ~~الطاغى بسوء المصير، لأن الله - تعالى - مطلع على أعماله القبيحة.. ~~وسيعاقبه العقاب الأكبر. قال صاحب الكشاف فإن قلت فأين جواب الشرط - أى ~~فى قوله - تعالى - { أرأيت إن ms5455 كان على الهدى }؟ قلت هو ~~محذوف تقديره إن كان على الهدى، ألم يعلم بأن الله يرى، وإنما حذف لدلالة ~~ذكره فى جواب الشرط الثانى. # فإن قلت فكيف صح أن يكون " ألم يعلم " جوابا للشرط؟ قلت كما صح فى قولك ~~إن أكرمتك أتكرمنى؟ وإن أحسن إليك زيد هل تحسن إليه؟.. وقوله - سبحانه - ~~{ كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية } ردع وزجر ~~لهذا الكافر الطاغى الناهى عن الخير، ولكل من يحاول أن يفعل فعله. والسفع ~~الجذب بشدة على سبيل الإذلال والإهانة، تقول سفعت بالشئ، إذا جذبته ~~جذبا شديدا بحيث لا يمكنه التفلت أو الهرب... وقيل هو الاحتراق، من قولهم ~~فلان سفعته النار، إذا أحرقته وغيرت وجهه وجسده. والناصية الشعر الذى ~~يكون فى مقدمة الرأس. أى كلا ليس الأمر كما فعل هذا الإنسان الطاغى، ~~ولئن لم يقلع عما هو فيه من كفر وغرور، لنقهرنه، ولنذلنه، ولنعذبنه عذابا ~~شديدا فى الدنيا والآخرة. والتعبير بقوله - تعالى - { لنسفعا ~~بالناصية } يشعر بالأخذ الشديد، والإذلال المهين، لأنه كان من ~~المعروف عند العرب، أنهم كانوا إذا أرادوا إذلال إنسان وعقابه، سحبوه من ~~شعر رأسه. والتعريف فى الناصية، للعهد التقديرى. أى بناصية ذلك الإنسان ~~الطاغى، الذى كذب وتولى، ونهى عن إقامة الصلاة. وقوله - تعالى - { ~~ناصية كاذبة خاطئة } بدل من الناصية، وجاز إبدال النكرة من ~~المعرفة، لأن النكرة قد وصفت، فاستقلت بالفائدة. وخاطئة اسم فاعل من خطئ ~~فلان - كعلم - فهو خاطئ وهو الذى يأتى الذنب متعمدا، ووصفت الناصية بأنها ~~خاطئة مبالغة فى تعمد هذا الإنسان لارتكاب المنكر، على حد قولهم نهار ~~صائم، أى صائم صاحبه، ولأن الناصية هى مظهر الغرور والكبرياء. أى لئن لم ~~ينته هذا الفاجر المغرور عن كفره.. لنذلنه إذلالا شديدا.. ولنسحبنه إلى ~~النار من ناصيته التى طالما كذبت بالحق، وتعمدت ارتكاب المنكر.. وقوله - ~~سبحانه - { فليدع ناديه } رد على غروره وتفاخره بعشيرته، فقد ~~جاء فى الحديث الشريف أن أبا جهل عندما نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن ~~الصلاة، نهره النبى صلى الله عليه وسلم وزجره وأغلظ له القول.. فقال ms5456 أبو ~~جهل أتهددنى يا محمد وأنا أكثر هذا الوادى ناديا، فأنزل الله - سبحانه - ~~{ فليدع ناديه. سندع الزبانية }. وأصل النادى المكان ~~الذى يجتمع فيه الناس للحديث، ولا يسمى المكان بهذا الاسم إلا إذا كان ~~معدا لهذا الغرض، ومنه دار الندوة، وهى دار كان أهل مكة يجتمعون فيها ~~للتشاور فى مختلف أمورهم، وسمى بذلك لأن الناس يندون إليه، أى يذهبون ~~إليه، أو ينتدون فيه، أى يجتمعون للحديث فيه. يقال ندا القوم ندوا - ~~من باب غزا - إذا اجتمعوا. والأمر فى قوله - تعالى - { فليدع } ~~للتعجيز، والكلام على حذف مضاف. أى فليدع هذا الشقى المغرور أهله وعشيرته ~~لإيذاء النبى صلى الله عليه وسلم، ولمنعه من الصلاة، إن قدروا على ذلك، ~~فنحن من جانبنا سندع الزبانية، وهم الملائكة الغلاظ الموكلون بعقاب هذا ~~المغرور وأمثاله. # ولفظ الزبانية فى كلام العرب يطلق على رجال الشرطة الذين يزبنون الناس، ~~أى يدفعونهم إلى ما يريدون دفعهم إليه بقوة وشدة وغلظة، جمع زبنية، ~~وأصل اشتقاقه من الزبن، وهو الدفع الشديد، ومنه قولهم حرب زبون، إذا ~~اشتد الدفع والقتال فيها، وناقة زبون إذا كانت تركل من يحلبها. والمقصود ~~بهاتين الآيتين، التهكم بهذا الإنسان المغرور، والاستخفاف به وبكل من ~~يستنجد به، ووعيده بأنه إن استمر فى غروره ونهيه عن الصلاة فسيسلط الله - ~~تعالى - عليه ملائكة غلاظا شدادا. لا قبل له ولا لقومه بهم. وقوله - ~~تعالى - { كلا لا تطعه واسجد واقترب } ردع آخر لهذا ~~الكافر عن الغرور والبطر والطغيان، وإبطال لدعواه أنه سيدع أهل ناديه، ~~وتأكيد لعجزه عن منع الرسول صلى الله عليه وسلم عن الصلاة. أى كلا ليس ~~الأمر كما قال هذا المغرور من أن أهله وعشيرته سينصرونه، وسيقفون إلى ~~جانبه فى منعك أيها الرسول الكريم - من الصلاة، فإنهم وغيرهم أعجز من أن ~~يفعلوا ذلك، وعليك - أيها الرسول الكريم - أن تمضى فى طريقك وأن تواظب ~~على أداء الصلاة فى المكان الذى تختاره، ولا تطع هذا الشقى، فإنه جاهل ~~مغرور، واسجد لربك وتقرب إليه - تعالى - بالعبادة والطاعة، وداوم على ~~ذلك. فالمقصود بهذه الآية الكريمة، ms5457 حض النبى صلى الله عليه على المداومة ~~على الصلاة فى الكعبة، وعدم المبالاة بنهى الناهين عن ذلك، فإنهم أحقر من ~~أن يفعلوا شيئا.. نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا من عباده ~~الصالحين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [97 - سورة القدر] ### || [97.1-5] # الضمير المنصوب فى قوله - تعالى - { أنزلناه } يعود إلى القرآن ~~الكريم، وفى الإتيان بهذا الضمير للقرآن، مع أنه لم يجر له ذكر، تنويه ~~بشأنه، وإيذان بشهرة أمره. حتى إنه ليستغنى عن التصريح به، لحضوره ~~فى أذهان المسلمين. والمراد بإنزاله ابتداء نزوله على النبى صلى الله ~~عليه وسلم، لأنه من المعروف أن القرآن الكريم، قد نزل على النبى صلى الله ~~عليه سولم منجما، فى مدة ثلاث وعشرين سنة تقريبا. ويصح أن يكون المراد ~~بأنزلناه، أى أنزلناه جملة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، ثم نزل بعد ~~ذلك منجما على النبى صلى الله عليه وسلم. قال الإمام ابن كثير قال ابن ~~عباس وغيره أنزل الله - تعالى - القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى ~~بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلا بحسب الوقائع، فى ثلاث وعشرين ~~سنة، على رسول الله صلى الله عليه وسلم. والقدر الذى أضيفت إليه ~~الليلة، بمعنى الشرف والعظمة، مأخوذ من قولهم لفلان قدر عند فلان، أى له ~~منزلة رفيعة، وشرف عظيم، فسميت هذه الليلة بذلك، لعظم قدرها وشرفها، إذ ~~هى الليلة التى نزل فيها قرآن ذو قدر، بواسطة ملك ذى قدر، على رسول ذى ~~قدر، لأجل إكرام أمة ذات قدر، هذه الأمة يزداد قدرها وثوابها عند الله - ~~تعالى - إذا ما أحيوا تلك الليلة بالعبادات والطاعات. ويصح أن يكون ~~المراد بالقدر هنا التقدير، لأن الله - تعالى - يقدر فيها ما يشاء تقديره ~~بعباده، إلا أن القول الأول أظهر، لأن قوله - سبحانه - بعد ذلك { ومآ ~~أدراك ما ليلة القدر } يفيد التعظيم والتفخيم. أى إنا ~~ابتدأنا بقدرتنا وحكمتنا، إنزال هذا القرآن العظيم، على رسولنا محمد صلى ~~الله عليه وسلم فى ليلة القدر، التى لها ما لها عندنا من ms5458 قدر وشرف وعظم.. ~~لأن للطاعات فيها قدرا كبيرا، وثوابا جزيلا. وليلة القدر هذه هى الليلة ~~التى قال الله - تعالى - فى شأنها فى سورة الدخان # إنآ أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا ~~منذرين. فيها يفرق كل أمر حكيم. أمرا من ~~عندنآ إنا كنا مرسلين. رحمة من ربك إنه ~~هو السميع العليم # وهذه الليلة هى من ليالى شهر رمضان، بدليل قوله - تعالى - # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس ~~وبينات من الهدى والفرقان # قال بعض العلماء ومن تسديد ترتيب المصحف، أن سورة القدر وضعت عقب سورة ~~العلق، مع أنها أقل عدد آيات من سورة البينة وسور بعدها، وكأن ذلك ~~إيماء إلى أن الضمير فى { أنزلناه } يعود إلى القرآن، الذى ابتدئ نزوله ~~بسورة العلق. وقال صاحب الكشاف عظم - سبحانه - القرآن من ثلاثة أوجه ~~أحدها أن أسند إنزاله إليه، وجعله مختصا به دون غيره، والثانى أنه جاء ~~بضميره دون اسمه الظاهر، شهادة له بالنباهة والاستغناء عن التنبيه عليه، ~~والثالث الرفع من مقدار الوقت الذى أنزل فيه. # روى أنه جملة واحدة فى ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ~~وأملاه جبريل على السفرة ثم كان ينزل به على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نجوما فى ثلاث وعشرين سنة. وعن الشعبى المعنى أنا ابتدأنا إنزاله فى ~~ليلة القدر.. وقوله - تعالى - { ومآ أدراك ما ليلة القدر ~~} تنويه آخر بشرف هذه الليلة، وتفخيم لشأنها، حتى لكأن عظمتها أكبر من أن ~~تحيط بها الكلمات والألفاظ. أى وما الذى يدريك بمقدار عظمتها وعلو قدرها، ~~إن الذى يعلم مقدار شرفها هو الله - تعالى - علام الغيوب. ثم - بين - ~~سبحانه - مظاهر فضلها فقال { ليلة القدر خير من ألف ~~شهر } أى ليلة القدر أفضل من ألف شهر، بسبب ما أنزل فيها من قرآن كريم ~~يهدى للتى هى أقوم. ويخرج الناس من الظلمات إلى النور، وبسبب أن العباد ~~فيها أكثر ثوابا، وأعظم فضلا من العبادة فى أشهر كثيرة ليس فيها ليلة ~~القدر. والعمل القليل قد يفضل العمل الكثير، باعتبار الزمان والمكان، ~~وإخلاص ms5459 النية، وحسن الأداء، ولله - تعالى - أن يخص بعض الأزمنة والأمكنة ~~والأشخاص بفضائل متميزة. والتحديد بألف شهر يمكن أن يكون مقصودا. ويمكن ~~أن يراد منه التكثير. وأن المراد أن أقل عدد تفضله هذه الليلة هو هذا ~~العدد. فيكون المعنى أن هذه الليلة تفضل الدهر كله. ثم ذكر - سبحانه - ~~بعد ذلك مزية أخرى لهذه الليلة المباركة فقال { تنزل الملائكة ~~والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر }. أى ومن مزايا ~~وفضائل هذه الليلة أيضا، أن الملائكة - وعلى رأسهم الروح الأمين جبريل - ~~ينزلون فيها أفواجا إلى الأرض، بأمره - تعالى - وإذنه، وهم جميعا إنما ~~ينزلون من أجل أمر من الأمور التى يريد إبلاغها إلى عباده، وأصل " تنزل " ~~تتنزل، فحذفت إحدى التاءين تخفيفا، ونزول الملائكة إلى الأرض، من أجل نشر ~~البركات التى تحفهم، فنزولهم فى تلك الليلة يدل على شرفها، وعلى رحمة ~~الله - تعالى - بعباده. والروح هو جبريل، وذكره بخصوصه بعد ذكر الملائكة، ~~من باب ذكر الخاص بعد العام، لمزيد الفضل، واختصاصه بأمور لا يشاركه فيها ~~غيره. وقوله - سبحانه - { بإذن ربهم } متعلق بقوله { تنزل } ، ~~والباء للسببية، أى يتنزلون بسبب إذن ربهم لهم فى النزول. قال الجمل ما ~~ملخصه. وقوله { من كل أمر } يجوز فى " من " وجهان أحدهما أنها ~~بمعنى اللام، وتتعلق بتنزل، أى تنزل من أجل كل أمر قضى إلى العام القابل. # والثانى أنها بمعنى الباء، أى تنزل بكل أمر قضاه الله - تعالى - فيها من ~~موت وحياة ورزق. وليس المراد أن تقدير الله لا يحدث إلا فى تلك الليلة بل ~~المراد إظهار تلك المقادير لملائكته. وقوله - تعالى - { سلام هي ~~حتى مطلع الفجر } بيان لمزية ثالثة من مزايا هذه الليلة، ~~وقوله { سلام } مصدر بمعنى السلامة، وهو خبر مقدم، و { هى } مبتدأ ~~مؤخر، وإنما قدم الخبر تعجيلا للمسرة، وقد أخبر عن هذه الليلة بالمصدر ~~على سبيل المبالغة، أو على سبيل تأويل المصدر باسم الفاعل، أو على تقدير ~~مضاف.. والمراد بمطلع الفجر طلوعه وبزوغه. أى هذه الليلة يظلها ويشملها ~~السلام المستمر، والأمان الدائم، لكل مؤمن يحييها فى طاعة الله ms5460 - تعالى - ~~إلى أن يطلع الفجر، أو هى ذات سلامة حتى مطلع الفجر، أو هى سالمة من كل ~~أذى وسوء لكل مؤمن ومؤمنة حتى طلوع الفجر. هذا وقد أفاض العلماء فى ~~الحديث عن فضائل ليلة القدر، وعن وقتها. وعن خصائصها.. وقد لخص الإمام ~~القرطبى ذلك تلخيصا حسنا فقال وهنا ثلاث مسائل الأولى فى تعيين ليلة ~~القدر.. والذى عليه المعظم أنها ليلة سبع وعشرين.. والجمهور على أنها فى ~~كل عام من رمضان.. وقيل أخفاها - سبحانه - فى جميع شهر رمضان، ليجتهدوا ~~فى العمل والعبادة طمعا فى إدراكها. الثانية فى علاماتها ومنها أن تطلع ~~الشمس فى صبيحتها بيضاء لاشعاع لها. الثالثة فى فضائلها.. وحسبك قوله - ~~تعالى - { ليلة القدر خير من ألف شهر } وقوله { ~~تنزل الملائكة والروح فيها } وفى الصحيحين # " من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه.. ". # نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من المنتفعين بهذه الليلة المباركة. وصلى ~~الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [98 - سورة البينة] ### || [98.1-8] # " من " فى قوله - تعالى - { من أهل الكتاب } للبيان، وقوله - ~~سبحانه - { منفكين } للعلماء فى معنى هذا اللفظ أقوال متعددة، منها ~~أنه اسم فاعل من انفك بمعنى انفصل، يقال فككت الشئ فانفك إذا افترق ما ~~كان ملتحما منه. والبينة الحجة الظاهرة التى يتميز بها الحق من الباطل، ~~وأصلها من البيان بمعنى الظهور والوضوح، لأن بها تتضح الأمور، أو من ~~البينونة بمعنى الانفصال، لأن بها ينفصل الحق عن الباطل بعد التباسهما. ~~والمراد بها هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقوله - تعالى - بعد ذلك ~~{ رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة } ، ولأنه صلى ~~الله عليه وسلم كان فى ذاته برهانا على صحة ما ادعاه من النبوة، لتحليه ~~بكمال العقل وبمكارم الأخلاق، ولإتيانه بالمعجزات التى تؤيد أنه صادق ~~فيما يبلغه عن ربه. والمعنى لم يكن الذين كفورا من أهل الكتاب، وهم ~~اليهود والنصارى، ولم يكن - أيضا - الذين كذبوا الحق من المشركين، ولم ~~يكن الجميع بمفارقين وبمنفصلين عن كفرهم وشركهم، { حتى تأتيهم ~~البينة } التى هى ms5461 الرسول صلى الله عليه وسلم فلما أتتهم هذه ~~البينة، منهم من آمن ومنهم من استمر على كفره وشركه وضلاله. وإلى هذا ~~المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله " كان الكفار من الفريقين، أهل الكتاب، ~~وعبدة الأصنام، يقولون قبل مبعث النبى صلى الله عليه وسلم لا ننفك عما ~~نحن عليه من ديننا، ولا نتركه حتى يبعث النبى المكتوب فى التوراة ~~والإنجيل، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، فحكى الله - تعالى - ما كانوا ~~يقولونه، ثم قال { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب } ، ~~يعنى أنهم كانوا يعدون باجتماع الكلمة، والاتفاق على الحق، إذا جاءهم ~~الرسول، ثم ما فرقهم عن الحق، ولا أقرهم على الكفر، إلا مجئ الرسول صلى ~~الله عليه وسلم، ونظيره فى الكلام أن يقول الفقير الفاسق لمن يعظه لست ~~بمنفك عما أنا فيه حتى يرزقنى الله - تعالى - الغنى، فيرزقه الله الغنى ~~فيزداد فسقا، فيقول له واعظه لم تكن منفكا عن الفسق حتى توسر، وما غمست ~~رأسك فى الفسق إلا بعد اليسار، يذكره ما كان يقوله توبيخا وإلزاما. ~~وانفكاك الشئ من الشئ، أن يزايله بعد التحامه به. كالعظم إذا انفك من ~~مفصله. والمعنى أنهم متشبثون بدينهم لا يتركونه إلا عند مجئ البينة. ~~ومنهم من يرى أن { منفكين } بمعنى متروكين لا بمعنى تاركين، أى لم ~~يكونوا جميعا متروكين على ما هم عليه من الكفر والشرك، حتى تأتيهم ~~البينة، على معنى قوله - تعالى - # أيحسب الإنسان أن يترك سدى # أو المعنى لم يكن هؤلاء القوم منفكين من أمر الله - تعالى - وقدرته ~~ونظره لهم، حتى يبعث الله - تعالى - إليهم رسولا منذرا، تقوم عليهم به ~~الحجة، ويتم على من آمن النعمة، فكأنه - تعالى - قال ما كانوا ليتركوا ~~سدى. # . وهناك أقوال أخرى فى معنى الآية رأينا أن نضرب عنها صفحا لضعفها. وقد ~~قدم الله - تعالى - ذكر أهل الكتاب فى البيان، لأن كفرهم أشنع وأقبح. إذ ~~كانوا يقرأون الكتب، ويعرفون أوصاف النبى صلى الله عليه وسلم فكانت ~~قدرتهم على معرفة صدقه أكبر وأتم. وفى التعبير عنهم بأهل الكتاب دون ~~اليهود والنصارى، تسجيل ms5462 للغفلة وسوء النية عليهم. حيث علموا الكتاب. ~~وعرفوا عن طريقه أن هناك رسولا كريما قد أرسله الله - تعالى - لهدايتهم، ~~ومع ذلك كفروا به، كما قال - تعالى - # فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله ~~على الكافرين # وقوله - سبحانه - { رسول من الله يتلوا صحفا ~~مطهرة } بدل من " البينة " على سبيل المبالغة، حيث جعل - ~~سبحانه - الرسول نفس البيئة. أى لم يفارقوا دينهم حتى جاءهم رسول كريم، ~~كائن من عند الله - تعالى - لكى يقرأ على مسامعهم صحفا من القرآن الكريم، ~~مطهرة، أى منزهة عن الشرك والكفر والباطل، وهذه الصحف من صفاتها - أيضا - ~~أنها { فيها كتب قيمة } أى فيها سور آيات قرآنية مستقيمة لا ~~عوج فيها، بل هى ناطقة بالحق والخير والصدق والهداية، وبأخبار الأنبياء ~~السابقين وبأحوالهم مع أقوامهم. فقوله { قيمة } بمعنى مستقيمة لا ~~عوج فيها ولا اضطراب، من قولهم قام فلان يقوم، إذا استوى على قدميه فى ~~استقامة. ثم بين - سبحانه - ما كان عليه أهل الكتاب من جحودهم للحق، ومن ~~إنكارهم له مع علمهم به، فقال - تعالى - { وما تفرق الذين ~~أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جآءتهم البينة }. ~~أى أن الجاحدين والمعاندين والحاسدين لك - أيها الرسول الكريم - من أهل ~~الكتاب، ما تفرقوا فى أمره، وما اختلفوا فى شأن نبوتك.. إلا من بعد أن ~~جئتهم أنت بما يدل على صدقك، دلالة لا يجحدها إلا جهول، ولا ينكرها إلا ~~حسود، ولا يعرض عنها إلا من طغى وآثر الحياة الدنيا. فالآية الكريمة كلام ~~مستأنف، المقصود به تسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه من هؤلاء ~~الجاحدين فكأنه - سبحانه - يقول له لا تحزن - أيها الرسول الكريم - ~~لإعراض من أعرض عن دعوتك من أهل الكتاب، فإن إعراضهم لم يكن عن جهل، ~~وإنما عن عناد وجحود وحسد لك على ما آتاك الله من فضله. وإنما خص - ~~سبحانه - هنا أهل الكتاب بالذكر، مع أن الكلام فى أول السورة كان فيهم ~~وفى المشركين، للدلالة على شناعة حالهم، وقبح فعالهم، لأن الإعراض عن ~~الحق ممن له كتاب، أشد قبحا ونكرا، ممن ليس ms5463 له كتاب وهم المشركون. # والاستثناء فى الآية مفرغ، والمستثنى منه عموم الأوقات. والمعنى لم ~~يتفرق الجاحدون من الذين أوتوا الكتاب فى وقت من الأوقات، إلا فى الوقت ~~الكائن بعد مجئ البينة لهم. ومن الآيات القرآنية الكثيرة التى وردت فى ~~هذا المعنى قوله - تعالى - # وما تفرقوا إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا ~~بينهم # ثم بين - سبحانه - ما كان يجب عليهم أن يفعلوه، فقال { ومآ أمروا ~~إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفآء ~~ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين ~~القيمة }. والواو فى قوله - تعالى - { ومآ أمروا } للحال، ~~فهذه الجملة حالية، والمقصود منها بيان أن هؤلاء الضالين، قد بلغوا ~~النهاية فى قبح الأفعال، وفى فساد العقول، إذ أنهم تفرقوا واختلفوا ~~وأعرضوا عن الهدى، فى حال أنهم لم يؤمروا إلا بما فيه صلاحهم. وقوله { ~~حنفاء } من الحنف، وهو الميل من الدين الباطل إلى الدين الحق. كما أن ~~الجنف هو الميل من الحق إلى الباطل. أى أن هؤلاء الكافرين من أهل الكتاب ~~تفرقوا واختلفوا فى شأن الحق، والحال، أنهم لم يؤمروا إلا بعبادة الله - ~~تعالى - وحده، مخلصين له الطاعة، ومائلين عن الأديان الباطلة إلى الدين ~~الحق، مؤمنين بجميع الرسل بدون تفرقة بينهم، إذ ملتهم جميعا واحدة، ولم ~~يؤمروا - أيضا - إلا بإقامة الصلاة فى أوقاتها بخشوع وإخلاص لله رب ~~العالمين، وبإيتاء الزكاة التى تطهرهم وتزكيهم. { وذلك } الذى أمرناهم به ~~من إخلاص العبادة لنا، ومن أداء فرائضنا { دين القيمة }. أى دين ~~الملة المستقيمة القيمة، أو دين الكتب القيمة. ولفظ " القيمة " بزنة ~~فيعلة - من القوامة، وهى غاية الاستقامة، وهذا اللفظ صفة لموصوف محذوف. ~~ثم - بين - سبحانه - سوء عاقبة هؤلاء الجاحدين من أهل الكتاب ومن ~~المشركين فقال { إن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين في نار جهنم خالدين فيهآ }. أى إن الذين ~~أصروا على كفرهم بعد أن تبين لهم، من اليهود والنصارى، ومن المشركين ~~الذين هم عبدة الأصنام.. مكانهم المهيأ لهم هو نار جهنم، حالة كونهم ~~خالدين فيها خلودا أبديا { أولئك } الموصوفون بتلك الصفات الذميمة { هم ~~شر البرية ms5464 } أى هم شر كل صنف من أصناف المخلوقات، لإصرارهم على ~~الكفر والإشراك مع علمهم بالحق. ولفظ " البرية " من البرى وهو التراب، ~~لأنهم قد خلقوا فى الأصل منه، يقال فلان براه الله - تعالى - يبروه ~~بروا. أى خلقه. وقرأ نافع بالهمز، من قولهم برأ الله - تعالى - الخلق ~~يبرؤهم، أى خلقهم. وقدم سبحانه - أهل الكتاب فى المذمة، لأن جنايتهم فى ~~حق الرسول صلى الله عليه وسلم أشد، إذا كانوا يستفتحون به على المشركين ~~ويقولون لهم إن نبيا قد أظلنا زمانه، وإننا عند مبعثه سنتبعه. # . فلما بعث صلى الله عليه وسلم كفروا به. وقد تضمنت هذه الآية الكريمة ~~أمرين الأول أن هؤلاء الضالين خالدون فى النار، والثانى أنهم شر ~~المخلوقات التى خلقها الله - تعالى -. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك حسن ~~عاقبة المؤمنين فقال { إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } أى وعملوا الأعمال الصالحات { أولئك هم خير ~~البرية } أى أولئك هم خير المخلوقات التى خلقها الله - تعالى -. { ~~جزآؤهم عند ربهم } أى جزاؤهم الطيب الكائن لهم عند ربهم ~~وخالقهم ومالك أمرهم. { جنات عدن }. أى جنات يقيمون فيها إقامة ~~دائمة، من عدن فلان بالمكان إذا أقام فيه. { تجرى من تحتها ~~الأنهار } أى تجرى من تحت أشجارها وثمارها الأنهار { خالدين ~~فيهآ أبدا } أى خالدين فى تلك الجنات خلودا أبديا. { رضى ~~الله عنهم ورضوا عنه } أى قبل الله - تعالى - منهم أعمالهم ~~ورضيها عنده، وفرحوا هم ورضوا بما أعطاهم من خير عميم. فالمراد برضاء - ~~تعالى - عنهم قبوله لأعمالهم، وبرضاهم عنه فرحهم بما أعطاهم من فضله. { ~~ذلك } أى العطاء الجزيل { لمن خشي ربه } أى كائن وثابت لمن خاف ~~مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا من ~~أصحاب الميمنة. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [99 - سورة الزلزلة] ### || [99.1-8] # قوله - تعالى - { زلزلت } أى حركت تحريكا شديدا لا يعلم مقداره إلا ~~الله - تعالى -، إذ الزلزال الحركة الشديدة مع الاضطراب، وهو بفتح الزاى ~~اسم لذلك، وبكسرها مصدر بمعنى التحرك والاضطراب، وشبيه بهذه الآية قوله - ~~تعالى - # إذا رجت ms5465 الأرض رجا # ويكون هذا الزلزال الشديد، عندما يأذن الله - تعالى - بقيام الساعة، ~~ويبعث الناس للحساب. وافتتح - سبحانه - الكلام بظرف الزمان { إذا } ، ~~لإفادة تحقق وقوع الشرط. وقوله { زلزالها } مصدر مضاف لفاعله. أى ~~إذا زلزلت الأرض زلزالها الذى لا يماثله زلزال آخر فى شدته وعظمته وهوله، ~~كما قال - تعالى - # يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة ~~شيء عظيم # وقوله - تعالى - { وأخرجت الأرض أثقالها } بيان لأثر آخر ~~من آثار ما يحدث فى هذا اليوم الهائل الشديد. والأثقال جمع ثقل - بكسر ~~فسكون - وهو المتاع الثقيل، ومنه قوله - تعالى - # وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه ~~إلا بشق الأنفس # والمراد بها هنا ما يكون فى جوف الأرض من أموات وكنوز وغير ذلك مما يكون ~~فى باطنها. قال أبو عبيدة والأخفش إذا كان الميت فى جوف الأرض فهو ثقل ~~لها، وإذا كان فوقها فهو ثقل عليها، وإنما سمى الجن والإنس بالثقلين لأن ~~الأرض تثقل بهم... والمراد بالإنسان فى قوله - سبحانه - { وقال ~~الإنسان ما لها } جنسه فيشمل المؤمن والكافر. وقوله { ما لها } ~~مبتدأ وخبر، والاستفهام المقصود به التعجب مما حدث من أهوال. أى وقال كل ~~إنسان على سبيل الدهشة والحيرة، أى شئ حدث للأرض، حتى جعلها تضطرب هذا ~~الاضطراب الشديد. قال الجمل وفى المراد بالإنسان هنا قولان أحدهما أنه ~~اسم جنس يعم المؤمن والكافر، وهذا يدل على قول من جعل الزلزلة من أشراط ~~الساعة، والمعنى أنها حين تقع لم يعلم الكل أنها من أشراط الساعة، فيسأل ~~بعضهم بعضا عن ذلك. والثانى أنه الكافر خاصة، وهذا يدل على قول من جعلها ~~زلزلة القيامة، لأن المؤمن عارف بها فلا يسأل عنها، والكافر جاحد لها، ~~فإذا وقعت سأل عنها.. وقوله - سبحانه - { يومئذ تحدث ~~أخبارها } جواب الشرط، و " أخبارها " مفعول ثان لقوله { تحدث } ~~والمفعول الأول محذوف. أى إذا زلزلت الأرض زلزالها. وأخرجت الأرض ~~أثقالها. وقال الإنسان ماذا حدث لها.. عندئذ تحدث الأرض الخلائق ~~أخبارها، بأن تشهد للطائع بأنه كان كذلك، وتشهد على الفاسق بأنه كان ~~كذلك. أخرج الإمام أحمد والترمذى والنسائى ms5466 عن أبى هريرة قال # " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { يومئذ تحدث ~~أخبارها } ثم قال " أتدرون ما أخبارها "؟ قالوا الله ورسوله أعلم. ~~قال " فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها، بأن ~~تقول عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا. فهذه أخبارها. " ". # والظاهر أن هذا التحديث من الأرض على سبيل الحقيقة، بأن يخلق الله - ~~تعالى - فيها حياة وإدراكا، فتشهد بما عمل عليها من عمل صالح أو طالح، ~~كما تشهد على من فعل ذلك. وقيل هذا مثل ضربه الله - تعالى - والمقصود منه ~~أن كل إنسان فى هذا اليوم سيتبين جزاء عمله، وما أعده الله - تعالى - له ~~على ما قدم فى حياته الأولى، ونظير ذلك أن تقول إن هذه الدار لتحدثنا ~~بأنها كانت مسكونة. قال بعض العلماء ما ملخصه قوله { يومئذ ~~تحدث أخبارها } يومئذ بدل من إذا. أى فى ذلك الوقت تحدثك الأرض ~~أحاديثها، وتحديث الأرض تمثيل - كما قال الطبرى وغيره - أى أن حالها وما ~~يقع فيها من الانقلاب، وما لم يعهد من الخراب، يعلم السائل ويفهمه الخبر، ~~وأن ما يراه لم يكن بسبب من الأسباب التى وضعتها السنة الإلهية، حال ~~استقرار نظام الكون، بل ذلك بسبب { بأن ربك أوحى لها } أى ~~أن ما يحدث للأرض يومئذ، إنما هو بأمر إلهى خاص. بأن قال لها كونى كذلك ~~فكانت كما قال لها. وعدى فعل " أوحى " باللام - مع أن حقه أن يتعدى بإلى ~~كما فى قوله - تعالى - # وأوحى ربك إلى النحل # لتضمينه معنى " قال " كما فى قوله - سبحانه - # فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ ~~أتينا طآئعين # والمعنى إن الأرض تحدث الناس عن أخبارها، وتبينها لهم، وتشهد عليهم... ~~بسبب أن ربك الذى خلقك فسواك فعدلك - أيها الإنسان - قد أمرها بذلك. ثم ~~بين - سبحانه - بعد ذلك أحوال الناس فى هذا اليوم فقال { يومئذ ~~يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم }. والجملة ~~الكريمة بدل من جملة " يومئذ تحدث أخبارها " ، وقوله { يصدر } فعل ~~مضارع من الصدر - بفتح الدال - وهو الرجوع عن الشرب، ms5467 يقال صدر الناس عن ~~الورد، إذا انصرفوا عنه. و { أشتاتا } جمع شتيت، أى متفرق، ومنه ~~قولهم شتت الله جمع الأعداء، أى فرق أمرهم. وقوله - تعالى - { ~~ليروا } فعل مضارع مبنى للمجهول، وماضيه المبنى للمعلوم " أراه " ~~بمعنى أطلعه. أى فى هذا اليوم الذى تتزلزل فيه الأرض زلزلة شديدة.. يخرج ~~الناس من قبورهم متجهين أشتاتا إلى موقف الحساب، وكل واحد منهم مشغول ~~بنفسه، لكى يبصروا جزاء أعالهم، التى عملوها فى دنياهم. وجاء فعل " ليروا ~~" مبنيا للمجهول، لأن المقصود رؤيتهم لأعمالهم، وليس المقصود تعيين من ~~يريهم إياها. # ثم فصل - سبحانه - ما يترتب على هذه الرؤية من جزاء فقال { فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ~~ذرة شرا يره } و " المثقال " مفعال من الثقل، ويطلق على الشئ ~~القليل الذى يحتمل الوزن، و " الذرة " تطلق على أصغر النمل، وعلى الغبار ~~الدقيق الذى يتطاير من التراب عند النفخ فيه. والمقصود المبالغة فى ~~الجزاء على الأعمال مهما بلغ صغرها، وحقر وزنها. والفاء للتفريع على ما ~~تقدم. أى فى هذا اليوم يخرج الناس من قبورهم متفرقين لا يلوى أحد على ~~أحد. متجهين إلى موقف الحساب ليطلعوا على جزاء أعاملهم الدنيوية.. فمن ~~كان منهم قد عمل فى دنياه عملا صالحا رأى ثماره الطيبة، حتى ولو كان هذا ~~العمل فى نهاية القلة، ومن كان منهم قد عمل عملا سيئا فى دنياه، رأى ~~ثماره السيئة، حتى ولو كان هذا العمل - أيضا - فى أدنى درجات القلة. فأنت ~~ترى أن هاتين الآيتين قد جمعتا أسمى وأحكم ألوان الترغيب والترهيب، ولذا ~~قال كعب الأحبار لقد أنزل الله - تعلى - على نبيه محمد صلى الله عليه ~~وسلم آيتين، أحصتا ما فى التوراة والإنجيل والزبور والصحف، ثم قرأ هاتين ~~الآيتين. وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهاتين عددا من الأحاديث، ~~منها ما أخرجه الإمام أحمد. # " أن صعصعة بن معاوية، أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه هاتين ~~الآيتين، فقال حسبى لا أبالى أن لا أسمع غيرها " # وفى صحيح البخارى أن رسول الله صلى الله ms5468 عليه وسلم قال # " اتقوا النار ولو بشق تمرة، ولو بكلمة طيبة ". # وفى الصحيح - أيضا - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تفرغ من دلوك فى إناء المستقى، ولو ~~أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط ". # وكان صلى الله عليه وسلم يقول لعائشة # " يا عائشة، استترى من النار ولو بشق تمرة، فإنها تسد من الجائع مسدها ~~من الشبعان. يا عائشة. إياك ومحقرات الذنوب، فإن لها من الله - تعالى - ~~طالبا ". # ومن الآيات الكريمة التى وردت فى معنى هاتين الآيتين قوله - تعالى - # إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة ~~يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما # وقوله - سبحانه - # ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم ~~نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا ~~بها وكفى بنا حاسبين # نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا ممن يواظبون على فعل الخيرات. وصلى ~~الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [100 - سورة العاديات] ### || [100.1-11] # العاديات جمع عادية، اسم فاعل من العدو، وهو المشى السريع، وأصل الياء ~~فى العاديات واو، فلما وقعت متطرفة بعد كسرة قلبت ياء، مثل الغازيات من ~~الغزو. والضبح اضطراب النفس المتردد فى الحنجرة دون أن يخرج من ~~الفم، والمراد به هنا صوت أنفاس الخيل عند جريها بسرعة. وقيل الضج نوع من ~~السير والعدو، يقال ضبحت الخيل، إذا عدت بشدة. وهو مصدر منصوب ~~بفعله المقدر، أى يضبحن ضبحا، والجملة حال من " العاديات ". والموريات ~~جمع مورية، اسم فاعل من الإيراء، وهو إخراج النار، تقول أورى ~~فلان، إذا أخرج النار بزند ونحوه. والقدح ضرب شىء بشىء لكى يخرج من ~~بينهما شرر النار. والمراد به هنا النار التى تخرج من أثر احتكاك حوافر ~~الخيل بالحجارة خلال عدوها بسرعة. و { قدحا } منصوب بفعل محذوف، أى ~~تقدحن قدحا. و { فالمغيرات } جمع مغيرة. وفعله أغار، تقول أغار ~~فلان على فلان، إذا باغته بفعل يؤذيه. و { صبحا } منصوب على الظرفية. ~~وقوله { فأثرن به نقعا } أى هيجن وأثرن " النقع " أى الغبار من ~~شدة ms5469 الجرى. تقول أثرت الغبار أثيره، إذا هيجته وحركته. والنون فى " أثرن ~~" ضمير العاديات. وقوله { فوسطن به جمعا } أى فتوسطن فى ذلك ~~الوقت جموع الأعداء، ففرقنها، ومزقنها، تقول وسطت القوم أسطهم ~~وسطا، إذا صرت فى وسطهم. والمراد بالعاديات، والموريات، والمغيرات خيل ~~المجاهدين فى سبيل الله، والكلام على حذف الموصوف. والمعنى وحق الخيل ~~التى يعتلى صهواتها المجاهدون من أجل إعلاء كلمة الله - تعالى -. والتى ~~تجرى بهم فى ساحات القتال، فيسمع صوت أنفاسها، والتى تظهر شرر النار من ~~أثر صك حوافرها بالحجارة وما يشبهها والتى تغير على العدو فى وقت الصباح، ~~فتثير الغبار، وتمزق جموع الأعداء. وحق هذه الخيل الموصوفة بتلك الصفات.. ~~{ إن الإنسان لربه لكنود }. وقد أقسم - سبحانه - بالخيل ~~المستعملة للجهاد فى سبيله، للتنبيه على فضلها، وفضل ربطها، ولما فيها من ~~المنافع الدينية والدنيوية، ولما يترتب على استعمالها فى تلك الأغراض من ~~أجر وغنيمة، ومن ترويع لجموع المشركين، وتمزيق لصفوفهم. وأسند - سبحانه - ~~الإغارة إليها - مع أنها فى الحقيقة لراكبيها -، لأن الخيول هى عدة ~~الإغارة، وهى على رأس الوسائل لبلوغ النصر على الأعداء. وقيل المراد ~~بالعاديات الإبل، إلا أن الأوصاف المذكورة فى الآيات الكريمة من الضج ~~والإغارة.. تؤيد أن المراد بها الخيل. قال صاحب الكشاف أقسم - سبحانه - ~~بخيل الغزاة تعدو فتضبح. والضبح صوت أنفاسها إذا عدون. فإن قلت علام عطف ~~" فأثرن "؟ قلت على الفعل الذى وضع اسم الفاعل موضعه، وهو قوله { ~~فالمغيرات صبحا } وذلك لصحة عطف الفعل على الاسم الذى يشبه ~~الفعل كاسم الفاعل - لأن المعنى واللائى عدون، فأورين، فأغرن. # فأثرن الغبار. والتعبير بالفاء فى قوله - تعالى - { فأثرن } { ~~فوسطن }. وبالفعل الماضى، للإشارة إلى أن إثارة الغبار، وتمزيق ~~صفوف الأعداء، قد تحقق بسرعة، وأن الظفر بالمطلوب قد تم على أحسن الوجوه. ~~وقوله - سبحانه - { إن الإنسان لربه لكنود } جواب القسم. ~~والكنود الجحود، يقال فلان كند النعمة - من باب دخل -، إذا جحدها ولم ~~يشكر الله عليها. وكند الحبل أى قطعه، وأصل الكنود الأرض التى لا تنبت ~~شيئا، فشبه بها الإنسان الذى يمنع الحق والخير، ويجحد ما ms5470 عليه من حقوق ~~وواجبات. أى إن فى طبع الإنسان - إلا من عصمه الله - تعالى - الكنود ~~لربه والكفران لنعمته، والنسيان لمننه وإحسانه، والغفلة عن المواظبة على ~~شكره - تعالى -، والتضرع إليه - سبحانه - عند الشدائد والضراء.. والتشاغل ~~عن ذلك عند العافية والرخاء. فالمراد بالإنسان هنا جنسه، إذ أن هذه ~~الصفة غالبة على طبع الإنسان بنسب متفاوتة، ولا يسلم منها إلا من عصمه ~~الله - تعالى -. وقيل المراد بالإنسان هنا الكافر، وأن المقصود به، ~~الوليد بن المغيرة. والأولى أن يكون المراد به الجنس، ويدخل فيه الكافر ~~دخولا أوليا. وقوله - تعالى - { وإنه على ذلك لشهيد } أى ~~وإن الإنسان على كنوده وجحوده لنعم ربه " لشهيد " أى لشاهد على نفسه ~~بذلك، لظهور أثر هذه الصفة عليه ظهروا واضحا، إذ هو عند لجاجه فى الطغيان ~~يجحد الجلى من النعم، ويعبد من دون خالقه أصناما، مع أنه إذا سئل عن ~~خالقه اعترف وأقر بأن خالقه هو الله - تعالى -، كما قال - سبحانه - # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # قال الإمام الشيخ محمد عبده قوله { وإنه على ذلك لشهيد ~~} أى وإن الإنسان لشهيد على كنوده، وكفره لنعمة ربه، لأنه يفخر بالقسوة ~~على من دونه، وبقوة الحيلة على من فوقه، وبكثرة ما فى يده من المال مع ~~الحذق فى تحصيله، وقلما يفتخر بالمرحمة، وبكثرة البذل - اللهم إلا أن ~~يريد غشا للسامع - وفى ذلك كله شهادة على نفسه بالكنود، لأن ما يفتخر به ~~ليس من حق شكر النعمة، بل من آيات كفرها. ومنهم من يرى أن الضمير فى قوله ~~- تعالى - هنا { وإنه } يعود على الخالق - سبحانه - أى وإن الله - تعالى ~~- لعليم ولشهيد على ما يسلكه هذا الإنسان من جحود، فيكون المقصود من ~~الآية الكريمة، التهديد والوعيد. قالوا والأول أولى، لأنه هو الذى يتسق ~~مع سياق الآيات، ومع اتحاد الضمائر فيها. وقوله - تعالى - { وإنه ~~لحب الخير لشديد } أى وإن هذا الإنسان لشديد الحب لجمع ~~المال، ولكسبه من مختلف الوجوه بدون تفرقة - فى كثير من الأحيان - بين ~~الحلال والحرام، ولكنزه والتكثر منه، وبالبخل به على من ms5471 يستحقه. # وصدق الله إذ يقول # قل لو أنتم تملكون خزآئن رحمة ربي إذا ~~لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا # وقوله - تعالى - { أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور. ~~وحصل ما في الصدور. إن ربهم بهم يومئذ ~~لخبير } تهديد لهذا الإنسان الكنود.. وتحريض له على التفكر ~~والاعتبار، وتذكير له بأهوال يوم القيامة. أى أيفعل ما يفعل هذا الإنسان ~~الجحود لنعم ربه.. فلا يعلم مآله وعاقبته { إذا بعثر }. أى إذا ~~أثير وأخرج وقلب رأسا على عقب { ما في القبور } من أموات حيث أعاد ~~- سبحانه - إليهم الحياة، وبعثهم للحساب والجزاء، كما قال - تعالى - # وإذا القبور بعثرت # أى أثيرت وأخرج ما فيها. يقال بعثر فلان متاعه، إذا جعل أسفله أعلاه. { ~~وحصل ما في الصدور } أى وجمع ما فى القلوب من خير وشر وأظهر ~~ما كانت تخفيه، وأبرز ما كان مستورا فيها، بحيث لا يبقى لها سبيل إلى ~~الإخفاء أو الكتمان. وأصل التحصيل إخراج اللب من القشر، والمراد به هنا ~~إظهار وإبراز ما كانت تخفيه الصدور، والمجازاة على ذلك. ومفعول { يعلم } ~~محذوف، لتذهب النفس فيه كل مذهب ويجول الفكر فى استحضاره وتقديره. وقوله ~~- تعالى - { إن ربهم بهم يومئذ لخبير } جملة مستأنفة ~~لزيادة التهديد ووالوعيد. أى إن رب المبعوثين للحساب والجزاء، ليعلم علما ~~تاما بأحوالهم الظاهرة والباطنة، فى ذلك اليوم الهائل الشديد الذى يبعث ~~فيه الناس من قبورهم، وسيجازى - سبحانه - الذين أساؤوا بما عملوا، ~~وسيجازى الذين أحسنوا بالحسنى. نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من أهل ~~طاعته ومثوبته. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [101 - سورة القارعة] ### || [101.1-11] # لفظ " القارعة " اسم فاعل من القرع، وهو الضرب بشدة بحيث يحصل منه صوت ~~شديد. والمراد بها هنا القيامة، ومبدؤها النفخة الأولى، ونهايتها قضاء ~~الله - تعالى - بين خلقه، بحكمه العادل، وجزائه لكل فريق بما يستحقه من ~~جنة أو نار. وسميت القيامة بذلك. كما سميت بالطامة، والصاخة، والحاقة، ~~والغاشية.. إلخ - لأنها تقرع القلوب بأهوالها، وتجعل الأجرام العلوية ~~والسفلية يصطك بعضها ببعض، فيحصل لها ما يحصل من تزلزل واضطراب ms5472 وتقرع ~~أعداء الله - تعالى - بالخزى والعذاب والنكال، كما قال - تعالى - # ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا ~~قارعة # والاستفهام فى قوله - سبحانه - { ومآ أدراك ما القارعة } ~~استفهام عن حقيقتها، والمقصود به التهويل من أمرها، والتفظيع من حالها، ~~وتنبيه النفوس إلى ما يكون فيها من شدائد، تفزع لها القلوب فزعا لا تحيط ~~العبارة بتصويره، ولا تستطيع العقول أن تدرك كنهه. و " القارعة " مبتدأ، ~~و " ما " مبتدأ ثان، و " القارعة " خبر المبتدأ الثانى، وجملة المبتدأ ~~الثانى وخبره فى محل رفع خبر المبتدأ الأول. وقوله - سبحانه - { ومآ ~~أدراك ما القارعة } معطوف على جملة " ما القارعة " والخطاب فى ~~قوله { ومآ أدراك } لكل من يصلح له. أى وما أدراك - أيها المخاطب - ~~ما كنهها فى الشدة؟ إنها فى الشدة والهول شئ عظيم. لا يعلم مقدارها إلا ~~الله - تعالى -. فالمقصود من الآيات الكريمة تعظيم شأنها، والتعجيب من ~~حالها، وأنها تختلف عن قوارع الدنيا - مهما بلغ عظمها - اختلافا كبيرا. ~~وبعد أن بين - سبحانه - أن معرفة حقيقتها أمر عسير.. أتبع ذلك ببيان ~~أحوال الناس وقت وقوعها فقال { يوم يكون الناس كالفراش ~~المبثوث }. و " يوم " منصوب بفعل مقدر. والفراش هو الحشرة التى ~~تتهافت نحو النار، وسمى بذلك لأنه يتفرش وينتشر من حولها. والمبثوث ~~المنتشر المتفرق. تقول بثثت الشئ، إذا فرقته، ومنه قوله - تعالى - # وزرابي مبثوثة # أى متناثرة متفرقة. أى تحصل القارعة يوم يكون الناس فى انتشارهم وكثرتهم ~~واضطرابهم وإقبالهم نحو الداعى لهم نحو أرض المحشر.. كالحشرات الصغيرة ~~المتهافتة نحو النار. فأنت ترى أنه - سبحانه - قد شبه الناس فى هذا الوقت ~~العصيب، بالفراش المتفرق المنتشر فى كل اتجاه، وذلك لأن الناس فى هذا ~~اليوم يكونون فى فزع، يجعل كل واحد منهم مشغولا بنفسه، وفى حالة شديدة من ~~الخوف والاضطراب. وقوله - سبحانه - { وتكون الجبال كالعهن ~~المنفوش } بيان لحالة أخرى من الأحوال التى يكون عليها هذا الكون يوم ~~القيامة. والعهن الصوف ذو الألوان المتعددة، والمنفوش المفرق بعضه عن ~~بعض. # أى وتكون الجبال فى ذلك اليوم، كالصوف الذى ينفش ويفرق باليد ونحوها. ~~لخفته وتناثر ms5473 أجزائه، حتى يسهل غزله. والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة، ~~يراها قد اشتملت على أقوى الأساليب وأبلغها، فى التحذير من أهوال يوم ~~القيامة، وفى الحض على الاستعداد له بالإيمان والعمل الصالح. لأنها قد ~~ابتدأت بلفظ القارعة، المؤذن بأمر عظيم، ثم ثنت بالاستفهام المستعمل فى ~~التهويل، ثم أعادت اللفظ بذاته بدون إضمار له زيادة فى تعظيم أمره، ثم ~~جعلت الخطاب لكل من يصلح له، ثم شبهت الناس فيه تشبيها تقشعر منه الجلود، ~~ثم وصفت الجبال - وهى المعروفة بصلابتها ورسوخها - بأنها ستكون فى هذا ~~اليوم كالصوف المتناثر الممزق. ثم بين - سبحانه - أحوال السعداء ~~والأشقياء فى هذا اليوم فقال { فأما من ثقلت موازينه. ~~فهو في عيشة راضية }. أى فأما من ثقلت موازين حسناته. ورجحت ~~أعماله الصالحة على غيرها، فهو فى عيشة مرضية. أو فى عيشة ذات رضا من ~~صاحبها، لأنها عيشة هنية كريمة. { وأما من خفت موازينه } ~~أى خفت موازين حسناته، وثقلت موازين سيئاته، { فأمه هاوية } أى ~~فمرجعه ومأواه الذى يأوى إليه، نار سحيقة يهوى إليها بدون رحمة أو شفقة، ~~بسبب كفره وفسوقه. فالمراد بالأم هنا المرجع والمأوى، وبالهاوية النار ~~التى يسقط فيها، وسميت النار بذلك. لشدة عمقها. وسمى المأوى أما، لأن ~~الإنسان يأوى إليه كما يأوى ويلجأ إلى أمه. ويرى بعضهم أن المراد بأمه ~~هنا الحقيقة، لأن العرب يكنون عن حال المرء بحال أمه فى الخير وفى الشر، ~~لشدة محبتها له. قال صاحب الكشاف قوله { فأمه هاوية } من قولهم ~~إذا دعوا على الرجل بالهلكة، هوت أمه، لأنه إذا هوى - أى سقط وهلك.. فقد ~~هوت أمه ثكلا وحزنا.. فكأنه قيل وأما من خفت موازينه فقد هلك. وقيل " ~~هاوية " من أسماء النار، وكأنها النار العميقة لهوى أهل النار فيها مهوى ~~بعيدا، كما روى " يهوى فيها سبعين خريفا " ، أى فمأواه النار. وقيل ~~للمأوى أم، على التشبيه، لأن الأم مأوى الولد ومفزعه.. وقال بعض العلماء ~~واعلم أنه يجب علينا أن نؤمن بما ذكره الله - تعالى - من الميزان فى هذه ~~الآية وما يشبهها، وليس علينا أن نبحث فيما ms5474 وراء ذلك مما لم يثبت عن الله ~~- تعالى - ورسوله صلى الله عليه وسلم ونكل ما وراء ذلك إلى علام الغيوب، ~~على أن وزن الأعمال، أو وزن صحائفها أو وزن الصور الجميلة، كل ذلك أمر ~~ممكن، لا يترتب على فرض وقوعه محال، فوقوع شئ من ذلك، لا يعجز الله - ~~تعالى - ولا يقف أمام قدرته الغالبة. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، ~~بما يزيد من هول هذه الهاوية فقال { ومآ أدراك ما هيه. نار ~~حامية } أى وأى شئ يخبرك بكنه تلك النار السحيقة؟ إننا نحن الذين ~~نخبرك بذلك فنقول لك - أيها المخاطب - على سبيل التحذير من العمل الذى ~~يؤدى إليها إنها نار قد بلغت النهاية فى حرارتها. نسأل الله تعالى - أن ~~يعيذنا جميعا منها. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [102 - سورة التكاثر] ### || [102.1-8] # قوله - سبحانه - { ألهاكم } من اللهو وهو الغفلة عن مواطن الخير، ~~والانشغال عما هو نافع. والتكاثر التبارى والتباهى بالكثرة فى شئ مرغوب ~~فيه كالمال والجاه.. أى شغلكم - أيها الناس - التباهى والتفاخر بكثرة ~~الأموال والأولاد والعشيرة، كما ألهاكم حب الدنيا عن القيام بما كلفناكم ~~به.. { حتى زرتم المقابر } أى بقيتم على هذه الحال، حتى ~~أتاكم الموت، ودفنتم فى قبوركم، وانصرف عنكم أحب الناس إليكم، وبقيتم ~~وحدكم. والخطاب عام لكل عاقل، ويدخل فيه المشركون والفاسقون، الذين آثروا ~~الدنيا على الآخرة دخولا أوليا. فالمراد بزيارة المقابر انتهاء الآجال، ~~والدفن فى القبور بعد الموت. وعبر - سبحانه - عن ذلك بالزيارة. لأن الميت ~~يأتى إلى القبر كالزائر له، ثم بعد ذلك يخرج منه يوم البعث والنشور، ~~للحساب والجزاء، فوجوده فى القبر إنما هو وجود مؤقت بوقت يعلمه الله - ~~تعالى -. وقد روى أن أعرابيا عندما سمع هذه الآية قال بعثوا ورب الكعبة، ~~فقيل له كيف ذلك؟ فقال لأن الزائر لابد أن يرتحل. وقد نهى النبى صلى الله ~~عليه وسلم عن التهالك على حطام الدنيا، فى أحاديث كثيرة منها ما رواه ~~مسلم فى صحيحه # " عن عبد الله بن الشخير قال انتهيت إلى رسول الله صلى ms5475 الله عليه ~~وسلم وهو يقول ألهاكم التكاثر قال يقول ابن آدم مالى مالى، وهل لك من ~~مالك يابن آدم إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت ". # وقوله - تعالى - { كلا سوف تعلمون. ثم كلا سوف ~~تعلمون } ردع وزجر عن الانشغال عن طاعة الله، وعن التكاثر بالأموال ~~والأولاد. وكرر لفظ " كلا " ثلاث مرات فى هذه السورة، لتأكيد هذا الزجر ~~والردع عن كل ما يشغل الإنسان عن وجوه الخير والبر. والتبعير بقوله { ~~سوف } لزيادة الزجر، ولتحقيق حصول العلم، وحذف مفعول { تعلمون } ~~لظهوره من المقام. أى اتركوا التشاغل بالدنيا والتفاخر بالأموال، فإنكم ~~إن بقيتم على ذلك بدون توبة صادقة، فسوف تعرفون سوء عاقبة ذلك معرفة لا ~~يخامرها شك، ولا يفارقها ريب. وجملة { ثم كلا سوف تعلمون } ~~مؤكدة تأكيدا لفظيا للجملة التى قبلها، وهذا التأكيد المقصود منه ~~المبالغة فى الردع والزجر والتحذير من التكاثر والتفاخر.. ثم أضاف - ~~سبحانه - إلى كل ما سبق من تحذيرات، زواجر أخرى فقال { كلا لو ~~تعلمون علم اليقين. لترون الجحيم. ثم ~~لترونها عين اليقين }.. وجواب " لو " محذوف لقصد التهويل، ~~و " اليقين " فعيل بمعنى مفعول، وعلم اليقين هو العلم الجازم المطابق ~~للواقع الذى لا شك فيه. والإضافة فيه من إضافة الموصوف إلى الصفة، أو من ~~إضافة العام إلى الخاص. # أى لو تعلمون - علما موثوقا به - سوء عاقبة انشغالكم عن ذكر الله - ~~تعالى - وتكاثركم وتفاخركم بالأموال والأولاد.. لشغلكم هذا العلم اليقينى ~~عما أنتم عليه من التشاغل والتكاثر. فالمقصود بهذه الجملة الكريمة ~~الزيادة فى ردعهم، لأنه من عادة الغافلين المكابرين. أنك إذا ذكرتهم ~~بالحق وبالرشاد.. زعموا أنهم ليسوا فى حاجة إلى هذا الارشاد، لأنهم أهل ~~علم ومعرفة بالعواقب، فكانت هذه الآية الكريمة بمثابة تنبيههم بأنهم ~~ليسوا على شئ من العلم الصحيح، لأنهم لو كانوا كذلك لما تفاخروا، ولما ~~تكاثروا. وقوله - سبحانه - { لترون الجحيم } جواب قسم مقدر، ~~قصد به تأكيد الوعيد الشديد فى التهديد، وبيان أن المهدد به رؤية الجحيم ~~فى الآخرة، أى والله لترون الجحيم فى الآخرة. ثم أكد - سبحانه - هذا ms5476 ~~المعنى تأكيدا قويا فقال { ثم لترونها عين اليقين } أى ~~ثم لترون الجحيم رؤية هى ذات اليقين ونفسه وعينه، وذلك بأن تشاهدوها ~~مشاهدة حقيقية، بحيث لا يلتبس عليكم أمرها. وقد قالوا إن مراتب العلم ~~ثلاثة علم اليقين وهو ما كان ناتجا عن الأدلة والبراهين. وعين اليقين وهو ~~ما كان عن مشاهدة وانكشاف. وحق اليقين وهو ما كان عن ملابسة ومخالطة. ~~ومثال ذلك أن تعلم بالأدلة أن الكعبة موجودة، فذلك علم اليقين، فإذا ~~رأيتها بعينيك فذلك عين اليقين، فإذا ما دخلت فى جوفها فذلك حق اليقين.. ~~فأنت ترى أنه - سبحانه - قد حذر الناس من الاشتغال عن طاعته، ومن التباهى ~~والتكاثر، بأبلغ أساليب التأكيد وأقواها. ثم ختم - سبحانه - السورة بقوله ~~{ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } ، والمراد بالنعيم ~~هنا ما يتنعم به الإنسان خلال حياته الدنيوية من مال وولد، ومن طعام ~~وشراب، ومن متعة وشهوة.. من النعومة التى هى ضد الخشونة. أى ثم إنكم بعد ~~ذلك - أيها الناس - والله لتسألن يوم القيامة عن ألوان النعم التى منحكم ~~الله - تعالى - إياها، فمن أدى ما يجب عليه نحوها من شكر الله - تعالى - ~~عليها كان من السعداء، ومن جحدها وغمطها وشغلته عن طاعة ربه، وتباهى ~~وتفاخر بها.. كان من الأشقياء، كما قال - تعالى - # ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ~~ربي غني كريم # فالمراد بالسؤال إنما هو سؤال التكريم والتبشير للمؤمنين الشاكرين، ~~وسؤال الإهانة والتوبيخ للفاسقين الجاحدين. والآية الكريمة دعوة حارة ~~للناس، إلى شكر نعمه - تعالى - واستعمالها فيما خلقت له. قال القرطبى ما ~~ملخصه والسؤال يكون للمؤمن والكافر.. والجمع بين الأخبار التى وردت فى ~~ذلك أن الكل يسألون، ولكن سؤال الكافر توبيخ، لأنه قد ترك الشكر، وسؤال ~~المؤمن سؤال تشريف، لأنه قد شكر، وهذا النعيم فى كل نعمة.. نسأل الله - ~~تعالى - أن يجعلنا من عباده الشاكرين.. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ~~آله وصحبه وسلم. ### | [103 - سورة العصر] ### || [103.1-3] # للعلماء أقوال متعددة فى المقصود بالعصر هنا فمنهم من يرى أن المقصود به ~~الدهر كله، لما فيه ms5477 من العبر التى تدل دلالة واضحة على عظيم قدرة الله - ~~تعالى -، ولما فيه من الأحداث التى يراها الناس بأعينهم، ويعرفونها عن ~~غيرهم.. فهم يرون ويسمعون كم من غنى قد صار فقيرا، وقوى قد صار ضعيفا، ~~ومسرور قد أصبح حزينا.. ورحم الله القائل # أشاب الصغير وأفنى الكبير كر الغداة ومر العشى # قال القرطبى قوله - تعالى - { والعصر } أى الدهر، قال ابن عباس ~~وغيره. فالعصر مثل الدهر.. وأقسم به - سبحانه - لما فيه من التنبيه بتصرف ~~الأحوال وتبدلها. ومنهم من يرى أن المقصود به وقت صلاة العصر، وقد صدر ~~صاحب الكشاف تفسيره لهذه الآية بهذا الرأى فقال أقسم - سبحانه - بصلاة ~~العصر لفضلها، بدليل قوله - تعالى - # حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى # - وهى صلاة العصر - ، وقوله صلى الله عليه وسلم # " من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله " # ولأن التكليف فى أدائها أشق لتهافت الناس فى تجاراتهم ومكاسبهم آخر ~~النهار.. ومنهم من يرى أن المراد بالعصر هنا عصر النبوة. لأفضليته ~~بالنسبة لما سبقه من عصور. وقد رجح الإمام ابن جرير القول الأول فقال ~~والصواب من القول فى ذلك أن يقال إن ربنا أقسم بالعصر،والعصر اسم الدهر، ~~وهو العشى، والليل والنهار.. وقوله - سبحانه - { إن الإنسان لفى ~~خسر... } جواب القسم، والمراد بالإنسان جنسه ويدخل فيه الكافر دخولا ~~أوليا. والخسر مثل الخسران، كالكفر بمعنى الكفران.. أى إن جنس الانسان لا ~~يخلو من خسران ونقصان وفقدان للربح فى مساعيه وأعماله طوال عمره، وإن هذا ~~الخسران يتفاوت قوة وضعفا. فأخسر الأخسرين هو الكافر الذى أشرك مع خالقه ~~إلها آخر فى العبادة، وأقل الناس خسارة هو المؤمن الذى خلط عملا صالحا ~~بآخر سيئا ثم تاب إلى الله - تعالى - توبة صادقة. وجاء الكلام بأسلوب ~~القسم، لتأكيد المقسم عليه، وهو أن جنس الإنسان فى خسر. وقال - سبحانه - ~~{ لفى خسر } للإشعار بأن الإنسان كأنه مغمور بالخسر، وأن هذا ~~الخسران قد أحاط به من كل جانب، وتنكير لفظ " خسر " للتهويل. أى لفى خسر ~~عظيم. وقوله - سبحانه - { إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات... } استثناء مما قبله، والمقصود بهذه ms5478 الآية الكريمة تسلية ~~المؤمنين الصادقين.. وتبشيرهم بأنهم ليسوا من هذا الفريق الخاسر. وقوله - ~~تعالى - { وتواصوا } فعل ماض، من الوصية وهى تقديم النصح للغير ~~مقرونا بالوعظ. و " الحق " هو الأمر الذى ثبتت صحته ثبوتا قاطعا.. و " ~~الصبر " قوة فى النفس تعينها على احتمال المكاره والمشاق. # . أى أن جميع الناس فى خسران ونقصان.. إلا الذين آمنوا بالله - تعالى - ~~إيمانا حقا، وعملوا الأعمال الصالحات، من صلاة وزكاة وصيام وحج.. وغير ~~ذلك من وجوه الخير، وأوصى بعضهم بعضا بالتمسك بالحق، الذى على رأسه ~~الثبات على الإيمان وعلى العمل الصالح.. وأوصى بعضهم بعضا كذلك بالصبر ~~على طاعة الله - تعالى -، وعلى البلايا والمصائب والآلام.. التى لا تخلو ~~عنها الحياة. فهؤلاء المؤمنون الصادقون، الذين أوصى بعضهم بعضا بهذه ~~الفضائل ليسوا من بين الناس الذين هم فى خسران ونقصان، لأن إيمانهم ~~الصادق وعملهم الصالح.. قد حماهم من الخسران.. قال بعض العلماء وقد ~~اشتملت هذه السورة الكريمة على الوعيد الشديد، وذلك لأنه - تعالى - حكم ~~بالخسارة على جميع الناس، الا من كان متصفا بهذه الأشياء الأربعة، وهى ~~الإيمان، والعمل الصالح، والتواصى بالحق، والتواصى بالصبر، فدل ذلك على ~~أن النجاة معلقة بمجموع هذه الأمور، وأنه كما يجب على الإنسان أن يأتى ~~من الأعمال ما فيه الخير والنفع، يجب عليه - أيضا - أن يدعو غيره إلى ~~الدين، وينصحه بعمل الخير والبر، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحب ~~لأخيه ما يحب لنفسه، وأن يثبت على ذلك، فلا يحيد عنه، ولا يزحزحه عن ~~الدعوة إليه ما يلاقيه من مشاق. نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من أصحاب ~~هذه الصفات. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [104 - سورة الهمزة] ### || [104.1-9] # الويل لفظ يدل على الذم وعلى طلب العذاب والهلكة.. وقيل اسم لواد فى ~~جهنم. والهمزة من الهمز، بمعنى الطعن فى أعراض الناس، ورميهم بما ~~يؤذيهم.. واللمزة من اللمز، بمعنى السخرية من الغير، عن طريق الإشارة ~~باليد أو العين أو غيرهما. قال الجمل الهمزة واللمزة هم المشاؤون ~~بالنميمة، المفرقون بين الأحبة الباغون العيب للبرئ، فعلى ms5479 هذا هما بمعنى ~~واحد. وقيل الهمزة الذى يعيبك فى الغيب، واللمزة الذى يعيبك فى الوجه ~~وقيل العكس. وحاصل هذه الأقوال يرجع إلى أصل واحد، وهو الطعن وإظهار ~~العيب، ويدخل فى ذلك من يحاكى الناس فى أقوالهم وأفعالهم وأصواتهم ~~ليضحكوا منه.. ولفظ " ويل " مبتدأ وساغ الابتداء مع كونه نكرة، لأنه دعاء ~~عليهم، وقوله { لكل همزة لمزة } خبره، وهمزة ولمزة وصفان ~~لموصوف محذوف. أى عذاب شديد، وخزى عظيم، لكل من يطعن فى أعراض الناس، ~~ويغض من شأنهم، ويحقر أعمالهم وصفاتهم، وينسب إليهم ما هم برآء منه من ~~عيوب. والتعبير بقوله { همزة لمزة } يدل على أن تلك الصفات ~~القبيحة، كانت عادة متأصلة فيهم، لأن اللفظ الذى بزنة فعلة - بضم ~~الفاء وفتح العين - يؤتى به للدلالة على أن الموصوف به ديدنه ودأبه ~~الإتيان بهذا الوصف، ومنه قولهم فلان ضحكة إذا كان يكثر من الضحك. كما ~~أن لفظ " فعلة " - بضم الفاء وسكون العين - يؤتى به للدلالة على أن ~~الموصوف به، يكثر أن يفعل به ذلك، ومنه قولهم فلان ضحكة، إذا كان الناس ~~يكثرون الضحك منه. وقوله - سبحانه - { الذى جمع مالا وعدده ~~} زيادة تشنيع وتقبيح للهمزة اللمزة.. ومعنى " عدده " جعله عدته وذخيرته، ~~وأكثر من عده وإحصائه لحرصه عليه، والجملة الكريمة فى محل نصب على الذم. ~~أى عذاب وهلاك لكل إنسان مكثر من الطعن فى أعراض الناس، ومن صفاته ~~الذميمة أنه فعل ذلك بسبب أنه جمع مالا كثيرا، وأنفق الأوقات الطويلة فى ~~عده مرة بعد أخرى، حبا له وشغفا به وتوهما منه أن هذا المال الكثير هو ~~مناط التفاضل بين الناس. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائى " جمع " - ~~بتشديد الميم - وهو مبالغة فى { جمع } بتخفيف الميم. وقوله - تعالى - { ~~يحسب أن ماله أخلده } ، صفة أخرى من صفاته القبيحة، ~~والجملة يصح أن تكون مستأنفة استنئافا بيانيا، جوابا لسؤال مقدر، كأنه ~~قيل ما باله يجمع المال ويهتم به؟ فكان الجواب يحسب أن ماله أخلده. ويصح ~~أن تكون حالا من فاعل " جمع " أى هذا الجاهل المغرور جمع المال وعدده، ~~حالة كونه يظن ms5480 أن ماله يخلده فى الدنيا، ويجعله فى مأمن من حوادث الدهر. # قال الأستاذ الإمام محمد عبده أى أن الذى يحمل هذا الهمزة اللمزة على ~~الحط من أقدار الناس، هو جمعه المال وتعديده.. فكلما نظر إلى كثرة ما ~~عنده منه، انتفخ وظن أنه من رفعة المكانة، بحيث يكون كل ذ فضل ومزية ~~دونه.. ويظن أن ما عنده من المال، قد حفظ له حياته التى هو فيها، وأرصدها ~~عليه، فهو لا يفارقها إلى حياة أخرى، يعاقب فيها على ما كسب من سيئ ~~الأعمال.. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك سوء عاقبة هذا الجاهل المغرور فقال ~~{ كلا لينبذن في الحطمة. ومآ أدراك ما الحطمة ~~}. و " كلا " حرف زجر وردع، والمراد به هنا إبطال ما توهمه هذا المغرور ~~من حسبانه أن ماله سيخلده. والنبذ الطرح للشئ والإلقاء به مع التحقير ~~والتصغير من شأنه. والحطمة من الحطم، وهو كسر الشئ بشدة وقوة، ويقال ~~رجل حطمة، إذا كان شديدا فى تحطيمه وكسره لغيره، والمراد بالحطمة هنا ~~النار الشديدة الاشتعال التى لا تبقى على شئ إلا وأحرقته. أى كلا ليس ~~الأمر كما زعم هذا الهمزة واللمزة، من أن ماله سيخلده، بل الحق أنه والله ~~ليطرحن بسبب أفعاله القبيحة فى النار التى تحطم كل شئ يلقى فيها، والتى ~~لا يعرف مقدار شدتها واشتعالها إلا الله - تعالى -. فالمقصود بالاستفهام ~~فى قوله - تعالى - { ومآ أدراك ما الحطمة } تهويل أمر هذه ~~النار، وتفظيع شأنها، وبيان أن كنهها لا تدركه عقول البشر.. وقوله - ~~سبحانه - { نار الله الموقدة } بيان للحطمة وتفصيل لأمرها بعد ~~إبهامها. أى الحطمة هى نار الله - تعالى - الشديدة الإحراق، وأضيفت إلى ~~الله - تعالى لزيادة الترويع والتخويف منها، لأن خالقها - عز وجل - هو ~~الذى لا يعجزه شئ. وقوله - تعالى - { التي تطلع على ~~الأفئدة } صفة أخرى من صفات هذه النار، وقوله { تطلع } من ~~الاطلاع، بمعنى الوصول إلى الشئ بسرعة، والكشف عن خباياه، والنفاذ إلى ~~منتهاه. أى سيلقى بهذا الشقى فى نار الله - تعالى - الموقدة، التى تصل ~~إلى أعماق الأفئدة والقلوب، فتحيط بها، وتنفذ ms5481 إليها، فتحرقها إحراقا ~~تاما. وخصت الأفئدة التى هى القلوب بالذكر، لأنها ألطف ما فى الأبدان ~~وأشدها تألما بأدنى أذى يصيبها، أو لأنها محل العقائد الزائفة، والنيات ~~الخبيثة، ومنشأ الأعمال السيئة، التى استحق هذا الهمزة اللمزة بسببها ~~العقاب الشديد. ثم وصف - سبحانه - هذه النار بصفة ثالثة فقال { إنها ~~عليهم مؤصدة } أى إن هذه النار من صفاتها - أيضا - أنها مطبقة ~~ومغلقة عليهم بحيث لا يستطيعون الخروج منها، فقوله { مؤصدة } اسم ~~مفعول من قولك أوصدت الباب، إذا أغلقته بشدة، بحيث لا يستطاع الخروج ~~منه.. وقوله - تعالى - { في عمد ممددة } صفة رابعة من صفات ~~هذه النار الشديدة الاشتعال. # وقوله { عمد } - بفتحتين - جمع عمود كأديم وأدم، وقيل جمع عماد، ~~وقيل هو اسم جمع لعمود، وليس جمعا له، والمراد بها الأوتاد التى تشد بها ~~أبواب النار. وقرأ بعض القراء السبعة فى عمد بضمتين جمع عمود كسرير ~~وسرر. والممددة الطويلة الممدودة من أول الباب إلى آخره. أى أن هذه النار ~~مغلقة عليهم بأبواب محكمة، هذه الأبواب قد شدت بأوتاد من حديد، تمتد هذه ~~الأوتاد من أول الأبواب إلى آخرها. بحيث لا يستطيع من بداخلها الفكاك ~~منها. وبذلك نرى السورة الكريمة قد توعدت هؤلاء المغرورين الجاهلين، ~~الطاعنين فى أعراض الناس.. بأشد ألوان العقاب، وأكثره إهانة وخزيا لمن ~~ينزل به. نسأل الله - تعالى - أن يعيذنا من ذلك. وصلى الله على سيدنا ~~محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [105 - سورة الفيل] ### || [105.1-5] # الاستفهام فى قوله - تعالى - { ألم تر... } للتقرير بما تواتر نقله ~~وعمله صلى الله عليه وسلم وعلمه غيره علما مستفيضا.. حتى إن العرب كانوا ~~يؤرخون بتلك الحادثة، فيقولون هذا الأمر حدث فى عام الفيل، أو بعده أو ~~قبله.. والمراد بالرؤية هنا العلم المحقق. وعبر - سبحانه - عن العلم ~~بالرؤية، لأن خبر هذه القصة - كما أشرنا كان من الشهرة بمكان، فالعلم ~~الحاصل بها مساو فى قوة الثبوت للرؤية والمشاهدة. والمعنى لقد علمت - ~~أيها الرسول الكريم - علما لا يخالطه ريب أو لبس، ما فعله ربك بأصحاب ~~الفيل، الذين جاءوا لهدم الكعبة، حيث أهلكناهم ms5482 إهلاكا شنيعا، كانت فى ~~العبرة والعظة، والدلالة الواضحة على قدرتنا، وعلى حمايتنا لبيتنا ~~الحرام. وأوقع - سبحانه - الاستفهام عن كيفية ما أنزله بهم، لا عن الفعل ~~ذاته، لأن الكيفية أكثر دلالة على قدرته - تعالى - وعلى أنه - سبحانه - ~~لا يعجزه شئ. وفى التعبير بقوله { فعل ربك... } إشارة إلى أن هذا ~~الفعل لا يقدر عليه أحد سواه - سبحانه - فهو الذى ربى نبيه صلى الله عليه ~~وسلم وتعهده بالرعاية، وهو الكفيل بنصره على أعدائه، كما نصر أهل مكة، ~~على جيوش الحبشة.. وهم أصحاب الفيل. ووصفوا بأنهم " أصحاب الفيل " لأنهم ~~أحضروا معهم الفيلة، ليستعينوا بها على هدم الكعبة، وعلى إذلال أهل مكة. ~~والاستفهام فى قوله - تعالى - { ألم يجعل كيدهم في ~~تضليل } للتقرير - أيضا - أى لقد جعل الله - تعالى - مكر أصحاب الفيل ~~وسعيهم لتخريب الكعبة، فى { تضليل } أى فى تخسير وإبطال وتضييع، بأن ~~تبرهم - سبحانه - تتبيرا ودمرهم تدميرا. والكيد إرادة وقوع الإضرار ~~بالغير فى خفية، وسمى - سبحانه - ما فعله أبرهة وجيشه كيدا، مع أنهم ~~جاءوا لهدم الكعبة جهارا نهارا.. لأنهم كانوا يضمرون من الحقد والحسد ~~والعداوة لأهل مكة، أكثر مما كانوا يظهرونه، فهم - كما قال - تعالى - # قد بدت البغضآء من أفواههم وما تخفي صدورهم ~~أكبر.. # والمقصود بالتضليل هنا التضييع والإبطال. تقول ضللت كيد فلان، إذا ~~جعلته باطلا ضائعا. ثم بين - سبحانه - مظاهر إبطاله لكيدهم فقال { ~~وأرسل عليهم طيرا أبابيل }. والطير اسم جمع لكل ما من ~~شأنه أن يطير فى الهواء، وتنكيره للتنويع والتهويل، والأبابيل اسم جمع لا ~~واحد له من لفظه، وقيل هو جمع إبالة، وهى حزمة الحطب الكبيرة، شبهت ~~بها الجماعة من الطير فى تضامنها وتلاصقها. أى لقد جعل الله - تعالى - ~~كيد هؤلاء المعتدين فى تضييع وتخسير.. بأن أرسل إليهم جماعات عظيمة من ~~الطير، أتتهم من كل جانب فى تتابع، فكانت سببا فى إهلاكهم والقضاء عليهم. # . # وما يعلم جنود ربك إلا هو # وجملة " ترميهم بحجارة من سجيل " بيان لما فعلته تلك الطيور بإذن الله - ~~تعالى -، وهى حال من قوله { طيرا } ، والسجيل الطين اليابس المتحجر.. قال ms5483 ~~بعض العلماء قوله { ترميهم بحجارة من سجيل } أى من طين ~~متحجر محرق. أو بحجارة من جملة العذاب المكتوب المدون فى السجيل، وهو ~~الديوان الذى كتب فيه عذاب الكفار، كما أن السجيل هو الديوان الذى كتبت ~~فيه أعمالهم. واشتقاقه من الإسجال بمعنى الإرسال. وعن عكرمة كانت ~~ترميهم بحجارة معها كالحمصة، فإذا أصاب أحدهم حجر منها، خرج به ~~الجدرى، وكان ذلك أول يوم رئى فيه الجدرى بأرض العرب. وقال ابن عباس ~~كان الحجر إذا وقع على أحدهم نفط جلده أى احترق -، فكان ذلك أول الجدرى. ~~وقيل إن أول ما رؤيت الحصبة والجدرى بأرض العرب ذلك العام. وقال ابن ~~جزى فى تفسيره إن الحجر كان يدخل من رأس أحدهم ويخرج من أسفله. ووقع فى ~~سائرهم الجدرى والأسقام، وانصرفوا وماتوا فى الطريق متفرقين، وتمزق أبرهة ~~قطعة قطعة.. وقوله - سبحانه - { فجعلهم كعصف مأكول } بيان ~~للآثار الفظيعة التى ترتبت على ما فعلته الحجارة التى أرسلتها الطيور ~~عليهم بإذن الله - تعالى -. والعصف ورق الزرع الذى يبقى فى الأرض بعد ~~الحصاد وتعصفه الرياح فتأكله الحيوانات. أو هو التبن الذى تأكله الدواب. ~~أى سلط الله - تعالى - عليهم طيرا ترميهم بحجارة من طين متحجر، فصاروا ~~بسبب ذلك صرعى هالكين، حالهم فى تمزقهم وتناثرهم كحال أوراق الأشجار ~~اليابسة أو التبن الذى تأكله الدواب. وهكذا نرى السورة الكريمة قد ساقت ~~من مظاهره قدرة الله - تعالى - ما يزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم، ~~وثباتا على ثباتهم، وما يحمل الكافرين على الاهتداء إلى الحق، والإقلاع ~~عن الشرك والجحود لو كانوا يعقلون. نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من ~~عباده الشاكرين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [106 - سورة قريش] ### || [106.1-4] # الإيلاف مصدر آلفت الشئ إيلافا و " إلفا " إذا لزمته وتعودت عليه. ~~وتقول آلفت فلانا الشئ، إذا ألزمته إياه. والإيلاف - أيضا - اجتماع ~~الشمل مع الالتئام، ومنه قوله - تعالى - # واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعدآء ~~فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا... # ولفظ " إيلاف " مضاف لمفعوله وهو قريش، والفاعل هو الله - تعالى - و " ~~قريش " هم ms5484 ولد النضر بن كنانه - على الأرجح - وهو الجد الثالث عشر للنبى ~~صلى الله عليه وسلم. قال القرطبى ما ملخصه وأما قريش فهم بنو النضر بن ~~كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس، بن مضر، فكل من كان من ولد النضر فهو ~~قرشى. وسموا قريشا، لتجمعهم بعد التفرق، إذ التقرش التجمع والالتئام.. أو ~~سموا بذلك لأنهم كانوا تجارا يأكلون من مكاسبهم، والتقرش التكسب، ويقال ~~قرش فلان يقرش قرشا - كقتل -، إذا كسب المال وجمعه.. وقوله { ~~إيلافهم } بدل أو عطف بيان من قوله { لإيلاف قريش } ، وهو من ~~أسلوب الإجمال فالتفصيل للعناية بالخبر، ليتمكن فى ذهن السامع كما فى ~~قوله - تعالى - # لعلي أبلغ الأسباب. أسباب السماوات... # واللام فى قوله - تعالى - { لإيلاف... } للتعليل. والجار والمجرور ~~متعلق بقوله - تعالى - { فليعبدوا... }. وتقدير الكلام من الواجب ~~على أهل مكة أن يخلصوا العبادة لله - تعالى - لأنه - سبحانه - هو الذى ~~جمعهم بعد تفرق، وألف بينهم، وهيأ لهم رحلتين فيهما ما فيهما من النفع ~~والأمن. وزيدت الفاء فى قوله - تعالى - { فليعبدوا... } لما فى ~~الكلام من معنى الشرط، فكأنه - سبحانه - يقول لهم إن لم تعبدونى من أجل ~~نعمى التى لا تحصى، فاعبدونى من أجل أنى جعلتكم تألفون هاتين الرحلتين ~~النافعتين فى أمان واطمئنان، وأنى جمعت شملكم، وألفت بينكم.. قال صاحب ~~الكشاف " لإيلاف قريش " متعلق بقوله { فليعبدوا } أمرهم أن ~~يعبدوه لأجل إيلافهم الرحتلين. فإن قلت فلم دخلت الفاء؟ قلت لما فى ~~الكلام من معنى الشرط، لأن المعنى إما لا فليعبدوه لإيلافهم. على معنى ~~أن نعم الله عليهم لا تحصى، فإن لم يعبدوه لسائر نعمه، فليعبدوه لهذه ~~الواحدة التى هى نعمة ظاهرة. وقيل المعنى اعجبوا لإيلاف قريش. وقيل هو ~~متعلق بما قبله - فى السورة السابقة - أى فجعلهم كعصف مأكول. لإيلاف ~~قريش، وهذا بمنزلة التضمين فى الشعر، وهو أن يتعلق معنى البيت بالذى ~~قبله.. وقوله - سبحانه - { رحلة الشتآء والصيف } بيان لمظهر ~~من مظاهر هذا الإيلاف الذى منحه - سبحانه - لهم، والرحلة هنا اسم ~~لارتحال القوم من مكان إلى آخر، ولفظ " رحلة " منصوب على أنه مفعول به ms5485 ~~لقوله { إيلافهم }. # . والمراد بهذه الرحلة ارتحالهم فى الشتاء إلى بلاد اليمن، وفى الصيف ~~إلى بلاد الشام، من أجل التجارة، واجتلاب الربح. واستدرار الرزق، ~~والاستكثار من القوت واللباس وما يشبههما من مطالب الحياة. وقيل المراد ~~برحلة الشتاء والصيف رحلة الناس إليهم فى الشتاء والصيف للحج والعمرة، ~~فقد كان الناس يأتون إلى مكة فى الشتاء والصيف لهذه الاغراض، فيجد أهل ~~مكة من وراء ذلك الخير والنفع، كما قال - تعالى - # ليشهدوا منافع لهم # وبعد أن ذكرهم - سبحانه - بنعمه أمرهم بشكره، فقال { فليعبدوا ~~رب هذا البيت... }. أى إن كان الأمر كما ذكرنا لهم، فليخلصوا ~~العبادة لله - تعالى - الذى حمى لهم البيت الحرام، والكعبة المشرفة، ممن ~~أرادهما بسوء.. { الذي أطعمهم من جوع } أى الذى وسع لهم ~~الرزق، ومهد لهم سبيله، عن طريق الوفود التى تأتى إليهم من مشارق الأرض ~~ومغاربها. { وآمنهم من خوف } أى والذى أوجد لهم الأمن بعد ~~الخوف، والسعة بعد الضيق، ببركة هذا البيت الحرام. وتنكير " جوع " و " ~~خوف " للتعظيم، أى أطعمهم بدلا من جوع شديد، وآمنهم بدلا من خوف عظيم، ~~كانوا معرضين لهما، وذلك كله من فضله - سبحانه - عليهم، ومن رحمته بهم، ~~حيث أتم عليهم نعمتين بهما تكمل السعادة، ويجتمع السرور. ومن الآيات التى ~~تشبه هذه الآية قوله - تعالى - # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم... # وقوله - سبحانه - # أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات ~~كل شيء رزقا... # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [107 - سورة الماعون] ### || [107.1-7] # الاستفهام فى قوله - سبحانه - { أرأيت } للتعجيب من حال هذا ~~الإنسان الذى بلغ النهاية فى الجهالة والجحود.. ولتشويق السامع ما سيذكر ~~بعد هذا الاستفهام. والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ولكل من يصلح له. ~~أى أخبرنى - أيها الرسول الكريم - أرأيت وعرفت أسوأ وأعجب من حال هذا ~~الإنسان الذى يكذب بيوم الدين، أى بيوم البعث والجزاء والحساب وينكر ما ~~جئت به من عند ربك من حق وهداية. مما لا شك فيه أن حال هذا الإنسان من ~~أعجب الأحوال، وعاقبته ms5486 من أسوأ العواقب!.. والرؤية فى قوله { أرأيت ~~} يحتمل أن تكون بصرية، فتتعدى لواحد هو الاسم الموصول، كأنه - تعالى - ~~قال أأبصرت أسوأ وأعجب من هذا المكذب بيوم الدين. ويحتمل أن تكون علمية، ~~فتتعدى لاثنين، أولهما الاسم الموصول والثانى محذوف، والتقدير أعرفت الذى ~~يكذب بالدين من هو؟ إننا نحن الذين نعرفك صفاته، وهى { فذلك الذي ~~يدع اليتيم } أى فذلك الذى يكذب بالبعث والحساب والجزاء، من أبرز ~~صفاته القبيحة. أنه " يدع اليتيم " أى يقسو عليه، ويزجره زجرا عنيفا، ~~ويسد كل باب خير فى وجهه، ويمنع كل حق له.. فقوله { يدع } من الدع ~~وهو الدفع الشديد، والتعنيف الشنيع للغير.. { ولا يحض على ~~طعام المسكين } أى أن من صفاته الذميمة - أيضا - أنه لا يحث أهله ~~وغيرهم من الأغنياء على بذل الطعام للبائس المسكين، وذلك لشحه الشديد، ~~واستيلاء الشيطان عليه، وانطماس بصيرته عن كل خير. وفى هذه الآية والتى ~~قبلها دلالة واضحة على أن هذا الانسان المكذب الدين قد بلغ النهاية فى ~~السوء والقبح، فهو لقسوة قلبه لا يعطف على يتيم، بل يحتقره ويمنع عنه كل ~~خير، وهو لخبث نفسه لا يفعل الخير، ولا يحض غيره على فعله، بل يحض على ~~الشرور والآثام. ولما كانت هذه الصفات الذميمة، لا تؤدى إلى إخلاص أو ~~خشوع لله - تعالى - وإنما تؤدى إلى الرياء وعدم المبالاة بأداء التكاليف ~~التى أوجبها - سبحانه - على خلقه.. لما كان الأمر كذلك، وصف - سبحانه - ~~هؤلاء المكذبين بالبعث والجزاء بأوصاف أخرى، فقال { فويل ~~للمصلين. الذين هم عن صلاتهم ساهون. الذين ~~هم يرآءون. ويمنعون الماعون }. والفاء فى قوله { ~~فويل } للتفريع والتسبب، والويل الدعاء بالهلاك والعذاب الشديد. وهو ~~مبتدأ، وقوله { للمصلين } خبره، والمراد بالسهو هنا الغفلة ~~والترك وعدم المبالاة.. أى فهلاك شديد، وعذاب عظيم، لمن جمع هذه الصفات ~~الثلاث، بعد تكذيبه بيوم الدين، وقسوته على اليتيم، وامتناعه عن إطعام ~~المسكين. وهذه الصفات الثلاث أولها الترك للصلاة، وعدم المبالاة بها، ~~والإخلال بشروطها وأركانها وسننها وآدابها. وثانيها أداؤها رياء وخداعا ~~لا عن إخلاص وطاعة لله رب العالمين كما قال - تعالى ms5487 - # إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا ~~قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يرآءون الناس ~~ولا يذكرون الله إلا قليلا # وثالثها منع الماعون أى منع الخير والمعروف والبر عن الناس. فالمراد ~~بمنع الماعون منع كل فضل وخير عن سواهم. فلفظ " الماعون " أصله " معونة " ~~والألف عوض من الهاء. والعون هو مساعدة الغير على بلوغ حاجته.. فالمراد ~~بالماعون ما يستعان به على قضاء الحوائج، من إناء أو فأس، أو نار، أو ما ~~يشبه ذلك. ومنهم من يرى أن المراد بالماعون هنا الزكاة، لأنه جرت عادة ~~القرآن الكريم أن يذكر الزكاة بعد الصلاة. قال الإمام ابن كثير قوله { ~~ويمنعون الماعون } أى لا أحسنوا عبادة ربهم، ولا أحسنوا إلى ~~خلقه، حتى ولا بإعارة ما ينتفع به، ويستعان به، مع بقاء عينه ورجوعه ~~إليهم، فهؤلاء لمنع الزكاة ومنع القربات أولى وأولى.. وسئل ابن مسعود عن ~~الماعون فقال هو ما يتعاوره الناس بينهم من الفأس والقدر.. وهكذا نرى ~~السورة الكريمة قد ذمت المكذبين بيوم الدين ذما شديدا حيث وصفتهم بأقبح ~~الصفات وأشنعها. نسأل الله - تعالى - أن يعيذنا من ذلك. وصلى الله على ~~سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [108 - سورة الكوثر] ### || [108.1-3] # الكوثر فوعل من الكثرة، مثل النوفل من النفل، ومعناه الشئ البالغ ~~فى الكثرة حد الإفراط، والعرب تسمى كل شئ كثر عدده، وعظم شأنه كوثرا، ~~وقد قيل لأعرابية بعد رجوع ابنها من سفر بم آب ابنك؟ قالت آب بكوثر. أى ~~بشئ كثير. قال الإمام القرطبى ما ملخصه واختلف أهل التأويل فى الكوثر ~~الذى أعطيه النبى صلى الله عليه وسلم على ستة عشر قولا الأول أنه نهر فى ~~الجنة، رواه البخارى عن أنس، ورواه الترمذى - أيضا - عن ابن عمر.. ~~الثانى أنه حوض للنبى صلى الله عليه وسلم فى الموقف.. الثالث أنه النبوة ~~والكتاب.. الرابع أنه القرآن.. الخامس الإسلام. ثم قال - رحمه الله - ~~قلت أصح هذه الأقوال الأول والثانى، لأنه ثابت عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم نص فى الكوثر.. وجميع ما قيل بعد ذلك فى تفسيره قد ms5488 أعطيه صلى الله ~~عليه وسلم زيادة على حوضه... وافتتح - سبحانه - الكلام بحرف التأكيد، ~~للاهتمام بالخبر، وللإشعار بأن المعطى شئ عظيم.. أى إنا أعطيناك بفضلنا ~~وإحساننا - أيها الرسول الكريم - الكوثر، أى الخير الكثير الذى من جملته ~~هذا النهر العظيم، والحوض المطهر.. فأبشر بذلك أنت وأمتك، ولا تلتفت إلى ~~ما يقوله أعداؤك فى شأنك. والفاء فى قوله - تعالى - { فصل لربك ~~وانحر } لترتيب ما بعدها على ما قبلها، والمراد بالصلاة المداومة ~~عليها. أى ما دمنا قد أعطيناك هذه النعم الجزيلة، فداوم على شكرك لنا، ~~بأن تواظب على أداء الصلاة أداء تاما، وبأن تجعلها خالصة لربك وخالقك، ~~وبأن تواظب - أيضا - على نحرك الإبل تقربا إلى ربك. كما قال - سبحانه ~~- # قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين. لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول ~~المسلمين # ثم بشره - سبحانه - ببشارة أخرى فقال { إن شانئك هو الأبتر ~~} والشانئ هو المبغض لغيره، يقال شنأ فلان شنئا، إذا أبغضه وكرهه. ~~والأبتر فى الأصل هو الحيوان المقطوع الذنب، والمراد به هنا الإنسان ~~الذى لا يبقى له ذكر. ولا يدوم له أثر.. شبه بقاء الذكر الحسن بذنب ~~الحيوان، لأنه تابع له وهو زينته، وشبه الحرمان من ذلك ببتر الذيل وقطعه. ~~والمعنى إن مبغضك وكارهك - أيها الرسول الكريم - هو المقطوع عن كل خير، ~~والمحروم من كل ذكر حسن. قال الإمام ابن كثير " كان العاص بن وائل إذا ~~ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له، ~~فإذا هلك انقطع ذكره، فأنزل الله - تعالى - هذه السورة ". وقال السدى ~~كانوا إذا مات ذكور الرجل قالوا بتر، فلما مات أبناء النبى صلى الله عليه ~~وسلم قالوا بتر محمد فأنزل الله هذه الآية. وهذا يرجع إلى ما قلناه من أن ~~الأبتر إذا مات انقطع ذكره، فتوهموا لجهلهم أنه إذا مات بنوه ينقطع ذكره، ~~وحاشا وكلا، بل أبقى الله ذكره على رءوس الأشهاد، وأوجب شرعه على رقاب ~~العباد، مستمرا على دوام الآباد، إلى يوم الحشر والمعاد، صلوات الله ~~وسلامه ms5489 عليه دائما إلى يوم الثناد... نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من ~~أهل شفاعته يوم القيامة. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [109 - سورة الكافرون] ### || [109.1-6] # أى قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين الذين جاؤوك ليساوموك على ~~أن تعبد آلهتهم مدة، وهم يعبدون إلهك مدة أخرى.. قل لهم على سبيل الحزم ~~والتأكيد " لا أعبد " أنا الذى تعبدونه من آلهة باطلة، ولا أنتم عابدون ~~الإله الحق الذى أعبده، لجهلكم وجحودكم. وعكوفكم على ما كان عليه آباؤكم ~~من ضلال. وافتتحت السورة الكريمة بفعل الأمر " قل " للاهتمام لما سيأتى ~~بعده من كلام المقصود منه إبلاغه إليهم، وتكليفهم بالعمل به. ونودوا بوصف ~~الكافرين، لأنهم كانوا كذلك، ولأن فى هذا النداء تحقيرا واستخفافا بهم. و ~~" ما " هنا موصولة بمعنى الذى، وأوثرت على " من " لأنهم ما كانوا يشكون ~~فى ذات الآلهة التى يعبدونها، ولا فى ذات الإله الحق الذى يعبده النبى ~~صلى الله عليه وسلم، وإنما كانوا يشكون فى أوصافه - تعالى -، من زعمهم أن ~~هذه الأصنام ما يعبدونها إلا من أجل التقرب إليه. ويقولون # هؤلاء شفعاؤنا عند الله # مع أن الله - تعالى - منزه عن ذلك، فالمقصود من " ما " هنا الصفة، وليس ~~الذات، فكأنه قال لا أعبد الباطل الذى تعبدونه، وأنتم لجهلكم لا تعبدون ~~الإله الحق الذى أعبده. وقوله - تعالى - { ولا أنآ عابد ما ~~عبدتم. ولا أنتم عابدون مآ أعبد } تأكيد وتقرير لما ~~اشتمل عليه الكلام السابق.. " وما " هنا مصدرية، فكأنه قبل ولا أنا عابد ~~عبادتكم، ولا أنتم عابدون عبادتى. فالآيتان السابقتان تنفيان الاتحاد ~~بينه صلى الله عليه وسلم وبينهم فى المعبود، وهاتان الآيتان تنفيان ~~الاتحاد فى العبادة، والمقصود من ذلك المبالغة التامة فى البراءة من ~~معبوداتهم الباطلة، ومن عبادتهم الفاسدة، وأنه صلى الله عليه وسلم ومن ~~معه من المؤمنين، لا يعبدون إلا الله - عز وجل -، وهم بذلك يكونون قد ~~اهتدوا إلى العبادة الصحيحة. وقوله - تعالى - { لكم دينكم ولي ~~دين } تذييل مؤكد لما قبله. والدين يطلق بمعنى العقيدة التى يعتقدها ~~الإنسان ويدين بها، وبمعنى الملة ms5490 التى تجرى أقواله وأفعاله على مقتضاها، ~~وبمعنى الحساب والجزاء. ومنه قولهم دنت فلانا بما صنع، أى جازيته على ~~صنيعه. واللفظ هنا شامل لكل ذلك، أى لكم - أيها الكافرون - دينكم ~~وعقيدتكم التى تعتقدونها ولا تتجاوزكم إلى غيركم من المؤمنين الصادقين، ~~فضلا عن رسولهم ومرشدهم صلى الله عليه وسلم، ولى دينى وعقيدتى التى هى ~~عقيدة التوحيد، والتى بايعنى عليها أتباعى المؤمنون، وهى مقصورة علينا، ~~وأنتم محرومون منها، وسترون سوء عاقبة مخالفتكم لى. وقدم - سبحانه - ~~المسند على المسند إليه، لإفادة القصد والاختصاص فكأنه قيل لكم دينكم لا ~~لغيركم، ولى دينى لا لغيرى والله - تعالى - هو أحكم الحاكمين بينى ~~وبينكم. وبذلك نرى السورة الكريمة، قد قطعت كل أمل توهم الكافرون عن ~~طريقه الوصول إلى مهادنة النبى صلى الله عليه وسلم، وإلى الاستجابة لشئ ~~من مطالبهم الفاسدة، وإنما هو صلى الله عليه وسلم برئ براءة تامة منهم ~~ومن معبوداتهم وعباداتهم. وصلى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [110 - سورة النصر] ### || [110.1-3] # النصر التغلب على العدو، والإعانة على بلوغ الغاية، ومنه قولهم قد نصر ~~الغيث الأرض، أى أعان على إظهار نباتها. والمراد به هنا إعانة الله - ~~تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم على أعدائه، حتى حقق له النصر عليهم. ~~والفتح يطلق على فتح البلاد عنوة والتغلب على أهلها، ويطلق على الفصل ~~والحكم بين الناس، ومنه قوله - تعالى - # ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت ~~خير الفاتحين # والمراد به هنا فتح مكة. وما ترتب عليه من إعزاز الدين، وإظهار كلمة ~~الحق. قال الإمام ابن كثير والمراد بالفتح هنا فتح مكة قولا واحدا، فإن ~~أحياء العرب كانت تتلوم - أى تنتظر - بإسلامها فتح مكة، يقولون إن ظهر ~~على قومه فهو نبى، فلما فتح الله عليه مكة، دخلوا فى دين الله أفواجا، ~~فلم تمض سنتان حتى استوسقت - أى اجتمعت - جزيرة العرب على الإيمان، ولم ~~يبق فى سائر قبائل العرب إلا مظهر للإسلام، ولله الحمد والمنة. والأفواج ~~جمع فوج، وهو الجماعة والطائفة من الناس وقوله { فسبح } جواب إذا. ~~والمعنى إذا ms5491 أتم الله - عليك - أيها الرسول الكريم - وعلى أصحابك النصر، ~~وصارت لكم الكلمة العليا على أعدائكم، وفتح لكم مكة، وشاهدت الناس يدخلون ~~فى دين الإسلام، جماعات ثم جماعات كثيرة بدون قتال يذكر. إذا علمت ورأيت ~~كل ذلك، فداوم وواظب على تسبيح ربك، وتنزيهه عن كل ما لا يليق به شكرا له ~~على نعمه، وداوم - أيضا - على طلب مغفرته لك وللمؤمنين. { إنه } عز وجل - ~~{ كان } وما زال { توابا } أى كثير القبول لتوبة عباده التائبين إليه، ~~كما قال - سبحانه - # وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن ~~السيئات ويعلم ما تفعلون # نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من عباده التائبين توبة صادقة نصوحا. ~~وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [111 - سورة المسد] ### || [111.1-5] # معنى { تبت } هلكت وخسرت، ومنه قوله - تعالى - # وما كيد فرعون إلا في تباب # وقوله - سبحانه - # وما زادوهم غير تتبيب # وقوله { وتب } أى وقد تب وهلك وخسر، فالجملة الأولى دعاء عليه ~~بالهلاك والخسران، والجملة الثانية إخبار عن أن هذا الدعاء قد استجيب، ~~وأن الخسران قد نزل به فعلا. أى خسرت وخابت يدا أبى لهب، وقد نزل هذا ~~الهلاك والخسران به، بسبب عداوته الشديدة للحق، الذى جاء به النبى صلى ~~الله عليه وسلم من عند ربه - سبحانه -. والمراد باليدين هنا ذاته ونفسه، ~~من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، كما فى قوله - تعالى - # ذلك بما قدمت يداك # ويجوز أن يكون المراد باليدين حقيقتهما، وذلك لأنه كان يقول يعدنى محمد ~~صلى الله عليه وسلم بأشياء، لا أدرى أنها كائنة، يزعم أنها بعد الموت، ~~فلم يضع فى يدى شئ من ذلك، ثم ينفخ فى يديه ويقول تبا لكما ما أرى فيكما ~~شيئا. وقوله - سبحانه - { مآ أغنى عنه ماله وما كسب } ~~كلام مستأنف للانتقال من ذمه والدعاء عليه بالهلاك، إلى بيان أن ماله ~~وجاهه.. لن يغنى عنه من عذاب الله - تعالى - شيئا. أى أن أبا لهب لن يغنى ~~عنه ماله الكثير، وكسبه الوفير من حطام الدنيا.. لن يغنى عنه شيئا من ~~عذاب الله - تعالى ms5492 -، أو شيئا من انتشار رسالة الله - تعالى - فى الأرض، ~~فإن الله - سبحانه - ناصر نبيه صلى الله عليه وسلم ومؤيده بروح منه. ~~والتعبير بالماضى فى قوله { مآ أغنى... } لتحقيق وقوع عدم الإغناء. ~~والراجح أن " ما " الأولى نافية، والثانية موصولة، أى ما أغنى عنه شيئا ~~ماله الذى ورثه عن أبيه، وأيضا ما أغنى عنه شيئا ماله الذى جمعه واكتسبه ~~هو بنفسه عن طريق التجارة وغيرها. وقوله - سبحانه - { سيصلى نارا ~~ذات لهب } بيان للعاقبة السيئة التى تنتظره، بعد هذا الذم والتأنيب ~~والوعيد. أى سيلقى بأبى لهب فى نار شديدة الحرارة، تشوى الوجوه والأبدان، ~~ووصف - سبحانه - النار بأنها " ذات لهب " لزيادة تقرير المناسبة بين اسمه ~~وكفره، إذ هو معروف بأبى لهب، والنار موصوفة بأنها ذات لهب شديد. ثم أعقب ~~- سبحانه - ذلك، بذم زوجه التى كانت تشاركه العداوة لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال { وامرأته حمالة الحطب. في جيدها ~~حبل من مسد }. وقوله { وامرأته } معطوف على الضمير ~~المستتر العائد على أبى لهب فى قوله { سيصلى } ، وانتصاب لفظ " ~~حمالة " على الذم بفعل مضمر، لأن المقصود به هنا الذم، وقرأ الجمهور { ~~حمالة } - بالرفع - على أنه صفة لها، أو خبر لمبتدأ محذوف، أى هى ~~حمالة الحطب. # والمقصود بقوله - تعالى - { حمالة الحطب } الحقيقة، فقد روى ~~أنها كانت تحمل بنفسها حزمة الشوك والحسك والسعدان، فتنثرها ~~بالليل فى طريقه صلى الله عليه وسلم، لإيذائه به، ويصح أن يكون المراد ~~بهذه الجملة الكناية عن مشيها بين الناس بالنميمة، وإشاعة السوء حول ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه يقال لمن يمشى بالنميمة ليفسد بين الناس، ~~إنسان يحمل الحطب بين الناس، أى أنه يفسد بينهم. ويصح أن يكون المقصود ~~بهذه الجملة، حملها للذنوب والخطايا، من قولهم فلان يحطب على ظهره، ~~إذا كان يكتسب الذنوب والخطايا، فاستعير الحطب لذلك. وقد رجح الإمام ابن ~~جرير القول الأول، لأنها كانت تحمل الشوك فتطرحه فى طريق النبى صلى الله ~~عليه وسلم. وقوله - سبحانه - { في جيدها حبل من مسد } زيادة ~~فى تبشيع صورتها، وتحقير هيئتها. والجيد العنق، والمسد ms5493 الليف المتين الذى ~~فتل بشدة، يقال حبل ممسود، أى مفتول فتلا قويا. والمعنى سيصلى أبو لهب ~~نارا شديدة، وستصلى معه امرأته التى تضع الشوك فى طريق النبى صلى الله ~~عليه وسلم هذه النار المشتعلة - أيضا -، وسيزيد الله - تعالى - فى ~~إذلالها وتحقيرها، بأن يأمر ملائكته بأن تضع فى عنقها حبلا مفتولا فتلا ~~قويا، على سبيل الإذلال والإهانة لها، لأنها كانت فى الدنيا تزعم أنها ~~من بنات الأشراف الأكابر. روى عن سعيد بن المسيب أنه قال كان لها قلادة ~~ثمينة فقالت لأبيعنها ولأنفقن ثمنها فى عداوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~فأبدلها الله عنها حبلا فى جيدها من مسد النار. والذى يتأمل هذه السورة ~~الكريمة، يراها قد اشتملت على أوضح الأدلة وأبلغ المعجزات الدالة على صدق ~~النبى صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه، فإن الله - تعالى - قد أخبر ~~بشقاء أبى لهب وامرأته، وأنهما سيصليان نارا ذات لهب.. وقد علما بما جاء ~~فى هذه السورة من عقاب الله لهما.. ومع ذلك فقد بقيا على كفرهما حتى ~~فارقا الحياة، دون أن ينطقا بكلمة التوحيد، ولو فى الظاهر - فثبت أن هذا ~~القرآن من عند الله، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق فيما يبلغه عن ~~ربه - عز وجل -. نسأل الله - تعالى - أن يلحقنا بعباده الصالحين. وصلى ~~الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [112 - سورة الإخلاص] ### || [112.1-4] # قد افتتحت بفعل الأمر " قل " لإظهار العناية بما بعد هذا الأمر من ~~توجيهات حكيمة، ولتلقينه صلى الله عليه وسلم الرد على المشركين الذين ~~سألوه أن ينسب لهم ربه. و { هو } ضمير الشأن مبتدأ، والجملة التى بعده ~~خبر عنه. والأحد هو الواحد فى ذاته وفى صفاته وفى أفعاله، وفى كل شأن من ~~شئونه، فهو منزه عن التركيب من جواهر متعددة، أو من مادة معينة، كما أنه ~~- عز وجل - منزه عن الجسمية والتحيز، ومشابهة غيره. وفى الإتيان بضمير ~~الشأن هنا إشارة إلى فخامة مضمون الجملة، مع ما فى ذلك من زيادة التحقيق ~~والتقرير، لأن الضمير يشير إلى ms5494 شئ مبهم تترقبه النفس، فإذا جاء الكلام من ~~بعده زال الإبهام، وتمكن الكلام من النفس فضل تمكن. وجئ بالخبر نكره وهو ~~لفظ " أحد " لأن المقصود الإخبار عن الله - تعالى - بأنه واحد، ولو قيل ~~الله الأحد، لأفاد أنه لا واحد سواه، وليس هذا المعنى مقصودا هنا، وإنما ~~المقصود إثبات أنه واحد فى ذاته وصفاته وأفعاله.. ونفى ما زعمه المشركون ~~وغيرهم، من أنه - تعالى - مركب من أصول مادية أو غير مادية، أو من أنه له ~~شريك فى ملكه. وقوله - سبحانه - { الله الصمد } أى الله - تعالى - ~~هو الذى يصمد إليه الخلق فى حوائجهم، ويقصدونه وحده بالسؤال والطلب.. ~~مأخوذ من قولهم صمد فلان إلى فلان. بمعنى توجه إليه بطلب العون ~~والمساعدة. قال صاحب الكشاف والصمد فعل بمعنى مفعول، من صمد إليه إذا ~~قصده، وهو - سبحانه - المصمود إليه فى الحوائج، والمعنى هو الله الذى ~~تعرفونه وتقرون بأنه خالق السموات والأرض، وخالقكم، وهو واحد متوحد ~~بالإلهية لا يشارك فيها، وهو الذى يصمد إليه كل مخلوق لا يستغنون عنه، ~~وهو الغنى عنهم.. وجاء لفظ " الصمد " محلى بأل، لإفادة الحصر فى الواقع ~~ونفس الأمر، فإن قصد الخلق إليه - سبحانه - فى الحوائج، أعم من القصد ~~الإرادى، والقصد الطبيعى، والقصد بحسب الاستعداد الأصلى، الثابت لجميع ~~المخلوقات إذ الكل متجه إليه - تعالى - طوعا وكرها. وقوله - سبحانه - { ~~لم يلد } تنزيه له - تعالى - عن أن يكون له ولد أو بنت، لأن الولادة ~~تقتضى انفصال مادة منه، وذلك يقتضى التركيب المنافى للأحدية والصمدية، أو ~~لأن الولد من جنس أبيه، وهو - تعالى - منزه عن مجانسة أحد. وقوله { ~~ولم يولد } تنزيه له - تعالى - عن أن يكون له أب أو أم، لأن ~~المولودية تقتضى - أيضا - التركيب المنافى للأحدية والصمدية، أو ~~لاقتضائها سبق العدم، أو المجانسة، وكل ذلك مستحيل عليه - تعالى - فهو - ~~سبحانه - # الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء ~~عليم # وقوله - عز وجل - { ولم يكن له كفوا أحد } تنزيه له - ~~تعالى - عن الشبيه والنظير والمماثل. والكفؤ هو المكافئ والمماثل ~~والمشابه لغيره فى العمل أو فى القدرة. أى ms5495 ولم يكن أحد من خلقه مكافئا ~~ولا مشاكلا ولا مناظرا له - تعالى - فى ذاته، أو صفاته، أو أفعاله، فهو ~~كما قال - تعالى - # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # وبذلك نرى أن هذه السورة الكريمة قد تضمنت نفى الشرك بجميع ألوانه. فقد ~~نفى - سبحانه - عن ذاته التعدد بقوله { الله أحد } ونفى عن ذاته ~~النقص والاحتياج بقوله { الله الصمد } ، ونفى عن ذاته أن يكون ~~والدا أو مولودا بقوله { لم يلد ولم يولد } ، ونفى عن نفسه ~~الأنداد والأشباه بقوله { ولم يكن له كفوا أحد }. كما ~~نراها قد تضمنت الرد على المشركين وأهل الكتاب، وغيرهم من أصحاب الفرق ~~الضالة، الذين يقولون، بالتثليث، وبأن هناك آلهة أخرى تشارك الله - تعالى ~~- فى ملكه. وبغير ذلك من الأقاويل الفاسدة والعقائد الزائفة.. - سبحانه ~~وتعالى - عما يقولون علوا كبيرا. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله ~~وصحبه وسلم. ### | [113 - سورة الفلق] ### || [113.1-5] # الفلق أصله شق الشئ عن الشئ، وفصل بعض عن بعض، والمراد به هنا الصبح، ~~وسمى فلقا لانفلاق الليل وانشقاقه عنه، كما فى قوله - تعالى - # فالق الإصباح # أى شاق ظلمة آخر الليل عن بياض الفجر.. ويصح أن يكون المراد به، كل ما ~~يفلقه الله - تعالى - من مخلوقات كالأرض التى تنفلق عن النبات، والجبال ~~التى تنفلق عن عيون الماء.. أى قل - أيها الرسول الكريم - أعوذ وأستجير ~~وأعتصم، بالله - تعالى - الذى فلق الليل، فانشق عنه الصباح، والذى هو رب ~~جميع الكائنات، ومبدع كل المخلوقات.. قل أعوذ بهذا الرب العظيم { من ~~شر ما خلق } أى من شر كل ذى شر من المخلوقات، لأنه لا عاصم من ~~شرها إلا خالقها - عز وجل - إذ هو المالك لها، والمتصرف فى أمرها، ~~والقابض على ناصيتها، والقادر على تبديل أحوالها، وتغيير شئونها. ثم قال ~~- تعالى - { ومن شر غاسق إذا وقب } والغاسق الليل عندما ~~يشتد ظلامه، ومنه قوله - تعالى - # أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل... # أى إلى ظلامه. وقوله { وقب } من الوقوب، وهو الدخول، يقال وقبت الشمس ~~إذا غابت وتوارت فى الأفق. أى وقل أعوذ به ms5496 - تعالى - من شر الليل إذا ~~اشتد ظلامه، وأسدل ستاره على كل شئ واختفى تحت جنحه ما كان ظاهرا. ومن ~~شأن الليل عندما يكون كذلك، أن يكون مخيفا مرعبا، لأن الإنسان لا يتبين ~~ما استتر تحته من أعداء. ثم قال - سبحانه - { ومن شر النفاثات ~~في العقد } وأصل النفاثات جمع نفاثة، وهذا اللفظ صيغة مبالغة من ~~النفث، وهو النفخ مع ريق قليل يخرج من الفم. والعقد جمع عقدة من ~~العقد الذى هو ضد الحل، وهى اسم لكل ما ربط وأحكم ربطه. والمراد ~~بالنفاثات فى العقد النساء السواحر، اللائى يعقدن عقدا فى خيوط وينفثن ~~عليها من أجل السحر. وجئ بصيغة التأنيث فى لفظ " النفاثات " لأن معظم ~~السحرة كن من النساء. ويصح أن يكون النفاثات صفة للنفوس التى تفعل ذلك، ~~فيكون هذا اللفظ شاملا للذكور والإناث. وقيل المراد بالنفاثات فى العقد ~~النمامون الذين يسعون بين الناس والفساد، فيقطعون بما أمر الله به أن ~~يوصل.. وعلى ذلك تكون فى " النفاثة " للمبالغة كعلامة وفهامة، وليست ~~للتأنيث. أى وقل - أيضا - أستجير بالله - تعالى - من شرور السحرة ~~والنمامين، ومن كل الذين يفسدون فى الأرض ولا يصلحون. ثم ختم - سبحانه - ~~السورة الكريمة بقوله { ومن شر حاسد إذا حسد }. والحاسد هو ~~الإنسان الذى يتمنى زوال النعمة عن غيره. # والحسد حقيقة واقعة. وأثره لا شك فيه، وإلا لما أمر الله - تعالى - نبيه ~~صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ من شرور الحاسدين. قال الآلوسى وقوله { ~~ومن شر حاسد إذا حسد } أى إذا أظهر ما فى نفسه من الحسد ~~وعمل بمقتضاه بترتيب مقدمات الشر، ومبادى الأضرار بالمحسود قولا وفعلا.. ~~وقد نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن الحسد فى أحاديث كثيرة منها قوله # " لا تباغضوا ولا تحاسدوا.. ". # ومنها قوله # " إياكم والحسد فإنه يأكل الحسنات، كما تأكل النار الحطب ". # هذا، وقد تكلم العلماء كلاما طويلا عند تفسيرهم لقوله - تعالى - { ومن ~~شر النفاثات في العقد } عن السحر، فمنهم من ذهب إلى أنه لا ~~حقيقة له وإنما هو تخييل وتمويه.. وجمهورهم على إثباته، وأن له آثارا ms5497 ~~حقيقية، وأن الساحر قد يأتى بأشياء غير عادية، إلا أن الفاعل الحقيقى فى ~~كل ذلك هو الله - تعالى -. وقد بسطنا القول فى هذه المسألة عند تفسيرنا ~~لقوله - تعالى - فى سورة البقرة # واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ~~وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ~~يعلمون الناس السحر... # نسأل الله - تعالى - أن يعيذنا من شرار خلقه.. وصلى الله على سيدنا محمد ~~وعلى آله وصحبه وسلم.. ### | [114 - سورة الناس] ### || [114.1-6] # أى قل - أيها الرسول الكريم - أعوذ وألتجئ وأعتصم " برب الناس " أى ~~بمربيهم ومصلح أمورهم، وراعى شئونهم.. إذ الرب هو الذى يقوم بتدبير أمر ~~غيره، وإصلاح حاله.. { ملك الناس } أى المالك لأمرهم ملكا تاما. ~~والمتصرف فى شئونهم تصرفا كاملا.. { إله الناس } أى الذى يدين له ~~الناس بالعبودية والخضوع والطاعة لأنه هو وحده الذى خلقهم وأوجدهم فى هذه ~~الحياة، وأسبغ عليهم من النعم ما لا يحصى.. وبدأ - سبحانه - بإضافة الناس ~~إلى ربهم، لأن الربوبية من أوائل نعم الله - تعالى - على عباده، وثنى ~~بذكر المالك، لأنه إنما يدرك ذلك بعد أن يصير عاقلا مدركا، وختم ~~بالإضافة إلى الألوهية، لأن الإنسان بعد أن يدرك ويتعلم، يدرك أن ~~المستحق للعبادة هو الله رب العالمين. قال الجمل وقد وقع ترتيب هذه ~~الإضافات على الوجه الأكمل، الدال على الوحدانية، لأن من رأى ما عليه من ~~النعم الظاهرة والباطنة، علم أن له مربيا، فإذا درج فى العروج.. علم أنه ~~- تعالى - غنى عن الكل، والكل راجع إليه، وعن أمره تجرى أمورهم، فيعلم ~~أنه ملكهم، ثم يعلم بانفراده بتدبيرهم بعد إبداعهم، أنه المستحق للألوهية ~~بلا مشارك فيها.. وإنما خصت هذه الصفات بالإضافة إلى الناس - مع أنه - ~~سبحانه - رب كل شئ - على سبيل التشريف لجنس الإنسان، ولأن الناس هم ~~الذين أخطأوا فى حقه - تعالى -، إذ منهم من عبد الأصنام، ومنهم من عبد ~~النار، ومنهم من عبد الشمس إلى غير ذلك من المعبودات الباطلة التى هى ~~مخلوقة له - تعالى -. قال صاحب الكشاف فإن قلت لم قيل " برب الناس " ~~مضافا إليهم خاصة؟ قلت لأن الاستعاذة ms5498 وقعت من شر الموسوس فى صدور الناس. ~~فكأنه قيل أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم، الذى يملك عليهم أمورهم، ~~كما يستغيث بعض الموالى إذا اعتراهم خطب بسيدهم ومخدومهم ووالى أمرهم. ~~فإن قلت " ملك الناس. إله الناس " ما هما من رب الناس؟ قلت هما عطفا ~~بيان، كقولك سيرة أبى حفص عمر الفاروق. بين بملك الناس، ثم زيد بيانا ~~بإله الناس.. فإن قلت فهلا اكتفى بإظهار المضاف إليه الذى هو الناس مرة ~~واحدة؟ قلت أظهر المضاف إليه الذى هو الناس لأن عطف البيان للبيان، فكان ~~مظنة للإظهار دون الإضمار.. وقوله - سبحانه - { من شر الوسواس ~~الخناس } متعلق بقوله { أعوذ }. والوسواس اسم للوسوسة وهى الصوت ~~الخفى، والمصدر الوسواس - بالكسر -، والمراد به هنا الوصف. من باب ~~إطلاق اسم المصدر على الفاعل، أو هو وصف مثل الثرثار. و " الخناس " صيغة ~~مبالغة من الخنوس، وهو الرجوع والتأخر، والمراد به الذى يلقى فى نفس ~~الإنسان أحاديث السوء. # وقوله { الذى يوسوس في صدور الناس } صفة لهذا الوسواس ~~الخناس وزيادة توضيح له.. وقوله { من الجنة والناس } زيادة ~~بيان للذى يوسوس فى صدور الناس، وأن الوسوسة بالسوء تأتى من نوعين من ~~المخلوقات تأتى من الشياطين المعبر عنهم بالجنة.. وتأتى من الناس. ~~وقدم - سبحانه - الجنة على الناس، لأنهم هم أصل الوسواس، إذ أنهم ~~مختفون عنا، ولا نراهم، كما قال - تعالى - # إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم # فلفظ الجنة - بكسر الجيم - مأخوذ من الجن - بفتح الجيم - على معنى ~~الخفاء والاستتار. والمعنى قل - أيها الرسول الكريم - أعوذ وأعتصم ~~وأستجير، برب الناس، ومالكهم ومعبودهم الحق، من شر الشيطان الموسوس ~~بالشر، والذى يخنس ويتأخر ويندحر، إذا ما تيقظ له الإنسان، واستعان عليه ~~بذكر الله - تعالى -. والذى من صفاته - أيضا - أنه يوسوس فى صدور الناس ~~بالسوء والفحشاء، حيث يلقى فيها خفية، ما يضلها عن طريق الهدى والرشاد. ~~وهذا الوسواس الخناس، قد يكون من الجن، وقد يكون من الإنس، فعليك - أيها ~~الرسول الكريم - أن تستعيذ بالله - تعالى - من شر النوعين جميعا. قال - ~~تعالى - # وكذلك جعلنا ms5499 لكل نبي عدوا شياطين الإنس ~~والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ~~غرورا... # قال قتادة إن من الجن شياطين، وإن من الإنس شياطين، فنعوذ بالله من ~~شياطين الإنس والجن. وقال الإمام ابن كثير هذه ثلاث صفات من صفات الله ~~- عز وجل - الربوبية، والملك، والألوهية. فهو رب كل شئ ومليكه وإلهه، ~~فجميع الأشياء مخلوقة له.. فأمر سبحانه - المستعيذ أن يتعوذ بالمتصف بهذه ~~الصفات، من شر الوسواس الخناس، وهو الشيطان الموكل بالإنسان، فإنه ما من ~~أحد من بنى آدم، إلا وله قرين يزين له الفواحش.. والمعصوم من عمصه الله. ~~وقد ثبت فى الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " " ما منكم من أحد إلا قد وكل به قرينه " ، قالوا وأنت يا رسول الله؟ ~~قال " نعم، إلا أن الله - تعالى - أعاننى عليه فأسلم، فلا يأمرنى إلا ~~بخير ". # ومن الأحاديث التى وردت فى فضل هذه السور الثلاث الإخلاص والمعوذتين، ~~ما أخرجه البخارى عن عائشة - رضى الله عنها - # " أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة، جمع كفيه ~~ثم ينفث فيهما فيقرأ هذه السور، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، ويبدأ ~~بها على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات ". ms5500