######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_003490 #META# 000.BookURI :: #0481.NasirKhusraw.SafarNama #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: ناصر خسرو #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 481 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: سفرنامه #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر التاريخ #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_003490 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/3490_سفرنامه-ناصر-خسرو #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د. يحيى الخشاب #META# 041.EdNUMBER :: الثالثة #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1983 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # سفر نامه ناصر خسرو PageV00P001 # بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما يقول أبو معين الدين ناصر خسرو القبادياني ~~المروزي تاب الله عنه كانت صناعتي الإنشاء وكنت من المتصرفين في أموال ~~السلطان وأعماله واشتغلت بالديوان وباشرت هذا العمل مدة من الزمن وذاع صيتي ~~بين أقراني وفي ربيع الآخر سنة 437 أيام أبي سليمان جغري بيك داود بن ~~ميكائيل بن سلجوق حاكم خراسان ذهبت من مرو في عمل للديوان ونزلت في بنج دية ~~مرو الرود كان ذلك يوم قران الرأس والمشتري ويقال إن الله تعالى وتقدس ~~يستجيب فيه إلى ما يطلب الناس من حاجات فذهبت إلى زاوية وصليت ركعتين ~~ودعوته تعالى وتبارك أن ييسر لي أمري فلما عدت لأصدقائي وأصحابي وجدت أحدهم ~~ينشد شعرا فارسيا فجال بخاطري أبيات فكتبتها على ورقة لأعطيه إياها حتى ~~ينشدها فإذا به ينشد ما كتبت من شعر ولما أعطه الورقة فتفاءلت بهذه الحال ~~وقلت في نفسي إن الله تعالى وتبارك قد قضى حاجتي ثم ذهبت إلى جزجانان فمكثت ~~بها حوالي شهر وظللت أشرب الخمر PageV00P033 # قال النبي صلى الله عليه وسلم (قولوا الحق ولو على أنفسكم) حتى إذا كانت ~~ذات ليلة رأيت في المنام رجلا يقول لي إلى متى تشرب هذا الشراب الذي يسلب ~~لب الرجال خير لك أن تصحو فأجبت إن الحكماء لا يستطيعون شيئا غير هذا يقلل ~~هموم الدنيا فأجاب إن التسرية عن النفس لا تتأتى بفقد الشعور والعقل ~~والحكيم لا يستطيع أن يقول إن الرجل المسلوب الفؤاد يصلح هاديا للناس بل ~~ينبغي عليه أن يبحث عما يزيد العقل والحكمة قلت وأنى لي هذا قال من جد وجد ~~ثم أشار إلى القبلة ولم يقل شيئا فلما صحوت من النوم كانت هذه الرؤيا ماثلة ~~بأكملها أمامي وقد أثرت في فقلت لنفسي صحوت من نوم البارحة وينبغي أن أصحو ~~من نوم أربعين سنة خلت وأمعنت الفكر فوجدتني لن أسعد ما لم أعدل عن كل ~~سلوكي وفي يوم الخميس من جمادي الآخر سنة 437 (20 ديسمبر 1045) منتصف شهر ~~دي من ms01 السنة الفارسية 410 من التقويم اليزدجردي اغتسلت وذهبت إلى الجامع ~~فصليت ودعوت الله تبارك وتعالى أن يعينني على أداء الواجب وعلى ترك ~~المنهيات والسيئات كما أمر الحق سبحانه تعالى PageV00P034 # ثم توجهت من هناك إلى شبورغان وفي المساء كنت في قرية بارياب ومنها سرت ~~إلى مرو الرود عن طريق سنكلان وطالقان فلما بلغت مرو طلبت إعفائي مما عهد ~~إلي من عمل وقلت إني عازم على الحج ثم أديت ما علي من حساب وتركت أموالي ~~عدا القليل الضروري منها وفي الثالث والعشرين من شعبان (6 مارس 1046) عزمت ~~على السفر إلى نيشابور فسرت من مرو إلى سرخس وهي على ثلاثين فرسخا منها ومن ~~سرخس إلى نيشابور أربعون فرسخا وقد بلغتها يوم السبت الحادي عشر من شوال ~~(22 ابريل 1046) ويوم الأربعاء آخر هذا الشهر كسفت الشمس وكان الحاكم حينئذ ~~طغرل بيك محمد أخو جغري بيك وكانوا يشيدون مدرسة بقرب سوق السراجين أمر ~~ببنائها وقد ذهب أثناء ولايته لأول مرة للاستيلاء على ولاية أصفهان وفي ~~الثاني من ذي القعدة (12 مايو 1046) غادرت نيشابور في صحبة الأستاذ الموفق ~~الذي كان مؤدبا للسلطان فبلغنا قومس عن طريق كوان وزرت الشيخ بايزيد ~~البسطامي قدس الله روحه وفي الجمعة الثامن من ذي القعدة (18 مايو 1046) سرت ~~إلى دامغان PageV00P035 # ثم بلغت سمنان عن طريق آنجوري وجاشت خواران في غرة ذي الحجة سنة 437 (9 ~~يونيو 1046) وقد مكثت هناك زمنا وتعرفت بأهل العلم وقد دلوني على رجل اسمه ~~علي النسائي وهو شاب يتكلم الفارسية بلهجة الديالمة كان شعر رأسه مرسلا ~~وكان وهو يتكلم يقول إني قرأت كذا على الأستاذ أبي علي سينا رحمه الله ~~وهكذا سمعت عنه لكي أعرف أنه تلميذ ابن سينا ولما ناظرته قال إني قليل ~~المعرفة بكل علم وأحب أن أقرأ معك قليلا في الحساب فخرجت متعجبا قلت ماذا ~~يعلم الآخرين وهو لا يعلم شيئا وعدت من بلخ إلى الري ثلاثمائة وخمسين فرسخا ~~ويقال إنه من الري إلى ساوه ثلاثون فرسخا ومن ساوه إلى همدان كذلك ومن الري ms02 ~~إلى أصفهان خمسون فرسخا وإلى آمل ثلاثون وبين الري وآمل جبل دماوند وهو ~~كالقبة ويسمى لواسان ويقال إن بقمته بئرا يستخرج منه النوشادر ويقال ~~والكبريت أيضا فيصعد عليها رجال يحملون جلود البقر ويملئونها بالنوشادر ثم ~~يدحرجونها من قمة الجبل لتعذر إيجاد طريق لنقلها وفي الخامس من محرم سنة ~~438 (13 يوليو 1046) الموافق العاشر من شهر مرداد سنة 415 من تاريخ الفرس ~~توجهت ناحية قزوين فبلغت قرية قوهة وكان بها قحط حتى بيع المن من خبز ~~الشعير بدرهمين وقد غادرتها في التاسع من محرم (17 يوليو) فبلغت قزوين وهي ~~آهلة بالحدائق التي لا تحدها أسوار أو أشواك فلا يحول دون دخولها عائق رأيت ~~قزوين مدينة عظيمة ذات حصن مكين عليه شرفات وبها أسواق جميلة إلا أن الماء ~~بها قليل وهو يجري في قنوات تحت الأرض وكان حاكمها رجلا من العلويين ويشتغل ~~معظم صناعها بصناعة الأحذية وفي الثاني عشر من محرم سنة 438 (20 يوليو ~~1046) غادرت قزوين عن طريق بيل وقبان وهما من ضواحيها وسرت إلى قرية تسمى ~~خرزويل PageV00P036 # كان معنا أنا وأخي وغلام هندي كان يصحبنا زاد قليل فذهب أخي للقرية ~~ليشتري شيئا من البقال فقال له أحدهم ماذا تريد أنا البقال فقلت كل ما عندك ~~يناسبنا فإنا غرباء وعابرو سبيل فقال ليس عندي شيء أبدا وبعد ذلك كنت أقول ~~إنه بقال خرزويل عن كل شخص في أي مكان يقول كلاما من هذا النوع بعد مغادرة ~~هذه القرية جزنا منحدرا صعبا وبعد مسيرة ثلاثة فراسخ بلغنا قرية تسمى الخير ~~من أعمال طارم كان جوها حارا وبها شجر كثير من الرمان والتين ومعظمه بري ~~ومن هناك اجتزنا نهرا يسمى شاه رود عليه قرية تسمى خندان تجبى فيها المكوس ~~من قبل أمير الأمراء وهو من ملوك الديلم وحين يخرج النهر منها يلتقي بنهر ~~آخر اسمه سبيدرود ثم يدخل النهران واديا شرقي جبال جيلان ويمر النهر بجيلان ~~ثم يصب في بحر آبسكون بحر قزوين ويقال إن ألفا وأربعمائة نهر تصب في هذا ~~البحر الذي ms03 يقال إن محيطه ألف ومائتا فرسخ وإن في وسطه جزائر آهلة بالسكان ~~وقد سمعت هذا من كثرين والآن أعود إلى رحلتي وما كان فيها ومن خندان إلى ~~شميران ثلاثة فراسخ من صحراء صخرية كلها وشميران قصبة ولاية طارم وعلى حافة ~~المدينة قلعة مرتفعة مشيدة على صخر صلد محاطة بثلاثة أسوار وقد حفرت في ~~وسطها قناة تجري حتى شاطىء النهر ومنها يستخرجون الماء ويحملونه إلى القلعة ~~ويقيم بها ألف رجل مختار من أبناء عظماء الولاية وذلك حتى لا يستطيع أحد أن ~~يضل أو يثور ويقال إن لهذا الأمير قلاعا كثيرة في ولاية الديلم وإن العدل ~~والأمن مستتبان بها فلا يستطيع أحد أن يغتصب شيئا من غيره بل إن الناس هناك ~~يدخلون مسجد الجمعة ويتركون أحذيتهم خارجة فلا يأخذها أحد ويكتب هذا الأمير ~~اسمه هكذا مرزبان الديلم جيل جيلان أبو صالح PageV00P037 # مولي أمير المؤمنين واسمه جستان إبراهيم وقد رأيت في شميران رجلا طيبا من ~~دربند اسمه أبو الفضل خليفة بن علي الفيلسوف كان رجلا فاضلا أضافنا وأكرمنا ~~وقد تناظرنا معا واتصلت بيننا الصداقة سألني علام عزمت فقلت أني أنوي الحج ~~قال أريد أن تمر بنا في عودتك حتى أراك وفي السادس والعشرين من محرم (3 ~~أغسطس 1046) غادرت شميران وفي الرابع عشر من صفر (21 أغسطس) بلغت مدينة ~~سراب وغادرتها في السادس عشر (23 أغسطس) ثم مررت بسعيد آباد وبلغت تبريز في ~~عشرين صفر 438 (27 أغسطس 1046) وكان ذلك في الخامس من شهر يور الشهر القديم ~~وتبريز قصبة ولاية آذربيجان وهي مدينة عامرة وقد قست طولها وعرضها فكان كل ~~منهما ألفا وأربعمائة قدم وكان ملك ولاية آذربيجان يذكر هكذا في الخطبة ~~الأمير الأجل سيف الدولة وشرف الملة أبو منصور وهسودان بن محمد مولى أمير ~~المؤمنين وحكوا لي أنه في ليلة الخميس السابع عشر من ربيع الأول 434 (5 ~~ديسمبر 1042) في الأيام المسترقة بعد العشاء زلزلت الأرض فخرب جزء من ~~المدينة ولم يصب الجزء الآخر بسوء ويقال إنه هلك فيها حينئذ أربعون ألف ~~نسمة ms04 ورأيت في تبريز شاعرا اسمه قطران يقول شعر PageV00P038 # جميلا ولكنه لم يكن يجيد الفارسية وقد زارني ومعه ديواني منجيك والدقيقي ~~وقرأ علي منهما وسألني عما أشكل عليه من المعاني فكنت أجيبه وهو يكتب ما ~~أقول ثم تلى علي شيئا من أشعاره في الرابع عشر من ربيع الأول (19 سبتمبر) ~~غادرت تبريز عن طريق مرند مع جماعة من جيش الأمير وهسودان فسرنا حتى بلغنا ~~خوى ومن هناك سرنا إلى بر كري بصحبة رسول ومن خوى إلى بركزي ثلاثون فرسخا ~~وقد بلغناها في الثاني عشر من جمادى الأولى (16 نوفمبر) ومن هناك ذهبنا إلى ~~وان ثم إلى وسطان وكان لحم الخنزير يباع في سوقها كما يباع الضأن ويجلس ~~نساؤها ورجالها أمام الحوانيت ويشربون بغير حياء ومن هناك بلغنا مدينة ~~أخلاط في الثامن عشر من جمادى الأولى (22 نوفمبر) وهي على الحدود ما بين ~~بلاد المسلمين والأرمن وبينها PageV00P039 # وبين بركري تسعة عشر فرسخا وعليها أمير اسمه نصر الدولة نيف على المائة ~~وله أبناء كثيرون أعطى كلا منهم ولاية ويتكلمون بها ثلاث لغات العربية ~~والفارسية والأرمنية وأظن أنها سميت أخلاط لهذا السبب والمعاملة هناك ~~بالنقود النحاسية ورطلهم ثلاثمائة درهم في العشرين من جمادى الأول (24 ~~نوفمبر) غادرنا أخلاط ونزلنا في رباط كروانسراي كانت السماء تمطر ثلجا ~~والبرد قارسا وقد غرسوا في جزء من الطريق عمدا ليسير المسافرون على هديها ~~أيام الثلج والضباب ثم بلغنا مدينة بطليس وهي واقعة في واد وقد اشترينا ~~منها عسلا المائة من بدينار حسب ما باعونا ويقال إن بها من يجني في السنة ~~الواحدة ثلاثمائة وأربعمائة جرة عسل وخرجنا منها فرأينا قلعة تسمى قف انظر ~~وتركناها إلى مكان به جامع يقال بناه أويس القرني قدس الله روحه ورأيت ~~الناس عند حدوده يطوفون بالجبل ويقطعون أشجارا تشبه السرو فسألت ماذا ~~تعملون بها فقالوا نضع طرفا من الشجرة في النار فيخرج هذا القطران من طرفها ~~الآخر فنجمعه في البئر ثم نضعه في أوعية ونحمله إلى الأطراف وهذه الولايات ~~التي ذكرت بعد أخلاط ms05 وقد اختصرنا ذكرها هنا PageV00P040 # تابعة لميافارقين ثم سرنا إلى مدينة أرزن وهي مدينة عامرة وجميلة فيها ~~أنهار جارية وبساتين وأشجار وأسواق جميلة ويبيع البرسيون هناك المائتا من ~~عنبا بدينار واحد في شهر آذر نوفمبر وديسمبر ويسمون هذا العنب رز إرمانوش ~~وانتقلنا إلى مدينة ميافارقين التي يفصلها عن أخلاط ثمانية وعشرون فرسخا ~~ومن بلخ إليها عن الطريق الذي إجتزناه اثنان وخمسون وخمسمائة فرسخ وقد ~~دخلناها يوم الجمعة السادس والعشرين من جمادي الأول 338 (23 نوفمبر 1036) ~~وكانت أوراق الشجر حينئذ لا تزال خضراء وميافارقين محاطة بسور عظيم من ~~الحجر الأبيض الذي يزن الحجر منه خمسمائة من وعلى بعد كل خمسين ذراعا من ~~هذا السور برج عظيم من الحجر نفسه وفي أعلاه شرفات وهي من الدقة بحيث تقول ~~أن يد بناء ماهر أكملتها اليوم ولهذه المدينة باب من ناحية الغرب له عتبة ~~عليها طاق حجري وقد ركب عليها باب من حديد لا خشب فيه ويطول وصف مسجد ~~الجمعة بها لو ذكرته ولو أن صاحب الكتاب شرح كل شيء أتم الشرح وقد قال إن ~~للميضأة التي عملت بهذا المسجد أربعين مرحاضا تمر أمامها قناتان كبيرتان ~~الأولى ظاهرة ليستعمل ماؤها والثانية وهي تحت الأرض لحمل الثفل وللصرف ~~وخارج هذه المدينة في الربض أربطة كروانسراها وأسواق وحمامات ومسجد وجامع ~~آخر يصلون فيه الجمعة أيضا وفي ناحية الشمال سواد آخر يسمى المحدثة به سوق ~~ومسجد PageV00P041 # جامع وحمامات وكل ما ينبغي لمدينة من مهمات ويذكر اسم سلطان الولاية في ~~الخطبة هكذا الأمير الأعظم عز الإسلام سعد الدين نصر الدولة وشرف الملة أبو ~~نصر أحمد وقد بلغ المائة من عمره ويقال إنه حي والرطل هناك أربعمائة ~~وثمانون درهما وقد بنى هذا الأمير مدينة على مسافة أربعة فراسخ من ~~ميافارقين سماها الناصرية ومن آمد إلى ميافارقين تسعة فراسخ في السادس من ~~شهر دي القديم (22 ديسمبر 1036) بلغنا آمد التي شيدت على صخرة واحدة طولها ~~ألفا قدم وعرضها كذلك وهي محاطة بسور من الحجر الأسود كل حجر منه يزن ما ~~بين ms06 مائة وألف من وأكثر هذه الحجارة ملتصق بعضه بالبعض من غير طين أو جص ~~وارتفاع السور عشرون ذراعا وعرضه عشر أذرع وقد بني على بعد كل مائة ذراع ~~برج نصف دائرته ثمانون ذراعا وشرفاته من هذا الحجر بعينه وقد شيدت في عدة ~~أماكن داخل المدينة سلالم من الحجر ليتيسر الصعود إلى السور وقد بنيت قلعة ~~على قمة كل برج ولهذه المدينة أربعة أبواب كلها من الحديد الذي لا خشب فيه ~~يطل كل منها على جهة من الجهات الأصلية ويسمى الباب الشرقي باب دجلة ~~والغربي باب الروم والشمالي باب الأرمن والجنوبي باب التل وخارج هذا السور ~~سور آخر من نفس الحجر ارتفاعه عشر أذرع ومن فوقه شرفات فيها ممر يتسع لحركة ~~رجل كامل السلاح بحيث يستطيع ان يقف فيه ويحارب بسهولة ولهذا السور الخارجي ~~أبواب من الحديد شيدت مخالفة لأبواب السور الداخلي بحيث لو اجتاز السائر ~~أبواب السور الأول وجب عليه اجتياز مسافة لبلوغ أبواب السور الثاني وهذه ~~المسافة تبلغ خمس عشرة ذراعا وفي وسط المدينة عين يتفجر ماؤها من الحجر ~~الصلب وهذا الماء من الغزارة بحيث يكفي لإدارة خمس طواحين وهو غاية في ~~العذوبة ولا يعرف أحد من أين ينبع وفي المدينة أشجار وبساتين تقي من هذا ~~الماء وأمير المدينة وحاكمها هو ابن نصر PageV00P042 # الدولة الذي مر ذكره وقد رأيت كثيرا من المدن والقلاع في أطراف العالم في ~~بلاد العرب والعجم والهند والترك ولكني لم أر قط مثل مدينة آمد في أي مكان ~~على وجه الأرض ولا سمعت من أحد أنه رأى مكانا آخر مثلها ومسجدها الجامع من ~~الحجر الأسود وليس مثله متانة وإحكاما وقد أقيم في وسطه مائتا عمود ونيف من ~~الحجر كل عمود قطعة واحدة وفوق هذه الأعمدة عقود من الحجر وقد نصبت فوقها ~~أعمدة أقصر من تلك وجميع أسقف المسجد على هيئة الجملون وقد كملت نجارة ~~ونقارة ونقشا ودهنا وفي ساحته صخرة كبيرة عليها حوض كبير مستدير من الحجر ~~يبلغ ارتفاعه قامة رجل ومحيط دائرته ذراعان وفي ms07 وسط الحوض أنبوبة من النحاس ~~يتفجر منها ماء صاف لا يظهر مدخله أو مخرجه وبالمسجد ميضأة عظيمة جميلة ~~الصنع بحيث لا يوجد أحسن منها وقد بنيت عمارات آمد كلها من الحجر الأسود ~~وأما ميافارقين فعماراتها من الحجر الأبيض وبالقرب من المسجد كنيسة عظيمة ~~غنية بالزخارف مبنية كلها من الحجر وقد فرشت أرضها بالرخام المنقوش وقد ~~رأيت فيها على الطارم وهو مكان العبادة عند النصارى بابا من الحديد المشبك ~~لم أر مثله في أي مكان ومن آمد إلى حران طريقان أحدهما لا عمران فيه وهو ~~أربعون فرسخا والثاني به أماكن معمورة وقرى كثيرة معظم أهلها من النصارى ~~وهو ستون PageV00P043 # فرسخا وقد سرنا مع القافلة في هذا الطريق وكانت الصحراء غاية في الاستواء ~~إلا أن بها أحجارا كثيرة بحيث لا تستطيع الدواب أن تخطو خطوة واحدة من غير ~~أن تعثر بحجر وقد بلغنا حران يوم الجمعة الخامس والعشرين من جمادى الآخر ~~سنة 338 (28 ديسمبر 1046) الموافق اثنين وعشرين من شهر دي القديم وكان ~~هواؤها في ذلك الوقت كهواء خراسان أيام النوروز وسرنا من هناك فبلغنا مدينة ~~تسمى قرول حيث أضافنا رجل كريم في بيته وهناك دخل أعرابي في الستين من عمره ~~فاقترب مني وقال حفظني القرآن فلقنته * (قل أعوذ برب الناس) * فكان يقرؤها ~~معي فلما وصلت إلى آية * (من الجنة والناس) * قال أقول أيضا سورة أرأيت ~~الناس فقلت هذه السورة ليست قبل تلك فقال ما سورة نقالة الحطب ولم يعرف أنه ~~قيل في سورة * (تبت) * حمالة الحطب لا نقالة الحطب ولم يستطع هذا الأعرابي ~~المشرف على الستين في تلك الليلة أن يحفظ سورة * (قل أعوذ) * مع تكراري لها ~~معه وفي يوم السبت الثاني من رجب سنة 338 (2 يناير 1047) بلغنا مدينة سروج ~~واجتزنا الفرات في اليوم التالي ونزلنا في منبج وهي أول مدن الشام وكان هذا ~~أول بهمن القديم يناير فبراير والطقس هناك معتدل جدا ولم يكن خارج المدينة ~~عمارات قط وقد سرت منها إلى حلب ومن ميافارقين إليها إلى حلب مائة ms08 فرسخ ~~ورأيت مدينة حلب فإذا هي جميلة بها سور عظيم قست ارتفاعه فكان خمسا وعشرين ~~ذراعا وبها قلعة عظيمة مشيدة كلها من الصخر ويمكن مقارنة حلب ببلخ وهي ~~مدينة عامرة أبنيتها متلاصقة وفيها تحصل المكوس عما يمر بها من بلاد الشام ~~والروم وديار بكر ومصر والعراق PageV00P044 # ويذهب إليها التجار من جميع هذه البلاد ولها أربعة أبواب باب اليهود وباب ~~الله وباب الجنان وباب أنطاكية والوزن في سوقها بالرطل الظاهري وهو ~~أربعمائة وثمانون درهما وتقع حما جنوبي حلب بعشرين فرسخا ومن بعدها حمص ومن ~~حلب إلى دمشق خمسون فرسخا وإلى أنطاكية اثنا عشر فرسخا وإلى طرابلس كذلك ~~ويقال إن من حلب حتى القسطنطينية مائتي فرسخ وفي الحادي عشر من رجب سنة 438 ~~(11 يناير 1047) خرجنا من حلب وعلى مسافة ثلاثة فراسخ منها قرية تسمى جند ~~قنسرين وفي اليوم التالي سرنا ستة فراسخ وبلغنا مدينة سرمين التي لا سور ~~لها وبعد مسيرة ستة فراسخ أخرى بلغنا معرة النعمان وهي مدينة عامرة ولها ~~سور مبني وقد رأيت على بابها عمودا من الحجر عليه كتابة غير عربية فسألت ما ~~هذا فقيل إنه طلسم العقرب حتى لا يكون في هذه المدينة عقرب أبدا ولا يأتي ~~إليها وإذا أحضر من الخارج وأطلق بها فإنه يهرب ولا يدخلها وقد قست هذا ~~العمود فكان ارتفاعه عشر أذرع ورأيت أسواق معرة النعمان وافرة العمران وقد ~~بني مسجد الجمعة على مرتفع وسط المدينة بحيث يصعدون اليه من أي جانب يريدون ~~وذلك على ثلاث عشرة درجة وزراعة السكان كلها قمح وهو كثير وفيها شجر وفير ~~من التين والزيتون والفستق والعنب ومياه المدينة من المطر والآبار وكان ~~بهذه المدينة رجل أعمى اسمه أبو العلاء المعري وهو حاكمها وكان واسع الثراء ~~عنده كثير من العبيد وكان أهل البلد خدم له PageV00P045 # أما هو فقد تزهد فلبس الكلتم واعتكف في البيت وكان قوته نصف من من خبز ~~الشعير لا يأكل غيره وقد سمعت أن باب سراية مفتوح دائما وأن نوابه وملازميه ~~يدبرون أمر المدينة ولا ms09 يرجعون إليه إلا في الأمور الهامة وهو لا يمنع ~~نعمته أحدا يصوم الدهر ويقوم الليل ولا يشغل نفسه مطلقا بأمر دنيوي وقد سما ~~المعري في الشعر والأدب إلى حد أن أفاضل الشام والمغرب والعراق يقرون بأنه ~~لم يكن من يدانيه في هذا العصر ولا يكون وقد وضع كتابا سماه الفضول ~~والغايات ذكر به كلمات مرموزة وأمثالا في لفظ فصيح عجيب بحيث لا يقف الناس ~~إلا على قليل منه ولا يفهمه إلا من يقرأه عليه وقد اتهموه بأنك وضعت هذا ~~الكتاب معارضة للقرآن يجلس حوله دائما أكثر من مائتي رجل يحضرون من الأطراف ~~يقرءون عليه الأدب والشعر وسمعت أن له أكثر من مائة ألف بيت شعر سأله رجل ~~لم تعط الناس ما أفاء الله تبارك وتعالى عليك من وافر النعم ولا تقوت نفسك ~~فأجاب إني لا أملك أكثر مما يقيم أودي وكان هذا الرجل حيا وأنا هناك وفي ~~الخامس عشر من رجب سنة 338 (15 يناير 1047) سرنا إلى كويمات ومنها إلى حما ~~وهذه المدينة جميلة عامرة على شاطىء نهر العاصي ويسمى هذا النهر بالعاصي ~~لأنه يذهب إلى بلاد الروم فهو يخرج من بلاد الإسلام ليدخل بلاد الكفر وقد ~~نصبوا عليه سواقي كثيرة ومن حما طريقان أحدهما بجانب الساحل غرب الشام ~~والآخر في الجنوب وهو ينتهي إلى دمشق فسرنا عن طريق الساحل وقد رأينا في ~~الجبل عينا قيل إن ماءها يتفجر في الثلاثة أيام التالية لنصف شعبان من كل ~~سنة ثم ينضب فلا تخرج منه قطرة واحدة حتى السنة التالية ويذهب الكثيرون ~~PageV00P046 # لزيارة هذه العين تقربا إلى الله سبحانه وتعالى وقد بنيت هناك عمارات ~~وأحواض ولما سرنا من هناك بلغنا سهلا كساه النرجس ثوبا أبيض وذهبنا بعد ذلك ~~إلى مدينة تسمى عرقة وبعد مسيرة فرسخين منها بلغنا شاطىء البحر فتبعناه ~~ناحية الجنوب حتى بلغنا مدينة طرابلس بعد مسيرة خمسة فراسخ ومن حلب إلى ~~طرابلس أربعون فرسخا عن هذا الطريق وكان بلوغنا إياها يوم السبت الخامس من ~~شعبان (6 فبراير) وحول المدينة المزارع ms10 والبساتين وكثير من قصب السكر ~~وأشجار النارنج والترنج والموز والليمون والتمر وكان عسل السكر يجمع حينذاك ~~ومدينة طرابلس مشيدة بحيث أن ثلاثة من جوانبها مطلة على البحر فإذا ماج علت ~~أمواجه السور أما الجانب المطل على اليابس فبه خندق عظيم عليه باب حديدي ~~محكم وفي الجانب الشرقي من المدينة قلعة من الحجر المصقول عليها شرفات ~~ومقاتلات من الحجر نفسه وعلى قمتها عرادات لوقايتها من الروم فهم يخافون أن ~~يغير هؤلاء عليها بالسفن ومساحة المدينة ألف ذراع مربع وأربطتها أربع أو ~~خمس طبقات ومنها ما هو ست طبقات أيضا وشوارعها وأسواقها جميلة ونظيفة حتى ~~لتظن أن كل سوق قصر مزين وقد رأيت بطرابلس ما رأيت في بلاد العجم من ~~الأطعمة والفواكه بل أحسن منه PageV00P047 # مائة مرة وفي وسط المدينة جامع عظيم نظيف جميل النقش حصين وفي ساحته قبة ~~كبيرة تحتها حوض من الرخام في وسطه فواره من النحاس الأصفر وفي السوق مشرعة ~~ذات خمسة صنابير يخرج منها ماء كثير يأخذ منه الناس حاجتهم ويفيض باقيه على ~~الأرض ويصرف في البحر ويقال إن بها عشرين ألف رجل ويتبعها كثير من السواد ~~والقرى ويصنعون بها الورق الجميل مثل الورق السمرقندي بل أحسن منه وهي ~~تابعة لسلطان مصر قيل وسبب ذلك أنه في زمن ما أغار عليها جيش الروم الكفار ~~فحاربه جند سلطان مصر وقهروه فرفع السلطان الخراج عنها وأقام بها جيشا من ~~قبله على رأسه قائد لحمايتها من العدو وتحصل المكوس بهذه المدينة فتدفع ~~السفن الآتية من بلاد الروم والفرنج والأندلس والمغرب العشر للسلطان فيدفع ~~منه أرزاق الجند وللسلطان بها سفن تسافر إلى بلاد الروم وصقلية والمغرب ~~للتجارة وسكان طرابلس كلهم شيعة وقد شيد الشيعة مساجد جميلة في كل البلاد ~~وهناك بيوت على مثال الأربطة ولكن لا يسكنها أحد وتسمى مشاهد ولا يوجد خارج ~~طرابلس بيوت أبدا عدا مشهدين أو ثلاثة من التي مر ذكرها وغادرت طرابلس وسرت ~~على شاطىء البحر ناحية الجنوب فرأيت على مسافة فرسخ واحد قلعة تسمى قلمون ~~في داخلها ms11 عين ماء وسرت من هناك إلى طرابزون ومن طرابلس إليها خمسة فراسخ ~~ومنها بلغنا مدينة جبيل وهي مثلثة تطل زاوية منها على البحر ويحيطها سور ~~حصين شاهق الارتفاع وحولها النخيل غيره من أشجار المناطق الحارة وقد رأيت ~~في يد غلام بها وردة حمراء وأخرى بيضاء ناضرة وكان ذلك في اليوم الخامس من ~~استدارمذ الشهر القديم (فبراير) سنة 315 من تاريخ العجم ومن هناك بلغنا ~~بيروت فرأيت بها طاقا حجريا شق الطريق في وسطه وقد قدرت ارتفاعه بخمسين ~~ذراعا وجانباه من الحجر الأبيض PageV00P048 # تزن كل قطعة منه أكثر من ألف من وعلى جانبيه بناء من الطوب النيىء ~~ارتفاعه عشرون ذراعا وقد نصبت على قمته أعمدة من الرخام طول كل منها ثمانية ~~أذرع وهي سميكة بحيث لا يستطيع رجلان أن يحيطاها بأذرعهما إلا بصعوبة وعلى ~~رأس هذه العمد عقود على الجانبين كلها من الحجر المنحوت الذي لا يفصله عن ~~بعضه حص أو طين وفي الوسط تماما الطاق الكبير يعلوها بخمسين ذراعا وقد قست ~~كل حجر منه فإذا به ثمانية أذرع طولا وأربعة عرضا وأظن الحجر الواحد يزن ~~سبعة آلاف من وقد نقشت هذه الحجارة بدقة ومهارة بحيث يقل ما يشابهها مما ~~ينقش على الخشب ولم يبق هناك أبنية غير هذا الطاق وقد سألت أي مكان هذا ~~فقيل لي سمعنا أنه باب حديقة فرعون وهو بالغ في القدم والوادي المجاور لهذه ~~الناحية مملوء بأعمدة الرخام تيجانها وجذوعها وهي من الرخام المدور والمربع ~~والمسدس والمثمن وهي من الصلابة بحيث لا يؤثر فيها الحديد وليس في هذه ~~الجهة جبل حتى يقال إنهم جلبوها منه وهناك حجارة تبدو كأنها معجونة جرانيت ~~وهي تفل الحديد وفي نواحي الشام أكثر من خمسمائة ألف من أعمدة وتيجان وجذوع ~~ولا يعرف أحد ماذا كانت ولا من أين نقلت ثم بلغنا مدينة صيدا وهي على شاطىء ~~البحر أيضا يزرع بها قصب السكر بوفرة وبها قلعة حجرية محكمة ولها ثلاث ~~بوابات وفيها مسجد جمعة جميل يبعث في النفس هيبة تامة وقد فرش ms12 كله بالحصير ~~المنقوش وفي صيدا سوق جميل نظيف وقد ظننت حين رأيته أنه زين خاصة لمقدم ~~السلطان أو لأن بشرى سعيدة أذيعت فلما سألت قيل لي هكذا عادة هذه المدينة ~~دائما وفيها حدائق وأشجار منسقة حتى لتقول إن سلطانا هاويا غرسها وفي كل من ~~هذه الحدائق كشك وأغلب شجرها مثمر PageV00P049 # وبعد مسيرة خمسة فراسخ على شاطىء البحر بلغنا مدينة صور وهي ساحلية أيضا ~~وقد بنيت على صخرة امتدت في الماء بحيث أن الجزء الواقع على اليابس من ~~قلعتها لا يزيد على مائة ذراع والباقي في ماء البحر والقلعة مبنية بالحجر ~~المنحوت الذي سدت فجواته بالقار حتى لا يدخل الماء من خلله وقد قدرت ~~المدينة بألف ذراع مربع وأربطتها من خمس أو ست طبقات وكلها متلاصقة وفي ~~كثير منها نافورات وأسواقها جميلة كثيرة الخيرات وتعرف مدينة صور بين مدن ~~ساحل الشام بالثراء ومعظم سكانها شيعة والقاضي هناك رجل سني اسمه ابن أبي ~~عقيل وهو رجل طيب ثري وقد بني على باب المدينة مشهد به كثير من السجاجيد ~~والحصير والقناديل والثريات المذهبة والمفضضة وصور مشيدة على مرتفع وتأتيها ~~المياه من الجبل وقد شيد على بابها عقود حجرية يمر من فوقها إلى المدينة ~~وفي الجبل واد مقابل لها إذا سار السائر فيه ثمانية عشر فرسخا ناحية المشرق ~~بلغ دمشق بعد أن سرنا سبعة فراسخ من صور بلغنا عكة وتكتب هناك مدينة عكة ~~وهي مشيدة على مرتفع بعضه من أرض وعرة وبعضه سهل ولم تشيد المدينة في ~~الوادي المنخفض مخافة غلبة ماء البحر عليها وخشية أمواجه التي تعج على ~~الساحل ومسجد الجمعة في وسط المدينة وهو أعلى مبانيها وأعمدتها كلها من ~~الرخام ويقع قبر صالح النبي عليه السلام خارجه على يمين القبلة وساحته ~~بعضها من الحجر وبعضها الآخر مزروع ويقال إن آدم عليه السلام كان يزرع هناك ~~ومسحت المدينة فكان طولها ألفي ذراع وعرضها خمسمائة ولها قلعة غاية في ~~الإحكام يطل جانباها الغربي والجنوبي على البحر وعلى الأخير ميناء ومعظم ~~مدن الساحل كذلك والميناء ms13 اسم يطلق على الجهة التي بنيت للمحافظة على السفن ~~وهي تشبه الاسطبل وظهرها ناحية المدينة وحائطاها داخلان في البحر وعلى ~~امتدادهما مدخل مفتوح طوله خمسون ذراعا وقد شدت السلاسل بين PageV00P050 # الحائطين فإذا أريد إدخال سفينة إلى الميناء أرخيت السلسلة حتى تغوص في ~~الماء فتمر السفينة فوقها ثم تشد حتى لا يستطيع عدو أن يقصدها بسوء وعند ~~الباب الشرقي على اليد اليسرى عين يصلون إلى مائها بنزول ست وعشرين درجة ~~وتسمى عين البقر ويقال آدم عليه السلام هو الذي كشفها وكان يسقي منها بقرته ~~ولذا سميت عين البقر وحين يذهب المسافر من عكة ناحية المشرق يجد جبلا به ~~مشاهد الأنبياء عليهم السلام وهذا الجبل واقع على جانب الطريق المؤدي إلى ~~الرملة وقد عزمت على التبرك بزيارة هذه المشاهد والتقرب إلى الله تبارك ~~وتعالى وقد قال سكان عكة إن في الطريق أشرارا يتعرضون لم يرون من الغرباء ~~وينهبون ما معهم فأودعت نفقتي بمسجد عكة وخرجت من بابها الشرقي يوم السبت ~~الثالث والعشرين من شعبان سنة 338 (5 مارس 1037) وقد زرت في اليوم الأول ~~قبر عك باني المدينة وهو أحد الصالحين الأولياء وكنت حائرا إذا لم يكن معي ~~دليل يرشدني وفجأة تعرفت في اليوم نفسه بفضل من الله تبارك وتعالى برجل من ~~العجم أتى من آذربيجان للتبرك بزيارة المشاهد مرة أخرى فشكرت لله تبارك ~~وتعالى هبته وصليت ركعتين وسجدت له شكرا على توفيقه إياي لأفي بعزمي ثم ~~بلغت قرية تسمى بروة وزرت قبر عيش وشمعون عليهما السلام ومن هناك بلغت ~~مغارك التي تسمى دامون فزرت المشهد المعروف بقبر ذي الكفل عليه السلام ثم ~~واصلت السير إلى قرية أخرى تسمى أعبلين وبها قبر هود عليه السلام فزرته ~~وكان بحظيرته شجرة الخرتوت وكذلك زرت هناك قبر النبي عزير عليه السلام ثم ~~يممت وجهي شطر الجنوب فبلغت قرية تسمى حظيرة PageV00P051 # وفي الجانب الغربي منها واد به عين ماء عذب تخرج من الصخر وقد بني أمامها ~~مسجد على الصخر به بيتان صخريان فوقهما سقف من الحجر أيضا ms14 وعليهما باب صغير ~~يستطيع الزائر دخوله بصعوبة وهناك قبران متجاوران أحدهما قبر شعيب عليه ~~السلام والثاني قبر ابنته التي كانت زوج موسى عليه السلام ويعنى أهل هذه ~~القرية بهذا المسجد عناية فائقة من تنظيف وإنارة وغير ذلك ومن هناك بلغت ~~قرية تسمى إربل وفي ناحية القبلة منها جبل في وسطه حظيرة بها أربعة قبور ~~لأربعة من أبناء يعقوب إخوة يوسف عليهم السلام وذهبت من هناك فرأيت تلا من ~~تحته غار فيه قبر أم موسى عليه السلام فزرته ثم خرجت فبدا لي واد في آخره ~~بحر صغير تقع عليه طبرية طوله ستة فراسخ وعرضه ثلاثة وماؤه عذب لذيذ وتقع ~~غربية المدينة وتصرف في هذا البحر كل مياه الحمامات وفضلات المدينة وكذلك ~~يشرب منه سكانها وسكان الولاية التي على شاطئه وسمعت أن أميرا دخل هذه ~~المدينة ذات مرة فأمر بسد قنوات القاذورات والماء الملوث حتى لا تفضي إلى ~~البحر فنتن ماؤه وأصبح لا يصلح للشرب فأمر ثانية بفتح هذه القنوات فعاد ماء ~~البحر عذبا ولطبرية سور حصين يبدأ من شاطئ البحر ويمتد حول المدينة والطرف ~~المحدود بالبحر لا حائط له وبها مبان كثيرة في وسط البحر فإن قاعه صخري وقد ~~شيدت هناك مناظر على رؤوس أعمدة رخامية أساسها في الماء وفي بحر طبرية سمك ~~كثير ومسجد الجمعة في وسط المدينة وعند بابه عين ماء بني عند رأسها حمام ~~ماؤه ساخن فلا يستطيع مستحم أن يصبه على جسده من غير أن يمزجه بماء بارد ~~ويقال إن الذي بناه هو سليمان بن داود عليه السلام وقد دخلته وفي الجانب ~~الغربي من مدينة طبرية مسجد اسمه مسجد الياسمين وهو مسجد جميل في وسطه ساحة ~~كبيرة بها محا ريب وحولها الياسمين الذي سمي به المسجد وفي رواق بالجانب ~~الشرقي قبر يوشع بن نون وتحت هذه الساحة قبور سبعين نبيا عليهم السلام ~~قتلهم بنو إسرائيل PageV00P052 # وجنوب طبرية بحر لوط وهو مالح المياه ويصب به ماء بحر طبرية وكانت مدينة ~~لوط تقع على شاطئه ولم يبقى منها أثر ms15 قط وسمعت من انسان أن في مياه بحر لوط ~~المالحة شيئا كالحجارة السوداء غير صلب يشبه البقر يخرج من قاعه فيأخذه ~~السكان ويقطعونه ويحملونه إلى المدن والولايات ويقال إنه إذا وضعت قطعة منه ~~تحت شجرة يمتنع الدود عنها من غير أن يمس جذرها أذى منه فلا يتلف البستان ~~مما تحت الأرض من دود وحشرات والعهدة على الراوي وقيل كذلك إن العطارين ~~يستخدمونه لأنه يبعد دودة تصيب البذور اسمها النقرة وفي طبرية يصنعون ~~الحصير ومنه حصير الصلاة وتشتري الواحدة منها بخمسة جنيهات مغربية وفي ~~الجانب الغربي من المدينة جبل فيه قطعة من حجر المرمر مكتوب عليها بخط عبري ~~أن الثريا كانت على رأس الحمل ساعة الكتابة ويقع قبر أبي هريرة خارج ~~المدينة ناحية القبلة ولكن لا يستطيع أحد زيارته لأن السكان هناك شيعة فإذا ~~ذهب أحد للزيارة تجمع عليه الأطفال وتحرشوا به وحملوا عليه وقذفوه بالحجارة ~~ولهذا لم أستطع زيارته سرت بعد ذلك إلى قرية تسمى كفركنه بجانبها تل بنيت ~~علي قمته صومعة جميلة بها قبر النبي يونس عليه السلام وعليها باب متين ~~بقربه بئر ماؤها عذب وقد عدت إلى عكا بعد زيارة هذا المشهد وبينهما مسافة ~~أربعة فراسخ فمكثت بها يوما واحدا ثم غادرتها إلى قرية تسمى حيفا وفي طريق ~~به كثير من هذا الرمل الذي يستخدمه صياغ العجم والمسمى بالرمل المكي وحيفا ~~مشيدة على البحر وبها نخل وأشجار كثيرة وهناك عمال يصنعون السفن البحرية ~~المسماة بالجودي وسرنا بعد ذلك فبلغنا بعد مسيرة فرسخ واحد قرية أخرى تسمى ~~كنيسة وعندها ينحرف الطريق عن البحر ويدخل الجبل ناحية المشرق حيث الصحروات ~~والمحاجر التي تسمى وادي التماسيح ويعود لمحاذاة الشاطئ بعد مسيرة فرسخين ~~وهناك رأينا عظام حيوانات بحرية كثيرة مختلطة بالتراب PageV00P053 # والطين وقد تحجرت من كثرة ما ثار عليها من الموج وقمنا من هناك وسرنا حتى ~~بلغنا مدينة تسمى قيسارية بينها وبين عكا سبعة فراسخ وهي مدينة جميلة بها ~~ماء جار ونخيل وأشجار النارنج والترنج ولها سور حصين له باب حديدي وبها ms16 ~~عيون ماء جارية ومسجد الجامع جميل ويرى المصلون البحر ويتمتعون به وهم جلوس ~~في ساحته وهناك زير من الرخام يشبه الخزف الصيني وهو عميق بحيث يسع مائة من ~~ماء في يوم السبت آخر شعبان (10 مارس) قمنا من هناك وسرنا مقدار فرسخ عن ~~طريق الرمل المكي وقد رأيت في الطريق كله سهله وجبله كثيرا من شجر التين ~~والزيتون وبعد بضعة فراسخ بلغنا مدينة تسمى كفرسابا أو كفر سلام ومنها حتى ~~الرملة ثلاثة فراسخ في طريق كله شجر كالذي ذكرت وفي يوم الأحد غرة رمضان ~~(11 مارس) بلغنا الرملة ومن قيسارية إليها ثمانية فراسخ وهي مدينة كبيرة ~~بها سور حصين من الحجر والجص مرتفع ومتين وعليه أبواب من حديد ومن المدينة ~~إلى الشاطئ البحر ثلاثة فراسخ والماء هناك من المطر ولذا فقد بني في كل ~~منزل حوض لجميع مياه المطر فيبقى ذخيرة دائمة وفي وسط مسجد الجمعة أحواض ~~تمتلى بالماء فيأخذ منه من يشاء ومساحة الجامع ثلاثمائة قدم في مائتين وقد ~~كتب أمام الضفة إنه في الخامس عشر من شهر محرم سنة 425 (11 ديسمبر 1033) ~~زلزلت الأرض بشدة هنا فخربت عمارات كثيرة ولم يصب أحد من السكان بسوء وفي ~~هذه المدينة رخام كثير وقد زينت معظم السرايات والبيوت بالرخام المنقوش ~~الكثير الزينة ويقطع الرخام بمنشار لا أسنان له وبالرمل المكي ويعملون ~~المنشار على أعمدة الرخام بالطول لا بالعرض فيخرجون منه ألواحا كألواح ~~الخشب ورأيت هناك أنواعا وألوانا من PageV00P054 # الرخام من الملمع والأخضر والأحمر والأسود والأبيض ومن كل لون وفي الرملة ~~صنف من التين ليس أحسن منه في أي مكان يصدر منها إلى جميع البلاد وتسمى ~~مدينة الرملة في الشام والمغرب فلسطين وفي الثالث من رمضان غادرت الرملة ~~فبلغت قرية تسمى خاتون وقد سرت منها إلى قرية أخرى تسمى قرية العنب وقد ~~رأينا في الطريق كثيرا من نبات السذاب الذي ينبت بريا على الجبال وفي ~~الصحراء وقد رأيت في هذه القرية عين ماء عذب تخرج من الصخر وقد بنيت هناك ~~أحواض وعمارات ms17 وقد ذهبنا صاعدين وكنا نحسب أنا بعد صعود الجبل سنهبط إلى ~~المدينة في الطرف الآخر ولكنا وجدنا أمامنا بعد أن صعدنا قليلا سهلا واسعا ~~بعضه صخري وبعضه كثير التراب وعلى رأس جبل فيه تقع مدينة بيت المقدس ومن ~~طرابلس التي هي على الساحل إليها ستة وخمسون فرسخا ومن بلخ إليها ستة ~~وسبعون وثمانمائة فرسخ وفي الخامس من رمضان سنة 438 (16 مارس 1047) بلغنا ~~بيت المقدس وكان قد مضى على خروجنا من بلدنا سنة شمسية وطوال رحلتنا لم نقر ~~في مكان قط ولا وجدنا راحة كاملة وأهل الشام وأطرافها يسمون بيت المقدس ~~القدس ويذهب إلى القدس في موسم الحج من لا يستطيع الذهاب إلى مكة من أهل ~~هذه الولايات فيتوجه إلى الموقف ويضحي ضحية العيد كما هي العادة ويحضر هناك ~~لتأدية السنة وفي بعض السنين أكثر من عشرين ألف شخص في أوائل ذي الحجة ~~ومعهم أبناؤهم كذلك يأتي لزيارة بيت المقدس من ديار الروم كثير من النصارى ~~واليهود وذلك لزيارة الكنيسة والكنيش هناك وهناك كنيسة عظيمة سيأتي وصفها ~~في مكانه وسواد ورساتيق بيت المقدس جبلية كلها والزراعة وأشجار الزيتون ~~والتين وغيرها تنبت كلها بغير ماء والخيرات بها كثيرة ورخيصة PageV00P055 # وفيها أرباب عائلات يملك الواحد منهم خمسين ألف من من زيت الزيتون ~~يحفظونها في الآبار والأحواض ويصدرونها إلى أطراف العالم ويقال إنه لا يحدث ~~قحط في بلاد الشام وسمعت من ثقات أن وليا رأى النبي عليه السلام في المنام ~~فقال له ساعدنا في معاشنا يا رسول الله فأجابه النبي عليه السلام على خبز ~~الشام وزيته والآن أصف مدينة بيت المقدس وصف بيت المقدس هي مدينة مشيدة على ~~قمة الجبل ليس بها ماء غير الأمطار ورساتيقها ذات عيون والمدينة محاطة بسور ~~حصين من الحجر والجص وعليها بوابات حديدية وليس بقربها أشجار قط فإنها على ~~رأس صخر وهي مدينة كبير كان بها في ذلك الوقت عشرون ألف رجل وبها أسواق ~~جميلة وأبنية عالية وكل أرضها مبلطة بالحجارة وقد سووا الجهات الجبلية ~~والمرتفعات وجعلوها مسطحة ms18 بحيث تغسل الأرض كلها وتنظف حين تنزل الأمطار وفي ~~المدينة صناع كثيرون لكل جماعة منهم سوق خاصة والجامع شرقي المدينة وسوره ~~هو سورها الشرقي وبعد الجامع سهل كبير مستو يسمى الساهرة يقال أنه سيكون ~~ساحة القيامة والحشر ولهذا يحضر إليه خلق كثيرون من أطراف العالم ويقيمون ~~به حتى يموتوا فإذا جاء وعد الله كانوا بأرض الميعاد اللهم عفوك ورحمتك ~~بعبيدك ذلك اليوم آمين يا رب العالمين وعلى حافة هذا السهل قرافة عظيمة ~~ومقابر كثير من الصالحين يصلي بها الناس ويرفعون بالدعاء أيديهم فيقضي الله ~~حاجاتهم اللهم تقبل حاجاتنا واغفر ذنوبنا وسيئاتنا وارحمنا برحمتك يا أرحم ~~الراحمين وبين الجامع وسهل الساهرة واد عظيم الانخفاض كأنه خندق وبه أبنية ~~كثيرة على نسق أبنية الأقدمين ورأيت قبة من الحجر المنحوت مقامة على بيت ~~PageV00P056 # لم أر عجب منها حتى أن الناظر إليها ليسأل نفسه كيف رفعت في مكانها ويقول ~~العامة إنها بيت فرعون واسم هذا الوادي وادي جهنم وقد سألت عمن أطلق هذا ~~اللقب عليه فقيل أن عمر رضي الله عنه أنزل جيشه أيام خلافته في سهل الساهرة ~~هذا فلما رأى الوادي قال هذا وادي جهنم ويقول العوام إن من يذهب إلى نهايته ~~يسمع صياح أهل جهنم فإن الصدى يرتفع من هناك وقد ذهبت فلم أسمع شيئا وحين ~~يسير السائر من المدينة جنوبا مسافة نصف فرسخ وينزل المنحدر يجد عين ماء ~~تنبع من الصخر تسمى عين سلوان وقد أقيمت عندها عمارات كثيرة ويمر ماء هذا ~~العين بقرية شيدوا فيها عمارات كثيرة وغرسوا بها البساتين ويقال إن من ~~يستحم من ماء هذه العين يشفى مما ألم به من الأوصاب والأمراض المزمنة وقد ~~وقفوا عليها مالا كثيرا وفي بيت المقدس مستشفى عظيم عليه أوقاف طائلة ويصرف ~~لمرضاه العديدين العلاج والدواء وبه أطباء يأخذون مرتباتهم من الوقف المقرر ~~لهذه المستشفى ومسجد الجمعة على حافة المدينة من الناحية الشرقية وإحدى ~~حوائط المسجد على حافة وادي جهنم وحين ينظر السائر من خارج المسجد يرى ~~الحائط المطل على هذا الوادي ms19 يرتفع مائة ذراع من الحجر الكبير الذي لا ~~يفصله عن بعضه ملاط أو جص والحوائط داخل المسجد ذات ارتفاع مستو وقد بني ~~المسجد في هذا المكان لوجود الصخرة به وهي الصخرة التي أمر الله عز وجل ~~موسى عليه السلام أن يتخذها قبلة فلما قضي هذا الأمر واتخذها موسى قبلة له ~~لم يعمر كثيرا بل عجلت به المنية حتى إذا كانت أيام سليمان عليه السلام ~~وكانت الصخرة قبلة بنى مسجدا حولها بحيث أصبحت في وسطه وظلت الصخرة قبلة ~~حتى عهد نبينا المصطفى عليه الصلاة والسلام فكان المصلون يولون وجوههم ~~شطرها إلى أن أمرهم الله تعالى أن يولوا وجوههم شطر الكعبة وسيأتي وصف ذلك ~~في مكانه PageV00P057 # وقد أردت أن أقيس هذا المسجد ولكني آثرت أن أتقن معرفة هيأته ووضعه أولا ~~ثم أقيسه فلبثت فيه زمنا أمعن النظر فرأيت عند الجانب الشمالي بجوار قبة ~~يعقوب عليه السلام طاقا مكتوبا على حجر منه ان طول هذا المسجد أربع وخمسون ~~وسبعمائة ذراع وعرضه خمس وخمسون وأربعمائة ذراع وذلك بذراع الملك المسمى في ~~خراسان كزشايكان وهو أقل قليلا من ذراع ونصف وأرض المسجد مغطاة بحجارة ~~موثوقة إلى بعضها البعض بالرصاص والمسجد شرقي المدينة والسوق فإذا دخله ~~السائر من السوق فإنه يتجه شرقا فيرى رواقا عظيما جميلا ارتفاعه ثلاثون ~~ذراعا وعرضه عشرون وللرواق جناحان وواجهتاهما وإيوانه منقوشة كلها ~~بالفسيفساء المثبتة بالجص على الصورة التي يريدونها وهي من الدقة بحيث تبهر ~~النظر ويرى على هذا الرواق كتابة منقوشة بالمينا وقد كتب هناك لقب سلطان ~~مصر فحين تقع الشمس على هذه النقوش يكون لها من الشعاع ما يحير الألباب ~~وفوق الرواق قبة كبيرة من الحجر المصقول وله بابان مزخرفان وواجهتاهما من ~~النحاس الدمشقي الذي يلمع حتى لتظن أنهما طليا بالذهب وقد طعما بالذهب ~~وحليا بالنقوش الكثيرة وطول كل منهما خمس عشرة ذراعا وعرضه ثمان ويسميان ~~باب داود عليه السلام وحين يجتاز السائر هذا الباب يجد على اليمين رواقين ~~كبيرين في كل منهما تسعة وعشرون عمودا من الرخام تيجانها وقواعدها ms20 مزينة ~~بالرخام PageV00P058 # الملون ووصلاتها مثبتة بالرصاص وعلى تيجان الأعمدة طيقان حجرية وهي مقامة ~~فوق بعضها بغير ملاط وجص لا يزيد عدد حجارة الطاق منها على أربع أو خمس قطع ~~وهذان الرواقان ممتدان إلى المقصورة ثم يجد على اليسار وهو ناحية الشمال ~~رواقا طويلا به أربعة وستون طاقا كلها على تيجان أعمدة من رخام وعلى هذا ~~الحائط نفسه باب آخر اسمه باب السقر وطول المسجد من الشمال إلى الجنوب وهو ~~ساحة مربعة إذا اقتطعت المقصورة منه والقبلة في الجنوب وعلى الجانب الشمالي ~~بابان آخران متجاوران عرض كل منهما سبع أذرع وارتفاعه اثنتي عشرة ذراعا ~~ويسميان باب الأسباط فإذا اجتازه السائر وذهب مع عرض المسجد الذي هو جهة ~~المشرق يجد رواقا أخرا عظيما كبيرا به ثلاثة أبواب متجاورة في حجم باب ~~الأسباط وكلها مزينة بزخارف من الحديد والنحاس قل ما هو أجمل منها تسمى باب ~~الأبواب لأن للمواضع الأخرى بابين وله ثلاثة وبين هذين الرواقين الواقعين ~~على الجانب الشمالي في الرواق ذي الطيقان المحملة على أعمدة الرخام قبة ~~رفعت على دعائم عالية وزينت بالقناديل والمسارج تسمى قبة يعقوب عليه السلام ~~لأنه كان يصلي هناك وفي عرض المسجد رواق في حائطة باب خارجه صومعتان ~~للصوفية وهناك مصليات ومحاريب جميلة يقيم بها جماعة منهم ويصلون ولا يذهبون ~~للجامع الا يوم الجمعة لأنهم لا يسمعون التكبير حيث يقيمون وعند الركن ~~الشمالي للمسجد رواق جميل وقبة جميلة لطيفة مكتوب عليها هذا محراب زكريا ~~النبي عليه السلام ويقال انه كان يصلي هناك دائما وعند الحائط الشرقي وسط ~~الجامع رواق عظيم الزخرف من الحجر المصقول حتى تظن انه نحت من قطعة واحدة ~~ارتفاعه خمسون ذراعا PageV00P059 # وعرضه ثلاثون عليه نقوش ونقر وله بابان جميلان لا يفصلهما أكثر من قدم ~~واحدة وعليهما زخارف كثيرة من الحديد والنحاس الدمشقي وقد دق عليهما الحلق ~~والمسامير ويقال ان سليمان بن داود عليه السلام بنى هذا الرواق لأبيه وحين ~~يدخل السائر هذا الرواق متجها ناحية الشرق فالأيمن من هذين البابين هو باب ~~الرحمة والأيسر ms21 باب التوبة ويقال ان هذا الباب هو الذي قبل الله تعالى عنده ~~توبة داود عليه السلام وعلى هذا الرواق مسجد جميل كان في وقت ما دهليزا ~~فصيروه جامعا وزينوه بأنواع السجاد وله خدم مخصصون ويذهب اليه كثير من ~~الناس ويصلون فيه ويدعون الله تبارك وتعالى فإنه في هذا المكان قبل توبة ~~داود وكل انسان هناك يأمل في التوبة والرجوع عن المعاصي ويقال ان داود عليه ~~السلام لم يكد يطأ عتبة هذا المسجد حتى بشره الوحي بان الله سبحانه تعالى ~~قد قبل توبته فاتخذ هذا المكان مقاما وانصرف إلى العبادة وقد صليت أنا ناصر ~~في هذا المقام ودعوت الله تعالى أن يوفقني لطاعته وأن يغفر ذنبي الله ~~سبحانه وتعالى يهدي عباده جميعا لما يرضاه ويغفر لهم ذنوبهم بحق محمد وآله ~~الطاهرين وحين يمضي السائر بحذاء الجدار الشرقي إلى أن يبلغ الزاوية ~~الجنوبية عند القبلة التي تقع على الضلع الجنوبي يجد أمام الحائط الشمالي ~~مسجدا بهيئة السرداب ينزل اليه بدرجات كثيرة مساحته عشرون ذراعا في خمس ~~عشرة وسقفه من الحجر مرفوع على أعمدة الرخام وبهذا السرداب مهد عيسى عليه ~~السلام وهو من الحجر حجمه كبير بحيث يصلي عليه الناس وقد صليت هناك وقد ~~أحكم وضعه في الأرض حتى لا يتحرك وهو المهد الذي أمضى فيه عيسى طفولته وكلم ~~الناس منه وهو في المسجد مكان المحراب وفي الجانب الشرقي من هذا المسجد ~~محراب مريم عليها السلام وبه محراب آخر PageV00P060 # لزكريا عليه السلام وعلى هذين المحرابين آيات القرآن التي نزلت في حق ~~زكريا ومريم ويقال ان عيسى عليه السلام ولد بهذا المسجد وعلى حجر من عمده ~~نقش إصبعين كأن شخصا أمسكه ويقال ان مريم أمسكته باصبعيها وهي تلد ويعرف ~~هذا المسجد بمهد عيسى عليه السلام وبه قناديل كثيرة من النحاس والفضة توقد ~~كل مساء حين يخرج السائر من هذا المسجد متبعا الحائط الشرقي يجد عندما يبلغ ~~زاوية المسجد الكبير مسجدا آخر عظيما جدا أكبر مرتين من مسجد مهد عيسى يسمى ~~المسجد الأقصى وهو الذي ms22 أسرى الله عز وجل بالمصطفى صلى الله عليه وسلم ليلة ~~المعراج من مكة اليه ومنه صعد إلى السماء كما جاء في القرآن * (سبحان الذي ~~أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) * وقد بنوا به أبنية ~~غاية في الزخرف وفرش بالسجاد الفاخر ويقوم عليه خدم مخصصون يعملون به دواما ~~وحين يعود السائر إلى الحائط الجنوبي على مائتي ذراع من تلك الزاوية لا يجد ~~سقفا وهناك ساحة المسجد وأما الجزء المسقوف من المسجد الكبير والذي به ~~المقصورة فيقع عند الحائطين الجنوبي والغربي وطول هذا الجزء عشرون ~~وأربعمائة ذراع وعرضه خمسون ومائة ذراع وبه ثمانون ومائتا عمود من الرخام ~~على تيجانها طيقان من الحجارة وقد نقشت تيجان الأعمدة وهياكلها وثبتت ~~الوصلات فيها بالرصاص في منتهى الإحكام وبين كل عمودين ست أذرع مغطاة ~~بالرخام الملون الملبس بشقاق الرصاص والمقصورة في وسط الحائط الجنوبي وهي ~~كبيرة جدا تتسع لستة عشر عمودا وعليها PageV00P061 # قبة عظيمة جدا منقوشة بالميناء على نسق ما وصفت وهي مفروشة بالحصير ~~المغربي وبها قناديل ومسارج معلقة بالسلاسل ومتباعد بعضها عن بعض وبها ~~محراب كبير منقوش بالميناء وعلى جانبيه عمودان من الرخام لونهما كالعقيق ~~الأحمر وإزار المقصورة كله من الرخام الملون وعلى يمينه محراب معاوية وعلى ~~يساره محراب عمر رضي الله عنه وسقف هذا المسجد مغطى بالخشب المنقوش المحلى ~~بالزخارف وعلى باب المقصورة وحائطها المطلان على الساحة خمسة عشر رواقا ~~عليها أبواب مزخرفة ارتفاع كل منها عشرة أذرع وعرضه ست عشرة من هذه الأبواب ~~تفتح على الجدار الذي طوله عشرون وأربعمائة ذراع وخمسة منها على الجدار ~~الذي طوله خمسون ومائة ذراع وقد زين باب منها غاية الزينة وهو من الحسن ~~بحيث تظن أنه من ذهب وقد نقش بالفضة وكتب عليه اسم الخليفة المأمون ويقال ~~انه هو الذي أرسله من بغداد وحين تفتح الأبواب كلها ينير المسجد حتى لتظن ~~أنه ساحة مكشوفة أما حين تعصف الريح وتمطر السماء وتغلق الأبواب فان النور ~~ينبعث للمسجد من الكوات وعلى الجوانب الأربعة من الحرم المسقوف ms23 صناديق من ~~مدن الشام والعراق يجلس بجانبها المجاورون كما هو الحال في المسجد الحرام ~~بمكة شرفها الله تعالى وخارج هذا الحرم عند الحائط الكبير الذي مر ذكره ~~رواق به اثنان وأربعون طاقا وكل أعمدته من الرخام الملون وهذا الرواق متصل ~~بالرواق المغربي وتحت الأرض في الحرم المسقوف حوض جعل بحيث يكون في مستوى ~~PageV00P062 # الأرض حين يغطى وقد بنى لتجمع فيه مياه المطر وعلى الحائط الجنوبي باب ~~يؤدي إلى ميضأة يذهب إليها من يحتاج إلى الوضوء فيجدده وذلك لأنه لا يلحق ~~الصلاة إذا هو خرج من المسجد ليتوضأ إذ ان أكبر المسجد يفوت عليه الصلاة ~~إذا اجتازه وكل الأسقف ملبسة بالرصاص وقد حفرت في ارض المسجد أحواض وصهاريج ~~كثيرة فان المسجد مشيد كله على صخرة فمهما يهطل من المطر لا يذهب خارج ~~الأحواض ولا يضيع سدى بل ينصرف إلى الأحواض وينتفع به الناس وهناك ميازيب ~~من الرصاص ينزل منها الماء إلى أحواض حجرية تحتها وقد ثقبت هذه الأحواض ~~ليخرج منها الماء ويصب في الصهاريج بواسطة قنوات بينها غير ملوث أو عفن وقد ~~رأيت على ثلاثة فراسخ من المدينة صهريجا كبيرا تنحدر اليه المياه من الجبل ~~وتتجمع فيه وقد أوصلوه بقناة إلى مسجد المدينة حيث يوجد أكبر مقدار من مياه ~~المدينة وفي المنازل كلها أحواض لجمع ماء المطر إذ لا يوجد غيره هناك ويجمع ~~كل انسان ما على سطح بيته من مياه فان ماء المطر هو الذي يستعمل في ~~الحمامات وغيرها والأحواض التي بالمسجد لا تحتاج إلى عمارة أبدا لأنها من ~~الحجر الصلب فإذا حدث بها شق أو ثقب أحكم إصلاحه حتى لا تتخرب ويقال ان ~~سليمان عليه السلام هو الذي عمل هذه الأحواض وقد جعل القسم الأعلى منها على ~~هيئة التنور وعلى رأس كل حوض غطاء من حجر حتى لا يسقط فيه شيء وماء هذه ~~المدينة أعذب وأنقى من أي ماء آخر وتستمر الميازيب في قطر المياه يومين أو ~~ثلاثة ولو كان المطر قليلا إلى أن يصفو الجو وتزول آثاره السيئة ms24 وحينئذ ~~يبدأ المطر قلت إن مدينة بيت المقدس تقع على قمة جبل وان أرضها غير مستوية ~~أما المسجد فأرضه مستوية فخارج المسجد حيثما تكون الأرض منخفضة يرتفع حائطه ~~إذ يكون أساسه في أرض واطئة وحيثما تكون الأرض مرتفعة PageV00P063 # يقصر الجدار وفي الجهات الواطئة من أحياء المدينة فتحوا في المسجد أبوابا ~~كأنها نقب تؤدي لساحته ومن هذه الأبواب باب يسمى باب النبي عليه الصلاة ~~والسلام وهو بجانب القبلة اي في الجنوب وقد عمل بحيث يكون عرضه عشرة أذرع ~~وأما ارتفاعه فيتفاوت حسب المكان فهو في مكان خمس أذرع اي علو سقف هذا ~~الممر وفي مكان آخر عشرون والجزء المسقوف من المسجد الأقصى مشيد فوق هذا ~~الممر وهو محكم بحيث يحتمل أن يقام فوقه بناء بهذه العظمة من غير أن يؤثر ~~فيه قط وقد استخدمت في بنائه حجارة لا يصدق العقل كيف استطاعت قوة البشر ~~نقلها واستخدامها ويقال إن سليمان بن داود عليه السلام هو الذي بناه وقد ~~دخل فيه نبينا عليه الصلوات والسلام إلى المسجد ليلة المعراج وهذا الباب ~~على جانب طريق مكة وعلى الحائط بقرب هذا الباب نقش دقيق لمجن كبير يقال إن ~~حمزة بن عبد المطلب عم النبي عليه السلام كان جالسا هناك وعلى كتفه المجن ~~وظهره مسند إلى الحائط وأن هذا نقش مجنه وعند بوابة المسجد حديث هذا الممر ~~الذي عليه باب ذو مصراعين يبلغ ارتفاع الجدار من الخارج ما يقرب من خمسين ~~ذراعا وقد قصد بهذا الباب أن يدخل منه سكان المحلة المجاورة لهذا الضلع من ~~المسجد فلا يلجأون إلى الذهاب لمحلة أخرى حين يريدون دخوله وعلى الحائط ~~الذي يقع يمين الباب حجر ارتفاعه خمس عشرة ذراعا وعرضه أربع أذرع فليس في ~~المسجد حجر أكبر منه وفي الحائط على ارتفاع ثلاثين أو أربعين ذراعا من ~~الأرض كثير من الحجارة التي تبلغ حجمها أربع أذرع أو خمس وفي عرض المسجد ~~باب شرقي يسمى باب العين إذا خرجوا منه نزلوا منحدرا فيه عين سلوان وهناك ~~أيضا باب تحت الأرض ms25 يسمى الحطة يقال إنه هو الباب الذي أمر الله عز وجل بني ~~إسرائيل ان يدخلوا منه إلى المسجد قوله تعالى * (وادخلوا الباب سجدا وقولوا ~~حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين) * PageV00P064 # وهناك باب آخر يسمونه باب السكينة في دهليزه مسجد به محاريب كثيرة باب ~~أولها مغلق حتى لا يلجه أحد ويقال ان هناك تابوت السكينة الذي ذكره الله ~~تبارك وتعالى في القرآن والذي حمله الملائكة وأبواب بيت المقدس ما تحت ~~الأرض وما فوقها تسعة أبواب كما ذكرت وصف الدكة التي بوسط ساحة المسجد ~~والصخرة التي كانت قبلة الإسلام أقيمت هذه الدكة في وسط المساحة لأنه لم ~~يتيسر نقل الصخرة إلى الجزء المسقوف من المسجد لعلوها وهي تظل مساحة من ~~الأرض مقدارها ثلاثون وثلاثمائة ذراع في ثلاثمائة وارتفاعها اثنتي عشرة ~~ذراعا وصحنها مستو ومزخرف بالرخام الملبس بوصلات الرصاص وعلى جوانبها ~~الأربعة ألواح الرخام كما يعمل في المقابر وهي مبينة بحيث لا يستطيع أحد ~~الصعود عليها من غير المراقي المخصصة لهذا الأمر ويشرف من يصعد عليها على ~~سقف الجامع وقد حفر في أرضها في الوسط حوض يصب فيه مياه المطر بواسطة قنوات ~~أعدت لذلك وماء هذا الحوض أنقى وأعذب من كل ماء في الجامع وعلى هذه الدكة ~~أربع قباب أكبرها قبة الصخرة التي كانت القبلة وصف قبة الصخرة بني المسجد ~~بحيث تكون الدكة في وسط الساحة وقبة الصخرة في وسط الدكة والصخرة وسط القبة ~~وقبة الصخرة بيت مثمن منظم كل ضلع من PageV00P065 # أضلاعه الثمانية ثلاث وثلاثون ذراعا وله أربعة أبواب على الجهات الأربع ~~الأصلية باب شرقي وآخر غربي وثالث شمالي ورابع جنوبي وبين كل بابين ضلع ~~وجميع الحوائط من الحجر المنحوت وارتفاعها عشرون ذراعا ومحيط الصخرة مائة ~~ذراع وهي غير منتظمة الشكل لا هي مدورة ولا مربعة ولكنها حجر غير منتظم ~~كحجارة الجبل وقد بنوا على جوانب الصخرة الأربعة أربعة دعائم مربعة بارتفاع ~~حائط البيت المذكور وبين كل دعامتين على الجوانب الأربعة عمودان اسطوانيان ~~من الرخام بنفس الارتفاع وعلى قمة تلك الدعائم وهذه ms26 الأعمدة الاثني عشر ~~بنوا القبة التي تحتها الصخرة والتي يبلغ محيطها مائة وعشرين ذراعا وبين ~~حائط هذا البناء والدعائم والأعمدة أسمي المربعة المبنية ستون دعامة ~~والمنحوتة المستديرة التي من حجر واحد أسطوانة عمودا ثمان دعائم أخرى مبنية ~~من الحجارة المنحوتة وبين كل اثنتين منهما ثلاثة أعمدة من الرخام الملون ~~على أبعاد متساوية بحيث يكون في الصف الأول عمودان بين كل دعامتين ويكون ~~هنا ثلاثة أعمدة بين كل دعامتين وعلى تاج كل دعامة أربعة عقود على كل عقد ~~طاق وعلى كل عمود عقدان فوق كل منها طاق وهكذا يكون على العمود متكأ لطاقين ~~وعلى الدعامة متكأ لأربعة فكانت هذه القبة العظيمة في ذلك الوقت مرتكزة على ~~هذه الدعامات الاثنتي عشرة المحيطة بالصخرة فتراها على بعد فرسخ كأنها قمة ~~جبل لأنها من أساسها إلى قمتها ثلاثون ذراعا وهي تستند إلى أعمدة ودعامات ~~ارتفاعها عشرون ذراعا وقبة الصخرة مشيدة على بيت ارتفاعه اثنتا عشرة ذراعا ~~وإذا فمن ساحة المسجد إلى رأس القبة اثنتان وستون ذراعا وسقوف هذه الدكة ~~وقبابها مكسوة بالنجارة وكذلك الدعائم والعمد PageV00P066 # والحوائط وذلك بدقة قل نظيرها والصخرة أعلى من الأرض بمقدار قامة رجل وقد ~~أحيطت بسياج من الرخام حتى لا تصل يد أليها والصخرة حجر أزرق لونه لم يطأها ~~أحد برجله أبدا وفي ناحيتها المواجهة للقبلة انخفاض كأن أنسانا سار عليها ~~فبدت آثار قدمه فيها كما تبدو على الطين الطري فان آثار أصابع قدميه باقية ~~عليها وقد بقيت عليها آثار سبع أقدام وسمعت أن إبراهيم عليه السلام كان ~~هناك وكان إسماعيل طفلا فمشى عليها وهذه هي آثار قدمه ويقيم في بيت الصخرة ~~هذا جماعة من المجاورين والعابدين وقد زينت أرضه بالسجاد الجميل من الحرير ~~وغيره وفي وسطه قنديل من الفضة معلق بسلسلة فضية فوق الصخرة وهناك قناديل ~~كثيرة من فضة كتب عليها وزنها أمر بصنعها سلطان مصر وقد قدرت ما هناك من ~~الفضة بألف من ورأيت هناك أيضا شمعة كبيرة جدا طولها سبع أذرع وقطرها ثلاثة ~~أشبار لونها كالكافور الزباجي ms27 وشمعها مخلوط بالعنبر ويقال ان سلطان مصر ~~يرسل هناك كل سنة كثيرا من الشمع منه هذه الشمعة الكبيرة ويكتب عليها اسمه ~~بالذهب وهذا المسجد هو ثالث بيوت الله سبحانه وتعالى والمعروف عند علماء ~~الدين ان كل صلاة في بيت المقدس تساوي خمسة وعشرين ألف صلاة وكل صلاة في ~~مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام تعد بخمسين ألف صلاة وان صلاة مكة ~~المعظمة شرفها الله تعالى تساوي مائة ألف صلاة وفق الله عز وجل عباده جميعا ~~لهذا الثواب وقد قلت إن أسقف وظهور القباب ملبسة بالرصاص وعلى جوانب البيت ~~الأربعة أبواب كبيرة مصاريعها من خشب الساج وهي مقفلة دائما وبعد قبة ~~الصخرة قبة تسمى قبة السلسلة وهي السلسلة التي علقها داود عليه السلام ~~والتي لا تصل إليها إلا يد صاحب الحق أما يد الظالم والغاصب فلا تبلغها ~~وهذا المعنى مشهور عند العلماء وهذه القبة محمولة على رأس ثمانية أعمدة من ~~الرخام وست دعائم من الحجر وهي مفتوحة من جميع الجوانب عدا جانب ~~PageV00P067 # القبلة فهو مسدود حتى نهايته وقد نصب عليه محراب جميل وعلى هذه الدكة ~~أيضا قبة أخرى مقامة على أربعة أعمدة من الرخام وهي مغلقة من ناحية القبلة ~~أيضا حيث بني محراب جميل وتسمى هذه القبة قبة جبريل عليه السلام وليس فيها ~~فرش بل إن أرضها من حجر سووه ويقال ان هناك أعد البراق ليركبه النبي عليه ~~السلام ليلة المعراج وبعد قبة جبريل قبة أخرى يقال لها قبة الرسول عليه ~~الصلاة والسلام وبينهما عشرون ذراعا وهي مقامة على أربع دعائم من الرخام ~~أيضا ويقال ان الرسول عليه الصلاة والسلام صلى ليلة المعراج في قبة الصخرة ~~أولا ثم وضع يده على الصخرة فلما خرج وقفت لجلاله فوضع الرسول عليه الصلاة ~~السلام يده عليها لتعود إلى مكانها وتستقر وهي بعد نصف معلقة وقد ذهب ~~الرسول عليه السلام من هناك إلى القبة التي تنتسب إليه وركب البراق وهذا ~~سبب تعظيمها وتحت الصخرة غار كبير يضاء دائما بالشمع ويقال انه حين قامت ~~الصخرة خلا ما ms28 تحتها فلما استقرت بقي هذا الجزء كما كان وصف المراقي ~~المؤدية إلى الدكة التي بساحة الجامع يسار إلى هذه الدكة من ستة مواضع لكل ~~منها اسم فبجانب القبلة طريقان يصعد فيهما على درجات فإذا وقفت في وسط ضلع ~~الدكة وجدت أحدهما على اليمين والثاني على اليسار والذي على اليمين يسمى ~~مقام النبي عليه السلام والذي على اليسار يسمى مقام الغورى وسمي الأول مقام ~~النبي لأن النبي عليه الصلاة والسلام صعد على درجاته إلى الدكة ليلة ~~المعراج ودخل إلى قبة الصخرة ويقع طريق الحجاز على هذا الجانب وعرض درجاته ~~اليوم عشرون ذراعا وهي من الحجر المنحوت المنتظم وكل درجة قطعة أو ~~PageV00P068 # قطعتان من الحجر المربع وهي معدة بحيث يستطيع الزائر الصعود عليها راكبا ~~وعلى قمة هذه الدرجات أربعة أعمدة من الرخام الأخضر الذي يشبه الزمرد لولا ~~أن به نقطا كثيرة من كل لون ويبلغ ارتفاع كل عمود منها عشرة اذرع وقطره ~~بقدر ما يحتضن رجلان وعلى رأس هذه الأعمدة الأربعة ثلاثة طيقان أحدها مقابل ~~للباب والآخران على جانبيه وسطح الطيقان أفقي من فوقه شرفات بحيث يبدو ~~مربعا وهذه العمد والطيقان منقوشة كلها بالذهب وبالمينا ليس أجمل منها ~~ودرابزين الدكة كله من الرخام الأخضر المنقط حتى لتقول ان عليه روضة ورد ~~ناضر وقد أعد مقام الغوري بحيث تكون ثلاثة سلالم على موضع واحد أحدها محاذ ~~للدكة والآخران على جانبيها حتى يستطاع الصعود من ثلاثة أماكن ومن فوق هذه ~~السلالم الثلاثة أعمدة عليها طريقان وشرفة والدرجات بالوصف الذي ذكرت من ~~الحجر المنحوت كل درجة قطعتان أو ثلاث من الحجر المستطيل وكتب بخط جميل ~~بالذهب على ظاهر الإيوان أمر به الأمير ليث الدولة نوشتكين الغوري ويقال ~~انه كان تابعا لسلطان مصر وهو الذي أنشأ هذه الطرق والمراقي وعلى الجانب ~~الغربي للدكة سلمان في ناحيتين منها وهناك طريق عظيم مشابه لما ذكرت وكذلك ~~في الجانب الشرقي طريق عظيم مماثل عليه أعمدة فوقها طيقان وشرفة يسمى ~~المقام الشرقي وعلى الجانب الشمالي طريق أكثر علوا وأكبر منها ms29 كلها به ~~أعمدة فوقها طيقان يسمى المقام الشامي وأظن أنهم صرفوا على هذه الطرق الستة ~~مائة ألف دينار PageV00P069 # وفي الجانب الشمالي لساحة المسجد لا على الدكة بناء به كأنه مسجد صغير ~~يشبه الحظيرة وهو من الحجر المنحوت يزيد ارتفاع حوائطه على قامة رجل ويسمى ~~محراب داود وبالقرب منه حجر غير مستو يبلغ قامة رجل وقمته تتيح وضع حصيرة ~~صلاة صغيرة عليها ويقال انه كرسي سليمان عليه السلام الذي كان يجلس عليه ~~أثناء بنا المسجد هذا ما رأيت في جامع بيت المقدس قد صورته وضممته إلى ~~مذكراتي ومن النوادر التي رأيتها في بيت المقدس شجرة الحور بعد الفراغ من ~~زيارة بيت المقدس عزمت على زيارة مشهد إبراهيم خليل الرحمن عليه الصلاة ~~والسلام في يوم الأربعاء غرة ذي القعدة سنة 438 (20 ابريل سنة 1047) ~~والمسافة بينهما ستة فراسخ عن طريق جنوبي به قرى كثيرة وزرع وحدائق وشجر ~~بري لا يحصى من عنب وتين وزيتون وسماق وعلى فرسخين من بيت المقدس أربع قرى ~~بها عين وحدائق وبساتين كثيرة تسمى الفراديس لجمال موقعها وعلى فرسخ واحد ~~من بيت المقدس مكان للنصارى يعظمونه كثيرا يقيم بجانبه مجاورون دائما ويحج ~~اليه كثيرون اسمه بيت اللحم وهناك يقدم النصارى القرابين ويقصده الحجاج من ~~بلاد الروم وقد بلغته مساء اليوم الذي قمت فيه من بيت المقدس وصف قبر ~~الخليل صلوات الله عليه يسمى أهل الشام وبيت المقدس هذا المشهد الخليل ولا ~~يذكرون PageV00P070 # اسم القرية التي هو فيها قرية مطلون وهي موقوفة عليه مع قرى كثيرة وفي ~~هذه القرية عين ماء تخرج من الصخر يتفجر ماؤها رويدا رويدا وهو ينقل من ~~مسافة بعيدة بواسطة قناة إلى خارج القرية حيث بنى حوض مغطى يصب فيه الماء ~~فلا يذهب هباء حتى يفي بحاجة أهل القرية وغيرهم من الزائرين والمشهد على ~~حافة القرية من ناحية الجنوب وهي في الجنوب الشرقي والمشهد يتكون من بناء ~~ذي أربع حوائط من الحجر المصقول طوله ثمانون ذراعا وعرضه أربعون وارتفاعه ~~عشرون وثخانة حوائطه ذراعان وبه مقصورة ms30 ومحراب في عرض البناء وبالمقصورة ~~محاريب جميلة بها قبران رأسهما للقبلة وكلاهما من الحجر المصقول بارتفاع ~~قامة الرجل الأيمن قبر إسحاق بن إبراهيم والآخر قبر زوجه عليها السلام ~~وبينهما عشرة أذرع وأرض هذا المشهد وجدرانه مزينة بالسجاجيد القيمة والحصر ~~المغربية التي تفوق الديباج حسنا وقد رأيت هناك حصير صلاة قيل أرسلها أمير ~~الجيوش وهو تابع لسلطان مصر وقد اشتريت من مصر بثلاثين دينارا من الذهب ~~المغربي ولو كانت من الديباج الرومي لما بلغت هذا الثمن ولم ار مثلها في ~~مكان قط PageV00P071 # حين يخرج السائر من المقصورة إلى وسط ساحة المشهد يجد مشهدين أمام القبلة ~~الأيمن به قبر إبراهيم الخليل صلوات الله عليه وهو مشهد كبير ومن داخله ~~مشهد آخر لا يستطاع الطواف حوله ولكن له أربع نوافذ يرى منها فيراه ~~الزائرون وهو يطوفون حول المشهد الكبير وقد كسيت أرضه وجدرانه ببسط من ~~الديباج والقبر من الحجر ارتفاعه ثلاث أذرع وعلق به كثير من القناديل ~~والمصابيح الفضية والمشهد الثاني الذي على يسار القبلة به قبر سارة زوج ~~إبراهيم عليه السلام وبين القبرين ممر عليه باباهما وهو كالدهليز وبه كثير ~~من القناديل والمسارج وبعد هذين المشهدين قبران متجاوران الأيمن قبر النبي ~~يعقوب عليه السلام والأيسر قبر زوجه وبعدهما المنازل التي اتخذها إبراهيم ~~للضيافة وبها ستة قبور وخارج الجدران الأربعة منحدر به قبر يوسف بن يعقوب ~~عليه السلام وهو من حجر وعليه قبة جميلة وعلى جانب الصحراء بين قبر يوسف ~~PageV00P072 # ومشهد الخليل عليهما السلام قرافة كبيرة يدفن بها الموتى من جهات عديدة ~~وعلى سطح المقصورة التي في المشهد حجرات للضيوف الوافدين وقد وقف عليها ~~أوقاف كثيرة من القرى ومستغلات بيت المقدس وأغلب الزراعة هناك الشعير ~~والقمح قليل والزيتون كثير ويعطون الضيوف والمسافرين والزائرين الخبز ~~والزيتون وهناك طواحين كثيرة تديرها البغال والثيران لطحن الدقيق وبالمضيفة ~~خادمات يخبزن طول اليوم ويزن رغيفهم منا واحدا ويعطى من يصل هناك رغيفا ~~مستديرا وطبقا من العدس المطبوخ بالزيت وزبيبا كل يوم وهذه عادة بقيت من ~~أيام خليل الرحمن ms31 عليه السلام حتى الساعة وفي بعض الأيام يبلغ عدد ~~المسافرين خمسمائة فتهيأ الضيافة لهم جميعا ويقال انه لم يكن لهذا المشهد ~~باب وكان دخوله مستحيلا بل كان الناس يزورونه من الإيوان في الخارج فلما ~~جلس المهدي على عرش مصر PageV00P073 # أمر بفتح باب فيه وزينه وفرشه بالسجاجيد وأدخل على عمارته اصلاحا كثيرا ~~وباب المشهد وسط الحائط الشمالي على ارتفاع أربع أذرع فوق الأرض وعلى ~~جانبيه درجات من الحجر فيصعد اليه من جانب ويكون النزول من الجانب الثاني ~~ووضع هناك باب صغير من الحديد ثم رجعت إلى بيت المقدس ومن هناك سرت ماشيا ~~مع جماعة تقصد الحجاز وكان دليلنا رجلا اسمه أبو بكر الهمداني وهو رجل جلد ~~يقدر على المشي وجهه جميل غادرت بيت المقدس في منتصف ذي القعدة سنة 437 ~~(أول مايو 1047) وبعد ثلاثة أيام بلغت جهة تسمى أعز القرى بها ماء جار ~~وأشجار ثم بلغنا منزلا آخر يسمى وادي القرى ومن بعده نزلنا مكانا ثالثا ثم ~~بلغنا مكة بعد عشرة أيام لم تحضر لمكة قافلة من اي بلد في هذه السنة وشح ~~الطعام وقد نزلت في سكة العطارين أمام باب النبي عليه السلام وفي يوم ~~الاثنين طلعت عرفات وكان الناس مملوئين رعبا من العرب ولما عدت من عرفات ~~لبثت بمكة يومين ثم رجعت إلى بيت المقدس عن طريق الشام وبلغنا المقدس في ~~الخامس من المحرم سنة 339 (7 يوليو 1037) ولا أذكر هنا وصف مكة والحج سأذكر ~~ذلك عند الكلام على الحجة الأخيرة كنيسة بيعة القيامة وللنصارى في بيت ~~المقدس كنيسة يسمونها بيعة القمامة لها عندهم مكانة عظيمة ويحج إليها كل ~~سنة كثير من بلاد الروم ويزورها ملك الروم متخفيا حتى لا يعرفه الناس وقد ~~زارها أيام عزيز مصر الحاكم بأمر الله PageV00P074 # فبلغ ذلك الحاكم فأرسل اليه أحد حراسه بعد أن عرفه أن رجلا بهذه الحلية ~~والصورة يجلس في كنيسة بيت المقدس وقال له اذهب عنده وقل له ان الحاكم ~~أرسلني إليك ويقول لا تحسبني أجهل أمرك ولكن كن آمنا فلن ms32 أقصدك بسوء وقد ~~أمر الحاكم هذا بالإغارة على الكنيسة فهدمها وخربها وظلت خربة مدة من ~~الزمان وبعد ذلك بعث القيصر اليه رسلا وقدم كثيرا من الهدايا والخدمات وطلب ~~الصلح والشفاعة ليؤذن له بإصلاح الكنيسة فقبل الحاكم وأعيد تعميرها وهذه ~~الكنيسة فسيحة تسع ثمانية آلاف رجل وهي عظيمة الزخرف من الرخام الملون ~~والنقوش والصور وهي مزدانة من الداخل بالديباج الرومي والصور وزينت بطلاء ~~من الذهب وفي أماكن كثيرة منها صورة عيسى عليه السلام راكبا حمارا وصور ~~الأنبياء الآخرين مثل إبراهيم وإسحق ويعقوب وأبنائهم عليهم السلام وهذه ~~الصور مطلية بزيت السندروس وقد غطى سطح كل صورة بلوح من الزجاج الشفاف على ~~قدها بحيث لا يحجب منها شيء وذلك حتى لا يصل الغبار إليها وينظف الخدم هذا ~~الزجاج كل يوم وهناك عدا ذلك عدة مواضع أخرى كلها مزينة ولو وصفتها لطالت ~~كتابتي وفي هذه الكنيسة لوحة مقسمة إلى قسمين وعملا لوصف الجنة والنار فنصف ~~يصف الجنة وأهلها ونصف يصف النار وأهلها ومن PageV00P075 # يبقى فيها وليس لهذه الكنيسة نظير في اي جهة من العالم ويقيم بها كثير من ~~القس والرهبان يقرأون الإنجيل ويصلون ويشتغلون بالعبادة ليل نهار وصف مصر ~~ثم عزمت لي ان أغادر بيت المقدس إلى مصر بطريق البحر ثم أغادرها إلى مكة ~~ولكن كانت الريح معاكسة وتعذر السفر بالبحر فسرنا عن طريق البر ومررنا ~~بالرملة ثم بلغنا مدينة عسقلان بها سوق وجامع جميل رأيت بها طاقا قديما قيل ~~إنه كان مسجدا وهو طاق من الحجر الكبير ولو أرادوا هدمه للزمهم إنفاق مال ~~كثير وخرجت من هناك فوجدت في الطريق قرى كثيرة ومدنا يطول وصفها فحذفته ~~اختصارا وبلغنا مكانا يسمى طينة وهو مرفأ للسفن يذهب منه إلى تنيس وقد ركبت ~~السفينة إليها تنيس جزيرة ومدينة جميلة وهي بعيدة عن الساحل بحيث لا يرى من ~~أسطحها والمدينة مزدحمة وبها أسواق فخمة وجامعان وقد يبلغ عدد الدكاكين بها ~~عشرة آلاف دكان منها مائة دكان عطار وهناك في فصل الصيف يبيعون الكشكاب فان ~~الجو حار وتكثر ms33 الأمراض في المدينة PageV00P076 # وينسج بتنيس القصب الملون من عمامات ووقايات ومما يلبس النساء ولا ينسج ~~مثل هذا القصب في جهة ما غير تنيس والأبيض منه ينسج في دمياط وما ينسج منه ~~في مصانع السلطان لا يباع ولا يعطى لأحد وقد سمعت ان ملك فارس أرسل رسله ~~إلى تنيس بعشرين ألف دينار ليشتري له بها حلة من كسوة السلطان وقد بقي رسله ~~هناك عدة سنين ولم يستطيعوا شراءها وبتنيس صناع مختصون بنسيج ملابس السلطان ~~وقد سمعت أن عاملا نسج عمامة السلطان فأمر به بخمسمائة دينار ذهب مغربي وقد ~~رأيت هذه العمامة ويقال انها تساوي أربعة آلاف دينار مغربي وينسجون في ~~مدينة تنيس هذه البوقلمون الذي لا ينسج في مكان آخر من جميع العالم وهو ~~قماش ذهبي يتغير لونه بتغير ساعات النهار وتحمل أثوابه من تنيس إلى المشرق ~~والمغرب وسمعت ان سلطان الروم كان قد أوفد رسولا ليعرض على سلطان مصر أن ~~يعطيه مائة مدينة على أن يأخذ تنيس فلم يقبل السلطان وكان قصده من هذه ~~المدينة القصب والبوقلمون PageV00P077 # حينما يزيد ماء النيل يبعد الماء الملح من حول تنيس بحيث يصبح ماء البحر ~~عذبا حتى عشرة فراسخ حولها وقد بنوا بجزيرة تنيس ومدينتها صهاريج عظيمة تحت ~~الأرض وهي قوية البنيان وتسمى المصانع فحين يغلب ماء النيل ويطرد الماء ~~الملح من هناك تملأ هذه الأحواض حين يفتحون له الطريق وماء هذه المدينة من ~~تلك المصانع التي تمتلئ وقت زيادة النيل ويستعمل السكان هذا الماء حتى ~~السنة التالية وكل من لديه ماء فوق حاجته يبيع الفائض لغيره وبتنيس مصانع ~~كثيرة موقوفة يعطى ماؤها للغرباء وسكانها خمسون ألفا PageV00P078 # ويرابط حولها دائما ألف سفينة منها ما هو للتجار وكثير منها للسلطان ~~ويجلب لهذه الجزيرة كل ما تحتاج اليه إذ ليس بها من خيرات الأرض شيء وتجرى ~~المعاملات فيها بالسفن لأنها جزيرة ويقيم بتنيس جيش كامل السلاح احتياطا ~~حتى لا يستطيع أحد من الفرنج أو الروم أن يغير عليها وسمعت من الثقات أنه ~~يصل منها لخزانة سلطان ms34 مصر يوميا ألف دينار مغربي ويصل ذلك المقدار مرة ~~واحدة يحصله شخص واحد يسلمه أهل المدينة اليه في وقت معين وهو يسلم للخزانة ~~فلا يتأخر منه شيء ولا يجبى شيء بالعنف من اي شخص وما ينسج للسلطان من ~~القصب والبوقلمون يدفع ثمنه كاملا بحيث يعمل الصناع برضاهم للسلطان لا كما ~~في البلاد الأخرى حيث يفرض الديوان والسلطان السخرة على الصناع وتصنع أستار ~~هوداج الجمال ولبود سروج الخيل الخاصة بالسلطان من البوقلمون PageV00P079 # ويؤتى بالفاكهة والأغذية لتنيس من قرى مصر ويصنعون بها آلات الحديد ~~كالمقراض والسكين وغيرهما وقد رأيت مقراضا في مصر صنع في تنيس ثمنه خمسة ~~دنانير مغربية يفتح إذا رفع مسماره ويقص إذا انزل وتصيب النساء هناك أحيانا ~~علة كالصرع فيصحن مرتين أو ثلاثا ثم يعدن بعد ذلك إلى صوابهن وكنت سمعت في ~~خراسان عن جزيرة تموء فيها النساء كالقطط وذلك على النحو الذي ذكرت وتذهب ~~السفينة من تنيس إلى القسطنطينية في عشرين يوما وقد سرنا بجانب مصر وحين ~~بلغنا شاطئ البحر سارت السفينة في النيل حين يقترب نهر النيل من البحر يصير ~~فروعا تصب متفرقة فيه ويسمى الفرع الذي سرنا فيه فرع الروم سارت السفينة ~~حتى بلغنا مدينة تسمى الصالحية وهي مدينة كثيرة النعم والخيرات وتصنع بها ~~سفن كثيرة حمولة كل منهما مائتا خروار وهي تنقل البضاعة إلى مدينة مصر حتى ~~أبواب دكاكين البقالين ولو لم تكن وسائل النقل كذلك لتعذر نقل المؤن فيها ~~على ظهور الدواب لكثرة الزحام الذي بها وقد نزلت من السفينة إلى الصالحية ~~ثم بلغت قرب القاهرة تلك الليلة وفي يوم الأحد السابع من صفر سنة 439 (4 ~~أغسطس 1047) وهو يوم هرمرذ من شهر يور القديم كنا في القاهرة وصف مصر ~~وولايتها يخرج ماء النيل من بين الجنوب والغرب ويمر بمصر ثم يصب في بحر ~~الروم ويبلغ نهر النيل في زيادته ضعف نهر جيحون عند ترمذ ويمر النيل بولاية ~~النوبة ثم يجيء إلى مصر والنوبة ولاية جبلية وحين يصل النيل إلى الوادي ~~فهناك ولاية مصر ms35 وأول مدينة يصل إليها على الحدود تسمى أسوان PageV00P080 # والمسافة من مصر إليها ثلاثمائة فرسخ وتقع المدن والولايات كلها على شاطئ ~~النيل وتسمى هذه الولاية أسوان بالصعيد الأعلى ولا تستطيع السفن عبور النيل ~~حين تصل لأسوان لأن الماء يخرج هناك من شلالات فيندفع سريعا وولاية النوبة ~~جنوبي أسوان ولها ملك خاص وسكانها سود البشرة ودينهم النصرانية ويذهب اليه ~~التجار ويبيعون الخرز والأمشاط والمرجان ويجلبون منها الرقيق والرقيق في ~~مصر إما نوبيون وإما روم وقد رأيت قمحا وذرة من النوبة كلاهما أسود ويقال ~~ان حقيقة منابع النيل لم تعرف وسمعت ان سلطان مصر ارسل بعثة لتتبع شاطئ ~~النيل سنة كاملة ودرسه ولكن أحدا لم يعرف حقيقة منبعه ويقال انه يأتي من ~~جبل في الجنوب يسمى جبل القمر حين تبلغ الشمس مدار السرطان يزداد النيل ~~فيرتفع عشرين ذراعا عما كان مستقرا عليه في الشتاء وهكذا يتزايد يوما بعد ~~يوم وقد أعدوا له في مصر مقاييس وعلامات ورتبوا عاملا وظيفته ألف دينار ~~للمحافظة عليها ولتسجيل الزيادة ومنذ أول يوم للفيضان يطوف منادون في ~~المدينة منادين بأن الله تعالى قد زاد النيل كذا أصبعا ويذكرون مقدار ~~زيادته كل يوم وحين تبلغ الزيادة ذراعا كاملا تضرب البشائر ويفرح الناس حتى ~~تبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وهي الزيادة المعهودة يعني أنه كلما قلت ~~الزيادة عن ذلك قيل إن النيل ناقص فتصدقوا ونذروا النذور وعلاهم الغم فإذا ~~زاد عن هذا القدر فرحوا وأظهروا الغبطة وما لم يصل الارتفاع إلى ثمانية ~~PageV00P081 # عشر ذراعا لا يأخذ السلطان الخراج ويتفرع من النيل فروع كثيرة تسير في ~~الأطراف كما يتفرغ منها ترع صغيرة وعليها تقع الولايات والقرى وأقيمت بمصر ~~سواق كثيرة يصعب حصرها أو قياسها وشيدت قرى مصر كلها على المرتفعات والتلول ~~وذلك حتى لا تغرق فان الماء يغمر البلاد كلها وقت الفيضان وحينئذ يسيرون من ~~قرية لأخرى بالزوارق وقد أنشأوا على الشاطئ من أول الولاية لأخرها جسرا من ~~الطين ليسير عليه PageV00P082 # الناس أي بجانب النيل وتصرف خزينة السلطان كل سنة للعامل ms36 المعتمد عشرة ~~آلاف دينار مغربي لتجديد عمارته ويجهز أهل الولاية حاجاتهم الضرورية كلها ~~لهذه الأشهر الأربعة التي تكون بلادهم أثناءها مغمورة بالماء ويخبز كل شخص ~~في الريف ما يكفيه من الخبز هذه المدة ويقدده حتى لا يتعفن ونظام الفيضان ~~هو الآتي يتزايد الماء أربعين يوما من بدء الفيضان إلى أن يبلغ ثمانية عشر ~~ذراعا ويبقى على هذا أربعين يوما لا يزيد ولا ينقص ثم يتدرج نحو النقصان ~~مدة أربعين يوما أخرى حتى يصل إلى الحد الذي كان عليه في الشتاء وحينما ~~يبدأ الماء في التناقص يتبعه الزراع فكلما حفت بقعة زرعوها الزرع الذي ~~يريدون وعلى هذا النحو زرعهم الصيفي والشتوي فلا يتطلب ماء آخر قط تقع مصر ~~بين النيل والبحر والنيل يأتي من الجنوب ويتجه شمالا ويصب في البحر ~~والمسافة من مصر إلى الإسكندرية ثلاثون فرسخا وتقع الإسكندرية على شاطئ بحر ~~الروم وشاطئ النيل وتصدر منهما بالسفن فاكهة كثيرة لمصر وفي الإسكندرية ~~منارة رأيتها قائمة وأنا هناك وقد كان فوقها حراقة مرآة محرقة فكلما جاءت ~~سفينة رومية من القسطنطينية أصابتها نار من هذه الحراقة فأحرقتها وقد بذل ~~الروم كثيرا من الجد والجهد والحيلة فبعثوا شخصا فكسر المرآة وفي عهد ~~الحاكم PageV00P083 # سلطان مصر جاءه شخص وعرض عليه ان يعيدها كما كانت فقال الحاكم لا حاجة ~~إلى ذلك فان الروم يرسلون الينا الآن الذهب والمال كل سنة وهم راضون بأن ~~يذهب جيشنا إليهم ونحن معهم في سلام تام وماء الشرب في الإسكندرية من المطر ~~وصحراؤها مملوء بهذه الأعمدة المبعثرة التي قدمت وصفها ويمتد بحر ~~الإسكندرية حتى القيروان التي يفصلها عن مصر مسافة مائة PageV00P084 # وخمسين فرسخا والقيروان ولاية مدينتها الكبرى سجلماسة التي تقع على بعد ~~أربعة فراسخ من البحر وهي مدينة كبيرة في الصحراء وبها حصن محكم وبجانبها ~~المهدية التي بناها المهدي أحد أبناء أمير المؤمين الحسين بن علي رضي الله ~~تعالى عنهما بعد استيلائه على المغرب والأندلس وهي في هذه الأيام تابعة ~~لسلطان مصر ويسقط البرد في القيروان ولكنه لا يمكث على ms37 أرضها ويتجه البحر ~~شمالا ويسير ناحية اليمين إلى الأندلس وبين مصر والأندلس ألف فرسخ وسكانها ~~جميعا مسلمون وهي ولاية كبيرة جبلية ينزل فيها البرد ويتجمد سكانها بيض ~~وشعرهم أحمر وأكثرهم كالصقالبة عيونهم كعيون القطط وتقع الأندلس في نهاية ~~بحر الروم فالبحر شرقي بالنسبة لأهلها وإذا ذهب السائر من الأندلس شمالا ~~جهة اليمين متتبعا الشاطئ فإنه يبلغ بلاد الروم وكثيرا ما يغزون الروم من ~~الأندلس ومن الممكن أن يركب المسافر البر إلى القسطنطينية إذا أراد ولكن لا ~~بد من اجتياز خلجان كثيرة عرض كل منها مائتا فرسخ أو ثلاثمائة فرسخ لا يمكن ~~اجتيازها الا بالسفن والمعابر وقد سمعت من ثقة أن محيط هذا البحر أربعة ~~آلاف فرسخ وأن فرعا منه يدخل بلاد الظلمات كما يقال وأن نهاية هذا الفرع ~~متجمدة دائما لأن الشمس لا تبلغه ومن جزائر هذا البحر صقلية وتبلغها ~~السفينة من مصر في عشرين يوما وهناك جزر كثيرة غيرها ويقال ان صقلية ثمانون ~~فرسخا في ثمانين وهي ملك سلطان مصر وتغادرها كل سنة سفينة تحمل المال إلى ~~مصر ويجلبون منها كتانا رقيقا وثيابا منقوشة يساوي الثوب منها في مصر عشرة ~~دنانير مغربية وإذا سار السائر من مصر شرقا يبلغ بحر القلزم والقلزم مدينة ~~على شاطئ البحر بينها وبين مصر ثلاثون فرسخا وهذا البحر فرع من محيط يتفرع ~~PageV00P085 # عند عدن ويتجه نحو الشمال فإذا بلغ القلزم انقطع ويقال أن عرضه مائتا ~~فرسخ ويفصله عن مصر جبال وصحراء لا ماء فيها ولا نبات ومن يريد الذهاب إلى ~~مكة من مصر يلزمه الاتجاه نحو الشرق فإذا بلغ القلزم وجد طريقين أحدهما بري ~~والآخر بحري وهو يبلغ مكة عن الطريق الأول في خمسة عشر يوما في صحراء طولها ~~ثلاثمائة فرسخ وتذهب عن هذا الطريق معظم القوافل الآتية من مصر فإذا سار عن ~~طريق البحر يبلغ الجار في عشرين يوما وهي مدينة صغيرة من الحجاز تقع على ~~شاطئ البحر ومنها إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ومن ~~المدينة إلى مكة مائة ms38 فرسخ فإذا جاوز الجار وواصل السير في البحر بلغ ساحل ~~اليمن ومن هناك إلى ساحل عدن فإذا جاوزه ينتهي إلى الهند وهكذا حتى الصين ~~وإذا سار من عدن إلى الجنوب مائلا نحو الغرب فإنه يذهب إلى زنجبار والحبشة ~~وسأشرح ذلك في مكانه وإذا سار من مصر إلى الجنوب وجاوز ولاية النوبة بلغ ~~ولاية المصامدة وهي أرض ذات مراع واسعة وفيها دواب كثيرة وسكانها سود كبار ~~العظام غلاظ أقوياء البنية ويكثر الجند منهم في مصر وهم قباح الصورة ضخام ~~الجثة يسمون المصامدة يحاربون راجلين بالسيف والحربة ولا يستطيعون استعمال ~~غيرها من الآلات وصف مدينة القاهرة أول مدينة يصل إليها المسافر من الشام ~~إلى مصر هي القاهرة وتقع مدينة مصر جنوبها وتسمى القاهرة (المعزية) ويقال ~~للمعسكر (الفسطاط) يروى أن أحد أبناء أمير المؤمنين الحسين بن علي صلوات ~~الله عليهن أجمعين PageV00P086 # وهو المعز لدين الله استولى على بلاد المغرب حتى الأندلس ثم سير جيشا نحو ~~مصر وكان لابد لهذا الجيش أن يعبر النيل وهذا أمر غير مستطاع أولا لأن ~~النيل عظيم الاتساع وثانيا لأنه مملوء بالتماسيح التي تجذب إلى قاعه في ~~الحال كل من يعبر ويقال إنه في الطريق قرب مدينة مصر طلسم يحمي الإنسان ~~والدواب من هذا الشر ولكن أثره يبطل على مسافة رمية سهم من المدينة فلا ~~يجرؤ أحد أن يقترب من النيل قيل إن المعز أرسل جيشه فنزل حيث القاهرة اليوم ~~وقد أمر جنوده قائلا حين تصلون إلى النيل ينزل الماء أمامكم كلب أسود فيعبر ~~النهر فاتبعوه واعبروا آمنين قيل وقد بلغ هذا المكان ثلاثون ألف فارس كلهم ~~خدم المعز وقد انطلق الكلب سابحا أمامهم وساروا على أثره وعبروا من غير ~~حادث ولم يقل أحد قط ان فارسا عبر نهر النيل راكبا وكانت هذه الحادثة سنة ~~ثلاث وستين وثلاثمائة 973 قد حضر السلطان إلى مصر عن طريق البحر فأفرغت ~~السفن التي حضر بها قرب القاهرة وأخرجت من الماء وتركت كأنها أشياء لا غناء ~~فيها وقد رأى راوي هذه القصة ناصر ms39 خسرو تلك السفن وهي سبع طول الواحدة مائة ~~وخمسون ذراعا وعرضها سبعون وقد مضى عليها هناك ثمانون سنة وكان ذلك سنة ~~إحدى وأربعين وأربعمائة 1046 حين بلغ الراوي هذا المكان PageV00P087 # وحين دخل المعز لدين الله مصر تقدم له بالطاعة قائد الجيش الذي ولاه ~~خليفة بغداد ونزل المعز بالجيش في هذا الموضع الذي هو القاهرة اليوم وقد ~~سمى المعسكر بالقاهرة لأن ذلك الجيش كان قاهرا وقد أمر المعز بأن لا يتجول ~~أحد من جيشه في المدينة أو يدخل بيت أحد ثم أمر أن تبنى مصر في هذه الصحراء ~~وأن يشيد كل من أفراد حاشيته بيتا وهكذا بنيت المدينة التي قل نظيرها وقدرت ~~أن في القاهرة ما لا يقل عن عشرين ألف دكان كلها ملك للسلطان وكثير منها ~~يؤجر بعشرة دنانير مغربية في الشهر وليس بينها ما تقل أجرته عن دينارين ~~والأربطة والحمامات والأبنية الأخرى كثيرة لا يحدها PageV00P088 # الحصر وكلها ملك السلطان إذ ليس لأحد ان يملك عقارا أو بيتا غير المنازل ~~وما يكون قد بناه الفرد لنفسه وسمعت أن للسلطان ثمانية ألف بيت في القاهرة ~~ومصر وأنه يؤجرها ويحصل أجرتها كل شهر يؤجرونها للناس برغبتهم ثم يتقاضون ~~الأجر فلا يجبر شخص على شيء ويقع قصر السلطان في القاهرة وهو طلق من جميع ~~الجهات ولا يتصل به أي بناء وقد مسحه المهندسون فوجدوه مساويا لمدينة ~~ميافارقين وكل ما حوله فضاء ويحرسه كل ليلة ألف رجل خمسمائة فارس وخمسمائة ~~رجل وهم ينفخون البوق ويدقون الطبل والكوس من وقت صلاة المغرب ويدورون حول ~~القصر حتى الصباح ويبدو هذا القصر من خارج المدينة كأنه جبل لكثرة ما فيه ~~من الأبنية المرتفعة وهو لا يرى من داخل المدينة لارتفاع أسواره وقيل إن به ~~اثني عشر ألف خادم مأجور ومن يعرف عدد من فيه من النساء والجواري إلا أنه ~~يقال إن به ثلاثين ألف آدمي وهذا القصر يتكون من اثني عشر جوسقا وله عشرة ~~أبواب فوق الأرض لكل منها اسم على هذا التفصيل وذلك فضلا عن أبواب ms40 أخرى تحت ~~الأرض باب الذهب باب البحر باب السريج باب الزهومة باب السلام PageV00P089 # باب الزبرجد باب العيد باب الفتوح باب الزلاقة باب السرية وتحت الأرض باب ~~يخرج منه السلطان راكبا وهذا الباب على سرداب يؤدي إلى قصر آخر خارج لمدينة ~~ولهذا السرداب الذي يصل بين القصرين سقف محكم وجدران القصر من الحجر ~~المنحوت بدقة تقول إنها قدت من صخر واحد وفوق القصر المناظر والإيوانات ~~العالية وفي داخله دهليز به دكك وأركان الدولة والخدم من العبيد السود أو ~~الروم والوزير رجل يمتاز عن الجميع بالزهد والورع والأمانة والصدق والعقل ~~ولم يكن شرب الخمر مباحا أعني أيام الحاكم هذا وفي أيامه حرم على النساء ~~الخروج من بيوتهن وما كان أحد يجفف العنب في بيته لجواز عمل السيكي (نوع من ~~الشراب) منه ولم يكن أحدهم يجرؤ على شرب الخمر ولا كانوا يشربون الفقاع فقد ~~قيل إنه مسكر فهو محرم وللقاهرة خمسة أبواب باب النصر وباب الفتوح وباب ~~القنطرة وباب الزويلة وباب الخليج وليس للمدينة قلعة ولكن أبنيتها أقوى ~~وأكثر ارتفاعا من القلعة وكل قصر حصن ومعظم العمارات تتألف من خمس أو ست ~~طبقات ويجلب ماء الشرب من النيل ينقله السقاءون على الجمال والآبار القريبة ~~PageV00P090 # من النيل عذب ماؤها وأما البعيدة عنه فماؤها ملح ويقال إن في القاهرة ~~ومصر اثنين وخمسين ألف جمل يحمل عليها السقاءون الروايا وهولأء عدا من يحمل ~~الماء على ظهره في الجرار النحاسية أو القرب وذلك في الحارات الضيقة التي ~~لا تسير فيها الجمال وفي المدينة بساتين وأشجار بين القصور تسقى من ماء ~~الآبار وفي قصر السلطان بساتين لا نظير لها وقد نصبت السواقي لريها وغرست ~~الأشجار فوق الأسطح فصارت متنزهات وحين كنت هناك أجر منزل مساحته عشرون ~~ذراعا في اثني عشر ذراعا بخمسة عشر دينارا مغربيا في الشهر وكان أربعة ~~طوابق ثلاثة منها مسكونة والرابع خال وقد عرض على صاحبه خمسة دنانير مغربية ~~كأجرة شهرية فرفض معتذرا بأنه يلزمه أن يقيم به أحيانا ولو أنه لم يحضر ~~مرتين في ms41 السنة التي أقمتها هناك وكانت البيوت من النظافة والبهاء بحيث ~~تقول إنها بنيت من الجواهر لا من الجص والآجر والحجارة وهي بعيدة عن بعضها ~~فلا تنمو أشجار بيت على سور بيت آخر ويستطيع كل مالك أن يجعل ما ينبغي ~~لبيته في كل وقت من هدم أو إصلاح دون أن يضايق جاره ويرى السائر خارج ~~المدينة ناحية الغرب ترعة كبيرة تسمى الخليج حفرها والد السلطان وله على ~~شاطئيها ثلاثمائة قرية ويبتدئ فم الخليج من مدينة مصر ويمر بالقاهرة ويدور ~~بها مارا أمام قصر السلطان وقد شيد على رأسه قصران أولهما قصر اللؤلؤة ~~وثانيهما قصر PageV00P091 # الجوهرة وفي القاهرة أربعة مساجد جمعة الأزهر وجامع النور وجامع الحاكم ~~وجامع المعز والأخير خارج القاهرة على شاطئ النيل PageV00P092 # ويتوجه المصريون نحو مطلع الحمل حين يولون وجوههم شطر القبلة وبين مدينتي ~~مصر والقاهرة أقل من ميل والأولى في الجنوب والثانية في الشمال ويمر النيل ~~بهما وبساتينهما وبيوتهما متصلة أما البقية فتحت مستوى الماء وتغمر المياه ~~الوادي بأجمعه في الصيف كأنه بحر عدا حديقة السلطان لأنها على مرتفع أما ~~البقية فتحت مستوى الماء وصف فتح الخليج حين يبلغ النيل الوفاء أي من ~~العاشر شهر يور أغسطس وسبتمبر إلى العشرين من آبان (أكتوبر ونوفمبر) ويبلغ ~~ارتفاع الماء ثمانية عشر ذراعا عن مستواه في الشتاء وتكون أفواه الترع ~~والجداول مسدودة في البلاد كلها يحضر السلطان راكبا ليفتح النهر الذي يسمى ~~الخليج والذي يبدأ قبل مدينة مصر ثم يمر بالقاهرة وهو ملك خاص للسلطان وفي ~~ذلك اليوم يوم ركوب السلطان لفتح الخليج تفتح الخلجان والترع الأخرى في ~~الولايات كلها وهذا اليوم أعظم الأعياد في مصر ويسمى عيد ركوب فتح الخليج ~~حينما يقترب ينصب للسلطان على رأس الخليج سرادق عظيم التكاليف من الديباج ~~الرومي وموشى كله بالذهب ومكلل بالجواهر ومعد أعظم إعداد بحيث يتسع ظله ~~لمائة فارس وأمام هذا السرادق خيمة من البوقلمون وسرادق آخر كبير وقبل ~~الاحتفال بثلاثة أيام يدقون الطبل وينفخون البوق ويضربون الكوس في الإصطبل ~~لتألف الخيل هذه الأصوات ms42 وحين يركب السلطان يصطف عشرة آلاف فارس على خيولهم ~~سروج PageV00P093 # مذهبة وأطواق وألجمة مرصعة وجميع لبد السروج من الديباج الرومي ~~والبوقلمون نسجت لهذا الغرض خاصة فلم تفصل ولم تخط وطرزت حواشيها باسم ~~سلطان مصر وعلى كل حصان درع أو جوشن وعلى قمة السرج خوذة وجميع أنواع ~~الأسلحة الأخرى وكذلك تسير جمال كثيرة عليها هوادج مزينة وبغال عمارياتها ~~(هوادجها) كلها مرصعة بالذهب والجواهر وموشاة باللؤلؤ وإن الكلام ليطول إذا ~~وصفت كل ما يكون يوم فتح الخليج وفي ذلك اليوم يخرج جيش السلطان كله فرقة ~~فرقة وفوجا فوجا فرقة تسمى الكتاميين وهم من القيروان أتوا في خدمة المعز ~~لدين الله وقيل إن عددهم عشرون ألف فارس وفرقة تسمى الباتليين وهو رجال من ~~المغرب دخلوا مصر قبل مجيء السلطان إليها وقيل إن عددهم خمسة عشر ألف فارس ~~وفرقة تسمى المصامدة وهو سود من بلاد المصامدة قيل أن عددهم عشرون ألف رجل ~~وفرقة تسمى المشارقة وهم ترك وعجم وسبب هذه التسمية أن أصلهم ليس عربيا ولو ~~أن أكثرهم ولد في مصر وقد اشتق اسمهم من الأصل قيل إنهم عشرة آلاف رجل وهم ~~ضخام الجثة وفرقة تسمى عبيد الشراء وهم عبيد مشترون قيل أن عددهم ثلاثون ~~ألف رجل وفرقة تسمى البدو وهم من أهل الحجاز يقال لهم الرماة وهم خمسون ألف ~~فارس وفرقة تسمى الأستاذين كلهم خدم بيض وسود اشتروا للخدمة وهم ثلاثون ألف ~~فارس وفرقة تسمى السرائيين وهم مشاة جاءوا من كل ولاية ولهم قائد خاص يتولى ~~رعايتهم وكل منهم يستعمل سلاح ولايته وعددهم عشرة آلاف رجل PageV00P094 # وفرقة تسمى الزنوج يحاربون بالسيف وحده وقيل أنهم ثلاثون ألف رجل ونفقة ~~هذا الجيش كله من مال السلطان ولكل جندي منه مرتب شهري على قدر درجته ولا ~~يجبر على دفع دينار منها أحد الرعايا أو العمال ولكن هؤلاء يسلمون للخزانة ~~أموال ولايتهم سنة فسنة وتصرف أرزاق الجند من الخزانة في وقت معين بحيث لا ~~يرهق وال أو واحد من الرعية بمطالبة الجند وهناك فرقة من أبناء الملوك ms43 ~~والأمراء الذين جاءوا لمصر من أطراف العالم ولا يعدون من الجيش وهم من ~~المغرب واليمن والروم وبلاد الصقالبة والنوبة وأولاد ملوك الكرج (جورجيا) ~~وأبناء ملوك الديلم وأبناء خاقان تركستان وكذلك وجد في يوم فتح الخليج ~~طبقات أخرى من الرجال ذوي الفضل والأدباء والشعراء والفقهاء ولكل منهم ~~أرزاق معينة ولا يقل رزق الواحد من أبناء الأمراء عن خمسمائة دينار وقد ~~يبلغ الألفين وليس لهم عمل إلا أن يذهبوا ليسلموا على الوزير حين يركب ثم ~~يعودون والآن نعود إلى حديث فتح الخليج PageV00P095 # في اليوم الذي ذهب السلطان في صباحه لفتح الخليج استأجروا عشر آلاف رجل ~~أمسك كل واحد منهم إحدى الجنائب التي ذكرتها وساروا مائة مائة وأمامهم ~~الموسيقيون ينفخون البوق ويضربون الطبل والمزمار وسار خلفهم فوج من الجيش ~~مضى هؤلاء من قصر السلطان حتى رأس الخيول أتت الجمال وعليها المهود ~~والمراقد ومن بعدها البغال وعليها العماريات وقد ابتعد السلطان عن الجيش ~~والجنائب وهو شاب كامل الجسم طاهر الصورة من أبناء أمير المؤمنين حسين بن ~~علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما كان حليق شعر الرأس يركب على بغل ليس في ~~سرجه أو لجامه حلية فليس عليه ذهب أو فضة وقد ارتدى قميصا أبيض عليه فوطة ~~فضفاضة كالتي تلبس في بلاد المغرب والتي تسمى في بلاد العجم دراعة وقيل أن ~~اسم هذا القميص الدبيقي وإنه يساوي عشر آلاف دينار وكان على رأسه عمامة من ~~لونه ويمسك بيده سوطا ثمينا وأمامه ثلاثمائة راجل ديلمي عليهم ثياب رومية ~~مذهبة وقد حزموا خصورهم وأكمامهم واسعة كما يلبس رجال مصر ومعهم النشاب ~~والسهام وقد عصبوا سيقانهم ويسير مع السلطان حامل المظلة راكبا حصانا وعلى ~~رأسه عمامة مذهبة مرصعة وعليه حلة قيمتها عشرة آلف دينار ذهبي مغربي ~~والمظلة التي بيده ثمينة جدا وهي مرصعة ومكللة وليس مع السلطان فارس غير ~~حامل المظلة وقد سار أمامه الديالمة وعلى يمينه ويساره جماعة من الخدم ~~PageV00P096 # يحملون المجامر ويحرقون العنبر والعود والعادة في مصر أن يسجد الرجال ~~للسلطان وأن يدعوا له كلما ms44 قرب منهم وجاء بعد السلطان الوزير مع قاضي ~~القضاة وفوج كبير من أهل العلم وأركان الدولة وقد ذهب السلطان إلى حيث ضرب ~~الشراع على رأس سد الخليج أي فم النهر وظل ممتطيا البغل تحت السرادق مدة ~~ساعة وبعد ذلك سلموه مزراقا ليضرب به السد ثم عجل الرجال بهدمه بالمعاول ~~والفؤوس والمخارف فانساب الماء وقد كان مرتفعا وجرى دفعة واحدة في الخليج ~~وفي هذا اليوم يخرج جميع سكان مصر والقاهرة للتفرج على فتح الخليج وتجرى ~~فيه أنواع الألعاب العجيبة وكان في أول سفينة نزلت الخليج جماعة من الخرس ~~يسمون بالفارسية كنكت ولآل لعلهم يتفاءلون بنزولهم ويجري السلطان عليهم ~~صدقاته في هذا اليوم وكان للسلطان إحدى وعشرون سفينة وقد عمل لها حوض خاص ~~قرب القصر في اتساع ميدانين أو ثلاثة وطول كل سفينة منها خمسون ذراعا ~~وعرضها عشرون ذراعا وكلها مزينة بالذهب والفضة والجواهر والديباج ولو ~~وصفتها لسطرت أوراقا كثيرة وهذه السفن كلها مربوطة في الحوض معظم الوقت ~~كالبغال في الإصطبل PageV00P097 # وللسلطان حديقة تسمى حديقة عين شمس على فرسخين من القاهرة وهناك عين ماء ~~عذبة سمي البستان بها ويقال إن هذه الحديقة كانت لفرعون وقد رأيت قربها ~~بناية قديمة بها أربع قطع من الحجارة الكبيرة كل قطعة مثل المنارة وطول كل ~~منها ثلاثون ذراعا وكان الماء يقطر من رؤوسها ولا يدري أحد ما هي وفي ~~الحديقة شجرة البلسان يقال إن آباء هذا PageV00P098 # السلطان أتوا ببذرتها من بلاد المغرب وزرعوها في الحديقة ولا يوجد غيرها ~~في جميع الآفاق وهي غير معروفة في بلاد المغرب ومع أن لهذه الشجرة بذرا إلا ~~أنه لا ينبت حيثما زرع وإذا نبت فلا يخرج الزيت منه وهذه الشجرة مثل شجرة ~~الآس يشذبون غصونها بالنصل حينما تكبر ويربطون زجاجة عند موضع كل قطع فيخرج ~~منه الدهن كالصمغ وحين ينفذ ما فيها من دهن تجف ويحمل البستانيون غصونها ~~إلى المدينة ويبيعونها ولحاؤها ثخين وطعمه كاللوز حين يقشر وينبت في جزعها ~~أغصان في السنة التالية فيعملون بها كما فعلوا في السنة ms45 الغابرة ولمدينة ~~القاهرة عشر محلات وهم يسمون المحلة حارة وهي حارات برجوان وزويله ~~والجودرية والأمراء والديالمة PageV00P099 # والروم والباطلية وقصر الشوق وعبيد الشرا والمصامدة وصف مدينة مصر شيدت ~~مصر على ربوة وجانبها الشرقي جبلي يتكون من جبال حجرية غير عالية كالتلال ~~وفي طرف المدينة جامع ابن طولون وهو مشيد على ربوة وله جداران محكمان ولم ~~أر أعظم منهما غير جدار آمد وميافارقين وقد بناه أمير من أمراء العباسين ~~كان حاكما على مصر وفي أيام الحاكم بأمر الله جد هذا السلطان المستنصر باعه ~~أحفاد ابن طولون بثلاثين ألف دينار PageV00P100 # مغربي وبعد مدة شرعوا في هدم المئذنة بحجة أنها لم تبع فأرسل لهم الحاكم ~~قائلا بقد بعتموني هذا المسجد فكيف تهدمونه فأجابوا نحن لم نبع المئذنة ~~فأعطاهم خمسة آلاف دينار ثمنا لها وكان السلطان يصلي في هذا المسجد طوال ~~شهر رمضان وأيام الجمع من بقية الشهور ومدينة مصر مشيدة على ربوة خشية ~~فيضان الماء عليها وهذه الربوة كانت مغطاة في وقت ما بأحجار كبيرة جدا ~~فكسرت وسويت ويقال الآن للأماكن التي لم تسو عقبة وتبدو مصر كأنها جبل حين ~~ينظر إليها من بعيد وبمصر بيوت مكونة من أربع عشرة طبقة وبيوت من سبع طبقات ~~وسمعت من ثقات أن شخصا غرس حديقة على سطح بيت من سبعة أدوار وحمل إليها ~~عجلا رباه فيها حتى كبر ونصب فيها ساقية كان هذا الثور يديرها ويرفع الماء ~~إلى الحديقة من البئر وزرع على هذا السطح شجر النارنج والترنج والموز ~~وغيرهما وقد أثمرت كلها كما زرع فيها الورد والريحان وأنواع الزهور الأخرى ~~وسمعت من تاجر ثقة أن بمصر دورا كثيرة فيها حجرات للاستغلال أي للإيجار ~~ومساحتها ثلاثون ذراعا في ثلاثين وتسع ثلاثمائة وخمسين شخصا وهناك أسواق ~~وشوارع تضاء فيها القناديل دائما لأن الضوء لا يصل إلى أرضها ويسير فيها ~~الناس وفي مصر سبعة جوامع غير جوامع القاهرة والمدينتان متصلتان وفيهما معا ~~خمسة عشر جامعا (مسجد جمعة) وذلك لتلقى خطبة الجمعة والصلاة PageV00P101 # في كل حي منهما وفي وسط سوق ms46 مصر جامع يسمى باب الجوامع شيده عمرو بن ~~العاص أيام إمارته على مصر من قبل عمر بن الخطاب وهذا المسجد قائم على ~~أربعمائة عمود في الرخام والجدار الذي عليه المحراب مغطى كله بألواح الرخام ~~الأبيض التي كتب القرآن عليها بخط جميل ويحيط بالمسجد من جهاته الأربع ~~الأسواق وعليها تفتح أبوابه ويقيم بهذا المسجد المدرسون والمقرئون وهو مكان ~~اجتماع سكان المدينة الكبيرة ولا يقل من من فيه في أي وقت عن خمسة آلاف من ~~طلاب العلم والغرباء والكتاب الذين يحررون الصكوك والعقود وغيرها وقد اشترى ~~الحاكم بأمر الله هذا المسجد من أبناء عمرو بن العاص وكانوا قد ذهبوا اليه ~~وقالوا نحن فقراء معوزون وقد بنى جدنا هذا المسجد فإذا اذن السلطان نهدمه ~~ونبيع أحجاره ولبناته فاشتراه الحاكم بمائة آلف دينار وأشهد على ذلك كل أهل ~~مصر ثم أدخل عليه عمارات كثيرة عظيمة منها ثريا فضية لها ستة عشر جانبا كل ~~جانب منها ذراع ونصف فصارت دائرتها أربعا وعشرين ذراعا ويوقدون في ليالي ~~المواسم أكثر من سبعماية قنديل ويقال ان وزن هذه الثريا خمسة وعشرون قنطارا ~~فضة كل قنطار مائة رطل وكل رطل أربعة وأربعون ومائة درهم ويقال انه حين تم ~~صنعها لم يتسع لها باب من أبواب المسجد لكبرها فخلعوا بابا وأدخلوها منه ثم ~~أعادوا الباب مكانه ويفرش هذا المسجد بعشر طبقات من الحصير الجميل الملون ~~بعضها فوق بعض ويضاء كل ليلة بأكثر من مائة قنديل وفي هذا المسجد مجلس قاضي ~~القضاة PageV00P102 # وعلى الجانب الشمالي للمسجد سوق يسمى سوق القناديل لا يعرف سوق مثله في ~~أي بلد وفيه كل ما في العالم من طرائف ورأيت هناك الأدوات التي تصنع من ~~الذبل كالأوعية والأمشاط ومقابض السكاكين وغيرها ورأيت كذلك معلمين مهرة ~~ينحتون بلورا غاية في الجمال وهم يحضرونه من المغرب وقيل إنه ظهر حديثا عند ~~بحر القلزم بلور ألطف وأكثر شفافية من بلور المغرب ورأيت أنياب الفيل أحضرت ~~من زنجبار وكان وزن كثير منها يزيد على مائتي من كما أحضر جلد البقر ms47 من ~~الحبشة يشبه جلد النمر ويعملون منه النعال وقد جلبوا من الحبشة طائرا أليفا ~~كبيرا به نقط بيضاء وعلى رأسه تاج مثل الطاووس وتنتج مصر عسلا وسكرا كثيرا ~~وفي اليوم الثالث من شهر دي القديم (ديسمبر يناير) من السنة الفارسية ست ~~عشرة وأربعمائة رأيت في يوم واحد هذه الفواكه والرياحين الورد الأحمر ~~والنيلوفر والنرجس والترنج والنارنج والليمون والمركب والتفاح والياسمين ~~والريحان الملكي والسفرجل والرمان والكمثري والبطيخ والعطر والموز والزيتون ~~والبليج (الإهليلج) والرطب والعنب وقصب السكر والباذنجان والقرع واللفت ~~والكرنب والفول الأخضر والخيار والقثاء والبصل والثوم والجزر والبنجر وكل ~~من يفكر كيف تجتمع هذه الأشياء التي بعضها خريفي وبعضها ربيعي وبعضها صيفي ~~وبعضها شتوي لا يصدق هذا ولكن ليس لي قصد فيما ذكرت ولم أكتب الا ما رأيت ~~وأما ما سمعته ثم كتبته فليست عهدته على فولاية مصر عظيمة الاتساع بها كل ~~أنواع الجو من البارد والحار وتجلب كل الحاجيات لمدينة مصر من جميع البلاد ~~ويباع بعضها في الأسواق ويصنعون بمصر الفخار من كل نوع وهو لطيف وشفاف بحيث ~~إذا وضعت يدك عليه من الخارج ظهرت من الداخل وتصنع منه الكؤوس PageV00P103 # والأقداح والأطباق وغيرها وهم يلونونها بحيث تشبه البوقلمون فتظهر مختلف ~~في كل جهة تكون بها ويصنعون بمصر قوارير كالزبرجد في الصفاء والرقة ~~ويبيعونها بالوزن وسمعت من بزاز ثقة أن وزن الدرهم الواحد من الخيط يشترى ~~بثلاثة دنانير مغربية وهي تساوي ثلاثة دنانير ونصف نيسابورية وقد سألت في ~~نيسابور بكم يشترون أجود الخيط فقالوا إن الخيط الذي لا نظير له يشترى ~~الدرهم منه بخمسة دراهم ومدينة مصر ممتدة على شاطئ النيل الذي بنيت عليه ~~القصور والمناظر الكثيرة بحيث إذا احتاجوا إلى الماء رفعوه بالحبال من ~~النيل أما ماء المدينة فيحضره السقاءون من النيل أيضا يحمله بعضهم على ~~الإبل وبعضهم على كتفه ورأيت قدورا من النحاس الدمشقي كل واحد منها يسع ~~ثلاثين منا وكانت من الطلاوة بحيث تظنها من ذهب وقد حكوا لي أن امرأة تملك ~~خمسة آلاف قدر وأنها تؤجر الواحد ms48 منها بدرهم في الشهر وينبغي أن يردها ~~المستأجر سليمة وأمام مصر جزيرة وسط النيل كان عليها مدينة في وقت ما ~~والجزيرة غربي المدينة وبها مسجد جمعة وحدائق وهي صخرة وسط النهر تقسمه ~~قسمين كل منهما في اتساع جيحون ولكن أكثر هدوءا وبطأ في جريانه وثبت بين ~~الجزيرة والمدينة جسر من ست وثلاثين سفينة ويقع جزء من مدينة مصر على جانب ~~النيل الآخر ويسمونه الجيزلا وبها مسجد لصلاة الجمعة ولكن ليس لها جسر ولذا ~~يعبر الناس بالزوار أو بالمعابر وهي كثيرة في مصر أكثر مما في بغداد أو ~~البصرة PageV00P104 # وتجار مصر يصدقون في كل ما يبيعونه وإذا كذب أحدهم على مشتر فإنه يوضع ~~على جمل ويعطى جرسا بيده ويطوف به في المدينة وهو يدق الجرس وينادي قائلا ~~قد كذبت وها أنا أعاقب وكل من يقول الكذب فجزاؤه العقاب ويعطي التجار في ~~مصر من بقالين وعطارين وبائعي خردوات الأوعية اللازمة لما يبيعون من زجاج ~~أو خزف أو ورق حتى لا يحتاج المشتري أن يحمل معه وعاء ويستخرجون من بذور ~~الفجل واللفت زيتا للمصابيح يسمونه الزيت الحار والسمسم هناك قليل وزيته ~~عزيز وزيت الزيتون رخيص والفستق أغلى من اللوز ولا تزيد العشرة أمنان من ~~اللوز المقشور على دينار واحد ويركب أهل السوق وأصحاب الدكاكين الحمر ~~المسرجة في ذهابهم وإيابهم من البيوت إلى السوق وفي كل حي على رأس الشوارع ~~حمر كثيرة عليها برادع مزينة يركبها من يريد نظير أجر زهيد وقيل إنه يوجد ~~خمسون ألف بهيمة مسرجة تزين كل يوم وتكرى ولا يركب الخيل إلا الجند والعسكر ~~فلا يركبها التجار أو القرويون أو أصحاب الحرف والعلماء ورأيت كثيرا من ~~الحمر البلق كالخيل بل أجمل وكان أهل مدينة مصر في غنى عظيم حين كنت هناك ~~وفي سنة تسع وثلاثين وأربعمائة (1047) ولد للسلطان ولد فأمر الناس بإقامة ~~الأفراح فزينت المدينة والأسواق زينة لو وصفتها لما اعتقد بعض الناس صحة ما ~~أقول ولما صدقوني فقد كانت دكاكين البزازين والصرافين وغيرهم مملوءة بالذهب ~~والجواهر والنقد والأمتعة المختلفة ms49 والملابس المذهبة والمقصبة بحيث لا يوجد ~~فيها متسع لمن يريد أن يجلس وكان الناس جميعا يثقون بالسلطان فلا يخشون ~~الجواسيس ولا الغمازين معتمدين على أن السلطان لا يظلم أحد ولا يطمع في مال ~~أحد ورأيت أموالا يملكها بعض المصرين لو ذكرتها أو وصفتها لما صدقني الناس ~~في فارس فإني PageV00P105 # لا أستطيع أن أحدد أموالهم أو أحصرها أما الأمن الذي رأيته هناك فإني لم ~~أره في بلد من قبل وقد رأيت هناك نصرانيا من سراة مصر قيل إن سفنه وأمواله ~~وأملاكه لا يمكن أن تعد وحدث في سنه ما أن كان النيل ناقصا وكانت الغلة ~~عزيزة فأرسل الوزير إلى هذا النصراني وقال ليست السنة رخاء والسلطان مشفق ~~على الرعية فاعط ما استطعت من الغلة إما نقدا وإما قرضا قال النصراني أسعد ~~الله السلطان والوزير إن لدي من الغلة ما يمكنني من إطعام أهل مصر الخبز ست ~~سنوات ولا شك ان سكان مصر في ذلك الوقت كانوا كثرين فإن سكان نيسابور خمسهم ~~مع الإسراف في التقدير وكل من يستطيع الحكم يدرك كم ينبغي أن يكون لهذا ~~الثري لتبلغ غلته هذا المقدار وأي سلام كانت فيه الرعية وأي عدل كان ~~للسلطان بحيث تكون أحوال الناس على هذا الوضع وأموالهم بهذا القدر لم يكن ~~السلطان يظلم أو يجور على أحد ولا كان أحد من الرعية يخفي أو ينكر شيئا مما ~~يملك ورأيت هناك خانا يسمى دار الوزير لا يباع فيه سوى القصب وفي الدور ~~الأسفل منه يجلسن الخياطون وفي الأعلى الرفاءون وسألت القيم عن أجرة هذا ~~الخان الكبير فقال كانت سنة عشرين ألف دينار مغربي ولكن جانبا منه قد تخرب ~~وهو يعمر الآن فيحصل منه كل شهر ألف دينار يعني اثني عشر ألف دينار في ~~السنة وقيل إن في هذه المدينة مائتي خان أكبر منه أو مثله وصف مائدة ~~السلطان يقيم السلطان مأدبة في كل من العيدين ويأذن بالاستقبال في قصره ~~PageV00P106 # للخواص والعوام وتنصب مائدة الخواص في حضرته ومائدة العوام في سرايات ~~أخرى وقد ms50 سمعت كثيرا عن هذه المآدب فرغبت في رؤيتها رأي العين فذهبت عند ~~أحد كتاب السلطان وكنت قد صاحبته فتوطدت الصداقة بيننا وقلت له رأيت مجالس ~~ملوك وسلاطين العجم مثل السلطان محمود الغزنوي وابنه السلطان مسعود وقد ~~كانا ملكين عظيمين ذوي نعمة وجلال وأريد أن أرى مجالس أمير المؤمنين فنقل ~~رغبتي إلى الموكل بالستار المسمى صاحب الستر وقد تفضل هذا فسمح لي بالذهاب ~~في آخر رمضان سنة أربعين وأربعمائة (7 مارس 1049) وكان المجلس قد أعد لليوم ~~الثاني وهو يوم العيد حيث يحضر السلطان بعد الصلاة فيجلس في صدر المائدة ~~حين دخلت من باب السراي رأيت عمارات وصفف وإيوانات إن أصفها يطل الكتاب كان ~~هناك اثنا عشر جناحا أبنيتها مربعة وكلها متصلة بعضها ببعض وكلما دخلت ~~جناحا منها وجدته أحسن من سابقه ومساحة كل واحد منها مائة ذراع في مائة عدا ~~واحدا منها كانت مساحته ستين ذراعا في ستين كان بهذا الأخير تخت يشغل عرضه ~~بتمامه وعلوه أربع أذرع وهو مغطى بالذهب من جهاته الثلاث وعليه صور المصطاد ~~والميدان وغيرهما كما أن عليه كتابة جميلة وكل ما في هذا الحرم من الفرش ~~والطرح من الديباج الرومي والبوقلمون نسجت على قدر كل موضع تشغله وحول ~~التخت درابزين من الذهب المشبك يفوق حد الوصف ومن خلف التخت بجانب الحائط ~~درجات من الفضة وبلغ هذا التخت من العظمة أني لو قصرت هذا الكتاب كله على ~~وصفه ما استوفيت الكلام وما كفى PageV00P107 # وقيل إن راتب السكر في ذلك اليوم الذي تنصب فيه مائدة السلطان خمسون ألف ~~من وقد رأيت على المائدة شجرة أعدت للزينة تشبه شجرة الترنج كل غصونها ~~وأوراقها وثمارها مصنوعة من السكر وعليها ألف صورة وتمثال مصنوعة كلها من ~~السكر أيضا ومطبخ السلطان خارج القصر ويعمل فيه دائما خمسون غلاما ويصل ~~القصر بالمطبخ طريق تحت الأرض وجرت العادة في مصر أن يحمل إلى دار الشراب ~~السلطانية (شرابخانة) كل يوم أربعة عشر حملا من الثلج وكان لمعظم الأمراء ~~والخواص راتب من هذا الثلج ويصرف منه ms51 لمن يطلبه من مرضى المدينة وكذلك كل ~~من يطلب من أهلها مشروبا أو دواء من الحرم السلطاني فإنه يعطاه كما أن هناك ~~زيوتا أخرى كزيت البلسان وغيره كان للناس كافة أن يطلبوها فلا تمنع عنهم ~~سيرة سلطان مصر بلغ أمن المصريين واطمئنانهم إلى حد أن البزازين وتجار ~~الجواهر والصيارفة لا يغلقون أبواب دكاكينهم بل يسدلون عليها الستائر ولم ~~يكن أحد يجرؤ على مد يده إلى شيء منها يحكى أنه كان بمصر يهودي وافر الثراء ~~يتجر بالجواهر وكان مقربا من السلطان الذي كان يعتمد عليه في شراء ما يريد ~~من الجواهر الكريمة وذات يوم اعتدى عليه الجنود وقتلوه فلما ارتكبوا هذا ~~الجرم خشوا بطش السلطان فركب عشرون ألف فارس منهم وخرجوا إلى الميدان وهكذا ~~خرج الجيش إلى الصحراء وخاف أهل المدينة مغبة هذه المظاهرة إذ ظل الجيش في ~~الصحراء حتى منتصف النهار فخرج إليهم خادم القصر ووقف بباب السراي وقال إن ~~السلطان يسأل إذا كنتم مطيعين أم لا فصاحوا صيحة واحدة نحن عبيد مطيعون ~~ولكننا أذنبنا فقال الخادم يأمركم السلطان بأن تعودوا فعادوا في الحال ~~PageV00P108 # واسم هذا اليهودي المقتول أبو سعيد وكان له ابن وأخ وقيل إنه لا يعرف مدى ~~غناه إلا الله فقد كان على سقف داره ثلاثمائة جرة من الفضة زرع في كل منها ~~شجرة كأنها حديقة وكلها أشجار مثمرة وقد كتب أخوه لما ملكه من الفزع رسالة ~~للسلطان يقول فيها إني أقدم للخزانة مائتي ألف دينار مغربي حالا فأمر ~~السلطان بعرض الرسالة على الناس وتمزيقها على الملأ وقال كونوا آمنين ~~وعودوا إلى بيوتكم فليس لأحد شأن بكم ولسنا بحاجة لمال أحد واستمالهم إليه ~~وكان لكل مسجد في جميع المدن والقرى التي نزلت بها من الشام إلى القيروان ~~نفقات يقدمها وكيل السلطان من زيت السرج والحصير والبوريا وسجاجيد الصلاة ~~ورواتب القوام والفراشين والمؤذنين وغيرهم وكتب والي الشام في بعض السنين ~~إلى السلطان بأن الزيت قليل ثم استأذن في أن يصرف للمساجد الزيت الحار ~~المستخرج من بذور الفجل واللفت فأجيب ms52 إنك مأمور لا وزير وليس من الجائز أن ~~تغير أو تبدل في شيء يتعلق ببيت الله ويتقاضى قاضي القضاة ألفي دينار مغربي ~~في الشهر ومرتب كل قاض على قدر مرتبته ذلك حتى لا يطمع القضاة في أموال ~~الناس أو يظلمونهم والعادة في مصر أن يقرأ مرسوم السلطان في المساجد في ~~منتصف رجب وهو يا معشر المسلمين حل موسم الحج وسيجهز ركب السلطان كالمعتاد ~~وسيكون معه الجنود والخيل والجمال والزاد وينادى بذلك في شهر رمضان ~~PageV00P109 # أيضا ويبدأ الناس في السفر ابتداء من أول ذي القعدة وينزلون في موضع معين ~~ثم يسيرون في منتصف هذا الشهر ويبلغ خرج الجيش الذي يرافق السلطان ألف ~~دينار مغربي في اليوم هذا عدا عشرين دينارا مرتبة لكل رجل فيه ويبلغون مكة ~~في خمسة وعشرين يوما ويمكثون بها عشرة أيام ثم يعودون إلى مصر في خمسة ~~وعشرين يوما ونفقاتهم في الشهرين ستون ألف دينار مغربي عدا التعهدات ~~والصلات والمشاهرات وثمن الجمال التي تنفق في الطريق وقد قرى على الناس سنة ~~تسع وثلاثين وأربعمائة المرسوم التالي من سجل السلطان يقول أمير المؤمنين ~~أنه ليس من الخير أن يسافر الحجاج للحجاز هذا العام فإن به قحطا وضيقا وقد ~~هلك به خلق كثيرون وأني أقول هذا شفقة بالمسلمين فلم يسافر الحجاج وكان ~~السلطان يرسل الكسوة للكعبة كالمعتاد لأنه يرسلها مرتين كل سنة فلما سافرت ~~الكسوة مع وفد السلطان عن طريق القلزم سافرت معهم فخرجت من مصر أول ذي ~~القعدة وبلغت القلزم في الثامن منه ومن هناك أقلعت السفينة فبلغنا بعد خمسة ~~عشر يوما مدينة تسمى الجار في الثاني والعشرين من ذي القعدة وقمنا من هناك ~~فبلغنا مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أربعة أيام المدينة والمدينة ~~بلد على حافة الصحراء أرضها رطبة وملحة يجري بها ماء قليل وهي كثيرة النخل ~~والقبلة هناك ناحية الجنوب ومسجد الرسول عليه الصلاة والسلام قدر المسجد ~~الحرام ومقامه عليه الصلاة والسلام بجانب المنبر يسار المصلين وهو متوجهون ~~ناحية القبلة فحين يذكر الخطيب وهو فوق ms53 PageV00P110 # المنبر النبي عليه السلام ويصلي عليه يلتفت ناحية اليمين ويشير إلى ~~المقام الشريف وهذا المقام مخمس ترتفع حوائطه من بين أعمدة المسجد ويحيط به ~~خمسة أعمدة وكان في آخره حظيرة أحيطت بسياج حتى لا يدخلها أحد وأسدل على ~~الجزء المكشوف منها شبكة حتى لا تدخلها الطيور وبين قبر الرسول والمنبر ~~مسافة من الرخام تشبه الساحة وتسمى الروضة ويقال إنها روضة من رياض الجنة ~~كما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام ما بين قبري ومنبري روضة من رياض ~~الجنة ويقول الشيعة إن هناك قبر فاطمة الزهراء عليها السلام وللمسجد باب ~~واحد وخارج المدينة ناحية الجنوب صحراء بها مقبرة فيها قبر (أمير المؤمنين) ~~حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه يسمونها قبور الشهداء وقد أقمنا يومين ~~بالمدينة ثم غادرناها لضيق الوقت فسرنا شرقا وعلى منزلين منها جبل ومضيق ~~يشبه الوادي يسمى الجحفة وهناك ميقات حجاج المغرب والشام ومصر والميقات هو ~~الموضع الذي يحرم منه الحجاج ويقال إن الحجاج نزلوا هناك في سنة ما وكانوا ~~كثيرين فنزل عليهم السيل فجأة فأهلكهم لذلك سمي هذا المكان الحجفة وبين مكة ~~والمدينة مائة فرسخ من الصخر قطعناها في ثمانية أيام وقد بلغنا مكة في يوم ~~الأحد السادس من ذي الحجة ونزلنا عند باب الصفا وكان بمكة قحط فكانت ~~الأربعة أمنان من الخبز بدينار نيسابوري وقد هاجر منها المجاورون ولم يفد ~~عليها حاج من أي بلد وقد أدينا فريضة الحج لله الحق سبحانه وتعالى يوم ~~الأربعاء في عرفات ولبثنا بمكة يومين قد خرج من الحجاز خلق كثير مما أصابهم ~~من الجوع والفقر وتفرقوا في البلاد PageV00P111 # ولا أذكر مناسك الحج ووصف مكة الآن سأذكر ذلك عند ذكر آخر نوبة للحج حين ~~بقيت ستة أشهر بمكة مجاورا وسأشرح ما رأيت ثم توجهنا ناحية مصر فبلغناها ~~بعد خمسة وسبعين يوما وقد هاجر إليها من الحجاز في هذا العام خمسة وثلاثون ~~ألف آدمي فكساهم السلطان وأجرى عليهم الرزق سنة كاملة وقد كانوا جميعا ~~جائعين عرايا ولما أمطرت السماء في بلادهم وكثر ms54 فيها الطعام كساهم السلطان ~~صغيرهم وكبيرهم وأغدق عليهم الصلات ثم رحلهم إلى الحجاز وفي شهر رجب سنة ~~أربعين وأربعمائة (ديسمبر سنة 1048) قرأوا على الناس مرة أخرى مثالا ~~للسلطان بأن في الحجاز قحطا وليس من الخير أن يسافر الحجاج فلينفقوا المال ~~على أنفسهم وليفعلوا ما أمر الله به وفي هذه السنة أيضا لم يسافر الحجاج ~~ولكن السلطان لم يقصر البتة في إرسال ما كان يرسله كل سنة من الكسوة وأجور ~~الخدم والحاشية وأمراء مكة والمدينة وصلة أمير مكة وقد كانت ثلاثة آلاف ~~دينار في الشهر وكانت ترسل اليه الخيول والخلع مرتين في السنة وعهد بهذا في ~~هذه السنة إلى رجل اسمه القاضي عبد الله من قضاة الشام وقد ذهبت معه من ~~طريق القلزم وقد بلغت السفينة الجار في الخامس والعشرين من ذي القعدة وكان ~~موعد الحج قد قرب كثيرا وكان الجمل يؤجر بخمسة دنانير فذهبنا مسرعين بلغت ~~مكة في الثامن من ذي الحجة وأديت فريضة الحج بعون الله سبحانه وتعالى وقد ~~حدث أن قافلة عظيمة أتت للحج من بلاد المغرب وفي أثناء عودة حجاجها عند باب ~~المدينة المنورة طلب العرب الخفارة منهم فقامت الحرب بينهم وقتل من ~~المغاربة أكثر من ألفي رجل ولم يعد كثير منهم إلى المغرب وفي هذه الحجة ~~أيضا قام جماعة من أهل خراسان عن PageV00P112 # طريق الشام ومصر فبلغوا المدينة في سفينة وقد بقي عليهم أن يقطعوا مائة ~~فرسخ وأربعة حتى عرفات وهم في السادس من ذي الحجة فقالوا إن كلا منا يدفع ~~أربعين دينارا لمن يرحلنا إلى مكة في هذه الأيام الثلاثة الباقية لنلحق ~~الحج فجاء الأعراب وأوصلوهم إلى عرفات في يومين ونصف يوم وأخذوا أجورهم ~~ذهبا وكانوا قد شدوهم إلى جمال سريعة وأتوا بهم من المدينة إلى عرفات وقد ~~هلك اثنان منهم وكانوا موثقين على الجمال وكان أربعة منهم نصف أموات وقد ~~بلغوا عرفات ونحن هناك ساعة صلاة العصر وكانوا لا يستطيعون الوقوف أو ~~الكلام قالوا إنا توسلنا كثيرا في الطريق أن يأخذ هؤلاء الأعراب الذهب ms55 الذي ~~اشترطنا وأن يتركونا فإنه لا طاقة لنا على مواصلة السفر ولكنهم لم يسمعوا ~~لنا وساقونا على هذا النحو ومهما يكن فقد حج هؤلاء الأربعة وعادوا عن طريق ~~الشام وبعد أن أكملت الحج توجهت نحو مصر فقد كانت لي بها كتب ولم يكن في ~~نيتي أن أعود إليها وقد صحبت أمير مكة إلى مصر هذا العام فقد كان له رسم ~~على السلطان يعطاه كل سنة لقرابته من أبناء الحسين بن علي صلوات الله ~~عليهما فركبت السفينة معه حتى مدينة القلزم ومن هناك سرنا إلى مصر في سنة ~~إحدى وأربعين وأربعمائة (1049) وأنا بمصر جاء الخبر أن ملك حلب قد شق عصا ~~الطاعة على السلطان وكان تابعا له وكان آباؤه ملوكا على حلب وكان للسلطان ~~خادم اسمه عمدة الدولة هو أمير المطالبين وكان عظيم الجاه والمال ويسمى ~~مطالبا من يبحث عن تلال مصر عن الكنوز والدفائن ويأتي لهذا الأمر رجال من ~~المغرب وأديار مصر والشام ويتحمل PageV00P113 # كل منهم المشاق وينفق المال الكثير في تلال مصر ومحاجرها وكثيرا ما لا ~~يجدون الدفائن والكنوز وكثيرا ما ينفقون المال ولا يهتدون إلى شيء منها ~~فإنهم يقولون إن أموال فرعون مدفونة في هذه المواضع ويأخذ السلطان خمس ما ~~يكشفه المطالب والباقي له قصارى القول إن السلطان بعث هذا الخادم إلى حلب ~~وأمده بقوة ليشد أزره وأعطاه كل ما ينبغي للملوك من الدهاليز والسرر فلما ~~بلغ حلب وقاتل وقتل وكانت أمواله من الكثرة بحيث استغرق نقلها من خزائنه ~~إلى خزائن السلطان شهرين وكان من جملتها ثلاثمائة جارية أكثرهن كالبدور ~~وبعض سراريه وقد أمر السلطان بأن يكن مخيرات فمن رغبن في الزواج منهن زوجهن ~~ومن لم يردن أعدن إلى بيوتهن وصرفت إليهن أموالهن كاملة فلم تجبر واحدة ~~منهن على شيء ولما قتل عمدة الدولة خاف ملك حلب أن يرسل له السلطان جيشا ~~فبادر بإرسال ابنه وهو في السابعة من عمره مع زوجه ومعهما كثير من التحف ~~والهدايا للسلطان وذلك ليعتذرا عما فعل فلما جاءا مكثا ما يقرب من ms56 شهرين ~~خارج مصر ولم يؤذن لهما بالدخول ولم تقبل تحفهما إلى أن شفع لهما الأئمة ~~والقضاة عند السلطان وتوسلوا اليه أن يقابلهما ففعل ثم رجعا بالتشريف ~~والخلع ومن جملة ما رأيت في مصر أنه إذا أراد أحدهم غرس حديقة يستطيع ذلك ~~في أي فصل من فصول السنة فإنه يحصل دائما على الشجر الذي يريد PageV00P114 # فيزرعه مثمرا أو بغير ثمر وهناك تجار لذلك يقدمون كل ما يطلب منهم فقد ~~زرعوا الأشجار في أصص ووضعوها فوق الأسطح وكثير من سقوف بيوتهم حدائق ~~أكثرها مثمر من النارنج والترنج والرمان والتفاح والسفرجل والورد والريحان ~~والزهر فإذا اشترى أحدهم شجرا حمل الحمالون الأصص بالشجر بعد شدها على لوح ~~من خشب ونقلوها إلى حيث يشاء ثم يحفر الزراع الأرض لغرس الشجر إما بكسر ~~الأصص أو بنزع الشجر منها من غير أن يضار الشجر بهذا ولم أر هذا النظام في ~~أي مكان آخر كما أني لم أسمع به والحق أنه نظام جميل جدا العودة إلى خراسان ~~عن طريق الصعيد الأعلى وبلاد العرب والعراق والآن أعود إلى وطني من مصر عن ~~طريق مكة حرسها الله تعالى من الآفات أقول أديت صلاة العيد في القاهرة ~~وغادرت مصر في سفينة يوم الثلاثاء الرابع عشر من ذي الحجة سنة إحدى وأربعين ~~وأربعمائة (10 ابريل 1050) واتجهنا نحو الصعيد الأعلى وهو ولاية مصرية في ~~الجنوب يأتي منها ماء النيل إلى مصر وأكثر رغدها منه وهناك على ضفتي النيل ~~كثير من المدن والقرى يطول وصفها وقد بلغنا مدينة تسمى أسيوط يزرع فيها ~~الأفيون وهو الخشخاش وحبه أسود حين تنمو الشجرة تكسر ويربط كيس في موضع ~~الكسر فيخرج منه عصير يشبه اللبن فيجمعونه ويحفظونه وهو الأفيون وبذور هذا ~~الخشخاش صغيرة مثل الكمون وينسجون في أسيوط عمائم من صوف PageV00P115 # الخراف لا مثيل لها في العالم والصوف الدقيق الذي يصدر إلى بلاد العجم ~~والمسمى الصوف المصري كله من الصعيد الأعلى لأنهم لا ينتجون الصوف بمدينة ~~مصر نفسها وقد رأيت في أسيوط فوطة من صوف الغنم لم أر ms57 مثلها في لهاور أو ~~ملتان وهي من الرقة بحيث تحسبها حريرا ومن هناك بلغنا مدينة تسمى قوص رأيت ~~فيها أبنية عظيمة من الحجارة تبعث على العجب في نفس من يراها وهي مدينة ~~قديمة محاطة بسور من الحجر وأكثر أبنيتها من الحجارة الكبيرة التي يزن ~~الواحد منها عشرين أو ثلاثين ألف من والعجيب أنه ليس على مسافة عشرة أو ~~خمسة عشر فرسخا منها جبل أو محجر فمن أين وكيف نقلوا هذه الحجارة ومن قوص ~~بلغت مدينة تسمى إخميم وهي مدينة واسعة عامرة رجالها أشداء لها سور حصين ~~وبها نخل وبساتين كثيرة وقد أقمت بها عشرين يوما وفي هذه الجهة طريقان ~~أحدهما صحراوي لا ماء فيه والثاني طريق النيل وقد ترددنا أي الطريقين نسلك ~~وأخيرا سرنا في طريق النيل وبلغنا مدينة أسوان عند الجانب الجنوبي من أسوان ~~جبل يخرج من وسطه النيل ويقال إن السفن لا تستطيع المضي في النيل وراء هذا ~~الجبل لأن الماء هناك ينحدر من شلالات عظيمة وعلى مسافة أربعة فراسخ من هذه ~~المدينة طريق ولاية النوبة وهي ولاية أهلها جميعا نصارى ويرسل ملوكها من ~~قديم الهدايا لسلطان مصر وبين البلدين عهود ومواثيق فلا يذهب جيش السلطان ~~هناك ولا يؤذي أهلها ومدينة أسوان محصنة جدا بحيث لا يستطيع أحد أن يقصدها ~~من النوبة وبها جيش دائم للمحافظة عليها وعلى ولايتها ويقابل المدينة جزيرة ~~وسط النيل كأنها حديقة فيها نخل وزيتون وأشجار أخرى PageV00P116 # وزرع كثير ويروى زرعها بالسواقي وقد لبثت بها واحدا وعشرين يوما وكان ~~أمامنا حتى شاطئ البحر صحراء فسيحة طولها أكثر من مائتي فرسخ وكان حينذاك ~~الموسم الذي يعود فيه الحجاج على الجمال فانتظرناهم لنستأجرها ونذهب بها ~~وهي راجعة وكنت عرفت وأنا في أسوان رجلا تقيا صالحا يعرف شيئا من علم ~~المنطق اسمه عبد الله محمد بن فليج وقد عاونني في اكتراء الجمل واختيار ~~الرفيق وغير ذلك وقد استأجرت جملا بدينار ونصف دينار ورحلت عن هذا البلد في ~~الخامس من ربيع الأول سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة (29 يوليو ms58 1050) وكان ~~الطريق يتجه نحو الجنوب بعد ثمانية فراسخ من رحلتنا بلغنا جهة تسمى ضيقة ~~وهي واد في الصحراء على جانبيه حائطان من الجبال وسعته مائة ذراع وقد حفر ~~فيه بئر يخرج منه ماء كثير ولكنه ليس عذبا وبعد أن تركنا ضيقة سرنا خمسة ~~أيام في صحراء لا ماء فيها وكان مع كل منا قربة ماء ثم بلغنا منزلا يسمى ~~الحوض وهو جبل حجري فيه عينان يتفجر منهما ماء عذب يستقر في حفرة ولم يكن ~~بد من أن يذهب رجل إلى حيث العينان ليحضر الماء لشرب الإبل التي مضى عليها ~~سبعة أيام لم تشرب فيها ولم تأكل إذ أن علفها قد نفد كله وكانت تستريح مرة ~~في الأربع وعشرين ساعة وذلك من الوقت الذي تشتد فيه حرارة الشمس حتى صلاة ~~العصر وتسير بقية الوقت والمنازل التي ينزلون بها معلومة فليس ممكنا النزول ~~في أي مكان لتعذر وجود ما توقد به النار أما في هذه المنازل فإنهم يجدون ~~بعر الإبل فيتخذونه وقودا يطبخون عليه ما تيسر وكأن الإبل تعلم أنها إن ~~أبطأت ماتت عطشا فهي تسير غير محتاجة لأن يسوقها أحد متجهة من تلقاء نفسها ~~ناحية المشرق في هذه الصحارى حيث لا أثر أو علامة تدل على الطريق وهناك ~~أمكنة يقل فيها الماء مسافة خمسة عشر فرسخا ويكون ملحا وأمكنة لا يوجد فيها ~~ماء قط مسافة ثلاثين أو أربعين فرسخا PageV00P117 # وفي العشرين من ربيع الأول سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة أغسطس 1050 ~~بلغنا مدينة عيذاب ومن أسوان حتى عيذاب التي بلغناها بعد خمسة عشر يوما ~~مائتا فرسخ بالتحديد ومدينة عيذاب هذه تقع على شاطئ البحر وبها مسجد جمعة ~~وسكانها خمسمائة وهي تابعة لسلطان مصر وفيها تحصل المكوس على ما في السفن ~~الوافدة من الحبشة وزنجبار واليمن ومنها تنقل البضائع على الإبل إلى أسوان ~~في هذه الصحراء التي اجتزناها ومن هناك تنقل بالسفن إلى مصر في النيل وعلى ~~يمين عيذاب ناحية القبلة جبل من خلفه صحراء عظيمة بها مراع واسعة وخلق ~~كثيرون يسمون البجة ms59 وهم قوم لا دين لهم ولا ملة لا يؤمنون بنبي أو إمام ~~وذلك لبعدهم عن العمران وهم يسكنون الصحراء طولها أكثر من ألف فرسخ وعرضها ~~ثلاثمائة فرسخ وليس في هذه المسافة الشاسعة سوى مدينتين صغيرتين تسمى ~~الأولى بحر النعام والثانية عيذاب وتمتد هذه الصحراء من مصر إلى الحبشة ~~وذلك من الشمال إلى الجنوب وعرضها من بلاد النوبة حتى بحر القلزم وذلك من ~~الغرب إلى الشرق ويقيم بها البجة وهم ليسوا أشرار فهم لا يسرقون ولا يغيرون ~~بل يشتغلون بتربية ماشيتهم ويسرق المسلمون وغيرهم أبناءهم ويحملونهم إلى ~~المدن الإسلامية ليبيعوهم فيها وبحر القلزم هذا خليج يتفرع من المحيط عند ~~ولاية عدن ويسير شمالا حتى مدينة القلزم الصغيرة ويسمى هذا البحر بكل مدينة ~~تقع عليه فمرة يسمى القلزم ومرة عيذاب ومرة بحر النعام وقيل إن به أكثر من ~~ثلاثمائة جزيرة تأتي السفن منها محملة بالزيت والكشك وقيل إن هناك بقرا ~~وخرافا كثيرة والناس هناك مسلمون بعضهم تابع لمصر وبعضهم لليمن وليس ~~PageV00P118 # في مدينة عيذاب الصغيرة غير ماء المطر فلا بئر فيها ولا عين فإذا لم تمطر ~~السماء أحضر البجة الماء وباعوه وقد بقينا هناك ثلاثة أشهر وكنا نشتري قربة ~~الماء بدرهم أو بدرهمين وسبب بقائنا هذه المدة أن السفينة لم تقلع إذ كانت ~~الريح شمالية وكان ينبغي لرحلتنا ريح الجنوب وحينما رآني الناس طلبوا إلي ~~أن أكون خطيبهم فلم أردهم وخطبت لهم تلك المدة حتى أتى الموسم ثم سارت ~~السفينة شمالا إلى أن بلغنا جدة ويقال إن الجمال النجيبة لا توجد في مكان ~~آخر غير هذه الصحراء وهي تنقل منها إلى مصر والحجاز وقد حكى لي رجل أعتمد ~~على قوله من مدينة عيذاب قال كنت في سفينة محملة بالجمال لأمير مكة فمات ~~جمل منها فرموه في البحر فابتلعنه سمكة في الحال ولم يبق خارج فمها غير ~~رجله فجاءت سمكة أخرى وابتلعت هذه السمكة بالجمل ولم يظهر عليها أي أثر من ~~ذلك ويسمى هذا السمك بالقرش ورأيت في هذه المدينة جلد سمك يسمونه ms60 في خراسان ~~الشفق ويظنون انه نوع من الضب ولكني رأيت في عيذاب أنه سمك وله كل ما للسمك ~~من زعانف حينما كنت في أسوان كان لي صديق ذكرت اسمه قبلا وهو أبو عبد الله ~~محمد بن فليج فلما ذهبت من هناك إلى عيذاب كتب من إخلاصه لي لوكيله بها ~~كتابا يقول فيه إعط ناصرا ما يريد وهو يعطيك صكا للحساب فلما بقيت بها ~~ثلاثة أشهر وأنفقت ما معي اضطررت أن أعطي هذه الورقة للوكيل فأكرمني وقال ~~إن له والله لدي أشياء كثيرة وإني معطيك ما تريد وأعطني صكا به فتعجبت من ~~حسن صنع هذا الرجل محمد ابن فليج الذي أظهر كل هذه الطيبة بغير سابقة مني ~~اليه ولو كنت رجلا دنيئا واستحللت لنفسي أن آخذ لأخذت بهذه الورقة أشياء ~~كثيرة وقد أخذت PageV00P119 # منه مائة من من الدقيق وهو مقدار كبير هناك وأعطيته صكا به أرسله إلى ~~أسوان وقبل رحيلي من عيذاب ورد خطاب من محمد فليج لوكيله يقول فيه أعط ~~ناصرا كل ما يريد مهما تكن قيمته مما لي عندك وإذا أراد فأعطه من مالك وأنا ~~أعطيك عوضا عنه فقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه ~~المؤمن لا يكون محتشما ولا مغتنما وقد كتبت هذا الخبر حتى يعرف القارئ أن ~~الرجل يعتمد على الرجل وان الكرم في كل مكان وأن أهله كانوا وسيكونون دائما ~~وصف بلاد العرب جدة وجدة مدينة كبيرة لها سور حصين تقع على شاطئ البحر وبها ~~خمسة آلاف رجل وهي شمال البحر (الأحمر) وفيها أسواق جميلة وقبلة مسجدها ~~الجامع ناحية المشرق وليس بخارجها عمارات أبدا عدا المسجد المعروف بمسجد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولها بوابتان إحداهما شرقية تؤدي إلى مكة ~~والثانية غربية تؤدي إلى البحر ويبلغ السائر من جدة جنوبا على شاطئ البحر ~~اليمن ومدينة صعدة والمسافة إلى هناك خمسون فرسخا وإذا سار شمالا بلغ الجار ~~وهي تابعة للحجاز وليس في جدة شجر ولا زرع وكل ما يلزمها يحضرونه إليها من ms61 ~~القرى وبينها وبين مكة إثنا عشر فرسخا وأمير جدة تابع لأمير مكة تاج ~~المعالي بن أبي الفتوح الذي هو أمير المدينة أيضا وقد ذهبت إلى أمير جدة ~~فأكرم وفادتي وأعفاني مما كان يجب علي PageV00P120 # من المكس ولم يطلبه وهكذا خرجت من البوابة في سلام وقد كتب إلى مكة يقول ~~عني هذا رجل عالم فلا يجوز أن يؤخذ منه وفي يوم الجمعة بعد صلاة العصر قمت ~~من جدة فبلغت باب مكة يوم الأحد سلخ جمادى الثاني وكان قد حضر إلى مكة ~~للعمرة خلق كثيرون من نواحي الحجاز واليمن في أول رجب وهو موسم عظيم مثل ~~عيد رمضان وهم يحضرون وقت الحج ولأن طريقهم قريب وسهل يأتون إلى مكة ثلاث ~~مرات كل سنة وصف مكة تقع مكة بين جبال عالية ولا ترى من بعيد من أي جانب ~~يقصدها السائر وأقرب جبل منها هو جبل أبي قبيس وهو مستدير كالقبة لو رمي ~~سهم من أسفله لبلغ قمته وهو شرقي مكة فترى الشمس من داخل المسجد الحرام وهي ~~تشرق من فوقه في شهر دي (ديسمبر) وقد نصب على قمته برج من الحجر يقال إن ~~إبراهيم عليه السلام رفعه عليه وتشغل هذه المدينة الوادي الذي بين الجبال ~~والذي لا تزيد مساحته عن رمية سهمين في مثلها والمسجد الحرام وسط هذا ~~الوادي ومن حوله مكة والشوارع والأسواق وحيثما وجدت ثغرة بين الجبال سدت ~~بسور قوي وضعت عليه بوابة وليس بمكة شجر أبدا إلا عند باب الغربي للمسجد ~~الحرام المسمى باب إبراهيم حيث يوجد كثير من الشجر الكبير الذي يرتفع على ~~حافة البئر وعند الجانب الشرقي للمسجد سوق تمتد من الجنوب إلى الشمال وفي ~~PageV00P121 # أولها ناحية الجنوب جبل أبي قبيس الذي تقع الصفا على سفحه وتبدو على هذا ~~السفح درجات كبيرة من الحجارة المستوية التي يصعد الحجاج عليها ويدعون ربهم ~~والمروة في نهاية السوق شمالي الجبل وهي أقل ارتفاعا في وسط مكة وقد شيدت ~~عليها منازل كثيرة وما يسمى السعي بين الصفا والمروة هو المسعى في هذه ms62 ~~السوق من أولها لآخرها ويجد من يرغب العمرة وهو آت من بعيد أبراجا ومساجد ~~على مسافة نصف فرسخ حول مكة فيحرم منها للعمرة والإحرام هو نزع الملابس ~~المخيطة من على الجسد وشد المحرم وسطه بإزار ولف جسده بإزار أو وشاح آخر ~~وصياحه بصوت عال أن لبيك اللهم لبيك ثم يسير نحو مكة فإذا أراد حاج أن ~~يعتمر وهو بمكة فإنه يذهب إلى تلك الأبراج ويرتدي ثوب الإحرام ويهتف لبيك ~~ويدخل مكة بنية العمرة فحين يبلغ مكة يدخل المسجد الحرام ويسير نحو الكعبة ~~ثم يطوف ناحية اليمين بحيث تكون هذه على يساره ويتوجه إلى الركن الذي به ~~الحجر الأسود فيقبله ثم يمضي ويستمر في الطواف حتى يعود إلى الحجر الأسود ~~مرة أخرى فيقبله وبهذا يكون قد أتم طوفة واحدة وعلى هذا النحو يطوف سبع ~~مرات ثلاثا منها بسرعة وأربعا على مهل وبعد إتمام الطواف يتوجه نحو مقام ~~إبراهيم عليه السلام وهو أمام الكعبة فيقف خلفه بحيث يكون المقام بينه وبين ~~الكعبة وهناك يصلي ركعتين هما صلاة الطواف ثم يذهب إلى حيث بئر زمزم فيشرب ~~من مائها أو يمسح بها وجهه ثم يخرج من المسجد الحرام من باب الصفا الذي سمي ~~كذلك لأن جبل الصفا يقع خارجه فيصعد على عتبات الصفا موليا وجهه شطر مكة ~~ويدعو بالدعاء المعلوم ثم ينزل ويتجه ناحية المروة مارا بالسوق التي يسير ~~فيها من الجنوب إلى الشمال وعليه أن ينظر إلى أبواب الحرام حين يمر بها وأن ~~يحث الخطى في المسافة التي سعاها الرسول عليه الصلاة والسلام مسرعا والتي ~~أمر الناس باجتيازها مسرعين وهي خمسون خطوة وعلى طرفي هذا الموضع (الذي ~~يسار فيه بسرعة) أربع منارات على الجانبين فإذا بلغ الحاج الآتي من ~~PageV00P122 # الصفا ما بين المنارتين الأوليين أسرع حتى يصل إلى ما بين المنارتين ~~الثانيتين ثم يسير الهوينى حتى يبلغ المروة فيصعد عتباتها ويدعو ذلك الدعاء ~~المعلوم وهكذا يكرر هذا السعي في السوق بحيث يسعى من الصفا إلى المروة أربع ~~مرات ومن المروة إلى الصفا ثلاث ms63 مرات فيكون قد سعى في هذه السوق سبع مرات ~~وعندما ينزل الحاج من جبل المروة يجد سوقا فيها عشرون دكانا متقابلة يشغلها ~~جميعا حجامون لحلق شعر الرأس وحين يتم الحاج شعائر العمرة ويخرج من المسجد ~~الحرام يدخل السوق الكبيرة التي تقع ناحية الشرق والمسماة سوق العطارين وهي ~~سوق جميلة البنايات وكلها عطارون وبمكة حمامان بلاطهما من الحجر الأخضر ~~السنان وقدرت أن سكانها القاطنين بها لا يزيدون على ألفين والباقي ويقربون ~~من الخمسمائة من الغرباء والمجاورين وفي ذلك الوقت كان بمكة قحط فكان الستة ~~عشر منا من القمح بدينار مغربي وقد هاجر منها كثيرون وقد كان لأهالي كل ~~مدينة من خراسان وما وراء النهر والعراق وغيرها منازل بمكة ولكن أغلبها كان ~~خرابا وقتذاك وقد بنى بها خلفاء بغداد عمارات كثيرة وأبنية جميلة وكان ~~بعضها وأنا هناك خربا والبعض الآخر اشتراه الناس (أصبح ملكا خاصا) وماء ~~آبار مكة مالح ومر لا يساغ شربه ولكن بها كثيرا من الأحواض والمصانع ~~الكبيرة بلغت تكاليف الواحد منها أكثر من عشرة آلاف دينار وهي تملأ من ماء ~~الأمطار الذي يتدفق من الأودية وكانت فارغة ونحن هناك وقد أنشأ ابن أحد ~~أمراء عدن مجرى للماء تحت الأرض وأنفق عليه أموالا كثيرة يسقى منه ما على ~~حافتيه من شجر في عرفات وقد حبس هذا الماء هناك حيث غرست الحدائق فلا يصل ~~(قرب) مكة منه إلا القليل لأن القناة لا تبلغها وهذا القليل يجمع في حوض ~~خارج مكة فيأخذ منه PageV00P123 # السقاءون ويذهبون به إليها ويبيعونه وعلى مسافة نصف فرسخ من طريق برقة ~~بئر يسمى بئر الزاهد عنده مسجد جميل وماء هذا البئر عذب ويحمله السقاءون ~~إلى مكة لبيعه وجو مكة حار جدا وفي آخر بهن القديم (يناير فبراير) رأيت بها ~~الخيار والأترنج والباذنجان وكانت كلها طازجة هذه هي المرة الرابعة التي ~~أزور بها مكة وقد مكثت بها مجاورا من غرة رجب 442 (10 نوفمبر 1050) إلى ~~العشرين من ذي الحجة (3 مايو 1051) وقد أثمر بها العنب في الخامس عشر من ms64 ~~فروردين (مارس أبريل) فأحضر من السواد إلى مكة وبيع في السوق وكان البطيخ ~~كثيرا في أول اردبهشت (ابريل مايو) وكانت الفاكهة متوفرة طول الشتاء فلم ~~تنقطع قط وصف بلاد العرب واليمن وحين يسير المسافر مرحلة واحدة جنوبي مكة ~~يبلغ ولاية اليمن التي تمتد حتى شاطئ البحر والحجاز واليمن متجاوران ~~ولغتهما العربية وفي الاصطلاح يقال لليمن حمير وللحجاز العرب ويحيط البحر ~~البلدين من ثلاث جهات فهما شبه جزيرة يحدها شرقا بحر البصرة وغربا بحر ~~القلزم الذي تقدم أنه خليج وجنوبا البحر المحيط وطول شبه الجزيرة هذه التي ~~هي اليمن والحجاز من الكوفة إلى عدن أي من الشمال إلى الجنوب خمسمائة فرسخ ~~PageV00P124 # وعرضها من عمان إلى الجار أي من الشرق إلى الغرب أربعمائة فرسخ وبلاد ~~العرب من الكوفة إلى مكة وبلاد اليمن من مكة إلى عدن وبلاد العرب قليلة ~~الخصب ويسكن أهلها الصحراء ويملكون الدواب والمواشي ويقيمون في الخيام ~~وبلاد حمير (اليمن) ثلاثة أقسام قسم منها يسمى تهامة وهو يمتد على ساحل ~~القلزم الذي هو غربي تهامة وبه كثير من المدن والخصب مثل صعدة وزبيد وصنعاء ~~وغيرها وهذه المدن مشيدة في الصحراء وأمير هذا القسم عبد حبشي من أبناء ~~شاددل والقسم الثاني من حمير جبلي يسمى نجدا وبه أماكن مقفرة وأخرى شديدة ~~البرد كما أن به أودية ضيقة وقلاعا محكمة والقسم الثالث ناحية المشرق وبه ~~مدن كثيرة منها نجران وعثر وبيشة وغيرها وبهذا القسم طوائف كثيرة لكل منها ~~ملك أو رئيس فليس له حاكم واحد فإن سكانه عتاة وأغلبهم لصوص وسفاكو دماء ~~وهم كثيرون ومن كل جنس ومساحة هذا القسم مائتا فرسخ في مائة وخمسين وفي ~~اليمن قصر غمدان بمدينة اسمها صنعاء وقد بقي من أطلال PageV00P125 # كالتل في وسطها ويقال هناك إن رب هذا القصر كان ملكا على العالم كله كما ~~يقال إن بهذا التل كنوزا ودفائن كثيرة ولكن أحدا لا يجرؤ على مد يده إليها ~~سلطانا كان أو من الرعية ويصنعون بصنعاء العقيق وهو حجارة تقطع من الجبل ~~وتسوى على النار ms65 في بواتق محاطة بالرمل ثم تعرض هكذا وسط الرمل لحرارة ~~الشمس وبعد هذا يصقلونها بعجلة وقد رأيت في مصر سيفا أحضر للسلطان من اليمن ~~مقبضه قطعة واحدة من العقيق الأحمر كأنه ياقوت وصف المسجد الحرام والكعبة ~~قلنا إن الكعبة تقوم وسط المسجد الحرام وإن المسجد الحرام يقوم وسط مكة ~~والمسجد ممتد طولا من الشرق إلى الغرب وعرضا من الشمال إلى الجنوب وسوره ~~ليس قائم الزوايا بل أركانه مقوسة تميل إلى الاستدارة وذلك حتى تكون وجوه ~~جميع المصلين شطر الكعبة في أي جهة كانوا يصلون بالمسجد وأقصى طول للمسجد ~~من باب إبراهيم إلى باب بني هاشم أربع وعشرون وأربعمائة ذراع وعرضه من باب ~~الندوة وهو جهة الشمال حتى باب الصفا وهو جهة الجنوب وأقصى اتساعه أربع ~~وثلاثمائة ذراع وبسبب استدارته تبدو ساحة المسجد أضيق في جهة وأوسع في جهة ~~أخرى وحوله ثلاثة أروقة رفعت أسقفها على أعمدة من الرخام ووسط هذه الأروقة ~~مربع وعلى طول السقف من ناحية ساحة المسجد خمسة وأربعون طاقا وعلى عرضه ~~ثلاثة وعشرون وعدد الأعمدة الرخامية التي فيه أربعة وثمانون وأربعمائة عمود ~~قيل إنها كلها أرسلت من الشام عن طريق البحر بأمر خلفاء بغداد وقيل أنه حين ~~بلغت هذه العمد مكة بلغ ثمن الحبال التي شدت بها إلى السفن والعجلات والتي ~~قطعت قطعا ستين ألف دينار مغربي ومن PageV00P126 # هذه العمد عمود من الرخام الأحمر وضع عند باب الندوة قيل إنه اشترى بوزنه ~~ذهبا ويقدر وزنه بثلاثة آلاف من وللمسجد الحرام ثمانية عشر بابا عليها ~~طيقان مقامة على عمد من الرخام وضعت بحيث لا تعوق فتح الأبواب وعلى الجانب ~~الشرقي أربعة أبواب هي من الركن الشمالي باب النبي وبه ثلاثة طيقان مقفلة ~~وعلى هذا الجانب نفسه عند الطرف الجنوبي (للباب الأول) باب آخر يسمى باب ~~النبي أيضا وبين هذين البابين أكثر من مائة ذراع ولهذا الباب طاقان وفي ~~خارجه سوق العطارين وقد كان منزل النبي عليه السلام في هذه السوق وكان يدخل ~~من هذا الباب للصلاة في المسجد ms66 فإذا جاوز السائر هذا الباب وجد على السور ~~الشرقي أيضا باب علي عليه السلام وهو الباب الذي كان يدخل منه أمير ~~المؤمنين علي عليه السلام للصلاة بالمسجد وله ثلاثة طيقان فإذا جاوزه يجد ~~عن ركن المسجد منارة أخرى يبدأ منها السعي وهي غير المنارة التي بباب بني ~~هاشم ومن عندها ينبغي الإسراع في السعي وهي إحدى المنارات الأربع المذكورة ~~(المنارات الأربع في طرق السعي) وعلى الحائط الجنوبي الذي هو طول المسجد ~~سبعة أبواب أولها على الركن المقوس واسمه باب الدقاقين وله طاقان وغربيه ~~بقليل باب آخر ذو طاقين يقال له باب الفسانين وبعده بقليل باب الصفا وله ~~خمسة طيقان أكبرها الطاق الأوسط وعلى كل من جانبيه طاقان صغيران وكان رسول ~~الله عليه السلام يخرج من هذا الباب ويذهب إلى الصفا ويدعو وعتبة ~~PageV00P127 # الطاق الأوسط مكونة من حجر أبيض كبير وكان بها حجر أسود وطئه الرسول عليه ~~السلام بقدمه فارتسم نقش القدم المبارك عليه وقد نزع هذا الجزء من الحجر ~~الأسود وركب في الحجر الأبيض بحيث تكون أطراف أصابع القدم داخل المسجد ويضع ~~بعض الحجاج وجوههم على هذا الحجر وبعضهم يضعون أقدامهم تبركا وأعرف أن ~~الأفضل أن أضع وجهي وبعد هذا الباب بقليل ناحية المغرب باب السطوى وله ~~طاقان ثم من بعده بقليل باب التمارين وله طاقان ثم باب المعامل وله طاقان ~~ويقابله بيت أبي جهل وهو الآن مرحاض وعلى الحائط الغربي وهي عرض المسجد ~~ثلاثة أبواب الأول عند الركن الجنوبي واسمه باب عروة وله طاقان وفي الوسط ~~باب إبراهيم وله ثلاثة طيقا وعلى الحائط الشمالي وهي طول المسجد أربعة ~~أبواب ففي الركن الغربي باب الوسيط وله طاق واحد ومن بعده ناحية المشرق باب ~~العجلة وله طاق واحد ومن بعده في الوسط باب الندوة وله طاقان ثم باب ~~المشاورة وله طاق واحد وعند زاوية المسجد في الشمال الشرقي باب يسمى باب ~~بني شيبة والكعبة في وسط ساحة المسجد وهي مستطيل طوله من الشمال إلى ~~PageV00P128 # الجنوب ثلاثون ذراعا وعرضه من الشرق إلى ms67 الغرب ست عشرة ذراعا وبابها شرقي ~~بحيث يكون الركن العراقي على يمين الداخل وركن الحجر الأسود على يساره ~~ويسمى ركنها الجنوبي الغربي بالركن اليماني وركنها الشمالي الغربي بالركن ~~الشامي والحجر الأسود مركب على زاوية الحائط في حجر كبير بحيث إذا وقف رجل ~~طويل القامة يكون مقابلا لصدره وطول هذا الحجر شبر أربعة أصابع وعرضه ~~ثمانية أصابع وهو مستدير الشكل وبينه وبين باب الكعبة أربع أذرع ويسمى ما ~~بينهما الملتزم ويرتفع باب الكعبة عن الأرض أربع أذرع بحيث إذا وقف رجل ~~مديد القامة على الأرض يصل إلى عتبته وقد صنع سلم من الخشب يضعونه وقت ~~الحاجة أمام الباب فيصعد عليه الناس ويدخلون الكعبة ويسع عرض هذا السلم ~~عشرة رجال يصعدون وينزلون بعضهم بجانب بعض وأرض الكعبة عالية بهذا المقدار ~~وصف باب الكعبة وهو باب من خشب الساج له مصراعان ارتفاعه ست أذرع ونصف ~~PageV00P129 # ذراع وعرض كل من مصراعيه ذراع وثلاثة أرباع الذراع فعرضهما معا ثلاث أذرع ~~ونصف وعلى صدر الباب وأعلاه كتابة كما أن عليه دوائر زخرفية من فضة وكتابات ~~منقوشة بالذهب والفضة وقد كتبت عليه هذه الآية حتى آخرها * (إن أول بيت وضع ~~للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين) * وله حلقتان كبيرتان من الفضة ~~أرسلتا من غزنين وقد ركبتا في مصراعيه بحيث لا تصل إليهما يد إنسان ومن ~~تحتها حلقتان أخريان من الفضة أصغر حجما وموضوعتان بحيث تصل اليد إليهما ~~وفيهما قفل كبير من الفضة أيضا يقفل به الباب ولا يفتح ما لم ينزع القفل ~~وصف الكعبة من الداخل يبلغ سمك حائطها ستة أشبار وأرضها مغطاة بالرخام ~~الأبيض وبالكعبة ثلاث خلوات صغيرة كأنها دكاكين إحداها تقابل الباب ~~والأخريان على الجانب الشمالي والأعمدة التي بالكعبة والتي أقيم عليها ~~السقف كلها من خشب الساج المربع إلا عمودا واحدا مدورا وفي الجانب الشمالي ~~قطعة مستطيلة من الرخام الأحمر يقال إن الرسول عليه الصلاة والسلام كان ~~يصلي عليها ويجتهد كل من يعرف ذلك أن يصلي هناك وقد غطيت حوائط الكعبة ~~بألواح الرخام الملون وعلى ms68 الجانب الغربي منها ستة محاريب من الفضة ألصقت ~~بالحائط بمسامير ويبلغ ارتفاع كل منها قامة الرجل وهي مزينة بنقوش كثيرة من ~~الذهب والفضة وهي مرتفعة عن الأرض وحوائط الكعبة الأربعة حتى أربعة أذرع من ~~الأرض خالية من النقوش وأما بعد ذلك إلى السقف فمزينة بالرخام المنقوش ~~والموشى أغلبه بالذهب PageV00P130 # وفوق كل من الخلوات الثلاث التي ذكرتها والتي توجد إحداها في الركن ~~العراقي والأخرى في الركن الشامي والثالثة في الركن اليماني فوق كل ركن ~~منها لوحان من الخشب مثبتان على الحائط بمسامير من فضة وهي ألواح من خشب ~~سفينة نوح عليه السلام طول كل منها خمس أذرع وعرضه ذراع واحد وقد أسدل على ~~الخلوة التي خلف الحجر الأسود ستار من الديباج الأحمر وحين يدخل السائر في ~~الكعبة يجد على اليد اليمنى زاوية مربعة بمقدار ثلاث أذرع في مثلها وهناك ~~سلم يؤدي إلى سطح الكعبة عليه باب من الفضة له مصراع واحد يسمى باب الرحمة ~~وعليه قفل من الفضة فإذا صار فوق سطح الكعبة يجد بابا آخر مثل الباب السابق ~~منقوش بالفضة على وجهيه وقد غطى سقف الكعبة بالخشب المغطى بالحرير الذي ~~يحجبه عن الأنظار وعلى حائط الكعبة الأمامي فوق العمد الخشبية كتابة ذهبية ~~فيها اسم العزيز بالله سلطان مصر الذي استولى على مكة من الخلفاء العباسين ~~وعلى الحائط أربعة ألواح أخرى كبيرة من الفضة متقابلة ومثبتة بمسامير من ~~فضة وعلى كل لوح منها اسم السلطان الذي أرسله من سلاطين مصر وكان كل منهم ~~يرسل لوحا في عهده وبين الأعمدة ثلاثة قناديل فضية معلقة وبلاط سطح الكعبة ~~من الرخام اليمني الذي يلمع كأنه البلور وفي أركانها أربع روازن على كل ~~منها لوح من الزجاج لينفذ منه النور ولمنع تسرب المطر والميزاب في وسط ~~الحائط الشمالي وطوله ثلاث أذرع وكله مطلي بالذهب والكسوة التي تغطي بها ~~الكعبة بيضاء وقد طرزت في موضعين عرض كل منها ذراع وبينهما عشر أذرع تقريبا ~~ومن فوقهما وتحتهما عشر أذرع أيضا بحيث ينقسم ارتفاع الكعبة إلى ثلاثة ~~أقسام ms69 كل منها عشر أذرع بواسطة طرازي الكسوة وعلى جوانب هذه الكسوة الأربعة ~~نسجت محاريب PageV00P131 # ملونة مزينة بخيوط من ذهب وعلى كل ناحية ثلاثة محاريب محراب كبير في ~~الوسط ومحرابان صغيران على جانبيه فعلى النواحي الأربعة إثنا عشر محرابا ~~وخارج الكعبة حائط علوه ذراع ونصف وتتصل نهايتهاه بركني الكعبة لأن هذا ~~الحائط مقوس كنصف الدائرة وهو يبعد من منتصفه عن الكعبة مقدار خمس عشرة ~~ذراعا وأرض هذا الموضع مبلطة بالرخام الملون المنقوش ويسمى الحجر وبه يصب ~~ماء الميزاب الذي فوق الكعبة وقد وضع تحته قطعة من الحجر الأخضر على شكل ~~محراب يسقط عليها الماء وهي كبيرة بحيث يستطيع رجل أن يصلي عليها ومقام ~~إبراهيم عليه السلام شرقي الكعبة وهو الحجر الذي به آثار قدمي إبراهيم عليه ~~السلام وهو مركب في حجر آخر وعليه غلاف مربع من الخشب بارتفاع قامة الرجل ~~وهو في غاية الدقة ووضعت عليه ألواح من الفضة وقد أحكم ربط الغلاف بالحائط ~~بسلاسل من الجانبين وعليه قفلان وذلك حتى لا يستطيع أحد أن يلمس الحجر وبين ~~الكعبة ومقام إبراهيم ثلاثون ذراعا بئر زمزم بئر زمزم شرقي الكعبة حذاء ركن ~~الحجر الأسود وبين زمزم والكعبة ست وأربعون ذراعا وسعة البئر ثلاث أذرع ~~ونصف في مثلها PageV00P132 # وماؤها ملح ولكنه يستساغ وقد بنوا عند فوهتها خرزة من الرخام الأبيض ~~ارتفاعه ذراعان وفي جوانب حجرة زمزم الأربعة أحواض يصب فيها الماء ويتوضأ ~~الناس به وأرضها من الخشب المشبك ليسيل الماء الذي يراق بها وبابها ناحية ~~المشرق وأمام البئر ناحية المشرق بناء آخر مربع عليه قبة يسمى سقاية الحاج ~~وضع به أزيار يشرب منها الحجاج وبعد هذا البناء ناحية الشرق بناء آخر ~~مستطيل عليه ثلاث قباب يسمى خزانة الزيت به الشمع والزيت والقناديل وحول ~~الكعبة أعمدة يتصل بعضها بالبعض بواسطة عروق من الخشب عليها زخارف ونقوش من ~~الفضة ومعلق بها الحلق والكلابات حتى يوضع الشمع في هذه وتدلى المصابيح من ~~تلك بالليل ويسمى هذا الموضع المشاعل ويفصله عن الكعبة خمسون ومائة ذراع ~~وهي مسافة ms70 الطواف فجملة المباني التي بساحة المسجد الحرام عدا الكعبة ~~المعظمة شرفها الله تعالى ثلاثة هي بيت زمزم وسقاية الحاج وخزانة الزيت ~~PageV00P133 # وتحت السقف المحيط بالمسجد بجانب الحائط صناديق من جميع مدن المغرب ومصر ~~والشام والروم والعراقين وخراسان وما وراء النهر وغيرها وعلى مسافة أربعة ~~فراسخ شمالي مكة ناحية تسمى برقة بها أمير مكة مع جيش خاص به وهناك ماء جار ~~وأشجار ومساحتها فرسخان طولا في مثلهما عرضا في هذه السنة كنت بمكة مجاورا ~~منذ أول رجب وعادتهم أن يفتحوا باب الكعبة كل يوم في هذا الشهر منذ شروق ~~الشمس وصف فتح باب الكعبة امتازت قبيلة من العرب تسمى بني شيبة بحفظ مفتاح ~~باب الكعبة وهم خدمها وكان لهم خلع ومشاهرات من سلطان مصر ولهم رئيس بيده ~~المفتاح وحين يجيء يصاحبه خمسة أو ستة أفراد وحين يصلون ينضم إليهم عشرة من ~~الحجاج فيرفعون السلم الذي قدمنا وصفه ويضعونه أمام الباب فيصعد هذا الشيخ ~~ويقف على العتبة ويصعد بعده رجلان ويرفعان الستار والديباج الأصفر يمسك كل ~~منهما طرفا منه بحيث يحجب الشيخ وهو يفتح الباب يفتح الشيخ القفل وينزعه من ~~الحلق بينما الحجاج وقوف أمام الكعبة فحين يفتح الباب يرفعون أيديهم ~~بالدعاء فيعرف كل من يسمع صوتهم بمكة أن باب الكعبة قد فتح فيرفع الناس ~~جميعا أصواتهم عالية ويدعون ربهم وتحدث جلجلة عظيمة بالبلد ثم يدخل الشيخ ~~بينما الرجلان يمسكان الستار ويصلي ركعتين ثم يعود فيفتح الباب على مصراعيه ~~ويقف على العتبة ويقرأ الخطبة عليهم بصوت مرتفع ويصلي على رسول الله عليه ~~الصلوات والسلام وعلى أهل بيته ثم يقف الشيخ وأصحابه على جانبي باب الكعبة ~~بينما يأخذ الحجاج في الصعود ودخول الكعبة فيصلي كل منهم PageV00P134 # ركعتين ثم يخرج ويدوم ذلك إلى قرب منتصف النهار ويولون وجوههم أثناء ~~صلاتهم بالكعبة نحو الباب مع جواز التوجه نحو الجوانب الأخرى وقد أحصيت ~~الناس في وقت كانت الكعبة ممتلئة فيه حتى لم يكن بها مكان لداخل فكانوا ~~عشرين وسبعمائة رجل وعامة حجاج اليمن يشبهون الهنود فكل ms71 منهم يتشح بفوطه ~~وشعورهم متدلية ولحاهم مضفرة وفي وسط كل منهم حربة قطيفية كالتي يتمنطق بها ~~الهنود ويقال إن أصل الهنود من اليمن وأن قتالة أصلها كتارة (الحربة) ثم ~~عربت وبفتح باب الكعبة أيام الاثنين والخميس والجمعة من أشهر شعبان ورمضان ~~وشوال فإذا جاء ذو القعدة أغلق الباب عمرة الجعرانة على أربعة فراسخ من ~~شمال مكة مكان يسمى الجعرانة كان به النبي عليه السلام مع جيشه في السادس ~~عشر من ذي القعدة فأحرم منه وجاء إلى مكة وأعتمر وهناك بئران بئر الرسول ~~وبئر علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما وماء البئرين عذب جدا وبينهما عشر ~~أذرع وقد اتخذت هذه العمرة النبوية سنة تؤدي في هذا الموسم وقرب البئرين ~~صخرة كبيرة فيها فجوات كأنها كؤوس يقال إن النبي عليه السلام عجن الدقيق ~~فيها بيديه والذين يزورون هذا المكان يعجنون الدقيق بأيديهم بماء هذين ~~البئرين ويتخذون من الأشجار الكثيرة هناك وقودا للخبز الذي يرسلونه إلى ~~الأقطار تبركا وهناك أيضا صخرة كبيرة مرتفعة يقال إن بلالا الحبشي كان يقف ~~عليها ويؤذن للصلاة ويصعد عليها الزائرون ويؤذنون وحين كنت بالجعرانة كان ~~بها ناس كثيرون وكان بها أكثر من ألف جمل بالعمارات مما يبين كثرة الزائرين ~~الآخرين PageV00P135 # ومن مصر إلى مكة عن الطريق الذي سرت فيه هذه المرة ثلاثمائة فرسخ ومن مكة ~~إلى اليمن إثنا عشر فرسخا وتقع صحراء عرفات بين جبال صغيرة كالتلال ~~ومساحتها فرسخان في مثلهما وكان بها مسجد بناء إبراهيم عليه السلام لم يبق ~~منه هذه الساعة غير منبر خرب من الطوب النيئ يصعد عليه الخطيب في صلاة ~~الظهر ويخطب ثم يؤذنون للصلاة ثم يصلون جماعة ركعتين سنة المسافرين ثم ~~يقيمون الصلاة ويصلون جماعة ركعتين أخريين ثم يجلس الخطيب على جمل ويتجه ~~شرقا والناس وراءه وعلى بعد فرسخ جبل حجري صغير يسمى جبل الرحمة هناك يقفون ~~ويدعون حتى وقت الغروب وقد أوصل ابن شاد دل الذي كان أميرا لعدن الماء إلى ~~جبل الرحمة من مكان بعيد وأنفق في ذلك مالا طائلا ms72 ويحمل الماء من هذا الجبل ~~إلى صحراء عرفات حيث عملت أحواض تملأ ماء أيام الحج حتى يتيسر الماء للحجيج ~~وقد بنى هذا الأمير فوق جبل الرحمة طاقا مربعا كبيرا يضعون فوق قبته كثيرا ~~من القناديل والشموع ليلة عرفة ويومه فيرى نورها من مسافة فرسخين وقيل إن ~~أمير مكة أخذ ألف دينار من ابن شادن دل ليجيز له إقامة هذا الطاق في التاسع ~~من ذي الحجة سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة (27 ابريل 1051) قضيت الحجة ~~الرابعة بعون الله سبحانه وتعالى ولما غابت الشمس عاد الحجاج والخطيب من ~~عرفات وساروا فرسخا إلى المشعر الحرام ويسمونه المزدلفة وهناك بناء جميل ~~كالمقصورة يصلي فيه الناس ويأخذون منه حجارة الرجم التي يرمونها بمنى ~~والعادة أن يقضي الحجاج هذه الليلة وهي ليلة العيد هناك حيث يصلون الفجر ~~وعند طلوع الشمس يتوجهون إلى منى حيث يضحون وهناك مسجد كبير يسمى مسجد ~~الخيف وليس من المفروض إلقاء خطبة وصلاة PageV00P136 # العيد بمنى في ذلك اليوم ولم يأمر بهما المصطفى عليه السلام ويكون الحجاج ~~بمنى في العاشر من ذي الحجة وهناك يرمون الحجارة وشرح ذلك مذكور في مناسك ~~الحج وفي الثاني عشر من ذي الحجة يغادر منى من عزم على العودة لبلاده ويذهب ~~إلى مكة أهلها إلى الحسا عن طريق الطائف ومطار والثريا وجزع وسربا وفلج ~~واليمامة بعد اتمام الحج استأجرت جملا من أعرابي لأذهب إلى الحسا وقيل إنهم ~~يبلغونها من مكة في ثلاثة عشر يوما وقد ودعت بيت الله يوم الجمعة تاسع عشر ~~ذي الحجة سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة (7 مايو 1051) الموافق أول خرداد ~~القديم (مايو يونيو) وقد وجدنا مرجا بعد سبعة فراسخ من مكة عنده جبل ولما ~~بلغناه وجدنا سهلا وقرى وبئرا اسمها بئر الحسين بن سلامة وكان الجو باردا ~~وقد سرنا ناحية المشرق بلغنا الطائف يوم الاثنين الثاني والعشرين من ذي ~~الحجة ومن مكة إلى هناك إثنا عشر فرسخا والطائف ناحية على رأس جبل وكان ~~الجو باردا في شهر خرداد (مايو يونيو) حتى لزم الجلوس في الشمس بينما ms73 يكثر ~~البطيخ بمكة في هذا الوقت وقصبة الطائف هذه مدينة صغيرة بها حصن محكم وسوق ~~وجامع صغيران وبها ماء جار وأشجار رمان وتين كثيرة وبجوارها قبر عبد الله ~~بن عباس رضي الله عنه وقد بنى خلفاء بغداد هناك مسجدا كبيرا يقع القبر في ~~زاويته على يمين المحراب والمنبر وبنى الناس هناك بيوتا يسكنونها سرنا من ~~الطائف واجتزنا جبالا وأراضي صخرية وكنا نجد حيثما سرنا قلاعا محصنة وقرى ~~وقد أروني وسط الصخور قلعة خربة قيل إنها كانت بيت ليلى وقصتهم في هذا ~~عجيبة ومن هناك بلغنا قلعة تسمى مطار PageV00P137 # وبينها وبين الطائف إثنا عشر فرسخا ثم بلغنا ناحية تسمى الثريا بها نخيل ~~كثير وتزرع أرضها بمياه الآبار والسواقي قالوا وليس لهذه الناحية حاكم أو ~~سلطان فإن على كل جهة رئيسا أو سيدا مستقلا ويعيش الناس على السرقة والقتل ~~وهم في حرب دائم بعضهم مع بعض ومن الطائف إلى هناك خمسة وعشرون فرسخا وبعد ~~ذلك مررنا بقلعة تسمى جزع وعلى مساحة نصف فرسخ منها أربع قلاع نزلنا عند ~~أكبرها وتسمى حصن بني نسير وهناك قليل من النخيل وبيت العربي الذي استأجرنا ~~حمله في الجزع هذه ولبثنا هناك خمسة عشر يوما إذ لم يكن معنا خفير يهدينا ~~الطريق ولكل قوم من عرب هذا المكان ارض محددة ترعى بها ماشيتهم ولا يستطيع ~~أجنبي أن يدخلها فهم يمسكون كل من يدخل بغير خفير ويجردونه مما معه فيلزم ~~استصحاب خفير من كل جماعة حتى يتيسر المرور من أرضهم فهو وقاية للمسافر ~~ويسمونه أيضا مرشد الطريق (قلاوز) وقد اتفق أن جاء إلى الجزع رئيس الأعراب ~~الذين كانوا في طريقنا وهم بنو سواد واسمه أبو غانم عبس بن PageV00P138 # البعير فاتخذناه خفيرا وذهبنا معه وقابلنا قومه فظنوا أنهم لقوا صيدا إذ ~~أن كل أجنبي يرونه يسمى صيدا فلما رأوا رئيسهم معنا أسقط في أيديهم ولولا ~~ذلك لأهلكونا وفي الجملة لبثنا معهم زمنا إذ لم يكن معنا خفير يصحبنا ثم ~~أخذنا من هناك خفيرين أجر كل منهما عشرة دنانير ليسيرا ms74 بنا بين قوم آخرين ~~وقد كان من هؤلاء العرب شيوخ في السبعين من عمرهم قالوا لي إنهم لم يذوقوا ~~شيئا غير لبن الإبل طوال حياتهم إذ ليس في هذه الصحراء غير علف فاسد تأكله ~~الجمال وكانوا يظنون أن العالم هكذا وظللت أتحول من قوم إلى قوم وأجد في كل ~~مكان خطرا وخوفا إلا أن الله تبارك وتعالى سلمنا منها وبلغنا مكانا في وسط ~~أرض ملؤها الصخور يسمى سربا رأيت به جبالا كل منها كالقبة لم أر مثلها في ~~أي ولاية وهي من الارتفاع بحيث لا يصل إليها السهم وملساء وصلبة بحيث لا ~~يظهر عليها شق أو التواء وقد سرنا من هناك فكان زملاؤنا في الطريق كلما ~~رأوا ضبا قتلوه وأكلوه وكانوا يحلبون لبن الجمال حيث وجد الأعراب ولم أكن ~~أستطيع أكل الضب أو شرب لبن الجمال وفي كل جهة في الطريق بها شجر به ثمر في ~~حجم حبة السلة كنت أقنع بأكل حبات منها وبعد معاناة مشاق ومتاعب كثيرة ~~بلغنا فلج في الثالث والعشرين من صفر (433 1051)) فلج ومن مكة إليها ثمانون ~~ومائة فرسخ وتقع فلج هذه وسط الصحراء وهي ناحية كبيرة ولكنها خربت بالتعصب ~~وكان العمران حين زرناها قاصرا على نصف فرسخ في ميل عرضا وفي هذه المسافة ~~أربع عشرة قلعة PageV00P139 # للصوص والمفسدين والجهلة وهي مقسمة بين فريقين بينهما خصومة وعداوة دائمة ~~وقد قالوا نحن من أصحاب الرسيم الذين ذكروا في القرآن الكريم وهناك أربع ~~قنوات يسقى منها النخيل أما زرعهم ففي أرض عالية يرفع إليها معظم الماء من ~~الآبار وهم يستخدمون في زراعتهم الجمال لا الثيران ولم أرها هناك وزراعتهم ~~قليلة واجر الرجل في اليوم عشرة سيرات من غلة يخبزها أرغفة ولا يأكلون إلا ~~قليلا من صلاة المغرب حتى صلاة المغرب التالية كما في رمضان ويأكلون التمر ~~أثناء النهار وقد رأيت هناك تمرا طيبا جدا أحسن مما في البصرة وغيرها ~~والسكان هناك فقراء جدا وبؤساء ومع فقرهم فإنهم كل يوم في حرب وعداء وسفك ~~دماء وهناك تمر يسمونه ms75 ميدون تزن الواحدة منه عشرة دراهم ولا يزيدون وزن ~~النوى به عن دانق ونصف ويقال انه لا يفسد ولو بقي عشرين سنة ومعاملتهم ~~بالذهب النيشابوري وقد لبثت بفلج هذه أربعة أشهر في حالة ليس أصعب منها لم ~~يكن معي من شؤون الدنيا سوى سلتين من الكتب والناس جياع وعراة وجهلاء ~~ويلتزمون حمل الترس والسيف إذا ذهبوا للصلاة ولا يشترون الكتب وكان هناك ~~مسجدا نزلنا فيه وكان معي قليل من اللونين القرمزي واللازورد فكتبت على ~~حائط المسجد بيت شعر ووضعت في وسطه ورق الشجر فرأوه وتعجبوا وتجمع أهل ~~القلعة كلها ليتفرجوا عليه وقالوا لي إذا تنقش محراب هذا المسجد نعطيك مائة ~~من تمرا ومائة من تمرا عندهم شيء كثير فقد أتى وأنا هناك جيش من العرب وطلب ~~منهم خمسمائة من تمرا فلم يقبلوا وحاربوا وقتل من أهل القلعة عشرة رجال ~~وقلعت ألف نخلة ولم يعطوهم عشرة أمنان تمرا وقد نقشت المحراب كما اتفقوا ~~معي وكان لنا في المائة من من التمر عون كبير إذ لم يكن ميسورا أن نجد ~~PageV00P140 # غذاء ولم يكن لدينا أمل في الحياة ولم نكن نستطيع أن نتصور خروجنا من هذه ~~البادية إذ كان ينبغي للخروج منها عن أي طريق اجتياز مائتي فرسخ من الصحراء ~~كلها مخاوف ومهالك ولم أر في الأشهر الأربعة التي أقمتها بفلج خمسة أمنان ~~من القمح في أي مكان وأخيرا أتت قافلة من اليمامة لأخذ الأديم وحمله إلى ~~الحسا فإنه يحصر من اليمن إلى فلج حيث يباع للتجار قال لي أعرابي أنا أحملك ~~إلى البصرة ولم يكن معي شيء قط لأعطيه أجرا والمسافة مائتا فرسخ وأجرة ~~الجمل دينار ويباع الجمل العظيم هناك بدينارين أو ثلاثة ولكني رحلت نسيئة ~~إذ لم يكن معي نقود فقال الأعرابي أحملك إلى البصرة على أن تأجرني ثلاثين ~~دينارا فقبلت مضطرا ولم أكن قد رأيت البصرة قط فوضع هؤلاء الأعراب كتبي على ~~جمل أركبوا عليه أخي وسرت أنا راجلا وتوجهنا في اتجاه مطلع بنات النعش ~~(الدب الأكبر) كان الطريق مستويا ms76 لا جبال فيه ولا مرتفعات وكان ماء المطر ~~متجمعا حيثما كانت الأرض أشد صلابة ومضت ليال وأيام ولم يبد في أي جهة أثر ~~الطريق إلا أنهم كانوا يسيرون بالغريزة (بالسمع) ومن العجيب أنهم كانوا ~~يبلغون فجاة بئر ماء مع عدم وجود أي علامة اليمامة وبالاختصار بلغنا ~~اليمامة بعد مسيرة أربعة أيام بلياليها وباليمامة حصن كبير قديم والمدينة ~~والسوق حيث صناع من كل نوع يقعان خارج الحصن وبها مسجد جميل وأمراؤها ~~علويون منذ القديم ولم ينتزع PageV00P141 # أحد هذه الولاية منهم إذ ليس بجوارهم سلطان أو ملك قاهر وهؤلاء العلويون ~~ذوو شوكة فلديهم ثلاثمائة أو أربعمائة فارس ومذهبهم الزيدية وهم يقولون في ~~الإقامة (محمد وعلي خير البشر وحي على خير العمل) وقيل إن سكان هذه المدينة ~~شريفية (خاضعون للأشراف) وبالنامة مياه جارية في القنوات وفيها نخيل وقيل ~~إنه حين يكثر التمر يباع الألف من منه بدينار ومن اليمامة إلى الحسا أربعون ~~فرسخا ولا يتيسر الذهاب إليها إلا في فصل الشتاء حين تتجمع مياه المطر ~~فيشرب الناس منها ولا يكون ذلك في الصيف وصف الأحساء والحسا مدينة في ~~الصحراء ولبلوغها عن أي طريق ينبغي اجتياز صحراء واسعة والبصرة أقرب البلاد ~~الإسلامية التي بها سلطنة إلى الحسا وبينهما خمسون ومائة فرسخ ولم يقصد ~~سلطان من البصرة الحسا أبدا والحسا مدينة وسواد أيضا وبها قلعة ويحيط بها ~~أربعة أسوار قوية متعاقبة من اللبن المحكم البناء بين كل اثنين منها ما ~~يقرب من فرسخ وفي المدينة عيون ماء عظيمة تكفي كل منها لإدارة خمس سواق ~~ويستهلك كل هذا الماء بها فلا يخرج منها ووسط القلعة مدينة جميلة بها كل ~~وسائل الحياة التي في المدن الكبيرة وفيها أكثر من عشرين ألف محارب وقيل إن ~~سلطانهم كان شريفا وقد ردهم عن الإسلام وقال إني أعفيتكم من الصلاة والصوم ~~ودعاهم إلى أن مرجعهم لا يكون إلا إليه وأسمه أبو سعيد وحين يسألون عن ~~مذهبهم يقولون إنا أبو سعيديون وهم لا يصلون ولا يصومون ولكنهم يقرون بمحمد ~~المصطفى صلى الله ms77 عليه وسلم وبرسالته وقد قال لهم أبو سعيد إني أرجع إليكم ~~يعني بعد الوفاة وقبره داخل المدينة وقد PageV00P142 # بنوا عنده قبرا جميلا وقد أوصى أبناءه قائلا (يرعى الملك ويحافظ عليه ستة ~~من أبنائي يحكمون الناس بالعدل وللقسطاس ولا يختلفون فيما بينهم حتى أعود) ~~ولهؤلاء الحكام الآن قصر منيف هو دار ملكهم وبه تخت يجلسون هم الستة عليه ~~ويصدرون أوامرهم بالاتفاق وكذلك يحكمون ولهم ستة وزراء على تخت آخر ~~ويتداولون في كل أمر وكان لهم في ذلك الوقت ثلاثون ألف عبد زنجي حبشي ~~يشتغلون بالزراعة وفلاحة البساتين وهم لا يأخذون عشورا من الرعية وإذا ~~افتقر إنسان أو استدان يتعهدونه حتى يتيسر عمله وإذا كان لأحدهم دين على ~~آخر لا يطالبه بأكثر من رأس المال الذي له وكل غريب ينزل في هذه المدينة ~~وله صناعة يعطى ما يكفيه من المال حتى يشتري ما يلزم صناعته من عدد وآلات ~~ويرد (إلى الحكام) ما أخذ حين يشاء وإذا تخرب بيت أو طاحون أحد الملاك ولم ~~تكن لديه القدرة على الإصلاح أمروا جماعة من عبيدهم بأن يذهبوا اليه ~~ويصلحوا المنزل أو الطاحون ولا يطلبون من المالك شيئا وفي الحسا مطاحن ~~مملوكة للسلطان تطحن الحبوب للرعية مجانا ويدفع فيها السلطان نفقات إصلاحها ~~وأجور الطحانين وهؤلاء السلاطين الستة يسمون السادات ويسمى وزراؤهم الشائرة ~~وليس في مدينة الحسا مسجد جمعة ولا تقام بها صلاة أو خطبة إلا أن رجلا ~~فارسيا اسمه علي بن أحمد بنى مسجدا وهو مسلم حاج غني كان يتعهد الحجاج ~~الذين يبلغون الحسا والبيع والشراء والعطاء والأخذ يتم هناك بواسطة رصاص في ~~زنابيل يزن كل منها ست آلاف درهم فيدفع الثمن عددا من الزنابيل وهذه العملة ~~لا تسري في الخارج وينسجون هناك فوطا جميلة ويصدرونها للبصرة وغيرها وإذا ~~PageV00P143 # صلى أحد فإنه لا يمنع ولكنهم أنفسهم لا يصلون ويجيب السلاطين من يحدثهم ~~من الرعية برقة وتواضع ولا يشربون مطلقا وعلى باب قبر أبي سعيد حصان مهيأ ~~بعناية عليه طوق ولجام يقف بالنوبة ليلا ونهارا يعنون بذلك ms78 أن أبا سعيد ~~يركبه حين يرجع إلى الدنيا ويقال إنه قال لأبنائه حين أعود ولا تعرفونني ~~اضربوا رقبتي بسيفي فإذا كنت أنا حييت في الحال وقد وضعت هذه الدلالة حتى ~~لا يدعي أحد أنه أبو سعيد وقد ذهب أحد هؤلاء السلاطين بجيش إلى مكة أيام ~~خلفاء بغداد فاستولى عليها وقتل من كان يطوف بالكعبة وانتزع الحجر الأسود ~~من مكانه ونقله إلى الحسا وقد زعموا أن هذا الحجر مغناطيس يجذب الناس اليه ~~من أطراف العالم ولم يفقهوا أن شرف محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم وجلاله ~~هما اللذان يجذبان الناس فقد لبث الحجر الأسود في الحسا سنين عديدة ولم ~~يذهب إليها أحد وأخيرا اشتري منهم الحجر الأسود وأعيد إلى مكانه وفي الحسا ~~تباع لحوم الحيوانات كلها من قطط وكلاب وحمير وبقر وخراف وغيرها وتوضع رأس ~~الحيوان وجلده بقرب لحمه ليعرف المشتري ماذا يشتري وهم يسمنون الكلاب هناك ~~كما تعلف الخراف حتى لا تستطيع الحركة من سمنها ثم يذبحونها ويبيعون لحمها ~~والبحر على مسيرة سبعة فراسخ من الحسا إلى ناحية الشرق فإذا اجتازه المسافر ~~وجد البحرين وهي جزيرة طولها خمسة عشر فرسخا والبحرين مدينة كبيرة أيضا بها ~~نخل كثير ويستخرجون من هذا البحر اللؤلؤ ولسلاطين الحسا نصف ما يستخرجه ~~الغواصون منه وإذا سار المسافر جنوب الحسا يبلغ عمان وهي في بلاد العرب ~~وثلاثة جوانب منها صحراء لا يمكن اجتيازها وولاية عمان ثمانون فرسخا في ~~مثلها وهي حارة الجو ويكثر بها الجوز الهندي المسمى نارجيل وإذا أبحر ~~المسافر من عمان نحو الشرق PageV00P144 # يبلغ شاطئ كيش ومكران وإذا سار جنوبا يبلغ عدن فإذا سار في الجانب الآخر ~~يبلغ فارس وفي الحسا تمر كثير حتى أنهم يسمنون به المواشي ويأتي وقت يباع ~~فيه أكثر من ألف من بدينار واحد وحين يسير المسافر من الحسا إلى الشمال ~~سبعة فراسخ يبلغ جهة القطيف وهي مدينة كبيرة بها نحل كثير وقد ذهب أمير ~~عربي إلى أبواب الحسا ورابط هناك سنة واستولى على سور من أسوارها الأربعة ~~وشن عليها ms79 غارات كثيرة ولكنه لم ينل من أهلها شيئا وقد سألني حين رآني عما ~~تنبئ به النجوم قال أريد أن أستولي على الحسا فهل أستطيع أم لا فإن أهلها ~~قوم لا دين لهم فأجبته بما فيه الخير له وعندي أن كل البدو يشبهون أهل ~~الحسا فلا دين لهم ومنهم أناس لم يمس الماء أيديهم مدة سنة أقول هذا عن ~~بصيرة لا شيء فيه من الأراجيف فقد عشت في وسطهم تسعة شهور دفعة واحدة لا ~~فرقة بينها ولم أكن أستطيع أن أشرب اللبن الذي كانوا يقدمونه إلي كلما طلبت ~~ماء لأشرب فحين أرفضه وأطلب الماء يقولون اطلبه حيثما تراه ولكن عند من ~~تراه وهم لم يروا الحمامات أو الماء الجاري في حياتهم وصف فارس البصرة ~~والآن أعود إلى حكايتي حينما غادرنا الحسا إلى البصرة كنا نجد الماء في بعض ~~الجهات ولا نجده في أخرى حتى بلغنا البصرة في العشرين من شعبان سنة ثلاث ~~وأربعين وأربعمائة (28 ديسمبر 1051) للبصرة سور عظيم يحيط بها ما عدا ~~PageV00P145 # الجزع المطل على النهر وهذا النهر هو شط العرب ويلتقي دجلة والفرات عند ~~حدود مدينة البصرة ويلتقي بهما أيضا قناة المويزة فيسمى النهر حينئذ شط ~~العرب ويتفرع من شط العرب هذا قناتان كبيرتان بين منبعهما مسافة فرسخ وقد ~~شقا صوب القبلة مسافة أربعة فراسخ ثم يلتقيان ويكونان قناة واحدة تسير ~~مسافة فرسخ واحد ناحية الجنوب ومن هاتين القناتين شقت ترع كثيرة مدت في كل ~~الأطراف وغرست أشجار النخيل والحدائق على شواطئها والقناة العليا وهي ~~الشمالية الشرقية تسمى نهر معقل والثانية وهي الغربية الجنوبية تسمى نهر ~~الأبله ومنهما تتكون جزيرة كبيرة مستطيلة والبصرة على أقصر ضلع من هذا ~~المستطيل والجنوب الغربي للبصرة صحراء ليس بها عمران ولا ماء ولا شجر مطلقا ~~وكان معظم البصرة خرابا ونحن هناك والجهات العامرة متباعدة جدا من واحدة ~~لأخرى نصف فرسخ من الخراب ولكن بابها وسورها محكمان وقويان وبها خلق كثير ~~ودخل سلطانها كبير كان أميرها في ذلك الوقت ابن أبي كاليجار الديلمي الذي ms80 ~~كان ملك فارس وكان وزيره رجلا فارسيا اسمه أبو منصور شاه مردان وينصب السوق ~~في البصرة في ثلاث جهات كل يوم ففي الصباح يجري التبادل في سوق خزاعة وفي ~~الظهر في سوق عثمان وفي المغرب في سوق القداحين والعمل في السوق هكذا كل من ~~معه مال يعطيه للصراف ويأخذ منه صكا ثم يشتري كل ما يلزمه ويحول الثمن على ~~الصراف فلا يستخدم المشتري شيئا غير صك الصراف طالما يقيم بالمدينة حين ~~بلغنا البصرة كنا من العري والفاقة كأنا مجانين وكنا قد لبثنا ثلاثة ~~PageV00P146 # شهور لم نحلق شعر رأسنا فأردت أن أذهب إلى الحمام التمس الدفء فقد كان ~~الجو باردا ولم يكن علينا ملابس كنت أنا وأخي كلانا نلبس فوطة بالية وعلى ~~ظهرينا خرقة من الصوف متدلية من الرأس حتى قلت لنفسي من الذي يسمح لنا الآن ~~بدخول الحمام فبعت السلتين اللتين كانت بهما كتبي ووضعت بعض دراهم من ثمنها ~~في ورقة لأعطيها للحمامي عسى أن يسمح لنا بوقت أطول في الحمام لنزيل ما ~~علينا من كدر فلما قدمت اليه هذه الدريهمات نظر إلينا شذرا وظن أننا مجانين ~~وانتهرنا قائلا اذهبوا فالآن يخرج الناس من الحمام ولم يأذن لنا بالدخول ~~فخرجنا في خجل ومشينا مسرعين وكان بباب الحمام أطفال يلعبون فحسبونا مجانين ~~فجروا في أثرنا ورشقونا بالحجارة وصاحوا بنا فلجأنا إلى زاوية وقد تملكنا ~~العجب من أمر الدنيا وكان الأعرابي يطلب منا الثلاثين دينارا مغربيا ولم ~~نكن نعرف وسيلة للسداد وكان بالبصرة وزير ملك الأهواز واسمه أبو الفتح علي ~~بن أحمد وهو رجل أخلاق وفضل يجيد معرفة الشعر والأدب وكان كريما وقد جاء ~~البصرة مع أبنائه وحاشيته وأقام بها ولم يكن لديه ما يشغله وكنت عرفت رجلا ~~فارسيا فاضلا من أصدقاء الوزير والمترددين عليه كل وقت وكان هذا الفارسي ~~فقيرا لا وسعة عنده لإعانتنا فقص على الوزير قصتنا فلما سمعها أرسل إلي ~~رجلا ومعه حصان أن اركب واحضر عندي كما أنت فخجلت من سوء حالي وعريي ولم أر ~~الذهاب مناسبا فكتبت ms81 رقعة معتذرا وقلت فيها إني سأكون في خدمته (بعد وصول ~~ورقتي اليه) وكان قصدي من الكتابة شيئين أن يعرف فقري وعلمي حين يطلع على ~~كتابتي وأن يقدر أهليتي وذلك حتى لا أخجل من زيارته وقد أرسل إلي في الحال ~~ثلاثين دينارا لشراء كسوة فاشتريت حلتين جميلتين وفي اليوم الثالث ذهبت ~~لمجلس الوزير فرأيته رجلا كاملا أديبا فاضلا جميل الخلقة متواضعا دينا حلو ~~الحديث وله أربعة أبناء أكبرهم شاب فصيح أديب عاقل اسمه الرئيس أبو عبد ~~الله أحمد بن علي بن أحمد وكان شاعرا PageV00P147 # وكاتبا فيه فتوة الشباب ورجاحة العقل ومظاهر التقوى وقد أضافنا الوزير ~~عنده من أول شعبان إلى نصف رمضان ثم أمر بإعطاء الأعرابي الذي استأجرنا ~~جمله الثلاثين دينارا التي له علي فكفاني مؤونة هذا الدين اللهم تباركت ~~وتعاليت فرج ضيق المدينين من عبيدك من هم القرض بحق الحق وأهله ولما أردنا ~~السفر رحلنا عن طريق البحر بعد أن أفاض علينا بنعمه وأفضاله فبلغنا فارس في ~~كرامة وهدوء ببركة هذا الرجل الحر رضي الله عز وجل عن الرجال الأحرار وفي ~~البصرة ثلاثة عشر مشهدا باسم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله ~~عليه يقال لأحدها مشهد بني مازن وذلك أن أمير المؤمنين عليا صلى الله عليه ~~وسلم جاء إلى البصرة في ربيع الأول سنة خمس وثلاثين (سبتمبر 655) من هجرة ~~النبي عليه الصلاة والسلام وكانت عائشة رضي الله عنها قد أتت محاربة وقد ~~تزوج أمير المؤمنين عليه السلام ليلى بنت مسعود النهشلي وكان هذا المشهد ~~بيتها وقد أقام أمير المؤمنين اثنين وسبعين يوما ثم رجع إلى الكوفة وبجانب ~~المسجد الجامع مشهد آخر يسمى مشهد باب الطيب ورأيت في مسجد البصرة عمودا من ~~الخشب طوله ثلاثون ذراعا وسمكه خمسة أشبار وأربعة أصابع وكان أحد طرفيه ~~أسمك من الطرف الآخر قيل إنه من أخشاب بلاد الهند استولى عليه أمير ~~المؤمنين علي عليه السلام وأحضره للبصرة والأحد عشر مشهدا الأخرى كل منها ~~بموضع وقد زرتها كلها بعد أن أيسرنا ارتدينا ملابسنا وذهبنا ms82 يوما إلى ذلك ~~الحمام الذي لم يسمح لنا بدخوله من قبل فوقف الحمامي عند دخولنا من الباب ~~وكذلك وقف كل من الحاضرين حتى دخلنا ثم جاء المدلك والقيم وقاما بخدمتنا ~~فلما فرغنا ودخلنا غرفة الملابس وقف كل من بها ولم يجلسوا حتى لبسنا ثيابنا ~~وخرجنا وفي أثناء ذلك كان الحمامي يقول لصاحب له هذان هما PageV00P148 # الرجلان اللذان لم ندخلهما الحمام يوم كذا وكان يظن أنني لا أعرف لغته ~~فقلت له بالعربية حقا ما تقول فنحن اللذان كنا نلبس خرقة من الصوف على ~~ظهرنا فخجل الرجل واعتذر وكان بين هذين الحالين عشرون يوما وقد ذكرت هذا ~~الفصل حتى يعرف الناس أنه لا ينبغي التذمر من أزمات الزمان واليأس من رحمة ~~الخالق جل جلاله وعم نواله فإنه تعالى رحيم وصف المد والجزر بالبصرة ووصف ~~أنهارها يحدث المد ببحر عمان عادة مرتين كل أربع وعشرين ساعة فيرتفع الماء ~~بمقدار عشر أذرع وحين يبلغ الارتفاع أقصى مداه يبدأ الجزر بالتدريج فينخفض ~~الماء عشرا أو اثنتي عشرة ذراعا ويعرف بلوغ ارتفاع الماء مقدار الأذرع ~~العشر بظهوره على عمود أقيم هناك أو على حائط ولو كانت الأرض مستوية وغير ~~عالية لعظم امتداد البحر إليها ويسير النهران دجلة والفرات بغاية البطء حتى ~~يتعذر في بعض الجهات معرفة اتجاه التيار فيهما وحين يبدأ المد بدفع البحر ~~ماءهما مسافة أربعين فرسخا حتى يظن إنهما يرتدان إلى منبعيهما أما في ~~الأماكن الأخرى التي تقع على شاطئ البحر فإن امتداد المد إليها يتوقف على ~~ارتفاعها وانخفاضها فحيثما استوت الأرض ازداد المد وحيثما ارتفعت قل ويقال ~~إن المد والجزر متعلقان بالقمر فيبلغ المد أقصى مداه حين يكون القمر على ~~الأفقين يعني أفقي المشرق والمغرب ومن ناحية أخرى حين يكون القمر في اجتماع ~~الشمس واستقبالها يزداد الماء أي ان المد يزيد في هذه الأوقات ويعظم ~~ارتفاعه وحين يكون القمر في التربيعات تأخذ المياه في النقصان يعني لا يكون ~~علوها كثيرا وقت المد ولا ترتفع ارتفاعها وقت الاجتماع والاستقبال وكذلك ~~يكون جزرها في هذه ms83 الحالة أقل هبوطا منه في وقت الاجتماع والاستقبال وبهذه ~~الدلائل يقولون إن المد والجزر متعلقان بالقمر والله تعالى أعلم ~~PageV00P149 # والأبلة التي تقع على النهر المسمى بها مدينة عامرة وقد رأيت قصورها ~~وأسواقها ومساجدها وأربطتها وهي من الجمال بحيث لا يمكن حدها أو وصفها ~~والمدينة الأصلية تقع الجانب الشمالي للنهر وعلى جانبه الجنوبي يوجد من ~~الشوارع والمساجد والأربطة والأسواق والأبنية الكبيرة ما لا يوجد أحسن منه ~~في العالم وهذا الجانب الجنوبي يسمى شق عثمان والشط الكبير الذي هو دجلة ~~والفرات مجتمعين والمسمى شط العرب يقع شرقي الأبلة والمدينة في الجنوب ~~ويلتقي نهرا الأبلة ومعقل عند البصرة وقد ذكرت ذلك من قبل وصف أحياء البصرة ~~والبصرة عشرون ناحية في كل منها كثير من القرى والمزارع وهي حشان شربه بلاس ~~عقر ميسان المقيم نهر حرب شط العرب سعد سام الجعفرية المشان الصمد الجونة ~~الجزيرة العظمى مروت الشرير جزيرة العرش الحميدة الحويزة المنفردات ويقال ~~انه كان من المتعذر في وقت ما أن تمر سفينة من فم نهر الأبلة لعظم عمق مائه ~~فأمرت امرأة من أثرياء البصرة بتجهيز أربعمائة مركب وملأتها كلها بنوى ~~التمر وأغرقتها هناك بعد أحكام سدادها فارتفع القاع وتيسر عبور السفن وفي ~~الجملة فقد غادرنا البصرة في منتصف شوال سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة (20 ~~فبراير 1052) فركبنا الزورق وسرنا في نهر الأبلة ورأينا طوال أربعة فراسخ ~~في اجتيازه حدائق وجواسق ومناظر لا تنقطع على شاطئيه ويتفرع من هذا النهر ~~ترع كل منها في سعة نهر فلما بلغنا شق عثمان وهي أمام الأبلة نزلنا وأقمنا ~~بها وفي السابع عشر من شوال (22 فبراير) ركبنا سفينة تسمى بوصي وكان الناس ~~الكثيرون الواقفون على الجانبين يصيحون قائلين سلمك الله يا بوصي وقد بلغنا ~~عبادان فنزل PageV00P150 # فنزل الركاب من السفينة وتقع عبادان على شاطئ البحر وهي كالجزيرة إذ أن ~~الشط ينقسم هناك إلى قسمين مما يجعل بلوغها متعذرا من أي ناحية بغير عبور ~~الماء ويقع المحيط جنوب عبادان ولذا فإن الماء يبلغ سورها وقت المد كما أنه ms84 ~~يبتعد عنها أقل من فرسخين أثناء الجزر ويشتري بعض المسافرين الحصير من ~~عبادان ويشتري البعض الآخر المأكولات منها وفي صباح اليوم التالي أجريت ~~السفينة في البحر وسارت بنا شمالا وكان المد حلوا مستساغا لغاية عشرة فراسخ ~~ذلك لأن الشط يسير كاللسان في وسط البحر ولما ارتفعت الشمس ظهر في البحر ~~شيء يشبه العصفور الدري وكان يكبر كلما اقتربنا منه فلما واجهناه من اليسار ~~على مسافة فرسخ خالفت الرياح فرموا المرساة ولفوا الشراع فسألت ما هذا ~~قالوا إنه الخشاب وصف الخشاب (المنار) يتكون من أربعة أعمدة كبيرة من خشب ~~الساج على هيئة المنجانيق وهو مربع قاعدته متسعة وقمته ضيقة ويرتفع عن سطح ~~البحر أربعين ذراعا وعلى قمته حجارة وقرميد مقامة على عمد من خشب كأنها سقف ~~ومن فوقها أربعة عقود يقف بها الحراس ويقول البعض إن الذي بنى الخشاب هذا ~~تاجر كبير ويقول آخرون بل بناه أحد الملوك وكان الغرض منه شيئين أحدهما أنه ~~بني في جهة ضحلة يضيق البحر عندها فإذا بلغتها سفينة كبيرة ارتطمت بالأرض ~~ففي الليل يشعلون سراجا في زجاجة بحيث لا تطفئه الرياح وذلك حتى يراه ~~الملاحون من بعيد فيحتاطون وينجون والثاني ليعرف الملاحون الاتجاه وليروا ~~القرصان إن وجدوا فيتقونهم بتحويل اتجاه السفينة PageV00P151 # ولما اجتزنا الخشاب بحيث أصبح لا يرى رأينا آخر مثله ولكن ليس على سطحه ~~قبة لأنهم لم يستطيعوا إكماله ومن هناك بلغنا مدينة مهروبان وهي مدينة ~~كبيرة على شاطئ البحر الشرقي بها سوق كبير وجامع جميل ولكن ماءها من المطر ~~وليس بها آبار أو قنوات من الماء العذب وقد اتخذ أهلها أحواضا ومصانع ليكون ~~الماء متوفرا دائما وقد بني بها ثلاثة أربطة كل منها كأنه حصن محكم ومرتفع ~~وقد رأيت على منبر مسجدها الجامع اسم يعقوب بن الليث فسألت واحدا كيف كان ~~ذلك فقال إن يعقوب بن الليث الصفار استولى على البلاد لغاية هذه المدينة ~~ولم يكن لأمير آخر من أمراء خراسان هذه القوة وفي الوقت الذي كنت بها كانت ~~مهروبان ملكا لأبناء أبي ms85 كاليجار الذي كان ملك فارس ومأكولات هذه المدينة ~~تحمل إليها من المدن والولايات الأخرى إذ ليس بها شيء سوى السمك وفيها تحصل ~~المكوس فهي ميناء وحين يسير المسافر منها جنوبا على شاطئ البحر يبلغ توه ~~وكازرون وقد لبثت بمهروبان زمنا لأنه قيل إن الطرق ليست آمنة لما بين أبناء ~~أبي كاليجار من الحروب فقد كان كل منهم على رأس جيش وكان الملك مضطربا ~~وسمعت أن بأرجان رجلا عظيما فاضلا هو الشيخ السديد محمد بن عبد PageV00P152 # الملك وكنت قد سئمت من كثرة ما أقمت بمروبان فكتبت له خطابا وأعلمته ~~بحالي والتمست منه أن يرحلني من هذه المدينة إلى بلد أمين فلما أرسلت ~~الكتاب جاءني في اليوم الثالث ثلاثون راجلا مدججون بالسلاح وقالوا قد ~~أرسلنا الشيخ لنكون في خدمتك إلى أرجان وقد اصطحبونا آمنين إليها أرجان ~~مدينة كبيرة بها عشرون ألف رجل وفي الجانب الشرقي منها نهر ينحدر من الجبل ~~الذي شقت عند جانبه الشمالي أربع ترع عظيمة تتخلل المدينة وقد أنفق في ~~إنشائها مال كثير وتسير هذه الترع إلى ما وراء أرجان وقد زرعت على شواطئها ~~الحدائق والبساتين وبها كثير من النحل وأشجار النارنج والترنج والزيتون ~~وبنيت أرجان بحيث يكون ما تحت الأرض من بيوتها مساويا لما فوقها ويتخلل ~~الماء هذه المساكن الأرضية والسراديب في جميع جهات المدينة حيث يستريح ~~الناس في فصل الصيف والناس هناك على مذاهب شتى وإمام المعتزلة اسمه أبو ~~سعيد البصري وهو رجل فصيح يدعي العلم بالهندسة والحساب وقد تباحثت معه وسأل ~~كل منا الآخر وأجابه كما سمعت منه في علمي الكلام والحساب وغيرهما غادرت ~~أرجان في أول المحرم سنة أربع وأربعين وأربعمائة (2 مايو 1052) وقد اتجهنا ~~ناحية أصفهان عن طريق كوهستان فبلغنا في الطريق جبلا به شق ضيق يقول العامة ~~إن بهرام جور شقه بسيفه ويسمونه شمشير بريد ورأينا في هذا المكان ماء ~~متدفقا يتفجر من عين على يميننا وينزل من مكان عال ويقول العامة إن هذا ~~الماء يجوم تفجره في الصف أما في الشتاء فيقف ms86 ويتجمد ثم بلغنا لوردغان ~~وبينها وبين أرجان أربعون فرسخا ولوردغان هذه هي حدود فارس ومن هناك بلغنا ~~خان لنجان ورأيت اسم السلطان طغرل بيك مكتوبا على بابها ومنها إلى أصفهان ~~سبعة فراسخ ويعيش أهل خان PageV00P153 # لنجان آمنين هادئين كل منهم مشتغل بعمله وشؤون بيته وفي الثامن من صفر ~~سنة أربع وأربعين وأربعمائة (10 يونيو 1052) قمنا من هناك فبلغنا مدينة ~~أصفهان ومن البصرة إليها ثمانون ومائة فرسخ وهي مشيدة على أرض مستوية ماؤها ~~عذب وهواؤها عليل وحيثما حفرت الأرض عشر أذرع خرج ماء عذب بارد وللمدينة ~~سور مرتفع حصين به بوابات ومقاتلات وعلى السور شرفات وفيها أنهار جارية ~~وأبنية جميلة مرتفعة وفي وسطها مسجد جمعة جميل جدا ويقال إن طول سورها ~~ثلاثة فراسخ ونصف وكلها عامرة من الداخل فلم أر بها خرابا قط وفيها أسواق ~~كثيرة ورأيت فيها سوقا من أسواق الصرافين كان بها مائتا صراف ولكل سوق سور ~~وبوابة محكمة وكذلك للأحياء والشوارع وأربطتها نظيفة وفي شارع اسمه كوطراز ~~(شارع الطرازين) خمسون رباطا جميلا في كل منها تجار ومستأجرون كثيرون ~~والقافلة التي صحبناها في الطريق كانت تحمل ثلاثمائة وألف خروار من البضائع ~~ولما دخلنا أصفهان لم يتحر عن دخولنا أحد إذ لا تضيق أماكن السكنى أو تتعذر ~~الإقامة أو المؤن بها ولما استولى السلطان طغرل بيك أبو طالب محمد بن ~~ميكائيل بن سلجوق رحمة الله عليه على هذه المدينة ولى عليها شابا نيسابوريا ~~كان كاتبا مجيدا حسن الخط هادئا حسن اللقاء ولقبه الخواجة العميد كان صاحب ~~فضل حلو الحديث كريما وكان السلطان قد أمر بأن لا يطالب الناس بشيء مدة ~~ثلاث سنين فسار على ذلك وأعاد المهاجرين إلى أوطانهم وكان هذا الرجل من ~~كتاب الشورى وكان بأصفهان قبل مجيئنا قحط عظيم ولكن حين بلوغنا إياها كان ~~الشعير قد جمع وكان المن والنصف من خبز القمح يساوي درهما عدلا وكذلك كانت ~~ثلاثة الأمنان من الشعير وقال الناس هناك إن أحدا منهم لم ير PageV00P154 # إنه بيع بها بدرهم أقل من ثمانية أمنان ms87 من الخبز ولم أر قي كل البلاد ~~التي تتكلم الفارسية مدينة أجمل ولا أكثر سكانا وعمرانا من أصفهان وقيل إنه ~~إذا خزن بها القمح أو الشعير أو غيرهما من الحبوب مدة عشرين سنة لالم يفسد ~~وقال البعض إن هواءها كان أحسن قبل إنشاء السور وإنه تغير بعد إنشائه بحيث ~~تفسد بعض الأشياء أما الريف فقد ظل هواؤه كما كان وقد قمت بأصفهان عشرين ~~يوما بسبب تأخر قيام القافلة وفي الثامن والعشرين من صفر سنة أربع وأربعين ~~وأربعمائة (30 يونيو 1052) بلغنا قرية تسمى هيم آباد ومن هناك بلغنا قصبة ~~نايين عن طريق الصحراء وجبل مسكيان ومن أصفهان إلى هناك ثلاثون فرسخا وقد ~~سرنا من نايين مسافة ثلاثة وأربعين فرسخا حتى بلغنا قرية كرمة من ناحية ~~بيابان التي بها عشر أو اثنتا عشرة وهي جهة جوها حار وبها نخيل وكانت تابعة ~~قديما للقفص وحين بلغناها كان الأمير كليكى قد استولى عليها منهم ونصب ~~عليها نائبا من قبله وجعل مقامه في قرية ذات قلعة تسمى بيادة وقد ضبط هذا ~~الحاكم الولاية وجعل طرقها آمنة وإذا قطع القفص الطريق يرسل إليهم الأمير ~~كليكى جنده فيقبضون عليهم ويستردون منهم المال ويقتلونهم وقد أصبح الطريق ~~آمنا واستراح الناس بفضل هذا الأمير العظيم اللهم تباركت وتعاليت احفظ ~~وانصر وأعن السلاطين العادلين وارحم المتوفين منهم وقد بنيت في هذا الطريق ~~الصحراوي بين كل فرسخين في المواضع غير الملحة قباب صغيرة وخزانات يتجمع ~~فيها ماء المطر وقد شيدت القباب حتى لا يضل المسافرون الطريق ولكي يأووا ~~إليها ساعات في الحر والبرد وقد رأينا في الطريق الرمل المتحرك وكل من ~~يتحول عن العلامات التي وضعت في الطريق للإرشاد فإنه لا يستطيع PageV00P155 # الخروج من وسط هذا الرمل ويهلك وبدا لنا طوال ستة فراسخ أرض ملحة متحركة ~~يختفي فيها من ينحرف إليها عن الطريق المحدود ومن هناك ذهبنا عن طريق رباط ~~زبيدة المسمى رباط المرامي وهو يحتوي على خمس آبار ولولا هذا الرباط والماء ~~الذي به لما استطاع أحد اجتياز هذه الصحراء ms88 ثم دخلنا ناحية طبس في قرية ~~تسمى رستاباد وفي التاسع من ربيع الأول سنة أربع وأربعين وأربعمائة (9 ~~يوليو 1052) بلغنا طبس ويقال إن بينها وبين أصفهان عشرة ومائة فرسخ وطبس ~~مدينة مزدحمة ولو أنها تشبه القرية ماؤها قليل وزراعتها أقل وبها النخل ~~والبساتين وتقع نيسابور على مسيرة أربعين فرسخا منها شمالا وخبيص على مسيرة ~~أربعين فرسخا جنوبا في طريق الصحراء وناحية المشرق جبل صعب المرتقى وكان ~~أميرها في ذلك الوقت كيلكى بن محمد الذي استولى عليها بالسيف والناس هناك ~~في سلام وأمن عظيمين حتى أنهم لا يغلقون بيوتهم ليلا ويتركون البهائم في ~~الطريق مع أن المدينة غير مسورة ولا تجرؤ امرأة على الكلام مع شخص أجنبي ~~عنها فإذا فعلت قتل الاثنان وكذلك لا سرقة ولا قتل بفضل حزم الأمير وعدله ~~وقد رأيت الأمن والعدل فيما رأيت من بلاد العرب والعجم في أربعة مواضع ~~الأول بالدشت أيام لشكر خان والثاني في الديلم أيام أمير الأمراء جستان بن ~~إبراهيم والثالث بمصر أيام المستنصر بالله أمير المؤمنين والرابع بطبس أيام ~~الأمير أبي الحسن كيلكى بن محمد فلم أسمع على كثرة ما سافرت بمثل ما في هذه ~~الجهات من الأمن ولم أره وقد استبقانا الأمير رضي الله عنه سبعة عشر يوما ~~بطبس و أضافنا وأمر لنا بصلات وقت الرحيل معتذرا عن ضآلتها وأرسل معنا أحد ~~فرسانه PageV00P156 # حتى زوزن التي تقع على مسيرة اثنين وسبعين فرسخا وبعد اثني عشر فرسخا من ~~قيامنا من طبس بلغنا قصبة تسمى الرقة بها مياه جارية وزرع وبساتين وأشجار ~~وحصن ومسجد جمعة وقرى ومزارع كبيرة وفي التاسع من ربيع الآخر (8 أغسطس) ~~غادرنا الرقة وفي الثاني عشر من هذا الشهر بلغنا تون وبينهما عشرون فرسخا ~~وتون مدينة كبيرة ولكن معظمها كان خرابا حين رأيتها وهي على حافة واد به ~~الماء الجاري والقنوات وفي جانبها الشرقي بساتين كثيرة ولها حصن محكم وقيل ~~إنه كان بها أربعمائة مصنع للسجاد وفي المدينة كثير من شجر الفستق في ~~بساتين المنازل ويعتقد سكان بلخ وطخارستان ms89 أن الفستق لا ينبت ولا ينمو إلا ~~على الجبال ولما رحلنا من تون حكى لي الرجل الذي بعثه معنا الأمير كيلكي ~~فقال كنا ذاهبين ذات مرة من تون إلى كنايد فخرج علينا اللصوص وتغلبوا علينا ~~فألقى بعضنا من الخوف بنفسه في بئر تجري تحت الأرض وكان لواحد من هؤلاء ~~والد شفوق فجاء واستأجر رجلا لينزل إلى البئر ويخرج ولده منها واستعان ~~الجماعة بكل ما لديهم من الحبال وأتى رجال كثيرون ونزل الرجل مسافة سبعمائة ~~ذراع حتى بلغ القاع وربط الولد بالحبل وجروه ميتا وقد قال الرجل حين طلع من ~~البئر إن بها ماء عظيما يتدفق جاريا تحت الأرض مسافة أربع فراسخ ويقال إن ~~كيخسرو هو الذي أمر بحفرها وفي الثالث والعشرين من شوال (23 أغسطس) بلغنا ~~مدينة قاين وبينها وبين تون ثمانية عشر فرسخا تجتازها القافلة في أربعة ~~أيام وهي مسافة شاقة وقاين مدينة كبيرة حصينة حولها خندق وبها مسجد جمعة به ~~مقصورة عليها عقد عظيم لم أر أكبر منه في خراسان وهو غير متناسب مع حجم ~~المسجد وعلى جميع بيوت المدينة قباب وزوزن على مسيرة ثمانية PageV00P157 # عشر فرسخا من الجانب الشرقي الشمالي لقاين ومنها جنوبا إلى هراة ثلاثون ~~فرسخا ورأيت بقاين رجلا اسمه أبو منصور محمد بن دوست ملم بكل علم من طب ~~وفلك ومنطق فسألني أي شيء خارج هذه الأفلاك والأنجم قلت يسمى شيئا ما يكون ~~داخل الأفلاك أما ما وراءها فلا يجوز أن يسمى شيئا فقال ما وراء السماوات ~~معنوي أم مادي قلت لا جدال أن العلم محدود وحده فلك الأفلاك والحد ما يقصل ~~فلكا عما عداه فإذا علم هذا وجب أن يكون ما وراء الأفلاك مخالفا لما في ~~داخلها قال هذا المعنى الذي يثبته العقل هل له نهاية من هذه الناحية إن ~~كانت له نهاية فأين وإن كان لا نهاية له فكيف يقبل الللامتناهي الفناء ~~وتكلمنا زمنا على هذا النحو فقال أنا كثير الحيرة من هذا فقلت ومن لا يحار ~~فيه وعلى كل حال فقد لبثنا ms90 بقاين شهرا بسبب ثورة كانت في زوزون أثارها عبيد ~~النيسابوري ولتمرد رئيس زوزن وقد أرجعت من هناك الفارس الذي بعثه معنا ~~الأمير كيلكي وخرجنا من قاين قاصدين سرخس فبلغناها في الثاني من جمادى ~~الآخرة (أول أكتوبر) وقدرت من البصرة إلى سرخس تسعين وثلاثمائة فرسخ وقد ~~غادرنا سرخس عن طريق الرباط الجعفري والرباط العمري والرباط النعمتي وهي ~~ثلاثة أربطة متقاربة على الطريق وفي الثاني عشر من جمادى الآخر بلغنا مدينة ~~مرو الرود وخرجنا منها بعد يومين وتبعنا طريق آب كرم وفي التاسع عشر بلغنا ~~فارياب بعد ان سرنا ستة وثلاثين فرسخا وكان أمير خراسان جعفري بيك أبو ~~سليمان داود ابن ميكائيل بن سلجوق في شبورغان وكان يقصد الذهاب إلى دار ~~ملكه مرو وقد اتبعنا طريق سنكلان بسبب الثورات ثم اتجهنا ناحية بلخ عن طريق ~~سه دره فلما بلغنا رباطها سمعنا أن أخي أبا الفتح عبد الجليل كان في حاشية ~~وزير أمير خراسان المسمى أبا نصر وقد مضى على خروجنا من خراسان سبعة أعوام ~~فلما بلغنا دستكرد رأينا أمتعة تنقل إلى شبورغان فسأل أخي الذي كان معي لمن ~~هذه فقيل له PageV00P158 # إنها لهذا الوزير فسألهم هل تعرفون أبا الفتح عبد الجليل فقالوا إنه كان ~~معنا ثم اقترب منا خادم وسألنا من أين أتيتم فقلنا من الحج قال إن لسيدي ~~أبي الفتح عبد الجليل أخوين ذهبا للحج منذ سنوات وهو دائم الشوق إليهما ~~وكلما سأل عنهما أحد لا يدله قال أخي إنا نحمل من ناصر كتابا فحين يصل سيدك ~~نسلمه إياه وبعد قليل سارت القافلة وسرنا معها فقال هذا الخادم إن سيدي يصل ~~الآن فإذا لم يجدكما يضيق صدره فإذا أعطيتماني الكتاب لأسلمه له يسر به ~~فقال له أخي أتريد خطاب ناصر أم ناصرا نفسه هذا هو ناصر ففرح الخادم ولم ~~يعرف ماذا يفعل وسرنا نحن إلى بلخ عن طريق ميان روستا وقد جاء أخي الخواجة ~~أبو الفتح عبد الجليل إلى دسنكرد عن طريق الصحراء وكان ذاهبا مع الوزير إلى ~~أمير خراسان فلما ms91 سمع بأمرنا عاد من دستكرد وانتظرنا على رأس قنطرة جموكيان ~~إلى أن وصلنا وكان هذا في يوم السبت السادس والعشرين من جمادى الآخر سنة ~~أربع وأربعين وأربعمائة (26 أكتوبر 1052) وقد التقينا وفرحنا باللقاء ~~وشكرنا الله سبحانه وتعالى وذلك بعد أن فقدنا الأمل في اللقاء وبعد أن ~~تعرضنا للتهلكة مرات حتى يئسنا من الحياة وفي هذا التاريخ نفسه بلغنا بلخ ~~فقلت هذه الأبيات الثلاثة في هذا المقام * فإن يكن تعب الدنيا وعناءها ~~طويلين فشرها وخيرها لا محالة منتهيان * إن الفلك يتحرك من أجلنا ليل نهار ~~وكلما راح منا واحد تلاه آخر * إنا نروح ونغدو في الحياة إلى أن تحين ~~الروحة التي لا عودة منها * وتبلغ المسافة التي قطعناها من بلخ إلى مصر ومن ~~مصر إلى مكة ومنها إلى فارس عن طريق البصرة ثم إلى بلخ عدا الأطراف التي ~~زرناها في الطريق ألفين ومائتين وعشرين فرسخا PageV00P159 # وقد وصفت بأمانة ما رأيت في رحلتي وأما ما سمعته وكان عليه اعتراض فلا ~~ينسبه القراء إلي ولا يؤاخذوني أو يلوموني عليه وإن وفقني الله سبحانه ~~وتعالى وسافرت إلى المشرق فسأضم وصف ما أشاهده هناك إلى هذه الرحلة إن شاء ~~الله تعالى وحده العزيز والحمد لله رب العالمين والصلاة على محمد وآله ~~وصحبه أجمعين# PageV00P160 #####ENDNOTES# ms92